Lafzullah

Al-Bahr Al-Muhit — الأعراف 7:106 – الأعراف 7:160

المؤلف / المصدر: Al-Bahr Al-Muhit

المحتويات
  1. الأعراف 7:106
  2. الأعراف 7:107
  3. الأعراف 7:108
  4. الأعراف 7:109
  5. الأعراف 7:110
  6. الأعراف 7:111
  7. الأعراف 7:112
  8. الأعراف 7:113
  9. الأعراف 7:114
  10. الأعراف 7:115
  11. الأعراف 7:116
  12. الأعراف 7:117
  13. الأعراف 7:118
  14. الأعراف 7:119
  15. الأعراف 7:120
  16. الأعراف 7:121
  17. الأعراف 7:122
  18. الأعراف 7:123
  19. الأعراف 7:124
  20. الأعراف 7:125
  21. الأعراف 7:126
  22. الأعراف 7:127
  23. الأعراف 7:128
  24. الأعراف 7:129
  25. الأعراف 7:130
  26. الأعراف 7:131
  27. الأعراف 7:132
  28. الأعراف 7:133
  29. الأعراف 7:134
  30. الأعراف 7:135
  31. الأعراف 7:136
  32. الأعراف 7:137
  33. الأعراف 7:138
  34. الأعراف 7:139
  35. الأعراف 7:140
  36. الأعراف 7:141
  37. الأعراف 7:142
  38. الأعراف 7:143
  39. الأعراف 7:144
  40. الأعراف 7:145
  41. الأعراف 7:146
  42. الأعراف 7:147
  43. الأعراف 7:148
  44. الأعراف 7:149
  45. الأعراف 7:150
  46. الأعراف 7:151
  47. الأعراف 7:152
  48. الأعراف 7:153
  49. الأعراف 7:154
  50. الأعراف 7:155
  51. الأعراف 7:156
  52. الأعراف 7:157
  53. الأعراف 7:158
  54. الأعراف 7:159
  55. الأعراف 7:160

الأعراف 7:106

﴿وقالَ مُوسى يا فِرْعَوْنُ إنِّي رَسُولٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿حَقِيقٌ عَلى أنْ لا أقُولَ عَلى اللَّهِ إلّا الحَقَّ قَدْ جِئْتُكم بِبَيِّنَةٍ مِن رَبِّكم فَأرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ هَذِهِ مُحاوَرَةٌ مِن مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِفِرْعَوْنَ وخِطابٌ لَهُ بِأحْسَنِ ما يُدْعى بِهِ، وأحَبِّها إلَيْهِ إذْ كانَ مَن مَلَكَ مِصْرَ يُقالُ لَهُ فِرْعَوْنٌ كَنُمْرُودَ في يُونانَ، وقَيْصَرَ في الرُّومِ، وكِسْرى في فارِسَ، والنَّجاشِيِّ في الحَبَشَةِ وعَلى هَذا لا يَكُونُ فِرْعَوْنُ وأمْثالُهُ عَلَمًا شَخْصِيًّا، بَلْ يَكُونُ عَلَمَ جِنْسٍ كَأُسامَةَ وثُعالَةَ، ولَمّا كانَ فِرْعَوْنُ قَدِ ادَّعى الرُّبُوبِيَّةَ فاتَحَهُ مُوسى بِقَوْلِهِ: ﴿إنِّي رَسُولٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ لِيُنَبِّهَهُ عَلى الوَصْفِ الَّذِي ادَّعاهُ، وأنَّهُ فِيهِ مُبْطِلٌ لا مُحِقٌّ ولَمّا كانَ قَوْلُهُ: ﴿حَقِيقٌ عَلى أنْ لا أقُولَ عَلى اللَّهِ إلّا الحَقَّ﴾ أرْدَفَها بِما يَدُلُّ عَلى صِحَّتِها وهو قَوْلُهُ: (قَدْ جِئْتُكم) ولَمّا قَرَّرَ رِسالَتَهُ فَرَّعَ عَلَيْها تَبْلِيغَ الحُكْمِ وهو قَوْلُهُ: (فَأرْسِلْ) ولَمْ يُنازِعْهُ فِرْعَوْنُ في هَذِهِ السُّورَةِ في شَيْءٍ مِمّا ذَكَرَهُ مُوسى إلّا أنَّهُ طَلَبَ المُعْجِزَةَ ودَلَّ ذَلِكَ عَلى مُوافَقَتِهِ لِمُوسى، وأنَّ الرِّسالَةَ مُمْكِنَةٌ لِإمْكانِ المُعْجِزَةِ إذْ لَمْ يَدْفَعْ إمْكانَها، بَلْ قالَ: ﴿إنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ﴾ ويَأْتِي الكَلامُ عَلى هَذا الطَّلَبِ مِن فِرْعَوْنَ لِلْمُعْجِزَةِ، وقَرَأ نافِعٌ (عَلَيَّ أنْ لا أقُولَ) بِتَشْدِيدِ الياءِ جَعَلَ (عَلى) داخِلَةً عَلى ياءِ المُتَكَلِّمِ، ومَعْنى ﴿حَقِيقٌ﴾ جَدِيرٌ وخَلِيقٌ وارْتِفاعُهُ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِرَسُولٍ، أوْ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ و﴿أنْ لا أقُولَ﴾ الأحْسَنُ فِيهِ أنْ يَكُونَ فاعِلًا بِحَقِيقٍ كَأنَّهُ قِيلَ: يَحِقُّ عَلَيَّ كَذا ويَجِبُ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ﴿أنْ لا أقُولَ﴾ مُبْتَدَأٌ و﴿حَقِيقٌ﴾ خَبَرُهُ، وقالَ قَوْمٌ تَمَّ الكَلامُ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿حَقِيقٌ﴾ و﴿عَلى أنْ لا أقُولَ﴾ مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ، وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ عَلَيَّ بِجَرِّها ﴿أنْ لا أقُولَ﴾، أيْ: ﴿حَقِيقٌ﴾ عَلَيَّ قَوْلُ الحَقِّ، فَقالَ قَوْمٌ ضَمَّنَ ﴿حَقِيقٌ﴾ مَعْنى حَرِيصٍ، وقالَ أبُو الحَسَنِ والفَرّاءُ والفارِسِيُّ: عَلَيَّ بِمَعْنى الباءِ كَما أنَّ الباءَ بِمَعْنى عَلى في قَوْلِهِ ﴿ولا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِراطٍ﴾ [الأعراف: ٨٦]، أيْ: عَلى كُلِّ صِراطٍ فَكَأنَّهُ قِيلَ: ﴿حَقِيقٌ﴾ بِأنْ لا أقُولَ كَما تَقُولُ فُلانٌ حَقِيقٌ بِهَذا الأمْرِ وخَلِيقٌ بِهِ ويَشْهَدُ لِهَذا التَّوْجِيهِ قِراءَةُ أُبَيٍّ بِأنْ لا أقُولَ وضَعَ مَكانَ عَلى الباءَ، قالَ الأخْفَشُ: ولَيْسَ ذَلِكَ بِالمُطَّرِدِ لَوْ قُلْتَ ذَهَبْتُ عَلى زَيْدٍ تُرِيدُ بِزَيْدٍ لَمْ يَجُزْ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وفي المَشْهُورَةِ إشْكالٌ ولا يَخْلُو مِن وُجُوهٍ، أحَدُها: أنْ يَكُونَ مِمّا يُقْلَبُ مِنَ الكَلامِ لا مِنَ الإلْباسِ كَقَوْلِهِ: ؎وتَشْقى الرِّماحُ بِالضَّياطِرَةِ الحُمْرِ ومَعْناهُ وتَشْقى الضَّياطِرَةُ بِالرِّماحِ. انْتَهى هَذا الوَجْهُ، وأصْحابُنا يَخُصُّونَ القَلْبَ بِالشِّعْرِ ولا يُجِيزُونَهُ في فَصِيحِ الكَلامِ فَيَنْبَغِي أنْ يُنَزَّهَ القِراءَةُ عَنْهُ، وعَلى هَذا يَصِيرُ مَعْنى (p-٣٥٦)هَذِهِ القِراءَةِ مَعْنى قِراءَةِ نافِعٍ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والثّانِي أنَّ ما لَزِمَكَ لَزِمْتَهُ فَلَمّا كانَ قَوْلُ الحَقِّ حَقِيقًا عَلَيْهِ كانَ هو حَقِيقًا عَلى قَوْلِ الحَقِّ، أيْ: لازِمًا لَهُ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والثّالِثُ أنْ يُضَمَّنَ ﴿حَقِيقٌ﴾ مَعْنى حَرِيصٍ تَضْمِينَ هَيَّجَنِي مَعْنى ذَكَّرَنِي في بَيْتٍ الكِتابَ. انْتَهى يَعْنِي بِالكِتابِ كِتابَ سِيبَوَيْهِ، والبَيْتُ: ؎إذا تَغَنّى الحَمامُ الوُرْقُ هَيَّجَنِي ∗∗∗ ولَوْ تَسَلَّيْتُ عَنْها أُمَّ عَمّارِ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والرّابِعُ وهو الأوْجَهُ وإلّا دَخَلَ في نُكَتِ القُرْآنِ أنْ يَغْرَقَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - في وصْفِ نَفْسِهِ بِالصِّدْقِ في ذَلِكَ المَقامِ لا سِيَّما، وقَدْ رُوِيَ أنَّ عَدُوَّ اللَّهِ فِرْعَوْنَ قالَ لَمّا قالَ: ﴿إنِّي رَسُولٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ كَذَبْتَ فَيَقُولُ أنا حَقِيقٌ عَلَيَّ قَوْلُ الحَقِّ، أيْ: واجِبٌ عَلَيَّ قَوْلُ الحَقِّ أنْ أكُونَ أنا قائِلَهُ والقائِمَ بِهِ ولا يَرْضى إلّا بِمِثْلِي ناطِقًا بِهِ. انْتَهى ولا يَتَّضِحُ هَذا الوَجْهُ إلّا إنْ عَنى أنَّهُ يَكُونُ ﴿عَلى أنْ لا أقُولَ﴾ صِفَةً كَما تَقُولُ أنا عَلى قَوْلِ الحَقِّ، أيْ: طَرِيقِي وعادَتِي قَوْلُ الحَقِّ، وقالَ ابْنُ مِقْسَمٍ ﴿حَقِيقٌ﴾ مِن نَعْتِ الرَّسُولِ، أيْ: رَسُولٌ حَقِيقٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ أُرْسِلْتُ عَلى أنْ لا أقُولَ عَلى اللَّهِ إلّا الحَقَّ، وهَذا مَعْنًى صَحِيحٌ واضِحٌ، وقَدْ غَفَلَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ مِن أرْبابِ اللُّغَةِ عَنْ تَعْلِيقِ (عَلى) بِرَسُولٍ ولَمْ يَخْطُرْ لَهم تَعْلِيقُهُ إلّا بِقَوْلِهِ: ﴿حَقِيقٌ﴾ . انْتَهى. وكَلامُهُ فِيهِ تَناقُضٌ في الظّاهِرِ؛ لِأنَّهُ قَدَّرَ أوَّلًا العامِلَ في (عَلى) أُرْسِلْتُ، وقالَ آخَرُ: إنَّهم غَفَلُوا عَنْ تَعْلِيقِ (عَلى) بِرَسُولٍ فَأمّا هَذا الآخَرُ فَلا يَجُوزُ عَلى مَذْهَبِ البَصْرِيِّينَ؛ لِأنَّ رَسُولًا قَدْ وُصِفَ قَبْلَ أنْ يَأْخُذَ مَعْمُولَهُ، وذَلِكَ لا يَجُوزُ، وأمّا التَّقْدِيرُ الأوَّلُ وهو إضْمارُ أُرْسِلْتُ ويُفَسِّرُهُ لَفْظُ رَسُولٍ فَهو تَقْدِيرٌ سائِغٌ، وتَناوَلَ كَلامُ ابْنِ مِقْسَمٍ أخِيرًا في قَوْلِهِ عَنْ تَعْلِيقِ عَلى بِرَسُولٍ، أيْ: بِما دَلَّ عَلَيْهِ رَسُولٌ، وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ والأعْمَشُ حَقِيقٌ أنْ لا أقُولَ بِإسْقاطِ عَلى فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ عَلى إضْمارِ عَلى كَقِراءَةِ مَن قَرَأ بِها واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ عَلى إضْمارِ الباءِ كَقِراءَةِ أُبَيٍّ، وعَلى الِاحْتِمالَيْنِ يَكُونُ التَّعَلُّقُ بِحَقِيقٍ. ولَمّا ذَكَرَ أنَّهُ رَسُولٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ، وأنَّهُ لا يَقُولُ عَلى اللَّهِ إلّا الحَقَّ أخَذَ يَذْكَرُ المُعْجِزَةَ والخارِقَ الَّذِي يَدُلُّ عَلى صِدْقِ رِسالَتِهِ، والخِطابُ في (جِئْتُكم) لِفِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ الحاضِرِينَ مَعَهُ ومَعْنى (بِبَيِّنَةٍ) بِآيَةٍ بَيِّنَةٍ واضِحَةِ الدَّلالَةِ عَلى ما أذْكُرُهُ، والبَيِّنَةُ قِيلَ: التِّسْعُ الآياتِ المَذْكُورَةِ في قَوْلِهِ: ﴿فِي تِسْعِ آياتٍ إلى فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ﴾ [النمل: ١٢]، قالَ بَعْضُ العُلَماءِ وسِياقُ الآيَةِ يَقْتَضِي أنَّ البَيِّنَةَ هي العَصا واليَدُ البَيْضاءُ بِدَلِيلِ ما بَعْدَهُ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَألْقى عَصاهُ﴾، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ والأكْثَرُونَ هي العَصا وفي قَوْلِهِ: ﴿مِن رَبِّكُمْ﴾ [الأعراف: ٣] تَعْرِيضٌ أنَّ فِرْعَوْنَ لَيْسَ رَبًّا لَهم، بَلْ رَبُّهم هو الَّذِي جاءَ مُوسى بِالبَيِّنَةِ مِن عِنْدِهِ (فَأرْسِلْ)، أيْ: فَخَلِّ، والإرْسالُ ضِدُّ الإمْساكِ ﴿مَعِيَ بَنِي إسْرائِيلَ﴾، أيْ: حَتّى يَذْهَبُوا إلى أوْطانِهِمْ ومَوْلِدِ آبائِهِمُ الأرْضِ المُقَدَّسَةِ وذَلِكَ أنَّ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمّا تُوُفِّيَ وانْقَرَضَ الأسْباطُ غَلَبَ فِرْعَوْنُ عَلى نَسْلِهِمْ واسْتَعْبَدَهم في الأعْمالِ الشّاقَّةِ وكانُوا يُؤَدُّونَ إلَيْهِ الجَزاءَ فاسْتَنْقَذَهُمُ اللَّهُ بِمُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - وكانَ بَيْنَ اليَوْمِ الَّذِي دَخَلَ فِيهِ يُوسُفُ مِصْرَ، واليَوْمِ الَّذِي دَخَلَ فِيهِ مُوسى أرْبَعُمِائَةٍ عامٍ، والظّاهِرُ أنَّ مُوسى لَمْ يَطْلُبْ مِن فِرْعَوْنَ في هَذِهِ الآيَةِ إلّا إرْسالَ بَنِي إسْرائِيلَ مَعَهُ وفي غَيْرِ هَذِهِ الآيَةِ دُعاؤُهُ إيّاهُ إلى الإقْرارِ بِرُبُوبِيَّةِ اللَّهِ تَعالى وتَوْحِيدِهِ قالَ تَعالى: ﴿فَقُلْ هَلْ لَكَ إلى أنْ تَزَكّى وأهْدِيَكَ إلى رَبِّكَ فَتَخْشى﴾ [النازعات: ١٨] وكُلُّ نَبِيٍّ داعٍ إلى تَوْحِيدِ اللَّهِ تَعالى، وقالَ تَعالى حِكايَةً عَنْ فِرْعَوْنَ: ﴿أنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنا وقَوْمُهُما لَنا عابِدُونَ﴾ [المؤمنون: ٤٧] فَهَذا ونَظائِرُهُ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ طَلَبَ مِنهُ الإيمانَ خِلافًا لِمَن قالَ إنَّ مُوسى لَمْ يَدْعُهُ إلى الإيمانِ ولا إلى التِزامِ شَرْعِهِ ولَيْسَ بَنُو إسْرائِيلَ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ والقِبْطِ، ألا تَرى أنَّ بَقِيَّةَ القِبْطِ وهُمُ الأكْثَرُ لَمْ يَرْجِعْ إلَيْهِمْ مُوسى. (p-٣٥٧)﴿قالَ إنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِها إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ لَمّا عَرَضَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - رِسالَتَهُ عَلى فِرْعَوْنَ وذَكَرَ الدَّلِيلَ عَلى صِدْقِهِ وهو مَجِيئُهُ بِالبَيِّنَةِ والخارِقِ المُعْجِزِ اسْتَدْعى فِرْعَوْنُ مِنهُ خَرْقَ العادَةِ الدّالَّ عَلى الصِّدْقِ، وهَذا الِاسْتِدْعاءُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ عَلى سَبِيلِ الِاخْتِبارِ وتَجْوِيزِهِ ذَلِكَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ عَلى سَبِيلِ التَّعْجِيزِ لِما تَقَرَّرَ في ذِهْنِ فِرْعَوْنَ أنَّ مُوسى لا يَقْدِرُ عَلى الإتْيانِ بِبَيِّنَةٍ، والمَعْنى: إنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ مِن رَبِّكَ فَأحْضِرْها عِنْدِي لِتَصِحَّ دَعْواكَ ويَثْبُتَ صِدْقُكَ. ﴿فَألْقى عَصاهُ فَإذا هي ثُعْبانٌ مُبِينٌ﴾ بَدَأ بِالعَصا دُونَ سائِرِ المُعْجِزاتِ؛ لِأنَّها مُعْجِزَةٌ تَحْتَوِي عَلى مُعْجِزاتٍ كَثِيرَةٍ قالُوا مِنها أنَّهُ ضَرَبَ بِها بابَ فِرْعَوْنَ فَفَزِعَ مِن قَرْعِها فَشابَ رَأْسُهُ فَخُضِّبَ بِالسَّوادِ فَهو أوَّلُ مَن خَضَّبَ بِالسَّوادِ وانْقِلابُها ثُعْبانًا وانْقِلابُ خَشَبَةٍ لَحْمًا ودَمًا قائِمًا بِهِ الحَياةُ مِن أعْظَمِ الإعْجازِ ويَحْصُلُ مِنِ انْقِلابِها ثُعْبانًا مِنَ التَّهْوِيلِ ما لا يَحْصُلُ في غَيْرِهِ، وضَرْبُهُ بِها الحَجَرَ فَيَنْفَجِرُ عُيُونًا، وضَرْبُهُ بِها فَتُنْبِتُ. قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ومُحارَبَتُهُ بِها اللُّصُوصَ والسِّباعَ القاصِدَةَ غَنَمَهُ، واشْتِعالُها في اللَّيْلِ كاشْتِعالِ الشَّمْعَةِ وصَيْرُورَتِها كالرِّشا لِيَنْزَحَ بِها الماءَ مِنَ البِئْرِ العَمِيقَةِ وتَلَقُّفُها الحِبالَ والعِصِيَّ الَّتِي لِلسَّحَرَةِ، وإبْطالُها لِما صَنَعُوهُ مِن كَيْدِهِمْ وسِحْرِهِمْ، والإلْقاءُ حَقِيقَةٌ هو في الأجْرامِ ومَجازٌ في المَعانِي نَحْوُ ألْقى المَسْألَةَ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والسُّدِّيُّ: صارَتِ العَصا حَيَّةً عَظِيمَةً شَعْراءَ فاغِرَةً فاها، ما بَيْنَ لِحْيَيْها ثَمانُونَ ذِراعًا، وقِيلَ: أرْبَعُونَ، ذَكَرَهُ مَكِّيٌّ عَنْ فَرْقَدٍ واضِعَةً أحَدَ لِحْيَيْها بِالأرْضِ والآخَرَ عَلى سُورِ القَصْرِ وذَكَرُوا مِنِ اضْطِرابِ فِرْعَوْنَ وفَزَعِهِ وهَرَبِهِ ووَعْدِهِ مُوسى بِالإيمانِ إنْ عادَتْ إلى حالِها، وكَثْرَةِ مَن ماتَ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ فَزَعًا أشْياءَ لَمْ تَتَعَرَّضْ إلَيْها الآيَةُ ولا تَثْبُتْ في حَدِيثٍ صَحِيحٍ فاللَّهُ أعْلَمُ بِها، ومَعْنى (مُبِينٌ) ظاهِرٌ لا تَخْيِيلَ فِيهِ، بَلْ هو ثُعْبانٌ حَقِيقَةً، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: (وإذا) ظَرْفُ مَكانٍ في هَذا المَوْضِعِ عِنْدَ المُبَرِّدِ مِن حَيْثُ كانَتْ خَبَرًا عَنْ جُثَّةٍ، والصَّحِيحُ الَّذِي عَلَيْهِ شُيُوخُنا أنَّها ظَرْفُ مَكانٍ كَما قالَهُ المُبَرِّدُ وهو المَنسُوبُ إلى سِيبَوَيْهِ، وقَوْلُهُ مِن حَيْثُ كانَتْ خَبَرًا عَنْ جُثَّةٍ لَيْسَتْ في هَذا المَكانِ خَبَرًا عَنْ جُثَّةٍ، بَلْ خَبَرُ هي قَوْلُهُ: (ثُعْبانٌ) ولَوْ قُلْتَ (فَإذا هي) لَمْ يَكُنْ كَلامًا ويَنْبَغِي أنْ يُحْمَلَ كَلامُهُ مِن حَيْثُ كانَتْ خَبَرًا عَنْ جُثَّةٍ عَلى مِثْلِ: خَرَجْتُ فَإذا السَّبْعُ، عَلى تَأْوِيلِ مَن جَعَلَها ظَرْفَ مَكانٍ وما ذَكَرَهُ مِن أنَّ الصَّحِيحَ الَّذِي عَلَيْهِ النّاسُ أنَّها ظَرْفُ زَمانٍ هو مَذْهَبُ الرِّياشِيِّ ونُسِبَ أيْضًا إلى سِيبَوَيْهِ، ومَذْهَبُ الكُوفِيِّينَ أنَّ إذا الفُجائِيَّةَ حَرْفٌ لا اسْمٌ. ﴿ونَزَعَ يَدَهُ فَإذا هي بَيْضاءُ لِلنّاظِرِينَ﴾، أيْ: جَذَبَ (يَدَهُ) قِيلَ مِن جَيْبِهِ وهو الظّاهِرُ لِقَوْلِهِ: ﴿وأدْخِلْ يَدَكَ في جَيْبِكَ﴾ [النمل: ١٢]، وقِيلَ: مِن كُمِّهِ و(لِلنّاظِرِينَ)، أيْ: لِلنُّظّارِ وفي ذِكْرِ ذَلِكَ تَنْبِيهٌ عَلى عِظَمِ بَياضِها؛ لِأنَّهُ لا يَعْرِضُ لَها لِلنُّظّارِ إلّا إذا كانَ بَياضُها عَجِيبًا خارِجًا عَنِ العادَةِ يَجْتَمِعُ النّاسُ إلَيْهِ كَما يَجْتَمِعُ النُّظّارُ لِلْعَجائِبِ، قالَ مُجاهِدٌ: (بَيْضاءُ) كاللَّبَنِ، أوْ أشُدُّ بَياضًا، ورُوِيَ أنَّها كانَتْ تَظْهَرُ (p-٣٥٨)مُنِيرَةً شَفّافَةً كالشَّمْسِ، ثُمَّ يَرُدُّها فَتَرْجِعُ إلى لَوْنِ مُوسى، وكانَ آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - شَدِيدَ الأُدْمَةِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: صارَتْ نُورًا ساطِعًا يُضِيءُ لَهُ ما بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ لَهُ لَمَعانٌ مِثْلُ لَمَعانِ البَرْقِ فَخَرُّوا عَلى وُجُوهِهِمْ، وقالَ الكَلْبِيُّ: بَلَغَنا أنَّ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - قالَ يا فِرْعَوْنُ ما هَذِهِ بِيَدِي ؟ قالَ: هي عَصا، فَألْقاها مُوسى فَإذا هي ثُعْبانٌ، ورُوِيَ أنَّ فِرْعَوْنَ رَأى يَدَ مُوسى فَقالَ لِفِرْعَوْنَ ما هَذِهِ ؟ فَقالَ: يَدُكَ، ثُمَّ أدْخَلَها جَيْبَهُ، وعَلَيْهِ مِدْرَعَةُ صُوفٍ ونَزَعَها فَإذا هي بَيْضاءُ بَياضًا نُورانِيًّا، غَلَبَ شُعاعُها شُعاعَ الشَّمْسِ وما أعْجَبَ أمْرَ هَذَيْنِ الخارِقَيْنِ أحَدُهُما في نَفْسِهِ وذَلِكَ اليَدُ البَيْضاءُ، والآخَرُ في غَيْرِ نَفْسِهِ وهي العَصا، وجَمَعَ بِذَيْنِكَ تَبَدُّلَ الذَّرّاتِ وتَبَدُّلَ الأعْراضِ، فَكانا دالَّيْنِ عَلى جَوازِ الأمْرَيْنِ وإنَّهُما كِلاهُما مُمْكِنُ الوُقُوعِ، قالَ أبُو مُحَمَّدِ بْنُ عَطِيَّةَ: هاتانِ الآيَتانِ عَرَضَهُما مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِلْمُعارَضَةِ ودَعا إلى اللَّهِ بِهِما وخَرَقَ العادَةَ بِهِما وتَحَدّى النّاسَ إلى الدِّينِ بِهِما فَإذا جَعَلْنا التَّحَدِّيَ الدُّعاءَ إلى الدِّينِ مُطْلَقًا فَبِهِما تَحَدّى وإذا جَعَلْنا التَّحَدِّيَ الدُّعاءَ بَعْدَ العَجْزِ عَنْ مُعارَضَةِ المُعْجِزَةِ وظُهُورِ ذَلِكَ فَتَنْفَرِدُ حِينَئِذٍ العَصا بِذَلِكَ؛ لِأنَّ المُعارَضَةَ والمُعْجِزَ فِيها وقَعا ويُقالُ: التَّحَدِّي هو الدُّعاءُ إلى الإتْيانِ بِمِثْلِ المُعْجِزَةِ فَهَذِهِ نَحْوٌ ثالِثٌ، وعَلَيْهِ يَكُونُ تَحَدِّي مُوسى بِالآيَتَيْنِ جَمِيعًا؛ لِأنَّ الظّاهِرَ مِن أمْرِهِ أنَّهُ عَرَضَهُما مَعًا وإنْ كانَ لَمْ يَنُصَّ عَلى الدُّعاءِ إلى الإتْيانِ بِمِثْلِهِما. انْتَهى. وهو كَلامٌ فِيهِ تَثْبِيجٌ. ﴿قالَ المَلَأُ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ إنَّ هَذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ﴾ . وفي الشُّعَراءِ ﴿قالَ لِلْمَلَأِ حَوْلَهُ إنَّ هَذا لَساحِرٌ عَلِيمٍ﴾ [الشعراء: ٣٤] والجَمْعُ بَيْنَهُما أنَّ فِرْعَوْنَ وهم قالُوا هَذا الكَلامَ فَحَكى هُنا قَوْلَهم وهُناكَ قَوْلَهُ، أوْ قالَهُ ابْتِداءً فَتَلَقَّفَهُ مِنهُ المَلَأُ فَقالُوهُ لِأعْقابِهِمْ، أوْ قالُوهُ عَنْهُ لِلنّاسِ عَلى طَرِيقِ التَّبْلِيغِ كَما تَفْعَلُ المُلُوكُ يَرى الواحِدُ مِنهُمُ الرَّأْيَ فَيُكَلِّمُ بِهِ مَن يَلِيهِ مِنَ الخاصَّةِ، ثُمَّ تُبْلِغُهُ الخاصَّةُ العامَّةَ والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّهم أجابُوهُ في قَوْلِهِ: (أرْجِهْ) وكانَ السِّحْرُ إذْ ذاكَ في أعْلى المَراتِبِ فَلَمّا رَأوُا انْقِلابَ العَصا ثُعْبانًا والأدْماءَ بَيْضاءَ، وأنْكَرُوا النُّبُوَّةَ ودافَعُوهُ عَنْها قَصَدُوا ذَمَّهُ بِوَصْفِهِ بِالسِّحْرِ وحَطِّ قَدْرِهِ إذْ لَمْ يُمْكِنُهم في ظُهُورِ ما ظَهَرَ عَلى يَدِهِ نِسْبَةُ شَيْءٍ إلَيْهِ غَيْرَ السِّحْرِ وبالَغُوا في وصْفِهِ بِأنْ قالُوا: (عَلِيمٌ)، أيْ: بالِغُ الغايَةِ في عِلْمِ السِّحْرِ وخُدَعِهِ وخَيالاتِهِ وفُنُونِهِ، وأكْثَرُ اسْتِعْمالِ لَفْظِ هَذا إذا كانَ مِن كَلامِ الكُفّارِ في التَّنَقُّصِ والِاسْتِغْرابِ كَما قالَ: ﴿أهَذا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ﴾ [الأنبياء: ٣٦]، ﴿أهَذا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا﴾ [الفرقان: ٤١]، ﴿إنْ هَذا إلّا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ [الأنعام: ٢٥] ﴿ما هَذا إلّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ [المؤمنون: ٢٤] ﴿إنْ هَذانِ لَساحِرانِ﴾ [طه: ٦٣] ﴿إنْ كانَ هَذا هو الحَقَّ مِن عِنْدِكَ﴾ [الأنفال: ٣٢] يَعْدِلُونَ عَنْ لَفْظِ اسْمِ ذَلِكَ الشَّيْءِ إلى لَفْظِ الإشارَةِ وأكَدُّوا نِسْبَةَ السِّحْرِ إلَيْهِ بِدُخُولِ إنَّ واللّامِ. ﴿يُرِيدُ أنْ يُخْرِجَكم مِن أرْضِكم فَماذا تَأْمُرُونَ﴾ اسْتَشْعَرَتْ نُفُوسُهم ما صارَ إلَيْهِ أمْرُهم مِن إخْراجِهِمْ مِن أرْضِهِمْ وخُلُوِّ مَواطِنِهِمْ مِنهم وخَرابِ بُيُوتِهِمْ فَبادَرُوا (p-٣٥٩)إلى الإخْبارِ بِذَلِكَ، وكانَ الأمْرُ كَما اسْتَشْعَرُوا إذْ غَرَّقَ اللَّهُ فِرْعَوْنَ وآلَهُ وأخْلى مَنازِلَهم مِنهم ونَبَّهُوا عَلى هَذا الوَصْفِ الصَّعْبِ الَّذِي هو مُعادِلٌ لِقَتْلِ الأنْفُسِ كَما قالَ: ﴿ولَوْ أنّا كَتَبْنا عَلَيْهِمْ أنِ اقْتُلُوا أنْفُسَكم أوِ اخْرُجُوا مِن دِيارِكم ما فَعَلُوهُ إلّا قَلِيلٌ مِنهُمْ﴾ [النساء: ٦٦] وأرادَ بِهِ إحْراجَهم إمّا بِكَوْنِهِ يَحْكُمُ فِيكم بِإرْسالِ خَدَمِكم وعَمارِ أرْضِكم مَعَهُ حَيْثُ يَسِيرُ فَيُفْضِي ذَلِكَ إلى خَرابِ دِيارِكم وإمّا بِكَوْنِهِمْ خافُوا مِنهُ أنْ يُقاتِلَهم بِمَن يَجْتَمِعُ إلَيْهِ مِن بَنِي إسْرائِيلَ ويَغْلِبَ عَلى مُلْكِهِمْ قالَ النَّقّاشُ كانُوا يَأْخُذُونَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ خَرْجًا كالجِزْيَةِ فَرَأوْا أنَّ مُلْكَهم يَذْهَبُ بِزَوالِ ذَلِكَ وجاءَ في سُورَةِ الشُّعَراءِ ﴿بِسِحْرِهِ﴾ [الشعراء: ٣٥] وهُنا حُذِفَتْ لِأنَّ الآيَةَ الأُولى هُنا بُنِيَتْ عَلى الِاخْتِصارِ فَناسَبَتِ الحَذْفَ، ولِأنَّ لَفْظَ ساحِرٍ يَدُلُّ عَلى السِّحْرِ و﴿فَماذا تَأْمُرُونَ﴾ مِن قَوْلِ فِرْعَوْنَ أوْ مِن قَوْلِ المَلَأِ إمّا لِفِرْعَوْنَ وأصْحابِهِ وإمّا لَهُ وحْدَهُ كَما يُخاطَبُ أفْرادُ العُظَماءِ بِلَفْظِ الجَمْعِ وهو مِنَ الأمْرِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مَعْناهُ تُشِيرُونَ بِهِ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مِن أمَرْتُهُ فَأمَرَنِي بِكَذا أيْ شاوَرْتُهُ فَأشارَ عَلَيْكَ بِرَأْيٍ، وقَرَأ الجُمْهُورُ (تَأْمُرُونَ) بِفَتْحِ النُّونِ هُنا وفي الشُّعَراءِ ورَوى كَرْدَمٌ عَنْ نافِعٍ بِكَسْرِ النُّونِ فِيهِما وماذا يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ كُلُّها اسْتِفَهامًا وتَكُونُ مَفْعُولًا ثانِيًا لِتَأْمُرُونِ عَلى سَبِيلِ التَّوَسُّعِ فِيهِ بِأنْ حَذَفَ مِنهُ حَرْفَ الجَرِّ، كَما قالَ أمَرْتُكَ الخَيْرَ ويَكُونُ المَفْعُولُ الأوَّلُ مَحْذُوفًا لِفَهْمِ المَعْنى أيْ أيُّ شَيْءٍ تَأْمُرُونَنِي، وأصْلُهُ بِأيِّ شَيْءٍ ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ ما اسْتِفْهامًا مُبْتَدَأً، و(ذا) بِمَعْنى الَّذِي خَبَرٌ عَنْهُ و(تَأْمُرُونَ) صِلَةَ ذا، ويَكُونُ قَدْ حُذِفَ مِنهُ مَفْعُولَيْ (تَأْمُرُونَ) الأوَّلُ وهو ضَمِيرُ المُتَكَلِّمِ والثّانِي وهو الضَّمِيرُ العائِدُ عَلى المَوْصُولِ، والتَّقْدِيرُ فَأيُّ شَيْءِ الَّذِي تَأْمُرُونَنِيهِ أيْ تَأْمُرُنَنِي بِهِ، وكِلا الإعْرابَيْنِ في ماذا جائِزٌ في قِراءَةِ مَن كَسَرَ النُّونَ إلّا أنَّهُ حَذَفَ ياءَ المُتَكَلِّمِ وأبْقى الكَسْرَةَ دَلالَةً عَلَيْها، وقَدَّرَ ابْنُ عَطِيَّةَ الضَّمِيرَ العائِدَ عَلى ذا إذا كانَتْ مَوْصُولَةً مَقْرُونَةً بِحَرْفِ الجَرِّ، فَقالَ وفي (تَأْمُرُونَ) ضَمِيرٌ عائِدٌ عَلى (الَّذِي) تَقْدِيرُهُ تَأْمُرُونَ بِهِ انْتَهى. وهَذا لَيْسَ بِجَيِّدٍ لِفَواتِ شَرْطِ جَوازِ حَذْفِ الضَّمِيرِ إذا كانَ مَجْرُورًا بِحَرْفِ الجَرِّ وذَلِكَ الشَّرْطُ هو أنْ لا يَكُونَ الضَّمِيرُ في مَوْضِعِ رَفْعٍ وأنْ يَجُرَّ ذَلِكَ الحَرْفُ المَوْصُولَ أوِ المَوْصُوفَ بِهِ أوِ المُضافَ إلَيْهِ ويَتَّحِدَ المُتَعَلِّقُ بِهِ الحَرْفانِ لَفْظًا ومَعْنًى ويَتَّحِدَ مَعْنى الحَرْفِ أيْضًا لِابْنِ عَطِيَّةَ أنَّهُ قَدَّرَهُ عَلى الأصْلِ ثُمَّ اتَّسَعَ فِيهِ فَتَعَدّى إلَيْهِ الفِعْلُ بِغَيْرِ واسِطَةِ الحُرُوفِ، ثُمَّ حُذِفَ بَعْدَ الِاتِّساعِ. ﴿قالُوا أرْجِهْ وأخاهُ﴾ أيْ قالَ مَن حَضَرَ مُناظَرَةَ مُوسى مِن عُقَلاءِ مَلَأِ فِرْعَوْنَ وأشْرافِهِ قِيلَ: ولَمْ يَكُنْ يُجالِسُ فِرْعَوْنَ ولَدُ غَيَّةٍ وإنَّما كانُوا أشْرافًا ولِذَلِكَ أشارُوا عَلَيْهِ بِالإرْجاءِ ولَمْ يُشِيرُوا بِالقَتْلِ وقالُوا: إنْ قَتَلْتَهُ دَخَلَتْ عَلى النّاسِ شُبْهَةٌ ولَكِنِ اغْلِبْهُ بِالحُجَّةِ، وقُرِئَ بِالهَمْزِ وبِغَيْرِ هَمْزٍ فَقِيلَ هُما بِمَعْنًى واحِدٍ، وقِيلَ المَعْنى احْبِسْهُ، وقِيلَ: أرْجِهْ بِغَيْرِ هَمْزٍ أطْمِعْهُ جَعَلَهُ مِن رَجَوْتَ أدْخَلَ عَلَيْهِ هَمْزَةَ الفِعْلِ أيْ أطْمِعْهُ وأخاهُ ولا تَقْتُلْهُما حَتّى يَظْهَرَ كَذِبَهُما فَإنَّكَ إنْ قَتَلْتَهُما ظُنَّ أنَّهُما صَدَقا ولَمْ يَجْرِ لِهارُونَ ذِكْرٌ في صَدْرِ القِصَّةِ وقَدْ تَبَيَّنَ مِن غَيْرِ آيَةٍ أنَّهُما ذَهَبا مَعًا وأُرْسِلا إلى فِرْعَوْنَ ولَمّا كانَ مُوافِقًا لَهُ في دَعْواهُ (p-٣٦٠)ومُؤازِرًا أشارُوا بِإرْجائِهِما، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وهِشامٌ (أرْجِئْهُو) بِالهَمْزِ وضَمِّ الهاءِ ووَصْلِها بِواوٍ، وأبُو عَمْرٍو كَذَلِكَ إلّا أنَّهُ لَمْ يَصِلْ، ورُوِيَ هَذا عَنْ هِشامٍ وعَنْ يَحْيى عَنْ أبِي بَكْرٍ، وقَرَأ ورْشٌ والكِسائِيُّ (أرْجِهِي) بِغَيْرِ هَمْزٍ وبِكَسْرِ الهاءِ ووَصْلِها بِياءٍ، وقَرَأ عاصِمٌ وحَمْزَةُ بِغَيْرِ هَمْزٍ وسَكَّنا الهاءَ، وقَرَأ قالُونُ بِغَيْرِ هَمْزٍ ومُخْتَلِسٌ كَسْرَةَ الهاءِ، وقَرَأ ابْنُ ذَكْوانَ في رِوايَةٍ كَقِراءَةِ ورْشٍ والكِسائِيِّ، وفي المَشْهُورِ عَنْهُ أرْجِئْهِ بِالهَمْزِ وكَسْرِ الهاءِ مِن غَيْرِ صِلَةٍ، وقَدْ قِيلَ عَنْهُ أنَّهُ يَصِلُها بِياءٍ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ أرْجِئْهِ بِكَسْرِ الهاءِ بِهَمْزَةٍ قَبْلَها، قالَ الفارِسِيُّ: وهَذا غَلَطٌ انْتَهى. ونِسْبَةُ ابْنِ عَطِيَّةَ هَذِهِ القِراءَةَ لِابْنِ عامِرٍ لَيْسَ بِجَيِّدٍ؛ لِأنَّ الَّذِي رَوى ذَلِكَ إنَّما هو ابْنُ ذَكْوانَ لا هِشامٌ فَكانَ يَنْبَغِي أنْ يُقَيِّدَ فَيَقُولَ وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ في رِوايَةِ ابْنِ ذَكْوانَ وقالَ بَعْضُهم: قالَ أبُو عَلِيٍّ ضَمُّ الهاءِ مَعَ الهَمْزِ لا يَجُوزُ غَيْرُهُ قالَ: ورِوايَةُ ابْنِ ذَكْوانَ عَنِ ابْنِ عامِرٍ غَلَطٌ وقالَ ابْنُ مُجاهِدٍ بَعْدَهُ وهَذا لا يَجُوزُ لِأنَّ الهاءَ لا تُكْسَرُ إلّا إذا وقَعَ قَبْلَها كَسْرَةٌ أوْ ياءٌ ساكِنَةٌ، وقالَ الحَوْفِيُّ: ومِنَ القُرّاءِ مَن يَكْسِرُ مَعَ الهَمْزِ ولَيْسَ بِجَيِّدٍ، وقالَ أبُو البَقاءِ: ويُقْرَأُ بِكَسْرِ الهاءِ مَعَ الهَمْزِ وهو ضَعِيفٌ لِأنَّ الهَمْزَ حَرْفٌ صَحِيحٌ ساكِنٌ فَلَيْسَ قَبْلَ الهاءِ ما يَقْتَضِي الكَسْرَ، ووَجْهُهُ أنَّهُ أتْبَعَ الهاءَ كَسْرَةَ الجِيمِ والحاجِزُ غَيْرُ حَصِينٍ ويَخْرُجُ أيْضًا عَلى تَوَهُّمِ إبْدالِ الهَمْزِ ياءً أوْ عَلى أنَّ الهَمْزَ لَمّا كانَ كَثِيرًا ما يُبَدَّلُ بِحَرْفِ العِلَّةِ أُجْرِي مَجْرى حَرْفِ العِلَّةِ في كَسْرِ ما بَعْدَهُ، وما ذَهَبَ إلَيْهِ الفارِسِيُّ وغَيْرُهُ مِن غَلَطِ هَذِهِ القِراءَةِ، وأنَّها لا تَجُوزُ قَوْلٌ فاسِدٌ؛ لِأنَّها قِراءَةٌ ثابِتَةٌ مُتَواتِرَةٌ رَوَتْها الأكابِرُ عَنِ الأئِمَّةِ وتَلَقَّتْها الأُمَّةُ بِالقَبُولِ ولَها تَوْجِيهٌ في العَرَبِيَّةِ ولَيْسَتِ الهَمْزَةُ كَغَيْرِها مِنَ الحُرُوفِ الصَّحِيحَةِ لِأنَّها قابِلَةٌ لِلتَّغْيِيرِ بِالإبْدالِ والحَرْفِ بِالنَّقْلِ وغَيْرِهِ فَلا وجْهَ لِإنْكارِ هَذِهِ القِراءَةِ. ﴿وأرْسِلْ في المَدائِنِ حاشِرِينَ﴾ ﴿يَأْتُوكَ بِكُلِّ ساحِرٍ عَلِيمٍ﴾ (المَدائِنِ) مَدائِنُ مِصْرَ وقُراها: ”والحاشِرُونَ“، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هم أصْحابُ الشُّرَطِ، وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ لَمّا رَأى فِرْعَوْنَ مِن آياتِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ ما رَأى قالَ: لَنْ نُغالِبَ مُوسى إلّا بِمَن هو مِنهُ فاتَّخَذَ غِلْمانًا مِن بَنِي إسْرائِيلَ فَبَعَثَ بِهِمْ إلى قَرْيَةٍ. قالَ البَغَوِيُّ: هي الفَرَما يُعَلِّمُونَهُمُ السِّحْرَ كَما يُعَلِّمُونَ الصِّبْيانَ في المَكْتَبِ فَعَلَّمُوهم سِحْرًا كَثِيرًا، وواعَدَ فِرْعَوْنُ مُوسى مَوْعِدًا، ثُمَّ دَعاهم وسَألَهم فَقالَ: ماذا صَنَعْتُمْ قالُوا: عَلَّمْناهم مِنَ السِّحْرِ ما لا يُقاوِمُهم بِهِ أهْلُ الأرْضِ إلّا أنْ يَكُونَ أمْرًا مِنَ السَّماءِ فَإنَّهُ لا طاقَةَ لَنا بِهِ، وقَرَأ الأخَوانِ بِكُلِّ سَحّارٍ هُنا وفي يُونُسَ والباقُونَ (ساحِرٍ) وفي الشُّعَراءِ أجْمَعُوا عَلى سَحّارٍ وتُناسِبُ سَحّارٌ (عَلِيمٌ) لِكَوْنِهِما مِن ألْفاظِ المُبالَغَةِ، ولَمّا كانَ قَدْ تَقَدَّمَ ﴿إنَّ هَذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ﴾ ناسَبَ هُنا أنْ يُقابِلَ بِقَوْلِهِ: ﴿بِكُلِّ ساحِرٍ عَلِيمٍ﴾ .

الأعراف 7:107

﴿وقالَ مُوسى يا فِرْعَوْنُ إنِّي رَسُولٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿حَقِيقٌ عَلى أنْ لا أقُولَ عَلى اللَّهِ إلّا الحَقَّ قَدْ جِئْتُكم بِبَيِّنَةٍ مِن رَبِّكم فَأرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ هَذِهِ مُحاوَرَةٌ مِن مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِفِرْعَوْنَ وخِطابٌ لَهُ بِأحْسَنِ ما يُدْعى بِهِ، وأحَبِّها إلَيْهِ إذْ كانَ مَن مَلَكَ مِصْرَ يُقالُ لَهُ فِرْعَوْنٌ كَنُمْرُودَ في يُونانَ، وقَيْصَرَ في الرُّومِ، وكِسْرى في فارِسَ، والنَّجاشِيِّ في الحَبَشَةِ وعَلى هَذا لا يَكُونُ فِرْعَوْنُ وأمْثالُهُ عَلَمًا شَخْصِيًّا، بَلْ يَكُونُ عَلَمَ جِنْسٍ كَأُسامَةَ وثُعالَةَ، ولَمّا كانَ فِرْعَوْنُ قَدِ ادَّعى الرُّبُوبِيَّةَ فاتَحَهُ مُوسى بِقَوْلِهِ: ﴿إنِّي رَسُولٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ لِيُنَبِّهَهُ عَلى الوَصْفِ الَّذِي ادَّعاهُ، وأنَّهُ فِيهِ مُبْطِلٌ لا مُحِقٌّ ولَمّا كانَ قَوْلُهُ: ﴿حَقِيقٌ عَلى أنْ لا أقُولَ عَلى اللَّهِ إلّا الحَقَّ﴾ أرْدَفَها بِما يَدُلُّ عَلى صِحَّتِها وهو قَوْلُهُ: (قَدْ جِئْتُكم) ولَمّا قَرَّرَ رِسالَتَهُ فَرَّعَ عَلَيْها تَبْلِيغَ الحُكْمِ وهو قَوْلُهُ: (فَأرْسِلْ) ولَمْ يُنازِعْهُ فِرْعَوْنُ في هَذِهِ السُّورَةِ في شَيْءٍ مِمّا ذَكَرَهُ مُوسى إلّا أنَّهُ طَلَبَ المُعْجِزَةَ ودَلَّ ذَلِكَ عَلى مُوافَقَتِهِ لِمُوسى، وأنَّ الرِّسالَةَ مُمْكِنَةٌ لِإمْكانِ المُعْجِزَةِ إذْ لَمْ يَدْفَعْ إمْكانَها، بَلْ قالَ: ﴿إنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ﴾ ويَأْتِي الكَلامُ عَلى هَذا الطَّلَبِ مِن فِرْعَوْنَ لِلْمُعْجِزَةِ، وقَرَأ نافِعٌ (عَلَيَّ أنْ لا أقُولَ) بِتَشْدِيدِ الياءِ جَعَلَ (عَلى) داخِلَةً عَلى ياءِ المُتَكَلِّمِ، ومَعْنى ﴿حَقِيقٌ﴾ جَدِيرٌ وخَلِيقٌ وارْتِفاعُهُ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِرَسُولٍ، أوْ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ و﴿أنْ لا أقُولَ﴾ الأحْسَنُ فِيهِ أنْ يَكُونَ فاعِلًا بِحَقِيقٍ كَأنَّهُ قِيلَ: يَحِقُّ عَلَيَّ كَذا ويَجِبُ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ﴿أنْ لا أقُولَ﴾ مُبْتَدَأٌ و﴿حَقِيقٌ﴾ خَبَرُهُ، وقالَ قَوْمٌ تَمَّ الكَلامُ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿حَقِيقٌ﴾ و﴿عَلى أنْ لا أقُولَ﴾ مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ، وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ عَلَيَّ بِجَرِّها ﴿أنْ لا أقُولَ﴾، أيْ: ﴿حَقِيقٌ﴾ عَلَيَّ قَوْلُ الحَقِّ، فَقالَ قَوْمٌ ضَمَّنَ ﴿حَقِيقٌ﴾ مَعْنى حَرِيصٍ، وقالَ أبُو الحَسَنِ والفَرّاءُ والفارِسِيُّ: عَلَيَّ بِمَعْنى الباءِ كَما أنَّ الباءَ بِمَعْنى عَلى في قَوْلِهِ ﴿ولا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِراطٍ﴾ [الأعراف: ٨٦]، أيْ: عَلى كُلِّ صِراطٍ فَكَأنَّهُ قِيلَ: ﴿حَقِيقٌ﴾ بِأنْ لا أقُولَ كَما تَقُولُ فُلانٌ حَقِيقٌ بِهَذا الأمْرِ وخَلِيقٌ بِهِ ويَشْهَدُ لِهَذا التَّوْجِيهِ قِراءَةُ أُبَيٍّ بِأنْ لا أقُولَ وضَعَ مَكانَ عَلى الباءَ، قالَ الأخْفَشُ: ولَيْسَ ذَلِكَ بِالمُطَّرِدِ لَوْ قُلْتَ ذَهَبْتُ عَلى زَيْدٍ تُرِيدُ بِزَيْدٍ لَمْ يَجُزْ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وفي المَشْهُورَةِ إشْكالٌ ولا يَخْلُو مِن وُجُوهٍ، أحَدُها: أنْ يَكُونَ مِمّا يُقْلَبُ مِنَ الكَلامِ لا مِنَ الإلْباسِ كَقَوْلِهِ: ؎وتَشْقى الرِّماحُ بِالضَّياطِرَةِ الحُمْرِ ومَعْناهُ وتَشْقى الضَّياطِرَةُ بِالرِّماحِ. انْتَهى هَذا الوَجْهُ، وأصْحابُنا يَخُصُّونَ القَلْبَ بِالشِّعْرِ ولا يُجِيزُونَهُ في فَصِيحِ الكَلامِ فَيَنْبَغِي أنْ يُنَزَّهَ القِراءَةُ عَنْهُ، وعَلى هَذا يَصِيرُ مَعْنى (p-٣٥٦)هَذِهِ القِراءَةِ مَعْنى قِراءَةِ نافِعٍ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والثّانِي أنَّ ما لَزِمَكَ لَزِمْتَهُ فَلَمّا كانَ قَوْلُ الحَقِّ حَقِيقًا عَلَيْهِ كانَ هو حَقِيقًا عَلى قَوْلِ الحَقِّ، أيْ: لازِمًا لَهُ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والثّالِثُ أنْ يُضَمَّنَ ﴿حَقِيقٌ﴾ مَعْنى حَرِيصٍ تَضْمِينَ هَيَّجَنِي مَعْنى ذَكَّرَنِي في بَيْتٍ الكِتابَ. انْتَهى يَعْنِي بِالكِتابِ كِتابَ سِيبَوَيْهِ، والبَيْتُ: ؎إذا تَغَنّى الحَمامُ الوُرْقُ هَيَّجَنِي ∗∗∗ ولَوْ تَسَلَّيْتُ عَنْها أُمَّ عَمّارِ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والرّابِعُ وهو الأوْجَهُ وإلّا دَخَلَ في نُكَتِ القُرْآنِ أنْ يَغْرَقَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - في وصْفِ نَفْسِهِ بِالصِّدْقِ في ذَلِكَ المَقامِ لا سِيَّما، وقَدْ رُوِيَ أنَّ عَدُوَّ اللَّهِ فِرْعَوْنَ قالَ لَمّا قالَ: ﴿إنِّي رَسُولٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ كَذَبْتَ فَيَقُولُ أنا حَقِيقٌ عَلَيَّ قَوْلُ الحَقِّ، أيْ: واجِبٌ عَلَيَّ قَوْلُ الحَقِّ أنْ أكُونَ أنا قائِلَهُ والقائِمَ بِهِ ولا يَرْضى إلّا بِمِثْلِي ناطِقًا بِهِ. انْتَهى ولا يَتَّضِحُ هَذا الوَجْهُ إلّا إنْ عَنى أنَّهُ يَكُونُ ﴿عَلى أنْ لا أقُولَ﴾ صِفَةً كَما تَقُولُ أنا عَلى قَوْلِ الحَقِّ، أيْ: طَرِيقِي وعادَتِي قَوْلُ الحَقِّ، وقالَ ابْنُ مِقْسَمٍ ﴿حَقِيقٌ﴾ مِن نَعْتِ الرَّسُولِ، أيْ: رَسُولٌ حَقِيقٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ أُرْسِلْتُ عَلى أنْ لا أقُولَ عَلى اللَّهِ إلّا الحَقَّ، وهَذا مَعْنًى صَحِيحٌ واضِحٌ، وقَدْ غَفَلَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ مِن أرْبابِ اللُّغَةِ عَنْ تَعْلِيقِ (عَلى) بِرَسُولٍ ولَمْ يَخْطُرْ لَهم تَعْلِيقُهُ إلّا بِقَوْلِهِ: ﴿حَقِيقٌ﴾ . انْتَهى. وكَلامُهُ فِيهِ تَناقُضٌ في الظّاهِرِ؛ لِأنَّهُ قَدَّرَ أوَّلًا العامِلَ في (عَلى) أُرْسِلْتُ، وقالَ آخَرُ: إنَّهم غَفَلُوا عَنْ تَعْلِيقِ (عَلى) بِرَسُولٍ فَأمّا هَذا الآخَرُ فَلا يَجُوزُ عَلى مَذْهَبِ البَصْرِيِّينَ؛ لِأنَّ رَسُولًا قَدْ وُصِفَ قَبْلَ أنْ يَأْخُذَ مَعْمُولَهُ، وذَلِكَ لا يَجُوزُ، وأمّا التَّقْدِيرُ الأوَّلُ وهو إضْمارُ أُرْسِلْتُ ويُفَسِّرُهُ لَفْظُ رَسُولٍ فَهو تَقْدِيرٌ سائِغٌ، وتَناوَلَ كَلامُ ابْنِ مِقْسَمٍ أخِيرًا في قَوْلِهِ عَنْ تَعْلِيقِ عَلى بِرَسُولٍ، أيْ: بِما دَلَّ عَلَيْهِ رَسُولٌ، وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ والأعْمَشُ حَقِيقٌ أنْ لا أقُولَ بِإسْقاطِ عَلى فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ عَلى إضْمارِ عَلى كَقِراءَةِ مَن قَرَأ بِها واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ عَلى إضْمارِ الباءِ كَقِراءَةِ أُبَيٍّ، وعَلى الِاحْتِمالَيْنِ يَكُونُ التَّعَلُّقُ بِحَقِيقٍ. ولَمّا ذَكَرَ أنَّهُ رَسُولٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ، وأنَّهُ لا يَقُولُ عَلى اللَّهِ إلّا الحَقَّ أخَذَ يَذْكَرُ المُعْجِزَةَ والخارِقَ الَّذِي يَدُلُّ عَلى صِدْقِ رِسالَتِهِ، والخِطابُ في (جِئْتُكم) لِفِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ الحاضِرِينَ مَعَهُ ومَعْنى (بِبَيِّنَةٍ) بِآيَةٍ بَيِّنَةٍ واضِحَةِ الدَّلالَةِ عَلى ما أذْكُرُهُ، والبَيِّنَةُ قِيلَ: التِّسْعُ الآياتِ المَذْكُورَةِ في قَوْلِهِ: ﴿فِي تِسْعِ آياتٍ إلى فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ﴾ [النمل: ١٢]، قالَ بَعْضُ العُلَماءِ وسِياقُ الآيَةِ يَقْتَضِي أنَّ البَيِّنَةَ هي العَصا واليَدُ البَيْضاءُ بِدَلِيلِ ما بَعْدَهُ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَألْقى عَصاهُ﴾، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ والأكْثَرُونَ هي العَصا وفي قَوْلِهِ: ﴿مِن رَبِّكُمْ﴾ [الأعراف: ٣] تَعْرِيضٌ أنَّ فِرْعَوْنَ لَيْسَ رَبًّا لَهم، بَلْ رَبُّهم هو الَّذِي جاءَ مُوسى بِالبَيِّنَةِ مِن عِنْدِهِ (فَأرْسِلْ)، أيْ: فَخَلِّ، والإرْسالُ ضِدُّ الإمْساكِ ﴿مَعِيَ بَنِي إسْرائِيلَ﴾، أيْ: حَتّى يَذْهَبُوا إلى أوْطانِهِمْ ومَوْلِدِ آبائِهِمُ الأرْضِ المُقَدَّسَةِ وذَلِكَ أنَّ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمّا تُوُفِّيَ وانْقَرَضَ الأسْباطُ غَلَبَ فِرْعَوْنُ عَلى نَسْلِهِمْ واسْتَعْبَدَهم في الأعْمالِ الشّاقَّةِ وكانُوا يُؤَدُّونَ إلَيْهِ الجَزاءَ فاسْتَنْقَذَهُمُ اللَّهُ بِمُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - وكانَ بَيْنَ اليَوْمِ الَّذِي دَخَلَ فِيهِ يُوسُفُ مِصْرَ، واليَوْمِ الَّذِي دَخَلَ فِيهِ مُوسى أرْبَعُمِائَةٍ عامٍ، والظّاهِرُ أنَّ مُوسى لَمْ يَطْلُبْ مِن فِرْعَوْنَ في هَذِهِ الآيَةِ إلّا إرْسالَ بَنِي إسْرائِيلَ مَعَهُ وفي غَيْرِ هَذِهِ الآيَةِ دُعاؤُهُ إيّاهُ إلى الإقْرارِ بِرُبُوبِيَّةِ اللَّهِ تَعالى وتَوْحِيدِهِ قالَ تَعالى: ﴿فَقُلْ هَلْ لَكَ إلى أنْ تَزَكّى وأهْدِيَكَ إلى رَبِّكَ فَتَخْشى﴾ [النازعات: ١٨] وكُلُّ نَبِيٍّ داعٍ إلى تَوْحِيدِ اللَّهِ تَعالى، وقالَ تَعالى حِكايَةً عَنْ فِرْعَوْنَ: ﴿أنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنا وقَوْمُهُما لَنا عابِدُونَ﴾ [المؤمنون: ٤٧] فَهَذا ونَظائِرُهُ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ طَلَبَ مِنهُ الإيمانَ خِلافًا لِمَن قالَ إنَّ مُوسى لَمْ يَدْعُهُ إلى الإيمانِ ولا إلى التِزامِ شَرْعِهِ ولَيْسَ بَنُو إسْرائِيلَ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ والقِبْطِ، ألا تَرى أنَّ بَقِيَّةَ القِبْطِ وهُمُ الأكْثَرُ لَمْ يَرْجِعْ إلَيْهِمْ مُوسى. (p-٣٥٧)﴿قالَ إنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِها إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ لَمّا عَرَضَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - رِسالَتَهُ عَلى فِرْعَوْنَ وذَكَرَ الدَّلِيلَ عَلى صِدْقِهِ وهو مَجِيئُهُ بِالبَيِّنَةِ والخارِقِ المُعْجِزِ اسْتَدْعى فِرْعَوْنُ مِنهُ خَرْقَ العادَةِ الدّالَّ عَلى الصِّدْقِ، وهَذا الِاسْتِدْعاءُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ عَلى سَبِيلِ الِاخْتِبارِ وتَجْوِيزِهِ ذَلِكَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ عَلى سَبِيلِ التَّعْجِيزِ لِما تَقَرَّرَ في ذِهْنِ فِرْعَوْنَ أنَّ مُوسى لا يَقْدِرُ عَلى الإتْيانِ بِبَيِّنَةٍ، والمَعْنى: إنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ مِن رَبِّكَ فَأحْضِرْها عِنْدِي لِتَصِحَّ دَعْواكَ ويَثْبُتَ صِدْقُكَ. ﴿فَألْقى عَصاهُ فَإذا هي ثُعْبانٌ مُبِينٌ﴾ بَدَأ بِالعَصا دُونَ سائِرِ المُعْجِزاتِ؛ لِأنَّها مُعْجِزَةٌ تَحْتَوِي عَلى مُعْجِزاتٍ كَثِيرَةٍ قالُوا مِنها أنَّهُ ضَرَبَ بِها بابَ فِرْعَوْنَ فَفَزِعَ مِن قَرْعِها فَشابَ رَأْسُهُ فَخُضِّبَ بِالسَّوادِ فَهو أوَّلُ مَن خَضَّبَ بِالسَّوادِ وانْقِلابُها ثُعْبانًا وانْقِلابُ خَشَبَةٍ لَحْمًا ودَمًا قائِمًا بِهِ الحَياةُ مِن أعْظَمِ الإعْجازِ ويَحْصُلُ مِنِ انْقِلابِها ثُعْبانًا مِنَ التَّهْوِيلِ ما لا يَحْصُلُ في غَيْرِهِ، وضَرْبُهُ بِها الحَجَرَ فَيَنْفَجِرُ عُيُونًا، وضَرْبُهُ بِها فَتُنْبِتُ. قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ومُحارَبَتُهُ بِها اللُّصُوصَ والسِّباعَ القاصِدَةَ غَنَمَهُ، واشْتِعالُها في اللَّيْلِ كاشْتِعالِ الشَّمْعَةِ وصَيْرُورَتِها كالرِّشا لِيَنْزَحَ بِها الماءَ مِنَ البِئْرِ العَمِيقَةِ وتَلَقُّفُها الحِبالَ والعِصِيَّ الَّتِي لِلسَّحَرَةِ، وإبْطالُها لِما صَنَعُوهُ مِن كَيْدِهِمْ وسِحْرِهِمْ، والإلْقاءُ حَقِيقَةٌ هو في الأجْرامِ ومَجازٌ في المَعانِي نَحْوُ ألْقى المَسْألَةَ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والسُّدِّيُّ: صارَتِ العَصا حَيَّةً عَظِيمَةً شَعْراءَ فاغِرَةً فاها، ما بَيْنَ لِحْيَيْها ثَمانُونَ ذِراعًا، وقِيلَ: أرْبَعُونَ، ذَكَرَهُ مَكِّيٌّ عَنْ فَرْقَدٍ واضِعَةً أحَدَ لِحْيَيْها بِالأرْضِ والآخَرَ عَلى سُورِ القَصْرِ وذَكَرُوا مِنِ اضْطِرابِ فِرْعَوْنَ وفَزَعِهِ وهَرَبِهِ ووَعْدِهِ مُوسى بِالإيمانِ إنْ عادَتْ إلى حالِها، وكَثْرَةِ مَن ماتَ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ فَزَعًا أشْياءَ لَمْ تَتَعَرَّضْ إلَيْها الآيَةُ ولا تَثْبُتْ في حَدِيثٍ صَحِيحٍ فاللَّهُ أعْلَمُ بِها، ومَعْنى (مُبِينٌ) ظاهِرٌ لا تَخْيِيلَ فِيهِ، بَلْ هو ثُعْبانٌ حَقِيقَةً، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: (وإذا) ظَرْفُ مَكانٍ في هَذا المَوْضِعِ عِنْدَ المُبَرِّدِ مِن حَيْثُ كانَتْ خَبَرًا عَنْ جُثَّةٍ، والصَّحِيحُ الَّذِي عَلَيْهِ شُيُوخُنا أنَّها ظَرْفُ مَكانٍ كَما قالَهُ المُبَرِّدُ وهو المَنسُوبُ إلى سِيبَوَيْهِ، وقَوْلُهُ مِن حَيْثُ كانَتْ خَبَرًا عَنْ جُثَّةٍ لَيْسَتْ في هَذا المَكانِ خَبَرًا عَنْ جُثَّةٍ، بَلْ خَبَرُ هي قَوْلُهُ: (ثُعْبانٌ) ولَوْ قُلْتَ (فَإذا هي) لَمْ يَكُنْ كَلامًا ويَنْبَغِي أنْ يُحْمَلَ كَلامُهُ مِن حَيْثُ كانَتْ خَبَرًا عَنْ جُثَّةٍ عَلى مِثْلِ: خَرَجْتُ فَإذا السَّبْعُ، عَلى تَأْوِيلِ مَن جَعَلَها ظَرْفَ مَكانٍ وما ذَكَرَهُ مِن أنَّ الصَّحِيحَ الَّذِي عَلَيْهِ النّاسُ أنَّها ظَرْفُ زَمانٍ هو مَذْهَبُ الرِّياشِيِّ ونُسِبَ أيْضًا إلى سِيبَوَيْهِ، ومَذْهَبُ الكُوفِيِّينَ أنَّ إذا الفُجائِيَّةَ حَرْفٌ لا اسْمٌ. ﴿ونَزَعَ يَدَهُ فَإذا هي بَيْضاءُ لِلنّاظِرِينَ﴾، أيْ: جَذَبَ (يَدَهُ) قِيلَ مِن جَيْبِهِ وهو الظّاهِرُ لِقَوْلِهِ: ﴿وأدْخِلْ يَدَكَ في جَيْبِكَ﴾ [النمل: ١٢]، وقِيلَ: مِن كُمِّهِ و(لِلنّاظِرِينَ)، أيْ: لِلنُّظّارِ وفي ذِكْرِ ذَلِكَ تَنْبِيهٌ عَلى عِظَمِ بَياضِها؛ لِأنَّهُ لا يَعْرِضُ لَها لِلنُّظّارِ إلّا إذا كانَ بَياضُها عَجِيبًا خارِجًا عَنِ العادَةِ يَجْتَمِعُ النّاسُ إلَيْهِ كَما يَجْتَمِعُ النُّظّارُ لِلْعَجائِبِ، قالَ مُجاهِدٌ: (بَيْضاءُ) كاللَّبَنِ، أوْ أشُدُّ بَياضًا، ورُوِيَ أنَّها كانَتْ تَظْهَرُ (p-٣٥٨)مُنِيرَةً شَفّافَةً كالشَّمْسِ، ثُمَّ يَرُدُّها فَتَرْجِعُ إلى لَوْنِ مُوسى، وكانَ آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - شَدِيدَ الأُدْمَةِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: صارَتْ نُورًا ساطِعًا يُضِيءُ لَهُ ما بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ لَهُ لَمَعانٌ مِثْلُ لَمَعانِ البَرْقِ فَخَرُّوا عَلى وُجُوهِهِمْ، وقالَ الكَلْبِيُّ: بَلَغَنا أنَّ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - قالَ يا فِرْعَوْنُ ما هَذِهِ بِيَدِي ؟ قالَ: هي عَصا، فَألْقاها مُوسى فَإذا هي ثُعْبانٌ، ورُوِيَ أنَّ فِرْعَوْنَ رَأى يَدَ مُوسى فَقالَ لِفِرْعَوْنَ ما هَذِهِ ؟ فَقالَ: يَدُكَ، ثُمَّ أدْخَلَها جَيْبَهُ، وعَلَيْهِ مِدْرَعَةُ صُوفٍ ونَزَعَها فَإذا هي بَيْضاءُ بَياضًا نُورانِيًّا، غَلَبَ شُعاعُها شُعاعَ الشَّمْسِ وما أعْجَبَ أمْرَ هَذَيْنِ الخارِقَيْنِ أحَدُهُما في نَفْسِهِ وذَلِكَ اليَدُ البَيْضاءُ، والآخَرُ في غَيْرِ نَفْسِهِ وهي العَصا، وجَمَعَ بِذَيْنِكَ تَبَدُّلَ الذَّرّاتِ وتَبَدُّلَ الأعْراضِ، فَكانا دالَّيْنِ عَلى جَوازِ الأمْرَيْنِ وإنَّهُما كِلاهُما مُمْكِنُ الوُقُوعِ، قالَ أبُو مُحَمَّدِ بْنُ عَطِيَّةَ: هاتانِ الآيَتانِ عَرَضَهُما مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِلْمُعارَضَةِ ودَعا إلى اللَّهِ بِهِما وخَرَقَ العادَةَ بِهِما وتَحَدّى النّاسَ إلى الدِّينِ بِهِما فَإذا جَعَلْنا التَّحَدِّيَ الدُّعاءَ إلى الدِّينِ مُطْلَقًا فَبِهِما تَحَدّى وإذا جَعَلْنا التَّحَدِّيَ الدُّعاءَ بَعْدَ العَجْزِ عَنْ مُعارَضَةِ المُعْجِزَةِ وظُهُورِ ذَلِكَ فَتَنْفَرِدُ حِينَئِذٍ العَصا بِذَلِكَ؛ لِأنَّ المُعارَضَةَ والمُعْجِزَ فِيها وقَعا ويُقالُ: التَّحَدِّي هو الدُّعاءُ إلى الإتْيانِ بِمِثْلِ المُعْجِزَةِ فَهَذِهِ نَحْوٌ ثالِثٌ، وعَلَيْهِ يَكُونُ تَحَدِّي مُوسى بِالآيَتَيْنِ جَمِيعًا؛ لِأنَّ الظّاهِرَ مِن أمْرِهِ أنَّهُ عَرَضَهُما مَعًا وإنْ كانَ لَمْ يَنُصَّ عَلى الدُّعاءِ إلى الإتْيانِ بِمِثْلِهِما. انْتَهى. وهو كَلامٌ فِيهِ تَثْبِيجٌ. ﴿قالَ المَلَأُ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ إنَّ هَذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ﴾ . وفي الشُّعَراءِ ﴿قالَ لِلْمَلَأِ حَوْلَهُ إنَّ هَذا لَساحِرٌ عَلِيمٍ﴾ [الشعراء: ٣٤] والجَمْعُ بَيْنَهُما أنَّ فِرْعَوْنَ وهم قالُوا هَذا الكَلامَ فَحَكى هُنا قَوْلَهم وهُناكَ قَوْلَهُ، أوْ قالَهُ ابْتِداءً فَتَلَقَّفَهُ مِنهُ المَلَأُ فَقالُوهُ لِأعْقابِهِمْ، أوْ قالُوهُ عَنْهُ لِلنّاسِ عَلى طَرِيقِ التَّبْلِيغِ كَما تَفْعَلُ المُلُوكُ يَرى الواحِدُ مِنهُمُ الرَّأْيَ فَيُكَلِّمُ بِهِ مَن يَلِيهِ مِنَ الخاصَّةِ، ثُمَّ تُبْلِغُهُ الخاصَّةُ العامَّةَ والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّهم أجابُوهُ في قَوْلِهِ: (أرْجِهْ) وكانَ السِّحْرُ إذْ ذاكَ في أعْلى المَراتِبِ فَلَمّا رَأوُا انْقِلابَ العَصا ثُعْبانًا والأدْماءَ بَيْضاءَ، وأنْكَرُوا النُّبُوَّةَ ودافَعُوهُ عَنْها قَصَدُوا ذَمَّهُ بِوَصْفِهِ بِالسِّحْرِ وحَطِّ قَدْرِهِ إذْ لَمْ يُمْكِنُهم في ظُهُورِ ما ظَهَرَ عَلى يَدِهِ نِسْبَةُ شَيْءٍ إلَيْهِ غَيْرَ السِّحْرِ وبالَغُوا في وصْفِهِ بِأنْ قالُوا: (عَلِيمٌ)، أيْ: بالِغُ الغايَةِ في عِلْمِ السِّحْرِ وخُدَعِهِ وخَيالاتِهِ وفُنُونِهِ، وأكْثَرُ اسْتِعْمالِ لَفْظِ هَذا إذا كانَ مِن كَلامِ الكُفّارِ في التَّنَقُّصِ والِاسْتِغْرابِ كَما قالَ: ﴿أهَذا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ﴾ [الأنبياء: ٣٦]، ﴿أهَذا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا﴾ [الفرقان: ٤١]، ﴿إنْ هَذا إلّا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ [الأنعام: ٢٥] ﴿ما هَذا إلّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ [المؤمنون: ٢٤] ﴿إنْ هَذانِ لَساحِرانِ﴾ [طه: ٦٣] ﴿إنْ كانَ هَذا هو الحَقَّ مِن عِنْدِكَ﴾ [الأنفال: ٣٢] يَعْدِلُونَ عَنْ لَفْظِ اسْمِ ذَلِكَ الشَّيْءِ إلى لَفْظِ الإشارَةِ وأكَدُّوا نِسْبَةَ السِّحْرِ إلَيْهِ بِدُخُولِ إنَّ واللّامِ. ﴿يُرِيدُ أنْ يُخْرِجَكم مِن أرْضِكم فَماذا تَأْمُرُونَ﴾ اسْتَشْعَرَتْ نُفُوسُهم ما صارَ إلَيْهِ أمْرُهم مِن إخْراجِهِمْ مِن أرْضِهِمْ وخُلُوِّ مَواطِنِهِمْ مِنهم وخَرابِ بُيُوتِهِمْ فَبادَرُوا (p-٣٥٩)إلى الإخْبارِ بِذَلِكَ، وكانَ الأمْرُ كَما اسْتَشْعَرُوا إذْ غَرَّقَ اللَّهُ فِرْعَوْنَ وآلَهُ وأخْلى مَنازِلَهم مِنهم ونَبَّهُوا عَلى هَذا الوَصْفِ الصَّعْبِ الَّذِي هو مُعادِلٌ لِقَتْلِ الأنْفُسِ كَما قالَ: ﴿ولَوْ أنّا كَتَبْنا عَلَيْهِمْ أنِ اقْتُلُوا أنْفُسَكم أوِ اخْرُجُوا مِن دِيارِكم ما فَعَلُوهُ إلّا قَلِيلٌ مِنهُمْ﴾ [النساء: ٦٦] وأرادَ بِهِ إحْراجَهم إمّا بِكَوْنِهِ يَحْكُمُ فِيكم بِإرْسالِ خَدَمِكم وعَمارِ أرْضِكم مَعَهُ حَيْثُ يَسِيرُ فَيُفْضِي ذَلِكَ إلى خَرابِ دِيارِكم وإمّا بِكَوْنِهِمْ خافُوا مِنهُ أنْ يُقاتِلَهم بِمَن يَجْتَمِعُ إلَيْهِ مِن بَنِي إسْرائِيلَ ويَغْلِبَ عَلى مُلْكِهِمْ قالَ النَّقّاشُ كانُوا يَأْخُذُونَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ خَرْجًا كالجِزْيَةِ فَرَأوْا أنَّ مُلْكَهم يَذْهَبُ بِزَوالِ ذَلِكَ وجاءَ في سُورَةِ الشُّعَراءِ ﴿بِسِحْرِهِ﴾ [الشعراء: ٣٥] وهُنا حُذِفَتْ لِأنَّ الآيَةَ الأُولى هُنا بُنِيَتْ عَلى الِاخْتِصارِ فَناسَبَتِ الحَذْفَ، ولِأنَّ لَفْظَ ساحِرٍ يَدُلُّ عَلى السِّحْرِ و﴿فَماذا تَأْمُرُونَ﴾ مِن قَوْلِ فِرْعَوْنَ أوْ مِن قَوْلِ المَلَأِ إمّا لِفِرْعَوْنَ وأصْحابِهِ وإمّا لَهُ وحْدَهُ كَما يُخاطَبُ أفْرادُ العُظَماءِ بِلَفْظِ الجَمْعِ وهو مِنَ الأمْرِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مَعْناهُ تُشِيرُونَ بِهِ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مِن أمَرْتُهُ فَأمَرَنِي بِكَذا أيْ شاوَرْتُهُ فَأشارَ عَلَيْكَ بِرَأْيٍ، وقَرَأ الجُمْهُورُ (تَأْمُرُونَ) بِفَتْحِ النُّونِ هُنا وفي الشُّعَراءِ ورَوى كَرْدَمٌ عَنْ نافِعٍ بِكَسْرِ النُّونِ فِيهِما وماذا يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ كُلُّها اسْتِفَهامًا وتَكُونُ مَفْعُولًا ثانِيًا لِتَأْمُرُونِ عَلى سَبِيلِ التَّوَسُّعِ فِيهِ بِأنْ حَذَفَ مِنهُ حَرْفَ الجَرِّ، كَما قالَ أمَرْتُكَ الخَيْرَ ويَكُونُ المَفْعُولُ الأوَّلُ مَحْذُوفًا لِفَهْمِ المَعْنى أيْ أيُّ شَيْءٍ تَأْمُرُونَنِي، وأصْلُهُ بِأيِّ شَيْءٍ ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ ما اسْتِفْهامًا مُبْتَدَأً، و(ذا) بِمَعْنى الَّذِي خَبَرٌ عَنْهُ و(تَأْمُرُونَ) صِلَةَ ذا، ويَكُونُ قَدْ حُذِفَ مِنهُ مَفْعُولَيْ (تَأْمُرُونَ) الأوَّلُ وهو ضَمِيرُ المُتَكَلِّمِ والثّانِي وهو الضَّمِيرُ العائِدُ عَلى المَوْصُولِ، والتَّقْدِيرُ فَأيُّ شَيْءِ الَّذِي تَأْمُرُونَنِيهِ أيْ تَأْمُرُنَنِي بِهِ، وكِلا الإعْرابَيْنِ في ماذا جائِزٌ في قِراءَةِ مَن كَسَرَ النُّونَ إلّا أنَّهُ حَذَفَ ياءَ المُتَكَلِّمِ وأبْقى الكَسْرَةَ دَلالَةً عَلَيْها، وقَدَّرَ ابْنُ عَطِيَّةَ الضَّمِيرَ العائِدَ عَلى ذا إذا كانَتْ مَوْصُولَةً مَقْرُونَةً بِحَرْفِ الجَرِّ، فَقالَ وفي (تَأْمُرُونَ) ضَمِيرٌ عائِدٌ عَلى (الَّذِي) تَقْدِيرُهُ تَأْمُرُونَ بِهِ انْتَهى. وهَذا لَيْسَ بِجَيِّدٍ لِفَواتِ شَرْطِ جَوازِ حَذْفِ الضَّمِيرِ إذا كانَ مَجْرُورًا بِحَرْفِ الجَرِّ وذَلِكَ الشَّرْطُ هو أنْ لا يَكُونَ الضَّمِيرُ في مَوْضِعِ رَفْعٍ وأنْ يَجُرَّ ذَلِكَ الحَرْفُ المَوْصُولَ أوِ المَوْصُوفَ بِهِ أوِ المُضافَ إلَيْهِ ويَتَّحِدَ المُتَعَلِّقُ بِهِ الحَرْفانِ لَفْظًا ومَعْنًى ويَتَّحِدَ مَعْنى الحَرْفِ أيْضًا لِابْنِ عَطِيَّةَ أنَّهُ قَدَّرَهُ عَلى الأصْلِ ثُمَّ اتَّسَعَ فِيهِ فَتَعَدّى إلَيْهِ الفِعْلُ بِغَيْرِ واسِطَةِ الحُرُوفِ، ثُمَّ حُذِفَ بَعْدَ الِاتِّساعِ. ﴿قالُوا أرْجِهْ وأخاهُ﴾ أيْ قالَ مَن حَضَرَ مُناظَرَةَ مُوسى مِن عُقَلاءِ مَلَأِ فِرْعَوْنَ وأشْرافِهِ قِيلَ: ولَمْ يَكُنْ يُجالِسُ فِرْعَوْنَ ولَدُ غَيَّةٍ وإنَّما كانُوا أشْرافًا ولِذَلِكَ أشارُوا عَلَيْهِ بِالإرْجاءِ ولَمْ يُشِيرُوا بِالقَتْلِ وقالُوا: إنْ قَتَلْتَهُ دَخَلَتْ عَلى النّاسِ شُبْهَةٌ ولَكِنِ اغْلِبْهُ بِالحُجَّةِ، وقُرِئَ بِالهَمْزِ وبِغَيْرِ هَمْزٍ فَقِيلَ هُما بِمَعْنًى واحِدٍ، وقِيلَ المَعْنى احْبِسْهُ، وقِيلَ: أرْجِهْ بِغَيْرِ هَمْزٍ أطْمِعْهُ جَعَلَهُ مِن رَجَوْتَ أدْخَلَ عَلَيْهِ هَمْزَةَ الفِعْلِ أيْ أطْمِعْهُ وأخاهُ ولا تَقْتُلْهُما حَتّى يَظْهَرَ كَذِبَهُما فَإنَّكَ إنْ قَتَلْتَهُما ظُنَّ أنَّهُما صَدَقا ولَمْ يَجْرِ لِهارُونَ ذِكْرٌ في صَدْرِ القِصَّةِ وقَدْ تَبَيَّنَ مِن غَيْرِ آيَةٍ أنَّهُما ذَهَبا مَعًا وأُرْسِلا إلى فِرْعَوْنَ ولَمّا كانَ مُوافِقًا لَهُ في دَعْواهُ (p-٣٦٠)ومُؤازِرًا أشارُوا بِإرْجائِهِما، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وهِشامٌ (أرْجِئْهُو) بِالهَمْزِ وضَمِّ الهاءِ ووَصْلِها بِواوٍ، وأبُو عَمْرٍو كَذَلِكَ إلّا أنَّهُ لَمْ يَصِلْ، ورُوِيَ هَذا عَنْ هِشامٍ وعَنْ يَحْيى عَنْ أبِي بَكْرٍ، وقَرَأ ورْشٌ والكِسائِيُّ (أرْجِهِي) بِغَيْرِ هَمْزٍ وبِكَسْرِ الهاءِ ووَصْلِها بِياءٍ، وقَرَأ عاصِمٌ وحَمْزَةُ بِغَيْرِ هَمْزٍ وسَكَّنا الهاءَ، وقَرَأ قالُونُ بِغَيْرِ هَمْزٍ ومُخْتَلِسٌ كَسْرَةَ الهاءِ، وقَرَأ ابْنُ ذَكْوانَ في رِوايَةٍ كَقِراءَةِ ورْشٍ والكِسائِيِّ، وفي المَشْهُورِ عَنْهُ أرْجِئْهِ بِالهَمْزِ وكَسْرِ الهاءِ مِن غَيْرِ صِلَةٍ، وقَدْ قِيلَ عَنْهُ أنَّهُ يَصِلُها بِياءٍ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ أرْجِئْهِ بِكَسْرِ الهاءِ بِهَمْزَةٍ قَبْلَها، قالَ الفارِسِيُّ: وهَذا غَلَطٌ انْتَهى. ونِسْبَةُ ابْنِ عَطِيَّةَ هَذِهِ القِراءَةَ لِابْنِ عامِرٍ لَيْسَ بِجَيِّدٍ؛ لِأنَّ الَّذِي رَوى ذَلِكَ إنَّما هو ابْنُ ذَكْوانَ لا هِشامٌ فَكانَ يَنْبَغِي أنْ يُقَيِّدَ فَيَقُولَ وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ في رِوايَةِ ابْنِ ذَكْوانَ وقالَ بَعْضُهم: قالَ أبُو عَلِيٍّ ضَمُّ الهاءِ مَعَ الهَمْزِ لا يَجُوزُ غَيْرُهُ قالَ: ورِوايَةُ ابْنِ ذَكْوانَ عَنِ ابْنِ عامِرٍ غَلَطٌ وقالَ ابْنُ مُجاهِدٍ بَعْدَهُ وهَذا لا يَجُوزُ لِأنَّ الهاءَ لا تُكْسَرُ إلّا إذا وقَعَ قَبْلَها كَسْرَةٌ أوْ ياءٌ ساكِنَةٌ، وقالَ الحَوْفِيُّ: ومِنَ القُرّاءِ مَن يَكْسِرُ مَعَ الهَمْزِ ولَيْسَ بِجَيِّدٍ، وقالَ أبُو البَقاءِ: ويُقْرَأُ بِكَسْرِ الهاءِ مَعَ الهَمْزِ وهو ضَعِيفٌ لِأنَّ الهَمْزَ حَرْفٌ صَحِيحٌ ساكِنٌ فَلَيْسَ قَبْلَ الهاءِ ما يَقْتَضِي الكَسْرَ، ووَجْهُهُ أنَّهُ أتْبَعَ الهاءَ كَسْرَةَ الجِيمِ والحاجِزُ غَيْرُ حَصِينٍ ويَخْرُجُ أيْضًا عَلى تَوَهُّمِ إبْدالِ الهَمْزِ ياءً أوْ عَلى أنَّ الهَمْزَ لَمّا كانَ كَثِيرًا ما يُبَدَّلُ بِحَرْفِ العِلَّةِ أُجْرِي مَجْرى حَرْفِ العِلَّةِ في كَسْرِ ما بَعْدَهُ، وما ذَهَبَ إلَيْهِ الفارِسِيُّ وغَيْرُهُ مِن غَلَطِ هَذِهِ القِراءَةِ، وأنَّها لا تَجُوزُ قَوْلٌ فاسِدٌ؛ لِأنَّها قِراءَةٌ ثابِتَةٌ مُتَواتِرَةٌ رَوَتْها الأكابِرُ عَنِ الأئِمَّةِ وتَلَقَّتْها الأُمَّةُ بِالقَبُولِ ولَها تَوْجِيهٌ في العَرَبِيَّةِ ولَيْسَتِ الهَمْزَةُ كَغَيْرِها مِنَ الحُرُوفِ الصَّحِيحَةِ لِأنَّها قابِلَةٌ لِلتَّغْيِيرِ بِالإبْدالِ والحَرْفِ بِالنَّقْلِ وغَيْرِهِ فَلا وجْهَ لِإنْكارِ هَذِهِ القِراءَةِ. ﴿وأرْسِلْ في المَدائِنِ حاشِرِينَ﴾ ﴿يَأْتُوكَ بِكُلِّ ساحِرٍ عَلِيمٍ﴾ (المَدائِنِ) مَدائِنُ مِصْرَ وقُراها: ”والحاشِرُونَ“، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هم أصْحابُ الشُّرَطِ، وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ لَمّا رَأى فِرْعَوْنَ مِن آياتِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ ما رَأى قالَ: لَنْ نُغالِبَ مُوسى إلّا بِمَن هو مِنهُ فاتَّخَذَ غِلْمانًا مِن بَنِي إسْرائِيلَ فَبَعَثَ بِهِمْ إلى قَرْيَةٍ. قالَ البَغَوِيُّ: هي الفَرَما يُعَلِّمُونَهُمُ السِّحْرَ كَما يُعَلِّمُونَ الصِّبْيانَ في المَكْتَبِ فَعَلَّمُوهم سِحْرًا كَثِيرًا، وواعَدَ فِرْعَوْنُ مُوسى مَوْعِدًا، ثُمَّ دَعاهم وسَألَهم فَقالَ: ماذا صَنَعْتُمْ قالُوا: عَلَّمْناهم مِنَ السِّحْرِ ما لا يُقاوِمُهم بِهِ أهْلُ الأرْضِ إلّا أنْ يَكُونَ أمْرًا مِنَ السَّماءِ فَإنَّهُ لا طاقَةَ لَنا بِهِ، وقَرَأ الأخَوانِ بِكُلِّ سَحّارٍ هُنا وفي يُونُسَ والباقُونَ (ساحِرٍ) وفي الشُّعَراءِ أجْمَعُوا عَلى سَحّارٍ وتُناسِبُ سَحّارٌ (عَلِيمٌ) لِكَوْنِهِما مِن ألْفاظِ المُبالَغَةِ، ولَمّا كانَ قَدْ تَقَدَّمَ ﴿إنَّ هَذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ﴾ ناسَبَ هُنا أنْ يُقابِلَ بِقَوْلِهِ: ﴿بِكُلِّ ساحِرٍ عَلِيمٍ﴾ .

الأعراف 7:108

﴿وقالَ مُوسى يا فِرْعَوْنُ إنِّي رَسُولٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿حَقِيقٌ عَلى أنْ لا أقُولَ عَلى اللَّهِ إلّا الحَقَّ قَدْ جِئْتُكم بِبَيِّنَةٍ مِن رَبِّكم فَأرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ هَذِهِ مُحاوَرَةٌ مِن مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِفِرْعَوْنَ وخِطابٌ لَهُ بِأحْسَنِ ما يُدْعى بِهِ، وأحَبِّها إلَيْهِ إذْ كانَ مَن مَلَكَ مِصْرَ يُقالُ لَهُ فِرْعَوْنٌ كَنُمْرُودَ في يُونانَ، وقَيْصَرَ في الرُّومِ، وكِسْرى في فارِسَ، والنَّجاشِيِّ في الحَبَشَةِ وعَلى هَذا لا يَكُونُ فِرْعَوْنُ وأمْثالُهُ عَلَمًا شَخْصِيًّا، بَلْ يَكُونُ عَلَمَ جِنْسٍ كَأُسامَةَ وثُعالَةَ، ولَمّا كانَ فِرْعَوْنُ قَدِ ادَّعى الرُّبُوبِيَّةَ فاتَحَهُ مُوسى بِقَوْلِهِ: ﴿إنِّي رَسُولٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ لِيُنَبِّهَهُ عَلى الوَصْفِ الَّذِي ادَّعاهُ، وأنَّهُ فِيهِ مُبْطِلٌ لا مُحِقٌّ ولَمّا كانَ قَوْلُهُ: ﴿حَقِيقٌ عَلى أنْ لا أقُولَ عَلى اللَّهِ إلّا الحَقَّ﴾ أرْدَفَها بِما يَدُلُّ عَلى صِحَّتِها وهو قَوْلُهُ: (قَدْ جِئْتُكم) ولَمّا قَرَّرَ رِسالَتَهُ فَرَّعَ عَلَيْها تَبْلِيغَ الحُكْمِ وهو قَوْلُهُ: (فَأرْسِلْ) ولَمْ يُنازِعْهُ فِرْعَوْنُ في هَذِهِ السُّورَةِ في شَيْءٍ مِمّا ذَكَرَهُ مُوسى إلّا أنَّهُ طَلَبَ المُعْجِزَةَ ودَلَّ ذَلِكَ عَلى مُوافَقَتِهِ لِمُوسى، وأنَّ الرِّسالَةَ مُمْكِنَةٌ لِإمْكانِ المُعْجِزَةِ إذْ لَمْ يَدْفَعْ إمْكانَها، بَلْ قالَ: ﴿إنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ﴾ ويَأْتِي الكَلامُ عَلى هَذا الطَّلَبِ مِن فِرْعَوْنَ لِلْمُعْجِزَةِ، وقَرَأ نافِعٌ (عَلَيَّ أنْ لا أقُولَ) بِتَشْدِيدِ الياءِ جَعَلَ (عَلى) داخِلَةً عَلى ياءِ المُتَكَلِّمِ، ومَعْنى ﴿حَقِيقٌ﴾ جَدِيرٌ وخَلِيقٌ وارْتِفاعُهُ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِرَسُولٍ، أوْ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ و﴿أنْ لا أقُولَ﴾ الأحْسَنُ فِيهِ أنْ يَكُونَ فاعِلًا بِحَقِيقٍ كَأنَّهُ قِيلَ: يَحِقُّ عَلَيَّ كَذا ويَجِبُ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ﴿أنْ لا أقُولَ﴾ مُبْتَدَأٌ و﴿حَقِيقٌ﴾ خَبَرُهُ، وقالَ قَوْمٌ تَمَّ الكَلامُ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿حَقِيقٌ﴾ و﴿عَلى أنْ لا أقُولَ﴾ مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ، وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ عَلَيَّ بِجَرِّها ﴿أنْ لا أقُولَ﴾، أيْ: ﴿حَقِيقٌ﴾ عَلَيَّ قَوْلُ الحَقِّ، فَقالَ قَوْمٌ ضَمَّنَ ﴿حَقِيقٌ﴾ مَعْنى حَرِيصٍ، وقالَ أبُو الحَسَنِ والفَرّاءُ والفارِسِيُّ: عَلَيَّ بِمَعْنى الباءِ كَما أنَّ الباءَ بِمَعْنى عَلى في قَوْلِهِ ﴿ولا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِراطٍ﴾ [الأعراف: ٨٦]، أيْ: عَلى كُلِّ صِراطٍ فَكَأنَّهُ قِيلَ: ﴿حَقِيقٌ﴾ بِأنْ لا أقُولَ كَما تَقُولُ فُلانٌ حَقِيقٌ بِهَذا الأمْرِ وخَلِيقٌ بِهِ ويَشْهَدُ لِهَذا التَّوْجِيهِ قِراءَةُ أُبَيٍّ بِأنْ لا أقُولَ وضَعَ مَكانَ عَلى الباءَ، قالَ الأخْفَشُ: ولَيْسَ ذَلِكَ بِالمُطَّرِدِ لَوْ قُلْتَ ذَهَبْتُ عَلى زَيْدٍ تُرِيدُ بِزَيْدٍ لَمْ يَجُزْ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وفي المَشْهُورَةِ إشْكالٌ ولا يَخْلُو مِن وُجُوهٍ، أحَدُها: أنْ يَكُونَ مِمّا يُقْلَبُ مِنَ الكَلامِ لا مِنَ الإلْباسِ كَقَوْلِهِ: ؎وتَشْقى الرِّماحُ بِالضَّياطِرَةِ الحُمْرِ ومَعْناهُ وتَشْقى الضَّياطِرَةُ بِالرِّماحِ. انْتَهى هَذا الوَجْهُ، وأصْحابُنا يَخُصُّونَ القَلْبَ بِالشِّعْرِ ولا يُجِيزُونَهُ في فَصِيحِ الكَلامِ فَيَنْبَغِي أنْ يُنَزَّهَ القِراءَةُ عَنْهُ، وعَلى هَذا يَصِيرُ مَعْنى (p-٣٥٦)هَذِهِ القِراءَةِ مَعْنى قِراءَةِ نافِعٍ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والثّانِي أنَّ ما لَزِمَكَ لَزِمْتَهُ فَلَمّا كانَ قَوْلُ الحَقِّ حَقِيقًا عَلَيْهِ كانَ هو حَقِيقًا عَلى قَوْلِ الحَقِّ، أيْ: لازِمًا لَهُ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والثّالِثُ أنْ يُضَمَّنَ ﴿حَقِيقٌ﴾ مَعْنى حَرِيصٍ تَضْمِينَ هَيَّجَنِي مَعْنى ذَكَّرَنِي في بَيْتٍ الكِتابَ. انْتَهى يَعْنِي بِالكِتابِ كِتابَ سِيبَوَيْهِ، والبَيْتُ: ؎إذا تَغَنّى الحَمامُ الوُرْقُ هَيَّجَنِي ∗∗∗ ولَوْ تَسَلَّيْتُ عَنْها أُمَّ عَمّارِ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والرّابِعُ وهو الأوْجَهُ وإلّا دَخَلَ في نُكَتِ القُرْآنِ أنْ يَغْرَقَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - في وصْفِ نَفْسِهِ بِالصِّدْقِ في ذَلِكَ المَقامِ لا سِيَّما، وقَدْ رُوِيَ أنَّ عَدُوَّ اللَّهِ فِرْعَوْنَ قالَ لَمّا قالَ: ﴿إنِّي رَسُولٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ كَذَبْتَ فَيَقُولُ أنا حَقِيقٌ عَلَيَّ قَوْلُ الحَقِّ، أيْ: واجِبٌ عَلَيَّ قَوْلُ الحَقِّ أنْ أكُونَ أنا قائِلَهُ والقائِمَ بِهِ ولا يَرْضى إلّا بِمِثْلِي ناطِقًا بِهِ. انْتَهى ولا يَتَّضِحُ هَذا الوَجْهُ إلّا إنْ عَنى أنَّهُ يَكُونُ ﴿عَلى أنْ لا أقُولَ﴾ صِفَةً كَما تَقُولُ أنا عَلى قَوْلِ الحَقِّ، أيْ: طَرِيقِي وعادَتِي قَوْلُ الحَقِّ، وقالَ ابْنُ مِقْسَمٍ ﴿حَقِيقٌ﴾ مِن نَعْتِ الرَّسُولِ، أيْ: رَسُولٌ حَقِيقٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ أُرْسِلْتُ عَلى أنْ لا أقُولَ عَلى اللَّهِ إلّا الحَقَّ، وهَذا مَعْنًى صَحِيحٌ واضِحٌ، وقَدْ غَفَلَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ مِن أرْبابِ اللُّغَةِ عَنْ تَعْلِيقِ (عَلى) بِرَسُولٍ ولَمْ يَخْطُرْ لَهم تَعْلِيقُهُ إلّا بِقَوْلِهِ: ﴿حَقِيقٌ﴾ . انْتَهى. وكَلامُهُ فِيهِ تَناقُضٌ في الظّاهِرِ؛ لِأنَّهُ قَدَّرَ أوَّلًا العامِلَ في (عَلى) أُرْسِلْتُ، وقالَ آخَرُ: إنَّهم غَفَلُوا عَنْ تَعْلِيقِ (عَلى) بِرَسُولٍ فَأمّا هَذا الآخَرُ فَلا يَجُوزُ عَلى مَذْهَبِ البَصْرِيِّينَ؛ لِأنَّ رَسُولًا قَدْ وُصِفَ قَبْلَ أنْ يَأْخُذَ مَعْمُولَهُ، وذَلِكَ لا يَجُوزُ، وأمّا التَّقْدِيرُ الأوَّلُ وهو إضْمارُ أُرْسِلْتُ ويُفَسِّرُهُ لَفْظُ رَسُولٍ فَهو تَقْدِيرٌ سائِغٌ، وتَناوَلَ كَلامُ ابْنِ مِقْسَمٍ أخِيرًا في قَوْلِهِ عَنْ تَعْلِيقِ عَلى بِرَسُولٍ، أيْ: بِما دَلَّ عَلَيْهِ رَسُولٌ، وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ والأعْمَشُ حَقِيقٌ أنْ لا أقُولَ بِإسْقاطِ عَلى فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ عَلى إضْمارِ عَلى كَقِراءَةِ مَن قَرَأ بِها واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ عَلى إضْمارِ الباءِ كَقِراءَةِ أُبَيٍّ، وعَلى الِاحْتِمالَيْنِ يَكُونُ التَّعَلُّقُ بِحَقِيقٍ. ولَمّا ذَكَرَ أنَّهُ رَسُولٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ، وأنَّهُ لا يَقُولُ عَلى اللَّهِ إلّا الحَقَّ أخَذَ يَذْكَرُ المُعْجِزَةَ والخارِقَ الَّذِي يَدُلُّ عَلى صِدْقِ رِسالَتِهِ، والخِطابُ في (جِئْتُكم) لِفِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ الحاضِرِينَ مَعَهُ ومَعْنى (بِبَيِّنَةٍ) بِآيَةٍ بَيِّنَةٍ واضِحَةِ الدَّلالَةِ عَلى ما أذْكُرُهُ، والبَيِّنَةُ قِيلَ: التِّسْعُ الآياتِ المَذْكُورَةِ في قَوْلِهِ: ﴿فِي تِسْعِ آياتٍ إلى فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ﴾ [النمل: ١٢]، قالَ بَعْضُ العُلَماءِ وسِياقُ الآيَةِ يَقْتَضِي أنَّ البَيِّنَةَ هي العَصا واليَدُ البَيْضاءُ بِدَلِيلِ ما بَعْدَهُ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَألْقى عَصاهُ﴾، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ والأكْثَرُونَ هي العَصا وفي قَوْلِهِ: ﴿مِن رَبِّكُمْ﴾ [الأعراف: ٣] تَعْرِيضٌ أنَّ فِرْعَوْنَ لَيْسَ رَبًّا لَهم، بَلْ رَبُّهم هو الَّذِي جاءَ مُوسى بِالبَيِّنَةِ مِن عِنْدِهِ (فَأرْسِلْ)، أيْ: فَخَلِّ، والإرْسالُ ضِدُّ الإمْساكِ ﴿مَعِيَ بَنِي إسْرائِيلَ﴾، أيْ: حَتّى يَذْهَبُوا إلى أوْطانِهِمْ ومَوْلِدِ آبائِهِمُ الأرْضِ المُقَدَّسَةِ وذَلِكَ أنَّ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمّا تُوُفِّيَ وانْقَرَضَ الأسْباطُ غَلَبَ فِرْعَوْنُ عَلى نَسْلِهِمْ واسْتَعْبَدَهم في الأعْمالِ الشّاقَّةِ وكانُوا يُؤَدُّونَ إلَيْهِ الجَزاءَ فاسْتَنْقَذَهُمُ اللَّهُ بِمُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - وكانَ بَيْنَ اليَوْمِ الَّذِي دَخَلَ فِيهِ يُوسُفُ مِصْرَ، واليَوْمِ الَّذِي دَخَلَ فِيهِ مُوسى أرْبَعُمِائَةٍ عامٍ، والظّاهِرُ أنَّ مُوسى لَمْ يَطْلُبْ مِن فِرْعَوْنَ في هَذِهِ الآيَةِ إلّا إرْسالَ بَنِي إسْرائِيلَ مَعَهُ وفي غَيْرِ هَذِهِ الآيَةِ دُعاؤُهُ إيّاهُ إلى الإقْرارِ بِرُبُوبِيَّةِ اللَّهِ تَعالى وتَوْحِيدِهِ قالَ تَعالى: ﴿فَقُلْ هَلْ لَكَ إلى أنْ تَزَكّى وأهْدِيَكَ إلى رَبِّكَ فَتَخْشى﴾ [النازعات: ١٨] وكُلُّ نَبِيٍّ داعٍ إلى تَوْحِيدِ اللَّهِ تَعالى، وقالَ تَعالى حِكايَةً عَنْ فِرْعَوْنَ: ﴿أنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنا وقَوْمُهُما لَنا عابِدُونَ﴾ [المؤمنون: ٤٧] فَهَذا ونَظائِرُهُ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ طَلَبَ مِنهُ الإيمانَ خِلافًا لِمَن قالَ إنَّ مُوسى لَمْ يَدْعُهُ إلى الإيمانِ ولا إلى التِزامِ شَرْعِهِ ولَيْسَ بَنُو إسْرائِيلَ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ والقِبْطِ، ألا تَرى أنَّ بَقِيَّةَ القِبْطِ وهُمُ الأكْثَرُ لَمْ يَرْجِعْ إلَيْهِمْ مُوسى. (p-٣٥٧)﴿قالَ إنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِها إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ لَمّا عَرَضَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - رِسالَتَهُ عَلى فِرْعَوْنَ وذَكَرَ الدَّلِيلَ عَلى صِدْقِهِ وهو مَجِيئُهُ بِالبَيِّنَةِ والخارِقِ المُعْجِزِ اسْتَدْعى فِرْعَوْنُ مِنهُ خَرْقَ العادَةِ الدّالَّ عَلى الصِّدْقِ، وهَذا الِاسْتِدْعاءُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ عَلى سَبِيلِ الِاخْتِبارِ وتَجْوِيزِهِ ذَلِكَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ عَلى سَبِيلِ التَّعْجِيزِ لِما تَقَرَّرَ في ذِهْنِ فِرْعَوْنَ أنَّ مُوسى لا يَقْدِرُ عَلى الإتْيانِ بِبَيِّنَةٍ، والمَعْنى: إنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ مِن رَبِّكَ فَأحْضِرْها عِنْدِي لِتَصِحَّ دَعْواكَ ويَثْبُتَ صِدْقُكَ. ﴿فَألْقى عَصاهُ فَإذا هي ثُعْبانٌ مُبِينٌ﴾ بَدَأ بِالعَصا دُونَ سائِرِ المُعْجِزاتِ؛ لِأنَّها مُعْجِزَةٌ تَحْتَوِي عَلى مُعْجِزاتٍ كَثِيرَةٍ قالُوا مِنها أنَّهُ ضَرَبَ بِها بابَ فِرْعَوْنَ فَفَزِعَ مِن قَرْعِها فَشابَ رَأْسُهُ فَخُضِّبَ بِالسَّوادِ فَهو أوَّلُ مَن خَضَّبَ بِالسَّوادِ وانْقِلابُها ثُعْبانًا وانْقِلابُ خَشَبَةٍ لَحْمًا ودَمًا قائِمًا بِهِ الحَياةُ مِن أعْظَمِ الإعْجازِ ويَحْصُلُ مِنِ انْقِلابِها ثُعْبانًا مِنَ التَّهْوِيلِ ما لا يَحْصُلُ في غَيْرِهِ، وضَرْبُهُ بِها الحَجَرَ فَيَنْفَجِرُ عُيُونًا، وضَرْبُهُ بِها فَتُنْبِتُ. قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ومُحارَبَتُهُ بِها اللُّصُوصَ والسِّباعَ القاصِدَةَ غَنَمَهُ، واشْتِعالُها في اللَّيْلِ كاشْتِعالِ الشَّمْعَةِ وصَيْرُورَتِها كالرِّشا لِيَنْزَحَ بِها الماءَ مِنَ البِئْرِ العَمِيقَةِ وتَلَقُّفُها الحِبالَ والعِصِيَّ الَّتِي لِلسَّحَرَةِ، وإبْطالُها لِما صَنَعُوهُ مِن كَيْدِهِمْ وسِحْرِهِمْ، والإلْقاءُ حَقِيقَةٌ هو في الأجْرامِ ومَجازٌ في المَعانِي نَحْوُ ألْقى المَسْألَةَ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والسُّدِّيُّ: صارَتِ العَصا حَيَّةً عَظِيمَةً شَعْراءَ فاغِرَةً فاها، ما بَيْنَ لِحْيَيْها ثَمانُونَ ذِراعًا، وقِيلَ: أرْبَعُونَ، ذَكَرَهُ مَكِّيٌّ عَنْ فَرْقَدٍ واضِعَةً أحَدَ لِحْيَيْها بِالأرْضِ والآخَرَ عَلى سُورِ القَصْرِ وذَكَرُوا مِنِ اضْطِرابِ فِرْعَوْنَ وفَزَعِهِ وهَرَبِهِ ووَعْدِهِ مُوسى بِالإيمانِ إنْ عادَتْ إلى حالِها، وكَثْرَةِ مَن ماتَ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ فَزَعًا أشْياءَ لَمْ تَتَعَرَّضْ إلَيْها الآيَةُ ولا تَثْبُتْ في حَدِيثٍ صَحِيحٍ فاللَّهُ أعْلَمُ بِها، ومَعْنى (مُبِينٌ) ظاهِرٌ لا تَخْيِيلَ فِيهِ، بَلْ هو ثُعْبانٌ حَقِيقَةً، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: (وإذا) ظَرْفُ مَكانٍ في هَذا المَوْضِعِ عِنْدَ المُبَرِّدِ مِن حَيْثُ كانَتْ خَبَرًا عَنْ جُثَّةٍ، والصَّحِيحُ الَّذِي عَلَيْهِ شُيُوخُنا أنَّها ظَرْفُ مَكانٍ كَما قالَهُ المُبَرِّدُ وهو المَنسُوبُ إلى سِيبَوَيْهِ، وقَوْلُهُ مِن حَيْثُ كانَتْ خَبَرًا عَنْ جُثَّةٍ لَيْسَتْ في هَذا المَكانِ خَبَرًا عَنْ جُثَّةٍ، بَلْ خَبَرُ هي قَوْلُهُ: (ثُعْبانٌ) ولَوْ قُلْتَ (فَإذا هي) لَمْ يَكُنْ كَلامًا ويَنْبَغِي أنْ يُحْمَلَ كَلامُهُ مِن حَيْثُ كانَتْ خَبَرًا عَنْ جُثَّةٍ عَلى مِثْلِ: خَرَجْتُ فَإذا السَّبْعُ، عَلى تَأْوِيلِ مَن جَعَلَها ظَرْفَ مَكانٍ وما ذَكَرَهُ مِن أنَّ الصَّحِيحَ الَّذِي عَلَيْهِ النّاسُ أنَّها ظَرْفُ زَمانٍ هو مَذْهَبُ الرِّياشِيِّ ونُسِبَ أيْضًا إلى سِيبَوَيْهِ، ومَذْهَبُ الكُوفِيِّينَ أنَّ إذا الفُجائِيَّةَ حَرْفٌ لا اسْمٌ. ﴿ونَزَعَ يَدَهُ فَإذا هي بَيْضاءُ لِلنّاظِرِينَ﴾، أيْ: جَذَبَ (يَدَهُ) قِيلَ مِن جَيْبِهِ وهو الظّاهِرُ لِقَوْلِهِ: ﴿وأدْخِلْ يَدَكَ في جَيْبِكَ﴾ [النمل: ١٢]، وقِيلَ: مِن كُمِّهِ و(لِلنّاظِرِينَ)، أيْ: لِلنُّظّارِ وفي ذِكْرِ ذَلِكَ تَنْبِيهٌ عَلى عِظَمِ بَياضِها؛ لِأنَّهُ لا يَعْرِضُ لَها لِلنُّظّارِ إلّا إذا كانَ بَياضُها عَجِيبًا خارِجًا عَنِ العادَةِ يَجْتَمِعُ النّاسُ إلَيْهِ كَما يَجْتَمِعُ النُّظّارُ لِلْعَجائِبِ، قالَ مُجاهِدٌ: (بَيْضاءُ) كاللَّبَنِ، أوْ أشُدُّ بَياضًا، ورُوِيَ أنَّها كانَتْ تَظْهَرُ (p-٣٥٨)مُنِيرَةً شَفّافَةً كالشَّمْسِ، ثُمَّ يَرُدُّها فَتَرْجِعُ إلى لَوْنِ مُوسى، وكانَ آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - شَدِيدَ الأُدْمَةِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: صارَتْ نُورًا ساطِعًا يُضِيءُ لَهُ ما بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ لَهُ لَمَعانٌ مِثْلُ لَمَعانِ البَرْقِ فَخَرُّوا عَلى وُجُوهِهِمْ، وقالَ الكَلْبِيُّ: بَلَغَنا أنَّ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - قالَ يا فِرْعَوْنُ ما هَذِهِ بِيَدِي ؟ قالَ: هي عَصا، فَألْقاها مُوسى فَإذا هي ثُعْبانٌ، ورُوِيَ أنَّ فِرْعَوْنَ رَأى يَدَ مُوسى فَقالَ لِفِرْعَوْنَ ما هَذِهِ ؟ فَقالَ: يَدُكَ، ثُمَّ أدْخَلَها جَيْبَهُ، وعَلَيْهِ مِدْرَعَةُ صُوفٍ ونَزَعَها فَإذا هي بَيْضاءُ بَياضًا نُورانِيًّا، غَلَبَ شُعاعُها شُعاعَ الشَّمْسِ وما أعْجَبَ أمْرَ هَذَيْنِ الخارِقَيْنِ أحَدُهُما في نَفْسِهِ وذَلِكَ اليَدُ البَيْضاءُ، والآخَرُ في غَيْرِ نَفْسِهِ وهي العَصا، وجَمَعَ بِذَيْنِكَ تَبَدُّلَ الذَّرّاتِ وتَبَدُّلَ الأعْراضِ، فَكانا دالَّيْنِ عَلى جَوازِ الأمْرَيْنِ وإنَّهُما كِلاهُما مُمْكِنُ الوُقُوعِ، قالَ أبُو مُحَمَّدِ بْنُ عَطِيَّةَ: هاتانِ الآيَتانِ عَرَضَهُما مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِلْمُعارَضَةِ ودَعا إلى اللَّهِ بِهِما وخَرَقَ العادَةَ بِهِما وتَحَدّى النّاسَ إلى الدِّينِ بِهِما فَإذا جَعَلْنا التَّحَدِّيَ الدُّعاءَ إلى الدِّينِ مُطْلَقًا فَبِهِما تَحَدّى وإذا جَعَلْنا التَّحَدِّيَ الدُّعاءَ بَعْدَ العَجْزِ عَنْ مُعارَضَةِ المُعْجِزَةِ وظُهُورِ ذَلِكَ فَتَنْفَرِدُ حِينَئِذٍ العَصا بِذَلِكَ؛ لِأنَّ المُعارَضَةَ والمُعْجِزَ فِيها وقَعا ويُقالُ: التَّحَدِّي هو الدُّعاءُ إلى الإتْيانِ بِمِثْلِ المُعْجِزَةِ فَهَذِهِ نَحْوٌ ثالِثٌ، وعَلَيْهِ يَكُونُ تَحَدِّي مُوسى بِالآيَتَيْنِ جَمِيعًا؛ لِأنَّ الظّاهِرَ مِن أمْرِهِ أنَّهُ عَرَضَهُما مَعًا وإنْ كانَ لَمْ يَنُصَّ عَلى الدُّعاءِ إلى الإتْيانِ بِمِثْلِهِما. انْتَهى. وهو كَلامٌ فِيهِ تَثْبِيجٌ. ﴿قالَ المَلَأُ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ إنَّ هَذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ﴾ . وفي الشُّعَراءِ ﴿قالَ لِلْمَلَأِ حَوْلَهُ إنَّ هَذا لَساحِرٌ عَلِيمٍ﴾ [الشعراء: ٣٤] والجَمْعُ بَيْنَهُما أنَّ فِرْعَوْنَ وهم قالُوا هَذا الكَلامَ فَحَكى هُنا قَوْلَهم وهُناكَ قَوْلَهُ، أوْ قالَهُ ابْتِداءً فَتَلَقَّفَهُ مِنهُ المَلَأُ فَقالُوهُ لِأعْقابِهِمْ، أوْ قالُوهُ عَنْهُ لِلنّاسِ عَلى طَرِيقِ التَّبْلِيغِ كَما تَفْعَلُ المُلُوكُ يَرى الواحِدُ مِنهُمُ الرَّأْيَ فَيُكَلِّمُ بِهِ مَن يَلِيهِ مِنَ الخاصَّةِ، ثُمَّ تُبْلِغُهُ الخاصَّةُ العامَّةَ والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّهم أجابُوهُ في قَوْلِهِ: (أرْجِهْ) وكانَ السِّحْرُ إذْ ذاكَ في أعْلى المَراتِبِ فَلَمّا رَأوُا انْقِلابَ العَصا ثُعْبانًا والأدْماءَ بَيْضاءَ، وأنْكَرُوا النُّبُوَّةَ ودافَعُوهُ عَنْها قَصَدُوا ذَمَّهُ بِوَصْفِهِ بِالسِّحْرِ وحَطِّ قَدْرِهِ إذْ لَمْ يُمْكِنُهم في ظُهُورِ ما ظَهَرَ عَلى يَدِهِ نِسْبَةُ شَيْءٍ إلَيْهِ غَيْرَ السِّحْرِ وبالَغُوا في وصْفِهِ بِأنْ قالُوا: (عَلِيمٌ)، أيْ: بالِغُ الغايَةِ في عِلْمِ السِّحْرِ وخُدَعِهِ وخَيالاتِهِ وفُنُونِهِ، وأكْثَرُ اسْتِعْمالِ لَفْظِ هَذا إذا كانَ مِن كَلامِ الكُفّارِ في التَّنَقُّصِ والِاسْتِغْرابِ كَما قالَ: ﴿أهَذا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ﴾ [الأنبياء: ٣٦]، ﴿أهَذا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا﴾ [الفرقان: ٤١]، ﴿إنْ هَذا إلّا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ [الأنعام: ٢٥] ﴿ما هَذا إلّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ [المؤمنون: ٢٤] ﴿إنْ هَذانِ لَساحِرانِ﴾ [طه: ٦٣] ﴿إنْ كانَ هَذا هو الحَقَّ مِن عِنْدِكَ﴾ [الأنفال: ٣٢] يَعْدِلُونَ عَنْ لَفْظِ اسْمِ ذَلِكَ الشَّيْءِ إلى لَفْظِ الإشارَةِ وأكَدُّوا نِسْبَةَ السِّحْرِ إلَيْهِ بِدُخُولِ إنَّ واللّامِ. ﴿يُرِيدُ أنْ يُخْرِجَكم مِن أرْضِكم فَماذا تَأْمُرُونَ﴾ اسْتَشْعَرَتْ نُفُوسُهم ما صارَ إلَيْهِ أمْرُهم مِن إخْراجِهِمْ مِن أرْضِهِمْ وخُلُوِّ مَواطِنِهِمْ مِنهم وخَرابِ بُيُوتِهِمْ فَبادَرُوا (p-٣٥٩)إلى الإخْبارِ بِذَلِكَ، وكانَ الأمْرُ كَما اسْتَشْعَرُوا إذْ غَرَّقَ اللَّهُ فِرْعَوْنَ وآلَهُ وأخْلى مَنازِلَهم مِنهم ونَبَّهُوا عَلى هَذا الوَصْفِ الصَّعْبِ الَّذِي هو مُعادِلٌ لِقَتْلِ الأنْفُسِ كَما قالَ: ﴿ولَوْ أنّا كَتَبْنا عَلَيْهِمْ أنِ اقْتُلُوا أنْفُسَكم أوِ اخْرُجُوا مِن دِيارِكم ما فَعَلُوهُ إلّا قَلِيلٌ مِنهُمْ﴾ [النساء: ٦٦] وأرادَ بِهِ إحْراجَهم إمّا بِكَوْنِهِ يَحْكُمُ فِيكم بِإرْسالِ خَدَمِكم وعَمارِ أرْضِكم مَعَهُ حَيْثُ يَسِيرُ فَيُفْضِي ذَلِكَ إلى خَرابِ دِيارِكم وإمّا بِكَوْنِهِمْ خافُوا مِنهُ أنْ يُقاتِلَهم بِمَن يَجْتَمِعُ إلَيْهِ مِن بَنِي إسْرائِيلَ ويَغْلِبَ عَلى مُلْكِهِمْ قالَ النَّقّاشُ كانُوا يَأْخُذُونَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ خَرْجًا كالجِزْيَةِ فَرَأوْا أنَّ مُلْكَهم يَذْهَبُ بِزَوالِ ذَلِكَ وجاءَ في سُورَةِ الشُّعَراءِ ﴿بِسِحْرِهِ﴾ [الشعراء: ٣٥] وهُنا حُذِفَتْ لِأنَّ الآيَةَ الأُولى هُنا بُنِيَتْ عَلى الِاخْتِصارِ فَناسَبَتِ الحَذْفَ، ولِأنَّ لَفْظَ ساحِرٍ يَدُلُّ عَلى السِّحْرِ و﴿فَماذا تَأْمُرُونَ﴾ مِن قَوْلِ فِرْعَوْنَ أوْ مِن قَوْلِ المَلَأِ إمّا لِفِرْعَوْنَ وأصْحابِهِ وإمّا لَهُ وحْدَهُ كَما يُخاطَبُ أفْرادُ العُظَماءِ بِلَفْظِ الجَمْعِ وهو مِنَ الأمْرِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مَعْناهُ تُشِيرُونَ بِهِ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مِن أمَرْتُهُ فَأمَرَنِي بِكَذا أيْ شاوَرْتُهُ فَأشارَ عَلَيْكَ بِرَأْيٍ، وقَرَأ الجُمْهُورُ (تَأْمُرُونَ) بِفَتْحِ النُّونِ هُنا وفي الشُّعَراءِ ورَوى كَرْدَمٌ عَنْ نافِعٍ بِكَسْرِ النُّونِ فِيهِما وماذا يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ كُلُّها اسْتِفَهامًا وتَكُونُ مَفْعُولًا ثانِيًا لِتَأْمُرُونِ عَلى سَبِيلِ التَّوَسُّعِ فِيهِ بِأنْ حَذَفَ مِنهُ حَرْفَ الجَرِّ، كَما قالَ أمَرْتُكَ الخَيْرَ ويَكُونُ المَفْعُولُ الأوَّلُ مَحْذُوفًا لِفَهْمِ المَعْنى أيْ أيُّ شَيْءٍ تَأْمُرُونَنِي، وأصْلُهُ بِأيِّ شَيْءٍ ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ ما اسْتِفْهامًا مُبْتَدَأً، و(ذا) بِمَعْنى الَّذِي خَبَرٌ عَنْهُ و(تَأْمُرُونَ) صِلَةَ ذا، ويَكُونُ قَدْ حُذِفَ مِنهُ مَفْعُولَيْ (تَأْمُرُونَ) الأوَّلُ وهو ضَمِيرُ المُتَكَلِّمِ والثّانِي وهو الضَّمِيرُ العائِدُ عَلى المَوْصُولِ، والتَّقْدِيرُ فَأيُّ شَيْءِ الَّذِي تَأْمُرُونَنِيهِ أيْ تَأْمُرُنَنِي بِهِ، وكِلا الإعْرابَيْنِ في ماذا جائِزٌ في قِراءَةِ مَن كَسَرَ النُّونَ إلّا أنَّهُ حَذَفَ ياءَ المُتَكَلِّمِ وأبْقى الكَسْرَةَ دَلالَةً عَلَيْها، وقَدَّرَ ابْنُ عَطِيَّةَ الضَّمِيرَ العائِدَ عَلى ذا إذا كانَتْ مَوْصُولَةً مَقْرُونَةً بِحَرْفِ الجَرِّ، فَقالَ وفي (تَأْمُرُونَ) ضَمِيرٌ عائِدٌ عَلى (الَّذِي) تَقْدِيرُهُ تَأْمُرُونَ بِهِ انْتَهى. وهَذا لَيْسَ بِجَيِّدٍ لِفَواتِ شَرْطِ جَوازِ حَذْفِ الضَّمِيرِ إذا كانَ مَجْرُورًا بِحَرْفِ الجَرِّ وذَلِكَ الشَّرْطُ هو أنْ لا يَكُونَ الضَّمِيرُ في مَوْضِعِ رَفْعٍ وأنْ يَجُرَّ ذَلِكَ الحَرْفُ المَوْصُولَ أوِ المَوْصُوفَ بِهِ أوِ المُضافَ إلَيْهِ ويَتَّحِدَ المُتَعَلِّقُ بِهِ الحَرْفانِ لَفْظًا ومَعْنًى ويَتَّحِدَ مَعْنى الحَرْفِ أيْضًا لِابْنِ عَطِيَّةَ أنَّهُ قَدَّرَهُ عَلى الأصْلِ ثُمَّ اتَّسَعَ فِيهِ فَتَعَدّى إلَيْهِ الفِعْلُ بِغَيْرِ واسِطَةِ الحُرُوفِ، ثُمَّ حُذِفَ بَعْدَ الِاتِّساعِ. ﴿قالُوا أرْجِهْ وأخاهُ﴾ أيْ قالَ مَن حَضَرَ مُناظَرَةَ مُوسى مِن عُقَلاءِ مَلَأِ فِرْعَوْنَ وأشْرافِهِ قِيلَ: ولَمْ يَكُنْ يُجالِسُ فِرْعَوْنَ ولَدُ غَيَّةٍ وإنَّما كانُوا أشْرافًا ولِذَلِكَ أشارُوا عَلَيْهِ بِالإرْجاءِ ولَمْ يُشِيرُوا بِالقَتْلِ وقالُوا: إنْ قَتَلْتَهُ دَخَلَتْ عَلى النّاسِ شُبْهَةٌ ولَكِنِ اغْلِبْهُ بِالحُجَّةِ، وقُرِئَ بِالهَمْزِ وبِغَيْرِ هَمْزٍ فَقِيلَ هُما بِمَعْنًى واحِدٍ، وقِيلَ المَعْنى احْبِسْهُ، وقِيلَ: أرْجِهْ بِغَيْرِ هَمْزٍ أطْمِعْهُ جَعَلَهُ مِن رَجَوْتَ أدْخَلَ عَلَيْهِ هَمْزَةَ الفِعْلِ أيْ أطْمِعْهُ وأخاهُ ولا تَقْتُلْهُما حَتّى يَظْهَرَ كَذِبَهُما فَإنَّكَ إنْ قَتَلْتَهُما ظُنَّ أنَّهُما صَدَقا ولَمْ يَجْرِ لِهارُونَ ذِكْرٌ في صَدْرِ القِصَّةِ وقَدْ تَبَيَّنَ مِن غَيْرِ آيَةٍ أنَّهُما ذَهَبا مَعًا وأُرْسِلا إلى فِرْعَوْنَ ولَمّا كانَ مُوافِقًا لَهُ في دَعْواهُ (p-٣٦٠)ومُؤازِرًا أشارُوا بِإرْجائِهِما، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وهِشامٌ (أرْجِئْهُو) بِالهَمْزِ وضَمِّ الهاءِ ووَصْلِها بِواوٍ، وأبُو عَمْرٍو كَذَلِكَ إلّا أنَّهُ لَمْ يَصِلْ، ورُوِيَ هَذا عَنْ هِشامٍ وعَنْ يَحْيى عَنْ أبِي بَكْرٍ، وقَرَأ ورْشٌ والكِسائِيُّ (أرْجِهِي) بِغَيْرِ هَمْزٍ وبِكَسْرِ الهاءِ ووَصْلِها بِياءٍ، وقَرَأ عاصِمٌ وحَمْزَةُ بِغَيْرِ هَمْزٍ وسَكَّنا الهاءَ، وقَرَأ قالُونُ بِغَيْرِ هَمْزٍ ومُخْتَلِسٌ كَسْرَةَ الهاءِ، وقَرَأ ابْنُ ذَكْوانَ في رِوايَةٍ كَقِراءَةِ ورْشٍ والكِسائِيِّ، وفي المَشْهُورِ عَنْهُ أرْجِئْهِ بِالهَمْزِ وكَسْرِ الهاءِ مِن غَيْرِ صِلَةٍ، وقَدْ قِيلَ عَنْهُ أنَّهُ يَصِلُها بِياءٍ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ أرْجِئْهِ بِكَسْرِ الهاءِ بِهَمْزَةٍ قَبْلَها، قالَ الفارِسِيُّ: وهَذا غَلَطٌ انْتَهى. ونِسْبَةُ ابْنِ عَطِيَّةَ هَذِهِ القِراءَةَ لِابْنِ عامِرٍ لَيْسَ بِجَيِّدٍ؛ لِأنَّ الَّذِي رَوى ذَلِكَ إنَّما هو ابْنُ ذَكْوانَ لا هِشامٌ فَكانَ يَنْبَغِي أنْ يُقَيِّدَ فَيَقُولَ وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ في رِوايَةِ ابْنِ ذَكْوانَ وقالَ بَعْضُهم: قالَ أبُو عَلِيٍّ ضَمُّ الهاءِ مَعَ الهَمْزِ لا يَجُوزُ غَيْرُهُ قالَ: ورِوايَةُ ابْنِ ذَكْوانَ عَنِ ابْنِ عامِرٍ غَلَطٌ وقالَ ابْنُ مُجاهِدٍ بَعْدَهُ وهَذا لا يَجُوزُ لِأنَّ الهاءَ لا تُكْسَرُ إلّا إذا وقَعَ قَبْلَها كَسْرَةٌ أوْ ياءٌ ساكِنَةٌ، وقالَ الحَوْفِيُّ: ومِنَ القُرّاءِ مَن يَكْسِرُ مَعَ الهَمْزِ ولَيْسَ بِجَيِّدٍ، وقالَ أبُو البَقاءِ: ويُقْرَأُ بِكَسْرِ الهاءِ مَعَ الهَمْزِ وهو ضَعِيفٌ لِأنَّ الهَمْزَ حَرْفٌ صَحِيحٌ ساكِنٌ فَلَيْسَ قَبْلَ الهاءِ ما يَقْتَضِي الكَسْرَ، ووَجْهُهُ أنَّهُ أتْبَعَ الهاءَ كَسْرَةَ الجِيمِ والحاجِزُ غَيْرُ حَصِينٍ ويَخْرُجُ أيْضًا عَلى تَوَهُّمِ إبْدالِ الهَمْزِ ياءً أوْ عَلى أنَّ الهَمْزَ لَمّا كانَ كَثِيرًا ما يُبَدَّلُ بِحَرْفِ العِلَّةِ أُجْرِي مَجْرى حَرْفِ العِلَّةِ في كَسْرِ ما بَعْدَهُ، وما ذَهَبَ إلَيْهِ الفارِسِيُّ وغَيْرُهُ مِن غَلَطِ هَذِهِ القِراءَةِ، وأنَّها لا تَجُوزُ قَوْلٌ فاسِدٌ؛ لِأنَّها قِراءَةٌ ثابِتَةٌ مُتَواتِرَةٌ رَوَتْها الأكابِرُ عَنِ الأئِمَّةِ وتَلَقَّتْها الأُمَّةُ بِالقَبُولِ ولَها تَوْجِيهٌ في العَرَبِيَّةِ ولَيْسَتِ الهَمْزَةُ كَغَيْرِها مِنَ الحُرُوفِ الصَّحِيحَةِ لِأنَّها قابِلَةٌ لِلتَّغْيِيرِ بِالإبْدالِ والحَرْفِ بِالنَّقْلِ وغَيْرِهِ فَلا وجْهَ لِإنْكارِ هَذِهِ القِراءَةِ. ﴿وأرْسِلْ في المَدائِنِ حاشِرِينَ﴾ ﴿يَأْتُوكَ بِكُلِّ ساحِرٍ عَلِيمٍ﴾ (المَدائِنِ) مَدائِنُ مِصْرَ وقُراها: ”والحاشِرُونَ“، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هم أصْحابُ الشُّرَطِ، وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ لَمّا رَأى فِرْعَوْنَ مِن آياتِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ ما رَأى قالَ: لَنْ نُغالِبَ مُوسى إلّا بِمَن هو مِنهُ فاتَّخَذَ غِلْمانًا مِن بَنِي إسْرائِيلَ فَبَعَثَ بِهِمْ إلى قَرْيَةٍ. قالَ البَغَوِيُّ: هي الفَرَما يُعَلِّمُونَهُمُ السِّحْرَ كَما يُعَلِّمُونَ الصِّبْيانَ في المَكْتَبِ فَعَلَّمُوهم سِحْرًا كَثِيرًا، وواعَدَ فِرْعَوْنُ مُوسى مَوْعِدًا، ثُمَّ دَعاهم وسَألَهم فَقالَ: ماذا صَنَعْتُمْ قالُوا: عَلَّمْناهم مِنَ السِّحْرِ ما لا يُقاوِمُهم بِهِ أهْلُ الأرْضِ إلّا أنْ يَكُونَ أمْرًا مِنَ السَّماءِ فَإنَّهُ لا طاقَةَ لَنا بِهِ، وقَرَأ الأخَوانِ بِكُلِّ سَحّارٍ هُنا وفي يُونُسَ والباقُونَ (ساحِرٍ) وفي الشُّعَراءِ أجْمَعُوا عَلى سَحّارٍ وتُناسِبُ سَحّارٌ (عَلِيمٌ) لِكَوْنِهِما مِن ألْفاظِ المُبالَغَةِ، ولَمّا كانَ قَدْ تَقَدَّمَ ﴿إنَّ هَذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ﴾ ناسَبَ هُنا أنْ يُقابِلَ بِقَوْلِهِ: ﴿بِكُلِّ ساحِرٍ عَلِيمٍ﴾ .

الأعراف 7:109

﴿وقالَ مُوسى يا فِرْعَوْنُ إنِّي رَسُولٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿حَقِيقٌ عَلى أنْ لا أقُولَ عَلى اللَّهِ إلّا الحَقَّ قَدْ جِئْتُكم بِبَيِّنَةٍ مِن رَبِّكم فَأرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ هَذِهِ مُحاوَرَةٌ مِن مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِفِرْعَوْنَ وخِطابٌ لَهُ بِأحْسَنِ ما يُدْعى بِهِ، وأحَبِّها إلَيْهِ إذْ كانَ مَن مَلَكَ مِصْرَ يُقالُ لَهُ فِرْعَوْنٌ كَنُمْرُودَ في يُونانَ، وقَيْصَرَ في الرُّومِ، وكِسْرى في فارِسَ، والنَّجاشِيِّ في الحَبَشَةِ وعَلى هَذا لا يَكُونُ فِرْعَوْنُ وأمْثالُهُ عَلَمًا شَخْصِيًّا، بَلْ يَكُونُ عَلَمَ جِنْسٍ كَأُسامَةَ وثُعالَةَ، ولَمّا كانَ فِرْعَوْنُ قَدِ ادَّعى الرُّبُوبِيَّةَ فاتَحَهُ مُوسى بِقَوْلِهِ: ﴿إنِّي رَسُولٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ لِيُنَبِّهَهُ عَلى الوَصْفِ الَّذِي ادَّعاهُ، وأنَّهُ فِيهِ مُبْطِلٌ لا مُحِقٌّ ولَمّا كانَ قَوْلُهُ: ﴿حَقِيقٌ عَلى أنْ لا أقُولَ عَلى اللَّهِ إلّا الحَقَّ﴾ أرْدَفَها بِما يَدُلُّ عَلى صِحَّتِها وهو قَوْلُهُ: (قَدْ جِئْتُكم) ولَمّا قَرَّرَ رِسالَتَهُ فَرَّعَ عَلَيْها تَبْلِيغَ الحُكْمِ وهو قَوْلُهُ: (فَأرْسِلْ) ولَمْ يُنازِعْهُ فِرْعَوْنُ في هَذِهِ السُّورَةِ في شَيْءٍ مِمّا ذَكَرَهُ مُوسى إلّا أنَّهُ طَلَبَ المُعْجِزَةَ ودَلَّ ذَلِكَ عَلى مُوافَقَتِهِ لِمُوسى، وأنَّ الرِّسالَةَ مُمْكِنَةٌ لِإمْكانِ المُعْجِزَةِ إذْ لَمْ يَدْفَعْ إمْكانَها، بَلْ قالَ: ﴿إنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ﴾ ويَأْتِي الكَلامُ عَلى هَذا الطَّلَبِ مِن فِرْعَوْنَ لِلْمُعْجِزَةِ، وقَرَأ نافِعٌ (عَلَيَّ أنْ لا أقُولَ) بِتَشْدِيدِ الياءِ جَعَلَ (عَلى) داخِلَةً عَلى ياءِ المُتَكَلِّمِ، ومَعْنى ﴿حَقِيقٌ﴾ جَدِيرٌ وخَلِيقٌ وارْتِفاعُهُ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِرَسُولٍ، أوْ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ و﴿أنْ لا أقُولَ﴾ الأحْسَنُ فِيهِ أنْ يَكُونَ فاعِلًا بِحَقِيقٍ كَأنَّهُ قِيلَ: يَحِقُّ عَلَيَّ كَذا ويَجِبُ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ﴿أنْ لا أقُولَ﴾ مُبْتَدَأٌ و﴿حَقِيقٌ﴾ خَبَرُهُ، وقالَ قَوْمٌ تَمَّ الكَلامُ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿حَقِيقٌ﴾ و﴿عَلى أنْ لا أقُولَ﴾ مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ، وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ عَلَيَّ بِجَرِّها ﴿أنْ لا أقُولَ﴾، أيْ: ﴿حَقِيقٌ﴾ عَلَيَّ قَوْلُ الحَقِّ، فَقالَ قَوْمٌ ضَمَّنَ ﴿حَقِيقٌ﴾ مَعْنى حَرِيصٍ، وقالَ أبُو الحَسَنِ والفَرّاءُ والفارِسِيُّ: عَلَيَّ بِمَعْنى الباءِ كَما أنَّ الباءَ بِمَعْنى عَلى في قَوْلِهِ ﴿ولا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِراطٍ﴾ [الأعراف: ٨٦]، أيْ: عَلى كُلِّ صِراطٍ فَكَأنَّهُ قِيلَ: ﴿حَقِيقٌ﴾ بِأنْ لا أقُولَ كَما تَقُولُ فُلانٌ حَقِيقٌ بِهَذا الأمْرِ وخَلِيقٌ بِهِ ويَشْهَدُ لِهَذا التَّوْجِيهِ قِراءَةُ أُبَيٍّ بِأنْ لا أقُولَ وضَعَ مَكانَ عَلى الباءَ، قالَ الأخْفَشُ: ولَيْسَ ذَلِكَ بِالمُطَّرِدِ لَوْ قُلْتَ ذَهَبْتُ عَلى زَيْدٍ تُرِيدُ بِزَيْدٍ لَمْ يَجُزْ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وفي المَشْهُورَةِ إشْكالٌ ولا يَخْلُو مِن وُجُوهٍ، أحَدُها: أنْ يَكُونَ مِمّا يُقْلَبُ مِنَ الكَلامِ لا مِنَ الإلْباسِ كَقَوْلِهِ: ؎وتَشْقى الرِّماحُ بِالضَّياطِرَةِ الحُمْرِ ومَعْناهُ وتَشْقى الضَّياطِرَةُ بِالرِّماحِ. انْتَهى هَذا الوَجْهُ، وأصْحابُنا يَخُصُّونَ القَلْبَ بِالشِّعْرِ ولا يُجِيزُونَهُ في فَصِيحِ الكَلامِ فَيَنْبَغِي أنْ يُنَزَّهَ القِراءَةُ عَنْهُ، وعَلى هَذا يَصِيرُ مَعْنى (p-٣٥٦)هَذِهِ القِراءَةِ مَعْنى قِراءَةِ نافِعٍ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والثّانِي أنَّ ما لَزِمَكَ لَزِمْتَهُ فَلَمّا كانَ قَوْلُ الحَقِّ حَقِيقًا عَلَيْهِ كانَ هو حَقِيقًا عَلى قَوْلِ الحَقِّ، أيْ: لازِمًا لَهُ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والثّالِثُ أنْ يُضَمَّنَ ﴿حَقِيقٌ﴾ مَعْنى حَرِيصٍ تَضْمِينَ هَيَّجَنِي مَعْنى ذَكَّرَنِي في بَيْتٍ الكِتابَ. انْتَهى يَعْنِي بِالكِتابِ كِتابَ سِيبَوَيْهِ، والبَيْتُ: ؎إذا تَغَنّى الحَمامُ الوُرْقُ هَيَّجَنِي ∗∗∗ ولَوْ تَسَلَّيْتُ عَنْها أُمَّ عَمّارِ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والرّابِعُ وهو الأوْجَهُ وإلّا دَخَلَ في نُكَتِ القُرْآنِ أنْ يَغْرَقَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - في وصْفِ نَفْسِهِ بِالصِّدْقِ في ذَلِكَ المَقامِ لا سِيَّما، وقَدْ رُوِيَ أنَّ عَدُوَّ اللَّهِ فِرْعَوْنَ قالَ لَمّا قالَ: ﴿إنِّي رَسُولٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ كَذَبْتَ فَيَقُولُ أنا حَقِيقٌ عَلَيَّ قَوْلُ الحَقِّ، أيْ: واجِبٌ عَلَيَّ قَوْلُ الحَقِّ أنْ أكُونَ أنا قائِلَهُ والقائِمَ بِهِ ولا يَرْضى إلّا بِمِثْلِي ناطِقًا بِهِ. انْتَهى ولا يَتَّضِحُ هَذا الوَجْهُ إلّا إنْ عَنى أنَّهُ يَكُونُ ﴿عَلى أنْ لا أقُولَ﴾ صِفَةً كَما تَقُولُ أنا عَلى قَوْلِ الحَقِّ، أيْ: طَرِيقِي وعادَتِي قَوْلُ الحَقِّ، وقالَ ابْنُ مِقْسَمٍ ﴿حَقِيقٌ﴾ مِن نَعْتِ الرَّسُولِ، أيْ: رَسُولٌ حَقِيقٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ أُرْسِلْتُ عَلى أنْ لا أقُولَ عَلى اللَّهِ إلّا الحَقَّ، وهَذا مَعْنًى صَحِيحٌ واضِحٌ، وقَدْ غَفَلَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ مِن أرْبابِ اللُّغَةِ عَنْ تَعْلِيقِ (عَلى) بِرَسُولٍ ولَمْ يَخْطُرْ لَهم تَعْلِيقُهُ إلّا بِقَوْلِهِ: ﴿حَقِيقٌ﴾ . انْتَهى. وكَلامُهُ فِيهِ تَناقُضٌ في الظّاهِرِ؛ لِأنَّهُ قَدَّرَ أوَّلًا العامِلَ في (عَلى) أُرْسِلْتُ، وقالَ آخَرُ: إنَّهم غَفَلُوا عَنْ تَعْلِيقِ (عَلى) بِرَسُولٍ فَأمّا هَذا الآخَرُ فَلا يَجُوزُ عَلى مَذْهَبِ البَصْرِيِّينَ؛ لِأنَّ رَسُولًا قَدْ وُصِفَ قَبْلَ أنْ يَأْخُذَ مَعْمُولَهُ، وذَلِكَ لا يَجُوزُ، وأمّا التَّقْدِيرُ الأوَّلُ وهو إضْمارُ أُرْسِلْتُ ويُفَسِّرُهُ لَفْظُ رَسُولٍ فَهو تَقْدِيرٌ سائِغٌ، وتَناوَلَ كَلامُ ابْنِ مِقْسَمٍ أخِيرًا في قَوْلِهِ عَنْ تَعْلِيقِ عَلى بِرَسُولٍ، أيْ: بِما دَلَّ عَلَيْهِ رَسُولٌ، وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ والأعْمَشُ حَقِيقٌ أنْ لا أقُولَ بِإسْقاطِ عَلى فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ عَلى إضْمارِ عَلى كَقِراءَةِ مَن قَرَأ بِها واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ عَلى إضْمارِ الباءِ كَقِراءَةِ أُبَيٍّ، وعَلى الِاحْتِمالَيْنِ يَكُونُ التَّعَلُّقُ بِحَقِيقٍ. ولَمّا ذَكَرَ أنَّهُ رَسُولٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ، وأنَّهُ لا يَقُولُ عَلى اللَّهِ إلّا الحَقَّ أخَذَ يَذْكَرُ المُعْجِزَةَ والخارِقَ الَّذِي يَدُلُّ عَلى صِدْقِ رِسالَتِهِ، والخِطابُ في (جِئْتُكم) لِفِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ الحاضِرِينَ مَعَهُ ومَعْنى (بِبَيِّنَةٍ) بِآيَةٍ بَيِّنَةٍ واضِحَةِ الدَّلالَةِ عَلى ما أذْكُرُهُ، والبَيِّنَةُ قِيلَ: التِّسْعُ الآياتِ المَذْكُورَةِ في قَوْلِهِ: ﴿فِي تِسْعِ آياتٍ إلى فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ﴾ [النمل: ١٢]، قالَ بَعْضُ العُلَماءِ وسِياقُ الآيَةِ يَقْتَضِي أنَّ البَيِّنَةَ هي العَصا واليَدُ البَيْضاءُ بِدَلِيلِ ما بَعْدَهُ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَألْقى عَصاهُ﴾، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ والأكْثَرُونَ هي العَصا وفي قَوْلِهِ: ﴿مِن رَبِّكُمْ﴾ [الأعراف: ٣] تَعْرِيضٌ أنَّ فِرْعَوْنَ لَيْسَ رَبًّا لَهم، بَلْ رَبُّهم هو الَّذِي جاءَ مُوسى بِالبَيِّنَةِ مِن عِنْدِهِ (فَأرْسِلْ)، أيْ: فَخَلِّ، والإرْسالُ ضِدُّ الإمْساكِ ﴿مَعِيَ بَنِي إسْرائِيلَ﴾، أيْ: حَتّى يَذْهَبُوا إلى أوْطانِهِمْ ومَوْلِدِ آبائِهِمُ الأرْضِ المُقَدَّسَةِ وذَلِكَ أنَّ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمّا تُوُفِّيَ وانْقَرَضَ الأسْباطُ غَلَبَ فِرْعَوْنُ عَلى نَسْلِهِمْ واسْتَعْبَدَهم في الأعْمالِ الشّاقَّةِ وكانُوا يُؤَدُّونَ إلَيْهِ الجَزاءَ فاسْتَنْقَذَهُمُ اللَّهُ بِمُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - وكانَ بَيْنَ اليَوْمِ الَّذِي دَخَلَ فِيهِ يُوسُفُ مِصْرَ، واليَوْمِ الَّذِي دَخَلَ فِيهِ مُوسى أرْبَعُمِائَةٍ عامٍ، والظّاهِرُ أنَّ مُوسى لَمْ يَطْلُبْ مِن فِرْعَوْنَ في هَذِهِ الآيَةِ إلّا إرْسالَ بَنِي إسْرائِيلَ مَعَهُ وفي غَيْرِ هَذِهِ الآيَةِ دُعاؤُهُ إيّاهُ إلى الإقْرارِ بِرُبُوبِيَّةِ اللَّهِ تَعالى وتَوْحِيدِهِ قالَ تَعالى: ﴿فَقُلْ هَلْ لَكَ إلى أنْ تَزَكّى وأهْدِيَكَ إلى رَبِّكَ فَتَخْشى﴾ [النازعات: ١٨] وكُلُّ نَبِيٍّ داعٍ إلى تَوْحِيدِ اللَّهِ تَعالى، وقالَ تَعالى حِكايَةً عَنْ فِرْعَوْنَ: ﴿أنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنا وقَوْمُهُما لَنا عابِدُونَ﴾ [المؤمنون: ٤٧] فَهَذا ونَظائِرُهُ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ طَلَبَ مِنهُ الإيمانَ خِلافًا لِمَن قالَ إنَّ مُوسى لَمْ يَدْعُهُ إلى الإيمانِ ولا إلى التِزامِ شَرْعِهِ ولَيْسَ بَنُو إسْرائِيلَ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ والقِبْطِ، ألا تَرى أنَّ بَقِيَّةَ القِبْطِ وهُمُ الأكْثَرُ لَمْ يَرْجِعْ إلَيْهِمْ مُوسى. (p-٣٥٧)﴿قالَ إنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِها إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ لَمّا عَرَضَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - رِسالَتَهُ عَلى فِرْعَوْنَ وذَكَرَ الدَّلِيلَ عَلى صِدْقِهِ وهو مَجِيئُهُ بِالبَيِّنَةِ والخارِقِ المُعْجِزِ اسْتَدْعى فِرْعَوْنُ مِنهُ خَرْقَ العادَةِ الدّالَّ عَلى الصِّدْقِ، وهَذا الِاسْتِدْعاءُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ عَلى سَبِيلِ الِاخْتِبارِ وتَجْوِيزِهِ ذَلِكَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ عَلى سَبِيلِ التَّعْجِيزِ لِما تَقَرَّرَ في ذِهْنِ فِرْعَوْنَ أنَّ مُوسى لا يَقْدِرُ عَلى الإتْيانِ بِبَيِّنَةٍ، والمَعْنى: إنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ مِن رَبِّكَ فَأحْضِرْها عِنْدِي لِتَصِحَّ دَعْواكَ ويَثْبُتَ صِدْقُكَ. ﴿فَألْقى عَصاهُ فَإذا هي ثُعْبانٌ مُبِينٌ﴾ بَدَأ بِالعَصا دُونَ سائِرِ المُعْجِزاتِ؛ لِأنَّها مُعْجِزَةٌ تَحْتَوِي عَلى مُعْجِزاتٍ كَثِيرَةٍ قالُوا مِنها أنَّهُ ضَرَبَ بِها بابَ فِرْعَوْنَ فَفَزِعَ مِن قَرْعِها فَشابَ رَأْسُهُ فَخُضِّبَ بِالسَّوادِ فَهو أوَّلُ مَن خَضَّبَ بِالسَّوادِ وانْقِلابُها ثُعْبانًا وانْقِلابُ خَشَبَةٍ لَحْمًا ودَمًا قائِمًا بِهِ الحَياةُ مِن أعْظَمِ الإعْجازِ ويَحْصُلُ مِنِ انْقِلابِها ثُعْبانًا مِنَ التَّهْوِيلِ ما لا يَحْصُلُ في غَيْرِهِ، وضَرْبُهُ بِها الحَجَرَ فَيَنْفَجِرُ عُيُونًا، وضَرْبُهُ بِها فَتُنْبِتُ. قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ومُحارَبَتُهُ بِها اللُّصُوصَ والسِّباعَ القاصِدَةَ غَنَمَهُ، واشْتِعالُها في اللَّيْلِ كاشْتِعالِ الشَّمْعَةِ وصَيْرُورَتِها كالرِّشا لِيَنْزَحَ بِها الماءَ مِنَ البِئْرِ العَمِيقَةِ وتَلَقُّفُها الحِبالَ والعِصِيَّ الَّتِي لِلسَّحَرَةِ، وإبْطالُها لِما صَنَعُوهُ مِن كَيْدِهِمْ وسِحْرِهِمْ، والإلْقاءُ حَقِيقَةٌ هو في الأجْرامِ ومَجازٌ في المَعانِي نَحْوُ ألْقى المَسْألَةَ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والسُّدِّيُّ: صارَتِ العَصا حَيَّةً عَظِيمَةً شَعْراءَ فاغِرَةً فاها، ما بَيْنَ لِحْيَيْها ثَمانُونَ ذِراعًا، وقِيلَ: أرْبَعُونَ، ذَكَرَهُ مَكِّيٌّ عَنْ فَرْقَدٍ واضِعَةً أحَدَ لِحْيَيْها بِالأرْضِ والآخَرَ عَلى سُورِ القَصْرِ وذَكَرُوا مِنِ اضْطِرابِ فِرْعَوْنَ وفَزَعِهِ وهَرَبِهِ ووَعْدِهِ مُوسى بِالإيمانِ إنْ عادَتْ إلى حالِها، وكَثْرَةِ مَن ماتَ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ فَزَعًا أشْياءَ لَمْ تَتَعَرَّضْ إلَيْها الآيَةُ ولا تَثْبُتْ في حَدِيثٍ صَحِيحٍ فاللَّهُ أعْلَمُ بِها، ومَعْنى (مُبِينٌ) ظاهِرٌ لا تَخْيِيلَ فِيهِ، بَلْ هو ثُعْبانٌ حَقِيقَةً، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: (وإذا) ظَرْفُ مَكانٍ في هَذا المَوْضِعِ عِنْدَ المُبَرِّدِ مِن حَيْثُ كانَتْ خَبَرًا عَنْ جُثَّةٍ، والصَّحِيحُ الَّذِي عَلَيْهِ شُيُوخُنا أنَّها ظَرْفُ مَكانٍ كَما قالَهُ المُبَرِّدُ وهو المَنسُوبُ إلى سِيبَوَيْهِ، وقَوْلُهُ مِن حَيْثُ كانَتْ خَبَرًا عَنْ جُثَّةٍ لَيْسَتْ في هَذا المَكانِ خَبَرًا عَنْ جُثَّةٍ، بَلْ خَبَرُ هي قَوْلُهُ: (ثُعْبانٌ) ولَوْ قُلْتَ (فَإذا هي) لَمْ يَكُنْ كَلامًا ويَنْبَغِي أنْ يُحْمَلَ كَلامُهُ مِن حَيْثُ كانَتْ خَبَرًا عَنْ جُثَّةٍ عَلى مِثْلِ: خَرَجْتُ فَإذا السَّبْعُ، عَلى تَأْوِيلِ مَن جَعَلَها ظَرْفَ مَكانٍ وما ذَكَرَهُ مِن أنَّ الصَّحِيحَ الَّذِي عَلَيْهِ النّاسُ أنَّها ظَرْفُ زَمانٍ هو مَذْهَبُ الرِّياشِيِّ ونُسِبَ أيْضًا إلى سِيبَوَيْهِ، ومَذْهَبُ الكُوفِيِّينَ أنَّ إذا الفُجائِيَّةَ حَرْفٌ لا اسْمٌ. ﴿ونَزَعَ يَدَهُ فَإذا هي بَيْضاءُ لِلنّاظِرِينَ﴾، أيْ: جَذَبَ (يَدَهُ) قِيلَ مِن جَيْبِهِ وهو الظّاهِرُ لِقَوْلِهِ: ﴿وأدْخِلْ يَدَكَ في جَيْبِكَ﴾ [النمل: ١٢]، وقِيلَ: مِن كُمِّهِ و(لِلنّاظِرِينَ)، أيْ: لِلنُّظّارِ وفي ذِكْرِ ذَلِكَ تَنْبِيهٌ عَلى عِظَمِ بَياضِها؛ لِأنَّهُ لا يَعْرِضُ لَها لِلنُّظّارِ إلّا إذا كانَ بَياضُها عَجِيبًا خارِجًا عَنِ العادَةِ يَجْتَمِعُ النّاسُ إلَيْهِ كَما يَجْتَمِعُ النُّظّارُ لِلْعَجائِبِ، قالَ مُجاهِدٌ: (بَيْضاءُ) كاللَّبَنِ، أوْ أشُدُّ بَياضًا، ورُوِيَ أنَّها كانَتْ تَظْهَرُ (p-٣٥٨)مُنِيرَةً شَفّافَةً كالشَّمْسِ، ثُمَّ يَرُدُّها فَتَرْجِعُ إلى لَوْنِ مُوسى، وكانَ آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - شَدِيدَ الأُدْمَةِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: صارَتْ نُورًا ساطِعًا يُضِيءُ لَهُ ما بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ لَهُ لَمَعانٌ مِثْلُ لَمَعانِ البَرْقِ فَخَرُّوا عَلى وُجُوهِهِمْ، وقالَ الكَلْبِيُّ: بَلَغَنا أنَّ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - قالَ يا فِرْعَوْنُ ما هَذِهِ بِيَدِي ؟ قالَ: هي عَصا، فَألْقاها مُوسى فَإذا هي ثُعْبانٌ، ورُوِيَ أنَّ فِرْعَوْنَ رَأى يَدَ مُوسى فَقالَ لِفِرْعَوْنَ ما هَذِهِ ؟ فَقالَ: يَدُكَ، ثُمَّ أدْخَلَها جَيْبَهُ، وعَلَيْهِ مِدْرَعَةُ صُوفٍ ونَزَعَها فَإذا هي بَيْضاءُ بَياضًا نُورانِيًّا، غَلَبَ شُعاعُها شُعاعَ الشَّمْسِ وما أعْجَبَ أمْرَ هَذَيْنِ الخارِقَيْنِ أحَدُهُما في نَفْسِهِ وذَلِكَ اليَدُ البَيْضاءُ، والآخَرُ في غَيْرِ نَفْسِهِ وهي العَصا، وجَمَعَ بِذَيْنِكَ تَبَدُّلَ الذَّرّاتِ وتَبَدُّلَ الأعْراضِ، فَكانا دالَّيْنِ عَلى جَوازِ الأمْرَيْنِ وإنَّهُما كِلاهُما مُمْكِنُ الوُقُوعِ، قالَ أبُو مُحَمَّدِ بْنُ عَطِيَّةَ: هاتانِ الآيَتانِ عَرَضَهُما مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِلْمُعارَضَةِ ودَعا إلى اللَّهِ بِهِما وخَرَقَ العادَةَ بِهِما وتَحَدّى النّاسَ إلى الدِّينِ بِهِما فَإذا جَعَلْنا التَّحَدِّيَ الدُّعاءَ إلى الدِّينِ مُطْلَقًا فَبِهِما تَحَدّى وإذا جَعَلْنا التَّحَدِّيَ الدُّعاءَ بَعْدَ العَجْزِ عَنْ مُعارَضَةِ المُعْجِزَةِ وظُهُورِ ذَلِكَ فَتَنْفَرِدُ حِينَئِذٍ العَصا بِذَلِكَ؛ لِأنَّ المُعارَضَةَ والمُعْجِزَ فِيها وقَعا ويُقالُ: التَّحَدِّي هو الدُّعاءُ إلى الإتْيانِ بِمِثْلِ المُعْجِزَةِ فَهَذِهِ نَحْوٌ ثالِثٌ، وعَلَيْهِ يَكُونُ تَحَدِّي مُوسى بِالآيَتَيْنِ جَمِيعًا؛ لِأنَّ الظّاهِرَ مِن أمْرِهِ أنَّهُ عَرَضَهُما مَعًا وإنْ كانَ لَمْ يَنُصَّ عَلى الدُّعاءِ إلى الإتْيانِ بِمِثْلِهِما. انْتَهى. وهو كَلامٌ فِيهِ تَثْبِيجٌ. ﴿قالَ المَلَأُ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ إنَّ هَذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ﴾ . وفي الشُّعَراءِ ﴿قالَ لِلْمَلَأِ حَوْلَهُ إنَّ هَذا لَساحِرٌ عَلِيمٍ﴾ [الشعراء: ٣٤] والجَمْعُ بَيْنَهُما أنَّ فِرْعَوْنَ وهم قالُوا هَذا الكَلامَ فَحَكى هُنا قَوْلَهم وهُناكَ قَوْلَهُ، أوْ قالَهُ ابْتِداءً فَتَلَقَّفَهُ مِنهُ المَلَأُ فَقالُوهُ لِأعْقابِهِمْ، أوْ قالُوهُ عَنْهُ لِلنّاسِ عَلى طَرِيقِ التَّبْلِيغِ كَما تَفْعَلُ المُلُوكُ يَرى الواحِدُ مِنهُمُ الرَّأْيَ فَيُكَلِّمُ بِهِ مَن يَلِيهِ مِنَ الخاصَّةِ، ثُمَّ تُبْلِغُهُ الخاصَّةُ العامَّةَ والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّهم أجابُوهُ في قَوْلِهِ: (أرْجِهْ) وكانَ السِّحْرُ إذْ ذاكَ في أعْلى المَراتِبِ فَلَمّا رَأوُا انْقِلابَ العَصا ثُعْبانًا والأدْماءَ بَيْضاءَ، وأنْكَرُوا النُّبُوَّةَ ودافَعُوهُ عَنْها قَصَدُوا ذَمَّهُ بِوَصْفِهِ بِالسِّحْرِ وحَطِّ قَدْرِهِ إذْ لَمْ يُمْكِنُهم في ظُهُورِ ما ظَهَرَ عَلى يَدِهِ نِسْبَةُ شَيْءٍ إلَيْهِ غَيْرَ السِّحْرِ وبالَغُوا في وصْفِهِ بِأنْ قالُوا: (عَلِيمٌ)، أيْ: بالِغُ الغايَةِ في عِلْمِ السِّحْرِ وخُدَعِهِ وخَيالاتِهِ وفُنُونِهِ، وأكْثَرُ اسْتِعْمالِ لَفْظِ هَذا إذا كانَ مِن كَلامِ الكُفّارِ في التَّنَقُّصِ والِاسْتِغْرابِ كَما قالَ: ﴿أهَذا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ﴾ [الأنبياء: ٣٦]، ﴿أهَذا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا﴾ [الفرقان: ٤١]، ﴿إنْ هَذا إلّا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ [الأنعام: ٢٥] ﴿ما هَذا إلّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ [المؤمنون: ٢٤] ﴿إنْ هَذانِ لَساحِرانِ﴾ [طه: ٦٣] ﴿إنْ كانَ هَذا هو الحَقَّ مِن عِنْدِكَ﴾ [الأنفال: ٣٢] يَعْدِلُونَ عَنْ لَفْظِ اسْمِ ذَلِكَ الشَّيْءِ إلى لَفْظِ الإشارَةِ وأكَدُّوا نِسْبَةَ السِّحْرِ إلَيْهِ بِدُخُولِ إنَّ واللّامِ. ﴿يُرِيدُ أنْ يُخْرِجَكم مِن أرْضِكم فَماذا تَأْمُرُونَ﴾ اسْتَشْعَرَتْ نُفُوسُهم ما صارَ إلَيْهِ أمْرُهم مِن إخْراجِهِمْ مِن أرْضِهِمْ وخُلُوِّ مَواطِنِهِمْ مِنهم وخَرابِ بُيُوتِهِمْ فَبادَرُوا (p-٣٥٩)إلى الإخْبارِ بِذَلِكَ، وكانَ الأمْرُ كَما اسْتَشْعَرُوا إذْ غَرَّقَ اللَّهُ فِرْعَوْنَ وآلَهُ وأخْلى مَنازِلَهم مِنهم ونَبَّهُوا عَلى هَذا الوَصْفِ الصَّعْبِ الَّذِي هو مُعادِلٌ لِقَتْلِ الأنْفُسِ كَما قالَ: ﴿ولَوْ أنّا كَتَبْنا عَلَيْهِمْ أنِ اقْتُلُوا أنْفُسَكم أوِ اخْرُجُوا مِن دِيارِكم ما فَعَلُوهُ إلّا قَلِيلٌ مِنهُمْ﴾ [النساء: ٦٦] وأرادَ بِهِ إحْراجَهم إمّا بِكَوْنِهِ يَحْكُمُ فِيكم بِإرْسالِ خَدَمِكم وعَمارِ أرْضِكم مَعَهُ حَيْثُ يَسِيرُ فَيُفْضِي ذَلِكَ إلى خَرابِ دِيارِكم وإمّا بِكَوْنِهِمْ خافُوا مِنهُ أنْ يُقاتِلَهم بِمَن يَجْتَمِعُ إلَيْهِ مِن بَنِي إسْرائِيلَ ويَغْلِبَ عَلى مُلْكِهِمْ قالَ النَّقّاشُ كانُوا يَأْخُذُونَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ خَرْجًا كالجِزْيَةِ فَرَأوْا أنَّ مُلْكَهم يَذْهَبُ بِزَوالِ ذَلِكَ وجاءَ في سُورَةِ الشُّعَراءِ ﴿بِسِحْرِهِ﴾ [الشعراء: ٣٥] وهُنا حُذِفَتْ لِأنَّ الآيَةَ الأُولى هُنا بُنِيَتْ عَلى الِاخْتِصارِ فَناسَبَتِ الحَذْفَ، ولِأنَّ لَفْظَ ساحِرٍ يَدُلُّ عَلى السِّحْرِ و﴿فَماذا تَأْمُرُونَ﴾ مِن قَوْلِ فِرْعَوْنَ أوْ مِن قَوْلِ المَلَأِ إمّا لِفِرْعَوْنَ وأصْحابِهِ وإمّا لَهُ وحْدَهُ كَما يُخاطَبُ أفْرادُ العُظَماءِ بِلَفْظِ الجَمْعِ وهو مِنَ الأمْرِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مَعْناهُ تُشِيرُونَ بِهِ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مِن أمَرْتُهُ فَأمَرَنِي بِكَذا أيْ شاوَرْتُهُ فَأشارَ عَلَيْكَ بِرَأْيٍ، وقَرَأ الجُمْهُورُ (تَأْمُرُونَ) بِفَتْحِ النُّونِ هُنا وفي الشُّعَراءِ ورَوى كَرْدَمٌ عَنْ نافِعٍ بِكَسْرِ النُّونِ فِيهِما وماذا يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ كُلُّها اسْتِفَهامًا وتَكُونُ مَفْعُولًا ثانِيًا لِتَأْمُرُونِ عَلى سَبِيلِ التَّوَسُّعِ فِيهِ بِأنْ حَذَفَ مِنهُ حَرْفَ الجَرِّ، كَما قالَ أمَرْتُكَ الخَيْرَ ويَكُونُ المَفْعُولُ الأوَّلُ مَحْذُوفًا لِفَهْمِ المَعْنى أيْ أيُّ شَيْءٍ تَأْمُرُونَنِي، وأصْلُهُ بِأيِّ شَيْءٍ ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ ما اسْتِفْهامًا مُبْتَدَأً، و(ذا) بِمَعْنى الَّذِي خَبَرٌ عَنْهُ و(تَأْمُرُونَ) صِلَةَ ذا، ويَكُونُ قَدْ حُذِفَ مِنهُ مَفْعُولَيْ (تَأْمُرُونَ) الأوَّلُ وهو ضَمِيرُ المُتَكَلِّمِ والثّانِي وهو الضَّمِيرُ العائِدُ عَلى المَوْصُولِ، والتَّقْدِيرُ فَأيُّ شَيْءِ الَّذِي تَأْمُرُونَنِيهِ أيْ تَأْمُرُنَنِي بِهِ، وكِلا الإعْرابَيْنِ في ماذا جائِزٌ في قِراءَةِ مَن كَسَرَ النُّونَ إلّا أنَّهُ حَذَفَ ياءَ المُتَكَلِّمِ وأبْقى الكَسْرَةَ دَلالَةً عَلَيْها، وقَدَّرَ ابْنُ عَطِيَّةَ الضَّمِيرَ العائِدَ عَلى ذا إذا كانَتْ مَوْصُولَةً مَقْرُونَةً بِحَرْفِ الجَرِّ، فَقالَ وفي (تَأْمُرُونَ) ضَمِيرٌ عائِدٌ عَلى (الَّذِي) تَقْدِيرُهُ تَأْمُرُونَ بِهِ انْتَهى. وهَذا لَيْسَ بِجَيِّدٍ لِفَواتِ شَرْطِ جَوازِ حَذْفِ الضَّمِيرِ إذا كانَ مَجْرُورًا بِحَرْفِ الجَرِّ وذَلِكَ الشَّرْطُ هو أنْ لا يَكُونَ الضَّمِيرُ في مَوْضِعِ رَفْعٍ وأنْ يَجُرَّ ذَلِكَ الحَرْفُ المَوْصُولَ أوِ المَوْصُوفَ بِهِ أوِ المُضافَ إلَيْهِ ويَتَّحِدَ المُتَعَلِّقُ بِهِ الحَرْفانِ لَفْظًا ومَعْنًى ويَتَّحِدَ مَعْنى الحَرْفِ أيْضًا لِابْنِ عَطِيَّةَ أنَّهُ قَدَّرَهُ عَلى الأصْلِ ثُمَّ اتَّسَعَ فِيهِ فَتَعَدّى إلَيْهِ الفِعْلُ بِغَيْرِ واسِطَةِ الحُرُوفِ، ثُمَّ حُذِفَ بَعْدَ الِاتِّساعِ. ﴿قالُوا أرْجِهْ وأخاهُ﴾ أيْ قالَ مَن حَضَرَ مُناظَرَةَ مُوسى مِن عُقَلاءِ مَلَأِ فِرْعَوْنَ وأشْرافِهِ قِيلَ: ولَمْ يَكُنْ يُجالِسُ فِرْعَوْنَ ولَدُ غَيَّةٍ وإنَّما كانُوا أشْرافًا ولِذَلِكَ أشارُوا عَلَيْهِ بِالإرْجاءِ ولَمْ يُشِيرُوا بِالقَتْلِ وقالُوا: إنْ قَتَلْتَهُ دَخَلَتْ عَلى النّاسِ شُبْهَةٌ ولَكِنِ اغْلِبْهُ بِالحُجَّةِ، وقُرِئَ بِالهَمْزِ وبِغَيْرِ هَمْزٍ فَقِيلَ هُما بِمَعْنًى واحِدٍ، وقِيلَ المَعْنى احْبِسْهُ، وقِيلَ: أرْجِهْ بِغَيْرِ هَمْزٍ أطْمِعْهُ جَعَلَهُ مِن رَجَوْتَ أدْخَلَ عَلَيْهِ هَمْزَةَ الفِعْلِ أيْ أطْمِعْهُ وأخاهُ ولا تَقْتُلْهُما حَتّى يَظْهَرَ كَذِبَهُما فَإنَّكَ إنْ قَتَلْتَهُما ظُنَّ أنَّهُما صَدَقا ولَمْ يَجْرِ لِهارُونَ ذِكْرٌ في صَدْرِ القِصَّةِ وقَدْ تَبَيَّنَ مِن غَيْرِ آيَةٍ أنَّهُما ذَهَبا مَعًا وأُرْسِلا إلى فِرْعَوْنَ ولَمّا كانَ مُوافِقًا لَهُ في دَعْواهُ (p-٣٦٠)ومُؤازِرًا أشارُوا بِإرْجائِهِما، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وهِشامٌ (أرْجِئْهُو) بِالهَمْزِ وضَمِّ الهاءِ ووَصْلِها بِواوٍ، وأبُو عَمْرٍو كَذَلِكَ إلّا أنَّهُ لَمْ يَصِلْ، ورُوِيَ هَذا عَنْ هِشامٍ وعَنْ يَحْيى عَنْ أبِي بَكْرٍ، وقَرَأ ورْشٌ والكِسائِيُّ (أرْجِهِي) بِغَيْرِ هَمْزٍ وبِكَسْرِ الهاءِ ووَصْلِها بِياءٍ، وقَرَأ عاصِمٌ وحَمْزَةُ بِغَيْرِ هَمْزٍ وسَكَّنا الهاءَ، وقَرَأ قالُونُ بِغَيْرِ هَمْزٍ ومُخْتَلِسٌ كَسْرَةَ الهاءِ، وقَرَأ ابْنُ ذَكْوانَ في رِوايَةٍ كَقِراءَةِ ورْشٍ والكِسائِيِّ، وفي المَشْهُورِ عَنْهُ أرْجِئْهِ بِالهَمْزِ وكَسْرِ الهاءِ مِن غَيْرِ صِلَةٍ، وقَدْ قِيلَ عَنْهُ أنَّهُ يَصِلُها بِياءٍ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ أرْجِئْهِ بِكَسْرِ الهاءِ بِهَمْزَةٍ قَبْلَها، قالَ الفارِسِيُّ: وهَذا غَلَطٌ انْتَهى. ونِسْبَةُ ابْنِ عَطِيَّةَ هَذِهِ القِراءَةَ لِابْنِ عامِرٍ لَيْسَ بِجَيِّدٍ؛ لِأنَّ الَّذِي رَوى ذَلِكَ إنَّما هو ابْنُ ذَكْوانَ لا هِشامٌ فَكانَ يَنْبَغِي أنْ يُقَيِّدَ فَيَقُولَ وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ في رِوايَةِ ابْنِ ذَكْوانَ وقالَ بَعْضُهم: قالَ أبُو عَلِيٍّ ضَمُّ الهاءِ مَعَ الهَمْزِ لا يَجُوزُ غَيْرُهُ قالَ: ورِوايَةُ ابْنِ ذَكْوانَ عَنِ ابْنِ عامِرٍ غَلَطٌ وقالَ ابْنُ مُجاهِدٍ بَعْدَهُ وهَذا لا يَجُوزُ لِأنَّ الهاءَ لا تُكْسَرُ إلّا إذا وقَعَ قَبْلَها كَسْرَةٌ أوْ ياءٌ ساكِنَةٌ، وقالَ الحَوْفِيُّ: ومِنَ القُرّاءِ مَن يَكْسِرُ مَعَ الهَمْزِ ولَيْسَ بِجَيِّدٍ، وقالَ أبُو البَقاءِ: ويُقْرَأُ بِكَسْرِ الهاءِ مَعَ الهَمْزِ وهو ضَعِيفٌ لِأنَّ الهَمْزَ حَرْفٌ صَحِيحٌ ساكِنٌ فَلَيْسَ قَبْلَ الهاءِ ما يَقْتَضِي الكَسْرَ، ووَجْهُهُ أنَّهُ أتْبَعَ الهاءَ كَسْرَةَ الجِيمِ والحاجِزُ غَيْرُ حَصِينٍ ويَخْرُجُ أيْضًا عَلى تَوَهُّمِ إبْدالِ الهَمْزِ ياءً أوْ عَلى أنَّ الهَمْزَ لَمّا كانَ كَثِيرًا ما يُبَدَّلُ بِحَرْفِ العِلَّةِ أُجْرِي مَجْرى حَرْفِ العِلَّةِ في كَسْرِ ما بَعْدَهُ، وما ذَهَبَ إلَيْهِ الفارِسِيُّ وغَيْرُهُ مِن غَلَطِ هَذِهِ القِراءَةِ، وأنَّها لا تَجُوزُ قَوْلٌ فاسِدٌ؛ لِأنَّها قِراءَةٌ ثابِتَةٌ مُتَواتِرَةٌ رَوَتْها الأكابِرُ عَنِ الأئِمَّةِ وتَلَقَّتْها الأُمَّةُ بِالقَبُولِ ولَها تَوْجِيهٌ في العَرَبِيَّةِ ولَيْسَتِ الهَمْزَةُ كَغَيْرِها مِنَ الحُرُوفِ الصَّحِيحَةِ لِأنَّها قابِلَةٌ لِلتَّغْيِيرِ بِالإبْدالِ والحَرْفِ بِالنَّقْلِ وغَيْرِهِ فَلا وجْهَ لِإنْكارِ هَذِهِ القِراءَةِ. ﴿وأرْسِلْ في المَدائِنِ حاشِرِينَ﴾ ﴿يَأْتُوكَ بِكُلِّ ساحِرٍ عَلِيمٍ﴾ (المَدائِنِ) مَدائِنُ مِصْرَ وقُراها: ”والحاشِرُونَ“، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هم أصْحابُ الشُّرَطِ، وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ لَمّا رَأى فِرْعَوْنَ مِن آياتِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ ما رَأى قالَ: لَنْ نُغالِبَ مُوسى إلّا بِمَن هو مِنهُ فاتَّخَذَ غِلْمانًا مِن بَنِي إسْرائِيلَ فَبَعَثَ بِهِمْ إلى قَرْيَةٍ. قالَ البَغَوِيُّ: هي الفَرَما يُعَلِّمُونَهُمُ السِّحْرَ كَما يُعَلِّمُونَ الصِّبْيانَ في المَكْتَبِ فَعَلَّمُوهم سِحْرًا كَثِيرًا، وواعَدَ فِرْعَوْنُ مُوسى مَوْعِدًا، ثُمَّ دَعاهم وسَألَهم فَقالَ: ماذا صَنَعْتُمْ قالُوا: عَلَّمْناهم مِنَ السِّحْرِ ما لا يُقاوِمُهم بِهِ أهْلُ الأرْضِ إلّا أنْ يَكُونَ أمْرًا مِنَ السَّماءِ فَإنَّهُ لا طاقَةَ لَنا بِهِ، وقَرَأ الأخَوانِ بِكُلِّ سَحّارٍ هُنا وفي يُونُسَ والباقُونَ (ساحِرٍ) وفي الشُّعَراءِ أجْمَعُوا عَلى سَحّارٍ وتُناسِبُ سَحّارٌ (عَلِيمٌ) لِكَوْنِهِما مِن ألْفاظِ المُبالَغَةِ، ولَمّا كانَ قَدْ تَقَدَّمَ ﴿إنَّ هَذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ﴾ ناسَبَ هُنا أنْ يُقابِلَ بِقَوْلِهِ: ﴿بِكُلِّ ساحِرٍ عَلِيمٍ﴾ .

الأعراف 7:110

﴿وقالَ مُوسى يا فِرْعَوْنُ إنِّي رَسُولٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿حَقِيقٌ عَلى أنْ لا أقُولَ عَلى اللَّهِ إلّا الحَقَّ قَدْ جِئْتُكم بِبَيِّنَةٍ مِن رَبِّكم فَأرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ هَذِهِ مُحاوَرَةٌ مِن مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِفِرْعَوْنَ وخِطابٌ لَهُ بِأحْسَنِ ما يُدْعى بِهِ، وأحَبِّها إلَيْهِ إذْ كانَ مَن مَلَكَ مِصْرَ يُقالُ لَهُ فِرْعَوْنٌ كَنُمْرُودَ في يُونانَ، وقَيْصَرَ في الرُّومِ، وكِسْرى في فارِسَ، والنَّجاشِيِّ في الحَبَشَةِ وعَلى هَذا لا يَكُونُ فِرْعَوْنُ وأمْثالُهُ عَلَمًا شَخْصِيًّا، بَلْ يَكُونُ عَلَمَ جِنْسٍ كَأُسامَةَ وثُعالَةَ، ولَمّا كانَ فِرْعَوْنُ قَدِ ادَّعى الرُّبُوبِيَّةَ فاتَحَهُ مُوسى بِقَوْلِهِ: ﴿إنِّي رَسُولٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ لِيُنَبِّهَهُ عَلى الوَصْفِ الَّذِي ادَّعاهُ، وأنَّهُ فِيهِ مُبْطِلٌ لا مُحِقٌّ ولَمّا كانَ قَوْلُهُ: ﴿حَقِيقٌ عَلى أنْ لا أقُولَ عَلى اللَّهِ إلّا الحَقَّ﴾ أرْدَفَها بِما يَدُلُّ عَلى صِحَّتِها وهو قَوْلُهُ: (قَدْ جِئْتُكم) ولَمّا قَرَّرَ رِسالَتَهُ فَرَّعَ عَلَيْها تَبْلِيغَ الحُكْمِ وهو قَوْلُهُ: (فَأرْسِلْ) ولَمْ يُنازِعْهُ فِرْعَوْنُ في هَذِهِ السُّورَةِ في شَيْءٍ مِمّا ذَكَرَهُ مُوسى إلّا أنَّهُ طَلَبَ المُعْجِزَةَ ودَلَّ ذَلِكَ عَلى مُوافَقَتِهِ لِمُوسى، وأنَّ الرِّسالَةَ مُمْكِنَةٌ لِإمْكانِ المُعْجِزَةِ إذْ لَمْ يَدْفَعْ إمْكانَها، بَلْ قالَ: ﴿إنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ﴾ ويَأْتِي الكَلامُ عَلى هَذا الطَّلَبِ مِن فِرْعَوْنَ لِلْمُعْجِزَةِ، وقَرَأ نافِعٌ (عَلَيَّ أنْ لا أقُولَ) بِتَشْدِيدِ الياءِ جَعَلَ (عَلى) داخِلَةً عَلى ياءِ المُتَكَلِّمِ، ومَعْنى ﴿حَقِيقٌ﴾ جَدِيرٌ وخَلِيقٌ وارْتِفاعُهُ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِرَسُولٍ، أوْ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ و﴿أنْ لا أقُولَ﴾ الأحْسَنُ فِيهِ أنْ يَكُونَ فاعِلًا بِحَقِيقٍ كَأنَّهُ قِيلَ: يَحِقُّ عَلَيَّ كَذا ويَجِبُ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ﴿أنْ لا أقُولَ﴾ مُبْتَدَأٌ و﴿حَقِيقٌ﴾ خَبَرُهُ، وقالَ قَوْمٌ تَمَّ الكَلامُ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿حَقِيقٌ﴾ و﴿عَلى أنْ لا أقُولَ﴾ مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ، وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ عَلَيَّ بِجَرِّها ﴿أنْ لا أقُولَ﴾، أيْ: ﴿حَقِيقٌ﴾ عَلَيَّ قَوْلُ الحَقِّ، فَقالَ قَوْمٌ ضَمَّنَ ﴿حَقِيقٌ﴾ مَعْنى حَرِيصٍ، وقالَ أبُو الحَسَنِ والفَرّاءُ والفارِسِيُّ: عَلَيَّ بِمَعْنى الباءِ كَما أنَّ الباءَ بِمَعْنى عَلى في قَوْلِهِ ﴿ولا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِراطٍ﴾ [الأعراف: ٨٦]، أيْ: عَلى كُلِّ صِراطٍ فَكَأنَّهُ قِيلَ: ﴿حَقِيقٌ﴾ بِأنْ لا أقُولَ كَما تَقُولُ فُلانٌ حَقِيقٌ بِهَذا الأمْرِ وخَلِيقٌ بِهِ ويَشْهَدُ لِهَذا التَّوْجِيهِ قِراءَةُ أُبَيٍّ بِأنْ لا أقُولَ وضَعَ مَكانَ عَلى الباءَ، قالَ الأخْفَشُ: ولَيْسَ ذَلِكَ بِالمُطَّرِدِ لَوْ قُلْتَ ذَهَبْتُ عَلى زَيْدٍ تُرِيدُ بِزَيْدٍ لَمْ يَجُزْ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وفي المَشْهُورَةِ إشْكالٌ ولا يَخْلُو مِن وُجُوهٍ، أحَدُها: أنْ يَكُونَ مِمّا يُقْلَبُ مِنَ الكَلامِ لا مِنَ الإلْباسِ كَقَوْلِهِ: ؎وتَشْقى الرِّماحُ بِالضَّياطِرَةِ الحُمْرِ ومَعْناهُ وتَشْقى الضَّياطِرَةُ بِالرِّماحِ. انْتَهى هَذا الوَجْهُ، وأصْحابُنا يَخُصُّونَ القَلْبَ بِالشِّعْرِ ولا يُجِيزُونَهُ في فَصِيحِ الكَلامِ فَيَنْبَغِي أنْ يُنَزَّهَ القِراءَةُ عَنْهُ، وعَلى هَذا يَصِيرُ مَعْنى (p-٣٥٦)هَذِهِ القِراءَةِ مَعْنى قِراءَةِ نافِعٍ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والثّانِي أنَّ ما لَزِمَكَ لَزِمْتَهُ فَلَمّا كانَ قَوْلُ الحَقِّ حَقِيقًا عَلَيْهِ كانَ هو حَقِيقًا عَلى قَوْلِ الحَقِّ، أيْ: لازِمًا لَهُ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والثّالِثُ أنْ يُضَمَّنَ ﴿حَقِيقٌ﴾ مَعْنى حَرِيصٍ تَضْمِينَ هَيَّجَنِي مَعْنى ذَكَّرَنِي في بَيْتٍ الكِتابَ. انْتَهى يَعْنِي بِالكِتابِ كِتابَ سِيبَوَيْهِ، والبَيْتُ: ؎إذا تَغَنّى الحَمامُ الوُرْقُ هَيَّجَنِي ∗∗∗ ولَوْ تَسَلَّيْتُ عَنْها أُمَّ عَمّارِ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والرّابِعُ وهو الأوْجَهُ وإلّا دَخَلَ في نُكَتِ القُرْآنِ أنْ يَغْرَقَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - في وصْفِ نَفْسِهِ بِالصِّدْقِ في ذَلِكَ المَقامِ لا سِيَّما، وقَدْ رُوِيَ أنَّ عَدُوَّ اللَّهِ فِرْعَوْنَ قالَ لَمّا قالَ: ﴿إنِّي رَسُولٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ كَذَبْتَ فَيَقُولُ أنا حَقِيقٌ عَلَيَّ قَوْلُ الحَقِّ، أيْ: واجِبٌ عَلَيَّ قَوْلُ الحَقِّ أنْ أكُونَ أنا قائِلَهُ والقائِمَ بِهِ ولا يَرْضى إلّا بِمِثْلِي ناطِقًا بِهِ. انْتَهى ولا يَتَّضِحُ هَذا الوَجْهُ إلّا إنْ عَنى أنَّهُ يَكُونُ ﴿عَلى أنْ لا أقُولَ﴾ صِفَةً كَما تَقُولُ أنا عَلى قَوْلِ الحَقِّ، أيْ: طَرِيقِي وعادَتِي قَوْلُ الحَقِّ، وقالَ ابْنُ مِقْسَمٍ ﴿حَقِيقٌ﴾ مِن نَعْتِ الرَّسُولِ، أيْ: رَسُولٌ حَقِيقٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ أُرْسِلْتُ عَلى أنْ لا أقُولَ عَلى اللَّهِ إلّا الحَقَّ، وهَذا مَعْنًى صَحِيحٌ واضِحٌ، وقَدْ غَفَلَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ مِن أرْبابِ اللُّغَةِ عَنْ تَعْلِيقِ (عَلى) بِرَسُولٍ ولَمْ يَخْطُرْ لَهم تَعْلِيقُهُ إلّا بِقَوْلِهِ: ﴿حَقِيقٌ﴾ . انْتَهى. وكَلامُهُ فِيهِ تَناقُضٌ في الظّاهِرِ؛ لِأنَّهُ قَدَّرَ أوَّلًا العامِلَ في (عَلى) أُرْسِلْتُ، وقالَ آخَرُ: إنَّهم غَفَلُوا عَنْ تَعْلِيقِ (عَلى) بِرَسُولٍ فَأمّا هَذا الآخَرُ فَلا يَجُوزُ عَلى مَذْهَبِ البَصْرِيِّينَ؛ لِأنَّ رَسُولًا قَدْ وُصِفَ قَبْلَ أنْ يَأْخُذَ مَعْمُولَهُ، وذَلِكَ لا يَجُوزُ، وأمّا التَّقْدِيرُ الأوَّلُ وهو إضْمارُ أُرْسِلْتُ ويُفَسِّرُهُ لَفْظُ رَسُولٍ فَهو تَقْدِيرٌ سائِغٌ، وتَناوَلَ كَلامُ ابْنِ مِقْسَمٍ أخِيرًا في قَوْلِهِ عَنْ تَعْلِيقِ عَلى بِرَسُولٍ، أيْ: بِما دَلَّ عَلَيْهِ رَسُولٌ، وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ والأعْمَشُ حَقِيقٌ أنْ لا أقُولَ بِإسْقاطِ عَلى فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ عَلى إضْمارِ عَلى كَقِراءَةِ مَن قَرَأ بِها واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ عَلى إضْمارِ الباءِ كَقِراءَةِ أُبَيٍّ، وعَلى الِاحْتِمالَيْنِ يَكُونُ التَّعَلُّقُ بِحَقِيقٍ. ولَمّا ذَكَرَ أنَّهُ رَسُولٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ، وأنَّهُ لا يَقُولُ عَلى اللَّهِ إلّا الحَقَّ أخَذَ يَذْكَرُ المُعْجِزَةَ والخارِقَ الَّذِي يَدُلُّ عَلى صِدْقِ رِسالَتِهِ، والخِطابُ في (جِئْتُكم) لِفِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ الحاضِرِينَ مَعَهُ ومَعْنى (بِبَيِّنَةٍ) بِآيَةٍ بَيِّنَةٍ واضِحَةِ الدَّلالَةِ عَلى ما أذْكُرُهُ، والبَيِّنَةُ قِيلَ: التِّسْعُ الآياتِ المَذْكُورَةِ في قَوْلِهِ: ﴿فِي تِسْعِ آياتٍ إلى فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ﴾ [النمل: ١٢]، قالَ بَعْضُ العُلَماءِ وسِياقُ الآيَةِ يَقْتَضِي أنَّ البَيِّنَةَ هي العَصا واليَدُ البَيْضاءُ بِدَلِيلِ ما بَعْدَهُ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَألْقى عَصاهُ﴾، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ والأكْثَرُونَ هي العَصا وفي قَوْلِهِ: ﴿مِن رَبِّكُمْ﴾ [الأعراف: ٣] تَعْرِيضٌ أنَّ فِرْعَوْنَ لَيْسَ رَبًّا لَهم، بَلْ رَبُّهم هو الَّذِي جاءَ مُوسى بِالبَيِّنَةِ مِن عِنْدِهِ (فَأرْسِلْ)، أيْ: فَخَلِّ، والإرْسالُ ضِدُّ الإمْساكِ ﴿مَعِيَ بَنِي إسْرائِيلَ﴾، أيْ: حَتّى يَذْهَبُوا إلى أوْطانِهِمْ ومَوْلِدِ آبائِهِمُ الأرْضِ المُقَدَّسَةِ وذَلِكَ أنَّ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمّا تُوُفِّيَ وانْقَرَضَ الأسْباطُ غَلَبَ فِرْعَوْنُ عَلى نَسْلِهِمْ واسْتَعْبَدَهم في الأعْمالِ الشّاقَّةِ وكانُوا يُؤَدُّونَ إلَيْهِ الجَزاءَ فاسْتَنْقَذَهُمُ اللَّهُ بِمُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - وكانَ بَيْنَ اليَوْمِ الَّذِي دَخَلَ فِيهِ يُوسُفُ مِصْرَ، واليَوْمِ الَّذِي دَخَلَ فِيهِ مُوسى أرْبَعُمِائَةٍ عامٍ، والظّاهِرُ أنَّ مُوسى لَمْ يَطْلُبْ مِن فِرْعَوْنَ في هَذِهِ الآيَةِ إلّا إرْسالَ بَنِي إسْرائِيلَ مَعَهُ وفي غَيْرِ هَذِهِ الآيَةِ دُعاؤُهُ إيّاهُ إلى الإقْرارِ بِرُبُوبِيَّةِ اللَّهِ تَعالى وتَوْحِيدِهِ قالَ تَعالى: ﴿فَقُلْ هَلْ لَكَ إلى أنْ تَزَكّى وأهْدِيَكَ إلى رَبِّكَ فَتَخْشى﴾ [النازعات: ١٨] وكُلُّ نَبِيٍّ داعٍ إلى تَوْحِيدِ اللَّهِ تَعالى، وقالَ تَعالى حِكايَةً عَنْ فِرْعَوْنَ: ﴿أنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنا وقَوْمُهُما لَنا عابِدُونَ﴾ [المؤمنون: ٤٧] فَهَذا ونَظائِرُهُ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ طَلَبَ مِنهُ الإيمانَ خِلافًا لِمَن قالَ إنَّ مُوسى لَمْ يَدْعُهُ إلى الإيمانِ ولا إلى التِزامِ شَرْعِهِ ولَيْسَ بَنُو إسْرائِيلَ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ والقِبْطِ، ألا تَرى أنَّ بَقِيَّةَ القِبْطِ وهُمُ الأكْثَرُ لَمْ يَرْجِعْ إلَيْهِمْ مُوسى. (p-٣٥٧)﴿قالَ إنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِها إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ لَمّا عَرَضَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - رِسالَتَهُ عَلى فِرْعَوْنَ وذَكَرَ الدَّلِيلَ عَلى صِدْقِهِ وهو مَجِيئُهُ بِالبَيِّنَةِ والخارِقِ المُعْجِزِ اسْتَدْعى فِرْعَوْنُ مِنهُ خَرْقَ العادَةِ الدّالَّ عَلى الصِّدْقِ، وهَذا الِاسْتِدْعاءُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ عَلى سَبِيلِ الِاخْتِبارِ وتَجْوِيزِهِ ذَلِكَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ عَلى سَبِيلِ التَّعْجِيزِ لِما تَقَرَّرَ في ذِهْنِ فِرْعَوْنَ أنَّ مُوسى لا يَقْدِرُ عَلى الإتْيانِ بِبَيِّنَةٍ، والمَعْنى: إنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ مِن رَبِّكَ فَأحْضِرْها عِنْدِي لِتَصِحَّ دَعْواكَ ويَثْبُتَ صِدْقُكَ. ﴿فَألْقى عَصاهُ فَإذا هي ثُعْبانٌ مُبِينٌ﴾ بَدَأ بِالعَصا دُونَ سائِرِ المُعْجِزاتِ؛ لِأنَّها مُعْجِزَةٌ تَحْتَوِي عَلى مُعْجِزاتٍ كَثِيرَةٍ قالُوا مِنها أنَّهُ ضَرَبَ بِها بابَ فِرْعَوْنَ فَفَزِعَ مِن قَرْعِها فَشابَ رَأْسُهُ فَخُضِّبَ بِالسَّوادِ فَهو أوَّلُ مَن خَضَّبَ بِالسَّوادِ وانْقِلابُها ثُعْبانًا وانْقِلابُ خَشَبَةٍ لَحْمًا ودَمًا قائِمًا بِهِ الحَياةُ مِن أعْظَمِ الإعْجازِ ويَحْصُلُ مِنِ انْقِلابِها ثُعْبانًا مِنَ التَّهْوِيلِ ما لا يَحْصُلُ في غَيْرِهِ، وضَرْبُهُ بِها الحَجَرَ فَيَنْفَجِرُ عُيُونًا، وضَرْبُهُ بِها فَتُنْبِتُ. قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ومُحارَبَتُهُ بِها اللُّصُوصَ والسِّباعَ القاصِدَةَ غَنَمَهُ، واشْتِعالُها في اللَّيْلِ كاشْتِعالِ الشَّمْعَةِ وصَيْرُورَتِها كالرِّشا لِيَنْزَحَ بِها الماءَ مِنَ البِئْرِ العَمِيقَةِ وتَلَقُّفُها الحِبالَ والعِصِيَّ الَّتِي لِلسَّحَرَةِ، وإبْطالُها لِما صَنَعُوهُ مِن كَيْدِهِمْ وسِحْرِهِمْ، والإلْقاءُ حَقِيقَةٌ هو في الأجْرامِ ومَجازٌ في المَعانِي نَحْوُ ألْقى المَسْألَةَ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والسُّدِّيُّ: صارَتِ العَصا حَيَّةً عَظِيمَةً شَعْراءَ فاغِرَةً فاها، ما بَيْنَ لِحْيَيْها ثَمانُونَ ذِراعًا، وقِيلَ: أرْبَعُونَ، ذَكَرَهُ مَكِّيٌّ عَنْ فَرْقَدٍ واضِعَةً أحَدَ لِحْيَيْها بِالأرْضِ والآخَرَ عَلى سُورِ القَصْرِ وذَكَرُوا مِنِ اضْطِرابِ فِرْعَوْنَ وفَزَعِهِ وهَرَبِهِ ووَعْدِهِ مُوسى بِالإيمانِ إنْ عادَتْ إلى حالِها، وكَثْرَةِ مَن ماتَ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ فَزَعًا أشْياءَ لَمْ تَتَعَرَّضْ إلَيْها الآيَةُ ولا تَثْبُتْ في حَدِيثٍ صَحِيحٍ فاللَّهُ أعْلَمُ بِها، ومَعْنى (مُبِينٌ) ظاهِرٌ لا تَخْيِيلَ فِيهِ، بَلْ هو ثُعْبانٌ حَقِيقَةً، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: (وإذا) ظَرْفُ مَكانٍ في هَذا المَوْضِعِ عِنْدَ المُبَرِّدِ مِن حَيْثُ كانَتْ خَبَرًا عَنْ جُثَّةٍ، والصَّحِيحُ الَّذِي عَلَيْهِ شُيُوخُنا أنَّها ظَرْفُ مَكانٍ كَما قالَهُ المُبَرِّدُ وهو المَنسُوبُ إلى سِيبَوَيْهِ، وقَوْلُهُ مِن حَيْثُ كانَتْ خَبَرًا عَنْ جُثَّةٍ لَيْسَتْ في هَذا المَكانِ خَبَرًا عَنْ جُثَّةٍ، بَلْ خَبَرُ هي قَوْلُهُ: (ثُعْبانٌ) ولَوْ قُلْتَ (فَإذا هي) لَمْ يَكُنْ كَلامًا ويَنْبَغِي أنْ يُحْمَلَ كَلامُهُ مِن حَيْثُ كانَتْ خَبَرًا عَنْ جُثَّةٍ عَلى مِثْلِ: خَرَجْتُ فَإذا السَّبْعُ، عَلى تَأْوِيلِ مَن جَعَلَها ظَرْفَ مَكانٍ وما ذَكَرَهُ مِن أنَّ الصَّحِيحَ الَّذِي عَلَيْهِ النّاسُ أنَّها ظَرْفُ زَمانٍ هو مَذْهَبُ الرِّياشِيِّ ونُسِبَ أيْضًا إلى سِيبَوَيْهِ، ومَذْهَبُ الكُوفِيِّينَ أنَّ إذا الفُجائِيَّةَ حَرْفٌ لا اسْمٌ. ﴿ونَزَعَ يَدَهُ فَإذا هي بَيْضاءُ لِلنّاظِرِينَ﴾، أيْ: جَذَبَ (يَدَهُ) قِيلَ مِن جَيْبِهِ وهو الظّاهِرُ لِقَوْلِهِ: ﴿وأدْخِلْ يَدَكَ في جَيْبِكَ﴾ [النمل: ١٢]، وقِيلَ: مِن كُمِّهِ و(لِلنّاظِرِينَ)، أيْ: لِلنُّظّارِ وفي ذِكْرِ ذَلِكَ تَنْبِيهٌ عَلى عِظَمِ بَياضِها؛ لِأنَّهُ لا يَعْرِضُ لَها لِلنُّظّارِ إلّا إذا كانَ بَياضُها عَجِيبًا خارِجًا عَنِ العادَةِ يَجْتَمِعُ النّاسُ إلَيْهِ كَما يَجْتَمِعُ النُّظّارُ لِلْعَجائِبِ، قالَ مُجاهِدٌ: (بَيْضاءُ) كاللَّبَنِ، أوْ أشُدُّ بَياضًا، ورُوِيَ أنَّها كانَتْ تَظْهَرُ (p-٣٥٨)مُنِيرَةً شَفّافَةً كالشَّمْسِ، ثُمَّ يَرُدُّها فَتَرْجِعُ إلى لَوْنِ مُوسى، وكانَ آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - شَدِيدَ الأُدْمَةِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: صارَتْ نُورًا ساطِعًا يُضِيءُ لَهُ ما بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ لَهُ لَمَعانٌ مِثْلُ لَمَعانِ البَرْقِ فَخَرُّوا عَلى وُجُوهِهِمْ، وقالَ الكَلْبِيُّ: بَلَغَنا أنَّ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - قالَ يا فِرْعَوْنُ ما هَذِهِ بِيَدِي ؟ قالَ: هي عَصا، فَألْقاها مُوسى فَإذا هي ثُعْبانٌ، ورُوِيَ أنَّ فِرْعَوْنَ رَأى يَدَ مُوسى فَقالَ لِفِرْعَوْنَ ما هَذِهِ ؟ فَقالَ: يَدُكَ، ثُمَّ أدْخَلَها جَيْبَهُ، وعَلَيْهِ مِدْرَعَةُ صُوفٍ ونَزَعَها فَإذا هي بَيْضاءُ بَياضًا نُورانِيًّا، غَلَبَ شُعاعُها شُعاعَ الشَّمْسِ وما أعْجَبَ أمْرَ هَذَيْنِ الخارِقَيْنِ أحَدُهُما في نَفْسِهِ وذَلِكَ اليَدُ البَيْضاءُ، والآخَرُ في غَيْرِ نَفْسِهِ وهي العَصا، وجَمَعَ بِذَيْنِكَ تَبَدُّلَ الذَّرّاتِ وتَبَدُّلَ الأعْراضِ، فَكانا دالَّيْنِ عَلى جَوازِ الأمْرَيْنِ وإنَّهُما كِلاهُما مُمْكِنُ الوُقُوعِ، قالَ أبُو مُحَمَّدِ بْنُ عَطِيَّةَ: هاتانِ الآيَتانِ عَرَضَهُما مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِلْمُعارَضَةِ ودَعا إلى اللَّهِ بِهِما وخَرَقَ العادَةَ بِهِما وتَحَدّى النّاسَ إلى الدِّينِ بِهِما فَإذا جَعَلْنا التَّحَدِّيَ الدُّعاءَ إلى الدِّينِ مُطْلَقًا فَبِهِما تَحَدّى وإذا جَعَلْنا التَّحَدِّيَ الدُّعاءَ بَعْدَ العَجْزِ عَنْ مُعارَضَةِ المُعْجِزَةِ وظُهُورِ ذَلِكَ فَتَنْفَرِدُ حِينَئِذٍ العَصا بِذَلِكَ؛ لِأنَّ المُعارَضَةَ والمُعْجِزَ فِيها وقَعا ويُقالُ: التَّحَدِّي هو الدُّعاءُ إلى الإتْيانِ بِمِثْلِ المُعْجِزَةِ فَهَذِهِ نَحْوٌ ثالِثٌ، وعَلَيْهِ يَكُونُ تَحَدِّي مُوسى بِالآيَتَيْنِ جَمِيعًا؛ لِأنَّ الظّاهِرَ مِن أمْرِهِ أنَّهُ عَرَضَهُما مَعًا وإنْ كانَ لَمْ يَنُصَّ عَلى الدُّعاءِ إلى الإتْيانِ بِمِثْلِهِما. انْتَهى. وهو كَلامٌ فِيهِ تَثْبِيجٌ. ﴿قالَ المَلَأُ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ إنَّ هَذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ﴾ . وفي الشُّعَراءِ ﴿قالَ لِلْمَلَأِ حَوْلَهُ إنَّ هَذا لَساحِرٌ عَلِيمٍ﴾ [الشعراء: ٣٤] والجَمْعُ بَيْنَهُما أنَّ فِرْعَوْنَ وهم قالُوا هَذا الكَلامَ فَحَكى هُنا قَوْلَهم وهُناكَ قَوْلَهُ، أوْ قالَهُ ابْتِداءً فَتَلَقَّفَهُ مِنهُ المَلَأُ فَقالُوهُ لِأعْقابِهِمْ، أوْ قالُوهُ عَنْهُ لِلنّاسِ عَلى طَرِيقِ التَّبْلِيغِ كَما تَفْعَلُ المُلُوكُ يَرى الواحِدُ مِنهُمُ الرَّأْيَ فَيُكَلِّمُ بِهِ مَن يَلِيهِ مِنَ الخاصَّةِ، ثُمَّ تُبْلِغُهُ الخاصَّةُ العامَّةَ والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّهم أجابُوهُ في قَوْلِهِ: (أرْجِهْ) وكانَ السِّحْرُ إذْ ذاكَ في أعْلى المَراتِبِ فَلَمّا رَأوُا انْقِلابَ العَصا ثُعْبانًا والأدْماءَ بَيْضاءَ، وأنْكَرُوا النُّبُوَّةَ ودافَعُوهُ عَنْها قَصَدُوا ذَمَّهُ بِوَصْفِهِ بِالسِّحْرِ وحَطِّ قَدْرِهِ إذْ لَمْ يُمْكِنُهم في ظُهُورِ ما ظَهَرَ عَلى يَدِهِ نِسْبَةُ شَيْءٍ إلَيْهِ غَيْرَ السِّحْرِ وبالَغُوا في وصْفِهِ بِأنْ قالُوا: (عَلِيمٌ)، أيْ: بالِغُ الغايَةِ في عِلْمِ السِّحْرِ وخُدَعِهِ وخَيالاتِهِ وفُنُونِهِ، وأكْثَرُ اسْتِعْمالِ لَفْظِ هَذا إذا كانَ مِن كَلامِ الكُفّارِ في التَّنَقُّصِ والِاسْتِغْرابِ كَما قالَ: ﴿أهَذا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ﴾ [الأنبياء: ٣٦]، ﴿أهَذا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا﴾ [الفرقان: ٤١]، ﴿إنْ هَذا إلّا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ [الأنعام: ٢٥] ﴿ما هَذا إلّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ [المؤمنون: ٢٤] ﴿إنْ هَذانِ لَساحِرانِ﴾ [طه: ٦٣] ﴿إنْ كانَ هَذا هو الحَقَّ مِن عِنْدِكَ﴾ [الأنفال: ٣٢] يَعْدِلُونَ عَنْ لَفْظِ اسْمِ ذَلِكَ الشَّيْءِ إلى لَفْظِ الإشارَةِ وأكَدُّوا نِسْبَةَ السِّحْرِ إلَيْهِ بِدُخُولِ إنَّ واللّامِ. ﴿يُرِيدُ أنْ يُخْرِجَكم مِن أرْضِكم فَماذا تَأْمُرُونَ﴾ اسْتَشْعَرَتْ نُفُوسُهم ما صارَ إلَيْهِ أمْرُهم مِن إخْراجِهِمْ مِن أرْضِهِمْ وخُلُوِّ مَواطِنِهِمْ مِنهم وخَرابِ بُيُوتِهِمْ فَبادَرُوا (p-٣٥٩)إلى الإخْبارِ بِذَلِكَ، وكانَ الأمْرُ كَما اسْتَشْعَرُوا إذْ غَرَّقَ اللَّهُ فِرْعَوْنَ وآلَهُ وأخْلى مَنازِلَهم مِنهم ونَبَّهُوا عَلى هَذا الوَصْفِ الصَّعْبِ الَّذِي هو مُعادِلٌ لِقَتْلِ الأنْفُسِ كَما قالَ: ﴿ولَوْ أنّا كَتَبْنا عَلَيْهِمْ أنِ اقْتُلُوا أنْفُسَكم أوِ اخْرُجُوا مِن دِيارِكم ما فَعَلُوهُ إلّا قَلِيلٌ مِنهُمْ﴾ [النساء: ٦٦] وأرادَ بِهِ إحْراجَهم إمّا بِكَوْنِهِ يَحْكُمُ فِيكم بِإرْسالِ خَدَمِكم وعَمارِ أرْضِكم مَعَهُ حَيْثُ يَسِيرُ فَيُفْضِي ذَلِكَ إلى خَرابِ دِيارِكم وإمّا بِكَوْنِهِمْ خافُوا مِنهُ أنْ يُقاتِلَهم بِمَن يَجْتَمِعُ إلَيْهِ مِن بَنِي إسْرائِيلَ ويَغْلِبَ عَلى مُلْكِهِمْ قالَ النَّقّاشُ كانُوا يَأْخُذُونَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ خَرْجًا كالجِزْيَةِ فَرَأوْا أنَّ مُلْكَهم يَذْهَبُ بِزَوالِ ذَلِكَ وجاءَ في سُورَةِ الشُّعَراءِ ﴿بِسِحْرِهِ﴾ [الشعراء: ٣٥] وهُنا حُذِفَتْ لِأنَّ الآيَةَ الأُولى هُنا بُنِيَتْ عَلى الِاخْتِصارِ فَناسَبَتِ الحَذْفَ، ولِأنَّ لَفْظَ ساحِرٍ يَدُلُّ عَلى السِّحْرِ و﴿فَماذا تَأْمُرُونَ﴾ مِن قَوْلِ فِرْعَوْنَ أوْ مِن قَوْلِ المَلَأِ إمّا لِفِرْعَوْنَ وأصْحابِهِ وإمّا لَهُ وحْدَهُ كَما يُخاطَبُ أفْرادُ العُظَماءِ بِلَفْظِ الجَمْعِ وهو مِنَ الأمْرِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مَعْناهُ تُشِيرُونَ بِهِ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مِن أمَرْتُهُ فَأمَرَنِي بِكَذا أيْ شاوَرْتُهُ فَأشارَ عَلَيْكَ بِرَأْيٍ، وقَرَأ الجُمْهُورُ (تَأْمُرُونَ) بِفَتْحِ النُّونِ هُنا وفي الشُّعَراءِ ورَوى كَرْدَمٌ عَنْ نافِعٍ بِكَسْرِ النُّونِ فِيهِما وماذا يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ كُلُّها اسْتِفَهامًا وتَكُونُ مَفْعُولًا ثانِيًا لِتَأْمُرُونِ عَلى سَبِيلِ التَّوَسُّعِ فِيهِ بِأنْ حَذَفَ مِنهُ حَرْفَ الجَرِّ، كَما قالَ أمَرْتُكَ الخَيْرَ ويَكُونُ المَفْعُولُ الأوَّلُ مَحْذُوفًا لِفَهْمِ المَعْنى أيْ أيُّ شَيْءٍ تَأْمُرُونَنِي، وأصْلُهُ بِأيِّ شَيْءٍ ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ ما اسْتِفْهامًا مُبْتَدَأً، و(ذا) بِمَعْنى الَّذِي خَبَرٌ عَنْهُ و(تَأْمُرُونَ) صِلَةَ ذا، ويَكُونُ قَدْ حُذِفَ مِنهُ مَفْعُولَيْ (تَأْمُرُونَ) الأوَّلُ وهو ضَمِيرُ المُتَكَلِّمِ والثّانِي وهو الضَّمِيرُ العائِدُ عَلى المَوْصُولِ، والتَّقْدِيرُ فَأيُّ شَيْءِ الَّذِي تَأْمُرُونَنِيهِ أيْ تَأْمُرُنَنِي بِهِ، وكِلا الإعْرابَيْنِ في ماذا جائِزٌ في قِراءَةِ مَن كَسَرَ النُّونَ إلّا أنَّهُ حَذَفَ ياءَ المُتَكَلِّمِ وأبْقى الكَسْرَةَ دَلالَةً عَلَيْها، وقَدَّرَ ابْنُ عَطِيَّةَ الضَّمِيرَ العائِدَ عَلى ذا إذا كانَتْ مَوْصُولَةً مَقْرُونَةً بِحَرْفِ الجَرِّ، فَقالَ وفي (تَأْمُرُونَ) ضَمِيرٌ عائِدٌ عَلى (الَّذِي) تَقْدِيرُهُ تَأْمُرُونَ بِهِ انْتَهى. وهَذا لَيْسَ بِجَيِّدٍ لِفَواتِ شَرْطِ جَوازِ حَذْفِ الضَّمِيرِ إذا كانَ مَجْرُورًا بِحَرْفِ الجَرِّ وذَلِكَ الشَّرْطُ هو أنْ لا يَكُونَ الضَّمِيرُ في مَوْضِعِ رَفْعٍ وأنْ يَجُرَّ ذَلِكَ الحَرْفُ المَوْصُولَ أوِ المَوْصُوفَ بِهِ أوِ المُضافَ إلَيْهِ ويَتَّحِدَ المُتَعَلِّقُ بِهِ الحَرْفانِ لَفْظًا ومَعْنًى ويَتَّحِدَ مَعْنى الحَرْفِ أيْضًا لِابْنِ عَطِيَّةَ أنَّهُ قَدَّرَهُ عَلى الأصْلِ ثُمَّ اتَّسَعَ فِيهِ فَتَعَدّى إلَيْهِ الفِعْلُ بِغَيْرِ واسِطَةِ الحُرُوفِ، ثُمَّ حُذِفَ بَعْدَ الِاتِّساعِ. ﴿قالُوا أرْجِهْ وأخاهُ﴾ أيْ قالَ مَن حَضَرَ مُناظَرَةَ مُوسى مِن عُقَلاءِ مَلَأِ فِرْعَوْنَ وأشْرافِهِ قِيلَ: ولَمْ يَكُنْ يُجالِسُ فِرْعَوْنَ ولَدُ غَيَّةٍ وإنَّما كانُوا أشْرافًا ولِذَلِكَ أشارُوا عَلَيْهِ بِالإرْجاءِ ولَمْ يُشِيرُوا بِالقَتْلِ وقالُوا: إنْ قَتَلْتَهُ دَخَلَتْ عَلى النّاسِ شُبْهَةٌ ولَكِنِ اغْلِبْهُ بِالحُجَّةِ، وقُرِئَ بِالهَمْزِ وبِغَيْرِ هَمْزٍ فَقِيلَ هُما بِمَعْنًى واحِدٍ، وقِيلَ المَعْنى احْبِسْهُ، وقِيلَ: أرْجِهْ بِغَيْرِ هَمْزٍ أطْمِعْهُ جَعَلَهُ مِن رَجَوْتَ أدْخَلَ عَلَيْهِ هَمْزَةَ الفِعْلِ أيْ أطْمِعْهُ وأخاهُ ولا تَقْتُلْهُما حَتّى يَظْهَرَ كَذِبَهُما فَإنَّكَ إنْ قَتَلْتَهُما ظُنَّ أنَّهُما صَدَقا ولَمْ يَجْرِ لِهارُونَ ذِكْرٌ في صَدْرِ القِصَّةِ وقَدْ تَبَيَّنَ مِن غَيْرِ آيَةٍ أنَّهُما ذَهَبا مَعًا وأُرْسِلا إلى فِرْعَوْنَ ولَمّا كانَ مُوافِقًا لَهُ في دَعْواهُ (p-٣٦٠)ومُؤازِرًا أشارُوا بِإرْجائِهِما، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وهِشامٌ (أرْجِئْهُو) بِالهَمْزِ وضَمِّ الهاءِ ووَصْلِها بِواوٍ، وأبُو عَمْرٍو كَذَلِكَ إلّا أنَّهُ لَمْ يَصِلْ، ورُوِيَ هَذا عَنْ هِشامٍ وعَنْ يَحْيى عَنْ أبِي بَكْرٍ، وقَرَأ ورْشٌ والكِسائِيُّ (أرْجِهِي) بِغَيْرِ هَمْزٍ وبِكَسْرِ الهاءِ ووَصْلِها بِياءٍ، وقَرَأ عاصِمٌ وحَمْزَةُ بِغَيْرِ هَمْزٍ وسَكَّنا الهاءَ، وقَرَأ قالُونُ بِغَيْرِ هَمْزٍ ومُخْتَلِسٌ كَسْرَةَ الهاءِ، وقَرَأ ابْنُ ذَكْوانَ في رِوايَةٍ كَقِراءَةِ ورْشٍ والكِسائِيِّ، وفي المَشْهُورِ عَنْهُ أرْجِئْهِ بِالهَمْزِ وكَسْرِ الهاءِ مِن غَيْرِ صِلَةٍ، وقَدْ قِيلَ عَنْهُ أنَّهُ يَصِلُها بِياءٍ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ أرْجِئْهِ بِكَسْرِ الهاءِ بِهَمْزَةٍ قَبْلَها، قالَ الفارِسِيُّ: وهَذا غَلَطٌ انْتَهى. ونِسْبَةُ ابْنِ عَطِيَّةَ هَذِهِ القِراءَةَ لِابْنِ عامِرٍ لَيْسَ بِجَيِّدٍ؛ لِأنَّ الَّذِي رَوى ذَلِكَ إنَّما هو ابْنُ ذَكْوانَ لا هِشامٌ فَكانَ يَنْبَغِي أنْ يُقَيِّدَ فَيَقُولَ وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ في رِوايَةِ ابْنِ ذَكْوانَ وقالَ بَعْضُهم: قالَ أبُو عَلِيٍّ ضَمُّ الهاءِ مَعَ الهَمْزِ لا يَجُوزُ غَيْرُهُ قالَ: ورِوايَةُ ابْنِ ذَكْوانَ عَنِ ابْنِ عامِرٍ غَلَطٌ وقالَ ابْنُ مُجاهِدٍ بَعْدَهُ وهَذا لا يَجُوزُ لِأنَّ الهاءَ لا تُكْسَرُ إلّا إذا وقَعَ قَبْلَها كَسْرَةٌ أوْ ياءٌ ساكِنَةٌ، وقالَ الحَوْفِيُّ: ومِنَ القُرّاءِ مَن يَكْسِرُ مَعَ الهَمْزِ ولَيْسَ بِجَيِّدٍ، وقالَ أبُو البَقاءِ: ويُقْرَأُ بِكَسْرِ الهاءِ مَعَ الهَمْزِ وهو ضَعِيفٌ لِأنَّ الهَمْزَ حَرْفٌ صَحِيحٌ ساكِنٌ فَلَيْسَ قَبْلَ الهاءِ ما يَقْتَضِي الكَسْرَ، ووَجْهُهُ أنَّهُ أتْبَعَ الهاءَ كَسْرَةَ الجِيمِ والحاجِزُ غَيْرُ حَصِينٍ ويَخْرُجُ أيْضًا عَلى تَوَهُّمِ إبْدالِ الهَمْزِ ياءً أوْ عَلى أنَّ الهَمْزَ لَمّا كانَ كَثِيرًا ما يُبَدَّلُ بِحَرْفِ العِلَّةِ أُجْرِي مَجْرى حَرْفِ العِلَّةِ في كَسْرِ ما بَعْدَهُ، وما ذَهَبَ إلَيْهِ الفارِسِيُّ وغَيْرُهُ مِن غَلَطِ هَذِهِ القِراءَةِ، وأنَّها لا تَجُوزُ قَوْلٌ فاسِدٌ؛ لِأنَّها قِراءَةٌ ثابِتَةٌ مُتَواتِرَةٌ رَوَتْها الأكابِرُ عَنِ الأئِمَّةِ وتَلَقَّتْها الأُمَّةُ بِالقَبُولِ ولَها تَوْجِيهٌ في العَرَبِيَّةِ ولَيْسَتِ الهَمْزَةُ كَغَيْرِها مِنَ الحُرُوفِ الصَّحِيحَةِ لِأنَّها قابِلَةٌ لِلتَّغْيِيرِ بِالإبْدالِ والحَرْفِ بِالنَّقْلِ وغَيْرِهِ فَلا وجْهَ لِإنْكارِ هَذِهِ القِراءَةِ. ﴿وأرْسِلْ في المَدائِنِ حاشِرِينَ﴾ ﴿يَأْتُوكَ بِكُلِّ ساحِرٍ عَلِيمٍ﴾ (المَدائِنِ) مَدائِنُ مِصْرَ وقُراها: ”والحاشِرُونَ“، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هم أصْحابُ الشُّرَطِ، وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ لَمّا رَأى فِرْعَوْنَ مِن آياتِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ ما رَأى قالَ: لَنْ نُغالِبَ مُوسى إلّا بِمَن هو مِنهُ فاتَّخَذَ غِلْمانًا مِن بَنِي إسْرائِيلَ فَبَعَثَ بِهِمْ إلى قَرْيَةٍ. قالَ البَغَوِيُّ: هي الفَرَما يُعَلِّمُونَهُمُ السِّحْرَ كَما يُعَلِّمُونَ الصِّبْيانَ في المَكْتَبِ فَعَلَّمُوهم سِحْرًا كَثِيرًا، وواعَدَ فِرْعَوْنُ مُوسى مَوْعِدًا، ثُمَّ دَعاهم وسَألَهم فَقالَ: ماذا صَنَعْتُمْ قالُوا: عَلَّمْناهم مِنَ السِّحْرِ ما لا يُقاوِمُهم بِهِ أهْلُ الأرْضِ إلّا أنْ يَكُونَ أمْرًا مِنَ السَّماءِ فَإنَّهُ لا طاقَةَ لَنا بِهِ، وقَرَأ الأخَوانِ بِكُلِّ سَحّارٍ هُنا وفي يُونُسَ والباقُونَ (ساحِرٍ) وفي الشُّعَراءِ أجْمَعُوا عَلى سَحّارٍ وتُناسِبُ سَحّارٌ (عَلِيمٌ) لِكَوْنِهِما مِن ألْفاظِ المُبالَغَةِ، ولَمّا كانَ قَدْ تَقَدَّمَ ﴿إنَّ هَذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ﴾ ناسَبَ هُنا أنْ يُقابِلَ بِقَوْلِهِ: ﴿بِكُلِّ ساحِرٍ عَلِيمٍ﴾ .

الأعراف 7:111

﴿وقالَ مُوسى يا فِرْعَوْنُ إنِّي رَسُولٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿حَقِيقٌ عَلى أنْ لا أقُولَ عَلى اللَّهِ إلّا الحَقَّ قَدْ جِئْتُكم بِبَيِّنَةٍ مِن رَبِّكم فَأرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ هَذِهِ مُحاوَرَةٌ مِن مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِفِرْعَوْنَ وخِطابٌ لَهُ بِأحْسَنِ ما يُدْعى بِهِ، وأحَبِّها إلَيْهِ إذْ كانَ مَن مَلَكَ مِصْرَ يُقالُ لَهُ فِرْعَوْنٌ كَنُمْرُودَ في يُونانَ، وقَيْصَرَ في الرُّومِ، وكِسْرى في فارِسَ، والنَّجاشِيِّ في الحَبَشَةِ وعَلى هَذا لا يَكُونُ فِرْعَوْنُ وأمْثالُهُ عَلَمًا شَخْصِيًّا، بَلْ يَكُونُ عَلَمَ جِنْسٍ كَأُسامَةَ وثُعالَةَ، ولَمّا كانَ فِرْعَوْنُ قَدِ ادَّعى الرُّبُوبِيَّةَ فاتَحَهُ مُوسى بِقَوْلِهِ: ﴿إنِّي رَسُولٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ لِيُنَبِّهَهُ عَلى الوَصْفِ الَّذِي ادَّعاهُ، وأنَّهُ فِيهِ مُبْطِلٌ لا مُحِقٌّ ولَمّا كانَ قَوْلُهُ: ﴿حَقِيقٌ عَلى أنْ لا أقُولَ عَلى اللَّهِ إلّا الحَقَّ﴾ أرْدَفَها بِما يَدُلُّ عَلى صِحَّتِها وهو قَوْلُهُ: (قَدْ جِئْتُكم) ولَمّا قَرَّرَ رِسالَتَهُ فَرَّعَ عَلَيْها تَبْلِيغَ الحُكْمِ وهو قَوْلُهُ: (فَأرْسِلْ) ولَمْ يُنازِعْهُ فِرْعَوْنُ في هَذِهِ السُّورَةِ في شَيْءٍ مِمّا ذَكَرَهُ مُوسى إلّا أنَّهُ طَلَبَ المُعْجِزَةَ ودَلَّ ذَلِكَ عَلى مُوافَقَتِهِ لِمُوسى، وأنَّ الرِّسالَةَ مُمْكِنَةٌ لِإمْكانِ المُعْجِزَةِ إذْ لَمْ يَدْفَعْ إمْكانَها، بَلْ قالَ: ﴿إنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ﴾ ويَأْتِي الكَلامُ عَلى هَذا الطَّلَبِ مِن فِرْعَوْنَ لِلْمُعْجِزَةِ، وقَرَأ نافِعٌ (عَلَيَّ أنْ لا أقُولَ) بِتَشْدِيدِ الياءِ جَعَلَ (عَلى) داخِلَةً عَلى ياءِ المُتَكَلِّمِ، ومَعْنى ﴿حَقِيقٌ﴾ جَدِيرٌ وخَلِيقٌ وارْتِفاعُهُ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِرَسُولٍ، أوْ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ و﴿أنْ لا أقُولَ﴾ الأحْسَنُ فِيهِ أنْ يَكُونَ فاعِلًا بِحَقِيقٍ كَأنَّهُ قِيلَ: يَحِقُّ عَلَيَّ كَذا ويَجِبُ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ﴿أنْ لا أقُولَ﴾ مُبْتَدَأٌ و﴿حَقِيقٌ﴾ خَبَرُهُ، وقالَ قَوْمٌ تَمَّ الكَلامُ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿حَقِيقٌ﴾ و﴿عَلى أنْ لا أقُولَ﴾ مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ، وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ عَلَيَّ بِجَرِّها ﴿أنْ لا أقُولَ﴾، أيْ: ﴿حَقِيقٌ﴾ عَلَيَّ قَوْلُ الحَقِّ، فَقالَ قَوْمٌ ضَمَّنَ ﴿حَقِيقٌ﴾ مَعْنى حَرِيصٍ، وقالَ أبُو الحَسَنِ والفَرّاءُ والفارِسِيُّ: عَلَيَّ بِمَعْنى الباءِ كَما أنَّ الباءَ بِمَعْنى عَلى في قَوْلِهِ ﴿ولا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِراطٍ﴾ [الأعراف: ٨٦]، أيْ: عَلى كُلِّ صِراطٍ فَكَأنَّهُ قِيلَ: ﴿حَقِيقٌ﴾ بِأنْ لا أقُولَ كَما تَقُولُ فُلانٌ حَقِيقٌ بِهَذا الأمْرِ وخَلِيقٌ بِهِ ويَشْهَدُ لِهَذا التَّوْجِيهِ قِراءَةُ أُبَيٍّ بِأنْ لا أقُولَ وضَعَ مَكانَ عَلى الباءَ، قالَ الأخْفَشُ: ولَيْسَ ذَلِكَ بِالمُطَّرِدِ لَوْ قُلْتَ ذَهَبْتُ عَلى زَيْدٍ تُرِيدُ بِزَيْدٍ لَمْ يَجُزْ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وفي المَشْهُورَةِ إشْكالٌ ولا يَخْلُو مِن وُجُوهٍ، أحَدُها: أنْ يَكُونَ مِمّا يُقْلَبُ مِنَ الكَلامِ لا مِنَ الإلْباسِ كَقَوْلِهِ: ؎وتَشْقى الرِّماحُ بِالضَّياطِرَةِ الحُمْرِ ومَعْناهُ وتَشْقى الضَّياطِرَةُ بِالرِّماحِ. انْتَهى هَذا الوَجْهُ، وأصْحابُنا يَخُصُّونَ القَلْبَ بِالشِّعْرِ ولا يُجِيزُونَهُ في فَصِيحِ الكَلامِ فَيَنْبَغِي أنْ يُنَزَّهَ القِراءَةُ عَنْهُ، وعَلى هَذا يَصِيرُ مَعْنى (p-٣٥٦)هَذِهِ القِراءَةِ مَعْنى قِراءَةِ نافِعٍ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والثّانِي أنَّ ما لَزِمَكَ لَزِمْتَهُ فَلَمّا كانَ قَوْلُ الحَقِّ حَقِيقًا عَلَيْهِ كانَ هو حَقِيقًا عَلى قَوْلِ الحَقِّ، أيْ: لازِمًا لَهُ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والثّالِثُ أنْ يُضَمَّنَ ﴿حَقِيقٌ﴾ مَعْنى حَرِيصٍ تَضْمِينَ هَيَّجَنِي مَعْنى ذَكَّرَنِي في بَيْتٍ الكِتابَ. انْتَهى يَعْنِي بِالكِتابِ كِتابَ سِيبَوَيْهِ، والبَيْتُ: ؎إذا تَغَنّى الحَمامُ الوُرْقُ هَيَّجَنِي ∗∗∗ ولَوْ تَسَلَّيْتُ عَنْها أُمَّ عَمّارِ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والرّابِعُ وهو الأوْجَهُ وإلّا دَخَلَ في نُكَتِ القُرْآنِ أنْ يَغْرَقَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - في وصْفِ نَفْسِهِ بِالصِّدْقِ في ذَلِكَ المَقامِ لا سِيَّما، وقَدْ رُوِيَ أنَّ عَدُوَّ اللَّهِ فِرْعَوْنَ قالَ لَمّا قالَ: ﴿إنِّي رَسُولٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ كَذَبْتَ فَيَقُولُ أنا حَقِيقٌ عَلَيَّ قَوْلُ الحَقِّ، أيْ: واجِبٌ عَلَيَّ قَوْلُ الحَقِّ أنْ أكُونَ أنا قائِلَهُ والقائِمَ بِهِ ولا يَرْضى إلّا بِمِثْلِي ناطِقًا بِهِ. انْتَهى ولا يَتَّضِحُ هَذا الوَجْهُ إلّا إنْ عَنى أنَّهُ يَكُونُ ﴿عَلى أنْ لا أقُولَ﴾ صِفَةً كَما تَقُولُ أنا عَلى قَوْلِ الحَقِّ، أيْ: طَرِيقِي وعادَتِي قَوْلُ الحَقِّ، وقالَ ابْنُ مِقْسَمٍ ﴿حَقِيقٌ﴾ مِن نَعْتِ الرَّسُولِ، أيْ: رَسُولٌ حَقِيقٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ أُرْسِلْتُ عَلى أنْ لا أقُولَ عَلى اللَّهِ إلّا الحَقَّ، وهَذا مَعْنًى صَحِيحٌ واضِحٌ، وقَدْ غَفَلَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ مِن أرْبابِ اللُّغَةِ عَنْ تَعْلِيقِ (عَلى) بِرَسُولٍ ولَمْ يَخْطُرْ لَهم تَعْلِيقُهُ إلّا بِقَوْلِهِ: ﴿حَقِيقٌ﴾ . انْتَهى. وكَلامُهُ فِيهِ تَناقُضٌ في الظّاهِرِ؛ لِأنَّهُ قَدَّرَ أوَّلًا العامِلَ في (عَلى) أُرْسِلْتُ، وقالَ آخَرُ: إنَّهم غَفَلُوا عَنْ تَعْلِيقِ (عَلى) بِرَسُولٍ فَأمّا هَذا الآخَرُ فَلا يَجُوزُ عَلى مَذْهَبِ البَصْرِيِّينَ؛ لِأنَّ رَسُولًا قَدْ وُصِفَ قَبْلَ أنْ يَأْخُذَ مَعْمُولَهُ، وذَلِكَ لا يَجُوزُ، وأمّا التَّقْدِيرُ الأوَّلُ وهو إضْمارُ أُرْسِلْتُ ويُفَسِّرُهُ لَفْظُ رَسُولٍ فَهو تَقْدِيرٌ سائِغٌ، وتَناوَلَ كَلامُ ابْنِ مِقْسَمٍ أخِيرًا في قَوْلِهِ عَنْ تَعْلِيقِ عَلى بِرَسُولٍ، أيْ: بِما دَلَّ عَلَيْهِ رَسُولٌ، وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ والأعْمَشُ حَقِيقٌ أنْ لا أقُولَ بِإسْقاطِ عَلى فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ عَلى إضْمارِ عَلى كَقِراءَةِ مَن قَرَأ بِها واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ عَلى إضْمارِ الباءِ كَقِراءَةِ أُبَيٍّ، وعَلى الِاحْتِمالَيْنِ يَكُونُ التَّعَلُّقُ بِحَقِيقٍ. ولَمّا ذَكَرَ أنَّهُ رَسُولٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ، وأنَّهُ لا يَقُولُ عَلى اللَّهِ إلّا الحَقَّ أخَذَ يَذْكَرُ المُعْجِزَةَ والخارِقَ الَّذِي يَدُلُّ عَلى صِدْقِ رِسالَتِهِ، والخِطابُ في (جِئْتُكم) لِفِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ الحاضِرِينَ مَعَهُ ومَعْنى (بِبَيِّنَةٍ) بِآيَةٍ بَيِّنَةٍ واضِحَةِ الدَّلالَةِ عَلى ما أذْكُرُهُ، والبَيِّنَةُ قِيلَ: التِّسْعُ الآياتِ المَذْكُورَةِ في قَوْلِهِ: ﴿فِي تِسْعِ آياتٍ إلى فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ﴾ [النمل: ١٢]، قالَ بَعْضُ العُلَماءِ وسِياقُ الآيَةِ يَقْتَضِي أنَّ البَيِّنَةَ هي العَصا واليَدُ البَيْضاءُ بِدَلِيلِ ما بَعْدَهُ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَألْقى عَصاهُ﴾، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ والأكْثَرُونَ هي العَصا وفي قَوْلِهِ: ﴿مِن رَبِّكُمْ﴾ [الأعراف: ٣] تَعْرِيضٌ أنَّ فِرْعَوْنَ لَيْسَ رَبًّا لَهم، بَلْ رَبُّهم هو الَّذِي جاءَ مُوسى بِالبَيِّنَةِ مِن عِنْدِهِ (فَأرْسِلْ)، أيْ: فَخَلِّ، والإرْسالُ ضِدُّ الإمْساكِ ﴿مَعِيَ بَنِي إسْرائِيلَ﴾، أيْ: حَتّى يَذْهَبُوا إلى أوْطانِهِمْ ومَوْلِدِ آبائِهِمُ الأرْضِ المُقَدَّسَةِ وذَلِكَ أنَّ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمّا تُوُفِّيَ وانْقَرَضَ الأسْباطُ غَلَبَ فِرْعَوْنُ عَلى نَسْلِهِمْ واسْتَعْبَدَهم في الأعْمالِ الشّاقَّةِ وكانُوا يُؤَدُّونَ إلَيْهِ الجَزاءَ فاسْتَنْقَذَهُمُ اللَّهُ بِمُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - وكانَ بَيْنَ اليَوْمِ الَّذِي دَخَلَ فِيهِ يُوسُفُ مِصْرَ، واليَوْمِ الَّذِي دَخَلَ فِيهِ مُوسى أرْبَعُمِائَةٍ عامٍ، والظّاهِرُ أنَّ مُوسى لَمْ يَطْلُبْ مِن فِرْعَوْنَ في هَذِهِ الآيَةِ إلّا إرْسالَ بَنِي إسْرائِيلَ مَعَهُ وفي غَيْرِ هَذِهِ الآيَةِ دُعاؤُهُ إيّاهُ إلى الإقْرارِ بِرُبُوبِيَّةِ اللَّهِ تَعالى وتَوْحِيدِهِ قالَ تَعالى: ﴿فَقُلْ هَلْ لَكَ إلى أنْ تَزَكّى وأهْدِيَكَ إلى رَبِّكَ فَتَخْشى﴾ [النازعات: ١٨] وكُلُّ نَبِيٍّ داعٍ إلى تَوْحِيدِ اللَّهِ تَعالى، وقالَ تَعالى حِكايَةً عَنْ فِرْعَوْنَ: ﴿أنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنا وقَوْمُهُما لَنا عابِدُونَ﴾ [المؤمنون: ٤٧] فَهَذا ونَظائِرُهُ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ طَلَبَ مِنهُ الإيمانَ خِلافًا لِمَن قالَ إنَّ مُوسى لَمْ يَدْعُهُ إلى الإيمانِ ولا إلى التِزامِ شَرْعِهِ ولَيْسَ بَنُو إسْرائِيلَ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ والقِبْطِ، ألا تَرى أنَّ بَقِيَّةَ القِبْطِ وهُمُ الأكْثَرُ لَمْ يَرْجِعْ إلَيْهِمْ مُوسى. (p-٣٥٧)﴿قالَ إنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِها إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ لَمّا عَرَضَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - رِسالَتَهُ عَلى فِرْعَوْنَ وذَكَرَ الدَّلِيلَ عَلى صِدْقِهِ وهو مَجِيئُهُ بِالبَيِّنَةِ والخارِقِ المُعْجِزِ اسْتَدْعى فِرْعَوْنُ مِنهُ خَرْقَ العادَةِ الدّالَّ عَلى الصِّدْقِ، وهَذا الِاسْتِدْعاءُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ عَلى سَبِيلِ الِاخْتِبارِ وتَجْوِيزِهِ ذَلِكَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ عَلى سَبِيلِ التَّعْجِيزِ لِما تَقَرَّرَ في ذِهْنِ فِرْعَوْنَ أنَّ مُوسى لا يَقْدِرُ عَلى الإتْيانِ بِبَيِّنَةٍ، والمَعْنى: إنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ مِن رَبِّكَ فَأحْضِرْها عِنْدِي لِتَصِحَّ دَعْواكَ ويَثْبُتَ صِدْقُكَ. ﴿فَألْقى عَصاهُ فَإذا هي ثُعْبانٌ مُبِينٌ﴾ بَدَأ بِالعَصا دُونَ سائِرِ المُعْجِزاتِ؛ لِأنَّها مُعْجِزَةٌ تَحْتَوِي عَلى مُعْجِزاتٍ كَثِيرَةٍ قالُوا مِنها أنَّهُ ضَرَبَ بِها بابَ فِرْعَوْنَ فَفَزِعَ مِن قَرْعِها فَشابَ رَأْسُهُ فَخُضِّبَ بِالسَّوادِ فَهو أوَّلُ مَن خَضَّبَ بِالسَّوادِ وانْقِلابُها ثُعْبانًا وانْقِلابُ خَشَبَةٍ لَحْمًا ودَمًا قائِمًا بِهِ الحَياةُ مِن أعْظَمِ الإعْجازِ ويَحْصُلُ مِنِ انْقِلابِها ثُعْبانًا مِنَ التَّهْوِيلِ ما لا يَحْصُلُ في غَيْرِهِ، وضَرْبُهُ بِها الحَجَرَ فَيَنْفَجِرُ عُيُونًا، وضَرْبُهُ بِها فَتُنْبِتُ. قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ومُحارَبَتُهُ بِها اللُّصُوصَ والسِّباعَ القاصِدَةَ غَنَمَهُ، واشْتِعالُها في اللَّيْلِ كاشْتِعالِ الشَّمْعَةِ وصَيْرُورَتِها كالرِّشا لِيَنْزَحَ بِها الماءَ مِنَ البِئْرِ العَمِيقَةِ وتَلَقُّفُها الحِبالَ والعِصِيَّ الَّتِي لِلسَّحَرَةِ، وإبْطالُها لِما صَنَعُوهُ مِن كَيْدِهِمْ وسِحْرِهِمْ، والإلْقاءُ حَقِيقَةٌ هو في الأجْرامِ ومَجازٌ في المَعانِي نَحْوُ ألْقى المَسْألَةَ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والسُّدِّيُّ: صارَتِ العَصا حَيَّةً عَظِيمَةً شَعْراءَ فاغِرَةً فاها، ما بَيْنَ لِحْيَيْها ثَمانُونَ ذِراعًا، وقِيلَ: أرْبَعُونَ، ذَكَرَهُ مَكِّيٌّ عَنْ فَرْقَدٍ واضِعَةً أحَدَ لِحْيَيْها بِالأرْضِ والآخَرَ عَلى سُورِ القَصْرِ وذَكَرُوا مِنِ اضْطِرابِ فِرْعَوْنَ وفَزَعِهِ وهَرَبِهِ ووَعْدِهِ مُوسى بِالإيمانِ إنْ عادَتْ إلى حالِها، وكَثْرَةِ مَن ماتَ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ فَزَعًا أشْياءَ لَمْ تَتَعَرَّضْ إلَيْها الآيَةُ ولا تَثْبُتْ في حَدِيثٍ صَحِيحٍ فاللَّهُ أعْلَمُ بِها، ومَعْنى (مُبِينٌ) ظاهِرٌ لا تَخْيِيلَ فِيهِ، بَلْ هو ثُعْبانٌ حَقِيقَةً، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: (وإذا) ظَرْفُ مَكانٍ في هَذا المَوْضِعِ عِنْدَ المُبَرِّدِ مِن حَيْثُ كانَتْ خَبَرًا عَنْ جُثَّةٍ، والصَّحِيحُ الَّذِي عَلَيْهِ شُيُوخُنا أنَّها ظَرْفُ مَكانٍ كَما قالَهُ المُبَرِّدُ وهو المَنسُوبُ إلى سِيبَوَيْهِ، وقَوْلُهُ مِن حَيْثُ كانَتْ خَبَرًا عَنْ جُثَّةٍ لَيْسَتْ في هَذا المَكانِ خَبَرًا عَنْ جُثَّةٍ، بَلْ خَبَرُ هي قَوْلُهُ: (ثُعْبانٌ) ولَوْ قُلْتَ (فَإذا هي) لَمْ يَكُنْ كَلامًا ويَنْبَغِي أنْ يُحْمَلَ كَلامُهُ مِن حَيْثُ كانَتْ خَبَرًا عَنْ جُثَّةٍ عَلى مِثْلِ: خَرَجْتُ فَإذا السَّبْعُ، عَلى تَأْوِيلِ مَن جَعَلَها ظَرْفَ مَكانٍ وما ذَكَرَهُ مِن أنَّ الصَّحِيحَ الَّذِي عَلَيْهِ النّاسُ أنَّها ظَرْفُ زَمانٍ هو مَذْهَبُ الرِّياشِيِّ ونُسِبَ أيْضًا إلى سِيبَوَيْهِ، ومَذْهَبُ الكُوفِيِّينَ أنَّ إذا الفُجائِيَّةَ حَرْفٌ لا اسْمٌ. ﴿ونَزَعَ يَدَهُ فَإذا هي بَيْضاءُ لِلنّاظِرِينَ﴾، أيْ: جَذَبَ (يَدَهُ) قِيلَ مِن جَيْبِهِ وهو الظّاهِرُ لِقَوْلِهِ: ﴿وأدْخِلْ يَدَكَ في جَيْبِكَ﴾ [النمل: ١٢]، وقِيلَ: مِن كُمِّهِ و(لِلنّاظِرِينَ)، أيْ: لِلنُّظّارِ وفي ذِكْرِ ذَلِكَ تَنْبِيهٌ عَلى عِظَمِ بَياضِها؛ لِأنَّهُ لا يَعْرِضُ لَها لِلنُّظّارِ إلّا إذا كانَ بَياضُها عَجِيبًا خارِجًا عَنِ العادَةِ يَجْتَمِعُ النّاسُ إلَيْهِ كَما يَجْتَمِعُ النُّظّارُ لِلْعَجائِبِ، قالَ مُجاهِدٌ: (بَيْضاءُ) كاللَّبَنِ، أوْ أشُدُّ بَياضًا، ورُوِيَ أنَّها كانَتْ تَظْهَرُ (p-٣٥٨)مُنِيرَةً شَفّافَةً كالشَّمْسِ، ثُمَّ يَرُدُّها فَتَرْجِعُ إلى لَوْنِ مُوسى، وكانَ آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - شَدِيدَ الأُدْمَةِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: صارَتْ نُورًا ساطِعًا يُضِيءُ لَهُ ما بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ لَهُ لَمَعانٌ مِثْلُ لَمَعانِ البَرْقِ فَخَرُّوا عَلى وُجُوهِهِمْ، وقالَ الكَلْبِيُّ: بَلَغَنا أنَّ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - قالَ يا فِرْعَوْنُ ما هَذِهِ بِيَدِي ؟ قالَ: هي عَصا، فَألْقاها مُوسى فَإذا هي ثُعْبانٌ، ورُوِيَ أنَّ فِرْعَوْنَ رَأى يَدَ مُوسى فَقالَ لِفِرْعَوْنَ ما هَذِهِ ؟ فَقالَ: يَدُكَ، ثُمَّ أدْخَلَها جَيْبَهُ، وعَلَيْهِ مِدْرَعَةُ صُوفٍ ونَزَعَها فَإذا هي بَيْضاءُ بَياضًا نُورانِيًّا، غَلَبَ شُعاعُها شُعاعَ الشَّمْسِ وما أعْجَبَ أمْرَ هَذَيْنِ الخارِقَيْنِ أحَدُهُما في نَفْسِهِ وذَلِكَ اليَدُ البَيْضاءُ، والآخَرُ في غَيْرِ نَفْسِهِ وهي العَصا، وجَمَعَ بِذَيْنِكَ تَبَدُّلَ الذَّرّاتِ وتَبَدُّلَ الأعْراضِ، فَكانا دالَّيْنِ عَلى جَوازِ الأمْرَيْنِ وإنَّهُما كِلاهُما مُمْكِنُ الوُقُوعِ، قالَ أبُو مُحَمَّدِ بْنُ عَطِيَّةَ: هاتانِ الآيَتانِ عَرَضَهُما مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِلْمُعارَضَةِ ودَعا إلى اللَّهِ بِهِما وخَرَقَ العادَةَ بِهِما وتَحَدّى النّاسَ إلى الدِّينِ بِهِما فَإذا جَعَلْنا التَّحَدِّيَ الدُّعاءَ إلى الدِّينِ مُطْلَقًا فَبِهِما تَحَدّى وإذا جَعَلْنا التَّحَدِّيَ الدُّعاءَ بَعْدَ العَجْزِ عَنْ مُعارَضَةِ المُعْجِزَةِ وظُهُورِ ذَلِكَ فَتَنْفَرِدُ حِينَئِذٍ العَصا بِذَلِكَ؛ لِأنَّ المُعارَضَةَ والمُعْجِزَ فِيها وقَعا ويُقالُ: التَّحَدِّي هو الدُّعاءُ إلى الإتْيانِ بِمِثْلِ المُعْجِزَةِ فَهَذِهِ نَحْوٌ ثالِثٌ، وعَلَيْهِ يَكُونُ تَحَدِّي مُوسى بِالآيَتَيْنِ جَمِيعًا؛ لِأنَّ الظّاهِرَ مِن أمْرِهِ أنَّهُ عَرَضَهُما مَعًا وإنْ كانَ لَمْ يَنُصَّ عَلى الدُّعاءِ إلى الإتْيانِ بِمِثْلِهِما. انْتَهى. وهو كَلامٌ فِيهِ تَثْبِيجٌ. ﴿قالَ المَلَأُ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ إنَّ هَذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ﴾ . وفي الشُّعَراءِ ﴿قالَ لِلْمَلَأِ حَوْلَهُ إنَّ هَذا لَساحِرٌ عَلِيمٍ﴾ [الشعراء: ٣٤] والجَمْعُ بَيْنَهُما أنَّ فِرْعَوْنَ وهم قالُوا هَذا الكَلامَ فَحَكى هُنا قَوْلَهم وهُناكَ قَوْلَهُ، أوْ قالَهُ ابْتِداءً فَتَلَقَّفَهُ مِنهُ المَلَأُ فَقالُوهُ لِأعْقابِهِمْ، أوْ قالُوهُ عَنْهُ لِلنّاسِ عَلى طَرِيقِ التَّبْلِيغِ كَما تَفْعَلُ المُلُوكُ يَرى الواحِدُ مِنهُمُ الرَّأْيَ فَيُكَلِّمُ بِهِ مَن يَلِيهِ مِنَ الخاصَّةِ، ثُمَّ تُبْلِغُهُ الخاصَّةُ العامَّةَ والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّهم أجابُوهُ في قَوْلِهِ: (أرْجِهْ) وكانَ السِّحْرُ إذْ ذاكَ في أعْلى المَراتِبِ فَلَمّا رَأوُا انْقِلابَ العَصا ثُعْبانًا والأدْماءَ بَيْضاءَ، وأنْكَرُوا النُّبُوَّةَ ودافَعُوهُ عَنْها قَصَدُوا ذَمَّهُ بِوَصْفِهِ بِالسِّحْرِ وحَطِّ قَدْرِهِ إذْ لَمْ يُمْكِنُهم في ظُهُورِ ما ظَهَرَ عَلى يَدِهِ نِسْبَةُ شَيْءٍ إلَيْهِ غَيْرَ السِّحْرِ وبالَغُوا في وصْفِهِ بِأنْ قالُوا: (عَلِيمٌ)، أيْ: بالِغُ الغايَةِ في عِلْمِ السِّحْرِ وخُدَعِهِ وخَيالاتِهِ وفُنُونِهِ، وأكْثَرُ اسْتِعْمالِ لَفْظِ هَذا إذا كانَ مِن كَلامِ الكُفّارِ في التَّنَقُّصِ والِاسْتِغْرابِ كَما قالَ: ﴿أهَذا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ﴾ [الأنبياء: ٣٦]، ﴿أهَذا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا﴾ [الفرقان: ٤١]، ﴿إنْ هَذا إلّا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ [الأنعام: ٢٥] ﴿ما هَذا إلّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ [المؤمنون: ٢٤] ﴿إنْ هَذانِ لَساحِرانِ﴾ [طه: ٦٣] ﴿إنْ كانَ هَذا هو الحَقَّ مِن عِنْدِكَ﴾ [الأنفال: ٣٢] يَعْدِلُونَ عَنْ لَفْظِ اسْمِ ذَلِكَ الشَّيْءِ إلى لَفْظِ الإشارَةِ وأكَدُّوا نِسْبَةَ السِّحْرِ إلَيْهِ بِدُخُولِ إنَّ واللّامِ. ﴿يُرِيدُ أنْ يُخْرِجَكم مِن أرْضِكم فَماذا تَأْمُرُونَ﴾ اسْتَشْعَرَتْ نُفُوسُهم ما صارَ إلَيْهِ أمْرُهم مِن إخْراجِهِمْ مِن أرْضِهِمْ وخُلُوِّ مَواطِنِهِمْ مِنهم وخَرابِ بُيُوتِهِمْ فَبادَرُوا (p-٣٥٩)إلى الإخْبارِ بِذَلِكَ، وكانَ الأمْرُ كَما اسْتَشْعَرُوا إذْ غَرَّقَ اللَّهُ فِرْعَوْنَ وآلَهُ وأخْلى مَنازِلَهم مِنهم ونَبَّهُوا عَلى هَذا الوَصْفِ الصَّعْبِ الَّذِي هو مُعادِلٌ لِقَتْلِ الأنْفُسِ كَما قالَ: ﴿ولَوْ أنّا كَتَبْنا عَلَيْهِمْ أنِ اقْتُلُوا أنْفُسَكم أوِ اخْرُجُوا مِن دِيارِكم ما فَعَلُوهُ إلّا قَلِيلٌ مِنهُمْ﴾ [النساء: ٦٦] وأرادَ بِهِ إحْراجَهم إمّا بِكَوْنِهِ يَحْكُمُ فِيكم بِإرْسالِ خَدَمِكم وعَمارِ أرْضِكم مَعَهُ حَيْثُ يَسِيرُ فَيُفْضِي ذَلِكَ إلى خَرابِ دِيارِكم وإمّا بِكَوْنِهِمْ خافُوا مِنهُ أنْ يُقاتِلَهم بِمَن يَجْتَمِعُ إلَيْهِ مِن بَنِي إسْرائِيلَ ويَغْلِبَ عَلى مُلْكِهِمْ قالَ النَّقّاشُ كانُوا يَأْخُذُونَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ خَرْجًا كالجِزْيَةِ فَرَأوْا أنَّ مُلْكَهم يَذْهَبُ بِزَوالِ ذَلِكَ وجاءَ في سُورَةِ الشُّعَراءِ ﴿بِسِحْرِهِ﴾ [الشعراء: ٣٥] وهُنا حُذِفَتْ لِأنَّ الآيَةَ الأُولى هُنا بُنِيَتْ عَلى الِاخْتِصارِ فَناسَبَتِ الحَذْفَ، ولِأنَّ لَفْظَ ساحِرٍ يَدُلُّ عَلى السِّحْرِ و﴿فَماذا تَأْمُرُونَ﴾ مِن قَوْلِ فِرْعَوْنَ أوْ مِن قَوْلِ المَلَأِ إمّا لِفِرْعَوْنَ وأصْحابِهِ وإمّا لَهُ وحْدَهُ كَما يُخاطَبُ أفْرادُ العُظَماءِ بِلَفْظِ الجَمْعِ وهو مِنَ الأمْرِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مَعْناهُ تُشِيرُونَ بِهِ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مِن أمَرْتُهُ فَأمَرَنِي بِكَذا أيْ شاوَرْتُهُ فَأشارَ عَلَيْكَ بِرَأْيٍ، وقَرَأ الجُمْهُورُ (تَأْمُرُونَ) بِفَتْحِ النُّونِ هُنا وفي الشُّعَراءِ ورَوى كَرْدَمٌ عَنْ نافِعٍ بِكَسْرِ النُّونِ فِيهِما وماذا يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ كُلُّها اسْتِفَهامًا وتَكُونُ مَفْعُولًا ثانِيًا لِتَأْمُرُونِ عَلى سَبِيلِ التَّوَسُّعِ فِيهِ بِأنْ حَذَفَ مِنهُ حَرْفَ الجَرِّ، كَما قالَ أمَرْتُكَ الخَيْرَ ويَكُونُ المَفْعُولُ الأوَّلُ مَحْذُوفًا لِفَهْمِ المَعْنى أيْ أيُّ شَيْءٍ تَأْمُرُونَنِي، وأصْلُهُ بِأيِّ شَيْءٍ ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ ما اسْتِفْهامًا مُبْتَدَأً، و(ذا) بِمَعْنى الَّذِي خَبَرٌ عَنْهُ و(تَأْمُرُونَ) صِلَةَ ذا، ويَكُونُ قَدْ حُذِفَ مِنهُ مَفْعُولَيْ (تَأْمُرُونَ) الأوَّلُ وهو ضَمِيرُ المُتَكَلِّمِ والثّانِي وهو الضَّمِيرُ العائِدُ عَلى المَوْصُولِ، والتَّقْدِيرُ فَأيُّ شَيْءِ الَّذِي تَأْمُرُونَنِيهِ أيْ تَأْمُرُنَنِي بِهِ، وكِلا الإعْرابَيْنِ في ماذا جائِزٌ في قِراءَةِ مَن كَسَرَ النُّونَ إلّا أنَّهُ حَذَفَ ياءَ المُتَكَلِّمِ وأبْقى الكَسْرَةَ دَلالَةً عَلَيْها، وقَدَّرَ ابْنُ عَطِيَّةَ الضَّمِيرَ العائِدَ عَلى ذا إذا كانَتْ مَوْصُولَةً مَقْرُونَةً بِحَرْفِ الجَرِّ، فَقالَ وفي (تَأْمُرُونَ) ضَمِيرٌ عائِدٌ عَلى (الَّذِي) تَقْدِيرُهُ تَأْمُرُونَ بِهِ انْتَهى. وهَذا لَيْسَ بِجَيِّدٍ لِفَواتِ شَرْطِ جَوازِ حَذْفِ الضَّمِيرِ إذا كانَ مَجْرُورًا بِحَرْفِ الجَرِّ وذَلِكَ الشَّرْطُ هو أنْ لا يَكُونَ الضَّمِيرُ في مَوْضِعِ رَفْعٍ وأنْ يَجُرَّ ذَلِكَ الحَرْفُ المَوْصُولَ أوِ المَوْصُوفَ بِهِ أوِ المُضافَ إلَيْهِ ويَتَّحِدَ المُتَعَلِّقُ بِهِ الحَرْفانِ لَفْظًا ومَعْنًى ويَتَّحِدَ مَعْنى الحَرْفِ أيْضًا لِابْنِ عَطِيَّةَ أنَّهُ قَدَّرَهُ عَلى الأصْلِ ثُمَّ اتَّسَعَ فِيهِ فَتَعَدّى إلَيْهِ الفِعْلُ بِغَيْرِ واسِطَةِ الحُرُوفِ، ثُمَّ حُذِفَ بَعْدَ الِاتِّساعِ. ﴿قالُوا أرْجِهْ وأخاهُ﴾ أيْ قالَ مَن حَضَرَ مُناظَرَةَ مُوسى مِن عُقَلاءِ مَلَأِ فِرْعَوْنَ وأشْرافِهِ قِيلَ: ولَمْ يَكُنْ يُجالِسُ فِرْعَوْنَ ولَدُ غَيَّةٍ وإنَّما كانُوا أشْرافًا ولِذَلِكَ أشارُوا عَلَيْهِ بِالإرْجاءِ ولَمْ يُشِيرُوا بِالقَتْلِ وقالُوا: إنْ قَتَلْتَهُ دَخَلَتْ عَلى النّاسِ شُبْهَةٌ ولَكِنِ اغْلِبْهُ بِالحُجَّةِ، وقُرِئَ بِالهَمْزِ وبِغَيْرِ هَمْزٍ فَقِيلَ هُما بِمَعْنًى واحِدٍ، وقِيلَ المَعْنى احْبِسْهُ، وقِيلَ: أرْجِهْ بِغَيْرِ هَمْزٍ أطْمِعْهُ جَعَلَهُ مِن رَجَوْتَ أدْخَلَ عَلَيْهِ هَمْزَةَ الفِعْلِ أيْ أطْمِعْهُ وأخاهُ ولا تَقْتُلْهُما حَتّى يَظْهَرَ كَذِبَهُما فَإنَّكَ إنْ قَتَلْتَهُما ظُنَّ أنَّهُما صَدَقا ولَمْ يَجْرِ لِهارُونَ ذِكْرٌ في صَدْرِ القِصَّةِ وقَدْ تَبَيَّنَ مِن غَيْرِ آيَةٍ أنَّهُما ذَهَبا مَعًا وأُرْسِلا إلى فِرْعَوْنَ ولَمّا كانَ مُوافِقًا لَهُ في دَعْواهُ (p-٣٦٠)ومُؤازِرًا أشارُوا بِإرْجائِهِما، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وهِشامٌ (أرْجِئْهُو) بِالهَمْزِ وضَمِّ الهاءِ ووَصْلِها بِواوٍ، وأبُو عَمْرٍو كَذَلِكَ إلّا أنَّهُ لَمْ يَصِلْ، ورُوِيَ هَذا عَنْ هِشامٍ وعَنْ يَحْيى عَنْ أبِي بَكْرٍ، وقَرَأ ورْشٌ والكِسائِيُّ (أرْجِهِي) بِغَيْرِ هَمْزٍ وبِكَسْرِ الهاءِ ووَصْلِها بِياءٍ، وقَرَأ عاصِمٌ وحَمْزَةُ بِغَيْرِ هَمْزٍ وسَكَّنا الهاءَ، وقَرَأ قالُونُ بِغَيْرِ هَمْزٍ ومُخْتَلِسٌ كَسْرَةَ الهاءِ، وقَرَأ ابْنُ ذَكْوانَ في رِوايَةٍ كَقِراءَةِ ورْشٍ والكِسائِيِّ، وفي المَشْهُورِ عَنْهُ أرْجِئْهِ بِالهَمْزِ وكَسْرِ الهاءِ مِن غَيْرِ صِلَةٍ، وقَدْ قِيلَ عَنْهُ أنَّهُ يَصِلُها بِياءٍ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ أرْجِئْهِ بِكَسْرِ الهاءِ بِهَمْزَةٍ قَبْلَها، قالَ الفارِسِيُّ: وهَذا غَلَطٌ انْتَهى. ونِسْبَةُ ابْنِ عَطِيَّةَ هَذِهِ القِراءَةَ لِابْنِ عامِرٍ لَيْسَ بِجَيِّدٍ؛ لِأنَّ الَّذِي رَوى ذَلِكَ إنَّما هو ابْنُ ذَكْوانَ لا هِشامٌ فَكانَ يَنْبَغِي أنْ يُقَيِّدَ فَيَقُولَ وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ في رِوايَةِ ابْنِ ذَكْوانَ وقالَ بَعْضُهم: قالَ أبُو عَلِيٍّ ضَمُّ الهاءِ مَعَ الهَمْزِ لا يَجُوزُ غَيْرُهُ قالَ: ورِوايَةُ ابْنِ ذَكْوانَ عَنِ ابْنِ عامِرٍ غَلَطٌ وقالَ ابْنُ مُجاهِدٍ بَعْدَهُ وهَذا لا يَجُوزُ لِأنَّ الهاءَ لا تُكْسَرُ إلّا إذا وقَعَ قَبْلَها كَسْرَةٌ أوْ ياءٌ ساكِنَةٌ، وقالَ الحَوْفِيُّ: ومِنَ القُرّاءِ مَن يَكْسِرُ مَعَ الهَمْزِ ولَيْسَ بِجَيِّدٍ، وقالَ أبُو البَقاءِ: ويُقْرَأُ بِكَسْرِ الهاءِ مَعَ الهَمْزِ وهو ضَعِيفٌ لِأنَّ الهَمْزَ حَرْفٌ صَحِيحٌ ساكِنٌ فَلَيْسَ قَبْلَ الهاءِ ما يَقْتَضِي الكَسْرَ، ووَجْهُهُ أنَّهُ أتْبَعَ الهاءَ كَسْرَةَ الجِيمِ والحاجِزُ غَيْرُ حَصِينٍ ويَخْرُجُ أيْضًا عَلى تَوَهُّمِ إبْدالِ الهَمْزِ ياءً أوْ عَلى أنَّ الهَمْزَ لَمّا كانَ كَثِيرًا ما يُبَدَّلُ بِحَرْفِ العِلَّةِ أُجْرِي مَجْرى حَرْفِ العِلَّةِ في كَسْرِ ما بَعْدَهُ، وما ذَهَبَ إلَيْهِ الفارِسِيُّ وغَيْرُهُ مِن غَلَطِ هَذِهِ القِراءَةِ، وأنَّها لا تَجُوزُ قَوْلٌ فاسِدٌ؛ لِأنَّها قِراءَةٌ ثابِتَةٌ مُتَواتِرَةٌ رَوَتْها الأكابِرُ عَنِ الأئِمَّةِ وتَلَقَّتْها الأُمَّةُ بِالقَبُولِ ولَها تَوْجِيهٌ في العَرَبِيَّةِ ولَيْسَتِ الهَمْزَةُ كَغَيْرِها مِنَ الحُرُوفِ الصَّحِيحَةِ لِأنَّها قابِلَةٌ لِلتَّغْيِيرِ بِالإبْدالِ والحَرْفِ بِالنَّقْلِ وغَيْرِهِ فَلا وجْهَ لِإنْكارِ هَذِهِ القِراءَةِ. ﴿وأرْسِلْ في المَدائِنِ حاشِرِينَ﴾ ﴿يَأْتُوكَ بِكُلِّ ساحِرٍ عَلِيمٍ﴾ (المَدائِنِ) مَدائِنُ مِصْرَ وقُراها: ”والحاشِرُونَ“، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هم أصْحابُ الشُّرَطِ، وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ لَمّا رَأى فِرْعَوْنَ مِن آياتِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ ما رَأى قالَ: لَنْ نُغالِبَ مُوسى إلّا بِمَن هو مِنهُ فاتَّخَذَ غِلْمانًا مِن بَنِي إسْرائِيلَ فَبَعَثَ بِهِمْ إلى قَرْيَةٍ. قالَ البَغَوِيُّ: هي الفَرَما يُعَلِّمُونَهُمُ السِّحْرَ كَما يُعَلِّمُونَ الصِّبْيانَ في المَكْتَبِ فَعَلَّمُوهم سِحْرًا كَثِيرًا، وواعَدَ فِرْعَوْنُ مُوسى مَوْعِدًا، ثُمَّ دَعاهم وسَألَهم فَقالَ: ماذا صَنَعْتُمْ قالُوا: عَلَّمْناهم مِنَ السِّحْرِ ما لا يُقاوِمُهم بِهِ أهْلُ الأرْضِ إلّا أنْ يَكُونَ أمْرًا مِنَ السَّماءِ فَإنَّهُ لا طاقَةَ لَنا بِهِ، وقَرَأ الأخَوانِ بِكُلِّ سَحّارٍ هُنا وفي يُونُسَ والباقُونَ (ساحِرٍ) وفي الشُّعَراءِ أجْمَعُوا عَلى سَحّارٍ وتُناسِبُ سَحّارٌ (عَلِيمٌ) لِكَوْنِهِما مِن ألْفاظِ المُبالَغَةِ، ولَمّا كانَ قَدْ تَقَدَّمَ ﴿إنَّ هَذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ﴾ ناسَبَ هُنا أنْ يُقابِلَ بِقَوْلِهِ: ﴿بِكُلِّ ساحِرٍ عَلِيمٍ﴾ .

الأعراف 7:112

﴿وقالَ مُوسى يا فِرْعَوْنُ إنِّي رَسُولٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿حَقِيقٌ عَلى أنْ لا أقُولَ عَلى اللَّهِ إلّا الحَقَّ قَدْ جِئْتُكم بِبَيِّنَةٍ مِن رَبِّكم فَأرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ هَذِهِ مُحاوَرَةٌ مِن مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِفِرْعَوْنَ وخِطابٌ لَهُ بِأحْسَنِ ما يُدْعى بِهِ، وأحَبِّها إلَيْهِ إذْ كانَ مَن مَلَكَ مِصْرَ يُقالُ لَهُ فِرْعَوْنٌ كَنُمْرُودَ في يُونانَ، وقَيْصَرَ في الرُّومِ، وكِسْرى في فارِسَ، والنَّجاشِيِّ في الحَبَشَةِ وعَلى هَذا لا يَكُونُ فِرْعَوْنُ وأمْثالُهُ عَلَمًا شَخْصِيًّا، بَلْ يَكُونُ عَلَمَ جِنْسٍ كَأُسامَةَ وثُعالَةَ، ولَمّا كانَ فِرْعَوْنُ قَدِ ادَّعى الرُّبُوبِيَّةَ فاتَحَهُ مُوسى بِقَوْلِهِ: ﴿إنِّي رَسُولٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ لِيُنَبِّهَهُ عَلى الوَصْفِ الَّذِي ادَّعاهُ، وأنَّهُ فِيهِ مُبْطِلٌ لا مُحِقٌّ ولَمّا كانَ قَوْلُهُ: ﴿حَقِيقٌ عَلى أنْ لا أقُولَ عَلى اللَّهِ إلّا الحَقَّ﴾ أرْدَفَها بِما يَدُلُّ عَلى صِحَّتِها وهو قَوْلُهُ: (قَدْ جِئْتُكم) ولَمّا قَرَّرَ رِسالَتَهُ فَرَّعَ عَلَيْها تَبْلِيغَ الحُكْمِ وهو قَوْلُهُ: (فَأرْسِلْ) ولَمْ يُنازِعْهُ فِرْعَوْنُ في هَذِهِ السُّورَةِ في شَيْءٍ مِمّا ذَكَرَهُ مُوسى إلّا أنَّهُ طَلَبَ المُعْجِزَةَ ودَلَّ ذَلِكَ عَلى مُوافَقَتِهِ لِمُوسى، وأنَّ الرِّسالَةَ مُمْكِنَةٌ لِإمْكانِ المُعْجِزَةِ إذْ لَمْ يَدْفَعْ إمْكانَها، بَلْ قالَ: ﴿إنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ﴾ ويَأْتِي الكَلامُ عَلى هَذا الطَّلَبِ مِن فِرْعَوْنَ لِلْمُعْجِزَةِ، وقَرَأ نافِعٌ (عَلَيَّ أنْ لا أقُولَ) بِتَشْدِيدِ الياءِ جَعَلَ (عَلى) داخِلَةً عَلى ياءِ المُتَكَلِّمِ، ومَعْنى ﴿حَقِيقٌ﴾ جَدِيرٌ وخَلِيقٌ وارْتِفاعُهُ عَلى أنَّهُ صِفَةٌ لِرَسُولٍ، أوْ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ و﴿أنْ لا أقُولَ﴾ الأحْسَنُ فِيهِ أنْ يَكُونَ فاعِلًا بِحَقِيقٍ كَأنَّهُ قِيلَ: يَحِقُّ عَلَيَّ كَذا ويَجِبُ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ﴿أنْ لا أقُولَ﴾ مُبْتَدَأٌ و﴿حَقِيقٌ﴾ خَبَرُهُ، وقالَ قَوْمٌ تَمَّ الكَلامُ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿حَقِيقٌ﴾ و﴿عَلى أنْ لا أقُولَ﴾ مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ، وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ عَلَيَّ بِجَرِّها ﴿أنْ لا أقُولَ﴾، أيْ: ﴿حَقِيقٌ﴾ عَلَيَّ قَوْلُ الحَقِّ، فَقالَ قَوْمٌ ضَمَّنَ ﴿حَقِيقٌ﴾ مَعْنى حَرِيصٍ، وقالَ أبُو الحَسَنِ والفَرّاءُ والفارِسِيُّ: عَلَيَّ بِمَعْنى الباءِ كَما أنَّ الباءَ بِمَعْنى عَلى في قَوْلِهِ ﴿ولا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِراطٍ﴾ [الأعراف: ٨٦]، أيْ: عَلى كُلِّ صِراطٍ فَكَأنَّهُ قِيلَ: ﴿حَقِيقٌ﴾ بِأنْ لا أقُولَ كَما تَقُولُ فُلانٌ حَقِيقٌ بِهَذا الأمْرِ وخَلِيقٌ بِهِ ويَشْهَدُ لِهَذا التَّوْجِيهِ قِراءَةُ أُبَيٍّ بِأنْ لا أقُولَ وضَعَ مَكانَ عَلى الباءَ، قالَ الأخْفَشُ: ولَيْسَ ذَلِكَ بِالمُطَّرِدِ لَوْ قُلْتَ ذَهَبْتُ عَلى زَيْدٍ تُرِيدُ بِزَيْدٍ لَمْ يَجُزْ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وفي المَشْهُورَةِ إشْكالٌ ولا يَخْلُو مِن وُجُوهٍ، أحَدُها: أنْ يَكُونَ مِمّا يُقْلَبُ مِنَ الكَلامِ لا مِنَ الإلْباسِ كَقَوْلِهِ: ؎وتَشْقى الرِّماحُ بِالضَّياطِرَةِ الحُمْرِ ومَعْناهُ وتَشْقى الضَّياطِرَةُ بِالرِّماحِ. انْتَهى هَذا الوَجْهُ، وأصْحابُنا يَخُصُّونَ القَلْبَ بِالشِّعْرِ ولا يُجِيزُونَهُ في فَصِيحِ الكَلامِ فَيَنْبَغِي أنْ يُنَزَّهَ القِراءَةُ عَنْهُ، وعَلى هَذا يَصِيرُ مَعْنى (p-٣٥٦)هَذِهِ القِراءَةِ مَعْنى قِراءَةِ نافِعٍ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والثّانِي أنَّ ما لَزِمَكَ لَزِمْتَهُ فَلَمّا كانَ قَوْلُ الحَقِّ حَقِيقًا عَلَيْهِ كانَ هو حَقِيقًا عَلى قَوْلِ الحَقِّ، أيْ: لازِمًا لَهُ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والثّالِثُ أنْ يُضَمَّنَ ﴿حَقِيقٌ﴾ مَعْنى حَرِيصٍ تَضْمِينَ هَيَّجَنِي مَعْنى ذَكَّرَنِي في بَيْتٍ الكِتابَ. انْتَهى يَعْنِي بِالكِتابِ كِتابَ سِيبَوَيْهِ، والبَيْتُ: ؎إذا تَغَنّى الحَمامُ الوُرْقُ هَيَّجَنِي ∗∗∗ ولَوْ تَسَلَّيْتُ عَنْها أُمَّ عَمّارِ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والرّابِعُ وهو الأوْجَهُ وإلّا دَخَلَ في نُكَتِ القُرْآنِ أنْ يَغْرَقَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - في وصْفِ نَفْسِهِ بِالصِّدْقِ في ذَلِكَ المَقامِ لا سِيَّما، وقَدْ رُوِيَ أنَّ عَدُوَّ اللَّهِ فِرْعَوْنَ قالَ لَمّا قالَ: ﴿إنِّي رَسُولٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ كَذَبْتَ فَيَقُولُ أنا حَقِيقٌ عَلَيَّ قَوْلُ الحَقِّ، أيْ: واجِبٌ عَلَيَّ قَوْلُ الحَقِّ أنْ أكُونَ أنا قائِلَهُ والقائِمَ بِهِ ولا يَرْضى إلّا بِمِثْلِي ناطِقًا بِهِ. انْتَهى ولا يَتَّضِحُ هَذا الوَجْهُ إلّا إنْ عَنى أنَّهُ يَكُونُ ﴿عَلى أنْ لا أقُولَ﴾ صِفَةً كَما تَقُولُ أنا عَلى قَوْلِ الحَقِّ، أيْ: طَرِيقِي وعادَتِي قَوْلُ الحَقِّ، وقالَ ابْنُ مِقْسَمٍ ﴿حَقِيقٌ﴾ مِن نَعْتِ الرَّسُولِ، أيْ: رَسُولٌ حَقِيقٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ أُرْسِلْتُ عَلى أنْ لا أقُولَ عَلى اللَّهِ إلّا الحَقَّ، وهَذا مَعْنًى صَحِيحٌ واضِحٌ، وقَدْ غَفَلَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ مِن أرْبابِ اللُّغَةِ عَنْ تَعْلِيقِ (عَلى) بِرَسُولٍ ولَمْ يَخْطُرْ لَهم تَعْلِيقُهُ إلّا بِقَوْلِهِ: ﴿حَقِيقٌ﴾ . انْتَهى. وكَلامُهُ فِيهِ تَناقُضٌ في الظّاهِرِ؛ لِأنَّهُ قَدَّرَ أوَّلًا العامِلَ في (عَلى) أُرْسِلْتُ، وقالَ آخَرُ: إنَّهم غَفَلُوا عَنْ تَعْلِيقِ (عَلى) بِرَسُولٍ فَأمّا هَذا الآخَرُ فَلا يَجُوزُ عَلى مَذْهَبِ البَصْرِيِّينَ؛ لِأنَّ رَسُولًا قَدْ وُصِفَ قَبْلَ أنْ يَأْخُذَ مَعْمُولَهُ، وذَلِكَ لا يَجُوزُ، وأمّا التَّقْدِيرُ الأوَّلُ وهو إضْمارُ أُرْسِلْتُ ويُفَسِّرُهُ لَفْظُ رَسُولٍ فَهو تَقْدِيرٌ سائِغٌ، وتَناوَلَ كَلامُ ابْنِ مِقْسَمٍ أخِيرًا في قَوْلِهِ عَنْ تَعْلِيقِ عَلى بِرَسُولٍ، أيْ: بِما دَلَّ عَلَيْهِ رَسُولٌ، وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ والأعْمَشُ حَقِيقٌ أنْ لا أقُولَ بِإسْقاطِ عَلى فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ عَلى إضْمارِ عَلى كَقِراءَةِ مَن قَرَأ بِها واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ عَلى إضْمارِ الباءِ كَقِراءَةِ أُبَيٍّ، وعَلى الِاحْتِمالَيْنِ يَكُونُ التَّعَلُّقُ بِحَقِيقٍ. ولَمّا ذَكَرَ أنَّهُ رَسُولٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ، وأنَّهُ لا يَقُولُ عَلى اللَّهِ إلّا الحَقَّ أخَذَ يَذْكَرُ المُعْجِزَةَ والخارِقَ الَّذِي يَدُلُّ عَلى صِدْقِ رِسالَتِهِ، والخِطابُ في (جِئْتُكم) لِفِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ الحاضِرِينَ مَعَهُ ومَعْنى (بِبَيِّنَةٍ) بِآيَةٍ بَيِّنَةٍ واضِحَةِ الدَّلالَةِ عَلى ما أذْكُرُهُ، والبَيِّنَةُ قِيلَ: التِّسْعُ الآياتِ المَذْكُورَةِ في قَوْلِهِ: ﴿فِي تِسْعِ آياتٍ إلى فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ﴾ [النمل: ١٢]، قالَ بَعْضُ العُلَماءِ وسِياقُ الآيَةِ يَقْتَضِي أنَّ البَيِّنَةَ هي العَصا واليَدُ البَيْضاءُ بِدَلِيلِ ما بَعْدَهُ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَألْقى عَصاهُ﴾، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ والأكْثَرُونَ هي العَصا وفي قَوْلِهِ: ﴿مِن رَبِّكُمْ﴾ [الأعراف: ٣] تَعْرِيضٌ أنَّ فِرْعَوْنَ لَيْسَ رَبًّا لَهم، بَلْ رَبُّهم هو الَّذِي جاءَ مُوسى بِالبَيِّنَةِ مِن عِنْدِهِ (فَأرْسِلْ)، أيْ: فَخَلِّ، والإرْسالُ ضِدُّ الإمْساكِ ﴿مَعِيَ بَنِي إسْرائِيلَ﴾، أيْ: حَتّى يَذْهَبُوا إلى أوْطانِهِمْ ومَوْلِدِ آبائِهِمُ الأرْضِ المُقَدَّسَةِ وذَلِكَ أنَّ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمّا تُوُفِّيَ وانْقَرَضَ الأسْباطُ غَلَبَ فِرْعَوْنُ عَلى نَسْلِهِمْ واسْتَعْبَدَهم في الأعْمالِ الشّاقَّةِ وكانُوا يُؤَدُّونَ إلَيْهِ الجَزاءَ فاسْتَنْقَذَهُمُ اللَّهُ بِمُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - وكانَ بَيْنَ اليَوْمِ الَّذِي دَخَلَ فِيهِ يُوسُفُ مِصْرَ، واليَوْمِ الَّذِي دَخَلَ فِيهِ مُوسى أرْبَعُمِائَةٍ عامٍ، والظّاهِرُ أنَّ مُوسى لَمْ يَطْلُبْ مِن فِرْعَوْنَ في هَذِهِ الآيَةِ إلّا إرْسالَ بَنِي إسْرائِيلَ مَعَهُ وفي غَيْرِ هَذِهِ الآيَةِ دُعاؤُهُ إيّاهُ إلى الإقْرارِ بِرُبُوبِيَّةِ اللَّهِ تَعالى وتَوْحِيدِهِ قالَ تَعالى: ﴿فَقُلْ هَلْ لَكَ إلى أنْ تَزَكّى وأهْدِيَكَ إلى رَبِّكَ فَتَخْشى﴾ [النازعات: ١٨] وكُلُّ نَبِيٍّ داعٍ إلى تَوْحِيدِ اللَّهِ تَعالى، وقالَ تَعالى حِكايَةً عَنْ فِرْعَوْنَ: ﴿أنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنا وقَوْمُهُما لَنا عابِدُونَ﴾ [المؤمنون: ٤٧] فَهَذا ونَظائِرُهُ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ طَلَبَ مِنهُ الإيمانَ خِلافًا لِمَن قالَ إنَّ مُوسى لَمْ يَدْعُهُ إلى الإيمانِ ولا إلى التِزامِ شَرْعِهِ ولَيْسَ بَنُو إسْرائِيلَ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ والقِبْطِ، ألا تَرى أنَّ بَقِيَّةَ القِبْطِ وهُمُ الأكْثَرُ لَمْ يَرْجِعْ إلَيْهِمْ مُوسى. (p-٣٥٧)﴿قالَ إنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِها إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ لَمّا عَرَضَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - رِسالَتَهُ عَلى فِرْعَوْنَ وذَكَرَ الدَّلِيلَ عَلى صِدْقِهِ وهو مَجِيئُهُ بِالبَيِّنَةِ والخارِقِ المُعْجِزِ اسْتَدْعى فِرْعَوْنُ مِنهُ خَرْقَ العادَةِ الدّالَّ عَلى الصِّدْقِ، وهَذا الِاسْتِدْعاءُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ عَلى سَبِيلِ الِاخْتِبارِ وتَجْوِيزِهِ ذَلِكَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ عَلى سَبِيلِ التَّعْجِيزِ لِما تَقَرَّرَ في ذِهْنِ فِرْعَوْنَ أنَّ مُوسى لا يَقْدِرُ عَلى الإتْيانِ بِبَيِّنَةٍ، والمَعْنى: إنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ مِن رَبِّكَ فَأحْضِرْها عِنْدِي لِتَصِحَّ دَعْواكَ ويَثْبُتَ صِدْقُكَ. ﴿فَألْقى عَصاهُ فَإذا هي ثُعْبانٌ مُبِينٌ﴾ بَدَأ بِالعَصا دُونَ سائِرِ المُعْجِزاتِ؛ لِأنَّها مُعْجِزَةٌ تَحْتَوِي عَلى مُعْجِزاتٍ كَثِيرَةٍ قالُوا مِنها أنَّهُ ضَرَبَ بِها بابَ فِرْعَوْنَ فَفَزِعَ مِن قَرْعِها فَشابَ رَأْسُهُ فَخُضِّبَ بِالسَّوادِ فَهو أوَّلُ مَن خَضَّبَ بِالسَّوادِ وانْقِلابُها ثُعْبانًا وانْقِلابُ خَشَبَةٍ لَحْمًا ودَمًا قائِمًا بِهِ الحَياةُ مِن أعْظَمِ الإعْجازِ ويَحْصُلُ مِنِ انْقِلابِها ثُعْبانًا مِنَ التَّهْوِيلِ ما لا يَحْصُلُ في غَيْرِهِ، وضَرْبُهُ بِها الحَجَرَ فَيَنْفَجِرُ عُيُونًا، وضَرْبُهُ بِها فَتُنْبِتُ. قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ومُحارَبَتُهُ بِها اللُّصُوصَ والسِّباعَ القاصِدَةَ غَنَمَهُ، واشْتِعالُها في اللَّيْلِ كاشْتِعالِ الشَّمْعَةِ وصَيْرُورَتِها كالرِّشا لِيَنْزَحَ بِها الماءَ مِنَ البِئْرِ العَمِيقَةِ وتَلَقُّفُها الحِبالَ والعِصِيَّ الَّتِي لِلسَّحَرَةِ، وإبْطالُها لِما صَنَعُوهُ مِن كَيْدِهِمْ وسِحْرِهِمْ، والإلْقاءُ حَقِيقَةٌ هو في الأجْرامِ ومَجازٌ في المَعانِي نَحْوُ ألْقى المَسْألَةَ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والسُّدِّيُّ: صارَتِ العَصا حَيَّةً عَظِيمَةً شَعْراءَ فاغِرَةً فاها، ما بَيْنَ لِحْيَيْها ثَمانُونَ ذِراعًا، وقِيلَ: أرْبَعُونَ، ذَكَرَهُ مَكِّيٌّ عَنْ فَرْقَدٍ واضِعَةً أحَدَ لِحْيَيْها بِالأرْضِ والآخَرَ عَلى سُورِ القَصْرِ وذَكَرُوا مِنِ اضْطِرابِ فِرْعَوْنَ وفَزَعِهِ وهَرَبِهِ ووَعْدِهِ مُوسى بِالإيمانِ إنْ عادَتْ إلى حالِها، وكَثْرَةِ مَن ماتَ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ فَزَعًا أشْياءَ لَمْ تَتَعَرَّضْ إلَيْها الآيَةُ ولا تَثْبُتْ في حَدِيثٍ صَحِيحٍ فاللَّهُ أعْلَمُ بِها، ومَعْنى (مُبِينٌ) ظاهِرٌ لا تَخْيِيلَ فِيهِ، بَلْ هو ثُعْبانٌ حَقِيقَةً، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: (وإذا) ظَرْفُ مَكانٍ في هَذا المَوْضِعِ عِنْدَ المُبَرِّدِ مِن حَيْثُ كانَتْ خَبَرًا عَنْ جُثَّةٍ، والصَّحِيحُ الَّذِي عَلَيْهِ شُيُوخُنا أنَّها ظَرْفُ مَكانٍ كَما قالَهُ المُبَرِّدُ وهو المَنسُوبُ إلى سِيبَوَيْهِ، وقَوْلُهُ مِن حَيْثُ كانَتْ خَبَرًا عَنْ جُثَّةٍ لَيْسَتْ في هَذا المَكانِ خَبَرًا عَنْ جُثَّةٍ، بَلْ خَبَرُ هي قَوْلُهُ: (ثُعْبانٌ) ولَوْ قُلْتَ (فَإذا هي) لَمْ يَكُنْ كَلامًا ويَنْبَغِي أنْ يُحْمَلَ كَلامُهُ مِن حَيْثُ كانَتْ خَبَرًا عَنْ جُثَّةٍ عَلى مِثْلِ: خَرَجْتُ فَإذا السَّبْعُ، عَلى تَأْوِيلِ مَن جَعَلَها ظَرْفَ مَكانٍ وما ذَكَرَهُ مِن أنَّ الصَّحِيحَ الَّذِي عَلَيْهِ النّاسُ أنَّها ظَرْفُ زَمانٍ هو مَذْهَبُ الرِّياشِيِّ ونُسِبَ أيْضًا إلى سِيبَوَيْهِ، ومَذْهَبُ الكُوفِيِّينَ أنَّ إذا الفُجائِيَّةَ حَرْفٌ لا اسْمٌ. ﴿ونَزَعَ يَدَهُ فَإذا هي بَيْضاءُ لِلنّاظِرِينَ﴾، أيْ: جَذَبَ (يَدَهُ) قِيلَ مِن جَيْبِهِ وهو الظّاهِرُ لِقَوْلِهِ: ﴿وأدْخِلْ يَدَكَ في جَيْبِكَ﴾ [النمل: ١٢]، وقِيلَ: مِن كُمِّهِ و(لِلنّاظِرِينَ)، أيْ: لِلنُّظّارِ وفي ذِكْرِ ذَلِكَ تَنْبِيهٌ عَلى عِظَمِ بَياضِها؛ لِأنَّهُ لا يَعْرِضُ لَها لِلنُّظّارِ إلّا إذا كانَ بَياضُها عَجِيبًا خارِجًا عَنِ العادَةِ يَجْتَمِعُ النّاسُ إلَيْهِ كَما يَجْتَمِعُ النُّظّارُ لِلْعَجائِبِ، قالَ مُجاهِدٌ: (بَيْضاءُ) كاللَّبَنِ، أوْ أشُدُّ بَياضًا، ورُوِيَ أنَّها كانَتْ تَظْهَرُ (p-٣٥٨)مُنِيرَةً شَفّافَةً كالشَّمْسِ، ثُمَّ يَرُدُّها فَتَرْجِعُ إلى لَوْنِ مُوسى، وكانَ آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - شَدِيدَ الأُدْمَةِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: صارَتْ نُورًا ساطِعًا يُضِيءُ لَهُ ما بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ لَهُ لَمَعانٌ مِثْلُ لَمَعانِ البَرْقِ فَخَرُّوا عَلى وُجُوهِهِمْ، وقالَ الكَلْبِيُّ: بَلَغَنا أنَّ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - قالَ يا فِرْعَوْنُ ما هَذِهِ بِيَدِي ؟ قالَ: هي عَصا، فَألْقاها مُوسى فَإذا هي ثُعْبانٌ، ورُوِيَ أنَّ فِرْعَوْنَ رَأى يَدَ مُوسى فَقالَ لِفِرْعَوْنَ ما هَذِهِ ؟ فَقالَ: يَدُكَ، ثُمَّ أدْخَلَها جَيْبَهُ، وعَلَيْهِ مِدْرَعَةُ صُوفٍ ونَزَعَها فَإذا هي بَيْضاءُ بَياضًا نُورانِيًّا، غَلَبَ شُعاعُها شُعاعَ الشَّمْسِ وما أعْجَبَ أمْرَ هَذَيْنِ الخارِقَيْنِ أحَدُهُما في نَفْسِهِ وذَلِكَ اليَدُ البَيْضاءُ، والآخَرُ في غَيْرِ نَفْسِهِ وهي العَصا، وجَمَعَ بِذَيْنِكَ تَبَدُّلَ الذَّرّاتِ وتَبَدُّلَ الأعْراضِ، فَكانا دالَّيْنِ عَلى جَوازِ الأمْرَيْنِ وإنَّهُما كِلاهُما مُمْكِنُ الوُقُوعِ، قالَ أبُو مُحَمَّدِ بْنُ عَطِيَّةَ: هاتانِ الآيَتانِ عَرَضَهُما مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِلْمُعارَضَةِ ودَعا إلى اللَّهِ بِهِما وخَرَقَ العادَةَ بِهِما وتَحَدّى النّاسَ إلى الدِّينِ بِهِما فَإذا جَعَلْنا التَّحَدِّيَ الدُّعاءَ إلى الدِّينِ مُطْلَقًا فَبِهِما تَحَدّى وإذا جَعَلْنا التَّحَدِّيَ الدُّعاءَ بَعْدَ العَجْزِ عَنْ مُعارَضَةِ المُعْجِزَةِ وظُهُورِ ذَلِكَ فَتَنْفَرِدُ حِينَئِذٍ العَصا بِذَلِكَ؛ لِأنَّ المُعارَضَةَ والمُعْجِزَ فِيها وقَعا ويُقالُ: التَّحَدِّي هو الدُّعاءُ إلى الإتْيانِ بِمِثْلِ المُعْجِزَةِ فَهَذِهِ نَحْوٌ ثالِثٌ، وعَلَيْهِ يَكُونُ تَحَدِّي مُوسى بِالآيَتَيْنِ جَمِيعًا؛ لِأنَّ الظّاهِرَ مِن أمْرِهِ أنَّهُ عَرَضَهُما مَعًا وإنْ كانَ لَمْ يَنُصَّ عَلى الدُّعاءِ إلى الإتْيانِ بِمِثْلِهِما. انْتَهى. وهو كَلامٌ فِيهِ تَثْبِيجٌ. ﴿قالَ المَلَأُ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ إنَّ هَذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ﴾ . وفي الشُّعَراءِ ﴿قالَ لِلْمَلَأِ حَوْلَهُ إنَّ هَذا لَساحِرٌ عَلِيمٍ﴾ [الشعراء: ٣٤] والجَمْعُ بَيْنَهُما أنَّ فِرْعَوْنَ وهم قالُوا هَذا الكَلامَ فَحَكى هُنا قَوْلَهم وهُناكَ قَوْلَهُ، أوْ قالَهُ ابْتِداءً فَتَلَقَّفَهُ مِنهُ المَلَأُ فَقالُوهُ لِأعْقابِهِمْ، أوْ قالُوهُ عَنْهُ لِلنّاسِ عَلى طَرِيقِ التَّبْلِيغِ كَما تَفْعَلُ المُلُوكُ يَرى الواحِدُ مِنهُمُ الرَّأْيَ فَيُكَلِّمُ بِهِ مَن يَلِيهِ مِنَ الخاصَّةِ، ثُمَّ تُبْلِغُهُ الخاصَّةُ العامَّةَ والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّهم أجابُوهُ في قَوْلِهِ: (أرْجِهْ) وكانَ السِّحْرُ إذْ ذاكَ في أعْلى المَراتِبِ فَلَمّا رَأوُا انْقِلابَ العَصا ثُعْبانًا والأدْماءَ بَيْضاءَ، وأنْكَرُوا النُّبُوَّةَ ودافَعُوهُ عَنْها قَصَدُوا ذَمَّهُ بِوَصْفِهِ بِالسِّحْرِ وحَطِّ قَدْرِهِ إذْ لَمْ يُمْكِنُهم في ظُهُورِ ما ظَهَرَ عَلى يَدِهِ نِسْبَةُ شَيْءٍ إلَيْهِ غَيْرَ السِّحْرِ وبالَغُوا في وصْفِهِ بِأنْ قالُوا: (عَلِيمٌ)، أيْ: بالِغُ الغايَةِ في عِلْمِ السِّحْرِ وخُدَعِهِ وخَيالاتِهِ وفُنُونِهِ، وأكْثَرُ اسْتِعْمالِ لَفْظِ هَذا إذا كانَ مِن كَلامِ الكُفّارِ في التَّنَقُّصِ والِاسْتِغْرابِ كَما قالَ: ﴿أهَذا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ﴾ [الأنبياء: ٣٦]، ﴿أهَذا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا﴾ [الفرقان: ٤١]، ﴿إنْ هَذا إلّا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ [الأنعام: ٢٥] ﴿ما هَذا إلّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ [المؤمنون: ٢٤] ﴿إنْ هَذانِ لَساحِرانِ﴾ [طه: ٦٣] ﴿إنْ كانَ هَذا هو الحَقَّ مِن عِنْدِكَ﴾ [الأنفال: ٣٢] يَعْدِلُونَ عَنْ لَفْظِ اسْمِ ذَلِكَ الشَّيْءِ إلى لَفْظِ الإشارَةِ وأكَدُّوا نِسْبَةَ السِّحْرِ إلَيْهِ بِدُخُولِ إنَّ واللّامِ. ﴿يُرِيدُ أنْ يُخْرِجَكم مِن أرْضِكم فَماذا تَأْمُرُونَ﴾ اسْتَشْعَرَتْ نُفُوسُهم ما صارَ إلَيْهِ أمْرُهم مِن إخْراجِهِمْ مِن أرْضِهِمْ وخُلُوِّ مَواطِنِهِمْ مِنهم وخَرابِ بُيُوتِهِمْ فَبادَرُوا (p-٣٥٩)إلى الإخْبارِ بِذَلِكَ، وكانَ الأمْرُ كَما اسْتَشْعَرُوا إذْ غَرَّقَ اللَّهُ فِرْعَوْنَ وآلَهُ وأخْلى مَنازِلَهم مِنهم ونَبَّهُوا عَلى هَذا الوَصْفِ الصَّعْبِ الَّذِي هو مُعادِلٌ لِقَتْلِ الأنْفُسِ كَما قالَ: ﴿ولَوْ أنّا كَتَبْنا عَلَيْهِمْ أنِ اقْتُلُوا أنْفُسَكم أوِ اخْرُجُوا مِن دِيارِكم ما فَعَلُوهُ إلّا قَلِيلٌ مِنهُمْ﴾ [النساء: ٦٦] وأرادَ بِهِ إحْراجَهم إمّا بِكَوْنِهِ يَحْكُمُ فِيكم بِإرْسالِ خَدَمِكم وعَمارِ أرْضِكم مَعَهُ حَيْثُ يَسِيرُ فَيُفْضِي ذَلِكَ إلى خَرابِ دِيارِكم وإمّا بِكَوْنِهِمْ خافُوا مِنهُ أنْ يُقاتِلَهم بِمَن يَجْتَمِعُ إلَيْهِ مِن بَنِي إسْرائِيلَ ويَغْلِبَ عَلى مُلْكِهِمْ قالَ النَّقّاشُ كانُوا يَأْخُذُونَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ خَرْجًا كالجِزْيَةِ فَرَأوْا أنَّ مُلْكَهم يَذْهَبُ بِزَوالِ ذَلِكَ وجاءَ في سُورَةِ الشُّعَراءِ ﴿بِسِحْرِهِ﴾ [الشعراء: ٣٥] وهُنا حُذِفَتْ لِأنَّ الآيَةَ الأُولى هُنا بُنِيَتْ عَلى الِاخْتِصارِ فَناسَبَتِ الحَذْفَ، ولِأنَّ لَفْظَ ساحِرٍ يَدُلُّ عَلى السِّحْرِ و﴿فَماذا تَأْمُرُونَ﴾ مِن قَوْلِ فِرْعَوْنَ أوْ مِن قَوْلِ المَلَأِ إمّا لِفِرْعَوْنَ وأصْحابِهِ وإمّا لَهُ وحْدَهُ كَما يُخاطَبُ أفْرادُ العُظَماءِ بِلَفْظِ الجَمْعِ وهو مِنَ الأمْرِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مَعْناهُ تُشِيرُونَ بِهِ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مِن أمَرْتُهُ فَأمَرَنِي بِكَذا أيْ شاوَرْتُهُ فَأشارَ عَلَيْكَ بِرَأْيٍ، وقَرَأ الجُمْهُورُ (تَأْمُرُونَ) بِفَتْحِ النُّونِ هُنا وفي الشُّعَراءِ ورَوى كَرْدَمٌ عَنْ نافِعٍ بِكَسْرِ النُّونِ فِيهِما وماذا يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ كُلُّها اسْتِفَهامًا وتَكُونُ مَفْعُولًا ثانِيًا لِتَأْمُرُونِ عَلى سَبِيلِ التَّوَسُّعِ فِيهِ بِأنْ حَذَفَ مِنهُ حَرْفَ الجَرِّ، كَما قالَ أمَرْتُكَ الخَيْرَ ويَكُونُ المَفْعُولُ الأوَّلُ مَحْذُوفًا لِفَهْمِ المَعْنى أيْ أيُّ شَيْءٍ تَأْمُرُونَنِي، وأصْلُهُ بِأيِّ شَيْءٍ ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ ما اسْتِفْهامًا مُبْتَدَأً، و(ذا) بِمَعْنى الَّذِي خَبَرٌ عَنْهُ و(تَأْمُرُونَ) صِلَةَ ذا، ويَكُونُ قَدْ حُذِفَ مِنهُ مَفْعُولَيْ (تَأْمُرُونَ) الأوَّلُ وهو ضَمِيرُ المُتَكَلِّمِ والثّانِي وهو الضَّمِيرُ العائِدُ عَلى المَوْصُولِ، والتَّقْدِيرُ فَأيُّ شَيْءِ الَّذِي تَأْمُرُونَنِيهِ أيْ تَأْمُرُنَنِي بِهِ، وكِلا الإعْرابَيْنِ في ماذا جائِزٌ في قِراءَةِ مَن كَسَرَ النُّونَ إلّا أنَّهُ حَذَفَ ياءَ المُتَكَلِّمِ وأبْقى الكَسْرَةَ دَلالَةً عَلَيْها، وقَدَّرَ ابْنُ عَطِيَّةَ الضَّمِيرَ العائِدَ عَلى ذا إذا كانَتْ مَوْصُولَةً مَقْرُونَةً بِحَرْفِ الجَرِّ، فَقالَ وفي (تَأْمُرُونَ) ضَمِيرٌ عائِدٌ عَلى (الَّذِي) تَقْدِيرُهُ تَأْمُرُونَ بِهِ انْتَهى. وهَذا لَيْسَ بِجَيِّدٍ لِفَواتِ شَرْطِ جَوازِ حَذْفِ الضَّمِيرِ إذا كانَ مَجْرُورًا بِحَرْفِ الجَرِّ وذَلِكَ الشَّرْطُ هو أنْ لا يَكُونَ الضَّمِيرُ في مَوْضِعِ رَفْعٍ وأنْ يَجُرَّ ذَلِكَ الحَرْفُ المَوْصُولَ أوِ المَوْصُوفَ بِهِ أوِ المُضافَ إلَيْهِ ويَتَّحِدَ المُتَعَلِّقُ بِهِ الحَرْفانِ لَفْظًا ومَعْنًى ويَتَّحِدَ مَعْنى الحَرْفِ أيْضًا لِابْنِ عَطِيَّةَ أنَّهُ قَدَّرَهُ عَلى الأصْلِ ثُمَّ اتَّسَعَ فِيهِ فَتَعَدّى إلَيْهِ الفِعْلُ بِغَيْرِ واسِطَةِ الحُرُوفِ، ثُمَّ حُذِفَ بَعْدَ الِاتِّساعِ. ﴿قالُوا أرْجِهْ وأخاهُ﴾ أيْ قالَ مَن حَضَرَ مُناظَرَةَ مُوسى مِن عُقَلاءِ مَلَأِ فِرْعَوْنَ وأشْرافِهِ قِيلَ: ولَمْ يَكُنْ يُجالِسُ فِرْعَوْنَ ولَدُ غَيَّةٍ وإنَّما كانُوا أشْرافًا ولِذَلِكَ أشارُوا عَلَيْهِ بِالإرْجاءِ ولَمْ يُشِيرُوا بِالقَتْلِ وقالُوا: إنْ قَتَلْتَهُ دَخَلَتْ عَلى النّاسِ شُبْهَةٌ ولَكِنِ اغْلِبْهُ بِالحُجَّةِ، وقُرِئَ بِالهَمْزِ وبِغَيْرِ هَمْزٍ فَقِيلَ هُما بِمَعْنًى واحِدٍ، وقِيلَ المَعْنى احْبِسْهُ، وقِيلَ: أرْجِهْ بِغَيْرِ هَمْزٍ أطْمِعْهُ جَعَلَهُ مِن رَجَوْتَ أدْخَلَ عَلَيْهِ هَمْزَةَ الفِعْلِ أيْ أطْمِعْهُ وأخاهُ ولا تَقْتُلْهُما حَتّى يَظْهَرَ كَذِبَهُما فَإنَّكَ إنْ قَتَلْتَهُما ظُنَّ أنَّهُما صَدَقا ولَمْ يَجْرِ لِهارُونَ ذِكْرٌ في صَدْرِ القِصَّةِ وقَدْ تَبَيَّنَ مِن غَيْرِ آيَةٍ أنَّهُما ذَهَبا مَعًا وأُرْسِلا إلى فِرْعَوْنَ ولَمّا كانَ مُوافِقًا لَهُ في دَعْواهُ (p-٣٦٠)ومُؤازِرًا أشارُوا بِإرْجائِهِما، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وهِشامٌ (أرْجِئْهُو) بِالهَمْزِ وضَمِّ الهاءِ ووَصْلِها بِواوٍ، وأبُو عَمْرٍو كَذَلِكَ إلّا أنَّهُ لَمْ يَصِلْ، ورُوِيَ هَذا عَنْ هِشامٍ وعَنْ يَحْيى عَنْ أبِي بَكْرٍ، وقَرَأ ورْشٌ والكِسائِيُّ (أرْجِهِي) بِغَيْرِ هَمْزٍ وبِكَسْرِ الهاءِ ووَصْلِها بِياءٍ، وقَرَأ عاصِمٌ وحَمْزَةُ بِغَيْرِ هَمْزٍ وسَكَّنا الهاءَ، وقَرَأ قالُونُ بِغَيْرِ هَمْزٍ ومُخْتَلِسٌ كَسْرَةَ الهاءِ، وقَرَأ ابْنُ ذَكْوانَ في رِوايَةٍ كَقِراءَةِ ورْشٍ والكِسائِيِّ، وفي المَشْهُورِ عَنْهُ أرْجِئْهِ بِالهَمْزِ وكَسْرِ الهاءِ مِن غَيْرِ صِلَةٍ، وقَدْ قِيلَ عَنْهُ أنَّهُ يَصِلُها بِياءٍ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ أرْجِئْهِ بِكَسْرِ الهاءِ بِهَمْزَةٍ قَبْلَها، قالَ الفارِسِيُّ: وهَذا غَلَطٌ انْتَهى. ونِسْبَةُ ابْنِ عَطِيَّةَ هَذِهِ القِراءَةَ لِابْنِ عامِرٍ لَيْسَ بِجَيِّدٍ؛ لِأنَّ الَّذِي رَوى ذَلِكَ إنَّما هو ابْنُ ذَكْوانَ لا هِشامٌ فَكانَ يَنْبَغِي أنْ يُقَيِّدَ فَيَقُولَ وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ في رِوايَةِ ابْنِ ذَكْوانَ وقالَ بَعْضُهم: قالَ أبُو عَلِيٍّ ضَمُّ الهاءِ مَعَ الهَمْزِ لا يَجُوزُ غَيْرُهُ قالَ: ورِوايَةُ ابْنِ ذَكْوانَ عَنِ ابْنِ عامِرٍ غَلَطٌ وقالَ ابْنُ مُجاهِدٍ بَعْدَهُ وهَذا لا يَجُوزُ لِأنَّ الهاءَ لا تُكْسَرُ إلّا إذا وقَعَ قَبْلَها كَسْرَةٌ أوْ ياءٌ ساكِنَةٌ، وقالَ الحَوْفِيُّ: ومِنَ القُرّاءِ مَن يَكْسِرُ مَعَ الهَمْزِ ولَيْسَ بِجَيِّدٍ، وقالَ أبُو البَقاءِ: ويُقْرَأُ بِكَسْرِ الهاءِ مَعَ الهَمْزِ وهو ضَعِيفٌ لِأنَّ الهَمْزَ حَرْفٌ صَحِيحٌ ساكِنٌ فَلَيْسَ قَبْلَ الهاءِ ما يَقْتَضِي الكَسْرَ، ووَجْهُهُ أنَّهُ أتْبَعَ الهاءَ كَسْرَةَ الجِيمِ والحاجِزُ غَيْرُ حَصِينٍ ويَخْرُجُ أيْضًا عَلى تَوَهُّمِ إبْدالِ الهَمْزِ ياءً أوْ عَلى أنَّ الهَمْزَ لَمّا كانَ كَثِيرًا ما يُبَدَّلُ بِحَرْفِ العِلَّةِ أُجْرِي مَجْرى حَرْفِ العِلَّةِ في كَسْرِ ما بَعْدَهُ، وما ذَهَبَ إلَيْهِ الفارِسِيُّ وغَيْرُهُ مِن غَلَطِ هَذِهِ القِراءَةِ، وأنَّها لا تَجُوزُ قَوْلٌ فاسِدٌ؛ لِأنَّها قِراءَةٌ ثابِتَةٌ مُتَواتِرَةٌ رَوَتْها الأكابِرُ عَنِ الأئِمَّةِ وتَلَقَّتْها الأُمَّةُ بِالقَبُولِ ولَها تَوْجِيهٌ في العَرَبِيَّةِ ولَيْسَتِ الهَمْزَةُ كَغَيْرِها مِنَ الحُرُوفِ الصَّحِيحَةِ لِأنَّها قابِلَةٌ لِلتَّغْيِيرِ بِالإبْدالِ والحَرْفِ بِالنَّقْلِ وغَيْرِهِ فَلا وجْهَ لِإنْكارِ هَذِهِ القِراءَةِ. ﴿وأرْسِلْ في المَدائِنِ حاشِرِينَ﴾ ﴿يَأْتُوكَ بِكُلِّ ساحِرٍ عَلِيمٍ﴾ (المَدائِنِ) مَدائِنُ مِصْرَ وقُراها: ”والحاشِرُونَ“، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هم أصْحابُ الشُّرَطِ، وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ لَمّا رَأى فِرْعَوْنَ مِن آياتِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ ما رَأى قالَ: لَنْ نُغالِبَ مُوسى إلّا بِمَن هو مِنهُ فاتَّخَذَ غِلْمانًا مِن بَنِي إسْرائِيلَ فَبَعَثَ بِهِمْ إلى قَرْيَةٍ. قالَ البَغَوِيُّ: هي الفَرَما يُعَلِّمُونَهُمُ السِّحْرَ كَما يُعَلِّمُونَ الصِّبْيانَ في المَكْتَبِ فَعَلَّمُوهم سِحْرًا كَثِيرًا، وواعَدَ فِرْعَوْنُ مُوسى مَوْعِدًا، ثُمَّ دَعاهم وسَألَهم فَقالَ: ماذا صَنَعْتُمْ قالُوا: عَلَّمْناهم مِنَ السِّحْرِ ما لا يُقاوِمُهم بِهِ أهْلُ الأرْضِ إلّا أنْ يَكُونَ أمْرًا مِنَ السَّماءِ فَإنَّهُ لا طاقَةَ لَنا بِهِ، وقَرَأ الأخَوانِ بِكُلِّ سَحّارٍ هُنا وفي يُونُسَ والباقُونَ (ساحِرٍ) وفي الشُّعَراءِ أجْمَعُوا عَلى سَحّارٍ وتُناسِبُ سَحّارٌ (عَلِيمٌ) لِكَوْنِهِما مِن ألْفاظِ المُبالَغَةِ، ولَمّا كانَ قَدْ تَقَدَّمَ ﴿إنَّ هَذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ﴾ ناسَبَ هُنا أنْ يُقابِلَ بِقَوْلِهِ: ﴿بِكُلِّ ساحِرٍ عَلِيمٍ﴾ .

الأعراف 7:113

﴿وجاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قالُوا إنَّ لَنا لَأجْرًا إنْ كُنّا نَحْنُ الغالِبِينَ﴾ في الكَلامِ حَذْفٌ يَقْتَضِيهِ المَعْنى وتَقْدِيرُهُ فَأرْسِلْ حاشِرِينَ، وجَمَعُوا السَّحَرَةَ وأمَرَهم بِالمَجِيءِ، واضْطَرَبَ النّاقِلُونَ لِلْأخْبارِ في عَدَدِهِمْ (p-٣٦١)اضْطِرابًا مُتَناقِضًا يَعْجَبُ العاقِلُ مِن تَسْطِيرِهِ في الكُتُبِ، فَمِن قائِلٍ تِسْعُمِائَةِ ألْفِ ساحِرٍ وقائِلٍ سَبْعِينَ ساحِرًا فَما بَيْنَهُما مِنَ الأعْدادِ المُعَيَّنَةِ المُتَناقِضَةِ (وجاءَ) قالُوا: بِغَيْرِ حَرْفِ عَطْفٍ؛ لِأنَّهُ عَلى تَقْدِيرِ جَوابِ سائِلٍ سَألَ ما قالُوهُ إذْ جاءَ قالُوا ﴿إنَّ لَنا لَأجْرًا﴾، أيْ: جُعْلًا، وقالَ الحَوْفِيُّ: (وقالُوا) في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ السَّحَرَةِ، والعامِلُ (جاءَ)، وقَرَأ الحَرَمِيّانِ وحَفْصٌ (إنَّ) عَلى وجْهِ الخَبَرِ، واشْتِراطُ الأجْرِ وإيجابُهُ عَلى تَقْدِيرِ الغَلَبَةِ ولا يُرِيدُونَ مُطْلَقَ الأجْرِ، بَلِ المَعْنى لَأجْرًا عَظِيمًا، ولِهَذا قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والتَّنْكِيرُ لِلتَّعْظِيمِ كَقَوْلِ العَرَبِ إنَّ لَهُ لَإبِلًا وإنَّ لَهُ لَغَنَمًا يَقْصِدُونَ الكَثْرَةَ، وجَوَّزَ أبُو عَلِيٍّ أنْ تَكُونَ (إنَّ) اسْتِفْهامًا حُذِفَتْ مِنهُ الهَمْزَةُ كَقِراءَةِ الباقِينَ الَّذِينَ أثْبَتُوها وهُمُ الأخَوانِ، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو بَكْرٍ، وأبُو عَمْرٍو فَمِنهم مَن حَقَّقَهُما ومِنهم مَن سَهَّلَ الثّانِيَةَ، ومِنهم مَن أدْخَلَ بَيْنَهُما ألِفًا والخِلافُ في كُتُبِ القِراءاتِ، وفي خِطابِ السَّحَرَةِ بِذَلِكَ لِفِرْعَوْنَ دَلِيلٌ عَلى اسْتِطالَتِهِمْ عَلَيْهِ بِاحْتِياجِهِ إلَيْهِمْ وبِما يَحْصُلُ لِلْعالِمِ بِالشَّيْءِ مِنَ التَّرَفُّعِ عَلى مَن يَحْتاجُ إلَيْهِ، وعَلى مَن لا يَعْلَمُ مِثْلَ عِلْمِهِ و(نَحْنُ) إمّا تَأْكِيدٌ لِلضَّمِيرِ وإمّا فَصْلٌ، وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ، وقالَ الحَوْفِيُّ: في جَوابِهِ ما تَقَدَّمَ. ﴿قالَ نَعَمْ وإنَّكم لَمِنَ المُقَرَّبِينَ﴾، أيْ: نَعَمْ إنَّ لَكم لَأجْرًا (وإنَّكم) فَعَطَفَ هَذِهِ الجُمْلَةَ عَلى الجُمْلَةِ المَحْذُوفَةِ بَعْدَ (نَعَمْ) الَّتِي هي نائِبَةٌ عَنْها، والمَعْنى: لَمِنَ المُقَرَّبِينَ مِنِّي، أيْ: لا أقْتَصِرُ لَكم عَلى الجُعْلِ والثَّوابِ عَلى غَلَبَةِ مُوسى، بَلْ أزِيدُكم أنْ تَكُونُوا مِنَ المُقَرَّبِينَ فَتَحُوزُونَ إلى الأجْرِ الكَرامَةَ والرِّفْعَةَ والجاهَ والمَنزِلَةَ والمَثابَ، إنَّما يَتَهَنّى ويَغْتَبِطُ بِهِ إذا حازَ إلى ذَلِكَ الإكْرامَ، وفي مُبادَرَةِ فِرْعَوْنَ لَهم بِالوَعْدِ والتَّقْرِيبِ مِنهُ دَلِيلٌ عَلى شِدَّةِ اضْطِرارِهِ لَهم، وإنَّهم كانُوا عالِمِينَ بِأنَّهُ عاجِزٌ، ولِذَلِكَ احْتاجَ إلى السَّحَرَةِ في دَفْعِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - . ﴿قالُوا يامُوسى إمّا أنْ تُلْقِيَ وإمّا أنْ نَكُونَ نَحْنُ المُلْقِينَ﴾ . قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ تَخْيِيرُهم إيّاهُ أدَبٌ حَسَنٌ راعَوْهُ مَعَهُ كَما يَفْعَلُ أهْلُ الصِّناعاتِ إذا التَقَوْا، كالمُتَناظِرَيْنِ قَبْلَ أنْ يَتَخاوَضُوا في الجِدالِ والمُتَصارِعَيْنِ قَبْلَ أنْ يَأْخُذُوا في الصِّراعِ. انْتَهى. وقالَ القُرْطُبِيُّ تَأدَّبُوا مَعَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِقَوْلِهِمْ ﴿إمّا أنْ تُلْقِيَ﴾ فَكانَ ذَلِكَ سَبَبَ إيمانِهِمْ، والَّذِي يَظْهَرُ أنَّ تَخْيِيرَهم إيّاهُ لَيْسَ مِن بابِ الأدَبِ، بَلْ ذَلِكَ مِن بابِ الإدْلالِ لِما يَعْلَمُونَهُ مِنَ السِّحْرِ وإيهامِ الغَلَبَةِ والثِّقَةِ بِأنْفُسِهِمْ وعَدَمِ الِاكْتِراثِ والِابْتِهالِ بِأمْرِ مُوسى، كَما قالَ الفَرّاءُ لِسِيبَوَيْهِ حِينَ جَمَعَ الرَّشِيدُ بَيْنَ سِيبَوَيْهِ والكِسائِيِّ أتَسْألُ فَأُجِيبُ أمْ أبْتَدِئُ وتُجِيبُ ؟ فَهَذا جاءَ التَّخْيِيرُ فِيهِ عَلى سَبِيلِ الإدْلالِ بِنَفْسِهِ والمَلاءَةِ بِما عِنْدَهُ، وعَدَمِ الِاكْتِراثِ بِمُناظَرَتِهِ والوُثُوقِ بِأنَّهُ هو الغالِبُ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وقَوْلُهم ﴿وإمّا أنْ نَكُونَ نَحْنُ المُلْقِينَ﴾ فِيهِ ما يَدُلُّ عَلى رَغْبَتِهِمْ في أنْ يُلْقُوا قَبْلَهُ مِن تَأْكِيدِ ضَمِيرِهِمُ المُتَّصِلِ بِالمُنْفَصِلِ وتَعْرِيفِ الخَبَرِ وإقْحامِ الفَصْلِ. انْتَهى. وأجازُوا في ﴿أنْ تُلْقِيَ﴾ وفي ﴿أنْ نَكُونَ﴾ النَّصْبَ، أيِ: اخْتِرْ وافْعَلْ إمّا إلْقاءَكَ وإمّا إلْقاءَنا، والمَعْنى فِيهِ البُداءَةُ والدَّفْعُ أيْ إلْقاؤُكَ مَبْدُوءٌ بِهِ وإمّا إلْقاؤُنا، فَيَكُونُ مُبْتَدَأً أوْ إمّا أمْرُكَ الإلْقاءُ، أيِ: البُداءَةُ بِهِ، أوْ إمّا أمْرُنا الإلْقاءُ فَيَكُونُ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، ودَخَلَتْ (أنْ)؛ لِأنَّهُ لا يَكُونُ الفِعْلُ وحْدَهُ مَفْعُولًا ولا مُبْتَدَأً بِخِلافِ قَوْلِهِ: ﴿وآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأمْرِ اللَّهِ إمّا يُعَذِّبُهم وإمّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ١٠٦] فالفِعْلُ بَعْدَ (إمّا) هُنا خَبَرٌ ثانٍ لِقَوْلِهِ: (وآخَرُونَ)، أوْ صِفَةٌ فَلَيْسَ مِن مَواضِعِ أنْ ومَفْعُولِ (p-٣٦٢)(تُلْقِيَ) مَحْذُوفٌ، أيْ: إمّا أنْ تُلْقِيَ عَصاكَ وكَذَلِكَ مَفْعُولُ ﴿المُلْقِينَ﴾، أيِ: المُلْقِينَ العَصا والحِبالَ. ﴿قالَ ألْقُوا﴾ أعْطاهم مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - التَّقَدُّمَ وُثُوقًا بِالحَقِّ وعِلْمًا أنَّهُ تَعالى يُبْطِلُهُ كَما حَكى اللَّهُ عَنْهُ ﴿قالَ مُوسى ما جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ﴾ [يونس: ٨١] . قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وقَدْ سَوَّغَ لَهم مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - ما تَراغَبُوا فِيهِ ازْدِراءً لِشَأْنِهِمْ وثِقَةً بِما كانَ بِصَدَدِهِ مِنَ التَّأْيِيدِ السَّماوِيِّ، وأنَّ المُعْجِزَةَ لَمْ يَغْلِبْها سِحْرٌ أبَدًا. انْتَهى. والمَعْنى: ألْقُوا حِبالَكم وعِصِيَّكم، والظّاهِرُ أنَّهُ أمَرَ بِالإلْقاءِ. وقِيلَ: هو تَهْدِيدٌ، أيْ: فَسَتَرَوْنَ ما حَلَّ بِكم مِنَ الِافْتِضاحِ. ﴿فَلَمّا ألْقَوْا سَحَرُوا أعْيُنَ النّاسِ واسْتَرْهَبُوهم وجاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ﴾، أيْ: أرَوُا العُيُونَ بِالحِيَلِ والتَّخَيُّلاتِ ما لا حَقِيقَةَ لَهُ كَما قالَ تَعالى ﴿يُخَيَّلُ إلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أنَّها تَسْعى﴾ [طه: ٦٦] . وفِي قَوْلِهِ ﴿سَحَرُوا أعْيُنَ النّاسِ﴾ دَلالَةٌ عَلى أنَّ السِّحْرَ لا يَقْلِبُ عَيْنًا، وإنَّما هو مِن بابِ التَّخَيُّلِ واسْتَرْهَبُوهم أيْ أرْهَبُوهم، واسْتَفْعَلَ هُنا بِمَعْنى أفْعَلَ كَأبَلَّ واسْتَبَلَّ، والرَّهْبَةُ الخَوْفُ والفَزَعُ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿واسْتَرْهَبُوهُمْ﴾ وأرْهَبُوهم إرْهابًا شَدِيدًا كَأنَّهُمُ اسْتَدْعَوْا رَهْبَتَهُمُ انْتَهى. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ ﴿واسْتَرْهَبُوهُمْ﴾ بِمَعْنى وأرْهَبُوهم فَكانَ فِعْلُهُمُ اقْتَضى واسْتَدَعى الرَّهْبَةَ مِنَ النّاسِ. انْتَهى ولا يَظْهَرُ ما قالا؛ لِأنَّ الِاسْتِدْعاءَ والطَّلَبَ لا يَلْزَمُ مِنهُ وُقُوعُ المُسْتَدْعى والمَطْلُوبِ، والظّاهِرُ هُنا حُصُولُ الرَّهْبَةِ فَلِذَلِكَ قُلْنا إنَّ اسْتَفْعَلَ فِيهِ مُوافِقُ أفْعَلَ، وصَرَّحَ أبُو البَقاءِ بِأنَّ مَعْنى (اسْتَرْهَبُوهم) طَلَبُوا مِنهُمُ الرَّهْبَةَ، ووَصَفَ السِّحْرَ بِعَظِيمٍ لِقُوَّةِ ما خُيِّلَ أوْ لِكَثْرَةِ آلاتِهِ مِنَ الحِبالِ والعِصِيِّ، رُوِيَ أنَّهم جاءُوا بِحِبالٍ مَن أدَمٍ وأخْشابٍ مُجَوَّفَةٍ مَمْلُوءَةٍ زِئْبَقًا وأوْقَدُوا في الوادِي نارًا فَحَمِيَتْ بِالنّارِ مِن تَحْتٍ وبِالشَّمْسِ مِن فَوْقٍ، فَتَحَرَّكَتْ ورَكِبَ بَعْضُها بَعْضًا وهَذا مِن بابِ الشَّعْبَذَةِ والدَّكِّ، ورُوِيَ غَيْرُ هَذا مِن حِيَلِهِمْ، وفي الكَلامِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ قالَ ألْقُوا فَألْقَوْا، فَلَمّا ألْقَوْا، والفاءُ عاطِفَةٌ عَلى هَذا المَحْذُوفِ، وقالَ الحَوْفِيُّ الفاءُ جَوابُ الأمْرِ انْتَهى. وهو لا يُعْقَلُ ما قالَ ونَقُولُ وُصِفَ بِعَظِيمٍ لِما ظَهَرَ مِن تَأْثِيرِهِ في الأعْضاءِ الظّاهِرَةِ الَّتِي هي الأعْيُنُ بِما لَحِقَها مِن تَخْيِيلِ العِصِيِّ والحِبالِ حَيّاتٌ وفي الأعْضاءِ الباطِنَةِ الَّتِي هي القُلُوبُ بِما لَحِقَها مِنَ الفَزَعِ والخَوْفِ ولَمّا كانَتِ الرَّهْبَةُ ناشِئَةً عَنْ رُؤْيَةِ الأعْيُنِ تَأخَّرَتِ الجُمْلَةُ الدّالَّةُ عَلَيْها.

الأعراف 7:114

﴿وجاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قالُوا إنَّ لَنا لَأجْرًا إنْ كُنّا نَحْنُ الغالِبِينَ﴾ في الكَلامِ حَذْفٌ يَقْتَضِيهِ المَعْنى وتَقْدِيرُهُ فَأرْسِلْ حاشِرِينَ، وجَمَعُوا السَّحَرَةَ وأمَرَهم بِالمَجِيءِ، واضْطَرَبَ النّاقِلُونَ لِلْأخْبارِ في عَدَدِهِمْ (p-٣٦١)اضْطِرابًا مُتَناقِضًا يَعْجَبُ العاقِلُ مِن تَسْطِيرِهِ في الكُتُبِ، فَمِن قائِلٍ تِسْعُمِائَةِ ألْفِ ساحِرٍ وقائِلٍ سَبْعِينَ ساحِرًا فَما بَيْنَهُما مِنَ الأعْدادِ المُعَيَّنَةِ المُتَناقِضَةِ (وجاءَ) قالُوا: بِغَيْرِ حَرْفِ عَطْفٍ؛ لِأنَّهُ عَلى تَقْدِيرِ جَوابِ سائِلٍ سَألَ ما قالُوهُ إذْ جاءَ قالُوا ﴿إنَّ لَنا لَأجْرًا﴾، أيْ: جُعْلًا، وقالَ الحَوْفِيُّ: (وقالُوا) في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ السَّحَرَةِ، والعامِلُ (جاءَ)، وقَرَأ الحَرَمِيّانِ وحَفْصٌ (إنَّ) عَلى وجْهِ الخَبَرِ، واشْتِراطُ الأجْرِ وإيجابُهُ عَلى تَقْدِيرِ الغَلَبَةِ ولا يُرِيدُونَ مُطْلَقَ الأجْرِ، بَلِ المَعْنى لَأجْرًا عَظِيمًا، ولِهَذا قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والتَّنْكِيرُ لِلتَّعْظِيمِ كَقَوْلِ العَرَبِ إنَّ لَهُ لَإبِلًا وإنَّ لَهُ لَغَنَمًا يَقْصِدُونَ الكَثْرَةَ، وجَوَّزَ أبُو عَلِيٍّ أنْ تَكُونَ (إنَّ) اسْتِفْهامًا حُذِفَتْ مِنهُ الهَمْزَةُ كَقِراءَةِ الباقِينَ الَّذِينَ أثْبَتُوها وهُمُ الأخَوانِ، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو بَكْرٍ، وأبُو عَمْرٍو فَمِنهم مَن حَقَّقَهُما ومِنهم مَن سَهَّلَ الثّانِيَةَ، ومِنهم مَن أدْخَلَ بَيْنَهُما ألِفًا والخِلافُ في كُتُبِ القِراءاتِ، وفي خِطابِ السَّحَرَةِ بِذَلِكَ لِفِرْعَوْنَ دَلِيلٌ عَلى اسْتِطالَتِهِمْ عَلَيْهِ بِاحْتِياجِهِ إلَيْهِمْ وبِما يَحْصُلُ لِلْعالِمِ بِالشَّيْءِ مِنَ التَّرَفُّعِ عَلى مَن يَحْتاجُ إلَيْهِ، وعَلى مَن لا يَعْلَمُ مِثْلَ عِلْمِهِ و(نَحْنُ) إمّا تَأْكِيدٌ لِلضَّمِيرِ وإمّا فَصْلٌ، وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ، وقالَ الحَوْفِيُّ: في جَوابِهِ ما تَقَدَّمَ. ﴿قالَ نَعَمْ وإنَّكم لَمِنَ المُقَرَّبِينَ﴾، أيْ: نَعَمْ إنَّ لَكم لَأجْرًا (وإنَّكم) فَعَطَفَ هَذِهِ الجُمْلَةَ عَلى الجُمْلَةِ المَحْذُوفَةِ بَعْدَ (نَعَمْ) الَّتِي هي نائِبَةٌ عَنْها، والمَعْنى: لَمِنَ المُقَرَّبِينَ مِنِّي، أيْ: لا أقْتَصِرُ لَكم عَلى الجُعْلِ والثَّوابِ عَلى غَلَبَةِ مُوسى، بَلْ أزِيدُكم أنْ تَكُونُوا مِنَ المُقَرَّبِينَ فَتَحُوزُونَ إلى الأجْرِ الكَرامَةَ والرِّفْعَةَ والجاهَ والمَنزِلَةَ والمَثابَ، إنَّما يَتَهَنّى ويَغْتَبِطُ بِهِ إذا حازَ إلى ذَلِكَ الإكْرامَ، وفي مُبادَرَةِ فِرْعَوْنَ لَهم بِالوَعْدِ والتَّقْرِيبِ مِنهُ دَلِيلٌ عَلى شِدَّةِ اضْطِرارِهِ لَهم، وإنَّهم كانُوا عالِمِينَ بِأنَّهُ عاجِزٌ، ولِذَلِكَ احْتاجَ إلى السَّحَرَةِ في دَفْعِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - . ﴿قالُوا يامُوسى إمّا أنْ تُلْقِيَ وإمّا أنْ نَكُونَ نَحْنُ المُلْقِينَ﴾ . قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ تَخْيِيرُهم إيّاهُ أدَبٌ حَسَنٌ راعَوْهُ مَعَهُ كَما يَفْعَلُ أهْلُ الصِّناعاتِ إذا التَقَوْا، كالمُتَناظِرَيْنِ قَبْلَ أنْ يَتَخاوَضُوا في الجِدالِ والمُتَصارِعَيْنِ قَبْلَ أنْ يَأْخُذُوا في الصِّراعِ. انْتَهى. وقالَ القُرْطُبِيُّ تَأدَّبُوا مَعَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِقَوْلِهِمْ ﴿إمّا أنْ تُلْقِيَ﴾ فَكانَ ذَلِكَ سَبَبَ إيمانِهِمْ، والَّذِي يَظْهَرُ أنَّ تَخْيِيرَهم إيّاهُ لَيْسَ مِن بابِ الأدَبِ، بَلْ ذَلِكَ مِن بابِ الإدْلالِ لِما يَعْلَمُونَهُ مِنَ السِّحْرِ وإيهامِ الغَلَبَةِ والثِّقَةِ بِأنْفُسِهِمْ وعَدَمِ الِاكْتِراثِ والِابْتِهالِ بِأمْرِ مُوسى، كَما قالَ الفَرّاءُ لِسِيبَوَيْهِ حِينَ جَمَعَ الرَّشِيدُ بَيْنَ سِيبَوَيْهِ والكِسائِيِّ أتَسْألُ فَأُجِيبُ أمْ أبْتَدِئُ وتُجِيبُ ؟ فَهَذا جاءَ التَّخْيِيرُ فِيهِ عَلى سَبِيلِ الإدْلالِ بِنَفْسِهِ والمَلاءَةِ بِما عِنْدَهُ، وعَدَمِ الِاكْتِراثِ بِمُناظَرَتِهِ والوُثُوقِ بِأنَّهُ هو الغالِبُ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وقَوْلُهم ﴿وإمّا أنْ نَكُونَ نَحْنُ المُلْقِينَ﴾ فِيهِ ما يَدُلُّ عَلى رَغْبَتِهِمْ في أنْ يُلْقُوا قَبْلَهُ مِن تَأْكِيدِ ضَمِيرِهِمُ المُتَّصِلِ بِالمُنْفَصِلِ وتَعْرِيفِ الخَبَرِ وإقْحامِ الفَصْلِ. انْتَهى. وأجازُوا في ﴿أنْ تُلْقِيَ﴾ وفي ﴿أنْ نَكُونَ﴾ النَّصْبَ، أيِ: اخْتِرْ وافْعَلْ إمّا إلْقاءَكَ وإمّا إلْقاءَنا، والمَعْنى فِيهِ البُداءَةُ والدَّفْعُ أيْ إلْقاؤُكَ مَبْدُوءٌ بِهِ وإمّا إلْقاؤُنا، فَيَكُونُ مُبْتَدَأً أوْ إمّا أمْرُكَ الإلْقاءُ، أيِ: البُداءَةُ بِهِ، أوْ إمّا أمْرُنا الإلْقاءُ فَيَكُونُ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، ودَخَلَتْ (أنْ)؛ لِأنَّهُ لا يَكُونُ الفِعْلُ وحْدَهُ مَفْعُولًا ولا مُبْتَدَأً بِخِلافِ قَوْلِهِ: ﴿وآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأمْرِ اللَّهِ إمّا يُعَذِّبُهم وإمّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ١٠٦] فالفِعْلُ بَعْدَ (إمّا) هُنا خَبَرٌ ثانٍ لِقَوْلِهِ: (وآخَرُونَ)، أوْ صِفَةٌ فَلَيْسَ مِن مَواضِعِ أنْ ومَفْعُولِ (p-٣٦٢)(تُلْقِيَ) مَحْذُوفٌ، أيْ: إمّا أنْ تُلْقِيَ عَصاكَ وكَذَلِكَ مَفْعُولُ ﴿المُلْقِينَ﴾، أيِ: المُلْقِينَ العَصا والحِبالَ. ﴿قالَ ألْقُوا﴾ أعْطاهم مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - التَّقَدُّمَ وُثُوقًا بِالحَقِّ وعِلْمًا أنَّهُ تَعالى يُبْطِلُهُ كَما حَكى اللَّهُ عَنْهُ ﴿قالَ مُوسى ما جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ﴾ [يونس: ٨١] . قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وقَدْ سَوَّغَ لَهم مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - ما تَراغَبُوا فِيهِ ازْدِراءً لِشَأْنِهِمْ وثِقَةً بِما كانَ بِصَدَدِهِ مِنَ التَّأْيِيدِ السَّماوِيِّ، وأنَّ المُعْجِزَةَ لَمْ يَغْلِبْها سِحْرٌ أبَدًا. انْتَهى. والمَعْنى: ألْقُوا حِبالَكم وعِصِيَّكم، والظّاهِرُ أنَّهُ أمَرَ بِالإلْقاءِ. وقِيلَ: هو تَهْدِيدٌ، أيْ: فَسَتَرَوْنَ ما حَلَّ بِكم مِنَ الِافْتِضاحِ. ﴿فَلَمّا ألْقَوْا سَحَرُوا أعْيُنَ النّاسِ واسْتَرْهَبُوهم وجاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ﴾، أيْ: أرَوُا العُيُونَ بِالحِيَلِ والتَّخَيُّلاتِ ما لا حَقِيقَةَ لَهُ كَما قالَ تَعالى ﴿يُخَيَّلُ إلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أنَّها تَسْعى﴾ [طه: ٦٦] . وفِي قَوْلِهِ ﴿سَحَرُوا أعْيُنَ النّاسِ﴾ دَلالَةٌ عَلى أنَّ السِّحْرَ لا يَقْلِبُ عَيْنًا، وإنَّما هو مِن بابِ التَّخَيُّلِ واسْتَرْهَبُوهم أيْ أرْهَبُوهم، واسْتَفْعَلَ هُنا بِمَعْنى أفْعَلَ كَأبَلَّ واسْتَبَلَّ، والرَّهْبَةُ الخَوْفُ والفَزَعُ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿واسْتَرْهَبُوهُمْ﴾ وأرْهَبُوهم إرْهابًا شَدِيدًا كَأنَّهُمُ اسْتَدْعَوْا رَهْبَتَهُمُ انْتَهى. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ ﴿واسْتَرْهَبُوهُمْ﴾ بِمَعْنى وأرْهَبُوهم فَكانَ فِعْلُهُمُ اقْتَضى واسْتَدَعى الرَّهْبَةَ مِنَ النّاسِ. انْتَهى ولا يَظْهَرُ ما قالا؛ لِأنَّ الِاسْتِدْعاءَ والطَّلَبَ لا يَلْزَمُ مِنهُ وُقُوعُ المُسْتَدْعى والمَطْلُوبِ، والظّاهِرُ هُنا حُصُولُ الرَّهْبَةِ فَلِذَلِكَ قُلْنا إنَّ اسْتَفْعَلَ فِيهِ مُوافِقُ أفْعَلَ، وصَرَّحَ أبُو البَقاءِ بِأنَّ مَعْنى (اسْتَرْهَبُوهم) طَلَبُوا مِنهُمُ الرَّهْبَةَ، ووَصَفَ السِّحْرَ بِعَظِيمٍ لِقُوَّةِ ما خُيِّلَ أوْ لِكَثْرَةِ آلاتِهِ مِنَ الحِبالِ والعِصِيِّ، رُوِيَ أنَّهم جاءُوا بِحِبالٍ مَن أدَمٍ وأخْشابٍ مُجَوَّفَةٍ مَمْلُوءَةٍ زِئْبَقًا وأوْقَدُوا في الوادِي نارًا فَحَمِيَتْ بِالنّارِ مِن تَحْتٍ وبِالشَّمْسِ مِن فَوْقٍ، فَتَحَرَّكَتْ ورَكِبَ بَعْضُها بَعْضًا وهَذا مِن بابِ الشَّعْبَذَةِ والدَّكِّ، ورُوِيَ غَيْرُ هَذا مِن حِيَلِهِمْ، وفي الكَلامِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ قالَ ألْقُوا فَألْقَوْا، فَلَمّا ألْقَوْا، والفاءُ عاطِفَةٌ عَلى هَذا المَحْذُوفِ، وقالَ الحَوْفِيُّ الفاءُ جَوابُ الأمْرِ انْتَهى. وهو لا يُعْقَلُ ما قالَ ونَقُولُ وُصِفَ بِعَظِيمٍ لِما ظَهَرَ مِن تَأْثِيرِهِ في الأعْضاءِ الظّاهِرَةِ الَّتِي هي الأعْيُنُ بِما لَحِقَها مِن تَخْيِيلِ العِصِيِّ والحِبالِ حَيّاتٌ وفي الأعْضاءِ الباطِنَةِ الَّتِي هي القُلُوبُ بِما لَحِقَها مِنَ الفَزَعِ والخَوْفِ ولَمّا كانَتِ الرَّهْبَةُ ناشِئَةً عَنْ رُؤْيَةِ الأعْيُنِ تَأخَّرَتِ الجُمْلَةُ الدّالَّةُ عَلَيْها.

الأعراف 7:115

﴿وجاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قالُوا إنَّ لَنا لَأجْرًا إنْ كُنّا نَحْنُ الغالِبِينَ﴾ في الكَلامِ حَذْفٌ يَقْتَضِيهِ المَعْنى وتَقْدِيرُهُ فَأرْسِلْ حاشِرِينَ، وجَمَعُوا السَّحَرَةَ وأمَرَهم بِالمَجِيءِ، واضْطَرَبَ النّاقِلُونَ لِلْأخْبارِ في عَدَدِهِمْ (p-٣٦١)اضْطِرابًا مُتَناقِضًا يَعْجَبُ العاقِلُ مِن تَسْطِيرِهِ في الكُتُبِ، فَمِن قائِلٍ تِسْعُمِائَةِ ألْفِ ساحِرٍ وقائِلٍ سَبْعِينَ ساحِرًا فَما بَيْنَهُما مِنَ الأعْدادِ المُعَيَّنَةِ المُتَناقِضَةِ (وجاءَ) قالُوا: بِغَيْرِ حَرْفِ عَطْفٍ؛ لِأنَّهُ عَلى تَقْدِيرِ جَوابِ سائِلٍ سَألَ ما قالُوهُ إذْ جاءَ قالُوا ﴿إنَّ لَنا لَأجْرًا﴾، أيْ: جُعْلًا، وقالَ الحَوْفِيُّ: (وقالُوا) في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ السَّحَرَةِ، والعامِلُ (جاءَ)، وقَرَأ الحَرَمِيّانِ وحَفْصٌ (إنَّ) عَلى وجْهِ الخَبَرِ، واشْتِراطُ الأجْرِ وإيجابُهُ عَلى تَقْدِيرِ الغَلَبَةِ ولا يُرِيدُونَ مُطْلَقَ الأجْرِ، بَلِ المَعْنى لَأجْرًا عَظِيمًا، ولِهَذا قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والتَّنْكِيرُ لِلتَّعْظِيمِ كَقَوْلِ العَرَبِ إنَّ لَهُ لَإبِلًا وإنَّ لَهُ لَغَنَمًا يَقْصِدُونَ الكَثْرَةَ، وجَوَّزَ أبُو عَلِيٍّ أنْ تَكُونَ (إنَّ) اسْتِفْهامًا حُذِفَتْ مِنهُ الهَمْزَةُ كَقِراءَةِ الباقِينَ الَّذِينَ أثْبَتُوها وهُمُ الأخَوانِ، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو بَكْرٍ، وأبُو عَمْرٍو فَمِنهم مَن حَقَّقَهُما ومِنهم مَن سَهَّلَ الثّانِيَةَ، ومِنهم مَن أدْخَلَ بَيْنَهُما ألِفًا والخِلافُ في كُتُبِ القِراءاتِ، وفي خِطابِ السَّحَرَةِ بِذَلِكَ لِفِرْعَوْنَ دَلِيلٌ عَلى اسْتِطالَتِهِمْ عَلَيْهِ بِاحْتِياجِهِ إلَيْهِمْ وبِما يَحْصُلُ لِلْعالِمِ بِالشَّيْءِ مِنَ التَّرَفُّعِ عَلى مَن يَحْتاجُ إلَيْهِ، وعَلى مَن لا يَعْلَمُ مِثْلَ عِلْمِهِ و(نَحْنُ) إمّا تَأْكِيدٌ لِلضَّمِيرِ وإمّا فَصْلٌ، وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ، وقالَ الحَوْفِيُّ: في جَوابِهِ ما تَقَدَّمَ. ﴿قالَ نَعَمْ وإنَّكم لَمِنَ المُقَرَّبِينَ﴾، أيْ: نَعَمْ إنَّ لَكم لَأجْرًا (وإنَّكم) فَعَطَفَ هَذِهِ الجُمْلَةَ عَلى الجُمْلَةِ المَحْذُوفَةِ بَعْدَ (نَعَمْ) الَّتِي هي نائِبَةٌ عَنْها، والمَعْنى: لَمِنَ المُقَرَّبِينَ مِنِّي، أيْ: لا أقْتَصِرُ لَكم عَلى الجُعْلِ والثَّوابِ عَلى غَلَبَةِ مُوسى، بَلْ أزِيدُكم أنْ تَكُونُوا مِنَ المُقَرَّبِينَ فَتَحُوزُونَ إلى الأجْرِ الكَرامَةَ والرِّفْعَةَ والجاهَ والمَنزِلَةَ والمَثابَ، إنَّما يَتَهَنّى ويَغْتَبِطُ بِهِ إذا حازَ إلى ذَلِكَ الإكْرامَ، وفي مُبادَرَةِ فِرْعَوْنَ لَهم بِالوَعْدِ والتَّقْرِيبِ مِنهُ دَلِيلٌ عَلى شِدَّةِ اضْطِرارِهِ لَهم، وإنَّهم كانُوا عالِمِينَ بِأنَّهُ عاجِزٌ، ولِذَلِكَ احْتاجَ إلى السَّحَرَةِ في دَفْعِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - . ﴿قالُوا يامُوسى إمّا أنْ تُلْقِيَ وإمّا أنْ نَكُونَ نَحْنُ المُلْقِينَ﴾ . قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ تَخْيِيرُهم إيّاهُ أدَبٌ حَسَنٌ راعَوْهُ مَعَهُ كَما يَفْعَلُ أهْلُ الصِّناعاتِ إذا التَقَوْا، كالمُتَناظِرَيْنِ قَبْلَ أنْ يَتَخاوَضُوا في الجِدالِ والمُتَصارِعَيْنِ قَبْلَ أنْ يَأْخُذُوا في الصِّراعِ. انْتَهى. وقالَ القُرْطُبِيُّ تَأدَّبُوا مَعَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِقَوْلِهِمْ ﴿إمّا أنْ تُلْقِيَ﴾ فَكانَ ذَلِكَ سَبَبَ إيمانِهِمْ، والَّذِي يَظْهَرُ أنَّ تَخْيِيرَهم إيّاهُ لَيْسَ مِن بابِ الأدَبِ، بَلْ ذَلِكَ مِن بابِ الإدْلالِ لِما يَعْلَمُونَهُ مِنَ السِّحْرِ وإيهامِ الغَلَبَةِ والثِّقَةِ بِأنْفُسِهِمْ وعَدَمِ الِاكْتِراثِ والِابْتِهالِ بِأمْرِ مُوسى، كَما قالَ الفَرّاءُ لِسِيبَوَيْهِ حِينَ جَمَعَ الرَّشِيدُ بَيْنَ سِيبَوَيْهِ والكِسائِيِّ أتَسْألُ فَأُجِيبُ أمْ أبْتَدِئُ وتُجِيبُ ؟ فَهَذا جاءَ التَّخْيِيرُ فِيهِ عَلى سَبِيلِ الإدْلالِ بِنَفْسِهِ والمَلاءَةِ بِما عِنْدَهُ، وعَدَمِ الِاكْتِراثِ بِمُناظَرَتِهِ والوُثُوقِ بِأنَّهُ هو الغالِبُ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وقَوْلُهم ﴿وإمّا أنْ نَكُونَ نَحْنُ المُلْقِينَ﴾ فِيهِ ما يَدُلُّ عَلى رَغْبَتِهِمْ في أنْ يُلْقُوا قَبْلَهُ مِن تَأْكِيدِ ضَمِيرِهِمُ المُتَّصِلِ بِالمُنْفَصِلِ وتَعْرِيفِ الخَبَرِ وإقْحامِ الفَصْلِ. انْتَهى. وأجازُوا في ﴿أنْ تُلْقِيَ﴾ وفي ﴿أنْ نَكُونَ﴾ النَّصْبَ، أيِ: اخْتِرْ وافْعَلْ إمّا إلْقاءَكَ وإمّا إلْقاءَنا، والمَعْنى فِيهِ البُداءَةُ والدَّفْعُ أيْ إلْقاؤُكَ مَبْدُوءٌ بِهِ وإمّا إلْقاؤُنا، فَيَكُونُ مُبْتَدَأً أوْ إمّا أمْرُكَ الإلْقاءُ، أيِ: البُداءَةُ بِهِ، أوْ إمّا أمْرُنا الإلْقاءُ فَيَكُونُ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، ودَخَلَتْ (أنْ)؛ لِأنَّهُ لا يَكُونُ الفِعْلُ وحْدَهُ مَفْعُولًا ولا مُبْتَدَأً بِخِلافِ قَوْلِهِ: ﴿وآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأمْرِ اللَّهِ إمّا يُعَذِّبُهم وإمّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ١٠٦] فالفِعْلُ بَعْدَ (إمّا) هُنا خَبَرٌ ثانٍ لِقَوْلِهِ: (وآخَرُونَ)، أوْ صِفَةٌ فَلَيْسَ مِن مَواضِعِ أنْ ومَفْعُولِ (p-٣٦٢)(تُلْقِيَ) مَحْذُوفٌ، أيْ: إمّا أنْ تُلْقِيَ عَصاكَ وكَذَلِكَ مَفْعُولُ ﴿المُلْقِينَ﴾، أيِ: المُلْقِينَ العَصا والحِبالَ. ﴿قالَ ألْقُوا﴾ أعْطاهم مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - التَّقَدُّمَ وُثُوقًا بِالحَقِّ وعِلْمًا أنَّهُ تَعالى يُبْطِلُهُ كَما حَكى اللَّهُ عَنْهُ ﴿قالَ مُوسى ما جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ﴾ [يونس: ٨١] . قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وقَدْ سَوَّغَ لَهم مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - ما تَراغَبُوا فِيهِ ازْدِراءً لِشَأْنِهِمْ وثِقَةً بِما كانَ بِصَدَدِهِ مِنَ التَّأْيِيدِ السَّماوِيِّ، وأنَّ المُعْجِزَةَ لَمْ يَغْلِبْها سِحْرٌ أبَدًا. انْتَهى. والمَعْنى: ألْقُوا حِبالَكم وعِصِيَّكم، والظّاهِرُ أنَّهُ أمَرَ بِالإلْقاءِ. وقِيلَ: هو تَهْدِيدٌ، أيْ: فَسَتَرَوْنَ ما حَلَّ بِكم مِنَ الِافْتِضاحِ. ﴿فَلَمّا ألْقَوْا سَحَرُوا أعْيُنَ النّاسِ واسْتَرْهَبُوهم وجاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ﴾، أيْ: أرَوُا العُيُونَ بِالحِيَلِ والتَّخَيُّلاتِ ما لا حَقِيقَةَ لَهُ كَما قالَ تَعالى ﴿يُخَيَّلُ إلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أنَّها تَسْعى﴾ [طه: ٦٦] . وفِي قَوْلِهِ ﴿سَحَرُوا أعْيُنَ النّاسِ﴾ دَلالَةٌ عَلى أنَّ السِّحْرَ لا يَقْلِبُ عَيْنًا، وإنَّما هو مِن بابِ التَّخَيُّلِ واسْتَرْهَبُوهم أيْ أرْهَبُوهم، واسْتَفْعَلَ هُنا بِمَعْنى أفْعَلَ كَأبَلَّ واسْتَبَلَّ، والرَّهْبَةُ الخَوْفُ والفَزَعُ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿واسْتَرْهَبُوهُمْ﴾ وأرْهَبُوهم إرْهابًا شَدِيدًا كَأنَّهُمُ اسْتَدْعَوْا رَهْبَتَهُمُ انْتَهى. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ ﴿واسْتَرْهَبُوهُمْ﴾ بِمَعْنى وأرْهَبُوهم فَكانَ فِعْلُهُمُ اقْتَضى واسْتَدَعى الرَّهْبَةَ مِنَ النّاسِ. انْتَهى ولا يَظْهَرُ ما قالا؛ لِأنَّ الِاسْتِدْعاءَ والطَّلَبَ لا يَلْزَمُ مِنهُ وُقُوعُ المُسْتَدْعى والمَطْلُوبِ، والظّاهِرُ هُنا حُصُولُ الرَّهْبَةِ فَلِذَلِكَ قُلْنا إنَّ اسْتَفْعَلَ فِيهِ مُوافِقُ أفْعَلَ، وصَرَّحَ أبُو البَقاءِ بِأنَّ مَعْنى (اسْتَرْهَبُوهم) طَلَبُوا مِنهُمُ الرَّهْبَةَ، ووَصَفَ السِّحْرَ بِعَظِيمٍ لِقُوَّةِ ما خُيِّلَ أوْ لِكَثْرَةِ آلاتِهِ مِنَ الحِبالِ والعِصِيِّ، رُوِيَ أنَّهم جاءُوا بِحِبالٍ مَن أدَمٍ وأخْشابٍ مُجَوَّفَةٍ مَمْلُوءَةٍ زِئْبَقًا وأوْقَدُوا في الوادِي نارًا فَحَمِيَتْ بِالنّارِ مِن تَحْتٍ وبِالشَّمْسِ مِن فَوْقٍ، فَتَحَرَّكَتْ ورَكِبَ بَعْضُها بَعْضًا وهَذا مِن بابِ الشَّعْبَذَةِ والدَّكِّ، ورُوِيَ غَيْرُ هَذا مِن حِيَلِهِمْ، وفي الكَلامِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ قالَ ألْقُوا فَألْقَوْا، فَلَمّا ألْقَوْا، والفاءُ عاطِفَةٌ عَلى هَذا المَحْذُوفِ، وقالَ الحَوْفِيُّ الفاءُ جَوابُ الأمْرِ انْتَهى. وهو لا يُعْقَلُ ما قالَ ونَقُولُ وُصِفَ بِعَظِيمٍ لِما ظَهَرَ مِن تَأْثِيرِهِ في الأعْضاءِ الظّاهِرَةِ الَّتِي هي الأعْيُنُ بِما لَحِقَها مِن تَخْيِيلِ العِصِيِّ والحِبالِ حَيّاتٌ وفي الأعْضاءِ الباطِنَةِ الَّتِي هي القُلُوبُ بِما لَحِقَها مِنَ الفَزَعِ والخَوْفِ ولَمّا كانَتِ الرَّهْبَةُ ناشِئَةً عَنْ رُؤْيَةِ الأعْيُنِ تَأخَّرَتِ الجُمْلَةُ الدّالَّةُ عَلَيْها.

الأعراف 7:116

﴿وجاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قالُوا إنَّ لَنا لَأجْرًا إنْ كُنّا نَحْنُ الغالِبِينَ﴾ في الكَلامِ حَذْفٌ يَقْتَضِيهِ المَعْنى وتَقْدِيرُهُ فَأرْسِلْ حاشِرِينَ، وجَمَعُوا السَّحَرَةَ وأمَرَهم بِالمَجِيءِ، واضْطَرَبَ النّاقِلُونَ لِلْأخْبارِ في عَدَدِهِمْ (p-٣٦١)اضْطِرابًا مُتَناقِضًا يَعْجَبُ العاقِلُ مِن تَسْطِيرِهِ في الكُتُبِ، فَمِن قائِلٍ تِسْعُمِائَةِ ألْفِ ساحِرٍ وقائِلٍ سَبْعِينَ ساحِرًا فَما بَيْنَهُما مِنَ الأعْدادِ المُعَيَّنَةِ المُتَناقِضَةِ (وجاءَ) قالُوا: بِغَيْرِ حَرْفِ عَطْفٍ؛ لِأنَّهُ عَلى تَقْدِيرِ جَوابِ سائِلٍ سَألَ ما قالُوهُ إذْ جاءَ قالُوا ﴿إنَّ لَنا لَأجْرًا﴾، أيْ: جُعْلًا، وقالَ الحَوْفِيُّ: (وقالُوا) في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ السَّحَرَةِ، والعامِلُ (جاءَ)، وقَرَأ الحَرَمِيّانِ وحَفْصٌ (إنَّ) عَلى وجْهِ الخَبَرِ، واشْتِراطُ الأجْرِ وإيجابُهُ عَلى تَقْدِيرِ الغَلَبَةِ ولا يُرِيدُونَ مُطْلَقَ الأجْرِ، بَلِ المَعْنى لَأجْرًا عَظِيمًا، ولِهَذا قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والتَّنْكِيرُ لِلتَّعْظِيمِ كَقَوْلِ العَرَبِ إنَّ لَهُ لَإبِلًا وإنَّ لَهُ لَغَنَمًا يَقْصِدُونَ الكَثْرَةَ، وجَوَّزَ أبُو عَلِيٍّ أنْ تَكُونَ (إنَّ) اسْتِفْهامًا حُذِفَتْ مِنهُ الهَمْزَةُ كَقِراءَةِ الباقِينَ الَّذِينَ أثْبَتُوها وهُمُ الأخَوانِ، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو بَكْرٍ، وأبُو عَمْرٍو فَمِنهم مَن حَقَّقَهُما ومِنهم مَن سَهَّلَ الثّانِيَةَ، ومِنهم مَن أدْخَلَ بَيْنَهُما ألِفًا والخِلافُ في كُتُبِ القِراءاتِ، وفي خِطابِ السَّحَرَةِ بِذَلِكَ لِفِرْعَوْنَ دَلِيلٌ عَلى اسْتِطالَتِهِمْ عَلَيْهِ بِاحْتِياجِهِ إلَيْهِمْ وبِما يَحْصُلُ لِلْعالِمِ بِالشَّيْءِ مِنَ التَّرَفُّعِ عَلى مَن يَحْتاجُ إلَيْهِ، وعَلى مَن لا يَعْلَمُ مِثْلَ عِلْمِهِ و(نَحْنُ) إمّا تَأْكِيدٌ لِلضَّمِيرِ وإمّا فَصْلٌ، وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ، وقالَ الحَوْفِيُّ: في جَوابِهِ ما تَقَدَّمَ. ﴿قالَ نَعَمْ وإنَّكم لَمِنَ المُقَرَّبِينَ﴾، أيْ: نَعَمْ إنَّ لَكم لَأجْرًا (وإنَّكم) فَعَطَفَ هَذِهِ الجُمْلَةَ عَلى الجُمْلَةِ المَحْذُوفَةِ بَعْدَ (نَعَمْ) الَّتِي هي نائِبَةٌ عَنْها، والمَعْنى: لَمِنَ المُقَرَّبِينَ مِنِّي، أيْ: لا أقْتَصِرُ لَكم عَلى الجُعْلِ والثَّوابِ عَلى غَلَبَةِ مُوسى، بَلْ أزِيدُكم أنْ تَكُونُوا مِنَ المُقَرَّبِينَ فَتَحُوزُونَ إلى الأجْرِ الكَرامَةَ والرِّفْعَةَ والجاهَ والمَنزِلَةَ والمَثابَ، إنَّما يَتَهَنّى ويَغْتَبِطُ بِهِ إذا حازَ إلى ذَلِكَ الإكْرامَ، وفي مُبادَرَةِ فِرْعَوْنَ لَهم بِالوَعْدِ والتَّقْرِيبِ مِنهُ دَلِيلٌ عَلى شِدَّةِ اضْطِرارِهِ لَهم، وإنَّهم كانُوا عالِمِينَ بِأنَّهُ عاجِزٌ، ولِذَلِكَ احْتاجَ إلى السَّحَرَةِ في دَفْعِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - . ﴿قالُوا يامُوسى إمّا أنْ تُلْقِيَ وإمّا أنْ نَكُونَ نَحْنُ المُلْقِينَ﴾ . قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ تَخْيِيرُهم إيّاهُ أدَبٌ حَسَنٌ راعَوْهُ مَعَهُ كَما يَفْعَلُ أهْلُ الصِّناعاتِ إذا التَقَوْا، كالمُتَناظِرَيْنِ قَبْلَ أنْ يَتَخاوَضُوا في الجِدالِ والمُتَصارِعَيْنِ قَبْلَ أنْ يَأْخُذُوا في الصِّراعِ. انْتَهى. وقالَ القُرْطُبِيُّ تَأدَّبُوا مَعَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِقَوْلِهِمْ ﴿إمّا أنْ تُلْقِيَ﴾ فَكانَ ذَلِكَ سَبَبَ إيمانِهِمْ، والَّذِي يَظْهَرُ أنَّ تَخْيِيرَهم إيّاهُ لَيْسَ مِن بابِ الأدَبِ، بَلْ ذَلِكَ مِن بابِ الإدْلالِ لِما يَعْلَمُونَهُ مِنَ السِّحْرِ وإيهامِ الغَلَبَةِ والثِّقَةِ بِأنْفُسِهِمْ وعَدَمِ الِاكْتِراثِ والِابْتِهالِ بِأمْرِ مُوسى، كَما قالَ الفَرّاءُ لِسِيبَوَيْهِ حِينَ جَمَعَ الرَّشِيدُ بَيْنَ سِيبَوَيْهِ والكِسائِيِّ أتَسْألُ فَأُجِيبُ أمْ أبْتَدِئُ وتُجِيبُ ؟ فَهَذا جاءَ التَّخْيِيرُ فِيهِ عَلى سَبِيلِ الإدْلالِ بِنَفْسِهِ والمَلاءَةِ بِما عِنْدَهُ، وعَدَمِ الِاكْتِراثِ بِمُناظَرَتِهِ والوُثُوقِ بِأنَّهُ هو الغالِبُ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وقَوْلُهم ﴿وإمّا أنْ نَكُونَ نَحْنُ المُلْقِينَ﴾ فِيهِ ما يَدُلُّ عَلى رَغْبَتِهِمْ في أنْ يُلْقُوا قَبْلَهُ مِن تَأْكِيدِ ضَمِيرِهِمُ المُتَّصِلِ بِالمُنْفَصِلِ وتَعْرِيفِ الخَبَرِ وإقْحامِ الفَصْلِ. انْتَهى. وأجازُوا في ﴿أنْ تُلْقِيَ﴾ وفي ﴿أنْ نَكُونَ﴾ النَّصْبَ، أيِ: اخْتِرْ وافْعَلْ إمّا إلْقاءَكَ وإمّا إلْقاءَنا، والمَعْنى فِيهِ البُداءَةُ والدَّفْعُ أيْ إلْقاؤُكَ مَبْدُوءٌ بِهِ وإمّا إلْقاؤُنا، فَيَكُونُ مُبْتَدَأً أوْ إمّا أمْرُكَ الإلْقاءُ، أيِ: البُداءَةُ بِهِ، أوْ إمّا أمْرُنا الإلْقاءُ فَيَكُونُ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، ودَخَلَتْ (أنْ)؛ لِأنَّهُ لا يَكُونُ الفِعْلُ وحْدَهُ مَفْعُولًا ولا مُبْتَدَأً بِخِلافِ قَوْلِهِ: ﴿وآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأمْرِ اللَّهِ إمّا يُعَذِّبُهم وإمّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ١٠٦] فالفِعْلُ بَعْدَ (إمّا) هُنا خَبَرٌ ثانٍ لِقَوْلِهِ: (وآخَرُونَ)، أوْ صِفَةٌ فَلَيْسَ مِن مَواضِعِ أنْ ومَفْعُولِ (p-٣٦٢)(تُلْقِيَ) مَحْذُوفٌ، أيْ: إمّا أنْ تُلْقِيَ عَصاكَ وكَذَلِكَ مَفْعُولُ ﴿المُلْقِينَ﴾، أيِ: المُلْقِينَ العَصا والحِبالَ. ﴿قالَ ألْقُوا﴾ أعْطاهم مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - التَّقَدُّمَ وُثُوقًا بِالحَقِّ وعِلْمًا أنَّهُ تَعالى يُبْطِلُهُ كَما حَكى اللَّهُ عَنْهُ ﴿قالَ مُوسى ما جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ﴾ [يونس: ٨١] . قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وقَدْ سَوَّغَ لَهم مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - ما تَراغَبُوا فِيهِ ازْدِراءً لِشَأْنِهِمْ وثِقَةً بِما كانَ بِصَدَدِهِ مِنَ التَّأْيِيدِ السَّماوِيِّ، وأنَّ المُعْجِزَةَ لَمْ يَغْلِبْها سِحْرٌ أبَدًا. انْتَهى. والمَعْنى: ألْقُوا حِبالَكم وعِصِيَّكم، والظّاهِرُ أنَّهُ أمَرَ بِالإلْقاءِ. وقِيلَ: هو تَهْدِيدٌ، أيْ: فَسَتَرَوْنَ ما حَلَّ بِكم مِنَ الِافْتِضاحِ. ﴿فَلَمّا ألْقَوْا سَحَرُوا أعْيُنَ النّاسِ واسْتَرْهَبُوهم وجاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ﴾، أيْ: أرَوُا العُيُونَ بِالحِيَلِ والتَّخَيُّلاتِ ما لا حَقِيقَةَ لَهُ كَما قالَ تَعالى ﴿يُخَيَّلُ إلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أنَّها تَسْعى﴾ [طه: ٦٦] . وفِي قَوْلِهِ ﴿سَحَرُوا أعْيُنَ النّاسِ﴾ دَلالَةٌ عَلى أنَّ السِّحْرَ لا يَقْلِبُ عَيْنًا، وإنَّما هو مِن بابِ التَّخَيُّلِ واسْتَرْهَبُوهم أيْ أرْهَبُوهم، واسْتَفْعَلَ هُنا بِمَعْنى أفْعَلَ كَأبَلَّ واسْتَبَلَّ، والرَّهْبَةُ الخَوْفُ والفَزَعُ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿واسْتَرْهَبُوهُمْ﴾ وأرْهَبُوهم إرْهابًا شَدِيدًا كَأنَّهُمُ اسْتَدْعَوْا رَهْبَتَهُمُ انْتَهى. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ ﴿واسْتَرْهَبُوهُمْ﴾ بِمَعْنى وأرْهَبُوهم فَكانَ فِعْلُهُمُ اقْتَضى واسْتَدَعى الرَّهْبَةَ مِنَ النّاسِ. انْتَهى ولا يَظْهَرُ ما قالا؛ لِأنَّ الِاسْتِدْعاءَ والطَّلَبَ لا يَلْزَمُ مِنهُ وُقُوعُ المُسْتَدْعى والمَطْلُوبِ، والظّاهِرُ هُنا حُصُولُ الرَّهْبَةِ فَلِذَلِكَ قُلْنا إنَّ اسْتَفْعَلَ فِيهِ مُوافِقُ أفْعَلَ، وصَرَّحَ أبُو البَقاءِ بِأنَّ مَعْنى (اسْتَرْهَبُوهم) طَلَبُوا مِنهُمُ الرَّهْبَةَ، ووَصَفَ السِّحْرَ بِعَظِيمٍ لِقُوَّةِ ما خُيِّلَ أوْ لِكَثْرَةِ آلاتِهِ مِنَ الحِبالِ والعِصِيِّ، رُوِيَ أنَّهم جاءُوا بِحِبالٍ مَن أدَمٍ وأخْشابٍ مُجَوَّفَةٍ مَمْلُوءَةٍ زِئْبَقًا وأوْقَدُوا في الوادِي نارًا فَحَمِيَتْ بِالنّارِ مِن تَحْتٍ وبِالشَّمْسِ مِن فَوْقٍ، فَتَحَرَّكَتْ ورَكِبَ بَعْضُها بَعْضًا وهَذا مِن بابِ الشَّعْبَذَةِ والدَّكِّ، ورُوِيَ غَيْرُ هَذا مِن حِيَلِهِمْ، وفي الكَلامِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ قالَ ألْقُوا فَألْقَوْا، فَلَمّا ألْقَوْا، والفاءُ عاطِفَةٌ عَلى هَذا المَحْذُوفِ، وقالَ الحَوْفِيُّ الفاءُ جَوابُ الأمْرِ انْتَهى. وهو لا يُعْقَلُ ما قالَ ونَقُولُ وُصِفَ بِعَظِيمٍ لِما ظَهَرَ مِن تَأْثِيرِهِ في الأعْضاءِ الظّاهِرَةِ الَّتِي هي الأعْيُنُ بِما لَحِقَها مِن تَخْيِيلِ العِصِيِّ والحِبالِ حَيّاتٌ وفي الأعْضاءِ الباطِنَةِ الَّتِي هي القُلُوبُ بِما لَحِقَها مِنَ الفَزَعِ والخَوْفِ ولَمّا كانَتِ الرَّهْبَةُ ناشِئَةً عَنْ رُؤْيَةِ الأعْيُنِ تَأخَّرَتِ الجُمْلَةُ الدّالَّةُ عَلَيْها.

الأعراف 7:117

﴿وأوْحَيْنا إلى مُوسى أنْ ألْقِ عَصاكَ فَإذا هي تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ﴾ ﴿فَوَقَعَ الحَقُّ وبَطَلَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿فَغُلِبُوا هُنالِكَ وانْقَلَبُوا صاغِرِينَ﴾ ﴿وأُلْقِيَ السَّحَرَةُ ساجِدِينَ﴾ ﴿قالُوا آمَنّا بِرَبِّ العالَمِينَ﴾ [الأعراف: ١٢١] ﴿رَبِّ مُوسى وهارُونَ﴾ [الأعراف: ١٢٢] ﴿قالَ فِرْعَوْنُ آمَنتُمْ بِهِ قَبْلَ أنْ آذَنَ لَكم إنَّ هَذا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ في المَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنها أهْلَها فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ١٢٣] ﴿لَأُقَطِّعَنَّ أيْدِيَكم وأرْجُلَكم مِن خِلافٍ ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكم أجْمَعِينَ﴾ [الأعراف: ١٢٤] ﴿قالُوا إنّا إلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ﴾ [الأعراف: ١٢٥] ﴿وما تَنْقِمُ مِنّا إلّا أنْ آمَنّا بِآياتِ رَبِّنا لَمّا جاءَتْنا رَبَّنا أفْرِغْ عَلَيْنا صَبْرًا وتَوَفَّنا مُسْلِمِينَ﴾ [الأعراف: ١٢٦] ﴿وقالَ المَلَأُ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ أتَذَرُ مُوسى وقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا في الأرْضِ ويَذَرَكَ وآلِهَتَكَ قالَ سَنُقَتِّلُ أبْناءَهم ونَسْتَحْيِي نِساءَهم وإنّا فَوْقَهم قاهِرُونَ﴾ [الأعراف: ١٢٧] ﴿قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ واصْبِرُوا إنَّ الأرْضَ لِلَّهِ يُورِثُها مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ والعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الأعراف: ١٢٨] ﴿قالُوا أُوذِينا مِن قَبْلِ أنْ تَأْتِيَنا ومِن بَعْدِ ما جِئْتَنا قالَ عَسى رَبُّكم أنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكم ويَسْتَخْلِفَكم في الأرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ١٢٩] ﴿ولَقَدْ أخَذْنا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ ونَقْصٍ مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهم يَذَّكَّرُونَ﴾ [الأعراف: ١٣٠] ﴿فَإذا جاءَتْهُمُ الحَسَنَةُ قالُوا لَنا هَذِهِ وإنْ تُصِبْهم سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسى ومَن مَعَهُ ألا إنَّما طائِرُهم عِنْدَ اللَّهِ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ١٣١] ﴿وقالُوا مَهْما تَأْتِنا بِهِ مِن آيَةٍ لِتَسْحَرَنا بِها فَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [الأعراف: ١٣٢] ﴿فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الطُّوفانَ والجَرادَ والقُمَّلَ والضَّفادِعَ والدَّمَ آياتٍ مُفَصَّلاتٍ فاسْتَكْبَرُوا وكانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ﴾ [الأعراف: ١٣٣] ﴿ولَمّا وقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قالُوا يا مُوسى ادْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ ولَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ [الأعراف: ١٣٤] ﴿فَلَمّا كَشَفْنا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إلى أجَلٍ هم بالِغُوهُ إذا هم يَنْكُثُونَ﴾ [الأعراف: ١٣٥] ﴿فانْتَقَمْنا مِنهم فَأغْرَقْناهم في اليَمِّ بِأنَّهم كَذَّبُوا بِآياتِنا وكانُوا عَنْها غافِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٣٦] ﴿وأوْرَثْنا القَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشارِقَ الأرْضِ ومَغارِبَها الَّتِي بارَكْنا فِيها وتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ الحُسْنى عَلى بَنِي إسْرائِيلَ بِما صَبَرُوا ودَمَّرْنا ما كانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وقَوْمُهُ وما كانُوا يَعْرِشُونَ﴾ [الأعراف: ١٣٧] ﴿وجاوَزْنا بِبَنِي إسْرائِيلَ البَحْرَ فَأتَوْا عَلى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلى أصْنامٍ لَهم قالُوا يا مُوسى اجْعَلْ لَنا إلَهًا كَما لَهم آلِهَةٌ قالَ إنَّكم قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ [الأعراف: ١٣٨] ﴿إنَّ هَؤُلاءِ مُتَبَّرٌ ما هم فِيهِ وباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ١٣٩] (p-٣٦٣)لَقِفَ الشَّيْءَ لَقْفًا ولَقَفانًا: أخَذَهُ بِسُرْعَةٍ فَأكَلَهُ، أوِ ابْتَلَعَهُ ورَجُلٌ ثَقِفٌ لَقِفٌ: سَرِيعُ الأخْذِ ولَقِيفٌ ثَقِيفٌ: بَيِّنُ الثَّقافَةِ واللَّقافَةِ، ولَقِمَ ولَهِمَ ولَقِفَ بِمَعْنًى، ومِنهُ التَقَفْتُهُ وتَلَقَّفْتُهُ تَلَقُّفًا. مَهْما: اسْمٌ، خِلافًا لِلسُّهَيْلِيِّ إذْ زَعَمَ أنَّها قَدْ تَأْتِي حَرْفًا، وهي أداةُ شَرْطٍ ونَدَرَ الِاسْتِفْهامُ بِها في قَوْلِهِ: ؎مَهْما لِيَ اللَّيْلَةَ مَهْما لِيَهْ أوْدى بِنَعْلَيَّ وسِرْبالِيَهْ وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّها إذا كانَتِ اسْمَ شَرْطٍ قَدْ تَأْتِي ظَرْفَ زَمانٍ، وفي بَساطَتِها وتَرْكِيبِها مِن ما ما أوْ مِن مَهْ ما خِلافٌ ذُكِرَ في النَّحْوِ ويَنْبَغِي أنْ يُحْمَلَ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎أماوِيُّ مَهْ مَن يَسْتَمِعْ في صَدِيقِهِ ∗∗∗ أقاوِيلَ هَذا النّاسِ ماوِيُّ يَنْدَمِ عَلى أنَّهُ لا تَرْكِيبَ فِيها، بَلْ مَهْ بِمَعْنى اكْفُفْ، ومَن هي اسْمُ الشَّرْطِ، الجَرادُ: مَعْرُوفٌ واحِدُهُ جَرادَةٌ بِالتّاءِ لِلذَّكَرِ والأُنْثى ويُمَيِّزُ بَيْنَهُما الوَصْفُ وذَكَرَ التَّصْرِيفِيُّونَ أنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنَ الجَرادِ قالُوا: والِاشْتِقاقُ في أسْماءِ الأجْناسِ قَلِيلٌ جِدًّا. القُمَّلُ: قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: هو الحَمْنانُ واحِدُهُ حَمْنانَةٌ، وهو ضَرْبٌ مِنَ القِرْدانِ، وسَتَأْتِي أقْوالُ المُفَسِّرِينَ فِيهِ. الضِّفْدَعُ: هو الحَيَوانُ المَعْرُوفُ، وتُكْسَرُ دالَهُ وتُفْتَحُ، وهو مُؤَنَّثٌ وشَذَّ جَمْعُهم لَهُ بِالألِفِ والتّاءِ قالُوا: ضِفْدَعاتٌ. النَّكْثُ: النَّقْضُ. اليَمُّ: البَحْرُ. قالَ ذُو الرُّمَّةِ: ؎دَوِيَّةٌ ودُجى لَيْلٍ كَأنَّهُما ∗∗∗ يَمٌّ تَراطَنَ في حافاتِهِ الرُّومُ وتَقَدَّمَتْ هَذِهِ المادَّةُ في فَتَيَمَّمُوا إلّا أنَّ ابْنَ قُتَيْبَةَ قالَ: اليَمُّ البَحْرُ بِالسُّرْيانِيَّةِ. وقِيلَ: بِالعِبْرانِيَّةِ. التَّدْمِيرُ: الإهْلاكُ وإخْرابُ البِناءِ. التَّتْبِيرُ: الإهْلاكُ، ومِنهُ التِّبْرُ لِتَهالُكِ النّاسِ عَلَيْهِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ والكِرْمانِيُّ: التَّتْبِيرُ: الإهْلاكُ وسُوءُ العُقْبى وأصْلُهُ الكَسْرُ، ومِنهُ تِبْرُ الذَّهَبِ؛ لِأنَّهُ كِسارُهُ. ﴿وأوْحَيْنا إلى مُوسى أنْ ألْقِ عَصاكَ فَإذا هي تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ﴾ . الظّاهِرُ أنَّهُ وحْيُ إعْلامٍ كَما رُوِيَ أنَّ جِبْرِيلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أتاهُ وقالَ لَهُ أنَّ الحَقَّ يَأْمُرُكَ أنْ تُلْقِيَ عَصاكَ، وكَوْنُهُ وحْيَ إعْلامٍ فِيهِ تَثْبِيتٌ لِلْجَأْشِ وتَبْشِيرٌ بِالنَّصْرِ، وقالَ قَوْمٌ: هو وحْيُ إلْهامٍ أُلْقِيَ ذَلِكَ في رُوعِهِ، وأنْ: يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ المُفَسِّرَةَ، وأنْ تَكُونَ النّاصِبَةَ، أيْ: بِأنْ ألْقِ، وفي الكَلامِ حَذْفٌ قَبْلَ الجُمْلَةِ الفُجائِيَّةِ، أيْ: فَألْقاها ﴿فَإذا هي تَلْقَفُ﴾ وتَكُونُ الجُمْلَةُ الفُجائِيَّةُ إخْبارًا بِما تَرَتَّبَ عَلى الإلْقاءِ، ولا يَكُونُ مُوحًى بِها في الذِّكْرِ ومَن يَذْهَبُ إلى أنَّ الفاءَ في نَحْوِ خَرَجْتُ فَإذا الأسَدُ زائِدَةٌ يُحْتَمَلُ عَلى قَوْلِهِ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الجُمْلَةُ مُوحًى بِها في الذِّكْرِ إلّا أنَّهُ يُقَدَّرُ المَحْذُوفُ بَعْدَها، أيْ: فَألْقاها فَلَقِفَتْهُ، وقَرَأ حَفْصٌ (تَلْقَفُ) بِسُكُونِ اللّامِ مِن لَقِفَ، وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ (تَلَقَّفُ) مُضارِعُ لَقَّفَ، حُذِفَتْ إحْدى تاءَيْهِ، إذِ الأصْلُ تَتَلَقَّفُ، وقَرَأ البَزِّيُّ بِإدْغامِ المُضارِعَةِ في التّاءِ في الأصْلِ، وقَرَأ ابْنُ جُبَيْرٍ تَلْقَمُ بِالمِيمِ، أيْ: تَبْلَعُ كاللُّقْمَةِ (وما) مَوْصُولَةٌ، أيْ: (p-٣٦٤)ما يَأْفِكُونَهُ، أيْ: يَقْلِبُونَهُ عَنِ الحَقِّ إلى الباطِلِ ويُزَوِّرُونَهُ، قالُوا: أوْ مَصْدَرِيَّةٌ، أيْ: تَلْقَفُ إفْكَهم، تَسْمِيَةٌ لِلْمَفْعُولِ بِالمَصْدَرِ. رُوِيَ أنَّ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمّا كانَ يَوْمُ الجُمُعَةِ خَرَجَ مُتَوَكِّئًا عَلى عَصاهُ، ويَدُهُ في يَدِ أخِيهِ، وقَدْ صُفَّ لَهُ السَّحَرَةُ في عَدَدٍ عَظِيمٍ، فَلَمّا ألْقَوْا واسْتَرْهَبُوا، أوْحى اللَّهُ إلَيْهِ فَألْقى، فَإذا هي ثُعْبانٌ عَظِيمٌ حَتّى كانَ كالجَبَلِ، وقِيلَ: طالَ حَتّى جازَ النِّيلَ، وقِيلَ: طالَ حَتّى جازَ بِذَنَبِهِ بَحْرَ القُلْزُمِ، وقِيلَ: كانَ الجَمْعُ بِإسْكِنْدِرِيَّةَ، وطالَ حَتّى جازَ مَدِينَةَ البُحَيْرَةِ، ورُوِيَ أنَّهم جَعَلُوا يَرْقَوْنَ وحِبالُهم وعِصِيُّهم تَعْظُمُ وعَصا مُوسى تَعْظُمُ حَتّى سَدَّتِ الأُفُقَ وابْتَلَعَتِ الكُلَّ ورَجَعَتْ بَعْدُ عَصًا وأعْدَمَ اللَّهُ العِصِيَّ والحِبالَ، ومَدَّ مُوسى يَدَهُ في الثُّعْبانِ فَعادَ عَصًا كَما كانَ، فَعَلِمَ السَّحَرَةُ حِينَئِذٍ أنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِن عِنْدِ البَشَرِ فَخَرُّوا سُجَّدًا مُؤْمِنِينَ بِاللَّهِ ورَسُولِهِ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أعْدَمَ اللَّهُ بِقُدْرَتِهِ تِلْكَ الأجْرامَ العَظِيمَةَ، أوْ فَرَّقَها أجْزاءً لَطِيفَةً، وقالَتِ السَّحَرَةُ لَوْ كانَ هَذا سِحْرًا لَبَقِيَتْ حِبالُنا وعِصِيُّنا. ﴿فَوَقَعَ الحَقُّ وبَطَلَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ: ظَهَرَ واسْتَبانَ، وقالَ أرْبابُ المَعانِي الوُقُوعُ ظُهُورُ الشَّيْءِ بِوُجُودِهِ نازِلًا إلى مُسْتَقَرِّهِ، قالَ القاضِي: فَوَقَعَ الحَقُّ يُفِيدُ قُوَّةَ الظُّهُورِ والثُّبُوتِ بِحَيْثُ لا يَصِحُّ فِيهِ البُطْلانُ كَما لا يَصِحُّ في الواقِعِ أنْ يَصِيرَ إلّا واقِعًا ومَعَ ثُبُوتِ الحَقِّ بِطَلَبٍ وزالَتْ تِلْكَ الأعْيانُ الَّتِي أتَوْا بِها وهي الحِبالُ والعِصِيُّ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ومِن بِدَعِ التَّفاسِيرِ فَوَقَعَ في قُلُوبِهِمْ، أيْ: فَأثَّرَ فِيها مِن قَوْلِهِمْ: فَأْسٌ وقِيعٌ، أيْ: مُجَرَّدٌ. انْتَهى. و﴿ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ يَعُمُّ سِحْرَ السَّحَرَةِ وسَعْيَ فِرْعَوْنَ وشِيعَتِهِ. ﴿فَغُلِبُوا هُنالِكَ وانْقَلَبُوا صاغِرِينَ﴾، أيْ: غُلِبَ جَمِيعُهم في مَكانِ اجْتِماعِهِمْ، أوْ ذَلِكَ الوَقْتِ ﴿وانْقَلَبُوا﴾ أذِلّاءَ، وذَلِكَ أنَّ الِانْقِلابَ إنْ كانَ قَبْلَ إيمانِ السَّحَرَةِ فَهم شُرَكاؤُهم في ضَمِيرِ (انْقَلَبُوا) وإنْ كانَ بَعْدَ الإيمانِ فَلَيْسُوا داخِلِينَ في الضَّمِيرِ ولا لِحَقَهم صَغارٌ يَصِفُهُمُ اللَّهُ بِهِ؛ لِأنَّهم آمَنُوا واسْتَشْهَدُوا، وهَذا إذا كانَ الِانْقِلابُ حَقِيقَةً أمّا إذا لُوحِظَ فِيهِ مَعْنى الصَّيْرُورَةِ فالضَّمِيرُ في ﴿وانْقَلَبُوا﴾ شامِلٌ لِلسَّحَرَةِ، وغَيْرِهِمْ، ولِذَلِكَ فَسَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ بِقَوْلِهِ: وصارُوا أذِلّاءَ مَبْهُوتِينَ. ﴿وأُلْقِيَ السَّحَرَةُ ساجِدِينَ﴾ لَمّا كانَ الضَّمِيرُ قَبْلُ مُشْتَرِكًا جُرِّدَ المُؤْمِنُونَ وأُفْرِدُوا بِالذِّكْرِ، والمَعْنى: خَرُّوا سُجَّدًا كَأنَّما ألْقاهم مُلْقٍ لِشِدَّةِ خَرُورِهِمْ، وقِيلَ: لَمْ يَتَمالَكُوا مِمّا رَأوْا فَكَأنَّهم ألْقَوْا، وسُجُودُهم كانَ لِلَّهِ تَعالى لَمّا رَأوْا مِن قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى فَتَيَقَّنُوا نُبُوَّةَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - واسْتَعْظَمُوا هَذا النَّوْعَ مِن قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى، وقِيلَ: ألْقاهُمُ اللَّهُ سُجَّدًا سَبَّبَ لَهم مِنَ الهُدى ما وقَعُوا بِهِ ساجِدِينَ، وقِيلَ: سَجَدُوا مُوافَقَةً لِمُوسى وهارُونَ فَإنَّهُما سَجَدا لِلَّهِ شُكْرًا عَلى وُقُوعِ الحَقِّ فَوافَقُوهُما إذْ عَرَفُوا الحَقَّ، فَكَأنَّما ألْقَياهم، قالَ قَتادَةُ: كانُوا أوَّلَ النَّهارِ كُفّارًا سَحَرَةً وفي آخِرِهِ شُهَداءَ بَرَرَةً، وقالَ الحَسَنُ: تَراهُ وُلِدَ في الإسْلامِ ونَشَأ بَيْنَ المُسْلِمِينَ يَبِيعُ دِينَهُ بِكَذا وكَذا وهَؤُلاءِ كُفّارٌ نَشَئُوا في الكُفْرِ بَذَلُوا أنْفُسَهم لِلَّهِ تَعالى.

الأعراف 7:118

﴿وأوْحَيْنا إلى مُوسى أنْ ألْقِ عَصاكَ فَإذا هي تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ﴾ ﴿فَوَقَعَ الحَقُّ وبَطَلَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿فَغُلِبُوا هُنالِكَ وانْقَلَبُوا صاغِرِينَ﴾ ﴿وأُلْقِيَ السَّحَرَةُ ساجِدِينَ﴾ ﴿قالُوا آمَنّا بِرَبِّ العالَمِينَ﴾ [الأعراف: ١٢١] ﴿رَبِّ مُوسى وهارُونَ﴾ [الأعراف: ١٢٢] ﴿قالَ فِرْعَوْنُ آمَنتُمْ بِهِ قَبْلَ أنْ آذَنَ لَكم إنَّ هَذا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ في المَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنها أهْلَها فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ١٢٣] ﴿لَأُقَطِّعَنَّ أيْدِيَكم وأرْجُلَكم مِن خِلافٍ ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكم أجْمَعِينَ﴾ [الأعراف: ١٢٤] ﴿قالُوا إنّا إلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ﴾ [الأعراف: ١٢٥] ﴿وما تَنْقِمُ مِنّا إلّا أنْ آمَنّا بِآياتِ رَبِّنا لَمّا جاءَتْنا رَبَّنا أفْرِغْ عَلَيْنا صَبْرًا وتَوَفَّنا مُسْلِمِينَ﴾ [الأعراف: ١٢٦] ﴿وقالَ المَلَأُ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ أتَذَرُ مُوسى وقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا في الأرْضِ ويَذَرَكَ وآلِهَتَكَ قالَ سَنُقَتِّلُ أبْناءَهم ونَسْتَحْيِي نِساءَهم وإنّا فَوْقَهم قاهِرُونَ﴾ [الأعراف: ١٢٧] ﴿قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ واصْبِرُوا إنَّ الأرْضَ لِلَّهِ يُورِثُها مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ والعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الأعراف: ١٢٨] ﴿قالُوا أُوذِينا مِن قَبْلِ أنْ تَأْتِيَنا ومِن بَعْدِ ما جِئْتَنا قالَ عَسى رَبُّكم أنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكم ويَسْتَخْلِفَكم في الأرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ١٢٩] ﴿ولَقَدْ أخَذْنا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ ونَقْصٍ مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهم يَذَّكَّرُونَ﴾ [الأعراف: ١٣٠] ﴿فَإذا جاءَتْهُمُ الحَسَنَةُ قالُوا لَنا هَذِهِ وإنْ تُصِبْهم سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسى ومَن مَعَهُ ألا إنَّما طائِرُهم عِنْدَ اللَّهِ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ١٣١] ﴿وقالُوا مَهْما تَأْتِنا بِهِ مِن آيَةٍ لِتَسْحَرَنا بِها فَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [الأعراف: ١٣٢] ﴿فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الطُّوفانَ والجَرادَ والقُمَّلَ والضَّفادِعَ والدَّمَ آياتٍ مُفَصَّلاتٍ فاسْتَكْبَرُوا وكانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ﴾ [الأعراف: ١٣٣] ﴿ولَمّا وقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قالُوا يا مُوسى ادْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ ولَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ [الأعراف: ١٣٤] ﴿فَلَمّا كَشَفْنا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إلى أجَلٍ هم بالِغُوهُ إذا هم يَنْكُثُونَ﴾ [الأعراف: ١٣٥] ﴿فانْتَقَمْنا مِنهم فَأغْرَقْناهم في اليَمِّ بِأنَّهم كَذَّبُوا بِآياتِنا وكانُوا عَنْها غافِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٣٦] ﴿وأوْرَثْنا القَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشارِقَ الأرْضِ ومَغارِبَها الَّتِي بارَكْنا فِيها وتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ الحُسْنى عَلى بَنِي إسْرائِيلَ بِما صَبَرُوا ودَمَّرْنا ما كانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وقَوْمُهُ وما كانُوا يَعْرِشُونَ﴾ [الأعراف: ١٣٧] ﴿وجاوَزْنا بِبَنِي إسْرائِيلَ البَحْرَ فَأتَوْا عَلى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلى أصْنامٍ لَهم قالُوا يا مُوسى اجْعَلْ لَنا إلَهًا كَما لَهم آلِهَةٌ قالَ إنَّكم قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ [الأعراف: ١٣٨] ﴿إنَّ هَؤُلاءِ مُتَبَّرٌ ما هم فِيهِ وباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ١٣٩] (p-٣٦٣)لَقِفَ الشَّيْءَ لَقْفًا ولَقَفانًا: أخَذَهُ بِسُرْعَةٍ فَأكَلَهُ، أوِ ابْتَلَعَهُ ورَجُلٌ ثَقِفٌ لَقِفٌ: سَرِيعُ الأخْذِ ولَقِيفٌ ثَقِيفٌ: بَيِّنُ الثَّقافَةِ واللَّقافَةِ، ولَقِمَ ولَهِمَ ولَقِفَ بِمَعْنًى، ومِنهُ التَقَفْتُهُ وتَلَقَّفْتُهُ تَلَقُّفًا. مَهْما: اسْمٌ، خِلافًا لِلسُّهَيْلِيِّ إذْ زَعَمَ أنَّها قَدْ تَأْتِي حَرْفًا، وهي أداةُ شَرْطٍ ونَدَرَ الِاسْتِفْهامُ بِها في قَوْلِهِ: ؎مَهْما لِيَ اللَّيْلَةَ مَهْما لِيَهْ أوْدى بِنَعْلَيَّ وسِرْبالِيَهْ وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّها إذا كانَتِ اسْمَ شَرْطٍ قَدْ تَأْتِي ظَرْفَ زَمانٍ، وفي بَساطَتِها وتَرْكِيبِها مِن ما ما أوْ مِن مَهْ ما خِلافٌ ذُكِرَ في النَّحْوِ ويَنْبَغِي أنْ يُحْمَلَ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎أماوِيُّ مَهْ مَن يَسْتَمِعْ في صَدِيقِهِ ∗∗∗ أقاوِيلَ هَذا النّاسِ ماوِيُّ يَنْدَمِ عَلى أنَّهُ لا تَرْكِيبَ فِيها، بَلْ مَهْ بِمَعْنى اكْفُفْ، ومَن هي اسْمُ الشَّرْطِ، الجَرادُ: مَعْرُوفٌ واحِدُهُ جَرادَةٌ بِالتّاءِ لِلذَّكَرِ والأُنْثى ويُمَيِّزُ بَيْنَهُما الوَصْفُ وذَكَرَ التَّصْرِيفِيُّونَ أنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنَ الجَرادِ قالُوا: والِاشْتِقاقُ في أسْماءِ الأجْناسِ قَلِيلٌ جِدًّا. القُمَّلُ: قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: هو الحَمْنانُ واحِدُهُ حَمْنانَةٌ، وهو ضَرْبٌ مِنَ القِرْدانِ، وسَتَأْتِي أقْوالُ المُفَسِّرِينَ فِيهِ. الضِّفْدَعُ: هو الحَيَوانُ المَعْرُوفُ، وتُكْسَرُ دالَهُ وتُفْتَحُ، وهو مُؤَنَّثٌ وشَذَّ جَمْعُهم لَهُ بِالألِفِ والتّاءِ قالُوا: ضِفْدَعاتٌ. النَّكْثُ: النَّقْضُ. اليَمُّ: البَحْرُ. قالَ ذُو الرُّمَّةِ: ؎دَوِيَّةٌ ودُجى لَيْلٍ كَأنَّهُما ∗∗∗ يَمٌّ تَراطَنَ في حافاتِهِ الرُّومُ وتَقَدَّمَتْ هَذِهِ المادَّةُ في فَتَيَمَّمُوا إلّا أنَّ ابْنَ قُتَيْبَةَ قالَ: اليَمُّ البَحْرُ بِالسُّرْيانِيَّةِ. وقِيلَ: بِالعِبْرانِيَّةِ. التَّدْمِيرُ: الإهْلاكُ وإخْرابُ البِناءِ. التَّتْبِيرُ: الإهْلاكُ، ومِنهُ التِّبْرُ لِتَهالُكِ النّاسِ عَلَيْهِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ والكِرْمانِيُّ: التَّتْبِيرُ: الإهْلاكُ وسُوءُ العُقْبى وأصْلُهُ الكَسْرُ، ومِنهُ تِبْرُ الذَّهَبِ؛ لِأنَّهُ كِسارُهُ. ﴿وأوْحَيْنا إلى مُوسى أنْ ألْقِ عَصاكَ فَإذا هي تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ﴾ . الظّاهِرُ أنَّهُ وحْيُ إعْلامٍ كَما رُوِيَ أنَّ جِبْرِيلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أتاهُ وقالَ لَهُ أنَّ الحَقَّ يَأْمُرُكَ أنْ تُلْقِيَ عَصاكَ، وكَوْنُهُ وحْيَ إعْلامٍ فِيهِ تَثْبِيتٌ لِلْجَأْشِ وتَبْشِيرٌ بِالنَّصْرِ، وقالَ قَوْمٌ: هو وحْيُ إلْهامٍ أُلْقِيَ ذَلِكَ في رُوعِهِ، وأنْ: يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ المُفَسِّرَةَ، وأنْ تَكُونَ النّاصِبَةَ، أيْ: بِأنْ ألْقِ، وفي الكَلامِ حَذْفٌ قَبْلَ الجُمْلَةِ الفُجائِيَّةِ، أيْ: فَألْقاها ﴿فَإذا هي تَلْقَفُ﴾ وتَكُونُ الجُمْلَةُ الفُجائِيَّةُ إخْبارًا بِما تَرَتَّبَ عَلى الإلْقاءِ، ولا يَكُونُ مُوحًى بِها في الذِّكْرِ ومَن يَذْهَبُ إلى أنَّ الفاءَ في نَحْوِ خَرَجْتُ فَإذا الأسَدُ زائِدَةٌ يُحْتَمَلُ عَلى قَوْلِهِ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الجُمْلَةُ مُوحًى بِها في الذِّكْرِ إلّا أنَّهُ يُقَدَّرُ المَحْذُوفُ بَعْدَها، أيْ: فَألْقاها فَلَقِفَتْهُ، وقَرَأ حَفْصٌ (تَلْقَفُ) بِسُكُونِ اللّامِ مِن لَقِفَ، وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ (تَلَقَّفُ) مُضارِعُ لَقَّفَ، حُذِفَتْ إحْدى تاءَيْهِ، إذِ الأصْلُ تَتَلَقَّفُ، وقَرَأ البَزِّيُّ بِإدْغامِ المُضارِعَةِ في التّاءِ في الأصْلِ، وقَرَأ ابْنُ جُبَيْرٍ تَلْقَمُ بِالمِيمِ، أيْ: تَبْلَعُ كاللُّقْمَةِ (وما) مَوْصُولَةٌ، أيْ: (p-٣٦٤)ما يَأْفِكُونَهُ، أيْ: يَقْلِبُونَهُ عَنِ الحَقِّ إلى الباطِلِ ويُزَوِّرُونَهُ، قالُوا: أوْ مَصْدَرِيَّةٌ، أيْ: تَلْقَفُ إفْكَهم، تَسْمِيَةٌ لِلْمَفْعُولِ بِالمَصْدَرِ. رُوِيَ أنَّ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمّا كانَ يَوْمُ الجُمُعَةِ خَرَجَ مُتَوَكِّئًا عَلى عَصاهُ، ويَدُهُ في يَدِ أخِيهِ، وقَدْ صُفَّ لَهُ السَّحَرَةُ في عَدَدٍ عَظِيمٍ، فَلَمّا ألْقَوْا واسْتَرْهَبُوا، أوْحى اللَّهُ إلَيْهِ فَألْقى، فَإذا هي ثُعْبانٌ عَظِيمٌ حَتّى كانَ كالجَبَلِ، وقِيلَ: طالَ حَتّى جازَ النِّيلَ، وقِيلَ: طالَ حَتّى جازَ بِذَنَبِهِ بَحْرَ القُلْزُمِ، وقِيلَ: كانَ الجَمْعُ بِإسْكِنْدِرِيَّةَ، وطالَ حَتّى جازَ مَدِينَةَ البُحَيْرَةِ، ورُوِيَ أنَّهم جَعَلُوا يَرْقَوْنَ وحِبالُهم وعِصِيُّهم تَعْظُمُ وعَصا مُوسى تَعْظُمُ حَتّى سَدَّتِ الأُفُقَ وابْتَلَعَتِ الكُلَّ ورَجَعَتْ بَعْدُ عَصًا وأعْدَمَ اللَّهُ العِصِيَّ والحِبالَ، ومَدَّ مُوسى يَدَهُ في الثُّعْبانِ فَعادَ عَصًا كَما كانَ، فَعَلِمَ السَّحَرَةُ حِينَئِذٍ أنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِن عِنْدِ البَشَرِ فَخَرُّوا سُجَّدًا مُؤْمِنِينَ بِاللَّهِ ورَسُولِهِ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أعْدَمَ اللَّهُ بِقُدْرَتِهِ تِلْكَ الأجْرامَ العَظِيمَةَ، أوْ فَرَّقَها أجْزاءً لَطِيفَةً، وقالَتِ السَّحَرَةُ لَوْ كانَ هَذا سِحْرًا لَبَقِيَتْ حِبالُنا وعِصِيُّنا. ﴿فَوَقَعَ الحَقُّ وبَطَلَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ: ظَهَرَ واسْتَبانَ، وقالَ أرْبابُ المَعانِي الوُقُوعُ ظُهُورُ الشَّيْءِ بِوُجُودِهِ نازِلًا إلى مُسْتَقَرِّهِ، قالَ القاضِي: فَوَقَعَ الحَقُّ يُفِيدُ قُوَّةَ الظُّهُورِ والثُّبُوتِ بِحَيْثُ لا يَصِحُّ فِيهِ البُطْلانُ كَما لا يَصِحُّ في الواقِعِ أنْ يَصِيرَ إلّا واقِعًا ومَعَ ثُبُوتِ الحَقِّ بِطَلَبٍ وزالَتْ تِلْكَ الأعْيانُ الَّتِي أتَوْا بِها وهي الحِبالُ والعِصِيُّ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ومِن بِدَعِ التَّفاسِيرِ فَوَقَعَ في قُلُوبِهِمْ، أيْ: فَأثَّرَ فِيها مِن قَوْلِهِمْ: فَأْسٌ وقِيعٌ، أيْ: مُجَرَّدٌ. انْتَهى. و﴿ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ يَعُمُّ سِحْرَ السَّحَرَةِ وسَعْيَ فِرْعَوْنَ وشِيعَتِهِ. ﴿فَغُلِبُوا هُنالِكَ وانْقَلَبُوا صاغِرِينَ﴾، أيْ: غُلِبَ جَمِيعُهم في مَكانِ اجْتِماعِهِمْ، أوْ ذَلِكَ الوَقْتِ ﴿وانْقَلَبُوا﴾ أذِلّاءَ، وذَلِكَ أنَّ الِانْقِلابَ إنْ كانَ قَبْلَ إيمانِ السَّحَرَةِ فَهم شُرَكاؤُهم في ضَمِيرِ (انْقَلَبُوا) وإنْ كانَ بَعْدَ الإيمانِ فَلَيْسُوا داخِلِينَ في الضَّمِيرِ ولا لِحَقَهم صَغارٌ يَصِفُهُمُ اللَّهُ بِهِ؛ لِأنَّهم آمَنُوا واسْتَشْهَدُوا، وهَذا إذا كانَ الِانْقِلابُ حَقِيقَةً أمّا إذا لُوحِظَ فِيهِ مَعْنى الصَّيْرُورَةِ فالضَّمِيرُ في ﴿وانْقَلَبُوا﴾ شامِلٌ لِلسَّحَرَةِ، وغَيْرِهِمْ، ولِذَلِكَ فَسَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ بِقَوْلِهِ: وصارُوا أذِلّاءَ مَبْهُوتِينَ. ﴿وأُلْقِيَ السَّحَرَةُ ساجِدِينَ﴾ لَمّا كانَ الضَّمِيرُ قَبْلُ مُشْتَرِكًا جُرِّدَ المُؤْمِنُونَ وأُفْرِدُوا بِالذِّكْرِ، والمَعْنى: خَرُّوا سُجَّدًا كَأنَّما ألْقاهم مُلْقٍ لِشِدَّةِ خَرُورِهِمْ، وقِيلَ: لَمْ يَتَمالَكُوا مِمّا رَأوْا فَكَأنَّهم ألْقَوْا، وسُجُودُهم كانَ لِلَّهِ تَعالى لَمّا رَأوْا مِن قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى فَتَيَقَّنُوا نُبُوَّةَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - واسْتَعْظَمُوا هَذا النَّوْعَ مِن قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى، وقِيلَ: ألْقاهُمُ اللَّهُ سُجَّدًا سَبَّبَ لَهم مِنَ الهُدى ما وقَعُوا بِهِ ساجِدِينَ، وقِيلَ: سَجَدُوا مُوافَقَةً لِمُوسى وهارُونَ فَإنَّهُما سَجَدا لِلَّهِ شُكْرًا عَلى وُقُوعِ الحَقِّ فَوافَقُوهُما إذْ عَرَفُوا الحَقَّ، فَكَأنَّما ألْقَياهم، قالَ قَتادَةُ: كانُوا أوَّلَ النَّهارِ كُفّارًا سَحَرَةً وفي آخِرِهِ شُهَداءَ بَرَرَةً، وقالَ الحَسَنُ: تَراهُ وُلِدَ في الإسْلامِ ونَشَأ بَيْنَ المُسْلِمِينَ يَبِيعُ دِينَهُ بِكَذا وكَذا وهَؤُلاءِ كُفّارٌ نَشَئُوا في الكُفْرِ بَذَلُوا أنْفُسَهم لِلَّهِ تَعالى.

الأعراف 7:119

﴿وأوْحَيْنا إلى مُوسى أنْ ألْقِ عَصاكَ فَإذا هي تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ﴾ ﴿فَوَقَعَ الحَقُّ وبَطَلَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿فَغُلِبُوا هُنالِكَ وانْقَلَبُوا صاغِرِينَ﴾ ﴿وأُلْقِيَ السَّحَرَةُ ساجِدِينَ﴾ ﴿قالُوا آمَنّا بِرَبِّ العالَمِينَ﴾ [الأعراف: ١٢١] ﴿رَبِّ مُوسى وهارُونَ﴾ [الأعراف: ١٢٢] ﴿قالَ فِرْعَوْنُ آمَنتُمْ بِهِ قَبْلَ أنْ آذَنَ لَكم إنَّ هَذا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ في المَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنها أهْلَها فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ١٢٣] ﴿لَأُقَطِّعَنَّ أيْدِيَكم وأرْجُلَكم مِن خِلافٍ ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكم أجْمَعِينَ﴾ [الأعراف: ١٢٤] ﴿قالُوا إنّا إلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ﴾ [الأعراف: ١٢٥] ﴿وما تَنْقِمُ مِنّا إلّا أنْ آمَنّا بِآياتِ رَبِّنا لَمّا جاءَتْنا رَبَّنا أفْرِغْ عَلَيْنا صَبْرًا وتَوَفَّنا مُسْلِمِينَ﴾ [الأعراف: ١٢٦] ﴿وقالَ المَلَأُ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ أتَذَرُ مُوسى وقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا في الأرْضِ ويَذَرَكَ وآلِهَتَكَ قالَ سَنُقَتِّلُ أبْناءَهم ونَسْتَحْيِي نِساءَهم وإنّا فَوْقَهم قاهِرُونَ﴾ [الأعراف: ١٢٧] ﴿قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ واصْبِرُوا إنَّ الأرْضَ لِلَّهِ يُورِثُها مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ والعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الأعراف: ١٢٨] ﴿قالُوا أُوذِينا مِن قَبْلِ أنْ تَأْتِيَنا ومِن بَعْدِ ما جِئْتَنا قالَ عَسى رَبُّكم أنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكم ويَسْتَخْلِفَكم في الأرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ١٢٩] ﴿ولَقَدْ أخَذْنا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ ونَقْصٍ مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهم يَذَّكَّرُونَ﴾ [الأعراف: ١٣٠] ﴿فَإذا جاءَتْهُمُ الحَسَنَةُ قالُوا لَنا هَذِهِ وإنْ تُصِبْهم سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسى ومَن مَعَهُ ألا إنَّما طائِرُهم عِنْدَ اللَّهِ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ١٣١] ﴿وقالُوا مَهْما تَأْتِنا بِهِ مِن آيَةٍ لِتَسْحَرَنا بِها فَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [الأعراف: ١٣٢] ﴿فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الطُّوفانَ والجَرادَ والقُمَّلَ والضَّفادِعَ والدَّمَ آياتٍ مُفَصَّلاتٍ فاسْتَكْبَرُوا وكانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ﴾ [الأعراف: ١٣٣] ﴿ولَمّا وقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قالُوا يا مُوسى ادْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ ولَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ [الأعراف: ١٣٤] ﴿فَلَمّا كَشَفْنا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إلى أجَلٍ هم بالِغُوهُ إذا هم يَنْكُثُونَ﴾ [الأعراف: ١٣٥] ﴿فانْتَقَمْنا مِنهم فَأغْرَقْناهم في اليَمِّ بِأنَّهم كَذَّبُوا بِآياتِنا وكانُوا عَنْها غافِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٣٦] ﴿وأوْرَثْنا القَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشارِقَ الأرْضِ ومَغارِبَها الَّتِي بارَكْنا فِيها وتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ الحُسْنى عَلى بَنِي إسْرائِيلَ بِما صَبَرُوا ودَمَّرْنا ما كانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وقَوْمُهُ وما كانُوا يَعْرِشُونَ﴾ [الأعراف: ١٣٧] ﴿وجاوَزْنا بِبَنِي إسْرائِيلَ البَحْرَ فَأتَوْا عَلى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلى أصْنامٍ لَهم قالُوا يا مُوسى اجْعَلْ لَنا إلَهًا كَما لَهم آلِهَةٌ قالَ إنَّكم قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ [الأعراف: ١٣٨] ﴿إنَّ هَؤُلاءِ مُتَبَّرٌ ما هم فِيهِ وباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ١٣٩] (p-٣٦٣)لَقِفَ الشَّيْءَ لَقْفًا ولَقَفانًا: أخَذَهُ بِسُرْعَةٍ فَأكَلَهُ، أوِ ابْتَلَعَهُ ورَجُلٌ ثَقِفٌ لَقِفٌ: سَرِيعُ الأخْذِ ولَقِيفٌ ثَقِيفٌ: بَيِّنُ الثَّقافَةِ واللَّقافَةِ، ولَقِمَ ولَهِمَ ولَقِفَ بِمَعْنًى، ومِنهُ التَقَفْتُهُ وتَلَقَّفْتُهُ تَلَقُّفًا. مَهْما: اسْمٌ، خِلافًا لِلسُّهَيْلِيِّ إذْ زَعَمَ أنَّها قَدْ تَأْتِي حَرْفًا، وهي أداةُ شَرْطٍ ونَدَرَ الِاسْتِفْهامُ بِها في قَوْلِهِ: ؎مَهْما لِيَ اللَّيْلَةَ مَهْما لِيَهْ أوْدى بِنَعْلَيَّ وسِرْبالِيَهْ وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّها إذا كانَتِ اسْمَ شَرْطٍ قَدْ تَأْتِي ظَرْفَ زَمانٍ، وفي بَساطَتِها وتَرْكِيبِها مِن ما ما أوْ مِن مَهْ ما خِلافٌ ذُكِرَ في النَّحْوِ ويَنْبَغِي أنْ يُحْمَلَ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎أماوِيُّ مَهْ مَن يَسْتَمِعْ في صَدِيقِهِ ∗∗∗ أقاوِيلَ هَذا النّاسِ ماوِيُّ يَنْدَمِ عَلى أنَّهُ لا تَرْكِيبَ فِيها، بَلْ مَهْ بِمَعْنى اكْفُفْ، ومَن هي اسْمُ الشَّرْطِ، الجَرادُ: مَعْرُوفٌ واحِدُهُ جَرادَةٌ بِالتّاءِ لِلذَّكَرِ والأُنْثى ويُمَيِّزُ بَيْنَهُما الوَصْفُ وذَكَرَ التَّصْرِيفِيُّونَ أنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنَ الجَرادِ قالُوا: والِاشْتِقاقُ في أسْماءِ الأجْناسِ قَلِيلٌ جِدًّا. القُمَّلُ: قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: هو الحَمْنانُ واحِدُهُ حَمْنانَةٌ، وهو ضَرْبٌ مِنَ القِرْدانِ، وسَتَأْتِي أقْوالُ المُفَسِّرِينَ فِيهِ. الضِّفْدَعُ: هو الحَيَوانُ المَعْرُوفُ، وتُكْسَرُ دالَهُ وتُفْتَحُ، وهو مُؤَنَّثٌ وشَذَّ جَمْعُهم لَهُ بِالألِفِ والتّاءِ قالُوا: ضِفْدَعاتٌ. النَّكْثُ: النَّقْضُ. اليَمُّ: البَحْرُ. قالَ ذُو الرُّمَّةِ: ؎دَوِيَّةٌ ودُجى لَيْلٍ كَأنَّهُما ∗∗∗ يَمٌّ تَراطَنَ في حافاتِهِ الرُّومُ وتَقَدَّمَتْ هَذِهِ المادَّةُ في فَتَيَمَّمُوا إلّا أنَّ ابْنَ قُتَيْبَةَ قالَ: اليَمُّ البَحْرُ بِالسُّرْيانِيَّةِ. وقِيلَ: بِالعِبْرانِيَّةِ. التَّدْمِيرُ: الإهْلاكُ وإخْرابُ البِناءِ. التَّتْبِيرُ: الإهْلاكُ، ومِنهُ التِّبْرُ لِتَهالُكِ النّاسِ عَلَيْهِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ والكِرْمانِيُّ: التَّتْبِيرُ: الإهْلاكُ وسُوءُ العُقْبى وأصْلُهُ الكَسْرُ، ومِنهُ تِبْرُ الذَّهَبِ؛ لِأنَّهُ كِسارُهُ. ﴿وأوْحَيْنا إلى مُوسى أنْ ألْقِ عَصاكَ فَإذا هي تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ﴾ . الظّاهِرُ أنَّهُ وحْيُ إعْلامٍ كَما رُوِيَ أنَّ جِبْرِيلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أتاهُ وقالَ لَهُ أنَّ الحَقَّ يَأْمُرُكَ أنْ تُلْقِيَ عَصاكَ، وكَوْنُهُ وحْيَ إعْلامٍ فِيهِ تَثْبِيتٌ لِلْجَأْشِ وتَبْشِيرٌ بِالنَّصْرِ، وقالَ قَوْمٌ: هو وحْيُ إلْهامٍ أُلْقِيَ ذَلِكَ في رُوعِهِ، وأنْ: يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ المُفَسِّرَةَ، وأنْ تَكُونَ النّاصِبَةَ، أيْ: بِأنْ ألْقِ، وفي الكَلامِ حَذْفٌ قَبْلَ الجُمْلَةِ الفُجائِيَّةِ، أيْ: فَألْقاها ﴿فَإذا هي تَلْقَفُ﴾ وتَكُونُ الجُمْلَةُ الفُجائِيَّةُ إخْبارًا بِما تَرَتَّبَ عَلى الإلْقاءِ، ولا يَكُونُ مُوحًى بِها في الذِّكْرِ ومَن يَذْهَبُ إلى أنَّ الفاءَ في نَحْوِ خَرَجْتُ فَإذا الأسَدُ زائِدَةٌ يُحْتَمَلُ عَلى قَوْلِهِ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الجُمْلَةُ مُوحًى بِها في الذِّكْرِ إلّا أنَّهُ يُقَدَّرُ المَحْذُوفُ بَعْدَها، أيْ: فَألْقاها فَلَقِفَتْهُ، وقَرَأ حَفْصٌ (تَلْقَفُ) بِسُكُونِ اللّامِ مِن لَقِفَ، وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ (تَلَقَّفُ) مُضارِعُ لَقَّفَ، حُذِفَتْ إحْدى تاءَيْهِ، إذِ الأصْلُ تَتَلَقَّفُ، وقَرَأ البَزِّيُّ بِإدْغامِ المُضارِعَةِ في التّاءِ في الأصْلِ، وقَرَأ ابْنُ جُبَيْرٍ تَلْقَمُ بِالمِيمِ، أيْ: تَبْلَعُ كاللُّقْمَةِ (وما) مَوْصُولَةٌ، أيْ: (p-٣٦٤)ما يَأْفِكُونَهُ، أيْ: يَقْلِبُونَهُ عَنِ الحَقِّ إلى الباطِلِ ويُزَوِّرُونَهُ، قالُوا: أوْ مَصْدَرِيَّةٌ، أيْ: تَلْقَفُ إفْكَهم، تَسْمِيَةٌ لِلْمَفْعُولِ بِالمَصْدَرِ. رُوِيَ أنَّ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمّا كانَ يَوْمُ الجُمُعَةِ خَرَجَ مُتَوَكِّئًا عَلى عَصاهُ، ويَدُهُ في يَدِ أخِيهِ، وقَدْ صُفَّ لَهُ السَّحَرَةُ في عَدَدٍ عَظِيمٍ، فَلَمّا ألْقَوْا واسْتَرْهَبُوا، أوْحى اللَّهُ إلَيْهِ فَألْقى، فَإذا هي ثُعْبانٌ عَظِيمٌ حَتّى كانَ كالجَبَلِ، وقِيلَ: طالَ حَتّى جازَ النِّيلَ، وقِيلَ: طالَ حَتّى جازَ بِذَنَبِهِ بَحْرَ القُلْزُمِ، وقِيلَ: كانَ الجَمْعُ بِإسْكِنْدِرِيَّةَ، وطالَ حَتّى جازَ مَدِينَةَ البُحَيْرَةِ، ورُوِيَ أنَّهم جَعَلُوا يَرْقَوْنَ وحِبالُهم وعِصِيُّهم تَعْظُمُ وعَصا مُوسى تَعْظُمُ حَتّى سَدَّتِ الأُفُقَ وابْتَلَعَتِ الكُلَّ ورَجَعَتْ بَعْدُ عَصًا وأعْدَمَ اللَّهُ العِصِيَّ والحِبالَ، ومَدَّ مُوسى يَدَهُ في الثُّعْبانِ فَعادَ عَصًا كَما كانَ، فَعَلِمَ السَّحَرَةُ حِينَئِذٍ أنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِن عِنْدِ البَشَرِ فَخَرُّوا سُجَّدًا مُؤْمِنِينَ بِاللَّهِ ورَسُولِهِ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أعْدَمَ اللَّهُ بِقُدْرَتِهِ تِلْكَ الأجْرامَ العَظِيمَةَ، أوْ فَرَّقَها أجْزاءً لَطِيفَةً، وقالَتِ السَّحَرَةُ لَوْ كانَ هَذا سِحْرًا لَبَقِيَتْ حِبالُنا وعِصِيُّنا. ﴿فَوَقَعَ الحَقُّ وبَطَلَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ: ظَهَرَ واسْتَبانَ، وقالَ أرْبابُ المَعانِي الوُقُوعُ ظُهُورُ الشَّيْءِ بِوُجُودِهِ نازِلًا إلى مُسْتَقَرِّهِ، قالَ القاضِي: فَوَقَعَ الحَقُّ يُفِيدُ قُوَّةَ الظُّهُورِ والثُّبُوتِ بِحَيْثُ لا يَصِحُّ فِيهِ البُطْلانُ كَما لا يَصِحُّ في الواقِعِ أنْ يَصِيرَ إلّا واقِعًا ومَعَ ثُبُوتِ الحَقِّ بِطَلَبٍ وزالَتْ تِلْكَ الأعْيانُ الَّتِي أتَوْا بِها وهي الحِبالُ والعِصِيُّ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ومِن بِدَعِ التَّفاسِيرِ فَوَقَعَ في قُلُوبِهِمْ، أيْ: فَأثَّرَ فِيها مِن قَوْلِهِمْ: فَأْسٌ وقِيعٌ، أيْ: مُجَرَّدٌ. انْتَهى. و﴿ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ يَعُمُّ سِحْرَ السَّحَرَةِ وسَعْيَ فِرْعَوْنَ وشِيعَتِهِ. ﴿فَغُلِبُوا هُنالِكَ وانْقَلَبُوا صاغِرِينَ﴾، أيْ: غُلِبَ جَمِيعُهم في مَكانِ اجْتِماعِهِمْ، أوْ ذَلِكَ الوَقْتِ ﴿وانْقَلَبُوا﴾ أذِلّاءَ، وذَلِكَ أنَّ الِانْقِلابَ إنْ كانَ قَبْلَ إيمانِ السَّحَرَةِ فَهم شُرَكاؤُهم في ضَمِيرِ (انْقَلَبُوا) وإنْ كانَ بَعْدَ الإيمانِ فَلَيْسُوا داخِلِينَ في الضَّمِيرِ ولا لِحَقَهم صَغارٌ يَصِفُهُمُ اللَّهُ بِهِ؛ لِأنَّهم آمَنُوا واسْتَشْهَدُوا، وهَذا إذا كانَ الِانْقِلابُ حَقِيقَةً أمّا إذا لُوحِظَ فِيهِ مَعْنى الصَّيْرُورَةِ فالضَّمِيرُ في ﴿وانْقَلَبُوا﴾ شامِلٌ لِلسَّحَرَةِ، وغَيْرِهِمْ، ولِذَلِكَ فَسَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ بِقَوْلِهِ: وصارُوا أذِلّاءَ مَبْهُوتِينَ. ﴿وأُلْقِيَ السَّحَرَةُ ساجِدِينَ﴾ لَمّا كانَ الضَّمِيرُ قَبْلُ مُشْتَرِكًا جُرِّدَ المُؤْمِنُونَ وأُفْرِدُوا بِالذِّكْرِ، والمَعْنى: خَرُّوا سُجَّدًا كَأنَّما ألْقاهم مُلْقٍ لِشِدَّةِ خَرُورِهِمْ، وقِيلَ: لَمْ يَتَمالَكُوا مِمّا رَأوْا فَكَأنَّهم ألْقَوْا، وسُجُودُهم كانَ لِلَّهِ تَعالى لَمّا رَأوْا مِن قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى فَتَيَقَّنُوا نُبُوَّةَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - واسْتَعْظَمُوا هَذا النَّوْعَ مِن قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى، وقِيلَ: ألْقاهُمُ اللَّهُ سُجَّدًا سَبَّبَ لَهم مِنَ الهُدى ما وقَعُوا بِهِ ساجِدِينَ، وقِيلَ: سَجَدُوا مُوافَقَةً لِمُوسى وهارُونَ فَإنَّهُما سَجَدا لِلَّهِ شُكْرًا عَلى وُقُوعِ الحَقِّ فَوافَقُوهُما إذْ عَرَفُوا الحَقَّ، فَكَأنَّما ألْقَياهم، قالَ قَتادَةُ: كانُوا أوَّلَ النَّهارِ كُفّارًا سَحَرَةً وفي آخِرِهِ شُهَداءَ بَرَرَةً، وقالَ الحَسَنُ: تَراهُ وُلِدَ في الإسْلامِ ونَشَأ بَيْنَ المُسْلِمِينَ يَبِيعُ دِينَهُ بِكَذا وكَذا وهَؤُلاءِ كُفّارٌ نَشَئُوا في الكُفْرِ بَذَلُوا أنْفُسَهم لِلَّهِ تَعالى.

الأعراف 7:120

﴿وأوْحَيْنا إلى مُوسى أنْ ألْقِ عَصاكَ فَإذا هي تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ﴾ ﴿فَوَقَعَ الحَقُّ وبَطَلَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿فَغُلِبُوا هُنالِكَ وانْقَلَبُوا صاغِرِينَ﴾ ﴿وأُلْقِيَ السَّحَرَةُ ساجِدِينَ﴾ ﴿قالُوا آمَنّا بِرَبِّ العالَمِينَ﴾ [الأعراف: ١٢١] ﴿رَبِّ مُوسى وهارُونَ﴾ [الأعراف: ١٢٢] ﴿قالَ فِرْعَوْنُ آمَنتُمْ بِهِ قَبْلَ أنْ آذَنَ لَكم إنَّ هَذا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ في المَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنها أهْلَها فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ١٢٣] ﴿لَأُقَطِّعَنَّ أيْدِيَكم وأرْجُلَكم مِن خِلافٍ ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكم أجْمَعِينَ﴾ [الأعراف: ١٢٤] ﴿قالُوا إنّا إلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ﴾ [الأعراف: ١٢٥] ﴿وما تَنْقِمُ مِنّا إلّا أنْ آمَنّا بِآياتِ رَبِّنا لَمّا جاءَتْنا رَبَّنا أفْرِغْ عَلَيْنا صَبْرًا وتَوَفَّنا مُسْلِمِينَ﴾ [الأعراف: ١٢٦] ﴿وقالَ المَلَأُ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ أتَذَرُ مُوسى وقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا في الأرْضِ ويَذَرَكَ وآلِهَتَكَ قالَ سَنُقَتِّلُ أبْناءَهم ونَسْتَحْيِي نِساءَهم وإنّا فَوْقَهم قاهِرُونَ﴾ [الأعراف: ١٢٧] ﴿قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ واصْبِرُوا إنَّ الأرْضَ لِلَّهِ يُورِثُها مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ والعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الأعراف: ١٢٨] ﴿قالُوا أُوذِينا مِن قَبْلِ أنْ تَأْتِيَنا ومِن بَعْدِ ما جِئْتَنا قالَ عَسى رَبُّكم أنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكم ويَسْتَخْلِفَكم في الأرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ١٢٩] ﴿ولَقَدْ أخَذْنا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ ونَقْصٍ مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهم يَذَّكَّرُونَ﴾ [الأعراف: ١٣٠] ﴿فَإذا جاءَتْهُمُ الحَسَنَةُ قالُوا لَنا هَذِهِ وإنْ تُصِبْهم سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسى ومَن مَعَهُ ألا إنَّما طائِرُهم عِنْدَ اللَّهِ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ١٣١] ﴿وقالُوا مَهْما تَأْتِنا بِهِ مِن آيَةٍ لِتَسْحَرَنا بِها فَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [الأعراف: ١٣٢] ﴿فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الطُّوفانَ والجَرادَ والقُمَّلَ والضَّفادِعَ والدَّمَ آياتٍ مُفَصَّلاتٍ فاسْتَكْبَرُوا وكانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ﴾ [الأعراف: ١٣٣] ﴿ولَمّا وقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قالُوا يا مُوسى ادْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ ولَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ [الأعراف: ١٣٤] ﴿فَلَمّا كَشَفْنا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إلى أجَلٍ هم بالِغُوهُ إذا هم يَنْكُثُونَ﴾ [الأعراف: ١٣٥] ﴿فانْتَقَمْنا مِنهم فَأغْرَقْناهم في اليَمِّ بِأنَّهم كَذَّبُوا بِآياتِنا وكانُوا عَنْها غافِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٣٦] ﴿وأوْرَثْنا القَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشارِقَ الأرْضِ ومَغارِبَها الَّتِي بارَكْنا فِيها وتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ الحُسْنى عَلى بَنِي إسْرائِيلَ بِما صَبَرُوا ودَمَّرْنا ما كانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وقَوْمُهُ وما كانُوا يَعْرِشُونَ﴾ [الأعراف: ١٣٧] ﴿وجاوَزْنا بِبَنِي إسْرائِيلَ البَحْرَ فَأتَوْا عَلى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلى أصْنامٍ لَهم قالُوا يا مُوسى اجْعَلْ لَنا إلَهًا كَما لَهم آلِهَةٌ قالَ إنَّكم قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ [الأعراف: ١٣٨] ﴿إنَّ هَؤُلاءِ مُتَبَّرٌ ما هم فِيهِ وباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ١٣٩] (p-٣٦٣)لَقِفَ الشَّيْءَ لَقْفًا ولَقَفانًا: أخَذَهُ بِسُرْعَةٍ فَأكَلَهُ، أوِ ابْتَلَعَهُ ورَجُلٌ ثَقِفٌ لَقِفٌ: سَرِيعُ الأخْذِ ولَقِيفٌ ثَقِيفٌ: بَيِّنُ الثَّقافَةِ واللَّقافَةِ، ولَقِمَ ولَهِمَ ولَقِفَ بِمَعْنًى، ومِنهُ التَقَفْتُهُ وتَلَقَّفْتُهُ تَلَقُّفًا. مَهْما: اسْمٌ، خِلافًا لِلسُّهَيْلِيِّ إذْ زَعَمَ أنَّها قَدْ تَأْتِي حَرْفًا، وهي أداةُ شَرْطٍ ونَدَرَ الِاسْتِفْهامُ بِها في قَوْلِهِ: ؎مَهْما لِيَ اللَّيْلَةَ مَهْما لِيَهْ أوْدى بِنَعْلَيَّ وسِرْبالِيَهْ وزَعَمَ بَعْضُهم أنَّها إذا كانَتِ اسْمَ شَرْطٍ قَدْ تَأْتِي ظَرْفَ زَمانٍ، وفي بَساطَتِها وتَرْكِيبِها مِن ما ما أوْ مِن مَهْ ما خِلافٌ ذُكِرَ في النَّحْوِ ويَنْبَغِي أنْ يُحْمَلَ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎أماوِيُّ مَهْ مَن يَسْتَمِعْ في صَدِيقِهِ ∗∗∗ أقاوِيلَ هَذا النّاسِ ماوِيُّ يَنْدَمِ عَلى أنَّهُ لا تَرْكِيبَ فِيها، بَلْ مَهْ بِمَعْنى اكْفُفْ، ومَن هي اسْمُ الشَّرْطِ، الجَرادُ: مَعْرُوفٌ واحِدُهُ جَرادَةٌ بِالتّاءِ لِلذَّكَرِ والأُنْثى ويُمَيِّزُ بَيْنَهُما الوَصْفُ وذَكَرَ التَّصْرِيفِيُّونَ أنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنَ الجَرادِ قالُوا: والِاشْتِقاقُ في أسْماءِ الأجْناسِ قَلِيلٌ جِدًّا. القُمَّلُ: قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: هو الحَمْنانُ واحِدُهُ حَمْنانَةٌ، وهو ضَرْبٌ مِنَ القِرْدانِ، وسَتَأْتِي أقْوالُ المُفَسِّرِينَ فِيهِ. الضِّفْدَعُ: هو الحَيَوانُ المَعْرُوفُ، وتُكْسَرُ دالَهُ وتُفْتَحُ، وهو مُؤَنَّثٌ وشَذَّ جَمْعُهم لَهُ بِالألِفِ والتّاءِ قالُوا: ضِفْدَعاتٌ. النَّكْثُ: النَّقْضُ. اليَمُّ: البَحْرُ. قالَ ذُو الرُّمَّةِ: ؎دَوِيَّةٌ ودُجى لَيْلٍ كَأنَّهُما ∗∗∗ يَمٌّ تَراطَنَ في حافاتِهِ الرُّومُ وتَقَدَّمَتْ هَذِهِ المادَّةُ في فَتَيَمَّمُوا إلّا أنَّ ابْنَ قُتَيْبَةَ قالَ: اليَمُّ البَحْرُ بِالسُّرْيانِيَّةِ. وقِيلَ: بِالعِبْرانِيَّةِ. التَّدْمِيرُ: الإهْلاكُ وإخْرابُ البِناءِ. التَّتْبِيرُ: الإهْلاكُ، ومِنهُ التِّبْرُ لِتَهالُكِ النّاسِ عَلَيْهِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ والكِرْمانِيُّ: التَّتْبِيرُ: الإهْلاكُ وسُوءُ العُقْبى وأصْلُهُ الكَسْرُ، ومِنهُ تِبْرُ الذَّهَبِ؛ لِأنَّهُ كِسارُهُ. ﴿وأوْحَيْنا إلى مُوسى أنْ ألْقِ عَصاكَ فَإذا هي تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ﴾ . الظّاهِرُ أنَّهُ وحْيُ إعْلامٍ كَما رُوِيَ أنَّ جِبْرِيلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أتاهُ وقالَ لَهُ أنَّ الحَقَّ يَأْمُرُكَ أنْ تُلْقِيَ عَصاكَ، وكَوْنُهُ وحْيَ إعْلامٍ فِيهِ تَثْبِيتٌ لِلْجَأْشِ وتَبْشِيرٌ بِالنَّصْرِ، وقالَ قَوْمٌ: هو وحْيُ إلْهامٍ أُلْقِيَ ذَلِكَ في رُوعِهِ، وأنْ: يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ المُفَسِّرَةَ، وأنْ تَكُونَ النّاصِبَةَ، أيْ: بِأنْ ألْقِ، وفي الكَلامِ حَذْفٌ قَبْلَ الجُمْلَةِ الفُجائِيَّةِ، أيْ: فَألْقاها ﴿فَإذا هي تَلْقَفُ﴾ وتَكُونُ الجُمْلَةُ الفُجائِيَّةُ إخْبارًا بِما تَرَتَّبَ عَلى الإلْقاءِ، ولا يَكُونُ مُوحًى بِها في الذِّكْرِ ومَن يَذْهَبُ إلى أنَّ الفاءَ في نَحْوِ خَرَجْتُ فَإذا الأسَدُ زائِدَةٌ يُحْتَمَلُ عَلى قَوْلِهِ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الجُمْلَةُ مُوحًى بِها في الذِّكْرِ إلّا أنَّهُ يُقَدَّرُ المَحْذُوفُ بَعْدَها، أيْ: فَألْقاها فَلَقِفَتْهُ، وقَرَأ حَفْصٌ (تَلْقَفُ) بِسُكُونِ اللّامِ مِن لَقِفَ، وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ (تَلَقَّفُ) مُضارِعُ لَقَّفَ، حُذِفَتْ إحْدى تاءَيْهِ، إذِ الأصْلُ تَتَلَقَّفُ، وقَرَأ البَزِّيُّ بِإدْغامِ المُضارِعَةِ في التّاءِ في الأصْلِ، وقَرَأ ابْنُ جُبَيْرٍ تَلْقَمُ بِالمِيمِ، أيْ: تَبْلَعُ كاللُّقْمَةِ (وما) مَوْصُولَةٌ، أيْ: (p-٣٦٤)ما يَأْفِكُونَهُ، أيْ: يَقْلِبُونَهُ عَنِ الحَقِّ إلى الباطِلِ ويُزَوِّرُونَهُ، قالُوا: أوْ مَصْدَرِيَّةٌ، أيْ: تَلْقَفُ إفْكَهم، تَسْمِيَةٌ لِلْمَفْعُولِ بِالمَصْدَرِ. رُوِيَ أنَّ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمّا كانَ يَوْمُ الجُمُعَةِ خَرَجَ مُتَوَكِّئًا عَلى عَصاهُ، ويَدُهُ في يَدِ أخِيهِ، وقَدْ صُفَّ لَهُ السَّحَرَةُ في عَدَدٍ عَظِيمٍ، فَلَمّا ألْقَوْا واسْتَرْهَبُوا، أوْحى اللَّهُ إلَيْهِ فَألْقى، فَإذا هي ثُعْبانٌ عَظِيمٌ حَتّى كانَ كالجَبَلِ، وقِيلَ: طالَ حَتّى جازَ النِّيلَ، وقِيلَ: طالَ حَتّى جازَ بِذَنَبِهِ بَحْرَ القُلْزُمِ، وقِيلَ: كانَ الجَمْعُ بِإسْكِنْدِرِيَّةَ، وطالَ حَتّى جازَ مَدِينَةَ البُحَيْرَةِ، ورُوِيَ أنَّهم جَعَلُوا يَرْقَوْنَ وحِبالُهم وعِصِيُّهم تَعْظُمُ وعَصا مُوسى تَعْظُمُ حَتّى سَدَّتِ الأُفُقَ وابْتَلَعَتِ الكُلَّ ورَجَعَتْ بَعْدُ عَصًا وأعْدَمَ اللَّهُ العِصِيَّ والحِبالَ، ومَدَّ مُوسى يَدَهُ في الثُّعْبانِ فَعادَ عَصًا كَما كانَ، فَعَلِمَ السَّحَرَةُ حِينَئِذٍ أنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِن عِنْدِ البَشَرِ فَخَرُّوا سُجَّدًا مُؤْمِنِينَ بِاللَّهِ ورَسُولِهِ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أعْدَمَ اللَّهُ بِقُدْرَتِهِ تِلْكَ الأجْرامَ العَظِيمَةَ، أوْ فَرَّقَها أجْزاءً لَطِيفَةً، وقالَتِ السَّحَرَةُ لَوْ كانَ هَذا سِحْرًا لَبَقِيَتْ حِبالُنا وعِصِيُّنا. ﴿فَوَقَعَ الحَقُّ وبَطَلَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والحَسَنُ: ظَهَرَ واسْتَبانَ، وقالَ أرْبابُ المَعانِي الوُقُوعُ ظُهُورُ الشَّيْءِ بِوُجُودِهِ نازِلًا إلى مُسْتَقَرِّهِ، قالَ القاضِي: فَوَقَعَ الحَقُّ يُفِيدُ قُوَّةَ الظُّهُورِ والثُّبُوتِ بِحَيْثُ لا يَصِحُّ فِيهِ البُطْلانُ كَما لا يَصِحُّ في الواقِعِ أنْ يَصِيرَ إلّا واقِعًا ومَعَ ثُبُوتِ الحَقِّ بِطَلَبٍ وزالَتْ تِلْكَ الأعْيانُ الَّتِي أتَوْا بِها وهي الحِبالُ والعِصِيُّ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ومِن بِدَعِ التَّفاسِيرِ فَوَقَعَ في قُلُوبِهِمْ، أيْ: فَأثَّرَ فِيها مِن قَوْلِهِمْ: فَأْسٌ وقِيعٌ، أيْ: مُجَرَّدٌ. انْتَهى. و﴿ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ يَعُمُّ سِحْرَ السَّحَرَةِ وسَعْيَ فِرْعَوْنَ وشِيعَتِهِ. ﴿فَغُلِبُوا هُنالِكَ وانْقَلَبُوا صاغِرِينَ﴾، أيْ: غُلِبَ جَمِيعُهم في مَكانِ اجْتِماعِهِمْ، أوْ ذَلِكَ الوَقْتِ ﴿وانْقَلَبُوا﴾ أذِلّاءَ، وذَلِكَ أنَّ الِانْقِلابَ إنْ كانَ قَبْلَ إيمانِ السَّحَرَةِ فَهم شُرَكاؤُهم في ضَمِيرِ (انْقَلَبُوا) وإنْ كانَ بَعْدَ الإيمانِ فَلَيْسُوا داخِلِينَ في الضَّمِيرِ ولا لِحَقَهم صَغارٌ يَصِفُهُمُ اللَّهُ بِهِ؛ لِأنَّهم آمَنُوا واسْتَشْهَدُوا، وهَذا إذا كانَ الِانْقِلابُ حَقِيقَةً أمّا إذا لُوحِظَ فِيهِ مَعْنى الصَّيْرُورَةِ فالضَّمِيرُ في ﴿وانْقَلَبُوا﴾ شامِلٌ لِلسَّحَرَةِ، وغَيْرِهِمْ، ولِذَلِكَ فَسَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ بِقَوْلِهِ: وصارُوا أذِلّاءَ مَبْهُوتِينَ. ﴿وأُلْقِيَ السَّحَرَةُ ساجِدِينَ﴾ لَمّا كانَ الضَّمِيرُ قَبْلُ مُشْتَرِكًا جُرِّدَ المُؤْمِنُونَ وأُفْرِدُوا بِالذِّكْرِ، والمَعْنى: خَرُّوا سُجَّدًا كَأنَّما ألْقاهم مُلْقٍ لِشِدَّةِ خَرُورِهِمْ، وقِيلَ: لَمْ يَتَمالَكُوا مِمّا رَأوْا فَكَأنَّهم ألْقَوْا، وسُجُودُهم كانَ لِلَّهِ تَعالى لَمّا رَأوْا مِن قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى فَتَيَقَّنُوا نُبُوَّةَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - واسْتَعْظَمُوا هَذا النَّوْعَ مِن قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى، وقِيلَ: ألْقاهُمُ اللَّهُ سُجَّدًا سَبَّبَ لَهم مِنَ الهُدى ما وقَعُوا بِهِ ساجِدِينَ، وقِيلَ: سَجَدُوا مُوافَقَةً لِمُوسى وهارُونَ فَإنَّهُما سَجَدا لِلَّهِ شُكْرًا عَلى وُقُوعِ الحَقِّ فَوافَقُوهُما إذْ عَرَفُوا الحَقَّ، فَكَأنَّما ألْقَياهم، قالَ قَتادَةُ: كانُوا أوَّلَ النَّهارِ كُفّارًا سَحَرَةً وفي آخِرِهِ شُهَداءَ بَرَرَةً، وقالَ الحَسَنُ: تَراهُ وُلِدَ في الإسْلامِ ونَشَأ بَيْنَ المُسْلِمِينَ يَبِيعُ دِينَهُ بِكَذا وكَذا وهَؤُلاءِ كُفّارٌ نَشَئُوا في الكُفْرِ بَذَلُوا أنْفُسَهم لِلَّهِ تَعالى.

الأعراف 7:121

﴿قالُوا آمَنّا بِرَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿رَبِّ مُوسى وهارُونَ﴾، أيْ: ساجِدِينَ قائِلِينَ، فَقالُوا في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ في ﴿ساجِدِينَ﴾ [الأعراف: ١٢٠]، أوْ مِنَ السَّحَرَةِ، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ فَهم مُلْتَبِسُونَ بِالسُّجُودِ لِلَّهِ شُكْرًا عَلى المَعْرِفَةِ والإيمانِ والقَوْلِ المُنْبِئِ عَنِ التَّصْدِيقِ الَّذِي مَحَلُّهُ القُلُوبُ ولَمّا كانَ السُّجُودُ أعْظَمَ القُرْبِ ما يَكُونُ العَبْدُ مِن رَبِّهِ وهو ساجِدٌ بادَرُوا بِهِ مُتَلَبِّسِينَ بِالقَوْلِ الَّذِي لا بُدَّ مِنهُ عِنْدَ القادِرِ عَلَيْهِ، إذِ الدُّخُولُ في الإيمانِ إنَّما يَدُلُّ عَلَيْهِ القَوْلُ وقالُوا رَبَّ العالَمِينَ وِفاقًا لِقَوْلِ مُوسى: إنِّي رَسُولٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ، ولَمّا كانَ قَدْ يُوهِمُ هَذا اللَّفْظُ غَيْرَ اللَّهِ تَعالى، كَقَوْلِ فِرْعَوْنَ: أنا رَبُّكُمُ الأعْلى، نَصُّوا بِالبَدَلِ عَلى أنَّ رَبَّ العالَمِينَ ﴿رَبِّ مُوسى وهارُونَ﴾، وأنَّهم فارَقُوا فِرْعَوْنَ وكَفَرُوا بِرُبُوبِيَّتِهِ، والظّاهِرُ أنَّ قائِلَ ذَلِكَ جَمِيعُ السَّحَرَةِ، وقِيلَ: بَلْ (p-٣٦٥)قالَهُ رُؤَساؤُهم وسَمّى ابْنُ إسْحاقَ مِنهُمُ الرُّؤَساءَ، فَقالَ هم: سابُورُ وعازُورُ وخَطْخَطُ ومُصَفّى، وحَكاهُ ابْنُ ماكُولا أيْضًا، وقالَ مُقاتِلٌ: أكْبُرُهم شَمْعُونَ، وبَدَءُوا بِمُوسى قَبْلَ هارُونَ وإنْ كانَ أكْبَرَ سِنًّا مِن مُوسى قِيلَ بِثَلاثِ سِنِينَ؛ لِأنَّ مُوسى هو الَّذِي ناظَرَ فِرْعَوْنَ وظَهَرَتِ المُعْجِزَتانِ في يَدِهِ وعَصاهُ ولِأنَّ قَوْلَهُ: (وهارُونَ) فاصِلَةٌ، وجاءَ في طه ﴿بِرَبِّ هارُونَ ومُوسى﴾ [طه: ٧٠]؛ لِأنَّ مُوسى فِيها فاصِلَةٌ، ويُحْتَمَلُ وُقُوعُ كُلٍّ مِنهُما مُرَتَّبًا مِن طائِفَةٍ وطائِفَةٍ، فَنَسَبَ فِعْلَ بَعْضٍ إلى المَجْمُوعِ في سُورَةٍ وبَعْضٍ إلى المَجْمُوعِ في سُورَةٍ أُخْرى، قالَ المُتَكَلِّمُونَ: وفي الآيَةِ دَلالَةٌ عَلى فَضِيلَةِ العِلْمِ؛ لِأنَّهم لَمّا كانُوا كامِلِينَ في عِلْمِ السِّحْرِ عَلِمُوا أنَّ ما جاءَ بِهِ مُوسى حَقٌّ خارِجٌ عَنْ جِنْسِ السِّحْرِ ولَوْلا العِلْمُ لَتَوَهَّمُوا أنَّهُ سِحْرٌ، وأنَّهُ أسْحَرُ مِنهم.

الأعراف 7:122

﴿قالُوا آمَنّا بِرَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿رَبِّ مُوسى وهارُونَ﴾، أيْ: ساجِدِينَ قائِلِينَ، فَقالُوا في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ في ﴿ساجِدِينَ﴾ [الأعراف: ١٢٠]، أوْ مِنَ السَّحَرَةِ، وعَلى التَّقْدِيرَيْنِ فَهم مُلْتَبِسُونَ بِالسُّجُودِ لِلَّهِ شُكْرًا عَلى المَعْرِفَةِ والإيمانِ والقَوْلِ المُنْبِئِ عَنِ التَّصْدِيقِ الَّذِي مَحَلُّهُ القُلُوبُ ولَمّا كانَ السُّجُودُ أعْظَمَ القُرْبِ ما يَكُونُ العَبْدُ مِن رَبِّهِ وهو ساجِدٌ بادَرُوا بِهِ مُتَلَبِّسِينَ بِالقَوْلِ الَّذِي لا بُدَّ مِنهُ عِنْدَ القادِرِ عَلَيْهِ، إذِ الدُّخُولُ في الإيمانِ إنَّما يَدُلُّ عَلَيْهِ القَوْلُ وقالُوا رَبَّ العالَمِينَ وِفاقًا لِقَوْلِ مُوسى: إنِّي رَسُولٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ، ولَمّا كانَ قَدْ يُوهِمُ هَذا اللَّفْظُ غَيْرَ اللَّهِ تَعالى، كَقَوْلِ فِرْعَوْنَ: أنا رَبُّكُمُ الأعْلى، نَصُّوا بِالبَدَلِ عَلى أنَّ رَبَّ العالَمِينَ ﴿رَبِّ مُوسى وهارُونَ﴾، وأنَّهم فارَقُوا فِرْعَوْنَ وكَفَرُوا بِرُبُوبِيَّتِهِ، والظّاهِرُ أنَّ قائِلَ ذَلِكَ جَمِيعُ السَّحَرَةِ، وقِيلَ: بَلْ (p-٣٦٥)قالَهُ رُؤَساؤُهم وسَمّى ابْنُ إسْحاقَ مِنهُمُ الرُّؤَساءَ، فَقالَ هم: سابُورُ وعازُورُ وخَطْخَطُ ومُصَفّى، وحَكاهُ ابْنُ ماكُولا أيْضًا، وقالَ مُقاتِلٌ: أكْبُرُهم شَمْعُونَ، وبَدَءُوا بِمُوسى قَبْلَ هارُونَ وإنْ كانَ أكْبَرَ سِنًّا مِن مُوسى قِيلَ بِثَلاثِ سِنِينَ؛ لِأنَّ مُوسى هو الَّذِي ناظَرَ فِرْعَوْنَ وظَهَرَتِ المُعْجِزَتانِ في يَدِهِ وعَصاهُ ولِأنَّ قَوْلَهُ: (وهارُونَ) فاصِلَةٌ، وجاءَ في طه ﴿بِرَبِّ هارُونَ ومُوسى﴾ [طه: ٧٠]؛ لِأنَّ مُوسى فِيها فاصِلَةٌ، ويُحْتَمَلُ وُقُوعُ كُلٍّ مِنهُما مُرَتَّبًا مِن طائِفَةٍ وطائِفَةٍ، فَنَسَبَ فِعْلَ بَعْضٍ إلى المَجْمُوعِ في سُورَةٍ وبَعْضٍ إلى المَجْمُوعِ في سُورَةٍ أُخْرى، قالَ المُتَكَلِّمُونَ: وفي الآيَةِ دَلالَةٌ عَلى فَضِيلَةِ العِلْمِ؛ لِأنَّهم لَمّا كانُوا كامِلِينَ في عِلْمِ السِّحْرِ عَلِمُوا أنَّ ما جاءَ بِهِ مُوسى حَقٌّ خارِجٌ عَنْ جِنْسِ السِّحْرِ ولَوْلا العِلْمُ لَتَوَهَّمُوا أنَّهُ سِحْرٌ، وأنَّهُ أسْحَرُ مِنهم.

الأعراف 7:123

﴿قالَ فِرْعَوْنُ آمَنتُمْ بِهِ قَبْلَ أنْ آذَنَ لَكُمْ﴾ قَرَأ حَفْصٌ ﴿آمَنتُمْ﴾ عَلى الخَبَرِ في كُلِّ القُرْآنِ، أيْ: فَعَلْتُمْ هَذا الفِعْلَ الشَّنِيعَ، وبَّخَهم بِذَلِكَ وقَرَّعَهم، وقَرَأ العَرَبِيّانِ ونافِعٌ والبَزِّيُّ بِهَمْزَةِ اسْتِفْهامٍ ومَدَّةٍ بَعْدَها مُطَوَّلَةٍ في تَقْدِيرِ ألِفَيْنِ إلّا ورْشًا، فَإنَّهُ يُسَهِّلُ الثّانِيَةَ، ولَمْ يُدْخِلْ أحَدٌ ألِفًا بَيْنَ المُحَقَّقَةِ والمُلَيَّنَةِ، وكَذَلِكَ في طه والشُّعَراءِ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ فِيهِنَّ بِالِاسْتِفْهامِ وحَقَّقا الهَمْزَةَ وبَعْدَها ألِفٌ، وقَرَأ قُنْبُلٌ هُنا بِإبْدالِ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ واوًا، لِضَمَّةِ نُونِ فِرْعَوْنَ وتَحْقِيقِ الهَمْزَةِ بَعْدَها، أوْ تَسْهِيلِها، أوْ إبْدالِها أوْ إسْكانِها، أرْبَعَةُ أوْجُهٍ، وقَرَأ في طه مِثْلَ حَفْصٍ وفي الشُّعَراءِ مِثْلَ البَزِّيِّ، هَذا الِاسْتِفْهامُ مَعْناهُ الإنْكارُ والِاسْتِبْعادُ، والضَّمِيرُ في (بِهِ) عائِدٌ عَلى اللَّهِ تَعالى لِقَوْلِهِمْ ﴿قالُوا آمَنّا بِرَبِّ العالَمِينَ﴾ [الأعراف: ١٢١]، وقِيلَ: يُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى مُوسى، وفي طه والشُّعَراءِ يَعُودُ في قَوْلِهِ لَهُ عَلى مُوسى لِقَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ﴾ [طه: ٧١]، وقِيلَ: آمَنتُ بِهِ وآمَنتُ لَهُ واحِدٌ في قَوْلِهِ: ﴿قَبْلَ أنْ آذَنَ لَكُمْ﴾ دَلِيلٌ عَلى وهَنِ أمْرِهِ؛ لِأنَّهُ إنَّما جَعَلَ ذَنْبَهم بِمُفارَقَةِ الإذْنِ ولَمْ يَجْعَلْهُ نَفْسَ الإيمانِ إلّا بِشَرْطٍ. ﴿إنَّ هَذا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ في المَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنها أهْلَها﴾، أيْ: صَنِيعُكم هَذا لِحِيلَةٌ احْتَلْتُمُوها أنْتُمْ ومُوسى في مِصْرَ قَبْلَ أنْ تَخْرُجُوا مِنها إلى هَذِهِ الصَّحْراءِ، وتَواطَأْتُمْ عَلى ذَلِكَ لِغَرَضٍ لَكم وهو أنْ تُخْرِجُوا مِنها القِبْطَ وتُسْكِنُوا بَنِي إسْرائِيلَ، قالَ هَذا تَمْوِيهًا عَلى النّاسِ لِئَلّا يَتَّبِعُوا السَّحَرَةَ في الإيمانِ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وابْنِ عَبّاسٍ أنَّ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - اجْتَمَعَ مَعَ رَئِيسِ السَّحَرَةِ شَمْعُونَ فَقالَ لَهُ مُوسى: أرَأيْتَ إنْ غَلَبْتُكم أتُؤْمِنُونَ بِي، فَقالَ لَهُ نَعَمْ فَعَلِمَ بِذَلِكَ فِرْعَوْنُ فَقالَ ما قالَ. انْتَهى. ولَمّا خافَ فِرْعَوْنُ أنْ يَكُونَ إيمانُ السَّحَرَةِ حُجَّةَ قَوْمِهِ ألْقى في الحالِ نَوْعَيْنِ مِنَ الشُّبَهِ أحَدَهُما: إنَّ هَذا تَواطُؤٌ مِنهم لا أنَّ ما جاءَ بِهِ حَقٌّ، والثّانِي: إنَّ ذَلِكَ طَلَبٌ مِنهم لِلْمَلِكِ. ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ تَهْدِيدٌ ووَعِيدٌ، ومَفْعُولُ ﴿تَعْلَمُونَ﴾ مَحْذُوفٌ، أيْ: ما يَحِلُّ بِكم أُبْهِمَ في مُتَعَلِّقِ ﴿تَعْلَمُونَ﴾، ثُمَّ عَيَّنَ ما يُفْعَلُ بِهِمْ فَقالَ مُقْسِمًا: ﴿لَأُقَطِّعَنَّ أيْدِيَكم وأرْجُلَكم مِن خِلافٍ ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكم أجْمَعِينَ﴾ لَمّا ظَهَرَتِ الحُجَّةُ عادَ إلى عادَةِ مُلُوكِ السُّوءِ إذا غُلِبُوا مِن تَعْذِيبِ مَن ناوَأهم وإنْ كانَ مُحِقًّا، ومَعْنى ﴿مِن خِلافٍ﴾، أيْ: يَدٌ يُمْنى ورِجْلٌ يُسْرى والعَكْسُ، قِيلَ: هو أوَّلُ مَن فَعَلَ هَذا، وقِيلَ: المَعْنى مِن أجْلِ الخِلافِ الَّذِي ظَهَرَ مِنكم، والصَّلْبُ التَّعْلِيقُ عَلى الخَشَبِ، وهَذا التَّوَعُّدُ الَّذِي تَوَعَّدَهُ فِرْعَوْنُ السَّحَرَةَ لَيْسَ في القُرْآنِ نَصٌّ عَلى أنَّهُ أنْفَذَهُ وأوْقَعَهُ بِهِمْ، ولَكِنْ رُوِيَ في القِصَصِ أنَّهُ قَطَعَ بَعْضًا وصَلَبَ بَعْضًا وتَقَدَّمَ قَوْلُ قَتادَةَ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهم أصْبَحُوا سَحَرَةً وأمْسَوْا شُهَداءَ، وقَرَأ (p-٣٦٦)مُجاهِدٌ، وحُمَيْدٌ المَكِّيُّ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ (لَأقْطَعَنَّ) مُضارِعُ قَطَعَ الثُّلاثِيِّ (لَأصْلُبَنَّكم) مُضارِعُ صَلَبَ الثُّلاثِيِّ بِضَمِّ لامِ (لَأصْلُبَنَّكم) ورُوِيَ بِكَسْرِها، وجاءَ هُنا (ثُمَّ) وفي السُّورَتَيْنِ ﴿ولَأُصَلِّبَنَّكُمْ﴾ [طه: ٧١] بِالواوِ فَدَلَّ عَلى أنَّ الواوَ أُرِيدَ بِها مَعْنًى ثُمَّ مِن كَوْنِ الصَّلْبِ بَعْدَ القَطْعِ، والتَّعْدِيَةُ قَدْ يَكُونُ مَعَها مُهْلَةٌ، وقَدْ لا يَكُونُ.

الأعراف 7:124

﴿قالَ فِرْعَوْنُ آمَنتُمْ بِهِ قَبْلَ أنْ آذَنَ لَكُمْ﴾ قَرَأ حَفْصٌ ﴿آمَنتُمْ﴾ عَلى الخَبَرِ في كُلِّ القُرْآنِ، أيْ: فَعَلْتُمْ هَذا الفِعْلَ الشَّنِيعَ، وبَّخَهم بِذَلِكَ وقَرَّعَهم، وقَرَأ العَرَبِيّانِ ونافِعٌ والبَزِّيُّ بِهَمْزَةِ اسْتِفْهامٍ ومَدَّةٍ بَعْدَها مُطَوَّلَةٍ في تَقْدِيرِ ألِفَيْنِ إلّا ورْشًا، فَإنَّهُ يُسَهِّلُ الثّانِيَةَ، ولَمْ يُدْخِلْ أحَدٌ ألِفًا بَيْنَ المُحَقَّقَةِ والمُلَيَّنَةِ، وكَذَلِكَ في طه والشُّعَراءِ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ فِيهِنَّ بِالِاسْتِفْهامِ وحَقَّقا الهَمْزَةَ وبَعْدَها ألِفٌ، وقَرَأ قُنْبُلٌ هُنا بِإبْدالِ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهامِ واوًا، لِضَمَّةِ نُونِ فِرْعَوْنَ وتَحْقِيقِ الهَمْزَةِ بَعْدَها، أوْ تَسْهِيلِها، أوْ إبْدالِها أوْ إسْكانِها، أرْبَعَةُ أوْجُهٍ، وقَرَأ في طه مِثْلَ حَفْصٍ وفي الشُّعَراءِ مِثْلَ البَزِّيِّ، هَذا الِاسْتِفْهامُ مَعْناهُ الإنْكارُ والِاسْتِبْعادُ، والضَّمِيرُ في (بِهِ) عائِدٌ عَلى اللَّهِ تَعالى لِقَوْلِهِمْ ﴿قالُوا آمَنّا بِرَبِّ العالَمِينَ﴾ [الأعراف: ١٢١]، وقِيلَ: يُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ عَلى مُوسى، وفي طه والشُّعَراءِ يَعُودُ في قَوْلِهِ لَهُ عَلى مُوسى لِقَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ﴾ [طه: ٧١]، وقِيلَ: آمَنتُ بِهِ وآمَنتُ لَهُ واحِدٌ في قَوْلِهِ: ﴿قَبْلَ أنْ آذَنَ لَكُمْ﴾ دَلِيلٌ عَلى وهَنِ أمْرِهِ؛ لِأنَّهُ إنَّما جَعَلَ ذَنْبَهم بِمُفارَقَةِ الإذْنِ ولَمْ يَجْعَلْهُ نَفْسَ الإيمانِ إلّا بِشَرْطٍ. ﴿إنَّ هَذا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ في المَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنها أهْلَها﴾، أيْ: صَنِيعُكم هَذا لِحِيلَةٌ احْتَلْتُمُوها أنْتُمْ ومُوسى في مِصْرَ قَبْلَ أنْ تَخْرُجُوا مِنها إلى هَذِهِ الصَّحْراءِ، وتَواطَأْتُمْ عَلى ذَلِكَ لِغَرَضٍ لَكم وهو أنْ تُخْرِجُوا مِنها القِبْطَ وتُسْكِنُوا بَنِي إسْرائِيلَ، قالَ هَذا تَمْوِيهًا عَلى النّاسِ لِئَلّا يَتَّبِعُوا السَّحَرَةَ في الإيمانِ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وابْنِ عَبّاسٍ أنَّ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - اجْتَمَعَ مَعَ رَئِيسِ السَّحَرَةِ شَمْعُونَ فَقالَ لَهُ مُوسى: أرَأيْتَ إنْ غَلَبْتُكم أتُؤْمِنُونَ بِي، فَقالَ لَهُ نَعَمْ فَعَلِمَ بِذَلِكَ فِرْعَوْنُ فَقالَ ما قالَ. انْتَهى. ولَمّا خافَ فِرْعَوْنُ أنْ يَكُونَ إيمانُ السَّحَرَةِ حُجَّةَ قَوْمِهِ ألْقى في الحالِ نَوْعَيْنِ مِنَ الشُّبَهِ أحَدَهُما: إنَّ هَذا تَواطُؤٌ مِنهم لا أنَّ ما جاءَ بِهِ حَقٌّ، والثّانِي: إنَّ ذَلِكَ طَلَبٌ مِنهم لِلْمَلِكِ. ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ تَهْدِيدٌ ووَعِيدٌ، ومَفْعُولُ ﴿تَعْلَمُونَ﴾ مَحْذُوفٌ، أيْ: ما يَحِلُّ بِكم أُبْهِمَ في مُتَعَلِّقِ ﴿تَعْلَمُونَ﴾، ثُمَّ عَيَّنَ ما يُفْعَلُ بِهِمْ فَقالَ مُقْسِمًا: ﴿لَأُقَطِّعَنَّ أيْدِيَكم وأرْجُلَكم مِن خِلافٍ ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكم أجْمَعِينَ﴾ لَمّا ظَهَرَتِ الحُجَّةُ عادَ إلى عادَةِ مُلُوكِ السُّوءِ إذا غُلِبُوا مِن تَعْذِيبِ مَن ناوَأهم وإنْ كانَ مُحِقًّا، ومَعْنى ﴿مِن خِلافٍ﴾، أيْ: يَدٌ يُمْنى ورِجْلٌ يُسْرى والعَكْسُ، قِيلَ: هو أوَّلُ مَن فَعَلَ هَذا، وقِيلَ: المَعْنى مِن أجْلِ الخِلافِ الَّذِي ظَهَرَ مِنكم، والصَّلْبُ التَّعْلِيقُ عَلى الخَشَبِ، وهَذا التَّوَعُّدُ الَّذِي تَوَعَّدَهُ فِرْعَوْنُ السَّحَرَةَ لَيْسَ في القُرْآنِ نَصٌّ عَلى أنَّهُ أنْفَذَهُ وأوْقَعَهُ بِهِمْ، ولَكِنْ رُوِيَ في القِصَصِ أنَّهُ قَطَعَ بَعْضًا وصَلَبَ بَعْضًا وتَقَدَّمَ قَوْلُ قَتادَةَ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهم أصْبَحُوا سَحَرَةً وأمْسَوْا شُهَداءَ، وقَرَأ (p-٣٦٦)مُجاهِدٌ، وحُمَيْدٌ المَكِّيُّ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ (لَأقْطَعَنَّ) مُضارِعُ قَطَعَ الثُّلاثِيِّ (لَأصْلُبَنَّكم) مُضارِعُ صَلَبَ الثُّلاثِيِّ بِضَمِّ لامِ (لَأصْلُبَنَّكم) ورُوِيَ بِكَسْرِها، وجاءَ هُنا (ثُمَّ) وفي السُّورَتَيْنِ ﴿ولَأُصَلِّبَنَّكُمْ﴾ [طه: ٧١] بِالواوِ فَدَلَّ عَلى أنَّ الواوَ أُرِيدَ بِها مَعْنًى ثُمَّ مِن كَوْنِ الصَّلْبِ بَعْدَ القَطْعِ، والتَّعْدِيَةُ قَدْ يَكُونُ مَعَها مُهْلَةٌ، وقَدْ لا يَكُونُ.

الأعراف 7:125

﴿قالُوا إنّا إلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ﴾ هَذا تَسْلِيمٌ واتِّكالٌ عَلى اللَّهِ تَعالى وثِقَةٌ بِما عِنْدَهُ، والمَعْنى: إنّا نَرْجِعُ إلى ثَوابِ رَبِّنا يَوْمَ الجَزاءِ عَلى ما نَلْقاهُ مِنَ الشَّدائِدِ، أوْ إنّا نَنْقَلِبُ إلى لِقاءِ رَبِّنا ورَحْمَتِهِ، وخَلاصِنا مِنكَ ومِن لِقائِكَ، أوْ إنّا مَيِّتُونَ مُنْقَلِبُونَ إلى اللَّهِ فَلا نُبالِي بِالمَوْتِ إذْ لا تَقْدِرُ أنْ تَفْعَلَ بِنا إلّا ما لا بُدَّ لَنا مِنهُ، فالِانْقِلابُ الأوَّلُ يَكُونُ المُرادُ بِهِ يَوْمَ الجَزاءِ، وهَذانِ الِانْقِلابانِ المُرادُ بِهِما في الدُّنْيا، ويَبْعُدُ أنْ يُرادَ بِقَوْلِهِ: (وإنّا) ضَمِيرُ أنْفُسِهِمْ وفِرْعَوْنَ، أيْ: نَنْقَلِبُ إلى اللَّهِ جَمِيعًا فَيَحْكُمَ بَيْنَنا لِقَوْلِهِ: ﴿وما تَنْقِمُ مِنّا﴾ [الأعراف: ١٢٦] فَإنَّ هَذا الضَّمِيرَ يَخُصُّ مُؤْمِنِي السَّحَرَةِ، والأوْلى اتِّحادُ الضَّمائِرِ، والَّذِي أجازَ هَذا الوَجْهَ هو الزَّمَخْشَرِيُّ، وفي قَوْلِهِمْ ﴿إلى رَبِّنا﴾ تَبَرُّؤٌ مِن فِرْعَوْنَ ومِن رُبُوبِيَّتِهِ، وفي الشُّعَراءِ: لا ضَيْرَ؛ لِأنَّ هَذِهِ السُّورَةَ اخْتُصِرَتْ فِيها القِصَّةُ واتَّسَعَتْ في الشُّعَراءِ، ذُكِرَ فِيها أحْوالُ فِرْعَوْنَ مِن أوَّلِها إلى آخِرِها فَبَدَأ بِقَوْلِهِ: ﴿ألَمْ نُرَبِّكَ فِينا ولِيدًا﴾ [الشعراء: ١٨] وخَتَمَ بِقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ أغْرَقْنا الآخَرِينَ﴾ [الشعراء: ٦٦] فَوَقَعَ فِيها زَوائِدُ لَمْ تَقَعْ في هَذِهِ السُّورَةِ، ولا في طه. قالَهُ الكِرْمانِيُّ. ﴿وما تَنْقِمُ مِنّا إلّا أنْ آمَنّا بِآياتِ رَبِّنا لَمّا جاءَتْنا﴾ [الأعراف: ١٢٦] قالَ الضَّحّاكُ: وما تَطْعَنُ عَلَيْنا، وقالَ غَيْرُهُ: وما تَكْرَهُ مِنّا، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وما تَعِيبُ مِنّا، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وما تَعُدُّ عَلَيْنا ذَنْبًا وتُؤاخِذُنا بِهِ وعَلى هَذِهِ التَّأْوِيلاتِ يَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿إلّا أنْ آمَنّا﴾ [الأعراف: ١٢٦] في مَوْضِعِ المَفْعُولِ ويَكُونُ مِنَ الِاسْتِثْناءِ المُفَرَّغِ مِنَ المَفْعُولِ، وجاءَ هَذا التَّرْكِيبُ في القُرْآنِ كَقَوْلِهِ: ﴿قُلْ ياأهْلَ الكِتابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنّا﴾ [المائدة: ٥٩] ﴿وما نَقَمُوا مِنهم إلّا أنْ يُؤْمِنُوا﴾ [البروج: ٨]، وهَذا الفِعْلُ في لِسانِ العَرَبِ يَتَعَدّى بِعَلى تَقُولُ نَقَمْتُ عَلى الرَّجُلِ أنْقِمُ إذا غَلَبَ عَلَيْهِ، والَّذِي يَظْهَرُ مِن تَعْدِيَتِهِ بِمِن أنَّ المَعْنى وما تَنْقِمُ مِنّا، أيْ: ما تَنالُ مِنّا كَقَوْلِهِ: فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنهُ، أيْ: يَنالُهُ بِمَكْرُوهٍ، ويَكُونُ فَعَلَ وافْتَعَلَ فِيهِ بِمَعْنًى واحِدٍ، كَقَدَرَ واقْتَدَرَ، وعَلى هَذا يَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿إلّا أنْ آمَنّا﴾ [الأعراف: ١٢٦] مُفْعُولًا مِن أجْلِهِ، واسْتِثْناءً مُفَرَّغًا، أيْ: ما تَنالُ مِنّا وتُعَذِّبُنا لِشَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ إلّا لِأنْ آمَنّا بِآياتِ رَبِّنا وعَلى هَذا المَعْنى يَدُلُّ تَفْسِيرُ عَطاءٍ، قالَ عَطاءٌ: أيْ: ما لَنا عِنْدَكَ ذَنْبٌ تُعَذِّبُنا عَلَيْهِ إلّا أنّا آمَنّا، والآياتُ المُعْجِزاتُ الَّتِي أتى بِها مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - ومَن جَعَلَ لَمّا ظَرْفًا جَعَلَ العامِلَ فِيها ﴿أنْ آمَنّا﴾ [الأعراف: ١٢٦] ومَن جَعَلَها حَرْفًا جَعَلَ جَوابَها مَحْذُوفًا لِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ، أيْ: لَمّا جاءَتْنا آمَنّا، وفي كَلامِهِمْ هَذا تَكْذِيبٌ لِفِرْعَوْنَ في ادِّعائِهِ الرُّبُوبِيَّةَ، وانْسِلاخٌ مِنهم عَنِ اعْتِقادِهِمْ ذَلِكَ فِيهِ والإيمانُ بِاللَّهِ هو أصْلُ المَفاخِرِ والمَناقِبِ، وهَذا الِاسْتِثْناءُ شَبِيهٌ بِقَوْلِهِ: ؎ولا عَيْبَ فِيهِمْ غَيْرَ أنَّ سُيُوفَهم بِهِنَّ فُلُولٌ مِن قِراعِ الكَتائِبِ وقَرَأ الحَسَنُ، وأبُو حَيْوَةَ، وأبُو اليُسْرِ هاشِمٌ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ (وما تَنْقَمُ) بِفَتْحِ القافِ مُضارِعُ نَقِمَ بِكَسْرِها، وهُما لُغَتانِ والأفْصَحُ قِراءَةُ الجُمْهُورِ.

الأعراف 7:126

﴿رَبَّنا أفْرِغْ عَلَيْنا صَبْرًا وتَوَفَّنا مُسْلِمِينَ﴾ لَمّا أوْعَدَهم بِالقَطْعِ والصَّلْبِ سَألُوا اللَّهَ تَعالى أنْ يَرْزُقَهُمُ الصَّبْرَ عَلى ما يَحُلُّ بِهِمْ إنْ حَلَّ، ولَيْسَ في هَذا السُّؤالِ ما يَدُلُّ عَلى وُقُوعِ هَذا المُوعَدِ بِهِمْ خِلافًا لِمَن قالَ يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ ولا في قَوْلِهِ: وتَوَفَّنا مُسْلِمِينَ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ لَمْ يَحُلَّ بِهِمُ المَوْعُودُ خِلافًا لِمَن قالَ يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ؛ لِأنَّهم سَألُوا اللَّهَ أنْ يَكُونَ تَوَفِّيهِمْ مِن جِهَتِهِ لا بِهَذا القَطْعِ والقَتْلِ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى جُمْلَةِ ﴿رَبَّنا أفْرِغْ عَلَيْنا صَبْرًا﴾ سَألُوا المَوْتَ عَلى الإسْلامِ وهو الِانْقِيادُ إلى دِينِ اللَّهِ وما أمَرَ بِهِ. ﴿وقالَ المَلَأُ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ أتَذَرُ مُوسى وقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا في الأرْضِ ويَذَرَكَ وآلِهَتَكَ﴾ [الأعراف: ١٢٧] . (p-٣٦٧)قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَمّا آمَنَتِ السَّحَرَةُ اتَّبَعَ مُوسى سِتُّمِائَةِ ألْفٍ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، قالَ مُقاتِلٌ: ومَكَثَ مُوسى بِمِصْرَ بَعْدَ إيمانِ السَّحَرَةِ عامًا، أوْ نَحْوَهُ يُرِيهِمُ الآياتِ، وتَضَمَّنُ قَوْلُ المَلَأِ إغْراءَ فِرْعَوْنَ بِمُوسى وقَوْمِهِ وتَحْرِيضَهُ عَلى قَتْلِهِمْ وتَعْذِيبِهِمْ حَتّى لا يَكُونَ لَهم خُرُوجٌ عَنْ دِينِ فِرْعَوْنَ، ويَعْنِي بِقَوْمِهِ مَنِ اتَّبَعَهُ مِن بَنِي إسْرائِيلَ فَيَكُونُ الِاسْتِفْهامُ عَلى هَذا اسْتِفْهامَ إنْكارٍ وتَعَجُّبٍ، وقِيلَ: هو اسْتِخْبارٌ، والغَرَضُ بِهِ أنْ يَعْلَمُوا ما في قَلْبِ فِرْعَوْنَ مِن مُوسى ومَن آمَنَ بِهِ، قالَ مُقاتِلٌ: والإفْسادُ هو خَوْفُ أنْ يَقْتُلُوا أبْناءَ القِبْطِ ويَسْتَحْيُوا نِساءَهم عَلى سَبِيلِ المُقاصَّةِ مِنهم، كَما فَعَلُوا هم بِبَنِي إسْرائِيلَ، وقِيلَ: الإفْسادُ دُعاؤُهُمُ النّاسَ إلى مُخالَفَةِ فِرْعَوْنَ وتَرْكِ عِبادَتِهِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ (ويَذَرَكَ) بِالياءِ وفَتْحِ الرّاءِ عَطْفًا عَلى (لِيُفْسِدُوا)، أيْ: لِلْإفْسادِ ولِتَرْكِكَ وتَرْكِ آلِهَتِكَ، وكانَ التَّرْكُ هو لِذَلِكَ وبَدَءُوا أوَّلًا بِالعِلَّةِ العامَّةِ وهي الإفْسادُ، ثُمَّ اتَّبَعُوهُ بِالخاصَّةِ لِيَدُلُّوا عَلى أنَّ ذَلِكَ التَّرْكَ مِن فِرْعَوْنَ لِمُوسى وقَوْمِهِ هو أيْضًا يَئُولُ إلى شَيْءٍ يَخْتَصُّ بِفِرْعَوْنَ قَدَحُوا بِذَلِكَ زَنْدَ تَغَيُّظِهِ عَلى مُوسى وقَوْمِهِ لِيَكُونَ ذَلِكَ أبْقى عَلَيْهِمْ إذْ هُمُ الأشْرافُ، وبِتَرْكِ مُوسى وقَوْمِهِ بِمِصْرَ يَذْهَبُ مُلْكُهم وشَرَفُهم، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ النُّصْبُ عَلى جَوابِ الِاسْتِفْهامِ، والمَعْنى: أنّى يَكُونُ الجَمْعُ بَيْنَ تَرْكِكَ مُوسى وقَوْمَهُ لِلْإفْسادِ وبَيْنَ تَرْكِهِمْ إيّاكَ وعِبادَةِ آلِهَتِكَ، أيْ: إنَّ هَذا مِمّا لا يُمْكِنُ وُقُوعُهُ، وقَرَأ نُعَيْمُ بْنُ مَيْسَرَةَ، والحَسَنُ بِخِلافٍ عَنْهُ (ويَذَرُكَ) بِالرَّفْعِ عَطْفًا عَلى (أتَذَرُ)، بِمَعْنى أتَذَرُهُ ويَذَرُكَ، أيْ: أتُطْلِقُ لَهُ ذَلِكَ، أوْ عَلى الِاسْتِئْنافِ، أوْ عَلى الحالِ عَلى تَقْدِيرِ وهو يَذَرُكَ، وقَرَأ الأشْهَبُ العُقَيْلِيُّ، والحَسَنُ بِخِلافٍ عَنْهُ (ويَذَرْكَ) بِالجَزْمِ عَطْفًا عَلى التَّوَهُّمِ كَأنَّهُ تَوَهَّمَ النُّطْقَ يُفْسِدُوا جَزْمًا عَلى جَوابِ الِاسْتِفْهامِ كَما قالَ: ﴿فَأصَّدَّقَ وأكُنْ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ [المنافقون: ١٠]، أوْ عَلى التَّخْفِيفِ مِن (ويَذَرَكَ)، وقَرَأ أنَسُ بْنُ مالِكٍ (ونَذَرُكَ) بِالنُّونِ ورَفْعِ الرّاءِ، تَوَعَّدُوهُ بِتَرْكِهِ وتَرْكِ آلِهَتِهِ، أوْ عَلى مَعْنى الإخْبارِ، أيْ: إنَّ الأمْرَ يَئُولُ إلى هَذا، وقَرَأ أُبَيٌّ وعَبْدُ اللَّهِ: (في الأرْضِ)، وقَدْ تَرَكُوكَ أنْ يَعْبُدُوكَ (وآلِهَتَكَ)، وقَرَأ الأعْمَشُ، وقَدْ تَرَكَكَ وآلِهَتَكَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ (وآلِهَتَكَ) عَلى الجَمْعِ، والظّاهِرُ أنَّ فِرْعَوْنَ كانَ لَهُ آلِهَةٌ يَعْبُدُها، وقالَ سُلَيْمانُ التَّيْمِيُّ: بَلَغَنِي أنَّهُ كانَ يَعْبُدُ البَقَرَ، وقِيلَ: كانَ يَعْبُدُ حَجَرًا يُعَلِّقُهُ في صَدْرِهِ كَياقُوتَةٍ، أوْ نَحْوِها، وقِيلَ: الإضافَةُ هي عَلى مَعْنى أنَّهُ شَرَعَ لَهم عِبادَةَ آلِهَةٍ مِن بَقَرٍ وأصْنامٍ وغَيْرِ ذَلِكَ وجَعَلَ نَفْسَهُ الإلَهَ الأعْلى، فَقَوْلُهُ عَلى هَذا ﴿أنا رَبُّكُمُ الأعْلى﴾ [النازعات: ٢٤] إنَّما هو بِمُناسَبَةٍ بَيْنَهُ وبَيْنَ سِواهُ مِنَ المَعْبُوداتِ، قِيلَ: كانُوا قِبْطًا يَعْبُدُونَ الكَواكِبَ ويَزْعُمُونَ أنَّها تَسْتَجِيبُ دُعاءَ مَن دَعاها، وفِرْعَوْنُ كانَ يَدَّعِي أنَّ الشَّمْسَ اسْتَجابَتْ لَهُ ومَلَّكَتْهُ عَلَيْهِمْ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وعَلِيٌّ، وابْنُ عَبّاسٍ، وأنَسٌ وجَماعَةٌ غَيْرُهم: (وإلَهَتَكَ) وفَسَّرُوا ذَلِكَ بِأمْرَيْنِ أحَدِهِما: أنَّ المَعْنى وعِبادَتَكَ، فَيَكُونُ إذْ ذاكَ مَصْدَرًا، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانَ فِرْعَوْنُ يُعْبَدُ ولا يَعْبُدُ، والثّانِي: أنَّ المَعْنى ومَعْبُودَكَ وهي الشَّمْسُ الَّتِي كانَ يَعْبُدُها، والشَّمْسُ تُسَمّى إلَهَةً عَلَمًا عَلَيْها مَمْنُوعَةَ الصَّرْفِ.

الأعراف 7:127

﴿قالَ سَنُقَتِّلُ أبْناءَهم ونَسْتَحْيِي نِساءَهم وإنّا فَوْقَهم قاهِرُونَ﴾ وإنَّما لَمْ يُعاجِلْ مُوسى وقَوْمَهُ بِالقِتالِ؛ لِأنَّهُ كانَ مَلِيءٌ مِن مُوسى رُعْبًا، والمَعْنى: أنَّهُ قالَ سَنُعِيدُ عَلَيْهِمْ ما كُنّا فَعَلْنا بِهِمْ قَبْلُ مِن قَتْلِ أبْنائِهِمْ لِيَقِلَّ رَهْطُهُ الَّذِينَ يَقَعُ الإفْسادُ بِواسِطَتِهِمْ، والفَوْقِيَّةُ هُنا بِالمَنزِلَةِ والتَّمَكُّنِ في الدُّنْيا و(قاهِرُونَ) يَقْتَضِي تَحْقِيرَهم، أيْ: قاهِرُونَ لَهم قَهْرًا أقَلَّ مِن أنْ نَهْتَمَّ بِهِ فَنَحْنُ عَلى ما كُنّا عَلَيْهِ مِنَ الغَلَبَةِ، أوْ أنَّ غَلَبَةَ مُوسى لا أثَرَ لَها في مُلْكِنا واسْتِيلائِنا، ولِئَلّا يَتَوَهَّمُ العامَّةُ أنَّهُ المَوْلُودُ الَّذِي تَحَدَّثَ المُنَجِّمُونَ عَنْهُ، والكَهَنَةُ بِذَهابِ مُلْكِنا عَلى يَدِهِ فَيُثَبِّطُهم ذَلِكَ عَنْ طاعَتِنا ويَدْعُوهم إلى اتِّباعِهِ وإنَّهُ مُنْتَظَرٌ بَعْدُ وشَدَّدَ (سَنُقَتِّلُ)، (ويُقَتِّلُونَ) الكُوفِيُّونَ (p-٣٦٨)والعَرَبِيّانِ، وخَفَّفَهُما نافِعٌ وخَفَّفَ ابْنُ كَثِيرٍ (سَنَقْتُلُ) وشَدَّدَ (ويُقَتِّلُونَ) . ﴿قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ واصْبِرُوا﴾ لَمّا تَوَعَّدَهم فِرْعَوْنُ جَزِعُوا وتَضَجَّرُوا فَسَكَّنَهم مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - وأمَرَهم بِالِاسْتِعانَةِ بِاللَّهِ وبِالصَّبْرِ وسَلّاهم ووَعَدَهُمُ النَّصْرَ، وذَكَّرَهم ما وعَدَ اللَّهُ بَنِي إسْرائِيلَ مِن إهْلاكِ القِبْطِ وتَوْرِيثِهِمْ أرْضَهم ودِيارَهم. ﴿إنَّ الأرْضَ لِلَّهِ يُورِثُها مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ﴾ . أيْ: أرْضُ مِصْرَ وألْ فِيهِ لِلْعَهْدِ، وهي الأرْضُ الَّتِي كانُوا فِيها، وقِيلَ: الأرْضُ أرْضُ الدُّنْيا، فَهي عَلى العُمُومِ، وقِيلَ: المُرادُ أرْضُ الجَنَّةِ لِقَوْلِهِ: ﴿وأوْرَثَنا الأرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ﴾ [الزمر: ٧٤] وتَعَدّى ﴿اسْتَعِينُوا﴾ هُنا بِالباءِ، وفي ﴿وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥] بِنَفْسِهِ، وجاءَ: اللَّهُمَّ إنّا نَسْتَعِينُكَ. ﴿والعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ قِيلَ: النَّصْرُ والظَّفَرُ، وقِيلَ: الدّارُ الآخِرَةُ، وقِيلَ: السَّعادَةُ والشَّهادَةُ، وقِيلَ: الجَنَّةُ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الخاتِمَةُ المَحْمُودَةُ ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾ مِنهم ومِنَ القِبْطِ وإنَّ المَشِيئَةَ مُتَناوِلَةٌ لَهم. انْتَهى. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ ﴿يُورِثُها﴾ بِفَتْحِ الرّاءِ، وقَرَأ الحَسَنُ ﴿يُورِثُها﴾ بِتَشْدِيدِ الرّاءِ عَلى المُبالَغَةِ ورُوِيَتْ عَنْ حَفْصٍ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأُبَيٌّ (والعاقِبَةَ) بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلى (أنَّ الأرْضَ) وفي وعْدِ مُوسى تَبْشِيرٌ لِقَوْمِهِ بِالنَّصْرِ وحُسْنِ الخاتِمَةِ، ونَتِيجَةُ طَلَبِ الإعانَةِ تَوْرِيثُ الأرْضِ لَهم، ونَتِيجَةُ الصَّبْرِ العاقِبَةُ المَحْمُودَةُ والنَّصْرُ عَلى مَن عاداهم، فَلِذَلِكَ كانَ الأمْرُ بِشَيْئَيْنِ يَنْتِجُ عَنْهُما شَيْئانِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: لِمَ أُخْلِيتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ عَنِ الواوِ وأُدْخِلَتْ عَلى الَّذِي قَبْلَها ؟ قُلْتُ: هي جُمْلَةٌ مُبْتَدَأةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ، وأمّا ﴿وقالَ المَلَأُ﴾ فَمَعْطُوفَةٌ عَلى ما سَبَقَها مِن قَوْلِهِ: ﴿قالَ المَلَأُ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ﴾ [الأعراف: ١٠٩] . انْتَهى.

الأعراف 7:128

﴿قالَ سَنُقَتِّلُ أبْناءَهم ونَسْتَحْيِي نِساءَهم وإنّا فَوْقَهم قاهِرُونَ﴾ وإنَّما لَمْ يُعاجِلْ مُوسى وقَوْمَهُ بِالقِتالِ؛ لِأنَّهُ كانَ مَلِيءٌ مِن مُوسى رُعْبًا، والمَعْنى: أنَّهُ قالَ سَنُعِيدُ عَلَيْهِمْ ما كُنّا فَعَلْنا بِهِمْ قَبْلُ مِن قَتْلِ أبْنائِهِمْ لِيَقِلَّ رَهْطُهُ الَّذِينَ يَقَعُ الإفْسادُ بِواسِطَتِهِمْ، والفَوْقِيَّةُ هُنا بِالمَنزِلَةِ والتَّمَكُّنِ في الدُّنْيا و(قاهِرُونَ) يَقْتَضِي تَحْقِيرَهم، أيْ: قاهِرُونَ لَهم قَهْرًا أقَلَّ مِن أنْ نَهْتَمَّ بِهِ فَنَحْنُ عَلى ما كُنّا عَلَيْهِ مِنَ الغَلَبَةِ، أوْ أنَّ غَلَبَةَ مُوسى لا أثَرَ لَها في مُلْكِنا واسْتِيلائِنا، ولِئَلّا يَتَوَهَّمُ العامَّةُ أنَّهُ المَوْلُودُ الَّذِي تَحَدَّثَ المُنَجِّمُونَ عَنْهُ، والكَهَنَةُ بِذَهابِ مُلْكِنا عَلى يَدِهِ فَيُثَبِّطُهم ذَلِكَ عَنْ طاعَتِنا ويَدْعُوهم إلى اتِّباعِهِ وإنَّهُ مُنْتَظَرٌ بَعْدُ وشَدَّدَ (سَنُقَتِّلُ)، (ويُقَتِّلُونَ) الكُوفِيُّونَ (p-٣٦٨)والعَرَبِيّانِ، وخَفَّفَهُما نافِعٌ وخَفَّفَ ابْنُ كَثِيرٍ (سَنَقْتُلُ) وشَدَّدَ (ويُقَتِّلُونَ) . ﴿قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ واصْبِرُوا﴾ لَمّا تَوَعَّدَهم فِرْعَوْنُ جَزِعُوا وتَضَجَّرُوا فَسَكَّنَهم مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - وأمَرَهم بِالِاسْتِعانَةِ بِاللَّهِ وبِالصَّبْرِ وسَلّاهم ووَعَدَهُمُ النَّصْرَ، وذَكَّرَهم ما وعَدَ اللَّهُ بَنِي إسْرائِيلَ مِن إهْلاكِ القِبْطِ وتَوْرِيثِهِمْ أرْضَهم ودِيارَهم. ﴿إنَّ الأرْضَ لِلَّهِ يُورِثُها مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ﴾ . أيْ: أرْضُ مِصْرَ وألْ فِيهِ لِلْعَهْدِ، وهي الأرْضُ الَّتِي كانُوا فِيها، وقِيلَ: الأرْضُ أرْضُ الدُّنْيا، فَهي عَلى العُمُومِ، وقِيلَ: المُرادُ أرْضُ الجَنَّةِ لِقَوْلِهِ: ﴿وأوْرَثَنا الأرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ﴾ [الزمر: ٧٤] وتَعَدّى ﴿اسْتَعِينُوا﴾ هُنا بِالباءِ، وفي ﴿وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥] بِنَفْسِهِ، وجاءَ: اللَّهُمَّ إنّا نَسْتَعِينُكَ. ﴿والعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ قِيلَ: النَّصْرُ والظَّفَرُ، وقِيلَ: الدّارُ الآخِرَةُ، وقِيلَ: السَّعادَةُ والشَّهادَةُ، وقِيلَ: الجَنَّةُ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الخاتِمَةُ المَحْمُودَةُ ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾ مِنهم ومِنَ القِبْطِ وإنَّ المَشِيئَةَ مُتَناوِلَةٌ لَهم. انْتَهى. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ ﴿يُورِثُها﴾ بِفَتْحِ الرّاءِ، وقَرَأ الحَسَنُ ﴿يُورِثُها﴾ بِتَشْدِيدِ الرّاءِ عَلى المُبالَغَةِ ورُوِيَتْ عَنْ حَفْصٍ، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وأُبَيٌّ (والعاقِبَةَ) بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلى (أنَّ الأرْضَ) وفي وعْدِ مُوسى تَبْشِيرٌ لِقَوْمِهِ بِالنَّصْرِ وحُسْنِ الخاتِمَةِ، ونَتِيجَةُ طَلَبِ الإعانَةِ تَوْرِيثُ الأرْضِ لَهم، ونَتِيجَةُ الصَّبْرِ العاقِبَةُ المَحْمُودَةُ والنَّصْرُ عَلى مَن عاداهم، فَلِذَلِكَ كانَ الأمْرُ بِشَيْئَيْنِ يَنْتِجُ عَنْهُما شَيْئانِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: لِمَ أُخْلِيتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ عَنِ الواوِ وأُدْخِلَتْ عَلى الَّذِي قَبْلَها ؟ قُلْتُ: هي جُمْلَةٌ مُبْتَدَأةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ، وأمّا ﴿وقالَ المَلَأُ﴾ فَمَعْطُوفَةٌ عَلى ما سَبَقَها مِن قَوْلِهِ: ﴿قالَ المَلَأُ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ﴾ [الأعراف: ١٠٩] . انْتَهى.

الأعراف 7:129

﴿قالُوا أُوذِينا مِن قَبْلِ أنْ تَأْتِيَنا ومِن بَعْدِ ما جِئْتَنا﴾، أيْ: بِابْتِلائِنا بِذَبْحِ أبْنائِنا مَخافَةَ ما كانَ يَتَوَقَّعُ فِرْعَوْنُ مِن هَلاكِ مُلْكِهِ عَلى يَدِ المَوْلُودِ الَّذِي يُولَدُ مِنّا ﴿مِن قَبْلِ أنْ تَأْتِيَنا﴾، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مِن قَبْلِ مَوْلِدِ مُوسى إلى أنِ اسْتَنْبَأ ﴿ومِن بَعْدِ ما جِئْتَنا﴾ إعادَةُ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ. قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وزادَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وما كانُوا يُسْتَعْبَدُونَ ويُمْتَهَنُونَ فِيهِ مِن أنْواعِ الخَدَمِ والمِهَنِ ويُمَسُّونَ بِهِ مِنَ العَذابِ. انْتَهى. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والَّذِي مِن بَعْدِ مَجِيئِهِ يَعْنُونَ بِهِ وعِيدَ فِرْعَوْنَ وسائِرَ ما كانَ خِلالَ تِلْكَ المُدَّةِ مِنَ الإخافَةِ لَهم، وقالَ الحَسَنُ: بِأخْذِ الجِزْيَةِ مِنهم قَبْلَ بَعْثِ مُوسى إلَيْهِمْ وبَعْدَ بَعْثِهِ ما زادَ عَلى ذَلِكَ، وقالَ الكَلْبِيُّ: كانُوا يَضْرِبُونَ لَهُ اللَّبِنَ ويُعْطِيهِمُ التِّبْنَ، فَلَمّا جاءَ مُوسى غَرَّمَهُمُ التِّبْنَ، وكانَ النِّساءُ يَغْزِلْنَ لَهُ الكَتّانَ ويَنْسِجْنَهُ، وقالَ جَرِيرٌ: اسْتَسْخَرَهم مِن قَبْلِ إتْيانِ مُوسى في أوَّلِ النَّهارِ إلى نِصْفِ النَّهارِ فَلَمّا جاءَ مُوسى اسْتَسْخَرَهُمُ النَّهارَ كُلَّهُ بِلا طَعامٍ ولا شَرابٍ، وقالَ عَلِيُّ بْنُ عِيسى مِن قَبْلِ بِالِاسْتِعْبادِ وقَتْلِ الأوْلادِ ومِن بَعْدُ بِالتَّهْدِيدِ والإبْعادِ، ورُوِيَ مِثْلُهُ عَنْ عِكْرِمَةَ، وقِيلَ: مِن قَبْلِ أنْ تَأْتِيَنا بِعَهْدِ اللَّهِ بِالخَلاصِ ﴿ومِن بَعْدِ ما جِئْتَنا﴾ بِهِ قالُوهُ في مَعْرِضِ الشَّكْوى مِن فِرْعَوْنَ واسْتِعانَةً عَلَيْهِ بِمُوسى، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، والسُّدِّيُّ: قالُوا ذَلِكَ حِينَ اتَّبَعَهم واضْطَرَّهم إلى البَحْرِ فَضاقَتْ صُدُورُهم ورَأوْا بَحْرًا أمامَهم وعَدُوًّا كَثِيفًا وراءَهم لَمّا أسْرى بِهِمْ مُوسى حَتّى هَجَمُوا عَلى البَحْرِ التَفَتُوا فَإذا هم بِرَهْجِ دَوابِّ فِرْعَوْنَ، فَقالُوا هَذِهِ المَقالَةَ وقالُوا هَذا البَحْرُ أمامَنا، وهَذا فِرْعَوْنُ وراءَنا قَدْ رَهِقَنا بِمَن مَعَهُ. انْتَهى. وهَذا القَوْلُ فِيهِ بُعْدٌ، وسِياقُ الآياتِ يَدُلُّ عَلى التَّرْتِيبِ، وقَدْ جاءَ بَعْدَ هَذِهِ ﴿ولَقَدْ أخَذْنا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ﴾ [الأعراف: ١٣٠]، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهو كَلامٌ يَجْرِي عَلى المَعْهُودِ مِن بَنِي إسْرائِيلَ مِنِ اضْطِرابِهِمْ عَلى أنْبِيائِهِمْ وقِلَّةِ يَقِينِهِمْ وصَبْرِهِمْ عَلى الدِّينِ. انْتَهى. قِيلَ: ولا يَدُلُّ قَوْلُهم ذَلِكَ عَلى كَراهَةِ مَجِيءِ مُوسى؛ لِأنَّ ذَلِكَ يُؤَدِّي إلى الكُفْرِ وإنَّما قالُوهُ؛ لِأنَّهُ كانَ وعَدَهم بِزَوالِ المَضارِّ، فَظَنُّوا أنَّها نُزُولٌ عَلى الفَوْرِ، فَقَوْلُهم ذَلِكَ اسْتِعْطافٌ لا نَفْرَةٌ. * * ﴿قالَ عَسى رَبُّكم أنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكم ويَسْتَخْلِفَكم في الأرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ (p-٣٦٩)هَذا رَجاءٌ مِن نَبِيِّ اللَّهِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ -، ومِثْلُهُ مِنَ الأنْبِياءِ يُقَوِّي قُلُوبَ أتْباعِهِمْ فَيَصْبِرُونَ إلى وُقُوعِ مُتَعَلِّقِ الرَّجاءِ، ولا تَنافِيَ بَيْنَ هَذا الرَّجاءِ وبَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿والعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الأعراف: ١٢٨] مِن حَيْثُ إنَّ الرَّجاءَ غَيْرُ مَقْطُوعٍ بِحُصُولِ مُتَعَلِّقِهِ، والإخْبارُ بِأنَّ العاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ واقِعٌ لا مَحالَةَ؛ لِأنَّ العاقِبَةَ إنْ كانَتْ في الآخِرَةِ فَظاهِرٌ جِدًّا عَدَمُ التَّنافِي، وإنْ كانَتْ في الدُّنْيا فَلَيْسَ فِيها تَصْرِيحٌ بِعاقِبَةِ هَؤُلاءِ القَوْمِ المَخْصُوصِينَ، فَسَلَكَ مُوسى طَرِيقَ الأدَبِ مَعَ اللَّهِ وساقَ الكَلامَ مَساقَ الرَّجاءِ، وقالَ التِّبْرِيزِيُّ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ قَدْ أوْحى بِذَلِكَ إلى مُوسى فَعَسى لِلتَّحْقِيقِ، أوْ لَمْ يُوحِ فَيَكُونُ عَلى التَّرَجِّي مِنهُ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: تَصْرِيحٌ بِما رَمَزَ إلَيْهِ مِنَ البِشارَةِ قَبْلُ، وكَشْفٌ عَنْهُ، وهو إهْلاكُ فِرْعَوْنَ واسْتِخْلافُهم بَعْدَهُ في أرْضِ مِصْرَ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: واسْتِعْطافُ مُوسى لَهم بِقَوْلِهِ: ﴿عَسى رَبُّكم أنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ﴾ ووَعْدُهُ لَهم بِالِاسْتِخْلافِ في الأرْضِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ يَسْتَدْعِي نُفُوسًا نافِرَةً، ويُقَوِّي هَذا الظَّنَّ في جِهَةِ بَنِي إسْرائِيلَ، وسُلُوكُهم هَذا السَّبِيلَ في غَيْرِ قِصَّةٍ، والأرْضِ هُنا أرْضُ مِصْرَ. قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَدْ حَقَّقَ اللَّهُ هَذا الرَّجاءِ بِوُقُوعِ مُتَعَلِّقِهِ فَأغْرَقَ فِرْعَوْنَ ومَلَّكَهم مِصْرَ وماتَ داوُدُ وسُلَيْمانُ، وقِيلَ: أرْضُ الشّامِ فَقَدْ فَتَحُوا بَيْتَ المَقْدِسِ مَعَ يُوشَعَ ومَلَكُوا الشّامَ وماتَ داوُدُ وسُلَيْمانَ، ومَعْنى ﴿فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾، أيْ: في اسْتِخْلافِكم مِنَ الإصْلاحِ والإفْسادِ، وهي جُمْلَةٌ تَجْرِي مَجْرى البَعْثِ والتَّحْرِيضِ عَلى طاعَةِ اللَّهِ تَعالى وفي الحَدِيثِ: «إنَّ الدُّنْيا حُلْوَةٌ خَضِرَةٌ، وإنَّ اللَّهَ مُسْتَخْلِفُكم فِيها فَناظِرٌ كَيْفَ تَعْمَلُونَ»، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَيَرى الكائِنَ مِنكم مِنَ العَمَلِ حَسَنِهِ وقَبِيحِهِ وشُكْرِ النِّعْمَةِ وكُفْرانِها لِيُجازِيَكم عَلى حَسَبِ ما يُوجَدُ مِنكم. انْتَهى. وفِيهِ تَلْوِيحُ الِاعْتِزالِ. ودَخَلَ عَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ وهو أحَدُ كِبارِ المُعْتَزِلَةِ وزُهّادِهِمْ عَلى المَنصُورِ ثانِي خُلَفاءِ بَنِي العَبّاسِ قَبْلَ الخِلافَةِ وعَلى مائِدَتِهِ رَغِيفٌ، أوْ رَغِيفانِ، وطَلَبَ زِيادَةً لِعَمْرٍو فَلَمْ تُوجَدْ فَقَرَأ عَمْرٌو هَذِهِ الآيَةَ، ثُمَّ دَخَلَ عَلَيْهِ بَعْدَ ما اسْتَخْلَفَ، فَذَكَرَ لَهُ ذَلِكَ، وقالَ: قَدْ بَقِيَ ﴿فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ .

الأعراف 7:130

﴿ولَقَدْ أخَذْنا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ ونَقْصٍ مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهم يَذَّكَّرُونَ﴾ الأخْذُ: التَّناوُلُ بِاليَدِ ومَعْناهُ هُنا الِابْتِلاءُ في المُدَّةِ الَّتِي كانَ أقامَ بَيْنَهم مُوسى يَدْعُوهم إلى اللَّهِ، ومَعْنى بِالسِّنِينَ: بِالقُحُوطِ والجُدُوبِ، والسَّنَةُ تُطْلَقُ عَلى الحَوْلِ وتُطْلَقُ عَلى الجَدْبِ ضِدُّ الخِصْبِ وبِهَذا المَعْنى تَكُونُ مِنَ الأسْماءِ الغالِبَةِ كالنَّجْمِ والدَّبَرانِ، وقَدِ اشْتَقُّوا مِنها بِهَذا المَعْنى فَقالُوا أسْنَتَ القَوْمُ إذا أجْدَبُوا، ومِنهُ قَوْلُهُ: ؎ورِجالُ مَكَّةَ مُسْنِتُونَ عِجافُ وقالَ حاتِمٌ: ؎فَإنّا نُهِينُ المالَ مِن غَيْرِ ضِنَّةٍ ∗∗∗ ولا يَشْتَكِينا في السِّنِينَ ضَرِيرُها وفِي سِنِينَ لُغَتانِ أشْهُرُهُما إعْرابُها بِالواوِ رَفْعًا والياءِ جَرًّا ونَصْبًا، وقَدْ تَكَلَّفَ النُّحاةُ عِلَّةً لِكَوْنِها جُمِعَتْ هَذا الجَمْعَ، والأُخْرى جَعْلُ الإعْرابِ في النُّونِ والتِزامُ الياءِ في الأحْوالِ الثَّلاثَةِ، نَقَلَها أبُو زَيْدٍ والفَرّاءُ، وقالَ الفَرّاءُ: هي في هَذِهِ اللُّغَةِ مَصْرُوفَةٌ عِنْدَ بَنِي عامِرٍ، وغَيْرُ مَصْرُوفَةٍ عِنْدَ غَيْرِهِمْ، والكَلامُ عَلى ذَلِكَ أمْعَنُ في كُتُبِ النَّحْوِ، وكانَ هَذا الجَدَبُ سَبْعَ سِنِينَ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ: أمّا السُّنُونَ فَكانَتْ لِبادِيَتِهِمْ ومَواشِيهِمْ، وأمّا نَقْصُ الثَّمَراتِ فَكانَ في أمْصارِهِمْ وهَذِهِ سِيرَةُ اللَّهِ في الأُمَمِ يَبْتَلِيها بِالنِّقَمِ لِيَزْدَجِرُوا ويَتَذَكَّرُوا بِذَلِكَ ما كانُوا فِيهِ مِنَ النِّعَمِ، فَإنَّ الشِّدَّةَ تَجْلِبُ الإنابَةَ والخَشْيَةَ ورِقَّةَ القَلْبِ والرُّجُوعَ إلى طَلَبِ لُطْفِ اللَّهِ وإحْسانِهِ، وكَذا فَعَلَ بِقُرَيْشٍ حِينَ دَعا عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «اللَّهُمَّ اجْعَلْها عَلَيْهِمْ سِنِينَ كَسِنِي يُوسُفَ» . ورُوِيَ أنَّهُ يَبِسَ لَهم كُلُّ شَيْءٍ حَتّى نِيلُ مِصْرَ، ونُقِصُوا مِنَ الثَّمَراتِ حَتّى كانَتِ النَّخْلَةُ تَحْمِلُ الثَّمَرَةَ الواحِدَةَ، ومَعْنى ﴿لَعَلَّهم يَذَّكَّرُونَ﴾ رَجاءٌ لِتَذَكُّرِهم وتَنَبُّهِهِمْ عَلى أنَّ ذَلِكَ الِابْتِلاءَ إنَّما هو لِإصْرارِهِمْ عَلى الكُفْرِ وتَكْذِيبِهِمْ بِآياتِ اللَّهِ فَيَزْدَجِرُوا.

الأعراف 7:131

(p-٣٧٠)﴿فَإذا جاءَتْهُمُ الحَسَنَةُ قالُوا لَنا هَذِهِ وإنْ تُصِبْهم سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسى ومَن مَعَهُ﴾ ابْتُلُوا بِالجَدْبِ ونَقْصِ الثَّمَراتِ رَجاءَ التَّذْكِيرِ فَلَمْ يَقَعِ المَرْجُوُّ وصارُوا إذا أخْصَبُوا وصَحُّوا قالُوا: نَحْنُ أحِقّاءُ بِذَلِكَ، وإذا أصابَهم ما يَسُوءُهم تَشاءَمُوا بِمُوسى وزَعَمُوا أنَّ ذَلِكَ بِسَبَبِهِ، واللّامُ في (لَنا) قِيلَ لِلِاسْتِحْقاقِ كَما تَقُولُ السَّرْجُ لِلْفَرَسِ وتَشاؤُمُهم بِمُوسى ومَن مَعَهُ مَعْناهُ أنَّهُ لَوْلا كَوْنُهم فِينا لَمْ يُصِبْنا كَما قالَ الكُفّارُ لِلرَّسُولِ - عَلَيْهِ السَّلامُ - هَذِهِ مِن عِنْدِكَ في قَوْلِهِ: ﴿وإنْ تُصِبْهم سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِن عِنْدِكَ﴾ [النساء: ٧٨] وأتى الشَّرْطُ بِإذا في مَجِيءِ الحَسَنَةِ وهي لِما تَيَقَّنَ وُجُودُهُ؛ لِأنَّ إحْسانَ اللَّهِ هو المَعْهُودُ الواسِعُ العامُّ لِخَلْقِهِ بِحَيْثُ إنَّ إحْسانَهُ لِخَلْقِهِ عامٌّ حَتّى في حالِ الِابْتِلاءِ، وأتى الشَّرْطُ بِإنْ في إصابَةِ السَّيِّئَةِ وهي لِلْمُمْكِنِ إبْرازًا أنَّ إصابَةَ السَّيِّئَةِ مِمّا قَدْ يَقَعُ، وقَدْ لا يَقَعُ، وجْهُهُ رَحْمَةُ اللَّهِ أوْسَعُ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ قِيلَ ﴿فَإذا جاءَتْهُمُ الحَسَنَةُ﴾ بِإذا وتَعْرِيفِ الحَسَنَةِ ﴿وإنْ تُصِبْهم سَيِّئَةٌ﴾ بِإنْ وتَنْكِيرِ السَّيِّئَةِ قُلْتُ: لِأنَّ جِنْسَ الحَسَنَةِ وُقُوعُهُ كالواجِبِ لِكَثْرَتِهِ واتِّساعِهِ، وأمّا السَّيِّئَةُ فَلا تَقَعُ إلّا في النُّدْرَةِ، ولا يَقَعُ إلّا يَسِيرٌ مِنها ومِنهُ قَوْلُ بَعْضِهِمْ: وقَدْ عَدَدْتَ أيّامَ البَلاءِ فَهَلّا عَدَدْتَ أيّامَ الرَّخاءِ. انْتَهى. وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ، وطَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: تَطَيَّرُوا بِالتّاءِ وتَخْفِيفِ الطّاءِ فِعْلًا ماضِيًا، وهو جَوابُ ﴿وإنْ تُصِبْهُمْ﴾، وهَذا عِنْدَ سِيبَوَيْهِ مَخْصُوصٌ بِالشِّعْرِ أعْنِي أنْ يَكُونَ فِعْلُ الشَّرْطِ مُضارِعًا وفِعْلُ الجَزاءِ ماضِيَ اللَّفْظِ نَحْوَ قَوْلِ الشّاعِرِ: ؎مَن يَكِدْنِي بِسَيِّئٍ كُنْتُ مِنهُ كالشَّجى بَيْنَ حَلْقِهِ والوَرِيدِ وبَعْضُ النَّحْوِيِّينَ يُجَوِّزُهُ في الكَلامِ وما رُوِيَ مِن أنْ مُجاهِدًا قَرَأ تَشاءَمُوا مَكانَ تَطَيَّرُوا فَيَنْبَغِي أنْ يُحْمَلَ ذَلِكَ عَلى التَّفْسِيرِ لا عَلى أنَّهُ قُرْآنٌ لِمُخالَفَتِهِ سَوادَ المُصْحَفِ. * * ﴿ألا إنَّما طائِرُهم عِنْدَ اللَّهِ ولَكِنَّ أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: (طائِرُهم) ما يُصِيبُهم، أيْ: ما طارَ لَهم في القَدَرِ مِمّا هم لاقُوهُ، وهو مَأْخُوذٌ مِن زَجْرِ الطَّيْرِ، سُمِّيَ ما عِنْدَ اللَّهِ مِنَ القَدَرِ لِلْإنْسانِ طائِرًا لَمّا كانَ يُعْتَقَدُ أنَّ كُلَّ ما يُصِيبُهُ إنَّما هو بِحَسَبِ ما يَراهُ في الطّائِرِ فَهي لَفْظَةٌ مُسْتَعارَةٌ. قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أيْ: سَبَبُ خَيْرِهِمْ وشَرِّهِمْ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى وهو حُكْمُهُ ومَشِيئَتُهُ، واللَّهُ تَعالى هو الَّذِي يَشاءُ ما يُصِيبُهم مِنَ الحَسَنَةِ والسَّيِّئَةِ، ولَيْسَ شُؤْمُ أحَدِهِمْ ولا يُمْنُهُ بِسَبَبٍ فِيهِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ كُلٌّ مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ [النساء: ٧٨] ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْناهُ: ألا إنَّما سَبَبُ شُؤْمِهِمْ عِنْدَ اللَّهِ وهو عَمَلُهُمُ المَكْتُوبُ عِنْدَهُ يَجْرِي عَلَيْهِمْ ما يَسُوءُهم لِأجْلِهِ ويُعاقَبُونَ لَهُ بَعْدَ مَوْتِهِمْ بِما وعَدَهُمُ اللَّهُ تَعالى في قَوْلِهِ: ﴿النّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها﴾ [غافر: ٤٦] الآيَةَ ولا طائِرَ أشْأمُ مِن هَذا، وقَرَأ الحَسَنُ ألا إنَّما طَيْرُهم وحَكَمَ بِنَفْيِ العِلْمِ عَنْ أكْثَرِهِمْ؛ لِأنَّ القَلِيلَ مِنهم عَلِمَ كَمُؤْمِنِ آلِ فِرْعَوْنَ وآسِيَةَ امْرَأةِ فِرْعَوْنَ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنَّ كَوْنَ الضَّمِيرِ في طائِرِهِمْ لِضَمِيرِ العالَمِ، ويَجِيءُ تَخْصِيصُ الأكْثَرِ عَلى ظاهِرِهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ و﴿ولَكِنَّ أكْثَرَهُمْ﴾ لَيْسَ قَرِيبًا أنْ يُعْلَمَ لِانْغِمارِهِمْ في الجَهْلِ وعَلى هَذا فِيهِمْ قَلِيلٌ مُعَدٌّ لِأنْ يَعْلَمَ لَوْ وفَّقَهُ اللَّهُ. انْتَهى. وهُما احْتِمالانِ بَعِيدانِ وأبْعَدُ مِنهُ قَوْلُهُ: وإمّا أنْ يُرادَ الجَمْعُ وتَجُوزُ في العِبارَةِ.

الأعراف 7:132

﴿وقالُوا مَهْما تَأْتِنا بِهِ مِن آيَةٍ لِتَسْحَرَنا بِها فَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ (p-٣٧١)الضَّمِيرُ في (وقالُوا) عائِدٌ عَلى آلِ فِرْعَوْنَ لَمْ يَزِدْهُمُ الأخْذُ بِالجُدُوبِ ونَقْصِ الثَّمَراتِ إلّا طُغْيانًا وتَشَدُّدًا في كُفْرِهِمْ وتَكْذِيبِهِمْ، ولَمْ يَكْتَفُوا بِنِسْبَةِ ما يُصِيبُهم مِنَ السَّيِّئاتِ إلّا أنَّ ذَلِكَ بِسَبَبِ مُوسى ومَن مَعَهُ حَتّى واجَهُوهُ بِهَذا القَوْلِ الدّالِّ عَلى أنَّهُ لَوْ أتى بِما أتى مِنَ الآياتِ فَإنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِها، وأتَوْا بِمَهْما الَّتِي تَقْتَضِي العُمُومَ، ثُمَّ فَسَّرُوا بِآيَةٍ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِهْزاءِ في تَسْمِيَتِهِمْ ذَلِكَ آيَةً كَما قالُوا في قَوْلِهِ: ﴿إنّا قَتَلْنا المَسِيحَ عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ﴾ [النساء: ١٥٧] وتَسْمِيَتُهُ لَها بِآيَةٍ، أيْ: عَلى زَعْمِكَ ولِذَلِكَ عَلَّلُوا الإتْيانَ بِقَوْلِهِمْ ﴿لِتَسْحَرَنا بِها﴾ وبالَغُوا في انْتِفاءِ الإيمانِ بِأنْ صَدَّرُوا الجُمْلَةَ بِنَحْنُ وأدْخَلُوا الباءَ في (بِمُؤْمِنِينَ)، أيْ: إنَّ إيمانَنا لَكَ لا يَكُونُ أبَدًا (ومَهْما) مُرْتَفِعٌ بِالِابْتِداءِ، أوْ مُنْتَصِبٌ بِإضْمارِ فِعْلٍ يُفَسِّرُهُ فِعْلُ الشَّرْطِ، فَيَكُونُ مِن بابِ الِاشْتِغالِ، أيْ: أيُّ شَيْءٍ يَحْضُرُ تَأْتِنا بِهِ، والضَّمِيرُ في (بِهِ) عائِدٌ عَلى (مَهْما) وفي (بِها) عائِدٌ أيْضًا عَلى مَعْنى مَهْما؛ لِأنَّ المُرادَ بِهِ أيَّةُ آيَةٍ كَما عادَ عَلى ما في قَوْلِهِ: ﴿ما نَنْسَخْ مِن آيَةٍ أوْ نُنْسِها﴾ [البقرة: ١٠٦]، وكَما قالَ زُهَيْرٌ: ؎ومَهْما تَكُنْ عِنْدَ امْرِئٍ مِن خَلِيقَةٍ وإنْ خالَها تَخْفى عَلى النّاسِ تُعْلَمِ فَأنَّثَ عَلى المَعْنى، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وهَذِهِ الكَلِمَةُ في عِدادِ الكَلِماتِ الَّتِي يُحَرِّفُها مَن لا يَدَ لَهُ في عِلْمِ العَرَبِيَّةِ فَيَضَعُها غَيْرَ مَوْضِعِها ويَحْسَبُ مَهْما بِمَعْنى مَتى ما، ويَقُولُ مَهْما جِئْتَنِي أعْطَيْتُكَ، وهَذا مِن وضْعِهِ، ولَيْسَ مِن كَلامِ واضِعِ العَرَبِيَّةِ في شَيْءٍ، ثُمَّ يَذْهَبُ فَيُفَسِّرُ مَهْما تَأْتِنا بِهِ مِن آيَةٍ بِمَعْنى الوَقْتِ، فَيُلْحِدُ في آياتِ اللَّهِ تَعالى وهو لا يَشْعُرُ، وهَذا وأمْثالُهُ مِمّا يُوجِبُ الجُثُوَّ بَيْنَ يَدَيِ النّاظِرِ في كِتابِ سِيبَوَيْهِ. انْتَهى. وهَذا الَّذِي أنْكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ مِن أنَّ مَهْما لا تَأْتِي ظَرْفَ زَمانٍ، وقَدْ ذَهَبَ إلَيْهِ ابْنُ مالِكٍ ذَكَرَهُ في التَّسْهِيلِ وغَيْرِهِ مِن تَصانِيفِهِ إلّا أنَّهُ لَمْ يَقْصُرْ مَدْلُولُها عَلى أنَّها ظَرْفُ زَمانٍ، بَلْ قالَ: وقَدْ تَرِدُ ما ومَهْما ظَرْفَيْ زَمانٍ وقالَ في أُرْجُوزَتِهِ الطَّوِيلَةِ المُسَمّاةِ بِالشّافِيَةِ الكافِيَةِ: ؎، وقَدْ أتَتْ مَهْما وما ظَرْفَيْنِ في ∗∗∗ شَواهِدَ مَن يَعْتَضِدْ بِها كُفِي وقالَ في شَرْحِ هَذا البَيْتِ: جَمِيعُ النَّحْوِيِّينَ يَجْعَلُونَ ما ومَهْما مِثْلَ مِن في لُزُومِ التَّجَرُّدِ عَنِ الظَّرْفِ مَعَ أنَّ اسْتِعْمالَهُما ظَرْفَيْنِ ثابِتٌ في اسْتِعْمالِ الفُصَحاءِ مِنَ العَرَبِ، وأنْشَدَ أبْياتًا عَنِ العَرَبِ زَعَمَ مِنها أنَّ ما (p-٣٧٢)ومَهْما ظَرْفا زَمانٍ وكَفانا الرَّدَّ عَلَيْهِ فِيها ابْنُهُ الشَّيْخُ بَدْرُ الدِّينِ مُحَمَّدٌ، وقَدْ تَأوَّلْنا نَحْنُ بَعْضَها وذَكَرْنا ذَلِكَ في كِتابِ التَّكْمِيلِ لِشَرْحِ التَّسْهِيلِ مِن تَأْلِيفِنا، وكَفاهُ رَدًّا نَقْلُهُ عَنْ جَمِيعِ النَّحْوِيِّينَ خِلافَ ما قالَهُ لَكِنَّ مَن يُعانِي عِلْمًا يَحْتاجُ إلى مُثُولِهِ بَيْنَ يَدَيِ الشُّيُوخِ، وأمّا مَن فَسَّرَ مَهْما في الآيَةِ بِأنَّها ظَرْفُ زَمانٍ فَهو كَما قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ مُلْحِدٌ في آياتِ اللَّهِ، وأمّا قَوْلُ الزَّمَخْشَرِيِّ، وهَذا وأمْثالُهُ إلى آخِرِ كَلامِهِ فَهو يَدُلُّ عَلى أنَّهُ جَثا بَيْنَ يَدَيِ النّاظِرِ في كِتابِ سِيبَوَيْهِ، وذَلِكَ صَحِيحٌ، رَحَلَ مِن خُوارَزْمَ في شَيْبَتِهِ إلى مَكَّةَ شَرَّفَها اللَّهُ تَعالى لِقِراءَةِ كِتابِ سِيبَوَيْهِ عَلى رَجُلٍ مِن أصْحابِنا مِن أهْلِ جَزِيرَةِ الأنْدَلُسِ كانَ مُجاوِرًا بِمَكَّةَ وهو الشَّيْخُ الإمامُ العَلّامَةُ المُشاوِرُ أبُو بَكْرٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ طَلْحَةَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الأنْدَلُسِيُّ مِن أهْلِ بابَرَةَ مِن بِلادِ جَزِيرَةِ الأنْدَلُسِ، فَقَرَأ عَلَيْهِ الزَّمَخْشَرِيُّ جَمِيعَ كِتابِ سِيبَوَيْهِ وأخْبَرَهُ بِهِ قِراءَةً عَنِ الإمامِ الحافِظِ أبِي عَلِيٍّ الحُسَيْنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أحْمَدَ الغَسّانِيِّ الجَيّانِيِّ قالَ: قَرَأْتُهُ عَلى أبِي مَرْوانَ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ سِراجِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سِراجٍ القُرْطُبِيِّ قالَ: قَرَأْتُهُ عَلى أبِي القاسِمِ بْنِ الإفْلِيلِيِّ عَنْ أبِي عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدِ بْنِ عاصِمٍ العاصِمِيِّ عَنِ الرَّباحِيِّ بِسَنَدِهِ، ولِلزَّمَخْشَرِيِّ قَصِيدٌ يَمْدَحُ بِهِ سِيبَوَيْهِ وكِتابَهُ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ ناظِرٌ في كِتابِ سِيبَوَيْهِ بِخِلافِ ما كانَ يَعْتَقِدُ فِيهِ بَعْضُ أصْحابِنا مِن أنَّهُ إنَّما نَظَرَ في نُتَفٍ مِن كَلامِ أبِي عَلِيٍّ الفارِسِيِّ، وابْنِ جِنِّي، وقَدْ صَنَّفَ أبُو الحَجّاجِ يُوسُفُ بْنُ مَعْزُوزٍ كِتابًا في الرَّدِّ عَلى الزَّمَخْشَرِيِّ في كِتابِ المُفَصَّلِ والتَّنْبِيهِ عَلى أغْلاطِهِ الَّتِي خالَفَ فِيها إمامَ الصِّناعَةِ أبا بِشْرٍ عَمْرَو بْنَ عُثْمانَ سِيبَوَيْهِ رَحِمَ اللَّهُ جَمِيعَهم.

الأعراف 7:133

﴿فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الطُّوفانَ والجَرادَ والقُمَّلَ والضَّفادِعَ والدَّمَ آياتٍ مُفَصَّلاتٍ فاسْتَكْبَرُوا وكانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ﴾ قالَ الأخْفَشُ: الطُّوفانُ جَمْعُ طُوفانَةٍ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ وهو عِنْدُ الكُوفِيِّينَ مَصْدَرٌ كالرُّجْحانِ، وحَكى أبُو زَيْدٍ في مَصْدَرِ طافَ طَوْفًا وطَوافًا ولَمْ يَحْكِ طَوَفانًا، وعَلى تَقْدِيرِ كَوْنِهِ مَصْدَرًا فَلا يُرادُ بِهِ هُنا المَصْدَرُ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هو الماءُ المُغْرِقُ، وقالَ قَتادَةُ، والضَّحّاكُ، وابْنُ جُبَيْرٍ، وأبُو مالِكٍ ومُقاتِلٌ هو المَطَرُ أُرْسِلَ عَلَيْهِمْ دائِمًا اللَّيْلَ والنَّهارَ ثَمانِيَةَ أيّامٍ واخْتارَهُ الفَرّاءُ، وابْنُ قُتَيْبَةَ، وقِيلَ: ذَلِكَ مَعَ ظُلْمَةٍ شَدِيدَةٍ لا يَرَوْنَ شَمْسًا ولا قَمَرًا ولا يَقْدِرُ أحَدٌ أنْ يَخْرُجَ مِن دارِهِ. وقِيلَ: أُمْطِرُوا حَتّى كادُوا يَهْلِكُونَ وبُيُوتُ القِبْطِ وبَنِي إسْرائِيلَ مُشْتَبِكَةٌ فامْتَلَأتْ بُيُوتُ القِبْطِ ماءً حَتّى قامُوا فِيهِ إلى تَراقِيهِمْ فَمَن جَلَسَ غَرِقَ ولَمْ يَدْخُلْ بُيُوتَ بَنِي إسْرائِيلَ قَطْرَةٌ وفاضَ الماءُ عَلى وجْهِ أرْضِهِمْ ورَكَدَ فَمَنَعَهم مِنَ الحَرْثِ والبِناءِ والتَّصَرُّفِ ودامَ عَلَيْهِمْ سَبْعَةَ أيّامٍ، (p-٣٧٣)وقِيلَ: طَمَّ فَيْضُ النِّيلِ عَلَيْهِمْ حَتّى مَلَأ الأرْضَ سَهْلًا وجَبَلًا. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هو عامٌّ في كُلِّ شَيْءٍ يَطُوفُ إلّا أنَّ اسْتِعْمالَ العَرَبِ لَهُ أكْثَرُ في الماءِ والمَطَرِ الشَّدِيدِ. ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎غَيَّرَ الجِدَّةَ مِن عِرْفانِهِ خُرُقُ الرِّيحِ وطُوفانُ المَطَرِ وقالَ أبُو النَّجْمِ: ؎ومَدَّ طُوفانٌ مُبِيدٌ مَدَدًا ∗∗∗ شَهْرًا شَآبِيبَ وشَهْرًا بَرَدا وقالَ مُجاهِدٌ، وعَطاءٌ ووَهْبٌ، وابْنُ كَثِيرٍ: هو هُنا المَوْتُ الجارِفُ. ورَوَتْهُ عائِشَةٌ عَنِ الرَّسُولِ ﷺ ولَوْ صَحَّ وجَبَ المَصِيرُ إلَيْهِ، ونُقِلَ عَنْ مُجاهِدٍ ووَهْبٍ: إنَّهُ الطّاعُونُ بِلُغَةِ اليَمَنِ، وقالَ أبُو قَلابَةَ: هو الجُدَرِيُّ وهو أوَّلُ عَذابٍ وقَعَ فِيهِمْ فَبَقِيَ في الأرْضِ. وقِيلَ: هو عَذابٌ نَزَلَ مِنَ السَّماءِ فَطافَ بِهِمْ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ مُعَمًّى عُنِيَ بِهِ شَيْءٌ أطافَهُ اللَّهُ بِهِمْ فَقالُوا لِمُوسى: ادْعُ لَنا رَبَّكَ يَكْشِفْ عَنّا ونَحْنُ نُؤْمِنُ بِكَ فَدَعا فَرَفَعَ عَنْهم فَما آمَنُوا فَنَبَتَ لَهم في تِلْكَ السَّنَةِ مِنَ الكَلَأِ والزَّرْعِ ما لَمْ يُعْهَدْ مِثْلُهُ فَأقامُوا شَهْرًا فَبَعَثَ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمُ الجَرادَ فَأكَلَتْ عامَّةَ زَرْعِهِمْ وثِمارِهِمْ، ثُمَّ أكَلَتْ كُلَّ شَيْءٍ حَتّى الأبْوابَ وسُقُوفَ البُيُوتِ والثِّيابَ ولَمْ يَدْخُلْ بُيُوتَ بَنِي إسْرائِيلَ مِنها شَيْءٌ فَفَزِعُوا إلى مُوسى ووَعَدُوهُ التَّوْبَةَ فَكَشَفَ عَنْهم سَبْعَةَ أيّامٍ وخَرَجَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - إلى الفَضاءِ فَأشارَ بِعَصاهُ نَحْوَ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ فَرَجَعَ الجَرادُ إلى النَّواحِي الَّتِي جِئْنَ مِنها وقالُوا ما نَحْنُ بِتارِكِي دِينِنا فَأقامُوا شَهْرًا وسَلَّطَ عَلَيْهِمُ القُمَّلَ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، وعَطاءٌ: هو الدَّبا وهو صِغارُ الجَرادِ قَبْلَ أنْ تَنْبُتَ لَهُ أجْنِحَةٌ ولا يَطِيرُ، وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: هو السُّوسُ الَّذِي يَقَعُ في الحِنْطَةِ، وقالَ الحَسَنُ، وابْنُ جُبَيْرٍ: دَوابُّ سُودٌ صِغارٌ، وقالَ حَبِيبُ بْنُ أبِي ثابِتٍ: هو الجِعْلانُ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: هو الحَمْنانُ وهو ضَرْبٌ مِنَ القِرْدانِ، وقالَ عَطاءٌ الخُراسانِيُّ وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: هو القُمَّلُ المَعْرُوفُ وهو لُغَةٌ فِيهِ ويُؤَيِّدُهُ قِراءَةُ الحَسَنِ بِفَتْحِ القافِ وسُكُونِ المِيمِ، وقِيلَ: هو البَراغِيثُ حَكاهُ ابْنُ زَيْدٍ، ورُوِيَ أنَّ مُوسى مَشى إلى كَثِيبٍ أهْيَلٍ فَضَرَبَهُ بِعَصاهُ فانْتَشَرَ كُلُّهُ قُمَّلًا بِمِصْرَ فَأكَلَ ما أبْقاهُ الجَرادُ ولَحِسَ الأرْضَ وكانَ يَدْخُلُ بَيْنَ جِلْدِ القِبْطِيِّ وقَمِيصِهِ، ويَمْتَلِئُ بِالطَّعامِ لَيْلا، ويَطْحَنُ أحَدُهم عَشْرَةَ أجْرِبَةٍ فَلا يَرُدَّ مِنها إلّا يَسِيرًا وسَعى في أبْشارِهِمْ وشُعُورِهِمْ وأهْدابِ عُيُونِهِمْ ولَزِمَتْ جُلُودَهم فَضَجُّوا وفَزِعُوا إلى مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - فَرَفَعَ عَنْهم فَقالُوا قَدْ تَحَقَّقْنا الآنَ أنَّكَ ساحِرٌ، وعِزَّةُ فِرْعَوْنَ لا نُصَدِّقُكَ أبَدًا، فَأرْسَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بَعْدَ شَهْرٍ الضَّفادِعَ فَمَلَأتْ آنِيَتَهم وأطْعِماتِهِمْ ومَضاجِعَهم ورَمَتْ بِأنْفُسِها في القُدُورِ وهي تَغْلِي وفي التَّنانِيرِ وهي تَفُورُ وإذا تَكَلَّمَ أحَدُهم وثَبَتْ إلى فِيهِ، قالَ ابْنُ جُبَيْرٍ: وكانَ أحَدُهم يَجْلِسُ في الضَّفادِعِ إلى ذَقَنِهِ فَقالُوا لِمُوسى: ارْحَمْنا هَذِهِ المَرَّةَ ونَحْنُ نَتُوبُ التَّوْبَةَ النَّصُوحَ ولا نَعُودُ، فَأخَذَ عَلَيْهِمُ العُهُودَ فَكَشَفَ عَنْهم فَنَقَضُوا العَهْدَ فَأرْسَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الدَّمَ، قالَ الجُمْهُورُ: صارَ ماؤُهم دَمًا حَتّى إنَّ الإسْرائِيلِيَّ لِيَضَعَ الماءَ في فِيِّ القِبْطِيِّ فَيَصِيرُ في فِيهِ دَمًا وعَطِشَ فِرْعَوْنُ حَتّى أشَفى عَلى الهَلاكِ فَكانَ يَمُصُّ الأشْجارَ الرَّطْبَةَ فَإذا مَضَغَها صارَ ماؤُها الطَّيِّبُ مِلْحًا أُجاجًا، وقالَ سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ: سالَ عَلَيْهِمُ النِّيلُ دَمًا، وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: الدَّمُ هو الرُّعافُ سَلَّطَهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، ومَعْنى تَفْصِيلِ الآياتِ تَبْيِينِها وإزالَةِ أشْكالِها، والتَّفْصِيلُ في الإجْرامِ هو التَّفْرِيقُ وفي المَعانِي يُرادُ بِهِ أنَّهُ فَرَّقَ بَيْنَها فاسْتَبانَتْ وامْتازَ بَعْضُها مِن بَعْضٍ فَلا يُشْكِلُ عَلى العاقِلِ أنَّها مِن آياتِ اللَّهِ الَّتِي لا يَقْدِرُ عَلَيْها غَيْرُهُ، وأنَّها عِبْرَةٌ لَهم ونِقْمَةٌ عَلى كُفْرِهِمْ، وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ سَمّاها مُفَصَّلاتٍ؛ لِأنَّ بَيْنَ الآيَةِ والآيَةِ فَصْلًا مِنَ الزَّمانِ، قِيلَ كانَتِ الآيَةُ تَمْكُثُ مِنَ السَّبْتِ إلى السَّبْتِ، ثُمَّ يَبْقَوْنَ عُقَيْبَ رَفْعِها شَهْرًا في عافِيَةٍ، وقِيلَ: ثَمانِيَةَ أيّامٍ، ثُمَّ تَأْتِي (p-٣٧٤)الآيَةُ الأُخْرى، وقالَ وهْبٌ: كانَ بَيْنَ كُلِّ آيَتَيْنِ أرْبَعُونَ يَوْمًا، وقالَ نَوْفٌ البِكالِيُّ مَكَثَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - في آلِ فِرْعَوْنَ بَعْدَ إيمانِ السَّحَرَةِ عِشْرِينَ سَنَةً يُرِيهِمُ الآياتِ، وحِكْمَةُ التَّفْصِيلِ بِالزَّمانِ أنَّهُ يَمْتَحِنُ فِيهِ أحْوالَهم أيَفُونَ بِما عاهَدُوا أمْ يَنْكُثُونَ فَتَقُومُ عَلَيْهِمُ الحُجَّةُ وانْتَصَبَ ﴿آياتٍ مُفَصَّلاتٍ﴾ عَلى الحالِ والَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ الآيَةُ أنَّهُ أرْسَلَ عَلَيْهِمْ ما ذَكَرَ فِيها، وأمّا كَيْفِيَّةُ الإرْسالِ ومَكْثُ ما أرْسَلَ عَلَيْهِمْ مِنَ الأزْمانِ والهَيْئاتِ فَمَرْجِعُهُ إلى النَّقْلِ عَنِ الأخْبارِ الإسْرائِيلِيّاتِ إذْ لَمْ يَثْبُتْ مِن ذَلِكَ في الحَدِيثِ النَّبَوِيِّ شَيْءٌ ومَعَ إرْسالِ جِنْسِ الآياتِ اسْتَكْبَرُوا عَنِ الإيمانِ وعَنْ قَبُولِ أمْرِ اللَّهِ تَعالى، ﴿وكانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ﴾ إخْبارٌ مِنهُ تَعالى عَنْهم بِاجْتِرامِهِمْ عَلى اللَّهِ وعَلى عِبادِهِ.

الأعراف 7:134

﴿ولَمّا وقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قالُوا يا مُوسى ادْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ ولَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ الظّاهِرُ أنَّ الرِّجْزَ هُنا هو ما كانَ أُرْسِلُ عَلَيْهِمْ مِنَ الطُّوفانِ والجَرادِ والقُمَّلِ والضَّفادِعِ والدَّمِ، فَإنْ كانَ أُرِيدَ الظّاهِرُ كانَ سُؤالُهم مُوسى بَعْدَ وُقُوعِ جَمِيعِها لا بَعْدَ وُقُوعِ نَوْعٍ مِنها، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى ﴿ولَمّا وقَعَ عَلَيْهِمُ﴾ نَوْعٌ مِن الرِّجْزِ، فَيَكُونُ سُؤالُهم قَدْ تَخَلَّلَ بَيْنَ نَوْعٍ ونَوْعٍ ومَعْنى ﴿وقَعَ عَلَيْهِمُ﴾ نَزَلَ عَلَيْهِمْ وثَبَتَ وقالَ قَوْمٌ: (الرِّجْزُ) الطّاعُونُ نَزَلَ بِهِمْ ماتَ مِنهم في لَيْلَةٍ سَبْعُونَ ألْفَ قِبْطِيٍّ، وفي قَوْلِهِمْ ﴿ادْعُ لَنا رَبَّكَ﴾ وإضافَةُ الرَّبِّ إلى مُوسى عَدَمُ إقْرارٍ بِأنَّهُ رَبُّهم حَيْثُ لَمْ يَقُولُوا ادْعُ لَنا رَبَّنا، ومَعْنى ﴿بِما عَهِدَ عِنْدَكَ﴾ بِما اخْتَصَّكَ بِهِ فَنَبَّأكَ، أوْ بِما وصّاكَ أنْ تَدْعُوَ بِهِ لِيُجِيبَكَ كَما أجابَكَ في الآياتِ، أوْ بِما اسْتَوْدَعَكَ مِنَ العِلْمِ، والظّاهِرُ تَعَلُّقُ ﴿بِما عَهِدَ﴾ بِادْعُ لَنا رَبَّكَ، ومُتَعَلِّقُ الدُّعاءِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ ﴿ادْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ﴾ في كَشْفِ هَذا الرِّجْزِ، و﴿لَئِنْ كَشَفْتَ﴾ جَوابٌ لِقَسَمٍ مَحْذُوفٍ في مَوْضِعِ الحالِ مِن قالُوا، أيْ: قالُوا ذَلِكَ مُقْسِمِينَ ﴿لَئِنْ كَشَفْتَ﴾، أوْ لِقَسَمٍ مَحْذُوفٍ مَعْطُوفٍ، أيْ: وأقْسَمُوا لَئِنْ كَشَفْتَ، وجَوَّزَ الزَّمَخْشَرِيُّ، وابْنُ عَطِيَّةَ، وغَيْرُهُما أنْ تَكُونَ الباءُ في ﴿بِما عَهِدَ عِنْدَكَ﴾ باءُ القَسَمِ، أيْ: قالُوا ﴿ادْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ﴾ في كَشْفِ الرِّجْزِ مُقْسِمِينَ ﴿بِما عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ﴾، أوْ وأقْسَمُوا ﴿بِما عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ﴾، والمَعْنى: لَئِنْ كَشَفْتَ بِدُعائِكَ، وفي قَوْلِهِمْ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ دَلالَةٌ عَلى أنَّهُ طَلَبَ مِنهُمُ الإيمانَ كَما أنَّهُ طَلَبَ مِنهم إرْسالَ بَنِي إسْرائِيلَ وقَدَّمُوا الإيمانَ؛ لِأنَّهُ المَقْصُودُ الأعْظَمُ النّاشِئُ مِنهُ الطَّواعِيَةُ، وفي إسْنادِ الكَشْفِ إلى مُوسى حَيْدَةٌ عَنْ إسْنادِهِ إلى اللَّهِ تَعالى لِعَدَمِ إقْرارِهِمْ بِذَلِكَ. ﴿فَلَمّا كَشَفْنا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إلى أجَلٍ هم بالِغُوهُ إذا هم يَنْكُثُونَ﴾ في الكَلامِ حَذْفٌ دَلَّ عَلَيْهِ المَعْنى، وهو فَدَعا مُوسى فَكَشَفَ عَنْهُمُ الرِّجْزَ، وأسْنَدَ تَعالى الكَشْفَ إلَيْهِ؛ لِأنَّهُ هو الكاشِفُ حَقِيقَةً، فَلَمّا كانَ مِن قَوْلِهِمْ أسْنَدُوهُ إلى مُوسى، وهو إسْنادٌ مَجازِيٌّ ولَمّا كانَ إخْبارًا مِنَ اللَّهِ أسْنَدَهُ تَعالى إلَيْهِ؛ لِأنَّهُ إسْنادٌ حَقِيقِيٌّ، ولَمّا كانَ الرِّجْزُ مِن جُمْلَةٍ أُخْرى غَيْرِ مَقُولَةٍ لَهم حَسُنَ إظْهارُهُ دُونَ ضَمِيرِهِ، وكانَ جائِزًا أنْ يَكُونَ التَّرْكِيبُ في غَيْرِ القُرْآنِ ﴿فَلَمّا كَشَفْنا عَنْهُمُ﴾ ومَعْنى ﴿إلى أجَلٍ هم بالِغُوهُ﴾ إلى حَدٍّ مِنَ الزَّمانِ هم بالِغُوهُ لا مَحالَةَ فَيُعَذَّبُونَ فِيهِ لا يَنْفَعُهم ما تَقَدَّمَ لَهم مِنَ الإمْهالِ وكَشْفِ العَذابِ إلى حُلُولِهِ. قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: يُرِيدُ بِهِ غايَةَ كُلِّ واحِدٍ مِنهم بِما يَخُصُّهُ مِنَ الهَلاكِ والمَوْتِ هَذا اللّازِمُ مِنَ اللَّفْظِ كَما تَقُولُ أخَّرْتُ كَذا إلى وقْتِ كَذا، وأنْتَ لا تُرِيدُ (p-٣٧٥)وقْتًا بِعَيْنِهِ، وقالَ يَحْيى بْنُ سَلامٍ: الأجَلُ هاهُنا الغَرَقُ، قالَ وإنَّما قالَ هَذا القَوْلَ؛ لِأنَّهُ رَأى جُمْهُورَ هَذِهِ الطّائِفَةِ قَدِ اتَّفَقَ أنْ هَلَكَتْ غَرَقًا فاعْتَقَدَ أنَّ الإشارَةَ هاهُنا إنَّما هي في الغَرَقِ، وهَذا لَيْسَ بِلازِمٍ؛ لِأنَّهُ لا بُدَّ أنَّهُ ماتَ مِنهم قَبْلَ الغَرَقِ عالِمٌ ومِنهم مَن أُخِّرَ، وكَشَفَ العَذابَ عَنْهم إلى أجَلٍ بَلَغَهُ. انْتَهى. وفي التَّحْرِيرِ إلى أجَلٍ: إلى انْقِضاءِ مُدَّةِ إمْهالِهِمْ وهي المُدَّةُ المَضْرُوبَةُ لِإيمانِهِمْ، وقِيلَ: الغَرَقُ، وقِيلَ: المَوْتُ، وإذا فُسِّرَ الأجَلُ بِالمَوْتِ، أوْ بِالغَرَقِ فَلا يَصِحُّ كَشْفُ العَذابِ إلى ذَلِكَ الوَقْتِ، أيْ: وقْتِ حُصُولِ المَوْتِ أوِ الغَرَقِ؛ لِأنَّهُ قَدْ تَخَلَّلَ بَيْنَ الكَشْفِ والغَرَقِ، أوِ المَوْتُ زَمانٌ وهو زَمانُ النَّكْثِ، فَيَنْبَغِي أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ عَلى هَذا إلى أقْرَبِ أجَلٍ هم بالِغُوهُ، أمّا إذا كانَ الأجَلُ هو المُدَّةُ المَضْرُوبَةُ لِإيمانِهِمْ وإرْسالِهِمْ بَنِي إسْرائِيلَ، فَلا يُحْتاجُ إلى حَذْفِ مُضافٍ و﴿إلى أجَلٍ﴾ قالُوا: مُتَعَلِّقٌ بـِ (كَشَفْنا) ولا يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلى التَّعَلُّقِ بِهِ؛ لِأنَّ ما دَخَلَتْ عَلَيْهِ لَمّا تَرَتَّبَ جَوابُهُ عَلى ابْتِداءِ وُقُوعِهِ، والغايَةُ تُنافِي التَّعْلِيقَ عَلى ابْتِداءِ الوُقُوعِ فَلا بُدَّ مِن تَعَقُّلِ الِابْتِداءِ والِاسْتِمْرارِ حَتّى تَتَحَقَّقَ الغايَةُ، ولِذَلِكَ لا تَصِحُّ الغايَةُ في الفِعْلِ عَنِ المُتَطاوَلِ لا تَقُولُ لَمّا قَتَلْتُ زَيْدًا إلى يَوْمِ الخَمِيسِ جَرى كَذا ولا لَمّا وثَبْتُ إلى يَوْمِ الجُمُعَةِ اتَّفَقَ كَذا، وجَعَلَ بَعْضُهم إلى أجَلٍ مِن تَمامِ الرِّجْزِ، أيِ: الرِّجْزُ كائِنًا إلى أجَلٍ، والمَعْنى: أنَّ العَذابَ كانَ مُؤَجَّلًا ويُقَوِّي هَذا التَّأْوِيلَ كَوْنُ جَوابِ لَمّا جاءَ بِإذا الفُجائِيَّةِ، أيْ: فَلَمّا كَشَفْنا عَنْهُمُ العَذابَ المُقَرَّرَ عَلَيْهِمْ (إلى أجَلٍ) فاجَئُوا بِالنَّكْثِ وعَلى مَعْنى تَغْيِيَتِهِ الكَشْفَ بِالأجَلِ المَبْلُوغِ لا تَتَأتّى المُفاجَأةُ إلّا عَلى تَأْوِيلِ الكَشْفِ بِالِاسْتِمْرارِ المُغَيّا، فَتَكُونُ المُفاجَأةُ بِالنَّكْثِ إذْ ذاكَ مُمْكِنَةً، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿إذا هم يَنْكُثُونَ﴾ جَوابٌ لِما يُغَيّا، فَلَمّا كَشَفْنا عَنْهم فاجَئُوا النَّكْثَ وبادَرُوهُ، ولَمْ يُؤَخِّرُوهُ، ولَكِنْ لَمّا كَشَفَ عَنْهم نَكَثُوا. انْتَهى. ولا يُمْكِنُ التَّغْيِيَةُ مَعَ ظاهِرِ هَذا التَّقْدِيرِ، وهم بالِغُوهُ جُمْلَةٌ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِأجَلٍ، وهي أفْخَمُ مِنَ الوَصْفِ بِالمُفْرَدِ لِتَكَرُّرِ الضَّمِيرِ فَلَيْسَ في حُسْنِ التَّرْكِيبِ كالمُفْرَدِ لَوْ قِيلَ في غَيْرِ القُرْآنِ إلى أجَلٍ بالِغِيهِ، ومَجِيءُ إذا الفُجائِيَّةُ جَوابًا لِلَمّا مِمّا يَدُلُّ عَلى أنَّ لَمّا حَرَّفُ وُجُوبٍ لِوُجُوبٍ كَما يَقُولُ سِيبَوَيْهِ لا ظَرْفٌ كَما زَعَمَ بَعْضُهم لِافْتِقارِهِ إلى عامِلٍ فِيهِ، والكَلامُ تامٌّ لا يَحْتَمِلُ إضْمارًا ولا يَعْمَلُ ما بَعْدَ إذا الفُجائِيَّةِ فِيما قَبْلَها، وقَرَأ أبُو هاشِمٍ، وأبُو حَيْوَةَ (يَنْكِثُونَ) بِكَسْرِ الكافِ.

الأعراف 7:135

﴿ولَمّا وقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قالُوا يا مُوسى ادْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ ولَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ الظّاهِرُ أنَّ الرِّجْزَ هُنا هو ما كانَ أُرْسِلُ عَلَيْهِمْ مِنَ الطُّوفانِ والجَرادِ والقُمَّلِ والضَّفادِعِ والدَّمِ، فَإنْ كانَ أُرِيدَ الظّاهِرُ كانَ سُؤالُهم مُوسى بَعْدَ وُقُوعِ جَمِيعِها لا بَعْدَ وُقُوعِ نَوْعٍ مِنها، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى ﴿ولَمّا وقَعَ عَلَيْهِمُ﴾ نَوْعٌ مِن الرِّجْزِ، فَيَكُونُ سُؤالُهم قَدْ تَخَلَّلَ بَيْنَ نَوْعٍ ونَوْعٍ ومَعْنى ﴿وقَعَ عَلَيْهِمُ﴾ نَزَلَ عَلَيْهِمْ وثَبَتَ وقالَ قَوْمٌ: (الرِّجْزُ) الطّاعُونُ نَزَلَ بِهِمْ ماتَ مِنهم في لَيْلَةٍ سَبْعُونَ ألْفَ قِبْطِيٍّ، وفي قَوْلِهِمْ ﴿ادْعُ لَنا رَبَّكَ﴾ وإضافَةُ الرَّبِّ إلى مُوسى عَدَمُ إقْرارٍ بِأنَّهُ رَبُّهم حَيْثُ لَمْ يَقُولُوا ادْعُ لَنا رَبَّنا، ومَعْنى ﴿بِما عَهِدَ عِنْدَكَ﴾ بِما اخْتَصَّكَ بِهِ فَنَبَّأكَ، أوْ بِما وصّاكَ أنْ تَدْعُوَ بِهِ لِيُجِيبَكَ كَما أجابَكَ في الآياتِ، أوْ بِما اسْتَوْدَعَكَ مِنَ العِلْمِ، والظّاهِرُ تَعَلُّقُ ﴿بِما عَهِدَ﴾ بِادْعُ لَنا رَبَّكَ، ومُتَعَلِّقُ الدُّعاءِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ ﴿ادْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ﴾ في كَشْفِ هَذا الرِّجْزِ، و﴿لَئِنْ كَشَفْتَ﴾ جَوابٌ لِقَسَمٍ مَحْذُوفٍ في مَوْضِعِ الحالِ مِن قالُوا، أيْ: قالُوا ذَلِكَ مُقْسِمِينَ ﴿لَئِنْ كَشَفْتَ﴾، أوْ لِقَسَمٍ مَحْذُوفٍ مَعْطُوفٍ، أيْ: وأقْسَمُوا لَئِنْ كَشَفْتَ، وجَوَّزَ الزَّمَخْشَرِيُّ، وابْنُ عَطِيَّةَ، وغَيْرُهُما أنْ تَكُونَ الباءُ في ﴿بِما عَهِدَ عِنْدَكَ﴾ باءُ القَسَمِ، أيْ: قالُوا ﴿ادْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ﴾ في كَشْفِ الرِّجْزِ مُقْسِمِينَ ﴿بِما عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ﴾، أوْ وأقْسَمُوا ﴿بِما عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ﴾، والمَعْنى: لَئِنْ كَشَفْتَ بِدُعائِكَ، وفي قَوْلِهِمْ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ دَلالَةٌ عَلى أنَّهُ طَلَبَ مِنهُمُ الإيمانَ كَما أنَّهُ طَلَبَ مِنهم إرْسالَ بَنِي إسْرائِيلَ وقَدَّمُوا الإيمانَ؛ لِأنَّهُ المَقْصُودُ الأعْظَمُ النّاشِئُ مِنهُ الطَّواعِيَةُ، وفي إسْنادِ الكَشْفِ إلى مُوسى حَيْدَةٌ عَنْ إسْنادِهِ إلى اللَّهِ تَعالى لِعَدَمِ إقْرارِهِمْ بِذَلِكَ. ﴿فَلَمّا كَشَفْنا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إلى أجَلٍ هم بالِغُوهُ إذا هم يَنْكُثُونَ﴾ في الكَلامِ حَذْفٌ دَلَّ عَلَيْهِ المَعْنى، وهو فَدَعا مُوسى فَكَشَفَ عَنْهُمُ الرِّجْزَ، وأسْنَدَ تَعالى الكَشْفَ إلَيْهِ؛ لِأنَّهُ هو الكاشِفُ حَقِيقَةً، فَلَمّا كانَ مِن قَوْلِهِمْ أسْنَدُوهُ إلى مُوسى، وهو إسْنادٌ مَجازِيٌّ ولَمّا كانَ إخْبارًا مِنَ اللَّهِ أسْنَدَهُ تَعالى إلَيْهِ؛ لِأنَّهُ إسْنادٌ حَقِيقِيٌّ، ولَمّا كانَ الرِّجْزُ مِن جُمْلَةٍ أُخْرى غَيْرِ مَقُولَةٍ لَهم حَسُنَ إظْهارُهُ دُونَ ضَمِيرِهِ، وكانَ جائِزًا أنْ يَكُونَ التَّرْكِيبُ في غَيْرِ القُرْآنِ ﴿فَلَمّا كَشَفْنا عَنْهُمُ﴾ ومَعْنى ﴿إلى أجَلٍ هم بالِغُوهُ﴾ إلى حَدٍّ مِنَ الزَّمانِ هم بالِغُوهُ لا مَحالَةَ فَيُعَذَّبُونَ فِيهِ لا يَنْفَعُهم ما تَقَدَّمَ لَهم مِنَ الإمْهالِ وكَشْفِ العَذابِ إلى حُلُولِهِ. قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: يُرِيدُ بِهِ غايَةَ كُلِّ واحِدٍ مِنهم بِما يَخُصُّهُ مِنَ الهَلاكِ والمَوْتِ هَذا اللّازِمُ مِنَ اللَّفْظِ كَما تَقُولُ أخَّرْتُ كَذا إلى وقْتِ كَذا، وأنْتَ لا تُرِيدُ (p-٣٧٥)وقْتًا بِعَيْنِهِ، وقالَ يَحْيى بْنُ سَلامٍ: الأجَلُ هاهُنا الغَرَقُ، قالَ وإنَّما قالَ هَذا القَوْلَ؛ لِأنَّهُ رَأى جُمْهُورَ هَذِهِ الطّائِفَةِ قَدِ اتَّفَقَ أنْ هَلَكَتْ غَرَقًا فاعْتَقَدَ أنَّ الإشارَةَ هاهُنا إنَّما هي في الغَرَقِ، وهَذا لَيْسَ بِلازِمٍ؛ لِأنَّهُ لا بُدَّ أنَّهُ ماتَ مِنهم قَبْلَ الغَرَقِ عالِمٌ ومِنهم مَن أُخِّرَ، وكَشَفَ العَذابَ عَنْهم إلى أجَلٍ بَلَغَهُ. انْتَهى. وفي التَّحْرِيرِ إلى أجَلٍ: إلى انْقِضاءِ مُدَّةِ إمْهالِهِمْ وهي المُدَّةُ المَضْرُوبَةُ لِإيمانِهِمْ، وقِيلَ: الغَرَقُ، وقِيلَ: المَوْتُ، وإذا فُسِّرَ الأجَلُ بِالمَوْتِ، أوْ بِالغَرَقِ فَلا يَصِحُّ كَشْفُ العَذابِ إلى ذَلِكَ الوَقْتِ، أيْ: وقْتِ حُصُولِ المَوْتِ أوِ الغَرَقِ؛ لِأنَّهُ قَدْ تَخَلَّلَ بَيْنَ الكَشْفِ والغَرَقِ، أوِ المَوْتُ زَمانٌ وهو زَمانُ النَّكْثِ، فَيَنْبَغِي أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ عَلى هَذا إلى أقْرَبِ أجَلٍ هم بالِغُوهُ، أمّا إذا كانَ الأجَلُ هو المُدَّةُ المَضْرُوبَةُ لِإيمانِهِمْ وإرْسالِهِمْ بَنِي إسْرائِيلَ، فَلا يُحْتاجُ إلى حَذْفِ مُضافٍ و﴿إلى أجَلٍ﴾ قالُوا: مُتَعَلِّقٌ بـِ (كَشَفْنا) ولا يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلى التَّعَلُّقِ بِهِ؛ لِأنَّ ما دَخَلَتْ عَلَيْهِ لَمّا تَرَتَّبَ جَوابُهُ عَلى ابْتِداءِ وُقُوعِهِ، والغايَةُ تُنافِي التَّعْلِيقَ عَلى ابْتِداءِ الوُقُوعِ فَلا بُدَّ مِن تَعَقُّلِ الِابْتِداءِ والِاسْتِمْرارِ حَتّى تَتَحَقَّقَ الغايَةُ، ولِذَلِكَ لا تَصِحُّ الغايَةُ في الفِعْلِ عَنِ المُتَطاوَلِ لا تَقُولُ لَمّا قَتَلْتُ زَيْدًا إلى يَوْمِ الخَمِيسِ جَرى كَذا ولا لَمّا وثَبْتُ إلى يَوْمِ الجُمُعَةِ اتَّفَقَ كَذا، وجَعَلَ بَعْضُهم إلى أجَلٍ مِن تَمامِ الرِّجْزِ، أيِ: الرِّجْزُ كائِنًا إلى أجَلٍ، والمَعْنى: أنَّ العَذابَ كانَ مُؤَجَّلًا ويُقَوِّي هَذا التَّأْوِيلَ كَوْنُ جَوابِ لَمّا جاءَ بِإذا الفُجائِيَّةِ، أيْ: فَلَمّا كَشَفْنا عَنْهُمُ العَذابَ المُقَرَّرَ عَلَيْهِمْ (إلى أجَلٍ) فاجَئُوا بِالنَّكْثِ وعَلى مَعْنى تَغْيِيَتِهِ الكَشْفَ بِالأجَلِ المَبْلُوغِ لا تَتَأتّى المُفاجَأةُ إلّا عَلى تَأْوِيلِ الكَشْفِ بِالِاسْتِمْرارِ المُغَيّا، فَتَكُونُ المُفاجَأةُ بِالنَّكْثِ إذْ ذاكَ مُمْكِنَةً، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿إذا هم يَنْكُثُونَ﴾ جَوابٌ لِما يُغَيّا، فَلَمّا كَشَفْنا عَنْهم فاجَئُوا النَّكْثَ وبادَرُوهُ، ولَمْ يُؤَخِّرُوهُ، ولَكِنْ لَمّا كَشَفَ عَنْهم نَكَثُوا. انْتَهى. ولا يُمْكِنُ التَّغْيِيَةُ مَعَ ظاهِرِ هَذا التَّقْدِيرِ، وهم بالِغُوهُ جُمْلَةٌ في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِأجَلٍ، وهي أفْخَمُ مِنَ الوَصْفِ بِالمُفْرَدِ لِتَكَرُّرِ الضَّمِيرِ فَلَيْسَ في حُسْنِ التَّرْكِيبِ كالمُفْرَدِ لَوْ قِيلَ في غَيْرِ القُرْآنِ إلى أجَلٍ بالِغِيهِ، ومَجِيءُ إذا الفُجائِيَّةُ جَوابًا لِلَمّا مِمّا يَدُلُّ عَلى أنَّ لَمّا حَرَّفُ وُجُوبٍ لِوُجُوبٍ كَما يَقُولُ سِيبَوَيْهِ لا ظَرْفٌ كَما زَعَمَ بَعْضُهم لِافْتِقارِهِ إلى عامِلٍ فِيهِ، والكَلامُ تامٌّ لا يَحْتَمِلُ إضْمارًا ولا يَعْمَلُ ما بَعْدَ إذا الفُجائِيَّةِ فِيما قَبْلَها، وقَرَأ أبُو هاشِمٍ، وأبُو حَيْوَةَ (يَنْكِثُونَ) بِكَسْرِ الكافِ.

الأعراف 7:136

﴿فانْتَقَمْنا مِنهم فَأغْرَقْناهم في اليَمِّ بِأنَّهم كَذَّبُوا بِآياتِنا وكانُوا عَنْها غافِلِينَ﴾، أيْ: أحْلَلْنا بِهِمُ النِّقْمَةَ وهي ضِدُّ النِّعْمَةِ، فَإنْ كانَ الِانْتِقامُ هو الإغْراقُ فَتَكُونُ الفاءُ تَفْسِيرِيَّةً وذَلِكَ عَلى رَأْيِ مَن أثْبَتَ هَذا المَعْنى لِلْفاءِ وإلّا كانَ المَعْنى فَأرَدْنا الِانْتِقامَ مِنهم، والباءُ في (بِأنَّهم) سَبَبِيَّةٌ، والآياتُ هي المُعْجِزاتُ الَّتِي ظَهَرَتْ عَلى يَدِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ -، والظّاهِرُ عَوْدُ الضَّمِيرِ في (عَنْها) إلى الآياتِ، أيْ: غَفَلُوا عَمّا تَضَمَّنَتْهُ الآياتُ مِنَ الهُدى والنَّجاةِ وما فَكَّرُوا فِيها، وتِلْكَ الغَفْلَةُ هي سَبَبُ التَّكْذِيبِ، وقِيلَ: يَعُودُ الضَّمِيرُ عَلى النِّقْمَةِ الدّالِّ عَلَيْها (فانْتَقَمْنا)، أيْ: كانُوا عَنِ النِّقْمَةِ وحُلُولِها (p-٣٧٦)بِهِمْ غافِلِينَ، والغَفْلَةُ في القَوْلِ الأوَّلِ عُنِيَ بِهِ الإعْراضُ عَنِ الشَّيْءِ؛ لِأنَّ الغَفْلَةَ عَنْهُ والتَّكْذِيبَ لا يَجْتَمِعانِ مِن حَيْثُ إنَّ الغَفْلَةَ تَسْتَدْعِي عَدَمَ الشُّعُورِ بِالشَّيْءِ، والتَّكْذِيبُ بِهِ يَسْتَدْعِي مَعْرِفَتَهُ ولِأنَّهُ لَوْ أُرِيدَ صِفَةُ الغَفْلَةِ لَكانُوا مَعْذُورِينَ؛ لِأنَّ تِلْكَ لَيْسَتْ بِاخْتِيارِ العَبْدِ.

الأعراف 7:137

﴿وأوْرَثْنا القَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشارِقَ الأرْضِ ومَغارِبَها الَّتِي بارَكْنا فِيها﴾ لَمّا قالَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - ﴿عَسى رَبُّكم أنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكم ويَسْتَخْلِفَكم في الأرْضِ﴾ [الأعراف: ١٢٩] كانَ كَما تَرَجّى مُوسى فَأغْرَقَ أعْداءَهم في اليَمِّ، واسْتَخْلَفَ بَنِي إسْرائِيلَ في الأرْضِ ﴿الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ﴾ هم بَنُو إسْرائِيلَ كانَ فِرْعَوْنُ يَسْتَعْبِدُهم ويَسْتَخْدِمُهم، والِاسْتِضْعافُ طَلَبُ الضَّعِيفِ بِالقَهْرِ كَثُرَ اسْتِعْمالُهُ حَتّى قِيلَ اسْتَضْعَفَهُ، أيْ: وجَدَهُ ضَعِيفًا ﴿مَشارِقَ الأرْضِ ومَغارِبَها﴾ قالَتْ فِرْقَةٌ: هي الأرْضُ كُلُّها، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ المَجازِ؛ لِأنَّهُ تَعالى مَلَّكَهم بِلادًا كَثِيرَةً، وأمّا عَلى الحَقِيقَةِ فَإنَّهُ مَلَّكَ ذَرِّيَّتَهم وهو سُلَيْمانُ بْنُ داوُدَ، وقالَ الحَسَنُ أيْضًا: ﴿مَشارِقَ الأرْضِ﴾ الشّامُ ﴿ومَغارِبَها﴾ دِيارُ مِصْرَ، مَلَّكَهُمُ اللَّهُ إيّاها بِإهْلاكِ الفَراعِنَةِ والعَمالِقَةِ، وقالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ قالَ: وتَصَرَّفُوا فِيها كَيْفَ شاءُوا في أطْرافِها ونَواحِيها الشَّرْقِيَّةِ والغَرْبِيَّةِ، وقالَ الحَسَنُ أيْضًا، وقَتادَةُ، وغَيْرُهُما: هي أرْضُ الشّامِ، وفي كِتابِ النَّقّاشِ عَنِ الحَسَنِ: أرْضُ مِصْرَ والبَرَكَةُ فِيها بِالماءِ والشَّجَرِ. قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وذَيَّلَهُ غَيْرُهُ فَقالَ: بِالخِصْبِ والأنْهارِ وكَثْرَةِ الأشْجارِ وطَيِّبِ الثِّمارِ، وقِيلَ: البَرَكَةُ بِإقْدامِ الأنْبِياءِ وكَثْرَةِ مَقامِهِمْ بِها ودَفْنِهِمْ فِيها، وهَذا يَتَخَرَّجُ عَلى مَن قالَ أرْضُ الشّامِ، وقِيلَ: (بارَكْنا) جَعَلْنا الخَيْرَ فِيها دائِمًا ثابِتًا، وهَذا يُشِيرُ إلى أنَّها مِصْرُ. وقالَ اللَّيْثُ هي مِصْرُ بارَكَ اللَّهُ فِيها بِما يَحْدُثُ عَنْ نِيلِها مِنَ الخَيْراتِ وكَثْرَةِ الحُبُوبِ والثَّمَراتِ، وعَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أنَّ نِيلَ مِصْرَ سَيِّدُ الأنْهارِ في حَدِيثٍ طَوِيلٍ، ورُوِيَ أنَّهُ كانَتِ الجَنّاتُ بِحافَّتَيْ هَذا النِّيلِ مِن أوَّلِهِ إلى آخِرِهِ في البَرَّيْنِ جَمِيعًا ما بَيْنَ أسْوانَ إلى رَشِيدٍ وكانَتِ الأشْجارُ مُتَّصِلَةً لا يَنْقَطِعُ مِنها شَيْءٌ عَنْ شَيْءٍ. وقالَ أبُو بَصْرَةَ الغِفارِيُّ: مِصْرُ خَزائِنُ الأرْضِ كُلِّها، ألا تَرى إلى قَوْلِ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ﴿اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الأرْضِ﴾ [يوسف: ٥٥] ويُرْوى أنَّ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - أقامَ بِها اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً، وذَلِكَ أنَّ اللَّهَ أوْحى إلى مَرْيَمَ أنِ الحَقِي بِمِصْرَ وأرْضِها، وذَكَرَ أنَّها الرَّبْوَةُ الَّتِي قالَ تَعالى: ﴿وآوَيْناهُما إلى رَبْوَةٍ ذاتِ قَرارٍ ومَعِينٍ﴾ [المؤمنون: ٥٠] . وقالَ ابْنُ عُمَرَ: البَرَكاتُ عَشْرٌ فَفي مِصْرَ تِسْعٌ، وفي الأرْضِ كُلِّها واحِدَةٌ، وانْتِصابُ مَشارِقَ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ ثانٍ لِأوْرَثْنا و﴿الَّتِي بارَكْنا﴾ نَعْتٌ لِمَشارِقِ الأرْضِ ومَغارِبِها، وقَوْلُ الفَرّاءِ: إنَّ انْتِصابَ (مَشارِقَ) والمَعْطُوفَ عَلَيْها عَلى الظَّرْفِيَّةِ والعامِلَ فِيهِما هو (يُسْتَضْعَفُونَ) و(الَّتِي بارَكْنا) هو المَفْعُولُ الثّانِي، أيِ: الأرْضُ الَّتِي بارَكْنا فِيها تَكَلُّفٌ وخُرُوجٌ عَنِ الظّاهِرِ بِغَيْرِ دَلِيلٍ، ومَن أجازَ أنْ تَكُونَ (الَّتِي) نَعْتًا لِلْأرْضِ فَقَوْلُهُ ضَعِيفٌ لِلْفَصْلِ بِالعَطْفِ بَيْنَ المَنعُوتِ ونَعْتِهِ. * * ﴿وتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ الحُسْنى عَلى بَنِي إسْرائِيلَ بِما صَبَرُوا﴾ . أيْ: مَضَتْ واسْتَمَرَّتْ مِن قَوْلِهِمْ تَمَّ عَلى الأمْرِ إذا مَضى عَلَيْهِ، قالَ مُجاهِدٌ: المَعْنى ما سَبَقَ لَهم في عِلْمِهِ وكَلامِهِ في الأزَلِ مِنَ النَّجاةِ مِن عَدُوِّهِمْ والظُّهُورِ عَلَيْهِ، وقالَ المَهْدَوِيُّ وتَبِعَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ: الكَلِمَةُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ونُرِيدُ أنْ نَمُنَّ عَلى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا في الأرْضِ﴾ [القصص: ٥] إلى قَوْلِهِ: ﴿ما كانُوا يَحْذَرُونَ﴾ [القصص: ٦] . وقِيلَ: هي قَوْلُهُ: ﴿عَسى رَبُّكم أنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ﴾ [الأعراف: ١٢٩] الآيَةَ، وقِيلَ: الكَلِمَةُ النِّعْمَةُ، والحُسْنى تَأْنِيثُ الأحْسَنِ وهي صِفَةٌ لِلْكَلِمَةِ وكانَتِ الحُسْنى؛ لِأنَّها وعْدٌ بِمَحْبُوبٍ. قالَهُ الكِرْمانِيُّ، والمَعْنى: عَلى مَن بَقِيَ مِن مُؤْمِنِي بَنِي إسْرائِيلَ ﴿بِما صَبَرُوا﴾، أيْ: بِصَبْرِهِمْ، وقَرَأ الحَسَنُ كَلِماتٍ عَلى الجَمْعِ ورُوِيَتْ عَنْ عاصِمٍ، وأبِي عَمْرٍو، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ونَظِيرُهُ ﴿لَقَدْ رَأى مِن آياتِ رَبِّهِ الكُبْرى﴾ [النجم: ١٨] . انْتَهى. يَعْنِي (p-٣٧٧)نَظِيرَ وصْفِ الجَمْعِ بِالمُفْرَدِ المُؤَنَّثِ ولا يَتَعَيَّنُ ما قالَهُ مِن أنَّ الكُبْرى نَعْتٌ لِآياتِ رَبِّهِ إذْ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا لِقَوْلِهِ رَأى، أيِ الآيَةَ الكُبْرى، فَيَكُونُ في الأصْلِ نَعْتًا لِمُفْرَدٍ مُؤَنَّثٍ لا يُجْمَعُ، وهو أبْلَغُ في الوَصْفِ. ﴿ودَمَّرْنا ما كانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وقَوْمُهُ وما كانُوا يَعْرِشُونَ﴾، أيْ: خَرَّبْنا قُصُورَهم وأبْنِيَتَهم بِالهَلاكِ، والتَّدْمِيرُ: الإهْلاكُ وإخْرابُ الأبْنِيَةِ، وقِيلَ: ما كانَ يَصْنَعُ مِنَ التَّدْبِيرِ في أمْرِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - وإخْمادِ كَلِمَتِهِ. وقِيلَ: المُرادُ إهْلاكُ أهْلِ القُصُورِ والمَواضِعِ المَنِيعَةِ، وإذا هَلَكَ السّاكِنُ هَلَكَ المَسْكُونُ ﴿وما كانُوا يَعْرِشُونَ﴾، أيْ: يَرْفَعُونَ مِنَ الأبْنِيَةِ المُشَيَّدَةِ كَصَرْحِ هامانَ وغَيْرِهِ، وقالَ الحَسَنُ: المُرادُ عُرُشُ الكُرُومِ، ومِنهُ ﴿جَنّاتٍ مَعْرُوشاتٍ﴾ [الأنعام: ١٤١]، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وأبُو بَكْرٍ بِضَمِّ الرّاءِ وباقِي السَّبْعَةِ، والحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وأبُو رَجاءٍ بِكَسْرِ الرّاءِ هُنا، وفي النَّحْلِ، وهي لُغَةُ الحِجازِ، وقالَ اليَزِيدِيُّ: هي أفْصَحُ، وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ (يُعَرِّشُونَ) بِضَمِّ الياءِ وفَتَحَ العَيْنَ وتَشْدِيدِ الرّاءِ وانْتَزَعَ الحَسَنُ مِن هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ يَنْبَغِي أنْ لا يُخْرَجَ عَلى مُلُوكِ السَّماءِ وإنَّما يَنْبَغِي أنْ نَصْبِرَ لَهم، وعَلَيْهِمْ فَإنَّ اللَّهَ يُدَمِّرُهم، ورُوِيَ عَنْهُ وعَنْ غَيْرِهِ: إذا قابَلَ النّاسُ البَلاءَ بِمِثْلِهِ، وكَلَهُمُ اللَّهُ إلَيْهِ، وإذا قابَلُوهُ بِالصَّبْرِ وانْتِظارِ الفَرَجِ أتى الفَرَجُ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وبَلَغَنِي أنَّهُ قَرَأ بَعْضُ النّاسِ (يَغْرِسُونَ) مِن غَرَسَ الأشْجارَ وما أحْسَبُهُ إلّا تَصْحِيفًا، وهَذا آخِرُ ما اقْتَصَّ اللَّهُ تَعالى مِن نَبَأِ فِرْعَوْنَ والقِبْطِ وتَكْذِيبِهِمْ بِآياتِ اللَّهِ وظُلْمِهِمْ ومُعارَضَتِهِ، ثُمَّ أتْبَعَهُ اقْتِصاصَ نَبَأِ بَنِي إسْرائِيلَ وما أحْدَثُوهُ بَعْدَ إنْقاذِهِمْ مِن مَمْلَكَةِ فِرْعَوْنَ، واسْتِعْبادِهِ، ومُعايَنَتِهِمُ الآياتِ العِظامَ ومُجاوَزَتِهِمُ البَحْرَ مِن عِبادَةِ البَقَرِ، وطَلَبِ رُؤْيَةِ اللَّهِ جَهْرَةً، وغَيْرِ ذَلِكَ مِن أنْواعِ الكُفْرِ والمَعاصِي لِيُعْلَمَ حالُ الإنْسانِ، وأنَّهُ كَما وصَفَ ظَلُومٌ كَفّارٌ جَهُولٌ كَفُورٌ إلّا مَن عَصَمَهُ اللَّهُ تَعالى و﴿وقَلِيلٌ مِن عِبادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبإ: ١٣] ولِيُسَلِّيَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مِمّا رَأى مِن بَنِي إسْرائِيلَ بِالمَدِينَةِ.

الأعراف 7:138

﴿وجاوَزْنا بِبَنِي إسْرائِيلَ البَحْرَ﴾ لَمّا بَيَّنَ أنْواعَ نِعَمِهِ تَعالى عَلى بَنِي إسْرائِيلَ بِإهْلاكِ عَدُوِّهِمْ أتْبَعَ بِالنِّعْمَةِ العُظْمى مِن إراءَتِهِمْ هَذِهِ الآيَةَ العَظِيمَةَ وقَطْعِهِمُ البَحْرَ مَعَ السَّلامَةِ، والبَحْرُ بَحْرُ القُلْزُمِ، وأخْطَأ مَن قالَ إنَّهُ نِيلُ مِصْرَ ومَعْنى (جاوَزْنا) قَطَعْنا بِهِمُ البَحْرَ يُقالُ جاوَزَ الوادِيَ إذا قَطَعَهُ، والباءُ لِلتَّعْدِيَةِ يُقالُ جاوَزَ الوادِيَ إذا قَطَعَهُ، وجاوَزَ بِغَيْرِهِ البَحْرَ عَبَرَ بِهِ فَكَأنَّهُ قالَ وجُزْنا بِبَنِي إسْرائِيلَ، أيْ: أجَزْناهُمُ البَحْرَ، وفاعَلَ بِمَعْنى فَعَلَ المُجَرَّدِ يُقالُ: جاوَزَ وجازَ بِمَعْنًى واحِدٍ، وقَرَأ الحَسَنُ وإبْراهِيمُ، وأبُو رَجاءٍ ويَعْقُوبُ (وجَوَّزْنا) وهو مِمّا جاءَ فِيهِ فَعَّلَ بِمَعْنى فَعَلَ المُجَرَّدِ نَحْوُ قَدَّرَ وقَدَرَ، ولَيْسَ التَّضْعِيفُ لِلتَّعْدِيَةِ، رُوِيَ أنَّهُ عَبَرَ بِهِمْ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - يَوْمَ عاشُوراءَ بَعْدَما أهْلَكَ اللَّهُ فِرْعَوْنَ وقَوْمَهُ فَصامُوا شُكْرًا لِلَّهِ، وأُعْطِيَ مُوسى التَّوْراةَ يَوْمَ النَّحْرِ فَبَيْنَ الأمْرَيْنِ أحَدَ عَشَرَ شَهْرًا. * * ﴿فَأتَوْا عَلى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلى أصْنامٍ لَهُمْ﴾ قالَ قَتادَةُ، وأبُو عَمْرٍو الجَوْنِيُّ: هم مِن لَخْمٍ وجُذامٍ كانُوا يَسْكُنُونَ الرِّيفَ، وقِيلَ: كانُوا نُزُولًا بِالرِّقَّةِ رِقَّةِ مِصْرَ، وهي قَرْيَةٌ بِرِيفِ مِصْرَ تُعْرَفُ بِساحِلِ البَحْرِ يُتَوَصَّلُ مِنها إلى الفَيُّومِ، وقِيلَ: هُمُ الكَنْعانِيُّونَ الَّذِينَ أُمِرَ مُوسى بِقِتالِهِمْ ومَعْنى (فَأتَوْا) فَمَرُّوا يُقالُ أتَتْ عَلَيْهِ سُنُونَ، ومَعْنى (يَعْكُفُونَ) يُقِيمُونَ ويُواظِبُونَ عَلى عِبادَةِ أصْنامٍ، وقَرَأ الأخَوانِ، وأبُو عُمَرَ وفي رِوايَةِ عَبْدِ الوارِثِ بِكَسْرِ الكافِ وباقِي السَّبْعَةِ بِضَمِّها وهُما فَصِيحَتانِ، والأصْنامُ قِيلَ: بَقَرٌ حَقِيقَةً. وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ كانَتْ تَماثِيلَ بَقَرٍ مِن حِجارَةٍ وعِيدانٍ ونَحْوِهِ، وذَلِكَ كانَ أوَّلَ فِتْنَةِ العِجْلِ. * * ﴿قالُوا يا مُوسى اجْعَلْ لَنا إلَهًا كَما لَهم آلِهَةٌ﴾ الظّاهِرُ أنَّ طَلَبَ مِثْلِ هَذا كُفْرٌ وارْتِدادٌ وعِنادٌ، جَرَوْا في ذَلِكَ عَلى عادَتِهِمْ في تَعَنُّتِهِمْ عَلى أنْبِيائِهِمْ وطَلَبِهِمْ ما لا يَنْبَغِي، وقَدْ تَقَدَّمَ مِن كَلامِهِمْ ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى نَرى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ [البقرة: ٥٥] وغَيْرُ ذَلِكَ مِمّا هو كُفْرٌ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: (p-٣٧٨)الظّاهِرُ أنَّهُمُ اسْتَحْسَنُوا ما رَأوْا مِن آلِهَةِ أُولَئِكَ القَوْمِ فَأرادُوا أنْ يَكُونَ ذَلِكَ في شَرْعِ مُوسى وفي جُمْلَةِ ما يُتَقَرَّبُ بِهِ إلى اللَّهِ تَعالى، وإلّا فَبَعِيدٌ أنْ يَقُولُوا لِمُوسى ﴿اجْعَلْ لَنا إلَهًا﴾ نُفْرِدُهُ بِالعِبادَةِ. انْتَهى وفي الحَدِيثِ: «مَرُّوا في غَزْوَةِ حُنَيْنٍ عَلى رَوْحِ سِدْرَةٍ خَضْراءَ عَظِيمَةٍ، فَقِيلَ: يا رَسُولَ اللَّهِ اجْعَلْ لَنا ذاتَ أنْواطٍ» . وكانَتْ ذاتُ أنْواطٍ سَرْحَةً لِبَعْضِ المُشْرِكِينَ يُعَلِّقُونَ بِها أسْلِحَتَهم، ولَها يَوْمٌ يَجْتَمِعُونَ إلَيْها، فَأرادَ قائِلُ ذَلِكَ أنْ يَشْرَعَ الرَّسُولُ ذَلِكَ في الإسْلامِ، ورَأى الرَّسُولُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ذَلِكَ ذَرِيعَةً إلى عِبادَةِ تِلْكَ السَّرْحَةِ فَأنْكَرَهُ، وقالَ: «اللَّهُ أكْبَرُ قُلْتُمْ واللَّهِ كَما قالَ بَنُو إسْرائِيلَ» . ﴿اجْعَلْ لَنا إلَهًا﴾ خالِقًا مُدَبِّرًا؛ لِأنَّ الَّذِي يَجْعَلُهُ مُوسى لا يُمْكِنُ أنْ يَجْعَلَهُ خالِقًا لِلْعالَمِ ومُدَبِّرًا، فالأقْرَبُ أنَّهم طَلَبُوا أنْ يُعَيِّنَ لَهم تَماثِيلَ وصُوَرًا، يَتَقَرَّبُونَ بِعِبادَتِها إلى اللَّهِ تَعالى، وقَدْ حُكِيَ عَنْ عِبادَةِ الأوْثانِ قَوْلُهم: ﴿ما نَعْبُدُهم إلّا لِيُقَرِّبُونا إلى اللَّهِ زُلْفى﴾ [الزمر: ٣] وأجْمَعَ كُلُّ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ عَلى أنَّ عِبادَةَ غَيْرِ اللَّهِ كُفْرٌ سَواءٌ اعْتُقِدَ كَوْنُهُ إلَهًا لِلْعالَمِ، أوْ أنَّ عِبادَتَهُ تُقَرِّبُ إلى اللَّهِ. انْتَهى. ويَظْهَرُ أنَّ ذَلِكَ لَمْ يَصْدُرْ مِن جَمِيعِهِمْ فَإنَّهُ كانَ فِيهِمُ السَّبْعُونَ المُخْتارُونَ، ومَن لا يَصْدُرُ مِنهُ هَذا السُّؤالُ الباطِلُ لَكِنَّهُ نُسِبَ ذَلِكَ إلى بَنِي إسْرائِيلَ لَمّا وقَعَ مِن بَعْضِهِمْ عَلى عادَةِ العَرَبِ في ذَلِكَ و”ما“ في ”كَما“ . قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: كافَّةٌ لِلْكافِ ولِذَلِكَ وقَعَتِ الجُمْلَةُ بَعْدَها، وقالَ غَيْرُهُ: مَوْصُولَةٌ حَرْفِيَّةٌ، أيْ: كَما ثَبَتَ لَهم آلِهَةٌ فَتَكُونُ قَدْ حُذِفَ صِلَتُها عَلى حَدِّ ما قالَ ابْنُ مالِكٍ في أنَّهُ إذا حُذِفَتْ صِلَةُ ما فَلا بُدَّ مِن إبْقاءِ مَعْمُولِها كَقَوْلِهِمْ: لا أُكَلِّمُكَ ما إنَّ في السَّماءِ نَجْمًا، أيْ: ما ثَبَتَ أنَّ في السَّماءِ نَجْمًا، ويَكُونُ آلِهَةٌ فاعِلًا يُثْبِتُ المَحْذُوفَةَ، وقِيلَ: مَوْصُولَةٌ اسْمِيَّةٌ ولَهم صِلَتُها والضَّمِيرُ عائِدٌ عَلَيْها مُسْتَكِنٌّ في المَجْرُورِ، والتَّقْدِيرُ: كالَّذِي لَهم وآلِهَةٌ بَدَلٌ مِن ذَلِكَ الضَّمِيرِ المُسْتَكِنِّ. ﴿قالَ إنَّكم قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ تَعَجَّبَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِن قَوْلِهِمْ عَلى أثَرِ ما رَأوْا مِنَ الآياتِ العَظِيمَةِ والمُعْجِزاتِ الباهِرَةِ، ووَصَفَهم بِالجَهْلِ المُطْلَقِ وأكَّدَهُ بِإنَّ؛ لِأنَّهُ لا جَهْلَ أعْظَمُ مِن هَذِهِ المَقالَةِ، ولا أشْنَعُ وأتى بِلَفْظِ (تَجْهَلُونَ) ولَمْ يَقُلْ جَهِلْتُمْ إشْعارًا بِأنَّ ذَلِكَ مِنهم كالطَّبْعِ والغَرِيزَةِ لا يَنْتَقِلُونَ عَنْهُ في ماضٍ ولا مُسْتَقْبَلٍ. ﴿إنَّ هَؤُلاءِ مُتَبَّرٌ ما هم فِيهِ وباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ الإشارَةُ بِهَؤُلاءِ إلى العاكِفِينَ عَلى عِبادَةِ الأصْنامِ، ومَعْنى مُتَبَّرٌ مُهْلَكٌ مُدَمَّرٌ مُكَسَّرٌ، وأصْلُهُ الكَسْرُ، وقالَ الكَلْبِيُّ: مُبْطَلٌ، وقالَ أبُو اليَسَعِ: مُضَلَّلٌ، وقالَ السُّدِّيُّ وابْنُ زَيْدٍ: مُدَمَّرٌ رَدِيءٌ سَيِّئُ العاقِبَةِ وما هم فِيهِ يَعُمُّ جَمِيعَ أحْوالِهِمْ، وبَطَلُ عَمَلِهِمْ هو اضْمِحْلالُهُ بِحَيْثُ لا يُنْتَفَعُ بِهِ وإنْ كانَ مَقْصُودًا بِهِ التَّقَرُّبُ إلى اللَّهِ تَعالى: ﴿وقَدِمْنا إلى ما عَمِلُوا مِن عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنثُورًا﴾ [الفرقان: ٢٣]، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وفي إيقاعِ (هَؤُلاءِ) اسْمًا لـِ (إنَّ) وتَقْدِيمِ خَبَرِ المُبْتَدَأِ مِنَ الجُمْلَةِ الواقِعَةِ خَبَرًا لَها واسْمٌ لِعِبادِهِ بِأنَّهم هُمُ المُعَرَّضُونَ لِلتَّبارِ، وأنَّهُ لا يَعْدُوهُمُ البَتَّةَ وأنَّهُ لَهم ضَرْبَةُ لازِمٍ لِيُحَذِّرَهم عاقِبَةَ ما طَلَبُوا ويُبَغِّضَ لَهم فِيما أحَبُّوا انْتَهى. ولا يَتَعَيَّنُ ما قالَهُ مِن أنَّهُ قَدْ جَزَمَ خَبَرَ المُبْتَدَأِ مِنَ الجُمْلَةِ الواقِعَةِ خَبَرًا لِأنَّ لِأنَّ الأحْسَنَ في (p-٣٧٩)إعْرابِ مِثْلِ هَذا أنْ يَكُونَ خَبَرُ إنَّ مُتَبَّرًا، وما بَعْدَهُ مَرْفُوعٌ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، وكَذَلِكَ (ما كانُوا) هو فاعِلٌ بِقَوْلِهِ (وباطِلٌ) فَيَكُونُ إذْ ذاكَ قَدْ أخْبَرَ عَنِ اسْمِ إنَّ بِمُفْرَدٍ لا جُمْلَةٍ، وهو نَظِيرُ إنَّ زَيْدًا مَضْرُوبٌ غُلامُهُ، فالأحْسَنُ في الإعْرابِ أنْ يَكُونَ غُلامُهُ مَرْفُوعًا عَلى أنَّهُ لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، ومَضْرُوبٌ خَبَرُ إنَّ، والوَجْهُ الآخَرُ وهو أنْ يَكَوْنَ مُبْتَدَأً ومَضْرُوبٌ خَبَرُهُ جائِزٌ مَرْجُوحٌ.

الأعراف 7:139

﴿وجاوَزْنا بِبَنِي إسْرائِيلَ البَحْرَ﴾ لَمّا بَيَّنَ أنْواعَ نِعَمِهِ تَعالى عَلى بَنِي إسْرائِيلَ بِإهْلاكِ عَدُوِّهِمْ أتْبَعَ بِالنِّعْمَةِ العُظْمى مِن إراءَتِهِمْ هَذِهِ الآيَةَ العَظِيمَةَ وقَطْعِهِمُ البَحْرَ مَعَ السَّلامَةِ، والبَحْرُ بَحْرُ القُلْزُمِ، وأخْطَأ مَن قالَ إنَّهُ نِيلُ مِصْرَ ومَعْنى (جاوَزْنا) قَطَعْنا بِهِمُ البَحْرَ يُقالُ جاوَزَ الوادِيَ إذا قَطَعَهُ، والباءُ لِلتَّعْدِيَةِ يُقالُ جاوَزَ الوادِيَ إذا قَطَعَهُ، وجاوَزَ بِغَيْرِهِ البَحْرَ عَبَرَ بِهِ فَكَأنَّهُ قالَ وجُزْنا بِبَنِي إسْرائِيلَ، أيْ: أجَزْناهُمُ البَحْرَ، وفاعَلَ بِمَعْنى فَعَلَ المُجَرَّدِ يُقالُ: جاوَزَ وجازَ بِمَعْنًى واحِدٍ، وقَرَأ الحَسَنُ وإبْراهِيمُ، وأبُو رَجاءٍ ويَعْقُوبُ (وجَوَّزْنا) وهو مِمّا جاءَ فِيهِ فَعَّلَ بِمَعْنى فَعَلَ المُجَرَّدِ نَحْوُ قَدَّرَ وقَدَرَ، ولَيْسَ التَّضْعِيفُ لِلتَّعْدِيَةِ، رُوِيَ أنَّهُ عَبَرَ بِهِمْ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - يَوْمَ عاشُوراءَ بَعْدَما أهْلَكَ اللَّهُ فِرْعَوْنَ وقَوْمَهُ فَصامُوا شُكْرًا لِلَّهِ، وأُعْطِيَ مُوسى التَّوْراةَ يَوْمَ النَّحْرِ فَبَيْنَ الأمْرَيْنِ أحَدَ عَشَرَ شَهْرًا. * * ﴿فَأتَوْا عَلى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلى أصْنامٍ لَهُمْ﴾ قالَ قَتادَةُ، وأبُو عَمْرٍو الجَوْنِيُّ: هم مِن لَخْمٍ وجُذامٍ كانُوا يَسْكُنُونَ الرِّيفَ، وقِيلَ: كانُوا نُزُولًا بِالرِّقَّةِ رِقَّةِ مِصْرَ، وهي قَرْيَةٌ بِرِيفِ مِصْرَ تُعْرَفُ بِساحِلِ البَحْرِ يُتَوَصَّلُ مِنها إلى الفَيُّومِ، وقِيلَ: هُمُ الكَنْعانِيُّونَ الَّذِينَ أُمِرَ مُوسى بِقِتالِهِمْ ومَعْنى (فَأتَوْا) فَمَرُّوا يُقالُ أتَتْ عَلَيْهِ سُنُونَ، ومَعْنى (يَعْكُفُونَ) يُقِيمُونَ ويُواظِبُونَ عَلى عِبادَةِ أصْنامٍ، وقَرَأ الأخَوانِ، وأبُو عُمَرَ وفي رِوايَةِ عَبْدِ الوارِثِ بِكَسْرِ الكافِ وباقِي السَّبْعَةِ بِضَمِّها وهُما فَصِيحَتانِ، والأصْنامُ قِيلَ: بَقَرٌ حَقِيقَةً. وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ كانَتْ تَماثِيلَ بَقَرٍ مِن حِجارَةٍ وعِيدانٍ ونَحْوِهِ، وذَلِكَ كانَ أوَّلَ فِتْنَةِ العِجْلِ. * * ﴿قالُوا يا مُوسى اجْعَلْ لَنا إلَهًا كَما لَهم آلِهَةٌ﴾ الظّاهِرُ أنَّ طَلَبَ مِثْلِ هَذا كُفْرٌ وارْتِدادٌ وعِنادٌ، جَرَوْا في ذَلِكَ عَلى عادَتِهِمْ في تَعَنُّتِهِمْ عَلى أنْبِيائِهِمْ وطَلَبِهِمْ ما لا يَنْبَغِي، وقَدْ تَقَدَّمَ مِن كَلامِهِمْ ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى نَرى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ [البقرة: ٥٥] وغَيْرُ ذَلِكَ مِمّا هو كُفْرٌ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: (p-٣٧٨)الظّاهِرُ أنَّهُمُ اسْتَحْسَنُوا ما رَأوْا مِن آلِهَةِ أُولَئِكَ القَوْمِ فَأرادُوا أنْ يَكُونَ ذَلِكَ في شَرْعِ مُوسى وفي جُمْلَةِ ما يُتَقَرَّبُ بِهِ إلى اللَّهِ تَعالى، وإلّا فَبَعِيدٌ أنْ يَقُولُوا لِمُوسى ﴿اجْعَلْ لَنا إلَهًا﴾ نُفْرِدُهُ بِالعِبادَةِ. انْتَهى وفي الحَدِيثِ: «مَرُّوا في غَزْوَةِ حُنَيْنٍ عَلى رَوْحِ سِدْرَةٍ خَضْراءَ عَظِيمَةٍ، فَقِيلَ: يا رَسُولَ اللَّهِ اجْعَلْ لَنا ذاتَ أنْواطٍ» . وكانَتْ ذاتُ أنْواطٍ سَرْحَةً لِبَعْضِ المُشْرِكِينَ يُعَلِّقُونَ بِها أسْلِحَتَهم، ولَها يَوْمٌ يَجْتَمِعُونَ إلَيْها، فَأرادَ قائِلُ ذَلِكَ أنْ يَشْرَعَ الرَّسُولُ ذَلِكَ في الإسْلامِ، ورَأى الرَّسُولُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ذَلِكَ ذَرِيعَةً إلى عِبادَةِ تِلْكَ السَّرْحَةِ فَأنْكَرَهُ، وقالَ: «اللَّهُ أكْبَرُ قُلْتُمْ واللَّهِ كَما قالَ بَنُو إسْرائِيلَ» . ﴿اجْعَلْ لَنا إلَهًا﴾ خالِقًا مُدَبِّرًا؛ لِأنَّ الَّذِي يَجْعَلُهُ مُوسى لا يُمْكِنُ أنْ يَجْعَلَهُ خالِقًا لِلْعالَمِ ومُدَبِّرًا، فالأقْرَبُ أنَّهم طَلَبُوا أنْ يُعَيِّنَ لَهم تَماثِيلَ وصُوَرًا، يَتَقَرَّبُونَ بِعِبادَتِها إلى اللَّهِ تَعالى، وقَدْ حُكِيَ عَنْ عِبادَةِ الأوْثانِ قَوْلُهم: ﴿ما نَعْبُدُهم إلّا لِيُقَرِّبُونا إلى اللَّهِ زُلْفى﴾ [الزمر: ٣] وأجْمَعَ كُلُّ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ عَلى أنَّ عِبادَةَ غَيْرِ اللَّهِ كُفْرٌ سَواءٌ اعْتُقِدَ كَوْنُهُ إلَهًا لِلْعالَمِ، أوْ أنَّ عِبادَتَهُ تُقَرِّبُ إلى اللَّهِ. انْتَهى. ويَظْهَرُ أنَّ ذَلِكَ لَمْ يَصْدُرْ مِن جَمِيعِهِمْ فَإنَّهُ كانَ فِيهِمُ السَّبْعُونَ المُخْتارُونَ، ومَن لا يَصْدُرُ مِنهُ هَذا السُّؤالُ الباطِلُ لَكِنَّهُ نُسِبَ ذَلِكَ إلى بَنِي إسْرائِيلَ لَمّا وقَعَ مِن بَعْضِهِمْ عَلى عادَةِ العَرَبِ في ذَلِكَ و”ما“ في ”كَما“ . قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: كافَّةٌ لِلْكافِ ولِذَلِكَ وقَعَتِ الجُمْلَةُ بَعْدَها، وقالَ غَيْرُهُ: مَوْصُولَةٌ حَرْفِيَّةٌ، أيْ: كَما ثَبَتَ لَهم آلِهَةٌ فَتَكُونُ قَدْ حُذِفَ صِلَتُها عَلى حَدِّ ما قالَ ابْنُ مالِكٍ في أنَّهُ إذا حُذِفَتْ صِلَةُ ما فَلا بُدَّ مِن إبْقاءِ مَعْمُولِها كَقَوْلِهِمْ: لا أُكَلِّمُكَ ما إنَّ في السَّماءِ نَجْمًا، أيْ: ما ثَبَتَ أنَّ في السَّماءِ نَجْمًا، ويَكُونُ آلِهَةٌ فاعِلًا يُثْبِتُ المَحْذُوفَةَ، وقِيلَ: مَوْصُولَةٌ اسْمِيَّةٌ ولَهم صِلَتُها والضَّمِيرُ عائِدٌ عَلَيْها مُسْتَكِنٌّ في المَجْرُورِ، والتَّقْدِيرُ: كالَّذِي لَهم وآلِهَةٌ بَدَلٌ مِن ذَلِكَ الضَّمِيرِ المُسْتَكِنِّ. ﴿قالَ إنَّكم قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ تَعَجَّبَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِن قَوْلِهِمْ عَلى أثَرِ ما رَأوْا مِنَ الآياتِ العَظِيمَةِ والمُعْجِزاتِ الباهِرَةِ، ووَصَفَهم بِالجَهْلِ المُطْلَقِ وأكَّدَهُ بِإنَّ؛ لِأنَّهُ لا جَهْلَ أعْظَمُ مِن هَذِهِ المَقالَةِ، ولا أشْنَعُ وأتى بِلَفْظِ (تَجْهَلُونَ) ولَمْ يَقُلْ جَهِلْتُمْ إشْعارًا بِأنَّ ذَلِكَ مِنهم كالطَّبْعِ والغَرِيزَةِ لا يَنْتَقِلُونَ عَنْهُ في ماضٍ ولا مُسْتَقْبَلٍ. ﴿إنَّ هَؤُلاءِ مُتَبَّرٌ ما هم فِيهِ وباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ الإشارَةُ بِهَؤُلاءِ إلى العاكِفِينَ عَلى عِبادَةِ الأصْنامِ، ومَعْنى مُتَبَّرٌ مُهْلَكٌ مُدَمَّرٌ مُكَسَّرٌ، وأصْلُهُ الكَسْرُ، وقالَ الكَلْبِيُّ: مُبْطَلٌ، وقالَ أبُو اليَسَعِ: مُضَلَّلٌ، وقالَ السُّدِّيُّ وابْنُ زَيْدٍ: مُدَمَّرٌ رَدِيءٌ سَيِّئُ العاقِبَةِ وما هم فِيهِ يَعُمُّ جَمِيعَ أحْوالِهِمْ، وبَطَلُ عَمَلِهِمْ هو اضْمِحْلالُهُ بِحَيْثُ لا يُنْتَفَعُ بِهِ وإنْ كانَ مَقْصُودًا بِهِ التَّقَرُّبُ إلى اللَّهِ تَعالى: ﴿وقَدِمْنا إلى ما عَمِلُوا مِن عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنثُورًا﴾ [الفرقان: ٢٣]، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وفي إيقاعِ (هَؤُلاءِ) اسْمًا لـِ (إنَّ) وتَقْدِيمِ خَبَرِ المُبْتَدَأِ مِنَ الجُمْلَةِ الواقِعَةِ خَبَرًا لَها واسْمٌ لِعِبادِهِ بِأنَّهم هُمُ المُعَرَّضُونَ لِلتَّبارِ، وأنَّهُ لا يَعْدُوهُمُ البَتَّةَ وأنَّهُ لَهم ضَرْبَةُ لازِمٍ لِيُحَذِّرَهم عاقِبَةَ ما طَلَبُوا ويُبَغِّضَ لَهم فِيما أحَبُّوا انْتَهى. ولا يَتَعَيَّنُ ما قالَهُ مِن أنَّهُ قَدْ جَزَمَ خَبَرَ المُبْتَدَأِ مِنَ الجُمْلَةِ الواقِعَةِ خَبَرًا لِأنَّ لِأنَّ الأحْسَنَ في (p-٣٧٩)إعْرابِ مِثْلِ هَذا أنْ يَكُونَ خَبَرُ إنَّ مُتَبَّرًا، وما بَعْدَهُ مَرْفُوعٌ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، وكَذَلِكَ (ما كانُوا) هو فاعِلٌ بِقَوْلِهِ (وباطِلٌ) فَيَكُونُ إذْ ذاكَ قَدْ أخْبَرَ عَنِ اسْمِ إنَّ بِمُفْرَدٍ لا جُمْلَةٍ، وهو نَظِيرُ إنَّ زَيْدًا مَضْرُوبٌ غُلامُهُ، فالأحْسَنُ في الإعْرابِ أنْ يَكُونَ غُلامُهُ مَرْفُوعًا عَلى أنَّهُ لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، ومَضْرُوبٌ خَبَرُ إنَّ، والوَجْهُ الآخَرُ وهو أنْ يَكَوْنَ مُبْتَدَأً ومَضْرُوبٌ خَبَرُهُ جائِزٌ مَرْجُوحٌ.

الأعراف 7:140

﴿قالَ أغَيْرَ اللَّهِ أبْغِيكم إلَهًا وهو فَضَّلَكم عَلى العالَمِينَ﴾ ما أحْسَنَ ما خاطَبَهم مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ بَدَأهم أوَّلًا بِنِسْبَتِهِمْ إلى الجَهْلِ ثُمَّ ثانِيًا أخْبَرَهم بِأنَّ عُبّادَ الأصْنامِ لَيْسُوا عَلى شَيْءٍ بَلْ مَآلُ أمْرِهِمْ إلى الهَلاكِ وبُطْلانِ العَمَلِ، وثالِثًا أنْكَرَ وتَعَجَّبَ أنْ يَقَعَ هو عَلَيْهِ السَّلامُ في أنْ يَبْغِيَ لَهم غَيْرَ اللَّهِ إلَهًا أيْ أغَيْرَ المُسْتَحِقِّ لِلْعِبادَةِ والأُلُوهِيَّةِ أطْلُبُ لَكم مَعْبُودًا ؟ وهو الَّذِي شَرَّفَكم واخْتَصَّكم بِالنِّعَمِ الَّتِي لَمْ يُعْطِها مَن سَلَفَ مِنَ الأُمَمِ لا غَيْرُهُ فَكَيْفَ أبْغِي لَكم إلَهًا غَيْرَهُ، ومَعْنى عَلى العالَمِينَ عَلى عالَمَيْ زَمانِهِمْ أوْ بِكَثْرَةِ الأنْبِياءِ فِيهِمْ، قالَ ابْنُ القُشَيْرِيِّ: بِإهْلاكِ عَدُوِّهِمْ وبِما خَصَّهم مِنَ الآياتِ، وانْتَصَبَ (غَيْرَ) مَفْعُولًا بِأبْغِيكم أيْ أبْغِي لَكم غَيْرَ اللَّهِ، (وإلَهًا) تَمْيِيزٌ عَنْ (غَيْرَ) أوْ حالٌ أوْ عَلى الحالِ (وإلَهًا) المَفْعُولُ والتَّقْدِيرُ أبْغِي لَكم إلَهًا غَيْرَ اللَّهِ فَكانَ غَيْرُ صِفَةً، فَلَمّا تَقَدَّمَ انْتَصَبَ حالًا، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وغَيْرُ مَنصُوبَةٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ هَذا هو الظّاهِرُ ويُحْتَمَلُ أنْ يَنْتَصِبَ عَلى الحالِ انْتَهى. ولا يَظْهَرَ نَصْبُهُ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ لِأنَّ أبْغِي مُفَرِّغٌ لَهُ أوْ لِقَوْلِهِ إلَهًا، فَإنَّ تَخَيُّلَ أنَّهُ مَنصُوبٌ بِـ أبْغِي مُضْمَرَةً يُفَسِّرُها هَذا الظّاهِرُ فَلا يَصِحُّ لِأنَّ الجُمْلَةَ المُفَسِّرَةَ لا رابِطَ فِيها لا مِن ضَمِيرٍ ولا مِن مُلابِسٍ يَرْبُطُها بِغَيْرٍ، فَلَوْ كانَ التَّرْكِيبُ أغَيْرَ اللَّهِ أبْغِيكُمُوهُ لَصَحَّ، ويَحْتَمِلُ وهو فَضَّلَكم أنْ يَكُونَ حالًا وأنْ يَكُونَ مُسْتَأْنَفًا.

الأعراف 7:141

﴿وإذْ أنْجَيْناكم مِن آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكم سُوءَ العَذابِ يُقَتِّلُونَ أبْناءَكم ويَسْتَحْيُونَ نِساءَكم وفي ذَلِكم بَلاءٌ مِن رَبِّكم عَظِيمٌ﴾ وقَرَأ الجُمْهُورُ (أنْجَيْناكم) وفِرْقَةٌ (نَجَّيْناكم) مُشَدَّدًا وابْنُ عامِرٍ (أنْجاكم) فَعَلى أنْجاكم يَكُونُ جارِيًا عَلى قَوْلِهِ (وهو فَضَّلَكم) خاطَبَ بِها مُوسى قَوْمَهُ، وفي قِراءَةِ النُّونِ خاطَبَهُمُ اللَّهُ تَعالى بِذَلِكَ، وقالَ الطَّبَرِيُّ: الخِطابُ لِمَن كانَ عَلى عَهْدِ الرَّسُولِ ﷺ تَقْرِيعًا لَهم بِما فَعَلَ أوائِلُهم وبِما جاءُوا بِهِ، وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ نَظِيرِ هَذِهِ الآيَةِ في أوائِلِ البَقَرَةِ، وقَرَأ نافِعٌ (يَقْتُلُونَ) مِن قَتَلَ والجُمْهُورُ مِن قَتَّلَ مُشَدَّدًا.

الأعراف 7:142

﴿وواعَدْنا مُوسى ثَلاثِينَ لَيْلَةً وأتْمَمْناها بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقاتُ رَبِّهِ أرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ رُوِيَ (p-٣٨٠)أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ وعَدَ بَنِي إسْرائِيلَ وهو بِمِصْرَ إنْ أهْلَكَ اللَّهُ عَدُوَّهم أتاهم بِكِتابٍ مِن عِنْدِ اللَّهِ فِيهِ بَيانُ ما يَأْتُونَ وما يَذَرُوَنَ، فَلَمّا هَلَكَ فِرْعَوْنُ سَألَ مُوسى رَبَّهُ تَعالى الكِتابَ فَأمَرَهُ بِصَوْمِ ثَلاثِينَ يَوْمًا وهو شَهْرُ ذِي القِعْدَةِ فَلَمّا أتَمَّ الثَّلاثِينَ أنْكَرَ خُلُوفَ فِيهِ فَتَسَوَّكَ، فَقالَتِ المَلائِكَةُ كُنّا نَشُمُّ مِن فِيكَ رائِحَةَ المِسْكِ فَأفْسَدْتَهُ بِالسِّواكِ، وقِيلَ أوْحى اللَّهُ إلَيْهِ أما عَلِمْتَ أنَّ«خُلُوفَ فَمِ الصّائِمِ عِنْدَ اللَّهِ أطْيَبُ مِن رِيحِ المِسْكِ» فَأمَرَهُ أنْ يَزِيدَ عَلَيْهِ عَشْرَةَ أيّامٍ مِن ذِي الحِجَّةِ لِذَلِكَ، وقِيلَ أمَرَهَ اللَّهُ بِأنْ يَصُومَ ثَلاثِينَ يَوْمًا وأنْ يَعْمَلَ فِيها بِما يُقَرِّبُهُ مِنَ اللَّهِ تَعالى ثُمَّ أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ التَّوْراةُ في العَشْرِ وكُلِّمَ فِيها، وأُجْمِلَ ذِكْرُ الأرْبَعِينَ في البَقَرَةِ وفُصِّلَ هُنا، وقالَ الكَلْبِيُّ: لَمّا قَطَعَ مُوسى البَحْرَ بِبَنِي إسْرائِيلَ وغَرِقَ فِرْعَوْنُ قالَتْ بَنُو إسْرائِيلَ لِمُوسى: ائْتِنا بِكِتابٍ مِن رَبِّنا كَما وعَدْتَنا وزَعَمْتَ أنَّكَ تَأْتِينا بِهِ إلى شَهْرٍ فاخْتارَ مُوسى مِن قَوْمِهِ سَبْعِينَ رَجُلًا لِيَنْطَلِقُوا مَعَهُ فَلَمّا تَجَهَّزُوا قالَ اللَّهُ تَعالى لِمُوسى أخْبِرْ قَوْمَكَ أنَّكَ لَنْ تَأْتِيَهم أرْبَعِينَ لَيْلَةً، وذَلِكَ حِينَ أُتِمَّتْ بِعَشْرٍ، فَلَمّا خَرَجَ مُوسى بِالسَّبْعِينَ أمَرَهم أنْ يَنْتَظِرُوهُ أسْفَلَ الجَبَلِ وصَعِدَ مُوسى الجَبَلَ وكَلَّمَهُ اللَّهُ أرْبَعِينَ يَوْمًا وأرْبَعِينَ لَيْلَةً، وكَتَبَ لَهُ الألْواحَ ثُمَّ إنَّ بَنِي إسْرائِيلَ عَدُّوا عِشْرِينَ لَيْلَةً وعِشْرِينَ يَوْمًا، وقالُوا قَدْ أخْلَفَنا مُوسى الوَعْدَ وجَعَلَ لَهُمُ السّامِرِيُّ العِجْلَ فَعَبَدُوهُ، وقِيلَ: زِيدَتِ العَشْرُ بَعْدَ الشَّهْرِ لِلْمُناجاةِ، وقِيلَ: التَفَتَ في طَرِيقِهِ فَزِيدَها، وقِيلَ: زِيدَتْ عُقُوبَةً لِقَوْمِهِ عَلى عِبادَةِ العِجْلِ، وقِيلَ: أُعْلِمَ مُوسى بِمَغِيبِهِ ثَلاثِينَ لَيْلَةً فَلَمّا زادَهُ العَشْرَ في مَغِيبِهِ لَمْ يُعْلَمُوا بِذَلِكَ ووَجَسَتْ نُفُوسُهم لِلزِّيادَةِ عَلى ما أخْبَرَهم فَقالَ السّامِرِيُّ هَلَكَ مُوسى ولَيْسَ بِراجِعٍ، وأضَلَّهم بِالعِجْلِ فاتَّبَعُوهُ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ، وفائِدَةُ التَّفْصِيلِ قالُوا: إنَّ الثَّلاثِينَ لِلتَّهَيُّؤِ لِلْمُناجاةِ والعَشْرَ لِإنْزالِ التَّوْراةِ وتَكْلِيمِهِ، وقالَ أبُو مُسْلِمٍ: بادَرَ إلى مِيقاتِ رَبِّهِ قَبْلَ قَوْمِهِ لِقَوْلِهِ: ﴿وما أعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يامُوسى﴾ [طه: ٨٣] الآيَةَ، فَجائِزٌ أنْ يَكُونَ أتى الطُّورَ عِنْدَ تَمامِ الثَّلاثِينَ فَلَمّا أُعْلِمَ بِخَبَرِ قَوْمِهِ مَعَ السّامِرِيِّ رَجَعَ إلى قَوْمِهِ قَبْلَ تَمامِ مُدَّةِ الوَعْدِ ثُمَّ عادَ إلى المِيقاتِ في عَشْرٍ أُخَرَ، قِيلَ: لا يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ وعْدانِ أوَّلٌ حَضَرَهُ مُوسى وثانٍ حَضَرَهُ المُخْتارُونَ لِيَسْمَعُوا كَلامَ اللَّهِ فاخْتَلَفَ الوَعْدُ لِاخْتِلافِ الحاضِرِينَ، والثَّلاثُونَ هي شَهْرُ ذِي القَعْدَةِ والعَشْرُ مِن ذِي الحِجَّةِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ومَسْرُوقٌ ومُجاهِدٌ وتَقَدَّمَ الخِلافُ في قِراءَةِ ووَعَدْنا وقالُوا انْتَصَبَ (ثَلاثِينَ) عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ ثانٍ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، فَقَدَّرَهُ أبُو البَقاءِ إتْيانَ ثَلاثِينَ أوْ تَمامَ ثَلاثِينَ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ (وثَلاثِينَ) نُصِبَ عَلى تَقْدِيرِ أجَّلْناهُ أوْ مُناجاةِ ثَلاثِينَ، ولَيْسَتْ مُنْتَصِبَةً عَلى الظَّرْفِ، والهاءُ في (وأتْمَمْناها) عائِدَةٌ عَلى المُواعَدَةِ المَفْهُومَةِ مِن (واعَدْنا)، وقالَ الحَوْفِيُّ الهاءُ والألِفُ نُصِبا بِأتْمَمْناها، وهُما راجِعَتانِ إلى (ثَلاثِينَ) ولا يَظْهَرُ لِأنَّ الثَّلاثِينَ لَمْ تَكُنْ ناقِصَةً فَتُمِّمَتْ بِعَشْرٍ، وحُذِفَ مُمَيِّزُ عَشْرٍ أيْ عَشْرِ لَيالٍ لِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ، وفي مُصْحَفِ أُبَيٍّ: ”وتَمَّمْناها“ مُشَدَّدًا، والمِيقاتُ ما وُقِّتَ لَهُ مِنَ الوَقْتِ وضَرْبِهِ لَهُ، وجاءَ بِلَفْظِ رَبِّهِ ولَمْ يَأْتِ عَلى (واعَدْنا) فَكانَ يَكُونُ التَّرْكِيبُ فَتَمَّ مِيقاتُنا لِأنَّ لَفْظَ (رَبِّهِ) دالٌّ عَلى أنَّهُ مُصْلِحُهُ وناظِرٌ في أمْرِهِ ومالِكُهُ والمُتَصَرِّفُ فِيهِ، قِيلَ: والفَرْقُ بَيْنَ المِيقاتِ والوَقْتِ أنَّ المِيقاتَ ما قُدِّرَ فِيهِ عَمَلٌ مِنَ الأعْمالِ، والوَقْتُ وقْتُ الشَّيْءِ، وانْتَصَبَ (أرْبَعِينَ) عَلى الحالِ قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، الحالُ فِيهِ فَقالَ أتى بِـ (تَمَّ) بالِغًا هَذا العَدَدَ فَعَلى هَذا لا يَكُونُ الحالُ (أرْبَعِينَ) بَلِ الحالُ هَذا المَحْذُوفُ فَيُنافِي قَوْلَهُ (وأرْبَعِينَ) لَيْلَةً نُصِبَ عَلى الحالِ. * * (p-٣٨١)﴿وقالَ مُوسى لِأخِيهِ هارُونَ اخْلُفْنِي في قَوْمِي وأصْلِحْ ولا تَتَبَّعْ سَبِيلَ المُفْسِدِينَ﴾ وقُرِئَ شاذًّا ”هارُونُ“ بِالضَّمِّ عَلى النِّداءِ، أيْ: يا هارُونُ، أمَرَهُ حِينَ أرادَ المُضِيَّ لِلْمُناجاةِ والمَغِيبِ فِيها أنْ يَكُونَ خَلِيفَتَهُ في قَوْمِهِ وأنْ يُصْلِحَ في نَفْسِهِ أوْ ما يَجِبُ أنْ يُصْلِحَ مِن أمْرِ قَوْمِهِ، ونَهاهُ أنْ يَتَّبِعَ سَبِيلَ مَن أفْسَدَ وفي النَّهْيِ دَلِيلٌ عَلى وُجُودِ المُفْسِدِينَ، ولِذَلِكَ نَهاهُ عَنِ اتِّباعِ سَبِيلِهِمْ، وأمْرُهُ إيّاهُ بِالصَّلاحِ ونَهْيُهُ عَنِ اتِّباعِ سَبِيلِ المُفْسِدِينَ هو عَلى سَبِيلِ التَّأْكِيدِ لا لِتَوَهُّمِ أنَّهُ يَقَعُ مِنهُ خِلافُ الإصْلاحِ واتِّباعُ تِلْكَ السَّبِيلِ؛ لِأنَّ مَنصِبَ النُّبُوَّةِ مُنَزَّهٌ عَنْ ذَلِكَ، ومَعْنى (اخْلُفْنِي) اسْتَبِدَّ بِالأمْرِ، وذَلِكَ في حَياتِهِ إذْ راحَ إلى مُناجاةِ رَبِّهِ، ولَيْسَ المَعْنى أنَّكَ تَكُونُ خَلِيفَتِي بَعْدَ مَوْتِي ألا تَرى أنَّ هارُونَ عَلَيْهِ السَّلامُ ماتَ قَبْلَ مُوسى عَلَيْهِما السَّلامُ، ولَيْسَ في قَوْلِ الرَّسُولِ ﷺ لِعَلِيٍّ «أنْتَ مِنِّي كَهارُونَ مِن مُوسى» دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ خَلِيفَتُهُ بَعْدَ مَوْتِهِ إذْ لَمْ يَكُنْ هارُونُ خَلِيفَةً بَعْدَ مَوْتِ مُوسى وإنَّما اسْتَخْلَفَ الرَّسُولُ عَلِيًّا عَلى أهْلِ بَيْتِهِ إذْ سافَرَ الرَّسُولُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في بَعْضِ مَغازِيهِ، كَما اسْتَخْلَفَ ابْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ عَلى المَدِينَةِ فَلَمْ يَكُنْ في ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ يَكُونُ خَلِيفَةً بَعْدَ مَوْتِ الرَّسُولِ.

الأعراف 7:143

﴿ولَمّا جاءَ مُوسى لِمِيقاتِنا وكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ أيْ لِلْوَقْتِ الَّذِي ضَرَبَهُ لَهُ أيْ لِتَمامِ الأرْبَعِينَ كَما تَقُولُ أتَيْتُهُ لِعَشْرٍ خَلَوْنَ مِنَ الشَّهْرِ، ومَعْنى اللّامِ الِاخْتِصاصُ، والجُمْهُورُ عَلى أنَّهُ وحْدَهُ خُصَّ بِالتَّكْلِيمِ إذْ جاءَ لِلْمِيقاتِ، وقالَ القاضِي: سَمِعَ هو والسَّبْعُونَ كَلامَ اللَّهِ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: خُلِقَ لَهُ إدْراكًا سَمِعَ بِهِ الكَلامَ القائِمَ بِالذّاتِ القَدِيمَةِ الَّذِي هو صِفَةُ ذاتٍ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ جُبَيْرٍ: أدْنى اللَّهُ تَعالى مُوسى حَتّى سَمِعَ صَرِيفَ الأقْلامِ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وكَلَّمَهُ رَبُّهُ مِن غَيْرِ واسِطَةٍ كَما يُكَلِّمُ المَلَكَ، وتَكْلِيمُهُ أنْ يَخْلُقَ الكَلامَ مَنطُوقًا بِهِ في بَعْضِ الأجْرامِ كَما خَلَقَهُ مَحْفُوظًا في اللَّوْحِ، ورُوِيَ أنَّ مُوسى كانَ يَسْمَعُ الكَلامَ في كُلِّ جِهَةٍ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ كَلَّمَهُ أرْبَعِينَ يَوْمًا وأرْبَعِينَ لَيْلَةً وكَتَبَ لَهُ الألْواحَ، وقِيلَ: إنَّما كَلَّمَهُ في أوَّلِ الأرْبَعِينَ انْتَهى. وقالَ وهْبٌ كَلَّمَهُ في ألْفِ مَقامٍ وعَلى أثَرِ كُلِّ مَقامٍ يُرى نُورٌ عَلى وجْهِهِ ثَلاثَةَ أيّامٍ ولَمْ يَقْرَبِ النِّساءَ مُذْ كَلَّمَهُ اللَّهُ، وقَدْ أوْرَدُوا هُنا الخِلافَ الَّذِي في كَلامِ اللَّهِ، وهو مَذْكُورٌ، ودَلائِلُ المُخْتَلِفِينَ مَذْكُورٌ في كُتُبِ أُصُولِ الدِّينِ، وكَلَّمَهُ مَعْطُوفٌ عَلى جاءَ، وقِيلَ: حالَ، وعَدَلَ عَنْ قَوْلِهِ ”وكَلَّمْناهُ“ إلى قَوْلِهِ: وكَلَّمَهُ رَبُّهُ (p-٣٨٢)لِلْمَعْنى الَّذِي عَدَلَ إلى قَوْلِهِ فَتَمَّ مِيقاتُ رَبِّهِ، وفَلَمّا تَجَلّى رَبُّهُ. * * ﴿قالَ رَبِّ أرِنِي أنْظُرْ إلَيْكَ﴾ . قالَ السُّدِّيُّ وأبُو بَكْرٍ الهُذَلِيُّ: لَمّا كَلَّمَهُ وخَصَّهُ بِهَذِهِ المَرْتَبَةِ طَمَحَتْ هِمَّتُهُ إلى رُتْبَةِ الرُّؤْيَةِ وتَشَوَّفَ إلى ذَلِكَ فَسَألَ رَبَّهُ أنْ يُرِيَهُ نَفْسَهُ. قالَ الزَّجّاجُ: شَوَّقَهُ الكَلامُ فَعِيلَ صَبْرُهُ فَحَمَلَهُ عَلى سُؤالِ الرُّؤْيَةِ، وقالَ الرَّبِيعُ: لَمْ يَعْهَدْ إلَيْهِ في الرُّؤْيَةِ فَظَنَّ أنَّ السُّؤالَ في هَذا الوَقْتِ جائِزٌ، وقالَ السُّدِّيُّ: غارَ الشَّيْطانُ في الأرْضِ فَخَرَجَ بَيْنَ يَدَيْهِ فَقالَ إنَّما يُكَلِّمُكَ شَيْطانٌ فَسَألَ الرُّؤْيَةَ ولَوْ لَمْ تَجُزِ الرُّؤْيَةُ ما سَألَها ؟ قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ورُؤْيَةُ اللَّهِ عِنْدَ الأشْعَرِيَّةِ وأهْلِ السُّنَّةِ جائِزَةٌ عَقْلًا؛ لِأنَّهُ مِن حَيْثُ هو مَوْجُودٌ تَصِحُّ رُؤْيَتُهُ وقَرَّرَتِ الشَّرِيعَةُ رُؤْيَةَ اللَّهِ في الآخِرَةِ ومَنَعَتْ مِن ذَلِكَ في الدُّنْيا بِظَواهِرِ الشَّرْعِ، فَمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يَسْألْ مُحالًا وإنَّما سَألَ جائِزًا، وقَوْلُهُ: ﴿لَنْ تَرانِي ولَكِنِ انْظُرْ إلى الجَبَلِ﴾ الآيَةَ لَيْسَ بِجَوابِ مَن سَألَ مُحالًا وقَدْ قالَ تَعالى لِنُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿فَلا تَسْألْنِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إنِّي أعِظُكَ أنْ تَكُونَ مِنَ الجاهِلِينَ﴾ [هود: ٤٦]، فَلَوْ سَألَ مُوسى مُحالًا لَكانَ في الجَوابِ زَجْرٌ ما وتَيْئِيسٌ، وقالَ الكِرْمانِيُّ وغَيْرُهُ: في الكَلامِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ لَنْ تَرانِي في الدُّنْيا، وقِيلَ: لَنْ تَقْدِرَ أنْ تَرانِي، وقِيلَ: لَنْ تَرانِي بِسُؤالِكَ، وقِيلَ: لَنْ تَرانِي ولَكِنْ سَتَرانِي حِينَ أتَجَلّى لِلْجَبَلِ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ طَلَبَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ذَلِكَ وهو مِن أعْلَمِ النّاسِ بِاللَّهِ تَعالى وصِفاتِهِ وما يَجُوزُ عَلَيْهِ وما لا يَجُوزُ وبِتَعالِيهِ عَنِ الصِّفَةِ الَّتِي هي إدْراكٌ بِبَعْضِ الحَواسِّ وذَلِكَ إنَّما يَصِحُّ فِيما كانَ في جِهَةٍ وما لَيْسَ بِجِسْمٍ ولا عَرَضٍ فَمُحالٌ أنْ يَكُونَ في جِهَةٍ، ومَنعُ المُجْبِرَةِ إحالَتُهُ في العُقُولِ غَيْرُ لازِمٍ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ بِأوَّلِ مُكابَرَتِهِمْ وارْتِكابِهِمْ وكَيْفَ يَكُونُ طالِبَهُ وقَدْ قالَ حِينَ أخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ الَّذِينَ قالُوا أرِنا اللَّهَ جَهْرَةً أتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ مِنّا إلى قَوْلِهِ: ﴿تُضِلُّ بِها مَن تَشاءُ﴾ [الأعراف: ١٥٥] فَتَبَرَّأ مِن فِعْلِهِمْ ودَعاهم سُفَهاءَ وضُلّالًا، قُلْتُ: ما كانَ طَلَبُهُ الرُّؤْيَةَ إلّا لِيُسْكِتَ هَؤُلاءِ الَّذِينَ دَعاهم سُفَهاءَ وضُلّالًا وتَبَرَّأ مِن فِعْلِهِمْ ولِيُلْقِمَهُمُ الحُجَّةَ، وذَلِكَ أنَّهم حِينَ طَلَبُوا الرُّؤْيَةَ أنْكَرَ عَلَيْهِمْ وأعْلَمَهُمُ الخَطَأ ونَبَّهَهم عَلى الحَقِّ فَلَجُّوا وتَمادَوْا في لَجاجِهِمْ وقالُوا لا بُدَّ ولَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى نَراهُ فَأرادَ أنْ يَسْمَعُوا النَّصَّ مِن عِنْدِ اللَّهِ بِاسْتِحالَةِ ذَلِكَ، وهو قَوْلُهُ لَنْ تَرانِي لِيَتَيَقَّنُوا ويَنْزاحَ عَنْهم ما كانَ داخِلَهم مِنَ الشُّبْهَةِ فَلِذَلِكَ قالَ: ﴿رَبِّ أرِنِي أنْظُرْ إلَيْكَ﴾ فَإنْ قُلْتَ: فَهَلّا قالَ أرِهِمْ يَنْظُرُونَ إلَيْكَ قُلْتُ: لِأنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ إنَّما كَلَّمَ مُوسى وهم يَسْمَعُونَ فَلَمّا سَمِعُوا كَلامَ رَبِّ العِزَّةِ أرادُوا أنْ يَرى مُوسى ذاتَهُ فَيُبْصِرُوهُ مَعَهُ كَما أسْمَعَهُ كَلامَهُ فَسَمِعُوهُ مَعَهُ، إرادَةٌ مَبْنِيَّةٌ عَلى قِياسٍ فاسِدٍ، فَلِذَلِكَ قالَ مُوسى ﴿أرِنِي أنْظُرْ إلَيْكَ﴾؛ ولِأنَّهُ إذا زُجِرَ عَمّا طَلَبَ وأنْكَرَ عَلَيْهِ مَعَ نُبُوَّتِهِ واخْتِصاصِهِ وزُلْفَتِهِ عِنْدَ اللَّهِ وقِيلَ لَهُ لَنْ يَكُونَ ذَلِكَ كانَ غَيْرُهُ أوْلى بِالإنْكارِ ولِأنَّ الرَّسُولَ إمامُ أُمَّتِهِ فَكانَ ما يُخاطَبُ بِهِ أوْ يُخاطِبُ راجِعًا إلَيْهِمْ، وقَوْلُهُ ﴿أنْظُرْ إلَيْكَ﴾ وما فِيهِ مِن مَعْنى المُقابَلَةِ الَّتِي هي مَحْضُ التَّشْبِيهِ والتَّجْسِيمِ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ تَرْجَمَةٌ عَلى مُقْتَرَحِهِمْ وحِكايَةٌ لِقَوْلِهِمْ وجَلَّ صاحِبُ الجُمَلِ أنْ يَجْعَلَ اللَّهَ مَنظُورًا إلَيْهِ مُقابَلًا بِحاسَّةِ النَّظَرِ، فَكَيْفَ بِمَن هو أعْرَقُ في مَعْرِفَةِ اللَّهِ مِن واصِلِ بْنِ عَطاءٍ وعَمْرِو بْنِ عُبَيْدٍ والنَّظّامِ وأبِي الهُذَيْلِ والشَّيْخَيْنِ وجَمِيعِ المُسْلِمِينَ، وثانِي مَفْعُولَيْ أرِنِي مَحْذُوفٌ، أيْ (أرِنِي) نَفْسَكَ اجْعَلْنِي مُتَمَكِّنًا مِن رُؤْيَتِكَ بِأنْ تَتَجَلّى لِي فَأنْظُرَ إلَيْكَ انْتَهى. ﴿قالَ لَنْ تَرانِي﴾ . قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ نَصَّ عَلى مَنعِهِ الرُّؤْيَةَ في الدُّنْيا ولَنْ تَنْفِيَ المُسْتَقْبَلَ فَلَوْ بَقِينا عَلى هَذا النَّفْيِ بِمُجَرَّدِهِ لَتَضَمَّنَ أنَّ مُوسى لا يَراهُ أبَدًا ولا في الآخِرَةِ لَكِنْ ورَدَ مِن جِهَةٍ أُخْرى الحَدِيثُ المُتَواتِرُ أنَّ أهْلَ الإيمانِ يَرَوْنَ اللَّهَ تَعالى يَوْمَ القِيامَةِ فَمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ أحْرى بِرُؤْيَتِهِ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: ما مَعْنى (لَنْ)، قُلْتُ: تَأْكِيدُ النَّفْيِ الَّذِي تُعْطِيهِ لا وذَلِكَ أنَّ لا تَنْفِي المُسْتَقْبَلَ تَقُولُ لا أفْعَلُ غَدًا فَإذا أكَّدْتَ نَفْيَها قُلْتَ لَنْ أفْعَلَ غَدًا، والمَعْنى أنَّ فِعْلَهُ (p-٣٨٣)يُنافِي حالِي، كَقَوْلِهِ: ﴿لَنْ يَخْلُقُوا ذُبابًا ولَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ﴾ [الحج: ٧٣] وقَوْلُهُ: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأبْصارُ﴾ [الأنعام: ١٠٣] نَفْيٌ لِلرُّؤْيَةِ فِيما يُسْتَقْبَلُ ولَنْ تَرانِي تَأْكِيدٌ وبَيانٌ فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ قالَ لَنْ تَرانِي ولَمْ يَقُلْ لَنْ تَنْظُرَ إلَيَّ لِقَوْلِهِ أنْظُرْ إلَيْكَ، قُلْتُ: لَمّا قالَ أرِنِي بِمَعْنى اجْعَلْنِي مُتَمَكِّنًا مِنَ الرُّؤْيَةِ الَّتِي هي الإدْراكُ عَلِمَ أنَّ الطَّلِبَةَ هي الرُّؤْيَةُ لا النَّظَرُ الَّذِي لا إدْراكَ مَعَهُ، فَقِيلَ لَنْ تَرانِي ولَمْ يَقُلْ لَنْ تَنْظُرَ إلَيَّ. * * ﴿ولَكِنِ انْظُرْ إلى الجَبَلِ فَإنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ فَسَوْفَ تَرانِي﴾ قالَ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ: ولَكِنْ سَأتَجَلّى لِلْجَبَلِ الَّذِي هو أقْوى مِنكَ وأشَدُّ فَإنِ اسْتَقَرَّ وأطاقَ الصَّبْرَ لِهَيْبَتِي فَسَيُمْكِنُكَ أنْتَ رُؤْيَتِي، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: فَعَلى هَذا إنَّما جَعَلَ اللَّهُ لَهُ الجَبَلَ مِثالًا، وقالَتْ فِرْقَةٌ: إنَّما المَعْنى سَأبْتَدِئُ لَكَ عَلى الجَبَلِ فَإنِ اسْتَقَرَّ لِعَظَمَتِي فَسَوْفَ تَرانِي انْتَهى. وتَعْلِيقُ الرُّؤْيَةِ عَلى تَقْدِيرِ الِاسْتِقْرارِ مُؤْذِنٌ بِعَدَمِها إنْ لَمْ يَسْتَقِرَّ، ونَبَّهَ بِذَلِكَ عَلى أنَّ الجَبَلَ مَعَ شِدَّتِهِ وصَلابَتِهِ إذا لَمْ يَسْتَقِرَّ، فالآدَمِيُّ مَعَ ضَعْفِ بِنْيَتِهِ أوْلى بِأنْ لا يَسْتَقِرَّ وهَذا تَسْكِينٌ لِقَلْبِ مُوسى وتَخْفِيفٌ عَنْهُ مِن ثِقَلِ أعْباءِ المَنعِ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: كَيْفَ اتَّصَلَ الِاسْتِدْراكُ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ولَكِنِ انْظُرْ إلى الجَبَلِ﴾ بِما قَبْلَهُ، قُلْتُ: تَصِلُ بِهِ عَلى مَعْنى أنَّ النَّظَرَ إلَيَّ مُحالٌ فَلا تَطْلُبْهُ، ولَكِنْ عَلَيْكَ بِنَظَرٍ آخَرَ وهو أنْ تَنْظُرَ إلى الجَبَلِ الَّذِي يَرْجُفُ بِكَ وبِمَن طَلَبَ الرُّؤْيَةَ لِأجْلِهِمْ كَيْفَ أفْعَلُ بِهِ وكَيْفَ أجْعَلُهُ دَكًّا بِسَبَبِ طَلَبِكَ لِلرُّؤْيَةِ لِتَسْتَعْظِمَ ما أقْدَمْتَ عَلَيْهِ بِما أُرِيكَ مِن عَظِيمِ أثَرِهِ، كَأنَّهُ عَزَّ وعَلا حَقَّقَ عِنْدَ طَلَبِ الرُّؤْيَةِ ما مَثَّلَهُ عِنْدَ نِسْبَةِ الوَلَدِ إلَيْهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وتَخِرُّ الجِبالُ هَدًّا﴾ [مريم: ٩٠] ﴿أنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ ولَدًا﴾ [مريم: ٩١] ﴿فَإنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ﴾ كَما كانَ مُسْتَقِرًّا ثابِتًا ذاهِبًا في جِهاتِهِ ﴿فَسَوْفَ تَرانِي﴾ تَعْرِيضٌ لِوُجُودِ الرُّؤْيَةِ لِوُجُودِ ما لا يَكُونُ مِنَ اسْتِقْرارِ الجَبَلِ مَكانَهُ حَتّى يَدُكَّهُ دَكًّا ويُسَوِّيَهُ بِالأرْضِ، وهَذا كَلامٌ مُدْمَجٌ بَعْضُهُ في بَعْضٍ، وأُورِدَ عَلى أُسْلُوبٍ عَجِيبٍ ونَظْمٍ بَدِيعٍ ألا تَرى كَيْفَ تَخَلَّصَ مِنَ النَّظَرِ إلى النَّظَرِ بِكَلِمَةِ الِاسْتِدْراكِ ثُمَّ كَيْفَ ثَنّى بِالوَعِيدِ بِالرَّجْفَةِ الكائِنَةِ بِسَبَبِ طَلَبِ النَّظَرِ عَلى الشَّرِيطَةِ في وُجُودِ الرُّؤْيَةِ، أعْنِي قَوْلَهُ: ﴿فَإنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ فَسَوْفَ تَرانِي﴾ انْتَهى. وهو عَلى طَرِيقَةِ المُعْتَزِلَةِ في نَفْيِ رُؤْيَةِ اللَّهِ تَعالى، ولَهم في ذَلِكَ أقاوِيلُ أرْبَعَةٌ: أحَدُها: ما رَوَوْا عَنِ الحَسَنِ وغَيْرِهِ أنَّ مُوسى ما عَرَفَ أنَّ الرُّؤْيَةَ غَيْرُ جائِزَةٍ وهو عارِفٌ بِعَدْلِهِ وبِرَبِّهِ وبِتَوْحِيدِهِ فَلَمْ يَبْعُدْ أنْ يَكُونَ العِلْمُ بِامْتِناعِ الرُّؤْيَةِ وجَوازِها مَوْقُوفًا عَلى السَّماعِ، ورُدَّ ذَلِكَ وبِأنَّهُ يَلْزَمُ أنْ تَكُونَ مَعْرِفَتُهُ بِاللَّهِ أقَلَّ دَرَجَةً مِن مَعْرِفَةِ أرْذالِ المُعْتَزِلَةِ وذَلِكَ باطِلٌ بِالإجْماعِ، الثّانِي: قالَ الجُبّائِيُّ وابْنُهُ أبُو هاشِمٍ: سَألَ الرُّؤْيَةَ عَلى لِسانِ قَوْمِهِ فَقَدْ كانُوا مُكْثِرِينَ لِلْمَسْألَةِ عَنْها لا لِنَفْسِهِ فَلَمّا مُنِعَ ظَهَرَ أنْ لا سَبِيلَ إلَيْها، ورُدَّ بِأنَّهُ لَوْ كانَ كَذَلِكَ لَقالَ أرِهِمْ يَنْظُرُوا إلَيْكَ ولَقِيلَ لَنْ تَرَوْنِي، وأيْضًا لَوْ كانَ مُحالًا لَمَنَعَهم عَنْهُ كَما مَنَعَهم عَنْ جَعْلِ الآلِهَةِ لَهم بِقَوْلِهِ ﴿إنَّكم قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ [الأعراف: ١٣٨]، وقالَ الكَعْبِيُّ: سَألَهُ الآياتِ الباهِرَةَ الَّتِي عِنْدَها تَزُولُ الخَواطِرُ والوَساوِسُ عَنْ مَعْرِفَتِهِ كَما تَقُولُ في مَعْرِفَةِ أهْلِ الآخِرَةِ، ورُدَّ ذَلِكَ بِأنَّهُ يَقْتَضِي حَذْفُ مُضافٍ، وسِياقُ الكَلامِ يَأْبى ذَلِكَ فَقَدْ أراهُ مِنَ الآياتِ ما لا غايَةَ بَعْدَها كالعَصا وغَيْرِها، وقالَ الأصَمُّ: المَقْصُودُ أنْ يَذْكُرَ مِنَ الدَّلائِلِ السَّمْعِيَّةِ ما يَدُلُّ عَلى امْتِناعِ الرُّؤْيَةِ حَتّى يَتَأكَّدَ الدَّلِيلُ العَقْلِيُّ بِالدَّلِيلِ السَّمْعِيِّ، و”ألْ“ في ”الجَبَلِ“ لِلْعَهْدِ وهو أعْظَمُ جَبَلٍ بِمَدْيَنَ يُقالُ لَهُ أرَرْيَيْنُ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ تَطاوَلَتِ الجِبالُ لِلتَّجَلِّي وتَواضَعَ أرَرْيَيْنُ فَتَجَلّى لَهُ. * * ﴿فَلَمّا تَجَلّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وخَرَّ مُوسى صَعِقًا فَلَمّا أفاقَ قالَ سُبْحانَكَ تُبْتُ إلَيْكَ وأنا أوَّلُ المُؤْمِنِينَ﴾ ﴿قالَ يا مُوسى إنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلى النّاسِ بِرِسالاتِي وبِكَلامِي فَخُذْ ما آتَيْتُكَ وكُنْ مِنَ الشّاكِرِينَ﴾ [الأعراف: ١٤٤] ﴿وكَتَبْنا لَهُ في الألْواحِ مِن كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْها بِقُوَّةٍ وأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأحْسَنِها سَأُرِيكم دارَ الفاسِقِينَ﴾ [الأعراف: ١٤٥] ﴿سَأصْرِفُ عَنْ آياتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ وإنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها وإنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وإنْ يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ذَلِكَ بِأنَّهم كَذَّبُوا بِآياتِنا وكانُوا عَنْها غافِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٤٦] ﴿والَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا ولِقاءِ الآخِرَةِ حَبِطَتْ أعْمالُهم هَلْ يُجْزَوْنَ إلّا ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ١٤٧] ﴿واتَّخَذَ قَوْمُ مُوسى مِن بَعْدِهِ مِن حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوارٌ ألَمْ يَرَوْا أنَّهُ لا يُكَلِّمُهم ولا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا اتَّخَذُوهُ وكانُوا ظالِمِينَ﴾ [الأعراف: ١٤٨] ﴿ولَمّا سُقِطَ في أيْدِيهِمْ ورَأوْا أنَّهم قَدْ ضَلُّوا قالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنا رَبُّنا ويَغْفِرْ لَنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ [الأعراف: ١٤٩] ﴿ولَمّا رَجَعَ مُوسى إلى قَوْمِهِ غَضْبانَ أسِفًا قالَ بِئْسَما خَلَفْتُمُونِي مِن بَعْدِي أعَجِلْتُمْ أمْرَ رَبِّكم وألْقى الألْواحَ وأخَذَ بِرَأْسِ أخِيهِ يَجُرُّهُ إلَيْهِ قالَ ابْنَ أُمَّ إنَّ القَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وكادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلا تُشْمِتْ بِيَ الأعْداءَ ولا تَجْعَلْنِي مَعَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ [الأعراف: ١٥٠] ﴿قالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي ولِأخِي وأدْخِلْنا في رَحْمَتِكَ وأنْتَ أرْحَمُ الرّاحِمِينَ﴾ [الأعراف: ١٥١] ﴿إنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا العِجْلَ سَيَنالُهم غَضَبٌ مِن رَبِّهِمْ وذِلَّةٌ في الحَياةِ الدُّنْيا وكَذَلِكَ نَجْزِي المُفْتَرِينَ﴾ [الأعراف: ١٥٢] ﴿والَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ ثُمَّ تابُوا مِن بَعْدِها وآمَنُوا إنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الأعراف: ١٥٣] ﴿ولَمّا سَكَتَ عَنْ مُوسى الغَضَبُ أخَذَ الألْواحَ وفي نُسْخَتِها هُدًى ورَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هم لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٤] (p-٣٨٤)التَّجَلِّي: الظُّهُورُ. الدَّكُّ: مَصْدَرُ دَكَكْتُ الشَّيْءَ فَتَّتُهُ وسَحَقْتُهُ مَصْدَرٌ في مَعْنى المَفْعُولِ والدَّكُّ والدَّقُّ بِمَعْنًى واحِدٍ، وقالَ ابْنُ عَزِيزٍ: دَكًّا مُسْتَوِيًا مَعَ الأرْضِ. الخُرُورُ: السُّقُوطُ. أفاقَ: ثابَ إلَيْهِ حِسُّهُ وعَقْلُهُ. اللَّوْحُ: مَعْرُوفٌ، وهو يُعَدُّ لِلْكِتابَةِ وغَيْرِها وأصْلُهُ اللَّمْعُ تَلْمَعُ وتَلُوحُ فِيهِ الأشْياءُ المَكْتُوبَةُ. الحُلِيُّ: مَعْرُوفٌ وهو ما يَتَزَيَّنُ بِهِ النِّساءُ مِن فِضَّةٍ وذَهَبٍ وجَوْهَرٍ وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الحَجَرِ النَّفِيسِ. الخُوارُ: صَوْتُ البَقَرَةِ. الأسَفُ: الحُزْنُ يُقالُ: أسِفَ يَأْسَفُ. الجَرُّ: الجَذْبُ. الإشْماتُ: السُّرُورُ بِما يَنالُ الشَّخْصَ مِنَ المَكْرُوهِ. السُّكُوتُ والسُّكاتُ: الصَّمْتُ. * * ﴿فَلَمّا تَجَلّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وخَرَّ مُوسى صَعِقًا﴾ تَرَتَّبَ عَلى التَّجَلِّي أمْرانِ أحَدُهُما: تَفَتُّتُ الجَبَلِ وتَفَرُّقُ أجْزائِهِ، والثّانِي خُرُورُ مُوسى مَغْشِيًّا عَلَيْهِ. قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ وجَماعَةُ المُفَسِّرِينَ، وقالَ السُّدِّيُّ: مَيِّتًا ويُبْعِدُهُ لَفْظَةُ أفاقَ، والتَّجَلِّي بِمَعْنى الظُّهُورِ الجُسْمانِيِّ مُسْتَحِيلٌ عَلى اللَّهِ تَعالى، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وقَوْمٌ: لَمّا وقَعَ نُورُهُ عَلَيْهِ تَدَكْدَكَ، وقالَ المُبَرِّدُ: المَعْنى ظَهَرَ لِلْجَبَلِ مِن مَلَكُوتِ اللَّهِ ما يُدَكْدَكُ بِهِ، وقِيلَ: ظَهَرَ جُزْءٌ مِنَ العَرْشِ لِلْجَبَلِ فَتَصَرَّعَ مِن هَيْبَتِهِ، وقِيلَ: ظَهَرَ أمْرُهُ تَعالى، وقِيلَ: (تَجَلّى) لِأهْلِ الجَبَلِ يُرِيدُ مُوسى والسَّبْعِينَ الَّذِينَ مَعَهُ، وقالَ الضَّحّاكُ: أظْهَرَ اللَّهُ مِن نُورِ الحُجُبِ مِثْلَ مَنخَرِ الثَّوْرِ، وقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ وكَعْبُ الأحْبارِ: ما تَجَلّى مِن عَظَمَةِ اللَّهِ لِلْجَبَلِ إلّا مِثْلَ سَمِّ الخِياطِ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَلَمّا ظَهَرَ لَهُ اقْتِدارُهُ وتَصَدّى لَهُ أمْرُهُ وإرادَتُهُ. انْتَهى. وقالَ المُتَأوِّلُونَ المُتَكَلِّمُونَ كالقاضِي أبِي بَكْرِ بْنِ الطَّيِّبِ وغَيْرِهِ: إنَّ اللَّهَ خَلَقَ لِلْجَبَلِ حَياةً وحِسًّا وإدْراكًا يَرى بِهِ، ثُمَّ تَجَلّى لَهُ، أيْ: ظَهَرَ وبَدا فانْدَكَّ الجَبَلُ لِشِدَّةِ المَطْلَعِ فَلَمّا رَأى مُوسى ما بِالجَبَلِ صُعِقَ، وهَذا المَعْنى مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، والظّاهِرُ نِسْبَةُ التَّجَلِّي إلَيْهِ تَعالى عَلى ما يَلِيقُ بِهِ مِن غَيْرِ انْتِقالٍ ولا وصْفٍ يَدُلُّ عَلى الجِسْمِيَّةِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: صارَ تُرابًا. وقالَ مُقاتِلٌ قِطَعًا مُتَفَرِّقَةً، وقِيلَ: صارَ سِتَّةَ أجْبُلٍ، ثَلاثَةٌ بِالمَدِينَةِ أُحُدٌ ووَرِقانُ ورَضْوى، وثَلاثَةٌ بِمَكَّةَ ثَوْرٌ وثَبِيرٌ وحِراءٌ، رَواهُ أنَسٌ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وقِيلَ: ذَهَبَ أعْلاهُ وبَقِيَ أسْفَلُهُ، وقِيلَ: صارَ غُبارًا تَذْرُوهُ الرِّياحُ، وقالَ سُفْيانُ: رُوِيَ أنَّهُ انْساحَ في الأرْضِ وأفْضى إلى البَحْرِ الَّذِي تَحْتَ الأرَضِينَ، قالَ ابْنُ الكَلْبِيِّ: فَهو يَهْوِي فِيهِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، وقالَ الجُمْهُورُ (دَكًّا)، أيْ: مَدْكُوكًا، أوْ ذا دَكٍّ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: دَكّاءَ عَلى وزْنِ حَمْراءَ والدَّكّاءُ النّاقَةُ الَّتِي لا سَنامَ لَها، والمَعْنى: جَعَلَهُ أرْضًا دَكّاءَ تَشْبِيهًا بِالنّاقَةِ الدَّكّاءِ، وقالَ الرَّبِيعُ بْنُ خَيْثَمَ: ابْسُطْ يَدَكَ دَكّاءَ، أيْ: مُدَّها مُسْتَوِيَةً، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ والدَّكّاءُ اسْمٌ لِلرّابِيَةِ النّاشِرَةِ مِنَ الأرْضِ كالدَّكَّةِ. انْتَهى. وهَذا يُناسِبُ قَوْلَ مَن قالَ: إنَّهُ لَمْ (p-٣٨٥)يَذْهَبْ بِجُمْلَتِهِ وإنَّما ذَهَبَ أعْلاهُ وبَقِيَ أكْثَرُهُ، وقَرَأ يَحْيى بْنُ وثّابٍ (دُكًّا)، أيْ: قِطَعًا جُمَعُ دَكّاءَ، نَحْوُ غُزٍّ جَمْعُ غَزّاءَ، وانْتَصَبَ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ ثانٍ لِجَعَلَهُ ويَضْعُفُ قَوْلُ الأخْفَشِ إنَّ نَصْبَهُ مِن بابِ قَعَدْتُ جُلُوسًا، (وصَعِقًا) حالٌ مُقارِنَةٌ، ويُقالُ صَعَقَهُ فَصُعِقَ وهو مِنَ الأفْعالِ الَّتِي تَعَدَّتْ بِالحَرَكَةِ، نَحْوُ شَتَرَ اللَّهُ عَيْنَهُ فَشُتِرَتْ، والظّاهِرُ أنَّ مُوسى والجَبَلَ لَمْ يُطِيقا رُؤْيَةَ اللَّهِ تَعالى حِينَ تَجَلّى فَلِذَلِكَ انْدَكَّ الجَبَلُ، وصَعِقَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ -، وحَكى عِياضُ بْنُ مُوسى عَنِ القاضِي أبِي بَكْرِ بْنِ الطَّيِّبِ: أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ رَأى اللَّهَ فَلِذَلِكَ خَرَّ صَعِقًا، وأنَّ الجَبَلَ رَأى رَبَّهُ فَلِذَلِكَ صارَ دَكًّا بِإدْراكِ كُلْفَةِ اللَّهِ لَهُ، وذَكَرَ أبُو بَكْرِ بْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنْ كَعْبٍ قالَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى قَسَّمَ كَلامَهُ ورُؤْيَتَهُ بَيْنَ مُحَمَّدٍ ومُوسى - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِما وسَلَّمَ - فَكَلَّمَ مُوسى مَرَّتَيْنِ ورَآهُ مُحَمَّدٌ ﷺ مَرَّتَيْنِ، وذَكَرَ المُفَسِّرُونَ مِن رُؤْيَتِهِ مَلائِكَةَ السَّماواتِ السَّبْعِ، وحَمَلَةَ العَرْشِ وهَيْئاتِهِمْ وأعْدادَهم ما اللَّهُ أعْلَمُ بِصِحَّتِهِ. ﴿فَلَمّا أفاقَ قالَ سُبْحانَكَ تُبْتُ إلَيْكَ﴾ . أيْ: مِن مَسْألَةِ الرُّؤْيَةِ في الدُّنْيا. قالَهُ مُجاهِدٌ، أوْ ومِن سُؤالِها قَبْلَ الِاسْتِئْذانِ، أوْ عَنْ صَغائِرِي حَكاهُ الكِرْمانِيُّ، أوْ قالَ ذاكَ عَلى سَبِيلِ الإنابَةِ إلى اللَّهِ تَعالى والرُّجُوعِ إلَيْهِ عِنْدَ ظُهُورِ الآياتِ عَلى ما جَرَتْ بِهِ عادَةُ المُؤْمِنِ عِنْدَ رُؤْيَةِ العَظائِمِ، ولَيْسَتْ تَوْبَةً عَنْ شَيْءٍ مُعَيَّنٍ، أشارَ إلَيْهِ ابْنُ عَطِيَّةَ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (قالَ سُبْحانَكَ) أُنَزِّهُكَ عَنْ ما لا يَجُوزُ عَلَيْكَ مِنَ الرُّؤْيَةِ وغَيْرِها (تُبْتُ إلَيْكَ) مِن طَلَبِ الرُّؤْيَةِ، فَإنْ قُلْتَ: فَإنْ كانَ طَلَبُ الرُّؤْيَةِ لِلْغَرَضِ الَّذِي ذَكَرْتَهُ فَمِمَّ تابَ، قُلْتُ: عَنْ إجْرائِهِ تِلْكَ المَقالَةِ العَظِيمَةِ وإنْ كانَ لِغَرَضٍ صَحِيحٍ عَلى لِسانِهِ مِن غَيْرِ إذْنٍ فِيهِ مِنَ اللَّهِ تَعالى فانْظُرْ إلى إعْظامِ اللَّهِ تَعالى أمْرَ الرُّؤْيَةِ في هَذِهِ الآيَةِ، وكَيْفَ أرْجَفَ الجَبَلَ بِطالِبِيها، وجَعَلَهُ دَكًّا، وكَيْفَ أصْعَقَهم، ولَمْ يُخَلِّ كَلِيمَهُ مِن نَفْيانِ ذَلِكَ مُبالَغَةً في إعْظامِ الأمْرِ، وكَيْفَ سَبَّحَ رَبَّهُ مُلْتَجِئًا إلَيْهِ وتابَ مِن إجْراءِ تِلْكَ الكَلِمَةِ عَلى لِسانِهِ وقالَ: أنا أوَّلُ المُؤْمِنِينَ، ثُمَّ تَعَجَّبَ مِنَ المُتَسَمِّينَ بِالإسْلامِ بِالمُتَسَمِّينَ بِأهْلِ السُّنَّةِ والجَماعَةِ كَيْفَ اتَّخَذُوا هَذِهِ العَظِيمَةَ مَذْهَبًا، (p-٣٨٦)ولا يَغُرَّنَّكَ تَسَتُّرُهم بِالبَلْكَفَةِ فَإنَّهُ مِن مَنصُوباتِ أشْياخِهِمْ، والقَوْلُ ما قالَهُ بَعْضُ العَدْلِيَّةِ فِيهِمْ: ؎لِجَماعَةٍ سَمُّوا هَواهم سُنَّةً وجَماعَةٍ حُمْرٍ لَعَمْرِي مُؤْكَفَهْ ؎قَدْ شَبَّهُوهُ بِخَلْقِهِ وتَخَوَّفُوا ∗∗∗ شَنَعَ الوَرى فَتَسَتَّرُوا بِالبَلْكَفَهْ وهُوَ تَفْسِيرٌ عَلى طَرِيقَةِ المُعْتَزِلَةِ، وسَبٌّ لِأهْلِ السُّنَّةِ والجَماعَةِ عَلى عادَتِهِ، وقَدْ نَظَمَ بَعْضُ عُلَماءِ السُّنَّةِ عَلى وزْنِ هَذَيْنِ البَيْتَيْنِ وبَحْرِهِما، أنْشَدَنا الأُسْتاذُ العَلّامَةُ أبُو جَعْفَرٍ أحْمَدُ بْنُ إبْراهِيمَ بْنِ الزُّبَيْرِ بِغَرْناطَةَ إجازَةً إنْ لَمْ يَكُنْ سَماعًا ونَقَلْتُهُ مِن خَطِّهِ، قالَ أنْشَدَنا القاضِي الأدِيبُ العالِمُ أبُو الخَطّابِ مُحَمَّدُ بْنُ أحْمَدَ بْنِ خَلِيلٍ السَّكُونِيُّ بِقِراءَتِي عَلَيْهِ عَنْ أخِيهِ القاضِي أبِي بَكْرٍ مِن نَظْمِهِ: ؎شَبَّهْتَ جَهْلًا صَدْرَ أُمَّةِ أحْمَدَ ∗∗∗ وذَوِي البَصائِرِ بِالحَمِيرِ المُؤْكَفَهْ ؎وزَعَمْتَ أنْ قَدْ شَبَّهُوا مَعْبُودَهم ∗∗∗ وتَخَوَّفُوا فَتَسَتَّرُوا بِالبَلْكَفَهْ ؎ورَمَيْتَهم عَنْ نَبْعَةٍ سَوَّيْتَها ∗∗∗ رَمْيَ الوَلِيدِ غَدًا يُمَزِّقُ مُصْحَفَهْ ؎وجَبَ الخَسارُ عَلَيْكَ فانْظُرْ مُنْصِفًا ∗∗∗ في آيَةِ الأعْرافِ فَهي المُنْصِفَهْ ؎أتَرى الكَلِيمَ أتى بِجَهْلٍ ما أتى ∗∗∗ وأتى شُيُوخُكَ ما أتَوْا عَنْ مَعْرِفَهْ ؎وبِآيَةِ الأعْرافِ ويْكَ خُذِلْتُمُ ∗∗∗ فَوَقَفْتُمُ دُونَ المَراقِي المُزْلَفَهْ ؎لَوْ صَحَّ في الإسْلامِ عَقْدُكَ لَمْ تَقُلْ ∗∗∗ بِالمَذْهَبِ المَهْجُورِ مِن نَفْيِ الصِّفَهْ ؎إنَّ الوُجُوهَ إلَيْهِ ناظِرَةٌ بِذا ∗∗∗ جاءَ الكِتابُ فَقُلْتُمُ هَذا السَّفَهْ ؎فالنَّفْيُ مُخْتَصٌّ بِدارٍ بَعْدَها لَكَ ∗∗∗ لا أبا لَكَ مَوْعِدًا لَنْ تُخْلَفَهْ وأنْشَدْنا قاضِي القُضاةِ أبُو القاسِمِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ ابْنُ قاضِي القُضاةِ أبِي مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الوَهّابِ بْنِ خَلَفٍ العُلامِيُّ بِالقاهِرَةِ لِنَفْسِهِ: ؎قالُوا يُرِيدُ ولا يَكُونُ مُرادُهُ ∗∗∗ عَدَلُوا ولَكِنْ عَنْ طَرِيقِ المَعْرِفَهْ ﴿وأنا أوَّلُ المُؤْمِنِينَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ: مِن مُؤْمِنِي بَنِي إسْرائِيلَ، وقِيلَ: مِن أهْلِ زَمانِهِ إنْ كانَ الكُفْرُ قَدْ طَبَّقَ الآفاقَ، وقالَ أبُو العالِيَةِ بِأنَّكَ لا تُرى في الدُّنْيا، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: بِأنَّكَ لَسْتَ بِمَرْئِيٍّ ولا مُدْرَكٍ بِشَيْءٍ مِنَ الحَواسِّ، وقالَ أيْضًا بِعَظَمَتِكَ وجَلالِكَ، وأنَّ شَيْئًا لا يَقُومُ لِبَطْشِكَ وبَأْسِكَ. انْتَهى. وتَفْسِيرُهُ الأوَّلُ عَلى طَرِيقَةِ المُعْتَزِلَةِ، وقَدْ ذَكَرَ مُتَكَلِّمُو أهْلِ السُّنَّةِ دَلائِلَ عَلى رُؤْيَةِ اللَّهِ تَعالى سَمْعِيَّةً وعَقْلِيَّةً يُوقَفُ عَلَيْها وعَلى حُجَجِ الخُصُومِ في كُتُبِ أُصُولِ الدِّينِ.

الأعراف 7:144

﴿قالَ يا مُوسى إنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلى النّاسِ بِرِسالاتِي وبِكَلامِي فَخُذْ ما آتَيْتُكَ وكُنْ مِنَ الشّاكِرِينَ﴾ لَمّا طَلَبَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - الرُّؤْيَةَ ومُنِعَها عَدَّدَ عَلَيْهِ تَعالى وُجُوهَ نِعَمِهِ العَظِيمَةِ عَلَيْهِ وأمَرَهُ أنْ يَشْتَغِلَ بِشُكْرِها وهَذِهِ تَسْلِيَةٌ مِنهُ تَعالى لَهُ، والِاصْطِفاءُ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ، وعَلى النّاسِ لَفْظٌ عامٌّ، ومَعْناهُ الخُصُوصُ، أيْ: عَلى أهْلِ زَمانِكَ، أوْ يَبْقى عَلى عُمُومِهِ ويَعْنِي في مَجْمُوعِ الدَّرَجَتَيْنِ الرِّسالَةَ والكَلامَ. قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ، ويَنْبَغِي أنْ يُحْمَلَ ذَلِكَ عَلى وُقُوعِ الكَلامِ في الأرْضِ إذْ ثَبَتَ أنَّ آدَمَ نَبِيٌّ مُكَلَّمٌ، وتُئُوِّلَ عَلى أنَّ ذَلِكَ في الجَنَّةِ ورَسُولُنا مُحَمَّدٌ ﷺ ويَظْهَرُ مِن حَدِيثِ الإسْراءِ أنَّهُ كَلَّمَهُ اللَّهُ تَعالى ويَدُلُّ قَوْلُهُ: (وبِكَلامِي) عَلى أنَّهُ سَمِعَ الكَلامَ مِنَ اللَّهِ لا مِن غَيْرِهِ؛ لِأنَّ المَلائِكَةَ تَنْزِلُ عَلى الرُّسُلِ بِكَلامِ اللَّهِ وقَدَّمَ (بِرِسالاتِي) عَلى (وبِكَلامِي)؛ لِأنَّ الرِّسالَةَ أسْبَقُ في الزَّمانِ، أوْ لِأنَّهُ انْتَقَلَ مِن شَرِيفٍ إلى أشْرَفَ، وقَرَأ الحَرَمِيّانِ: بِرِسالَتِي عَلى الإفْرادِ وهو مُرادٌ بِهِ المَصْدَرُ، أيْ: بِإرْسالِي، أوْ يَكُونُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: بِتَبْلِيغِ رِسالَتِي؛ لِأنَّ مَدْلُولَ الرِّسالَةِ غَيْرُ مَدْلُولِ المَصْدَرِ، وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ بِالجَمْعِ؛ لِأنَّ الَّذِي أُرْسِلَ بِهِ ضُرُوبٌ، وأنْواعٌ، وقَرَأ الجُمْهُورُ (وبِكَلامِي) فاحْتَمَلَ (p-٣٨٧)أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا، أيْ: وبِتَكْلِيمِي، أوْ يَكُونُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: وبِسَماعِ كَلامِي، وقَرَأ أبُو رَجاءٍ: ”بِرِسالَتِي وبِكَلِمِي“ جَمْعُ كَلِمَةٍ، أيْ: وبِسَماعِ كَلِمِي، وقَرَأ الأعْمَشُ: ”بِرِسالاتِي وتَكَلُّمِي“، وحَكى عَنْهُ المَهْدَوِيُّ: وتَكْلِيمِي عَلى وزْنِ تَفْعِيلِي، وأمَرَهُ تَعالى أنْ يَأْخُذَ ما آتاهُ مِنَ النُّبُوَّةِ؛ لِأنَّ في الأمْرِ بِالأخْذِ مَزِيدَ تَأْكِيدٍ وحُصُولَ أجْرٍ بِالِامْتِثالِ، والمَعْنى: خُذْ ما آتَيْتُكَ بِاجْتِهادٍ في تَبْلِيغِهِ وجِدٍّ في النَّفْعِ بِهِ ﴿وكُنْ مِنَ الشّاكِرِينَ﴾ عَلى ما آتَيْناكَ وفي ذَلِكَ إشارَةٌ إلى القَنَعِ والرِّضا بِما أعْطاهُ اللَّهُ، والشُّكْرِ عَلَيْهِ.

الأعراف 7:145

﴿وكَتَبْنا لَهُ في الألْواحِ مِن كُلِّ شَيْءٍ﴾ قِيلَ: إنَّ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - صَعِقَ يَوْمَ الجُمُعَةِ يَوْمَ عَرَفَةَ وأفاقَ فِيهِ وأُعْطِيَ التَّوْراةَ يَوْمَ النَّحْرِ، وظاهِرُ قَوْلِهِ: (وكَتَبْنا) نِسْبَةُ الكِتابَةِ إلَيْهِ. فَقِيلَ: كَتَبَ بِيَدِهِ، وأهْلُ السَّماءِ يَسْمَعُونَ صَرِيرَ القَلَمِ في اللَّوْحِ، وقِيلَ: أظْهَرَها وخَلَقَها في الألْواحِ، وقِيلَ: أمَرَ القَلَمَ أنْ يَخُطَّ لِمُوسى في الألْواحِ، وقِيلَ: كَتَبَها جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِالقَلَمِ الَّذِي كُتِبَ بِهِ الذِّكْرُ، واسْتَمَدَّ مِن نَهْرِ النُّورِ فَفي هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ أسْنَدَ ذَلِكَ إلى نَفْسِهِ إسْنادَ تَشْرِيفٍ إذْ ذاكَ صادِرٌ عَنْ أمْرِهِ، وقِيلَ: مَعْنى (كَتَبْنا) فَرَضْنا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ﴾ [البقرة: ١٨٣] والضَّمِيرُ في (لَهُ) عائِدٌ عَلى مُوسى، والألْواحُ جَمْعُ قِلَّةٍ وألْ فِيها لِتَعْرِيفِ الماهِيَّةِ فَإنْ كانَ هو الَّذِي قَطَعَها وشَقَّقَها فَتَكُونُ ألْ فِيها لِلْعَهْدِ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: عَوَّضَ مِنَ الضَّمِيرِ الَّذِي يُقَدَّرُ وصْلُهُ بَيْنَ الألْواحِ ومُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - تَقْدِيرُهُ في ألْواحِهِ، وهَذا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإنَّ الجَنَّةَ هي المَأْوى﴾ [النازعات: ٤١]، أيْ: مَأْواهُ. انْتَهى وكَوْنُ ألْ عِوَضًا مِنَ الضَّمِيرِ لَيْسَ مَذْهَبَ البَصْرِيِّينَ ولا يَتَعَيَّنُ أنْ يَكُونَ عِوَضًا مِنَ الضَّمِيرِ ولَيْسَ ذَلِكَ كَقَوْلِهِ: ﴿فَإنَّ الجَنَّةَ هي المَأْوى﴾ [النازعات: ٤١]؛ لِأنَّ الجُمْلَةَ خَبَرٌ عَنْ مِن فاحْتاجَتِ الجُمْلَةُ إلى رابِطٍ، فَقالَ الكُوفِيُّونَ: ألْ عِوَضٌ مِنَ الضَّمِيرِ كَأنَّهُ قِيلَ مَأْواهُ، وقالَ البَصْرِيُّونَ: الرّابِطُ مَحْذُوفٌ، أيْ: هي المَأْوى لَهُ وظاهِرُ الألْواحِ الجَمْعُ، فَقِيلَ: كانَتْ سَبْعَةً، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وقِيلَ: ثَمانِيَةٌ، ذَكَرَهُ الكِرْمانِيُّ، وقِيلَ: تِسْعَةٌ. قالَهُ مُقاتِلٌ. وقِيلَ: عَشْرَةٌ. قالَهُ وهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ. وقِيلَ: اثْنانِ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا، واخْتارَهُ الفَرّاءُ، وهَذا ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ الدَّلالَةَ بِالجَمْعِ عَلى اثْنَيْنِ قِياسًا لَهُ شَرْطٌ مَذْكُورٌ في النَّحْوِ هو مَفْقُودٌ هُنا، وقالَ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ: نَزَلَتِ التَّوْراةُ وهي وقْرُ سَبْعِينَ بَعِيرًا يُقْرَأُ الجُزْءُ مِنها في سَنَةٍ ولَمْ يَقْرَأْها سِوى أرْبَعَةِ نَفَرٍ: مُوسى ويُوشَعُ وعُزَيْرٌ وعِيسى. وقَدِ اخْتَلَفُوا مِن أيِّ شَيْءٍ هي ؟ فَعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وأبِي العالِيَةِ: زَبَرْجَدٌ، وعَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ: مِن ياقُوتٍ أحْمَرَ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا ومُجاهِدٍ مِن زُمُرُّدٍ أخْضَرَ، وعَنْ أبِي العالِيَةِ أيْضًا مِن بَرَدٍ، وعَنْ مُقاتِلٍ: مِن زُمُرُّدٍ وياقُوتٍ، وعَنِ الحَسَنِ مِن خَشَبٍ طُولُها عَشْرَةُ أذْرُعٍ، وعَنْ وهْبٍ: مِن صَخْرَةٍ صَمّاءَ أُمِرَ بِقَطْعِها ولانَتْ لَهُ فَقَطَعَها بِيَدِهِ وشَقَّقَها بِأصابِعِهِ، وقِيلَ: مِن نُورٍ حَكاهُ الكِرْمانِيُّ،، والمَعْنى: مِن كُلِّ شَيْءٍ مُحْتاجٍ إلَيْهِ في شَرِيعَتِهِمْ (مَوْعِظَةٌ) لِلِازْدِجارِ والِاعْتِبارِ ﴿وتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ مِنَ التَّكالِيفِ الحَلالِ والحَرامِ والأمْرِ والنَّهْيِ والقَصَصِ والعَقائِدِ والأخْبارِ والمُغَيَّباتِ، وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٌ: لِكُلِّ شَيْءٍ مِمّا أُمِرُوا بِهِ ونُهُوا عَنْهُ، وقالَ السُّدِّيُّ: الحَلالُ والحَرامُ، وقالَ مُقاتِلٌ: كانَ مَكْتُوبًا في الألْواحِ إنِّي أنا اللَّهُ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ لا تُشْرِكُوا بِي شَيْئًا ولا تَقْطَعُوا السُّبُلَ ولا تَحْلِفُوا بِاسْمِي كاذِبِينَ فَإنَّ مَن حَلَفَ بِاسْمِي كاذِبًا فَلا أُزَكِّيهِ ولا تَقْتُلُوا ولا تَزْنُوا ولا تَعُقُّوا الوالِدَيْنِ. والظّاهِرُ أنَّ مَفْعُولَ ”كَتَبْنا“، أيْ: كَتَبْنا فِيها مَوْعِظَةً مِن كُلِّ شَيْءٍ وتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ. قالَهُ الحَوْفِيُّ، قالَ نَصَبَ مَوْعِظَةً بِكَتَبْنا، (وتَفْصِيلًا) عَطْفٌ عَلى (مَوْعِظَةً) لِكُلِّ شَيْءٍ مُتَعَلِّقٍ بِـ (تَفْصِيلًا) . انْتَهى. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿مِن كُلِّ شَيْءٍ﴾ في مَحَلِّ النَّصْبِ مَفْعُولُ (وكَتَبْنا) (ومَوْعِظَةً)، (وتَفْصِيلًا) بَدَلٌ مِنهُ، والمَعْنى: كَتَبْنا لَهُ كُلَّ شَيْءٍ كانَ بَنُو إسْرائِيلَ يَحْتاجُونَ إلَيْهِ في دِينِهِمْ مِنَ المَواعِظِ وتَفْصِيلِ الأحْكامِ. انْتَهى.، ويُحْتَمَلُ عِنْدِي وجْهٌ ثالِثٌ، وهو أنْ يَكُونَ مَفْعُولُ (p-٣٨٨)(كَتَبْنا) مَوْضِعَ المَجْرُورِ كَما تَقُولُ أكَلْتُ مِنَ الرَّغِيفِ، ومِن لِلتَّبْعِيضِ، أيْ: كَتَبْنا لَهُ أشْياءَ مِن كُلِّ شَيْءٍ وانْتَصَبَ ﴿مَوْعِظَةً وتَفْصِيلًا﴾ عَلى المَفْعُولِ مِن أجْلِهِ، أيْ: كَتَبْنا لَهُ تِلْكَ الأشْياءَ لِلِاتِّعاظِ والتَّفْصِيلِ لِأحْكامِهِمْ. * * ﴿فَخُذْها بِقُوَّةٍ وأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأحْسَنِها سَأُرِيكم دارَ الفاسِقِينَ﴾، أيْ: فَقُلْنا خُذْها عَطْفًا عَلى (كَتَبْنا) ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (فَخُذْها) بَدَلًا مِن قَوْلِهِ: ﴿فَخُذْ ما آتَيْتُكَ﴾ [الأعراف: ١٤٤]، والضَّمِيرُ في (فَخُذْها) عائِدٌ عَلى ما عَلى مَعْنى ما لا عَلى لَفْظِها، وأمّا إذا كانَ عَلى إضْمارِ فَقُلْنا فَيَكُونُ عائِدًا عَلى (الألْواحَ)، أيِ: الألْواحِ، أوْ عَلى كُلِّ شَيْءٍ؛ لِأنَّهُ في مَعْنى الأشْياءِ، أوْ عَلى التَّوْراةِ، أوْ عَلى الرِّسالاتِ، وهَذِهِ احْتِمالاتٌ مَقُولَةٌ أظْهَرُها الأوَّلُ، ومَعْنى (بِقُوَّةٍ) قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: بِجِدٍّ واجْتِهادٍ فِعْلُ أُولِي العَزْمِ، وقالَ أبُو العالِيَةِ والرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ: بِطاعَةٍ، وقالَ جُوَيْبِرٌ: بِشُكْرٍ، وقالَ ابْنُ عِيسى: بِعَزِيمَةٍ وقُوَّةِ قَلْبٍ؛ لِأنَّهُ إذا أخَذَها بِضَعْفِ النِّيَّةِ أدّاهُ إلى الفُتُورِ، وهَذا القَوْلُ راجِعٌ لِقَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ: أُمِرَ مُوسى أنْ يَأْخُذَ بِأشَدَّ مِمّا أُمِرَ بِهِ قَوْمُهُ، وقَوْلُهُ: (بِأحْسَنِها) ظاهِرُهُ أنَّهُ أفْعَلُ التَّفْضِيلِ، وفِيها الحَسَنُ والأحْسَنُ كالقِصاصِ والعَفْوِ والِانْتِصارِ والصَّبْرِ، وقِيلَ: أحْسَنُها الفَرائِضُ والنَّوافِلُ وحُسْنُها المُباحُ، وقِيلَ: أحْسَنُها النّاسِخُ وحُسْنُها المَنسُوخُ، ولا يُتَصَوَّرُ أنْ يَكُونَ المَنسُوخُ حَسَنًا إلّا بِاعْتِبارِ ما كانَ عَلَيْهِ قَبْلَ النَّسْخِ أمّا بَعْدَ النَّسْخِ فَلا يُوصَفُ بِأنَّهُ حَسَنٌ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ مَشْرُوعًا، وقِيلَ: الأحْسَنُ المَأْمُورُ بِهِ دُونَ المَنهِيِّ عَنْهُ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: عَلى قَوْلِهِ الصَّيْفُ أحَرُّ مِنَ الشِّتاءِ. انْتَهى. وذَلِكَ عَلى تَخَيُّلِ أنَّ في الشِّتاءِ حَرًّا ويُمْكِنُ الِاشْتِراكُ فِيهِما في الحُسْنِ بِالنِّسْبَةِ إلى المَلاذِّ وشَهَواتِ النَّفْسِ، فَيَكُونُ المَأْمُورُ بِهِ أحْسَنَ مِن حَيْثُ الِامْتِثالِ وتَرَتُّبِ الثَّوابِ عَلَيْهِ، ويَكُونُ المَنهِيُّ عَنْهُ حَسَنًا بِاعْتِبارِ المَلاذِّ والشَّهْوَةِ فَيَكُونُ بَيْنَهُما قَدْرٌ مُشْتَرَكٌ في الحُسْنِ، وإنِ اخْتَلَفَ مُتَعَلِّقُهُ، وقِيلَ: أحْسَنُها هو أشْبَهُ ما تَحْتَمِلُهُ الكَلِمَةُ مِنَ المَعانِي إذا كانَ لَها احْتِمالاتٌ فَتُحْمَلُ عَلى أوْلاها بِالحَقِّ وأقْرَبِها إلَيْهِ، وقِيلَ: أحْسُنُ هُنا لَيْسَتْ أفْعَلَ التَّفْضِيلِ، بَلِ المَعْنى بِحُسْنِها كَما قالَ: ؎بَيْتًا دَعائِمُهُ أعَزُّ وأطْوَلُ أيْ: عَزِيزَةٌ طَوِيلَةٌ. قالَهُ قُطْرُبٌ وابْنُ الأنْبارِيِّ، فَعَلى هَذا أُمِرُوا بِأنْ يَأْخُذُوا بِحُسْنِها وهو ما يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الثَّوابُ دُونَ المَناهِي الَّتِي يَتَرَتَّبُ عَلى فِعْلِها العِقابُ، وقِيلَ: أحْسَنُ هُنا صِلَةٌ، والمَعْنى: يَأْخُذُوا بِها، وهَذا ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ الأسْماءَ لا تُزادُ وانْجَزَمَ (يَأْخُذُوا) عَلى جَوابِ الأمْرِ ويَنْبَغِي تَأْوِيلُ ﴿وأْمُرْ قَوْمَكَ﴾؛ لِأنَّهُ لا يَلْزَمُ مِن أمْرِ قَوْمِهِ بِأخْذِ أحْسَنِها أنْ ﴿يَأْخُذُوا بِأحْسَنِها﴾ فَلا يَنْتَظِمُ مِنهُ شَرْطٌ وجَزاءٌ، وبِأحْسَنِها مُتَعَلِّقٌ بِيَأْخُذُوا، وذَلِكَ عَلى إعْمالِ الثّانِي؛ لِأنَّ ﴿بِأحْسَنِها﴾ مُقْتَضًى لِقَوْلِهِ: (وأْمُرْ) ولِقَوْلِهِ: يَأْخُذُوا، ويُحْتَمَلُ أنَّ كَوْنَ قَوْلِهِ: يَأْخُذُوا مَجْزُومًا عَلى إضْمارِ لامِ الأمْرِ، أيْ لِيَأْخُذُوا؛ لِأنَّ مَعْنى ﴿وأْمُرْ قَوْمَكَ﴾ قُلْ لِقَوْمِكَ، وذَلِكَ عَلى مَذْهَبِ الكِسائِيِّ، ومَفْعُولُ (يَأْخُذُوا) مَحْذُوفٌ لِفَهْمِ المَعْنى، أيْ: (يَأْخُذُوا) أنْفُسَهم (بِأحْسَنِها)، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ الباءُ زائِدَةً، أيْ: يَأْخُذُوا أحْسَنَها كَقَوْلِهِ: لا يَقْرَأْنَ بِالسُّوَرِ، والوَجْهُ الأوَّلُ أحْسَنُ، وانْظُرْ إلى اخْتِلافِ مُتَعَلِّقِ الأمْرَيْنِ أُمِرَ مُوسى بِأخْذِ جَمِيعِها، فَقِيلَ: ﴿فَخُذْها بِقُوَّةٍ﴾، وأكَّدَ الأخْذَ بِقَوْلِهِ: (بِقُوَّةٍ)، وأُمِرُوا هم أنْ ﴿يَأْخُذُوا بِأحْسَنِها﴾ ولَمْ يُؤَكِّدْ لِيُعْلِمَ أنَّ رُتْبَةَ النُّبُوَّةِ أشَقُّ في التَّكْلِيفِ مِن رُتْبَةِ التّابِعِ؛ ولِذَلِكَ فُرِضَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قِيامُ اللَّيْلِ وغَيْرُ ذَلِكَ (p-٣٨٩)مِنَ التَّكالِيفِ المُخْتَصَّةِ بِهِ، والإراءَةُ هُنا مِن رُؤْيَةِ العَيْنِ، ولِذَلِكَ تَعَدَّتْ إلى اثْنَيْنِ و﴿دارَ الفاسِقِينَ﴾ مِصْرُ. قالَهُ عَلِيٌّ، وقَتادَةُ ومُقاتِلٌ وعَطِيَّةُ العَوْفِيُّ، والفاسِقُونَ فِرْعَوْنُ وقَوْمُهُ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: كَيْفَ أقْفَرَتْ مِنهم ودُمِّرُوا لِفِسْقِهِمْ لِتَعْتَبِرُوا فَلا تَفْسُقُوا مِثْلَ فِسْقِهِمْ فَيُنَكَّلُ بِكم مِثْلُ نَكالِهِمْ. انْتَهى. وقِيلَ: المَعْنى: سَأُرِيكم مَصارِعَ الكُفّارِ وذَلِكَ أنَّهُ لَمّا أغْرَقَ فِرْعَوْنَ وقَوْمَهُ أوْحى إلى البَحْرِ أنِ اقْذِفْ أجْسادَهم إلى السّاحِلِ فَفَعَلَ فَنَظَرَ إلَيْهِمْ بَنُو إسْرائِيلَ فَأراهم مَصارِعَ الفاسِقِينَ، وقالَ الكَلْبِيُّ: ما مَرُّوا عَلَيْهِ إذا سافَرُوا مِن مَصارِعِ عادٍ وثَمُودَ والقُرُونِ الَّذِينَ أُهْلِكُوا، وقالَ قَتادَةُ أيْضًا: الشّامُ والمُرادُ العَمالِقَةُ الَّذِينَ أُمِرَ مُوسى بِقِتالِهِمْ، وقالَ مُجاهِدٌ، والحَسَنُ: ﴿دارَ الفاسِقِينَ﴾ جَهَنَّمُ، والمُرادُ الكَفَرَةُ بِمُوسى وغَيْرِهِ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: سَأُرِيكم مِن رُؤْيَةِ القَلْبِ، أيْ: سَأُعْلِمُكم سِيَرَ الأوَّلِينَ وما حَلَّ بِهِمْ مِنَ النَّكالِ، وقِيلَ: دارُ الفاسِقِينَ، أيْ: ما دارَ إلَيْهِ أمْرُهم، وهَذا لا يُدْرَكُ إلّا بِالأخْبارِ الَّتِي يُحَدِّثُ عَنْها العِلْمُ، وهَذا قَرِيبٌ مِن قَوْلِ ابْنِ زَيْدٍ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ولَوْ كانَ مِن رُؤْيَةِ القَلْبِ لَتَعَدّى بِالهَمْزَةِ إلى ثَلاثَةٍ ولَوْ قالَ قائِلٌ: المَفْعُولُ الثّالِثُ يَتَضَمَّنُهُ المَعْنى فَهو مُقَدَّرٌ، أيْ: مُدَمَّرَةً أوْ خَرِبَةً أوْ مُسَعَّرَةً عَلى قَوْلِ مَن قالَ إنَّها جَهَنَّمُ قِيلَ لَهُ: لا يَجُوزُ حَذْفُ هَذا المَفْعُولِ ولا الِاقْتِصادُ دُونَهُ؛ لِأنَّها داخِلَةٌ عَلى الِابْتِداءِ، والخَبَرُ ولَوْ جُوِّزَ لَكانَ عَلى قُبْحٍ في اللِّسانِ لا يَلِيقُ بِكِتابِ اللَّهِ تَعالى. انْتَهى. وحَذْفُ المَفْعُولِ الثّالِثِ في بابِ أعْلَمَ لِدَلالَةِ المَعْنى عَلَيْهِ جائِزٌ، فَيَجُوزُ في جَوابِ هَلْ أعْلَمْتَ زَيْدًا عَمْرًا مُنْطَلِقًا أعْلَمْتَ زَيْدًا عَمْرًا ويُحْذَفُ مُنْطَلِقًا لِدَلالَةِ الكَلامِ السّابِقِ عَلَيْهِ، وأمّا تَعْلِيلُهُ؛ لِأنَّها داخِلَةٌ عَلى الِابْتِداءِ، والخَبَرُ لا يَدُلُّ عَلى المَنعِ؛ لِأنَّ خَبَرَ المُبْتَدَأِ يَجُوزُ حَذْفُهُ اخْتِصارًا والثّانِي والثّالِثُ في بابِ أعْلَمَ يَجُوزُ حَذْفُ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما اخْتِصارًا، وفي قَوْلِهِ: لِأنَّها أيْ: سَأُرِيكم داخِلَةٌ عَلى المُبْتَدَأِ والخَبَرِ فِيهِ تَجَوٌّزٌ، ويَعْنِي أنَّها قَبْلَ النَّقْلِ بِالهَمْزَةِ فَكانَتْ داخِلَةً عَلى المُبْتَدَأِ والخَبَرِ، وقَرَأ الحَسَنُ: سَأُورِيكم بِواوٍ ساكِنَةٍ بَعْدَ الهَمْزَةِ عَلى ما يَقْتَضِيهِ رَسْمُ المُصْحَفِ ووُجِّهَتْ هَذِهِ القِراءَةُ بِوَجْهَيْنِ، أحَدِهِما: ما ذَكَرَهُ أبُو الفَتْحِ وهو أنَّهُ أشْبَعَ الضَّمَّةَ ومَطَّها، فَنَشَأ عَنْها الواوُ قالَ: ويَحْسُنُ احْتِمالُ الواوِ في هَذا المَوْضِعِ أنَّهُ مَوْضِعُ وعِيدٍ وإغْلاظٍ فَمَكَّنَ الصَّوْتَ فِيهِ. انْتَهى. فَيَكُونُ كَقَوْلِهِ أدْنُو فَأنْظُورُ رَأى فَأنْظُرُ، وهَذا التَّوْجِيهُ ضَعِيفٌ؛ لِأنَّ الإشْباعَ بابُهُ ضَرُورَةُ الشِّعْرِ، والثّانِي: ما ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ قالَ: وقَرَأ الحَسَنُ سَأُورِيكم وهي لُغَةٌ فاشِيَةٌ بِالحِجازِ يُقالُ: أوْرِنِي كَذا وأوْرَيْتُهُ فَوَجْهُهُ أنْ يَكُونَ مِن أوْرَيْتُ الزَّنْدَ، كَأنَّ المَعْنى بَيَّنَهُ لِي وأنارَهُ لِأسْتَبِينَهُ. انْتَهى. وهي أيْضًا في لُغَةِ أهْلِ الأنْدَلُسِ كَأنَّهم تَلَقَّفُوها مِن لُغَةِ الحِجازِ وبَقِيَتْ في لِسانِهِمْ إلى الآنِ، ويَنْبَغِي أنْ يُنْظَرَ في تَحَقُّقِ هَذِهِ اللُّغَةِ أهِيَ في لُغَةِ الحِجازِ أمْ لا ؟ وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ وقَسامَةُ بْنُ زُهَيْرٍ: سَأُورِثُكم، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وهي قِراءَةٌ حَسَنَةٌ يُصَحِّحُها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأوْرَثْنا القَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ﴾ [الأعراف: ١٣٧] .

الأعراف 7:146

﴿سَأصْرِفُ عَنْ آياتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ﴾ لَمّا ذَكَرَ ﴿سَأُرِيكم دارَ الفاسِقِينَ﴾ [الأعراف: ١٤٥] ذَكَرَ ما يَفْعَلُ بِهِمْ تَعالى مِن صَرْفِهِ إيّاهم عَنْ آياتِهِ لِفِسْقِهِمْ وخُرُوجِهِمْ عَنْ طَوْرِهِمْ إلى وصْفٍ لَيْسَ لَهم، ثُمَّ ذَكَرَ تَعالى مِن أحْوالِهِمْ ما اسْتَحَقُّوا بِهِ اسْمَ الفِسْقِ، قالَ ابْنُ جُبَيْرٍ سَأصْرِفُهم عَنِ الِاعْتِبارِ والِاسْتِدْلالِ بِالدَّلائِلِ والآياتِ عَلى هَذِهِ المُعْجِزاتِ وبَدائِعِ المَخْلُوقاتِ، وقالَ قَتادَةُ: سَأصُدُّهم عَنِ الإعْراضِ والطَّعْنِ والتَّحْرِيفِ والتَّبْدِيلِ والتَّغْيِيرِ، فالآياتُ: القُرْآنُ فَإنَّهُ مُخْتَصٌّ بِصَوْنِهِ عَنْ ذَلِكَ، وقالَ سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ سَأمْنَعُهم مِن تَدَبُّرِها ونَظَرِها النَّظَرَ الصَّحِيحَ المُؤَدِّي إلى الحَقِّ، وقالَ الزَّجّاجَ: أجْعَلُ جَزاءَهم سَأصْرِفُهم عَنْ دَفْعِ الِانْتِقامِ، أيْ: إذا أصابَتْهم عُقُوبَةٌ لَمْ يَدْفَعْها عَنْهم، فالآياتُ عَلى هَذا ما حَلَّ بِهِمْ مِنَ المَثُلاتِ الَّتِي (p-٣٩٠)صارُوا بِها مُثْلَةً وعِبْرَةً، وعَلى هَذِهِ الأقْوالِ يَكُونُ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ عامٌّ، أيْ: كُلُّ مَن قامَ بِهِ هَذا الوَصْفُ، وقِيلَ: هَذا مِن تَمامِ خِطابِ مُوسى، والآياتُ هي التِّسْعُ الَّتِي أُعْطِيها، والمُتَكَبِّرُونَ هم فِرْعَوْنُ وقَوْمُهُ صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهم عَنِ الِاعْتِبارِ بِها بِما انْهَمَكُوا فِيهِ مِن لَذّاتِ الدُّنْيا، وأخَذَ الزَّمَخْشَرِيُّ بَعْضَ أقْوالِ المُفَسِّرِينَ فَقالَ سَأصْرِفُ عَنْ آياتِي بِالطَّبْعِ عَلى قُلُوبِ المُتَكَبِّرِينَ وخِذْلانِهِمْ فَلا يُفَكِّرُونَ فِيها ولا يَعْتَبِرُونَ بِها غَفْلَةً وانْهِماكًا فِيما يَشْغَلُهم عَنْها مِن شَهَواتِهِمْ وفِيهِ إنْذارُ المُخاطَبِينَ مِن عاقِبَةِ والَّذِينَ يُصْرَفُونَ عَنِ الآياتِ لِتَكَبُّرِهِمْ وكُفْرِهِمْ بِها لِئَلّا يَكُونُوا مِثْلَهم فَيَسْلُكُ بِهِمْ سَبِيلَهم. انْتَهى. والَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ عَنِ الإيمانِ قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هُمُ الكَفَرَةُ، والمَعْنى في هَذِهِ الآيَةِ: سَأجْعَلُ الصَّرْفَ عَنِ الآياتِ عُقُوبَةَ المُتَكَبِّرِينَ عَلى تَكَبُّرِهِمْ. انْتَهى. وقِيلَ: هُمُ الَّذِينَ يَحْتَقِرُونَ النّاسَ ويَرَوْنَ لَهُمُ الفَضْلَ عَلَيْهِمْ، وفي الحَدِيثِ الصَّحِيحِ: «إنَّما الكِبْرُ أنْ تُسَفِّهَ الحَقَّ وتَغْمِصَ النّاسَ» . ويَتَعَلَّقُ بِغَيْرِ الحَقِّ بـِ ”يَتَكَبَّرُونَ“، أيْ: بِما لَيْسَ بِحَقٍّ وما هم عَلَيْهِ مِن دِينِهِمْ، وقَدْ يَكُونُ التَّكَبُّرُ بِالحَقِّ كَتَكَبُّرِ المُحِقِّ عَلى المُبْطِلِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أعِزَّةٍ عَلى الكافِرِينَ﴾ [المائدة: ٥٤] ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ الحالِ، فَيَتَعَلَّقُ بِمَحْذُوفٍ، أيْ: مُلْتَبِسِينَ بِغَيْرِ الحَقِّ، والمَعْنى: غَيْرُ مُسْتَحِقِّينَ؛ لِأنَّ التَّكَبُّرَ بِالحَقِّ لِلَّهِ وحْدَهُ؛ لِأنَّهُ هو الَّذِي لَهُ القُدْرَةُ والفَضْلُ الَّذِي لَيْسَ لِأحَدٍ. ﴿وإنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها﴾ وصَفَهم هَذا الوَصْفَ الذَّمِيمَ، وهو التَّكَبُّرُ عَنِ الإيمانِ حَتّى لَوْ عُرِضَتْ عَلَيْهِمْ كُلُّ آيَةٍ لَمْ يَرَوْها آيَةً فَيُؤْمِنُوا بِها، وهَذا خَتْمٌ مِنهُ تَعالى عَلى الطّائِفَةِ الَّتِي قَدَّرَ أنْ لا يُؤْمِنُوا. وقَرَأ مالِكُ بْنُ دِينارٍ: وإنْ (يُرَوْا) بِضَمِّ الياءِ. * * ﴿وإنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وإنْ يَرَوْا سَبِيلَ الغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا﴾ . أراهُمُ اللَّهُ السَّبِيلَيْنِ فَرَأوْهُما فَآثَرُوا الغَيَّ عَلى الرُّشْدِ كَقَوْلِهِ: ﴿فاسْتَحَبُّوا العَمى عَلى الهُدى﴾ [فصلت: ١٧] . وقَرَأ الأخَوانِ (الرَّشَدِ) وباقِي السَّبْعَةِ (الرُّشْدِ)، وعَنِ ابْنِ عامِرٍ في رِوايَةٍ إتْباعُ الشِّينِ ضَمَّةَ الرّاءِ، وأبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ: الرَّشادِ وهي مَصادِرُ كالسَّقَمِ والسُّقْمِ والسَّقامِ، وقالَ أبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ: الرُّشْدُ: الصَّلاحُ في النَّظَرِ وبِفَتْحِهِما الدِّينُ، وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: لا يَتَّخِذُوها ويَتَّخِذُوها عَلى تَأْنِيثِ السَّبِيلِ، والسَّبِيلُ تُذَكَّرُ وتُؤَنَّثُ، قالَ تَعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي﴾ [يوسف: ١٠٨] ولَمّا نَفى عَنْهُمُ الإيمانَ وهو مِن أفْعالِ القَلْبِ اسْتَعارَ لِلرُّشْدِ والغَيِّ سَبِيلَيْنِ فَذَكَرَ أنَّهم تارِكُو سَبِيلَ الرُّشْدِ سالِكُو سَبِيلَ الغَيِّ، وناسَبَ تَقْدِيمُ جُمْلَةِ الشَّرْطِ المُتَضَمِّنَةِ سَبِيلَ الرُّشْدِ عَلى مُقابَلَتِها؛ لِأنَّها قَبْلَها. ﴿وإنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها﴾ فَذَكَرَ مُوجِبَ الإيمانِ وهو الآياتُ وتَرَتَّبَ نَقِيضُهُ عَلَيْهِ وأتْبَعَ ذَلِكَ بِمُوجِبِ الرُّشْدِ وتَرَتَّبَ نَقِيضُهُ عَلَيْهِ، ثُمَّ جاءَتِ الجُمْلَةُ بَعْدَها مُصَرِّحَةً بِسُلُوكِهِمْ سَبِيلَ الغَيِّ ومُؤَكَّدَةً لِمَفْهُومِ الجُمْلَةِ الشَّرْطِيَّةِ قَبْلَها؛ لِأنَّهُ يَلْزَمُ مِن تَرْكِ سَبِيلِ الرُّشْدِ سُلُوكُ سَبِيلِ الغَيِّ؛ لِأنَّهُما إمّا هُدًى أوْ ضَلالٌ، فَهُما نَقِيضانِ إذا انْتَفى أحَدُهُما ثَبَتَ الآخَرُ. * * ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم كَذَّبُوا بِآياتِنا وكانُوا عَنْها غافِلِينَ﴾ . أيْ: ذَلِكَ الصَّرْفُ عَنِ الآياتِ هو سَبَبُ تَكْذِيبِهِمْ بِها وغَفْلَتِهِمْ عَنِ النَّظَرِ فِيها والتَّفَكُّرِ في دَلالَتِها، والمَعْنى: أنَّهُمُ اسْتَمَرَّ كَذِبُهم وصارَ لَهم ذَلِكَ دَيْدَنًا حَتّى صارَتْ تِلْكَ الآياتُ لا تَخْطُرُ لَهم بِبالٍ فَحَصَلَتِ الغَفْلَةُ عَنْها والنِّسْيانُ لَها حَتّى كانُوا لا يَذْكُرُونَها ولا شَيْئًا مِنها، والظّاهِرُ أنَّ الصَّرْفَ سَبَبُهُ التَّكْذِيبُ والغَفْلَةُ مِن جَمِيعِهِمْ، ويُحْتَمَلُ أنَّ الصَّرْفَ سَبَبُهُ التَّكْذِيبُ، ويَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿وكانُوا عَنْها غافِلِينَ﴾ اسْتِئْنافَ إخْبارٍ مِنهُ تَعالى عَنْهم، أيْ: مِن شَأْنِهِمْ أنَّهم كانُوا غافِلِينَ عَنِ الآياتِ وتَدَبُّرِها فَأوْرَثَتْهُمُ الغَفْلَةُ التَّكْذِيبَ بِها، والظّاهِرُ أنَّ ذَلِكَ مُبْتَدَأٌ وخَبَرُهُ بِأنَّهم، أيْ: ذَلِكَ الصَّرْفُ كائِنٌ بِأنَّهم كَذَّبُوا، وجَوَّزُوا أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا فَقَدَّرَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ فَعَلْنا ذَلِكَ، وقَدَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ صَرَفَهُمُ اللَّهُ ذَلِكَ الصَّرْفَ بِعَيْنِهِ، وفي قَوْلِهِ تَعالى: ( ﴿سَأصْرِفُ عَنْ آياتِي الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ في الأرْضِ بِغَيْرِ الحَقِّ﴾ (p-٣٩١)إشْعارٌ بِأنَّ الصَّرْفَ سَبَبُهُ هَذا التَّكَبُّرُ، وفي قَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم كَذَّبُوا﴾ إعْلامٌ بِأنَّ ذَلِكَ الصَّرْفَ سَبَبُهُ التَّكْذِيبُ، والجَمْعُ بَيْنَهُما أنَّ التَّكَبُّرَ سَبَبٌ أوَّلُ نَشَأ عَنْهُ التَّكْذِيبُ، فَنِسْبَةُ الصَّرْفِ إلى السَّبَبِ الأوَّلِ وإلى ما تَسَبَّبَ عَنْهُ.

الأعراف 7:147

﴿والَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا ولِقاءِ الآخِرَةِ حَبِطَتْ أعْمالُهم هَلْ يُجْزَوْنَ إلّا ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ذَكَرَ تَعالى ما يَئُولُ إلَيْهِ في الآخِرَةِ أمْرُ المُكَذِّبِينَ، فَذَكَرَ أنَّهُ يُحْبِطُ أعْمالَهم، أيْ: لا يَعْبَأُ بِها، وأصْلُ الحَبْطِ أنْ يَكُونَ فِيما تَقَدَّمَ صَلاحُهُ، فاسْتُعْمِلَ الحُبُوطُ هُنا إذا كانَتْ أعْمالُهم في مُعْتَقَداتِهِمْ جارِيَةً عَلى طَرِيقٍ صالِحٍ، فَكانَ الحَبْطُ فِيها بِحَسَبَ مُعْتَقَداتِهِمْ؛ إذِ المُكَذِّبُ بِالآياتِ قَدْ يَكُونُ لَهُ عَمَلٌ فِيهِ إحْسانٌ لِلنّاسِ وصَفْحٌ وعَفْوٌ عَمَّنْ جَنى عَلَيْهِ، وكُلُّ ذَلِكَ لا يُجازى عَلَيْهِ في الآخِرَةِ، فَشَمَلَ حَبْطُ الأعْمالِ مَن لَهُ عَمَلٌ بَرٌّ ومَن عَمَلُهُ مِن أوَّلِ مَرَّةٍ فاسِدٌ، ونَبَّهَ بِلِقاءِ الآخِرَةِ عَلى مَحَلِّ افْتِضاحِهِمْ وجَزائِهِمْ، وتَهْدِيدًا لَهم ووَعِيدًا بِها، وأنَّها كائِنَةٌ لا مَحالَةَ، وإضافَةُ: لِقاءِ ) إلى: الآخِرَةِ ) إضافَةُ المَصْدَرِ إلى المَفْعُولِ، أيْ: ولِقائِهِمُ الآخِرَةَ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن إضافَةِ المَصْدَرِ إلى المَفْعُولِ بِهِ، أيْ: ولِقائِهِمُ الآخِرَةَ ومُشاهَدَتِهِمْ أحْوالَها، ومِن إضافَةِ المَصْدَرِ إلى الظَّرْفِ، بِمَعْنى ولِقاءِ ما وعَدَ اللَّهُ تَعالى في الآخِرَةِ، انْتَهى، ويُجِيزُ جِلَّةُ النَّحْوِيِّينَ الإضافَةَ إلى الظَّرْفِ؛ لِأنَّ الظَّرْفَ هو عَلى تَقْدِيرِ في، والإضافَةُ عِنْدَهم إنَّما هي عَلى تَقْدِيرِ اللّامِ، أوْ تَقْدِيرِ مِن، عَلى ما بُيِّنَ في عِلْمِ النَّحْوِ، فَإنِ اتُّسِعَ في العامِلِ جازَ أنْ يَنْصِبَ الظَّرْفَ نَصْبَ المَفْعُولِ بِهِ، وجازَ إذْ ذاكَ أنْ يُضافَ مُصْدَرُهُ إلى ذَلِكَ الظَّرْفِ المُتَّسَعِ في عامِلِهِ، وأجازَ بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ أنْ تَكُونَ الإضافَةُ عَلى تَقْدِيرِ في، كَما يُفْهِمُهُ ظاهِرُ كَلامِ الزَّمَخْشَرِيِّ، وهو مَذْهَبٌ مَرْدُودٌ في عِلْمِ النَّحْوِ، و: ﴿هَلْ يُجْزَوْنَ﴾ اسْتِفْهامٌ بِمَعْنى التَّقْرِيرِ، أيْ: يَسْتَوْجِبُونَ بِسُوءِ فِعْلِهِمُ العُقُوبَةَ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والظّاهِرُ أنَّهُ اسْتِفْهامٌ بِمَعْنى النَّفْيِ، ولِذَلِكَ دَخَلَتْ: (إلّا) والِاسْتِفْهامُ الَّذِي هو بِمَعْنى التَّقْرِيرِ هو مُوجِبٌ مِن حَيْثُ المَعْنى، فَيَبْعُدُ دُخُولُ إلّا، ولَعَلَّهُ لا يَجُوزُ.

الأعراف 7:148

﴿واتَّخَذَ قَوْمُ مُوسى مِن بَعْدِهِ مِن حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوارٌ﴾ ) إنْ كانَ الِاتِّخاذُ بِمَعْنى اتِّخاذِهِ إلَهًا مَعْبُودًا، فَصَحَّ نِسْبَتُهُ إلى القَوْمِ، وذُكِرَ أنَّهم كُلَّهم عَبَدُوهُ غَيْرَ هارُونَ، ولِذَلِكَ قالَ: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي ولِأخِي﴾ [الأعراف: ١٥١] )؛ وقِيلَ: إنَّما عَبَدَهُ قَوْمٌ مِنهم لا جَمِيعُهم لِقَوْلِهِ: ﴿ومِن قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالحَقِّ﴾ [الأعراف: ١٥٩] وإنْ كانَ بِمَعْنى العَمَلِ، كَقَوْلِهِ: ﴿كَمَثَلِ العَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا﴾ [العنكبوت: ٤١]، أيْ: عَمِلَتْ وصَنَعَتْ، فالمُتَّخِذُ إنَّما هو السّامِرِيُّ، واسْمُهُ مُوسى بْنُ ظُفَرَ، مِن قَرْيَةٍ تُسَمّى سامِرَةَ، ونُسِبَ ذَلِكَ إلى قَوْمِ مُوسى مَجازًا، كَما قالُوا: بَنُو تَمِيمٍ قَتَلُوا فُلانًا، وإنَّما قَتَلَهُ واحِدٌ مِنهم، ولِكَوْنِهِمْ راضِينَ بِذَلِكَ، ومَعْنى: مِن بَعْدِهِ مِن بَعْدِ مُضِيِّهِ لِلْمُناجاةِ و﴿مِن حُلِيِّهِمْ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ اتَّخَذَ وبِها يَتَعَلَّقُ مِن بَعْدِهِ وإنْ كانا حَرْفَيْ جَرٍّ بِلَفْظٍ (p-٣٩٢)واحِدٍ، وجازَ ذَلِكَ لِاخْتِلافِ مَدْلُولَيْهِما؛ لِأنَّ مِنَ الأُولى لِابْتِداءِ الغايَةِ، والثّانِيَةَ لِلتَّبْعِيضِ، وأجازَ أبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ: ﴿مِن حُلِيِّهِمْ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ فَيَتَعَلَّقُ بِمَحْذُوفٍ؛ لِأنَّهُ لَوْ تَأخَّرَ لَكانَ صِفَةً، أيْ: عِجْلًا ) كائِنًا مِن حُلِيِّهِمْ. وقَرَأ الأخَوانِ مِن: حِلِيِّهِمْ ) بِكَسْرِ الحاءِ إتْباعًا لِحَرَكَةِ اللّامِ، كَما قالُوا: عَصى، وهي قِراءَةُ أصْحابِ عَبْدِ اللَّهِ، ويَحْيى بْنِ وثّابٍ، وطَلْحَةَ، والأعْمَشِ، وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ والحَسَنُ وأبُو جَعْفَرٍ وشَيْبَةُ بِضَمِّ الحاءِ، وهو جَمْعُ حَلْيٍ نَحْوُ ثَدْيٍ وثُدِيٍّ، ووَزْنُهُ فُعُولٌ، اجْتَمَعَتْ ياءٌ وواوٌ، وسُبِقَتْ إحْداهُما بِالسُّكُونِ، فَقُلِبَتِ الواوُ ياءً، وأُدْغِمَتْ في الياءِ، وكُسِرَ ما قَبْلَها لِتَصِحَّ الياءُ، وقَرَأ يَعْقُوبُ: ﴿مِن حُلِيِّهِمْ﴾ ) بِفَتْحِ الحاءِ وسُكُونِ اللّامِ، وهو مُفْرَدٌ يُرادُ بِهِ الجِنْسُ، أوِ اسْمُ جِنْسٍ مُفْرَدُهُ حَلْيَةٌ كَتَمْرٍ وتَمْرَةٍ، وإضافَةُ الحُلِيِّ إلَيْهِمْ إمّا لِكَوْنِهِمْ مَلَكُوهُ مِن ما كانَ عَلى قَوْمِ فِرْعَوْنَ حِينَ غَرِقُوا ولَفَظَهُمُ البَحْرُ، فَكانَ كالغَنِيمَةِ، ولِذَلِكَ أُمِرَ هارُونُ بِجَمْعِهِ حَتّى يَنْظُرَ مُوسى إذا رَجَعَ في أمْرِهِ، أوْ مَلَكُوهُ إذْ كانَ مِن أمْوالِهِمُ الَّتِي اغْتَصَبَها القِبْطُ بِالجِزْيَةِ الَّتِي كانُوا وضَعُوها عَلَيْهِمْ، فَتَحَيَّلَ بَنُو إسْرائِيلَ عَلى اسْتِرْجاعِها إلَيْهِمْ بِالعارِيَةِ، وإمّا لِكَوْنِهِمْ لَمْ يَمْلِكُوهُ لَكِنْ تَصَرَّفَتْ أيْدِيهِمْ فِيهِ بِالعارِيَةِ، فَصَحَّتِ الإضافَةُ إلَيْهِمْ لِأنَّها تَكُونُ بِأدْنى مُلابَسَةٍ. رَوى يَحْيى بْنُ سَلامٍ، عَنِ الحَسَنِ: أنَّهُمُ اسْتَعارُوا الحُلِيَّ مِنَ القِبْطِ لِعُرْسٍ؛ وقِيلَ: لِيَوْمِ زِينَةٍ، ولَمّا هَلَكَ فِرْعَوْنُ وقَوْمُهُ بَقِيَ الحُلِيُّ مَعَهم وكانَ حَرامًا عَلَيْهِمْ، وأخَذَ بَنُو إسْرائِيلَ في بَيْعِهِ وتَمْحِيقِهِ، فَقالَ السّامِرِيُّ لِهارُونَ: إنَّهُ عارِيَةٌ ولَيْسَ لَنا، فَأمَرَ هارُونُ مُنادِيًا بِرَدِّ العارِيَةِ لِيَرى فِيها مُوسى رَأْيَهُ إذا جاءَ، فَجَمَعَهُ وأوْدَعَهُ هارُونُ عِنْدَ السّامِرِيِّ وكانَ صائِغًا، فَصاغَ لَهم صُورَةَ عِجْلٍ مِنَ الحُلِيِّ؛ وقِيلَ: مَنَعَهم مِن رَدِّ العارِيَةِ خَوْفُهم أنْ يَطَّلِعَ القِبْطُ عَلى سُراهم؛ إذْ كانَ تَعالى أمَرَ مُوسى أنْ يُسْرِيَ بِهِمْ، والعِجْلُ: ولَدُ البَقَرَةِ القَرِيبُ الوِلادَةِ، ومَعْنى جَسَدًا ) جُثَّةً جَمادًا؛ وقِيلَ: بَدَنًا بِلا رَأْسٍ ذَهَبًا مُصْمَتًا؛ وقِيلَ: صَنَعَهُ مُجَوَّفًا، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: جَسَدًا بَدَنًا ذا لَحْمٍ ودَمٍ كَسائِرِ الأجْسادِ، قالَ الحَسَنُ: إنَّ السّامِرِيَّ قَبَضَ قَبْضَةً مِن تُرابٍ مِن أثَرِ فَرَسِ جِبْرِيلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - يَوْمَ قُطِعَ البَحْرُ فَقَذَفَهُ في فِيِّ العِجْلِ، فَكانَ عِجْلًا لَهُ خُوارٌ، انْتَهى. وهَذا ضَعِيفٌ، أعْنِي: كَوْنَهُ لَحْمًا ودَمًا؛ لِأنَّ الآثارَ ورَدَتْ بِأنَّ مُوسى بَرَدَهُ بِالمَبارِدِ وألْقاهُ في البَحْرِ، ولا يُبْرَدُ اللَّحْمُ، بَلْ كانَ يُقْتَلُ ويُقَطَّعُ، وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: ذِكْرُ الجَسَدِ دَلالَةٌ عَلى عَدَمِ الرُّوحِ فِيهِ، انْتَهى، وظاهِرُ قَوْلِهِ: لَهُ خُوارٌ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ فِيهِ رُوحٌ؛ لِأنَّهُ لا يَخُورُ إلّا ما فِيهِ رُوحٌ؛ وقِيلَ: لَمّا صَنَعَهُ أجْوَفَ تَحَيَّلَ لِتَصْوِيتِهِ، بِأنْ جَعَلَ في جَوْفِهِ أنابِيبَ عَلى شَكْلٍ مَخْصُوصٍ وجَعَلَهُ في مَهَبِّ الرِّياحِ فَتَدْخُلُ في تِلْكَ الأنابِيبِ فَيَظْهَرُ صَوْتٌ يُشْبِهُ الخُوارَ؛ وقِيلَ: جَعَلَ تَحْتَهُ مَن يَنْفُخُ فِيهِ مِن حَيْثُ لا يُشْعَرُ بِهِ، فَيُسْمَعُ صَوْتٌ مِن جَوْفِهِ كالخُوارِ، وقالَ الكِرْمانِيُّ: جَعَلَ في بَطْنِ العِجْلِ بَيْتًا يُفْتَحُ ويُغْلَقُ، فَإذا أرادَ أنْ يَخُورَ أدْخَلَهُ غُلامًا يَخُورُ بِعَلامَةٍ بَيْنَهُما إذا أرادَ؛ وقِيلَ: يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ اللَّهُ أخارَهُ لِيَفْتِنَ بَنِي إسْرائِيلَ، وخُوارُهُ قِيلَ: مَرَّةً واحِدَةً ولَمْ يَثْنِ، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ؛ وقِيلَ: مِرارًا، فَإذا خارَ سَجَدُوا وإذا سَكَتَ رَفَعُوا رُءُوسَهم، وقالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وأكْثَرُ المُفَسِّرِينَ، وقَرَأ عَلِيٌّ وأبُو السَّمْألِ وفِرْقَةٌ (جُؤارٌ): بِالجِيمِ والهَمْزِ مِن جَأرَ إذا صاحَ بِشِدَّةِ صَوْتٍ وانْتَصَبَ جَسَدًا، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: عَلى البَدَلِ، وقالَ الحَوْفِيُّ، عَلى النَّعْتِ، وأجازَهُما أبُو البَقاءِ وأنْ يَكُونَ عَطْفَ بَيانٍ، وإنَّما قالَ: جَسَدًا؛ لِأنَّهُ يُمْكِنُ أنْ يُتَّخَذَ مَخْطُوطًا أوْ مَرْقُومًا في حائِطٍ أوْ حَجَرٍ أوْ غَيْرِ ذَلِكَ، كالتَّماثِيلِ المُصَوَّرَةِ بِالرَّقْمِ والخَطِّ والدِّهانِ والنَّقْشِ، فَبَيَّنَ تَعالى أنَّهُ ذُو جَسَدٍ. * * ﴿ألَمْ يَرَوْا أنَّهُ لا يُكَلِّمُهم ولا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا﴾ إنْ كانَ اتَّخَذَ مَعْناهُ: عَمِلَ وصَنَعَ، فَلا بُدَّ مِن تَقْدِيرِ مَحْذُوفٍ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ هَذا الإنْكارُ، وهو: فَعَبَدُوهُ وجَعَلُوهُ إلَهًا لَهم، وإنْ كانَ المَحْذُوفُ: إلَهًا، أيِ: اتَّخَذُوا: ﴿عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوارٌ﴾ إلَهًا، فَلا يُحْتاجُ إلى حَذْفِ جُمْلَةٍ، وهَذا اسْتِفْهامُ (p-٣٩٣)إنْكارٍ؛ حَيْثُ عَبَدُوا جَمادًا أوْ حَيَوانًا عاجِزًا، عَلَيْهِ آثارُ الصَّنْعَةِ، لا يُمْكِنُ أنْ يَتَكَلَّمَ ولا يَهْدِيَ، وقَدْ رَكَزَ في العُقُولِ أنَّ مَن كانَ بِهَذِهِ المَثابَةِ اسْتَحالَ أنْ يَكُونَ إلَهًا، وهَذا نَوْعٌ مِن أنْواعِ البَلاغَةِ يُسَمّى الِاحْتِجاجَ النَّظَرِيَّ، وبَعْضُهم يُسَمِّيهِ المَذْهَبَ الكَلامِيَّ، والظّاهِرُ أنَّ يَرَوْا بِمَعْنى: يَعْلَمُوا، وسَلَبَ تَعالى عَنْهُ هَذَيْنِ الوَصْفَيْنِ دُونَ باقِي أوْصافِ الإلَهِيَّةِ؛ لِأنَّ انْتِفاءَ القُدْرَةِ وانْتِفاءَ هَذَيْنِ الوَصْفَيْنِ، وهُما: العِلْمُ والقُدْرَةُ، يَسْتَلْزِمانِ باقِيَ الأوْصافِ، فَلِذَلِكَ خَصَّ هَذانِ الوَصْفانِ بِانْتِفائِهِما. ﴿اتَّخَذُوهُ وكانُوا ظالِمِينَ﴾، أيْ: أقْدَمُوا عَلى ما أقْدَمُوا عَلَيْهِ مِن هَذا الأمْرِ الشَّنِيعِ وكانُوا واضِعِينَ الشَّيْءَ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ، أيْ: مِن شَأْنِهِمُ الظُّلْمُ، فَلَيْسُوا مُبْتَكِرِينَ وضْعَ الشَّيْءِ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ، ولَيْسَ عِبادَةُ العِجْلِ بِأوَّلِ ما أحْدَثُوهُ مِنَ المَناكِرِ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ الواوُ واوَ الحالِ، انْتَهى، يَعْنِي في: وكانُوا والوَجْهُ الأوَّلُ أبْلَغُ في الذَّمِّ، وهو الإخْبارُ عَنْ وصْفِهِمْ بِالظُّلْمِ وأنَّ شَأْنَهم ذَلِكَ، فَلا يَتَقَيَّدُ ظُلْمُهم بِهَذِهِ الفِعْلَةِ الفاضِحَةِ.

الأعراف 7:149

﴿ولَمّا سُقِطَ في أيْدِيهِمْ ورَأوْا أنَّهم قَدْ ضَلُّوا قالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنا رَبُّنا ويَغْفِرْ لَنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ ذَكَرَ بَعْضُ النَّحْوِيِّينَ أنَّ قَوْلَ العَرَبِ: سُقِطَ في يَدِهِ، فِعْلٌ لا يَتَصَرَّفُ، فَلا يُسْتَعْمَلُ مِنهُ مُضارِعٌ، ولا اسْمُ فاعِلٍ، ولا مَفْعُولٌ، وكانَ أصْلُهُ مُتَصَرِّفًا، تَقُولُ: سَقَطَ الشَّيْءُ، إذا وقَعَ مِن عُلْوٍ، فَهو في الأصْلِ مُتَصَرِّفٌ لازِمٌ، وقالَ الجُرْجانِيُّ: سُقِطَ في يَدِهِ مِمّا دُثِرَ اسْتِعْمالُهُ، مِثْلَما دُثِرَ اسْتِعْمالُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَضَرَبْنا عَلى آذانِهِمْ﴾ [الكهف: ١١] قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وفي هَذا الكَلامِ ضَعْفٌ، والسِّقاطُ في كَلامِ العَرَبِ: كَثْرَةُ الخَطَأِ والنَّدَمِ عَلَيْهِ، ومِنهُ قَوْلُ ابْنِ أبِي كاهِلٍ: ؎كَيْفَ يَرْجُونَ سِقاطِي بَعْدَما بَقَّعَ الرَّأْسَ مَشِيبٌ وصَلَعْ وحُكِيَ عَنْ أبِي مَرْوانَ بْنِ سِراجٍ أحَدِ أئِمَّةِ اللُّغَةِ بِالأنْدَلُسِ أنَّهُ كانَ يَقُولُ: قَوْلُ العَرَبِ: سُقِطَ في يَدِهِ، مِمّا أعْيانِي مَعْناهُ، وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: يُقالُ لِمَن نَدِمَ عَلى أمْرٍ وعَجَزَ عَنْهُ: سُقِطَ في يَدِهِ، وقالَ الزَّجّاجُ: مَعْناهُ سُقِطَ النَّدَمُ في أيْدِيهِمْ، أيْ: في قُلُوبِهِمْ وأنْفُسِهِمْ، كَما يُقالُ: حَصَلَ في أيْدِيهِمْ مَكْرُوهٌ، وإنْ كانَ مُحالًا أنْ يَكُونَ في اليَدِ، تَشْبِيهًا لِما يَحْصُلُ في القَلْبِ والنَّفْسِ بِما يَحْصُلُ في اليَدِ ويُرى بِالعَيْنِ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: العَرَبُ تَقُولُ لِمَن كانَ ساعِيًا لِوَجْهٍ أوْ طالِبًا غايَةً، فَعَرَضَ لَهُ ما صَدَّهُ عَنْ وجْهِهِ ووَقَفَهُ مَوْقِفَ العَجْزِ وتَيَقَّنَ أنَّهُ عاجِزٌ: سُقِطَ في يَدِ فُلانٍ، وقَدْ يَعْرِضُ لَهُ النَّدَمُ، وقَدْ لا يَعْرِضُ، قالَ: والوَجْهُ الَّذِي يَصِلُ بَيْنَ هَذِهِ الألْفاظِ وبَيْنَ المَعْنى الَّذِي ذَكَرْناهُ هو أنَّ السَّعْيَ أوِ الصَّرْفَ أوِ الدِّفاعَ سُقِطَ في يَدِ المُشارِ إلَيْهِ فَصارَ في يَدِهِ لا يُجاوِزُها، ولا يَكُونُ لَهُ في الخارِجِ أثَرٌ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لَمّا اشْتَدَّ نَدَمُهم وحَسْرَتُهم عَلى عِبادَةِ العِجْلِ؛ لِأنَّ مِن شَأْنِ مَنِ اشْتَدَّ نَدَمُهُ وحَسْرَتُهُ أنْ يَعَضَّ يَدَهُ غَمًّا، فَتَصِيرَ يَدُهُ مَسْقُوطًا فِيها؛ لِأنَّ فاهُ قَدْ وقَعَ فِيها، وسُقِطَ مُسْنَدٌ إلى: ﴿فِي أيْدِيهِمْ﴾، وهو مِن بابِ الكِنايَةِ، انْتَهى، والصَّوابُ: وسُقِطَ مُسْنَدٌ إلى ما: في أيْدِيهِمْ، وحَكى الواحِدِيُّ عَنْ بَعْضِهِمْ أنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنَ السَّقِيطِ، وهو ما يَغْشى الأرْضَ بِالغُذَواتِ شِبْهُ الثَّلْجِ، يُقالُ مِنهُ: سُقِطَتِ الأرْضُ، كَما يُقالُ: مِنَ الثَّلْجِ ثُلِّجَتِ الأرْضُ وثُلِّجْنا، أيْ: أصابَنا الثَّلْجُ، ومَعْنى سُقِطَ في يَدِهِ والسَّقِيطِ والسُّقْطِ يَذُوبُ بِأدْنى حَرارَةٍ ولا يَبْقى، ومَن وقَعَ في يَدِهِ السَّقِيطُ لَمْ يَحْصُلْ مِنهُ عَلى شَيْءٍ، فَصارَ مَثَلًا لِكُلِّ مَن خَسِرَ في عاقِبَتِهِ ولَمْ يَحْصُلْ مِن بُغْيَتِهِ عَلى طائِلٍ وكانَتِ النَّدامَةُ آخِرَ أمْرِهِ؛ وقِيلَ: مِن عادَةِ النّادِمِ أنْ يُطَأْطِئَ رَأْسَهُ ويَضَعَ ذَقْنَهُ عَلى يَدِهِ مُعْتَمِدًا عَلَيْها، ويَصِيرَ عَلى هَيْئَةٍ لَوْ نُزِعَتْ يَدُهُ لَسُقِطَ عَلى وجْهِهِ، كانَ اليَدُ مَسْقُوطًا فِيها، ومَعْنى: (في) عَلى، أيْ: سُقِطَ عَلى يَدِهِ، ومَعْنى: في أيْدِيهِمْ، أيْ: عَلى أيْدِيهِمْ، كَقَوْلِهِ: ﴿ولَأُصَلِّبَنَّكم في جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه: ٧١]، انْتَهى. وكانَ مُتَعَلِّقُ سُقِطَ قَوْلَهُ: ﴿فِي أيْدِيهِمْ﴾؛ لِأنَّ اليَدَ هي الآلَةُ الَّتِي يُؤْخَذُ بِها ويُضْبَطُ: وسُقِطَ مَبْنِيٌّ لِلْمَفْعُولِ، والَّذِي أُوقِعَ مَوْضِعَ الفاعِلِ هو الجارُّ والمَجْرُورُ، كَما تَقُولُ: جُلِسَ (p-٣٩٤)فِي الدّارِ وضُحِكَ مِن زَيْدٍ؛ وقِيلَ: سُقِطَ تَتَضَمَّنُ مَفْعُولًا، وهو هاهُنا المَصْدَرُ الَّذِي هو الإسْقاطُ، كَما يُقالُ: ذُهِبَ بِزَيْدٍ، انْتَهى، وصَوابُهُ، وهو هُنا ضَمِيرُ المَصْدَرِ الَّذِي هو السُّقُوطُ؛ لِأنَّ سُقِطَ لَيْسَ مَصْدَرُهُ الإسْقاطَ، ولَيْسَ نَفْسُ المَصْدَرِ هو المَفْعُولُ الَّذِي لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، بَلْ هو ضَمِيرُهُ، وقَرَأتْ فَرِقَةٌ مِنهُمُ ابْنُ السَّمَيْقَعِ: (سَقَطَ في أيْدِيهِمْ) مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أيْ: وقَعَ الغَضُّ فِيها، وقالَ الزَّجّاجُ: سُقِطَ النَّدَمُ في أيْدِيهِمْ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنَّ الخُسْرانَ والخَيْبَةَ سَقَطَ في أيْدِيهِمْ، وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: أُسْقِطُ في أيْدِيهِمْ - رُباعِيًّا مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، ورَأوْا أيْ: عَلِمُوا: ﴿أنَّهم قَدْ ضَلُّوا﴾، قالَ القاضِي: يَجِبُ أنْ يَكُونَ المُؤَخَّرُ مُقَدَّمًا؛ لِأنَّ النَّدَمَ والتَّحَسُّرَ إنَّما يَقَعانِ بَعْدَ المَعْرِفَةِ، فَكَأنَّهُ تَعالى قالَ: ولَمّا رَأوْا أنَّهم قَدْ ضَلُّوا وسُقِطَ في أيْدِيهِمْ لِما نالَهم مِن عَظِيمِ الحَسْرَةِ، انْتَهى، ولا يُحْتاجُ إلى هَذا التَّقْدِيرِ، بَلْ يُمْكِنُ تَقَدُّمُ النَّدَمِ عَلى تَبَيُّنِ الضَّلالِ؛ لِأنَّ الإنْسانَ إذا شَكَّ في العَمَلِ الَّذِي أقْدَمَ عَلَيْهِ أهْوَ صَوابٌ أوْ خَطَأٌ حَصَلَ لَهُ النَّدَمُ، ثُمَّ بَعْدُ يَتَكامَلُ النَّظَرُ والفِكْرُ فَيَعْلَمُ أنَّ ذَلِكَ خَطَأٌ، ﴿قالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنا رَبُّنا﴾ انْقِطاعٌ إلى اللَّهِ تَعالى واعْتِرافٌ بِعَظِيمِ ما أقْدَمُوا عَلَيْهِ وهَذا، كَما قالَ: آدَمُ وحَوّاءُ: ﴿وإنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وتَرْحَمْنا﴾ [الأعراف: ٢٣] ولَمّا كانَ هَذا الذَّنْبُ - وهو اتِّخاذُ غَيْرِ اللَّهِ إلَهًا - أعْظَمَ الذُّنُوبِ بَدَأُوا بِالرَّحْمَةِ الَّتِي وسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ، ومِن نِتاجِها غُفْرانُ الذَّنْبِ، وأمّا في قِصَّةِ آدَمَ فَإنَّهُ جَرَتْ مُحاوَرَةٌ بَيْنَهُ تَعالى وبَيْنَهُما، وعِتابٌ عَلى ما صَدَرَ مِنهُما مِن أكْلِ ثَمَرِ الشَّجَرَةِ بَعْدَ نَهْيِهِ إيّاهُما عَنْ قُرْبانِها - فَضْلًا عَنْ أكْلِ ثَمَرِها - فَبادَرا إلى الغُفْرانِ وأتْبَعاهُ بِالرَّحْمَةِ؛ إذْ غُفْرانُ ما وقَعَ العِتابُ عَلَيْهِ أكَّدَ ما يُطْلَبُ أوَّلًا، وقَرَأ الأخَوانِ والشَّعْبِيُّ وابْنُ وثّابٍ والجَحْدَرِيُّ وابْنُ مُصَرِّفٍ والأعْمَشُ وأيُّوبُ بِالخِطابِ في (تَرْحَمْنا وتَغْفِرْ) ونِداءِ (رَبَّنا)، وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ ومُجاهِدٌ والحَسَنُ والأعْرَجُ وأبُو جَعْفَرٍ وشَيْبَةُ بْنُ نَصّاحٍ وغَيْرُهم: ﴿يَرْحَمْنا رَبُّنا ويَغْفِرْ لَنا﴾ بِالياءِ فِيهِما ورَفْعِ رَبُّنا، وفي مُصْحَفِ أُبَيٍّ: قالُوا رَبَّنا لَئِنْ تَرْحَمْنا وتَغْفِرْ لَنا، بِتَقْدِيمِ المُنادى وهو رَبُّنا، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ القَوْلانِ صَدَرا مِنهم جَمِيعِهِمْ عَلى التَّعاقُبِ، أوْ هَذا مِن طائِفَةٍ وهَذا مِن طائِفَةٍ، فَمَن غَلَبَ عَلَيْهِ الخَوْفُ وقَوِيَ عَلى المُواجَهَةِ خاطَبَ مُسْتَقِيلًا مِن ذَنْبِهِ العَظِيمِ، ومَن غَلَبَ عَلَيْهِ الحَياءُ أخْرَجَ كَلامَهُ مَخْرَجَ المُسْتَحْيِي مِنَ الخِطابِ فَأسْنَدَ الفِعْلَ إلى الغائِبِ، وفي قَوْلِهِمْ: رَبُّنا اسْتِعْطافٌ حَسَنٌ؛ إذِ الرَّبُّ هو المالِكُ النّاظِرُ في أمْرِ عَبِيدِهِ والمُصْلِحُ مِنهم ما فَسَدَ.

الأعراف 7:150

﴿ولَمّا رَجَعَ مُوسى إلى قَوْمِهِ غَضْبانَ أسِفًا قالَ بِئْسَما خَلَفْتُمُونِي مِن بَعْدِي أعَجِلْتُمْ أمْرَ رَبِّكُمْ﴾، أيْ: رَجَعَ مِنَ المُناجاةِ، يُرْوى أنَّهُ لَمّا قَرُبَ مِن مَحَلَّةِ بَنِي إسْرائِيلَ سَمِعَ أصْواتَهم، فَقالَ: هَذِهِ أصْواتُ قَوْمٍ لاهِينَ، فَلَمّا تَحَقَّقَ عُكُوفَهم عَلى عِبادَةِ العِجْلِ داخَلَهُ الغَضَبُ والأسَفُ وألْقى الألْواحَ. وقالَ الطَّبَرِيُّ: أخْبَرَهُ تَعالى قَبْلَ رُجُوعِهِ أنَّهم قَدْ فُتِنُوا بِالعِجْلِ فَلِذَلِكَ رَجَعَ وهو غاضِبٌ، ويَدُلُّ عَلى هَذا القَوْلِ قَوْلُهُ: ﴿فَإنّا قَدْ فَتَنّا قَوْمَكَ مِن بَعْدِكَ وأضَلَّهُمُ السّامِرِيُّ﴾ [طه: ٨٥] الآيَةَ، وغَضْبانَ: مِن صِفاتِ المُبالَغَةِ والغَضَبِ غَلَيانُ القَلْبِ بِسَبَبِ حُصُولِ ما يُؤْلِمُ، وذَكَرُوا أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كانَ مِن أسْرَعِ النّاسِ غَضَبًا وكانَ سَرِيعَ الفَيْئَةِ، قالَ ابْنُ القاسِمِ: سَمِعْتُ مالِكًا يَقُولُ: كانَ إذا غَضِبَ طَلَعَ الدُّخانُ مِن قَلَنْسُوَتِهِ ورَفَعَ شَعْرُ بَدَنِهِ جُبَّتَهُ وأسِفًا مِن أسِفَ فَهو أسِفٌ، كَما تَقُولُ فَرِقَ فَهو فَرِقٌ، يَدُلُّ عَلى ثُبُوتِ الوَصْفِ، ولَوْ ذَهَبَ بِهِ مَذْهَبَ الزَّمانِ لَكانَ عَلى فاعِلٍ، فَيُقالُ: آسِفٌ، والآسِفُ: الحَزِينُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ والسُّدِّيُّ، أوِ الجَزِعُ، قالَهُ مُجاهِدٌ، أوِ المُتَلَهِّفُ أوِ الشَّدِيدُ الغَضَبِ، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وابْنُ عَطِيَّةَ قالَ: وأكْثَرُ ما يَكُونُ بِمَعْنى الحَزِينِ أوِ المُغْضَبِ، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ، أوِ النّادِمُ قالَهُ القُتَبِيُّ أيْضًا، أوْ مُتَقارِبانِ قالَهُ الواحِدِيُّ، قالَ: فَإذا أتاكَ ما تَكْرَهُ مِمَّنْ دُونَكَ غَضِبْتَ، أوْ مِمَّنْ فَوْقَكَ حَزِنْتَ، فَأغْضَبَهُ عِبادَتُهُمُ العِجْلَ، وأحْزَنَهُ فِتْنَةُ اللَّهِ إيّاهم، وكانَ قَدْ أخْبَرَهُ بِذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿فَإنّا قَدْ فَتَنّا قَوْمَكَ مِن بَعْدِكَ﴾ [طه: ٨٥] وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى بِئْسَما في أوائِلِ (p-٣٩٥)البَقَرَةِ، والخِطابُ إمّا لِلسّامِرِيِّ وعُبّادِ العِجْلِ، أيْ: بِئْسَما قُمْتُمْ مَقامِي حَيْثُ عَبَدْتُمُ العِجْلَ مَكانَ عِبادَةِ اللَّهِ تَعالى، وإمّا لِوُجُوهِ بَنِي إسْرائِيلَ: هارُونَ والمُؤْمِنِينَ حَيْثُ لَمْ يَكُفُّوا مَن عَبَدَ غَيْرَ اللَّهِ، وخَلَفْتُمُونِي يَدُلُّ عَلى البَعْدِيَّةِ في الزَّمانِ، والمَعْنى هُنا: مِن بَعْدِ ما رَأيْتُمْ مِنِّي تَوْحِيدَ اللَّهِ تَعالى ونَفْيَ الشُّرَكاءِ عَنْهُ وإخْلاصَ العِبادَةِ لَهُ، أوْ مِن بَعْدِ ما كُنْتُ أحْمِلُ بَنِي إسْرائِيلَ عَلى التَّوْحِيدِ وأكُفُّهم عَنْ ما طَمَحَتْ إلَيْهِ أبْصارُهم مِن عِبادَةِ البَقَرِ، ومِن حَقِّ الخَلَفِ أنْ يَسِيرَ سِيرَةَ المُسْتَخْلَفِ ولا يُخالِفَهُ، ويُقالُ: خَلَفَهُ بِخَيْرٍ أوْ شَرٍّ، إذا فَعَلَهُ عَنْ تَرْكِ مَن بَعْدَهُ. أعَجِلْتُمْ اسْتِفْهامُ إنْكارٍ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يُقالُ: عَجِلَ عَنِ الأمْرِ إذا تَرَكَهُ غَيْرَ تامٍّ، ونَقِيضُهُ تَمَّ عَلَيْهِ، وأعْجَلَهُ عَنْهُ غَيْرُهُ، ويَضْمَنُ مَعْنًى سَبَقَ فَيُعَدّى تَعْدِيَتَهُ، فَيُقالُ: عَجِلْتُ الأمْرَ، والمَعْنى: أعْجِلْتُمْ عَنْ أمْرِ رَبِّكم، وهو انْتِظارُ مُوسى حافِظِينَ لِعَهْدِهِ وما وصّاكم بِهِ فَبَنَيْتُمُ الأمْرَ عَلى أنَّ المِيعادَ قَدْ بَلَغَ آخِرَهُ، ولَمْ أرْجِعْ إلَيْكم فَحَدَّثْتُمْ أنْفُسَكم بِمَوْتِي فَغَيَّرْتُمْ كَما غَيَّرَتِ الأُمَمُ بَعْدَ أنْبِيائِهِمْ، ورُوِيَ أنَّ السّامِرِيَّ قالَ لَهم حِينَ أخْرَجَ إلَيْهِمُ العِجْلَ: هَذا إلَهُكم وإلَهُ مُوسى، إنَّ مُوسى لَنْ يَرْجِعَ، وإنَّهُ قَدْ ماتَ، انْتَهى. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: مَعْناهُ أسابَقْتُمْ قَضاءَ رَبِّكم واسْتَعْجَلْتُمْ إتْيانِيَ مِن قَبْلِ الوَقْتِ الَّذِي قَدَّرْتُهُ، انْتَهى، وقالَ يَعْقُوبُ: يُقالُ: عَجِلْتُ الشَّيْءَ سَبَقْتُهُ، وأعْجَلْتُ الرَّجُلَ اسْتَعْجَلْتُهُ، أيْ: حَمَلْتُهُ عَلى العَجَلَةِ، انْتَهى؛ وقِيلَ: مَعْناهُ أعَجِلْتُمْ مِيعادَ رَبِّكم أرْبَعِينَ لَيْلَةً؛ وقِيلَ: أعَجِلْتُمْ سَخَطَ رَبِّكم؛ وقِيلَ: أعَجِلْتُمْ بِعِبادَةِ العِجْلِ؛ وقِيلَ: العَجَلَةُ التَّقَدُّمُ بِالشَّيْءِ في غَيْرِ وقْتِهِ، قِيلَ: وهي مَذْمُومَةٌ، ويُضَعِّفُهُ قَوْلُهُ: ﴿وعَجِلْتُ إلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضى﴾ [طه: ٨٤] والسُّرْعَةُ المُبادَرَةُ بِالشَّيْءِ في غَيْرِ وقْتِهِ وهي مَحْمُودَةٌ. * * ﴿وألْقى الألْواحَ وأخَذَ بِرَأْسِ أخِيهِ يَجُرُّهُ إلَيْهِ﴾، أيِ: الألْواحَ التَّوْراةَ وكانَ حامِلًا لَها، فَوَضَعَها بِالأرْضِ غَضَبًا عَلى ما فَعَلَهُ قَوْمُهُ مِن عِبادَةِ العِجْلِ وحَمِيَّةً لِدِينِ اللَّهِ، وكانَ - كَما تَقَدَّمَ - شَدِيدَ الغَضَبِ، وقالُوا: كانَ هارُونُ ألْيَنَ مِنهُ خُلُقًا، ولِذَلِكَ كانَ أحَبَّ إلى بَنِي إسْرائِيلَ مِنهُ. وقِيلَ: ألْقاها دَهَشًا لِما دَهَمَهُ مِن أمْرِهِمْ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمّا ألْقاها تَكَسَّرَتْ، فَرُفِعَ أكْثَرُها الَّذِي فِيهِ تَفْصِيلُ كُلِّ شَيْءٍ، وبَقِيَ الَّذِي في نُسْخَتِهِ الهُدى والرَّحْمَةُ، وهو الَّذِي أخَذَ بَعْدَ ذَلِكَ، ورَوى أنَّهُ رُفِعَ سِتَّةُ أسْباعِها وبَقِيَ سُبُعٌ، قالَهُ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ، وقالَ أبُو الفَرَجِ بْنُ الجَوْزِيِّ: لا يَصِحُّ أنَّهُ رَماها رَمْيَ كاسِرٍ، انْتَهى، والظّاهِرُ أنَّهُ ألْقاها مِن يَدَيْهِ لِأنَّهُما كانَتا مَشْغُولَتَيْنِ بِها وأرادَ إمْساكَ أخِيهِ وجَرَّهُ، ولا يَتَأتّى ذَلِكَ إلّا بِفَراغِ يَدَيْهِ لِجَرِّهِ، وفي قَوْلِهِ: ﴿ولَمّا سَكَتَ عَنْ مُوسى الغَضَبُ أخَذَ الألْواحَ﴾ [الأعراف: ١٥٤] دَلِيلٌ عَلى أنَّها لَمْ تَتَكَسَّرْ، ودَلِيلٌ عَلى أنَّهُ لَمْ يُرْفَعْ مِنها شَيْءٌ، والظّاهِرُ أنَّهُ أخَذَ بِرَأْسِهِ، أيْ: أمْسَكَ رَأْسَهُ جارَّهُ إلَيْهِ؛ وقِيلَ: بِشَعْرِ رَأْسِهِ؛ وقِيلَ: بِذَوائِبِهِ ولِحْيَتِهِ؛ وقِيلَ: بِلِحْيَتِهِ؛ وقِيلَ: بِأُذُنِهِ؛ وقِيلَ: لَمْ يَأْخُذْ حَقِيقَةً، وإنَّما كانَ ذَلِكَ إشارَةً، فَخَشِيَ هارُونُ أنْ يَتَوَهَّمَ النّاظِرُ إلَيْهِما أنَّهُ لِغَضَبٍ، فَلِذَلِكَ نَهاهُ ورَغِبَ إلَيْهِ، والظّاهِرُ أنَّ سَبَبَ هَذا الأخْذِ هو غَضَبُهُ عَلى أخِيهِ، وكَيْفَ عَبَدُوا العِجْلَ وهو قَدِ اسْتَخْلَفَهُ فِيهِمْ وأمَرَهُ بِالإصْلاحِ وأنْ لا يَتَّبِعَ سَبِيلَ مَن أفْسَدَ، وكَيْفَ لَمْ يَزْجُرْهم ويَكُفَّهم عَنْ ذَلِكَ، ويَدُلُّ عَلى هَذا الظّاهِرِ قَوْلُهُ: ﴿ولَمّا سَكَتَ عَنْ مُوسى الغَضَبُ﴾ [الأعراف: ١٥٤] وقَوْلُهُ: ﴿لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي ولا بِرَأْسِي إنِّي خَشِيتُ أنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إسْرائِيلَ ولَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي﴾ [طه: ٩٤]، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أيْ: بِشَعْرِ رَأْسِهِ يَجُرُّهُ إلَيْهِ بِذَوائِبِهِ، وذَلِكَ لِشِدَّةِ ما ورَدَ عَلَيْهِ مِنَ الأمْرِ الَّذِي اسْتَفَزَّهُ وذَهَبَ بِفِطْنَتِهِ، وظَنًّا بِأخِيهِ أنْ فَرَّطَ في الكَفِّ؛ وقِيلَ: ذَلِكَ الأخْذُ والجَرُّ كانَ لِيُسِرَّ إلَيْهِ أنَّهُ نَزَلَ عَلَيْهِ الألْواحُ في مُناجاتِهِ وأرادَ أنْ يُخْفِيَها عَنْ بَنِي إسْرائِيلَ، فَنَهاهُ هارُونُ لِئَلّا يَشْتَبِهَ سِرارُهُ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ بِإذْلالِهِ؛ وقِيلَ: ضَمَّهُ لِيَعْلَمَ ما لَدَيْهِ، فَكَرِهَ ذَلِكَ هارُونُ لِئَلّا يَظُنُّوا إهانَتَهُ، وبَيَّنَ لَهُ أخُوهُ أنَّهُمُ اسْتَضْعَفُوهُ؛ وقِيلَ: كانَ ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ الإكْرامِ لا عَلى سَبِيلِ الإهانَةِ، كَما تَفْعَلُ العَرَبُ مِن قَبْضِ الرَّجُلِ عَلى لِحْيَةِ أخِيهِ. * * (p-٣٩٦)﴿قالَ ابْنَ أُمَّ إنَّ القَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وكادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلا تُشْمِتْ بِيَ الأعْداءَ ولا تَجْعَلْنِي مَعَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ ناداهُ نِداءَ اسْتِضْعافٍ وتَرَفُّقٍ وكانَ شَقِيقَهُ وهي عادَةُ العَرَبِ تَتَلَطَّفُ وتَتَحَنَّنُ بِذِكْرِ الأُمِّ، كَما قالَ: يا ابْنَ أُمِّي ويا شَقِيقَ نَفْسِي وقالَ آخَرُ: يا ابْنَ أُمِّي فَدَتْكَ نَفْسِي ومالِي وأيْضًا فَكانَتْ أُمُّهُما مُؤْمِنَةً، قالُوا: وكانَ أبُوهُ مَقْطُوعًا عَنِ القَرابَةِ بِالكُفْرِ، كَما قالَ تَعالى لِنُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿إنَّهُ لَيْسَ مِن أهْلِكَ﴾ [هود: ٤٦]، وأيْضًا لَمّا كانَ حَقُّها أعْظَمَ لِمُقاساتِها الشَّدائِدَ في حَمْلِهِ وتَرْبِيَتِهِ والشَّفَقَةِ عَلَيْهِ ذَكَّرَهُ بِحَقِّها، وقَرَأ الحَرَمِيّانِ وأبُو عَمْرٍو وحَفْصٌ: ابْنَ أُمَّ بِفَتْحِ المِيمِ، فَقالَ الكُوفِيُّونَ: أصْلُهُ يا ابْنَ أُمّاهَ، فَحُذِفَتِ الألِفُ تَخْفِيفًا، كَما حُذِفَتْ في يا غُلامُ، وأصْلُهُ يا غُلامًا، وسَقَطَتْ هاءُ السَّكْتِ؛ لِأنَّهُ دَرَجٌ، فَعَلى هَذا الِاسْمُ مُعْرَبٌ؛ إذِ الألِفُ مُنْقَلِبَةٌ عَنْ ياءِ المُتَكَلِّمِ، فَهو مُضافٌ إلَيْهِ ابْنَ، وقالَ سِيبَوَيْهِ: هُما اسْمانِ بُنِيا عَلى الفَتْحِ كاسْمٍ واحِدٍ، كَخَمْسَةَ عَشَرَ ونَحْوِهِ، فَعَلى قَوْلِهِ: لَيْسَ مُضافًا إلَيْهِ ابْنَ والحَرَكَةُ حَرَكَةُ بِناءٍ، وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ بِكَسْرِ المِيمِ، فَقِياسُ قَوْلِ الكُوفِيِّينَ أنَّهُ مُعْرَبٌ وحُذِفَتْ ياءُ المُتَكَلِّمِ واجْتُزِئَ بِالكَسْرَةِ عَنْها، كَما اجْتَزَأُوا بِالفَتْحَةِ عَنِ الألِفِ المُنْقَلِبَةِ عَنْ ياءِ المُتَكَلِّمِ، وقالَ سِيبَوَيْهِ: هو مَبْنِيٌّ أُضِيفَ إلى ياءِ المُتَكَلِّمِ، كَما قالُوا: يا أحَدَ عَشَرَ أقْبِلُوا، وحُذِفَتِ الياءُ واجْتَزَأُوا بِالكَسْرَةِ عَنْها، كَما اجْتَزَأُوا في: يا قَوْمِ ولَوْ كانا باقِيَيْنِ عَلى الإضافَةِ لَمْ يَجُزْ حَذْفُ الياءِ؛ لِأنَّ الِاسْمَ لَيْسَ بِمُنادى ولَكِنَّهُ مُضافٌ إلَيْهِ المُنادى، فَلا يَجُوزُ حَذْفُ الياءِ مِنهُ، وقُرِئَ بِإثْباتِ ياءِ الإضافَةِ، وأجْوَدُ اللُّغاتِ الِاجْتِزاءُ بِالكَسْرَةِ عَنْ ياءِ الإضافَةِ، ثُمَّ قَلْبُ الياءِ ألِفًا والكَسْرَةِ قَبْلَها فَتْحَةً، ثُمَّ حَذْفُ التّاءِ وفَتْحُ المِيمِ، ثُمَّ إثْباتُ التّاءِ مَفْتُوحَةً أوْ ساكِنَةً، وهَذِهِ اللُّغاتُ جائِزَةٌ في ابْنَةِ أُمِّي وفي ابْنِ عَمِّي وابْنَةِ عَمِّي، وقُرِئَ يا ابْنَ أُمِّي بِإثْباتِ الياءِ، وابْنَ إمِّ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ والمِيمِ، ومَعْمُولُ القَوْلِ المُنادى، والجُمْلَةُ بَعْدَهُ المَقْصُودُ بِها تَخْفِيفُ ما أدْرَكَ مُوسى مِنَ الغَضَبِ والِاسْتِعْذارِ لَهُ بِأنَّهُ لَمْ يُقَصِّرْ في كَفِّهِمْ مِنَ الوَعْظِ والإنْذارِ وما بَلَّغَتْهُ طاقَتُهُ، ولَكِنَّهُمُ اسْتَضْعَفُوهُ فَلَمْ يَلْتَفِتُوا إلى وعْظِهِ، بَلْ قارَبُوا أنْ يَقْتُلُوهُ، ودَلَّ هَذا عَلى أنَّهُ بالَغَ في الإنْكارِ عَلَيْهِمْ حَتّى هَمُّوا بِقَتْلِهِ، ومَعْنى: اسْتَضْعَفُونِي وجَدُونِي، فَهي بِمَعْنى إلْفاءِ الشَّيْءِ بِمَعْنى ما صِيغَ مِنهُ، أيِ: اعْتَقَدُونِي ضَعِيفًا، وتَقَدَّمَ ذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا﴾ [الأعراف: ٧٥] ولَمّا أبْدى لَهُ ما كانَ مِنهم مِنَ الِاسْتِضْعافِ لَهُ ومُقارَبَةِ قَتْلِهِمْ إيّاهُ سَألَهُ تَرْكَ ما يَسُرُّهم بِفِعْلِهِ فَقالَ: ﴿فَلا تُشْمِتْ بِيَ الأعْداءَ﴾، أيْ: لا تَسُرَّهم بِما تَفْعَلُ بِي فَأكُونَ مَلُومًا مِنهم ومِنكَ، وقالَ الشّاعِرُ: ؎والمَوْتُ دُونَ شَماتَةِ الأعْداءِ وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ: (تَشْمِتْ) بِفَتْحِ التّاءِ وكَسْرِ المِيمِ ونَصْبِ: (الأعْداءَ) ومُجاهِدٌ كَذَلِكَ، إلّا أنَّهُ فَتَحَ المِيمَ، وشَمَّتَ مُتَعَدِّيَةٌ كَأشْمَتَ، وخَرَّجَ أبُو الفَتْحِ قِراءَةَ مُجاهِدٍ عَلى أنْ تَكُونَ لازِمَةً، والمَعْنى: فَلا تُشْمِتْ أنْتَ يا رَبِّ، وجازَ هَذا، كَما قالَ ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ [البقرة: ١٥]، ونَحْوَ ذَلِكَ، ثُمَّ عادَ إلى المُرادِ، فَأضْمَرَ فِعْلًا نَصَبَ بِهِ الأعْداءَ، كَقِراءَةِ الجَماعَةِ، انْتَهى، وهَذا خُرُوجٌ عَنِ الظّاهِرِ وتَكَلُّفٌ في الإعْرابِ، وقَدْ رُوِيَ تَعَدِّي شَمَّتَ لُغَةً، فَلا يُتَكَلَّفُ أنَّها لازِمَةٌ مَعَ نَصْبِ الأعْداءِ، وأيْضًا قَوْلُهُ: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ [البقرة: ١٥] إنَّما ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ المُقابَلَةِ لِقَوْلِهِمْ: ﴿إنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ [البقرة: ١٤] فَقالَ: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ [البقرة: ١٥] وكَقَوْلِهِ: ﴿ويَمْكُرُونَ ويَمْكُرُ اللَّهُ﴾ [الأنفال: ٣٠] ولا يَجُوزُ ذَلِكَ ابْتِداءً مِن غَيْرِ مُقابَلَةٍ، وعَنْ مُجاهِدٍ: (فَلا تَشْمَتْ) بِفَتْحِ التّاءِ والمِيمِ، ورَفْعِ: (الأعْداءُ)، وعَنْ حُمَيْدِ بْنِ قَيْسٍ كَذَلِكَ إلّا أنَّهُ كَسَرَ المِيمَ جَعَلاهُ فِعْلًا لازِمًا فارْتَفَعَ بِهِ الأعْداءُ، فَظاهِرُهُ أنَّهُ نَهى الأعْداءَ عَنِ الشَّماتَةِ بِهِ، وهو مِن بابِ لا أرَيَنَّكَ هُنا، والمُرادُ نَهْيُهُ أخاهُ، أيْ: لا تُحِلَّ بِي مَكْرُوهًا فَيَشْمَتُوا بِي، وبَدَأ أوَّلًا بِسُؤالِ أخِيهِ أنْ لا يُشْمِتَ بِهِ الأعْداءَ؛ لِأنَّ ما يُوجِبُ الشَّماتَةَ هو فِعْلٌ مَكْرُوهٌ ظاهِرٌ لَهم فَيَشْمَتُوا بِهِ فَبَدَأ بِالأوْكَدِ ثُمَّ سَألَهُ أنْ لا يَجْعَلَهُ ويَعْتَقِدَهُ واحِدًا مِنَ الظّالِمِينَ؛ إذْ جَعْلُهُ مَعَهم واعْتِقادُهُ مِن جُمْلَتِهِمْ هو فِعْلٌ قَلْبِيٌّ، ولَيْسَ ظاهِرًا لِبَنِي إسْرائِيلَ، أوْ يَكُونُ المَعْنى: ولا تَجْعَلْنِي في مَوْجِدَتِكَ عَلَيَّ قَرِينًا لَهم مُصاحِبًا لَهم.

الأعراف 7:151

(p-٣٩٧)﴿قالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي ولِأخِي وأدْخِلْنا في رَحْمَتِكَ وأنْتَ أرْحَمُ الرّاحِمِينَ﴾ . لَمّا اعْتَذَرَ إلَيْهِ أخُوهُ اسْتَغْفَرَ لِنَفْسِهِ ولَهُ، قالُوا: واسْتِغْفارُهُ لِنَفْسِهِ بِسَبَبِ فِعْلَتِهِ مَعَ أخِيهِ، وعَجَلَتِهِ في إلْقاءِ الألْواحِ، واسْتِغْفارُهُ لِأخِيهِ مِن فِعْلَتِهِ في الصَّبْرِ لِبَنِي إسْرائِيلَ، قالُوا: ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ الِاسْتِغْفارُ مِمّا لا يَعْلَمُهُ، واللَّهُ أعْلَمُ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لَمّا اعْتَذَرَ إلَيْهِ أخُوهُ، وذَكَرَ شَماتَةَ الأعْداءِ، ﴿قالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي ولِأخِي﴾ لِيُرْضِيَ أخاهُ ويُظْهِرَ لِأهْلِ الشَّماتَةِ رِضاهُ عَنْهُ، فَلا تَتِمُّ لَهم شَماتَتُهم، واسْتَغْفَرَ لِنَفْسِهِ مِمّا فَرَطَ مِنهُ إلى أخِيهِ، ولِأخِيهِ أنْ عَسى فَرَّطَ في حِينِ الخِلافَةِ، وطَلَبَ أنْ لا يَتَفَرَّقا عَنْ رَحْمَتِهِ، ولا تَزالَ مُتَضَمِّنَةً لَهُما في الدُّنْيا والآخِرَةِ، انْتَهى، وقَوْلُهُ: ولِأخِيهِ أنْ عَسى فَرَّطَ، إنْ كانَتْ أنْ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ فَتَكُونُ المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ ويُقَرِّبُ مَعْناهُ، وإنْ كانَتْ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ فَتَكُونُ لِلشَّرْطِ، ولا يَصِحُّ إذْ ذاكَ دُخُولُها عَلى عَسى؛ لِأنَّ أدَواتِ الشَّرْطِ لا تَدْخُلُ عَلى الفِعْلِ الجامِدِ. ﴿إنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا العِجْلَ سَيَنالُهم غَضَبٌ مِن رَبِّهِمْ وذِلَّةٌ في الحَياةِ الدُّنْيا وكَذَلِكَ نَجْزِي المُفْتَرِينَ﴾ . الظّاهِرُ أنَّهُ مِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى إخْبارًا عَمّا يَنالُ عُبّادَ العِجْلِ ومُخاطَبَةً لِمُوسى بِما يَنالُهم. وقِيلَ: هو مِن بَقِيَّةِ كَلامِ مُوسى إلى قَوْلِهِ: ﴿وقالَ إنَّما اتَّخَذْتُمْ﴾ [العنكبوت: ٢٥] وأصْدَقَهُ اللَّهُ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿وكَذَلِكَ نَجْزِي المُفْتَرِينَ﴾ والأوَّلُ الظّاهِرُ لِقَوْلِهِ: ﴿وكَذَلِكَ نَجْزِي المُفْتَرِينَ﴾ في نَسَقٍ واحِدٍ مَعَ الكَلامِ قَبْلَهُ والمَعْنى اتَّخَذُوهُ إلاهًا لِقَوْلِهِ: ﴿فَأخْرَجَ لَهم عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوارٌ فَقالُوا هَـذا إلَهُكم وإلَهُ مُوسى﴾ [طه: ٨٨]، قِيلَ: والغَضَبُ في الآخِرَةِ والذِّلَّةُ في الدُّنْيا، وهم فِرْقَةٌ مِنَ اليَهُودِ أُشْرِبُوا حُبَّ العِجْلِ فَلَمْ يَتُوبُوا، وقِيلَ: هم مَن ماتَ مِنهم قَبْلَ رُجُوعِ مُوسى مِنَ المِيقاتِ، وقالَ أبُو العالِيَةِ وتَبِعَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ: هو ما أُمِرُوا بِهِ مِن قَتْلِ أنْفُسِهِمْ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والذِّلَّةُ خُرُوجُهم مِن دِيارِهِمْ؛ لِأنَّ ذُلَّ الغُرْبَةِ مَثَلٌ مَضْرُوبٌ، انْتَهى، ويَنْبَغِي أنْ يَقُولَ: اسْتِمْرارُ انْقِطاعِهِمْ عَنْ دِيارِهِمْ لِأنَّ خُرُوجَهم كانَ سَبَقَ عَلى عِبادَةِ العِجْلِ، وقالَ عَطِيَّةُ العَوْفِيُّ: هو في قَتْلِ بَنِي قُرَيْظَةَ وإجْلاءِ بَنِي النَّضِيرِ؛ لِأنَّهم تَوَلَّوْا مُتَّخِذِي العِجْلِ، وقِيلَ: ما نالَ أوْلادُهم عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنَ السَّبْيِ والجَلاءِ والجِزْيَةِ وغَيْرِها، وجَمَعَ هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ الزَّمَخْشَرِيُّ فَقالَ: هو ما نالَ أبْناءَهم وهم بَنُو قُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ مِن غَضَبِ اللَّهِ تَعالى بِالقَتْلِ والجَلاءِ، ومِنَ الذِّلَّةِ بِضَرْبِ الجِزْيَةِ، انْتَهى، والغَضَبُ إنْ أُخِذَ بِمَعْنى الإرادَةِ فَهو صِفَةُ ذاتٍ، أوْ بِمَعْنى العُقُوبَةِ فَهو صِفَةُ فِعْلٍ، والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فِي الحَياةِ الدُّنْيا﴾ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: سَيَنالُهم، وكَذَلِكَ أيْ مِثْلُ ذَلِكَ النَّيْلِ مِنَ الغَضَبِ والذِّلَّةِ نَجْزِي مَنِ افْتَرى الكَذِبَ عَلى اللَّهِ، وأيُّ افْتِراءٍ أعْظَمُ مِن قَوْلِهِمْ: ﴿هَذا إلَهُكم وإلَهُ مُوسى﴾ [طه: ٨٨] والمُفْتَرِينَ عامٌّ في كُلِّ مُفْتَرٍ، وقالَ أبُو قِلابَةَ ومالِكٌ وسُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ: كُلُّ صاحِبِ بِدْعَةٍ أوْ فِرْيَةٍ ذَلِيلٌ، واسْتَدَلُّوا عَلى ذَلِكَ بِالآيَةِ. ﴿والَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ ثُمَّ تابُوا مِن بَعْدِها وآمَنُوا إنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، السَّيِّئاتِ هي الكُفْرُ والمَعاصِي غَيْرَهُ: ثُمَّ تابُوا أيْ رَجَعُوا إلى اللَّهِ، ﴿مِن بَعْدِها﴾ أيْ مِن بَعْدِ عَمَلِ السَّيِّئاتِ وآمَنُوا دامُوا عَلى إيمانِهِمْ وأخْلَصُوا فِيهِ، أوْ تَكُونُ الواوُ حالِيَّةً، أيْ وقَدْ آمَنُوا ﴿إنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِها﴾ أيْ مِن بَعْدِ عَمَلِ السَّيِّئاتِ، هَذا هو الظّاهِرُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ في: مِن بَعْدِها عائِدًا عَلى التَّوْبَةِ، أيْ: إنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِ تَوْبَتِهِمْ، فَيَعُودُ عَلى المَصْدَرِ المَفْهُومِ مِن قَوْلِهِ: ثُمَّ تابُوا وهَذا عِنْدِي أوْلى لِأنَّكَ إذا جَعَلْتَ (p-٣٩٨)الضَّمِيرَ عائِدًا عَلى: السَّيِّئاتِ، احْتَجْتَ إلى حَذْفِ مُضافٍ وحَذْفِ مَعْطُوفٍ؛ إذْ يَصِيرُ التَّقْدِيرُ مِن بَعْدِ عَمَلِ السَّيِّئاتِ والتَّوْبَةِ مِنها، وخَبَرُ: (الَّذِينَ) قَوْلُهُ: إنَّ رَبَّكَ وما بَعْدَهُ، والرّابِطُ مَحْذُوفٌ، أيْ: لَغَفُورٌ رَحِيمٌ لَهم. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لَغَفُورٌ لَسَتُورٌ عَلَيْهِمْ مَحّاءٌ لِما كانَ مِنهم: رَحِيمٌ مُنْعِمٌ عَلَيْهِمْ بِالجَنَّةِ، وهَذا حُكْمٌ عامٌّ يَدْخُلُ تَحْتَهُ مُتَّخِذُو العِجْلِ ومَن عَداهم، عَظَّمَ جِنايَتَهم أوْ لا، ثُمَّ أرْدَفَها بِعِظَمِ رَحْمَتِهِ لِيُعْلَمَ أنَّ الذُّنُوبَ وإنْ جَلَّتْ وإنْ عَظُمَتْ فَإنَّ عَفْوَهُ تَعالى وكَرَمَهُ أعْظَمُ وأجَلُّ، ولَكِنْ لا بُدَّ مِن حِفْظِ الشَّرِيطَةِ وهي وُجُوبُ التَّوْبَةِ والإنابَةِ، وما وراءَهُ طَمَعٌ فارِغٌ وأشْعَبِيَّةٌ بارِدَةٌ لا يَلْتَفِتُ إلَيْها حازِمٌ، انْتَهى، وهو عَلى طَرِيقَةِ الِاعْتِزالِ.

الأعراف 7:152

(p-٣٩٧)﴿قالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي ولِأخِي وأدْخِلْنا في رَحْمَتِكَ وأنْتَ أرْحَمُ الرّاحِمِينَ﴾ . لَمّا اعْتَذَرَ إلَيْهِ أخُوهُ اسْتَغْفَرَ لِنَفْسِهِ ولَهُ، قالُوا: واسْتِغْفارُهُ لِنَفْسِهِ بِسَبَبِ فِعْلَتِهِ مَعَ أخِيهِ، وعَجَلَتِهِ في إلْقاءِ الألْواحِ، واسْتِغْفارُهُ لِأخِيهِ مِن فِعْلَتِهِ في الصَّبْرِ لِبَنِي إسْرائِيلَ، قالُوا: ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ الِاسْتِغْفارُ مِمّا لا يَعْلَمُهُ، واللَّهُ أعْلَمُ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لَمّا اعْتَذَرَ إلَيْهِ أخُوهُ، وذَكَرَ شَماتَةَ الأعْداءِ، ﴿قالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي ولِأخِي﴾ لِيُرْضِيَ أخاهُ ويُظْهِرَ لِأهْلِ الشَّماتَةِ رِضاهُ عَنْهُ، فَلا تَتِمُّ لَهم شَماتَتُهم، واسْتَغْفَرَ لِنَفْسِهِ مِمّا فَرَطَ مِنهُ إلى أخِيهِ، ولِأخِيهِ أنْ عَسى فَرَّطَ في حِينِ الخِلافَةِ، وطَلَبَ أنْ لا يَتَفَرَّقا عَنْ رَحْمَتِهِ، ولا تَزالَ مُتَضَمِّنَةً لَهُما في الدُّنْيا والآخِرَةِ، انْتَهى، وقَوْلُهُ: ولِأخِيهِ أنْ عَسى فَرَّطَ، إنْ كانَتْ أنْ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ فَتَكُونُ المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ ويُقَرِّبُ مَعْناهُ، وإنْ كانَتْ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ فَتَكُونُ لِلشَّرْطِ، ولا يَصِحُّ إذْ ذاكَ دُخُولُها عَلى عَسى؛ لِأنَّ أدَواتِ الشَّرْطِ لا تَدْخُلُ عَلى الفِعْلِ الجامِدِ. ﴿إنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا العِجْلَ سَيَنالُهم غَضَبٌ مِن رَبِّهِمْ وذِلَّةٌ في الحَياةِ الدُّنْيا وكَذَلِكَ نَجْزِي المُفْتَرِينَ﴾ . الظّاهِرُ أنَّهُ مِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى إخْبارًا عَمّا يَنالُ عُبّادَ العِجْلِ ومُخاطَبَةً لِمُوسى بِما يَنالُهم. وقِيلَ: هو مِن بَقِيَّةِ كَلامِ مُوسى إلى قَوْلِهِ: ﴿وقالَ إنَّما اتَّخَذْتُمْ﴾ [العنكبوت: ٢٥] وأصْدَقَهُ اللَّهُ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿وكَذَلِكَ نَجْزِي المُفْتَرِينَ﴾ والأوَّلُ الظّاهِرُ لِقَوْلِهِ: ﴿وكَذَلِكَ نَجْزِي المُفْتَرِينَ﴾ في نَسَقٍ واحِدٍ مَعَ الكَلامِ قَبْلَهُ والمَعْنى اتَّخَذُوهُ إلاهًا لِقَوْلِهِ: ﴿فَأخْرَجَ لَهم عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوارٌ فَقالُوا هَـذا إلَهُكم وإلَهُ مُوسى﴾ [طه: ٨٨]، قِيلَ: والغَضَبُ في الآخِرَةِ والذِّلَّةُ في الدُّنْيا، وهم فِرْقَةٌ مِنَ اليَهُودِ أُشْرِبُوا حُبَّ العِجْلِ فَلَمْ يَتُوبُوا، وقِيلَ: هم مَن ماتَ مِنهم قَبْلَ رُجُوعِ مُوسى مِنَ المِيقاتِ، وقالَ أبُو العالِيَةِ وتَبِعَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ: هو ما أُمِرُوا بِهِ مِن قَتْلِ أنْفُسِهِمْ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والذِّلَّةُ خُرُوجُهم مِن دِيارِهِمْ؛ لِأنَّ ذُلَّ الغُرْبَةِ مَثَلٌ مَضْرُوبٌ، انْتَهى، ويَنْبَغِي أنْ يَقُولَ: اسْتِمْرارُ انْقِطاعِهِمْ عَنْ دِيارِهِمْ لِأنَّ خُرُوجَهم كانَ سَبَقَ عَلى عِبادَةِ العِجْلِ، وقالَ عَطِيَّةُ العَوْفِيُّ: هو في قَتْلِ بَنِي قُرَيْظَةَ وإجْلاءِ بَنِي النَّضِيرِ؛ لِأنَّهم تَوَلَّوْا مُتَّخِذِي العِجْلِ، وقِيلَ: ما نالَ أوْلادُهم عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنَ السَّبْيِ والجَلاءِ والجِزْيَةِ وغَيْرِها، وجَمَعَ هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ الزَّمَخْشَرِيُّ فَقالَ: هو ما نالَ أبْناءَهم وهم بَنُو قُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ مِن غَضَبِ اللَّهِ تَعالى بِالقَتْلِ والجَلاءِ، ومِنَ الذِّلَّةِ بِضَرْبِ الجِزْيَةِ، انْتَهى، والغَضَبُ إنْ أُخِذَ بِمَعْنى الإرادَةِ فَهو صِفَةُ ذاتٍ، أوْ بِمَعْنى العُقُوبَةِ فَهو صِفَةُ فِعْلٍ، والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فِي الحَياةِ الدُّنْيا﴾ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: سَيَنالُهم، وكَذَلِكَ أيْ مِثْلُ ذَلِكَ النَّيْلِ مِنَ الغَضَبِ والذِّلَّةِ نَجْزِي مَنِ افْتَرى الكَذِبَ عَلى اللَّهِ، وأيُّ افْتِراءٍ أعْظَمُ مِن قَوْلِهِمْ: ﴿هَذا إلَهُكم وإلَهُ مُوسى﴾ [طه: ٨٨] والمُفْتَرِينَ عامٌّ في كُلِّ مُفْتَرٍ، وقالَ أبُو قِلابَةَ ومالِكٌ وسُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ: كُلُّ صاحِبِ بِدْعَةٍ أوْ فِرْيَةٍ ذَلِيلٌ، واسْتَدَلُّوا عَلى ذَلِكَ بِالآيَةِ. ﴿والَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ ثُمَّ تابُوا مِن بَعْدِها وآمَنُوا إنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، السَّيِّئاتِ هي الكُفْرُ والمَعاصِي غَيْرَهُ: ثُمَّ تابُوا أيْ رَجَعُوا إلى اللَّهِ، ﴿مِن بَعْدِها﴾ أيْ مِن بَعْدِ عَمَلِ السَّيِّئاتِ وآمَنُوا دامُوا عَلى إيمانِهِمْ وأخْلَصُوا فِيهِ، أوْ تَكُونُ الواوُ حالِيَّةً، أيْ وقَدْ آمَنُوا ﴿إنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِها﴾ أيْ مِن بَعْدِ عَمَلِ السَّيِّئاتِ، هَذا هو الظّاهِرُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ في: مِن بَعْدِها عائِدًا عَلى التَّوْبَةِ، أيْ: إنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِ تَوْبَتِهِمْ، فَيَعُودُ عَلى المَصْدَرِ المَفْهُومِ مِن قَوْلِهِ: ثُمَّ تابُوا وهَذا عِنْدِي أوْلى لِأنَّكَ إذا جَعَلْتَ (p-٣٩٨)الضَّمِيرَ عائِدًا عَلى: السَّيِّئاتِ، احْتَجْتَ إلى حَذْفِ مُضافٍ وحَذْفِ مَعْطُوفٍ؛ إذْ يَصِيرُ التَّقْدِيرُ مِن بَعْدِ عَمَلِ السَّيِّئاتِ والتَّوْبَةِ مِنها، وخَبَرُ: (الَّذِينَ) قَوْلُهُ: إنَّ رَبَّكَ وما بَعْدَهُ، والرّابِطُ مَحْذُوفٌ، أيْ: لَغَفُورٌ رَحِيمٌ لَهم. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لَغَفُورٌ لَسَتُورٌ عَلَيْهِمْ مَحّاءٌ لِما كانَ مِنهم: رَحِيمٌ مُنْعِمٌ عَلَيْهِمْ بِالجَنَّةِ، وهَذا حُكْمٌ عامٌّ يَدْخُلُ تَحْتَهُ مُتَّخِذُو العِجْلِ ومَن عَداهم، عَظَّمَ جِنايَتَهم أوْ لا، ثُمَّ أرْدَفَها بِعِظَمِ رَحْمَتِهِ لِيُعْلَمَ أنَّ الذُّنُوبَ وإنْ جَلَّتْ وإنْ عَظُمَتْ فَإنَّ عَفْوَهُ تَعالى وكَرَمَهُ أعْظَمُ وأجَلُّ، ولَكِنْ لا بُدَّ مِن حِفْظِ الشَّرِيطَةِ وهي وُجُوبُ التَّوْبَةِ والإنابَةِ، وما وراءَهُ طَمَعٌ فارِغٌ وأشْعَبِيَّةٌ بارِدَةٌ لا يَلْتَفِتُ إلَيْها حازِمٌ، انْتَهى، وهو عَلى طَرِيقَةِ الِاعْتِزالِ.

الأعراف 7:153

(p-٣٩٧)﴿قالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي ولِأخِي وأدْخِلْنا في رَحْمَتِكَ وأنْتَ أرْحَمُ الرّاحِمِينَ﴾ . لَمّا اعْتَذَرَ إلَيْهِ أخُوهُ اسْتَغْفَرَ لِنَفْسِهِ ولَهُ، قالُوا: واسْتِغْفارُهُ لِنَفْسِهِ بِسَبَبِ فِعْلَتِهِ مَعَ أخِيهِ، وعَجَلَتِهِ في إلْقاءِ الألْواحِ، واسْتِغْفارُهُ لِأخِيهِ مِن فِعْلَتِهِ في الصَّبْرِ لِبَنِي إسْرائِيلَ، قالُوا: ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ الِاسْتِغْفارُ مِمّا لا يَعْلَمُهُ، واللَّهُ أعْلَمُ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لَمّا اعْتَذَرَ إلَيْهِ أخُوهُ، وذَكَرَ شَماتَةَ الأعْداءِ، ﴿قالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي ولِأخِي﴾ لِيُرْضِيَ أخاهُ ويُظْهِرَ لِأهْلِ الشَّماتَةِ رِضاهُ عَنْهُ، فَلا تَتِمُّ لَهم شَماتَتُهم، واسْتَغْفَرَ لِنَفْسِهِ مِمّا فَرَطَ مِنهُ إلى أخِيهِ، ولِأخِيهِ أنْ عَسى فَرَّطَ في حِينِ الخِلافَةِ، وطَلَبَ أنْ لا يَتَفَرَّقا عَنْ رَحْمَتِهِ، ولا تَزالَ مُتَضَمِّنَةً لَهُما في الدُّنْيا والآخِرَةِ، انْتَهى، وقَوْلُهُ: ولِأخِيهِ أنْ عَسى فَرَّطَ، إنْ كانَتْ أنْ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ فَتَكُونُ المُخَفَّفَةُ مِنَ الثَّقِيلَةِ ويُقَرِّبُ مَعْناهُ، وإنْ كانَتْ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ فَتَكُونُ لِلشَّرْطِ، ولا يَصِحُّ إذْ ذاكَ دُخُولُها عَلى عَسى؛ لِأنَّ أدَواتِ الشَّرْطِ لا تَدْخُلُ عَلى الفِعْلِ الجامِدِ. ﴿إنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا العِجْلَ سَيَنالُهم غَضَبٌ مِن رَبِّهِمْ وذِلَّةٌ في الحَياةِ الدُّنْيا وكَذَلِكَ نَجْزِي المُفْتَرِينَ﴾ . الظّاهِرُ أنَّهُ مِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى إخْبارًا عَمّا يَنالُ عُبّادَ العِجْلِ ومُخاطَبَةً لِمُوسى بِما يَنالُهم. وقِيلَ: هو مِن بَقِيَّةِ كَلامِ مُوسى إلى قَوْلِهِ: ﴿وقالَ إنَّما اتَّخَذْتُمْ﴾ [العنكبوت: ٢٥] وأصْدَقَهُ اللَّهُ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿وكَذَلِكَ نَجْزِي المُفْتَرِينَ﴾ والأوَّلُ الظّاهِرُ لِقَوْلِهِ: ﴿وكَذَلِكَ نَجْزِي المُفْتَرِينَ﴾ في نَسَقٍ واحِدٍ مَعَ الكَلامِ قَبْلَهُ والمَعْنى اتَّخَذُوهُ إلاهًا لِقَوْلِهِ: ﴿فَأخْرَجَ لَهم عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوارٌ فَقالُوا هَـذا إلَهُكم وإلَهُ مُوسى﴾ [طه: ٨٨]، قِيلَ: والغَضَبُ في الآخِرَةِ والذِّلَّةُ في الدُّنْيا، وهم فِرْقَةٌ مِنَ اليَهُودِ أُشْرِبُوا حُبَّ العِجْلِ فَلَمْ يَتُوبُوا، وقِيلَ: هم مَن ماتَ مِنهم قَبْلَ رُجُوعِ مُوسى مِنَ المِيقاتِ، وقالَ أبُو العالِيَةِ وتَبِعَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ: هو ما أُمِرُوا بِهِ مِن قَتْلِ أنْفُسِهِمْ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والذِّلَّةُ خُرُوجُهم مِن دِيارِهِمْ؛ لِأنَّ ذُلَّ الغُرْبَةِ مَثَلٌ مَضْرُوبٌ، انْتَهى، ويَنْبَغِي أنْ يَقُولَ: اسْتِمْرارُ انْقِطاعِهِمْ عَنْ دِيارِهِمْ لِأنَّ خُرُوجَهم كانَ سَبَقَ عَلى عِبادَةِ العِجْلِ، وقالَ عَطِيَّةُ العَوْفِيُّ: هو في قَتْلِ بَنِي قُرَيْظَةَ وإجْلاءِ بَنِي النَّضِيرِ؛ لِأنَّهم تَوَلَّوْا مُتَّخِذِي العِجْلِ، وقِيلَ: ما نالَ أوْلادُهم عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنَ السَّبْيِ والجَلاءِ والجِزْيَةِ وغَيْرِها، وجَمَعَ هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ الزَّمَخْشَرِيُّ فَقالَ: هو ما نالَ أبْناءَهم وهم بَنُو قُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ مِن غَضَبِ اللَّهِ تَعالى بِالقَتْلِ والجَلاءِ، ومِنَ الذِّلَّةِ بِضَرْبِ الجِزْيَةِ، انْتَهى، والغَضَبُ إنْ أُخِذَ بِمَعْنى الإرادَةِ فَهو صِفَةُ ذاتٍ، أوْ بِمَعْنى العُقُوبَةِ فَهو صِفَةُ فِعْلٍ، والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فِي الحَياةِ الدُّنْيا﴾ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: سَيَنالُهم، وكَذَلِكَ أيْ مِثْلُ ذَلِكَ النَّيْلِ مِنَ الغَضَبِ والذِّلَّةِ نَجْزِي مَنِ افْتَرى الكَذِبَ عَلى اللَّهِ، وأيُّ افْتِراءٍ أعْظَمُ مِن قَوْلِهِمْ: ﴿هَذا إلَهُكم وإلَهُ مُوسى﴾ [طه: ٨٨] والمُفْتَرِينَ عامٌّ في كُلِّ مُفْتَرٍ، وقالَ أبُو قِلابَةَ ومالِكٌ وسُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ: كُلُّ صاحِبِ بِدْعَةٍ أوْ فِرْيَةٍ ذَلِيلٌ، واسْتَدَلُّوا عَلى ذَلِكَ بِالآيَةِ. ﴿والَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئاتِ ثُمَّ تابُوا مِن بَعْدِها وآمَنُوا إنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، السَّيِّئاتِ هي الكُفْرُ والمَعاصِي غَيْرَهُ: ثُمَّ تابُوا أيْ رَجَعُوا إلى اللَّهِ، ﴿مِن بَعْدِها﴾ أيْ مِن بَعْدِ عَمَلِ السَّيِّئاتِ وآمَنُوا دامُوا عَلى إيمانِهِمْ وأخْلَصُوا فِيهِ، أوْ تَكُونُ الواوُ حالِيَّةً، أيْ وقَدْ آمَنُوا ﴿إنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِها﴾ أيْ مِن بَعْدِ عَمَلِ السَّيِّئاتِ، هَذا هو الظّاهِرُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ في: مِن بَعْدِها عائِدًا عَلى التَّوْبَةِ، أيْ: إنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِ تَوْبَتِهِمْ، فَيَعُودُ عَلى المَصْدَرِ المَفْهُومِ مِن قَوْلِهِ: ثُمَّ تابُوا وهَذا عِنْدِي أوْلى لِأنَّكَ إذا جَعَلْتَ (p-٣٩٨)الضَّمِيرَ عائِدًا عَلى: السَّيِّئاتِ، احْتَجْتَ إلى حَذْفِ مُضافٍ وحَذْفِ مَعْطُوفٍ؛ إذْ يَصِيرُ التَّقْدِيرُ مِن بَعْدِ عَمَلِ السَّيِّئاتِ والتَّوْبَةِ مِنها، وخَبَرُ: (الَّذِينَ) قَوْلُهُ: إنَّ رَبَّكَ وما بَعْدَهُ، والرّابِطُ مَحْذُوفٌ، أيْ: لَغَفُورٌ رَحِيمٌ لَهم. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لَغَفُورٌ لَسَتُورٌ عَلَيْهِمْ مَحّاءٌ لِما كانَ مِنهم: رَحِيمٌ مُنْعِمٌ عَلَيْهِمْ بِالجَنَّةِ، وهَذا حُكْمٌ عامٌّ يَدْخُلُ تَحْتَهُ مُتَّخِذُو العِجْلِ ومَن عَداهم، عَظَّمَ جِنايَتَهم أوْ لا، ثُمَّ أرْدَفَها بِعِظَمِ رَحْمَتِهِ لِيُعْلَمَ أنَّ الذُّنُوبَ وإنْ جَلَّتْ وإنْ عَظُمَتْ فَإنَّ عَفْوَهُ تَعالى وكَرَمَهُ أعْظَمُ وأجَلُّ، ولَكِنْ لا بُدَّ مِن حِفْظِ الشَّرِيطَةِ وهي وُجُوبُ التَّوْبَةِ والإنابَةِ، وما وراءَهُ طَمَعٌ فارِغٌ وأشْعَبِيَّةٌ بارِدَةٌ لا يَلْتَفِتُ إلَيْها حازِمٌ، انْتَهى، وهو عَلى طَرِيقَةِ الِاعْتِزالِ.

الأعراف 7:154

﴿ولَمّا سَكَتَ عَنْ مُوسى الغَضَبُ أخَذَ الألْواحَ وفي نُسْخَتِها هُدًى ورَحْمَةٌ لَلَّذِينَ هم لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ﴾ . سُكُوتُ غَضَبِهِ كانَ - واللَّهُ أعْلَمُ - بِسَبَبِ اعْتِذارِ أخِيهِ، وكَوْنِهِ لَمْ يُقَصِّرْ في نَهْيِ بَنِي إسْرائِيلَ عَنْ عِبادَةِ العِجْلِ، ووَعْدِ اللَّهِ إيّاهُ بِالِانْتِقامِ مِنهم، وسُكُوتُ الغَضَبِ اسْتِعارَةٌ، شَبَّهَ خُمُودَ الغَضَبِ بِانْقِطاعِ كَلامِ المُتَكَلِّمِ وهو سُكُوتُهُ. قالَ يُونُسُ بْنُ حَبِيبٍ: تَقُولُ العَرَبُ: سالَ الوادِي ثُمَّ سَكَتَ، وقالَ الزَّجّاجُ: مَصْدَرُ: سَكَتَ الغَضَبُ سَكَنَ، ومَصْدَرُ سَكَتَ الرَّجُلُ سُكُوتٌ، وهَذا يَقْتَضِي أنَّهُ فِعْلٌ عَلى حَدِّهِ، ولَيْسَ مِن سُكُوتِ النّاسِ، وقِيلَ: هو مِن بابِ القَلْبِ، أيْ: ولَمّا سَكَتَ مُوسى عَنِ الغَضَبِ، نَحْوَ: أدْخَلْتُ فِيَّ في الحَجَرِ، وأدْخَلْتُ القَلَنْسُوَةَ في رَأْسِي، انْتَهى، ولا يَنْبَغِي هَذا، لِأنَّهُ مِنَ القَلْبِ وهو لَمْ يَقَعْ إلّا في قَلِيلٍ مِنَ الكَلامِ، والصَّحِيحُ أنَّهُ لا يَنْقاسُ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وهَذا مَثَلٌ، كَأنَّ الغَضَبَ كانَ يُغْرِيهِ عَلى ما فَعَلَ، ويَقُولُ لَهُ: قُلْ لِقَوْمِكَ كَذا، وألْقِ الألْواحَ، وخُذْ بِرَأْسِ أخِيكَ إلَيْكَ، فَتَرَكَ النُّطْقَ بِذَلِكَ وتَرَكَ الإغْراءَ، ولَمْ يَسْتَحْسِنْ هَذِهِ الكَلِمَةَ ولَمْ يَسْتَفْصِحْها كُلُّ ذِي طَبْعٍ سَلِيمٍ وذَوْقٍ صَحِيحٍ إلّا لِذَلِكَ، ولِأنَّهُ مِن قَبِيلِ شُعَبِ البَلاغَةِ، وإلّا فَما لِقِراءَةِ مُعاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ ”ولَمّا سَكَنَ عَنْ مُوسى الغَضَبُ“ لا تَجِدُ النَّفْسُ عِنْدَها شَيْئًا مِن تِلْكَ الهَزَّةِ وطَرَفًا مِن تِلْكَ الرَّوْعَةِ، وقُرِئَ: أُسْكِتَ رُباعِيًّا مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، وكَذا هو في مُصْحَفِ حَفْصَةَ، والمَنوِيُّ عِنْدَ اللَّهِ، أوْ أخُوهُ بِاعْتِذارِهِ إلَيْهِ أوْ تَنَصُّلِهِ، أيْ أسْكَتَ اللَّهُ أوْ هارُونُ، وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ: ولَمّا صَبَرَ، وفي مُصْحَفِ أُبَيٍّ: ولَمّا انْشَقَّ، والمَعْنى: ولَمّا طُفِيَ غَضَبُهُ أخَذَ ألْواحَ التَّوْراةِ الَّتِي كانَ ألْقاها مِن يَدِهِ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ ألْقاها فَتَكَسَّرَتْ فَصامَ أرْبَعِينَ يَوْمًا فَرُدَّتْ إلَيْهِ في لَوْحَيْنِ ولَمْ يَفْقِدْ مِنها شَيْئًا، وفي نُسْخَتِها أيْ فِيما نُسِخَ مِنَ الألْواحِ المُكَسَّرَةِ، أوْ فِيما نُسِخَ فِيها، أوْ فِيما بَقِيَ مِنها بَعْدَ المَرْفُوعِ وهو سُبُعُها، والأظْهَرُ أنَّ المَعْنى: وفِيما نُقِلَ وحُوِّلَ مِنها، واللّامُ في: لِرَبِّهِمْ تَقْوِيَةٌ لِوُصُولِ الفِعْلِ إلى مَفْعُولِهِ المُتَقَدِّمِ، وقالَ الكُوفِيُّونَ: هي زائِدَةٌ، وقالَ الأخْفَشُ: هي لامُ المَفْعُولِ لَهُ، أيْ لِأجْلِ رَبِّهِمْ: يَرْهَبُونَ لا رِياءً ولا سُمْعَةً، وقالَ المُبَرِّدُ: هي مُتَعَلِّقَةٌ بِمَصْدَرِ، المَعْنى: الَّذِينَ هم رَهْبَتُهم لِرَبِّهِمْ، وهَذا عَلى طَرِيقَةِ البَصْرِيِّينَ لا يَتَمَشّى؛ لِأنَّ فِيهِ حَذْفُ المَصْدَرِ وإبْقاءُ مَعْمُولِهِ، وهو لا يَجُوزُ عِنْدَهم إلّا في الشِّعْرِ، وأيْضًا فَهَذا التَّقْدِيرُ يُخْرِجُ الكَلامَ عَنِ الفَصاحَةِ.

الأعراف 7:155

﴿واخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقاتِنا﴾ (اخْتارَ) افْتَعَلَ مِنَ الخَيْرِ، وهو التَّخَيُّرُ والِانْتِقاءُ: واخْتارَ مِنَ الأفْعالِ الَّتِي تَعَدَّتْ إلى اثْنَيْنِ أحَدِهِما بِنَفْسِهِ والآخَرِ بِوَساطَةِ حَرْفِ الجَرِّ، وهي مَقْصُورَةٌ عَلى السَّماعِ، وهي: اخْتارَ واسْتَغْفَرَ وأمَرَ وكَنّى ودَعا وزَوَّجَ وصَدَقَ، ثُمَّ يُحْذَفُ حَرْفُ الجَرِّ ويَتَعَدّى إلَيْهِ الفِعْلُ فَيَقُولُ: اخْتَرْتُ زَيْدًا مِنَ الرِّجالِ، واخْتَرْتُ زَيْدًا الرِّجالَ. قالَ الشّاعِرُ: ؎اخْتَرْتُكَ النّاسَ إذْ رَثَّتْ خَلائِقُهم واعْتَلَّ مَن كانَ يُرْجى عِنْدَهُ السُّولُ (p-٣٩٩)أيِ اخْتَرْتُكَ مِنَ النّاسِ و: سَبْعِينَ هو المَفْعُولُ الأوَّلُ، و: قَوْمَهُ هو المَفْعُولُ الثّانِي، وتَقْدِيرُهُ: مِن قَوْمِهِ ومَن أعْرَبَ: قَوْمَهُ مَفْعُولًا أوَّلَ، وسَبْعِينَ بِدَلًا مِنهُ بَدَلَ بَعْضٍ مِن كُلٍّ وحَذَفَ الضَّمِيرَ، أيْ: سَبْعِينَ رَجُلًا مِنهُمُ احْتاجَ إلى تَقْدِيرِ مَفْعُولٍ ثانٍ، وهو المُخْتارُ مِنهُ، فَإعْرابُهُ فِيهِ بُعْدٌ وتَكَلُّفُ حَذْفٍ في رابِطِ البَدَلِ وفي المُخْتارِ مِنهُ، واخْتَلَفُوا في هَذا المِيقاتِ: أهُوَ مِيقاتُ المُناجاةِ ونُزُولِ التَّوْراةِ أوْ غَيْرُهُ ؟ فَقالَ نَوْفٌ الَبِكالِيُّ ورَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وهو الأوَّلُ بَيَّنَ فِيهِ بَعْضَ ما جَرى مِن أحْوالِهِ وأنَّهُ اخْتارَ مِن كُلِّ سِبْطٍ سِتَّةَ رِجالٍ فَكانُوا اثْنَيْنِ وسَبْعِينَ، فَقالَ لِيَتَخَلَّفِ اثْنانِ: فَإنَّما أُمِرْتُ بِسَبْعِينَ فَتَشاحُّوا، فَقالَ: مَن قَعَدَ فَلَهُ أجْرُ مَن حَضَرَ، فَقَعَدَ كالِبُ بْنُ يُوقِنا، ويُوشَعُ بْنُ نُونٍ، واسْتَصْحَبَ السَبْعِينَ بَعْدَ أنْ أمَرَهم أنْ يَصُومُوا ويَتَطَهَّرُوا ويُطَهِّرُوا ثِيابَهم، ثُمَّ خَرَجَ بِهِمْ إلى طُورِ سَيْناءَ لِمِيقاتِ رَبِّهِ، وكانَ أمَرَهُ رَبُّهُ أنْ يَأْتِيَهُ في سَبْعِينَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، فَلَمّا دَنا مُوسى مِنَ الجَبَلِ وقَعَ عَلَيْهِ عَمُودُ الغَمامِ حَتّى تَغَشّى الجَبَلَ كُلَّهُ ودَنا مُوسى ودَخَلَ فِيهِ، وقالَ لِلْقَوْمِ: ادْنُوا فَدَنَوْا، حَتّى إذا دَخَلُوا في الغَمامِ وقَعُوا سُجَّدًا، فَسَمِعُوهُ وهو يُكَلِّمُ مُوسى يَأْمُرُهُ ويَنْهاهُ افْعَلْ ولا تَفْعَلْ، ثُمَّ انْكَشَفَ الغَمامُ فَأقْبَلُوا إلَيْهِ فَطَلَبُوا الرُّؤْيَةَ فَوَعَظَهم وزَجَرَهم وأنْكَرَ عَلَيْهِمْ، فَقالُوا: ﴿يامُوسى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى نَرى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ [البقرة: ٥٥] . قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَقالَ: ﴿رَبِّ أرِنِي أنْظُرْ إلَيْكَ﴾ [الأعراف: ١٤٣] يُرِيدُ أنْ يَسْمَعُوا الرَّدَّ والإنْكارَ مِن جِهَتِهِ، فَأُجِيبَ: بِلَنْ تَرانِي، ورَجَفَ الجَبَلُ بِهِمْ وصُعِقُوا، انْتَهى؛ وقِيلَ: هو مِيقاتٌ آخَرُ غَيْرُ مِيقاتِ المُناجاةِ ونُزُولِ التَّوْراةِ، فَقالَ وهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: قالَ بَنُو إسْرائِيلَ لِمُوسى: إنَّ طائِفَةً تَزْعُمُ أنَّ اللَّهَ لا يُكَلِّمُكَ فَخُذْ مِنّا مَن يَذْهَبُ مَعَكَ لِيَسْمَعُوا كَلامَهُ فَيُؤْمِنُوا، فَأوْحى اللَّهُ تَعالى إلَيْهِ أنْ يَخْتارَ مِن قَوْمِهِ سَبْعِينَ مِن خِيارِهِمْ، ثُمَّ ارْتَقِ بِهِمُ الجَبَلَ أنْتَ وهارُونُ واسْتَخْلِفْ يُوشَعَ، فَفَعَلَ فَلَمّا سَمِعُوا كَلامَهُ سَألُوا مُوسى أنْ يُرِيَهُمُ اللَّهُ جَهْرَةً فَأخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ، وقالَ السُّدِّيُّ: هو مِيقاتٌ وقَّتَهُ اللَّهُ تَعالى لِمُوسى يَلْقاهُ في ناسٍ مِن بَنِي إسْرائِيلَ لِيَعْتَذِرُوا إلَيْهِ مِن عِبادَةِ العِجْلِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ فِيما رَوى عَنْهُ عَلِيُّ بْنُ طَلْحَةَ: هو مِيقاتٌ وقَّتَهُ اللَّهُ لِمُوسى وأمَرَهُ أنْ يَخْتارَ مِن قَوْمِهِ سَبْعِينَ رَجُلًا لِيَدْعُوا رَبَّهم فَدَعَوْا، فَقالُوا: يا اللَّهُ أعْطِنا ما لَمْ تُعْطِ أحَدًا قَبْلَنا ولا أحَدًا بَعْدَنا، فَكَرِهَ اللَّهُ ذَلِكَ فَأخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ، وعَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِيما رَوى ابْنُ أبِي شَيْبَةَ أنَّ مُوسى وهارُونَ وابْناهُ شِبْرٌ وشُبَيْرٌ انْطَلَقُوا حَتّى انْتَهَوْا إلى جَبَلٍ فِيهِ سَرِيرٌ، فَقامَ عَلَيْهِ هارُونُ فَقُبِضَ رُوحُهُ، فَرَجَعَ مُوسى إلى قَوْمِهِ، فَقالُوا: أنْتَ قَتَلْتَهُ وحَسَدْتَنا عَلى خُلُقِهِ ولِينِهِ، فَقالَ: كَيْفَ أقْتُلُهُ ومَعِيَ ابْناهُ، قالَ: فاخْتارُوا مَن شِئْتُمْ، فاخْتِيرَ سَبْعُونَ فانْتَهَوْا إلَيْهِ فَقالُوا: مَن قَتَلَكَ يا هارُونُ ؟ قالَ: ما قَتَلَنِي أحَدٌ ولَكِنَّ اللَّهَ تَوَفّانِي، قالُوا: يا مُوسى ما نَعْصِي بَعْدُ، فَأخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَجَعَلُوا يَتَرَدَّوْنَ يَمِينًا وشِمالًا، انْتَهى، ولَفْظُ: لِمِيقاتِنا في هَذا القَوْلِ الَّذِي رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ؛ لِأنَّهُ يَقْتَضِي أنَّهُ كانَ عَنْ تَوْقِيتٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى، وقالَ ابْنُ السّائِبِ: كانَ مُوسى لا يَأْتِي رَبَّهُ إلّا بِإذْنٍ مِنهُ، والَّذِي يَظْهَرُ أنَّ هَذا المِيقاتَ غَيْرُ مِيقاتِ مُوسى الَّذِي قِيلَ فِيهِ: ﴿ولَمّا جاءَ مُوسى لِمِيقاتِنا وكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ [الأعراف: ١٤٣] لِظاهِرِ تَغايُرِ القِصَّتَيْنِ وما جَرى فِيهِما؛ إذْ في تِلْكَ أنَّ مُوسى كَلَّمَهُ اللَّهُ وسَألَهُ الرُّؤْيَةَ وأحالَهُ في الرُّؤْيَةِ عَلى تَجَلِّيهِ لِلْجَبَلِ وثُبُوتِهِ فَلَمْ يَثْبُتْ وصارَ دَكًّا وصَعِقَ مُوسى، وفي هَذِهِ اخْتِيرَ السَبْعُونَ لِمِيقاتِ اللَّهِ وأخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ ولَمْ تَأْخُذْ مُوسى، ولِلْفَصْلِ الكَثِيرِ الَّذِي بَيْنَ أجْزاءِ الكَلامِ لَوْ كانَتْ قِصَّةً واحِدَةً. * * ﴿فَلَمّا أخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أهْلَكْتَهم مِن قَبْلُ وإيّايَ﴾ سَبَبُ الرَّجْفَةِ مُخْتَلَفٌ فِيهِ، وهو مُرَتَّبٌ عَلى تَفْسِيرِ المِيقاتِ فَهَلِ الرَّجْفَةُ عُقُوبَةٌ عَلى سُكُوتِهِمْ وإغْضائِهِمْ عَلى عِبادَةِ العِجْلِ، أوْ عُقُوبَةٌ عَلى سُؤالِهِمُ الرُّؤْيَةَ، أوْ عُقُوبَةٌ لِتَشَطُّطِهِمْ في الدُّعاءِ المَذْكُورِ، أوْ سَبَبُهُ سَماعُ كَلامِ هارُونَ وهو مَيِّتٌ، أقْوالٌ. وقالَ السُّدِّيُّ: عُقُوبَةٌ عَلى عِبادَةٍ هَؤُلاءِ السَبْعِينَ (p-٤٠٠)بِاخْتِيارِهِمُ العِجْلَ، وخَفِيَ ذَلِكَ عَنْ مُوسى في وقْتِ الِاخْتِيارِ حَتّى أعْلَمَهُ اللَّهُ، وأخْذُ الرَّجْفَةِ يُحْتَمَلُ أنْ نَشَأ عَنْهُ المَوْتُ، ويُحْتَمَلُ أنْ نَشَأ عَنْهُ الغَشْيُ، وهُما قَوْلانِ، وقالَ السُّدِّيُّ: قالَ مُوسى: كَيْفَ أرْجِعُ إلى بَنِي إسْرائِيلَ وقَدْ أُهْلِكَتْ خِيارُهم ؟ فَماذا أقُولُ ؟ وكَيْفَ يَأْمَنُونَنِي عَلى أحَدٍ ؟ فَأحْياهُمُ اللَّهُ؛ وقِيلَ: أخَذَتْهُمُ الرِّعْدَةُ حَتّى كادَتْ تُبَيِّنُ مَفاصِلَهم وتَنْتَقِضُ ظُهُورَهم، وخافَ مُوسى المَوْتَ، فَعِنْدَ ذَلِكَ بَكى ودَعا فَكُشِفَ عَنْهم، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وهَذا تَمَنٍّ مِنهُ لِلْإهْلاكِ قَبْلَ أنْ يَرى ما رَأى مِن تَبِعَةِ طَلَبِ الرُّؤْيَةِ، كَما يَقُولُ النّادِمُ عَلى الأمْرِ إذا رَأى سُوءَ المَغَبَّةِ: لَوْ شاءَ اللَّهُ لَأهْلَكَنِي قَبْلَ هَذا، انْتَهى. فَمَعْنى قَوْلِهِ: مِن قَبْلُ سُؤالِ الرُّؤْيَةِ، وهَذا بِناءٌ مِنَ الزَّمَخْشَرِيِّ عَلى أنَّ هَذا المِيقاتَ هو مِيقاتُ المُناجاةِ وطَلَبُ الرُّؤْيَةِ، وقَدْ ذَكَرْنا أنَّ الأظْهَرَ خِلافُهُ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: لَمّا رَأى مُوسى ذَلِكَ أسِفَ عَلَيْهِمْ وعَلِمَ أنَّ أمْرَ بَنِي إسْرائِيلَ يَتَشَعَّبُ إنْ لَمْ يَأْتِ بِالقَوْمِ، فَجَعَلَ يَسْتَعْطِفُ رَبَّهُ أنْ يا رَبِّ لَوْ شِئْتَ أهْلَكْتَهم قَبْلَ هَذِهِ الحالِ وإيّايَ لَكانَ أخَفَّ عَلَيَّ، وهَذا وقْتُ هَلاكِهِمْ فِيهِ مَفْسَدَةٌ عَلَيَّ مُؤْذٍ لِي، انْتَهى، ومَفْعُولُ: شِئْتَ مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: لَوْ شِئْتَ إهْلاكَنا، وجَوابُ لَوْ أهْلَكْتَهم وأتى دُونَ لامٍ، وهو فَصِيحٌ لَكِنَّهُ بِاللّامِ أكْثَرُ، كَما قالَ: ﴿لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ﴾ [الكهف: ٧٧]، ﴿ولَوْ شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ﴾ [يونس: ٩٩]، ولا يُحْفَظُ جاءَ بِغَيْرِ لامٍ في القُرْآنِ إلّا هَذا، وقَوْلِهِ: ﴿أنْ لَوْ نَشاءُ أصَبْناهُمْ﴾ [الأعراف: ١٠٠] و﴿لَوْ نَشاءُ جَعَلْناهُ أُجاجًا﴾ [الواقعة: ٧٠] والمَحْذُوفُ في: مِن قَبْلُ، أيْ: مِن قَبْلِ الِاخْتِيارِ وأخْذِ الرَّجْفَةِ، وذَلِكَ زَمانَ إغْضائِهِمْ عَلى عِبادَةِ العِجْلِ، أوْ عِبادَتِهِمْ هم إيّاهُ، وقَوْلُهُ: (وإيّايَ)، أيْ: وقْتَ قَتْلِيَ القِبْطِيَّ: فَأنْتَ قَدْ سَتَرْتَ وغَفَرْتَ حِينَئِذٍ فَكَيْفَ الآنَ إذْ رُجُوعِي دُونَهم فَسادٌ لِبَنِي إسْرائِيلَ ؟ ! قالَ أكْثَرُهُ ابْنُ عَطِيَّةَ، وعَطَفَ (وإيّايَ) عَلى الضَّمِيرِ المَنصُوبِ في أهْلَكْتَهم وعَطْفُ الضَّمِيرَ مِمّا يُوجِبُ فَصْلَهُ، وبَدَأ بِضَمِيرِهِمْ لِأنَّهُمُ الَّذِينَ أخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَماتُوا أوْ أُغْمِيَ عَلَيْهِمْ، ولَمْ يَمُتْ هو ولا أُغْمِيَ عَلَيْهِ ولَمْ يَكْتَفِ بِقَوْلِهِ: ﴿أهْلَكْتَهم مِن قَبْلُ﴾ حَتّى أشْرَكَ نَفْسَهُ فِيهِمْ، وإنْ كانَ لَمْ يُشْرِكْهم في مُقْتَضى الإهْلاكِ تَسْلِيمًا مِنهُ لِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعالى وقُدْرَتِهِ، وأنَّهُ لَوْ شاءَ إهْلاكَ العاصِي والطّائِعِ لَمْ يَمْنَعْهُ مِن ذَلِكَ مانِعٌ. ﴿أتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ مِنّا﴾ قِيلَ: هَذا اسْتِفْهامٌ عَلى سَبِيلِ الإدْلاءِ بِالحُجَّةِ في صِيغَةِ اسْتِعْطافٍ وتَذَلُّلٍ، والضَّمِيرُ المَنصُوبُ في أتُهْلِكُنا لَهُ ولِلسَبْعِينَ، وبِما فَعَلَ السُّفَهاءُ فِيهِ الخِلافُ مُرَتَّبًا عَلى سَبَبِ أخْذِ الرَّجْفَةِ مِن طَلَبِ الرُّؤْيَةِ، أوْ عِبادَةِ العِجْلِ، أوْ قَوْلِهِمْ قَتَلْتَ هارُونَ، أوْ تَشَطُّطِهِمْ في الدُّعاءِ، أوْ عِبادَتِهِمْ بِأنْفُسِهِمُ العِجْلَ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ في أتُهْلِكُنا لَهُ ولِبَنِي إسْرائِيلَ، وبِما فَعَلَ السُّفَهاءُ، أيْ بِالتَّفَرُّقِ والكُفْرِ والعِصْيانِ يَكُونُ هَلاكُهم، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَعْنِي نَفْسَهُ وإيّاهم؛ لِأنَّهُ إنَّما طَلَبَ الرُّؤْيَةَ زَجْرًا لِلسُّفَهاءِ وهم طَلَبُوها سَفَهًا وجَهْلًا، والَّذِي يَظْهَرُ لِي أنَّهُ اسْتِفْهامُ اسْتِعْلامٍ أتْبَعَ إهْلاكَ المُخْتارِينَ وهم خَيْرُ بَنِي إسْرائِيلَ بِما فَعَلَ غَيْرُهم؛ إذْ مِنَ الجائِزِ في العَقْلِ ذَلِكَ، ألا تَرى إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿واتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكم خاصَّةً﴾ [الأنفال: ٢٥] وقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلامُ، وقَدْ قِيلَ لَهُ: «أنَهْلِكُ وفِينا الصّالِحُونَ ؟ ! قالَ: نَعَمْ إذا كَثُرَ الخَبَثُ» . وكَما ورَدَ «أنَّ قَوْمًا يُخْسَفُ بِهِمْ، قِيلَ: وفِيهِمُ الصّالِحُونَ ؟ ! فَقِيلَ: يُبْعَثُونَ عَلى نِيّاتِهِمْ»، أوْ كَلامًا هَذا مَعْناهُ، ورُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ أنَّهم أُحْيُوا وجُعِلُوا أنْبِياءَ كُلُّهم. ﴿إنْ هي إلّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِها مَن تَشاءُ وتَهْدِي مَن تَشاءُ﴾ أيْ إنْ فِتْنَتُهم إلّا فِتْنَتُكَ، والضَّمِيرُ في هي يُفَسِّرُهُ سِياقُ الكَلامِ، أيْ أنْتَ هو الَّذِي فَتَنْتَهم، قالَتْ فِرْقَةٌ: لَمّا أعْلَمَهُ اللَّهُ أنَّ السَبْعِينَ عَبَدُوا العِجْلَ تَعَجَّبَ، وقالَ: إنْ هي إلّا فِتْنَتُكَ، وقِيلَ: لَمّا أُعْلِمَ مُوسى بِعِبادَةِ بَنِي إسْرائِيلَ العِجْلَ (p-٤٠١)وبِصِفَتِهِ، قالَ: يا رَبِّ ومَن أخارَهُ، قالَ: أنا، قالَ مُوسى: فَأنْتَ أضْلَلْتَهم إنْ هي إلّا فِتْنَتُكَ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يُشِيرَ بِهِ إلى قَوْلِهِمْ: ﴿أرِنا اللَّهَ جَهْرَةً﴾ [النساء: ١٥٣] إذْ كانَتْ فِتْنَةً مِنَ اللَّهِ أوْجَبَتِ الرَّجْفَةَ، وفي هَذِهِ الآيَةِ رَدٌّ عَلى المُعْتَزِلَةِ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أيْ مِحْنَتُكَ وبَلاؤُكَ حِينَ كَلَّمَتْنِي وسَمَّعْتَ كَلامَكَ، فاسْتَدَلُّوا بِالكَلامِ عَلى الرُّؤْيَةِ اسْتِدْلالًا فاسِدًا حَتّى افْتُتِنُوا وضَلُّوا، تُضِلُّ بِها الجاهِلِينَ غَيْرَ الثّابِتِينَ في مَعْرِفَتِكَ، وتَهْدِي العالِمِينَ الثّابِتِينَ بِالقَوْلِ الثّابِتِ، وجَعَلَ ذَلِكَ إضْلالًا مِنَ اللَّهِ تَعالى وهُدًى مِنهُ، لِأنَّ مِحْنَتَهُ إنَّما كانَتْ سَبَبًا لِأنْ ضَلُّوا واهْتَدَوْا، فَكَأنَّهُ أضَلَّهم بِها وهُداهم عَلى الِاتِّساعِ في الكَلامِ، انْتَهى، وهو عَلى طَرِيقَةِ المُعْتَزِلَةِ في نَفْيِهِمُ الإضْلالَ عَنِ اللَّهِ تَعالى. أنْتَ ولِيُّنا القائِمُ بِأمْرِنا: ﴿فاغْفِرْ لَنا وارْحَمْنا وأنْتَ خَيْرُ الغافِرِينَ﴾ . سَألَ الغُفْرانَ لَهُ ولَهم والرَّحْمَةَ، لَمّا كانَ قَدِ انْدَرَجَ قَوْمُهُ في قَوْلِهِ: أنْتَ ولِيُّنا وفي سُؤالِ المَغْفِرَةِ والرَّحْمَةِ لَهُ ولَهم - وكانَ قَوْمُهُ أصْحابَ ذُنُوبٍ - أكَّدَ اسْتِعْطافَ رَبِّهِ تَعالى في غُفْرانِ تِلْكَ الذُّنُوبِ، فَأكَّدَ ذَلِكَ ونَبَّهَ بِقَوْلِهِ: وأنْتَ خَيْرُ الغافِرِينَ، ولَمّا كانَ هو وأخُوهُ هارُونُ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ المَعْصُومِينَ مِنَ الذُّنُوبِ، فَحِينَ سَألَ المَغْفِرَةَ لَهُ ولِأخِيهِ وسَألَ الرَّحْمَةَ لَمْ يُؤَكِّدِ الرَّحْمَةَ بَلْ قالَ: وأنْتَ أرْحَمُ الرّاحِمِينَ، فَنَبَّهَ عَلى أنَّهُ تَعالى أرْحَمُ الرّاحِمِينَ، ألا تَرى إلى قَوْلِهِ: ﴿ورَحْمَتِي وسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف: ١٥٦] وكانَ تَعالى خَيْرَ الغافِرِينَ لِأنَّ غَيْرَهُ يَتَجاوَزُ عَنِ الذَّنْبِ طَلَبًا لِلثَّناءِ أوِ الثَّوابِ، أوْ دَفْعًا لِلصِّفَةِ الخَسِيسَةِ عَنِ القَلْبِ، وهي صِفَةُ الحِقْدِ، والبارِي سُبْحانَهُ وتَعالى مُنَزَّهٌ عَنْ أنْ يَكُونَ غُفْرانُهُ لِشَيْءٍ مِن ذَلِكَ.

الأعراف 7:156

﴿واكْتُبْ لَنا في هَذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةً وفي الآخِرَةِ إنّا هُدْنا إلَيْكَ﴾ . أيْ: وأثْبِتْ لَنا عاقِبَةً وحَياةً طَيِّبَةً أوْ عَمَلًا صالِحًا يَسْتَعْقِبُ ثَناءً حَسَنًا في الدُّنْيا، وفي الآخِرَةِ الجَنَّةَ والرُّؤْيَةَ والثَّوابَ عَلى حَسَنَةِ الدُّنْيا، والأجْوَدُ حَمْلُ الحَسَنَةِ عَلى ما يَحْسُنُ مِن نِعْمَةٍ وطاعَةٍ وغَيْرِ ذَلِكَ، وحَسَنَةُ الآخِرَةِ الجَنَّةُ لا حَسَنَةَ دُونَها، وإنّا هَدْنا تَعْلِيلٌ لِطَلَبِ الغُفْرانِ والحَسَنَةِ وكَتْبُ الحَسَنَةِ أيْ: تُبْنا إلَيْكَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ وابْنُ جُبَيْرٍ وأبُو العالِيَةِ وقَتادَةُ والضَّحّاكُ والسُّدِّيُّ: مِن هادَ يَهُودُ، وقالَ ابْنُ بَحْرٍ: تَقَرَّبْنا بِالتَّوْبَةِ، وقِيلَ: مِلْنا. ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎قَدْ عَلِمَتْ سَلْمى وجاراتُها أنِّي مِنَ اللَّهِ لَها هائِدُ أيْ: مائِلٌ، وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وأبُو وجْزَةَ: هِدْنا بِكَسْرِ الهاءِ مِن هادَ يَهِيدُ إذا حَرَّكَ، أيْ حَرَّكْنا أنْفُسَنا وجَذَبْناها لِطاعَتِكَ، فَيَكُونُ الضَّمِيرُ فاعِلًا، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَفُعُولًا لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، أيْ حَرَّكْنا إلَيْكَ وأمَلْنا، والضَّمُّ في هُدْنا يَحْتَمِلُهُما، وتَضَمَّنَتْ هَذِهِ الجُمَلُ كَوْنَهُ تَعالى هو رَبَّهم ووَلِيَّهم، وأنَّهم تائِبُونَ عَبِيدٌ لَهُ خاضِعُونَ فَناسَبَ عِزَّ الرُّبُوبِيَّةِ أنْ يَسْتَعْطِفَ لِلْعَبِيدِ التّائِبِينَ الخاضِعِينَ بِسُؤالِ المَغْفِرَةِ والرَّحْمَةِ والكَتْبِ. ﴿قالَ عَذابِي أُصِيبُ بِهِ مَن أشاءُ ورَحْمَتِي وسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ . الظّاهِرُ أنَّهُ اسْتِئْنافُ إخْبارٍ عَنْ عَذابِهِ ورَحْمَتِهِ، ويَنْدَرِجُ في قَوْلِهِ: ﴿أُصِيبُ بِهِ مَن أشاءُ﴾ أصْحابُ الرَّجْفَةِ، وقِيلَ: العَذابُ هُنا هو الرَّجْفَةُ، ومَن أشاءُ: أصْحابُها، والمَعْنى أنَّهُ لا اعْتِراضَ عَلَيْهِ، أيْ مَن أشاءُ عَذابَهُ، وقِيلَ: مَن أشاءُ أنْ لا أعْفُوَ عَنْهُ، وقِيلَ: مَن أشاءُ مِن خَلْقِي كَما أصَبْتُ بِهِ قَوْمَكَ، وقِيلَ: مَن أشاءُ مِنَ الكُفّارِ، وقِيلَ: المَشِيئَةُ راجِعَةٌ إلى التَّعْجِيلِ والإمْهالِ لا إلى التَّرْكِ والإهْمالِ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مِمَّنْ أشاءُ مَن وجَبَ عَلَيَّ في الحِكْمَةِ تَعْذِيبُهُ ولَمْ يَكُنْ في العَفْوِ عَنْهُ مَساغٌ لِكَوْنِهِ مَفْسَدَةً، انْتَهى، وهو عَلى طَرِيقَةِ المُعْتَزِلَةِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أُصِيبُ مَن أشاءُ عَلى الذَّنْبِ اليَسِيرِ، وقالَ أيْضًا: ﴿وسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ مِن ذُنُوبِ المُؤْمِنِينَ، وقالَ أبُو رَوْقٍ هي التَّعاطُفُ بَيْنَ الخَلائِقِ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: هي التَّوْبَةُ عَلى العُمُومِ، وقالَ الحَسَنُ: هي في الدُّنْيا بِالرِّزْقِ عامَّةً وفي الآخِرَةِ بِالمُؤْمِنِينَ خاصَّةً، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وأمّا رَحْمَتِي فَمِن حالِها وصِفَتِها أنَّها واسِعَةٌ كُلَّ شَيْءٍ، ما مِن مُسْلِمٍ ولا كافِرٍ ولا مُطِيعٍ ولا عاصٍ، إلّا وهو مُتَقَلِّبٌ في نِعْمَتِي، انْتَهى، وهو (p-٤٠٢)بَسْطُ قَوْلِ الحَسَنِ: هي في الدُّنْيا بِالرِّزْقِ عامَّةً، وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ والحَسَنُ وطاوُسٌ وعَمْرُو بْنُ فائِدٍ: (مَن أساءَ) مِنَ الإساءَةِ، وقالَ أبُو عَمْرٍو الدّانِيُّ: لا تَصِحُّ هَذِهِ القِراءَةُ عَنِ الحَسَنِ وطاوُسٍ، وعَمْرُو بْنُ فائِدٍ رَجُلُ سُوءٍ، وقَرَأ بِها سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ مَرَّةً واسْتَحْسَنَها، فَقامَ إلَيْهِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ المُقْرِي وصاحَ بِهِ وأسْمَعَهُ فَقالَ سُفْيانُ: لَمْ أدْرِ ولَمْ أفْطِنْ لِما يَقُولُ أهْلُ البِدَعِ، ولِلْمُعْتَزِلَةِ تَعَلُّقٌ بِهَذِهِ القِراءَةِ مِن جِهَةِ إنْفاذِ الوَعِيدِ، ومِن جِهَةِ خَلْقِ المَرْءِ أفْعالَهُ، وإنْ أساءَ لا فِعْلَ فِيهِ لِلَّهِ تَعالى، والِانْفِصالُ عَنْ هَذا كالِانْفِصالِ عَنْ سائِرِ الظَّواهِرِ. * * ﴿فَسَأكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ ويُؤْتُونَ الزَّكاةَ﴾ . أيْ أقْضِيها وأُقَدِّرُها، والضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى الرَّحْمَةِ لِأنَّها أقْرَبُ مَذْكُورٍ، ويُحْتَمَلُ عِنْدِي أنْ يَعُودَ عَلى حَسَنَةٍ في قَوْلِهِ: ﴿واكْتُبْ لَنا في هَذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةً وفي الآخِرَةِ﴾ أيْ فَسَأكْتُبُ الحَسَنَةَ، وقالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ونَوْفٌ الَبِكالِيُّ وقَتادَةُ وابْنُ جُرَيْجٍ، والمَعْنى مُتَقارِبٌ، لَمّا سَمِعَ إبْلِيسُ: ﴿ورَحْمَتِي وسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ تَطاوَلَ لَها إبْلِيسُ، فَلَمّا سَمِعَ: ﴿فَسَأكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ ويُؤْتُونَ الزَّكاةَ﴾ يَئِسَ، وبَقِيَتِ اليَهُودُ والنَّصارى، فَلَمّا تَمادَّتِ الصِّفَةُ تَبَيَّنَ أنَّ المُرادَ أُمَّةُ مُحَمَّدٍ ﷺ، ويَئِسَ النَّصارى واليَهُودُ مِنَ الآيَةِ، وقالَ أهْلُ التَّفْسِيرِ: عَرَضَ اللَّهُ هَذِهِ الخِلالَ عَلى قَوْمِ مُوسى، فَلَمْ يَتَحَمَّلُوها ولَمّا انْطَلَقَ وفْدُ بَنِي إسْرائِيلَ إلى المِيقاتِ، قِيلَ لَهم: خُطَّتْ لَكُمُ الأرْضُ مَسْجِدًا وطَهُورًا إلّا عِنْدَ مِرْحاضٍ أوْ قَبْرٍ أوْ حَمّامٍ، وجَعَلْتُ السَّكِينَةَ في قُلُوبِهِمْ، فَقالُوا: لا نَسْتَطِيعُ فاجْعَلِ السَّكِينَةَ في التّابُوتِ، والصَّلاةَ في الكَنِيسَةِ، ولا نَقْرَأُ التَّوْراةَ إلّا عَنْ نَظَرٍ، ولا نُصَلِّي إلّا في الكَنِيسَةِ، فَقالَ اللَّهُ تَعالى: فَسَأكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ ويُؤْتُونَ الزَّكاةَ مِن أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، وقالَ نَوْفٌ الَبِكالِيُّ: إنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: يا رَبِّ جَعَلْتَ وِفادَتِي لِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ، قالَ نَوْفٌ: فاحْمَدُوا اللَّهَ الَّذِي جَعَلَ وِفادَةَ بَنِي إسْرائِيلَ لَكم، ومَعْنى يَتَّقُونَ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وفِرْقَةٌ: الشِّرْكَ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: المَعاصِيَ، فَمَن قالَ الشِّرْكَ لا غَيْرُ، خَرَجَ إلى قَوْلِ المُرْجِئَةِ، ويَرُدُّ عَلَيْهِ مِنَ الآيَةِ شَرْطُ الأعْمالِ بِقَوْلِهِ: ﴿ويُؤْتُونَ الزَّكاةَ﴾، ومَن قالَ: المَعاصِيَ ولا بُدَّ خَرَجَ إلى قَوْلِ المُعْتَزِلَةِ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والصَّوابُ أنْ تَكُونَ اللَّفْظَةُ عامَّةً، ولَكِنْ لا نَقُولُ: لا بُدَّ مِنِ اتِّقاءِ المَعاصِي، بَلْ نَقُولُ: مَواقِعُ المَعاصِي في المَشِيئَةِ، ومَعْنى يَتَّقُونَ يَجْعَلُونَ بَيْنَهم وبَيْنَ المُتَّقى حِجابًا ووِقايَةً، فَذَكَرَ تَعالى الرُّتْبَةَ العالِيَةَ لِيَتَسابَقَ السّامِعُونَ إلَيْها، انْتَهى، ﴿ويُؤْتُونَ الزَّكاةَ﴾: الظّاهِرُ أنَّها زَكاةُ المالِ وبِهِ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ ورُوِيَ عَنْهُ: ويُؤْتُونَ الأعْمالَ الَّتِي يُزَكُّونَ بِها أنْفُسَهم، وقالَ الحَسَنُ: تَزْكِيَةُ الأعْمالِ بِالإخْلاصِ، انْتَهى، ولَمّا كانَتِ التَّكالِيفُ تَرْجِعُ إلى قِسْمَيْنِ: تُرُوكٌ وأفْعالٌ، والأفْعالُ قِسْمانِ: راجِعَةٌ إلى المالِ وراجِعَةٌ إلى نَفْسِ الإنْسانِ، وهَذانِ قِسْمانِ: عِلْمٌ وعَمَلٌ، فالعِلْمُ المَعْرِفَةُ، والعَمَلُ إقْرارٌ بِاللِّسانِ، وعَمَلٌ بِالأرْكانِ، فَأشارَ بِالِاتِّقاءِ إلى التُّرُوكِ، وبِالفِعْلِ الرّاجِحِ إلى المالِ بِالزَّكاةِ، وأشارَ إلى ما بَقِيَ بِقَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ هم بِآياتِنا يُؤْمِنُونَ﴾ وهَذِهِ شَبِيهَةٌ بِقَوْلِهِ ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالغَيْبِ﴾ [البقرة: ٢] الآيَةَ، وفَهِمَ المُفَسِّرُونَ مِن قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ [الأنعام: ٦٩] إلى آخِرِ الأوْصافِ إنَّ المُتَّصِفِينَ بِذَلِكَ هم أُمَّةُ مُحَمَّدٍ ﷺ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن بابِ التَّغايُرِ بَيْنَ المَعْطُوفِ والمَعْطُوفِ عَلَيْهِ، فَيَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ ويُؤْتُونَ الزَّكاةَ﴾ لِمَن فَعَلَ ذَلِكَ قَبْلَ الرَّسُولِ، ويَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿والَّذِينَ هم بِآياتِنا يُؤْمِنُونَ﴾ مَن فَعَلَ ذَلِكَ بَعْدَ البَعْثَةِ، وفَسَّرَ الآياتِ هُنا بِأنَّها القُرْآنُ، وهو الكِتابُ المُعْجِزُ.

الأعراف 7:157

﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهم في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ يَأْمُرُهم بِالمَعْرُوفِ ويَنْهاهم عَنِ المُنْكَرِ ويُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ ويُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الخَبائِثَ ويَضَعُ عَنْهم إصْرَهم والأغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ فالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وعَزَّرُوهُ ونَصَرُوهُ واتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ ﴿قُلْ يا أيُّها النّاسُ إنِّي رَسُولُ اللَّهِ إلَيْكم جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ (p-٤٠٣)لا إلَهَ إلّا هو يُحْيِي ويُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وكَلِماتِهِ واتَّبِعُوهُ لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٨] ﴿ومِن قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالحَقِّ وبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٩] ﴿وقَطَّعْناهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أسْباطًا أُمَمًا وأوْحَيْنا إلى مُوسى إذِ اسْتَسْقاهُ قَوْمُهُ أنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الحَجَرَ فانْبَجَسَتْ مِنهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهم وظَلَّلْنا عَلَيْهِمُ الغَمامَ وأنْزَلْنا عَلَيْهِمُ المَنَّ والسَّلْوى كُلُوا مِن طَيِّباتِ ما رَزَقْناكم وما ظَلَمُونا ولَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾ [الأعراف: ١٦٠] ﴿وإذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُوا هَذِهِ القَرْيَةَ وكُلُوا مِنها حَيْثُ شِئْتُمْ وقُولُوا حِطَّةٌ وادْخُلُوا البابَ سُجَّدًا نَغْفِرْ لَكم خَطِيئاتِكم سَنَزِيدُ المُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف: ١٦١] ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنهم قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهم فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِجْزًا مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَظْلِمُونَ﴾ [الأعراف: ١٦٢] ﴿واسْألْهم عَنِ القَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ حاضِرَةَ البَحْرِ إذْ يَعْدُونَ في السَّبْتِ إذْ تَأْتِيهِمْ حِيتانُهم يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا ويَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهم بِما كانُوا يَفْسُقُونَ﴾ [الأعراف: ١٦٣] التَّعْزِيرُ، قالَ يُونُسُ بْنُ حَبِيبٍ: التَّعْزِيرُ هو الثَّناءُ والمَدْحُ. الِانْبِجاسُ العَرَقُ. قالَ أبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ: انْبَجَسَتْ عَرِقَتْ، وانْفَجَرَتْ سالَتْ، وقالَ الواحِدِيُّ: الِانْبِجاسُ الِانْفِجارُ، يُقالُ: بَجَسَ وانْبَجَسَ، الحُوتُ مَعْرُوفٌ يُجْمَعُ في القِلَّةِ عَلى أحْواتٍ، وفي الكَثْرَةِ عَلى حِيتانٍ، وهو قِياسٌ مُطَّرِدٌ في فُعْلٍ واوِيِّ العَيْنِ، نَحْوُ عُودٍ وأعْوادٍ وعِيدانٍ. ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهم في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ يَأْمُرُهم بِالمَعْرُوفِ ويَنْهاهم عَنِ المُنْكَرِ﴾ هَذا مِن بَقِيَّةِ خِطابِهِ تَعالى لِمُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - وفِيهِ تَبْشِيرٌ لَهُ بِبَعْثَةِ مُحَمَّدٍ، وذِكْرٌ لِصِفاتِهِ، وإعْلامٌ لَهُ أيْضًا أنَّهُ يُنَزِّلُ كِتابًا يُسَمّى الإنْجِيلَ، ومَعْنى الِاتِّباعِ الِاقْتِداءُ فِيما جاءَ بِهِ اعْتِقادًا وقَوْلًا وفِعْلًا، وجَمَعَ هُنا بَيْنَ الرِّسالَةِ والنُّبُوَّةِ لِأنَّ الرِّسالَةَ في بَنِي آدَمَ أعْظَمُ شَرَفًا مِنَ النُّبُوَّةِ، أوْ لِأنَّها بِالنِّسْبَةِ إلى الآدَمِيِّ، والمُلْكُ أعَمُّ فَبُدِئَ بِهِ، والأُمِّيُّ الَّذِي هو عَلى صِفَةِ أُمَّةِ العَرَبِ ”إنّا أُمَّةٌ أُمَيَّةٌ لا نَكْتُبُ ولا نَحْسُبُ“ فَأكْثَرُ العَرَبِ لا يَكْتُبُ ولا يَقْرَأُ، قالَهُ الزَّجّاجُ، وكَوْنُهُ أُمِّيًّا مِن جُمْلَةِ المُعْجِزِ؛ وقِيلَ: نِسْبَةً إلى أُمِّ القُرى وهي مَكَّةُ، ورُوِيَ عَنْ يَعْقُوبَ وغَيْرِهِ أنَّهُ قَرَأ: الأمِّيَّ، بِفَتْحِ الهَمْزَةِ، وخُرِّجَ عَلى أنَّهُ مِن تَغْيِيرِ النَّسَبِ، والأصْلُ الضَّمُّ، كَما قِيلَ في النَّسَبِ إلى أُمَيَّةَ: أمَوِيٌّ، بِالفَتْحِ، أوْ عَلى أنَّهُ نُسِبَ إلى المَصْدَرِ مِن أمَّ، ومَعْناهُ المَقْصُودُ، أيْ: لِأنَّ هَذا النَّبِيَّ مَقْصِدٌ لِلنّاسِ ومَوْضِعٌ أمٍّ، وقالَ أبُو الفَضْلِ الرّازِيُّ: وذَلِكَ مَكَّةُ، فَهو مَنسُوبٌ إلَيْها، لَكِنَّها ذُكِرَتْ إرادَةً لِلْحَرَمِ أوِ المَوْضِعِ، ومَعْنى يَجِدُونَهُ، أيْ: يَجِدُونَ وصْفَهُ ونَعْتَهُ، قالَ التَّبْرِيزِيُّ: في التَّوْراةِ، أيْ: سَأُقِيمُ لَهُ نَبِيًّا مِن إخْوَتِهِمْ مِثْلَكَ وأجْعَلُ كَلامِيَ في فِيهِ، ويَقُولُ لَهم كُلَّما أوْصَيْتُهُ، وفِيها: وأمّا النَّبِيُّ فَقَدْ بارَكْتُ عَلَيْهِ جِدًّا جِدًّا، وسَأدَّخِرُهُ لِأُمَّةٍ عَظِيمَةٍ، وفي الإنْجِيلِ: يُعْطِيكُمُ الفارِقْلِيطَ آخَرُ، يُعْطِيكم مُعَلِّمُ الدَّهْرِ كُلِّهِ، وقالَ المَسِيحُ: أنا أذْهَبُ وسَيَأْتِيكُمُ الفارِقْلِيطُ رُوحُ الحَقِّ الَّذِي لا يَتَكَلَّمُ مِن قِبَلِ نَفْسِهِ ويَمْدَحُنِي ويَشْهَدُ لِي، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ﴿يَأْمُرُهم بِالمَعْرُوفِ﴾ إلى آخِرِهِ مُتَعَلِّقًا بِـ يَجِدُونَهُ، فَيَكُونَ في مَوْضِعِ الحالِ عَلى سَبِيلِ التَّجَوُّزِ فَيَكُونَ حالًا مُقَدَّرَةً، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن وصْفِ النَّبِيِّ، كَأنَّهُ قِيلَ: الآمِرُ بِالمَعْرُوفِ والنّاهِي عَنِ المُنْكَرِ وكَذا وكَذا، وقالَ أبُو عَلِيٍّ: يَأْمُرُهم: تَفْسِيرٌ لِما كَتَبَ مِن ذِكْرِهِ، كَقَوْلِهِ: ﴿خَلَقَهُ مِن تُرابٍ﴾ [آل عمران: ٥٩]، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا مِنَ الضَّمِيرِ في يَجِدُونَهُ؛ لِأنَّ الضَّمِيرَ لِلذَّكَرِ والِاسْمِ، والِاسْمُ والذَّكَرُ لا يَأْمُرانِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وعَطاءٌ: ﴿يَأْمُرُهم بِالمَعْرُوفِ﴾، أيْ: بِخَلْعِ الأنْدادِ ومَكارِمِ الأخْلاقِ وصِلَةِ الأرْحامِ، وقالَ مُقاتِلٌ: الإيمانُ؛ وقِيلَ: الحَقُّ، وقالَ الزَّجّاجُ: كُلُّ ما عُرِفَ بِالشَّرْعِ، والمُنْكَرُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: عِبادَةُ الأوْثانِ وقَطْعُ الأرْحامِ، وقالَ مُقاتِلٌ: الشِّرْكُ؛ وقِيلَ: الباطِلُ؛ وقِيلَ: الفَسادُ ومَبادِئُ الأخْلاقِ؛ وقِيلَ: القَوْلُ في صِفاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ، والكُفْرُ بِما أنْزَلَ، وقَطْعُ الرَّحِمِ والعُقُوقُ. ﴿ويُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ﴾ تَقَدَّمَ ذِكْرُ الخِلافِ في الطَّيِّباتِ (p-٤٠٤)فِي قَوْلِهِ: ﴿كُلُوا مِن طَيِّباتِ﴾ [الأعراف: ١٦٠] أهِيَ الحَلالُ أوِ المُسْتَلَذُّ، وكِلاهُما قِيلَ هُنا، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ما حُرِّمَ عَلَيْهِمْ مِنَ الأشْياءِ الطَّيِّبَةِ كالشُّحُومِ وغَيْرِها، أوْ ما طابَ في الشَّرِيعَةِ، واللَّحْمُ مِمّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ مِنَ الذَّبائِحِ، وما خَلا كَسْبُهُ مِنَ السُّحْتِ، انْتَهى؛ وقِيلَ: ما كانَتِ العَرَبُ تُحَرِّمُهُ مِنَ البَحِيرَةِ والسّائِبَةِ والوَصِيلَةِ والحامِ، واسْتَبْعَدَ أبُو عَبْدِ اللَّهِ الرّازِيُّ قَوْلَ مَن قالَ: إنَّها المُحَلَّلاتُ، لِتَقْدِيرِهِ ويُحِلُّ لَهُمُ المُحَلَّلاتِ، قالَ: وهَذا مَحْضُ التَّكْذِيبِ، ولِخُرُوجِ الكَلامِ عَنِ الفائِدَةِ لِأنّا لا نَدْرِي ما أُحِلَّ لَنا وكَمْ هو، قالَ: بَلِ الواجِبُ أنْ يُرادَ المُسْتَطابَةُ بِحَسَبَ الطَّبْعِ؛ لِأنَّ تَناوُلَها يُفِيدُ اللَّذَّةَ، والأصْلُ في المَنافِعِ الحِلُّ، فَدَلَّتِ الآيَةُ عَلى أنَّ كُلَّ ما تَسْتَطِيبُهُ النَّفْسُ ويَسْتَلِذُّهُ الطَّبْعُ حَلالٌ إلّا ما خَرَجَ بِدَلِيلٍ مُنْفَصِلٍ. ﴿ويُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الخَبائِثَ﴾ قِيلَ: المُحَرَّماتُ؛ وقِيلَ: ما تَسْتَخْبِثُهُ العَرَبُ كالعَقْرَبِ والحَيَّةِ والحَشَراتِ؛ وقِيلَ: الدَّمُ والمَيْتَةُ ولَحْمُ الخِنْزِيرِ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ما في سُورَةِ المائِدَةِ إلى قَوْلِهِ: ﴿ذَلِكم فِسْقٌ﴾ [المائدة: ٣] . ﴿ويَضَعُ عَنْهم إصْرَهم والأغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ قَرَأ طَلْحَةُ: ويُذْهِبُ عَنْهم إصْرَهم، وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ الإصْرِ في آخِرِ سُورَةِ البَقَرَةِ، وفَسَّرَهُ هُنا قَتادَةُ وابْنُ جُبَيْرٍ ومُجاهِدٌ والضَّحّاكُ والحَسَنُ وغَيْرُهم بِالثِّقْلِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ: آصارَهم جَمْعُ إصْرٍ، وقُرِئَ: أُصْرَهم، بِفَتْحِ الهَمْزَةِ وبِضَمِّها، فَمَن جَمَعَ فَبِاعْتِبارِ مُتَعَلِّقاتِ الإصْرِ؛ إذْ هي كَثِيرَةٌ، ومَن وحَّدَ فَلِأنَّهُ اسْمُ جِنْسٍ، والأغْلالُ مِثْلَ لَمّا كُلِّفُوا مِنَ الأُمُورِ الصَّعْبَةِ، كَقَطْعِ مَوْضِعِ النَّجاسَةِ مِنَ الجِلْدِ والثَّوْبِ وإحْراقِ الغَنائِمِ والقِصاصِ حَتْمًا مِنَ القاتِلِ - عَمْدًا كانَ أوْ خَطَأً -، وتَرْكِ الِاشْتِغالِ يَوْمَ السَّبْتِ، وتَحْرِيمِ العُرُوقِ في اللَّحْمِ، وعَنْ عَطاءٍ: أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ كانُوا إذا قامُوا إلى الصَّلاةِ لَبِسُوا المُسُوحَ وغَلَّوْا أيْدِيَهم إلى أعْناقِهِمْ، ورُبَّما ثَقَبَ الرَّجُلُ تَرْقُوَتَهُ وجَعَلَ فِيها طَرْفَ السِّلْسِلَةِ وأوْثَقَها إلى السّارِيَةِ يَحْبِسُ نَفْسَهُ عَلى العِبادَةِ، ورُوِيَ أنَّ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - رَأى يَوْمَ السَّبْتِ رَجُلًا يَحْمِلُ قَصَبًا فَضَرَبَ عُنُقَهُ، وهَذا المَثَلُ كَما قالُوا: جَعَلْتُ هَذا طَوْقًا في عُنُقِكَ، وقالُوا طَوَّقَها طَوْقَ الحَمامَةِ، وقالَ الهُذَلِيُّ: ؎ولَيْسَ كَهَذا الدّارُ يا أُمَّ مالِكٍ ولَكِنْ أحاطَتْ بِالرِّقابِ السَّلاسِلُ ؎فَصارَ الفَتى كالكَهْلِ لَيْسَ بِقابِلٍ ∗∗∗ سِوى العَدْلِ شَيْئًا واسْتَراحَ العَواذِلُ ولَيْسَ ثَمَّ سَلاسِلُ، وإنَّما أرادَ أنَّ الإسْلامَ ألْزَمَهُ أُمُورًا لَمْ يَكُنْ مُلْتَزِمًا لَها قَبْلَ ذَلِكَ، كَما قالَ: الإيمانُ قَيْدُ الفَتْكِ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: الأغْلالُ، يُرِيدُ في قَوْلِهِ: ﴿غُلَّتْ أيْدِيهِمْ﴾ [المائدة: ٦٤] فَمَن آمَنَ زالَتْ عَنْهُ الدَّعْوَةُ وتَغْلِيلُها. ﴿فالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وعَزَّرُوهُ ونَصَرُوهُ واتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ وعَزَّرُوهُ أثْنَوْا عَلَيْهِ ومَدَحُوهُ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مَنَعُوهُ حَتّى لا يَقْوى عَلَيْهِ عَدُوٌّ، وقَرَأ الجَحْدَرِيُّ وقَتادَةُ وسُلَيْمانُ التَّيْمِيُّ وعِيسى بِالتَّخْفِيفِ، وقَرَأ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ: وعَزَّزُوهُ، بِزايَيْنِ والنُّورُ: القُرْآنُ، قالَهُ قَتادَةُ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هو كِنايَةٌ عَنْ جُمْلَةِ الشَّرِيعَةِ. وقِيلَ: (مَعَ) بِمَعْنى عَلَيْهِ، أيِ: الَّذِي أُنْزِلَ عَلَيْهِ. وقِيلَ: هو عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: أُنْزِلَ مَعَ نُبُوَّتِهِ؛ لِأنَّ اسْتِنْباءَهُ كانَ مَصْحُوبًا بِالقُرْآنِ مَشْفُوعًا بِهِ، وعَلى هَذَيْنِ القَوْلَيْنِ يَكُونُ العامِلُ في الظَّرْفِ أُنْزِلَ، ويَجُوزُ عِنْدِي أنْ يَكُونَ (مَعَهُ) ظَرْفًا في مَوْضِعِ الحالِ، فالعامِلُ فِيهِ مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: أُنْزِلَ كائِنًا مَعَهُ، وهي حالٌ مُقَدَّرَةٌ، كَقَوْلِهِ: مَرَرْتُ بِرَجُلٍ مَعَهُ صَقْرٌ صائِدًا بِهِ غَدًا، فَحالَةُ الإنْزالِ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ لَكِنَّهُ صارَ مَعَهُ بَعْدُ، كَما أنَّ الصَّيْدَ لَمْ يَكُنْ وقْتَ المُرُورِ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يُعَلَّقَ بِـ اتَّبِعُوا، أيْ: واتَّبَعُوا القُرْآنَ المُنَزَّلَ مَعَ اتِّباعِ النَّبِيِّ والعَمَلِ بِسُنَّتِهِ وبِما أمَرَ بِهِ، أيْ: واتَّبِعُوا القُرْآنَ، كَما اتَّبَعَهُ مُصاحِبِينَ لَهُ في اتِّباعِهِ، وفي قَوْلِهِ: ﴿فالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ﴾ إلى آخِرِهِ إشارَةٌ إلى مَن آمَنَ مِن أعْيانِ بَنِي إسْرائِيلَ بِالرَّسُولِ، كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ وغَيْرِهِ مِن أهْلِ الكِتابَيْنِ.

الأعراف 7:158

(p-٤٠٥)﴿قُلْ ياأيُّها النّاسُ إنِّي رَسُولُ اللَّهِ إلَيْكم جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ لا إلَهَ إلّا هو يُحْيِي ويُمِيتُ﴾ لَمّا ذَكَرَ تَعالى لِمُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - صِفَةَ مُحَمَّدٍ ﷺ، وأخْبَرَ أنَّ مَن أدْرَكَهُ وآمَنَ بِهِ أفْلَحَ، أمَرَ تَعالى نَبِيَّهُ بِإشْهارِ دَعْوَتِهِ ورِسالَتِهِ إلى النّاسِ كافَّةً، والدُّعاءِ إلى الإيمانِ بِاللَّهِ ورَسُولِهِ وكَلِماتِهِ واتِّباعِهِ، ودَعْوَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عامَّةٌ لِلْإنْسِ والجِنِّ، قالَهُ الحَسَنُ وتَقْتَضِيهِ الأحادِيثُ، والَّذِي في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى المَدْحِ أوْ رَفْعٍ، وأجازَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنْ يَكُونَ مَجْرُورًا صِفَةً لِلَّهِ، قالَ: وإنْ حِيلَ بَيْنَ الصِّفَةِ والمَوْصُوفِ بِقَوْلِهِ: إلَيْكم، وقالَ أبُو البَقاءِ: ويَبْعُدُ أنْ يَكُونَ صِفَةً لِلَّهِ أوْ بَدَلًا مِنهُ لِما فِيهِ مِنَ الفَصْلِ بَيْنَهُما بِـ إلَيْكم وبِالحالِ وإلَيْكم مُتَعَلِّقٌ بِـ رَسُولُ وجَمِيعًا حالٌ مِن ضَمِيرِ إلَيْكم، وهَذا الوَصْفُ يَقْتَضِي الإذْعانَ والِانْقِيادَ لِمَن أرْسَلَهُ إذْ لَهُ المُلْكُ، فَهو المُتَصَرِّفُ بِما يُرِيدُ، وفي حَصْرِ الإلَهِيَّةِ لَهُ نَفْيُ الشِّرْكَةِ؛ لِأنَّ مَن كانَ لَهُ مُلْكُ هَذا العالَمِ لا يُمْكِنُ أنْ يُشْرِكَهُ أحَدٌ، فَهو المُخْتَصُّ بِالإلَهِيَّةِ، وذَكَرَ الإحْياءَ والإماتَةَ إذْ هُما وصْفانِ لا يَقْدِرُ عَلَيْهِما إلّا اللَّهُ، وهُما إشارَةٌ إلى الإيجادِ لِكُلِّ شَيْءٍ يُرِيدُهُ الإعْدامُ، والأحْسَنُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ جُمَلًا مُسْتَقِلَّةً مِن حَيْثُ الإعْرابِ وإنْ كانَتْ مُتَعَلِّقًا بَعْضُها بِبَعْضٍ مِن حَيْثُ المَعْنى. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لا إلَهَ إلّا هو بَدَلٌ مِنَ الصِّلَةِ الَّتِي هي ﴿لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ وكَذَلِكَ ﴿يُحْيِي ويُمِيتُ﴾، وفي لا إلَهَ إلّا هو بَيانٌ لِلْجُمْلَةِ قَبْلَها لِأنَّ مَن مَلَكَ العالَمَ كانَ هو الإلَهُ عَلى الحَقِيقَةِ، وفي ﴿يُحْيِي ويُمِيتُ﴾ بَيانٌ لِاخْتِصاصِهِ بِالإلَهِيَّةِ؛ لِأنَّهُ لا يَقْدِرُ عَلى الإحْياءِ والإماتَةِ غَيْرُهُ، انْتَهى، وإبْدالُ الجُمَلِ مِنَ الجُمَلِ غَيْرِ المُشْتَرِكَةِ في عامِلٍ لا نَعْرِفُهُ، وقالَ الحَوْفِيُّ: ﴿يُحْيِي ويُمِيتُ﴾ في مَوْضِعِ الخَبَرِ لِأنَّ (لا إلَهَ) في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِداءِ (وإلّا هو) بَدَلٌ عَلى المَوْضِعِ، قالَ: والجُمْلَةُ أيْضًا في مَوْضِعِ الحالِ مِنِ اسْمِ اللَّهِ تَعالى، انْتَهى، يَعْنِي مِن ضَمِيرِ اسْمِ اللَّهِ، وهَذا إعْرابٌ مُتَكَلَّفٌ. ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وكَلِماتِهِ واتَّبِعُوهُ لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ﴾ لَمّا ذَكَرَ أنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ أمَرَهم بِالإيمانِ بِاللَّهِ، وبِهِ عَدَلَ عَنْ ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ إلى الظّاهِرِ، وهو الِالتِفاتُ لِما في ذَلِكَ مِنَ البَلاغَةِ بِأنَّهُ هو النَّبِيُّ السّابِقُ ذِكْرُهُ في قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ﴾ [الأعراف: ١٥٧] وأنَّهُ هو المَأْمُورُ بِاتِّباعِهِ المَوْجُودُ بِالأوْصافِ السّابِقَةِ، والظّاهِرُ أنَّ كَلِماتِهِ هي الكُتُبُ الإلَهِيَّةُ الَّتِي أُنْزِلَتْ عَلى مَن تَقَدَّمَهُ وعَلَيْهِ، ولَمّا كانَ الإيمانُ بِاللَّهِ هو الأصْلُ يَتَفَرَّعُ عَنْهُ الإيمانُ بِالرَّسُولِ والنَّبِيِّ بَدَأ بِهِ، ثُمَّ أتْبَعَهُ بِالإيمانِ بِالرَّسُولِ، ثُمَّ أتْبَعَ ذَلِكَ بِالإشارَةِ إلى المُعْجِزِ الدّالِّ عَلى نُبُوَّتِهِ، وهو كَوْنُهُ أُمِّيًّا، وظَهَرَ عَنْهُ مِنَ المُعْجِزاتِ في ذاتِهِ ما ظَهَرَ مِنَ القُرْآنِ الجامِعِ لِعُلُومِ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ، مَعَ (p-٤٠٦)نَشْأتِهِ في بَلَدٍ عارٍ مِن أهْلِ العِلْمِ، لَمْ يَقْرَأْ كِتابًا ولَمْ يَخُطَّ ولَمْ يَصْحَبْ عالِمًا، ولا غابَ عَنْ مَكَّةَ غَيْبَةً تَقْتَضِي تَعَلُّمًا. وقِيلَ: وكَلِماتِهِ: المُعْجِزاتِ الَّتِي ظَهَرَتْ مِن خارِجِ ذاتِهِ، مِثْلَ انْشِقاقِ القَمَرِ، ونَبْعِ الماءِ مِن بَيْنِ أصابِعِهِ، وهي تُسَمّى بِكَلِماتِ اللَّهِ لَمّا كانَتْ أُمُورًا خارِقَةً غَرِيبَةً، كَما سُمِّيَ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمّا كانَ حُدُوثُهُ أمْرًا غَرِيبًا خارِقًا - كَلِمَةً، وقَرَأ مُجاهِدٌ وعِيسى: (وكَلِمَةٍ)، وحَّدَ وأرادَ بِهِ الجَمْعَ، نَحْوُ: أصْدَقُ كَلِمَةٍ قالَتْها العَرَبُ قَوْلُ لَبِيدٍ، وقَدْ يَقُولُونَ لِلْقَصِيدَةِ: كَلِمَةٌ، وكَلِمَةُ فُلانٍ، وقالَ مُجاهِدٌ والسُّدِّيُّ: المُرادُ بِكَلِماتِهِ وكَلِمَتِهِ، أيْ: بِعِيسى لِقَوْلِهِ: ﴿وكَلِمَتُهُ ألْقاها إلى مَرْيَمَ﴾ [النساء: ١٧١]؛ وقِيلَ: كَلِمَةُ كُنِ الَّتِي تَكَوَّنَ بِها عِيسى وسائِرُ المَوْجُوداتِ، وقَرَأ الأعْمَشُ: الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وآياتِهِ، بَدَلَ كَلِماتِهِ، ولَمّا أُمِرُوا بِالإيمانِ بِاللَّهِ ورَسُولِهِ وذَلِكَ هو الِاعْتِقادُ أُمِرُوا بِالِاتِّباعِ لَهُ فِيما جاءَ بِهِ، وهو لَفْظٌ يُدْخَلُ تَحْتَهُ جَمِيعُ التِزاماتِ الشَّرِيعَةِ، وعَلَّقَ رَجاءَ الهِدايَةِ بِاتِّباعِهِ.

الأعراف 7:159

﴿ومِن قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالحَقِّ وبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ لَمّا أمَرَ بِالإيمانِ بِاللَّهِ ورَسُولِهِ وأمَرَ بِاتِّباعِهِ ذَكَرَ أنَّ مِن قَوْمِ مُوسى مَن وُفِّقَ لِلْهِدايَةِ وعَدَلَ ولَمْ يَجُرْ، ولَمْ تَكُنْ لَهُ هِدايَةٌ إلّا بِاتِّباعِ شَرِيعَةِ مُوسى قَبْلَ مَبْعَثِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وبِاتِّباعِ شَرِيعَةِ رَسُولِ اللَّهِ بَعْدَ مَبْعَثِهِ، فَهَذا إخْبارٌ عَنْ مَن كانَ مِن قَوْمِ مُوسى بِهَذِهِ الأوْصافِ، فَكانَ المَعْنى أنَّهم كُلَّهم لَمْ يَكُونُوا ضُلّالًا بَلْ كانَ مِنهم مُهْتَدُونَ، قالَ السّائِبُ: هم قَوْمٌ مِن أهْلِ الكِتابِ آمَنُوا بِنَبِيِّنا ﷺ، كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ وأصْحابِهِ، وقالَ قَوْمٌ: هم أُمَّةٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ تَمَسَّكُوا بِشَرْعِ مُوسى قَبْلَ نَسْخِهِ ولَمْ يُبَدِّلُوا ولَمْ يَقْتُلُوا الأنْبِياءَ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هُمُ المُؤْمِنُونَ التّائِبُونَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ لَمّا ذَكَرَ الَّذِينَ نَزَلُوا مِنهم ذَكَرَ أُمَّةً مُؤْمِنِينَ تائِبِينَ يَهْدُونَ النّاسَ بِكَلِمَةِ الحَقِّ، ويَدُلُّونَهم عَلى الِاسْتِقامَةِ ويُرْشِدُونَهم وبِالحَقِّ يَعْدِلُونَ بَيْنَهم في الحُكْمِ ولا يَجُورُونَ، أوْ أرادَ الَّذِينَ وصَفَهم مِمَّنْ أدْرَكَ النَّبِيَّ ﷺ وآمَنَ بِهِ مِن أعْقابِهِمُ، انْتَهى، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِهِ الجَماعَةَ الَّتِي آمَنَتْ بِمُحَمَّدٍ ﷺ عَلى جِهَةِ الِاسْتِجْلابِ لِإيمانِ جَمِيعِهِمْ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِهِ وصْفَ المُؤْمِنِينَ التّائِبِينَ مِنبَنِي إسْرائِيلَ ومَنِ اهْتَدى واتَّقى وعَدَلَ، انْتَهى، وما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والسُّدِّيِّ وابْنِ جُرَيْجٍ: أنَّهم قَوْمٌ اغْتَرَبُوا مِن بَنِي إسْرائِيلَ ودَخَلُوا سِرْبًا مَشَوْا فِيهِ سَنَةً ونِصْفًا تَحْتَ الأرْضِ، حَتّى خَرَجُوا وراءَ الصِّينِ، فَهم هُناكَ يُقِيمُونَ الشَّرْعَ، في حِكاياتٍ طَوِيلَةٍ ذَكَرَها الزَّمَخْشَرِيُّ وصاحِبُ التَّحْرِيرِ والتَّحْبِيرِ يُوقِفُ عَلَيْها هُناكَ لَعَلَّهُ لا يَصِحُّ، وفي قَوْلِهِ: ﴿ومِن قَوْمِ مُوسى﴾ إشارَةٌ إلى التَّقْلِيلِ وأنَّ مُعْظَمَهم لا يَهْدِي بِالحَقِّ ولا يَعْدِلُ بِهِ وهم إلى الآنَ، كَذَلِكَ دَخَلَ في الإسْلامِ مِنَ النَّصارى عالَمٌ لا يَعْلَمُ عَدَدَهم إلّا اللَّهُ تَعالى، وأمّا اليَهُودُ فَقَلِيلٌ مَن آمَنَ مِنهم.

الأعراف 7:160

﴿وقَطَّعْناهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أسْباطًا أُمَمًا﴾، أيْ: وقَطَّعْنا قَوْمَ مُوسى، ومَعْناهُ: فَرَّقْناهم ومَيَّزْناهم، وفي ذَلِكَ رُجُوعُ أمْرِ كُلِّ سِبْطٍ إلى رَئِيسِهِ لِيَخِفَّ أمْرُهم عَلى مُوسى، ولِئَلّا يَتَحاسَدُوا فَيَقَعَ الهَرْجُ، ولِهَذا فَجَّرَ لَهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ عَيْنًا لِئَلّا يَتَنازَعُوا ويَقْتَتِلُوا عَلى الماءِ، ولِهَذا جَعَلَ لِكُلِّ سِبْطٍ نَقِيبًا لِيُرْجَعَ بِأمْرِهِمْ إلَيْهِ، وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ الأسْباطِ، وقَرَأ أبانُ بْنُ تَغْلِبَ عَنْ عاصِمٍ بِتَخْفِيفِ الطّاءِ، وابْنُ وثّابٍ والأعْمَشُ وطَلْحَةُ بْنُ سُلَيْمانَ عَشِرَةَ بِكَسْرِ الشِّينِ، وعَنْهُمُ الفَتْحُ أيْضًا، وأبُو حَيْوَةَ وطَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ بِالكَسْرِ، وهي لُغَةُ تَمِيمٍ، والجُمْهُورُ بِالإسْكانِ، وهي لُغَةُ الحِجازِ واثْنَتَيْ عَشْرَةَ حالٌ، وأجازَ أبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ قَطَّعْنا بِمَعْنى صَيَّرْنا، وأنْ يَنْتَصِبَ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ ثانٍ لِقَطَّعْناهم، ولَمْ يَعُدَّ النَّحْوِيُّونَ قَطَّعْنا في بابِ ظَنَنْتُ، وجَزَمَ بِهِ الحَوْفِيُّ فَقالَ: اثْنَتَيْ عَشْرَةَ مَفْعُولٌ لِـ قَطَّعْناهم، أيْ: جَعَلْنا اثْنَتَيْ عَشْرَةَ (p-٤٠٧)وتَمْيِيزُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ مَحْذُوفٌ لِفَهْمِ المَعْنى، تَقْدِيرُهُ: اثْنَتَيْ عَشْرَةَ فِرْقَةً وأسْباطًا، بَدَلٌ مِنِ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ وأُمَمًا. قالَ أبُو البَقاءِ: نَعْتٌ لِأسْباطًا، أوْ بَدَلٌ بَعْدَ بَدَلٍ، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ أسْباطًا تَمْيِيزًا؛ لِأنَّهُ جَمْعٌ، وتَمْيِيزُ هَذا النَّوْعِ لا يَكُونُ إلّا مُفْرَدًا، وذَهَبَ الزَّمَخْشَرِيُّ إلى أنَّ أسْباطًا تَمْيِيزٌ، قالَ: (فَإنْ قُلْتَ): مُمَيَّزُ ما بَعْدَ العَشَرَةِ مُفْرَدٌ فَما وجْهُ مَجِيئِهِ مَجْمُوعًا، وهَلّا قِيلَ: اثْنَتَيْ عَشَرَ سِبْطًا، (قُلْتُ): لَوْ قِيلَ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ تَحْقِيقًا؛ لِأنَّ المُرادَ: وقَطَّعْناهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ قَبِيلَةً، وكُلُّ قَبِيلَةٍ أسْباطٌ لا سِبْطٌ، فَوَضَعَ أسْباطًا مَوْضِعَ قَبِيلَةٍ، ونَظِيرُهُ: ؎بَيْنَ رِماحَيْ مالِكٍ ونَهْشَلِ وأُمَمًا بَدَلٌ مِنِ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ، بِمَعْنى وقَطَّعْناهم أُمَمًا؛ لِأنَّ كُلَّ أسْباطٍ كانَتْ أُمَّةً عَظِيمَةً وجَماعَةً كَثِيفَةَ العَدَدِ، وكُلَّ واحِدَةٍ تَؤُمُّ خِلافَ ما تَؤُمُّهُ الأُخْرى لا تَكادُ تَأْتَلِفُ، انْتَهى، وما ذَهَبَ إلَيْهِ مِن أنَّ كُلَّ قَبِيلَةٍ أسْباطٌ خِلافُ ما ذَكَرَ النّاسُ ذَكَرُوا أنَّ الأسْباطَ في بَنِي إسْرائِيلَ كالقَبائِلِ في العَرَبِ، وقالُوا: الأسْباطُ جَمْعُ سِبْطٍ وهُمُ الفِرَقُ، والأسْباطُ مِن ولَدِ إسْحاقَ بِمَنزِلَةِ القَبائِلِ مِن ولَدِ إسْماعِيلَ ويَكُونُ عَلى زَعْمِهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما أُنْزِلَ إلى إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ والأسْباطِ﴾ [البقرة: ١٣٦] مَعْناهُ القَبِيلَةُ، وقَوْلُهُ: ونَظِيرُهُ: ؎بَيْنَ رِماحَيْ مالِكٍ ونَهْشَلِ لَيْسَ نَظِيرَهُ؛ لِأنَّ هَذا مِن تَثْنِيَةِ الجَمْعِ، وهو لا يَجُوزُ إلّا في الضَّرُورَةِ، وكَأنَّهُ يُشِيرُ إلى أنَّهُ لَوْ لَمْ يَلْحَظْ في الجَمْعِ كَوْنَهُ أُرِيدَ بِهِ نَوْعٌ مِنَ الرِّماحِ لَمْ يَصِحَّ تَثْنِيَتُهُ كَذَلِكَ هُنا، لَحَظَ هُنا الأسْباطَ وإنْ كانَ جَمْعًا مَعْنى القَبِيلَةِ فَمَيَّزَ بِهِ، كَما يُمَيِّزُ بِالمُفْرَدِ، وقالَ الحَوْفِيُّ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَلى الحَذْفِ، والتَّقْدِيرُ: اثْنَتَيْ عَشْرَةَ فِرْقَةً، ويَكُونَ أسْباطًا نَعْتًا لِفِرْقَةٍ، ثُمَّ حُذِفَ المَوْصُوفُ وأُقِيمَتِ الصِّفَةُ مَقامَهُ، وأُمَمًا نَعْتٌ لِأسْباطٍ، وأنَّثَ العَدَدَ، وهو واقِعٌ عَلى الأسْباطِ، وهو مُذَكَّرٌ لِأنَّهُ بِمَعْنى الفِرْقَةِ أوِ الأُمَّةِ، كَما قالَ: ثَلاثَةُ أنْفُسٍ، يَعْنِي رِجالًا وعَشَرَ أبْطُنٍ بِالنَّظَرِ إلى القَبِيلَةِ، انْتَهى، ونَظِيرُ وصْفِ التَّمْيِيزِ المُفْرَدِ بِالجَمْعِ مُراعاةً لِلْمَعْنى. قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎فِيها اثْنَتانِ وأرْبَعُونَ حَلُوبَةً ∗∗∗ سُودًا كَحافَّتِهِ الغُرابِ الأسْحَمِ ولَمْ يَقُلْ سَوْداءَ. وقِيلَ: جَعَلَ كُلَّ واحِدَةٍ مِنِ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أسْباطًا، كَما تَقُولُ: لِزَيْدٍ دَراهِمُ، ولِفُلانٍ دَراهِمُ، ولِعُمَرَ دَراهِمُ، فَهَذِهِ عِشْرُونَ دَراهِمَ؛ وقِيلَ: التَّقْدِيرُ: وقَطَّعْناهم فِرَقًا اثْنَتَيْ عَشْرَةَ، فَلا يُحْتاجُ إلى تَمْيِيزٍ، وقالَ البَغَوِيُّ: في الكَلامِ تَأْخِيرٌ وتَقْدِيمٌ، تَقْدِيرُهُ: وقَطَّعْناهم أسْباطًا أُمَمًا اثْنَتَيْ عَشْرَةَ، وهَذِهِ كُلُّها تَقادِيرُ مُتَكَلِّفَةٌ، والأجْرى عَلى قَواعِدِ العَرَبِ القَوْلُ الَّذِي بَدَأْنا بِهِ. ﴿وأوْحَيْنا إلى مُوسى إذِ اسْتَسْقاهُ قَوْمُهُ أنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الحَجَرَ فانْبَجَسَتْ مِنهُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهم وظَلَّلْنا عَلَيْهِمُ الغَمامَ وأنْزَلْنا عَلَيْهِمُ المَنَّ والسَّلْوى كُلُوا مِن طَيِّباتِ ما رَزَقْناكم وما ظَلَمُونا ولَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ نَظِيرِ هَذِهِ الجُمَلِ في البَقَرَةِ، وانْبَجَسَتْ: إنْ كانَ مَعْناهُ ما قالَ أبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ، فَقِيلَ: كانَ يَظْهَرُ عَلى كُلِّ مَوْضِعٍ مِنَ الحَجَرِ فَضَرَبَهُ مُوسى، مِثْلَ ثَدْيِ (p-٤٠٨)المَرْأةِ فَيَعْرَقُ أوَّلًا ثُمَّ يَسِيلُ، وإنْ كانَ مُرادِفًا لانْفَجَرَتْ فَلا فَرْقَ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هُنا الأُناسُ اسْمُ جَمْعٍ غَيْرِ تَكْسِيرٍ، نَحْوَ رُخاءٍ وثُناءٍ وثُؤامٍ وأخَواتٍ لَها، ويَجُوزُ أنْ يُقالَ: إنَّ الأصْلَ الكَسْرُ والتَّكْسِيرُ، والضَّمَّةُ بَدَلٌ مِنَ الكَسْرِ، كَما أُبْدِلَتْ في نَحْوِ سُكارى وغُيارى مِنَ الفَتْحَةِ، انْتَهى، ولا يَجُوزُ ما قالَ؛ لِوَجْهَيْنِ، أحَدُهُما: أنَّهُ لَمْ يَنْطِقْ بِإناسٍ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، فَيَكُونَ جَمْعَ تَكْسِيرٍ حَتّى تَكُونَ الضَّمَّةُ بَدَلًا مِنَ الكَسْرَةِ، بِخِلافِ سُكارى وغُيارى، فَإنَّ القِياسَ فِيهِ فَعالى بِفَتْحِ فاءِ الكَلِمَةِ، وهو مَسْمُوعٌ فِيهِما، (والثّانِي): أنَّ سُكارى وغُيارى وعُجالى وما ورَدَ مِن نَحْوِها لَيْسَتِ الضَّمَّةُ فِيهِ بَدَلًا مِنَ الفَتْحَةِ، بَلْ نَصَّ سِيبَوَيْهِ في كِتابِهِ عَلى أنَّهُ جَمْعُ تَكْسِيرِ أصْلٍ، كَما أنَّ فُعالى جَمْعُ تَكْسِيرِ أصْلٍ وإنْ كانَ لا يَنْقاسُ الضَّمُّ، كَما يَنْقاسُ الفَتْحُ، قالَ سِيبَوَيْهِ في حَدِّ تَكْسِيرِ الصِّفاتِ: وقَدْ يُكَسِّرُونَ بَعْضَ هَذا عَلى فُعالى، وذَلِكَ قَوْلُ بَعْضِهِمْ: سُكارى وعُجالى، وقالَ سِيبَوَيْهِ في الأبْنِيَةِ أيْضًا: ويَكُونُ فُعالى في الِاسْمِ نَحْوَ حُبارى وسُمانى ولُبادى، ولا يَكُونُ وصْفًا إلّا أنْ يُكَسَّرَ عَلَيْهِ الواحِدُ لِلْجَمْعِ، نَحْوُ عُجالى وكُسالى وسُمانى، فَهَذانِ نَصّانِ مِن سِيبَوَيْهِ عَلى أنَّهُ جَمْعُ تَكْسِيرٍ، وإذا كانَ جَمْعَ تَكْسِيرٍ أصْلًا لَمْ يَسُغْ أنْ يَدَّعِيَ أنَّ أصْلَهُ فُعالى، وأنَّهُ أُبْدِلَتِ الحَرَكَةُ فِيهِ، وذَهَبَ المُبَرِّدُ إلى أنَّهُ اسْمٌ جامِعٌ - أعْنِي فُعالى بِضَمِّ الفاءِ -، ولَيْسَ بِجَمْعِ تَكْسِيرٍ فالزَّمَخْشَرِيُّ لَمْ يَذْهَبْ إلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ سِيبَوَيْهِ، ولا إلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ المُبَرِّدُ؛ لِأنَّهُ عِنْدَ المُبَرِّدِ اسْمُ جَمْعٍ، فالضَّمَّةُ في فائِهِ أصْلٌ لَيْسَتْ بَدَلًا مِنَ الفَتْحَةِ، بَلْ أحْدَثَ قَوْلًا ثالِثًا. وقَرَأ عِيسى الهَمْدانِيُّ: (مِن طَيِّباتِ ما رَزَقْتُكم) مُوَحِّدًا لِلضَّمِيرِ.