Lafzullah

Al-Bahr Al-Muhit — هود 11:17 – هود 11:41

المؤلف / المصدر: Al-Bahr Al-Muhit

المحتويات
  1. هود 11:17
  2. هود 11:18
  3. هود 11:19
  4. هود 11:20
  5. هود 11:21
  6. هود 11:22
  7. هود 11:23
  8. هود 11:24
  9. هود 11:25
  10. هود 11:26
  11. هود 11:27
  12. هود 11:28
  13. هود 11:29
  14. هود 11:30
  15. هود 11:31
  16. هود 11:32
  17. هود 11:33
  18. هود 11:34
  19. هود 11:35
  20. هود 11:36
  21. هود 11:37
  22. هود 11:38
  23. هود 11:39
  24. هود 11:40
  25. هود 11:41

هود 11:17

﴿أفَمَن كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ ويَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنهُ ومِن قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى إمامًا ورَحْمَةً أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ ومَن يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الأحْزابِ فالنّارُ مَوْعِدُهُ فَلا تَكُ في مِرْيَةٍ مِنهُ إنَّهُ الحَقُّ مِن رَبِّكَ ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يُؤْمِنُونَ﴾: لَمّا ذَكَرَ حالَ مَن يُرِيدُ الحَياةَ الدُّنْيا، ذَكَرَ حالَ مَن يُرِيدُ وجْهَ اللَّهِ تَعالى بِأعْمالِهِ الصّالِحَةِ، وحُذِفَ المُعادِلُ الَّذِي دَخَلَتْ عَلَيْهِ الهَمْزَةُ والتَّقْدِيرُ: كَمَن يُرِيدُ الحَياةَ الدُّنْيا. وكَثِيرًا ما حُذِفَ في القُرْآنِ كَقَوْلِهِ: ﴿أفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا﴾ [فاطر: ٨] وقَوْلِهِ: ﴿أمْ مَن هو قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ﴾ [الزمر: ٩] وهَذا اسْتِفْهامٌ مَعْناهُ: التَّقْرِيرُ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أيْ: لا تَعْقِبُونَهم في المَنزِلَةِ ولا تُفارِقُونَهم، يُرِيدُ أنَّ بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ تَفاوُتًا بَعِيدًا وتَبايُنًا بَيِّنًا، وأرادَ بِهِمْ مَن آمَنَ مِنَ اليَهُودِ كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ وغَيْرِهِ، كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ أيْ: عَلى بُرْهانٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى، وبَيانٍ أنَّ دِينَ الإسْلامِ حَقٌّ وهو دَلِيلُ العَقْلِ ويَتْلُوهُ، ويَتْبَعُ ذَلِكَ البُرْهانَ شاهِدٌ مِنهُ، أيْ: شاهِدٌ يَشْهَدُ بِصِحَّتِهِ، وهو القُرْآنُ مِنهُ مِنَ اللَّهِ، أوْ شاهِدٌ مِنَ القُرْآنِ ومِن قَبْلِهِ: ومِن قَبْلِ القُرْآنِ كِتابُ مُوسى وهو: التَّوْراةُ، أيْ: ويَتْلُو ذَلِكَ أيْضًا مِن قَبْلِ القُرْآنِ كِتابُ مُوسى. وقُرِئَ: (كِتابَ مُوسى) بِالنَّصْبِ، ومَعْناهُ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ وهو الدَّلِيلُ عَلى أنَّ القُرْآنَ حَقٌّ، ويَتْلُوهُ ويَقْرَأُ القُرْآنَ شاهِدٌ مِنهُ، شاهِدٌ مِمَّنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ كَقَوْلِهِ: ﴿وشَهِدَ شاهِدٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ عَلى مِثْلِهِ﴾ [الأحقاف: ١٠] ﴿قُلْ كَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وبَيْنَكم ومَن عِنْدَهُ عِلْمُ الكِتابِ﴾ [الرعد: ٤٣] . ﴿ومِن قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى﴾: ويَتْلُوهُ ومِن قَبْلِ التَّوْراةِ، إمامًا: كِتابًا مُؤْتَمًّا في الدِّينِ قُدْوَةً فِيهِ، انْتَهى. وقِيلَ في ﴿أفَمَن كانَ﴾: المُؤْمِنُونَ بِالرَّسُولِ، (p-٢١١)وقِيلَ: مُحَمَّدٌ ﷺ خاصَّةً. وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ وابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ ومُجاهِدٌ والضَّحّاكُ: مُحَمَّدٌ والمُؤْمِنُونَ جَمِيعًا، والبَيِّنَةُ: القُرْآنُ أوِ الرَّسُولُ، والهاءُ لِلْمُبالَغَةِ. والشّاهِدُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ والنَّخَعِيُّ ومُجاهِدٌ والضَّحّاكُ وأبُو صالِحٍ وعِكْرِمَةُ: هو جِبْرِيلُ. وقالَ الحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ: هو الرَّسُولُ. وقالَ أيْضًا مُجاهِدٌ: هو مَلَكٌ وكَّلَهُ اللَّهُ بِحِفْظِ القُرْآنِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِهَذِهِ الألْفاظِ: جِبْرِيلَ، وقِيلَ: وعَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ. ورَوى المِنهالُ عَنْ عُبادَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ وجْهَهُ: ما في قُرَيْشٍ أحَدٌ إلّا وقَدْ نَزَلَتْ فِيهِ آيَةٌ قِيلَ: فَما نَزَلَ فِيكَ ؟ قالَ: ﴿ويَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنهُ﴾، وبِهِ قالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ. وقِيلَ: هو الإنْجِيلُ قالَهُ: الفَرّاءُ. وقِيلَ: هو القُرْآنُ، وقِيلَ: هو إعْجازُ القُرْآنِ، قالَهُ الحُسَيْنُ بْنُ الفَضْلِ، وقِيلَ: صُورَةُ الرَّسُولِ ﷺ ووَجْهُهُ ومَخايِلُهُ، لِأنَّ كُلَّ عاقِلٍ نَظَرَ إلَيْهِ عَلِمَ أنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . وقِيلَ: وأبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، والضَّمِيرُ في مِنهُ يَعُودُ إلى الدِّينِ، أوْ إلى الرَّسُولِ، أوْ إلى القُرْآنِ. ويَتْلُوهُ: بِمَعْنى يَتْبَعُهُ، أوْ يَقْرَؤُهُ، والضَّمِيرُ المَرْفُوعُ في يَتْلُوهُ والمَنصُوبُ والمَجْرُورُ في مِنهُ، يَتَرَتَّبُ عَلى ما يُناسِبُهُ كُلُّ قَوْمٍ مِن هَذِهِ. وقَرَأ مُحَمَّدُ بْنُ السّائِبِ الكَلْبِيُّ وغَيْرُهُ: ﴿كِتابُ مُوسى﴾ بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلى مَفْعُولِ يَتْلُوهُ، أوْ بِإضْمارِ فِعْلٍ. وإذا لَمْ يُعْنَ بِالشّاهِدِ الإنْجِيلُ فَإنَّما خَصَّ التَّوْراةَ بِالذِّكْرِ، لِأنَّ المِلَّتَيْنِ مُجْتَمِعَتانِ عَلى أنَّها مِن عِنْدِ اللَّهِ، والإنْجِيلُ يُخالِفُ فِيهِ اليَهُودُ، فَكانَ الِاسْتِشْهادُ بِما تَقُومُ بِهِ الحُجَّةُ عَلى الفَرِيقَيْنِ أوْلى. وهَذا يَجْرِي مَعَ قَوْلِ الجِنِّ: ﴿إنّا سَمِعْنا كِتابًا أُنْزِلَ مِن بَعْدِ مُوسى﴾ [الأحقاف: ٣٠] ومَعَ قَوْلِ النَّجاشِيِّ: إنَّ هَذا والَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى لَيَخْرُجُ مِن مِشْكاةٍ واحِدَةٍ. وانْتَصَبَ إمامًا عَلى الحالِ، والَّذِي يَظْهَرُ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ، أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ الكُفّارَ وأنَّهم لَيْسَ لَهم إلّا النّارُ، أعْقَبَ بِضِدِّهِمْ وهُمُ المُؤْمِنُونَ، وهُمُ الَّذِينَ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِمْ، والشّاهِدُ: القُرْآنُ، ومِنهُ عائِدٌ عَلى رَبِّهِ. ويَدُلُّ عَلى أنَّ الشّاهِدَ القُرْآنُ ذِكْرُ قَوْلِهِ: (ومِن قَبْلِهِ)، أيْ: ومِن قَبْلِ القُرْآنِ كِتابُ مُوسى، فَمَعْناهُ: أنَّهُ تَظافَرَ عَلى هِدايَتِهِ شَيْئانِ: كَوْنُهُ عَلى أمْرٍ واضِحٍ مِن بُرْهانِ العَقْلِ، وكَوْنُهُ يُوافِقُ ذَلِكَ البُرْهانُ هَذَيْنِ الكِتابَيْنِ الإلَهِيَّيْنِ: القُرْآنَ والتَّوْراةَ، فاجْتَمَعَ لَهُ العَقْلُ والنَّقْلُ. والإشارَةُ بِأُولَئِكَ: إلى مَن كانَ عَلى بَيِّنَةٍ، راعى مَعْنى مَعَ فَجَمَعَ، والضَّمِيرُ في بِهِ يَعُودُ إلى التَّوْراةِ، أوْ إلى القُرْآنِ، أوْ إلى الرَّسُولِ، ثَلاثَةُ أقْوالٍ. والأحْزابُ جَمِيعُ المِلَلِ قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ، أوِ اليَهُودُ والنَّصارى، قالَهُ قَتادَةُ، أوْ قُرَيْشٌ، قالَهُ السُّدِّيُّ، أوْ بَنُو أُمَيَّةَ وبَنُو المُغِيرَةِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ المَخْزُومِيِّ، وآلُ أبِي طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ، قالَهُ مُقاتِلٌ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَعْنِي أهْلَ مَكَّةَ ومَن ضامَّهم مِنَ المُتَحَزِّبِينَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، انْتَهى. ﴿فالنّارُ مَوْعِدُهُ﴾ أيْ: مَكانُ وعْدِهِ الَّذِي يَصِيرُونَ إلَيْهِ. وقالَ حَسّانُ: أوْرَدْتُمُونا حِياضَ المَوْتِ ضاحِيَةً فالنّارُ مَوْعِدُها والمَوْتُ لاقِيها والضَّمِيرُ في مِنهُ عائِدٌ عَلى القُرْآنِ، وقِيلَ: عَلى الخَبَرِ، بِأنَّ الكُفّارَ مَوْعِدُهُمُ النّارُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (في مِرْيَةٍ) بِكَسْرِ المِيمِ، وهي لُغَةُ الحِجازِ. وقَرَأ السُّلَمِيُّ وأبُو رَجاءٍ وأبُو الخَطّابِ السُّدُوسِيُّ والحَسَنُ: بِضَمِّها، وهي لُغَةُ أسَدٍ وتَمِيمٍ، والنّاسُ: أهْلُ مَكَّةَ قالَهُ: ابْنُ عَبّاسٍ، أوْ: جَمِيعُ الكُفّارِ مِن شاكٍّ وجاهِلٍ ومُعانِدٍ قالَهُ: صاحِبُ العِقْيانِ. ﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا أُولَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلى رَبِّهِمْ ويَقُولُ الأشْهادُ هَؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلى رَبِّهِمْ ألا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلى الظّالِمِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ويَبْغُونَها عِوَجًا وهم بِالآخِرَةِ هم كافِرُونَ﴾ ﴿أُولَئِكَ لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ في الأرْضِ وما كانَ لَهم مِن دُونِ اللَّهِ مِن أوْلِياءَ يُضاعَفُ لَهُمُ العَذابُ ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وما كانُوا يُبْصِرُونَ﴾ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم وضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ ﴿لا جَرَمَ أنَّهم في الآخِرَةِ هُمُ الأخْسَرُونَ﴾: (p-٢١٢)لَمّا سَبَقَ قَوْلُهم: ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ﴾ [هود: ١٣]، ذَكَرَ أنَّهُ لا أحَدَ أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا، وهُمُ المُفْتَرُونَ الَّذِينَ نَسَبُوا إلى اللَّهِ الوَلَدَ، واتَّخَذُوا مَعَهُ آلِهَةً، وحَرَّمُوا وحَلَّلُوا مِن غَيْرِ شَرْعِ اللَّهِ، وعَرْضُهم عَلى اللَّهِ بِمَعْنى: التَّشْهِيرِ لِخِزْيِهِمْ والإشارَةِ بِكَذِبِهِمْ، وإلّا فالطّائِعُ والعاصِي يُعْرَضُونَ عَلى اللَّهِ ﴿وعُرِضُوا عَلى رَبِّكَ صَفًّا﴾ [الكهف: ٤٨] والأشْهادُ: جَمْعُ شاهِدٍ، كَصاحِبٍ وأصْحابٍ، أوْ جَمْعُ شَهِيدٍ كَشَرِيفٍ وأشْرافٍ، والأشْهادُ: المَلائِكَةُ الَّذِينَ يَحْفَظُونَ عَلَيْهِمْ أعْمالَهم في الدُّنْيا، أوِ الأنْبِياءُ، أوْ هُما المُؤْمِنُونَ، أوْ ما يَشْهَدُ عَلَيْهِمْ مِن أعْضائِهِمْ أقْوالٌ. وفي قَوْلِهِ: (هَؤُلاءِ): إشارَةٌ إلى تَحْقِيرِهِمْ وإصْغارِهِمْ بِسُوءِ مُرْتَكَبِهِمْ. وفِي قَوْلِهِ: (عَلى رَبِّهِمْ) أيْ: عَلى مَن يُحْسِنُ إلَيْهِمْ ويَمْلِكُ نَواصِيَهم، وكانُوا جَدِيرِينَ أنْ لا يَكْذِبُوا عَلَيْهِ، وهَذا كَما تَقُولُ إذا رَأيْتَ مُجْرِمًا: هَذا الَّذِي فَعَلَ كَذا وكَذا. وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ الجُمْلَةِ بَعْدَ هَذا. وهم: تَأْكِيدٌ لِقَوْلِهِ: وهم، وقَوْلُهُ: (مُعْجِزِينَ)، أيْ: كانُوا لا يُعْجِزُونَ اللَّهَ في الدُّنْيا أنْ يُعاقِبَهم لَوْ أرادَ عِقابَهم، وما كانَ لَهم مَن يَنْصُرُهم ويَمْنَعُهم مِنَ العِقابِ، ولَكِنَّهُ أرادَ إنْظارَهم وتَأْخِيرَ عِقابِهِمْ إلى هَذا اليَوْمِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وهو كَلامُ الأشْهادِ يَعْنِي: أنَّ كَلامَهم مِن قَوْلِهِمْ: هَؤُلاءِ إلى آخِرِ هَذِهِ الجُمْلَةِ الَّتِي هي وما كانَ لَهم مِن دُونِ اللَّهِ مِن أوْلِياءَ. وقَدْ يَظْهَرُ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ألا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلى الظّالِمِينَ﴾: مِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى لا عَلى سَبِيلِ الحِكايَةِ، ويَدُلُّ لِقَوْلِ الزَّمَخْشَرِيِّ قَوْلُهُ: ﴿فَأذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهم أنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلى الظّالِمِينَ﴾ [الأعراف: ٤٤] الآيَةَ، فَكَما أنَّهُ مِن كَلامِ المَخْلُوقِينَ في تِلْكَ الآيَةِ، فَكَذَلِكَ هُنا يُضاعَفُ لَهُمُ العَذابُ: يُشَدَّدُ ويَكْثُرُ، وهَذا اسْتِئْنافُ إخْبارٍ عَنْ حالِهِمْ في الآخِرَةِ، لِأنَّهم جَمَعُوا إلى الكُفْرِ بِالبَعْثِ الكَذِبَ عَلى اللَّهِ، وصَدَّ عِبادِهِ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ، وبَغْيَ العِوَجِ لَها، وهي الطَّرِيقَةُ المُسْتَقِيمَةُ. ﴿ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ﴾: إخْبارٌ عَنْ حالِهِمْ في الدُّنْيا عَلى سَبِيلِ المُبالَغَةِ يَعْنِي: السَّمْعَ لِلْقُرْآنِ، ولِما جاءَ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ . ﴿وما كانُوا يُبْصِرُونَ﴾ أيْ: يَنْظُرُونَ إلَيْهِ لِبُغْضِهِمْ فِيهِ. ألا تَرى إلى حَشْوِ الطُّفَيْلِ بْنِ عَمْرٍو أُذُنَيْهِ مِنَ الكُرْسُفِ، وإبايَةِ قُرَيْشٍ أنْ يَسْمَعُوا ما نُقِلَ إلَيْهِمْ مِن كَلامِ الرَّسُولِ حَتّى تَرُدَّهم عَنْ ذَلِكَ مَشْيَخَتُهم ؟ أوْ إخْبارٌ عَنْ حالِهِمْ إذا ضُعِّفَ لَهُمُ العَذابُ أيْ: أنَّهُ تَعالى حَتَمَّ عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ، فَهم لا يَسْمَعُونَ لِذَلِكَ سَماعًا يَنْتَفِعُونَ بِهِ، ولا يُبْصِرُونَ لِذَلِكَ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ في كانُوا عائِدٌ عَلى أوْلِياؤُهم: آلِهَتُهم أيْ: فَما كانَ لَهم في الحَقِيقَةِ مِن أوْلِياءَ وإنْ كانُوا يَعْتَقِدُونَ أنَّهم أوْلِياءُ. ويَعْنِي أنَّهُ مَن لا يَسْتَطِيعُ أنْ يَسْمَعَ ولا يُبْصِرَ فَكَيْفَ يَصْلُحُ لِلْوِلايَةِ ؟ ويَكُونُ ﴿يُضاعَفُ لَهُمُ العَذابُ﴾ اعْتِراضًا، وما عَلى هَذِهِ الأقْوالِ نَفْيٌ. وقِيلَ: ما مَصْدَرِيَّةٌ أيْ: يُضاعَفُ لَهُمُ العَذابُ مُدَّةَ اسْتِطاعَتِهِمُ السَّمْعَ وإبْصارِهِمْ، والمَعْنى: أنَّ العَذابَ وتَضْعِيفَهُ دائِمٌ لَهم مُتَمادٍ. وأجازَ الفَرّاءُ أنْ تَكُونَ ما مَصْدَرِيَّةً، وحُذِفَ حَرْفُ الجَرِّ مِنها كَما يُحْذَفُ مَعَ أنْ وإنْ أُخْتَيْها، وهَذا فِيهِ بُعْدٌ في اللَّفْظِ وفي المَعْنى. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أرادَ أنَّهم لِفَرْطِ تَصامِّهِمْ عَنِ اتِّباعِ الحَقِّ وكَراهَتِهِمْ لَهُ كَأنَّهم لا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ، ولَعَلَّ بَعْضَ المُجْبِرَةِ يَتَوَثَّبُ إذا عَثَرَ عَلَيْهِ فَيُوَعْوِعُ بِهِ عَلى أهْلِ العَدْلِ، كَأنَّهُ لَمْ يَسْمَعِ النّاسَ يَقُولُونَ في كُلِّ لِسانٍ: هَذا الكَلامُ لا أسْتَطِيعُ أسْمَعُهُ، وهَذا مِمّا يَمُجُّهُ سَمْعِي، انْتَهى. يَعْنِي: أنَّهُ يُمْكِنُ أنْ يُسْتَدَلَّ بِهِ عَلى أنَّ العَبْدَ لا قُدْرَةَ لَهُ، لِأنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ نَفى عَنْهُ اسْتِطاعَةَ السَّمْعِ، وإذا انْتَفَتْ الِاسْتِطاعَةُ مِنهُ انْتَفَتْ قُدْرَتُهُ. والزَّمَخْشَرِيُّ عَلى عادَتِهِ في السَّفَهِ عَلى أهْلِ السُّنَّةِ وخُسْرانِهِمْ أنْفُسِهِمْ، لِكَوْنِهِمُ اشْتَرَوْا عِبادَةَ الآلِهَةِ بِعِبادَةِ اللَّهِ تَعالى، فَخَسِرُوا في تِجارَتِهِمْ خُسْرانًا لا خُسْرانَ أعْظَمُ مِنهُ. وهُوَ عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ: راحَةُ أوْ سَعادَةُ أنْفُسِهِمْ، وإلّا فَأنْفُسُهم باقِيَةٌ مُعَذَّبَةٌ. وبَطَلَ عَنْهم ما افْتَرَوْهُ مِن عِبادَةِ الآلِهَةِ، وكَوْنِهِمْ يَعْتَقِدُونَ شَفاعَتَها إذا رَأوْا أنَّها لا تَشْفَعُ ولا تَنْفَعُ. لا جَرَمَ: مَذْهَبُ الخَلِيلِ وسِيبَوَيْهِ أنَّهُما رُكِّبا مِن: لا وجَرَمَ وبُنِيا، والمَعْنى: حَقَّ، وما بَعْدَهُ رُفِعَ بِهِ عَلى الفاعِلِيَّةِ (p-٢١٣)وقالَ الحَوْفِيُّ: جَرَمَ مَنفِيٌّ بِلا بِمَعْنى: حَقَّ، وهو مَبْنِيٌّ مَعَ لا في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِداءِ، وأنَّهم في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى خَبَرِ جَرَمَ. وقالَ قَوْمٌ: إنَّ جَرَمَ مَبْنِيَّةٌ مَعَ لا عَلى الفَتْحِ نَحْوَ قَوْلِكَ: لا رَجُلَ، ومَعْناها: لا بُدَّ ولا مَحالَةَ. وقالَ الكِسائِيُّ: مَعْناها: لا ضِدَّ ولا مَنعَ، فَتَكُونُ اسْمَ لا وهي مَبْنِيَّةٌ عَلى الفَتْحِ كالقَوْلِ الَّذِي قَبْلَهُ، وتَكُونُ جَرَمَ هُنا مِن مَعْنى القَطْعِ، نَقُولُ: جَرَمْتُ أيْ: قَطَعْتُ. وقالَ الزَّجّاجُ: لا تَرْكِيبَ بَيْنَهُما ولا رَدَّ عَلَيْهِمْ. ولِما تَقَدَّمَ مِن كُلِّ ما قَبْلَها مِمّا قالُوا: إنَّ الأصْنامَ تَنْفَعُهم. وجَرَمَ: فِعْلٌ ماضٍ مَعْناهُ: كَسَبَ، والفاعِلُ مُضْمَرٌ: أيَكْسِبُ هو أيْ: فِعْلُهم، وأنَّ وما بَعْدَها في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى المَفْعُولِ بِهِ، وجَرَمَ القَوْمَ: كاسَبَهم. وقالَ الشّاعِرُ: ؎نَصَبْنا رَأسَهُ في جِذْعِ نَخْلٍ بِما جَرَمَتْ يَداهُ وما اعْتَدَيْنا وقالَ آخَرُ: جَرِيمَةَ ناهِضٍ في رَأْسِ نِيقٍ تَرى لِعِظامِ ما جَمَعَتْ صَلِيبا ويُقالُ: لا جِرَمَ بِالكَسْرِ، ولا جَرَ: بِحَذْفِ المِيمِ. قالَ النَّحّاسُ: وزَعَمَ الكِسائِيُّ أنَّ فِيها أرْبَعَ لُغاتٍ: لا جَرَمَ، ولا عَنْ ذا جَرَمٍ، ولا أنْ ذا جَرَمٍ، قالَ: وناسٌ مِن فَزارَةَ يَقُولُونَ: لا جَرَمَ. وحَكى الفَرّاءُ فِيهِ لُغَتَيْنِ أُخْرَيَيْنِ، قالَ: بَنُو عامِرٍ يَقُولُونَ: لا ذا جَرَمٍ، وناسٌ مِنَ العَرَبِ يَقُولُونَ: لا جُرَمَ بِضَمِّ الجِيمِ. وقالَ الجُبّائِيُّ في نَوادِرِهِ: حُكِيَ عَنْ فَزارَةَ: لا جَرَ واللَّهِ لا أفْعَلُ ذاكَ، قالَ: ويُقالُ: لا ذا جَرَمٍ، ولا ذُو جَرَمٍ، ولا عَنْ ذا جَرَمٍ، ولا أنْ ذا جَرَمٍ، ولا أنْ جَرَمَ، ولا عَنْ جَرَمٍ، ولا ذا جَرَ واللَّهِ، بِغَيْرِ مِيمٍ: لا أفْعَلُ ذاكَ. وحَكى بَعْضُهم بِغَيْرِ لا جَرَمَ: أنَّكَ أنْتَ فَعَلْتَ ذاكَ، وعَنْ أبِي عَمْرٍو: لَأجْرَمَ أنَّ لَهُمُ النّارَ عَلى وزْنِ: لَأكْرَمَ، ولا جَرَ: حَذَفُوهُ لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمالِ كَما قالُوا: سَوْ تَرى يُرِيدُونَ: سَوْفَ تَرى. ولَمّا كانَ خُسْرانُ النَّفْسِ أعْظَمَ الخُسْرانِ، حُكِمَ عَلَيْهِمْ بِأنَّهم هُمُ الزّائِدُونَ في الخُسْرانِ عَلى كُلِّ خاسِرٍ مِن سِواهم مِنَ العُصاةِ مَآلُهُ إلى الرّاحَةِ، وإلى انْقِطاعِ خُسْرانِهِ بِخِلافِ هَؤُلاءِ، فَإنَّ خُسْرانَهم لا انْقِطاعَ لَهُ. ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ وأخْبَتُوا إلى رَبِّهِمْ أُولَئِكَ أصْحابُ الجَنَّةِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ ﴿مَثَلُ الفَرِيقَيْنِ كالأعْمى والأصَمِّ والبَصِيرِ والسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلًا أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾: لَمّا ذَكَرَ ما يَئُولُ إلَيْهِ الكُفّارُ مِنَ النّارِ، ذَكَرَ ما يَئُولُ إلَيْهِ المُؤْمِنُونَ مِنَ الجَنَّةِ، والفَرِيقانِ هُنا الكافِرُ والمُؤْمِنُ. ولَمّا كانَ تَقَدَّمَ ذِكْرُ الكُفّارِ وأُعْقِبَ بِذِكْرِ المُؤْمِنِينَ، جاءَ التَّمْثِيلُ هُنا مُبْتَدَأً بِالكافِرِ، فَقالَ: ﴿كالأعْمى والأصَمِّ﴾ . ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ مِن بابِ تَشْبِيهِ اثْنَيْنِ بِاثْنَيْنِ، فَقُوبِلَ الأعْمى بِالبَصِيرِ وهو طِباقٌ، وقُوبِلَ الأصَمُّ بِالسَّمِيعِ وهو طِباقٌ أيْضًا، والعَمى والصَّمَمُ: آفَتانِ تَمْنَعانِ مِنَ البَصَرِ والسَّمْعِ، ولَيْسَتا بِضِدَّيْنِ، لِأنَّهُ لا تَعاقُبَ بَيْنَهُما. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن تَشْبِيهٍ واحِدٍ بِوَصْفَيْهِ بِواحِدٍ بِوَصْفَيْهِ، فَيَكُونُ مِن عَطْفِ الصِّفاتِ كَما قالَ الشّاعِرُ: إلى المَلِكِ القَرْنِ وابْنِ الهُمامِ ولَيْثِ الكَرِيهَةِ في المُزْدَحَمْ ولَمْ يَجِئِ التَّرْكِيبُ: كالأعْمى والبَصِيرِ والأصَمِّ والسَّمِيعِ، فَيَكُونُ مُقابَلَةً في لَفْظِ الأعْمى وضِدِّهِ، وفي لَفْظَةِ الأصَمِّ وضِدِّهِ، لِأنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ انْسِدادَ العَيْنِ أتْبَعَهُ بِانْسِدادِ السَّمْعِ، ولَمّا ذَكَرَ انْفِتاحَ البَصَرِ أتْبَعَهُ بِانْفِتاحِ السَّمْعِ، وذَلِكَ هو الأُسْلُوبُ في المُقابَلَةِ، والأتَمُّ في الإعْجازِ. ويَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى نَظِيرُ (p-٢١٤)هَذِهِ المُقابَلَةِ في قَوْلِهِ في طَهَ: ﴿إنَّ لَكَ ألّا تَجُوعَ فِيها ولا تَعْرى﴾ [طه: ١١٨] ﴿وأنَّكَ لا تَظْمَأُ فِيها ولا تَضْحى﴾ [طه: ١١٩] واحْتُمِلَ أنْ تَكُونَ الكافُ نَفْسُها هي خَبَرُ المُبْتَدَأِ، فَيَكُونُ مَعْناها: مَعْنى المَثَلِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: مَثَلُ الفَرِيقَيْنِ مَثَلُ الأعْمى. واحْتُمِلَ أنْ يُرادَ بِالمَثَلِ: الصِّفَةُ، وبِالكافِ: مِثْلُ، فَيَكُونُ عَلى حَذْفٍ مُضافٍ، أيْ: كَمَثَلِ الأعْمى، وهَذا التَّشْبِيهُ تَشْبِيهُ مَعْقُولٍ بِمَحْسُوسٍ، فَأعْمى البَصِيرَةِ: أصَمُّها، شُبِّهَ بِأعْمى البَصَرِ أصَمُّ السَّمْعِ، ذَلِكَ في ظُلُماتِ الضَّلالاتِ مُتَرَدِّدٌ تائِهٌ، وهَذا في الطُّرُقاتِ مُحَيَّرٌ لا يَهْتَدِي إلَيْها. وجاءَ (أفَلا تَذَكَّرُونَ) لِيُنَبِّهَ عَلى أنَّهُ يُمْكِنُ زَوالُ هَذا العَمى وهَذا الصَّمَمُ المَعْقُولُ، فَيَجِبُ عَلى العاقِلِ أنْ يَتَذَكَّرَ ما هو فِيهِ، ويَسْعى في هِدايَةِ نَفْسِهِ. وانْتَصَبَ مَثَلًا عَلى التَّمْيِيزِ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا، انْتَهى. وفِيهِ بُعْدٌ، والظّاهِرُ: التَّمْيِيزُ وأنَّهُ مَنقُولٌ مِنَ الفاعِلِ، أصْلُهُ: هَلْ يَسْتَوِي مَثَلاهُما. ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا نُوحًا إلى قَوْمِهِ إنِّي لَكم نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ ﴿أنْ لا تَعْبُدُوا إلّا اللَّهَ إنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ ألِيمٍ﴾ ﴿فَقالَ المَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ ما نَراكَ إلّا بَشَرًا مِثْلَنا وما نَراكَ اتَّبَعَكَ إلّا الَّذِينَ هم أراذِلُنا بادِيَ الرَّأْيِ وما نَرى لَكم عَلَيْنا مِن فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكم كاذِبِينَ﴾: هَذِهِ السُّورَةُ في قَصَصِها شَبِيهَةٌ بِسُورَةِ الأعْرافِ، بُدِئَ فِيها بِـ نُوحٍ، ثُمَّ بِهُودٍ، ثُمَّ بِصالِحٍ، ثُمَّ بِلُوطٍ، مُقَدَّمًا عَلَيْهِ إبْراهِيمُ بِسَبَبِ قَوْمِ لُوطٍ، ثُمَّ بِشُعَيْبٍ، ثُمَّ بِـ مُوسى وهارُونَ، صَلّى اللَّهُ عَلى نَبِيِّنا وعَلَيْهِمْ أجْمَعِينَ. وذَكَرُوا وُجُوهَ حِكَمٍ وفَوائِدَ لِتَكْرارِ هَذِهِ القَصَصِ في القُرْآنِ. وقَرَأ النَّحْوِيّانِ وابْنُ كَثِيرٍ: أنِّي بِفَتْحِ الهَمْزَةِ أيْ: بِأنِّي، وباقِي السَّبْعَةِ: بِكَسْرِها عَلى إضْمارِ القَوْلِ. وقالَ أبُو عَلِيٍّ في قِراءَةِ الفَتْحِ: خُرُوجٌ مِنَ الغَيْبَةِ إلى المُخاطَبَةِ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وفي هَذا نَظَرٌ، وإنَّما هي حِكايَةُ مُخاطَبَةٍ لِقَوْمِهِ، ولَيْسَ هَذا حَقِيقَةَ الخُرُوجِ مِن غَيْبَةٍ إلى مُخاطَبَةٍ، ولَوْ كانَ الكَلامُ: أنْ أنْذِرْهم أوْ نَحْوَهُ لَصَحَّ ذَلِكَ، انْتَهى. * * ﴿ألّا تَعْبُدُوا إلّا اللَّهَ﴾ [هود: ٢]: ظاهِرٌ في أنَّهم كانُوا يَعْبُدُونَ الأوْثانَ كَما جاءَ مُصَرَّحًا في غَيْرِ هَذِهِ السُّورَةِ، وأنْ بَدَلٌ مِن أيْ لَكم في قِراءَةِ مَن فَتَحَ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ أنِ المُفَسِّرَةَ. وأمّا في قِراءَةِ مَن كَسَرَ فَيُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ المُفَسِّرَةَ، والمُراعى قَبْلَها: إمّا أرْسَلْنا وإمّا نَذِيرٌ مُبِينٌ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مَعْمُولَةً لَأرْسَلْنا أيْ: بِأنْ لا تَعْبُدُوا إلّا اللَّهَ، وإسْنادُ الألَمِ إلى اليَوْمِ مَجازٌ لِوُقُوعِ الألَمِ فِيهِ لا بِهِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): فَإذا وُصِفَ بِهِ العَذابُ ؟ (قُلْتُ): مَجازِيٌّ مِثْلُهُ، لِأنَّ الألِيمَ في الحَقِيقَةِ هو المُعَذِّبُ، ونَظِيرُهُما قَوْلُكُ: نَهارُهُ صائِمٌ، انْتَهى. وهَذا عَلى أنْ يَكُونَ (ألِيمٍ) صِفَةَ مُبالَغَةٍ مِن ألِمَ، وهو: مَن كَثُرَ ألَمُهُ. فَإنْ كانَ ألِيمٍ بِمَعْنى: مُؤْلِمٍ، فَنِسْبَتُهُ لِلْيَوْمِ مَجازٌ، ولِلْعَذابِ حَقِيقَةٌ لَمّا أنْذَرَهم مِن عَذابِ اللَّهِ وأمَرَهم بِإفْرادِهِ بِالعِبادَةِ، وأخْبَرَ أنَّهُ رَسُولٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ، ذَكَرُوا أنَّهُ مُماثِلُهم في البَشَرِيَّةِ، واسْتَبْعَدُوا أنْ يَبْعَثَ اللَّهُ رَسُولًا مِنَ البَشَرِ، وكَأنَّهم ذَهَبُوا إلى مَذْهَبِ البَراهِمَةِ الَّذِينَ يُنْكِرُونَ نُبُوَّةَ البَشَرِ عَلى الإطْلاقِ، ثُمَّ عَيَّرُوهُ بِأنَّهُ لَمْ يَتَّبِعْهُ إلّا الأراذِلُ أيْ: فَنَحْنُ لا نُساوِيهِمْ، ثُمَّ نَفَوْا أنْ يَكُونَ لَهُ عَلَيْهِمْ فَضْلٌ أيْ: أنْتَ مُساوِينا في البَشَرِيَّةِ ولا فَضْلَ لَكَ عَلَيْنا، فَكَيْفَ امْتَزْتَ بِأنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ ؟ . وفِي قَوْلِهِ: ﴿إلّا الَّذِينَ هم أراذِلُنا﴾: مُبالَغَةٌ في الإخْبارِ، وكَأنَّهُ مُؤْذِنٌ بِتَأْكِيدِ حَصْرِ مَنِ اتَّبَعَهُ، وأنَّهم هُمُ الأراذِلُ لَمْ يَشْرَكْهم شَرِيفٌ في ذَلِكَ. وفي الحَدِيثِ إنَّهم كانُوا حاكَةً وحَجّامِينَ وقالَ النَّحّاسُ: هُمُ الفُقَراءُ والَّذِينَ لا حَسَبَ لَهم، والخَسِيسُوا الصِّناعاتِ. وفِي حَدِيثِ هِرَقْلَ: أشْرافُ النّاسِ اتَّبَعُوهُ أمْ ضُعَفاؤُهم ؟ فَقالَ: بَلْ ضُعَفاؤُهم، فَقالَ: هم أتْباعُ الرُّسُلِ قَبْلُ وإنَّما كانَ كَذَلِكَ لِاسْتِيلاءِ الرِّئاسَةِ عَلى الأشْرافِ، وصُعُوبَةِ الِانْفِكاكِ عَنْها، والأنَفَةِ مِنَ الِانْقِيادِ لِغَيْرِهِمْ، والفَقِيرُ خَلِيٌّ عَنْ تِلْكَ المَوانِعِ فَهو سَرِيعٌ إلى الإجابَةِ والِانْقِيادِ. (ونَراكَ): يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ بَصَرِيَّةً، وأنْ تَكُونَ عِلْمِيَّةً. قالُوا: وأراذِلُ: جَمْعُ الجَمْعِ، فَقِيلَ: جَمْعُ أرْذُلٍ كَكَلْبٍ وأكْلُبٍ وأكالِبٍ. وقِيلَ: جَمْعُ أرْذالٍ، وقِياسُهُ أراذِيلُ. والظّاهِرُ أنَّهُ جَمْعُ أرْذَلَ الَّتِي هي أفْعَلُ التَّفْضِيلِ، وجاءَ جَمْعًا كَما جاءَ: أكابِرَ مُجْرِمِيها (p-٢١٥)وأحاسِنُكم أخْلاقًا. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ما نَراكَ إلّا بَشَرًا مِثْلَنا، تَعْرِيضٌ بِأنَّهم أحَقُّ مِنهُ بِالنُّبُوَّةِ، وأنَّ اللَّهَ لَوْ أرادَ أنْ يَجْعَلَها في أحَدٍ مِنَ البَشَرِ لَجَعَلَها فِيهِمْ، فَقالُوا: هَبْ أنَّكَ واحِدٌ مِنَ المَلَأِ ومُوازِيهِمْ في المَنزِلَةِ، فَما جَعَلَكَ أحَقَّ مِنهم ؟ ألا تَرى إلى قَوْلِهِمْ: ﴿وما نَرى لَكم عَلَيْنا مِن فَضْلٍ﴾، أوْ أرادُوا أنَّهُ كانَ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ مَلَكًا لا بَشَرًا، ولا يَظْهَرُ ما قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ مِنَ الآيَةِ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو و عِيسى الثَّقَفِيُّ: (بادِئَ الرَّأْيِ) مِن بَدَأ يَبْدَأُ ومَعْناهُ: أوَّلُ الرَّأْيِ. وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ: بادِي بِالياءِ مِن بَدا يَبْدُو، ومَعْناهُ: ظاهِرُ الرَّأْيِ. وقِيلَ: بادِي بِالياءِ مَعْناهُ: بادِئٌ بِالهَمْزِ، فَسُهِّلَتِ الهَمْزَةُ بِإبْدالِها ياءً لِكَسْرِ ما قَبْلِها. وذَكَرُوا أنَّهُ مَنصُوبٌ عَلى الظَّرْفِ، والعامِلُ فِيهِ نَراكَ أوِ اتَّبَعَكَ أوْ أراذِلُنا أيْ: وما نَراكَ فِيما يَظْهَرُ لَنا مِنَ الرَّأْيِ، أوْ في أوَّلِ رَأْيِنا، أوْ وما نَراكَ اتَّبَعَكَ أوَّلَ رَأْيِهِمْ، أوْ ظاهِرُ رَأْيِهِمْ. واحْتَمَلَ هَذا الوَجْهُ مَعْنَيَيْنِ: أحَدُهُما: أنْ يُرِيدَ: اتَّبَعَكَ في ظاهِرِ أمْرِهِمْ، وعَسى أنْ تَكُونَ بَواطِنُهم لَيْسَتْ مَعَكَ. والمَعْنى الثّانِي: أنْ يُرِيدَ: اتَّبَعُوكَ بِأوَّلِ نَظَرٍ وبِالرَّأْيِ البادِئِ دُونَ تَعَقُّبٍ، ولَوْ تَثَبَّتُوا لَمْ يَتَّبِعُوكَ، وفي هَذا الوَجْهِ ذَمُّ الرَّأْيِ غَيْرِ المَرْوِيِّ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: اتَّبَعُوكَ أوَّلَ الرَّأْيِ، أوْ ظاهِرَ الرَّأْيِ، وانْتِصابُهُ عَلى الظَّرْفِ أصْلُهُ وقْتَ حُدُوثِ أوَّلِ أمْرِهِمْ، أوْ وقْتَ حُدُوثِ ظاهِرِ رَأْيِهِمْ، فَحُذِفَ ذَلِكَ، وأُقِيمَ المُضافُ إلَيْهِ مَقامَهُ، أرادُوا: أنَّ اتِّباعَهم لَكَ إنَّما هو شَيْءٌ عَنَّ لَهم بَدِيهَةً مِن غَيْرِ رَوِيَّةٍ ونَظَرٍ، انْتَهى. وكَوْنُهُ مَنصُوبًا عَلى الظَّرْفِ هو قَوْلُ أبِي عَلِيٍّ في الحُجَّةِ، وإنَّما حَمَلَهُ عَلى الظَّرْفِ ولَيْسَ بِزَمانٍ ولا مَكانٍ، لِأنَّ في مُقَدَّرَةٌ فِيهِ أيْ: في ظاهِرِ الأمْرِ، أوْ في أوَّلِ الأمْرِ. وعَلى هَذَيْنِ التَّقْدِيرَيْنِ أعْنِي أنْ يَكُونَ العامِلُ فِيهِ: نَراكَ، أوِ اتَّبَعَكَ، يَقْتَضِي أنْ لا يَجُوزَ ذَلِكَ، لِأنَّ ما بَعْدَ إلّا لا يَكُونُ مَعْمُولًا لِما قَبْلَها، إلّا إنْ كانَ مُسْتَثْنًى مِنهُ نَحْوَ: قامَ إلّا زَيْدًا القَوْمُ، أوْ مُسْتَثْنًى نَحْوَ: جاءَ القَوْمُ إلّا زَيْدًا، أوْ تابِعًا لِلْمُسْتَثْنى مِنهُ نَحْوَ: ما جاءَنِي أحَدٌ إلّا زَيْدٌ أخْبَرَنِي عَمْرٌو، وبادِئَ الرَّأْيِ لَيْسَ واحِدًا مِن هَذِهِ الثَّلاثَةِ. وأُجِيبَ بِأنَّهُ ظَرْفٌ، أوْ كالظَّرْفِ مِثْلَ: جُهْدَ رَأْيٍ إنَّكَ ذاهِبٌ، أيْ: إنَّكَ ذاهِبٌ في جُهْدِ رَأْيٍ، والظُّرُوفِ يُتَّسَعُ فِيها. وإذا كانَ العامِلُ أراذِلُنا فَمَعْناهُ: الَّذِينَ هم أراذِلُنا بِأقَلِّ نَظَرٍ فِيهِمْ، وبِبادِئِ الرَّأْيِ يُعْلَمُ ذَلِكَ مِنهم. وقِيلَ: ﴿بادِيَ الرَّأْيِ﴾: نَعْتٌ لِقَوْلِهِ: (بَشَرًا) . وقِيلَ: انْتَصَبَ حالًا مِن ضَمِيرِ نُوحٍ في اتَّبَعَكَ، أيْ: وأنْتَ مَكْشُوفُ الرَّأْيِ لا حَصافَةَ لَكَ. وقِيلَ: انْتَصَبَ عَلى النِّداءِ لِـ نُوحٍ أيْ: يا بادِيَ الرَّأْيِ، أيْ: ما في نَفْسِكَ مِنَ الرَّأْيِ ظاهِرٌ لِكُلِّ أحَدٍ، قالُوا ذَلِكَ تَعْجِيزًا لَهُ. وقِيلَ: انْتَصَبَ عَلى المَصْدَرِ، وجاءَ الظَّرْفُ والمَصْدَرُ عَلى فاعِلٍ، ولَيْسَ بِالقِياسِ. فالرَّأْيُ هُنا إمّا مِن رُؤْيَةِ العَيْنِ، وإمّا مِنَ الفِكْرِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وإنَّما اسْتَرْذَلُوا المُؤْمِنِينَ لِفَقْرِهِمْ وتَأخُّرِهِمْ في الأسْبابِ الدُّنْيَوِيَّةِ، لِأنَّهم كانُوا جُهّالًا ما كانُوا يَعْلَمُونَ إلّا ظاهِرًا مِنَ الحَياةِ الدُّنْيا، فَكانَ الأشْرَفُ عِنْدَهم مَن لَهُ جاهٌ ومالٌ، انْتَهى. وظاهِرُ الخِطابِ في لَكم شامِلٌ لِـ نُوحٍ ومَنِ اتَّبَعَهُ، والمَعْنى: لَيْسَ لَكم عَلَيْنا زِيادَةٌ في مالٍ، ونَسَبٍ، ولا دِينٍ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: في الخَلْقِ والخُلُقِ، وقِيلَ: بِكَثْرَةِ المُلْكِ والمِلْكِ، وقِيلَ: بِمُتابَعَتِكم نُوحًا ومُخالَفَتِكم لَنا، وقِيلَ: مِن شَرَفٍ يُؤَهِّلُكم لِلنُّبُوَّةِ، وقالَ الكَلْبِيُّ: نَظُنُّكم: نَتَيَقَّنُكم، وقالَ مُقاتِلٌ: نَحْسَبُكم، أيْ في دَعْوى نُوحٍ وتَصْدِيقِكم، وقالَ صاحِبُ العِتِيّانِ: بَلْ نَظُنُّكم كاذِبِينَ تَوَسُّلًا إلى الرِّئاسَةِ والشُّهْرَةِ.

هود 11:18

﴿أفَمَن كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ ويَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنهُ ومِن قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى إمامًا ورَحْمَةً أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ ومَن يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الأحْزابِ فالنّارُ مَوْعِدُهُ فَلا تَكُ في مِرْيَةٍ مِنهُ إنَّهُ الحَقُّ مِن رَبِّكَ ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يُؤْمِنُونَ﴾: لَمّا ذَكَرَ حالَ مَن يُرِيدُ الحَياةَ الدُّنْيا، ذَكَرَ حالَ مَن يُرِيدُ وجْهَ اللَّهِ تَعالى بِأعْمالِهِ الصّالِحَةِ، وحُذِفَ المُعادِلُ الَّذِي دَخَلَتْ عَلَيْهِ الهَمْزَةُ والتَّقْدِيرُ: كَمَن يُرِيدُ الحَياةَ الدُّنْيا. وكَثِيرًا ما حُذِفَ في القُرْآنِ كَقَوْلِهِ: ﴿أفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا﴾ [فاطر: ٨] وقَوْلِهِ: ﴿أمْ مَن هو قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ﴾ [الزمر: ٩] وهَذا اسْتِفْهامٌ مَعْناهُ: التَّقْرِيرُ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أيْ: لا تَعْقِبُونَهم في المَنزِلَةِ ولا تُفارِقُونَهم، يُرِيدُ أنَّ بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ تَفاوُتًا بَعِيدًا وتَبايُنًا بَيِّنًا، وأرادَ بِهِمْ مَن آمَنَ مِنَ اليَهُودِ كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ وغَيْرِهِ، كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ أيْ: عَلى بُرْهانٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى، وبَيانٍ أنَّ دِينَ الإسْلامِ حَقٌّ وهو دَلِيلُ العَقْلِ ويَتْلُوهُ، ويَتْبَعُ ذَلِكَ البُرْهانَ شاهِدٌ مِنهُ، أيْ: شاهِدٌ يَشْهَدُ بِصِحَّتِهِ، وهو القُرْآنُ مِنهُ مِنَ اللَّهِ، أوْ شاهِدٌ مِنَ القُرْآنِ ومِن قَبْلِهِ: ومِن قَبْلِ القُرْآنِ كِتابُ مُوسى وهو: التَّوْراةُ، أيْ: ويَتْلُو ذَلِكَ أيْضًا مِن قَبْلِ القُرْآنِ كِتابُ مُوسى. وقُرِئَ: (كِتابَ مُوسى) بِالنَّصْبِ، ومَعْناهُ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ وهو الدَّلِيلُ عَلى أنَّ القُرْآنَ حَقٌّ، ويَتْلُوهُ ويَقْرَأُ القُرْآنَ شاهِدٌ مِنهُ، شاهِدٌ مِمَّنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ كَقَوْلِهِ: ﴿وشَهِدَ شاهِدٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ عَلى مِثْلِهِ﴾ [الأحقاف: ١٠] ﴿قُلْ كَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وبَيْنَكم ومَن عِنْدَهُ عِلْمُ الكِتابِ﴾ [الرعد: ٤٣] . ﴿ومِن قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى﴾: ويَتْلُوهُ ومِن قَبْلِ التَّوْراةِ، إمامًا: كِتابًا مُؤْتَمًّا في الدِّينِ قُدْوَةً فِيهِ، انْتَهى. وقِيلَ في ﴿أفَمَن كانَ﴾: المُؤْمِنُونَ بِالرَّسُولِ، (p-٢١١)وقِيلَ: مُحَمَّدٌ ﷺ خاصَّةً. وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ وابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ ومُجاهِدٌ والضَّحّاكُ: مُحَمَّدٌ والمُؤْمِنُونَ جَمِيعًا، والبَيِّنَةُ: القُرْآنُ أوِ الرَّسُولُ، والهاءُ لِلْمُبالَغَةِ. والشّاهِدُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ والنَّخَعِيُّ ومُجاهِدٌ والضَّحّاكُ وأبُو صالِحٍ وعِكْرِمَةُ: هو جِبْرِيلُ. وقالَ الحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ: هو الرَّسُولُ. وقالَ أيْضًا مُجاهِدٌ: هو مَلَكٌ وكَّلَهُ اللَّهُ بِحِفْظِ القُرْآنِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِهَذِهِ الألْفاظِ: جِبْرِيلَ، وقِيلَ: وعَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ. ورَوى المِنهالُ عَنْ عُبادَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ وجْهَهُ: ما في قُرَيْشٍ أحَدٌ إلّا وقَدْ نَزَلَتْ فِيهِ آيَةٌ قِيلَ: فَما نَزَلَ فِيكَ ؟ قالَ: ﴿ويَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنهُ﴾، وبِهِ قالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ. وقِيلَ: هو الإنْجِيلُ قالَهُ: الفَرّاءُ. وقِيلَ: هو القُرْآنُ، وقِيلَ: هو إعْجازُ القُرْآنِ، قالَهُ الحُسَيْنُ بْنُ الفَضْلِ، وقِيلَ: صُورَةُ الرَّسُولِ ﷺ ووَجْهُهُ ومَخايِلُهُ، لِأنَّ كُلَّ عاقِلٍ نَظَرَ إلَيْهِ عَلِمَ أنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . وقِيلَ: وأبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، والضَّمِيرُ في مِنهُ يَعُودُ إلى الدِّينِ، أوْ إلى الرَّسُولِ، أوْ إلى القُرْآنِ. ويَتْلُوهُ: بِمَعْنى يَتْبَعُهُ، أوْ يَقْرَؤُهُ، والضَّمِيرُ المَرْفُوعُ في يَتْلُوهُ والمَنصُوبُ والمَجْرُورُ في مِنهُ، يَتَرَتَّبُ عَلى ما يُناسِبُهُ كُلُّ قَوْمٍ مِن هَذِهِ. وقَرَأ مُحَمَّدُ بْنُ السّائِبِ الكَلْبِيُّ وغَيْرُهُ: ﴿كِتابُ مُوسى﴾ بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلى مَفْعُولِ يَتْلُوهُ، أوْ بِإضْمارِ فِعْلٍ. وإذا لَمْ يُعْنَ بِالشّاهِدِ الإنْجِيلُ فَإنَّما خَصَّ التَّوْراةَ بِالذِّكْرِ، لِأنَّ المِلَّتَيْنِ مُجْتَمِعَتانِ عَلى أنَّها مِن عِنْدِ اللَّهِ، والإنْجِيلُ يُخالِفُ فِيهِ اليَهُودُ، فَكانَ الِاسْتِشْهادُ بِما تَقُومُ بِهِ الحُجَّةُ عَلى الفَرِيقَيْنِ أوْلى. وهَذا يَجْرِي مَعَ قَوْلِ الجِنِّ: ﴿إنّا سَمِعْنا كِتابًا أُنْزِلَ مِن بَعْدِ مُوسى﴾ [الأحقاف: ٣٠] ومَعَ قَوْلِ النَّجاشِيِّ: إنَّ هَذا والَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى لَيَخْرُجُ مِن مِشْكاةٍ واحِدَةٍ. وانْتَصَبَ إمامًا عَلى الحالِ، والَّذِي يَظْهَرُ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ، أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ الكُفّارَ وأنَّهم لَيْسَ لَهم إلّا النّارُ، أعْقَبَ بِضِدِّهِمْ وهُمُ المُؤْمِنُونَ، وهُمُ الَّذِينَ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِمْ، والشّاهِدُ: القُرْآنُ، ومِنهُ عائِدٌ عَلى رَبِّهِ. ويَدُلُّ عَلى أنَّ الشّاهِدَ القُرْآنُ ذِكْرُ قَوْلِهِ: (ومِن قَبْلِهِ)، أيْ: ومِن قَبْلِ القُرْآنِ كِتابُ مُوسى، فَمَعْناهُ: أنَّهُ تَظافَرَ عَلى هِدايَتِهِ شَيْئانِ: كَوْنُهُ عَلى أمْرٍ واضِحٍ مِن بُرْهانِ العَقْلِ، وكَوْنُهُ يُوافِقُ ذَلِكَ البُرْهانُ هَذَيْنِ الكِتابَيْنِ الإلَهِيَّيْنِ: القُرْآنَ والتَّوْراةَ، فاجْتَمَعَ لَهُ العَقْلُ والنَّقْلُ. والإشارَةُ بِأُولَئِكَ: إلى مَن كانَ عَلى بَيِّنَةٍ، راعى مَعْنى مَعَ فَجَمَعَ، والضَّمِيرُ في بِهِ يَعُودُ إلى التَّوْراةِ، أوْ إلى القُرْآنِ، أوْ إلى الرَّسُولِ، ثَلاثَةُ أقْوالٍ. والأحْزابُ جَمِيعُ المِلَلِ قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ، أوِ اليَهُودُ والنَّصارى، قالَهُ قَتادَةُ، أوْ قُرَيْشٌ، قالَهُ السُّدِّيُّ، أوْ بَنُو أُمَيَّةَ وبَنُو المُغِيرَةِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ المَخْزُومِيِّ، وآلُ أبِي طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ، قالَهُ مُقاتِلٌ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَعْنِي أهْلَ مَكَّةَ ومَن ضامَّهم مِنَ المُتَحَزِّبِينَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، انْتَهى. ﴿فالنّارُ مَوْعِدُهُ﴾ أيْ: مَكانُ وعْدِهِ الَّذِي يَصِيرُونَ إلَيْهِ. وقالَ حَسّانُ: أوْرَدْتُمُونا حِياضَ المَوْتِ ضاحِيَةً فالنّارُ مَوْعِدُها والمَوْتُ لاقِيها والضَّمِيرُ في مِنهُ عائِدٌ عَلى القُرْآنِ، وقِيلَ: عَلى الخَبَرِ، بِأنَّ الكُفّارَ مَوْعِدُهُمُ النّارُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (في مِرْيَةٍ) بِكَسْرِ المِيمِ، وهي لُغَةُ الحِجازِ. وقَرَأ السُّلَمِيُّ وأبُو رَجاءٍ وأبُو الخَطّابِ السُّدُوسِيُّ والحَسَنُ: بِضَمِّها، وهي لُغَةُ أسَدٍ وتَمِيمٍ، والنّاسُ: أهْلُ مَكَّةَ قالَهُ: ابْنُ عَبّاسٍ، أوْ: جَمِيعُ الكُفّارِ مِن شاكٍّ وجاهِلٍ ومُعانِدٍ قالَهُ: صاحِبُ العِقْيانِ. ﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا أُولَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلى رَبِّهِمْ ويَقُولُ الأشْهادُ هَؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلى رَبِّهِمْ ألا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلى الظّالِمِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ويَبْغُونَها عِوَجًا وهم بِالآخِرَةِ هم كافِرُونَ﴾ ﴿أُولَئِكَ لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ في الأرْضِ وما كانَ لَهم مِن دُونِ اللَّهِ مِن أوْلِياءَ يُضاعَفُ لَهُمُ العَذابُ ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وما كانُوا يُبْصِرُونَ﴾ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم وضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ ﴿لا جَرَمَ أنَّهم في الآخِرَةِ هُمُ الأخْسَرُونَ﴾: (p-٢١٢)لَمّا سَبَقَ قَوْلُهم: ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ﴾ [هود: ١٣]، ذَكَرَ أنَّهُ لا أحَدَ أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا، وهُمُ المُفْتَرُونَ الَّذِينَ نَسَبُوا إلى اللَّهِ الوَلَدَ، واتَّخَذُوا مَعَهُ آلِهَةً، وحَرَّمُوا وحَلَّلُوا مِن غَيْرِ شَرْعِ اللَّهِ، وعَرْضُهم عَلى اللَّهِ بِمَعْنى: التَّشْهِيرِ لِخِزْيِهِمْ والإشارَةِ بِكَذِبِهِمْ، وإلّا فالطّائِعُ والعاصِي يُعْرَضُونَ عَلى اللَّهِ ﴿وعُرِضُوا عَلى رَبِّكَ صَفًّا﴾ [الكهف: ٤٨] والأشْهادُ: جَمْعُ شاهِدٍ، كَصاحِبٍ وأصْحابٍ، أوْ جَمْعُ شَهِيدٍ كَشَرِيفٍ وأشْرافٍ، والأشْهادُ: المَلائِكَةُ الَّذِينَ يَحْفَظُونَ عَلَيْهِمْ أعْمالَهم في الدُّنْيا، أوِ الأنْبِياءُ، أوْ هُما المُؤْمِنُونَ، أوْ ما يَشْهَدُ عَلَيْهِمْ مِن أعْضائِهِمْ أقْوالٌ. وفي قَوْلِهِ: (هَؤُلاءِ): إشارَةٌ إلى تَحْقِيرِهِمْ وإصْغارِهِمْ بِسُوءِ مُرْتَكَبِهِمْ. وفِي قَوْلِهِ: (عَلى رَبِّهِمْ) أيْ: عَلى مَن يُحْسِنُ إلَيْهِمْ ويَمْلِكُ نَواصِيَهم، وكانُوا جَدِيرِينَ أنْ لا يَكْذِبُوا عَلَيْهِ، وهَذا كَما تَقُولُ إذا رَأيْتَ مُجْرِمًا: هَذا الَّذِي فَعَلَ كَذا وكَذا. وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ الجُمْلَةِ بَعْدَ هَذا. وهم: تَأْكِيدٌ لِقَوْلِهِ: وهم، وقَوْلُهُ: (مُعْجِزِينَ)، أيْ: كانُوا لا يُعْجِزُونَ اللَّهَ في الدُّنْيا أنْ يُعاقِبَهم لَوْ أرادَ عِقابَهم، وما كانَ لَهم مَن يَنْصُرُهم ويَمْنَعُهم مِنَ العِقابِ، ولَكِنَّهُ أرادَ إنْظارَهم وتَأْخِيرَ عِقابِهِمْ إلى هَذا اليَوْمِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وهو كَلامُ الأشْهادِ يَعْنِي: أنَّ كَلامَهم مِن قَوْلِهِمْ: هَؤُلاءِ إلى آخِرِ هَذِهِ الجُمْلَةِ الَّتِي هي وما كانَ لَهم مِن دُونِ اللَّهِ مِن أوْلِياءَ. وقَدْ يَظْهَرُ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ألا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلى الظّالِمِينَ﴾: مِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى لا عَلى سَبِيلِ الحِكايَةِ، ويَدُلُّ لِقَوْلِ الزَّمَخْشَرِيِّ قَوْلُهُ: ﴿فَأذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهم أنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلى الظّالِمِينَ﴾ [الأعراف: ٤٤] الآيَةَ، فَكَما أنَّهُ مِن كَلامِ المَخْلُوقِينَ في تِلْكَ الآيَةِ، فَكَذَلِكَ هُنا يُضاعَفُ لَهُمُ العَذابُ: يُشَدَّدُ ويَكْثُرُ، وهَذا اسْتِئْنافُ إخْبارٍ عَنْ حالِهِمْ في الآخِرَةِ، لِأنَّهم جَمَعُوا إلى الكُفْرِ بِالبَعْثِ الكَذِبَ عَلى اللَّهِ، وصَدَّ عِبادِهِ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ، وبَغْيَ العِوَجِ لَها، وهي الطَّرِيقَةُ المُسْتَقِيمَةُ. ﴿ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ﴾: إخْبارٌ عَنْ حالِهِمْ في الدُّنْيا عَلى سَبِيلِ المُبالَغَةِ يَعْنِي: السَّمْعَ لِلْقُرْآنِ، ولِما جاءَ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ . ﴿وما كانُوا يُبْصِرُونَ﴾ أيْ: يَنْظُرُونَ إلَيْهِ لِبُغْضِهِمْ فِيهِ. ألا تَرى إلى حَشْوِ الطُّفَيْلِ بْنِ عَمْرٍو أُذُنَيْهِ مِنَ الكُرْسُفِ، وإبايَةِ قُرَيْشٍ أنْ يَسْمَعُوا ما نُقِلَ إلَيْهِمْ مِن كَلامِ الرَّسُولِ حَتّى تَرُدَّهم عَنْ ذَلِكَ مَشْيَخَتُهم ؟ أوْ إخْبارٌ عَنْ حالِهِمْ إذا ضُعِّفَ لَهُمُ العَذابُ أيْ: أنَّهُ تَعالى حَتَمَّ عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ، فَهم لا يَسْمَعُونَ لِذَلِكَ سَماعًا يَنْتَفِعُونَ بِهِ، ولا يُبْصِرُونَ لِذَلِكَ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ في كانُوا عائِدٌ عَلى أوْلِياؤُهم: آلِهَتُهم أيْ: فَما كانَ لَهم في الحَقِيقَةِ مِن أوْلِياءَ وإنْ كانُوا يَعْتَقِدُونَ أنَّهم أوْلِياءُ. ويَعْنِي أنَّهُ مَن لا يَسْتَطِيعُ أنْ يَسْمَعَ ولا يُبْصِرَ فَكَيْفَ يَصْلُحُ لِلْوِلايَةِ ؟ ويَكُونُ ﴿يُضاعَفُ لَهُمُ العَذابُ﴾ اعْتِراضًا، وما عَلى هَذِهِ الأقْوالِ نَفْيٌ. وقِيلَ: ما مَصْدَرِيَّةٌ أيْ: يُضاعَفُ لَهُمُ العَذابُ مُدَّةَ اسْتِطاعَتِهِمُ السَّمْعَ وإبْصارِهِمْ، والمَعْنى: أنَّ العَذابَ وتَضْعِيفَهُ دائِمٌ لَهم مُتَمادٍ. وأجازَ الفَرّاءُ أنْ تَكُونَ ما مَصْدَرِيَّةً، وحُذِفَ حَرْفُ الجَرِّ مِنها كَما يُحْذَفُ مَعَ أنْ وإنْ أُخْتَيْها، وهَذا فِيهِ بُعْدٌ في اللَّفْظِ وفي المَعْنى. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أرادَ أنَّهم لِفَرْطِ تَصامِّهِمْ عَنِ اتِّباعِ الحَقِّ وكَراهَتِهِمْ لَهُ كَأنَّهم لا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ، ولَعَلَّ بَعْضَ المُجْبِرَةِ يَتَوَثَّبُ إذا عَثَرَ عَلَيْهِ فَيُوَعْوِعُ بِهِ عَلى أهْلِ العَدْلِ، كَأنَّهُ لَمْ يَسْمَعِ النّاسَ يَقُولُونَ في كُلِّ لِسانٍ: هَذا الكَلامُ لا أسْتَطِيعُ أسْمَعُهُ، وهَذا مِمّا يَمُجُّهُ سَمْعِي، انْتَهى. يَعْنِي: أنَّهُ يُمْكِنُ أنْ يُسْتَدَلَّ بِهِ عَلى أنَّ العَبْدَ لا قُدْرَةَ لَهُ، لِأنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ نَفى عَنْهُ اسْتِطاعَةَ السَّمْعِ، وإذا انْتَفَتْ الِاسْتِطاعَةُ مِنهُ انْتَفَتْ قُدْرَتُهُ. والزَّمَخْشَرِيُّ عَلى عادَتِهِ في السَّفَهِ عَلى أهْلِ السُّنَّةِ وخُسْرانِهِمْ أنْفُسِهِمْ، لِكَوْنِهِمُ اشْتَرَوْا عِبادَةَ الآلِهَةِ بِعِبادَةِ اللَّهِ تَعالى، فَخَسِرُوا في تِجارَتِهِمْ خُسْرانًا لا خُسْرانَ أعْظَمُ مِنهُ. وهُوَ عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ: راحَةُ أوْ سَعادَةُ أنْفُسِهِمْ، وإلّا فَأنْفُسُهم باقِيَةٌ مُعَذَّبَةٌ. وبَطَلَ عَنْهم ما افْتَرَوْهُ مِن عِبادَةِ الآلِهَةِ، وكَوْنِهِمْ يَعْتَقِدُونَ شَفاعَتَها إذا رَأوْا أنَّها لا تَشْفَعُ ولا تَنْفَعُ. لا جَرَمَ: مَذْهَبُ الخَلِيلِ وسِيبَوَيْهِ أنَّهُما رُكِّبا مِن: لا وجَرَمَ وبُنِيا، والمَعْنى: حَقَّ، وما بَعْدَهُ رُفِعَ بِهِ عَلى الفاعِلِيَّةِ (p-٢١٣)وقالَ الحَوْفِيُّ: جَرَمَ مَنفِيٌّ بِلا بِمَعْنى: حَقَّ، وهو مَبْنِيٌّ مَعَ لا في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِداءِ، وأنَّهم في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى خَبَرِ جَرَمَ. وقالَ قَوْمٌ: إنَّ جَرَمَ مَبْنِيَّةٌ مَعَ لا عَلى الفَتْحِ نَحْوَ قَوْلِكَ: لا رَجُلَ، ومَعْناها: لا بُدَّ ولا مَحالَةَ. وقالَ الكِسائِيُّ: مَعْناها: لا ضِدَّ ولا مَنعَ، فَتَكُونُ اسْمَ لا وهي مَبْنِيَّةٌ عَلى الفَتْحِ كالقَوْلِ الَّذِي قَبْلَهُ، وتَكُونُ جَرَمَ هُنا مِن مَعْنى القَطْعِ، نَقُولُ: جَرَمْتُ أيْ: قَطَعْتُ. وقالَ الزَّجّاجُ: لا تَرْكِيبَ بَيْنَهُما ولا رَدَّ عَلَيْهِمْ. ولِما تَقَدَّمَ مِن كُلِّ ما قَبْلَها مِمّا قالُوا: إنَّ الأصْنامَ تَنْفَعُهم. وجَرَمَ: فِعْلٌ ماضٍ مَعْناهُ: كَسَبَ، والفاعِلُ مُضْمَرٌ: أيَكْسِبُ هو أيْ: فِعْلُهم، وأنَّ وما بَعْدَها في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى المَفْعُولِ بِهِ، وجَرَمَ القَوْمَ: كاسَبَهم. وقالَ الشّاعِرُ: ؎نَصَبْنا رَأسَهُ في جِذْعِ نَخْلٍ بِما جَرَمَتْ يَداهُ وما اعْتَدَيْنا وقالَ آخَرُ: جَرِيمَةَ ناهِضٍ في رَأْسِ نِيقٍ تَرى لِعِظامِ ما جَمَعَتْ صَلِيبا ويُقالُ: لا جِرَمَ بِالكَسْرِ، ولا جَرَ: بِحَذْفِ المِيمِ. قالَ النَّحّاسُ: وزَعَمَ الكِسائِيُّ أنَّ فِيها أرْبَعَ لُغاتٍ: لا جَرَمَ، ولا عَنْ ذا جَرَمٍ، ولا أنْ ذا جَرَمٍ، قالَ: وناسٌ مِن فَزارَةَ يَقُولُونَ: لا جَرَمَ. وحَكى الفَرّاءُ فِيهِ لُغَتَيْنِ أُخْرَيَيْنِ، قالَ: بَنُو عامِرٍ يَقُولُونَ: لا ذا جَرَمٍ، وناسٌ مِنَ العَرَبِ يَقُولُونَ: لا جُرَمَ بِضَمِّ الجِيمِ. وقالَ الجُبّائِيُّ في نَوادِرِهِ: حُكِيَ عَنْ فَزارَةَ: لا جَرَ واللَّهِ لا أفْعَلُ ذاكَ، قالَ: ويُقالُ: لا ذا جَرَمٍ، ولا ذُو جَرَمٍ، ولا عَنْ ذا جَرَمٍ، ولا أنْ ذا جَرَمٍ، ولا أنْ جَرَمَ، ولا عَنْ جَرَمٍ، ولا ذا جَرَ واللَّهِ، بِغَيْرِ مِيمٍ: لا أفْعَلُ ذاكَ. وحَكى بَعْضُهم بِغَيْرِ لا جَرَمَ: أنَّكَ أنْتَ فَعَلْتَ ذاكَ، وعَنْ أبِي عَمْرٍو: لَأجْرَمَ أنَّ لَهُمُ النّارَ عَلى وزْنِ: لَأكْرَمَ، ولا جَرَ: حَذَفُوهُ لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمالِ كَما قالُوا: سَوْ تَرى يُرِيدُونَ: سَوْفَ تَرى. ولَمّا كانَ خُسْرانُ النَّفْسِ أعْظَمَ الخُسْرانِ، حُكِمَ عَلَيْهِمْ بِأنَّهم هُمُ الزّائِدُونَ في الخُسْرانِ عَلى كُلِّ خاسِرٍ مِن سِواهم مِنَ العُصاةِ مَآلُهُ إلى الرّاحَةِ، وإلى انْقِطاعِ خُسْرانِهِ بِخِلافِ هَؤُلاءِ، فَإنَّ خُسْرانَهم لا انْقِطاعَ لَهُ. ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ وأخْبَتُوا إلى رَبِّهِمْ أُولَئِكَ أصْحابُ الجَنَّةِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ ﴿مَثَلُ الفَرِيقَيْنِ كالأعْمى والأصَمِّ والبَصِيرِ والسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلًا أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾: لَمّا ذَكَرَ ما يَئُولُ إلَيْهِ الكُفّارُ مِنَ النّارِ، ذَكَرَ ما يَئُولُ إلَيْهِ المُؤْمِنُونَ مِنَ الجَنَّةِ، والفَرِيقانِ هُنا الكافِرُ والمُؤْمِنُ. ولَمّا كانَ تَقَدَّمَ ذِكْرُ الكُفّارِ وأُعْقِبَ بِذِكْرِ المُؤْمِنِينَ، جاءَ التَّمْثِيلُ هُنا مُبْتَدَأً بِالكافِرِ، فَقالَ: ﴿كالأعْمى والأصَمِّ﴾ . ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ مِن بابِ تَشْبِيهِ اثْنَيْنِ بِاثْنَيْنِ، فَقُوبِلَ الأعْمى بِالبَصِيرِ وهو طِباقٌ، وقُوبِلَ الأصَمُّ بِالسَّمِيعِ وهو طِباقٌ أيْضًا، والعَمى والصَّمَمُ: آفَتانِ تَمْنَعانِ مِنَ البَصَرِ والسَّمْعِ، ولَيْسَتا بِضِدَّيْنِ، لِأنَّهُ لا تَعاقُبَ بَيْنَهُما. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن تَشْبِيهٍ واحِدٍ بِوَصْفَيْهِ بِواحِدٍ بِوَصْفَيْهِ، فَيَكُونُ مِن عَطْفِ الصِّفاتِ كَما قالَ الشّاعِرُ: إلى المَلِكِ القَرْنِ وابْنِ الهُمامِ ولَيْثِ الكَرِيهَةِ في المُزْدَحَمْ ولَمْ يَجِئِ التَّرْكِيبُ: كالأعْمى والبَصِيرِ والأصَمِّ والسَّمِيعِ، فَيَكُونُ مُقابَلَةً في لَفْظِ الأعْمى وضِدِّهِ، وفي لَفْظَةِ الأصَمِّ وضِدِّهِ، لِأنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ انْسِدادَ العَيْنِ أتْبَعَهُ بِانْسِدادِ السَّمْعِ، ولَمّا ذَكَرَ انْفِتاحَ البَصَرِ أتْبَعَهُ بِانْفِتاحِ السَّمْعِ، وذَلِكَ هو الأُسْلُوبُ في المُقابَلَةِ، والأتَمُّ في الإعْجازِ. ويَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى نَظِيرُ (p-٢١٤)هَذِهِ المُقابَلَةِ في قَوْلِهِ في طَهَ: ﴿إنَّ لَكَ ألّا تَجُوعَ فِيها ولا تَعْرى﴾ [طه: ١١٨] ﴿وأنَّكَ لا تَظْمَأُ فِيها ولا تَضْحى﴾ [طه: ١١٩] واحْتُمِلَ أنْ تَكُونَ الكافُ نَفْسُها هي خَبَرُ المُبْتَدَأِ، فَيَكُونُ مَعْناها: مَعْنى المَثَلِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: مَثَلُ الفَرِيقَيْنِ مَثَلُ الأعْمى. واحْتُمِلَ أنْ يُرادَ بِالمَثَلِ: الصِّفَةُ، وبِالكافِ: مِثْلُ، فَيَكُونُ عَلى حَذْفٍ مُضافٍ، أيْ: كَمَثَلِ الأعْمى، وهَذا التَّشْبِيهُ تَشْبِيهُ مَعْقُولٍ بِمَحْسُوسٍ، فَأعْمى البَصِيرَةِ: أصَمُّها، شُبِّهَ بِأعْمى البَصَرِ أصَمُّ السَّمْعِ، ذَلِكَ في ظُلُماتِ الضَّلالاتِ مُتَرَدِّدٌ تائِهٌ، وهَذا في الطُّرُقاتِ مُحَيَّرٌ لا يَهْتَدِي إلَيْها. وجاءَ (أفَلا تَذَكَّرُونَ) لِيُنَبِّهَ عَلى أنَّهُ يُمْكِنُ زَوالُ هَذا العَمى وهَذا الصَّمَمُ المَعْقُولُ، فَيَجِبُ عَلى العاقِلِ أنْ يَتَذَكَّرَ ما هو فِيهِ، ويَسْعى في هِدايَةِ نَفْسِهِ. وانْتَصَبَ مَثَلًا عَلى التَّمْيِيزِ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا، انْتَهى. وفِيهِ بُعْدٌ، والظّاهِرُ: التَّمْيِيزُ وأنَّهُ مَنقُولٌ مِنَ الفاعِلِ، أصْلُهُ: هَلْ يَسْتَوِي مَثَلاهُما. ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا نُوحًا إلى قَوْمِهِ إنِّي لَكم نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ ﴿أنْ لا تَعْبُدُوا إلّا اللَّهَ إنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ ألِيمٍ﴾ ﴿فَقالَ المَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ ما نَراكَ إلّا بَشَرًا مِثْلَنا وما نَراكَ اتَّبَعَكَ إلّا الَّذِينَ هم أراذِلُنا بادِيَ الرَّأْيِ وما نَرى لَكم عَلَيْنا مِن فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكم كاذِبِينَ﴾: هَذِهِ السُّورَةُ في قَصَصِها شَبِيهَةٌ بِسُورَةِ الأعْرافِ، بُدِئَ فِيها بِـ نُوحٍ، ثُمَّ بِهُودٍ، ثُمَّ بِصالِحٍ، ثُمَّ بِلُوطٍ، مُقَدَّمًا عَلَيْهِ إبْراهِيمُ بِسَبَبِ قَوْمِ لُوطٍ، ثُمَّ بِشُعَيْبٍ، ثُمَّ بِـ مُوسى وهارُونَ، صَلّى اللَّهُ عَلى نَبِيِّنا وعَلَيْهِمْ أجْمَعِينَ. وذَكَرُوا وُجُوهَ حِكَمٍ وفَوائِدَ لِتَكْرارِ هَذِهِ القَصَصِ في القُرْآنِ. وقَرَأ النَّحْوِيّانِ وابْنُ كَثِيرٍ: أنِّي بِفَتْحِ الهَمْزَةِ أيْ: بِأنِّي، وباقِي السَّبْعَةِ: بِكَسْرِها عَلى إضْمارِ القَوْلِ. وقالَ أبُو عَلِيٍّ في قِراءَةِ الفَتْحِ: خُرُوجٌ مِنَ الغَيْبَةِ إلى المُخاطَبَةِ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وفي هَذا نَظَرٌ، وإنَّما هي حِكايَةُ مُخاطَبَةٍ لِقَوْمِهِ، ولَيْسَ هَذا حَقِيقَةَ الخُرُوجِ مِن غَيْبَةٍ إلى مُخاطَبَةٍ، ولَوْ كانَ الكَلامُ: أنْ أنْذِرْهم أوْ نَحْوَهُ لَصَحَّ ذَلِكَ، انْتَهى. * * ﴿ألّا تَعْبُدُوا إلّا اللَّهَ﴾ [هود: ٢]: ظاهِرٌ في أنَّهم كانُوا يَعْبُدُونَ الأوْثانَ كَما جاءَ مُصَرَّحًا في غَيْرِ هَذِهِ السُّورَةِ، وأنْ بَدَلٌ مِن أيْ لَكم في قِراءَةِ مَن فَتَحَ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ أنِ المُفَسِّرَةَ. وأمّا في قِراءَةِ مَن كَسَرَ فَيُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ المُفَسِّرَةَ، والمُراعى قَبْلَها: إمّا أرْسَلْنا وإمّا نَذِيرٌ مُبِينٌ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مَعْمُولَةً لَأرْسَلْنا أيْ: بِأنْ لا تَعْبُدُوا إلّا اللَّهَ، وإسْنادُ الألَمِ إلى اليَوْمِ مَجازٌ لِوُقُوعِ الألَمِ فِيهِ لا بِهِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): فَإذا وُصِفَ بِهِ العَذابُ ؟ (قُلْتُ): مَجازِيٌّ مِثْلُهُ، لِأنَّ الألِيمَ في الحَقِيقَةِ هو المُعَذِّبُ، ونَظِيرُهُما قَوْلُكُ: نَهارُهُ صائِمٌ، انْتَهى. وهَذا عَلى أنْ يَكُونَ (ألِيمٍ) صِفَةَ مُبالَغَةٍ مِن ألِمَ، وهو: مَن كَثُرَ ألَمُهُ. فَإنْ كانَ ألِيمٍ بِمَعْنى: مُؤْلِمٍ، فَنِسْبَتُهُ لِلْيَوْمِ مَجازٌ، ولِلْعَذابِ حَقِيقَةٌ لَمّا أنْذَرَهم مِن عَذابِ اللَّهِ وأمَرَهم بِإفْرادِهِ بِالعِبادَةِ، وأخْبَرَ أنَّهُ رَسُولٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ، ذَكَرُوا أنَّهُ مُماثِلُهم في البَشَرِيَّةِ، واسْتَبْعَدُوا أنْ يَبْعَثَ اللَّهُ رَسُولًا مِنَ البَشَرِ، وكَأنَّهم ذَهَبُوا إلى مَذْهَبِ البَراهِمَةِ الَّذِينَ يُنْكِرُونَ نُبُوَّةَ البَشَرِ عَلى الإطْلاقِ، ثُمَّ عَيَّرُوهُ بِأنَّهُ لَمْ يَتَّبِعْهُ إلّا الأراذِلُ أيْ: فَنَحْنُ لا نُساوِيهِمْ، ثُمَّ نَفَوْا أنْ يَكُونَ لَهُ عَلَيْهِمْ فَضْلٌ أيْ: أنْتَ مُساوِينا في البَشَرِيَّةِ ولا فَضْلَ لَكَ عَلَيْنا، فَكَيْفَ امْتَزْتَ بِأنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ ؟ . وفِي قَوْلِهِ: ﴿إلّا الَّذِينَ هم أراذِلُنا﴾: مُبالَغَةٌ في الإخْبارِ، وكَأنَّهُ مُؤْذِنٌ بِتَأْكِيدِ حَصْرِ مَنِ اتَّبَعَهُ، وأنَّهم هُمُ الأراذِلُ لَمْ يَشْرَكْهم شَرِيفٌ في ذَلِكَ. وفي الحَدِيثِ إنَّهم كانُوا حاكَةً وحَجّامِينَ وقالَ النَّحّاسُ: هُمُ الفُقَراءُ والَّذِينَ لا حَسَبَ لَهم، والخَسِيسُوا الصِّناعاتِ. وفِي حَدِيثِ هِرَقْلَ: أشْرافُ النّاسِ اتَّبَعُوهُ أمْ ضُعَفاؤُهم ؟ فَقالَ: بَلْ ضُعَفاؤُهم، فَقالَ: هم أتْباعُ الرُّسُلِ قَبْلُ وإنَّما كانَ كَذَلِكَ لِاسْتِيلاءِ الرِّئاسَةِ عَلى الأشْرافِ، وصُعُوبَةِ الِانْفِكاكِ عَنْها، والأنَفَةِ مِنَ الِانْقِيادِ لِغَيْرِهِمْ، والفَقِيرُ خَلِيٌّ عَنْ تِلْكَ المَوانِعِ فَهو سَرِيعٌ إلى الإجابَةِ والِانْقِيادِ. (ونَراكَ): يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ بَصَرِيَّةً، وأنْ تَكُونَ عِلْمِيَّةً. قالُوا: وأراذِلُ: جَمْعُ الجَمْعِ، فَقِيلَ: جَمْعُ أرْذُلٍ كَكَلْبٍ وأكْلُبٍ وأكالِبٍ. وقِيلَ: جَمْعُ أرْذالٍ، وقِياسُهُ أراذِيلُ. والظّاهِرُ أنَّهُ جَمْعُ أرْذَلَ الَّتِي هي أفْعَلُ التَّفْضِيلِ، وجاءَ جَمْعًا كَما جاءَ: أكابِرَ مُجْرِمِيها (p-٢١٥)وأحاسِنُكم أخْلاقًا. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ما نَراكَ إلّا بَشَرًا مِثْلَنا، تَعْرِيضٌ بِأنَّهم أحَقُّ مِنهُ بِالنُّبُوَّةِ، وأنَّ اللَّهَ لَوْ أرادَ أنْ يَجْعَلَها في أحَدٍ مِنَ البَشَرِ لَجَعَلَها فِيهِمْ، فَقالُوا: هَبْ أنَّكَ واحِدٌ مِنَ المَلَأِ ومُوازِيهِمْ في المَنزِلَةِ، فَما جَعَلَكَ أحَقَّ مِنهم ؟ ألا تَرى إلى قَوْلِهِمْ: ﴿وما نَرى لَكم عَلَيْنا مِن فَضْلٍ﴾، أوْ أرادُوا أنَّهُ كانَ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ مَلَكًا لا بَشَرًا، ولا يَظْهَرُ ما قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ مِنَ الآيَةِ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو و عِيسى الثَّقَفِيُّ: (بادِئَ الرَّأْيِ) مِن بَدَأ يَبْدَأُ ومَعْناهُ: أوَّلُ الرَّأْيِ. وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ: بادِي بِالياءِ مِن بَدا يَبْدُو، ومَعْناهُ: ظاهِرُ الرَّأْيِ. وقِيلَ: بادِي بِالياءِ مَعْناهُ: بادِئٌ بِالهَمْزِ، فَسُهِّلَتِ الهَمْزَةُ بِإبْدالِها ياءً لِكَسْرِ ما قَبْلِها. وذَكَرُوا أنَّهُ مَنصُوبٌ عَلى الظَّرْفِ، والعامِلُ فِيهِ نَراكَ أوِ اتَّبَعَكَ أوْ أراذِلُنا أيْ: وما نَراكَ فِيما يَظْهَرُ لَنا مِنَ الرَّأْيِ، أوْ في أوَّلِ رَأْيِنا، أوْ وما نَراكَ اتَّبَعَكَ أوَّلَ رَأْيِهِمْ، أوْ ظاهِرُ رَأْيِهِمْ. واحْتَمَلَ هَذا الوَجْهُ مَعْنَيَيْنِ: أحَدُهُما: أنْ يُرِيدَ: اتَّبَعَكَ في ظاهِرِ أمْرِهِمْ، وعَسى أنْ تَكُونَ بَواطِنُهم لَيْسَتْ مَعَكَ. والمَعْنى الثّانِي: أنْ يُرِيدَ: اتَّبَعُوكَ بِأوَّلِ نَظَرٍ وبِالرَّأْيِ البادِئِ دُونَ تَعَقُّبٍ، ولَوْ تَثَبَّتُوا لَمْ يَتَّبِعُوكَ، وفي هَذا الوَجْهِ ذَمُّ الرَّأْيِ غَيْرِ المَرْوِيِّ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: اتَّبَعُوكَ أوَّلَ الرَّأْيِ، أوْ ظاهِرَ الرَّأْيِ، وانْتِصابُهُ عَلى الظَّرْفِ أصْلُهُ وقْتَ حُدُوثِ أوَّلِ أمْرِهِمْ، أوْ وقْتَ حُدُوثِ ظاهِرِ رَأْيِهِمْ، فَحُذِفَ ذَلِكَ، وأُقِيمَ المُضافُ إلَيْهِ مَقامَهُ، أرادُوا: أنَّ اتِّباعَهم لَكَ إنَّما هو شَيْءٌ عَنَّ لَهم بَدِيهَةً مِن غَيْرِ رَوِيَّةٍ ونَظَرٍ، انْتَهى. وكَوْنُهُ مَنصُوبًا عَلى الظَّرْفِ هو قَوْلُ أبِي عَلِيٍّ في الحُجَّةِ، وإنَّما حَمَلَهُ عَلى الظَّرْفِ ولَيْسَ بِزَمانٍ ولا مَكانٍ، لِأنَّ في مُقَدَّرَةٌ فِيهِ أيْ: في ظاهِرِ الأمْرِ، أوْ في أوَّلِ الأمْرِ. وعَلى هَذَيْنِ التَّقْدِيرَيْنِ أعْنِي أنْ يَكُونَ العامِلُ فِيهِ: نَراكَ، أوِ اتَّبَعَكَ، يَقْتَضِي أنْ لا يَجُوزَ ذَلِكَ، لِأنَّ ما بَعْدَ إلّا لا يَكُونُ مَعْمُولًا لِما قَبْلَها، إلّا إنْ كانَ مُسْتَثْنًى مِنهُ نَحْوَ: قامَ إلّا زَيْدًا القَوْمُ، أوْ مُسْتَثْنًى نَحْوَ: جاءَ القَوْمُ إلّا زَيْدًا، أوْ تابِعًا لِلْمُسْتَثْنى مِنهُ نَحْوَ: ما جاءَنِي أحَدٌ إلّا زَيْدٌ أخْبَرَنِي عَمْرٌو، وبادِئَ الرَّأْيِ لَيْسَ واحِدًا مِن هَذِهِ الثَّلاثَةِ. وأُجِيبَ بِأنَّهُ ظَرْفٌ، أوْ كالظَّرْفِ مِثْلَ: جُهْدَ رَأْيٍ إنَّكَ ذاهِبٌ، أيْ: إنَّكَ ذاهِبٌ في جُهْدِ رَأْيٍ، والظُّرُوفِ يُتَّسَعُ فِيها. وإذا كانَ العامِلُ أراذِلُنا فَمَعْناهُ: الَّذِينَ هم أراذِلُنا بِأقَلِّ نَظَرٍ فِيهِمْ، وبِبادِئِ الرَّأْيِ يُعْلَمُ ذَلِكَ مِنهم. وقِيلَ: ﴿بادِيَ الرَّأْيِ﴾: نَعْتٌ لِقَوْلِهِ: (بَشَرًا) . وقِيلَ: انْتَصَبَ حالًا مِن ضَمِيرِ نُوحٍ في اتَّبَعَكَ، أيْ: وأنْتَ مَكْشُوفُ الرَّأْيِ لا حَصافَةَ لَكَ. وقِيلَ: انْتَصَبَ عَلى النِّداءِ لِـ نُوحٍ أيْ: يا بادِيَ الرَّأْيِ، أيْ: ما في نَفْسِكَ مِنَ الرَّأْيِ ظاهِرٌ لِكُلِّ أحَدٍ، قالُوا ذَلِكَ تَعْجِيزًا لَهُ. وقِيلَ: انْتَصَبَ عَلى المَصْدَرِ، وجاءَ الظَّرْفُ والمَصْدَرُ عَلى فاعِلٍ، ولَيْسَ بِالقِياسِ. فالرَّأْيُ هُنا إمّا مِن رُؤْيَةِ العَيْنِ، وإمّا مِنَ الفِكْرِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وإنَّما اسْتَرْذَلُوا المُؤْمِنِينَ لِفَقْرِهِمْ وتَأخُّرِهِمْ في الأسْبابِ الدُّنْيَوِيَّةِ، لِأنَّهم كانُوا جُهّالًا ما كانُوا يَعْلَمُونَ إلّا ظاهِرًا مِنَ الحَياةِ الدُّنْيا، فَكانَ الأشْرَفُ عِنْدَهم مَن لَهُ جاهٌ ومالٌ، انْتَهى. وظاهِرُ الخِطابِ في لَكم شامِلٌ لِـ نُوحٍ ومَنِ اتَّبَعَهُ، والمَعْنى: لَيْسَ لَكم عَلَيْنا زِيادَةٌ في مالٍ، ونَسَبٍ، ولا دِينٍ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: في الخَلْقِ والخُلُقِ، وقِيلَ: بِكَثْرَةِ المُلْكِ والمِلْكِ، وقِيلَ: بِمُتابَعَتِكم نُوحًا ومُخالَفَتِكم لَنا، وقِيلَ: مِن شَرَفٍ يُؤَهِّلُكم لِلنُّبُوَّةِ، وقالَ الكَلْبِيُّ: نَظُنُّكم: نَتَيَقَّنُكم، وقالَ مُقاتِلٌ: نَحْسَبُكم، أيْ في دَعْوى نُوحٍ وتَصْدِيقِكم، وقالَ صاحِبُ العِتِيّانِ: بَلْ نَظُنُّكم كاذِبِينَ تَوَسُّلًا إلى الرِّئاسَةِ والشُّهْرَةِ.

هود 11:19

﴿أفَمَن كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ ويَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنهُ ومِن قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى إمامًا ورَحْمَةً أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ ومَن يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الأحْزابِ فالنّارُ مَوْعِدُهُ فَلا تَكُ في مِرْيَةٍ مِنهُ إنَّهُ الحَقُّ مِن رَبِّكَ ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يُؤْمِنُونَ﴾: لَمّا ذَكَرَ حالَ مَن يُرِيدُ الحَياةَ الدُّنْيا، ذَكَرَ حالَ مَن يُرِيدُ وجْهَ اللَّهِ تَعالى بِأعْمالِهِ الصّالِحَةِ، وحُذِفَ المُعادِلُ الَّذِي دَخَلَتْ عَلَيْهِ الهَمْزَةُ والتَّقْدِيرُ: كَمَن يُرِيدُ الحَياةَ الدُّنْيا. وكَثِيرًا ما حُذِفَ في القُرْآنِ كَقَوْلِهِ: ﴿أفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا﴾ [فاطر: ٨] وقَوْلِهِ: ﴿أمْ مَن هو قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ﴾ [الزمر: ٩] وهَذا اسْتِفْهامٌ مَعْناهُ: التَّقْرِيرُ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أيْ: لا تَعْقِبُونَهم في المَنزِلَةِ ولا تُفارِقُونَهم، يُرِيدُ أنَّ بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ تَفاوُتًا بَعِيدًا وتَبايُنًا بَيِّنًا، وأرادَ بِهِمْ مَن آمَنَ مِنَ اليَهُودِ كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ وغَيْرِهِ، كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ أيْ: عَلى بُرْهانٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى، وبَيانٍ أنَّ دِينَ الإسْلامِ حَقٌّ وهو دَلِيلُ العَقْلِ ويَتْلُوهُ، ويَتْبَعُ ذَلِكَ البُرْهانَ شاهِدٌ مِنهُ، أيْ: شاهِدٌ يَشْهَدُ بِصِحَّتِهِ، وهو القُرْآنُ مِنهُ مِنَ اللَّهِ، أوْ شاهِدٌ مِنَ القُرْآنِ ومِن قَبْلِهِ: ومِن قَبْلِ القُرْآنِ كِتابُ مُوسى وهو: التَّوْراةُ، أيْ: ويَتْلُو ذَلِكَ أيْضًا مِن قَبْلِ القُرْآنِ كِتابُ مُوسى. وقُرِئَ: (كِتابَ مُوسى) بِالنَّصْبِ، ومَعْناهُ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ وهو الدَّلِيلُ عَلى أنَّ القُرْآنَ حَقٌّ، ويَتْلُوهُ ويَقْرَأُ القُرْآنَ شاهِدٌ مِنهُ، شاهِدٌ مِمَّنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ كَقَوْلِهِ: ﴿وشَهِدَ شاهِدٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ عَلى مِثْلِهِ﴾ [الأحقاف: ١٠] ﴿قُلْ كَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وبَيْنَكم ومَن عِنْدَهُ عِلْمُ الكِتابِ﴾ [الرعد: ٤٣] . ﴿ومِن قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى﴾: ويَتْلُوهُ ومِن قَبْلِ التَّوْراةِ، إمامًا: كِتابًا مُؤْتَمًّا في الدِّينِ قُدْوَةً فِيهِ، انْتَهى. وقِيلَ في ﴿أفَمَن كانَ﴾: المُؤْمِنُونَ بِالرَّسُولِ، (p-٢١١)وقِيلَ: مُحَمَّدٌ ﷺ خاصَّةً. وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ وابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ ومُجاهِدٌ والضَّحّاكُ: مُحَمَّدٌ والمُؤْمِنُونَ جَمِيعًا، والبَيِّنَةُ: القُرْآنُ أوِ الرَّسُولُ، والهاءُ لِلْمُبالَغَةِ. والشّاهِدُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ والنَّخَعِيُّ ومُجاهِدٌ والضَّحّاكُ وأبُو صالِحٍ وعِكْرِمَةُ: هو جِبْرِيلُ. وقالَ الحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ: هو الرَّسُولُ. وقالَ أيْضًا مُجاهِدٌ: هو مَلَكٌ وكَّلَهُ اللَّهُ بِحِفْظِ القُرْآنِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِهَذِهِ الألْفاظِ: جِبْرِيلَ، وقِيلَ: وعَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ. ورَوى المِنهالُ عَنْ عُبادَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ وجْهَهُ: ما في قُرَيْشٍ أحَدٌ إلّا وقَدْ نَزَلَتْ فِيهِ آيَةٌ قِيلَ: فَما نَزَلَ فِيكَ ؟ قالَ: ﴿ويَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنهُ﴾، وبِهِ قالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ. وقِيلَ: هو الإنْجِيلُ قالَهُ: الفَرّاءُ. وقِيلَ: هو القُرْآنُ، وقِيلَ: هو إعْجازُ القُرْآنِ، قالَهُ الحُسَيْنُ بْنُ الفَضْلِ، وقِيلَ: صُورَةُ الرَّسُولِ ﷺ ووَجْهُهُ ومَخايِلُهُ، لِأنَّ كُلَّ عاقِلٍ نَظَرَ إلَيْهِ عَلِمَ أنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . وقِيلَ: وأبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، والضَّمِيرُ في مِنهُ يَعُودُ إلى الدِّينِ، أوْ إلى الرَّسُولِ، أوْ إلى القُرْآنِ. ويَتْلُوهُ: بِمَعْنى يَتْبَعُهُ، أوْ يَقْرَؤُهُ، والضَّمِيرُ المَرْفُوعُ في يَتْلُوهُ والمَنصُوبُ والمَجْرُورُ في مِنهُ، يَتَرَتَّبُ عَلى ما يُناسِبُهُ كُلُّ قَوْمٍ مِن هَذِهِ. وقَرَأ مُحَمَّدُ بْنُ السّائِبِ الكَلْبِيُّ وغَيْرُهُ: ﴿كِتابُ مُوسى﴾ بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلى مَفْعُولِ يَتْلُوهُ، أوْ بِإضْمارِ فِعْلٍ. وإذا لَمْ يُعْنَ بِالشّاهِدِ الإنْجِيلُ فَإنَّما خَصَّ التَّوْراةَ بِالذِّكْرِ، لِأنَّ المِلَّتَيْنِ مُجْتَمِعَتانِ عَلى أنَّها مِن عِنْدِ اللَّهِ، والإنْجِيلُ يُخالِفُ فِيهِ اليَهُودُ، فَكانَ الِاسْتِشْهادُ بِما تَقُومُ بِهِ الحُجَّةُ عَلى الفَرِيقَيْنِ أوْلى. وهَذا يَجْرِي مَعَ قَوْلِ الجِنِّ: ﴿إنّا سَمِعْنا كِتابًا أُنْزِلَ مِن بَعْدِ مُوسى﴾ [الأحقاف: ٣٠] ومَعَ قَوْلِ النَّجاشِيِّ: إنَّ هَذا والَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى لَيَخْرُجُ مِن مِشْكاةٍ واحِدَةٍ. وانْتَصَبَ إمامًا عَلى الحالِ، والَّذِي يَظْهَرُ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ، أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ الكُفّارَ وأنَّهم لَيْسَ لَهم إلّا النّارُ، أعْقَبَ بِضِدِّهِمْ وهُمُ المُؤْمِنُونَ، وهُمُ الَّذِينَ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِمْ، والشّاهِدُ: القُرْآنُ، ومِنهُ عائِدٌ عَلى رَبِّهِ. ويَدُلُّ عَلى أنَّ الشّاهِدَ القُرْآنُ ذِكْرُ قَوْلِهِ: (ومِن قَبْلِهِ)، أيْ: ومِن قَبْلِ القُرْآنِ كِتابُ مُوسى، فَمَعْناهُ: أنَّهُ تَظافَرَ عَلى هِدايَتِهِ شَيْئانِ: كَوْنُهُ عَلى أمْرٍ واضِحٍ مِن بُرْهانِ العَقْلِ، وكَوْنُهُ يُوافِقُ ذَلِكَ البُرْهانُ هَذَيْنِ الكِتابَيْنِ الإلَهِيَّيْنِ: القُرْآنَ والتَّوْراةَ، فاجْتَمَعَ لَهُ العَقْلُ والنَّقْلُ. والإشارَةُ بِأُولَئِكَ: إلى مَن كانَ عَلى بَيِّنَةٍ، راعى مَعْنى مَعَ فَجَمَعَ، والضَّمِيرُ في بِهِ يَعُودُ إلى التَّوْراةِ، أوْ إلى القُرْآنِ، أوْ إلى الرَّسُولِ، ثَلاثَةُ أقْوالٍ. والأحْزابُ جَمِيعُ المِلَلِ قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ، أوِ اليَهُودُ والنَّصارى، قالَهُ قَتادَةُ، أوْ قُرَيْشٌ، قالَهُ السُّدِّيُّ، أوْ بَنُو أُمَيَّةَ وبَنُو المُغِيرَةِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ المَخْزُومِيِّ، وآلُ أبِي طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ، قالَهُ مُقاتِلٌ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَعْنِي أهْلَ مَكَّةَ ومَن ضامَّهم مِنَ المُتَحَزِّبِينَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، انْتَهى. ﴿فالنّارُ مَوْعِدُهُ﴾ أيْ: مَكانُ وعْدِهِ الَّذِي يَصِيرُونَ إلَيْهِ. وقالَ حَسّانُ: أوْرَدْتُمُونا حِياضَ المَوْتِ ضاحِيَةً فالنّارُ مَوْعِدُها والمَوْتُ لاقِيها والضَّمِيرُ في مِنهُ عائِدٌ عَلى القُرْآنِ، وقِيلَ: عَلى الخَبَرِ، بِأنَّ الكُفّارَ مَوْعِدُهُمُ النّارُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (في مِرْيَةٍ) بِكَسْرِ المِيمِ، وهي لُغَةُ الحِجازِ. وقَرَأ السُّلَمِيُّ وأبُو رَجاءٍ وأبُو الخَطّابِ السُّدُوسِيُّ والحَسَنُ: بِضَمِّها، وهي لُغَةُ أسَدٍ وتَمِيمٍ، والنّاسُ: أهْلُ مَكَّةَ قالَهُ: ابْنُ عَبّاسٍ، أوْ: جَمِيعُ الكُفّارِ مِن شاكٍّ وجاهِلٍ ومُعانِدٍ قالَهُ: صاحِبُ العِقْيانِ. ﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا أُولَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلى رَبِّهِمْ ويَقُولُ الأشْهادُ هَؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلى رَبِّهِمْ ألا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلى الظّالِمِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ويَبْغُونَها عِوَجًا وهم بِالآخِرَةِ هم كافِرُونَ﴾ ﴿أُولَئِكَ لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ في الأرْضِ وما كانَ لَهم مِن دُونِ اللَّهِ مِن أوْلِياءَ يُضاعَفُ لَهُمُ العَذابُ ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وما كانُوا يُبْصِرُونَ﴾ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم وضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ ﴿لا جَرَمَ أنَّهم في الآخِرَةِ هُمُ الأخْسَرُونَ﴾: (p-٢١٢)لَمّا سَبَقَ قَوْلُهم: ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ﴾ [هود: ١٣]، ذَكَرَ أنَّهُ لا أحَدَ أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا، وهُمُ المُفْتَرُونَ الَّذِينَ نَسَبُوا إلى اللَّهِ الوَلَدَ، واتَّخَذُوا مَعَهُ آلِهَةً، وحَرَّمُوا وحَلَّلُوا مِن غَيْرِ شَرْعِ اللَّهِ، وعَرْضُهم عَلى اللَّهِ بِمَعْنى: التَّشْهِيرِ لِخِزْيِهِمْ والإشارَةِ بِكَذِبِهِمْ، وإلّا فالطّائِعُ والعاصِي يُعْرَضُونَ عَلى اللَّهِ ﴿وعُرِضُوا عَلى رَبِّكَ صَفًّا﴾ [الكهف: ٤٨] والأشْهادُ: جَمْعُ شاهِدٍ، كَصاحِبٍ وأصْحابٍ، أوْ جَمْعُ شَهِيدٍ كَشَرِيفٍ وأشْرافٍ، والأشْهادُ: المَلائِكَةُ الَّذِينَ يَحْفَظُونَ عَلَيْهِمْ أعْمالَهم في الدُّنْيا، أوِ الأنْبِياءُ، أوْ هُما المُؤْمِنُونَ، أوْ ما يَشْهَدُ عَلَيْهِمْ مِن أعْضائِهِمْ أقْوالٌ. وفي قَوْلِهِ: (هَؤُلاءِ): إشارَةٌ إلى تَحْقِيرِهِمْ وإصْغارِهِمْ بِسُوءِ مُرْتَكَبِهِمْ. وفِي قَوْلِهِ: (عَلى رَبِّهِمْ) أيْ: عَلى مَن يُحْسِنُ إلَيْهِمْ ويَمْلِكُ نَواصِيَهم، وكانُوا جَدِيرِينَ أنْ لا يَكْذِبُوا عَلَيْهِ، وهَذا كَما تَقُولُ إذا رَأيْتَ مُجْرِمًا: هَذا الَّذِي فَعَلَ كَذا وكَذا. وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ الجُمْلَةِ بَعْدَ هَذا. وهم: تَأْكِيدٌ لِقَوْلِهِ: وهم، وقَوْلُهُ: (مُعْجِزِينَ)، أيْ: كانُوا لا يُعْجِزُونَ اللَّهَ في الدُّنْيا أنْ يُعاقِبَهم لَوْ أرادَ عِقابَهم، وما كانَ لَهم مَن يَنْصُرُهم ويَمْنَعُهم مِنَ العِقابِ، ولَكِنَّهُ أرادَ إنْظارَهم وتَأْخِيرَ عِقابِهِمْ إلى هَذا اليَوْمِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وهو كَلامُ الأشْهادِ يَعْنِي: أنَّ كَلامَهم مِن قَوْلِهِمْ: هَؤُلاءِ إلى آخِرِ هَذِهِ الجُمْلَةِ الَّتِي هي وما كانَ لَهم مِن دُونِ اللَّهِ مِن أوْلِياءَ. وقَدْ يَظْهَرُ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ألا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلى الظّالِمِينَ﴾: مِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى لا عَلى سَبِيلِ الحِكايَةِ، ويَدُلُّ لِقَوْلِ الزَّمَخْشَرِيِّ قَوْلُهُ: ﴿فَأذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهم أنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلى الظّالِمِينَ﴾ [الأعراف: ٤٤] الآيَةَ، فَكَما أنَّهُ مِن كَلامِ المَخْلُوقِينَ في تِلْكَ الآيَةِ، فَكَذَلِكَ هُنا يُضاعَفُ لَهُمُ العَذابُ: يُشَدَّدُ ويَكْثُرُ، وهَذا اسْتِئْنافُ إخْبارٍ عَنْ حالِهِمْ في الآخِرَةِ، لِأنَّهم جَمَعُوا إلى الكُفْرِ بِالبَعْثِ الكَذِبَ عَلى اللَّهِ، وصَدَّ عِبادِهِ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ، وبَغْيَ العِوَجِ لَها، وهي الطَّرِيقَةُ المُسْتَقِيمَةُ. ﴿ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ﴾: إخْبارٌ عَنْ حالِهِمْ في الدُّنْيا عَلى سَبِيلِ المُبالَغَةِ يَعْنِي: السَّمْعَ لِلْقُرْآنِ، ولِما جاءَ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ . ﴿وما كانُوا يُبْصِرُونَ﴾ أيْ: يَنْظُرُونَ إلَيْهِ لِبُغْضِهِمْ فِيهِ. ألا تَرى إلى حَشْوِ الطُّفَيْلِ بْنِ عَمْرٍو أُذُنَيْهِ مِنَ الكُرْسُفِ، وإبايَةِ قُرَيْشٍ أنْ يَسْمَعُوا ما نُقِلَ إلَيْهِمْ مِن كَلامِ الرَّسُولِ حَتّى تَرُدَّهم عَنْ ذَلِكَ مَشْيَخَتُهم ؟ أوْ إخْبارٌ عَنْ حالِهِمْ إذا ضُعِّفَ لَهُمُ العَذابُ أيْ: أنَّهُ تَعالى حَتَمَّ عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ، فَهم لا يَسْمَعُونَ لِذَلِكَ سَماعًا يَنْتَفِعُونَ بِهِ، ولا يُبْصِرُونَ لِذَلِكَ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ في كانُوا عائِدٌ عَلى أوْلِياؤُهم: آلِهَتُهم أيْ: فَما كانَ لَهم في الحَقِيقَةِ مِن أوْلِياءَ وإنْ كانُوا يَعْتَقِدُونَ أنَّهم أوْلِياءُ. ويَعْنِي أنَّهُ مَن لا يَسْتَطِيعُ أنْ يَسْمَعَ ولا يُبْصِرَ فَكَيْفَ يَصْلُحُ لِلْوِلايَةِ ؟ ويَكُونُ ﴿يُضاعَفُ لَهُمُ العَذابُ﴾ اعْتِراضًا، وما عَلى هَذِهِ الأقْوالِ نَفْيٌ. وقِيلَ: ما مَصْدَرِيَّةٌ أيْ: يُضاعَفُ لَهُمُ العَذابُ مُدَّةَ اسْتِطاعَتِهِمُ السَّمْعَ وإبْصارِهِمْ، والمَعْنى: أنَّ العَذابَ وتَضْعِيفَهُ دائِمٌ لَهم مُتَمادٍ. وأجازَ الفَرّاءُ أنْ تَكُونَ ما مَصْدَرِيَّةً، وحُذِفَ حَرْفُ الجَرِّ مِنها كَما يُحْذَفُ مَعَ أنْ وإنْ أُخْتَيْها، وهَذا فِيهِ بُعْدٌ في اللَّفْظِ وفي المَعْنى. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أرادَ أنَّهم لِفَرْطِ تَصامِّهِمْ عَنِ اتِّباعِ الحَقِّ وكَراهَتِهِمْ لَهُ كَأنَّهم لا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ، ولَعَلَّ بَعْضَ المُجْبِرَةِ يَتَوَثَّبُ إذا عَثَرَ عَلَيْهِ فَيُوَعْوِعُ بِهِ عَلى أهْلِ العَدْلِ، كَأنَّهُ لَمْ يَسْمَعِ النّاسَ يَقُولُونَ في كُلِّ لِسانٍ: هَذا الكَلامُ لا أسْتَطِيعُ أسْمَعُهُ، وهَذا مِمّا يَمُجُّهُ سَمْعِي، انْتَهى. يَعْنِي: أنَّهُ يُمْكِنُ أنْ يُسْتَدَلَّ بِهِ عَلى أنَّ العَبْدَ لا قُدْرَةَ لَهُ، لِأنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ نَفى عَنْهُ اسْتِطاعَةَ السَّمْعِ، وإذا انْتَفَتْ الِاسْتِطاعَةُ مِنهُ انْتَفَتْ قُدْرَتُهُ. والزَّمَخْشَرِيُّ عَلى عادَتِهِ في السَّفَهِ عَلى أهْلِ السُّنَّةِ وخُسْرانِهِمْ أنْفُسِهِمْ، لِكَوْنِهِمُ اشْتَرَوْا عِبادَةَ الآلِهَةِ بِعِبادَةِ اللَّهِ تَعالى، فَخَسِرُوا في تِجارَتِهِمْ خُسْرانًا لا خُسْرانَ أعْظَمُ مِنهُ. وهُوَ عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ: راحَةُ أوْ سَعادَةُ أنْفُسِهِمْ، وإلّا فَأنْفُسُهم باقِيَةٌ مُعَذَّبَةٌ. وبَطَلَ عَنْهم ما افْتَرَوْهُ مِن عِبادَةِ الآلِهَةِ، وكَوْنِهِمْ يَعْتَقِدُونَ شَفاعَتَها إذا رَأوْا أنَّها لا تَشْفَعُ ولا تَنْفَعُ. لا جَرَمَ: مَذْهَبُ الخَلِيلِ وسِيبَوَيْهِ أنَّهُما رُكِّبا مِن: لا وجَرَمَ وبُنِيا، والمَعْنى: حَقَّ، وما بَعْدَهُ رُفِعَ بِهِ عَلى الفاعِلِيَّةِ (p-٢١٣)وقالَ الحَوْفِيُّ: جَرَمَ مَنفِيٌّ بِلا بِمَعْنى: حَقَّ، وهو مَبْنِيٌّ مَعَ لا في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِداءِ، وأنَّهم في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى خَبَرِ جَرَمَ. وقالَ قَوْمٌ: إنَّ جَرَمَ مَبْنِيَّةٌ مَعَ لا عَلى الفَتْحِ نَحْوَ قَوْلِكَ: لا رَجُلَ، ومَعْناها: لا بُدَّ ولا مَحالَةَ. وقالَ الكِسائِيُّ: مَعْناها: لا ضِدَّ ولا مَنعَ، فَتَكُونُ اسْمَ لا وهي مَبْنِيَّةٌ عَلى الفَتْحِ كالقَوْلِ الَّذِي قَبْلَهُ، وتَكُونُ جَرَمَ هُنا مِن مَعْنى القَطْعِ، نَقُولُ: جَرَمْتُ أيْ: قَطَعْتُ. وقالَ الزَّجّاجُ: لا تَرْكِيبَ بَيْنَهُما ولا رَدَّ عَلَيْهِمْ. ولِما تَقَدَّمَ مِن كُلِّ ما قَبْلَها مِمّا قالُوا: إنَّ الأصْنامَ تَنْفَعُهم. وجَرَمَ: فِعْلٌ ماضٍ مَعْناهُ: كَسَبَ، والفاعِلُ مُضْمَرٌ: أيَكْسِبُ هو أيْ: فِعْلُهم، وأنَّ وما بَعْدَها في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى المَفْعُولِ بِهِ، وجَرَمَ القَوْمَ: كاسَبَهم. وقالَ الشّاعِرُ: ؎نَصَبْنا رَأسَهُ في جِذْعِ نَخْلٍ بِما جَرَمَتْ يَداهُ وما اعْتَدَيْنا وقالَ آخَرُ: جَرِيمَةَ ناهِضٍ في رَأْسِ نِيقٍ تَرى لِعِظامِ ما جَمَعَتْ صَلِيبا ويُقالُ: لا جِرَمَ بِالكَسْرِ، ولا جَرَ: بِحَذْفِ المِيمِ. قالَ النَّحّاسُ: وزَعَمَ الكِسائِيُّ أنَّ فِيها أرْبَعَ لُغاتٍ: لا جَرَمَ، ولا عَنْ ذا جَرَمٍ، ولا أنْ ذا جَرَمٍ، قالَ: وناسٌ مِن فَزارَةَ يَقُولُونَ: لا جَرَمَ. وحَكى الفَرّاءُ فِيهِ لُغَتَيْنِ أُخْرَيَيْنِ، قالَ: بَنُو عامِرٍ يَقُولُونَ: لا ذا جَرَمٍ، وناسٌ مِنَ العَرَبِ يَقُولُونَ: لا جُرَمَ بِضَمِّ الجِيمِ. وقالَ الجُبّائِيُّ في نَوادِرِهِ: حُكِيَ عَنْ فَزارَةَ: لا جَرَ واللَّهِ لا أفْعَلُ ذاكَ، قالَ: ويُقالُ: لا ذا جَرَمٍ، ولا ذُو جَرَمٍ، ولا عَنْ ذا جَرَمٍ، ولا أنْ ذا جَرَمٍ، ولا أنْ جَرَمَ، ولا عَنْ جَرَمٍ، ولا ذا جَرَ واللَّهِ، بِغَيْرِ مِيمٍ: لا أفْعَلُ ذاكَ. وحَكى بَعْضُهم بِغَيْرِ لا جَرَمَ: أنَّكَ أنْتَ فَعَلْتَ ذاكَ، وعَنْ أبِي عَمْرٍو: لَأجْرَمَ أنَّ لَهُمُ النّارَ عَلى وزْنِ: لَأكْرَمَ، ولا جَرَ: حَذَفُوهُ لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمالِ كَما قالُوا: سَوْ تَرى يُرِيدُونَ: سَوْفَ تَرى. ولَمّا كانَ خُسْرانُ النَّفْسِ أعْظَمَ الخُسْرانِ، حُكِمَ عَلَيْهِمْ بِأنَّهم هُمُ الزّائِدُونَ في الخُسْرانِ عَلى كُلِّ خاسِرٍ مِن سِواهم مِنَ العُصاةِ مَآلُهُ إلى الرّاحَةِ، وإلى انْقِطاعِ خُسْرانِهِ بِخِلافِ هَؤُلاءِ، فَإنَّ خُسْرانَهم لا انْقِطاعَ لَهُ. ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ وأخْبَتُوا إلى رَبِّهِمْ أُولَئِكَ أصْحابُ الجَنَّةِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ ﴿مَثَلُ الفَرِيقَيْنِ كالأعْمى والأصَمِّ والبَصِيرِ والسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلًا أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾: لَمّا ذَكَرَ ما يَئُولُ إلَيْهِ الكُفّارُ مِنَ النّارِ، ذَكَرَ ما يَئُولُ إلَيْهِ المُؤْمِنُونَ مِنَ الجَنَّةِ، والفَرِيقانِ هُنا الكافِرُ والمُؤْمِنُ. ولَمّا كانَ تَقَدَّمَ ذِكْرُ الكُفّارِ وأُعْقِبَ بِذِكْرِ المُؤْمِنِينَ، جاءَ التَّمْثِيلُ هُنا مُبْتَدَأً بِالكافِرِ، فَقالَ: ﴿كالأعْمى والأصَمِّ﴾ . ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ مِن بابِ تَشْبِيهِ اثْنَيْنِ بِاثْنَيْنِ، فَقُوبِلَ الأعْمى بِالبَصِيرِ وهو طِباقٌ، وقُوبِلَ الأصَمُّ بِالسَّمِيعِ وهو طِباقٌ أيْضًا، والعَمى والصَّمَمُ: آفَتانِ تَمْنَعانِ مِنَ البَصَرِ والسَّمْعِ، ولَيْسَتا بِضِدَّيْنِ، لِأنَّهُ لا تَعاقُبَ بَيْنَهُما. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن تَشْبِيهٍ واحِدٍ بِوَصْفَيْهِ بِواحِدٍ بِوَصْفَيْهِ، فَيَكُونُ مِن عَطْفِ الصِّفاتِ كَما قالَ الشّاعِرُ: إلى المَلِكِ القَرْنِ وابْنِ الهُمامِ ولَيْثِ الكَرِيهَةِ في المُزْدَحَمْ ولَمْ يَجِئِ التَّرْكِيبُ: كالأعْمى والبَصِيرِ والأصَمِّ والسَّمِيعِ، فَيَكُونُ مُقابَلَةً في لَفْظِ الأعْمى وضِدِّهِ، وفي لَفْظَةِ الأصَمِّ وضِدِّهِ، لِأنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ انْسِدادَ العَيْنِ أتْبَعَهُ بِانْسِدادِ السَّمْعِ، ولَمّا ذَكَرَ انْفِتاحَ البَصَرِ أتْبَعَهُ بِانْفِتاحِ السَّمْعِ، وذَلِكَ هو الأُسْلُوبُ في المُقابَلَةِ، والأتَمُّ في الإعْجازِ. ويَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى نَظِيرُ (p-٢١٤)هَذِهِ المُقابَلَةِ في قَوْلِهِ في طَهَ: ﴿إنَّ لَكَ ألّا تَجُوعَ فِيها ولا تَعْرى﴾ [طه: ١١٨] ﴿وأنَّكَ لا تَظْمَأُ فِيها ولا تَضْحى﴾ [طه: ١١٩] واحْتُمِلَ أنْ تَكُونَ الكافُ نَفْسُها هي خَبَرُ المُبْتَدَأِ، فَيَكُونُ مَعْناها: مَعْنى المَثَلِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: مَثَلُ الفَرِيقَيْنِ مَثَلُ الأعْمى. واحْتُمِلَ أنْ يُرادَ بِالمَثَلِ: الصِّفَةُ، وبِالكافِ: مِثْلُ، فَيَكُونُ عَلى حَذْفٍ مُضافٍ، أيْ: كَمَثَلِ الأعْمى، وهَذا التَّشْبِيهُ تَشْبِيهُ مَعْقُولٍ بِمَحْسُوسٍ، فَأعْمى البَصِيرَةِ: أصَمُّها، شُبِّهَ بِأعْمى البَصَرِ أصَمُّ السَّمْعِ، ذَلِكَ في ظُلُماتِ الضَّلالاتِ مُتَرَدِّدٌ تائِهٌ، وهَذا في الطُّرُقاتِ مُحَيَّرٌ لا يَهْتَدِي إلَيْها. وجاءَ (أفَلا تَذَكَّرُونَ) لِيُنَبِّهَ عَلى أنَّهُ يُمْكِنُ زَوالُ هَذا العَمى وهَذا الصَّمَمُ المَعْقُولُ، فَيَجِبُ عَلى العاقِلِ أنْ يَتَذَكَّرَ ما هو فِيهِ، ويَسْعى في هِدايَةِ نَفْسِهِ. وانْتَصَبَ مَثَلًا عَلى التَّمْيِيزِ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا، انْتَهى. وفِيهِ بُعْدٌ، والظّاهِرُ: التَّمْيِيزُ وأنَّهُ مَنقُولٌ مِنَ الفاعِلِ، أصْلُهُ: هَلْ يَسْتَوِي مَثَلاهُما. ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا نُوحًا إلى قَوْمِهِ إنِّي لَكم نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ ﴿أنْ لا تَعْبُدُوا إلّا اللَّهَ إنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ ألِيمٍ﴾ ﴿فَقالَ المَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ ما نَراكَ إلّا بَشَرًا مِثْلَنا وما نَراكَ اتَّبَعَكَ إلّا الَّذِينَ هم أراذِلُنا بادِيَ الرَّأْيِ وما نَرى لَكم عَلَيْنا مِن فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكم كاذِبِينَ﴾: هَذِهِ السُّورَةُ في قَصَصِها شَبِيهَةٌ بِسُورَةِ الأعْرافِ، بُدِئَ فِيها بِـ نُوحٍ، ثُمَّ بِهُودٍ، ثُمَّ بِصالِحٍ، ثُمَّ بِلُوطٍ، مُقَدَّمًا عَلَيْهِ إبْراهِيمُ بِسَبَبِ قَوْمِ لُوطٍ، ثُمَّ بِشُعَيْبٍ، ثُمَّ بِـ مُوسى وهارُونَ، صَلّى اللَّهُ عَلى نَبِيِّنا وعَلَيْهِمْ أجْمَعِينَ. وذَكَرُوا وُجُوهَ حِكَمٍ وفَوائِدَ لِتَكْرارِ هَذِهِ القَصَصِ في القُرْآنِ. وقَرَأ النَّحْوِيّانِ وابْنُ كَثِيرٍ: أنِّي بِفَتْحِ الهَمْزَةِ أيْ: بِأنِّي، وباقِي السَّبْعَةِ: بِكَسْرِها عَلى إضْمارِ القَوْلِ. وقالَ أبُو عَلِيٍّ في قِراءَةِ الفَتْحِ: خُرُوجٌ مِنَ الغَيْبَةِ إلى المُخاطَبَةِ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وفي هَذا نَظَرٌ، وإنَّما هي حِكايَةُ مُخاطَبَةٍ لِقَوْمِهِ، ولَيْسَ هَذا حَقِيقَةَ الخُرُوجِ مِن غَيْبَةٍ إلى مُخاطَبَةٍ، ولَوْ كانَ الكَلامُ: أنْ أنْذِرْهم أوْ نَحْوَهُ لَصَحَّ ذَلِكَ، انْتَهى. * * ﴿ألّا تَعْبُدُوا إلّا اللَّهَ﴾ [هود: ٢]: ظاهِرٌ في أنَّهم كانُوا يَعْبُدُونَ الأوْثانَ كَما جاءَ مُصَرَّحًا في غَيْرِ هَذِهِ السُّورَةِ، وأنْ بَدَلٌ مِن أيْ لَكم في قِراءَةِ مَن فَتَحَ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ أنِ المُفَسِّرَةَ. وأمّا في قِراءَةِ مَن كَسَرَ فَيُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ المُفَسِّرَةَ، والمُراعى قَبْلَها: إمّا أرْسَلْنا وإمّا نَذِيرٌ مُبِينٌ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مَعْمُولَةً لَأرْسَلْنا أيْ: بِأنْ لا تَعْبُدُوا إلّا اللَّهَ، وإسْنادُ الألَمِ إلى اليَوْمِ مَجازٌ لِوُقُوعِ الألَمِ فِيهِ لا بِهِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): فَإذا وُصِفَ بِهِ العَذابُ ؟ (قُلْتُ): مَجازِيٌّ مِثْلُهُ، لِأنَّ الألِيمَ في الحَقِيقَةِ هو المُعَذِّبُ، ونَظِيرُهُما قَوْلُكُ: نَهارُهُ صائِمٌ، انْتَهى. وهَذا عَلى أنْ يَكُونَ (ألِيمٍ) صِفَةَ مُبالَغَةٍ مِن ألِمَ، وهو: مَن كَثُرَ ألَمُهُ. فَإنْ كانَ ألِيمٍ بِمَعْنى: مُؤْلِمٍ، فَنِسْبَتُهُ لِلْيَوْمِ مَجازٌ، ولِلْعَذابِ حَقِيقَةٌ لَمّا أنْذَرَهم مِن عَذابِ اللَّهِ وأمَرَهم بِإفْرادِهِ بِالعِبادَةِ، وأخْبَرَ أنَّهُ رَسُولٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ، ذَكَرُوا أنَّهُ مُماثِلُهم في البَشَرِيَّةِ، واسْتَبْعَدُوا أنْ يَبْعَثَ اللَّهُ رَسُولًا مِنَ البَشَرِ، وكَأنَّهم ذَهَبُوا إلى مَذْهَبِ البَراهِمَةِ الَّذِينَ يُنْكِرُونَ نُبُوَّةَ البَشَرِ عَلى الإطْلاقِ، ثُمَّ عَيَّرُوهُ بِأنَّهُ لَمْ يَتَّبِعْهُ إلّا الأراذِلُ أيْ: فَنَحْنُ لا نُساوِيهِمْ، ثُمَّ نَفَوْا أنْ يَكُونَ لَهُ عَلَيْهِمْ فَضْلٌ أيْ: أنْتَ مُساوِينا في البَشَرِيَّةِ ولا فَضْلَ لَكَ عَلَيْنا، فَكَيْفَ امْتَزْتَ بِأنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ ؟ . وفِي قَوْلِهِ: ﴿إلّا الَّذِينَ هم أراذِلُنا﴾: مُبالَغَةٌ في الإخْبارِ، وكَأنَّهُ مُؤْذِنٌ بِتَأْكِيدِ حَصْرِ مَنِ اتَّبَعَهُ، وأنَّهم هُمُ الأراذِلُ لَمْ يَشْرَكْهم شَرِيفٌ في ذَلِكَ. وفي الحَدِيثِ إنَّهم كانُوا حاكَةً وحَجّامِينَ وقالَ النَّحّاسُ: هُمُ الفُقَراءُ والَّذِينَ لا حَسَبَ لَهم، والخَسِيسُوا الصِّناعاتِ. وفِي حَدِيثِ هِرَقْلَ: أشْرافُ النّاسِ اتَّبَعُوهُ أمْ ضُعَفاؤُهم ؟ فَقالَ: بَلْ ضُعَفاؤُهم، فَقالَ: هم أتْباعُ الرُّسُلِ قَبْلُ وإنَّما كانَ كَذَلِكَ لِاسْتِيلاءِ الرِّئاسَةِ عَلى الأشْرافِ، وصُعُوبَةِ الِانْفِكاكِ عَنْها، والأنَفَةِ مِنَ الِانْقِيادِ لِغَيْرِهِمْ، والفَقِيرُ خَلِيٌّ عَنْ تِلْكَ المَوانِعِ فَهو سَرِيعٌ إلى الإجابَةِ والِانْقِيادِ. (ونَراكَ): يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ بَصَرِيَّةً، وأنْ تَكُونَ عِلْمِيَّةً. قالُوا: وأراذِلُ: جَمْعُ الجَمْعِ، فَقِيلَ: جَمْعُ أرْذُلٍ كَكَلْبٍ وأكْلُبٍ وأكالِبٍ. وقِيلَ: جَمْعُ أرْذالٍ، وقِياسُهُ أراذِيلُ. والظّاهِرُ أنَّهُ جَمْعُ أرْذَلَ الَّتِي هي أفْعَلُ التَّفْضِيلِ، وجاءَ جَمْعًا كَما جاءَ: أكابِرَ مُجْرِمِيها (p-٢١٥)وأحاسِنُكم أخْلاقًا. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ما نَراكَ إلّا بَشَرًا مِثْلَنا، تَعْرِيضٌ بِأنَّهم أحَقُّ مِنهُ بِالنُّبُوَّةِ، وأنَّ اللَّهَ لَوْ أرادَ أنْ يَجْعَلَها في أحَدٍ مِنَ البَشَرِ لَجَعَلَها فِيهِمْ، فَقالُوا: هَبْ أنَّكَ واحِدٌ مِنَ المَلَأِ ومُوازِيهِمْ في المَنزِلَةِ، فَما جَعَلَكَ أحَقَّ مِنهم ؟ ألا تَرى إلى قَوْلِهِمْ: ﴿وما نَرى لَكم عَلَيْنا مِن فَضْلٍ﴾، أوْ أرادُوا أنَّهُ كانَ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ مَلَكًا لا بَشَرًا، ولا يَظْهَرُ ما قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ مِنَ الآيَةِ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو و عِيسى الثَّقَفِيُّ: (بادِئَ الرَّأْيِ) مِن بَدَأ يَبْدَأُ ومَعْناهُ: أوَّلُ الرَّأْيِ. وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ: بادِي بِالياءِ مِن بَدا يَبْدُو، ومَعْناهُ: ظاهِرُ الرَّأْيِ. وقِيلَ: بادِي بِالياءِ مَعْناهُ: بادِئٌ بِالهَمْزِ، فَسُهِّلَتِ الهَمْزَةُ بِإبْدالِها ياءً لِكَسْرِ ما قَبْلِها. وذَكَرُوا أنَّهُ مَنصُوبٌ عَلى الظَّرْفِ، والعامِلُ فِيهِ نَراكَ أوِ اتَّبَعَكَ أوْ أراذِلُنا أيْ: وما نَراكَ فِيما يَظْهَرُ لَنا مِنَ الرَّأْيِ، أوْ في أوَّلِ رَأْيِنا، أوْ وما نَراكَ اتَّبَعَكَ أوَّلَ رَأْيِهِمْ، أوْ ظاهِرُ رَأْيِهِمْ. واحْتَمَلَ هَذا الوَجْهُ مَعْنَيَيْنِ: أحَدُهُما: أنْ يُرِيدَ: اتَّبَعَكَ في ظاهِرِ أمْرِهِمْ، وعَسى أنْ تَكُونَ بَواطِنُهم لَيْسَتْ مَعَكَ. والمَعْنى الثّانِي: أنْ يُرِيدَ: اتَّبَعُوكَ بِأوَّلِ نَظَرٍ وبِالرَّأْيِ البادِئِ دُونَ تَعَقُّبٍ، ولَوْ تَثَبَّتُوا لَمْ يَتَّبِعُوكَ، وفي هَذا الوَجْهِ ذَمُّ الرَّأْيِ غَيْرِ المَرْوِيِّ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: اتَّبَعُوكَ أوَّلَ الرَّأْيِ، أوْ ظاهِرَ الرَّأْيِ، وانْتِصابُهُ عَلى الظَّرْفِ أصْلُهُ وقْتَ حُدُوثِ أوَّلِ أمْرِهِمْ، أوْ وقْتَ حُدُوثِ ظاهِرِ رَأْيِهِمْ، فَحُذِفَ ذَلِكَ، وأُقِيمَ المُضافُ إلَيْهِ مَقامَهُ، أرادُوا: أنَّ اتِّباعَهم لَكَ إنَّما هو شَيْءٌ عَنَّ لَهم بَدِيهَةً مِن غَيْرِ رَوِيَّةٍ ونَظَرٍ، انْتَهى. وكَوْنُهُ مَنصُوبًا عَلى الظَّرْفِ هو قَوْلُ أبِي عَلِيٍّ في الحُجَّةِ، وإنَّما حَمَلَهُ عَلى الظَّرْفِ ولَيْسَ بِزَمانٍ ولا مَكانٍ، لِأنَّ في مُقَدَّرَةٌ فِيهِ أيْ: في ظاهِرِ الأمْرِ، أوْ في أوَّلِ الأمْرِ. وعَلى هَذَيْنِ التَّقْدِيرَيْنِ أعْنِي أنْ يَكُونَ العامِلُ فِيهِ: نَراكَ، أوِ اتَّبَعَكَ، يَقْتَضِي أنْ لا يَجُوزَ ذَلِكَ، لِأنَّ ما بَعْدَ إلّا لا يَكُونُ مَعْمُولًا لِما قَبْلَها، إلّا إنْ كانَ مُسْتَثْنًى مِنهُ نَحْوَ: قامَ إلّا زَيْدًا القَوْمُ، أوْ مُسْتَثْنًى نَحْوَ: جاءَ القَوْمُ إلّا زَيْدًا، أوْ تابِعًا لِلْمُسْتَثْنى مِنهُ نَحْوَ: ما جاءَنِي أحَدٌ إلّا زَيْدٌ أخْبَرَنِي عَمْرٌو، وبادِئَ الرَّأْيِ لَيْسَ واحِدًا مِن هَذِهِ الثَّلاثَةِ. وأُجِيبَ بِأنَّهُ ظَرْفٌ، أوْ كالظَّرْفِ مِثْلَ: جُهْدَ رَأْيٍ إنَّكَ ذاهِبٌ، أيْ: إنَّكَ ذاهِبٌ في جُهْدِ رَأْيٍ، والظُّرُوفِ يُتَّسَعُ فِيها. وإذا كانَ العامِلُ أراذِلُنا فَمَعْناهُ: الَّذِينَ هم أراذِلُنا بِأقَلِّ نَظَرٍ فِيهِمْ، وبِبادِئِ الرَّأْيِ يُعْلَمُ ذَلِكَ مِنهم. وقِيلَ: ﴿بادِيَ الرَّأْيِ﴾: نَعْتٌ لِقَوْلِهِ: (بَشَرًا) . وقِيلَ: انْتَصَبَ حالًا مِن ضَمِيرِ نُوحٍ في اتَّبَعَكَ، أيْ: وأنْتَ مَكْشُوفُ الرَّأْيِ لا حَصافَةَ لَكَ. وقِيلَ: انْتَصَبَ عَلى النِّداءِ لِـ نُوحٍ أيْ: يا بادِيَ الرَّأْيِ، أيْ: ما في نَفْسِكَ مِنَ الرَّأْيِ ظاهِرٌ لِكُلِّ أحَدٍ، قالُوا ذَلِكَ تَعْجِيزًا لَهُ. وقِيلَ: انْتَصَبَ عَلى المَصْدَرِ، وجاءَ الظَّرْفُ والمَصْدَرُ عَلى فاعِلٍ، ولَيْسَ بِالقِياسِ. فالرَّأْيُ هُنا إمّا مِن رُؤْيَةِ العَيْنِ، وإمّا مِنَ الفِكْرِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وإنَّما اسْتَرْذَلُوا المُؤْمِنِينَ لِفَقْرِهِمْ وتَأخُّرِهِمْ في الأسْبابِ الدُّنْيَوِيَّةِ، لِأنَّهم كانُوا جُهّالًا ما كانُوا يَعْلَمُونَ إلّا ظاهِرًا مِنَ الحَياةِ الدُّنْيا، فَكانَ الأشْرَفُ عِنْدَهم مَن لَهُ جاهٌ ومالٌ، انْتَهى. وظاهِرُ الخِطابِ في لَكم شامِلٌ لِـ نُوحٍ ومَنِ اتَّبَعَهُ، والمَعْنى: لَيْسَ لَكم عَلَيْنا زِيادَةٌ في مالٍ، ونَسَبٍ، ولا دِينٍ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: في الخَلْقِ والخُلُقِ، وقِيلَ: بِكَثْرَةِ المُلْكِ والمِلْكِ، وقِيلَ: بِمُتابَعَتِكم نُوحًا ومُخالَفَتِكم لَنا، وقِيلَ: مِن شَرَفٍ يُؤَهِّلُكم لِلنُّبُوَّةِ، وقالَ الكَلْبِيُّ: نَظُنُّكم: نَتَيَقَّنُكم، وقالَ مُقاتِلٌ: نَحْسَبُكم، أيْ في دَعْوى نُوحٍ وتَصْدِيقِكم، وقالَ صاحِبُ العِتِيّانِ: بَلْ نَظُنُّكم كاذِبِينَ تَوَسُّلًا إلى الرِّئاسَةِ والشُّهْرَةِ.

هود 11:20

﴿أفَمَن كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ ويَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنهُ ومِن قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى إمامًا ورَحْمَةً أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ ومَن يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الأحْزابِ فالنّارُ مَوْعِدُهُ فَلا تَكُ في مِرْيَةٍ مِنهُ إنَّهُ الحَقُّ مِن رَبِّكَ ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يُؤْمِنُونَ﴾: لَمّا ذَكَرَ حالَ مَن يُرِيدُ الحَياةَ الدُّنْيا، ذَكَرَ حالَ مَن يُرِيدُ وجْهَ اللَّهِ تَعالى بِأعْمالِهِ الصّالِحَةِ، وحُذِفَ المُعادِلُ الَّذِي دَخَلَتْ عَلَيْهِ الهَمْزَةُ والتَّقْدِيرُ: كَمَن يُرِيدُ الحَياةَ الدُّنْيا. وكَثِيرًا ما حُذِفَ في القُرْآنِ كَقَوْلِهِ: ﴿أفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا﴾ [فاطر: ٨] وقَوْلِهِ: ﴿أمْ مَن هو قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ﴾ [الزمر: ٩] وهَذا اسْتِفْهامٌ مَعْناهُ: التَّقْرِيرُ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أيْ: لا تَعْقِبُونَهم في المَنزِلَةِ ولا تُفارِقُونَهم، يُرِيدُ أنَّ بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ تَفاوُتًا بَعِيدًا وتَبايُنًا بَيِّنًا، وأرادَ بِهِمْ مَن آمَنَ مِنَ اليَهُودِ كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ وغَيْرِهِ، كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ أيْ: عَلى بُرْهانٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى، وبَيانٍ أنَّ دِينَ الإسْلامِ حَقٌّ وهو دَلِيلُ العَقْلِ ويَتْلُوهُ، ويَتْبَعُ ذَلِكَ البُرْهانَ شاهِدٌ مِنهُ، أيْ: شاهِدٌ يَشْهَدُ بِصِحَّتِهِ، وهو القُرْآنُ مِنهُ مِنَ اللَّهِ، أوْ شاهِدٌ مِنَ القُرْآنِ ومِن قَبْلِهِ: ومِن قَبْلِ القُرْآنِ كِتابُ مُوسى وهو: التَّوْراةُ، أيْ: ويَتْلُو ذَلِكَ أيْضًا مِن قَبْلِ القُرْآنِ كِتابُ مُوسى. وقُرِئَ: (كِتابَ مُوسى) بِالنَّصْبِ، ومَعْناهُ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ وهو الدَّلِيلُ عَلى أنَّ القُرْآنَ حَقٌّ، ويَتْلُوهُ ويَقْرَأُ القُرْآنَ شاهِدٌ مِنهُ، شاهِدٌ مِمَّنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ كَقَوْلِهِ: ﴿وشَهِدَ شاهِدٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ عَلى مِثْلِهِ﴾ [الأحقاف: ١٠] ﴿قُلْ كَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وبَيْنَكم ومَن عِنْدَهُ عِلْمُ الكِتابِ﴾ [الرعد: ٤٣] . ﴿ومِن قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى﴾: ويَتْلُوهُ ومِن قَبْلِ التَّوْراةِ، إمامًا: كِتابًا مُؤْتَمًّا في الدِّينِ قُدْوَةً فِيهِ، انْتَهى. وقِيلَ في ﴿أفَمَن كانَ﴾: المُؤْمِنُونَ بِالرَّسُولِ، (p-٢١١)وقِيلَ: مُحَمَّدٌ ﷺ خاصَّةً. وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ وابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ ومُجاهِدٌ والضَّحّاكُ: مُحَمَّدٌ والمُؤْمِنُونَ جَمِيعًا، والبَيِّنَةُ: القُرْآنُ أوِ الرَّسُولُ، والهاءُ لِلْمُبالَغَةِ. والشّاهِدُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ والنَّخَعِيُّ ومُجاهِدٌ والضَّحّاكُ وأبُو صالِحٍ وعِكْرِمَةُ: هو جِبْرِيلُ. وقالَ الحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ: هو الرَّسُولُ. وقالَ أيْضًا مُجاهِدٌ: هو مَلَكٌ وكَّلَهُ اللَّهُ بِحِفْظِ القُرْآنِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِهَذِهِ الألْفاظِ: جِبْرِيلَ، وقِيلَ: وعَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ. ورَوى المِنهالُ عَنْ عُبادَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ وجْهَهُ: ما في قُرَيْشٍ أحَدٌ إلّا وقَدْ نَزَلَتْ فِيهِ آيَةٌ قِيلَ: فَما نَزَلَ فِيكَ ؟ قالَ: ﴿ويَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنهُ﴾، وبِهِ قالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ. وقِيلَ: هو الإنْجِيلُ قالَهُ: الفَرّاءُ. وقِيلَ: هو القُرْآنُ، وقِيلَ: هو إعْجازُ القُرْآنِ، قالَهُ الحُسَيْنُ بْنُ الفَضْلِ، وقِيلَ: صُورَةُ الرَّسُولِ ﷺ ووَجْهُهُ ومَخايِلُهُ، لِأنَّ كُلَّ عاقِلٍ نَظَرَ إلَيْهِ عَلِمَ أنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . وقِيلَ: وأبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، والضَّمِيرُ في مِنهُ يَعُودُ إلى الدِّينِ، أوْ إلى الرَّسُولِ، أوْ إلى القُرْآنِ. ويَتْلُوهُ: بِمَعْنى يَتْبَعُهُ، أوْ يَقْرَؤُهُ، والضَّمِيرُ المَرْفُوعُ في يَتْلُوهُ والمَنصُوبُ والمَجْرُورُ في مِنهُ، يَتَرَتَّبُ عَلى ما يُناسِبُهُ كُلُّ قَوْمٍ مِن هَذِهِ. وقَرَأ مُحَمَّدُ بْنُ السّائِبِ الكَلْبِيُّ وغَيْرُهُ: ﴿كِتابُ مُوسى﴾ بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلى مَفْعُولِ يَتْلُوهُ، أوْ بِإضْمارِ فِعْلٍ. وإذا لَمْ يُعْنَ بِالشّاهِدِ الإنْجِيلُ فَإنَّما خَصَّ التَّوْراةَ بِالذِّكْرِ، لِأنَّ المِلَّتَيْنِ مُجْتَمِعَتانِ عَلى أنَّها مِن عِنْدِ اللَّهِ، والإنْجِيلُ يُخالِفُ فِيهِ اليَهُودُ، فَكانَ الِاسْتِشْهادُ بِما تَقُومُ بِهِ الحُجَّةُ عَلى الفَرِيقَيْنِ أوْلى. وهَذا يَجْرِي مَعَ قَوْلِ الجِنِّ: ﴿إنّا سَمِعْنا كِتابًا أُنْزِلَ مِن بَعْدِ مُوسى﴾ [الأحقاف: ٣٠] ومَعَ قَوْلِ النَّجاشِيِّ: إنَّ هَذا والَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى لَيَخْرُجُ مِن مِشْكاةٍ واحِدَةٍ. وانْتَصَبَ إمامًا عَلى الحالِ، والَّذِي يَظْهَرُ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ، أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ الكُفّارَ وأنَّهم لَيْسَ لَهم إلّا النّارُ، أعْقَبَ بِضِدِّهِمْ وهُمُ المُؤْمِنُونَ، وهُمُ الَّذِينَ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِمْ، والشّاهِدُ: القُرْآنُ، ومِنهُ عائِدٌ عَلى رَبِّهِ. ويَدُلُّ عَلى أنَّ الشّاهِدَ القُرْآنُ ذِكْرُ قَوْلِهِ: (ومِن قَبْلِهِ)، أيْ: ومِن قَبْلِ القُرْآنِ كِتابُ مُوسى، فَمَعْناهُ: أنَّهُ تَظافَرَ عَلى هِدايَتِهِ شَيْئانِ: كَوْنُهُ عَلى أمْرٍ واضِحٍ مِن بُرْهانِ العَقْلِ، وكَوْنُهُ يُوافِقُ ذَلِكَ البُرْهانُ هَذَيْنِ الكِتابَيْنِ الإلَهِيَّيْنِ: القُرْآنَ والتَّوْراةَ، فاجْتَمَعَ لَهُ العَقْلُ والنَّقْلُ. والإشارَةُ بِأُولَئِكَ: إلى مَن كانَ عَلى بَيِّنَةٍ، راعى مَعْنى مَعَ فَجَمَعَ، والضَّمِيرُ في بِهِ يَعُودُ إلى التَّوْراةِ، أوْ إلى القُرْآنِ، أوْ إلى الرَّسُولِ، ثَلاثَةُ أقْوالٍ. والأحْزابُ جَمِيعُ المِلَلِ قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ، أوِ اليَهُودُ والنَّصارى، قالَهُ قَتادَةُ، أوْ قُرَيْشٌ، قالَهُ السُّدِّيُّ، أوْ بَنُو أُمَيَّةَ وبَنُو المُغِيرَةِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ المَخْزُومِيِّ، وآلُ أبِي طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ، قالَهُ مُقاتِلٌ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَعْنِي أهْلَ مَكَّةَ ومَن ضامَّهم مِنَ المُتَحَزِّبِينَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، انْتَهى. ﴿فالنّارُ مَوْعِدُهُ﴾ أيْ: مَكانُ وعْدِهِ الَّذِي يَصِيرُونَ إلَيْهِ. وقالَ حَسّانُ: أوْرَدْتُمُونا حِياضَ المَوْتِ ضاحِيَةً فالنّارُ مَوْعِدُها والمَوْتُ لاقِيها والضَّمِيرُ في مِنهُ عائِدٌ عَلى القُرْآنِ، وقِيلَ: عَلى الخَبَرِ، بِأنَّ الكُفّارَ مَوْعِدُهُمُ النّارُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (في مِرْيَةٍ) بِكَسْرِ المِيمِ، وهي لُغَةُ الحِجازِ. وقَرَأ السُّلَمِيُّ وأبُو رَجاءٍ وأبُو الخَطّابِ السُّدُوسِيُّ والحَسَنُ: بِضَمِّها، وهي لُغَةُ أسَدٍ وتَمِيمٍ، والنّاسُ: أهْلُ مَكَّةَ قالَهُ: ابْنُ عَبّاسٍ، أوْ: جَمِيعُ الكُفّارِ مِن شاكٍّ وجاهِلٍ ومُعانِدٍ قالَهُ: صاحِبُ العِقْيانِ. ﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا أُولَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلى رَبِّهِمْ ويَقُولُ الأشْهادُ هَؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلى رَبِّهِمْ ألا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلى الظّالِمِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ويَبْغُونَها عِوَجًا وهم بِالآخِرَةِ هم كافِرُونَ﴾ ﴿أُولَئِكَ لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ في الأرْضِ وما كانَ لَهم مِن دُونِ اللَّهِ مِن أوْلِياءَ يُضاعَفُ لَهُمُ العَذابُ ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وما كانُوا يُبْصِرُونَ﴾ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم وضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ ﴿لا جَرَمَ أنَّهم في الآخِرَةِ هُمُ الأخْسَرُونَ﴾: (p-٢١٢)لَمّا سَبَقَ قَوْلُهم: ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ﴾ [هود: ١٣]، ذَكَرَ أنَّهُ لا أحَدَ أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا، وهُمُ المُفْتَرُونَ الَّذِينَ نَسَبُوا إلى اللَّهِ الوَلَدَ، واتَّخَذُوا مَعَهُ آلِهَةً، وحَرَّمُوا وحَلَّلُوا مِن غَيْرِ شَرْعِ اللَّهِ، وعَرْضُهم عَلى اللَّهِ بِمَعْنى: التَّشْهِيرِ لِخِزْيِهِمْ والإشارَةِ بِكَذِبِهِمْ، وإلّا فالطّائِعُ والعاصِي يُعْرَضُونَ عَلى اللَّهِ ﴿وعُرِضُوا عَلى رَبِّكَ صَفًّا﴾ [الكهف: ٤٨] والأشْهادُ: جَمْعُ شاهِدٍ، كَصاحِبٍ وأصْحابٍ، أوْ جَمْعُ شَهِيدٍ كَشَرِيفٍ وأشْرافٍ، والأشْهادُ: المَلائِكَةُ الَّذِينَ يَحْفَظُونَ عَلَيْهِمْ أعْمالَهم في الدُّنْيا، أوِ الأنْبِياءُ، أوْ هُما المُؤْمِنُونَ، أوْ ما يَشْهَدُ عَلَيْهِمْ مِن أعْضائِهِمْ أقْوالٌ. وفي قَوْلِهِ: (هَؤُلاءِ): إشارَةٌ إلى تَحْقِيرِهِمْ وإصْغارِهِمْ بِسُوءِ مُرْتَكَبِهِمْ. وفِي قَوْلِهِ: (عَلى رَبِّهِمْ) أيْ: عَلى مَن يُحْسِنُ إلَيْهِمْ ويَمْلِكُ نَواصِيَهم، وكانُوا جَدِيرِينَ أنْ لا يَكْذِبُوا عَلَيْهِ، وهَذا كَما تَقُولُ إذا رَأيْتَ مُجْرِمًا: هَذا الَّذِي فَعَلَ كَذا وكَذا. وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ الجُمْلَةِ بَعْدَ هَذا. وهم: تَأْكِيدٌ لِقَوْلِهِ: وهم، وقَوْلُهُ: (مُعْجِزِينَ)، أيْ: كانُوا لا يُعْجِزُونَ اللَّهَ في الدُّنْيا أنْ يُعاقِبَهم لَوْ أرادَ عِقابَهم، وما كانَ لَهم مَن يَنْصُرُهم ويَمْنَعُهم مِنَ العِقابِ، ولَكِنَّهُ أرادَ إنْظارَهم وتَأْخِيرَ عِقابِهِمْ إلى هَذا اليَوْمِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وهو كَلامُ الأشْهادِ يَعْنِي: أنَّ كَلامَهم مِن قَوْلِهِمْ: هَؤُلاءِ إلى آخِرِ هَذِهِ الجُمْلَةِ الَّتِي هي وما كانَ لَهم مِن دُونِ اللَّهِ مِن أوْلِياءَ. وقَدْ يَظْهَرُ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ألا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلى الظّالِمِينَ﴾: مِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى لا عَلى سَبِيلِ الحِكايَةِ، ويَدُلُّ لِقَوْلِ الزَّمَخْشَرِيِّ قَوْلُهُ: ﴿فَأذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهم أنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلى الظّالِمِينَ﴾ [الأعراف: ٤٤] الآيَةَ، فَكَما أنَّهُ مِن كَلامِ المَخْلُوقِينَ في تِلْكَ الآيَةِ، فَكَذَلِكَ هُنا يُضاعَفُ لَهُمُ العَذابُ: يُشَدَّدُ ويَكْثُرُ، وهَذا اسْتِئْنافُ إخْبارٍ عَنْ حالِهِمْ في الآخِرَةِ، لِأنَّهم جَمَعُوا إلى الكُفْرِ بِالبَعْثِ الكَذِبَ عَلى اللَّهِ، وصَدَّ عِبادِهِ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ، وبَغْيَ العِوَجِ لَها، وهي الطَّرِيقَةُ المُسْتَقِيمَةُ. ﴿ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ﴾: إخْبارٌ عَنْ حالِهِمْ في الدُّنْيا عَلى سَبِيلِ المُبالَغَةِ يَعْنِي: السَّمْعَ لِلْقُرْآنِ، ولِما جاءَ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ . ﴿وما كانُوا يُبْصِرُونَ﴾ أيْ: يَنْظُرُونَ إلَيْهِ لِبُغْضِهِمْ فِيهِ. ألا تَرى إلى حَشْوِ الطُّفَيْلِ بْنِ عَمْرٍو أُذُنَيْهِ مِنَ الكُرْسُفِ، وإبايَةِ قُرَيْشٍ أنْ يَسْمَعُوا ما نُقِلَ إلَيْهِمْ مِن كَلامِ الرَّسُولِ حَتّى تَرُدَّهم عَنْ ذَلِكَ مَشْيَخَتُهم ؟ أوْ إخْبارٌ عَنْ حالِهِمْ إذا ضُعِّفَ لَهُمُ العَذابُ أيْ: أنَّهُ تَعالى حَتَمَّ عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ، فَهم لا يَسْمَعُونَ لِذَلِكَ سَماعًا يَنْتَفِعُونَ بِهِ، ولا يُبْصِرُونَ لِذَلِكَ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ في كانُوا عائِدٌ عَلى أوْلِياؤُهم: آلِهَتُهم أيْ: فَما كانَ لَهم في الحَقِيقَةِ مِن أوْلِياءَ وإنْ كانُوا يَعْتَقِدُونَ أنَّهم أوْلِياءُ. ويَعْنِي أنَّهُ مَن لا يَسْتَطِيعُ أنْ يَسْمَعَ ولا يُبْصِرَ فَكَيْفَ يَصْلُحُ لِلْوِلايَةِ ؟ ويَكُونُ ﴿يُضاعَفُ لَهُمُ العَذابُ﴾ اعْتِراضًا، وما عَلى هَذِهِ الأقْوالِ نَفْيٌ. وقِيلَ: ما مَصْدَرِيَّةٌ أيْ: يُضاعَفُ لَهُمُ العَذابُ مُدَّةَ اسْتِطاعَتِهِمُ السَّمْعَ وإبْصارِهِمْ، والمَعْنى: أنَّ العَذابَ وتَضْعِيفَهُ دائِمٌ لَهم مُتَمادٍ. وأجازَ الفَرّاءُ أنْ تَكُونَ ما مَصْدَرِيَّةً، وحُذِفَ حَرْفُ الجَرِّ مِنها كَما يُحْذَفُ مَعَ أنْ وإنْ أُخْتَيْها، وهَذا فِيهِ بُعْدٌ في اللَّفْظِ وفي المَعْنى. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أرادَ أنَّهم لِفَرْطِ تَصامِّهِمْ عَنِ اتِّباعِ الحَقِّ وكَراهَتِهِمْ لَهُ كَأنَّهم لا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ، ولَعَلَّ بَعْضَ المُجْبِرَةِ يَتَوَثَّبُ إذا عَثَرَ عَلَيْهِ فَيُوَعْوِعُ بِهِ عَلى أهْلِ العَدْلِ، كَأنَّهُ لَمْ يَسْمَعِ النّاسَ يَقُولُونَ في كُلِّ لِسانٍ: هَذا الكَلامُ لا أسْتَطِيعُ أسْمَعُهُ، وهَذا مِمّا يَمُجُّهُ سَمْعِي، انْتَهى. يَعْنِي: أنَّهُ يُمْكِنُ أنْ يُسْتَدَلَّ بِهِ عَلى أنَّ العَبْدَ لا قُدْرَةَ لَهُ، لِأنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ نَفى عَنْهُ اسْتِطاعَةَ السَّمْعِ، وإذا انْتَفَتْ الِاسْتِطاعَةُ مِنهُ انْتَفَتْ قُدْرَتُهُ. والزَّمَخْشَرِيُّ عَلى عادَتِهِ في السَّفَهِ عَلى أهْلِ السُّنَّةِ وخُسْرانِهِمْ أنْفُسِهِمْ، لِكَوْنِهِمُ اشْتَرَوْا عِبادَةَ الآلِهَةِ بِعِبادَةِ اللَّهِ تَعالى، فَخَسِرُوا في تِجارَتِهِمْ خُسْرانًا لا خُسْرانَ أعْظَمُ مِنهُ. وهُوَ عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ: راحَةُ أوْ سَعادَةُ أنْفُسِهِمْ، وإلّا فَأنْفُسُهم باقِيَةٌ مُعَذَّبَةٌ. وبَطَلَ عَنْهم ما افْتَرَوْهُ مِن عِبادَةِ الآلِهَةِ، وكَوْنِهِمْ يَعْتَقِدُونَ شَفاعَتَها إذا رَأوْا أنَّها لا تَشْفَعُ ولا تَنْفَعُ. لا جَرَمَ: مَذْهَبُ الخَلِيلِ وسِيبَوَيْهِ أنَّهُما رُكِّبا مِن: لا وجَرَمَ وبُنِيا، والمَعْنى: حَقَّ، وما بَعْدَهُ رُفِعَ بِهِ عَلى الفاعِلِيَّةِ (p-٢١٣)وقالَ الحَوْفِيُّ: جَرَمَ مَنفِيٌّ بِلا بِمَعْنى: حَقَّ، وهو مَبْنِيٌّ مَعَ لا في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِداءِ، وأنَّهم في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى خَبَرِ جَرَمَ. وقالَ قَوْمٌ: إنَّ جَرَمَ مَبْنِيَّةٌ مَعَ لا عَلى الفَتْحِ نَحْوَ قَوْلِكَ: لا رَجُلَ، ومَعْناها: لا بُدَّ ولا مَحالَةَ. وقالَ الكِسائِيُّ: مَعْناها: لا ضِدَّ ولا مَنعَ، فَتَكُونُ اسْمَ لا وهي مَبْنِيَّةٌ عَلى الفَتْحِ كالقَوْلِ الَّذِي قَبْلَهُ، وتَكُونُ جَرَمَ هُنا مِن مَعْنى القَطْعِ، نَقُولُ: جَرَمْتُ أيْ: قَطَعْتُ. وقالَ الزَّجّاجُ: لا تَرْكِيبَ بَيْنَهُما ولا رَدَّ عَلَيْهِمْ. ولِما تَقَدَّمَ مِن كُلِّ ما قَبْلَها مِمّا قالُوا: إنَّ الأصْنامَ تَنْفَعُهم. وجَرَمَ: فِعْلٌ ماضٍ مَعْناهُ: كَسَبَ، والفاعِلُ مُضْمَرٌ: أيَكْسِبُ هو أيْ: فِعْلُهم، وأنَّ وما بَعْدَها في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى المَفْعُولِ بِهِ، وجَرَمَ القَوْمَ: كاسَبَهم. وقالَ الشّاعِرُ: ؎نَصَبْنا رَأسَهُ في جِذْعِ نَخْلٍ بِما جَرَمَتْ يَداهُ وما اعْتَدَيْنا وقالَ آخَرُ: جَرِيمَةَ ناهِضٍ في رَأْسِ نِيقٍ تَرى لِعِظامِ ما جَمَعَتْ صَلِيبا ويُقالُ: لا جِرَمَ بِالكَسْرِ، ولا جَرَ: بِحَذْفِ المِيمِ. قالَ النَّحّاسُ: وزَعَمَ الكِسائِيُّ أنَّ فِيها أرْبَعَ لُغاتٍ: لا جَرَمَ، ولا عَنْ ذا جَرَمٍ، ولا أنْ ذا جَرَمٍ، قالَ: وناسٌ مِن فَزارَةَ يَقُولُونَ: لا جَرَمَ. وحَكى الفَرّاءُ فِيهِ لُغَتَيْنِ أُخْرَيَيْنِ، قالَ: بَنُو عامِرٍ يَقُولُونَ: لا ذا جَرَمٍ، وناسٌ مِنَ العَرَبِ يَقُولُونَ: لا جُرَمَ بِضَمِّ الجِيمِ. وقالَ الجُبّائِيُّ في نَوادِرِهِ: حُكِيَ عَنْ فَزارَةَ: لا جَرَ واللَّهِ لا أفْعَلُ ذاكَ، قالَ: ويُقالُ: لا ذا جَرَمٍ، ولا ذُو جَرَمٍ، ولا عَنْ ذا جَرَمٍ، ولا أنْ ذا جَرَمٍ، ولا أنْ جَرَمَ، ولا عَنْ جَرَمٍ، ولا ذا جَرَ واللَّهِ، بِغَيْرِ مِيمٍ: لا أفْعَلُ ذاكَ. وحَكى بَعْضُهم بِغَيْرِ لا جَرَمَ: أنَّكَ أنْتَ فَعَلْتَ ذاكَ، وعَنْ أبِي عَمْرٍو: لَأجْرَمَ أنَّ لَهُمُ النّارَ عَلى وزْنِ: لَأكْرَمَ، ولا جَرَ: حَذَفُوهُ لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمالِ كَما قالُوا: سَوْ تَرى يُرِيدُونَ: سَوْفَ تَرى. ولَمّا كانَ خُسْرانُ النَّفْسِ أعْظَمَ الخُسْرانِ، حُكِمَ عَلَيْهِمْ بِأنَّهم هُمُ الزّائِدُونَ في الخُسْرانِ عَلى كُلِّ خاسِرٍ مِن سِواهم مِنَ العُصاةِ مَآلُهُ إلى الرّاحَةِ، وإلى انْقِطاعِ خُسْرانِهِ بِخِلافِ هَؤُلاءِ، فَإنَّ خُسْرانَهم لا انْقِطاعَ لَهُ. ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ وأخْبَتُوا إلى رَبِّهِمْ أُولَئِكَ أصْحابُ الجَنَّةِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ ﴿مَثَلُ الفَرِيقَيْنِ كالأعْمى والأصَمِّ والبَصِيرِ والسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلًا أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾: لَمّا ذَكَرَ ما يَئُولُ إلَيْهِ الكُفّارُ مِنَ النّارِ، ذَكَرَ ما يَئُولُ إلَيْهِ المُؤْمِنُونَ مِنَ الجَنَّةِ، والفَرِيقانِ هُنا الكافِرُ والمُؤْمِنُ. ولَمّا كانَ تَقَدَّمَ ذِكْرُ الكُفّارِ وأُعْقِبَ بِذِكْرِ المُؤْمِنِينَ، جاءَ التَّمْثِيلُ هُنا مُبْتَدَأً بِالكافِرِ، فَقالَ: ﴿كالأعْمى والأصَمِّ﴾ . ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ مِن بابِ تَشْبِيهِ اثْنَيْنِ بِاثْنَيْنِ، فَقُوبِلَ الأعْمى بِالبَصِيرِ وهو طِباقٌ، وقُوبِلَ الأصَمُّ بِالسَّمِيعِ وهو طِباقٌ أيْضًا، والعَمى والصَّمَمُ: آفَتانِ تَمْنَعانِ مِنَ البَصَرِ والسَّمْعِ، ولَيْسَتا بِضِدَّيْنِ، لِأنَّهُ لا تَعاقُبَ بَيْنَهُما. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن تَشْبِيهٍ واحِدٍ بِوَصْفَيْهِ بِواحِدٍ بِوَصْفَيْهِ، فَيَكُونُ مِن عَطْفِ الصِّفاتِ كَما قالَ الشّاعِرُ: إلى المَلِكِ القَرْنِ وابْنِ الهُمامِ ولَيْثِ الكَرِيهَةِ في المُزْدَحَمْ ولَمْ يَجِئِ التَّرْكِيبُ: كالأعْمى والبَصِيرِ والأصَمِّ والسَّمِيعِ، فَيَكُونُ مُقابَلَةً في لَفْظِ الأعْمى وضِدِّهِ، وفي لَفْظَةِ الأصَمِّ وضِدِّهِ، لِأنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ انْسِدادَ العَيْنِ أتْبَعَهُ بِانْسِدادِ السَّمْعِ، ولَمّا ذَكَرَ انْفِتاحَ البَصَرِ أتْبَعَهُ بِانْفِتاحِ السَّمْعِ، وذَلِكَ هو الأُسْلُوبُ في المُقابَلَةِ، والأتَمُّ في الإعْجازِ. ويَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى نَظِيرُ (p-٢١٤)هَذِهِ المُقابَلَةِ في قَوْلِهِ في طَهَ: ﴿إنَّ لَكَ ألّا تَجُوعَ فِيها ولا تَعْرى﴾ [طه: ١١٨] ﴿وأنَّكَ لا تَظْمَأُ فِيها ولا تَضْحى﴾ [طه: ١١٩] واحْتُمِلَ أنْ تَكُونَ الكافُ نَفْسُها هي خَبَرُ المُبْتَدَأِ، فَيَكُونُ مَعْناها: مَعْنى المَثَلِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: مَثَلُ الفَرِيقَيْنِ مَثَلُ الأعْمى. واحْتُمِلَ أنْ يُرادَ بِالمَثَلِ: الصِّفَةُ، وبِالكافِ: مِثْلُ، فَيَكُونُ عَلى حَذْفٍ مُضافٍ، أيْ: كَمَثَلِ الأعْمى، وهَذا التَّشْبِيهُ تَشْبِيهُ مَعْقُولٍ بِمَحْسُوسٍ، فَأعْمى البَصِيرَةِ: أصَمُّها، شُبِّهَ بِأعْمى البَصَرِ أصَمُّ السَّمْعِ، ذَلِكَ في ظُلُماتِ الضَّلالاتِ مُتَرَدِّدٌ تائِهٌ، وهَذا في الطُّرُقاتِ مُحَيَّرٌ لا يَهْتَدِي إلَيْها. وجاءَ (أفَلا تَذَكَّرُونَ) لِيُنَبِّهَ عَلى أنَّهُ يُمْكِنُ زَوالُ هَذا العَمى وهَذا الصَّمَمُ المَعْقُولُ، فَيَجِبُ عَلى العاقِلِ أنْ يَتَذَكَّرَ ما هو فِيهِ، ويَسْعى في هِدايَةِ نَفْسِهِ. وانْتَصَبَ مَثَلًا عَلى التَّمْيِيزِ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا، انْتَهى. وفِيهِ بُعْدٌ، والظّاهِرُ: التَّمْيِيزُ وأنَّهُ مَنقُولٌ مِنَ الفاعِلِ، أصْلُهُ: هَلْ يَسْتَوِي مَثَلاهُما. ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا نُوحًا إلى قَوْمِهِ إنِّي لَكم نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ ﴿أنْ لا تَعْبُدُوا إلّا اللَّهَ إنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ ألِيمٍ﴾ ﴿فَقالَ المَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ ما نَراكَ إلّا بَشَرًا مِثْلَنا وما نَراكَ اتَّبَعَكَ إلّا الَّذِينَ هم أراذِلُنا بادِيَ الرَّأْيِ وما نَرى لَكم عَلَيْنا مِن فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكم كاذِبِينَ﴾: هَذِهِ السُّورَةُ في قَصَصِها شَبِيهَةٌ بِسُورَةِ الأعْرافِ، بُدِئَ فِيها بِـ نُوحٍ، ثُمَّ بِهُودٍ، ثُمَّ بِصالِحٍ، ثُمَّ بِلُوطٍ، مُقَدَّمًا عَلَيْهِ إبْراهِيمُ بِسَبَبِ قَوْمِ لُوطٍ، ثُمَّ بِشُعَيْبٍ، ثُمَّ بِـ مُوسى وهارُونَ، صَلّى اللَّهُ عَلى نَبِيِّنا وعَلَيْهِمْ أجْمَعِينَ. وذَكَرُوا وُجُوهَ حِكَمٍ وفَوائِدَ لِتَكْرارِ هَذِهِ القَصَصِ في القُرْآنِ. وقَرَأ النَّحْوِيّانِ وابْنُ كَثِيرٍ: أنِّي بِفَتْحِ الهَمْزَةِ أيْ: بِأنِّي، وباقِي السَّبْعَةِ: بِكَسْرِها عَلى إضْمارِ القَوْلِ. وقالَ أبُو عَلِيٍّ في قِراءَةِ الفَتْحِ: خُرُوجٌ مِنَ الغَيْبَةِ إلى المُخاطَبَةِ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وفي هَذا نَظَرٌ، وإنَّما هي حِكايَةُ مُخاطَبَةٍ لِقَوْمِهِ، ولَيْسَ هَذا حَقِيقَةَ الخُرُوجِ مِن غَيْبَةٍ إلى مُخاطَبَةٍ، ولَوْ كانَ الكَلامُ: أنْ أنْذِرْهم أوْ نَحْوَهُ لَصَحَّ ذَلِكَ، انْتَهى. * * ﴿ألّا تَعْبُدُوا إلّا اللَّهَ﴾ [هود: ٢]: ظاهِرٌ في أنَّهم كانُوا يَعْبُدُونَ الأوْثانَ كَما جاءَ مُصَرَّحًا في غَيْرِ هَذِهِ السُّورَةِ، وأنْ بَدَلٌ مِن أيْ لَكم في قِراءَةِ مَن فَتَحَ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ أنِ المُفَسِّرَةَ. وأمّا في قِراءَةِ مَن كَسَرَ فَيُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ المُفَسِّرَةَ، والمُراعى قَبْلَها: إمّا أرْسَلْنا وإمّا نَذِيرٌ مُبِينٌ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مَعْمُولَةً لَأرْسَلْنا أيْ: بِأنْ لا تَعْبُدُوا إلّا اللَّهَ، وإسْنادُ الألَمِ إلى اليَوْمِ مَجازٌ لِوُقُوعِ الألَمِ فِيهِ لا بِهِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): فَإذا وُصِفَ بِهِ العَذابُ ؟ (قُلْتُ): مَجازِيٌّ مِثْلُهُ، لِأنَّ الألِيمَ في الحَقِيقَةِ هو المُعَذِّبُ، ونَظِيرُهُما قَوْلُكُ: نَهارُهُ صائِمٌ، انْتَهى. وهَذا عَلى أنْ يَكُونَ (ألِيمٍ) صِفَةَ مُبالَغَةٍ مِن ألِمَ، وهو: مَن كَثُرَ ألَمُهُ. فَإنْ كانَ ألِيمٍ بِمَعْنى: مُؤْلِمٍ، فَنِسْبَتُهُ لِلْيَوْمِ مَجازٌ، ولِلْعَذابِ حَقِيقَةٌ لَمّا أنْذَرَهم مِن عَذابِ اللَّهِ وأمَرَهم بِإفْرادِهِ بِالعِبادَةِ، وأخْبَرَ أنَّهُ رَسُولٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ، ذَكَرُوا أنَّهُ مُماثِلُهم في البَشَرِيَّةِ، واسْتَبْعَدُوا أنْ يَبْعَثَ اللَّهُ رَسُولًا مِنَ البَشَرِ، وكَأنَّهم ذَهَبُوا إلى مَذْهَبِ البَراهِمَةِ الَّذِينَ يُنْكِرُونَ نُبُوَّةَ البَشَرِ عَلى الإطْلاقِ، ثُمَّ عَيَّرُوهُ بِأنَّهُ لَمْ يَتَّبِعْهُ إلّا الأراذِلُ أيْ: فَنَحْنُ لا نُساوِيهِمْ، ثُمَّ نَفَوْا أنْ يَكُونَ لَهُ عَلَيْهِمْ فَضْلٌ أيْ: أنْتَ مُساوِينا في البَشَرِيَّةِ ولا فَضْلَ لَكَ عَلَيْنا، فَكَيْفَ امْتَزْتَ بِأنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ ؟ . وفِي قَوْلِهِ: ﴿إلّا الَّذِينَ هم أراذِلُنا﴾: مُبالَغَةٌ في الإخْبارِ، وكَأنَّهُ مُؤْذِنٌ بِتَأْكِيدِ حَصْرِ مَنِ اتَّبَعَهُ، وأنَّهم هُمُ الأراذِلُ لَمْ يَشْرَكْهم شَرِيفٌ في ذَلِكَ. وفي الحَدِيثِ إنَّهم كانُوا حاكَةً وحَجّامِينَ وقالَ النَّحّاسُ: هُمُ الفُقَراءُ والَّذِينَ لا حَسَبَ لَهم، والخَسِيسُوا الصِّناعاتِ. وفِي حَدِيثِ هِرَقْلَ: أشْرافُ النّاسِ اتَّبَعُوهُ أمْ ضُعَفاؤُهم ؟ فَقالَ: بَلْ ضُعَفاؤُهم، فَقالَ: هم أتْباعُ الرُّسُلِ قَبْلُ وإنَّما كانَ كَذَلِكَ لِاسْتِيلاءِ الرِّئاسَةِ عَلى الأشْرافِ، وصُعُوبَةِ الِانْفِكاكِ عَنْها، والأنَفَةِ مِنَ الِانْقِيادِ لِغَيْرِهِمْ، والفَقِيرُ خَلِيٌّ عَنْ تِلْكَ المَوانِعِ فَهو سَرِيعٌ إلى الإجابَةِ والِانْقِيادِ. (ونَراكَ): يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ بَصَرِيَّةً، وأنْ تَكُونَ عِلْمِيَّةً. قالُوا: وأراذِلُ: جَمْعُ الجَمْعِ، فَقِيلَ: جَمْعُ أرْذُلٍ كَكَلْبٍ وأكْلُبٍ وأكالِبٍ. وقِيلَ: جَمْعُ أرْذالٍ، وقِياسُهُ أراذِيلُ. والظّاهِرُ أنَّهُ جَمْعُ أرْذَلَ الَّتِي هي أفْعَلُ التَّفْضِيلِ، وجاءَ جَمْعًا كَما جاءَ: أكابِرَ مُجْرِمِيها (p-٢١٥)وأحاسِنُكم أخْلاقًا. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ما نَراكَ إلّا بَشَرًا مِثْلَنا، تَعْرِيضٌ بِأنَّهم أحَقُّ مِنهُ بِالنُّبُوَّةِ، وأنَّ اللَّهَ لَوْ أرادَ أنْ يَجْعَلَها في أحَدٍ مِنَ البَشَرِ لَجَعَلَها فِيهِمْ، فَقالُوا: هَبْ أنَّكَ واحِدٌ مِنَ المَلَأِ ومُوازِيهِمْ في المَنزِلَةِ، فَما جَعَلَكَ أحَقَّ مِنهم ؟ ألا تَرى إلى قَوْلِهِمْ: ﴿وما نَرى لَكم عَلَيْنا مِن فَضْلٍ﴾، أوْ أرادُوا أنَّهُ كانَ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ مَلَكًا لا بَشَرًا، ولا يَظْهَرُ ما قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ مِنَ الآيَةِ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو و عِيسى الثَّقَفِيُّ: (بادِئَ الرَّأْيِ) مِن بَدَأ يَبْدَأُ ومَعْناهُ: أوَّلُ الرَّأْيِ. وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ: بادِي بِالياءِ مِن بَدا يَبْدُو، ومَعْناهُ: ظاهِرُ الرَّأْيِ. وقِيلَ: بادِي بِالياءِ مَعْناهُ: بادِئٌ بِالهَمْزِ، فَسُهِّلَتِ الهَمْزَةُ بِإبْدالِها ياءً لِكَسْرِ ما قَبْلِها. وذَكَرُوا أنَّهُ مَنصُوبٌ عَلى الظَّرْفِ، والعامِلُ فِيهِ نَراكَ أوِ اتَّبَعَكَ أوْ أراذِلُنا أيْ: وما نَراكَ فِيما يَظْهَرُ لَنا مِنَ الرَّأْيِ، أوْ في أوَّلِ رَأْيِنا، أوْ وما نَراكَ اتَّبَعَكَ أوَّلَ رَأْيِهِمْ، أوْ ظاهِرُ رَأْيِهِمْ. واحْتَمَلَ هَذا الوَجْهُ مَعْنَيَيْنِ: أحَدُهُما: أنْ يُرِيدَ: اتَّبَعَكَ في ظاهِرِ أمْرِهِمْ، وعَسى أنْ تَكُونَ بَواطِنُهم لَيْسَتْ مَعَكَ. والمَعْنى الثّانِي: أنْ يُرِيدَ: اتَّبَعُوكَ بِأوَّلِ نَظَرٍ وبِالرَّأْيِ البادِئِ دُونَ تَعَقُّبٍ، ولَوْ تَثَبَّتُوا لَمْ يَتَّبِعُوكَ، وفي هَذا الوَجْهِ ذَمُّ الرَّأْيِ غَيْرِ المَرْوِيِّ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: اتَّبَعُوكَ أوَّلَ الرَّأْيِ، أوْ ظاهِرَ الرَّأْيِ، وانْتِصابُهُ عَلى الظَّرْفِ أصْلُهُ وقْتَ حُدُوثِ أوَّلِ أمْرِهِمْ، أوْ وقْتَ حُدُوثِ ظاهِرِ رَأْيِهِمْ، فَحُذِفَ ذَلِكَ، وأُقِيمَ المُضافُ إلَيْهِ مَقامَهُ، أرادُوا: أنَّ اتِّباعَهم لَكَ إنَّما هو شَيْءٌ عَنَّ لَهم بَدِيهَةً مِن غَيْرِ رَوِيَّةٍ ونَظَرٍ، انْتَهى. وكَوْنُهُ مَنصُوبًا عَلى الظَّرْفِ هو قَوْلُ أبِي عَلِيٍّ في الحُجَّةِ، وإنَّما حَمَلَهُ عَلى الظَّرْفِ ولَيْسَ بِزَمانٍ ولا مَكانٍ، لِأنَّ في مُقَدَّرَةٌ فِيهِ أيْ: في ظاهِرِ الأمْرِ، أوْ في أوَّلِ الأمْرِ. وعَلى هَذَيْنِ التَّقْدِيرَيْنِ أعْنِي أنْ يَكُونَ العامِلُ فِيهِ: نَراكَ، أوِ اتَّبَعَكَ، يَقْتَضِي أنْ لا يَجُوزَ ذَلِكَ، لِأنَّ ما بَعْدَ إلّا لا يَكُونُ مَعْمُولًا لِما قَبْلَها، إلّا إنْ كانَ مُسْتَثْنًى مِنهُ نَحْوَ: قامَ إلّا زَيْدًا القَوْمُ، أوْ مُسْتَثْنًى نَحْوَ: جاءَ القَوْمُ إلّا زَيْدًا، أوْ تابِعًا لِلْمُسْتَثْنى مِنهُ نَحْوَ: ما جاءَنِي أحَدٌ إلّا زَيْدٌ أخْبَرَنِي عَمْرٌو، وبادِئَ الرَّأْيِ لَيْسَ واحِدًا مِن هَذِهِ الثَّلاثَةِ. وأُجِيبَ بِأنَّهُ ظَرْفٌ، أوْ كالظَّرْفِ مِثْلَ: جُهْدَ رَأْيٍ إنَّكَ ذاهِبٌ، أيْ: إنَّكَ ذاهِبٌ في جُهْدِ رَأْيٍ، والظُّرُوفِ يُتَّسَعُ فِيها. وإذا كانَ العامِلُ أراذِلُنا فَمَعْناهُ: الَّذِينَ هم أراذِلُنا بِأقَلِّ نَظَرٍ فِيهِمْ، وبِبادِئِ الرَّأْيِ يُعْلَمُ ذَلِكَ مِنهم. وقِيلَ: ﴿بادِيَ الرَّأْيِ﴾: نَعْتٌ لِقَوْلِهِ: (بَشَرًا) . وقِيلَ: انْتَصَبَ حالًا مِن ضَمِيرِ نُوحٍ في اتَّبَعَكَ، أيْ: وأنْتَ مَكْشُوفُ الرَّأْيِ لا حَصافَةَ لَكَ. وقِيلَ: انْتَصَبَ عَلى النِّداءِ لِـ نُوحٍ أيْ: يا بادِيَ الرَّأْيِ، أيْ: ما في نَفْسِكَ مِنَ الرَّأْيِ ظاهِرٌ لِكُلِّ أحَدٍ، قالُوا ذَلِكَ تَعْجِيزًا لَهُ. وقِيلَ: انْتَصَبَ عَلى المَصْدَرِ، وجاءَ الظَّرْفُ والمَصْدَرُ عَلى فاعِلٍ، ولَيْسَ بِالقِياسِ. فالرَّأْيُ هُنا إمّا مِن رُؤْيَةِ العَيْنِ، وإمّا مِنَ الفِكْرِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وإنَّما اسْتَرْذَلُوا المُؤْمِنِينَ لِفَقْرِهِمْ وتَأخُّرِهِمْ في الأسْبابِ الدُّنْيَوِيَّةِ، لِأنَّهم كانُوا جُهّالًا ما كانُوا يَعْلَمُونَ إلّا ظاهِرًا مِنَ الحَياةِ الدُّنْيا، فَكانَ الأشْرَفُ عِنْدَهم مَن لَهُ جاهٌ ومالٌ، انْتَهى. وظاهِرُ الخِطابِ في لَكم شامِلٌ لِـ نُوحٍ ومَنِ اتَّبَعَهُ، والمَعْنى: لَيْسَ لَكم عَلَيْنا زِيادَةٌ في مالٍ، ونَسَبٍ، ولا دِينٍ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: في الخَلْقِ والخُلُقِ، وقِيلَ: بِكَثْرَةِ المُلْكِ والمِلْكِ، وقِيلَ: بِمُتابَعَتِكم نُوحًا ومُخالَفَتِكم لَنا، وقِيلَ: مِن شَرَفٍ يُؤَهِّلُكم لِلنُّبُوَّةِ، وقالَ الكَلْبِيُّ: نَظُنُّكم: نَتَيَقَّنُكم، وقالَ مُقاتِلٌ: نَحْسَبُكم، أيْ في دَعْوى نُوحٍ وتَصْدِيقِكم، وقالَ صاحِبُ العِتِيّانِ: بَلْ نَظُنُّكم كاذِبِينَ تَوَسُّلًا إلى الرِّئاسَةِ والشُّهْرَةِ.

هود 11:21

﴿أفَمَن كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ ويَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنهُ ومِن قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى إمامًا ورَحْمَةً أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ ومَن يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الأحْزابِ فالنّارُ مَوْعِدُهُ فَلا تَكُ في مِرْيَةٍ مِنهُ إنَّهُ الحَقُّ مِن رَبِّكَ ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يُؤْمِنُونَ﴾: لَمّا ذَكَرَ حالَ مَن يُرِيدُ الحَياةَ الدُّنْيا، ذَكَرَ حالَ مَن يُرِيدُ وجْهَ اللَّهِ تَعالى بِأعْمالِهِ الصّالِحَةِ، وحُذِفَ المُعادِلُ الَّذِي دَخَلَتْ عَلَيْهِ الهَمْزَةُ والتَّقْدِيرُ: كَمَن يُرِيدُ الحَياةَ الدُّنْيا. وكَثِيرًا ما حُذِفَ في القُرْآنِ كَقَوْلِهِ: ﴿أفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا﴾ [فاطر: ٨] وقَوْلِهِ: ﴿أمْ مَن هو قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ﴾ [الزمر: ٩] وهَذا اسْتِفْهامٌ مَعْناهُ: التَّقْرِيرُ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أيْ: لا تَعْقِبُونَهم في المَنزِلَةِ ولا تُفارِقُونَهم، يُرِيدُ أنَّ بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ تَفاوُتًا بَعِيدًا وتَبايُنًا بَيِّنًا، وأرادَ بِهِمْ مَن آمَنَ مِنَ اليَهُودِ كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ وغَيْرِهِ، كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ أيْ: عَلى بُرْهانٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى، وبَيانٍ أنَّ دِينَ الإسْلامِ حَقٌّ وهو دَلِيلُ العَقْلِ ويَتْلُوهُ، ويَتْبَعُ ذَلِكَ البُرْهانَ شاهِدٌ مِنهُ، أيْ: شاهِدٌ يَشْهَدُ بِصِحَّتِهِ، وهو القُرْآنُ مِنهُ مِنَ اللَّهِ، أوْ شاهِدٌ مِنَ القُرْآنِ ومِن قَبْلِهِ: ومِن قَبْلِ القُرْآنِ كِتابُ مُوسى وهو: التَّوْراةُ، أيْ: ويَتْلُو ذَلِكَ أيْضًا مِن قَبْلِ القُرْآنِ كِتابُ مُوسى. وقُرِئَ: (كِتابَ مُوسى) بِالنَّصْبِ، ومَعْناهُ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ وهو الدَّلِيلُ عَلى أنَّ القُرْآنَ حَقٌّ، ويَتْلُوهُ ويَقْرَأُ القُرْآنَ شاهِدٌ مِنهُ، شاهِدٌ مِمَّنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ كَقَوْلِهِ: ﴿وشَهِدَ شاهِدٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ عَلى مِثْلِهِ﴾ [الأحقاف: ١٠] ﴿قُلْ كَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وبَيْنَكم ومَن عِنْدَهُ عِلْمُ الكِتابِ﴾ [الرعد: ٤٣] . ﴿ومِن قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى﴾: ويَتْلُوهُ ومِن قَبْلِ التَّوْراةِ، إمامًا: كِتابًا مُؤْتَمًّا في الدِّينِ قُدْوَةً فِيهِ، انْتَهى. وقِيلَ في ﴿أفَمَن كانَ﴾: المُؤْمِنُونَ بِالرَّسُولِ، (p-٢١١)وقِيلَ: مُحَمَّدٌ ﷺ خاصَّةً. وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ وابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ ومُجاهِدٌ والضَّحّاكُ: مُحَمَّدٌ والمُؤْمِنُونَ جَمِيعًا، والبَيِّنَةُ: القُرْآنُ أوِ الرَّسُولُ، والهاءُ لِلْمُبالَغَةِ. والشّاهِدُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ والنَّخَعِيُّ ومُجاهِدٌ والضَّحّاكُ وأبُو صالِحٍ وعِكْرِمَةُ: هو جِبْرِيلُ. وقالَ الحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ: هو الرَّسُولُ. وقالَ أيْضًا مُجاهِدٌ: هو مَلَكٌ وكَّلَهُ اللَّهُ بِحِفْظِ القُرْآنِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِهَذِهِ الألْفاظِ: جِبْرِيلَ، وقِيلَ: وعَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ. ورَوى المِنهالُ عَنْ عُبادَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ وجْهَهُ: ما في قُرَيْشٍ أحَدٌ إلّا وقَدْ نَزَلَتْ فِيهِ آيَةٌ قِيلَ: فَما نَزَلَ فِيكَ ؟ قالَ: ﴿ويَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنهُ﴾، وبِهِ قالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ. وقِيلَ: هو الإنْجِيلُ قالَهُ: الفَرّاءُ. وقِيلَ: هو القُرْآنُ، وقِيلَ: هو إعْجازُ القُرْآنِ، قالَهُ الحُسَيْنُ بْنُ الفَضْلِ، وقِيلَ: صُورَةُ الرَّسُولِ ﷺ ووَجْهُهُ ومَخايِلُهُ، لِأنَّ كُلَّ عاقِلٍ نَظَرَ إلَيْهِ عَلِمَ أنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . وقِيلَ: وأبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، والضَّمِيرُ في مِنهُ يَعُودُ إلى الدِّينِ، أوْ إلى الرَّسُولِ، أوْ إلى القُرْآنِ. ويَتْلُوهُ: بِمَعْنى يَتْبَعُهُ، أوْ يَقْرَؤُهُ، والضَّمِيرُ المَرْفُوعُ في يَتْلُوهُ والمَنصُوبُ والمَجْرُورُ في مِنهُ، يَتَرَتَّبُ عَلى ما يُناسِبُهُ كُلُّ قَوْمٍ مِن هَذِهِ. وقَرَأ مُحَمَّدُ بْنُ السّائِبِ الكَلْبِيُّ وغَيْرُهُ: ﴿كِتابُ مُوسى﴾ بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلى مَفْعُولِ يَتْلُوهُ، أوْ بِإضْمارِ فِعْلٍ. وإذا لَمْ يُعْنَ بِالشّاهِدِ الإنْجِيلُ فَإنَّما خَصَّ التَّوْراةَ بِالذِّكْرِ، لِأنَّ المِلَّتَيْنِ مُجْتَمِعَتانِ عَلى أنَّها مِن عِنْدِ اللَّهِ، والإنْجِيلُ يُخالِفُ فِيهِ اليَهُودُ، فَكانَ الِاسْتِشْهادُ بِما تَقُومُ بِهِ الحُجَّةُ عَلى الفَرِيقَيْنِ أوْلى. وهَذا يَجْرِي مَعَ قَوْلِ الجِنِّ: ﴿إنّا سَمِعْنا كِتابًا أُنْزِلَ مِن بَعْدِ مُوسى﴾ [الأحقاف: ٣٠] ومَعَ قَوْلِ النَّجاشِيِّ: إنَّ هَذا والَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى لَيَخْرُجُ مِن مِشْكاةٍ واحِدَةٍ. وانْتَصَبَ إمامًا عَلى الحالِ، والَّذِي يَظْهَرُ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ، أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ الكُفّارَ وأنَّهم لَيْسَ لَهم إلّا النّارُ، أعْقَبَ بِضِدِّهِمْ وهُمُ المُؤْمِنُونَ، وهُمُ الَّذِينَ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِمْ، والشّاهِدُ: القُرْآنُ، ومِنهُ عائِدٌ عَلى رَبِّهِ. ويَدُلُّ عَلى أنَّ الشّاهِدَ القُرْآنُ ذِكْرُ قَوْلِهِ: (ومِن قَبْلِهِ)، أيْ: ومِن قَبْلِ القُرْآنِ كِتابُ مُوسى، فَمَعْناهُ: أنَّهُ تَظافَرَ عَلى هِدايَتِهِ شَيْئانِ: كَوْنُهُ عَلى أمْرٍ واضِحٍ مِن بُرْهانِ العَقْلِ، وكَوْنُهُ يُوافِقُ ذَلِكَ البُرْهانُ هَذَيْنِ الكِتابَيْنِ الإلَهِيَّيْنِ: القُرْآنَ والتَّوْراةَ، فاجْتَمَعَ لَهُ العَقْلُ والنَّقْلُ. والإشارَةُ بِأُولَئِكَ: إلى مَن كانَ عَلى بَيِّنَةٍ، راعى مَعْنى مَعَ فَجَمَعَ، والضَّمِيرُ في بِهِ يَعُودُ إلى التَّوْراةِ، أوْ إلى القُرْآنِ، أوْ إلى الرَّسُولِ، ثَلاثَةُ أقْوالٍ. والأحْزابُ جَمِيعُ المِلَلِ قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ، أوِ اليَهُودُ والنَّصارى، قالَهُ قَتادَةُ، أوْ قُرَيْشٌ، قالَهُ السُّدِّيُّ، أوْ بَنُو أُمَيَّةَ وبَنُو المُغِيرَةِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ المَخْزُومِيِّ، وآلُ أبِي طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ، قالَهُ مُقاتِلٌ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَعْنِي أهْلَ مَكَّةَ ومَن ضامَّهم مِنَ المُتَحَزِّبِينَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، انْتَهى. ﴿فالنّارُ مَوْعِدُهُ﴾ أيْ: مَكانُ وعْدِهِ الَّذِي يَصِيرُونَ إلَيْهِ. وقالَ حَسّانُ: أوْرَدْتُمُونا حِياضَ المَوْتِ ضاحِيَةً فالنّارُ مَوْعِدُها والمَوْتُ لاقِيها والضَّمِيرُ في مِنهُ عائِدٌ عَلى القُرْآنِ، وقِيلَ: عَلى الخَبَرِ، بِأنَّ الكُفّارَ مَوْعِدُهُمُ النّارُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (في مِرْيَةٍ) بِكَسْرِ المِيمِ، وهي لُغَةُ الحِجازِ. وقَرَأ السُّلَمِيُّ وأبُو رَجاءٍ وأبُو الخَطّابِ السُّدُوسِيُّ والحَسَنُ: بِضَمِّها، وهي لُغَةُ أسَدٍ وتَمِيمٍ، والنّاسُ: أهْلُ مَكَّةَ قالَهُ: ابْنُ عَبّاسٍ، أوْ: جَمِيعُ الكُفّارِ مِن شاكٍّ وجاهِلٍ ومُعانِدٍ قالَهُ: صاحِبُ العِقْيانِ. ﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا أُولَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلى رَبِّهِمْ ويَقُولُ الأشْهادُ هَؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلى رَبِّهِمْ ألا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلى الظّالِمِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ويَبْغُونَها عِوَجًا وهم بِالآخِرَةِ هم كافِرُونَ﴾ ﴿أُولَئِكَ لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ في الأرْضِ وما كانَ لَهم مِن دُونِ اللَّهِ مِن أوْلِياءَ يُضاعَفُ لَهُمُ العَذابُ ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وما كانُوا يُبْصِرُونَ﴾ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم وضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ ﴿لا جَرَمَ أنَّهم في الآخِرَةِ هُمُ الأخْسَرُونَ﴾: (p-٢١٢)لَمّا سَبَقَ قَوْلُهم: ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ﴾ [هود: ١٣]، ذَكَرَ أنَّهُ لا أحَدَ أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا، وهُمُ المُفْتَرُونَ الَّذِينَ نَسَبُوا إلى اللَّهِ الوَلَدَ، واتَّخَذُوا مَعَهُ آلِهَةً، وحَرَّمُوا وحَلَّلُوا مِن غَيْرِ شَرْعِ اللَّهِ، وعَرْضُهم عَلى اللَّهِ بِمَعْنى: التَّشْهِيرِ لِخِزْيِهِمْ والإشارَةِ بِكَذِبِهِمْ، وإلّا فالطّائِعُ والعاصِي يُعْرَضُونَ عَلى اللَّهِ ﴿وعُرِضُوا عَلى رَبِّكَ صَفًّا﴾ [الكهف: ٤٨] والأشْهادُ: جَمْعُ شاهِدٍ، كَصاحِبٍ وأصْحابٍ، أوْ جَمْعُ شَهِيدٍ كَشَرِيفٍ وأشْرافٍ، والأشْهادُ: المَلائِكَةُ الَّذِينَ يَحْفَظُونَ عَلَيْهِمْ أعْمالَهم في الدُّنْيا، أوِ الأنْبِياءُ، أوْ هُما المُؤْمِنُونَ، أوْ ما يَشْهَدُ عَلَيْهِمْ مِن أعْضائِهِمْ أقْوالٌ. وفي قَوْلِهِ: (هَؤُلاءِ): إشارَةٌ إلى تَحْقِيرِهِمْ وإصْغارِهِمْ بِسُوءِ مُرْتَكَبِهِمْ. وفِي قَوْلِهِ: (عَلى رَبِّهِمْ) أيْ: عَلى مَن يُحْسِنُ إلَيْهِمْ ويَمْلِكُ نَواصِيَهم، وكانُوا جَدِيرِينَ أنْ لا يَكْذِبُوا عَلَيْهِ، وهَذا كَما تَقُولُ إذا رَأيْتَ مُجْرِمًا: هَذا الَّذِي فَعَلَ كَذا وكَذا. وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ الجُمْلَةِ بَعْدَ هَذا. وهم: تَأْكِيدٌ لِقَوْلِهِ: وهم، وقَوْلُهُ: (مُعْجِزِينَ)، أيْ: كانُوا لا يُعْجِزُونَ اللَّهَ في الدُّنْيا أنْ يُعاقِبَهم لَوْ أرادَ عِقابَهم، وما كانَ لَهم مَن يَنْصُرُهم ويَمْنَعُهم مِنَ العِقابِ، ولَكِنَّهُ أرادَ إنْظارَهم وتَأْخِيرَ عِقابِهِمْ إلى هَذا اليَوْمِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وهو كَلامُ الأشْهادِ يَعْنِي: أنَّ كَلامَهم مِن قَوْلِهِمْ: هَؤُلاءِ إلى آخِرِ هَذِهِ الجُمْلَةِ الَّتِي هي وما كانَ لَهم مِن دُونِ اللَّهِ مِن أوْلِياءَ. وقَدْ يَظْهَرُ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ألا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلى الظّالِمِينَ﴾: مِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى لا عَلى سَبِيلِ الحِكايَةِ، ويَدُلُّ لِقَوْلِ الزَّمَخْشَرِيِّ قَوْلُهُ: ﴿فَأذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهم أنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلى الظّالِمِينَ﴾ [الأعراف: ٤٤] الآيَةَ، فَكَما أنَّهُ مِن كَلامِ المَخْلُوقِينَ في تِلْكَ الآيَةِ، فَكَذَلِكَ هُنا يُضاعَفُ لَهُمُ العَذابُ: يُشَدَّدُ ويَكْثُرُ، وهَذا اسْتِئْنافُ إخْبارٍ عَنْ حالِهِمْ في الآخِرَةِ، لِأنَّهم جَمَعُوا إلى الكُفْرِ بِالبَعْثِ الكَذِبَ عَلى اللَّهِ، وصَدَّ عِبادِهِ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ، وبَغْيَ العِوَجِ لَها، وهي الطَّرِيقَةُ المُسْتَقِيمَةُ. ﴿ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ﴾: إخْبارٌ عَنْ حالِهِمْ في الدُّنْيا عَلى سَبِيلِ المُبالَغَةِ يَعْنِي: السَّمْعَ لِلْقُرْآنِ، ولِما جاءَ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ . ﴿وما كانُوا يُبْصِرُونَ﴾ أيْ: يَنْظُرُونَ إلَيْهِ لِبُغْضِهِمْ فِيهِ. ألا تَرى إلى حَشْوِ الطُّفَيْلِ بْنِ عَمْرٍو أُذُنَيْهِ مِنَ الكُرْسُفِ، وإبايَةِ قُرَيْشٍ أنْ يَسْمَعُوا ما نُقِلَ إلَيْهِمْ مِن كَلامِ الرَّسُولِ حَتّى تَرُدَّهم عَنْ ذَلِكَ مَشْيَخَتُهم ؟ أوْ إخْبارٌ عَنْ حالِهِمْ إذا ضُعِّفَ لَهُمُ العَذابُ أيْ: أنَّهُ تَعالى حَتَمَّ عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ، فَهم لا يَسْمَعُونَ لِذَلِكَ سَماعًا يَنْتَفِعُونَ بِهِ، ولا يُبْصِرُونَ لِذَلِكَ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ في كانُوا عائِدٌ عَلى أوْلِياؤُهم: آلِهَتُهم أيْ: فَما كانَ لَهم في الحَقِيقَةِ مِن أوْلِياءَ وإنْ كانُوا يَعْتَقِدُونَ أنَّهم أوْلِياءُ. ويَعْنِي أنَّهُ مَن لا يَسْتَطِيعُ أنْ يَسْمَعَ ولا يُبْصِرَ فَكَيْفَ يَصْلُحُ لِلْوِلايَةِ ؟ ويَكُونُ ﴿يُضاعَفُ لَهُمُ العَذابُ﴾ اعْتِراضًا، وما عَلى هَذِهِ الأقْوالِ نَفْيٌ. وقِيلَ: ما مَصْدَرِيَّةٌ أيْ: يُضاعَفُ لَهُمُ العَذابُ مُدَّةَ اسْتِطاعَتِهِمُ السَّمْعَ وإبْصارِهِمْ، والمَعْنى: أنَّ العَذابَ وتَضْعِيفَهُ دائِمٌ لَهم مُتَمادٍ. وأجازَ الفَرّاءُ أنْ تَكُونَ ما مَصْدَرِيَّةً، وحُذِفَ حَرْفُ الجَرِّ مِنها كَما يُحْذَفُ مَعَ أنْ وإنْ أُخْتَيْها، وهَذا فِيهِ بُعْدٌ في اللَّفْظِ وفي المَعْنى. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أرادَ أنَّهم لِفَرْطِ تَصامِّهِمْ عَنِ اتِّباعِ الحَقِّ وكَراهَتِهِمْ لَهُ كَأنَّهم لا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ، ولَعَلَّ بَعْضَ المُجْبِرَةِ يَتَوَثَّبُ إذا عَثَرَ عَلَيْهِ فَيُوَعْوِعُ بِهِ عَلى أهْلِ العَدْلِ، كَأنَّهُ لَمْ يَسْمَعِ النّاسَ يَقُولُونَ في كُلِّ لِسانٍ: هَذا الكَلامُ لا أسْتَطِيعُ أسْمَعُهُ، وهَذا مِمّا يَمُجُّهُ سَمْعِي، انْتَهى. يَعْنِي: أنَّهُ يُمْكِنُ أنْ يُسْتَدَلَّ بِهِ عَلى أنَّ العَبْدَ لا قُدْرَةَ لَهُ، لِأنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ نَفى عَنْهُ اسْتِطاعَةَ السَّمْعِ، وإذا انْتَفَتْ الِاسْتِطاعَةُ مِنهُ انْتَفَتْ قُدْرَتُهُ. والزَّمَخْشَرِيُّ عَلى عادَتِهِ في السَّفَهِ عَلى أهْلِ السُّنَّةِ وخُسْرانِهِمْ أنْفُسِهِمْ، لِكَوْنِهِمُ اشْتَرَوْا عِبادَةَ الآلِهَةِ بِعِبادَةِ اللَّهِ تَعالى، فَخَسِرُوا في تِجارَتِهِمْ خُسْرانًا لا خُسْرانَ أعْظَمُ مِنهُ. وهُوَ عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ: راحَةُ أوْ سَعادَةُ أنْفُسِهِمْ، وإلّا فَأنْفُسُهم باقِيَةٌ مُعَذَّبَةٌ. وبَطَلَ عَنْهم ما افْتَرَوْهُ مِن عِبادَةِ الآلِهَةِ، وكَوْنِهِمْ يَعْتَقِدُونَ شَفاعَتَها إذا رَأوْا أنَّها لا تَشْفَعُ ولا تَنْفَعُ. لا جَرَمَ: مَذْهَبُ الخَلِيلِ وسِيبَوَيْهِ أنَّهُما رُكِّبا مِن: لا وجَرَمَ وبُنِيا، والمَعْنى: حَقَّ، وما بَعْدَهُ رُفِعَ بِهِ عَلى الفاعِلِيَّةِ (p-٢١٣)وقالَ الحَوْفِيُّ: جَرَمَ مَنفِيٌّ بِلا بِمَعْنى: حَقَّ، وهو مَبْنِيٌّ مَعَ لا في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِداءِ، وأنَّهم في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى خَبَرِ جَرَمَ. وقالَ قَوْمٌ: إنَّ جَرَمَ مَبْنِيَّةٌ مَعَ لا عَلى الفَتْحِ نَحْوَ قَوْلِكَ: لا رَجُلَ، ومَعْناها: لا بُدَّ ولا مَحالَةَ. وقالَ الكِسائِيُّ: مَعْناها: لا ضِدَّ ولا مَنعَ، فَتَكُونُ اسْمَ لا وهي مَبْنِيَّةٌ عَلى الفَتْحِ كالقَوْلِ الَّذِي قَبْلَهُ، وتَكُونُ جَرَمَ هُنا مِن مَعْنى القَطْعِ، نَقُولُ: جَرَمْتُ أيْ: قَطَعْتُ. وقالَ الزَّجّاجُ: لا تَرْكِيبَ بَيْنَهُما ولا رَدَّ عَلَيْهِمْ. ولِما تَقَدَّمَ مِن كُلِّ ما قَبْلَها مِمّا قالُوا: إنَّ الأصْنامَ تَنْفَعُهم. وجَرَمَ: فِعْلٌ ماضٍ مَعْناهُ: كَسَبَ، والفاعِلُ مُضْمَرٌ: أيَكْسِبُ هو أيْ: فِعْلُهم، وأنَّ وما بَعْدَها في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى المَفْعُولِ بِهِ، وجَرَمَ القَوْمَ: كاسَبَهم. وقالَ الشّاعِرُ: ؎نَصَبْنا رَأسَهُ في جِذْعِ نَخْلٍ بِما جَرَمَتْ يَداهُ وما اعْتَدَيْنا وقالَ آخَرُ: جَرِيمَةَ ناهِضٍ في رَأْسِ نِيقٍ تَرى لِعِظامِ ما جَمَعَتْ صَلِيبا ويُقالُ: لا جِرَمَ بِالكَسْرِ، ولا جَرَ: بِحَذْفِ المِيمِ. قالَ النَّحّاسُ: وزَعَمَ الكِسائِيُّ أنَّ فِيها أرْبَعَ لُغاتٍ: لا جَرَمَ، ولا عَنْ ذا جَرَمٍ، ولا أنْ ذا جَرَمٍ، قالَ: وناسٌ مِن فَزارَةَ يَقُولُونَ: لا جَرَمَ. وحَكى الفَرّاءُ فِيهِ لُغَتَيْنِ أُخْرَيَيْنِ، قالَ: بَنُو عامِرٍ يَقُولُونَ: لا ذا جَرَمٍ، وناسٌ مِنَ العَرَبِ يَقُولُونَ: لا جُرَمَ بِضَمِّ الجِيمِ. وقالَ الجُبّائِيُّ في نَوادِرِهِ: حُكِيَ عَنْ فَزارَةَ: لا جَرَ واللَّهِ لا أفْعَلُ ذاكَ، قالَ: ويُقالُ: لا ذا جَرَمٍ، ولا ذُو جَرَمٍ، ولا عَنْ ذا جَرَمٍ، ولا أنْ ذا جَرَمٍ، ولا أنْ جَرَمَ، ولا عَنْ جَرَمٍ، ولا ذا جَرَ واللَّهِ، بِغَيْرِ مِيمٍ: لا أفْعَلُ ذاكَ. وحَكى بَعْضُهم بِغَيْرِ لا جَرَمَ: أنَّكَ أنْتَ فَعَلْتَ ذاكَ، وعَنْ أبِي عَمْرٍو: لَأجْرَمَ أنَّ لَهُمُ النّارَ عَلى وزْنِ: لَأكْرَمَ، ولا جَرَ: حَذَفُوهُ لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمالِ كَما قالُوا: سَوْ تَرى يُرِيدُونَ: سَوْفَ تَرى. ولَمّا كانَ خُسْرانُ النَّفْسِ أعْظَمَ الخُسْرانِ، حُكِمَ عَلَيْهِمْ بِأنَّهم هُمُ الزّائِدُونَ في الخُسْرانِ عَلى كُلِّ خاسِرٍ مِن سِواهم مِنَ العُصاةِ مَآلُهُ إلى الرّاحَةِ، وإلى انْقِطاعِ خُسْرانِهِ بِخِلافِ هَؤُلاءِ، فَإنَّ خُسْرانَهم لا انْقِطاعَ لَهُ. ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ وأخْبَتُوا إلى رَبِّهِمْ أُولَئِكَ أصْحابُ الجَنَّةِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ ﴿مَثَلُ الفَرِيقَيْنِ كالأعْمى والأصَمِّ والبَصِيرِ والسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلًا أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾: لَمّا ذَكَرَ ما يَئُولُ إلَيْهِ الكُفّارُ مِنَ النّارِ، ذَكَرَ ما يَئُولُ إلَيْهِ المُؤْمِنُونَ مِنَ الجَنَّةِ، والفَرِيقانِ هُنا الكافِرُ والمُؤْمِنُ. ولَمّا كانَ تَقَدَّمَ ذِكْرُ الكُفّارِ وأُعْقِبَ بِذِكْرِ المُؤْمِنِينَ، جاءَ التَّمْثِيلُ هُنا مُبْتَدَأً بِالكافِرِ، فَقالَ: ﴿كالأعْمى والأصَمِّ﴾ . ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ مِن بابِ تَشْبِيهِ اثْنَيْنِ بِاثْنَيْنِ، فَقُوبِلَ الأعْمى بِالبَصِيرِ وهو طِباقٌ، وقُوبِلَ الأصَمُّ بِالسَّمِيعِ وهو طِباقٌ أيْضًا، والعَمى والصَّمَمُ: آفَتانِ تَمْنَعانِ مِنَ البَصَرِ والسَّمْعِ، ولَيْسَتا بِضِدَّيْنِ، لِأنَّهُ لا تَعاقُبَ بَيْنَهُما. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن تَشْبِيهٍ واحِدٍ بِوَصْفَيْهِ بِواحِدٍ بِوَصْفَيْهِ، فَيَكُونُ مِن عَطْفِ الصِّفاتِ كَما قالَ الشّاعِرُ: إلى المَلِكِ القَرْنِ وابْنِ الهُمامِ ولَيْثِ الكَرِيهَةِ في المُزْدَحَمْ ولَمْ يَجِئِ التَّرْكِيبُ: كالأعْمى والبَصِيرِ والأصَمِّ والسَّمِيعِ، فَيَكُونُ مُقابَلَةً في لَفْظِ الأعْمى وضِدِّهِ، وفي لَفْظَةِ الأصَمِّ وضِدِّهِ، لِأنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ انْسِدادَ العَيْنِ أتْبَعَهُ بِانْسِدادِ السَّمْعِ، ولَمّا ذَكَرَ انْفِتاحَ البَصَرِ أتْبَعَهُ بِانْفِتاحِ السَّمْعِ، وذَلِكَ هو الأُسْلُوبُ في المُقابَلَةِ، والأتَمُّ في الإعْجازِ. ويَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى نَظِيرُ (p-٢١٤)هَذِهِ المُقابَلَةِ في قَوْلِهِ في طَهَ: ﴿إنَّ لَكَ ألّا تَجُوعَ فِيها ولا تَعْرى﴾ [طه: ١١٨] ﴿وأنَّكَ لا تَظْمَأُ فِيها ولا تَضْحى﴾ [طه: ١١٩] واحْتُمِلَ أنْ تَكُونَ الكافُ نَفْسُها هي خَبَرُ المُبْتَدَأِ، فَيَكُونُ مَعْناها: مَعْنى المَثَلِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: مَثَلُ الفَرِيقَيْنِ مَثَلُ الأعْمى. واحْتُمِلَ أنْ يُرادَ بِالمَثَلِ: الصِّفَةُ، وبِالكافِ: مِثْلُ، فَيَكُونُ عَلى حَذْفٍ مُضافٍ، أيْ: كَمَثَلِ الأعْمى، وهَذا التَّشْبِيهُ تَشْبِيهُ مَعْقُولٍ بِمَحْسُوسٍ، فَأعْمى البَصِيرَةِ: أصَمُّها، شُبِّهَ بِأعْمى البَصَرِ أصَمُّ السَّمْعِ، ذَلِكَ في ظُلُماتِ الضَّلالاتِ مُتَرَدِّدٌ تائِهٌ، وهَذا في الطُّرُقاتِ مُحَيَّرٌ لا يَهْتَدِي إلَيْها. وجاءَ (أفَلا تَذَكَّرُونَ) لِيُنَبِّهَ عَلى أنَّهُ يُمْكِنُ زَوالُ هَذا العَمى وهَذا الصَّمَمُ المَعْقُولُ، فَيَجِبُ عَلى العاقِلِ أنْ يَتَذَكَّرَ ما هو فِيهِ، ويَسْعى في هِدايَةِ نَفْسِهِ. وانْتَصَبَ مَثَلًا عَلى التَّمْيِيزِ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا، انْتَهى. وفِيهِ بُعْدٌ، والظّاهِرُ: التَّمْيِيزُ وأنَّهُ مَنقُولٌ مِنَ الفاعِلِ، أصْلُهُ: هَلْ يَسْتَوِي مَثَلاهُما. ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا نُوحًا إلى قَوْمِهِ إنِّي لَكم نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ ﴿أنْ لا تَعْبُدُوا إلّا اللَّهَ إنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ ألِيمٍ﴾ ﴿فَقالَ المَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ ما نَراكَ إلّا بَشَرًا مِثْلَنا وما نَراكَ اتَّبَعَكَ إلّا الَّذِينَ هم أراذِلُنا بادِيَ الرَّأْيِ وما نَرى لَكم عَلَيْنا مِن فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكم كاذِبِينَ﴾: هَذِهِ السُّورَةُ في قَصَصِها شَبِيهَةٌ بِسُورَةِ الأعْرافِ، بُدِئَ فِيها بِـ نُوحٍ، ثُمَّ بِهُودٍ، ثُمَّ بِصالِحٍ، ثُمَّ بِلُوطٍ، مُقَدَّمًا عَلَيْهِ إبْراهِيمُ بِسَبَبِ قَوْمِ لُوطٍ، ثُمَّ بِشُعَيْبٍ، ثُمَّ بِـ مُوسى وهارُونَ، صَلّى اللَّهُ عَلى نَبِيِّنا وعَلَيْهِمْ أجْمَعِينَ. وذَكَرُوا وُجُوهَ حِكَمٍ وفَوائِدَ لِتَكْرارِ هَذِهِ القَصَصِ في القُرْآنِ. وقَرَأ النَّحْوِيّانِ وابْنُ كَثِيرٍ: أنِّي بِفَتْحِ الهَمْزَةِ أيْ: بِأنِّي، وباقِي السَّبْعَةِ: بِكَسْرِها عَلى إضْمارِ القَوْلِ. وقالَ أبُو عَلِيٍّ في قِراءَةِ الفَتْحِ: خُرُوجٌ مِنَ الغَيْبَةِ إلى المُخاطَبَةِ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وفي هَذا نَظَرٌ، وإنَّما هي حِكايَةُ مُخاطَبَةٍ لِقَوْمِهِ، ولَيْسَ هَذا حَقِيقَةَ الخُرُوجِ مِن غَيْبَةٍ إلى مُخاطَبَةٍ، ولَوْ كانَ الكَلامُ: أنْ أنْذِرْهم أوْ نَحْوَهُ لَصَحَّ ذَلِكَ، انْتَهى. * * ﴿ألّا تَعْبُدُوا إلّا اللَّهَ﴾ [هود: ٢]: ظاهِرٌ في أنَّهم كانُوا يَعْبُدُونَ الأوْثانَ كَما جاءَ مُصَرَّحًا في غَيْرِ هَذِهِ السُّورَةِ، وأنْ بَدَلٌ مِن أيْ لَكم في قِراءَةِ مَن فَتَحَ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ أنِ المُفَسِّرَةَ. وأمّا في قِراءَةِ مَن كَسَرَ فَيُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ المُفَسِّرَةَ، والمُراعى قَبْلَها: إمّا أرْسَلْنا وإمّا نَذِيرٌ مُبِينٌ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مَعْمُولَةً لَأرْسَلْنا أيْ: بِأنْ لا تَعْبُدُوا إلّا اللَّهَ، وإسْنادُ الألَمِ إلى اليَوْمِ مَجازٌ لِوُقُوعِ الألَمِ فِيهِ لا بِهِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): فَإذا وُصِفَ بِهِ العَذابُ ؟ (قُلْتُ): مَجازِيٌّ مِثْلُهُ، لِأنَّ الألِيمَ في الحَقِيقَةِ هو المُعَذِّبُ، ونَظِيرُهُما قَوْلُكُ: نَهارُهُ صائِمٌ، انْتَهى. وهَذا عَلى أنْ يَكُونَ (ألِيمٍ) صِفَةَ مُبالَغَةٍ مِن ألِمَ، وهو: مَن كَثُرَ ألَمُهُ. فَإنْ كانَ ألِيمٍ بِمَعْنى: مُؤْلِمٍ، فَنِسْبَتُهُ لِلْيَوْمِ مَجازٌ، ولِلْعَذابِ حَقِيقَةٌ لَمّا أنْذَرَهم مِن عَذابِ اللَّهِ وأمَرَهم بِإفْرادِهِ بِالعِبادَةِ، وأخْبَرَ أنَّهُ رَسُولٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ، ذَكَرُوا أنَّهُ مُماثِلُهم في البَشَرِيَّةِ، واسْتَبْعَدُوا أنْ يَبْعَثَ اللَّهُ رَسُولًا مِنَ البَشَرِ، وكَأنَّهم ذَهَبُوا إلى مَذْهَبِ البَراهِمَةِ الَّذِينَ يُنْكِرُونَ نُبُوَّةَ البَشَرِ عَلى الإطْلاقِ، ثُمَّ عَيَّرُوهُ بِأنَّهُ لَمْ يَتَّبِعْهُ إلّا الأراذِلُ أيْ: فَنَحْنُ لا نُساوِيهِمْ، ثُمَّ نَفَوْا أنْ يَكُونَ لَهُ عَلَيْهِمْ فَضْلٌ أيْ: أنْتَ مُساوِينا في البَشَرِيَّةِ ولا فَضْلَ لَكَ عَلَيْنا، فَكَيْفَ امْتَزْتَ بِأنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ ؟ . وفِي قَوْلِهِ: ﴿إلّا الَّذِينَ هم أراذِلُنا﴾: مُبالَغَةٌ في الإخْبارِ، وكَأنَّهُ مُؤْذِنٌ بِتَأْكِيدِ حَصْرِ مَنِ اتَّبَعَهُ، وأنَّهم هُمُ الأراذِلُ لَمْ يَشْرَكْهم شَرِيفٌ في ذَلِكَ. وفي الحَدِيثِ إنَّهم كانُوا حاكَةً وحَجّامِينَ وقالَ النَّحّاسُ: هُمُ الفُقَراءُ والَّذِينَ لا حَسَبَ لَهم، والخَسِيسُوا الصِّناعاتِ. وفِي حَدِيثِ هِرَقْلَ: أشْرافُ النّاسِ اتَّبَعُوهُ أمْ ضُعَفاؤُهم ؟ فَقالَ: بَلْ ضُعَفاؤُهم، فَقالَ: هم أتْباعُ الرُّسُلِ قَبْلُ وإنَّما كانَ كَذَلِكَ لِاسْتِيلاءِ الرِّئاسَةِ عَلى الأشْرافِ، وصُعُوبَةِ الِانْفِكاكِ عَنْها، والأنَفَةِ مِنَ الِانْقِيادِ لِغَيْرِهِمْ، والفَقِيرُ خَلِيٌّ عَنْ تِلْكَ المَوانِعِ فَهو سَرِيعٌ إلى الإجابَةِ والِانْقِيادِ. (ونَراكَ): يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ بَصَرِيَّةً، وأنْ تَكُونَ عِلْمِيَّةً. قالُوا: وأراذِلُ: جَمْعُ الجَمْعِ، فَقِيلَ: جَمْعُ أرْذُلٍ كَكَلْبٍ وأكْلُبٍ وأكالِبٍ. وقِيلَ: جَمْعُ أرْذالٍ، وقِياسُهُ أراذِيلُ. والظّاهِرُ أنَّهُ جَمْعُ أرْذَلَ الَّتِي هي أفْعَلُ التَّفْضِيلِ، وجاءَ جَمْعًا كَما جاءَ: أكابِرَ مُجْرِمِيها (p-٢١٥)وأحاسِنُكم أخْلاقًا. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ما نَراكَ إلّا بَشَرًا مِثْلَنا، تَعْرِيضٌ بِأنَّهم أحَقُّ مِنهُ بِالنُّبُوَّةِ، وأنَّ اللَّهَ لَوْ أرادَ أنْ يَجْعَلَها في أحَدٍ مِنَ البَشَرِ لَجَعَلَها فِيهِمْ، فَقالُوا: هَبْ أنَّكَ واحِدٌ مِنَ المَلَأِ ومُوازِيهِمْ في المَنزِلَةِ، فَما جَعَلَكَ أحَقَّ مِنهم ؟ ألا تَرى إلى قَوْلِهِمْ: ﴿وما نَرى لَكم عَلَيْنا مِن فَضْلٍ﴾، أوْ أرادُوا أنَّهُ كانَ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ مَلَكًا لا بَشَرًا، ولا يَظْهَرُ ما قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ مِنَ الآيَةِ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو و عِيسى الثَّقَفِيُّ: (بادِئَ الرَّأْيِ) مِن بَدَأ يَبْدَأُ ومَعْناهُ: أوَّلُ الرَّأْيِ. وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ: بادِي بِالياءِ مِن بَدا يَبْدُو، ومَعْناهُ: ظاهِرُ الرَّأْيِ. وقِيلَ: بادِي بِالياءِ مَعْناهُ: بادِئٌ بِالهَمْزِ، فَسُهِّلَتِ الهَمْزَةُ بِإبْدالِها ياءً لِكَسْرِ ما قَبْلِها. وذَكَرُوا أنَّهُ مَنصُوبٌ عَلى الظَّرْفِ، والعامِلُ فِيهِ نَراكَ أوِ اتَّبَعَكَ أوْ أراذِلُنا أيْ: وما نَراكَ فِيما يَظْهَرُ لَنا مِنَ الرَّأْيِ، أوْ في أوَّلِ رَأْيِنا، أوْ وما نَراكَ اتَّبَعَكَ أوَّلَ رَأْيِهِمْ، أوْ ظاهِرُ رَأْيِهِمْ. واحْتَمَلَ هَذا الوَجْهُ مَعْنَيَيْنِ: أحَدُهُما: أنْ يُرِيدَ: اتَّبَعَكَ في ظاهِرِ أمْرِهِمْ، وعَسى أنْ تَكُونَ بَواطِنُهم لَيْسَتْ مَعَكَ. والمَعْنى الثّانِي: أنْ يُرِيدَ: اتَّبَعُوكَ بِأوَّلِ نَظَرٍ وبِالرَّأْيِ البادِئِ دُونَ تَعَقُّبٍ، ولَوْ تَثَبَّتُوا لَمْ يَتَّبِعُوكَ، وفي هَذا الوَجْهِ ذَمُّ الرَّأْيِ غَيْرِ المَرْوِيِّ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: اتَّبَعُوكَ أوَّلَ الرَّأْيِ، أوْ ظاهِرَ الرَّأْيِ، وانْتِصابُهُ عَلى الظَّرْفِ أصْلُهُ وقْتَ حُدُوثِ أوَّلِ أمْرِهِمْ، أوْ وقْتَ حُدُوثِ ظاهِرِ رَأْيِهِمْ، فَحُذِفَ ذَلِكَ، وأُقِيمَ المُضافُ إلَيْهِ مَقامَهُ، أرادُوا: أنَّ اتِّباعَهم لَكَ إنَّما هو شَيْءٌ عَنَّ لَهم بَدِيهَةً مِن غَيْرِ رَوِيَّةٍ ونَظَرٍ، انْتَهى. وكَوْنُهُ مَنصُوبًا عَلى الظَّرْفِ هو قَوْلُ أبِي عَلِيٍّ في الحُجَّةِ، وإنَّما حَمَلَهُ عَلى الظَّرْفِ ولَيْسَ بِزَمانٍ ولا مَكانٍ، لِأنَّ في مُقَدَّرَةٌ فِيهِ أيْ: في ظاهِرِ الأمْرِ، أوْ في أوَّلِ الأمْرِ. وعَلى هَذَيْنِ التَّقْدِيرَيْنِ أعْنِي أنْ يَكُونَ العامِلُ فِيهِ: نَراكَ، أوِ اتَّبَعَكَ، يَقْتَضِي أنْ لا يَجُوزَ ذَلِكَ، لِأنَّ ما بَعْدَ إلّا لا يَكُونُ مَعْمُولًا لِما قَبْلَها، إلّا إنْ كانَ مُسْتَثْنًى مِنهُ نَحْوَ: قامَ إلّا زَيْدًا القَوْمُ، أوْ مُسْتَثْنًى نَحْوَ: جاءَ القَوْمُ إلّا زَيْدًا، أوْ تابِعًا لِلْمُسْتَثْنى مِنهُ نَحْوَ: ما جاءَنِي أحَدٌ إلّا زَيْدٌ أخْبَرَنِي عَمْرٌو، وبادِئَ الرَّأْيِ لَيْسَ واحِدًا مِن هَذِهِ الثَّلاثَةِ. وأُجِيبَ بِأنَّهُ ظَرْفٌ، أوْ كالظَّرْفِ مِثْلَ: جُهْدَ رَأْيٍ إنَّكَ ذاهِبٌ، أيْ: إنَّكَ ذاهِبٌ في جُهْدِ رَأْيٍ، والظُّرُوفِ يُتَّسَعُ فِيها. وإذا كانَ العامِلُ أراذِلُنا فَمَعْناهُ: الَّذِينَ هم أراذِلُنا بِأقَلِّ نَظَرٍ فِيهِمْ، وبِبادِئِ الرَّأْيِ يُعْلَمُ ذَلِكَ مِنهم. وقِيلَ: ﴿بادِيَ الرَّأْيِ﴾: نَعْتٌ لِقَوْلِهِ: (بَشَرًا) . وقِيلَ: انْتَصَبَ حالًا مِن ضَمِيرِ نُوحٍ في اتَّبَعَكَ، أيْ: وأنْتَ مَكْشُوفُ الرَّأْيِ لا حَصافَةَ لَكَ. وقِيلَ: انْتَصَبَ عَلى النِّداءِ لِـ نُوحٍ أيْ: يا بادِيَ الرَّأْيِ، أيْ: ما في نَفْسِكَ مِنَ الرَّأْيِ ظاهِرٌ لِكُلِّ أحَدٍ، قالُوا ذَلِكَ تَعْجِيزًا لَهُ. وقِيلَ: انْتَصَبَ عَلى المَصْدَرِ، وجاءَ الظَّرْفُ والمَصْدَرُ عَلى فاعِلٍ، ولَيْسَ بِالقِياسِ. فالرَّأْيُ هُنا إمّا مِن رُؤْيَةِ العَيْنِ، وإمّا مِنَ الفِكْرِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وإنَّما اسْتَرْذَلُوا المُؤْمِنِينَ لِفَقْرِهِمْ وتَأخُّرِهِمْ في الأسْبابِ الدُّنْيَوِيَّةِ، لِأنَّهم كانُوا جُهّالًا ما كانُوا يَعْلَمُونَ إلّا ظاهِرًا مِنَ الحَياةِ الدُّنْيا، فَكانَ الأشْرَفُ عِنْدَهم مَن لَهُ جاهٌ ومالٌ، انْتَهى. وظاهِرُ الخِطابِ في لَكم شامِلٌ لِـ نُوحٍ ومَنِ اتَّبَعَهُ، والمَعْنى: لَيْسَ لَكم عَلَيْنا زِيادَةٌ في مالٍ، ونَسَبٍ، ولا دِينٍ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: في الخَلْقِ والخُلُقِ، وقِيلَ: بِكَثْرَةِ المُلْكِ والمِلْكِ، وقِيلَ: بِمُتابَعَتِكم نُوحًا ومُخالَفَتِكم لَنا، وقِيلَ: مِن شَرَفٍ يُؤَهِّلُكم لِلنُّبُوَّةِ، وقالَ الكَلْبِيُّ: نَظُنُّكم: نَتَيَقَّنُكم، وقالَ مُقاتِلٌ: نَحْسَبُكم، أيْ في دَعْوى نُوحٍ وتَصْدِيقِكم، وقالَ صاحِبُ العِتِيّانِ: بَلْ نَظُنُّكم كاذِبِينَ تَوَسُّلًا إلى الرِّئاسَةِ والشُّهْرَةِ.

هود 11:22

﴿أفَمَن كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ ويَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنهُ ومِن قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى إمامًا ورَحْمَةً أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ ومَن يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الأحْزابِ فالنّارُ مَوْعِدُهُ فَلا تَكُ في مِرْيَةٍ مِنهُ إنَّهُ الحَقُّ مِن رَبِّكَ ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يُؤْمِنُونَ﴾: لَمّا ذَكَرَ حالَ مَن يُرِيدُ الحَياةَ الدُّنْيا، ذَكَرَ حالَ مَن يُرِيدُ وجْهَ اللَّهِ تَعالى بِأعْمالِهِ الصّالِحَةِ، وحُذِفَ المُعادِلُ الَّذِي دَخَلَتْ عَلَيْهِ الهَمْزَةُ والتَّقْدِيرُ: كَمَن يُرِيدُ الحَياةَ الدُّنْيا. وكَثِيرًا ما حُذِفَ في القُرْآنِ كَقَوْلِهِ: ﴿أفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا﴾ [فاطر: ٨] وقَوْلِهِ: ﴿أمْ مَن هو قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ﴾ [الزمر: ٩] وهَذا اسْتِفْهامٌ مَعْناهُ: التَّقْرِيرُ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أيْ: لا تَعْقِبُونَهم في المَنزِلَةِ ولا تُفارِقُونَهم، يُرِيدُ أنَّ بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ تَفاوُتًا بَعِيدًا وتَبايُنًا بَيِّنًا، وأرادَ بِهِمْ مَن آمَنَ مِنَ اليَهُودِ كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ وغَيْرِهِ، كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ أيْ: عَلى بُرْهانٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى، وبَيانٍ أنَّ دِينَ الإسْلامِ حَقٌّ وهو دَلِيلُ العَقْلِ ويَتْلُوهُ، ويَتْبَعُ ذَلِكَ البُرْهانَ شاهِدٌ مِنهُ، أيْ: شاهِدٌ يَشْهَدُ بِصِحَّتِهِ، وهو القُرْآنُ مِنهُ مِنَ اللَّهِ، أوْ شاهِدٌ مِنَ القُرْآنِ ومِن قَبْلِهِ: ومِن قَبْلِ القُرْآنِ كِتابُ مُوسى وهو: التَّوْراةُ، أيْ: ويَتْلُو ذَلِكَ أيْضًا مِن قَبْلِ القُرْآنِ كِتابُ مُوسى. وقُرِئَ: (كِتابَ مُوسى) بِالنَّصْبِ، ومَعْناهُ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ وهو الدَّلِيلُ عَلى أنَّ القُرْآنَ حَقٌّ، ويَتْلُوهُ ويَقْرَأُ القُرْآنَ شاهِدٌ مِنهُ، شاهِدٌ مِمَّنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ كَقَوْلِهِ: ﴿وشَهِدَ شاهِدٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ عَلى مِثْلِهِ﴾ [الأحقاف: ١٠] ﴿قُلْ كَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وبَيْنَكم ومَن عِنْدَهُ عِلْمُ الكِتابِ﴾ [الرعد: ٤٣] . ﴿ومِن قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى﴾: ويَتْلُوهُ ومِن قَبْلِ التَّوْراةِ، إمامًا: كِتابًا مُؤْتَمًّا في الدِّينِ قُدْوَةً فِيهِ، انْتَهى. وقِيلَ في ﴿أفَمَن كانَ﴾: المُؤْمِنُونَ بِالرَّسُولِ، (p-٢١١)وقِيلَ: مُحَمَّدٌ ﷺ خاصَّةً. وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ وابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ ومُجاهِدٌ والضَّحّاكُ: مُحَمَّدٌ والمُؤْمِنُونَ جَمِيعًا، والبَيِّنَةُ: القُرْآنُ أوِ الرَّسُولُ، والهاءُ لِلْمُبالَغَةِ. والشّاهِدُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ والنَّخَعِيُّ ومُجاهِدٌ والضَّحّاكُ وأبُو صالِحٍ وعِكْرِمَةُ: هو جِبْرِيلُ. وقالَ الحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ: هو الرَّسُولُ. وقالَ أيْضًا مُجاهِدٌ: هو مَلَكٌ وكَّلَهُ اللَّهُ بِحِفْظِ القُرْآنِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِهَذِهِ الألْفاظِ: جِبْرِيلَ، وقِيلَ: وعَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ. ورَوى المِنهالُ عَنْ عُبادَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ وجْهَهُ: ما في قُرَيْشٍ أحَدٌ إلّا وقَدْ نَزَلَتْ فِيهِ آيَةٌ قِيلَ: فَما نَزَلَ فِيكَ ؟ قالَ: ﴿ويَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنهُ﴾، وبِهِ قالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ. وقِيلَ: هو الإنْجِيلُ قالَهُ: الفَرّاءُ. وقِيلَ: هو القُرْآنُ، وقِيلَ: هو إعْجازُ القُرْآنِ، قالَهُ الحُسَيْنُ بْنُ الفَضْلِ، وقِيلَ: صُورَةُ الرَّسُولِ ﷺ ووَجْهُهُ ومَخايِلُهُ، لِأنَّ كُلَّ عاقِلٍ نَظَرَ إلَيْهِ عَلِمَ أنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . وقِيلَ: وأبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، والضَّمِيرُ في مِنهُ يَعُودُ إلى الدِّينِ، أوْ إلى الرَّسُولِ، أوْ إلى القُرْآنِ. ويَتْلُوهُ: بِمَعْنى يَتْبَعُهُ، أوْ يَقْرَؤُهُ، والضَّمِيرُ المَرْفُوعُ في يَتْلُوهُ والمَنصُوبُ والمَجْرُورُ في مِنهُ، يَتَرَتَّبُ عَلى ما يُناسِبُهُ كُلُّ قَوْمٍ مِن هَذِهِ. وقَرَأ مُحَمَّدُ بْنُ السّائِبِ الكَلْبِيُّ وغَيْرُهُ: ﴿كِتابُ مُوسى﴾ بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلى مَفْعُولِ يَتْلُوهُ، أوْ بِإضْمارِ فِعْلٍ. وإذا لَمْ يُعْنَ بِالشّاهِدِ الإنْجِيلُ فَإنَّما خَصَّ التَّوْراةَ بِالذِّكْرِ، لِأنَّ المِلَّتَيْنِ مُجْتَمِعَتانِ عَلى أنَّها مِن عِنْدِ اللَّهِ، والإنْجِيلُ يُخالِفُ فِيهِ اليَهُودُ، فَكانَ الِاسْتِشْهادُ بِما تَقُومُ بِهِ الحُجَّةُ عَلى الفَرِيقَيْنِ أوْلى. وهَذا يَجْرِي مَعَ قَوْلِ الجِنِّ: ﴿إنّا سَمِعْنا كِتابًا أُنْزِلَ مِن بَعْدِ مُوسى﴾ [الأحقاف: ٣٠] ومَعَ قَوْلِ النَّجاشِيِّ: إنَّ هَذا والَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى لَيَخْرُجُ مِن مِشْكاةٍ واحِدَةٍ. وانْتَصَبَ إمامًا عَلى الحالِ، والَّذِي يَظْهَرُ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ، أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ الكُفّارَ وأنَّهم لَيْسَ لَهم إلّا النّارُ، أعْقَبَ بِضِدِّهِمْ وهُمُ المُؤْمِنُونَ، وهُمُ الَّذِينَ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِمْ، والشّاهِدُ: القُرْآنُ، ومِنهُ عائِدٌ عَلى رَبِّهِ. ويَدُلُّ عَلى أنَّ الشّاهِدَ القُرْآنُ ذِكْرُ قَوْلِهِ: (ومِن قَبْلِهِ)، أيْ: ومِن قَبْلِ القُرْآنِ كِتابُ مُوسى، فَمَعْناهُ: أنَّهُ تَظافَرَ عَلى هِدايَتِهِ شَيْئانِ: كَوْنُهُ عَلى أمْرٍ واضِحٍ مِن بُرْهانِ العَقْلِ، وكَوْنُهُ يُوافِقُ ذَلِكَ البُرْهانُ هَذَيْنِ الكِتابَيْنِ الإلَهِيَّيْنِ: القُرْآنَ والتَّوْراةَ، فاجْتَمَعَ لَهُ العَقْلُ والنَّقْلُ. والإشارَةُ بِأُولَئِكَ: إلى مَن كانَ عَلى بَيِّنَةٍ، راعى مَعْنى مَعَ فَجَمَعَ، والضَّمِيرُ في بِهِ يَعُودُ إلى التَّوْراةِ، أوْ إلى القُرْآنِ، أوْ إلى الرَّسُولِ، ثَلاثَةُ أقْوالٍ. والأحْزابُ جَمِيعُ المِلَلِ قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ، أوِ اليَهُودُ والنَّصارى، قالَهُ قَتادَةُ، أوْ قُرَيْشٌ، قالَهُ السُّدِّيُّ، أوْ بَنُو أُمَيَّةَ وبَنُو المُغِيرَةِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ المَخْزُومِيِّ، وآلُ أبِي طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ، قالَهُ مُقاتِلٌ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَعْنِي أهْلَ مَكَّةَ ومَن ضامَّهم مِنَ المُتَحَزِّبِينَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، انْتَهى. ﴿فالنّارُ مَوْعِدُهُ﴾ أيْ: مَكانُ وعْدِهِ الَّذِي يَصِيرُونَ إلَيْهِ. وقالَ حَسّانُ: أوْرَدْتُمُونا حِياضَ المَوْتِ ضاحِيَةً فالنّارُ مَوْعِدُها والمَوْتُ لاقِيها والضَّمِيرُ في مِنهُ عائِدٌ عَلى القُرْآنِ، وقِيلَ: عَلى الخَبَرِ، بِأنَّ الكُفّارَ مَوْعِدُهُمُ النّارُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (في مِرْيَةٍ) بِكَسْرِ المِيمِ، وهي لُغَةُ الحِجازِ. وقَرَأ السُّلَمِيُّ وأبُو رَجاءٍ وأبُو الخَطّابِ السُّدُوسِيُّ والحَسَنُ: بِضَمِّها، وهي لُغَةُ أسَدٍ وتَمِيمٍ، والنّاسُ: أهْلُ مَكَّةَ قالَهُ: ابْنُ عَبّاسٍ، أوْ: جَمِيعُ الكُفّارِ مِن شاكٍّ وجاهِلٍ ومُعانِدٍ قالَهُ: صاحِبُ العِقْيانِ. ﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا أُولَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلى رَبِّهِمْ ويَقُولُ الأشْهادُ هَؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلى رَبِّهِمْ ألا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلى الظّالِمِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ويَبْغُونَها عِوَجًا وهم بِالآخِرَةِ هم كافِرُونَ﴾ ﴿أُولَئِكَ لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ في الأرْضِ وما كانَ لَهم مِن دُونِ اللَّهِ مِن أوْلِياءَ يُضاعَفُ لَهُمُ العَذابُ ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وما كانُوا يُبْصِرُونَ﴾ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم وضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ ﴿لا جَرَمَ أنَّهم في الآخِرَةِ هُمُ الأخْسَرُونَ﴾: (p-٢١٢)لَمّا سَبَقَ قَوْلُهم: ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ﴾ [هود: ١٣]، ذَكَرَ أنَّهُ لا أحَدَ أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا، وهُمُ المُفْتَرُونَ الَّذِينَ نَسَبُوا إلى اللَّهِ الوَلَدَ، واتَّخَذُوا مَعَهُ آلِهَةً، وحَرَّمُوا وحَلَّلُوا مِن غَيْرِ شَرْعِ اللَّهِ، وعَرْضُهم عَلى اللَّهِ بِمَعْنى: التَّشْهِيرِ لِخِزْيِهِمْ والإشارَةِ بِكَذِبِهِمْ، وإلّا فالطّائِعُ والعاصِي يُعْرَضُونَ عَلى اللَّهِ ﴿وعُرِضُوا عَلى رَبِّكَ صَفًّا﴾ [الكهف: ٤٨] والأشْهادُ: جَمْعُ شاهِدٍ، كَصاحِبٍ وأصْحابٍ، أوْ جَمْعُ شَهِيدٍ كَشَرِيفٍ وأشْرافٍ، والأشْهادُ: المَلائِكَةُ الَّذِينَ يَحْفَظُونَ عَلَيْهِمْ أعْمالَهم في الدُّنْيا، أوِ الأنْبِياءُ، أوْ هُما المُؤْمِنُونَ، أوْ ما يَشْهَدُ عَلَيْهِمْ مِن أعْضائِهِمْ أقْوالٌ. وفي قَوْلِهِ: (هَؤُلاءِ): إشارَةٌ إلى تَحْقِيرِهِمْ وإصْغارِهِمْ بِسُوءِ مُرْتَكَبِهِمْ. وفِي قَوْلِهِ: (عَلى رَبِّهِمْ) أيْ: عَلى مَن يُحْسِنُ إلَيْهِمْ ويَمْلِكُ نَواصِيَهم، وكانُوا جَدِيرِينَ أنْ لا يَكْذِبُوا عَلَيْهِ، وهَذا كَما تَقُولُ إذا رَأيْتَ مُجْرِمًا: هَذا الَّذِي فَعَلَ كَذا وكَذا. وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ الجُمْلَةِ بَعْدَ هَذا. وهم: تَأْكِيدٌ لِقَوْلِهِ: وهم، وقَوْلُهُ: (مُعْجِزِينَ)، أيْ: كانُوا لا يُعْجِزُونَ اللَّهَ في الدُّنْيا أنْ يُعاقِبَهم لَوْ أرادَ عِقابَهم، وما كانَ لَهم مَن يَنْصُرُهم ويَمْنَعُهم مِنَ العِقابِ، ولَكِنَّهُ أرادَ إنْظارَهم وتَأْخِيرَ عِقابِهِمْ إلى هَذا اليَوْمِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وهو كَلامُ الأشْهادِ يَعْنِي: أنَّ كَلامَهم مِن قَوْلِهِمْ: هَؤُلاءِ إلى آخِرِ هَذِهِ الجُمْلَةِ الَّتِي هي وما كانَ لَهم مِن دُونِ اللَّهِ مِن أوْلِياءَ. وقَدْ يَظْهَرُ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ألا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلى الظّالِمِينَ﴾: مِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى لا عَلى سَبِيلِ الحِكايَةِ، ويَدُلُّ لِقَوْلِ الزَّمَخْشَرِيِّ قَوْلُهُ: ﴿فَأذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهم أنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلى الظّالِمِينَ﴾ [الأعراف: ٤٤] الآيَةَ، فَكَما أنَّهُ مِن كَلامِ المَخْلُوقِينَ في تِلْكَ الآيَةِ، فَكَذَلِكَ هُنا يُضاعَفُ لَهُمُ العَذابُ: يُشَدَّدُ ويَكْثُرُ، وهَذا اسْتِئْنافُ إخْبارٍ عَنْ حالِهِمْ في الآخِرَةِ، لِأنَّهم جَمَعُوا إلى الكُفْرِ بِالبَعْثِ الكَذِبَ عَلى اللَّهِ، وصَدَّ عِبادِهِ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ، وبَغْيَ العِوَجِ لَها، وهي الطَّرِيقَةُ المُسْتَقِيمَةُ. ﴿ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ﴾: إخْبارٌ عَنْ حالِهِمْ في الدُّنْيا عَلى سَبِيلِ المُبالَغَةِ يَعْنِي: السَّمْعَ لِلْقُرْآنِ، ولِما جاءَ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ . ﴿وما كانُوا يُبْصِرُونَ﴾ أيْ: يَنْظُرُونَ إلَيْهِ لِبُغْضِهِمْ فِيهِ. ألا تَرى إلى حَشْوِ الطُّفَيْلِ بْنِ عَمْرٍو أُذُنَيْهِ مِنَ الكُرْسُفِ، وإبايَةِ قُرَيْشٍ أنْ يَسْمَعُوا ما نُقِلَ إلَيْهِمْ مِن كَلامِ الرَّسُولِ حَتّى تَرُدَّهم عَنْ ذَلِكَ مَشْيَخَتُهم ؟ أوْ إخْبارٌ عَنْ حالِهِمْ إذا ضُعِّفَ لَهُمُ العَذابُ أيْ: أنَّهُ تَعالى حَتَمَّ عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ، فَهم لا يَسْمَعُونَ لِذَلِكَ سَماعًا يَنْتَفِعُونَ بِهِ، ولا يُبْصِرُونَ لِذَلِكَ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ في كانُوا عائِدٌ عَلى أوْلِياؤُهم: آلِهَتُهم أيْ: فَما كانَ لَهم في الحَقِيقَةِ مِن أوْلِياءَ وإنْ كانُوا يَعْتَقِدُونَ أنَّهم أوْلِياءُ. ويَعْنِي أنَّهُ مَن لا يَسْتَطِيعُ أنْ يَسْمَعَ ولا يُبْصِرَ فَكَيْفَ يَصْلُحُ لِلْوِلايَةِ ؟ ويَكُونُ ﴿يُضاعَفُ لَهُمُ العَذابُ﴾ اعْتِراضًا، وما عَلى هَذِهِ الأقْوالِ نَفْيٌ. وقِيلَ: ما مَصْدَرِيَّةٌ أيْ: يُضاعَفُ لَهُمُ العَذابُ مُدَّةَ اسْتِطاعَتِهِمُ السَّمْعَ وإبْصارِهِمْ، والمَعْنى: أنَّ العَذابَ وتَضْعِيفَهُ دائِمٌ لَهم مُتَمادٍ. وأجازَ الفَرّاءُ أنْ تَكُونَ ما مَصْدَرِيَّةً، وحُذِفَ حَرْفُ الجَرِّ مِنها كَما يُحْذَفُ مَعَ أنْ وإنْ أُخْتَيْها، وهَذا فِيهِ بُعْدٌ في اللَّفْظِ وفي المَعْنى. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أرادَ أنَّهم لِفَرْطِ تَصامِّهِمْ عَنِ اتِّباعِ الحَقِّ وكَراهَتِهِمْ لَهُ كَأنَّهم لا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ، ولَعَلَّ بَعْضَ المُجْبِرَةِ يَتَوَثَّبُ إذا عَثَرَ عَلَيْهِ فَيُوَعْوِعُ بِهِ عَلى أهْلِ العَدْلِ، كَأنَّهُ لَمْ يَسْمَعِ النّاسَ يَقُولُونَ في كُلِّ لِسانٍ: هَذا الكَلامُ لا أسْتَطِيعُ أسْمَعُهُ، وهَذا مِمّا يَمُجُّهُ سَمْعِي، انْتَهى. يَعْنِي: أنَّهُ يُمْكِنُ أنْ يُسْتَدَلَّ بِهِ عَلى أنَّ العَبْدَ لا قُدْرَةَ لَهُ، لِأنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ نَفى عَنْهُ اسْتِطاعَةَ السَّمْعِ، وإذا انْتَفَتْ الِاسْتِطاعَةُ مِنهُ انْتَفَتْ قُدْرَتُهُ. والزَّمَخْشَرِيُّ عَلى عادَتِهِ في السَّفَهِ عَلى أهْلِ السُّنَّةِ وخُسْرانِهِمْ أنْفُسِهِمْ، لِكَوْنِهِمُ اشْتَرَوْا عِبادَةَ الآلِهَةِ بِعِبادَةِ اللَّهِ تَعالى، فَخَسِرُوا في تِجارَتِهِمْ خُسْرانًا لا خُسْرانَ أعْظَمُ مِنهُ. وهُوَ عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ: راحَةُ أوْ سَعادَةُ أنْفُسِهِمْ، وإلّا فَأنْفُسُهم باقِيَةٌ مُعَذَّبَةٌ. وبَطَلَ عَنْهم ما افْتَرَوْهُ مِن عِبادَةِ الآلِهَةِ، وكَوْنِهِمْ يَعْتَقِدُونَ شَفاعَتَها إذا رَأوْا أنَّها لا تَشْفَعُ ولا تَنْفَعُ. لا جَرَمَ: مَذْهَبُ الخَلِيلِ وسِيبَوَيْهِ أنَّهُما رُكِّبا مِن: لا وجَرَمَ وبُنِيا، والمَعْنى: حَقَّ، وما بَعْدَهُ رُفِعَ بِهِ عَلى الفاعِلِيَّةِ (p-٢١٣)وقالَ الحَوْفِيُّ: جَرَمَ مَنفِيٌّ بِلا بِمَعْنى: حَقَّ، وهو مَبْنِيٌّ مَعَ لا في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِداءِ، وأنَّهم في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى خَبَرِ جَرَمَ. وقالَ قَوْمٌ: إنَّ جَرَمَ مَبْنِيَّةٌ مَعَ لا عَلى الفَتْحِ نَحْوَ قَوْلِكَ: لا رَجُلَ، ومَعْناها: لا بُدَّ ولا مَحالَةَ. وقالَ الكِسائِيُّ: مَعْناها: لا ضِدَّ ولا مَنعَ، فَتَكُونُ اسْمَ لا وهي مَبْنِيَّةٌ عَلى الفَتْحِ كالقَوْلِ الَّذِي قَبْلَهُ، وتَكُونُ جَرَمَ هُنا مِن مَعْنى القَطْعِ، نَقُولُ: جَرَمْتُ أيْ: قَطَعْتُ. وقالَ الزَّجّاجُ: لا تَرْكِيبَ بَيْنَهُما ولا رَدَّ عَلَيْهِمْ. ولِما تَقَدَّمَ مِن كُلِّ ما قَبْلَها مِمّا قالُوا: إنَّ الأصْنامَ تَنْفَعُهم. وجَرَمَ: فِعْلٌ ماضٍ مَعْناهُ: كَسَبَ، والفاعِلُ مُضْمَرٌ: أيَكْسِبُ هو أيْ: فِعْلُهم، وأنَّ وما بَعْدَها في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى المَفْعُولِ بِهِ، وجَرَمَ القَوْمَ: كاسَبَهم. وقالَ الشّاعِرُ: ؎نَصَبْنا رَأسَهُ في جِذْعِ نَخْلٍ بِما جَرَمَتْ يَداهُ وما اعْتَدَيْنا وقالَ آخَرُ: جَرِيمَةَ ناهِضٍ في رَأْسِ نِيقٍ تَرى لِعِظامِ ما جَمَعَتْ صَلِيبا ويُقالُ: لا جِرَمَ بِالكَسْرِ، ولا جَرَ: بِحَذْفِ المِيمِ. قالَ النَّحّاسُ: وزَعَمَ الكِسائِيُّ أنَّ فِيها أرْبَعَ لُغاتٍ: لا جَرَمَ، ولا عَنْ ذا جَرَمٍ، ولا أنْ ذا جَرَمٍ، قالَ: وناسٌ مِن فَزارَةَ يَقُولُونَ: لا جَرَمَ. وحَكى الفَرّاءُ فِيهِ لُغَتَيْنِ أُخْرَيَيْنِ، قالَ: بَنُو عامِرٍ يَقُولُونَ: لا ذا جَرَمٍ، وناسٌ مِنَ العَرَبِ يَقُولُونَ: لا جُرَمَ بِضَمِّ الجِيمِ. وقالَ الجُبّائِيُّ في نَوادِرِهِ: حُكِيَ عَنْ فَزارَةَ: لا جَرَ واللَّهِ لا أفْعَلُ ذاكَ، قالَ: ويُقالُ: لا ذا جَرَمٍ، ولا ذُو جَرَمٍ، ولا عَنْ ذا جَرَمٍ، ولا أنْ ذا جَرَمٍ، ولا أنْ جَرَمَ، ولا عَنْ جَرَمٍ، ولا ذا جَرَ واللَّهِ، بِغَيْرِ مِيمٍ: لا أفْعَلُ ذاكَ. وحَكى بَعْضُهم بِغَيْرِ لا جَرَمَ: أنَّكَ أنْتَ فَعَلْتَ ذاكَ، وعَنْ أبِي عَمْرٍو: لَأجْرَمَ أنَّ لَهُمُ النّارَ عَلى وزْنِ: لَأكْرَمَ، ولا جَرَ: حَذَفُوهُ لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمالِ كَما قالُوا: سَوْ تَرى يُرِيدُونَ: سَوْفَ تَرى. ولَمّا كانَ خُسْرانُ النَّفْسِ أعْظَمَ الخُسْرانِ، حُكِمَ عَلَيْهِمْ بِأنَّهم هُمُ الزّائِدُونَ في الخُسْرانِ عَلى كُلِّ خاسِرٍ مِن سِواهم مِنَ العُصاةِ مَآلُهُ إلى الرّاحَةِ، وإلى انْقِطاعِ خُسْرانِهِ بِخِلافِ هَؤُلاءِ، فَإنَّ خُسْرانَهم لا انْقِطاعَ لَهُ. ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ وأخْبَتُوا إلى رَبِّهِمْ أُولَئِكَ أصْحابُ الجَنَّةِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ ﴿مَثَلُ الفَرِيقَيْنِ كالأعْمى والأصَمِّ والبَصِيرِ والسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلًا أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾: لَمّا ذَكَرَ ما يَئُولُ إلَيْهِ الكُفّارُ مِنَ النّارِ، ذَكَرَ ما يَئُولُ إلَيْهِ المُؤْمِنُونَ مِنَ الجَنَّةِ، والفَرِيقانِ هُنا الكافِرُ والمُؤْمِنُ. ولَمّا كانَ تَقَدَّمَ ذِكْرُ الكُفّارِ وأُعْقِبَ بِذِكْرِ المُؤْمِنِينَ، جاءَ التَّمْثِيلُ هُنا مُبْتَدَأً بِالكافِرِ، فَقالَ: ﴿كالأعْمى والأصَمِّ﴾ . ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ مِن بابِ تَشْبِيهِ اثْنَيْنِ بِاثْنَيْنِ، فَقُوبِلَ الأعْمى بِالبَصِيرِ وهو طِباقٌ، وقُوبِلَ الأصَمُّ بِالسَّمِيعِ وهو طِباقٌ أيْضًا، والعَمى والصَّمَمُ: آفَتانِ تَمْنَعانِ مِنَ البَصَرِ والسَّمْعِ، ولَيْسَتا بِضِدَّيْنِ، لِأنَّهُ لا تَعاقُبَ بَيْنَهُما. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن تَشْبِيهٍ واحِدٍ بِوَصْفَيْهِ بِواحِدٍ بِوَصْفَيْهِ، فَيَكُونُ مِن عَطْفِ الصِّفاتِ كَما قالَ الشّاعِرُ: إلى المَلِكِ القَرْنِ وابْنِ الهُمامِ ولَيْثِ الكَرِيهَةِ في المُزْدَحَمْ ولَمْ يَجِئِ التَّرْكِيبُ: كالأعْمى والبَصِيرِ والأصَمِّ والسَّمِيعِ، فَيَكُونُ مُقابَلَةً في لَفْظِ الأعْمى وضِدِّهِ، وفي لَفْظَةِ الأصَمِّ وضِدِّهِ، لِأنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ انْسِدادَ العَيْنِ أتْبَعَهُ بِانْسِدادِ السَّمْعِ، ولَمّا ذَكَرَ انْفِتاحَ البَصَرِ أتْبَعَهُ بِانْفِتاحِ السَّمْعِ، وذَلِكَ هو الأُسْلُوبُ في المُقابَلَةِ، والأتَمُّ في الإعْجازِ. ويَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى نَظِيرُ (p-٢١٤)هَذِهِ المُقابَلَةِ في قَوْلِهِ في طَهَ: ﴿إنَّ لَكَ ألّا تَجُوعَ فِيها ولا تَعْرى﴾ [طه: ١١٨] ﴿وأنَّكَ لا تَظْمَأُ فِيها ولا تَضْحى﴾ [طه: ١١٩] واحْتُمِلَ أنْ تَكُونَ الكافُ نَفْسُها هي خَبَرُ المُبْتَدَأِ، فَيَكُونُ مَعْناها: مَعْنى المَثَلِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: مَثَلُ الفَرِيقَيْنِ مَثَلُ الأعْمى. واحْتُمِلَ أنْ يُرادَ بِالمَثَلِ: الصِّفَةُ، وبِالكافِ: مِثْلُ، فَيَكُونُ عَلى حَذْفٍ مُضافٍ، أيْ: كَمَثَلِ الأعْمى، وهَذا التَّشْبِيهُ تَشْبِيهُ مَعْقُولٍ بِمَحْسُوسٍ، فَأعْمى البَصِيرَةِ: أصَمُّها، شُبِّهَ بِأعْمى البَصَرِ أصَمُّ السَّمْعِ، ذَلِكَ في ظُلُماتِ الضَّلالاتِ مُتَرَدِّدٌ تائِهٌ، وهَذا في الطُّرُقاتِ مُحَيَّرٌ لا يَهْتَدِي إلَيْها. وجاءَ (أفَلا تَذَكَّرُونَ) لِيُنَبِّهَ عَلى أنَّهُ يُمْكِنُ زَوالُ هَذا العَمى وهَذا الصَّمَمُ المَعْقُولُ، فَيَجِبُ عَلى العاقِلِ أنْ يَتَذَكَّرَ ما هو فِيهِ، ويَسْعى في هِدايَةِ نَفْسِهِ. وانْتَصَبَ مَثَلًا عَلى التَّمْيِيزِ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا، انْتَهى. وفِيهِ بُعْدٌ، والظّاهِرُ: التَّمْيِيزُ وأنَّهُ مَنقُولٌ مِنَ الفاعِلِ، أصْلُهُ: هَلْ يَسْتَوِي مَثَلاهُما. ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا نُوحًا إلى قَوْمِهِ إنِّي لَكم نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ ﴿أنْ لا تَعْبُدُوا إلّا اللَّهَ إنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ ألِيمٍ﴾ ﴿فَقالَ المَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ ما نَراكَ إلّا بَشَرًا مِثْلَنا وما نَراكَ اتَّبَعَكَ إلّا الَّذِينَ هم أراذِلُنا بادِيَ الرَّأْيِ وما نَرى لَكم عَلَيْنا مِن فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكم كاذِبِينَ﴾: هَذِهِ السُّورَةُ في قَصَصِها شَبِيهَةٌ بِسُورَةِ الأعْرافِ، بُدِئَ فِيها بِـ نُوحٍ، ثُمَّ بِهُودٍ، ثُمَّ بِصالِحٍ، ثُمَّ بِلُوطٍ، مُقَدَّمًا عَلَيْهِ إبْراهِيمُ بِسَبَبِ قَوْمِ لُوطٍ، ثُمَّ بِشُعَيْبٍ، ثُمَّ بِـ مُوسى وهارُونَ، صَلّى اللَّهُ عَلى نَبِيِّنا وعَلَيْهِمْ أجْمَعِينَ. وذَكَرُوا وُجُوهَ حِكَمٍ وفَوائِدَ لِتَكْرارِ هَذِهِ القَصَصِ في القُرْآنِ. وقَرَأ النَّحْوِيّانِ وابْنُ كَثِيرٍ: أنِّي بِفَتْحِ الهَمْزَةِ أيْ: بِأنِّي، وباقِي السَّبْعَةِ: بِكَسْرِها عَلى إضْمارِ القَوْلِ. وقالَ أبُو عَلِيٍّ في قِراءَةِ الفَتْحِ: خُرُوجٌ مِنَ الغَيْبَةِ إلى المُخاطَبَةِ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وفي هَذا نَظَرٌ، وإنَّما هي حِكايَةُ مُخاطَبَةٍ لِقَوْمِهِ، ولَيْسَ هَذا حَقِيقَةَ الخُرُوجِ مِن غَيْبَةٍ إلى مُخاطَبَةٍ، ولَوْ كانَ الكَلامُ: أنْ أنْذِرْهم أوْ نَحْوَهُ لَصَحَّ ذَلِكَ، انْتَهى. * * ﴿ألّا تَعْبُدُوا إلّا اللَّهَ﴾ [هود: ٢]: ظاهِرٌ في أنَّهم كانُوا يَعْبُدُونَ الأوْثانَ كَما جاءَ مُصَرَّحًا في غَيْرِ هَذِهِ السُّورَةِ، وأنْ بَدَلٌ مِن أيْ لَكم في قِراءَةِ مَن فَتَحَ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ أنِ المُفَسِّرَةَ. وأمّا في قِراءَةِ مَن كَسَرَ فَيُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ المُفَسِّرَةَ، والمُراعى قَبْلَها: إمّا أرْسَلْنا وإمّا نَذِيرٌ مُبِينٌ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مَعْمُولَةً لَأرْسَلْنا أيْ: بِأنْ لا تَعْبُدُوا إلّا اللَّهَ، وإسْنادُ الألَمِ إلى اليَوْمِ مَجازٌ لِوُقُوعِ الألَمِ فِيهِ لا بِهِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): فَإذا وُصِفَ بِهِ العَذابُ ؟ (قُلْتُ): مَجازِيٌّ مِثْلُهُ، لِأنَّ الألِيمَ في الحَقِيقَةِ هو المُعَذِّبُ، ونَظِيرُهُما قَوْلُكُ: نَهارُهُ صائِمٌ، انْتَهى. وهَذا عَلى أنْ يَكُونَ (ألِيمٍ) صِفَةَ مُبالَغَةٍ مِن ألِمَ، وهو: مَن كَثُرَ ألَمُهُ. فَإنْ كانَ ألِيمٍ بِمَعْنى: مُؤْلِمٍ، فَنِسْبَتُهُ لِلْيَوْمِ مَجازٌ، ولِلْعَذابِ حَقِيقَةٌ لَمّا أنْذَرَهم مِن عَذابِ اللَّهِ وأمَرَهم بِإفْرادِهِ بِالعِبادَةِ، وأخْبَرَ أنَّهُ رَسُولٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ، ذَكَرُوا أنَّهُ مُماثِلُهم في البَشَرِيَّةِ، واسْتَبْعَدُوا أنْ يَبْعَثَ اللَّهُ رَسُولًا مِنَ البَشَرِ، وكَأنَّهم ذَهَبُوا إلى مَذْهَبِ البَراهِمَةِ الَّذِينَ يُنْكِرُونَ نُبُوَّةَ البَشَرِ عَلى الإطْلاقِ، ثُمَّ عَيَّرُوهُ بِأنَّهُ لَمْ يَتَّبِعْهُ إلّا الأراذِلُ أيْ: فَنَحْنُ لا نُساوِيهِمْ، ثُمَّ نَفَوْا أنْ يَكُونَ لَهُ عَلَيْهِمْ فَضْلٌ أيْ: أنْتَ مُساوِينا في البَشَرِيَّةِ ولا فَضْلَ لَكَ عَلَيْنا، فَكَيْفَ امْتَزْتَ بِأنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ ؟ . وفِي قَوْلِهِ: ﴿إلّا الَّذِينَ هم أراذِلُنا﴾: مُبالَغَةٌ في الإخْبارِ، وكَأنَّهُ مُؤْذِنٌ بِتَأْكِيدِ حَصْرِ مَنِ اتَّبَعَهُ، وأنَّهم هُمُ الأراذِلُ لَمْ يَشْرَكْهم شَرِيفٌ في ذَلِكَ. وفي الحَدِيثِ إنَّهم كانُوا حاكَةً وحَجّامِينَ وقالَ النَّحّاسُ: هُمُ الفُقَراءُ والَّذِينَ لا حَسَبَ لَهم، والخَسِيسُوا الصِّناعاتِ. وفِي حَدِيثِ هِرَقْلَ: أشْرافُ النّاسِ اتَّبَعُوهُ أمْ ضُعَفاؤُهم ؟ فَقالَ: بَلْ ضُعَفاؤُهم، فَقالَ: هم أتْباعُ الرُّسُلِ قَبْلُ وإنَّما كانَ كَذَلِكَ لِاسْتِيلاءِ الرِّئاسَةِ عَلى الأشْرافِ، وصُعُوبَةِ الِانْفِكاكِ عَنْها، والأنَفَةِ مِنَ الِانْقِيادِ لِغَيْرِهِمْ، والفَقِيرُ خَلِيٌّ عَنْ تِلْكَ المَوانِعِ فَهو سَرِيعٌ إلى الإجابَةِ والِانْقِيادِ. (ونَراكَ): يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ بَصَرِيَّةً، وأنْ تَكُونَ عِلْمِيَّةً. قالُوا: وأراذِلُ: جَمْعُ الجَمْعِ، فَقِيلَ: جَمْعُ أرْذُلٍ كَكَلْبٍ وأكْلُبٍ وأكالِبٍ. وقِيلَ: جَمْعُ أرْذالٍ، وقِياسُهُ أراذِيلُ. والظّاهِرُ أنَّهُ جَمْعُ أرْذَلَ الَّتِي هي أفْعَلُ التَّفْضِيلِ، وجاءَ جَمْعًا كَما جاءَ: أكابِرَ مُجْرِمِيها (p-٢١٥)وأحاسِنُكم أخْلاقًا. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ما نَراكَ إلّا بَشَرًا مِثْلَنا، تَعْرِيضٌ بِأنَّهم أحَقُّ مِنهُ بِالنُّبُوَّةِ، وأنَّ اللَّهَ لَوْ أرادَ أنْ يَجْعَلَها في أحَدٍ مِنَ البَشَرِ لَجَعَلَها فِيهِمْ، فَقالُوا: هَبْ أنَّكَ واحِدٌ مِنَ المَلَأِ ومُوازِيهِمْ في المَنزِلَةِ، فَما جَعَلَكَ أحَقَّ مِنهم ؟ ألا تَرى إلى قَوْلِهِمْ: ﴿وما نَرى لَكم عَلَيْنا مِن فَضْلٍ﴾، أوْ أرادُوا أنَّهُ كانَ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ مَلَكًا لا بَشَرًا، ولا يَظْهَرُ ما قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ مِنَ الآيَةِ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو و عِيسى الثَّقَفِيُّ: (بادِئَ الرَّأْيِ) مِن بَدَأ يَبْدَأُ ومَعْناهُ: أوَّلُ الرَّأْيِ. وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ: بادِي بِالياءِ مِن بَدا يَبْدُو، ومَعْناهُ: ظاهِرُ الرَّأْيِ. وقِيلَ: بادِي بِالياءِ مَعْناهُ: بادِئٌ بِالهَمْزِ، فَسُهِّلَتِ الهَمْزَةُ بِإبْدالِها ياءً لِكَسْرِ ما قَبْلِها. وذَكَرُوا أنَّهُ مَنصُوبٌ عَلى الظَّرْفِ، والعامِلُ فِيهِ نَراكَ أوِ اتَّبَعَكَ أوْ أراذِلُنا أيْ: وما نَراكَ فِيما يَظْهَرُ لَنا مِنَ الرَّأْيِ، أوْ في أوَّلِ رَأْيِنا، أوْ وما نَراكَ اتَّبَعَكَ أوَّلَ رَأْيِهِمْ، أوْ ظاهِرُ رَأْيِهِمْ. واحْتَمَلَ هَذا الوَجْهُ مَعْنَيَيْنِ: أحَدُهُما: أنْ يُرِيدَ: اتَّبَعَكَ في ظاهِرِ أمْرِهِمْ، وعَسى أنْ تَكُونَ بَواطِنُهم لَيْسَتْ مَعَكَ. والمَعْنى الثّانِي: أنْ يُرِيدَ: اتَّبَعُوكَ بِأوَّلِ نَظَرٍ وبِالرَّأْيِ البادِئِ دُونَ تَعَقُّبٍ، ولَوْ تَثَبَّتُوا لَمْ يَتَّبِعُوكَ، وفي هَذا الوَجْهِ ذَمُّ الرَّأْيِ غَيْرِ المَرْوِيِّ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: اتَّبَعُوكَ أوَّلَ الرَّأْيِ، أوْ ظاهِرَ الرَّأْيِ، وانْتِصابُهُ عَلى الظَّرْفِ أصْلُهُ وقْتَ حُدُوثِ أوَّلِ أمْرِهِمْ، أوْ وقْتَ حُدُوثِ ظاهِرِ رَأْيِهِمْ، فَحُذِفَ ذَلِكَ، وأُقِيمَ المُضافُ إلَيْهِ مَقامَهُ، أرادُوا: أنَّ اتِّباعَهم لَكَ إنَّما هو شَيْءٌ عَنَّ لَهم بَدِيهَةً مِن غَيْرِ رَوِيَّةٍ ونَظَرٍ، انْتَهى. وكَوْنُهُ مَنصُوبًا عَلى الظَّرْفِ هو قَوْلُ أبِي عَلِيٍّ في الحُجَّةِ، وإنَّما حَمَلَهُ عَلى الظَّرْفِ ولَيْسَ بِزَمانٍ ولا مَكانٍ، لِأنَّ في مُقَدَّرَةٌ فِيهِ أيْ: في ظاهِرِ الأمْرِ، أوْ في أوَّلِ الأمْرِ. وعَلى هَذَيْنِ التَّقْدِيرَيْنِ أعْنِي أنْ يَكُونَ العامِلُ فِيهِ: نَراكَ، أوِ اتَّبَعَكَ، يَقْتَضِي أنْ لا يَجُوزَ ذَلِكَ، لِأنَّ ما بَعْدَ إلّا لا يَكُونُ مَعْمُولًا لِما قَبْلَها، إلّا إنْ كانَ مُسْتَثْنًى مِنهُ نَحْوَ: قامَ إلّا زَيْدًا القَوْمُ، أوْ مُسْتَثْنًى نَحْوَ: جاءَ القَوْمُ إلّا زَيْدًا، أوْ تابِعًا لِلْمُسْتَثْنى مِنهُ نَحْوَ: ما جاءَنِي أحَدٌ إلّا زَيْدٌ أخْبَرَنِي عَمْرٌو، وبادِئَ الرَّأْيِ لَيْسَ واحِدًا مِن هَذِهِ الثَّلاثَةِ. وأُجِيبَ بِأنَّهُ ظَرْفٌ، أوْ كالظَّرْفِ مِثْلَ: جُهْدَ رَأْيٍ إنَّكَ ذاهِبٌ، أيْ: إنَّكَ ذاهِبٌ في جُهْدِ رَأْيٍ، والظُّرُوفِ يُتَّسَعُ فِيها. وإذا كانَ العامِلُ أراذِلُنا فَمَعْناهُ: الَّذِينَ هم أراذِلُنا بِأقَلِّ نَظَرٍ فِيهِمْ، وبِبادِئِ الرَّأْيِ يُعْلَمُ ذَلِكَ مِنهم. وقِيلَ: ﴿بادِيَ الرَّأْيِ﴾: نَعْتٌ لِقَوْلِهِ: (بَشَرًا) . وقِيلَ: انْتَصَبَ حالًا مِن ضَمِيرِ نُوحٍ في اتَّبَعَكَ، أيْ: وأنْتَ مَكْشُوفُ الرَّأْيِ لا حَصافَةَ لَكَ. وقِيلَ: انْتَصَبَ عَلى النِّداءِ لِـ نُوحٍ أيْ: يا بادِيَ الرَّأْيِ، أيْ: ما في نَفْسِكَ مِنَ الرَّأْيِ ظاهِرٌ لِكُلِّ أحَدٍ، قالُوا ذَلِكَ تَعْجِيزًا لَهُ. وقِيلَ: انْتَصَبَ عَلى المَصْدَرِ، وجاءَ الظَّرْفُ والمَصْدَرُ عَلى فاعِلٍ، ولَيْسَ بِالقِياسِ. فالرَّأْيُ هُنا إمّا مِن رُؤْيَةِ العَيْنِ، وإمّا مِنَ الفِكْرِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وإنَّما اسْتَرْذَلُوا المُؤْمِنِينَ لِفَقْرِهِمْ وتَأخُّرِهِمْ في الأسْبابِ الدُّنْيَوِيَّةِ، لِأنَّهم كانُوا جُهّالًا ما كانُوا يَعْلَمُونَ إلّا ظاهِرًا مِنَ الحَياةِ الدُّنْيا، فَكانَ الأشْرَفُ عِنْدَهم مَن لَهُ جاهٌ ومالٌ، انْتَهى. وظاهِرُ الخِطابِ في لَكم شامِلٌ لِـ نُوحٍ ومَنِ اتَّبَعَهُ، والمَعْنى: لَيْسَ لَكم عَلَيْنا زِيادَةٌ في مالٍ، ونَسَبٍ، ولا دِينٍ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: في الخَلْقِ والخُلُقِ، وقِيلَ: بِكَثْرَةِ المُلْكِ والمِلْكِ، وقِيلَ: بِمُتابَعَتِكم نُوحًا ومُخالَفَتِكم لَنا، وقِيلَ: مِن شَرَفٍ يُؤَهِّلُكم لِلنُّبُوَّةِ، وقالَ الكَلْبِيُّ: نَظُنُّكم: نَتَيَقَّنُكم، وقالَ مُقاتِلٌ: نَحْسَبُكم، أيْ في دَعْوى نُوحٍ وتَصْدِيقِكم، وقالَ صاحِبُ العِتِيّانِ: بَلْ نَظُنُّكم كاذِبِينَ تَوَسُّلًا إلى الرِّئاسَةِ والشُّهْرَةِ.

هود 11:23

﴿أفَمَن كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ ويَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنهُ ومِن قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى إمامًا ورَحْمَةً أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ ومَن يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الأحْزابِ فالنّارُ مَوْعِدُهُ فَلا تَكُ في مِرْيَةٍ مِنهُ إنَّهُ الحَقُّ مِن رَبِّكَ ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يُؤْمِنُونَ﴾: لَمّا ذَكَرَ حالَ مَن يُرِيدُ الحَياةَ الدُّنْيا، ذَكَرَ حالَ مَن يُرِيدُ وجْهَ اللَّهِ تَعالى بِأعْمالِهِ الصّالِحَةِ، وحُذِفَ المُعادِلُ الَّذِي دَخَلَتْ عَلَيْهِ الهَمْزَةُ والتَّقْدِيرُ: كَمَن يُرِيدُ الحَياةَ الدُّنْيا. وكَثِيرًا ما حُذِفَ في القُرْآنِ كَقَوْلِهِ: ﴿أفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا﴾ [فاطر: ٨] وقَوْلِهِ: ﴿أمْ مَن هو قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ﴾ [الزمر: ٩] وهَذا اسْتِفْهامٌ مَعْناهُ: التَّقْرِيرُ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أيْ: لا تَعْقِبُونَهم في المَنزِلَةِ ولا تُفارِقُونَهم، يُرِيدُ أنَّ بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ تَفاوُتًا بَعِيدًا وتَبايُنًا بَيِّنًا، وأرادَ بِهِمْ مَن آمَنَ مِنَ اليَهُودِ كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ وغَيْرِهِ، كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ أيْ: عَلى بُرْهانٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى، وبَيانٍ أنَّ دِينَ الإسْلامِ حَقٌّ وهو دَلِيلُ العَقْلِ ويَتْلُوهُ، ويَتْبَعُ ذَلِكَ البُرْهانَ شاهِدٌ مِنهُ، أيْ: شاهِدٌ يَشْهَدُ بِصِحَّتِهِ، وهو القُرْآنُ مِنهُ مِنَ اللَّهِ، أوْ شاهِدٌ مِنَ القُرْآنِ ومِن قَبْلِهِ: ومِن قَبْلِ القُرْآنِ كِتابُ مُوسى وهو: التَّوْراةُ، أيْ: ويَتْلُو ذَلِكَ أيْضًا مِن قَبْلِ القُرْآنِ كِتابُ مُوسى. وقُرِئَ: (كِتابَ مُوسى) بِالنَّصْبِ، ومَعْناهُ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ وهو الدَّلِيلُ عَلى أنَّ القُرْآنَ حَقٌّ، ويَتْلُوهُ ويَقْرَأُ القُرْآنَ شاهِدٌ مِنهُ، شاهِدٌ مِمَّنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ كَقَوْلِهِ: ﴿وشَهِدَ شاهِدٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ عَلى مِثْلِهِ﴾ [الأحقاف: ١٠] ﴿قُلْ كَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وبَيْنَكم ومَن عِنْدَهُ عِلْمُ الكِتابِ﴾ [الرعد: ٤٣] . ﴿ومِن قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى﴾: ويَتْلُوهُ ومِن قَبْلِ التَّوْراةِ، إمامًا: كِتابًا مُؤْتَمًّا في الدِّينِ قُدْوَةً فِيهِ، انْتَهى. وقِيلَ في ﴿أفَمَن كانَ﴾: المُؤْمِنُونَ بِالرَّسُولِ، (p-٢١١)وقِيلَ: مُحَمَّدٌ ﷺ خاصَّةً. وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ وابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ ومُجاهِدٌ والضَّحّاكُ: مُحَمَّدٌ والمُؤْمِنُونَ جَمِيعًا، والبَيِّنَةُ: القُرْآنُ أوِ الرَّسُولُ، والهاءُ لِلْمُبالَغَةِ. والشّاهِدُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ والنَّخَعِيُّ ومُجاهِدٌ والضَّحّاكُ وأبُو صالِحٍ وعِكْرِمَةُ: هو جِبْرِيلُ. وقالَ الحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ: هو الرَّسُولُ. وقالَ أيْضًا مُجاهِدٌ: هو مَلَكٌ وكَّلَهُ اللَّهُ بِحِفْظِ القُرْآنِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِهَذِهِ الألْفاظِ: جِبْرِيلَ، وقِيلَ: وعَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ. ورَوى المِنهالُ عَنْ عُبادَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ وجْهَهُ: ما في قُرَيْشٍ أحَدٌ إلّا وقَدْ نَزَلَتْ فِيهِ آيَةٌ قِيلَ: فَما نَزَلَ فِيكَ ؟ قالَ: ﴿ويَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنهُ﴾، وبِهِ قالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ. وقِيلَ: هو الإنْجِيلُ قالَهُ: الفَرّاءُ. وقِيلَ: هو القُرْآنُ، وقِيلَ: هو إعْجازُ القُرْآنِ، قالَهُ الحُسَيْنُ بْنُ الفَضْلِ، وقِيلَ: صُورَةُ الرَّسُولِ ﷺ ووَجْهُهُ ومَخايِلُهُ، لِأنَّ كُلَّ عاقِلٍ نَظَرَ إلَيْهِ عَلِمَ أنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . وقِيلَ: وأبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، والضَّمِيرُ في مِنهُ يَعُودُ إلى الدِّينِ، أوْ إلى الرَّسُولِ، أوْ إلى القُرْآنِ. ويَتْلُوهُ: بِمَعْنى يَتْبَعُهُ، أوْ يَقْرَؤُهُ، والضَّمِيرُ المَرْفُوعُ في يَتْلُوهُ والمَنصُوبُ والمَجْرُورُ في مِنهُ، يَتَرَتَّبُ عَلى ما يُناسِبُهُ كُلُّ قَوْمٍ مِن هَذِهِ. وقَرَأ مُحَمَّدُ بْنُ السّائِبِ الكَلْبِيُّ وغَيْرُهُ: ﴿كِتابُ مُوسى﴾ بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلى مَفْعُولِ يَتْلُوهُ، أوْ بِإضْمارِ فِعْلٍ. وإذا لَمْ يُعْنَ بِالشّاهِدِ الإنْجِيلُ فَإنَّما خَصَّ التَّوْراةَ بِالذِّكْرِ، لِأنَّ المِلَّتَيْنِ مُجْتَمِعَتانِ عَلى أنَّها مِن عِنْدِ اللَّهِ، والإنْجِيلُ يُخالِفُ فِيهِ اليَهُودُ، فَكانَ الِاسْتِشْهادُ بِما تَقُومُ بِهِ الحُجَّةُ عَلى الفَرِيقَيْنِ أوْلى. وهَذا يَجْرِي مَعَ قَوْلِ الجِنِّ: ﴿إنّا سَمِعْنا كِتابًا أُنْزِلَ مِن بَعْدِ مُوسى﴾ [الأحقاف: ٣٠] ومَعَ قَوْلِ النَّجاشِيِّ: إنَّ هَذا والَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى لَيَخْرُجُ مِن مِشْكاةٍ واحِدَةٍ. وانْتَصَبَ إمامًا عَلى الحالِ، والَّذِي يَظْهَرُ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ، أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ الكُفّارَ وأنَّهم لَيْسَ لَهم إلّا النّارُ، أعْقَبَ بِضِدِّهِمْ وهُمُ المُؤْمِنُونَ، وهُمُ الَّذِينَ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِمْ، والشّاهِدُ: القُرْآنُ، ومِنهُ عائِدٌ عَلى رَبِّهِ. ويَدُلُّ عَلى أنَّ الشّاهِدَ القُرْآنُ ذِكْرُ قَوْلِهِ: (ومِن قَبْلِهِ)، أيْ: ومِن قَبْلِ القُرْآنِ كِتابُ مُوسى، فَمَعْناهُ: أنَّهُ تَظافَرَ عَلى هِدايَتِهِ شَيْئانِ: كَوْنُهُ عَلى أمْرٍ واضِحٍ مِن بُرْهانِ العَقْلِ، وكَوْنُهُ يُوافِقُ ذَلِكَ البُرْهانُ هَذَيْنِ الكِتابَيْنِ الإلَهِيَّيْنِ: القُرْآنَ والتَّوْراةَ، فاجْتَمَعَ لَهُ العَقْلُ والنَّقْلُ. والإشارَةُ بِأُولَئِكَ: إلى مَن كانَ عَلى بَيِّنَةٍ، راعى مَعْنى مَعَ فَجَمَعَ، والضَّمِيرُ في بِهِ يَعُودُ إلى التَّوْراةِ، أوْ إلى القُرْآنِ، أوْ إلى الرَّسُولِ، ثَلاثَةُ أقْوالٍ. والأحْزابُ جَمِيعُ المِلَلِ قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ، أوِ اليَهُودُ والنَّصارى، قالَهُ قَتادَةُ، أوْ قُرَيْشٌ، قالَهُ السُّدِّيُّ، أوْ بَنُو أُمَيَّةَ وبَنُو المُغِيرَةِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ المَخْزُومِيِّ، وآلُ أبِي طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ، قالَهُ مُقاتِلٌ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَعْنِي أهْلَ مَكَّةَ ومَن ضامَّهم مِنَ المُتَحَزِّبِينَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، انْتَهى. ﴿فالنّارُ مَوْعِدُهُ﴾ أيْ: مَكانُ وعْدِهِ الَّذِي يَصِيرُونَ إلَيْهِ. وقالَ حَسّانُ: أوْرَدْتُمُونا حِياضَ المَوْتِ ضاحِيَةً فالنّارُ مَوْعِدُها والمَوْتُ لاقِيها والضَّمِيرُ في مِنهُ عائِدٌ عَلى القُرْآنِ، وقِيلَ: عَلى الخَبَرِ، بِأنَّ الكُفّارَ مَوْعِدُهُمُ النّارُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (في مِرْيَةٍ) بِكَسْرِ المِيمِ، وهي لُغَةُ الحِجازِ. وقَرَأ السُّلَمِيُّ وأبُو رَجاءٍ وأبُو الخَطّابِ السُّدُوسِيُّ والحَسَنُ: بِضَمِّها، وهي لُغَةُ أسَدٍ وتَمِيمٍ، والنّاسُ: أهْلُ مَكَّةَ قالَهُ: ابْنُ عَبّاسٍ، أوْ: جَمِيعُ الكُفّارِ مِن شاكٍّ وجاهِلٍ ومُعانِدٍ قالَهُ: صاحِبُ العِقْيانِ. ﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا أُولَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلى رَبِّهِمْ ويَقُولُ الأشْهادُ هَؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلى رَبِّهِمْ ألا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلى الظّالِمِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ويَبْغُونَها عِوَجًا وهم بِالآخِرَةِ هم كافِرُونَ﴾ ﴿أُولَئِكَ لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ في الأرْضِ وما كانَ لَهم مِن دُونِ اللَّهِ مِن أوْلِياءَ يُضاعَفُ لَهُمُ العَذابُ ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وما كانُوا يُبْصِرُونَ﴾ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم وضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ ﴿لا جَرَمَ أنَّهم في الآخِرَةِ هُمُ الأخْسَرُونَ﴾: (p-٢١٢)لَمّا سَبَقَ قَوْلُهم: ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ﴾ [هود: ١٣]، ذَكَرَ أنَّهُ لا أحَدَ أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا، وهُمُ المُفْتَرُونَ الَّذِينَ نَسَبُوا إلى اللَّهِ الوَلَدَ، واتَّخَذُوا مَعَهُ آلِهَةً، وحَرَّمُوا وحَلَّلُوا مِن غَيْرِ شَرْعِ اللَّهِ، وعَرْضُهم عَلى اللَّهِ بِمَعْنى: التَّشْهِيرِ لِخِزْيِهِمْ والإشارَةِ بِكَذِبِهِمْ، وإلّا فالطّائِعُ والعاصِي يُعْرَضُونَ عَلى اللَّهِ ﴿وعُرِضُوا عَلى رَبِّكَ صَفًّا﴾ [الكهف: ٤٨] والأشْهادُ: جَمْعُ شاهِدٍ، كَصاحِبٍ وأصْحابٍ، أوْ جَمْعُ شَهِيدٍ كَشَرِيفٍ وأشْرافٍ، والأشْهادُ: المَلائِكَةُ الَّذِينَ يَحْفَظُونَ عَلَيْهِمْ أعْمالَهم في الدُّنْيا، أوِ الأنْبِياءُ، أوْ هُما المُؤْمِنُونَ، أوْ ما يَشْهَدُ عَلَيْهِمْ مِن أعْضائِهِمْ أقْوالٌ. وفي قَوْلِهِ: (هَؤُلاءِ): إشارَةٌ إلى تَحْقِيرِهِمْ وإصْغارِهِمْ بِسُوءِ مُرْتَكَبِهِمْ. وفِي قَوْلِهِ: (عَلى رَبِّهِمْ) أيْ: عَلى مَن يُحْسِنُ إلَيْهِمْ ويَمْلِكُ نَواصِيَهم، وكانُوا جَدِيرِينَ أنْ لا يَكْذِبُوا عَلَيْهِ، وهَذا كَما تَقُولُ إذا رَأيْتَ مُجْرِمًا: هَذا الَّذِي فَعَلَ كَذا وكَذا. وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ الجُمْلَةِ بَعْدَ هَذا. وهم: تَأْكِيدٌ لِقَوْلِهِ: وهم، وقَوْلُهُ: (مُعْجِزِينَ)، أيْ: كانُوا لا يُعْجِزُونَ اللَّهَ في الدُّنْيا أنْ يُعاقِبَهم لَوْ أرادَ عِقابَهم، وما كانَ لَهم مَن يَنْصُرُهم ويَمْنَعُهم مِنَ العِقابِ، ولَكِنَّهُ أرادَ إنْظارَهم وتَأْخِيرَ عِقابِهِمْ إلى هَذا اليَوْمِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وهو كَلامُ الأشْهادِ يَعْنِي: أنَّ كَلامَهم مِن قَوْلِهِمْ: هَؤُلاءِ إلى آخِرِ هَذِهِ الجُمْلَةِ الَّتِي هي وما كانَ لَهم مِن دُونِ اللَّهِ مِن أوْلِياءَ. وقَدْ يَظْهَرُ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ألا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلى الظّالِمِينَ﴾: مِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى لا عَلى سَبِيلِ الحِكايَةِ، ويَدُلُّ لِقَوْلِ الزَّمَخْشَرِيِّ قَوْلُهُ: ﴿فَأذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهم أنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلى الظّالِمِينَ﴾ [الأعراف: ٤٤] الآيَةَ، فَكَما أنَّهُ مِن كَلامِ المَخْلُوقِينَ في تِلْكَ الآيَةِ، فَكَذَلِكَ هُنا يُضاعَفُ لَهُمُ العَذابُ: يُشَدَّدُ ويَكْثُرُ، وهَذا اسْتِئْنافُ إخْبارٍ عَنْ حالِهِمْ في الآخِرَةِ، لِأنَّهم جَمَعُوا إلى الكُفْرِ بِالبَعْثِ الكَذِبَ عَلى اللَّهِ، وصَدَّ عِبادِهِ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ، وبَغْيَ العِوَجِ لَها، وهي الطَّرِيقَةُ المُسْتَقِيمَةُ. ﴿ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ﴾: إخْبارٌ عَنْ حالِهِمْ في الدُّنْيا عَلى سَبِيلِ المُبالَغَةِ يَعْنِي: السَّمْعَ لِلْقُرْآنِ، ولِما جاءَ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ . ﴿وما كانُوا يُبْصِرُونَ﴾ أيْ: يَنْظُرُونَ إلَيْهِ لِبُغْضِهِمْ فِيهِ. ألا تَرى إلى حَشْوِ الطُّفَيْلِ بْنِ عَمْرٍو أُذُنَيْهِ مِنَ الكُرْسُفِ، وإبايَةِ قُرَيْشٍ أنْ يَسْمَعُوا ما نُقِلَ إلَيْهِمْ مِن كَلامِ الرَّسُولِ حَتّى تَرُدَّهم عَنْ ذَلِكَ مَشْيَخَتُهم ؟ أوْ إخْبارٌ عَنْ حالِهِمْ إذا ضُعِّفَ لَهُمُ العَذابُ أيْ: أنَّهُ تَعالى حَتَمَّ عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ، فَهم لا يَسْمَعُونَ لِذَلِكَ سَماعًا يَنْتَفِعُونَ بِهِ، ولا يُبْصِرُونَ لِذَلِكَ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ في كانُوا عائِدٌ عَلى أوْلِياؤُهم: آلِهَتُهم أيْ: فَما كانَ لَهم في الحَقِيقَةِ مِن أوْلِياءَ وإنْ كانُوا يَعْتَقِدُونَ أنَّهم أوْلِياءُ. ويَعْنِي أنَّهُ مَن لا يَسْتَطِيعُ أنْ يَسْمَعَ ولا يُبْصِرَ فَكَيْفَ يَصْلُحُ لِلْوِلايَةِ ؟ ويَكُونُ ﴿يُضاعَفُ لَهُمُ العَذابُ﴾ اعْتِراضًا، وما عَلى هَذِهِ الأقْوالِ نَفْيٌ. وقِيلَ: ما مَصْدَرِيَّةٌ أيْ: يُضاعَفُ لَهُمُ العَذابُ مُدَّةَ اسْتِطاعَتِهِمُ السَّمْعَ وإبْصارِهِمْ، والمَعْنى: أنَّ العَذابَ وتَضْعِيفَهُ دائِمٌ لَهم مُتَمادٍ. وأجازَ الفَرّاءُ أنْ تَكُونَ ما مَصْدَرِيَّةً، وحُذِفَ حَرْفُ الجَرِّ مِنها كَما يُحْذَفُ مَعَ أنْ وإنْ أُخْتَيْها، وهَذا فِيهِ بُعْدٌ في اللَّفْظِ وفي المَعْنى. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أرادَ أنَّهم لِفَرْطِ تَصامِّهِمْ عَنِ اتِّباعِ الحَقِّ وكَراهَتِهِمْ لَهُ كَأنَّهم لا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ، ولَعَلَّ بَعْضَ المُجْبِرَةِ يَتَوَثَّبُ إذا عَثَرَ عَلَيْهِ فَيُوَعْوِعُ بِهِ عَلى أهْلِ العَدْلِ، كَأنَّهُ لَمْ يَسْمَعِ النّاسَ يَقُولُونَ في كُلِّ لِسانٍ: هَذا الكَلامُ لا أسْتَطِيعُ أسْمَعُهُ، وهَذا مِمّا يَمُجُّهُ سَمْعِي، انْتَهى. يَعْنِي: أنَّهُ يُمْكِنُ أنْ يُسْتَدَلَّ بِهِ عَلى أنَّ العَبْدَ لا قُدْرَةَ لَهُ، لِأنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ نَفى عَنْهُ اسْتِطاعَةَ السَّمْعِ، وإذا انْتَفَتْ الِاسْتِطاعَةُ مِنهُ انْتَفَتْ قُدْرَتُهُ. والزَّمَخْشَرِيُّ عَلى عادَتِهِ في السَّفَهِ عَلى أهْلِ السُّنَّةِ وخُسْرانِهِمْ أنْفُسِهِمْ، لِكَوْنِهِمُ اشْتَرَوْا عِبادَةَ الآلِهَةِ بِعِبادَةِ اللَّهِ تَعالى، فَخَسِرُوا في تِجارَتِهِمْ خُسْرانًا لا خُسْرانَ أعْظَمُ مِنهُ. وهُوَ عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ: راحَةُ أوْ سَعادَةُ أنْفُسِهِمْ، وإلّا فَأنْفُسُهم باقِيَةٌ مُعَذَّبَةٌ. وبَطَلَ عَنْهم ما افْتَرَوْهُ مِن عِبادَةِ الآلِهَةِ، وكَوْنِهِمْ يَعْتَقِدُونَ شَفاعَتَها إذا رَأوْا أنَّها لا تَشْفَعُ ولا تَنْفَعُ. لا جَرَمَ: مَذْهَبُ الخَلِيلِ وسِيبَوَيْهِ أنَّهُما رُكِّبا مِن: لا وجَرَمَ وبُنِيا، والمَعْنى: حَقَّ، وما بَعْدَهُ رُفِعَ بِهِ عَلى الفاعِلِيَّةِ (p-٢١٣)وقالَ الحَوْفِيُّ: جَرَمَ مَنفِيٌّ بِلا بِمَعْنى: حَقَّ، وهو مَبْنِيٌّ مَعَ لا في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِداءِ، وأنَّهم في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى خَبَرِ جَرَمَ. وقالَ قَوْمٌ: إنَّ جَرَمَ مَبْنِيَّةٌ مَعَ لا عَلى الفَتْحِ نَحْوَ قَوْلِكَ: لا رَجُلَ، ومَعْناها: لا بُدَّ ولا مَحالَةَ. وقالَ الكِسائِيُّ: مَعْناها: لا ضِدَّ ولا مَنعَ، فَتَكُونُ اسْمَ لا وهي مَبْنِيَّةٌ عَلى الفَتْحِ كالقَوْلِ الَّذِي قَبْلَهُ، وتَكُونُ جَرَمَ هُنا مِن مَعْنى القَطْعِ، نَقُولُ: جَرَمْتُ أيْ: قَطَعْتُ. وقالَ الزَّجّاجُ: لا تَرْكِيبَ بَيْنَهُما ولا رَدَّ عَلَيْهِمْ. ولِما تَقَدَّمَ مِن كُلِّ ما قَبْلَها مِمّا قالُوا: إنَّ الأصْنامَ تَنْفَعُهم. وجَرَمَ: فِعْلٌ ماضٍ مَعْناهُ: كَسَبَ، والفاعِلُ مُضْمَرٌ: أيَكْسِبُ هو أيْ: فِعْلُهم، وأنَّ وما بَعْدَها في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى المَفْعُولِ بِهِ، وجَرَمَ القَوْمَ: كاسَبَهم. وقالَ الشّاعِرُ: ؎نَصَبْنا رَأسَهُ في جِذْعِ نَخْلٍ بِما جَرَمَتْ يَداهُ وما اعْتَدَيْنا وقالَ آخَرُ: جَرِيمَةَ ناهِضٍ في رَأْسِ نِيقٍ تَرى لِعِظامِ ما جَمَعَتْ صَلِيبا ويُقالُ: لا جِرَمَ بِالكَسْرِ، ولا جَرَ: بِحَذْفِ المِيمِ. قالَ النَّحّاسُ: وزَعَمَ الكِسائِيُّ أنَّ فِيها أرْبَعَ لُغاتٍ: لا جَرَمَ، ولا عَنْ ذا جَرَمٍ، ولا أنْ ذا جَرَمٍ، قالَ: وناسٌ مِن فَزارَةَ يَقُولُونَ: لا جَرَمَ. وحَكى الفَرّاءُ فِيهِ لُغَتَيْنِ أُخْرَيَيْنِ، قالَ: بَنُو عامِرٍ يَقُولُونَ: لا ذا جَرَمٍ، وناسٌ مِنَ العَرَبِ يَقُولُونَ: لا جُرَمَ بِضَمِّ الجِيمِ. وقالَ الجُبّائِيُّ في نَوادِرِهِ: حُكِيَ عَنْ فَزارَةَ: لا جَرَ واللَّهِ لا أفْعَلُ ذاكَ، قالَ: ويُقالُ: لا ذا جَرَمٍ، ولا ذُو جَرَمٍ، ولا عَنْ ذا جَرَمٍ، ولا أنْ ذا جَرَمٍ، ولا أنْ جَرَمَ، ولا عَنْ جَرَمٍ، ولا ذا جَرَ واللَّهِ، بِغَيْرِ مِيمٍ: لا أفْعَلُ ذاكَ. وحَكى بَعْضُهم بِغَيْرِ لا جَرَمَ: أنَّكَ أنْتَ فَعَلْتَ ذاكَ، وعَنْ أبِي عَمْرٍو: لَأجْرَمَ أنَّ لَهُمُ النّارَ عَلى وزْنِ: لَأكْرَمَ، ولا جَرَ: حَذَفُوهُ لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمالِ كَما قالُوا: سَوْ تَرى يُرِيدُونَ: سَوْفَ تَرى. ولَمّا كانَ خُسْرانُ النَّفْسِ أعْظَمَ الخُسْرانِ، حُكِمَ عَلَيْهِمْ بِأنَّهم هُمُ الزّائِدُونَ في الخُسْرانِ عَلى كُلِّ خاسِرٍ مِن سِواهم مِنَ العُصاةِ مَآلُهُ إلى الرّاحَةِ، وإلى انْقِطاعِ خُسْرانِهِ بِخِلافِ هَؤُلاءِ، فَإنَّ خُسْرانَهم لا انْقِطاعَ لَهُ. ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ وأخْبَتُوا إلى رَبِّهِمْ أُولَئِكَ أصْحابُ الجَنَّةِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ ﴿مَثَلُ الفَرِيقَيْنِ كالأعْمى والأصَمِّ والبَصِيرِ والسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلًا أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾: لَمّا ذَكَرَ ما يَئُولُ إلَيْهِ الكُفّارُ مِنَ النّارِ، ذَكَرَ ما يَئُولُ إلَيْهِ المُؤْمِنُونَ مِنَ الجَنَّةِ، والفَرِيقانِ هُنا الكافِرُ والمُؤْمِنُ. ولَمّا كانَ تَقَدَّمَ ذِكْرُ الكُفّارِ وأُعْقِبَ بِذِكْرِ المُؤْمِنِينَ، جاءَ التَّمْثِيلُ هُنا مُبْتَدَأً بِالكافِرِ، فَقالَ: ﴿كالأعْمى والأصَمِّ﴾ . ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ مِن بابِ تَشْبِيهِ اثْنَيْنِ بِاثْنَيْنِ، فَقُوبِلَ الأعْمى بِالبَصِيرِ وهو طِباقٌ، وقُوبِلَ الأصَمُّ بِالسَّمِيعِ وهو طِباقٌ أيْضًا، والعَمى والصَّمَمُ: آفَتانِ تَمْنَعانِ مِنَ البَصَرِ والسَّمْعِ، ولَيْسَتا بِضِدَّيْنِ، لِأنَّهُ لا تَعاقُبَ بَيْنَهُما. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن تَشْبِيهٍ واحِدٍ بِوَصْفَيْهِ بِواحِدٍ بِوَصْفَيْهِ، فَيَكُونُ مِن عَطْفِ الصِّفاتِ كَما قالَ الشّاعِرُ: إلى المَلِكِ القَرْنِ وابْنِ الهُمامِ ولَيْثِ الكَرِيهَةِ في المُزْدَحَمْ ولَمْ يَجِئِ التَّرْكِيبُ: كالأعْمى والبَصِيرِ والأصَمِّ والسَّمِيعِ، فَيَكُونُ مُقابَلَةً في لَفْظِ الأعْمى وضِدِّهِ، وفي لَفْظَةِ الأصَمِّ وضِدِّهِ، لِأنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ انْسِدادَ العَيْنِ أتْبَعَهُ بِانْسِدادِ السَّمْعِ، ولَمّا ذَكَرَ انْفِتاحَ البَصَرِ أتْبَعَهُ بِانْفِتاحِ السَّمْعِ، وذَلِكَ هو الأُسْلُوبُ في المُقابَلَةِ، والأتَمُّ في الإعْجازِ. ويَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى نَظِيرُ (p-٢١٤)هَذِهِ المُقابَلَةِ في قَوْلِهِ في طَهَ: ﴿إنَّ لَكَ ألّا تَجُوعَ فِيها ولا تَعْرى﴾ [طه: ١١٨] ﴿وأنَّكَ لا تَظْمَأُ فِيها ولا تَضْحى﴾ [طه: ١١٩] واحْتُمِلَ أنْ تَكُونَ الكافُ نَفْسُها هي خَبَرُ المُبْتَدَأِ، فَيَكُونُ مَعْناها: مَعْنى المَثَلِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: مَثَلُ الفَرِيقَيْنِ مَثَلُ الأعْمى. واحْتُمِلَ أنْ يُرادَ بِالمَثَلِ: الصِّفَةُ، وبِالكافِ: مِثْلُ، فَيَكُونُ عَلى حَذْفٍ مُضافٍ، أيْ: كَمَثَلِ الأعْمى، وهَذا التَّشْبِيهُ تَشْبِيهُ مَعْقُولٍ بِمَحْسُوسٍ، فَأعْمى البَصِيرَةِ: أصَمُّها، شُبِّهَ بِأعْمى البَصَرِ أصَمُّ السَّمْعِ، ذَلِكَ في ظُلُماتِ الضَّلالاتِ مُتَرَدِّدٌ تائِهٌ، وهَذا في الطُّرُقاتِ مُحَيَّرٌ لا يَهْتَدِي إلَيْها. وجاءَ (أفَلا تَذَكَّرُونَ) لِيُنَبِّهَ عَلى أنَّهُ يُمْكِنُ زَوالُ هَذا العَمى وهَذا الصَّمَمُ المَعْقُولُ، فَيَجِبُ عَلى العاقِلِ أنْ يَتَذَكَّرَ ما هو فِيهِ، ويَسْعى في هِدايَةِ نَفْسِهِ. وانْتَصَبَ مَثَلًا عَلى التَّمْيِيزِ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا، انْتَهى. وفِيهِ بُعْدٌ، والظّاهِرُ: التَّمْيِيزُ وأنَّهُ مَنقُولٌ مِنَ الفاعِلِ، أصْلُهُ: هَلْ يَسْتَوِي مَثَلاهُما. ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا نُوحًا إلى قَوْمِهِ إنِّي لَكم نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ ﴿أنْ لا تَعْبُدُوا إلّا اللَّهَ إنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ ألِيمٍ﴾ ﴿فَقالَ المَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ ما نَراكَ إلّا بَشَرًا مِثْلَنا وما نَراكَ اتَّبَعَكَ إلّا الَّذِينَ هم أراذِلُنا بادِيَ الرَّأْيِ وما نَرى لَكم عَلَيْنا مِن فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكم كاذِبِينَ﴾: هَذِهِ السُّورَةُ في قَصَصِها شَبِيهَةٌ بِسُورَةِ الأعْرافِ، بُدِئَ فِيها بِـ نُوحٍ، ثُمَّ بِهُودٍ، ثُمَّ بِصالِحٍ، ثُمَّ بِلُوطٍ، مُقَدَّمًا عَلَيْهِ إبْراهِيمُ بِسَبَبِ قَوْمِ لُوطٍ، ثُمَّ بِشُعَيْبٍ، ثُمَّ بِـ مُوسى وهارُونَ، صَلّى اللَّهُ عَلى نَبِيِّنا وعَلَيْهِمْ أجْمَعِينَ. وذَكَرُوا وُجُوهَ حِكَمٍ وفَوائِدَ لِتَكْرارِ هَذِهِ القَصَصِ في القُرْآنِ. وقَرَأ النَّحْوِيّانِ وابْنُ كَثِيرٍ: أنِّي بِفَتْحِ الهَمْزَةِ أيْ: بِأنِّي، وباقِي السَّبْعَةِ: بِكَسْرِها عَلى إضْمارِ القَوْلِ. وقالَ أبُو عَلِيٍّ في قِراءَةِ الفَتْحِ: خُرُوجٌ مِنَ الغَيْبَةِ إلى المُخاطَبَةِ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وفي هَذا نَظَرٌ، وإنَّما هي حِكايَةُ مُخاطَبَةٍ لِقَوْمِهِ، ولَيْسَ هَذا حَقِيقَةَ الخُرُوجِ مِن غَيْبَةٍ إلى مُخاطَبَةٍ، ولَوْ كانَ الكَلامُ: أنْ أنْذِرْهم أوْ نَحْوَهُ لَصَحَّ ذَلِكَ، انْتَهى. * * ﴿ألّا تَعْبُدُوا إلّا اللَّهَ﴾ [هود: ٢]: ظاهِرٌ في أنَّهم كانُوا يَعْبُدُونَ الأوْثانَ كَما جاءَ مُصَرَّحًا في غَيْرِ هَذِهِ السُّورَةِ، وأنْ بَدَلٌ مِن أيْ لَكم في قِراءَةِ مَن فَتَحَ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ أنِ المُفَسِّرَةَ. وأمّا في قِراءَةِ مَن كَسَرَ فَيُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ المُفَسِّرَةَ، والمُراعى قَبْلَها: إمّا أرْسَلْنا وإمّا نَذِيرٌ مُبِينٌ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مَعْمُولَةً لَأرْسَلْنا أيْ: بِأنْ لا تَعْبُدُوا إلّا اللَّهَ، وإسْنادُ الألَمِ إلى اليَوْمِ مَجازٌ لِوُقُوعِ الألَمِ فِيهِ لا بِهِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): فَإذا وُصِفَ بِهِ العَذابُ ؟ (قُلْتُ): مَجازِيٌّ مِثْلُهُ، لِأنَّ الألِيمَ في الحَقِيقَةِ هو المُعَذِّبُ، ونَظِيرُهُما قَوْلُكُ: نَهارُهُ صائِمٌ، انْتَهى. وهَذا عَلى أنْ يَكُونَ (ألِيمٍ) صِفَةَ مُبالَغَةٍ مِن ألِمَ، وهو: مَن كَثُرَ ألَمُهُ. فَإنْ كانَ ألِيمٍ بِمَعْنى: مُؤْلِمٍ، فَنِسْبَتُهُ لِلْيَوْمِ مَجازٌ، ولِلْعَذابِ حَقِيقَةٌ لَمّا أنْذَرَهم مِن عَذابِ اللَّهِ وأمَرَهم بِإفْرادِهِ بِالعِبادَةِ، وأخْبَرَ أنَّهُ رَسُولٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ، ذَكَرُوا أنَّهُ مُماثِلُهم في البَشَرِيَّةِ، واسْتَبْعَدُوا أنْ يَبْعَثَ اللَّهُ رَسُولًا مِنَ البَشَرِ، وكَأنَّهم ذَهَبُوا إلى مَذْهَبِ البَراهِمَةِ الَّذِينَ يُنْكِرُونَ نُبُوَّةَ البَشَرِ عَلى الإطْلاقِ، ثُمَّ عَيَّرُوهُ بِأنَّهُ لَمْ يَتَّبِعْهُ إلّا الأراذِلُ أيْ: فَنَحْنُ لا نُساوِيهِمْ، ثُمَّ نَفَوْا أنْ يَكُونَ لَهُ عَلَيْهِمْ فَضْلٌ أيْ: أنْتَ مُساوِينا في البَشَرِيَّةِ ولا فَضْلَ لَكَ عَلَيْنا، فَكَيْفَ امْتَزْتَ بِأنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ ؟ . وفِي قَوْلِهِ: ﴿إلّا الَّذِينَ هم أراذِلُنا﴾: مُبالَغَةٌ في الإخْبارِ، وكَأنَّهُ مُؤْذِنٌ بِتَأْكِيدِ حَصْرِ مَنِ اتَّبَعَهُ، وأنَّهم هُمُ الأراذِلُ لَمْ يَشْرَكْهم شَرِيفٌ في ذَلِكَ. وفي الحَدِيثِ إنَّهم كانُوا حاكَةً وحَجّامِينَ وقالَ النَّحّاسُ: هُمُ الفُقَراءُ والَّذِينَ لا حَسَبَ لَهم، والخَسِيسُوا الصِّناعاتِ. وفِي حَدِيثِ هِرَقْلَ: أشْرافُ النّاسِ اتَّبَعُوهُ أمْ ضُعَفاؤُهم ؟ فَقالَ: بَلْ ضُعَفاؤُهم، فَقالَ: هم أتْباعُ الرُّسُلِ قَبْلُ وإنَّما كانَ كَذَلِكَ لِاسْتِيلاءِ الرِّئاسَةِ عَلى الأشْرافِ، وصُعُوبَةِ الِانْفِكاكِ عَنْها، والأنَفَةِ مِنَ الِانْقِيادِ لِغَيْرِهِمْ، والفَقِيرُ خَلِيٌّ عَنْ تِلْكَ المَوانِعِ فَهو سَرِيعٌ إلى الإجابَةِ والِانْقِيادِ. (ونَراكَ): يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ بَصَرِيَّةً، وأنْ تَكُونَ عِلْمِيَّةً. قالُوا: وأراذِلُ: جَمْعُ الجَمْعِ، فَقِيلَ: جَمْعُ أرْذُلٍ كَكَلْبٍ وأكْلُبٍ وأكالِبٍ. وقِيلَ: جَمْعُ أرْذالٍ، وقِياسُهُ أراذِيلُ. والظّاهِرُ أنَّهُ جَمْعُ أرْذَلَ الَّتِي هي أفْعَلُ التَّفْضِيلِ، وجاءَ جَمْعًا كَما جاءَ: أكابِرَ مُجْرِمِيها (p-٢١٥)وأحاسِنُكم أخْلاقًا. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ما نَراكَ إلّا بَشَرًا مِثْلَنا، تَعْرِيضٌ بِأنَّهم أحَقُّ مِنهُ بِالنُّبُوَّةِ، وأنَّ اللَّهَ لَوْ أرادَ أنْ يَجْعَلَها في أحَدٍ مِنَ البَشَرِ لَجَعَلَها فِيهِمْ، فَقالُوا: هَبْ أنَّكَ واحِدٌ مِنَ المَلَأِ ومُوازِيهِمْ في المَنزِلَةِ، فَما جَعَلَكَ أحَقَّ مِنهم ؟ ألا تَرى إلى قَوْلِهِمْ: ﴿وما نَرى لَكم عَلَيْنا مِن فَضْلٍ﴾، أوْ أرادُوا أنَّهُ كانَ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ مَلَكًا لا بَشَرًا، ولا يَظْهَرُ ما قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ مِنَ الآيَةِ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو و عِيسى الثَّقَفِيُّ: (بادِئَ الرَّأْيِ) مِن بَدَأ يَبْدَأُ ومَعْناهُ: أوَّلُ الرَّأْيِ. وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ: بادِي بِالياءِ مِن بَدا يَبْدُو، ومَعْناهُ: ظاهِرُ الرَّأْيِ. وقِيلَ: بادِي بِالياءِ مَعْناهُ: بادِئٌ بِالهَمْزِ، فَسُهِّلَتِ الهَمْزَةُ بِإبْدالِها ياءً لِكَسْرِ ما قَبْلِها. وذَكَرُوا أنَّهُ مَنصُوبٌ عَلى الظَّرْفِ، والعامِلُ فِيهِ نَراكَ أوِ اتَّبَعَكَ أوْ أراذِلُنا أيْ: وما نَراكَ فِيما يَظْهَرُ لَنا مِنَ الرَّأْيِ، أوْ في أوَّلِ رَأْيِنا، أوْ وما نَراكَ اتَّبَعَكَ أوَّلَ رَأْيِهِمْ، أوْ ظاهِرُ رَأْيِهِمْ. واحْتَمَلَ هَذا الوَجْهُ مَعْنَيَيْنِ: أحَدُهُما: أنْ يُرِيدَ: اتَّبَعَكَ في ظاهِرِ أمْرِهِمْ، وعَسى أنْ تَكُونَ بَواطِنُهم لَيْسَتْ مَعَكَ. والمَعْنى الثّانِي: أنْ يُرِيدَ: اتَّبَعُوكَ بِأوَّلِ نَظَرٍ وبِالرَّأْيِ البادِئِ دُونَ تَعَقُّبٍ، ولَوْ تَثَبَّتُوا لَمْ يَتَّبِعُوكَ، وفي هَذا الوَجْهِ ذَمُّ الرَّأْيِ غَيْرِ المَرْوِيِّ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: اتَّبَعُوكَ أوَّلَ الرَّأْيِ، أوْ ظاهِرَ الرَّأْيِ، وانْتِصابُهُ عَلى الظَّرْفِ أصْلُهُ وقْتَ حُدُوثِ أوَّلِ أمْرِهِمْ، أوْ وقْتَ حُدُوثِ ظاهِرِ رَأْيِهِمْ، فَحُذِفَ ذَلِكَ، وأُقِيمَ المُضافُ إلَيْهِ مَقامَهُ، أرادُوا: أنَّ اتِّباعَهم لَكَ إنَّما هو شَيْءٌ عَنَّ لَهم بَدِيهَةً مِن غَيْرِ رَوِيَّةٍ ونَظَرٍ، انْتَهى. وكَوْنُهُ مَنصُوبًا عَلى الظَّرْفِ هو قَوْلُ أبِي عَلِيٍّ في الحُجَّةِ، وإنَّما حَمَلَهُ عَلى الظَّرْفِ ولَيْسَ بِزَمانٍ ولا مَكانٍ، لِأنَّ في مُقَدَّرَةٌ فِيهِ أيْ: في ظاهِرِ الأمْرِ، أوْ في أوَّلِ الأمْرِ. وعَلى هَذَيْنِ التَّقْدِيرَيْنِ أعْنِي أنْ يَكُونَ العامِلُ فِيهِ: نَراكَ، أوِ اتَّبَعَكَ، يَقْتَضِي أنْ لا يَجُوزَ ذَلِكَ، لِأنَّ ما بَعْدَ إلّا لا يَكُونُ مَعْمُولًا لِما قَبْلَها، إلّا إنْ كانَ مُسْتَثْنًى مِنهُ نَحْوَ: قامَ إلّا زَيْدًا القَوْمُ، أوْ مُسْتَثْنًى نَحْوَ: جاءَ القَوْمُ إلّا زَيْدًا، أوْ تابِعًا لِلْمُسْتَثْنى مِنهُ نَحْوَ: ما جاءَنِي أحَدٌ إلّا زَيْدٌ أخْبَرَنِي عَمْرٌو، وبادِئَ الرَّأْيِ لَيْسَ واحِدًا مِن هَذِهِ الثَّلاثَةِ. وأُجِيبَ بِأنَّهُ ظَرْفٌ، أوْ كالظَّرْفِ مِثْلَ: جُهْدَ رَأْيٍ إنَّكَ ذاهِبٌ، أيْ: إنَّكَ ذاهِبٌ في جُهْدِ رَأْيٍ، والظُّرُوفِ يُتَّسَعُ فِيها. وإذا كانَ العامِلُ أراذِلُنا فَمَعْناهُ: الَّذِينَ هم أراذِلُنا بِأقَلِّ نَظَرٍ فِيهِمْ، وبِبادِئِ الرَّأْيِ يُعْلَمُ ذَلِكَ مِنهم. وقِيلَ: ﴿بادِيَ الرَّأْيِ﴾: نَعْتٌ لِقَوْلِهِ: (بَشَرًا) . وقِيلَ: انْتَصَبَ حالًا مِن ضَمِيرِ نُوحٍ في اتَّبَعَكَ، أيْ: وأنْتَ مَكْشُوفُ الرَّأْيِ لا حَصافَةَ لَكَ. وقِيلَ: انْتَصَبَ عَلى النِّداءِ لِـ نُوحٍ أيْ: يا بادِيَ الرَّأْيِ، أيْ: ما في نَفْسِكَ مِنَ الرَّأْيِ ظاهِرٌ لِكُلِّ أحَدٍ، قالُوا ذَلِكَ تَعْجِيزًا لَهُ. وقِيلَ: انْتَصَبَ عَلى المَصْدَرِ، وجاءَ الظَّرْفُ والمَصْدَرُ عَلى فاعِلٍ، ولَيْسَ بِالقِياسِ. فالرَّأْيُ هُنا إمّا مِن رُؤْيَةِ العَيْنِ، وإمّا مِنَ الفِكْرِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وإنَّما اسْتَرْذَلُوا المُؤْمِنِينَ لِفَقْرِهِمْ وتَأخُّرِهِمْ في الأسْبابِ الدُّنْيَوِيَّةِ، لِأنَّهم كانُوا جُهّالًا ما كانُوا يَعْلَمُونَ إلّا ظاهِرًا مِنَ الحَياةِ الدُّنْيا، فَكانَ الأشْرَفُ عِنْدَهم مَن لَهُ جاهٌ ومالٌ، انْتَهى. وظاهِرُ الخِطابِ في لَكم شامِلٌ لِـ نُوحٍ ومَنِ اتَّبَعَهُ، والمَعْنى: لَيْسَ لَكم عَلَيْنا زِيادَةٌ في مالٍ، ونَسَبٍ، ولا دِينٍ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: في الخَلْقِ والخُلُقِ، وقِيلَ: بِكَثْرَةِ المُلْكِ والمِلْكِ، وقِيلَ: بِمُتابَعَتِكم نُوحًا ومُخالَفَتِكم لَنا، وقِيلَ: مِن شَرَفٍ يُؤَهِّلُكم لِلنُّبُوَّةِ، وقالَ الكَلْبِيُّ: نَظُنُّكم: نَتَيَقَّنُكم، وقالَ مُقاتِلٌ: نَحْسَبُكم، أيْ في دَعْوى نُوحٍ وتَصْدِيقِكم، وقالَ صاحِبُ العِتِيّانِ: بَلْ نَظُنُّكم كاذِبِينَ تَوَسُّلًا إلى الرِّئاسَةِ والشُّهْرَةِ.

هود 11:24

﴿أفَمَن كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ ويَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنهُ ومِن قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى إمامًا ورَحْمَةً أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ ومَن يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الأحْزابِ فالنّارُ مَوْعِدُهُ فَلا تَكُ في مِرْيَةٍ مِنهُ إنَّهُ الحَقُّ مِن رَبِّكَ ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يُؤْمِنُونَ﴾: لَمّا ذَكَرَ حالَ مَن يُرِيدُ الحَياةَ الدُّنْيا، ذَكَرَ حالَ مَن يُرِيدُ وجْهَ اللَّهِ تَعالى بِأعْمالِهِ الصّالِحَةِ، وحُذِفَ المُعادِلُ الَّذِي دَخَلَتْ عَلَيْهِ الهَمْزَةُ والتَّقْدِيرُ: كَمَن يُرِيدُ الحَياةَ الدُّنْيا. وكَثِيرًا ما حُذِفَ في القُرْآنِ كَقَوْلِهِ: ﴿أفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا﴾ [فاطر: ٨] وقَوْلِهِ: ﴿أمْ مَن هو قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ﴾ [الزمر: ٩] وهَذا اسْتِفْهامٌ مَعْناهُ: التَّقْرِيرُ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أيْ: لا تَعْقِبُونَهم في المَنزِلَةِ ولا تُفارِقُونَهم، يُرِيدُ أنَّ بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ تَفاوُتًا بَعِيدًا وتَبايُنًا بَيِّنًا، وأرادَ بِهِمْ مَن آمَنَ مِنَ اليَهُودِ كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ وغَيْرِهِ، كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ أيْ: عَلى بُرْهانٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى، وبَيانٍ أنَّ دِينَ الإسْلامِ حَقٌّ وهو دَلِيلُ العَقْلِ ويَتْلُوهُ، ويَتْبَعُ ذَلِكَ البُرْهانَ شاهِدٌ مِنهُ، أيْ: شاهِدٌ يَشْهَدُ بِصِحَّتِهِ، وهو القُرْآنُ مِنهُ مِنَ اللَّهِ، أوْ شاهِدٌ مِنَ القُرْآنِ ومِن قَبْلِهِ: ومِن قَبْلِ القُرْآنِ كِتابُ مُوسى وهو: التَّوْراةُ، أيْ: ويَتْلُو ذَلِكَ أيْضًا مِن قَبْلِ القُرْآنِ كِتابُ مُوسى. وقُرِئَ: (كِتابَ مُوسى) بِالنَّصْبِ، ومَعْناهُ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ وهو الدَّلِيلُ عَلى أنَّ القُرْآنَ حَقٌّ، ويَتْلُوهُ ويَقْرَأُ القُرْآنَ شاهِدٌ مِنهُ، شاهِدٌ مِمَّنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ كَقَوْلِهِ: ﴿وشَهِدَ شاهِدٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ عَلى مِثْلِهِ﴾ [الأحقاف: ١٠] ﴿قُلْ كَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وبَيْنَكم ومَن عِنْدَهُ عِلْمُ الكِتابِ﴾ [الرعد: ٤٣] . ﴿ومِن قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى﴾: ويَتْلُوهُ ومِن قَبْلِ التَّوْراةِ، إمامًا: كِتابًا مُؤْتَمًّا في الدِّينِ قُدْوَةً فِيهِ، انْتَهى. وقِيلَ في ﴿أفَمَن كانَ﴾: المُؤْمِنُونَ بِالرَّسُولِ، (p-٢١١)وقِيلَ: مُحَمَّدٌ ﷺ خاصَّةً. وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ وابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ ومُجاهِدٌ والضَّحّاكُ: مُحَمَّدٌ والمُؤْمِنُونَ جَمِيعًا، والبَيِّنَةُ: القُرْآنُ أوِ الرَّسُولُ، والهاءُ لِلْمُبالَغَةِ. والشّاهِدُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ والنَّخَعِيُّ ومُجاهِدٌ والضَّحّاكُ وأبُو صالِحٍ وعِكْرِمَةُ: هو جِبْرِيلُ. وقالَ الحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ: هو الرَّسُولُ. وقالَ أيْضًا مُجاهِدٌ: هو مَلَكٌ وكَّلَهُ اللَّهُ بِحِفْظِ القُرْآنِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِهَذِهِ الألْفاظِ: جِبْرِيلَ، وقِيلَ: وعَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ. ورَوى المِنهالُ عَنْ عُبادَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ وجْهَهُ: ما في قُرَيْشٍ أحَدٌ إلّا وقَدْ نَزَلَتْ فِيهِ آيَةٌ قِيلَ: فَما نَزَلَ فِيكَ ؟ قالَ: ﴿ويَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنهُ﴾، وبِهِ قالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ. وقِيلَ: هو الإنْجِيلُ قالَهُ: الفَرّاءُ. وقِيلَ: هو القُرْآنُ، وقِيلَ: هو إعْجازُ القُرْآنِ، قالَهُ الحُسَيْنُ بْنُ الفَضْلِ، وقِيلَ: صُورَةُ الرَّسُولِ ﷺ ووَجْهُهُ ومَخايِلُهُ، لِأنَّ كُلَّ عاقِلٍ نَظَرَ إلَيْهِ عَلِمَ أنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . وقِيلَ: وأبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، والضَّمِيرُ في مِنهُ يَعُودُ إلى الدِّينِ، أوْ إلى الرَّسُولِ، أوْ إلى القُرْآنِ. ويَتْلُوهُ: بِمَعْنى يَتْبَعُهُ، أوْ يَقْرَؤُهُ، والضَّمِيرُ المَرْفُوعُ في يَتْلُوهُ والمَنصُوبُ والمَجْرُورُ في مِنهُ، يَتَرَتَّبُ عَلى ما يُناسِبُهُ كُلُّ قَوْمٍ مِن هَذِهِ. وقَرَأ مُحَمَّدُ بْنُ السّائِبِ الكَلْبِيُّ وغَيْرُهُ: ﴿كِتابُ مُوسى﴾ بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلى مَفْعُولِ يَتْلُوهُ، أوْ بِإضْمارِ فِعْلٍ. وإذا لَمْ يُعْنَ بِالشّاهِدِ الإنْجِيلُ فَإنَّما خَصَّ التَّوْراةَ بِالذِّكْرِ، لِأنَّ المِلَّتَيْنِ مُجْتَمِعَتانِ عَلى أنَّها مِن عِنْدِ اللَّهِ، والإنْجِيلُ يُخالِفُ فِيهِ اليَهُودُ، فَكانَ الِاسْتِشْهادُ بِما تَقُومُ بِهِ الحُجَّةُ عَلى الفَرِيقَيْنِ أوْلى. وهَذا يَجْرِي مَعَ قَوْلِ الجِنِّ: ﴿إنّا سَمِعْنا كِتابًا أُنْزِلَ مِن بَعْدِ مُوسى﴾ [الأحقاف: ٣٠] ومَعَ قَوْلِ النَّجاشِيِّ: إنَّ هَذا والَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى لَيَخْرُجُ مِن مِشْكاةٍ واحِدَةٍ. وانْتَصَبَ إمامًا عَلى الحالِ، والَّذِي يَظْهَرُ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ، أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ الكُفّارَ وأنَّهم لَيْسَ لَهم إلّا النّارُ، أعْقَبَ بِضِدِّهِمْ وهُمُ المُؤْمِنُونَ، وهُمُ الَّذِينَ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِمْ، والشّاهِدُ: القُرْآنُ، ومِنهُ عائِدٌ عَلى رَبِّهِ. ويَدُلُّ عَلى أنَّ الشّاهِدَ القُرْآنُ ذِكْرُ قَوْلِهِ: (ومِن قَبْلِهِ)، أيْ: ومِن قَبْلِ القُرْآنِ كِتابُ مُوسى، فَمَعْناهُ: أنَّهُ تَظافَرَ عَلى هِدايَتِهِ شَيْئانِ: كَوْنُهُ عَلى أمْرٍ واضِحٍ مِن بُرْهانِ العَقْلِ، وكَوْنُهُ يُوافِقُ ذَلِكَ البُرْهانُ هَذَيْنِ الكِتابَيْنِ الإلَهِيَّيْنِ: القُرْآنَ والتَّوْراةَ، فاجْتَمَعَ لَهُ العَقْلُ والنَّقْلُ. والإشارَةُ بِأُولَئِكَ: إلى مَن كانَ عَلى بَيِّنَةٍ، راعى مَعْنى مَعَ فَجَمَعَ، والضَّمِيرُ في بِهِ يَعُودُ إلى التَّوْراةِ، أوْ إلى القُرْآنِ، أوْ إلى الرَّسُولِ، ثَلاثَةُ أقْوالٍ. والأحْزابُ جَمِيعُ المِلَلِ قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ، أوِ اليَهُودُ والنَّصارى، قالَهُ قَتادَةُ، أوْ قُرَيْشٌ، قالَهُ السُّدِّيُّ، أوْ بَنُو أُمَيَّةَ وبَنُو المُغِيرَةِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ المَخْزُومِيِّ، وآلُ أبِي طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ، قالَهُ مُقاتِلٌ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَعْنِي أهْلَ مَكَّةَ ومَن ضامَّهم مِنَ المُتَحَزِّبِينَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، انْتَهى. ﴿فالنّارُ مَوْعِدُهُ﴾ أيْ: مَكانُ وعْدِهِ الَّذِي يَصِيرُونَ إلَيْهِ. وقالَ حَسّانُ: أوْرَدْتُمُونا حِياضَ المَوْتِ ضاحِيَةً فالنّارُ مَوْعِدُها والمَوْتُ لاقِيها والضَّمِيرُ في مِنهُ عائِدٌ عَلى القُرْآنِ، وقِيلَ: عَلى الخَبَرِ، بِأنَّ الكُفّارَ مَوْعِدُهُمُ النّارُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (في مِرْيَةٍ) بِكَسْرِ المِيمِ، وهي لُغَةُ الحِجازِ. وقَرَأ السُّلَمِيُّ وأبُو رَجاءٍ وأبُو الخَطّابِ السُّدُوسِيُّ والحَسَنُ: بِضَمِّها، وهي لُغَةُ أسَدٍ وتَمِيمٍ، والنّاسُ: أهْلُ مَكَّةَ قالَهُ: ابْنُ عَبّاسٍ، أوْ: جَمِيعُ الكُفّارِ مِن شاكٍّ وجاهِلٍ ومُعانِدٍ قالَهُ: صاحِبُ العِقْيانِ. ﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا أُولَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلى رَبِّهِمْ ويَقُولُ الأشْهادُ هَؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلى رَبِّهِمْ ألا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلى الظّالِمِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ويَبْغُونَها عِوَجًا وهم بِالآخِرَةِ هم كافِرُونَ﴾ ﴿أُولَئِكَ لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ في الأرْضِ وما كانَ لَهم مِن دُونِ اللَّهِ مِن أوْلِياءَ يُضاعَفُ لَهُمُ العَذابُ ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وما كانُوا يُبْصِرُونَ﴾ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم وضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ ﴿لا جَرَمَ أنَّهم في الآخِرَةِ هُمُ الأخْسَرُونَ﴾: (p-٢١٢)لَمّا سَبَقَ قَوْلُهم: ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ﴾ [هود: ١٣]، ذَكَرَ أنَّهُ لا أحَدَ أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا، وهُمُ المُفْتَرُونَ الَّذِينَ نَسَبُوا إلى اللَّهِ الوَلَدَ، واتَّخَذُوا مَعَهُ آلِهَةً، وحَرَّمُوا وحَلَّلُوا مِن غَيْرِ شَرْعِ اللَّهِ، وعَرْضُهم عَلى اللَّهِ بِمَعْنى: التَّشْهِيرِ لِخِزْيِهِمْ والإشارَةِ بِكَذِبِهِمْ، وإلّا فالطّائِعُ والعاصِي يُعْرَضُونَ عَلى اللَّهِ ﴿وعُرِضُوا عَلى رَبِّكَ صَفًّا﴾ [الكهف: ٤٨] والأشْهادُ: جَمْعُ شاهِدٍ، كَصاحِبٍ وأصْحابٍ، أوْ جَمْعُ شَهِيدٍ كَشَرِيفٍ وأشْرافٍ، والأشْهادُ: المَلائِكَةُ الَّذِينَ يَحْفَظُونَ عَلَيْهِمْ أعْمالَهم في الدُّنْيا، أوِ الأنْبِياءُ، أوْ هُما المُؤْمِنُونَ، أوْ ما يَشْهَدُ عَلَيْهِمْ مِن أعْضائِهِمْ أقْوالٌ. وفي قَوْلِهِ: (هَؤُلاءِ): إشارَةٌ إلى تَحْقِيرِهِمْ وإصْغارِهِمْ بِسُوءِ مُرْتَكَبِهِمْ. وفِي قَوْلِهِ: (عَلى رَبِّهِمْ) أيْ: عَلى مَن يُحْسِنُ إلَيْهِمْ ويَمْلِكُ نَواصِيَهم، وكانُوا جَدِيرِينَ أنْ لا يَكْذِبُوا عَلَيْهِ، وهَذا كَما تَقُولُ إذا رَأيْتَ مُجْرِمًا: هَذا الَّذِي فَعَلَ كَذا وكَذا. وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ الجُمْلَةِ بَعْدَ هَذا. وهم: تَأْكِيدٌ لِقَوْلِهِ: وهم، وقَوْلُهُ: (مُعْجِزِينَ)، أيْ: كانُوا لا يُعْجِزُونَ اللَّهَ في الدُّنْيا أنْ يُعاقِبَهم لَوْ أرادَ عِقابَهم، وما كانَ لَهم مَن يَنْصُرُهم ويَمْنَعُهم مِنَ العِقابِ، ولَكِنَّهُ أرادَ إنْظارَهم وتَأْخِيرَ عِقابِهِمْ إلى هَذا اليَوْمِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وهو كَلامُ الأشْهادِ يَعْنِي: أنَّ كَلامَهم مِن قَوْلِهِمْ: هَؤُلاءِ إلى آخِرِ هَذِهِ الجُمْلَةِ الَّتِي هي وما كانَ لَهم مِن دُونِ اللَّهِ مِن أوْلِياءَ. وقَدْ يَظْهَرُ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ألا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلى الظّالِمِينَ﴾: مِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى لا عَلى سَبِيلِ الحِكايَةِ، ويَدُلُّ لِقَوْلِ الزَّمَخْشَرِيِّ قَوْلُهُ: ﴿فَأذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهم أنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلى الظّالِمِينَ﴾ [الأعراف: ٤٤] الآيَةَ، فَكَما أنَّهُ مِن كَلامِ المَخْلُوقِينَ في تِلْكَ الآيَةِ، فَكَذَلِكَ هُنا يُضاعَفُ لَهُمُ العَذابُ: يُشَدَّدُ ويَكْثُرُ، وهَذا اسْتِئْنافُ إخْبارٍ عَنْ حالِهِمْ في الآخِرَةِ، لِأنَّهم جَمَعُوا إلى الكُفْرِ بِالبَعْثِ الكَذِبَ عَلى اللَّهِ، وصَدَّ عِبادِهِ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ، وبَغْيَ العِوَجِ لَها، وهي الطَّرِيقَةُ المُسْتَقِيمَةُ. ﴿ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ﴾: إخْبارٌ عَنْ حالِهِمْ في الدُّنْيا عَلى سَبِيلِ المُبالَغَةِ يَعْنِي: السَّمْعَ لِلْقُرْآنِ، ولِما جاءَ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ . ﴿وما كانُوا يُبْصِرُونَ﴾ أيْ: يَنْظُرُونَ إلَيْهِ لِبُغْضِهِمْ فِيهِ. ألا تَرى إلى حَشْوِ الطُّفَيْلِ بْنِ عَمْرٍو أُذُنَيْهِ مِنَ الكُرْسُفِ، وإبايَةِ قُرَيْشٍ أنْ يَسْمَعُوا ما نُقِلَ إلَيْهِمْ مِن كَلامِ الرَّسُولِ حَتّى تَرُدَّهم عَنْ ذَلِكَ مَشْيَخَتُهم ؟ أوْ إخْبارٌ عَنْ حالِهِمْ إذا ضُعِّفَ لَهُمُ العَذابُ أيْ: أنَّهُ تَعالى حَتَمَّ عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ، فَهم لا يَسْمَعُونَ لِذَلِكَ سَماعًا يَنْتَفِعُونَ بِهِ، ولا يُبْصِرُونَ لِذَلِكَ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ في كانُوا عائِدٌ عَلى أوْلِياؤُهم: آلِهَتُهم أيْ: فَما كانَ لَهم في الحَقِيقَةِ مِن أوْلِياءَ وإنْ كانُوا يَعْتَقِدُونَ أنَّهم أوْلِياءُ. ويَعْنِي أنَّهُ مَن لا يَسْتَطِيعُ أنْ يَسْمَعَ ولا يُبْصِرَ فَكَيْفَ يَصْلُحُ لِلْوِلايَةِ ؟ ويَكُونُ ﴿يُضاعَفُ لَهُمُ العَذابُ﴾ اعْتِراضًا، وما عَلى هَذِهِ الأقْوالِ نَفْيٌ. وقِيلَ: ما مَصْدَرِيَّةٌ أيْ: يُضاعَفُ لَهُمُ العَذابُ مُدَّةَ اسْتِطاعَتِهِمُ السَّمْعَ وإبْصارِهِمْ، والمَعْنى: أنَّ العَذابَ وتَضْعِيفَهُ دائِمٌ لَهم مُتَمادٍ. وأجازَ الفَرّاءُ أنْ تَكُونَ ما مَصْدَرِيَّةً، وحُذِفَ حَرْفُ الجَرِّ مِنها كَما يُحْذَفُ مَعَ أنْ وإنْ أُخْتَيْها، وهَذا فِيهِ بُعْدٌ في اللَّفْظِ وفي المَعْنى. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أرادَ أنَّهم لِفَرْطِ تَصامِّهِمْ عَنِ اتِّباعِ الحَقِّ وكَراهَتِهِمْ لَهُ كَأنَّهم لا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ، ولَعَلَّ بَعْضَ المُجْبِرَةِ يَتَوَثَّبُ إذا عَثَرَ عَلَيْهِ فَيُوَعْوِعُ بِهِ عَلى أهْلِ العَدْلِ، كَأنَّهُ لَمْ يَسْمَعِ النّاسَ يَقُولُونَ في كُلِّ لِسانٍ: هَذا الكَلامُ لا أسْتَطِيعُ أسْمَعُهُ، وهَذا مِمّا يَمُجُّهُ سَمْعِي، انْتَهى. يَعْنِي: أنَّهُ يُمْكِنُ أنْ يُسْتَدَلَّ بِهِ عَلى أنَّ العَبْدَ لا قُدْرَةَ لَهُ، لِأنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ نَفى عَنْهُ اسْتِطاعَةَ السَّمْعِ، وإذا انْتَفَتْ الِاسْتِطاعَةُ مِنهُ انْتَفَتْ قُدْرَتُهُ. والزَّمَخْشَرِيُّ عَلى عادَتِهِ في السَّفَهِ عَلى أهْلِ السُّنَّةِ وخُسْرانِهِمْ أنْفُسِهِمْ، لِكَوْنِهِمُ اشْتَرَوْا عِبادَةَ الآلِهَةِ بِعِبادَةِ اللَّهِ تَعالى، فَخَسِرُوا في تِجارَتِهِمْ خُسْرانًا لا خُسْرانَ أعْظَمُ مِنهُ. وهُوَ عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ: راحَةُ أوْ سَعادَةُ أنْفُسِهِمْ، وإلّا فَأنْفُسُهم باقِيَةٌ مُعَذَّبَةٌ. وبَطَلَ عَنْهم ما افْتَرَوْهُ مِن عِبادَةِ الآلِهَةِ، وكَوْنِهِمْ يَعْتَقِدُونَ شَفاعَتَها إذا رَأوْا أنَّها لا تَشْفَعُ ولا تَنْفَعُ. لا جَرَمَ: مَذْهَبُ الخَلِيلِ وسِيبَوَيْهِ أنَّهُما رُكِّبا مِن: لا وجَرَمَ وبُنِيا، والمَعْنى: حَقَّ، وما بَعْدَهُ رُفِعَ بِهِ عَلى الفاعِلِيَّةِ (p-٢١٣)وقالَ الحَوْفِيُّ: جَرَمَ مَنفِيٌّ بِلا بِمَعْنى: حَقَّ، وهو مَبْنِيٌّ مَعَ لا في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِداءِ، وأنَّهم في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى خَبَرِ جَرَمَ. وقالَ قَوْمٌ: إنَّ جَرَمَ مَبْنِيَّةٌ مَعَ لا عَلى الفَتْحِ نَحْوَ قَوْلِكَ: لا رَجُلَ، ومَعْناها: لا بُدَّ ولا مَحالَةَ. وقالَ الكِسائِيُّ: مَعْناها: لا ضِدَّ ولا مَنعَ، فَتَكُونُ اسْمَ لا وهي مَبْنِيَّةٌ عَلى الفَتْحِ كالقَوْلِ الَّذِي قَبْلَهُ، وتَكُونُ جَرَمَ هُنا مِن مَعْنى القَطْعِ، نَقُولُ: جَرَمْتُ أيْ: قَطَعْتُ. وقالَ الزَّجّاجُ: لا تَرْكِيبَ بَيْنَهُما ولا رَدَّ عَلَيْهِمْ. ولِما تَقَدَّمَ مِن كُلِّ ما قَبْلَها مِمّا قالُوا: إنَّ الأصْنامَ تَنْفَعُهم. وجَرَمَ: فِعْلٌ ماضٍ مَعْناهُ: كَسَبَ، والفاعِلُ مُضْمَرٌ: أيَكْسِبُ هو أيْ: فِعْلُهم، وأنَّ وما بَعْدَها في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى المَفْعُولِ بِهِ، وجَرَمَ القَوْمَ: كاسَبَهم. وقالَ الشّاعِرُ: ؎نَصَبْنا رَأسَهُ في جِذْعِ نَخْلٍ بِما جَرَمَتْ يَداهُ وما اعْتَدَيْنا وقالَ آخَرُ: جَرِيمَةَ ناهِضٍ في رَأْسِ نِيقٍ تَرى لِعِظامِ ما جَمَعَتْ صَلِيبا ويُقالُ: لا جِرَمَ بِالكَسْرِ، ولا جَرَ: بِحَذْفِ المِيمِ. قالَ النَّحّاسُ: وزَعَمَ الكِسائِيُّ أنَّ فِيها أرْبَعَ لُغاتٍ: لا جَرَمَ، ولا عَنْ ذا جَرَمٍ، ولا أنْ ذا جَرَمٍ، قالَ: وناسٌ مِن فَزارَةَ يَقُولُونَ: لا جَرَمَ. وحَكى الفَرّاءُ فِيهِ لُغَتَيْنِ أُخْرَيَيْنِ، قالَ: بَنُو عامِرٍ يَقُولُونَ: لا ذا جَرَمٍ، وناسٌ مِنَ العَرَبِ يَقُولُونَ: لا جُرَمَ بِضَمِّ الجِيمِ. وقالَ الجُبّائِيُّ في نَوادِرِهِ: حُكِيَ عَنْ فَزارَةَ: لا جَرَ واللَّهِ لا أفْعَلُ ذاكَ، قالَ: ويُقالُ: لا ذا جَرَمٍ، ولا ذُو جَرَمٍ، ولا عَنْ ذا جَرَمٍ، ولا أنْ ذا جَرَمٍ، ولا أنْ جَرَمَ، ولا عَنْ جَرَمٍ، ولا ذا جَرَ واللَّهِ، بِغَيْرِ مِيمٍ: لا أفْعَلُ ذاكَ. وحَكى بَعْضُهم بِغَيْرِ لا جَرَمَ: أنَّكَ أنْتَ فَعَلْتَ ذاكَ، وعَنْ أبِي عَمْرٍو: لَأجْرَمَ أنَّ لَهُمُ النّارَ عَلى وزْنِ: لَأكْرَمَ، ولا جَرَ: حَذَفُوهُ لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمالِ كَما قالُوا: سَوْ تَرى يُرِيدُونَ: سَوْفَ تَرى. ولَمّا كانَ خُسْرانُ النَّفْسِ أعْظَمَ الخُسْرانِ، حُكِمَ عَلَيْهِمْ بِأنَّهم هُمُ الزّائِدُونَ في الخُسْرانِ عَلى كُلِّ خاسِرٍ مِن سِواهم مِنَ العُصاةِ مَآلُهُ إلى الرّاحَةِ، وإلى انْقِطاعِ خُسْرانِهِ بِخِلافِ هَؤُلاءِ، فَإنَّ خُسْرانَهم لا انْقِطاعَ لَهُ. ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ وأخْبَتُوا إلى رَبِّهِمْ أُولَئِكَ أصْحابُ الجَنَّةِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ ﴿مَثَلُ الفَرِيقَيْنِ كالأعْمى والأصَمِّ والبَصِيرِ والسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلًا أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾: لَمّا ذَكَرَ ما يَئُولُ إلَيْهِ الكُفّارُ مِنَ النّارِ، ذَكَرَ ما يَئُولُ إلَيْهِ المُؤْمِنُونَ مِنَ الجَنَّةِ، والفَرِيقانِ هُنا الكافِرُ والمُؤْمِنُ. ولَمّا كانَ تَقَدَّمَ ذِكْرُ الكُفّارِ وأُعْقِبَ بِذِكْرِ المُؤْمِنِينَ، جاءَ التَّمْثِيلُ هُنا مُبْتَدَأً بِالكافِرِ، فَقالَ: ﴿كالأعْمى والأصَمِّ﴾ . ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ مِن بابِ تَشْبِيهِ اثْنَيْنِ بِاثْنَيْنِ، فَقُوبِلَ الأعْمى بِالبَصِيرِ وهو طِباقٌ، وقُوبِلَ الأصَمُّ بِالسَّمِيعِ وهو طِباقٌ أيْضًا، والعَمى والصَّمَمُ: آفَتانِ تَمْنَعانِ مِنَ البَصَرِ والسَّمْعِ، ولَيْسَتا بِضِدَّيْنِ، لِأنَّهُ لا تَعاقُبَ بَيْنَهُما. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن تَشْبِيهٍ واحِدٍ بِوَصْفَيْهِ بِواحِدٍ بِوَصْفَيْهِ، فَيَكُونُ مِن عَطْفِ الصِّفاتِ كَما قالَ الشّاعِرُ: إلى المَلِكِ القَرْنِ وابْنِ الهُمامِ ولَيْثِ الكَرِيهَةِ في المُزْدَحَمْ ولَمْ يَجِئِ التَّرْكِيبُ: كالأعْمى والبَصِيرِ والأصَمِّ والسَّمِيعِ، فَيَكُونُ مُقابَلَةً في لَفْظِ الأعْمى وضِدِّهِ، وفي لَفْظَةِ الأصَمِّ وضِدِّهِ، لِأنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ انْسِدادَ العَيْنِ أتْبَعَهُ بِانْسِدادِ السَّمْعِ، ولَمّا ذَكَرَ انْفِتاحَ البَصَرِ أتْبَعَهُ بِانْفِتاحِ السَّمْعِ، وذَلِكَ هو الأُسْلُوبُ في المُقابَلَةِ، والأتَمُّ في الإعْجازِ. ويَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى نَظِيرُ (p-٢١٤)هَذِهِ المُقابَلَةِ في قَوْلِهِ في طَهَ: ﴿إنَّ لَكَ ألّا تَجُوعَ فِيها ولا تَعْرى﴾ [طه: ١١٨] ﴿وأنَّكَ لا تَظْمَأُ فِيها ولا تَضْحى﴾ [طه: ١١٩] واحْتُمِلَ أنْ تَكُونَ الكافُ نَفْسُها هي خَبَرُ المُبْتَدَأِ، فَيَكُونُ مَعْناها: مَعْنى المَثَلِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: مَثَلُ الفَرِيقَيْنِ مَثَلُ الأعْمى. واحْتُمِلَ أنْ يُرادَ بِالمَثَلِ: الصِّفَةُ، وبِالكافِ: مِثْلُ، فَيَكُونُ عَلى حَذْفٍ مُضافٍ، أيْ: كَمَثَلِ الأعْمى، وهَذا التَّشْبِيهُ تَشْبِيهُ مَعْقُولٍ بِمَحْسُوسٍ، فَأعْمى البَصِيرَةِ: أصَمُّها، شُبِّهَ بِأعْمى البَصَرِ أصَمُّ السَّمْعِ، ذَلِكَ في ظُلُماتِ الضَّلالاتِ مُتَرَدِّدٌ تائِهٌ، وهَذا في الطُّرُقاتِ مُحَيَّرٌ لا يَهْتَدِي إلَيْها. وجاءَ (أفَلا تَذَكَّرُونَ) لِيُنَبِّهَ عَلى أنَّهُ يُمْكِنُ زَوالُ هَذا العَمى وهَذا الصَّمَمُ المَعْقُولُ، فَيَجِبُ عَلى العاقِلِ أنْ يَتَذَكَّرَ ما هو فِيهِ، ويَسْعى في هِدايَةِ نَفْسِهِ. وانْتَصَبَ مَثَلًا عَلى التَّمْيِيزِ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا، انْتَهى. وفِيهِ بُعْدٌ، والظّاهِرُ: التَّمْيِيزُ وأنَّهُ مَنقُولٌ مِنَ الفاعِلِ، أصْلُهُ: هَلْ يَسْتَوِي مَثَلاهُما. ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا نُوحًا إلى قَوْمِهِ إنِّي لَكم نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ ﴿أنْ لا تَعْبُدُوا إلّا اللَّهَ إنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ ألِيمٍ﴾ ﴿فَقالَ المَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ ما نَراكَ إلّا بَشَرًا مِثْلَنا وما نَراكَ اتَّبَعَكَ إلّا الَّذِينَ هم أراذِلُنا بادِيَ الرَّأْيِ وما نَرى لَكم عَلَيْنا مِن فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكم كاذِبِينَ﴾: هَذِهِ السُّورَةُ في قَصَصِها شَبِيهَةٌ بِسُورَةِ الأعْرافِ، بُدِئَ فِيها بِـ نُوحٍ، ثُمَّ بِهُودٍ، ثُمَّ بِصالِحٍ، ثُمَّ بِلُوطٍ، مُقَدَّمًا عَلَيْهِ إبْراهِيمُ بِسَبَبِ قَوْمِ لُوطٍ، ثُمَّ بِشُعَيْبٍ، ثُمَّ بِـ مُوسى وهارُونَ، صَلّى اللَّهُ عَلى نَبِيِّنا وعَلَيْهِمْ أجْمَعِينَ. وذَكَرُوا وُجُوهَ حِكَمٍ وفَوائِدَ لِتَكْرارِ هَذِهِ القَصَصِ في القُرْآنِ. وقَرَأ النَّحْوِيّانِ وابْنُ كَثِيرٍ: أنِّي بِفَتْحِ الهَمْزَةِ أيْ: بِأنِّي، وباقِي السَّبْعَةِ: بِكَسْرِها عَلى إضْمارِ القَوْلِ. وقالَ أبُو عَلِيٍّ في قِراءَةِ الفَتْحِ: خُرُوجٌ مِنَ الغَيْبَةِ إلى المُخاطَبَةِ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وفي هَذا نَظَرٌ، وإنَّما هي حِكايَةُ مُخاطَبَةٍ لِقَوْمِهِ، ولَيْسَ هَذا حَقِيقَةَ الخُرُوجِ مِن غَيْبَةٍ إلى مُخاطَبَةٍ، ولَوْ كانَ الكَلامُ: أنْ أنْذِرْهم أوْ نَحْوَهُ لَصَحَّ ذَلِكَ، انْتَهى. * * ﴿ألّا تَعْبُدُوا إلّا اللَّهَ﴾ [هود: ٢]: ظاهِرٌ في أنَّهم كانُوا يَعْبُدُونَ الأوْثانَ كَما جاءَ مُصَرَّحًا في غَيْرِ هَذِهِ السُّورَةِ، وأنْ بَدَلٌ مِن أيْ لَكم في قِراءَةِ مَن فَتَحَ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ أنِ المُفَسِّرَةَ. وأمّا في قِراءَةِ مَن كَسَرَ فَيُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ المُفَسِّرَةَ، والمُراعى قَبْلَها: إمّا أرْسَلْنا وإمّا نَذِيرٌ مُبِينٌ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مَعْمُولَةً لَأرْسَلْنا أيْ: بِأنْ لا تَعْبُدُوا إلّا اللَّهَ، وإسْنادُ الألَمِ إلى اليَوْمِ مَجازٌ لِوُقُوعِ الألَمِ فِيهِ لا بِهِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): فَإذا وُصِفَ بِهِ العَذابُ ؟ (قُلْتُ): مَجازِيٌّ مِثْلُهُ، لِأنَّ الألِيمَ في الحَقِيقَةِ هو المُعَذِّبُ، ونَظِيرُهُما قَوْلُكُ: نَهارُهُ صائِمٌ، انْتَهى. وهَذا عَلى أنْ يَكُونَ (ألِيمٍ) صِفَةَ مُبالَغَةٍ مِن ألِمَ، وهو: مَن كَثُرَ ألَمُهُ. فَإنْ كانَ ألِيمٍ بِمَعْنى: مُؤْلِمٍ، فَنِسْبَتُهُ لِلْيَوْمِ مَجازٌ، ولِلْعَذابِ حَقِيقَةٌ لَمّا أنْذَرَهم مِن عَذابِ اللَّهِ وأمَرَهم بِإفْرادِهِ بِالعِبادَةِ، وأخْبَرَ أنَّهُ رَسُولٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ، ذَكَرُوا أنَّهُ مُماثِلُهم في البَشَرِيَّةِ، واسْتَبْعَدُوا أنْ يَبْعَثَ اللَّهُ رَسُولًا مِنَ البَشَرِ، وكَأنَّهم ذَهَبُوا إلى مَذْهَبِ البَراهِمَةِ الَّذِينَ يُنْكِرُونَ نُبُوَّةَ البَشَرِ عَلى الإطْلاقِ، ثُمَّ عَيَّرُوهُ بِأنَّهُ لَمْ يَتَّبِعْهُ إلّا الأراذِلُ أيْ: فَنَحْنُ لا نُساوِيهِمْ، ثُمَّ نَفَوْا أنْ يَكُونَ لَهُ عَلَيْهِمْ فَضْلٌ أيْ: أنْتَ مُساوِينا في البَشَرِيَّةِ ولا فَضْلَ لَكَ عَلَيْنا، فَكَيْفَ امْتَزْتَ بِأنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ ؟ . وفِي قَوْلِهِ: ﴿إلّا الَّذِينَ هم أراذِلُنا﴾: مُبالَغَةٌ في الإخْبارِ، وكَأنَّهُ مُؤْذِنٌ بِتَأْكِيدِ حَصْرِ مَنِ اتَّبَعَهُ، وأنَّهم هُمُ الأراذِلُ لَمْ يَشْرَكْهم شَرِيفٌ في ذَلِكَ. وفي الحَدِيثِ إنَّهم كانُوا حاكَةً وحَجّامِينَ وقالَ النَّحّاسُ: هُمُ الفُقَراءُ والَّذِينَ لا حَسَبَ لَهم، والخَسِيسُوا الصِّناعاتِ. وفِي حَدِيثِ هِرَقْلَ: أشْرافُ النّاسِ اتَّبَعُوهُ أمْ ضُعَفاؤُهم ؟ فَقالَ: بَلْ ضُعَفاؤُهم، فَقالَ: هم أتْباعُ الرُّسُلِ قَبْلُ وإنَّما كانَ كَذَلِكَ لِاسْتِيلاءِ الرِّئاسَةِ عَلى الأشْرافِ، وصُعُوبَةِ الِانْفِكاكِ عَنْها، والأنَفَةِ مِنَ الِانْقِيادِ لِغَيْرِهِمْ، والفَقِيرُ خَلِيٌّ عَنْ تِلْكَ المَوانِعِ فَهو سَرِيعٌ إلى الإجابَةِ والِانْقِيادِ. (ونَراكَ): يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ بَصَرِيَّةً، وأنْ تَكُونَ عِلْمِيَّةً. قالُوا: وأراذِلُ: جَمْعُ الجَمْعِ، فَقِيلَ: جَمْعُ أرْذُلٍ كَكَلْبٍ وأكْلُبٍ وأكالِبٍ. وقِيلَ: جَمْعُ أرْذالٍ، وقِياسُهُ أراذِيلُ. والظّاهِرُ أنَّهُ جَمْعُ أرْذَلَ الَّتِي هي أفْعَلُ التَّفْضِيلِ، وجاءَ جَمْعًا كَما جاءَ: أكابِرَ مُجْرِمِيها (p-٢١٥)وأحاسِنُكم أخْلاقًا. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ما نَراكَ إلّا بَشَرًا مِثْلَنا، تَعْرِيضٌ بِأنَّهم أحَقُّ مِنهُ بِالنُّبُوَّةِ، وأنَّ اللَّهَ لَوْ أرادَ أنْ يَجْعَلَها في أحَدٍ مِنَ البَشَرِ لَجَعَلَها فِيهِمْ، فَقالُوا: هَبْ أنَّكَ واحِدٌ مِنَ المَلَأِ ومُوازِيهِمْ في المَنزِلَةِ، فَما جَعَلَكَ أحَقَّ مِنهم ؟ ألا تَرى إلى قَوْلِهِمْ: ﴿وما نَرى لَكم عَلَيْنا مِن فَضْلٍ﴾، أوْ أرادُوا أنَّهُ كانَ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ مَلَكًا لا بَشَرًا، ولا يَظْهَرُ ما قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ مِنَ الآيَةِ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو و عِيسى الثَّقَفِيُّ: (بادِئَ الرَّأْيِ) مِن بَدَأ يَبْدَأُ ومَعْناهُ: أوَّلُ الرَّأْيِ. وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ: بادِي بِالياءِ مِن بَدا يَبْدُو، ومَعْناهُ: ظاهِرُ الرَّأْيِ. وقِيلَ: بادِي بِالياءِ مَعْناهُ: بادِئٌ بِالهَمْزِ، فَسُهِّلَتِ الهَمْزَةُ بِإبْدالِها ياءً لِكَسْرِ ما قَبْلِها. وذَكَرُوا أنَّهُ مَنصُوبٌ عَلى الظَّرْفِ، والعامِلُ فِيهِ نَراكَ أوِ اتَّبَعَكَ أوْ أراذِلُنا أيْ: وما نَراكَ فِيما يَظْهَرُ لَنا مِنَ الرَّأْيِ، أوْ في أوَّلِ رَأْيِنا، أوْ وما نَراكَ اتَّبَعَكَ أوَّلَ رَأْيِهِمْ، أوْ ظاهِرُ رَأْيِهِمْ. واحْتَمَلَ هَذا الوَجْهُ مَعْنَيَيْنِ: أحَدُهُما: أنْ يُرِيدَ: اتَّبَعَكَ في ظاهِرِ أمْرِهِمْ، وعَسى أنْ تَكُونَ بَواطِنُهم لَيْسَتْ مَعَكَ. والمَعْنى الثّانِي: أنْ يُرِيدَ: اتَّبَعُوكَ بِأوَّلِ نَظَرٍ وبِالرَّأْيِ البادِئِ دُونَ تَعَقُّبٍ، ولَوْ تَثَبَّتُوا لَمْ يَتَّبِعُوكَ، وفي هَذا الوَجْهِ ذَمُّ الرَّأْيِ غَيْرِ المَرْوِيِّ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: اتَّبَعُوكَ أوَّلَ الرَّأْيِ، أوْ ظاهِرَ الرَّأْيِ، وانْتِصابُهُ عَلى الظَّرْفِ أصْلُهُ وقْتَ حُدُوثِ أوَّلِ أمْرِهِمْ، أوْ وقْتَ حُدُوثِ ظاهِرِ رَأْيِهِمْ، فَحُذِفَ ذَلِكَ، وأُقِيمَ المُضافُ إلَيْهِ مَقامَهُ، أرادُوا: أنَّ اتِّباعَهم لَكَ إنَّما هو شَيْءٌ عَنَّ لَهم بَدِيهَةً مِن غَيْرِ رَوِيَّةٍ ونَظَرٍ، انْتَهى. وكَوْنُهُ مَنصُوبًا عَلى الظَّرْفِ هو قَوْلُ أبِي عَلِيٍّ في الحُجَّةِ، وإنَّما حَمَلَهُ عَلى الظَّرْفِ ولَيْسَ بِزَمانٍ ولا مَكانٍ، لِأنَّ في مُقَدَّرَةٌ فِيهِ أيْ: في ظاهِرِ الأمْرِ، أوْ في أوَّلِ الأمْرِ. وعَلى هَذَيْنِ التَّقْدِيرَيْنِ أعْنِي أنْ يَكُونَ العامِلُ فِيهِ: نَراكَ، أوِ اتَّبَعَكَ، يَقْتَضِي أنْ لا يَجُوزَ ذَلِكَ، لِأنَّ ما بَعْدَ إلّا لا يَكُونُ مَعْمُولًا لِما قَبْلَها، إلّا إنْ كانَ مُسْتَثْنًى مِنهُ نَحْوَ: قامَ إلّا زَيْدًا القَوْمُ، أوْ مُسْتَثْنًى نَحْوَ: جاءَ القَوْمُ إلّا زَيْدًا، أوْ تابِعًا لِلْمُسْتَثْنى مِنهُ نَحْوَ: ما جاءَنِي أحَدٌ إلّا زَيْدٌ أخْبَرَنِي عَمْرٌو، وبادِئَ الرَّأْيِ لَيْسَ واحِدًا مِن هَذِهِ الثَّلاثَةِ. وأُجِيبَ بِأنَّهُ ظَرْفٌ، أوْ كالظَّرْفِ مِثْلَ: جُهْدَ رَأْيٍ إنَّكَ ذاهِبٌ، أيْ: إنَّكَ ذاهِبٌ في جُهْدِ رَأْيٍ، والظُّرُوفِ يُتَّسَعُ فِيها. وإذا كانَ العامِلُ أراذِلُنا فَمَعْناهُ: الَّذِينَ هم أراذِلُنا بِأقَلِّ نَظَرٍ فِيهِمْ، وبِبادِئِ الرَّأْيِ يُعْلَمُ ذَلِكَ مِنهم. وقِيلَ: ﴿بادِيَ الرَّأْيِ﴾: نَعْتٌ لِقَوْلِهِ: (بَشَرًا) . وقِيلَ: انْتَصَبَ حالًا مِن ضَمِيرِ نُوحٍ في اتَّبَعَكَ، أيْ: وأنْتَ مَكْشُوفُ الرَّأْيِ لا حَصافَةَ لَكَ. وقِيلَ: انْتَصَبَ عَلى النِّداءِ لِـ نُوحٍ أيْ: يا بادِيَ الرَّأْيِ، أيْ: ما في نَفْسِكَ مِنَ الرَّأْيِ ظاهِرٌ لِكُلِّ أحَدٍ، قالُوا ذَلِكَ تَعْجِيزًا لَهُ. وقِيلَ: انْتَصَبَ عَلى المَصْدَرِ، وجاءَ الظَّرْفُ والمَصْدَرُ عَلى فاعِلٍ، ولَيْسَ بِالقِياسِ. فالرَّأْيُ هُنا إمّا مِن رُؤْيَةِ العَيْنِ، وإمّا مِنَ الفِكْرِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وإنَّما اسْتَرْذَلُوا المُؤْمِنِينَ لِفَقْرِهِمْ وتَأخُّرِهِمْ في الأسْبابِ الدُّنْيَوِيَّةِ، لِأنَّهم كانُوا جُهّالًا ما كانُوا يَعْلَمُونَ إلّا ظاهِرًا مِنَ الحَياةِ الدُّنْيا، فَكانَ الأشْرَفُ عِنْدَهم مَن لَهُ جاهٌ ومالٌ، انْتَهى. وظاهِرُ الخِطابِ في لَكم شامِلٌ لِـ نُوحٍ ومَنِ اتَّبَعَهُ، والمَعْنى: لَيْسَ لَكم عَلَيْنا زِيادَةٌ في مالٍ، ونَسَبٍ، ولا دِينٍ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: في الخَلْقِ والخُلُقِ، وقِيلَ: بِكَثْرَةِ المُلْكِ والمِلْكِ، وقِيلَ: بِمُتابَعَتِكم نُوحًا ومُخالَفَتِكم لَنا، وقِيلَ: مِن شَرَفٍ يُؤَهِّلُكم لِلنُّبُوَّةِ، وقالَ الكَلْبِيُّ: نَظُنُّكم: نَتَيَقَّنُكم، وقالَ مُقاتِلٌ: نَحْسَبُكم، أيْ في دَعْوى نُوحٍ وتَصْدِيقِكم، وقالَ صاحِبُ العِتِيّانِ: بَلْ نَظُنُّكم كاذِبِينَ تَوَسُّلًا إلى الرِّئاسَةِ والشُّهْرَةِ.

هود 11:25

﴿أفَمَن كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ ويَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنهُ ومِن قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى إمامًا ورَحْمَةً أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ ومَن يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الأحْزابِ فالنّارُ مَوْعِدُهُ فَلا تَكُ في مِرْيَةٍ مِنهُ إنَّهُ الحَقُّ مِن رَبِّكَ ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يُؤْمِنُونَ﴾: لَمّا ذَكَرَ حالَ مَن يُرِيدُ الحَياةَ الدُّنْيا، ذَكَرَ حالَ مَن يُرِيدُ وجْهَ اللَّهِ تَعالى بِأعْمالِهِ الصّالِحَةِ، وحُذِفَ المُعادِلُ الَّذِي دَخَلَتْ عَلَيْهِ الهَمْزَةُ والتَّقْدِيرُ: كَمَن يُرِيدُ الحَياةَ الدُّنْيا. وكَثِيرًا ما حُذِفَ في القُرْآنِ كَقَوْلِهِ: ﴿أفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا﴾ [فاطر: ٨] وقَوْلِهِ: ﴿أمْ مَن هو قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ﴾ [الزمر: ٩] وهَذا اسْتِفْهامٌ مَعْناهُ: التَّقْرِيرُ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أيْ: لا تَعْقِبُونَهم في المَنزِلَةِ ولا تُفارِقُونَهم، يُرِيدُ أنَّ بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ تَفاوُتًا بَعِيدًا وتَبايُنًا بَيِّنًا، وأرادَ بِهِمْ مَن آمَنَ مِنَ اليَهُودِ كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ وغَيْرِهِ، كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ أيْ: عَلى بُرْهانٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى، وبَيانٍ أنَّ دِينَ الإسْلامِ حَقٌّ وهو دَلِيلُ العَقْلِ ويَتْلُوهُ، ويَتْبَعُ ذَلِكَ البُرْهانَ شاهِدٌ مِنهُ، أيْ: شاهِدٌ يَشْهَدُ بِصِحَّتِهِ، وهو القُرْآنُ مِنهُ مِنَ اللَّهِ، أوْ شاهِدٌ مِنَ القُرْآنِ ومِن قَبْلِهِ: ومِن قَبْلِ القُرْآنِ كِتابُ مُوسى وهو: التَّوْراةُ، أيْ: ويَتْلُو ذَلِكَ أيْضًا مِن قَبْلِ القُرْآنِ كِتابُ مُوسى. وقُرِئَ: (كِتابَ مُوسى) بِالنَّصْبِ، ومَعْناهُ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ وهو الدَّلِيلُ عَلى أنَّ القُرْآنَ حَقٌّ، ويَتْلُوهُ ويَقْرَأُ القُرْآنَ شاهِدٌ مِنهُ، شاهِدٌ مِمَّنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ كَقَوْلِهِ: ﴿وشَهِدَ شاهِدٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ عَلى مِثْلِهِ﴾ [الأحقاف: ١٠] ﴿قُلْ كَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وبَيْنَكم ومَن عِنْدَهُ عِلْمُ الكِتابِ﴾ [الرعد: ٤٣] . ﴿ومِن قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى﴾: ويَتْلُوهُ ومِن قَبْلِ التَّوْراةِ، إمامًا: كِتابًا مُؤْتَمًّا في الدِّينِ قُدْوَةً فِيهِ، انْتَهى. وقِيلَ في ﴿أفَمَن كانَ﴾: المُؤْمِنُونَ بِالرَّسُولِ، (p-٢١١)وقِيلَ: مُحَمَّدٌ ﷺ خاصَّةً. وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ وابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ ومُجاهِدٌ والضَّحّاكُ: مُحَمَّدٌ والمُؤْمِنُونَ جَمِيعًا، والبَيِّنَةُ: القُرْآنُ أوِ الرَّسُولُ، والهاءُ لِلْمُبالَغَةِ. والشّاهِدُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ والنَّخَعِيُّ ومُجاهِدٌ والضَّحّاكُ وأبُو صالِحٍ وعِكْرِمَةُ: هو جِبْرِيلُ. وقالَ الحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ: هو الرَّسُولُ. وقالَ أيْضًا مُجاهِدٌ: هو مَلَكٌ وكَّلَهُ اللَّهُ بِحِفْظِ القُرْآنِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِهَذِهِ الألْفاظِ: جِبْرِيلَ، وقِيلَ: وعَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ. ورَوى المِنهالُ عَنْ عُبادَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ وجْهَهُ: ما في قُرَيْشٍ أحَدٌ إلّا وقَدْ نَزَلَتْ فِيهِ آيَةٌ قِيلَ: فَما نَزَلَ فِيكَ ؟ قالَ: ﴿ويَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنهُ﴾، وبِهِ قالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ. وقِيلَ: هو الإنْجِيلُ قالَهُ: الفَرّاءُ. وقِيلَ: هو القُرْآنُ، وقِيلَ: هو إعْجازُ القُرْآنِ، قالَهُ الحُسَيْنُ بْنُ الفَضْلِ، وقِيلَ: صُورَةُ الرَّسُولِ ﷺ ووَجْهُهُ ومَخايِلُهُ، لِأنَّ كُلَّ عاقِلٍ نَظَرَ إلَيْهِ عَلِمَ أنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . وقِيلَ: وأبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، والضَّمِيرُ في مِنهُ يَعُودُ إلى الدِّينِ، أوْ إلى الرَّسُولِ، أوْ إلى القُرْآنِ. ويَتْلُوهُ: بِمَعْنى يَتْبَعُهُ، أوْ يَقْرَؤُهُ، والضَّمِيرُ المَرْفُوعُ في يَتْلُوهُ والمَنصُوبُ والمَجْرُورُ في مِنهُ، يَتَرَتَّبُ عَلى ما يُناسِبُهُ كُلُّ قَوْمٍ مِن هَذِهِ. وقَرَأ مُحَمَّدُ بْنُ السّائِبِ الكَلْبِيُّ وغَيْرُهُ: ﴿كِتابُ مُوسى﴾ بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلى مَفْعُولِ يَتْلُوهُ، أوْ بِإضْمارِ فِعْلٍ. وإذا لَمْ يُعْنَ بِالشّاهِدِ الإنْجِيلُ فَإنَّما خَصَّ التَّوْراةَ بِالذِّكْرِ، لِأنَّ المِلَّتَيْنِ مُجْتَمِعَتانِ عَلى أنَّها مِن عِنْدِ اللَّهِ، والإنْجِيلُ يُخالِفُ فِيهِ اليَهُودُ، فَكانَ الِاسْتِشْهادُ بِما تَقُومُ بِهِ الحُجَّةُ عَلى الفَرِيقَيْنِ أوْلى. وهَذا يَجْرِي مَعَ قَوْلِ الجِنِّ: ﴿إنّا سَمِعْنا كِتابًا أُنْزِلَ مِن بَعْدِ مُوسى﴾ [الأحقاف: ٣٠] ومَعَ قَوْلِ النَّجاشِيِّ: إنَّ هَذا والَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى لَيَخْرُجُ مِن مِشْكاةٍ واحِدَةٍ. وانْتَصَبَ إمامًا عَلى الحالِ، والَّذِي يَظْهَرُ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ، أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ الكُفّارَ وأنَّهم لَيْسَ لَهم إلّا النّارُ، أعْقَبَ بِضِدِّهِمْ وهُمُ المُؤْمِنُونَ، وهُمُ الَّذِينَ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِمْ، والشّاهِدُ: القُرْآنُ، ومِنهُ عائِدٌ عَلى رَبِّهِ. ويَدُلُّ عَلى أنَّ الشّاهِدَ القُرْآنُ ذِكْرُ قَوْلِهِ: (ومِن قَبْلِهِ)، أيْ: ومِن قَبْلِ القُرْآنِ كِتابُ مُوسى، فَمَعْناهُ: أنَّهُ تَظافَرَ عَلى هِدايَتِهِ شَيْئانِ: كَوْنُهُ عَلى أمْرٍ واضِحٍ مِن بُرْهانِ العَقْلِ، وكَوْنُهُ يُوافِقُ ذَلِكَ البُرْهانُ هَذَيْنِ الكِتابَيْنِ الإلَهِيَّيْنِ: القُرْآنَ والتَّوْراةَ، فاجْتَمَعَ لَهُ العَقْلُ والنَّقْلُ. والإشارَةُ بِأُولَئِكَ: إلى مَن كانَ عَلى بَيِّنَةٍ، راعى مَعْنى مَعَ فَجَمَعَ، والضَّمِيرُ في بِهِ يَعُودُ إلى التَّوْراةِ، أوْ إلى القُرْآنِ، أوْ إلى الرَّسُولِ، ثَلاثَةُ أقْوالٍ. والأحْزابُ جَمِيعُ المِلَلِ قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ، أوِ اليَهُودُ والنَّصارى، قالَهُ قَتادَةُ، أوْ قُرَيْشٌ، قالَهُ السُّدِّيُّ، أوْ بَنُو أُمَيَّةَ وبَنُو المُغِيرَةِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ المَخْزُومِيِّ، وآلُ أبِي طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ، قالَهُ مُقاتِلٌ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَعْنِي أهْلَ مَكَّةَ ومَن ضامَّهم مِنَ المُتَحَزِّبِينَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، انْتَهى. ﴿فالنّارُ مَوْعِدُهُ﴾ أيْ: مَكانُ وعْدِهِ الَّذِي يَصِيرُونَ إلَيْهِ. وقالَ حَسّانُ: أوْرَدْتُمُونا حِياضَ المَوْتِ ضاحِيَةً فالنّارُ مَوْعِدُها والمَوْتُ لاقِيها والضَّمِيرُ في مِنهُ عائِدٌ عَلى القُرْآنِ، وقِيلَ: عَلى الخَبَرِ، بِأنَّ الكُفّارَ مَوْعِدُهُمُ النّارُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (في مِرْيَةٍ) بِكَسْرِ المِيمِ، وهي لُغَةُ الحِجازِ. وقَرَأ السُّلَمِيُّ وأبُو رَجاءٍ وأبُو الخَطّابِ السُّدُوسِيُّ والحَسَنُ: بِضَمِّها، وهي لُغَةُ أسَدٍ وتَمِيمٍ، والنّاسُ: أهْلُ مَكَّةَ قالَهُ: ابْنُ عَبّاسٍ، أوْ: جَمِيعُ الكُفّارِ مِن شاكٍّ وجاهِلٍ ومُعانِدٍ قالَهُ: صاحِبُ العِقْيانِ. ﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا أُولَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلى رَبِّهِمْ ويَقُولُ الأشْهادُ هَؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلى رَبِّهِمْ ألا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلى الظّالِمِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ويَبْغُونَها عِوَجًا وهم بِالآخِرَةِ هم كافِرُونَ﴾ ﴿أُولَئِكَ لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ في الأرْضِ وما كانَ لَهم مِن دُونِ اللَّهِ مِن أوْلِياءَ يُضاعَفُ لَهُمُ العَذابُ ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وما كانُوا يُبْصِرُونَ﴾ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم وضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ ﴿لا جَرَمَ أنَّهم في الآخِرَةِ هُمُ الأخْسَرُونَ﴾: (p-٢١٢)لَمّا سَبَقَ قَوْلُهم: ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ﴾ [هود: ١٣]، ذَكَرَ أنَّهُ لا أحَدَ أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا، وهُمُ المُفْتَرُونَ الَّذِينَ نَسَبُوا إلى اللَّهِ الوَلَدَ، واتَّخَذُوا مَعَهُ آلِهَةً، وحَرَّمُوا وحَلَّلُوا مِن غَيْرِ شَرْعِ اللَّهِ، وعَرْضُهم عَلى اللَّهِ بِمَعْنى: التَّشْهِيرِ لِخِزْيِهِمْ والإشارَةِ بِكَذِبِهِمْ، وإلّا فالطّائِعُ والعاصِي يُعْرَضُونَ عَلى اللَّهِ ﴿وعُرِضُوا عَلى رَبِّكَ صَفًّا﴾ [الكهف: ٤٨] والأشْهادُ: جَمْعُ شاهِدٍ، كَصاحِبٍ وأصْحابٍ، أوْ جَمْعُ شَهِيدٍ كَشَرِيفٍ وأشْرافٍ، والأشْهادُ: المَلائِكَةُ الَّذِينَ يَحْفَظُونَ عَلَيْهِمْ أعْمالَهم في الدُّنْيا، أوِ الأنْبِياءُ، أوْ هُما المُؤْمِنُونَ، أوْ ما يَشْهَدُ عَلَيْهِمْ مِن أعْضائِهِمْ أقْوالٌ. وفي قَوْلِهِ: (هَؤُلاءِ): إشارَةٌ إلى تَحْقِيرِهِمْ وإصْغارِهِمْ بِسُوءِ مُرْتَكَبِهِمْ. وفِي قَوْلِهِ: (عَلى رَبِّهِمْ) أيْ: عَلى مَن يُحْسِنُ إلَيْهِمْ ويَمْلِكُ نَواصِيَهم، وكانُوا جَدِيرِينَ أنْ لا يَكْذِبُوا عَلَيْهِ، وهَذا كَما تَقُولُ إذا رَأيْتَ مُجْرِمًا: هَذا الَّذِي فَعَلَ كَذا وكَذا. وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ الجُمْلَةِ بَعْدَ هَذا. وهم: تَأْكِيدٌ لِقَوْلِهِ: وهم، وقَوْلُهُ: (مُعْجِزِينَ)، أيْ: كانُوا لا يُعْجِزُونَ اللَّهَ في الدُّنْيا أنْ يُعاقِبَهم لَوْ أرادَ عِقابَهم، وما كانَ لَهم مَن يَنْصُرُهم ويَمْنَعُهم مِنَ العِقابِ، ولَكِنَّهُ أرادَ إنْظارَهم وتَأْخِيرَ عِقابِهِمْ إلى هَذا اليَوْمِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وهو كَلامُ الأشْهادِ يَعْنِي: أنَّ كَلامَهم مِن قَوْلِهِمْ: هَؤُلاءِ إلى آخِرِ هَذِهِ الجُمْلَةِ الَّتِي هي وما كانَ لَهم مِن دُونِ اللَّهِ مِن أوْلِياءَ. وقَدْ يَظْهَرُ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ألا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلى الظّالِمِينَ﴾: مِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى لا عَلى سَبِيلِ الحِكايَةِ، ويَدُلُّ لِقَوْلِ الزَّمَخْشَرِيِّ قَوْلُهُ: ﴿فَأذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهم أنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلى الظّالِمِينَ﴾ [الأعراف: ٤٤] الآيَةَ، فَكَما أنَّهُ مِن كَلامِ المَخْلُوقِينَ في تِلْكَ الآيَةِ، فَكَذَلِكَ هُنا يُضاعَفُ لَهُمُ العَذابُ: يُشَدَّدُ ويَكْثُرُ، وهَذا اسْتِئْنافُ إخْبارٍ عَنْ حالِهِمْ في الآخِرَةِ، لِأنَّهم جَمَعُوا إلى الكُفْرِ بِالبَعْثِ الكَذِبَ عَلى اللَّهِ، وصَدَّ عِبادِهِ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ، وبَغْيَ العِوَجِ لَها، وهي الطَّرِيقَةُ المُسْتَقِيمَةُ. ﴿ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ﴾: إخْبارٌ عَنْ حالِهِمْ في الدُّنْيا عَلى سَبِيلِ المُبالَغَةِ يَعْنِي: السَّمْعَ لِلْقُرْآنِ، ولِما جاءَ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ . ﴿وما كانُوا يُبْصِرُونَ﴾ أيْ: يَنْظُرُونَ إلَيْهِ لِبُغْضِهِمْ فِيهِ. ألا تَرى إلى حَشْوِ الطُّفَيْلِ بْنِ عَمْرٍو أُذُنَيْهِ مِنَ الكُرْسُفِ، وإبايَةِ قُرَيْشٍ أنْ يَسْمَعُوا ما نُقِلَ إلَيْهِمْ مِن كَلامِ الرَّسُولِ حَتّى تَرُدَّهم عَنْ ذَلِكَ مَشْيَخَتُهم ؟ أوْ إخْبارٌ عَنْ حالِهِمْ إذا ضُعِّفَ لَهُمُ العَذابُ أيْ: أنَّهُ تَعالى حَتَمَّ عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ، فَهم لا يَسْمَعُونَ لِذَلِكَ سَماعًا يَنْتَفِعُونَ بِهِ، ولا يُبْصِرُونَ لِذَلِكَ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ في كانُوا عائِدٌ عَلى أوْلِياؤُهم: آلِهَتُهم أيْ: فَما كانَ لَهم في الحَقِيقَةِ مِن أوْلِياءَ وإنْ كانُوا يَعْتَقِدُونَ أنَّهم أوْلِياءُ. ويَعْنِي أنَّهُ مَن لا يَسْتَطِيعُ أنْ يَسْمَعَ ولا يُبْصِرَ فَكَيْفَ يَصْلُحُ لِلْوِلايَةِ ؟ ويَكُونُ ﴿يُضاعَفُ لَهُمُ العَذابُ﴾ اعْتِراضًا، وما عَلى هَذِهِ الأقْوالِ نَفْيٌ. وقِيلَ: ما مَصْدَرِيَّةٌ أيْ: يُضاعَفُ لَهُمُ العَذابُ مُدَّةَ اسْتِطاعَتِهِمُ السَّمْعَ وإبْصارِهِمْ، والمَعْنى: أنَّ العَذابَ وتَضْعِيفَهُ دائِمٌ لَهم مُتَمادٍ. وأجازَ الفَرّاءُ أنْ تَكُونَ ما مَصْدَرِيَّةً، وحُذِفَ حَرْفُ الجَرِّ مِنها كَما يُحْذَفُ مَعَ أنْ وإنْ أُخْتَيْها، وهَذا فِيهِ بُعْدٌ في اللَّفْظِ وفي المَعْنى. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أرادَ أنَّهم لِفَرْطِ تَصامِّهِمْ عَنِ اتِّباعِ الحَقِّ وكَراهَتِهِمْ لَهُ كَأنَّهم لا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ، ولَعَلَّ بَعْضَ المُجْبِرَةِ يَتَوَثَّبُ إذا عَثَرَ عَلَيْهِ فَيُوَعْوِعُ بِهِ عَلى أهْلِ العَدْلِ، كَأنَّهُ لَمْ يَسْمَعِ النّاسَ يَقُولُونَ في كُلِّ لِسانٍ: هَذا الكَلامُ لا أسْتَطِيعُ أسْمَعُهُ، وهَذا مِمّا يَمُجُّهُ سَمْعِي، انْتَهى. يَعْنِي: أنَّهُ يُمْكِنُ أنْ يُسْتَدَلَّ بِهِ عَلى أنَّ العَبْدَ لا قُدْرَةَ لَهُ، لِأنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ نَفى عَنْهُ اسْتِطاعَةَ السَّمْعِ، وإذا انْتَفَتْ الِاسْتِطاعَةُ مِنهُ انْتَفَتْ قُدْرَتُهُ. والزَّمَخْشَرِيُّ عَلى عادَتِهِ في السَّفَهِ عَلى أهْلِ السُّنَّةِ وخُسْرانِهِمْ أنْفُسِهِمْ، لِكَوْنِهِمُ اشْتَرَوْا عِبادَةَ الآلِهَةِ بِعِبادَةِ اللَّهِ تَعالى، فَخَسِرُوا في تِجارَتِهِمْ خُسْرانًا لا خُسْرانَ أعْظَمُ مِنهُ. وهُوَ عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ: راحَةُ أوْ سَعادَةُ أنْفُسِهِمْ، وإلّا فَأنْفُسُهم باقِيَةٌ مُعَذَّبَةٌ. وبَطَلَ عَنْهم ما افْتَرَوْهُ مِن عِبادَةِ الآلِهَةِ، وكَوْنِهِمْ يَعْتَقِدُونَ شَفاعَتَها إذا رَأوْا أنَّها لا تَشْفَعُ ولا تَنْفَعُ. لا جَرَمَ: مَذْهَبُ الخَلِيلِ وسِيبَوَيْهِ أنَّهُما رُكِّبا مِن: لا وجَرَمَ وبُنِيا، والمَعْنى: حَقَّ، وما بَعْدَهُ رُفِعَ بِهِ عَلى الفاعِلِيَّةِ (p-٢١٣)وقالَ الحَوْفِيُّ: جَرَمَ مَنفِيٌّ بِلا بِمَعْنى: حَقَّ، وهو مَبْنِيٌّ مَعَ لا في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِداءِ، وأنَّهم في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى خَبَرِ جَرَمَ. وقالَ قَوْمٌ: إنَّ جَرَمَ مَبْنِيَّةٌ مَعَ لا عَلى الفَتْحِ نَحْوَ قَوْلِكَ: لا رَجُلَ، ومَعْناها: لا بُدَّ ولا مَحالَةَ. وقالَ الكِسائِيُّ: مَعْناها: لا ضِدَّ ولا مَنعَ، فَتَكُونُ اسْمَ لا وهي مَبْنِيَّةٌ عَلى الفَتْحِ كالقَوْلِ الَّذِي قَبْلَهُ، وتَكُونُ جَرَمَ هُنا مِن مَعْنى القَطْعِ، نَقُولُ: جَرَمْتُ أيْ: قَطَعْتُ. وقالَ الزَّجّاجُ: لا تَرْكِيبَ بَيْنَهُما ولا رَدَّ عَلَيْهِمْ. ولِما تَقَدَّمَ مِن كُلِّ ما قَبْلَها مِمّا قالُوا: إنَّ الأصْنامَ تَنْفَعُهم. وجَرَمَ: فِعْلٌ ماضٍ مَعْناهُ: كَسَبَ، والفاعِلُ مُضْمَرٌ: أيَكْسِبُ هو أيْ: فِعْلُهم، وأنَّ وما بَعْدَها في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى المَفْعُولِ بِهِ، وجَرَمَ القَوْمَ: كاسَبَهم. وقالَ الشّاعِرُ: ؎نَصَبْنا رَأسَهُ في جِذْعِ نَخْلٍ بِما جَرَمَتْ يَداهُ وما اعْتَدَيْنا وقالَ آخَرُ: جَرِيمَةَ ناهِضٍ في رَأْسِ نِيقٍ تَرى لِعِظامِ ما جَمَعَتْ صَلِيبا ويُقالُ: لا جِرَمَ بِالكَسْرِ، ولا جَرَ: بِحَذْفِ المِيمِ. قالَ النَّحّاسُ: وزَعَمَ الكِسائِيُّ أنَّ فِيها أرْبَعَ لُغاتٍ: لا جَرَمَ، ولا عَنْ ذا جَرَمٍ، ولا أنْ ذا جَرَمٍ، قالَ: وناسٌ مِن فَزارَةَ يَقُولُونَ: لا جَرَمَ. وحَكى الفَرّاءُ فِيهِ لُغَتَيْنِ أُخْرَيَيْنِ، قالَ: بَنُو عامِرٍ يَقُولُونَ: لا ذا جَرَمٍ، وناسٌ مِنَ العَرَبِ يَقُولُونَ: لا جُرَمَ بِضَمِّ الجِيمِ. وقالَ الجُبّائِيُّ في نَوادِرِهِ: حُكِيَ عَنْ فَزارَةَ: لا جَرَ واللَّهِ لا أفْعَلُ ذاكَ، قالَ: ويُقالُ: لا ذا جَرَمٍ، ولا ذُو جَرَمٍ، ولا عَنْ ذا جَرَمٍ، ولا أنْ ذا جَرَمٍ، ولا أنْ جَرَمَ، ولا عَنْ جَرَمٍ، ولا ذا جَرَ واللَّهِ، بِغَيْرِ مِيمٍ: لا أفْعَلُ ذاكَ. وحَكى بَعْضُهم بِغَيْرِ لا جَرَمَ: أنَّكَ أنْتَ فَعَلْتَ ذاكَ، وعَنْ أبِي عَمْرٍو: لَأجْرَمَ أنَّ لَهُمُ النّارَ عَلى وزْنِ: لَأكْرَمَ، ولا جَرَ: حَذَفُوهُ لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمالِ كَما قالُوا: سَوْ تَرى يُرِيدُونَ: سَوْفَ تَرى. ولَمّا كانَ خُسْرانُ النَّفْسِ أعْظَمَ الخُسْرانِ، حُكِمَ عَلَيْهِمْ بِأنَّهم هُمُ الزّائِدُونَ في الخُسْرانِ عَلى كُلِّ خاسِرٍ مِن سِواهم مِنَ العُصاةِ مَآلُهُ إلى الرّاحَةِ، وإلى انْقِطاعِ خُسْرانِهِ بِخِلافِ هَؤُلاءِ، فَإنَّ خُسْرانَهم لا انْقِطاعَ لَهُ. ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ وأخْبَتُوا إلى رَبِّهِمْ أُولَئِكَ أصْحابُ الجَنَّةِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ ﴿مَثَلُ الفَرِيقَيْنِ كالأعْمى والأصَمِّ والبَصِيرِ والسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلًا أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾: لَمّا ذَكَرَ ما يَئُولُ إلَيْهِ الكُفّارُ مِنَ النّارِ، ذَكَرَ ما يَئُولُ إلَيْهِ المُؤْمِنُونَ مِنَ الجَنَّةِ، والفَرِيقانِ هُنا الكافِرُ والمُؤْمِنُ. ولَمّا كانَ تَقَدَّمَ ذِكْرُ الكُفّارِ وأُعْقِبَ بِذِكْرِ المُؤْمِنِينَ، جاءَ التَّمْثِيلُ هُنا مُبْتَدَأً بِالكافِرِ، فَقالَ: ﴿كالأعْمى والأصَمِّ﴾ . ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ مِن بابِ تَشْبِيهِ اثْنَيْنِ بِاثْنَيْنِ، فَقُوبِلَ الأعْمى بِالبَصِيرِ وهو طِباقٌ، وقُوبِلَ الأصَمُّ بِالسَّمِيعِ وهو طِباقٌ أيْضًا، والعَمى والصَّمَمُ: آفَتانِ تَمْنَعانِ مِنَ البَصَرِ والسَّمْعِ، ولَيْسَتا بِضِدَّيْنِ، لِأنَّهُ لا تَعاقُبَ بَيْنَهُما. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن تَشْبِيهٍ واحِدٍ بِوَصْفَيْهِ بِواحِدٍ بِوَصْفَيْهِ، فَيَكُونُ مِن عَطْفِ الصِّفاتِ كَما قالَ الشّاعِرُ: إلى المَلِكِ القَرْنِ وابْنِ الهُمامِ ولَيْثِ الكَرِيهَةِ في المُزْدَحَمْ ولَمْ يَجِئِ التَّرْكِيبُ: كالأعْمى والبَصِيرِ والأصَمِّ والسَّمِيعِ، فَيَكُونُ مُقابَلَةً في لَفْظِ الأعْمى وضِدِّهِ، وفي لَفْظَةِ الأصَمِّ وضِدِّهِ، لِأنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ انْسِدادَ العَيْنِ أتْبَعَهُ بِانْسِدادِ السَّمْعِ، ولَمّا ذَكَرَ انْفِتاحَ البَصَرِ أتْبَعَهُ بِانْفِتاحِ السَّمْعِ، وذَلِكَ هو الأُسْلُوبُ في المُقابَلَةِ، والأتَمُّ في الإعْجازِ. ويَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى نَظِيرُ (p-٢١٤)هَذِهِ المُقابَلَةِ في قَوْلِهِ في طَهَ: ﴿إنَّ لَكَ ألّا تَجُوعَ فِيها ولا تَعْرى﴾ [طه: ١١٨] ﴿وأنَّكَ لا تَظْمَأُ فِيها ولا تَضْحى﴾ [طه: ١١٩] واحْتُمِلَ أنْ تَكُونَ الكافُ نَفْسُها هي خَبَرُ المُبْتَدَأِ، فَيَكُونُ مَعْناها: مَعْنى المَثَلِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: مَثَلُ الفَرِيقَيْنِ مَثَلُ الأعْمى. واحْتُمِلَ أنْ يُرادَ بِالمَثَلِ: الصِّفَةُ، وبِالكافِ: مِثْلُ، فَيَكُونُ عَلى حَذْفٍ مُضافٍ، أيْ: كَمَثَلِ الأعْمى، وهَذا التَّشْبِيهُ تَشْبِيهُ مَعْقُولٍ بِمَحْسُوسٍ، فَأعْمى البَصِيرَةِ: أصَمُّها، شُبِّهَ بِأعْمى البَصَرِ أصَمُّ السَّمْعِ، ذَلِكَ في ظُلُماتِ الضَّلالاتِ مُتَرَدِّدٌ تائِهٌ، وهَذا في الطُّرُقاتِ مُحَيَّرٌ لا يَهْتَدِي إلَيْها. وجاءَ (أفَلا تَذَكَّرُونَ) لِيُنَبِّهَ عَلى أنَّهُ يُمْكِنُ زَوالُ هَذا العَمى وهَذا الصَّمَمُ المَعْقُولُ، فَيَجِبُ عَلى العاقِلِ أنْ يَتَذَكَّرَ ما هو فِيهِ، ويَسْعى في هِدايَةِ نَفْسِهِ. وانْتَصَبَ مَثَلًا عَلى التَّمْيِيزِ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا، انْتَهى. وفِيهِ بُعْدٌ، والظّاهِرُ: التَّمْيِيزُ وأنَّهُ مَنقُولٌ مِنَ الفاعِلِ، أصْلُهُ: هَلْ يَسْتَوِي مَثَلاهُما. ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا نُوحًا إلى قَوْمِهِ إنِّي لَكم نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ ﴿أنْ لا تَعْبُدُوا إلّا اللَّهَ إنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ ألِيمٍ﴾ ﴿فَقالَ المَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ ما نَراكَ إلّا بَشَرًا مِثْلَنا وما نَراكَ اتَّبَعَكَ إلّا الَّذِينَ هم أراذِلُنا بادِيَ الرَّأْيِ وما نَرى لَكم عَلَيْنا مِن فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكم كاذِبِينَ﴾: هَذِهِ السُّورَةُ في قَصَصِها شَبِيهَةٌ بِسُورَةِ الأعْرافِ، بُدِئَ فِيها بِـ نُوحٍ، ثُمَّ بِهُودٍ، ثُمَّ بِصالِحٍ، ثُمَّ بِلُوطٍ، مُقَدَّمًا عَلَيْهِ إبْراهِيمُ بِسَبَبِ قَوْمِ لُوطٍ، ثُمَّ بِشُعَيْبٍ، ثُمَّ بِـ مُوسى وهارُونَ، صَلّى اللَّهُ عَلى نَبِيِّنا وعَلَيْهِمْ أجْمَعِينَ. وذَكَرُوا وُجُوهَ حِكَمٍ وفَوائِدَ لِتَكْرارِ هَذِهِ القَصَصِ في القُرْآنِ. وقَرَأ النَّحْوِيّانِ وابْنُ كَثِيرٍ: أنِّي بِفَتْحِ الهَمْزَةِ أيْ: بِأنِّي، وباقِي السَّبْعَةِ: بِكَسْرِها عَلى إضْمارِ القَوْلِ. وقالَ أبُو عَلِيٍّ في قِراءَةِ الفَتْحِ: خُرُوجٌ مِنَ الغَيْبَةِ إلى المُخاطَبَةِ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وفي هَذا نَظَرٌ، وإنَّما هي حِكايَةُ مُخاطَبَةٍ لِقَوْمِهِ، ولَيْسَ هَذا حَقِيقَةَ الخُرُوجِ مِن غَيْبَةٍ إلى مُخاطَبَةٍ، ولَوْ كانَ الكَلامُ: أنْ أنْذِرْهم أوْ نَحْوَهُ لَصَحَّ ذَلِكَ، انْتَهى. * * ﴿ألّا تَعْبُدُوا إلّا اللَّهَ﴾ [هود: ٢]: ظاهِرٌ في أنَّهم كانُوا يَعْبُدُونَ الأوْثانَ كَما جاءَ مُصَرَّحًا في غَيْرِ هَذِهِ السُّورَةِ، وأنْ بَدَلٌ مِن أيْ لَكم في قِراءَةِ مَن فَتَحَ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ أنِ المُفَسِّرَةَ. وأمّا في قِراءَةِ مَن كَسَرَ فَيُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ المُفَسِّرَةَ، والمُراعى قَبْلَها: إمّا أرْسَلْنا وإمّا نَذِيرٌ مُبِينٌ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مَعْمُولَةً لَأرْسَلْنا أيْ: بِأنْ لا تَعْبُدُوا إلّا اللَّهَ، وإسْنادُ الألَمِ إلى اليَوْمِ مَجازٌ لِوُقُوعِ الألَمِ فِيهِ لا بِهِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): فَإذا وُصِفَ بِهِ العَذابُ ؟ (قُلْتُ): مَجازِيٌّ مِثْلُهُ، لِأنَّ الألِيمَ في الحَقِيقَةِ هو المُعَذِّبُ، ونَظِيرُهُما قَوْلُكُ: نَهارُهُ صائِمٌ، انْتَهى. وهَذا عَلى أنْ يَكُونَ (ألِيمٍ) صِفَةَ مُبالَغَةٍ مِن ألِمَ، وهو: مَن كَثُرَ ألَمُهُ. فَإنْ كانَ ألِيمٍ بِمَعْنى: مُؤْلِمٍ، فَنِسْبَتُهُ لِلْيَوْمِ مَجازٌ، ولِلْعَذابِ حَقِيقَةٌ لَمّا أنْذَرَهم مِن عَذابِ اللَّهِ وأمَرَهم بِإفْرادِهِ بِالعِبادَةِ، وأخْبَرَ أنَّهُ رَسُولٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ، ذَكَرُوا أنَّهُ مُماثِلُهم في البَشَرِيَّةِ، واسْتَبْعَدُوا أنْ يَبْعَثَ اللَّهُ رَسُولًا مِنَ البَشَرِ، وكَأنَّهم ذَهَبُوا إلى مَذْهَبِ البَراهِمَةِ الَّذِينَ يُنْكِرُونَ نُبُوَّةَ البَشَرِ عَلى الإطْلاقِ، ثُمَّ عَيَّرُوهُ بِأنَّهُ لَمْ يَتَّبِعْهُ إلّا الأراذِلُ أيْ: فَنَحْنُ لا نُساوِيهِمْ، ثُمَّ نَفَوْا أنْ يَكُونَ لَهُ عَلَيْهِمْ فَضْلٌ أيْ: أنْتَ مُساوِينا في البَشَرِيَّةِ ولا فَضْلَ لَكَ عَلَيْنا، فَكَيْفَ امْتَزْتَ بِأنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ ؟ . وفِي قَوْلِهِ: ﴿إلّا الَّذِينَ هم أراذِلُنا﴾: مُبالَغَةٌ في الإخْبارِ، وكَأنَّهُ مُؤْذِنٌ بِتَأْكِيدِ حَصْرِ مَنِ اتَّبَعَهُ، وأنَّهم هُمُ الأراذِلُ لَمْ يَشْرَكْهم شَرِيفٌ في ذَلِكَ. وفي الحَدِيثِ إنَّهم كانُوا حاكَةً وحَجّامِينَ وقالَ النَّحّاسُ: هُمُ الفُقَراءُ والَّذِينَ لا حَسَبَ لَهم، والخَسِيسُوا الصِّناعاتِ. وفِي حَدِيثِ هِرَقْلَ: أشْرافُ النّاسِ اتَّبَعُوهُ أمْ ضُعَفاؤُهم ؟ فَقالَ: بَلْ ضُعَفاؤُهم، فَقالَ: هم أتْباعُ الرُّسُلِ قَبْلُ وإنَّما كانَ كَذَلِكَ لِاسْتِيلاءِ الرِّئاسَةِ عَلى الأشْرافِ، وصُعُوبَةِ الِانْفِكاكِ عَنْها، والأنَفَةِ مِنَ الِانْقِيادِ لِغَيْرِهِمْ، والفَقِيرُ خَلِيٌّ عَنْ تِلْكَ المَوانِعِ فَهو سَرِيعٌ إلى الإجابَةِ والِانْقِيادِ. (ونَراكَ): يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ بَصَرِيَّةً، وأنْ تَكُونَ عِلْمِيَّةً. قالُوا: وأراذِلُ: جَمْعُ الجَمْعِ، فَقِيلَ: جَمْعُ أرْذُلٍ كَكَلْبٍ وأكْلُبٍ وأكالِبٍ. وقِيلَ: جَمْعُ أرْذالٍ، وقِياسُهُ أراذِيلُ. والظّاهِرُ أنَّهُ جَمْعُ أرْذَلَ الَّتِي هي أفْعَلُ التَّفْضِيلِ، وجاءَ جَمْعًا كَما جاءَ: أكابِرَ مُجْرِمِيها (p-٢١٥)وأحاسِنُكم أخْلاقًا. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ما نَراكَ إلّا بَشَرًا مِثْلَنا، تَعْرِيضٌ بِأنَّهم أحَقُّ مِنهُ بِالنُّبُوَّةِ، وأنَّ اللَّهَ لَوْ أرادَ أنْ يَجْعَلَها في أحَدٍ مِنَ البَشَرِ لَجَعَلَها فِيهِمْ، فَقالُوا: هَبْ أنَّكَ واحِدٌ مِنَ المَلَأِ ومُوازِيهِمْ في المَنزِلَةِ، فَما جَعَلَكَ أحَقَّ مِنهم ؟ ألا تَرى إلى قَوْلِهِمْ: ﴿وما نَرى لَكم عَلَيْنا مِن فَضْلٍ﴾، أوْ أرادُوا أنَّهُ كانَ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ مَلَكًا لا بَشَرًا، ولا يَظْهَرُ ما قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ مِنَ الآيَةِ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو و عِيسى الثَّقَفِيُّ: (بادِئَ الرَّأْيِ) مِن بَدَأ يَبْدَأُ ومَعْناهُ: أوَّلُ الرَّأْيِ. وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ: بادِي بِالياءِ مِن بَدا يَبْدُو، ومَعْناهُ: ظاهِرُ الرَّأْيِ. وقِيلَ: بادِي بِالياءِ مَعْناهُ: بادِئٌ بِالهَمْزِ، فَسُهِّلَتِ الهَمْزَةُ بِإبْدالِها ياءً لِكَسْرِ ما قَبْلِها. وذَكَرُوا أنَّهُ مَنصُوبٌ عَلى الظَّرْفِ، والعامِلُ فِيهِ نَراكَ أوِ اتَّبَعَكَ أوْ أراذِلُنا أيْ: وما نَراكَ فِيما يَظْهَرُ لَنا مِنَ الرَّأْيِ، أوْ في أوَّلِ رَأْيِنا، أوْ وما نَراكَ اتَّبَعَكَ أوَّلَ رَأْيِهِمْ، أوْ ظاهِرُ رَأْيِهِمْ. واحْتَمَلَ هَذا الوَجْهُ مَعْنَيَيْنِ: أحَدُهُما: أنْ يُرِيدَ: اتَّبَعَكَ في ظاهِرِ أمْرِهِمْ، وعَسى أنْ تَكُونَ بَواطِنُهم لَيْسَتْ مَعَكَ. والمَعْنى الثّانِي: أنْ يُرِيدَ: اتَّبَعُوكَ بِأوَّلِ نَظَرٍ وبِالرَّأْيِ البادِئِ دُونَ تَعَقُّبٍ، ولَوْ تَثَبَّتُوا لَمْ يَتَّبِعُوكَ، وفي هَذا الوَجْهِ ذَمُّ الرَّأْيِ غَيْرِ المَرْوِيِّ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: اتَّبَعُوكَ أوَّلَ الرَّأْيِ، أوْ ظاهِرَ الرَّأْيِ، وانْتِصابُهُ عَلى الظَّرْفِ أصْلُهُ وقْتَ حُدُوثِ أوَّلِ أمْرِهِمْ، أوْ وقْتَ حُدُوثِ ظاهِرِ رَأْيِهِمْ، فَحُذِفَ ذَلِكَ، وأُقِيمَ المُضافُ إلَيْهِ مَقامَهُ، أرادُوا: أنَّ اتِّباعَهم لَكَ إنَّما هو شَيْءٌ عَنَّ لَهم بَدِيهَةً مِن غَيْرِ رَوِيَّةٍ ونَظَرٍ، انْتَهى. وكَوْنُهُ مَنصُوبًا عَلى الظَّرْفِ هو قَوْلُ أبِي عَلِيٍّ في الحُجَّةِ، وإنَّما حَمَلَهُ عَلى الظَّرْفِ ولَيْسَ بِزَمانٍ ولا مَكانٍ، لِأنَّ في مُقَدَّرَةٌ فِيهِ أيْ: في ظاهِرِ الأمْرِ، أوْ في أوَّلِ الأمْرِ. وعَلى هَذَيْنِ التَّقْدِيرَيْنِ أعْنِي أنْ يَكُونَ العامِلُ فِيهِ: نَراكَ، أوِ اتَّبَعَكَ، يَقْتَضِي أنْ لا يَجُوزَ ذَلِكَ، لِأنَّ ما بَعْدَ إلّا لا يَكُونُ مَعْمُولًا لِما قَبْلَها، إلّا إنْ كانَ مُسْتَثْنًى مِنهُ نَحْوَ: قامَ إلّا زَيْدًا القَوْمُ، أوْ مُسْتَثْنًى نَحْوَ: جاءَ القَوْمُ إلّا زَيْدًا، أوْ تابِعًا لِلْمُسْتَثْنى مِنهُ نَحْوَ: ما جاءَنِي أحَدٌ إلّا زَيْدٌ أخْبَرَنِي عَمْرٌو، وبادِئَ الرَّأْيِ لَيْسَ واحِدًا مِن هَذِهِ الثَّلاثَةِ. وأُجِيبَ بِأنَّهُ ظَرْفٌ، أوْ كالظَّرْفِ مِثْلَ: جُهْدَ رَأْيٍ إنَّكَ ذاهِبٌ، أيْ: إنَّكَ ذاهِبٌ في جُهْدِ رَأْيٍ، والظُّرُوفِ يُتَّسَعُ فِيها. وإذا كانَ العامِلُ أراذِلُنا فَمَعْناهُ: الَّذِينَ هم أراذِلُنا بِأقَلِّ نَظَرٍ فِيهِمْ، وبِبادِئِ الرَّأْيِ يُعْلَمُ ذَلِكَ مِنهم. وقِيلَ: ﴿بادِيَ الرَّأْيِ﴾: نَعْتٌ لِقَوْلِهِ: (بَشَرًا) . وقِيلَ: انْتَصَبَ حالًا مِن ضَمِيرِ نُوحٍ في اتَّبَعَكَ، أيْ: وأنْتَ مَكْشُوفُ الرَّأْيِ لا حَصافَةَ لَكَ. وقِيلَ: انْتَصَبَ عَلى النِّداءِ لِـ نُوحٍ أيْ: يا بادِيَ الرَّأْيِ، أيْ: ما في نَفْسِكَ مِنَ الرَّأْيِ ظاهِرٌ لِكُلِّ أحَدٍ، قالُوا ذَلِكَ تَعْجِيزًا لَهُ. وقِيلَ: انْتَصَبَ عَلى المَصْدَرِ، وجاءَ الظَّرْفُ والمَصْدَرُ عَلى فاعِلٍ، ولَيْسَ بِالقِياسِ. فالرَّأْيُ هُنا إمّا مِن رُؤْيَةِ العَيْنِ، وإمّا مِنَ الفِكْرِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وإنَّما اسْتَرْذَلُوا المُؤْمِنِينَ لِفَقْرِهِمْ وتَأخُّرِهِمْ في الأسْبابِ الدُّنْيَوِيَّةِ، لِأنَّهم كانُوا جُهّالًا ما كانُوا يَعْلَمُونَ إلّا ظاهِرًا مِنَ الحَياةِ الدُّنْيا، فَكانَ الأشْرَفُ عِنْدَهم مَن لَهُ جاهٌ ومالٌ، انْتَهى. وظاهِرُ الخِطابِ في لَكم شامِلٌ لِـ نُوحٍ ومَنِ اتَّبَعَهُ، والمَعْنى: لَيْسَ لَكم عَلَيْنا زِيادَةٌ في مالٍ، ونَسَبٍ، ولا دِينٍ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: في الخَلْقِ والخُلُقِ، وقِيلَ: بِكَثْرَةِ المُلْكِ والمِلْكِ، وقِيلَ: بِمُتابَعَتِكم نُوحًا ومُخالَفَتِكم لَنا، وقِيلَ: مِن شَرَفٍ يُؤَهِّلُكم لِلنُّبُوَّةِ، وقالَ الكَلْبِيُّ: نَظُنُّكم: نَتَيَقَّنُكم، وقالَ مُقاتِلٌ: نَحْسَبُكم، أيْ في دَعْوى نُوحٍ وتَصْدِيقِكم، وقالَ صاحِبُ العِتِيّانِ: بَلْ نَظُنُّكم كاذِبِينَ تَوَسُّلًا إلى الرِّئاسَةِ والشُّهْرَةِ.

هود 11:26

﴿أفَمَن كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ ويَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنهُ ومِن قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى إمامًا ورَحْمَةً أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ ومَن يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الأحْزابِ فالنّارُ مَوْعِدُهُ فَلا تَكُ في مِرْيَةٍ مِنهُ إنَّهُ الحَقُّ مِن رَبِّكَ ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يُؤْمِنُونَ﴾: لَمّا ذَكَرَ حالَ مَن يُرِيدُ الحَياةَ الدُّنْيا، ذَكَرَ حالَ مَن يُرِيدُ وجْهَ اللَّهِ تَعالى بِأعْمالِهِ الصّالِحَةِ، وحُذِفَ المُعادِلُ الَّذِي دَخَلَتْ عَلَيْهِ الهَمْزَةُ والتَّقْدِيرُ: كَمَن يُرِيدُ الحَياةَ الدُّنْيا. وكَثِيرًا ما حُذِفَ في القُرْآنِ كَقَوْلِهِ: ﴿أفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا﴾ [فاطر: ٨] وقَوْلِهِ: ﴿أمْ مَن هو قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ﴾ [الزمر: ٩] وهَذا اسْتِفْهامٌ مَعْناهُ: التَّقْرِيرُ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أيْ: لا تَعْقِبُونَهم في المَنزِلَةِ ولا تُفارِقُونَهم، يُرِيدُ أنَّ بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ تَفاوُتًا بَعِيدًا وتَبايُنًا بَيِّنًا، وأرادَ بِهِمْ مَن آمَنَ مِنَ اليَهُودِ كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ وغَيْرِهِ، كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ أيْ: عَلى بُرْهانٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى، وبَيانٍ أنَّ دِينَ الإسْلامِ حَقٌّ وهو دَلِيلُ العَقْلِ ويَتْلُوهُ، ويَتْبَعُ ذَلِكَ البُرْهانَ شاهِدٌ مِنهُ، أيْ: شاهِدٌ يَشْهَدُ بِصِحَّتِهِ، وهو القُرْآنُ مِنهُ مِنَ اللَّهِ، أوْ شاهِدٌ مِنَ القُرْآنِ ومِن قَبْلِهِ: ومِن قَبْلِ القُرْآنِ كِتابُ مُوسى وهو: التَّوْراةُ، أيْ: ويَتْلُو ذَلِكَ أيْضًا مِن قَبْلِ القُرْآنِ كِتابُ مُوسى. وقُرِئَ: (كِتابَ مُوسى) بِالنَّصْبِ، ومَعْناهُ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ وهو الدَّلِيلُ عَلى أنَّ القُرْآنَ حَقٌّ، ويَتْلُوهُ ويَقْرَأُ القُرْآنَ شاهِدٌ مِنهُ، شاهِدٌ مِمَّنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ كَقَوْلِهِ: ﴿وشَهِدَ شاهِدٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ عَلى مِثْلِهِ﴾ [الأحقاف: ١٠] ﴿قُلْ كَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وبَيْنَكم ومَن عِنْدَهُ عِلْمُ الكِتابِ﴾ [الرعد: ٤٣] . ﴿ومِن قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى﴾: ويَتْلُوهُ ومِن قَبْلِ التَّوْراةِ، إمامًا: كِتابًا مُؤْتَمًّا في الدِّينِ قُدْوَةً فِيهِ، انْتَهى. وقِيلَ في ﴿أفَمَن كانَ﴾: المُؤْمِنُونَ بِالرَّسُولِ، (p-٢١١)وقِيلَ: مُحَمَّدٌ ﷺ خاصَّةً. وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ وابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ ومُجاهِدٌ والضَّحّاكُ: مُحَمَّدٌ والمُؤْمِنُونَ جَمِيعًا، والبَيِّنَةُ: القُرْآنُ أوِ الرَّسُولُ، والهاءُ لِلْمُبالَغَةِ. والشّاهِدُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ والنَّخَعِيُّ ومُجاهِدٌ والضَّحّاكُ وأبُو صالِحٍ وعِكْرِمَةُ: هو جِبْرِيلُ. وقالَ الحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ: هو الرَّسُولُ. وقالَ أيْضًا مُجاهِدٌ: هو مَلَكٌ وكَّلَهُ اللَّهُ بِحِفْظِ القُرْآنِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِهَذِهِ الألْفاظِ: جِبْرِيلَ، وقِيلَ: وعَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ. ورَوى المِنهالُ عَنْ عُبادَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ وجْهَهُ: ما في قُرَيْشٍ أحَدٌ إلّا وقَدْ نَزَلَتْ فِيهِ آيَةٌ قِيلَ: فَما نَزَلَ فِيكَ ؟ قالَ: ﴿ويَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنهُ﴾، وبِهِ قالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ. وقِيلَ: هو الإنْجِيلُ قالَهُ: الفَرّاءُ. وقِيلَ: هو القُرْآنُ، وقِيلَ: هو إعْجازُ القُرْآنِ، قالَهُ الحُسَيْنُ بْنُ الفَضْلِ، وقِيلَ: صُورَةُ الرَّسُولِ ﷺ ووَجْهُهُ ومَخايِلُهُ، لِأنَّ كُلَّ عاقِلٍ نَظَرَ إلَيْهِ عَلِمَ أنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . وقِيلَ: وأبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، والضَّمِيرُ في مِنهُ يَعُودُ إلى الدِّينِ، أوْ إلى الرَّسُولِ، أوْ إلى القُرْآنِ. ويَتْلُوهُ: بِمَعْنى يَتْبَعُهُ، أوْ يَقْرَؤُهُ، والضَّمِيرُ المَرْفُوعُ في يَتْلُوهُ والمَنصُوبُ والمَجْرُورُ في مِنهُ، يَتَرَتَّبُ عَلى ما يُناسِبُهُ كُلُّ قَوْمٍ مِن هَذِهِ. وقَرَأ مُحَمَّدُ بْنُ السّائِبِ الكَلْبِيُّ وغَيْرُهُ: ﴿كِتابُ مُوسى﴾ بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلى مَفْعُولِ يَتْلُوهُ، أوْ بِإضْمارِ فِعْلٍ. وإذا لَمْ يُعْنَ بِالشّاهِدِ الإنْجِيلُ فَإنَّما خَصَّ التَّوْراةَ بِالذِّكْرِ، لِأنَّ المِلَّتَيْنِ مُجْتَمِعَتانِ عَلى أنَّها مِن عِنْدِ اللَّهِ، والإنْجِيلُ يُخالِفُ فِيهِ اليَهُودُ، فَكانَ الِاسْتِشْهادُ بِما تَقُومُ بِهِ الحُجَّةُ عَلى الفَرِيقَيْنِ أوْلى. وهَذا يَجْرِي مَعَ قَوْلِ الجِنِّ: ﴿إنّا سَمِعْنا كِتابًا أُنْزِلَ مِن بَعْدِ مُوسى﴾ [الأحقاف: ٣٠] ومَعَ قَوْلِ النَّجاشِيِّ: إنَّ هَذا والَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى لَيَخْرُجُ مِن مِشْكاةٍ واحِدَةٍ. وانْتَصَبَ إمامًا عَلى الحالِ، والَّذِي يَظْهَرُ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ، أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ الكُفّارَ وأنَّهم لَيْسَ لَهم إلّا النّارُ، أعْقَبَ بِضِدِّهِمْ وهُمُ المُؤْمِنُونَ، وهُمُ الَّذِينَ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِمْ، والشّاهِدُ: القُرْآنُ، ومِنهُ عائِدٌ عَلى رَبِّهِ. ويَدُلُّ عَلى أنَّ الشّاهِدَ القُرْآنُ ذِكْرُ قَوْلِهِ: (ومِن قَبْلِهِ)، أيْ: ومِن قَبْلِ القُرْآنِ كِتابُ مُوسى، فَمَعْناهُ: أنَّهُ تَظافَرَ عَلى هِدايَتِهِ شَيْئانِ: كَوْنُهُ عَلى أمْرٍ واضِحٍ مِن بُرْهانِ العَقْلِ، وكَوْنُهُ يُوافِقُ ذَلِكَ البُرْهانُ هَذَيْنِ الكِتابَيْنِ الإلَهِيَّيْنِ: القُرْآنَ والتَّوْراةَ، فاجْتَمَعَ لَهُ العَقْلُ والنَّقْلُ. والإشارَةُ بِأُولَئِكَ: إلى مَن كانَ عَلى بَيِّنَةٍ، راعى مَعْنى مَعَ فَجَمَعَ، والضَّمِيرُ في بِهِ يَعُودُ إلى التَّوْراةِ، أوْ إلى القُرْآنِ، أوْ إلى الرَّسُولِ، ثَلاثَةُ أقْوالٍ. والأحْزابُ جَمِيعُ المِلَلِ قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ، أوِ اليَهُودُ والنَّصارى، قالَهُ قَتادَةُ، أوْ قُرَيْشٌ، قالَهُ السُّدِّيُّ، أوْ بَنُو أُمَيَّةَ وبَنُو المُغِيرَةِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ المَخْزُومِيِّ، وآلُ أبِي طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ، قالَهُ مُقاتِلٌ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَعْنِي أهْلَ مَكَّةَ ومَن ضامَّهم مِنَ المُتَحَزِّبِينَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، انْتَهى. ﴿فالنّارُ مَوْعِدُهُ﴾ أيْ: مَكانُ وعْدِهِ الَّذِي يَصِيرُونَ إلَيْهِ. وقالَ حَسّانُ: أوْرَدْتُمُونا حِياضَ المَوْتِ ضاحِيَةً فالنّارُ مَوْعِدُها والمَوْتُ لاقِيها والضَّمِيرُ في مِنهُ عائِدٌ عَلى القُرْآنِ، وقِيلَ: عَلى الخَبَرِ، بِأنَّ الكُفّارَ مَوْعِدُهُمُ النّارُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (في مِرْيَةٍ) بِكَسْرِ المِيمِ، وهي لُغَةُ الحِجازِ. وقَرَأ السُّلَمِيُّ وأبُو رَجاءٍ وأبُو الخَطّابِ السُّدُوسِيُّ والحَسَنُ: بِضَمِّها، وهي لُغَةُ أسَدٍ وتَمِيمٍ، والنّاسُ: أهْلُ مَكَّةَ قالَهُ: ابْنُ عَبّاسٍ، أوْ: جَمِيعُ الكُفّارِ مِن شاكٍّ وجاهِلٍ ومُعانِدٍ قالَهُ: صاحِبُ العِقْيانِ. ﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا أُولَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلى رَبِّهِمْ ويَقُولُ الأشْهادُ هَؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلى رَبِّهِمْ ألا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلى الظّالِمِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ويَبْغُونَها عِوَجًا وهم بِالآخِرَةِ هم كافِرُونَ﴾ ﴿أُولَئِكَ لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ في الأرْضِ وما كانَ لَهم مِن دُونِ اللَّهِ مِن أوْلِياءَ يُضاعَفُ لَهُمُ العَذابُ ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وما كانُوا يُبْصِرُونَ﴾ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم وضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ ﴿لا جَرَمَ أنَّهم في الآخِرَةِ هُمُ الأخْسَرُونَ﴾: (p-٢١٢)لَمّا سَبَقَ قَوْلُهم: ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ﴾ [هود: ١٣]، ذَكَرَ أنَّهُ لا أحَدَ أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا، وهُمُ المُفْتَرُونَ الَّذِينَ نَسَبُوا إلى اللَّهِ الوَلَدَ، واتَّخَذُوا مَعَهُ آلِهَةً، وحَرَّمُوا وحَلَّلُوا مِن غَيْرِ شَرْعِ اللَّهِ، وعَرْضُهم عَلى اللَّهِ بِمَعْنى: التَّشْهِيرِ لِخِزْيِهِمْ والإشارَةِ بِكَذِبِهِمْ، وإلّا فالطّائِعُ والعاصِي يُعْرَضُونَ عَلى اللَّهِ ﴿وعُرِضُوا عَلى رَبِّكَ صَفًّا﴾ [الكهف: ٤٨] والأشْهادُ: جَمْعُ شاهِدٍ، كَصاحِبٍ وأصْحابٍ، أوْ جَمْعُ شَهِيدٍ كَشَرِيفٍ وأشْرافٍ، والأشْهادُ: المَلائِكَةُ الَّذِينَ يَحْفَظُونَ عَلَيْهِمْ أعْمالَهم في الدُّنْيا، أوِ الأنْبِياءُ، أوْ هُما المُؤْمِنُونَ، أوْ ما يَشْهَدُ عَلَيْهِمْ مِن أعْضائِهِمْ أقْوالٌ. وفي قَوْلِهِ: (هَؤُلاءِ): إشارَةٌ إلى تَحْقِيرِهِمْ وإصْغارِهِمْ بِسُوءِ مُرْتَكَبِهِمْ. وفِي قَوْلِهِ: (عَلى رَبِّهِمْ) أيْ: عَلى مَن يُحْسِنُ إلَيْهِمْ ويَمْلِكُ نَواصِيَهم، وكانُوا جَدِيرِينَ أنْ لا يَكْذِبُوا عَلَيْهِ، وهَذا كَما تَقُولُ إذا رَأيْتَ مُجْرِمًا: هَذا الَّذِي فَعَلَ كَذا وكَذا. وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ الجُمْلَةِ بَعْدَ هَذا. وهم: تَأْكِيدٌ لِقَوْلِهِ: وهم، وقَوْلُهُ: (مُعْجِزِينَ)، أيْ: كانُوا لا يُعْجِزُونَ اللَّهَ في الدُّنْيا أنْ يُعاقِبَهم لَوْ أرادَ عِقابَهم، وما كانَ لَهم مَن يَنْصُرُهم ويَمْنَعُهم مِنَ العِقابِ، ولَكِنَّهُ أرادَ إنْظارَهم وتَأْخِيرَ عِقابِهِمْ إلى هَذا اليَوْمِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وهو كَلامُ الأشْهادِ يَعْنِي: أنَّ كَلامَهم مِن قَوْلِهِمْ: هَؤُلاءِ إلى آخِرِ هَذِهِ الجُمْلَةِ الَّتِي هي وما كانَ لَهم مِن دُونِ اللَّهِ مِن أوْلِياءَ. وقَدْ يَظْهَرُ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ألا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلى الظّالِمِينَ﴾: مِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى لا عَلى سَبِيلِ الحِكايَةِ، ويَدُلُّ لِقَوْلِ الزَّمَخْشَرِيِّ قَوْلُهُ: ﴿فَأذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهم أنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلى الظّالِمِينَ﴾ [الأعراف: ٤٤] الآيَةَ، فَكَما أنَّهُ مِن كَلامِ المَخْلُوقِينَ في تِلْكَ الآيَةِ، فَكَذَلِكَ هُنا يُضاعَفُ لَهُمُ العَذابُ: يُشَدَّدُ ويَكْثُرُ، وهَذا اسْتِئْنافُ إخْبارٍ عَنْ حالِهِمْ في الآخِرَةِ، لِأنَّهم جَمَعُوا إلى الكُفْرِ بِالبَعْثِ الكَذِبَ عَلى اللَّهِ، وصَدَّ عِبادِهِ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ، وبَغْيَ العِوَجِ لَها، وهي الطَّرِيقَةُ المُسْتَقِيمَةُ. ﴿ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ﴾: إخْبارٌ عَنْ حالِهِمْ في الدُّنْيا عَلى سَبِيلِ المُبالَغَةِ يَعْنِي: السَّمْعَ لِلْقُرْآنِ، ولِما جاءَ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ . ﴿وما كانُوا يُبْصِرُونَ﴾ أيْ: يَنْظُرُونَ إلَيْهِ لِبُغْضِهِمْ فِيهِ. ألا تَرى إلى حَشْوِ الطُّفَيْلِ بْنِ عَمْرٍو أُذُنَيْهِ مِنَ الكُرْسُفِ، وإبايَةِ قُرَيْشٍ أنْ يَسْمَعُوا ما نُقِلَ إلَيْهِمْ مِن كَلامِ الرَّسُولِ حَتّى تَرُدَّهم عَنْ ذَلِكَ مَشْيَخَتُهم ؟ أوْ إخْبارٌ عَنْ حالِهِمْ إذا ضُعِّفَ لَهُمُ العَذابُ أيْ: أنَّهُ تَعالى حَتَمَّ عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ، فَهم لا يَسْمَعُونَ لِذَلِكَ سَماعًا يَنْتَفِعُونَ بِهِ، ولا يُبْصِرُونَ لِذَلِكَ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ في كانُوا عائِدٌ عَلى أوْلِياؤُهم: آلِهَتُهم أيْ: فَما كانَ لَهم في الحَقِيقَةِ مِن أوْلِياءَ وإنْ كانُوا يَعْتَقِدُونَ أنَّهم أوْلِياءُ. ويَعْنِي أنَّهُ مَن لا يَسْتَطِيعُ أنْ يَسْمَعَ ولا يُبْصِرَ فَكَيْفَ يَصْلُحُ لِلْوِلايَةِ ؟ ويَكُونُ ﴿يُضاعَفُ لَهُمُ العَذابُ﴾ اعْتِراضًا، وما عَلى هَذِهِ الأقْوالِ نَفْيٌ. وقِيلَ: ما مَصْدَرِيَّةٌ أيْ: يُضاعَفُ لَهُمُ العَذابُ مُدَّةَ اسْتِطاعَتِهِمُ السَّمْعَ وإبْصارِهِمْ، والمَعْنى: أنَّ العَذابَ وتَضْعِيفَهُ دائِمٌ لَهم مُتَمادٍ. وأجازَ الفَرّاءُ أنْ تَكُونَ ما مَصْدَرِيَّةً، وحُذِفَ حَرْفُ الجَرِّ مِنها كَما يُحْذَفُ مَعَ أنْ وإنْ أُخْتَيْها، وهَذا فِيهِ بُعْدٌ في اللَّفْظِ وفي المَعْنى. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أرادَ أنَّهم لِفَرْطِ تَصامِّهِمْ عَنِ اتِّباعِ الحَقِّ وكَراهَتِهِمْ لَهُ كَأنَّهم لا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ، ولَعَلَّ بَعْضَ المُجْبِرَةِ يَتَوَثَّبُ إذا عَثَرَ عَلَيْهِ فَيُوَعْوِعُ بِهِ عَلى أهْلِ العَدْلِ، كَأنَّهُ لَمْ يَسْمَعِ النّاسَ يَقُولُونَ في كُلِّ لِسانٍ: هَذا الكَلامُ لا أسْتَطِيعُ أسْمَعُهُ، وهَذا مِمّا يَمُجُّهُ سَمْعِي، انْتَهى. يَعْنِي: أنَّهُ يُمْكِنُ أنْ يُسْتَدَلَّ بِهِ عَلى أنَّ العَبْدَ لا قُدْرَةَ لَهُ، لِأنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ نَفى عَنْهُ اسْتِطاعَةَ السَّمْعِ، وإذا انْتَفَتْ الِاسْتِطاعَةُ مِنهُ انْتَفَتْ قُدْرَتُهُ. والزَّمَخْشَرِيُّ عَلى عادَتِهِ في السَّفَهِ عَلى أهْلِ السُّنَّةِ وخُسْرانِهِمْ أنْفُسِهِمْ، لِكَوْنِهِمُ اشْتَرَوْا عِبادَةَ الآلِهَةِ بِعِبادَةِ اللَّهِ تَعالى، فَخَسِرُوا في تِجارَتِهِمْ خُسْرانًا لا خُسْرانَ أعْظَمُ مِنهُ. وهُوَ عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ: راحَةُ أوْ سَعادَةُ أنْفُسِهِمْ، وإلّا فَأنْفُسُهم باقِيَةٌ مُعَذَّبَةٌ. وبَطَلَ عَنْهم ما افْتَرَوْهُ مِن عِبادَةِ الآلِهَةِ، وكَوْنِهِمْ يَعْتَقِدُونَ شَفاعَتَها إذا رَأوْا أنَّها لا تَشْفَعُ ولا تَنْفَعُ. لا جَرَمَ: مَذْهَبُ الخَلِيلِ وسِيبَوَيْهِ أنَّهُما رُكِّبا مِن: لا وجَرَمَ وبُنِيا، والمَعْنى: حَقَّ، وما بَعْدَهُ رُفِعَ بِهِ عَلى الفاعِلِيَّةِ (p-٢١٣)وقالَ الحَوْفِيُّ: جَرَمَ مَنفِيٌّ بِلا بِمَعْنى: حَقَّ، وهو مَبْنِيٌّ مَعَ لا في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِداءِ، وأنَّهم في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى خَبَرِ جَرَمَ. وقالَ قَوْمٌ: إنَّ جَرَمَ مَبْنِيَّةٌ مَعَ لا عَلى الفَتْحِ نَحْوَ قَوْلِكَ: لا رَجُلَ، ومَعْناها: لا بُدَّ ولا مَحالَةَ. وقالَ الكِسائِيُّ: مَعْناها: لا ضِدَّ ولا مَنعَ، فَتَكُونُ اسْمَ لا وهي مَبْنِيَّةٌ عَلى الفَتْحِ كالقَوْلِ الَّذِي قَبْلَهُ، وتَكُونُ جَرَمَ هُنا مِن مَعْنى القَطْعِ، نَقُولُ: جَرَمْتُ أيْ: قَطَعْتُ. وقالَ الزَّجّاجُ: لا تَرْكِيبَ بَيْنَهُما ولا رَدَّ عَلَيْهِمْ. ولِما تَقَدَّمَ مِن كُلِّ ما قَبْلَها مِمّا قالُوا: إنَّ الأصْنامَ تَنْفَعُهم. وجَرَمَ: فِعْلٌ ماضٍ مَعْناهُ: كَسَبَ، والفاعِلُ مُضْمَرٌ: أيَكْسِبُ هو أيْ: فِعْلُهم، وأنَّ وما بَعْدَها في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى المَفْعُولِ بِهِ، وجَرَمَ القَوْمَ: كاسَبَهم. وقالَ الشّاعِرُ: ؎نَصَبْنا رَأسَهُ في جِذْعِ نَخْلٍ بِما جَرَمَتْ يَداهُ وما اعْتَدَيْنا وقالَ آخَرُ: جَرِيمَةَ ناهِضٍ في رَأْسِ نِيقٍ تَرى لِعِظامِ ما جَمَعَتْ صَلِيبا ويُقالُ: لا جِرَمَ بِالكَسْرِ، ولا جَرَ: بِحَذْفِ المِيمِ. قالَ النَّحّاسُ: وزَعَمَ الكِسائِيُّ أنَّ فِيها أرْبَعَ لُغاتٍ: لا جَرَمَ، ولا عَنْ ذا جَرَمٍ، ولا أنْ ذا جَرَمٍ، قالَ: وناسٌ مِن فَزارَةَ يَقُولُونَ: لا جَرَمَ. وحَكى الفَرّاءُ فِيهِ لُغَتَيْنِ أُخْرَيَيْنِ، قالَ: بَنُو عامِرٍ يَقُولُونَ: لا ذا جَرَمٍ، وناسٌ مِنَ العَرَبِ يَقُولُونَ: لا جُرَمَ بِضَمِّ الجِيمِ. وقالَ الجُبّائِيُّ في نَوادِرِهِ: حُكِيَ عَنْ فَزارَةَ: لا جَرَ واللَّهِ لا أفْعَلُ ذاكَ، قالَ: ويُقالُ: لا ذا جَرَمٍ، ولا ذُو جَرَمٍ، ولا عَنْ ذا جَرَمٍ، ولا أنْ ذا جَرَمٍ، ولا أنْ جَرَمَ، ولا عَنْ جَرَمٍ، ولا ذا جَرَ واللَّهِ، بِغَيْرِ مِيمٍ: لا أفْعَلُ ذاكَ. وحَكى بَعْضُهم بِغَيْرِ لا جَرَمَ: أنَّكَ أنْتَ فَعَلْتَ ذاكَ، وعَنْ أبِي عَمْرٍو: لَأجْرَمَ أنَّ لَهُمُ النّارَ عَلى وزْنِ: لَأكْرَمَ، ولا جَرَ: حَذَفُوهُ لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمالِ كَما قالُوا: سَوْ تَرى يُرِيدُونَ: سَوْفَ تَرى. ولَمّا كانَ خُسْرانُ النَّفْسِ أعْظَمَ الخُسْرانِ، حُكِمَ عَلَيْهِمْ بِأنَّهم هُمُ الزّائِدُونَ في الخُسْرانِ عَلى كُلِّ خاسِرٍ مِن سِواهم مِنَ العُصاةِ مَآلُهُ إلى الرّاحَةِ، وإلى انْقِطاعِ خُسْرانِهِ بِخِلافِ هَؤُلاءِ، فَإنَّ خُسْرانَهم لا انْقِطاعَ لَهُ. ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ وأخْبَتُوا إلى رَبِّهِمْ أُولَئِكَ أصْحابُ الجَنَّةِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ ﴿مَثَلُ الفَرِيقَيْنِ كالأعْمى والأصَمِّ والبَصِيرِ والسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلًا أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾: لَمّا ذَكَرَ ما يَئُولُ إلَيْهِ الكُفّارُ مِنَ النّارِ، ذَكَرَ ما يَئُولُ إلَيْهِ المُؤْمِنُونَ مِنَ الجَنَّةِ، والفَرِيقانِ هُنا الكافِرُ والمُؤْمِنُ. ولَمّا كانَ تَقَدَّمَ ذِكْرُ الكُفّارِ وأُعْقِبَ بِذِكْرِ المُؤْمِنِينَ، جاءَ التَّمْثِيلُ هُنا مُبْتَدَأً بِالكافِرِ، فَقالَ: ﴿كالأعْمى والأصَمِّ﴾ . ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ مِن بابِ تَشْبِيهِ اثْنَيْنِ بِاثْنَيْنِ، فَقُوبِلَ الأعْمى بِالبَصِيرِ وهو طِباقٌ، وقُوبِلَ الأصَمُّ بِالسَّمِيعِ وهو طِباقٌ أيْضًا، والعَمى والصَّمَمُ: آفَتانِ تَمْنَعانِ مِنَ البَصَرِ والسَّمْعِ، ولَيْسَتا بِضِدَّيْنِ، لِأنَّهُ لا تَعاقُبَ بَيْنَهُما. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن تَشْبِيهٍ واحِدٍ بِوَصْفَيْهِ بِواحِدٍ بِوَصْفَيْهِ، فَيَكُونُ مِن عَطْفِ الصِّفاتِ كَما قالَ الشّاعِرُ: إلى المَلِكِ القَرْنِ وابْنِ الهُمامِ ولَيْثِ الكَرِيهَةِ في المُزْدَحَمْ ولَمْ يَجِئِ التَّرْكِيبُ: كالأعْمى والبَصِيرِ والأصَمِّ والسَّمِيعِ، فَيَكُونُ مُقابَلَةً في لَفْظِ الأعْمى وضِدِّهِ، وفي لَفْظَةِ الأصَمِّ وضِدِّهِ، لِأنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ انْسِدادَ العَيْنِ أتْبَعَهُ بِانْسِدادِ السَّمْعِ، ولَمّا ذَكَرَ انْفِتاحَ البَصَرِ أتْبَعَهُ بِانْفِتاحِ السَّمْعِ، وذَلِكَ هو الأُسْلُوبُ في المُقابَلَةِ، والأتَمُّ في الإعْجازِ. ويَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى نَظِيرُ (p-٢١٤)هَذِهِ المُقابَلَةِ في قَوْلِهِ في طَهَ: ﴿إنَّ لَكَ ألّا تَجُوعَ فِيها ولا تَعْرى﴾ [طه: ١١٨] ﴿وأنَّكَ لا تَظْمَأُ فِيها ولا تَضْحى﴾ [طه: ١١٩] واحْتُمِلَ أنْ تَكُونَ الكافُ نَفْسُها هي خَبَرُ المُبْتَدَأِ، فَيَكُونُ مَعْناها: مَعْنى المَثَلِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: مَثَلُ الفَرِيقَيْنِ مَثَلُ الأعْمى. واحْتُمِلَ أنْ يُرادَ بِالمَثَلِ: الصِّفَةُ، وبِالكافِ: مِثْلُ، فَيَكُونُ عَلى حَذْفٍ مُضافٍ، أيْ: كَمَثَلِ الأعْمى، وهَذا التَّشْبِيهُ تَشْبِيهُ مَعْقُولٍ بِمَحْسُوسٍ، فَأعْمى البَصِيرَةِ: أصَمُّها، شُبِّهَ بِأعْمى البَصَرِ أصَمُّ السَّمْعِ، ذَلِكَ في ظُلُماتِ الضَّلالاتِ مُتَرَدِّدٌ تائِهٌ، وهَذا في الطُّرُقاتِ مُحَيَّرٌ لا يَهْتَدِي إلَيْها. وجاءَ (أفَلا تَذَكَّرُونَ) لِيُنَبِّهَ عَلى أنَّهُ يُمْكِنُ زَوالُ هَذا العَمى وهَذا الصَّمَمُ المَعْقُولُ، فَيَجِبُ عَلى العاقِلِ أنْ يَتَذَكَّرَ ما هو فِيهِ، ويَسْعى في هِدايَةِ نَفْسِهِ. وانْتَصَبَ مَثَلًا عَلى التَّمْيِيزِ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا، انْتَهى. وفِيهِ بُعْدٌ، والظّاهِرُ: التَّمْيِيزُ وأنَّهُ مَنقُولٌ مِنَ الفاعِلِ، أصْلُهُ: هَلْ يَسْتَوِي مَثَلاهُما. ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا نُوحًا إلى قَوْمِهِ إنِّي لَكم نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ ﴿أنْ لا تَعْبُدُوا إلّا اللَّهَ إنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ ألِيمٍ﴾ ﴿فَقالَ المَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ ما نَراكَ إلّا بَشَرًا مِثْلَنا وما نَراكَ اتَّبَعَكَ إلّا الَّذِينَ هم أراذِلُنا بادِيَ الرَّأْيِ وما نَرى لَكم عَلَيْنا مِن فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكم كاذِبِينَ﴾: هَذِهِ السُّورَةُ في قَصَصِها شَبِيهَةٌ بِسُورَةِ الأعْرافِ، بُدِئَ فِيها بِـ نُوحٍ، ثُمَّ بِهُودٍ، ثُمَّ بِصالِحٍ، ثُمَّ بِلُوطٍ، مُقَدَّمًا عَلَيْهِ إبْراهِيمُ بِسَبَبِ قَوْمِ لُوطٍ، ثُمَّ بِشُعَيْبٍ، ثُمَّ بِـ مُوسى وهارُونَ، صَلّى اللَّهُ عَلى نَبِيِّنا وعَلَيْهِمْ أجْمَعِينَ. وذَكَرُوا وُجُوهَ حِكَمٍ وفَوائِدَ لِتَكْرارِ هَذِهِ القَصَصِ في القُرْآنِ. وقَرَأ النَّحْوِيّانِ وابْنُ كَثِيرٍ: أنِّي بِفَتْحِ الهَمْزَةِ أيْ: بِأنِّي، وباقِي السَّبْعَةِ: بِكَسْرِها عَلى إضْمارِ القَوْلِ. وقالَ أبُو عَلِيٍّ في قِراءَةِ الفَتْحِ: خُرُوجٌ مِنَ الغَيْبَةِ إلى المُخاطَبَةِ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وفي هَذا نَظَرٌ، وإنَّما هي حِكايَةُ مُخاطَبَةٍ لِقَوْمِهِ، ولَيْسَ هَذا حَقِيقَةَ الخُرُوجِ مِن غَيْبَةٍ إلى مُخاطَبَةٍ، ولَوْ كانَ الكَلامُ: أنْ أنْذِرْهم أوْ نَحْوَهُ لَصَحَّ ذَلِكَ، انْتَهى. * * ﴿ألّا تَعْبُدُوا إلّا اللَّهَ﴾ [هود: ٢]: ظاهِرٌ في أنَّهم كانُوا يَعْبُدُونَ الأوْثانَ كَما جاءَ مُصَرَّحًا في غَيْرِ هَذِهِ السُّورَةِ، وأنْ بَدَلٌ مِن أيْ لَكم في قِراءَةِ مَن فَتَحَ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ أنِ المُفَسِّرَةَ. وأمّا في قِراءَةِ مَن كَسَرَ فَيُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ المُفَسِّرَةَ، والمُراعى قَبْلَها: إمّا أرْسَلْنا وإمّا نَذِيرٌ مُبِينٌ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مَعْمُولَةً لَأرْسَلْنا أيْ: بِأنْ لا تَعْبُدُوا إلّا اللَّهَ، وإسْنادُ الألَمِ إلى اليَوْمِ مَجازٌ لِوُقُوعِ الألَمِ فِيهِ لا بِهِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): فَإذا وُصِفَ بِهِ العَذابُ ؟ (قُلْتُ): مَجازِيٌّ مِثْلُهُ، لِأنَّ الألِيمَ في الحَقِيقَةِ هو المُعَذِّبُ، ونَظِيرُهُما قَوْلُكُ: نَهارُهُ صائِمٌ، انْتَهى. وهَذا عَلى أنْ يَكُونَ (ألِيمٍ) صِفَةَ مُبالَغَةٍ مِن ألِمَ، وهو: مَن كَثُرَ ألَمُهُ. فَإنْ كانَ ألِيمٍ بِمَعْنى: مُؤْلِمٍ، فَنِسْبَتُهُ لِلْيَوْمِ مَجازٌ، ولِلْعَذابِ حَقِيقَةٌ لَمّا أنْذَرَهم مِن عَذابِ اللَّهِ وأمَرَهم بِإفْرادِهِ بِالعِبادَةِ، وأخْبَرَ أنَّهُ رَسُولٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ، ذَكَرُوا أنَّهُ مُماثِلُهم في البَشَرِيَّةِ، واسْتَبْعَدُوا أنْ يَبْعَثَ اللَّهُ رَسُولًا مِنَ البَشَرِ، وكَأنَّهم ذَهَبُوا إلى مَذْهَبِ البَراهِمَةِ الَّذِينَ يُنْكِرُونَ نُبُوَّةَ البَشَرِ عَلى الإطْلاقِ، ثُمَّ عَيَّرُوهُ بِأنَّهُ لَمْ يَتَّبِعْهُ إلّا الأراذِلُ أيْ: فَنَحْنُ لا نُساوِيهِمْ، ثُمَّ نَفَوْا أنْ يَكُونَ لَهُ عَلَيْهِمْ فَضْلٌ أيْ: أنْتَ مُساوِينا في البَشَرِيَّةِ ولا فَضْلَ لَكَ عَلَيْنا، فَكَيْفَ امْتَزْتَ بِأنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ ؟ . وفِي قَوْلِهِ: ﴿إلّا الَّذِينَ هم أراذِلُنا﴾: مُبالَغَةٌ في الإخْبارِ، وكَأنَّهُ مُؤْذِنٌ بِتَأْكِيدِ حَصْرِ مَنِ اتَّبَعَهُ، وأنَّهم هُمُ الأراذِلُ لَمْ يَشْرَكْهم شَرِيفٌ في ذَلِكَ. وفي الحَدِيثِ إنَّهم كانُوا حاكَةً وحَجّامِينَ وقالَ النَّحّاسُ: هُمُ الفُقَراءُ والَّذِينَ لا حَسَبَ لَهم، والخَسِيسُوا الصِّناعاتِ. وفِي حَدِيثِ هِرَقْلَ: أشْرافُ النّاسِ اتَّبَعُوهُ أمْ ضُعَفاؤُهم ؟ فَقالَ: بَلْ ضُعَفاؤُهم، فَقالَ: هم أتْباعُ الرُّسُلِ قَبْلُ وإنَّما كانَ كَذَلِكَ لِاسْتِيلاءِ الرِّئاسَةِ عَلى الأشْرافِ، وصُعُوبَةِ الِانْفِكاكِ عَنْها، والأنَفَةِ مِنَ الِانْقِيادِ لِغَيْرِهِمْ، والفَقِيرُ خَلِيٌّ عَنْ تِلْكَ المَوانِعِ فَهو سَرِيعٌ إلى الإجابَةِ والِانْقِيادِ. (ونَراكَ): يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ بَصَرِيَّةً، وأنْ تَكُونَ عِلْمِيَّةً. قالُوا: وأراذِلُ: جَمْعُ الجَمْعِ، فَقِيلَ: جَمْعُ أرْذُلٍ كَكَلْبٍ وأكْلُبٍ وأكالِبٍ. وقِيلَ: جَمْعُ أرْذالٍ، وقِياسُهُ أراذِيلُ. والظّاهِرُ أنَّهُ جَمْعُ أرْذَلَ الَّتِي هي أفْعَلُ التَّفْضِيلِ، وجاءَ جَمْعًا كَما جاءَ: أكابِرَ مُجْرِمِيها (p-٢١٥)وأحاسِنُكم أخْلاقًا. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ما نَراكَ إلّا بَشَرًا مِثْلَنا، تَعْرِيضٌ بِأنَّهم أحَقُّ مِنهُ بِالنُّبُوَّةِ، وأنَّ اللَّهَ لَوْ أرادَ أنْ يَجْعَلَها في أحَدٍ مِنَ البَشَرِ لَجَعَلَها فِيهِمْ، فَقالُوا: هَبْ أنَّكَ واحِدٌ مِنَ المَلَأِ ومُوازِيهِمْ في المَنزِلَةِ، فَما جَعَلَكَ أحَقَّ مِنهم ؟ ألا تَرى إلى قَوْلِهِمْ: ﴿وما نَرى لَكم عَلَيْنا مِن فَضْلٍ﴾، أوْ أرادُوا أنَّهُ كانَ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ مَلَكًا لا بَشَرًا، ولا يَظْهَرُ ما قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ مِنَ الآيَةِ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو و عِيسى الثَّقَفِيُّ: (بادِئَ الرَّأْيِ) مِن بَدَأ يَبْدَأُ ومَعْناهُ: أوَّلُ الرَّأْيِ. وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ: بادِي بِالياءِ مِن بَدا يَبْدُو، ومَعْناهُ: ظاهِرُ الرَّأْيِ. وقِيلَ: بادِي بِالياءِ مَعْناهُ: بادِئٌ بِالهَمْزِ، فَسُهِّلَتِ الهَمْزَةُ بِإبْدالِها ياءً لِكَسْرِ ما قَبْلِها. وذَكَرُوا أنَّهُ مَنصُوبٌ عَلى الظَّرْفِ، والعامِلُ فِيهِ نَراكَ أوِ اتَّبَعَكَ أوْ أراذِلُنا أيْ: وما نَراكَ فِيما يَظْهَرُ لَنا مِنَ الرَّأْيِ، أوْ في أوَّلِ رَأْيِنا، أوْ وما نَراكَ اتَّبَعَكَ أوَّلَ رَأْيِهِمْ، أوْ ظاهِرُ رَأْيِهِمْ. واحْتَمَلَ هَذا الوَجْهُ مَعْنَيَيْنِ: أحَدُهُما: أنْ يُرِيدَ: اتَّبَعَكَ في ظاهِرِ أمْرِهِمْ، وعَسى أنْ تَكُونَ بَواطِنُهم لَيْسَتْ مَعَكَ. والمَعْنى الثّانِي: أنْ يُرِيدَ: اتَّبَعُوكَ بِأوَّلِ نَظَرٍ وبِالرَّأْيِ البادِئِ دُونَ تَعَقُّبٍ، ولَوْ تَثَبَّتُوا لَمْ يَتَّبِعُوكَ، وفي هَذا الوَجْهِ ذَمُّ الرَّأْيِ غَيْرِ المَرْوِيِّ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: اتَّبَعُوكَ أوَّلَ الرَّأْيِ، أوْ ظاهِرَ الرَّأْيِ، وانْتِصابُهُ عَلى الظَّرْفِ أصْلُهُ وقْتَ حُدُوثِ أوَّلِ أمْرِهِمْ، أوْ وقْتَ حُدُوثِ ظاهِرِ رَأْيِهِمْ، فَحُذِفَ ذَلِكَ، وأُقِيمَ المُضافُ إلَيْهِ مَقامَهُ، أرادُوا: أنَّ اتِّباعَهم لَكَ إنَّما هو شَيْءٌ عَنَّ لَهم بَدِيهَةً مِن غَيْرِ رَوِيَّةٍ ونَظَرٍ، انْتَهى. وكَوْنُهُ مَنصُوبًا عَلى الظَّرْفِ هو قَوْلُ أبِي عَلِيٍّ في الحُجَّةِ، وإنَّما حَمَلَهُ عَلى الظَّرْفِ ولَيْسَ بِزَمانٍ ولا مَكانٍ، لِأنَّ في مُقَدَّرَةٌ فِيهِ أيْ: في ظاهِرِ الأمْرِ، أوْ في أوَّلِ الأمْرِ. وعَلى هَذَيْنِ التَّقْدِيرَيْنِ أعْنِي أنْ يَكُونَ العامِلُ فِيهِ: نَراكَ، أوِ اتَّبَعَكَ، يَقْتَضِي أنْ لا يَجُوزَ ذَلِكَ، لِأنَّ ما بَعْدَ إلّا لا يَكُونُ مَعْمُولًا لِما قَبْلَها، إلّا إنْ كانَ مُسْتَثْنًى مِنهُ نَحْوَ: قامَ إلّا زَيْدًا القَوْمُ، أوْ مُسْتَثْنًى نَحْوَ: جاءَ القَوْمُ إلّا زَيْدًا، أوْ تابِعًا لِلْمُسْتَثْنى مِنهُ نَحْوَ: ما جاءَنِي أحَدٌ إلّا زَيْدٌ أخْبَرَنِي عَمْرٌو، وبادِئَ الرَّأْيِ لَيْسَ واحِدًا مِن هَذِهِ الثَّلاثَةِ. وأُجِيبَ بِأنَّهُ ظَرْفٌ، أوْ كالظَّرْفِ مِثْلَ: جُهْدَ رَأْيٍ إنَّكَ ذاهِبٌ، أيْ: إنَّكَ ذاهِبٌ في جُهْدِ رَأْيٍ، والظُّرُوفِ يُتَّسَعُ فِيها. وإذا كانَ العامِلُ أراذِلُنا فَمَعْناهُ: الَّذِينَ هم أراذِلُنا بِأقَلِّ نَظَرٍ فِيهِمْ، وبِبادِئِ الرَّأْيِ يُعْلَمُ ذَلِكَ مِنهم. وقِيلَ: ﴿بادِيَ الرَّأْيِ﴾: نَعْتٌ لِقَوْلِهِ: (بَشَرًا) . وقِيلَ: انْتَصَبَ حالًا مِن ضَمِيرِ نُوحٍ في اتَّبَعَكَ، أيْ: وأنْتَ مَكْشُوفُ الرَّأْيِ لا حَصافَةَ لَكَ. وقِيلَ: انْتَصَبَ عَلى النِّداءِ لِـ نُوحٍ أيْ: يا بادِيَ الرَّأْيِ، أيْ: ما في نَفْسِكَ مِنَ الرَّأْيِ ظاهِرٌ لِكُلِّ أحَدٍ، قالُوا ذَلِكَ تَعْجِيزًا لَهُ. وقِيلَ: انْتَصَبَ عَلى المَصْدَرِ، وجاءَ الظَّرْفُ والمَصْدَرُ عَلى فاعِلٍ، ولَيْسَ بِالقِياسِ. فالرَّأْيُ هُنا إمّا مِن رُؤْيَةِ العَيْنِ، وإمّا مِنَ الفِكْرِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وإنَّما اسْتَرْذَلُوا المُؤْمِنِينَ لِفَقْرِهِمْ وتَأخُّرِهِمْ في الأسْبابِ الدُّنْيَوِيَّةِ، لِأنَّهم كانُوا جُهّالًا ما كانُوا يَعْلَمُونَ إلّا ظاهِرًا مِنَ الحَياةِ الدُّنْيا، فَكانَ الأشْرَفُ عِنْدَهم مَن لَهُ جاهٌ ومالٌ، انْتَهى. وظاهِرُ الخِطابِ في لَكم شامِلٌ لِـ نُوحٍ ومَنِ اتَّبَعَهُ، والمَعْنى: لَيْسَ لَكم عَلَيْنا زِيادَةٌ في مالٍ، ونَسَبٍ، ولا دِينٍ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: في الخَلْقِ والخُلُقِ، وقِيلَ: بِكَثْرَةِ المُلْكِ والمِلْكِ، وقِيلَ: بِمُتابَعَتِكم نُوحًا ومُخالَفَتِكم لَنا، وقِيلَ: مِن شَرَفٍ يُؤَهِّلُكم لِلنُّبُوَّةِ، وقالَ الكَلْبِيُّ: نَظُنُّكم: نَتَيَقَّنُكم، وقالَ مُقاتِلٌ: نَحْسَبُكم، أيْ في دَعْوى نُوحٍ وتَصْدِيقِكم، وقالَ صاحِبُ العِتِيّانِ: بَلْ نَظُنُّكم كاذِبِينَ تَوَسُّلًا إلى الرِّئاسَةِ والشُّهْرَةِ.

هود 11:27

﴿أفَمَن كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ ويَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنهُ ومِن قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى إمامًا ورَحْمَةً أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ ومَن يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الأحْزابِ فالنّارُ مَوْعِدُهُ فَلا تَكُ في مِرْيَةٍ مِنهُ إنَّهُ الحَقُّ مِن رَبِّكَ ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يُؤْمِنُونَ﴾: لَمّا ذَكَرَ حالَ مَن يُرِيدُ الحَياةَ الدُّنْيا، ذَكَرَ حالَ مَن يُرِيدُ وجْهَ اللَّهِ تَعالى بِأعْمالِهِ الصّالِحَةِ، وحُذِفَ المُعادِلُ الَّذِي دَخَلَتْ عَلَيْهِ الهَمْزَةُ والتَّقْدِيرُ: كَمَن يُرِيدُ الحَياةَ الدُّنْيا. وكَثِيرًا ما حُذِفَ في القُرْآنِ كَقَوْلِهِ: ﴿أفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا﴾ [فاطر: ٨] وقَوْلِهِ: ﴿أمْ مَن هو قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ﴾ [الزمر: ٩] وهَذا اسْتِفْهامٌ مَعْناهُ: التَّقْرِيرُ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أيْ: لا تَعْقِبُونَهم في المَنزِلَةِ ولا تُفارِقُونَهم، يُرِيدُ أنَّ بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ تَفاوُتًا بَعِيدًا وتَبايُنًا بَيِّنًا، وأرادَ بِهِمْ مَن آمَنَ مِنَ اليَهُودِ كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ وغَيْرِهِ، كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ أيْ: عَلى بُرْهانٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى، وبَيانٍ أنَّ دِينَ الإسْلامِ حَقٌّ وهو دَلِيلُ العَقْلِ ويَتْلُوهُ، ويَتْبَعُ ذَلِكَ البُرْهانَ شاهِدٌ مِنهُ، أيْ: شاهِدٌ يَشْهَدُ بِصِحَّتِهِ، وهو القُرْآنُ مِنهُ مِنَ اللَّهِ، أوْ شاهِدٌ مِنَ القُرْآنِ ومِن قَبْلِهِ: ومِن قَبْلِ القُرْآنِ كِتابُ مُوسى وهو: التَّوْراةُ، أيْ: ويَتْلُو ذَلِكَ أيْضًا مِن قَبْلِ القُرْآنِ كِتابُ مُوسى. وقُرِئَ: (كِتابَ مُوسى) بِالنَّصْبِ، ومَعْناهُ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ وهو الدَّلِيلُ عَلى أنَّ القُرْآنَ حَقٌّ، ويَتْلُوهُ ويَقْرَأُ القُرْآنَ شاهِدٌ مِنهُ، شاهِدٌ مِمَّنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ كَقَوْلِهِ: ﴿وشَهِدَ شاهِدٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ عَلى مِثْلِهِ﴾ [الأحقاف: ١٠] ﴿قُلْ كَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وبَيْنَكم ومَن عِنْدَهُ عِلْمُ الكِتابِ﴾ [الرعد: ٤٣] . ﴿ومِن قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى﴾: ويَتْلُوهُ ومِن قَبْلِ التَّوْراةِ، إمامًا: كِتابًا مُؤْتَمًّا في الدِّينِ قُدْوَةً فِيهِ، انْتَهى. وقِيلَ في ﴿أفَمَن كانَ﴾: المُؤْمِنُونَ بِالرَّسُولِ، (p-٢١١)وقِيلَ: مُحَمَّدٌ ﷺ خاصَّةً. وقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ وابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ ومُجاهِدٌ والضَّحّاكُ: مُحَمَّدٌ والمُؤْمِنُونَ جَمِيعًا، والبَيِّنَةُ: القُرْآنُ أوِ الرَّسُولُ، والهاءُ لِلْمُبالَغَةِ. والشّاهِدُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ والنَّخَعِيُّ ومُجاهِدٌ والضَّحّاكُ وأبُو صالِحٍ وعِكْرِمَةُ: هو جِبْرِيلُ. وقالَ الحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ: هو الرَّسُولُ. وقالَ أيْضًا مُجاهِدٌ: هو مَلَكٌ وكَّلَهُ اللَّهُ بِحِفْظِ القُرْآنِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِهَذِهِ الألْفاظِ: جِبْرِيلَ، وقِيلَ: وعَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ. ورَوى المِنهالُ عَنْ عُبادَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ عَلِيٌّ كَرَّمَ اللَّهُ وجْهَهُ: ما في قُرَيْشٍ أحَدٌ إلّا وقَدْ نَزَلَتْ فِيهِ آيَةٌ قِيلَ: فَما نَزَلَ فِيكَ ؟ قالَ: ﴿ويَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنهُ﴾، وبِهِ قالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ. وقِيلَ: هو الإنْجِيلُ قالَهُ: الفَرّاءُ. وقِيلَ: هو القُرْآنُ، وقِيلَ: هو إعْجازُ القُرْآنِ، قالَهُ الحُسَيْنُ بْنُ الفَضْلِ، وقِيلَ: صُورَةُ الرَّسُولِ ﷺ ووَجْهُهُ ومَخايِلُهُ، لِأنَّ كُلَّ عاقِلٍ نَظَرَ إلَيْهِ عَلِمَ أنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . وقِيلَ: وأبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، والضَّمِيرُ في مِنهُ يَعُودُ إلى الدِّينِ، أوْ إلى الرَّسُولِ، أوْ إلى القُرْآنِ. ويَتْلُوهُ: بِمَعْنى يَتْبَعُهُ، أوْ يَقْرَؤُهُ، والضَّمِيرُ المَرْفُوعُ في يَتْلُوهُ والمَنصُوبُ والمَجْرُورُ في مِنهُ، يَتَرَتَّبُ عَلى ما يُناسِبُهُ كُلُّ قَوْمٍ مِن هَذِهِ. وقَرَأ مُحَمَّدُ بْنُ السّائِبِ الكَلْبِيُّ وغَيْرُهُ: ﴿كِتابُ مُوسى﴾ بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلى مَفْعُولِ يَتْلُوهُ، أوْ بِإضْمارِ فِعْلٍ. وإذا لَمْ يُعْنَ بِالشّاهِدِ الإنْجِيلُ فَإنَّما خَصَّ التَّوْراةَ بِالذِّكْرِ، لِأنَّ المِلَّتَيْنِ مُجْتَمِعَتانِ عَلى أنَّها مِن عِنْدِ اللَّهِ، والإنْجِيلُ يُخالِفُ فِيهِ اليَهُودُ، فَكانَ الِاسْتِشْهادُ بِما تَقُومُ بِهِ الحُجَّةُ عَلى الفَرِيقَيْنِ أوْلى. وهَذا يَجْرِي مَعَ قَوْلِ الجِنِّ: ﴿إنّا سَمِعْنا كِتابًا أُنْزِلَ مِن بَعْدِ مُوسى﴾ [الأحقاف: ٣٠] ومَعَ قَوْلِ النَّجاشِيِّ: إنَّ هَذا والَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى لَيَخْرُجُ مِن مِشْكاةٍ واحِدَةٍ. وانْتَصَبَ إمامًا عَلى الحالِ، والَّذِي يَظْهَرُ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ، أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ الكُفّارَ وأنَّهم لَيْسَ لَهم إلّا النّارُ، أعْقَبَ بِضِدِّهِمْ وهُمُ المُؤْمِنُونَ، وهُمُ الَّذِينَ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِمْ، والشّاهِدُ: القُرْآنُ، ومِنهُ عائِدٌ عَلى رَبِّهِ. ويَدُلُّ عَلى أنَّ الشّاهِدَ القُرْآنُ ذِكْرُ قَوْلِهِ: (ومِن قَبْلِهِ)، أيْ: ومِن قَبْلِ القُرْآنِ كِتابُ مُوسى، فَمَعْناهُ: أنَّهُ تَظافَرَ عَلى هِدايَتِهِ شَيْئانِ: كَوْنُهُ عَلى أمْرٍ واضِحٍ مِن بُرْهانِ العَقْلِ، وكَوْنُهُ يُوافِقُ ذَلِكَ البُرْهانُ هَذَيْنِ الكِتابَيْنِ الإلَهِيَّيْنِ: القُرْآنَ والتَّوْراةَ، فاجْتَمَعَ لَهُ العَقْلُ والنَّقْلُ. والإشارَةُ بِأُولَئِكَ: إلى مَن كانَ عَلى بَيِّنَةٍ، راعى مَعْنى مَعَ فَجَمَعَ، والضَّمِيرُ في بِهِ يَعُودُ إلى التَّوْراةِ، أوْ إلى القُرْآنِ، أوْ إلى الرَّسُولِ، ثَلاثَةُ أقْوالٍ. والأحْزابُ جَمِيعُ المِلَلِ قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ، أوِ اليَهُودُ والنَّصارى، قالَهُ قَتادَةُ، أوْ قُرَيْشٌ، قالَهُ السُّدِّيُّ، أوْ بَنُو أُمَيَّةَ وبَنُو المُغِيرَةِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ المَخْزُومِيِّ، وآلُ أبِي طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ، قالَهُ مُقاتِلٌ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَعْنِي أهْلَ مَكَّةَ ومَن ضامَّهم مِنَ المُتَحَزِّبِينَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، انْتَهى. ﴿فالنّارُ مَوْعِدُهُ﴾ أيْ: مَكانُ وعْدِهِ الَّذِي يَصِيرُونَ إلَيْهِ. وقالَ حَسّانُ: أوْرَدْتُمُونا حِياضَ المَوْتِ ضاحِيَةً فالنّارُ مَوْعِدُها والمَوْتُ لاقِيها والضَّمِيرُ في مِنهُ عائِدٌ عَلى القُرْآنِ، وقِيلَ: عَلى الخَبَرِ، بِأنَّ الكُفّارَ مَوْعِدُهُمُ النّارُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (في مِرْيَةٍ) بِكَسْرِ المِيمِ، وهي لُغَةُ الحِجازِ. وقَرَأ السُّلَمِيُّ وأبُو رَجاءٍ وأبُو الخَطّابِ السُّدُوسِيُّ والحَسَنُ: بِضَمِّها، وهي لُغَةُ أسَدٍ وتَمِيمٍ، والنّاسُ: أهْلُ مَكَّةَ قالَهُ: ابْنُ عَبّاسٍ، أوْ: جَمِيعُ الكُفّارِ مِن شاكٍّ وجاهِلٍ ومُعانِدٍ قالَهُ: صاحِبُ العِقْيانِ. ﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا أُولَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلى رَبِّهِمْ ويَقُولُ الأشْهادُ هَؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلى رَبِّهِمْ ألا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلى الظّالِمِينَ﴾ ﴿الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ويَبْغُونَها عِوَجًا وهم بِالآخِرَةِ هم كافِرُونَ﴾ ﴿أُولَئِكَ لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ في الأرْضِ وما كانَ لَهم مِن دُونِ اللَّهِ مِن أوْلِياءَ يُضاعَفُ لَهُمُ العَذابُ ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وما كانُوا يُبْصِرُونَ﴾ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم وضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ ﴿لا جَرَمَ أنَّهم في الآخِرَةِ هُمُ الأخْسَرُونَ﴾: (p-٢١٢)لَمّا سَبَقَ قَوْلُهم: ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ﴾ [هود: ١٣]، ذَكَرَ أنَّهُ لا أحَدَ أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا، وهُمُ المُفْتَرُونَ الَّذِينَ نَسَبُوا إلى اللَّهِ الوَلَدَ، واتَّخَذُوا مَعَهُ آلِهَةً، وحَرَّمُوا وحَلَّلُوا مِن غَيْرِ شَرْعِ اللَّهِ، وعَرْضُهم عَلى اللَّهِ بِمَعْنى: التَّشْهِيرِ لِخِزْيِهِمْ والإشارَةِ بِكَذِبِهِمْ، وإلّا فالطّائِعُ والعاصِي يُعْرَضُونَ عَلى اللَّهِ ﴿وعُرِضُوا عَلى رَبِّكَ صَفًّا﴾ [الكهف: ٤٨] والأشْهادُ: جَمْعُ شاهِدٍ، كَصاحِبٍ وأصْحابٍ، أوْ جَمْعُ شَهِيدٍ كَشَرِيفٍ وأشْرافٍ، والأشْهادُ: المَلائِكَةُ الَّذِينَ يَحْفَظُونَ عَلَيْهِمْ أعْمالَهم في الدُّنْيا، أوِ الأنْبِياءُ، أوْ هُما المُؤْمِنُونَ، أوْ ما يَشْهَدُ عَلَيْهِمْ مِن أعْضائِهِمْ أقْوالٌ. وفي قَوْلِهِ: (هَؤُلاءِ): إشارَةٌ إلى تَحْقِيرِهِمْ وإصْغارِهِمْ بِسُوءِ مُرْتَكَبِهِمْ. وفِي قَوْلِهِ: (عَلى رَبِّهِمْ) أيْ: عَلى مَن يُحْسِنُ إلَيْهِمْ ويَمْلِكُ نَواصِيَهم، وكانُوا جَدِيرِينَ أنْ لا يَكْذِبُوا عَلَيْهِ، وهَذا كَما تَقُولُ إذا رَأيْتَ مُجْرِمًا: هَذا الَّذِي فَعَلَ كَذا وكَذا. وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ الجُمْلَةِ بَعْدَ هَذا. وهم: تَأْكِيدٌ لِقَوْلِهِ: وهم، وقَوْلُهُ: (مُعْجِزِينَ)، أيْ: كانُوا لا يُعْجِزُونَ اللَّهَ في الدُّنْيا أنْ يُعاقِبَهم لَوْ أرادَ عِقابَهم، وما كانَ لَهم مَن يَنْصُرُهم ويَمْنَعُهم مِنَ العِقابِ، ولَكِنَّهُ أرادَ إنْظارَهم وتَأْخِيرَ عِقابِهِمْ إلى هَذا اليَوْمِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وهو كَلامُ الأشْهادِ يَعْنِي: أنَّ كَلامَهم مِن قَوْلِهِمْ: هَؤُلاءِ إلى آخِرِ هَذِهِ الجُمْلَةِ الَّتِي هي وما كانَ لَهم مِن دُونِ اللَّهِ مِن أوْلِياءَ. وقَدْ يَظْهَرُ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ألا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلى الظّالِمِينَ﴾: مِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى لا عَلى سَبِيلِ الحِكايَةِ، ويَدُلُّ لِقَوْلِ الزَّمَخْشَرِيِّ قَوْلُهُ: ﴿فَأذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهم أنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلى الظّالِمِينَ﴾ [الأعراف: ٤٤] الآيَةَ، فَكَما أنَّهُ مِن كَلامِ المَخْلُوقِينَ في تِلْكَ الآيَةِ، فَكَذَلِكَ هُنا يُضاعَفُ لَهُمُ العَذابُ: يُشَدَّدُ ويَكْثُرُ، وهَذا اسْتِئْنافُ إخْبارٍ عَنْ حالِهِمْ في الآخِرَةِ، لِأنَّهم جَمَعُوا إلى الكُفْرِ بِالبَعْثِ الكَذِبَ عَلى اللَّهِ، وصَدَّ عِبادِهِ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ، وبَغْيَ العِوَجِ لَها، وهي الطَّرِيقَةُ المُسْتَقِيمَةُ. ﴿ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ﴾: إخْبارٌ عَنْ حالِهِمْ في الدُّنْيا عَلى سَبِيلِ المُبالَغَةِ يَعْنِي: السَّمْعَ لِلْقُرْآنِ، ولِما جاءَ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ . ﴿وما كانُوا يُبْصِرُونَ﴾ أيْ: يَنْظُرُونَ إلَيْهِ لِبُغْضِهِمْ فِيهِ. ألا تَرى إلى حَشْوِ الطُّفَيْلِ بْنِ عَمْرٍو أُذُنَيْهِ مِنَ الكُرْسُفِ، وإبايَةِ قُرَيْشٍ أنْ يَسْمَعُوا ما نُقِلَ إلَيْهِمْ مِن كَلامِ الرَّسُولِ حَتّى تَرُدَّهم عَنْ ذَلِكَ مَشْيَخَتُهم ؟ أوْ إخْبارٌ عَنْ حالِهِمْ إذا ضُعِّفَ لَهُمُ العَذابُ أيْ: أنَّهُ تَعالى حَتَمَّ عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ، فَهم لا يَسْمَعُونَ لِذَلِكَ سَماعًا يَنْتَفِعُونَ بِهِ، ولا يُبْصِرُونَ لِذَلِكَ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ في كانُوا عائِدٌ عَلى أوْلِياؤُهم: آلِهَتُهم أيْ: فَما كانَ لَهم في الحَقِيقَةِ مِن أوْلِياءَ وإنْ كانُوا يَعْتَقِدُونَ أنَّهم أوْلِياءُ. ويَعْنِي أنَّهُ مَن لا يَسْتَطِيعُ أنْ يَسْمَعَ ولا يُبْصِرَ فَكَيْفَ يَصْلُحُ لِلْوِلايَةِ ؟ ويَكُونُ ﴿يُضاعَفُ لَهُمُ العَذابُ﴾ اعْتِراضًا، وما عَلى هَذِهِ الأقْوالِ نَفْيٌ. وقِيلَ: ما مَصْدَرِيَّةٌ أيْ: يُضاعَفُ لَهُمُ العَذابُ مُدَّةَ اسْتِطاعَتِهِمُ السَّمْعَ وإبْصارِهِمْ، والمَعْنى: أنَّ العَذابَ وتَضْعِيفَهُ دائِمٌ لَهم مُتَمادٍ. وأجازَ الفَرّاءُ أنْ تَكُونَ ما مَصْدَرِيَّةً، وحُذِفَ حَرْفُ الجَرِّ مِنها كَما يُحْذَفُ مَعَ أنْ وإنْ أُخْتَيْها، وهَذا فِيهِ بُعْدٌ في اللَّفْظِ وفي المَعْنى. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أرادَ أنَّهم لِفَرْطِ تَصامِّهِمْ عَنِ اتِّباعِ الحَقِّ وكَراهَتِهِمْ لَهُ كَأنَّهم لا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ، ولَعَلَّ بَعْضَ المُجْبِرَةِ يَتَوَثَّبُ إذا عَثَرَ عَلَيْهِ فَيُوَعْوِعُ بِهِ عَلى أهْلِ العَدْلِ، كَأنَّهُ لَمْ يَسْمَعِ النّاسَ يَقُولُونَ في كُلِّ لِسانٍ: هَذا الكَلامُ لا أسْتَطِيعُ أسْمَعُهُ، وهَذا مِمّا يَمُجُّهُ سَمْعِي، انْتَهى. يَعْنِي: أنَّهُ يُمْكِنُ أنْ يُسْتَدَلَّ بِهِ عَلى أنَّ العَبْدَ لا قُدْرَةَ لَهُ، لِأنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ نَفى عَنْهُ اسْتِطاعَةَ السَّمْعِ، وإذا انْتَفَتْ الِاسْتِطاعَةُ مِنهُ انْتَفَتْ قُدْرَتُهُ. والزَّمَخْشَرِيُّ عَلى عادَتِهِ في السَّفَهِ عَلى أهْلِ السُّنَّةِ وخُسْرانِهِمْ أنْفُسِهِمْ، لِكَوْنِهِمُ اشْتَرَوْا عِبادَةَ الآلِهَةِ بِعِبادَةِ اللَّهِ تَعالى، فَخَسِرُوا في تِجارَتِهِمْ خُسْرانًا لا خُسْرانَ أعْظَمُ مِنهُ. وهُوَ عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ: راحَةُ أوْ سَعادَةُ أنْفُسِهِمْ، وإلّا فَأنْفُسُهم باقِيَةٌ مُعَذَّبَةٌ. وبَطَلَ عَنْهم ما افْتَرَوْهُ مِن عِبادَةِ الآلِهَةِ، وكَوْنِهِمْ يَعْتَقِدُونَ شَفاعَتَها إذا رَأوْا أنَّها لا تَشْفَعُ ولا تَنْفَعُ. لا جَرَمَ: مَذْهَبُ الخَلِيلِ وسِيبَوَيْهِ أنَّهُما رُكِّبا مِن: لا وجَرَمَ وبُنِيا، والمَعْنى: حَقَّ، وما بَعْدَهُ رُفِعَ بِهِ عَلى الفاعِلِيَّةِ (p-٢١٣)وقالَ الحَوْفِيُّ: جَرَمَ مَنفِيٌّ بِلا بِمَعْنى: حَقَّ، وهو مَبْنِيٌّ مَعَ لا في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِداءِ، وأنَّهم في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى خَبَرِ جَرَمَ. وقالَ قَوْمٌ: إنَّ جَرَمَ مَبْنِيَّةٌ مَعَ لا عَلى الفَتْحِ نَحْوَ قَوْلِكَ: لا رَجُلَ، ومَعْناها: لا بُدَّ ولا مَحالَةَ. وقالَ الكِسائِيُّ: مَعْناها: لا ضِدَّ ولا مَنعَ، فَتَكُونُ اسْمَ لا وهي مَبْنِيَّةٌ عَلى الفَتْحِ كالقَوْلِ الَّذِي قَبْلَهُ، وتَكُونُ جَرَمَ هُنا مِن مَعْنى القَطْعِ، نَقُولُ: جَرَمْتُ أيْ: قَطَعْتُ. وقالَ الزَّجّاجُ: لا تَرْكِيبَ بَيْنَهُما ولا رَدَّ عَلَيْهِمْ. ولِما تَقَدَّمَ مِن كُلِّ ما قَبْلَها مِمّا قالُوا: إنَّ الأصْنامَ تَنْفَعُهم. وجَرَمَ: فِعْلٌ ماضٍ مَعْناهُ: كَسَبَ، والفاعِلُ مُضْمَرٌ: أيَكْسِبُ هو أيْ: فِعْلُهم، وأنَّ وما بَعْدَها في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى المَفْعُولِ بِهِ، وجَرَمَ القَوْمَ: كاسَبَهم. وقالَ الشّاعِرُ: ؎نَصَبْنا رَأسَهُ في جِذْعِ نَخْلٍ بِما جَرَمَتْ يَداهُ وما اعْتَدَيْنا وقالَ آخَرُ: جَرِيمَةَ ناهِضٍ في رَأْسِ نِيقٍ تَرى لِعِظامِ ما جَمَعَتْ صَلِيبا ويُقالُ: لا جِرَمَ بِالكَسْرِ، ولا جَرَ: بِحَذْفِ المِيمِ. قالَ النَّحّاسُ: وزَعَمَ الكِسائِيُّ أنَّ فِيها أرْبَعَ لُغاتٍ: لا جَرَمَ، ولا عَنْ ذا جَرَمٍ، ولا أنْ ذا جَرَمٍ، قالَ: وناسٌ مِن فَزارَةَ يَقُولُونَ: لا جَرَمَ. وحَكى الفَرّاءُ فِيهِ لُغَتَيْنِ أُخْرَيَيْنِ، قالَ: بَنُو عامِرٍ يَقُولُونَ: لا ذا جَرَمٍ، وناسٌ مِنَ العَرَبِ يَقُولُونَ: لا جُرَمَ بِضَمِّ الجِيمِ. وقالَ الجُبّائِيُّ في نَوادِرِهِ: حُكِيَ عَنْ فَزارَةَ: لا جَرَ واللَّهِ لا أفْعَلُ ذاكَ، قالَ: ويُقالُ: لا ذا جَرَمٍ، ولا ذُو جَرَمٍ، ولا عَنْ ذا جَرَمٍ، ولا أنْ ذا جَرَمٍ، ولا أنْ جَرَمَ، ولا عَنْ جَرَمٍ، ولا ذا جَرَ واللَّهِ، بِغَيْرِ مِيمٍ: لا أفْعَلُ ذاكَ. وحَكى بَعْضُهم بِغَيْرِ لا جَرَمَ: أنَّكَ أنْتَ فَعَلْتَ ذاكَ، وعَنْ أبِي عَمْرٍو: لَأجْرَمَ أنَّ لَهُمُ النّارَ عَلى وزْنِ: لَأكْرَمَ، ولا جَرَ: حَذَفُوهُ لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمالِ كَما قالُوا: سَوْ تَرى يُرِيدُونَ: سَوْفَ تَرى. ولَمّا كانَ خُسْرانُ النَّفْسِ أعْظَمَ الخُسْرانِ، حُكِمَ عَلَيْهِمْ بِأنَّهم هُمُ الزّائِدُونَ في الخُسْرانِ عَلى كُلِّ خاسِرٍ مِن سِواهم مِنَ العُصاةِ مَآلُهُ إلى الرّاحَةِ، وإلى انْقِطاعِ خُسْرانِهِ بِخِلافِ هَؤُلاءِ، فَإنَّ خُسْرانَهم لا انْقِطاعَ لَهُ. ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ وأخْبَتُوا إلى رَبِّهِمْ أُولَئِكَ أصْحابُ الجَنَّةِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ ﴿مَثَلُ الفَرِيقَيْنِ كالأعْمى والأصَمِّ والبَصِيرِ والسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلًا أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾: لَمّا ذَكَرَ ما يَئُولُ إلَيْهِ الكُفّارُ مِنَ النّارِ، ذَكَرَ ما يَئُولُ إلَيْهِ المُؤْمِنُونَ مِنَ الجَنَّةِ، والفَرِيقانِ هُنا الكافِرُ والمُؤْمِنُ. ولَمّا كانَ تَقَدَّمَ ذِكْرُ الكُفّارِ وأُعْقِبَ بِذِكْرِ المُؤْمِنِينَ، جاءَ التَّمْثِيلُ هُنا مُبْتَدَأً بِالكافِرِ، فَقالَ: ﴿كالأعْمى والأصَمِّ﴾ . ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ مِن بابِ تَشْبِيهِ اثْنَيْنِ بِاثْنَيْنِ، فَقُوبِلَ الأعْمى بِالبَصِيرِ وهو طِباقٌ، وقُوبِلَ الأصَمُّ بِالسَّمِيعِ وهو طِباقٌ أيْضًا، والعَمى والصَّمَمُ: آفَتانِ تَمْنَعانِ مِنَ البَصَرِ والسَّمْعِ، ولَيْسَتا بِضِدَّيْنِ، لِأنَّهُ لا تَعاقُبَ بَيْنَهُما. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن تَشْبِيهٍ واحِدٍ بِوَصْفَيْهِ بِواحِدٍ بِوَصْفَيْهِ، فَيَكُونُ مِن عَطْفِ الصِّفاتِ كَما قالَ الشّاعِرُ: إلى المَلِكِ القَرْنِ وابْنِ الهُمامِ ولَيْثِ الكَرِيهَةِ في المُزْدَحَمْ ولَمْ يَجِئِ التَّرْكِيبُ: كالأعْمى والبَصِيرِ والأصَمِّ والسَّمِيعِ، فَيَكُونُ مُقابَلَةً في لَفْظِ الأعْمى وضِدِّهِ، وفي لَفْظَةِ الأصَمِّ وضِدِّهِ، لِأنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ انْسِدادَ العَيْنِ أتْبَعَهُ بِانْسِدادِ السَّمْعِ، ولَمّا ذَكَرَ انْفِتاحَ البَصَرِ أتْبَعَهُ بِانْفِتاحِ السَّمْعِ، وذَلِكَ هو الأُسْلُوبُ في المُقابَلَةِ، والأتَمُّ في الإعْجازِ. ويَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى نَظِيرُ (p-٢١٤)هَذِهِ المُقابَلَةِ في قَوْلِهِ في طَهَ: ﴿إنَّ لَكَ ألّا تَجُوعَ فِيها ولا تَعْرى﴾ [طه: ١١٨] ﴿وأنَّكَ لا تَظْمَأُ فِيها ولا تَضْحى﴾ [طه: ١١٩] واحْتُمِلَ أنْ تَكُونَ الكافُ نَفْسُها هي خَبَرُ المُبْتَدَأِ، فَيَكُونُ مَعْناها: مَعْنى المَثَلِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: مَثَلُ الفَرِيقَيْنِ مَثَلُ الأعْمى. واحْتُمِلَ أنْ يُرادَ بِالمَثَلِ: الصِّفَةُ، وبِالكافِ: مِثْلُ، فَيَكُونُ عَلى حَذْفٍ مُضافٍ، أيْ: كَمَثَلِ الأعْمى، وهَذا التَّشْبِيهُ تَشْبِيهُ مَعْقُولٍ بِمَحْسُوسٍ، فَأعْمى البَصِيرَةِ: أصَمُّها، شُبِّهَ بِأعْمى البَصَرِ أصَمُّ السَّمْعِ، ذَلِكَ في ظُلُماتِ الضَّلالاتِ مُتَرَدِّدٌ تائِهٌ، وهَذا في الطُّرُقاتِ مُحَيَّرٌ لا يَهْتَدِي إلَيْها. وجاءَ (أفَلا تَذَكَّرُونَ) لِيُنَبِّهَ عَلى أنَّهُ يُمْكِنُ زَوالُ هَذا العَمى وهَذا الصَّمَمُ المَعْقُولُ، فَيَجِبُ عَلى العاقِلِ أنْ يَتَذَكَّرَ ما هو فِيهِ، ويَسْعى في هِدايَةِ نَفْسِهِ. وانْتَصَبَ مَثَلًا عَلى التَّمْيِيزِ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا، انْتَهى. وفِيهِ بُعْدٌ، والظّاهِرُ: التَّمْيِيزُ وأنَّهُ مَنقُولٌ مِنَ الفاعِلِ، أصْلُهُ: هَلْ يَسْتَوِي مَثَلاهُما. ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا نُوحًا إلى قَوْمِهِ إنِّي لَكم نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ ﴿أنْ لا تَعْبُدُوا إلّا اللَّهَ إنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ ألِيمٍ﴾ ﴿فَقالَ المَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ ما نَراكَ إلّا بَشَرًا مِثْلَنا وما نَراكَ اتَّبَعَكَ إلّا الَّذِينَ هم أراذِلُنا بادِيَ الرَّأْيِ وما نَرى لَكم عَلَيْنا مِن فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكم كاذِبِينَ﴾: هَذِهِ السُّورَةُ في قَصَصِها شَبِيهَةٌ بِسُورَةِ الأعْرافِ، بُدِئَ فِيها بِـ نُوحٍ، ثُمَّ بِهُودٍ، ثُمَّ بِصالِحٍ، ثُمَّ بِلُوطٍ، مُقَدَّمًا عَلَيْهِ إبْراهِيمُ بِسَبَبِ قَوْمِ لُوطٍ، ثُمَّ بِشُعَيْبٍ، ثُمَّ بِـ مُوسى وهارُونَ، صَلّى اللَّهُ عَلى نَبِيِّنا وعَلَيْهِمْ أجْمَعِينَ. وذَكَرُوا وُجُوهَ حِكَمٍ وفَوائِدَ لِتَكْرارِ هَذِهِ القَصَصِ في القُرْآنِ. وقَرَأ النَّحْوِيّانِ وابْنُ كَثِيرٍ: أنِّي بِفَتْحِ الهَمْزَةِ أيْ: بِأنِّي، وباقِي السَّبْعَةِ: بِكَسْرِها عَلى إضْمارِ القَوْلِ. وقالَ أبُو عَلِيٍّ في قِراءَةِ الفَتْحِ: خُرُوجٌ مِنَ الغَيْبَةِ إلى المُخاطَبَةِ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وفي هَذا نَظَرٌ، وإنَّما هي حِكايَةُ مُخاطَبَةٍ لِقَوْمِهِ، ولَيْسَ هَذا حَقِيقَةَ الخُرُوجِ مِن غَيْبَةٍ إلى مُخاطَبَةٍ، ولَوْ كانَ الكَلامُ: أنْ أنْذِرْهم أوْ نَحْوَهُ لَصَحَّ ذَلِكَ، انْتَهى. * * ﴿ألّا تَعْبُدُوا إلّا اللَّهَ﴾ [هود: ٢]: ظاهِرٌ في أنَّهم كانُوا يَعْبُدُونَ الأوْثانَ كَما جاءَ مُصَرَّحًا في غَيْرِ هَذِهِ السُّورَةِ، وأنْ بَدَلٌ مِن أيْ لَكم في قِراءَةِ مَن فَتَحَ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ أنِ المُفَسِّرَةَ. وأمّا في قِراءَةِ مَن كَسَرَ فَيُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ المُفَسِّرَةَ، والمُراعى قَبْلَها: إمّا أرْسَلْنا وإمّا نَذِيرٌ مُبِينٌ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مَعْمُولَةً لَأرْسَلْنا أيْ: بِأنْ لا تَعْبُدُوا إلّا اللَّهَ، وإسْنادُ الألَمِ إلى اليَوْمِ مَجازٌ لِوُقُوعِ الألَمِ فِيهِ لا بِهِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): فَإذا وُصِفَ بِهِ العَذابُ ؟ (قُلْتُ): مَجازِيٌّ مِثْلُهُ، لِأنَّ الألِيمَ في الحَقِيقَةِ هو المُعَذِّبُ، ونَظِيرُهُما قَوْلُكُ: نَهارُهُ صائِمٌ، انْتَهى. وهَذا عَلى أنْ يَكُونَ (ألِيمٍ) صِفَةَ مُبالَغَةٍ مِن ألِمَ، وهو: مَن كَثُرَ ألَمُهُ. فَإنْ كانَ ألِيمٍ بِمَعْنى: مُؤْلِمٍ، فَنِسْبَتُهُ لِلْيَوْمِ مَجازٌ، ولِلْعَذابِ حَقِيقَةٌ لَمّا أنْذَرَهم مِن عَذابِ اللَّهِ وأمَرَهم بِإفْرادِهِ بِالعِبادَةِ، وأخْبَرَ أنَّهُ رَسُولٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ، ذَكَرُوا أنَّهُ مُماثِلُهم في البَشَرِيَّةِ، واسْتَبْعَدُوا أنْ يَبْعَثَ اللَّهُ رَسُولًا مِنَ البَشَرِ، وكَأنَّهم ذَهَبُوا إلى مَذْهَبِ البَراهِمَةِ الَّذِينَ يُنْكِرُونَ نُبُوَّةَ البَشَرِ عَلى الإطْلاقِ، ثُمَّ عَيَّرُوهُ بِأنَّهُ لَمْ يَتَّبِعْهُ إلّا الأراذِلُ أيْ: فَنَحْنُ لا نُساوِيهِمْ، ثُمَّ نَفَوْا أنْ يَكُونَ لَهُ عَلَيْهِمْ فَضْلٌ أيْ: أنْتَ مُساوِينا في البَشَرِيَّةِ ولا فَضْلَ لَكَ عَلَيْنا، فَكَيْفَ امْتَزْتَ بِأنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ ؟ . وفِي قَوْلِهِ: ﴿إلّا الَّذِينَ هم أراذِلُنا﴾: مُبالَغَةٌ في الإخْبارِ، وكَأنَّهُ مُؤْذِنٌ بِتَأْكِيدِ حَصْرِ مَنِ اتَّبَعَهُ، وأنَّهم هُمُ الأراذِلُ لَمْ يَشْرَكْهم شَرِيفٌ في ذَلِكَ. وفي الحَدِيثِ إنَّهم كانُوا حاكَةً وحَجّامِينَ وقالَ النَّحّاسُ: هُمُ الفُقَراءُ والَّذِينَ لا حَسَبَ لَهم، والخَسِيسُوا الصِّناعاتِ. وفِي حَدِيثِ هِرَقْلَ: أشْرافُ النّاسِ اتَّبَعُوهُ أمْ ضُعَفاؤُهم ؟ فَقالَ: بَلْ ضُعَفاؤُهم، فَقالَ: هم أتْباعُ الرُّسُلِ قَبْلُ وإنَّما كانَ كَذَلِكَ لِاسْتِيلاءِ الرِّئاسَةِ عَلى الأشْرافِ، وصُعُوبَةِ الِانْفِكاكِ عَنْها، والأنَفَةِ مِنَ الِانْقِيادِ لِغَيْرِهِمْ، والفَقِيرُ خَلِيٌّ عَنْ تِلْكَ المَوانِعِ فَهو سَرِيعٌ إلى الإجابَةِ والِانْقِيادِ. (ونَراكَ): يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ بَصَرِيَّةً، وأنْ تَكُونَ عِلْمِيَّةً. قالُوا: وأراذِلُ: جَمْعُ الجَمْعِ، فَقِيلَ: جَمْعُ أرْذُلٍ كَكَلْبٍ وأكْلُبٍ وأكالِبٍ. وقِيلَ: جَمْعُ أرْذالٍ، وقِياسُهُ أراذِيلُ. والظّاهِرُ أنَّهُ جَمْعُ أرْذَلَ الَّتِي هي أفْعَلُ التَّفْضِيلِ، وجاءَ جَمْعًا كَما جاءَ: أكابِرَ مُجْرِمِيها (p-٢١٥)وأحاسِنُكم أخْلاقًا. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ما نَراكَ إلّا بَشَرًا مِثْلَنا، تَعْرِيضٌ بِأنَّهم أحَقُّ مِنهُ بِالنُّبُوَّةِ، وأنَّ اللَّهَ لَوْ أرادَ أنْ يَجْعَلَها في أحَدٍ مِنَ البَشَرِ لَجَعَلَها فِيهِمْ، فَقالُوا: هَبْ أنَّكَ واحِدٌ مِنَ المَلَأِ ومُوازِيهِمْ في المَنزِلَةِ، فَما جَعَلَكَ أحَقَّ مِنهم ؟ ألا تَرى إلى قَوْلِهِمْ: ﴿وما نَرى لَكم عَلَيْنا مِن فَضْلٍ﴾، أوْ أرادُوا أنَّهُ كانَ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ مَلَكًا لا بَشَرًا، ولا يَظْهَرُ ما قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ مِنَ الآيَةِ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو و عِيسى الثَّقَفِيُّ: (بادِئَ الرَّأْيِ) مِن بَدَأ يَبْدَأُ ومَعْناهُ: أوَّلُ الرَّأْيِ. وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ: بادِي بِالياءِ مِن بَدا يَبْدُو، ومَعْناهُ: ظاهِرُ الرَّأْيِ. وقِيلَ: بادِي بِالياءِ مَعْناهُ: بادِئٌ بِالهَمْزِ، فَسُهِّلَتِ الهَمْزَةُ بِإبْدالِها ياءً لِكَسْرِ ما قَبْلِها. وذَكَرُوا أنَّهُ مَنصُوبٌ عَلى الظَّرْفِ، والعامِلُ فِيهِ نَراكَ أوِ اتَّبَعَكَ أوْ أراذِلُنا أيْ: وما نَراكَ فِيما يَظْهَرُ لَنا مِنَ الرَّأْيِ، أوْ في أوَّلِ رَأْيِنا، أوْ وما نَراكَ اتَّبَعَكَ أوَّلَ رَأْيِهِمْ، أوْ ظاهِرُ رَأْيِهِمْ. واحْتَمَلَ هَذا الوَجْهُ مَعْنَيَيْنِ: أحَدُهُما: أنْ يُرِيدَ: اتَّبَعَكَ في ظاهِرِ أمْرِهِمْ، وعَسى أنْ تَكُونَ بَواطِنُهم لَيْسَتْ مَعَكَ. والمَعْنى الثّانِي: أنْ يُرِيدَ: اتَّبَعُوكَ بِأوَّلِ نَظَرٍ وبِالرَّأْيِ البادِئِ دُونَ تَعَقُّبٍ، ولَوْ تَثَبَّتُوا لَمْ يَتَّبِعُوكَ، وفي هَذا الوَجْهِ ذَمُّ الرَّأْيِ غَيْرِ المَرْوِيِّ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: اتَّبَعُوكَ أوَّلَ الرَّأْيِ، أوْ ظاهِرَ الرَّأْيِ، وانْتِصابُهُ عَلى الظَّرْفِ أصْلُهُ وقْتَ حُدُوثِ أوَّلِ أمْرِهِمْ، أوْ وقْتَ حُدُوثِ ظاهِرِ رَأْيِهِمْ، فَحُذِفَ ذَلِكَ، وأُقِيمَ المُضافُ إلَيْهِ مَقامَهُ، أرادُوا: أنَّ اتِّباعَهم لَكَ إنَّما هو شَيْءٌ عَنَّ لَهم بَدِيهَةً مِن غَيْرِ رَوِيَّةٍ ونَظَرٍ، انْتَهى. وكَوْنُهُ مَنصُوبًا عَلى الظَّرْفِ هو قَوْلُ أبِي عَلِيٍّ في الحُجَّةِ، وإنَّما حَمَلَهُ عَلى الظَّرْفِ ولَيْسَ بِزَمانٍ ولا مَكانٍ، لِأنَّ في مُقَدَّرَةٌ فِيهِ أيْ: في ظاهِرِ الأمْرِ، أوْ في أوَّلِ الأمْرِ. وعَلى هَذَيْنِ التَّقْدِيرَيْنِ أعْنِي أنْ يَكُونَ العامِلُ فِيهِ: نَراكَ، أوِ اتَّبَعَكَ، يَقْتَضِي أنْ لا يَجُوزَ ذَلِكَ، لِأنَّ ما بَعْدَ إلّا لا يَكُونُ مَعْمُولًا لِما قَبْلَها، إلّا إنْ كانَ مُسْتَثْنًى مِنهُ نَحْوَ: قامَ إلّا زَيْدًا القَوْمُ، أوْ مُسْتَثْنًى نَحْوَ: جاءَ القَوْمُ إلّا زَيْدًا، أوْ تابِعًا لِلْمُسْتَثْنى مِنهُ نَحْوَ: ما جاءَنِي أحَدٌ إلّا زَيْدٌ أخْبَرَنِي عَمْرٌو، وبادِئَ الرَّأْيِ لَيْسَ واحِدًا مِن هَذِهِ الثَّلاثَةِ. وأُجِيبَ بِأنَّهُ ظَرْفٌ، أوْ كالظَّرْفِ مِثْلَ: جُهْدَ رَأْيٍ إنَّكَ ذاهِبٌ، أيْ: إنَّكَ ذاهِبٌ في جُهْدِ رَأْيٍ، والظُّرُوفِ يُتَّسَعُ فِيها. وإذا كانَ العامِلُ أراذِلُنا فَمَعْناهُ: الَّذِينَ هم أراذِلُنا بِأقَلِّ نَظَرٍ فِيهِمْ، وبِبادِئِ الرَّأْيِ يُعْلَمُ ذَلِكَ مِنهم. وقِيلَ: ﴿بادِيَ الرَّأْيِ﴾: نَعْتٌ لِقَوْلِهِ: (بَشَرًا) . وقِيلَ: انْتَصَبَ حالًا مِن ضَمِيرِ نُوحٍ في اتَّبَعَكَ، أيْ: وأنْتَ مَكْشُوفُ الرَّأْيِ لا حَصافَةَ لَكَ. وقِيلَ: انْتَصَبَ عَلى النِّداءِ لِـ نُوحٍ أيْ: يا بادِيَ الرَّأْيِ، أيْ: ما في نَفْسِكَ مِنَ الرَّأْيِ ظاهِرٌ لِكُلِّ أحَدٍ، قالُوا ذَلِكَ تَعْجِيزًا لَهُ. وقِيلَ: انْتَصَبَ عَلى المَصْدَرِ، وجاءَ الظَّرْفُ والمَصْدَرُ عَلى فاعِلٍ، ولَيْسَ بِالقِياسِ. فالرَّأْيُ هُنا إمّا مِن رُؤْيَةِ العَيْنِ، وإمّا مِنَ الفِكْرِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وإنَّما اسْتَرْذَلُوا المُؤْمِنِينَ لِفَقْرِهِمْ وتَأخُّرِهِمْ في الأسْبابِ الدُّنْيَوِيَّةِ، لِأنَّهم كانُوا جُهّالًا ما كانُوا يَعْلَمُونَ إلّا ظاهِرًا مِنَ الحَياةِ الدُّنْيا، فَكانَ الأشْرَفُ عِنْدَهم مَن لَهُ جاهٌ ومالٌ، انْتَهى. وظاهِرُ الخِطابِ في لَكم شامِلٌ لِـ نُوحٍ ومَنِ اتَّبَعَهُ، والمَعْنى: لَيْسَ لَكم عَلَيْنا زِيادَةٌ في مالٍ، ونَسَبٍ، ولا دِينٍ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: في الخَلْقِ والخُلُقِ، وقِيلَ: بِكَثْرَةِ المُلْكِ والمِلْكِ، وقِيلَ: بِمُتابَعَتِكم نُوحًا ومُخالَفَتِكم لَنا، وقِيلَ: مِن شَرَفٍ يُؤَهِّلُكم لِلنُّبُوَّةِ، وقالَ الكَلْبِيُّ: نَظُنُّكم: نَتَيَقَّنُكم، وقالَ مُقاتِلٌ: نَحْسَبُكم، أيْ في دَعْوى نُوحٍ وتَصْدِيقِكم، وقالَ صاحِبُ العِتِيّانِ: بَلْ نَظُنُّكم كاذِبِينَ تَوَسُّلًا إلى الرِّئاسَةِ والشُّهْرَةِ.

هود 11:28

﴿قالَ يا قَوْمِ أرَأيْتُمْ إنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّي وآتانِي رَحْمَةً مِن عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكم أنُلْزِمُكُمُوها وأنْتُمْ لَها كارِهُونَ﴾: لَمّا حَكى شُبَهَهم في إنْكارِ نُبُوَّةِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ وهي قَوْلُهم: ﴿ما نَراكَ إلّا بَشَرًا مِثْلَنا﴾ [هود: ٢٧] ذَكَرَ أنَّ المُساواةَ في البَشَرِيَّةِ لا تَمْنَعُ مِن حُصُولِ المُفارَقَةِ في صِفَةِ النُّبُوَّةِ والرِّسالَةِ، ثُمَّ ذَكَرَ الطَّرِيقَ الدّالَّ عَلى إمْكانِهِ عَلى جِهَةِ التَّعْلِيقِ والإمْكانِ، وهو مُتَيَقِّنٌ أنَّهُ عَلى بَيِّنَةٍ مِن مَعْرِفَةِ اللَّهِ وتَوْحِيدِهِ، وما يَجِبُ لَهُ وما يَمْتَنِعُ، ولَكِنَّهُ أبْرَزَهُ عَلى سَبِيلِ العَرْضِ لَهم والِاسْتِدْراجِ لِلْإقْرارِ بِالحَقِّ، وقِيامِ الحُجَّةِ عَلى (p-٢١٦)الخَصْمِ، ولَوْ قالَ: عَلى أنِّي عَلى حَقٍّ مِن رَبِّي لَقالُوا لَهُ: كَذَبْتَ، كَقَوْلِهِ: ﴿أتَقْتُلُونَ رَجُلًا أنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ﴾ [غافر: ٢٨] الآيَةَ فَقالَ فِيها: ﴿وإنْ يَكُ كاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ﴾ [غافر: ٢٨] . والبَيِّنَةُ: البُرْهانُ، والشّاهِدُ بِصِحَّةِ دَعْواهُ، ابْنُ عَبّاسٍ: الرَّحْمَةُ والنُّبُوَّةُ، مُقاتِلٌ: الهِدايَةُ، غَيْرُهُما: التَّوْفِيقُ والنُّبُوَّةُ والحِكْمَةُ. والظّاهِرُ أنَّ البَيِّنَةَ غَيْرُ الرَّحْمَةِ، فَيَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالبَيِّنَةِ: المُعْجِزَةُ، وبِالرَّحْمَةِ: النُّبُوَّةُ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ البَيِّنَةُ: هي الرَّحْمَةُ، ومِن عِنْدِهِ تَأْكِيدٌ وفائِدَتُهُ: رَفْعُ الِاشْتِراكِ ولَوْ بِالِاسْتِعارَةِ، ﴿فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ﴾ الظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ عائِدٌ عَلى البَيِّنَةِ، وبِذَلِكَ يَحْصُلُ الذَّمُّ لَهم مِن أنَّهُ أتى بِالمُعْجِزَةِ الجَلِيَّةِ الواضِحَةِ، وأنَّها عَلى وُضُوحِها واسْتِنارَتِها خَفِيَتْ عَلَيْهِمْ، وذَلِكَ بِأنَّهُ تَعالى سَلَبَهم عِلْمَها ومَنعَهم مَعْرِفَتَها. فَإنْ كانَتِ الرَّحْمَةُ هي البَيِّنَةُ فَعَوْدُ الضَّمِيرِ مُفْرَدًا ظاهِرٌ، وإنْ كانَتْ غَيْرَها كَما اخْتَرْناهُ. فَقَوْلُهُ: ﴿وآتانِي رَحْمَةً مِن عِنْدِهِ﴾، اعْتِراضٌ بَيْنَ المُتَعاطِفَيْنِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: حَقُّهُ أنْ يُقالَ: فَعُمِّيَتا. (قُلْتُ): الوَجْهُ أنْ يُقَدَّرَ فَعُمِّيَتْ بَعْدَ البَيِّنَةِ، وأنْ يَكُونَ حَذْفُهُ لِلِاقْتِصارِ عَلى ذِكْرِهِ، فَتَلَخَّصَ أنَّ الضَّمِيرَ يَعُودُ: إمّا عَلى البَيِّنَةِ، وإمّا عَلى الرَّحْمَةِ، وإمّا عَلَيْهِما بِاعْتِبارِ أنَّهُما واحِدٌ. ويَقُولُ لِلسَّحابِ: العَماءُ لِأنَّهُ يُخْفِي ما فِيهِ، كَما يُقالُ لَهُ: الغَمامُ لِأنَّهُ يَغُمُّهُ. وقِيلَ: هَذا مِنَ المَقْلُوبِ، فَعَمِيتُمْ أنْتُمْ عَنْها كَما تَقُولُ العَرَبُ: أدْخَلْتُ القَلَنْسُوَةَ في رَأْسِي، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: تَرى الثَّوْرَ فِيها مُدْخِلَ الظِّلِّ رَأْسَهُ قالَ أبُو عَلِيٍّ: وهَذا مِمّا يُقْلَبُ، هَذا لَيْسَ فِيهِ إشْكالٌ، وفي القُرْآنِ: ﴿فَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وعْدِهِ رُسُلَهُ﴾ [إبراهيم: ٤٧] انْتَهى. والقَلْبُ عِنْدَ أصْحابِنا مُطْلَقًا لا يَجُوزُ إلّا في الضَّرُورَةِ، وأمّا قَوْلُ الشّاعِرِ فَلَيْسَ مِن بابِ القَلْبِ بَلْ مِن بابِ الِاتِّساعِ في الظَّرْفِ. وأمّا الآيَةُ فَأخْلَفَ يَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ، ولَكانَ يُضِيفُ إلى أيِّهِما شِئْتَ فَلَيْسَ مِن بابِ القَلْبِ، ولَوْ كانَ: ﴿فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ﴾ مِن بابِ القَلْبِ لَكانَ التَّعَدِّي بِعْنَ دُونَ عَلى. ألا تَرى أنَّكَ تَقُولُ: عَمِيتُ عَنْ كَذا، ولا تَقُولُ عَمِيتُ عَلى كَذا ؟ وقَرَأ الأخَوانِ وحَفْصٌ: فَعُمِّيَتْ بِضَمِّ العَيْنِ وتَشْدِيدِ المِيمِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، أيْ: أُبْهِمَتْ عَلَيْكم وأُخْفِيَتَ، وباقِي السَّبْعَةِ: فَعَمِيَتْ بِفَتْحِ العَيْنِ وتَخْفِيفِ المِيمِ مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ. وقَرَأ أُبَيٌّ وعَلِيٌّ والسُّلَمِيُّ والحَسَنُ والأعْمَشُ: فَعَمّاها عَلَيْكم. ورَوى الأعْمَشُ عَنْ أبِي وثّابٍ: وعَمِيَتْ بِالواوِ خَفِيفَةً. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): فَما حَقِيقَتُهُ ؟ (قُلْتُ): حَقِيقَتُهُ أنَّ الحُجَّةَ كَما جُعِلَتْ بَصِيرَةً ومُبْصِرَةً جُعِلَتْ عَمْياءَ، لِأنَّ الأعْمى لا يَهْتَدِي، ولا يَهْدِي غَيْرَهُ، فَمَعْنى فَعَمِيَتْ عَلَيْكم: البَيِّنَةُ فَلَمْ تَهْدِكم، كَما لَوْ عَمِيَ عَلى القَوْمِ دَلِيلُهم في المَفازَةِ بَقَوْا بِغَيْرٍ هادٍ. (فَإنْ قُلْتَ): فَما مَعْنى قِراءَةِ أُبَيٍّ ؟ (قُلْتُ): المَعْنى أنَّهم صَمَّمُوا عَلى الإعْراضِ عَنْها فَخَلّاهُمُ اللَّهُ وتَصْمِيمَهم، فَجُعِلَتْ تِلْكَ التَّخْلِيَةُ تَعْمِيَةً مِنهُ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ: ﴿أنُلْزِمُكُمُوها وأنْتُمْ لَها كارِهُونَ﴾ يَعْنِي: أنُكْرِهُكم عَلى قَبُولِها ونَقْسِرُكم عَلى الِاهْتِداءِ بِها وأنْتُمْ تَكْرَهُونَها ولا تَخْتارُونَها ؟، ولا إكْراهَ في الدِّينِ، انْتَهى. وتَوْجِيهُهُ قِراءَةُ أُبَيٍّ هو عَلى طَرِيقَةِ المُعْتَزِلَةِ، وتَقَدَّمَ في سُورَةِ الأنْعامِ الكَلامُ عَلى (أرَأيْتُمْ) مُشْبَعًا، وذَكَرْنا أنَّ العَرَبَ تُعَدِيها إلى مَفْعُولَيْنِ: أحَدُهُما: مَنصُوبٌ، والثّانِي: أغْلَبُ ما يَكُونُ جُمْلَةً اسْتِفْهامِيَّةً. تَقُولُ: أرَأيْتَكَ زَيْدًا ما صَنَعَ، ولَيْسَ اسْتِفْهامًا حَقِيقِيًّا عَنِ الجُمْلَةِ. وإنَّ العَرَبَ ضَمَّنَتْ هَذِهِ الجُمْلَةَ مَعْنى: أخْبِرْنِي، وقَرَّرَنا هُناكَ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿أرَأيْتَكم إنْ أتاكم عَذابُ اللَّهِ﴾ [الأنعام: ٤٠] أنَّهُ مِن بابِ الإعْمالِ تَنازُعٌ عَلى عَذابِ اللَّهِ. أرَأيْتَكم يَطْلُبُهُ مَنصُوبًا، وفِعْلُ الشَّرْطِ يَطْلُبُهُ مَرْفُوعًا، فَأُعْمِلَ الثّانِي، وهَذا البَحْثُ يَتَقَرَّرُ هُنا أيْضًا، فَمَفْعُولُ أرَأيْتَكم مَحْذُوفٌ والتَّقْدِيرُ: أرَأيْتَكُمُ البَيِّنَةَ مِن رَبِّي إنْ كُنْتُ عَلَيْها أنُلْزِمُكُمُوها فَهَذِهِ الجُمْلَةُ الِاسْتِفْهامِيَّةُ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ الثّانِي لِقَوْلِهِ: أرَأيْتُمْ، وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ أرَأيْتُمْ، وجِيءَ بِالضَّمِيرَيْنِ مُتَّصِلَيْنِ في أنُلْزِمُكُمُوها، لِتَقَدُّمِ ضَمِيرِ الخِطابِ عَلى ضَمِيرِ الغَيْبَةِ، ولَوِ انْعَكَسَ لانْفَصَلَ ضَمِيرُ الخِطابِ خِلافًا لِمَن أجازَ الِاتِّصالَ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الثّانِي مُنْفَصِلًا (p-٢١٧)كَقَوْلِكَ: أنُلْزِمُكم إيّاها ونَحْوَهُ، ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ١٣٧]، ويَجُوزُ: فَسَيَكْفِيكَ إيّاهم، وهَذا الَّذِي قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ مِن جَوازِ انْفِصالِ الضَّمِيرِ في نَحْوِ ﴿أنُلْزِمُكُمُوها﴾، هو نَحْوُ قَوْلِ ابْنِ مالِكٍ في التَّسْهِيلِ. قالَ: وتَخْتارُ اتِّصالَ نَحْوِ ها أعْطَيْتُكَهُ. وقالَ ابْنُ أبِي الرَّبِيعِ: إذا قَدَّمْتَ ما لَهُ الرُّتْبَةُ اتَّصَلَ لا غَيْرَ، تَقُولُ: أعْطَيْتُكَهُ. قالَ تَعالى: ﴿أنُلْزِمُكُمُوها﴾ وفي كِتابِ سِيبَوَيْهِ ما يَشْهَدُ لَهُ، قالَ سِيبَوَيْهِ: فَإذا كانَ المَفْعُولانِ اللَّذانِ تَعَدّى إلَيْهِما فِعْلُ الفاعِلِ مُخاطَبًا وغائِبًا، فَبَدَأتْ بِالمُخاطَبِ قَبْلَ الغائِبِ، فَإنَّ عَلامَةَ الغائِبِ العَلامَةُ الَّتِي لا يَقَعُ مَوْقِعَها إيّاهُ وذَلِكَ قَوْلُكَ: أعْطَيْتُكَهُ وقَدْ أعْطاكَهُ. قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿أنُلْزِمُكُمُوها وأنْتُمْ لَها كارِهُونَ﴾، فَهَذا كَهَذا، إذا بَدَأْتَ بِالمُخاطَبِ قَبْلَ الغائِبِ، انْتَهى. فَهَذا نَصٌّ مِن سِيبَوَيْهِ عَلى ما قالَهُ ابْنُ أبِي الرَّبِيعِ، خِلافًا لِلزَّمَخْشَرِيِّ وابْنِ مالِكٍ ومَن سَبَقَهُما إلى القَوْلِ بِذَلِكَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وحَكى عَنْ أبِي عَمْرٍو: إسْكانَ المِيمِ، ووَجْهُهُ: أنَّ الحَرَكَةَ لَمْ تَكُنْ إلّا خِلْسَةً خَفِيفَةً، فَظَنَّها الرّاوِي سُكُونًا. والإسْكانُ الصَّرِيحُ لَحْنٌ عِنْدَ الخَلِيلِ وسِيبَوَيْهِ وحُذّاقِ البَصْرِيِّينَ، لِأنَّ الحَرَكَةَ الإعْرابِيَّةَ لا يَسُوغُ طَرْحُها إلّا في ضَرُورَةِ الشِّعْرِ، انْتَهى. وأخَذَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ مِنَ الزَّجّاجِ، قالَ الزَّجّاجُ: أجْمَعَ النَّحْوِيُّونَ البَصْرِيُّونَ عَلى أنَّهُ لا يَجُوزُ إسْكانُ حَرَكَةِ الإعْرابِ إلّا في ضَرُورَةِ الشِّعْرِ، فَأمّا ما رُوِيَ عَنْ أبِي عَمْرٍو فَلَمْ يَضْبُطْهُ عَنْهُ القُرّاءُ، ورَوى عَنْهُ سِيبَوَيْهِ أنَّهُ كانَ يَخِفُّ الحَرَكَةَ ويَخْتَلِسُها، وهَذا هو الحَقُّ. وإنَّما يَجُوزُ الإسْكانُ في الشِّعْرِ نَحْوَ قَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ: فاليَوْمَ أشْرَبُ غَيْرَ مُسْتَحْقِبٍ والزَّمَخْشَرِيُّ عَلى عادَتِهِ في تَجْهِيلِ القُرّاءِ، وهم أجَلُّ مِن أنْ يَلْتَبِسَ عَلَيْهِمْ الِاخْتِلاسُ بِالسُّكُونِ، وقَدْ حَكى الكِسائِيُّ والفَرّاءُ: ﴿أنُلْزِمُكُمُوها﴾ بِإسْكانِ المِيمِ الأُولى تَخْفِيفًا. قالَ النَّحّاسُ: ويَجُوزُ عَلى قَوْلِ يُونُسَ: أنُلْزِمْكُمُها، كَما تَقُولُ: أنُلْزِمُكم ذَلِكَ ويُرِيدُ إلْزامَ جَبْرٍ بِالقَتْلِ ونَحْوِهِ، وأمّا إلْزامُ الإيجابِ فَهو حاصِلٌ، وقالَ النَّحّاسُ: أنُوحِيها عَلَيْكم، وقَوْلُهُ في ذَلِكَ خَطَأٌ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وفي قِراءَةِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: ﴿أنُلْزِمُكُمُوها﴾ مِن شَطْرِ أنْفُسِنا، ومَعْناهُ: مِن تِلْقاءِ أنْفُسِنا. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قَرَأ ذَلِكَ مِن شَطْرِ قُلُوبِنا، انْتَهى. ومَعْنى شَطْرِ: نَحْوُ، وهَذا عَلى جِهَةِ التَّفْسِيرِ لا عَلى أنَّهُ قُرْآنٌ لِمُخالَفَتِهِ سَوادَ المُصْحَفِ.

هود 11:29

﴿ويا قَوْمِ لا أسْألُكم عَلَيْهِ مالًا إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى اللَّهِ وما أنا بِطارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا إنَّهم مُلاقُو رَبِّهِمْ ولَكِنِّي أراكم قَوْمًا تَجْهَلُونَ﴾ ﴿ويا قَوْمِ مَن يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إنْ طَرَدْتُهم أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ ﴿ولا أقُولُ لَكم عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ ولا أعْلَمُ الغَيْبَ ولا أقُولُ إنِّي مَلَكٌ ولا أقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أعْيُنُكم لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْرًا اللَّهُ أعْلَمُ بِما في أنْفُسِهِمْ إنِّي إذًا لَمِنَ الظّالِمِينَ﴾ ﴿قالُوا يا نُوحُ قَدْ جادَلْتَنا فَأكْثَرْتَ جِدالَنا فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ ﴿قالَ إنَّما يَأْتِيكم بِهِ اللَّهُ إنْ شاءَ وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ ﴿ولا يَنْفَعُكم نُصْحِي إنْ أرَدْتُ أنْ أنْصَحَ لَكم إنْ كانَ اللَّهُ يُرِيدُ أنْ يُغْوِيَكم هو رَبُّكم وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾: تَلَطَّفَ نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ بِنِدائِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿ويا قَوْمِ﴾، اسْتِدْراجًا لَهم في قَبُولِ كَلامِهِ، كَما تَلَطَّفَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِقَوْلِهِ (يا أبَتِ) وكَما تَلَطَّفَ مُؤْمِنُ آلِ فِرْعَوْنَ بِقَوْلِهِ (يا قَوْمِ) والضَّمِيرُ في عَلَيْهِ عائِدٌ إلى الإنْذارِ. وإفْرادُ اللَّهِ بِالعِبادَةِ المَفْهُومُ مِن قَوْلِهِ لَهم: ﴿إنِّي لَكم نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ [هود: ٢٥] ﴿ألّا تَعْبُدُوا إلّا اللَّهَ﴾ [هود: ٢] (p-٢١٨)وقِيلَ: عَلى الدِّينِ، وقِيلَ: عَلى الدُّعاءِ إلى التَّوْحِيدِ، وقِيلَ: عَلى تَبْلِيغِ الرِّسالَةِ. وكُلُّها أقْوالٌ مُتَقارِبَةٌ، والمَعْنى: إنَّكم وهَؤُلاءِ الَّذِينَ اتَّبَعُونا سَواءٌ في أنْ أدْعُوَكم إلى اللَّهِ، وإنِّي لا أبْتَغِي عَمّا أُلْقِيهِ إلَيْكم مِن شَرائِعِ اللَّهِ مالًا، فَلا يَتَفاوَتُ حالُكم وحالُهم. وأيْضًا: فَلَعَلَّهم ظَنُّوا أنَّهُ يُرِيدُ: الِاسْتِرْفادَ مِنهم، فَنَفاهُ بِقَوْلِهِ: ﴿لا أسْألُكم عَلَيْهِ مالًا إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى اللَّهِ﴾، فَلا تَحْرِمُوا أنْفُسَكُمُ السَّعادَةَ الأبَدِيَّةَ بِتَوَهُّمٍ فاسِدٍ. ثُمَّ ذَكَرَ أنَّهُ قامَ بِهَؤُلاءِ وصْفٌ يَجِبُ العُكُوفُ عَلَيْهِمْ بِهِ والِانْضِواءُ مَعَهم، وهو الإيمانُ فَلا يُمْكِنُ طَرْدُهم، وكانُوا سَألُوا مِنهُ طَرْدَ هَؤُلاءِ المُؤْمِنِينَ، رَفْعًا لِأنْفُسِهِمْ مِن مُساواةِ أُولَئِكَ الفُقَراءِ. ونَظِيرَ هَذا: ما اقْتَرَحَتْ قُرَيْشٌ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِن طَرْدِ أتْباعِهِ الَّذِينَ لَمْ يَكُونُوا مِن قُرَيْشٍ. وقُرِئَ: بِطارِدٍ: بِالتَّنْوِينِ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: عَلى الأصْلِ يَعْنِي: أنَّ اسْمَ الفاعِلِ إذا كانَ بِمَعْنى الحالِ أوْ الِاسْتِقْبالِ، أصْلُهُ أنْ يَعْمَلَ ولا يُضافَ، وهَذا ظاهِرُ كَلامِ سِيبَوَيْهِ. ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ: إنَّ الأصْلَ الإضافَةُ لا العَمَلُ، لِأنَّهُ قَدِ اعْتَوَرَهُ شَبَهانِ: أحَدُهُما: شِبْهٌ بِالمُضارِعِ وهو شَبَهُهُ بِغَيْرِ جِنْسِهِ. والآخَرُ: شِبْهٌ بِالأسْماءِ إذا كانَتْ فِيها الإضافَةُ، فَكانَ إلْحاقُهُ بِجِنْسِهِ أوْلى مِن إلْحاقِهِ بِغَيْرِ جِنْسِهِ. ﴿أنَّهم مُلاقُو رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٤٦]: ظاهِرُهُ التَّعْلِيلُ لِانْتِفاءِ طَرْدِهِمْ، أيْ: إنَّهم يُلاقُونَ اللَّهَ، أيْ: جَزاءَهُ، فَيُوصِلُهم إلى حَقِّهِمْ عِنْدِي إنْ ظَلَمْتُهم بِالطَّرْدِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مَعْناهُ: أنَّهم يُلاقُونَ اللَّهَ فَيُعاقِبُ مَن طَرَدَهم، أوْ: يُلاقُونَهُ فَيُجازِيهِمْ عَلى ما في قُلُوبِهِمْ مِن إيمانٍ صَحِيحٍ ثابِتٍ كَما ظَهَرَ لِي مِنهم، وما أعْرِفُ غَيْرَهُ مِنهم، أوْ عَلى خِلافِ ذَلِكَ مِمّا تَعْرِفُونَهم بِهِ مِن بِناءِ إيمانِهِمْ عَلى بادِئِ الرَّأْيِ مِن غَيْرِ نَظَرٍ ولا تَفَكُّرٍ، وما عَلَيَّ أنْ أشُقَّ عَلى قُلُوبِهِمْ، وأتَعَرَّفَ ذَلِكَ مِنهم حَتّى أطْرُدَهم ونَحْوُهُ ﴿ولا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ﴾ [الأنعام: ٥٢] الآيَةَ، أوْ هم مُصَدِّقُونَ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ، مُوقِنُونَ بِهِ عالِمُونَ أنَّهم مُلاقُوهُ لا مَحالَةَ، انْتَهى. ووَصْفُهم بِالجَهْلِ لِكَوْنِهِمْ بَنَوْا أمْرَهم عَلى الجَهْلِ بِالعَواقِبِ، والِاغْتِرارِ بِالظَّواهِرِ. أوْ لِأنَّهم يَتَسافَلُونَ عَلى المُؤْمِنِينَ ويَدْعُونَهم: أراذِلَ، مِن قَوْلِهِ: ألا لا يَجْهَلَنْ أحَدٌ عَلَيْنا أوْ: تَجْهَلُونَ لِقاءَ رَبِّكم، أوْ: تَجْهَلُونَ أنَّهم خَيْرٌ مِنكم، أوْ: وصْفُهم بِالجَهْلِ في هَذا الِاقْتِراحِ، وهو طَرْدُ المُؤْمِنِينَ ونَحْوِهِ ﴿مَن يَنْصُرُنِي﴾ اسْتِفْهامٌ مَعْناهُ: لا ناصِرَ لِي مِن عِقابِ اللَّهِ إنْ طَرَدْتُهم عَنِ الخَيْرِ الَّذِي قَدْ قَبِلُوهُ، أوْ لِأجْلِ إيمانِهِمْ، قالَهُ الفَرّاءُ، وكانُوا يَسْألُونَهُ أنْ يَطْرُدَهم لِيُؤْمِنُوا بِهِ، أنَفَةً مِنهم أنْ يَكُونُوا مَعَهم عَلى سَواءٍ، ثُمَّ وقَفَهم بِقَوْلِهِ: ﴿أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ [يونس: ٣]، عَلى النَّظَرِ المُؤَدِّي إلى صِحَّةِ هَذا الِاحْتِجاجِ. وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ الجُمَلِ الثَّلاثِ في الأنْعامِ. وتَزْدَرِي: تَفْتَعِلُ، والدّالُ بَدَلٌ مِنَ التّاءِ قالَ: تَرى الرَّجُلَ النَّحِيفَ فَتَزْدَرِيهِ وفي أثْوابِهِ أسَدٌ هَصُورُ وأنْشَدَ الفَرّاءُ: يُباعِدُهُ الصَّدِيقُ وتَزْدَرِيهِ حَلِيلَتُهُ ويَنْهَرُهُ الصَّغِيرُ والعائِدُ عَلى المَوْصُولِ مَحْذُوفٌ، أيْ: تَزْدَرُونَهم، أيْ: تَسْتَحْقِرُهم أعْيُنُكم. ولَنْ يُؤْتِيَهم: مَعْمُولٌ لِقَوْلِهِ: (ولا أقُولُ) و(لِلَّذِينَ): مَعْناهُ لِأجْلِ الَّذِينَ. ولَوْ كانَتِ اللّامُ لِلتَّبْلِيغِ لَكانَ القِياسُ: (لَنْ يُؤْتِيَكم) بِكافِ الخِطابِ، أيْ: لَيْسَ احْتِقارُكم إيّاهم يُنْقِصُ ثَوابَهم عِنْدَ اللَّهِ ولا يُبْطِلُ أُجُورَهم. ﴿اللَّهُ أعْلَمُ بِما في أنْفُسِهِمْ﴾: تَسْلِيمٌ لِلَّهِ، أيْ: لَسْتُ أحْكُمُ عَلَيْهِمْ بِشَيْءٍ مِن هَذا، وإنَّما الحُكْمُ بِذَلِكَ لِلَّهِ تَعالى الَّذِي يَعْلَمُ ما في أنْفُسِهِمْ فَيُجازِيهِمْ عَلَيْهِ. وقِيلَ: هو رَدٌّ عَلى قَوْلِهِمُ: اتَّبَعَكَ أراذِلُنا، أيْ: لَسْتُ أحْكُمُ عَلَيْهِمْ بِأنْ لا يَكُونَ لَهم خَيْرٌ لِظَنِّكم بِهِمْ، إنَّ بَواطِنَهم لَيْسَتْ كَظَواهِرِهِمُ، اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ أعْلَمُ بِما في نُفُوسِهِمْ. إنِّي: لَوْ فَعَلْتُ ذَلِكَ لَمِنَ الظّالِمِينَ، وهُمُ الَّذِينَ يَضَعُونَ الشَّيْءَ في غَيْرِ مَواضِعِهِ، ﴿قَدْ جادَلْتَنا﴾: الظّاهِرُ المُبالَغَةُ في الخُصُومَةِ والمُناظَرَةِ. وقالَ الكَلْبِيُّ: دَعَوْتَنا. وقِيلَ: وعَظْتَنا، وقِيلَ: أتَيْتَ بِأنْواعِ الجِدالِ وفُنُونِهِ فَما صَحَّ دَعْواكَ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ: فَأكْثَرْتَ (p-٢١٩)جَدَلَنا كَقَوْلِهِ: ﴿وكانَ الإنْسانُ أكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾ [الكهف: ٥٤] فَأْتِنا بِما تَعِدُنا مِنَ العَذابِ: المُعَجَّلِ، وما بِمَعْنى الَّذِي والعائِدُ مَحْذُوفٌ أيْ: بِما تَعِدْناهُ، أوْ مَصْدَرِيَّةٌ، وإنَّما كَثُرَتْ مُجادَلَتُهُ لَهم لِأنَّهُ أقامَ فِيهِمْ ما أخْبَرَ اللَّهُ بِهِ ألْفَ سَنَةٍ إلّا خَمْسِينَ عامًا، وهو كُلُّ وقْتٍ يَدْعُوهم إلى اللَّهِ وهم يُجِيبُونَهُ بِعِبادَتِهِمْ أصْنامَهم. قالَ: إنَّما يَأْتِيكم بِهِ اللَّهُ، أيْ: لَيْسَ ذَلِكَ إلَيَّ إنَّما هو لِلْإلَهِ الَّذِي يُعاقِبُكم عَلى عِصْيانِكم، إنْ شاءَ، أيْ: إنِ اقْتَضَتْ حِكْمَتُهُ أنْ يُعَجِّلَ عَذابَكم وأنْتُمْ في قَبْضَتِهِ لا يُمْكِنُ أنْ تُفْلِتُوا مِنهُ، ولا أنْ تَمْتَنِعُوا. ولَمّا قالُوا: ﴿قَدْ جادَلْتَنا﴾، وطَلَبُوا تَعْجِيلَ العَذابِ، وكانَ مُجادَلَتُهُ لَهم إنَّما هو عَلى سَبِيلِ النُّصْحِ والإنْقاذِ مِن عَذابِ اللَّهِ، قالَ: ﴿ولا يَنْفَعُكم نُصْحِي﴾ . وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ الثَّقَفِيُّ: نَصْحِي بِفَتْحِ النُّونِ، وهو مَصْدَرٌ. وقِراءَةُ الجَماعَةِ: بِضَمِّها، فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا كالشُّكْرِ، واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ اسْمًا. وهَذانِ الشَّرْطانِ اعْتَقَبَ الأوَّلُ مِنهُما قَوْلَهُ: ﴿ولا يَنْفَعُكم نُصْحِي﴾، وهو دَلِيلٌ عَلى جَوابِ الشَّرْطِ تَقْدِيرُهُ: إنْ أرَدْتُ أنْ أنْصَحَ لَكم فَلا يَنْفَعُكم نُصْحِي، والشَّرْطُ الثّانِي: اعْتَقَبَ الشَّرْطَ الأوَّلَ. وجَوابُهُ أيْضًا ما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿ولا يَنْفَعُكم نُصْحِي﴾، تَقْدِيرُهُ: إنْ كانَ اللَّهُ يُرِيدُ أنْ يُغْوِيَكم فَلا يَنْفَعُكم نُصْحِي. وصارَ الشَّرْطُ الثّانِي شَرْطًا في الأوَّلِ، وصارَ المُتَقَدِّمُ مُتَأخِّرًا والمُتَأخِّرُ مُتَقَدِّمًا، وكَأنَّ التَّرْكِيبَ: إنْ أرَدْتُ أنْ أنْصَحَ لَكم إنْ كانَ اللَّهُ يُرِيدُ أنْ يُغْوِيَكم فَلا يَنْفَعُكم نُصْحِي، وهو مِن حَيْثُ المَعْنى كالشَّرْطِ إذا كانَ بِالفاءِ نَحْوَ: إنْ كانَ اللَّهُ يُرِيدُ أنْ يُغْوِيَكم. فَإنْ أرَدْتُ أنْ أنْصَحَ لَكم فَلا يَنْفَعُكم نُصْحِي. ونَظِيرُهُ: ﴿وامْرَأةً مُؤْمِنَةً إنْ وهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِّ إنْ أرادَ النَّبِيُّ أنْ يَسْتَنْكِحَها﴾ [الأحزاب: ٥٠] وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: قَوْلُهُ: ﴿إنْ كانَ اللَّهُ يُرِيدُ أنْ يُغْوِيَكُمْ﴾ جَزاؤُهُ ما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿ولا يَنْفَعُكم نُصْحِي﴾، وهَذا الدَّلِيلُ في حُكْمِ ما دَلَّ عَلَيْهِ، فَوُصِلَ بِشَرْطٍ كَما وُصِلَ الجَزاءُ بِالشَّرْطِ في قَوْلِهِ: إنْ أحْسَنْتَ إلَيَّ أحْسَنْتُ إلَيْكَ إنْ أمْكَنَنِي. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ولَيْسَ نُصْحِي لَكم بِنافِعٍ، ولا إرادَتِي الخَيْرَ لَكم مُغْنِيَةً، إذا كانَ اللَّهُ تَعالى قَدْ أرادَ بِكُمُ الإغْواءَ والإضْلالَ والإهْلاكَ. والشَّرْطُ الثّانِي: اعْتِراضٌ بَيْنَ الكَلامِ، وفِيهِ بَلاغَةٌ مِنَ اقْتِرانِ الإرادَتَيْنِ، وأنَّ إرادَةَ البَشَرِ غَيْرُ مُغْنِيَةٍ، وتَعَلُّقُ هَذا الشَّرْطِ هو بِنُصْحِي، وتَعَلُّقُ الآخَرِ هو بِلا يَنْفَعُ، انْتَهى. وكَذا قالَ أبُو الفَرَجِ بْنُ الجَوْزِيِّ قالَ: جَوابُ الأوَّلِ: النُّصْحُ، وجَوابُ الثّانِي: النَّفْعُ. والظّاهِرُ أنَّ مَعْنى يُغْوِيَكم: يُضِلَّكم مِن قَوْلِهِ: غَوى الرَّجُلُ يَغْوِي وهو: الضَّلالُ. وفِيهِ إسْنادُ الإغْواءِ إلى اللَّهِ، فَهو حُجَّةٌ عَلى المُعْتَزِلَةِ إذْ يَقُولُونَ: إنَّ الضَّلالَ هو مِنَ العَبْدِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: إذا عَرَفَ اللَّهُ مِنَ الكافِرِ الإصْرارَ فَخَلّاهُ وشَأْنَهُ ولَمْ يُلْجِئْهُ، سُمِّيَ ذَلِكَ إغْواءً وإمْلاءً، كَما إنَّهُ إذا عَرَفَ مِنهُ أنْ يَتُوبَ ويَرْعَوِي فَلَطَفَ بِهِ، سُمِّيَ: إرْشادًا وهِدايَةً، انْتَهى. وهُوَ عَلى طَرِيقَةِ الِاعْتِزالِ، ونَصُّوا عَلى أنَّهُ لا يُوصَفُ اللَّهُ بِأنَّهُ عارِفٌ، فَلا يَنْبَغِي أنْ يُقالَ: إذا عَرَفَ اللَّهُ، كَما قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ، ولِلْمُعْتَزِلِيِّ أنْ يَقُولَ: لا يَتَعَيَّنُ أنْ تَكُونَ إنْ شَرْطِيَّةً، بَلْ هي نافِيَةٌ والمَعْنى: ما كانَ اللَّهُ يُرِيدُ أنْ يُغْوِيَكم، فَفي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى نَفْيِ الإضْلالِ عَنِ اللَّهِ تَعالى، ويَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿ولا يَنْفَعُكم نُصْحِي إنْ أرَدْتُ أنْ أنْصَحَ﴾: إخْبارًا مِنهُ لَهم وتَعْزِيَةً لِنَفْسِهِ عَنْهم، لِما رَأى مِن إصْرارِهِمْ وتَمادِيهِمْ عَلى الكُفْرِ. وقِيلَ: مَعْنى (يُغْوِيَكم): يُهْلِكَكم، والغَوى: المَرَضُ والهَلاكُ. وفي لُغَةِ طَيِّءٍ: أصْبَحَ فُلانٌ غاوِيًا أيْ: مَرِيضًا، والغَوى: بَشَمُ الفَصِيلِ، وقالَهُ يَعْقُوبُ في الإصْلاحِ. وقِيلَ: فَقْدُهُ اللَّبَنَ حَتّى يَمُوتَ جُوعًا، قالَهُ الفَرّاءُ، وحَكاهُ الطَّبَرِيُّ يُقالُ مِنهُ: غَوى يَغْوِي. وحَكى الزَّهْراوِيُّ: أنَّهُ الَّذِي قُطِعَ عَنْهُ اللَّبَنُ حَتّى كادَ يَهْلِكُ، أوْ لَمّا يَهْلِكُ بَعْدُ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: وكَوْنُ مَعْنى يُغْوِيَكم يُهْلِكَكم، قَوْلٌ مَرْغُوبٌ عَنْهُ، وأنْكَرَ مَكِّيٌّ أنْ يَكُونَ الغَوى بِمَعْنى: الهَلاكِ، مَوْجُودًا في لِسانِ العَرَبِ، وهو مَحْجُوجٌ بِنَقْلِ الفَرّاءِ وغَيْرِهِ. وإذا كانَ مَعْنى يُغْوِيَكم: يُهْلِكَكم، فَلا حُجَّةَ فِيهِ لا لِمُعْتَزِلِيٍّ ولا لِسُنِّيٍّ، بَلِ الحُجَّةُ مِن غَيْرِ هَذا، ومَعْناهُ: أنَّكم إذا كُنْتُمْ مِنَ التَّصْمِيمِ عَلى الكُفْرِ، فالمَنزِلَةُ الَّتِي لا تَنْفَعُكم نَصائِحُ اللَّهِ ومَواعِظُهُ وسائِرُ ألْطافِهِ، كَيْفَ يَنْفَعُكم نُصْحِي ؟ (p-٢٢٠)وفِي قَوْلِهِ: ﴿هُوَ رَبُّكُمْ﴾: تَنْبِيهٌ عَلى المَعْرِفَةِ بِالخالِقِ، وأنَّهُ النّاظِرُ في مَصالِحِكم، إنْ شاءَ أنْ يُغْوِيَكم، وإنْ شاءَ أنْ يَهْدِيَكم. وفي قَوْلِهِ: ﴿وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [يونس: ٥٦]: وعِيدٌ وتَخْوِيفٌ. ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ إنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إجْرامِي وأنا بَرِيءٌ مِمّا تُجْرِمُونَ﴾: قِيلَ: هَذِهِ الآيَةُ اعْتُرِضَتْ في قِصَّةِ نُوحٍ، والأخْبارُ فِيها عَنْ قُرَيْشٍ. يَقُولُونَ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، أيِ: افْتَرى القُرْآنَ، وافْتَرى هَذا الحَدِيثَ عَنْ نُوحٍ وقَوْمِهِ، ولَوْ صَحَّ ذَلِكَ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ لَوُقِفَ عِنْدَهُ، ولَكِنَّ الظّاهِرَ أنَّ الضَّمِيرَ في يَقُولُونَ عائِدٌ عَلى قَوْمِ نُوحٍ، أيْ: بَلْ أيَقُولُونَ افْتَرى ما أخْبَرَهم بِهِ مِن دِينِ اللَّهِ وعِقابِ مَن أعْرَضَ عَنْهُ، فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: قُلْ إنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إثْمُ إجْرامِي، والإجْرامُ: مَصْدَرُ أجْرَمَ، ويُقالُ: أجْرَمَ وهو الكَثِيرُ، وجَرَمَ بِمَعْنًى. ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎طَرِيدُ عَشِيرَةٍ ورَهِينُ ذَنْبٍ بِما جَرَمَتْ يَدِي وجَنى لِسانِي وقُرِئَ: (أجْرامِي) بِفَتْحِ الهَمْزَةِ جَمْعُ جُرْمٍ، ذَكَرَهُ النَّحّاسُ، وفُسِّرَ: بِآثامِي. ومَعْنى ﴿مِمّا تُجْرِمُونَ﴾: مِن إجْرامِكم في إسْنادِ الِافْتِراءِ إلَيَّ، وقِيلَ: مِمّا تُجْرِمُونَ مِنَ الكُفْرِ والتَّكْذِيبِ.

هود 11:30

﴿ويا قَوْمِ لا أسْألُكم عَلَيْهِ مالًا إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى اللَّهِ وما أنا بِطارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا إنَّهم مُلاقُو رَبِّهِمْ ولَكِنِّي أراكم قَوْمًا تَجْهَلُونَ﴾ ﴿ويا قَوْمِ مَن يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إنْ طَرَدْتُهم أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ ﴿ولا أقُولُ لَكم عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ ولا أعْلَمُ الغَيْبَ ولا أقُولُ إنِّي مَلَكٌ ولا أقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أعْيُنُكم لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْرًا اللَّهُ أعْلَمُ بِما في أنْفُسِهِمْ إنِّي إذًا لَمِنَ الظّالِمِينَ﴾ ﴿قالُوا يا نُوحُ قَدْ جادَلْتَنا فَأكْثَرْتَ جِدالَنا فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ ﴿قالَ إنَّما يَأْتِيكم بِهِ اللَّهُ إنْ شاءَ وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ ﴿ولا يَنْفَعُكم نُصْحِي إنْ أرَدْتُ أنْ أنْصَحَ لَكم إنْ كانَ اللَّهُ يُرِيدُ أنْ يُغْوِيَكم هو رَبُّكم وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾: تَلَطَّفَ نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ بِنِدائِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿ويا قَوْمِ﴾، اسْتِدْراجًا لَهم في قَبُولِ كَلامِهِ، كَما تَلَطَّفَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِقَوْلِهِ (يا أبَتِ) وكَما تَلَطَّفَ مُؤْمِنُ آلِ فِرْعَوْنَ بِقَوْلِهِ (يا قَوْمِ) والضَّمِيرُ في عَلَيْهِ عائِدٌ إلى الإنْذارِ. وإفْرادُ اللَّهِ بِالعِبادَةِ المَفْهُومُ مِن قَوْلِهِ لَهم: ﴿إنِّي لَكم نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ [هود: ٢٥] ﴿ألّا تَعْبُدُوا إلّا اللَّهَ﴾ [هود: ٢] (p-٢١٨)وقِيلَ: عَلى الدِّينِ، وقِيلَ: عَلى الدُّعاءِ إلى التَّوْحِيدِ، وقِيلَ: عَلى تَبْلِيغِ الرِّسالَةِ. وكُلُّها أقْوالٌ مُتَقارِبَةٌ، والمَعْنى: إنَّكم وهَؤُلاءِ الَّذِينَ اتَّبَعُونا سَواءٌ في أنْ أدْعُوَكم إلى اللَّهِ، وإنِّي لا أبْتَغِي عَمّا أُلْقِيهِ إلَيْكم مِن شَرائِعِ اللَّهِ مالًا، فَلا يَتَفاوَتُ حالُكم وحالُهم. وأيْضًا: فَلَعَلَّهم ظَنُّوا أنَّهُ يُرِيدُ: الِاسْتِرْفادَ مِنهم، فَنَفاهُ بِقَوْلِهِ: ﴿لا أسْألُكم عَلَيْهِ مالًا إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى اللَّهِ﴾، فَلا تَحْرِمُوا أنْفُسَكُمُ السَّعادَةَ الأبَدِيَّةَ بِتَوَهُّمٍ فاسِدٍ. ثُمَّ ذَكَرَ أنَّهُ قامَ بِهَؤُلاءِ وصْفٌ يَجِبُ العُكُوفُ عَلَيْهِمْ بِهِ والِانْضِواءُ مَعَهم، وهو الإيمانُ فَلا يُمْكِنُ طَرْدُهم، وكانُوا سَألُوا مِنهُ طَرْدَ هَؤُلاءِ المُؤْمِنِينَ، رَفْعًا لِأنْفُسِهِمْ مِن مُساواةِ أُولَئِكَ الفُقَراءِ. ونَظِيرَ هَذا: ما اقْتَرَحَتْ قُرَيْشٌ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِن طَرْدِ أتْباعِهِ الَّذِينَ لَمْ يَكُونُوا مِن قُرَيْشٍ. وقُرِئَ: بِطارِدٍ: بِالتَّنْوِينِ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: عَلى الأصْلِ يَعْنِي: أنَّ اسْمَ الفاعِلِ إذا كانَ بِمَعْنى الحالِ أوْ الِاسْتِقْبالِ، أصْلُهُ أنْ يَعْمَلَ ولا يُضافَ، وهَذا ظاهِرُ كَلامِ سِيبَوَيْهِ. ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ: إنَّ الأصْلَ الإضافَةُ لا العَمَلُ، لِأنَّهُ قَدِ اعْتَوَرَهُ شَبَهانِ: أحَدُهُما: شِبْهٌ بِالمُضارِعِ وهو شَبَهُهُ بِغَيْرِ جِنْسِهِ. والآخَرُ: شِبْهٌ بِالأسْماءِ إذا كانَتْ فِيها الإضافَةُ، فَكانَ إلْحاقُهُ بِجِنْسِهِ أوْلى مِن إلْحاقِهِ بِغَيْرِ جِنْسِهِ. ﴿أنَّهم مُلاقُو رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٤٦]: ظاهِرُهُ التَّعْلِيلُ لِانْتِفاءِ طَرْدِهِمْ، أيْ: إنَّهم يُلاقُونَ اللَّهَ، أيْ: جَزاءَهُ، فَيُوصِلُهم إلى حَقِّهِمْ عِنْدِي إنْ ظَلَمْتُهم بِالطَّرْدِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مَعْناهُ: أنَّهم يُلاقُونَ اللَّهَ فَيُعاقِبُ مَن طَرَدَهم، أوْ: يُلاقُونَهُ فَيُجازِيهِمْ عَلى ما في قُلُوبِهِمْ مِن إيمانٍ صَحِيحٍ ثابِتٍ كَما ظَهَرَ لِي مِنهم، وما أعْرِفُ غَيْرَهُ مِنهم، أوْ عَلى خِلافِ ذَلِكَ مِمّا تَعْرِفُونَهم بِهِ مِن بِناءِ إيمانِهِمْ عَلى بادِئِ الرَّأْيِ مِن غَيْرِ نَظَرٍ ولا تَفَكُّرٍ، وما عَلَيَّ أنْ أشُقَّ عَلى قُلُوبِهِمْ، وأتَعَرَّفَ ذَلِكَ مِنهم حَتّى أطْرُدَهم ونَحْوُهُ ﴿ولا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ﴾ [الأنعام: ٥٢] الآيَةَ، أوْ هم مُصَدِّقُونَ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ، مُوقِنُونَ بِهِ عالِمُونَ أنَّهم مُلاقُوهُ لا مَحالَةَ، انْتَهى. ووَصْفُهم بِالجَهْلِ لِكَوْنِهِمْ بَنَوْا أمْرَهم عَلى الجَهْلِ بِالعَواقِبِ، والِاغْتِرارِ بِالظَّواهِرِ. أوْ لِأنَّهم يَتَسافَلُونَ عَلى المُؤْمِنِينَ ويَدْعُونَهم: أراذِلَ، مِن قَوْلِهِ: ألا لا يَجْهَلَنْ أحَدٌ عَلَيْنا أوْ: تَجْهَلُونَ لِقاءَ رَبِّكم، أوْ: تَجْهَلُونَ أنَّهم خَيْرٌ مِنكم، أوْ: وصْفُهم بِالجَهْلِ في هَذا الِاقْتِراحِ، وهو طَرْدُ المُؤْمِنِينَ ونَحْوِهِ ﴿مَن يَنْصُرُنِي﴾ اسْتِفْهامٌ مَعْناهُ: لا ناصِرَ لِي مِن عِقابِ اللَّهِ إنْ طَرَدْتُهم عَنِ الخَيْرِ الَّذِي قَدْ قَبِلُوهُ، أوْ لِأجْلِ إيمانِهِمْ، قالَهُ الفَرّاءُ، وكانُوا يَسْألُونَهُ أنْ يَطْرُدَهم لِيُؤْمِنُوا بِهِ، أنَفَةً مِنهم أنْ يَكُونُوا مَعَهم عَلى سَواءٍ، ثُمَّ وقَفَهم بِقَوْلِهِ: ﴿أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ [يونس: ٣]، عَلى النَّظَرِ المُؤَدِّي إلى صِحَّةِ هَذا الِاحْتِجاجِ. وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ الجُمَلِ الثَّلاثِ في الأنْعامِ. وتَزْدَرِي: تَفْتَعِلُ، والدّالُ بَدَلٌ مِنَ التّاءِ قالَ: تَرى الرَّجُلَ النَّحِيفَ فَتَزْدَرِيهِ وفي أثْوابِهِ أسَدٌ هَصُورُ وأنْشَدَ الفَرّاءُ: يُباعِدُهُ الصَّدِيقُ وتَزْدَرِيهِ حَلِيلَتُهُ ويَنْهَرُهُ الصَّغِيرُ والعائِدُ عَلى المَوْصُولِ مَحْذُوفٌ، أيْ: تَزْدَرُونَهم، أيْ: تَسْتَحْقِرُهم أعْيُنُكم. ولَنْ يُؤْتِيَهم: مَعْمُولٌ لِقَوْلِهِ: (ولا أقُولُ) و(لِلَّذِينَ): مَعْناهُ لِأجْلِ الَّذِينَ. ولَوْ كانَتِ اللّامُ لِلتَّبْلِيغِ لَكانَ القِياسُ: (لَنْ يُؤْتِيَكم) بِكافِ الخِطابِ، أيْ: لَيْسَ احْتِقارُكم إيّاهم يُنْقِصُ ثَوابَهم عِنْدَ اللَّهِ ولا يُبْطِلُ أُجُورَهم. ﴿اللَّهُ أعْلَمُ بِما في أنْفُسِهِمْ﴾: تَسْلِيمٌ لِلَّهِ، أيْ: لَسْتُ أحْكُمُ عَلَيْهِمْ بِشَيْءٍ مِن هَذا، وإنَّما الحُكْمُ بِذَلِكَ لِلَّهِ تَعالى الَّذِي يَعْلَمُ ما في أنْفُسِهِمْ فَيُجازِيهِمْ عَلَيْهِ. وقِيلَ: هو رَدٌّ عَلى قَوْلِهِمُ: اتَّبَعَكَ أراذِلُنا، أيْ: لَسْتُ أحْكُمُ عَلَيْهِمْ بِأنْ لا يَكُونَ لَهم خَيْرٌ لِظَنِّكم بِهِمْ، إنَّ بَواطِنَهم لَيْسَتْ كَظَواهِرِهِمُ، اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ أعْلَمُ بِما في نُفُوسِهِمْ. إنِّي: لَوْ فَعَلْتُ ذَلِكَ لَمِنَ الظّالِمِينَ، وهُمُ الَّذِينَ يَضَعُونَ الشَّيْءَ في غَيْرِ مَواضِعِهِ، ﴿قَدْ جادَلْتَنا﴾: الظّاهِرُ المُبالَغَةُ في الخُصُومَةِ والمُناظَرَةِ. وقالَ الكَلْبِيُّ: دَعَوْتَنا. وقِيلَ: وعَظْتَنا، وقِيلَ: أتَيْتَ بِأنْواعِ الجِدالِ وفُنُونِهِ فَما صَحَّ دَعْواكَ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ: فَأكْثَرْتَ (p-٢١٩)جَدَلَنا كَقَوْلِهِ: ﴿وكانَ الإنْسانُ أكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾ [الكهف: ٥٤] فَأْتِنا بِما تَعِدُنا مِنَ العَذابِ: المُعَجَّلِ، وما بِمَعْنى الَّذِي والعائِدُ مَحْذُوفٌ أيْ: بِما تَعِدْناهُ، أوْ مَصْدَرِيَّةٌ، وإنَّما كَثُرَتْ مُجادَلَتُهُ لَهم لِأنَّهُ أقامَ فِيهِمْ ما أخْبَرَ اللَّهُ بِهِ ألْفَ سَنَةٍ إلّا خَمْسِينَ عامًا، وهو كُلُّ وقْتٍ يَدْعُوهم إلى اللَّهِ وهم يُجِيبُونَهُ بِعِبادَتِهِمْ أصْنامَهم. قالَ: إنَّما يَأْتِيكم بِهِ اللَّهُ، أيْ: لَيْسَ ذَلِكَ إلَيَّ إنَّما هو لِلْإلَهِ الَّذِي يُعاقِبُكم عَلى عِصْيانِكم، إنْ شاءَ، أيْ: إنِ اقْتَضَتْ حِكْمَتُهُ أنْ يُعَجِّلَ عَذابَكم وأنْتُمْ في قَبْضَتِهِ لا يُمْكِنُ أنْ تُفْلِتُوا مِنهُ، ولا أنْ تَمْتَنِعُوا. ولَمّا قالُوا: ﴿قَدْ جادَلْتَنا﴾، وطَلَبُوا تَعْجِيلَ العَذابِ، وكانَ مُجادَلَتُهُ لَهم إنَّما هو عَلى سَبِيلِ النُّصْحِ والإنْقاذِ مِن عَذابِ اللَّهِ، قالَ: ﴿ولا يَنْفَعُكم نُصْحِي﴾ . وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ الثَّقَفِيُّ: نَصْحِي بِفَتْحِ النُّونِ، وهو مَصْدَرٌ. وقِراءَةُ الجَماعَةِ: بِضَمِّها، فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا كالشُّكْرِ، واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ اسْمًا. وهَذانِ الشَّرْطانِ اعْتَقَبَ الأوَّلُ مِنهُما قَوْلَهُ: ﴿ولا يَنْفَعُكم نُصْحِي﴾، وهو دَلِيلٌ عَلى جَوابِ الشَّرْطِ تَقْدِيرُهُ: إنْ أرَدْتُ أنْ أنْصَحَ لَكم فَلا يَنْفَعُكم نُصْحِي، والشَّرْطُ الثّانِي: اعْتَقَبَ الشَّرْطَ الأوَّلَ. وجَوابُهُ أيْضًا ما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿ولا يَنْفَعُكم نُصْحِي﴾، تَقْدِيرُهُ: إنْ كانَ اللَّهُ يُرِيدُ أنْ يُغْوِيَكم فَلا يَنْفَعُكم نُصْحِي. وصارَ الشَّرْطُ الثّانِي شَرْطًا في الأوَّلِ، وصارَ المُتَقَدِّمُ مُتَأخِّرًا والمُتَأخِّرُ مُتَقَدِّمًا، وكَأنَّ التَّرْكِيبَ: إنْ أرَدْتُ أنْ أنْصَحَ لَكم إنْ كانَ اللَّهُ يُرِيدُ أنْ يُغْوِيَكم فَلا يَنْفَعُكم نُصْحِي، وهو مِن حَيْثُ المَعْنى كالشَّرْطِ إذا كانَ بِالفاءِ نَحْوَ: إنْ كانَ اللَّهُ يُرِيدُ أنْ يُغْوِيَكم. فَإنْ أرَدْتُ أنْ أنْصَحَ لَكم فَلا يَنْفَعُكم نُصْحِي. ونَظِيرُهُ: ﴿وامْرَأةً مُؤْمِنَةً إنْ وهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِّ إنْ أرادَ النَّبِيُّ أنْ يَسْتَنْكِحَها﴾ [الأحزاب: ٥٠] وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: قَوْلُهُ: ﴿إنْ كانَ اللَّهُ يُرِيدُ أنْ يُغْوِيَكُمْ﴾ جَزاؤُهُ ما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿ولا يَنْفَعُكم نُصْحِي﴾، وهَذا الدَّلِيلُ في حُكْمِ ما دَلَّ عَلَيْهِ، فَوُصِلَ بِشَرْطٍ كَما وُصِلَ الجَزاءُ بِالشَّرْطِ في قَوْلِهِ: إنْ أحْسَنْتَ إلَيَّ أحْسَنْتُ إلَيْكَ إنْ أمْكَنَنِي. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ولَيْسَ نُصْحِي لَكم بِنافِعٍ، ولا إرادَتِي الخَيْرَ لَكم مُغْنِيَةً، إذا كانَ اللَّهُ تَعالى قَدْ أرادَ بِكُمُ الإغْواءَ والإضْلالَ والإهْلاكَ. والشَّرْطُ الثّانِي: اعْتِراضٌ بَيْنَ الكَلامِ، وفِيهِ بَلاغَةٌ مِنَ اقْتِرانِ الإرادَتَيْنِ، وأنَّ إرادَةَ البَشَرِ غَيْرُ مُغْنِيَةٍ، وتَعَلُّقُ هَذا الشَّرْطِ هو بِنُصْحِي، وتَعَلُّقُ الآخَرِ هو بِلا يَنْفَعُ، انْتَهى. وكَذا قالَ أبُو الفَرَجِ بْنُ الجَوْزِيِّ قالَ: جَوابُ الأوَّلِ: النُّصْحُ، وجَوابُ الثّانِي: النَّفْعُ. والظّاهِرُ أنَّ مَعْنى يُغْوِيَكم: يُضِلَّكم مِن قَوْلِهِ: غَوى الرَّجُلُ يَغْوِي وهو: الضَّلالُ. وفِيهِ إسْنادُ الإغْواءِ إلى اللَّهِ، فَهو حُجَّةٌ عَلى المُعْتَزِلَةِ إذْ يَقُولُونَ: إنَّ الضَّلالَ هو مِنَ العَبْدِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: إذا عَرَفَ اللَّهُ مِنَ الكافِرِ الإصْرارَ فَخَلّاهُ وشَأْنَهُ ولَمْ يُلْجِئْهُ، سُمِّيَ ذَلِكَ إغْواءً وإمْلاءً، كَما إنَّهُ إذا عَرَفَ مِنهُ أنْ يَتُوبَ ويَرْعَوِي فَلَطَفَ بِهِ، سُمِّيَ: إرْشادًا وهِدايَةً، انْتَهى. وهُوَ عَلى طَرِيقَةِ الِاعْتِزالِ، ونَصُّوا عَلى أنَّهُ لا يُوصَفُ اللَّهُ بِأنَّهُ عارِفٌ، فَلا يَنْبَغِي أنْ يُقالَ: إذا عَرَفَ اللَّهُ، كَما قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ، ولِلْمُعْتَزِلِيِّ أنْ يَقُولَ: لا يَتَعَيَّنُ أنْ تَكُونَ إنْ شَرْطِيَّةً، بَلْ هي نافِيَةٌ والمَعْنى: ما كانَ اللَّهُ يُرِيدُ أنْ يُغْوِيَكم، فَفي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى نَفْيِ الإضْلالِ عَنِ اللَّهِ تَعالى، ويَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿ولا يَنْفَعُكم نُصْحِي إنْ أرَدْتُ أنْ أنْصَحَ﴾: إخْبارًا مِنهُ لَهم وتَعْزِيَةً لِنَفْسِهِ عَنْهم، لِما رَأى مِن إصْرارِهِمْ وتَمادِيهِمْ عَلى الكُفْرِ. وقِيلَ: مَعْنى (يُغْوِيَكم): يُهْلِكَكم، والغَوى: المَرَضُ والهَلاكُ. وفي لُغَةِ طَيِّءٍ: أصْبَحَ فُلانٌ غاوِيًا أيْ: مَرِيضًا، والغَوى: بَشَمُ الفَصِيلِ، وقالَهُ يَعْقُوبُ في الإصْلاحِ. وقِيلَ: فَقْدُهُ اللَّبَنَ حَتّى يَمُوتَ جُوعًا، قالَهُ الفَرّاءُ، وحَكاهُ الطَّبَرِيُّ يُقالُ مِنهُ: غَوى يَغْوِي. وحَكى الزَّهْراوِيُّ: أنَّهُ الَّذِي قُطِعَ عَنْهُ اللَّبَنُ حَتّى كادَ يَهْلِكُ، أوْ لَمّا يَهْلِكُ بَعْدُ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: وكَوْنُ مَعْنى يُغْوِيَكم يُهْلِكَكم، قَوْلٌ مَرْغُوبٌ عَنْهُ، وأنْكَرَ مَكِّيٌّ أنْ يَكُونَ الغَوى بِمَعْنى: الهَلاكِ، مَوْجُودًا في لِسانِ العَرَبِ، وهو مَحْجُوجٌ بِنَقْلِ الفَرّاءِ وغَيْرِهِ. وإذا كانَ مَعْنى يُغْوِيَكم: يُهْلِكَكم، فَلا حُجَّةَ فِيهِ لا لِمُعْتَزِلِيٍّ ولا لِسُنِّيٍّ، بَلِ الحُجَّةُ مِن غَيْرِ هَذا، ومَعْناهُ: أنَّكم إذا كُنْتُمْ مِنَ التَّصْمِيمِ عَلى الكُفْرِ، فالمَنزِلَةُ الَّتِي لا تَنْفَعُكم نَصائِحُ اللَّهِ ومَواعِظُهُ وسائِرُ ألْطافِهِ، كَيْفَ يَنْفَعُكم نُصْحِي ؟ (p-٢٢٠)وفِي قَوْلِهِ: ﴿هُوَ رَبُّكُمْ﴾: تَنْبِيهٌ عَلى المَعْرِفَةِ بِالخالِقِ، وأنَّهُ النّاظِرُ في مَصالِحِكم، إنْ شاءَ أنْ يُغْوِيَكم، وإنْ شاءَ أنْ يَهْدِيَكم. وفي قَوْلِهِ: ﴿وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [يونس: ٥٦]: وعِيدٌ وتَخْوِيفٌ. ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ إنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إجْرامِي وأنا بَرِيءٌ مِمّا تُجْرِمُونَ﴾: قِيلَ: هَذِهِ الآيَةُ اعْتُرِضَتْ في قِصَّةِ نُوحٍ، والأخْبارُ فِيها عَنْ قُرَيْشٍ. يَقُولُونَ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، أيِ: افْتَرى القُرْآنَ، وافْتَرى هَذا الحَدِيثَ عَنْ نُوحٍ وقَوْمِهِ، ولَوْ صَحَّ ذَلِكَ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ لَوُقِفَ عِنْدَهُ، ولَكِنَّ الظّاهِرَ أنَّ الضَّمِيرَ في يَقُولُونَ عائِدٌ عَلى قَوْمِ نُوحٍ، أيْ: بَلْ أيَقُولُونَ افْتَرى ما أخْبَرَهم بِهِ مِن دِينِ اللَّهِ وعِقابِ مَن أعْرَضَ عَنْهُ، فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: قُلْ إنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إثْمُ إجْرامِي، والإجْرامُ: مَصْدَرُ أجْرَمَ، ويُقالُ: أجْرَمَ وهو الكَثِيرُ، وجَرَمَ بِمَعْنًى. ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎طَرِيدُ عَشِيرَةٍ ورَهِينُ ذَنْبٍ بِما جَرَمَتْ يَدِي وجَنى لِسانِي وقُرِئَ: (أجْرامِي) بِفَتْحِ الهَمْزَةِ جَمْعُ جُرْمٍ، ذَكَرَهُ النَّحّاسُ، وفُسِّرَ: بِآثامِي. ومَعْنى ﴿مِمّا تُجْرِمُونَ﴾: مِن إجْرامِكم في إسْنادِ الِافْتِراءِ إلَيَّ، وقِيلَ: مِمّا تُجْرِمُونَ مِنَ الكُفْرِ والتَّكْذِيبِ.

هود 11:31

﴿ويا قَوْمِ لا أسْألُكم عَلَيْهِ مالًا إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى اللَّهِ وما أنا بِطارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا إنَّهم مُلاقُو رَبِّهِمْ ولَكِنِّي أراكم قَوْمًا تَجْهَلُونَ﴾ ﴿ويا قَوْمِ مَن يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إنْ طَرَدْتُهم أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ ﴿ولا أقُولُ لَكم عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ ولا أعْلَمُ الغَيْبَ ولا أقُولُ إنِّي مَلَكٌ ولا أقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أعْيُنُكم لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْرًا اللَّهُ أعْلَمُ بِما في أنْفُسِهِمْ إنِّي إذًا لَمِنَ الظّالِمِينَ﴾ ﴿قالُوا يا نُوحُ قَدْ جادَلْتَنا فَأكْثَرْتَ جِدالَنا فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ ﴿قالَ إنَّما يَأْتِيكم بِهِ اللَّهُ إنْ شاءَ وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ ﴿ولا يَنْفَعُكم نُصْحِي إنْ أرَدْتُ أنْ أنْصَحَ لَكم إنْ كانَ اللَّهُ يُرِيدُ أنْ يُغْوِيَكم هو رَبُّكم وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾: تَلَطَّفَ نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ بِنِدائِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿ويا قَوْمِ﴾، اسْتِدْراجًا لَهم في قَبُولِ كَلامِهِ، كَما تَلَطَّفَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِقَوْلِهِ (يا أبَتِ) وكَما تَلَطَّفَ مُؤْمِنُ آلِ فِرْعَوْنَ بِقَوْلِهِ (يا قَوْمِ) والضَّمِيرُ في عَلَيْهِ عائِدٌ إلى الإنْذارِ. وإفْرادُ اللَّهِ بِالعِبادَةِ المَفْهُومُ مِن قَوْلِهِ لَهم: ﴿إنِّي لَكم نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ [هود: ٢٥] ﴿ألّا تَعْبُدُوا إلّا اللَّهَ﴾ [هود: ٢] (p-٢١٨)وقِيلَ: عَلى الدِّينِ، وقِيلَ: عَلى الدُّعاءِ إلى التَّوْحِيدِ، وقِيلَ: عَلى تَبْلِيغِ الرِّسالَةِ. وكُلُّها أقْوالٌ مُتَقارِبَةٌ، والمَعْنى: إنَّكم وهَؤُلاءِ الَّذِينَ اتَّبَعُونا سَواءٌ في أنْ أدْعُوَكم إلى اللَّهِ، وإنِّي لا أبْتَغِي عَمّا أُلْقِيهِ إلَيْكم مِن شَرائِعِ اللَّهِ مالًا، فَلا يَتَفاوَتُ حالُكم وحالُهم. وأيْضًا: فَلَعَلَّهم ظَنُّوا أنَّهُ يُرِيدُ: الِاسْتِرْفادَ مِنهم، فَنَفاهُ بِقَوْلِهِ: ﴿لا أسْألُكم عَلَيْهِ مالًا إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى اللَّهِ﴾، فَلا تَحْرِمُوا أنْفُسَكُمُ السَّعادَةَ الأبَدِيَّةَ بِتَوَهُّمٍ فاسِدٍ. ثُمَّ ذَكَرَ أنَّهُ قامَ بِهَؤُلاءِ وصْفٌ يَجِبُ العُكُوفُ عَلَيْهِمْ بِهِ والِانْضِواءُ مَعَهم، وهو الإيمانُ فَلا يُمْكِنُ طَرْدُهم، وكانُوا سَألُوا مِنهُ طَرْدَ هَؤُلاءِ المُؤْمِنِينَ، رَفْعًا لِأنْفُسِهِمْ مِن مُساواةِ أُولَئِكَ الفُقَراءِ. ونَظِيرَ هَذا: ما اقْتَرَحَتْ قُرَيْشٌ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِن طَرْدِ أتْباعِهِ الَّذِينَ لَمْ يَكُونُوا مِن قُرَيْشٍ. وقُرِئَ: بِطارِدٍ: بِالتَّنْوِينِ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: عَلى الأصْلِ يَعْنِي: أنَّ اسْمَ الفاعِلِ إذا كانَ بِمَعْنى الحالِ أوْ الِاسْتِقْبالِ، أصْلُهُ أنْ يَعْمَلَ ولا يُضافَ، وهَذا ظاهِرُ كَلامِ سِيبَوَيْهِ. ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ: إنَّ الأصْلَ الإضافَةُ لا العَمَلُ، لِأنَّهُ قَدِ اعْتَوَرَهُ شَبَهانِ: أحَدُهُما: شِبْهٌ بِالمُضارِعِ وهو شَبَهُهُ بِغَيْرِ جِنْسِهِ. والآخَرُ: شِبْهٌ بِالأسْماءِ إذا كانَتْ فِيها الإضافَةُ، فَكانَ إلْحاقُهُ بِجِنْسِهِ أوْلى مِن إلْحاقِهِ بِغَيْرِ جِنْسِهِ. ﴿أنَّهم مُلاقُو رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٤٦]: ظاهِرُهُ التَّعْلِيلُ لِانْتِفاءِ طَرْدِهِمْ، أيْ: إنَّهم يُلاقُونَ اللَّهَ، أيْ: جَزاءَهُ، فَيُوصِلُهم إلى حَقِّهِمْ عِنْدِي إنْ ظَلَمْتُهم بِالطَّرْدِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مَعْناهُ: أنَّهم يُلاقُونَ اللَّهَ فَيُعاقِبُ مَن طَرَدَهم، أوْ: يُلاقُونَهُ فَيُجازِيهِمْ عَلى ما في قُلُوبِهِمْ مِن إيمانٍ صَحِيحٍ ثابِتٍ كَما ظَهَرَ لِي مِنهم، وما أعْرِفُ غَيْرَهُ مِنهم، أوْ عَلى خِلافِ ذَلِكَ مِمّا تَعْرِفُونَهم بِهِ مِن بِناءِ إيمانِهِمْ عَلى بادِئِ الرَّأْيِ مِن غَيْرِ نَظَرٍ ولا تَفَكُّرٍ، وما عَلَيَّ أنْ أشُقَّ عَلى قُلُوبِهِمْ، وأتَعَرَّفَ ذَلِكَ مِنهم حَتّى أطْرُدَهم ونَحْوُهُ ﴿ولا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ﴾ [الأنعام: ٥٢] الآيَةَ، أوْ هم مُصَدِّقُونَ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ، مُوقِنُونَ بِهِ عالِمُونَ أنَّهم مُلاقُوهُ لا مَحالَةَ، انْتَهى. ووَصْفُهم بِالجَهْلِ لِكَوْنِهِمْ بَنَوْا أمْرَهم عَلى الجَهْلِ بِالعَواقِبِ، والِاغْتِرارِ بِالظَّواهِرِ. أوْ لِأنَّهم يَتَسافَلُونَ عَلى المُؤْمِنِينَ ويَدْعُونَهم: أراذِلَ، مِن قَوْلِهِ: ألا لا يَجْهَلَنْ أحَدٌ عَلَيْنا أوْ: تَجْهَلُونَ لِقاءَ رَبِّكم، أوْ: تَجْهَلُونَ أنَّهم خَيْرٌ مِنكم، أوْ: وصْفُهم بِالجَهْلِ في هَذا الِاقْتِراحِ، وهو طَرْدُ المُؤْمِنِينَ ونَحْوِهِ ﴿مَن يَنْصُرُنِي﴾ اسْتِفْهامٌ مَعْناهُ: لا ناصِرَ لِي مِن عِقابِ اللَّهِ إنْ طَرَدْتُهم عَنِ الخَيْرِ الَّذِي قَدْ قَبِلُوهُ، أوْ لِأجْلِ إيمانِهِمْ، قالَهُ الفَرّاءُ، وكانُوا يَسْألُونَهُ أنْ يَطْرُدَهم لِيُؤْمِنُوا بِهِ، أنَفَةً مِنهم أنْ يَكُونُوا مَعَهم عَلى سَواءٍ، ثُمَّ وقَفَهم بِقَوْلِهِ: ﴿أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ [يونس: ٣]، عَلى النَّظَرِ المُؤَدِّي إلى صِحَّةِ هَذا الِاحْتِجاجِ. وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ الجُمَلِ الثَّلاثِ في الأنْعامِ. وتَزْدَرِي: تَفْتَعِلُ، والدّالُ بَدَلٌ مِنَ التّاءِ قالَ: تَرى الرَّجُلَ النَّحِيفَ فَتَزْدَرِيهِ وفي أثْوابِهِ أسَدٌ هَصُورُ وأنْشَدَ الفَرّاءُ: يُباعِدُهُ الصَّدِيقُ وتَزْدَرِيهِ حَلِيلَتُهُ ويَنْهَرُهُ الصَّغِيرُ والعائِدُ عَلى المَوْصُولِ مَحْذُوفٌ، أيْ: تَزْدَرُونَهم، أيْ: تَسْتَحْقِرُهم أعْيُنُكم. ولَنْ يُؤْتِيَهم: مَعْمُولٌ لِقَوْلِهِ: (ولا أقُولُ) و(لِلَّذِينَ): مَعْناهُ لِأجْلِ الَّذِينَ. ولَوْ كانَتِ اللّامُ لِلتَّبْلِيغِ لَكانَ القِياسُ: (لَنْ يُؤْتِيَكم) بِكافِ الخِطابِ، أيْ: لَيْسَ احْتِقارُكم إيّاهم يُنْقِصُ ثَوابَهم عِنْدَ اللَّهِ ولا يُبْطِلُ أُجُورَهم. ﴿اللَّهُ أعْلَمُ بِما في أنْفُسِهِمْ﴾: تَسْلِيمٌ لِلَّهِ، أيْ: لَسْتُ أحْكُمُ عَلَيْهِمْ بِشَيْءٍ مِن هَذا، وإنَّما الحُكْمُ بِذَلِكَ لِلَّهِ تَعالى الَّذِي يَعْلَمُ ما في أنْفُسِهِمْ فَيُجازِيهِمْ عَلَيْهِ. وقِيلَ: هو رَدٌّ عَلى قَوْلِهِمُ: اتَّبَعَكَ أراذِلُنا، أيْ: لَسْتُ أحْكُمُ عَلَيْهِمْ بِأنْ لا يَكُونَ لَهم خَيْرٌ لِظَنِّكم بِهِمْ، إنَّ بَواطِنَهم لَيْسَتْ كَظَواهِرِهِمُ، اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ أعْلَمُ بِما في نُفُوسِهِمْ. إنِّي: لَوْ فَعَلْتُ ذَلِكَ لَمِنَ الظّالِمِينَ، وهُمُ الَّذِينَ يَضَعُونَ الشَّيْءَ في غَيْرِ مَواضِعِهِ، ﴿قَدْ جادَلْتَنا﴾: الظّاهِرُ المُبالَغَةُ في الخُصُومَةِ والمُناظَرَةِ. وقالَ الكَلْبِيُّ: دَعَوْتَنا. وقِيلَ: وعَظْتَنا، وقِيلَ: أتَيْتَ بِأنْواعِ الجِدالِ وفُنُونِهِ فَما صَحَّ دَعْواكَ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ: فَأكْثَرْتَ (p-٢١٩)جَدَلَنا كَقَوْلِهِ: ﴿وكانَ الإنْسانُ أكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾ [الكهف: ٥٤] فَأْتِنا بِما تَعِدُنا مِنَ العَذابِ: المُعَجَّلِ، وما بِمَعْنى الَّذِي والعائِدُ مَحْذُوفٌ أيْ: بِما تَعِدْناهُ، أوْ مَصْدَرِيَّةٌ، وإنَّما كَثُرَتْ مُجادَلَتُهُ لَهم لِأنَّهُ أقامَ فِيهِمْ ما أخْبَرَ اللَّهُ بِهِ ألْفَ سَنَةٍ إلّا خَمْسِينَ عامًا، وهو كُلُّ وقْتٍ يَدْعُوهم إلى اللَّهِ وهم يُجِيبُونَهُ بِعِبادَتِهِمْ أصْنامَهم. قالَ: إنَّما يَأْتِيكم بِهِ اللَّهُ، أيْ: لَيْسَ ذَلِكَ إلَيَّ إنَّما هو لِلْإلَهِ الَّذِي يُعاقِبُكم عَلى عِصْيانِكم، إنْ شاءَ، أيْ: إنِ اقْتَضَتْ حِكْمَتُهُ أنْ يُعَجِّلَ عَذابَكم وأنْتُمْ في قَبْضَتِهِ لا يُمْكِنُ أنْ تُفْلِتُوا مِنهُ، ولا أنْ تَمْتَنِعُوا. ولَمّا قالُوا: ﴿قَدْ جادَلْتَنا﴾، وطَلَبُوا تَعْجِيلَ العَذابِ، وكانَ مُجادَلَتُهُ لَهم إنَّما هو عَلى سَبِيلِ النُّصْحِ والإنْقاذِ مِن عَذابِ اللَّهِ، قالَ: ﴿ولا يَنْفَعُكم نُصْحِي﴾ . وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ الثَّقَفِيُّ: نَصْحِي بِفَتْحِ النُّونِ، وهو مَصْدَرٌ. وقِراءَةُ الجَماعَةِ: بِضَمِّها، فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا كالشُّكْرِ، واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ اسْمًا. وهَذانِ الشَّرْطانِ اعْتَقَبَ الأوَّلُ مِنهُما قَوْلَهُ: ﴿ولا يَنْفَعُكم نُصْحِي﴾، وهو دَلِيلٌ عَلى جَوابِ الشَّرْطِ تَقْدِيرُهُ: إنْ أرَدْتُ أنْ أنْصَحَ لَكم فَلا يَنْفَعُكم نُصْحِي، والشَّرْطُ الثّانِي: اعْتَقَبَ الشَّرْطَ الأوَّلَ. وجَوابُهُ أيْضًا ما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿ولا يَنْفَعُكم نُصْحِي﴾، تَقْدِيرُهُ: إنْ كانَ اللَّهُ يُرِيدُ أنْ يُغْوِيَكم فَلا يَنْفَعُكم نُصْحِي. وصارَ الشَّرْطُ الثّانِي شَرْطًا في الأوَّلِ، وصارَ المُتَقَدِّمُ مُتَأخِّرًا والمُتَأخِّرُ مُتَقَدِّمًا، وكَأنَّ التَّرْكِيبَ: إنْ أرَدْتُ أنْ أنْصَحَ لَكم إنْ كانَ اللَّهُ يُرِيدُ أنْ يُغْوِيَكم فَلا يَنْفَعُكم نُصْحِي، وهو مِن حَيْثُ المَعْنى كالشَّرْطِ إذا كانَ بِالفاءِ نَحْوَ: إنْ كانَ اللَّهُ يُرِيدُ أنْ يُغْوِيَكم. فَإنْ أرَدْتُ أنْ أنْصَحَ لَكم فَلا يَنْفَعُكم نُصْحِي. ونَظِيرُهُ: ﴿وامْرَأةً مُؤْمِنَةً إنْ وهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِّ إنْ أرادَ النَّبِيُّ أنْ يَسْتَنْكِحَها﴾ [الأحزاب: ٥٠] وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: قَوْلُهُ: ﴿إنْ كانَ اللَّهُ يُرِيدُ أنْ يُغْوِيَكُمْ﴾ جَزاؤُهُ ما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿ولا يَنْفَعُكم نُصْحِي﴾، وهَذا الدَّلِيلُ في حُكْمِ ما دَلَّ عَلَيْهِ، فَوُصِلَ بِشَرْطٍ كَما وُصِلَ الجَزاءُ بِالشَّرْطِ في قَوْلِهِ: إنْ أحْسَنْتَ إلَيَّ أحْسَنْتُ إلَيْكَ إنْ أمْكَنَنِي. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ولَيْسَ نُصْحِي لَكم بِنافِعٍ، ولا إرادَتِي الخَيْرَ لَكم مُغْنِيَةً، إذا كانَ اللَّهُ تَعالى قَدْ أرادَ بِكُمُ الإغْواءَ والإضْلالَ والإهْلاكَ. والشَّرْطُ الثّانِي: اعْتِراضٌ بَيْنَ الكَلامِ، وفِيهِ بَلاغَةٌ مِنَ اقْتِرانِ الإرادَتَيْنِ، وأنَّ إرادَةَ البَشَرِ غَيْرُ مُغْنِيَةٍ، وتَعَلُّقُ هَذا الشَّرْطِ هو بِنُصْحِي، وتَعَلُّقُ الآخَرِ هو بِلا يَنْفَعُ، انْتَهى. وكَذا قالَ أبُو الفَرَجِ بْنُ الجَوْزِيِّ قالَ: جَوابُ الأوَّلِ: النُّصْحُ، وجَوابُ الثّانِي: النَّفْعُ. والظّاهِرُ أنَّ مَعْنى يُغْوِيَكم: يُضِلَّكم مِن قَوْلِهِ: غَوى الرَّجُلُ يَغْوِي وهو: الضَّلالُ. وفِيهِ إسْنادُ الإغْواءِ إلى اللَّهِ، فَهو حُجَّةٌ عَلى المُعْتَزِلَةِ إذْ يَقُولُونَ: إنَّ الضَّلالَ هو مِنَ العَبْدِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: إذا عَرَفَ اللَّهُ مِنَ الكافِرِ الإصْرارَ فَخَلّاهُ وشَأْنَهُ ولَمْ يُلْجِئْهُ، سُمِّيَ ذَلِكَ إغْواءً وإمْلاءً، كَما إنَّهُ إذا عَرَفَ مِنهُ أنْ يَتُوبَ ويَرْعَوِي فَلَطَفَ بِهِ، سُمِّيَ: إرْشادًا وهِدايَةً، انْتَهى. وهُوَ عَلى طَرِيقَةِ الِاعْتِزالِ، ونَصُّوا عَلى أنَّهُ لا يُوصَفُ اللَّهُ بِأنَّهُ عارِفٌ، فَلا يَنْبَغِي أنْ يُقالَ: إذا عَرَفَ اللَّهُ، كَما قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ، ولِلْمُعْتَزِلِيِّ أنْ يَقُولَ: لا يَتَعَيَّنُ أنْ تَكُونَ إنْ شَرْطِيَّةً، بَلْ هي نافِيَةٌ والمَعْنى: ما كانَ اللَّهُ يُرِيدُ أنْ يُغْوِيَكم، فَفي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى نَفْيِ الإضْلالِ عَنِ اللَّهِ تَعالى، ويَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿ولا يَنْفَعُكم نُصْحِي إنْ أرَدْتُ أنْ أنْصَحَ﴾: إخْبارًا مِنهُ لَهم وتَعْزِيَةً لِنَفْسِهِ عَنْهم، لِما رَأى مِن إصْرارِهِمْ وتَمادِيهِمْ عَلى الكُفْرِ. وقِيلَ: مَعْنى (يُغْوِيَكم): يُهْلِكَكم، والغَوى: المَرَضُ والهَلاكُ. وفي لُغَةِ طَيِّءٍ: أصْبَحَ فُلانٌ غاوِيًا أيْ: مَرِيضًا، والغَوى: بَشَمُ الفَصِيلِ، وقالَهُ يَعْقُوبُ في الإصْلاحِ. وقِيلَ: فَقْدُهُ اللَّبَنَ حَتّى يَمُوتَ جُوعًا، قالَهُ الفَرّاءُ، وحَكاهُ الطَّبَرِيُّ يُقالُ مِنهُ: غَوى يَغْوِي. وحَكى الزَّهْراوِيُّ: أنَّهُ الَّذِي قُطِعَ عَنْهُ اللَّبَنُ حَتّى كادَ يَهْلِكُ، أوْ لَمّا يَهْلِكُ بَعْدُ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: وكَوْنُ مَعْنى يُغْوِيَكم يُهْلِكَكم، قَوْلٌ مَرْغُوبٌ عَنْهُ، وأنْكَرَ مَكِّيٌّ أنْ يَكُونَ الغَوى بِمَعْنى: الهَلاكِ، مَوْجُودًا في لِسانِ العَرَبِ، وهو مَحْجُوجٌ بِنَقْلِ الفَرّاءِ وغَيْرِهِ. وإذا كانَ مَعْنى يُغْوِيَكم: يُهْلِكَكم، فَلا حُجَّةَ فِيهِ لا لِمُعْتَزِلِيٍّ ولا لِسُنِّيٍّ، بَلِ الحُجَّةُ مِن غَيْرِ هَذا، ومَعْناهُ: أنَّكم إذا كُنْتُمْ مِنَ التَّصْمِيمِ عَلى الكُفْرِ، فالمَنزِلَةُ الَّتِي لا تَنْفَعُكم نَصائِحُ اللَّهِ ومَواعِظُهُ وسائِرُ ألْطافِهِ، كَيْفَ يَنْفَعُكم نُصْحِي ؟ (p-٢٢٠)وفِي قَوْلِهِ: ﴿هُوَ رَبُّكُمْ﴾: تَنْبِيهٌ عَلى المَعْرِفَةِ بِالخالِقِ، وأنَّهُ النّاظِرُ في مَصالِحِكم، إنْ شاءَ أنْ يُغْوِيَكم، وإنْ شاءَ أنْ يَهْدِيَكم. وفي قَوْلِهِ: ﴿وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [يونس: ٥٦]: وعِيدٌ وتَخْوِيفٌ. ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ إنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إجْرامِي وأنا بَرِيءٌ مِمّا تُجْرِمُونَ﴾: قِيلَ: هَذِهِ الآيَةُ اعْتُرِضَتْ في قِصَّةِ نُوحٍ، والأخْبارُ فِيها عَنْ قُرَيْشٍ. يَقُولُونَ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، أيِ: افْتَرى القُرْآنَ، وافْتَرى هَذا الحَدِيثَ عَنْ نُوحٍ وقَوْمِهِ، ولَوْ صَحَّ ذَلِكَ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ لَوُقِفَ عِنْدَهُ، ولَكِنَّ الظّاهِرَ أنَّ الضَّمِيرَ في يَقُولُونَ عائِدٌ عَلى قَوْمِ نُوحٍ، أيْ: بَلْ أيَقُولُونَ افْتَرى ما أخْبَرَهم بِهِ مِن دِينِ اللَّهِ وعِقابِ مَن أعْرَضَ عَنْهُ، فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: قُلْ إنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إثْمُ إجْرامِي، والإجْرامُ: مَصْدَرُ أجْرَمَ، ويُقالُ: أجْرَمَ وهو الكَثِيرُ، وجَرَمَ بِمَعْنًى. ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎طَرِيدُ عَشِيرَةٍ ورَهِينُ ذَنْبٍ بِما جَرَمَتْ يَدِي وجَنى لِسانِي وقُرِئَ: (أجْرامِي) بِفَتْحِ الهَمْزَةِ جَمْعُ جُرْمٍ، ذَكَرَهُ النَّحّاسُ، وفُسِّرَ: بِآثامِي. ومَعْنى ﴿مِمّا تُجْرِمُونَ﴾: مِن إجْرامِكم في إسْنادِ الِافْتِراءِ إلَيَّ، وقِيلَ: مِمّا تُجْرِمُونَ مِنَ الكُفْرِ والتَّكْذِيبِ.

هود 11:32

﴿ويا قَوْمِ لا أسْألُكم عَلَيْهِ مالًا إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى اللَّهِ وما أنا بِطارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا إنَّهم مُلاقُو رَبِّهِمْ ولَكِنِّي أراكم قَوْمًا تَجْهَلُونَ﴾ ﴿ويا قَوْمِ مَن يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إنْ طَرَدْتُهم أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ ﴿ولا أقُولُ لَكم عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ ولا أعْلَمُ الغَيْبَ ولا أقُولُ إنِّي مَلَكٌ ولا أقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أعْيُنُكم لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْرًا اللَّهُ أعْلَمُ بِما في أنْفُسِهِمْ إنِّي إذًا لَمِنَ الظّالِمِينَ﴾ ﴿قالُوا يا نُوحُ قَدْ جادَلْتَنا فَأكْثَرْتَ جِدالَنا فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ ﴿قالَ إنَّما يَأْتِيكم بِهِ اللَّهُ إنْ شاءَ وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ ﴿ولا يَنْفَعُكم نُصْحِي إنْ أرَدْتُ أنْ أنْصَحَ لَكم إنْ كانَ اللَّهُ يُرِيدُ أنْ يُغْوِيَكم هو رَبُّكم وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾: تَلَطَّفَ نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ بِنِدائِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿ويا قَوْمِ﴾، اسْتِدْراجًا لَهم في قَبُولِ كَلامِهِ، كَما تَلَطَّفَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِقَوْلِهِ (يا أبَتِ) وكَما تَلَطَّفَ مُؤْمِنُ آلِ فِرْعَوْنَ بِقَوْلِهِ (يا قَوْمِ) والضَّمِيرُ في عَلَيْهِ عائِدٌ إلى الإنْذارِ. وإفْرادُ اللَّهِ بِالعِبادَةِ المَفْهُومُ مِن قَوْلِهِ لَهم: ﴿إنِّي لَكم نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ [هود: ٢٥] ﴿ألّا تَعْبُدُوا إلّا اللَّهَ﴾ [هود: ٢] (p-٢١٨)وقِيلَ: عَلى الدِّينِ، وقِيلَ: عَلى الدُّعاءِ إلى التَّوْحِيدِ، وقِيلَ: عَلى تَبْلِيغِ الرِّسالَةِ. وكُلُّها أقْوالٌ مُتَقارِبَةٌ، والمَعْنى: إنَّكم وهَؤُلاءِ الَّذِينَ اتَّبَعُونا سَواءٌ في أنْ أدْعُوَكم إلى اللَّهِ، وإنِّي لا أبْتَغِي عَمّا أُلْقِيهِ إلَيْكم مِن شَرائِعِ اللَّهِ مالًا، فَلا يَتَفاوَتُ حالُكم وحالُهم. وأيْضًا: فَلَعَلَّهم ظَنُّوا أنَّهُ يُرِيدُ: الِاسْتِرْفادَ مِنهم، فَنَفاهُ بِقَوْلِهِ: ﴿لا أسْألُكم عَلَيْهِ مالًا إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى اللَّهِ﴾، فَلا تَحْرِمُوا أنْفُسَكُمُ السَّعادَةَ الأبَدِيَّةَ بِتَوَهُّمٍ فاسِدٍ. ثُمَّ ذَكَرَ أنَّهُ قامَ بِهَؤُلاءِ وصْفٌ يَجِبُ العُكُوفُ عَلَيْهِمْ بِهِ والِانْضِواءُ مَعَهم، وهو الإيمانُ فَلا يُمْكِنُ طَرْدُهم، وكانُوا سَألُوا مِنهُ طَرْدَ هَؤُلاءِ المُؤْمِنِينَ، رَفْعًا لِأنْفُسِهِمْ مِن مُساواةِ أُولَئِكَ الفُقَراءِ. ونَظِيرَ هَذا: ما اقْتَرَحَتْ قُرَيْشٌ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِن طَرْدِ أتْباعِهِ الَّذِينَ لَمْ يَكُونُوا مِن قُرَيْشٍ. وقُرِئَ: بِطارِدٍ: بِالتَّنْوِينِ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: عَلى الأصْلِ يَعْنِي: أنَّ اسْمَ الفاعِلِ إذا كانَ بِمَعْنى الحالِ أوْ الِاسْتِقْبالِ، أصْلُهُ أنْ يَعْمَلَ ولا يُضافَ، وهَذا ظاهِرُ كَلامِ سِيبَوَيْهِ. ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ: إنَّ الأصْلَ الإضافَةُ لا العَمَلُ، لِأنَّهُ قَدِ اعْتَوَرَهُ شَبَهانِ: أحَدُهُما: شِبْهٌ بِالمُضارِعِ وهو شَبَهُهُ بِغَيْرِ جِنْسِهِ. والآخَرُ: شِبْهٌ بِالأسْماءِ إذا كانَتْ فِيها الإضافَةُ، فَكانَ إلْحاقُهُ بِجِنْسِهِ أوْلى مِن إلْحاقِهِ بِغَيْرِ جِنْسِهِ. ﴿أنَّهم مُلاقُو رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٤٦]: ظاهِرُهُ التَّعْلِيلُ لِانْتِفاءِ طَرْدِهِمْ، أيْ: إنَّهم يُلاقُونَ اللَّهَ، أيْ: جَزاءَهُ، فَيُوصِلُهم إلى حَقِّهِمْ عِنْدِي إنْ ظَلَمْتُهم بِالطَّرْدِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مَعْناهُ: أنَّهم يُلاقُونَ اللَّهَ فَيُعاقِبُ مَن طَرَدَهم، أوْ: يُلاقُونَهُ فَيُجازِيهِمْ عَلى ما في قُلُوبِهِمْ مِن إيمانٍ صَحِيحٍ ثابِتٍ كَما ظَهَرَ لِي مِنهم، وما أعْرِفُ غَيْرَهُ مِنهم، أوْ عَلى خِلافِ ذَلِكَ مِمّا تَعْرِفُونَهم بِهِ مِن بِناءِ إيمانِهِمْ عَلى بادِئِ الرَّأْيِ مِن غَيْرِ نَظَرٍ ولا تَفَكُّرٍ، وما عَلَيَّ أنْ أشُقَّ عَلى قُلُوبِهِمْ، وأتَعَرَّفَ ذَلِكَ مِنهم حَتّى أطْرُدَهم ونَحْوُهُ ﴿ولا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ﴾ [الأنعام: ٥٢] الآيَةَ، أوْ هم مُصَدِّقُونَ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ، مُوقِنُونَ بِهِ عالِمُونَ أنَّهم مُلاقُوهُ لا مَحالَةَ، انْتَهى. ووَصْفُهم بِالجَهْلِ لِكَوْنِهِمْ بَنَوْا أمْرَهم عَلى الجَهْلِ بِالعَواقِبِ، والِاغْتِرارِ بِالظَّواهِرِ. أوْ لِأنَّهم يَتَسافَلُونَ عَلى المُؤْمِنِينَ ويَدْعُونَهم: أراذِلَ، مِن قَوْلِهِ: ألا لا يَجْهَلَنْ أحَدٌ عَلَيْنا أوْ: تَجْهَلُونَ لِقاءَ رَبِّكم، أوْ: تَجْهَلُونَ أنَّهم خَيْرٌ مِنكم، أوْ: وصْفُهم بِالجَهْلِ في هَذا الِاقْتِراحِ، وهو طَرْدُ المُؤْمِنِينَ ونَحْوِهِ ﴿مَن يَنْصُرُنِي﴾ اسْتِفْهامٌ مَعْناهُ: لا ناصِرَ لِي مِن عِقابِ اللَّهِ إنْ طَرَدْتُهم عَنِ الخَيْرِ الَّذِي قَدْ قَبِلُوهُ، أوْ لِأجْلِ إيمانِهِمْ، قالَهُ الفَرّاءُ، وكانُوا يَسْألُونَهُ أنْ يَطْرُدَهم لِيُؤْمِنُوا بِهِ، أنَفَةً مِنهم أنْ يَكُونُوا مَعَهم عَلى سَواءٍ، ثُمَّ وقَفَهم بِقَوْلِهِ: ﴿أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ [يونس: ٣]، عَلى النَّظَرِ المُؤَدِّي إلى صِحَّةِ هَذا الِاحْتِجاجِ. وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ الجُمَلِ الثَّلاثِ في الأنْعامِ. وتَزْدَرِي: تَفْتَعِلُ، والدّالُ بَدَلٌ مِنَ التّاءِ قالَ: تَرى الرَّجُلَ النَّحِيفَ فَتَزْدَرِيهِ وفي أثْوابِهِ أسَدٌ هَصُورُ وأنْشَدَ الفَرّاءُ: يُباعِدُهُ الصَّدِيقُ وتَزْدَرِيهِ حَلِيلَتُهُ ويَنْهَرُهُ الصَّغِيرُ والعائِدُ عَلى المَوْصُولِ مَحْذُوفٌ، أيْ: تَزْدَرُونَهم، أيْ: تَسْتَحْقِرُهم أعْيُنُكم. ولَنْ يُؤْتِيَهم: مَعْمُولٌ لِقَوْلِهِ: (ولا أقُولُ) و(لِلَّذِينَ): مَعْناهُ لِأجْلِ الَّذِينَ. ولَوْ كانَتِ اللّامُ لِلتَّبْلِيغِ لَكانَ القِياسُ: (لَنْ يُؤْتِيَكم) بِكافِ الخِطابِ، أيْ: لَيْسَ احْتِقارُكم إيّاهم يُنْقِصُ ثَوابَهم عِنْدَ اللَّهِ ولا يُبْطِلُ أُجُورَهم. ﴿اللَّهُ أعْلَمُ بِما في أنْفُسِهِمْ﴾: تَسْلِيمٌ لِلَّهِ، أيْ: لَسْتُ أحْكُمُ عَلَيْهِمْ بِشَيْءٍ مِن هَذا، وإنَّما الحُكْمُ بِذَلِكَ لِلَّهِ تَعالى الَّذِي يَعْلَمُ ما في أنْفُسِهِمْ فَيُجازِيهِمْ عَلَيْهِ. وقِيلَ: هو رَدٌّ عَلى قَوْلِهِمُ: اتَّبَعَكَ أراذِلُنا، أيْ: لَسْتُ أحْكُمُ عَلَيْهِمْ بِأنْ لا يَكُونَ لَهم خَيْرٌ لِظَنِّكم بِهِمْ، إنَّ بَواطِنَهم لَيْسَتْ كَظَواهِرِهِمُ، اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ أعْلَمُ بِما في نُفُوسِهِمْ. إنِّي: لَوْ فَعَلْتُ ذَلِكَ لَمِنَ الظّالِمِينَ، وهُمُ الَّذِينَ يَضَعُونَ الشَّيْءَ في غَيْرِ مَواضِعِهِ، ﴿قَدْ جادَلْتَنا﴾: الظّاهِرُ المُبالَغَةُ في الخُصُومَةِ والمُناظَرَةِ. وقالَ الكَلْبِيُّ: دَعَوْتَنا. وقِيلَ: وعَظْتَنا، وقِيلَ: أتَيْتَ بِأنْواعِ الجِدالِ وفُنُونِهِ فَما صَحَّ دَعْواكَ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ: فَأكْثَرْتَ (p-٢١٩)جَدَلَنا كَقَوْلِهِ: ﴿وكانَ الإنْسانُ أكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾ [الكهف: ٥٤] فَأْتِنا بِما تَعِدُنا مِنَ العَذابِ: المُعَجَّلِ، وما بِمَعْنى الَّذِي والعائِدُ مَحْذُوفٌ أيْ: بِما تَعِدْناهُ، أوْ مَصْدَرِيَّةٌ، وإنَّما كَثُرَتْ مُجادَلَتُهُ لَهم لِأنَّهُ أقامَ فِيهِمْ ما أخْبَرَ اللَّهُ بِهِ ألْفَ سَنَةٍ إلّا خَمْسِينَ عامًا، وهو كُلُّ وقْتٍ يَدْعُوهم إلى اللَّهِ وهم يُجِيبُونَهُ بِعِبادَتِهِمْ أصْنامَهم. قالَ: إنَّما يَأْتِيكم بِهِ اللَّهُ، أيْ: لَيْسَ ذَلِكَ إلَيَّ إنَّما هو لِلْإلَهِ الَّذِي يُعاقِبُكم عَلى عِصْيانِكم، إنْ شاءَ، أيْ: إنِ اقْتَضَتْ حِكْمَتُهُ أنْ يُعَجِّلَ عَذابَكم وأنْتُمْ في قَبْضَتِهِ لا يُمْكِنُ أنْ تُفْلِتُوا مِنهُ، ولا أنْ تَمْتَنِعُوا. ولَمّا قالُوا: ﴿قَدْ جادَلْتَنا﴾، وطَلَبُوا تَعْجِيلَ العَذابِ، وكانَ مُجادَلَتُهُ لَهم إنَّما هو عَلى سَبِيلِ النُّصْحِ والإنْقاذِ مِن عَذابِ اللَّهِ، قالَ: ﴿ولا يَنْفَعُكم نُصْحِي﴾ . وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ الثَّقَفِيُّ: نَصْحِي بِفَتْحِ النُّونِ، وهو مَصْدَرٌ. وقِراءَةُ الجَماعَةِ: بِضَمِّها، فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا كالشُّكْرِ، واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ اسْمًا. وهَذانِ الشَّرْطانِ اعْتَقَبَ الأوَّلُ مِنهُما قَوْلَهُ: ﴿ولا يَنْفَعُكم نُصْحِي﴾، وهو دَلِيلٌ عَلى جَوابِ الشَّرْطِ تَقْدِيرُهُ: إنْ أرَدْتُ أنْ أنْصَحَ لَكم فَلا يَنْفَعُكم نُصْحِي، والشَّرْطُ الثّانِي: اعْتَقَبَ الشَّرْطَ الأوَّلَ. وجَوابُهُ أيْضًا ما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿ولا يَنْفَعُكم نُصْحِي﴾، تَقْدِيرُهُ: إنْ كانَ اللَّهُ يُرِيدُ أنْ يُغْوِيَكم فَلا يَنْفَعُكم نُصْحِي. وصارَ الشَّرْطُ الثّانِي شَرْطًا في الأوَّلِ، وصارَ المُتَقَدِّمُ مُتَأخِّرًا والمُتَأخِّرُ مُتَقَدِّمًا، وكَأنَّ التَّرْكِيبَ: إنْ أرَدْتُ أنْ أنْصَحَ لَكم إنْ كانَ اللَّهُ يُرِيدُ أنْ يُغْوِيَكم فَلا يَنْفَعُكم نُصْحِي، وهو مِن حَيْثُ المَعْنى كالشَّرْطِ إذا كانَ بِالفاءِ نَحْوَ: إنْ كانَ اللَّهُ يُرِيدُ أنْ يُغْوِيَكم. فَإنْ أرَدْتُ أنْ أنْصَحَ لَكم فَلا يَنْفَعُكم نُصْحِي. ونَظِيرُهُ: ﴿وامْرَأةً مُؤْمِنَةً إنْ وهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِّ إنْ أرادَ النَّبِيُّ أنْ يَسْتَنْكِحَها﴾ [الأحزاب: ٥٠] وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: قَوْلُهُ: ﴿إنْ كانَ اللَّهُ يُرِيدُ أنْ يُغْوِيَكُمْ﴾ جَزاؤُهُ ما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿ولا يَنْفَعُكم نُصْحِي﴾، وهَذا الدَّلِيلُ في حُكْمِ ما دَلَّ عَلَيْهِ، فَوُصِلَ بِشَرْطٍ كَما وُصِلَ الجَزاءُ بِالشَّرْطِ في قَوْلِهِ: إنْ أحْسَنْتَ إلَيَّ أحْسَنْتُ إلَيْكَ إنْ أمْكَنَنِي. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ولَيْسَ نُصْحِي لَكم بِنافِعٍ، ولا إرادَتِي الخَيْرَ لَكم مُغْنِيَةً، إذا كانَ اللَّهُ تَعالى قَدْ أرادَ بِكُمُ الإغْواءَ والإضْلالَ والإهْلاكَ. والشَّرْطُ الثّانِي: اعْتِراضٌ بَيْنَ الكَلامِ، وفِيهِ بَلاغَةٌ مِنَ اقْتِرانِ الإرادَتَيْنِ، وأنَّ إرادَةَ البَشَرِ غَيْرُ مُغْنِيَةٍ، وتَعَلُّقُ هَذا الشَّرْطِ هو بِنُصْحِي، وتَعَلُّقُ الآخَرِ هو بِلا يَنْفَعُ، انْتَهى. وكَذا قالَ أبُو الفَرَجِ بْنُ الجَوْزِيِّ قالَ: جَوابُ الأوَّلِ: النُّصْحُ، وجَوابُ الثّانِي: النَّفْعُ. والظّاهِرُ أنَّ مَعْنى يُغْوِيَكم: يُضِلَّكم مِن قَوْلِهِ: غَوى الرَّجُلُ يَغْوِي وهو: الضَّلالُ. وفِيهِ إسْنادُ الإغْواءِ إلى اللَّهِ، فَهو حُجَّةٌ عَلى المُعْتَزِلَةِ إذْ يَقُولُونَ: إنَّ الضَّلالَ هو مِنَ العَبْدِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: إذا عَرَفَ اللَّهُ مِنَ الكافِرِ الإصْرارَ فَخَلّاهُ وشَأْنَهُ ولَمْ يُلْجِئْهُ، سُمِّيَ ذَلِكَ إغْواءً وإمْلاءً، كَما إنَّهُ إذا عَرَفَ مِنهُ أنْ يَتُوبَ ويَرْعَوِي فَلَطَفَ بِهِ، سُمِّيَ: إرْشادًا وهِدايَةً، انْتَهى. وهُوَ عَلى طَرِيقَةِ الِاعْتِزالِ، ونَصُّوا عَلى أنَّهُ لا يُوصَفُ اللَّهُ بِأنَّهُ عارِفٌ، فَلا يَنْبَغِي أنْ يُقالَ: إذا عَرَفَ اللَّهُ، كَما قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ، ولِلْمُعْتَزِلِيِّ أنْ يَقُولَ: لا يَتَعَيَّنُ أنْ تَكُونَ إنْ شَرْطِيَّةً، بَلْ هي نافِيَةٌ والمَعْنى: ما كانَ اللَّهُ يُرِيدُ أنْ يُغْوِيَكم، فَفي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى نَفْيِ الإضْلالِ عَنِ اللَّهِ تَعالى، ويَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿ولا يَنْفَعُكم نُصْحِي إنْ أرَدْتُ أنْ أنْصَحَ﴾: إخْبارًا مِنهُ لَهم وتَعْزِيَةً لِنَفْسِهِ عَنْهم، لِما رَأى مِن إصْرارِهِمْ وتَمادِيهِمْ عَلى الكُفْرِ. وقِيلَ: مَعْنى (يُغْوِيَكم): يُهْلِكَكم، والغَوى: المَرَضُ والهَلاكُ. وفي لُغَةِ طَيِّءٍ: أصْبَحَ فُلانٌ غاوِيًا أيْ: مَرِيضًا، والغَوى: بَشَمُ الفَصِيلِ، وقالَهُ يَعْقُوبُ في الإصْلاحِ. وقِيلَ: فَقْدُهُ اللَّبَنَ حَتّى يَمُوتَ جُوعًا، قالَهُ الفَرّاءُ، وحَكاهُ الطَّبَرِيُّ يُقالُ مِنهُ: غَوى يَغْوِي. وحَكى الزَّهْراوِيُّ: أنَّهُ الَّذِي قُطِعَ عَنْهُ اللَّبَنُ حَتّى كادَ يَهْلِكُ، أوْ لَمّا يَهْلِكُ بَعْدُ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: وكَوْنُ مَعْنى يُغْوِيَكم يُهْلِكَكم، قَوْلٌ مَرْغُوبٌ عَنْهُ، وأنْكَرَ مَكِّيٌّ أنْ يَكُونَ الغَوى بِمَعْنى: الهَلاكِ، مَوْجُودًا في لِسانِ العَرَبِ، وهو مَحْجُوجٌ بِنَقْلِ الفَرّاءِ وغَيْرِهِ. وإذا كانَ مَعْنى يُغْوِيَكم: يُهْلِكَكم، فَلا حُجَّةَ فِيهِ لا لِمُعْتَزِلِيٍّ ولا لِسُنِّيٍّ، بَلِ الحُجَّةُ مِن غَيْرِ هَذا، ومَعْناهُ: أنَّكم إذا كُنْتُمْ مِنَ التَّصْمِيمِ عَلى الكُفْرِ، فالمَنزِلَةُ الَّتِي لا تَنْفَعُكم نَصائِحُ اللَّهِ ومَواعِظُهُ وسائِرُ ألْطافِهِ، كَيْفَ يَنْفَعُكم نُصْحِي ؟ (p-٢٢٠)وفِي قَوْلِهِ: ﴿هُوَ رَبُّكُمْ﴾: تَنْبِيهٌ عَلى المَعْرِفَةِ بِالخالِقِ، وأنَّهُ النّاظِرُ في مَصالِحِكم، إنْ شاءَ أنْ يُغْوِيَكم، وإنْ شاءَ أنْ يَهْدِيَكم. وفي قَوْلِهِ: ﴿وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [يونس: ٥٦]: وعِيدٌ وتَخْوِيفٌ. ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ إنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إجْرامِي وأنا بَرِيءٌ مِمّا تُجْرِمُونَ﴾: قِيلَ: هَذِهِ الآيَةُ اعْتُرِضَتْ في قِصَّةِ نُوحٍ، والأخْبارُ فِيها عَنْ قُرَيْشٍ. يَقُولُونَ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، أيِ: افْتَرى القُرْآنَ، وافْتَرى هَذا الحَدِيثَ عَنْ نُوحٍ وقَوْمِهِ، ولَوْ صَحَّ ذَلِكَ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ لَوُقِفَ عِنْدَهُ، ولَكِنَّ الظّاهِرَ أنَّ الضَّمِيرَ في يَقُولُونَ عائِدٌ عَلى قَوْمِ نُوحٍ، أيْ: بَلْ أيَقُولُونَ افْتَرى ما أخْبَرَهم بِهِ مِن دِينِ اللَّهِ وعِقابِ مَن أعْرَضَ عَنْهُ، فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: قُلْ إنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إثْمُ إجْرامِي، والإجْرامُ: مَصْدَرُ أجْرَمَ، ويُقالُ: أجْرَمَ وهو الكَثِيرُ، وجَرَمَ بِمَعْنًى. ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎طَرِيدُ عَشِيرَةٍ ورَهِينُ ذَنْبٍ بِما جَرَمَتْ يَدِي وجَنى لِسانِي وقُرِئَ: (أجْرامِي) بِفَتْحِ الهَمْزَةِ جَمْعُ جُرْمٍ، ذَكَرَهُ النَّحّاسُ، وفُسِّرَ: بِآثامِي. ومَعْنى ﴿مِمّا تُجْرِمُونَ﴾: مِن إجْرامِكم في إسْنادِ الِافْتِراءِ إلَيَّ، وقِيلَ: مِمّا تُجْرِمُونَ مِنَ الكُفْرِ والتَّكْذِيبِ.

هود 11:33

﴿ويا قَوْمِ لا أسْألُكم عَلَيْهِ مالًا إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى اللَّهِ وما أنا بِطارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا إنَّهم مُلاقُو رَبِّهِمْ ولَكِنِّي أراكم قَوْمًا تَجْهَلُونَ﴾ ﴿ويا قَوْمِ مَن يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إنْ طَرَدْتُهم أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ ﴿ولا أقُولُ لَكم عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ ولا أعْلَمُ الغَيْبَ ولا أقُولُ إنِّي مَلَكٌ ولا أقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أعْيُنُكم لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْرًا اللَّهُ أعْلَمُ بِما في أنْفُسِهِمْ إنِّي إذًا لَمِنَ الظّالِمِينَ﴾ ﴿قالُوا يا نُوحُ قَدْ جادَلْتَنا فَأكْثَرْتَ جِدالَنا فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ ﴿قالَ إنَّما يَأْتِيكم بِهِ اللَّهُ إنْ شاءَ وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ ﴿ولا يَنْفَعُكم نُصْحِي إنْ أرَدْتُ أنْ أنْصَحَ لَكم إنْ كانَ اللَّهُ يُرِيدُ أنْ يُغْوِيَكم هو رَبُّكم وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾: تَلَطَّفَ نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ بِنِدائِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿ويا قَوْمِ﴾، اسْتِدْراجًا لَهم في قَبُولِ كَلامِهِ، كَما تَلَطَّفَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِقَوْلِهِ (يا أبَتِ) وكَما تَلَطَّفَ مُؤْمِنُ آلِ فِرْعَوْنَ بِقَوْلِهِ (يا قَوْمِ) والضَّمِيرُ في عَلَيْهِ عائِدٌ إلى الإنْذارِ. وإفْرادُ اللَّهِ بِالعِبادَةِ المَفْهُومُ مِن قَوْلِهِ لَهم: ﴿إنِّي لَكم نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ [هود: ٢٥] ﴿ألّا تَعْبُدُوا إلّا اللَّهَ﴾ [هود: ٢] (p-٢١٨)وقِيلَ: عَلى الدِّينِ، وقِيلَ: عَلى الدُّعاءِ إلى التَّوْحِيدِ، وقِيلَ: عَلى تَبْلِيغِ الرِّسالَةِ. وكُلُّها أقْوالٌ مُتَقارِبَةٌ، والمَعْنى: إنَّكم وهَؤُلاءِ الَّذِينَ اتَّبَعُونا سَواءٌ في أنْ أدْعُوَكم إلى اللَّهِ، وإنِّي لا أبْتَغِي عَمّا أُلْقِيهِ إلَيْكم مِن شَرائِعِ اللَّهِ مالًا، فَلا يَتَفاوَتُ حالُكم وحالُهم. وأيْضًا: فَلَعَلَّهم ظَنُّوا أنَّهُ يُرِيدُ: الِاسْتِرْفادَ مِنهم، فَنَفاهُ بِقَوْلِهِ: ﴿لا أسْألُكم عَلَيْهِ مالًا إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى اللَّهِ﴾، فَلا تَحْرِمُوا أنْفُسَكُمُ السَّعادَةَ الأبَدِيَّةَ بِتَوَهُّمٍ فاسِدٍ. ثُمَّ ذَكَرَ أنَّهُ قامَ بِهَؤُلاءِ وصْفٌ يَجِبُ العُكُوفُ عَلَيْهِمْ بِهِ والِانْضِواءُ مَعَهم، وهو الإيمانُ فَلا يُمْكِنُ طَرْدُهم، وكانُوا سَألُوا مِنهُ طَرْدَ هَؤُلاءِ المُؤْمِنِينَ، رَفْعًا لِأنْفُسِهِمْ مِن مُساواةِ أُولَئِكَ الفُقَراءِ. ونَظِيرَ هَذا: ما اقْتَرَحَتْ قُرَيْشٌ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِن طَرْدِ أتْباعِهِ الَّذِينَ لَمْ يَكُونُوا مِن قُرَيْشٍ. وقُرِئَ: بِطارِدٍ: بِالتَّنْوِينِ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: عَلى الأصْلِ يَعْنِي: أنَّ اسْمَ الفاعِلِ إذا كانَ بِمَعْنى الحالِ أوْ الِاسْتِقْبالِ، أصْلُهُ أنْ يَعْمَلَ ولا يُضافَ، وهَذا ظاهِرُ كَلامِ سِيبَوَيْهِ. ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ: إنَّ الأصْلَ الإضافَةُ لا العَمَلُ، لِأنَّهُ قَدِ اعْتَوَرَهُ شَبَهانِ: أحَدُهُما: شِبْهٌ بِالمُضارِعِ وهو شَبَهُهُ بِغَيْرِ جِنْسِهِ. والآخَرُ: شِبْهٌ بِالأسْماءِ إذا كانَتْ فِيها الإضافَةُ، فَكانَ إلْحاقُهُ بِجِنْسِهِ أوْلى مِن إلْحاقِهِ بِغَيْرِ جِنْسِهِ. ﴿أنَّهم مُلاقُو رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٤٦]: ظاهِرُهُ التَّعْلِيلُ لِانْتِفاءِ طَرْدِهِمْ، أيْ: إنَّهم يُلاقُونَ اللَّهَ، أيْ: جَزاءَهُ، فَيُوصِلُهم إلى حَقِّهِمْ عِنْدِي إنْ ظَلَمْتُهم بِالطَّرْدِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مَعْناهُ: أنَّهم يُلاقُونَ اللَّهَ فَيُعاقِبُ مَن طَرَدَهم، أوْ: يُلاقُونَهُ فَيُجازِيهِمْ عَلى ما في قُلُوبِهِمْ مِن إيمانٍ صَحِيحٍ ثابِتٍ كَما ظَهَرَ لِي مِنهم، وما أعْرِفُ غَيْرَهُ مِنهم، أوْ عَلى خِلافِ ذَلِكَ مِمّا تَعْرِفُونَهم بِهِ مِن بِناءِ إيمانِهِمْ عَلى بادِئِ الرَّأْيِ مِن غَيْرِ نَظَرٍ ولا تَفَكُّرٍ، وما عَلَيَّ أنْ أشُقَّ عَلى قُلُوبِهِمْ، وأتَعَرَّفَ ذَلِكَ مِنهم حَتّى أطْرُدَهم ونَحْوُهُ ﴿ولا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ﴾ [الأنعام: ٥٢] الآيَةَ، أوْ هم مُصَدِّقُونَ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ، مُوقِنُونَ بِهِ عالِمُونَ أنَّهم مُلاقُوهُ لا مَحالَةَ، انْتَهى. ووَصْفُهم بِالجَهْلِ لِكَوْنِهِمْ بَنَوْا أمْرَهم عَلى الجَهْلِ بِالعَواقِبِ، والِاغْتِرارِ بِالظَّواهِرِ. أوْ لِأنَّهم يَتَسافَلُونَ عَلى المُؤْمِنِينَ ويَدْعُونَهم: أراذِلَ، مِن قَوْلِهِ: ألا لا يَجْهَلَنْ أحَدٌ عَلَيْنا أوْ: تَجْهَلُونَ لِقاءَ رَبِّكم، أوْ: تَجْهَلُونَ أنَّهم خَيْرٌ مِنكم، أوْ: وصْفُهم بِالجَهْلِ في هَذا الِاقْتِراحِ، وهو طَرْدُ المُؤْمِنِينَ ونَحْوِهِ ﴿مَن يَنْصُرُنِي﴾ اسْتِفْهامٌ مَعْناهُ: لا ناصِرَ لِي مِن عِقابِ اللَّهِ إنْ طَرَدْتُهم عَنِ الخَيْرِ الَّذِي قَدْ قَبِلُوهُ، أوْ لِأجْلِ إيمانِهِمْ، قالَهُ الفَرّاءُ، وكانُوا يَسْألُونَهُ أنْ يَطْرُدَهم لِيُؤْمِنُوا بِهِ، أنَفَةً مِنهم أنْ يَكُونُوا مَعَهم عَلى سَواءٍ، ثُمَّ وقَفَهم بِقَوْلِهِ: ﴿أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ [يونس: ٣]، عَلى النَّظَرِ المُؤَدِّي إلى صِحَّةِ هَذا الِاحْتِجاجِ. وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ الجُمَلِ الثَّلاثِ في الأنْعامِ. وتَزْدَرِي: تَفْتَعِلُ، والدّالُ بَدَلٌ مِنَ التّاءِ قالَ: تَرى الرَّجُلَ النَّحِيفَ فَتَزْدَرِيهِ وفي أثْوابِهِ أسَدٌ هَصُورُ وأنْشَدَ الفَرّاءُ: يُباعِدُهُ الصَّدِيقُ وتَزْدَرِيهِ حَلِيلَتُهُ ويَنْهَرُهُ الصَّغِيرُ والعائِدُ عَلى المَوْصُولِ مَحْذُوفٌ، أيْ: تَزْدَرُونَهم، أيْ: تَسْتَحْقِرُهم أعْيُنُكم. ولَنْ يُؤْتِيَهم: مَعْمُولٌ لِقَوْلِهِ: (ولا أقُولُ) و(لِلَّذِينَ): مَعْناهُ لِأجْلِ الَّذِينَ. ولَوْ كانَتِ اللّامُ لِلتَّبْلِيغِ لَكانَ القِياسُ: (لَنْ يُؤْتِيَكم) بِكافِ الخِطابِ، أيْ: لَيْسَ احْتِقارُكم إيّاهم يُنْقِصُ ثَوابَهم عِنْدَ اللَّهِ ولا يُبْطِلُ أُجُورَهم. ﴿اللَّهُ أعْلَمُ بِما في أنْفُسِهِمْ﴾: تَسْلِيمٌ لِلَّهِ، أيْ: لَسْتُ أحْكُمُ عَلَيْهِمْ بِشَيْءٍ مِن هَذا، وإنَّما الحُكْمُ بِذَلِكَ لِلَّهِ تَعالى الَّذِي يَعْلَمُ ما في أنْفُسِهِمْ فَيُجازِيهِمْ عَلَيْهِ. وقِيلَ: هو رَدٌّ عَلى قَوْلِهِمُ: اتَّبَعَكَ أراذِلُنا، أيْ: لَسْتُ أحْكُمُ عَلَيْهِمْ بِأنْ لا يَكُونَ لَهم خَيْرٌ لِظَنِّكم بِهِمْ، إنَّ بَواطِنَهم لَيْسَتْ كَظَواهِرِهِمُ، اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ أعْلَمُ بِما في نُفُوسِهِمْ. إنِّي: لَوْ فَعَلْتُ ذَلِكَ لَمِنَ الظّالِمِينَ، وهُمُ الَّذِينَ يَضَعُونَ الشَّيْءَ في غَيْرِ مَواضِعِهِ، ﴿قَدْ جادَلْتَنا﴾: الظّاهِرُ المُبالَغَةُ في الخُصُومَةِ والمُناظَرَةِ. وقالَ الكَلْبِيُّ: دَعَوْتَنا. وقِيلَ: وعَظْتَنا، وقِيلَ: أتَيْتَ بِأنْواعِ الجِدالِ وفُنُونِهِ فَما صَحَّ دَعْواكَ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ: فَأكْثَرْتَ (p-٢١٩)جَدَلَنا كَقَوْلِهِ: ﴿وكانَ الإنْسانُ أكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾ [الكهف: ٥٤] فَأْتِنا بِما تَعِدُنا مِنَ العَذابِ: المُعَجَّلِ، وما بِمَعْنى الَّذِي والعائِدُ مَحْذُوفٌ أيْ: بِما تَعِدْناهُ، أوْ مَصْدَرِيَّةٌ، وإنَّما كَثُرَتْ مُجادَلَتُهُ لَهم لِأنَّهُ أقامَ فِيهِمْ ما أخْبَرَ اللَّهُ بِهِ ألْفَ سَنَةٍ إلّا خَمْسِينَ عامًا، وهو كُلُّ وقْتٍ يَدْعُوهم إلى اللَّهِ وهم يُجِيبُونَهُ بِعِبادَتِهِمْ أصْنامَهم. قالَ: إنَّما يَأْتِيكم بِهِ اللَّهُ، أيْ: لَيْسَ ذَلِكَ إلَيَّ إنَّما هو لِلْإلَهِ الَّذِي يُعاقِبُكم عَلى عِصْيانِكم، إنْ شاءَ، أيْ: إنِ اقْتَضَتْ حِكْمَتُهُ أنْ يُعَجِّلَ عَذابَكم وأنْتُمْ في قَبْضَتِهِ لا يُمْكِنُ أنْ تُفْلِتُوا مِنهُ، ولا أنْ تَمْتَنِعُوا. ولَمّا قالُوا: ﴿قَدْ جادَلْتَنا﴾، وطَلَبُوا تَعْجِيلَ العَذابِ، وكانَ مُجادَلَتُهُ لَهم إنَّما هو عَلى سَبِيلِ النُّصْحِ والإنْقاذِ مِن عَذابِ اللَّهِ، قالَ: ﴿ولا يَنْفَعُكم نُصْحِي﴾ . وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ الثَّقَفِيُّ: نَصْحِي بِفَتْحِ النُّونِ، وهو مَصْدَرٌ. وقِراءَةُ الجَماعَةِ: بِضَمِّها، فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا كالشُّكْرِ، واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ اسْمًا. وهَذانِ الشَّرْطانِ اعْتَقَبَ الأوَّلُ مِنهُما قَوْلَهُ: ﴿ولا يَنْفَعُكم نُصْحِي﴾، وهو دَلِيلٌ عَلى جَوابِ الشَّرْطِ تَقْدِيرُهُ: إنْ أرَدْتُ أنْ أنْصَحَ لَكم فَلا يَنْفَعُكم نُصْحِي، والشَّرْطُ الثّانِي: اعْتَقَبَ الشَّرْطَ الأوَّلَ. وجَوابُهُ أيْضًا ما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿ولا يَنْفَعُكم نُصْحِي﴾، تَقْدِيرُهُ: إنْ كانَ اللَّهُ يُرِيدُ أنْ يُغْوِيَكم فَلا يَنْفَعُكم نُصْحِي. وصارَ الشَّرْطُ الثّانِي شَرْطًا في الأوَّلِ، وصارَ المُتَقَدِّمُ مُتَأخِّرًا والمُتَأخِّرُ مُتَقَدِّمًا، وكَأنَّ التَّرْكِيبَ: إنْ أرَدْتُ أنْ أنْصَحَ لَكم إنْ كانَ اللَّهُ يُرِيدُ أنْ يُغْوِيَكم فَلا يَنْفَعُكم نُصْحِي، وهو مِن حَيْثُ المَعْنى كالشَّرْطِ إذا كانَ بِالفاءِ نَحْوَ: إنْ كانَ اللَّهُ يُرِيدُ أنْ يُغْوِيَكم. فَإنْ أرَدْتُ أنْ أنْصَحَ لَكم فَلا يَنْفَعُكم نُصْحِي. ونَظِيرُهُ: ﴿وامْرَأةً مُؤْمِنَةً إنْ وهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِّ إنْ أرادَ النَّبِيُّ أنْ يَسْتَنْكِحَها﴾ [الأحزاب: ٥٠] وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: قَوْلُهُ: ﴿إنْ كانَ اللَّهُ يُرِيدُ أنْ يُغْوِيَكُمْ﴾ جَزاؤُهُ ما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿ولا يَنْفَعُكم نُصْحِي﴾، وهَذا الدَّلِيلُ في حُكْمِ ما دَلَّ عَلَيْهِ، فَوُصِلَ بِشَرْطٍ كَما وُصِلَ الجَزاءُ بِالشَّرْطِ في قَوْلِهِ: إنْ أحْسَنْتَ إلَيَّ أحْسَنْتُ إلَيْكَ إنْ أمْكَنَنِي. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ولَيْسَ نُصْحِي لَكم بِنافِعٍ، ولا إرادَتِي الخَيْرَ لَكم مُغْنِيَةً، إذا كانَ اللَّهُ تَعالى قَدْ أرادَ بِكُمُ الإغْواءَ والإضْلالَ والإهْلاكَ. والشَّرْطُ الثّانِي: اعْتِراضٌ بَيْنَ الكَلامِ، وفِيهِ بَلاغَةٌ مِنَ اقْتِرانِ الإرادَتَيْنِ، وأنَّ إرادَةَ البَشَرِ غَيْرُ مُغْنِيَةٍ، وتَعَلُّقُ هَذا الشَّرْطِ هو بِنُصْحِي، وتَعَلُّقُ الآخَرِ هو بِلا يَنْفَعُ، انْتَهى. وكَذا قالَ أبُو الفَرَجِ بْنُ الجَوْزِيِّ قالَ: جَوابُ الأوَّلِ: النُّصْحُ، وجَوابُ الثّانِي: النَّفْعُ. والظّاهِرُ أنَّ مَعْنى يُغْوِيَكم: يُضِلَّكم مِن قَوْلِهِ: غَوى الرَّجُلُ يَغْوِي وهو: الضَّلالُ. وفِيهِ إسْنادُ الإغْواءِ إلى اللَّهِ، فَهو حُجَّةٌ عَلى المُعْتَزِلَةِ إذْ يَقُولُونَ: إنَّ الضَّلالَ هو مِنَ العَبْدِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: إذا عَرَفَ اللَّهُ مِنَ الكافِرِ الإصْرارَ فَخَلّاهُ وشَأْنَهُ ولَمْ يُلْجِئْهُ، سُمِّيَ ذَلِكَ إغْواءً وإمْلاءً، كَما إنَّهُ إذا عَرَفَ مِنهُ أنْ يَتُوبَ ويَرْعَوِي فَلَطَفَ بِهِ، سُمِّيَ: إرْشادًا وهِدايَةً، انْتَهى. وهُوَ عَلى طَرِيقَةِ الِاعْتِزالِ، ونَصُّوا عَلى أنَّهُ لا يُوصَفُ اللَّهُ بِأنَّهُ عارِفٌ، فَلا يَنْبَغِي أنْ يُقالَ: إذا عَرَفَ اللَّهُ، كَما قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ، ولِلْمُعْتَزِلِيِّ أنْ يَقُولَ: لا يَتَعَيَّنُ أنْ تَكُونَ إنْ شَرْطِيَّةً، بَلْ هي نافِيَةٌ والمَعْنى: ما كانَ اللَّهُ يُرِيدُ أنْ يُغْوِيَكم، فَفي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى نَفْيِ الإضْلالِ عَنِ اللَّهِ تَعالى، ويَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿ولا يَنْفَعُكم نُصْحِي إنْ أرَدْتُ أنْ أنْصَحَ﴾: إخْبارًا مِنهُ لَهم وتَعْزِيَةً لِنَفْسِهِ عَنْهم، لِما رَأى مِن إصْرارِهِمْ وتَمادِيهِمْ عَلى الكُفْرِ. وقِيلَ: مَعْنى (يُغْوِيَكم): يُهْلِكَكم، والغَوى: المَرَضُ والهَلاكُ. وفي لُغَةِ طَيِّءٍ: أصْبَحَ فُلانٌ غاوِيًا أيْ: مَرِيضًا، والغَوى: بَشَمُ الفَصِيلِ، وقالَهُ يَعْقُوبُ في الإصْلاحِ. وقِيلَ: فَقْدُهُ اللَّبَنَ حَتّى يَمُوتَ جُوعًا، قالَهُ الفَرّاءُ، وحَكاهُ الطَّبَرِيُّ يُقالُ مِنهُ: غَوى يَغْوِي. وحَكى الزَّهْراوِيُّ: أنَّهُ الَّذِي قُطِعَ عَنْهُ اللَّبَنُ حَتّى كادَ يَهْلِكُ، أوْ لَمّا يَهْلِكُ بَعْدُ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: وكَوْنُ مَعْنى يُغْوِيَكم يُهْلِكَكم، قَوْلٌ مَرْغُوبٌ عَنْهُ، وأنْكَرَ مَكِّيٌّ أنْ يَكُونَ الغَوى بِمَعْنى: الهَلاكِ، مَوْجُودًا في لِسانِ العَرَبِ، وهو مَحْجُوجٌ بِنَقْلِ الفَرّاءِ وغَيْرِهِ. وإذا كانَ مَعْنى يُغْوِيَكم: يُهْلِكَكم، فَلا حُجَّةَ فِيهِ لا لِمُعْتَزِلِيٍّ ولا لِسُنِّيٍّ، بَلِ الحُجَّةُ مِن غَيْرِ هَذا، ومَعْناهُ: أنَّكم إذا كُنْتُمْ مِنَ التَّصْمِيمِ عَلى الكُفْرِ، فالمَنزِلَةُ الَّتِي لا تَنْفَعُكم نَصائِحُ اللَّهِ ومَواعِظُهُ وسائِرُ ألْطافِهِ، كَيْفَ يَنْفَعُكم نُصْحِي ؟ (p-٢٢٠)وفِي قَوْلِهِ: ﴿هُوَ رَبُّكُمْ﴾: تَنْبِيهٌ عَلى المَعْرِفَةِ بِالخالِقِ، وأنَّهُ النّاظِرُ في مَصالِحِكم، إنْ شاءَ أنْ يُغْوِيَكم، وإنْ شاءَ أنْ يَهْدِيَكم. وفي قَوْلِهِ: ﴿وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [يونس: ٥٦]: وعِيدٌ وتَخْوِيفٌ. ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ إنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إجْرامِي وأنا بَرِيءٌ مِمّا تُجْرِمُونَ﴾: قِيلَ: هَذِهِ الآيَةُ اعْتُرِضَتْ في قِصَّةِ نُوحٍ، والأخْبارُ فِيها عَنْ قُرَيْشٍ. يَقُولُونَ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، أيِ: افْتَرى القُرْآنَ، وافْتَرى هَذا الحَدِيثَ عَنْ نُوحٍ وقَوْمِهِ، ولَوْ صَحَّ ذَلِكَ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ لَوُقِفَ عِنْدَهُ، ولَكِنَّ الظّاهِرَ أنَّ الضَّمِيرَ في يَقُولُونَ عائِدٌ عَلى قَوْمِ نُوحٍ، أيْ: بَلْ أيَقُولُونَ افْتَرى ما أخْبَرَهم بِهِ مِن دِينِ اللَّهِ وعِقابِ مَن أعْرَضَ عَنْهُ، فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: قُلْ إنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إثْمُ إجْرامِي، والإجْرامُ: مَصْدَرُ أجْرَمَ، ويُقالُ: أجْرَمَ وهو الكَثِيرُ، وجَرَمَ بِمَعْنًى. ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎طَرِيدُ عَشِيرَةٍ ورَهِينُ ذَنْبٍ بِما جَرَمَتْ يَدِي وجَنى لِسانِي وقُرِئَ: (أجْرامِي) بِفَتْحِ الهَمْزَةِ جَمْعُ جُرْمٍ، ذَكَرَهُ النَّحّاسُ، وفُسِّرَ: بِآثامِي. ومَعْنى ﴿مِمّا تُجْرِمُونَ﴾: مِن إجْرامِكم في إسْنادِ الِافْتِراءِ إلَيَّ، وقِيلَ: مِمّا تُجْرِمُونَ مِنَ الكُفْرِ والتَّكْذِيبِ.

هود 11:34

﴿ويا قَوْمِ لا أسْألُكم عَلَيْهِ مالًا إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى اللَّهِ وما أنا بِطارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا إنَّهم مُلاقُو رَبِّهِمْ ولَكِنِّي أراكم قَوْمًا تَجْهَلُونَ﴾ ﴿ويا قَوْمِ مَن يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إنْ طَرَدْتُهم أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ ﴿ولا أقُولُ لَكم عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ ولا أعْلَمُ الغَيْبَ ولا أقُولُ إنِّي مَلَكٌ ولا أقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أعْيُنُكم لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْرًا اللَّهُ أعْلَمُ بِما في أنْفُسِهِمْ إنِّي إذًا لَمِنَ الظّالِمِينَ﴾ ﴿قالُوا يا نُوحُ قَدْ جادَلْتَنا فَأكْثَرْتَ جِدالَنا فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ ﴿قالَ إنَّما يَأْتِيكم بِهِ اللَّهُ إنْ شاءَ وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ ﴿ولا يَنْفَعُكم نُصْحِي إنْ أرَدْتُ أنْ أنْصَحَ لَكم إنْ كانَ اللَّهُ يُرِيدُ أنْ يُغْوِيَكم هو رَبُّكم وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾: تَلَطَّفَ نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ بِنِدائِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿ويا قَوْمِ﴾، اسْتِدْراجًا لَهم في قَبُولِ كَلامِهِ، كَما تَلَطَّفَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِقَوْلِهِ (يا أبَتِ) وكَما تَلَطَّفَ مُؤْمِنُ آلِ فِرْعَوْنَ بِقَوْلِهِ (يا قَوْمِ) والضَّمِيرُ في عَلَيْهِ عائِدٌ إلى الإنْذارِ. وإفْرادُ اللَّهِ بِالعِبادَةِ المَفْهُومُ مِن قَوْلِهِ لَهم: ﴿إنِّي لَكم نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ [هود: ٢٥] ﴿ألّا تَعْبُدُوا إلّا اللَّهَ﴾ [هود: ٢] (p-٢١٨)وقِيلَ: عَلى الدِّينِ، وقِيلَ: عَلى الدُّعاءِ إلى التَّوْحِيدِ، وقِيلَ: عَلى تَبْلِيغِ الرِّسالَةِ. وكُلُّها أقْوالٌ مُتَقارِبَةٌ، والمَعْنى: إنَّكم وهَؤُلاءِ الَّذِينَ اتَّبَعُونا سَواءٌ في أنْ أدْعُوَكم إلى اللَّهِ، وإنِّي لا أبْتَغِي عَمّا أُلْقِيهِ إلَيْكم مِن شَرائِعِ اللَّهِ مالًا، فَلا يَتَفاوَتُ حالُكم وحالُهم. وأيْضًا: فَلَعَلَّهم ظَنُّوا أنَّهُ يُرِيدُ: الِاسْتِرْفادَ مِنهم، فَنَفاهُ بِقَوْلِهِ: ﴿لا أسْألُكم عَلَيْهِ مالًا إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى اللَّهِ﴾، فَلا تَحْرِمُوا أنْفُسَكُمُ السَّعادَةَ الأبَدِيَّةَ بِتَوَهُّمٍ فاسِدٍ. ثُمَّ ذَكَرَ أنَّهُ قامَ بِهَؤُلاءِ وصْفٌ يَجِبُ العُكُوفُ عَلَيْهِمْ بِهِ والِانْضِواءُ مَعَهم، وهو الإيمانُ فَلا يُمْكِنُ طَرْدُهم، وكانُوا سَألُوا مِنهُ طَرْدَ هَؤُلاءِ المُؤْمِنِينَ، رَفْعًا لِأنْفُسِهِمْ مِن مُساواةِ أُولَئِكَ الفُقَراءِ. ونَظِيرَ هَذا: ما اقْتَرَحَتْ قُرَيْشٌ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِن طَرْدِ أتْباعِهِ الَّذِينَ لَمْ يَكُونُوا مِن قُرَيْشٍ. وقُرِئَ: بِطارِدٍ: بِالتَّنْوِينِ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: عَلى الأصْلِ يَعْنِي: أنَّ اسْمَ الفاعِلِ إذا كانَ بِمَعْنى الحالِ أوْ الِاسْتِقْبالِ، أصْلُهُ أنْ يَعْمَلَ ولا يُضافَ، وهَذا ظاهِرُ كَلامِ سِيبَوَيْهِ. ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ: إنَّ الأصْلَ الإضافَةُ لا العَمَلُ، لِأنَّهُ قَدِ اعْتَوَرَهُ شَبَهانِ: أحَدُهُما: شِبْهٌ بِالمُضارِعِ وهو شَبَهُهُ بِغَيْرِ جِنْسِهِ. والآخَرُ: شِبْهٌ بِالأسْماءِ إذا كانَتْ فِيها الإضافَةُ، فَكانَ إلْحاقُهُ بِجِنْسِهِ أوْلى مِن إلْحاقِهِ بِغَيْرِ جِنْسِهِ. ﴿أنَّهم مُلاقُو رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٤٦]: ظاهِرُهُ التَّعْلِيلُ لِانْتِفاءِ طَرْدِهِمْ، أيْ: إنَّهم يُلاقُونَ اللَّهَ، أيْ: جَزاءَهُ، فَيُوصِلُهم إلى حَقِّهِمْ عِنْدِي إنْ ظَلَمْتُهم بِالطَّرْدِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مَعْناهُ: أنَّهم يُلاقُونَ اللَّهَ فَيُعاقِبُ مَن طَرَدَهم، أوْ: يُلاقُونَهُ فَيُجازِيهِمْ عَلى ما في قُلُوبِهِمْ مِن إيمانٍ صَحِيحٍ ثابِتٍ كَما ظَهَرَ لِي مِنهم، وما أعْرِفُ غَيْرَهُ مِنهم، أوْ عَلى خِلافِ ذَلِكَ مِمّا تَعْرِفُونَهم بِهِ مِن بِناءِ إيمانِهِمْ عَلى بادِئِ الرَّأْيِ مِن غَيْرِ نَظَرٍ ولا تَفَكُّرٍ، وما عَلَيَّ أنْ أشُقَّ عَلى قُلُوبِهِمْ، وأتَعَرَّفَ ذَلِكَ مِنهم حَتّى أطْرُدَهم ونَحْوُهُ ﴿ولا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ﴾ [الأنعام: ٥٢] الآيَةَ، أوْ هم مُصَدِّقُونَ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ، مُوقِنُونَ بِهِ عالِمُونَ أنَّهم مُلاقُوهُ لا مَحالَةَ، انْتَهى. ووَصْفُهم بِالجَهْلِ لِكَوْنِهِمْ بَنَوْا أمْرَهم عَلى الجَهْلِ بِالعَواقِبِ، والِاغْتِرارِ بِالظَّواهِرِ. أوْ لِأنَّهم يَتَسافَلُونَ عَلى المُؤْمِنِينَ ويَدْعُونَهم: أراذِلَ، مِن قَوْلِهِ: ألا لا يَجْهَلَنْ أحَدٌ عَلَيْنا أوْ: تَجْهَلُونَ لِقاءَ رَبِّكم، أوْ: تَجْهَلُونَ أنَّهم خَيْرٌ مِنكم، أوْ: وصْفُهم بِالجَهْلِ في هَذا الِاقْتِراحِ، وهو طَرْدُ المُؤْمِنِينَ ونَحْوِهِ ﴿مَن يَنْصُرُنِي﴾ اسْتِفْهامٌ مَعْناهُ: لا ناصِرَ لِي مِن عِقابِ اللَّهِ إنْ طَرَدْتُهم عَنِ الخَيْرِ الَّذِي قَدْ قَبِلُوهُ، أوْ لِأجْلِ إيمانِهِمْ، قالَهُ الفَرّاءُ، وكانُوا يَسْألُونَهُ أنْ يَطْرُدَهم لِيُؤْمِنُوا بِهِ، أنَفَةً مِنهم أنْ يَكُونُوا مَعَهم عَلى سَواءٍ، ثُمَّ وقَفَهم بِقَوْلِهِ: ﴿أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ [يونس: ٣]، عَلى النَّظَرِ المُؤَدِّي إلى صِحَّةِ هَذا الِاحْتِجاجِ. وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ الجُمَلِ الثَّلاثِ في الأنْعامِ. وتَزْدَرِي: تَفْتَعِلُ، والدّالُ بَدَلٌ مِنَ التّاءِ قالَ: تَرى الرَّجُلَ النَّحِيفَ فَتَزْدَرِيهِ وفي أثْوابِهِ أسَدٌ هَصُورُ وأنْشَدَ الفَرّاءُ: يُباعِدُهُ الصَّدِيقُ وتَزْدَرِيهِ حَلِيلَتُهُ ويَنْهَرُهُ الصَّغِيرُ والعائِدُ عَلى المَوْصُولِ مَحْذُوفٌ، أيْ: تَزْدَرُونَهم، أيْ: تَسْتَحْقِرُهم أعْيُنُكم. ولَنْ يُؤْتِيَهم: مَعْمُولٌ لِقَوْلِهِ: (ولا أقُولُ) و(لِلَّذِينَ): مَعْناهُ لِأجْلِ الَّذِينَ. ولَوْ كانَتِ اللّامُ لِلتَّبْلِيغِ لَكانَ القِياسُ: (لَنْ يُؤْتِيَكم) بِكافِ الخِطابِ، أيْ: لَيْسَ احْتِقارُكم إيّاهم يُنْقِصُ ثَوابَهم عِنْدَ اللَّهِ ولا يُبْطِلُ أُجُورَهم. ﴿اللَّهُ أعْلَمُ بِما في أنْفُسِهِمْ﴾: تَسْلِيمٌ لِلَّهِ، أيْ: لَسْتُ أحْكُمُ عَلَيْهِمْ بِشَيْءٍ مِن هَذا، وإنَّما الحُكْمُ بِذَلِكَ لِلَّهِ تَعالى الَّذِي يَعْلَمُ ما في أنْفُسِهِمْ فَيُجازِيهِمْ عَلَيْهِ. وقِيلَ: هو رَدٌّ عَلى قَوْلِهِمُ: اتَّبَعَكَ أراذِلُنا، أيْ: لَسْتُ أحْكُمُ عَلَيْهِمْ بِأنْ لا يَكُونَ لَهم خَيْرٌ لِظَنِّكم بِهِمْ، إنَّ بَواطِنَهم لَيْسَتْ كَظَواهِرِهِمُ، اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ أعْلَمُ بِما في نُفُوسِهِمْ. إنِّي: لَوْ فَعَلْتُ ذَلِكَ لَمِنَ الظّالِمِينَ، وهُمُ الَّذِينَ يَضَعُونَ الشَّيْءَ في غَيْرِ مَواضِعِهِ، ﴿قَدْ جادَلْتَنا﴾: الظّاهِرُ المُبالَغَةُ في الخُصُومَةِ والمُناظَرَةِ. وقالَ الكَلْبِيُّ: دَعَوْتَنا. وقِيلَ: وعَظْتَنا، وقِيلَ: أتَيْتَ بِأنْواعِ الجِدالِ وفُنُونِهِ فَما صَحَّ دَعْواكَ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ: فَأكْثَرْتَ (p-٢١٩)جَدَلَنا كَقَوْلِهِ: ﴿وكانَ الإنْسانُ أكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾ [الكهف: ٥٤] فَأْتِنا بِما تَعِدُنا مِنَ العَذابِ: المُعَجَّلِ، وما بِمَعْنى الَّذِي والعائِدُ مَحْذُوفٌ أيْ: بِما تَعِدْناهُ، أوْ مَصْدَرِيَّةٌ، وإنَّما كَثُرَتْ مُجادَلَتُهُ لَهم لِأنَّهُ أقامَ فِيهِمْ ما أخْبَرَ اللَّهُ بِهِ ألْفَ سَنَةٍ إلّا خَمْسِينَ عامًا، وهو كُلُّ وقْتٍ يَدْعُوهم إلى اللَّهِ وهم يُجِيبُونَهُ بِعِبادَتِهِمْ أصْنامَهم. قالَ: إنَّما يَأْتِيكم بِهِ اللَّهُ، أيْ: لَيْسَ ذَلِكَ إلَيَّ إنَّما هو لِلْإلَهِ الَّذِي يُعاقِبُكم عَلى عِصْيانِكم، إنْ شاءَ، أيْ: إنِ اقْتَضَتْ حِكْمَتُهُ أنْ يُعَجِّلَ عَذابَكم وأنْتُمْ في قَبْضَتِهِ لا يُمْكِنُ أنْ تُفْلِتُوا مِنهُ، ولا أنْ تَمْتَنِعُوا. ولَمّا قالُوا: ﴿قَدْ جادَلْتَنا﴾، وطَلَبُوا تَعْجِيلَ العَذابِ، وكانَ مُجادَلَتُهُ لَهم إنَّما هو عَلى سَبِيلِ النُّصْحِ والإنْقاذِ مِن عَذابِ اللَّهِ، قالَ: ﴿ولا يَنْفَعُكم نُصْحِي﴾ . وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ الثَّقَفِيُّ: نَصْحِي بِفَتْحِ النُّونِ، وهو مَصْدَرٌ. وقِراءَةُ الجَماعَةِ: بِضَمِّها، فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا كالشُّكْرِ، واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ اسْمًا. وهَذانِ الشَّرْطانِ اعْتَقَبَ الأوَّلُ مِنهُما قَوْلَهُ: ﴿ولا يَنْفَعُكم نُصْحِي﴾، وهو دَلِيلٌ عَلى جَوابِ الشَّرْطِ تَقْدِيرُهُ: إنْ أرَدْتُ أنْ أنْصَحَ لَكم فَلا يَنْفَعُكم نُصْحِي، والشَّرْطُ الثّانِي: اعْتَقَبَ الشَّرْطَ الأوَّلَ. وجَوابُهُ أيْضًا ما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿ولا يَنْفَعُكم نُصْحِي﴾، تَقْدِيرُهُ: إنْ كانَ اللَّهُ يُرِيدُ أنْ يُغْوِيَكم فَلا يَنْفَعُكم نُصْحِي. وصارَ الشَّرْطُ الثّانِي شَرْطًا في الأوَّلِ، وصارَ المُتَقَدِّمُ مُتَأخِّرًا والمُتَأخِّرُ مُتَقَدِّمًا، وكَأنَّ التَّرْكِيبَ: إنْ أرَدْتُ أنْ أنْصَحَ لَكم إنْ كانَ اللَّهُ يُرِيدُ أنْ يُغْوِيَكم فَلا يَنْفَعُكم نُصْحِي، وهو مِن حَيْثُ المَعْنى كالشَّرْطِ إذا كانَ بِالفاءِ نَحْوَ: إنْ كانَ اللَّهُ يُرِيدُ أنْ يُغْوِيَكم. فَإنْ أرَدْتُ أنْ أنْصَحَ لَكم فَلا يَنْفَعُكم نُصْحِي. ونَظِيرُهُ: ﴿وامْرَأةً مُؤْمِنَةً إنْ وهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِّ إنْ أرادَ النَّبِيُّ أنْ يَسْتَنْكِحَها﴾ [الأحزاب: ٥٠] وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: قَوْلُهُ: ﴿إنْ كانَ اللَّهُ يُرِيدُ أنْ يُغْوِيَكُمْ﴾ جَزاؤُهُ ما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿ولا يَنْفَعُكم نُصْحِي﴾، وهَذا الدَّلِيلُ في حُكْمِ ما دَلَّ عَلَيْهِ، فَوُصِلَ بِشَرْطٍ كَما وُصِلَ الجَزاءُ بِالشَّرْطِ في قَوْلِهِ: إنْ أحْسَنْتَ إلَيَّ أحْسَنْتُ إلَيْكَ إنْ أمْكَنَنِي. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ولَيْسَ نُصْحِي لَكم بِنافِعٍ، ولا إرادَتِي الخَيْرَ لَكم مُغْنِيَةً، إذا كانَ اللَّهُ تَعالى قَدْ أرادَ بِكُمُ الإغْواءَ والإضْلالَ والإهْلاكَ. والشَّرْطُ الثّانِي: اعْتِراضٌ بَيْنَ الكَلامِ، وفِيهِ بَلاغَةٌ مِنَ اقْتِرانِ الإرادَتَيْنِ، وأنَّ إرادَةَ البَشَرِ غَيْرُ مُغْنِيَةٍ، وتَعَلُّقُ هَذا الشَّرْطِ هو بِنُصْحِي، وتَعَلُّقُ الآخَرِ هو بِلا يَنْفَعُ، انْتَهى. وكَذا قالَ أبُو الفَرَجِ بْنُ الجَوْزِيِّ قالَ: جَوابُ الأوَّلِ: النُّصْحُ، وجَوابُ الثّانِي: النَّفْعُ. والظّاهِرُ أنَّ مَعْنى يُغْوِيَكم: يُضِلَّكم مِن قَوْلِهِ: غَوى الرَّجُلُ يَغْوِي وهو: الضَّلالُ. وفِيهِ إسْنادُ الإغْواءِ إلى اللَّهِ، فَهو حُجَّةٌ عَلى المُعْتَزِلَةِ إذْ يَقُولُونَ: إنَّ الضَّلالَ هو مِنَ العَبْدِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: إذا عَرَفَ اللَّهُ مِنَ الكافِرِ الإصْرارَ فَخَلّاهُ وشَأْنَهُ ولَمْ يُلْجِئْهُ، سُمِّيَ ذَلِكَ إغْواءً وإمْلاءً، كَما إنَّهُ إذا عَرَفَ مِنهُ أنْ يَتُوبَ ويَرْعَوِي فَلَطَفَ بِهِ، سُمِّيَ: إرْشادًا وهِدايَةً، انْتَهى. وهُوَ عَلى طَرِيقَةِ الِاعْتِزالِ، ونَصُّوا عَلى أنَّهُ لا يُوصَفُ اللَّهُ بِأنَّهُ عارِفٌ، فَلا يَنْبَغِي أنْ يُقالَ: إذا عَرَفَ اللَّهُ، كَما قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ، ولِلْمُعْتَزِلِيِّ أنْ يَقُولَ: لا يَتَعَيَّنُ أنْ تَكُونَ إنْ شَرْطِيَّةً، بَلْ هي نافِيَةٌ والمَعْنى: ما كانَ اللَّهُ يُرِيدُ أنْ يُغْوِيَكم، فَفي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى نَفْيِ الإضْلالِ عَنِ اللَّهِ تَعالى، ويَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿ولا يَنْفَعُكم نُصْحِي إنْ أرَدْتُ أنْ أنْصَحَ﴾: إخْبارًا مِنهُ لَهم وتَعْزِيَةً لِنَفْسِهِ عَنْهم، لِما رَأى مِن إصْرارِهِمْ وتَمادِيهِمْ عَلى الكُفْرِ. وقِيلَ: مَعْنى (يُغْوِيَكم): يُهْلِكَكم، والغَوى: المَرَضُ والهَلاكُ. وفي لُغَةِ طَيِّءٍ: أصْبَحَ فُلانٌ غاوِيًا أيْ: مَرِيضًا، والغَوى: بَشَمُ الفَصِيلِ، وقالَهُ يَعْقُوبُ في الإصْلاحِ. وقِيلَ: فَقْدُهُ اللَّبَنَ حَتّى يَمُوتَ جُوعًا، قالَهُ الفَرّاءُ، وحَكاهُ الطَّبَرِيُّ يُقالُ مِنهُ: غَوى يَغْوِي. وحَكى الزَّهْراوِيُّ: أنَّهُ الَّذِي قُطِعَ عَنْهُ اللَّبَنُ حَتّى كادَ يَهْلِكُ، أوْ لَمّا يَهْلِكُ بَعْدُ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: وكَوْنُ مَعْنى يُغْوِيَكم يُهْلِكَكم، قَوْلٌ مَرْغُوبٌ عَنْهُ، وأنْكَرَ مَكِّيٌّ أنْ يَكُونَ الغَوى بِمَعْنى: الهَلاكِ، مَوْجُودًا في لِسانِ العَرَبِ، وهو مَحْجُوجٌ بِنَقْلِ الفَرّاءِ وغَيْرِهِ. وإذا كانَ مَعْنى يُغْوِيَكم: يُهْلِكَكم، فَلا حُجَّةَ فِيهِ لا لِمُعْتَزِلِيٍّ ولا لِسُنِّيٍّ، بَلِ الحُجَّةُ مِن غَيْرِ هَذا، ومَعْناهُ: أنَّكم إذا كُنْتُمْ مِنَ التَّصْمِيمِ عَلى الكُفْرِ، فالمَنزِلَةُ الَّتِي لا تَنْفَعُكم نَصائِحُ اللَّهِ ومَواعِظُهُ وسائِرُ ألْطافِهِ، كَيْفَ يَنْفَعُكم نُصْحِي ؟ (p-٢٢٠)وفِي قَوْلِهِ: ﴿هُوَ رَبُّكُمْ﴾: تَنْبِيهٌ عَلى المَعْرِفَةِ بِالخالِقِ، وأنَّهُ النّاظِرُ في مَصالِحِكم، إنْ شاءَ أنْ يُغْوِيَكم، وإنْ شاءَ أنْ يَهْدِيَكم. وفي قَوْلِهِ: ﴿وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [يونس: ٥٦]: وعِيدٌ وتَخْوِيفٌ. ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ إنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إجْرامِي وأنا بَرِيءٌ مِمّا تُجْرِمُونَ﴾: قِيلَ: هَذِهِ الآيَةُ اعْتُرِضَتْ في قِصَّةِ نُوحٍ، والأخْبارُ فِيها عَنْ قُرَيْشٍ. يَقُولُونَ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، أيِ: افْتَرى القُرْآنَ، وافْتَرى هَذا الحَدِيثَ عَنْ نُوحٍ وقَوْمِهِ، ولَوْ صَحَّ ذَلِكَ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ لَوُقِفَ عِنْدَهُ، ولَكِنَّ الظّاهِرَ أنَّ الضَّمِيرَ في يَقُولُونَ عائِدٌ عَلى قَوْمِ نُوحٍ، أيْ: بَلْ أيَقُولُونَ افْتَرى ما أخْبَرَهم بِهِ مِن دِينِ اللَّهِ وعِقابِ مَن أعْرَضَ عَنْهُ، فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: قُلْ إنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إثْمُ إجْرامِي، والإجْرامُ: مَصْدَرُ أجْرَمَ، ويُقالُ: أجْرَمَ وهو الكَثِيرُ، وجَرَمَ بِمَعْنًى. ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎طَرِيدُ عَشِيرَةٍ ورَهِينُ ذَنْبٍ بِما جَرَمَتْ يَدِي وجَنى لِسانِي وقُرِئَ: (أجْرامِي) بِفَتْحِ الهَمْزَةِ جَمْعُ جُرْمٍ، ذَكَرَهُ النَّحّاسُ، وفُسِّرَ: بِآثامِي. ومَعْنى ﴿مِمّا تُجْرِمُونَ﴾: مِن إجْرامِكم في إسْنادِ الِافْتِراءِ إلَيَّ، وقِيلَ: مِمّا تُجْرِمُونَ مِنَ الكُفْرِ والتَّكْذِيبِ.

هود 11:35

﴿ويا قَوْمِ لا أسْألُكم عَلَيْهِ مالًا إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى اللَّهِ وما أنا بِطارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا إنَّهم مُلاقُو رَبِّهِمْ ولَكِنِّي أراكم قَوْمًا تَجْهَلُونَ﴾ ﴿ويا قَوْمِ مَن يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إنْ طَرَدْتُهم أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ ﴿ولا أقُولُ لَكم عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ ولا أعْلَمُ الغَيْبَ ولا أقُولُ إنِّي مَلَكٌ ولا أقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أعْيُنُكم لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْرًا اللَّهُ أعْلَمُ بِما في أنْفُسِهِمْ إنِّي إذًا لَمِنَ الظّالِمِينَ﴾ ﴿قالُوا يا نُوحُ قَدْ جادَلْتَنا فَأكْثَرْتَ جِدالَنا فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ ﴿قالَ إنَّما يَأْتِيكم بِهِ اللَّهُ إنْ شاءَ وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ ﴿ولا يَنْفَعُكم نُصْحِي إنْ أرَدْتُ أنْ أنْصَحَ لَكم إنْ كانَ اللَّهُ يُرِيدُ أنْ يُغْوِيَكم هو رَبُّكم وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾: تَلَطَّفَ نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ بِنِدائِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿ويا قَوْمِ﴾، اسْتِدْراجًا لَهم في قَبُولِ كَلامِهِ، كَما تَلَطَّفَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِقَوْلِهِ (يا أبَتِ) وكَما تَلَطَّفَ مُؤْمِنُ آلِ فِرْعَوْنَ بِقَوْلِهِ (يا قَوْمِ) والضَّمِيرُ في عَلَيْهِ عائِدٌ إلى الإنْذارِ. وإفْرادُ اللَّهِ بِالعِبادَةِ المَفْهُومُ مِن قَوْلِهِ لَهم: ﴿إنِّي لَكم نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ [هود: ٢٥] ﴿ألّا تَعْبُدُوا إلّا اللَّهَ﴾ [هود: ٢] (p-٢١٨)وقِيلَ: عَلى الدِّينِ، وقِيلَ: عَلى الدُّعاءِ إلى التَّوْحِيدِ، وقِيلَ: عَلى تَبْلِيغِ الرِّسالَةِ. وكُلُّها أقْوالٌ مُتَقارِبَةٌ، والمَعْنى: إنَّكم وهَؤُلاءِ الَّذِينَ اتَّبَعُونا سَواءٌ في أنْ أدْعُوَكم إلى اللَّهِ، وإنِّي لا أبْتَغِي عَمّا أُلْقِيهِ إلَيْكم مِن شَرائِعِ اللَّهِ مالًا، فَلا يَتَفاوَتُ حالُكم وحالُهم. وأيْضًا: فَلَعَلَّهم ظَنُّوا أنَّهُ يُرِيدُ: الِاسْتِرْفادَ مِنهم، فَنَفاهُ بِقَوْلِهِ: ﴿لا أسْألُكم عَلَيْهِ مالًا إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى اللَّهِ﴾، فَلا تَحْرِمُوا أنْفُسَكُمُ السَّعادَةَ الأبَدِيَّةَ بِتَوَهُّمٍ فاسِدٍ. ثُمَّ ذَكَرَ أنَّهُ قامَ بِهَؤُلاءِ وصْفٌ يَجِبُ العُكُوفُ عَلَيْهِمْ بِهِ والِانْضِواءُ مَعَهم، وهو الإيمانُ فَلا يُمْكِنُ طَرْدُهم، وكانُوا سَألُوا مِنهُ طَرْدَ هَؤُلاءِ المُؤْمِنِينَ، رَفْعًا لِأنْفُسِهِمْ مِن مُساواةِ أُولَئِكَ الفُقَراءِ. ونَظِيرَ هَذا: ما اقْتَرَحَتْ قُرَيْشٌ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِن طَرْدِ أتْباعِهِ الَّذِينَ لَمْ يَكُونُوا مِن قُرَيْشٍ. وقُرِئَ: بِطارِدٍ: بِالتَّنْوِينِ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: عَلى الأصْلِ يَعْنِي: أنَّ اسْمَ الفاعِلِ إذا كانَ بِمَعْنى الحالِ أوْ الِاسْتِقْبالِ، أصْلُهُ أنْ يَعْمَلَ ولا يُضافَ، وهَذا ظاهِرُ كَلامِ سِيبَوَيْهِ. ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ: إنَّ الأصْلَ الإضافَةُ لا العَمَلُ، لِأنَّهُ قَدِ اعْتَوَرَهُ شَبَهانِ: أحَدُهُما: شِبْهٌ بِالمُضارِعِ وهو شَبَهُهُ بِغَيْرِ جِنْسِهِ. والآخَرُ: شِبْهٌ بِالأسْماءِ إذا كانَتْ فِيها الإضافَةُ، فَكانَ إلْحاقُهُ بِجِنْسِهِ أوْلى مِن إلْحاقِهِ بِغَيْرِ جِنْسِهِ. ﴿أنَّهم مُلاقُو رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٤٦]: ظاهِرُهُ التَّعْلِيلُ لِانْتِفاءِ طَرْدِهِمْ، أيْ: إنَّهم يُلاقُونَ اللَّهَ، أيْ: جَزاءَهُ، فَيُوصِلُهم إلى حَقِّهِمْ عِنْدِي إنْ ظَلَمْتُهم بِالطَّرْدِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مَعْناهُ: أنَّهم يُلاقُونَ اللَّهَ فَيُعاقِبُ مَن طَرَدَهم، أوْ: يُلاقُونَهُ فَيُجازِيهِمْ عَلى ما في قُلُوبِهِمْ مِن إيمانٍ صَحِيحٍ ثابِتٍ كَما ظَهَرَ لِي مِنهم، وما أعْرِفُ غَيْرَهُ مِنهم، أوْ عَلى خِلافِ ذَلِكَ مِمّا تَعْرِفُونَهم بِهِ مِن بِناءِ إيمانِهِمْ عَلى بادِئِ الرَّأْيِ مِن غَيْرِ نَظَرٍ ولا تَفَكُّرٍ، وما عَلَيَّ أنْ أشُقَّ عَلى قُلُوبِهِمْ، وأتَعَرَّفَ ذَلِكَ مِنهم حَتّى أطْرُدَهم ونَحْوُهُ ﴿ولا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ﴾ [الأنعام: ٥٢] الآيَةَ، أوْ هم مُصَدِّقُونَ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ، مُوقِنُونَ بِهِ عالِمُونَ أنَّهم مُلاقُوهُ لا مَحالَةَ، انْتَهى. ووَصْفُهم بِالجَهْلِ لِكَوْنِهِمْ بَنَوْا أمْرَهم عَلى الجَهْلِ بِالعَواقِبِ، والِاغْتِرارِ بِالظَّواهِرِ. أوْ لِأنَّهم يَتَسافَلُونَ عَلى المُؤْمِنِينَ ويَدْعُونَهم: أراذِلَ، مِن قَوْلِهِ: ألا لا يَجْهَلَنْ أحَدٌ عَلَيْنا أوْ: تَجْهَلُونَ لِقاءَ رَبِّكم، أوْ: تَجْهَلُونَ أنَّهم خَيْرٌ مِنكم، أوْ: وصْفُهم بِالجَهْلِ في هَذا الِاقْتِراحِ، وهو طَرْدُ المُؤْمِنِينَ ونَحْوِهِ ﴿مَن يَنْصُرُنِي﴾ اسْتِفْهامٌ مَعْناهُ: لا ناصِرَ لِي مِن عِقابِ اللَّهِ إنْ طَرَدْتُهم عَنِ الخَيْرِ الَّذِي قَدْ قَبِلُوهُ، أوْ لِأجْلِ إيمانِهِمْ، قالَهُ الفَرّاءُ، وكانُوا يَسْألُونَهُ أنْ يَطْرُدَهم لِيُؤْمِنُوا بِهِ، أنَفَةً مِنهم أنْ يَكُونُوا مَعَهم عَلى سَواءٍ، ثُمَّ وقَفَهم بِقَوْلِهِ: ﴿أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ [يونس: ٣]، عَلى النَّظَرِ المُؤَدِّي إلى صِحَّةِ هَذا الِاحْتِجاجِ. وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ الجُمَلِ الثَّلاثِ في الأنْعامِ. وتَزْدَرِي: تَفْتَعِلُ، والدّالُ بَدَلٌ مِنَ التّاءِ قالَ: تَرى الرَّجُلَ النَّحِيفَ فَتَزْدَرِيهِ وفي أثْوابِهِ أسَدٌ هَصُورُ وأنْشَدَ الفَرّاءُ: يُباعِدُهُ الصَّدِيقُ وتَزْدَرِيهِ حَلِيلَتُهُ ويَنْهَرُهُ الصَّغِيرُ والعائِدُ عَلى المَوْصُولِ مَحْذُوفٌ، أيْ: تَزْدَرُونَهم، أيْ: تَسْتَحْقِرُهم أعْيُنُكم. ولَنْ يُؤْتِيَهم: مَعْمُولٌ لِقَوْلِهِ: (ولا أقُولُ) و(لِلَّذِينَ): مَعْناهُ لِأجْلِ الَّذِينَ. ولَوْ كانَتِ اللّامُ لِلتَّبْلِيغِ لَكانَ القِياسُ: (لَنْ يُؤْتِيَكم) بِكافِ الخِطابِ، أيْ: لَيْسَ احْتِقارُكم إيّاهم يُنْقِصُ ثَوابَهم عِنْدَ اللَّهِ ولا يُبْطِلُ أُجُورَهم. ﴿اللَّهُ أعْلَمُ بِما في أنْفُسِهِمْ﴾: تَسْلِيمٌ لِلَّهِ، أيْ: لَسْتُ أحْكُمُ عَلَيْهِمْ بِشَيْءٍ مِن هَذا، وإنَّما الحُكْمُ بِذَلِكَ لِلَّهِ تَعالى الَّذِي يَعْلَمُ ما في أنْفُسِهِمْ فَيُجازِيهِمْ عَلَيْهِ. وقِيلَ: هو رَدٌّ عَلى قَوْلِهِمُ: اتَّبَعَكَ أراذِلُنا، أيْ: لَسْتُ أحْكُمُ عَلَيْهِمْ بِأنْ لا يَكُونَ لَهم خَيْرٌ لِظَنِّكم بِهِمْ، إنَّ بَواطِنَهم لَيْسَتْ كَظَواهِرِهِمُ، اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ أعْلَمُ بِما في نُفُوسِهِمْ. إنِّي: لَوْ فَعَلْتُ ذَلِكَ لَمِنَ الظّالِمِينَ، وهُمُ الَّذِينَ يَضَعُونَ الشَّيْءَ في غَيْرِ مَواضِعِهِ، ﴿قَدْ جادَلْتَنا﴾: الظّاهِرُ المُبالَغَةُ في الخُصُومَةِ والمُناظَرَةِ. وقالَ الكَلْبِيُّ: دَعَوْتَنا. وقِيلَ: وعَظْتَنا، وقِيلَ: أتَيْتَ بِأنْواعِ الجِدالِ وفُنُونِهِ فَما صَحَّ دَعْواكَ. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ: فَأكْثَرْتَ (p-٢١٩)جَدَلَنا كَقَوْلِهِ: ﴿وكانَ الإنْسانُ أكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾ [الكهف: ٥٤] فَأْتِنا بِما تَعِدُنا مِنَ العَذابِ: المُعَجَّلِ، وما بِمَعْنى الَّذِي والعائِدُ مَحْذُوفٌ أيْ: بِما تَعِدْناهُ، أوْ مَصْدَرِيَّةٌ، وإنَّما كَثُرَتْ مُجادَلَتُهُ لَهم لِأنَّهُ أقامَ فِيهِمْ ما أخْبَرَ اللَّهُ بِهِ ألْفَ سَنَةٍ إلّا خَمْسِينَ عامًا، وهو كُلُّ وقْتٍ يَدْعُوهم إلى اللَّهِ وهم يُجِيبُونَهُ بِعِبادَتِهِمْ أصْنامَهم. قالَ: إنَّما يَأْتِيكم بِهِ اللَّهُ، أيْ: لَيْسَ ذَلِكَ إلَيَّ إنَّما هو لِلْإلَهِ الَّذِي يُعاقِبُكم عَلى عِصْيانِكم، إنْ شاءَ، أيْ: إنِ اقْتَضَتْ حِكْمَتُهُ أنْ يُعَجِّلَ عَذابَكم وأنْتُمْ في قَبْضَتِهِ لا يُمْكِنُ أنْ تُفْلِتُوا مِنهُ، ولا أنْ تَمْتَنِعُوا. ولَمّا قالُوا: ﴿قَدْ جادَلْتَنا﴾، وطَلَبُوا تَعْجِيلَ العَذابِ، وكانَ مُجادَلَتُهُ لَهم إنَّما هو عَلى سَبِيلِ النُّصْحِ والإنْقاذِ مِن عَذابِ اللَّهِ، قالَ: ﴿ولا يَنْفَعُكم نُصْحِي﴾ . وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ الثَّقَفِيُّ: نَصْحِي بِفَتْحِ النُّونِ، وهو مَصْدَرٌ. وقِراءَةُ الجَماعَةِ: بِضَمِّها، فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا كالشُّكْرِ، واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ اسْمًا. وهَذانِ الشَّرْطانِ اعْتَقَبَ الأوَّلُ مِنهُما قَوْلَهُ: ﴿ولا يَنْفَعُكم نُصْحِي﴾، وهو دَلِيلٌ عَلى جَوابِ الشَّرْطِ تَقْدِيرُهُ: إنْ أرَدْتُ أنْ أنْصَحَ لَكم فَلا يَنْفَعُكم نُصْحِي، والشَّرْطُ الثّانِي: اعْتَقَبَ الشَّرْطَ الأوَّلَ. وجَوابُهُ أيْضًا ما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿ولا يَنْفَعُكم نُصْحِي﴾، تَقْدِيرُهُ: إنْ كانَ اللَّهُ يُرِيدُ أنْ يُغْوِيَكم فَلا يَنْفَعُكم نُصْحِي. وصارَ الشَّرْطُ الثّانِي شَرْطًا في الأوَّلِ، وصارَ المُتَقَدِّمُ مُتَأخِّرًا والمُتَأخِّرُ مُتَقَدِّمًا، وكَأنَّ التَّرْكِيبَ: إنْ أرَدْتُ أنْ أنْصَحَ لَكم إنْ كانَ اللَّهُ يُرِيدُ أنْ يُغْوِيَكم فَلا يَنْفَعُكم نُصْحِي، وهو مِن حَيْثُ المَعْنى كالشَّرْطِ إذا كانَ بِالفاءِ نَحْوَ: إنْ كانَ اللَّهُ يُرِيدُ أنْ يُغْوِيَكم. فَإنْ أرَدْتُ أنْ أنْصَحَ لَكم فَلا يَنْفَعُكم نُصْحِي. ونَظِيرُهُ: ﴿وامْرَأةً مُؤْمِنَةً إنْ وهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِّ إنْ أرادَ النَّبِيُّ أنْ يَسْتَنْكِحَها﴾ [الأحزاب: ٥٠] وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: قَوْلُهُ: ﴿إنْ كانَ اللَّهُ يُرِيدُ أنْ يُغْوِيَكُمْ﴾ جَزاؤُهُ ما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿ولا يَنْفَعُكم نُصْحِي﴾، وهَذا الدَّلِيلُ في حُكْمِ ما دَلَّ عَلَيْهِ، فَوُصِلَ بِشَرْطٍ كَما وُصِلَ الجَزاءُ بِالشَّرْطِ في قَوْلِهِ: إنْ أحْسَنْتَ إلَيَّ أحْسَنْتُ إلَيْكَ إنْ أمْكَنَنِي. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ولَيْسَ نُصْحِي لَكم بِنافِعٍ، ولا إرادَتِي الخَيْرَ لَكم مُغْنِيَةً، إذا كانَ اللَّهُ تَعالى قَدْ أرادَ بِكُمُ الإغْواءَ والإضْلالَ والإهْلاكَ. والشَّرْطُ الثّانِي: اعْتِراضٌ بَيْنَ الكَلامِ، وفِيهِ بَلاغَةٌ مِنَ اقْتِرانِ الإرادَتَيْنِ، وأنَّ إرادَةَ البَشَرِ غَيْرُ مُغْنِيَةٍ، وتَعَلُّقُ هَذا الشَّرْطِ هو بِنُصْحِي، وتَعَلُّقُ الآخَرِ هو بِلا يَنْفَعُ، انْتَهى. وكَذا قالَ أبُو الفَرَجِ بْنُ الجَوْزِيِّ قالَ: جَوابُ الأوَّلِ: النُّصْحُ، وجَوابُ الثّانِي: النَّفْعُ. والظّاهِرُ أنَّ مَعْنى يُغْوِيَكم: يُضِلَّكم مِن قَوْلِهِ: غَوى الرَّجُلُ يَغْوِي وهو: الضَّلالُ. وفِيهِ إسْنادُ الإغْواءِ إلى اللَّهِ، فَهو حُجَّةٌ عَلى المُعْتَزِلَةِ إذْ يَقُولُونَ: إنَّ الضَّلالَ هو مِنَ العَبْدِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: إذا عَرَفَ اللَّهُ مِنَ الكافِرِ الإصْرارَ فَخَلّاهُ وشَأْنَهُ ولَمْ يُلْجِئْهُ، سُمِّيَ ذَلِكَ إغْواءً وإمْلاءً، كَما إنَّهُ إذا عَرَفَ مِنهُ أنْ يَتُوبَ ويَرْعَوِي فَلَطَفَ بِهِ، سُمِّيَ: إرْشادًا وهِدايَةً، انْتَهى. وهُوَ عَلى طَرِيقَةِ الِاعْتِزالِ، ونَصُّوا عَلى أنَّهُ لا يُوصَفُ اللَّهُ بِأنَّهُ عارِفٌ، فَلا يَنْبَغِي أنْ يُقالَ: إذا عَرَفَ اللَّهُ، كَما قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ، ولِلْمُعْتَزِلِيِّ أنْ يَقُولَ: لا يَتَعَيَّنُ أنْ تَكُونَ إنْ شَرْطِيَّةً، بَلْ هي نافِيَةٌ والمَعْنى: ما كانَ اللَّهُ يُرِيدُ أنْ يُغْوِيَكم، فَفي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى نَفْيِ الإضْلالِ عَنِ اللَّهِ تَعالى، ويَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿ولا يَنْفَعُكم نُصْحِي إنْ أرَدْتُ أنْ أنْصَحَ﴾: إخْبارًا مِنهُ لَهم وتَعْزِيَةً لِنَفْسِهِ عَنْهم، لِما رَأى مِن إصْرارِهِمْ وتَمادِيهِمْ عَلى الكُفْرِ. وقِيلَ: مَعْنى (يُغْوِيَكم): يُهْلِكَكم، والغَوى: المَرَضُ والهَلاكُ. وفي لُغَةِ طَيِّءٍ: أصْبَحَ فُلانٌ غاوِيًا أيْ: مَرِيضًا، والغَوى: بَشَمُ الفَصِيلِ، وقالَهُ يَعْقُوبُ في الإصْلاحِ. وقِيلَ: فَقْدُهُ اللَّبَنَ حَتّى يَمُوتَ جُوعًا، قالَهُ الفَرّاءُ، وحَكاهُ الطَّبَرِيُّ يُقالُ مِنهُ: غَوى يَغْوِي. وحَكى الزَّهْراوِيُّ: أنَّهُ الَّذِي قُطِعَ عَنْهُ اللَّبَنُ حَتّى كادَ يَهْلِكُ، أوْ لَمّا يَهْلِكُ بَعْدُ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: وكَوْنُ مَعْنى يُغْوِيَكم يُهْلِكَكم، قَوْلٌ مَرْغُوبٌ عَنْهُ، وأنْكَرَ مَكِّيٌّ أنْ يَكُونَ الغَوى بِمَعْنى: الهَلاكِ، مَوْجُودًا في لِسانِ العَرَبِ، وهو مَحْجُوجٌ بِنَقْلِ الفَرّاءِ وغَيْرِهِ. وإذا كانَ مَعْنى يُغْوِيَكم: يُهْلِكَكم، فَلا حُجَّةَ فِيهِ لا لِمُعْتَزِلِيٍّ ولا لِسُنِّيٍّ، بَلِ الحُجَّةُ مِن غَيْرِ هَذا، ومَعْناهُ: أنَّكم إذا كُنْتُمْ مِنَ التَّصْمِيمِ عَلى الكُفْرِ، فالمَنزِلَةُ الَّتِي لا تَنْفَعُكم نَصائِحُ اللَّهِ ومَواعِظُهُ وسائِرُ ألْطافِهِ، كَيْفَ يَنْفَعُكم نُصْحِي ؟ (p-٢٢٠)وفِي قَوْلِهِ: ﴿هُوَ رَبُّكُمْ﴾: تَنْبِيهٌ عَلى المَعْرِفَةِ بِالخالِقِ، وأنَّهُ النّاظِرُ في مَصالِحِكم، إنْ شاءَ أنْ يُغْوِيَكم، وإنْ شاءَ أنْ يَهْدِيَكم. وفي قَوْلِهِ: ﴿وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [يونس: ٥٦]: وعِيدٌ وتَخْوِيفٌ. ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ قُلْ إنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إجْرامِي وأنا بَرِيءٌ مِمّا تُجْرِمُونَ﴾: قِيلَ: هَذِهِ الآيَةُ اعْتُرِضَتْ في قِصَّةِ نُوحٍ، والأخْبارُ فِيها عَنْ قُرَيْشٍ. يَقُولُونَ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، أيِ: افْتَرى القُرْآنَ، وافْتَرى هَذا الحَدِيثَ عَنْ نُوحٍ وقَوْمِهِ، ولَوْ صَحَّ ذَلِكَ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ لَوُقِفَ عِنْدَهُ، ولَكِنَّ الظّاهِرَ أنَّ الضَّمِيرَ في يَقُولُونَ عائِدٌ عَلى قَوْمِ نُوحٍ، أيْ: بَلْ أيَقُولُونَ افْتَرى ما أخْبَرَهم بِهِ مِن دِينِ اللَّهِ وعِقابِ مَن أعْرَضَ عَنْهُ، فَقالَ عَلَيْهِ السَّلامُ: قُلْ إنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إثْمُ إجْرامِي، والإجْرامُ: مَصْدَرُ أجْرَمَ، ويُقالُ: أجْرَمَ وهو الكَثِيرُ، وجَرَمَ بِمَعْنًى. ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎طَرِيدُ عَشِيرَةٍ ورَهِينُ ذَنْبٍ بِما جَرَمَتْ يَدِي وجَنى لِسانِي وقُرِئَ: (أجْرامِي) بِفَتْحِ الهَمْزَةِ جَمْعُ جُرْمٍ، ذَكَرَهُ النَّحّاسُ، وفُسِّرَ: بِآثامِي. ومَعْنى ﴿مِمّا تُجْرِمُونَ﴾: مِن إجْرامِكم في إسْنادِ الِافْتِراءِ إلَيَّ، وقِيلَ: مِمّا تُجْرِمُونَ مِنَ الكُفْرِ والتَّكْذِيبِ.

هود 11:36

﴿وأُوحِيَ إلى نُوحٍ أنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إلّا مَن قَدْ آمَنَ فَلا تَبْتَئِسْ بِما كانُوا يَفْعَلُونَ﴾ ﴿واصْنَعِ الفُلْكَ بِأعْيُنِنا ووَحْيِنا ولا تُخاطِبْنِي في الَّذِينَ ظَلَمُوا إنَّهم مُغْرَقُونَ﴾: قَرَأ الجُمْهُورُ: (وأُوحِيَ) مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ. أنَّهُ: بِفَتْحِ الهَمْزَةِ. وقَرَأ أبُو البَرَهْسَمِ: (وأوْحى) مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، إنَّهُ: بِكَسْرِ الهَمْزَةِ عَلى إضْمارِ القَوْلِ عَلى مَذْهَبِ البَصْرِيِّينَ، وعَلى إجْراءِ أوْحى مَجْرى قالَ عَلى مَذْهَبِ الكُوفِيِّينَ: أيْأسَهُ اللَّهُ مِن إيمانِهِمْ، وأنَّهُ صارَ كالمُسْتَحِيلِ عَقْلًا بِإخْبارِهِ تَعالى عَنْهم. ومَعْنى ﴿إلّا مَن قَدْ آمَنَ﴾ أيْ: مَن وُجِدَ مِنهُ ما كانَ يَتَوَقَّعُ مِن إيمانِهِ، ونَهاهُ تَعالى عَنِ ابْتِآسِهِ بِما كانُوا يَفْعَلُونَ، وهو حُزْنُهُ عَلَيْهِمْ في اسْتِكانَةٍ. وابْتَأسَ: افْتَعَلَ مِنَ البُؤْسِ، ويُقالُ: ابْتَأسَ الرَّجُلُ: إذا بَلَغَهُ شَيْءٌ يَكْرَهُهُ، وقالَ الشّاعِرُ: ؎وكَمْ مِن خَلِيلٍ أوْ حَمِيمٍ رُزِئْتُهُ فَلَمْ نَبْتَئِسْ والرُّزْءُ فِيهِ جَلِيلُ وقالَ آخَرُ: ؎ما يَقْسِمُ اللَّهُ اقْبَلْ غَيْرَ مُبْتَئِسٍ ∗∗∗ مِنهُ وأقْعُدْ كَرِيمًا ناعِمَ البالِ وقالَ آخَرُ: ؎فارِسُ الخَيْلِ إذا ما ولْوَلَتْ ∗∗∗ رَبَّةُ الخِدْرِ بِصَوْتٍ مُبْتَئِسٍ وقالَ آخَرُ: ؎فِي مَأْتَمٍ كَنِعاجِ صا رَةَ يَبْتَئِسْنَ ∗∗∗ بِما لَقِينا صارَةُ: مَوْضِعٌ . ﴿بِما كانُوا يَفْعَلُونَ﴾ مِن تَكْذِيبِكَ وإيذائِكَ ومُعاداتِكَ، فَقَدْ حانَ وقْتُ الِانْتِقامِ مِنهم. (واصْنَعِ): عَطْفٌ عَلى ﴿فَلا تَبْتَئِسْ﴾ . (بِأعْيُنِنا): بِمَرْأًى مِنّا وكِلاءَةٍ وحِفْظٍ، فَلا تَزِيغُ صَنْعَتُهُ عَنِ الصَّوابِ فِيها، ولا يَحُولُ بَيْنَ العَمَلِ وبَيْنَهُ أحَدٌ. والجَمْعُ هُنا كالمُفْرَدِ فَيَقُولُهُ: ﴿ولِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي﴾ [طه: ٣٩]، وجُمِعَتْ هُنا: لِتَكْثِيرِ الكِلاءَةِ والحِفْظِ ودَيْمُومَتِها. وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: بِأعْيُنّا مُدْغَمَةً. (ووَحْيِنا): نُوحِي إلَيْكَ ونُلْهِمُكَ كَيْفَ تَصْنَعُ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: لَمْ يَعْلَمْ كَيْفَ صَنْعَةُ الفُلْكِ، فَأوْحى اللَّهُ أنْ يَصْنَعَها مِثْلَ جُؤْجُؤِ الطّائِرِ. قِيلَ: ويَحْتَمِلُ قَوْلُهُ (بِأعْيُنِنا) أيْ: بِمَلائِكَتِنا الَّذِينَ جَعَلْناهم عُيُونًا عَلى مَواضِعِ حِفْظِكَ ومَعُونَتِكِ، فَيَكُونُ اللَّفْظُ هُنا لِلْجَمْعِ حَقِيقَةً. وقَوْلُ مَن قالَ: مَعْنى ووَحْيِنا: بِأمْرِنا لَكَ أوْ بِعِلْمِنا، ضَعِيفٌ، لِأنَّ قَوْلَهُ: واصْنَعِ الفُلْكَ، مُغْنٍ عَنْ ذَلِكَ. وفي الحَدِيثِ: «كانَ زانَ سَفِينَةِ نُوحٍ جِبْرِيلُ»، والزّانُ: القَيِّمُ بِعَمَلِ السَّفِينَةِ. والَّذِينَ ظَلَمُوا: قَوْمُ نُوحٍ، تَقَدَّمَ إلى نُوحٍ أنْ لا يَشْفَعَ فِيهِمْ فَيَطْلُبَ إمْهالَهم، وعَلَّلَ مَنعَ مُخاطَبَتِهِ بِأنَّهُ حَكَمَ عَلَيْهِمْ بِالغَرَقِ، ونَهاهُ عَنْ سُؤالِ الإيجابِ إلَيْهِ كَقَوْلِهِ: ﴿ياإبْراهِيمُ أعْرِضْ عَنْ هَذا إنَّهُ قَدْ جاءَ أمْرُ رَبِّكَ وإنَّهم آتِيهِمْ عَذابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ﴾ [هود: ٧٦] (p-٢٢١)وقِيلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا: واعِلَةُ زَوْجَتُهُ وكَنْعانُ ابْنُهُ. ﴿ويَصْنَعُ الفُلْكَ وكُلَّما مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِن قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنهُ قالَ إنْ تَسْخَرُوا مِنّا فَإنّا نَسْخَرُ مِنكم كَما تَسْخَرُونَ﴾ ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ ويَحِلُّ عَلَيْهِ عَذابٌ مُقِيمٌ﴾ ﴿حَتّى إذا جاءَ أمْرُنا وفارَ التَّنُّورُ قُلْنا احْمِلْ فِيها مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وأهْلَكَ إلّا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ القَوْلُ ومَن آمَنَ وما آمَنَ مَعَهُ إلّا قَلِيلٌ﴾: ﴿ويَصْنَعُ الفُلْكَ﴾: حِكايَةُ حالٍ ماضِيَةٍ، والفُلْكُ: السَّفِينَةُ. ولَمّا أمَرَهُ تَعالى بِأنْ يَصْنَعَ الفُلْكَ قالَ: يا رَبِّ ما أنا بِنَجّارٍ، قالَ: بَلى، ذَلِكَ بِعَيْنِي. فَأخَذَ القَدُومَ، وجَعَلَتْ يَدُهُ لا تُخْطِئُ، فَكانُوا يَمُرُّونَ بِهِ ويَقُولُونَ: هَذا الَّذِي يَزْعُمُ أنَّهُ نَبِيٌّ صارَ نَجّارًا ؟ وقِيلَ: كانَتِ المَلائِكَةُ تُعَلِّمُهُ، واسْتَأْجَرَ أُجَراءَ كانُوا يَنْحِتُونَ مَعَهُ، وأوْحى اللَّهُ إلَيْهِ أنْ عَجِّلْ عَمَلَ السَّفِينَةِ فَقَدِ اشْتَدَّ غَضَبِي عَلى مَن عَصانِي، وكانَ سامُ وحامُ ويافِثُ يَنْحِتُونَ مَعَهُ، والخَشَبُ مِنَ السّاجِ قالَهُ قَتادَةُ وعِكْرِمَةُ والكَلْبِيُّ. قِيلَ: وغَرَسَهُ عِشْرِينَ سَنَةً. وقِيلَ: ثَلاثَمِائَةِ سَنَةٍ يَغْرِسُ ويَقْطَعُ ويَيْبِسُ. وقالَ عَمْرُو بْنُ الحارِثِ: لَمْ يَغْرِسْها بَلْ قَطَعَها مِن جَبَلِ لُبْنانَ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مِن خَشَبِ الشِّمْشارِ، وهو: البَقْصُ: قِطْعَةٌ مِن جَبَلِ لُبْنانَ. واخْتَلَفُوا في هَيْئَتِها مِنَ التَّرْبِيعِ والطُّولِ، وفي مِقْدارِ مُدَّةِ عَمَلِها، وفي المَكانِ الَّذِي عَمِلَتْ فِيهِ، ومِقْدارِ طُولِها وعَرْضِها، عَلى أقْوالٍ مُتَعارِضَةٍ لَمْ يَصِحَّ مِنها شَيْءٌ. وسُخْرِيَتُهم مِنهُ لِكَوْنِهِمْ رَأوْهُ يَبْنِي السَّفِينَةَ ولَمْ يُشاهِدُوا قَبْلَها سَفِينَةً بُنِيَتْ، قالُوا: يا نُوحُ ما تَصْنَعُ ؟ قالَ: ابْنِي بَيْتًا يَمْشِي عَلى الماءِ، فَعَجِبُوا مِن قَوْلِهِ وسَخِرُوا مِنهُ قالَهُ مُقاتِلٌ. وقِيلَ: لِكَوْنِهِ يَبْنِي في قَرْيَةٍ لا قُرْبَ لَها مِنَ البَحْرِ، فَكانُوا يَتَضاحَكُونَ ويَقُولُونَ: يا نُوحُ صِرْتَ نَجّارًا بَعْدَما كُنْتَ نَبِيًّا. وكُلَّما: ظَرْفٌ، العامِلُ فِيهِ: سَخِرُوا مِنهُ، وقالَ: مُسْتَأْنَفٌ عَلى تَقْدِيرِ سُؤالِ سائِلٍ. وجَوَّزُوا أنْ يَكُونَ العامِلُ قالَ. وسَخِرُوا: صِفَةٌ لِمَلَأٍ، أوْ بَدَلٌ مِن مَرَّ، ويَبْعُدُ البَدَلُ لِأنَّ سَخِرَ لَيْسَ في مَعْنى مَرَّ، لا يُرادُ ذا ولا نَوْعًا مِنهُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وسَخِرُوا مِنهُ: اسْتَجْهَلُوهُ، فَإنْ كانَ الأمْرُ كَما رُوِيَ: أنَّهم لَمْ يَكُونُوا رَأوْا سَفِينَةً قَطُّ، ولا كانَتْ، فَوَجْهُ الِاسْتِجْهالِ واضِحٌ، وبِذَلِكَ تَظاهَرَتِ التَّفاسِيرُ، وإنْ كانَتِ السَّفائِنُ حِينَئِذٍ مَعْرُوفَةً، فاسْتَجْهَلُوهُ في أنَّ صُنْعَها في قَرْيَةٍ لا قُرْبَ لَها مِنَ البَحْرِ، انْتَهى. ﴿فَإنّا نَسْخَرُ مِنكُمْ﴾: في المُسْتَقْبَلِ كَما تَسْخَرُونَ مِنّا الآنَ أيْ: مِثْلَ سُخْرِيَتِكم إذا أُغْرِقْتُمْ في الدُّنْيا، وأُحْرِقْتُمْ في الآخِرَةِ، أوْ إنْ تَسْتَجْهِلُونا فِيما نَصْنَعُ فَإنّا نَسْتَجْهِلُكم فِيما أنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ، والتَّعَرُّضِ لِسَخَطِ اللَّهِ وعَذابِهِ، فَأنْتُمْ أوْلى بِالِاسْتِجْهالِ مِنّا، قالَ قَرِيبًا مِن مَعْناهُ الزَّجّاجُ، أوْ: إنْ تَسْتَجْهِلُونا فَإنّا نَسْتَجْهِلُكم في اسْتِجْهالِكم، لِأنَّكم لا تَسْتَجْهِلُونَ إلّا عَنْ (p-٢٢٢)جَهْلٍ بِحَقِيقَةِ الأمْرِ، وبِناءً عَلى ظاهِرِ الحالِ، كَما هو عادَةُ الجَهَلَةِ في البُعْدِ عَنِ الحَقائِقِ. وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: إنْ تَسْخَرُوا مِنّا في الدُّنْيا فَإنّا نَسْخَرُ مِنكم في الآخِرَةِ. والسُّخْرِيَةُ: اسْتِجْهالٌ مَعَ اسْتِهْزاءٍ. وفِي قَوْلِهِ: ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾: تَهْدِيدٌ بالِغٌ، والعَذابُ المُخْزِي: الغَرَقُ، والعَذابُ المُقِيمُ: عَذابُ الآخِرَةِ، لِأنَّهُ دائِمٌ عَلَيْهِمْ سَرْمَدٌ. ومَن يَأْتِيهِ: مَفْعُولٌ بِتَعْلَمُونَ، وما مَوْصُولَةٌ، وتَعَدِّي تَعْلَمُونَ إلى واحِدٍ اسْتِعْمالًا لَها اسْتِعْمالَ عُرْفٍ في التَّعْدِيَةِ إلى واحِدٍ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وجائِزٌ أنْ تَكُونَ التَّعْدِيَةُ إلى مَفْعُولَيْنِ، واقْتُصِرَ عَلى الواحِدِ، انْتَهى. ولا يَجُوزُ حَذْفُ الثّانِي اقْتِصارًا، لِأنَّ أصْلَهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ، ولا اخْتِصارًا هُنا، لِأنَّهُ لا دَلِيلَ عَلى حَذْفِهِ وتَعَنُّتِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿مَن يَأْتِيهِ﴾ . قِيلَ: مَن: اسْتِفْهامٌ في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى الِابْتِداءِ، ويَأْتِيهِ: الخَبَرُ، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ، وتَعْلَمُونَ: مُعَلَّقٌ، سَدَّتِ الجُمْلَةُ مَسَدَّ المَفْعُولَيْنِ. وحَكى الزَّهْراوِيُّ أنَّهُ يَقْرَأُ: ويَحُلُّ بِضَمِّ الحاءِ، ويَحِلُّ بِكَسْرِها بِمَعْنى: ويَجِبُ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: حُلُولُ الدِّينِ والحَقِّ اللّازِمِ الَّذِي لا انْفِكاكَ لَهُ عَنْهُ، ومَعْنى يُخْزِيهِ: يَفْضَحُهُ، أوْ يُهْلِكُهُ، أوْ يُذِلُّهُ، وهو: الغَرَقُ، أقْوالٌ مُتَقارِبَةٌ. ﴿حَتّى إذا جاءَ أمْرُنا﴾: تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى دُخُولِ حَتّى عَلى إذا في أوائِلِ سُورَةِ الأنْعامِ، وهي هُنا غايَةٌ لِقَوْلِهِ: ﴿ويَصْنَعُ الفُلْكَ﴾ . ويَصْنَعُ كَما قُلْنا: حِكايَةُ حالٍ أيْ: وكانَ يَصْنَعُ الفُلْكَ إلى أنْ جاءَ وقْتُ الوَعْدِ المَوْعُودِ. والجُمْلَةُ مَنقُولَهٌ: وكُلَّما مَرَّ عَلَيْهِ حالٌ، كَأنَّهُ قِيلَ: ويَصْنَعُها، والحالُ: أنَّهُ كُلَّما مَرَّ. وأمْرُنا: واحِدُ الأُمُورِ، أوْ مَصْدَرٌ، أيْ: أمْرُنا بِالفَوَرانِ أوْ لِلسَّحابِ بِالإرْسالِ، ولِلْمَلائِكَةِ بِالتَّصَرُّفِ في ذَلِكَ، ونَحْوِ هَذا مِمّا يُقَدَّرُ في النّازِلَةِ. وفارَ: مَعْناهُ: انْبَعَثَ بِقُوَّةٍ، والتَّنُّورُ: وجْهُ الأرْضِ، والعَرَبُ تُسَمِّيهِ: تَنُّورًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةُ والزُّهْرِيُّ وابْنُ عُيَيْنَةَ، أوِ التَّنُّورُ: الَّذِي يُخْبَزُ فِيهِ، وكانَ مِن حِجارَةٍ، وكانَ لِحَوّاءَ حَتّى صارَ لِـ نُوحٍ، قالَهُ الحَسَنُ ومُجاهِدٌ، ورُوِيَ أيْضًا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وقِيلَ: كانَ لِآدَمَ، وقِيلَ: كانَ تَنُّورَ نُوحٍ، أوْ أعْلى الأرْضِ والمَواضِعُ المُرْتَفِعَةِ، قالَهُ قَتادَةُ، أوِ العَيْنُ الَّتِي بِالجَزِيرَةِ عَيْنُ الوَرْدَةِ، رَواهُ عِكْرِمَةُ، أوْ مِن أقْصى دارِ نُوحٍ، قالَهُ مُقاتِلٌ، أوْ مَوْضِعُ اجْتِماعِ الماءِ في السَّفِينَةِ، رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ،: أوْ طُلُوعُ الشَّمْسِ، ورُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ، أوْ: نُورُ الصُّبْحِ مِن قَوْلِهِمْ: نَوَّرَ الفَجْرُ تَنْوِيرًا، قالَهُ عَلِيٌّ ومُجاهِدٌ، أوْ: هو مَجازٌ والمُرادُ: غَلَبَةُ الماءِ، وظُهُورُ العَذابِ كَما قالَ ﷺ لِشِدَّةِ الحَرْبِ: (حَمِيَ الوَطِيسُ) والوَطِيسُ أيْضًا: مُسْتَوْقَدُ النّارِ، فَلا فَرْقَ بَيْنَ حَمِيَ وفارَ، إذْ يُسْتَعْمَلانِ في النّارِ. قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿سَمِعُوا لَها شَهِيقًا وهي تَفُورُ﴾ [الملك: ٧] ولا فَرْقَ بَيْنَ الوَطِيسِ والتَّنُّورِ. والظّاهِرُ مِن هَذِهِ الأقْوالِ حَمْلُهُ عَلى التَّنُّورِ الَّذِي هو: مُسْتَوْقَدُ النّارِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ (ألْ) فِيهِ لِلْعَهْدِ لِتَنُّورٍ مَخْصُوصٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ لِلْجِنْسِ، فَفارَ النّارُ مِنَ التَّنانِيرِ، وكانَ ذَلِكَ مِن أعْجَبِ الأشْياءِ أنْ يَفُورَ الماءُ مِن مُسْتَوْقَدِ النِّيرانِ. ولا تَنافِي بَيْنَ هَذا وبَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿وفَجَّرْنا الأرْضَ عُيُونًا﴾ [القمر: ١٢] إذْ يُمْكِنُ أنْ يُرادَ بِالأرْضِ أماكِنُ التَّنانِيرِ. والتَّفْجِيرُ غَيْرُ الفَوَرانِ، فَحَصَلَ الفَوَرانُ لِلتَّنُّورِ، والتَّفْجِيرُ لِلْأرْضِ. والضَّمِيرُ في (فِيها) عائِدٌ عَلى الفُلْكِ، وهو مُذَكَّرٌ أُنِّثَ عَلى مَعْنى السَّفِينَةِ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وقالَ ارْكَبُوا فِيها﴾ [هود: ٤١] . وقَرَأ حَفْصٌ: ﴿مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ﴾ بِتَنْوِينِ كُلٍّ، أيْ: مِن كُلِّ حَيَوانٍ، وزَوْجَيْنِ: مَفْعُولٌ، واثْنَيْنِ: نَعْتُ تَوْكِيدٍ، وباقِي السَّبْعَةِ: بِالإضافَةِ، واثْنَيْنِ: مَفْعُولُ احْمِلْ، وزَوْجَيْنِ بِمَعْنى: العُمُومِ، أيْ: مِن كُلِّ ما لَهُ ازْدِواجٌ، هَذا مَعْنى مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ، قالَهُ أبُو عَلِيٍّ وغَيْرُهُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ولَوْ كانَ المَعْنى: احْمِلْ فِيها مِن كُلِّ زَوْجَيْنِ حامِلَيْنِ اثْنَيْنِ، لَوَجَبَ أنْ يَحْمِلَ مَن كُلِّ نَوْعِ أرْبَعَةً. والزَّوْجُ في مَشْهُورِ كَلامِ العَرَبِ لِلْواحِدِ مِمّا لَهُ ازْدِواجٌ، فَيُقالُ: هَذا زَوْجُ هَذا، وهُما زَوْجانِ، وهَذا هو المَهْيَعُ، في القُرْآنِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثَمانِيَةَ أزْواجٍ﴾ [الأنعام: ١٤٣] ثُمَّ فَسَّرَها وفي قَوْلِهِ ﴿وأنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ والأُنْثى﴾ [النجم: ٤٥] وقالَ الأخْفَشُ: وقَدْ يُقالُ في كَلامِ العَرَبِ لِلِاثْنَيْنِ: زَوْجٌ، هَكَذا تَأْخُذُهُ العَدَدِيُّونَ. والزَّوْجُ أيْضًا في كَلامِ العَرَبِ: النَّوْعُ كَقَوْلِهِ تَعالى: (p-٢٢٣)﴿وأنْبَتْنا فِيها مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ [ق: ٧] وقالَ تَعالى: ﴿سُبْحانَ الَّذِي خَلَقَ الأزْواجَ كُلَّها﴾ [يس: ٣٦] انْتَهى. ولَمّا جَعَلَ المَطَرُ يَنْزِلُ كَأفْواهِ القِرَبِ جَعَلَتِ الوُحُوشُ تَطْلُبُ وسَطَ الأرْضِ هَرَبًا مِنَ الماءِ، حَتّى اجْتَمَعْنَ عِنْدَ السَّفِينَةِ فَأمَرَهُ اللَّهُ أنْ يَحْمِلَ مِنَ الزَّوْجَيْنِ اثْنَيْنِ، يَعْنِي: ذَكَرًا وأُنْثى لَيَبْقى أصْلُ النَّسْلِ بَعْدَ الطُّوفانِ. فَرُوِيَ أنَّهُ كانَ يَأْتِيهِ أنْواعُ الحَيَوانِ فَيَضَعُ يَمِينَهُ عَلى الذَّكَرِ، ويَسارَهُ عَلى الأُنْثى، وكانَتِ السَّفِينَةُ ثَلاثَ طَبَقاتٍ: السُّفْلى لِلْوُحُوشِ، والوُسْطى لِلطَّعامِ والشَّرابِ، والعُلْيا لَهُ ولِمَن آمَنَ. (وأهْلَكَ): مَعْطُوفٌ عَلى زَوْجَيْنِ إنْ نُوِّنَ كُلٍّ، وعَلى اثْنَيْنِ إنْ أُضِيفَ، واسْتَثْنى مِن أهْلِهِ مَن سَبَقَ عَلَيْهِ القَوْلُ بِالهَلاكِ وأنَّهُ مِن أهْلِ النّارِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: سَبَقَ عَلَيْهِ القَوْلُ أنَّهُ يَخْتارُ الكُفْرَ، لا لِتَقْدِيرِهِ عَلَيْهِ وإرادَتِهِ تَعالى غَيْرَ ذَلِكَ، انْتَهى. وهُوَ عَلى طَرِيقَةِ الِاعْتِزالِ، والَّذِي سَبَقَ عَلَيْهِ القَوْلُ: امْرَأتُهُ واعِلَةُ بِالعَيْنِ المُهْمَلَةِ، وابْنُهُ كَنْعانُ. ﴿ومَن آمَنَ﴾: عَطْفٌ عَلى (وأهْلَكَ)، قِيلَ: كانُوا ثَمانِينَ رَجُلًا وثَمانِينَ امْرَأةً، وقِيلَ: كانُوا ثَلاثَةً وثَمانِينَ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: آمَنَ مَعَهُ ثَمانُونَ رَجُلًا، وعَنْهُ: ثَمانُونَ إنْسانًا، ثَلاثَةٌ مِن بَنِيهِ سامَ وحامَ ويافِثَ، وثَلاثُ كَنائِنَ لَهُ، ولَمّا خَرَجُوا مِنَ السَّفِينَةِ بَنَوْا قَرْيَةً تُدْعى اليَوْمَ قَرْيَةَ الثَّمانِينَ بِناحِيَةِ المَوْصِلِ. وقِيلَ: كانُوا ثَمانِيَةً وسَبْعِينَ، نِصْفُهم رِجالٌ، ونِصْفُهم نِساءٌ. وقالَ ابْنُ إسْحاقَ: كانُوا عَشَرَةً سِوى نِسائِهِمْ: نُوحٌ، وبَنُوهُ: سامُ، وحامُ، ويافِثُ، وسِتَّةُ ناسٍ مِمَّنْ كانَ آمَنَ بِهِ، وأزْواجُهم جَمِيعًا. وعَنِ ابْنِ إسْحاقَ: كانُوا عَشَرَةً: خَمْسَةُ رِجالٍ، وخَمْسُ نِسْوَةٍ. وقِيلَ: كانُوا تِسْعَةً. ونُوحٌ، وثَمانِيَةُ أبْناءٍ لَهُ وزَوْجَتُهُ. وقِيلَ: كانُوا ثَمانِيَةً ونُوحٌ وزَوْجَتُهُ غَيْرُ الَّتِي عُوقِبَتْ، وبَنُوهُ الثَّلاثَةُ وزَوْجاتُهم، وهو قَوْلُ قَتادَةَ والحَكَمِ وابْنِ عُيَيْنَةَ وابْنِ جُرَيْجٍ ومُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ. وقالَ الأعْمَشُ: كانُوا سَبْعَةً: نُوحٌ، وثَلاثُ كَنائِنَ، وثَلاثُ بَنِينَ. وهَذِهِ أقْوالٌ مُتَعارِضَةٌ. والَّذِي أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى بِهِ: أنَّهُ ما آمَنَ مَعَهُ إلّا قَلِيلٌ، ولا يُمْكِنُ التَّنْصِيصُ عَلى عَدَدِ هَذا النَّفَرِ القَلِيلِ الَّذِي أبْهَمَ اللَّهُ عَدَدَهم، إلّا بِنَصٍّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .

هود 11:37

﴿وأُوحِيَ إلى نُوحٍ أنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إلّا مَن قَدْ آمَنَ فَلا تَبْتَئِسْ بِما كانُوا يَفْعَلُونَ﴾ ﴿واصْنَعِ الفُلْكَ بِأعْيُنِنا ووَحْيِنا ولا تُخاطِبْنِي في الَّذِينَ ظَلَمُوا إنَّهم مُغْرَقُونَ﴾: قَرَأ الجُمْهُورُ: (وأُوحِيَ) مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ. أنَّهُ: بِفَتْحِ الهَمْزَةِ. وقَرَأ أبُو البَرَهْسَمِ: (وأوْحى) مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، إنَّهُ: بِكَسْرِ الهَمْزَةِ عَلى إضْمارِ القَوْلِ عَلى مَذْهَبِ البَصْرِيِّينَ، وعَلى إجْراءِ أوْحى مَجْرى قالَ عَلى مَذْهَبِ الكُوفِيِّينَ: أيْأسَهُ اللَّهُ مِن إيمانِهِمْ، وأنَّهُ صارَ كالمُسْتَحِيلِ عَقْلًا بِإخْبارِهِ تَعالى عَنْهم. ومَعْنى ﴿إلّا مَن قَدْ آمَنَ﴾ أيْ: مَن وُجِدَ مِنهُ ما كانَ يَتَوَقَّعُ مِن إيمانِهِ، ونَهاهُ تَعالى عَنِ ابْتِآسِهِ بِما كانُوا يَفْعَلُونَ، وهو حُزْنُهُ عَلَيْهِمْ في اسْتِكانَةٍ. وابْتَأسَ: افْتَعَلَ مِنَ البُؤْسِ، ويُقالُ: ابْتَأسَ الرَّجُلُ: إذا بَلَغَهُ شَيْءٌ يَكْرَهُهُ، وقالَ الشّاعِرُ: ؎وكَمْ مِن خَلِيلٍ أوْ حَمِيمٍ رُزِئْتُهُ فَلَمْ نَبْتَئِسْ والرُّزْءُ فِيهِ جَلِيلُ وقالَ آخَرُ: ؎ما يَقْسِمُ اللَّهُ اقْبَلْ غَيْرَ مُبْتَئِسٍ ∗∗∗ مِنهُ وأقْعُدْ كَرِيمًا ناعِمَ البالِ وقالَ آخَرُ: ؎فارِسُ الخَيْلِ إذا ما ولْوَلَتْ ∗∗∗ رَبَّةُ الخِدْرِ بِصَوْتٍ مُبْتَئِسٍ وقالَ آخَرُ: ؎فِي مَأْتَمٍ كَنِعاجِ صا رَةَ يَبْتَئِسْنَ ∗∗∗ بِما لَقِينا صارَةُ: مَوْضِعٌ . ﴿بِما كانُوا يَفْعَلُونَ﴾ مِن تَكْذِيبِكَ وإيذائِكَ ومُعاداتِكَ، فَقَدْ حانَ وقْتُ الِانْتِقامِ مِنهم. (واصْنَعِ): عَطْفٌ عَلى ﴿فَلا تَبْتَئِسْ﴾ . (بِأعْيُنِنا): بِمَرْأًى مِنّا وكِلاءَةٍ وحِفْظٍ، فَلا تَزِيغُ صَنْعَتُهُ عَنِ الصَّوابِ فِيها، ولا يَحُولُ بَيْنَ العَمَلِ وبَيْنَهُ أحَدٌ. والجَمْعُ هُنا كالمُفْرَدِ فَيَقُولُهُ: ﴿ولِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي﴾ [طه: ٣٩]، وجُمِعَتْ هُنا: لِتَكْثِيرِ الكِلاءَةِ والحِفْظِ ودَيْمُومَتِها. وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: بِأعْيُنّا مُدْغَمَةً. (ووَحْيِنا): نُوحِي إلَيْكَ ونُلْهِمُكَ كَيْفَ تَصْنَعُ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: لَمْ يَعْلَمْ كَيْفَ صَنْعَةُ الفُلْكِ، فَأوْحى اللَّهُ أنْ يَصْنَعَها مِثْلَ جُؤْجُؤِ الطّائِرِ. قِيلَ: ويَحْتَمِلُ قَوْلُهُ (بِأعْيُنِنا) أيْ: بِمَلائِكَتِنا الَّذِينَ جَعَلْناهم عُيُونًا عَلى مَواضِعِ حِفْظِكَ ومَعُونَتِكِ، فَيَكُونُ اللَّفْظُ هُنا لِلْجَمْعِ حَقِيقَةً. وقَوْلُ مَن قالَ: مَعْنى ووَحْيِنا: بِأمْرِنا لَكَ أوْ بِعِلْمِنا، ضَعِيفٌ، لِأنَّ قَوْلَهُ: واصْنَعِ الفُلْكَ، مُغْنٍ عَنْ ذَلِكَ. وفي الحَدِيثِ: «كانَ زانَ سَفِينَةِ نُوحٍ جِبْرِيلُ»، والزّانُ: القَيِّمُ بِعَمَلِ السَّفِينَةِ. والَّذِينَ ظَلَمُوا: قَوْمُ نُوحٍ، تَقَدَّمَ إلى نُوحٍ أنْ لا يَشْفَعَ فِيهِمْ فَيَطْلُبَ إمْهالَهم، وعَلَّلَ مَنعَ مُخاطَبَتِهِ بِأنَّهُ حَكَمَ عَلَيْهِمْ بِالغَرَقِ، ونَهاهُ عَنْ سُؤالِ الإيجابِ إلَيْهِ كَقَوْلِهِ: ﴿ياإبْراهِيمُ أعْرِضْ عَنْ هَذا إنَّهُ قَدْ جاءَ أمْرُ رَبِّكَ وإنَّهم آتِيهِمْ عَذابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ﴾ [هود: ٧٦] (p-٢٢١)وقِيلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا: واعِلَةُ زَوْجَتُهُ وكَنْعانُ ابْنُهُ. ﴿ويَصْنَعُ الفُلْكَ وكُلَّما مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِن قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنهُ قالَ إنْ تَسْخَرُوا مِنّا فَإنّا نَسْخَرُ مِنكم كَما تَسْخَرُونَ﴾ ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ ويَحِلُّ عَلَيْهِ عَذابٌ مُقِيمٌ﴾ ﴿حَتّى إذا جاءَ أمْرُنا وفارَ التَّنُّورُ قُلْنا احْمِلْ فِيها مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وأهْلَكَ إلّا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ القَوْلُ ومَن آمَنَ وما آمَنَ مَعَهُ إلّا قَلِيلٌ﴾: ﴿ويَصْنَعُ الفُلْكَ﴾: حِكايَةُ حالٍ ماضِيَةٍ، والفُلْكُ: السَّفِينَةُ. ولَمّا أمَرَهُ تَعالى بِأنْ يَصْنَعَ الفُلْكَ قالَ: يا رَبِّ ما أنا بِنَجّارٍ، قالَ: بَلى، ذَلِكَ بِعَيْنِي. فَأخَذَ القَدُومَ، وجَعَلَتْ يَدُهُ لا تُخْطِئُ، فَكانُوا يَمُرُّونَ بِهِ ويَقُولُونَ: هَذا الَّذِي يَزْعُمُ أنَّهُ نَبِيٌّ صارَ نَجّارًا ؟ وقِيلَ: كانَتِ المَلائِكَةُ تُعَلِّمُهُ، واسْتَأْجَرَ أُجَراءَ كانُوا يَنْحِتُونَ مَعَهُ، وأوْحى اللَّهُ إلَيْهِ أنْ عَجِّلْ عَمَلَ السَّفِينَةِ فَقَدِ اشْتَدَّ غَضَبِي عَلى مَن عَصانِي، وكانَ سامُ وحامُ ويافِثُ يَنْحِتُونَ مَعَهُ، والخَشَبُ مِنَ السّاجِ قالَهُ قَتادَةُ وعِكْرِمَةُ والكَلْبِيُّ. قِيلَ: وغَرَسَهُ عِشْرِينَ سَنَةً. وقِيلَ: ثَلاثَمِائَةِ سَنَةٍ يَغْرِسُ ويَقْطَعُ ويَيْبِسُ. وقالَ عَمْرُو بْنُ الحارِثِ: لَمْ يَغْرِسْها بَلْ قَطَعَها مِن جَبَلِ لُبْنانَ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مِن خَشَبِ الشِّمْشارِ، وهو: البَقْصُ: قِطْعَةٌ مِن جَبَلِ لُبْنانَ. واخْتَلَفُوا في هَيْئَتِها مِنَ التَّرْبِيعِ والطُّولِ، وفي مِقْدارِ مُدَّةِ عَمَلِها، وفي المَكانِ الَّذِي عَمِلَتْ فِيهِ، ومِقْدارِ طُولِها وعَرْضِها، عَلى أقْوالٍ مُتَعارِضَةٍ لَمْ يَصِحَّ مِنها شَيْءٌ. وسُخْرِيَتُهم مِنهُ لِكَوْنِهِمْ رَأوْهُ يَبْنِي السَّفِينَةَ ولَمْ يُشاهِدُوا قَبْلَها سَفِينَةً بُنِيَتْ، قالُوا: يا نُوحُ ما تَصْنَعُ ؟ قالَ: ابْنِي بَيْتًا يَمْشِي عَلى الماءِ، فَعَجِبُوا مِن قَوْلِهِ وسَخِرُوا مِنهُ قالَهُ مُقاتِلٌ. وقِيلَ: لِكَوْنِهِ يَبْنِي في قَرْيَةٍ لا قُرْبَ لَها مِنَ البَحْرِ، فَكانُوا يَتَضاحَكُونَ ويَقُولُونَ: يا نُوحُ صِرْتَ نَجّارًا بَعْدَما كُنْتَ نَبِيًّا. وكُلَّما: ظَرْفٌ، العامِلُ فِيهِ: سَخِرُوا مِنهُ، وقالَ: مُسْتَأْنَفٌ عَلى تَقْدِيرِ سُؤالِ سائِلٍ. وجَوَّزُوا أنْ يَكُونَ العامِلُ قالَ. وسَخِرُوا: صِفَةٌ لِمَلَأٍ، أوْ بَدَلٌ مِن مَرَّ، ويَبْعُدُ البَدَلُ لِأنَّ سَخِرَ لَيْسَ في مَعْنى مَرَّ، لا يُرادُ ذا ولا نَوْعًا مِنهُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وسَخِرُوا مِنهُ: اسْتَجْهَلُوهُ، فَإنْ كانَ الأمْرُ كَما رُوِيَ: أنَّهم لَمْ يَكُونُوا رَأوْا سَفِينَةً قَطُّ، ولا كانَتْ، فَوَجْهُ الِاسْتِجْهالِ واضِحٌ، وبِذَلِكَ تَظاهَرَتِ التَّفاسِيرُ، وإنْ كانَتِ السَّفائِنُ حِينَئِذٍ مَعْرُوفَةً، فاسْتَجْهَلُوهُ في أنَّ صُنْعَها في قَرْيَةٍ لا قُرْبَ لَها مِنَ البَحْرِ، انْتَهى. ﴿فَإنّا نَسْخَرُ مِنكُمْ﴾: في المُسْتَقْبَلِ كَما تَسْخَرُونَ مِنّا الآنَ أيْ: مِثْلَ سُخْرِيَتِكم إذا أُغْرِقْتُمْ في الدُّنْيا، وأُحْرِقْتُمْ في الآخِرَةِ، أوْ إنْ تَسْتَجْهِلُونا فِيما نَصْنَعُ فَإنّا نَسْتَجْهِلُكم فِيما أنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ، والتَّعَرُّضِ لِسَخَطِ اللَّهِ وعَذابِهِ، فَأنْتُمْ أوْلى بِالِاسْتِجْهالِ مِنّا، قالَ قَرِيبًا مِن مَعْناهُ الزَّجّاجُ، أوْ: إنْ تَسْتَجْهِلُونا فَإنّا نَسْتَجْهِلُكم في اسْتِجْهالِكم، لِأنَّكم لا تَسْتَجْهِلُونَ إلّا عَنْ (p-٢٢٢)جَهْلٍ بِحَقِيقَةِ الأمْرِ، وبِناءً عَلى ظاهِرِ الحالِ، كَما هو عادَةُ الجَهَلَةِ في البُعْدِ عَنِ الحَقائِقِ. وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: إنْ تَسْخَرُوا مِنّا في الدُّنْيا فَإنّا نَسْخَرُ مِنكم في الآخِرَةِ. والسُّخْرِيَةُ: اسْتِجْهالٌ مَعَ اسْتِهْزاءٍ. وفِي قَوْلِهِ: ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾: تَهْدِيدٌ بالِغٌ، والعَذابُ المُخْزِي: الغَرَقُ، والعَذابُ المُقِيمُ: عَذابُ الآخِرَةِ، لِأنَّهُ دائِمٌ عَلَيْهِمْ سَرْمَدٌ. ومَن يَأْتِيهِ: مَفْعُولٌ بِتَعْلَمُونَ، وما مَوْصُولَةٌ، وتَعَدِّي تَعْلَمُونَ إلى واحِدٍ اسْتِعْمالًا لَها اسْتِعْمالَ عُرْفٍ في التَّعْدِيَةِ إلى واحِدٍ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وجائِزٌ أنْ تَكُونَ التَّعْدِيَةُ إلى مَفْعُولَيْنِ، واقْتُصِرَ عَلى الواحِدِ، انْتَهى. ولا يَجُوزُ حَذْفُ الثّانِي اقْتِصارًا، لِأنَّ أصْلَهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ، ولا اخْتِصارًا هُنا، لِأنَّهُ لا دَلِيلَ عَلى حَذْفِهِ وتَعَنُّتِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿مَن يَأْتِيهِ﴾ . قِيلَ: مَن: اسْتِفْهامٌ في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى الِابْتِداءِ، ويَأْتِيهِ: الخَبَرُ، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ، وتَعْلَمُونَ: مُعَلَّقٌ، سَدَّتِ الجُمْلَةُ مَسَدَّ المَفْعُولَيْنِ. وحَكى الزَّهْراوِيُّ أنَّهُ يَقْرَأُ: ويَحُلُّ بِضَمِّ الحاءِ، ويَحِلُّ بِكَسْرِها بِمَعْنى: ويَجِبُ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: حُلُولُ الدِّينِ والحَقِّ اللّازِمِ الَّذِي لا انْفِكاكَ لَهُ عَنْهُ، ومَعْنى يُخْزِيهِ: يَفْضَحُهُ، أوْ يُهْلِكُهُ، أوْ يُذِلُّهُ، وهو: الغَرَقُ، أقْوالٌ مُتَقارِبَةٌ. ﴿حَتّى إذا جاءَ أمْرُنا﴾: تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى دُخُولِ حَتّى عَلى إذا في أوائِلِ سُورَةِ الأنْعامِ، وهي هُنا غايَةٌ لِقَوْلِهِ: ﴿ويَصْنَعُ الفُلْكَ﴾ . ويَصْنَعُ كَما قُلْنا: حِكايَةُ حالٍ أيْ: وكانَ يَصْنَعُ الفُلْكَ إلى أنْ جاءَ وقْتُ الوَعْدِ المَوْعُودِ. والجُمْلَةُ مَنقُولَهٌ: وكُلَّما مَرَّ عَلَيْهِ حالٌ، كَأنَّهُ قِيلَ: ويَصْنَعُها، والحالُ: أنَّهُ كُلَّما مَرَّ. وأمْرُنا: واحِدُ الأُمُورِ، أوْ مَصْدَرٌ، أيْ: أمْرُنا بِالفَوَرانِ أوْ لِلسَّحابِ بِالإرْسالِ، ولِلْمَلائِكَةِ بِالتَّصَرُّفِ في ذَلِكَ، ونَحْوِ هَذا مِمّا يُقَدَّرُ في النّازِلَةِ. وفارَ: مَعْناهُ: انْبَعَثَ بِقُوَّةٍ، والتَّنُّورُ: وجْهُ الأرْضِ، والعَرَبُ تُسَمِّيهِ: تَنُّورًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةُ والزُّهْرِيُّ وابْنُ عُيَيْنَةَ، أوِ التَّنُّورُ: الَّذِي يُخْبَزُ فِيهِ، وكانَ مِن حِجارَةٍ، وكانَ لِحَوّاءَ حَتّى صارَ لِـ نُوحٍ، قالَهُ الحَسَنُ ومُجاهِدٌ، ورُوِيَ أيْضًا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وقِيلَ: كانَ لِآدَمَ، وقِيلَ: كانَ تَنُّورَ نُوحٍ، أوْ أعْلى الأرْضِ والمَواضِعُ المُرْتَفِعَةِ، قالَهُ قَتادَةُ، أوِ العَيْنُ الَّتِي بِالجَزِيرَةِ عَيْنُ الوَرْدَةِ، رَواهُ عِكْرِمَةُ، أوْ مِن أقْصى دارِ نُوحٍ، قالَهُ مُقاتِلٌ، أوْ مَوْضِعُ اجْتِماعِ الماءِ في السَّفِينَةِ، رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ،: أوْ طُلُوعُ الشَّمْسِ، ورُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ، أوْ: نُورُ الصُّبْحِ مِن قَوْلِهِمْ: نَوَّرَ الفَجْرُ تَنْوِيرًا، قالَهُ عَلِيٌّ ومُجاهِدٌ، أوْ: هو مَجازٌ والمُرادُ: غَلَبَةُ الماءِ، وظُهُورُ العَذابِ كَما قالَ ﷺ لِشِدَّةِ الحَرْبِ: (حَمِيَ الوَطِيسُ) والوَطِيسُ أيْضًا: مُسْتَوْقَدُ النّارِ، فَلا فَرْقَ بَيْنَ حَمِيَ وفارَ، إذْ يُسْتَعْمَلانِ في النّارِ. قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿سَمِعُوا لَها شَهِيقًا وهي تَفُورُ﴾ [الملك: ٧] ولا فَرْقَ بَيْنَ الوَطِيسِ والتَّنُّورِ. والظّاهِرُ مِن هَذِهِ الأقْوالِ حَمْلُهُ عَلى التَّنُّورِ الَّذِي هو: مُسْتَوْقَدُ النّارِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ (ألْ) فِيهِ لِلْعَهْدِ لِتَنُّورٍ مَخْصُوصٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ لِلْجِنْسِ، فَفارَ النّارُ مِنَ التَّنانِيرِ، وكانَ ذَلِكَ مِن أعْجَبِ الأشْياءِ أنْ يَفُورَ الماءُ مِن مُسْتَوْقَدِ النِّيرانِ. ولا تَنافِي بَيْنَ هَذا وبَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿وفَجَّرْنا الأرْضَ عُيُونًا﴾ [القمر: ١٢] إذْ يُمْكِنُ أنْ يُرادَ بِالأرْضِ أماكِنُ التَّنانِيرِ. والتَّفْجِيرُ غَيْرُ الفَوَرانِ، فَحَصَلَ الفَوَرانُ لِلتَّنُّورِ، والتَّفْجِيرُ لِلْأرْضِ. والضَّمِيرُ في (فِيها) عائِدٌ عَلى الفُلْكِ، وهو مُذَكَّرٌ أُنِّثَ عَلى مَعْنى السَّفِينَةِ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وقالَ ارْكَبُوا فِيها﴾ [هود: ٤١] . وقَرَأ حَفْصٌ: ﴿مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ﴾ بِتَنْوِينِ كُلٍّ، أيْ: مِن كُلِّ حَيَوانٍ، وزَوْجَيْنِ: مَفْعُولٌ، واثْنَيْنِ: نَعْتُ تَوْكِيدٍ، وباقِي السَّبْعَةِ: بِالإضافَةِ، واثْنَيْنِ: مَفْعُولُ احْمِلْ، وزَوْجَيْنِ بِمَعْنى: العُمُومِ، أيْ: مِن كُلِّ ما لَهُ ازْدِواجٌ، هَذا مَعْنى مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ، قالَهُ أبُو عَلِيٍّ وغَيْرُهُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ولَوْ كانَ المَعْنى: احْمِلْ فِيها مِن كُلِّ زَوْجَيْنِ حامِلَيْنِ اثْنَيْنِ، لَوَجَبَ أنْ يَحْمِلَ مَن كُلِّ نَوْعِ أرْبَعَةً. والزَّوْجُ في مَشْهُورِ كَلامِ العَرَبِ لِلْواحِدِ مِمّا لَهُ ازْدِواجٌ، فَيُقالُ: هَذا زَوْجُ هَذا، وهُما زَوْجانِ، وهَذا هو المَهْيَعُ، في القُرْآنِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثَمانِيَةَ أزْواجٍ﴾ [الأنعام: ١٤٣] ثُمَّ فَسَّرَها وفي قَوْلِهِ ﴿وأنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ والأُنْثى﴾ [النجم: ٤٥] وقالَ الأخْفَشُ: وقَدْ يُقالُ في كَلامِ العَرَبِ لِلِاثْنَيْنِ: زَوْجٌ، هَكَذا تَأْخُذُهُ العَدَدِيُّونَ. والزَّوْجُ أيْضًا في كَلامِ العَرَبِ: النَّوْعُ كَقَوْلِهِ تَعالى: (p-٢٢٣)﴿وأنْبَتْنا فِيها مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ [ق: ٧] وقالَ تَعالى: ﴿سُبْحانَ الَّذِي خَلَقَ الأزْواجَ كُلَّها﴾ [يس: ٣٦] انْتَهى. ولَمّا جَعَلَ المَطَرُ يَنْزِلُ كَأفْواهِ القِرَبِ جَعَلَتِ الوُحُوشُ تَطْلُبُ وسَطَ الأرْضِ هَرَبًا مِنَ الماءِ، حَتّى اجْتَمَعْنَ عِنْدَ السَّفِينَةِ فَأمَرَهُ اللَّهُ أنْ يَحْمِلَ مِنَ الزَّوْجَيْنِ اثْنَيْنِ، يَعْنِي: ذَكَرًا وأُنْثى لَيَبْقى أصْلُ النَّسْلِ بَعْدَ الطُّوفانِ. فَرُوِيَ أنَّهُ كانَ يَأْتِيهِ أنْواعُ الحَيَوانِ فَيَضَعُ يَمِينَهُ عَلى الذَّكَرِ، ويَسارَهُ عَلى الأُنْثى، وكانَتِ السَّفِينَةُ ثَلاثَ طَبَقاتٍ: السُّفْلى لِلْوُحُوشِ، والوُسْطى لِلطَّعامِ والشَّرابِ، والعُلْيا لَهُ ولِمَن آمَنَ. (وأهْلَكَ): مَعْطُوفٌ عَلى زَوْجَيْنِ إنْ نُوِّنَ كُلٍّ، وعَلى اثْنَيْنِ إنْ أُضِيفَ، واسْتَثْنى مِن أهْلِهِ مَن سَبَقَ عَلَيْهِ القَوْلُ بِالهَلاكِ وأنَّهُ مِن أهْلِ النّارِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: سَبَقَ عَلَيْهِ القَوْلُ أنَّهُ يَخْتارُ الكُفْرَ، لا لِتَقْدِيرِهِ عَلَيْهِ وإرادَتِهِ تَعالى غَيْرَ ذَلِكَ، انْتَهى. وهُوَ عَلى طَرِيقَةِ الِاعْتِزالِ، والَّذِي سَبَقَ عَلَيْهِ القَوْلُ: امْرَأتُهُ واعِلَةُ بِالعَيْنِ المُهْمَلَةِ، وابْنُهُ كَنْعانُ. ﴿ومَن آمَنَ﴾: عَطْفٌ عَلى (وأهْلَكَ)، قِيلَ: كانُوا ثَمانِينَ رَجُلًا وثَمانِينَ امْرَأةً، وقِيلَ: كانُوا ثَلاثَةً وثَمانِينَ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: آمَنَ مَعَهُ ثَمانُونَ رَجُلًا، وعَنْهُ: ثَمانُونَ إنْسانًا، ثَلاثَةٌ مِن بَنِيهِ سامَ وحامَ ويافِثَ، وثَلاثُ كَنائِنَ لَهُ، ولَمّا خَرَجُوا مِنَ السَّفِينَةِ بَنَوْا قَرْيَةً تُدْعى اليَوْمَ قَرْيَةَ الثَّمانِينَ بِناحِيَةِ المَوْصِلِ. وقِيلَ: كانُوا ثَمانِيَةً وسَبْعِينَ، نِصْفُهم رِجالٌ، ونِصْفُهم نِساءٌ. وقالَ ابْنُ إسْحاقَ: كانُوا عَشَرَةً سِوى نِسائِهِمْ: نُوحٌ، وبَنُوهُ: سامُ، وحامُ، ويافِثُ، وسِتَّةُ ناسٍ مِمَّنْ كانَ آمَنَ بِهِ، وأزْواجُهم جَمِيعًا. وعَنِ ابْنِ إسْحاقَ: كانُوا عَشَرَةً: خَمْسَةُ رِجالٍ، وخَمْسُ نِسْوَةٍ. وقِيلَ: كانُوا تِسْعَةً. ونُوحٌ، وثَمانِيَةُ أبْناءٍ لَهُ وزَوْجَتُهُ. وقِيلَ: كانُوا ثَمانِيَةً ونُوحٌ وزَوْجَتُهُ غَيْرُ الَّتِي عُوقِبَتْ، وبَنُوهُ الثَّلاثَةُ وزَوْجاتُهم، وهو قَوْلُ قَتادَةَ والحَكَمِ وابْنِ عُيَيْنَةَ وابْنِ جُرَيْجٍ ومُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ. وقالَ الأعْمَشُ: كانُوا سَبْعَةً: نُوحٌ، وثَلاثُ كَنائِنَ، وثَلاثُ بَنِينَ. وهَذِهِ أقْوالٌ مُتَعارِضَةٌ. والَّذِي أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى بِهِ: أنَّهُ ما آمَنَ مَعَهُ إلّا قَلِيلٌ، ولا يُمْكِنُ التَّنْصِيصُ عَلى عَدَدِ هَذا النَّفَرِ القَلِيلِ الَّذِي أبْهَمَ اللَّهُ عَدَدَهم، إلّا بِنَصٍّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .

هود 11:38

﴿وأُوحِيَ إلى نُوحٍ أنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إلّا مَن قَدْ آمَنَ فَلا تَبْتَئِسْ بِما كانُوا يَفْعَلُونَ﴾ ﴿واصْنَعِ الفُلْكَ بِأعْيُنِنا ووَحْيِنا ولا تُخاطِبْنِي في الَّذِينَ ظَلَمُوا إنَّهم مُغْرَقُونَ﴾: قَرَأ الجُمْهُورُ: (وأُوحِيَ) مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ. أنَّهُ: بِفَتْحِ الهَمْزَةِ. وقَرَأ أبُو البَرَهْسَمِ: (وأوْحى) مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، إنَّهُ: بِكَسْرِ الهَمْزَةِ عَلى إضْمارِ القَوْلِ عَلى مَذْهَبِ البَصْرِيِّينَ، وعَلى إجْراءِ أوْحى مَجْرى قالَ عَلى مَذْهَبِ الكُوفِيِّينَ: أيْأسَهُ اللَّهُ مِن إيمانِهِمْ، وأنَّهُ صارَ كالمُسْتَحِيلِ عَقْلًا بِإخْبارِهِ تَعالى عَنْهم. ومَعْنى ﴿إلّا مَن قَدْ آمَنَ﴾ أيْ: مَن وُجِدَ مِنهُ ما كانَ يَتَوَقَّعُ مِن إيمانِهِ، ونَهاهُ تَعالى عَنِ ابْتِآسِهِ بِما كانُوا يَفْعَلُونَ، وهو حُزْنُهُ عَلَيْهِمْ في اسْتِكانَةٍ. وابْتَأسَ: افْتَعَلَ مِنَ البُؤْسِ، ويُقالُ: ابْتَأسَ الرَّجُلُ: إذا بَلَغَهُ شَيْءٌ يَكْرَهُهُ، وقالَ الشّاعِرُ: ؎وكَمْ مِن خَلِيلٍ أوْ حَمِيمٍ رُزِئْتُهُ فَلَمْ نَبْتَئِسْ والرُّزْءُ فِيهِ جَلِيلُ وقالَ آخَرُ: ؎ما يَقْسِمُ اللَّهُ اقْبَلْ غَيْرَ مُبْتَئِسٍ ∗∗∗ مِنهُ وأقْعُدْ كَرِيمًا ناعِمَ البالِ وقالَ آخَرُ: ؎فارِسُ الخَيْلِ إذا ما ولْوَلَتْ ∗∗∗ رَبَّةُ الخِدْرِ بِصَوْتٍ مُبْتَئِسٍ وقالَ آخَرُ: ؎فِي مَأْتَمٍ كَنِعاجِ صا رَةَ يَبْتَئِسْنَ ∗∗∗ بِما لَقِينا صارَةُ: مَوْضِعٌ . ﴿بِما كانُوا يَفْعَلُونَ﴾ مِن تَكْذِيبِكَ وإيذائِكَ ومُعاداتِكَ، فَقَدْ حانَ وقْتُ الِانْتِقامِ مِنهم. (واصْنَعِ): عَطْفٌ عَلى ﴿فَلا تَبْتَئِسْ﴾ . (بِأعْيُنِنا): بِمَرْأًى مِنّا وكِلاءَةٍ وحِفْظٍ، فَلا تَزِيغُ صَنْعَتُهُ عَنِ الصَّوابِ فِيها، ولا يَحُولُ بَيْنَ العَمَلِ وبَيْنَهُ أحَدٌ. والجَمْعُ هُنا كالمُفْرَدِ فَيَقُولُهُ: ﴿ولِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي﴾ [طه: ٣٩]، وجُمِعَتْ هُنا: لِتَكْثِيرِ الكِلاءَةِ والحِفْظِ ودَيْمُومَتِها. وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: بِأعْيُنّا مُدْغَمَةً. (ووَحْيِنا): نُوحِي إلَيْكَ ونُلْهِمُكَ كَيْفَ تَصْنَعُ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: لَمْ يَعْلَمْ كَيْفَ صَنْعَةُ الفُلْكِ، فَأوْحى اللَّهُ أنْ يَصْنَعَها مِثْلَ جُؤْجُؤِ الطّائِرِ. قِيلَ: ويَحْتَمِلُ قَوْلُهُ (بِأعْيُنِنا) أيْ: بِمَلائِكَتِنا الَّذِينَ جَعَلْناهم عُيُونًا عَلى مَواضِعِ حِفْظِكَ ومَعُونَتِكِ، فَيَكُونُ اللَّفْظُ هُنا لِلْجَمْعِ حَقِيقَةً. وقَوْلُ مَن قالَ: مَعْنى ووَحْيِنا: بِأمْرِنا لَكَ أوْ بِعِلْمِنا، ضَعِيفٌ، لِأنَّ قَوْلَهُ: واصْنَعِ الفُلْكَ، مُغْنٍ عَنْ ذَلِكَ. وفي الحَدِيثِ: «كانَ زانَ سَفِينَةِ نُوحٍ جِبْرِيلُ»، والزّانُ: القَيِّمُ بِعَمَلِ السَّفِينَةِ. والَّذِينَ ظَلَمُوا: قَوْمُ نُوحٍ، تَقَدَّمَ إلى نُوحٍ أنْ لا يَشْفَعَ فِيهِمْ فَيَطْلُبَ إمْهالَهم، وعَلَّلَ مَنعَ مُخاطَبَتِهِ بِأنَّهُ حَكَمَ عَلَيْهِمْ بِالغَرَقِ، ونَهاهُ عَنْ سُؤالِ الإيجابِ إلَيْهِ كَقَوْلِهِ: ﴿ياإبْراهِيمُ أعْرِضْ عَنْ هَذا إنَّهُ قَدْ جاءَ أمْرُ رَبِّكَ وإنَّهم آتِيهِمْ عَذابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ﴾ [هود: ٧٦] (p-٢٢١)وقِيلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا: واعِلَةُ زَوْجَتُهُ وكَنْعانُ ابْنُهُ. ﴿ويَصْنَعُ الفُلْكَ وكُلَّما مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِن قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنهُ قالَ إنْ تَسْخَرُوا مِنّا فَإنّا نَسْخَرُ مِنكم كَما تَسْخَرُونَ﴾ ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ ويَحِلُّ عَلَيْهِ عَذابٌ مُقِيمٌ﴾ ﴿حَتّى إذا جاءَ أمْرُنا وفارَ التَّنُّورُ قُلْنا احْمِلْ فِيها مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وأهْلَكَ إلّا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ القَوْلُ ومَن آمَنَ وما آمَنَ مَعَهُ إلّا قَلِيلٌ﴾: ﴿ويَصْنَعُ الفُلْكَ﴾: حِكايَةُ حالٍ ماضِيَةٍ، والفُلْكُ: السَّفِينَةُ. ولَمّا أمَرَهُ تَعالى بِأنْ يَصْنَعَ الفُلْكَ قالَ: يا رَبِّ ما أنا بِنَجّارٍ، قالَ: بَلى، ذَلِكَ بِعَيْنِي. فَأخَذَ القَدُومَ، وجَعَلَتْ يَدُهُ لا تُخْطِئُ، فَكانُوا يَمُرُّونَ بِهِ ويَقُولُونَ: هَذا الَّذِي يَزْعُمُ أنَّهُ نَبِيٌّ صارَ نَجّارًا ؟ وقِيلَ: كانَتِ المَلائِكَةُ تُعَلِّمُهُ، واسْتَأْجَرَ أُجَراءَ كانُوا يَنْحِتُونَ مَعَهُ، وأوْحى اللَّهُ إلَيْهِ أنْ عَجِّلْ عَمَلَ السَّفِينَةِ فَقَدِ اشْتَدَّ غَضَبِي عَلى مَن عَصانِي، وكانَ سامُ وحامُ ويافِثُ يَنْحِتُونَ مَعَهُ، والخَشَبُ مِنَ السّاجِ قالَهُ قَتادَةُ وعِكْرِمَةُ والكَلْبِيُّ. قِيلَ: وغَرَسَهُ عِشْرِينَ سَنَةً. وقِيلَ: ثَلاثَمِائَةِ سَنَةٍ يَغْرِسُ ويَقْطَعُ ويَيْبِسُ. وقالَ عَمْرُو بْنُ الحارِثِ: لَمْ يَغْرِسْها بَلْ قَطَعَها مِن جَبَلِ لُبْنانَ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مِن خَشَبِ الشِّمْشارِ، وهو: البَقْصُ: قِطْعَةٌ مِن جَبَلِ لُبْنانَ. واخْتَلَفُوا في هَيْئَتِها مِنَ التَّرْبِيعِ والطُّولِ، وفي مِقْدارِ مُدَّةِ عَمَلِها، وفي المَكانِ الَّذِي عَمِلَتْ فِيهِ، ومِقْدارِ طُولِها وعَرْضِها، عَلى أقْوالٍ مُتَعارِضَةٍ لَمْ يَصِحَّ مِنها شَيْءٌ. وسُخْرِيَتُهم مِنهُ لِكَوْنِهِمْ رَأوْهُ يَبْنِي السَّفِينَةَ ولَمْ يُشاهِدُوا قَبْلَها سَفِينَةً بُنِيَتْ، قالُوا: يا نُوحُ ما تَصْنَعُ ؟ قالَ: ابْنِي بَيْتًا يَمْشِي عَلى الماءِ، فَعَجِبُوا مِن قَوْلِهِ وسَخِرُوا مِنهُ قالَهُ مُقاتِلٌ. وقِيلَ: لِكَوْنِهِ يَبْنِي في قَرْيَةٍ لا قُرْبَ لَها مِنَ البَحْرِ، فَكانُوا يَتَضاحَكُونَ ويَقُولُونَ: يا نُوحُ صِرْتَ نَجّارًا بَعْدَما كُنْتَ نَبِيًّا. وكُلَّما: ظَرْفٌ، العامِلُ فِيهِ: سَخِرُوا مِنهُ، وقالَ: مُسْتَأْنَفٌ عَلى تَقْدِيرِ سُؤالِ سائِلٍ. وجَوَّزُوا أنْ يَكُونَ العامِلُ قالَ. وسَخِرُوا: صِفَةٌ لِمَلَأٍ، أوْ بَدَلٌ مِن مَرَّ، ويَبْعُدُ البَدَلُ لِأنَّ سَخِرَ لَيْسَ في مَعْنى مَرَّ، لا يُرادُ ذا ولا نَوْعًا مِنهُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وسَخِرُوا مِنهُ: اسْتَجْهَلُوهُ، فَإنْ كانَ الأمْرُ كَما رُوِيَ: أنَّهم لَمْ يَكُونُوا رَأوْا سَفِينَةً قَطُّ، ولا كانَتْ، فَوَجْهُ الِاسْتِجْهالِ واضِحٌ، وبِذَلِكَ تَظاهَرَتِ التَّفاسِيرُ، وإنْ كانَتِ السَّفائِنُ حِينَئِذٍ مَعْرُوفَةً، فاسْتَجْهَلُوهُ في أنَّ صُنْعَها في قَرْيَةٍ لا قُرْبَ لَها مِنَ البَحْرِ، انْتَهى. ﴿فَإنّا نَسْخَرُ مِنكُمْ﴾: في المُسْتَقْبَلِ كَما تَسْخَرُونَ مِنّا الآنَ أيْ: مِثْلَ سُخْرِيَتِكم إذا أُغْرِقْتُمْ في الدُّنْيا، وأُحْرِقْتُمْ في الآخِرَةِ، أوْ إنْ تَسْتَجْهِلُونا فِيما نَصْنَعُ فَإنّا نَسْتَجْهِلُكم فِيما أنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ، والتَّعَرُّضِ لِسَخَطِ اللَّهِ وعَذابِهِ، فَأنْتُمْ أوْلى بِالِاسْتِجْهالِ مِنّا، قالَ قَرِيبًا مِن مَعْناهُ الزَّجّاجُ، أوْ: إنْ تَسْتَجْهِلُونا فَإنّا نَسْتَجْهِلُكم في اسْتِجْهالِكم، لِأنَّكم لا تَسْتَجْهِلُونَ إلّا عَنْ (p-٢٢٢)جَهْلٍ بِحَقِيقَةِ الأمْرِ، وبِناءً عَلى ظاهِرِ الحالِ، كَما هو عادَةُ الجَهَلَةِ في البُعْدِ عَنِ الحَقائِقِ. وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: إنْ تَسْخَرُوا مِنّا في الدُّنْيا فَإنّا نَسْخَرُ مِنكم في الآخِرَةِ. والسُّخْرِيَةُ: اسْتِجْهالٌ مَعَ اسْتِهْزاءٍ. وفِي قَوْلِهِ: ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾: تَهْدِيدٌ بالِغٌ، والعَذابُ المُخْزِي: الغَرَقُ، والعَذابُ المُقِيمُ: عَذابُ الآخِرَةِ، لِأنَّهُ دائِمٌ عَلَيْهِمْ سَرْمَدٌ. ومَن يَأْتِيهِ: مَفْعُولٌ بِتَعْلَمُونَ، وما مَوْصُولَةٌ، وتَعَدِّي تَعْلَمُونَ إلى واحِدٍ اسْتِعْمالًا لَها اسْتِعْمالَ عُرْفٍ في التَّعْدِيَةِ إلى واحِدٍ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وجائِزٌ أنْ تَكُونَ التَّعْدِيَةُ إلى مَفْعُولَيْنِ، واقْتُصِرَ عَلى الواحِدِ، انْتَهى. ولا يَجُوزُ حَذْفُ الثّانِي اقْتِصارًا، لِأنَّ أصْلَهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ، ولا اخْتِصارًا هُنا، لِأنَّهُ لا دَلِيلَ عَلى حَذْفِهِ وتَعَنُّتِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿مَن يَأْتِيهِ﴾ . قِيلَ: مَن: اسْتِفْهامٌ في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى الِابْتِداءِ، ويَأْتِيهِ: الخَبَرُ، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ، وتَعْلَمُونَ: مُعَلَّقٌ، سَدَّتِ الجُمْلَةُ مَسَدَّ المَفْعُولَيْنِ. وحَكى الزَّهْراوِيُّ أنَّهُ يَقْرَأُ: ويَحُلُّ بِضَمِّ الحاءِ، ويَحِلُّ بِكَسْرِها بِمَعْنى: ويَجِبُ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: حُلُولُ الدِّينِ والحَقِّ اللّازِمِ الَّذِي لا انْفِكاكَ لَهُ عَنْهُ، ومَعْنى يُخْزِيهِ: يَفْضَحُهُ، أوْ يُهْلِكُهُ، أوْ يُذِلُّهُ، وهو: الغَرَقُ، أقْوالٌ مُتَقارِبَةٌ. ﴿حَتّى إذا جاءَ أمْرُنا﴾: تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى دُخُولِ حَتّى عَلى إذا في أوائِلِ سُورَةِ الأنْعامِ، وهي هُنا غايَةٌ لِقَوْلِهِ: ﴿ويَصْنَعُ الفُلْكَ﴾ . ويَصْنَعُ كَما قُلْنا: حِكايَةُ حالٍ أيْ: وكانَ يَصْنَعُ الفُلْكَ إلى أنْ جاءَ وقْتُ الوَعْدِ المَوْعُودِ. والجُمْلَةُ مَنقُولَهٌ: وكُلَّما مَرَّ عَلَيْهِ حالٌ، كَأنَّهُ قِيلَ: ويَصْنَعُها، والحالُ: أنَّهُ كُلَّما مَرَّ. وأمْرُنا: واحِدُ الأُمُورِ، أوْ مَصْدَرٌ، أيْ: أمْرُنا بِالفَوَرانِ أوْ لِلسَّحابِ بِالإرْسالِ، ولِلْمَلائِكَةِ بِالتَّصَرُّفِ في ذَلِكَ، ونَحْوِ هَذا مِمّا يُقَدَّرُ في النّازِلَةِ. وفارَ: مَعْناهُ: انْبَعَثَ بِقُوَّةٍ، والتَّنُّورُ: وجْهُ الأرْضِ، والعَرَبُ تُسَمِّيهِ: تَنُّورًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةُ والزُّهْرِيُّ وابْنُ عُيَيْنَةَ، أوِ التَّنُّورُ: الَّذِي يُخْبَزُ فِيهِ، وكانَ مِن حِجارَةٍ، وكانَ لِحَوّاءَ حَتّى صارَ لِـ نُوحٍ، قالَهُ الحَسَنُ ومُجاهِدٌ، ورُوِيَ أيْضًا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وقِيلَ: كانَ لِآدَمَ، وقِيلَ: كانَ تَنُّورَ نُوحٍ، أوْ أعْلى الأرْضِ والمَواضِعُ المُرْتَفِعَةِ، قالَهُ قَتادَةُ، أوِ العَيْنُ الَّتِي بِالجَزِيرَةِ عَيْنُ الوَرْدَةِ، رَواهُ عِكْرِمَةُ، أوْ مِن أقْصى دارِ نُوحٍ، قالَهُ مُقاتِلٌ، أوْ مَوْضِعُ اجْتِماعِ الماءِ في السَّفِينَةِ، رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ،: أوْ طُلُوعُ الشَّمْسِ، ورُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ، أوْ: نُورُ الصُّبْحِ مِن قَوْلِهِمْ: نَوَّرَ الفَجْرُ تَنْوِيرًا، قالَهُ عَلِيٌّ ومُجاهِدٌ، أوْ: هو مَجازٌ والمُرادُ: غَلَبَةُ الماءِ، وظُهُورُ العَذابِ كَما قالَ ﷺ لِشِدَّةِ الحَرْبِ: (حَمِيَ الوَطِيسُ) والوَطِيسُ أيْضًا: مُسْتَوْقَدُ النّارِ، فَلا فَرْقَ بَيْنَ حَمِيَ وفارَ، إذْ يُسْتَعْمَلانِ في النّارِ. قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿سَمِعُوا لَها شَهِيقًا وهي تَفُورُ﴾ [الملك: ٧] ولا فَرْقَ بَيْنَ الوَطِيسِ والتَّنُّورِ. والظّاهِرُ مِن هَذِهِ الأقْوالِ حَمْلُهُ عَلى التَّنُّورِ الَّذِي هو: مُسْتَوْقَدُ النّارِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ (ألْ) فِيهِ لِلْعَهْدِ لِتَنُّورٍ مَخْصُوصٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ لِلْجِنْسِ، فَفارَ النّارُ مِنَ التَّنانِيرِ، وكانَ ذَلِكَ مِن أعْجَبِ الأشْياءِ أنْ يَفُورَ الماءُ مِن مُسْتَوْقَدِ النِّيرانِ. ولا تَنافِي بَيْنَ هَذا وبَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿وفَجَّرْنا الأرْضَ عُيُونًا﴾ [القمر: ١٢] إذْ يُمْكِنُ أنْ يُرادَ بِالأرْضِ أماكِنُ التَّنانِيرِ. والتَّفْجِيرُ غَيْرُ الفَوَرانِ، فَحَصَلَ الفَوَرانُ لِلتَّنُّورِ، والتَّفْجِيرُ لِلْأرْضِ. والضَّمِيرُ في (فِيها) عائِدٌ عَلى الفُلْكِ، وهو مُذَكَّرٌ أُنِّثَ عَلى مَعْنى السَّفِينَةِ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وقالَ ارْكَبُوا فِيها﴾ [هود: ٤١] . وقَرَأ حَفْصٌ: ﴿مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ﴾ بِتَنْوِينِ كُلٍّ، أيْ: مِن كُلِّ حَيَوانٍ، وزَوْجَيْنِ: مَفْعُولٌ، واثْنَيْنِ: نَعْتُ تَوْكِيدٍ، وباقِي السَّبْعَةِ: بِالإضافَةِ، واثْنَيْنِ: مَفْعُولُ احْمِلْ، وزَوْجَيْنِ بِمَعْنى: العُمُومِ، أيْ: مِن كُلِّ ما لَهُ ازْدِواجٌ، هَذا مَعْنى مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ، قالَهُ أبُو عَلِيٍّ وغَيْرُهُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ولَوْ كانَ المَعْنى: احْمِلْ فِيها مِن كُلِّ زَوْجَيْنِ حامِلَيْنِ اثْنَيْنِ، لَوَجَبَ أنْ يَحْمِلَ مَن كُلِّ نَوْعِ أرْبَعَةً. والزَّوْجُ في مَشْهُورِ كَلامِ العَرَبِ لِلْواحِدِ مِمّا لَهُ ازْدِواجٌ، فَيُقالُ: هَذا زَوْجُ هَذا، وهُما زَوْجانِ، وهَذا هو المَهْيَعُ، في القُرْآنِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثَمانِيَةَ أزْواجٍ﴾ [الأنعام: ١٤٣] ثُمَّ فَسَّرَها وفي قَوْلِهِ ﴿وأنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ والأُنْثى﴾ [النجم: ٤٥] وقالَ الأخْفَشُ: وقَدْ يُقالُ في كَلامِ العَرَبِ لِلِاثْنَيْنِ: زَوْجٌ، هَكَذا تَأْخُذُهُ العَدَدِيُّونَ. والزَّوْجُ أيْضًا في كَلامِ العَرَبِ: النَّوْعُ كَقَوْلِهِ تَعالى: (p-٢٢٣)﴿وأنْبَتْنا فِيها مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ [ق: ٧] وقالَ تَعالى: ﴿سُبْحانَ الَّذِي خَلَقَ الأزْواجَ كُلَّها﴾ [يس: ٣٦] انْتَهى. ولَمّا جَعَلَ المَطَرُ يَنْزِلُ كَأفْواهِ القِرَبِ جَعَلَتِ الوُحُوشُ تَطْلُبُ وسَطَ الأرْضِ هَرَبًا مِنَ الماءِ، حَتّى اجْتَمَعْنَ عِنْدَ السَّفِينَةِ فَأمَرَهُ اللَّهُ أنْ يَحْمِلَ مِنَ الزَّوْجَيْنِ اثْنَيْنِ، يَعْنِي: ذَكَرًا وأُنْثى لَيَبْقى أصْلُ النَّسْلِ بَعْدَ الطُّوفانِ. فَرُوِيَ أنَّهُ كانَ يَأْتِيهِ أنْواعُ الحَيَوانِ فَيَضَعُ يَمِينَهُ عَلى الذَّكَرِ، ويَسارَهُ عَلى الأُنْثى، وكانَتِ السَّفِينَةُ ثَلاثَ طَبَقاتٍ: السُّفْلى لِلْوُحُوشِ، والوُسْطى لِلطَّعامِ والشَّرابِ، والعُلْيا لَهُ ولِمَن آمَنَ. (وأهْلَكَ): مَعْطُوفٌ عَلى زَوْجَيْنِ إنْ نُوِّنَ كُلٍّ، وعَلى اثْنَيْنِ إنْ أُضِيفَ، واسْتَثْنى مِن أهْلِهِ مَن سَبَقَ عَلَيْهِ القَوْلُ بِالهَلاكِ وأنَّهُ مِن أهْلِ النّارِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: سَبَقَ عَلَيْهِ القَوْلُ أنَّهُ يَخْتارُ الكُفْرَ، لا لِتَقْدِيرِهِ عَلَيْهِ وإرادَتِهِ تَعالى غَيْرَ ذَلِكَ، انْتَهى. وهُوَ عَلى طَرِيقَةِ الِاعْتِزالِ، والَّذِي سَبَقَ عَلَيْهِ القَوْلُ: امْرَأتُهُ واعِلَةُ بِالعَيْنِ المُهْمَلَةِ، وابْنُهُ كَنْعانُ. ﴿ومَن آمَنَ﴾: عَطْفٌ عَلى (وأهْلَكَ)، قِيلَ: كانُوا ثَمانِينَ رَجُلًا وثَمانِينَ امْرَأةً، وقِيلَ: كانُوا ثَلاثَةً وثَمانِينَ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: آمَنَ مَعَهُ ثَمانُونَ رَجُلًا، وعَنْهُ: ثَمانُونَ إنْسانًا، ثَلاثَةٌ مِن بَنِيهِ سامَ وحامَ ويافِثَ، وثَلاثُ كَنائِنَ لَهُ، ولَمّا خَرَجُوا مِنَ السَّفِينَةِ بَنَوْا قَرْيَةً تُدْعى اليَوْمَ قَرْيَةَ الثَّمانِينَ بِناحِيَةِ المَوْصِلِ. وقِيلَ: كانُوا ثَمانِيَةً وسَبْعِينَ، نِصْفُهم رِجالٌ، ونِصْفُهم نِساءٌ. وقالَ ابْنُ إسْحاقَ: كانُوا عَشَرَةً سِوى نِسائِهِمْ: نُوحٌ، وبَنُوهُ: سامُ، وحامُ، ويافِثُ، وسِتَّةُ ناسٍ مِمَّنْ كانَ آمَنَ بِهِ، وأزْواجُهم جَمِيعًا. وعَنِ ابْنِ إسْحاقَ: كانُوا عَشَرَةً: خَمْسَةُ رِجالٍ، وخَمْسُ نِسْوَةٍ. وقِيلَ: كانُوا تِسْعَةً. ونُوحٌ، وثَمانِيَةُ أبْناءٍ لَهُ وزَوْجَتُهُ. وقِيلَ: كانُوا ثَمانِيَةً ونُوحٌ وزَوْجَتُهُ غَيْرُ الَّتِي عُوقِبَتْ، وبَنُوهُ الثَّلاثَةُ وزَوْجاتُهم، وهو قَوْلُ قَتادَةَ والحَكَمِ وابْنِ عُيَيْنَةَ وابْنِ جُرَيْجٍ ومُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ. وقالَ الأعْمَشُ: كانُوا سَبْعَةً: نُوحٌ، وثَلاثُ كَنائِنَ، وثَلاثُ بَنِينَ. وهَذِهِ أقْوالٌ مُتَعارِضَةٌ. والَّذِي أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى بِهِ: أنَّهُ ما آمَنَ مَعَهُ إلّا قَلِيلٌ، ولا يُمْكِنُ التَّنْصِيصُ عَلى عَدَدِ هَذا النَّفَرِ القَلِيلِ الَّذِي أبْهَمَ اللَّهُ عَدَدَهم، إلّا بِنَصٍّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .

هود 11:39

﴿وأُوحِيَ إلى نُوحٍ أنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إلّا مَن قَدْ آمَنَ فَلا تَبْتَئِسْ بِما كانُوا يَفْعَلُونَ﴾ ﴿واصْنَعِ الفُلْكَ بِأعْيُنِنا ووَحْيِنا ولا تُخاطِبْنِي في الَّذِينَ ظَلَمُوا إنَّهم مُغْرَقُونَ﴾: قَرَأ الجُمْهُورُ: (وأُوحِيَ) مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ. أنَّهُ: بِفَتْحِ الهَمْزَةِ. وقَرَأ أبُو البَرَهْسَمِ: (وأوْحى) مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، إنَّهُ: بِكَسْرِ الهَمْزَةِ عَلى إضْمارِ القَوْلِ عَلى مَذْهَبِ البَصْرِيِّينَ، وعَلى إجْراءِ أوْحى مَجْرى قالَ عَلى مَذْهَبِ الكُوفِيِّينَ: أيْأسَهُ اللَّهُ مِن إيمانِهِمْ، وأنَّهُ صارَ كالمُسْتَحِيلِ عَقْلًا بِإخْبارِهِ تَعالى عَنْهم. ومَعْنى ﴿إلّا مَن قَدْ آمَنَ﴾ أيْ: مَن وُجِدَ مِنهُ ما كانَ يَتَوَقَّعُ مِن إيمانِهِ، ونَهاهُ تَعالى عَنِ ابْتِآسِهِ بِما كانُوا يَفْعَلُونَ، وهو حُزْنُهُ عَلَيْهِمْ في اسْتِكانَةٍ. وابْتَأسَ: افْتَعَلَ مِنَ البُؤْسِ، ويُقالُ: ابْتَأسَ الرَّجُلُ: إذا بَلَغَهُ شَيْءٌ يَكْرَهُهُ، وقالَ الشّاعِرُ: ؎وكَمْ مِن خَلِيلٍ أوْ حَمِيمٍ رُزِئْتُهُ فَلَمْ نَبْتَئِسْ والرُّزْءُ فِيهِ جَلِيلُ وقالَ آخَرُ: ؎ما يَقْسِمُ اللَّهُ اقْبَلْ غَيْرَ مُبْتَئِسٍ ∗∗∗ مِنهُ وأقْعُدْ كَرِيمًا ناعِمَ البالِ وقالَ آخَرُ: ؎فارِسُ الخَيْلِ إذا ما ولْوَلَتْ ∗∗∗ رَبَّةُ الخِدْرِ بِصَوْتٍ مُبْتَئِسٍ وقالَ آخَرُ: ؎فِي مَأْتَمٍ كَنِعاجِ صا رَةَ يَبْتَئِسْنَ ∗∗∗ بِما لَقِينا صارَةُ: مَوْضِعٌ . ﴿بِما كانُوا يَفْعَلُونَ﴾ مِن تَكْذِيبِكَ وإيذائِكَ ومُعاداتِكَ، فَقَدْ حانَ وقْتُ الِانْتِقامِ مِنهم. (واصْنَعِ): عَطْفٌ عَلى ﴿فَلا تَبْتَئِسْ﴾ . (بِأعْيُنِنا): بِمَرْأًى مِنّا وكِلاءَةٍ وحِفْظٍ، فَلا تَزِيغُ صَنْعَتُهُ عَنِ الصَّوابِ فِيها، ولا يَحُولُ بَيْنَ العَمَلِ وبَيْنَهُ أحَدٌ. والجَمْعُ هُنا كالمُفْرَدِ فَيَقُولُهُ: ﴿ولِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي﴾ [طه: ٣٩]، وجُمِعَتْ هُنا: لِتَكْثِيرِ الكِلاءَةِ والحِفْظِ ودَيْمُومَتِها. وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: بِأعْيُنّا مُدْغَمَةً. (ووَحْيِنا): نُوحِي إلَيْكَ ونُلْهِمُكَ كَيْفَ تَصْنَعُ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: لَمْ يَعْلَمْ كَيْفَ صَنْعَةُ الفُلْكِ، فَأوْحى اللَّهُ أنْ يَصْنَعَها مِثْلَ جُؤْجُؤِ الطّائِرِ. قِيلَ: ويَحْتَمِلُ قَوْلُهُ (بِأعْيُنِنا) أيْ: بِمَلائِكَتِنا الَّذِينَ جَعَلْناهم عُيُونًا عَلى مَواضِعِ حِفْظِكَ ومَعُونَتِكِ، فَيَكُونُ اللَّفْظُ هُنا لِلْجَمْعِ حَقِيقَةً. وقَوْلُ مَن قالَ: مَعْنى ووَحْيِنا: بِأمْرِنا لَكَ أوْ بِعِلْمِنا، ضَعِيفٌ، لِأنَّ قَوْلَهُ: واصْنَعِ الفُلْكَ، مُغْنٍ عَنْ ذَلِكَ. وفي الحَدِيثِ: «كانَ زانَ سَفِينَةِ نُوحٍ جِبْرِيلُ»، والزّانُ: القَيِّمُ بِعَمَلِ السَّفِينَةِ. والَّذِينَ ظَلَمُوا: قَوْمُ نُوحٍ، تَقَدَّمَ إلى نُوحٍ أنْ لا يَشْفَعَ فِيهِمْ فَيَطْلُبَ إمْهالَهم، وعَلَّلَ مَنعَ مُخاطَبَتِهِ بِأنَّهُ حَكَمَ عَلَيْهِمْ بِالغَرَقِ، ونَهاهُ عَنْ سُؤالِ الإيجابِ إلَيْهِ كَقَوْلِهِ: ﴿ياإبْراهِيمُ أعْرِضْ عَنْ هَذا إنَّهُ قَدْ جاءَ أمْرُ رَبِّكَ وإنَّهم آتِيهِمْ عَذابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ﴾ [هود: ٧٦] (p-٢٢١)وقِيلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا: واعِلَةُ زَوْجَتُهُ وكَنْعانُ ابْنُهُ. ﴿ويَصْنَعُ الفُلْكَ وكُلَّما مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِن قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنهُ قالَ إنْ تَسْخَرُوا مِنّا فَإنّا نَسْخَرُ مِنكم كَما تَسْخَرُونَ﴾ ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ ويَحِلُّ عَلَيْهِ عَذابٌ مُقِيمٌ﴾ ﴿حَتّى إذا جاءَ أمْرُنا وفارَ التَّنُّورُ قُلْنا احْمِلْ فِيها مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وأهْلَكَ إلّا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ القَوْلُ ومَن آمَنَ وما آمَنَ مَعَهُ إلّا قَلِيلٌ﴾: ﴿ويَصْنَعُ الفُلْكَ﴾: حِكايَةُ حالٍ ماضِيَةٍ، والفُلْكُ: السَّفِينَةُ. ولَمّا أمَرَهُ تَعالى بِأنْ يَصْنَعَ الفُلْكَ قالَ: يا رَبِّ ما أنا بِنَجّارٍ، قالَ: بَلى، ذَلِكَ بِعَيْنِي. فَأخَذَ القَدُومَ، وجَعَلَتْ يَدُهُ لا تُخْطِئُ، فَكانُوا يَمُرُّونَ بِهِ ويَقُولُونَ: هَذا الَّذِي يَزْعُمُ أنَّهُ نَبِيٌّ صارَ نَجّارًا ؟ وقِيلَ: كانَتِ المَلائِكَةُ تُعَلِّمُهُ، واسْتَأْجَرَ أُجَراءَ كانُوا يَنْحِتُونَ مَعَهُ، وأوْحى اللَّهُ إلَيْهِ أنْ عَجِّلْ عَمَلَ السَّفِينَةِ فَقَدِ اشْتَدَّ غَضَبِي عَلى مَن عَصانِي، وكانَ سامُ وحامُ ويافِثُ يَنْحِتُونَ مَعَهُ، والخَشَبُ مِنَ السّاجِ قالَهُ قَتادَةُ وعِكْرِمَةُ والكَلْبِيُّ. قِيلَ: وغَرَسَهُ عِشْرِينَ سَنَةً. وقِيلَ: ثَلاثَمِائَةِ سَنَةٍ يَغْرِسُ ويَقْطَعُ ويَيْبِسُ. وقالَ عَمْرُو بْنُ الحارِثِ: لَمْ يَغْرِسْها بَلْ قَطَعَها مِن جَبَلِ لُبْنانَ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مِن خَشَبِ الشِّمْشارِ، وهو: البَقْصُ: قِطْعَةٌ مِن جَبَلِ لُبْنانَ. واخْتَلَفُوا في هَيْئَتِها مِنَ التَّرْبِيعِ والطُّولِ، وفي مِقْدارِ مُدَّةِ عَمَلِها، وفي المَكانِ الَّذِي عَمِلَتْ فِيهِ، ومِقْدارِ طُولِها وعَرْضِها، عَلى أقْوالٍ مُتَعارِضَةٍ لَمْ يَصِحَّ مِنها شَيْءٌ. وسُخْرِيَتُهم مِنهُ لِكَوْنِهِمْ رَأوْهُ يَبْنِي السَّفِينَةَ ولَمْ يُشاهِدُوا قَبْلَها سَفِينَةً بُنِيَتْ، قالُوا: يا نُوحُ ما تَصْنَعُ ؟ قالَ: ابْنِي بَيْتًا يَمْشِي عَلى الماءِ، فَعَجِبُوا مِن قَوْلِهِ وسَخِرُوا مِنهُ قالَهُ مُقاتِلٌ. وقِيلَ: لِكَوْنِهِ يَبْنِي في قَرْيَةٍ لا قُرْبَ لَها مِنَ البَحْرِ، فَكانُوا يَتَضاحَكُونَ ويَقُولُونَ: يا نُوحُ صِرْتَ نَجّارًا بَعْدَما كُنْتَ نَبِيًّا. وكُلَّما: ظَرْفٌ، العامِلُ فِيهِ: سَخِرُوا مِنهُ، وقالَ: مُسْتَأْنَفٌ عَلى تَقْدِيرِ سُؤالِ سائِلٍ. وجَوَّزُوا أنْ يَكُونَ العامِلُ قالَ. وسَخِرُوا: صِفَةٌ لِمَلَأٍ، أوْ بَدَلٌ مِن مَرَّ، ويَبْعُدُ البَدَلُ لِأنَّ سَخِرَ لَيْسَ في مَعْنى مَرَّ، لا يُرادُ ذا ولا نَوْعًا مِنهُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وسَخِرُوا مِنهُ: اسْتَجْهَلُوهُ، فَإنْ كانَ الأمْرُ كَما رُوِيَ: أنَّهم لَمْ يَكُونُوا رَأوْا سَفِينَةً قَطُّ، ولا كانَتْ، فَوَجْهُ الِاسْتِجْهالِ واضِحٌ، وبِذَلِكَ تَظاهَرَتِ التَّفاسِيرُ، وإنْ كانَتِ السَّفائِنُ حِينَئِذٍ مَعْرُوفَةً، فاسْتَجْهَلُوهُ في أنَّ صُنْعَها في قَرْيَةٍ لا قُرْبَ لَها مِنَ البَحْرِ، انْتَهى. ﴿فَإنّا نَسْخَرُ مِنكُمْ﴾: في المُسْتَقْبَلِ كَما تَسْخَرُونَ مِنّا الآنَ أيْ: مِثْلَ سُخْرِيَتِكم إذا أُغْرِقْتُمْ في الدُّنْيا، وأُحْرِقْتُمْ في الآخِرَةِ، أوْ إنْ تَسْتَجْهِلُونا فِيما نَصْنَعُ فَإنّا نَسْتَجْهِلُكم فِيما أنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ، والتَّعَرُّضِ لِسَخَطِ اللَّهِ وعَذابِهِ، فَأنْتُمْ أوْلى بِالِاسْتِجْهالِ مِنّا، قالَ قَرِيبًا مِن مَعْناهُ الزَّجّاجُ، أوْ: إنْ تَسْتَجْهِلُونا فَإنّا نَسْتَجْهِلُكم في اسْتِجْهالِكم، لِأنَّكم لا تَسْتَجْهِلُونَ إلّا عَنْ (p-٢٢٢)جَهْلٍ بِحَقِيقَةِ الأمْرِ، وبِناءً عَلى ظاهِرِ الحالِ، كَما هو عادَةُ الجَهَلَةِ في البُعْدِ عَنِ الحَقائِقِ. وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: إنْ تَسْخَرُوا مِنّا في الدُّنْيا فَإنّا نَسْخَرُ مِنكم في الآخِرَةِ. والسُّخْرِيَةُ: اسْتِجْهالٌ مَعَ اسْتِهْزاءٍ. وفِي قَوْلِهِ: ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾: تَهْدِيدٌ بالِغٌ، والعَذابُ المُخْزِي: الغَرَقُ، والعَذابُ المُقِيمُ: عَذابُ الآخِرَةِ، لِأنَّهُ دائِمٌ عَلَيْهِمْ سَرْمَدٌ. ومَن يَأْتِيهِ: مَفْعُولٌ بِتَعْلَمُونَ، وما مَوْصُولَةٌ، وتَعَدِّي تَعْلَمُونَ إلى واحِدٍ اسْتِعْمالًا لَها اسْتِعْمالَ عُرْفٍ في التَّعْدِيَةِ إلى واحِدٍ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وجائِزٌ أنْ تَكُونَ التَّعْدِيَةُ إلى مَفْعُولَيْنِ، واقْتُصِرَ عَلى الواحِدِ، انْتَهى. ولا يَجُوزُ حَذْفُ الثّانِي اقْتِصارًا، لِأنَّ أصْلَهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ، ولا اخْتِصارًا هُنا، لِأنَّهُ لا دَلِيلَ عَلى حَذْفِهِ وتَعَنُّتِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿مَن يَأْتِيهِ﴾ . قِيلَ: مَن: اسْتِفْهامٌ في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى الِابْتِداءِ، ويَأْتِيهِ: الخَبَرُ، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ، وتَعْلَمُونَ: مُعَلَّقٌ، سَدَّتِ الجُمْلَةُ مَسَدَّ المَفْعُولَيْنِ. وحَكى الزَّهْراوِيُّ أنَّهُ يَقْرَأُ: ويَحُلُّ بِضَمِّ الحاءِ، ويَحِلُّ بِكَسْرِها بِمَعْنى: ويَجِبُ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: حُلُولُ الدِّينِ والحَقِّ اللّازِمِ الَّذِي لا انْفِكاكَ لَهُ عَنْهُ، ومَعْنى يُخْزِيهِ: يَفْضَحُهُ، أوْ يُهْلِكُهُ، أوْ يُذِلُّهُ، وهو: الغَرَقُ، أقْوالٌ مُتَقارِبَةٌ. ﴿حَتّى إذا جاءَ أمْرُنا﴾: تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى دُخُولِ حَتّى عَلى إذا في أوائِلِ سُورَةِ الأنْعامِ، وهي هُنا غايَةٌ لِقَوْلِهِ: ﴿ويَصْنَعُ الفُلْكَ﴾ . ويَصْنَعُ كَما قُلْنا: حِكايَةُ حالٍ أيْ: وكانَ يَصْنَعُ الفُلْكَ إلى أنْ جاءَ وقْتُ الوَعْدِ المَوْعُودِ. والجُمْلَةُ مَنقُولَهٌ: وكُلَّما مَرَّ عَلَيْهِ حالٌ، كَأنَّهُ قِيلَ: ويَصْنَعُها، والحالُ: أنَّهُ كُلَّما مَرَّ. وأمْرُنا: واحِدُ الأُمُورِ، أوْ مَصْدَرٌ، أيْ: أمْرُنا بِالفَوَرانِ أوْ لِلسَّحابِ بِالإرْسالِ، ولِلْمَلائِكَةِ بِالتَّصَرُّفِ في ذَلِكَ، ونَحْوِ هَذا مِمّا يُقَدَّرُ في النّازِلَةِ. وفارَ: مَعْناهُ: انْبَعَثَ بِقُوَّةٍ، والتَّنُّورُ: وجْهُ الأرْضِ، والعَرَبُ تُسَمِّيهِ: تَنُّورًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةُ والزُّهْرِيُّ وابْنُ عُيَيْنَةَ، أوِ التَّنُّورُ: الَّذِي يُخْبَزُ فِيهِ، وكانَ مِن حِجارَةٍ، وكانَ لِحَوّاءَ حَتّى صارَ لِـ نُوحٍ، قالَهُ الحَسَنُ ومُجاهِدٌ، ورُوِيَ أيْضًا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وقِيلَ: كانَ لِآدَمَ، وقِيلَ: كانَ تَنُّورَ نُوحٍ، أوْ أعْلى الأرْضِ والمَواضِعُ المُرْتَفِعَةِ، قالَهُ قَتادَةُ، أوِ العَيْنُ الَّتِي بِالجَزِيرَةِ عَيْنُ الوَرْدَةِ، رَواهُ عِكْرِمَةُ، أوْ مِن أقْصى دارِ نُوحٍ، قالَهُ مُقاتِلٌ، أوْ مَوْضِعُ اجْتِماعِ الماءِ في السَّفِينَةِ، رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ،: أوْ طُلُوعُ الشَّمْسِ، ورُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ، أوْ: نُورُ الصُّبْحِ مِن قَوْلِهِمْ: نَوَّرَ الفَجْرُ تَنْوِيرًا، قالَهُ عَلِيٌّ ومُجاهِدٌ، أوْ: هو مَجازٌ والمُرادُ: غَلَبَةُ الماءِ، وظُهُورُ العَذابِ كَما قالَ ﷺ لِشِدَّةِ الحَرْبِ: (حَمِيَ الوَطِيسُ) والوَطِيسُ أيْضًا: مُسْتَوْقَدُ النّارِ، فَلا فَرْقَ بَيْنَ حَمِيَ وفارَ، إذْ يُسْتَعْمَلانِ في النّارِ. قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿سَمِعُوا لَها شَهِيقًا وهي تَفُورُ﴾ [الملك: ٧] ولا فَرْقَ بَيْنَ الوَطِيسِ والتَّنُّورِ. والظّاهِرُ مِن هَذِهِ الأقْوالِ حَمْلُهُ عَلى التَّنُّورِ الَّذِي هو: مُسْتَوْقَدُ النّارِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ (ألْ) فِيهِ لِلْعَهْدِ لِتَنُّورٍ مَخْصُوصٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ لِلْجِنْسِ، فَفارَ النّارُ مِنَ التَّنانِيرِ، وكانَ ذَلِكَ مِن أعْجَبِ الأشْياءِ أنْ يَفُورَ الماءُ مِن مُسْتَوْقَدِ النِّيرانِ. ولا تَنافِي بَيْنَ هَذا وبَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿وفَجَّرْنا الأرْضَ عُيُونًا﴾ [القمر: ١٢] إذْ يُمْكِنُ أنْ يُرادَ بِالأرْضِ أماكِنُ التَّنانِيرِ. والتَّفْجِيرُ غَيْرُ الفَوَرانِ، فَحَصَلَ الفَوَرانُ لِلتَّنُّورِ، والتَّفْجِيرُ لِلْأرْضِ. والضَّمِيرُ في (فِيها) عائِدٌ عَلى الفُلْكِ، وهو مُذَكَّرٌ أُنِّثَ عَلى مَعْنى السَّفِينَةِ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وقالَ ارْكَبُوا فِيها﴾ [هود: ٤١] . وقَرَأ حَفْصٌ: ﴿مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ﴾ بِتَنْوِينِ كُلٍّ، أيْ: مِن كُلِّ حَيَوانٍ، وزَوْجَيْنِ: مَفْعُولٌ، واثْنَيْنِ: نَعْتُ تَوْكِيدٍ، وباقِي السَّبْعَةِ: بِالإضافَةِ، واثْنَيْنِ: مَفْعُولُ احْمِلْ، وزَوْجَيْنِ بِمَعْنى: العُمُومِ، أيْ: مِن كُلِّ ما لَهُ ازْدِواجٌ، هَذا مَعْنى مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ، قالَهُ أبُو عَلِيٍّ وغَيْرُهُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ولَوْ كانَ المَعْنى: احْمِلْ فِيها مِن كُلِّ زَوْجَيْنِ حامِلَيْنِ اثْنَيْنِ، لَوَجَبَ أنْ يَحْمِلَ مَن كُلِّ نَوْعِ أرْبَعَةً. والزَّوْجُ في مَشْهُورِ كَلامِ العَرَبِ لِلْواحِدِ مِمّا لَهُ ازْدِواجٌ، فَيُقالُ: هَذا زَوْجُ هَذا، وهُما زَوْجانِ، وهَذا هو المَهْيَعُ، في القُرْآنِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثَمانِيَةَ أزْواجٍ﴾ [الأنعام: ١٤٣] ثُمَّ فَسَّرَها وفي قَوْلِهِ ﴿وأنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ والأُنْثى﴾ [النجم: ٤٥] وقالَ الأخْفَشُ: وقَدْ يُقالُ في كَلامِ العَرَبِ لِلِاثْنَيْنِ: زَوْجٌ، هَكَذا تَأْخُذُهُ العَدَدِيُّونَ. والزَّوْجُ أيْضًا في كَلامِ العَرَبِ: النَّوْعُ كَقَوْلِهِ تَعالى: (p-٢٢٣)﴿وأنْبَتْنا فِيها مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ [ق: ٧] وقالَ تَعالى: ﴿سُبْحانَ الَّذِي خَلَقَ الأزْواجَ كُلَّها﴾ [يس: ٣٦] انْتَهى. ولَمّا جَعَلَ المَطَرُ يَنْزِلُ كَأفْواهِ القِرَبِ جَعَلَتِ الوُحُوشُ تَطْلُبُ وسَطَ الأرْضِ هَرَبًا مِنَ الماءِ، حَتّى اجْتَمَعْنَ عِنْدَ السَّفِينَةِ فَأمَرَهُ اللَّهُ أنْ يَحْمِلَ مِنَ الزَّوْجَيْنِ اثْنَيْنِ، يَعْنِي: ذَكَرًا وأُنْثى لَيَبْقى أصْلُ النَّسْلِ بَعْدَ الطُّوفانِ. فَرُوِيَ أنَّهُ كانَ يَأْتِيهِ أنْواعُ الحَيَوانِ فَيَضَعُ يَمِينَهُ عَلى الذَّكَرِ، ويَسارَهُ عَلى الأُنْثى، وكانَتِ السَّفِينَةُ ثَلاثَ طَبَقاتٍ: السُّفْلى لِلْوُحُوشِ، والوُسْطى لِلطَّعامِ والشَّرابِ، والعُلْيا لَهُ ولِمَن آمَنَ. (وأهْلَكَ): مَعْطُوفٌ عَلى زَوْجَيْنِ إنْ نُوِّنَ كُلٍّ، وعَلى اثْنَيْنِ إنْ أُضِيفَ، واسْتَثْنى مِن أهْلِهِ مَن سَبَقَ عَلَيْهِ القَوْلُ بِالهَلاكِ وأنَّهُ مِن أهْلِ النّارِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: سَبَقَ عَلَيْهِ القَوْلُ أنَّهُ يَخْتارُ الكُفْرَ، لا لِتَقْدِيرِهِ عَلَيْهِ وإرادَتِهِ تَعالى غَيْرَ ذَلِكَ، انْتَهى. وهُوَ عَلى طَرِيقَةِ الِاعْتِزالِ، والَّذِي سَبَقَ عَلَيْهِ القَوْلُ: امْرَأتُهُ واعِلَةُ بِالعَيْنِ المُهْمَلَةِ، وابْنُهُ كَنْعانُ. ﴿ومَن آمَنَ﴾: عَطْفٌ عَلى (وأهْلَكَ)، قِيلَ: كانُوا ثَمانِينَ رَجُلًا وثَمانِينَ امْرَأةً، وقِيلَ: كانُوا ثَلاثَةً وثَمانِينَ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: آمَنَ مَعَهُ ثَمانُونَ رَجُلًا، وعَنْهُ: ثَمانُونَ إنْسانًا، ثَلاثَةٌ مِن بَنِيهِ سامَ وحامَ ويافِثَ، وثَلاثُ كَنائِنَ لَهُ، ولَمّا خَرَجُوا مِنَ السَّفِينَةِ بَنَوْا قَرْيَةً تُدْعى اليَوْمَ قَرْيَةَ الثَّمانِينَ بِناحِيَةِ المَوْصِلِ. وقِيلَ: كانُوا ثَمانِيَةً وسَبْعِينَ، نِصْفُهم رِجالٌ، ونِصْفُهم نِساءٌ. وقالَ ابْنُ إسْحاقَ: كانُوا عَشَرَةً سِوى نِسائِهِمْ: نُوحٌ، وبَنُوهُ: سامُ، وحامُ، ويافِثُ، وسِتَّةُ ناسٍ مِمَّنْ كانَ آمَنَ بِهِ، وأزْواجُهم جَمِيعًا. وعَنِ ابْنِ إسْحاقَ: كانُوا عَشَرَةً: خَمْسَةُ رِجالٍ، وخَمْسُ نِسْوَةٍ. وقِيلَ: كانُوا تِسْعَةً. ونُوحٌ، وثَمانِيَةُ أبْناءٍ لَهُ وزَوْجَتُهُ. وقِيلَ: كانُوا ثَمانِيَةً ونُوحٌ وزَوْجَتُهُ غَيْرُ الَّتِي عُوقِبَتْ، وبَنُوهُ الثَّلاثَةُ وزَوْجاتُهم، وهو قَوْلُ قَتادَةَ والحَكَمِ وابْنِ عُيَيْنَةَ وابْنِ جُرَيْجٍ ومُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ. وقالَ الأعْمَشُ: كانُوا سَبْعَةً: نُوحٌ، وثَلاثُ كَنائِنَ، وثَلاثُ بَنِينَ. وهَذِهِ أقْوالٌ مُتَعارِضَةٌ. والَّذِي أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى بِهِ: أنَّهُ ما آمَنَ مَعَهُ إلّا قَلِيلٌ، ولا يُمْكِنُ التَّنْصِيصُ عَلى عَدَدِ هَذا النَّفَرِ القَلِيلِ الَّذِي أبْهَمَ اللَّهُ عَدَدَهم، إلّا بِنَصٍّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .

هود 11:40

﴿وأُوحِيَ إلى نُوحٍ أنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إلّا مَن قَدْ آمَنَ فَلا تَبْتَئِسْ بِما كانُوا يَفْعَلُونَ﴾ ﴿واصْنَعِ الفُلْكَ بِأعْيُنِنا ووَحْيِنا ولا تُخاطِبْنِي في الَّذِينَ ظَلَمُوا إنَّهم مُغْرَقُونَ﴾: قَرَأ الجُمْهُورُ: (وأُوحِيَ) مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ. أنَّهُ: بِفَتْحِ الهَمْزَةِ. وقَرَأ أبُو البَرَهْسَمِ: (وأوْحى) مَبْنِيًّا لِلْفاعِلِ، إنَّهُ: بِكَسْرِ الهَمْزَةِ عَلى إضْمارِ القَوْلِ عَلى مَذْهَبِ البَصْرِيِّينَ، وعَلى إجْراءِ أوْحى مَجْرى قالَ عَلى مَذْهَبِ الكُوفِيِّينَ: أيْأسَهُ اللَّهُ مِن إيمانِهِمْ، وأنَّهُ صارَ كالمُسْتَحِيلِ عَقْلًا بِإخْبارِهِ تَعالى عَنْهم. ومَعْنى ﴿إلّا مَن قَدْ آمَنَ﴾ أيْ: مَن وُجِدَ مِنهُ ما كانَ يَتَوَقَّعُ مِن إيمانِهِ، ونَهاهُ تَعالى عَنِ ابْتِآسِهِ بِما كانُوا يَفْعَلُونَ، وهو حُزْنُهُ عَلَيْهِمْ في اسْتِكانَةٍ. وابْتَأسَ: افْتَعَلَ مِنَ البُؤْسِ، ويُقالُ: ابْتَأسَ الرَّجُلُ: إذا بَلَغَهُ شَيْءٌ يَكْرَهُهُ، وقالَ الشّاعِرُ: ؎وكَمْ مِن خَلِيلٍ أوْ حَمِيمٍ رُزِئْتُهُ فَلَمْ نَبْتَئِسْ والرُّزْءُ فِيهِ جَلِيلُ وقالَ آخَرُ: ؎ما يَقْسِمُ اللَّهُ اقْبَلْ غَيْرَ مُبْتَئِسٍ ∗∗∗ مِنهُ وأقْعُدْ كَرِيمًا ناعِمَ البالِ وقالَ آخَرُ: ؎فارِسُ الخَيْلِ إذا ما ولْوَلَتْ ∗∗∗ رَبَّةُ الخِدْرِ بِصَوْتٍ مُبْتَئِسٍ وقالَ آخَرُ: ؎فِي مَأْتَمٍ كَنِعاجِ صا رَةَ يَبْتَئِسْنَ ∗∗∗ بِما لَقِينا صارَةُ: مَوْضِعٌ . ﴿بِما كانُوا يَفْعَلُونَ﴾ مِن تَكْذِيبِكَ وإيذائِكَ ومُعاداتِكَ، فَقَدْ حانَ وقْتُ الِانْتِقامِ مِنهم. (واصْنَعِ): عَطْفٌ عَلى ﴿فَلا تَبْتَئِسْ﴾ . (بِأعْيُنِنا): بِمَرْأًى مِنّا وكِلاءَةٍ وحِفْظٍ، فَلا تَزِيغُ صَنْعَتُهُ عَنِ الصَّوابِ فِيها، ولا يَحُولُ بَيْنَ العَمَلِ وبَيْنَهُ أحَدٌ. والجَمْعُ هُنا كالمُفْرَدِ فَيَقُولُهُ: ﴿ولِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي﴾ [طه: ٣٩]، وجُمِعَتْ هُنا: لِتَكْثِيرِ الكِلاءَةِ والحِفْظِ ودَيْمُومَتِها. وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: بِأعْيُنّا مُدْغَمَةً. (ووَحْيِنا): نُوحِي إلَيْكَ ونُلْهِمُكَ كَيْفَ تَصْنَعُ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: لَمْ يَعْلَمْ كَيْفَ صَنْعَةُ الفُلْكِ، فَأوْحى اللَّهُ أنْ يَصْنَعَها مِثْلَ جُؤْجُؤِ الطّائِرِ. قِيلَ: ويَحْتَمِلُ قَوْلُهُ (بِأعْيُنِنا) أيْ: بِمَلائِكَتِنا الَّذِينَ جَعَلْناهم عُيُونًا عَلى مَواضِعِ حِفْظِكَ ومَعُونَتِكِ، فَيَكُونُ اللَّفْظُ هُنا لِلْجَمْعِ حَقِيقَةً. وقَوْلُ مَن قالَ: مَعْنى ووَحْيِنا: بِأمْرِنا لَكَ أوْ بِعِلْمِنا، ضَعِيفٌ، لِأنَّ قَوْلَهُ: واصْنَعِ الفُلْكَ، مُغْنٍ عَنْ ذَلِكَ. وفي الحَدِيثِ: «كانَ زانَ سَفِينَةِ نُوحٍ جِبْرِيلُ»، والزّانُ: القَيِّمُ بِعَمَلِ السَّفِينَةِ. والَّذِينَ ظَلَمُوا: قَوْمُ نُوحٍ، تَقَدَّمَ إلى نُوحٍ أنْ لا يَشْفَعَ فِيهِمْ فَيَطْلُبَ إمْهالَهم، وعَلَّلَ مَنعَ مُخاطَبَتِهِ بِأنَّهُ حَكَمَ عَلَيْهِمْ بِالغَرَقِ، ونَهاهُ عَنْ سُؤالِ الإيجابِ إلَيْهِ كَقَوْلِهِ: ﴿ياإبْراهِيمُ أعْرِضْ عَنْ هَذا إنَّهُ قَدْ جاءَ أمْرُ رَبِّكَ وإنَّهم آتِيهِمْ عَذابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ﴾ [هود: ٧٦] (p-٢٢١)وقِيلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا: واعِلَةُ زَوْجَتُهُ وكَنْعانُ ابْنُهُ. ﴿ويَصْنَعُ الفُلْكَ وكُلَّما مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِن قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنهُ قالَ إنْ تَسْخَرُوا مِنّا فَإنّا نَسْخَرُ مِنكم كَما تَسْخَرُونَ﴾ ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ ويَحِلُّ عَلَيْهِ عَذابٌ مُقِيمٌ﴾ ﴿حَتّى إذا جاءَ أمْرُنا وفارَ التَّنُّورُ قُلْنا احْمِلْ فِيها مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وأهْلَكَ إلّا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ القَوْلُ ومَن آمَنَ وما آمَنَ مَعَهُ إلّا قَلِيلٌ﴾: ﴿ويَصْنَعُ الفُلْكَ﴾: حِكايَةُ حالٍ ماضِيَةٍ، والفُلْكُ: السَّفِينَةُ. ولَمّا أمَرَهُ تَعالى بِأنْ يَصْنَعَ الفُلْكَ قالَ: يا رَبِّ ما أنا بِنَجّارٍ، قالَ: بَلى، ذَلِكَ بِعَيْنِي. فَأخَذَ القَدُومَ، وجَعَلَتْ يَدُهُ لا تُخْطِئُ، فَكانُوا يَمُرُّونَ بِهِ ويَقُولُونَ: هَذا الَّذِي يَزْعُمُ أنَّهُ نَبِيٌّ صارَ نَجّارًا ؟ وقِيلَ: كانَتِ المَلائِكَةُ تُعَلِّمُهُ، واسْتَأْجَرَ أُجَراءَ كانُوا يَنْحِتُونَ مَعَهُ، وأوْحى اللَّهُ إلَيْهِ أنْ عَجِّلْ عَمَلَ السَّفِينَةِ فَقَدِ اشْتَدَّ غَضَبِي عَلى مَن عَصانِي، وكانَ سامُ وحامُ ويافِثُ يَنْحِتُونَ مَعَهُ، والخَشَبُ مِنَ السّاجِ قالَهُ قَتادَةُ وعِكْرِمَةُ والكَلْبِيُّ. قِيلَ: وغَرَسَهُ عِشْرِينَ سَنَةً. وقِيلَ: ثَلاثَمِائَةِ سَنَةٍ يَغْرِسُ ويَقْطَعُ ويَيْبِسُ. وقالَ عَمْرُو بْنُ الحارِثِ: لَمْ يَغْرِسْها بَلْ قَطَعَها مِن جَبَلِ لُبْنانَ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مِن خَشَبِ الشِّمْشارِ، وهو: البَقْصُ: قِطْعَةٌ مِن جَبَلِ لُبْنانَ. واخْتَلَفُوا في هَيْئَتِها مِنَ التَّرْبِيعِ والطُّولِ، وفي مِقْدارِ مُدَّةِ عَمَلِها، وفي المَكانِ الَّذِي عَمِلَتْ فِيهِ، ومِقْدارِ طُولِها وعَرْضِها، عَلى أقْوالٍ مُتَعارِضَةٍ لَمْ يَصِحَّ مِنها شَيْءٌ. وسُخْرِيَتُهم مِنهُ لِكَوْنِهِمْ رَأوْهُ يَبْنِي السَّفِينَةَ ولَمْ يُشاهِدُوا قَبْلَها سَفِينَةً بُنِيَتْ، قالُوا: يا نُوحُ ما تَصْنَعُ ؟ قالَ: ابْنِي بَيْتًا يَمْشِي عَلى الماءِ، فَعَجِبُوا مِن قَوْلِهِ وسَخِرُوا مِنهُ قالَهُ مُقاتِلٌ. وقِيلَ: لِكَوْنِهِ يَبْنِي في قَرْيَةٍ لا قُرْبَ لَها مِنَ البَحْرِ، فَكانُوا يَتَضاحَكُونَ ويَقُولُونَ: يا نُوحُ صِرْتَ نَجّارًا بَعْدَما كُنْتَ نَبِيًّا. وكُلَّما: ظَرْفٌ، العامِلُ فِيهِ: سَخِرُوا مِنهُ، وقالَ: مُسْتَأْنَفٌ عَلى تَقْدِيرِ سُؤالِ سائِلٍ. وجَوَّزُوا أنْ يَكُونَ العامِلُ قالَ. وسَخِرُوا: صِفَةٌ لِمَلَأٍ، أوْ بَدَلٌ مِن مَرَّ، ويَبْعُدُ البَدَلُ لِأنَّ سَخِرَ لَيْسَ في مَعْنى مَرَّ، لا يُرادُ ذا ولا نَوْعًا مِنهُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وسَخِرُوا مِنهُ: اسْتَجْهَلُوهُ، فَإنْ كانَ الأمْرُ كَما رُوِيَ: أنَّهم لَمْ يَكُونُوا رَأوْا سَفِينَةً قَطُّ، ولا كانَتْ، فَوَجْهُ الِاسْتِجْهالِ واضِحٌ، وبِذَلِكَ تَظاهَرَتِ التَّفاسِيرُ، وإنْ كانَتِ السَّفائِنُ حِينَئِذٍ مَعْرُوفَةً، فاسْتَجْهَلُوهُ في أنَّ صُنْعَها في قَرْيَةٍ لا قُرْبَ لَها مِنَ البَحْرِ، انْتَهى. ﴿فَإنّا نَسْخَرُ مِنكُمْ﴾: في المُسْتَقْبَلِ كَما تَسْخَرُونَ مِنّا الآنَ أيْ: مِثْلَ سُخْرِيَتِكم إذا أُغْرِقْتُمْ في الدُّنْيا، وأُحْرِقْتُمْ في الآخِرَةِ، أوْ إنْ تَسْتَجْهِلُونا فِيما نَصْنَعُ فَإنّا نَسْتَجْهِلُكم فِيما أنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ، والتَّعَرُّضِ لِسَخَطِ اللَّهِ وعَذابِهِ، فَأنْتُمْ أوْلى بِالِاسْتِجْهالِ مِنّا، قالَ قَرِيبًا مِن مَعْناهُ الزَّجّاجُ، أوْ: إنْ تَسْتَجْهِلُونا فَإنّا نَسْتَجْهِلُكم في اسْتِجْهالِكم، لِأنَّكم لا تَسْتَجْهِلُونَ إلّا عَنْ (p-٢٢٢)جَهْلٍ بِحَقِيقَةِ الأمْرِ، وبِناءً عَلى ظاهِرِ الحالِ، كَما هو عادَةُ الجَهَلَةِ في البُعْدِ عَنِ الحَقائِقِ. وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: إنْ تَسْخَرُوا مِنّا في الدُّنْيا فَإنّا نَسْخَرُ مِنكم في الآخِرَةِ. والسُّخْرِيَةُ: اسْتِجْهالٌ مَعَ اسْتِهْزاءٍ. وفِي قَوْلِهِ: ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾: تَهْدِيدٌ بالِغٌ، والعَذابُ المُخْزِي: الغَرَقُ، والعَذابُ المُقِيمُ: عَذابُ الآخِرَةِ، لِأنَّهُ دائِمٌ عَلَيْهِمْ سَرْمَدٌ. ومَن يَأْتِيهِ: مَفْعُولٌ بِتَعْلَمُونَ، وما مَوْصُولَةٌ، وتَعَدِّي تَعْلَمُونَ إلى واحِدٍ اسْتِعْمالًا لَها اسْتِعْمالَ عُرْفٍ في التَّعْدِيَةِ إلى واحِدٍ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وجائِزٌ أنْ تَكُونَ التَّعْدِيَةُ إلى مَفْعُولَيْنِ، واقْتُصِرَ عَلى الواحِدِ، انْتَهى. ولا يَجُوزُ حَذْفُ الثّانِي اقْتِصارًا، لِأنَّ أصْلَهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ، ولا اخْتِصارًا هُنا، لِأنَّهُ لا دَلِيلَ عَلى حَذْفِهِ وتَعَنُّتِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿مَن يَأْتِيهِ﴾ . قِيلَ: مَن: اسْتِفْهامٌ في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى الِابْتِداءِ، ويَأْتِيهِ: الخَبَرُ، والجُمْلَةُ في مَوْضِعِ نَصْبٍ، وتَعْلَمُونَ: مُعَلَّقٌ، سَدَّتِ الجُمْلَةُ مَسَدَّ المَفْعُولَيْنِ. وحَكى الزَّهْراوِيُّ أنَّهُ يَقْرَأُ: ويَحُلُّ بِضَمِّ الحاءِ، ويَحِلُّ بِكَسْرِها بِمَعْنى: ويَجِبُ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: حُلُولُ الدِّينِ والحَقِّ اللّازِمِ الَّذِي لا انْفِكاكَ لَهُ عَنْهُ، ومَعْنى يُخْزِيهِ: يَفْضَحُهُ، أوْ يُهْلِكُهُ، أوْ يُذِلُّهُ، وهو: الغَرَقُ، أقْوالٌ مُتَقارِبَةٌ. ﴿حَتّى إذا جاءَ أمْرُنا﴾: تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى دُخُولِ حَتّى عَلى إذا في أوائِلِ سُورَةِ الأنْعامِ، وهي هُنا غايَةٌ لِقَوْلِهِ: ﴿ويَصْنَعُ الفُلْكَ﴾ . ويَصْنَعُ كَما قُلْنا: حِكايَةُ حالٍ أيْ: وكانَ يَصْنَعُ الفُلْكَ إلى أنْ جاءَ وقْتُ الوَعْدِ المَوْعُودِ. والجُمْلَةُ مَنقُولَهٌ: وكُلَّما مَرَّ عَلَيْهِ حالٌ، كَأنَّهُ قِيلَ: ويَصْنَعُها، والحالُ: أنَّهُ كُلَّما مَرَّ. وأمْرُنا: واحِدُ الأُمُورِ، أوْ مَصْدَرٌ، أيْ: أمْرُنا بِالفَوَرانِ أوْ لِلسَّحابِ بِالإرْسالِ، ولِلْمَلائِكَةِ بِالتَّصَرُّفِ في ذَلِكَ، ونَحْوِ هَذا مِمّا يُقَدَّرُ في النّازِلَةِ. وفارَ: مَعْناهُ: انْبَعَثَ بِقُوَّةٍ، والتَّنُّورُ: وجْهُ الأرْضِ، والعَرَبُ تُسَمِّيهِ: تَنُّورًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةُ والزُّهْرِيُّ وابْنُ عُيَيْنَةَ، أوِ التَّنُّورُ: الَّذِي يُخْبَزُ فِيهِ، وكانَ مِن حِجارَةٍ، وكانَ لِحَوّاءَ حَتّى صارَ لِـ نُوحٍ، قالَهُ الحَسَنُ ومُجاهِدٌ، ورُوِيَ أيْضًا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وقِيلَ: كانَ لِآدَمَ، وقِيلَ: كانَ تَنُّورَ نُوحٍ، أوْ أعْلى الأرْضِ والمَواضِعُ المُرْتَفِعَةِ، قالَهُ قَتادَةُ، أوِ العَيْنُ الَّتِي بِالجَزِيرَةِ عَيْنُ الوَرْدَةِ، رَواهُ عِكْرِمَةُ، أوْ مِن أقْصى دارِ نُوحٍ، قالَهُ مُقاتِلٌ، أوْ مَوْضِعُ اجْتِماعِ الماءِ في السَّفِينَةِ، رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ،: أوْ طُلُوعُ الشَّمْسِ، ورُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ، أوْ: نُورُ الصُّبْحِ مِن قَوْلِهِمْ: نَوَّرَ الفَجْرُ تَنْوِيرًا، قالَهُ عَلِيٌّ ومُجاهِدٌ، أوْ: هو مَجازٌ والمُرادُ: غَلَبَةُ الماءِ، وظُهُورُ العَذابِ كَما قالَ ﷺ لِشِدَّةِ الحَرْبِ: (حَمِيَ الوَطِيسُ) والوَطِيسُ أيْضًا: مُسْتَوْقَدُ النّارِ، فَلا فَرْقَ بَيْنَ حَمِيَ وفارَ، إذْ يُسْتَعْمَلانِ في النّارِ. قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿سَمِعُوا لَها شَهِيقًا وهي تَفُورُ﴾ [الملك: ٧] ولا فَرْقَ بَيْنَ الوَطِيسِ والتَّنُّورِ. والظّاهِرُ مِن هَذِهِ الأقْوالِ حَمْلُهُ عَلى التَّنُّورِ الَّذِي هو: مُسْتَوْقَدُ النّارِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ (ألْ) فِيهِ لِلْعَهْدِ لِتَنُّورٍ مَخْصُوصٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ لِلْجِنْسِ، فَفارَ النّارُ مِنَ التَّنانِيرِ، وكانَ ذَلِكَ مِن أعْجَبِ الأشْياءِ أنْ يَفُورَ الماءُ مِن مُسْتَوْقَدِ النِّيرانِ. ولا تَنافِي بَيْنَ هَذا وبَيْنَ قَوْلِهِ: ﴿وفَجَّرْنا الأرْضَ عُيُونًا﴾ [القمر: ١٢] إذْ يُمْكِنُ أنْ يُرادَ بِالأرْضِ أماكِنُ التَّنانِيرِ. والتَّفْجِيرُ غَيْرُ الفَوَرانِ، فَحَصَلَ الفَوَرانُ لِلتَّنُّورِ، والتَّفْجِيرُ لِلْأرْضِ. والضَّمِيرُ في (فِيها) عائِدٌ عَلى الفُلْكِ، وهو مُذَكَّرٌ أُنِّثَ عَلى مَعْنى السَّفِينَةِ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وقالَ ارْكَبُوا فِيها﴾ [هود: ٤١] . وقَرَأ حَفْصٌ: ﴿مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ﴾ بِتَنْوِينِ كُلٍّ، أيْ: مِن كُلِّ حَيَوانٍ، وزَوْجَيْنِ: مَفْعُولٌ، واثْنَيْنِ: نَعْتُ تَوْكِيدٍ، وباقِي السَّبْعَةِ: بِالإضافَةِ، واثْنَيْنِ: مَفْعُولُ احْمِلْ، وزَوْجَيْنِ بِمَعْنى: العُمُومِ، أيْ: مِن كُلِّ ما لَهُ ازْدِواجٌ، هَذا مَعْنى مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ، قالَهُ أبُو عَلِيٍّ وغَيْرُهُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ولَوْ كانَ المَعْنى: احْمِلْ فِيها مِن كُلِّ زَوْجَيْنِ حامِلَيْنِ اثْنَيْنِ، لَوَجَبَ أنْ يَحْمِلَ مَن كُلِّ نَوْعِ أرْبَعَةً. والزَّوْجُ في مَشْهُورِ كَلامِ العَرَبِ لِلْواحِدِ مِمّا لَهُ ازْدِواجٌ، فَيُقالُ: هَذا زَوْجُ هَذا، وهُما زَوْجانِ، وهَذا هو المَهْيَعُ، في القُرْآنِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثَمانِيَةَ أزْواجٍ﴾ [الأنعام: ١٤٣] ثُمَّ فَسَّرَها وفي قَوْلِهِ ﴿وأنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ والأُنْثى﴾ [النجم: ٤٥] وقالَ الأخْفَشُ: وقَدْ يُقالُ في كَلامِ العَرَبِ لِلِاثْنَيْنِ: زَوْجٌ، هَكَذا تَأْخُذُهُ العَدَدِيُّونَ. والزَّوْجُ أيْضًا في كَلامِ العَرَبِ: النَّوْعُ كَقَوْلِهِ تَعالى: (p-٢٢٣)﴿وأنْبَتْنا فِيها مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ [ق: ٧] وقالَ تَعالى: ﴿سُبْحانَ الَّذِي خَلَقَ الأزْواجَ كُلَّها﴾ [يس: ٣٦] انْتَهى. ولَمّا جَعَلَ المَطَرُ يَنْزِلُ كَأفْواهِ القِرَبِ جَعَلَتِ الوُحُوشُ تَطْلُبُ وسَطَ الأرْضِ هَرَبًا مِنَ الماءِ، حَتّى اجْتَمَعْنَ عِنْدَ السَّفِينَةِ فَأمَرَهُ اللَّهُ أنْ يَحْمِلَ مِنَ الزَّوْجَيْنِ اثْنَيْنِ، يَعْنِي: ذَكَرًا وأُنْثى لَيَبْقى أصْلُ النَّسْلِ بَعْدَ الطُّوفانِ. فَرُوِيَ أنَّهُ كانَ يَأْتِيهِ أنْواعُ الحَيَوانِ فَيَضَعُ يَمِينَهُ عَلى الذَّكَرِ، ويَسارَهُ عَلى الأُنْثى، وكانَتِ السَّفِينَةُ ثَلاثَ طَبَقاتٍ: السُّفْلى لِلْوُحُوشِ، والوُسْطى لِلطَّعامِ والشَّرابِ، والعُلْيا لَهُ ولِمَن آمَنَ. (وأهْلَكَ): مَعْطُوفٌ عَلى زَوْجَيْنِ إنْ نُوِّنَ كُلٍّ، وعَلى اثْنَيْنِ إنْ أُضِيفَ، واسْتَثْنى مِن أهْلِهِ مَن سَبَقَ عَلَيْهِ القَوْلُ بِالهَلاكِ وأنَّهُ مِن أهْلِ النّارِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: سَبَقَ عَلَيْهِ القَوْلُ أنَّهُ يَخْتارُ الكُفْرَ، لا لِتَقْدِيرِهِ عَلَيْهِ وإرادَتِهِ تَعالى غَيْرَ ذَلِكَ، انْتَهى. وهُوَ عَلى طَرِيقَةِ الِاعْتِزالِ، والَّذِي سَبَقَ عَلَيْهِ القَوْلُ: امْرَأتُهُ واعِلَةُ بِالعَيْنِ المُهْمَلَةِ، وابْنُهُ كَنْعانُ. ﴿ومَن آمَنَ﴾: عَطْفٌ عَلى (وأهْلَكَ)، قِيلَ: كانُوا ثَمانِينَ رَجُلًا وثَمانِينَ امْرَأةً، وقِيلَ: كانُوا ثَلاثَةً وثَمانِينَ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: آمَنَ مَعَهُ ثَمانُونَ رَجُلًا، وعَنْهُ: ثَمانُونَ إنْسانًا، ثَلاثَةٌ مِن بَنِيهِ سامَ وحامَ ويافِثَ، وثَلاثُ كَنائِنَ لَهُ، ولَمّا خَرَجُوا مِنَ السَّفِينَةِ بَنَوْا قَرْيَةً تُدْعى اليَوْمَ قَرْيَةَ الثَّمانِينَ بِناحِيَةِ المَوْصِلِ. وقِيلَ: كانُوا ثَمانِيَةً وسَبْعِينَ، نِصْفُهم رِجالٌ، ونِصْفُهم نِساءٌ. وقالَ ابْنُ إسْحاقَ: كانُوا عَشَرَةً سِوى نِسائِهِمْ: نُوحٌ، وبَنُوهُ: سامُ، وحامُ، ويافِثُ، وسِتَّةُ ناسٍ مِمَّنْ كانَ آمَنَ بِهِ، وأزْواجُهم جَمِيعًا. وعَنِ ابْنِ إسْحاقَ: كانُوا عَشَرَةً: خَمْسَةُ رِجالٍ، وخَمْسُ نِسْوَةٍ. وقِيلَ: كانُوا تِسْعَةً. ونُوحٌ، وثَمانِيَةُ أبْناءٍ لَهُ وزَوْجَتُهُ. وقِيلَ: كانُوا ثَمانِيَةً ونُوحٌ وزَوْجَتُهُ غَيْرُ الَّتِي عُوقِبَتْ، وبَنُوهُ الثَّلاثَةُ وزَوْجاتُهم، وهو قَوْلُ قَتادَةَ والحَكَمِ وابْنِ عُيَيْنَةَ وابْنِ جُرَيْجٍ ومُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ. وقالَ الأعْمَشُ: كانُوا سَبْعَةً: نُوحٌ، وثَلاثُ كَنائِنَ، وثَلاثُ بَنِينَ. وهَذِهِ أقْوالٌ مُتَعارِضَةٌ. والَّذِي أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى بِهِ: أنَّهُ ما آمَنَ مَعَهُ إلّا قَلِيلٌ، ولا يُمْكِنُ التَّنْصِيصُ عَلى عَدَدِ هَذا النَّفَرِ القَلِيلِ الَّذِي أبْهَمَ اللَّهُ عَدَدَهم، إلّا بِنَصٍّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .

هود 11:41

﴿وقالَ ارْكَبُوا فِيها بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها ومُرْساها إنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ﴿وهِيَ تَجْرِي بِهِمْ في مَوْجٍ كالجِبالِ ونادى نُوحٌ ابْنَهُ وكانَ في مَعْزِلٍ يا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنا ولا تَكُنْ مَعَ الكافِرِينَ﴾ ﴿قالَ سَآوِي إلى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الماءِ قالَ لا عاصِمَ اليَوْمَ مِن أمْرِ اللَّهِ إلّا مَن رَحِمَ وحالَ بَيْنَهُما المَوْجُ فَكانَ مِنَ المُغْرَقِينَ﴾ ﴿وقِيلَ يا أرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ ويا سَماءُ أقْلِعِي وغِيضَ الماءُ وقُضِيَ الأمْرُ واسْتَوَتْ عَلى الجُودِيِّ وقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ [هود: ٤٤] ﴿ونادى نُوحٌ رَبَّهُ فَقالَ رَبِّ إنَّ ابْنِي مِن أهْلِي وإنَّ وعْدَكَ الحَقُّ وأنْتَ أحْكَمُ الحاكِمِينَ﴾ [هود: ٤٥] ﴿قالَ يا نُوحُ إنَّهُ لَيْسَ مِن أهْلِكَ إنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ فَلا تَسْألْنِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إنِّي أعِظُكَ أنْ تَكُونَ مِنَ الجاهِلِينَ﴾ [هود: ٤٦] ﴿قالَ رَبِّ إنِّي أعُوذُ بِكَ أنْ أسْألَكَ ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وإلّا تَغْفِرْ لِي وتَرْحَمْنِي أكُنْ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ [هود: ٤٧] ﴿قِيلَ يا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلامٍ مِنّا وبَرَكاتٍ عَلَيْكَ وعَلى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ وأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهم ثُمَّ يَمَسُّهم مِنّا عَذابٌ ألِيمٌ﴾ [هود: ٤٨] ﴿تِلْكَ مِن أنْباءِ الغَيْبِ نُوحِيها إلَيْكَ ما كُنْتَ تَعْلَمُها أنْتَ ولا قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هَذا فاصْبِرْ إنَّ العاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [هود: ٤٩] ﴿وإلى عادٍ أخاهم هُودًا قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ إنْ أنْتُمْ إلّا مُفْتَرُونَ﴾ [هود: ٥٠] ﴿يا قَوْمِ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى الَّذِي فَطَرَنِي أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [هود: ٥١] ﴿ويا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكم ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكم مِدْرارًا ويَزِدْكم قُوَّةً إلى قُوَّتِكم ولا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ﴾ [هود: ٥٢] ﴿قالُوا يا هُودُ ما جِئْتَنا بِبَيِّنَةٍ وما نَحْنُ بِتارِكِي آلِهَتِنا عَنْ قَوْلِكَ وما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [هود: ٥٣] ﴿إنْ نَقُولُ إلّا اعْتَراكَ بَعْضُ آلِهَتِنا بِسُوءٍ قالَ إنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ واشْهَدُوا أنِّي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ﴾ [هود: ٥٤] ﴿مِن دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لا تُنْظِرُونِي﴾ [هود: ٥٥] ﴿إنِّي تَوَكَّلْتُ عَلى اللَّهِ رَبِّي ورَبِّكم ما مِن دابَّةٍ إلّا هو آخِذٌ بِناصِيَتِها إنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [هود: ٥٦] ﴿فَإنْ تَوَلَّوْا فَقَدْ أبْلَغْتُكم ما أُرْسِلْتُ بِهِ إلَيْكم ويَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكم ولا تَضُرُّونَهُ شَيْئًا إنَّ رَبِّي عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ﴾ [هود: ٥٧] ﴿ولَمّا جاءَ أمْرُنا نَجَّيْنا هُودًا والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنّا ونَجَّيْناهم مِن عَذابٍ غَلِيظٍ﴾ [هود: ٥٨] ﴿وتِلْكَ عادٌ جَحَدُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وعَصَوْا رُسُلَهُ واتَّبَعُوا أمْرَ كُلِّ جَبّارٍ عَنِيدٍ﴾ [هود: ٥٩] ﴿وأُتْبِعُوا في هَذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً ويَوْمَ القِيامَةِ ألا إنَّ عادًا كَفَرُوا رَبَّهم ألا بُعْدًا لِعادٍ قَوْمِ هُودٍ﴾ [هود: ٦٠] (p-٢٢٤)رَسا الشَّيْءُ يَرْسُو: ثَبَتَ واسْتَقَرَّ. قالَ: ؎فَصَبَرْتُ نَفْسًا عِنْدَ ذَلِكَ حُرَّةً تَرْسُو إذا نَفْسُ الجَبانِ تَطَلَّعُ البَلْعُ: مَعْرُوفٌ، والفِعْلُ مِنهُ بَلَعَ بِكَسْرِ اللّامِ وبِفَتْحِها لُغَتانِ حَكاهُما الكِسائِيُّ والفَرّاءُ، يَبْلَعُ بَلْعًا، والبالُوعَةُ: المَوْضِعُ الَّذِي يَشْرَبُ الماءَ. الإقْلاعُ: الإمْساكُ، يُقالُ: أقْلَعَ المَطَرُ وأقْلَعَتِ الحُمّى، أيْ: أمْسَكَتْ عَنِ المَحْمُومِ. وقِيلَ: أقْلَعَ عَنِ الشَّيْءِ: تَرَكَهُ، وهو قَرِيبٌ مِنَ الإمْساكِ. غاضَ الماءُ: نَقَصَ في نَفْسِهِ، وغِضْتُهُ: نَقَصْتُهُ، جاءَ لازِمًا ومُتَعَدِّيًا. الجُودِيُّ: عَلَمٌ لِجَبَلٍ بِالمَوْصِلِ، ومَن قالَ بِالجَزِيرَةِ أوْ بِآمِدَ فَلِأنَّهُما قَرِيبانِ مِنَ المَوْصِلِ. وقِيلَ الجُودِيُّ: اسْمٌ لِكُلِّ جَبَلٍ، ومِنهُ قَوْلُ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ: ؎سُبْحانَهُ ثُمَّ سُبْحانًا نَعُوذُ لَهُ ∗∗∗ وقَبْلَنا سَبَّحَ الجُودِيُّ والجُمُدُ اعْتَراهُ بِكَذا: أصابَهُ بِهِ، وقِيلَ: افْتَعَلَ مِن عَراهُ يَعْرُوهُ. النّاصِيَةُ: مَنبَتُ الشَّعْرِ في مُقَدَّمِ الرَّأْسِ، ويُسَمّى الشَّعْرُ النّابِتُ هُناكَ ناصِيَةً باسِمِ مَنبَتِهِ. ونَصَوْتُ الرَّجُلَ انْصُوهُ نَصْوًا: مَدَدْتُ ناصِيَتَهُ. الجَبّارُ: المُتَكَبِّرُ. العَنِيدُ: الطّاغِي الَّذِي لا يَقْبَلُ الحَقَّ ولا يُصْغِي إلَيْهِ، مِن عَنَدَ يَعْنُدُ حادَ عَنِ الحَقِّ إلى جانِبٍ، قِيلَ: ومِنهُ عِنْدِي كَذا، أيْ: في جانِبِي. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: العَنِيدُ والعَنُودُ والمُعانِدُ والعانِدُ: المَعارِضُ بِالخِلافِ، ومِنهُ قِيلَ لِلْعِرْقِ الَّذِي يَنْفَجِرُ بِالدَّمِ: عانِدٌ. ﴿وقالَ ارْكَبُوا فِيها بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها ومُرْساها إنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ﴿وهِيَ تَجْرِي بِهِمْ في مَوْجٍ كالجِبالِ ونادى نُوحٌ ابْنَهُ وكانَ في مَعْزِلٍ يابُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنا ولا تَكُنْ مَعَ الكافِرِينَ﴾ ﴿قالَ سَآوِي إلى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الماءِ قالَ لا عاصِمَ اليَوْمَ مِن أمْرِ اللَّهِ إلّا مَن رَحِمَ وحالَ بَيْنَهُما المَوْجُ فَكانَ مِنَ المُغْرَقِينَ﴾: الضَّمِيرُ في وقالَ عائِدٌ عَلى نُوحٍ، أيْ: وقالَ نُوحٌ حِينَ أُمِرَ بِالحَمْلِ في السَّفِينَةِ لِمَن آمَنَ مَعَهُ ومَن أُمِرَ بِحَمْلِهِ: ارْكَبُوا فِيها. وقِيلَ: الضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى اللَّهِ، والتَّقْدِيرُ: وقالَ اللَّهُ لِـ نُوحٍ ومَن مَعَهُ، ويُبْعِدُ ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿إنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ . قِيلَ: وغَلَبَ مَن يَعْقِلُ في قَوْلِهِ: ارْكَبُوا، وإنْ كانُوا قَلِيلًا بِالنِّسْبَةِ لِما لا يَعْقِلُ مِمَّنْ حُمِلَ فِيها، والظّاهِرُ أنَّهُ خِطابٌ لِمَن يَعْقِلُ خاصَّةً، لِأنَّهُ لا يَلِيقُ بِما لا يَعْقِلُ. وعُدِّيَ ارْكَبُوا بِفي لِتَضْمِينِهِ مَعْنى صَيِّرُوا فِيها، أوْ مَعْنى ادْخُلُوا فِيها. وقِيلَ: التَّقْدِيرُ ارْكَبُوا الماءَ فِيها. وقِيلَ: في زائِدَةٌ لِلتَّوْكِيدِ، أيِ: ارْكَبُوها. والباءُ في باسِمِ اللَّهِ في مَوْضِعِ الحالِ، أوْ (p-٢٢٥)مُتَبَرِّكِينَ بِاسْمِ اللَّهِ. مَجْراها ومُرْساها: مَنصُوبانِ إمّا عَلى أنَّهُما ظَرْفا زَمانٍ أوْ مَكانٍ، لِأنَّهُما يَجِيئانِ لِذَلِكَ. أوْ ظَرْفا زَمانٍ عَلى جِهَةِ الحَذْفِ، كَما حُذِفَ مِن جِئْتُكَ مَقْدَمَ الحاجِّ، أيْ: وقْتَ قُدُومِ الحاجِّ، فَيَكُونُ مَجْراها ومُرْساها مَصْدَرانِ في الأصْلِ حُذِفَ مِنهُما المُضافُ، وانْتَصَبا بِما في باسِمِ اللَّهِ مِن مَعْنى الفِعْلِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (بِاسْمِ اللَّهِ) حالًا مِن ضَمِيرِ فِيها، و﴿مَجْراها ومُرْساها﴾ مَصْدَرانِ مَرْفُوعانِ عَلى الفاعِلِيَّةِ، أيِ: ارْكَبُوا فِيها مُلْتَبِسًا باسِمِ اللَّهِ إجْراؤُها وإرْساؤُها، أيْ: بِبَرَكَةِ اسْمِ اللَّهِ. أوْ يَكُونُ مَجْراها ومُرْساها مَرْفُوعَيْنِ عَلى الِابْتِداءِ، وبِاسْمِ اللَّهِ الخَبَرُ، والجُمْلَةُ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في فِيها. وعَلى هَذِهِ التَّوْجِيهاتِ الثَّلاثَةِ فالكَلامُ جُمْلَةٌ واحِدَةٌ، والحالُ مُقَدَّرَةٌ. ولا يَجُوزُ مَعَ رَفْعِ مَجْراها ومُرْساها عَلى الفاعِلِيَّةِ أوْ الِابْتِداءِ أنْ يَكُونَ حالًا مِن ضَمِيرِ ارْكَبُوا، لِأنَّهُ لا عائِدَ عَلَيْهِ فِيما وقَعَ حالًا. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ﴿بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها ومُرْساها﴾ جُمْلَةً ثانِيَةً مِن مُبْتَدَأٍ وخَبَرٍ، لا تَعَلُّقَ لَها بِالجُمْلَةِ الأوْلى مِن حَيْثُ الإعْرابِ، أمَرَهم أوَّلًا بِالرُّكُوبِ، ثُمَّ أخْبَرَ أنَّ مَجْراها ومُرْساها بِذِكْرِ اللَّهِ أوْ بِأمْرِهِ وقُدْرَتِهِ، فالجُمْلَتانِ كَلامانِ مَحْكِيّانِ. يُقالُ: كَما أنَّ الجُمْلَةَ الثّانِيَةَ مَحْكِيَّةٌ أيْضًا بِـ (قالَ) . وقالَ الضَّحّاكُ: إذا أرادَ جَرْيَ السَّفِينَةِ قالَ: بِاسْمِ اللَّهِ مَجْراها فَتَجْرِي، وإذا أرادَ وُقُوفَها قالَ: بِاسْمِ اللَّهِ مُرْساها فَتَقِفُ. وقَرَأ مُجاهِدٌ والحَسَنُ وأبُو رَجاءٍ والأعْرَجُ وشَيْبَةُ والجُمْهُورُ مِنَ السَّبْعَةِ: الحَرَمِيّانِ والعَرَبِيّانِ وأبُو بَكْرٍ: ﴿مَجْراها﴾ بِضَمِّ المِيمِ. وقَرَأ الأخَوانِ وحَفْصٌ: بِفَتْحِها، وكُلُّهم ضَمَّ مِيمَ مُرْساها. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ وعِيسى الثَّقَفِيُّ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ والأعْمَشُ: ﴿مَجْراها ومُرْساها﴾ بِفَتْحِ المِيمَيْنِ، ظَرْفَيْ زَمانٍ أوْ مَكانٍ، أوْ مَصْدَرَيْنِ عَلى التَّقارِيرِ السّابِقَةِ. وقَرَأ الضَّحّاكُ والنَّخَعِيُّ وابْنُ وثّابٍ وأبُو رَجاءٍ ومُجاهِدٌ وابْنُ جُنْدَبٍ والكَلْبِيُّ والجَحْدَرِيُّ: مُجْرِيها ومُرْسِيها، اسْمَيْ فاعِلٍ مِن أجْرى وأرْسى عَلى البَدَلِ مِنِ اسْمِ اللَّهِ، فَهُما في مَوْضِعِ خَبَرٍ، ولا يَكُونانِ صِفَتَيْنِ لِكَوْنِهِما نَكِرَتَيْنِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهُما عَلى هَذِهِ القِراءَةِ صِفَتانِ عائِدَتانِ عَلى ذِكْرِهِ في قَوْلِهِمْ بِاسْمِ اللَّهِ، انْتَهى. ولا يَكُونانِ صِفَتَيْنِ إلّا عَلى تَقْدِيرِ أنْ يَكُونا مَعْرِفَتَيْنِ. وقَدْ ذَهَبَ الخَلِيلُ إلى أنَّ ما كانَتْ إضافَتُهُ غَيْرَ مَحْضَةٍ قَدْ يَصِحُّ أنْ تُجْعَلَ مَحْضَةً فَتُعَرَّفَ، إلّا ما كانَ مِنَ الصِّفَةِ المُشَبَّهَةِ فَلا تَتَمَحَّضُ إضافَتُها فَلا تُعَرَّفُ. ﴿إنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ﴾: سَتُورٌ عَلَيْكم ذُنُوبَكم بِتَوْبَتِكم وإيمانِكم، (رَحِيمٌ): لَكم إذا نَجّاكم مِنَ الغَرَقِ. ورُوِيَ في الحَدِيثِ: «أنَّ نُوحًا رَكِبَ في السَّفِينَةِ أوَّلَ يَوْمٍ مِن رَجَبٍ، وصامَ الشَّهْرَ أجْمَعَ» وعَنْ عِكْرِمَةَ: لِعَشْرٍ خَلَوْنَ مِن رَجَبٍ. ﴿وهِيَ تَجْرِي بِهِمْ﴾: إخْبارٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى بِما جَرى لِلسَّفِينَةِ، وبِهِمْ: حالٌ، أيْ: مُلْتَبِسَةٌ بِهِمْ، والمَعْنى: تَجْرِي وهم فِيها، ﴿فِي مَوْجٍ كالجِبالِ﴾، أيْ: في مَوْجِ الطُّوفانِ، شَبَّهَ كُلَّ مَوْجَةٍ مِنهُ بِجَبَلٍ في تَراكُمِها وارْتِفاعِها. رُوِيَ أنَّ السَّماءَ أمْطَرَتْ جَمِيعَها حَتّى لَمْ يَكُنْ في الهَواءِ جانِبٌ إلّا أمْطَرَ، وتَفَجَّرَتِ الأرْضُ كُلُّها بِالنَّبْعِ، وهَذا مَعْنى التِقاءِ الماءِ. ورُوِيَ أنَّ الماءَ عَلا عَلى الجِبالِ وأعالِي الأرْضِ أرْبَعِينَ ذِراعًا، وقِيلَ: خَمْسَةَ عَشَرَ. وكَوْنُ السَّفِينَةِ تَجْرِي في مَوْجٍ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ كانَ في الماءِ مَوْجٌ، وأنَّهُ لَمْ يُطْبِقِ الماءُ ما بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ، وأنَّ السَّفِينَةَ لَمْ تَكُنْ تَجْرِي في جَوْفِ الماءِ، والماءُ أعْلاها وأسْفَلَها، فَكانَتْ تَسْبَحُ في الماءِ كَما تَسْبَحُ السَّمَكَةُ، كَما أشارَ إلَيْهِ الزَّجّاجُ والزَّمَخْشَرِيُّ وغَيْرُهُما. وقَدِ اسْتَبْعَدَ ابْنُ عَطِيَّةَ هَذا قالَ: وأيْنَ كانَ المَوْجُ كالجِبالِ عَلى هَذا ؟ ثُمَّ كَيْفَ اسْتَقامَتْ حَياةُ مَن في السَّفِينَةِ ؟ وأجابَ الزَّمَخْشَرِيُّ: بِأنَّ الجَرَيانَ في المَوْجِ كانَ قَبْلَ التَّطْبِيقِ، وقَبْلَ أنْ يَعُمَّ الماءُ الجِبالَ. ألا تَرى إلى قَوْلِ ابْنِهِ: ﴿سَآوِي إلى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الماءِ﴾ . ﴿ونادى نُوحٌ ابْنَهُ﴾: الواوُ لا تُرَتِّبُ. وهَذا النِّداءُ كانَ قَبْلَ جَرْيِ السَّفِينَةِ في قَوْلِهِ: ﴿وهِيَ تَجْرِي بِهِمْ في مَوْجٍ﴾، وفي إضافَتِهِ إلَيْهِ هُنا، وفي قَوْلِهِ: ﴿إنَّ ابْنِي مِن أهْلِي﴾ [هود: ٤٥] ونِدائِهِ، دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ ابْنُهُ لِصُلْبِهِ، وهو قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ وابْنِ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةَ والضَّحّاكِ وابْنِ جُبَيْرٍ ومَيْمُونِ بْنِ (p-٢٢٦)مِهْرانَ والجُمْهُورِ، واسْمُهُ كَنْعانُ. وقِيلَ: يامُ، وقِيلَ: كانَ ابْنَ قَرِيبٍ لَهُ ودَعاهُ بِالبُنُوَّةِ حَنانًا مِنهُ وتَلَطُّفًا. وقَرَأ الجُمْهُورُ: بِكَسْرِ تَنْوِينِ نُوحٍ، وقَرَأ وكِيعُ بْنُ الجَرّاحِ: بِضَمِّهِ، أتْبَعَ حَرَكَتَهُ حَرَكَةَ الإعْرابِ في الحاءِ. قالَ أبُو حاتِمٍ: هي لُغَةُ سُوءٍ لا تُعْرَفُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: بِوَصْلِ هاءِ الكِنايَةِ بِواوٍ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ: إنَّهْ بِسُكُونِ الهاءِ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ وأبُو الفَضْلِ الرّازِيُّ: وهَذا عَلى لُغَةِ الأزْدِ الشُّراةِ، يُسَكِّنُونَ هاءَ الكِنايَةِ مِنَ المُذَكَّرِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎ومِطْوايَ مُشْتاقانِ لَهُ أرِقانِ وذَكَرَ غَيْرُهُ أنَّها لُغَةٌ لِبَنِي كِلابٍ وعَقِيلٍ، ومِنَ النَّحْوِيِّينَ مَن يَخُصُّ هَذا السُّكُونَ بِالضَّرُورَةِ ويُنْشِدُونَ: ؎وأشْرَبُ الماءَ ما بِي نَحْوَهُ عَطَشٌ ∗∗∗ إلّا لِأنَّ عُيُونَهُ سَيْلُ وادِيها وقَرَأ السُّدِّيُّ: ابْناهُ بِألِفٍ، وهاءِ السَّكْتِ. قالَ أبُو الفَتْحِ: ذَلِكَ عَلى النِّداءِ. وذَهَبَتْ فِرْقَةٌ إلى أنَّهُ عَلى النُّدْبَةِ والرِّثاءِ. وقَرَأ عَلِيٌّ وعُرْوَةُ وعَلِيُّ بْنُ الحُسَيْنِ وابْنُهُ أبُو جَعْفَرٍ وابْنُهُ جَعْفَرٌ: ﴿ابْنَهُ﴾ بِفَتْحِ الهاءِ مِن غَيْرِ ألِفٍ، أيِ: ابْنَها مُضافًا لِضَمِيرِ امْرَأتِهِ، فاكْتَفى بِالفَتْحَةِ عَنِ الألِفِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهي لُغَةٌ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ: ؎إمّا تَقُودُ بِها شاةً فَتَأْكُلُها ∗∗∗ أوْ أنْ تَبِيعَهُ في بَعْضِ الأراكِيبِ وأنْشَدَ ابْنُ الأعْرابِيِّ عَلى هَذا: ؎فَلَسْتَ بِمُدْرِكٍ ما فاتَ مِنِّي ∗∗∗ بِلَهْفَ ولا بِلَيْتَ ولا لَوانِّي انْتَهى. يُرِيدُ: تَلَهُّفًا، وخَطَّأ النَّحّاسُ أبا حاتِمٍ في حَذْفِ هَذِهِ الألِفِ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ولَيْسَ كَما قالَ، انْتَهى. وهَذا أعْنِي مِثْلَ تَلَهَّفَ بِحَذْفِ الألِفِ عِنْدَ أصْحابِنا ضَرُورَةً، ولِذَلِكَ لا يُجِيزُونَ: يا غُلامُ بِحَذْفِ الألِفِ، والِاجْتِزاءُ بِالفَتْحَةِ عَنْها كَما اجْتَزَءُوا بِالكَسْرَةِ في يا غُلامِ عَنِ الياءِ، وأجازَ ذَلِكَ الأخْفَشُ. وقَرَأ أيْضًا عَلِيٌّ وعُرْوَةُ: ابْنَها بِفَتْحِ الهاءِ وألِفٍ، أيِ: ابْنَ امْرَأتِهِ. وكَوْنُهُ لَيْسَ ابْنَهُ لِصُلْبِهِ، وإنَّما كانَ ابْنَ امْرَأتِهِ قَوْلَ عَلِيٍّ والحَسَنِ وابْنِ سِيرِينَ وعُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ. وكانَ الحَسَنُ يَحْلِفُ أنَّهُ لَيْسَ ابْنَهُ لِصُلْبِهِ، قالَ قَتادَةُ: فَقُلْتُ لَهُ: إنَّ اللَّهَ حَكى عَنْهُ: ﴿إنَّ ابْنِي مِن أهْلِي﴾ [هود: ٤٥]، وأنْتَ تَقُولُ: لَمْ يَكُنِ ابْنَهُ، وأهْلُ الكِتابِ لا يَخْتَلِفُونَ في أنَّهُ كانَ ابْنَهُ فَقالَ: ومَن يَأْخُذُ دِينَهُ مِن أهْلِ الكِتابِ ؟ واسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِ ﴿مِن أهْلِي﴾ [هود: ٤٥] ولَمْ يَقُلْ مِنِّي، فَعَلى هَذا يَكُونُ رَبِيبًا. وكانَ عِكْرِمَةُ والضَّحّاكُ يَحْلِفانِ عَلى أنَّهُ ابْنُهُ، ولا يُتَوَهَّمُ أنَّهُ كانَ لِغَيْرِ رِشْدَةٍ، لِأنَّ ذَلِكَ غَضاضَةٌ عُصِمَتْ مِنهُ الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الحَسَنِ وابْنِ جُرَيْجٍ، ولَعَلَّهُ لا يَصِحُّ عَنْهُما. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ما بَغَتِ امْرَأةُ نَبِيٍّ قَطُّ، والَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ ظاهِرُ الآيَةِ أنَّهُ ابْنُهُ، وأمّا قِراءَةُ مَن قَرَأ: ابْنَهُ أوِ ابْنَها فَشاذَّةٌ، ويُمْكِنُ أنْ نُسِبَ إلى أُمِّهِ وأُضِيفَ إلَيْها، ولَمْ يُضَفْ إلى أبِيهِ لِأنَّهُ كانَ كافِرًا مِثْلَها، يُلْحَظُ فِيهِ هَذا المَعْنى ولَمْ يُضَفْ إلَيْهِ اسْتِبْعادًا لَهُ، ورَعْيًا أنْ لا يُضافُ إلَيْهِ كافِرٌ، وإنَّما ناداهُ ظَنًّا مِنهُ أنَّهُ مُؤْمِنٌ، ولَوْلا ذَلِكَ ما أحَبَّ نَجاتَهُ. أوْ ظَنًّا مِنهُ أنَّهُ يُؤْمِنُ إنْ كانَ كافِرًا لِما شاهَدَ مِنَ الأهْوالِ العَظِيمَةِ، وأنَّهُ يَقْبَلُ الإيمانَ. ويَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿ارْكَبْ مَعَنا﴾ كالدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ طَلَبَ مِنهُ الإيمانَ، وتَأكَّدَ بِقَوْلِهِ: ﴿ولا تَكُنْ مَعَ الكافِرِينَ﴾، أيِ: ارْكَبْ مَعَ المُؤْمِنِينَ، إذْ لا يَرْكَبُ مَعَهم إلّا مُؤْمِنٌ لِقَوْلِهِ: ﴿ومَن آمَنَ﴾ [هود: ٤٠] . و﴿فِي مَعْزِلٍ﴾، أيْ: في مَكانٍ عَزَلَ فِيهِ نَفْسَهُ عَنْ أبِيهِ وعَنْ مَرْكَبِ المُؤْمِنِينَ. وقِيلَ: في مَعْزِلٍ عَنْ دِينِ أبِيهِ. ونِداؤُهُ بِالتَّصْغِيرِ خِطابُ تَحَنُّنٍ ورَأْفَةٍ، والمَعْنى: ارْكَبْ مَعَنا في السَّفِينَةِ فَتَنْجُوَ ولا تَكُنْ مَعَ الكافِرِينَ فَتَهْلَكَ. وقَرَأ عاصِمٌ: (يا بَنِيَ) بِفَتْحِ الباءِ، ووُجِّهَ عَلى أنَّهُ اجْتَزَأ بِالفَتْحَةِ عَنِ الألْفِ، وأصْلُهُ: يا بُنَيًّا كَقَوْلِكَ: يا غُلامًا، كَما اجْتَزَأ باقِي السَّبْعَةِ بِالكَسْرَةِ عَنِ الياءِ في قِراءَتِهِمْ يا بَنِي بِكَسْرِ الياءِ، أوْ أنَّ الألِفَ انْحَذَفَتْ لِالتِقائِها مَعَ راءِ ارْكَبْ. وظَنَّ ابْنُ نُوحٍ أنَّ ذَلِكَ المَطَرَ والتَّفْجِيرَ عَلى العادَةِ، فَلِذَلِكَ قالَ: ﴿سَآوِي إلى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الماءِ﴾، أيْ: مِن (p-٢٢٧)وُصُولِ الماءِ إلَيَّ فَلا أغْرَقُ، وهَذا يَدُلُّ عَلى عادَتِهِ في الكُفْرِ، وعَدَمِ وُثُوقِهِ بِأبِيهِ فِيما أخْبَرَ بِهِ. قِيلَ: والجَبَلُ الَّذِي عَناهُ طُورُ زَيْتا فَلَمْ يَمْنَعْهُ، والظّاهِرُ إبْقاءُ (عاصِمَ) عَلى حَقِيقَتِهِ وأنَّهُ نَفى كُلَّ عاصِمٍ مِن أمْرِ اللَّهِ في ذَلِكَ الوَقْتِ، وأنَّ مَن رَحِمَ يَقَعُ فِيهِ (مَن) عَلى المَعْصُومِ. والضَّمِيرُ الفاعِلُ يَعُودُ عَلى اللَّهِ تَعالى، وضَمِيرُ المَوْصُولِ مَحْذُوفٌ، ويَكُونُ الِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعًا، أيْ: لَكِنْ مَن رَحِمَهُ اللَّهُ مَعْصُومٌ، وجَوَّزُوا أنْ يَكُونَ مِنَ اللَّهِ تَعالى، أيْ لا عاصِمَ إلّا الرّاحِمُ، وأنْ يَكُونَ عاصِمَ بِمَعْنى ذِي عِصْمَةٍ، كَما قالُوا لابِنٌ، أيْ: ذُو لَبَنٍ، وذُو عِصْمَةٍ: مُطْلَقٌ عَلى عاصِمٍ وعَلى مَعْصُومٍ، والمُرادُ بِهِ هُنا: المَعْصُومُ. أوْ فاعِلٌ بِمَعْنى: مَفْعُولٍ، فَيَكُونُ عاصِمٌ بِمَعْنى: مَعْصُومٍ، كَماءٍ دافِقٍ بِمَعْنى: مَدْفُوقٍ. وقالَ الشّاعِرُ: ؎بَطِيءُ القِيامِ رَخِيمُ الكَلامِ ∗∗∗ أمْسى فُؤادِي بِهِ فاتِنًا أيْ: مَفْتُونًا. و(مَن) لِلْمَعْصُومِ، أيْ: لا ذا عِصْمَةٍ، أوْ لا مَعْصُومَ إلّا المَرْحُومُ. وعَلى هَذَيْنِ التَّجْوِيزَيْنِ يَكُونُ اسْتِثْناءً مُتَّصِلًا، وجَعَلَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ مُتَّصِلًا بِطَرِيقٍ أُخْرى: وهو حَذْفُ مُضافٍ وقَدَّرَهُ: لا يَعْصِمُكَ اليَوْمَ مُعْتَصَمٌ قَطُّ مِن جَبَلٍ ونَحْوِهِ سِوى مُعْتَصَمٍ واحِدٍ، وهو مَكانُ مَن رَحِمَهُمُ اللَّهُ ونَجّاهم، يَعْنِي في السَّفِينَةِ، انْتَهى. والظّاهِرُ أنَّ خَبَرَ ﴿لا عاصِمَ﴾ مَحْذُوفٌ، لِأنَّهُ إذا عُلِمَ كَهَذا المَوْضِعِ التَزَمَ حَذْفَهُ بَنُو تَمِيمٍ، وكَثُرَ حَذْفُهُ عِنْدَ أهْلِ الحِجازِ، لِأنَّهُ لَمّا قالَ: ﴿سَآوِي إلى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الماءِ﴾ قالَ لَهُ نُوحٌ: ﴿لا عاصِمَ﴾، أيْ: لا عاصِمَ مَوْجُودٌ. ويَكُونُ اليَوْمَ مَنصُوبًا عَلى إضْمارِ فِعْلٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ عاصِمَ، أيْ: لا عاصِمَ يَعْصِمُ اليَوْمَ مِن أمْرِ اللَّهِ، ومِن أمْرِ: مُتَعَلِّقٌ بِذَلِكَ الفِعْلِ المَحْذُوفِ، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ اليَوْمَ مَنصُوبًا بِقَوْلِهِ: ﴿لا عاصِمَ﴾، ولا أنْ يَكُونَ مِن أمْرِ اللَّهِ مُتَعَلِّقًا بِهِ، لِأنَّ اسْمَ لا إذْ ذاكَ كانَ يَكُونُ مُطَوَّلًا، وإذا كانَ مُطَوَّلًا لَزِمَ تَنْوِينُهُ وإعْرابُهُ، ولا يُبْنى وهو مَبْنِيٌّ، فَبَطَلَ ذَلِكَ. وأجازَ الحَوْفِيُّ وابْنُ عَطِيَّةَ أنْ يَكُونَ اليَوْمَ خَبَرًا لِقَوْلِهِ: ﴿لا عاصِمَ﴾ . قالَ الحَوْفِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (اليَوْمَ) خَبَرًا ويَتَعَلَّقَ بِمَعْنى الِاسْتِقْرارِ، وتَكُونَ (مِن) مُتَعَلِّقَةً بِما تَعَلَّقَ بِهِ (اليَوْمَ) . وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: و(اليَوْمَ) ظَرْفٌ وهو مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن أمْرِ اللَّهِ﴾، أوْ بِالخَبَرِ الَّذِي تَقْدِيرُهُ: كائِنٌ اليَوْمَ، انْتَهى. ورَدَّ ذَلِكَ أبُو البَقاءِ فَقالَ: فَأمّا خَبَرُ لا فَلا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ اليَوْمَ، لِأنَّ ظَرْفَ الزَّمانِ لا يَكُونُ خَبَرًا عَنِ الجَنَّةِ، بَلِ الخَبَرُ مِن أمْرِ اللَّهِ، واليَوْمُ مَعْمُولٌ مِن أمْرِ اللَّهِ. وقالَ الحَوْفِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (اليَوْمَ) نَعْتًا لِعاصِمَ (ومِن) الخَبَرَ، انْتَهى. ويُرَدُّ بِما رَدَّ بِهِ أبُو البَقاءِ مِن أنَّ ظَرْفَ الزَّمانِ لا يَكُونُ نَعْتًا لِلْجُثَثِ، كَما لا يَكُونُ خَبَرًا. وقُرِئَ: إلّا مَن رُحِمَ بِضَمِّ الرّاءِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ بِمَن في قِراءَةِ الجُمْهُورِ الَّذِينَ فَتَحُوا الرّاءَ هو المَرْحُومُ لا الرّاحِمُ، ﴿وحالَ بَيْنَهُما﴾ أيْ: بَيْنَ نُوحٍ وابْنِهِ. قِيلَ: كانا يَتَراجَعانِ الكَلامَ، فَما اسْتَتَمَّتِ المُراجَعَةُ حَتّى جاءَتْ مَوْجَةٌ عَظِيمَةٌ، وكانَ راكِبًا عَلى فَرَسٍ قَدْ بَطِرَ وأُعْجِبَ بِنَفْسِهِ فالتَقَمَتْهُ وفَرَسَهُ، وحِيلَ بَيْنَهُ وبَيْنَ نُوحٍ فَغَرِقَ. وقالَ الفَرّاءُ: بَيْنَهُما، أيْ: بَيْنَ ابْنِ نُوحٍ والجَبَلِ الَّذِي ظَنَّ أنَّهُ يَعْصِمُهُ.