Al-Bahr Al-Muhit — هود 11:42 – هود 11:67
المحتويات
هود 11:42
﴿وقالَ ارْكَبُوا فِيها بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها ومُرْساها إنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ﴿وهِيَ تَجْرِي بِهِمْ في مَوْجٍ كالجِبالِ ونادى نُوحٌ ابْنَهُ وكانَ في مَعْزِلٍ يا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنا ولا تَكُنْ مَعَ الكافِرِينَ﴾ ﴿قالَ سَآوِي إلى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الماءِ قالَ لا عاصِمَ اليَوْمَ مِن أمْرِ اللَّهِ إلّا مَن رَحِمَ وحالَ بَيْنَهُما المَوْجُ فَكانَ مِنَ المُغْرَقِينَ﴾ ﴿وقِيلَ يا أرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ ويا سَماءُ أقْلِعِي وغِيضَ الماءُ وقُضِيَ الأمْرُ واسْتَوَتْ عَلى الجُودِيِّ وقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ [هود: ٤٤] ﴿ونادى نُوحٌ رَبَّهُ فَقالَ رَبِّ إنَّ ابْنِي مِن أهْلِي وإنَّ وعْدَكَ الحَقُّ وأنْتَ أحْكَمُ الحاكِمِينَ﴾ [هود: ٤٥] ﴿قالَ يا نُوحُ إنَّهُ لَيْسَ مِن أهْلِكَ إنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ فَلا تَسْألْنِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إنِّي أعِظُكَ أنْ تَكُونَ مِنَ الجاهِلِينَ﴾ [هود: ٤٦] ﴿قالَ رَبِّ إنِّي أعُوذُ بِكَ أنْ أسْألَكَ ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وإلّا تَغْفِرْ لِي وتَرْحَمْنِي أكُنْ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ [هود: ٤٧] ﴿قِيلَ يا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلامٍ مِنّا وبَرَكاتٍ عَلَيْكَ وعَلى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ وأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهم ثُمَّ يَمَسُّهم مِنّا عَذابٌ ألِيمٌ﴾ [هود: ٤٨] ﴿تِلْكَ مِن أنْباءِ الغَيْبِ نُوحِيها إلَيْكَ ما كُنْتَ تَعْلَمُها أنْتَ ولا قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هَذا فاصْبِرْ إنَّ العاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [هود: ٤٩] ﴿وإلى عادٍ أخاهم هُودًا قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ إنْ أنْتُمْ إلّا مُفْتَرُونَ﴾ [هود: ٥٠] ﴿يا قَوْمِ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى الَّذِي فَطَرَنِي أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [هود: ٥١] ﴿ويا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكم ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكم مِدْرارًا ويَزِدْكم قُوَّةً إلى قُوَّتِكم ولا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ﴾ [هود: ٥٢] ﴿قالُوا يا هُودُ ما جِئْتَنا بِبَيِّنَةٍ وما نَحْنُ بِتارِكِي آلِهَتِنا عَنْ قَوْلِكَ وما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [هود: ٥٣] ﴿إنْ نَقُولُ إلّا اعْتَراكَ بَعْضُ آلِهَتِنا بِسُوءٍ قالَ إنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ واشْهَدُوا أنِّي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ﴾ [هود: ٥٤] ﴿مِن دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لا تُنْظِرُونِي﴾ [هود: ٥٥] ﴿إنِّي تَوَكَّلْتُ عَلى اللَّهِ رَبِّي ورَبِّكم ما مِن دابَّةٍ إلّا هو آخِذٌ بِناصِيَتِها إنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [هود: ٥٦] ﴿فَإنْ تَوَلَّوْا فَقَدْ أبْلَغْتُكم ما أُرْسِلْتُ بِهِ إلَيْكم ويَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكم ولا تَضُرُّونَهُ شَيْئًا إنَّ رَبِّي عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ﴾ [هود: ٥٧] ﴿ولَمّا جاءَ أمْرُنا نَجَّيْنا هُودًا والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنّا ونَجَّيْناهم مِن عَذابٍ غَلِيظٍ﴾ [هود: ٥٨] ﴿وتِلْكَ عادٌ جَحَدُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وعَصَوْا رُسُلَهُ واتَّبَعُوا أمْرَ كُلِّ جَبّارٍ عَنِيدٍ﴾ [هود: ٥٩] ﴿وأُتْبِعُوا في هَذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً ويَوْمَ القِيامَةِ ألا إنَّ عادًا كَفَرُوا رَبَّهم ألا بُعْدًا لِعادٍ قَوْمِ هُودٍ﴾ [هود: ٦٠] (p-٢٢٤)رَسا الشَّيْءُ يَرْسُو: ثَبَتَ واسْتَقَرَّ. قالَ:
؎فَصَبَرْتُ نَفْسًا عِنْدَ ذَلِكَ حُرَّةً تَرْسُو إذا نَفْسُ الجَبانِ تَطَلَّعُ
البَلْعُ: مَعْرُوفٌ، والفِعْلُ مِنهُ بَلَعَ بِكَسْرِ اللّامِ وبِفَتْحِها لُغَتانِ حَكاهُما الكِسائِيُّ والفَرّاءُ، يَبْلَعُ بَلْعًا، والبالُوعَةُ: المَوْضِعُ الَّذِي يَشْرَبُ الماءَ.
الإقْلاعُ: الإمْساكُ، يُقالُ: أقْلَعَ المَطَرُ وأقْلَعَتِ الحُمّى، أيْ: أمْسَكَتْ عَنِ المَحْمُومِ. وقِيلَ: أقْلَعَ عَنِ الشَّيْءِ: تَرَكَهُ، وهو قَرِيبٌ مِنَ الإمْساكِ. غاضَ الماءُ: نَقَصَ في نَفْسِهِ، وغِضْتُهُ: نَقَصْتُهُ، جاءَ لازِمًا ومُتَعَدِّيًا. الجُودِيُّ: عَلَمٌ لِجَبَلٍ بِالمَوْصِلِ، ومَن قالَ بِالجَزِيرَةِ أوْ بِآمِدَ فَلِأنَّهُما قَرِيبانِ مِنَ المَوْصِلِ. وقِيلَ الجُودِيُّ: اسْمٌ لِكُلِّ جَبَلٍ، ومِنهُ قَوْلُ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ:
؎سُبْحانَهُ ثُمَّ سُبْحانًا نَعُوذُ لَهُ ∗∗∗ وقَبْلَنا سَبَّحَ الجُودِيُّ والجُمُدُ
اعْتَراهُ بِكَذا: أصابَهُ بِهِ، وقِيلَ: افْتَعَلَ مِن عَراهُ يَعْرُوهُ. النّاصِيَةُ: مَنبَتُ الشَّعْرِ في مُقَدَّمِ الرَّأْسِ، ويُسَمّى الشَّعْرُ النّابِتُ هُناكَ ناصِيَةً باسِمِ مَنبَتِهِ. ونَصَوْتُ الرَّجُلَ انْصُوهُ نَصْوًا: مَدَدْتُ ناصِيَتَهُ. الجَبّارُ: المُتَكَبِّرُ. العَنِيدُ: الطّاغِي الَّذِي لا يَقْبَلُ الحَقَّ ولا يُصْغِي إلَيْهِ، مِن عَنَدَ يَعْنُدُ حادَ عَنِ الحَقِّ إلى جانِبٍ، قِيلَ: ومِنهُ عِنْدِي كَذا، أيْ: في جانِبِي. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: العَنِيدُ والعَنُودُ والمُعانِدُ والعانِدُ: المَعارِضُ بِالخِلافِ، ومِنهُ قِيلَ لِلْعِرْقِ الَّذِي يَنْفَجِرُ بِالدَّمِ: عانِدٌ.
﴿وقالَ ارْكَبُوا فِيها بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها ومُرْساها إنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ﴿وهِيَ تَجْرِي بِهِمْ في مَوْجٍ كالجِبالِ ونادى نُوحٌ ابْنَهُ وكانَ في مَعْزِلٍ يابُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنا ولا تَكُنْ مَعَ الكافِرِينَ﴾ ﴿قالَ سَآوِي إلى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الماءِ قالَ لا عاصِمَ اليَوْمَ مِن أمْرِ اللَّهِ إلّا مَن رَحِمَ وحالَ بَيْنَهُما المَوْجُ فَكانَ مِنَ المُغْرَقِينَ﴾: الضَّمِيرُ في وقالَ عائِدٌ عَلى نُوحٍ، أيْ: وقالَ نُوحٌ حِينَ أُمِرَ بِالحَمْلِ في السَّفِينَةِ لِمَن آمَنَ مَعَهُ ومَن أُمِرَ بِحَمْلِهِ: ارْكَبُوا فِيها. وقِيلَ: الضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى اللَّهِ، والتَّقْدِيرُ: وقالَ اللَّهُ لِـ نُوحٍ ومَن مَعَهُ، ويُبْعِدُ ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿إنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ . قِيلَ: وغَلَبَ مَن يَعْقِلُ في قَوْلِهِ: ارْكَبُوا، وإنْ كانُوا قَلِيلًا بِالنِّسْبَةِ لِما لا يَعْقِلُ مِمَّنْ حُمِلَ فِيها، والظّاهِرُ أنَّهُ خِطابٌ لِمَن يَعْقِلُ خاصَّةً، لِأنَّهُ لا يَلِيقُ بِما لا يَعْقِلُ.
وعُدِّيَ ارْكَبُوا بِفي لِتَضْمِينِهِ مَعْنى صَيِّرُوا فِيها، أوْ مَعْنى ادْخُلُوا فِيها. وقِيلَ: التَّقْدِيرُ ارْكَبُوا الماءَ فِيها. وقِيلَ: في زائِدَةٌ لِلتَّوْكِيدِ، أيِ: ارْكَبُوها. والباءُ في باسِمِ اللَّهِ في مَوْضِعِ الحالِ، أوْ (p-٢٢٥)مُتَبَرِّكِينَ بِاسْمِ اللَّهِ. مَجْراها ومُرْساها: مَنصُوبانِ إمّا عَلى أنَّهُما ظَرْفا زَمانٍ أوْ مَكانٍ، لِأنَّهُما يَجِيئانِ لِذَلِكَ. أوْ ظَرْفا زَمانٍ عَلى جِهَةِ الحَذْفِ، كَما حُذِفَ مِن جِئْتُكَ مَقْدَمَ الحاجِّ، أيْ: وقْتَ قُدُومِ الحاجِّ، فَيَكُونُ مَجْراها ومُرْساها مَصْدَرانِ في الأصْلِ حُذِفَ مِنهُما المُضافُ، وانْتَصَبا بِما في باسِمِ اللَّهِ مِن مَعْنى الفِعْلِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (بِاسْمِ اللَّهِ) حالًا مِن ضَمِيرِ فِيها، و﴿مَجْراها ومُرْساها﴾ مَصْدَرانِ مَرْفُوعانِ عَلى الفاعِلِيَّةِ، أيِ: ارْكَبُوا فِيها مُلْتَبِسًا باسِمِ اللَّهِ إجْراؤُها وإرْساؤُها، أيْ: بِبَرَكَةِ اسْمِ اللَّهِ.
أوْ يَكُونُ مَجْراها ومُرْساها مَرْفُوعَيْنِ عَلى الِابْتِداءِ، وبِاسْمِ اللَّهِ الخَبَرُ، والجُمْلَةُ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في فِيها. وعَلى هَذِهِ التَّوْجِيهاتِ الثَّلاثَةِ فالكَلامُ جُمْلَةٌ واحِدَةٌ، والحالُ مُقَدَّرَةٌ. ولا يَجُوزُ مَعَ رَفْعِ مَجْراها ومُرْساها عَلى الفاعِلِيَّةِ أوْ الِابْتِداءِ أنْ يَكُونَ حالًا مِن ضَمِيرِ ارْكَبُوا، لِأنَّهُ لا عائِدَ عَلَيْهِ فِيما وقَعَ حالًا. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ﴿بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها ومُرْساها﴾ جُمْلَةً ثانِيَةً مِن مُبْتَدَأٍ وخَبَرٍ، لا تَعَلُّقَ لَها بِالجُمْلَةِ الأوْلى مِن حَيْثُ الإعْرابِ، أمَرَهم أوَّلًا بِالرُّكُوبِ، ثُمَّ أخْبَرَ أنَّ مَجْراها ومُرْساها بِذِكْرِ اللَّهِ أوْ بِأمْرِهِ وقُدْرَتِهِ، فالجُمْلَتانِ كَلامانِ مَحْكِيّانِ. يُقالُ: كَما أنَّ الجُمْلَةَ الثّانِيَةَ مَحْكِيَّةٌ أيْضًا بِـ (قالَ) .
وقالَ الضَّحّاكُ: إذا أرادَ جَرْيَ السَّفِينَةِ قالَ: بِاسْمِ اللَّهِ مَجْراها فَتَجْرِي، وإذا أرادَ وُقُوفَها قالَ: بِاسْمِ اللَّهِ مُرْساها فَتَقِفُ.
وقَرَأ مُجاهِدٌ والحَسَنُ وأبُو رَجاءٍ والأعْرَجُ وشَيْبَةُ والجُمْهُورُ مِنَ السَّبْعَةِ: الحَرَمِيّانِ والعَرَبِيّانِ وأبُو بَكْرٍ: ﴿مَجْراها﴾ بِضَمِّ المِيمِ. وقَرَأ الأخَوانِ وحَفْصٌ: بِفَتْحِها، وكُلُّهم ضَمَّ مِيمَ مُرْساها. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ وعِيسى الثَّقَفِيُّ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ والأعْمَشُ: ﴿مَجْراها ومُرْساها﴾ بِفَتْحِ المِيمَيْنِ، ظَرْفَيْ زَمانٍ أوْ مَكانٍ، أوْ مَصْدَرَيْنِ عَلى التَّقارِيرِ السّابِقَةِ.
وقَرَأ الضَّحّاكُ والنَّخَعِيُّ وابْنُ وثّابٍ وأبُو رَجاءٍ ومُجاهِدٌ وابْنُ جُنْدَبٍ والكَلْبِيُّ والجَحْدَرِيُّ: مُجْرِيها ومُرْسِيها، اسْمَيْ فاعِلٍ مِن أجْرى وأرْسى عَلى البَدَلِ مِنِ اسْمِ اللَّهِ، فَهُما في مَوْضِعِ خَبَرٍ، ولا يَكُونانِ صِفَتَيْنِ لِكَوْنِهِما نَكِرَتَيْنِ.
وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهُما عَلى هَذِهِ القِراءَةِ صِفَتانِ عائِدَتانِ عَلى ذِكْرِهِ في قَوْلِهِمْ بِاسْمِ اللَّهِ، انْتَهى.
ولا يَكُونانِ صِفَتَيْنِ إلّا عَلى تَقْدِيرِ أنْ يَكُونا مَعْرِفَتَيْنِ. وقَدْ ذَهَبَ الخَلِيلُ إلى أنَّ ما كانَتْ إضافَتُهُ غَيْرَ مَحْضَةٍ قَدْ يَصِحُّ أنْ تُجْعَلَ مَحْضَةً فَتُعَرَّفَ، إلّا ما كانَ مِنَ الصِّفَةِ المُشَبَّهَةِ فَلا تَتَمَحَّضُ إضافَتُها فَلا تُعَرَّفُ.
﴿إنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ﴾: سَتُورٌ عَلَيْكم ذُنُوبَكم بِتَوْبَتِكم وإيمانِكم، (رَحِيمٌ): لَكم إذا نَجّاكم مِنَ الغَرَقِ. ورُوِيَ في الحَدِيثِ: «أنَّ نُوحًا رَكِبَ في السَّفِينَةِ أوَّلَ يَوْمٍ مِن رَجَبٍ، وصامَ الشَّهْرَ أجْمَعَ» وعَنْ عِكْرِمَةَ: لِعَشْرٍ خَلَوْنَ مِن رَجَبٍ.
﴿وهِيَ تَجْرِي بِهِمْ﴾: إخْبارٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى بِما جَرى لِلسَّفِينَةِ، وبِهِمْ: حالٌ، أيْ: مُلْتَبِسَةٌ بِهِمْ، والمَعْنى: تَجْرِي وهم فِيها، ﴿فِي مَوْجٍ كالجِبالِ﴾، أيْ: في مَوْجِ الطُّوفانِ، شَبَّهَ كُلَّ مَوْجَةٍ مِنهُ بِجَبَلٍ في تَراكُمِها وارْتِفاعِها. رُوِيَ أنَّ السَّماءَ أمْطَرَتْ جَمِيعَها حَتّى لَمْ يَكُنْ في الهَواءِ جانِبٌ إلّا أمْطَرَ، وتَفَجَّرَتِ الأرْضُ كُلُّها بِالنَّبْعِ، وهَذا مَعْنى التِقاءِ الماءِ.
ورُوِيَ أنَّ الماءَ عَلا عَلى الجِبالِ وأعالِي الأرْضِ أرْبَعِينَ ذِراعًا، وقِيلَ: خَمْسَةَ عَشَرَ. وكَوْنُ السَّفِينَةِ تَجْرِي في مَوْجٍ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ كانَ في الماءِ مَوْجٌ، وأنَّهُ لَمْ يُطْبِقِ الماءُ ما بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ، وأنَّ السَّفِينَةَ لَمْ تَكُنْ تَجْرِي في جَوْفِ الماءِ، والماءُ أعْلاها وأسْفَلَها، فَكانَتْ تَسْبَحُ في الماءِ كَما تَسْبَحُ السَّمَكَةُ، كَما أشارَ إلَيْهِ الزَّجّاجُ والزَّمَخْشَرِيُّ وغَيْرُهُما.
وقَدِ اسْتَبْعَدَ ابْنُ عَطِيَّةَ هَذا قالَ: وأيْنَ كانَ المَوْجُ كالجِبالِ عَلى هَذا ؟ ثُمَّ كَيْفَ اسْتَقامَتْ حَياةُ مَن في السَّفِينَةِ ؟ وأجابَ الزَّمَخْشَرِيُّ: بِأنَّ الجَرَيانَ في المَوْجِ كانَ قَبْلَ التَّطْبِيقِ، وقَبْلَ أنْ يَعُمَّ الماءُ الجِبالَ. ألا تَرى إلى قَوْلِ ابْنِهِ: ﴿سَآوِي إلى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الماءِ﴾ .
﴿ونادى نُوحٌ ابْنَهُ﴾: الواوُ لا تُرَتِّبُ. وهَذا النِّداءُ كانَ قَبْلَ جَرْيِ السَّفِينَةِ في قَوْلِهِ: ﴿وهِيَ تَجْرِي بِهِمْ في مَوْجٍ﴾، وفي إضافَتِهِ إلَيْهِ هُنا، وفي قَوْلِهِ: ﴿إنَّ ابْنِي مِن أهْلِي﴾ [هود: ٤٥] ونِدائِهِ، دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ ابْنُهُ لِصُلْبِهِ، وهو قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ وابْنِ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةَ والضَّحّاكِ وابْنِ جُبَيْرٍ ومَيْمُونِ بْنِ (p-٢٢٦)مِهْرانَ والجُمْهُورِ، واسْمُهُ كَنْعانُ. وقِيلَ: يامُ، وقِيلَ: كانَ ابْنَ قَرِيبٍ لَهُ ودَعاهُ بِالبُنُوَّةِ حَنانًا مِنهُ وتَلَطُّفًا.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: بِكَسْرِ تَنْوِينِ نُوحٍ، وقَرَأ وكِيعُ بْنُ الجَرّاحِ: بِضَمِّهِ، أتْبَعَ حَرَكَتَهُ حَرَكَةَ الإعْرابِ في الحاءِ. قالَ أبُو حاتِمٍ: هي لُغَةُ سُوءٍ لا تُعْرَفُ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: بِوَصْلِ هاءِ الكِنايَةِ بِواوٍ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ: إنَّهْ بِسُكُونِ الهاءِ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ وأبُو الفَضْلِ الرّازِيُّ: وهَذا عَلى لُغَةِ الأزْدِ الشُّراةِ، يُسَكِّنُونَ هاءَ الكِنايَةِ مِنَ المُذَكَّرِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎ومِطْوايَ مُشْتاقانِ لَهُ أرِقانِ
وذَكَرَ غَيْرُهُ أنَّها لُغَةٌ لِبَنِي كِلابٍ وعَقِيلٍ، ومِنَ النَّحْوِيِّينَ مَن يَخُصُّ هَذا السُّكُونَ بِالضَّرُورَةِ ويُنْشِدُونَ:
؎وأشْرَبُ الماءَ ما بِي نَحْوَهُ عَطَشٌ ∗∗∗ إلّا لِأنَّ عُيُونَهُ سَيْلُ وادِيها
وقَرَأ السُّدِّيُّ: ابْناهُ بِألِفٍ، وهاءِ السَّكْتِ. قالَ أبُو الفَتْحِ: ذَلِكَ عَلى النِّداءِ. وذَهَبَتْ فِرْقَةٌ إلى أنَّهُ عَلى النُّدْبَةِ والرِّثاءِ. وقَرَأ عَلِيٌّ وعُرْوَةُ وعَلِيُّ بْنُ الحُسَيْنِ وابْنُهُ أبُو جَعْفَرٍ وابْنُهُ جَعْفَرٌ: ﴿ابْنَهُ﴾ بِفَتْحِ الهاءِ مِن غَيْرِ ألِفٍ، أيِ: ابْنَها مُضافًا لِضَمِيرِ امْرَأتِهِ، فاكْتَفى بِالفَتْحَةِ عَنِ الألِفِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهي لُغَةٌ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎إمّا تَقُودُ بِها شاةً فَتَأْكُلُها ∗∗∗ أوْ أنْ تَبِيعَهُ في بَعْضِ الأراكِيبِ
وأنْشَدَ ابْنُ الأعْرابِيِّ عَلى هَذا:
؎فَلَسْتَ بِمُدْرِكٍ ما فاتَ مِنِّي ∗∗∗ بِلَهْفَ ولا بِلَيْتَ ولا لَوانِّي
انْتَهى.
يُرِيدُ: تَلَهُّفًا، وخَطَّأ النَّحّاسُ أبا حاتِمٍ في حَذْفِ هَذِهِ الألِفِ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ولَيْسَ كَما قالَ، انْتَهى.
وهَذا أعْنِي مِثْلَ تَلَهَّفَ بِحَذْفِ الألِفِ عِنْدَ أصْحابِنا ضَرُورَةً، ولِذَلِكَ لا يُجِيزُونَ: يا غُلامُ بِحَذْفِ الألِفِ، والِاجْتِزاءُ بِالفَتْحَةِ عَنْها كَما اجْتَزَءُوا بِالكَسْرَةِ في يا غُلامِ عَنِ الياءِ، وأجازَ ذَلِكَ الأخْفَشُ. وقَرَأ أيْضًا عَلِيٌّ وعُرْوَةُ: ابْنَها بِفَتْحِ الهاءِ وألِفٍ، أيِ: ابْنَ امْرَأتِهِ. وكَوْنُهُ لَيْسَ ابْنَهُ لِصُلْبِهِ، وإنَّما كانَ ابْنَ امْرَأتِهِ قَوْلَ عَلِيٍّ والحَسَنِ وابْنِ سِيرِينَ وعُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ. وكانَ الحَسَنُ يَحْلِفُ أنَّهُ لَيْسَ ابْنَهُ لِصُلْبِهِ، قالَ قَتادَةُ: فَقُلْتُ لَهُ: إنَّ اللَّهَ حَكى عَنْهُ: ﴿إنَّ ابْنِي مِن أهْلِي﴾ [هود: ٤٥]، وأنْتَ تَقُولُ: لَمْ يَكُنِ ابْنَهُ، وأهْلُ الكِتابِ لا يَخْتَلِفُونَ في أنَّهُ كانَ ابْنَهُ فَقالَ: ومَن يَأْخُذُ دِينَهُ مِن أهْلِ الكِتابِ ؟ واسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِ ﴿مِن أهْلِي﴾ [هود: ٤٥] ولَمْ يَقُلْ مِنِّي، فَعَلى هَذا يَكُونُ رَبِيبًا.
وكانَ عِكْرِمَةُ والضَّحّاكُ يَحْلِفانِ عَلى أنَّهُ ابْنُهُ، ولا يُتَوَهَّمُ أنَّهُ كانَ لِغَيْرِ رِشْدَةٍ، لِأنَّ ذَلِكَ غَضاضَةٌ عُصِمَتْ مِنهُ الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الحَسَنِ وابْنِ جُرَيْجٍ، ولَعَلَّهُ لا يَصِحُّ عَنْهُما. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ما بَغَتِ امْرَأةُ نَبِيٍّ قَطُّ، والَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ ظاهِرُ الآيَةِ أنَّهُ ابْنُهُ، وأمّا قِراءَةُ مَن قَرَأ: ابْنَهُ أوِ ابْنَها فَشاذَّةٌ، ويُمْكِنُ أنْ نُسِبَ إلى أُمِّهِ وأُضِيفَ إلَيْها، ولَمْ يُضَفْ إلى أبِيهِ لِأنَّهُ كانَ كافِرًا مِثْلَها، يُلْحَظُ فِيهِ هَذا المَعْنى ولَمْ يُضَفْ إلَيْهِ اسْتِبْعادًا لَهُ، ورَعْيًا أنْ لا يُضافُ إلَيْهِ كافِرٌ، وإنَّما ناداهُ ظَنًّا مِنهُ أنَّهُ مُؤْمِنٌ، ولَوْلا ذَلِكَ ما أحَبَّ نَجاتَهُ. أوْ ظَنًّا مِنهُ أنَّهُ يُؤْمِنُ إنْ كانَ كافِرًا لِما شاهَدَ مِنَ الأهْوالِ العَظِيمَةِ، وأنَّهُ يَقْبَلُ الإيمانَ. ويَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿ارْكَبْ مَعَنا﴾ كالدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ طَلَبَ مِنهُ الإيمانَ، وتَأكَّدَ بِقَوْلِهِ: ﴿ولا تَكُنْ مَعَ الكافِرِينَ﴾، أيِ: ارْكَبْ مَعَ المُؤْمِنِينَ، إذْ لا يَرْكَبُ مَعَهم إلّا مُؤْمِنٌ لِقَوْلِهِ: ﴿ومَن آمَنَ﴾ [هود: ٤٠] .
و﴿فِي مَعْزِلٍ﴾، أيْ: في مَكانٍ عَزَلَ فِيهِ نَفْسَهُ عَنْ أبِيهِ وعَنْ مَرْكَبِ المُؤْمِنِينَ. وقِيلَ: في مَعْزِلٍ عَنْ دِينِ أبِيهِ.
ونِداؤُهُ بِالتَّصْغِيرِ خِطابُ تَحَنُّنٍ ورَأْفَةٍ، والمَعْنى: ارْكَبْ مَعَنا في السَّفِينَةِ فَتَنْجُوَ ولا تَكُنْ مَعَ الكافِرِينَ فَتَهْلَكَ. وقَرَأ عاصِمٌ: (يا بَنِيَ) بِفَتْحِ الباءِ، ووُجِّهَ عَلى أنَّهُ اجْتَزَأ بِالفَتْحَةِ عَنِ الألْفِ، وأصْلُهُ: يا بُنَيًّا كَقَوْلِكَ: يا غُلامًا، كَما اجْتَزَأ باقِي السَّبْعَةِ بِالكَسْرَةِ عَنِ الياءِ في قِراءَتِهِمْ يا بَنِي بِكَسْرِ الياءِ، أوْ أنَّ الألِفَ انْحَذَفَتْ لِالتِقائِها مَعَ راءِ ارْكَبْ. وظَنَّ ابْنُ نُوحٍ أنَّ ذَلِكَ المَطَرَ والتَّفْجِيرَ عَلى العادَةِ، فَلِذَلِكَ قالَ: ﴿سَآوِي إلى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الماءِ﴾، أيْ: مِن (p-٢٢٧)وُصُولِ الماءِ إلَيَّ فَلا أغْرَقُ، وهَذا يَدُلُّ عَلى عادَتِهِ في الكُفْرِ، وعَدَمِ وُثُوقِهِ بِأبِيهِ فِيما أخْبَرَ بِهِ.
قِيلَ: والجَبَلُ الَّذِي عَناهُ طُورُ زَيْتا فَلَمْ يَمْنَعْهُ، والظّاهِرُ إبْقاءُ (عاصِمَ) عَلى حَقِيقَتِهِ وأنَّهُ نَفى كُلَّ عاصِمٍ مِن أمْرِ اللَّهِ في ذَلِكَ الوَقْتِ، وأنَّ مَن رَحِمَ يَقَعُ فِيهِ (مَن) عَلى المَعْصُومِ. والضَّمِيرُ الفاعِلُ يَعُودُ عَلى اللَّهِ تَعالى، وضَمِيرُ المَوْصُولِ مَحْذُوفٌ، ويَكُونُ الِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعًا، أيْ: لَكِنْ مَن رَحِمَهُ اللَّهُ مَعْصُومٌ، وجَوَّزُوا أنْ يَكُونَ مِنَ اللَّهِ تَعالى، أيْ لا عاصِمَ إلّا الرّاحِمُ، وأنْ يَكُونَ عاصِمَ بِمَعْنى ذِي عِصْمَةٍ، كَما قالُوا لابِنٌ، أيْ: ذُو لَبَنٍ، وذُو عِصْمَةٍ: مُطْلَقٌ عَلى عاصِمٍ وعَلى مَعْصُومٍ، والمُرادُ بِهِ هُنا: المَعْصُومُ. أوْ فاعِلٌ بِمَعْنى: مَفْعُولٍ، فَيَكُونُ عاصِمٌ بِمَعْنى: مَعْصُومٍ، كَماءٍ دافِقٍ بِمَعْنى: مَدْفُوقٍ. وقالَ الشّاعِرُ:
؎بَطِيءُ القِيامِ رَخِيمُ الكَلامِ ∗∗∗ أمْسى فُؤادِي بِهِ فاتِنًا
أيْ: مَفْتُونًا. و(مَن) لِلْمَعْصُومِ، أيْ: لا ذا عِصْمَةٍ، أوْ لا مَعْصُومَ إلّا المَرْحُومُ. وعَلى هَذَيْنِ التَّجْوِيزَيْنِ يَكُونُ اسْتِثْناءً مُتَّصِلًا، وجَعَلَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ مُتَّصِلًا بِطَرِيقٍ أُخْرى: وهو حَذْفُ مُضافٍ وقَدَّرَهُ: لا يَعْصِمُكَ اليَوْمَ مُعْتَصَمٌ قَطُّ مِن جَبَلٍ ونَحْوِهِ سِوى مُعْتَصَمٍ واحِدٍ، وهو مَكانُ مَن رَحِمَهُمُ اللَّهُ ونَجّاهم، يَعْنِي في السَّفِينَةِ، انْتَهى.
والظّاهِرُ أنَّ خَبَرَ ﴿لا عاصِمَ﴾ مَحْذُوفٌ، لِأنَّهُ إذا عُلِمَ كَهَذا المَوْضِعِ التَزَمَ حَذْفَهُ بَنُو تَمِيمٍ، وكَثُرَ حَذْفُهُ عِنْدَ أهْلِ الحِجازِ، لِأنَّهُ لَمّا قالَ: ﴿سَآوِي إلى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الماءِ﴾ قالَ لَهُ نُوحٌ: ﴿لا عاصِمَ﴾، أيْ: لا عاصِمَ مَوْجُودٌ.
ويَكُونُ اليَوْمَ مَنصُوبًا عَلى إضْمارِ فِعْلٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ عاصِمَ، أيْ: لا عاصِمَ يَعْصِمُ اليَوْمَ مِن أمْرِ اللَّهِ، ومِن أمْرِ: مُتَعَلِّقٌ بِذَلِكَ الفِعْلِ المَحْذُوفِ، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ اليَوْمَ مَنصُوبًا بِقَوْلِهِ: ﴿لا عاصِمَ﴾، ولا أنْ يَكُونَ مِن أمْرِ اللَّهِ مُتَعَلِّقًا بِهِ، لِأنَّ اسْمَ لا إذْ ذاكَ كانَ يَكُونُ مُطَوَّلًا، وإذا كانَ مُطَوَّلًا لَزِمَ تَنْوِينُهُ وإعْرابُهُ، ولا يُبْنى وهو مَبْنِيٌّ، فَبَطَلَ ذَلِكَ.
وأجازَ الحَوْفِيُّ وابْنُ عَطِيَّةَ أنْ يَكُونَ اليَوْمَ خَبَرًا لِقَوْلِهِ: ﴿لا عاصِمَ﴾ . قالَ الحَوْفِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (اليَوْمَ) خَبَرًا ويَتَعَلَّقَ بِمَعْنى الِاسْتِقْرارِ، وتَكُونَ (مِن) مُتَعَلِّقَةً بِما تَعَلَّقَ بِهِ (اليَوْمَ) . وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: و(اليَوْمَ) ظَرْفٌ وهو مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن أمْرِ اللَّهِ﴾، أوْ بِالخَبَرِ الَّذِي تَقْدِيرُهُ: كائِنٌ اليَوْمَ، انْتَهى.
ورَدَّ ذَلِكَ أبُو البَقاءِ فَقالَ: فَأمّا خَبَرُ لا فَلا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ اليَوْمَ، لِأنَّ ظَرْفَ الزَّمانِ لا يَكُونُ خَبَرًا عَنِ الجَنَّةِ، بَلِ الخَبَرُ مِن أمْرِ اللَّهِ، واليَوْمُ مَعْمُولٌ مِن أمْرِ اللَّهِ. وقالَ الحَوْفِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (اليَوْمَ) نَعْتًا لِعاصِمَ (ومِن) الخَبَرَ، انْتَهى.
ويُرَدُّ بِما رَدَّ بِهِ أبُو البَقاءِ مِن أنَّ ظَرْفَ الزَّمانِ لا يَكُونُ نَعْتًا لِلْجُثَثِ، كَما لا يَكُونُ خَبَرًا. وقُرِئَ: إلّا مَن رُحِمَ بِضَمِّ الرّاءِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ بِمَن في قِراءَةِ الجُمْهُورِ الَّذِينَ فَتَحُوا الرّاءَ هو المَرْحُومُ لا الرّاحِمُ، ﴿وحالَ بَيْنَهُما﴾ أيْ: بَيْنَ نُوحٍ وابْنِهِ. قِيلَ: كانا يَتَراجَعانِ الكَلامَ، فَما اسْتَتَمَّتِ المُراجَعَةُ حَتّى جاءَتْ مَوْجَةٌ عَظِيمَةٌ، وكانَ راكِبًا عَلى فَرَسٍ قَدْ بَطِرَ وأُعْجِبَ بِنَفْسِهِ فالتَقَمَتْهُ وفَرَسَهُ، وحِيلَ بَيْنَهُ وبَيْنَ نُوحٍ فَغَرِقَ. وقالَ الفَرّاءُ: بَيْنَهُما، أيْ: بَيْنَ ابْنِ نُوحٍ والجَبَلِ الَّذِي ظَنَّ أنَّهُ يَعْصِمُهُ.
هود 11:43
﴿وقالَ ارْكَبُوا فِيها بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها ومُرْساها إنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ﴿وهِيَ تَجْرِي بِهِمْ في مَوْجٍ كالجِبالِ ونادى نُوحٌ ابْنَهُ وكانَ في مَعْزِلٍ يا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنا ولا تَكُنْ مَعَ الكافِرِينَ﴾ ﴿قالَ سَآوِي إلى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الماءِ قالَ لا عاصِمَ اليَوْمَ مِن أمْرِ اللَّهِ إلّا مَن رَحِمَ وحالَ بَيْنَهُما المَوْجُ فَكانَ مِنَ المُغْرَقِينَ﴾ ﴿وقِيلَ يا أرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ ويا سَماءُ أقْلِعِي وغِيضَ الماءُ وقُضِيَ الأمْرُ واسْتَوَتْ عَلى الجُودِيِّ وقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ [هود: ٤٤] ﴿ونادى نُوحٌ رَبَّهُ فَقالَ رَبِّ إنَّ ابْنِي مِن أهْلِي وإنَّ وعْدَكَ الحَقُّ وأنْتَ أحْكَمُ الحاكِمِينَ﴾ [هود: ٤٥] ﴿قالَ يا نُوحُ إنَّهُ لَيْسَ مِن أهْلِكَ إنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ فَلا تَسْألْنِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إنِّي أعِظُكَ أنْ تَكُونَ مِنَ الجاهِلِينَ﴾ [هود: ٤٦] ﴿قالَ رَبِّ إنِّي أعُوذُ بِكَ أنْ أسْألَكَ ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وإلّا تَغْفِرْ لِي وتَرْحَمْنِي أكُنْ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ [هود: ٤٧] ﴿قِيلَ يا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلامٍ مِنّا وبَرَكاتٍ عَلَيْكَ وعَلى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ وأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهم ثُمَّ يَمَسُّهم مِنّا عَذابٌ ألِيمٌ﴾ [هود: ٤٨] ﴿تِلْكَ مِن أنْباءِ الغَيْبِ نُوحِيها إلَيْكَ ما كُنْتَ تَعْلَمُها أنْتَ ولا قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هَذا فاصْبِرْ إنَّ العاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [هود: ٤٩] ﴿وإلى عادٍ أخاهم هُودًا قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ إنْ أنْتُمْ إلّا مُفْتَرُونَ﴾ [هود: ٥٠] ﴿يا قَوْمِ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى الَّذِي فَطَرَنِي أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [هود: ٥١] ﴿ويا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكم ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكم مِدْرارًا ويَزِدْكم قُوَّةً إلى قُوَّتِكم ولا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ﴾ [هود: ٥٢] ﴿قالُوا يا هُودُ ما جِئْتَنا بِبَيِّنَةٍ وما نَحْنُ بِتارِكِي آلِهَتِنا عَنْ قَوْلِكَ وما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [هود: ٥٣] ﴿إنْ نَقُولُ إلّا اعْتَراكَ بَعْضُ آلِهَتِنا بِسُوءٍ قالَ إنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ واشْهَدُوا أنِّي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ﴾ [هود: ٥٤] ﴿مِن دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لا تُنْظِرُونِي﴾ [هود: ٥٥] ﴿إنِّي تَوَكَّلْتُ عَلى اللَّهِ رَبِّي ورَبِّكم ما مِن دابَّةٍ إلّا هو آخِذٌ بِناصِيَتِها إنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [هود: ٥٦] ﴿فَإنْ تَوَلَّوْا فَقَدْ أبْلَغْتُكم ما أُرْسِلْتُ بِهِ إلَيْكم ويَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكم ولا تَضُرُّونَهُ شَيْئًا إنَّ رَبِّي عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ﴾ [هود: ٥٧] ﴿ولَمّا جاءَ أمْرُنا نَجَّيْنا هُودًا والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنّا ونَجَّيْناهم مِن عَذابٍ غَلِيظٍ﴾ [هود: ٥٨] ﴿وتِلْكَ عادٌ جَحَدُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وعَصَوْا رُسُلَهُ واتَّبَعُوا أمْرَ كُلِّ جَبّارٍ عَنِيدٍ﴾ [هود: ٥٩] ﴿وأُتْبِعُوا في هَذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً ويَوْمَ القِيامَةِ ألا إنَّ عادًا كَفَرُوا رَبَّهم ألا بُعْدًا لِعادٍ قَوْمِ هُودٍ﴾ [هود: ٦٠] (p-٢٢٤)رَسا الشَّيْءُ يَرْسُو: ثَبَتَ واسْتَقَرَّ. قالَ:
؎فَصَبَرْتُ نَفْسًا عِنْدَ ذَلِكَ حُرَّةً تَرْسُو إذا نَفْسُ الجَبانِ تَطَلَّعُ
البَلْعُ: مَعْرُوفٌ، والفِعْلُ مِنهُ بَلَعَ بِكَسْرِ اللّامِ وبِفَتْحِها لُغَتانِ حَكاهُما الكِسائِيُّ والفَرّاءُ، يَبْلَعُ بَلْعًا، والبالُوعَةُ: المَوْضِعُ الَّذِي يَشْرَبُ الماءَ.
الإقْلاعُ: الإمْساكُ، يُقالُ: أقْلَعَ المَطَرُ وأقْلَعَتِ الحُمّى، أيْ: أمْسَكَتْ عَنِ المَحْمُومِ. وقِيلَ: أقْلَعَ عَنِ الشَّيْءِ: تَرَكَهُ، وهو قَرِيبٌ مِنَ الإمْساكِ. غاضَ الماءُ: نَقَصَ في نَفْسِهِ، وغِضْتُهُ: نَقَصْتُهُ، جاءَ لازِمًا ومُتَعَدِّيًا. الجُودِيُّ: عَلَمٌ لِجَبَلٍ بِالمَوْصِلِ، ومَن قالَ بِالجَزِيرَةِ أوْ بِآمِدَ فَلِأنَّهُما قَرِيبانِ مِنَ المَوْصِلِ. وقِيلَ الجُودِيُّ: اسْمٌ لِكُلِّ جَبَلٍ، ومِنهُ قَوْلُ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ:
؎سُبْحانَهُ ثُمَّ سُبْحانًا نَعُوذُ لَهُ ∗∗∗ وقَبْلَنا سَبَّحَ الجُودِيُّ والجُمُدُ
اعْتَراهُ بِكَذا: أصابَهُ بِهِ، وقِيلَ: افْتَعَلَ مِن عَراهُ يَعْرُوهُ. النّاصِيَةُ: مَنبَتُ الشَّعْرِ في مُقَدَّمِ الرَّأْسِ، ويُسَمّى الشَّعْرُ النّابِتُ هُناكَ ناصِيَةً باسِمِ مَنبَتِهِ. ونَصَوْتُ الرَّجُلَ انْصُوهُ نَصْوًا: مَدَدْتُ ناصِيَتَهُ. الجَبّارُ: المُتَكَبِّرُ. العَنِيدُ: الطّاغِي الَّذِي لا يَقْبَلُ الحَقَّ ولا يُصْغِي إلَيْهِ، مِن عَنَدَ يَعْنُدُ حادَ عَنِ الحَقِّ إلى جانِبٍ، قِيلَ: ومِنهُ عِنْدِي كَذا، أيْ: في جانِبِي. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: العَنِيدُ والعَنُودُ والمُعانِدُ والعانِدُ: المَعارِضُ بِالخِلافِ، ومِنهُ قِيلَ لِلْعِرْقِ الَّذِي يَنْفَجِرُ بِالدَّمِ: عانِدٌ.
﴿وقالَ ارْكَبُوا فِيها بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها ومُرْساها إنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ﴿وهِيَ تَجْرِي بِهِمْ في مَوْجٍ كالجِبالِ ونادى نُوحٌ ابْنَهُ وكانَ في مَعْزِلٍ يابُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنا ولا تَكُنْ مَعَ الكافِرِينَ﴾ ﴿قالَ سَآوِي إلى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الماءِ قالَ لا عاصِمَ اليَوْمَ مِن أمْرِ اللَّهِ إلّا مَن رَحِمَ وحالَ بَيْنَهُما المَوْجُ فَكانَ مِنَ المُغْرَقِينَ﴾: الضَّمِيرُ في وقالَ عائِدٌ عَلى نُوحٍ، أيْ: وقالَ نُوحٌ حِينَ أُمِرَ بِالحَمْلِ في السَّفِينَةِ لِمَن آمَنَ مَعَهُ ومَن أُمِرَ بِحَمْلِهِ: ارْكَبُوا فِيها. وقِيلَ: الضَّمِيرُ عائِدٌ عَلى اللَّهِ، والتَّقْدِيرُ: وقالَ اللَّهُ لِـ نُوحٍ ومَن مَعَهُ، ويُبْعِدُ ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿إنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ . قِيلَ: وغَلَبَ مَن يَعْقِلُ في قَوْلِهِ: ارْكَبُوا، وإنْ كانُوا قَلِيلًا بِالنِّسْبَةِ لِما لا يَعْقِلُ مِمَّنْ حُمِلَ فِيها، والظّاهِرُ أنَّهُ خِطابٌ لِمَن يَعْقِلُ خاصَّةً، لِأنَّهُ لا يَلِيقُ بِما لا يَعْقِلُ.
وعُدِّيَ ارْكَبُوا بِفي لِتَضْمِينِهِ مَعْنى صَيِّرُوا فِيها، أوْ مَعْنى ادْخُلُوا فِيها. وقِيلَ: التَّقْدِيرُ ارْكَبُوا الماءَ فِيها. وقِيلَ: في زائِدَةٌ لِلتَّوْكِيدِ، أيِ: ارْكَبُوها. والباءُ في باسِمِ اللَّهِ في مَوْضِعِ الحالِ، أوْ (p-٢٢٥)مُتَبَرِّكِينَ بِاسْمِ اللَّهِ. مَجْراها ومُرْساها: مَنصُوبانِ إمّا عَلى أنَّهُما ظَرْفا زَمانٍ أوْ مَكانٍ، لِأنَّهُما يَجِيئانِ لِذَلِكَ. أوْ ظَرْفا زَمانٍ عَلى جِهَةِ الحَذْفِ، كَما حُذِفَ مِن جِئْتُكَ مَقْدَمَ الحاجِّ، أيْ: وقْتَ قُدُومِ الحاجِّ، فَيَكُونُ مَجْراها ومُرْساها مَصْدَرانِ في الأصْلِ حُذِفَ مِنهُما المُضافُ، وانْتَصَبا بِما في باسِمِ اللَّهِ مِن مَعْنى الفِعْلِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (بِاسْمِ اللَّهِ) حالًا مِن ضَمِيرِ فِيها، و﴿مَجْراها ومُرْساها﴾ مَصْدَرانِ مَرْفُوعانِ عَلى الفاعِلِيَّةِ، أيِ: ارْكَبُوا فِيها مُلْتَبِسًا باسِمِ اللَّهِ إجْراؤُها وإرْساؤُها، أيْ: بِبَرَكَةِ اسْمِ اللَّهِ.
أوْ يَكُونُ مَجْراها ومُرْساها مَرْفُوعَيْنِ عَلى الِابْتِداءِ، وبِاسْمِ اللَّهِ الخَبَرُ، والجُمْلَةُ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في فِيها. وعَلى هَذِهِ التَّوْجِيهاتِ الثَّلاثَةِ فالكَلامُ جُمْلَةٌ واحِدَةٌ، والحالُ مُقَدَّرَةٌ. ولا يَجُوزُ مَعَ رَفْعِ مَجْراها ومُرْساها عَلى الفاعِلِيَّةِ أوْ الِابْتِداءِ أنْ يَكُونَ حالًا مِن ضَمِيرِ ارْكَبُوا، لِأنَّهُ لا عائِدَ عَلَيْهِ فِيما وقَعَ حالًا. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ﴿بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها ومُرْساها﴾ جُمْلَةً ثانِيَةً مِن مُبْتَدَأٍ وخَبَرٍ، لا تَعَلُّقَ لَها بِالجُمْلَةِ الأوْلى مِن حَيْثُ الإعْرابِ، أمَرَهم أوَّلًا بِالرُّكُوبِ، ثُمَّ أخْبَرَ أنَّ مَجْراها ومُرْساها بِذِكْرِ اللَّهِ أوْ بِأمْرِهِ وقُدْرَتِهِ، فالجُمْلَتانِ كَلامانِ مَحْكِيّانِ. يُقالُ: كَما أنَّ الجُمْلَةَ الثّانِيَةَ مَحْكِيَّةٌ أيْضًا بِـ (قالَ) .
وقالَ الضَّحّاكُ: إذا أرادَ جَرْيَ السَّفِينَةِ قالَ: بِاسْمِ اللَّهِ مَجْراها فَتَجْرِي، وإذا أرادَ وُقُوفَها قالَ: بِاسْمِ اللَّهِ مُرْساها فَتَقِفُ.
وقَرَأ مُجاهِدٌ والحَسَنُ وأبُو رَجاءٍ والأعْرَجُ وشَيْبَةُ والجُمْهُورُ مِنَ السَّبْعَةِ: الحَرَمِيّانِ والعَرَبِيّانِ وأبُو بَكْرٍ: ﴿مَجْراها﴾ بِضَمِّ المِيمِ. وقَرَأ الأخَوانِ وحَفْصٌ: بِفَتْحِها، وكُلُّهم ضَمَّ مِيمَ مُرْساها. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ وعِيسى الثَّقَفِيُّ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ والأعْمَشُ: ﴿مَجْراها ومُرْساها﴾ بِفَتْحِ المِيمَيْنِ، ظَرْفَيْ زَمانٍ أوْ مَكانٍ، أوْ مَصْدَرَيْنِ عَلى التَّقارِيرِ السّابِقَةِ.
وقَرَأ الضَّحّاكُ والنَّخَعِيُّ وابْنُ وثّابٍ وأبُو رَجاءٍ ومُجاهِدٌ وابْنُ جُنْدَبٍ والكَلْبِيُّ والجَحْدَرِيُّ: مُجْرِيها ومُرْسِيها، اسْمَيْ فاعِلٍ مِن أجْرى وأرْسى عَلى البَدَلِ مِنِ اسْمِ اللَّهِ، فَهُما في مَوْضِعِ خَبَرٍ، ولا يَكُونانِ صِفَتَيْنِ لِكَوْنِهِما نَكِرَتَيْنِ.
وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهُما عَلى هَذِهِ القِراءَةِ صِفَتانِ عائِدَتانِ عَلى ذِكْرِهِ في قَوْلِهِمْ بِاسْمِ اللَّهِ، انْتَهى.
ولا يَكُونانِ صِفَتَيْنِ إلّا عَلى تَقْدِيرِ أنْ يَكُونا مَعْرِفَتَيْنِ. وقَدْ ذَهَبَ الخَلِيلُ إلى أنَّ ما كانَتْ إضافَتُهُ غَيْرَ مَحْضَةٍ قَدْ يَصِحُّ أنْ تُجْعَلَ مَحْضَةً فَتُعَرَّفَ، إلّا ما كانَ مِنَ الصِّفَةِ المُشَبَّهَةِ فَلا تَتَمَحَّضُ إضافَتُها فَلا تُعَرَّفُ.
﴿إنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ﴾: سَتُورٌ عَلَيْكم ذُنُوبَكم بِتَوْبَتِكم وإيمانِكم، (رَحِيمٌ): لَكم إذا نَجّاكم مِنَ الغَرَقِ. ورُوِيَ في الحَدِيثِ: «أنَّ نُوحًا رَكِبَ في السَّفِينَةِ أوَّلَ يَوْمٍ مِن رَجَبٍ، وصامَ الشَّهْرَ أجْمَعَ» وعَنْ عِكْرِمَةَ: لِعَشْرٍ خَلَوْنَ مِن رَجَبٍ.
﴿وهِيَ تَجْرِي بِهِمْ﴾: إخْبارٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى بِما جَرى لِلسَّفِينَةِ، وبِهِمْ: حالٌ، أيْ: مُلْتَبِسَةٌ بِهِمْ، والمَعْنى: تَجْرِي وهم فِيها، ﴿فِي مَوْجٍ كالجِبالِ﴾، أيْ: في مَوْجِ الطُّوفانِ، شَبَّهَ كُلَّ مَوْجَةٍ مِنهُ بِجَبَلٍ في تَراكُمِها وارْتِفاعِها. رُوِيَ أنَّ السَّماءَ أمْطَرَتْ جَمِيعَها حَتّى لَمْ يَكُنْ في الهَواءِ جانِبٌ إلّا أمْطَرَ، وتَفَجَّرَتِ الأرْضُ كُلُّها بِالنَّبْعِ، وهَذا مَعْنى التِقاءِ الماءِ.
ورُوِيَ أنَّ الماءَ عَلا عَلى الجِبالِ وأعالِي الأرْضِ أرْبَعِينَ ذِراعًا، وقِيلَ: خَمْسَةَ عَشَرَ. وكَوْنُ السَّفِينَةِ تَجْرِي في مَوْجٍ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ كانَ في الماءِ مَوْجٌ، وأنَّهُ لَمْ يُطْبِقِ الماءُ ما بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ، وأنَّ السَّفِينَةَ لَمْ تَكُنْ تَجْرِي في جَوْفِ الماءِ، والماءُ أعْلاها وأسْفَلَها، فَكانَتْ تَسْبَحُ في الماءِ كَما تَسْبَحُ السَّمَكَةُ، كَما أشارَ إلَيْهِ الزَّجّاجُ والزَّمَخْشَرِيُّ وغَيْرُهُما.
وقَدِ اسْتَبْعَدَ ابْنُ عَطِيَّةَ هَذا قالَ: وأيْنَ كانَ المَوْجُ كالجِبالِ عَلى هَذا ؟ ثُمَّ كَيْفَ اسْتَقامَتْ حَياةُ مَن في السَّفِينَةِ ؟ وأجابَ الزَّمَخْشَرِيُّ: بِأنَّ الجَرَيانَ في المَوْجِ كانَ قَبْلَ التَّطْبِيقِ، وقَبْلَ أنْ يَعُمَّ الماءُ الجِبالَ. ألا تَرى إلى قَوْلِ ابْنِهِ: ﴿سَآوِي إلى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الماءِ﴾ .
﴿ونادى نُوحٌ ابْنَهُ﴾: الواوُ لا تُرَتِّبُ. وهَذا النِّداءُ كانَ قَبْلَ جَرْيِ السَّفِينَةِ في قَوْلِهِ: ﴿وهِيَ تَجْرِي بِهِمْ في مَوْجٍ﴾، وفي إضافَتِهِ إلَيْهِ هُنا، وفي قَوْلِهِ: ﴿إنَّ ابْنِي مِن أهْلِي﴾ [هود: ٤٥] ونِدائِهِ، دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ ابْنُهُ لِصُلْبِهِ، وهو قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ وابْنِ عَبّاسٍ وعِكْرِمَةَ والضَّحّاكِ وابْنِ جُبَيْرٍ ومَيْمُونِ بْنِ (p-٢٢٦)مِهْرانَ والجُمْهُورِ، واسْمُهُ كَنْعانُ. وقِيلَ: يامُ، وقِيلَ: كانَ ابْنَ قَرِيبٍ لَهُ ودَعاهُ بِالبُنُوَّةِ حَنانًا مِنهُ وتَلَطُّفًا.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: بِكَسْرِ تَنْوِينِ نُوحٍ، وقَرَأ وكِيعُ بْنُ الجَرّاحِ: بِضَمِّهِ، أتْبَعَ حَرَكَتَهُ حَرَكَةَ الإعْرابِ في الحاءِ. قالَ أبُو حاتِمٍ: هي لُغَةُ سُوءٍ لا تُعْرَفُ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: بِوَصْلِ هاءِ الكِنايَةِ بِواوٍ، وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ: إنَّهْ بِسُكُونِ الهاءِ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ وأبُو الفَضْلِ الرّازِيُّ: وهَذا عَلى لُغَةِ الأزْدِ الشُّراةِ، يُسَكِّنُونَ هاءَ الكِنايَةِ مِنَ المُذَكَّرِ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎ومِطْوايَ مُشْتاقانِ لَهُ أرِقانِ
وذَكَرَ غَيْرُهُ أنَّها لُغَةٌ لِبَنِي كِلابٍ وعَقِيلٍ، ومِنَ النَّحْوِيِّينَ مَن يَخُصُّ هَذا السُّكُونَ بِالضَّرُورَةِ ويُنْشِدُونَ:
؎وأشْرَبُ الماءَ ما بِي نَحْوَهُ عَطَشٌ ∗∗∗ إلّا لِأنَّ عُيُونَهُ سَيْلُ وادِيها
وقَرَأ السُّدِّيُّ: ابْناهُ بِألِفٍ، وهاءِ السَّكْتِ. قالَ أبُو الفَتْحِ: ذَلِكَ عَلى النِّداءِ. وذَهَبَتْ فِرْقَةٌ إلى أنَّهُ عَلى النُّدْبَةِ والرِّثاءِ. وقَرَأ عَلِيٌّ وعُرْوَةُ وعَلِيُّ بْنُ الحُسَيْنِ وابْنُهُ أبُو جَعْفَرٍ وابْنُهُ جَعْفَرٌ: ﴿ابْنَهُ﴾ بِفَتْحِ الهاءِ مِن غَيْرِ ألِفٍ، أيِ: ابْنَها مُضافًا لِضَمِيرِ امْرَأتِهِ، فاكْتَفى بِالفَتْحَةِ عَنِ الألِفِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهي لُغَةٌ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎إمّا تَقُودُ بِها شاةً فَتَأْكُلُها ∗∗∗ أوْ أنْ تَبِيعَهُ في بَعْضِ الأراكِيبِ
وأنْشَدَ ابْنُ الأعْرابِيِّ عَلى هَذا:
؎فَلَسْتَ بِمُدْرِكٍ ما فاتَ مِنِّي ∗∗∗ بِلَهْفَ ولا بِلَيْتَ ولا لَوانِّي
انْتَهى.
يُرِيدُ: تَلَهُّفًا، وخَطَّأ النَّحّاسُ أبا حاتِمٍ في حَذْفِ هَذِهِ الألِفِ، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ولَيْسَ كَما قالَ، انْتَهى.
وهَذا أعْنِي مِثْلَ تَلَهَّفَ بِحَذْفِ الألِفِ عِنْدَ أصْحابِنا ضَرُورَةً، ولِذَلِكَ لا يُجِيزُونَ: يا غُلامُ بِحَذْفِ الألِفِ، والِاجْتِزاءُ بِالفَتْحَةِ عَنْها كَما اجْتَزَءُوا بِالكَسْرَةِ في يا غُلامِ عَنِ الياءِ، وأجازَ ذَلِكَ الأخْفَشُ. وقَرَأ أيْضًا عَلِيٌّ وعُرْوَةُ: ابْنَها بِفَتْحِ الهاءِ وألِفٍ، أيِ: ابْنَ امْرَأتِهِ. وكَوْنُهُ لَيْسَ ابْنَهُ لِصُلْبِهِ، وإنَّما كانَ ابْنَ امْرَأتِهِ قَوْلَ عَلِيٍّ والحَسَنِ وابْنِ سِيرِينَ وعُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ. وكانَ الحَسَنُ يَحْلِفُ أنَّهُ لَيْسَ ابْنَهُ لِصُلْبِهِ، قالَ قَتادَةُ: فَقُلْتُ لَهُ: إنَّ اللَّهَ حَكى عَنْهُ: ﴿إنَّ ابْنِي مِن أهْلِي﴾ [هود: ٤٥]، وأنْتَ تَقُولُ: لَمْ يَكُنِ ابْنَهُ، وأهْلُ الكِتابِ لا يَخْتَلِفُونَ في أنَّهُ كانَ ابْنَهُ فَقالَ: ومَن يَأْخُذُ دِينَهُ مِن أهْلِ الكِتابِ ؟ واسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِ ﴿مِن أهْلِي﴾ [هود: ٤٥] ولَمْ يَقُلْ مِنِّي، فَعَلى هَذا يَكُونُ رَبِيبًا.
وكانَ عِكْرِمَةُ والضَّحّاكُ يَحْلِفانِ عَلى أنَّهُ ابْنُهُ، ولا يُتَوَهَّمُ أنَّهُ كانَ لِغَيْرِ رِشْدَةٍ، لِأنَّ ذَلِكَ غَضاضَةٌ عُصِمَتْ مِنهُ الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الحَسَنِ وابْنِ جُرَيْجٍ، ولَعَلَّهُ لا يَصِحُّ عَنْهُما. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ما بَغَتِ امْرَأةُ نَبِيٍّ قَطُّ، والَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ ظاهِرُ الآيَةِ أنَّهُ ابْنُهُ، وأمّا قِراءَةُ مَن قَرَأ: ابْنَهُ أوِ ابْنَها فَشاذَّةٌ، ويُمْكِنُ أنْ نُسِبَ إلى أُمِّهِ وأُضِيفَ إلَيْها، ولَمْ يُضَفْ إلى أبِيهِ لِأنَّهُ كانَ كافِرًا مِثْلَها، يُلْحَظُ فِيهِ هَذا المَعْنى ولَمْ يُضَفْ إلَيْهِ اسْتِبْعادًا لَهُ، ورَعْيًا أنْ لا يُضافُ إلَيْهِ كافِرٌ، وإنَّما ناداهُ ظَنًّا مِنهُ أنَّهُ مُؤْمِنٌ، ولَوْلا ذَلِكَ ما أحَبَّ نَجاتَهُ. أوْ ظَنًّا مِنهُ أنَّهُ يُؤْمِنُ إنْ كانَ كافِرًا لِما شاهَدَ مِنَ الأهْوالِ العَظِيمَةِ، وأنَّهُ يَقْبَلُ الإيمانَ. ويَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿ارْكَبْ مَعَنا﴾ كالدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ طَلَبَ مِنهُ الإيمانَ، وتَأكَّدَ بِقَوْلِهِ: ﴿ولا تَكُنْ مَعَ الكافِرِينَ﴾، أيِ: ارْكَبْ مَعَ المُؤْمِنِينَ، إذْ لا يَرْكَبُ مَعَهم إلّا مُؤْمِنٌ لِقَوْلِهِ: ﴿ومَن آمَنَ﴾ [هود: ٤٠] .
و﴿فِي مَعْزِلٍ﴾، أيْ: في مَكانٍ عَزَلَ فِيهِ نَفْسَهُ عَنْ أبِيهِ وعَنْ مَرْكَبِ المُؤْمِنِينَ. وقِيلَ: في مَعْزِلٍ عَنْ دِينِ أبِيهِ.
ونِداؤُهُ بِالتَّصْغِيرِ خِطابُ تَحَنُّنٍ ورَأْفَةٍ، والمَعْنى: ارْكَبْ مَعَنا في السَّفِينَةِ فَتَنْجُوَ ولا تَكُنْ مَعَ الكافِرِينَ فَتَهْلَكَ. وقَرَأ عاصِمٌ: (يا بَنِيَ) بِفَتْحِ الباءِ، ووُجِّهَ عَلى أنَّهُ اجْتَزَأ بِالفَتْحَةِ عَنِ الألْفِ، وأصْلُهُ: يا بُنَيًّا كَقَوْلِكَ: يا غُلامًا، كَما اجْتَزَأ باقِي السَّبْعَةِ بِالكَسْرَةِ عَنِ الياءِ في قِراءَتِهِمْ يا بَنِي بِكَسْرِ الياءِ، أوْ أنَّ الألِفَ انْحَذَفَتْ لِالتِقائِها مَعَ راءِ ارْكَبْ. وظَنَّ ابْنُ نُوحٍ أنَّ ذَلِكَ المَطَرَ والتَّفْجِيرَ عَلى العادَةِ، فَلِذَلِكَ قالَ: ﴿سَآوِي إلى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الماءِ﴾، أيْ: مِن (p-٢٢٧)وُصُولِ الماءِ إلَيَّ فَلا أغْرَقُ، وهَذا يَدُلُّ عَلى عادَتِهِ في الكُفْرِ، وعَدَمِ وُثُوقِهِ بِأبِيهِ فِيما أخْبَرَ بِهِ.
قِيلَ: والجَبَلُ الَّذِي عَناهُ طُورُ زَيْتا فَلَمْ يَمْنَعْهُ، والظّاهِرُ إبْقاءُ (عاصِمَ) عَلى حَقِيقَتِهِ وأنَّهُ نَفى كُلَّ عاصِمٍ مِن أمْرِ اللَّهِ في ذَلِكَ الوَقْتِ، وأنَّ مَن رَحِمَ يَقَعُ فِيهِ (مَن) عَلى المَعْصُومِ. والضَّمِيرُ الفاعِلُ يَعُودُ عَلى اللَّهِ تَعالى، وضَمِيرُ المَوْصُولِ مَحْذُوفٌ، ويَكُونُ الِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعًا، أيْ: لَكِنْ مَن رَحِمَهُ اللَّهُ مَعْصُومٌ، وجَوَّزُوا أنْ يَكُونَ مِنَ اللَّهِ تَعالى، أيْ لا عاصِمَ إلّا الرّاحِمُ، وأنْ يَكُونَ عاصِمَ بِمَعْنى ذِي عِصْمَةٍ، كَما قالُوا لابِنٌ، أيْ: ذُو لَبَنٍ، وذُو عِصْمَةٍ: مُطْلَقٌ عَلى عاصِمٍ وعَلى مَعْصُومٍ، والمُرادُ بِهِ هُنا: المَعْصُومُ. أوْ فاعِلٌ بِمَعْنى: مَفْعُولٍ، فَيَكُونُ عاصِمٌ بِمَعْنى: مَعْصُومٍ، كَماءٍ دافِقٍ بِمَعْنى: مَدْفُوقٍ. وقالَ الشّاعِرُ:
؎بَطِيءُ القِيامِ رَخِيمُ الكَلامِ ∗∗∗ أمْسى فُؤادِي بِهِ فاتِنًا
أيْ: مَفْتُونًا. و(مَن) لِلْمَعْصُومِ، أيْ: لا ذا عِصْمَةٍ، أوْ لا مَعْصُومَ إلّا المَرْحُومُ. وعَلى هَذَيْنِ التَّجْوِيزَيْنِ يَكُونُ اسْتِثْناءً مُتَّصِلًا، وجَعَلَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ مُتَّصِلًا بِطَرِيقٍ أُخْرى: وهو حَذْفُ مُضافٍ وقَدَّرَهُ: لا يَعْصِمُكَ اليَوْمَ مُعْتَصَمٌ قَطُّ مِن جَبَلٍ ونَحْوِهِ سِوى مُعْتَصَمٍ واحِدٍ، وهو مَكانُ مَن رَحِمَهُمُ اللَّهُ ونَجّاهم، يَعْنِي في السَّفِينَةِ، انْتَهى.
والظّاهِرُ أنَّ خَبَرَ ﴿لا عاصِمَ﴾ مَحْذُوفٌ، لِأنَّهُ إذا عُلِمَ كَهَذا المَوْضِعِ التَزَمَ حَذْفَهُ بَنُو تَمِيمٍ، وكَثُرَ حَذْفُهُ عِنْدَ أهْلِ الحِجازِ، لِأنَّهُ لَمّا قالَ: ﴿سَآوِي إلى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الماءِ﴾ قالَ لَهُ نُوحٌ: ﴿لا عاصِمَ﴾، أيْ: لا عاصِمَ مَوْجُودٌ.
ويَكُونُ اليَوْمَ مَنصُوبًا عَلى إضْمارِ فِعْلٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ عاصِمَ، أيْ: لا عاصِمَ يَعْصِمُ اليَوْمَ مِن أمْرِ اللَّهِ، ومِن أمْرِ: مُتَعَلِّقٌ بِذَلِكَ الفِعْلِ المَحْذُوفِ، ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ اليَوْمَ مَنصُوبًا بِقَوْلِهِ: ﴿لا عاصِمَ﴾، ولا أنْ يَكُونَ مِن أمْرِ اللَّهِ مُتَعَلِّقًا بِهِ، لِأنَّ اسْمَ لا إذْ ذاكَ كانَ يَكُونُ مُطَوَّلًا، وإذا كانَ مُطَوَّلًا لَزِمَ تَنْوِينُهُ وإعْرابُهُ، ولا يُبْنى وهو مَبْنِيٌّ، فَبَطَلَ ذَلِكَ.
وأجازَ الحَوْفِيُّ وابْنُ عَطِيَّةَ أنْ يَكُونَ اليَوْمَ خَبَرًا لِقَوْلِهِ: ﴿لا عاصِمَ﴾ . قالَ الحَوْفِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (اليَوْمَ) خَبَرًا ويَتَعَلَّقَ بِمَعْنى الِاسْتِقْرارِ، وتَكُونَ (مِن) مُتَعَلِّقَةً بِما تَعَلَّقَ بِهِ (اليَوْمَ) . وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: و(اليَوْمَ) ظَرْفٌ وهو مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن أمْرِ اللَّهِ﴾، أوْ بِالخَبَرِ الَّذِي تَقْدِيرُهُ: كائِنٌ اليَوْمَ، انْتَهى.
ورَدَّ ذَلِكَ أبُو البَقاءِ فَقالَ: فَأمّا خَبَرُ لا فَلا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ اليَوْمَ، لِأنَّ ظَرْفَ الزَّمانِ لا يَكُونُ خَبَرًا عَنِ الجَنَّةِ، بَلِ الخَبَرُ مِن أمْرِ اللَّهِ، واليَوْمُ مَعْمُولٌ مِن أمْرِ اللَّهِ. وقالَ الحَوْفِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (اليَوْمَ) نَعْتًا لِعاصِمَ (ومِن) الخَبَرَ، انْتَهى.
ويُرَدُّ بِما رَدَّ بِهِ أبُو البَقاءِ مِن أنَّ ظَرْفَ الزَّمانِ لا يَكُونُ نَعْتًا لِلْجُثَثِ، كَما لا يَكُونُ خَبَرًا. وقُرِئَ: إلّا مَن رُحِمَ بِضَمِّ الرّاءِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ بِمَن في قِراءَةِ الجُمْهُورِ الَّذِينَ فَتَحُوا الرّاءَ هو المَرْحُومُ لا الرّاحِمُ، ﴿وحالَ بَيْنَهُما﴾ أيْ: بَيْنَ نُوحٍ وابْنِهِ. قِيلَ: كانا يَتَراجَعانِ الكَلامَ، فَما اسْتَتَمَّتِ المُراجَعَةُ حَتّى جاءَتْ مَوْجَةٌ عَظِيمَةٌ، وكانَ راكِبًا عَلى فَرَسٍ قَدْ بَطِرَ وأُعْجِبَ بِنَفْسِهِ فالتَقَمَتْهُ وفَرَسَهُ، وحِيلَ بَيْنَهُ وبَيْنَ نُوحٍ فَغَرِقَ. وقالَ الفَرّاءُ: بَيْنَهُما، أيْ: بَيْنَ ابْنِ نُوحٍ والجَبَلِ الَّذِي ظَنَّ أنَّهُ يَعْصِمُهُ.
هود 11:44
(p-٢٢٨)﴿وقِيلَ يا أرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ ويا سَماءُ أقْلِعِي وغِيضَ الماءُ وقُضِيَ الأمْرُ واسْتَوَتْ عَلى الجُودِيِّ وقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ ﴿ونادى نُوحٌ رَبَّهُ فَقالَ رَبِّ إنَّ ابْنِي مِن أهْلِي وإنَّ وعْدَكَ الحَقُّ وأنْتَ أحْكَمُ الحاكِمِينَ﴾ ﴿قالَ يانُوحُ إنَّهُ لَيْسَ مِن أهْلِكَ إنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ فَلا تَسْألْنِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إنِّي أعِظُكَ أنْ تَكُونَ مِنَ الجاهِلِينَ﴾ ﴿قالَ رَبِّ إنِّي أعُوذُ بِكَ أنْ أسْألَكَ ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وإلّا تَغْفِرْ لِي وتَرْحَمْنِي أكُنْ مِنَ الخاسِرِينَ﴾: قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: نادى الأرْضَ والسَّماءَ بِما يُنادى بِهِ الإنْسانُ المُمَيِّزُ عَلى لَفْظِ التَّخْصِيصِ والإقْبالِ عَلَيْهِما بِالخِطابِ مِن بَيْنِ سائِرِ المَخْلُوقاتِ وهو قَوْلُهُ: ﴿ياأرْضُ﴾ و(يا سَماءُ)، ثُمَّ أمَرَهُما بِما يُؤْمَرُ بِهِ أهْلُ التَّمْيِيزِ والعَقْلِ مِن قَوْلِهِ: ﴿ابْلَعِي ماءَكِ﴾ و﴿أقْلِعِي﴾، مِنَ الدَّلالَةِ عَلى الِاقْتِدارِ العَظِيمِ، وأنَّ السَّماواتِ والأرْضَ وهَذِهِ الأجْرامَ العِظامَ مُنْقادَةٌ لِتَكْوِينِهِ فِيها ما يَشاءُ، غَيْرَ مُمْتَنِعَةٍ عَلَيْهِ كَأنَّهَمْ عُقَلاءُ مُمَيِّزُونَ، قَدْ عَرَفُوا عَظَمَتَهُ وجَلالَهُ وثَوابَهُ وعِقابَهُ وقُدْرَتَهُ عَلى كُلِّ مَقْدُورٍ، وتَبَيَّنُوا تَحَتُّمَ طاعَتِهِ عَلَيْهِمْ وانْقِيادِهِمْ لَهُ، وهم يَهابُونَهُ ويَفْزَعُونَ مِنَ التَّوَقُّفِ دُونَ الِامْتِثالِ لَهُ والنُّزُولِ عَنْ مَشِيئَتِهِ عَلى الفَوْرِ مِن غَيْرِ رَيْبٍ.
فَكَما يَرِدُ عَلَيْهِمْ أمْرُهُ كانَ المَأْمُورُ بِهِ مَفْعُولًا لا حَبْسَ ولا بُطْءَ. وبَسَطَ الزَّمَخْشَرِيُّ وذَيَّلَ في هَذا الكَلامِ الحَسَنِ، قالَ الحَسَنُ: يَدُلُّ عَلى عَظَمَةِ هَذِهِ الأجْسامِ، والحَقُّ تَعالى مُسْتَوْلٍ عَلَيْها مُتَصَرِّفٌ فِيها كَيْفَ يَشاءُ وأرادَ، فَصارَ ذَلِكَ سَبَبًا لِوُقُوفِ القُوَّةِ العَقْلِيَّةِ عَلى كَمالِ جَلالِ اللَّهِ تَعالى وعُلُوِّ قُدْرَتِهِ وهَيْبَتِهِ، انْتَهى.
وبِناءُ الفِعْلِ في (وقِيلَ) وما بَعْدَها لِلْمَفْعُولِ أبْلَغُ في التَّعْظِيمِ والجَبَرُوتِ وأخْصَرُ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ومَجِيءُ إخْبارِهِ عَلى الفِعْلِ المَبْنِيِّ لِلْمَفْعُولِ لِلدَّلالَةِ عَلى الجَلالِ والكِبْرِياءِ، وأنَّ تِلْكَ الأُمُورَ العِظامَ لا تَكُونُ إلّا بِفِعْلِ فاعِلٍ قادِرٍ، وتَكْوِينِ مُكَوِّنٍ قاهِرٍ، وأنَّ فاعِلَ هَذِهِ الأفْعالِ فاعِلٌ واحِدٌ لا يُشارَكُ في أفْعالِهِ، فَلا يَذْهَبِ الوَهْمُ إلى أنْ يَقُولَ غَيْرُهُ ﴿ياأرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ ويا سَماءُ أقْلِعِي﴾، ولا أنْ يَقْضِيَ ذَلِكَ الأمْرَ الهائِلَ غَيْرُهُ، ولا أنْ تَسْتَوِيَ السَّفِينَةُ عَلى الجُودِيِّ وتَسْتَقِرَّ عَلَيْهِ إلّا بِتَسْوِيَتِهِ وإقْرارِهِ، ولِما ذَكَرْناهُ مِنَ المَعانِي والنُّكَتِ.
واسْتَفْصَحَ عُلَماءُ البَيانِ هَذِهِ الآيَةَ ورَقَّصُوا لَها رُءُوسَهم، لا لِتَجانُسِ الكَلِمَتَيْنِ وهُما قَوْلُهُ: ﴿ابْلَعِي﴾ و﴿أقْلِعِي﴾، وذَلِكَ وإنْ كانَ الكَلامُ لا يَخْلُو مِن حُسْنٍ، فَهو كَغَيْرِ المُلْتَفَتِ إلَيْهِ بِإزاءِ تِلْكَ المَحاسِنِ الَّتِي هي اللُّبُّ، وما عَداها قُشُورٌ، انْتَهى.
وأكْثَرُهُ خَطابَةً، وهَذا النِّداءُ والخِطابُ بِالأمْرِ هو اسْتِعارَةٌ مَجازِيَّةٌ، وعَلى هَذا جُمْهُورُ الحُذّاقِ. وقِيلَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى أحْدَثَ فِيهِما إدْراكًا وفَهْمًا لِمَعانِي الخِطابِ.
ورُوِيَ أنَّ أعْرابِيًا سَمِعَ هَذِهِ الآيَةَ فَقالَ: هَذا كَلامُ القادِرِينَ، وعارَضَ ابْنُ المُقَفَّعِ القُرْآنَ فَلَمّا وصَلَ إلى هَذِهِ الآيَةِ أمْسَكَ عَنِ المُعارَضَةِ وقالَ: هَذا كَلامٌ لا يَسْتَطِيعُ أحَدٌ مِنَ البَشَرِ أنْ يَأْتِيَ بِمِثْلِهِ.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وقُضِيَ الأمْرُ﴾: غَرِقَ مَن غَرِقَ ونَجا مَن نَجا. وقالَ مُجاهِدٌ: قُضِيَ الأمْرُ بِهَلاكِهِمْ، وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: قُضِيَ الأمْرُ: فُرِغَ مِنهُ، وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: أُحْكِمَتْ هَلَكَةُ قَوْمِ نُوحٍ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أنْجَزَ ما وعَدَ اللَّهُ نُوحًا مِن هَلاكِ قَوْمِهِ.
﴿واسْتَوَتْ﴾ أيِ: اسْتَقَرَّتِ السَّفِينَةُ عَلى الجُودِيِّ، واسْتِقْرارُها يَوْمَ عاشُوراءَ مِنَ المُحَرَّمِ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ والضَّحّاكُ. وقِيلَ: يَوْمُ (p-٢٢٩)الجُمُعَةِ، وقِيلَ: في ذِي الحِجَّةِ. وأقامَتْ عَلى الجُودِيِّ شَهْرًا، وهَبَطَ بِهِمْ يَوْمَ عاشُوراءَ. وذَكَرُوا أنَّ الجِبالَ تَطاوَلَتْ وتَخاشَعَ الجُودِيُّ. وحَدِيثُ بَعْثِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ الغُرابَ والحَمامَةَ لِيَأْتِياهُ بِخَبَرِ كَمالِ الغَرَقِ، اللَّهُ أعْلَمُ بِما كانَ مِن ذَلِكَ.
وقَرَأ الأعْمَشُ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: ﴿عَلى الجُودِيِّ﴾ بِسُكُونِ الياءِ مُخَفَّفَةً. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهُما لُغَتانِ، وقالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: هو تَخْفِيفُ ياءِ النَّسَبِ، وهَذا التَّخْفِيفُ بابُهُ الشِّعْرُ لِشُذُوذِهِ، والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وقِيلَ بُعْدًا﴾ مِن قَوْلِ اللَّهِ تَعالى كالأفْعالِ السّابِقَةِ، وبُنِيَ الجَمِيعُ لِلْمَفْعُولِ لِلْعِلْمِ بِالفاعِلِ، وقِيلَ: مِن قَوْلِ نُوحٍ والمُؤْمِنِينَ.
قِيلَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن قَوْلِ المَلائِكَةِ، قِيلَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ عِبارَةً عَنْ بُلُوغِ الأمْرِ ذَلِكَ المَبْلَغَ وإنْ لَمْ يَكُنْ، ثُمَّ قَوْلٌ مَحْسُوسٌ. ومَعْنى بُعْدًا: هَلاكًا يُقالُ: بَعُدَ يَبْعُدُ بُعْدًا وبَعَدًا إذا هَلَكَ، واللّامُ في لِلْقَوْمِ مِن صِلَةِ المَصْدَرِ. وقِيلَ: تَتَعَلَّقُ بِقَوْلِهِ: (وقِيلَ)، والتَّقْدِيرُ: وقِيلَ لِأجْلِ الظّالِمِينَ، إذْ لا يُمْكِنُ أنْ يُخاطَبَ الهالِكُ إلّا عَلى سَبِيلِ المَجازِ.
ومَعْنى ﴿ونادى نُوحٌ رَبَّهُ﴾ أيْ: أرادَ أنْ يُنادِيَهُ، ولِذَلِكَ أدْخَلَ الفاءَ، إذْ لَوْ كانَ أرادَ حَقِيقَةَ النِّداءِ والإخْبارَ عَنْ وُقُوعِهِ مِنهُ لَمْ تَدْخُلِ الفاءُ في (فَقالَ) ولَسَقَطَتْ كَما لَمْ تَدْخُلْ في قَوْلِهِ: ﴿إذْ نادى رَبَّهُ نِداءً خَفِيًّا قالَ رَبِّ﴾ [مريم: ٣] والواوُ في هَذِهِ الجُمْلَةِ لا تُرَتِّبُ أيْضًا، وذَلِكَ أنَّ هَذِهِ القِصَّةَ كانَتْ أوَّلَ ما رَكِبَ نُوحٌ السَّفِينَةَ، ويَظْهَرُ مِن كَلامِ الطَّبَرِيِّ أنَّ ذَلِكَ مِن بَعْدِ غَرَقِ الِابْنِ. وفي قَوْلِهِ: ﴿إنَّ ابْنِي مِن أهْلِي﴾ ظُهُورُ أنَّهُ ولَدُهُ لِصُلْبِهِ. ومَعْنى ﴿مِن أهْلِي﴾ أيِ: الَّذِي أُمِرْتُ أنْ أحْمِلَهم في السَّفِينَةِ لِقَوْلِهِ: ﴿احْمِلْ فِيها مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وأهْلَكَ﴾ [هود: ٤٠] ولَمْ يَظُنَّ أنَّهُ داخِلٌ فِيمَنِ اسْتَثْناهُ اللَّهُ بِقَوْلِهِ: إلّا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ القَوْلُ مِنهم لِظَنِّهِ أنَّهُ مُؤْمِنٌ وعُمُومُ قَوْلِهِ: ﴿ومَن آمَنَ﴾ [هود: ٤٠] يَشْمَلُ مَن آمَنَ مِن أهْلِهِ ومِن غَيْرِ أهْلِهِ، وحَسُنَ الخِطابُ بِقَوْلِهِ: ﴿وإنَّ وعْدَكَ الحَقُّ﴾ أيِ: الوَعْدُ الثّابِتُ الَّذِي لا شَكَّ في إنْجازِهِ والوَفاءِ بِهِ وقَدْ وعَدْتَنِي أنْ تُنَجِّيَ أهْلِي، وأنْتَ أعْلَمُ الحُكّامِ وأعْدَلُهم.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مِنَ الحِكْمَةِ حاكِمٌ بِمَعْنى النِّسْبَةِ، كَما يُقالُ: دارِعٌ مِنَ الدِّرْعِ، وحائِضٌ وطالِقٌ عَلى مَذْهَبِ الخَلِيلِ، انْتَهى.
ومَعْنى ﴿لَيْسَ مِن أهْلِكَ﴾ عَلى قَوْلِ مَن قالَ: إنَّهُ ابْنُهُ لِصُلْبِهِ أيِ: النّاجِينَ، أوِ الَّذِينَ عَمَّهُمُ الوَعْدُ. ومَن زَعَمَ أنَّهُ رَبِيبُهُ فَهو لَيْسَ مِن أهْلِهِ حَقِيقَةً، إذْ لا نِسْبَةَ بَيْنَهُ وبَيْنَهُ بِوِلادَةٍ، فَعَلى هَذا نَفى ما قُدِّرَ أنَّهُ داخِلٌ في قَوْلِهِ: (وأهْلَكَ)، ثُمَّ عَلَّلَ انْتِفاءَ كَوْنِهِ لَيْسَ مِن أهْلِهِ بِأنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ.
والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في إنَّهُ عائِدٌ عَلى ابْنِ نُوحٍ لا عَلى النِّداءِ المَفْهُومِ مِن قَوْلِهِ: (ونادى) المُتَضَمِّنِ سُؤالَ رَبِّهِ، وجَعَلَهُ نَفْسَ العَمَلِ مُبالَغَةً في ذَمِّهِ كَما قالَ: فَإنَّما هي إقْبالٌ وإدْبارٌ، هَذا عَلى قِراءَةِ جُمْهُورِ السَّبْعَةِ.
وقَرَأ الكِسائِيُّ: ﴿عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ﴾ جَعَلَهُ فِعْلًا ناصِبًا غَيْرَ صالِحٍ، وهي قِراءَةُ عَلِيٍّ وأنَسٍ وابْنِ عَبّاسٍ وعائِشَةَ، ورَوَتْها عائِشَةُ وأُمُّ سَلَمَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وهَذا يُرَجِّحُ أنَّ الضَّمِيرَ يَعُودُ عَلى ابْنِ نُوحٍ. قِيلَ: ويُرَجِّحُ كَوْنَ الضَّمِيرِ في (إنَّهُ) عائِدًا عَلى نِداءِ نُوحٍ المُتَضَمِّنِ السُّؤالَ أنَّ في مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ، إنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ أنْ تَسْألَنِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ. وقِيلَ: يَعُودُ الضَّمِيرُ في هَذِهِ القِراءَةِ عَلى رُكُوبِ ولَدِ نُوحٍ مَعَهُمُ، الَّذِي تَضَمَّنَهُ سُؤالُ نُوحٍ، المَعْنى: أنَّ كَوْنَهُ مَعَ الكافِرِينَ وتَرْكَهُ الرُّكُوبَ مَعَ المُؤْمِنِينَ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ، وكَوْنُ الضَّمِيرِ في (إنَّهُ) عائِدًا عَلى غَيْرِ ابْنِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ تَكَلُّفٌ وتَعَسُّفٌ لا يَلِيقُ بِالقُرْآنِ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): فَهَلّا قِيلَ إنَّهُ عَمَلٌ فاسِدٌ ؟ (قُلْتُ): لَمّا نَفاهُ مِن أهْلِهِ نَفى عَنْهُ صِفَتَهم بِكَلِمَةِ النَّفْيِ الَّتِي يُسْتَنْفى مَعَها لَفْظُ المَنفِيِّ، وأذِنَ بِذَلِكَ أنَّهُ إنَّما أنْجى مَن أنْجى مِن أهْلِهِ بِصَلاحِهِمْ، لا لِأنَّهم أهْلُكَ وأقارِبُكَ، وإنَّ هَذا لَمّا انْتَفى عَنْهُ الصَّلاحُ لَمْ تَنْفَعْهُ أُبُوَّتُكَ.
وقَرَأ الصّاحِبانِ: (تَسْألَنِّ) بِتَشْدِيدِ النُّونِ مَكْسُورَةً، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ وشَيْبَةُ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ كَذَلِكَ، إلّا أنَّهم أثْبَتُوا الباءَ بَعْدَ النُّونِ، وابْنُ كَثِيرٍ بِتَشْدِيدِها مَفْتُوحَةً وهي قِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ.
وقَرَأ الحَسَنُ وابْنُ أبِي مُلَيْكَةَ: (تَسالنِي) مِن غَيْرِ هَمْزٍ مِن سالَ يَسالُ وهُما يَتَساوَلانِ، وهي (p-٢٣٠)لُغَةٌ سائِرَةٌ. وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ بِالهَمْزِ وإسْكانِ اللّامِ وكَسْرِ النُّونِ وتَخْفِيفِها، وأثْبَتَ الياءَ في الوَصْلِ ورْشٌ وأبُو عَمْرٍو، وحَذَفَها الباقُونَ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَلا تَلْتَمِسْ مُلْتَمَسًا أوِ التِماسًا، لا تَعْلَمُ أصَوابٌ هو أمْ غَيْرُ صَوابٍ حَتّى تَقِفَ عَلى كُنْهِهِ ؟ .
وذِكْرُ المَسْألَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ النِّداءَ كانَ قَبْلَ أنْ يَغْرَقَ حِينَ خافَ عَلَيْهِ. (فَإنْ قُلْتَ): لِمَ سَمّى نِداءَهُ سُؤالًا ولا سُؤالَ فِيهِ ؟ (قُلْتُ): قَدْ تَضَمَّنَ دُعاؤُهُ مَعْنى السُّؤالِ وإنْ لَمْ يُصَرِّحْ بِهِ، لِأنَّهُ إذا ذَكَرَ المَوْعِدَ بِنَجاةِ أهْلِهِ في وقْتِ مُشارَفَةِ الغَرَقِ فَقَدِ اسْتَنْجَزَ، وجَعَلَ سُؤالَ ما لا يُعْرَفُ كُنْهُهُ جَهْلًا وغَباوَةً، ووَعْظَهُ أنْ لا يَعُودَ إلَيْهِ وإلى أمْثالِهِ مِن أفْعالِ الجاهِلِينَ. (فَإنْ قُلْتَ) قَدْ وعَدَ اللَّهُ أنْ يُنْجِيَ أهْلَهُ، وما كانَ عِنْدَهُ أنَّ ابْنَهُ لَيْسَ مِنهم دِينًا، فَلَمّا أشْفى عَلى الغَرَقِ تَشابَهَ عَلَيْهِ الأمْرُ، لِأنَّ العِدَةَ قَدْ سَبَقَتْ لَهُ، وقَدْ عَرَفَ اللَّهَ حَكِيمًا لا يَجُوزُ عَلَيْهِ فِعْلُ القَبِيحِ وخَلْفُ المِيعادِ فَطَلَبَ إماطَةَ الشُّبْهَةِ، وطَلَبُ إماطَةِ الشُّبْهَةِ واجِبٌ، فَلِمَ زُجِرَ وجُعِلَ سُؤالُهُ جَهْلًا ؟ (قُلْتُ): إنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ قَدَّمَ لَهُ الوَعْدَ بِإنْجاءِ أهْلِهِ، مَعَ اسْتِثْناءِ مَن عَلَيْهِ القَوْلُ مِنهم، فَكانَ عَلَيْهِ أنْ يَعْتَقِدَ أنَّ في جُمْلَةِ أهْلِهِ مَن هو مُسْتَوْجِبُ العَذابِ لِكَوْنِهِ غَيْرَ صالِحٍ، وأنَّ كُلَّهم لَيْسُوا بِناجِينَ، وأنْ لا تُخالِجَهُ شُبْهَةٌ حِينَ شارَفَ ولَدُهُ عَلى الغَرَقِ في أنَّهُ مِنَ المُسْتَثْنِينَ لا مِنَ المُسْتَثْنى مِنهم، فَعُوتِبَ عَلى أنِ اشْتَبَهَ عَلَيْهِ ما يَجِبُ بِما يَجِبُ أنْ لا يَشْتِبَهَ.
وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿فَلا تَسْألْنِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ أيْ: إذْ وعَدْتُكَ فاعْلَمْ يَقِينًا أنَّهُ لا خُلْفَ في الوَعْدِ، فَإذا رَأيْتَ ولَدَكَ لَمْ يُحْمَلْ فَكانَ الواجِبُ عَلَيْكَ أنْ تَقِفَ وتَعْلَمَ أنَّ ذَلِكَ لِحَقٍّ واجِبٍ عِنْدَ اللَّهِ، ولَكِنَّ نُوحًا عَلَيْهِ السَّلامُ حَمَلَتْهُ شَفَقَةُ البُنُوَّةِ وسَجِيَّةُ البَشَرِ عَلى التَّعَرُّضِ لِنَفَحاتِ الرَّحْمَةِ والتَّذْكِيرِ، وعَلى هَذا القَدْرِ وقَعَ عِقابُهُ، ولِذَلِكَ جاءَ بِتَلَطُّفٍ وتَرَجٍّ في قَوْلِهِ: ﴿إنِّي أعِظُكَ أنْ تَكُونَ مِنَ الجاهِلِينَ﴾ .
ويَحْتَمِلُ قَوْلُهُ: ﴿فَلا تَسْألْنِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ أيْ: لا تَطْلُبْ مِنِّي أمْرًا لا تَعْلَمُ المَصْلَحَةَ فِيهِ عِلْمَ يَقِينٍ، ونَحا إلى هَذا أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ وقالَ: إنَّ (بِهِ) يَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِلَفْظٍ عامٍّ كَما قالَ الشّاعِرُ:
؎كَأنَّ جَزائِي بِالعَصا أنْ أُجْلَدا
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ بِهِ بِمَنزِلَةِ فِيهِ، فَتَتَعَلَّقُ الباءُ بِالمُسْتَقَرِّ. واخْتِلافُ هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ إنَّما هو لَفْظِيٌّ، والمَعْنى في الآيَةِ واحِدَةٌ. وذَكَرَ الطَّبَرِيُّ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ تَأْوِيلًا في قَوْلِهِ: ﴿إنِّي أعِظُكَ أنْ تَكُونَ مِنَ الجاهِلِينَ﴾ لا يُناسِبُ النُّبُوَّةَ تَرْكَناهُ، ويُوقَفُ عَلَيْهِ في تَفْسِيرِ ابْنِ عَطِيَّةَ. وقِيلَ: سَألَ نُوحٌ رَبَّهُ حِينَ صارَ عَنْهُ ابْنُهُ بِمَعْزِلٍ، وقِيلَ: قَبْلَ أنْ عَرَفَ هَلاكَهُ، وقِيلَ: بَعْدَ أنْ عَرَفَ هَلاكَهُ سَألَ اللَّهَ لَهُ المَغْفِرَةَ ﴿أنْ أسْألَكَ﴾ مِن أنْ أطْلُبَ في المُسْتَقْبَلِ ما لا عِلْمَ لِي بِصِحَّتِهِ تَأْدِيبًا بِأدَبِكَ، واتِّعاظًا بِمَوْعِظَتِكَ، وهَذِهِ إنابَةٌ مِن نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ وتَسْلِيمٌ لِأمْرِ اللَّهِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والسُّؤالُ الَّذِي وقَعَ النَّهْيُ عَنْهُ والِاسْتِعاذَةُ والِاسْتِغْفارُ مِنهُ هو سُؤالُ العَزْمِ الَّذِي مَعَهُ مُحاجَّةٌ وطَلِبَةٌ مُلِحَّةٌ فِيما قَدْ حُجِبَ وجْهُ الحِكْمَةِ فِيهِ.
وأمّا السُّؤالُ في الأُمُورِ عَلى جِهَةِ التَّعَلُّمِ والِاسْتِرْشادِ فَغَيْرُ داخِلٍ في هَذا، وظاهِرُ قَوْلِهِ: ﴿فَلا تَسْألْنِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ يَعُمُّ النَّحْوَيْنِ مِنَ السُّؤالِ، ولِذَلِكَ نَبَّهْتُ عَلى أنَّ المُرادَ أحَدُهُما دُونَ الآخَرِ، و(الخاسِرُونَ) هُمُ: المَغْبُونُونَ حُظُوظَهم مِنَ الخَيْرِ، انْتَهى.
ونَسَبَ نُوحٌ النَّقْصَ والذَّنْبَ إلى نَفْسِهِ تَأدُّبًا مَعَ رَبِّهِ فَقالَ: ﴿وإلّا تَغْفِرْ لِي﴾ أيْ: ما فَرَطَ مِن سُؤالِي وتَرْحَمْنِي بِفَضْلِكَ، وهَذا كَما قالَ آدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ.
هود 11:45
(p-٢٢٨)﴿وقِيلَ يا أرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ ويا سَماءُ أقْلِعِي وغِيضَ الماءُ وقُضِيَ الأمْرُ واسْتَوَتْ عَلى الجُودِيِّ وقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ ﴿ونادى نُوحٌ رَبَّهُ فَقالَ رَبِّ إنَّ ابْنِي مِن أهْلِي وإنَّ وعْدَكَ الحَقُّ وأنْتَ أحْكَمُ الحاكِمِينَ﴾ ﴿قالَ يانُوحُ إنَّهُ لَيْسَ مِن أهْلِكَ إنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ فَلا تَسْألْنِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إنِّي أعِظُكَ أنْ تَكُونَ مِنَ الجاهِلِينَ﴾ ﴿قالَ رَبِّ إنِّي أعُوذُ بِكَ أنْ أسْألَكَ ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وإلّا تَغْفِرْ لِي وتَرْحَمْنِي أكُنْ مِنَ الخاسِرِينَ﴾: قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: نادى الأرْضَ والسَّماءَ بِما يُنادى بِهِ الإنْسانُ المُمَيِّزُ عَلى لَفْظِ التَّخْصِيصِ والإقْبالِ عَلَيْهِما بِالخِطابِ مِن بَيْنِ سائِرِ المَخْلُوقاتِ وهو قَوْلُهُ: ﴿ياأرْضُ﴾ و(يا سَماءُ)، ثُمَّ أمَرَهُما بِما يُؤْمَرُ بِهِ أهْلُ التَّمْيِيزِ والعَقْلِ مِن قَوْلِهِ: ﴿ابْلَعِي ماءَكِ﴾ و﴿أقْلِعِي﴾، مِنَ الدَّلالَةِ عَلى الِاقْتِدارِ العَظِيمِ، وأنَّ السَّماواتِ والأرْضَ وهَذِهِ الأجْرامَ العِظامَ مُنْقادَةٌ لِتَكْوِينِهِ فِيها ما يَشاءُ، غَيْرَ مُمْتَنِعَةٍ عَلَيْهِ كَأنَّهَمْ عُقَلاءُ مُمَيِّزُونَ، قَدْ عَرَفُوا عَظَمَتَهُ وجَلالَهُ وثَوابَهُ وعِقابَهُ وقُدْرَتَهُ عَلى كُلِّ مَقْدُورٍ، وتَبَيَّنُوا تَحَتُّمَ طاعَتِهِ عَلَيْهِمْ وانْقِيادِهِمْ لَهُ، وهم يَهابُونَهُ ويَفْزَعُونَ مِنَ التَّوَقُّفِ دُونَ الِامْتِثالِ لَهُ والنُّزُولِ عَنْ مَشِيئَتِهِ عَلى الفَوْرِ مِن غَيْرِ رَيْبٍ.
فَكَما يَرِدُ عَلَيْهِمْ أمْرُهُ كانَ المَأْمُورُ بِهِ مَفْعُولًا لا حَبْسَ ولا بُطْءَ. وبَسَطَ الزَّمَخْشَرِيُّ وذَيَّلَ في هَذا الكَلامِ الحَسَنِ، قالَ الحَسَنُ: يَدُلُّ عَلى عَظَمَةِ هَذِهِ الأجْسامِ، والحَقُّ تَعالى مُسْتَوْلٍ عَلَيْها مُتَصَرِّفٌ فِيها كَيْفَ يَشاءُ وأرادَ، فَصارَ ذَلِكَ سَبَبًا لِوُقُوفِ القُوَّةِ العَقْلِيَّةِ عَلى كَمالِ جَلالِ اللَّهِ تَعالى وعُلُوِّ قُدْرَتِهِ وهَيْبَتِهِ، انْتَهى.
وبِناءُ الفِعْلِ في (وقِيلَ) وما بَعْدَها لِلْمَفْعُولِ أبْلَغُ في التَّعْظِيمِ والجَبَرُوتِ وأخْصَرُ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ومَجِيءُ إخْبارِهِ عَلى الفِعْلِ المَبْنِيِّ لِلْمَفْعُولِ لِلدَّلالَةِ عَلى الجَلالِ والكِبْرِياءِ، وأنَّ تِلْكَ الأُمُورَ العِظامَ لا تَكُونُ إلّا بِفِعْلِ فاعِلٍ قادِرٍ، وتَكْوِينِ مُكَوِّنٍ قاهِرٍ، وأنَّ فاعِلَ هَذِهِ الأفْعالِ فاعِلٌ واحِدٌ لا يُشارَكُ في أفْعالِهِ، فَلا يَذْهَبِ الوَهْمُ إلى أنْ يَقُولَ غَيْرُهُ ﴿ياأرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ ويا سَماءُ أقْلِعِي﴾، ولا أنْ يَقْضِيَ ذَلِكَ الأمْرَ الهائِلَ غَيْرُهُ، ولا أنْ تَسْتَوِيَ السَّفِينَةُ عَلى الجُودِيِّ وتَسْتَقِرَّ عَلَيْهِ إلّا بِتَسْوِيَتِهِ وإقْرارِهِ، ولِما ذَكَرْناهُ مِنَ المَعانِي والنُّكَتِ.
واسْتَفْصَحَ عُلَماءُ البَيانِ هَذِهِ الآيَةَ ورَقَّصُوا لَها رُءُوسَهم، لا لِتَجانُسِ الكَلِمَتَيْنِ وهُما قَوْلُهُ: ﴿ابْلَعِي﴾ و﴿أقْلِعِي﴾، وذَلِكَ وإنْ كانَ الكَلامُ لا يَخْلُو مِن حُسْنٍ، فَهو كَغَيْرِ المُلْتَفَتِ إلَيْهِ بِإزاءِ تِلْكَ المَحاسِنِ الَّتِي هي اللُّبُّ، وما عَداها قُشُورٌ، انْتَهى.
وأكْثَرُهُ خَطابَةً، وهَذا النِّداءُ والخِطابُ بِالأمْرِ هو اسْتِعارَةٌ مَجازِيَّةٌ، وعَلى هَذا جُمْهُورُ الحُذّاقِ. وقِيلَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى أحْدَثَ فِيهِما إدْراكًا وفَهْمًا لِمَعانِي الخِطابِ.
ورُوِيَ أنَّ أعْرابِيًا سَمِعَ هَذِهِ الآيَةَ فَقالَ: هَذا كَلامُ القادِرِينَ، وعارَضَ ابْنُ المُقَفَّعِ القُرْآنَ فَلَمّا وصَلَ إلى هَذِهِ الآيَةِ أمْسَكَ عَنِ المُعارَضَةِ وقالَ: هَذا كَلامٌ لا يَسْتَطِيعُ أحَدٌ مِنَ البَشَرِ أنْ يَأْتِيَ بِمِثْلِهِ.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وقُضِيَ الأمْرُ﴾: غَرِقَ مَن غَرِقَ ونَجا مَن نَجا. وقالَ مُجاهِدٌ: قُضِيَ الأمْرُ بِهَلاكِهِمْ، وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: قُضِيَ الأمْرُ: فُرِغَ مِنهُ، وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: أُحْكِمَتْ هَلَكَةُ قَوْمِ نُوحٍ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أنْجَزَ ما وعَدَ اللَّهُ نُوحًا مِن هَلاكِ قَوْمِهِ.
﴿واسْتَوَتْ﴾ أيِ: اسْتَقَرَّتِ السَّفِينَةُ عَلى الجُودِيِّ، واسْتِقْرارُها يَوْمَ عاشُوراءَ مِنَ المُحَرَّمِ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ والضَّحّاكُ. وقِيلَ: يَوْمُ (p-٢٢٩)الجُمُعَةِ، وقِيلَ: في ذِي الحِجَّةِ. وأقامَتْ عَلى الجُودِيِّ شَهْرًا، وهَبَطَ بِهِمْ يَوْمَ عاشُوراءَ. وذَكَرُوا أنَّ الجِبالَ تَطاوَلَتْ وتَخاشَعَ الجُودِيُّ. وحَدِيثُ بَعْثِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ الغُرابَ والحَمامَةَ لِيَأْتِياهُ بِخَبَرِ كَمالِ الغَرَقِ، اللَّهُ أعْلَمُ بِما كانَ مِن ذَلِكَ.
وقَرَأ الأعْمَشُ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: ﴿عَلى الجُودِيِّ﴾ بِسُكُونِ الياءِ مُخَفَّفَةً. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهُما لُغَتانِ، وقالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: هو تَخْفِيفُ ياءِ النَّسَبِ، وهَذا التَّخْفِيفُ بابُهُ الشِّعْرُ لِشُذُوذِهِ، والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وقِيلَ بُعْدًا﴾ مِن قَوْلِ اللَّهِ تَعالى كالأفْعالِ السّابِقَةِ، وبُنِيَ الجَمِيعُ لِلْمَفْعُولِ لِلْعِلْمِ بِالفاعِلِ، وقِيلَ: مِن قَوْلِ نُوحٍ والمُؤْمِنِينَ.
قِيلَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن قَوْلِ المَلائِكَةِ، قِيلَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ عِبارَةً عَنْ بُلُوغِ الأمْرِ ذَلِكَ المَبْلَغَ وإنْ لَمْ يَكُنْ، ثُمَّ قَوْلٌ مَحْسُوسٌ. ومَعْنى بُعْدًا: هَلاكًا يُقالُ: بَعُدَ يَبْعُدُ بُعْدًا وبَعَدًا إذا هَلَكَ، واللّامُ في لِلْقَوْمِ مِن صِلَةِ المَصْدَرِ. وقِيلَ: تَتَعَلَّقُ بِقَوْلِهِ: (وقِيلَ)، والتَّقْدِيرُ: وقِيلَ لِأجْلِ الظّالِمِينَ، إذْ لا يُمْكِنُ أنْ يُخاطَبَ الهالِكُ إلّا عَلى سَبِيلِ المَجازِ.
ومَعْنى ﴿ونادى نُوحٌ رَبَّهُ﴾ أيْ: أرادَ أنْ يُنادِيَهُ، ولِذَلِكَ أدْخَلَ الفاءَ، إذْ لَوْ كانَ أرادَ حَقِيقَةَ النِّداءِ والإخْبارَ عَنْ وُقُوعِهِ مِنهُ لَمْ تَدْخُلِ الفاءُ في (فَقالَ) ولَسَقَطَتْ كَما لَمْ تَدْخُلْ في قَوْلِهِ: ﴿إذْ نادى رَبَّهُ نِداءً خَفِيًّا قالَ رَبِّ﴾ [مريم: ٣] والواوُ في هَذِهِ الجُمْلَةِ لا تُرَتِّبُ أيْضًا، وذَلِكَ أنَّ هَذِهِ القِصَّةَ كانَتْ أوَّلَ ما رَكِبَ نُوحٌ السَّفِينَةَ، ويَظْهَرُ مِن كَلامِ الطَّبَرِيِّ أنَّ ذَلِكَ مِن بَعْدِ غَرَقِ الِابْنِ. وفي قَوْلِهِ: ﴿إنَّ ابْنِي مِن أهْلِي﴾ ظُهُورُ أنَّهُ ولَدُهُ لِصُلْبِهِ. ومَعْنى ﴿مِن أهْلِي﴾ أيِ: الَّذِي أُمِرْتُ أنْ أحْمِلَهم في السَّفِينَةِ لِقَوْلِهِ: ﴿احْمِلْ فِيها مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وأهْلَكَ﴾ [هود: ٤٠] ولَمْ يَظُنَّ أنَّهُ داخِلٌ فِيمَنِ اسْتَثْناهُ اللَّهُ بِقَوْلِهِ: إلّا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ القَوْلُ مِنهم لِظَنِّهِ أنَّهُ مُؤْمِنٌ وعُمُومُ قَوْلِهِ: ﴿ومَن آمَنَ﴾ [هود: ٤٠] يَشْمَلُ مَن آمَنَ مِن أهْلِهِ ومِن غَيْرِ أهْلِهِ، وحَسُنَ الخِطابُ بِقَوْلِهِ: ﴿وإنَّ وعْدَكَ الحَقُّ﴾ أيِ: الوَعْدُ الثّابِتُ الَّذِي لا شَكَّ في إنْجازِهِ والوَفاءِ بِهِ وقَدْ وعَدْتَنِي أنْ تُنَجِّيَ أهْلِي، وأنْتَ أعْلَمُ الحُكّامِ وأعْدَلُهم.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مِنَ الحِكْمَةِ حاكِمٌ بِمَعْنى النِّسْبَةِ، كَما يُقالُ: دارِعٌ مِنَ الدِّرْعِ، وحائِضٌ وطالِقٌ عَلى مَذْهَبِ الخَلِيلِ، انْتَهى.
ومَعْنى ﴿لَيْسَ مِن أهْلِكَ﴾ عَلى قَوْلِ مَن قالَ: إنَّهُ ابْنُهُ لِصُلْبِهِ أيِ: النّاجِينَ، أوِ الَّذِينَ عَمَّهُمُ الوَعْدُ. ومَن زَعَمَ أنَّهُ رَبِيبُهُ فَهو لَيْسَ مِن أهْلِهِ حَقِيقَةً، إذْ لا نِسْبَةَ بَيْنَهُ وبَيْنَهُ بِوِلادَةٍ، فَعَلى هَذا نَفى ما قُدِّرَ أنَّهُ داخِلٌ في قَوْلِهِ: (وأهْلَكَ)، ثُمَّ عَلَّلَ انْتِفاءَ كَوْنِهِ لَيْسَ مِن أهْلِهِ بِأنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ.
والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في إنَّهُ عائِدٌ عَلى ابْنِ نُوحٍ لا عَلى النِّداءِ المَفْهُومِ مِن قَوْلِهِ: (ونادى) المُتَضَمِّنِ سُؤالَ رَبِّهِ، وجَعَلَهُ نَفْسَ العَمَلِ مُبالَغَةً في ذَمِّهِ كَما قالَ: فَإنَّما هي إقْبالٌ وإدْبارٌ، هَذا عَلى قِراءَةِ جُمْهُورِ السَّبْعَةِ.
وقَرَأ الكِسائِيُّ: ﴿عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ﴾ جَعَلَهُ فِعْلًا ناصِبًا غَيْرَ صالِحٍ، وهي قِراءَةُ عَلِيٍّ وأنَسٍ وابْنِ عَبّاسٍ وعائِشَةَ، ورَوَتْها عائِشَةُ وأُمُّ سَلَمَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وهَذا يُرَجِّحُ أنَّ الضَّمِيرَ يَعُودُ عَلى ابْنِ نُوحٍ. قِيلَ: ويُرَجِّحُ كَوْنَ الضَّمِيرِ في (إنَّهُ) عائِدًا عَلى نِداءِ نُوحٍ المُتَضَمِّنِ السُّؤالَ أنَّ في مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ، إنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ أنْ تَسْألَنِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ. وقِيلَ: يَعُودُ الضَّمِيرُ في هَذِهِ القِراءَةِ عَلى رُكُوبِ ولَدِ نُوحٍ مَعَهُمُ، الَّذِي تَضَمَّنَهُ سُؤالُ نُوحٍ، المَعْنى: أنَّ كَوْنَهُ مَعَ الكافِرِينَ وتَرْكَهُ الرُّكُوبَ مَعَ المُؤْمِنِينَ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ، وكَوْنُ الضَّمِيرِ في (إنَّهُ) عائِدًا عَلى غَيْرِ ابْنِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ تَكَلُّفٌ وتَعَسُّفٌ لا يَلِيقُ بِالقُرْآنِ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): فَهَلّا قِيلَ إنَّهُ عَمَلٌ فاسِدٌ ؟ (قُلْتُ): لَمّا نَفاهُ مِن أهْلِهِ نَفى عَنْهُ صِفَتَهم بِكَلِمَةِ النَّفْيِ الَّتِي يُسْتَنْفى مَعَها لَفْظُ المَنفِيِّ، وأذِنَ بِذَلِكَ أنَّهُ إنَّما أنْجى مَن أنْجى مِن أهْلِهِ بِصَلاحِهِمْ، لا لِأنَّهم أهْلُكَ وأقارِبُكَ، وإنَّ هَذا لَمّا انْتَفى عَنْهُ الصَّلاحُ لَمْ تَنْفَعْهُ أُبُوَّتُكَ.
وقَرَأ الصّاحِبانِ: (تَسْألَنِّ) بِتَشْدِيدِ النُّونِ مَكْسُورَةً، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ وشَيْبَةُ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ كَذَلِكَ، إلّا أنَّهم أثْبَتُوا الباءَ بَعْدَ النُّونِ، وابْنُ كَثِيرٍ بِتَشْدِيدِها مَفْتُوحَةً وهي قِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ.
وقَرَأ الحَسَنُ وابْنُ أبِي مُلَيْكَةَ: (تَسالنِي) مِن غَيْرِ هَمْزٍ مِن سالَ يَسالُ وهُما يَتَساوَلانِ، وهي (p-٢٣٠)لُغَةٌ سائِرَةٌ. وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ بِالهَمْزِ وإسْكانِ اللّامِ وكَسْرِ النُّونِ وتَخْفِيفِها، وأثْبَتَ الياءَ في الوَصْلِ ورْشٌ وأبُو عَمْرٍو، وحَذَفَها الباقُونَ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَلا تَلْتَمِسْ مُلْتَمَسًا أوِ التِماسًا، لا تَعْلَمُ أصَوابٌ هو أمْ غَيْرُ صَوابٍ حَتّى تَقِفَ عَلى كُنْهِهِ ؟ .
وذِكْرُ المَسْألَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ النِّداءَ كانَ قَبْلَ أنْ يَغْرَقَ حِينَ خافَ عَلَيْهِ. (فَإنْ قُلْتَ): لِمَ سَمّى نِداءَهُ سُؤالًا ولا سُؤالَ فِيهِ ؟ (قُلْتُ): قَدْ تَضَمَّنَ دُعاؤُهُ مَعْنى السُّؤالِ وإنْ لَمْ يُصَرِّحْ بِهِ، لِأنَّهُ إذا ذَكَرَ المَوْعِدَ بِنَجاةِ أهْلِهِ في وقْتِ مُشارَفَةِ الغَرَقِ فَقَدِ اسْتَنْجَزَ، وجَعَلَ سُؤالَ ما لا يُعْرَفُ كُنْهُهُ جَهْلًا وغَباوَةً، ووَعْظَهُ أنْ لا يَعُودَ إلَيْهِ وإلى أمْثالِهِ مِن أفْعالِ الجاهِلِينَ. (فَإنْ قُلْتَ) قَدْ وعَدَ اللَّهُ أنْ يُنْجِيَ أهْلَهُ، وما كانَ عِنْدَهُ أنَّ ابْنَهُ لَيْسَ مِنهم دِينًا، فَلَمّا أشْفى عَلى الغَرَقِ تَشابَهَ عَلَيْهِ الأمْرُ، لِأنَّ العِدَةَ قَدْ سَبَقَتْ لَهُ، وقَدْ عَرَفَ اللَّهَ حَكِيمًا لا يَجُوزُ عَلَيْهِ فِعْلُ القَبِيحِ وخَلْفُ المِيعادِ فَطَلَبَ إماطَةَ الشُّبْهَةِ، وطَلَبُ إماطَةِ الشُّبْهَةِ واجِبٌ، فَلِمَ زُجِرَ وجُعِلَ سُؤالُهُ جَهْلًا ؟ (قُلْتُ): إنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ قَدَّمَ لَهُ الوَعْدَ بِإنْجاءِ أهْلِهِ، مَعَ اسْتِثْناءِ مَن عَلَيْهِ القَوْلُ مِنهم، فَكانَ عَلَيْهِ أنْ يَعْتَقِدَ أنَّ في جُمْلَةِ أهْلِهِ مَن هو مُسْتَوْجِبُ العَذابِ لِكَوْنِهِ غَيْرَ صالِحٍ، وأنَّ كُلَّهم لَيْسُوا بِناجِينَ، وأنْ لا تُخالِجَهُ شُبْهَةٌ حِينَ شارَفَ ولَدُهُ عَلى الغَرَقِ في أنَّهُ مِنَ المُسْتَثْنِينَ لا مِنَ المُسْتَثْنى مِنهم، فَعُوتِبَ عَلى أنِ اشْتَبَهَ عَلَيْهِ ما يَجِبُ بِما يَجِبُ أنْ لا يَشْتِبَهَ.
وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿فَلا تَسْألْنِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ أيْ: إذْ وعَدْتُكَ فاعْلَمْ يَقِينًا أنَّهُ لا خُلْفَ في الوَعْدِ، فَإذا رَأيْتَ ولَدَكَ لَمْ يُحْمَلْ فَكانَ الواجِبُ عَلَيْكَ أنْ تَقِفَ وتَعْلَمَ أنَّ ذَلِكَ لِحَقٍّ واجِبٍ عِنْدَ اللَّهِ، ولَكِنَّ نُوحًا عَلَيْهِ السَّلامُ حَمَلَتْهُ شَفَقَةُ البُنُوَّةِ وسَجِيَّةُ البَشَرِ عَلى التَّعَرُّضِ لِنَفَحاتِ الرَّحْمَةِ والتَّذْكِيرِ، وعَلى هَذا القَدْرِ وقَعَ عِقابُهُ، ولِذَلِكَ جاءَ بِتَلَطُّفٍ وتَرَجٍّ في قَوْلِهِ: ﴿إنِّي أعِظُكَ أنْ تَكُونَ مِنَ الجاهِلِينَ﴾ .
ويَحْتَمِلُ قَوْلُهُ: ﴿فَلا تَسْألْنِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ أيْ: لا تَطْلُبْ مِنِّي أمْرًا لا تَعْلَمُ المَصْلَحَةَ فِيهِ عِلْمَ يَقِينٍ، ونَحا إلى هَذا أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ وقالَ: إنَّ (بِهِ) يَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِلَفْظٍ عامٍّ كَما قالَ الشّاعِرُ:
؎كَأنَّ جَزائِي بِالعَصا أنْ أُجْلَدا
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ بِهِ بِمَنزِلَةِ فِيهِ، فَتَتَعَلَّقُ الباءُ بِالمُسْتَقَرِّ. واخْتِلافُ هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ إنَّما هو لَفْظِيٌّ، والمَعْنى في الآيَةِ واحِدَةٌ. وذَكَرَ الطَّبَرِيُّ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ تَأْوِيلًا في قَوْلِهِ: ﴿إنِّي أعِظُكَ أنْ تَكُونَ مِنَ الجاهِلِينَ﴾ لا يُناسِبُ النُّبُوَّةَ تَرْكَناهُ، ويُوقَفُ عَلَيْهِ في تَفْسِيرِ ابْنِ عَطِيَّةَ. وقِيلَ: سَألَ نُوحٌ رَبَّهُ حِينَ صارَ عَنْهُ ابْنُهُ بِمَعْزِلٍ، وقِيلَ: قَبْلَ أنْ عَرَفَ هَلاكَهُ، وقِيلَ: بَعْدَ أنْ عَرَفَ هَلاكَهُ سَألَ اللَّهَ لَهُ المَغْفِرَةَ ﴿أنْ أسْألَكَ﴾ مِن أنْ أطْلُبَ في المُسْتَقْبَلِ ما لا عِلْمَ لِي بِصِحَّتِهِ تَأْدِيبًا بِأدَبِكَ، واتِّعاظًا بِمَوْعِظَتِكَ، وهَذِهِ إنابَةٌ مِن نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ وتَسْلِيمٌ لِأمْرِ اللَّهِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والسُّؤالُ الَّذِي وقَعَ النَّهْيُ عَنْهُ والِاسْتِعاذَةُ والِاسْتِغْفارُ مِنهُ هو سُؤالُ العَزْمِ الَّذِي مَعَهُ مُحاجَّةٌ وطَلِبَةٌ مُلِحَّةٌ فِيما قَدْ حُجِبَ وجْهُ الحِكْمَةِ فِيهِ.
وأمّا السُّؤالُ في الأُمُورِ عَلى جِهَةِ التَّعَلُّمِ والِاسْتِرْشادِ فَغَيْرُ داخِلٍ في هَذا، وظاهِرُ قَوْلِهِ: ﴿فَلا تَسْألْنِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ يَعُمُّ النَّحْوَيْنِ مِنَ السُّؤالِ، ولِذَلِكَ نَبَّهْتُ عَلى أنَّ المُرادَ أحَدُهُما دُونَ الآخَرِ، و(الخاسِرُونَ) هُمُ: المَغْبُونُونَ حُظُوظَهم مِنَ الخَيْرِ، انْتَهى.
ونَسَبَ نُوحٌ النَّقْصَ والذَّنْبَ إلى نَفْسِهِ تَأدُّبًا مَعَ رَبِّهِ فَقالَ: ﴿وإلّا تَغْفِرْ لِي﴾ أيْ: ما فَرَطَ مِن سُؤالِي وتَرْحَمْنِي بِفَضْلِكَ، وهَذا كَما قالَ آدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ.
هود 11:46
(p-٢٢٨)﴿وقِيلَ يا أرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ ويا سَماءُ أقْلِعِي وغِيضَ الماءُ وقُضِيَ الأمْرُ واسْتَوَتْ عَلى الجُودِيِّ وقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ ﴿ونادى نُوحٌ رَبَّهُ فَقالَ رَبِّ إنَّ ابْنِي مِن أهْلِي وإنَّ وعْدَكَ الحَقُّ وأنْتَ أحْكَمُ الحاكِمِينَ﴾ ﴿قالَ يانُوحُ إنَّهُ لَيْسَ مِن أهْلِكَ إنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ فَلا تَسْألْنِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إنِّي أعِظُكَ أنْ تَكُونَ مِنَ الجاهِلِينَ﴾ ﴿قالَ رَبِّ إنِّي أعُوذُ بِكَ أنْ أسْألَكَ ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وإلّا تَغْفِرْ لِي وتَرْحَمْنِي أكُنْ مِنَ الخاسِرِينَ﴾: قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: نادى الأرْضَ والسَّماءَ بِما يُنادى بِهِ الإنْسانُ المُمَيِّزُ عَلى لَفْظِ التَّخْصِيصِ والإقْبالِ عَلَيْهِما بِالخِطابِ مِن بَيْنِ سائِرِ المَخْلُوقاتِ وهو قَوْلُهُ: ﴿ياأرْضُ﴾ و(يا سَماءُ)، ثُمَّ أمَرَهُما بِما يُؤْمَرُ بِهِ أهْلُ التَّمْيِيزِ والعَقْلِ مِن قَوْلِهِ: ﴿ابْلَعِي ماءَكِ﴾ و﴿أقْلِعِي﴾، مِنَ الدَّلالَةِ عَلى الِاقْتِدارِ العَظِيمِ، وأنَّ السَّماواتِ والأرْضَ وهَذِهِ الأجْرامَ العِظامَ مُنْقادَةٌ لِتَكْوِينِهِ فِيها ما يَشاءُ، غَيْرَ مُمْتَنِعَةٍ عَلَيْهِ كَأنَّهَمْ عُقَلاءُ مُمَيِّزُونَ، قَدْ عَرَفُوا عَظَمَتَهُ وجَلالَهُ وثَوابَهُ وعِقابَهُ وقُدْرَتَهُ عَلى كُلِّ مَقْدُورٍ، وتَبَيَّنُوا تَحَتُّمَ طاعَتِهِ عَلَيْهِمْ وانْقِيادِهِمْ لَهُ، وهم يَهابُونَهُ ويَفْزَعُونَ مِنَ التَّوَقُّفِ دُونَ الِامْتِثالِ لَهُ والنُّزُولِ عَنْ مَشِيئَتِهِ عَلى الفَوْرِ مِن غَيْرِ رَيْبٍ.
فَكَما يَرِدُ عَلَيْهِمْ أمْرُهُ كانَ المَأْمُورُ بِهِ مَفْعُولًا لا حَبْسَ ولا بُطْءَ. وبَسَطَ الزَّمَخْشَرِيُّ وذَيَّلَ في هَذا الكَلامِ الحَسَنِ، قالَ الحَسَنُ: يَدُلُّ عَلى عَظَمَةِ هَذِهِ الأجْسامِ، والحَقُّ تَعالى مُسْتَوْلٍ عَلَيْها مُتَصَرِّفٌ فِيها كَيْفَ يَشاءُ وأرادَ، فَصارَ ذَلِكَ سَبَبًا لِوُقُوفِ القُوَّةِ العَقْلِيَّةِ عَلى كَمالِ جَلالِ اللَّهِ تَعالى وعُلُوِّ قُدْرَتِهِ وهَيْبَتِهِ، انْتَهى.
وبِناءُ الفِعْلِ في (وقِيلَ) وما بَعْدَها لِلْمَفْعُولِ أبْلَغُ في التَّعْظِيمِ والجَبَرُوتِ وأخْصَرُ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ومَجِيءُ إخْبارِهِ عَلى الفِعْلِ المَبْنِيِّ لِلْمَفْعُولِ لِلدَّلالَةِ عَلى الجَلالِ والكِبْرِياءِ، وأنَّ تِلْكَ الأُمُورَ العِظامَ لا تَكُونُ إلّا بِفِعْلِ فاعِلٍ قادِرٍ، وتَكْوِينِ مُكَوِّنٍ قاهِرٍ، وأنَّ فاعِلَ هَذِهِ الأفْعالِ فاعِلٌ واحِدٌ لا يُشارَكُ في أفْعالِهِ، فَلا يَذْهَبِ الوَهْمُ إلى أنْ يَقُولَ غَيْرُهُ ﴿ياأرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ ويا سَماءُ أقْلِعِي﴾، ولا أنْ يَقْضِيَ ذَلِكَ الأمْرَ الهائِلَ غَيْرُهُ، ولا أنْ تَسْتَوِيَ السَّفِينَةُ عَلى الجُودِيِّ وتَسْتَقِرَّ عَلَيْهِ إلّا بِتَسْوِيَتِهِ وإقْرارِهِ، ولِما ذَكَرْناهُ مِنَ المَعانِي والنُّكَتِ.
واسْتَفْصَحَ عُلَماءُ البَيانِ هَذِهِ الآيَةَ ورَقَّصُوا لَها رُءُوسَهم، لا لِتَجانُسِ الكَلِمَتَيْنِ وهُما قَوْلُهُ: ﴿ابْلَعِي﴾ و﴿أقْلِعِي﴾، وذَلِكَ وإنْ كانَ الكَلامُ لا يَخْلُو مِن حُسْنٍ، فَهو كَغَيْرِ المُلْتَفَتِ إلَيْهِ بِإزاءِ تِلْكَ المَحاسِنِ الَّتِي هي اللُّبُّ، وما عَداها قُشُورٌ، انْتَهى.
وأكْثَرُهُ خَطابَةً، وهَذا النِّداءُ والخِطابُ بِالأمْرِ هو اسْتِعارَةٌ مَجازِيَّةٌ، وعَلى هَذا جُمْهُورُ الحُذّاقِ. وقِيلَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى أحْدَثَ فِيهِما إدْراكًا وفَهْمًا لِمَعانِي الخِطابِ.
ورُوِيَ أنَّ أعْرابِيًا سَمِعَ هَذِهِ الآيَةَ فَقالَ: هَذا كَلامُ القادِرِينَ، وعارَضَ ابْنُ المُقَفَّعِ القُرْآنَ فَلَمّا وصَلَ إلى هَذِهِ الآيَةِ أمْسَكَ عَنِ المُعارَضَةِ وقالَ: هَذا كَلامٌ لا يَسْتَطِيعُ أحَدٌ مِنَ البَشَرِ أنْ يَأْتِيَ بِمِثْلِهِ.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وقُضِيَ الأمْرُ﴾: غَرِقَ مَن غَرِقَ ونَجا مَن نَجا. وقالَ مُجاهِدٌ: قُضِيَ الأمْرُ بِهَلاكِهِمْ، وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: قُضِيَ الأمْرُ: فُرِغَ مِنهُ، وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: أُحْكِمَتْ هَلَكَةُ قَوْمِ نُوحٍ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أنْجَزَ ما وعَدَ اللَّهُ نُوحًا مِن هَلاكِ قَوْمِهِ.
﴿واسْتَوَتْ﴾ أيِ: اسْتَقَرَّتِ السَّفِينَةُ عَلى الجُودِيِّ، واسْتِقْرارُها يَوْمَ عاشُوراءَ مِنَ المُحَرَّمِ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ والضَّحّاكُ. وقِيلَ: يَوْمُ (p-٢٢٩)الجُمُعَةِ، وقِيلَ: في ذِي الحِجَّةِ. وأقامَتْ عَلى الجُودِيِّ شَهْرًا، وهَبَطَ بِهِمْ يَوْمَ عاشُوراءَ. وذَكَرُوا أنَّ الجِبالَ تَطاوَلَتْ وتَخاشَعَ الجُودِيُّ. وحَدِيثُ بَعْثِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ الغُرابَ والحَمامَةَ لِيَأْتِياهُ بِخَبَرِ كَمالِ الغَرَقِ، اللَّهُ أعْلَمُ بِما كانَ مِن ذَلِكَ.
وقَرَأ الأعْمَشُ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: ﴿عَلى الجُودِيِّ﴾ بِسُكُونِ الياءِ مُخَفَّفَةً. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهُما لُغَتانِ، وقالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: هو تَخْفِيفُ ياءِ النَّسَبِ، وهَذا التَّخْفِيفُ بابُهُ الشِّعْرُ لِشُذُوذِهِ، والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وقِيلَ بُعْدًا﴾ مِن قَوْلِ اللَّهِ تَعالى كالأفْعالِ السّابِقَةِ، وبُنِيَ الجَمِيعُ لِلْمَفْعُولِ لِلْعِلْمِ بِالفاعِلِ، وقِيلَ: مِن قَوْلِ نُوحٍ والمُؤْمِنِينَ.
قِيلَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن قَوْلِ المَلائِكَةِ، قِيلَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ عِبارَةً عَنْ بُلُوغِ الأمْرِ ذَلِكَ المَبْلَغَ وإنْ لَمْ يَكُنْ، ثُمَّ قَوْلٌ مَحْسُوسٌ. ومَعْنى بُعْدًا: هَلاكًا يُقالُ: بَعُدَ يَبْعُدُ بُعْدًا وبَعَدًا إذا هَلَكَ، واللّامُ في لِلْقَوْمِ مِن صِلَةِ المَصْدَرِ. وقِيلَ: تَتَعَلَّقُ بِقَوْلِهِ: (وقِيلَ)، والتَّقْدِيرُ: وقِيلَ لِأجْلِ الظّالِمِينَ، إذْ لا يُمْكِنُ أنْ يُخاطَبَ الهالِكُ إلّا عَلى سَبِيلِ المَجازِ.
ومَعْنى ﴿ونادى نُوحٌ رَبَّهُ﴾ أيْ: أرادَ أنْ يُنادِيَهُ، ولِذَلِكَ أدْخَلَ الفاءَ، إذْ لَوْ كانَ أرادَ حَقِيقَةَ النِّداءِ والإخْبارَ عَنْ وُقُوعِهِ مِنهُ لَمْ تَدْخُلِ الفاءُ في (فَقالَ) ولَسَقَطَتْ كَما لَمْ تَدْخُلْ في قَوْلِهِ: ﴿إذْ نادى رَبَّهُ نِداءً خَفِيًّا قالَ رَبِّ﴾ [مريم: ٣] والواوُ في هَذِهِ الجُمْلَةِ لا تُرَتِّبُ أيْضًا، وذَلِكَ أنَّ هَذِهِ القِصَّةَ كانَتْ أوَّلَ ما رَكِبَ نُوحٌ السَّفِينَةَ، ويَظْهَرُ مِن كَلامِ الطَّبَرِيِّ أنَّ ذَلِكَ مِن بَعْدِ غَرَقِ الِابْنِ. وفي قَوْلِهِ: ﴿إنَّ ابْنِي مِن أهْلِي﴾ ظُهُورُ أنَّهُ ولَدُهُ لِصُلْبِهِ. ومَعْنى ﴿مِن أهْلِي﴾ أيِ: الَّذِي أُمِرْتُ أنْ أحْمِلَهم في السَّفِينَةِ لِقَوْلِهِ: ﴿احْمِلْ فِيها مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وأهْلَكَ﴾ [هود: ٤٠] ولَمْ يَظُنَّ أنَّهُ داخِلٌ فِيمَنِ اسْتَثْناهُ اللَّهُ بِقَوْلِهِ: إلّا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ القَوْلُ مِنهم لِظَنِّهِ أنَّهُ مُؤْمِنٌ وعُمُومُ قَوْلِهِ: ﴿ومَن آمَنَ﴾ [هود: ٤٠] يَشْمَلُ مَن آمَنَ مِن أهْلِهِ ومِن غَيْرِ أهْلِهِ، وحَسُنَ الخِطابُ بِقَوْلِهِ: ﴿وإنَّ وعْدَكَ الحَقُّ﴾ أيِ: الوَعْدُ الثّابِتُ الَّذِي لا شَكَّ في إنْجازِهِ والوَفاءِ بِهِ وقَدْ وعَدْتَنِي أنْ تُنَجِّيَ أهْلِي، وأنْتَ أعْلَمُ الحُكّامِ وأعْدَلُهم.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مِنَ الحِكْمَةِ حاكِمٌ بِمَعْنى النِّسْبَةِ، كَما يُقالُ: دارِعٌ مِنَ الدِّرْعِ، وحائِضٌ وطالِقٌ عَلى مَذْهَبِ الخَلِيلِ، انْتَهى.
ومَعْنى ﴿لَيْسَ مِن أهْلِكَ﴾ عَلى قَوْلِ مَن قالَ: إنَّهُ ابْنُهُ لِصُلْبِهِ أيِ: النّاجِينَ، أوِ الَّذِينَ عَمَّهُمُ الوَعْدُ. ومَن زَعَمَ أنَّهُ رَبِيبُهُ فَهو لَيْسَ مِن أهْلِهِ حَقِيقَةً، إذْ لا نِسْبَةَ بَيْنَهُ وبَيْنَهُ بِوِلادَةٍ، فَعَلى هَذا نَفى ما قُدِّرَ أنَّهُ داخِلٌ في قَوْلِهِ: (وأهْلَكَ)، ثُمَّ عَلَّلَ انْتِفاءَ كَوْنِهِ لَيْسَ مِن أهْلِهِ بِأنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ.
والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في إنَّهُ عائِدٌ عَلى ابْنِ نُوحٍ لا عَلى النِّداءِ المَفْهُومِ مِن قَوْلِهِ: (ونادى) المُتَضَمِّنِ سُؤالَ رَبِّهِ، وجَعَلَهُ نَفْسَ العَمَلِ مُبالَغَةً في ذَمِّهِ كَما قالَ: فَإنَّما هي إقْبالٌ وإدْبارٌ، هَذا عَلى قِراءَةِ جُمْهُورِ السَّبْعَةِ.
وقَرَأ الكِسائِيُّ: ﴿عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ﴾ جَعَلَهُ فِعْلًا ناصِبًا غَيْرَ صالِحٍ، وهي قِراءَةُ عَلِيٍّ وأنَسٍ وابْنِ عَبّاسٍ وعائِشَةَ، ورَوَتْها عائِشَةُ وأُمُّ سَلَمَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وهَذا يُرَجِّحُ أنَّ الضَّمِيرَ يَعُودُ عَلى ابْنِ نُوحٍ. قِيلَ: ويُرَجِّحُ كَوْنَ الضَّمِيرِ في (إنَّهُ) عائِدًا عَلى نِداءِ نُوحٍ المُتَضَمِّنِ السُّؤالَ أنَّ في مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ، إنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ أنْ تَسْألَنِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ. وقِيلَ: يَعُودُ الضَّمِيرُ في هَذِهِ القِراءَةِ عَلى رُكُوبِ ولَدِ نُوحٍ مَعَهُمُ، الَّذِي تَضَمَّنَهُ سُؤالُ نُوحٍ، المَعْنى: أنَّ كَوْنَهُ مَعَ الكافِرِينَ وتَرْكَهُ الرُّكُوبَ مَعَ المُؤْمِنِينَ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ، وكَوْنُ الضَّمِيرِ في (إنَّهُ) عائِدًا عَلى غَيْرِ ابْنِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ تَكَلُّفٌ وتَعَسُّفٌ لا يَلِيقُ بِالقُرْآنِ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): فَهَلّا قِيلَ إنَّهُ عَمَلٌ فاسِدٌ ؟ (قُلْتُ): لَمّا نَفاهُ مِن أهْلِهِ نَفى عَنْهُ صِفَتَهم بِكَلِمَةِ النَّفْيِ الَّتِي يُسْتَنْفى مَعَها لَفْظُ المَنفِيِّ، وأذِنَ بِذَلِكَ أنَّهُ إنَّما أنْجى مَن أنْجى مِن أهْلِهِ بِصَلاحِهِمْ، لا لِأنَّهم أهْلُكَ وأقارِبُكَ، وإنَّ هَذا لَمّا انْتَفى عَنْهُ الصَّلاحُ لَمْ تَنْفَعْهُ أُبُوَّتُكَ.
وقَرَأ الصّاحِبانِ: (تَسْألَنِّ) بِتَشْدِيدِ النُّونِ مَكْسُورَةً، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ وشَيْبَةُ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ كَذَلِكَ، إلّا أنَّهم أثْبَتُوا الباءَ بَعْدَ النُّونِ، وابْنُ كَثِيرٍ بِتَشْدِيدِها مَفْتُوحَةً وهي قِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ.
وقَرَأ الحَسَنُ وابْنُ أبِي مُلَيْكَةَ: (تَسالنِي) مِن غَيْرِ هَمْزٍ مِن سالَ يَسالُ وهُما يَتَساوَلانِ، وهي (p-٢٣٠)لُغَةٌ سائِرَةٌ. وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ بِالهَمْزِ وإسْكانِ اللّامِ وكَسْرِ النُّونِ وتَخْفِيفِها، وأثْبَتَ الياءَ في الوَصْلِ ورْشٌ وأبُو عَمْرٍو، وحَذَفَها الباقُونَ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَلا تَلْتَمِسْ مُلْتَمَسًا أوِ التِماسًا، لا تَعْلَمُ أصَوابٌ هو أمْ غَيْرُ صَوابٍ حَتّى تَقِفَ عَلى كُنْهِهِ ؟ .
وذِكْرُ المَسْألَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ النِّداءَ كانَ قَبْلَ أنْ يَغْرَقَ حِينَ خافَ عَلَيْهِ. (فَإنْ قُلْتَ): لِمَ سَمّى نِداءَهُ سُؤالًا ولا سُؤالَ فِيهِ ؟ (قُلْتُ): قَدْ تَضَمَّنَ دُعاؤُهُ مَعْنى السُّؤالِ وإنْ لَمْ يُصَرِّحْ بِهِ، لِأنَّهُ إذا ذَكَرَ المَوْعِدَ بِنَجاةِ أهْلِهِ في وقْتِ مُشارَفَةِ الغَرَقِ فَقَدِ اسْتَنْجَزَ، وجَعَلَ سُؤالَ ما لا يُعْرَفُ كُنْهُهُ جَهْلًا وغَباوَةً، ووَعْظَهُ أنْ لا يَعُودَ إلَيْهِ وإلى أمْثالِهِ مِن أفْعالِ الجاهِلِينَ. (فَإنْ قُلْتَ) قَدْ وعَدَ اللَّهُ أنْ يُنْجِيَ أهْلَهُ، وما كانَ عِنْدَهُ أنَّ ابْنَهُ لَيْسَ مِنهم دِينًا، فَلَمّا أشْفى عَلى الغَرَقِ تَشابَهَ عَلَيْهِ الأمْرُ، لِأنَّ العِدَةَ قَدْ سَبَقَتْ لَهُ، وقَدْ عَرَفَ اللَّهَ حَكِيمًا لا يَجُوزُ عَلَيْهِ فِعْلُ القَبِيحِ وخَلْفُ المِيعادِ فَطَلَبَ إماطَةَ الشُّبْهَةِ، وطَلَبُ إماطَةِ الشُّبْهَةِ واجِبٌ، فَلِمَ زُجِرَ وجُعِلَ سُؤالُهُ جَهْلًا ؟ (قُلْتُ): إنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ قَدَّمَ لَهُ الوَعْدَ بِإنْجاءِ أهْلِهِ، مَعَ اسْتِثْناءِ مَن عَلَيْهِ القَوْلُ مِنهم، فَكانَ عَلَيْهِ أنْ يَعْتَقِدَ أنَّ في جُمْلَةِ أهْلِهِ مَن هو مُسْتَوْجِبُ العَذابِ لِكَوْنِهِ غَيْرَ صالِحٍ، وأنَّ كُلَّهم لَيْسُوا بِناجِينَ، وأنْ لا تُخالِجَهُ شُبْهَةٌ حِينَ شارَفَ ولَدُهُ عَلى الغَرَقِ في أنَّهُ مِنَ المُسْتَثْنِينَ لا مِنَ المُسْتَثْنى مِنهم، فَعُوتِبَ عَلى أنِ اشْتَبَهَ عَلَيْهِ ما يَجِبُ بِما يَجِبُ أنْ لا يَشْتِبَهَ.
وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿فَلا تَسْألْنِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ أيْ: إذْ وعَدْتُكَ فاعْلَمْ يَقِينًا أنَّهُ لا خُلْفَ في الوَعْدِ، فَإذا رَأيْتَ ولَدَكَ لَمْ يُحْمَلْ فَكانَ الواجِبُ عَلَيْكَ أنْ تَقِفَ وتَعْلَمَ أنَّ ذَلِكَ لِحَقٍّ واجِبٍ عِنْدَ اللَّهِ، ولَكِنَّ نُوحًا عَلَيْهِ السَّلامُ حَمَلَتْهُ شَفَقَةُ البُنُوَّةِ وسَجِيَّةُ البَشَرِ عَلى التَّعَرُّضِ لِنَفَحاتِ الرَّحْمَةِ والتَّذْكِيرِ، وعَلى هَذا القَدْرِ وقَعَ عِقابُهُ، ولِذَلِكَ جاءَ بِتَلَطُّفٍ وتَرَجٍّ في قَوْلِهِ: ﴿إنِّي أعِظُكَ أنْ تَكُونَ مِنَ الجاهِلِينَ﴾ .
ويَحْتَمِلُ قَوْلُهُ: ﴿فَلا تَسْألْنِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ أيْ: لا تَطْلُبْ مِنِّي أمْرًا لا تَعْلَمُ المَصْلَحَةَ فِيهِ عِلْمَ يَقِينٍ، ونَحا إلى هَذا أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ وقالَ: إنَّ (بِهِ) يَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِلَفْظٍ عامٍّ كَما قالَ الشّاعِرُ:
؎كَأنَّ جَزائِي بِالعَصا أنْ أُجْلَدا
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ بِهِ بِمَنزِلَةِ فِيهِ، فَتَتَعَلَّقُ الباءُ بِالمُسْتَقَرِّ. واخْتِلافُ هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ إنَّما هو لَفْظِيٌّ، والمَعْنى في الآيَةِ واحِدَةٌ. وذَكَرَ الطَّبَرِيُّ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ تَأْوِيلًا في قَوْلِهِ: ﴿إنِّي أعِظُكَ أنْ تَكُونَ مِنَ الجاهِلِينَ﴾ لا يُناسِبُ النُّبُوَّةَ تَرْكَناهُ، ويُوقَفُ عَلَيْهِ في تَفْسِيرِ ابْنِ عَطِيَّةَ. وقِيلَ: سَألَ نُوحٌ رَبَّهُ حِينَ صارَ عَنْهُ ابْنُهُ بِمَعْزِلٍ، وقِيلَ: قَبْلَ أنْ عَرَفَ هَلاكَهُ، وقِيلَ: بَعْدَ أنْ عَرَفَ هَلاكَهُ سَألَ اللَّهَ لَهُ المَغْفِرَةَ ﴿أنْ أسْألَكَ﴾ مِن أنْ أطْلُبَ في المُسْتَقْبَلِ ما لا عِلْمَ لِي بِصِحَّتِهِ تَأْدِيبًا بِأدَبِكَ، واتِّعاظًا بِمَوْعِظَتِكَ، وهَذِهِ إنابَةٌ مِن نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ وتَسْلِيمٌ لِأمْرِ اللَّهِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والسُّؤالُ الَّذِي وقَعَ النَّهْيُ عَنْهُ والِاسْتِعاذَةُ والِاسْتِغْفارُ مِنهُ هو سُؤالُ العَزْمِ الَّذِي مَعَهُ مُحاجَّةٌ وطَلِبَةٌ مُلِحَّةٌ فِيما قَدْ حُجِبَ وجْهُ الحِكْمَةِ فِيهِ.
وأمّا السُّؤالُ في الأُمُورِ عَلى جِهَةِ التَّعَلُّمِ والِاسْتِرْشادِ فَغَيْرُ داخِلٍ في هَذا، وظاهِرُ قَوْلِهِ: ﴿فَلا تَسْألْنِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ يَعُمُّ النَّحْوَيْنِ مِنَ السُّؤالِ، ولِذَلِكَ نَبَّهْتُ عَلى أنَّ المُرادَ أحَدُهُما دُونَ الآخَرِ، و(الخاسِرُونَ) هُمُ: المَغْبُونُونَ حُظُوظَهم مِنَ الخَيْرِ، انْتَهى.
ونَسَبَ نُوحٌ النَّقْصَ والذَّنْبَ إلى نَفْسِهِ تَأدُّبًا مَعَ رَبِّهِ فَقالَ: ﴿وإلّا تَغْفِرْ لِي﴾ أيْ: ما فَرَطَ مِن سُؤالِي وتَرْحَمْنِي بِفَضْلِكَ، وهَذا كَما قالَ آدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ.
هود 11:47
(p-٢٢٨)﴿وقِيلَ يا أرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ ويا سَماءُ أقْلِعِي وغِيضَ الماءُ وقُضِيَ الأمْرُ واسْتَوَتْ عَلى الجُودِيِّ وقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ ﴿ونادى نُوحٌ رَبَّهُ فَقالَ رَبِّ إنَّ ابْنِي مِن أهْلِي وإنَّ وعْدَكَ الحَقُّ وأنْتَ أحْكَمُ الحاكِمِينَ﴾ ﴿قالَ يانُوحُ إنَّهُ لَيْسَ مِن أهْلِكَ إنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ فَلا تَسْألْنِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إنِّي أعِظُكَ أنْ تَكُونَ مِنَ الجاهِلِينَ﴾ ﴿قالَ رَبِّ إنِّي أعُوذُ بِكَ أنْ أسْألَكَ ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وإلّا تَغْفِرْ لِي وتَرْحَمْنِي أكُنْ مِنَ الخاسِرِينَ﴾: قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: نادى الأرْضَ والسَّماءَ بِما يُنادى بِهِ الإنْسانُ المُمَيِّزُ عَلى لَفْظِ التَّخْصِيصِ والإقْبالِ عَلَيْهِما بِالخِطابِ مِن بَيْنِ سائِرِ المَخْلُوقاتِ وهو قَوْلُهُ: ﴿ياأرْضُ﴾ و(يا سَماءُ)، ثُمَّ أمَرَهُما بِما يُؤْمَرُ بِهِ أهْلُ التَّمْيِيزِ والعَقْلِ مِن قَوْلِهِ: ﴿ابْلَعِي ماءَكِ﴾ و﴿أقْلِعِي﴾، مِنَ الدَّلالَةِ عَلى الِاقْتِدارِ العَظِيمِ، وأنَّ السَّماواتِ والأرْضَ وهَذِهِ الأجْرامَ العِظامَ مُنْقادَةٌ لِتَكْوِينِهِ فِيها ما يَشاءُ، غَيْرَ مُمْتَنِعَةٍ عَلَيْهِ كَأنَّهَمْ عُقَلاءُ مُمَيِّزُونَ، قَدْ عَرَفُوا عَظَمَتَهُ وجَلالَهُ وثَوابَهُ وعِقابَهُ وقُدْرَتَهُ عَلى كُلِّ مَقْدُورٍ، وتَبَيَّنُوا تَحَتُّمَ طاعَتِهِ عَلَيْهِمْ وانْقِيادِهِمْ لَهُ، وهم يَهابُونَهُ ويَفْزَعُونَ مِنَ التَّوَقُّفِ دُونَ الِامْتِثالِ لَهُ والنُّزُولِ عَنْ مَشِيئَتِهِ عَلى الفَوْرِ مِن غَيْرِ رَيْبٍ.
فَكَما يَرِدُ عَلَيْهِمْ أمْرُهُ كانَ المَأْمُورُ بِهِ مَفْعُولًا لا حَبْسَ ولا بُطْءَ. وبَسَطَ الزَّمَخْشَرِيُّ وذَيَّلَ في هَذا الكَلامِ الحَسَنِ، قالَ الحَسَنُ: يَدُلُّ عَلى عَظَمَةِ هَذِهِ الأجْسامِ، والحَقُّ تَعالى مُسْتَوْلٍ عَلَيْها مُتَصَرِّفٌ فِيها كَيْفَ يَشاءُ وأرادَ، فَصارَ ذَلِكَ سَبَبًا لِوُقُوفِ القُوَّةِ العَقْلِيَّةِ عَلى كَمالِ جَلالِ اللَّهِ تَعالى وعُلُوِّ قُدْرَتِهِ وهَيْبَتِهِ، انْتَهى.
وبِناءُ الفِعْلِ في (وقِيلَ) وما بَعْدَها لِلْمَفْعُولِ أبْلَغُ في التَّعْظِيمِ والجَبَرُوتِ وأخْصَرُ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ومَجِيءُ إخْبارِهِ عَلى الفِعْلِ المَبْنِيِّ لِلْمَفْعُولِ لِلدَّلالَةِ عَلى الجَلالِ والكِبْرِياءِ، وأنَّ تِلْكَ الأُمُورَ العِظامَ لا تَكُونُ إلّا بِفِعْلِ فاعِلٍ قادِرٍ، وتَكْوِينِ مُكَوِّنٍ قاهِرٍ، وأنَّ فاعِلَ هَذِهِ الأفْعالِ فاعِلٌ واحِدٌ لا يُشارَكُ في أفْعالِهِ، فَلا يَذْهَبِ الوَهْمُ إلى أنْ يَقُولَ غَيْرُهُ ﴿ياأرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ ويا سَماءُ أقْلِعِي﴾، ولا أنْ يَقْضِيَ ذَلِكَ الأمْرَ الهائِلَ غَيْرُهُ، ولا أنْ تَسْتَوِيَ السَّفِينَةُ عَلى الجُودِيِّ وتَسْتَقِرَّ عَلَيْهِ إلّا بِتَسْوِيَتِهِ وإقْرارِهِ، ولِما ذَكَرْناهُ مِنَ المَعانِي والنُّكَتِ.
واسْتَفْصَحَ عُلَماءُ البَيانِ هَذِهِ الآيَةَ ورَقَّصُوا لَها رُءُوسَهم، لا لِتَجانُسِ الكَلِمَتَيْنِ وهُما قَوْلُهُ: ﴿ابْلَعِي﴾ و﴿أقْلِعِي﴾، وذَلِكَ وإنْ كانَ الكَلامُ لا يَخْلُو مِن حُسْنٍ، فَهو كَغَيْرِ المُلْتَفَتِ إلَيْهِ بِإزاءِ تِلْكَ المَحاسِنِ الَّتِي هي اللُّبُّ، وما عَداها قُشُورٌ، انْتَهى.
وأكْثَرُهُ خَطابَةً، وهَذا النِّداءُ والخِطابُ بِالأمْرِ هو اسْتِعارَةٌ مَجازِيَّةٌ، وعَلى هَذا جُمْهُورُ الحُذّاقِ. وقِيلَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى أحْدَثَ فِيهِما إدْراكًا وفَهْمًا لِمَعانِي الخِطابِ.
ورُوِيَ أنَّ أعْرابِيًا سَمِعَ هَذِهِ الآيَةَ فَقالَ: هَذا كَلامُ القادِرِينَ، وعارَضَ ابْنُ المُقَفَّعِ القُرْآنَ فَلَمّا وصَلَ إلى هَذِهِ الآيَةِ أمْسَكَ عَنِ المُعارَضَةِ وقالَ: هَذا كَلامٌ لا يَسْتَطِيعُ أحَدٌ مِنَ البَشَرِ أنْ يَأْتِيَ بِمِثْلِهِ.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وقُضِيَ الأمْرُ﴾: غَرِقَ مَن غَرِقَ ونَجا مَن نَجا. وقالَ مُجاهِدٌ: قُضِيَ الأمْرُ بِهَلاكِهِمْ، وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: قُضِيَ الأمْرُ: فُرِغَ مِنهُ، وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: أُحْكِمَتْ هَلَكَةُ قَوْمِ نُوحٍ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أنْجَزَ ما وعَدَ اللَّهُ نُوحًا مِن هَلاكِ قَوْمِهِ.
﴿واسْتَوَتْ﴾ أيِ: اسْتَقَرَّتِ السَّفِينَةُ عَلى الجُودِيِّ، واسْتِقْرارُها يَوْمَ عاشُوراءَ مِنَ المُحَرَّمِ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ والضَّحّاكُ. وقِيلَ: يَوْمُ (p-٢٢٩)الجُمُعَةِ، وقِيلَ: في ذِي الحِجَّةِ. وأقامَتْ عَلى الجُودِيِّ شَهْرًا، وهَبَطَ بِهِمْ يَوْمَ عاشُوراءَ. وذَكَرُوا أنَّ الجِبالَ تَطاوَلَتْ وتَخاشَعَ الجُودِيُّ. وحَدِيثُ بَعْثِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ الغُرابَ والحَمامَةَ لِيَأْتِياهُ بِخَبَرِ كَمالِ الغَرَقِ، اللَّهُ أعْلَمُ بِما كانَ مِن ذَلِكَ.
وقَرَأ الأعْمَشُ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: ﴿عَلى الجُودِيِّ﴾ بِسُكُونِ الياءِ مُخَفَّفَةً. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهُما لُغَتانِ، وقالَ صاحِبُ اللَّوامِحِ: هو تَخْفِيفُ ياءِ النَّسَبِ، وهَذا التَّخْفِيفُ بابُهُ الشِّعْرُ لِشُذُوذِهِ، والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وقِيلَ بُعْدًا﴾ مِن قَوْلِ اللَّهِ تَعالى كالأفْعالِ السّابِقَةِ، وبُنِيَ الجَمِيعُ لِلْمَفْعُولِ لِلْعِلْمِ بِالفاعِلِ، وقِيلَ: مِن قَوْلِ نُوحٍ والمُؤْمِنِينَ.
قِيلَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِن قَوْلِ المَلائِكَةِ، قِيلَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ عِبارَةً عَنْ بُلُوغِ الأمْرِ ذَلِكَ المَبْلَغَ وإنْ لَمْ يَكُنْ، ثُمَّ قَوْلٌ مَحْسُوسٌ. ومَعْنى بُعْدًا: هَلاكًا يُقالُ: بَعُدَ يَبْعُدُ بُعْدًا وبَعَدًا إذا هَلَكَ، واللّامُ في لِلْقَوْمِ مِن صِلَةِ المَصْدَرِ. وقِيلَ: تَتَعَلَّقُ بِقَوْلِهِ: (وقِيلَ)، والتَّقْدِيرُ: وقِيلَ لِأجْلِ الظّالِمِينَ، إذْ لا يُمْكِنُ أنْ يُخاطَبَ الهالِكُ إلّا عَلى سَبِيلِ المَجازِ.
ومَعْنى ﴿ونادى نُوحٌ رَبَّهُ﴾ أيْ: أرادَ أنْ يُنادِيَهُ، ولِذَلِكَ أدْخَلَ الفاءَ، إذْ لَوْ كانَ أرادَ حَقِيقَةَ النِّداءِ والإخْبارَ عَنْ وُقُوعِهِ مِنهُ لَمْ تَدْخُلِ الفاءُ في (فَقالَ) ولَسَقَطَتْ كَما لَمْ تَدْخُلْ في قَوْلِهِ: ﴿إذْ نادى رَبَّهُ نِداءً خَفِيًّا قالَ رَبِّ﴾ [مريم: ٣] والواوُ في هَذِهِ الجُمْلَةِ لا تُرَتِّبُ أيْضًا، وذَلِكَ أنَّ هَذِهِ القِصَّةَ كانَتْ أوَّلَ ما رَكِبَ نُوحٌ السَّفِينَةَ، ويَظْهَرُ مِن كَلامِ الطَّبَرِيِّ أنَّ ذَلِكَ مِن بَعْدِ غَرَقِ الِابْنِ. وفي قَوْلِهِ: ﴿إنَّ ابْنِي مِن أهْلِي﴾ ظُهُورُ أنَّهُ ولَدُهُ لِصُلْبِهِ. ومَعْنى ﴿مِن أهْلِي﴾ أيِ: الَّذِي أُمِرْتُ أنْ أحْمِلَهم في السَّفِينَةِ لِقَوْلِهِ: ﴿احْمِلْ فِيها مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وأهْلَكَ﴾ [هود: ٤٠] ولَمْ يَظُنَّ أنَّهُ داخِلٌ فِيمَنِ اسْتَثْناهُ اللَّهُ بِقَوْلِهِ: إلّا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ القَوْلُ مِنهم لِظَنِّهِ أنَّهُ مُؤْمِنٌ وعُمُومُ قَوْلِهِ: ﴿ومَن آمَنَ﴾ [هود: ٤٠] يَشْمَلُ مَن آمَنَ مِن أهْلِهِ ومِن غَيْرِ أهْلِهِ، وحَسُنَ الخِطابُ بِقَوْلِهِ: ﴿وإنَّ وعْدَكَ الحَقُّ﴾ أيِ: الوَعْدُ الثّابِتُ الَّذِي لا شَكَّ في إنْجازِهِ والوَفاءِ بِهِ وقَدْ وعَدْتَنِي أنْ تُنَجِّيَ أهْلِي، وأنْتَ أعْلَمُ الحُكّامِ وأعْدَلُهم.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مِنَ الحِكْمَةِ حاكِمٌ بِمَعْنى النِّسْبَةِ، كَما يُقالُ: دارِعٌ مِنَ الدِّرْعِ، وحائِضٌ وطالِقٌ عَلى مَذْهَبِ الخَلِيلِ، انْتَهى.
ومَعْنى ﴿لَيْسَ مِن أهْلِكَ﴾ عَلى قَوْلِ مَن قالَ: إنَّهُ ابْنُهُ لِصُلْبِهِ أيِ: النّاجِينَ، أوِ الَّذِينَ عَمَّهُمُ الوَعْدُ. ومَن زَعَمَ أنَّهُ رَبِيبُهُ فَهو لَيْسَ مِن أهْلِهِ حَقِيقَةً، إذْ لا نِسْبَةَ بَيْنَهُ وبَيْنَهُ بِوِلادَةٍ، فَعَلى هَذا نَفى ما قُدِّرَ أنَّهُ داخِلٌ في قَوْلِهِ: (وأهْلَكَ)، ثُمَّ عَلَّلَ انْتِفاءَ كَوْنِهِ لَيْسَ مِن أهْلِهِ بِأنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ.
والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في إنَّهُ عائِدٌ عَلى ابْنِ نُوحٍ لا عَلى النِّداءِ المَفْهُومِ مِن قَوْلِهِ: (ونادى) المُتَضَمِّنِ سُؤالَ رَبِّهِ، وجَعَلَهُ نَفْسَ العَمَلِ مُبالَغَةً في ذَمِّهِ كَما قالَ: فَإنَّما هي إقْبالٌ وإدْبارٌ، هَذا عَلى قِراءَةِ جُمْهُورِ السَّبْعَةِ.
وقَرَأ الكِسائِيُّ: ﴿عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ﴾ جَعَلَهُ فِعْلًا ناصِبًا غَيْرَ صالِحٍ، وهي قِراءَةُ عَلِيٍّ وأنَسٍ وابْنِ عَبّاسٍ وعائِشَةَ، ورَوَتْها عائِشَةُ وأُمُّ سَلَمَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وهَذا يُرَجِّحُ أنَّ الضَّمِيرَ يَعُودُ عَلى ابْنِ نُوحٍ. قِيلَ: ويُرَجِّحُ كَوْنَ الضَّمِيرِ في (إنَّهُ) عائِدًا عَلى نِداءِ نُوحٍ المُتَضَمِّنِ السُّؤالَ أنَّ في مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ، إنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ أنْ تَسْألَنِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ. وقِيلَ: يَعُودُ الضَّمِيرُ في هَذِهِ القِراءَةِ عَلى رُكُوبِ ولَدِ نُوحٍ مَعَهُمُ، الَّذِي تَضَمَّنَهُ سُؤالُ نُوحٍ، المَعْنى: أنَّ كَوْنَهُ مَعَ الكافِرِينَ وتَرْكَهُ الرُّكُوبَ مَعَ المُؤْمِنِينَ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ، وكَوْنُ الضَّمِيرِ في (إنَّهُ) عائِدًا عَلى غَيْرِ ابْنِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ تَكَلُّفٌ وتَعَسُّفٌ لا يَلِيقُ بِالقُرْآنِ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): فَهَلّا قِيلَ إنَّهُ عَمَلٌ فاسِدٌ ؟ (قُلْتُ): لَمّا نَفاهُ مِن أهْلِهِ نَفى عَنْهُ صِفَتَهم بِكَلِمَةِ النَّفْيِ الَّتِي يُسْتَنْفى مَعَها لَفْظُ المَنفِيِّ، وأذِنَ بِذَلِكَ أنَّهُ إنَّما أنْجى مَن أنْجى مِن أهْلِهِ بِصَلاحِهِمْ، لا لِأنَّهم أهْلُكَ وأقارِبُكَ، وإنَّ هَذا لَمّا انْتَفى عَنْهُ الصَّلاحُ لَمْ تَنْفَعْهُ أُبُوَّتُكَ.
وقَرَأ الصّاحِبانِ: (تَسْألَنِّ) بِتَشْدِيدِ النُّونِ مَكْسُورَةً، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ وشَيْبَةُ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ كَذَلِكَ، إلّا أنَّهم أثْبَتُوا الباءَ بَعْدَ النُّونِ، وابْنُ كَثِيرٍ بِتَشْدِيدِها مَفْتُوحَةً وهي قِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ.
وقَرَأ الحَسَنُ وابْنُ أبِي مُلَيْكَةَ: (تَسالنِي) مِن غَيْرِ هَمْزٍ مِن سالَ يَسالُ وهُما يَتَساوَلانِ، وهي (p-٢٣٠)لُغَةٌ سائِرَةٌ. وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ بِالهَمْزِ وإسْكانِ اللّامِ وكَسْرِ النُّونِ وتَخْفِيفِها، وأثْبَتَ الياءَ في الوَصْلِ ورْشٌ وأبُو عَمْرٍو، وحَذَفَها الباقُونَ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَلا تَلْتَمِسْ مُلْتَمَسًا أوِ التِماسًا، لا تَعْلَمُ أصَوابٌ هو أمْ غَيْرُ صَوابٍ حَتّى تَقِفَ عَلى كُنْهِهِ ؟ .
وذِكْرُ المَسْألَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ النِّداءَ كانَ قَبْلَ أنْ يَغْرَقَ حِينَ خافَ عَلَيْهِ. (فَإنْ قُلْتَ): لِمَ سَمّى نِداءَهُ سُؤالًا ولا سُؤالَ فِيهِ ؟ (قُلْتُ): قَدْ تَضَمَّنَ دُعاؤُهُ مَعْنى السُّؤالِ وإنْ لَمْ يُصَرِّحْ بِهِ، لِأنَّهُ إذا ذَكَرَ المَوْعِدَ بِنَجاةِ أهْلِهِ في وقْتِ مُشارَفَةِ الغَرَقِ فَقَدِ اسْتَنْجَزَ، وجَعَلَ سُؤالَ ما لا يُعْرَفُ كُنْهُهُ جَهْلًا وغَباوَةً، ووَعْظَهُ أنْ لا يَعُودَ إلَيْهِ وإلى أمْثالِهِ مِن أفْعالِ الجاهِلِينَ. (فَإنْ قُلْتَ) قَدْ وعَدَ اللَّهُ أنْ يُنْجِيَ أهْلَهُ، وما كانَ عِنْدَهُ أنَّ ابْنَهُ لَيْسَ مِنهم دِينًا، فَلَمّا أشْفى عَلى الغَرَقِ تَشابَهَ عَلَيْهِ الأمْرُ، لِأنَّ العِدَةَ قَدْ سَبَقَتْ لَهُ، وقَدْ عَرَفَ اللَّهَ حَكِيمًا لا يَجُوزُ عَلَيْهِ فِعْلُ القَبِيحِ وخَلْفُ المِيعادِ فَطَلَبَ إماطَةَ الشُّبْهَةِ، وطَلَبُ إماطَةِ الشُّبْهَةِ واجِبٌ، فَلِمَ زُجِرَ وجُعِلَ سُؤالُهُ جَهْلًا ؟ (قُلْتُ): إنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ قَدَّمَ لَهُ الوَعْدَ بِإنْجاءِ أهْلِهِ، مَعَ اسْتِثْناءِ مَن عَلَيْهِ القَوْلُ مِنهم، فَكانَ عَلَيْهِ أنْ يَعْتَقِدَ أنَّ في جُمْلَةِ أهْلِهِ مَن هو مُسْتَوْجِبُ العَذابِ لِكَوْنِهِ غَيْرَ صالِحٍ، وأنَّ كُلَّهم لَيْسُوا بِناجِينَ، وأنْ لا تُخالِجَهُ شُبْهَةٌ حِينَ شارَفَ ولَدُهُ عَلى الغَرَقِ في أنَّهُ مِنَ المُسْتَثْنِينَ لا مِنَ المُسْتَثْنى مِنهم، فَعُوتِبَ عَلى أنِ اشْتَبَهَ عَلَيْهِ ما يَجِبُ بِما يَجِبُ أنْ لا يَشْتِبَهَ.
وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿فَلا تَسْألْنِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ أيْ: إذْ وعَدْتُكَ فاعْلَمْ يَقِينًا أنَّهُ لا خُلْفَ في الوَعْدِ، فَإذا رَأيْتَ ولَدَكَ لَمْ يُحْمَلْ فَكانَ الواجِبُ عَلَيْكَ أنْ تَقِفَ وتَعْلَمَ أنَّ ذَلِكَ لِحَقٍّ واجِبٍ عِنْدَ اللَّهِ، ولَكِنَّ نُوحًا عَلَيْهِ السَّلامُ حَمَلَتْهُ شَفَقَةُ البُنُوَّةِ وسَجِيَّةُ البَشَرِ عَلى التَّعَرُّضِ لِنَفَحاتِ الرَّحْمَةِ والتَّذْكِيرِ، وعَلى هَذا القَدْرِ وقَعَ عِقابُهُ، ولِذَلِكَ جاءَ بِتَلَطُّفٍ وتَرَجٍّ في قَوْلِهِ: ﴿إنِّي أعِظُكَ أنْ تَكُونَ مِنَ الجاهِلِينَ﴾ .
ويَحْتَمِلُ قَوْلُهُ: ﴿فَلا تَسْألْنِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ أيْ: لا تَطْلُبْ مِنِّي أمْرًا لا تَعْلَمُ المَصْلَحَةَ فِيهِ عِلْمَ يَقِينٍ، ونَحا إلى هَذا أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ وقالَ: إنَّ (بِهِ) يَجُوزُ أنْ يَتَعَلَّقَ بِلَفْظٍ عامٍّ كَما قالَ الشّاعِرُ:
؎كَأنَّ جَزائِي بِالعَصا أنْ أُجْلَدا
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ بِهِ بِمَنزِلَةِ فِيهِ، فَتَتَعَلَّقُ الباءُ بِالمُسْتَقَرِّ. واخْتِلافُ هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ إنَّما هو لَفْظِيٌّ، والمَعْنى في الآيَةِ واحِدَةٌ. وذَكَرَ الطَّبَرِيُّ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ تَأْوِيلًا في قَوْلِهِ: ﴿إنِّي أعِظُكَ أنْ تَكُونَ مِنَ الجاهِلِينَ﴾ لا يُناسِبُ النُّبُوَّةَ تَرْكَناهُ، ويُوقَفُ عَلَيْهِ في تَفْسِيرِ ابْنِ عَطِيَّةَ. وقِيلَ: سَألَ نُوحٌ رَبَّهُ حِينَ صارَ عَنْهُ ابْنُهُ بِمَعْزِلٍ، وقِيلَ: قَبْلَ أنْ عَرَفَ هَلاكَهُ، وقِيلَ: بَعْدَ أنْ عَرَفَ هَلاكَهُ سَألَ اللَّهَ لَهُ المَغْفِرَةَ ﴿أنْ أسْألَكَ﴾ مِن أنْ أطْلُبَ في المُسْتَقْبَلِ ما لا عِلْمَ لِي بِصِحَّتِهِ تَأْدِيبًا بِأدَبِكَ، واتِّعاظًا بِمَوْعِظَتِكَ، وهَذِهِ إنابَةٌ مِن نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ وتَسْلِيمٌ لِأمْرِ اللَّهِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والسُّؤالُ الَّذِي وقَعَ النَّهْيُ عَنْهُ والِاسْتِعاذَةُ والِاسْتِغْفارُ مِنهُ هو سُؤالُ العَزْمِ الَّذِي مَعَهُ مُحاجَّةٌ وطَلِبَةٌ مُلِحَّةٌ فِيما قَدْ حُجِبَ وجْهُ الحِكْمَةِ فِيهِ.
وأمّا السُّؤالُ في الأُمُورِ عَلى جِهَةِ التَّعَلُّمِ والِاسْتِرْشادِ فَغَيْرُ داخِلٍ في هَذا، وظاهِرُ قَوْلِهِ: ﴿فَلا تَسْألْنِي ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ يَعُمُّ النَّحْوَيْنِ مِنَ السُّؤالِ، ولِذَلِكَ نَبَّهْتُ عَلى أنَّ المُرادَ أحَدُهُما دُونَ الآخَرِ، و(الخاسِرُونَ) هُمُ: المَغْبُونُونَ حُظُوظَهم مِنَ الخَيْرِ، انْتَهى.
ونَسَبَ نُوحٌ النَّقْصَ والذَّنْبَ إلى نَفْسِهِ تَأدُّبًا مَعَ رَبِّهِ فَقالَ: ﴿وإلّا تَغْفِرْ لِي﴾ أيْ: ما فَرَطَ مِن سُؤالِي وتَرْحَمْنِي بِفَضْلِكَ، وهَذا كَما قالَ آدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ.
هود 11:48
﴿قِيلَ يا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلامٍ مِنّا وبَرَكاتٍ عَلَيْكَ وعَلى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ وأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهم ثُمَّ يَمَسُّهم مِنّا عَذابٌ ألِيمٌ﴾ ﴿تِلْكَ مِن أنْباءِ الغَيْبِ نُوحِيها إلَيْكَ ما كُنْتَ تَعْلَمُها أنْتَ ولا قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هَذا فاصْبِرْ إنَّ العاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ﴾: بُنِيَ الفِعْلُ لِلْمَفْعُولِ، فَقِيلَ: القائِلُ هو اللَّهُ تَعالى، وقِيلَ: المَلائِكَةُ (p-٢٣١)تَبْلِيغًا عَنِ اللَّهِ تَعالى. والظّاهِرُ الأوَّلُ لِقَوْلِهِ: (مِنّا) و﴿سَنُمَتِّعُهُمْ﴾ أُمِرَ عِنْدَ نُزُولِهِ بِالهُبُوطِ مِنَ السَّفِينَةِ ومِنَ الجَبَلِ مَعَ أصْحابِهِ لِلِانْتِشارِ في الأرْضِ، والباءُ لِلْحالِ، أيْ: مَصْحُوبًا بِسَلامَةٍ وأمْنٍ وبَرَكاتٍ، وهي الخَيْراتُ النّامِيَةُ في كُلِّ الجِهاتِ.
ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ اللّامُ بِمَعْنى: التَّسْلِيمِ، أيِ: اهْبِطْ مُسَلَّمًا عَلَيْكَ مُكَرَّمًا. وقُرِئَ: ﴿اهْبِطْ﴾ بِضَمِّ الباءِ، وحَكى عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ يَحْيى (وبَرَكَةٍ) عَلى التَّوْحِيدِ عَنِ الكِسائِيِّ، وبُشِّرَ بِالسَّلامَةِ إيذانًا لَهُ بِمَغْفِرَةِ رَبِّهِ لَهُ ورَحْمَتِهِ إيّاهُ، وبِإقامَتِهِ في الأرْضِ آمِنًا مِنَ الآفاتِ الدُّنْيَوِيَّةِ، إذْ كانَتِ الأرْضُ قَدْ خَلَتْ مِمّا يُنْتَفَعُ بِهِ مِنَ النَّباتِ والحَيَوانِ، فَكانَ ذَلِكَ تَبْشِيرًا لَهُ بِعَوْدِ الأرْضِ إلى أحْسَنِ حالِها، ولِذَلِكَ قالَ: ﴿وبَرَكاتٍ عَلَيْكَ﴾ أيْ: دائِمَةٍ باقِيَةٍ عَلَيْكَ. والظّاهِرُ أنَّ مِن لِابْتِداءِ الغايَةِ، أيْ: ناشِئَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ، وهُمُ الأُمَمُ المُؤْمِنُونَ إلى آخِرِ الدَّهْرِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مِن لِلْبَيانِ، فَتُرادُ الأُمَمُ الَّذِينَ كانُوا مَعَهُ في السَّفِينَةِ لِأنَّهم كانُوا جَماعاتٍ. وقِيلَ لَهم: أُمَمٌ، لِأنَّ الأُمَمَ تَشَعَّبَتْ مِنهُمُ، انْتَهى.
وهَذا فِيهِ بُعْدٌ وتَكَلُّفٌ إذْ يَصِيرُ التَّقْدِيرُ: وعَلى أُمَمٍ هم مَن مَعَكَ، ولَوْ أُرِيدَ هَذا المَعْنى لا غِنى عَنْهُ، وعَلى أُمَمٍ مَعَكَ أوْ عَلى مَن مَعَكَ، فَكانَ يَكُونُ أخْصَرَ وأقْرَبَ إلى الفَهْمِ، وأبْعَدَ عَنِ اللَّبْسِ.
وارْتَفَعَ أُمَمٌ عَلى الِابْتِداءِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: و﴿سَنُمَتِّعُهُمْ﴾ صِفَةٌ، والخَبَرُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: ومِمَّنْ مَعَكَ أُمَمٌ سَنُمَتِّعُهم، وإنَّما حُذِفَ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿مِمَّنْ مَعَكَ﴾، والمَعْنى: أنَّ السَّلامَ مِنّا والبَرَكاتِ عَلَيْكَ وعَلى أُمَمِ مُؤْمِنِينَ يَنْشَئُونَ مِمَّنْ مَعَكَ.
وأُمَمٌ مُمَتَّعُونَ بِالدُّنْيا مُنْقَلِبُونَ إلى النّارِ، انْتَهى. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ أُمَمٌ مُبْتَدَأً، ومَحْذُوفُ الصِّفَةِ وهي المُسَوِّغَةُ لِجَوازِ الِابْتِداءِ بِالنَّكِرَةِ، والتَّقْدِيرُ: وأُمَمٌ مِنهم، أيْ: مِمَّنْ مَعَكَ، أيْ: ناشِئَةٌ مِمَّنْ مَعَكَ، و﴿سَنُمَتِّعُهُمْ﴾ هو الخَبَرُ كَما قالُوا: السَّمْنُ مَنَوانِ بِدِرْهَمٍ، أيْ: مَنَوانِ مِنهُ، فَحُذِفُ مِنهُ وهو صِفَةٌ لَمَنَوانِ، ولِذَلِكَ جازَ الِابْتِداءُ بِمَنَوانِ وهو نَكِرَةٌ. ويَجُوزُ أنْ يُقَدَّرَ مُبْتَدَأٌ ولا يُقَدَّرَ صِفَةُ الخَبَرِ ﴿سَنُمَتِّعُهُمْ﴾، ومُسَوِّغُ الِابْتِداءِ كَوْنُ المَكانِ مَكانَ تَفْصِيلٍ، فَكانَ مِثْلَ قَوْلِ الشّاعِرِ:
؎إذا ما بَكى مِن خَلْفِها انْحَرَفَتْ لَهُ بِشِقٍّ وشِقٌّ عِنْدَنا لَمْ يُحَوَّلِ
وقالَ القُرْطُبِيُّ: ارْتَفَعَتْ وأُمَمٌ عَلى مَعْنى: ويَكُونُ أُمَمٌ، انْتَهى. فَإنْ كانَ أرادَ تَفْسِيرَ مَعْنًى فَحَسَنٌ، وإنْ أرادَ الإعْرابَ لَيْسَ بِجَيِّدٍ، لِأنَّ هَذا لَيْسَ مِن مَواضِعِ إضْمارِ يَكُونُ، وقالَ الأخْفَشُ: هَذا كَما تَقُولُ كَلَّمْتُ: زَيْدًا وعَمْرٌو جالِسٌ، انْتَهى. فاحْتُمِلَ أنْ يَكُونَ مِن بابِ عَطْفِ الجُمَلِ، واحْتُمِلَ أنْ تَكُونَ الواوُ لِلْحالِ، وتَكُونُ حالًا مُقَدَّرَةً لِأنَّهُ وقْتَ الأمْرِ بِالهُبُوطِ لَمْ تَكُنْ تِلْكَ الأُمَمُ مَوْجُودَةً.
وقالَ أبُو البَقاءِ: وأُمَمٌ مَعْطُوفٌ عَلى الضَّمِيرِ في اهْبِطْ تَقْدِيرُهُ: اهْبِطْ أنْتَ وأُمَمٌ، وكانَ الفَصْلُ بَيْنَهُما مُغْنِيًا عَنِ التَّأْكِيدِ، و﴿سَنُمَتِّعُهُمْ﴾ نَعْتٌ لِـ (أُمَمٌ)، انْتَهى. وهَذا التَّقْدِيرُ والمَعْنى لا يَصْلُحانِ، لِأنَّ الَّذِينَ كانُوا مَعَ نُوحٍ في السَّفِينَةِ إنَّما كانُوا مُؤْمِنِينَ لِقَوْلِهِ: ﴿ومَن آمَنَ﴾ [هود: ٤٠]، ولَمْ يَكُونُوا قِسْمَيْنِ كُفّارًا ومُؤْمِنِينَ، فَتَكُونُ الكُفّارُ مَأْمُورِينَ بِالهُبُوطِ مَعَ نُوحٍ، إلّا إنْ قَدَّرَ أنَّ مِن أُولَئِكَ المُؤْمِنِينَ مَن يَكْفُرُ بَعْدَ الهُبُوطِ، وأخْبَرَ عَنْهم بِالحالَةِ الَّتِي يَئُولُونَ إلَيْها فَيُمْكِنُ عَلى بُعْدٍ، والَّذِي يَنْبَغِي أنْ يُفْهَمَ مِنَ الآيَةِ أنَّ مَن مَعَهُ يَنْشَأُ مِنهم مُؤْمِنُونَ وكافِرُونَ، ونَبَّهَ عَلى الإيمانِ بِأنَّ المُتَّصِفِينَ بِهِ مِنَ اللَّهِ عَلَيْهِمْ سَلامٌ وبَرَكَةٌ، وعَلى الكُفْرِ بِأنَّ المُتَّصِفِينَ بِهِ يُمَتَّعُونَ في الدُّنْيا ثُمَّ يُعَذَّبُونَ في الآخِرَةِ، وذَلِكَ مِن بابِ الكِنايَةِ كَقَوْلِهِمْ: فُلانٌ طَوِيلُ النَّجادِ كَثِيرُ الرَّمادِ. وظاهِرُ قَوْلِهِ: مِمَّنْ مَعَكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ المُؤْمِنِينَ والكافِرِينَ نَشَئُوا مِمَّنْ مَعَهُ، والَّذِينَ كانُوا مَعَهُ في السَّفِينَةِ إنْ كانُوا أوْلادَهُ الثَّلاثَةَ فَقَطْ، أوْ مَعَهم نِساؤُهُمُ، انْتَظَمَ قَوْلُ المُفَسِّرِينَ أنَّ نُوحًا عَلَيْهِ السَّلامُ هو أبُو الخَلْقِ كُلِّهِمْ، وسُمِّيَ آدَمَ الأصْغَرَ لِذَلِكَ وإنْ كانُوا أوْلادَهُ وغَيْرَهم عَلى الِاخْتِلافِ في العَدَدِ، فَإنْ كانَ غَيْرُ أوْلادِهِ ماتَ ولَمْ يَنْسُلْ صَحَّ أنَّهُ أبُو البَشَرِ بَعْدَ آدَمَ، ولَمْ يَصِحَّ أنَّهُ نَشَأ مِمَّنْ مَعَهُ مُؤْمِنٌ وكافِرٌ، إلّا إنْ أُرِيدَ (p-٢٣٢)بِالَّذِينَ مَعَهُ: أوْلادُهُ، فَيَكُونُ مِن إطْلاقِ العامِّ ويُرادُ بِهِ الخاصُّ. وإنْ كانُوا نَسَلُوا كَما عَلَيْهِ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ، فَلا يَنْتَظِمُ أنَّهُ أبُو البَشَرِ بَعْدَ آدَمَ، بَلِ الخَلْقُ بَعْدَ الطُّوفانِ مِنهُ ومِمَّنْ كانَ مَعَهُ في السَّفِينَةِ.
والأُمَمُ المُمَتَّعَةُ لَيْسُوا مُعَيَّنِينَ بَلْ هم عِبارَةٌ عَنِ الكُفّارِ. وقِيلَ: هم قَوْمُ هُودٍ وصالِحٍ ولُوطٍ وشُعَيْبٍ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ.
تِلْكَ إشارَةٌ إلى قِصَّةِ نُوحٍ، وتَقَدَّمَتْ أعارِيبُ في مِثْلِ هَذا التَّرْكِيبِ في قَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ مِن أنْباءِ الغَيْبِ نُوحِيهِ إلَيْكَ﴾ [آل عمران: ٤٤] في آلِ عِمْرانَ، (وتِلْكَ): إشارَةٌ لِلْبَعِيدِ، لِأنَّ بَيْنَ هَذِهِ القِصَّةِ والرَّسُولِ مُدَدًا لا تُحْصى. وقِيلَ: الإشارَةُ بِتِلْكَ إلى آياتِ القُرْآنِ، و﴿مِن أنْباءِ الغَيْبِ﴾ وهو الَّذِي تَقادَمَ عَهْدُهُ ولَمْ يَبْقَ عِلْمُهُ إلّا عِنْدَ اللَّهِ، و﴿نُوحِيها إلَيْكَ﴾ لِيَكُونَ لَكَ هِدايَةً وأُسْوَةً فِيما لَقِيَهُ غَيْرُكَ مِنَ الأنْبِياءِ، ولَمْ يَكُنْ عِلْمُها عِنْدَكَ ولا عِنْدَ قَوْمِكَ، وأعْلَمْناهم بِها لِيَكُونَ مِثالًا لَهم وتَحْذِيرًا أنْ يُصِيبَهم إذا كَذَّبُوكَ ما أصابَ أُولَئِكَ، ولِلَحْظِ هَذا المَعْنى ظَهَرَتْ فَصاحَةُ قَوْلِهِ: فاصْبِرْ عَلى أذاهم مُجْتَهِدًا في التَّبْلِيغِ عَنِ اللَّهِ، فالعاقِبَةُ لَكَ كَما كانَتْ لِـ نُوحٍ في هَذِهِ القِصَّةِ. ومَعْنى ما كُنْتَ تَعْلَمُها أيْ: مُفَصَّلَةً كَما سَرَدْناها عَلَيْكَ، وعِلْمُ الطُّوفانِ كانَ مَعْلُومًا عِنْدَ العالَمِ عَلى سَبِيلِ الإجْمالِ.
والمَجُوسُ الآنَ يُنْكِرُونَهُ. والجُمْلَةُ مِن قَوْلِهِ: (ما كُنْتَ) في مَوْضِعِ الحالِ مِن مَفْعُولِ نُوحِيها، أوْ مِن مَجْرُورِ إلَيْكَ، وقَدَّرَها الزَّمَخْشَرِيُّ تَقْدِيرَ مَعْنًى فَقالَ: أيْ مَجْهُولَةً عِنْدَكَ وعِنْدَ قَوْمِكَ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ خَبَرًا بَعْدَ خَبَرٍ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن قَبْلِ هَذا﴾ إلى الوَقْتِ أوْ إلى الإيحاءِ أوْ إلى العِلْمِ الَّذِي اكْتَسَبَهُ بِالوَحْيِ، احْتِمالاتٌ. وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ (مِن قَبْلِ هَذا القُرْآنِ) وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿ولا قَوْمُكَ﴾ مَعْناهُ: أنَّ قَوْمَكَ الَّذِينَ أنْتَ مِنهم عَلى كَثْرَتِهِمْ ووُفُورِ عَدَدِهِمْ إذا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ شَأْنَهم ولا سَمِعُوهُ ولا عَرَفُوهُ، فَكَيْفَ بِرَجُلٍ مِنهم ؟ كَما تَقُولُ: لَمْ يَعْرِفُ هَذا عَبْدُ اللَّهِ ولا أهْلُ بَلَدِهِ ؟ .
هود 11:49
﴿قِيلَ يا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلامٍ مِنّا وبَرَكاتٍ عَلَيْكَ وعَلى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ وأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهم ثُمَّ يَمَسُّهم مِنّا عَذابٌ ألِيمٌ﴾ ﴿تِلْكَ مِن أنْباءِ الغَيْبِ نُوحِيها إلَيْكَ ما كُنْتَ تَعْلَمُها أنْتَ ولا قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هَذا فاصْبِرْ إنَّ العاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ﴾: بُنِيَ الفِعْلُ لِلْمَفْعُولِ، فَقِيلَ: القائِلُ هو اللَّهُ تَعالى، وقِيلَ: المَلائِكَةُ (p-٢٣١)تَبْلِيغًا عَنِ اللَّهِ تَعالى. والظّاهِرُ الأوَّلُ لِقَوْلِهِ: (مِنّا) و﴿سَنُمَتِّعُهُمْ﴾ أُمِرَ عِنْدَ نُزُولِهِ بِالهُبُوطِ مِنَ السَّفِينَةِ ومِنَ الجَبَلِ مَعَ أصْحابِهِ لِلِانْتِشارِ في الأرْضِ، والباءُ لِلْحالِ، أيْ: مَصْحُوبًا بِسَلامَةٍ وأمْنٍ وبَرَكاتٍ، وهي الخَيْراتُ النّامِيَةُ في كُلِّ الجِهاتِ.
ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ اللّامُ بِمَعْنى: التَّسْلِيمِ، أيِ: اهْبِطْ مُسَلَّمًا عَلَيْكَ مُكَرَّمًا. وقُرِئَ: ﴿اهْبِطْ﴾ بِضَمِّ الباءِ، وحَكى عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ يَحْيى (وبَرَكَةٍ) عَلى التَّوْحِيدِ عَنِ الكِسائِيِّ، وبُشِّرَ بِالسَّلامَةِ إيذانًا لَهُ بِمَغْفِرَةِ رَبِّهِ لَهُ ورَحْمَتِهِ إيّاهُ، وبِإقامَتِهِ في الأرْضِ آمِنًا مِنَ الآفاتِ الدُّنْيَوِيَّةِ، إذْ كانَتِ الأرْضُ قَدْ خَلَتْ مِمّا يُنْتَفَعُ بِهِ مِنَ النَّباتِ والحَيَوانِ، فَكانَ ذَلِكَ تَبْشِيرًا لَهُ بِعَوْدِ الأرْضِ إلى أحْسَنِ حالِها، ولِذَلِكَ قالَ: ﴿وبَرَكاتٍ عَلَيْكَ﴾ أيْ: دائِمَةٍ باقِيَةٍ عَلَيْكَ. والظّاهِرُ أنَّ مِن لِابْتِداءِ الغايَةِ، أيْ: ناشِئَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ، وهُمُ الأُمَمُ المُؤْمِنُونَ إلى آخِرِ الدَّهْرِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مِن لِلْبَيانِ، فَتُرادُ الأُمَمُ الَّذِينَ كانُوا مَعَهُ في السَّفِينَةِ لِأنَّهم كانُوا جَماعاتٍ. وقِيلَ لَهم: أُمَمٌ، لِأنَّ الأُمَمَ تَشَعَّبَتْ مِنهُمُ، انْتَهى.
وهَذا فِيهِ بُعْدٌ وتَكَلُّفٌ إذْ يَصِيرُ التَّقْدِيرُ: وعَلى أُمَمٍ هم مَن مَعَكَ، ولَوْ أُرِيدَ هَذا المَعْنى لا غِنى عَنْهُ، وعَلى أُمَمٍ مَعَكَ أوْ عَلى مَن مَعَكَ، فَكانَ يَكُونُ أخْصَرَ وأقْرَبَ إلى الفَهْمِ، وأبْعَدَ عَنِ اللَّبْسِ.
وارْتَفَعَ أُمَمٌ عَلى الِابْتِداءِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: و﴿سَنُمَتِّعُهُمْ﴾ صِفَةٌ، والخَبَرُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: ومِمَّنْ مَعَكَ أُمَمٌ سَنُمَتِّعُهم، وإنَّما حُذِفَ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿مِمَّنْ مَعَكَ﴾، والمَعْنى: أنَّ السَّلامَ مِنّا والبَرَكاتِ عَلَيْكَ وعَلى أُمَمِ مُؤْمِنِينَ يَنْشَئُونَ مِمَّنْ مَعَكَ.
وأُمَمٌ مُمَتَّعُونَ بِالدُّنْيا مُنْقَلِبُونَ إلى النّارِ، انْتَهى. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ أُمَمٌ مُبْتَدَأً، ومَحْذُوفُ الصِّفَةِ وهي المُسَوِّغَةُ لِجَوازِ الِابْتِداءِ بِالنَّكِرَةِ، والتَّقْدِيرُ: وأُمَمٌ مِنهم، أيْ: مِمَّنْ مَعَكَ، أيْ: ناشِئَةٌ مِمَّنْ مَعَكَ، و﴿سَنُمَتِّعُهُمْ﴾ هو الخَبَرُ كَما قالُوا: السَّمْنُ مَنَوانِ بِدِرْهَمٍ، أيْ: مَنَوانِ مِنهُ، فَحُذِفُ مِنهُ وهو صِفَةٌ لَمَنَوانِ، ولِذَلِكَ جازَ الِابْتِداءُ بِمَنَوانِ وهو نَكِرَةٌ. ويَجُوزُ أنْ يُقَدَّرَ مُبْتَدَأٌ ولا يُقَدَّرَ صِفَةُ الخَبَرِ ﴿سَنُمَتِّعُهُمْ﴾، ومُسَوِّغُ الِابْتِداءِ كَوْنُ المَكانِ مَكانَ تَفْصِيلٍ، فَكانَ مِثْلَ قَوْلِ الشّاعِرِ:
؎إذا ما بَكى مِن خَلْفِها انْحَرَفَتْ لَهُ بِشِقٍّ وشِقٌّ عِنْدَنا لَمْ يُحَوَّلِ
وقالَ القُرْطُبِيُّ: ارْتَفَعَتْ وأُمَمٌ عَلى مَعْنى: ويَكُونُ أُمَمٌ، انْتَهى. فَإنْ كانَ أرادَ تَفْسِيرَ مَعْنًى فَحَسَنٌ، وإنْ أرادَ الإعْرابَ لَيْسَ بِجَيِّدٍ، لِأنَّ هَذا لَيْسَ مِن مَواضِعِ إضْمارِ يَكُونُ، وقالَ الأخْفَشُ: هَذا كَما تَقُولُ كَلَّمْتُ: زَيْدًا وعَمْرٌو جالِسٌ، انْتَهى. فاحْتُمِلَ أنْ يَكُونَ مِن بابِ عَطْفِ الجُمَلِ، واحْتُمِلَ أنْ تَكُونَ الواوُ لِلْحالِ، وتَكُونُ حالًا مُقَدَّرَةً لِأنَّهُ وقْتَ الأمْرِ بِالهُبُوطِ لَمْ تَكُنْ تِلْكَ الأُمَمُ مَوْجُودَةً.
وقالَ أبُو البَقاءِ: وأُمَمٌ مَعْطُوفٌ عَلى الضَّمِيرِ في اهْبِطْ تَقْدِيرُهُ: اهْبِطْ أنْتَ وأُمَمٌ، وكانَ الفَصْلُ بَيْنَهُما مُغْنِيًا عَنِ التَّأْكِيدِ، و﴿سَنُمَتِّعُهُمْ﴾ نَعْتٌ لِـ (أُمَمٌ)، انْتَهى. وهَذا التَّقْدِيرُ والمَعْنى لا يَصْلُحانِ، لِأنَّ الَّذِينَ كانُوا مَعَ نُوحٍ في السَّفِينَةِ إنَّما كانُوا مُؤْمِنِينَ لِقَوْلِهِ: ﴿ومَن آمَنَ﴾ [هود: ٤٠]، ولَمْ يَكُونُوا قِسْمَيْنِ كُفّارًا ومُؤْمِنِينَ، فَتَكُونُ الكُفّارُ مَأْمُورِينَ بِالهُبُوطِ مَعَ نُوحٍ، إلّا إنْ قَدَّرَ أنَّ مِن أُولَئِكَ المُؤْمِنِينَ مَن يَكْفُرُ بَعْدَ الهُبُوطِ، وأخْبَرَ عَنْهم بِالحالَةِ الَّتِي يَئُولُونَ إلَيْها فَيُمْكِنُ عَلى بُعْدٍ، والَّذِي يَنْبَغِي أنْ يُفْهَمَ مِنَ الآيَةِ أنَّ مَن مَعَهُ يَنْشَأُ مِنهم مُؤْمِنُونَ وكافِرُونَ، ونَبَّهَ عَلى الإيمانِ بِأنَّ المُتَّصِفِينَ بِهِ مِنَ اللَّهِ عَلَيْهِمْ سَلامٌ وبَرَكَةٌ، وعَلى الكُفْرِ بِأنَّ المُتَّصِفِينَ بِهِ يُمَتَّعُونَ في الدُّنْيا ثُمَّ يُعَذَّبُونَ في الآخِرَةِ، وذَلِكَ مِن بابِ الكِنايَةِ كَقَوْلِهِمْ: فُلانٌ طَوِيلُ النَّجادِ كَثِيرُ الرَّمادِ. وظاهِرُ قَوْلِهِ: مِمَّنْ مَعَكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ المُؤْمِنِينَ والكافِرِينَ نَشَئُوا مِمَّنْ مَعَهُ، والَّذِينَ كانُوا مَعَهُ في السَّفِينَةِ إنْ كانُوا أوْلادَهُ الثَّلاثَةَ فَقَطْ، أوْ مَعَهم نِساؤُهُمُ، انْتَظَمَ قَوْلُ المُفَسِّرِينَ أنَّ نُوحًا عَلَيْهِ السَّلامُ هو أبُو الخَلْقِ كُلِّهِمْ، وسُمِّيَ آدَمَ الأصْغَرَ لِذَلِكَ وإنْ كانُوا أوْلادَهُ وغَيْرَهم عَلى الِاخْتِلافِ في العَدَدِ، فَإنْ كانَ غَيْرُ أوْلادِهِ ماتَ ولَمْ يَنْسُلْ صَحَّ أنَّهُ أبُو البَشَرِ بَعْدَ آدَمَ، ولَمْ يَصِحَّ أنَّهُ نَشَأ مِمَّنْ مَعَهُ مُؤْمِنٌ وكافِرٌ، إلّا إنْ أُرِيدَ (p-٢٣٢)بِالَّذِينَ مَعَهُ: أوْلادُهُ، فَيَكُونُ مِن إطْلاقِ العامِّ ويُرادُ بِهِ الخاصُّ. وإنْ كانُوا نَسَلُوا كَما عَلَيْهِ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ، فَلا يَنْتَظِمُ أنَّهُ أبُو البَشَرِ بَعْدَ آدَمَ، بَلِ الخَلْقُ بَعْدَ الطُّوفانِ مِنهُ ومِمَّنْ كانَ مَعَهُ في السَّفِينَةِ.
والأُمَمُ المُمَتَّعَةُ لَيْسُوا مُعَيَّنِينَ بَلْ هم عِبارَةٌ عَنِ الكُفّارِ. وقِيلَ: هم قَوْمُ هُودٍ وصالِحٍ ولُوطٍ وشُعَيْبٍ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ.
تِلْكَ إشارَةٌ إلى قِصَّةِ نُوحٍ، وتَقَدَّمَتْ أعارِيبُ في مِثْلِ هَذا التَّرْكِيبِ في قَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ مِن أنْباءِ الغَيْبِ نُوحِيهِ إلَيْكَ﴾ [آل عمران: ٤٤] في آلِ عِمْرانَ، (وتِلْكَ): إشارَةٌ لِلْبَعِيدِ، لِأنَّ بَيْنَ هَذِهِ القِصَّةِ والرَّسُولِ مُدَدًا لا تُحْصى. وقِيلَ: الإشارَةُ بِتِلْكَ إلى آياتِ القُرْآنِ، و﴿مِن أنْباءِ الغَيْبِ﴾ وهو الَّذِي تَقادَمَ عَهْدُهُ ولَمْ يَبْقَ عِلْمُهُ إلّا عِنْدَ اللَّهِ، و﴿نُوحِيها إلَيْكَ﴾ لِيَكُونَ لَكَ هِدايَةً وأُسْوَةً فِيما لَقِيَهُ غَيْرُكَ مِنَ الأنْبِياءِ، ولَمْ يَكُنْ عِلْمُها عِنْدَكَ ولا عِنْدَ قَوْمِكَ، وأعْلَمْناهم بِها لِيَكُونَ مِثالًا لَهم وتَحْذِيرًا أنْ يُصِيبَهم إذا كَذَّبُوكَ ما أصابَ أُولَئِكَ، ولِلَحْظِ هَذا المَعْنى ظَهَرَتْ فَصاحَةُ قَوْلِهِ: فاصْبِرْ عَلى أذاهم مُجْتَهِدًا في التَّبْلِيغِ عَنِ اللَّهِ، فالعاقِبَةُ لَكَ كَما كانَتْ لِـ نُوحٍ في هَذِهِ القِصَّةِ. ومَعْنى ما كُنْتَ تَعْلَمُها أيْ: مُفَصَّلَةً كَما سَرَدْناها عَلَيْكَ، وعِلْمُ الطُّوفانِ كانَ مَعْلُومًا عِنْدَ العالَمِ عَلى سَبِيلِ الإجْمالِ.
والمَجُوسُ الآنَ يُنْكِرُونَهُ. والجُمْلَةُ مِن قَوْلِهِ: (ما كُنْتَ) في مَوْضِعِ الحالِ مِن مَفْعُولِ نُوحِيها، أوْ مِن مَجْرُورِ إلَيْكَ، وقَدَّرَها الزَّمَخْشَرِيُّ تَقْدِيرَ مَعْنًى فَقالَ: أيْ مَجْهُولَةً عِنْدَكَ وعِنْدَ قَوْمِكَ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ خَبَرًا بَعْدَ خَبَرٍ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن قَبْلِ هَذا﴾ إلى الوَقْتِ أوْ إلى الإيحاءِ أوْ إلى العِلْمِ الَّذِي اكْتَسَبَهُ بِالوَحْيِ، احْتِمالاتٌ. وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ (مِن قَبْلِ هَذا القُرْآنِ) وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿ولا قَوْمُكَ﴾ مَعْناهُ: أنَّ قَوْمَكَ الَّذِينَ أنْتَ مِنهم عَلى كَثْرَتِهِمْ ووُفُورِ عَدَدِهِمْ إذا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ شَأْنَهم ولا سَمِعُوهُ ولا عَرَفُوهُ، فَكَيْفَ بِرَجُلٍ مِنهم ؟ كَما تَقُولُ: لَمْ يَعْرِفُ هَذا عَبْدُ اللَّهِ ولا أهْلُ بَلَدِهِ ؟ .
هود 11:50
﴿وإلى عادٍ أخاهم هُودًا قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ إنْ أنْتُمْ إلّا مُفْتَرُونَ﴾ ﴿ياقَوْمِ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى الَّذِي فَطَرَنِي أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ ﴿ويا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكم ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكم مِدْرارًا ويَزِدْكم قُوَّةً إلى قُوَّتِكم ولا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ﴾: ﴿وإلى عادٍ أخاهُمْ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿أرْسَلْنا نُوحًا إلى قَوْمِهِ﴾ [هود: ٢٥]، عَطَفَتِ الواوُ المَجْرُورَ عَلى المَجْرُورِ والمَنصُوبَ عَلى المَنصُوبِ، كَما يُعْطَفُ المَرْفُوعُ والمَنصُوبُ عَلى المَرْفُوعِ والمَنصُوبِ نَحْوَ: ضَرَبَ زَيْدٌ عَمْرًا وبَكْرٌ خالِدًا، ولَيْسَ مِن بابِ الفَصْلِ بِالجارِّ والمَجْرُورِ بَيْنَ حَرْفِ العَطْفِ والمَعْطُوفِ نَحْوَ: ضَرَبْتُ زَيْدًا وفي البَيْتِ عَمْرًا، فَيَجِيءُ مِنهُ الخِلافُ الَّذِي بَيْنَ النَّحْوِيِّينَ: هَلْ يَجُوزُ في الكَلامِ أوْ يَخْتَصُّ بِالشِّعْرِ ؟ وتَقْدِيرُ الكَلامِ: في هُودٍ وعادٍ وإخْوَتِهِ مِنهم في الأعْرافِ، وقِراءَةُ الكِسائِيِّ: (غَيْرِهِ) بِالخَفْضِ، وقِيلَ: ثَمَّ فِعْلٌ مَحْذُوفٌ أيْ: وأرْسَلْنا إلى عادٍ أخاهم، فَيَكُونُ إذْ ذاكَ مِن عَطْفِ الجُمَلِ، والأوَّلُ مِن عَطْفِ المُفْرَداتِ، وهَذا أقْرَبُ لِطُولِ الفَصْلِ بِالجُمَلِ الكَثِيرَةِ بَيْنَ المُتَعاطِفَيْنِ.
(وهُودًا): بَدَلٌ أوْ عَطْفُ بَيانٍ. وقَرَأ مُحَيْصِنٌ (يا قَوْمُ) بِضَمِّ المِيمِ كَقِراءَةِ حَفْصٍ: (قالَ رَبُّ احْكم بِالحَقِّ) بِالضَّمِّ، وهي لُغَةٌ في المُنادى المُضافِ حَكاها سِيبَوَيْهِ وغَيْرُهُ، وافْتِراؤُهم قالَ الحَسَنُ: في جَعْلِهِمُ الأُلُوهِيَّةَ لِغَيْرِ اللَّهِ تَعالى. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: بِاتِّخاذِكُمُ الأوْثانَ لَهُ شُرَكاءَ. والضَّمِيرُ في عَلَيْهِ عائِدٌ عَلى الدُّعاءِ إلى اللَّهِ، ونَبَّهَ بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِي فَطَرَنِي﴾، عَلى الرَّدِّ عَلَيْهِمْ في عِبادَتِهِمُ الأصْنامَ، واعْتِقادِهِمْ أنَّها تَفْعَلُ، وكَوْنِهِ تَعالى هو الفاطِرُ لِلْمَوْجُوداتِ يَسْتَحِقُّ إفْرادَهُ بِالعِبادَةِ.
و﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ تَوْقِيفٌ عَلى اسْتِحالَةِ الأُلُوهِيَّةِ لِغَيْرِ الفاطِرِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ راجِعًا إلى أنَّهُ إذا لَمْ أطْلُبْ عَرَضًا مِنكم، وإنَّما أُرِيدُ نَفْعَكم فَيَجِبُ انْقِيادُكم لِما فِيهِ نَجاتُكم، كَأنَّهُ قِيلَ: ﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ نَصِيحَةَ مَن لا يَطْلُبُ عَلَيْها أجْرًا إلّا مِنَ اللَّهِ تَعالى، وهو ثَوابُ الآخِرَةِ، ولا شَيْءَ أنْفى لِلتُّهْمَةِ مِن ذَلِكَ. وتَقَدَّمَ الكَلامُ في ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكم ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ﴾ [هود: ٣] أوَّلَ هَذِهِ السُّورَةِ.
قَصَدَ هُودٌ اسْتِمالَتَهم إلى الإيمانِ وتَرْغِيبَهم فِيهِ بِكَثْرَةِ (p-٢٣٣)المَطَرِ وزِيادَةِ القُوَّةِ، لِأنَّهم كانُوا أصْحابَ زُورِعٍ وبَساتِينَ وعِماراتٍ حِراصًا عَلَيْها أشَدَّ الحِرْصِ، فَكانُوا أحْوَجَ شَيْءٍ إلى الماءِ، وكانُوا مُدْلِينَ بِما أُوتُوا مِن هَذِهِ القُوَّةِ والبَطْشِ والبَأْسِ مُهَيَّئِينَ في كُلِّ ناحِيَةٍ.
وقِيلَ: أرادَ القُوَّةَ في المالِ، وقِيلَ: في النِّكاحِ. قِيلَ: وحُبِسَ عَنْهُمُ المَطَرُ ثَلاثَ سِنِينَ، وعَقِمَتْ أرْحامُ نِسائِهِمْ. وقَدِ انْتَزَعَ الحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - مِن هَذا ومِن قَوْلِهِ: ﴿ويُمْدِدْكم بِأمْوالٍ وبَنِينَ﴾ [نوح: ١٢]، أنَّ كَثْرَةَ الِاسْتِغْفارِ قَدْ يَجْعَلُهُ اللَّهُ سَبَبًا لِكَثْرَةِ الوَلَدِ، وأجابَ مَن سَألَهُ وأخْبَرَهُ أنَّهُ ذُو مالٍ ولا يُولَدُ لَهُ بِالِاسْتِغْفارِ، فَأكْثَرَ مِن ذَلِكَ فَوُلِدَ لَهُ عَشْرُ بَنِينَ.
ورَوى أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ويَزِدْكم قُوَّةً إلى قُوَّتِكُمْ﴾: أنَّهُ الوَلَدُ ووَلَدُ الوَلَدِ.
وقالَ مُجاهِدٌ وابْنُ زَيْدٍ: في الجِسْمِ والبَأْسِ، وقالَ الضَّحّاكُ: خَصْبًا إلى خَصْبِكم، وقِيلَ: نِعْمَةً إلى نِعْمَتِهِ الأُولى عَلَيْكم، وقِيلَ: قُوَّةً في إيمانِكم إلى قُوَّةٍ في أبْدانِكم.
﴿قالُوا يا هُودُ ما جِئْتَنا بِبَيِّنَةٍ وما نَحْنُ بِتارِكِي آلِهَتِنا عَنْ قَوْلِكَ وما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿إنْ نَقُولُ إلّا اعْتَراكَ بَعْضُ آلِهَتِنا بِسُوءٍ قالَ إنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ واشْهَدُوا أنِّي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ﴾ ﴿مِن دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لا تُنْظِرُونِي﴾ ﴿إنِّي تَوَكَّلْتُ عَلى اللَّهِ رَبِّي ورَبِّكم ما مِن دابَّةٍ إلّا هو آخِذٌ بِناصِيَتِها إنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ﴿فَإنْ تَوَلَّوْا فَقَدْ أبْلَغْتُكم ما أُرْسِلْتُ بِهِ إلَيْكم ويَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكم ولا تَضُرُّونَهُ شَيْئًا إنَّ رَبِّي عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ﴾: بِبَيِّنَةٍ أوْ بِحُجَّةٍ واضِحَةٍ تَدُلُّ عَلى صِدْقِكَ، وقَدْ كَذَّبُوا في ذَلِكَ وبَهَتُوهُ كَما كَذَّبَتْ قُرَيْشٌ في قَوْلِهِمْ: ﴿لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِن رَبِّهِ﴾ [يونس: ٢٠] وقَدْ جاءَهم بِآياتٍ كَثِيرَةٍ، أوْ لِعَمائِهِمْ عَنِ الحَقِّ وعَدَمِ نَظَرِهِمْ في الآياتِ اعْتَقَدُوا ما هو آيَةٌ لَيْسَ بِآيَةٍ فَقالُوا: ما جِئْتَنا بِبَيِّنَةٍ تُلْجِئُنا إلى الإيمانِ، وإلّا فَهُودٌ وغَيْرُهُ مِنَ الأنْبِياءِ لَهم مُعْجِزاتٌ وإنْ لَمْ يُعَيِّنْ لَنا بَعْضَها.
ألا تَرى إلى قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: «ما مِن نَبِيٍّ إلّا وقَدْ أُوتِيَ مِنَ الآياتِ ما مِثْلُهُ آمَنَ عَلَيْهِ البَشَرُ» و(عَنْ) في: ﴿عَنْ قَوْلِكَ﴾ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في ﴿بِتارِكِي آلِهَتِنا﴾، كَأنَّهُ قِيلَ: صادِرِينَ عَنْ قَوْلِكَ، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. وقِيلَ: عَنْ لِلتَّعْلِيلِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إلّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وعَدَها إيّاهُ﴾ [التوبة: ١١٤] فَتَتَعَلَّقُ بِتارِكِي، كَأنَّهُ قِيلَ: لِقَوْلِكَ، وقَدْ أشارَ إلى التَّعْلِيلِ والسَّبَبِ فِيها ابْنُ عَطِيَّةَ، فَقالَ: أيْ: لا يَكُونُ قَوْلُكُ سَبَبًا لَتَرْكِنا، إذْ هو مُجَرَّدٌ عَنْ آيَةٍ، والجُمْلَةُ بَعْدَها تَأْكِيدٌ وتَقْنِيطٌ لَهُ مِن دُخُولِهِمْ في دِينِهِ، ثُمَّ نَسَبُوا ما صَدَرَ مِنهُ مِن دُعائِهِمْ إلى اللَّهِ وإفْرادِهِ بِالأُلُوهِيَّةِ إلى الخَبَلِ والجُنُونِ، وأنَّ ذَلِكَ مِمّا اعْتَراهُ بِهِ بَعْضُ آلِهَتِهِمْ لِكَوْنِهِ سَبَّها وحَرَّضَ عَلى تَرْكِها ودَعا إلى تَرْكِ عِبادَتِها، فَجَعَلَتْهُ يَتَكَلَّمُ مُكافَأةً بِما يَتَكَلَّمُ بِهِ المَجانِينُ، كَما قالَتْ قُرَيْشٌ ﴿مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ﴾ [الدخان: ١٤]، ﴿أمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ﴾ [المؤمنون: ٧٠] و﴿اعْتَراكَ﴾ جُمْلَةٌ مَحْكِيَّةٌ بِـ (نَقُولُ)، فَهي في مَوْضِعِ المَفْعُولِ، ودَلَّتْ عَلى بَلَهٍ شَدِيدٍ وجَهْلٍ مُفْرِطٍ، حَيْثُ اعْتَقَدُوا في حِجارَةٍ أنَّها تَنْتَصِرُ وتَنْتَقِمُ.
وقَوْلُ هُودٍ لَهم في جَوابِ ذَلِكَ: ﴿إنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ﴾ إلى آخِرِهِ، حَيْثُ تَبَرَّأ مِن آلِهَتِهِمْ، وحَرَّضَهم كُلَّهم مَعَ انْفِرادِهِ وحْدَهُ عَلى كَيْدِهِ بِما يَشاءُونَ، وعَدَمُ تَأخُّرِهِ مِن أعْظَمِ الآياتِ عَلى صِدْقِهِ وثِقَتِهِ بِمَوْعُودِ رَبِّهِ مِنَ النَّصْرِ لَهُ، والتَّأْيِيدِ والعِصْمَةِ مِن أنْ يَنالُوهُ بِمَكْرُوهٍ، هَذا وهْمُ حَرِيصُونَ عَلى قَتْلِهِ يَرْمُونَهُ عَنْ قَوْسٍ واحِدَةٍ. ومِثْلُهُ قَوْلُ نُوحٍ لِقَوْمِهِ: ﴿ثُمَّ اقْضُوا إلَيَّ ولا تُنْظِرُونِ﴾ [يونس: ٧١] وأكَّدَ بَراءَتَهُ مِن آلِهَتِهِمْ وشِرْكِهِمْ، ووَثَّقَها بِما جَرَتْ عَلَيْهِ عادَةُ النّاسِ مِن تَوْثِيقِهِمُ الأمْرَ بِشَهادَةِ اللَّهِ وشَهادَةِ العِبادِ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): هَلّا قِيلَ: إنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وأُشْهِدُكم (قُلْتُ): لِأنَّ إشْهادَ اللَّهِ عَلى البَراءَةِ مِنَ الشِّرْكِ إشْهادٌ صَحِيحٌ ثابِتٌ في مَعْنى تَثْبِيتِ التَّوْحِيدِ، وأمّا إشْهادُهم فَما هو إلّا تَهاوُنٌ بِدِينِهِمْ ودِلالَةٌ عَلى قِلَّةِ المُبالاةِ بِهِمْ فَحَسْبُ، فَعُدِلَ بِهِ (p-٢٣٤)عَنْ لَفْظِ الأوَّلِ لِاخْتِلافِ ما بَيْنَهُما، وجِيءَ بِهِ عَلى لَفْظِ الأمْرِ بِالشَّهادَةِ، انْتَهى.
و﴿أنِّي بَرِيءٌ﴾ تَنازَعَ فِيهِ (أُشْهِدُ) و﴿اشْهَدُوا﴾ [آل عمران: ٦٤]، وقَدْ يَتَنازَعُ المُخْتَلِفانِ في التَّعَدِّي الِاسْمَ الَّذِي يَكُونُ صالِحًا لِأنْ يَعْمَلا فِيهِ تَقُولُ: أعْطَيْتُ زَيْدًا ووَهَبْتُ لِعَمْرٍو دِينارًا، كَما يَتَنازَعُ اللّازِمُ والمُتَعَدِّي نَحْوَ: قامَ وضَرَبْتُ زَيْدًا.
و(ما) في (مّا تُشْرِكُونَ) مَوْصُولَةٌ إمّا مَصْدَرِيَّةٌ وإمّا بِمَعْنى الَّذِي، أيْ: بَرِيءٌ مِن إشْراكِكم آلِهَةً مِن دُونِهِ، أوْ مِنَ الَّذِينَ تُشْرِكُونَ، و(جَمِيعًا) حالٌ مِن ضَمِيرِ (كِيدُونِي) الفاعِلِ، والخِطابُ إنَّما هو لِقَوْمِهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أنْتُمْ وآلِهَتُكم، انْتَهى. قِيلَ: ومُجاهَرَةُ هُودٍ عَلَيْهِ السَّلامُ لَهم بِالبَراءَةِ مِن أدْيانِهِمْ، وحَضُّهُ إيّاهم عَلى كَيْدِهِ هم وأصْنامُهم مُعْجِزَةٌ لِهُودٍ، أوْ حَرَّضَ جَماعَتَهم عَلَيْهِ مَعَ انْفِرادِهِ وقُوَّتِهِمْ وكَثْرَتِهِمْ، فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلى نَيْلِهِ بِسُوءٍ، ثُمَّ ذَكَرَ تَوَكُّلَهُ عَلى اللَّهِ مُعْلِمًا أنَّهُ رَبُّهُ ورَبُّهم، ومُنَبِّهًا عَلى أنَّهُ مِن حَيْثُ هو رَبُّكم يَجِبُ عَلَيْكم أنْ لا تَعْبُدُوا إلّا إيّاهُ، ومُفَوِّضًا أمْرَهُ إلَيْهِ تَعالى ثِقَةً بِحِفْظِهِ وانِجازِ مَوْعُودِهِ، ثُمَّ وصَفَ قُدْرَةَ اللَّهِ تَعالى وعَظِيمَ مُلْكِهِ مِن كَوْنِ كُلِّ دابَّةٍ في قَبْضَتِهِ ومِلْكِهِ وتَحْتَ قَهْرِهِ وسُلْطانِهِ، فَأنْتُمْ مِن جُمْلَةِ أُولَئِكَ المَقْهُورِينَ.
وقَوْلُهُ: ﴿آخِذٌ بِناصِيَتِها﴾: تَمْثِيلٌ، إذْ كانَ القادِرُ المالِكُ يَقُودُ المَقْدُورَ عَلَيْهِ بِناصِيَتِهِ كَما يُقادُ الأسِيرُ والفَرَسُ بِناصِيَتِهِ، حَتّى صارَ الأخْذُ بِالنّاصِيَةِ عُرْفًا في القُدْرَةِ عَلى الحَيَوانِ، وكانَتِ العَرَبُ تَجُزُّ: ناصِيَةَ الأسِيرِ المَمْنُونِ عَلَيْهِ عَلامَةَ أنَّهُ قَدْ قُدِرَ عَلَيْهِ وقُبِضَ عَلى ناصِيَتِهِ. قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: وخَصَّ النّاصِيَةَ لِأنَّ العَرَبَ إذا وصَفَتْ إنْسانًا بِالذِّلَّةِ والخُضُوعِ قالَتْ: ما ناصِيَةُ فُلانٍ إلّا بِيَدِ فُلانٍ، أيْ: أنَّهُ مُطِيعٌ لَهُ يُصَرِّفُهُ كَيْفَ يَشاءُ، ثُمَّ أخْبَرَ أنَّ أفْعالَهُ تَعالى في غايَةِ الإحْكامِ، وعَلى طَرِيقِ الحَقِّ والعَدْلِ في مُلْكِهِ، لا يَفُوتُهُ ظالِمٌ ولا يَضِيعُ عِنْدَهُ مَن تَوَكَّلَ عَلَيْهِ، قَوْلُهُ الصِّدْقُ ووَعْدُهُ الحَقُّ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿فَإنْ تَوَلَّوْا﴾، أيْ: تَتَوَلَّوْا مُضارِعُ تَوَلّى. وقَرَأ الأعْرَجُ و عِيسى الثَّقَفِيُّ: تُوَلُّوا بِضَمِّ التّاءِ واللّامِ مُضارِعُ ولّى، وقِيلَ: تَوَلَّوْا ماضٍ ويَحْتاجُ في الجَوابِ إلى إضْمارِ قَوْلٍ، أيْ: فَقُلْ لَهم فَقَدْ أبْلَغْتُكم، ولا حاجَةَ تَدْعُو إلى جَعْلِهِ ماضِيًا وإضْمارِ القَوْلِ.
وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ (تَوَلَّوْا) فِعْلًا ماضِيًا، ويَكُونُ في الكَلامِ رُجُوعٌ مِن غَيْبَةٍ إلى خِطابٍ، أيْ: فَقَدْ أبْلَغْتُكم، انْتَهى. فَلا يَحْتاجُ إلى إضْمارٍ، والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في تَوَلَّوْا عائِدٌ عَلى قَوْمِ هُودٍ، وخِطابٌ لَهم مِن تَمامِ الجَمَلِ المَقُولَةِ قَبْلُ. وقالَ التَّبْرِيزِيُّ: هو عائِدٌ عَلى كَفّارِ قُرَيْشٍ، وهو مِن تَلْوِينِ الخِطابِ، انْتَقَلَ مِن خِطابِ قَوْمِ هُودٍ إلى الإخْبارِ عَمَّنْ بِحَضْرَةِ الرَّسُولِ ﷺ وكَأنَّهُ قِيلَ: أخْبِرْهم عَنْ قِصَّةِ قَوْمِ هُودٍ، وادْعُهم إلى الإيمانِ بِاللَّهِ لِئَلّا يُصِيبَهم كَما أصابَ قَوْمَ هُودٍ، فَإنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ لَهم: قَدْ أبْلَغْتُكم.
وجَوابُ الشَّرْطِ هو قَوْلُهُ: ﴿فَقَدْ أبْلَغْتُكُمْ﴾، وصَحَّ أنْ يَكُونَ جَوابًا، لِأنَّ في إبْلاغِهِ إلَيْهِمْ رِسالَتَهُ تَضَمُّنُ ما يَحُلُّ بِهِمْ مِنَ العَذابِ المُسْتَأْصِلِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: فَإنْ تَتَوَلَّوُا اسْتُؤْصِلْتُمْ بِالعَذابِ. ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ الجُمْلَةُ الخَبَرِيَّةُ وهي قَوْلُهُ: ﴿ويَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾ .
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): الإبْلاغُ كانَ قَبْلَ التَّوَلِّي، فَكَيْفَ وقَعَ جَزاءً لِلشَّرْطِ ؟ (قُلْتُ): مَعْناهُ: فَإنْ تَوَلَّوْا لَمْ أُعاقِبْ عَلى تَفْرِيطٍ في الإبْلاغِ، فَإنَّ ما أُرْسِلْتُ بِهِ إلَيْكم قَدْ بَلَغَكم فَأبَيْتُمْ إلّا تَكْذِيبَ الرِّسالَةِ وعَداوَةَ الرَّسُولِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: المَعْنى أنَّهُ ما عَلَيَّ كَبِيرُ هَمٍّ مِنكم إنْ تَوَلَّيْتُمْ فَقَدْ بَرِئَتْ ساحَتِي بِالتَّبْلِيغِ، وأنْتُمْ أصْحابُ الذَّنْبِ في الإعْراضِ عَنِ الإيمانِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (ويَسْتَخْلِفُ) بِضَمِّ الفاءِ عَلى مَعْنى الخَبَرِ المُسْتَأْنَفِ، أيْ: يُهْلِكُكم ويَجِيءُ بِقَوْمٍ آخَرِينَ يَخْلُفُونَكم في دِيارِكم وأمْوالِكم. وقَرَأ حَفْصٌ في رِوايَةِ هُبَيْرَةَ: بِجَزْمِها عَطْفًا عَلى مَوْضِعِ الجَزاءِ، وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ كَذَلِكَ وبِجَزْمِ ﴿ولا تَضُرُّوهُ﴾ [التوبة: ٣٩]، وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ولا تَضُرُّونَهُ﴾، أيْ: شَيْئًا مِنَ الضَّرَرِ بِتَوْلِيَتِكم، لِأنَّهُ تَعالى لا تَجُوزُ عَلَيْهِ المَضارُّ والمَنافِعُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: يُحْتَمَلُ مِنَ المَعْنى وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: ولا تَضُرُّونَهُ بِذَهابِكم وهَلاكِكم شَيْئًا، أيْ: لا يَنْقُصُ مُلْكُهُ ولا يَخْتَلُّ أمْرُهُ، وعَلى هَذا (p-٢٣٥)المَعْنى قَرَأ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ ولا تَنْقُصُونَهُ شَيْئًا. والمَعْنى الآخَرُ: ولا تَضُرُّونَهُ، أيْ: ولا تَقْدِرُونَ إذا أهْلَكَكم عَلى إضْرارِهِ بِشَيْءٍ، ولا عَلى انْتِصارٍ مِنهُ، ولا تُقابِلُونَ فِعْلَهُ بِشَيْءٍ يَضُرُّهُ، انْتَهى.
وهَذا فِعْلٌ مَنفِيٌّ ومَدْلُولُهُ نَكِرَةٌ، فَيَنْتَفِي جَمِيعُ وُجُوهِ الضَّرَرِ، ولا يَتَعَيَّنُ واحِدٌ مِنها. ومَعْنى (حَفِيظٌ): رَقِيبٌ مُحِيطٌ بِالأشْياءِ عِلْمًا لا يَخْفى عَلَيْهِ أعْمالُكم، ولا يَغْفُلُ عَنْ مُؤاخَذَتِكم، وهو يَحْفَظُنِي مِمّا تَكِيدُونَنِي بِهِ.
﴿ولَمّا جاءَ أمْرُنا نَجَّيْنا هُودًا والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنّا ونَجَّيْناهم مِن عَذابٍ غَلِيظٍ﴾ ﴿وتِلْكَ عادٌ جَحَدُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وعَصَوْا رُسُلَهُ واتَّبَعُوا أمْرَ كُلِّ جَبّارٍ عَنِيدٍ﴾ ﴿وأُتْبِعُوا في هَذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً ويَوْمَ القِيامَةِ ألا إنَّ عادًا كَفَرُوا رَبَّهم ألا بُعْدًا لِعادٍ قَوْمِ هُودٍ﴾: الأمْرُ: واحِدُ الأُمُورِ، فَيَكُونُ كِنايَةً عَنِ العَذابِ، أوْ عَنِ القَضاءِ بِهَلاكِهِمْ. أوْ مَصْدَرُ أمَرَ، أيْ: أمْرُنا لِلرِّيحِ أوْ لِخَزَنَتِها.
﴿والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾: قِيلَ: كانُوا أرْبَعَةَ آلافٍ، قِيلَ: ثَلاثَةُ آلافٍ.
والظّاهِرُ تَعَلُّقٌ بِرَحْمَةٍ مِنّا بِقَوْلِهِ: (نَجَّيْنا) أيْ: نَجَّيْناهم بِمُجَرَّدِ رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لَحِقَتْهم، لا بِأعْمالِهِمُ الصّالِحَةِ. أوْ كَنّى بِالرَّحْمَةِ عَنْ أعْمالِهِمُ الصّالِحَةِ، إذْ تَوْفِيقُهم لَها إنَّما هو بِسَبَبِ رَحْمَتِهِ تَعالى إيّاهم. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِآمَنُوا، أيْ: إنَّ إيمانَهم بِاللَّهِ وبِتَصْدِيقِ رَسُولِهِ إنَّما هو بِرَحْمَةِ اللَّهِ تَعالى إيّاهم، إذْ وفَّقَهم لِذَلِكَ. وتَكَرَّرَتِ التَّنْجِيَةُ عَلى سَبِيلِ التَّوْكِيدِ، ولِقَلَقِ مَن لَوْ لاصَقَتْ مِنّا فَأُعِيدَتِ التَّنْجِيَةُ وهي الأُولى، أوْ تَكُونُ هَذِهِ النَّتِيجَةُ هي مِن عَذابِ الآخِرَةِ ولا عَذابَ أغْلَظُ مِنهُ، فَأُعِيدَتْ لِأجْلِ اخْتِلافِ مُتَعَلِّقَيْها. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): فَما مَعْنى تَكْرِيرِ التَّنْجِيَةِ ؟ (قُلْتُ): ذَكَرَ أوَّلًا أنَّهُ حِينَ أهْلَكَ عَدُوَّهم نَجّاهم، ثُمَّ قالَ: ﴿ونَجَّيْناهم مِن عَذابٍ غَلِيظٍ﴾ عَلى مَعْنى: وكانَتِ التَّنْجِيَةُ مِن عَذابٍ غَلِيظٍ، قالَ: وذَلِكَ أنَّ اللَّهَ عَزَّ وعَلا بَعَثَ عَلَيْهِمُ السَّمُومَ، فَكانَتْ تَدْخُلُ في أُنُوفِهِمْ وتَخْرُجُ مِن أدْبارِهِمْ، وتُقَطِّعُهم عُضْوًا عُضْوًا، انْتَهى.
وهَذا قالَهُ الزَّجّاجُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: وكانَتِ النَّجاةُ المُتَقَدِّمَةُ مِن عَذابٍ غَلِيظٍ يُرِيدُ: الرِّيحَ، فَيَكُونُ المَقْصُودُ عَلى هَذا: تَعْدِيدُ النِّعْمَةِ، والمَشْهُورُ في عَذابِهِمْ بِالرِّيحِ: أنَّها كانَتْ تَحْمِلُهم وتَهْدِمُ مَساكِنَهم وتَنْسِفُها، وتَحْمِلُ الظَّعِينَةَ كَما هي، ونَحْوَ هَذا.
و(تِلْكَ عادٌ): إشارَةٌ إلى قُبُورِهِمْ وآثارِهِمْ كَأنَّهُ قالَ: ﴿فَسِيحُوا في الأرْضِ﴾ [التوبة: ٢]: فانْظُرُوا إلَيْها واعْتَبِرُوا، ثُمَّ اسْتَأْنَفَ الأخْبارَ عَنْهم فَقالَ: ﴿جَحَدُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ﴾ أيْ: أنْكَرُوها. وأضافَ الآياتِ إلى رَبِّهِمْ تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ مالِكُهم ومُرَبِّيهِمْ، فَأنْكَرُوا آياتِهِ، والواجِبُ إقْرارُهم بِها. وأصْلُ جَحَدَ أنْ يَتَعَدّى بِنَفْسِهِ، لَكِنَّهُ أُجْرِيَ مَجْرى كَفَرَ فَعُدِّيَ بِالباءِ، كَما عُدِّيَ كَفَرَ بِنَفْسِهِ في قَوْلِهِ: ﴿ألا إنَّ عادًا كَفَرُوا رَبَّهُمْ﴾، إجْراءً لَهُ مَجْرى جَحَدَ.
وقِيلَ: كَفَرَ كَشَكَرَ يَتَعَدّى تارَةً بِنَفْسِهِ، وتارَةً بِحَرْفِ جَرٍّ.
﴿وعَصَوْا رُسُلَهُ﴾ قِيلَ: عَصَوْا هُودًا والرُّسُلَ الَّذِينَ كانُوا مِن قَبْلِهِ، وقِيلَ: يُنَزَّلُ تَكْذِيبُ الرَّسُولِ الواحِدِ مَنزِلَةَ تَكْذِيبِ الرُّسُلِ، لِأنَّهم كُلَّهم مُجْمِعُونَ عَلى الإيمانِ بِاللَّهِ والإقْرارِ بِرُبُوبِيَّتِهِ كَقَوْلِهِ: ﴿لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أحَدٍ مِن رُسُلِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٥] (واتَّبَعُوا) أيِ: اتَّبَعَ سُقّاطُهم أمْرَ رُؤَسائِهِمْ وكُبَرائِهِمْ، والمَعْنى: أنَّهم أطاعُوهم فِيما أمَرُوهم بِهِ.
قالَ الكَلْبِيُّ: الجَبّارُ: هو الَّذِي يَقْتُلُ عَلى الغَضَبِ، ويُعاقِبُ عَلى المَعْصِيَةِ، وقالَ الزَّجّاجُ: هو الَّذِي يُجْبِرُ النّاسَ عَلى ما يُرِيدُ. وذَكَرَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: أنَّهُ العَظِيمُ في نَفْسِهِ، المُتَكَبِّرُ عَلى العِبادِ.
والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: (واتَّبَعُوا): عامٌّ في جَمِيعِ عادٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لَمّا كانُوا تابِعِينَ لَهُ دُونَ الرُّسُلِ، جُعِلَتِ اللَّعْنَةُ تابِعَةً لَهم في الدّارَيْنِ تَكُبُّهم عَلى وُجُوهِهِمْ في عَذابِ اللَّهِ، انْتَهى.
(p-٢٣٦)فَظاهِرُ كَلامِهِ يَدُلُّ عَلى أنَّ اللَّعْنَةَ مُخْتَصَّةٌ بِالتّابِعِينَ لِلرُّؤَساءِ، ونَبَّهَ عَلى عِلَّةِ اتِّباعِ اللَّعْنَةِ لَهم في الدّارَيْنِ: بِأنَّهم كَفَرُوا رَبَّهم، فالكُفْرُ هو المُوجِبُ لِلَّعْنَةِ. ثُمَّ كَرَّرَ التَّنْبِيهَ بِقَوْلِهِ: ألا في الدُّعاءِ عَلَيْهِمْ تَهْوِيلًا لِأمْرِهِمْ، وتَفْظِيعًا لَهُ، وبَعْثًا عَلى الِاعْتِبارِ بِهِمْ والحَذَرِ مِن مِثْلِ حالِهِمْ.
وفائِدَةُ قَوْلِهِ: قَوْمِ هُودٍ: مَزِيدُ التَّأْكِيدِ لِلْمُبالَغَةِ في التَّنْصِيصِ، أوْ تَعْيِينُ عادٍ هَذِهِ مِن عادِ إرَمَ، لِأنَّ عادًا اثْنانِ ولِذَلِكَ قالَ تَعالى: ﴿وأنَّهُ أهْلَكَ عادًا الأُولى﴾ [النجم: ٥٠]، فَتَحَقَّقَ أنَّ الدُّعاءَ عَلى عادٍ هَذِهِ، ولَمْ تَلْتَبِسْ بِغَيْرِها.
هود 11:51
﴿وإلى عادٍ أخاهم هُودًا قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ إنْ أنْتُمْ إلّا مُفْتَرُونَ﴾ ﴿ياقَوْمِ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى الَّذِي فَطَرَنِي أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ ﴿ويا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكم ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكم مِدْرارًا ويَزِدْكم قُوَّةً إلى قُوَّتِكم ولا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ﴾: ﴿وإلى عادٍ أخاهُمْ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿أرْسَلْنا نُوحًا إلى قَوْمِهِ﴾ [هود: ٢٥]، عَطَفَتِ الواوُ المَجْرُورَ عَلى المَجْرُورِ والمَنصُوبَ عَلى المَنصُوبِ، كَما يُعْطَفُ المَرْفُوعُ والمَنصُوبُ عَلى المَرْفُوعِ والمَنصُوبِ نَحْوَ: ضَرَبَ زَيْدٌ عَمْرًا وبَكْرٌ خالِدًا، ولَيْسَ مِن بابِ الفَصْلِ بِالجارِّ والمَجْرُورِ بَيْنَ حَرْفِ العَطْفِ والمَعْطُوفِ نَحْوَ: ضَرَبْتُ زَيْدًا وفي البَيْتِ عَمْرًا، فَيَجِيءُ مِنهُ الخِلافُ الَّذِي بَيْنَ النَّحْوِيِّينَ: هَلْ يَجُوزُ في الكَلامِ أوْ يَخْتَصُّ بِالشِّعْرِ ؟ وتَقْدِيرُ الكَلامِ: في هُودٍ وعادٍ وإخْوَتِهِ مِنهم في الأعْرافِ، وقِراءَةُ الكِسائِيِّ: (غَيْرِهِ) بِالخَفْضِ، وقِيلَ: ثَمَّ فِعْلٌ مَحْذُوفٌ أيْ: وأرْسَلْنا إلى عادٍ أخاهم، فَيَكُونُ إذْ ذاكَ مِن عَطْفِ الجُمَلِ، والأوَّلُ مِن عَطْفِ المُفْرَداتِ، وهَذا أقْرَبُ لِطُولِ الفَصْلِ بِالجُمَلِ الكَثِيرَةِ بَيْنَ المُتَعاطِفَيْنِ.
(وهُودًا): بَدَلٌ أوْ عَطْفُ بَيانٍ. وقَرَأ مُحَيْصِنٌ (يا قَوْمُ) بِضَمِّ المِيمِ كَقِراءَةِ حَفْصٍ: (قالَ رَبُّ احْكم بِالحَقِّ) بِالضَّمِّ، وهي لُغَةٌ في المُنادى المُضافِ حَكاها سِيبَوَيْهِ وغَيْرُهُ، وافْتِراؤُهم قالَ الحَسَنُ: في جَعْلِهِمُ الأُلُوهِيَّةَ لِغَيْرِ اللَّهِ تَعالى. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: بِاتِّخاذِكُمُ الأوْثانَ لَهُ شُرَكاءَ. والضَّمِيرُ في عَلَيْهِ عائِدٌ عَلى الدُّعاءِ إلى اللَّهِ، ونَبَّهَ بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِي فَطَرَنِي﴾، عَلى الرَّدِّ عَلَيْهِمْ في عِبادَتِهِمُ الأصْنامَ، واعْتِقادِهِمْ أنَّها تَفْعَلُ، وكَوْنِهِ تَعالى هو الفاطِرُ لِلْمَوْجُوداتِ يَسْتَحِقُّ إفْرادَهُ بِالعِبادَةِ.
و﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ تَوْقِيفٌ عَلى اسْتِحالَةِ الأُلُوهِيَّةِ لِغَيْرِ الفاطِرِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ راجِعًا إلى أنَّهُ إذا لَمْ أطْلُبْ عَرَضًا مِنكم، وإنَّما أُرِيدُ نَفْعَكم فَيَجِبُ انْقِيادُكم لِما فِيهِ نَجاتُكم، كَأنَّهُ قِيلَ: ﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ نَصِيحَةَ مَن لا يَطْلُبُ عَلَيْها أجْرًا إلّا مِنَ اللَّهِ تَعالى، وهو ثَوابُ الآخِرَةِ، ولا شَيْءَ أنْفى لِلتُّهْمَةِ مِن ذَلِكَ. وتَقَدَّمَ الكَلامُ في ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكم ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ﴾ [هود: ٣] أوَّلَ هَذِهِ السُّورَةِ.
قَصَدَ هُودٌ اسْتِمالَتَهم إلى الإيمانِ وتَرْغِيبَهم فِيهِ بِكَثْرَةِ (p-٢٣٣)المَطَرِ وزِيادَةِ القُوَّةِ، لِأنَّهم كانُوا أصْحابَ زُورِعٍ وبَساتِينَ وعِماراتٍ حِراصًا عَلَيْها أشَدَّ الحِرْصِ، فَكانُوا أحْوَجَ شَيْءٍ إلى الماءِ، وكانُوا مُدْلِينَ بِما أُوتُوا مِن هَذِهِ القُوَّةِ والبَطْشِ والبَأْسِ مُهَيَّئِينَ في كُلِّ ناحِيَةٍ.
وقِيلَ: أرادَ القُوَّةَ في المالِ، وقِيلَ: في النِّكاحِ. قِيلَ: وحُبِسَ عَنْهُمُ المَطَرُ ثَلاثَ سِنِينَ، وعَقِمَتْ أرْحامُ نِسائِهِمْ. وقَدِ انْتَزَعَ الحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - مِن هَذا ومِن قَوْلِهِ: ﴿ويُمْدِدْكم بِأمْوالٍ وبَنِينَ﴾ [نوح: ١٢]، أنَّ كَثْرَةَ الِاسْتِغْفارِ قَدْ يَجْعَلُهُ اللَّهُ سَبَبًا لِكَثْرَةِ الوَلَدِ، وأجابَ مَن سَألَهُ وأخْبَرَهُ أنَّهُ ذُو مالٍ ولا يُولَدُ لَهُ بِالِاسْتِغْفارِ، فَأكْثَرَ مِن ذَلِكَ فَوُلِدَ لَهُ عَشْرُ بَنِينَ.
ورَوى أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ويَزِدْكم قُوَّةً إلى قُوَّتِكُمْ﴾: أنَّهُ الوَلَدُ ووَلَدُ الوَلَدِ.
وقالَ مُجاهِدٌ وابْنُ زَيْدٍ: في الجِسْمِ والبَأْسِ، وقالَ الضَّحّاكُ: خَصْبًا إلى خَصْبِكم، وقِيلَ: نِعْمَةً إلى نِعْمَتِهِ الأُولى عَلَيْكم، وقِيلَ: قُوَّةً في إيمانِكم إلى قُوَّةٍ في أبْدانِكم.
﴿قالُوا يا هُودُ ما جِئْتَنا بِبَيِّنَةٍ وما نَحْنُ بِتارِكِي آلِهَتِنا عَنْ قَوْلِكَ وما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿إنْ نَقُولُ إلّا اعْتَراكَ بَعْضُ آلِهَتِنا بِسُوءٍ قالَ إنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ واشْهَدُوا أنِّي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ﴾ ﴿مِن دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لا تُنْظِرُونِي﴾ ﴿إنِّي تَوَكَّلْتُ عَلى اللَّهِ رَبِّي ورَبِّكم ما مِن دابَّةٍ إلّا هو آخِذٌ بِناصِيَتِها إنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ﴿فَإنْ تَوَلَّوْا فَقَدْ أبْلَغْتُكم ما أُرْسِلْتُ بِهِ إلَيْكم ويَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكم ولا تَضُرُّونَهُ شَيْئًا إنَّ رَبِّي عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ﴾: بِبَيِّنَةٍ أوْ بِحُجَّةٍ واضِحَةٍ تَدُلُّ عَلى صِدْقِكَ، وقَدْ كَذَّبُوا في ذَلِكَ وبَهَتُوهُ كَما كَذَّبَتْ قُرَيْشٌ في قَوْلِهِمْ: ﴿لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِن رَبِّهِ﴾ [يونس: ٢٠] وقَدْ جاءَهم بِآياتٍ كَثِيرَةٍ، أوْ لِعَمائِهِمْ عَنِ الحَقِّ وعَدَمِ نَظَرِهِمْ في الآياتِ اعْتَقَدُوا ما هو آيَةٌ لَيْسَ بِآيَةٍ فَقالُوا: ما جِئْتَنا بِبَيِّنَةٍ تُلْجِئُنا إلى الإيمانِ، وإلّا فَهُودٌ وغَيْرُهُ مِنَ الأنْبِياءِ لَهم مُعْجِزاتٌ وإنْ لَمْ يُعَيِّنْ لَنا بَعْضَها.
ألا تَرى إلى قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: «ما مِن نَبِيٍّ إلّا وقَدْ أُوتِيَ مِنَ الآياتِ ما مِثْلُهُ آمَنَ عَلَيْهِ البَشَرُ» و(عَنْ) في: ﴿عَنْ قَوْلِكَ﴾ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في ﴿بِتارِكِي آلِهَتِنا﴾، كَأنَّهُ قِيلَ: صادِرِينَ عَنْ قَوْلِكَ، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. وقِيلَ: عَنْ لِلتَّعْلِيلِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إلّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وعَدَها إيّاهُ﴾ [التوبة: ١١٤] فَتَتَعَلَّقُ بِتارِكِي، كَأنَّهُ قِيلَ: لِقَوْلِكَ، وقَدْ أشارَ إلى التَّعْلِيلِ والسَّبَبِ فِيها ابْنُ عَطِيَّةَ، فَقالَ: أيْ: لا يَكُونُ قَوْلُكُ سَبَبًا لَتَرْكِنا، إذْ هو مُجَرَّدٌ عَنْ آيَةٍ، والجُمْلَةُ بَعْدَها تَأْكِيدٌ وتَقْنِيطٌ لَهُ مِن دُخُولِهِمْ في دِينِهِ، ثُمَّ نَسَبُوا ما صَدَرَ مِنهُ مِن دُعائِهِمْ إلى اللَّهِ وإفْرادِهِ بِالأُلُوهِيَّةِ إلى الخَبَلِ والجُنُونِ، وأنَّ ذَلِكَ مِمّا اعْتَراهُ بِهِ بَعْضُ آلِهَتِهِمْ لِكَوْنِهِ سَبَّها وحَرَّضَ عَلى تَرْكِها ودَعا إلى تَرْكِ عِبادَتِها، فَجَعَلَتْهُ يَتَكَلَّمُ مُكافَأةً بِما يَتَكَلَّمُ بِهِ المَجانِينُ، كَما قالَتْ قُرَيْشٌ ﴿مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ﴾ [الدخان: ١٤]، ﴿أمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ﴾ [المؤمنون: ٧٠] و﴿اعْتَراكَ﴾ جُمْلَةٌ مَحْكِيَّةٌ بِـ (نَقُولُ)، فَهي في مَوْضِعِ المَفْعُولِ، ودَلَّتْ عَلى بَلَهٍ شَدِيدٍ وجَهْلٍ مُفْرِطٍ، حَيْثُ اعْتَقَدُوا في حِجارَةٍ أنَّها تَنْتَصِرُ وتَنْتَقِمُ.
وقَوْلُ هُودٍ لَهم في جَوابِ ذَلِكَ: ﴿إنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ﴾ إلى آخِرِهِ، حَيْثُ تَبَرَّأ مِن آلِهَتِهِمْ، وحَرَّضَهم كُلَّهم مَعَ انْفِرادِهِ وحْدَهُ عَلى كَيْدِهِ بِما يَشاءُونَ، وعَدَمُ تَأخُّرِهِ مِن أعْظَمِ الآياتِ عَلى صِدْقِهِ وثِقَتِهِ بِمَوْعُودِ رَبِّهِ مِنَ النَّصْرِ لَهُ، والتَّأْيِيدِ والعِصْمَةِ مِن أنْ يَنالُوهُ بِمَكْرُوهٍ، هَذا وهْمُ حَرِيصُونَ عَلى قَتْلِهِ يَرْمُونَهُ عَنْ قَوْسٍ واحِدَةٍ. ومِثْلُهُ قَوْلُ نُوحٍ لِقَوْمِهِ: ﴿ثُمَّ اقْضُوا إلَيَّ ولا تُنْظِرُونِ﴾ [يونس: ٧١] وأكَّدَ بَراءَتَهُ مِن آلِهَتِهِمْ وشِرْكِهِمْ، ووَثَّقَها بِما جَرَتْ عَلَيْهِ عادَةُ النّاسِ مِن تَوْثِيقِهِمُ الأمْرَ بِشَهادَةِ اللَّهِ وشَهادَةِ العِبادِ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): هَلّا قِيلَ: إنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وأُشْهِدُكم (قُلْتُ): لِأنَّ إشْهادَ اللَّهِ عَلى البَراءَةِ مِنَ الشِّرْكِ إشْهادٌ صَحِيحٌ ثابِتٌ في مَعْنى تَثْبِيتِ التَّوْحِيدِ، وأمّا إشْهادُهم فَما هو إلّا تَهاوُنٌ بِدِينِهِمْ ودِلالَةٌ عَلى قِلَّةِ المُبالاةِ بِهِمْ فَحَسْبُ، فَعُدِلَ بِهِ (p-٢٣٤)عَنْ لَفْظِ الأوَّلِ لِاخْتِلافِ ما بَيْنَهُما، وجِيءَ بِهِ عَلى لَفْظِ الأمْرِ بِالشَّهادَةِ، انْتَهى.
و﴿أنِّي بَرِيءٌ﴾ تَنازَعَ فِيهِ (أُشْهِدُ) و﴿اشْهَدُوا﴾ [آل عمران: ٦٤]، وقَدْ يَتَنازَعُ المُخْتَلِفانِ في التَّعَدِّي الِاسْمَ الَّذِي يَكُونُ صالِحًا لِأنْ يَعْمَلا فِيهِ تَقُولُ: أعْطَيْتُ زَيْدًا ووَهَبْتُ لِعَمْرٍو دِينارًا، كَما يَتَنازَعُ اللّازِمُ والمُتَعَدِّي نَحْوَ: قامَ وضَرَبْتُ زَيْدًا.
و(ما) في (مّا تُشْرِكُونَ) مَوْصُولَةٌ إمّا مَصْدَرِيَّةٌ وإمّا بِمَعْنى الَّذِي، أيْ: بَرِيءٌ مِن إشْراكِكم آلِهَةً مِن دُونِهِ، أوْ مِنَ الَّذِينَ تُشْرِكُونَ، و(جَمِيعًا) حالٌ مِن ضَمِيرِ (كِيدُونِي) الفاعِلِ، والخِطابُ إنَّما هو لِقَوْمِهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أنْتُمْ وآلِهَتُكم، انْتَهى. قِيلَ: ومُجاهَرَةُ هُودٍ عَلَيْهِ السَّلامُ لَهم بِالبَراءَةِ مِن أدْيانِهِمْ، وحَضُّهُ إيّاهم عَلى كَيْدِهِ هم وأصْنامُهم مُعْجِزَةٌ لِهُودٍ، أوْ حَرَّضَ جَماعَتَهم عَلَيْهِ مَعَ انْفِرادِهِ وقُوَّتِهِمْ وكَثْرَتِهِمْ، فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلى نَيْلِهِ بِسُوءٍ، ثُمَّ ذَكَرَ تَوَكُّلَهُ عَلى اللَّهِ مُعْلِمًا أنَّهُ رَبُّهُ ورَبُّهم، ومُنَبِّهًا عَلى أنَّهُ مِن حَيْثُ هو رَبُّكم يَجِبُ عَلَيْكم أنْ لا تَعْبُدُوا إلّا إيّاهُ، ومُفَوِّضًا أمْرَهُ إلَيْهِ تَعالى ثِقَةً بِحِفْظِهِ وانِجازِ مَوْعُودِهِ، ثُمَّ وصَفَ قُدْرَةَ اللَّهِ تَعالى وعَظِيمَ مُلْكِهِ مِن كَوْنِ كُلِّ دابَّةٍ في قَبْضَتِهِ ومِلْكِهِ وتَحْتَ قَهْرِهِ وسُلْطانِهِ، فَأنْتُمْ مِن جُمْلَةِ أُولَئِكَ المَقْهُورِينَ.
وقَوْلُهُ: ﴿آخِذٌ بِناصِيَتِها﴾: تَمْثِيلٌ، إذْ كانَ القادِرُ المالِكُ يَقُودُ المَقْدُورَ عَلَيْهِ بِناصِيَتِهِ كَما يُقادُ الأسِيرُ والفَرَسُ بِناصِيَتِهِ، حَتّى صارَ الأخْذُ بِالنّاصِيَةِ عُرْفًا في القُدْرَةِ عَلى الحَيَوانِ، وكانَتِ العَرَبُ تَجُزُّ: ناصِيَةَ الأسِيرِ المَمْنُونِ عَلَيْهِ عَلامَةَ أنَّهُ قَدْ قُدِرَ عَلَيْهِ وقُبِضَ عَلى ناصِيَتِهِ. قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: وخَصَّ النّاصِيَةَ لِأنَّ العَرَبَ إذا وصَفَتْ إنْسانًا بِالذِّلَّةِ والخُضُوعِ قالَتْ: ما ناصِيَةُ فُلانٍ إلّا بِيَدِ فُلانٍ، أيْ: أنَّهُ مُطِيعٌ لَهُ يُصَرِّفُهُ كَيْفَ يَشاءُ، ثُمَّ أخْبَرَ أنَّ أفْعالَهُ تَعالى في غايَةِ الإحْكامِ، وعَلى طَرِيقِ الحَقِّ والعَدْلِ في مُلْكِهِ، لا يَفُوتُهُ ظالِمٌ ولا يَضِيعُ عِنْدَهُ مَن تَوَكَّلَ عَلَيْهِ، قَوْلُهُ الصِّدْقُ ووَعْدُهُ الحَقُّ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿فَإنْ تَوَلَّوْا﴾، أيْ: تَتَوَلَّوْا مُضارِعُ تَوَلّى. وقَرَأ الأعْرَجُ و عِيسى الثَّقَفِيُّ: تُوَلُّوا بِضَمِّ التّاءِ واللّامِ مُضارِعُ ولّى، وقِيلَ: تَوَلَّوْا ماضٍ ويَحْتاجُ في الجَوابِ إلى إضْمارِ قَوْلٍ، أيْ: فَقُلْ لَهم فَقَدْ أبْلَغْتُكم، ولا حاجَةَ تَدْعُو إلى جَعْلِهِ ماضِيًا وإضْمارِ القَوْلِ.
وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ (تَوَلَّوْا) فِعْلًا ماضِيًا، ويَكُونُ في الكَلامِ رُجُوعٌ مِن غَيْبَةٍ إلى خِطابٍ، أيْ: فَقَدْ أبْلَغْتُكم، انْتَهى. فَلا يَحْتاجُ إلى إضْمارٍ، والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في تَوَلَّوْا عائِدٌ عَلى قَوْمِ هُودٍ، وخِطابٌ لَهم مِن تَمامِ الجَمَلِ المَقُولَةِ قَبْلُ. وقالَ التَّبْرِيزِيُّ: هو عائِدٌ عَلى كَفّارِ قُرَيْشٍ، وهو مِن تَلْوِينِ الخِطابِ، انْتَقَلَ مِن خِطابِ قَوْمِ هُودٍ إلى الإخْبارِ عَمَّنْ بِحَضْرَةِ الرَّسُولِ ﷺ وكَأنَّهُ قِيلَ: أخْبِرْهم عَنْ قِصَّةِ قَوْمِ هُودٍ، وادْعُهم إلى الإيمانِ بِاللَّهِ لِئَلّا يُصِيبَهم كَما أصابَ قَوْمَ هُودٍ، فَإنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ لَهم: قَدْ أبْلَغْتُكم.
وجَوابُ الشَّرْطِ هو قَوْلُهُ: ﴿فَقَدْ أبْلَغْتُكُمْ﴾، وصَحَّ أنْ يَكُونَ جَوابًا، لِأنَّ في إبْلاغِهِ إلَيْهِمْ رِسالَتَهُ تَضَمُّنُ ما يَحُلُّ بِهِمْ مِنَ العَذابِ المُسْتَأْصِلِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: فَإنْ تَتَوَلَّوُا اسْتُؤْصِلْتُمْ بِالعَذابِ. ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ الجُمْلَةُ الخَبَرِيَّةُ وهي قَوْلُهُ: ﴿ويَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾ .
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): الإبْلاغُ كانَ قَبْلَ التَّوَلِّي، فَكَيْفَ وقَعَ جَزاءً لِلشَّرْطِ ؟ (قُلْتُ): مَعْناهُ: فَإنْ تَوَلَّوْا لَمْ أُعاقِبْ عَلى تَفْرِيطٍ في الإبْلاغِ، فَإنَّ ما أُرْسِلْتُ بِهِ إلَيْكم قَدْ بَلَغَكم فَأبَيْتُمْ إلّا تَكْذِيبَ الرِّسالَةِ وعَداوَةَ الرَّسُولِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: المَعْنى أنَّهُ ما عَلَيَّ كَبِيرُ هَمٍّ مِنكم إنْ تَوَلَّيْتُمْ فَقَدْ بَرِئَتْ ساحَتِي بِالتَّبْلِيغِ، وأنْتُمْ أصْحابُ الذَّنْبِ في الإعْراضِ عَنِ الإيمانِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (ويَسْتَخْلِفُ) بِضَمِّ الفاءِ عَلى مَعْنى الخَبَرِ المُسْتَأْنَفِ، أيْ: يُهْلِكُكم ويَجِيءُ بِقَوْمٍ آخَرِينَ يَخْلُفُونَكم في دِيارِكم وأمْوالِكم. وقَرَأ حَفْصٌ في رِوايَةِ هُبَيْرَةَ: بِجَزْمِها عَطْفًا عَلى مَوْضِعِ الجَزاءِ، وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ كَذَلِكَ وبِجَزْمِ ﴿ولا تَضُرُّوهُ﴾ [التوبة: ٣٩]، وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ولا تَضُرُّونَهُ﴾، أيْ: شَيْئًا مِنَ الضَّرَرِ بِتَوْلِيَتِكم، لِأنَّهُ تَعالى لا تَجُوزُ عَلَيْهِ المَضارُّ والمَنافِعُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: يُحْتَمَلُ مِنَ المَعْنى وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: ولا تَضُرُّونَهُ بِذَهابِكم وهَلاكِكم شَيْئًا، أيْ: لا يَنْقُصُ مُلْكُهُ ولا يَخْتَلُّ أمْرُهُ، وعَلى هَذا (p-٢٣٥)المَعْنى قَرَأ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ ولا تَنْقُصُونَهُ شَيْئًا. والمَعْنى الآخَرُ: ولا تَضُرُّونَهُ، أيْ: ولا تَقْدِرُونَ إذا أهْلَكَكم عَلى إضْرارِهِ بِشَيْءٍ، ولا عَلى انْتِصارٍ مِنهُ، ولا تُقابِلُونَ فِعْلَهُ بِشَيْءٍ يَضُرُّهُ، انْتَهى.
وهَذا فِعْلٌ مَنفِيٌّ ومَدْلُولُهُ نَكِرَةٌ، فَيَنْتَفِي جَمِيعُ وُجُوهِ الضَّرَرِ، ولا يَتَعَيَّنُ واحِدٌ مِنها. ومَعْنى (حَفِيظٌ): رَقِيبٌ مُحِيطٌ بِالأشْياءِ عِلْمًا لا يَخْفى عَلَيْهِ أعْمالُكم، ولا يَغْفُلُ عَنْ مُؤاخَذَتِكم، وهو يَحْفَظُنِي مِمّا تَكِيدُونَنِي بِهِ.
﴿ولَمّا جاءَ أمْرُنا نَجَّيْنا هُودًا والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنّا ونَجَّيْناهم مِن عَذابٍ غَلِيظٍ﴾ ﴿وتِلْكَ عادٌ جَحَدُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وعَصَوْا رُسُلَهُ واتَّبَعُوا أمْرَ كُلِّ جَبّارٍ عَنِيدٍ﴾ ﴿وأُتْبِعُوا في هَذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً ويَوْمَ القِيامَةِ ألا إنَّ عادًا كَفَرُوا رَبَّهم ألا بُعْدًا لِعادٍ قَوْمِ هُودٍ﴾: الأمْرُ: واحِدُ الأُمُورِ، فَيَكُونُ كِنايَةً عَنِ العَذابِ، أوْ عَنِ القَضاءِ بِهَلاكِهِمْ. أوْ مَصْدَرُ أمَرَ، أيْ: أمْرُنا لِلرِّيحِ أوْ لِخَزَنَتِها.
﴿والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾: قِيلَ: كانُوا أرْبَعَةَ آلافٍ، قِيلَ: ثَلاثَةُ آلافٍ.
والظّاهِرُ تَعَلُّقٌ بِرَحْمَةٍ مِنّا بِقَوْلِهِ: (نَجَّيْنا) أيْ: نَجَّيْناهم بِمُجَرَّدِ رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لَحِقَتْهم، لا بِأعْمالِهِمُ الصّالِحَةِ. أوْ كَنّى بِالرَّحْمَةِ عَنْ أعْمالِهِمُ الصّالِحَةِ، إذْ تَوْفِيقُهم لَها إنَّما هو بِسَبَبِ رَحْمَتِهِ تَعالى إيّاهم. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِآمَنُوا، أيْ: إنَّ إيمانَهم بِاللَّهِ وبِتَصْدِيقِ رَسُولِهِ إنَّما هو بِرَحْمَةِ اللَّهِ تَعالى إيّاهم، إذْ وفَّقَهم لِذَلِكَ. وتَكَرَّرَتِ التَّنْجِيَةُ عَلى سَبِيلِ التَّوْكِيدِ، ولِقَلَقِ مَن لَوْ لاصَقَتْ مِنّا فَأُعِيدَتِ التَّنْجِيَةُ وهي الأُولى، أوْ تَكُونُ هَذِهِ النَّتِيجَةُ هي مِن عَذابِ الآخِرَةِ ولا عَذابَ أغْلَظُ مِنهُ، فَأُعِيدَتْ لِأجْلِ اخْتِلافِ مُتَعَلِّقَيْها. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): فَما مَعْنى تَكْرِيرِ التَّنْجِيَةِ ؟ (قُلْتُ): ذَكَرَ أوَّلًا أنَّهُ حِينَ أهْلَكَ عَدُوَّهم نَجّاهم، ثُمَّ قالَ: ﴿ونَجَّيْناهم مِن عَذابٍ غَلِيظٍ﴾ عَلى مَعْنى: وكانَتِ التَّنْجِيَةُ مِن عَذابٍ غَلِيظٍ، قالَ: وذَلِكَ أنَّ اللَّهَ عَزَّ وعَلا بَعَثَ عَلَيْهِمُ السَّمُومَ، فَكانَتْ تَدْخُلُ في أُنُوفِهِمْ وتَخْرُجُ مِن أدْبارِهِمْ، وتُقَطِّعُهم عُضْوًا عُضْوًا، انْتَهى.
وهَذا قالَهُ الزَّجّاجُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: وكانَتِ النَّجاةُ المُتَقَدِّمَةُ مِن عَذابٍ غَلِيظٍ يُرِيدُ: الرِّيحَ، فَيَكُونُ المَقْصُودُ عَلى هَذا: تَعْدِيدُ النِّعْمَةِ، والمَشْهُورُ في عَذابِهِمْ بِالرِّيحِ: أنَّها كانَتْ تَحْمِلُهم وتَهْدِمُ مَساكِنَهم وتَنْسِفُها، وتَحْمِلُ الظَّعِينَةَ كَما هي، ونَحْوَ هَذا.
و(تِلْكَ عادٌ): إشارَةٌ إلى قُبُورِهِمْ وآثارِهِمْ كَأنَّهُ قالَ: ﴿فَسِيحُوا في الأرْضِ﴾ [التوبة: ٢]: فانْظُرُوا إلَيْها واعْتَبِرُوا، ثُمَّ اسْتَأْنَفَ الأخْبارَ عَنْهم فَقالَ: ﴿جَحَدُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ﴾ أيْ: أنْكَرُوها. وأضافَ الآياتِ إلى رَبِّهِمْ تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ مالِكُهم ومُرَبِّيهِمْ، فَأنْكَرُوا آياتِهِ، والواجِبُ إقْرارُهم بِها. وأصْلُ جَحَدَ أنْ يَتَعَدّى بِنَفْسِهِ، لَكِنَّهُ أُجْرِيَ مَجْرى كَفَرَ فَعُدِّيَ بِالباءِ، كَما عُدِّيَ كَفَرَ بِنَفْسِهِ في قَوْلِهِ: ﴿ألا إنَّ عادًا كَفَرُوا رَبَّهُمْ﴾، إجْراءً لَهُ مَجْرى جَحَدَ.
وقِيلَ: كَفَرَ كَشَكَرَ يَتَعَدّى تارَةً بِنَفْسِهِ، وتارَةً بِحَرْفِ جَرٍّ.
﴿وعَصَوْا رُسُلَهُ﴾ قِيلَ: عَصَوْا هُودًا والرُّسُلَ الَّذِينَ كانُوا مِن قَبْلِهِ، وقِيلَ: يُنَزَّلُ تَكْذِيبُ الرَّسُولِ الواحِدِ مَنزِلَةَ تَكْذِيبِ الرُّسُلِ، لِأنَّهم كُلَّهم مُجْمِعُونَ عَلى الإيمانِ بِاللَّهِ والإقْرارِ بِرُبُوبِيَّتِهِ كَقَوْلِهِ: ﴿لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أحَدٍ مِن رُسُلِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٥] (واتَّبَعُوا) أيِ: اتَّبَعَ سُقّاطُهم أمْرَ رُؤَسائِهِمْ وكُبَرائِهِمْ، والمَعْنى: أنَّهم أطاعُوهم فِيما أمَرُوهم بِهِ.
قالَ الكَلْبِيُّ: الجَبّارُ: هو الَّذِي يَقْتُلُ عَلى الغَضَبِ، ويُعاقِبُ عَلى المَعْصِيَةِ، وقالَ الزَّجّاجُ: هو الَّذِي يُجْبِرُ النّاسَ عَلى ما يُرِيدُ. وذَكَرَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: أنَّهُ العَظِيمُ في نَفْسِهِ، المُتَكَبِّرُ عَلى العِبادِ.
والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: (واتَّبَعُوا): عامٌّ في جَمِيعِ عادٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لَمّا كانُوا تابِعِينَ لَهُ دُونَ الرُّسُلِ، جُعِلَتِ اللَّعْنَةُ تابِعَةً لَهم في الدّارَيْنِ تَكُبُّهم عَلى وُجُوهِهِمْ في عَذابِ اللَّهِ، انْتَهى.
(p-٢٣٦)فَظاهِرُ كَلامِهِ يَدُلُّ عَلى أنَّ اللَّعْنَةَ مُخْتَصَّةٌ بِالتّابِعِينَ لِلرُّؤَساءِ، ونَبَّهَ عَلى عِلَّةِ اتِّباعِ اللَّعْنَةِ لَهم في الدّارَيْنِ: بِأنَّهم كَفَرُوا رَبَّهم، فالكُفْرُ هو المُوجِبُ لِلَّعْنَةِ. ثُمَّ كَرَّرَ التَّنْبِيهَ بِقَوْلِهِ: ألا في الدُّعاءِ عَلَيْهِمْ تَهْوِيلًا لِأمْرِهِمْ، وتَفْظِيعًا لَهُ، وبَعْثًا عَلى الِاعْتِبارِ بِهِمْ والحَذَرِ مِن مِثْلِ حالِهِمْ.
وفائِدَةُ قَوْلِهِ: قَوْمِ هُودٍ: مَزِيدُ التَّأْكِيدِ لِلْمُبالَغَةِ في التَّنْصِيصِ، أوْ تَعْيِينُ عادٍ هَذِهِ مِن عادِ إرَمَ، لِأنَّ عادًا اثْنانِ ولِذَلِكَ قالَ تَعالى: ﴿وأنَّهُ أهْلَكَ عادًا الأُولى﴾ [النجم: ٥٠]، فَتَحَقَّقَ أنَّ الدُّعاءَ عَلى عادٍ هَذِهِ، ولَمْ تَلْتَبِسْ بِغَيْرِها.
هود 11:52
﴿وإلى عادٍ أخاهم هُودًا قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ إنْ أنْتُمْ إلّا مُفْتَرُونَ﴾ ﴿ياقَوْمِ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى الَّذِي فَطَرَنِي أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ ﴿ويا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكم ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكم مِدْرارًا ويَزِدْكم قُوَّةً إلى قُوَّتِكم ولا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ﴾: ﴿وإلى عادٍ أخاهُمْ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿أرْسَلْنا نُوحًا إلى قَوْمِهِ﴾ [هود: ٢٥]، عَطَفَتِ الواوُ المَجْرُورَ عَلى المَجْرُورِ والمَنصُوبَ عَلى المَنصُوبِ، كَما يُعْطَفُ المَرْفُوعُ والمَنصُوبُ عَلى المَرْفُوعِ والمَنصُوبِ نَحْوَ: ضَرَبَ زَيْدٌ عَمْرًا وبَكْرٌ خالِدًا، ولَيْسَ مِن بابِ الفَصْلِ بِالجارِّ والمَجْرُورِ بَيْنَ حَرْفِ العَطْفِ والمَعْطُوفِ نَحْوَ: ضَرَبْتُ زَيْدًا وفي البَيْتِ عَمْرًا، فَيَجِيءُ مِنهُ الخِلافُ الَّذِي بَيْنَ النَّحْوِيِّينَ: هَلْ يَجُوزُ في الكَلامِ أوْ يَخْتَصُّ بِالشِّعْرِ ؟ وتَقْدِيرُ الكَلامِ: في هُودٍ وعادٍ وإخْوَتِهِ مِنهم في الأعْرافِ، وقِراءَةُ الكِسائِيِّ: (غَيْرِهِ) بِالخَفْضِ، وقِيلَ: ثَمَّ فِعْلٌ مَحْذُوفٌ أيْ: وأرْسَلْنا إلى عادٍ أخاهم، فَيَكُونُ إذْ ذاكَ مِن عَطْفِ الجُمَلِ، والأوَّلُ مِن عَطْفِ المُفْرَداتِ، وهَذا أقْرَبُ لِطُولِ الفَصْلِ بِالجُمَلِ الكَثِيرَةِ بَيْنَ المُتَعاطِفَيْنِ.
(وهُودًا): بَدَلٌ أوْ عَطْفُ بَيانٍ. وقَرَأ مُحَيْصِنٌ (يا قَوْمُ) بِضَمِّ المِيمِ كَقِراءَةِ حَفْصٍ: (قالَ رَبُّ احْكم بِالحَقِّ) بِالضَّمِّ، وهي لُغَةٌ في المُنادى المُضافِ حَكاها سِيبَوَيْهِ وغَيْرُهُ، وافْتِراؤُهم قالَ الحَسَنُ: في جَعْلِهِمُ الأُلُوهِيَّةَ لِغَيْرِ اللَّهِ تَعالى. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: بِاتِّخاذِكُمُ الأوْثانَ لَهُ شُرَكاءَ. والضَّمِيرُ في عَلَيْهِ عائِدٌ عَلى الدُّعاءِ إلى اللَّهِ، ونَبَّهَ بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِي فَطَرَنِي﴾، عَلى الرَّدِّ عَلَيْهِمْ في عِبادَتِهِمُ الأصْنامَ، واعْتِقادِهِمْ أنَّها تَفْعَلُ، وكَوْنِهِ تَعالى هو الفاطِرُ لِلْمَوْجُوداتِ يَسْتَحِقُّ إفْرادَهُ بِالعِبادَةِ.
و﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ تَوْقِيفٌ عَلى اسْتِحالَةِ الأُلُوهِيَّةِ لِغَيْرِ الفاطِرِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ راجِعًا إلى أنَّهُ إذا لَمْ أطْلُبْ عَرَضًا مِنكم، وإنَّما أُرِيدُ نَفْعَكم فَيَجِبُ انْقِيادُكم لِما فِيهِ نَجاتُكم، كَأنَّهُ قِيلَ: ﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ نَصِيحَةَ مَن لا يَطْلُبُ عَلَيْها أجْرًا إلّا مِنَ اللَّهِ تَعالى، وهو ثَوابُ الآخِرَةِ، ولا شَيْءَ أنْفى لِلتُّهْمَةِ مِن ذَلِكَ. وتَقَدَّمَ الكَلامُ في ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكم ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ﴾ [هود: ٣] أوَّلَ هَذِهِ السُّورَةِ.
قَصَدَ هُودٌ اسْتِمالَتَهم إلى الإيمانِ وتَرْغِيبَهم فِيهِ بِكَثْرَةِ (p-٢٣٣)المَطَرِ وزِيادَةِ القُوَّةِ، لِأنَّهم كانُوا أصْحابَ زُورِعٍ وبَساتِينَ وعِماراتٍ حِراصًا عَلَيْها أشَدَّ الحِرْصِ، فَكانُوا أحْوَجَ شَيْءٍ إلى الماءِ، وكانُوا مُدْلِينَ بِما أُوتُوا مِن هَذِهِ القُوَّةِ والبَطْشِ والبَأْسِ مُهَيَّئِينَ في كُلِّ ناحِيَةٍ.
وقِيلَ: أرادَ القُوَّةَ في المالِ، وقِيلَ: في النِّكاحِ. قِيلَ: وحُبِسَ عَنْهُمُ المَطَرُ ثَلاثَ سِنِينَ، وعَقِمَتْ أرْحامُ نِسائِهِمْ. وقَدِ انْتَزَعَ الحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - مِن هَذا ومِن قَوْلِهِ: ﴿ويُمْدِدْكم بِأمْوالٍ وبَنِينَ﴾ [نوح: ١٢]، أنَّ كَثْرَةَ الِاسْتِغْفارِ قَدْ يَجْعَلُهُ اللَّهُ سَبَبًا لِكَثْرَةِ الوَلَدِ، وأجابَ مَن سَألَهُ وأخْبَرَهُ أنَّهُ ذُو مالٍ ولا يُولَدُ لَهُ بِالِاسْتِغْفارِ، فَأكْثَرَ مِن ذَلِكَ فَوُلِدَ لَهُ عَشْرُ بَنِينَ.
ورَوى أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ويَزِدْكم قُوَّةً إلى قُوَّتِكُمْ﴾: أنَّهُ الوَلَدُ ووَلَدُ الوَلَدِ.
وقالَ مُجاهِدٌ وابْنُ زَيْدٍ: في الجِسْمِ والبَأْسِ، وقالَ الضَّحّاكُ: خَصْبًا إلى خَصْبِكم، وقِيلَ: نِعْمَةً إلى نِعْمَتِهِ الأُولى عَلَيْكم، وقِيلَ: قُوَّةً في إيمانِكم إلى قُوَّةٍ في أبْدانِكم.
﴿قالُوا يا هُودُ ما جِئْتَنا بِبَيِّنَةٍ وما نَحْنُ بِتارِكِي آلِهَتِنا عَنْ قَوْلِكَ وما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿إنْ نَقُولُ إلّا اعْتَراكَ بَعْضُ آلِهَتِنا بِسُوءٍ قالَ إنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ واشْهَدُوا أنِّي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ﴾ ﴿مِن دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لا تُنْظِرُونِي﴾ ﴿إنِّي تَوَكَّلْتُ عَلى اللَّهِ رَبِّي ورَبِّكم ما مِن دابَّةٍ إلّا هو آخِذٌ بِناصِيَتِها إنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ﴿فَإنْ تَوَلَّوْا فَقَدْ أبْلَغْتُكم ما أُرْسِلْتُ بِهِ إلَيْكم ويَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكم ولا تَضُرُّونَهُ شَيْئًا إنَّ رَبِّي عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ﴾: بِبَيِّنَةٍ أوْ بِحُجَّةٍ واضِحَةٍ تَدُلُّ عَلى صِدْقِكَ، وقَدْ كَذَّبُوا في ذَلِكَ وبَهَتُوهُ كَما كَذَّبَتْ قُرَيْشٌ في قَوْلِهِمْ: ﴿لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِن رَبِّهِ﴾ [يونس: ٢٠] وقَدْ جاءَهم بِآياتٍ كَثِيرَةٍ، أوْ لِعَمائِهِمْ عَنِ الحَقِّ وعَدَمِ نَظَرِهِمْ في الآياتِ اعْتَقَدُوا ما هو آيَةٌ لَيْسَ بِآيَةٍ فَقالُوا: ما جِئْتَنا بِبَيِّنَةٍ تُلْجِئُنا إلى الإيمانِ، وإلّا فَهُودٌ وغَيْرُهُ مِنَ الأنْبِياءِ لَهم مُعْجِزاتٌ وإنْ لَمْ يُعَيِّنْ لَنا بَعْضَها.
ألا تَرى إلى قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: «ما مِن نَبِيٍّ إلّا وقَدْ أُوتِيَ مِنَ الآياتِ ما مِثْلُهُ آمَنَ عَلَيْهِ البَشَرُ» و(عَنْ) في: ﴿عَنْ قَوْلِكَ﴾ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في ﴿بِتارِكِي آلِهَتِنا﴾، كَأنَّهُ قِيلَ: صادِرِينَ عَنْ قَوْلِكَ، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. وقِيلَ: عَنْ لِلتَّعْلِيلِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إلّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وعَدَها إيّاهُ﴾ [التوبة: ١١٤] فَتَتَعَلَّقُ بِتارِكِي، كَأنَّهُ قِيلَ: لِقَوْلِكَ، وقَدْ أشارَ إلى التَّعْلِيلِ والسَّبَبِ فِيها ابْنُ عَطِيَّةَ، فَقالَ: أيْ: لا يَكُونُ قَوْلُكُ سَبَبًا لَتَرْكِنا، إذْ هو مُجَرَّدٌ عَنْ آيَةٍ، والجُمْلَةُ بَعْدَها تَأْكِيدٌ وتَقْنِيطٌ لَهُ مِن دُخُولِهِمْ في دِينِهِ، ثُمَّ نَسَبُوا ما صَدَرَ مِنهُ مِن دُعائِهِمْ إلى اللَّهِ وإفْرادِهِ بِالأُلُوهِيَّةِ إلى الخَبَلِ والجُنُونِ، وأنَّ ذَلِكَ مِمّا اعْتَراهُ بِهِ بَعْضُ آلِهَتِهِمْ لِكَوْنِهِ سَبَّها وحَرَّضَ عَلى تَرْكِها ودَعا إلى تَرْكِ عِبادَتِها، فَجَعَلَتْهُ يَتَكَلَّمُ مُكافَأةً بِما يَتَكَلَّمُ بِهِ المَجانِينُ، كَما قالَتْ قُرَيْشٌ ﴿مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ﴾ [الدخان: ١٤]، ﴿أمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ﴾ [المؤمنون: ٧٠] و﴿اعْتَراكَ﴾ جُمْلَةٌ مَحْكِيَّةٌ بِـ (نَقُولُ)، فَهي في مَوْضِعِ المَفْعُولِ، ودَلَّتْ عَلى بَلَهٍ شَدِيدٍ وجَهْلٍ مُفْرِطٍ، حَيْثُ اعْتَقَدُوا في حِجارَةٍ أنَّها تَنْتَصِرُ وتَنْتَقِمُ.
وقَوْلُ هُودٍ لَهم في جَوابِ ذَلِكَ: ﴿إنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ﴾ إلى آخِرِهِ، حَيْثُ تَبَرَّأ مِن آلِهَتِهِمْ، وحَرَّضَهم كُلَّهم مَعَ انْفِرادِهِ وحْدَهُ عَلى كَيْدِهِ بِما يَشاءُونَ، وعَدَمُ تَأخُّرِهِ مِن أعْظَمِ الآياتِ عَلى صِدْقِهِ وثِقَتِهِ بِمَوْعُودِ رَبِّهِ مِنَ النَّصْرِ لَهُ، والتَّأْيِيدِ والعِصْمَةِ مِن أنْ يَنالُوهُ بِمَكْرُوهٍ، هَذا وهْمُ حَرِيصُونَ عَلى قَتْلِهِ يَرْمُونَهُ عَنْ قَوْسٍ واحِدَةٍ. ومِثْلُهُ قَوْلُ نُوحٍ لِقَوْمِهِ: ﴿ثُمَّ اقْضُوا إلَيَّ ولا تُنْظِرُونِ﴾ [يونس: ٧١] وأكَّدَ بَراءَتَهُ مِن آلِهَتِهِمْ وشِرْكِهِمْ، ووَثَّقَها بِما جَرَتْ عَلَيْهِ عادَةُ النّاسِ مِن تَوْثِيقِهِمُ الأمْرَ بِشَهادَةِ اللَّهِ وشَهادَةِ العِبادِ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): هَلّا قِيلَ: إنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وأُشْهِدُكم (قُلْتُ): لِأنَّ إشْهادَ اللَّهِ عَلى البَراءَةِ مِنَ الشِّرْكِ إشْهادٌ صَحِيحٌ ثابِتٌ في مَعْنى تَثْبِيتِ التَّوْحِيدِ، وأمّا إشْهادُهم فَما هو إلّا تَهاوُنٌ بِدِينِهِمْ ودِلالَةٌ عَلى قِلَّةِ المُبالاةِ بِهِمْ فَحَسْبُ، فَعُدِلَ بِهِ (p-٢٣٤)عَنْ لَفْظِ الأوَّلِ لِاخْتِلافِ ما بَيْنَهُما، وجِيءَ بِهِ عَلى لَفْظِ الأمْرِ بِالشَّهادَةِ، انْتَهى.
و﴿أنِّي بَرِيءٌ﴾ تَنازَعَ فِيهِ (أُشْهِدُ) و﴿اشْهَدُوا﴾ [آل عمران: ٦٤]، وقَدْ يَتَنازَعُ المُخْتَلِفانِ في التَّعَدِّي الِاسْمَ الَّذِي يَكُونُ صالِحًا لِأنْ يَعْمَلا فِيهِ تَقُولُ: أعْطَيْتُ زَيْدًا ووَهَبْتُ لِعَمْرٍو دِينارًا، كَما يَتَنازَعُ اللّازِمُ والمُتَعَدِّي نَحْوَ: قامَ وضَرَبْتُ زَيْدًا.
و(ما) في (مّا تُشْرِكُونَ) مَوْصُولَةٌ إمّا مَصْدَرِيَّةٌ وإمّا بِمَعْنى الَّذِي، أيْ: بَرِيءٌ مِن إشْراكِكم آلِهَةً مِن دُونِهِ، أوْ مِنَ الَّذِينَ تُشْرِكُونَ، و(جَمِيعًا) حالٌ مِن ضَمِيرِ (كِيدُونِي) الفاعِلِ، والخِطابُ إنَّما هو لِقَوْمِهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أنْتُمْ وآلِهَتُكم، انْتَهى. قِيلَ: ومُجاهَرَةُ هُودٍ عَلَيْهِ السَّلامُ لَهم بِالبَراءَةِ مِن أدْيانِهِمْ، وحَضُّهُ إيّاهم عَلى كَيْدِهِ هم وأصْنامُهم مُعْجِزَةٌ لِهُودٍ، أوْ حَرَّضَ جَماعَتَهم عَلَيْهِ مَعَ انْفِرادِهِ وقُوَّتِهِمْ وكَثْرَتِهِمْ، فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلى نَيْلِهِ بِسُوءٍ، ثُمَّ ذَكَرَ تَوَكُّلَهُ عَلى اللَّهِ مُعْلِمًا أنَّهُ رَبُّهُ ورَبُّهم، ومُنَبِّهًا عَلى أنَّهُ مِن حَيْثُ هو رَبُّكم يَجِبُ عَلَيْكم أنْ لا تَعْبُدُوا إلّا إيّاهُ، ومُفَوِّضًا أمْرَهُ إلَيْهِ تَعالى ثِقَةً بِحِفْظِهِ وانِجازِ مَوْعُودِهِ، ثُمَّ وصَفَ قُدْرَةَ اللَّهِ تَعالى وعَظِيمَ مُلْكِهِ مِن كَوْنِ كُلِّ دابَّةٍ في قَبْضَتِهِ ومِلْكِهِ وتَحْتَ قَهْرِهِ وسُلْطانِهِ، فَأنْتُمْ مِن جُمْلَةِ أُولَئِكَ المَقْهُورِينَ.
وقَوْلُهُ: ﴿آخِذٌ بِناصِيَتِها﴾: تَمْثِيلٌ، إذْ كانَ القادِرُ المالِكُ يَقُودُ المَقْدُورَ عَلَيْهِ بِناصِيَتِهِ كَما يُقادُ الأسِيرُ والفَرَسُ بِناصِيَتِهِ، حَتّى صارَ الأخْذُ بِالنّاصِيَةِ عُرْفًا في القُدْرَةِ عَلى الحَيَوانِ، وكانَتِ العَرَبُ تَجُزُّ: ناصِيَةَ الأسِيرِ المَمْنُونِ عَلَيْهِ عَلامَةَ أنَّهُ قَدْ قُدِرَ عَلَيْهِ وقُبِضَ عَلى ناصِيَتِهِ. قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: وخَصَّ النّاصِيَةَ لِأنَّ العَرَبَ إذا وصَفَتْ إنْسانًا بِالذِّلَّةِ والخُضُوعِ قالَتْ: ما ناصِيَةُ فُلانٍ إلّا بِيَدِ فُلانٍ، أيْ: أنَّهُ مُطِيعٌ لَهُ يُصَرِّفُهُ كَيْفَ يَشاءُ، ثُمَّ أخْبَرَ أنَّ أفْعالَهُ تَعالى في غايَةِ الإحْكامِ، وعَلى طَرِيقِ الحَقِّ والعَدْلِ في مُلْكِهِ، لا يَفُوتُهُ ظالِمٌ ولا يَضِيعُ عِنْدَهُ مَن تَوَكَّلَ عَلَيْهِ، قَوْلُهُ الصِّدْقُ ووَعْدُهُ الحَقُّ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿فَإنْ تَوَلَّوْا﴾، أيْ: تَتَوَلَّوْا مُضارِعُ تَوَلّى. وقَرَأ الأعْرَجُ و عِيسى الثَّقَفِيُّ: تُوَلُّوا بِضَمِّ التّاءِ واللّامِ مُضارِعُ ولّى، وقِيلَ: تَوَلَّوْا ماضٍ ويَحْتاجُ في الجَوابِ إلى إضْمارِ قَوْلٍ، أيْ: فَقُلْ لَهم فَقَدْ أبْلَغْتُكم، ولا حاجَةَ تَدْعُو إلى جَعْلِهِ ماضِيًا وإضْمارِ القَوْلِ.
وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ (تَوَلَّوْا) فِعْلًا ماضِيًا، ويَكُونُ في الكَلامِ رُجُوعٌ مِن غَيْبَةٍ إلى خِطابٍ، أيْ: فَقَدْ أبْلَغْتُكم، انْتَهى. فَلا يَحْتاجُ إلى إضْمارٍ، والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في تَوَلَّوْا عائِدٌ عَلى قَوْمِ هُودٍ، وخِطابٌ لَهم مِن تَمامِ الجَمَلِ المَقُولَةِ قَبْلُ. وقالَ التَّبْرِيزِيُّ: هو عائِدٌ عَلى كَفّارِ قُرَيْشٍ، وهو مِن تَلْوِينِ الخِطابِ، انْتَقَلَ مِن خِطابِ قَوْمِ هُودٍ إلى الإخْبارِ عَمَّنْ بِحَضْرَةِ الرَّسُولِ ﷺ وكَأنَّهُ قِيلَ: أخْبِرْهم عَنْ قِصَّةِ قَوْمِ هُودٍ، وادْعُهم إلى الإيمانِ بِاللَّهِ لِئَلّا يُصِيبَهم كَما أصابَ قَوْمَ هُودٍ، فَإنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ لَهم: قَدْ أبْلَغْتُكم.
وجَوابُ الشَّرْطِ هو قَوْلُهُ: ﴿فَقَدْ أبْلَغْتُكُمْ﴾، وصَحَّ أنْ يَكُونَ جَوابًا، لِأنَّ في إبْلاغِهِ إلَيْهِمْ رِسالَتَهُ تَضَمُّنُ ما يَحُلُّ بِهِمْ مِنَ العَذابِ المُسْتَأْصِلِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: فَإنْ تَتَوَلَّوُا اسْتُؤْصِلْتُمْ بِالعَذابِ. ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ الجُمْلَةُ الخَبَرِيَّةُ وهي قَوْلُهُ: ﴿ويَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾ .
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): الإبْلاغُ كانَ قَبْلَ التَّوَلِّي، فَكَيْفَ وقَعَ جَزاءً لِلشَّرْطِ ؟ (قُلْتُ): مَعْناهُ: فَإنْ تَوَلَّوْا لَمْ أُعاقِبْ عَلى تَفْرِيطٍ في الإبْلاغِ، فَإنَّ ما أُرْسِلْتُ بِهِ إلَيْكم قَدْ بَلَغَكم فَأبَيْتُمْ إلّا تَكْذِيبَ الرِّسالَةِ وعَداوَةَ الرَّسُولِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: المَعْنى أنَّهُ ما عَلَيَّ كَبِيرُ هَمٍّ مِنكم إنْ تَوَلَّيْتُمْ فَقَدْ بَرِئَتْ ساحَتِي بِالتَّبْلِيغِ، وأنْتُمْ أصْحابُ الذَّنْبِ في الإعْراضِ عَنِ الإيمانِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (ويَسْتَخْلِفُ) بِضَمِّ الفاءِ عَلى مَعْنى الخَبَرِ المُسْتَأْنَفِ، أيْ: يُهْلِكُكم ويَجِيءُ بِقَوْمٍ آخَرِينَ يَخْلُفُونَكم في دِيارِكم وأمْوالِكم. وقَرَأ حَفْصٌ في رِوايَةِ هُبَيْرَةَ: بِجَزْمِها عَطْفًا عَلى مَوْضِعِ الجَزاءِ، وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ كَذَلِكَ وبِجَزْمِ ﴿ولا تَضُرُّوهُ﴾ [التوبة: ٣٩]، وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ولا تَضُرُّونَهُ﴾، أيْ: شَيْئًا مِنَ الضَّرَرِ بِتَوْلِيَتِكم، لِأنَّهُ تَعالى لا تَجُوزُ عَلَيْهِ المَضارُّ والمَنافِعُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: يُحْتَمَلُ مِنَ المَعْنى وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: ولا تَضُرُّونَهُ بِذَهابِكم وهَلاكِكم شَيْئًا، أيْ: لا يَنْقُصُ مُلْكُهُ ولا يَخْتَلُّ أمْرُهُ، وعَلى هَذا (p-٢٣٥)المَعْنى قَرَأ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ ولا تَنْقُصُونَهُ شَيْئًا. والمَعْنى الآخَرُ: ولا تَضُرُّونَهُ، أيْ: ولا تَقْدِرُونَ إذا أهْلَكَكم عَلى إضْرارِهِ بِشَيْءٍ، ولا عَلى انْتِصارٍ مِنهُ، ولا تُقابِلُونَ فِعْلَهُ بِشَيْءٍ يَضُرُّهُ، انْتَهى.
وهَذا فِعْلٌ مَنفِيٌّ ومَدْلُولُهُ نَكِرَةٌ، فَيَنْتَفِي جَمِيعُ وُجُوهِ الضَّرَرِ، ولا يَتَعَيَّنُ واحِدٌ مِنها. ومَعْنى (حَفِيظٌ): رَقِيبٌ مُحِيطٌ بِالأشْياءِ عِلْمًا لا يَخْفى عَلَيْهِ أعْمالُكم، ولا يَغْفُلُ عَنْ مُؤاخَذَتِكم، وهو يَحْفَظُنِي مِمّا تَكِيدُونَنِي بِهِ.
﴿ولَمّا جاءَ أمْرُنا نَجَّيْنا هُودًا والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنّا ونَجَّيْناهم مِن عَذابٍ غَلِيظٍ﴾ ﴿وتِلْكَ عادٌ جَحَدُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وعَصَوْا رُسُلَهُ واتَّبَعُوا أمْرَ كُلِّ جَبّارٍ عَنِيدٍ﴾ ﴿وأُتْبِعُوا في هَذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً ويَوْمَ القِيامَةِ ألا إنَّ عادًا كَفَرُوا رَبَّهم ألا بُعْدًا لِعادٍ قَوْمِ هُودٍ﴾: الأمْرُ: واحِدُ الأُمُورِ، فَيَكُونُ كِنايَةً عَنِ العَذابِ، أوْ عَنِ القَضاءِ بِهَلاكِهِمْ. أوْ مَصْدَرُ أمَرَ، أيْ: أمْرُنا لِلرِّيحِ أوْ لِخَزَنَتِها.
﴿والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾: قِيلَ: كانُوا أرْبَعَةَ آلافٍ، قِيلَ: ثَلاثَةُ آلافٍ.
والظّاهِرُ تَعَلُّقٌ بِرَحْمَةٍ مِنّا بِقَوْلِهِ: (نَجَّيْنا) أيْ: نَجَّيْناهم بِمُجَرَّدِ رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لَحِقَتْهم، لا بِأعْمالِهِمُ الصّالِحَةِ. أوْ كَنّى بِالرَّحْمَةِ عَنْ أعْمالِهِمُ الصّالِحَةِ، إذْ تَوْفِيقُهم لَها إنَّما هو بِسَبَبِ رَحْمَتِهِ تَعالى إيّاهم. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِآمَنُوا، أيْ: إنَّ إيمانَهم بِاللَّهِ وبِتَصْدِيقِ رَسُولِهِ إنَّما هو بِرَحْمَةِ اللَّهِ تَعالى إيّاهم، إذْ وفَّقَهم لِذَلِكَ. وتَكَرَّرَتِ التَّنْجِيَةُ عَلى سَبِيلِ التَّوْكِيدِ، ولِقَلَقِ مَن لَوْ لاصَقَتْ مِنّا فَأُعِيدَتِ التَّنْجِيَةُ وهي الأُولى، أوْ تَكُونُ هَذِهِ النَّتِيجَةُ هي مِن عَذابِ الآخِرَةِ ولا عَذابَ أغْلَظُ مِنهُ، فَأُعِيدَتْ لِأجْلِ اخْتِلافِ مُتَعَلِّقَيْها. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): فَما مَعْنى تَكْرِيرِ التَّنْجِيَةِ ؟ (قُلْتُ): ذَكَرَ أوَّلًا أنَّهُ حِينَ أهْلَكَ عَدُوَّهم نَجّاهم، ثُمَّ قالَ: ﴿ونَجَّيْناهم مِن عَذابٍ غَلِيظٍ﴾ عَلى مَعْنى: وكانَتِ التَّنْجِيَةُ مِن عَذابٍ غَلِيظٍ، قالَ: وذَلِكَ أنَّ اللَّهَ عَزَّ وعَلا بَعَثَ عَلَيْهِمُ السَّمُومَ، فَكانَتْ تَدْخُلُ في أُنُوفِهِمْ وتَخْرُجُ مِن أدْبارِهِمْ، وتُقَطِّعُهم عُضْوًا عُضْوًا، انْتَهى.
وهَذا قالَهُ الزَّجّاجُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: وكانَتِ النَّجاةُ المُتَقَدِّمَةُ مِن عَذابٍ غَلِيظٍ يُرِيدُ: الرِّيحَ، فَيَكُونُ المَقْصُودُ عَلى هَذا: تَعْدِيدُ النِّعْمَةِ، والمَشْهُورُ في عَذابِهِمْ بِالرِّيحِ: أنَّها كانَتْ تَحْمِلُهم وتَهْدِمُ مَساكِنَهم وتَنْسِفُها، وتَحْمِلُ الظَّعِينَةَ كَما هي، ونَحْوَ هَذا.
و(تِلْكَ عادٌ): إشارَةٌ إلى قُبُورِهِمْ وآثارِهِمْ كَأنَّهُ قالَ: ﴿فَسِيحُوا في الأرْضِ﴾ [التوبة: ٢]: فانْظُرُوا إلَيْها واعْتَبِرُوا، ثُمَّ اسْتَأْنَفَ الأخْبارَ عَنْهم فَقالَ: ﴿جَحَدُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ﴾ أيْ: أنْكَرُوها. وأضافَ الآياتِ إلى رَبِّهِمْ تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ مالِكُهم ومُرَبِّيهِمْ، فَأنْكَرُوا آياتِهِ، والواجِبُ إقْرارُهم بِها. وأصْلُ جَحَدَ أنْ يَتَعَدّى بِنَفْسِهِ، لَكِنَّهُ أُجْرِيَ مَجْرى كَفَرَ فَعُدِّيَ بِالباءِ، كَما عُدِّيَ كَفَرَ بِنَفْسِهِ في قَوْلِهِ: ﴿ألا إنَّ عادًا كَفَرُوا رَبَّهُمْ﴾، إجْراءً لَهُ مَجْرى جَحَدَ.
وقِيلَ: كَفَرَ كَشَكَرَ يَتَعَدّى تارَةً بِنَفْسِهِ، وتارَةً بِحَرْفِ جَرٍّ.
﴿وعَصَوْا رُسُلَهُ﴾ قِيلَ: عَصَوْا هُودًا والرُّسُلَ الَّذِينَ كانُوا مِن قَبْلِهِ، وقِيلَ: يُنَزَّلُ تَكْذِيبُ الرَّسُولِ الواحِدِ مَنزِلَةَ تَكْذِيبِ الرُّسُلِ، لِأنَّهم كُلَّهم مُجْمِعُونَ عَلى الإيمانِ بِاللَّهِ والإقْرارِ بِرُبُوبِيَّتِهِ كَقَوْلِهِ: ﴿لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أحَدٍ مِن رُسُلِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٥] (واتَّبَعُوا) أيِ: اتَّبَعَ سُقّاطُهم أمْرَ رُؤَسائِهِمْ وكُبَرائِهِمْ، والمَعْنى: أنَّهم أطاعُوهم فِيما أمَرُوهم بِهِ.
قالَ الكَلْبِيُّ: الجَبّارُ: هو الَّذِي يَقْتُلُ عَلى الغَضَبِ، ويُعاقِبُ عَلى المَعْصِيَةِ، وقالَ الزَّجّاجُ: هو الَّذِي يُجْبِرُ النّاسَ عَلى ما يُرِيدُ. وذَكَرَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: أنَّهُ العَظِيمُ في نَفْسِهِ، المُتَكَبِّرُ عَلى العِبادِ.
والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: (واتَّبَعُوا): عامٌّ في جَمِيعِ عادٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لَمّا كانُوا تابِعِينَ لَهُ دُونَ الرُّسُلِ، جُعِلَتِ اللَّعْنَةُ تابِعَةً لَهم في الدّارَيْنِ تَكُبُّهم عَلى وُجُوهِهِمْ في عَذابِ اللَّهِ، انْتَهى.
(p-٢٣٦)فَظاهِرُ كَلامِهِ يَدُلُّ عَلى أنَّ اللَّعْنَةَ مُخْتَصَّةٌ بِالتّابِعِينَ لِلرُّؤَساءِ، ونَبَّهَ عَلى عِلَّةِ اتِّباعِ اللَّعْنَةِ لَهم في الدّارَيْنِ: بِأنَّهم كَفَرُوا رَبَّهم، فالكُفْرُ هو المُوجِبُ لِلَّعْنَةِ. ثُمَّ كَرَّرَ التَّنْبِيهَ بِقَوْلِهِ: ألا في الدُّعاءِ عَلَيْهِمْ تَهْوِيلًا لِأمْرِهِمْ، وتَفْظِيعًا لَهُ، وبَعْثًا عَلى الِاعْتِبارِ بِهِمْ والحَذَرِ مِن مِثْلِ حالِهِمْ.
وفائِدَةُ قَوْلِهِ: قَوْمِ هُودٍ: مَزِيدُ التَّأْكِيدِ لِلْمُبالَغَةِ في التَّنْصِيصِ، أوْ تَعْيِينُ عادٍ هَذِهِ مِن عادِ إرَمَ، لِأنَّ عادًا اثْنانِ ولِذَلِكَ قالَ تَعالى: ﴿وأنَّهُ أهْلَكَ عادًا الأُولى﴾ [النجم: ٥٠]، فَتَحَقَّقَ أنَّ الدُّعاءَ عَلى عادٍ هَذِهِ، ولَمْ تَلْتَبِسْ بِغَيْرِها.
هود 11:53
﴿وإلى عادٍ أخاهم هُودًا قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ إنْ أنْتُمْ إلّا مُفْتَرُونَ﴾ ﴿ياقَوْمِ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى الَّذِي فَطَرَنِي أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ ﴿ويا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكم ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكم مِدْرارًا ويَزِدْكم قُوَّةً إلى قُوَّتِكم ولا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ﴾: ﴿وإلى عادٍ أخاهُمْ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿أرْسَلْنا نُوحًا إلى قَوْمِهِ﴾ [هود: ٢٥]، عَطَفَتِ الواوُ المَجْرُورَ عَلى المَجْرُورِ والمَنصُوبَ عَلى المَنصُوبِ، كَما يُعْطَفُ المَرْفُوعُ والمَنصُوبُ عَلى المَرْفُوعِ والمَنصُوبِ نَحْوَ: ضَرَبَ زَيْدٌ عَمْرًا وبَكْرٌ خالِدًا، ولَيْسَ مِن بابِ الفَصْلِ بِالجارِّ والمَجْرُورِ بَيْنَ حَرْفِ العَطْفِ والمَعْطُوفِ نَحْوَ: ضَرَبْتُ زَيْدًا وفي البَيْتِ عَمْرًا، فَيَجِيءُ مِنهُ الخِلافُ الَّذِي بَيْنَ النَّحْوِيِّينَ: هَلْ يَجُوزُ في الكَلامِ أوْ يَخْتَصُّ بِالشِّعْرِ ؟ وتَقْدِيرُ الكَلامِ: في هُودٍ وعادٍ وإخْوَتِهِ مِنهم في الأعْرافِ، وقِراءَةُ الكِسائِيِّ: (غَيْرِهِ) بِالخَفْضِ، وقِيلَ: ثَمَّ فِعْلٌ مَحْذُوفٌ أيْ: وأرْسَلْنا إلى عادٍ أخاهم، فَيَكُونُ إذْ ذاكَ مِن عَطْفِ الجُمَلِ، والأوَّلُ مِن عَطْفِ المُفْرَداتِ، وهَذا أقْرَبُ لِطُولِ الفَصْلِ بِالجُمَلِ الكَثِيرَةِ بَيْنَ المُتَعاطِفَيْنِ.
(وهُودًا): بَدَلٌ أوْ عَطْفُ بَيانٍ. وقَرَأ مُحَيْصِنٌ (يا قَوْمُ) بِضَمِّ المِيمِ كَقِراءَةِ حَفْصٍ: (قالَ رَبُّ احْكم بِالحَقِّ) بِالضَّمِّ، وهي لُغَةٌ في المُنادى المُضافِ حَكاها سِيبَوَيْهِ وغَيْرُهُ، وافْتِراؤُهم قالَ الحَسَنُ: في جَعْلِهِمُ الأُلُوهِيَّةَ لِغَيْرِ اللَّهِ تَعالى. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: بِاتِّخاذِكُمُ الأوْثانَ لَهُ شُرَكاءَ. والضَّمِيرُ في عَلَيْهِ عائِدٌ عَلى الدُّعاءِ إلى اللَّهِ، ونَبَّهَ بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِي فَطَرَنِي﴾، عَلى الرَّدِّ عَلَيْهِمْ في عِبادَتِهِمُ الأصْنامَ، واعْتِقادِهِمْ أنَّها تَفْعَلُ، وكَوْنِهِ تَعالى هو الفاطِرُ لِلْمَوْجُوداتِ يَسْتَحِقُّ إفْرادَهُ بِالعِبادَةِ.
و﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ تَوْقِيفٌ عَلى اسْتِحالَةِ الأُلُوهِيَّةِ لِغَيْرِ الفاطِرِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ راجِعًا إلى أنَّهُ إذا لَمْ أطْلُبْ عَرَضًا مِنكم، وإنَّما أُرِيدُ نَفْعَكم فَيَجِبُ انْقِيادُكم لِما فِيهِ نَجاتُكم، كَأنَّهُ قِيلَ: ﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ نَصِيحَةَ مَن لا يَطْلُبُ عَلَيْها أجْرًا إلّا مِنَ اللَّهِ تَعالى، وهو ثَوابُ الآخِرَةِ، ولا شَيْءَ أنْفى لِلتُّهْمَةِ مِن ذَلِكَ. وتَقَدَّمَ الكَلامُ في ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكم ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ﴾ [هود: ٣] أوَّلَ هَذِهِ السُّورَةِ.
قَصَدَ هُودٌ اسْتِمالَتَهم إلى الإيمانِ وتَرْغِيبَهم فِيهِ بِكَثْرَةِ (p-٢٣٣)المَطَرِ وزِيادَةِ القُوَّةِ، لِأنَّهم كانُوا أصْحابَ زُورِعٍ وبَساتِينَ وعِماراتٍ حِراصًا عَلَيْها أشَدَّ الحِرْصِ، فَكانُوا أحْوَجَ شَيْءٍ إلى الماءِ، وكانُوا مُدْلِينَ بِما أُوتُوا مِن هَذِهِ القُوَّةِ والبَطْشِ والبَأْسِ مُهَيَّئِينَ في كُلِّ ناحِيَةٍ.
وقِيلَ: أرادَ القُوَّةَ في المالِ، وقِيلَ: في النِّكاحِ. قِيلَ: وحُبِسَ عَنْهُمُ المَطَرُ ثَلاثَ سِنِينَ، وعَقِمَتْ أرْحامُ نِسائِهِمْ. وقَدِ انْتَزَعَ الحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - مِن هَذا ومِن قَوْلِهِ: ﴿ويُمْدِدْكم بِأمْوالٍ وبَنِينَ﴾ [نوح: ١٢]، أنَّ كَثْرَةَ الِاسْتِغْفارِ قَدْ يَجْعَلُهُ اللَّهُ سَبَبًا لِكَثْرَةِ الوَلَدِ، وأجابَ مَن سَألَهُ وأخْبَرَهُ أنَّهُ ذُو مالٍ ولا يُولَدُ لَهُ بِالِاسْتِغْفارِ، فَأكْثَرَ مِن ذَلِكَ فَوُلِدَ لَهُ عَشْرُ بَنِينَ.
ورَوى أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ويَزِدْكم قُوَّةً إلى قُوَّتِكُمْ﴾: أنَّهُ الوَلَدُ ووَلَدُ الوَلَدِ.
وقالَ مُجاهِدٌ وابْنُ زَيْدٍ: في الجِسْمِ والبَأْسِ، وقالَ الضَّحّاكُ: خَصْبًا إلى خَصْبِكم، وقِيلَ: نِعْمَةً إلى نِعْمَتِهِ الأُولى عَلَيْكم، وقِيلَ: قُوَّةً في إيمانِكم إلى قُوَّةٍ في أبْدانِكم.
﴿قالُوا يا هُودُ ما جِئْتَنا بِبَيِّنَةٍ وما نَحْنُ بِتارِكِي آلِهَتِنا عَنْ قَوْلِكَ وما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿إنْ نَقُولُ إلّا اعْتَراكَ بَعْضُ آلِهَتِنا بِسُوءٍ قالَ إنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ واشْهَدُوا أنِّي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ﴾ ﴿مِن دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لا تُنْظِرُونِي﴾ ﴿إنِّي تَوَكَّلْتُ عَلى اللَّهِ رَبِّي ورَبِّكم ما مِن دابَّةٍ إلّا هو آخِذٌ بِناصِيَتِها إنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ﴿فَإنْ تَوَلَّوْا فَقَدْ أبْلَغْتُكم ما أُرْسِلْتُ بِهِ إلَيْكم ويَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكم ولا تَضُرُّونَهُ شَيْئًا إنَّ رَبِّي عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ﴾: بِبَيِّنَةٍ أوْ بِحُجَّةٍ واضِحَةٍ تَدُلُّ عَلى صِدْقِكَ، وقَدْ كَذَّبُوا في ذَلِكَ وبَهَتُوهُ كَما كَذَّبَتْ قُرَيْشٌ في قَوْلِهِمْ: ﴿لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِن رَبِّهِ﴾ [يونس: ٢٠] وقَدْ جاءَهم بِآياتٍ كَثِيرَةٍ، أوْ لِعَمائِهِمْ عَنِ الحَقِّ وعَدَمِ نَظَرِهِمْ في الآياتِ اعْتَقَدُوا ما هو آيَةٌ لَيْسَ بِآيَةٍ فَقالُوا: ما جِئْتَنا بِبَيِّنَةٍ تُلْجِئُنا إلى الإيمانِ، وإلّا فَهُودٌ وغَيْرُهُ مِنَ الأنْبِياءِ لَهم مُعْجِزاتٌ وإنْ لَمْ يُعَيِّنْ لَنا بَعْضَها.
ألا تَرى إلى قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: «ما مِن نَبِيٍّ إلّا وقَدْ أُوتِيَ مِنَ الآياتِ ما مِثْلُهُ آمَنَ عَلَيْهِ البَشَرُ» و(عَنْ) في: ﴿عَنْ قَوْلِكَ﴾ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في ﴿بِتارِكِي آلِهَتِنا﴾، كَأنَّهُ قِيلَ: صادِرِينَ عَنْ قَوْلِكَ، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. وقِيلَ: عَنْ لِلتَّعْلِيلِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إلّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وعَدَها إيّاهُ﴾ [التوبة: ١١٤] فَتَتَعَلَّقُ بِتارِكِي، كَأنَّهُ قِيلَ: لِقَوْلِكَ، وقَدْ أشارَ إلى التَّعْلِيلِ والسَّبَبِ فِيها ابْنُ عَطِيَّةَ، فَقالَ: أيْ: لا يَكُونُ قَوْلُكُ سَبَبًا لَتَرْكِنا، إذْ هو مُجَرَّدٌ عَنْ آيَةٍ، والجُمْلَةُ بَعْدَها تَأْكِيدٌ وتَقْنِيطٌ لَهُ مِن دُخُولِهِمْ في دِينِهِ، ثُمَّ نَسَبُوا ما صَدَرَ مِنهُ مِن دُعائِهِمْ إلى اللَّهِ وإفْرادِهِ بِالأُلُوهِيَّةِ إلى الخَبَلِ والجُنُونِ، وأنَّ ذَلِكَ مِمّا اعْتَراهُ بِهِ بَعْضُ آلِهَتِهِمْ لِكَوْنِهِ سَبَّها وحَرَّضَ عَلى تَرْكِها ودَعا إلى تَرْكِ عِبادَتِها، فَجَعَلَتْهُ يَتَكَلَّمُ مُكافَأةً بِما يَتَكَلَّمُ بِهِ المَجانِينُ، كَما قالَتْ قُرَيْشٌ ﴿مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ﴾ [الدخان: ١٤]، ﴿أمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ﴾ [المؤمنون: ٧٠] و﴿اعْتَراكَ﴾ جُمْلَةٌ مَحْكِيَّةٌ بِـ (نَقُولُ)، فَهي في مَوْضِعِ المَفْعُولِ، ودَلَّتْ عَلى بَلَهٍ شَدِيدٍ وجَهْلٍ مُفْرِطٍ، حَيْثُ اعْتَقَدُوا في حِجارَةٍ أنَّها تَنْتَصِرُ وتَنْتَقِمُ.
وقَوْلُ هُودٍ لَهم في جَوابِ ذَلِكَ: ﴿إنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ﴾ إلى آخِرِهِ، حَيْثُ تَبَرَّأ مِن آلِهَتِهِمْ، وحَرَّضَهم كُلَّهم مَعَ انْفِرادِهِ وحْدَهُ عَلى كَيْدِهِ بِما يَشاءُونَ، وعَدَمُ تَأخُّرِهِ مِن أعْظَمِ الآياتِ عَلى صِدْقِهِ وثِقَتِهِ بِمَوْعُودِ رَبِّهِ مِنَ النَّصْرِ لَهُ، والتَّأْيِيدِ والعِصْمَةِ مِن أنْ يَنالُوهُ بِمَكْرُوهٍ، هَذا وهْمُ حَرِيصُونَ عَلى قَتْلِهِ يَرْمُونَهُ عَنْ قَوْسٍ واحِدَةٍ. ومِثْلُهُ قَوْلُ نُوحٍ لِقَوْمِهِ: ﴿ثُمَّ اقْضُوا إلَيَّ ولا تُنْظِرُونِ﴾ [يونس: ٧١] وأكَّدَ بَراءَتَهُ مِن آلِهَتِهِمْ وشِرْكِهِمْ، ووَثَّقَها بِما جَرَتْ عَلَيْهِ عادَةُ النّاسِ مِن تَوْثِيقِهِمُ الأمْرَ بِشَهادَةِ اللَّهِ وشَهادَةِ العِبادِ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): هَلّا قِيلَ: إنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وأُشْهِدُكم (قُلْتُ): لِأنَّ إشْهادَ اللَّهِ عَلى البَراءَةِ مِنَ الشِّرْكِ إشْهادٌ صَحِيحٌ ثابِتٌ في مَعْنى تَثْبِيتِ التَّوْحِيدِ، وأمّا إشْهادُهم فَما هو إلّا تَهاوُنٌ بِدِينِهِمْ ودِلالَةٌ عَلى قِلَّةِ المُبالاةِ بِهِمْ فَحَسْبُ، فَعُدِلَ بِهِ (p-٢٣٤)عَنْ لَفْظِ الأوَّلِ لِاخْتِلافِ ما بَيْنَهُما، وجِيءَ بِهِ عَلى لَفْظِ الأمْرِ بِالشَّهادَةِ، انْتَهى.
و﴿أنِّي بَرِيءٌ﴾ تَنازَعَ فِيهِ (أُشْهِدُ) و﴿اشْهَدُوا﴾ [آل عمران: ٦٤]، وقَدْ يَتَنازَعُ المُخْتَلِفانِ في التَّعَدِّي الِاسْمَ الَّذِي يَكُونُ صالِحًا لِأنْ يَعْمَلا فِيهِ تَقُولُ: أعْطَيْتُ زَيْدًا ووَهَبْتُ لِعَمْرٍو دِينارًا، كَما يَتَنازَعُ اللّازِمُ والمُتَعَدِّي نَحْوَ: قامَ وضَرَبْتُ زَيْدًا.
و(ما) في (مّا تُشْرِكُونَ) مَوْصُولَةٌ إمّا مَصْدَرِيَّةٌ وإمّا بِمَعْنى الَّذِي، أيْ: بَرِيءٌ مِن إشْراكِكم آلِهَةً مِن دُونِهِ، أوْ مِنَ الَّذِينَ تُشْرِكُونَ، و(جَمِيعًا) حالٌ مِن ضَمِيرِ (كِيدُونِي) الفاعِلِ، والخِطابُ إنَّما هو لِقَوْمِهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أنْتُمْ وآلِهَتُكم، انْتَهى. قِيلَ: ومُجاهَرَةُ هُودٍ عَلَيْهِ السَّلامُ لَهم بِالبَراءَةِ مِن أدْيانِهِمْ، وحَضُّهُ إيّاهم عَلى كَيْدِهِ هم وأصْنامُهم مُعْجِزَةٌ لِهُودٍ، أوْ حَرَّضَ جَماعَتَهم عَلَيْهِ مَعَ انْفِرادِهِ وقُوَّتِهِمْ وكَثْرَتِهِمْ، فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلى نَيْلِهِ بِسُوءٍ، ثُمَّ ذَكَرَ تَوَكُّلَهُ عَلى اللَّهِ مُعْلِمًا أنَّهُ رَبُّهُ ورَبُّهم، ومُنَبِّهًا عَلى أنَّهُ مِن حَيْثُ هو رَبُّكم يَجِبُ عَلَيْكم أنْ لا تَعْبُدُوا إلّا إيّاهُ، ومُفَوِّضًا أمْرَهُ إلَيْهِ تَعالى ثِقَةً بِحِفْظِهِ وانِجازِ مَوْعُودِهِ، ثُمَّ وصَفَ قُدْرَةَ اللَّهِ تَعالى وعَظِيمَ مُلْكِهِ مِن كَوْنِ كُلِّ دابَّةٍ في قَبْضَتِهِ ومِلْكِهِ وتَحْتَ قَهْرِهِ وسُلْطانِهِ، فَأنْتُمْ مِن جُمْلَةِ أُولَئِكَ المَقْهُورِينَ.
وقَوْلُهُ: ﴿آخِذٌ بِناصِيَتِها﴾: تَمْثِيلٌ، إذْ كانَ القادِرُ المالِكُ يَقُودُ المَقْدُورَ عَلَيْهِ بِناصِيَتِهِ كَما يُقادُ الأسِيرُ والفَرَسُ بِناصِيَتِهِ، حَتّى صارَ الأخْذُ بِالنّاصِيَةِ عُرْفًا في القُدْرَةِ عَلى الحَيَوانِ، وكانَتِ العَرَبُ تَجُزُّ: ناصِيَةَ الأسِيرِ المَمْنُونِ عَلَيْهِ عَلامَةَ أنَّهُ قَدْ قُدِرَ عَلَيْهِ وقُبِضَ عَلى ناصِيَتِهِ. قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: وخَصَّ النّاصِيَةَ لِأنَّ العَرَبَ إذا وصَفَتْ إنْسانًا بِالذِّلَّةِ والخُضُوعِ قالَتْ: ما ناصِيَةُ فُلانٍ إلّا بِيَدِ فُلانٍ، أيْ: أنَّهُ مُطِيعٌ لَهُ يُصَرِّفُهُ كَيْفَ يَشاءُ، ثُمَّ أخْبَرَ أنَّ أفْعالَهُ تَعالى في غايَةِ الإحْكامِ، وعَلى طَرِيقِ الحَقِّ والعَدْلِ في مُلْكِهِ، لا يَفُوتُهُ ظالِمٌ ولا يَضِيعُ عِنْدَهُ مَن تَوَكَّلَ عَلَيْهِ، قَوْلُهُ الصِّدْقُ ووَعْدُهُ الحَقُّ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿فَإنْ تَوَلَّوْا﴾، أيْ: تَتَوَلَّوْا مُضارِعُ تَوَلّى. وقَرَأ الأعْرَجُ و عِيسى الثَّقَفِيُّ: تُوَلُّوا بِضَمِّ التّاءِ واللّامِ مُضارِعُ ولّى، وقِيلَ: تَوَلَّوْا ماضٍ ويَحْتاجُ في الجَوابِ إلى إضْمارِ قَوْلٍ، أيْ: فَقُلْ لَهم فَقَدْ أبْلَغْتُكم، ولا حاجَةَ تَدْعُو إلى جَعْلِهِ ماضِيًا وإضْمارِ القَوْلِ.
وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ (تَوَلَّوْا) فِعْلًا ماضِيًا، ويَكُونُ في الكَلامِ رُجُوعٌ مِن غَيْبَةٍ إلى خِطابٍ، أيْ: فَقَدْ أبْلَغْتُكم، انْتَهى. فَلا يَحْتاجُ إلى إضْمارٍ، والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في تَوَلَّوْا عائِدٌ عَلى قَوْمِ هُودٍ، وخِطابٌ لَهم مِن تَمامِ الجَمَلِ المَقُولَةِ قَبْلُ. وقالَ التَّبْرِيزِيُّ: هو عائِدٌ عَلى كَفّارِ قُرَيْشٍ، وهو مِن تَلْوِينِ الخِطابِ، انْتَقَلَ مِن خِطابِ قَوْمِ هُودٍ إلى الإخْبارِ عَمَّنْ بِحَضْرَةِ الرَّسُولِ ﷺ وكَأنَّهُ قِيلَ: أخْبِرْهم عَنْ قِصَّةِ قَوْمِ هُودٍ، وادْعُهم إلى الإيمانِ بِاللَّهِ لِئَلّا يُصِيبَهم كَما أصابَ قَوْمَ هُودٍ، فَإنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ لَهم: قَدْ أبْلَغْتُكم.
وجَوابُ الشَّرْطِ هو قَوْلُهُ: ﴿فَقَدْ أبْلَغْتُكُمْ﴾، وصَحَّ أنْ يَكُونَ جَوابًا، لِأنَّ في إبْلاغِهِ إلَيْهِمْ رِسالَتَهُ تَضَمُّنُ ما يَحُلُّ بِهِمْ مِنَ العَذابِ المُسْتَأْصِلِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: فَإنْ تَتَوَلَّوُا اسْتُؤْصِلْتُمْ بِالعَذابِ. ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ الجُمْلَةُ الخَبَرِيَّةُ وهي قَوْلُهُ: ﴿ويَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾ .
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): الإبْلاغُ كانَ قَبْلَ التَّوَلِّي، فَكَيْفَ وقَعَ جَزاءً لِلشَّرْطِ ؟ (قُلْتُ): مَعْناهُ: فَإنْ تَوَلَّوْا لَمْ أُعاقِبْ عَلى تَفْرِيطٍ في الإبْلاغِ، فَإنَّ ما أُرْسِلْتُ بِهِ إلَيْكم قَدْ بَلَغَكم فَأبَيْتُمْ إلّا تَكْذِيبَ الرِّسالَةِ وعَداوَةَ الرَّسُولِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: المَعْنى أنَّهُ ما عَلَيَّ كَبِيرُ هَمٍّ مِنكم إنْ تَوَلَّيْتُمْ فَقَدْ بَرِئَتْ ساحَتِي بِالتَّبْلِيغِ، وأنْتُمْ أصْحابُ الذَّنْبِ في الإعْراضِ عَنِ الإيمانِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (ويَسْتَخْلِفُ) بِضَمِّ الفاءِ عَلى مَعْنى الخَبَرِ المُسْتَأْنَفِ، أيْ: يُهْلِكُكم ويَجِيءُ بِقَوْمٍ آخَرِينَ يَخْلُفُونَكم في دِيارِكم وأمْوالِكم. وقَرَأ حَفْصٌ في رِوايَةِ هُبَيْرَةَ: بِجَزْمِها عَطْفًا عَلى مَوْضِعِ الجَزاءِ، وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ كَذَلِكَ وبِجَزْمِ ﴿ولا تَضُرُّوهُ﴾ [التوبة: ٣٩]، وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ولا تَضُرُّونَهُ﴾، أيْ: شَيْئًا مِنَ الضَّرَرِ بِتَوْلِيَتِكم، لِأنَّهُ تَعالى لا تَجُوزُ عَلَيْهِ المَضارُّ والمَنافِعُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: يُحْتَمَلُ مِنَ المَعْنى وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: ولا تَضُرُّونَهُ بِذَهابِكم وهَلاكِكم شَيْئًا، أيْ: لا يَنْقُصُ مُلْكُهُ ولا يَخْتَلُّ أمْرُهُ، وعَلى هَذا (p-٢٣٥)المَعْنى قَرَأ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ ولا تَنْقُصُونَهُ شَيْئًا. والمَعْنى الآخَرُ: ولا تَضُرُّونَهُ، أيْ: ولا تَقْدِرُونَ إذا أهْلَكَكم عَلى إضْرارِهِ بِشَيْءٍ، ولا عَلى انْتِصارٍ مِنهُ، ولا تُقابِلُونَ فِعْلَهُ بِشَيْءٍ يَضُرُّهُ، انْتَهى.
وهَذا فِعْلٌ مَنفِيٌّ ومَدْلُولُهُ نَكِرَةٌ، فَيَنْتَفِي جَمِيعُ وُجُوهِ الضَّرَرِ، ولا يَتَعَيَّنُ واحِدٌ مِنها. ومَعْنى (حَفِيظٌ): رَقِيبٌ مُحِيطٌ بِالأشْياءِ عِلْمًا لا يَخْفى عَلَيْهِ أعْمالُكم، ولا يَغْفُلُ عَنْ مُؤاخَذَتِكم، وهو يَحْفَظُنِي مِمّا تَكِيدُونَنِي بِهِ.
﴿ولَمّا جاءَ أمْرُنا نَجَّيْنا هُودًا والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنّا ونَجَّيْناهم مِن عَذابٍ غَلِيظٍ﴾ ﴿وتِلْكَ عادٌ جَحَدُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وعَصَوْا رُسُلَهُ واتَّبَعُوا أمْرَ كُلِّ جَبّارٍ عَنِيدٍ﴾ ﴿وأُتْبِعُوا في هَذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً ويَوْمَ القِيامَةِ ألا إنَّ عادًا كَفَرُوا رَبَّهم ألا بُعْدًا لِعادٍ قَوْمِ هُودٍ﴾: الأمْرُ: واحِدُ الأُمُورِ، فَيَكُونُ كِنايَةً عَنِ العَذابِ، أوْ عَنِ القَضاءِ بِهَلاكِهِمْ. أوْ مَصْدَرُ أمَرَ، أيْ: أمْرُنا لِلرِّيحِ أوْ لِخَزَنَتِها.
﴿والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾: قِيلَ: كانُوا أرْبَعَةَ آلافٍ، قِيلَ: ثَلاثَةُ آلافٍ.
والظّاهِرُ تَعَلُّقٌ بِرَحْمَةٍ مِنّا بِقَوْلِهِ: (نَجَّيْنا) أيْ: نَجَّيْناهم بِمُجَرَّدِ رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لَحِقَتْهم، لا بِأعْمالِهِمُ الصّالِحَةِ. أوْ كَنّى بِالرَّحْمَةِ عَنْ أعْمالِهِمُ الصّالِحَةِ، إذْ تَوْفِيقُهم لَها إنَّما هو بِسَبَبِ رَحْمَتِهِ تَعالى إيّاهم. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِآمَنُوا، أيْ: إنَّ إيمانَهم بِاللَّهِ وبِتَصْدِيقِ رَسُولِهِ إنَّما هو بِرَحْمَةِ اللَّهِ تَعالى إيّاهم، إذْ وفَّقَهم لِذَلِكَ. وتَكَرَّرَتِ التَّنْجِيَةُ عَلى سَبِيلِ التَّوْكِيدِ، ولِقَلَقِ مَن لَوْ لاصَقَتْ مِنّا فَأُعِيدَتِ التَّنْجِيَةُ وهي الأُولى، أوْ تَكُونُ هَذِهِ النَّتِيجَةُ هي مِن عَذابِ الآخِرَةِ ولا عَذابَ أغْلَظُ مِنهُ، فَأُعِيدَتْ لِأجْلِ اخْتِلافِ مُتَعَلِّقَيْها. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): فَما مَعْنى تَكْرِيرِ التَّنْجِيَةِ ؟ (قُلْتُ): ذَكَرَ أوَّلًا أنَّهُ حِينَ أهْلَكَ عَدُوَّهم نَجّاهم، ثُمَّ قالَ: ﴿ونَجَّيْناهم مِن عَذابٍ غَلِيظٍ﴾ عَلى مَعْنى: وكانَتِ التَّنْجِيَةُ مِن عَذابٍ غَلِيظٍ، قالَ: وذَلِكَ أنَّ اللَّهَ عَزَّ وعَلا بَعَثَ عَلَيْهِمُ السَّمُومَ، فَكانَتْ تَدْخُلُ في أُنُوفِهِمْ وتَخْرُجُ مِن أدْبارِهِمْ، وتُقَطِّعُهم عُضْوًا عُضْوًا، انْتَهى.
وهَذا قالَهُ الزَّجّاجُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: وكانَتِ النَّجاةُ المُتَقَدِّمَةُ مِن عَذابٍ غَلِيظٍ يُرِيدُ: الرِّيحَ، فَيَكُونُ المَقْصُودُ عَلى هَذا: تَعْدِيدُ النِّعْمَةِ، والمَشْهُورُ في عَذابِهِمْ بِالرِّيحِ: أنَّها كانَتْ تَحْمِلُهم وتَهْدِمُ مَساكِنَهم وتَنْسِفُها، وتَحْمِلُ الظَّعِينَةَ كَما هي، ونَحْوَ هَذا.
و(تِلْكَ عادٌ): إشارَةٌ إلى قُبُورِهِمْ وآثارِهِمْ كَأنَّهُ قالَ: ﴿فَسِيحُوا في الأرْضِ﴾ [التوبة: ٢]: فانْظُرُوا إلَيْها واعْتَبِرُوا، ثُمَّ اسْتَأْنَفَ الأخْبارَ عَنْهم فَقالَ: ﴿جَحَدُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ﴾ أيْ: أنْكَرُوها. وأضافَ الآياتِ إلى رَبِّهِمْ تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ مالِكُهم ومُرَبِّيهِمْ، فَأنْكَرُوا آياتِهِ، والواجِبُ إقْرارُهم بِها. وأصْلُ جَحَدَ أنْ يَتَعَدّى بِنَفْسِهِ، لَكِنَّهُ أُجْرِيَ مَجْرى كَفَرَ فَعُدِّيَ بِالباءِ، كَما عُدِّيَ كَفَرَ بِنَفْسِهِ في قَوْلِهِ: ﴿ألا إنَّ عادًا كَفَرُوا رَبَّهُمْ﴾، إجْراءً لَهُ مَجْرى جَحَدَ.
وقِيلَ: كَفَرَ كَشَكَرَ يَتَعَدّى تارَةً بِنَفْسِهِ، وتارَةً بِحَرْفِ جَرٍّ.
﴿وعَصَوْا رُسُلَهُ﴾ قِيلَ: عَصَوْا هُودًا والرُّسُلَ الَّذِينَ كانُوا مِن قَبْلِهِ، وقِيلَ: يُنَزَّلُ تَكْذِيبُ الرَّسُولِ الواحِدِ مَنزِلَةَ تَكْذِيبِ الرُّسُلِ، لِأنَّهم كُلَّهم مُجْمِعُونَ عَلى الإيمانِ بِاللَّهِ والإقْرارِ بِرُبُوبِيَّتِهِ كَقَوْلِهِ: ﴿لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أحَدٍ مِن رُسُلِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٥] (واتَّبَعُوا) أيِ: اتَّبَعَ سُقّاطُهم أمْرَ رُؤَسائِهِمْ وكُبَرائِهِمْ، والمَعْنى: أنَّهم أطاعُوهم فِيما أمَرُوهم بِهِ.
قالَ الكَلْبِيُّ: الجَبّارُ: هو الَّذِي يَقْتُلُ عَلى الغَضَبِ، ويُعاقِبُ عَلى المَعْصِيَةِ، وقالَ الزَّجّاجُ: هو الَّذِي يُجْبِرُ النّاسَ عَلى ما يُرِيدُ. وذَكَرَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: أنَّهُ العَظِيمُ في نَفْسِهِ، المُتَكَبِّرُ عَلى العِبادِ.
والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: (واتَّبَعُوا): عامٌّ في جَمِيعِ عادٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لَمّا كانُوا تابِعِينَ لَهُ دُونَ الرُّسُلِ، جُعِلَتِ اللَّعْنَةُ تابِعَةً لَهم في الدّارَيْنِ تَكُبُّهم عَلى وُجُوهِهِمْ في عَذابِ اللَّهِ، انْتَهى.
(p-٢٣٦)فَظاهِرُ كَلامِهِ يَدُلُّ عَلى أنَّ اللَّعْنَةَ مُخْتَصَّةٌ بِالتّابِعِينَ لِلرُّؤَساءِ، ونَبَّهَ عَلى عِلَّةِ اتِّباعِ اللَّعْنَةِ لَهم في الدّارَيْنِ: بِأنَّهم كَفَرُوا رَبَّهم، فالكُفْرُ هو المُوجِبُ لِلَّعْنَةِ. ثُمَّ كَرَّرَ التَّنْبِيهَ بِقَوْلِهِ: ألا في الدُّعاءِ عَلَيْهِمْ تَهْوِيلًا لِأمْرِهِمْ، وتَفْظِيعًا لَهُ، وبَعْثًا عَلى الِاعْتِبارِ بِهِمْ والحَذَرِ مِن مِثْلِ حالِهِمْ.
وفائِدَةُ قَوْلِهِ: قَوْمِ هُودٍ: مَزِيدُ التَّأْكِيدِ لِلْمُبالَغَةِ في التَّنْصِيصِ، أوْ تَعْيِينُ عادٍ هَذِهِ مِن عادِ إرَمَ، لِأنَّ عادًا اثْنانِ ولِذَلِكَ قالَ تَعالى: ﴿وأنَّهُ أهْلَكَ عادًا الأُولى﴾ [النجم: ٥٠]، فَتَحَقَّقَ أنَّ الدُّعاءَ عَلى عادٍ هَذِهِ، ولَمْ تَلْتَبِسْ بِغَيْرِها.
هود 11:54
﴿وإلى عادٍ أخاهم هُودًا قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ إنْ أنْتُمْ إلّا مُفْتَرُونَ﴾ ﴿ياقَوْمِ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى الَّذِي فَطَرَنِي أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ ﴿ويا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكم ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكم مِدْرارًا ويَزِدْكم قُوَّةً إلى قُوَّتِكم ولا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ﴾: ﴿وإلى عادٍ أخاهُمْ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿أرْسَلْنا نُوحًا إلى قَوْمِهِ﴾ [هود: ٢٥]، عَطَفَتِ الواوُ المَجْرُورَ عَلى المَجْرُورِ والمَنصُوبَ عَلى المَنصُوبِ، كَما يُعْطَفُ المَرْفُوعُ والمَنصُوبُ عَلى المَرْفُوعِ والمَنصُوبِ نَحْوَ: ضَرَبَ زَيْدٌ عَمْرًا وبَكْرٌ خالِدًا، ولَيْسَ مِن بابِ الفَصْلِ بِالجارِّ والمَجْرُورِ بَيْنَ حَرْفِ العَطْفِ والمَعْطُوفِ نَحْوَ: ضَرَبْتُ زَيْدًا وفي البَيْتِ عَمْرًا، فَيَجِيءُ مِنهُ الخِلافُ الَّذِي بَيْنَ النَّحْوِيِّينَ: هَلْ يَجُوزُ في الكَلامِ أوْ يَخْتَصُّ بِالشِّعْرِ ؟ وتَقْدِيرُ الكَلامِ: في هُودٍ وعادٍ وإخْوَتِهِ مِنهم في الأعْرافِ، وقِراءَةُ الكِسائِيِّ: (غَيْرِهِ) بِالخَفْضِ، وقِيلَ: ثَمَّ فِعْلٌ مَحْذُوفٌ أيْ: وأرْسَلْنا إلى عادٍ أخاهم، فَيَكُونُ إذْ ذاكَ مِن عَطْفِ الجُمَلِ، والأوَّلُ مِن عَطْفِ المُفْرَداتِ، وهَذا أقْرَبُ لِطُولِ الفَصْلِ بِالجُمَلِ الكَثِيرَةِ بَيْنَ المُتَعاطِفَيْنِ.
(وهُودًا): بَدَلٌ أوْ عَطْفُ بَيانٍ. وقَرَأ مُحَيْصِنٌ (يا قَوْمُ) بِضَمِّ المِيمِ كَقِراءَةِ حَفْصٍ: (قالَ رَبُّ احْكم بِالحَقِّ) بِالضَّمِّ، وهي لُغَةٌ في المُنادى المُضافِ حَكاها سِيبَوَيْهِ وغَيْرُهُ، وافْتِراؤُهم قالَ الحَسَنُ: في جَعْلِهِمُ الأُلُوهِيَّةَ لِغَيْرِ اللَّهِ تَعالى. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: بِاتِّخاذِكُمُ الأوْثانَ لَهُ شُرَكاءَ. والضَّمِيرُ في عَلَيْهِ عائِدٌ عَلى الدُّعاءِ إلى اللَّهِ، ونَبَّهَ بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِي فَطَرَنِي﴾، عَلى الرَّدِّ عَلَيْهِمْ في عِبادَتِهِمُ الأصْنامَ، واعْتِقادِهِمْ أنَّها تَفْعَلُ، وكَوْنِهِ تَعالى هو الفاطِرُ لِلْمَوْجُوداتِ يَسْتَحِقُّ إفْرادَهُ بِالعِبادَةِ.
و﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ تَوْقِيفٌ عَلى اسْتِحالَةِ الأُلُوهِيَّةِ لِغَيْرِ الفاطِرِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ راجِعًا إلى أنَّهُ إذا لَمْ أطْلُبْ عَرَضًا مِنكم، وإنَّما أُرِيدُ نَفْعَكم فَيَجِبُ انْقِيادُكم لِما فِيهِ نَجاتُكم، كَأنَّهُ قِيلَ: ﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ نَصِيحَةَ مَن لا يَطْلُبُ عَلَيْها أجْرًا إلّا مِنَ اللَّهِ تَعالى، وهو ثَوابُ الآخِرَةِ، ولا شَيْءَ أنْفى لِلتُّهْمَةِ مِن ذَلِكَ. وتَقَدَّمَ الكَلامُ في ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكم ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ﴾ [هود: ٣] أوَّلَ هَذِهِ السُّورَةِ.
قَصَدَ هُودٌ اسْتِمالَتَهم إلى الإيمانِ وتَرْغِيبَهم فِيهِ بِكَثْرَةِ (p-٢٣٣)المَطَرِ وزِيادَةِ القُوَّةِ، لِأنَّهم كانُوا أصْحابَ زُورِعٍ وبَساتِينَ وعِماراتٍ حِراصًا عَلَيْها أشَدَّ الحِرْصِ، فَكانُوا أحْوَجَ شَيْءٍ إلى الماءِ، وكانُوا مُدْلِينَ بِما أُوتُوا مِن هَذِهِ القُوَّةِ والبَطْشِ والبَأْسِ مُهَيَّئِينَ في كُلِّ ناحِيَةٍ.
وقِيلَ: أرادَ القُوَّةَ في المالِ، وقِيلَ: في النِّكاحِ. قِيلَ: وحُبِسَ عَنْهُمُ المَطَرُ ثَلاثَ سِنِينَ، وعَقِمَتْ أرْحامُ نِسائِهِمْ. وقَدِ انْتَزَعَ الحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - مِن هَذا ومِن قَوْلِهِ: ﴿ويُمْدِدْكم بِأمْوالٍ وبَنِينَ﴾ [نوح: ١٢]، أنَّ كَثْرَةَ الِاسْتِغْفارِ قَدْ يَجْعَلُهُ اللَّهُ سَبَبًا لِكَثْرَةِ الوَلَدِ، وأجابَ مَن سَألَهُ وأخْبَرَهُ أنَّهُ ذُو مالٍ ولا يُولَدُ لَهُ بِالِاسْتِغْفارِ، فَأكْثَرَ مِن ذَلِكَ فَوُلِدَ لَهُ عَشْرُ بَنِينَ.
ورَوى أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ويَزِدْكم قُوَّةً إلى قُوَّتِكُمْ﴾: أنَّهُ الوَلَدُ ووَلَدُ الوَلَدِ.
وقالَ مُجاهِدٌ وابْنُ زَيْدٍ: في الجِسْمِ والبَأْسِ، وقالَ الضَّحّاكُ: خَصْبًا إلى خَصْبِكم، وقِيلَ: نِعْمَةً إلى نِعْمَتِهِ الأُولى عَلَيْكم، وقِيلَ: قُوَّةً في إيمانِكم إلى قُوَّةٍ في أبْدانِكم.
﴿قالُوا يا هُودُ ما جِئْتَنا بِبَيِّنَةٍ وما نَحْنُ بِتارِكِي آلِهَتِنا عَنْ قَوْلِكَ وما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿إنْ نَقُولُ إلّا اعْتَراكَ بَعْضُ آلِهَتِنا بِسُوءٍ قالَ إنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ واشْهَدُوا أنِّي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ﴾ ﴿مِن دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لا تُنْظِرُونِي﴾ ﴿إنِّي تَوَكَّلْتُ عَلى اللَّهِ رَبِّي ورَبِّكم ما مِن دابَّةٍ إلّا هو آخِذٌ بِناصِيَتِها إنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ﴿فَإنْ تَوَلَّوْا فَقَدْ أبْلَغْتُكم ما أُرْسِلْتُ بِهِ إلَيْكم ويَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكم ولا تَضُرُّونَهُ شَيْئًا إنَّ رَبِّي عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ﴾: بِبَيِّنَةٍ أوْ بِحُجَّةٍ واضِحَةٍ تَدُلُّ عَلى صِدْقِكَ، وقَدْ كَذَّبُوا في ذَلِكَ وبَهَتُوهُ كَما كَذَّبَتْ قُرَيْشٌ في قَوْلِهِمْ: ﴿لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِن رَبِّهِ﴾ [يونس: ٢٠] وقَدْ جاءَهم بِآياتٍ كَثِيرَةٍ، أوْ لِعَمائِهِمْ عَنِ الحَقِّ وعَدَمِ نَظَرِهِمْ في الآياتِ اعْتَقَدُوا ما هو آيَةٌ لَيْسَ بِآيَةٍ فَقالُوا: ما جِئْتَنا بِبَيِّنَةٍ تُلْجِئُنا إلى الإيمانِ، وإلّا فَهُودٌ وغَيْرُهُ مِنَ الأنْبِياءِ لَهم مُعْجِزاتٌ وإنْ لَمْ يُعَيِّنْ لَنا بَعْضَها.
ألا تَرى إلى قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: «ما مِن نَبِيٍّ إلّا وقَدْ أُوتِيَ مِنَ الآياتِ ما مِثْلُهُ آمَنَ عَلَيْهِ البَشَرُ» و(عَنْ) في: ﴿عَنْ قَوْلِكَ﴾ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في ﴿بِتارِكِي آلِهَتِنا﴾، كَأنَّهُ قِيلَ: صادِرِينَ عَنْ قَوْلِكَ، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. وقِيلَ: عَنْ لِلتَّعْلِيلِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إلّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وعَدَها إيّاهُ﴾ [التوبة: ١١٤] فَتَتَعَلَّقُ بِتارِكِي، كَأنَّهُ قِيلَ: لِقَوْلِكَ، وقَدْ أشارَ إلى التَّعْلِيلِ والسَّبَبِ فِيها ابْنُ عَطِيَّةَ، فَقالَ: أيْ: لا يَكُونُ قَوْلُكُ سَبَبًا لَتَرْكِنا، إذْ هو مُجَرَّدٌ عَنْ آيَةٍ، والجُمْلَةُ بَعْدَها تَأْكِيدٌ وتَقْنِيطٌ لَهُ مِن دُخُولِهِمْ في دِينِهِ، ثُمَّ نَسَبُوا ما صَدَرَ مِنهُ مِن دُعائِهِمْ إلى اللَّهِ وإفْرادِهِ بِالأُلُوهِيَّةِ إلى الخَبَلِ والجُنُونِ، وأنَّ ذَلِكَ مِمّا اعْتَراهُ بِهِ بَعْضُ آلِهَتِهِمْ لِكَوْنِهِ سَبَّها وحَرَّضَ عَلى تَرْكِها ودَعا إلى تَرْكِ عِبادَتِها، فَجَعَلَتْهُ يَتَكَلَّمُ مُكافَأةً بِما يَتَكَلَّمُ بِهِ المَجانِينُ، كَما قالَتْ قُرَيْشٌ ﴿مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ﴾ [الدخان: ١٤]، ﴿أمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ﴾ [المؤمنون: ٧٠] و﴿اعْتَراكَ﴾ جُمْلَةٌ مَحْكِيَّةٌ بِـ (نَقُولُ)، فَهي في مَوْضِعِ المَفْعُولِ، ودَلَّتْ عَلى بَلَهٍ شَدِيدٍ وجَهْلٍ مُفْرِطٍ، حَيْثُ اعْتَقَدُوا في حِجارَةٍ أنَّها تَنْتَصِرُ وتَنْتَقِمُ.
وقَوْلُ هُودٍ لَهم في جَوابِ ذَلِكَ: ﴿إنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ﴾ إلى آخِرِهِ، حَيْثُ تَبَرَّأ مِن آلِهَتِهِمْ، وحَرَّضَهم كُلَّهم مَعَ انْفِرادِهِ وحْدَهُ عَلى كَيْدِهِ بِما يَشاءُونَ، وعَدَمُ تَأخُّرِهِ مِن أعْظَمِ الآياتِ عَلى صِدْقِهِ وثِقَتِهِ بِمَوْعُودِ رَبِّهِ مِنَ النَّصْرِ لَهُ، والتَّأْيِيدِ والعِصْمَةِ مِن أنْ يَنالُوهُ بِمَكْرُوهٍ، هَذا وهْمُ حَرِيصُونَ عَلى قَتْلِهِ يَرْمُونَهُ عَنْ قَوْسٍ واحِدَةٍ. ومِثْلُهُ قَوْلُ نُوحٍ لِقَوْمِهِ: ﴿ثُمَّ اقْضُوا إلَيَّ ولا تُنْظِرُونِ﴾ [يونس: ٧١] وأكَّدَ بَراءَتَهُ مِن آلِهَتِهِمْ وشِرْكِهِمْ، ووَثَّقَها بِما جَرَتْ عَلَيْهِ عادَةُ النّاسِ مِن تَوْثِيقِهِمُ الأمْرَ بِشَهادَةِ اللَّهِ وشَهادَةِ العِبادِ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): هَلّا قِيلَ: إنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وأُشْهِدُكم (قُلْتُ): لِأنَّ إشْهادَ اللَّهِ عَلى البَراءَةِ مِنَ الشِّرْكِ إشْهادٌ صَحِيحٌ ثابِتٌ في مَعْنى تَثْبِيتِ التَّوْحِيدِ، وأمّا إشْهادُهم فَما هو إلّا تَهاوُنٌ بِدِينِهِمْ ودِلالَةٌ عَلى قِلَّةِ المُبالاةِ بِهِمْ فَحَسْبُ، فَعُدِلَ بِهِ (p-٢٣٤)عَنْ لَفْظِ الأوَّلِ لِاخْتِلافِ ما بَيْنَهُما، وجِيءَ بِهِ عَلى لَفْظِ الأمْرِ بِالشَّهادَةِ، انْتَهى.
و﴿أنِّي بَرِيءٌ﴾ تَنازَعَ فِيهِ (أُشْهِدُ) و﴿اشْهَدُوا﴾ [آل عمران: ٦٤]، وقَدْ يَتَنازَعُ المُخْتَلِفانِ في التَّعَدِّي الِاسْمَ الَّذِي يَكُونُ صالِحًا لِأنْ يَعْمَلا فِيهِ تَقُولُ: أعْطَيْتُ زَيْدًا ووَهَبْتُ لِعَمْرٍو دِينارًا، كَما يَتَنازَعُ اللّازِمُ والمُتَعَدِّي نَحْوَ: قامَ وضَرَبْتُ زَيْدًا.
و(ما) في (مّا تُشْرِكُونَ) مَوْصُولَةٌ إمّا مَصْدَرِيَّةٌ وإمّا بِمَعْنى الَّذِي، أيْ: بَرِيءٌ مِن إشْراكِكم آلِهَةً مِن دُونِهِ، أوْ مِنَ الَّذِينَ تُشْرِكُونَ، و(جَمِيعًا) حالٌ مِن ضَمِيرِ (كِيدُونِي) الفاعِلِ، والخِطابُ إنَّما هو لِقَوْمِهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أنْتُمْ وآلِهَتُكم، انْتَهى. قِيلَ: ومُجاهَرَةُ هُودٍ عَلَيْهِ السَّلامُ لَهم بِالبَراءَةِ مِن أدْيانِهِمْ، وحَضُّهُ إيّاهم عَلى كَيْدِهِ هم وأصْنامُهم مُعْجِزَةٌ لِهُودٍ، أوْ حَرَّضَ جَماعَتَهم عَلَيْهِ مَعَ انْفِرادِهِ وقُوَّتِهِمْ وكَثْرَتِهِمْ، فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلى نَيْلِهِ بِسُوءٍ، ثُمَّ ذَكَرَ تَوَكُّلَهُ عَلى اللَّهِ مُعْلِمًا أنَّهُ رَبُّهُ ورَبُّهم، ومُنَبِّهًا عَلى أنَّهُ مِن حَيْثُ هو رَبُّكم يَجِبُ عَلَيْكم أنْ لا تَعْبُدُوا إلّا إيّاهُ، ومُفَوِّضًا أمْرَهُ إلَيْهِ تَعالى ثِقَةً بِحِفْظِهِ وانِجازِ مَوْعُودِهِ، ثُمَّ وصَفَ قُدْرَةَ اللَّهِ تَعالى وعَظِيمَ مُلْكِهِ مِن كَوْنِ كُلِّ دابَّةٍ في قَبْضَتِهِ ومِلْكِهِ وتَحْتَ قَهْرِهِ وسُلْطانِهِ، فَأنْتُمْ مِن جُمْلَةِ أُولَئِكَ المَقْهُورِينَ.
وقَوْلُهُ: ﴿آخِذٌ بِناصِيَتِها﴾: تَمْثِيلٌ، إذْ كانَ القادِرُ المالِكُ يَقُودُ المَقْدُورَ عَلَيْهِ بِناصِيَتِهِ كَما يُقادُ الأسِيرُ والفَرَسُ بِناصِيَتِهِ، حَتّى صارَ الأخْذُ بِالنّاصِيَةِ عُرْفًا في القُدْرَةِ عَلى الحَيَوانِ، وكانَتِ العَرَبُ تَجُزُّ: ناصِيَةَ الأسِيرِ المَمْنُونِ عَلَيْهِ عَلامَةَ أنَّهُ قَدْ قُدِرَ عَلَيْهِ وقُبِضَ عَلى ناصِيَتِهِ. قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: وخَصَّ النّاصِيَةَ لِأنَّ العَرَبَ إذا وصَفَتْ إنْسانًا بِالذِّلَّةِ والخُضُوعِ قالَتْ: ما ناصِيَةُ فُلانٍ إلّا بِيَدِ فُلانٍ، أيْ: أنَّهُ مُطِيعٌ لَهُ يُصَرِّفُهُ كَيْفَ يَشاءُ، ثُمَّ أخْبَرَ أنَّ أفْعالَهُ تَعالى في غايَةِ الإحْكامِ، وعَلى طَرِيقِ الحَقِّ والعَدْلِ في مُلْكِهِ، لا يَفُوتُهُ ظالِمٌ ولا يَضِيعُ عِنْدَهُ مَن تَوَكَّلَ عَلَيْهِ، قَوْلُهُ الصِّدْقُ ووَعْدُهُ الحَقُّ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿فَإنْ تَوَلَّوْا﴾، أيْ: تَتَوَلَّوْا مُضارِعُ تَوَلّى. وقَرَأ الأعْرَجُ و عِيسى الثَّقَفِيُّ: تُوَلُّوا بِضَمِّ التّاءِ واللّامِ مُضارِعُ ولّى، وقِيلَ: تَوَلَّوْا ماضٍ ويَحْتاجُ في الجَوابِ إلى إضْمارِ قَوْلٍ، أيْ: فَقُلْ لَهم فَقَدْ أبْلَغْتُكم، ولا حاجَةَ تَدْعُو إلى جَعْلِهِ ماضِيًا وإضْمارِ القَوْلِ.
وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ (تَوَلَّوْا) فِعْلًا ماضِيًا، ويَكُونُ في الكَلامِ رُجُوعٌ مِن غَيْبَةٍ إلى خِطابٍ، أيْ: فَقَدْ أبْلَغْتُكم، انْتَهى. فَلا يَحْتاجُ إلى إضْمارٍ، والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في تَوَلَّوْا عائِدٌ عَلى قَوْمِ هُودٍ، وخِطابٌ لَهم مِن تَمامِ الجَمَلِ المَقُولَةِ قَبْلُ. وقالَ التَّبْرِيزِيُّ: هو عائِدٌ عَلى كَفّارِ قُرَيْشٍ، وهو مِن تَلْوِينِ الخِطابِ، انْتَقَلَ مِن خِطابِ قَوْمِ هُودٍ إلى الإخْبارِ عَمَّنْ بِحَضْرَةِ الرَّسُولِ ﷺ وكَأنَّهُ قِيلَ: أخْبِرْهم عَنْ قِصَّةِ قَوْمِ هُودٍ، وادْعُهم إلى الإيمانِ بِاللَّهِ لِئَلّا يُصِيبَهم كَما أصابَ قَوْمَ هُودٍ، فَإنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ لَهم: قَدْ أبْلَغْتُكم.
وجَوابُ الشَّرْطِ هو قَوْلُهُ: ﴿فَقَدْ أبْلَغْتُكُمْ﴾، وصَحَّ أنْ يَكُونَ جَوابًا، لِأنَّ في إبْلاغِهِ إلَيْهِمْ رِسالَتَهُ تَضَمُّنُ ما يَحُلُّ بِهِمْ مِنَ العَذابِ المُسْتَأْصِلِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: فَإنْ تَتَوَلَّوُا اسْتُؤْصِلْتُمْ بِالعَذابِ. ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ الجُمْلَةُ الخَبَرِيَّةُ وهي قَوْلُهُ: ﴿ويَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾ .
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): الإبْلاغُ كانَ قَبْلَ التَّوَلِّي، فَكَيْفَ وقَعَ جَزاءً لِلشَّرْطِ ؟ (قُلْتُ): مَعْناهُ: فَإنْ تَوَلَّوْا لَمْ أُعاقِبْ عَلى تَفْرِيطٍ في الإبْلاغِ، فَإنَّ ما أُرْسِلْتُ بِهِ إلَيْكم قَدْ بَلَغَكم فَأبَيْتُمْ إلّا تَكْذِيبَ الرِّسالَةِ وعَداوَةَ الرَّسُولِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: المَعْنى أنَّهُ ما عَلَيَّ كَبِيرُ هَمٍّ مِنكم إنْ تَوَلَّيْتُمْ فَقَدْ بَرِئَتْ ساحَتِي بِالتَّبْلِيغِ، وأنْتُمْ أصْحابُ الذَّنْبِ في الإعْراضِ عَنِ الإيمانِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (ويَسْتَخْلِفُ) بِضَمِّ الفاءِ عَلى مَعْنى الخَبَرِ المُسْتَأْنَفِ، أيْ: يُهْلِكُكم ويَجِيءُ بِقَوْمٍ آخَرِينَ يَخْلُفُونَكم في دِيارِكم وأمْوالِكم. وقَرَأ حَفْصٌ في رِوايَةِ هُبَيْرَةَ: بِجَزْمِها عَطْفًا عَلى مَوْضِعِ الجَزاءِ، وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ كَذَلِكَ وبِجَزْمِ ﴿ولا تَضُرُّوهُ﴾ [التوبة: ٣٩]، وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ولا تَضُرُّونَهُ﴾، أيْ: شَيْئًا مِنَ الضَّرَرِ بِتَوْلِيَتِكم، لِأنَّهُ تَعالى لا تَجُوزُ عَلَيْهِ المَضارُّ والمَنافِعُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: يُحْتَمَلُ مِنَ المَعْنى وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: ولا تَضُرُّونَهُ بِذَهابِكم وهَلاكِكم شَيْئًا، أيْ: لا يَنْقُصُ مُلْكُهُ ولا يَخْتَلُّ أمْرُهُ، وعَلى هَذا (p-٢٣٥)المَعْنى قَرَأ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ ولا تَنْقُصُونَهُ شَيْئًا. والمَعْنى الآخَرُ: ولا تَضُرُّونَهُ، أيْ: ولا تَقْدِرُونَ إذا أهْلَكَكم عَلى إضْرارِهِ بِشَيْءٍ، ولا عَلى انْتِصارٍ مِنهُ، ولا تُقابِلُونَ فِعْلَهُ بِشَيْءٍ يَضُرُّهُ، انْتَهى.
وهَذا فِعْلٌ مَنفِيٌّ ومَدْلُولُهُ نَكِرَةٌ، فَيَنْتَفِي جَمِيعُ وُجُوهِ الضَّرَرِ، ولا يَتَعَيَّنُ واحِدٌ مِنها. ومَعْنى (حَفِيظٌ): رَقِيبٌ مُحِيطٌ بِالأشْياءِ عِلْمًا لا يَخْفى عَلَيْهِ أعْمالُكم، ولا يَغْفُلُ عَنْ مُؤاخَذَتِكم، وهو يَحْفَظُنِي مِمّا تَكِيدُونَنِي بِهِ.
﴿ولَمّا جاءَ أمْرُنا نَجَّيْنا هُودًا والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنّا ونَجَّيْناهم مِن عَذابٍ غَلِيظٍ﴾ ﴿وتِلْكَ عادٌ جَحَدُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وعَصَوْا رُسُلَهُ واتَّبَعُوا أمْرَ كُلِّ جَبّارٍ عَنِيدٍ﴾ ﴿وأُتْبِعُوا في هَذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً ويَوْمَ القِيامَةِ ألا إنَّ عادًا كَفَرُوا رَبَّهم ألا بُعْدًا لِعادٍ قَوْمِ هُودٍ﴾: الأمْرُ: واحِدُ الأُمُورِ، فَيَكُونُ كِنايَةً عَنِ العَذابِ، أوْ عَنِ القَضاءِ بِهَلاكِهِمْ. أوْ مَصْدَرُ أمَرَ، أيْ: أمْرُنا لِلرِّيحِ أوْ لِخَزَنَتِها.
﴿والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾: قِيلَ: كانُوا أرْبَعَةَ آلافٍ، قِيلَ: ثَلاثَةُ آلافٍ.
والظّاهِرُ تَعَلُّقٌ بِرَحْمَةٍ مِنّا بِقَوْلِهِ: (نَجَّيْنا) أيْ: نَجَّيْناهم بِمُجَرَّدِ رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لَحِقَتْهم، لا بِأعْمالِهِمُ الصّالِحَةِ. أوْ كَنّى بِالرَّحْمَةِ عَنْ أعْمالِهِمُ الصّالِحَةِ، إذْ تَوْفِيقُهم لَها إنَّما هو بِسَبَبِ رَحْمَتِهِ تَعالى إيّاهم. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِآمَنُوا، أيْ: إنَّ إيمانَهم بِاللَّهِ وبِتَصْدِيقِ رَسُولِهِ إنَّما هو بِرَحْمَةِ اللَّهِ تَعالى إيّاهم، إذْ وفَّقَهم لِذَلِكَ. وتَكَرَّرَتِ التَّنْجِيَةُ عَلى سَبِيلِ التَّوْكِيدِ، ولِقَلَقِ مَن لَوْ لاصَقَتْ مِنّا فَأُعِيدَتِ التَّنْجِيَةُ وهي الأُولى، أوْ تَكُونُ هَذِهِ النَّتِيجَةُ هي مِن عَذابِ الآخِرَةِ ولا عَذابَ أغْلَظُ مِنهُ، فَأُعِيدَتْ لِأجْلِ اخْتِلافِ مُتَعَلِّقَيْها. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): فَما مَعْنى تَكْرِيرِ التَّنْجِيَةِ ؟ (قُلْتُ): ذَكَرَ أوَّلًا أنَّهُ حِينَ أهْلَكَ عَدُوَّهم نَجّاهم، ثُمَّ قالَ: ﴿ونَجَّيْناهم مِن عَذابٍ غَلِيظٍ﴾ عَلى مَعْنى: وكانَتِ التَّنْجِيَةُ مِن عَذابٍ غَلِيظٍ، قالَ: وذَلِكَ أنَّ اللَّهَ عَزَّ وعَلا بَعَثَ عَلَيْهِمُ السَّمُومَ، فَكانَتْ تَدْخُلُ في أُنُوفِهِمْ وتَخْرُجُ مِن أدْبارِهِمْ، وتُقَطِّعُهم عُضْوًا عُضْوًا، انْتَهى.
وهَذا قالَهُ الزَّجّاجُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: وكانَتِ النَّجاةُ المُتَقَدِّمَةُ مِن عَذابٍ غَلِيظٍ يُرِيدُ: الرِّيحَ، فَيَكُونُ المَقْصُودُ عَلى هَذا: تَعْدِيدُ النِّعْمَةِ، والمَشْهُورُ في عَذابِهِمْ بِالرِّيحِ: أنَّها كانَتْ تَحْمِلُهم وتَهْدِمُ مَساكِنَهم وتَنْسِفُها، وتَحْمِلُ الظَّعِينَةَ كَما هي، ونَحْوَ هَذا.
و(تِلْكَ عادٌ): إشارَةٌ إلى قُبُورِهِمْ وآثارِهِمْ كَأنَّهُ قالَ: ﴿فَسِيحُوا في الأرْضِ﴾ [التوبة: ٢]: فانْظُرُوا إلَيْها واعْتَبِرُوا، ثُمَّ اسْتَأْنَفَ الأخْبارَ عَنْهم فَقالَ: ﴿جَحَدُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ﴾ أيْ: أنْكَرُوها. وأضافَ الآياتِ إلى رَبِّهِمْ تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ مالِكُهم ومُرَبِّيهِمْ، فَأنْكَرُوا آياتِهِ، والواجِبُ إقْرارُهم بِها. وأصْلُ جَحَدَ أنْ يَتَعَدّى بِنَفْسِهِ، لَكِنَّهُ أُجْرِيَ مَجْرى كَفَرَ فَعُدِّيَ بِالباءِ، كَما عُدِّيَ كَفَرَ بِنَفْسِهِ في قَوْلِهِ: ﴿ألا إنَّ عادًا كَفَرُوا رَبَّهُمْ﴾، إجْراءً لَهُ مَجْرى جَحَدَ.
وقِيلَ: كَفَرَ كَشَكَرَ يَتَعَدّى تارَةً بِنَفْسِهِ، وتارَةً بِحَرْفِ جَرٍّ.
﴿وعَصَوْا رُسُلَهُ﴾ قِيلَ: عَصَوْا هُودًا والرُّسُلَ الَّذِينَ كانُوا مِن قَبْلِهِ، وقِيلَ: يُنَزَّلُ تَكْذِيبُ الرَّسُولِ الواحِدِ مَنزِلَةَ تَكْذِيبِ الرُّسُلِ، لِأنَّهم كُلَّهم مُجْمِعُونَ عَلى الإيمانِ بِاللَّهِ والإقْرارِ بِرُبُوبِيَّتِهِ كَقَوْلِهِ: ﴿لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أحَدٍ مِن رُسُلِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٥] (واتَّبَعُوا) أيِ: اتَّبَعَ سُقّاطُهم أمْرَ رُؤَسائِهِمْ وكُبَرائِهِمْ، والمَعْنى: أنَّهم أطاعُوهم فِيما أمَرُوهم بِهِ.
قالَ الكَلْبِيُّ: الجَبّارُ: هو الَّذِي يَقْتُلُ عَلى الغَضَبِ، ويُعاقِبُ عَلى المَعْصِيَةِ، وقالَ الزَّجّاجُ: هو الَّذِي يُجْبِرُ النّاسَ عَلى ما يُرِيدُ. وذَكَرَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: أنَّهُ العَظِيمُ في نَفْسِهِ، المُتَكَبِّرُ عَلى العِبادِ.
والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: (واتَّبَعُوا): عامٌّ في جَمِيعِ عادٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لَمّا كانُوا تابِعِينَ لَهُ دُونَ الرُّسُلِ، جُعِلَتِ اللَّعْنَةُ تابِعَةً لَهم في الدّارَيْنِ تَكُبُّهم عَلى وُجُوهِهِمْ في عَذابِ اللَّهِ، انْتَهى.
(p-٢٣٦)فَظاهِرُ كَلامِهِ يَدُلُّ عَلى أنَّ اللَّعْنَةَ مُخْتَصَّةٌ بِالتّابِعِينَ لِلرُّؤَساءِ، ونَبَّهَ عَلى عِلَّةِ اتِّباعِ اللَّعْنَةِ لَهم في الدّارَيْنِ: بِأنَّهم كَفَرُوا رَبَّهم، فالكُفْرُ هو المُوجِبُ لِلَّعْنَةِ. ثُمَّ كَرَّرَ التَّنْبِيهَ بِقَوْلِهِ: ألا في الدُّعاءِ عَلَيْهِمْ تَهْوِيلًا لِأمْرِهِمْ، وتَفْظِيعًا لَهُ، وبَعْثًا عَلى الِاعْتِبارِ بِهِمْ والحَذَرِ مِن مِثْلِ حالِهِمْ.
وفائِدَةُ قَوْلِهِ: قَوْمِ هُودٍ: مَزِيدُ التَّأْكِيدِ لِلْمُبالَغَةِ في التَّنْصِيصِ، أوْ تَعْيِينُ عادٍ هَذِهِ مِن عادِ إرَمَ، لِأنَّ عادًا اثْنانِ ولِذَلِكَ قالَ تَعالى: ﴿وأنَّهُ أهْلَكَ عادًا الأُولى﴾ [النجم: ٥٠]، فَتَحَقَّقَ أنَّ الدُّعاءَ عَلى عادٍ هَذِهِ، ولَمْ تَلْتَبِسْ بِغَيْرِها.
هود 11:55
﴿وإلى عادٍ أخاهم هُودًا قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ إنْ أنْتُمْ إلّا مُفْتَرُونَ﴾ ﴿ياقَوْمِ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى الَّذِي فَطَرَنِي أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ ﴿ويا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكم ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكم مِدْرارًا ويَزِدْكم قُوَّةً إلى قُوَّتِكم ولا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ﴾: ﴿وإلى عادٍ أخاهُمْ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿أرْسَلْنا نُوحًا إلى قَوْمِهِ﴾ [هود: ٢٥]، عَطَفَتِ الواوُ المَجْرُورَ عَلى المَجْرُورِ والمَنصُوبَ عَلى المَنصُوبِ، كَما يُعْطَفُ المَرْفُوعُ والمَنصُوبُ عَلى المَرْفُوعِ والمَنصُوبِ نَحْوَ: ضَرَبَ زَيْدٌ عَمْرًا وبَكْرٌ خالِدًا، ولَيْسَ مِن بابِ الفَصْلِ بِالجارِّ والمَجْرُورِ بَيْنَ حَرْفِ العَطْفِ والمَعْطُوفِ نَحْوَ: ضَرَبْتُ زَيْدًا وفي البَيْتِ عَمْرًا، فَيَجِيءُ مِنهُ الخِلافُ الَّذِي بَيْنَ النَّحْوِيِّينَ: هَلْ يَجُوزُ في الكَلامِ أوْ يَخْتَصُّ بِالشِّعْرِ ؟ وتَقْدِيرُ الكَلامِ: في هُودٍ وعادٍ وإخْوَتِهِ مِنهم في الأعْرافِ، وقِراءَةُ الكِسائِيِّ: (غَيْرِهِ) بِالخَفْضِ، وقِيلَ: ثَمَّ فِعْلٌ مَحْذُوفٌ أيْ: وأرْسَلْنا إلى عادٍ أخاهم، فَيَكُونُ إذْ ذاكَ مِن عَطْفِ الجُمَلِ، والأوَّلُ مِن عَطْفِ المُفْرَداتِ، وهَذا أقْرَبُ لِطُولِ الفَصْلِ بِالجُمَلِ الكَثِيرَةِ بَيْنَ المُتَعاطِفَيْنِ.
(وهُودًا): بَدَلٌ أوْ عَطْفُ بَيانٍ. وقَرَأ مُحَيْصِنٌ (يا قَوْمُ) بِضَمِّ المِيمِ كَقِراءَةِ حَفْصٍ: (قالَ رَبُّ احْكم بِالحَقِّ) بِالضَّمِّ، وهي لُغَةٌ في المُنادى المُضافِ حَكاها سِيبَوَيْهِ وغَيْرُهُ، وافْتِراؤُهم قالَ الحَسَنُ: في جَعْلِهِمُ الأُلُوهِيَّةَ لِغَيْرِ اللَّهِ تَعالى. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: بِاتِّخاذِكُمُ الأوْثانَ لَهُ شُرَكاءَ. والضَّمِيرُ في عَلَيْهِ عائِدٌ عَلى الدُّعاءِ إلى اللَّهِ، ونَبَّهَ بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِي فَطَرَنِي﴾، عَلى الرَّدِّ عَلَيْهِمْ في عِبادَتِهِمُ الأصْنامَ، واعْتِقادِهِمْ أنَّها تَفْعَلُ، وكَوْنِهِ تَعالى هو الفاطِرُ لِلْمَوْجُوداتِ يَسْتَحِقُّ إفْرادَهُ بِالعِبادَةِ.
و﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ تَوْقِيفٌ عَلى اسْتِحالَةِ الأُلُوهِيَّةِ لِغَيْرِ الفاطِرِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ راجِعًا إلى أنَّهُ إذا لَمْ أطْلُبْ عَرَضًا مِنكم، وإنَّما أُرِيدُ نَفْعَكم فَيَجِبُ انْقِيادُكم لِما فِيهِ نَجاتُكم، كَأنَّهُ قِيلَ: ﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ نَصِيحَةَ مَن لا يَطْلُبُ عَلَيْها أجْرًا إلّا مِنَ اللَّهِ تَعالى، وهو ثَوابُ الآخِرَةِ، ولا شَيْءَ أنْفى لِلتُّهْمَةِ مِن ذَلِكَ. وتَقَدَّمَ الكَلامُ في ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكم ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ﴾ [هود: ٣] أوَّلَ هَذِهِ السُّورَةِ.
قَصَدَ هُودٌ اسْتِمالَتَهم إلى الإيمانِ وتَرْغِيبَهم فِيهِ بِكَثْرَةِ (p-٢٣٣)المَطَرِ وزِيادَةِ القُوَّةِ، لِأنَّهم كانُوا أصْحابَ زُورِعٍ وبَساتِينَ وعِماراتٍ حِراصًا عَلَيْها أشَدَّ الحِرْصِ، فَكانُوا أحْوَجَ شَيْءٍ إلى الماءِ، وكانُوا مُدْلِينَ بِما أُوتُوا مِن هَذِهِ القُوَّةِ والبَطْشِ والبَأْسِ مُهَيَّئِينَ في كُلِّ ناحِيَةٍ.
وقِيلَ: أرادَ القُوَّةَ في المالِ، وقِيلَ: في النِّكاحِ. قِيلَ: وحُبِسَ عَنْهُمُ المَطَرُ ثَلاثَ سِنِينَ، وعَقِمَتْ أرْحامُ نِسائِهِمْ. وقَدِ انْتَزَعَ الحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - مِن هَذا ومِن قَوْلِهِ: ﴿ويُمْدِدْكم بِأمْوالٍ وبَنِينَ﴾ [نوح: ١٢]، أنَّ كَثْرَةَ الِاسْتِغْفارِ قَدْ يَجْعَلُهُ اللَّهُ سَبَبًا لِكَثْرَةِ الوَلَدِ، وأجابَ مَن سَألَهُ وأخْبَرَهُ أنَّهُ ذُو مالٍ ولا يُولَدُ لَهُ بِالِاسْتِغْفارِ، فَأكْثَرَ مِن ذَلِكَ فَوُلِدَ لَهُ عَشْرُ بَنِينَ.
ورَوى أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ويَزِدْكم قُوَّةً إلى قُوَّتِكُمْ﴾: أنَّهُ الوَلَدُ ووَلَدُ الوَلَدِ.
وقالَ مُجاهِدٌ وابْنُ زَيْدٍ: في الجِسْمِ والبَأْسِ، وقالَ الضَّحّاكُ: خَصْبًا إلى خَصْبِكم، وقِيلَ: نِعْمَةً إلى نِعْمَتِهِ الأُولى عَلَيْكم، وقِيلَ: قُوَّةً في إيمانِكم إلى قُوَّةٍ في أبْدانِكم.
﴿قالُوا يا هُودُ ما جِئْتَنا بِبَيِّنَةٍ وما نَحْنُ بِتارِكِي آلِهَتِنا عَنْ قَوْلِكَ وما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿إنْ نَقُولُ إلّا اعْتَراكَ بَعْضُ آلِهَتِنا بِسُوءٍ قالَ إنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ واشْهَدُوا أنِّي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ﴾ ﴿مِن دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لا تُنْظِرُونِي﴾ ﴿إنِّي تَوَكَّلْتُ عَلى اللَّهِ رَبِّي ورَبِّكم ما مِن دابَّةٍ إلّا هو آخِذٌ بِناصِيَتِها إنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ﴿فَإنْ تَوَلَّوْا فَقَدْ أبْلَغْتُكم ما أُرْسِلْتُ بِهِ إلَيْكم ويَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكم ولا تَضُرُّونَهُ شَيْئًا إنَّ رَبِّي عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ﴾: بِبَيِّنَةٍ أوْ بِحُجَّةٍ واضِحَةٍ تَدُلُّ عَلى صِدْقِكَ، وقَدْ كَذَّبُوا في ذَلِكَ وبَهَتُوهُ كَما كَذَّبَتْ قُرَيْشٌ في قَوْلِهِمْ: ﴿لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِن رَبِّهِ﴾ [يونس: ٢٠] وقَدْ جاءَهم بِآياتٍ كَثِيرَةٍ، أوْ لِعَمائِهِمْ عَنِ الحَقِّ وعَدَمِ نَظَرِهِمْ في الآياتِ اعْتَقَدُوا ما هو آيَةٌ لَيْسَ بِآيَةٍ فَقالُوا: ما جِئْتَنا بِبَيِّنَةٍ تُلْجِئُنا إلى الإيمانِ، وإلّا فَهُودٌ وغَيْرُهُ مِنَ الأنْبِياءِ لَهم مُعْجِزاتٌ وإنْ لَمْ يُعَيِّنْ لَنا بَعْضَها.
ألا تَرى إلى قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: «ما مِن نَبِيٍّ إلّا وقَدْ أُوتِيَ مِنَ الآياتِ ما مِثْلُهُ آمَنَ عَلَيْهِ البَشَرُ» و(عَنْ) في: ﴿عَنْ قَوْلِكَ﴾ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في ﴿بِتارِكِي آلِهَتِنا﴾، كَأنَّهُ قِيلَ: صادِرِينَ عَنْ قَوْلِكَ، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. وقِيلَ: عَنْ لِلتَّعْلِيلِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إلّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وعَدَها إيّاهُ﴾ [التوبة: ١١٤] فَتَتَعَلَّقُ بِتارِكِي، كَأنَّهُ قِيلَ: لِقَوْلِكَ، وقَدْ أشارَ إلى التَّعْلِيلِ والسَّبَبِ فِيها ابْنُ عَطِيَّةَ، فَقالَ: أيْ: لا يَكُونُ قَوْلُكُ سَبَبًا لَتَرْكِنا، إذْ هو مُجَرَّدٌ عَنْ آيَةٍ، والجُمْلَةُ بَعْدَها تَأْكِيدٌ وتَقْنِيطٌ لَهُ مِن دُخُولِهِمْ في دِينِهِ، ثُمَّ نَسَبُوا ما صَدَرَ مِنهُ مِن دُعائِهِمْ إلى اللَّهِ وإفْرادِهِ بِالأُلُوهِيَّةِ إلى الخَبَلِ والجُنُونِ، وأنَّ ذَلِكَ مِمّا اعْتَراهُ بِهِ بَعْضُ آلِهَتِهِمْ لِكَوْنِهِ سَبَّها وحَرَّضَ عَلى تَرْكِها ودَعا إلى تَرْكِ عِبادَتِها، فَجَعَلَتْهُ يَتَكَلَّمُ مُكافَأةً بِما يَتَكَلَّمُ بِهِ المَجانِينُ، كَما قالَتْ قُرَيْشٌ ﴿مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ﴾ [الدخان: ١٤]، ﴿أمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ﴾ [المؤمنون: ٧٠] و﴿اعْتَراكَ﴾ جُمْلَةٌ مَحْكِيَّةٌ بِـ (نَقُولُ)، فَهي في مَوْضِعِ المَفْعُولِ، ودَلَّتْ عَلى بَلَهٍ شَدِيدٍ وجَهْلٍ مُفْرِطٍ، حَيْثُ اعْتَقَدُوا في حِجارَةٍ أنَّها تَنْتَصِرُ وتَنْتَقِمُ.
وقَوْلُ هُودٍ لَهم في جَوابِ ذَلِكَ: ﴿إنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ﴾ إلى آخِرِهِ، حَيْثُ تَبَرَّأ مِن آلِهَتِهِمْ، وحَرَّضَهم كُلَّهم مَعَ انْفِرادِهِ وحْدَهُ عَلى كَيْدِهِ بِما يَشاءُونَ، وعَدَمُ تَأخُّرِهِ مِن أعْظَمِ الآياتِ عَلى صِدْقِهِ وثِقَتِهِ بِمَوْعُودِ رَبِّهِ مِنَ النَّصْرِ لَهُ، والتَّأْيِيدِ والعِصْمَةِ مِن أنْ يَنالُوهُ بِمَكْرُوهٍ، هَذا وهْمُ حَرِيصُونَ عَلى قَتْلِهِ يَرْمُونَهُ عَنْ قَوْسٍ واحِدَةٍ. ومِثْلُهُ قَوْلُ نُوحٍ لِقَوْمِهِ: ﴿ثُمَّ اقْضُوا إلَيَّ ولا تُنْظِرُونِ﴾ [يونس: ٧١] وأكَّدَ بَراءَتَهُ مِن آلِهَتِهِمْ وشِرْكِهِمْ، ووَثَّقَها بِما جَرَتْ عَلَيْهِ عادَةُ النّاسِ مِن تَوْثِيقِهِمُ الأمْرَ بِشَهادَةِ اللَّهِ وشَهادَةِ العِبادِ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): هَلّا قِيلَ: إنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وأُشْهِدُكم (قُلْتُ): لِأنَّ إشْهادَ اللَّهِ عَلى البَراءَةِ مِنَ الشِّرْكِ إشْهادٌ صَحِيحٌ ثابِتٌ في مَعْنى تَثْبِيتِ التَّوْحِيدِ، وأمّا إشْهادُهم فَما هو إلّا تَهاوُنٌ بِدِينِهِمْ ودِلالَةٌ عَلى قِلَّةِ المُبالاةِ بِهِمْ فَحَسْبُ، فَعُدِلَ بِهِ (p-٢٣٤)عَنْ لَفْظِ الأوَّلِ لِاخْتِلافِ ما بَيْنَهُما، وجِيءَ بِهِ عَلى لَفْظِ الأمْرِ بِالشَّهادَةِ، انْتَهى.
و﴿أنِّي بَرِيءٌ﴾ تَنازَعَ فِيهِ (أُشْهِدُ) و﴿اشْهَدُوا﴾ [آل عمران: ٦٤]، وقَدْ يَتَنازَعُ المُخْتَلِفانِ في التَّعَدِّي الِاسْمَ الَّذِي يَكُونُ صالِحًا لِأنْ يَعْمَلا فِيهِ تَقُولُ: أعْطَيْتُ زَيْدًا ووَهَبْتُ لِعَمْرٍو دِينارًا، كَما يَتَنازَعُ اللّازِمُ والمُتَعَدِّي نَحْوَ: قامَ وضَرَبْتُ زَيْدًا.
و(ما) في (مّا تُشْرِكُونَ) مَوْصُولَةٌ إمّا مَصْدَرِيَّةٌ وإمّا بِمَعْنى الَّذِي، أيْ: بَرِيءٌ مِن إشْراكِكم آلِهَةً مِن دُونِهِ، أوْ مِنَ الَّذِينَ تُشْرِكُونَ، و(جَمِيعًا) حالٌ مِن ضَمِيرِ (كِيدُونِي) الفاعِلِ، والخِطابُ إنَّما هو لِقَوْمِهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أنْتُمْ وآلِهَتُكم، انْتَهى. قِيلَ: ومُجاهَرَةُ هُودٍ عَلَيْهِ السَّلامُ لَهم بِالبَراءَةِ مِن أدْيانِهِمْ، وحَضُّهُ إيّاهم عَلى كَيْدِهِ هم وأصْنامُهم مُعْجِزَةٌ لِهُودٍ، أوْ حَرَّضَ جَماعَتَهم عَلَيْهِ مَعَ انْفِرادِهِ وقُوَّتِهِمْ وكَثْرَتِهِمْ، فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلى نَيْلِهِ بِسُوءٍ، ثُمَّ ذَكَرَ تَوَكُّلَهُ عَلى اللَّهِ مُعْلِمًا أنَّهُ رَبُّهُ ورَبُّهم، ومُنَبِّهًا عَلى أنَّهُ مِن حَيْثُ هو رَبُّكم يَجِبُ عَلَيْكم أنْ لا تَعْبُدُوا إلّا إيّاهُ، ومُفَوِّضًا أمْرَهُ إلَيْهِ تَعالى ثِقَةً بِحِفْظِهِ وانِجازِ مَوْعُودِهِ، ثُمَّ وصَفَ قُدْرَةَ اللَّهِ تَعالى وعَظِيمَ مُلْكِهِ مِن كَوْنِ كُلِّ دابَّةٍ في قَبْضَتِهِ ومِلْكِهِ وتَحْتَ قَهْرِهِ وسُلْطانِهِ، فَأنْتُمْ مِن جُمْلَةِ أُولَئِكَ المَقْهُورِينَ.
وقَوْلُهُ: ﴿آخِذٌ بِناصِيَتِها﴾: تَمْثِيلٌ، إذْ كانَ القادِرُ المالِكُ يَقُودُ المَقْدُورَ عَلَيْهِ بِناصِيَتِهِ كَما يُقادُ الأسِيرُ والفَرَسُ بِناصِيَتِهِ، حَتّى صارَ الأخْذُ بِالنّاصِيَةِ عُرْفًا في القُدْرَةِ عَلى الحَيَوانِ، وكانَتِ العَرَبُ تَجُزُّ: ناصِيَةَ الأسِيرِ المَمْنُونِ عَلَيْهِ عَلامَةَ أنَّهُ قَدْ قُدِرَ عَلَيْهِ وقُبِضَ عَلى ناصِيَتِهِ. قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: وخَصَّ النّاصِيَةَ لِأنَّ العَرَبَ إذا وصَفَتْ إنْسانًا بِالذِّلَّةِ والخُضُوعِ قالَتْ: ما ناصِيَةُ فُلانٍ إلّا بِيَدِ فُلانٍ، أيْ: أنَّهُ مُطِيعٌ لَهُ يُصَرِّفُهُ كَيْفَ يَشاءُ، ثُمَّ أخْبَرَ أنَّ أفْعالَهُ تَعالى في غايَةِ الإحْكامِ، وعَلى طَرِيقِ الحَقِّ والعَدْلِ في مُلْكِهِ، لا يَفُوتُهُ ظالِمٌ ولا يَضِيعُ عِنْدَهُ مَن تَوَكَّلَ عَلَيْهِ، قَوْلُهُ الصِّدْقُ ووَعْدُهُ الحَقُّ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿فَإنْ تَوَلَّوْا﴾، أيْ: تَتَوَلَّوْا مُضارِعُ تَوَلّى. وقَرَأ الأعْرَجُ و عِيسى الثَّقَفِيُّ: تُوَلُّوا بِضَمِّ التّاءِ واللّامِ مُضارِعُ ولّى، وقِيلَ: تَوَلَّوْا ماضٍ ويَحْتاجُ في الجَوابِ إلى إضْمارِ قَوْلٍ، أيْ: فَقُلْ لَهم فَقَدْ أبْلَغْتُكم، ولا حاجَةَ تَدْعُو إلى جَعْلِهِ ماضِيًا وإضْمارِ القَوْلِ.
وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ (تَوَلَّوْا) فِعْلًا ماضِيًا، ويَكُونُ في الكَلامِ رُجُوعٌ مِن غَيْبَةٍ إلى خِطابٍ، أيْ: فَقَدْ أبْلَغْتُكم، انْتَهى. فَلا يَحْتاجُ إلى إضْمارٍ، والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في تَوَلَّوْا عائِدٌ عَلى قَوْمِ هُودٍ، وخِطابٌ لَهم مِن تَمامِ الجَمَلِ المَقُولَةِ قَبْلُ. وقالَ التَّبْرِيزِيُّ: هو عائِدٌ عَلى كَفّارِ قُرَيْشٍ، وهو مِن تَلْوِينِ الخِطابِ، انْتَقَلَ مِن خِطابِ قَوْمِ هُودٍ إلى الإخْبارِ عَمَّنْ بِحَضْرَةِ الرَّسُولِ ﷺ وكَأنَّهُ قِيلَ: أخْبِرْهم عَنْ قِصَّةِ قَوْمِ هُودٍ، وادْعُهم إلى الإيمانِ بِاللَّهِ لِئَلّا يُصِيبَهم كَما أصابَ قَوْمَ هُودٍ، فَإنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ لَهم: قَدْ أبْلَغْتُكم.
وجَوابُ الشَّرْطِ هو قَوْلُهُ: ﴿فَقَدْ أبْلَغْتُكُمْ﴾، وصَحَّ أنْ يَكُونَ جَوابًا، لِأنَّ في إبْلاغِهِ إلَيْهِمْ رِسالَتَهُ تَضَمُّنُ ما يَحُلُّ بِهِمْ مِنَ العَذابِ المُسْتَأْصِلِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: فَإنْ تَتَوَلَّوُا اسْتُؤْصِلْتُمْ بِالعَذابِ. ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ الجُمْلَةُ الخَبَرِيَّةُ وهي قَوْلُهُ: ﴿ويَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾ .
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): الإبْلاغُ كانَ قَبْلَ التَّوَلِّي، فَكَيْفَ وقَعَ جَزاءً لِلشَّرْطِ ؟ (قُلْتُ): مَعْناهُ: فَإنْ تَوَلَّوْا لَمْ أُعاقِبْ عَلى تَفْرِيطٍ في الإبْلاغِ، فَإنَّ ما أُرْسِلْتُ بِهِ إلَيْكم قَدْ بَلَغَكم فَأبَيْتُمْ إلّا تَكْذِيبَ الرِّسالَةِ وعَداوَةَ الرَّسُولِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: المَعْنى أنَّهُ ما عَلَيَّ كَبِيرُ هَمٍّ مِنكم إنْ تَوَلَّيْتُمْ فَقَدْ بَرِئَتْ ساحَتِي بِالتَّبْلِيغِ، وأنْتُمْ أصْحابُ الذَّنْبِ في الإعْراضِ عَنِ الإيمانِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (ويَسْتَخْلِفُ) بِضَمِّ الفاءِ عَلى مَعْنى الخَبَرِ المُسْتَأْنَفِ، أيْ: يُهْلِكُكم ويَجِيءُ بِقَوْمٍ آخَرِينَ يَخْلُفُونَكم في دِيارِكم وأمْوالِكم. وقَرَأ حَفْصٌ في رِوايَةِ هُبَيْرَةَ: بِجَزْمِها عَطْفًا عَلى مَوْضِعِ الجَزاءِ، وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ كَذَلِكَ وبِجَزْمِ ﴿ولا تَضُرُّوهُ﴾ [التوبة: ٣٩]، وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ولا تَضُرُّونَهُ﴾، أيْ: شَيْئًا مِنَ الضَّرَرِ بِتَوْلِيَتِكم، لِأنَّهُ تَعالى لا تَجُوزُ عَلَيْهِ المَضارُّ والمَنافِعُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: يُحْتَمَلُ مِنَ المَعْنى وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: ولا تَضُرُّونَهُ بِذَهابِكم وهَلاكِكم شَيْئًا، أيْ: لا يَنْقُصُ مُلْكُهُ ولا يَخْتَلُّ أمْرُهُ، وعَلى هَذا (p-٢٣٥)المَعْنى قَرَأ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ ولا تَنْقُصُونَهُ شَيْئًا. والمَعْنى الآخَرُ: ولا تَضُرُّونَهُ، أيْ: ولا تَقْدِرُونَ إذا أهْلَكَكم عَلى إضْرارِهِ بِشَيْءٍ، ولا عَلى انْتِصارٍ مِنهُ، ولا تُقابِلُونَ فِعْلَهُ بِشَيْءٍ يَضُرُّهُ، انْتَهى.
وهَذا فِعْلٌ مَنفِيٌّ ومَدْلُولُهُ نَكِرَةٌ، فَيَنْتَفِي جَمِيعُ وُجُوهِ الضَّرَرِ، ولا يَتَعَيَّنُ واحِدٌ مِنها. ومَعْنى (حَفِيظٌ): رَقِيبٌ مُحِيطٌ بِالأشْياءِ عِلْمًا لا يَخْفى عَلَيْهِ أعْمالُكم، ولا يَغْفُلُ عَنْ مُؤاخَذَتِكم، وهو يَحْفَظُنِي مِمّا تَكِيدُونَنِي بِهِ.
﴿ولَمّا جاءَ أمْرُنا نَجَّيْنا هُودًا والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنّا ونَجَّيْناهم مِن عَذابٍ غَلِيظٍ﴾ ﴿وتِلْكَ عادٌ جَحَدُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وعَصَوْا رُسُلَهُ واتَّبَعُوا أمْرَ كُلِّ جَبّارٍ عَنِيدٍ﴾ ﴿وأُتْبِعُوا في هَذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً ويَوْمَ القِيامَةِ ألا إنَّ عادًا كَفَرُوا رَبَّهم ألا بُعْدًا لِعادٍ قَوْمِ هُودٍ﴾: الأمْرُ: واحِدُ الأُمُورِ، فَيَكُونُ كِنايَةً عَنِ العَذابِ، أوْ عَنِ القَضاءِ بِهَلاكِهِمْ. أوْ مَصْدَرُ أمَرَ، أيْ: أمْرُنا لِلرِّيحِ أوْ لِخَزَنَتِها.
﴿والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾: قِيلَ: كانُوا أرْبَعَةَ آلافٍ، قِيلَ: ثَلاثَةُ آلافٍ.
والظّاهِرُ تَعَلُّقٌ بِرَحْمَةٍ مِنّا بِقَوْلِهِ: (نَجَّيْنا) أيْ: نَجَّيْناهم بِمُجَرَّدِ رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لَحِقَتْهم، لا بِأعْمالِهِمُ الصّالِحَةِ. أوْ كَنّى بِالرَّحْمَةِ عَنْ أعْمالِهِمُ الصّالِحَةِ، إذْ تَوْفِيقُهم لَها إنَّما هو بِسَبَبِ رَحْمَتِهِ تَعالى إيّاهم. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِآمَنُوا، أيْ: إنَّ إيمانَهم بِاللَّهِ وبِتَصْدِيقِ رَسُولِهِ إنَّما هو بِرَحْمَةِ اللَّهِ تَعالى إيّاهم، إذْ وفَّقَهم لِذَلِكَ. وتَكَرَّرَتِ التَّنْجِيَةُ عَلى سَبِيلِ التَّوْكِيدِ، ولِقَلَقِ مَن لَوْ لاصَقَتْ مِنّا فَأُعِيدَتِ التَّنْجِيَةُ وهي الأُولى، أوْ تَكُونُ هَذِهِ النَّتِيجَةُ هي مِن عَذابِ الآخِرَةِ ولا عَذابَ أغْلَظُ مِنهُ، فَأُعِيدَتْ لِأجْلِ اخْتِلافِ مُتَعَلِّقَيْها. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): فَما مَعْنى تَكْرِيرِ التَّنْجِيَةِ ؟ (قُلْتُ): ذَكَرَ أوَّلًا أنَّهُ حِينَ أهْلَكَ عَدُوَّهم نَجّاهم، ثُمَّ قالَ: ﴿ونَجَّيْناهم مِن عَذابٍ غَلِيظٍ﴾ عَلى مَعْنى: وكانَتِ التَّنْجِيَةُ مِن عَذابٍ غَلِيظٍ، قالَ: وذَلِكَ أنَّ اللَّهَ عَزَّ وعَلا بَعَثَ عَلَيْهِمُ السَّمُومَ، فَكانَتْ تَدْخُلُ في أُنُوفِهِمْ وتَخْرُجُ مِن أدْبارِهِمْ، وتُقَطِّعُهم عُضْوًا عُضْوًا، انْتَهى.
وهَذا قالَهُ الزَّجّاجُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: وكانَتِ النَّجاةُ المُتَقَدِّمَةُ مِن عَذابٍ غَلِيظٍ يُرِيدُ: الرِّيحَ، فَيَكُونُ المَقْصُودُ عَلى هَذا: تَعْدِيدُ النِّعْمَةِ، والمَشْهُورُ في عَذابِهِمْ بِالرِّيحِ: أنَّها كانَتْ تَحْمِلُهم وتَهْدِمُ مَساكِنَهم وتَنْسِفُها، وتَحْمِلُ الظَّعِينَةَ كَما هي، ونَحْوَ هَذا.
و(تِلْكَ عادٌ): إشارَةٌ إلى قُبُورِهِمْ وآثارِهِمْ كَأنَّهُ قالَ: ﴿فَسِيحُوا في الأرْضِ﴾ [التوبة: ٢]: فانْظُرُوا إلَيْها واعْتَبِرُوا، ثُمَّ اسْتَأْنَفَ الأخْبارَ عَنْهم فَقالَ: ﴿جَحَدُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ﴾ أيْ: أنْكَرُوها. وأضافَ الآياتِ إلى رَبِّهِمْ تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ مالِكُهم ومُرَبِّيهِمْ، فَأنْكَرُوا آياتِهِ، والواجِبُ إقْرارُهم بِها. وأصْلُ جَحَدَ أنْ يَتَعَدّى بِنَفْسِهِ، لَكِنَّهُ أُجْرِيَ مَجْرى كَفَرَ فَعُدِّيَ بِالباءِ، كَما عُدِّيَ كَفَرَ بِنَفْسِهِ في قَوْلِهِ: ﴿ألا إنَّ عادًا كَفَرُوا رَبَّهُمْ﴾، إجْراءً لَهُ مَجْرى جَحَدَ.
وقِيلَ: كَفَرَ كَشَكَرَ يَتَعَدّى تارَةً بِنَفْسِهِ، وتارَةً بِحَرْفِ جَرٍّ.
﴿وعَصَوْا رُسُلَهُ﴾ قِيلَ: عَصَوْا هُودًا والرُّسُلَ الَّذِينَ كانُوا مِن قَبْلِهِ، وقِيلَ: يُنَزَّلُ تَكْذِيبُ الرَّسُولِ الواحِدِ مَنزِلَةَ تَكْذِيبِ الرُّسُلِ، لِأنَّهم كُلَّهم مُجْمِعُونَ عَلى الإيمانِ بِاللَّهِ والإقْرارِ بِرُبُوبِيَّتِهِ كَقَوْلِهِ: ﴿لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أحَدٍ مِن رُسُلِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٥] (واتَّبَعُوا) أيِ: اتَّبَعَ سُقّاطُهم أمْرَ رُؤَسائِهِمْ وكُبَرائِهِمْ، والمَعْنى: أنَّهم أطاعُوهم فِيما أمَرُوهم بِهِ.
قالَ الكَلْبِيُّ: الجَبّارُ: هو الَّذِي يَقْتُلُ عَلى الغَضَبِ، ويُعاقِبُ عَلى المَعْصِيَةِ، وقالَ الزَّجّاجُ: هو الَّذِي يُجْبِرُ النّاسَ عَلى ما يُرِيدُ. وذَكَرَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: أنَّهُ العَظِيمُ في نَفْسِهِ، المُتَكَبِّرُ عَلى العِبادِ.
والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: (واتَّبَعُوا): عامٌّ في جَمِيعِ عادٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لَمّا كانُوا تابِعِينَ لَهُ دُونَ الرُّسُلِ، جُعِلَتِ اللَّعْنَةُ تابِعَةً لَهم في الدّارَيْنِ تَكُبُّهم عَلى وُجُوهِهِمْ في عَذابِ اللَّهِ، انْتَهى.
(p-٢٣٦)فَظاهِرُ كَلامِهِ يَدُلُّ عَلى أنَّ اللَّعْنَةَ مُخْتَصَّةٌ بِالتّابِعِينَ لِلرُّؤَساءِ، ونَبَّهَ عَلى عِلَّةِ اتِّباعِ اللَّعْنَةِ لَهم في الدّارَيْنِ: بِأنَّهم كَفَرُوا رَبَّهم، فالكُفْرُ هو المُوجِبُ لِلَّعْنَةِ. ثُمَّ كَرَّرَ التَّنْبِيهَ بِقَوْلِهِ: ألا في الدُّعاءِ عَلَيْهِمْ تَهْوِيلًا لِأمْرِهِمْ، وتَفْظِيعًا لَهُ، وبَعْثًا عَلى الِاعْتِبارِ بِهِمْ والحَذَرِ مِن مِثْلِ حالِهِمْ.
وفائِدَةُ قَوْلِهِ: قَوْمِ هُودٍ: مَزِيدُ التَّأْكِيدِ لِلْمُبالَغَةِ في التَّنْصِيصِ، أوْ تَعْيِينُ عادٍ هَذِهِ مِن عادِ إرَمَ، لِأنَّ عادًا اثْنانِ ولِذَلِكَ قالَ تَعالى: ﴿وأنَّهُ أهْلَكَ عادًا الأُولى﴾ [النجم: ٥٠]، فَتَحَقَّقَ أنَّ الدُّعاءَ عَلى عادٍ هَذِهِ، ولَمْ تَلْتَبِسْ بِغَيْرِها.
هود 11:56
﴿وإلى عادٍ أخاهم هُودًا قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ إنْ أنْتُمْ إلّا مُفْتَرُونَ﴾ ﴿ياقَوْمِ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى الَّذِي فَطَرَنِي أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ ﴿ويا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكم ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكم مِدْرارًا ويَزِدْكم قُوَّةً إلى قُوَّتِكم ولا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ﴾: ﴿وإلى عادٍ أخاهُمْ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿أرْسَلْنا نُوحًا إلى قَوْمِهِ﴾ [هود: ٢٥]، عَطَفَتِ الواوُ المَجْرُورَ عَلى المَجْرُورِ والمَنصُوبَ عَلى المَنصُوبِ، كَما يُعْطَفُ المَرْفُوعُ والمَنصُوبُ عَلى المَرْفُوعِ والمَنصُوبِ نَحْوَ: ضَرَبَ زَيْدٌ عَمْرًا وبَكْرٌ خالِدًا، ولَيْسَ مِن بابِ الفَصْلِ بِالجارِّ والمَجْرُورِ بَيْنَ حَرْفِ العَطْفِ والمَعْطُوفِ نَحْوَ: ضَرَبْتُ زَيْدًا وفي البَيْتِ عَمْرًا، فَيَجِيءُ مِنهُ الخِلافُ الَّذِي بَيْنَ النَّحْوِيِّينَ: هَلْ يَجُوزُ في الكَلامِ أوْ يَخْتَصُّ بِالشِّعْرِ ؟ وتَقْدِيرُ الكَلامِ: في هُودٍ وعادٍ وإخْوَتِهِ مِنهم في الأعْرافِ، وقِراءَةُ الكِسائِيِّ: (غَيْرِهِ) بِالخَفْضِ، وقِيلَ: ثَمَّ فِعْلٌ مَحْذُوفٌ أيْ: وأرْسَلْنا إلى عادٍ أخاهم، فَيَكُونُ إذْ ذاكَ مِن عَطْفِ الجُمَلِ، والأوَّلُ مِن عَطْفِ المُفْرَداتِ، وهَذا أقْرَبُ لِطُولِ الفَصْلِ بِالجُمَلِ الكَثِيرَةِ بَيْنَ المُتَعاطِفَيْنِ.
(وهُودًا): بَدَلٌ أوْ عَطْفُ بَيانٍ. وقَرَأ مُحَيْصِنٌ (يا قَوْمُ) بِضَمِّ المِيمِ كَقِراءَةِ حَفْصٍ: (قالَ رَبُّ احْكم بِالحَقِّ) بِالضَّمِّ، وهي لُغَةٌ في المُنادى المُضافِ حَكاها سِيبَوَيْهِ وغَيْرُهُ، وافْتِراؤُهم قالَ الحَسَنُ: في جَعْلِهِمُ الأُلُوهِيَّةَ لِغَيْرِ اللَّهِ تَعالى. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: بِاتِّخاذِكُمُ الأوْثانَ لَهُ شُرَكاءَ. والضَّمِيرُ في عَلَيْهِ عائِدٌ عَلى الدُّعاءِ إلى اللَّهِ، ونَبَّهَ بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِي فَطَرَنِي﴾، عَلى الرَّدِّ عَلَيْهِمْ في عِبادَتِهِمُ الأصْنامَ، واعْتِقادِهِمْ أنَّها تَفْعَلُ، وكَوْنِهِ تَعالى هو الفاطِرُ لِلْمَوْجُوداتِ يَسْتَحِقُّ إفْرادَهُ بِالعِبادَةِ.
و﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ تَوْقِيفٌ عَلى اسْتِحالَةِ الأُلُوهِيَّةِ لِغَيْرِ الفاطِرِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ راجِعًا إلى أنَّهُ إذا لَمْ أطْلُبْ عَرَضًا مِنكم، وإنَّما أُرِيدُ نَفْعَكم فَيَجِبُ انْقِيادُكم لِما فِيهِ نَجاتُكم، كَأنَّهُ قِيلَ: ﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ نَصِيحَةَ مَن لا يَطْلُبُ عَلَيْها أجْرًا إلّا مِنَ اللَّهِ تَعالى، وهو ثَوابُ الآخِرَةِ، ولا شَيْءَ أنْفى لِلتُّهْمَةِ مِن ذَلِكَ. وتَقَدَّمَ الكَلامُ في ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكم ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ﴾ [هود: ٣] أوَّلَ هَذِهِ السُّورَةِ.
قَصَدَ هُودٌ اسْتِمالَتَهم إلى الإيمانِ وتَرْغِيبَهم فِيهِ بِكَثْرَةِ (p-٢٣٣)المَطَرِ وزِيادَةِ القُوَّةِ، لِأنَّهم كانُوا أصْحابَ زُورِعٍ وبَساتِينَ وعِماراتٍ حِراصًا عَلَيْها أشَدَّ الحِرْصِ، فَكانُوا أحْوَجَ شَيْءٍ إلى الماءِ، وكانُوا مُدْلِينَ بِما أُوتُوا مِن هَذِهِ القُوَّةِ والبَطْشِ والبَأْسِ مُهَيَّئِينَ في كُلِّ ناحِيَةٍ.
وقِيلَ: أرادَ القُوَّةَ في المالِ، وقِيلَ: في النِّكاحِ. قِيلَ: وحُبِسَ عَنْهُمُ المَطَرُ ثَلاثَ سِنِينَ، وعَقِمَتْ أرْحامُ نِسائِهِمْ. وقَدِ انْتَزَعَ الحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - مِن هَذا ومِن قَوْلِهِ: ﴿ويُمْدِدْكم بِأمْوالٍ وبَنِينَ﴾ [نوح: ١٢]، أنَّ كَثْرَةَ الِاسْتِغْفارِ قَدْ يَجْعَلُهُ اللَّهُ سَبَبًا لِكَثْرَةِ الوَلَدِ، وأجابَ مَن سَألَهُ وأخْبَرَهُ أنَّهُ ذُو مالٍ ولا يُولَدُ لَهُ بِالِاسْتِغْفارِ، فَأكْثَرَ مِن ذَلِكَ فَوُلِدَ لَهُ عَشْرُ بَنِينَ.
ورَوى أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ويَزِدْكم قُوَّةً إلى قُوَّتِكُمْ﴾: أنَّهُ الوَلَدُ ووَلَدُ الوَلَدِ.
وقالَ مُجاهِدٌ وابْنُ زَيْدٍ: في الجِسْمِ والبَأْسِ، وقالَ الضَّحّاكُ: خَصْبًا إلى خَصْبِكم، وقِيلَ: نِعْمَةً إلى نِعْمَتِهِ الأُولى عَلَيْكم، وقِيلَ: قُوَّةً في إيمانِكم إلى قُوَّةٍ في أبْدانِكم.
﴿قالُوا يا هُودُ ما جِئْتَنا بِبَيِّنَةٍ وما نَحْنُ بِتارِكِي آلِهَتِنا عَنْ قَوْلِكَ وما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿إنْ نَقُولُ إلّا اعْتَراكَ بَعْضُ آلِهَتِنا بِسُوءٍ قالَ إنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ واشْهَدُوا أنِّي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ﴾ ﴿مِن دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لا تُنْظِرُونِي﴾ ﴿إنِّي تَوَكَّلْتُ عَلى اللَّهِ رَبِّي ورَبِّكم ما مِن دابَّةٍ إلّا هو آخِذٌ بِناصِيَتِها إنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ﴿فَإنْ تَوَلَّوْا فَقَدْ أبْلَغْتُكم ما أُرْسِلْتُ بِهِ إلَيْكم ويَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكم ولا تَضُرُّونَهُ شَيْئًا إنَّ رَبِّي عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ﴾: بِبَيِّنَةٍ أوْ بِحُجَّةٍ واضِحَةٍ تَدُلُّ عَلى صِدْقِكَ، وقَدْ كَذَّبُوا في ذَلِكَ وبَهَتُوهُ كَما كَذَّبَتْ قُرَيْشٌ في قَوْلِهِمْ: ﴿لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِن رَبِّهِ﴾ [يونس: ٢٠] وقَدْ جاءَهم بِآياتٍ كَثِيرَةٍ، أوْ لِعَمائِهِمْ عَنِ الحَقِّ وعَدَمِ نَظَرِهِمْ في الآياتِ اعْتَقَدُوا ما هو آيَةٌ لَيْسَ بِآيَةٍ فَقالُوا: ما جِئْتَنا بِبَيِّنَةٍ تُلْجِئُنا إلى الإيمانِ، وإلّا فَهُودٌ وغَيْرُهُ مِنَ الأنْبِياءِ لَهم مُعْجِزاتٌ وإنْ لَمْ يُعَيِّنْ لَنا بَعْضَها.
ألا تَرى إلى قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: «ما مِن نَبِيٍّ إلّا وقَدْ أُوتِيَ مِنَ الآياتِ ما مِثْلُهُ آمَنَ عَلَيْهِ البَشَرُ» و(عَنْ) في: ﴿عَنْ قَوْلِكَ﴾ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في ﴿بِتارِكِي آلِهَتِنا﴾، كَأنَّهُ قِيلَ: صادِرِينَ عَنْ قَوْلِكَ، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. وقِيلَ: عَنْ لِلتَّعْلِيلِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إلّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وعَدَها إيّاهُ﴾ [التوبة: ١١٤] فَتَتَعَلَّقُ بِتارِكِي، كَأنَّهُ قِيلَ: لِقَوْلِكَ، وقَدْ أشارَ إلى التَّعْلِيلِ والسَّبَبِ فِيها ابْنُ عَطِيَّةَ، فَقالَ: أيْ: لا يَكُونُ قَوْلُكُ سَبَبًا لَتَرْكِنا، إذْ هو مُجَرَّدٌ عَنْ آيَةٍ، والجُمْلَةُ بَعْدَها تَأْكِيدٌ وتَقْنِيطٌ لَهُ مِن دُخُولِهِمْ في دِينِهِ، ثُمَّ نَسَبُوا ما صَدَرَ مِنهُ مِن دُعائِهِمْ إلى اللَّهِ وإفْرادِهِ بِالأُلُوهِيَّةِ إلى الخَبَلِ والجُنُونِ، وأنَّ ذَلِكَ مِمّا اعْتَراهُ بِهِ بَعْضُ آلِهَتِهِمْ لِكَوْنِهِ سَبَّها وحَرَّضَ عَلى تَرْكِها ودَعا إلى تَرْكِ عِبادَتِها، فَجَعَلَتْهُ يَتَكَلَّمُ مُكافَأةً بِما يَتَكَلَّمُ بِهِ المَجانِينُ، كَما قالَتْ قُرَيْشٌ ﴿مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ﴾ [الدخان: ١٤]، ﴿أمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ﴾ [المؤمنون: ٧٠] و﴿اعْتَراكَ﴾ جُمْلَةٌ مَحْكِيَّةٌ بِـ (نَقُولُ)، فَهي في مَوْضِعِ المَفْعُولِ، ودَلَّتْ عَلى بَلَهٍ شَدِيدٍ وجَهْلٍ مُفْرِطٍ، حَيْثُ اعْتَقَدُوا في حِجارَةٍ أنَّها تَنْتَصِرُ وتَنْتَقِمُ.
وقَوْلُ هُودٍ لَهم في جَوابِ ذَلِكَ: ﴿إنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ﴾ إلى آخِرِهِ، حَيْثُ تَبَرَّأ مِن آلِهَتِهِمْ، وحَرَّضَهم كُلَّهم مَعَ انْفِرادِهِ وحْدَهُ عَلى كَيْدِهِ بِما يَشاءُونَ، وعَدَمُ تَأخُّرِهِ مِن أعْظَمِ الآياتِ عَلى صِدْقِهِ وثِقَتِهِ بِمَوْعُودِ رَبِّهِ مِنَ النَّصْرِ لَهُ، والتَّأْيِيدِ والعِصْمَةِ مِن أنْ يَنالُوهُ بِمَكْرُوهٍ، هَذا وهْمُ حَرِيصُونَ عَلى قَتْلِهِ يَرْمُونَهُ عَنْ قَوْسٍ واحِدَةٍ. ومِثْلُهُ قَوْلُ نُوحٍ لِقَوْمِهِ: ﴿ثُمَّ اقْضُوا إلَيَّ ولا تُنْظِرُونِ﴾ [يونس: ٧١] وأكَّدَ بَراءَتَهُ مِن آلِهَتِهِمْ وشِرْكِهِمْ، ووَثَّقَها بِما جَرَتْ عَلَيْهِ عادَةُ النّاسِ مِن تَوْثِيقِهِمُ الأمْرَ بِشَهادَةِ اللَّهِ وشَهادَةِ العِبادِ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): هَلّا قِيلَ: إنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وأُشْهِدُكم (قُلْتُ): لِأنَّ إشْهادَ اللَّهِ عَلى البَراءَةِ مِنَ الشِّرْكِ إشْهادٌ صَحِيحٌ ثابِتٌ في مَعْنى تَثْبِيتِ التَّوْحِيدِ، وأمّا إشْهادُهم فَما هو إلّا تَهاوُنٌ بِدِينِهِمْ ودِلالَةٌ عَلى قِلَّةِ المُبالاةِ بِهِمْ فَحَسْبُ، فَعُدِلَ بِهِ (p-٢٣٤)عَنْ لَفْظِ الأوَّلِ لِاخْتِلافِ ما بَيْنَهُما، وجِيءَ بِهِ عَلى لَفْظِ الأمْرِ بِالشَّهادَةِ، انْتَهى.
و﴿أنِّي بَرِيءٌ﴾ تَنازَعَ فِيهِ (أُشْهِدُ) و﴿اشْهَدُوا﴾ [آل عمران: ٦٤]، وقَدْ يَتَنازَعُ المُخْتَلِفانِ في التَّعَدِّي الِاسْمَ الَّذِي يَكُونُ صالِحًا لِأنْ يَعْمَلا فِيهِ تَقُولُ: أعْطَيْتُ زَيْدًا ووَهَبْتُ لِعَمْرٍو دِينارًا، كَما يَتَنازَعُ اللّازِمُ والمُتَعَدِّي نَحْوَ: قامَ وضَرَبْتُ زَيْدًا.
و(ما) في (مّا تُشْرِكُونَ) مَوْصُولَةٌ إمّا مَصْدَرِيَّةٌ وإمّا بِمَعْنى الَّذِي، أيْ: بَرِيءٌ مِن إشْراكِكم آلِهَةً مِن دُونِهِ، أوْ مِنَ الَّذِينَ تُشْرِكُونَ، و(جَمِيعًا) حالٌ مِن ضَمِيرِ (كِيدُونِي) الفاعِلِ، والخِطابُ إنَّما هو لِقَوْمِهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أنْتُمْ وآلِهَتُكم، انْتَهى. قِيلَ: ومُجاهَرَةُ هُودٍ عَلَيْهِ السَّلامُ لَهم بِالبَراءَةِ مِن أدْيانِهِمْ، وحَضُّهُ إيّاهم عَلى كَيْدِهِ هم وأصْنامُهم مُعْجِزَةٌ لِهُودٍ، أوْ حَرَّضَ جَماعَتَهم عَلَيْهِ مَعَ انْفِرادِهِ وقُوَّتِهِمْ وكَثْرَتِهِمْ، فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلى نَيْلِهِ بِسُوءٍ، ثُمَّ ذَكَرَ تَوَكُّلَهُ عَلى اللَّهِ مُعْلِمًا أنَّهُ رَبُّهُ ورَبُّهم، ومُنَبِّهًا عَلى أنَّهُ مِن حَيْثُ هو رَبُّكم يَجِبُ عَلَيْكم أنْ لا تَعْبُدُوا إلّا إيّاهُ، ومُفَوِّضًا أمْرَهُ إلَيْهِ تَعالى ثِقَةً بِحِفْظِهِ وانِجازِ مَوْعُودِهِ، ثُمَّ وصَفَ قُدْرَةَ اللَّهِ تَعالى وعَظِيمَ مُلْكِهِ مِن كَوْنِ كُلِّ دابَّةٍ في قَبْضَتِهِ ومِلْكِهِ وتَحْتَ قَهْرِهِ وسُلْطانِهِ، فَأنْتُمْ مِن جُمْلَةِ أُولَئِكَ المَقْهُورِينَ.
وقَوْلُهُ: ﴿آخِذٌ بِناصِيَتِها﴾: تَمْثِيلٌ، إذْ كانَ القادِرُ المالِكُ يَقُودُ المَقْدُورَ عَلَيْهِ بِناصِيَتِهِ كَما يُقادُ الأسِيرُ والفَرَسُ بِناصِيَتِهِ، حَتّى صارَ الأخْذُ بِالنّاصِيَةِ عُرْفًا في القُدْرَةِ عَلى الحَيَوانِ، وكانَتِ العَرَبُ تَجُزُّ: ناصِيَةَ الأسِيرِ المَمْنُونِ عَلَيْهِ عَلامَةَ أنَّهُ قَدْ قُدِرَ عَلَيْهِ وقُبِضَ عَلى ناصِيَتِهِ. قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: وخَصَّ النّاصِيَةَ لِأنَّ العَرَبَ إذا وصَفَتْ إنْسانًا بِالذِّلَّةِ والخُضُوعِ قالَتْ: ما ناصِيَةُ فُلانٍ إلّا بِيَدِ فُلانٍ، أيْ: أنَّهُ مُطِيعٌ لَهُ يُصَرِّفُهُ كَيْفَ يَشاءُ، ثُمَّ أخْبَرَ أنَّ أفْعالَهُ تَعالى في غايَةِ الإحْكامِ، وعَلى طَرِيقِ الحَقِّ والعَدْلِ في مُلْكِهِ، لا يَفُوتُهُ ظالِمٌ ولا يَضِيعُ عِنْدَهُ مَن تَوَكَّلَ عَلَيْهِ، قَوْلُهُ الصِّدْقُ ووَعْدُهُ الحَقُّ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿فَإنْ تَوَلَّوْا﴾، أيْ: تَتَوَلَّوْا مُضارِعُ تَوَلّى. وقَرَأ الأعْرَجُ و عِيسى الثَّقَفِيُّ: تُوَلُّوا بِضَمِّ التّاءِ واللّامِ مُضارِعُ ولّى، وقِيلَ: تَوَلَّوْا ماضٍ ويَحْتاجُ في الجَوابِ إلى إضْمارِ قَوْلٍ، أيْ: فَقُلْ لَهم فَقَدْ أبْلَغْتُكم، ولا حاجَةَ تَدْعُو إلى جَعْلِهِ ماضِيًا وإضْمارِ القَوْلِ.
وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ (تَوَلَّوْا) فِعْلًا ماضِيًا، ويَكُونُ في الكَلامِ رُجُوعٌ مِن غَيْبَةٍ إلى خِطابٍ، أيْ: فَقَدْ أبْلَغْتُكم، انْتَهى. فَلا يَحْتاجُ إلى إضْمارٍ، والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في تَوَلَّوْا عائِدٌ عَلى قَوْمِ هُودٍ، وخِطابٌ لَهم مِن تَمامِ الجَمَلِ المَقُولَةِ قَبْلُ. وقالَ التَّبْرِيزِيُّ: هو عائِدٌ عَلى كَفّارِ قُرَيْشٍ، وهو مِن تَلْوِينِ الخِطابِ، انْتَقَلَ مِن خِطابِ قَوْمِ هُودٍ إلى الإخْبارِ عَمَّنْ بِحَضْرَةِ الرَّسُولِ ﷺ وكَأنَّهُ قِيلَ: أخْبِرْهم عَنْ قِصَّةِ قَوْمِ هُودٍ، وادْعُهم إلى الإيمانِ بِاللَّهِ لِئَلّا يُصِيبَهم كَما أصابَ قَوْمَ هُودٍ، فَإنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ لَهم: قَدْ أبْلَغْتُكم.
وجَوابُ الشَّرْطِ هو قَوْلُهُ: ﴿فَقَدْ أبْلَغْتُكُمْ﴾، وصَحَّ أنْ يَكُونَ جَوابًا، لِأنَّ في إبْلاغِهِ إلَيْهِمْ رِسالَتَهُ تَضَمُّنُ ما يَحُلُّ بِهِمْ مِنَ العَذابِ المُسْتَأْصِلِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: فَإنْ تَتَوَلَّوُا اسْتُؤْصِلْتُمْ بِالعَذابِ. ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ الجُمْلَةُ الخَبَرِيَّةُ وهي قَوْلُهُ: ﴿ويَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾ .
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): الإبْلاغُ كانَ قَبْلَ التَّوَلِّي، فَكَيْفَ وقَعَ جَزاءً لِلشَّرْطِ ؟ (قُلْتُ): مَعْناهُ: فَإنْ تَوَلَّوْا لَمْ أُعاقِبْ عَلى تَفْرِيطٍ في الإبْلاغِ، فَإنَّ ما أُرْسِلْتُ بِهِ إلَيْكم قَدْ بَلَغَكم فَأبَيْتُمْ إلّا تَكْذِيبَ الرِّسالَةِ وعَداوَةَ الرَّسُولِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: المَعْنى أنَّهُ ما عَلَيَّ كَبِيرُ هَمٍّ مِنكم إنْ تَوَلَّيْتُمْ فَقَدْ بَرِئَتْ ساحَتِي بِالتَّبْلِيغِ، وأنْتُمْ أصْحابُ الذَّنْبِ في الإعْراضِ عَنِ الإيمانِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (ويَسْتَخْلِفُ) بِضَمِّ الفاءِ عَلى مَعْنى الخَبَرِ المُسْتَأْنَفِ، أيْ: يُهْلِكُكم ويَجِيءُ بِقَوْمٍ آخَرِينَ يَخْلُفُونَكم في دِيارِكم وأمْوالِكم. وقَرَأ حَفْصٌ في رِوايَةِ هُبَيْرَةَ: بِجَزْمِها عَطْفًا عَلى مَوْضِعِ الجَزاءِ، وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ كَذَلِكَ وبِجَزْمِ ﴿ولا تَضُرُّوهُ﴾ [التوبة: ٣٩]، وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ولا تَضُرُّونَهُ﴾، أيْ: شَيْئًا مِنَ الضَّرَرِ بِتَوْلِيَتِكم، لِأنَّهُ تَعالى لا تَجُوزُ عَلَيْهِ المَضارُّ والمَنافِعُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: يُحْتَمَلُ مِنَ المَعْنى وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: ولا تَضُرُّونَهُ بِذَهابِكم وهَلاكِكم شَيْئًا، أيْ: لا يَنْقُصُ مُلْكُهُ ولا يَخْتَلُّ أمْرُهُ، وعَلى هَذا (p-٢٣٥)المَعْنى قَرَأ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ ولا تَنْقُصُونَهُ شَيْئًا. والمَعْنى الآخَرُ: ولا تَضُرُّونَهُ، أيْ: ولا تَقْدِرُونَ إذا أهْلَكَكم عَلى إضْرارِهِ بِشَيْءٍ، ولا عَلى انْتِصارٍ مِنهُ، ولا تُقابِلُونَ فِعْلَهُ بِشَيْءٍ يَضُرُّهُ، انْتَهى.
وهَذا فِعْلٌ مَنفِيٌّ ومَدْلُولُهُ نَكِرَةٌ، فَيَنْتَفِي جَمِيعُ وُجُوهِ الضَّرَرِ، ولا يَتَعَيَّنُ واحِدٌ مِنها. ومَعْنى (حَفِيظٌ): رَقِيبٌ مُحِيطٌ بِالأشْياءِ عِلْمًا لا يَخْفى عَلَيْهِ أعْمالُكم، ولا يَغْفُلُ عَنْ مُؤاخَذَتِكم، وهو يَحْفَظُنِي مِمّا تَكِيدُونَنِي بِهِ.
﴿ولَمّا جاءَ أمْرُنا نَجَّيْنا هُودًا والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنّا ونَجَّيْناهم مِن عَذابٍ غَلِيظٍ﴾ ﴿وتِلْكَ عادٌ جَحَدُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وعَصَوْا رُسُلَهُ واتَّبَعُوا أمْرَ كُلِّ جَبّارٍ عَنِيدٍ﴾ ﴿وأُتْبِعُوا في هَذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً ويَوْمَ القِيامَةِ ألا إنَّ عادًا كَفَرُوا رَبَّهم ألا بُعْدًا لِعادٍ قَوْمِ هُودٍ﴾: الأمْرُ: واحِدُ الأُمُورِ، فَيَكُونُ كِنايَةً عَنِ العَذابِ، أوْ عَنِ القَضاءِ بِهَلاكِهِمْ. أوْ مَصْدَرُ أمَرَ، أيْ: أمْرُنا لِلرِّيحِ أوْ لِخَزَنَتِها.
﴿والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾: قِيلَ: كانُوا أرْبَعَةَ آلافٍ، قِيلَ: ثَلاثَةُ آلافٍ.
والظّاهِرُ تَعَلُّقٌ بِرَحْمَةٍ مِنّا بِقَوْلِهِ: (نَجَّيْنا) أيْ: نَجَّيْناهم بِمُجَرَّدِ رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لَحِقَتْهم، لا بِأعْمالِهِمُ الصّالِحَةِ. أوْ كَنّى بِالرَّحْمَةِ عَنْ أعْمالِهِمُ الصّالِحَةِ، إذْ تَوْفِيقُهم لَها إنَّما هو بِسَبَبِ رَحْمَتِهِ تَعالى إيّاهم. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِآمَنُوا، أيْ: إنَّ إيمانَهم بِاللَّهِ وبِتَصْدِيقِ رَسُولِهِ إنَّما هو بِرَحْمَةِ اللَّهِ تَعالى إيّاهم، إذْ وفَّقَهم لِذَلِكَ. وتَكَرَّرَتِ التَّنْجِيَةُ عَلى سَبِيلِ التَّوْكِيدِ، ولِقَلَقِ مَن لَوْ لاصَقَتْ مِنّا فَأُعِيدَتِ التَّنْجِيَةُ وهي الأُولى، أوْ تَكُونُ هَذِهِ النَّتِيجَةُ هي مِن عَذابِ الآخِرَةِ ولا عَذابَ أغْلَظُ مِنهُ، فَأُعِيدَتْ لِأجْلِ اخْتِلافِ مُتَعَلِّقَيْها. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): فَما مَعْنى تَكْرِيرِ التَّنْجِيَةِ ؟ (قُلْتُ): ذَكَرَ أوَّلًا أنَّهُ حِينَ أهْلَكَ عَدُوَّهم نَجّاهم، ثُمَّ قالَ: ﴿ونَجَّيْناهم مِن عَذابٍ غَلِيظٍ﴾ عَلى مَعْنى: وكانَتِ التَّنْجِيَةُ مِن عَذابٍ غَلِيظٍ، قالَ: وذَلِكَ أنَّ اللَّهَ عَزَّ وعَلا بَعَثَ عَلَيْهِمُ السَّمُومَ، فَكانَتْ تَدْخُلُ في أُنُوفِهِمْ وتَخْرُجُ مِن أدْبارِهِمْ، وتُقَطِّعُهم عُضْوًا عُضْوًا، انْتَهى.
وهَذا قالَهُ الزَّجّاجُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: وكانَتِ النَّجاةُ المُتَقَدِّمَةُ مِن عَذابٍ غَلِيظٍ يُرِيدُ: الرِّيحَ، فَيَكُونُ المَقْصُودُ عَلى هَذا: تَعْدِيدُ النِّعْمَةِ، والمَشْهُورُ في عَذابِهِمْ بِالرِّيحِ: أنَّها كانَتْ تَحْمِلُهم وتَهْدِمُ مَساكِنَهم وتَنْسِفُها، وتَحْمِلُ الظَّعِينَةَ كَما هي، ونَحْوَ هَذا.
و(تِلْكَ عادٌ): إشارَةٌ إلى قُبُورِهِمْ وآثارِهِمْ كَأنَّهُ قالَ: ﴿فَسِيحُوا في الأرْضِ﴾ [التوبة: ٢]: فانْظُرُوا إلَيْها واعْتَبِرُوا، ثُمَّ اسْتَأْنَفَ الأخْبارَ عَنْهم فَقالَ: ﴿جَحَدُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ﴾ أيْ: أنْكَرُوها. وأضافَ الآياتِ إلى رَبِّهِمْ تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ مالِكُهم ومُرَبِّيهِمْ، فَأنْكَرُوا آياتِهِ، والواجِبُ إقْرارُهم بِها. وأصْلُ جَحَدَ أنْ يَتَعَدّى بِنَفْسِهِ، لَكِنَّهُ أُجْرِيَ مَجْرى كَفَرَ فَعُدِّيَ بِالباءِ، كَما عُدِّيَ كَفَرَ بِنَفْسِهِ في قَوْلِهِ: ﴿ألا إنَّ عادًا كَفَرُوا رَبَّهُمْ﴾، إجْراءً لَهُ مَجْرى جَحَدَ.
وقِيلَ: كَفَرَ كَشَكَرَ يَتَعَدّى تارَةً بِنَفْسِهِ، وتارَةً بِحَرْفِ جَرٍّ.
﴿وعَصَوْا رُسُلَهُ﴾ قِيلَ: عَصَوْا هُودًا والرُّسُلَ الَّذِينَ كانُوا مِن قَبْلِهِ، وقِيلَ: يُنَزَّلُ تَكْذِيبُ الرَّسُولِ الواحِدِ مَنزِلَةَ تَكْذِيبِ الرُّسُلِ، لِأنَّهم كُلَّهم مُجْمِعُونَ عَلى الإيمانِ بِاللَّهِ والإقْرارِ بِرُبُوبِيَّتِهِ كَقَوْلِهِ: ﴿لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أحَدٍ مِن رُسُلِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٥] (واتَّبَعُوا) أيِ: اتَّبَعَ سُقّاطُهم أمْرَ رُؤَسائِهِمْ وكُبَرائِهِمْ، والمَعْنى: أنَّهم أطاعُوهم فِيما أمَرُوهم بِهِ.
قالَ الكَلْبِيُّ: الجَبّارُ: هو الَّذِي يَقْتُلُ عَلى الغَضَبِ، ويُعاقِبُ عَلى المَعْصِيَةِ، وقالَ الزَّجّاجُ: هو الَّذِي يُجْبِرُ النّاسَ عَلى ما يُرِيدُ. وذَكَرَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: أنَّهُ العَظِيمُ في نَفْسِهِ، المُتَكَبِّرُ عَلى العِبادِ.
والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: (واتَّبَعُوا): عامٌّ في جَمِيعِ عادٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لَمّا كانُوا تابِعِينَ لَهُ دُونَ الرُّسُلِ، جُعِلَتِ اللَّعْنَةُ تابِعَةً لَهم في الدّارَيْنِ تَكُبُّهم عَلى وُجُوهِهِمْ في عَذابِ اللَّهِ، انْتَهى.
(p-٢٣٦)فَظاهِرُ كَلامِهِ يَدُلُّ عَلى أنَّ اللَّعْنَةَ مُخْتَصَّةٌ بِالتّابِعِينَ لِلرُّؤَساءِ، ونَبَّهَ عَلى عِلَّةِ اتِّباعِ اللَّعْنَةِ لَهم في الدّارَيْنِ: بِأنَّهم كَفَرُوا رَبَّهم، فالكُفْرُ هو المُوجِبُ لِلَّعْنَةِ. ثُمَّ كَرَّرَ التَّنْبِيهَ بِقَوْلِهِ: ألا في الدُّعاءِ عَلَيْهِمْ تَهْوِيلًا لِأمْرِهِمْ، وتَفْظِيعًا لَهُ، وبَعْثًا عَلى الِاعْتِبارِ بِهِمْ والحَذَرِ مِن مِثْلِ حالِهِمْ.
وفائِدَةُ قَوْلِهِ: قَوْمِ هُودٍ: مَزِيدُ التَّأْكِيدِ لِلْمُبالَغَةِ في التَّنْصِيصِ، أوْ تَعْيِينُ عادٍ هَذِهِ مِن عادِ إرَمَ، لِأنَّ عادًا اثْنانِ ولِذَلِكَ قالَ تَعالى: ﴿وأنَّهُ أهْلَكَ عادًا الأُولى﴾ [النجم: ٥٠]، فَتَحَقَّقَ أنَّ الدُّعاءَ عَلى عادٍ هَذِهِ، ولَمْ تَلْتَبِسْ بِغَيْرِها.
هود 11:57
﴿وإلى عادٍ أخاهم هُودًا قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ إنْ أنْتُمْ إلّا مُفْتَرُونَ﴾ ﴿ياقَوْمِ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى الَّذِي فَطَرَنِي أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ ﴿ويا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكم ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكم مِدْرارًا ويَزِدْكم قُوَّةً إلى قُوَّتِكم ولا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ﴾: ﴿وإلى عادٍ أخاهُمْ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿أرْسَلْنا نُوحًا إلى قَوْمِهِ﴾ [هود: ٢٥]، عَطَفَتِ الواوُ المَجْرُورَ عَلى المَجْرُورِ والمَنصُوبَ عَلى المَنصُوبِ، كَما يُعْطَفُ المَرْفُوعُ والمَنصُوبُ عَلى المَرْفُوعِ والمَنصُوبِ نَحْوَ: ضَرَبَ زَيْدٌ عَمْرًا وبَكْرٌ خالِدًا، ولَيْسَ مِن بابِ الفَصْلِ بِالجارِّ والمَجْرُورِ بَيْنَ حَرْفِ العَطْفِ والمَعْطُوفِ نَحْوَ: ضَرَبْتُ زَيْدًا وفي البَيْتِ عَمْرًا، فَيَجِيءُ مِنهُ الخِلافُ الَّذِي بَيْنَ النَّحْوِيِّينَ: هَلْ يَجُوزُ في الكَلامِ أوْ يَخْتَصُّ بِالشِّعْرِ ؟ وتَقْدِيرُ الكَلامِ: في هُودٍ وعادٍ وإخْوَتِهِ مِنهم في الأعْرافِ، وقِراءَةُ الكِسائِيِّ: (غَيْرِهِ) بِالخَفْضِ، وقِيلَ: ثَمَّ فِعْلٌ مَحْذُوفٌ أيْ: وأرْسَلْنا إلى عادٍ أخاهم، فَيَكُونُ إذْ ذاكَ مِن عَطْفِ الجُمَلِ، والأوَّلُ مِن عَطْفِ المُفْرَداتِ، وهَذا أقْرَبُ لِطُولِ الفَصْلِ بِالجُمَلِ الكَثِيرَةِ بَيْنَ المُتَعاطِفَيْنِ.
(وهُودًا): بَدَلٌ أوْ عَطْفُ بَيانٍ. وقَرَأ مُحَيْصِنٌ (يا قَوْمُ) بِضَمِّ المِيمِ كَقِراءَةِ حَفْصٍ: (قالَ رَبُّ احْكم بِالحَقِّ) بِالضَّمِّ، وهي لُغَةٌ في المُنادى المُضافِ حَكاها سِيبَوَيْهِ وغَيْرُهُ، وافْتِراؤُهم قالَ الحَسَنُ: في جَعْلِهِمُ الأُلُوهِيَّةَ لِغَيْرِ اللَّهِ تَعالى. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: بِاتِّخاذِكُمُ الأوْثانَ لَهُ شُرَكاءَ. والضَّمِيرُ في عَلَيْهِ عائِدٌ عَلى الدُّعاءِ إلى اللَّهِ، ونَبَّهَ بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِي فَطَرَنِي﴾، عَلى الرَّدِّ عَلَيْهِمْ في عِبادَتِهِمُ الأصْنامَ، واعْتِقادِهِمْ أنَّها تَفْعَلُ، وكَوْنِهِ تَعالى هو الفاطِرُ لِلْمَوْجُوداتِ يَسْتَحِقُّ إفْرادَهُ بِالعِبادَةِ.
و﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ تَوْقِيفٌ عَلى اسْتِحالَةِ الأُلُوهِيَّةِ لِغَيْرِ الفاطِرِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ راجِعًا إلى أنَّهُ إذا لَمْ أطْلُبْ عَرَضًا مِنكم، وإنَّما أُرِيدُ نَفْعَكم فَيَجِبُ انْقِيادُكم لِما فِيهِ نَجاتُكم، كَأنَّهُ قِيلَ: ﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ نَصِيحَةَ مَن لا يَطْلُبُ عَلَيْها أجْرًا إلّا مِنَ اللَّهِ تَعالى، وهو ثَوابُ الآخِرَةِ، ولا شَيْءَ أنْفى لِلتُّهْمَةِ مِن ذَلِكَ. وتَقَدَّمَ الكَلامُ في ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكم ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ﴾ [هود: ٣] أوَّلَ هَذِهِ السُّورَةِ.
قَصَدَ هُودٌ اسْتِمالَتَهم إلى الإيمانِ وتَرْغِيبَهم فِيهِ بِكَثْرَةِ (p-٢٣٣)المَطَرِ وزِيادَةِ القُوَّةِ، لِأنَّهم كانُوا أصْحابَ زُورِعٍ وبَساتِينَ وعِماراتٍ حِراصًا عَلَيْها أشَدَّ الحِرْصِ، فَكانُوا أحْوَجَ شَيْءٍ إلى الماءِ، وكانُوا مُدْلِينَ بِما أُوتُوا مِن هَذِهِ القُوَّةِ والبَطْشِ والبَأْسِ مُهَيَّئِينَ في كُلِّ ناحِيَةٍ.
وقِيلَ: أرادَ القُوَّةَ في المالِ، وقِيلَ: في النِّكاحِ. قِيلَ: وحُبِسَ عَنْهُمُ المَطَرُ ثَلاثَ سِنِينَ، وعَقِمَتْ أرْحامُ نِسائِهِمْ. وقَدِ انْتَزَعَ الحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - مِن هَذا ومِن قَوْلِهِ: ﴿ويُمْدِدْكم بِأمْوالٍ وبَنِينَ﴾ [نوح: ١٢]، أنَّ كَثْرَةَ الِاسْتِغْفارِ قَدْ يَجْعَلُهُ اللَّهُ سَبَبًا لِكَثْرَةِ الوَلَدِ، وأجابَ مَن سَألَهُ وأخْبَرَهُ أنَّهُ ذُو مالٍ ولا يُولَدُ لَهُ بِالِاسْتِغْفارِ، فَأكْثَرَ مِن ذَلِكَ فَوُلِدَ لَهُ عَشْرُ بَنِينَ.
ورَوى أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ويَزِدْكم قُوَّةً إلى قُوَّتِكُمْ﴾: أنَّهُ الوَلَدُ ووَلَدُ الوَلَدِ.
وقالَ مُجاهِدٌ وابْنُ زَيْدٍ: في الجِسْمِ والبَأْسِ، وقالَ الضَّحّاكُ: خَصْبًا إلى خَصْبِكم، وقِيلَ: نِعْمَةً إلى نِعْمَتِهِ الأُولى عَلَيْكم، وقِيلَ: قُوَّةً في إيمانِكم إلى قُوَّةٍ في أبْدانِكم.
﴿قالُوا يا هُودُ ما جِئْتَنا بِبَيِّنَةٍ وما نَحْنُ بِتارِكِي آلِهَتِنا عَنْ قَوْلِكَ وما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿إنْ نَقُولُ إلّا اعْتَراكَ بَعْضُ آلِهَتِنا بِسُوءٍ قالَ إنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ واشْهَدُوا أنِّي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ﴾ ﴿مِن دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لا تُنْظِرُونِي﴾ ﴿إنِّي تَوَكَّلْتُ عَلى اللَّهِ رَبِّي ورَبِّكم ما مِن دابَّةٍ إلّا هو آخِذٌ بِناصِيَتِها إنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ﴿فَإنْ تَوَلَّوْا فَقَدْ أبْلَغْتُكم ما أُرْسِلْتُ بِهِ إلَيْكم ويَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكم ولا تَضُرُّونَهُ شَيْئًا إنَّ رَبِّي عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ﴾: بِبَيِّنَةٍ أوْ بِحُجَّةٍ واضِحَةٍ تَدُلُّ عَلى صِدْقِكَ، وقَدْ كَذَّبُوا في ذَلِكَ وبَهَتُوهُ كَما كَذَّبَتْ قُرَيْشٌ في قَوْلِهِمْ: ﴿لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِن رَبِّهِ﴾ [يونس: ٢٠] وقَدْ جاءَهم بِآياتٍ كَثِيرَةٍ، أوْ لِعَمائِهِمْ عَنِ الحَقِّ وعَدَمِ نَظَرِهِمْ في الآياتِ اعْتَقَدُوا ما هو آيَةٌ لَيْسَ بِآيَةٍ فَقالُوا: ما جِئْتَنا بِبَيِّنَةٍ تُلْجِئُنا إلى الإيمانِ، وإلّا فَهُودٌ وغَيْرُهُ مِنَ الأنْبِياءِ لَهم مُعْجِزاتٌ وإنْ لَمْ يُعَيِّنْ لَنا بَعْضَها.
ألا تَرى إلى قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: «ما مِن نَبِيٍّ إلّا وقَدْ أُوتِيَ مِنَ الآياتِ ما مِثْلُهُ آمَنَ عَلَيْهِ البَشَرُ» و(عَنْ) في: ﴿عَنْ قَوْلِكَ﴾ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في ﴿بِتارِكِي آلِهَتِنا﴾، كَأنَّهُ قِيلَ: صادِرِينَ عَنْ قَوْلِكَ، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. وقِيلَ: عَنْ لِلتَّعْلِيلِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إلّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وعَدَها إيّاهُ﴾ [التوبة: ١١٤] فَتَتَعَلَّقُ بِتارِكِي، كَأنَّهُ قِيلَ: لِقَوْلِكَ، وقَدْ أشارَ إلى التَّعْلِيلِ والسَّبَبِ فِيها ابْنُ عَطِيَّةَ، فَقالَ: أيْ: لا يَكُونُ قَوْلُكُ سَبَبًا لَتَرْكِنا، إذْ هو مُجَرَّدٌ عَنْ آيَةٍ، والجُمْلَةُ بَعْدَها تَأْكِيدٌ وتَقْنِيطٌ لَهُ مِن دُخُولِهِمْ في دِينِهِ، ثُمَّ نَسَبُوا ما صَدَرَ مِنهُ مِن دُعائِهِمْ إلى اللَّهِ وإفْرادِهِ بِالأُلُوهِيَّةِ إلى الخَبَلِ والجُنُونِ، وأنَّ ذَلِكَ مِمّا اعْتَراهُ بِهِ بَعْضُ آلِهَتِهِمْ لِكَوْنِهِ سَبَّها وحَرَّضَ عَلى تَرْكِها ودَعا إلى تَرْكِ عِبادَتِها، فَجَعَلَتْهُ يَتَكَلَّمُ مُكافَأةً بِما يَتَكَلَّمُ بِهِ المَجانِينُ، كَما قالَتْ قُرَيْشٌ ﴿مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ﴾ [الدخان: ١٤]، ﴿أمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ﴾ [المؤمنون: ٧٠] و﴿اعْتَراكَ﴾ جُمْلَةٌ مَحْكِيَّةٌ بِـ (نَقُولُ)، فَهي في مَوْضِعِ المَفْعُولِ، ودَلَّتْ عَلى بَلَهٍ شَدِيدٍ وجَهْلٍ مُفْرِطٍ، حَيْثُ اعْتَقَدُوا في حِجارَةٍ أنَّها تَنْتَصِرُ وتَنْتَقِمُ.
وقَوْلُ هُودٍ لَهم في جَوابِ ذَلِكَ: ﴿إنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ﴾ إلى آخِرِهِ، حَيْثُ تَبَرَّأ مِن آلِهَتِهِمْ، وحَرَّضَهم كُلَّهم مَعَ انْفِرادِهِ وحْدَهُ عَلى كَيْدِهِ بِما يَشاءُونَ، وعَدَمُ تَأخُّرِهِ مِن أعْظَمِ الآياتِ عَلى صِدْقِهِ وثِقَتِهِ بِمَوْعُودِ رَبِّهِ مِنَ النَّصْرِ لَهُ، والتَّأْيِيدِ والعِصْمَةِ مِن أنْ يَنالُوهُ بِمَكْرُوهٍ، هَذا وهْمُ حَرِيصُونَ عَلى قَتْلِهِ يَرْمُونَهُ عَنْ قَوْسٍ واحِدَةٍ. ومِثْلُهُ قَوْلُ نُوحٍ لِقَوْمِهِ: ﴿ثُمَّ اقْضُوا إلَيَّ ولا تُنْظِرُونِ﴾ [يونس: ٧١] وأكَّدَ بَراءَتَهُ مِن آلِهَتِهِمْ وشِرْكِهِمْ، ووَثَّقَها بِما جَرَتْ عَلَيْهِ عادَةُ النّاسِ مِن تَوْثِيقِهِمُ الأمْرَ بِشَهادَةِ اللَّهِ وشَهادَةِ العِبادِ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): هَلّا قِيلَ: إنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وأُشْهِدُكم (قُلْتُ): لِأنَّ إشْهادَ اللَّهِ عَلى البَراءَةِ مِنَ الشِّرْكِ إشْهادٌ صَحِيحٌ ثابِتٌ في مَعْنى تَثْبِيتِ التَّوْحِيدِ، وأمّا إشْهادُهم فَما هو إلّا تَهاوُنٌ بِدِينِهِمْ ودِلالَةٌ عَلى قِلَّةِ المُبالاةِ بِهِمْ فَحَسْبُ، فَعُدِلَ بِهِ (p-٢٣٤)عَنْ لَفْظِ الأوَّلِ لِاخْتِلافِ ما بَيْنَهُما، وجِيءَ بِهِ عَلى لَفْظِ الأمْرِ بِالشَّهادَةِ، انْتَهى.
و﴿أنِّي بَرِيءٌ﴾ تَنازَعَ فِيهِ (أُشْهِدُ) و﴿اشْهَدُوا﴾ [آل عمران: ٦٤]، وقَدْ يَتَنازَعُ المُخْتَلِفانِ في التَّعَدِّي الِاسْمَ الَّذِي يَكُونُ صالِحًا لِأنْ يَعْمَلا فِيهِ تَقُولُ: أعْطَيْتُ زَيْدًا ووَهَبْتُ لِعَمْرٍو دِينارًا، كَما يَتَنازَعُ اللّازِمُ والمُتَعَدِّي نَحْوَ: قامَ وضَرَبْتُ زَيْدًا.
و(ما) في (مّا تُشْرِكُونَ) مَوْصُولَةٌ إمّا مَصْدَرِيَّةٌ وإمّا بِمَعْنى الَّذِي، أيْ: بَرِيءٌ مِن إشْراكِكم آلِهَةً مِن دُونِهِ، أوْ مِنَ الَّذِينَ تُشْرِكُونَ، و(جَمِيعًا) حالٌ مِن ضَمِيرِ (كِيدُونِي) الفاعِلِ، والخِطابُ إنَّما هو لِقَوْمِهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أنْتُمْ وآلِهَتُكم، انْتَهى. قِيلَ: ومُجاهَرَةُ هُودٍ عَلَيْهِ السَّلامُ لَهم بِالبَراءَةِ مِن أدْيانِهِمْ، وحَضُّهُ إيّاهم عَلى كَيْدِهِ هم وأصْنامُهم مُعْجِزَةٌ لِهُودٍ، أوْ حَرَّضَ جَماعَتَهم عَلَيْهِ مَعَ انْفِرادِهِ وقُوَّتِهِمْ وكَثْرَتِهِمْ، فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلى نَيْلِهِ بِسُوءٍ، ثُمَّ ذَكَرَ تَوَكُّلَهُ عَلى اللَّهِ مُعْلِمًا أنَّهُ رَبُّهُ ورَبُّهم، ومُنَبِّهًا عَلى أنَّهُ مِن حَيْثُ هو رَبُّكم يَجِبُ عَلَيْكم أنْ لا تَعْبُدُوا إلّا إيّاهُ، ومُفَوِّضًا أمْرَهُ إلَيْهِ تَعالى ثِقَةً بِحِفْظِهِ وانِجازِ مَوْعُودِهِ، ثُمَّ وصَفَ قُدْرَةَ اللَّهِ تَعالى وعَظِيمَ مُلْكِهِ مِن كَوْنِ كُلِّ دابَّةٍ في قَبْضَتِهِ ومِلْكِهِ وتَحْتَ قَهْرِهِ وسُلْطانِهِ، فَأنْتُمْ مِن جُمْلَةِ أُولَئِكَ المَقْهُورِينَ.
وقَوْلُهُ: ﴿آخِذٌ بِناصِيَتِها﴾: تَمْثِيلٌ، إذْ كانَ القادِرُ المالِكُ يَقُودُ المَقْدُورَ عَلَيْهِ بِناصِيَتِهِ كَما يُقادُ الأسِيرُ والفَرَسُ بِناصِيَتِهِ، حَتّى صارَ الأخْذُ بِالنّاصِيَةِ عُرْفًا في القُدْرَةِ عَلى الحَيَوانِ، وكانَتِ العَرَبُ تَجُزُّ: ناصِيَةَ الأسِيرِ المَمْنُونِ عَلَيْهِ عَلامَةَ أنَّهُ قَدْ قُدِرَ عَلَيْهِ وقُبِضَ عَلى ناصِيَتِهِ. قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: وخَصَّ النّاصِيَةَ لِأنَّ العَرَبَ إذا وصَفَتْ إنْسانًا بِالذِّلَّةِ والخُضُوعِ قالَتْ: ما ناصِيَةُ فُلانٍ إلّا بِيَدِ فُلانٍ، أيْ: أنَّهُ مُطِيعٌ لَهُ يُصَرِّفُهُ كَيْفَ يَشاءُ، ثُمَّ أخْبَرَ أنَّ أفْعالَهُ تَعالى في غايَةِ الإحْكامِ، وعَلى طَرِيقِ الحَقِّ والعَدْلِ في مُلْكِهِ، لا يَفُوتُهُ ظالِمٌ ولا يَضِيعُ عِنْدَهُ مَن تَوَكَّلَ عَلَيْهِ، قَوْلُهُ الصِّدْقُ ووَعْدُهُ الحَقُّ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿فَإنْ تَوَلَّوْا﴾، أيْ: تَتَوَلَّوْا مُضارِعُ تَوَلّى. وقَرَأ الأعْرَجُ و عِيسى الثَّقَفِيُّ: تُوَلُّوا بِضَمِّ التّاءِ واللّامِ مُضارِعُ ولّى، وقِيلَ: تَوَلَّوْا ماضٍ ويَحْتاجُ في الجَوابِ إلى إضْمارِ قَوْلٍ، أيْ: فَقُلْ لَهم فَقَدْ أبْلَغْتُكم، ولا حاجَةَ تَدْعُو إلى جَعْلِهِ ماضِيًا وإضْمارِ القَوْلِ.
وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ (تَوَلَّوْا) فِعْلًا ماضِيًا، ويَكُونُ في الكَلامِ رُجُوعٌ مِن غَيْبَةٍ إلى خِطابٍ، أيْ: فَقَدْ أبْلَغْتُكم، انْتَهى. فَلا يَحْتاجُ إلى إضْمارٍ، والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في تَوَلَّوْا عائِدٌ عَلى قَوْمِ هُودٍ، وخِطابٌ لَهم مِن تَمامِ الجَمَلِ المَقُولَةِ قَبْلُ. وقالَ التَّبْرِيزِيُّ: هو عائِدٌ عَلى كَفّارِ قُرَيْشٍ، وهو مِن تَلْوِينِ الخِطابِ، انْتَقَلَ مِن خِطابِ قَوْمِ هُودٍ إلى الإخْبارِ عَمَّنْ بِحَضْرَةِ الرَّسُولِ ﷺ وكَأنَّهُ قِيلَ: أخْبِرْهم عَنْ قِصَّةِ قَوْمِ هُودٍ، وادْعُهم إلى الإيمانِ بِاللَّهِ لِئَلّا يُصِيبَهم كَما أصابَ قَوْمَ هُودٍ، فَإنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ لَهم: قَدْ أبْلَغْتُكم.
وجَوابُ الشَّرْطِ هو قَوْلُهُ: ﴿فَقَدْ أبْلَغْتُكُمْ﴾، وصَحَّ أنْ يَكُونَ جَوابًا، لِأنَّ في إبْلاغِهِ إلَيْهِمْ رِسالَتَهُ تَضَمُّنُ ما يَحُلُّ بِهِمْ مِنَ العَذابِ المُسْتَأْصِلِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: فَإنْ تَتَوَلَّوُا اسْتُؤْصِلْتُمْ بِالعَذابِ. ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ الجُمْلَةُ الخَبَرِيَّةُ وهي قَوْلُهُ: ﴿ويَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾ .
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): الإبْلاغُ كانَ قَبْلَ التَّوَلِّي، فَكَيْفَ وقَعَ جَزاءً لِلشَّرْطِ ؟ (قُلْتُ): مَعْناهُ: فَإنْ تَوَلَّوْا لَمْ أُعاقِبْ عَلى تَفْرِيطٍ في الإبْلاغِ، فَإنَّ ما أُرْسِلْتُ بِهِ إلَيْكم قَدْ بَلَغَكم فَأبَيْتُمْ إلّا تَكْذِيبَ الرِّسالَةِ وعَداوَةَ الرَّسُولِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: المَعْنى أنَّهُ ما عَلَيَّ كَبِيرُ هَمٍّ مِنكم إنْ تَوَلَّيْتُمْ فَقَدْ بَرِئَتْ ساحَتِي بِالتَّبْلِيغِ، وأنْتُمْ أصْحابُ الذَّنْبِ في الإعْراضِ عَنِ الإيمانِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (ويَسْتَخْلِفُ) بِضَمِّ الفاءِ عَلى مَعْنى الخَبَرِ المُسْتَأْنَفِ، أيْ: يُهْلِكُكم ويَجِيءُ بِقَوْمٍ آخَرِينَ يَخْلُفُونَكم في دِيارِكم وأمْوالِكم. وقَرَأ حَفْصٌ في رِوايَةِ هُبَيْرَةَ: بِجَزْمِها عَطْفًا عَلى مَوْضِعِ الجَزاءِ، وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ كَذَلِكَ وبِجَزْمِ ﴿ولا تَضُرُّوهُ﴾ [التوبة: ٣٩]، وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ولا تَضُرُّونَهُ﴾، أيْ: شَيْئًا مِنَ الضَّرَرِ بِتَوْلِيَتِكم، لِأنَّهُ تَعالى لا تَجُوزُ عَلَيْهِ المَضارُّ والمَنافِعُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: يُحْتَمَلُ مِنَ المَعْنى وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: ولا تَضُرُّونَهُ بِذَهابِكم وهَلاكِكم شَيْئًا، أيْ: لا يَنْقُصُ مُلْكُهُ ولا يَخْتَلُّ أمْرُهُ، وعَلى هَذا (p-٢٣٥)المَعْنى قَرَأ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ ولا تَنْقُصُونَهُ شَيْئًا. والمَعْنى الآخَرُ: ولا تَضُرُّونَهُ، أيْ: ولا تَقْدِرُونَ إذا أهْلَكَكم عَلى إضْرارِهِ بِشَيْءٍ، ولا عَلى انْتِصارٍ مِنهُ، ولا تُقابِلُونَ فِعْلَهُ بِشَيْءٍ يَضُرُّهُ، انْتَهى.
وهَذا فِعْلٌ مَنفِيٌّ ومَدْلُولُهُ نَكِرَةٌ، فَيَنْتَفِي جَمِيعُ وُجُوهِ الضَّرَرِ، ولا يَتَعَيَّنُ واحِدٌ مِنها. ومَعْنى (حَفِيظٌ): رَقِيبٌ مُحِيطٌ بِالأشْياءِ عِلْمًا لا يَخْفى عَلَيْهِ أعْمالُكم، ولا يَغْفُلُ عَنْ مُؤاخَذَتِكم، وهو يَحْفَظُنِي مِمّا تَكِيدُونَنِي بِهِ.
﴿ولَمّا جاءَ أمْرُنا نَجَّيْنا هُودًا والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنّا ونَجَّيْناهم مِن عَذابٍ غَلِيظٍ﴾ ﴿وتِلْكَ عادٌ جَحَدُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وعَصَوْا رُسُلَهُ واتَّبَعُوا أمْرَ كُلِّ جَبّارٍ عَنِيدٍ﴾ ﴿وأُتْبِعُوا في هَذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً ويَوْمَ القِيامَةِ ألا إنَّ عادًا كَفَرُوا رَبَّهم ألا بُعْدًا لِعادٍ قَوْمِ هُودٍ﴾: الأمْرُ: واحِدُ الأُمُورِ، فَيَكُونُ كِنايَةً عَنِ العَذابِ، أوْ عَنِ القَضاءِ بِهَلاكِهِمْ. أوْ مَصْدَرُ أمَرَ، أيْ: أمْرُنا لِلرِّيحِ أوْ لِخَزَنَتِها.
﴿والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾: قِيلَ: كانُوا أرْبَعَةَ آلافٍ، قِيلَ: ثَلاثَةُ آلافٍ.
والظّاهِرُ تَعَلُّقٌ بِرَحْمَةٍ مِنّا بِقَوْلِهِ: (نَجَّيْنا) أيْ: نَجَّيْناهم بِمُجَرَّدِ رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لَحِقَتْهم، لا بِأعْمالِهِمُ الصّالِحَةِ. أوْ كَنّى بِالرَّحْمَةِ عَنْ أعْمالِهِمُ الصّالِحَةِ، إذْ تَوْفِيقُهم لَها إنَّما هو بِسَبَبِ رَحْمَتِهِ تَعالى إيّاهم. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِآمَنُوا، أيْ: إنَّ إيمانَهم بِاللَّهِ وبِتَصْدِيقِ رَسُولِهِ إنَّما هو بِرَحْمَةِ اللَّهِ تَعالى إيّاهم، إذْ وفَّقَهم لِذَلِكَ. وتَكَرَّرَتِ التَّنْجِيَةُ عَلى سَبِيلِ التَّوْكِيدِ، ولِقَلَقِ مَن لَوْ لاصَقَتْ مِنّا فَأُعِيدَتِ التَّنْجِيَةُ وهي الأُولى، أوْ تَكُونُ هَذِهِ النَّتِيجَةُ هي مِن عَذابِ الآخِرَةِ ولا عَذابَ أغْلَظُ مِنهُ، فَأُعِيدَتْ لِأجْلِ اخْتِلافِ مُتَعَلِّقَيْها. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): فَما مَعْنى تَكْرِيرِ التَّنْجِيَةِ ؟ (قُلْتُ): ذَكَرَ أوَّلًا أنَّهُ حِينَ أهْلَكَ عَدُوَّهم نَجّاهم، ثُمَّ قالَ: ﴿ونَجَّيْناهم مِن عَذابٍ غَلِيظٍ﴾ عَلى مَعْنى: وكانَتِ التَّنْجِيَةُ مِن عَذابٍ غَلِيظٍ، قالَ: وذَلِكَ أنَّ اللَّهَ عَزَّ وعَلا بَعَثَ عَلَيْهِمُ السَّمُومَ، فَكانَتْ تَدْخُلُ في أُنُوفِهِمْ وتَخْرُجُ مِن أدْبارِهِمْ، وتُقَطِّعُهم عُضْوًا عُضْوًا، انْتَهى.
وهَذا قالَهُ الزَّجّاجُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: وكانَتِ النَّجاةُ المُتَقَدِّمَةُ مِن عَذابٍ غَلِيظٍ يُرِيدُ: الرِّيحَ، فَيَكُونُ المَقْصُودُ عَلى هَذا: تَعْدِيدُ النِّعْمَةِ، والمَشْهُورُ في عَذابِهِمْ بِالرِّيحِ: أنَّها كانَتْ تَحْمِلُهم وتَهْدِمُ مَساكِنَهم وتَنْسِفُها، وتَحْمِلُ الظَّعِينَةَ كَما هي، ونَحْوَ هَذا.
و(تِلْكَ عادٌ): إشارَةٌ إلى قُبُورِهِمْ وآثارِهِمْ كَأنَّهُ قالَ: ﴿فَسِيحُوا في الأرْضِ﴾ [التوبة: ٢]: فانْظُرُوا إلَيْها واعْتَبِرُوا، ثُمَّ اسْتَأْنَفَ الأخْبارَ عَنْهم فَقالَ: ﴿جَحَدُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ﴾ أيْ: أنْكَرُوها. وأضافَ الآياتِ إلى رَبِّهِمْ تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ مالِكُهم ومُرَبِّيهِمْ، فَأنْكَرُوا آياتِهِ، والواجِبُ إقْرارُهم بِها. وأصْلُ جَحَدَ أنْ يَتَعَدّى بِنَفْسِهِ، لَكِنَّهُ أُجْرِيَ مَجْرى كَفَرَ فَعُدِّيَ بِالباءِ، كَما عُدِّيَ كَفَرَ بِنَفْسِهِ في قَوْلِهِ: ﴿ألا إنَّ عادًا كَفَرُوا رَبَّهُمْ﴾، إجْراءً لَهُ مَجْرى جَحَدَ.
وقِيلَ: كَفَرَ كَشَكَرَ يَتَعَدّى تارَةً بِنَفْسِهِ، وتارَةً بِحَرْفِ جَرٍّ.
﴿وعَصَوْا رُسُلَهُ﴾ قِيلَ: عَصَوْا هُودًا والرُّسُلَ الَّذِينَ كانُوا مِن قَبْلِهِ، وقِيلَ: يُنَزَّلُ تَكْذِيبُ الرَّسُولِ الواحِدِ مَنزِلَةَ تَكْذِيبِ الرُّسُلِ، لِأنَّهم كُلَّهم مُجْمِعُونَ عَلى الإيمانِ بِاللَّهِ والإقْرارِ بِرُبُوبِيَّتِهِ كَقَوْلِهِ: ﴿لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أحَدٍ مِن رُسُلِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٥] (واتَّبَعُوا) أيِ: اتَّبَعَ سُقّاطُهم أمْرَ رُؤَسائِهِمْ وكُبَرائِهِمْ، والمَعْنى: أنَّهم أطاعُوهم فِيما أمَرُوهم بِهِ.
قالَ الكَلْبِيُّ: الجَبّارُ: هو الَّذِي يَقْتُلُ عَلى الغَضَبِ، ويُعاقِبُ عَلى المَعْصِيَةِ، وقالَ الزَّجّاجُ: هو الَّذِي يُجْبِرُ النّاسَ عَلى ما يُرِيدُ. وذَكَرَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: أنَّهُ العَظِيمُ في نَفْسِهِ، المُتَكَبِّرُ عَلى العِبادِ.
والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: (واتَّبَعُوا): عامٌّ في جَمِيعِ عادٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لَمّا كانُوا تابِعِينَ لَهُ دُونَ الرُّسُلِ، جُعِلَتِ اللَّعْنَةُ تابِعَةً لَهم في الدّارَيْنِ تَكُبُّهم عَلى وُجُوهِهِمْ في عَذابِ اللَّهِ، انْتَهى.
(p-٢٣٦)فَظاهِرُ كَلامِهِ يَدُلُّ عَلى أنَّ اللَّعْنَةَ مُخْتَصَّةٌ بِالتّابِعِينَ لِلرُّؤَساءِ، ونَبَّهَ عَلى عِلَّةِ اتِّباعِ اللَّعْنَةِ لَهم في الدّارَيْنِ: بِأنَّهم كَفَرُوا رَبَّهم، فالكُفْرُ هو المُوجِبُ لِلَّعْنَةِ. ثُمَّ كَرَّرَ التَّنْبِيهَ بِقَوْلِهِ: ألا في الدُّعاءِ عَلَيْهِمْ تَهْوِيلًا لِأمْرِهِمْ، وتَفْظِيعًا لَهُ، وبَعْثًا عَلى الِاعْتِبارِ بِهِمْ والحَذَرِ مِن مِثْلِ حالِهِمْ.
وفائِدَةُ قَوْلِهِ: قَوْمِ هُودٍ: مَزِيدُ التَّأْكِيدِ لِلْمُبالَغَةِ في التَّنْصِيصِ، أوْ تَعْيِينُ عادٍ هَذِهِ مِن عادِ إرَمَ، لِأنَّ عادًا اثْنانِ ولِذَلِكَ قالَ تَعالى: ﴿وأنَّهُ أهْلَكَ عادًا الأُولى﴾ [النجم: ٥٠]، فَتَحَقَّقَ أنَّ الدُّعاءَ عَلى عادٍ هَذِهِ، ولَمْ تَلْتَبِسْ بِغَيْرِها.
هود 11:58
﴿وإلى عادٍ أخاهم هُودًا قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ إنْ أنْتُمْ إلّا مُفْتَرُونَ﴾ ﴿ياقَوْمِ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى الَّذِي فَطَرَنِي أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ ﴿ويا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكم ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكم مِدْرارًا ويَزِدْكم قُوَّةً إلى قُوَّتِكم ولا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ﴾: ﴿وإلى عادٍ أخاهُمْ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿أرْسَلْنا نُوحًا إلى قَوْمِهِ﴾ [هود: ٢٥]، عَطَفَتِ الواوُ المَجْرُورَ عَلى المَجْرُورِ والمَنصُوبَ عَلى المَنصُوبِ، كَما يُعْطَفُ المَرْفُوعُ والمَنصُوبُ عَلى المَرْفُوعِ والمَنصُوبِ نَحْوَ: ضَرَبَ زَيْدٌ عَمْرًا وبَكْرٌ خالِدًا، ولَيْسَ مِن بابِ الفَصْلِ بِالجارِّ والمَجْرُورِ بَيْنَ حَرْفِ العَطْفِ والمَعْطُوفِ نَحْوَ: ضَرَبْتُ زَيْدًا وفي البَيْتِ عَمْرًا، فَيَجِيءُ مِنهُ الخِلافُ الَّذِي بَيْنَ النَّحْوِيِّينَ: هَلْ يَجُوزُ في الكَلامِ أوْ يَخْتَصُّ بِالشِّعْرِ ؟ وتَقْدِيرُ الكَلامِ: في هُودٍ وعادٍ وإخْوَتِهِ مِنهم في الأعْرافِ، وقِراءَةُ الكِسائِيِّ: (غَيْرِهِ) بِالخَفْضِ، وقِيلَ: ثَمَّ فِعْلٌ مَحْذُوفٌ أيْ: وأرْسَلْنا إلى عادٍ أخاهم، فَيَكُونُ إذْ ذاكَ مِن عَطْفِ الجُمَلِ، والأوَّلُ مِن عَطْفِ المُفْرَداتِ، وهَذا أقْرَبُ لِطُولِ الفَصْلِ بِالجُمَلِ الكَثِيرَةِ بَيْنَ المُتَعاطِفَيْنِ.
(وهُودًا): بَدَلٌ أوْ عَطْفُ بَيانٍ. وقَرَأ مُحَيْصِنٌ (يا قَوْمُ) بِضَمِّ المِيمِ كَقِراءَةِ حَفْصٍ: (قالَ رَبُّ احْكم بِالحَقِّ) بِالضَّمِّ، وهي لُغَةٌ في المُنادى المُضافِ حَكاها سِيبَوَيْهِ وغَيْرُهُ، وافْتِراؤُهم قالَ الحَسَنُ: في جَعْلِهِمُ الأُلُوهِيَّةَ لِغَيْرِ اللَّهِ تَعالى. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: بِاتِّخاذِكُمُ الأوْثانَ لَهُ شُرَكاءَ. والضَّمِيرُ في عَلَيْهِ عائِدٌ عَلى الدُّعاءِ إلى اللَّهِ، ونَبَّهَ بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِي فَطَرَنِي﴾، عَلى الرَّدِّ عَلَيْهِمْ في عِبادَتِهِمُ الأصْنامَ، واعْتِقادِهِمْ أنَّها تَفْعَلُ، وكَوْنِهِ تَعالى هو الفاطِرُ لِلْمَوْجُوداتِ يَسْتَحِقُّ إفْرادَهُ بِالعِبادَةِ.
و﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ تَوْقِيفٌ عَلى اسْتِحالَةِ الأُلُوهِيَّةِ لِغَيْرِ الفاطِرِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ راجِعًا إلى أنَّهُ إذا لَمْ أطْلُبْ عَرَضًا مِنكم، وإنَّما أُرِيدُ نَفْعَكم فَيَجِبُ انْقِيادُكم لِما فِيهِ نَجاتُكم، كَأنَّهُ قِيلَ: ﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ نَصِيحَةَ مَن لا يَطْلُبُ عَلَيْها أجْرًا إلّا مِنَ اللَّهِ تَعالى، وهو ثَوابُ الآخِرَةِ، ولا شَيْءَ أنْفى لِلتُّهْمَةِ مِن ذَلِكَ. وتَقَدَّمَ الكَلامُ في ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكم ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ﴾ [هود: ٣] أوَّلَ هَذِهِ السُّورَةِ.
قَصَدَ هُودٌ اسْتِمالَتَهم إلى الإيمانِ وتَرْغِيبَهم فِيهِ بِكَثْرَةِ (p-٢٣٣)المَطَرِ وزِيادَةِ القُوَّةِ، لِأنَّهم كانُوا أصْحابَ زُورِعٍ وبَساتِينَ وعِماراتٍ حِراصًا عَلَيْها أشَدَّ الحِرْصِ، فَكانُوا أحْوَجَ شَيْءٍ إلى الماءِ، وكانُوا مُدْلِينَ بِما أُوتُوا مِن هَذِهِ القُوَّةِ والبَطْشِ والبَأْسِ مُهَيَّئِينَ في كُلِّ ناحِيَةٍ.
وقِيلَ: أرادَ القُوَّةَ في المالِ، وقِيلَ: في النِّكاحِ. قِيلَ: وحُبِسَ عَنْهُمُ المَطَرُ ثَلاثَ سِنِينَ، وعَقِمَتْ أرْحامُ نِسائِهِمْ. وقَدِ انْتَزَعَ الحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - مِن هَذا ومِن قَوْلِهِ: ﴿ويُمْدِدْكم بِأمْوالٍ وبَنِينَ﴾ [نوح: ١٢]، أنَّ كَثْرَةَ الِاسْتِغْفارِ قَدْ يَجْعَلُهُ اللَّهُ سَبَبًا لِكَثْرَةِ الوَلَدِ، وأجابَ مَن سَألَهُ وأخْبَرَهُ أنَّهُ ذُو مالٍ ولا يُولَدُ لَهُ بِالِاسْتِغْفارِ، فَأكْثَرَ مِن ذَلِكَ فَوُلِدَ لَهُ عَشْرُ بَنِينَ.
ورَوى أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ويَزِدْكم قُوَّةً إلى قُوَّتِكُمْ﴾: أنَّهُ الوَلَدُ ووَلَدُ الوَلَدِ.
وقالَ مُجاهِدٌ وابْنُ زَيْدٍ: في الجِسْمِ والبَأْسِ، وقالَ الضَّحّاكُ: خَصْبًا إلى خَصْبِكم، وقِيلَ: نِعْمَةً إلى نِعْمَتِهِ الأُولى عَلَيْكم، وقِيلَ: قُوَّةً في إيمانِكم إلى قُوَّةٍ في أبْدانِكم.
﴿قالُوا يا هُودُ ما جِئْتَنا بِبَيِّنَةٍ وما نَحْنُ بِتارِكِي آلِهَتِنا عَنْ قَوْلِكَ وما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿إنْ نَقُولُ إلّا اعْتَراكَ بَعْضُ آلِهَتِنا بِسُوءٍ قالَ إنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ واشْهَدُوا أنِّي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ﴾ ﴿مِن دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لا تُنْظِرُونِي﴾ ﴿إنِّي تَوَكَّلْتُ عَلى اللَّهِ رَبِّي ورَبِّكم ما مِن دابَّةٍ إلّا هو آخِذٌ بِناصِيَتِها إنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ﴿فَإنْ تَوَلَّوْا فَقَدْ أبْلَغْتُكم ما أُرْسِلْتُ بِهِ إلَيْكم ويَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكم ولا تَضُرُّونَهُ شَيْئًا إنَّ رَبِّي عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ﴾: بِبَيِّنَةٍ أوْ بِحُجَّةٍ واضِحَةٍ تَدُلُّ عَلى صِدْقِكَ، وقَدْ كَذَّبُوا في ذَلِكَ وبَهَتُوهُ كَما كَذَّبَتْ قُرَيْشٌ في قَوْلِهِمْ: ﴿لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِن رَبِّهِ﴾ [يونس: ٢٠] وقَدْ جاءَهم بِآياتٍ كَثِيرَةٍ، أوْ لِعَمائِهِمْ عَنِ الحَقِّ وعَدَمِ نَظَرِهِمْ في الآياتِ اعْتَقَدُوا ما هو آيَةٌ لَيْسَ بِآيَةٍ فَقالُوا: ما جِئْتَنا بِبَيِّنَةٍ تُلْجِئُنا إلى الإيمانِ، وإلّا فَهُودٌ وغَيْرُهُ مِنَ الأنْبِياءِ لَهم مُعْجِزاتٌ وإنْ لَمْ يُعَيِّنْ لَنا بَعْضَها.
ألا تَرى إلى قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: «ما مِن نَبِيٍّ إلّا وقَدْ أُوتِيَ مِنَ الآياتِ ما مِثْلُهُ آمَنَ عَلَيْهِ البَشَرُ» و(عَنْ) في: ﴿عَنْ قَوْلِكَ﴾ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في ﴿بِتارِكِي آلِهَتِنا﴾، كَأنَّهُ قِيلَ: صادِرِينَ عَنْ قَوْلِكَ، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. وقِيلَ: عَنْ لِلتَّعْلِيلِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إلّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وعَدَها إيّاهُ﴾ [التوبة: ١١٤] فَتَتَعَلَّقُ بِتارِكِي، كَأنَّهُ قِيلَ: لِقَوْلِكَ، وقَدْ أشارَ إلى التَّعْلِيلِ والسَّبَبِ فِيها ابْنُ عَطِيَّةَ، فَقالَ: أيْ: لا يَكُونُ قَوْلُكُ سَبَبًا لَتَرْكِنا، إذْ هو مُجَرَّدٌ عَنْ آيَةٍ، والجُمْلَةُ بَعْدَها تَأْكِيدٌ وتَقْنِيطٌ لَهُ مِن دُخُولِهِمْ في دِينِهِ، ثُمَّ نَسَبُوا ما صَدَرَ مِنهُ مِن دُعائِهِمْ إلى اللَّهِ وإفْرادِهِ بِالأُلُوهِيَّةِ إلى الخَبَلِ والجُنُونِ، وأنَّ ذَلِكَ مِمّا اعْتَراهُ بِهِ بَعْضُ آلِهَتِهِمْ لِكَوْنِهِ سَبَّها وحَرَّضَ عَلى تَرْكِها ودَعا إلى تَرْكِ عِبادَتِها، فَجَعَلَتْهُ يَتَكَلَّمُ مُكافَأةً بِما يَتَكَلَّمُ بِهِ المَجانِينُ، كَما قالَتْ قُرَيْشٌ ﴿مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ﴾ [الدخان: ١٤]، ﴿أمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ﴾ [المؤمنون: ٧٠] و﴿اعْتَراكَ﴾ جُمْلَةٌ مَحْكِيَّةٌ بِـ (نَقُولُ)، فَهي في مَوْضِعِ المَفْعُولِ، ودَلَّتْ عَلى بَلَهٍ شَدِيدٍ وجَهْلٍ مُفْرِطٍ، حَيْثُ اعْتَقَدُوا في حِجارَةٍ أنَّها تَنْتَصِرُ وتَنْتَقِمُ.
وقَوْلُ هُودٍ لَهم في جَوابِ ذَلِكَ: ﴿إنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ﴾ إلى آخِرِهِ، حَيْثُ تَبَرَّأ مِن آلِهَتِهِمْ، وحَرَّضَهم كُلَّهم مَعَ انْفِرادِهِ وحْدَهُ عَلى كَيْدِهِ بِما يَشاءُونَ، وعَدَمُ تَأخُّرِهِ مِن أعْظَمِ الآياتِ عَلى صِدْقِهِ وثِقَتِهِ بِمَوْعُودِ رَبِّهِ مِنَ النَّصْرِ لَهُ، والتَّأْيِيدِ والعِصْمَةِ مِن أنْ يَنالُوهُ بِمَكْرُوهٍ، هَذا وهْمُ حَرِيصُونَ عَلى قَتْلِهِ يَرْمُونَهُ عَنْ قَوْسٍ واحِدَةٍ. ومِثْلُهُ قَوْلُ نُوحٍ لِقَوْمِهِ: ﴿ثُمَّ اقْضُوا إلَيَّ ولا تُنْظِرُونِ﴾ [يونس: ٧١] وأكَّدَ بَراءَتَهُ مِن آلِهَتِهِمْ وشِرْكِهِمْ، ووَثَّقَها بِما جَرَتْ عَلَيْهِ عادَةُ النّاسِ مِن تَوْثِيقِهِمُ الأمْرَ بِشَهادَةِ اللَّهِ وشَهادَةِ العِبادِ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): هَلّا قِيلَ: إنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وأُشْهِدُكم (قُلْتُ): لِأنَّ إشْهادَ اللَّهِ عَلى البَراءَةِ مِنَ الشِّرْكِ إشْهادٌ صَحِيحٌ ثابِتٌ في مَعْنى تَثْبِيتِ التَّوْحِيدِ، وأمّا إشْهادُهم فَما هو إلّا تَهاوُنٌ بِدِينِهِمْ ودِلالَةٌ عَلى قِلَّةِ المُبالاةِ بِهِمْ فَحَسْبُ، فَعُدِلَ بِهِ (p-٢٣٤)عَنْ لَفْظِ الأوَّلِ لِاخْتِلافِ ما بَيْنَهُما، وجِيءَ بِهِ عَلى لَفْظِ الأمْرِ بِالشَّهادَةِ، انْتَهى.
و﴿أنِّي بَرِيءٌ﴾ تَنازَعَ فِيهِ (أُشْهِدُ) و﴿اشْهَدُوا﴾ [آل عمران: ٦٤]، وقَدْ يَتَنازَعُ المُخْتَلِفانِ في التَّعَدِّي الِاسْمَ الَّذِي يَكُونُ صالِحًا لِأنْ يَعْمَلا فِيهِ تَقُولُ: أعْطَيْتُ زَيْدًا ووَهَبْتُ لِعَمْرٍو دِينارًا، كَما يَتَنازَعُ اللّازِمُ والمُتَعَدِّي نَحْوَ: قامَ وضَرَبْتُ زَيْدًا.
و(ما) في (مّا تُشْرِكُونَ) مَوْصُولَةٌ إمّا مَصْدَرِيَّةٌ وإمّا بِمَعْنى الَّذِي، أيْ: بَرِيءٌ مِن إشْراكِكم آلِهَةً مِن دُونِهِ، أوْ مِنَ الَّذِينَ تُشْرِكُونَ، و(جَمِيعًا) حالٌ مِن ضَمِيرِ (كِيدُونِي) الفاعِلِ، والخِطابُ إنَّما هو لِقَوْمِهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أنْتُمْ وآلِهَتُكم، انْتَهى. قِيلَ: ومُجاهَرَةُ هُودٍ عَلَيْهِ السَّلامُ لَهم بِالبَراءَةِ مِن أدْيانِهِمْ، وحَضُّهُ إيّاهم عَلى كَيْدِهِ هم وأصْنامُهم مُعْجِزَةٌ لِهُودٍ، أوْ حَرَّضَ جَماعَتَهم عَلَيْهِ مَعَ انْفِرادِهِ وقُوَّتِهِمْ وكَثْرَتِهِمْ، فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلى نَيْلِهِ بِسُوءٍ، ثُمَّ ذَكَرَ تَوَكُّلَهُ عَلى اللَّهِ مُعْلِمًا أنَّهُ رَبُّهُ ورَبُّهم، ومُنَبِّهًا عَلى أنَّهُ مِن حَيْثُ هو رَبُّكم يَجِبُ عَلَيْكم أنْ لا تَعْبُدُوا إلّا إيّاهُ، ومُفَوِّضًا أمْرَهُ إلَيْهِ تَعالى ثِقَةً بِحِفْظِهِ وانِجازِ مَوْعُودِهِ، ثُمَّ وصَفَ قُدْرَةَ اللَّهِ تَعالى وعَظِيمَ مُلْكِهِ مِن كَوْنِ كُلِّ دابَّةٍ في قَبْضَتِهِ ومِلْكِهِ وتَحْتَ قَهْرِهِ وسُلْطانِهِ، فَأنْتُمْ مِن جُمْلَةِ أُولَئِكَ المَقْهُورِينَ.
وقَوْلُهُ: ﴿آخِذٌ بِناصِيَتِها﴾: تَمْثِيلٌ، إذْ كانَ القادِرُ المالِكُ يَقُودُ المَقْدُورَ عَلَيْهِ بِناصِيَتِهِ كَما يُقادُ الأسِيرُ والفَرَسُ بِناصِيَتِهِ، حَتّى صارَ الأخْذُ بِالنّاصِيَةِ عُرْفًا في القُدْرَةِ عَلى الحَيَوانِ، وكانَتِ العَرَبُ تَجُزُّ: ناصِيَةَ الأسِيرِ المَمْنُونِ عَلَيْهِ عَلامَةَ أنَّهُ قَدْ قُدِرَ عَلَيْهِ وقُبِضَ عَلى ناصِيَتِهِ. قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: وخَصَّ النّاصِيَةَ لِأنَّ العَرَبَ إذا وصَفَتْ إنْسانًا بِالذِّلَّةِ والخُضُوعِ قالَتْ: ما ناصِيَةُ فُلانٍ إلّا بِيَدِ فُلانٍ، أيْ: أنَّهُ مُطِيعٌ لَهُ يُصَرِّفُهُ كَيْفَ يَشاءُ، ثُمَّ أخْبَرَ أنَّ أفْعالَهُ تَعالى في غايَةِ الإحْكامِ، وعَلى طَرِيقِ الحَقِّ والعَدْلِ في مُلْكِهِ، لا يَفُوتُهُ ظالِمٌ ولا يَضِيعُ عِنْدَهُ مَن تَوَكَّلَ عَلَيْهِ، قَوْلُهُ الصِّدْقُ ووَعْدُهُ الحَقُّ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿فَإنْ تَوَلَّوْا﴾، أيْ: تَتَوَلَّوْا مُضارِعُ تَوَلّى. وقَرَأ الأعْرَجُ و عِيسى الثَّقَفِيُّ: تُوَلُّوا بِضَمِّ التّاءِ واللّامِ مُضارِعُ ولّى، وقِيلَ: تَوَلَّوْا ماضٍ ويَحْتاجُ في الجَوابِ إلى إضْمارِ قَوْلٍ، أيْ: فَقُلْ لَهم فَقَدْ أبْلَغْتُكم، ولا حاجَةَ تَدْعُو إلى جَعْلِهِ ماضِيًا وإضْمارِ القَوْلِ.
وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ (تَوَلَّوْا) فِعْلًا ماضِيًا، ويَكُونُ في الكَلامِ رُجُوعٌ مِن غَيْبَةٍ إلى خِطابٍ، أيْ: فَقَدْ أبْلَغْتُكم، انْتَهى. فَلا يَحْتاجُ إلى إضْمارٍ، والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في تَوَلَّوْا عائِدٌ عَلى قَوْمِ هُودٍ، وخِطابٌ لَهم مِن تَمامِ الجَمَلِ المَقُولَةِ قَبْلُ. وقالَ التَّبْرِيزِيُّ: هو عائِدٌ عَلى كَفّارِ قُرَيْشٍ، وهو مِن تَلْوِينِ الخِطابِ، انْتَقَلَ مِن خِطابِ قَوْمِ هُودٍ إلى الإخْبارِ عَمَّنْ بِحَضْرَةِ الرَّسُولِ ﷺ وكَأنَّهُ قِيلَ: أخْبِرْهم عَنْ قِصَّةِ قَوْمِ هُودٍ، وادْعُهم إلى الإيمانِ بِاللَّهِ لِئَلّا يُصِيبَهم كَما أصابَ قَوْمَ هُودٍ، فَإنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ لَهم: قَدْ أبْلَغْتُكم.
وجَوابُ الشَّرْطِ هو قَوْلُهُ: ﴿فَقَدْ أبْلَغْتُكُمْ﴾، وصَحَّ أنْ يَكُونَ جَوابًا، لِأنَّ في إبْلاغِهِ إلَيْهِمْ رِسالَتَهُ تَضَمُّنُ ما يَحُلُّ بِهِمْ مِنَ العَذابِ المُسْتَأْصِلِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: فَإنْ تَتَوَلَّوُا اسْتُؤْصِلْتُمْ بِالعَذابِ. ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ الجُمْلَةُ الخَبَرِيَّةُ وهي قَوْلُهُ: ﴿ويَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾ .
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): الإبْلاغُ كانَ قَبْلَ التَّوَلِّي، فَكَيْفَ وقَعَ جَزاءً لِلشَّرْطِ ؟ (قُلْتُ): مَعْناهُ: فَإنْ تَوَلَّوْا لَمْ أُعاقِبْ عَلى تَفْرِيطٍ في الإبْلاغِ، فَإنَّ ما أُرْسِلْتُ بِهِ إلَيْكم قَدْ بَلَغَكم فَأبَيْتُمْ إلّا تَكْذِيبَ الرِّسالَةِ وعَداوَةَ الرَّسُولِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: المَعْنى أنَّهُ ما عَلَيَّ كَبِيرُ هَمٍّ مِنكم إنْ تَوَلَّيْتُمْ فَقَدْ بَرِئَتْ ساحَتِي بِالتَّبْلِيغِ، وأنْتُمْ أصْحابُ الذَّنْبِ في الإعْراضِ عَنِ الإيمانِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (ويَسْتَخْلِفُ) بِضَمِّ الفاءِ عَلى مَعْنى الخَبَرِ المُسْتَأْنَفِ، أيْ: يُهْلِكُكم ويَجِيءُ بِقَوْمٍ آخَرِينَ يَخْلُفُونَكم في دِيارِكم وأمْوالِكم. وقَرَأ حَفْصٌ في رِوايَةِ هُبَيْرَةَ: بِجَزْمِها عَطْفًا عَلى مَوْضِعِ الجَزاءِ، وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ كَذَلِكَ وبِجَزْمِ ﴿ولا تَضُرُّوهُ﴾ [التوبة: ٣٩]، وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ولا تَضُرُّونَهُ﴾، أيْ: شَيْئًا مِنَ الضَّرَرِ بِتَوْلِيَتِكم، لِأنَّهُ تَعالى لا تَجُوزُ عَلَيْهِ المَضارُّ والمَنافِعُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: يُحْتَمَلُ مِنَ المَعْنى وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: ولا تَضُرُّونَهُ بِذَهابِكم وهَلاكِكم شَيْئًا، أيْ: لا يَنْقُصُ مُلْكُهُ ولا يَخْتَلُّ أمْرُهُ، وعَلى هَذا (p-٢٣٥)المَعْنى قَرَأ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ ولا تَنْقُصُونَهُ شَيْئًا. والمَعْنى الآخَرُ: ولا تَضُرُّونَهُ، أيْ: ولا تَقْدِرُونَ إذا أهْلَكَكم عَلى إضْرارِهِ بِشَيْءٍ، ولا عَلى انْتِصارٍ مِنهُ، ولا تُقابِلُونَ فِعْلَهُ بِشَيْءٍ يَضُرُّهُ، انْتَهى.
وهَذا فِعْلٌ مَنفِيٌّ ومَدْلُولُهُ نَكِرَةٌ، فَيَنْتَفِي جَمِيعُ وُجُوهِ الضَّرَرِ، ولا يَتَعَيَّنُ واحِدٌ مِنها. ومَعْنى (حَفِيظٌ): رَقِيبٌ مُحِيطٌ بِالأشْياءِ عِلْمًا لا يَخْفى عَلَيْهِ أعْمالُكم، ولا يَغْفُلُ عَنْ مُؤاخَذَتِكم، وهو يَحْفَظُنِي مِمّا تَكِيدُونَنِي بِهِ.
﴿ولَمّا جاءَ أمْرُنا نَجَّيْنا هُودًا والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنّا ونَجَّيْناهم مِن عَذابٍ غَلِيظٍ﴾ ﴿وتِلْكَ عادٌ جَحَدُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وعَصَوْا رُسُلَهُ واتَّبَعُوا أمْرَ كُلِّ جَبّارٍ عَنِيدٍ﴾ ﴿وأُتْبِعُوا في هَذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً ويَوْمَ القِيامَةِ ألا إنَّ عادًا كَفَرُوا رَبَّهم ألا بُعْدًا لِعادٍ قَوْمِ هُودٍ﴾: الأمْرُ: واحِدُ الأُمُورِ، فَيَكُونُ كِنايَةً عَنِ العَذابِ، أوْ عَنِ القَضاءِ بِهَلاكِهِمْ. أوْ مَصْدَرُ أمَرَ، أيْ: أمْرُنا لِلرِّيحِ أوْ لِخَزَنَتِها.
﴿والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾: قِيلَ: كانُوا أرْبَعَةَ آلافٍ، قِيلَ: ثَلاثَةُ آلافٍ.
والظّاهِرُ تَعَلُّقٌ بِرَحْمَةٍ مِنّا بِقَوْلِهِ: (نَجَّيْنا) أيْ: نَجَّيْناهم بِمُجَرَّدِ رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لَحِقَتْهم، لا بِأعْمالِهِمُ الصّالِحَةِ. أوْ كَنّى بِالرَّحْمَةِ عَنْ أعْمالِهِمُ الصّالِحَةِ، إذْ تَوْفِيقُهم لَها إنَّما هو بِسَبَبِ رَحْمَتِهِ تَعالى إيّاهم. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِآمَنُوا، أيْ: إنَّ إيمانَهم بِاللَّهِ وبِتَصْدِيقِ رَسُولِهِ إنَّما هو بِرَحْمَةِ اللَّهِ تَعالى إيّاهم، إذْ وفَّقَهم لِذَلِكَ. وتَكَرَّرَتِ التَّنْجِيَةُ عَلى سَبِيلِ التَّوْكِيدِ، ولِقَلَقِ مَن لَوْ لاصَقَتْ مِنّا فَأُعِيدَتِ التَّنْجِيَةُ وهي الأُولى، أوْ تَكُونُ هَذِهِ النَّتِيجَةُ هي مِن عَذابِ الآخِرَةِ ولا عَذابَ أغْلَظُ مِنهُ، فَأُعِيدَتْ لِأجْلِ اخْتِلافِ مُتَعَلِّقَيْها. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): فَما مَعْنى تَكْرِيرِ التَّنْجِيَةِ ؟ (قُلْتُ): ذَكَرَ أوَّلًا أنَّهُ حِينَ أهْلَكَ عَدُوَّهم نَجّاهم، ثُمَّ قالَ: ﴿ونَجَّيْناهم مِن عَذابٍ غَلِيظٍ﴾ عَلى مَعْنى: وكانَتِ التَّنْجِيَةُ مِن عَذابٍ غَلِيظٍ، قالَ: وذَلِكَ أنَّ اللَّهَ عَزَّ وعَلا بَعَثَ عَلَيْهِمُ السَّمُومَ، فَكانَتْ تَدْخُلُ في أُنُوفِهِمْ وتَخْرُجُ مِن أدْبارِهِمْ، وتُقَطِّعُهم عُضْوًا عُضْوًا، انْتَهى.
وهَذا قالَهُ الزَّجّاجُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: وكانَتِ النَّجاةُ المُتَقَدِّمَةُ مِن عَذابٍ غَلِيظٍ يُرِيدُ: الرِّيحَ، فَيَكُونُ المَقْصُودُ عَلى هَذا: تَعْدِيدُ النِّعْمَةِ، والمَشْهُورُ في عَذابِهِمْ بِالرِّيحِ: أنَّها كانَتْ تَحْمِلُهم وتَهْدِمُ مَساكِنَهم وتَنْسِفُها، وتَحْمِلُ الظَّعِينَةَ كَما هي، ونَحْوَ هَذا.
و(تِلْكَ عادٌ): إشارَةٌ إلى قُبُورِهِمْ وآثارِهِمْ كَأنَّهُ قالَ: ﴿فَسِيحُوا في الأرْضِ﴾ [التوبة: ٢]: فانْظُرُوا إلَيْها واعْتَبِرُوا، ثُمَّ اسْتَأْنَفَ الأخْبارَ عَنْهم فَقالَ: ﴿جَحَدُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ﴾ أيْ: أنْكَرُوها. وأضافَ الآياتِ إلى رَبِّهِمْ تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ مالِكُهم ومُرَبِّيهِمْ، فَأنْكَرُوا آياتِهِ، والواجِبُ إقْرارُهم بِها. وأصْلُ جَحَدَ أنْ يَتَعَدّى بِنَفْسِهِ، لَكِنَّهُ أُجْرِيَ مَجْرى كَفَرَ فَعُدِّيَ بِالباءِ، كَما عُدِّيَ كَفَرَ بِنَفْسِهِ في قَوْلِهِ: ﴿ألا إنَّ عادًا كَفَرُوا رَبَّهُمْ﴾، إجْراءً لَهُ مَجْرى جَحَدَ.
وقِيلَ: كَفَرَ كَشَكَرَ يَتَعَدّى تارَةً بِنَفْسِهِ، وتارَةً بِحَرْفِ جَرٍّ.
﴿وعَصَوْا رُسُلَهُ﴾ قِيلَ: عَصَوْا هُودًا والرُّسُلَ الَّذِينَ كانُوا مِن قَبْلِهِ، وقِيلَ: يُنَزَّلُ تَكْذِيبُ الرَّسُولِ الواحِدِ مَنزِلَةَ تَكْذِيبِ الرُّسُلِ، لِأنَّهم كُلَّهم مُجْمِعُونَ عَلى الإيمانِ بِاللَّهِ والإقْرارِ بِرُبُوبِيَّتِهِ كَقَوْلِهِ: ﴿لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أحَدٍ مِن رُسُلِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٥] (واتَّبَعُوا) أيِ: اتَّبَعَ سُقّاطُهم أمْرَ رُؤَسائِهِمْ وكُبَرائِهِمْ، والمَعْنى: أنَّهم أطاعُوهم فِيما أمَرُوهم بِهِ.
قالَ الكَلْبِيُّ: الجَبّارُ: هو الَّذِي يَقْتُلُ عَلى الغَضَبِ، ويُعاقِبُ عَلى المَعْصِيَةِ، وقالَ الزَّجّاجُ: هو الَّذِي يُجْبِرُ النّاسَ عَلى ما يُرِيدُ. وذَكَرَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: أنَّهُ العَظِيمُ في نَفْسِهِ، المُتَكَبِّرُ عَلى العِبادِ.
والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: (واتَّبَعُوا): عامٌّ في جَمِيعِ عادٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لَمّا كانُوا تابِعِينَ لَهُ دُونَ الرُّسُلِ، جُعِلَتِ اللَّعْنَةُ تابِعَةً لَهم في الدّارَيْنِ تَكُبُّهم عَلى وُجُوهِهِمْ في عَذابِ اللَّهِ، انْتَهى.
(p-٢٣٦)فَظاهِرُ كَلامِهِ يَدُلُّ عَلى أنَّ اللَّعْنَةَ مُخْتَصَّةٌ بِالتّابِعِينَ لِلرُّؤَساءِ، ونَبَّهَ عَلى عِلَّةِ اتِّباعِ اللَّعْنَةِ لَهم في الدّارَيْنِ: بِأنَّهم كَفَرُوا رَبَّهم، فالكُفْرُ هو المُوجِبُ لِلَّعْنَةِ. ثُمَّ كَرَّرَ التَّنْبِيهَ بِقَوْلِهِ: ألا في الدُّعاءِ عَلَيْهِمْ تَهْوِيلًا لِأمْرِهِمْ، وتَفْظِيعًا لَهُ، وبَعْثًا عَلى الِاعْتِبارِ بِهِمْ والحَذَرِ مِن مِثْلِ حالِهِمْ.
وفائِدَةُ قَوْلِهِ: قَوْمِ هُودٍ: مَزِيدُ التَّأْكِيدِ لِلْمُبالَغَةِ في التَّنْصِيصِ، أوْ تَعْيِينُ عادٍ هَذِهِ مِن عادِ إرَمَ، لِأنَّ عادًا اثْنانِ ولِذَلِكَ قالَ تَعالى: ﴿وأنَّهُ أهْلَكَ عادًا الأُولى﴾ [النجم: ٥٠]، فَتَحَقَّقَ أنَّ الدُّعاءَ عَلى عادٍ هَذِهِ، ولَمْ تَلْتَبِسْ بِغَيْرِها.
هود 11:59
﴿وإلى عادٍ أخاهم هُودًا قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ إنْ أنْتُمْ إلّا مُفْتَرُونَ﴾ ﴿ياقَوْمِ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى الَّذِي فَطَرَنِي أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ ﴿ويا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكم ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكم مِدْرارًا ويَزِدْكم قُوَّةً إلى قُوَّتِكم ولا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ﴾: ﴿وإلى عادٍ أخاهُمْ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿أرْسَلْنا نُوحًا إلى قَوْمِهِ﴾ [هود: ٢٥]، عَطَفَتِ الواوُ المَجْرُورَ عَلى المَجْرُورِ والمَنصُوبَ عَلى المَنصُوبِ، كَما يُعْطَفُ المَرْفُوعُ والمَنصُوبُ عَلى المَرْفُوعِ والمَنصُوبِ نَحْوَ: ضَرَبَ زَيْدٌ عَمْرًا وبَكْرٌ خالِدًا، ولَيْسَ مِن بابِ الفَصْلِ بِالجارِّ والمَجْرُورِ بَيْنَ حَرْفِ العَطْفِ والمَعْطُوفِ نَحْوَ: ضَرَبْتُ زَيْدًا وفي البَيْتِ عَمْرًا، فَيَجِيءُ مِنهُ الخِلافُ الَّذِي بَيْنَ النَّحْوِيِّينَ: هَلْ يَجُوزُ في الكَلامِ أوْ يَخْتَصُّ بِالشِّعْرِ ؟ وتَقْدِيرُ الكَلامِ: في هُودٍ وعادٍ وإخْوَتِهِ مِنهم في الأعْرافِ، وقِراءَةُ الكِسائِيِّ: (غَيْرِهِ) بِالخَفْضِ، وقِيلَ: ثَمَّ فِعْلٌ مَحْذُوفٌ أيْ: وأرْسَلْنا إلى عادٍ أخاهم، فَيَكُونُ إذْ ذاكَ مِن عَطْفِ الجُمَلِ، والأوَّلُ مِن عَطْفِ المُفْرَداتِ، وهَذا أقْرَبُ لِطُولِ الفَصْلِ بِالجُمَلِ الكَثِيرَةِ بَيْنَ المُتَعاطِفَيْنِ.
(وهُودًا): بَدَلٌ أوْ عَطْفُ بَيانٍ. وقَرَأ مُحَيْصِنٌ (يا قَوْمُ) بِضَمِّ المِيمِ كَقِراءَةِ حَفْصٍ: (قالَ رَبُّ احْكم بِالحَقِّ) بِالضَّمِّ، وهي لُغَةٌ في المُنادى المُضافِ حَكاها سِيبَوَيْهِ وغَيْرُهُ، وافْتِراؤُهم قالَ الحَسَنُ: في جَعْلِهِمُ الأُلُوهِيَّةَ لِغَيْرِ اللَّهِ تَعالى. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: بِاتِّخاذِكُمُ الأوْثانَ لَهُ شُرَكاءَ. والضَّمِيرُ في عَلَيْهِ عائِدٌ عَلى الدُّعاءِ إلى اللَّهِ، ونَبَّهَ بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِي فَطَرَنِي﴾، عَلى الرَّدِّ عَلَيْهِمْ في عِبادَتِهِمُ الأصْنامَ، واعْتِقادِهِمْ أنَّها تَفْعَلُ، وكَوْنِهِ تَعالى هو الفاطِرُ لِلْمَوْجُوداتِ يَسْتَحِقُّ إفْرادَهُ بِالعِبادَةِ.
و﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ تَوْقِيفٌ عَلى اسْتِحالَةِ الأُلُوهِيَّةِ لِغَيْرِ الفاطِرِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ راجِعًا إلى أنَّهُ إذا لَمْ أطْلُبْ عَرَضًا مِنكم، وإنَّما أُرِيدُ نَفْعَكم فَيَجِبُ انْقِيادُكم لِما فِيهِ نَجاتُكم، كَأنَّهُ قِيلَ: ﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ نَصِيحَةَ مَن لا يَطْلُبُ عَلَيْها أجْرًا إلّا مِنَ اللَّهِ تَعالى، وهو ثَوابُ الآخِرَةِ، ولا شَيْءَ أنْفى لِلتُّهْمَةِ مِن ذَلِكَ. وتَقَدَّمَ الكَلامُ في ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكم ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ﴾ [هود: ٣] أوَّلَ هَذِهِ السُّورَةِ.
قَصَدَ هُودٌ اسْتِمالَتَهم إلى الإيمانِ وتَرْغِيبَهم فِيهِ بِكَثْرَةِ (p-٢٣٣)المَطَرِ وزِيادَةِ القُوَّةِ، لِأنَّهم كانُوا أصْحابَ زُورِعٍ وبَساتِينَ وعِماراتٍ حِراصًا عَلَيْها أشَدَّ الحِرْصِ، فَكانُوا أحْوَجَ شَيْءٍ إلى الماءِ، وكانُوا مُدْلِينَ بِما أُوتُوا مِن هَذِهِ القُوَّةِ والبَطْشِ والبَأْسِ مُهَيَّئِينَ في كُلِّ ناحِيَةٍ.
وقِيلَ: أرادَ القُوَّةَ في المالِ، وقِيلَ: في النِّكاحِ. قِيلَ: وحُبِسَ عَنْهُمُ المَطَرُ ثَلاثَ سِنِينَ، وعَقِمَتْ أرْحامُ نِسائِهِمْ. وقَدِ انْتَزَعَ الحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - مِن هَذا ومِن قَوْلِهِ: ﴿ويُمْدِدْكم بِأمْوالٍ وبَنِينَ﴾ [نوح: ١٢]، أنَّ كَثْرَةَ الِاسْتِغْفارِ قَدْ يَجْعَلُهُ اللَّهُ سَبَبًا لِكَثْرَةِ الوَلَدِ، وأجابَ مَن سَألَهُ وأخْبَرَهُ أنَّهُ ذُو مالٍ ولا يُولَدُ لَهُ بِالِاسْتِغْفارِ، فَأكْثَرَ مِن ذَلِكَ فَوُلِدَ لَهُ عَشْرُ بَنِينَ.
ورَوى أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ويَزِدْكم قُوَّةً إلى قُوَّتِكُمْ﴾: أنَّهُ الوَلَدُ ووَلَدُ الوَلَدِ.
وقالَ مُجاهِدٌ وابْنُ زَيْدٍ: في الجِسْمِ والبَأْسِ، وقالَ الضَّحّاكُ: خَصْبًا إلى خَصْبِكم، وقِيلَ: نِعْمَةً إلى نِعْمَتِهِ الأُولى عَلَيْكم، وقِيلَ: قُوَّةً في إيمانِكم إلى قُوَّةٍ في أبْدانِكم.
﴿قالُوا يا هُودُ ما جِئْتَنا بِبَيِّنَةٍ وما نَحْنُ بِتارِكِي آلِهَتِنا عَنْ قَوْلِكَ وما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿إنْ نَقُولُ إلّا اعْتَراكَ بَعْضُ آلِهَتِنا بِسُوءٍ قالَ إنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ واشْهَدُوا أنِّي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ﴾ ﴿مِن دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لا تُنْظِرُونِي﴾ ﴿إنِّي تَوَكَّلْتُ عَلى اللَّهِ رَبِّي ورَبِّكم ما مِن دابَّةٍ إلّا هو آخِذٌ بِناصِيَتِها إنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ﴿فَإنْ تَوَلَّوْا فَقَدْ أبْلَغْتُكم ما أُرْسِلْتُ بِهِ إلَيْكم ويَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكم ولا تَضُرُّونَهُ شَيْئًا إنَّ رَبِّي عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ﴾: بِبَيِّنَةٍ أوْ بِحُجَّةٍ واضِحَةٍ تَدُلُّ عَلى صِدْقِكَ، وقَدْ كَذَّبُوا في ذَلِكَ وبَهَتُوهُ كَما كَذَّبَتْ قُرَيْشٌ في قَوْلِهِمْ: ﴿لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِن رَبِّهِ﴾ [يونس: ٢٠] وقَدْ جاءَهم بِآياتٍ كَثِيرَةٍ، أوْ لِعَمائِهِمْ عَنِ الحَقِّ وعَدَمِ نَظَرِهِمْ في الآياتِ اعْتَقَدُوا ما هو آيَةٌ لَيْسَ بِآيَةٍ فَقالُوا: ما جِئْتَنا بِبَيِّنَةٍ تُلْجِئُنا إلى الإيمانِ، وإلّا فَهُودٌ وغَيْرُهُ مِنَ الأنْبِياءِ لَهم مُعْجِزاتٌ وإنْ لَمْ يُعَيِّنْ لَنا بَعْضَها.
ألا تَرى إلى قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: «ما مِن نَبِيٍّ إلّا وقَدْ أُوتِيَ مِنَ الآياتِ ما مِثْلُهُ آمَنَ عَلَيْهِ البَشَرُ» و(عَنْ) في: ﴿عَنْ قَوْلِكَ﴾ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في ﴿بِتارِكِي آلِهَتِنا﴾، كَأنَّهُ قِيلَ: صادِرِينَ عَنْ قَوْلِكَ، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. وقِيلَ: عَنْ لِلتَّعْلِيلِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إلّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وعَدَها إيّاهُ﴾ [التوبة: ١١٤] فَتَتَعَلَّقُ بِتارِكِي، كَأنَّهُ قِيلَ: لِقَوْلِكَ، وقَدْ أشارَ إلى التَّعْلِيلِ والسَّبَبِ فِيها ابْنُ عَطِيَّةَ، فَقالَ: أيْ: لا يَكُونُ قَوْلُكُ سَبَبًا لَتَرْكِنا، إذْ هو مُجَرَّدٌ عَنْ آيَةٍ، والجُمْلَةُ بَعْدَها تَأْكِيدٌ وتَقْنِيطٌ لَهُ مِن دُخُولِهِمْ في دِينِهِ، ثُمَّ نَسَبُوا ما صَدَرَ مِنهُ مِن دُعائِهِمْ إلى اللَّهِ وإفْرادِهِ بِالأُلُوهِيَّةِ إلى الخَبَلِ والجُنُونِ، وأنَّ ذَلِكَ مِمّا اعْتَراهُ بِهِ بَعْضُ آلِهَتِهِمْ لِكَوْنِهِ سَبَّها وحَرَّضَ عَلى تَرْكِها ودَعا إلى تَرْكِ عِبادَتِها، فَجَعَلَتْهُ يَتَكَلَّمُ مُكافَأةً بِما يَتَكَلَّمُ بِهِ المَجانِينُ، كَما قالَتْ قُرَيْشٌ ﴿مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ﴾ [الدخان: ١٤]، ﴿أمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ﴾ [المؤمنون: ٧٠] و﴿اعْتَراكَ﴾ جُمْلَةٌ مَحْكِيَّةٌ بِـ (نَقُولُ)، فَهي في مَوْضِعِ المَفْعُولِ، ودَلَّتْ عَلى بَلَهٍ شَدِيدٍ وجَهْلٍ مُفْرِطٍ، حَيْثُ اعْتَقَدُوا في حِجارَةٍ أنَّها تَنْتَصِرُ وتَنْتَقِمُ.
وقَوْلُ هُودٍ لَهم في جَوابِ ذَلِكَ: ﴿إنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ﴾ إلى آخِرِهِ، حَيْثُ تَبَرَّأ مِن آلِهَتِهِمْ، وحَرَّضَهم كُلَّهم مَعَ انْفِرادِهِ وحْدَهُ عَلى كَيْدِهِ بِما يَشاءُونَ، وعَدَمُ تَأخُّرِهِ مِن أعْظَمِ الآياتِ عَلى صِدْقِهِ وثِقَتِهِ بِمَوْعُودِ رَبِّهِ مِنَ النَّصْرِ لَهُ، والتَّأْيِيدِ والعِصْمَةِ مِن أنْ يَنالُوهُ بِمَكْرُوهٍ، هَذا وهْمُ حَرِيصُونَ عَلى قَتْلِهِ يَرْمُونَهُ عَنْ قَوْسٍ واحِدَةٍ. ومِثْلُهُ قَوْلُ نُوحٍ لِقَوْمِهِ: ﴿ثُمَّ اقْضُوا إلَيَّ ولا تُنْظِرُونِ﴾ [يونس: ٧١] وأكَّدَ بَراءَتَهُ مِن آلِهَتِهِمْ وشِرْكِهِمْ، ووَثَّقَها بِما جَرَتْ عَلَيْهِ عادَةُ النّاسِ مِن تَوْثِيقِهِمُ الأمْرَ بِشَهادَةِ اللَّهِ وشَهادَةِ العِبادِ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): هَلّا قِيلَ: إنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وأُشْهِدُكم (قُلْتُ): لِأنَّ إشْهادَ اللَّهِ عَلى البَراءَةِ مِنَ الشِّرْكِ إشْهادٌ صَحِيحٌ ثابِتٌ في مَعْنى تَثْبِيتِ التَّوْحِيدِ، وأمّا إشْهادُهم فَما هو إلّا تَهاوُنٌ بِدِينِهِمْ ودِلالَةٌ عَلى قِلَّةِ المُبالاةِ بِهِمْ فَحَسْبُ، فَعُدِلَ بِهِ (p-٢٣٤)عَنْ لَفْظِ الأوَّلِ لِاخْتِلافِ ما بَيْنَهُما، وجِيءَ بِهِ عَلى لَفْظِ الأمْرِ بِالشَّهادَةِ، انْتَهى.
و﴿أنِّي بَرِيءٌ﴾ تَنازَعَ فِيهِ (أُشْهِدُ) و﴿اشْهَدُوا﴾ [آل عمران: ٦٤]، وقَدْ يَتَنازَعُ المُخْتَلِفانِ في التَّعَدِّي الِاسْمَ الَّذِي يَكُونُ صالِحًا لِأنْ يَعْمَلا فِيهِ تَقُولُ: أعْطَيْتُ زَيْدًا ووَهَبْتُ لِعَمْرٍو دِينارًا، كَما يَتَنازَعُ اللّازِمُ والمُتَعَدِّي نَحْوَ: قامَ وضَرَبْتُ زَيْدًا.
و(ما) في (مّا تُشْرِكُونَ) مَوْصُولَةٌ إمّا مَصْدَرِيَّةٌ وإمّا بِمَعْنى الَّذِي، أيْ: بَرِيءٌ مِن إشْراكِكم آلِهَةً مِن دُونِهِ، أوْ مِنَ الَّذِينَ تُشْرِكُونَ، و(جَمِيعًا) حالٌ مِن ضَمِيرِ (كِيدُونِي) الفاعِلِ، والخِطابُ إنَّما هو لِقَوْمِهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أنْتُمْ وآلِهَتُكم، انْتَهى. قِيلَ: ومُجاهَرَةُ هُودٍ عَلَيْهِ السَّلامُ لَهم بِالبَراءَةِ مِن أدْيانِهِمْ، وحَضُّهُ إيّاهم عَلى كَيْدِهِ هم وأصْنامُهم مُعْجِزَةٌ لِهُودٍ، أوْ حَرَّضَ جَماعَتَهم عَلَيْهِ مَعَ انْفِرادِهِ وقُوَّتِهِمْ وكَثْرَتِهِمْ، فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلى نَيْلِهِ بِسُوءٍ، ثُمَّ ذَكَرَ تَوَكُّلَهُ عَلى اللَّهِ مُعْلِمًا أنَّهُ رَبُّهُ ورَبُّهم، ومُنَبِّهًا عَلى أنَّهُ مِن حَيْثُ هو رَبُّكم يَجِبُ عَلَيْكم أنْ لا تَعْبُدُوا إلّا إيّاهُ، ومُفَوِّضًا أمْرَهُ إلَيْهِ تَعالى ثِقَةً بِحِفْظِهِ وانِجازِ مَوْعُودِهِ، ثُمَّ وصَفَ قُدْرَةَ اللَّهِ تَعالى وعَظِيمَ مُلْكِهِ مِن كَوْنِ كُلِّ دابَّةٍ في قَبْضَتِهِ ومِلْكِهِ وتَحْتَ قَهْرِهِ وسُلْطانِهِ، فَأنْتُمْ مِن جُمْلَةِ أُولَئِكَ المَقْهُورِينَ.
وقَوْلُهُ: ﴿آخِذٌ بِناصِيَتِها﴾: تَمْثِيلٌ، إذْ كانَ القادِرُ المالِكُ يَقُودُ المَقْدُورَ عَلَيْهِ بِناصِيَتِهِ كَما يُقادُ الأسِيرُ والفَرَسُ بِناصِيَتِهِ، حَتّى صارَ الأخْذُ بِالنّاصِيَةِ عُرْفًا في القُدْرَةِ عَلى الحَيَوانِ، وكانَتِ العَرَبُ تَجُزُّ: ناصِيَةَ الأسِيرِ المَمْنُونِ عَلَيْهِ عَلامَةَ أنَّهُ قَدْ قُدِرَ عَلَيْهِ وقُبِضَ عَلى ناصِيَتِهِ. قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: وخَصَّ النّاصِيَةَ لِأنَّ العَرَبَ إذا وصَفَتْ إنْسانًا بِالذِّلَّةِ والخُضُوعِ قالَتْ: ما ناصِيَةُ فُلانٍ إلّا بِيَدِ فُلانٍ، أيْ: أنَّهُ مُطِيعٌ لَهُ يُصَرِّفُهُ كَيْفَ يَشاءُ، ثُمَّ أخْبَرَ أنَّ أفْعالَهُ تَعالى في غايَةِ الإحْكامِ، وعَلى طَرِيقِ الحَقِّ والعَدْلِ في مُلْكِهِ، لا يَفُوتُهُ ظالِمٌ ولا يَضِيعُ عِنْدَهُ مَن تَوَكَّلَ عَلَيْهِ، قَوْلُهُ الصِّدْقُ ووَعْدُهُ الحَقُّ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿فَإنْ تَوَلَّوْا﴾، أيْ: تَتَوَلَّوْا مُضارِعُ تَوَلّى. وقَرَأ الأعْرَجُ و عِيسى الثَّقَفِيُّ: تُوَلُّوا بِضَمِّ التّاءِ واللّامِ مُضارِعُ ولّى، وقِيلَ: تَوَلَّوْا ماضٍ ويَحْتاجُ في الجَوابِ إلى إضْمارِ قَوْلٍ، أيْ: فَقُلْ لَهم فَقَدْ أبْلَغْتُكم، ولا حاجَةَ تَدْعُو إلى جَعْلِهِ ماضِيًا وإضْمارِ القَوْلِ.
وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ (تَوَلَّوْا) فِعْلًا ماضِيًا، ويَكُونُ في الكَلامِ رُجُوعٌ مِن غَيْبَةٍ إلى خِطابٍ، أيْ: فَقَدْ أبْلَغْتُكم، انْتَهى. فَلا يَحْتاجُ إلى إضْمارٍ، والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في تَوَلَّوْا عائِدٌ عَلى قَوْمِ هُودٍ، وخِطابٌ لَهم مِن تَمامِ الجَمَلِ المَقُولَةِ قَبْلُ. وقالَ التَّبْرِيزِيُّ: هو عائِدٌ عَلى كَفّارِ قُرَيْشٍ، وهو مِن تَلْوِينِ الخِطابِ، انْتَقَلَ مِن خِطابِ قَوْمِ هُودٍ إلى الإخْبارِ عَمَّنْ بِحَضْرَةِ الرَّسُولِ ﷺ وكَأنَّهُ قِيلَ: أخْبِرْهم عَنْ قِصَّةِ قَوْمِ هُودٍ، وادْعُهم إلى الإيمانِ بِاللَّهِ لِئَلّا يُصِيبَهم كَما أصابَ قَوْمَ هُودٍ، فَإنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ لَهم: قَدْ أبْلَغْتُكم.
وجَوابُ الشَّرْطِ هو قَوْلُهُ: ﴿فَقَدْ أبْلَغْتُكُمْ﴾، وصَحَّ أنْ يَكُونَ جَوابًا، لِأنَّ في إبْلاغِهِ إلَيْهِمْ رِسالَتَهُ تَضَمُّنُ ما يَحُلُّ بِهِمْ مِنَ العَذابِ المُسْتَأْصِلِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: فَإنْ تَتَوَلَّوُا اسْتُؤْصِلْتُمْ بِالعَذابِ. ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ الجُمْلَةُ الخَبَرِيَّةُ وهي قَوْلُهُ: ﴿ويَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾ .
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): الإبْلاغُ كانَ قَبْلَ التَّوَلِّي، فَكَيْفَ وقَعَ جَزاءً لِلشَّرْطِ ؟ (قُلْتُ): مَعْناهُ: فَإنْ تَوَلَّوْا لَمْ أُعاقِبْ عَلى تَفْرِيطٍ في الإبْلاغِ، فَإنَّ ما أُرْسِلْتُ بِهِ إلَيْكم قَدْ بَلَغَكم فَأبَيْتُمْ إلّا تَكْذِيبَ الرِّسالَةِ وعَداوَةَ الرَّسُولِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: المَعْنى أنَّهُ ما عَلَيَّ كَبِيرُ هَمٍّ مِنكم إنْ تَوَلَّيْتُمْ فَقَدْ بَرِئَتْ ساحَتِي بِالتَّبْلِيغِ، وأنْتُمْ أصْحابُ الذَّنْبِ في الإعْراضِ عَنِ الإيمانِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (ويَسْتَخْلِفُ) بِضَمِّ الفاءِ عَلى مَعْنى الخَبَرِ المُسْتَأْنَفِ، أيْ: يُهْلِكُكم ويَجِيءُ بِقَوْمٍ آخَرِينَ يَخْلُفُونَكم في دِيارِكم وأمْوالِكم. وقَرَأ حَفْصٌ في رِوايَةِ هُبَيْرَةَ: بِجَزْمِها عَطْفًا عَلى مَوْضِعِ الجَزاءِ، وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ كَذَلِكَ وبِجَزْمِ ﴿ولا تَضُرُّوهُ﴾ [التوبة: ٣٩]، وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ولا تَضُرُّونَهُ﴾، أيْ: شَيْئًا مِنَ الضَّرَرِ بِتَوْلِيَتِكم، لِأنَّهُ تَعالى لا تَجُوزُ عَلَيْهِ المَضارُّ والمَنافِعُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: يُحْتَمَلُ مِنَ المَعْنى وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: ولا تَضُرُّونَهُ بِذَهابِكم وهَلاكِكم شَيْئًا، أيْ: لا يَنْقُصُ مُلْكُهُ ولا يَخْتَلُّ أمْرُهُ، وعَلى هَذا (p-٢٣٥)المَعْنى قَرَأ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ ولا تَنْقُصُونَهُ شَيْئًا. والمَعْنى الآخَرُ: ولا تَضُرُّونَهُ، أيْ: ولا تَقْدِرُونَ إذا أهْلَكَكم عَلى إضْرارِهِ بِشَيْءٍ، ولا عَلى انْتِصارٍ مِنهُ، ولا تُقابِلُونَ فِعْلَهُ بِشَيْءٍ يَضُرُّهُ، انْتَهى.
وهَذا فِعْلٌ مَنفِيٌّ ومَدْلُولُهُ نَكِرَةٌ، فَيَنْتَفِي جَمِيعُ وُجُوهِ الضَّرَرِ، ولا يَتَعَيَّنُ واحِدٌ مِنها. ومَعْنى (حَفِيظٌ): رَقِيبٌ مُحِيطٌ بِالأشْياءِ عِلْمًا لا يَخْفى عَلَيْهِ أعْمالُكم، ولا يَغْفُلُ عَنْ مُؤاخَذَتِكم، وهو يَحْفَظُنِي مِمّا تَكِيدُونَنِي بِهِ.
﴿ولَمّا جاءَ أمْرُنا نَجَّيْنا هُودًا والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنّا ونَجَّيْناهم مِن عَذابٍ غَلِيظٍ﴾ ﴿وتِلْكَ عادٌ جَحَدُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وعَصَوْا رُسُلَهُ واتَّبَعُوا أمْرَ كُلِّ جَبّارٍ عَنِيدٍ﴾ ﴿وأُتْبِعُوا في هَذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً ويَوْمَ القِيامَةِ ألا إنَّ عادًا كَفَرُوا رَبَّهم ألا بُعْدًا لِعادٍ قَوْمِ هُودٍ﴾: الأمْرُ: واحِدُ الأُمُورِ، فَيَكُونُ كِنايَةً عَنِ العَذابِ، أوْ عَنِ القَضاءِ بِهَلاكِهِمْ. أوْ مَصْدَرُ أمَرَ، أيْ: أمْرُنا لِلرِّيحِ أوْ لِخَزَنَتِها.
﴿والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾: قِيلَ: كانُوا أرْبَعَةَ آلافٍ، قِيلَ: ثَلاثَةُ آلافٍ.
والظّاهِرُ تَعَلُّقٌ بِرَحْمَةٍ مِنّا بِقَوْلِهِ: (نَجَّيْنا) أيْ: نَجَّيْناهم بِمُجَرَّدِ رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لَحِقَتْهم، لا بِأعْمالِهِمُ الصّالِحَةِ. أوْ كَنّى بِالرَّحْمَةِ عَنْ أعْمالِهِمُ الصّالِحَةِ، إذْ تَوْفِيقُهم لَها إنَّما هو بِسَبَبِ رَحْمَتِهِ تَعالى إيّاهم. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِآمَنُوا، أيْ: إنَّ إيمانَهم بِاللَّهِ وبِتَصْدِيقِ رَسُولِهِ إنَّما هو بِرَحْمَةِ اللَّهِ تَعالى إيّاهم، إذْ وفَّقَهم لِذَلِكَ. وتَكَرَّرَتِ التَّنْجِيَةُ عَلى سَبِيلِ التَّوْكِيدِ، ولِقَلَقِ مَن لَوْ لاصَقَتْ مِنّا فَأُعِيدَتِ التَّنْجِيَةُ وهي الأُولى، أوْ تَكُونُ هَذِهِ النَّتِيجَةُ هي مِن عَذابِ الآخِرَةِ ولا عَذابَ أغْلَظُ مِنهُ، فَأُعِيدَتْ لِأجْلِ اخْتِلافِ مُتَعَلِّقَيْها. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): فَما مَعْنى تَكْرِيرِ التَّنْجِيَةِ ؟ (قُلْتُ): ذَكَرَ أوَّلًا أنَّهُ حِينَ أهْلَكَ عَدُوَّهم نَجّاهم، ثُمَّ قالَ: ﴿ونَجَّيْناهم مِن عَذابٍ غَلِيظٍ﴾ عَلى مَعْنى: وكانَتِ التَّنْجِيَةُ مِن عَذابٍ غَلِيظٍ، قالَ: وذَلِكَ أنَّ اللَّهَ عَزَّ وعَلا بَعَثَ عَلَيْهِمُ السَّمُومَ، فَكانَتْ تَدْخُلُ في أُنُوفِهِمْ وتَخْرُجُ مِن أدْبارِهِمْ، وتُقَطِّعُهم عُضْوًا عُضْوًا، انْتَهى.
وهَذا قالَهُ الزَّجّاجُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: وكانَتِ النَّجاةُ المُتَقَدِّمَةُ مِن عَذابٍ غَلِيظٍ يُرِيدُ: الرِّيحَ، فَيَكُونُ المَقْصُودُ عَلى هَذا: تَعْدِيدُ النِّعْمَةِ، والمَشْهُورُ في عَذابِهِمْ بِالرِّيحِ: أنَّها كانَتْ تَحْمِلُهم وتَهْدِمُ مَساكِنَهم وتَنْسِفُها، وتَحْمِلُ الظَّعِينَةَ كَما هي، ونَحْوَ هَذا.
و(تِلْكَ عادٌ): إشارَةٌ إلى قُبُورِهِمْ وآثارِهِمْ كَأنَّهُ قالَ: ﴿فَسِيحُوا في الأرْضِ﴾ [التوبة: ٢]: فانْظُرُوا إلَيْها واعْتَبِرُوا، ثُمَّ اسْتَأْنَفَ الأخْبارَ عَنْهم فَقالَ: ﴿جَحَدُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ﴾ أيْ: أنْكَرُوها. وأضافَ الآياتِ إلى رَبِّهِمْ تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ مالِكُهم ومُرَبِّيهِمْ، فَأنْكَرُوا آياتِهِ، والواجِبُ إقْرارُهم بِها. وأصْلُ جَحَدَ أنْ يَتَعَدّى بِنَفْسِهِ، لَكِنَّهُ أُجْرِيَ مَجْرى كَفَرَ فَعُدِّيَ بِالباءِ، كَما عُدِّيَ كَفَرَ بِنَفْسِهِ في قَوْلِهِ: ﴿ألا إنَّ عادًا كَفَرُوا رَبَّهُمْ﴾، إجْراءً لَهُ مَجْرى جَحَدَ.
وقِيلَ: كَفَرَ كَشَكَرَ يَتَعَدّى تارَةً بِنَفْسِهِ، وتارَةً بِحَرْفِ جَرٍّ.
﴿وعَصَوْا رُسُلَهُ﴾ قِيلَ: عَصَوْا هُودًا والرُّسُلَ الَّذِينَ كانُوا مِن قَبْلِهِ، وقِيلَ: يُنَزَّلُ تَكْذِيبُ الرَّسُولِ الواحِدِ مَنزِلَةَ تَكْذِيبِ الرُّسُلِ، لِأنَّهم كُلَّهم مُجْمِعُونَ عَلى الإيمانِ بِاللَّهِ والإقْرارِ بِرُبُوبِيَّتِهِ كَقَوْلِهِ: ﴿لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أحَدٍ مِن رُسُلِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٥] (واتَّبَعُوا) أيِ: اتَّبَعَ سُقّاطُهم أمْرَ رُؤَسائِهِمْ وكُبَرائِهِمْ، والمَعْنى: أنَّهم أطاعُوهم فِيما أمَرُوهم بِهِ.
قالَ الكَلْبِيُّ: الجَبّارُ: هو الَّذِي يَقْتُلُ عَلى الغَضَبِ، ويُعاقِبُ عَلى المَعْصِيَةِ، وقالَ الزَّجّاجُ: هو الَّذِي يُجْبِرُ النّاسَ عَلى ما يُرِيدُ. وذَكَرَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: أنَّهُ العَظِيمُ في نَفْسِهِ، المُتَكَبِّرُ عَلى العِبادِ.
والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: (واتَّبَعُوا): عامٌّ في جَمِيعِ عادٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لَمّا كانُوا تابِعِينَ لَهُ دُونَ الرُّسُلِ، جُعِلَتِ اللَّعْنَةُ تابِعَةً لَهم في الدّارَيْنِ تَكُبُّهم عَلى وُجُوهِهِمْ في عَذابِ اللَّهِ، انْتَهى.
(p-٢٣٦)فَظاهِرُ كَلامِهِ يَدُلُّ عَلى أنَّ اللَّعْنَةَ مُخْتَصَّةٌ بِالتّابِعِينَ لِلرُّؤَساءِ، ونَبَّهَ عَلى عِلَّةِ اتِّباعِ اللَّعْنَةِ لَهم في الدّارَيْنِ: بِأنَّهم كَفَرُوا رَبَّهم، فالكُفْرُ هو المُوجِبُ لِلَّعْنَةِ. ثُمَّ كَرَّرَ التَّنْبِيهَ بِقَوْلِهِ: ألا في الدُّعاءِ عَلَيْهِمْ تَهْوِيلًا لِأمْرِهِمْ، وتَفْظِيعًا لَهُ، وبَعْثًا عَلى الِاعْتِبارِ بِهِمْ والحَذَرِ مِن مِثْلِ حالِهِمْ.
وفائِدَةُ قَوْلِهِ: قَوْمِ هُودٍ: مَزِيدُ التَّأْكِيدِ لِلْمُبالَغَةِ في التَّنْصِيصِ، أوْ تَعْيِينُ عادٍ هَذِهِ مِن عادِ إرَمَ، لِأنَّ عادًا اثْنانِ ولِذَلِكَ قالَ تَعالى: ﴿وأنَّهُ أهْلَكَ عادًا الأُولى﴾ [النجم: ٥٠]، فَتَحَقَّقَ أنَّ الدُّعاءَ عَلى عادٍ هَذِهِ، ولَمْ تَلْتَبِسْ بِغَيْرِها.
هود 11:60
﴿وإلى عادٍ أخاهم هُودًا قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ إنْ أنْتُمْ إلّا مُفْتَرُونَ﴾ ﴿ياقَوْمِ لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا إنْ أجْرِيَ إلّا عَلى الَّذِي فَطَرَنِي أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ ﴿ويا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكم ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكم مِدْرارًا ويَزِدْكم قُوَّةً إلى قُوَّتِكم ولا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ﴾: ﴿وإلى عادٍ أخاهُمْ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿أرْسَلْنا نُوحًا إلى قَوْمِهِ﴾ [هود: ٢٥]، عَطَفَتِ الواوُ المَجْرُورَ عَلى المَجْرُورِ والمَنصُوبَ عَلى المَنصُوبِ، كَما يُعْطَفُ المَرْفُوعُ والمَنصُوبُ عَلى المَرْفُوعِ والمَنصُوبِ نَحْوَ: ضَرَبَ زَيْدٌ عَمْرًا وبَكْرٌ خالِدًا، ولَيْسَ مِن بابِ الفَصْلِ بِالجارِّ والمَجْرُورِ بَيْنَ حَرْفِ العَطْفِ والمَعْطُوفِ نَحْوَ: ضَرَبْتُ زَيْدًا وفي البَيْتِ عَمْرًا، فَيَجِيءُ مِنهُ الخِلافُ الَّذِي بَيْنَ النَّحْوِيِّينَ: هَلْ يَجُوزُ في الكَلامِ أوْ يَخْتَصُّ بِالشِّعْرِ ؟ وتَقْدِيرُ الكَلامِ: في هُودٍ وعادٍ وإخْوَتِهِ مِنهم في الأعْرافِ، وقِراءَةُ الكِسائِيِّ: (غَيْرِهِ) بِالخَفْضِ، وقِيلَ: ثَمَّ فِعْلٌ مَحْذُوفٌ أيْ: وأرْسَلْنا إلى عادٍ أخاهم، فَيَكُونُ إذْ ذاكَ مِن عَطْفِ الجُمَلِ، والأوَّلُ مِن عَطْفِ المُفْرَداتِ، وهَذا أقْرَبُ لِطُولِ الفَصْلِ بِالجُمَلِ الكَثِيرَةِ بَيْنَ المُتَعاطِفَيْنِ.
(وهُودًا): بَدَلٌ أوْ عَطْفُ بَيانٍ. وقَرَأ مُحَيْصِنٌ (يا قَوْمُ) بِضَمِّ المِيمِ كَقِراءَةِ حَفْصٍ: (قالَ رَبُّ احْكم بِالحَقِّ) بِالضَّمِّ، وهي لُغَةٌ في المُنادى المُضافِ حَكاها سِيبَوَيْهِ وغَيْرُهُ، وافْتِراؤُهم قالَ الحَسَنُ: في جَعْلِهِمُ الأُلُوهِيَّةَ لِغَيْرِ اللَّهِ تَعالى. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: بِاتِّخاذِكُمُ الأوْثانَ لَهُ شُرَكاءَ. والضَّمِيرُ في عَلَيْهِ عائِدٌ عَلى الدُّعاءِ إلى اللَّهِ، ونَبَّهَ بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِي فَطَرَنِي﴾، عَلى الرَّدِّ عَلَيْهِمْ في عِبادَتِهِمُ الأصْنامَ، واعْتِقادِهِمْ أنَّها تَفْعَلُ، وكَوْنِهِ تَعالى هو الفاطِرُ لِلْمَوْجُوداتِ يَسْتَحِقُّ إفْرادَهُ بِالعِبادَةِ.
و﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ تَوْقِيفٌ عَلى اسْتِحالَةِ الأُلُوهِيَّةِ لِغَيْرِ الفاطِرِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ راجِعًا إلى أنَّهُ إذا لَمْ أطْلُبْ عَرَضًا مِنكم، وإنَّما أُرِيدُ نَفْعَكم فَيَجِبُ انْقِيادُكم لِما فِيهِ نَجاتُكم، كَأنَّهُ قِيلَ: ﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ نَصِيحَةَ مَن لا يَطْلُبُ عَلَيْها أجْرًا إلّا مِنَ اللَّهِ تَعالى، وهو ثَوابُ الآخِرَةِ، ولا شَيْءَ أنْفى لِلتُّهْمَةِ مِن ذَلِكَ. وتَقَدَّمَ الكَلامُ في ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكم ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ﴾ [هود: ٣] أوَّلَ هَذِهِ السُّورَةِ.
قَصَدَ هُودٌ اسْتِمالَتَهم إلى الإيمانِ وتَرْغِيبَهم فِيهِ بِكَثْرَةِ (p-٢٣٣)المَطَرِ وزِيادَةِ القُوَّةِ، لِأنَّهم كانُوا أصْحابَ زُورِعٍ وبَساتِينَ وعِماراتٍ حِراصًا عَلَيْها أشَدَّ الحِرْصِ، فَكانُوا أحْوَجَ شَيْءٍ إلى الماءِ، وكانُوا مُدْلِينَ بِما أُوتُوا مِن هَذِهِ القُوَّةِ والبَطْشِ والبَأْسِ مُهَيَّئِينَ في كُلِّ ناحِيَةٍ.
وقِيلَ: أرادَ القُوَّةَ في المالِ، وقِيلَ: في النِّكاحِ. قِيلَ: وحُبِسَ عَنْهُمُ المَطَرُ ثَلاثَ سِنِينَ، وعَقِمَتْ أرْحامُ نِسائِهِمْ. وقَدِ انْتَزَعَ الحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - مِن هَذا ومِن قَوْلِهِ: ﴿ويُمْدِدْكم بِأمْوالٍ وبَنِينَ﴾ [نوح: ١٢]، أنَّ كَثْرَةَ الِاسْتِغْفارِ قَدْ يَجْعَلُهُ اللَّهُ سَبَبًا لِكَثْرَةِ الوَلَدِ، وأجابَ مَن سَألَهُ وأخْبَرَهُ أنَّهُ ذُو مالٍ ولا يُولَدُ لَهُ بِالِاسْتِغْفارِ، فَأكْثَرَ مِن ذَلِكَ فَوُلِدَ لَهُ عَشْرُ بَنِينَ.
ورَوى أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ويَزِدْكم قُوَّةً إلى قُوَّتِكُمْ﴾: أنَّهُ الوَلَدُ ووَلَدُ الوَلَدِ.
وقالَ مُجاهِدٌ وابْنُ زَيْدٍ: في الجِسْمِ والبَأْسِ، وقالَ الضَّحّاكُ: خَصْبًا إلى خَصْبِكم، وقِيلَ: نِعْمَةً إلى نِعْمَتِهِ الأُولى عَلَيْكم، وقِيلَ: قُوَّةً في إيمانِكم إلى قُوَّةٍ في أبْدانِكم.
﴿قالُوا يا هُودُ ما جِئْتَنا بِبَيِّنَةٍ وما نَحْنُ بِتارِكِي آلِهَتِنا عَنْ قَوْلِكَ وما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ ﴿إنْ نَقُولُ إلّا اعْتَراكَ بَعْضُ آلِهَتِنا بِسُوءٍ قالَ إنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ واشْهَدُوا أنِّي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ﴾ ﴿مِن دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لا تُنْظِرُونِي﴾ ﴿إنِّي تَوَكَّلْتُ عَلى اللَّهِ رَبِّي ورَبِّكم ما مِن دابَّةٍ إلّا هو آخِذٌ بِناصِيَتِها إنَّ رَبِّي عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ﴿فَإنْ تَوَلَّوْا فَقَدْ أبْلَغْتُكم ما أُرْسِلْتُ بِهِ إلَيْكم ويَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكم ولا تَضُرُّونَهُ شَيْئًا إنَّ رَبِّي عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ﴾: بِبَيِّنَةٍ أوْ بِحُجَّةٍ واضِحَةٍ تَدُلُّ عَلى صِدْقِكَ، وقَدْ كَذَّبُوا في ذَلِكَ وبَهَتُوهُ كَما كَذَّبَتْ قُرَيْشٌ في قَوْلِهِمْ: ﴿لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِن رَبِّهِ﴾ [يونس: ٢٠] وقَدْ جاءَهم بِآياتٍ كَثِيرَةٍ، أوْ لِعَمائِهِمْ عَنِ الحَقِّ وعَدَمِ نَظَرِهِمْ في الآياتِ اعْتَقَدُوا ما هو آيَةٌ لَيْسَ بِآيَةٍ فَقالُوا: ما جِئْتَنا بِبَيِّنَةٍ تُلْجِئُنا إلى الإيمانِ، وإلّا فَهُودٌ وغَيْرُهُ مِنَ الأنْبِياءِ لَهم مُعْجِزاتٌ وإنْ لَمْ يُعَيِّنْ لَنا بَعْضَها.
ألا تَرى إلى قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: «ما مِن نَبِيٍّ إلّا وقَدْ أُوتِيَ مِنَ الآياتِ ما مِثْلُهُ آمَنَ عَلَيْهِ البَشَرُ» و(عَنْ) في: ﴿عَنْ قَوْلِكَ﴾ حالٌ مِنَ الضَّمِيرِ في ﴿بِتارِكِي آلِهَتِنا﴾، كَأنَّهُ قِيلَ: صادِرِينَ عَنْ قَوْلِكَ، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. وقِيلَ: عَنْ لِلتَّعْلِيلِ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إلّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وعَدَها إيّاهُ﴾ [التوبة: ١١٤] فَتَتَعَلَّقُ بِتارِكِي، كَأنَّهُ قِيلَ: لِقَوْلِكَ، وقَدْ أشارَ إلى التَّعْلِيلِ والسَّبَبِ فِيها ابْنُ عَطِيَّةَ، فَقالَ: أيْ: لا يَكُونُ قَوْلُكُ سَبَبًا لَتَرْكِنا، إذْ هو مُجَرَّدٌ عَنْ آيَةٍ، والجُمْلَةُ بَعْدَها تَأْكِيدٌ وتَقْنِيطٌ لَهُ مِن دُخُولِهِمْ في دِينِهِ، ثُمَّ نَسَبُوا ما صَدَرَ مِنهُ مِن دُعائِهِمْ إلى اللَّهِ وإفْرادِهِ بِالأُلُوهِيَّةِ إلى الخَبَلِ والجُنُونِ، وأنَّ ذَلِكَ مِمّا اعْتَراهُ بِهِ بَعْضُ آلِهَتِهِمْ لِكَوْنِهِ سَبَّها وحَرَّضَ عَلى تَرْكِها ودَعا إلى تَرْكِ عِبادَتِها، فَجَعَلَتْهُ يَتَكَلَّمُ مُكافَأةً بِما يَتَكَلَّمُ بِهِ المَجانِينُ، كَما قالَتْ قُرَيْشٌ ﴿مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ﴾ [الدخان: ١٤]، ﴿أمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ﴾ [المؤمنون: ٧٠] و﴿اعْتَراكَ﴾ جُمْلَةٌ مَحْكِيَّةٌ بِـ (نَقُولُ)، فَهي في مَوْضِعِ المَفْعُولِ، ودَلَّتْ عَلى بَلَهٍ شَدِيدٍ وجَهْلٍ مُفْرِطٍ، حَيْثُ اعْتَقَدُوا في حِجارَةٍ أنَّها تَنْتَصِرُ وتَنْتَقِمُ.
وقَوْلُ هُودٍ لَهم في جَوابِ ذَلِكَ: ﴿إنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ﴾ إلى آخِرِهِ، حَيْثُ تَبَرَّأ مِن آلِهَتِهِمْ، وحَرَّضَهم كُلَّهم مَعَ انْفِرادِهِ وحْدَهُ عَلى كَيْدِهِ بِما يَشاءُونَ، وعَدَمُ تَأخُّرِهِ مِن أعْظَمِ الآياتِ عَلى صِدْقِهِ وثِقَتِهِ بِمَوْعُودِ رَبِّهِ مِنَ النَّصْرِ لَهُ، والتَّأْيِيدِ والعِصْمَةِ مِن أنْ يَنالُوهُ بِمَكْرُوهٍ، هَذا وهْمُ حَرِيصُونَ عَلى قَتْلِهِ يَرْمُونَهُ عَنْ قَوْسٍ واحِدَةٍ. ومِثْلُهُ قَوْلُ نُوحٍ لِقَوْمِهِ: ﴿ثُمَّ اقْضُوا إلَيَّ ولا تُنْظِرُونِ﴾ [يونس: ٧١] وأكَّدَ بَراءَتَهُ مِن آلِهَتِهِمْ وشِرْكِهِمْ، ووَثَّقَها بِما جَرَتْ عَلَيْهِ عادَةُ النّاسِ مِن تَوْثِيقِهِمُ الأمْرَ بِشَهادَةِ اللَّهِ وشَهادَةِ العِبادِ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): هَلّا قِيلَ: إنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وأُشْهِدُكم (قُلْتُ): لِأنَّ إشْهادَ اللَّهِ عَلى البَراءَةِ مِنَ الشِّرْكِ إشْهادٌ صَحِيحٌ ثابِتٌ في مَعْنى تَثْبِيتِ التَّوْحِيدِ، وأمّا إشْهادُهم فَما هو إلّا تَهاوُنٌ بِدِينِهِمْ ودِلالَةٌ عَلى قِلَّةِ المُبالاةِ بِهِمْ فَحَسْبُ، فَعُدِلَ بِهِ (p-٢٣٤)عَنْ لَفْظِ الأوَّلِ لِاخْتِلافِ ما بَيْنَهُما، وجِيءَ بِهِ عَلى لَفْظِ الأمْرِ بِالشَّهادَةِ، انْتَهى.
و﴿أنِّي بَرِيءٌ﴾ تَنازَعَ فِيهِ (أُشْهِدُ) و﴿اشْهَدُوا﴾ [آل عمران: ٦٤]، وقَدْ يَتَنازَعُ المُخْتَلِفانِ في التَّعَدِّي الِاسْمَ الَّذِي يَكُونُ صالِحًا لِأنْ يَعْمَلا فِيهِ تَقُولُ: أعْطَيْتُ زَيْدًا ووَهَبْتُ لِعَمْرٍو دِينارًا، كَما يَتَنازَعُ اللّازِمُ والمُتَعَدِّي نَحْوَ: قامَ وضَرَبْتُ زَيْدًا.
و(ما) في (مّا تُشْرِكُونَ) مَوْصُولَةٌ إمّا مَصْدَرِيَّةٌ وإمّا بِمَعْنى الَّذِي، أيْ: بَرِيءٌ مِن إشْراكِكم آلِهَةً مِن دُونِهِ، أوْ مِنَ الَّذِينَ تُشْرِكُونَ، و(جَمِيعًا) حالٌ مِن ضَمِيرِ (كِيدُونِي) الفاعِلِ، والخِطابُ إنَّما هو لِقَوْمِهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: أنْتُمْ وآلِهَتُكم، انْتَهى. قِيلَ: ومُجاهَرَةُ هُودٍ عَلَيْهِ السَّلامُ لَهم بِالبَراءَةِ مِن أدْيانِهِمْ، وحَضُّهُ إيّاهم عَلى كَيْدِهِ هم وأصْنامُهم مُعْجِزَةٌ لِهُودٍ، أوْ حَرَّضَ جَماعَتَهم عَلَيْهِ مَعَ انْفِرادِهِ وقُوَّتِهِمْ وكَثْرَتِهِمْ، فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلى نَيْلِهِ بِسُوءٍ، ثُمَّ ذَكَرَ تَوَكُّلَهُ عَلى اللَّهِ مُعْلِمًا أنَّهُ رَبُّهُ ورَبُّهم، ومُنَبِّهًا عَلى أنَّهُ مِن حَيْثُ هو رَبُّكم يَجِبُ عَلَيْكم أنْ لا تَعْبُدُوا إلّا إيّاهُ، ومُفَوِّضًا أمْرَهُ إلَيْهِ تَعالى ثِقَةً بِحِفْظِهِ وانِجازِ مَوْعُودِهِ، ثُمَّ وصَفَ قُدْرَةَ اللَّهِ تَعالى وعَظِيمَ مُلْكِهِ مِن كَوْنِ كُلِّ دابَّةٍ في قَبْضَتِهِ ومِلْكِهِ وتَحْتَ قَهْرِهِ وسُلْطانِهِ، فَأنْتُمْ مِن جُمْلَةِ أُولَئِكَ المَقْهُورِينَ.
وقَوْلُهُ: ﴿آخِذٌ بِناصِيَتِها﴾: تَمْثِيلٌ، إذْ كانَ القادِرُ المالِكُ يَقُودُ المَقْدُورَ عَلَيْهِ بِناصِيَتِهِ كَما يُقادُ الأسِيرُ والفَرَسُ بِناصِيَتِهِ، حَتّى صارَ الأخْذُ بِالنّاصِيَةِ عُرْفًا في القُدْرَةِ عَلى الحَيَوانِ، وكانَتِ العَرَبُ تَجُزُّ: ناصِيَةَ الأسِيرِ المَمْنُونِ عَلَيْهِ عَلامَةَ أنَّهُ قَدْ قُدِرَ عَلَيْهِ وقُبِضَ عَلى ناصِيَتِهِ. قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: وخَصَّ النّاصِيَةَ لِأنَّ العَرَبَ إذا وصَفَتْ إنْسانًا بِالذِّلَّةِ والخُضُوعِ قالَتْ: ما ناصِيَةُ فُلانٍ إلّا بِيَدِ فُلانٍ، أيْ: أنَّهُ مُطِيعٌ لَهُ يُصَرِّفُهُ كَيْفَ يَشاءُ، ثُمَّ أخْبَرَ أنَّ أفْعالَهُ تَعالى في غايَةِ الإحْكامِ، وعَلى طَرِيقِ الحَقِّ والعَدْلِ في مُلْكِهِ، لا يَفُوتُهُ ظالِمٌ ولا يَضِيعُ عِنْدَهُ مَن تَوَكَّلَ عَلَيْهِ، قَوْلُهُ الصِّدْقُ ووَعْدُهُ الحَقُّ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿فَإنْ تَوَلَّوْا﴾، أيْ: تَتَوَلَّوْا مُضارِعُ تَوَلّى. وقَرَأ الأعْرَجُ و عِيسى الثَّقَفِيُّ: تُوَلُّوا بِضَمِّ التّاءِ واللّامِ مُضارِعُ ولّى، وقِيلَ: تَوَلَّوْا ماضٍ ويَحْتاجُ في الجَوابِ إلى إضْمارِ قَوْلٍ، أيْ: فَقُلْ لَهم فَقَدْ أبْلَغْتُكم، ولا حاجَةَ تَدْعُو إلى جَعْلِهِ ماضِيًا وإضْمارِ القَوْلِ.
وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ (تَوَلَّوْا) فِعْلًا ماضِيًا، ويَكُونُ في الكَلامِ رُجُوعٌ مِن غَيْبَةٍ إلى خِطابٍ، أيْ: فَقَدْ أبْلَغْتُكم، انْتَهى. فَلا يَحْتاجُ إلى إضْمارٍ، والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في تَوَلَّوْا عائِدٌ عَلى قَوْمِ هُودٍ، وخِطابٌ لَهم مِن تَمامِ الجَمَلِ المَقُولَةِ قَبْلُ. وقالَ التَّبْرِيزِيُّ: هو عائِدٌ عَلى كَفّارِ قُرَيْشٍ، وهو مِن تَلْوِينِ الخِطابِ، انْتَقَلَ مِن خِطابِ قَوْمِ هُودٍ إلى الإخْبارِ عَمَّنْ بِحَضْرَةِ الرَّسُولِ ﷺ وكَأنَّهُ قِيلَ: أخْبِرْهم عَنْ قِصَّةِ قَوْمِ هُودٍ، وادْعُهم إلى الإيمانِ بِاللَّهِ لِئَلّا يُصِيبَهم كَما أصابَ قَوْمَ هُودٍ، فَإنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ لَهم: قَدْ أبْلَغْتُكم.
وجَوابُ الشَّرْطِ هو قَوْلُهُ: ﴿فَقَدْ أبْلَغْتُكُمْ﴾، وصَحَّ أنْ يَكُونَ جَوابًا، لِأنَّ في إبْلاغِهِ إلَيْهِمْ رِسالَتَهُ تَضَمُّنُ ما يَحُلُّ بِهِمْ مِنَ العَذابِ المُسْتَأْصِلِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: فَإنْ تَتَوَلَّوُا اسْتُؤْصِلْتُمْ بِالعَذابِ. ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ الجُمْلَةُ الخَبَرِيَّةُ وهي قَوْلُهُ: ﴿ويَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾ .
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): الإبْلاغُ كانَ قَبْلَ التَّوَلِّي، فَكَيْفَ وقَعَ جَزاءً لِلشَّرْطِ ؟ (قُلْتُ): مَعْناهُ: فَإنْ تَوَلَّوْا لَمْ أُعاقِبْ عَلى تَفْرِيطٍ في الإبْلاغِ، فَإنَّ ما أُرْسِلْتُ بِهِ إلَيْكم قَدْ بَلَغَكم فَأبَيْتُمْ إلّا تَكْذِيبَ الرِّسالَةِ وعَداوَةَ الرَّسُولِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: المَعْنى أنَّهُ ما عَلَيَّ كَبِيرُ هَمٍّ مِنكم إنْ تَوَلَّيْتُمْ فَقَدْ بَرِئَتْ ساحَتِي بِالتَّبْلِيغِ، وأنْتُمْ أصْحابُ الذَّنْبِ في الإعْراضِ عَنِ الإيمانِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (ويَسْتَخْلِفُ) بِضَمِّ الفاءِ عَلى مَعْنى الخَبَرِ المُسْتَأْنَفِ، أيْ: يُهْلِكُكم ويَجِيءُ بِقَوْمٍ آخَرِينَ يَخْلُفُونَكم في دِيارِكم وأمْوالِكم. وقَرَأ حَفْصٌ في رِوايَةِ هُبَيْرَةَ: بِجَزْمِها عَطْفًا عَلى مَوْضِعِ الجَزاءِ، وقَرَأ عَبْدُ اللَّهِ كَذَلِكَ وبِجَزْمِ ﴿ولا تَضُرُّوهُ﴾ [التوبة: ٣٩]، وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ولا تَضُرُّونَهُ﴾، أيْ: شَيْئًا مِنَ الضَّرَرِ بِتَوْلِيَتِكم، لِأنَّهُ تَعالى لا تَجُوزُ عَلَيْهِ المَضارُّ والمَنافِعُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: يُحْتَمَلُ مِنَ المَعْنى وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: ولا تَضُرُّونَهُ بِذَهابِكم وهَلاكِكم شَيْئًا، أيْ: لا يَنْقُصُ مُلْكُهُ ولا يَخْتَلُّ أمْرُهُ، وعَلى هَذا (p-٢٣٥)المَعْنى قَرَأ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ ولا تَنْقُصُونَهُ شَيْئًا. والمَعْنى الآخَرُ: ولا تَضُرُّونَهُ، أيْ: ولا تَقْدِرُونَ إذا أهْلَكَكم عَلى إضْرارِهِ بِشَيْءٍ، ولا عَلى انْتِصارٍ مِنهُ، ولا تُقابِلُونَ فِعْلَهُ بِشَيْءٍ يَضُرُّهُ، انْتَهى.
وهَذا فِعْلٌ مَنفِيٌّ ومَدْلُولُهُ نَكِرَةٌ، فَيَنْتَفِي جَمِيعُ وُجُوهِ الضَّرَرِ، ولا يَتَعَيَّنُ واحِدٌ مِنها. ومَعْنى (حَفِيظٌ): رَقِيبٌ مُحِيطٌ بِالأشْياءِ عِلْمًا لا يَخْفى عَلَيْهِ أعْمالُكم، ولا يَغْفُلُ عَنْ مُؤاخَذَتِكم، وهو يَحْفَظُنِي مِمّا تَكِيدُونَنِي بِهِ.
﴿ولَمّا جاءَ أمْرُنا نَجَّيْنا هُودًا والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنّا ونَجَّيْناهم مِن عَذابٍ غَلِيظٍ﴾ ﴿وتِلْكَ عادٌ جَحَدُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ وعَصَوْا رُسُلَهُ واتَّبَعُوا أمْرَ كُلِّ جَبّارٍ عَنِيدٍ﴾ ﴿وأُتْبِعُوا في هَذِهِ الدُّنْيا لَعْنَةً ويَوْمَ القِيامَةِ ألا إنَّ عادًا كَفَرُوا رَبَّهم ألا بُعْدًا لِعادٍ قَوْمِ هُودٍ﴾: الأمْرُ: واحِدُ الأُمُورِ، فَيَكُونُ كِنايَةً عَنِ العَذابِ، أوْ عَنِ القَضاءِ بِهَلاكِهِمْ. أوْ مَصْدَرُ أمَرَ، أيْ: أمْرُنا لِلرِّيحِ أوْ لِخَزَنَتِها.
﴿والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾: قِيلَ: كانُوا أرْبَعَةَ آلافٍ، قِيلَ: ثَلاثَةُ آلافٍ.
والظّاهِرُ تَعَلُّقٌ بِرَحْمَةٍ مِنّا بِقَوْلِهِ: (نَجَّيْنا) أيْ: نَجَّيْناهم بِمُجَرَّدِ رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لَحِقَتْهم، لا بِأعْمالِهِمُ الصّالِحَةِ. أوْ كَنّى بِالرَّحْمَةِ عَنْ أعْمالِهِمُ الصّالِحَةِ، إذْ تَوْفِيقُهم لَها إنَّما هو بِسَبَبِ رَحْمَتِهِ تَعالى إيّاهم. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِآمَنُوا، أيْ: إنَّ إيمانَهم بِاللَّهِ وبِتَصْدِيقِ رَسُولِهِ إنَّما هو بِرَحْمَةِ اللَّهِ تَعالى إيّاهم، إذْ وفَّقَهم لِذَلِكَ. وتَكَرَّرَتِ التَّنْجِيَةُ عَلى سَبِيلِ التَّوْكِيدِ، ولِقَلَقِ مَن لَوْ لاصَقَتْ مِنّا فَأُعِيدَتِ التَّنْجِيَةُ وهي الأُولى، أوْ تَكُونُ هَذِهِ النَّتِيجَةُ هي مِن عَذابِ الآخِرَةِ ولا عَذابَ أغْلَظُ مِنهُ، فَأُعِيدَتْ لِأجْلِ اخْتِلافِ مُتَعَلِّقَيْها. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): فَما مَعْنى تَكْرِيرِ التَّنْجِيَةِ ؟ (قُلْتُ): ذَكَرَ أوَّلًا أنَّهُ حِينَ أهْلَكَ عَدُوَّهم نَجّاهم، ثُمَّ قالَ: ﴿ونَجَّيْناهم مِن عَذابٍ غَلِيظٍ﴾ عَلى مَعْنى: وكانَتِ التَّنْجِيَةُ مِن عَذابٍ غَلِيظٍ، قالَ: وذَلِكَ أنَّ اللَّهَ عَزَّ وعَلا بَعَثَ عَلَيْهِمُ السَّمُومَ، فَكانَتْ تَدْخُلُ في أُنُوفِهِمْ وتَخْرُجُ مِن أدْبارِهِمْ، وتُقَطِّعُهم عُضْوًا عُضْوًا، انْتَهى.
وهَذا قالَهُ الزَّجّاجُ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: وكانَتِ النَّجاةُ المُتَقَدِّمَةُ مِن عَذابٍ غَلِيظٍ يُرِيدُ: الرِّيحَ، فَيَكُونُ المَقْصُودُ عَلى هَذا: تَعْدِيدُ النِّعْمَةِ، والمَشْهُورُ في عَذابِهِمْ بِالرِّيحِ: أنَّها كانَتْ تَحْمِلُهم وتَهْدِمُ مَساكِنَهم وتَنْسِفُها، وتَحْمِلُ الظَّعِينَةَ كَما هي، ونَحْوَ هَذا.
و(تِلْكَ عادٌ): إشارَةٌ إلى قُبُورِهِمْ وآثارِهِمْ كَأنَّهُ قالَ: ﴿فَسِيحُوا في الأرْضِ﴾ [التوبة: ٢]: فانْظُرُوا إلَيْها واعْتَبِرُوا، ثُمَّ اسْتَأْنَفَ الأخْبارَ عَنْهم فَقالَ: ﴿جَحَدُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ﴾ أيْ: أنْكَرُوها. وأضافَ الآياتِ إلى رَبِّهِمْ تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ مالِكُهم ومُرَبِّيهِمْ، فَأنْكَرُوا آياتِهِ، والواجِبُ إقْرارُهم بِها. وأصْلُ جَحَدَ أنْ يَتَعَدّى بِنَفْسِهِ، لَكِنَّهُ أُجْرِيَ مَجْرى كَفَرَ فَعُدِّيَ بِالباءِ، كَما عُدِّيَ كَفَرَ بِنَفْسِهِ في قَوْلِهِ: ﴿ألا إنَّ عادًا كَفَرُوا رَبَّهُمْ﴾، إجْراءً لَهُ مَجْرى جَحَدَ.
وقِيلَ: كَفَرَ كَشَكَرَ يَتَعَدّى تارَةً بِنَفْسِهِ، وتارَةً بِحَرْفِ جَرٍّ.
﴿وعَصَوْا رُسُلَهُ﴾ قِيلَ: عَصَوْا هُودًا والرُّسُلَ الَّذِينَ كانُوا مِن قَبْلِهِ، وقِيلَ: يُنَزَّلُ تَكْذِيبُ الرَّسُولِ الواحِدِ مَنزِلَةَ تَكْذِيبِ الرُّسُلِ، لِأنَّهم كُلَّهم مُجْمِعُونَ عَلى الإيمانِ بِاللَّهِ والإقْرارِ بِرُبُوبِيَّتِهِ كَقَوْلِهِ: ﴿لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أحَدٍ مِن رُسُلِهِ﴾ [البقرة: ٢٨٥] (واتَّبَعُوا) أيِ: اتَّبَعَ سُقّاطُهم أمْرَ رُؤَسائِهِمْ وكُبَرائِهِمْ، والمَعْنى: أنَّهم أطاعُوهم فِيما أمَرُوهم بِهِ.
قالَ الكَلْبِيُّ: الجَبّارُ: هو الَّذِي يَقْتُلُ عَلى الغَضَبِ، ويُعاقِبُ عَلى المَعْصِيَةِ، وقالَ الزَّجّاجُ: هو الَّذِي يُجْبِرُ النّاسَ عَلى ما يُرِيدُ. وذَكَرَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: أنَّهُ العَظِيمُ في نَفْسِهِ، المُتَكَبِّرُ عَلى العِبادِ.
والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: (واتَّبَعُوا): عامٌّ في جَمِيعِ عادٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لَمّا كانُوا تابِعِينَ لَهُ دُونَ الرُّسُلِ، جُعِلَتِ اللَّعْنَةُ تابِعَةً لَهم في الدّارَيْنِ تَكُبُّهم عَلى وُجُوهِهِمْ في عَذابِ اللَّهِ، انْتَهى.
(p-٢٣٦)فَظاهِرُ كَلامِهِ يَدُلُّ عَلى أنَّ اللَّعْنَةَ مُخْتَصَّةٌ بِالتّابِعِينَ لِلرُّؤَساءِ، ونَبَّهَ عَلى عِلَّةِ اتِّباعِ اللَّعْنَةِ لَهم في الدّارَيْنِ: بِأنَّهم كَفَرُوا رَبَّهم، فالكُفْرُ هو المُوجِبُ لِلَّعْنَةِ. ثُمَّ كَرَّرَ التَّنْبِيهَ بِقَوْلِهِ: ألا في الدُّعاءِ عَلَيْهِمْ تَهْوِيلًا لِأمْرِهِمْ، وتَفْظِيعًا لَهُ، وبَعْثًا عَلى الِاعْتِبارِ بِهِمْ والحَذَرِ مِن مِثْلِ حالِهِمْ.
وفائِدَةُ قَوْلِهِ: قَوْمِ هُودٍ: مَزِيدُ التَّأْكِيدِ لِلْمُبالَغَةِ في التَّنْصِيصِ، أوْ تَعْيِينُ عادٍ هَذِهِ مِن عادِ إرَمَ، لِأنَّ عادًا اثْنانِ ولِذَلِكَ قالَ تَعالى: ﴿وأنَّهُ أهْلَكَ عادًا الأُولى﴾ [النجم: ٥٠]، فَتَحَقَّقَ أنَّ الدُّعاءَ عَلى عادٍ هَذِهِ، ولَمْ تَلْتَبِسْ بِغَيْرِها.
هود 11:61
﴿وإلى ثَمُودَ أخاهم صالِحًا قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ هو أنْشَأكم مِنَ الأرْضِ واسْتَعْمَرَكم فِيها فاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ إنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ﴾ ﴿قالُوا يا صالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذا أتَنْهانا أنْ نَعْبُدَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا وإنَّنا لَفي شَكٍّ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ مُرِيبٍ﴾ ﴿قالَ يا قَوْمِ أرَأيْتُمْ إنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّي وآتانِي مِنهُ رَحْمَةً فَمَن يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إنْ عَصَيْتُهُ فَما تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ﴾ ﴿ويا قَوْمِ هَذِهِ ناقَةُ اللَّهِ لَكم آيَةً فَذَرُوها تَأْكُلْ في أرْضِ اللَّهِ ولا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكم عَذابٌ قَرِيبٌ﴾ ﴿فَعَقَرُوها فَقالَ تَمَتَّعُوا في دارِكم ثَلاثَةَ أيّامٍ ذَلِكَ وعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ﴾ ﴿فَلَمّا جاءَ أمْرُنا نَجَّيْنا صالِحًا والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنّا ومِن خِزْيِ يَوْمِئِذٍ إنَّ رَبَّكَ هو القَوِيُّ العَزِيزُ﴾ ﴿وأخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأصْبَحُوا في دِيارِهِمْ جاثِمِينَ﴾ ﴿كَأنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها ألا إنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهم ألا بُعْدًا لِثَمُودَ﴾ ﴿ولَقَدْ جاءَتْ رُسُلُنا إبْراهِيمَ بِالبُشْرى قالُوا سَلامًا قالَ سَلامٌ فَما لَبِثَ أنْ جاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾ [هود: ٦٩] ﴿فَلَمّا رَأى أيْدِيَهم لا تَصِلُ إلَيْهِ نَكِرَهم وأوْجَسَ مِنهم خِيفَةً قالُوا لا تَخَفْ إنّا أُرْسِلْنا إلى قَوْمِ لُوطٍ﴾ [هود: ٧٠] ﴿وامْرَأتُهُ قائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْناها بِإسْحاقَ ومِن وراءِ إسْحاقَ يَعْقُوبَ﴾ [هود: ٧١] ﴿قالَتْ يا ويْلَتا أألِدُ وأنا عَجُوزٌ وهَذا بَعْلِي شَيْخًا إنَّ هَذا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ﴾ [هود: ٧٢] ﴿قالُوا أتَعْجَبِينَ مِن أمْرِ اللَّهِ رَحْمَةُ اللَّهِ وبَرَكاتُهُ عَلَيْكم أهْلَ البَيْتِ إنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ﴾ [هود: ٧٣] ﴿فَلَمّا ذَهَبَ عَنْ إبْراهِيمَ الرَّوْعُ وجاءَتْهُ البُشْرى يُجادِلُنا في قَوْمِ لُوطٍ﴾ [هود: ٧٤] ﴿إنَّ إبْراهِيمَ لَحَلِيمٌ أوّاهٌ مُنِيبٌ﴾ [هود: ٧٥] ﴿يا إبْراهِيمُ أعْرِضْ عَنْ هَذا إنَّهُ قَدْ جاءَ أمْرُ رَبِّكَ وإنَّهم آتِيهِمْ عَذابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ﴾ [هود: ٧٦] ﴿ولَمّا جاءَتْ رُسُلُنا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وضاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وقالَ هَذا يَوْمٌ عَصِيبٌ﴾ [هود: ٧٧] ﴿وجاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إلَيْهِ ومِن قَبْلُ كانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ قالَ يا قَوْمِ هَؤُلاءِ بَناتِي هُنَّ أطْهَرُ لَكم فاتَّقُوا اللَّهَ ولا تُخْزُونِي في ضَيْفِي ألَيْسَ مِنكم رَجُلٌ رَشِيدٌ﴾ [هود: ٧٨] ﴿قالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ ما لَنا في بَناتِكَ مِن حَقٍّ وإنَّكَ لَتَعْلَمُ ما نُرِيدُ﴾ [هود: ٧٩] ﴿قالَ لَوْ أنَّ لِي بِكم قُوَّةً أوْ آوِي إلى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ [هود: ٨٠] ﴿قالُوا يا لُوطُ إنّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إلَيْكَ فَأسْرِ بِأهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ ولا يَلْتَفِتْ مِنكم أحَدٌ إلّا امْرَأتَكَ إنَّهُ مُصِيبُها ما أصابَهم إنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ ألَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ﴾ [هود: ٨١] ﴿فَلَمّا جاءَ أمْرُنا جَعَلْنا عالِيَها سافِلَها وأمْطَرْنا عَلَيْها حِجارَةً مِن سِجِّيلٍ مَنضُودٍ﴾ [هود: ٨٢] ﴿مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وما هي مِنَ الظّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾ [هود: ٨٣] الصَّيْحَةُ: فَعْلَةٌ لِلْمَرَّةِ الواحِدَةِ مِنَ الصِّياحِ، يُقالُ: صاحَ يَصِيحُ إذا صَوَّتَ بِقُوَّةٍ.
حَنَذْتُ الشّاةَ أحْنِذُها حَنْذًا شَوَيْتُها وجَعَلْتُ فَوْقَها حِجارَةً لِتُنْضِجَها فَهي حَنِيذٌ، وحَنَذْتُ الفَرَسَ أحْضَرْتُهُ شَوْطًا أوْ شَوْطَيْنِ ثُمَّ ظاهَرْتُ عَلَيْهِ الجِلالَ في الشَّمْسِ لِيَعْرَقَ.
أوْجَسَ الرَّجُلُ قالَ الأخْفَشُ: خامَرَ قَلْبُهُ، وقالَ الفَرّاءُ: اسْتَشْعَرَ، وقِيلَ: أحَسَّ. والوَجِيسُ: ما يَعْتَرِي النَّفْسَ عِنْدَ أوائِلِ الفَزَعِ، ووَجَسَ في نَفْسِهِ كَذا: خَطَرَ بِها، يَجِسُ وجْسًا ووُجُوسًا وتَوَجَّسَ: تَسَمَّعَ وتَحَسَّسَ. قالَ:
؎وصادِقَتا سَمْعِ التَّوَجُّسَ لِلسُّرى لِهَجْسٍ خَفِيٍ أوْ لِصَوْتٍ مُنَدَّدِ
الضَّحِكُ مَعْرُوفٌ، وكانَ يَنْبَغِي أنْ يُذْكَرَ في سُورَةِ التَّوْبَةِ في قَوْلِهِ: ﴿فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا﴾ [التوبة: ٨٢] ويُقالُ: ضَحَكَ بِفَتْحِ الحاءِ، والضُّحَكَةُ: الكَثِيرُ الضَّحِكُ، والضُّحْكَةُ: المَضْحُوكُ مِنهُ، ويُقالُ: ضَحِكَتِ الأرْنَبُ، أيْ: حاضَتْ، وأنْكَرَ أبُو عُبَيْدَةَ والفَرّاءُ وأبُو عُبَيْدٍ: ضَحِكَ بِمَعْنى حاضَ، وعَرَفَ ذَلِكَ غَيْرُهم. وقالَ الشّاعِرُ أنْشَدَهُ اللُّغَوِيُّونَ:
؎وضِحْكُ الأرانِبِ فَوْقَ الصَّفا ∗∗∗ كَمِثْلِ دَمِ الجَوْفِ يَوْمَ اللِّقا
(p-٢٣٧)وقالَ الآخَرُ:
؎وعَهْدِي بِسَلْمى ضاحِكًا في لُبانَةٍ ∗∗∗ ولَمْ يَعُدْ حُقّا ثَدْيِها أنْ يَحْلُما
أيْ: حائِضًا في لُبانَةِ، واللُّبانَةُ والعَلاقَةُ والشَّوْذَرُ واحِدٌ. ومِنهُ ضَحِكَتِ الكافُورَةُ إذا انْشَقَّتْ، وضَحِكَتِ الشَّجَرَةُ: سالَ مِنها صَمْغُها وهو شِبْهُ الدَّمِ، وضَحِكَ الحَوْضُ: امْتَلَأ وفاضَ.
الشَّيْخُ: مَعْرُوفٌ، والفِعْلُ شاخَ يَشِيخُ، وقَدْ يُقالُ لِلْأُنْثى: شَيْخَةٌ. قالَ:
؎وتَضْحَكُ مِنِّي شَيْخَةٌ عَبْشَمِيَّةٌ
ويُجْمَعُ عَلى أشْياخٍ وشُيُوخٍ وشَيْخانِ، ومِن أسْماءِ الجُمُوعِ مَشْيَخَةٌ ومَشْيُوخًا. المَجِيدُ: قالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: الرَّفِيعُ. يُقالُ: مَجَدَ يَمْجُدُ مَجْدًا ومَجادَةً ومَجُدَ لُغَتانِ، أيْ: كَرُمَ وشَرُفُ، وأصْلُهُ مِن قَوْلِهِمْ: مَجَدَتِ الإبِلُ تَمْجُدُ مَجْدًا: شَبِعَتْ. وقالَ: أمْجَدْتُ الدّابَّةَ: أكْثَرْتُ عَلَفَها، وقالَ أبُو حَيَّةَ النُّمَيْرِيُّ:
؎تَزِيدُ عَلى صَواحِبِها ولَيْسَتْ ∗∗∗ بِماجِدَةِ الطَّعامِ ولا الشَّرابِ
أيْ: لَيْسَتْ بِكَثِيرَةِ الطَّعامِ ولا الشَّرابِ. وقالَ اللَّيْثُ: أمْجَدَ فُلانٌ عَطاءَهُ ومَجَّدَهُ إذا كَثَّرَهُ، ومِن أمْثالِهِمْ ”في كُلِّ شَجَرٍ نارٌ“ واسْتَمْجَدَ المَرْخُ والعِفارُ، أيِ: اسْتَكْثَرَ مِنَ النّارِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: مَجَدَ الشَّيْءُ إذا حَسُنَتْ أوْصافُهُ. الرَّوْعُ: الفَزَعُ قالَ الشّاعِرُ:
؎إذا أخَذَتْها هِزَّةُ الرَّوْعِ أمْسَكَتْ ∗∗∗ بِمَنكِبِ مِقْدامٍ عَلى الهَوْلِ أرْوَعا
والفِعْلُ راعَ يَرُوعُ قالَ:
؎ما راعَنِي إلّا حَمُولَةُ أهْلِها ∗∗∗ وسْطَ الدِّيارِ تَسَفُّ حَبَّ الخِمْخِمِ
وقالَ النّابِغَةُ:
؎فارْتاعَ مِن صَوْتِ كِلابٍ فَباتَ لَهُ ∗∗∗ طَوْعَ الشَّوامِتِ مِن خَوْفٍ ومِن صَرَدِ
والرُّوعُ بِضَمِّ الرّاءِ: النَّفْسُ، لِأنَّها مَوْضِعُ الرَّوْعِ. الذَّرْعُ: مَصْدَرُ ذَرَعَ البَعِيرُ بِيَدَيْهِ في سَيْرِهِ: إذا سارَ عَلى قَدْرِ خَطْوِهِ، مَأْخُوذٌ مِنَ الذِّراعِ، ثُمَّ وُضِعَ مَوْضِعَ الطّاقَةِ فَقِيلَ: ضاقَ بِهِ ذَرْعًا. وقَدْ يَجْعَلُونَ الذِّراعَ مَوْضِعَ الذَّرْعِ قالَ:
؎إلَيْكَ إلَيْكَ ضاقَ بِها ذَرْعًا
وقِيلَ: كَنّى بِذَلِكَ عَنْ ضِيقِ الصَّدْرِ. العَصِيبُ والعَصَبْصَبُ والعَصَوْصَبُ: الشَّدِيدُ اللّازِمُ الشَّرِّ المُلْتَفُّ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ قالَ:
؎وكُنْتُ لِزازَ خَصْمِكَ لَمْ أُعَدِّدْ ∗∗∗ وقَدْ سَلَكُوكَ في يَوْمٍ عَصِيبِ
قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: سُمِّيَ عَصِيبًا لِأنَّهُ يَعْصِبُ النّاسَ بِالشَّرِّ، والعُصْبَةُ والعِصابَةُ الجَماعَةُ المُجْتَمِعَةُ كَلَّمْتُهم، أوِ المُجْتَمِعُونَ في النَّسَبِ.
وتَعَصَّبْتُ لِفُلانٍ وفُلانٌ مَعْصُوبٌ، أيْ: مُجْتَمِعُ الخَلْقِ. الإهْراعُ: قالَ شِمْرٌ: مَشْيٌ بَيْنَ الهَرْوَلَةِ والجَمْزِ. وقالَ الهَرَوِيُّ: هَرَعَ الرَّجُلُ وأهْرَعَ اسْتَحَثَّ. الضَّيْفُ: مَصْدَرٌ، وإذا أُخْبِرَ بِهِ أوْ وُصِفَ لَمْ يُطابِقْ في تَثْنِيَةٍ ولا جَمْعٍ، هَذا المَشْهُورُ.
وسُمِعَ فِيهِ ضُيُوفٌ وأضْيافٌ وضِيفانٌ. الرُّكْنُ: مَعْرُوفٌ وهو النّاحِيَةُ مِنَ البَيْتِ أوِ الجَبَلِ. ويُقالُ: رَكُنٌ بِضَمِّ الكافِ، ويُجْمَعُ عَلى أرْكانٍ وأرْكُنٍ. ورَكَنْتُ إلى فُلانٍ: انْضَوَيْتُ إلَيْهِ. سَرى وأسْرى بِمَعْنًى واحِدٍ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ والأزْهَرِيُّ، وعَنِ اللَّيْثِ أسْرى: سارَ أوَّلَ اللَّيْلِ، وسَرى: سارَ آخِرَهُ، ولا يُقالُ في النَّهارِ إلّا سارَ.
السِّجِّيلُ والسِّجِّينُ: الشَّدِيدُ مِنَ الحَجَرِ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ. وقالَ الفَرّاءُ: طِينٌ طُبِخَ حَتّى صارَ بِمَنزِلَةِ الآجُرِّ. وقِيلَ: هو فارِسِيٌّ. وسَنْكٌ: الحَجَرُ وكُلُّ الطِّينِ يُعَرَّبُ فَقِيلَ: سِجَّينٌ.
المَنضُودُ: المَجْعُولُ بَعْضُهُ فَوْقَ بَعْضٍ.
﴿وإلى ثَمُودَ أخاهم صالِحًا قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ هو أنْشَأكم مِنَ الأرْضِ واسْتَعْمَرَكم فِيها فاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ إنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ﴾ ﴿قالُوا ياصالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذا أتَنْهانا أنْ نَعْبُدَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا وإنَّنا لَفي شَكٍّ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ مُرِيبٍ﴾ (p-٢٣٨)قَرَأ ابْنُ وثّابٍ والأعْمَشُ: ﴿وإلى ثَمُودَ﴾ بِالصَّرْفِ عَلى إرادَةِ الحَيِّ، والجُمْهُورِ عَلى مَنعِ الصَّرْفِ ذَهابًا إلى القَبِيلَةِ. (أنْشَأكم): اخْتَرَعَكم وأوْجَدَكم، وذَلِكَ بِاخْتِراعِ آدَمَ أصْلِهِمْ، فَكانَ إنْشاءُ الأصْلِ إنْشاءً لِلْفَرْعِ.
وقِيلَ: ﴿مِنَ الأرْضِ﴾ بِاعْتِبارِ الأصْلِ المُتَوَلَّدُ مِنهُ النَّباتُ المُتَوَلَّدُ مِنهُ الغِذاءُ المُتَوَلَّدُ مِنهُ المَنِيُّ ودَمُ الطَّمْثِ المُتَوَلَّدُ مِنهُما الإنْسانُ.
وقِيلَ: (مِن) بِمَعْنى في و(اسْتَعْمَرَكم): جَعَلَكم عُمّارًا. وقِيلَ: (اسْتَعْمَرَكم) مِنَ العُمُرِ، أيِ: اسْتَبَقاكم فِيها قالَهُ الضَّحّاكُ، أيْ: أطالَ أعْمارَكم. وقِيلَ: مِنَ العُمْرى، قالَهُ مُجاهِدٌ: فَيَكُونُ اسْتَعْمَرَ في مَعْنى أعْمَرَ، كاسْتَهْلَكَهُ في مَعْنى أهْلَكَهُ. والمَعْنى: أعْمَرَكم فِيها دِيارَكم، ثُمَّ هو وارِثُها مِنكم.
أوْ بِمَعْنى: جَعَلَكم مُعَمِّرِينَ دِيارَكم فِيها، لِأنَّ مَن ورِثَ دارَهُ مِن بَعْدِهِ فَإنَّهُ أعْمَرَهُ إيّاها، لِأنَّهُ يَسْكُنُها عُمُرَهُ ثُمَّ يَتْرُكُها لِغَيْرِهِ. وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: (اسْتَعْمَرَكم): أمَرَكم بِعِمارَةِ ما تَحْتاجُونَ إلَيْهِ مِن بِناءِ مَساكِنَ وغَرْسِ أشْجارٍ. وقِيلَ: ألْهَمَكم عِمارَتَها مِنَ الحَرْثِ والغَرْسِ وحَفْرِ الأنْهارِ وغَيْرِها، ﴿إنَّ رَبِّي قَرِيبٌ﴾ أيْ: دانِي الرَّحْمَةِ، (مُجِيبٌ) لِمَن دَعاهُ.
﴿قَدْ كُنْتَ فِينا مَرْجُوًّا﴾ . قالَ كَعْبٌ: كانُوا يَرْجُوهُ لِلْمَمْلِكَةِ بَعْدَ مُلْكِهِمْ، لِأنَّهُ كانَ ذا حَسَبٍ وثَرْوَةٍ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: فاضِلًا خَيِّرًا نُقَدِّمُكَ عَلى جَمِيعِنا.
وقالَ مُقاتِلٌ: كانُوا يَرْجُونَ رُجُوعَهُ إلى دِينِهِمْ، إذْ كانَ يُبْغِضُ أصْنامَهم، ويَعْدِلُ عَنْ دِينِهِمْ، فَلَمّا أظْهَرَ إنْذارَهُمُ انْقَطَعَ رَجاؤُهم مِنهُ.
وذَكَرَ الماوَرْدِيُّ: يَرْجُونَ خَيْرَهُ، فَلَمّا أنْذَرَهُمُ انْقَطَعَ رَجاؤُهم خَيْرَهُ. وبَسَطَ الزَّمَخْشَرِيُّ هَذا القَوْلَ فَقالَ: فِينا فِيما بَيْنَنا مَرْجُوًّا كانَتْ تَلُوحُ فِيكَ مَخايِلُ الخَيْرِ وأماراتُ الرُّشْدِ، فَكُنّا نَرْجُوكَ لِنَنْتَفِعَ بِكَ، وتَكُونَ مُشاوَرًا في الأُمُورِ مُسْتَرْشَدًا في التَّدابِيرِ، فَلَمّا نَطَقْتَ بِهَذا القَوْلِ انْقَطَعَ رَجاؤُنا عَنْكَ، وعَلِمْنا أنْ لا خَيْرَ فِيكَ، انْتَهى.
وقِيلَ: لَمّا كانَ قَوِيَّ الخاطِرِ وكانَ مِن قَبِيلَتِهِمْ، قَوِيَ رَجاؤُهم في أنْ يَنْصُرَ دِينَهم ويُقَوِّيَ مَذْهَبَهم. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والظّاهِرُ الَّذِي حَكاهُ الجُمْهُورُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿مَرْجُوًّا﴾: مَشُورًا نُؤَمِّلُ فِيكَ أنْ تَكُونَ سَيِّدًا سادًّا مَسَدَّ الأكابِرِ، ثُمَّ قَرَّرُوهُ عَلى التَّوْبِيخِ في زَعْمِهِمْ بِقَوْلِهِمْ: ﴿أتَنْهانا﴾ . وحَكى النَّقّاشُ عَنْ بَعْضِهِمْ أنَّهُ قالَ: مَعْناهُ حَقِيرًا، فَإمّا أنْ يَكُونَ لَفْظُ مَرْجُوًّا بِمَعْنى حَقِيرٍ، فَلَيْسَ ذَلِكَ في كَلامِ العَرَبِ، وإنَّما يَتَّجِهُ ذَلِكَ عَلى جِهَةِ التَّفْسِيرِ لِلْمَعْنى، وذَلِكَ أنَّ القَصْدَ بِقَوْلِهِمْ: مَرْجُوًّا بِقَوْلِ: لَقَدْ كُنْتَ فِينا سَهْلًا مَرامُكَ، قَرِيبًا رَدُّ أمْرِكَ مِمَّنْ لا يُظَنُّ أنْ يُسْتَعْجَلَ مِن أمْرِهِ مِثْلُ هَذا.
فَمَعْنى مَرْجُوًّا، أيْ: مُؤَخَرًّا اطِّراحُهُ وغَلَبَتُهُ ونَحْوَ هَذا فَيَكُونُ ذَلِكَ عَلى جِهَةِ الِاحْتِقارِ، ولِذَلِكَ فُسِّرَ بِحَقِيرٍ، ثُمَّ يَجِيءُ قَوْلُهم: ﴿أتَنْهانا﴾، عَلى جِهَةِ التَّوَعُّدِ والِاسْتِبْشاعِ لِهَذِهِ المَقالَةِ مِنهُ، انْتَهى.
و﴿ما يَعْبُدُ آباؤُنا﴾ حِكايَةُ حالٍ ماضِيَةٍ، وإنّا وإنَّنا لُغَتانِ لِـ قُرَيْشٍ. قالَ الفَرّاءُ: مَن قالَ إنَّنا أخْرَجَ الحَرْفَ عَلى أصْلِهِ، لِأنَّ كِنايَةَ المُتَكَلِّمِينَ (نا)، فاجْتَمَعَتْ ثَلاثُ نُوناتٍ.
ومَن قالَ: إنّا: اسْتَثْقَلَ اجْتِماعَها فَأسْقَطَ الثّالِثَةَ وأبْقى الأُولَتَيْنِ، انْتَهى. والَّذِي أخْتارُهُ أنَّ (نا) ضَمِيرُ المُتَكَلِّمِينَ لا تَكُونُ المَحْذُوفَةَ، لِأنَّ في حَذْفِها حَذْفَ بَعْضِ اسْمٍ وبَقِيَ مِنهُ حَرْفٌ ساكِنٌ، وإنَّما المَحْذُوفَةُ النُّونُ الثّانِيَةُ مِن إنَّ فَحُذِفَتْ لِاجْتِماعِ الأمْثالِ، وبَقِيَ مِنَ الحَرْفِ الهَمْزَةُ والنُّونُ السّاكِنَةُ، وهَذا أوْلى مِن حَذْفِ ما بَقِيَ مِنهُ حَرْفٌ.
وأيْضًا فَقَدْ عُهِدَ حَذْفُ هَذِهِ النُّونِ مَعَ غَيْرِ ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِينَ، ولَمْ يُعْهَدْ حَذْفُ نُونِ (نا)، فَكانَ حَذْفُها مِن إنَّ أوْلى. و(مُرِيبٍ): اسْمُ فاعِلٍ مِن مُتَعَدِّ أرابَهُ: أوْقَعَهُ في الرِّيبَةِ، وهي قَلَقُ النَّفْسِ وانْتِفاءُ الطُّمَأْنِينَةِ. أوْ مِن لازِمِ أرابَ الرَّجُلُ إذا كانَ ذا رِيبَةٍ، وأُسْنِدَ ذَلِكَ إلى الشَّكِّ إسْنادًا مَجازِيًّا، ووُجُودُ مِثْلِ هَذا الشَّكِّ كَوُجُودِ التَّصْمِيمِ عَلى الكُفْرِ.
﴿قالَ يا قَوْمِ أرَأيْتُمْ إنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّي وآتانِي مِنهُ رَحْمَةً فَمَن يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إنْ عَصَيْتُهُ فَما تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِير﴾ ﴿ويا قَوْمِ هَذِهِ ناقَةُ اللَّهِ لَكم آيَةً فَذَرُوها تَأْكُلْ في أرْضِ اللَّهِ ولا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكم عَذابٌ قَرِيبٌ﴾ ﴿فَعَقَرُوها فَقالَ تَمَتَّعُوا في دارِكم ثَلاثَةَ أيّامٍ ذَلِكَ وعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ﴾ (p-٢٣٩)تَقَدَّمَ الكَلامُ في (أرَأيْتُمْ) في قِصَّةِ نُوحٍ، والمَفْعُولُ الثّانِي هُنا لِأرَأيْتُمْ مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿فَمَن يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إنْ عَصَيْتُهُ﴾، والتَّقْدِيرُ: أعْصِيهِ في تَرْكِ ما أنا عَلَيْهِ مِنَ البَيِّنَةِ.
وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: (أرَأيْتُمْ) هو مِن رُؤْيَةِ القَلْبِ، والشَّرْطُ الَّذِي بَعْدَهُ وجَوابُهُ يَسُدُّ مَسَدَّ مَفْعُولَيْ عَلِمْتُ وأخَواتِها، وإدْخالُ أداةِ الشَّرْطِ الَّتِي هي إنْ عَلى جُمْلَةٍ مُحَقَّقَةٍ، وهي كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ، لَكِنَّهُ خاطَبَ الجاحِدِينَ لِلْبَيِّنَةِ فَكَأنَّهُ قالَ: قَدِّرُوا أنِّي عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّي وانْظُرُوا إنْ تابَعْتُكم وعَصَيْتُ رَبِّي في أوامِرِهِ، فَمَن يَمْنَعُنِي مِن عَذابِهِ ؟ قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وفي الكَلامِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: أيَضُرُّنِي شَكُّكم ؟ أوْ أيُمْكِنُنِي طاعَتُكم ؟ ونَحْوَ هَذا مِمّا يَلِيقُ بِمَعْنى الآيَةِ، انْتَهى. وهَذا التَّقْدِيرُ الَّذِي قَدَّرَهُ اسْتِشْعارٌ مِنهُ بِالمَفْعُولِ الثّانِي الَّذِي يَقْتَضِيهِ أرَأيْتُمْ، وأنَّ الشَّرْطَ وجَوابَهُ لا يَقَعانِ ولا يَسُدّانِ مَسَدَّ مَفْعُولَيْ (أرَأيْتُمْ)، والَّذِي قَدَّرْناهُ نَحْنُ هو الظّاهِرُ لِدَلالَةِ قَوْلِهِ: ﴿فَمَن يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إنْ عَصَيْتُهُ فَما تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ﴾ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: غَيْرَ أنْ أُخَسِّرَكم، أيْ: أنْسُبَكم إلى الخُسْرانِ، وأقُولُ أنَّكم خاسِرُونَ، انْتَهى.
يُفْعَلُ هَذا لِلنِّسْبَةِ كَفَسَّقْتُهُ وفَجَّرْتُهُ، أيْ: نَسَبْتُهُ، أيِ: الفِسْقُ والفُجُورُ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مَعْناهُ: ما تَزِيدُونَنِي بِعِبادَتِكم إلّا بَصارَةً في خُسْرانِكم، انْتَهى. فَهو عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: غَيْرَ بَصارَةِ تَخْسِيرِكم.
وقالَ مُجاهِدٌ: ما تَزْدادُونَ أنْتُمْ بِاحْتِجاجِكم بِعِبادَةِ آبائِكم إلّا خَسارًا، وأضافَ الزِّيادَةَ إلى نَفْسِهِ لِأنَّهم أعْطَوْهُ ذَلِكَ وكانَ سَألَهُمُ الإيمانَ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: فَما تُعْطُونِي فِيما اقْتَضَيْتُهُ مِنكم مِنَ الإيمانِ غَيْرَ تَخْسِيرٍ لِأنْفُسِكم، وهو مِنَ الخَسارَةِ ولَيْسَ التَّخْسِيرُ إلّا لَهم وفي حَيِّزِهِمْ، وأضافَ الزِّيادَةَ إلَيْهِ مِن حَيْثُ هو مُقْتَضٍ لِأقْوالِهِمْ مُوَكَّلٌ بِإيمانِهِمْ كَما تَقُولُ لِمَن تُوصِيهِ: أنا أُرِيدُكَ خَيْرًا وأنْتَ تُرِيدُنِي سُوءًا، وكانَ الوَجْهُ البَيِّنُ أنْ يَقُولَ: وأنْتَ تُرِيدُ شَرًّا، لَكِنْ مِن حَيْثُ كَنْتَ مُرِيدَ خَيْرٍ، ومُقْتَضى ذَلِكَ حَسُنَ أنْ يُضِيفَ الزِّيادَةَ إلى نَفْسِكَ، انْتَهى. وقِيلَ: التَّقْدِيرُ: فَما تَحْمِلُونَنِي عَلَيْهِ غَيْرَ أنِّي أُخْسِرُكم، أيْ: أرى مِنكُمُ الخُسْرانَ. وقِيلَ: التَّقْدِيرُ: تُخْسِرُونِي أعْمالَكم وتُبْطِلُونَها. قِيلَ: وهَذا أقْرَبُ، لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَمَن يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إنْ عَصَيْتُهُ﴾ كالدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ أرادَ: إنِ اتَّبَعْتُكم فِيما أنْتُمْ عَلَيْهِ ودَعَوْتُمُونِي إلَيْهِ لَمْ أزْدَدْ إلّا خُسْرانًا في الدِّينِ، فَأصِيرُ مِنَ الهالِكِينَ الخاسِرِينَ.
وانْتَصَبَ (آيَةً) عَلى الحالِ، والخِلافُ في النّاصِبِ في نَحْوِ هَذا زَيْدٌ مُنْطَلِقًا، أهْوَ حَرْفُ التَّنْبِيهِ أوِ اسْمُ الإشارَةِ أوْ فِعْلٌ مَحْذُوفٌ ؟ جازَ في نَصْبِ (آيَةً) و(لَكم) في مَوْضِعِ الحالِ، لِأنَّهُ لَوْ تَأخَّرَ لَكانَ نَعْتًا لِـ (آيَةً)، فَلَمّا تَقَدَّمَ عَلى النَّكِرَةِ كانَ حالًا، والعامِلُ فِيها مَحْذُوفٌ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): فَبِمَ يَتَعَلَّقُ لَكم ؟ (قُلْتُ): بِـ (آيَةً) حالًا مِنها مُتَقَدِّمَةً، لِأنَّها لَوْ تَأخَّرَتْ لَكانَ صِفَةً لَها، فَلَمّا تَقَدَّمَتِ انْتَصَبَ عَلى الحالِ، انْتَهى.
وهَذا مُتَناقِضٌ، لِأنَّهُ مِن حَيْثُ تَعَلَّقَ (لَكم) بِـ (آيَةً) كانَ (لَكم) مَعْمُولًا لِـ (آيَةً)، وإذا كانَ مَعْمُولًا لَها امْتَنَعَ أنْ يَكُونَ حالًا مِنها، لِأنَّ الحالَ تَتَعَلَّقُ بِمَحْذُوفٍ، فَتَناقَضَ هَذا الكَلامُ، لِأنَّهُ مِن حَيْثُ كَوْنُهُ مَعْمُولًا لَها كانَتْ هي العامِلَةَ، ومِن حَيْثُ كَوْنُهُ حالًا مِنها كانَ العامِلُ غَيْرَها، وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى الجُمَلِ الَّتِي بَعْدَ (آيَةً) . وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: (تَأْكُلُ) بِالرَّفْعِ عَلى الِاسْتِئْنافِ، أوْ عَلى الحالِ. و(قَرِيبٌ): عاجِلٌ لا يَسْتَأْخِرُ عَنْ مَسِّكُمُوها بِسُوءٍ إلّا يَسِيرًا، وذَلِكَ ثَلاثَةُ أيّامٍ ثُمَّ يَقَعُ عَلَيْكم، وهَذا الإخْبارُ بِوَحْيٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى، (فَعَقَرُوها): نُسِبَ إلى جَمِيعِهِمْ وإنْ كانَ العاقِرُ واحِدًا لِأنَّهُ كانَ بِرِضًى مِنهم وتَمالَئُوا. ومَعْنى (تَمَتَّعُوا): اسْتَمْتِعُوا بِالعَيْشِ في دارِكم في بَلَدِكم، وتُسَمّى البِلادُ: الدِّيارُ لِأنَّها يُدارُ فِيها، أيْ: يُتَصَرَّفُ، يُقالُ: دِيارُ بَكْرٍ لِبِلادِهِمْ قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ﴿فِي دارِكُمْ﴾: جَمْعُ دارَةٍ، كَساحَةٍ وساحٍ وسُوحٍ، ومِنهُ قَوْلُ أُمَيَّةَ بْنِ أبِي الصَّلْتِ:(p-٢٤٠)
؎لَهُ داعٍ بِـ مَكَّةَ مُشْمَعِلٌّ ∗∗∗ وآخَرُ فَوْقَ دارَتِهِ يُنادِي
ويُمْكِنُ أنْ يُسَمّىَ جَمِيعُ مَسْكَنِ الحَيِّ دارًا، انْتَهى. (ذَلِكَ) أيِ: الوَعْدُ بِالعَذابِ غَيْرُ مَكْذُوبٍ، أيْ: صِدْقٌ حَقٌّ.
والأصْلُ: غَيْرُهُ مَكْذُوبٌ فِيهِ، فاتَّسَعَ فَحُذِفَ الحَرْفُ وأُجْرِيَ الضَّمِيرُ مَجْرى المَفْعُولِ بِهِ، أوْ جُعِلَ ﴿غَيْرُ مَكْذُوبٍ﴾ لِأنَّهُ وفّى بِهِ فَقَدْ صَدَقَ، أوْ عَلى أنَّ المَكْذُوبَ هُنا مَصْدَرٌ عِنْدَ مَن يُثْبِتُ أنَّ المَصْدَرَ يَجِيءُ عَلى زِنَةِ مَفْعُولٍ.
﴿فَلَمّا جاءَ أمْرُنا نَجَّيْنا صالِحًا والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنّا ومِن خِزْيِ يَوْمِئِذٍ إنَّ رَبَّكَ هو القَوِيُّ العَزِيزُ﴾ ﴿وأخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأصْبَحُوا في دِيارِهِمْ جاثِمِينَ﴾ ﴿كَأنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها ألا إنَّ ثَمُودًا كَفَرُوا رَبَّهم ألا بُعْدًا لِثَمُودَ﴾ والكَلامُ في ﴿جاءَ أمْرُنا﴾ [هود: ٤٠] كالكَلامِ السّابِقِ في قِصَّةِ قَوْمِ هُودٍ. قِيلَ: الواوُ زائِدَةٌ في (ومِن) أيْ: مِن خِزْيِ يَوْمِئِذٍ فَيَتَعَلَّقُ (مِن) بِـ (نَجَّيْنا)، وهَذا لا يَجُوزُ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ، لِأنَّ الواوَ لا تُزادُ عِنْدَهم بَلْ تَتَعَلَّقُ مِن بِمَحْذُوفٍ، أيْ: ونَجَّيْناهم مِن خِزْيِ، أيْ: وكانَتِ التَّنْجِيَةُ مِن خِزْيِ يَوْمِئِذٍ.
وقَرَأ طَلْحَةُ وأبانُ بْنُ تَغْلِبَ: ﴿ومِن خِزْيِ﴾ بِالتَّنْوِينِ، ونَصْبِ (يَوْمَئِذٍ) عَلى الظَّرْفِ مَعْمُولًا لِخِزْيٍ. وقَرَأ الجُمْهُورُ بِالإضافَةِ، وفَتْحِ المِيمِ نافِعٌ والكِسائِيُّ، وهي فَتْحَةُ بِناءٍ لِإضافَتِهِ إلى إذْ، وهو غَيْرُ مُتَمَكِّنٍ. وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ بِكَسْرِ المِيمِ وهي حَرَكَةُ إعْرابٍ، والتَّنْوِينُ في إذْ تَنْوِينُ عِوَضٍ مِنَ الجُمْلَةِ المَحْذُوفَةِ المُتَقَدِّمَةِ الذِّكْرِ، أيْ: ومِن فَضِيحَةِ يَوْمِ إذْ جاءَ الأمْرُ وحَلَّ بِهِمْ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يُرِيدَ بِـ (يَوْمِئِذٍ): يَوْمَ القِيامَةِ، كَما فَسَّرَ العَذابَ الغَلِيظَ بِعَذابِ الآخِرَةِ، انْتَهى.
وهَذا لَيْسَ بِجَيِّدٍ، لِأنَّ التَّنْوِينَ في إذْ تَنْوِينُ العِوَضِ ولَمْ يَتَقَدَّمْ إلّا قَوْلُهُ، ﴿فَلَمّا جاءَ أمْرُنا﴾ ولَمْ تَتَقَدَّمْ جُمْلَةٌ فِيها ذِكْرُ يَوْمِ القِيامَةِ ولا ما يَكُونُ فِيها، فَيَكُونُ هَذا التَّنْوِينُ عِوَضًا مِنَ الجُمْلَةِ الَّتِي تَكُونُ في يَوْمِ القِيامَةِ.
وناسَبَ مَجِيءُ الأمْرِ وصْفَهُ تَعالى بِالقَوِيِّ العَزِيزِ، فَإنِّهُما مِن صِفاتِ الغَلَبَةِ والقَهْرِ والِانْتِقامِ، والجُمْلَةُ الَّتِي بَعْدَ هَذا تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْها في الأعْرافِ.
﴿ألا إنَّ ثَمُودَ﴾: مَنَعَ حَمْزَةُ وحَفْصٌ صَرْفَهُ وصَرَفَهُ الباقُونَ ﴿لِثَمُودَ﴾ صَرَفَهُ الكِسائِيُّ ومَنَعَهُ باقِي السَّبْعَةِ.
هود 11:62
﴿وإلى ثَمُودَ أخاهم صالِحًا قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ هو أنْشَأكم مِنَ الأرْضِ واسْتَعْمَرَكم فِيها فاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ إنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ﴾ ﴿قالُوا يا صالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذا أتَنْهانا أنْ نَعْبُدَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا وإنَّنا لَفي شَكٍّ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ مُرِيبٍ﴾ ﴿قالَ يا قَوْمِ أرَأيْتُمْ إنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّي وآتانِي مِنهُ رَحْمَةً فَمَن يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إنْ عَصَيْتُهُ فَما تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ﴾ ﴿ويا قَوْمِ هَذِهِ ناقَةُ اللَّهِ لَكم آيَةً فَذَرُوها تَأْكُلْ في أرْضِ اللَّهِ ولا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكم عَذابٌ قَرِيبٌ﴾ ﴿فَعَقَرُوها فَقالَ تَمَتَّعُوا في دارِكم ثَلاثَةَ أيّامٍ ذَلِكَ وعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ﴾ ﴿فَلَمّا جاءَ أمْرُنا نَجَّيْنا صالِحًا والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنّا ومِن خِزْيِ يَوْمِئِذٍ إنَّ رَبَّكَ هو القَوِيُّ العَزِيزُ﴾ ﴿وأخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأصْبَحُوا في دِيارِهِمْ جاثِمِينَ﴾ ﴿كَأنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها ألا إنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهم ألا بُعْدًا لِثَمُودَ﴾ ﴿ولَقَدْ جاءَتْ رُسُلُنا إبْراهِيمَ بِالبُشْرى قالُوا سَلامًا قالَ سَلامٌ فَما لَبِثَ أنْ جاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾ [هود: ٦٩] ﴿فَلَمّا رَأى أيْدِيَهم لا تَصِلُ إلَيْهِ نَكِرَهم وأوْجَسَ مِنهم خِيفَةً قالُوا لا تَخَفْ إنّا أُرْسِلْنا إلى قَوْمِ لُوطٍ﴾ [هود: ٧٠] ﴿وامْرَأتُهُ قائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْناها بِإسْحاقَ ومِن وراءِ إسْحاقَ يَعْقُوبَ﴾ [هود: ٧١] ﴿قالَتْ يا ويْلَتا أألِدُ وأنا عَجُوزٌ وهَذا بَعْلِي شَيْخًا إنَّ هَذا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ﴾ [هود: ٧٢] ﴿قالُوا أتَعْجَبِينَ مِن أمْرِ اللَّهِ رَحْمَةُ اللَّهِ وبَرَكاتُهُ عَلَيْكم أهْلَ البَيْتِ إنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ﴾ [هود: ٧٣] ﴿فَلَمّا ذَهَبَ عَنْ إبْراهِيمَ الرَّوْعُ وجاءَتْهُ البُشْرى يُجادِلُنا في قَوْمِ لُوطٍ﴾ [هود: ٧٤] ﴿إنَّ إبْراهِيمَ لَحَلِيمٌ أوّاهٌ مُنِيبٌ﴾ [هود: ٧٥] ﴿يا إبْراهِيمُ أعْرِضْ عَنْ هَذا إنَّهُ قَدْ جاءَ أمْرُ رَبِّكَ وإنَّهم آتِيهِمْ عَذابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ﴾ [هود: ٧٦] ﴿ولَمّا جاءَتْ رُسُلُنا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وضاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وقالَ هَذا يَوْمٌ عَصِيبٌ﴾ [هود: ٧٧] ﴿وجاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إلَيْهِ ومِن قَبْلُ كانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ قالَ يا قَوْمِ هَؤُلاءِ بَناتِي هُنَّ أطْهَرُ لَكم فاتَّقُوا اللَّهَ ولا تُخْزُونِي في ضَيْفِي ألَيْسَ مِنكم رَجُلٌ رَشِيدٌ﴾ [هود: ٧٨] ﴿قالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ ما لَنا في بَناتِكَ مِن حَقٍّ وإنَّكَ لَتَعْلَمُ ما نُرِيدُ﴾ [هود: ٧٩] ﴿قالَ لَوْ أنَّ لِي بِكم قُوَّةً أوْ آوِي إلى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ [هود: ٨٠] ﴿قالُوا يا لُوطُ إنّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إلَيْكَ فَأسْرِ بِأهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ ولا يَلْتَفِتْ مِنكم أحَدٌ إلّا امْرَأتَكَ إنَّهُ مُصِيبُها ما أصابَهم إنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ ألَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ﴾ [هود: ٨١] ﴿فَلَمّا جاءَ أمْرُنا جَعَلْنا عالِيَها سافِلَها وأمْطَرْنا عَلَيْها حِجارَةً مِن سِجِّيلٍ مَنضُودٍ﴾ [هود: ٨٢] ﴿مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وما هي مِنَ الظّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾ [هود: ٨٣] الصَّيْحَةُ: فَعْلَةٌ لِلْمَرَّةِ الواحِدَةِ مِنَ الصِّياحِ، يُقالُ: صاحَ يَصِيحُ إذا صَوَّتَ بِقُوَّةٍ.
حَنَذْتُ الشّاةَ أحْنِذُها حَنْذًا شَوَيْتُها وجَعَلْتُ فَوْقَها حِجارَةً لِتُنْضِجَها فَهي حَنِيذٌ، وحَنَذْتُ الفَرَسَ أحْضَرْتُهُ شَوْطًا أوْ شَوْطَيْنِ ثُمَّ ظاهَرْتُ عَلَيْهِ الجِلالَ في الشَّمْسِ لِيَعْرَقَ.
أوْجَسَ الرَّجُلُ قالَ الأخْفَشُ: خامَرَ قَلْبُهُ، وقالَ الفَرّاءُ: اسْتَشْعَرَ، وقِيلَ: أحَسَّ. والوَجِيسُ: ما يَعْتَرِي النَّفْسَ عِنْدَ أوائِلِ الفَزَعِ، ووَجَسَ في نَفْسِهِ كَذا: خَطَرَ بِها، يَجِسُ وجْسًا ووُجُوسًا وتَوَجَّسَ: تَسَمَّعَ وتَحَسَّسَ. قالَ:
؎وصادِقَتا سَمْعِ التَّوَجُّسَ لِلسُّرى لِهَجْسٍ خَفِيٍ أوْ لِصَوْتٍ مُنَدَّدِ
الضَّحِكُ مَعْرُوفٌ، وكانَ يَنْبَغِي أنْ يُذْكَرَ في سُورَةِ التَّوْبَةِ في قَوْلِهِ: ﴿فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا﴾ [التوبة: ٨٢] ويُقالُ: ضَحَكَ بِفَتْحِ الحاءِ، والضُّحَكَةُ: الكَثِيرُ الضَّحِكُ، والضُّحْكَةُ: المَضْحُوكُ مِنهُ، ويُقالُ: ضَحِكَتِ الأرْنَبُ، أيْ: حاضَتْ، وأنْكَرَ أبُو عُبَيْدَةَ والفَرّاءُ وأبُو عُبَيْدٍ: ضَحِكَ بِمَعْنى حاضَ، وعَرَفَ ذَلِكَ غَيْرُهم. وقالَ الشّاعِرُ أنْشَدَهُ اللُّغَوِيُّونَ:
؎وضِحْكُ الأرانِبِ فَوْقَ الصَّفا ∗∗∗ كَمِثْلِ دَمِ الجَوْفِ يَوْمَ اللِّقا
(p-٢٣٧)وقالَ الآخَرُ:
؎وعَهْدِي بِسَلْمى ضاحِكًا في لُبانَةٍ ∗∗∗ ولَمْ يَعُدْ حُقّا ثَدْيِها أنْ يَحْلُما
أيْ: حائِضًا في لُبانَةِ، واللُّبانَةُ والعَلاقَةُ والشَّوْذَرُ واحِدٌ. ومِنهُ ضَحِكَتِ الكافُورَةُ إذا انْشَقَّتْ، وضَحِكَتِ الشَّجَرَةُ: سالَ مِنها صَمْغُها وهو شِبْهُ الدَّمِ، وضَحِكَ الحَوْضُ: امْتَلَأ وفاضَ.
الشَّيْخُ: مَعْرُوفٌ، والفِعْلُ شاخَ يَشِيخُ، وقَدْ يُقالُ لِلْأُنْثى: شَيْخَةٌ. قالَ:
؎وتَضْحَكُ مِنِّي شَيْخَةٌ عَبْشَمِيَّةٌ
ويُجْمَعُ عَلى أشْياخٍ وشُيُوخٍ وشَيْخانِ، ومِن أسْماءِ الجُمُوعِ مَشْيَخَةٌ ومَشْيُوخًا. المَجِيدُ: قالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: الرَّفِيعُ. يُقالُ: مَجَدَ يَمْجُدُ مَجْدًا ومَجادَةً ومَجُدَ لُغَتانِ، أيْ: كَرُمَ وشَرُفُ، وأصْلُهُ مِن قَوْلِهِمْ: مَجَدَتِ الإبِلُ تَمْجُدُ مَجْدًا: شَبِعَتْ. وقالَ: أمْجَدْتُ الدّابَّةَ: أكْثَرْتُ عَلَفَها، وقالَ أبُو حَيَّةَ النُّمَيْرِيُّ:
؎تَزِيدُ عَلى صَواحِبِها ولَيْسَتْ ∗∗∗ بِماجِدَةِ الطَّعامِ ولا الشَّرابِ
أيْ: لَيْسَتْ بِكَثِيرَةِ الطَّعامِ ولا الشَّرابِ. وقالَ اللَّيْثُ: أمْجَدَ فُلانٌ عَطاءَهُ ومَجَّدَهُ إذا كَثَّرَهُ، ومِن أمْثالِهِمْ ”في كُلِّ شَجَرٍ نارٌ“ واسْتَمْجَدَ المَرْخُ والعِفارُ، أيِ: اسْتَكْثَرَ مِنَ النّارِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: مَجَدَ الشَّيْءُ إذا حَسُنَتْ أوْصافُهُ. الرَّوْعُ: الفَزَعُ قالَ الشّاعِرُ:
؎إذا أخَذَتْها هِزَّةُ الرَّوْعِ أمْسَكَتْ ∗∗∗ بِمَنكِبِ مِقْدامٍ عَلى الهَوْلِ أرْوَعا
والفِعْلُ راعَ يَرُوعُ قالَ:
؎ما راعَنِي إلّا حَمُولَةُ أهْلِها ∗∗∗ وسْطَ الدِّيارِ تَسَفُّ حَبَّ الخِمْخِمِ
وقالَ النّابِغَةُ:
؎فارْتاعَ مِن صَوْتِ كِلابٍ فَباتَ لَهُ ∗∗∗ طَوْعَ الشَّوامِتِ مِن خَوْفٍ ومِن صَرَدِ
والرُّوعُ بِضَمِّ الرّاءِ: النَّفْسُ، لِأنَّها مَوْضِعُ الرَّوْعِ. الذَّرْعُ: مَصْدَرُ ذَرَعَ البَعِيرُ بِيَدَيْهِ في سَيْرِهِ: إذا سارَ عَلى قَدْرِ خَطْوِهِ، مَأْخُوذٌ مِنَ الذِّراعِ، ثُمَّ وُضِعَ مَوْضِعَ الطّاقَةِ فَقِيلَ: ضاقَ بِهِ ذَرْعًا. وقَدْ يَجْعَلُونَ الذِّراعَ مَوْضِعَ الذَّرْعِ قالَ:
؎إلَيْكَ إلَيْكَ ضاقَ بِها ذَرْعًا
وقِيلَ: كَنّى بِذَلِكَ عَنْ ضِيقِ الصَّدْرِ. العَصِيبُ والعَصَبْصَبُ والعَصَوْصَبُ: الشَّدِيدُ اللّازِمُ الشَّرِّ المُلْتَفُّ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ قالَ:
؎وكُنْتُ لِزازَ خَصْمِكَ لَمْ أُعَدِّدْ ∗∗∗ وقَدْ سَلَكُوكَ في يَوْمٍ عَصِيبِ
قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: سُمِّيَ عَصِيبًا لِأنَّهُ يَعْصِبُ النّاسَ بِالشَّرِّ، والعُصْبَةُ والعِصابَةُ الجَماعَةُ المُجْتَمِعَةُ كَلَّمْتُهم، أوِ المُجْتَمِعُونَ في النَّسَبِ.
وتَعَصَّبْتُ لِفُلانٍ وفُلانٌ مَعْصُوبٌ، أيْ: مُجْتَمِعُ الخَلْقِ. الإهْراعُ: قالَ شِمْرٌ: مَشْيٌ بَيْنَ الهَرْوَلَةِ والجَمْزِ. وقالَ الهَرَوِيُّ: هَرَعَ الرَّجُلُ وأهْرَعَ اسْتَحَثَّ. الضَّيْفُ: مَصْدَرٌ، وإذا أُخْبِرَ بِهِ أوْ وُصِفَ لَمْ يُطابِقْ في تَثْنِيَةٍ ولا جَمْعٍ، هَذا المَشْهُورُ.
وسُمِعَ فِيهِ ضُيُوفٌ وأضْيافٌ وضِيفانٌ. الرُّكْنُ: مَعْرُوفٌ وهو النّاحِيَةُ مِنَ البَيْتِ أوِ الجَبَلِ. ويُقالُ: رَكُنٌ بِضَمِّ الكافِ، ويُجْمَعُ عَلى أرْكانٍ وأرْكُنٍ. ورَكَنْتُ إلى فُلانٍ: انْضَوَيْتُ إلَيْهِ. سَرى وأسْرى بِمَعْنًى واحِدٍ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ والأزْهَرِيُّ، وعَنِ اللَّيْثِ أسْرى: سارَ أوَّلَ اللَّيْلِ، وسَرى: سارَ آخِرَهُ، ولا يُقالُ في النَّهارِ إلّا سارَ.
السِّجِّيلُ والسِّجِّينُ: الشَّدِيدُ مِنَ الحَجَرِ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ. وقالَ الفَرّاءُ: طِينٌ طُبِخَ حَتّى صارَ بِمَنزِلَةِ الآجُرِّ. وقِيلَ: هو فارِسِيٌّ. وسَنْكٌ: الحَجَرُ وكُلُّ الطِّينِ يُعَرَّبُ فَقِيلَ: سِجَّينٌ.
المَنضُودُ: المَجْعُولُ بَعْضُهُ فَوْقَ بَعْضٍ.
﴿وإلى ثَمُودَ أخاهم صالِحًا قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ هو أنْشَأكم مِنَ الأرْضِ واسْتَعْمَرَكم فِيها فاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ إنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ﴾ ﴿قالُوا ياصالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذا أتَنْهانا أنْ نَعْبُدَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا وإنَّنا لَفي شَكٍّ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ مُرِيبٍ﴾ (p-٢٣٨)قَرَأ ابْنُ وثّابٍ والأعْمَشُ: ﴿وإلى ثَمُودَ﴾ بِالصَّرْفِ عَلى إرادَةِ الحَيِّ، والجُمْهُورِ عَلى مَنعِ الصَّرْفِ ذَهابًا إلى القَبِيلَةِ. (أنْشَأكم): اخْتَرَعَكم وأوْجَدَكم، وذَلِكَ بِاخْتِراعِ آدَمَ أصْلِهِمْ، فَكانَ إنْشاءُ الأصْلِ إنْشاءً لِلْفَرْعِ.
وقِيلَ: ﴿مِنَ الأرْضِ﴾ بِاعْتِبارِ الأصْلِ المُتَوَلَّدُ مِنهُ النَّباتُ المُتَوَلَّدُ مِنهُ الغِذاءُ المُتَوَلَّدُ مِنهُ المَنِيُّ ودَمُ الطَّمْثِ المُتَوَلَّدُ مِنهُما الإنْسانُ.
وقِيلَ: (مِن) بِمَعْنى في و(اسْتَعْمَرَكم): جَعَلَكم عُمّارًا. وقِيلَ: (اسْتَعْمَرَكم) مِنَ العُمُرِ، أيِ: اسْتَبَقاكم فِيها قالَهُ الضَّحّاكُ، أيْ: أطالَ أعْمارَكم. وقِيلَ: مِنَ العُمْرى، قالَهُ مُجاهِدٌ: فَيَكُونُ اسْتَعْمَرَ في مَعْنى أعْمَرَ، كاسْتَهْلَكَهُ في مَعْنى أهْلَكَهُ. والمَعْنى: أعْمَرَكم فِيها دِيارَكم، ثُمَّ هو وارِثُها مِنكم.
أوْ بِمَعْنى: جَعَلَكم مُعَمِّرِينَ دِيارَكم فِيها، لِأنَّ مَن ورِثَ دارَهُ مِن بَعْدِهِ فَإنَّهُ أعْمَرَهُ إيّاها، لِأنَّهُ يَسْكُنُها عُمُرَهُ ثُمَّ يَتْرُكُها لِغَيْرِهِ. وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: (اسْتَعْمَرَكم): أمَرَكم بِعِمارَةِ ما تَحْتاجُونَ إلَيْهِ مِن بِناءِ مَساكِنَ وغَرْسِ أشْجارٍ. وقِيلَ: ألْهَمَكم عِمارَتَها مِنَ الحَرْثِ والغَرْسِ وحَفْرِ الأنْهارِ وغَيْرِها، ﴿إنَّ رَبِّي قَرِيبٌ﴾ أيْ: دانِي الرَّحْمَةِ، (مُجِيبٌ) لِمَن دَعاهُ.
﴿قَدْ كُنْتَ فِينا مَرْجُوًّا﴾ . قالَ كَعْبٌ: كانُوا يَرْجُوهُ لِلْمَمْلِكَةِ بَعْدَ مُلْكِهِمْ، لِأنَّهُ كانَ ذا حَسَبٍ وثَرْوَةٍ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: فاضِلًا خَيِّرًا نُقَدِّمُكَ عَلى جَمِيعِنا.
وقالَ مُقاتِلٌ: كانُوا يَرْجُونَ رُجُوعَهُ إلى دِينِهِمْ، إذْ كانَ يُبْغِضُ أصْنامَهم، ويَعْدِلُ عَنْ دِينِهِمْ، فَلَمّا أظْهَرَ إنْذارَهُمُ انْقَطَعَ رَجاؤُهم مِنهُ.
وذَكَرَ الماوَرْدِيُّ: يَرْجُونَ خَيْرَهُ، فَلَمّا أنْذَرَهُمُ انْقَطَعَ رَجاؤُهم خَيْرَهُ. وبَسَطَ الزَّمَخْشَرِيُّ هَذا القَوْلَ فَقالَ: فِينا فِيما بَيْنَنا مَرْجُوًّا كانَتْ تَلُوحُ فِيكَ مَخايِلُ الخَيْرِ وأماراتُ الرُّشْدِ، فَكُنّا نَرْجُوكَ لِنَنْتَفِعَ بِكَ، وتَكُونَ مُشاوَرًا في الأُمُورِ مُسْتَرْشَدًا في التَّدابِيرِ، فَلَمّا نَطَقْتَ بِهَذا القَوْلِ انْقَطَعَ رَجاؤُنا عَنْكَ، وعَلِمْنا أنْ لا خَيْرَ فِيكَ، انْتَهى.
وقِيلَ: لَمّا كانَ قَوِيَّ الخاطِرِ وكانَ مِن قَبِيلَتِهِمْ، قَوِيَ رَجاؤُهم في أنْ يَنْصُرَ دِينَهم ويُقَوِّيَ مَذْهَبَهم. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والظّاهِرُ الَّذِي حَكاهُ الجُمْهُورُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿مَرْجُوًّا﴾: مَشُورًا نُؤَمِّلُ فِيكَ أنْ تَكُونَ سَيِّدًا سادًّا مَسَدَّ الأكابِرِ، ثُمَّ قَرَّرُوهُ عَلى التَّوْبِيخِ في زَعْمِهِمْ بِقَوْلِهِمْ: ﴿أتَنْهانا﴾ . وحَكى النَّقّاشُ عَنْ بَعْضِهِمْ أنَّهُ قالَ: مَعْناهُ حَقِيرًا، فَإمّا أنْ يَكُونَ لَفْظُ مَرْجُوًّا بِمَعْنى حَقِيرٍ، فَلَيْسَ ذَلِكَ في كَلامِ العَرَبِ، وإنَّما يَتَّجِهُ ذَلِكَ عَلى جِهَةِ التَّفْسِيرِ لِلْمَعْنى، وذَلِكَ أنَّ القَصْدَ بِقَوْلِهِمْ: مَرْجُوًّا بِقَوْلِ: لَقَدْ كُنْتَ فِينا سَهْلًا مَرامُكَ، قَرِيبًا رَدُّ أمْرِكَ مِمَّنْ لا يُظَنُّ أنْ يُسْتَعْجَلَ مِن أمْرِهِ مِثْلُ هَذا.
فَمَعْنى مَرْجُوًّا، أيْ: مُؤَخَرًّا اطِّراحُهُ وغَلَبَتُهُ ونَحْوَ هَذا فَيَكُونُ ذَلِكَ عَلى جِهَةِ الِاحْتِقارِ، ولِذَلِكَ فُسِّرَ بِحَقِيرٍ، ثُمَّ يَجِيءُ قَوْلُهم: ﴿أتَنْهانا﴾، عَلى جِهَةِ التَّوَعُّدِ والِاسْتِبْشاعِ لِهَذِهِ المَقالَةِ مِنهُ، انْتَهى.
و﴿ما يَعْبُدُ آباؤُنا﴾ حِكايَةُ حالٍ ماضِيَةٍ، وإنّا وإنَّنا لُغَتانِ لِـ قُرَيْشٍ. قالَ الفَرّاءُ: مَن قالَ إنَّنا أخْرَجَ الحَرْفَ عَلى أصْلِهِ، لِأنَّ كِنايَةَ المُتَكَلِّمِينَ (نا)، فاجْتَمَعَتْ ثَلاثُ نُوناتٍ.
ومَن قالَ: إنّا: اسْتَثْقَلَ اجْتِماعَها فَأسْقَطَ الثّالِثَةَ وأبْقى الأُولَتَيْنِ، انْتَهى. والَّذِي أخْتارُهُ أنَّ (نا) ضَمِيرُ المُتَكَلِّمِينَ لا تَكُونُ المَحْذُوفَةَ، لِأنَّ في حَذْفِها حَذْفَ بَعْضِ اسْمٍ وبَقِيَ مِنهُ حَرْفٌ ساكِنٌ، وإنَّما المَحْذُوفَةُ النُّونُ الثّانِيَةُ مِن إنَّ فَحُذِفَتْ لِاجْتِماعِ الأمْثالِ، وبَقِيَ مِنَ الحَرْفِ الهَمْزَةُ والنُّونُ السّاكِنَةُ، وهَذا أوْلى مِن حَذْفِ ما بَقِيَ مِنهُ حَرْفٌ.
وأيْضًا فَقَدْ عُهِدَ حَذْفُ هَذِهِ النُّونِ مَعَ غَيْرِ ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِينَ، ولَمْ يُعْهَدْ حَذْفُ نُونِ (نا)، فَكانَ حَذْفُها مِن إنَّ أوْلى. و(مُرِيبٍ): اسْمُ فاعِلٍ مِن مُتَعَدِّ أرابَهُ: أوْقَعَهُ في الرِّيبَةِ، وهي قَلَقُ النَّفْسِ وانْتِفاءُ الطُّمَأْنِينَةِ. أوْ مِن لازِمِ أرابَ الرَّجُلُ إذا كانَ ذا رِيبَةٍ، وأُسْنِدَ ذَلِكَ إلى الشَّكِّ إسْنادًا مَجازِيًّا، ووُجُودُ مِثْلِ هَذا الشَّكِّ كَوُجُودِ التَّصْمِيمِ عَلى الكُفْرِ.
﴿قالَ يا قَوْمِ أرَأيْتُمْ إنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّي وآتانِي مِنهُ رَحْمَةً فَمَن يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إنْ عَصَيْتُهُ فَما تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِير﴾ ﴿ويا قَوْمِ هَذِهِ ناقَةُ اللَّهِ لَكم آيَةً فَذَرُوها تَأْكُلْ في أرْضِ اللَّهِ ولا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكم عَذابٌ قَرِيبٌ﴾ ﴿فَعَقَرُوها فَقالَ تَمَتَّعُوا في دارِكم ثَلاثَةَ أيّامٍ ذَلِكَ وعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ﴾ (p-٢٣٩)تَقَدَّمَ الكَلامُ في (أرَأيْتُمْ) في قِصَّةِ نُوحٍ، والمَفْعُولُ الثّانِي هُنا لِأرَأيْتُمْ مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿فَمَن يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إنْ عَصَيْتُهُ﴾، والتَّقْدِيرُ: أعْصِيهِ في تَرْكِ ما أنا عَلَيْهِ مِنَ البَيِّنَةِ.
وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: (أرَأيْتُمْ) هو مِن رُؤْيَةِ القَلْبِ، والشَّرْطُ الَّذِي بَعْدَهُ وجَوابُهُ يَسُدُّ مَسَدَّ مَفْعُولَيْ عَلِمْتُ وأخَواتِها، وإدْخالُ أداةِ الشَّرْطِ الَّتِي هي إنْ عَلى جُمْلَةٍ مُحَقَّقَةٍ، وهي كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ، لَكِنَّهُ خاطَبَ الجاحِدِينَ لِلْبَيِّنَةِ فَكَأنَّهُ قالَ: قَدِّرُوا أنِّي عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّي وانْظُرُوا إنْ تابَعْتُكم وعَصَيْتُ رَبِّي في أوامِرِهِ، فَمَن يَمْنَعُنِي مِن عَذابِهِ ؟ قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وفي الكَلامِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: أيَضُرُّنِي شَكُّكم ؟ أوْ أيُمْكِنُنِي طاعَتُكم ؟ ونَحْوَ هَذا مِمّا يَلِيقُ بِمَعْنى الآيَةِ، انْتَهى. وهَذا التَّقْدِيرُ الَّذِي قَدَّرَهُ اسْتِشْعارٌ مِنهُ بِالمَفْعُولِ الثّانِي الَّذِي يَقْتَضِيهِ أرَأيْتُمْ، وأنَّ الشَّرْطَ وجَوابَهُ لا يَقَعانِ ولا يَسُدّانِ مَسَدَّ مَفْعُولَيْ (أرَأيْتُمْ)، والَّذِي قَدَّرْناهُ نَحْنُ هو الظّاهِرُ لِدَلالَةِ قَوْلِهِ: ﴿فَمَن يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إنْ عَصَيْتُهُ فَما تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ﴾ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: غَيْرَ أنْ أُخَسِّرَكم، أيْ: أنْسُبَكم إلى الخُسْرانِ، وأقُولُ أنَّكم خاسِرُونَ، انْتَهى.
يُفْعَلُ هَذا لِلنِّسْبَةِ كَفَسَّقْتُهُ وفَجَّرْتُهُ، أيْ: نَسَبْتُهُ، أيِ: الفِسْقُ والفُجُورُ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مَعْناهُ: ما تَزِيدُونَنِي بِعِبادَتِكم إلّا بَصارَةً في خُسْرانِكم، انْتَهى. فَهو عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: غَيْرَ بَصارَةِ تَخْسِيرِكم.
وقالَ مُجاهِدٌ: ما تَزْدادُونَ أنْتُمْ بِاحْتِجاجِكم بِعِبادَةِ آبائِكم إلّا خَسارًا، وأضافَ الزِّيادَةَ إلى نَفْسِهِ لِأنَّهم أعْطَوْهُ ذَلِكَ وكانَ سَألَهُمُ الإيمانَ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: فَما تُعْطُونِي فِيما اقْتَضَيْتُهُ مِنكم مِنَ الإيمانِ غَيْرَ تَخْسِيرٍ لِأنْفُسِكم، وهو مِنَ الخَسارَةِ ولَيْسَ التَّخْسِيرُ إلّا لَهم وفي حَيِّزِهِمْ، وأضافَ الزِّيادَةَ إلَيْهِ مِن حَيْثُ هو مُقْتَضٍ لِأقْوالِهِمْ مُوَكَّلٌ بِإيمانِهِمْ كَما تَقُولُ لِمَن تُوصِيهِ: أنا أُرِيدُكَ خَيْرًا وأنْتَ تُرِيدُنِي سُوءًا، وكانَ الوَجْهُ البَيِّنُ أنْ يَقُولَ: وأنْتَ تُرِيدُ شَرًّا، لَكِنْ مِن حَيْثُ كَنْتَ مُرِيدَ خَيْرٍ، ومُقْتَضى ذَلِكَ حَسُنَ أنْ يُضِيفَ الزِّيادَةَ إلى نَفْسِكَ، انْتَهى. وقِيلَ: التَّقْدِيرُ: فَما تَحْمِلُونَنِي عَلَيْهِ غَيْرَ أنِّي أُخْسِرُكم، أيْ: أرى مِنكُمُ الخُسْرانَ. وقِيلَ: التَّقْدِيرُ: تُخْسِرُونِي أعْمالَكم وتُبْطِلُونَها. قِيلَ: وهَذا أقْرَبُ، لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَمَن يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إنْ عَصَيْتُهُ﴾ كالدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ أرادَ: إنِ اتَّبَعْتُكم فِيما أنْتُمْ عَلَيْهِ ودَعَوْتُمُونِي إلَيْهِ لَمْ أزْدَدْ إلّا خُسْرانًا في الدِّينِ، فَأصِيرُ مِنَ الهالِكِينَ الخاسِرِينَ.
وانْتَصَبَ (آيَةً) عَلى الحالِ، والخِلافُ في النّاصِبِ في نَحْوِ هَذا زَيْدٌ مُنْطَلِقًا، أهْوَ حَرْفُ التَّنْبِيهِ أوِ اسْمُ الإشارَةِ أوْ فِعْلٌ مَحْذُوفٌ ؟ جازَ في نَصْبِ (آيَةً) و(لَكم) في مَوْضِعِ الحالِ، لِأنَّهُ لَوْ تَأخَّرَ لَكانَ نَعْتًا لِـ (آيَةً)، فَلَمّا تَقَدَّمَ عَلى النَّكِرَةِ كانَ حالًا، والعامِلُ فِيها مَحْذُوفٌ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): فَبِمَ يَتَعَلَّقُ لَكم ؟ (قُلْتُ): بِـ (آيَةً) حالًا مِنها مُتَقَدِّمَةً، لِأنَّها لَوْ تَأخَّرَتْ لَكانَ صِفَةً لَها، فَلَمّا تَقَدَّمَتِ انْتَصَبَ عَلى الحالِ، انْتَهى.
وهَذا مُتَناقِضٌ، لِأنَّهُ مِن حَيْثُ تَعَلَّقَ (لَكم) بِـ (آيَةً) كانَ (لَكم) مَعْمُولًا لِـ (آيَةً)، وإذا كانَ مَعْمُولًا لَها امْتَنَعَ أنْ يَكُونَ حالًا مِنها، لِأنَّ الحالَ تَتَعَلَّقُ بِمَحْذُوفٍ، فَتَناقَضَ هَذا الكَلامُ، لِأنَّهُ مِن حَيْثُ كَوْنُهُ مَعْمُولًا لَها كانَتْ هي العامِلَةَ، ومِن حَيْثُ كَوْنُهُ حالًا مِنها كانَ العامِلُ غَيْرَها، وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى الجُمَلِ الَّتِي بَعْدَ (آيَةً) . وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: (تَأْكُلُ) بِالرَّفْعِ عَلى الِاسْتِئْنافِ، أوْ عَلى الحالِ. و(قَرِيبٌ): عاجِلٌ لا يَسْتَأْخِرُ عَنْ مَسِّكُمُوها بِسُوءٍ إلّا يَسِيرًا، وذَلِكَ ثَلاثَةُ أيّامٍ ثُمَّ يَقَعُ عَلَيْكم، وهَذا الإخْبارُ بِوَحْيٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى، (فَعَقَرُوها): نُسِبَ إلى جَمِيعِهِمْ وإنْ كانَ العاقِرُ واحِدًا لِأنَّهُ كانَ بِرِضًى مِنهم وتَمالَئُوا. ومَعْنى (تَمَتَّعُوا): اسْتَمْتِعُوا بِالعَيْشِ في دارِكم في بَلَدِكم، وتُسَمّى البِلادُ: الدِّيارُ لِأنَّها يُدارُ فِيها، أيْ: يُتَصَرَّفُ، يُقالُ: دِيارُ بَكْرٍ لِبِلادِهِمْ قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ﴿فِي دارِكُمْ﴾: جَمْعُ دارَةٍ، كَساحَةٍ وساحٍ وسُوحٍ، ومِنهُ قَوْلُ أُمَيَّةَ بْنِ أبِي الصَّلْتِ:(p-٢٤٠)
؎لَهُ داعٍ بِـ مَكَّةَ مُشْمَعِلٌّ ∗∗∗ وآخَرُ فَوْقَ دارَتِهِ يُنادِي
ويُمْكِنُ أنْ يُسَمّىَ جَمِيعُ مَسْكَنِ الحَيِّ دارًا، انْتَهى. (ذَلِكَ) أيِ: الوَعْدُ بِالعَذابِ غَيْرُ مَكْذُوبٍ، أيْ: صِدْقٌ حَقٌّ.
والأصْلُ: غَيْرُهُ مَكْذُوبٌ فِيهِ، فاتَّسَعَ فَحُذِفَ الحَرْفُ وأُجْرِيَ الضَّمِيرُ مَجْرى المَفْعُولِ بِهِ، أوْ جُعِلَ ﴿غَيْرُ مَكْذُوبٍ﴾ لِأنَّهُ وفّى بِهِ فَقَدْ صَدَقَ، أوْ عَلى أنَّ المَكْذُوبَ هُنا مَصْدَرٌ عِنْدَ مَن يُثْبِتُ أنَّ المَصْدَرَ يَجِيءُ عَلى زِنَةِ مَفْعُولٍ.
﴿فَلَمّا جاءَ أمْرُنا نَجَّيْنا صالِحًا والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنّا ومِن خِزْيِ يَوْمِئِذٍ إنَّ رَبَّكَ هو القَوِيُّ العَزِيزُ﴾ ﴿وأخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأصْبَحُوا في دِيارِهِمْ جاثِمِينَ﴾ ﴿كَأنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها ألا إنَّ ثَمُودًا كَفَرُوا رَبَّهم ألا بُعْدًا لِثَمُودَ﴾ والكَلامُ في ﴿جاءَ أمْرُنا﴾ [هود: ٤٠] كالكَلامِ السّابِقِ في قِصَّةِ قَوْمِ هُودٍ. قِيلَ: الواوُ زائِدَةٌ في (ومِن) أيْ: مِن خِزْيِ يَوْمِئِذٍ فَيَتَعَلَّقُ (مِن) بِـ (نَجَّيْنا)، وهَذا لا يَجُوزُ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ، لِأنَّ الواوَ لا تُزادُ عِنْدَهم بَلْ تَتَعَلَّقُ مِن بِمَحْذُوفٍ، أيْ: ونَجَّيْناهم مِن خِزْيِ، أيْ: وكانَتِ التَّنْجِيَةُ مِن خِزْيِ يَوْمِئِذٍ.
وقَرَأ طَلْحَةُ وأبانُ بْنُ تَغْلِبَ: ﴿ومِن خِزْيِ﴾ بِالتَّنْوِينِ، ونَصْبِ (يَوْمَئِذٍ) عَلى الظَّرْفِ مَعْمُولًا لِخِزْيٍ. وقَرَأ الجُمْهُورُ بِالإضافَةِ، وفَتْحِ المِيمِ نافِعٌ والكِسائِيُّ، وهي فَتْحَةُ بِناءٍ لِإضافَتِهِ إلى إذْ، وهو غَيْرُ مُتَمَكِّنٍ. وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ بِكَسْرِ المِيمِ وهي حَرَكَةُ إعْرابٍ، والتَّنْوِينُ في إذْ تَنْوِينُ عِوَضٍ مِنَ الجُمْلَةِ المَحْذُوفَةِ المُتَقَدِّمَةِ الذِّكْرِ، أيْ: ومِن فَضِيحَةِ يَوْمِ إذْ جاءَ الأمْرُ وحَلَّ بِهِمْ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يُرِيدَ بِـ (يَوْمِئِذٍ): يَوْمَ القِيامَةِ، كَما فَسَّرَ العَذابَ الغَلِيظَ بِعَذابِ الآخِرَةِ، انْتَهى.
وهَذا لَيْسَ بِجَيِّدٍ، لِأنَّ التَّنْوِينَ في إذْ تَنْوِينُ العِوَضِ ولَمْ يَتَقَدَّمْ إلّا قَوْلُهُ، ﴿فَلَمّا جاءَ أمْرُنا﴾ ولَمْ تَتَقَدَّمْ جُمْلَةٌ فِيها ذِكْرُ يَوْمِ القِيامَةِ ولا ما يَكُونُ فِيها، فَيَكُونُ هَذا التَّنْوِينُ عِوَضًا مِنَ الجُمْلَةِ الَّتِي تَكُونُ في يَوْمِ القِيامَةِ.
وناسَبَ مَجِيءُ الأمْرِ وصْفَهُ تَعالى بِالقَوِيِّ العَزِيزِ، فَإنِّهُما مِن صِفاتِ الغَلَبَةِ والقَهْرِ والِانْتِقامِ، والجُمْلَةُ الَّتِي بَعْدَ هَذا تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْها في الأعْرافِ.
﴿ألا إنَّ ثَمُودَ﴾: مَنَعَ حَمْزَةُ وحَفْصٌ صَرْفَهُ وصَرَفَهُ الباقُونَ ﴿لِثَمُودَ﴾ صَرَفَهُ الكِسائِيُّ ومَنَعَهُ باقِي السَّبْعَةِ.
هود 11:63
﴿وإلى ثَمُودَ أخاهم صالِحًا قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ هو أنْشَأكم مِنَ الأرْضِ واسْتَعْمَرَكم فِيها فاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ إنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ﴾ ﴿قالُوا يا صالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذا أتَنْهانا أنْ نَعْبُدَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا وإنَّنا لَفي شَكٍّ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ مُرِيبٍ﴾ ﴿قالَ يا قَوْمِ أرَأيْتُمْ إنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّي وآتانِي مِنهُ رَحْمَةً فَمَن يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إنْ عَصَيْتُهُ فَما تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ﴾ ﴿ويا قَوْمِ هَذِهِ ناقَةُ اللَّهِ لَكم آيَةً فَذَرُوها تَأْكُلْ في أرْضِ اللَّهِ ولا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكم عَذابٌ قَرِيبٌ﴾ ﴿فَعَقَرُوها فَقالَ تَمَتَّعُوا في دارِكم ثَلاثَةَ أيّامٍ ذَلِكَ وعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ﴾ ﴿فَلَمّا جاءَ أمْرُنا نَجَّيْنا صالِحًا والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنّا ومِن خِزْيِ يَوْمِئِذٍ إنَّ رَبَّكَ هو القَوِيُّ العَزِيزُ﴾ ﴿وأخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأصْبَحُوا في دِيارِهِمْ جاثِمِينَ﴾ ﴿كَأنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها ألا إنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهم ألا بُعْدًا لِثَمُودَ﴾ ﴿ولَقَدْ جاءَتْ رُسُلُنا إبْراهِيمَ بِالبُشْرى قالُوا سَلامًا قالَ سَلامٌ فَما لَبِثَ أنْ جاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾ [هود: ٦٩] ﴿فَلَمّا رَأى أيْدِيَهم لا تَصِلُ إلَيْهِ نَكِرَهم وأوْجَسَ مِنهم خِيفَةً قالُوا لا تَخَفْ إنّا أُرْسِلْنا إلى قَوْمِ لُوطٍ﴾ [هود: ٧٠] ﴿وامْرَأتُهُ قائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْناها بِإسْحاقَ ومِن وراءِ إسْحاقَ يَعْقُوبَ﴾ [هود: ٧١] ﴿قالَتْ يا ويْلَتا أألِدُ وأنا عَجُوزٌ وهَذا بَعْلِي شَيْخًا إنَّ هَذا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ﴾ [هود: ٧٢] ﴿قالُوا أتَعْجَبِينَ مِن أمْرِ اللَّهِ رَحْمَةُ اللَّهِ وبَرَكاتُهُ عَلَيْكم أهْلَ البَيْتِ إنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ﴾ [هود: ٧٣] ﴿فَلَمّا ذَهَبَ عَنْ إبْراهِيمَ الرَّوْعُ وجاءَتْهُ البُشْرى يُجادِلُنا في قَوْمِ لُوطٍ﴾ [هود: ٧٤] ﴿إنَّ إبْراهِيمَ لَحَلِيمٌ أوّاهٌ مُنِيبٌ﴾ [هود: ٧٥] ﴿يا إبْراهِيمُ أعْرِضْ عَنْ هَذا إنَّهُ قَدْ جاءَ أمْرُ رَبِّكَ وإنَّهم آتِيهِمْ عَذابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ﴾ [هود: ٧٦] ﴿ولَمّا جاءَتْ رُسُلُنا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وضاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وقالَ هَذا يَوْمٌ عَصِيبٌ﴾ [هود: ٧٧] ﴿وجاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إلَيْهِ ومِن قَبْلُ كانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ قالَ يا قَوْمِ هَؤُلاءِ بَناتِي هُنَّ أطْهَرُ لَكم فاتَّقُوا اللَّهَ ولا تُخْزُونِي في ضَيْفِي ألَيْسَ مِنكم رَجُلٌ رَشِيدٌ﴾ [هود: ٧٨] ﴿قالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ ما لَنا في بَناتِكَ مِن حَقٍّ وإنَّكَ لَتَعْلَمُ ما نُرِيدُ﴾ [هود: ٧٩] ﴿قالَ لَوْ أنَّ لِي بِكم قُوَّةً أوْ آوِي إلى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ [هود: ٨٠] ﴿قالُوا يا لُوطُ إنّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إلَيْكَ فَأسْرِ بِأهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ ولا يَلْتَفِتْ مِنكم أحَدٌ إلّا امْرَأتَكَ إنَّهُ مُصِيبُها ما أصابَهم إنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ ألَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ﴾ [هود: ٨١] ﴿فَلَمّا جاءَ أمْرُنا جَعَلْنا عالِيَها سافِلَها وأمْطَرْنا عَلَيْها حِجارَةً مِن سِجِّيلٍ مَنضُودٍ﴾ [هود: ٨٢] ﴿مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وما هي مِنَ الظّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾ [هود: ٨٣] الصَّيْحَةُ: فَعْلَةٌ لِلْمَرَّةِ الواحِدَةِ مِنَ الصِّياحِ، يُقالُ: صاحَ يَصِيحُ إذا صَوَّتَ بِقُوَّةٍ.
حَنَذْتُ الشّاةَ أحْنِذُها حَنْذًا شَوَيْتُها وجَعَلْتُ فَوْقَها حِجارَةً لِتُنْضِجَها فَهي حَنِيذٌ، وحَنَذْتُ الفَرَسَ أحْضَرْتُهُ شَوْطًا أوْ شَوْطَيْنِ ثُمَّ ظاهَرْتُ عَلَيْهِ الجِلالَ في الشَّمْسِ لِيَعْرَقَ.
أوْجَسَ الرَّجُلُ قالَ الأخْفَشُ: خامَرَ قَلْبُهُ، وقالَ الفَرّاءُ: اسْتَشْعَرَ، وقِيلَ: أحَسَّ. والوَجِيسُ: ما يَعْتَرِي النَّفْسَ عِنْدَ أوائِلِ الفَزَعِ، ووَجَسَ في نَفْسِهِ كَذا: خَطَرَ بِها، يَجِسُ وجْسًا ووُجُوسًا وتَوَجَّسَ: تَسَمَّعَ وتَحَسَّسَ. قالَ:
؎وصادِقَتا سَمْعِ التَّوَجُّسَ لِلسُّرى لِهَجْسٍ خَفِيٍ أوْ لِصَوْتٍ مُنَدَّدِ
الضَّحِكُ مَعْرُوفٌ، وكانَ يَنْبَغِي أنْ يُذْكَرَ في سُورَةِ التَّوْبَةِ في قَوْلِهِ: ﴿فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا﴾ [التوبة: ٨٢] ويُقالُ: ضَحَكَ بِفَتْحِ الحاءِ، والضُّحَكَةُ: الكَثِيرُ الضَّحِكُ، والضُّحْكَةُ: المَضْحُوكُ مِنهُ، ويُقالُ: ضَحِكَتِ الأرْنَبُ، أيْ: حاضَتْ، وأنْكَرَ أبُو عُبَيْدَةَ والفَرّاءُ وأبُو عُبَيْدٍ: ضَحِكَ بِمَعْنى حاضَ، وعَرَفَ ذَلِكَ غَيْرُهم. وقالَ الشّاعِرُ أنْشَدَهُ اللُّغَوِيُّونَ:
؎وضِحْكُ الأرانِبِ فَوْقَ الصَّفا ∗∗∗ كَمِثْلِ دَمِ الجَوْفِ يَوْمَ اللِّقا
(p-٢٣٧)وقالَ الآخَرُ:
؎وعَهْدِي بِسَلْمى ضاحِكًا في لُبانَةٍ ∗∗∗ ولَمْ يَعُدْ حُقّا ثَدْيِها أنْ يَحْلُما
أيْ: حائِضًا في لُبانَةِ، واللُّبانَةُ والعَلاقَةُ والشَّوْذَرُ واحِدٌ. ومِنهُ ضَحِكَتِ الكافُورَةُ إذا انْشَقَّتْ، وضَحِكَتِ الشَّجَرَةُ: سالَ مِنها صَمْغُها وهو شِبْهُ الدَّمِ، وضَحِكَ الحَوْضُ: امْتَلَأ وفاضَ.
الشَّيْخُ: مَعْرُوفٌ، والفِعْلُ شاخَ يَشِيخُ، وقَدْ يُقالُ لِلْأُنْثى: شَيْخَةٌ. قالَ:
؎وتَضْحَكُ مِنِّي شَيْخَةٌ عَبْشَمِيَّةٌ
ويُجْمَعُ عَلى أشْياخٍ وشُيُوخٍ وشَيْخانِ، ومِن أسْماءِ الجُمُوعِ مَشْيَخَةٌ ومَشْيُوخًا. المَجِيدُ: قالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: الرَّفِيعُ. يُقالُ: مَجَدَ يَمْجُدُ مَجْدًا ومَجادَةً ومَجُدَ لُغَتانِ، أيْ: كَرُمَ وشَرُفُ، وأصْلُهُ مِن قَوْلِهِمْ: مَجَدَتِ الإبِلُ تَمْجُدُ مَجْدًا: شَبِعَتْ. وقالَ: أمْجَدْتُ الدّابَّةَ: أكْثَرْتُ عَلَفَها، وقالَ أبُو حَيَّةَ النُّمَيْرِيُّ:
؎تَزِيدُ عَلى صَواحِبِها ولَيْسَتْ ∗∗∗ بِماجِدَةِ الطَّعامِ ولا الشَّرابِ
أيْ: لَيْسَتْ بِكَثِيرَةِ الطَّعامِ ولا الشَّرابِ. وقالَ اللَّيْثُ: أمْجَدَ فُلانٌ عَطاءَهُ ومَجَّدَهُ إذا كَثَّرَهُ، ومِن أمْثالِهِمْ ”في كُلِّ شَجَرٍ نارٌ“ واسْتَمْجَدَ المَرْخُ والعِفارُ، أيِ: اسْتَكْثَرَ مِنَ النّارِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: مَجَدَ الشَّيْءُ إذا حَسُنَتْ أوْصافُهُ. الرَّوْعُ: الفَزَعُ قالَ الشّاعِرُ:
؎إذا أخَذَتْها هِزَّةُ الرَّوْعِ أمْسَكَتْ ∗∗∗ بِمَنكِبِ مِقْدامٍ عَلى الهَوْلِ أرْوَعا
والفِعْلُ راعَ يَرُوعُ قالَ:
؎ما راعَنِي إلّا حَمُولَةُ أهْلِها ∗∗∗ وسْطَ الدِّيارِ تَسَفُّ حَبَّ الخِمْخِمِ
وقالَ النّابِغَةُ:
؎فارْتاعَ مِن صَوْتِ كِلابٍ فَباتَ لَهُ ∗∗∗ طَوْعَ الشَّوامِتِ مِن خَوْفٍ ومِن صَرَدِ
والرُّوعُ بِضَمِّ الرّاءِ: النَّفْسُ، لِأنَّها مَوْضِعُ الرَّوْعِ. الذَّرْعُ: مَصْدَرُ ذَرَعَ البَعِيرُ بِيَدَيْهِ في سَيْرِهِ: إذا سارَ عَلى قَدْرِ خَطْوِهِ، مَأْخُوذٌ مِنَ الذِّراعِ، ثُمَّ وُضِعَ مَوْضِعَ الطّاقَةِ فَقِيلَ: ضاقَ بِهِ ذَرْعًا. وقَدْ يَجْعَلُونَ الذِّراعَ مَوْضِعَ الذَّرْعِ قالَ:
؎إلَيْكَ إلَيْكَ ضاقَ بِها ذَرْعًا
وقِيلَ: كَنّى بِذَلِكَ عَنْ ضِيقِ الصَّدْرِ. العَصِيبُ والعَصَبْصَبُ والعَصَوْصَبُ: الشَّدِيدُ اللّازِمُ الشَّرِّ المُلْتَفُّ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ قالَ:
؎وكُنْتُ لِزازَ خَصْمِكَ لَمْ أُعَدِّدْ ∗∗∗ وقَدْ سَلَكُوكَ في يَوْمٍ عَصِيبِ
قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: سُمِّيَ عَصِيبًا لِأنَّهُ يَعْصِبُ النّاسَ بِالشَّرِّ، والعُصْبَةُ والعِصابَةُ الجَماعَةُ المُجْتَمِعَةُ كَلَّمْتُهم، أوِ المُجْتَمِعُونَ في النَّسَبِ.
وتَعَصَّبْتُ لِفُلانٍ وفُلانٌ مَعْصُوبٌ، أيْ: مُجْتَمِعُ الخَلْقِ. الإهْراعُ: قالَ شِمْرٌ: مَشْيٌ بَيْنَ الهَرْوَلَةِ والجَمْزِ. وقالَ الهَرَوِيُّ: هَرَعَ الرَّجُلُ وأهْرَعَ اسْتَحَثَّ. الضَّيْفُ: مَصْدَرٌ، وإذا أُخْبِرَ بِهِ أوْ وُصِفَ لَمْ يُطابِقْ في تَثْنِيَةٍ ولا جَمْعٍ، هَذا المَشْهُورُ.
وسُمِعَ فِيهِ ضُيُوفٌ وأضْيافٌ وضِيفانٌ. الرُّكْنُ: مَعْرُوفٌ وهو النّاحِيَةُ مِنَ البَيْتِ أوِ الجَبَلِ. ويُقالُ: رَكُنٌ بِضَمِّ الكافِ، ويُجْمَعُ عَلى أرْكانٍ وأرْكُنٍ. ورَكَنْتُ إلى فُلانٍ: انْضَوَيْتُ إلَيْهِ. سَرى وأسْرى بِمَعْنًى واحِدٍ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ والأزْهَرِيُّ، وعَنِ اللَّيْثِ أسْرى: سارَ أوَّلَ اللَّيْلِ، وسَرى: سارَ آخِرَهُ، ولا يُقالُ في النَّهارِ إلّا سارَ.
السِّجِّيلُ والسِّجِّينُ: الشَّدِيدُ مِنَ الحَجَرِ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ. وقالَ الفَرّاءُ: طِينٌ طُبِخَ حَتّى صارَ بِمَنزِلَةِ الآجُرِّ. وقِيلَ: هو فارِسِيٌّ. وسَنْكٌ: الحَجَرُ وكُلُّ الطِّينِ يُعَرَّبُ فَقِيلَ: سِجَّينٌ.
المَنضُودُ: المَجْعُولُ بَعْضُهُ فَوْقَ بَعْضٍ.
﴿وإلى ثَمُودَ أخاهم صالِحًا قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ هو أنْشَأكم مِنَ الأرْضِ واسْتَعْمَرَكم فِيها فاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ إنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ﴾ ﴿قالُوا ياصالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذا أتَنْهانا أنْ نَعْبُدَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا وإنَّنا لَفي شَكٍّ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ مُرِيبٍ﴾ (p-٢٣٨)قَرَأ ابْنُ وثّابٍ والأعْمَشُ: ﴿وإلى ثَمُودَ﴾ بِالصَّرْفِ عَلى إرادَةِ الحَيِّ، والجُمْهُورِ عَلى مَنعِ الصَّرْفِ ذَهابًا إلى القَبِيلَةِ. (أنْشَأكم): اخْتَرَعَكم وأوْجَدَكم، وذَلِكَ بِاخْتِراعِ آدَمَ أصْلِهِمْ، فَكانَ إنْشاءُ الأصْلِ إنْشاءً لِلْفَرْعِ.
وقِيلَ: ﴿مِنَ الأرْضِ﴾ بِاعْتِبارِ الأصْلِ المُتَوَلَّدُ مِنهُ النَّباتُ المُتَوَلَّدُ مِنهُ الغِذاءُ المُتَوَلَّدُ مِنهُ المَنِيُّ ودَمُ الطَّمْثِ المُتَوَلَّدُ مِنهُما الإنْسانُ.
وقِيلَ: (مِن) بِمَعْنى في و(اسْتَعْمَرَكم): جَعَلَكم عُمّارًا. وقِيلَ: (اسْتَعْمَرَكم) مِنَ العُمُرِ، أيِ: اسْتَبَقاكم فِيها قالَهُ الضَّحّاكُ، أيْ: أطالَ أعْمارَكم. وقِيلَ: مِنَ العُمْرى، قالَهُ مُجاهِدٌ: فَيَكُونُ اسْتَعْمَرَ في مَعْنى أعْمَرَ، كاسْتَهْلَكَهُ في مَعْنى أهْلَكَهُ. والمَعْنى: أعْمَرَكم فِيها دِيارَكم، ثُمَّ هو وارِثُها مِنكم.
أوْ بِمَعْنى: جَعَلَكم مُعَمِّرِينَ دِيارَكم فِيها، لِأنَّ مَن ورِثَ دارَهُ مِن بَعْدِهِ فَإنَّهُ أعْمَرَهُ إيّاها، لِأنَّهُ يَسْكُنُها عُمُرَهُ ثُمَّ يَتْرُكُها لِغَيْرِهِ. وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: (اسْتَعْمَرَكم): أمَرَكم بِعِمارَةِ ما تَحْتاجُونَ إلَيْهِ مِن بِناءِ مَساكِنَ وغَرْسِ أشْجارٍ. وقِيلَ: ألْهَمَكم عِمارَتَها مِنَ الحَرْثِ والغَرْسِ وحَفْرِ الأنْهارِ وغَيْرِها، ﴿إنَّ رَبِّي قَرِيبٌ﴾ أيْ: دانِي الرَّحْمَةِ، (مُجِيبٌ) لِمَن دَعاهُ.
﴿قَدْ كُنْتَ فِينا مَرْجُوًّا﴾ . قالَ كَعْبٌ: كانُوا يَرْجُوهُ لِلْمَمْلِكَةِ بَعْدَ مُلْكِهِمْ، لِأنَّهُ كانَ ذا حَسَبٍ وثَرْوَةٍ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: فاضِلًا خَيِّرًا نُقَدِّمُكَ عَلى جَمِيعِنا.
وقالَ مُقاتِلٌ: كانُوا يَرْجُونَ رُجُوعَهُ إلى دِينِهِمْ، إذْ كانَ يُبْغِضُ أصْنامَهم، ويَعْدِلُ عَنْ دِينِهِمْ، فَلَمّا أظْهَرَ إنْذارَهُمُ انْقَطَعَ رَجاؤُهم مِنهُ.
وذَكَرَ الماوَرْدِيُّ: يَرْجُونَ خَيْرَهُ، فَلَمّا أنْذَرَهُمُ انْقَطَعَ رَجاؤُهم خَيْرَهُ. وبَسَطَ الزَّمَخْشَرِيُّ هَذا القَوْلَ فَقالَ: فِينا فِيما بَيْنَنا مَرْجُوًّا كانَتْ تَلُوحُ فِيكَ مَخايِلُ الخَيْرِ وأماراتُ الرُّشْدِ، فَكُنّا نَرْجُوكَ لِنَنْتَفِعَ بِكَ، وتَكُونَ مُشاوَرًا في الأُمُورِ مُسْتَرْشَدًا في التَّدابِيرِ، فَلَمّا نَطَقْتَ بِهَذا القَوْلِ انْقَطَعَ رَجاؤُنا عَنْكَ، وعَلِمْنا أنْ لا خَيْرَ فِيكَ، انْتَهى.
وقِيلَ: لَمّا كانَ قَوِيَّ الخاطِرِ وكانَ مِن قَبِيلَتِهِمْ، قَوِيَ رَجاؤُهم في أنْ يَنْصُرَ دِينَهم ويُقَوِّيَ مَذْهَبَهم. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والظّاهِرُ الَّذِي حَكاهُ الجُمْهُورُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿مَرْجُوًّا﴾: مَشُورًا نُؤَمِّلُ فِيكَ أنْ تَكُونَ سَيِّدًا سادًّا مَسَدَّ الأكابِرِ، ثُمَّ قَرَّرُوهُ عَلى التَّوْبِيخِ في زَعْمِهِمْ بِقَوْلِهِمْ: ﴿أتَنْهانا﴾ . وحَكى النَّقّاشُ عَنْ بَعْضِهِمْ أنَّهُ قالَ: مَعْناهُ حَقِيرًا، فَإمّا أنْ يَكُونَ لَفْظُ مَرْجُوًّا بِمَعْنى حَقِيرٍ، فَلَيْسَ ذَلِكَ في كَلامِ العَرَبِ، وإنَّما يَتَّجِهُ ذَلِكَ عَلى جِهَةِ التَّفْسِيرِ لِلْمَعْنى، وذَلِكَ أنَّ القَصْدَ بِقَوْلِهِمْ: مَرْجُوًّا بِقَوْلِ: لَقَدْ كُنْتَ فِينا سَهْلًا مَرامُكَ، قَرِيبًا رَدُّ أمْرِكَ مِمَّنْ لا يُظَنُّ أنْ يُسْتَعْجَلَ مِن أمْرِهِ مِثْلُ هَذا.
فَمَعْنى مَرْجُوًّا، أيْ: مُؤَخَرًّا اطِّراحُهُ وغَلَبَتُهُ ونَحْوَ هَذا فَيَكُونُ ذَلِكَ عَلى جِهَةِ الِاحْتِقارِ، ولِذَلِكَ فُسِّرَ بِحَقِيرٍ، ثُمَّ يَجِيءُ قَوْلُهم: ﴿أتَنْهانا﴾، عَلى جِهَةِ التَّوَعُّدِ والِاسْتِبْشاعِ لِهَذِهِ المَقالَةِ مِنهُ، انْتَهى.
و﴿ما يَعْبُدُ آباؤُنا﴾ حِكايَةُ حالٍ ماضِيَةٍ، وإنّا وإنَّنا لُغَتانِ لِـ قُرَيْشٍ. قالَ الفَرّاءُ: مَن قالَ إنَّنا أخْرَجَ الحَرْفَ عَلى أصْلِهِ، لِأنَّ كِنايَةَ المُتَكَلِّمِينَ (نا)، فاجْتَمَعَتْ ثَلاثُ نُوناتٍ.
ومَن قالَ: إنّا: اسْتَثْقَلَ اجْتِماعَها فَأسْقَطَ الثّالِثَةَ وأبْقى الأُولَتَيْنِ، انْتَهى. والَّذِي أخْتارُهُ أنَّ (نا) ضَمِيرُ المُتَكَلِّمِينَ لا تَكُونُ المَحْذُوفَةَ، لِأنَّ في حَذْفِها حَذْفَ بَعْضِ اسْمٍ وبَقِيَ مِنهُ حَرْفٌ ساكِنٌ، وإنَّما المَحْذُوفَةُ النُّونُ الثّانِيَةُ مِن إنَّ فَحُذِفَتْ لِاجْتِماعِ الأمْثالِ، وبَقِيَ مِنَ الحَرْفِ الهَمْزَةُ والنُّونُ السّاكِنَةُ، وهَذا أوْلى مِن حَذْفِ ما بَقِيَ مِنهُ حَرْفٌ.
وأيْضًا فَقَدْ عُهِدَ حَذْفُ هَذِهِ النُّونِ مَعَ غَيْرِ ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِينَ، ولَمْ يُعْهَدْ حَذْفُ نُونِ (نا)، فَكانَ حَذْفُها مِن إنَّ أوْلى. و(مُرِيبٍ): اسْمُ فاعِلٍ مِن مُتَعَدِّ أرابَهُ: أوْقَعَهُ في الرِّيبَةِ، وهي قَلَقُ النَّفْسِ وانْتِفاءُ الطُّمَأْنِينَةِ. أوْ مِن لازِمِ أرابَ الرَّجُلُ إذا كانَ ذا رِيبَةٍ، وأُسْنِدَ ذَلِكَ إلى الشَّكِّ إسْنادًا مَجازِيًّا، ووُجُودُ مِثْلِ هَذا الشَّكِّ كَوُجُودِ التَّصْمِيمِ عَلى الكُفْرِ.
﴿قالَ يا قَوْمِ أرَأيْتُمْ إنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّي وآتانِي مِنهُ رَحْمَةً فَمَن يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إنْ عَصَيْتُهُ فَما تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِير﴾ ﴿ويا قَوْمِ هَذِهِ ناقَةُ اللَّهِ لَكم آيَةً فَذَرُوها تَأْكُلْ في أرْضِ اللَّهِ ولا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكم عَذابٌ قَرِيبٌ﴾ ﴿فَعَقَرُوها فَقالَ تَمَتَّعُوا في دارِكم ثَلاثَةَ أيّامٍ ذَلِكَ وعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ﴾ (p-٢٣٩)تَقَدَّمَ الكَلامُ في (أرَأيْتُمْ) في قِصَّةِ نُوحٍ، والمَفْعُولُ الثّانِي هُنا لِأرَأيْتُمْ مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿فَمَن يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إنْ عَصَيْتُهُ﴾، والتَّقْدِيرُ: أعْصِيهِ في تَرْكِ ما أنا عَلَيْهِ مِنَ البَيِّنَةِ.
وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: (أرَأيْتُمْ) هو مِن رُؤْيَةِ القَلْبِ، والشَّرْطُ الَّذِي بَعْدَهُ وجَوابُهُ يَسُدُّ مَسَدَّ مَفْعُولَيْ عَلِمْتُ وأخَواتِها، وإدْخالُ أداةِ الشَّرْطِ الَّتِي هي إنْ عَلى جُمْلَةٍ مُحَقَّقَةٍ، وهي كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ، لَكِنَّهُ خاطَبَ الجاحِدِينَ لِلْبَيِّنَةِ فَكَأنَّهُ قالَ: قَدِّرُوا أنِّي عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّي وانْظُرُوا إنْ تابَعْتُكم وعَصَيْتُ رَبِّي في أوامِرِهِ، فَمَن يَمْنَعُنِي مِن عَذابِهِ ؟ قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وفي الكَلامِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: أيَضُرُّنِي شَكُّكم ؟ أوْ أيُمْكِنُنِي طاعَتُكم ؟ ونَحْوَ هَذا مِمّا يَلِيقُ بِمَعْنى الآيَةِ، انْتَهى. وهَذا التَّقْدِيرُ الَّذِي قَدَّرَهُ اسْتِشْعارٌ مِنهُ بِالمَفْعُولِ الثّانِي الَّذِي يَقْتَضِيهِ أرَأيْتُمْ، وأنَّ الشَّرْطَ وجَوابَهُ لا يَقَعانِ ولا يَسُدّانِ مَسَدَّ مَفْعُولَيْ (أرَأيْتُمْ)، والَّذِي قَدَّرْناهُ نَحْنُ هو الظّاهِرُ لِدَلالَةِ قَوْلِهِ: ﴿فَمَن يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إنْ عَصَيْتُهُ فَما تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ﴾ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: غَيْرَ أنْ أُخَسِّرَكم، أيْ: أنْسُبَكم إلى الخُسْرانِ، وأقُولُ أنَّكم خاسِرُونَ، انْتَهى.
يُفْعَلُ هَذا لِلنِّسْبَةِ كَفَسَّقْتُهُ وفَجَّرْتُهُ، أيْ: نَسَبْتُهُ، أيِ: الفِسْقُ والفُجُورُ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مَعْناهُ: ما تَزِيدُونَنِي بِعِبادَتِكم إلّا بَصارَةً في خُسْرانِكم، انْتَهى. فَهو عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: غَيْرَ بَصارَةِ تَخْسِيرِكم.
وقالَ مُجاهِدٌ: ما تَزْدادُونَ أنْتُمْ بِاحْتِجاجِكم بِعِبادَةِ آبائِكم إلّا خَسارًا، وأضافَ الزِّيادَةَ إلى نَفْسِهِ لِأنَّهم أعْطَوْهُ ذَلِكَ وكانَ سَألَهُمُ الإيمانَ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: فَما تُعْطُونِي فِيما اقْتَضَيْتُهُ مِنكم مِنَ الإيمانِ غَيْرَ تَخْسِيرٍ لِأنْفُسِكم، وهو مِنَ الخَسارَةِ ولَيْسَ التَّخْسِيرُ إلّا لَهم وفي حَيِّزِهِمْ، وأضافَ الزِّيادَةَ إلَيْهِ مِن حَيْثُ هو مُقْتَضٍ لِأقْوالِهِمْ مُوَكَّلٌ بِإيمانِهِمْ كَما تَقُولُ لِمَن تُوصِيهِ: أنا أُرِيدُكَ خَيْرًا وأنْتَ تُرِيدُنِي سُوءًا، وكانَ الوَجْهُ البَيِّنُ أنْ يَقُولَ: وأنْتَ تُرِيدُ شَرًّا، لَكِنْ مِن حَيْثُ كَنْتَ مُرِيدَ خَيْرٍ، ومُقْتَضى ذَلِكَ حَسُنَ أنْ يُضِيفَ الزِّيادَةَ إلى نَفْسِكَ، انْتَهى. وقِيلَ: التَّقْدِيرُ: فَما تَحْمِلُونَنِي عَلَيْهِ غَيْرَ أنِّي أُخْسِرُكم، أيْ: أرى مِنكُمُ الخُسْرانَ. وقِيلَ: التَّقْدِيرُ: تُخْسِرُونِي أعْمالَكم وتُبْطِلُونَها. قِيلَ: وهَذا أقْرَبُ، لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَمَن يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إنْ عَصَيْتُهُ﴾ كالدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ أرادَ: إنِ اتَّبَعْتُكم فِيما أنْتُمْ عَلَيْهِ ودَعَوْتُمُونِي إلَيْهِ لَمْ أزْدَدْ إلّا خُسْرانًا في الدِّينِ، فَأصِيرُ مِنَ الهالِكِينَ الخاسِرِينَ.
وانْتَصَبَ (آيَةً) عَلى الحالِ، والخِلافُ في النّاصِبِ في نَحْوِ هَذا زَيْدٌ مُنْطَلِقًا، أهْوَ حَرْفُ التَّنْبِيهِ أوِ اسْمُ الإشارَةِ أوْ فِعْلٌ مَحْذُوفٌ ؟ جازَ في نَصْبِ (آيَةً) و(لَكم) في مَوْضِعِ الحالِ، لِأنَّهُ لَوْ تَأخَّرَ لَكانَ نَعْتًا لِـ (آيَةً)، فَلَمّا تَقَدَّمَ عَلى النَّكِرَةِ كانَ حالًا، والعامِلُ فِيها مَحْذُوفٌ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): فَبِمَ يَتَعَلَّقُ لَكم ؟ (قُلْتُ): بِـ (آيَةً) حالًا مِنها مُتَقَدِّمَةً، لِأنَّها لَوْ تَأخَّرَتْ لَكانَ صِفَةً لَها، فَلَمّا تَقَدَّمَتِ انْتَصَبَ عَلى الحالِ، انْتَهى.
وهَذا مُتَناقِضٌ، لِأنَّهُ مِن حَيْثُ تَعَلَّقَ (لَكم) بِـ (آيَةً) كانَ (لَكم) مَعْمُولًا لِـ (آيَةً)، وإذا كانَ مَعْمُولًا لَها امْتَنَعَ أنْ يَكُونَ حالًا مِنها، لِأنَّ الحالَ تَتَعَلَّقُ بِمَحْذُوفٍ، فَتَناقَضَ هَذا الكَلامُ، لِأنَّهُ مِن حَيْثُ كَوْنُهُ مَعْمُولًا لَها كانَتْ هي العامِلَةَ، ومِن حَيْثُ كَوْنُهُ حالًا مِنها كانَ العامِلُ غَيْرَها، وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى الجُمَلِ الَّتِي بَعْدَ (آيَةً) . وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: (تَأْكُلُ) بِالرَّفْعِ عَلى الِاسْتِئْنافِ، أوْ عَلى الحالِ. و(قَرِيبٌ): عاجِلٌ لا يَسْتَأْخِرُ عَنْ مَسِّكُمُوها بِسُوءٍ إلّا يَسِيرًا، وذَلِكَ ثَلاثَةُ أيّامٍ ثُمَّ يَقَعُ عَلَيْكم، وهَذا الإخْبارُ بِوَحْيٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى، (فَعَقَرُوها): نُسِبَ إلى جَمِيعِهِمْ وإنْ كانَ العاقِرُ واحِدًا لِأنَّهُ كانَ بِرِضًى مِنهم وتَمالَئُوا. ومَعْنى (تَمَتَّعُوا): اسْتَمْتِعُوا بِالعَيْشِ في دارِكم في بَلَدِكم، وتُسَمّى البِلادُ: الدِّيارُ لِأنَّها يُدارُ فِيها، أيْ: يُتَصَرَّفُ، يُقالُ: دِيارُ بَكْرٍ لِبِلادِهِمْ قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ﴿فِي دارِكُمْ﴾: جَمْعُ دارَةٍ، كَساحَةٍ وساحٍ وسُوحٍ، ومِنهُ قَوْلُ أُمَيَّةَ بْنِ أبِي الصَّلْتِ:(p-٢٤٠)
؎لَهُ داعٍ بِـ مَكَّةَ مُشْمَعِلٌّ ∗∗∗ وآخَرُ فَوْقَ دارَتِهِ يُنادِي
ويُمْكِنُ أنْ يُسَمّىَ جَمِيعُ مَسْكَنِ الحَيِّ دارًا، انْتَهى. (ذَلِكَ) أيِ: الوَعْدُ بِالعَذابِ غَيْرُ مَكْذُوبٍ، أيْ: صِدْقٌ حَقٌّ.
والأصْلُ: غَيْرُهُ مَكْذُوبٌ فِيهِ، فاتَّسَعَ فَحُذِفَ الحَرْفُ وأُجْرِيَ الضَّمِيرُ مَجْرى المَفْعُولِ بِهِ، أوْ جُعِلَ ﴿غَيْرُ مَكْذُوبٍ﴾ لِأنَّهُ وفّى بِهِ فَقَدْ صَدَقَ، أوْ عَلى أنَّ المَكْذُوبَ هُنا مَصْدَرٌ عِنْدَ مَن يُثْبِتُ أنَّ المَصْدَرَ يَجِيءُ عَلى زِنَةِ مَفْعُولٍ.
﴿فَلَمّا جاءَ أمْرُنا نَجَّيْنا صالِحًا والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنّا ومِن خِزْيِ يَوْمِئِذٍ إنَّ رَبَّكَ هو القَوِيُّ العَزِيزُ﴾ ﴿وأخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأصْبَحُوا في دِيارِهِمْ جاثِمِينَ﴾ ﴿كَأنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها ألا إنَّ ثَمُودًا كَفَرُوا رَبَّهم ألا بُعْدًا لِثَمُودَ﴾ والكَلامُ في ﴿جاءَ أمْرُنا﴾ [هود: ٤٠] كالكَلامِ السّابِقِ في قِصَّةِ قَوْمِ هُودٍ. قِيلَ: الواوُ زائِدَةٌ في (ومِن) أيْ: مِن خِزْيِ يَوْمِئِذٍ فَيَتَعَلَّقُ (مِن) بِـ (نَجَّيْنا)، وهَذا لا يَجُوزُ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ، لِأنَّ الواوَ لا تُزادُ عِنْدَهم بَلْ تَتَعَلَّقُ مِن بِمَحْذُوفٍ، أيْ: ونَجَّيْناهم مِن خِزْيِ، أيْ: وكانَتِ التَّنْجِيَةُ مِن خِزْيِ يَوْمِئِذٍ.
وقَرَأ طَلْحَةُ وأبانُ بْنُ تَغْلِبَ: ﴿ومِن خِزْيِ﴾ بِالتَّنْوِينِ، ونَصْبِ (يَوْمَئِذٍ) عَلى الظَّرْفِ مَعْمُولًا لِخِزْيٍ. وقَرَأ الجُمْهُورُ بِالإضافَةِ، وفَتْحِ المِيمِ نافِعٌ والكِسائِيُّ، وهي فَتْحَةُ بِناءٍ لِإضافَتِهِ إلى إذْ، وهو غَيْرُ مُتَمَكِّنٍ. وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ بِكَسْرِ المِيمِ وهي حَرَكَةُ إعْرابٍ، والتَّنْوِينُ في إذْ تَنْوِينُ عِوَضٍ مِنَ الجُمْلَةِ المَحْذُوفَةِ المُتَقَدِّمَةِ الذِّكْرِ، أيْ: ومِن فَضِيحَةِ يَوْمِ إذْ جاءَ الأمْرُ وحَلَّ بِهِمْ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يُرِيدَ بِـ (يَوْمِئِذٍ): يَوْمَ القِيامَةِ، كَما فَسَّرَ العَذابَ الغَلِيظَ بِعَذابِ الآخِرَةِ، انْتَهى.
وهَذا لَيْسَ بِجَيِّدٍ، لِأنَّ التَّنْوِينَ في إذْ تَنْوِينُ العِوَضِ ولَمْ يَتَقَدَّمْ إلّا قَوْلُهُ، ﴿فَلَمّا جاءَ أمْرُنا﴾ ولَمْ تَتَقَدَّمْ جُمْلَةٌ فِيها ذِكْرُ يَوْمِ القِيامَةِ ولا ما يَكُونُ فِيها، فَيَكُونُ هَذا التَّنْوِينُ عِوَضًا مِنَ الجُمْلَةِ الَّتِي تَكُونُ في يَوْمِ القِيامَةِ.
وناسَبَ مَجِيءُ الأمْرِ وصْفَهُ تَعالى بِالقَوِيِّ العَزِيزِ، فَإنِّهُما مِن صِفاتِ الغَلَبَةِ والقَهْرِ والِانْتِقامِ، والجُمْلَةُ الَّتِي بَعْدَ هَذا تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْها في الأعْرافِ.
﴿ألا إنَّ ثَمُودَ﴾: مَنَعَ حَمْزَةُ وحَفْصٌ صَرْفَهُ وصَرَفَهُ الباقُونَ ﴿لِثَمُودَ﴾ صَرَفَهُ الكِسائِيُّ ومَنَعَهُ باقِي السَّبْعَةِ.
هود 11:64
﴿وإلى ثَمُودَ أخاهم صالِحًا قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ هو أنْشَأكم مِنَ الأرْضِ واسْتَعْمَرَكم فِيها فاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ إنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ﴾ ﴿قالُوا يا صالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذا أتَنْهانا أنْ نَعْبُدَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا وإنَّنا لَفي شَكٍّ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ مُرِيبٍ﴾ ﴿قالَ يا قَوْمِ أرَأيْتُمْ إنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّي وآتانِي مِنهُ رَحْمَةً فَمَن يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إنْ عَصَيْتُهُ فَما تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ﴾ ﴿ويا قَوْمِ هَذِهِ ناقَةُ اللَّهِ لَكم آيَةً فَذَرُوها تَأْكُلْ في أرْضِ اللَّهِ ولا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكم عَذابٌ قَرِيبٌ﴾ ﴿فَعَقَرُوها فَقالَ تَمَتَّعُوا في دارِكم ثَلاثَةَ أيّامٍ ذَلِكَ وعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ﴾ ﴿فَلَمّا جاءَ أمْرُنا نَجَّيْنا صالِحًا والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنّا ومِن خِزْيِ يَوْمِئِذٍ إنَّ رَبَّكَ هو القَوِيُّ العَزِيزُ﴾ ﴿وأخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأصْبَحُوا في دِيارِهِمْ جاثِمِينَ﴾ ﴿كَأنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها ألا إنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهم ألا بُعْدًا لِثَمُودَ﴾ ﴿ولَقَدْ جاءَتْ رُسُلُنا إبْراهِيمَ بِالبُشْرى قالُوا سَلامًا قالَ سَلامٌ فَما لَبِثَ أنْ جاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾ [هود: ٦٩] ﴿فَلَمّا رَأى أيْدِيَهم لا تَصِلُ إلَيْهِ نَكِرَهم وأوْجَسَ مِنهم خِيفَةً قالُوا لا تَخَفْ إنّا أُرْسِلْنا إلى قَوْمِ لُوطٍ﴾ [هود: ٧٠] ﴿وامْرَأتُهُ قائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْناها بِإسْحاقَ ومِن وراءِ إسْحاقَ يَعْقُوبَ﴾ [هود: ٧١] ﴿قالَتْ يا ويْلَتا أألِدُ وأنا عَجُوزٌ وهَذا بَعْلِي شَيْخًا إنَّ هَذا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ﴾ [هود: ٧٢] ﴿قالُوا أتَعْجَبِينَ مِن أمْرِ اللَّهِ رَحْمَةُ اللَّهِ وبَرَكاتُهُ عَلَيْكم أهْلَ البَيْتِ إنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ﴾ [هود: ٧٣] ﴿فَلَمّا ذَهَبَ عَنْ إبْراهِيمَ الرَّوْعُ وجاءَتْهُ البُشْرى يُجادِلُنا في قَوْمِ لُوطٍ﴾ [هود: ٧٤] ﴿إنَّ إبْراهِيمَ لَحَلِيمٌ أوّاهٌ مُنِيبٌ﴾ [هود: ٧٥] ﴿يا إبْراهِيمُ أعْرِضْ عَنْ هَذا إنَّهُ قَدْ جاءَ أمْرُ رَبِّكَ وإنَّهم آتِيهِمْ عَذابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ﴾ [هود: ٧٦] ﴿ولَمّا جاءَتْ رُسُلُنا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وضاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وقالَ هَذا يَوْمٌ عَصِيبٌ﴾ [هود: ٧٧] ﴿وجاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إلَيْهِ ومِن قَبْلُ كانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ قالَ يا قَوْمِ هَؤُلاءِ بَناتِي هُنَّ أطْهَرُ لَكم فاتَّقُوا اللَّهَ ولا تُخْزُونِي في ضَيْفِي ألَيْسَ مِنكم رَجُلٌ رَشِيدٌ﴾ [هود: ٧٨] ﴿قالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ ما لَنا في بَناتِكَ مِن حَقٍّ وإنَّكَ لَتَعْلَمُ ما نُرِيدُ﴾ [هود: ٧٩] ﴿قالَ لَوْ أنَّ لِي بِكم قُوَّةً أوْ آوِي إلى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ [هود: ٨٠] ﴿قالُوا يا لُوطُ إنّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إلَيْكَ فَأسْرِ بِأهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ ولا يَلْتَفِتْ مِنكم أحَدٌ إلّا امْرَأتَكَ إنَّهُ مُصِيبُها ما أصابَهم إنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ ألَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ﴾ [هود: ٨١] ﴿فَلَمّا جاءَ أمْرُنا جَعَلْنا عالِيَها سافِلَها وأمْطَرْنا عَلَيْها حِجارَةً مِن سِجِّيلٍ مَنضُودٍ﴾ [هود: ٨٢] ﴿مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وما هي مِنَ الظّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾ [هود: ٨٣] الصَّيْحَةُ: فَعْلَةٌ لِلْمَرَّةِ الواحِدَةِ مِنَ الصِّياحِ، يُقالُ: صاحَ يَصِيحُ إذا صَوَّتَ بِقُوَّةٍ.
حَنَذْتُ الشّاةَ أحْنِذُها حَنْذًا شَوَيْتُها وجَعَلْتُ فَوْقَها حِجارَةً لِتُنْضِجَها فَهي حَنِيذٌ، وحَنَذْتُ الفَرَسَ أحْضَرْتُهُ شَوْطًا أوْ شَوْطَيْنِ ثُمَّ ظاهَرْتُ عَلَيْهِ الجِلالَ في الشَّمْسِ لِيَعْرَقَ.
أوْجَسَ الرَّجُلُ قالَ الأخْفَشُ: خامَرَ قَلْبُهُ، وقالَ الفَرّاءُ: اسْتَشْعَرَ، وقِيلَ: أحَسَّ. والوَجِيسُ: ما يَعْتَرِي النَّفْسَ عِنْدَ أوائِلِ الفَزَعِ، ووَجَسَ في نَفْسِهِ كَذا: خَطَرَ بِها، يَجِسُ وجْسًا ووُجُوسًا وتَوَجَّسَ: تَسَمَّعَ وتَحَسَّسَ. قالَ:
؎وصادِقَتا سَمْعِ التَّوَجُّسَ لِلسُّرى لِهَجْسٍ خَفِيٍ أوْ لِصَوْتٍ مُنَدَّدِ
الضَّحِكُ مَعْرُوفٌ، وكانَ يَنْبَغِي أنْ يُذْكَرَ في سُورَةِ التَّوْبَةِ في قَوْلِهِ: ﴿فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا﴾ [التوبة: ٨٢] ويُقالُ: ضَحَكَ بِفَتْحِ الحاءِ، والضُّحَكَةُ: الكَثِيرُ الضَّحِكُ، والضُّحْكَةُ: المَضْحُوكُ مِنهُ، ويُقالُ: ضَحِكَتِ الأرْنَبُ، أيْ: حاضَتْ، وأنْكَرَ أبُو عُبَيْدَةَ والفَرّاءُ وأبُو عُبَيْدٍ: ضَحِكَ بِمَعْنى حاضَ، وعَرَفَ ذَلِكَ غَيْرُهم. وقالَ الشّاعِرُ أنْشَدَهُ اللُّغَوِيُّونَ:
؎وضِحْكُ الأرانِبِ فَوْقَ الصَّفا ∗∗∗ كَمِثْلِ دَمِ الجَوْفِ يَوْمَ اللِّقا
(p-٢٣٧)وقالَ الآخَرُ:
؎وعَهْدِي بِسَلْمى ضاحِكًا في لُبانَةٍ ∗∗∗ ولَمْ يَعُدْ حُقّا ثَدْيِها أنْ يَحْلُما
أيْ: حائِضًا في لُبانَةِ، واللُّبانَةُ والعَلاقَةُ والشَّوْذَرُ واحِدٌ. ومِنهُ ضَحِكَتِ الكافُورَةُ إذا انْشَقَّتْ، وضَحِكَتِ الشَّجَرَةُ: سالَ مِنها صَمْغُها وهو شِبْهُ الدَّمِ، وضَحِكَ الحَوْضُ: امْتَلَأ وفاضَ.
الشَّيْخُ: مَعْرُوفٌ، والفِعْلُ شاخَ يَشِيخُ، وقَدْ يُقالُ لِلْأُنْثى: شَيْخَةٌ. قالَ:
؎وتَضْحَكُ مِنِّي شَيْخَةٌ عَبْشَمِيَّةٌ
ويُجْمَعُ عَلى أشْياخٍ وشُيُوخٍ وشَيْخانِ، ومِن أسْماءِ الجُمُوعِ مَشْيَخَةٌ ومَشْيُوخًا. المَجِيدُ: قالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: الرَّفِيعُ. يُقالُ: مَجَدَ يَمْجُدُ مَجْدًا ومَجادَةً ومَجُدَ لُغَتانِ، أيْ: كَرُمَ وشَرُفُ، وأصْلُهُ مِن قَوْلِهِمْ: مَجَدَتِ الإبِلُ تَمْجُدُ مَجْدًا: شَبِعَتْ. وقالَ: أمْجَدْتُ الدّابَّةَ: أكْثَرْتُ عَلَفَها، وقالَ أبُو حَيَّةَ النُّمَيْرِيُّ:
؎تَزِيدُ عَلى صَواحِبِها ولَيْسَتْ ∗∗∗ بِماجِدَةِ الطَّعامِ ولا الشَّرابِ
أيْ: لَيْسَتْ بِكَثِيرَةِ الطَّعامِ ولا الشَّرابِ. وقالَ اللَّيْثُ: أمْجَدَ فُلانٌ عَطاءَهُ ومَجَّدَهُ إذا كَثَّرَهُ، ومِن أمْثالِهِمْ ”في كُلِّ شَجَرٍ نارٌ“ واسْتَمْجَدَ المَرْخُ والعِفارُ، أيِ: اسْتَكْثَرَ مِنَ النّارِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: مَجَدَ الشَّيْءُ إذا حَسُنَتْ أوْصافُهُ. الرَّوْعُ: الفَزَعُ قالَ الشّاعِرُ:
؎إذا أخَذَتْها هِزَّةُ الرَّوْعِ أمْسَكَتْ ∗∗∗ بِمَنكِبِ مِقْدامٍ عَلى الهَوْلِ أرْوَعا
والفِعْلُ راعَ يَرُوعُ قالَ:
؎ما راعَنِي إلّا حَمُولَةُ أهْلِها ∗∗∗ وسْطَ الدِّيارِ تَسَفُّ حَبَّ الخِمْخِمِ
وقالَ النّابِغَةُ:
؎فارْتاعَ مِن صَوْتِ كِلابٍ فَباتَ لَهُ ∗∗∗ طَوْعَ الشَّوامِتِ مِن خَوْفٍ ومِن صَرَدِ
والرُّوعُ بِضَمِّ الرّاءِ: النَّفْسُ، لِأنَّها مَوْضِعُ الرَّوْعِ. الذَّرْعُ: مَصْدَرُ ذَرَعَ البَعِيرُ بِيَدَيْهِ في سَيْرِهِ: إذا سارَ عَلى قَدْرِ خَطْوِهِ، مَأْخُوذٌ مِنَ الذِّراعِ، ثُمَّ وُضِعَ مَوْضِعَ الطّاقَةِ فَقِيلَ: ضاقَ بِهِ ذَرْعًا. وقَدْ يَجْعَلُونَ الذِّراعَ مَوْضِعَ الذَّرْعِ قالَ:
؎إلَيْكَ إلَيْكَ ضاقَ بِها ذَرْعًا
وقِيلَ: كَنّى بِذَلِكَ عَنْ ضِيقِ الصَّدْرِ. العَصِيبُ والعَصَبْصَبُ والعَصَوْصَبُ: الشَّدِيدُ اللّازِمُ الشَّرِّ المُلْتَفُّ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ قالَ:
؎وكُنْتُ لِزازَ خَصْمِكَ لَمْ أُعَدِّدْ ∗∗∗ وقَدْ سَلَكُوكَ في يَوْمٍ عَصِيبِ
قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: سُمِّيَ عَصِيبًا لِأنَّهُ يَعْصِبُ النّاسَ بِالشَّرِّ، والعُصْبَةُ والعِصابَةُ الجَماعَةُ المُجْتَمِعَةُ كَلَّمْتُهم، أوِ المُجْتَمِعُونَ في النَّسَبِ.
وتَعَصَّبْتُ لِفُلانٍ وفُلانٌ مَعْصُوبٌ، أيْ: مُجْتَمِعُ الخَلْقِ. الإهْراعُ: قالَ شِمْرٌ: مَشْيٌ بَيْنَ الهَرْوَلَةِ والجَمْزِ. وقالَ الهَرَوِيُّ: هَرَعَ الرَّجُلُ وأهْرَعَ اسْتَحَثَّ. الضَّيْفُ: مَصْدَرٌ، وإذا أُخْبِرَ بِهِ أوْ وُصِفَ لَمْ يُطابِقْ في تَثْنِيَةٍ ولا جَمْعٍ، هَذا المَشْهُورُ.
وسُمِعَ فِيهِ ضُيُوفٌ وأضْيافٌ وضِيفانٌ. الرُّكْنُ: مَعْرُوفٌ وهو النّاحِيَةُ مِنَ البَيْتِ أوِ الجَبَلِ. ويُقالُ: رَكُنٌ بِضَمِّ الكافِ، ويُجْمَعُ عَلى أرْكانٍ وأرْكُنٍ. ورَكَنْتُ إلى فُلانٍ: انْضَوَيْتُ إلَيْهِ. سَرى وأسْرى بِمَعْنًى واحِدٍ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ والأزْهَرِيُّ، وعَنِ اللَّيْثِ أسْرى: سارَ أوَّلَ اللَّيْلِ، وسَرى: سارَ آخِرَهُ، ولا يُقالُ في النَّهارِ إلّا سارَ.
السِّجِّيلُ والسِّجِّينُ: الشَّدِيدُ مِنَ الحَجَرِ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ. وقالَ الفَرّاءُ: طِينٌ طُبِخَ حَتّى صارَ بِمَنزِلَةِ الآجُرِّ. وقِيلَ: هو فارِسِيٌّ. وسَنْكٌ: الحَجَرُ وكُلُّ الطِّينِ يُعَرَّبُ فَقِيلَ: سِجَّينٌ.
المَنضُودُ: المَجْعُولُ بَعْضُهُ فَوْقَ بَعْضٍ.
﴿وإلى ثَمُودَ أخاهم صالِحًا قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ هو أنْشَأكم مِنَ الأرْضِ واسْتَعْمَرَكم فِيها فاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ إنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ﴾ ﴿قالُوا ياصالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذا أتَنْهانا أنْ نَعْبُدَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا وإنَّنا لَفي شَكٍّ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ مُرِيبٍ﴾ (p-٢٣٨)قَرَأ ابْنُ وثّابٍ والأعْمَشُ: ﴿وإلى ثَمُودَ﴾ بِالصَّرْفِ عَلى إرادَةِ الحَيِّ، والجُمْهُورِ عَلى مَنعِ الصَّرْفِ ذَهابًا إلى القَبِيلَةِ. (أنْشَأكم): اخْتَرَعَكم وأوْجَدَكم، وذَلِكَ بِاخْتِراعِ آدَمَ أصْلِهِمْ، فَكانَ إنْشاءُ الأصْلِ إنْشاءً لِلْفَرْعِ.
وقِيلَ: ﴿مِنَ الأرْضِ﴾ بِاعْتِبارِ الأصْلِ المُتَوَلَّدُ مِنهُ النَّباتُ المُتَوَلَّدُ مِنهُ الغِذاءُ المُتَوَلَّدُ مِنهُ المَنِيُّ ودَمُ الطَّمْثِ المُتَوَلَّدُ مِنهُما الإنْسانُ.
وقِيلَ: (مِن) بِمَعْنى في و(اسْتَعْمَرَكم): جَعَلَكم عُمّارًا. وقِيلَ: (اسْتَعْمَرَكم) مِنَ العُمُرِ، أيِ: اسْتَبَقاكم فِيها قالَهُ الضَّحّاكُ، أيْ: أطالَ أعْمارَكم. وقِيلَ: مِنَ العُمْرى، قالَهُ مُجاهِدٌ: فَيَكُونُ اسْتَعْمَرَ في مَعْنى أعْمَرَ، كاسْتَهْلَكَهُ في مَعْنى أهْلَكَهُ. والمَعْنى: أعْمَرَكم فِيها دِيارَكم، ثُمَّ هو وارِثُها مِنكم.
أوْ بِمَعْنى: جَعَلَكم مُعَمِّرِينَ دِيارَكم فِيها، لِأنَّ مَن ورِثَ دارَهُ مِن بَعْدِهِ فَإنَّهُ أعْمَرَهُ إيّاها، لِأنَّهُ يَسْكُنُها عُمُرَهُ ثُمَّ يَتْرُكُها لِغَيْرِهِ. وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: (اسْتَعْمَرَكم): أمَرَكم بِعِمارَةِ ما تَحْتاجُونَ إلَيْهِ مِن بِناءِ مَساكِنَ وغَرْسِ أشْجارٍ. وقِيلَ: ألْهَمَكم عِمارَتَها مِنَ الحَرْثِ والغَرْسِ وحَفْرِ الأنْهارِ وغَيْرِها، ﴿إنَّ رَبِّي قَرِيبٌ﴾ أيْ: دانِي الرَّحْمَةِ، (مُجِيبٌ) لِمَن دَعاهُ.
﴿قَدْ كُنْتَ فِينا مَرْجُوًّا﴾ . قالَ كَعْبٌ: كانُوا يَرْجُوهُ لِلْمَمْلِكَةِ بَعْدَ مُلْكِهِمْ، لِأنَّهُ كانَ ذا حَسَبٍ وثَرْوَةٍ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: فاضِلًا خَيِّرًا نُقَدِّمُكَ عَلى جَمِيعِنا.
وقالَ مُقاتِلٌ: كانُوا يَرْجُونَ رُجُوعَهُ إلى دِينِهِمْ، إذْ كانَ يُبْغِضُ أصْنامَهم، ويَعْدِلُ عَنْ دِينِهِمْ، فَلَمّا أظْهَرَ إنْذارَهُمُ انْقَطَعَ رَجاؤُهم مِنهُ.
وذَكَرَ الماوَرْدِيُّ: يَرْجُونَ خَيْرَهُ، فَلَمّا أنْذَرَهُمُ انْقَطَعَ رَجاؤُهم خَيْرَهُ. وبَسَطَ الزَّمَخْشَرِيُّ هَذا القَوْلَ فَقالَ: فِينا فِيما بَيْنَنا مَرْجُوًّا كانَتْ تَلُوحُ فِيكَ مَخايِلُ الخَيْرِ وأماراتُ الرُّشْدِ، فَكُنّا نَرْجُوكَ لِنَنْتَفِعَ بِكَ، وتَكُونَ مُشاوَرًا في الأُمُورِ مُسْتَرْشَدًا في التَّدابِيرِ، فَلَمّا نَطَقْتَ بِهَذا القَوْلِ انْقَطَعَ رَجاؤُنا عَنْكَ، وعَلِمْنا أنْ لا خَيْرَ فِيكَ، انْتَهى.
وقِيلَ: لَمّا كانَ قَوِيَّ الخاطِرِ وكانَ مِن قَبِيلَتِهِمْ، قَوِيَ رَجاؤُهم في أنْ يَنْصُرَ دِينَهم ويُقَوِّيَ مَذْهَبَهم. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والظّاهِرُ الَّذِي حَكاهُ الجُمْهُورُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿مَرْجُوًّا﴾: مَشُورًا نُؤَمِّلُ فِيكَ أنْ تَكُونَ سَيِّدًا سادًّا مَسَدَّ الأكابِرِ، ثُمَّ قَرَّرُوهُ عَلى التَّوْبِيخِ في زَعْمِهِمْ بِقَوْلِهِمْ: ﴿أتَنْهانا﴾ . وحَكى النَّقّاشُ عَنْ بَعْضِهِمْ أنَّهُ قالَ: مَعْناهُ حَقِيرًا، فَإمّا أنْ يَكُونَ لَفْظُ مَرْجُوًّا بِمَعْنى حَقِيرٍ، فَلَيْسَ ذَلِكَ في كَلامِ العَرَبِ، وإنَّما يَتَّجِهُ ذَلِكَ عَلى جِهَةِ التَّفْسِيرِ لِلْمَعْنى، وذَلِكَ أنَّ القَصْدَ بِقَوْلِهِمْ: مَرْجُوًّا بِقَوْلِ: لَقَدْ كُنْتَ فِينا سَهْلًا مَرامُكَ، قَرِيبًا رَدُّ أمْرِكَ مِمَّنْ لا يُظَنُّ أنْ يُسْتَعْجَلَ مِن أمْرِهِ مِثْلُ هَذا.
فَمَعْنى مَرْجُوًّا، أيْ: مُؤَخَرًّا اطِّراحُهُ وغَلَبَتُهُ ونَحْوَ هَذا فَيَكُونُ ذَلِكَ عَلى جِهَةِ الِاحْتِقارِ، ولِذَلِكَ فُسِّرَ بِحَقِيرٍ، ثُمَّ يَجِيءُ قَوْلُهم: ﴿أتَنْهانا﴾، عَلى جِهَةِ التَّوَعُّدِ والِاسْتِبْشاعِ لِهَذِهِ المَقالَةِ مِنهُ، انْتَهى.
و﴿ما يَعْبُدُ آباؤُنا﴾ حِكايَةُ حالٍ ماضِيَةٍ، وإنّا وإنَّنا لُغَتانِ لِـ قُرَيْشٍ. قالَ الفَرّاءُ: مَن قالَ إنَّنا أخْرَجَ الحَرْفَ عَلى أصْلِهِ، لِأنَّ كِنايَةَ المُتَكَلِّمِينَ (نا)، فاجْتَمَعَتْ ثَلاثُ نُوناتٍ.
ومَن قالَ: إنّا: اسْتَثْقَلَ اجْتِماعَها فَأسْقَطَ الثّالِثَةَ وأبْقى الأُولَتَيْنِ، انْتَهى. والَّذِي أخْتارُهُ أنَّ (نا) ضَمِيرُ المُتَكَلِّمِينَ لا تَكُونُ المَحْذُوفَةَ، لِأنَّ في حَذْفِها حَذْفَ بَعْضِ اسْمٍ وبَقِيَ مِنهُ حَرْفٌ ساكِنٌ، وإنَّما المَحْذُوفَةُ النُّونُ الثّانِيَةُ مِن إنَّ فَحُذِفَتْ لِاجْتِماعِ الأمْثالِ، وبَقِيَ مِنَ الحَرْفِ الهَمْزَةُ والنُّونُ السّاكِنَةُ، وهَذا أوْلى مِن حَذْفِ ما بَقِيَ مِنهُ حَرْفٌ.
وأيْضًا فَقَدْ عُهِدَ حَذْفُ هَذِهِ النُّونِ مَعَ غَيْرِ ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِينَ، ولَمْ يُعْهَدْ حَذْفُ نُونِ (نا)، فَكانَ حَذْفُها مِن إنَّ أوْلى. و(مُرِيبٍ): اسْمُ فاعِلٍ مِن مُتَعَدِّ أرابَهُ: أوْقَعَهُ في الرِّيبَةِ، وهي قَلَقُ النَّفْسِ وانْتِفاءُ الطُّمَأْنِينَةِ. أوْ مِن لازِمِ أرابَ الرَّجُلُ إذا كانَ ذا رِيبَةٍ، وأُسْنِدَ ذَلِكَ إلى الشَّكِّ إسْنادًا مَجازِيًّا، ووُجُودُ مِثْلِ هَذا الشَّكِّ كَوُجُودِ التَّصْمِيمِ عَلى الكُفْرِ.
﴿قالَ يا قَوْمِ أرَأيْتُمْ إنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّي وآتانِي مِنهُ رَحْمَةً فَمَن يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إنْ عَصَيْتُهُ فَما تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِير﴾ ﴿ويا قَوْمِ هَذِهِ ناقَةُ اللَّهِ لَكم آيَةً فَذَرُوها تَأْكُلْ في أرْضِ اللَّهِ ولا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكم عَذابٌ قَرِيبٌ﴾ ﴿فَعَقَرُوها فَقالَ تَمَتَّعُوا في دارِكم ثَلاثَةَ أيّامٍ ذَلِكَ وعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ﴾ (p-٢٣٩)تَقَدَّمَ الكَلامُ في (أرَأيْتُمْ) في قِصَّةِ نُوحٍ، والمَفْعُولُ الثّانِي هُنا لِأرَأيْتُمْ مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿فَمَن يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إنْ عَصَيْتُهُ﴾، والتَّقْدِيرُ: أعْصِيهِ في تَرْكِ ما أنا عَلَيْهِ مِنَ البَيِّنَةِ.
وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: (أرَأيْتُمْ) هو مِن رُؤْيَةِ القَلْبِ، والشَّرْطُ الَّذِي بَعْدَهُ وجَوابُهُ يَسُدُّ مَسَدَّ مَفْعُولَيْ عَلِمْتُ وأخَواتِها، وإدْخالُ أداةِ الشَّرْطِ الَّتِي هي إنْ عَلى جُمْلَةٍ مُحَقَّقَةٍ، وهي كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ، لَكِنَّهُ خاطَبَ الجاحِدِينَ لِلْبَيِّنَةِ فَكَأنَّهُ قالَ: قَدِّرُوا أنِّي عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّي وانْظُرُوا إنْ تابَعْتُكم وعَصَيْتُ رَبِّي في أوامِرِهِ، فَمَن يَمْنَعُنِي مِن عَذابِهِ ؟ قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وفي الكَلامِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: أيَضُرُّنِي شَكُّكم ؟ أوْ أيُمْكِنُنِي طاعَتُكم ؟ ونَحْوَ هَذا مِمّا يَلِيقُ بِمَعْنى الآيَةِ، انْتَهى. وهَذا التَّقْدِيرُ الَّذِي قَدَّرَهُ اسْتِشْعارٌ مِنهُ بِالمَفْعُولِ الثّانِي الَّذِي يَقْتَضِيهِ أرَأيْتُمْ، وأنَّ الشَّرْطَ وجَوابَهُ لا يَقَعانِ ولا يَسُدّانِ مَسَدَّ مَفْعُولَيْ (أرَأيْتُمْ)، والَّذِي قَدَّرْناهُ نَحْنُ هو الظّاهِرُ لِدَلالَةِ قَوْلِهِ: ﴿فَمَن يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إنْ عَصَيْتُهُ فَما تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ﴾ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: غَيْرَ أنْ أُخَسِّرَكم، أيْ: أنْسُبَكم إلى الخُسْرانِ، وأقُولُ أنَّكم خاسِرُونَ، انْتَهى.
يُفْعَلُ هَذا لِلنِّسْبَةِ كَفَسَّقْتُهُ وفَجَّرْتُهُ، أيْ: نَسَبْتُهُ، أيِ: الفِسْقُ والفُجُورُ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مَعْناهُ: ما تَزِيدُونَنِي بِعِبادَتِكم إلّا بَصارَةً في خُسْرانِكم، انْتَهى. فَهو عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: غَيْرَ بَصارَةِ تَخْسِيرِكم.
وقالَ مُجاهِدٌ: ما تَزْدادُونَ أنْتُمْ بِاحْتِجاجِكم بِعِبادَةِ آبائِكم إلّا خَسارًا، وأضافَ الزِّيادَةَ إلى نَفْسِهِ لِأنَّهم أعْطَوْهُ ذَلِكَ وكانَ سَألَهُمُ الإيمانَ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: فَما تُعْطُونِي فِيما اقْتَضَيْتُهُ مِنكم مِنَ الإيمانِ غَيْرَ تَخْسِيرٍ لِأنْفُسِكم، وهو مِنَ الخَسارَةِ ولَيْسَ التَّخْسِيرُ إلّا لَهم وفي حَيِّزِهِمْ، وأضافَ الزِّيادَةَ إلَيْهِ مِن حَيْثُ هو مُقْتَضٍ لِأقْوالِهِمْ مُوَكَّلٌ بِإيمانِهِمْ كَما تَقُولُ لِمَن تُوصِيهِ: أنا أُرِيدُكَ خَيْرًا وأنْتَ تُرِيدُنِي سُوءًا، وكانَ الوَجْهُ البَيِّنُ أنْ يَقُولَ: وأنْتَ تُرِيدُ شَرًّا، لَكِنْ مِن حَيْثُ كَنْتَ مُرِيدَ خَيْرٍ، ومُقْتَضى ذَلِكَ حَسُنَ أنْ يُضِيفَ الزِّيادَةَ إلى نَفْسِكَ، انْتَهى. وقِيلَ: التَّقْدِيرُ: فَما تَحْمِلُونَنِي عَلَيْهِ غَيْرَ أنِّي أُخْسِرُكم، أيْ: أرى مِنكُمُ الخُسْرانَ. وقِيلَ: التَّقْدِيرُ: تُخْسِرُونِي أعْمالَكم وتُبْطِلُونَها. قِيلَ: وهَذا أقْرَبُ، لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَمَن يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إنْ عَصَيْتُهُ﴾ كالدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ أرادَ: إنِ اتَّبَعْتُكم فِيما أنْتُمْ عَلَيْهِ ودَعَوْتُمُونِي إلَيْهِ لَمْ أزْدَدْ إلّا خُسْرانًا في الدِّينِ، فَأصِيرُ مِنَ الهالِكِينَ الخاسِرِينَ.
وانْتَصَبَ (آيَةً) عَلى الحالِ، والخِلافُ في النّاصِبِ في نَحْوِ هَذا زَيْدٌ مُنْطَلِقًا، أهْوَ حَرْفُ التَّنْبِيهِ أوِ اسْمُ الإشارَةِ أوْ فِعْلٌ مَحْذُوفٌ ؟ جازَ في نَصْبِ (آيَةً) و(لَكم) في مَوْضِعِ الحالِ، لِأنَّهُ لَوْ تَأخَّرَ لَكانَ نَعْتًا لِـ (آيَةً)، فَلَمّا تَقَدَّمَ عَلى النَّكِرَةِ كانَ حالًا، والعامِلُ فِيها مَحْذُوفٌ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): فَبِمَ يَتَعَلَّقُ لَكم ؟ (قُلْتُ): بِـ (آيَةً) حالًا مِنها مُتَقَدِّمَةً، لِأنَّها لَوْ تَأخَّرَتْ لَكانَ صِفَةً لَها، فَلَمّا تَقَدَّمَتِ انْتَصَبَ عَلى الحالِ، انْتَهى.
وهَذا مُتَناقِضٌ، لِأنَّهُ مِن حَيْثُ تَعَلَّقَ (لَكم) بِـ (آيَةً) كانَ (لَكم) مَعْمُولًا لِـ (آيَةً)، وإذا كانَ مَعْمُولًا لَها امْتَنَعَ أنْ يَكُونَ حالًا مِنها، لِأنَّ الحالَ تَتَعَلَّقُ بِمَحْذُوفٍ، فَتَناقَضَ هَذا الكَلامُ، لِأنَّهُ مِن حَيْثُ كَوْنُهُ مَعْمُولًا لَها كانَتْ هي العامِلَةَ، ومِن حَيْثُ كَوْنُهُ حالًا مِنها كانَ العامِلُ غَيْرَها، وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى الجُمَلِ الَّتِي بَعْدَ (آيَةً) . وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: (تَأْكُلُ) بِالرَّفْعِ عَلى الِاسْتِئْنافِ، أوْ عَلى الحالِ. و(قَرِيبٌ): عاجِلٌ لا يَسْتَأْخِرُ عَنْ مَسِّكُمُوها بِسُوءٍ إلّا يَسِيرًا، وذَلِكَ ثَلاثَةُ أيّامٍ ثُمَّ يَقَعُ عَلَيْكم، وهَذا الإخْبارُ بِوَحْيٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى، (فَعَقَرُوها): نُسِبَ إلى جَمِيعِهِمْ وإنْ كانَ العاقِرُ واحِدًا لِأنَّهُ كانَ بِرِضًى مِنهم وتَمالَئُوا. ومَعْنى (تَمَتَّعُوا): اسْتَمْتِعُوا بِالعَيْشِ في دارِكم في بَلَدِكم، وتُسَمّى البِلادُ: الدِّيارُ لِأنَّها يُدارُ فِيها، أيْ: يُتَصَرَّفُ، يُقالُ: دِيارُ بَكْرٍ لِبِلادِهِمْ قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ﴿فِي دارِكُمْ﴾: جَمْعُ دارَةٍ، كَساحَةٍ وساحٍ وسُوحٍ، ومِنهُ قَوْلُ أُمَيَّةَ بْنِ أبِي الصَّلْتِ:(p-٢٤٠)
؎لَهُ داعٍ بِـ مَكَّةَ مُشْمَعِلٌّ ∗∗∗ وآخَرُ فَوْقَ دارَتِهِ يُنادِي
ويُمْكِنُ أنْ يُسَمّىَ جَمِيعُ مَسْكَنِ الحَيِّ دارًا، انْتَهى. (ذَلِكَ) أيِ: الوَعْدُ بِالعَذابِ غَيْرُ مَكْذُوبٍ، أيْ: صِدْقٌ حَقٌّ.
والأصْلُ: غَيْرُهُ مَكْذُوبٌ فِيهِ، فاتَّسَعَ فَحُذِفَ الحَرْفُ وأُجْرِيَ الضَّمِيرُ مَجْرى المَفْعُولِ بِهِ، أوْ جُعِلَ ﴿غَيْرُ مَكْذُوبٍ﴾ لِأنَّهُ وفّى بِهِ فَقَدْ صَدَقَ، أوْ عَلى أنَّ المَكْذُوبَ هُنا مَصْدَرٌ عِنْدَ مَن يُثْبِتُ أنَّ المَصْدَرَ يَجِيءُ عَلى زِنَةِ مَفْعُولٍ.
﴿فَلَمّا جاءَ أمْرُنا نَجَّيْنا صالِحًا والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنّا ومِن خِزْيِ يَوْمِئِذٍ إنَّ رَبَّكَ هو القَوِيُّ العَزِيزُ﴾ ﴿وأخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأصْبَحُوا في دِيارِهِمْ جاثِمِينَ﴾ ﴿كَأنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها ألا إنَّ ثَمُودًا كَفَرُوا رَبَّهم ألا بُعْدًا لِثَمُودَ﴾ والكَلامُ في ﴿جاءَ أمْرُنا﴾ [هود: ٤٠] كالكَلامِ السّابِقِ في قِصَّةِ قَوْمِ هُودٍ. قِيلَ: الواوُ زائِدَةٌ في (ومِن) أيْ: مِن خِزْيِ يَوْمِئِذٍ فَيَتَعَلَّقُ (مِن) بِـ (نَجَّيْنا)، وهَذا لا يَجُوزُ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ، لِأنَّ الواوَ لا تُزادُ عِنْدَهم بَلْ تَتَعَلَّقُ مِن بِمَحْذُوفٍ، أيْ: ونَجَّيْناهم مِن خِزْيِ، أيْ: وكانَتِ التَّنْجِيَةُ مِن خِزْيِ يَوْمِئِذٍ.
وقَرَأ طَلْحَةُ وأبانُ بْنُ تَغْلِبَ: ﴿ومِن خِزْيِ﴾ بِالتَّنْوِينِ، ونَصْبِ (يَوْمَئِذٍ) عَلى الظَّرْفِ مَعْمُولًا لِخِزْيٍ. وقَرَأ الجُمْهُورُ بِالإضافَةِ، وفَتْحِ المِيمِ نافِعٌ والكِسائِيُّ، وهي فَتْحَةُ بِناءٍ لِإضافَتِهِ إلى إذْ، وهو غَيْرُ مُتَمَكِّنٍ. وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ بِكَسْرِ المِيمِ وهي حَرَكَةُ إعْرابٍ، والتَّنْوِينُ في إذْ تَنْوِينُ عِوَضٍ مِنَ الجُمْلَةِ المَحْذُوفَةِ المُتَقَدِّمَةِ الذِّكْرِ، أيْ: ومِن فَضِيحَةِ يَوْمِ إذْ جاءَ الأمْرُ وحَلَّ بِهِمْ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يُرِيدَ بِـ (يَوْمِئِذٍ): يَوْمَ القِيامَةِ، كَما فَسَّرَ العَذابَ الغَلِيظَ بِعَذابِ الآخِرَةِ، انْتَهى.
وهَذا لَيْسَ بِجَيِّدٍ، لِأنَّ التَّنْوِينَ في إذْ تَنْوِينُ العِوَضِ ولَمْ يَتَقَدَّمْ إلّا قَوْلُهُ، ﴿فَلَمّا جاءَ أمْرُنا﴾ ولَمْ تَتَقَدَّمْ جُمْلَةٌ فِيها ذِكْرُ يَوْمِ القِيامَةِ ولا ما يَكُونُ فِيها، فَيَكُونُ هَذا التَّنْوِينُ عِوَضًا مِنَ الجُمْلَةِ الَّتِي تَكُونُ في يَوْمِ القِيامَةِ.
وناسَبَ مَجِيءُ الأمْرِ وصْفَهُ تَعالى بِالقَوِيِّ العَزِيزِ، فَإنِّهُما مِن صِفاتِ الغَلَبَةِ والقَهْرِ والِانْتِقامِ، والجُمْلَةُ الَّتِي بَعْدَ هَذا تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْها في الأعْرافِ.
﴿ألا إنَّ ثَمُودَ﴾: مَنَعَ حَمْزَةُ وحَفْصٌ صَرْفَهُ وصَرَفَهُ الباقُونَ ﴿لِثَمُودَ﴾ صَرَفَهُ الكِسائِيُّ ومَنَعَهُ باقِي السَّبْعَةِ.
هود 11:65
﴿وإلى ثَمُودَ أخاهم صالِحًا قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ هو أنْشَأكم مِنَ الأرْضِ واسْتَعْمَرَكم فِيها فاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ إنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ﴾ ﴿قالُوا يا صالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذا أتَنْهانا أنْ نَعْبُدَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا وإنَّنا لَفي شَكٍّ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ مُرِيبٍ﴾ ﴿قالَ يا قَوْمِ أرَأيْتُمْ إنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّي وآتانِي مِنهُ رَحْمَةً فَمَن يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إنْ عَصَيْتُهُ فَما تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ﴾ ﴿ويا قَوْمِ هَذِهِ ناقَةُ اللَّهِ لَكم آيَةً فَذَرُوها تَأْكُلْ في أرْضِ اللَّهِ ولا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكم عَذابٌ قَرِيبٌ﴾ ﴿فَعَقَرُوها فَقالَ تَمَتَّعُوا في دارِكم ثَلاثَةَ أيّامٍ ذَلِكَ وعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ﴾ ﴿فَلَمّا جاءَ أمْرُنا نَجَّيْنا صالِحًا والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنّا ومِن خِزْيِ يَوْمِئِذٍ إنَّ رَبَّكَ هو القَوِيُّ العَزِيزُ﴾ ﴿وأخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأصْبَحُوا في دِيارِهِمْ جاثِمِينَ﴾ ﴿كَأنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها ألا إنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهم ألا بُعْدًا لِثَمُودَ﴾ ﴿ولَقَدْ جاءَتْ رُسُلُنا إبْراهِيمَ بِالبُشْرى قالُوا سَلامًا قالَ سَلامٌ فَما لَبِثَ أنْ جاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾ [هود: ٦٩] ﴿فَلَمّا رَأى أيْدِيَهم لا تَصِلُ إلَيْهِ نَكِرَهم وأوْجَسَ مِنهم خِيفَةً قالُوا لا تَخَفْ إنّا أُرْسِلْنا إلى قَوْمِ لُوطٍ﴾ [هود: ٧٠] ﴿وامْرَأتُهُ قائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْناها بِإسْحاقَ ومِن وراءِ إسْحاقَ يَعْقُوبَ﴾ [هود: ٧١] ﴿قالَتْ يا ويْلَتا أألِدُ وأنا عَجُوزٌ وهَذا بَعْلِي شَيْخًا إنَّ هَذا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ﴾ [هود: ٧٢] ﴿قالُوا أتَعْجَبِينَ مِن أمْرِ اللَّهِ رَحْمَةُ اللَّهِ وبَرَكاتُهُ عَلَيْكم أهْلَ البَيْتِ إنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ﴾ [هود: ٧٣] ﴿فَلَمّا ذَهَبَ عَنْ إبْراهِيمَ الرَّوْعُ وجاءَتْهُ البُشْرى يُجادِلُنا في قَوْمِ لُوطٍ﴾ [هود: ٧٤] ﴿إنَّ إبْراهِيمَ لَحَلِيمٌ أوّاهٌ مُنِيبٌ﴾ [هود: ٧٥] ﴿يا إبْراهِيمُ أعْرِضْ عَنْ هَذا إنَّهُ قَدْ جاءَ أمْرُ رَبِّكَ وإنَّهم آتِيهِمْ عَذابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ﴾ [هود: ٧٦] ﴿ولَمّا جاءَتْ رُسُلُنا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وضاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وقالَ هَذا يَوْمٌ عَصِيبٌ﴾ [هود: ٧٧] ﴿وجاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إلَيْهِ ومِن قَبْلُ كانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ قالَ يا قَوْمِ هَؤُلاءِ بَناتِي هُنَّ أطْهَرُ لَكم فاتَّقُوا اللَّهَ ولا تُخْزُونِي في ضَيْفِي ألَيْسَ مِنكم رَجُلٌ رَشِيدٌ﴾ [هود: ٧٨] ﴿قالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ ما لَنا في بَناتِكَ مِن حَقٍّ وإنَّكَ لَتَعْلَمُ ما نُرِيدُ﴾ [هود: ٧٩] ﴿قالَ لَوْ أنَّ لِي بِكم قُوَّةً أوْ آوِي إلى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ [هود: ٨٠] ﴿قالُوا يا لُوطُ إنّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إلَيْكَ فَأسْرِ بِأهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ ولا يَلْتَفِتْ مِنكم أحَدٌ إلّا امْرَأتَكَ إنَّهُ مُصِيبُها ما أصابَهم إنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ ألَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ﴾ [هود: ٨١] ﴿فَلَمّا جاءَ أمْرُنا جَعَلْنا عالِيَها سافِلَها وأمْطَرْنا عَلَيْها حِجارَةً مِن سِجِّيلٍ مَنضُودٍ﴾ [هود: ٨٢] ﴿مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وما هي مِنَ الظّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾ [هود: ٨٣] الصَّيْحَةُ: فَعْلَةٌ لِلْمَرَّةِ الواحِدَةِ مِنَ الصِّياحِ، يُقالُ: صاحَ يَصِيحُ إذا صَوَّتَ بِقُوَّةٍ.
حَنَذْتُ الشّاةَ أحْنِذُها حَنْذًا شَوَيْتُها وجَعَلْتُ فَوْقَها حِجارَةً لِتُنْضِجَها فَهي حَنِيذٌ، وحَنَذْتُ الفَرَسَ أحْضَرْتُهُ شَوْطًا أوْ شَوْطَيْنِ ثُمَّ ظاهَرْتُ عَلَيْهِ الجِلالَ في الشَّمْسِ لِيَعْرَقَ.
أوْجَسَ الرَّجُلُ قالَ الأخْفَشُ: خامَرَ قَلْبُهُ، وقالَ الفَرّاءُ: اسْتَشْعَرَ، وقِيلَ: أحَسَّ. والوَجِيسُ: ما يَعْتَرِي النَّفْسَ عِنْدَ أوائِلِ الفَزَعِ، ووَجَسَ في نَفْسِهِ كَذا: خَطَرَ بِها، يَجِسُ وجْسًا ووُجُوسًا وتَوَجَّسَ: تَسَمَّعَ وتَحَسَّسَ. قالَ:
؎وصادِقَتا سَمْعِ التَّوَجُّسَ لِلسُّرى لِهَجْسٍ خَفِيٍ أوْ لِصَوْتٍ مُنَدَّدِ
الضَّحِكُ مَعْرُوفٌ، وكانَ يَنْبَغِي أنْ يُذْكَرَ في سُورَةِ التَّوْبَةِ في قَوْلِهِ: ﴿فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا﴾ [التوبة: ٨٢] ويُقالُ: ضَحَكَ بِفَتْحِ الحاءِ، والضُّحَكَةُ: الكَثِيرُ الضَّحِكُ، والضُّحْكَةُ: المَضْحُوكُ مِنهُ، ويُقالُ: ضَحِكَتِ الأرْنَبُ، أيْ: حاضَتْ، وأنْكَرَ أبُو عُبَيْدَةَ والفَرّاءُ وأبُو عُبَيْدٍ: ضَحِكَ بِمَعْنى حاضَ، وعَرَفَ ذَلِكَ غَيْرُهم. وقالَ الشّاعِرُ أنْشَدَهُ اللُّغَوِيُّونَ:
؎وضِحْكُ الأرانِبِ فَوْقَ الصَّفا ∗∗∗ كَمِثْلِ دَمِ الجَوْفِ يَوْمَ اللِّقا
(p-٢٣٧)وقالَ الآخَرُ:
؎وعَهْدِي بِسَلْمى ضاحِكًا في لُبانَةٍ ∗∗∗ ولَمْ يَعُدْ حُقّا ثَدْيِها أنْ يَحْلُما
أيْ: حائِضًا في لُبانَةِ، واللُّبانَةُ والعَلاقَةُ والشَّوْذَرُ واحِدٌ. ومِنهُ ضَحِكَتِ الكافُورَةُ إذا انْشَقَّتْ، وضَحِكَتِ الشَّجَرَةُ: سالَ مِنها صَمْغُها وهو شِبْهُ الدَّمِ، وضَحِكَ الحَوْضُ: امْتَلَأ وفاضَ.
الشَّيْخُ: مَعْرُوفٌ، والفِعْلُ شاخَ يَشِيخُ، وقَدْ يُقالُ لِلْأُنْثى: شَيْخَةٌ. قالَ:
؎وتَضْحَكُ مِنِّي شَيْخَةٌ عَبْشَمِيَّةٌ
ويُجْمَعُ عَلى أشْياخٍ وشُيُوخٍ وشَيْخانِ، ومِن أسْماءِ الجُمُوعِ مَشْيَخَةٌ ومَشْيُوخًا. المَجِيدُ: قالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: الرَّفِيعُ. يُقالُ: مَجَدَ يَمْجُدُ مَجْدًا ومَجادَةً ومَجُدَ لُغَتانِ، أيْ: كَرُمَ وشَرُفُ، وأصْلُهُ مِن قَوْلِهِمْ: مَجَدَتِ الإبِلُ تَمْجُدُ مَجْدًا: شَبِعَتْ. وقالَ: أمْجَدْتُ الدّابَّةَ: أكْثَرْتُ عَلَفَها، وقالَ أبُو حَيَّةَ النُّمَيْرِيُّ:
؎تَزِيدُ عَلى صَواحِبِها ولَيْسَتْ ∗∗∗ بِماجِدَةِ الطَّعامِ ولا الشَّرابِ
أيْ: لَيْسَتْ بِكَثِيرَةِ الطَّعامِ ولا الشَّرابِ. وقالَ اللَّيْثُ: أمْجَدَ فُلانٌ عَطاءَهُ ومَجَّدَهُ إذا كَثَّرَهُ، ومِن أمْثالِهِمْ ”في كُلِّ شَجَرٍ نارٌ“ واسْتَمْجَدَ المَرْخُ والعِفارُ، أيِ: اسْتَكْثَرَ مِنَ النّارِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: مَجَدَ الشَّيْءُ إذا حَسُنَتْ أوْصافُهُ. الرَّوْعُ: الفَزَعُ قالَ الشّاعِرُ:
؎إذا أخَذَتْها هِزَّةُ الرَّوْعِ أمْسَكَتْ ∗∗∗ بِمَنكِبِ مِقْدامٍ عَلى الهَوْلِ أرْوَعا
والفِعْلُ راعَ يَرُوعُ قالَ:
؎ما راعَنِي إلّا حَمُولَةُ أهْلِها ∗∗∗ وسْطَ الدِّيارِ تَسَفُّ حَبَّ الخِمْخِمِ
وقالَ النّابِغَةُ:
؎فارْتاعَ مِن صَوْتِ كِلابٍ فَباتَ لَهُ ∗∗∗ طَوْعَ الشَّوامِتِ مِن خَوْفٍ ومِن صَرَدِ
والرُّوعُ بِضَمِّ الرّاءِ: النَّفْسُ، لِأنَّها مَوْضِعُ الرَّوْعِ. الذَّرْعُ: مَصْدَرُ ذَرَعَ البَعِيرُ بِيَدَيْهِ في سَيْرِهِ: إذا سارَ عَلى قَدْرِ خَطْوِهِ، مَأْخُوذٌ مِنَ الذِّراعِ، ثُمَّ وُضِعَ مَوْضِعَ الطّاقَةِ فَقِيلَ: ضاقَ بِهِ ذَرْعًا. وقَدْ يَجْعَلُونَ الذِّراعَ مَوْضِعَ الذَّرْعِ قالَ:
؎إلَيْكَ إلَيْكَ ضاقَ بِها ذَرْعًا
وقِيلَ: كَنّى بِذَلِكَ عَنْ ضِيقِ الصَّدْرِ. العَصِيبُ والعَصَبْصَبُ والعَصَوْصَبُ: الشَّدِيدُ اللّازِمُ الشَّرِّ المُلْتَفُّ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ قالَ:
؎وكُنْتُ لِزازَ خَصْمِكَ لَمْ أُعَدِّدْ ∗∗∗ وقَدْ سَلَكُوكَ في يَوْمٍ عَصِيبِ
قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: سُمِّيَ عَصِيبًا لِأنَّهُ يَعْصِبُ النّاسَ بِالشَّرِّ، والعُصْبَةُ والعِصابَةُ الجَماعَةُ المُجْتَمِعَةُ كَلَّمْتُهم، أوِ المُجْتَمِعُونَ في النَّسَبِ.
وتَعَصَّبْتُ لِفُلانٍ وفُلانٌ مَعْصُوبٌ، أيْ: مُجْتَمِعُ الخَلْقِ. الإهْراعُ: قالَ شِمْرٌ: مَشْيٌ بَيْنَ الهَرْوَلَةِ والجَمْزِ. وقالَ الهَرَوِيُّ: هَرَعَ الرَّجُلُ وأهْرَعَ اسْتَحَثَّ. الضَّيْفُ: مَصْدَرٌ، وإذا أُخْبِرَ بِهِ أوْ وُصِفَ لَمْ يُطابِقْ في تَثْنِيَةٍ ولا جَمْعٍ، هَذا المَشْهُورُ.
وسُمِعَ فِيهِ ضُيُوفٌ وأضْيافٌ وضِيفانٌ. الرُّكْنُ: مَعْرُوفٌ وهو النّاحِيَةُ مِنَ البَيْتِ أوِ الجَبَلِ. ويُقالُ: رَكُنٌ بِضَمِّ الكافِ، ويُجْمَعُ عَلى أرْكانٍ وأرْكُنٍ. ورَكَنْتُ إلى فُلانٍ: انْضَوَيْتُ إلَيْهِ. سَرى وأسْرى بِمَعْنًى واحِدٍ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ والأزْهَرِيُّ، وعَنِ اللَّيْثِ أسْرى: سارَ أوَّلَ اللَّيْلِ، وسَرى: سارَ آخِرَهُ، ولا يُقالُ في النَّهارِ إلّا سارَ.
السِّجِّيلُ والسِّجِّينُ: الشَّدِيدُ مِنَ الحَجَرِ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ. وقالَ الفَرّاءُ: طِينٌ طُبِخَ حَتّى صارَ بِمَنزِلَةِ الآجُرِّ. وقِيلَ: هو فارِسِيٌّ. وسَنْكٌ: الحَجَرُ وكُلُّ الطِّينِ يُعَرَّبُ فَقِيلَ: سِجَّينٌ.
المَنضُودُ: المَجْعُولُ بَعْضُهُ فَوْقَ بَعْضٍ.
﴿وإلى ثَمُودَ أخاهم صالِحًا قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ هو أنْشَأكم مِنَ الأرْضِ واسْتَعْمَرَكم فِيها فاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ إنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ﴾ ﴿قالُوا ياصالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذا أتَنْهانا أنْ نَعْبُدَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا وإنَّنا لَفي شَكٍّ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ مُرِيبٍ﴾ (p-٢٣٨)قَرَأ ابْنُ وثّابٍ والأعْمَشُ: ﴿وإلى ثَمُودَ﴾ بِالصَّرْفِ عَلى إرادَةِ الحَيِّ، والجُمْهُورِ عَلى مَنعِ الصَّرْفِ ذَهابًا إلى القَبِيلَةِ. (أنْشَأكم): اخْتَرَعَكم وأوْجَدَكم، وذَلِكَ بِاخْتِراعِ آدَمَ أصْلِهِمْ، فَكانَ إنْشاءُ الأصْلِ إنْشاءً لِلْفَرْعِ.
وقِيلَ: ﴿مِنَ الأرْضِ﴾ بِاعْتِبارِ الأصْلِ المُتَوَلَّدُ مِنهُ النَّباتُ المُتَوَلَّدُ مِنهُ الغِذاءُ المُتَوَلَّدُ مِنهُ المَنِيُّ ودَمُ الطَّمْثِ المُتَوَلَّدُ مِنهُما الإنْسانُ.
وقِيلَ: (مِن) بِمَعْنى في و(اسْتَعْمَرَكم): جَعَلَكم عُمّارًا. وقِيلَ: (اسْتَعْمَرَكم) مِنَ العُمُرِ، أيِ: اسْتَبَقاكم فِيها قالَهُ الضَّحّاكُ، أيْ: أطالَ أعْمارَكم. وقِيلَ: مِنَ العُمْرى، قالَهُ مُجاهِدٌ: فَيَكُونُ اسْتَعْمَرَ في مَعْنى أعْمَرَ، كاسْتَهْلَكَهُ في مَعْنى أهْلَكَهُ. والمَعْنى: أعْمَرَكم فِيها دِيارَكم، ثُمَّ هو وارِثُها مِنكم.
أوْ بِمَعْنى: جَعَلَكم مُعَمِّرِينَ دِيارَكم فِيها، لِأنَّ مَن ورِثَ دارَهُ مِن بَعْدِهِ فَإنَّهُ أعْمَرَهُ إيّاها، لِأنَّهُ يَسْكُنُها عُمُرَهُ ثُمَّ يَتْرُكُها لِغَيْرِهِ. وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: (اسْتَعْمَرَكم): أمَرَكم بِعِمارَةِ ما تَحْتاجُونَ إلَيْهِ مِن بِناءِ مَساكِنَ وغَرْسِ أشْجارٍ. وقِيلَ: ألْهَمَكم عِمارَتَها مِنَ الحَرْثِ والغَرْسِ وحَفْرِ الأنْهارِ وغَيْرِها، ﴿إنَّ رَبِّي قَرِيبٌ﴾ أيْ: دانِي الرَّحْمَةِ، (مُجِيبٌ) لِمَن دَعاهُ.
﴿قَدْ كُنْتَ فِينا مَرْجُوًّا﴾ . قالَ كَعْبٌ: كانُوا يَرْجُوهُ لِلْمَمْلِكَةِ بَعْدَ مُلْكِهِمْ، لِأنَّهُ كانَ ذا حَسَبٍ وثَرْوَةٍ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: فاضِلًا خَيِّرًا نُقَدِّمُكَ عَلى جَمِيعِنا.
وقالَ مُقاتِلٌ: كانُوا يَرْجُونَ رُجُوعَهُ إلى دِينِهِمْ، إذْ كانَ يُبْغِضُ أصْنامَهم، ويَعْدِلُ عَنْ دِينِهِمْ، فَلَمّا أظْهَرَ إنْذارَهُمُ انْقَطَعَ رَجاؤُهم مِنهُ.
وذَكَرَ الماوَرْدِيُّ: يَرْجُونَ خَيْرَهُ، فَلَمّا أنْذَرَهُمُ انْقَطَعَ رَجاؤُهم خَيْرَهُ. وبَسَطَ الزَّمَخْشَرِيُّ هَذا القَوْلَ فَقالَ: فِينا فِيما بَيْنَنا مَرْجُوًّا كانَتْ تَلُوحُ فِيكَ مَخايِلُ الخَيْرِ وأماراتُ الرُّشْدِ، فَكُنّا نَرْجُوكَ لِنَنْتَفِعَ بِكَ، وتَكُونَ مُشاوَرًا في الأُمُورِ مُسْتَرْشَدًا في التَّدابِيرِ، فَلَمّا نَطَقْتَ بِهَذا القَوْلِ انْقَطَعَ رَجاؤُنا عَنْكَ، وعَلِمْنا أنْ لا خَيْرَ فِيكَ، انْتَهى.
وقِيلَ: لَمّا كانَ قَوِيَّ الخاطِرِ وكانَ مِن قَبِيلَتِهِمْ، قَوِيَ رَجاؤُهم في أنْ يَنْصُرَ دِينَهم ويُقَوِّيَ مَذْهَبَهم. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والظّاهِرُ الَّذِي حَكاهُ الجُمْهُورُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿مَرْجُوًّا﴾: مَشُورًا نُؤَمِّلُ فِيكَ أنْ تَكُونَ سَيِّدًا سادًّا مَسَدَّ الأكابِرِ، ثُمَّ قَرَّرُوهُ عَلى التَّوْبِيخِ في زَعْمِهِمْ بِقَوْلِهِمْ: ﴿أتَنْهانا﴾ . وحَكى النَّقّاشُ عَنْ بَعْضِهِمْ أنَّهُ قالَ: مَعْناهُ حَقِيرًا، فَإمّا أنْ يَكُونَ لَفْظُ مَرْجُوًّا بِمَعْنى حَقِيرٍ، فَلَيْسَ ذَلِكَ في كَلامِ العَرَبِ، وإنَّما يَتَّجِهُ ذَلِكَ عَلى جِهَةِ التَّفْسِيرِ لِلْمَعْنى، وذَلِكَ أنَّ القَصْدَ بِقَوْلِهِمْ: مَرْجُوًّا بِقَوْلِ: لَقَدْ كُنْتَ فِينا سَهْلًا مَرامُكَ، قَرِيبًا رَدُّ أمْرِكَ مِمَّنْ لا يُظَنُّ أنْ يُسْتَعْجَلَ مِن أمْرِهِ مِثْلُ هَذا.
فَمَعْنى مَرْجُوًّا، أيْ: مُؤَخَرًّا اطِّراحُهُ وغَلَبَتُهُ ونَحْوَ هَذا فَيَكُونُ ذَلِكَ عَلى جِهَةِ الِاحْتِقارِ، ولِذَلِكَ فُسِّرَ بِحَقِيرٍ، ثُمَّ يَجِيءُ قَوْلُهم: ﴿أتَنْهانا﴾، عَلى جِهَةِ التَّوَعُّدِ والِاسْتِبْشاعِ لِهَذِهِ المَقالَةِ مِنهُ، انْتَهى.
و﴿ما يَعْبُدُ آباؤُنا﴾ حِكايَةُ حالٍ ماضِيَةٍ، وإنّا وإنَّنا لُغَتانِ لِـ قُرَيْشٍ. قالَ الفَرّاءُ: مَن قالَ إنَّنا أخْرَجَ الحَرْفَ عَلى أصْلِهِ، لِأنَّ كِنايَةَ المُتَكَلِّمِينَ (نا)، فاجْتَمَعَتْ ثَلاثُ نُوناتٍ.
ومَن قالَ: إنّا: اسْتَثْقَلَ اجْتِماعَها فَأسْقَطَ الثّالِثَةَ وأبْقى الأُولَتَيْنِ، انْتَهى. والَّذِي أخْتارُهُ أنَّ (نا) ضَمِيرُ المُتَكَلِّمِينَ لا تَكُونُ المَحْذُوفَةَ، لِأنَّ في حَذْفِها حَذْفَ بَعْضِ اسْمٍ وبَقِيَ مِنهُ حَرْفٌ ساكِنٌ، وإنَّما المَحْذُوفَةُ النُّونُ الثّانِيَةُ مِن إنَّ فَحُذِفَتْ لِاجْتِماعِ الأمْثالِ، وبَقِيَ مِنَ الحَرْفِ الهَمْزَةُ والنُّونُ السّاكِنَةُ، وهَذا أوْلى مِن حَذْفِ ما بَقِيَ مِنهُ حَرْفٌ.
وأيْضًا فَقَدْ عُهِدَ حَذْفُ هَذِهِ النُّونِ مَعَ غَيْرِ ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِينَ، ولَمْ يُعْهَدْ حَذْفُ نُونِ (نا)، فَكانَ حَذْفُها مِن إنَّ أوْلى. و(مُرِيبٍ): اسْمُ فاعِلٍ مِن مُتَعَدِّ أرابَهُ: أوْقَعَهُ في الرِّيبَةِ، وهي قَلَقُ النَّفْسِ وانْتِفاءُ الطُّمَأْنِينَةِ. أوْ مِن لازِمِ أرابَ الرَّجُلُ إذا كانَ ذا رِيبَةٍ، وأُسْنِدَ ذَلِكَ إلى الشَّكِّ إسْنادًا مَجازِيًّا، ووُجُودُ مِثْلِ هَذا الشَّكِّ كَوُجُودِ التَّصْمِيمِ عَلى الكُفْرِ.
﴿قالَ يا قَوْمِ أرَأيْتُمْ إنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّي وآتانِي مِنهُ رَحْمَةً فَمَن يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إنْ عَصَيْتُهُ فَما تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِير﴾ ﴿ويا قَوْمِ هَذِهِ ناقَةُ اللَّهِ لَكم آيَةً فَذَرُوها تَأْكُلْ في أرْضِ اللَّهِ ولا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكم عَذابٌ قَرِيبٌ﴾ ﴿فَعَقَرُوها فَقالَ تَمَتَّعُوا في دارِكم ثَلاثَةَ أيّامٍ ذَلِكَ وعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ﴾ (p-٢٣٩)تَقَدَّمَ الكَلامُ في (أرَأيْتُمْ) في قِصَّةِ نُوحٍ، والمَفْعُولُ الثّانِي هُنا لِأرَأيْتُمْ مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿فَمَن يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إنْ عَصَيْتُهُ﴾، والتَّقْدِيرُ: أعْصِيهِ في تَرْكِ ما أنا عَلَيْهِ مِنَ البَيِّنَةِ.
وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: (أرَأيْتُمْ) هو مِن رُؤْيَةِ القَلْبِ، والشَّرْطُ الَّذِي بَعْدَهُ وجَوابُهُ يَسُدُّ مَسَدَّ مَفْعُولَيْ عَلِمْتُ وأخَواتِها، وإدْخالُ أداةِ الشَّرْطِ الَّتِي هي إنْ عَلى جُمْلَةٍ مُحَقَّقَةٍ، وهي كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ، لَكِنَّهُ خاطَبَ الجاحِدِينَ لِلْبَيِّنَةِ فَكَأنَّهُ قالَ: قَدِّرُوا أنِّي عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّي وانْظُرُوا إنْ تابَعْتُكم وعَصَيْتُ رَبِّي في أوامِرِهِ، فَمَن يَمْنَعُنِي مِن عَذابِهِ ؟ قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وفي الكَلامِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: أيَضُرُّنِي شَكُّكم ؟ أوْ أيُمْكِنُنِي طاعَتُكم ؟ ونَحْوَ هَذا مِمّا يَلِيقُ بِمَعْنى الآيَةِ، انْتَهى. وهَذا التَّقْدِيرُ الَّذِي قَدَّرَهُ اسْتِشْعارٌ مِنهُ بِالمَفْعُولِ الثّانِي الَّذِي يَقْتَضِيهِ أرَأيْتُمْ، وأنَّ الشَّرْطَ وجَوابَهُ لا يَقَعانِ ولا يَسُدّانِ مَسَدَّ مَفْعُولَيْ (أرَأيْتُمْ)، والَّذِي قَدَّرْناهُ نَحْنُ هو الظّاهِرُ لِدَلالَةِ قَوْلِهِ: ﴿فَمَن يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إنْ عَصَيْتُهُ فَما تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ﴾ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: غَيْرَ أنْ أُخَسِّرَكم، أيْ: أنْسُبَكم إلى الخُسْرانِ، وأقُولُ أنَّكم خاسِرُونَ، انْتَهى.
يُفْعَلُ هَذا لِلنِّسْبَةِ كَفَسَّقْتُهُ وفَجَّرْتُهُ، أيْ: نَسَبْتُهُ، أيِ: الفِسْقُ والفُجُورُ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مَعْناهُ: ما تَزِيدُونَنِي بِعِبادَتِكم إلّا بَصارَةً في خُسْرانِكم، انْتَهى. فَهو عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: غَيْرَ بَصارَةِ تَخْسِيرِكم.
وقالَ مُجاهِدٌ: ما تَزْدادُونَ أنْتُمْ بِاحْتِجاجِكم بِعِبادَةِ آبائِكم إلّا خَسارًا، وأضافَ الزِّيادَةَ إلى نَفْسِهِ لِأنَّهم أعْطَوْهُ ذَلِكَ وكانَ سَألَهُمُ الإيمانَ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: فَما تُعْطُونِي فِيما اقْتَضَيْتُهُ مِنكم مِنَ الإيمانِ غَيْرَ تَخْسِيرٍ لِأنْفُسِكم، وهو مِنَ الخَسارَةِ ولَيْسَ التَّخْسِيرُ إلّا لَهم وفي حَيِّزِهِمْ، وأضافَ الزِّيادَةَ إلَيْهِ مِن حَيْثُ هو مُقْتَضٍ لِأقْوالِهِمْ مُوَكَّلٌ بِإيمانِهِمْ كَما تَقُولُ لِمَن تُوصِيهِ: أنا أُرِيدُكَ خَيْرًا وأنْتَ تُرِيدُنِي سُوءًا، وكانَ الوَجْهُ البَيِّنُ أنْ يَقُولَ: وأنْتَ تُرِيدُ شَرًّا، لَكِنْ مِن حَيْثُ كَنْتَ مُرِيدَ خَيْرٍ، ومُقْتَضى ذَلِكَ حَسُنَ أنْ يُضِيفَ الزِّيادَةَ إلى نَفْسِكَ، انْتَهى. وقِيلَ: التَّقْدِيرُ: فَما تَحْمِلُونَنِي عَلَيْهِ غَيْرَ أنِّي أُخْسِرُكم، أيْ: أرى مِنكُمُ الخُسْرانَ. وقِيلَ: التَّقْدِيرُ: تُخْسِرُونِي أعْمالَكم وتُبْطِلُونَها. قِيلَ: وهَذا أقْرَبُ، لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَمَن يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إنْ عَصَيْتُهُ﴾ كالدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ أرادَ: إنِ اتَّبَعْتُكم فِيما أنْتُمْ عَلَيْهِ ودَعَوْتُمُونِي إلَيْهِ لَمْ أزْدَدْ إلّا خُسْرانًا في الدِّينِ، فَأصِيرُ مِنَ الهالِكِينَ الخاسِرِينَ.
وانْتَصَبَ (آيَةً) عَلى الحالِ، والخِلافُ في النّاصِبِ في نَحْوِ هَذا زَيْدٌ مُنْطَلِقًا، أهْوَ حَرْفُ التَّنْبِيهِ أوِ اسْمُ الإشارَةِ أوْ فِعْلٌ مَحْذُوفٌ ؟ جازَ في نَصْبِ (آيَةً) و(لَكم) في مَوْضِعِ الحالِ، لِأنَّهُ لَوْ تَأخَّرَ لَكانَ نَعْتًا لِـ (آيَةً)، فَلَمّا تَقَدَّمَ عَلى النَّكِرَةِ كانَ حالًا، والعامِلُ فِيها مَحْذُوفٌ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): فَبِمَ يَتَعَلَّقُ لَكم ؟ (قُلْتُ): بِـ (آيَةً) حالًا مِنها مُتَقَدِّمَةً، لِأنَّها لَوْ تَأخَّرَتْ لَكانَ صِفَةً لَها، فَلَمّا تَقَدَّمَتِ انْتَصَبَ عَلى الحالِ، انْتَهى.
وهَذا مُتَناقِضٌ، لِأنَّهُ مِن حَيْثُ تَعَلَّقَ (لَكم) بِـ (آيَةً) كانَ (لَكم) مَعْمُولًا لِـ (آيَةً)، وإذا كانَ مَعْمُولًا لَها امْتَنَعَ أنْ يَكُونَ حالًا مِنها، لِأنَّ الحالَ تَتَعَلَّقُ بِمَحْذُوفٍ، فَتَناقَضَ هَذا الكَلامُ، لِأنَّهُ مِن حَيْثُ كَوْنُهُ مَعْمُولًا لَها كانَتْ هي العامِلَةَ، ومِن حَيْثُ كَوْنُهُ حالًا مِنها كانَ العامِلُ غَيْرَها، وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى الجُمَلِ الَّتِي بَعْدَ (آيَةً) . وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: (تَأْكُلُ) بِالرَّفْعِ عَلى الِاسْتِئْنافِ، أوْ عَلى الحالِ. و(قَرِيبٌ): عاجِلٌ لا يَسْتَأْخِرُ عَنْ مَسِّكُمُوها بِسُوءٍ إلّا يَسِيرًا، وذَلِكَ ثَلاثَةُ أيّامٍ ثُمَّ يَقَعُ عَلَيْكم، وهَذا الإخْبارُ بِوَحْيٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى، (فَعَقَرُوها): نُسِبَ إلى جَمِيعِهِمْ وإنْ كانَ العاقِرُ واحِدًا لِأنَّهُ كانَ بِرِضًى مِنهم وتَمالَئُوا. ومَعْنى (تَمَتَّعُوا): اسْتَمْتِعُوا بِالعَيْشِ في دارِكم في بَلَدِكم، وتُسَمّى البِلادُ: الدِّيارُ لِأنَّها يُدارُ فِيها، أيْ: يُتَصَرَّفُ، يُقالُ: دِيارُ بَكْرٍ لِبِلادِهِمْ قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ﴿فِي دارِكُمْ﴾: جَمْعُ دارَةٍ، كَساحَةٍ وساحٍ وسُوحٍ، ومِنهُ قَوْلُ أُمَيَّةَ بْنِ أبِي الصَّلْتِ:(p-٢٤٠)
؎لَهُ داعٍ بِـ مَكَّةَ مُشْمَعِلٌّ ∗∗∗ وآخَرُ فَوْقَ دارَتِهِ يُنادِي
ويُمْكِنُ أنْ يُسَمّىَ جَمِيعُ مَسْكَنِ الحَيِّ دارًا، انْتَهى. (ذَلِكَ) أيِ: الوَعْدُ بِالعَذابِ غَيْرُ مَكْذُوبٍ، أيْ: صِدْقٌ حَقٌّ.
والأصْلُ: غَيْرُهُ مَكْذُوبٌ فِيهِ، فاتَّسَعَ فَحُذِفَ الحَرْفُ وأُجْرِيَ الضَّمِيرُ مَجْرى المَفْعُولِ بِهِ، أوْ جُعِلَ ﴿غَيْرُ مَكْذُوبٍ﴾ لِأنَّهُ وفّى بِهِ فَقَدْ صَدَقَ، أوْ عَلى أنَّ المَكْذُوبَ هُنا مَصْدَرٌ عِنْدَ مَن يُثْبِتُ أنَّ المَصْدَرَ يَجِيءُ عَلى زِنَةِ مَفْعُولٍ.
﴿فَلَمّا جاءَ أمْرُنا نَجَّيْنا صالِحًا والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنّا ومِن خِزْيِ يَوْمِئِذٍ إنَّ رَبَّكَ هو القَوِيُّ العَزِيزُ﴾ ﴿وأخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأصْبَحُوا في دِيارِهِمْ جاثِمِينَ﴾ ﴿كَأنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها ألا إنَّ ثَمُودًا كَفَرُوا رَبَّهم ألا بُعْدًا لِثَمُودَ﴾ والكَلامُ في ﴿جاءَ أمْرُنا﴾ [هود: ٤٠] كالكَلامِ السّابِقِ في قِصَّةِ قَوْمِ هُودٍ. قِيلَ: الواوُ زائِدَةٌ في (ومِن) أيْ: مِن خِزْيِ يَوْمِئِذٍ فَيَتَعَلَّقُ (مِن) بِـ (نَجَّيْنا)، وهَذا لا يَجُوزُ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ، لِأنَّ الواوَ لا تُزادُ عِنْدَهم بَلْ تَتَعَلَّقُ مِن بِمَحْذُوفٍ، أيْ: ونَجَّيْناهم مِن خِزْيِ، أيْ: وكانَتِ التَّنْجِيَةُ مِن خِزْيِ يَوْمِئِذٍ.
وقَرَأ طَلْحَةُ وأبانُ بْنُ تَغْلِبَ: ﴿ومِن خِزْيِ﴾ بِالتَّنْوِينِ، ونَصْبِ (يَوْمَئِذٍ) عَلى الظَّرْفِ مَعْمُولًا لِخِزْيٍ. وقَرَأ الجُمْهُورُ بِالإضافَةِ، وفَتْحِ المِيمِ نافِعٌ والكِسائِيُّ، وهي فَتْحَةُ بِناءٍ لِإضافَتِهِ إلى إذْ، وهو غَيْرُ مُتَمَكِّنٍ. وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ بِكَسْرِ المِيمِ وهي حَرَكَةُ إعْرابٍ، والتَّنْوِينُ في إذْ تَنْوِينُ عِوَضٍ مِنَ الجُمْلَةِ المَحْذُوفَةِ المُتَقَدِّمَةِ الذِّكْرِ، أيْ: ومِن فَضِيحَةِ يَوْمِ إذْ جاءَ الأمْرُ وحَلَّ بِهِمْ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يُرِيدَ بِـ (يَوْمِئِذٍ): يَوْمَ القِيامَةِ، كَما فَسَّرَ العَذابَ الغَلِيظَ بِعَذابِ الآخِرَةِ، انْتَهى.
وهَذا لَيْسَ بِجَيِّدٍ، لِأنَّ التَّنْوِينَ في إذْ تَنْوِينُ العِوَضِ ولَمْ يَتَقَدَّمْ إلّا قَوْلُهُ، ﴿فَلَمّا جاءَ أمْرُنا﴾ ولَمْ تَتَقَدَّمْ جُمْلَةٌ فِيها ذِكْرُ يَوْمِ القِيامَةِ ولا ما يَكُونُ فِيها، فَيَكُونُ هَذا التَّنْوِينُ عِوَضًا مِنَ الجُمْلَةِ الَّتِي تَكُونُ في يَوْمِ القِيامَةِ.
وناسَبَ مَجِيءُ الأمْرِ وصْفَهُ تَعالى بِالقَوِيِّ العَزِيزِ، فَإنِّهُما مِن صِفاتِ الغَلَبَةِ والقَهْرِ والِانْتِقامِ، والجُمْلَةُ الَّتِي بَعْدَ هَذا تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْها في الأعْرافِ.
﴿ألا إنَّ ثَمُودَ﴾: مَنَعَ حَمْزَةُ وحَفْصٌ صَرْفَهُ وصَرَفَهُ الباقُونَ ﴿لِثَمُودَ﴾ صَرَفَهُ الكِسائِيُّ ومَنَعَهُ باقِي السَّبْعَةِ.
هود 11:66
﴿وإلى ثَمُودَ أخاهم صالِحًا قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ هو أنْشَأكم مِنَ الأرْضِ واسْتَعْمَرَكم فِيها فاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ إنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ﴾ ﴿قالُوا يا صالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذا أتَنْهانا أنْ نَعْبُدَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا وإنَّنا لَفي شَكٍّ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ مُرِيبٍ﴾ ﴿قالَ يا قَوْمِ أرَأيْتُمْ إنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّي وآتانِي مِنهُ رَحْمَةً فَمَن يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إنْ عَصَيْتُهُ فَما تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ﴾ ﴿ويا قَوْمِ هَذِهِ ناقَةُ اللَّهِ لَكم آيَةً فَذَرُوها تَأْكُلْ في أرْضِ اللَّهِ ولا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكم عَذابٌ قَرِيبٌ﴾ ﴿فَعَقَرُوها فَقالَ تَمَتَّعُوا في دارِكم ثَلاثَةَ أيّامٍ ذَلِكَ وعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ﴾ ﴿فَلَمّا جاءَ أمْرُنا نَجَّيْنا صالِحًا والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنّا ومِن خِزْيِ يَوْمِئِذٍ إنَّ رَبَّكَ هو القَوِيُّ العَزِيزُ﴾ ﴿وأخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأصْبَحُوا في دِيارِهِمْ جاثِمِينَ﴾ ﴿كَأنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها ألا إنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهم ألا بُعْدًا لِثَمُودَ﴾ ﴿ولَقَدْ جاءَتْ رُسُلُنا إبْراهِيمَ بِالبُشْرى قالُوا سَلامًا قالَ سَلامٌ فَما لَبِثَ أنْ جاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾ [هود: ٦٩] ﴿فَلَمّا رَأى أيْدِيَهم لا تَصِلُ إلَيْهِ نَكِرَهم وأوْجَسَ مِنهم خِيفَةً قالُوا لا تَخَفْ إنّا أُرْسِلْنا إلى قَوْمِ لُوطٍ﴾ [هود: ٧٠] ﴿وامْرَأتُهُ قائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْناها بِإسْحاقَ ومِن وراءِ إسْحاقَ يَعْقُوبَ﴾ [هود: ٧١] ﴿قالَتْ يا ويْلَتا أألِدُ وأنا عَجُوزٌ وهَذا بَعْلِي شَيْخًا إنَّ هَذا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ﴾ [هود: ٧٢] ﴿قالُوا أتَعْجَبِينَ مِن أمْرِ اللَّهِ رَحْمَةُ اللَّهِ وبَرَكاتُهُ عَلَيْكم أهْلَ البَيْتِ إنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ﴾ [هود: ٧٣] ﴿فَلَمّا ذَهَبَ عَنْ إبْراهِيمَ الرَّوْعُ وجاءَتْهُ البُشْرى يُجادِلُنا في قَوْمِ لُوطٍ﴾ [هود: ٧٤] ﴿إنَّ إبْراهِيمَ لَحَلِيمٌ أوّاهٌ مُنِيبٌ﴾ [هود: ٧٥] ﴿يا إبْراهِيمُ أعْرِضْ عَنْ هَذا إنَّهُ قَدْ جاءَ أمْرُ رَبِّكَ وإنَّهم آتِيهِمْ عَذابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ﴾ [هود: ٧٦] ﴿ولَمّا جاءَتْ رُسُلُنا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وضاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وقالَ هَذا يَوْمٌ عَصِيبٌ﴾ [هود: ٧٧] ﴿وجاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إلَيْهِ ومِن قَبْلُ كانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ قالَ يا قَوْمِ هَؤُلاءِ بَناتِي هُنَّ أطْهَرُ لَكم فاتَّقُوا اللَّهَ ولا تُخْزُونِي في ضَيْفِي ألَيْسَ مِنكم رَجُلٌ رَشِيدٌ﴾ [هود: ٧٨] ﴿قالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ ما لَنا في بَناتِكَ مِن حَقٍّ وإنَّكَ لَتَعْلَمُ ما نُرِيدُ﴾ [هود: ٧٩] ﴿قالَ لَوْ أنَّ لِي بِكم قُوَّةً أوْ آوِي إلى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ [هود: ٨٠] ﴿قالُوا يا لُوطُ إنّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إلَيْكَ فَأسْرِ بِأهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ ولا يَلْتَفِتْ مِنكم أحَدٌ إلّا امْرَأتَكَ إنَّهُ مُصِيبُها ما أصابَهم إنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ ألَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ﴾ [هود: ٨١] ﴿فَلَمّا جاءَ أمْرُنا جَعَلْنا عالِيَها سافِلَها وأمْطَرْنا عَلَيْها حِجارَةً مِن سِجِّيلٍ مَنضُودٍ﴾ [هود: ٨٢] ﴿مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وما هي مِنَ الظّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾ [هود: ٨٣] الصَّيْحَةُ: فَعْلَةٌ لِلْمَرَّةِ الواحِدَةِ مِنَ الصِّياحِ، يُقالُ: صاحَ يَصِيحُ إذا صَوَّتَ بِقُوَّةٍ.
حَنَذْتُ الشّاةَ أحْنِذُها حَنْذًا شَوَيْتُها وجَعَلْتُ فَوْقَها حِجارَةً لِتُنْضِجَها فَهي حَنِيذٌ، وحَنَذْتُ الفَرَسَ أحْضَرْتُهُ شَوْطًا أوْ شَوْطَيْنِ ثُمَّ ظاهَرْتُ عَلَيْهِ الجِلالَ في الشَّمْسِ لِيَعْرَقَ.
أوْجَسَ الرَّجُلُ قالَ الأخْفَشُ: خامَرَ قَلْبُهُ، وقالَ الفَرّاءُ: اسْتَشْعَرَ، وقِيلَ: أحَسَّ. والوَجِيسُ: ما يَعْتَرِي النَّفْسَ عِنْدَ أوائِلِ الفَزَعِ، ووَجَسَ في نَفْسِهِ كَذا: خَطَرَ بِها، يَجِسُ وجْسًا ووُجُوسًا وتَوَجَّسَ: تَسَمَّعَ وتَحَسَّسَ. قالَ:
؎وصادِقَتا سَمْعِ التَّوَجُّسَ لِلسُّرى لِهَجْسٍ خَفِيٍ أوْ لِصَوْتٍ مُنَدَّدِ
الضَّحِكُ مَعْرُوفٌ، وكانَ يَنْبَغِي أنْ يُذْكَرَ في سُورَةِ التَّوْبَةِ في قَوْلِهِ: ﴿فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا﴾ [التوبة: ٨٢] ويُقالُ: ضَحَكَ بِفَتْحِ الحاءِ، والضُّحَكَةُ: الكَثِيرُ الضَّحِكُ، والضُّحْكَةُ: المَضْحُوكُ مِنهُ، ويُقالُ: ضَحِكَتِ الأرْنَبُ، أيْ: حاضَتْ، وأنْكَرَ أبُو عُبَيْدَةَ والفَرّاءُ وأبُو عُبَيْدٍ: ضَحِكَ بِمَعْنى حاضَ، وعَرَفَ ذَلِكَ غَيْرُهم. وقالَ الشّاعِرُ أنْشَدَهُ اللُّغَوِيُّونَ:
؎وضِحْكُ الأرانِبِ فَوْقَ الصَّفا ∗∗∗ كَمِثْلِ دَمِ الجَوْفِ يَوْمَ اللِّقا
(p-٢٣٧)وقالَ الآخَرُ:
؎وعَهْدِي بِسَلْمى ضاحِكًا في لُبانَةٍ ∗∗∗ ولَمْ يَعُدْ حُقّا ثَدْيِها أنْ يَحْلُما
أيْ: حائِضًا في لُبانَةِ، واللُّبانَةُ والعَلاقَةُ والشَّوْذَرُ واحِدٌ. ومِنهُ ضَحِكَتِ الكافُورَةُ إذا انْشَقَّتْ، وضَحِكَتِ الشَّجَرَةُ: سالَ مِنها صَمْغُها وهو شِبْهُ الدَّمِ، وضَحِكَ الحَوْضُ: امْتَلَأ وفاضَ.
الشَّيْخُ: مَعْرُوفٌ، والفِعْلُ شاخَ يَشِيخُ، وقَدْ يُقالُ لِلْأُنْثى: شَيْخَةٌ. قالَ:
؎وتَضْحَكُ مِنِّي شَيْخَةٌ عَبْشَمِيَّةٌ
ويُجْمَعُ عَلى أشْياخٍ وشُيُوخٍ وشَيْخانِ، ومِن أسْماءِ الجُمُوعِ مَشْيَخَةٌ ومَشْيُوخًا. المَجِيدُ: قالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: الرَّفِيعُ. يُقالُ: مَجَدَ يَمْجُدُ مَجْدًا ومَجادَةً ومَجُدَ لُغَتانِ، أيْ: كَرُمَ وشَرُفُ، وأصْلُهُ مِن قَوْلِهِمْ: مَجَدَتِ الإبِلُ تَمْجُدُ مَجْدًا: شَبِعَتْ. وقالَ: أمْجَدْتُ الدّابَّةَ: أكْثَرْتُ عَلَفَها، وقالَ أبُو حَيَّةَ النُّمَيْرِيُّ:
؎تَزِيدُ عَلى صَواحِبِها ولَيْسَتْ ∗∗∗ بِماجِدَةِ الطَّعامِ ولا الشَّرابِ
أيْ: لَيْسَتْ بِكَثِيرَةِ الطَّعامِ ولا الشَّرابِ. وقالَ اللَّيْثُ: أمْجَدَ فُلانٌ عَطاءَهُ ومَجَّدَهُ إذا كَثَّرَهُ، ومِن أمْثالِهِمْ ”في كُلِّ شَجَرٍ نارٌ“ واسْتَمْجَدَ المَرْخُ والعِفارُ، أيِ: اسْتَكْثَرَ مِنَ النّارِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: مَجَدَ الشَّيْءُ إذا حَسُنَتْ أوْصافُهُ. الرَّوْعُ: الفَزَعُ قالَ الشّاعِرُ:
؎إذا أخَذَتْها هِزَّةُ الرَّوْعِ أمْسَكَتْ ∗∗∗ بِمَنكِبِ مِقْدامٍ عَلى الهَوْلِ أرْوَعا
والفِعْلُ راعَ يَرُوعُ قالَ:
؎ما راعَنِي إلّا حَمُولَةُ أهْلِها ∗∗∗ وسْطَ الدِّيارِ تَسَفُّ حَبَّ الخِمْخِمِ
وقالَ النّابِغَةُ:
؎فارْتاعَ مِن صَوْتِ كِلابٍ فَباتَ لَهُ ∗∗∗ طَوْعَ الشَّوامِتِ مِن خَوْفٍ ومِن صَرَدِ
والرُّوعُ بِضَمِّ الرّاءِ: النَّفْسُ، لِأنَّها مَوْضِعُ الرَّوْعِ. الذَّرْعُ: مَصْدَرُ ذَرَعَ البَعِيرُ بِيَدَيْهِ في سَيْرِهِ: إذا سارَ عَلى قَدْرِ خَطْوِهِ، مَأْخُوذٌ مِنَ الذِّراعِ، ثُمَّ وُضِعَ مَوْضِعَ الطّاقَةِ فَقِيلَ: ضاقَ بِهِ ذَرْعًا. وقَدْ يَجْعَلُونَ الذِّراعَ مَوْضِعَ الذَّرْعِ قالَ:
؎إلَيْكَ إلَيْكَ ضاقَ بِها ذَرْعًا
وقِيلَ: كَنّى بِذَلِكَ عَنْ ضِيقِ الصَّدْرِ. العَصِيبُ والعَصَبْصَبُ والعَصَوْصَبُ: الشَّدِيدُ اللّازِمُ الشَّرِّ المُلْتَفُّ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ قالَ:
؎وكُنْتُ لِزازَ خَصْمِكَ لَمْ أُعَدِّدْ ∗∗∗ وقَدْ سَلَكُوكَ في يَوْمٍ عَصِيبِ
قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: سُمِّيَ عَصِيبًا لِأنَّهُ يَعْصِبُ النّاسَ بِالشَّرِّ، والعُصْبَةُ والعِصابَةُ الجَماعَةُ المُجْتَمِعَةُ كَلَّمْتُهم، أوِ المُجْتَمِعُونَ في النَّسَبِ.
وتَعَصَّبْتُ لِفُلانٍ وفُلانٌ مَعْصُوبٌ، أيْ: مُجْتَمِعُ الخَلْقِ. الإهْراعُ: قالَ شِمْرٌ: مَشْيٌ بَيْنَ الهَرْوَلَةِ والجَمْزِ. وقالَ الهَرَوِيُّ: هَرَعَ الرَّجُلُ وأهْرَعَ اسْتَحَثَّ. الضَّيْفُ: مَصْدَرٌ، وإذا أُخْبِرَ بِهِ أوْ وُصِفَ لَمْ يُطابِقْ في تَثْنِيَةٍ ولا جَمْعٍ، هَذا المَشْهُورُ.
وسُمِعَ فِيهِ ضُيُوفٌ وأضْيافٌ وضِيفانٌ. الرُّكْنُ: مَعْرُوفٌ وهو النّاحِيَةُ مِنَ البَيْتِ أوِ الجَبَلِ. ويُقالُ: رَكُنٌ بِضَمِّ الكافِ، ويُجْمَعُ عَلى أرْكانٍ وأرْكُنٍ. ورَكَنْتُ إلى فُلانٍ: انْضَوَيْتُ إلَيْهِ. سَرى وأسْرى بِمَعْنًى واحِدٍ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ والأزْهَرِيُّ، وعَنِ اللَّيْثِ أسْرى: سارَ أوَّلَ اللَّيْلِ، وسَرى: سارَ آخِرَهُ، ولا يُقالُ في النَّهارِ إلّا سارَ.
السِّجِّيلُ والسِّجِّينُ: الشَّدِيدُ مِنَ الحَجَرِ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ. وقالَ الفَرّاءُ: طِينٌ طُبِخَ حَتّى صارَ بِمَنزِلَةِ الآجُرِّ. وقِيلَ: هو فارِسِيٌّ. وسَنْكٌ: الحَجَرُ وكُلُّ الطِّينِ يُعَرَّبُ فَقِيلَ: سِجَّينٌ.
المَنضُودُ: المَجْعُولُ بَعْضُهُ فَوْقَ بَعْضٍ.
﴿وإلى ثَمُودَ أخاهم صالِحًا قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ هو أنْشَأكم مِنَ الأرْضِ واسْتَعْمَرَكم فِيها فاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ إنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ﴾ ﴿قالُوا ياصالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذا أتَنْهانا أنْ نَعْبُدَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا وإنَّنا لَفي شَكٍّ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ مُرِيبٍ﴾ (p-٢٣٨)قَرَأ ابْنُ وثّابٍ والأعْمَشُ: ﴿وإلى ثَمُودَ﴾ بِالصَّرْفِ عَلى إرادَةِ الحَيِّ، والجُمْهُورِ عَلى مَنعِ الصَّرْفِ ذَهابًا إلى القَبِيلَةِ. (أنْشَأكم): اخْتَرَعَكم وأوْجَدَكم، وذَلِكَ بِاخْتِراعِ آدَمَ أصْلِهِمْ، فَكانَ إنْشاءُ الأصْلِ إنْشاءً لِلْفَرْعِ.
وقِيلَ: ﴿مِنَ الأرْضِ﴾ بِاعْتِبارِ الأصْلِ المُتَوَلَّدُ مِنهُ النَّباتُ المُتَوَلَّدُ مِنهُ الغِذاءُ المُتَوَلَّدُ مِنهُ المَنِيُّ ودَمُ الطَّمْثِ المُتَوَلَّدُ مِنهُما الإنْسانُ.
وقِيلَ: (مِن) بِمَعْنى في و(اسْتَعْمَرَكم): جَعَلَكم عُمّارًا. وقِيلَ: (اسْتَعْمَرَكم) مِنَ العُمُرِ، أيِ: اسْتَبَقاكم فِيها قالَهُ الضَّحّاكُ، أيْ: أطالَ أعْمارَكم. وقِيلَ: مِنَ العُمْرى، قالَهُ مُجاهِدٌ: فَيَكُونُ اسْتَعْمَرَ في مَعْنى أعْمَرَ، كاسْتَهْلَكَهُ في مَعْنى أهْلَكَهُ. والمَعْنى: أعْمَرَكم فِيها دِيارَكم، ثُمَّ هو وارِثُها مِنكم.
أوْ بِمَعْنى: جَعَلَكم مُعَمِّرِينَ دِيارَكم فِيها، لِأنَّ مَن ورِثَ دارَهُ مِن بَعْدِهِ فَإنَّهُ أعْمَرَهُ إيّاها، لِأنَّهُ يَسْكُنُها عُمُرَهُ ثُمَّ يَتْرُكُها لِغَيْرِهِ. وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: (اسْتَعْمَرَكم): أمَرَكم بِعِمارَةِ ما تَحْتاجُونَ إلَيْهِ مِن بِناءِ مَساكِنَ وغَرْسِ أشْجارٍ. وقِيلَ: ألْهَمَكم عِمارَتَها مِنَ الحَرْثِ والغَرْسِ وحَفْرِ الأنْهارِ وغَيْرِها، ﴿إنَّ رَبِّي قَرِيبٌ﴾ أيْ: دانِي الرَّحْمَةِ، (مُجِيبٌ) لِمَن دَعاهُ.
﴿قَدْ كُنْتَ فِينا مَرْجُوًّا﴾ . قالَ كَعْبٌ: كانُوا يَرْجُوهُ لِلْمَمْلِكَةِ بَعْدَ مُلْكِهِمْ، لِأنَّهُ كانَ ذا حَسَبٍ وثَرْوَةٍ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: فاضِلًا خَيِّرًا نُقَدِّمُكَ عَلى جَمِيعِنا.
وقالَ مُقاتِلٌ: كانُوا يَرْجُونَ رُجُوعَهُ إلى دِينِهِمْ، إذْ كانَ يُبْغِضُ أصْنامَهم، ويَعْدِلُ عَنْ دِينِهِمْ، فَلَمّا أظْهَرَ إنْذارَهُمُ انْقَطَعَ رَجاؤُهم مِنهُ.
وذَكَرَ الماوَرْدِيُّ: يَرْجُونَ خَيْرَهُ، فَلَمّا أنْذَرَهُمُ انْقَطَعَ رَجاؤُهم خَيْرَهُ. وبَسَطَ الزَّمَخْشَرِيُّ هَذا القَوْلَ فَقالَ: فِينا فِيما بَيْنَنا مَرْجُوًّا كانَتْ تَلُوحُ فِيكَ مَخايِلُ الخَيْرِ وأماراتُ الرُّشْدِ، فَكُنّا نَرْجُوكَ لِنَنْتَفِعَ بِكَ، وتَكُونَ مُشاوَرًا في الأُمُورِ مُسْتَرْشَدًا في التَّدابِيرِ، فَلَمّا نَطَقْتَ بِهَذا القَوْلِ انْقَطَعَ رَجاؤُنا عَنْكَ، وعَلِمْنا أنْ لا خَيْرَ فِيكَ، انْتَهى.
وقِيلَ: لَمّا كانَ قَوِيَّ الخاطِرِ وكانَ مِن قَبِيلَتِهِمْ، قَوِيَ رَجاؤُهم في أنْ يَنْصُرَ دِينَهم ويُقَوِّيَ مَذْهَبَهم. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والظّاهِرُ الَّذِي حَكاهُ الجُمْهُورُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿مَرْجُوًّا﴾: مَشُورًا نُؤَمِّلُ فِيكَ أنْ تَكُونَ سَيِّدًا سادًّا مَسَدَّ الأكابِرِ، ثُمَّ قَرَّرُوهُ عَلى التَّوْبِيخِ في زَعْمِهِمْ بِقَوْلِهِمْ: ﴿أتَنْهانا﴾ . وحَكى النَّقّاشُ عَنْ بَعْضِهِمْ أنَّهُ قالَ: مَعْناهُ حَقِيرًا، فَإمّا أنْ يَكُونَ لَفْظُ مَرْجُوًّا بِمَعْنى حَقِيرٍ، فَلَيْسَ ذَلِكَ في كَلامِ العَرَبِ، وإنَّما يَتَّجِهُ ذَلِكَ عَلى جِهَةِ التَّفْسِيرِ لِلْمَعْنى، وذَلِكَ أنَّ القَصْدَ بِقَوْلِهِمْ: مَرْجُوًّا بِقَوْلِ: لَقَدْ كُنْتَ فِينا سَهْلًا مَرامُكَ، قَرِيبًا رَدُّ أمْرِكَ مِمَّنْ لا يُظَنُّ أنْ يُسْتَعْجَلَ مِن أمْرِهِ مِثْلُ هَذا.
فَمَعْنى مَرْجُوًّا، أيْ: مُؤَخَرًّا اطِّراحُهُ وغَلَبَتُهُ ونَحْوَ هَذا فَيَكُونُ ذَلِكَ عَلى جِهَةِ الِاحْتِقارِ، ولِذَلِكَ فُسِّرَ بِحَقِيرٍ، ثُمَّ يَجِيءُ قَوْلُهم: ﴿أتَنْهانا﴾، عَلى جِهَةِ التَّوَعُّدِ والِاسْتِبْشاعِ لِهَذِهِ المَقالَةِ مِنهُ، انْتَهى.
و﴿ما يَعْبُدُ آباؤُنا﴾ حِكايَةُ حالٍ ماضِيَةٍ، وإنّا وإنَّنا لُغَتانِ لِـ قُرَيْشٍ. قالَ الفَرّاءُ: مَن قالَ إنَّنا أخْرَجَ الحَرْفَ عَلى أصْلِهِ، لِأنَّ كِنايَةَ المُتَكَلِّمِينَ (نا)، فاجْتَمَعَتْ ثَلاثُ نُوناتٍ.
ومَن قالَ: إنّا: اسْتَثْقَلَ اجْتِماعَها فَأسْقَطَ الثّالِثَةَ وأبْقى الأُولَتَيْنِ، انْتَهى. والَّذِي أخْتارُهُ أنَّ (نا) ضَمِيرُ المُتَكَلِّمِينَ لا تَكُونُ المَحْذُوفَةَ، لِأنَّ في حَذْفِها حَذْفَ بَعْضِ اسْمٍ وبَقِيَ مِنهُ حَرْفٌ ساكِنٌ، وإنَّما المَحْذُوفَةُ النُّونُ الثّانِيَةُ مِن إنَّ فَحُذِفَتْ لِاجْتِماعِ الأمْثالِ، وبَقِيَ مِنَ الحَرْفِ الهَمْزَةُ والنُّونُ السّاكِنَةُ، وهَذا أوْلى مِن حَذْفِ ما بَقِيَ مِنهُ حَرْفٌ.
وأيْضًا فَقَدْ عُهِدَ حَذْفُ هَذِهِ النُّونِ مَعَ غَيْرِ ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِينَ، ولَمْ يُعْهَدْ حَذْفُ نُونِ (نا)، فَكانَ حَذْفُها مِن إنَّ أوْلى. و(مُرِيبٍ): اسْمُ فاعِلٍ مِن مُتَعَدِّ أرابَهُ: أوْقَعَهُ في الرِّيبَةِ، وهي قَلَقُ النَّفْسِ وانْتِفاءُ الطُّمَأْنِينَةِ. أوْ مِن لازِمِ أرابَ الرَّجُلُ إذا كانَ ذا رِيبَةٍ، وأُسْنِدَ ذَلِكَ إلى الشَّكِّ إسْنادًا مَجازِيًّا، ووُجُودُ مِثْلِ هَذا الشَّكِّ كَوُجُودِ التَّصْمِيمِ عَلى الكُفْرِ.
﴿قالَ يا قَوْمِ أرَأيْتُمْ إنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّي وآتانِي مِنهُ رَحْمَةً فَمَن يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إنْ عَصَيْتُهُ فَما تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِير﴾ ﴿ويا قَوْمِ هَذِهِ ناقَةُ اللَّهِ لَكم آيَةً فَذَرُوها تَأْكُلْ في أرْضِ اللَّهِ ولا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكم عَذابٌ قَرِيبٌ﴾ ﴿فَعَقَرُوها فَقالَ تَمَتَّعُوا في دارِكم ثَلاثَةَ أيّامٍ ذَلِكَ وعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ﴾ (p-٢٣٩)تَقَدَّمَ الكَلامُ في (أرَأيْتُمْ) في قِصَّةِ نُوحٍ، والمَفْعُولُ الثّانِي هُنا لِأرَأيْتُمْ مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿فَمَن يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إنْ عَصَيْتُهُ﴾، والتَّقْدِيرُ: أعْصِيهِ في تَرْكِ ما أنا عَلَيْهِ مِنَ البَيِّنَةِ.
وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: (أرَأيْتُمْ) هو مِن رُؤْيَةِ القَلْبِ، والشَّرْطُ الَّذِي بَعْدَهُ وجَوابُهُ يَسُدُّ مَسَدَّ مَفْعُولَيْ عَلِمْتُ وأخَواتِها، وإدْخالُ أداةِ الشَّرْطِ الَّتِي هي إنْ عَلى جُمْلَةٍ مُحَقَّقَةٍ، وهي كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ، لَكِنَّهُ خاطَبَ الجاحِدِينَ لِلْبَيِّنَةِ فَكَأنَّهُ قالَ: قَدِّرُوا أنِّي عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّي وانْظُرُوا إنْ تابَعْتُكم وعَصَيْتُ رَبِّي في أوامِرِهِ، فَمَن يَمْنَعُنِي مِن عَذابِهِ ؟ قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وفي الكَلامِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: أيَضُرُّنِي شَكُّكم ؟ أوْ أيُمْكِنُنِي طاعَتُكم ؟ ونَحْوَ هَذا مِمّا يَلِيقُ بِمَعْنى الآيَةِ، انْتَهى. وهَذا التَّقْدِيرُ الَّذِي قَدَّرَهُ اسْتِشْعارٌ مِنهُ بِالمَفْعُولِ الثّانِي الَّذِي يَقْتَضِيهِ أرَأيْتُمْ، وأنَّ الشَّرْطَ وجَوابَهُ لا يَقَعانِ ولا يَسُدّانِ مَسَدَّ مَفْعُولَيْ (أرَأيْتُمْ)، والَّذِي قَدَّرْناهُ نَحْنُ هو الظّاهِرُ لِدَلالَةِ قَوْلِهِ: ﴿فَمَن يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إنْ عَصَيْتُهُ فَما تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ﴾ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: غَيْرَ أنْ أُخَسِّرَكم، أيْ: أنْسُبَكم إلى الخُسْرانِ، وأقُولُ أنَّكم خاسِرُونَ، انْتَهى.
يُفْعَلُ هَذا لِلنِّسْبَةِ كَفَسَّقْتُهُ وفَجَّرْتُهُ، أيْ: نَسَبْتُهُ، أيِ: الفِسْقُ والفُجُورُ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مَعْناهُ: ما تَزِيدُونَنِي بِعِبادَتِكم إلّا بَصارَةً في خُسْرانِكم، انْتَهى. فَهو عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: غَيْرَ بَصارَةِ تَخْسِيرِكم.
وقالَ مُجاهِدٌ: ما تَزْدادُونَ أنْتُمْ بِاحْتِجاجِكم بِعِبادَةِ آبائِكم إلّا خَسارًا، وأضافَ الزِّيادَةَ إلى نَفْسِهِ لِأنَّهم أعْطَوْهُ ذَلِكَ وكانَ سَألَهُمُ الإيمانَ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: فَما تُعْطُونِي فِيما اقْتَضَيْتُهُ مِنكم مِنَ الإيمانِ غَيْرَ تَخْسِيرٍ لِأنْفُسِكم، وهو مِنَ الخَسارَةِ ولَيْسَ التَّخْسِيرُ إلّا لَهم وفي حَيِّزِهِمْ، وأضافَ الزِّيادَةَ إلَيْهِ مِن حَيْثُ هو مُقْتَضٍ لِأقْوالِهِمْ مُوَكَّلٌ بِإيمانِهِمْ كَما تَقُولُ لِمَن تُوصِيهِ: أنا أُرِيدُكَ خَيْرًا وأنْتَ تُرِيدُنِي سُوءًا، وكانَ الوَجْهُ البَيِّنُ أنْ يَقُولَ: وأنْتَ تُرِيدُ شَرًّا، لَكِنْ مِن حَيْثُ كَنْتَ مُرِيدَ خَيْرٍ، ومُقْتَضى ذَلِكَ حَسُنَ أنْ يُضِيفَ الزِّيادَةَ إلى نَفْسِكَ، انْتَهى. وقِيلَ: التَّقْدِيرُ: فَما تَحْمِلُونَنِي عَلَيْهِ غَيْرَ أنِّي أُخْسِرُكم، أيْ: أرى مِنكُمُ الخُسْرانَ. وقِيلَ: التَّقْدِيرُ: تُخْسِرُونِي أعْمالَكم وتُبْطِلُونَها. قِيلَ: وهَذا أقْرَبُ، لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَمَن يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إنْ عَصَيْتُهُ﴾ كالدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ أرادَ: إنِ اتَّبَعْتُكم فِيما أنْتُمْ عَلَيْهِ ودَعَوْتُمُونِي إلَيْهِ لَمْ أزْدَدْ إلّا خُسْرانًا في الدِّينِ، فَأصِيرُ مِنَ الهالِكِينَ الخاسِرِينَ.
وانْتَصَبَ (آيَةً) عَلى الحالِ، والخِلافُ في النّاصِبِ في نَحْوِ هَذا زَيْدٌ مُنْطَلِقًا، أهْوَ حَرْفُ التَّنْبِيهِ أوِ اسْمُ الإشارَةِ أوْ فِعْلٌ مَحْذُوفٌ ؟ جازَ في نَصْبِ (آيَةً) و(لَكم) في مَوْضِعِ الحالِ، لِأنَّهُ لَوْ تَأخَّرَ لَكانَ نَعْتًا لِـ (آيَةً)، فَلَمّا تَقَدَّمَ عَلى النَّكِرَةِ كانَ حالًا، والعامِلُ فِيها مَحْذُوفٌ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): فَبِمَ يَتَعَلَّقُ لَكم ؟ (قُلْتُ): بِـ (آيَةً) حالًا مِنها مُتَقَدِّمَةً، لِأنَّها لَوْ تَأخَّرَتْ لَكانَ صِفَةً لَها، فَلَمّا تَقَدَّمَتِ انْتَصَبَ عَلى الحالِ، انْتَهى.
وهَذا مُتَناقِضٌ، لِأنَّهُ مِن حَيْثُ تَعَلَّقَ (لَكم) بِـ (آيَةً) كانَ (لَكم) مَعْمُولًا لِـ (آيَةً)، وإذا كانَ مَعْمُولًا لَها امْتَنَعَ أنْ يَكُونَ حالًا مِنها، لِأنَّ الحالَ تَتَعَلَّقُ بِمَحْذُوفٍ، فَتَناقَضَ هَذا الكَلامُ، لِأنَّهُ مِن حَيْثُ كَوْنُهُ مَعْمُولًا لَها كانَتْ هي العامِلَةَ، ومِن حَيْثُ كَوْنُهُ حالًا مِنها كانَ العامِلُ غَيْرَها، وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى الجُمَلِ الَّتِي بَعْدَ (آيَةً) . وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: (تَأْكُلُ) بِالرَّفْعِ عَلى الِاسْتِئْنافِ، أوْ عَلى الحالِ. و(قَرِيبٌ): عاجِلٌ لا يَسْتَأْخِرُ عَنْ مَسِّكُمُوها بِسُوءٍ إلّا يَسِيرًا، وذَلِكَ ثَلاثَةُ أيّامٍ ثُمَّ يَقَعُ عَلَيْكم، وهَذا الإخْبارُ بِوَحْيٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى، (فَعَقَرُوها): نُسِبَ إلى جَمِيعِهِمْ وإنْ كانَ العاقِرُ واحِدًا لِأنَّهُ كانَ بِرِضًى مِنهم وتَمالَئُوا. ومَعْنى (تَمَتَّعُوا): اسْتَمْتِعُوا بِالعَيْشِ في دارِكم في بَلَدِكم، وتُسَمّى البِلادُ: الدِّيارُ لِأنَّها يُدارُ فِيها، أيْ: يُتَصَرَّفُ، يُقالُ: دِيارُ بَكْرٍ لِبِلادِهِمْ قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ﴿فِي دارِكُمْ﴾: جَمْعُ دارَةٍ، كَساحَةٍ وساحٍ وسُوحٍ، ومِنهُ قَوْلُ أُمَيَّةَ بْنِ أبِي الصَّلْتِ:(p-٢٤٠)
؎لَهُ داعٍ بِـ مَكَّةَ مُشْمَعِلٌّ ∗∗∗ وآخَرُ فَوْقَ دارَتِهِ يُنادِي
ويُمْكِنُ أنْ يُسَمّىَ جَمِيعُ مَسْكَنِ الحَيِّ دارًا، انْتَهى. (ذَلِكَ) أيِ: الوَعْدُ بِالعَذابِ غَيْرُ مَكْذُوبٍ، أيْ: صِدْقٌ حَقٌّ.
والأصْلُ: غَيْرُهُ مَكْذُوبٌ فِيهِ، فاتَّسَعَ فَحُذِفَ الحَرْفُ وأُجْرِيَ الضَّمِيرُ مَجْرى المَفْعُولِ بِهِ، أوْ جُعِلَ ﴿غَيْرُ مَكْذُوبٍ﴾ لِأنَّهُ وفّى بِهِ فَقَدْ صَدَقَ، أوْ عَلى أنَّ المَكْذُوبَ هُنا مَصْدَرٌ عِنْدَ مَن يُثْبِتُ أنَّ المَصْدَرَ يَجِيءُ عَلى زِنَةِ مَفْعُولٍ.
﴿فَلَمّا جاءَ أمْرُنا نَجَّيْنا صالِحًا والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنّا ومِن خِزْيِ يَوْمِئِذٍ إنَّ رَبَّكَ هو القَوِيُّ العَزِيزُ﴾ ﴿وأخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأصْبَحُوا في دِيارِهِمْ جاثِمِينَ﴾ ﴿كَأنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها ألا إنَّ ثَمُودًا كَفَرُوا رَبَّهم ألا بُعْدًا لِثَمُودَ﴾ والكَلامُ في ﴿جاءَ أمْرُنا﴾ [هود: ٤٠] كالكَلامِ السّابِقِ في قِصَّةِ قَوْمِ هُودٍ. قِيلَ: الواوُ زائِدَةٌ في (ومِن) أيْ: مِن خِزْيِ يَوْمِئِذٍ فَيَتَعَلَّقُ (مِن) بِـ (نَجَّيْنا)، وهَذا لا يَجُوزُ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ، لِأنَّ الواوَ لا تُزادُ عِنْدَهم بَلْ تَتَعَلَّقُ مِن بِمَحْذُوفٍ، أيْ: ونَجَّيْناهم مِن خِزْيِ، أيْ: وكانَتِ التَّنْجِيَةُ مِن خِزْيِ يَوْمِئِذٍ.
وقَرَأ طَلْحَةُ وأبانُ بْنُ تَغْلِبَ: ﴿ومِن خِزْيِ﴾ بِالتَّنْوِينِ، ونَصْبِ (يَوْمَئِذٍ) عَلى الظَّرْفِ مَعْمُولًا لِخِزْيٍ. وقَرَأ الجُمْهُورُ بِالإضافَةِ، وفَتْحِ المِيمِ نافِعٌ والكِسائِيُّ، وهي فَتْحَةُ بِناءٍ لِإضافَتِهِ إلى إذْ، وهو غَيْرُ مُتَمَكِّنٍ. وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ بِكَسْرِ المِيمِ وهي حَرَكَةُ إعْرابٍ، والتَّنْوِينُ في إذْ تَنْوِينُ عِوَضٍ مِنَ الجُمْلَةِ المَحْذُوفَةِ المُتَقَدِّمَةِ الذِّكْرِ، أيْ: ومِن فَضِيحَةِ يَوْمِ إذْ جاءَ الأمْرُ وحَلَّ بِهِمْ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يُرِيدَ بِـ (يَوْمِئِذٍ): يَوْمَ القِيامَةِ، كَما فَسَّرَ العَذابَ الغَلِيظَ بِعَذابِ الآخِرَةِ، انْتَهى.
وهَذا لَيْسَ بِجَيِّدٍ، لِأنَّ التَّنْوِينَ في إذْ تَنْوِينُ العِوَضِ ولَمْ يَتَقَدَّمْ إلّا قَوْلُهُ، ﴿فَلَمّا جاءَ أمْرُنا﴾ ولَمْ تَتَقَدَّمْ جُمْلَةٌ فِيها ذِكْرُ يَوْمِ القِيامَةِ ولا ما يَكُونُ فِيها، فَيَكُونُ هَذا التَّنْوِينُ عِوَضًا مِنَ الجُمْلَةِ الَّتِي تَكُونُ في يَوْمِ القِيامَةِ.
وناسَبَ مَجِيءُ الأمْرِ وصْفَهُ تَعالى بِالقَوِيِّ العَزِيزِ، فَإنِّهُما مِن صِفاتِ الغَلَبَةِ والقَهْرِ والِانْتِقامِ، والجُمْلَةُ الَّتِي بَعْدَ هَذا تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْها في الأعْرافِ.
﴿ألا إنَّ ثَمُودَ﴾: مَنَعَ حَمْزَةُ وحَفْصٌ صَرْفَهُ وصَرَفَهُ الباقُونَ ﴿لِثَمُودَ﴾ صَرَفَهُ الكِسائِيُّ ومَنَعَهُ باقِي السَّبْعَةِ.
هود 11:67
﴿وإلى ثَمُودَ أخاهم صالِحًا قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ هو أنْشَأكم مِنَ الأرْضِ واسْتَعْمَرَكم فِيها فاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ إنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ﴾ ﴿قالُوا يا صالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذا أتَنْهانا أنْ نَعْبُدَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا وإنَّنا لَفي شَكٍّ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ مُرِيبٍ﴾ ﴿قالَ يا قَوْمِ أرَأيْتُمْ إنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّي وآتانِي مِنهُ رَحْمَةً فَمَن يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إنْ عَصَيْتُهُ فَما تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ﴾ ﴿ويا قَوْمِ هَذِهِ ناقَةُ اللَّهِ لَكم آيَةً فَذَرُوها تَأْكُلْ في أرْضِ اللَّهِ ولا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكم عَذابٌ قَرِيبٌ﴾ ﴿فَعَقَرُوها فَقالَ تَمَتَّعُوا في دارِكم ثَلاثَةَ أيّامٍ ذَلِكَ وعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ﴾ ﴿فَلَمّا جاءَ أمْرُنا نَجَّيْنا صالِحًا والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنّا ومِن خِزْيِ يَوْمِئِذٍ إنَّ رَبَّكَ هو القَوِيُّ العَزِيزُ﴾ ﴿وأخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأصْبَحُوا في دِيارِهِمْ جاثِمِينَ﴾ ﴿كَأنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها ألا إنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهم ألا بُعْدًا لِثَمُودَ﴾ ﴿ولَقَدْ جاءَتْ رُسُلُنا إبْراهِيمَ بِالبُشْرى قالُوا سَلامًا قالَ سَلامٌ فَما لَبِثَ أنْ جاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾ [هود: ٦٩] ﴿فَلَمّا رَأى أيْدِيَهم لا تَصِلُ إلَيْهِ نَكِرَهم وأوْجَسَ مِنهم خِيفَةً قالُوا لا تَخَفْ إنّا أُرْسِلْنا إلى قَوْمِ لُوطٍ﴾ [هود: ٧٠] ﴿وامْرَأتُهُ قائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْناها بِإسْحاقَ ومِن وراءِ إسْحاقَ يَعْقُوبَ﴾ [هود: ٧١] ﴿قالَتْ يا ويْلَتا أألِدُ وأنا عَجُوزٌ وهَذا بَعْلِي شَيْخًا إنَّ هَذا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ﴾ [هود: ٧٢] ﴿قالُوا أتَعْجَبِينَ مِن أمْرِ اللَّهِ رَحْمَةُ اللَّهِ وبَرَكاتُهُ عَلَيْكم أهْلَ البَيْتِ إنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ﴾ [هود: ٧٣] ﴿فَلَمّا ذَهَبَ عَنْ إبْراهِيمَ الرَّوْعُ وجاءَتْهُ البُشْرى يُجادِلُنا في قَوْمِ لُوطٍ﴾ [هود: ٧٤] ﴿إنَّ إبْراهِيمَ لَحَلِيمٌ أوّاهٌ مُنِيبٌ﴾ [هود: ٧٥] ﴿يا إبْراهِيمُ أعْرِضْ عَنْ هَذا إنَّهُ قَدْ جاءَ أمْرُ رَبِّكَ وإنَّهم آتِيهِمْ عَذابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ﴾ [هود: ٧٦] ﴿ولَمّا جاءَتْ رُسُلُنا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وضاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وقالَ هَذا يَوْمٌ عَصِيبٌ﴾ [هود: ٧٧] ﴿وجاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إلَيْهِ ومِن قَبْلُ كانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ قالَ يا قَوْمِ هَؤُلاءِ بَناتِي هُنَّ أطْهَرُ لَكم فاتَّقُوا اللَّهَ ولا تُخْزُونِي في ضَيْفِي ألَيْسَ مِنكم رَجُلٌ رَشِيدٌ﴾ [هود: ٧٨] ﴿قالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ ما لَنا في بَناتِكَ مِن حَقٍّ وإنَّكَ لَتَعْلَمُ ما نُرِيدُ﴾ [هود: ٧٩] ﴿قالَ لَوْ أنَّ لِي بِكم قُوَّةً أوْ آوِي إلى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ [هود: ٨٠] ﴿قالُوا يا لُوطُ إنّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إلَيْكَ فَأسْرِ بِأهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ ولا يَلْتَفِتْ مِنكم أحَدٌ إلّا امْرَأتَكَ إنَّهُ مُصِيبُها ما أصابَهم إنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ ألَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ﴾ [هود: ٨١] ﴿فَلَمّا جاءَ أمْرُنا جَعَلْنا عالِيَها سافِلَها وأمْطَرْنا عَلَيْها حِجارَةً مِن سِجِّيلٍ مَنضُودٍ﴾ [هود: ٨٢] ﴿مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وما هي مِنَ الظّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾ [هود: ٨٣] الصَّيْحَةُ: فَعْلَةٌ لِلْمَرَّةِ الواحِدَةِ مِنَ الصِّياحِ، يُقالُ: صاحَ يَصِيحُ إذا صَوَّتَ بِقُوَّةٍ.
حَنَذْتُ الشّاةَ أحْنِذُها حَنْذًا شَوَيْتُها وجَعَلْتُ فَوْقَها حِجارَةً لِتُنْضِجَها فَهي حَنِيذٌ، وحَنَذْتُ الفَرَسَ أحْضَرْتُهُ شَوْطًا أوْ شَوْطَيْنِ ثُمَّ ظاهَرْتُ عَلَيْهِ الجِلالَ في الشَّمْسِ لِيَعْرَقَ.
أوْجَسَ الرَّجُلُ قالَ الأخْفَشُ: خامَرَ قَلْبُهُ، وقالَ الفَرّاءُ: اسْتَشْعَرَ، وقِيلَ: أحَسَّ. والوَجِيسُ: ما يَعْتَرِي النَّفْسَ عِنْدَ أوائِلِ الفَزَعِ، ووَجَسَ في نَفْسِهِ كَذا: خَطَرَ بِها، يَجِسُ وجْسًا ووُجُوسًا وتَوَجَّسَ: تَسَمَّعَ وتَحَسَّسَ. قالَ:
؎وصادِقَتا سَمْعِ التَّوَجُّسَ لِلسُّرى لِهَجْسٍ خَفِيٍ أوْ لِصَوْتٍ مُنَدَّدِ
الضَّحِكُ مَعْرُوفٌ، وكانَ يَنْبَغِي أنْ يُذْكَرَ في سُورَةِ التَّوْبَةِ في قَوْلِهِ: ﴿فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا﴾ [التوبة: ٨٢] ويُقالُ: ضَحَكَ بِفَتْحِ الحاءِ، والضُّحَكَةُ: الكَثِيرُ الضَّحِكُ، والضُّحْكَةُ: المَضْحُوكُ مِنهُ، ويُقالُ: ضَحِكَتِ الأرْنَبُ، أيْ: حاضَتْ، وأنْكَرَ أبُو عُبَيْدَةَ والفَرّاءُ وأبُو عُبَيْدٍ: ضَحِكَ بِمَعْنى حاضَ، وعَرَفَ ذَلِكَ غَيْرُهم. وقالَ الشّاعِرُ أنْشَدَهُ اللُّغَوِيُّونَ:
؎وضِحْكُ الأرانِبِ فَوْقَ الصَّفا ∗∗∗ كَمِثْلِ دَمِ الجَوْفِ يَوْمَ اللِّقا
(p-٢٣٧)وقالَ الآخَرُ:
؎وعَهْدِي بِسَلْمى ضاحِكًا في لُبانَةٍ ∗∗∗ ولَمْ يَعُدْ حُقّا ثَدْيِها أنْ يَحْلُما
أيْ: حائِضًا في لُبانَةِ، واللُّبانَةُ والعَلاقَةُ والشَّوْذَرُ واحِدٌ. ومِنهُ ضَحِكَتِ الكافُورَةُ إذا انْشَقَّتْ، وضَحِكَتِ الشَّجَرَةُ: سالَ مِنها صَمْغُها وهو شِبْهُ الدَّمِ، وضَحِكَ الحَوْضُ: امْتَلَأ وفاضَ.
الشَّيْخُ: مَعْرُوفٌ، والفِعْلُ شاخَ يَشِيخُ، وقَدْ يُقالُ لِلْأُنْثى: شَيْخَةٌ. قالَ:
؎وتَضْحَكُ مِنِّي شَيْخَةٌ عَبْشَمِيَّةٌ
ويُجْمَعُ عَلى أشْياخٍ وشُيُوخٍ وشَيْخانِ، ومِن أسْماءِ الجُمُوعِ مَشْيَخَةٌ ومَشْيُوخًا. المَجِيدُ: قالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: الرَّفِيعُ. يُقالُ: مَجَدَ يَمْجُدُ مَجْدًا ومَجادَةً ومَجُدَ لُغَتانِ، أيْ: كَرُمَ وشَرُفُ، وأصْلُهُ مِن قَوْلِهِمْ: مَجَدَتِ الإبِلُ تَمْجُدُ مَجْدًا: شَبِعَتْ. وقالَ: أمْجَدْتُ الدّابَّةَ: أكْثَرْتُ عَلَفَها، وقالَ أبُو حَيَّةَ النُّمَيْرِيُّ:
؎تَزِيدُ عَلى صَواحِبِها ولَيْسَتْ ∗∗∗ بِماجِدَةِ الطَّعامِ ولا الشَّرابِ
أيْ: لَيْسَتْ بِكَثِيرَةِ الطَّعامِ ولا الشَّرابِ. وقالَ اللَّيْثُ: أمْجَدَ فُلانٌ عَطاءَهُ ومَجَّدَهُ إذا كَثَّرَهُ، ومِن أمْثالِهِمْ ”في كُلِّ شَجَرٍ نارٌ“ واسْتَمْجَدَ المَرْخُ والعِفارُ، أيِ: اسْتَكْثَرَ مِنَ النّارِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: مَجَدَ الشَّيْءُ إذا حَسُنَتْ أوْصافُهُ. الرَّوْعُ: الفَزَعُ قالَ الشّاعِرُ:
؎إذا أخَذَتْها هِزَّةُ الرَّوْعِ أمْسَكَتْ ∗∗∗ بِمَنكِبِ مِقْدامٍ عَلى الهَوْلِ أرْوَعا
والفِعْلُ راعَ يَرُوعُ قالَ:
؎ما راعَنِي إلّا حَمُولَةُ أهْلِها ∗∗∗ وسْطَ الدِّيارِ تَسَفُّ حَبَّ الخِمْخِمِ
وقالَ النّابِغَةُ:
؎فارْتاعَ مِن صَوْتِ كِلابٍ فَباتَ لَهُ ∗∗∗ طَوْعَ الشَّوامِتِ مِن خَوْفٍ ومِن صَرَدِ
والرُّوعُ بِضَمِّ الرّاءِ: النَّفْسُ، لِأنَّها مَوْضِعُ الرَّوْعِ. الذَّرْعُ: مَصْدَرُ ذَرَعَ البَعِيرُ بِيَدَيْهِ في سَيْرِهِ: إذا سارَ عَلى قَدْرِ خَطْوِهِ، مَأْخُوذٌ مِنَ الذِّراعِ، ثُمَّ وُضِعَ مَوْضِعَ الطّاقَةِ فَقِيلَ: ضاقَ بِهِ ذَرْعًا. وقَدْ يَجْعَلُونَ الذِّراعَ مَوْضِعَ الذَّرْعِ قالَ:
؎إلَيْكَ إلَيْكَ ضاقَ بِها ذَرْعًا
وقِيلَ: كَنّى بِذَلِكَ عَنْ ضِيقِ الصَّدْرِ. العَصِيبُ والعَصَبْصَبُ والعَصَوْصَبُ: الشَّدِيدُ اللّازِمُ الشَّرِّ المُلْتَفُّ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ قالَ:
؎وكُنْتُ لِزازَ خَصْمِكَ لَمْ أُعَدِّدْ ∗∗∗ وقَدْ سَلَكُوكَ في يَوْمٍ عَصِيبِ
قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: سُمِّيَ عَصِيبًا لِأنَّهُ يَعْصِبُ النّاسَ بِالشَّرِّ، والعُصْبَةُ والعِصابَةُ الجَماعَةُ المُجْتَمِعَةُ كَلَّمْتُهم، أوِ المُجْتَمِعُونَ في النَّسَبِ.
وتَعَصَّبْتُ لِفُلانٍ وفُلانٌ مَعْصُوبٌ، أيْ: مُجْتَمِعُ الخَلْقِ. الإهْراعُ: قالَ شِمْرٌ: مَشْيٌ بَيْنَ الهَرْوَلَةِ والجَمْزِ. وقالَ الهَرَوِيُّ: هَرَعَ الرَّجُلُ وأهْرَعَ اسْتَحَثَّ. الضَّيْفُ: مَصْدَرٌ، وإذا أُخْبِرَ بِهِ أوْ وُصِفَ لَمْ يُطابِقْ في تَثْنِيَةٍ ولا جَمْعٍ، هَذا المَشْهُورُ.
وسُمِعَ فِيهِ ضُيُوفٌ وأضْيافٌ وضِيفانٌ. الرُّكْنُ: مَعْرُوفٌ وهو النّاحِيَةُ مِنَ البَيْتِ أوِ الجَبَلِ. ويُقالُ: رَكُنٌ بِضَمِّ الكافِ، ويُجْمَعُ عَلى أرْكانٍ وأرْكُنٍ. ورَكَنْتُ إلى فُلانٍ: انْضَوَيْتُ إلَيْهِ. سَرى وأسْرى بِمَعْنًى واحِدٍ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ والأزْهَرِيُّ، وعَنِ اللَّيْثِ أسْرى: سارَ أوَّلَ اللَّيْلِ، وسَرى: سارَ آخِرَهُ، ولا يُقالُ في النَّهارِ إلّا سارَ.
السِّجِّيلُ والسِّجِّينُ: الشَّدِيدُ مِنَ الحَجَرِ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ. وقالَ الفَرّاءُ: طِينٌ طُبِخَ حَتّى صارَ بِمَنزِلَةِ الآجُرِّ. وقِيلَ: هو فارِسِيٌّ. وسَنْكٌ: الحَجَرُ وكُلُّ الطِّينِ يُعَرَّبُ فَقِيلَ: سِجَّينٌ.
المَنضُودُ: المَجْعُولُ بَعْضُهُ فَوْقَ بَعْضٍ.
﴿وإلى ثَمُودَ أخاهم صالِحًا قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ هو أنْشَأكم مِنَ الأرْضِ واسْتَعْمَرَكم فِيها فاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ إنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ﴾ ﴿قالُوا ياصالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذا أتَنْهانا أنْ نَعْبُدَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا وإنَّنا لَفي شَكٍّ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ مُرِيبٍ﴾ (p-٢٣٨)قَرَأ ابْنُ وثّابٍ والأعْمَشُ: ﴿وإلى ثَمُودَ﴾ بِالصَّرْفِ عَلى إرادَةِ الحَيِّ، والجُمْهُورِ عَلى مَنعِ الصَّرْفِ ذَهابًا إلى القَبِيلَةِ. (أنْشَأكم): اخْتَرَعَكم وأوْجَدَكم، وذَلِكَ بِاخْتِراعِ آدَمَ أصْلِهِمْ، فَكانَ إنْشاءُ الأصْلِ إنْشاءً لِلْفَرْعِ.
وقِيلَ: ﴿مِنَ الأرْضِ﴾ بِاعْتِبارِ الأصْلِ المُتَوَلَّدُ مِنهُ النَّباتُ المُتَوَلَّدُ مِنهُ الغِذاءُ المُتَوَلَّدُ مِنهُ المَنِيُّ ودَمُ الطَّمْثِ المُتَوَلَّدُ مِنهُما الإنْسانُ.
وقِيلَ: (مِن) بِمَعْنى في و(اسْتَعْمَرَكم): جَعَلَكم عُمّارًا. وقِيلَ: (اسْتَعْمَرَكم) مِنَ العُمُرِ، أيِ: اسْتَبَقاكم فِيها قالَهُ الضَّحّاكُ، أيْ: أطالَ أعْمارَكم. وقِيلَ: مِنَ العُمْرى، قالَهُ مُجاهِدٌ: فَيَكُونُ اسْتَعْمَرَ في مَعْنى أعْمَرَ، كاسْتَهْلَكَهُ في مَعْنى أهْلَكَهُ. والمَعْنى: أعْمَرَكم فِيها دِيارَكم، ثُمَّ هو وارِثُها مِنكم.
أوْ بِمَعْنى: جَعَلَكم مُعَمِّرِينَ دِيارَكم فِيها، لِأنَّ مَن ورِثَ دارَهُ مِن بَعْدِهِ فَإنَّهُ أعْمَرَهُ إيّاها، لِأنَّهُ يَسْكُنُها عُمُرَهُ ثُمَّ يَتْرُكُها لِغَيْرِهِ. وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: (اسْتَعْمَرَكم): أمَرَكم بِعِمارَةِ ما تَحْتاجُونَ إلَيْهِ مِن بِناءِ مَساكِنَ وغَرْسِ أشْجارٍ. وقِيلَ: ألْهَمَكم عِمارَتَها مِنَ الحَرْثِ والغَرْسِ وحَفْرِ الأنْهارِ وغَيْرِها، ﴿إنَّ رَبِّي قَرِيبٌ﴾ أيْ: دانِي الرَّحْمَةِ، (مُجِيبٌ) لِمَن دَعاهُ.
﴿قَدْ كُنْتَ فِينا مَرْجُوًّا﴾ . قالَ كَعْبٌ: كانُوا يَرْجُوهُ لِلْمَمْلِكَةِ بَعْدَ مُلْكِهِمْ، لِأنَّهُ كانَ ذا حَسَبٍ وثَرْوَةٍ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: فاضِلًا خَيِّرًا نُقَدِّمُكَ عَلى جَمِيعِنا.
وقالَ مُقاتِلٌ: كانُوا يَرْجُونَ رُجُوعَهُ إلى دِينِهِمْ، إذْ كانَ يُبْغِضُ أصْنامَهم، ويَعْدِلُ عَنْ دِينِهِمْ، فَلَمّا أظْهَرَ إنْذارَهُمُ انْقَطَعَ رَجاؤُهم مِنهُ.
وذَكَرَ الماوَرْدِيُّ: يَرْجُونَ خَيْرَهُ، فَلَمّا أنْذَرَهُمُ انْقَطَعَ رَجاؤُهم خَيْرَهُ. وبَسَطَ الزَّمَخْشَرِيُّ هَذا القَوْلَ فَقالَ: فِينا فِيما بَيْنَنا مَرْجُوًّا كانَتْ تَلُوحُ فِيكَ مَخايِلُ الخَيْرِ وأماراتُ الرُّشْدِ، فَكُنّا نَرْجُوكَ لِنَنْتَفِعَ بِكَ، وتَكُونَ مُشاوَرًا في الأُمُورِ مُسْتَرْشَدًا في التَّدابِيرِ، فَلَمّا نَطَقْتَ بِهَذا القَوْلِ انْقَطَعَ رَجاؤُنا عَنْكَ، وعَلِمْنا أنْ لا خَيْرَ فِيكَ، انْتَهى.
وقِيلَ: لَمّا كانَ قَوِيَّ الخاطِرِ وكانَ مِن قَبِيلَتِهِمْ، قَوِيَ رَجاؤُهم في أنْ يَنْصُرَ دِينَهم ويُقَوِّيَ مَذْهَبَهم. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والظّاهِرُ الَّذِي حَكاهُ الجُمْهُورُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿مَرْجُوًّا﴾: مَشُورًا نُؤَمِّلُ فِيكَ أنْ تَكُونَ سَيِّدًا سادًّا مَسَدَّ الأكابِرِ، ثُمَّ قَرَّرُوهُ عَلى التَّوْبِيخِ في زَعْمِهِمْ بِقَوْلِهِمْ: ﴿أتَنْهانا﴾ . وحَكى النَّقّاشُ عَنْ بَعْضِهِمْ أنَّهُ قالَ: مَعْناهُ حَقِيرًا، فَإمّا أنْ يَكُونَ لَفْظُ مَرْجُوًّا بِمَعْنى حَقِيرٍ، فَلَيْسَ ذَلِكَ في كَلامِ العَرَبِ، وإنَّما يَتَّجِهُ ذَلِكَ عَلى جِهَةِ التَّفْسِيرِ لِلْمَعْنى، وذَلِكَ أنَّ القَصْدَ بِقَوْلِهِمْ: مَرْجُوًّا بِقَوْلِ: لَقَدْ كُنْتَ فِينا سَهْلًا مَرامُكَ، قَرِيبًا رَدُّ أمْرِكَ مِمَّنْ لا يُظَنُّ أنْ يُسْتَعْجَلَ مِن أمْرِهِ مِثْلُ هَذا.
فَمَعْنى مَرْجُوًّا، أيْ: مُؤَخَرًّا اطِّراحُهُ وغَلَبَتُهُ ونَحْوَ هَذا فَيَكُونُ ذَلِكَ عَلى جِهَةِ الِاحْتِقارِ، ولِذَلِكَ فُسِّرَ بِحَقِيرٍ، ثُمَّ يَجِيءُ قَوْلُهم: ﴿أتَنْهانا﴾، عَلى جِهَةِ التَّوَعُّدِ والِاسْتِبْشاعِ لِهَذِهِ المَقالَةِ مِنهُ، انْتَهى.
و﴿ما يَعْبُدُ آباؤُنا﴾ حِكايَةُ حالٍ ماضِيَةٍ، وإنّا وإنَّنا لُغَتانِ لِـ قُرَيْشٍ. قالَ الفَرّاءُ: مَن قالَ إنَّنا أخْرَجَ الحَرْفَ عَلى أصْلِهِ، لِأنَّ كِنايَةَ المُتَكَلِّمِينَ (نا)، فاجْتَمَعَتْ ثَلاثُ نُوناتٍ.
ومَن قالَ: إنّا: اسْتَثْقَلَ اجْتِماعَها فَأسْقَطَ الثّالِثَةَ وأبْقى الأُولَتَيْنِ، انْتَهى. والَّذِي أخْتارُهُ أنَّ (نا) ضَمِيرُ المُتَكَلِّمِينَ لا تَكُونُ المَحْذُوفَةَ، لِأنَّ في حَذْفِها حَذْفَ بَعْضِ اسْمٍ وبَقِيَ مِنهُ حَرْفٌ ساكِنٌ، وإنَّما المَحْذُوفَةُ النُّونُ الثّانِيَةُ مِن إنَّ فَحُذِفَتْ لِاجْتِماعِ الأمْثالِ، وبَقِيَ مِنَ الحَرْفِ الهَمْزَةُ والنُّونُ السّاكِنَةُ، وهَذا أوْلى مِن حَذْفِ ما بَقِيَ مِنهُ حَرْفٌ.
وأيْضًا فَقَدْ عُهِدَ حَذْفُ هَذِهِ النُّونِ مَعَ غَيْرِ ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِينَ، ولَمْ يُعْهَدْ حَذْفُ نُونِ (نا)، فَكانَ حَذْفُها مِن إنَّ أوْلى. و(مُرِيبٍ): اسْمُ فاعِلٍ مِن مُتَعَدِّ أرابَهُ: أوْقَعَهُ في الرِّيبَةِ، وهي قَلَقُ النَّفْسِ وانْتِفاءُ الطُّمَأْنِينَةِ. أوْ مِن لازِمِ أرابَ الرَّجُلُ إذا كانَ ذا رِيبَةٍ، وأُسْنِدَ ذَلِكَ إلى الشَّكِّ إسْنادًا مَجازِيًّا، ووُجُودُ مِثْلِ هَذا الشَّكِّ كَوُجُودِ التَّصْمِيمِ عَلى الكُفْرِ.
﴿قالَ يا قَوْمِ أرَأيْتُمْ إنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّي وآتانِي مِنهُ رَحْمَةً فَمَن يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إنْ عَصَيْتُهُ فَما تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِير﴾ ﴿ويا قَوْمِ هَذِهِ ناقَةُ اللَّهِ لَكم آيَةً فَذَرُوها تَأْكُلْ في أرْضِ اللَّهِ ولا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكم عَذابٌ قَرِيبٌ﴾ ﴿فَعَقَرُوها فَقالَ تَمَتَّعُوا في دارِكم ثَلاثَةَ أيّامٍ ذَلِكَ وعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ﴾ (p-٢٣٩)تَقَدَّمَ الكَلامُ في (أرَأيْتُمْ) في قِصَّةِ نُوحٍ، والمَفْعُولُ الثّانِي هُنا لِأرَأيْتُمْ مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿فَمَن يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إنْ عَصَيْتُهُ﴾، والتَّقْدِيرُ: أعْصِيهِ في تَرْكِ ما أنا عَلَيْهِ مِنَ البَيِّنَةِ.
وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: (أرَأيْتُمْ) هو مِن رُؤْيَةِ القَلْبِ، والشَّرْطُ الَّذِي بَعْدَهُ وجَوابُهُ يَسُدُّ مَسَدَّ مَفْعُولَيْ عَلِمْتُ وأخَواتِها، وإدْخالُ أداةِ الشَّرْطِ الَّتِي هي إنْ عَلى جُمْلَةٍ مُحَقَّقَةٍ، وهي كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ، لَكِنَّهُ خاطَبَ الجاحِدِينَ لِلْبَيِّنَةِ فَكَأنَّهُ قالَ: قَدِّرُوا أنِّي عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّي وانْظُرُوا إنْ تابَعْتُكم وعَصَيْتُ رَبِّي في أوامِرِهِ، فَمَن يَمْنَعُنِي مِن عَذابِهِ ؟ قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وفي الكَلامِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: أيَضُرُّنِي شَكُّكم ؟ أوْ أيُمْكِنُنِي طاعَتُكم ؟ ونَحْوَ هَذا مِمّا يَلِيقُ بِمَعْنى الآيَةِ، انْتَهى. وهَذا التَّقْدِيرُ الَّذِي قَدَّرَهُ اسْتِشْعارٌ مِنهُ بِالمَفْعُولِ الثّانِي الَّذِي يَقْتَضِيهِ أرَأيْتُمْ، وأنَّ الشَّرْطَ وجَوابَهُ لا يَقَعانِ ولا يَسُدّانِ مَسَدَّ مَفْعُولَيْ (أرَأيْتُمْ)، والَّذِي قَدَّرْناهُ نَحْنُ هو الظّاهِرُ لِدَلالَةِ قَوْلِهِ: ﴿فَمَن يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إنْ عَصَيْتُهُ فَما تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ﴾ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: غَيْرَ أنْ أُخَسِّرَكم، أيْ: أنْسُبَكم إلى الخُسْرانِ، وأقُولُ أنَّكم خاسِرُونَ، انْتَهى.
يُفْعَلُ هَذا لِلنِّسْبَةِ كَفَسَّقْتُهُ وفَجَّرْتُهُ، أيْ: نَسَبْتُهُ، أيِ: الفِسْقُ والفُجُورُ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مَعْناهُ: ما تَزِيدُونَنِي بِعِبادَتِكم إلّا بَصارَةً في خُسْرانِكم، انْتَهى. فَهو عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: غَيْرَ بَصارَةِ تَخْسِيرِكم.
وقالَ مُجاهِدٌ: ما تَزْدادُونَ أنْتُمْ بِاحْتِجاجِكم بِعِبادَةِ آبائِكم إلّا خَسارًا، وأضافَ الزِّيادَةَ إلى نَفْسِهِ لِأنَّهم أعْطَوْهُ ذَلِكَ وكانَ سَألَهُمُ الإيمانَ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: فَما تُعْطُونِي فِيما اقْتَضَيْتُهُ مِنكم مِنَ الإيمانِ غَيْرَ تَخْسِيرٍ لِأنْفُسِكم، وهو مِنَ الخَسارَةِ ولَيْسَ التَّخْسِيرُ إلّا لَهم وفي حَيِّزِهِمْ، وأضافَ الزِّيادَةَ إلَيْهِ مِن حَيْثُ هو مُقْتَضٍ لِأقْوالِهِمْ مُوَكَّلٌ بِإيمانِهِمْ كَما تَقُولُ لِمَن تُوصِيهِ: أنا أُرِيدُكَ خَيْرًا وأنْتَ تُرِيدُنِي سُوءًا، وكانَ الوَجْهُ البَيِّنُ أنْ يَقُولَ: وأنْتَ تُرِيدُ شَرًّا، لَكِنْ مِن حَيْثُ كَنْتَ مُرِيدَ خَيْرٍ، ومُقْتَضى ذَلِكَ حَسُنَ أنْ يُضِيفَ الزِّيادَةَ إلى نَفْسِكَ، انْتَهى. وقِيلَ: التَّقْدِيرُ: فَما تَحْمِلُونَنِي عَلَيْهِ غَيْرَ أنِّي أُخْسِرُكم، أيْ: أرى مِنكُمُ الخُسْرانَ. وقِيلَ: التَّقْدِيرُ: تُخْسِرُونِي أعْمالَكم وتُبْطِلُونَها. قِيلَ: وهَذا أقْرَبُ، لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَمَن يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إنْ عَصَيْتُهُ﴾ كالدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ أرادَ: إنِ اتَّبَعْتُكم فِيما أنْتُمْ عَلَيْهِ ودَعَوْتُمُونِي إلَيْهِ لَمْ أزْدَدْ إلّا خُسْرانًا في الدِّينِ، فَأصِيرُ مِنَ الهالِكِينَ الخاسِرِينَ.
وانْتَصَبَ (آيَةً) عَلى الحالِ، والخِلافُ في النّاصِبِ في نَحْوِ هَذا زَيْدٌ مُنْطَلِقًا، أهْوَ حَرْفُ التَّنْبِيهِ أوِ اسْمُ الإشارَةِ أوْ فِعْلٌ مَحْذُوفٌ ؟ جازَ في نَصْبِ (آيَةً) و(لَكم) في مَوْضِعِ الحالِ، لِأنَّهُ لَوْ تَأخَّرَ لَكانَ نَعْتًا لِـ (آيَةً)، فَلَمّا تَقَدَّمَ عَلى النَّكِرَةِ كانَ حالًا، والعامِلُ فِيها مَحْذُوفٌ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): فَبِمَ يَتَعَلَّقُ لَكم ؟ (قُلْتُ): بِـ (آيَةً) حالًا مِنها مُتَقَدِّمَةً، لِأنَّها لَوْ تَأخَّرَتْ لَكانَ صِفَةً لَها، فَلَمّا تَقَدَّمَتِ انْتَصَبَ عَلى الحالِ، انْتَهى.
وهَذا مُتَناقِضٌ، لِأنَّهُ مِن حَيْثُ تَعَلَّقَ (لَكم) بِـ (آيَةً) كانَ (لَكم) مَعْمُولًا لِـ (آيَةً)، وإذا كانَ مَعْمُولًا لَها امْتَنَعَ أنْ يَكُونَ حالًا مِنها، لِأنَّ الحالَ تَتَعَلَّقُ بِمَحْذُوفٍ، فَتَناقَضَ هَذا الكَلامُ، لِأنَّهُ مِن حَيْثُ كَوْنُهُ مَعْمُولًا لَها كانَتْ هي العامِلَةَ، ومِن حَيْثُ كَوْنُهُ حالًا مِنها كانَ العامِلُ غَيْرَها، وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى الجُمَلِ الَّتِي بَعْدَ (آيَةً) . وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: (تَأْكُلُ) بِالرَّفْعِ عَلى الِاسْتِئْنافِ، أوْ عَلى الحالِ. و(قَرِيبٌ): عاجِلٌ لا يَسْتَأْخِرُ عَنْ مَسِّكُمُوها بِسُوءٍ إلّا يَسِيرًا، وذَلِكَ ثَلاثَةُ أيّامٍ ثُمَّ يَقَعُ عَلَيْكم، وهَذا الإخْبارُ بِوَحْيٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى، (فَعَقَرُوها): نُسِبَ إلى جَمِيعِهِمْ وإنْ كانَ العاقِرُ واحِدًا لِأنَّهُ كانَ بِرِضًى مِنهم وتَمالَئُوا. ومَعْنى (تَمَتَّعُوا): اسْتَمْتِعُوا بِالعَيْشِ في دارِكم في بَلَدِكم، وتُسَمّى البِلادُ: الدِّيارُ لِأنَّها يُدارُ فِيها، أيْ: يُتَصَرَّفُ، يُقالُ: دِيارُ بَكْرٍ لِبِلادِهِمْ قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ﴿فِي دارِكُمْ﴾: جَمْعُ دارَةٍ، كَساحَةٍ وساحٍ وسُوحٍ، ومِنهُ قَوْلُ أُمَيَّةَ بْنِ أبِي الصَّلْتِ:(p-٢٤٠)
؎لَهُ داعٍ بِـ مَكَّةَ مُشْمَعِلٌّ ∗∗∗ وآخَرُ فَوْقَ دارَتِهِ يُنادِي
ويُمْكِنُ أنْ يُسَمّىَ جَمِيعُ مَسْكَنِ الحَيِّ دارًا، انْتَهى. (ذَلِكَ) أيِ: الوَعْدُ بِالعَذابِ غَيْرُ مَكْذُوبٍ، أيْ: صِدْقٌ حَقٌّ.
والأصْلُ: غَيْرُهُ مَكْذُوبٌ فِيهِ، فاتَّسَعَ فَحُذِفَ الحَرْفُ وأُجْرِيَ الضَّمِيرُ مَجْرى المَفْعُولِ بِهِ، أوْ جُعِلَ ﴿غَيْرُ مَكْذُوبٍ﴾ لِأنَّهُ وفّى بِهِ فَقَدْ صَدَقَ، أوْ عَلى أنَّ المَكْذُوبَ هُنا مَصْدَرٌ عِنْدَ مَن يُثْبِتُ أنَّ المَصْدَرَ يَجِيءُ عَلى زِنَةِ مَفْعُولٍ.
﴿فَلَمّا جاءَ أمْرُنا نَجَّيْنا صالِحًا والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنّا ومِن خِزْيِ يَوْمِئِذٍ إنَّ رَبَّكَ هو القَوِيُّ العَزِيزُ﴾ ﴿وأخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأصْبَحُوا في دِيارِهِمْ جاثِمِينَ﴾ ﴿كَأنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها ألا إنَّ ثَمُودًا كَفَرُوا رَبَّهم ألا بُعْدًا لِثَمُودَ﴾ والكَلامُ في ﴿جاءَ أمْرُنا﴾ [هود: ٤٠] كالكَلامِ السّابِقِ في قِصَّةِ قَوْمِ هُودٍ. قِيلَ: الواوُ زائِدَةٌ في (ومِن) أيْ: مِن خِزْيِ يَوْمِئِذٍ فَيَتَعَلَّقُ (مِن) بِـ (نَجَّيْنا)، وهَذا لا يَجُوزُ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ، لِأنَّ الواوَ لا تُزادُ عِنْدَهم بَلْ تَتَعَلَّقُ مِن بِمَحْذُوفٍ، أيْ: ونَجَّيْناهم مِن خِزْيِ، أيْ: وكانَتِ التَّنْجِيَةُ مِن خِزْيِ يَوْمِئِذٍ.
وقَرَأ طَلْحَةُ وأبانُ بْنُ تَغْلِبَ: ﴿ومِن خِزْيِ﴾ بِالتَّنْوِينِ، ونَصْبِ (يَوْمَئِذٍ) عَلى الظَّرْفِ مَعْمُولًا لِخِزْيٍ. وقَرَأ الجُمْهُورُ بِالإضافَةِ، وفَتْحِ المِيمِ نافِعٌ والكِسائِيُّ، وهي فَتْحَةُ بِناءٍ لِإضافَتِهِ إلى إذْ، وهو غَيْرُ مُتَمَكِّنٍ. وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ بِكَسْرِ المِيمِ وهي حَرَكَةُ إعْرابٍ، والتَّنْوِينُ في إذْ تَنْوِينُ عِوَضٍ مِنَ الجُمْلَةِ المَحْذُوفَةِ المُتَقَدِّمَةِ الذِّكْرِ، أيْ: ومِن فَضِيحَةِ يَوْمِ إذْ جاءَ الأمْرُ وحَلَّ بِهِمْ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يُرِيدَ بِـ (يَوْمِئِذٍ): يَوْمَ القِيامَةِ، كَما فَسَّرَ العَذابَ الغَلِيظَ بِعَذابِ الآخِرَةِ، انْتَهى.
وهَذا لَيْسَ بِجَيِّدٍ، لِأنَّ التَّنْوِينَ في إذْ تَنْوِينُ العِوَضِ ولَمْ يَتَقَدَّمْ إلّا قَوْلُهُ، ﴿فَلَمّا جاءَ أمْرُنا﴾ ولَمْ تَتَقَدَّمْ جُمْلَةٌ فِيها ذِكْرُ يَوْمِ القِيامَةِ ولا ما يَكُونُ فِيها، فَيَكُونُ هَذا التَّنْوِينُ عِوَضًا مِنَ الجُمْلَةِ الَّتِي تَكُونُ في يَوْمِ القِيامَةِ.
وناسَبَ مَجِيءُ الأمْرِ وصْفَهُ تَعالى بِالقَوِيِّ العَزِيزِ، فَإنِّهُما مِن صِفاتِ الغَلَبَةِ والقَهْرِ والِانْتِقامِ، والجُمْلَةُ الَّتِي بَعْدَ هَذا تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْها في الأعْرافِ.
﴿ألا إنَّ ثَمُودَ﴾: مَنَعَ حَمْزَةُ وحَفْصٌ صَرْفَهُ وصَرَفَهُ الباقُونَ ﴿لِثَمُودَ﴾ صَرَفَهُ الكِسائِيُّ ومَنَعَهُ باقِي السَّبْعَةِ.