Al-Bahr Al-Muhit — هود 11:68 – هود 11:105
المحتويات
- هود 11:68
- هود 11:69
- هود 11:70
- هود 11:71
- هود 11:72
- هود 11:73
- هود 11:74
- هود 11:75
- هود 11:76
- هود 11:77
- هود 11:78
- هود 11:79
- هود 11:80
- هود 11:81
- هود 11:82
- هود 11:83
- هود 11:84
- هود 11:85
- هود 11:86
- هود 11:87
- هود 11:88
- هود 11:89
- هود 11:90
- هود 11:91
- هود 11:92
- هود 11:93
- هود 11:94
- هود 11:95
- هود 11:96
- هود 11:97
- هود 11:98
- هود 11:99
- هود 11:100
- هود 11:101
- هود 11:102
- هود 11:103
- هود 11:104
- هود 11:105
هود 11:68
﴿وإلى ثَمُودَ أخاهم صالِحًا قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ هو أنْشَأكم مِنَ الأرْضِ واسْتَعْمَرَكم فِيها فاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ إنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ﴾ ﴿قالُوا يا صالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذا أتَنْهانا أنْ نَعْبُدَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا وإنَّنا لَفي شَكٍّ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ مُرِيبٍ﴾ ﴿قالَ يا قَوْمِ أرَأيْتُمْ إنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّي وآتانِي مِنهُ رَحْمَةً فَمَن يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إنْ عَصَيْتُهُ فَما تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ﴾ ﴿ويا قَوْمِ هَذِهِ ناقَةُ اللَّهِ لَكم آيَةً فَذَرُوها تَأْكُلْ في أرْضِ اللَّهِ ولا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكم عَذابٌ قَرِيبٌ﴾ ﴿فَعَقَرُوها فَقالَ تَمَتَّعُوا في دارِكم ثَلاثَةَ أيّامٍ ذَلِكَ وعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ﴾ ﴿فَلَمّا جاءَ أمْرُنا نَجَّيْنا صالِحًا والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنّا ومِن خِزْيِ يَوْمِئِذٍ إنَّ رَبَّكَ هو القَوِيُّ العَزِيزُ﴾ ﴿وأخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأصْبَحُوا في دِيارِهِمْ جاثِمِينَ﴾ ﴿كَأنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها ألا إنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهم ألا بُعْدًا لِثَمُودَ﴾ ﴿ولَقَدْ جاءَتْ رُسُلُنا إبْراهِيمَ بِالبُشْرى قالُوا سَلامًا قالَ سَلامٌ فَما لَبِثَ أنْ جاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾ [هود: ٦٩] ﴿فَلَمّا رَأى أيْدِيَهم لا تَصِلُ إلَيْهِ نَكِرَهم وأوْجَسَ مِنهم خِيفَةً قالُوا لا تَخَفْ إنّا أُرْسِلْنا إلى قَوْمِ لُوطٍ﴾ [هود: ٧٠] ﴿وامْرَأتُهُ قائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْناها بِإسْحاقَ ومِن وراءِ إسْحاقَ يَعْقُوبَ﴾ [هود: ٧١] ﴿قالَتْ يا ويْلَتا أألِدُ وأنا عَجُوزٌ وهَذا بَعْلِي شَيْخًا إنَّ هَذا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ﴾ [هود: ٧٢] ﴿قالُوا أتَعْجَبِينَ مِن أمْرِ اللَّهِ رَحْمَةُ اللَّهِ وبَرَكاتُهُ عَلَيْكم أهْلَ البَيْتِ إنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ﴾ [هود: ٧٣] ﴿فَلَمّا ذَهَبَ عَنْ إبْراهِيمَ الرَّوْعُ وجاءَتْهُ البُشْرى يُجادِلُنا في قَوْمِ لُوطٍ﴾ [هود: ٧٤] ﴿إنَّ إبْراهِيمَ لَحَلِيمٌ أوّاهٌ مُنِيبٌ﴾ [هود: ٧٥] ﴿يا إبْراهِيمُ أعْرِضْ عَنْ هَذا إنَّهُ قَدْ جاءَ أمْرُ رَبِّكَ وإنَّهم آتِيهِمْ عَذابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ﴾ [هود: ٧٦] ﴿ولَمّا جاءَتْ رُسُلُنا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وضاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وقالَ هَذا يَوْمٌ عَصِيبٌ﴾ [هود: ٧٧] ﴿وجاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إلَيْهِ ومِن قَبْلُ كانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ قالَ يا قَوْمِ هَؤُلاءِ بَناتِي هُنَّ أطْهَرُ لَكم فاتَّقُوا اللَّهَ ولا تُخْزُونِي في ضَيْفِي ألَيْسَ مِنكم رَجُلٌ رَشِيدٌ﴾ [هود: ٧٨] ﴿قالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ ما لَنا في بَناتِكَ مِن حَقٍّ وإنَّكَ لَتَعْلَمُ ما نُرِيدُ﴾ [هود: ٧٩] ﴿قالَ لَوْ أنَّ لِي بِكم قُوَّةً أوْ آوِي إلى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ [هود: ٨٠] ﴿قالُوا يا لُوطُ إنّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إلَيْكَ فَأسْرِ بِأهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ ولا يَلْتَفِتْ مِنكم أحَدٌ إلّا امْرَأتَكَ إنَّهُ مُصِيبُها ما أصابَهم إنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ ألَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ﴾ [هود: ٨١] ﴿فَلَمّا جاءَ أمْرُنا جَعَلْنا عالِيَها سافِلَها وأمْطَرْنا عَلَيْها حِجارَةً مِن سِجِّيلٍ مَنضُودٍ﴾ [هود: ٨٢] ﴿مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وما هي مِنَ الظّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾ [هود: ٨٣] الصَّيْحَةُ: فَعْلَةٌ لِلْمَرَّةِ الواحِدَةِ مِنَ الصِّياحِ، يُقالُ: صاحَ يَصِيحُ إذا صَوَّتَ بِقُوَّةٍ.
حَنَذْتُ الشّاةَ أحْنِذُها حَنْذًا شَوَيْتُها وجَعَلْتُ فَوْقَها حِجارَةً لِتُنْضِجَها فَهي حَنِيذٌ، وحَنَذْتُ الفَرَسَ أحْضَرْتُهُ شَوْطًا أوْ شَوْطَيْنِ ثُمَّ ظاهَرْتُ عَلَيْهِ الجِلالَ في الشَّمْسِ لِيَعْرَقَ.
أوْجَسَ الرَّجُلُ قالَ الأخْفَشُ: خامَرَ قَلْبُهُ، وقالَ الفَرّاءُ: اسْتَشْعَرَ، وقِيلَ: أحَسَّ. والوَجِيسُ: ما يَعْتَرِي النَّفْسَ عِنْدَ أوائِلِ الفَزَعِ، ووَجَسَ في نَفْسِهِ كَذا: خَطَرَ بِها، يَجِسُ وجْسًا ووُجُوسًا وتَوَجَّسَ: تَسَمَّعَ وتَحَسَّسَ. قالَ:
؎وصادِقَتا سَمْعِ التَّوَجُّسَ لِلسُّرى لِهَجْسٍ خَفِيٍ أوْ لِصَوْتٍ مُنَدَّدِ
الضَّحِكُ مَعْرُوفٌ، وكانَ يَنْبَغِي أنْ يُذْكَرَ في سُورَةِ التَّوْبَةِ في قَوْلِهِ: ﴿فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا﴾ [التوبة: ٨٢] ويُقالُ: ضَحَكَ بِفَتْحِ الحاءِ، والضُّحَكَةُ: الكَثِيرُ الضَّحِكُ، والضُّحْكَةُ: المَضْحُوكُ مِنهُ، ويُقالُ: ضَحِكَتِ الأرْنَبُ، أيْ: حاضَتْ، وأنْكَرَ أبُو عُبَيْدَةَ والفَرّاءُ وأبُو عُبَيْدٍ: ضَحِكَ بِمَعْنى حاضَ، وعَرَفَ ذَلِكَ غَيْرُهم. وقالَ الشّاعِرُ أنْشَدَهُ اللُّغَوِيُّونَ:
؎وضِحْكُ الأرانِبِ فَوْقَ الصَّفا ∗∗∗ كَمِثْلِ دَمِ الجَوْفِ يَوْمَ اللِّقا
(p-٢٣٧)وقالَ الآخَرُ:
؎وعَهْدِي بِسَلْمى ضاحِكًا في لُبانَةٍ ∗∗∗ ولَمْ يَعُدْ حُقّا ثَدْيِها أنْ يَحْلُما
أيْ: حائِضًا في لُبانَةِ، واللُّبانَةُ والعَلاقَةُ والشَّوْذَرُ واحِدٌ. ومِنهُ ضَحِكَتِ الكافُورَةُ إذا انْشَقَّتْ، وضَحِكَتِ الشَّجَرَةُ: سالَ مِنها صَمْغُها وهو شِبْهُ الدَّمِ، وضَحِكَ الحَوْضُ: امْتَلَأ وفاضَ.
الشَّيْخُ: مَعْرُوفٌ، والفِعْلُ شاخَ يَشِيخُ، وقَدْ يُقالُ لِلْأُنْثى: شَيْخَةٌ. قالَ:
؎وتَضْحَكُ مِنِّي شَيْخَةٌ عَبْشَمِيَّةٌ
ويُجْمَعُ عَلى أشْياخٍ وشُيُوخٍ وشَيْخانِ، ومِن أسْماءِ الجُمُوعِ مَشْيَخَةٌ ومَشْيُوخًا. المَجِيدُ: قالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: الرَّفِيعُ. يُقالُ: مَجَدَ يَمْجُدُ مَجْدًا ومَجادَةً ومَجُدَ لُغَتانِ، أيْ: كَرُمَ وشَرُفُ، وأصْلُهُ مِن قَوْلِهِمْ: مَجَدَتِ الإبِلُ تَمْجُدُ مَجْدًا: شَبِعَتْ. وقالَ: أمْجَدْتُ الدّابَّةَ: أكْثَرْتُ عَلَفَها، وقالَ أبُو حَيَّةَ النُّمَيْرِيُّ:
؎تَزِيدُ عَلى صَواحِبِها ولَيْسَتْ ∗∗∗ بِماجِدَةِ الطَّعامِ ولا الشَّرابِ
أيْ: لَيْسَتْ بِكَثِيرَةِ الطَّعامِ ولا الشَّرابِ. وقالَ اللَّيْثُ: أمْجَدَ فُلانٌ عَطاءَهُ ومَجَّدَهُ إذا كَثَّرَهُ، ومِن أمْثالِهِمْ ”في كُلِّ شَجَرٍ نارٌ“ واسْتَمْجَدَ المَرْخُ والعِفارُ، أيِ: اسْتَكْثَرَ مِنَ النّارِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: مَجَدَ الشَّيْءُ إذا حَسُنَتْ أوْصافُهُ. الرَّوْعُ: الفَزَعُ قالَ الشّاعِرُ:
؎إذا أخَذَتْها هِزَّةُ الرَّوْعِ أمْسَكَتْ ∗∗∗ بِمَنكِبِ مِقْدامٍ عَلى الهَوْلِ أرْوَعا
والفِعْلُ راعَ يَرُوعُ قالَ:
؎ما راعَنِي إلّا حَمُولَةُ أهْلِها ∗∗∗ وسْطَ الدِّيارِ تَسَفُّ حَبَّ الخِمْخِمِ
وقالَ النّابِغَةُ:
؎فارْتاعَ مِن صَوْتِ كِلابٍ فَباتَ لَهُ ∗∗∗ طَوْعَ الشَّوامِتِ مِن خَوْفٍ ومِن صَرَدِ
والرُّوعُ بِضَمِّ الرّاءِ: النَّفْسُ، لِأنَّها مَوْضِعُ الرَّوْعِ. الذَّرْعُ: مَصْدَرُ ذَرَعَ البَعِيرُ بِيَدَيْهِ في سَيْرِهِ: إذا سارَ عَلى قَدْرِ خَطْوِهِ، مَأْخُوذٌ مِنَ الذِّراعِ، ثُمَّ وُضِعَ مَوْضِعَ الطّاقَةِ فَقِيلَ: ضاقَ بِهِ ذَرْعًا. وقَدْ يَجْعَلُونَ الذِّراعَ مَوْضِعَ الذَّرْعِ قالَ:
؎إلَيْكَ إلَيْكَ ضاقَ بِها ذَرْعًا
وقِيلَ: كَنّى بِذَلِكَ عَنْ ضِيقِ الصَّدْرِ. العَصِيبُ والعَصَبْصَبُ والعَصَوْصَبُ: الشَّدِيدُ اللّازِمُ الشَّرِّ المُلْتَفُّ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ قالَ:
؎وكُنْتُ لِزازَ خَصْمِكَ لَمْ أُعَدِّدْ ∗∗∗ وقَدْ سَلَكُوكَ في يَوْمٍ عَصِيبِ
قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: سُمِّيَ عَصِيبًا لِأنَّهُ يَعْصِبُ النّاسَ بِالشَّرِّ، والعُصْبَةُ والعِصابَةُ الجَماعَةُ المُجْتَمِعَةُ كَلَّمْتُهم، أوِ المُجْتَمِعُونَ في النَّسَبِ.
وتَعَصَّبْتُ لِفُلانٍ وفُلانٌ مَعْصُوبٌ، أيْ: مُجْتَمِعُ الخَلْقِ. الإهْراعُ: قالَ شِمْرٌ: مَشْيٌ بَيْنَ الهَرْوَلَةِ والجَمْزِ. وقالَ الهَرَوِيُّ: هَرَعَ الرَّجُلُ وأهْرَعَ اسْتَحَثَّ. الضَّيْفُ: مَصْدَرٌ، وإذا أُخْبِرَ بِهِ أوْ وُصِفَ لَمْ يُطابِقْ في تَثْنِيَةٍ ولا جَمْعٍ، هَذا المَشْهُورُ.
وسُمِعَ فِيهِ ضُيُوفٌ وأضْيافٌ وضِيفانٌ. الرُّكْنُ: مَعْرُوفٌ وهو النّاحِيَةُ مِنَ البَيْتِ أوِ الجَبَلِ. ويُقالُ: رَكُنٌ بِضَمِّ الكافِ، ويُجْمَعُ عَلى أرْكانٍ وأرْكُنٍ. ورَكَنْتُ إلى فُلانٍ: انْضَوَيْتُ إلَيْهِ. سَرى وأسْرى بِمَعْنًى واحِدٍ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ والأزْهَرِيُّ، وعَنِ اللَّيْثِ أسْرى: سارَ أوَّلَ اللَّيْلِ، وسَرى: سارَ آخِرَهُ، ولا يُقالُ في النَّهارِ إلّا سارَ.
السِّجِّيلُ والسِّجِّينُ: الشَّدِيدُ مِنَ الحَجَرِ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ. وقالَ الفَرّاءُ: طِينٌ طُبِخَ حَتّى صارَ بِمَنزِلَةِ الآجُرِّ. وقِيلَ: هو فارِسِيٌّ. وسَنْكٌ: الحَجَرُ وكُلُّ الطِّينِ يُعَرَّبُ فَقِيلَ: سِجَّينٌ.
المَنضُودُ: المَجْعُولُ بَعْضُهُ فَوْقَ بَعْضٍ.
﴿وإلى ثَمُودَ أخاهم صالِحًا قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ هو أنْشَأكم مِنَ الأرْضِ واسْتَعْمَرَكم فِيها فاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ إنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ﴾ ﴿قالُوا ياصالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذا أتَنْهانا أنْ نَعْبُدَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا وإنَّنا لَفي شَكٍّ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ مُرِيبٍ﴾ (p-٢٣٨)قَرَأ ابْنُ وثّابٍ والأعْمَشُ: ﴿وإلى ثَمُودَ﴾ بِالصَّرْفِ عَلى إرادَةِ الحَيِّ، والجُمْهُورِ عَلى مَنعِ الصَّرْفِ ذَهابًا إلى القَبِيلَةِ. (أنْشَأكم): اخْتَرَعَكم وأوْجَدَكم، وذَلِكَ بِاخْتِراعِ آدَمَ أصْلِهِمْ، فَكانَ إنْشاءُ الأصْلِ إنْشاءً لِلْفَرْعِ.
وقِيلَ: ﴿مِنَ الأرْضِ﴾ بِاعْتِبارِ الأصْلِ المُتَوَلَّدُ مِنهُ النَّباتُ المُتَوَلَّدُ مِنهُ الغِذاءُ المُتَوَلَّدُ مِنهُ المَنِيُّ ودَمُ الطَّمْثِ المُتَوَلَّدُ مِنهُما الإنْسانُ.
وقِيلَ: (مِن) بِمَعْنى في و(اسْتَعْمَرَكم): جَعَلَكم عُمّارًا. وقِيلَ: (اسْتَعْمَرَكم) مِنَ العُمُرِ، أيِ: اسْتَبَقاكم فِيها قالَهُ الضَّحّاكُ، أيْ: أطالَ أعْمارَكم. وقِيلَ: مِنَ العُمْرى، قالَهُ مُجاهِدٌ: فَيَكُونُ اسْتَعْمَرَ في مَعْنى أعْمَرَ، كاسْتَهْلَكَهُ في مَعْنى أهْلَكَهُ. والمَعْنى: أعْمَرَكم فِيها دِيارَكم، ثُمَّ هو وارِثُها مِنكم.
أوْ بِمَعْنى: جَعَلَكم مُعَمِّرِينَ دِيارَكم فِيها، لِأنَّ مَن ورِثَ دارَهُ مِن بَعْدِهِ فَإنَّهُ أعْمَرَهُ إيّاها، لِأنَّهُ يَسْكُنُها عُمُرَهُ ثُمَّ يَتْرُكُها لِغَيْرِهِ. وقالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ: (اسْتَعْمَرَكم): أمَرَكم بِعِمارَةِ ما تَحْتاجُونَ إلَيْهِ مِن بِناءِ مَساكِنَ وغَرْسِ أشْجارٍ. وقِيلَ: ألْهَمَكم عِمارَتَها مِنَ الحَرْثِ والغَرْسِ وحَفْرِ الأنْهارِ وغَيْرِها، ﴿إنَّ رَبِّي قَرِيبٌ﴾ أيْ: دانِي الرَّحْمَةِ، (مُجِيبٌ) لِمَن دَعاهُ.
﴿قَدْ كُنْتَ فِينا مَرْجُوًّا﴾ . قالَ كَعْبٌ: كانُوا يَرْجُوهُ لِلْمَمْلِكَةِ بَعْدَ مُلْكِهِمْ، لِأنَّهُ كانَ ذا حَسَبٍ وثَرْوَةٍ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: فاضِلًا خَيِّرًا نُقَدِّمُكَ عَلى جَمِيعِنا.
وقالَ مُقاتِلٌ: كانُوا يَرْجُونَ رُجُوعَهُ إلى دِينِهِمْ، إذْ كانَ يُبْغِضُ أصْنامَهم، ويَعْدِلُ عَنْ دِينِهِمْ، فَلَمّا أظْهَرَ إنْذارَهُمُ انْقَطَعَ رَجاؤُهم مِنهُ.
وذَكَرَ الماوَرْدِيُّ: يَرْجُونَ خَيْرَهُ، فَلَمّا أنْذَرَهُمُ انْقَطَعَ رَجاؤُهم خَيْرَهُ. وبَسَطَ الزَّمَخْشَرِيُّ هَذا القَوْلَ فَقالَ: فِينا فِيما بَيْنَنا مَرْجُوًّا كانَتْ تَلُوحُ فِيكَ مَخايِلُ الخَيْرِ وأماراتُ الرُّشْدِ، فَكُنّا نَرْجُوكَ لِنَنْتَفِعَ بِكَ، وتَكُونَ مُشاوَرًا في الأُمُورِ مُسْتَرْشَدًا في التَّدابِيرِ، فَلَمّا نَطَقْتَ بِهَذا القَوْلِ انْقَطَعَ رَجاؤُنا عَنْكَ، وعَلِمْنا أنْ لا خَيْرَ فِيكَ، انْتَهى.
وقِيلَ: لَمّا كانَ قَوِيَّ الخاطِرِ وكانَ مِن قَبِيلَتِهِمْ، قَوِيَ رَجاؤُهم في أنْ يَنْصُرَ دِينَهم ويُقَوِّيَ مَذْهَبَهم. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والظّاهِرُ الَّذِي حَكاهُ الجُمْهُورُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿مَرْجُوًّا﴾: مَشُورًا نُؤَمِّلُ فِيكَ أنْ تَكُونَ سَيِّدًا سادًّا مَسَدَّ الأكابِرِ، ثُمَّ قَرَّرُوهُ عَلى التَّوْبِيخِ في زَعْمِهِمْ بِقَوْلِهِمْ: ﴿أتَنْهانا﴾ . وحَكى النَّقّاشُ عَنْ بَعْضِهِمْ أنَّهُ قالَ: مَعْناهُ حَقِيرًا، فَإمّا أنْ يَكُونَ لَفْظُ مَرْجُوًّا بِمَعْنى حَقِيرٍ، فَلَيْسَ ذَلِكَ في كَلامِ العَرَبِ، وإنَّما يَتَّجِهُ ذَلِكَ عَلى جِهَةِ التَّفْسِيرِ لِلْمَعْنى، وذَلِكَ أنَّ القَصْدَ بِقَوْلِهِمْ: مَرْجُوًّا بِقَوْلِ: لَقَدْ كُنْتَ فِينا سَهْلًا مَرامُكَ، قَرِيبًا رَدُّ أمْرِكَ مِمَّنْ لا يُظَنُّ أنْ يُسْتَعْجَلَ مِن أمْرِهِ مِثْلُ هَذا.
فَمَعْنى مَرْجُوًّا، أيْ: مُؤَخَرًّا اطِّراحُهُ وغَلَبَتُهُ ونَحْوَ هَذا فَيَكُونُ ذَلِكَ عَلى جِهَةِ الِاحْتِقارِ، ولِذَلِكَ فُسِّرَ بِحَقِيرٍ، ثُمَّ يَجِيءُ قَوْلُهم: ﴿أتَنْهانا﴾، عَلى جِهَةِ التَّوَعُّدِ والِاسْتِبْشاعِ لِهَذِهِ المَقالَةِ مِنهُ، انْتَهى.
و﴿ما يَعْبُدُ آباؤُنا﴾ حِكايَةُ حالٍ ماضِيَةٍ، وإنّا وإنَّنا لُغَتانِ لِـ قُرَيْشٍ. قالَ الفَرّاءُ: مَن قالَ إنَّنا أخْرَجَ الحَرْفَ عَلى أصْلِهِ، لِأنَّ كِنايَةَ المُتَكَلِّمِينَ (نا)، فاجْتَمَعَتْ ثَلاثُ نُوناتٍ.
ومَن قالَ: إنّا: اسْتَثْقَلَ اجْتِماعَها فَأسْقَطَ الثّالِثَةَ وأبْقى الأُولَتَيْنِ، انْتَهى. والَّذِي أخْتارُهُ أنَّ (نا) ضَمِيرُ المُتَكَلِّمِينَ لا تَكُونُ المَحْذُوفَةَ، لِأنَّ في حَذْفِها حَذْفَ بَعْضِ اسْمٍ وبَقِيَ مِنهُ حَرْفٌ ساكِنٌ، وإنَّما المَحْذُوفَةُ النُّونُ الثّانِيَةُ مِن إنَّ فَحُذِفَتْ لِاجْتِماعِ الأمْثالِ، وبَقِيَ مِنَ الحَرْفِ الهَمْزَةُ والنُّونُ السّاكِنَةُ، وهَذا أوْلى مِن حَذْفِ ما بَقِيَ مِنهُ حَرْفٌ.
وأيْضًا فَقَدْ عُهِدَ حَذْفُ هَذِهِ النُّونِ مَعَ غَيْرِ ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِينَ، ولَمْ يُعْهَدْ حَذْفُ نُونِ (نا)، فَكانَ حَذْفُها مِن إنَّ أوْلى. و(مُرِيبٍ): اسْمُ فاعِلٍ مِن مُتَعَدِّ أرابَهُ: أوْقَعَهُ في الرِّيبَةِ، وهي قَلَقُ النَّفْسِ وانْتِفاءُ الطُّمَأْنِينَةِ. أوْ مِن لازِمِ أرابَ الرَّجُلُ إذا كانَ ذا رِيبَةٍ، وأُسْنِدَ ذَلِكَ إلى الشَّكِّ إسْنادًا مَجازِيًّا، ووُجُودُ مِثْلِ هَذا الشَّكِّ كَوُجُودِ التَّصْمِيمِ عَلى الكُفْرِ.
﴿قالَ يا قَوْمِ أرَأيْتُمْ إنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّي وآتانِي مِنهُ رَحْمَةً فَمَن يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إنْ عَصَيْتُهُ فَما تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِير﴾ ﴿ويا قَوْمِ هَذِهِ ناقَةُ اللَّهِ لَكم آيَةً فَذَرُوها تَأْكُلْ في أرْضِ اللَّهِ ولا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكم عَذابٌ قَرِيبٌ﴾ ﴿فَعَقَرُوها فَقالَ تَمَتَّعُوا في دارِكم ثَلاثَةَ أيّامٍ ذَلِكَ وعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ﴾ (p-٢٣٩)تَقَدَّمَ الكَلامُ في (أرَأيْتُمْ) في قِصَّةِ نُوحٍ، والمَفْعُولُ الثّانِي هُنا لِأرَأيْتُمْ مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿فَمَن يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إنْ عَصَيْتُهُ﴾، والتَّقْدِيرُ: أعْصِيهِ في تَرْكِ ما أنا عَلَيْهِ مِنَ البَيِّنَةِ.
وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: (أرَأيْتُمْ) هو مِن رُؤْيَةِ القَلْبِ، والشَّرْطُ الَّذِي بَعْدَهُ وجَوابُهُ يَسُدُّ مَسَدَّ مَفْعُولَيْ عَلِمْتُ وأخَواتِها، وإدْخالُ أداةِ الشَّرْطِ الَّتِي هي إنْ عَلى جُمْلَةٍ مُحَقَّقَةٍ، وهي كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ، لَكِنَّهُ خاطَبَ الجاحِدِينَ لِلْبَيِّنَةِ فَكَأنَّهُ قالَ: قَدِّرُوا أنِّي عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّي وانْظُرُوا إنْ تابَعْتُكم وعَصَيْتُ رَبِّي في أوامِرِهِ، فَمَن يَمْنَعُنِي مِن عَذابِهِ ؟ قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وفي الكَلامِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: أيَضُرُّنِي شَكُّكم ؟ أوْ أيُمْكِنُنِي طاعَتُكم ؟ ونَحْوَ هَذا مِمّا يَلِيقُ بِمَعْنى الآيَةِ، انْتَهى. وهَذا التَّقْدِيرُ الَّذِي قَدَّرَهُ اسْتِشْعارٌ مِنهُ بِالمَفْعُولِ الثّانِي الَّذِي يَقْتَضِيهِ أرَأيْتُمْ، وأنَّ الشَّرْطَ وجَوابَهُ لا يَقَعانِ ولا يَسُدّانِ مَسَدَّ مَفْعُولَيْ (أرَأيْتُمْ)، والَّذِي قَدَّرْناهُ نَحْنُ هو الظّاهِرُ لِدَلالَةِ قَوْلِهِ: ﴿فَمَن يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إنْ عَصَيْتُهُ فَما تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ﴾ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: غَيْرَ أنْ أُخَسِّرَكم، أيْ: أنْسُبَكم إلى الخُسْرانِ، وأقُولُ أنَّكم خاسِرُونَ، انْتَهى.
يُفْعَلُ هَذا لِلنِّسْبَةِ كَفَسَّقْتُهُ وفَجَّرْتُهُ، أيْ: نَسَبْتُهُ، أيِ: الفِسْقُ والفُجُورُ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مَعْناهُ: ما تَزِيدُونَنِي بِعِبادَتِكم إلّا بَصارَةً في خُسْرانِكم، انْتَهى. فَهو عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: غَيْرَ بَصارَةِ تَخْسِيرِكم.
وقالَ مُجاهِدٌ: ما تَزْدادُونَ أنْتُمْ بِاحْتِجاجِكم بِعِبادَةِ آبائِكم إلّا خَسارًا، وأضافَ الزِّيادَةَ إلى نَفْسِهِ لِأنَّهم أعْطَوْهُ ذَلِكَ وكانَ سَألَهُمُ الإيمانَ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: فَما تُعْطُونِي فِيما اقْتَضَيْتُهُ مِنكم مِنَ الإيمانِ غَيْرَ تَخْسِيرٍ لِأنْفُسِكم، وهو مِنَ الخَسارَةِ ولَيْسَ التَّخْسِيرُ إلّا لَهم وفي حَيِّزِهِمْ، وأضافَ الزِّيادَةَ إلَيْهِ مِن حَيْثُ هو مُقْتَضٍ لِأقْوالِهِمْ مُوَكَّلٌ بِإيمانِهِمْ كَما تَقُولُ لِمَن تُوصِيهِ: أنا أُرِيدُكَ خَيْرًا وأنْتَ تُرِيدُنِي سُوءًا، وكانَ الوَجْهُ البَيِّنُ أنْ يَقُولَ: وأنْتَ تُرِيدُ شَرًّا، لَكِنْ مِن حَيْثُ كَنْتَ مُرِيدَ خَيْرٍ، ومُقْتَضى ذَلِكَ حَسُنَ أنْ يُضِيفَ الزِّيادَةَ إلى نَفْسِكَ، انْتَهى. وقِيلَ: التَّقْدِيرُ: فَما تَحْمِلُونَنِي عَلَيْهِ غَيْرَ أنِّي أُخْسِرُكم، أيْ: أرى مِنكُمُ الخُسْرانَ. وقِيلَ: التَّقْدِيرُ: تُخْسِرُونِي أعْمالَكم وتُبْطِلُونَها. قِيلَ: وهَذا أقْرَبُ، لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَمَن يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إنْ عَصَيْتُهُ﴾ كالدَّلالَةِ عَلى أنَّهُ أرادَ: إنِ اتَّبَعْتُكم فِيما أنْتُمْ عَلَيْهِ ودَعَوْتُمُونِي إلَيْهِ لَمْ أزْدَدْ إلّا خُسْرانًا في الدِّينِ، فَأصِيرُ مِنَ الهالِكِينَ الخاسِرِينَ.
وانْتَصَبَ (آيَةً) عَلى الحالِ، والخِلافُ في النّاصِبِ في نَحْوِ هَذا زَيْدٌ مُنْطَلِقًا، أهْوَ حَرْفُ التَّنْبِيهِ أوِ اسْمُ الإشارَةِ أوْ فِعْلٌ مَحْذُوفٌ ؟ جازَ في نَصْبِ (آيَةً) و(لَكم) في مَوْضِعِ الحالِ، لِأنَّهُ لَوْ تَأخَّرَ لَكانَ نَعْتًا لِـ (آيَةً)، فَلَمّا تَقَدَّمَ عَلى النَّكِرَةِ كانَ حالًا، والعامِلُ فِيها مَحْذُوفٌ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): فَبِمَ يَتَعَلَّقُ لَكم ؟ (قُلْتُ): بِـ (آيَةً) حالًا مِنها مُتَقَدِّمَةً، لِأنَّها لَوْ تَأخَّرَتْ لَكانَ صِفَةً لَها، فَلَمّا تَقَدَّمَتِ انْتَصَبَ عَلى الحالِ، انْتَهى.
وهَذا مُتَناقِضٌ، لِأنَّهُ مِن حَيْثُ تَعَلَّقَ (لَكم) بِـ (آيَةً) كانَ (لَكم) مَعْمُولًا لِـ (آيَةً)، وإذا كانَ مَعْمُولًا لَها امْتَنَعَ أنْ يَكُونَ حالًا مِنها، لِأنَّ الحالَ تَتَعَلَّقُ بِمَحْذُوفٍ، فَتَناقَضَ هَذا الكَلامُ، لِأنَّهُ مِن حَيْثُ كَوْنُهُ مَعْمُولًا لَها كانَتْ هي العامِلَةَ، ومِن حَيْثُ كَوْنُهُ حالًا مِنها كانَ العامِلُ غَيْرَها، وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى الجُمَلِ الَّتِي بَعْدَ (آيَةً) . وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: (تَأْكُلُ) بِالرَّفْعِ عَلى الِاسْتِئْنافِ، أوْ عَلى الحالِ. و(قَرِيبٌ): عاجِلٌ لا يَسْتَأْخِرُ عَنْ مَسِّكُمُوها بِسُوءٍ إلّا يَسِيرًا، وذَلِكَ ثَلاثَةُ أيّامٍ ثُمَّ يَقَعُ عَلَيْكم، وهَذا الإخْبارُ بِوَحْيٍ مِنَ اللَّهِ تَعالى، (فَعَقَرُوها): نُسِبَ إلى جَمِيعِهِمْ وإنْ كانَ العاقِرُ واحِدًا لِأنَّهُ كانَ بِرِضًى مِنهم وتَمالَئُوا. ومَعْنى (تَمَتَّعُوا): اسْتَمْتِعُوا بِالعَيْشِ في دارِكم في بَلَدِكم، وتُسَمّى البِلادُ: الدِّيارُ لِأنَّها يُدارُ فِيها، أيْ: يُتَصَرَّفُ، يُقالُ: دِيارُ بَكْرٍ لِبِلادِهِمْ قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ﴿فِي دارِكُمْ﴾: جَمْعُ دارَةٍ، كَساحَةٍ وساحٍ وسُوحٍ، ومِنهُ قَوْلُ أُمَيَّةَ بْنِ أبِي الصَّلْتِ:(p-٢٤٠)
؎لَهُ داعٍ بِـ مَكَّةَ مُشْمَعِلٌّ ∗∗∗ وآخَرُ فَوْقَ دارَتِهِ يُنادِي
ويُمْكِنُ أنْ يُسَمّىَ جَمِيعُ مَسْكَنِ الحَيِّ دارًا، انْتَهى. (ذَلِكَ) أيِ: الوَعْدُ بِالعَذابِ غَيْرُ مَكْذُوبٍ، أيْ: صِدْقٌ حَقٌّ.
والأصْلُ: غَيْرُهُ مَكْذُوبٌ فِيهِ، فاتَّسَعَ فَحُذِفَ الحَرْفُ وأُجْرِيَ الضَّمِيرُ مَجْرى المَفْعُولِ بِهِ، أوْ جُعِلَ ﴿غَيْرُ مَكْذُوبٍ﴾ لِأنَّهُ وفّى بِهِ فَقَدْ صَدَقَ، أوْ عَلى أنَّ المَكْذُوبَ هُنا مَصْدَرٌ عِنْدَ مَن يُثْبِتُ أنَّ المَصْدَرَ يَجِيءُ عَلى زِنَةِ مَفْعُولٍ.
﴿فَلَمّا جاءَ أمْرُنا نَجَّيْنا صالِحًا والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنّا ومِن خِزْيِ يَوْمِئِذٍ إنَّ رَبَّكَ هو القَوِيُّ العَزِيزُ﴾ ﴿وأخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأصْبَحُوا في دِيارِهِمْ جاثِمِينَ﴾ ﴿كَأنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها ألا إنَّ ثَمُودًا كَفَرُوا رَبَّهم ألا بُعْدًا لِثَمُودَ﴾ والكَلامُ في ﴿جاءَ أمْرُنا﴾ [هود: ٤٠] كالكَلامِ السّابِقِ في قِصَّةِ قَوْمِ هُودٍ. قِيلَ: الواوُ زائِدَةٌ في (ومِن) أيْ: مِن خِزْيِ يَوْمِئِذٍ فَيَتَعَلَّقُ (مِن) بِـ (نَجَّيْنا)، وهَذا لا يَجُوزُ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ، لِأنَّ الواوَ لا تُزادُ عِنْدَهم بَلْ تَتَعَلَّقُ مِن بِمَحْذُوفٍ، أيْ: ونَجَّيْناهم مِن خِزْيِ، أيْ: وكانَتِ التَّنْجِيَةُ مِن خِزْيِ يَوْمِئِذٍ.
وقَرَأ طَلْحَةُ وأبانُ بْنُ تَغْلِبَ: ﴿ومِن خِزْيِ﴾ بِالتَّنْوِينِ، ونَصْبِ (يَوْمَئِذٍ) عَلى الظَّرْفِ مَعْمُولًا لِخِزْيٍ. وقَرَأ الجُمْهُورُ بِالإضافَةِ، وفَتْحِ المِيمِ نافِعٌ والكِسائِيُّ، وهي فَتْحَةُ بِناءٍ لِإضافَتِهِ إلى إذْ، وهو غَيْرُ مُتَمَكِّنٍ. وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ بِكَسْرِ المِيمِ وهي حَرَكَةُ إعْرابٍ، والتَّنْوِينُ في إذْ تَنْوِينُ عِوَضٍ مِنَ الجُمْلَةِ المَحْذُوفَةِ المُتَقَدِّمَةِ الذِّكْرِ، أيْ: ومِن فَضِيحَةِ يَوْمِ إذْ جاءَ الأمْرُ وحَلَّ بِهِمْ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يُرِيدَ بِـ (يَوْمِئِذٍ): يَوْمَ القِيامَةِ، كَما فَسَّرَ العَذابَ الغَلِيظَ بِعَذابِ الآخِرَةِ، انْتَهى.
وهَذا لَيْسَ بِجَيِّدٍ، لِأنَّ التَّنْوِينَ في إذْ تَنْوِينُ العِوَضِ ولَمْ يَتَقَدَّمْ إلّا قَوْلُهُ، ﴿فَلَمّا جاءَ أمْرُنا﴾ ولَمْ تَتَقَدَّمْ جُمْلَةٌ فِيها ذِكْرُ يَوْمِ القِيامَةِ ولا ما يَكُونُ فِيها، فَيَكُونُ هَذا التَّنْوِينُ عِوَضًا مِنَ الجُمْلَةِ الَّتِي تَكُونُ في يَوْمِ القِيامَةِ.
وناسَبَ مَجِيءُ الأمْرِ وصْفَهُ تَعالى بِالقَوِيِّ العَزِيزِ، فَإنِّهُما مِن صِفاتِ الغَلَبَةِ والقَهْرِ والِانْتِقامِ، والجُمْلَةُ الَّتِي بَعْدَ هَذا تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْها في الأعْرافِ.
﴿ألا إنَّ ثَمُودَ﴾: مَنَعَ حَمْزَةُ وحَفْصٌ صَرْفَهُ وصَرَفَهُ الباقُونَ ﴿لِثَمُودَ﴾ صَرَفَهُ الكِسائِيُّ ومَنَعَهُ باقِي السَّبْعَةِ.
هود 11:69
﴿ولَقَدْ جاءَتْ رُسُلُنا إبْراهِيمَ بِالبُشْرى قالُوا سَلامًا قالَ سَلامٌ فَما لَبِثَ أنْ جاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾ ﴿فَلَمّا رَأى أيْدِيَهم لا تَصِلُ إلَيْهِ نَكِرَهم وأوْجَسَ مِنهم خِيفَةً قالُوا لا تَخَفْ إنّا أُرْسِلْنا إلى قَوْمِ لُوطٍ﴾ ﴿وامْرَأتُهُ قائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْناها بِإسْحاقَ ومِن وراءِ إسْحاقَ يَعْقُوبَ﴾ ﴿قالَتْ ياوَيْلَتى أألِدُ وأنا عَجُوزٌ وهَذا بَعْلِي شَيْخًا إنَّ هَذا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ﴾ ﴿قالُوا أتَعْجَبِينَ مِن أمْرِ اللَّهِ رَحْمَةُ اللَّهِ وبَرَكاتُهُ عَلَيْكم أهْلَ البَيْتِ إنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ﴾: (p-٢٤١)تَقَدَّمَ أنَّ تَرْتِيبَ قَصَصِ هَذِهِ السُّورَةِ كَتَرْتِيبِ قَصَصِ الأعْرافِ، وإنَّما أدْرَجَ شَيْئًا مِن أخْبارِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ بَيْنَ قِصَّةِ صالِحٍ ولُوطٍ، لِأنَّ لَهُ مَدْخَلًا في قِصَّةِ لُوطٍ، وكانَ إبْراهِيمُ ابْنَ خالَةِ لُوطٍ.
والرُّسُلُ هُنا: المَلائِكَةُ، بَشَّرَتْ إبْراهِيمَ بِثَلاثِ بَشائِرَ: بِالوَلَدِ، وبِالخِلَّةِ، وبِإنْجاءِ لُوطٍ ومَن آمَنَ مَعَهُ.
قِيلَ: كانُوا اثْنَيْ عَشَرَ مَلَكًا، رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وقالَ السُّدِّيُّ: أحَدَ عَشَرَ، وحَكى صاحِبُ الغُنْيانِ: عَشَرَةٌ مِنهم جِبْرِيلُ. وقالَ الضَّحّاكُ: تِسْعَةٌ، وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: ثَمانِيَةٌ، وحَكى الماوَرْدِيُّ: أرْبَعَةٌ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ جُبَيْرٍ: ثَلاثَةٌ: جِبْرِيلُ ومِيكائِيلُ وإسْرافِيلُ. وقالَ مُقاتِلٌ: جِبْرِيلُ ومِيكائِيلُ ومَلَكُ المَوْتِ.
ورُوِيَ: أنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ مُخْتَصًّا بِإهْلاكِ قَوْمِ لُوطٍ، ومِيكائِيلَ بِبُشْرى إبْراهِيمَ بِإسْحاقَ عَلَيْهِما السَّلامُ، وإسْرافِيلَ بِإنْجاءِ لُوطٍ ومَن آمَنَ مَعَهُ.
قِيلَ: وكانَتِ المَلائِكَةُ جُرْدًا مُرْدًا عَلى غايَةٍ مِنَ الحُسْنِ والجَمالِ والبَهْجَةِ، ولِهَذا يُضْرَبُ بِهِمُ المَثَلُ في الحُسْنِ كَما قالَ تَعالى حِكايَةً عَمّا قِيلَ في يُوسُفَ: ﴿ما هَذا بَشَرًا إنْ هَذا إلّا مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾ [يوسف: ٣١] وقالَ الغَزِّيُّ:
؎قَوْمٌ إذا قُوبِلُوا كانُوا مَلائِكَةً حُسْنًا وإنْ قُوتِلُوا كانُوا عَفارِيتا
وانْتَصَبَ (سَلامًا) عَلى إضْمارِ الفِعْلِ، أيْ: سَلَّمْنا عَلَيْكَ سَلامًا، فَـ (سَلامًا) قَطَعَهُ مَعْمُولًا لِلْفِعْلِ المُضْمَرِ المَحْكِيِّ بِـ (قالُوا)، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ (سَلامًا) حِكايَةً لِمَعْنى ما قالُوا، لا حِكايَةً لِلَفْظِهِمْ، قالَهُ مُجاهِدٌ والسُّدِّيُّ.
ولِذَلِكَ عَمِلَ فِيهِ القَوْلُ، كَما تَقُولُ لِرَجُلٍ قالَ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ: قُلْتَ: حَقًّا وإخْلاصًا، ولَوْ حَكَيْتَ لَفْظَهم لَمْ يَصِحَّ أنْ يَعْمَلَ فِيهِ القَوْلُ، انْتَهى. ويَعْنِي: لَمْ يَصِحَّ أنْ يَعْمَلَ في لَفْظِهِمُ القَوْلُ، يَعْنِي في اللَّفْظِ، وإنْ كانَ ما لَفَظُوا بِهِ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ لِلْقَوْلِ.
و(سَلامٌ): خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: أمْرِي أوْ أمْرُكم سَلامٌ، أوْ مُبْتَدَأٌ مَحْذُوفُ الخَبَرِ، أيْ: عَلَيْكم سَلامٌ، والجُمْلَةُ مَحْمِيَّةٌ وإنْ كانَ حُذِفَ مِنها أحَدُ جُزْءَيْها كَما قالَ:
؎إذا ذُقْتَ فاها قُلْتَ طَعْمَ مُدامَةٍ
أيْ: طَعْمُهُ طَعْمُ مُدامَةٍ.
وقَرَأ الأخَوانَ: قالَ سِلْمٌ، والسِّلْمُ: السَّلامُ كَحِرْمٍ وحَرامٍ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎مَرَرْنا فَقُلْنا إيهِ سِلْمٌ فَسَلَّمَتْ ∗∗∗ كَما اكْتَلَّ بِالبَرْقِ الغَمامُ اللَّوائِحُ
اكْتَلَّ: اتَّخَذَ إكْلِيلًا. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِالسِّلْمِ ضِدَّ الحَرْبِ تَقُولُ: نَحْنُ سِلْمٌ لَكم، انْتَهى. ونَصْبُ (سَلامًا) يَدُلُّ عَلى التَّجَدُّدِ، ورَفْعُ (سَلامٌ) يَدُلُّ عَلى الثُّبُوتِ والِاسْتِقْرارِ، والأقْرَبُ في إعْرابِ ﴿فَما لَبِثَ﴾ أنْ تَكُونَ ما نافِيَةً، ولَبِثَ مَعْناهُ: تَأخَّرَ وأبْطَأ، و﴿أنْ جاءَ﴾: فاعِلٌ بِلَبِثَ، التَّقْدِيرُ: فَما تَأخَّرَ مَجِيئُهُ قالَهُ: الفَرّاءُ.
وجَوَّزُوا أنْ يَكُونَ في (لَبِثَ) ضَمِيرُ إبْراهِيمَ فَهو فاعِلٌ، و﴿أنْ جاءَ﴾ عَلى إسْقاطِ الحَرْفِ فَقُدِّرَ بِأنْ وبِعْنَ وبِفِي، وجَعَلَ بَعْضُهم (أنْ) بِمَعْنى حَتّى حَكاهُ ابْنُ العَرَبِيِّ. وأنْ تَكُونَ (ما) مَصْدَرِيَّةً، وذَلِكَ المَصْدَرُ في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِداءِ، وأنْ تَكُونَ بِمَعْنى: الَّذِي، أيْ: فَلَبْثُهُ أوِ الَّذِي لَبِثَهُ، والخَبَرُ ﴿أنْ جاءَ﴾ عَلى حَذْفِ أيْ: قَدْرُ مَجِيئِهِ، وهَذا مِن أدَبِ الضِّيافَةِ، وهو تَعْجِيلُ القِرى. وكانَ مالُ إبْراهِيمَ البَقَرَ، فَقَدَّمَ أحْسَنَ ما فِيهِ وهو (p-٢٤٢)العِجْلُ. قالَ مُجاهِدٌ: (حَنِيذٍ) مَطْبُوخٍ، وقالَ الحَسَنُ: نَضِجٍ مَشْوِيٍّ سَمِينٍ يَقْطُرُ ودَكًا. وقالَ السُّدِّيُّ: سَمِينٍ، وقِيلَ: سَمِيطٍ لا يَصِلُ إلَيْهِ، أيْ: إلى العِجْلِ.
والمَعْنى: لا يَمُدُّونَ أيْدِيَهم إلى أكْلِهِ، فَلَمْ يَنْفِ الوُصُولَ النّاشِئَ عَنِ المَدِّ بَلْ، جَعَلَ عَدَمَ الوُصُولِ اسْتِعارَةً عَنِ امْتِناعِهِمْ مِنَ الأكْلِ، ﴿نَكِرَهُمْ﴾ أيْ: أنْكَرَهم قالَ الشّاعِرُ:
؎وأنْكَرَتْنِي وما كانَ الَّذِي نَكِرَتْ ∗∗∗ مِنَ الحَوادِثِ إلّا الشَّيْبَ والصَّلَعا
وقِيلَ: نَكِرَ فِيما يُرى، وأنْكَرَ فِيما لا يُرى مِنَ المَعانِي، فَكَأنَّ الشّاعِرَ قالَ: وأنْكَرَتْ مَوَدَّتِي ثُمَّ جاءَتْ بِنُكْرِ الشَّيْبِ والصَّلَعِ مِمّا يُرى بِالبَصَرِ. ومِنهُ قَوْلُ أبِي ذُؤَيْبٍ:
؎فَنَكِرْنَهُ فَنَفَرْنَ وامْتَرَسَتْ بِهِ ∗∗∗ هَوْجاءُ هادِيَةٌ وهادٍ جُرْشُعُ
ورُوِيَ أنَّهم كانُوا يَنْكُثُونَ بِقِداحٍ كانَتْ بِأيْدِيهِمْ في اللَّحْمِ ولا تَصِلُ أيْدِيهِمْ إلَيْهِ، ويَنْبَغِي أنْ يُنْظَرَ مِنَ الضَّيْفِ هَلْ يَأْكُلُ أوْ لا، ويَكُونُ بِتَلَفُّتٍ ومُسارَعَةٍ لا بِتَحْدِيدِ النَّظَرِ، لِأنَّ ذَلِكَ مِمّا يَجْعَلُ الضَّيْفَ مُقَصِّرًا في الأكْلِ. قِيلَ: كانَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ يَنْزِلُ في طَرَفٍ مِنَ الأرْضِ مَخافَةَ أنْ يُرِيدُوا بِهِ مَكْرُوهًا.
وقِيلَ: كانَتْ عادَتُهم إذا مَسَّ مِن يَطْرُقُهم طَعامَهم أمِنُوا وإلّا خافُوهُ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَظْهَرُ أنَّهُ أحَسَّ بِأنَّهم مَلائِكَةٌ ونَكِرَهم، لِأنَّهُ تَخَوَّفَ أنْ يَكُونَ نُزُولُهم لِأمْرٍ أنْكَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ، أوْ لِتَعْذِيبِ قَوْمِهِ.
ألا تَرى إلى قَوْلِهِمْ: ﴿لا تَخَفْ إنّا أُرْسِلْنا إلى قَوْمِ لُوطٍ﴾ وإنَّما يُقالُ هَذا لِمَن عَرَفَهم ولَمْ يَعْرِفْ فِيما أُرْسِلُوا. قالَ مُقاتِلٌ: فَأوْجَسَ: وقَعَ في قَلْبِهِ. وقالَ الحَسَنُ: حَدَّثَ بِهِ نَفْسَهُ، قِيلَ: وأصْلُ الوُجُوسِ: الدُّخُولُ، فَكَأنَّ الخَوْفَ دَخَلَ عَلَيْهِ.
والظّاهِرُ أنَّهُ لَمْ يَعْرِفْ أنَّهم مَلائِكَةٌ لِمَجِيئِهِمْ في صُورَةِ البَشَرِ، وكانَ مَشْغُوفًا بِإكْرامِ الأضْيافِ، فَلِذَلِكَ جاءُوا في صُوَرِهِمْ، ولِمُسارَعَتِهِ إلى إحْضارِ الطَّعامِ إلَيْهِمْ، ولِأنَّ امْتِناعَ المَلائِكَةِ مِنَ الأكْلِ لا يَدُلُّ عَلى حُصُولِ الشَّرِّ، وإنَّما عَرَفَ أنَّهم مَلائِكَةٌ بِقَوْلِهِمْ: ﴿لا تَخَفْ إنّا أُرْسِلْنا إلى قَوْمِ لُوطٍ﴾، فَنَهَوْهُ عَنْ شَيْءٍ وقَعَ في نَفْسِهِ، وعَرَفُوا خِيفَتَهُ بِكَوْنِ اللَّهِ جَعَلَ لَهم مِنَ الِاطِّلاعِ ما لَمْ يَجْعَلْ لِغَيْرِهِمْ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَعْلَمُونَ ما تَفْعَلُونَ﴾ [الإنفطار: ١٢] وفي الحَدِيثِ الصَّحِيحِ «قالَتِ المَلائِكَةُ رَبِّي عَبْدُكَ هَذا يُرِيدُ أنْ يَعْمَلَ سَيِّئَةً» الحَدِيثَ، أوْ بِما يَلُوحُ في صَفَحاتِ وجْهِ الخائِفِ.
﴿وامْرَأتُهُ قائِمَةٌ﴾ جُمْلَةٌ مِنِ ابْتِداءٍ وخَبَرٍ، قالَ الحَوْفِيُّ وأبُو البَقاءِ: في مَوْضِعِ الحالِ، قالَ أبُو البَقاءِ: مِن ضَمِيرِ الفاعِلِ في أرْسَلْنا، يَعْنِي المَفْعُولَ الَّذِي لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ.
والزَّمَخْشَرِيُّ يُسَمِّيهِ فاعِلًا لِقِيامِهِ مَقامَ الفاعِلِ. وقالَ الحَوْفِيُّ: والتَّقْدِيرُ: أُرْسِلْنا إلى قَوْمِ لُوطٍ في حالِ قِيامِ امْرَأتِهِ، يَعْنِي امْرَأةَ إبْراهِيمَ. والظّاهِرُ أنَّهُ حالٌ مِن ضَمِيرِ قالُوا، أيْ: قالُوا لِإبْراهِيمَ: لا تَخَفْ في حالِ قِيامِ امْرَأتِهِ وهي سارَةُ بِنْتُ هارانَ بْنِ ناخُورَ وهي ابْنَةُ عَمِّهِ، (قائِمَةٌ) أيْ: لِخِدْمَةِ الأضْيافِ، وكانَتْ نِساؤُهم لا تَحْتَجِبُ كَعادَةِ الأعْرابِ، ونازِلَةِ البَوادِي والصَّحْراءِ، ولَمْ يَكُنِ التَّبَرُّجُ مَكْرُوهًا، وكانَتْ عَجُوزًا، وخِدْمَةُ الضِّيفانِ مِمّا يُعَدُّ مِن مَكارِمِ الأخْلاقِ قالَهُ: مُجاهِدٌ.
وجاءَ في شَرِيعَتِنا مِثْلُ هَذا مِن حَدِيثِ أبِي أُسَيْدٍ السّاعِدِيِّ: وكانَتِ امْرَأتُهُ عَرُوسًا، فَكانَتْ خادِمَةَ الرَّسُولِ ومَن حَضَرَ مَعَهُ مِن أصْحابِهِ. وقالَ وهْبٌ: كانَتْ قائِمَةً وراءَ السَّتْرِ تَسْمَعُ مُحاوَرَتَهم. وقالَ ابْنُ إسْحاقَ: قائِمَةٌ تُصَلِّي. وقالَ المُبَرِّدُ: قائِمَةٌ عَنِ الوَلَدِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ: وامْرَأتُهُ قائِمَةٌ وهو قاعِدٌ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وفي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: وهي قائِمَةٌ وهو جالِسٌ. ولَمْ يَتَقَدَّمْ ذِكْرُ امْرَأةِ إبْراهِيمَ فَيُضْمَرُ، لَكِنَّهُ يُفَسِّرُهُ سِياقُ الكَلامِ.
قالَ مُجاهِدٌ وعِكْرِمَةُ: ﴿فَضَحِكَتْ﴾: حاضَتْ. قالَ الجُمْهُورُ: هو الضَّحِكُ المَعْرُوفُ. فَقِيلَ: هو مَجازٌ مُعَبَّرٌ بِهِ عَنْ طَلاقَةِ الوَجْهِ وسُرُورِهِ بِنَجاةِ أخِيها وهَلاكِ قَوْمِهِ، يُقالُ: أتَيْتُ عَلى رَوْضَةٍ تَضْحَكُ، أيْ: مُشْرِقَةٍ. وقِيلَ: هو حَقِيقَةٌ. فَقالَ مُقاتِلٌ: ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ضَحِكَتْ مِن شِدَّةِ خَوْفِ إبْراهِيمَ (p-٢٤٣)وهُوَ في أهْلِهِ وغِلْمانِهِ. والَّذِينَ جاءُوهُ ثَلاثَةٌ، وهي تَعْهَدُهُ يَغْلِبُ الأرْبَعِينَ، وقِيلَ: المِائَةَ. وقالَ قَتادَةُ: ضَحِكَتْ مِن غَفْلَةِ قَوْمِ لُوطٍ وقُرْبِ العَذابِ مِنهم.
وقالَ السُّدِّيُّ: ضَحِكَتْ مِن إمْساكِ الأضْيافِ عَنِ الأكْلِ وقالَتْ: عَجَبًا لِأضْيافِنا نَخْدُمُهم بِأنْفُسِنا وهم لا يَأْكُلُونَ طَعامَنا. وقالَ وهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ضَحِكَتْ مِنَ البِشارَةِ بِإسْحاقَ، وقالَ: هَذا مُقَدَّمٌ بِمَعْنى التَّأْخِيرِ. وذَكَرَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: أنَّ ضَحِكَها كانَ سُرُورًا بِصِدْقِ ظَنِّها، لِأنَّها كانَتْ تَقُولُ لِإبْراهِيمَ: اضْمُمْ إلَيْكَ ابْنَ أخِيكَ لُوطًا وكانَ أخاها، فَإنَّهُ سَيَنْزِلُ العَذابُ بِقَوْمِهِ. وقِيلَ: ضَحِكَتْ لِما رَأتْ مِنَ المُعْجِزِ، وهو أنَّ المَلائِكَةَ مَسَحَتِ العِجْلَ الحَنِيذَ فَقامَ حَيًّا يَطْفِرُ، والَّذِي يَظْهَرُ واللَّهُ أعْلَمُ أنَّهم لَمّا لَمْ يَأْكُلُوا، وأوْجَسَ في نَفْسِهِ خِيفَةً بَعْدَما نَكِرَ حالَهم، لَحِقَ المَرْأةَ مِن ذَلِكَ أعْظَمُ ما لَحِقَ الرَّجُلَ.
فَلَمّا قالُوا: لا تَخَفْ، وذَكَرُوا سَبَبَ مَجِيئِهِمْ زالَ عَنْهُ الخَوْفُ وسُرَّ، فَلَحِقَها هي مِنَ السُّرُورِ أنْ ضَحِكَتْ، إذِ النِّساءُ في بابِ الفَرَحِ والسُّرُورِ أطْرَبُ مِنَ الرِّجالِ وغالَبٌ عَلَيْهِنَّ ذَلِكَ. وقَدْ أشارَ الزَّمَخْشَرِيُّ إلى طَرَفٍ مِن هَذا فَقالَ: ضَحِكَتْ سُرُورًا بِزَوالِ الخِيفَةِ.
وذَكَرَ مُحَمَّدُ بْنُ قَيْسٍ سَبَبًا لِضَحِكِها تَرَكْنا ذِكْرَهُ لِفَظاعَتِهِ، يُوقَفُ عَلَيْهِ في تَفْسِيرِ ابْنِ عَطِيَّةَ: وقَرَأ مُحَمَّدُ بْنُ زِيادٍ الأعْرابِيُّ رَجُلٌ مِن قُرّاءِ مَكَّةَ: ﴿فَضَحِكَتْ﴾ بِفَتْحِ الحاءِ. قالَ المَهَدَوِيُّ: وفَتْحُ الحاءِ غَيْرُ مَعْرُوفٍ، ﴿فَبَشَّرْناها﴾ هَذا مُوافِقٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَقَدْ جاءَتْ رُسُلُنا إبْراهِيمَ بِالبُشْرى﴾، والمَعْنى: فَبَشَّرْناها عَلى لِسانِ رُسُلِنا، بَشَّرَتْها المَلائِكَةُ بِإسْحاقَ، وبِأنَّ إسْحاقَ سَيَلِدُ يَعْقُوبَ.
قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: أضافَ فِعْلَ المَلائِكَةِ إلى ضَمِيرِ اسْمِ اللَّهِ تَعالى، إذْ كانَ ذَلِكَ بِأمْرِهِ ووَحْيِهِ. وقالَ غَيْرُهُ: لَمّا وُلِدَ لِإبْراهِيمَ إسْماعِيلُ عَلَيْهِما السَّلامُ مِن هاجَرَ تَمَنَّتْ سارَةُ أنْ يَكُونَ لَها ابْنٌ، وأيِسَتْ لِكِبَرِ سِنِّها، فَبُشِّرَتْ بِوَلَدٍ يَكُونُ نَبِيًّا ويَلِدُ نَبِيًّا، فَكانَ هَذا بِشارَةً لَها بِأنْ تَرى ولَدَ ولَدِها. وإنَّما بَشَّرُوها دُونَهُ: لِأنَّ المَرْأةَ أعْجَلُ فَرَحًا بِالوَلَدِ، ولِأنَّ إبْراهِيمَ قَدْ بَشَّرُوهُ وأمَّنُوهُ مِن خَوْفِهِ، فَأتْبَعُوا بِشارَتَهُ بِبِشارَتِها. وقِيلَ: خُصِّتْ بِالبِشارَةِ حَيْثُ لَمْ يَكُنْ لَها ولَدٌ، وكانَلِإبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ ولَدُهُ إسْماعِيلُ.
والظّاهِرُ أنَّ (وراءِ) هُنا: ظَرْفٌ اسْتُعْمِلَ اسْمًا غَيْرَ ظَرْفٍ بِدُخُولِ (مِن) عَلَيْهِ كَأنَّهُ قِيلَ: ومِن بَعْدِ إسْحاقَ، أوْ مِن خَلْفِ إسْحاقَ، وبِمَعْنى بَعْدُ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ واخْتارَهُ مُقاتِلٌ وابْنُ قُتَيْبَةَ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا: أنَّ الوَراءَ: ولَدُ الوَلَدِ، وبِهِ قالَ الشَّعْبِيُّ: واخْتارَهُ أبُو عُبَيْدَةَ. وتَسْمِيَتُهُ وراءَ هي قَرِيبَةٌ مِن مَعْنى (وراءَ) الظَّرْفِ، إذْ هو ما يَكُونُ خَلْفَ الشَّيْءِ وبَعْدَهُ.
فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ يَكُونُ يَعْقُوبُ وراءً لِإسْحاقَ وهو ولَدُهُ لِصُلْبِهِ، وإنَّما الوَراءُ ولَدُ الوَلَدِ ؟ فَقَدْ أجابَ عَنْهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ فَقالَ: المَعْنى ومِنَ الوَراءِ المَنسُوبِ إلى إسْحاقَ يَعْقُوبُ، لِأنَّهُ قَدْ كانَ الوَراءُ لِإبْراهِيمَ مِن جِهَةِ إسْحاقَ، فَلَوْ قالَ: ومِنَ الوَراءِ يَعْقُوبُ، لَمْ يُعْلَمْ أهَذا الوَراءُ مَنسُوبٌ إلى إسْحاقَ أمْ إلى إسْماعِيلَ ؟ فَأُضِيفَ إلى إسْحاقَ لِيَنْكَشِفَ المَعْنى ويَزُولَ اللَّبْسُ، انْتَهى.
وبُشِّرَتْ مِن بَيْنِ أوْلادِ إسْحاقَ بِـ يَعْقُوبَ، لِأنَّها رَأتْهُ ولَمْ تَرَ غَيْرَهُ، وهَذِهِ البِشارَةُ لِسارَةَ كانْتَ وهي بِنْتُ تِسْعٍ وتِسْعِينَ سَنَةً، وإبْراهِيمُ ابْنُ مِائَةِ سَنَةٍ. وقِيلَ: كانَ بَيْنَهُما غَيْرُ ذَلِكَ، وهي أقْوالٌ مُتَناقِضَةٌ.
وهَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ إسْماعِيلَ هو الذَّبِيحُ، لِأنَّ سارَةَ حِينَ أخْدَمَها المَلِكُ الجَبّارُ هاجَرَ أُمَّ إسْماعِيلَ كانَتْ شابَّةً جَمِيلَةً، فاتَّخَذَ إبْراهِيمُ هاجَرَ سُرِّيَّةً، فَغارَتْ مِنها سارَةُ، فَخَرَجَ بِها وبِابْنِها إسْماعِيلَ مِنَ الشّامِ عَلى البُراقِ، وجاءَ مِن يَوْمِهِ مَكَّةَ، وانْصَرَفَ إلى الشّامِ مِن يَوْمِهِ، ثُمَّ كانَتِ البِشارَةُ بِـ إسْحاقَ وسارَةُ عَجُوزٌ مُحالَةً، وسَيَأْتِي الدَّلِيلُ عَلى ذَلِكَ أيْضًا مِن سُورَةِ ﴿والصّافّاتِ﴾ [الصافات: ١] . ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ اللَّهُ سَمّاها حالَةَ البِشارَةِ بِهَذَيْنِ الِاسْمَيْنِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الِاسْمانِ حَدَثا لَها وقْتَ الوِلادَةِ، وتَكُونُ البِشارَةُ بِوَلَدٍ ذَكَرٍ بَعْدَهُ ولَدٌ ذَكَرٌ، وحالَةُ الإخْبارِ عَنِ البِشارَةِ ذَكَرًا بِاسْمِها كَما يَقُولُ المُخْبِرُ: إذا بُشِّرَ في النَّوْمِ بِوَلَدٍ ذَكَرٍ فَوُلِدَ لَهُ ولَدٌ ذَكَرٌ فَسَمّاهُ مَثَلًا: عَبْدَ اللَّهِ بُشِّرْتُ بِعَبْدِ (p-٢٤٤)اللَّهِ. وقَرَأ الحَرَمِيّانِ والنَّحْوِيّانِ وأبُو بَكْرٍ يَعْقُوبُ: بِالرَّفْعِ عَلى الِابْتِداءِ و﴿مِن وراءِ﴾ [الأحزاب: ٥٣] الخَبَرُ كَأنَّهُ قِيلَ: ومِن وراءِ إسْحاقَ يَعْقُوبُ كائِنٌ، وقَدَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ مَوْلُودٌ أوْ مَوْجُودٌ. قالَ النَّحّاسُ: والجُمْلَةُ حالٌ داخِلَةٌ في البِشارَةِ، أيْ: فَبَشَّرْناها بِـ إسْحاقَ مُتَّصِلًا بِهِ يَعْقُوبُ.
وأجازَ أبُو عَلِيٍّ أنْ يَرْتَفِعَ بِالجارِّ والمَجْرُورِ، كَما أجازَهُ الأخْفَشُ، أيْ: واسْتَقَرَّ لَها مِن وراءِ إسْحاقَ يَعْقُوبُ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: رَفْعُهُ عَلى القَطْعِ بِمَعْنى: ومِن وراءِ إسْحاقَ يَحْدُثُ يَعْقُوبُ. وقالَ النَّحّاسُ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ فاعِلًا بِإضْمارِ فِعْلٍ تَقْدِيرُهُ: ويَحْدُثُ مِن وراءِ إسْحاقَ يَعْقُوبُ.
قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وعَلى هَذا لا تَدْخُلُ البِشارَةُ، انْتَهى. ولا حاجَةَ إلى تَكَلُّفِ القَطْعِ والعُدُولِ عَنِ الظّاهِرِ المُقْتَضِي لِلدُّخُولِ في البِشارَةِ.
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ وحَفْصٌ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: يَعْقُوبَ بِالنَّصْبِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: كَأنَّهُ قِيلَ ووَهَبْنا لَهُ إسْحاقَ ومِن وراءِ إسْحاقَ يَعْقُوبَ عَلى طَرِيقَةِ قَوْلِهِ: لَيْسُوا مُصْلِحِينَ عَشِيرَةً، ولا ناعِبٍ، انْتَهى. يَعْنِي أنَّهُ عُطِفَ عَلى التَّوَهُّمِ، والعَطْفُ عَلى التَّوَهُّمِ لا يَنْقاسُ، والأظْهَرُ أنْ يَنْتَصِبَ (يَعْقُوبَ) بِإضْمارِ فِعْلٍ تَقْدِيرُهُ: ومِن وراءِ إسْحاقَ وهَبْنا يَعْقُوبَ، ودَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: فَبَشَّرْناها لِأنَّ البِشارَةَ في مَعْنى الهِبَةِ، ورَجَّحَ هَذا الوَجْهَ أبُو عَلِيٍّ، ومَن ذَهَبَ إلى أنَّهُ مَجْرُورٌ مَعْطُوفٌ عَلى لَفْظِ (بِإسْحاقَ)، أوْ عَلى مَوْضِعِهِ. فَقَوْلُهُ ضَعِيفٌ، لِأنَّهُ لا يَجُوزُ الفَصْلُ بِالظَّرْفِ أوِ المَجْرُورِ بَيْنَ حَرْفِ العَطْفِ ومَعْطُوفِهِ المَجْرُورِ، لا يَجُوزُ: مَرَرْتُ بِزَيْدٍ اليَوْمَ وأمْسَ عَمْرٍو، فَإنْ جاءَ فَفي شِعْرٍ.
فَإنْ كانَ المَعْطُوفُ مَنصُوبًا أوْ مَرْفُوعًا، فَفي جَوازِ ذَلِكَ خِلافٌ نَحْوَ: قامَ زَيْدٌ واليَوْمَ عَمْرٌو، وضَرَبْتُ زَيْدًا واليَوْمَ عَمْرًا والظّاهِرُ أنَّ الألِفَ في ﴿ياوَيْلَتا﴾ [المائدة: ٣١] بَدَلٌ مِن ياءِ الإضافَةِ نَحْوَ: يا لَهْفا ويا عَجَبا، وأمالَ الألِفَ مِن ﴿ياوَيْلَتا﴾ [المائدة: ٣١] عاصِمٌ وأبُو عَمْرٍو والأعْشى، إذْ هي بَدَلٌ مِنَ الياءِ. وقَرَأ الحَسَنُ: (يا ويْلَتِي) بِالياءِ عَلى الأصْلِ.
وقِيلَ: الألِفُ: ألِفُ النُّدْبَةِ، ويُوقَفُ عَلَيْها بِالهاءِ. وأصْلُهُ الدُّعاءِ بِالوَيْلِ ونَحْوِهِ في التَّفَجُّعِ لِشِدَّةِ مَكْرُوهٍ يَدْهَمُ النَّفْسَ، ثُمَّ اسْتُعْمِلَ بَعْدُ في عَجَبٍ يَدْهَمُ النَّفْسَ. (ويا ويْلَتا) كَلِمَةٌ تَخِفُّ عَلى أفْواهِ النِّساءِ إذا طَرَأ عَلَيْهِنَّ ما يَعْجَبْنَ مِنهُ، واسْتَفْهَمَتْ بِقَوْلِها: ﴿أألِدُ﴾ اسْتِفْهامَ إنْكارٍ وتَعَجُّبٍ، و(أنا عَجُوزٌ) وما بَعْدَهُ جُمْلَتا حالٍ، وانْتَصَبَ (شَيْخًا) عَلى الحالِ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ، وخَبَرِ التَّقْرِيبِ عِنْدَ الكُوفِيِّينَ. ولا يُسْتَغْنى عَنْ هَذِهِ الحالِ إذا كانَ الخَبَرُ مَعْرُوفًا عِنْدَ المُخاطَبِ، لِأنَّ الفائِدَةَ إنَّما تَقَعُ بِهَذِهِ الحالِ، أمّا إذا كانَ مَجْهُولًا عِنْدَهُ فَأرَدْتَ أنْ تُفِيدَ المُخاطَبَ ما كانَ يَجْهَلُهُ، فَتَجِيءُ الحالُ عَلى بابِها مُسْتَغْنًى عَنْها.
وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ وهو في مُصْحَفِهِ والأعْمَشُ: ﴿شَيْخٌ﴾ [القصص: ٢٣] بِالرَّفْعِ. وجَوَّزُوا فِيهِ وفي ﴿بَعْلِي﴾ أنْ يَكُونا خَبَرَيْنِ كَقَوْلِهِمْ: هَذا حُلْوٌ حامِضٌ، وأنْ يَكُونَ ﴿بَعْلِي﴾: الخَبَرَ، و﴿شَيْخٌ﴾ [القصص: ٢٣] خَبَرٌ مَحْذُوفٍ، أوْ بَدَلٌ مِن بَعْلِي، وأنْ يَكُونَ ﴿بَعْلِي﴾ بَدَلًا أوْ عَطْفَ بَيانٍ، و﴿شَيْخٌ﴾ [القصص: ٢٣] الخَبَرَ.
والإشارَةُ بِهَذا إلى الوِلادَةِ أوِ البِشارَةِ بِها تَعَجَّبَتْ مِن حُدُوثِ ولَدٍ بَيْنَ شَيْخَيْنِ هَرِمَيْنِ، واسْتَغْرَبَتْ ذَلِكَ مِن حَيْثُ العادَةُ، لا إنْكارًا لِقُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى. قالُوا: أيِ المَلائِكَةُ، ﴿أتَعْجَبِينَ﴾ اسْتِفْهامُ إنْكارٍ لِعَجَبِها. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لِأنَّها كانَتْ في بَيْتِ الآياتِ ومَهْبِطِ المُعْجِزاتِ والأُمُورِ الخارِقَةِ لِلْعادَةِ، فَكانَ عَلَيْها أنْ تَتَوَفَّرَ ولا يَزْدَهِيَها ما يَزْدَهِي سائِرَ النِّساءِ في غَيْرِ بَيْتِ النُّبُوَّةِ، وأنْ تُسَبِّحَ اللَّهَ وتُمَجِّدَهُ مَكانَ التَّعَجُّبِ.
وإلى ذَلِكَ أشارَتِ المَلائِكَةُ في قَوْلِهِمْ ﴿رَحْمَةُ اللَّهِ وبَرَكاتُهُ عَلَيْكم أهْلَ البَيْتِ﴾ أرادُوا: أنَّ هَذِهِ وأمْثالَها مِمّا يُكْرِمُكم رَبُّ العِزَّةِ ويَخُصُّكم بِالإنْعامِ بِهِ يا أهْلَ بَيْتِ النُّبُوَّةِ ؟ فَلَيْسَتْ بِمَكانٍ عَجِيبٍ، و﴿أمَرَ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٧]: قُدْرَتُهُ وحِكْمَتُهُ. وقَوْلُهُ: ﴿رَحْمَةُ اللَّهِ وبَرَكاتُهُ عَلَيْكُمْ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ عُلِّلَ بِهِ إنْكارُ التَّعَجُّبِ، كَأنَّهُ قِيلَ: إيّاكَ والتَّعَجُّبَ، فَإنَّ أمْثالَ هَذِهِ الرَّحْمَةِ والبَرَكَةِ مُتَكاثِرَةٌ مِنَ اللَّهِ عَلَيْكم.
وقِيلَ: الرَّحْمَةُ: النُّبُوَّةُ، والبَرَكاتُ: الأسْباطُ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، لِأنَّ الأنْبِياءَ مِنهم، وكُلُّهم مِن ولَدِ إبْراهِيمَ، انْتَهى.
وقِيلَ: رَحْمَتُهُ: تَحِيَّتُهُ، وبَرَكاتُهُ: فَواضِلُ خَيْرِهِ بِالخِلَّةِ والإمامَةِ. ورُوِيَ (p-٢٤٥)أنَّ سارَةَ قالَتْ لِجِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ما آيَةُ ذَلِكَ ؟ فَأخَذَ عُودًا يابِسًا فَلَواهُ بَيْنَ أصابِعِهِ، فاهْتَزَّ أخْضَرَ، فَسَكَنَ رَوْعُها وزالَ عَجَبُها. وهَذِهِ الجُمْلَةُ المُسْتَأْنَفَةُ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ خَبَرًا وهو الأظْهَرُ، لِأنَّهُ يَقْتَضِي حُصُولَ الرَّحْمَةِ والبَرَكَةِ لَهم، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ دُعاءً، وهو مَرْجُوحٌ، لِأنَّ الدُّعاءَ إنَّما يَقْتَضِي أنَّهُ أمْرٌ يُتَرَجّى ولَمْ يَتَحَصَّلْ بَعْدُ. و(أهْلَ): مَنصُوبٌ عَلى النِّداءِ، أوْ عَلى الِاخْتِصاصِ، وبَيْنَ النَّصْبِ عَلى المَدْحِ والنَّصْبِ عَلى الِاخْتِصاصِ فَرْقٌ، ولِذَلِكَ جَعَلَهُما سِيبَوَيْهِ في بابَيْنِ وهو أنَّ المَنصُوبَ عَلى المَدْحِ لَفْظٌ يَتَضَمَّنُ بِوَضْعِهِ المَدْحَ، كَما أنَّ المَنصُوبَ عَلى الذَّمِّ يَتَضَمَّنُ بِوَضْعِهِ الذَّمَّ، والمَنصُوبُ عَلى الِاخْتِصاصِ لا يَكُونُ إلّا لِمَدْحٍ أوْ ذَمٍّ، لَكِنَّ لَفْظَهُ لا يَتَضَمَّنُ بِوَضْعِهِ المَدْحَ ولا الذَّمَّ كَقَوْلِهِ: بِنا تَمِيمًا يُكْشَفُ الضَّبابُ. وقَوْلِهِ: ولا الحَجّاجَ عَيْنِي بِنْتُ ماءٍ. وخِطابُ المَلائِكَةِ إيّاها بِقَوْلِهِمْ: ﴿أهْلَ البَيْتِ﴾: دَلِيلٌ عَلى انْدِراجِ الزَّوْجَةِ في أهْلِ البَيْتِ، وقَدْ دَلَّ عَلى ذَلِكَ أيْضًا في سُورَةِ الأحْزابِ، خِلافًا لِلشِّيعَةِ إذْ لا يَعُدُّونَ الزَّوْجَةَ مِن أهْلِ بَيْتِ زَوْجِها، والبَيْتُ يُرادُ بِهِ: بَيْتُ السُّكْنى.
﴿إنَّهُ حَمِيدٌ﴾: وقالَ أبُو الهَيْثَمِ: تُحْمَدُ أفْعالُهُ، وهو بِمَعْنى: المَحْمُودِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فاعِلٌ ما يُسْتَوْجَبُ مِن عِبادِهِ، مَجِيدٌ كَرِيمٌ كَثِيرُ الإحْسانِ إلَيْهِمْ.
هود 11:70
﴿ولَقَدْ جاءَتْ رُسُلُنا إبْراهِيمَ بِالبُشْرى قالُوا سَلامًا قالَ سَلامٌ فَما لَبِثَ أنْ جاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾ ﴿فَلَمّا رَأى أيْدِيَهم لا تَصِلُ إلَيْهِ نَكِرَهم وأوْجَسَ مِنهم خِيفَةً قالُوا لا تَخَفْ إنّا أُرْسِلْنا إلى قَوْمِ لُوطٍ﴾ ﴿وامْرَأتُهُ قائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْناها بِإسْحاقَ ومِن وراءِ إسْحاقَ يَعْقُوبَ﴾ ﴿قالَتْ ياوَيْلَتى أألِدُ وأنا عَجُوزٌ وهَذا بَعْلِي شَيْخًا إنَّ هَذا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ﴾ ﴿قالُوا أتَعْجَبِينَ مِن أمْرِ اللَّهِ رَحْمَةُ اللَّهِ وبَرَكاتُهُ عَلَيْكم أهْلَ البَيْتِ إنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ﴾: (p-٢٤١)تَقَدَّمَ أنَّ تَرْتِيبَ قَصَصِ هَذِهِ السُّورَةِ كَتَرْتِيبِ قَصَصِ الأعْرافِ، وإنَّما أدْرَجَ شَيْئًا مِن أخْبارِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ بَيْنَ قِصَّةِ صالِحٍ ولُوطٍ، لِأنَّ لَهُ مَدْخَلًا في قِصَّةِ لُوطٍ، وكانَ إبْراهِيمُ ابْنَ خالَةِ لُوطٍ.
والرُّسُلُ هُنا: المَلائِكَةُ، بَشَّرَتْ إبْراهِيمَ بِثَلاثِ بَشائِرَ: بِالوَلَدِ، وبِالخِلَّةِ، وبِإنْجاءِ لُوطٍ ومَن آمَنَ مَعَهُ.
قِيلَ: كانُوا اثْنَيْ عَشَرَ مَلَكًا، رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وقالَ السُّدِّيُّ: أحَدَ عَشَرَ، وحَكى صاحِبُ الغُنْيانِ: عَشَرَةٌ مِنهم جِبْرِيلُ. وقالَ الضَّحّاكُ: تِسْعَةٌ، وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: ثَمانِيَةٌ، وحَكى الماوَرْدِيُّ: أرْبَعَةٌ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ جُبَيْرٍ: ثَلاثَةٌ: جِبْرِيلُ ومِيكائِيلُ وإسْرافِيلُ. وقالَ مُقاتِلٌ: جِبْرِيلُ ومِيكائِيلُ ومَلَكُ المَوْتِ.
ورُوِيَ: أنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ مُخْتَصًّا بِإهْلاكِ قَوْمِ لُوطٍ، ومِيكائِيلَ بِبُشْرى إبْراهِيمَ بِإسْحاقَ عَلَيْهِما السَّلامُ، وإسْرافِيلَ بِإنْجاءِ لُوطٍ ومَن آمَنَ مَعَهُ.
قِيلَ: وكانَتِ المَلائِكَةُ جُرْدًا مُرْدًا عَلى غايَةٍ مِنَ الحُسْنِ والجَمالِ والبَهْجَةِ، ولِهَذا يُضْرَبُ بِهِمُ المَثَلُ في الحُسْنِ كَما قالَ تَعالى حِكايَةً عَمّا قِيلَ في يُوسُفَ: ﴿ما هَذا بَشَرًا إنْ هَذا إلّا مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾ [يوسف: ٣١] وقالَ الغَزِّيُّ:
؎قَوْمٌ إذا قُوبِلُوا كانُوا مَلائِكَةً حُسْنًا وإنْ قُوتِلُوا كانُوا عَفارِيتا
وانْتَصَبَ (سَلامًا) عَلى إضْمارِ الفِعْلِ، أيْ: سَلَّمْنا عَلَيْكَ سَلامًا، فَـ (سَلامًا) قَطَعَهُ مَعْمُولًا لِلْفِعْلِ المُضْمَرِ المَحْكِيِّ بِـ (قالُوا)، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ (سَلامًا) حِكايَةً لِمَعْنى ما قالُوا، لا حِكايَةً لِلَفْظِهِمْ، قالَهُ مُجاهِدٌ والسُّدِّيُّ.
ولِذَلِكَ عَمِلَ فِيهِ القَوْلُ، كَما تَقُولُ لِرَجُلٍ قالَ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ: قُلْتَ: حَقًّا وإخْلاصًا، ولَوْ حَكَيْتَ لَفْظَهم لَمْ يَصِحَّ أنْ يَعْمَلَ فِيهِ القَوْلُ، انْتَهى. ويَعْنِي: لَمْ يَصِحَّ أنْ يَعْمَلَ في لَفْظِهِمُ القَوْلُ، يَعْنِي في اللَّفْظِ، وإنْ كانَ ما لَفَظُوا بِهِ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ لِلْقَوْلِ.
و(سَلامٌ): خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: أمْرِي أوْ أمْرُكم سَلامٌ، أوْ مُبْتَدَأٌ مَحْذُوفُ الخَبَرِ، أيْ: عَلَيْكم سَلامٌ، والجُمْلَةُ مَحْمِيَّةٌ وإنْ كانَ حُذِفَ مِنها أحَدُ جُزْءَيْها كَما قالَ:
؎إذا ذُقْتَ فاها قُلْتَ طَعْمَ مُدامَةٍ
أيْ: طَعْمُهُ طَعْمُ مُدامَةٍ.
وقَرَأ الأخَوانَ: قالَ سِلْمٌ، والسِّلْمُ: السَّلامُ كَحِرْمٍ وحَرامٍ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎مَرَرْنا فَقُلْنا إيهِ سِلْمٌ فَسَلَّمَتْ ∗∗∗ كَما اكْتَلَّ بِالبَرْقِ الغَمامُ اللَّوائِحُ
اكْتَلَّ: اتَّخَذَ إكْلِيلًا. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِالسِّلْمِ ضِدَّ الحَرْبِ تَقُولُ: نَحْنُ سِلْمٌ لَكم، انْتَهى. ونَصْبُ (سَلامًا) يَدُلُّ عَلى التَّجَدُّدِ، ورَفْعُ (سَلامٌ) يَدُلُّ عَلى الثُّبُوتِ والِاسْتِقْرارِ، والأقْرَبُ في إعْرابِ ﴿فَما لَبِثَ﴾ أنْ تَكُونَ ما نافِيَةً، ولَبِثَ مَعْناهُ: تَأخَّرَ وأبْطَأ، و﴿أنْ جاءَ﴾: فاعِلٌ بِلَبِثَ، التَّقْدِيرُ: فَما تَأخَّرَ مَجِيئُهُ قالَهُ: الفَرّاءُ.
وجَوَّزُوا أنْ يَكُونَ في (لَبِثَ) ضَمِيرُ إبْراهِيمَ فَهو فاعِلٌ، و﴿أنْ جاءَ﴾ عَلى إسْقاطِ الحَرْفِ فَقُدِّرَ بِأنْ وبِعْنَ وبِفِي، وجَعَلَ بَعْضُهم (أنْ) بِمَعْنى حَتّى حَكاهُ ابْنُ العَرَبِيِّ. وأنْ تَكُونَ (ما) مَصْدَرِيَّةً، وذَلِكَ المَصْدَرُ في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِداءِ، وأنْ تَكُونَ بِمَعْنى: الَّذِي، أيْ: فَلَبْثُهُ أوِ الَّذِي لَبِثَهُ، والخَبَرُ ﴿أنْ جاءَ﴾ عَلى حَذْفِ أيْ: قَدْرُ مَجِيئِهِ، وهَذا مِن أدَبِ الضِّيافَةِ، وهو تَعْجِيلُ القِرى. وكانَ مالُ إبْراهِيمَ البَقَرَ، فَقَدَّمَ أحْسَنَ ما فِيهِ وهو (p-٢٤٢)العِجْلُ. قالَ مُجاهِدٌ: (حَنِيذٍ) مَطْبُوخٍ، وقالَ الحَسَنُ: نَضِجٍ مَشْوِيٍّ سَمِينٍ يَقْطُرُ ودَكًا. وقالَ السُّدِّيُّ: سَمِينٍ، وقِيلَ: سَمِيطٍ لا يَصِلُ إلَيْهِ، أيْ: إلى العِجْلِ.
والمَعْنى: لا يَمُدُّونَ أيْدِيَهم إلى أكْلِهِ، فَلَمْ يَنْفِ الوُصُولَ النّاشِئَ عَنِ المَدِّ بَلْ، جَعَلَ عَدَمَ الوُصُولِ اسْتِعارَةً عَنِ امْتِناعِهِمْ مِنَ الأكْلِ، ﴿نَكِرَهُمْ﴾ أيْ: أنْكَرَهم قالَ الشّاعِرُ:
؎وأنْكَرَتْنِي وما كانَ الَّذِي نَكِرَتْ ∗∗∗ مِنَ الحَوادِثِ إلّا الشَّيْبَ والصَّلَعا
وقِيلَ: نَكِرَ فِيما يُرى، وأنْكَرَ فِيما لا يُرى مِنَ المَعانِي، فَكَأنَّ الشّاعِرَ قالَ: وأنْكَرَتْ مَوَدَّتِي ثُمَّ جاءَتْ بِنُكْرِ الشَّيْبِ والصَّلَعِ مِمّا يُرى بِالبَصَرِ. ومِنهُ قَوْلُ أبِي ذُؤَيْبٍ:
؎فَنَكِرْنَهُ فَنَفَرْنَ وامْتَرَسَتْ بِهِ ∗∗∗ هَوْجاءُ هادِيَةٌ وهادٍ جُرْشُعُ
ورُوِيَ أنَّهم كانُوا يَنْكُثُونَ بِقِداحٍ كانَتْ بِأيْدِيهِمْ في اللَّحْمِ ولا تَصِلُ أيْدِيهِمْ إلَيْهِ، ويَنْبَغِي أنْ يُنْظَرَ مِنَ الضَّيْفِ هَلْ يَأْكُلُ أوْ لا، ويَكُونُ بِتَلَفُّتٍ ومُسارَعَةٍ لا بِتَحْدِيدِ النَّظَرِ، لِأنَّ ذَلِكَ مِمّا يَجْعَلُ الضَّيْفَ مُقَصِّرًا في الأكْلِ. قِيلَ: كانَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ يَنْزِلُ في طَرَفٍ مِنَ الأرْضِ مَخافَةَ أنْ يُرِيدُوا بِهِ مَكْرُوهًا.
وقِيلَ: كانَتْ عادَتُهم إذا مَسَّ مِن يَطْرُقُهم طَعامَهم أمِنُوا وإلّا خافُوهُ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَظْهَرُ أنَّهُ أحَسَّ بِأنَّهم مَلائِكَةٌ ونَكِرَهم، لِأنَّهُ تَخَوَّفَ أنْ يَكُونَ نُزُولُهم لِأمْرٍ أنْكَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ، أوْ لِتَعْذِيبِ قَوْمِهِ.
ألا تَرى إلى قَوْلِهِمْ: ﴿لا تَخَفْ إنّا أُرْسِلْنا إلى قَوْمِ لُوطٍ﴾ وإنَّما يُقالُ هَذا لِمَن عَرَفَهم ولَمْ يَعْرِفْ فِيما أُرْسِلُوا. قالَ مُقاتِلٌ: فَأوْجَسَ: وقَعَ في قَلْبِهِ. وقالَ الحَسَنُ: حَدَّثَ بِهِ نَفْسَهُ، قِيلَ: وأصْلُ الوُجُوسِ: الدُّخُولُ، فَكَأنَّ الخَوْفَ دَخَلَ عَلَيْهِ.
والظّاهِرُ أنَّهُ لَمْ يَعْرِفْ أنَّهم مَلائِكَةٌ لِمَجِيئِهِمْ في صُورَةِ البَشَرِ، وكانَ مَشْغُوفًا بِإكْرامِ الأضْيافِ، فَلِذَلِكَ جاءُوا في صُوَرِهِمْ، ولِمُسارَعَتِهِ إلى إحْضارِ الطَّعامِ إلَيْهِمْ، ولِأنَّ امْتِناعَ المَلائِكَةِ مِنَ الأكْلِ لا يَدُلُّ عَلى حُصُولِ الشَّرِّ، وإنَّما عَرَفَ أنَّهم مَلائِكَةٌ بِقَوْلِهِمْ: ﴿لا تَخَفْ إنّا أُرْسِلْنا إلى قَوْمِ لُوطٍ﴾، فَنَهَوْهُ عَنْ شَيْءٍ وقَعَ في نَفْسِهِ، وعَرَفُوا خِيفَتَهُ بِكَوْنِ اللَّهِ جَعَلَ لَهم مِنَ الِاطِّلاعِ ما لَمْ يَجْعَلْ لِغَيْرِهِمْ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَعْلَمُونَ ما تَفْعَلُونَ﴾ [الإنفطار: ١٢] وفي الحَدِيثِ الصَّحِيحِ «قالَتِ المَلائِكَةُ رَبِّي عَبْدُكَ هَذا يُرِيدُ أنْ يَعْمَلَ سَيِّئَةً» الحَدِيثَ، أوْ بِما يَلُوحُ في صَفَحاتِ وجْهِ الخائِفِ.
﴿وامْرَأتُهُ قائِمَةٌ﴾ جُمْلَةٌ مِنِ ابْتِداءٍ وخَبَرٍ، قالَ الحَوْفِيُّ وأبُو البَقاءِ: في مَوْضِعِ الحالِ، قالَ أبُو البَقاءِ: مِن ضَمِيرِ الفاعِلِ في أرْسَلْنا، يَعْنِي المَفْعُولَ الَّذِي لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ.
والزَّمَخْشَرِيُّ يُسَمِّيهِ فاعِلًا لِقِيامِهِ مَقامَ الفاعِلِ. وقالَ الحَوْفِيُّ: والتَّقْدِيرُ: أُرْسِلْنا إلى قَوْمِ لُوطٍ في حالِ قِيامِ امْرَأتِهِ، يَعْنِي امْرَأةَ إبْراهِيمَ. والظّاهِرُ أنَّهُ حالٌ مِن ضَمِيرِ قالُوا، أيْ: قالُوا لِإبْراهِيمَ: لا تَخَفْ في حالِ قِيامِ امْرَأتِهِ وهي سارَةُ بِنْتُ هارانَ بْنِ ناخُورَ وهي ابْنَةُ عَمِّهِ، (قائِمَةٌ) أيْ: لِخِدْمَةِ الأضْيافِ، وكانَتْ نِساؤُهم لا تَحْتَجِبُ كَعادَةِ الأعْرابِ، ونازِلَةِ البَوادِي والصَّحْراءِ، ولَمْ يَكُنِ التَّبَرُّجُ مَكْرُوهًا، وكانَتْ عَجُوزًا، وخِدْمَةُ الضِّيفانِ مِمّا يُعَدُّ مِن مَكارِمِ الأخْلاقِ قالَهُ: مُجاهِدٌ.
وجاءَ في شَرِيعَتِنا مِثْلُ هَذا مِن حَدِيثِ أبِي أُسَيْدٍ السّاعِدِيِّ: وكانَتِ امْرَأتُهُ عَرُوسًا، فَكانَتْ خادِمَةَ الرَّسُولِ ومَن حَضَرَ مَعَهُ مِن أصْحابِهِ. وقالَ وهْبٌ: كانَتْ قائِمَةً وراءَ السَّتْرِ تَسْمَعُ مُحاوَرَتَهم. وقالَ ابْنُ إسْحاقَ: قائِمَةٌ تُصَلِّي. وقالَ المُبَرِّدُ: قائِمَةٌ عَنِ الوَلَدِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ: وامْرَأتُهُ قائِمَةٌ وهو قاعِدٌ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وفي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: وهي قائِمَةٌ وهو جالِسٌ. ولَمْ يَتَقَدَّمْ ذِكْرُ امْرَأةِ إبْراهِيمَ فَيُضْمَرُ، لَكِنَّهُ يُفَسِّرُهُ سِياقُ الكَلامِ.
قالَ مُجاهِدٌ وعِكْرِمَةُ: ﴿فَضَحِكَتْ﴾: حاضَتْ. قالَ الجُمْهُورُ: هو الضَّحِكُ المَعْرُوفُ. فَقِيلَ: هو مَجازٌ مُعَبَّرٌ بِهِ عَنْ طَلاقَةِ الوَجْهِ وسُرُورِهِ بِنَجاةِ أخِيها وهَلاكِ قَوْمِهِ، يُقالُ: أتَيْتُ عَلى رَوْضَةٍ تَضْحَكُ، أيْ: مُشْرِقَةٍ. وقِيلَ: هو حَقِيقَةٌ. فَقالَ مُقاتِلٌ: ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ضَحِكَتْ مِن شِدَّةِ خَوْفِ إبْراهِيمَ (p-٢٤٣)وهُوَ في أهْلِهِ وغِلْمانِهِ. والَّذِينَ جاءُوهُ ثَلاثَةٌ، وهي تَعْهَدُهُ يَغْلِبُ الأرْبَعِينَ، وقِيلَ: المِائَةَ. وقالَ قَتادَةُ: ضَحِكَتْ مِن غَفْلَةِ قَوْمِ لُوطٍ وقُرْبِ العَذابِ مِنهم.
وقالَ السُّدِّيُّ: ضَحِكَتْ مِن إمْساكِ الأضْيافِ عَنِ الأكْلِ وقالَتْ: عَجَبًا لِأضْيافِنا نَخْدُمُهم بِأنْفُسِنا وهم لا يَأْكُلُونَ طَعامَنا. وقالَ وهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ضَحِكَتْ مِنَ البِشارَةِ بِإسْحاقَ، وقالَ: هَذا مُقَدَّمٌ بِمَعْنى التَّأْخِيرِ. وذَكَرَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: أنَّ ضَحِكَها كانَ سُرُورًا بِصِدْقِ ظَنِّها، لِأنَّها كانَتْ تَقُولُ لِإبْراهِيمَ: اضْمُمْ إلَيْكَ ابْنَ أخِيكَ لُوطًا وكانَ أخاها، فَإنَّهُ سَيَنْزِلُ العَذابُ بِقَوْمِهِ. وقِيلَ: ضَحِكَتْ لِما رَأتْ مِنَ المُعْجِزِ، وهو أنَّ المَلائِكَةَ مَسَحَتِ العِجْلَ الحَنِيذَ فَقامَ حَيًّا يَطْفِرُ، والَّذِي يَظْهَرُ واللَّهُ أعْلَمُ أنَّهم لَمّا لَمْ يَأْكُلُوا، وأوْجَسَ في نَفْسِهِ خِيفَةً بَعْدَما نَكِرَ حالَهم، لَحِقَ المَرْأةَ مِن ذَلِكَ أعْظَمُ ما لَحِقَ الرَّجُلَ.
فَلَمّا قالُوا: لا تَخَفْ، وذَكَرُوا سَبَبَ مَجِيئِهِمْ زالَ عَنْهُ الخَوْفُ وسُرَّ، فَلَحِقَها هي مِنَ السُّرُورِ أنْ ضَحِكَتْ، إذِ النِّساءُ في بابِ الفَرَحِ والسُّرُورِ أطْرَبُ مِنَ الرِّجالِ وغالَبٌ عَلَيْهِنَّ ذَلِكَ. وقَدْ أشارَ الزَّمَخْشَرِيُّ إلى طَرَفٍ مِن هَذا فَقالَ: ضَحِكَتْ سُرُورًا بِزَوالِ الخِيفَةِ.
وذَكَرَ مُحَمَّدُ بْنُ قَيْسٍ سَبَبًا لِضَحِكِها تَرَكْنا ذِكْرَهُ لِفَظاعَتِهِ، يُوقَفُ عَلَيْهِ في تَفْسِيرِ ابْنِ عَطِيَّةَ: وقَرَأ مُحَمَّدُ بْنُ زِيادٍ الأعْرابِيُّ رَجُلٌ مِن قُرّاءِ مَكَّةَ: ﴿فَضَحِكَتْ﴾ بِفَتْحِ الحاءِ. قالَ المَهَدَوِيُّ: وفَتْحُ الحاءِ غَيْرُ مَعْرُوفٍ، ﴿فَبَشَّرْناها﴾ هَذا مُوافِقٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَقَدْ جاءَتْ رُسُلُنا إبْراهِيمَ بِالبُشْرى﴾، والمَعْنى: فَبَشَّرْناها عَلى لِسانِ رُسُلِنا، بَشَّرَتْها المَلائِكَةُ بِإسْحاقَ، وبِأنَّ إسْحاقَ سَيَلِدُ يَعْقُوبَ.
قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: أضافَ فِعْلَ المَلائِكَةِ إلى ضَمِيرِ اسْمِ اللَّهِ تَعالى، إذْ كانَ ذَلِكَ بِأمْرِهِ ووَحْيِهِ. وقالَ غَيْرُهُ: لَمّا وُلِدَ لِإبْراهِيمَ إسْماعِيلُ عَلَيْهِما السَّلامُ مِن هاجَرَ تَمَنَّتْ سارَةُ أنْ يَكُونَ لَها ابْنٌ، وأيِسَتْ لِكِبَرِ سِنِّها، فَبُشِّرَتْ بِوَلَدٍ يَكُونُ نَبِيًّا ويَلِدُ نَبِيًّا، فَكانَ هَذا بِشارَةً لَها بِأنْ تَرى ولَدَ ولَدِها. وإنَّما بَشَّرُوها دُونَهُ: لِأنَّ المَرْأةَ أعْجَلُ فَرَحًا بِالوَلَدِ، ولِأنَّ إبْراهِيمَ قَدْ بَشَّرُوهُ وأمَّنُوهُ مِن خَوْفِهِ، فَأتْبَعُوا بِشارَتَهُ بِبِشارَتِها. وقِيلَ: خُصِّتْ بِالبِشارَةِ حَيْثُ لَمْ يَكُنْ لَها ولَدٌ، وكانَلِإبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ ولَدُهُ إسْماعِيلُ.
والظّاهِرُ أنَّ (وراءِ) هُنا: ظَرْفٌ اسْتُعْمِلَ اسْمًا غَيْرَ ظَرْفٍ بِدُخُولِ (مِن) عَلَيْهِ كَأنَّهُ قِيلَ: ومِن بَعْدِ إسْحاقَ، أوْ مِن خَلْفِ إسْحاقَ، وبِمَعْنى بَعْدُ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ واخْتارَهُ مُقاتِلٌ وابْنُ قُتَيْبَةَ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا: أنَّ الوَراءَ: ولَدُ الوَلَدِ، وبِهِ قالَ الشَّعْبِيُّ: واخْتارَهُ أبُو عُبَيْدَةَ. وتَسْمِيَتُهُ وراءَ هي قَرِيبَةٌ مِن مَعْنى (وراءَ) الظَّرْفِ، إذْ هو ما يَكُونُ خَلْفَ الشَّيْءِ وبَعْدَهُ.
فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ يَكُونُ يَعْقُوبُ وراءً لِإسْحاقَ وهو ولَدُهُ لِصُلْبِهِ، وإنَّما الوَراءُ ولَدُ الوَلَدِ ؟ فَقَدْ أجابَ عَنْهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ فَقالَ: المَعْنى ومِنَ الوَراءِ المَنسُوبِ إلى إسْحاقَ يَعْقُوبُ، لِأنَّهُ قَدْ كانَ الوَراءُ لِإبْراهِيمَ مِن جِهَةِ إسْحاقَ، فَلَوْ قالَ: ومِنَ الوَراءِ يَعْقُوبُ، لَمْ يُعْلَمْ أهَذا الوَراءُ مَنسُوبٌ إلى إسْحاقَ أمْ إلى إسْماعِيلَ ؟ فَأُضِيفَ إلى إسْحاقَ لِيَنْكَشِفَ المَعْنى ويَزُولَ اللَّبْسُ، انْتَهى.
وبُشِّرَتْ مِن بَيْنِ أوْلادِ إسْحاقَ بِـ يَعْقُوبَ، لِأنَّها رَأتْهُ ولَمْ تَرَ غَيْرَهُ، وهَذِهِ البِشارَةُ لِسارَةَ كانْتَ وهي بِنْتُ تِسْعٍ وتِسْعِينَ سَنَةً، وإبْراهِيمُ ابْنُ مِائَةِ سَنَةٍ. وقِيلَ: كانَ بَيْنَهُما غَيْرُ ذَلِكَ، وهي أقْوالٌ مُتَناقِضَةٌ.
وهَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ إسْماعِيلَ هو الذَّبِيحُ، لِأنَّ سارَةَ حِينَ أخْدَمَها المَلِكُ الجَبّارُ هاجَرَ أُمَّ إسْماعِيلَ كانَتْ شابَّةً جَمِيلَةً، فاتَّخَذَ إبْراهِيمُ هاجَرَ سُرِّيَّةً، فَغارَتْ مِنها سارَةُ، فَخَرَجَ بِها وبِابْنِها إسْماعِيلَ مِنَ الشّامِ عَلى البُراقِ، وجاءَ مِن يَوْمِهِ مَكَّةَ، وانْصَرَفَ إلى الشّامِ مِن يَوْمِهِ، ثُمَّ كانَتِ البِشارَةُ بِـ إسْحاقَ وسارَةُ عَجُوزٌ مُحالَةً، وسَيَأْتِي الدَّلِيلُ عَلى ذَلِكَ أيْضًا مِن سُورَةِ ﴿والصّافّاتِ﴾ [الصافات: ١] . ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ اللَّهُ سَمّاها حالَةَ البِشارَةِ بِهَذَيْنِ الِاسْمَيْنِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الِاسْمانِ حَدَثا لَها وقْتَ الوِلادَةِ، وتَكُونُ البِشارَةُ بِوَلَدٍ ذَكَرٍ بَعْدَهُ ولَدٌ ذَكَرٌ، وحالَةُ الإخْبارِ عَنِ البِشارَةِ ذَكَرًا بِاسْمِها كَما يَقُولُ المُخْبِرُ: إذا بُشِّرَ في النَّوْمِ بِوَلَدٍ ذَكَرٍ فَوُلِدَ لَهُ ولَدٌ ذَكَرٌ فَسَمّاهُ مَثَلًا: عَبْدَ اللَّهِ بُشِّرْتُ بِعَبْدِ (p-٢٤٤)اللَّهِ. وقَرَأ الحَرَمِيّانِ والنَّحْوِيّانِ وأبُو بَكْرٍ يَعْقُوبُ: بِالرَّفْعِ عَلى الِابْتِداءِ و﴿مِن وراءِ﴾ [الأحزاب: ٥٣] الخَبَرُ كَأنَّهُ قِيلَ: ومِن وراءِ إسْحاقَ يَعْقُوبُ كائِنٌ، وقَدَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ مَوْلُودٌ أوْ مَوْجُودٌ. قالَ النَّحّاسُ: والجُمْلَةُ حالٌ داخِلَةٌ في البِشارَةِ، أيْ: فَبَشَّرْناها بِـ إسْحاقَ مُتَّصِلًا بِهِ يَعْقُوبُ.
وأجازَ أبُو عَلِيٍّ أنْ يَرْتَفِعَ بِالجارِّ والمَجْرُورِ، كَما أجازَهُ الأخْفَشُ، أيْ: واسْتَقَرَّ لَها مِن وراءِ إسْحاقَ يَعْقُوبُ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: رَفْعُهُ عَلى القَطْعِ بِمَعْنى: ومِن وراءِ إسْحاقَ يَحْدُثُ يَعْقُوبُ. وقالَ النَّحّاسُ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ فاعِلًا بِإضْمارِ فِعْلٍ تَقْدِيرُهُ: ويَحْدُثُ مِن وراءِ إسْحاقَ يَعْقُوبُ.
قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وعَلى هَذا لا تَدْخُلُ البِشارَةُ، انْتَهى. ولا حاجَةَ إلى تَكَلُّفِ القَطْعِ والعُدُولِ عَنِ الظّاهِرِ المُقْتَضِي لِلدُّخُولِ في البِشارَةِ.
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ وحَفْصٌ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: يَعْقُوبَ بِالنَّصْبِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: كَأنَّهُ قِيلَ ووَهَبْنا لَهُ إسْحاقَ ومِن وراءِ إسْحاقَ يَعْقُوبَ عَلى طَرِيقَةِ قَوْلِهِ: لَيْسُوا مُصْلِحِينَ عَشِيرَةً، ولا ناعِبٍ، انْتَهى. يَعْنِي أنَّهُ عُطِفَ عَلى التَّوَهُّمِ، والعَطْفُ عَلى التَّوَهُّمِ لا يَنْقاسُ، والأظْهَرُ أنْ يَنْتَصِبَ (يَعْقُوبَ) بِإضْمارِ فِعْلٍ تَقْدِيرُهُ: ومِن وراءِ إسْحاقَ وهَبْنا يَعْقُوبَ، ودَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: فَبَشَّرْناها لِأنَّ البِشارَةَ في مَعْنى الهِبَةِ، ورَجَّحَ هَذا الوَجْهَ أبُو عَلِيٍّ، ومَن ذَهَبَ إلى أنَّهُ مَجْرُورٌ مَعْطُوفٌ عَلى لَفْظِ (بِإسْحاقَ)، أوْ عَلى مَوْضِعِهِ. فَقَوْلُهُ ضَعِيفٌ، لِأنَّهُ لا يَجُوزُ الفَصْلُ بِالظَّرْفِ أوِ المَجْرُورِ بَيْنَ حَرْفِ العَطْفِ ومَعْطُوفِهِ المَجْرُورِ، لا يَجُوزُ: مَرَرْتُ بِزَيْدٍ اليَوْمَ وأمْسَ عَمْرٍو، فَإنْ جاءَ فَفي شِعْرٍ.
فَإنْ كانَ المَعْطُوفُ مَنصُوبًا أوْ مَرْفُوعًا، فَفي جَوازِ ذَلِكَ خِلافٌ نَحْوَ: قامَ زَيْدٌ واليَوْمَ عَمْرٌو، وضَرَبْتُ زَيْدًا واليَوْمَ عَمْرًا والظّاهِرُ أنَّ الألِفَ في ﴿ياوَيْلَتا﴾ [المائدة: ٣١] بَدَلٌ مِن ياءِ الإضافَةِ نَحْوَ: يا لَهْفا ويا عَجَبا، وأمالَ الألِفَ مِن ﴿ياوَيْلَتا﴾ [المائدة: ٣١] عاصِمٌ وأبُو عَمْرٍو والأعْشى، إذْ هي بَدَلٌ مِنَ الياءِ. وقَرَأ الحَسَنُ: (يا ويْلَتِي) بِالياءِ عَلى الأصْلِ.
وقِيلَ: الألِفُ: ألِفُ النُّدْبَةِ، ويُوقَفُ عَلَيْها بِالهاءِ. وأصْلُهُ الدُّعاءِ بِالوَيْلِ ونَحْوِهِ في التَّفَجُّعِ لِشِدَّةِ مَكْرُوهٍ يَدْهَمُ النَّفْسَ، ثُمَّ اسْتُعْمِلَ بَعْدُ في عَجَبٍ يَدْهَمُ النَّفْسَ. (ويا ويْلَتا) كَلِمَةٌ تَخِفُّ عَلى أفْواهِ النِّساءِ إذا طَرَأ عَلَيْهِنَّ ما يَعْجَبْنَ مِنهُ، واسْتَفْهَمَتْ بِقَوْلِها: ﴿أألِدُ﴾ اسْتِفْهامَ إنْكارٍ وتَعَجُّبٍ، و(أنا عَجُوزٌ) وما بَعْدَهُ جُمْلَتا حالٍ، وانْتَصَبَ (شَيْخًا) عَلى الحالِ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ، وخَبَرِ التَّقْرِيبِ عِنْدَ الكُوفِيِّينَ. ولا يُسْتَغْنى عَنْ هَذِهِ الحالِ إذا كانَ الخَبَرُ مَعْرُوفًا عِنْدَ المُخاطَبِ، لِأنَّ الفائِدَةَ إنَّما تَقَعُ بِهَذِهِ الحالِ، أمّا إذا كانَ مَجْهُولًا عِنْدَهُ فَأرَدْتَ أنْ تُفِيدَ المُخاطَبَ ما كانَ يَجْهَلُهُ، فَتَجِيءُ الحالُ عَلى بابِها مُسْتَغْنًى عَنْها.
وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ وهو في مُصْحَفِهِ والأعْمَشُ: ﴿شَيْخٌ﴾ [القصص: ٢٣] بِالرَّفْعِ. وجَوَّزُوا فِيهِ وفي ﴿بَعْلِي﴾ أنْ يَكُونا خَبَرَيْنِ كَقَوْلِهِمْ: هَذا حُلْوٌ حامِضٌ، وأنْ يَكُونَ ﴿بَعْلِي﴾: الخَبَرَ، و﴿شَيْخٌ﴾ [القصص: ٢٣] خَبَرٌ مَحْذُوفٍ، أوْ بَدَلٌ مِن بَعْلِي، وأنْ يَكُونَ ﴿بَعْلِي﴾ بَدَلًا أوْ عَطْفَ بَيانٍ، و﴿شَيْخٌ﴾ [القصص: ٢٣] الخَبَرَ.
والإشارَةُ بِهَذا إلى الوِلادَةِ أوِ البِشارَةِ بِها تَعَجَّبَتْ مِن حُدُوثِ ولَدٍ بَيْنَ شَيْخَيْنِ هَرِمَيْنِ، واسْتَغْرَبَتْ ذَلِكَ مِن حَيْثُ العادَةُ، لا إنْكارًا لِقُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى. قالُوا: أيِ المَلائِكَةُ، ﴿أتَعْجَبِينَ﴾ اسْتِفْهامُ إنْكارٍ لِعَجَبِها. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لِأنَّها كانَتْ في بَيْتِ الآياتِ ومَهْبِطِ المُعْجِزاتِ والأُمُورِ الخارِقَةِ لِلْعادَةِ، فَكانَ عَلَيْها أنْ تَتَوَفَّرَ ولا يَزْدَهِيَها ما يَزْدَهِي سائِرَ النِّساءِ في غَيْرِ بَيْتِ النُّبُوَّةِ، وأنْ تُسَبِّحَ اللَّهَ وتُمَجِّدَهُ مَكانَ التَّعَجُّبِ.
وإلى ذَلِكَ أشارَتِ المَلائِكَةُ في قَوْلِهِمْ ﴿رَحْمَةُ اللَّهِ وبَرَكاتُهُ عَلَيْكم أهْلَ البَيْتِ﴾ أرادُوا: أنَّ هَذِهِ وأمْثالَها مِمّا يُكْرِمُكم رَبُّ العِزَّةِ ويَخُصُّكم بِالإنْعامِ بِهِ يا أهْلَ بَيْتِ النُّبُوَّةِ ؟ فَلَيْسَتْ بِمَكانٍ عَجِيبٍ، و﴿أمَرَ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٧]: قُدْرَتُهُ وحِكْمَتُهُ. وقَوْلُهُ: ﴿رَحْمَةُ اللَّهِ وبَرَكاتُهُ عَلَيْكُمْ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ عُلِّلَ بِهِ إنْكارُ التَّعَجُّبِ، كَأنَّهُ قِيلَ: إيّاكَ والتَّعَجُّبَ، فَإنَّ أمْثالَ هَذِهِ الرَّحْمَةِ والبَرَكَةِ مُتَكاثِرَةٌ مِنَ اللَّهِ عَلَيْكم.
وقِيلَ: الرَّحْمَةُ: النُّبُوَّةُ، والبَرَكاتُ: الأسْباطُ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، لِأنَّ الأنْبِياءَ مِنهم، وكُلُّهم مِن ولَدِ إبْراهِيمَ، انْتَهى.
وقِيلَ: رَحْمَتُهُ: تَحِيَّتُهُ، وبَرَكاتُهُ: فَواضِلُ خَيْرِهِ بِالخِلَّةِ والإمامَةِ. ورُوِيَ (p-٢٤٥)أنَّ سارَةَ قالَتْ لِجِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ما آيَةُ ذَلِكَ ؟ فَأخَذَ عُودًا يابِسًا فَلَواهُ بَيْنَ أصابِعِهِ، فاهْتَزَّ أخْضَرَ، فَسَكَنَ رَوْعُها وزالَ عَجَبُها. وهَذِهِ الجُمْلَةُ المُسْتَأْنَفَةُ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ خَبَرًا وهو الأظْهَرُ، لِأنَّهُ يَقْتَضِي حُصُولَ الرَّحْمَةِ والبَرَكَةِ لَهم، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ دُعاءً، وهو مَرْجُوحٌ، لِأنَّ الدُّعاءَ إنَّما يَقْتَضِي أنَّهُ أمْرٌ يُتَرَجّى ولَمْ يَتَحَصَّلْ بَعْدُ. و(أهْلَ): مَنصُوبٌ عَلى النِّداءِ، أوْ عَلى الِاخْتِصاصِ، وبَيْنَ النَّصْبِ عَلى المَدْحِ والنَّصْبِ عَلى الِاخْتِصاصِ فَرْقٌ، ولِذَلِكَ جَعَلَهُما سِيبَوَيْهِ في بابَيْنِ وهو أنَّ المَنصُوبَ عَلى المَدْحِ لَفْظٌ يَتَضَمَّنُ بِوَضْعِهِ المَدْحَ، كَما أنَّ المَنصُوبَ عَلى الذَّمِّ يَتَضَمَّنُ بِوَضْعِهِ الذَّمَّ، والمَنصُوبُ عَلى الِاخْتِصاصِ لا يَكُونُ إلّا لِمَدْحٍ أوْ ذَمٍّ، لَكِنَّ لَفْظَهُ لا يَتَضَمَّنُ بِوَضْعِهِ المَدْحَ ولا الذَّمَّ كَقَوْلِهِ: بِنا تَمِيمًا يُكْشَفُ الضَّبابُ. وقَوْلِهِ: ولا الحَجّاجَ عَيْنِي بِنْتُ ماءٍ. وخِطابُ المَلائِكَةِ إيّاها بِقَوْلِهِمْ: ﴿أهْلَ البَيْتِ﴾: دَلِيلٌ عَلى انْدِراجِ الزَّوْجَةِ في أهْلِ البَيْتِ، وقَدْ دَلَّ عَلى ذَلِكَ أيْضًا في سُورَةِ الأحْزابِ، خِلافًا لِلشِّيعَةِ إذْ لا يَعُدُّونَ الزَّوْجَةَ مِن أهْلِ بَيْتِ زَوْجِها، والبَيْتُ يُرادُ بِهِ: بَيْتُ السُّكْنى.
﴿إنَّهُ حَمِيدٌ﴾: وقالَ أبُو الهَيْثَمِ: تُحْمَدُ أفْعالُهُ، وهو بِمَعْنى: المَحْمُودِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فاعِلٌ ما يُسْتَوْجَبُ مِن عِبادِهِ، مَجِيدٌ كَرِيمٌ كَثِيرُ الإحْسانِ إلَيْهِمْ.
هود 11:71
﴿ولَقَدْ جاءَتْ رُسُلُنا إبْراهِيمَ بِالبُشْرى قالُوا سَلامًا قالَ سَلامٌ فَما لَبِثَ أنْ جاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾ ﴿فَلَمّا رَأى أيْدِيَهم لا تَصِلُ إلَيْهِ نَكِرَهم وأوْجَسَ مِنهم خِيفَةً قالُوا لا تَخَفْ إنّا أُرْسِلْنا إلى قَوْمِ لُوطٍ﴾ ﴿وامْرَأتُهُ قائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْناها بِإسْحاقَ ومِن وراءِ إسْحاقَ يَعْقُوبَ﴾ ﴿قالَتْ ياوَيْلَتى أألِدُ وأنا عَجُوزٌ وهَذا بَعْلِي شَيْخًا إنَّ هَذا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ﴾ ﴿قالُوا أتَعْجَبِينَ مِن أمْرِ اللَّهِ رَحْمَةُ اللَّهِ وبَرَكاتُهُ عَلَيْكم أهْلَ البَيْتِ إنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ﴾: (p-٢٤١)تَقَدَّمَ أنَّ تَرْتِيبَ قَصَصِ هَذِهِ السُّورَةِ كَتَرْتِيبِ قَصَصِ الأعْرافِ، وإنَّما أدْرَجَ شَيْئًا مِن أخْبارِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ بَيْنَ قِصَّةِ صالِحٍ ولُوطٍ، لِأنَّ لَهُ مَدْخَلًا في قِصَّةِ لُوطٍ، وكانَ إبْراهِيمُ ابْنَ خالَةِ لُوطٍ.
والرُّسُلُ هُنا: المَلائِكَةُ، بَشَّرَتْ إبْراهِيمَ بِثَلاثِ بَشائِرَ: بِالوَلَدِ، وبِالخِلَّةِ، وبِإنْجاءِ لُوطٍ ومَن آمَنَ مَعَهُ.
قِيلَ: كانُوا اثْنَيْ عَشَرَ مَلَكًا، رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وقالَ السُّدِّيُّ: أحَدَ عَشَرَ، وحَكى صاحِبُ الغُنْيانِ: عَشَرَةٌ مِنهم جِبْرِيلُ. وقالَ الضَّحّاكُ: تِسْعَةٌ، وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: ثَمانِيَةٌ، وحَكى الماوَرْدِيُّ: أرْبَعَةٌ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ جُبَيْرٍ: ثَلاثَةٌ: جِبْرِيلُ ومِيكائِيلُ وإسْرافِيلُ. وقالَ مُقاتِلٌ: جِبْرِيلُ ومِيكائِيلُ ومَلَكُ المَوْتِ.
ورُوِيَ: أنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ مُخْتَصًّا بِإهْلاكِ قَوْمِ لُوطٍ، ومِيكائِيلَ بِبُشْرى إبْراهِيمَ بِإسْحاقَ عَلَيْهِما السَّلامُ، وإسْرافِيلَ بِإنْجاءِ لُوطٍ ومَن آمَنَ مَعَهُ.
قِيلَ: وكانَتِ المَلائِكَةُ جُرْدًا مُرْدًا عَلى غايَةٍ مِنَ الحُسْنِ والجَمالِ والبَهْجَةِ، ولِهَذا يُضْرَبُ بِهِمُ المَثَلُ في الحُسْنِ كَما قالَ تَعالى حِكايَةً عَمّا قِيلَ في يُوسُفَ: ﴿ما هَذا بَشَرًا إنْ هَذا إلّا مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾ [يوسف: ٣١] وقالَ الغَزِّيُّ:
؎قَوْمٌ إذا قُوبِلُوا كانُوا مَلائِكَةً حُسْنًا وإنْ قُوتِلُوا كانُوا عَفارِيتا
وانْتَصَبَ (سَلامًا) عَلى إضْمارِ الفِعْلِ، أيْ: سَلَّمْنا عَلَيْكَ سَلامًا، فَـ (سَلامًا) قَطَعَهُ مَعْمُولًا لِلْفِعْلِ المُضْمَرِ المَحْكِيِّ بِـ (قالُوا)، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ (سَلامًا) حِكايَةً لِمَعْنى ما قالُوا، لا حِكايَةً لِلَفْظِهِمْ، قالَهُ مُجاهِدٌ والسُّدِّيُّ.
ولِذَلِكَ عَمِلَ فِيهِ القَوْلُ، كَما تَقُولُ لِرَجُلٍ قالَ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ: قُلْتَ: حَقًّا وإخْلاصًا، ولَوْ حَكَيْتَ لَفْظَهم لَمْ يَصِحَّ أنْ يَعْمَلَ فِيهِ القَوْلُ، انْتَهى. ويَعْنِي: لَمْ يَصِحَّ أنْ يَعْمَلَ في لَفْظِهِمُ القَوْلُ، يَعْنِي في اللَّفْظِ، وإنْ كانَ ما لَفَظُوا بِهِ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ لِلْقَوْلِ.
و(سَلامٌ): خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: أمْرِي أوْ أمْرُكم سَلامٌ، أوْ مُبْتَدَأٌ مَحْذُوفُ الخَبَرِ، أيْ: عَلَيْكم سَلامٌ، والجُمْلَةُ مَحْمِيَّةٌ وإنْ كانَ حُذِفَ مِنها أحَدُ جُزْءَيْها كَما قالَ:
؎إذا ذُقْتَ فاها قُلْتَ طَعْمَ مُدامَةٍ
أيْ: طَعْمُهُ طَعْمُ مُدامَةٍ.
وقَرَأ الأخَوانَ: قالَ سِلْمٌ، والسِّلْمُ: السَّلامُ كَحِرْمٍ وحَرامٍ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎مَرَرْنا فَقُلْنا إيهِ سِلْمٌ فَسَلَّمَتْ ∗∗∗ كَما اكْتَلَّ بِالبَرْقِ الغَمامُ اللَّوائِحُ
اكْتَلَّ: اتَّخَذَ إكْلِيلًا. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِالسِّلْمِ ضِدَّ الحَرْبِ تَقُولُ: نَحْنُ سِلْمٌ لَكم، انْتَهى. ونَصْبُ (سَلامًا) يَدُلُّ عَلى التَّجَدُّدِ، ورَفْعُ (سَلامٌ) يَدُلُّ عَلى الثُّبُوتِ والِاسْتِقْرارِ، والأقْرَبُ في إعْرابِ ﴿فَما لَبِثَ﴾ أنْ تَكُونَ ما نافِيَةً، ولَبِثَ مَعْناهُ: تَأخَّرَ وأبْطَأ، و﴿أنْ جاءَ﴾: فاعِلٌ بِلَبِثَ، التَّقْدِيرُ: فَما تَأخَّرَ مَجِيئُهُ قالَهُ: الفَرّاءُ.
وجَوَّزُوا أنْ يَكُونَ في (لَبِثَ) ضَمِيرُ إبْراهِيمَ فَهو فاعِلٌ، و﴿أنْ جاءَ﴾ عَلى إسْقاطِ الحَرْفِ فَقُدِّرَ بِأنْ وبِعْنَ وبِفِي، وجَعَلَ بَعْضُهم (أنْ) بِمَعْنى حَتّى حَكاهُ ابْنُ العَرَبِيِّ. وأنْ تَكُونَ (ما) مَصْدَرِيَّةً، وذَلِكَ المَصْدَرُ في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِداءِ، وأنْ تَكُونَ بِمَعْنى: الَّذِي، أيْ: فَلَبْثُهُ أوِ الَّذِي لَبِثَهُ، والخَبَرُ ﴿أنْ جاءَ﴾ عَلى حَذْفِ أيْ: قَدْرُ مَجِيئِهِ، وهَذا مِن أدَبِ الضِّيافَةِ، وهو تَعْجِيلُ القِرى. وكانَ مالُ إبْراهِيمَ البَقَرَ، فَقَدَّمَ أحْسَنَ ما فِيهِ وهو (p-٢٤٢)العِجْلُ. قالَ مُجاهِدٌ: (حَنِيذٍ) مَطْبُوخٍ، وقالَ الحَسَنُ: نَضِجٍ مَشْوِيٍّ سَمِينٍ يَقْطُرُ ودَكًا. وقالَ السُّدِّيُّ: سَمِينٍ، وقِيلَ: سَمِيطٍ لا يَصِلُ إلَيْهِ، أيْ: إلى العِجْلِ.
والمَعْنى: لا يَمُدُّونَ أيْدِيَهم إلى أكْلِهِ، فَلَمْ يَنْفِ الوُصُولَ النّاشِئَ عَنِ المَدِّ بَلْ، جَعَلَ عَدَمَ الوُصُولِ اسْتِعارَةً عَنِ امْتِناعِهِمْ مِنَ الأكْلِ، ﴿نَكِرَهُمْ﴾ أيْ: أنْكَرَهم قالَ الشّاعِرُ:
؎وأنْكَرَتْنِي وما كانَ الَّذِي نَكِرَتْ ∗∗∗ مِنَ الحَوادِثِ إلّا الشَّيْبَ والصَّلَعا
وقِيلَ: نَكِرَ فِيما يُرى، وأنْكَرَ فِيما لا يُرى مِنَ المَعانِي، فَكَأنَّ الشّاعِرَ قالَ: وأنْكَرَتْ مَوَدَّتِي ثُمَّ جاءَتْ بِنُكْرِ الشَّيْبِ والصَّلَعِ مِمّا يُرى بِالبَصَرِ. ومِنهُ قَوْلُ أبِي ذُؤَيْبٍ:
؎فَنَكِرْنَهُ فَنَفَرْنَ وامْتَرَسَتْ بِهِ ∗∗∗ هَوْجاءُ هادِيَةٌ وهادٍ جُرْشُعُ
ورُوِيَ أنَّهم كانُوا يَنْكُثُونَ بِقِداحٍ كانَتْ بِأيْدِيهِمْ في اللَّحْمِ ولا تَصِلُ أيْدِيهِمْ إلَيْهِ، ويَنْبَغِي أنْ يُنْظَرَ مِنَ الضَّيْفِ هَلْ يَأْكُلُ أوْ لا، ويَكُونُ بِتَلَفُّتٍ ومُسارَعَةٍ لا بِتَحْدِيدِ النَّظَرِ، لِأنَّ ذَلِكَ مِمّا يَجْعَلُ الضَّيْفَ مُقَصِّرًا في الأكْلِ. قِيلَ: كانَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ يَنْزِلُ في طَرَفٍ مِنَ الأرْضِ مَخافَةَ أنْ يُرِيدُوا بِهِ مَكْرُوهًا.
وقِيلَ: كانَتْ عادَتُهم إذا مَسَّ مِن يَطْرُقُهم طَعامَهم أمِنُوا وإلّا خافُوهُ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَظْهَرُ أنَّهُ أحَسَّ بِأنَّهم مَلائِكَةٌ ونَكِرَهم، لِأنَّهُ تَخَوَّفَ أنْ يَكُونَ نُزُولُهم لِأمْرٍ أنْكَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ، أوْ لِتَعْذِيبِ قَوْمِهِ.
ألا تَرى إلى قَوْلِهِمْ: ﴿لا تَخَفْ إنّا أُرْسِلْنا إلى قَوْمِ لُوطٍ﴾ وإنَّما يُقالُ هَذا لِمَن عَرَفَهم ولَمْ يَعْرِفْ فِيما أُرْسِلُوا. قالَ مُقاتِلٌ: فَأوْجَسَ: وقَعَ في قَلْبِهِ. وقالَ الحَسَنُ: حَدَّثَ بِهِ نَفْسَهُ، قِيلَ: وأصْلُ الوُجُوسِ: الدُّخُولُ، فَكَأنَّ الخَوْفَ دَخَلَ عَلَيْهِ.
والظّاهِرُ أنَّهُ لَمْ يَعْرِفْ أنَّهم مَلائِكَةٌ لِمَجِيئِهِمْ في صُورَةِ البَشَرِ، وكانَ مَشْغُوفًا بِإكْرامِ الأضْيافِ، فَلِذَلِكَ جاءُوا في صُوَرِهِمْ، ولِمُسارَعَتِهِ إلى إحْضارِ الطَّعامِ إلَيْهِمْ، ولِأنَّ امْتِناعَ المَلائِكَةِ مِنَ الأكْلِ لا يَدُلُّ عَلى حُصُولِ الشَّرِّ، وإنَّما عَرَفَ أنَّهم مَلائِكَةٌ بِقَوْلِهِمْ: ﴿لا تَخَفْ إنّا أُرْسِلْنا إلى قَوْمِ لُوطٍ﴾، فَنَهَوْهُ عَنْ شَيْءٍ وقَعَ في نَفْسِهِ، وعَرَفُوا خِيفَتَهُ بِكَوْنِ اللَّهِ جَعَلَ لَهم مِنَ الِاطِّلاعِ ما لَمْ يَجْعَلْ لِغَيْرِهِمْ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَعْلَمُونَ ما تَفْعَلُونَ﴾ [الإنفطار: ١٢] وفي الحَدِيثِ الصَّحِيحِ «قالَتِ المَلائِكَةُ رَبِّي عَبْدُكَ هَذا يُرِيدُ أنْ يَعْمَلَ سَيِّئَةً» الحَدِيثَ، أوْ بِما يَلُوحُ في صَفَحاتِ وجْهِ الخائِفِ.
﴿وامْرَأتُهُ قائِمَةٌ﴾ جُمْلَةٌ مِنِ ابْتِداءٍ وخَبَرٍ، قالَ الحَوْفِيُّ وأبُو البَقاءِ: في مَوْضِعِ الحالِ، قالَ أبُو البَقاءِ: مِن ضَمِيرِ الفاعِلِ في أرْسَلْنا، يَعْنِي المَفْعُولَ الَّذِي لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ.
والزَّمَخْشَرِيُّ يُسَمِّيهِ فاعِلًا لِقِيامِهِ مَقامَ الفاعِلِ. وقالَ الحَوْفِيُّ: والتَّقْدِيرُ: أُرْسِلْنا إلى قَوْمِ لُوطٍ في حالِ قِيامِ امْرَأتِهِ، يَعْنِي امْرَأةَ إبْراهِيمَ. والظّاهِرُ أنَّهُ حالٌ مِن ضَمِيرِ قالُوا، أيْ: قالُوا لِإبْراهِيمَ: لا تَخَفْ في حالِ قِيامِ امْرَأتِهِ وهي سارَةُ بِنْتُ هارانَ بْنِ ناخُورَ وهي ابْنَةُ عَمِّهِ، (قائِمَةٌ) أيْ: لِخِدْمَةِ الأضْيافِ، وكانَتْ نِساؤُهم لا تَحْتَجِبُ كَعادَةِ الأعْرابِ، ونازِلَةِ البَوادِي والصَّحْراءِ، ولَمْ يَكُنِ التَّبَرُّجُ مَكْرُوهًا، وكانَتْ عَجُوزًا، وخِدْمَةُ الضِّيفانِ مِمّا يُعَدُّ مِن مَكارِمِ الأخْلاقِ قالَهُ: مُجاهِدٌ.
وجاءَ في شَرِيعَتِنا مِثْلُ هَذا مِن حَدِيثِ أبِي أُسَيْدٍ السّاعِدِيِّ: وكانَتِ امْرَأتُهُ عَرُوسًا، فَكانَتْ خادِمَةَ الرَّسُولِ ومَن حَضَرَ مَعَهُ مِن أصْحابِهِ. وقالَ وهْبٌ: كانَتْ قائِمَةً وراءَ السَّتْرِ تَسْمَعُ مُحاوَرَتَهم. وقالَ ابْنُ إسْحاقَ: قائِمَةٌ تُصَلِّي. وقالَ المُبَرِّدُ: قائِمَةٌ عَنِ الوَلَدِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ: وامْرَأتُهُ قائِمَةٌ وهو قاعِدٌ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وفي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: وهي قائِمَةٌ وهو جالِسٌ. ولَمْ يَتَقَدَّمْ ذِكْرُ امْرَأةِ إبْراهِيمَ فَيُضْمَرُ، لَكِنَّهُ يُفَسِّرُهُ سِياقُ الكَلامِ.
قالَ مُجاهِدٌ وعِكْرِمَةُ: ﴿فَضَحِكَتْ﴾: حاضَتْ. قالَ الجُمْهُورُ: هو الضَّحِكُ المَعْرُوفُ. فَقِيلَ: هو مَجازٌ مُعَبَّرٌ بِهِ عَنْ طَلاقَةِ الوَجْهِ وسُرُورِهِ بِنَجاةِ أخِيها وهَلاكِ قَوْمِهِ، يُقالُ: أتَيْتُ عَلى رَوْضَةٍ تَضْحَكُ، أيْ: مُشْرِقَةٍ. وقِيلَ: هو حَقِيقَةٌ. فَقالَ مُقاتِلٌ: ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ضَحِكَتْ مِن شِدَّةِ خَوْفِ إبْراهِيمَ (p-٢٤٣)وهُوَ في أهْلِهِ وغِلْمانِهِ. والَّذِينَ جاءُوهُ ثَلاثَةٌ، وهي تَعْهَدُهُ يَغْلِبُ الأرْبَعِينَ، وقِيلَ: المِائَةَ. وقالَ قَتادَةُ: ضَحِكَتْ مِن غَفْلَةِ قَوْمِ لُوطٍ وقُرْبِ العَذابِ مِنهم.
وقالَ السُّدِّيُّ: ضَحِكَتْ مِن إمْساكِ الأضْيافِ عَنِ الأكْلِ وقالَتْ: عَجَبًا لِأضْيافِنا نَخْدُمُهم بِأنْفُسِنا وهم لا يَأْكُلُونَ طَعامَنا. وقالَ وهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ضَحِكَتْ مِنَ البِشارَةِ بِإسْحاقَ، وقالَ: هَذا مُقَدَّمٌ بِمَعْنى التَّأْخِيرِ. وذَكَرَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: أنَّ ضَحِكَها كانَ سُرُورًا بِصِدْقِ ظَنِّها، لِأنَّها كانَتْ تَقُولُ لِإبْراهِيمَ: اضْمُمْ إلَيْكَ ابْنَ أخِيكَ لُوطًا وكانَ أخاها، فَإنَّهُ سَيَنْزِلُ العَذابُ بِقَوْمِهِ. وقِيلَ: ضَحِكَتْ لِما رَأتْ مِنَ المُعْجِزِ، وهو أنَّ المَلائِكَةَ مَسَحَتِ العِجْلَ الحَنِيذَ فَقامَ حَيًّا يَطْفِرُ، والَّذِي يَظْهَرُ واللَّهُ أعْلَمُ أنَّهم لَمّا لَمْ يَأْكُلُوا، وأوْجَسَ في نَفْسِهِ خِيفَةً بَعْدَما نَكِرَ حالَهم، لَحِقَ المَرْأةَ مِن ذَلِكَ أعْظَمُ ما لَحِقَ الرَّجُلَ.
فَلَمّا قالُوا: لا تَخَفْ، وذَكَرُوا سَبَبَ مَجِيئِهِمْ زالَ عَنْهُ الخَوْفُ وسُرَّ، فَلَحِقَها هي مِنَ السُّرُورِ أنْ ضَحِكَتْ، إذِ النِّساءُ في بابِ الفَرَحِ والسُّرُورِ أطْرَبُ مِنَ الرِّجالِ وغالَبٌ عَلَيْهِنَّ ذَلِكَ. وقَدْ أشارَ الزَّمَخْشَرِيُّ إلى طَرَفٍ مِن هَذا فَقالَ: ضَحِكَتْ سُرُورًا بِزَوالِ الخِيفَةِ.
وذَكَرَ مُحَمَّدُ بْنُ قَيْسٍ سَبَبًا لِضَحِكِها تَرَكْنا ذِكْرَهُ لِفَظاعَتِهِ، يُوقَفُ عَلَيْهِ في تَفْسِيرِ ابْنِ عَطِيَّةَ: وقَرَأ مُحَمَّدُ بْنُ زِيادٍ الأعْرابِيُّ رَجُلٌ مِن قُرّاءِ مَكَّةَ: ﴿فَضَحِكَتْ﴾ بِفَتْحِ الحاءِ. قالَ المَهَدَوِيُّ: وفَتْحُ الحاءِ غَيْرُ مَعْرُوفٍ، ﴿فَبَشَّرْناها﴾ هَذا مُوافِقٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَقَدْ جاءَتْ رُسُلُنا إبْراهِيمَ بِالبُشْرى﴾، والمَعْنى: فَبَشَّرْناها عَلى لِسانِ رُسُلِنا، بَشَّرَتْها المَلائِكَةُ بِإسْحاقَ، وبِأنَّ إسْحاقَ سَيَلِدُ يَعْقُوبَ.
قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: أضافَ فِعْلَ المَلائِكَةِ إلى ضَمِيرِ اسْمِ اللَّهِ تَعالى، إذْ كانَ ذَلِكَ بِأمْرِهِ ووَحْيِهِ. وقالَ غَيْرُهُ: لَمّا وُلِدَ لِإبْراهِيمَ إسْماعِيلُ عَلَيْهِما السَّلامُ مِن هاجَرَ تَمَنَّتْ سارَةُ أنْ يَكُونَ لَها ابْنٌ، وأيِسَتْ لِكِبَرِ سِنِّها، فَبُشِّرَتْ بِوَلَدٍ يَكُونُ نَبِيًّا ويَلِدُ نَبِيًّا، فَكانَ هَذا بِشارَةً لَها بِأنْ تَرى ولَدَ ولَدِها. وإنَّما بَشَّرُوها دُونَهُ: لِأنَّ المَرْأةَ أعْجَلُ فَرَحًا بِالوَلَدِ، ولِأنَّ إبْراهِيمَ قَدْ بَشَّرُوهُ وأمَّنُوهُ مِن خَوْفِهِ، فَأتْبَعُوا بِشارَتَهُ بِبِشارَتِها. وقِيلَ: خُصِّتْ بِالبِشارَةِ حَيْثُ لَمْ يَكُنْ لَها ولَدٌ، وكانَلِإبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ ولَدُهُ إسْماعِيلُ.
والظّاهِرُ أنَّ (وراءِ) هُنا: ظَرْفٌ اسْتُعْمِلَ اسْمًا غَيْرَ ظَرْفٍ بِدُخُولِ (مِن) عَلَيْهِ كَأنَّهُ قِيلَ: ومِن بَعْدِ إسْحاقَ، أوْ مِن خَلْفِ إسْحاقَ، وبِمَعْنى بَعْدُ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ واخْتارَهُ مُقاتِلٌ وابْنُ قُتَيْبَةَ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا: أنَّ الوَراءَ: ولَدُ الوَلَدِ، وبِهِ قالَ الشَّعْبِيُّ: واخْتارَهُ أبُو عُبَيْدَةَ. وتَسْمِيَتُهُ وراءَ هي قَرِيبَةٌ مِن مَعْنى (وراءَ) الظَّرْفِ، إذْ هو ما يَكُونُ خَلْفَ الشَّيْءِ وبَعْدَهُ.
فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ يَكُونُ يَعْقُوبُ وراءً لِإسْحاقَ وهو ولَدُهُ لِصُلْبِهِ، وإنَّما الوَراءُ ولَدُ الوَلَدِ ؟ فَقَدْ أجابَ عَنْهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ فَقالَ: المَعْنى ومِنَ الوَراءِ المَنسُوبِ إلى إسْحاقَ يَعْقُوبُ، لِأنَّهُ قَدْ كانَ الوَراءُ لِإبْراهِيمَ مِن جِهَةِ إسْحاقَ، فَلَوْ قالَ: ومِنَ الوَراءِ يَعْقُوبُ، لَمْ يُعْلَمْ أهَذا الوَراءُ مَنسُوبٌ إلى إسْحاقَ أمْ إلى إسْماعِيلَ ؟ فَأُضِيفَ إلى إسْحاقَ لِيَنْكَشِفَ المَعْنى ويَزُولَ اللَّبْسُ، انْتَهى.
وبُشِّرَتْ مِن بَيْنِ أوْلادِ إسْحاقَ بِـ يَعْقُوبَ، لِأنَّها رَأتْهُ ولَمْ تَرَ غَيْرَهُ، وهَذِهِ البِشارَةُ لِسارَةَ كانْتَ وهي بِنْتُ تِسْعٍ وتِسْعِينَ سَنَةً، وإبْراهِيمُ ابْنُ مِائَةِ سَنَةٍ. وقِيلَ: كانَ بَيْنَهُما غَيْرُ ذَلِكَ، وهي أقْوالٌ مُتَناقِضَةٌ.
وهَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ إسْماعِيلَ هو الذَّبِيحُ، لِأنَّ سارَةَ حِينَ أخْدَمَها المَلِكُ الجَبّارُ هاجَرَ أُمَّ إسْماعِيلَ كانَتْ شابَّةً جَمِيلَةً، فاتَّخَذَ إبْراهِيمُ هاجَرَ سُرِّيَّةً، فَغارَتْ مِنها سارَةُ، فَخَرَجَ بِها وبِابْنِها إسْماعِيلَ مِنَ الشّامِ عَلى البُراقِ، وجاءَ مِن يَوْمِهِ مَكَّةَ، وانْصَرَفَ إلى الشّامِ مِن يَوْمِهِ، ثُمَّ كانَتِ البِشارَةُ بِـ إسْحاقَ وسارَةُ عَجُوزٌ مُحالَةً، وسَيَأْتِي الدَّلِيلُ عَلى ذَلِكَ أيْضًا مِن سُورَةِ ﴿والصّافّاتِ﴾ [الصافات: ١] . ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ اللَّهُ سَمّاها حالَةَ البِشارَةِ بِهَذَيْنِ الِاسْمَيْنِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الِاسْمانِ حَدَثا لَها وقْتَ الوِلادَةِ، وتَكُونُ البِشارَةُ بِوَلَدٍ ذَكَرٍ بَعْدَهُ ولَدٌ ذَكَرٌ، وحالَةُ الإخْبارِ عَنِ البِشارَةِ ذَكَرًا بِاسْمِها كَما يَقُولُ المُخْبِرُ: إذا بُشِّرَ في النَّوْمِ بِوَلَدٍ ذَكَرٍ فَوُلِدَ لَهُ ولَدٌ ذَكَرٌ فَسَمّاهُ مَثَلًا: عَبْدَ اللَّهِ بُشِّرْتُ بِعَبْدِ (p-٢٤٤)اللَّهِ. وقَرَأ الحَرَمِيّانِ والنَّحْوِيّانِ وأبُو بَكْرٍ يَعْقُوبُ: بِالرَّفْعِ عَلى الِابْتِداءِ و﴿مِن وراءِ﴾ [الأحزاب: ٥٣] الخَبَرُ كَأنَّهُ قِيلَ: ومِن وراءِ إسْحاقَ يَعْقُوبُ كائِنٌ، وقَدَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ مَوْلُودٌ أوْ مَوْجُودٌ. قالَ النَّحّاسُ: والجُمْلَةُ حالٌ داخِلَةٌ في البِشارَةِ، أيْ: فَبَشَّرْناها بِـ إسْحاقَ مُتَّصِلًا بِهِ يَعْقُوبُ.
وأجازَ أبُو عَلِيٍّ أنْ يَرْتَفِعَ بِالجارِّ والمَجْرُورِ، كَما أجازَهُ الأخْفَشُ، أيْ: واسْتَقَرَّ لَها مِن وراءِ إسْحاقَ يَعْقُوبُ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: رَفْعُهُ عَلى القَطْعِ بِمَعْنى: ومِن وراءِ إسْحاقَ يَحْدُثُ يَعْقُوبُ. وقالَ النَّحّاسُ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ فاعِلًا بِإضْمارِ فِعْلٍ تَقْدِيرُهُ: ويَحْدُثُ مِن وراءِ إسْحاقَ يَعْقُوبُ.
قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وعَلى هَذا لا تَدْخُلُ البِشارَةُ، انْتَهى. ولا حاجَةَ إلى تَكَلُّفِ القَطْعِ والعُدُولِ عَنِ الظّاهِرِ المُقْتَضِي لِلدُّخُولِ في البِشارَةِ.
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ وحَفْصٌ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: يَعْقُوبَ بِالنَّصْبِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: كَأنَّهُ قِيلَ ووَهَبْنا لَهُ إسْحاقَ ومِن وراءِ إسْحاقَ يَعْقُوبَ عَلى طَرِيقَةِ قَوْلِهِ: لَيْسُوا مُصْلِحِينَ عَشِيرَةً، ولا ناعِبٍ، انْتَهى. يَعْنِي أنَّهُ عُطِفَ عَلى التَّوَهُّمِ، والعَطْفُ عَلى التَّوَهُّمِ لا يَنْقاسُ، والأظْهَرُ أنْ يَنْتَصِبَ (يَعْقُوبَ) بِإضْمارِ فِعْلٍ تَقْدِيرُهُ: ومِن وراءِ إسْحاقَ وهَبْنا يَعْقُوبَ، ودَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: فَبَشَّرْناها لِأنَّ البِشارَةَ في مَعْنى الهِبَةِ، ورَجَّحَ هَذا الوَجْهَ أبُو عَلِيٍّ، ومَن ذَهَبَ إلى أنَّهُ مَجْرُورٌ مَعْطُوفٌ عَلى لَفْظِ (بِإسْحاقَ)، أوْ عَلى مَوْضِعِهِ. فَقَوْلُهُ ضَعِيفٌ، لِأنَّهُ لا يَجُوزُ الفَصْلُ بِالظَّرْفِ أوِ المَجْرُورِ بَيْنَ حَرْفِ العَطْفِ ومَعْطُوفِهِ المَجْرُورِ، لا يَجُوزُ: مَرَرْتُ بِزَيْدٍ اليَوْمَ وأمْسَ عَمْرٍو، فَإنْ جاءَ فَفي شِعْرٍ.
فَإنْ كانَ المَعْطُوفُ مَنصُوبًا أوْ مَرْفُوعًا، فَفي جَوازِ ذَلِكَ خِلافٌ نَحْوَ: قامَ زَيْدٌ واليَوْمَ عَمْرٌو، وضَرَبْتُ زَيْدًا واليَوْمَ عَمْرًا والظّاهِرُ أنَّ الألِفَ في ﴿ياوَيْلَتا﴾ [المائدة: ٣١] بَدَلٌ مِن ياءِ الإضافَةِ نَحْوَ: يا لَهْفا ويا عَجَبا، وأمالَ الألِفَ مِن ﴿ياوَيْلَتا﴾ [المائدة: ٣١] عاصِمٌ وأبُو عَمْرٍو والأعْشى، إذْ هي بَدَلٌ مِنَ الياءِ. وقَرَأ الحَسَنُ: (يا ويْلَتِي) بِالياءِ عَلى الأصْلِ.
وقِيلَ: الألِفُ: ألِفُ النُّدْبَةِ، ويُوقَفُ عَلَيْها بِالهاءِ. وأصْلُهُ الدُّعاءِ بِالوَيْلِ ونَحْوِهِ في التَّفَجُّعِ لِشِدَّةِ مَكْرُوهٍ يَدْهَمُ النَّفْسَ، ثُمَّ اسْتُعْمِلَ بَعْدُ في عَجَبٍ يَدْهَمُ النَّفْسَ. (ويا ويْلَتا) كَلِمَةٌ تَخِفُّ عَلى أفْواهِ النِّساءِ إذا طَرَأ عَلَيْهِنَّ ما يَعْجَبْنَ مِنهُ، واسْتَفْهَمَتْ بِقَوْلِها: ﴿أألِدُ﴾ اسْتِفْهامَ إنْكارٍ وتَعَجُّبٍ، و(أنا عَجُوزٌ) وما بَعْدَهُ جُمْلَتا حالٍ، وانْتَصَبَ (شَيْخًا) عَلى الحالِ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ، وخَبَرِ التَّقْرِيبِ عِنْدَ الكُوفِيِّينَ. ولا يُسْتَغْنى عَنْ هَذِهِ الحالِ إذا كانَ الخَبَرُ مَعْرُوفًا عِنْدَ المُخاطَبِ، لِأنَّ الفائِدَةَ إنَّما تَقَعُ بِهَذِهِ الحالِ، أمّا إذا كانَ مَجْهُولًا عِنْدَهُ فَأرَدْتَ أنْ تُفِيدَ المُخاطَبَ ما كانَ يَجْهَلُهُ، فَتَجِيءُ الحالُ عَلى بابِها مُسْتَغْنًى عَنْها.
وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ وهو في مُصْحَفِهِ والأعْمَشُ: ﴿شَيْخٌ﴾ [القصص: ٢٣] بِالرَّفْعِ. وجَوَّزُوا فِيهِ وفي ﴿بَعْلِي﴾ أنْ يَكُونا خَبَرَيْنِ كَقَوْلِهِمْ: هَذا حُلْوٌ حامِضٌ، وأنْ يَكُونَ ﴿بَعْلِي﴾: الخَبَرَ، و﴿شَيْخٌ﴾ [القصص: ٢٣] خَبَرٌ مَحْذُوفٍ، أوْ بَدَلٌ مِن بَعْلِي، وأنْ يَكُونَ ﴿بَعْلِي﴾ بَدَلًا أوْ عَطْفَ بَيانٍ، و﴿شَيْخٌ﴾ [القصص: ٢٣] الخَبَرَ.
والإشارَةُ بِهَذا إلى الوِلادَةِ أوِ البِشارَةِ بِها تَعَجَّبَتْ مِن حُدُوثِ ولَدٍ بَيْنَ شَيْخَيْنِ هَرِمَيْنِ، واسْتَغْرَبَتْ ذَلِكَ مِن حَيْثُ العادَةُ، لا إنْكارًا لِقُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى. قالُوا: أيِ المَلائِكَةُ، ﴿أتَعْجَبِينَ﴾ اسْتِفْهامُ إنْكارٍ لِعَجَبِها. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لِأنَّها كانَتْ في بَيْتِ الآياتِ ومَهْبِطِ المُعْجِزاتِ والأُمُورِ الخارِقَةِ لِلْعادَةِ، فَكانَ عَلَيْها أنْ تَتَوَفَّرَ ولا يَزْدَهِيَها ما يَزْدَهِي سائِرَ النِّساءِ في غَيْرِ بَيْتِ النُّبُوَّةِ، وأنْ تُسَبِّحَ اللَّهَ وتُمَجِّدَهُ مَكانَ التَّعَجُّبِ.
وإلى ذَلِكَ أشارَتِ المَلائِكَةُ في قَوْلِهِمْ ﴿رَحْمَةُ اللَّهِ وبَرَكاتُهُ عَلَيْكم أهْلَ البَيْتِ﴾ أرادُوا: أنَّ هَذِهِ وأمْثالَها مِمّا يُكْرِمُكم رَبُّ العِزَّةِ ويَخُصُّكم بِالإنْعامِ بِهِ يا أهْلَ بَيْتِ النُّبُوَّةِ ؟ فَلَيْسَتْ بِمَكانٍ عَجِيبٍ، و﴿أمَرَ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٧]: قُدْرَتُهُ وحِكْمَتُهُ. وقَوْلُهُ: ﴿رَحْمَةُ اللَّهِ وبَرَكاتُهُ عَلَيْكُمْ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ عُلِّلَ بِهِ إنْكارُ التَّعَجُّبِ، كَأنَّهُ قِيلَ: إيّاكَ والتَّعَجُّبَ، فَإنَّ أمْثالَ هَذِهِ الرَّحْمَةِ والبَرَكَةِ مُتَكاثِرَةٌ مِنَ اللَّهِ عَلَيْكم.
وقِيلَ: الرَّحْمَةُ: النُّبُوَّةُ، والبَرَكاتُ: الأسْباطُ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، لِأنَّ الأنْبِياءَ مِنهم، وكُلُّهم مِن ولَدِ إبْراهِيمَ، انْتَهى.
وقِيلَ: رَحْمَتُهُ: تَحِيَّتُهُ، وبَرَكاتُهُ: فَواضِلُ خَيْرِهِ بِالخِلَّةِ والإمامَةِ. ورُوِيَ (p-٢٤٥)أنَّ سارَةَ قالَتْ لِجِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ما آيَةُ ذَلِكَ ؟ فَأخَذَ عُودًا يابِسًا فَلَواهُ بَيْنَ أصابِعِهِ، فاهْتَزَّ أخْضَرَ، فَسَكَنَ رَوْعُها وزالَ عَجَبُها. وهَذِهِ الجُمْلَةُ المُسْتَأْنَفَةُ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ خَبَرًا وهو الأظْهَرُ، لِأنَّهُ يَقْتَضِي حُصُولَ الرَّحْمَةِ والبَرَكَةِ لَهم، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ دُعاءً، وهو مَرْجُوحٌ، لِأنَّ الدُّعاءَ إنَّما يَقْتَضِي أنَّهُ أمْرٌ يُتَرَجّى ولَمْ يَتَحَصَّلْ بَعْدُ. و(أهْلَ): مَنصُوبٌ عَلى النِّداءِ، أوْ عَلى الِاخْتِصاصِ، وبَيْنَ النَّصْبِ عَلى المَدْحِ والنَّصْبِ عَلى الِاخْتِصاصِ فَرْقٌ، ولِذَلِكَ جَعَلَهُما سِيبَوَيْهِ في بابَيْنِ وهو أنَّ المَنصُوبَ عَلى المَدْحِ لَفْظٌ يَتَضَمَّنُ بِوَضْعِهِ المَدْحَ، كَما أنَّ المَنصُوبَ عَلى الذَّمِّ يَتَضَمَّنُ بِوَضْعِهِ الذَّمَّ، والمَنصُوبُ عَلى الِاخْتِصاصِ لا يَكُونُ إلّا لِمَدْحٍ أوْ ذَمٍّ، لَكِنَّ لَفْظَهُ لا يَتَضَمَّنُ بِوَضْعِهِ المَدْحَ ولا الذَّمَّ كَقَوْلِهِ: بِنا تَمِيمًا يُكْشَفُ الضَّبابُ. وقَوْلِهِ: ولا الحَجّاجَ عَيْنِي بِنْتُ ماءٍ. وخِطابُ المَلائِكَةِ إيّاها بِقَوْلِهِمْ: ﴿أهْلَ البَيْتِ﴾: دَلِيلٌ عَلى انْدِراجِ الزَّوْجَةِ في أهْلِ البَيْتِ، وقَدْ دَلَّ عَلى ذَلِكَ أيْضًا في سُورَةِ الأحْزابِ، خِلافًا لِلشِّيعَةِ إذْ لا يَعُدُّونَ الزَّوْجَةَ مِن أهْلِ بَيْتِ زَوْجِها، والبَيْتُ يُرادُ بِهِ: بَيْتُ السُّكْنى.
﴿إنَّهُ حَمِيدٌ﴾: وقالَ أبُو الهَيْثَمِ: تُحْمَدُ أفْعالُهُ، وهو بِمَعْنى: المَحْمُودِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فاعِلٌ ما يُسْتَوْجَبُ مِن عِبادِهِ، مَجِيدٌ كَرِيمٌ كَثِيرُ الإحْسانِ إلَيْهِمْ.
هود 11:72
﴿ولَقَدْ جاءَتْ رُسُلُنا إبْراهِيمَ بِالبُشْرى قالُوا سَلامًا قالَ سَلامٌ فَما لَبِثَ أنْ جاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾ ﴿فَلَمّا رَأى أيْدِيَهم لا تَصِلُ إلَيْهِ نَكِرَهم وأوْجَسَ مِنهم خِيفَةً قالُوا لا تَخَفْ إنّا أُرْسِلْنا إلى قَوْمِ لُوطٍ﴾ ﴿وامْرَأتُهُ قائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْناها بِإسْحاقَ ومِن وراءِ إسْحاقَ يَعْقُوبَ﴾ ﴿قالَتْ ياوَيْلَتى أألِدُ وأنا عَجُوزٌ وهَذا بَعْلِي شَيْخًا إنَّ هَذا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ﴾ ﴿قالُوا أتَعْجَبِينَ مِن أمْرِ اللَّهِ رَحْمَةُ اللَّهِ وبَرَكاتُهُ عَلَيْكم أهْلَ البَيْتِ إنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ﴾: (p-٢٤١)تَقَدَّمَ أنَّ تَرْتِيبَ قَصَصِ هَذِهِ السُّورَةِ كَتَرْتِيبِ قَصَصِ الأعْرافِ، وإنَّما أدْرَجَ شَيْئًا مِن أخْبارِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ بَيْنَ قِصَّةِ صالِحٍ ولُوطٍ، لِأنَّ لَهُ مَدْخَلًا في قِصَّةِ لُوطٍ، وكانَ إبْراهِيمُ ابْنَ خالَةِ لُوطٍ.
والرُّسُلُ هُنا: المَلائِكَةُ، بَشَّرَتْ إبْراهِيمَ بِثَلاثِ بَشائِرَ: بِالوَلَدِ، وبِالخِلَّةِ، وبِإنْجاءِ لُوطٍ ومَن آمَنَ مَعَهُ.
قِيلَ: كانُوا اثْنَيْ عَشَرَ مَلَكًا، رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وقالَ السُّدِّيُّ: أحَدَ عَشَرَ، وحَكى صاحِبُ الغُنْيانِ: عَشَرَةٌ مِنهم جِبْرِيلُ. وقالَ الضَّحّاكُ: تِسْعَةٌ، وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: ثَمانِيَةٌ، وحَكى الماوَرْدِيُّ: أرْبَعَةٌ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ جُبَيْرٍ: ثَلاثَةٌ: جِبْرِيلُ ومِيكائِيلُ وإسْرافِيلُ. وقالَ مُقاتِلٌ: جِبْرِيلُ ومِيكائِيلُ ومَلَكُ المَوْتِ.
ورُوِيَ: أنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ مُخْتَصًّا بِإهْلاكِ قَوْمِ لُوطٍ، ومِيكائِيلَ بِبُشْرى إبْراهِيمَ بِإسْحاقَ عَلَيْهِما السَّلامُ، وإسْرافِيلَ بِإنْجاءِ لُوطٍ ومَن آمَنَ مَعَهُ.
قِيلَ: وكانَتِ المَلائِكَةُ جُرْدًا مُرْدًا عَلى غايَةٍ مِنَ الحُسْنِ والجَمالِ والبَهْجَةِ، ولِهَذا يُضْرَبُ بِهِمُ المَثَلُ في الحُسْنِ كَما قالَ تَعالى حِكايَةً عَمّا قِيلَ في يُوسُفَ: ﴿ما هَذا بَشَرًا إنْ هَذا إلّا مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾ [يوسف: ٣١] وقالَ الغَزِّيُّ:
؎قَوْمٌ إذا قُوبِلُوا كانُوا مَلائِكَةً حُسْنًا وإنْ قُوتِلُوا كانُوا عَفارِيتا
وانْتَصَبَ (سَلامًا) عَلى إضْمارِ الفِعْلِ، أيْ: سَلَّمْنا عَلَيْكَ سَلامًا، فَـ (سَلامًا) قَطَعَهُ مَعْمُولًا لِلْفِعْلِ المُضْمَرِ المَحْكِيِّ بِـ (قالُوا)، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ (سَلامًا) حِكايَةً لِمَعْنى ما قالُوا، لا حِكايَةً لِلَفْظِهِمْ، قالَهُ مُجاهِدٌ والسُّدِّيُّ.
ولِذَلِكَ عَمِلَ فِيهِ القَوْلُ، كَما تَقُولُ لِرَجُلٍ قالَ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ: قُلْتَ: حَقًّا وإخْلاصًا، ولَوْ حَكَيْتَ لَفْظَهم لَمْ يَصِحَّ أنْ يَعْمَلَ فِيهِ القَوْلُ، انْتَهى. ويَعْنِي: لَمْ يَصِحَّ أنْ يَعْمَلَ في لَفْظِهِمُ القَوْلُ، يَعْنِي في اللَّفْظِ، وإنْ كانَ ما لَفَظُوا بِهِ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ لِلْقَوْلِ.
و(سَلامٌ): خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: أمْرِي أوْ أمْرُكم سَلامٌ، أوْ مُبْتَدَأٌ مَحْذُوفُ الخَبَرِ، أيْ: عَلَيْكم سَلامٌ، والجُمْلَةُ مَحْمِيَّةٌ وإنْ كانَ حُذِفَ مِنها أحَدُ جُزْءَيْها كَما قالَ:
؎إذا ذُقْتَ فاها قُلْتَ طَعْمَ مُدامَةٍ
أيْ: طَعْمُهُ طَعْمُ مُدامَةٍ.
وقَرَأ الأخَوانَ: قالَ سِلْمٌ، والسِّلْمُ: السَّلامُ كَحِرْمٍ وحَرامٍ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎مَرَرْنا فَقُلْنا إيهِ سِلْمٌ فَسَلَّمَتْ ∗∗∗ كَما اكْتَلَّ بِالبَرْقِ الغَمامُ اللَّوائِحُ
اكْتَلَّ: اتَّخَذَ إكْلِيلًا. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِالسِّلْمِ ضِدَّ الحَرْبِ تَقُولُ: نَحْنُ سِلْمٌ لَكم، انْتَهى. ونَصْبُ (سَلامًا) يَدُلُّ عَلى التَّجَدُّدِ، ورَفْعُ (سَلامٌ) يَدُلُّ عَلى الثُّبُوتِ والِاسْتِقْرارِ، والأقْرَبُ في إعْرابِ ﴿فَما لَبِثَ﴾ أنْ تَكُونَ ما نافِيَةً، ولَبِثَ مَعْناهُ: تَأخَّرَ وأبْطَأ، و﴿أنْ جاءَ﴾: فاعِلٌ بِلَبِثَ، التَّقْدِيرُ: فَما تَأخَّرَ مَجِيئُهُ قالَهُ: الفَرّاءُ.
وجَوَّزُوا أنْ يَكُونَ في (لَبِثَ) ضَمِيرُ إبْراهِيمَ فَهو فاعِلٌ، و﴿أنْ جاءَ﴾ عَلى إسْقاطِ الحَرْفِ فَقُدِّرَ بِأنْ وبِعْنَ وبِفِي، وجَعَلَ بَعْضُهم (أنْ) بِمَعْنى حَتّى حَكاهُ ابْنُ العَرَبِيِّ. وأنْ تَكُونَ (ما) مَصْدَرِيَّةً، وذَلِكَ المَصْدَرُ في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِداءِ، وأنْ تَكُونَ بِمَعْنى: الَّذِي، أيْ: فَلَبْثُهُ أوِ الَّذِي لَبِثَهُ، والخَبَرُ ﴿أنْ جاءَ﴾ عَلى حَذْفِ أيْ: قَدْرُ مَجِيئِهِ، وهَذا مِن أدَبِ الضِّيافَةِ، وهو تَعْجِيلُ القِرى. وكانَ مالُ إبْراهِيمَ البَقَرَ، فَقَدَّمَ أحْسَنَ ما فِيهِ وهو (p-٢٤٢)العِجْلُ. قالَ مُجاهِدٌ: (حَنِيذٍ) مَطْبُوخٍ، وقالَ الحَسَنُ: نَضِجٍ مَشْوِيٍّ سَمِينٍ يَقْطُرُ ودَكًا. وقالَ السُّدِّيُّ: سَمِينٍ، وقِيلَ: سَمِيطٍ لا يَصِلُ إلَيْهِ، أيْ: إلى العِجْلِ.
والمَعْنى: لا يَمُدُّونَ أيْدِيَهم إلى أكْلِهِ، فَلَمْ يَنْفِ الوُصُولَ النّاشِئَ عَنِ المَدِّ بَلْ، جَعَلَ عَدَمَ الوُصُولِ اسْتِعارَةً عَنِ امْتِناعِهِمْ مِنَ الأكْلِ، ﴿نَكِرَهُمْ﴾ أيْ: أنْكَرَهم قالَ الشّاعِرُ:
؎وأنْكَرَتْنِي وما كانَ الَّذِي نَكِرَتْ ∗∗∗ مِنَ الحَوادِثِ إلّا الشَّيْبَ والصَّلَعا
وقِيلَ: نَكِرَ فِيما يُرى، وأنْكَرَ فِيما لا يُرى مِنَ المَعانِي، فَكَأنَّ الشّاعِرَ قالَ: وأنْكَرَتْ مَوَدَّتِي ثُمَّ جاءَتْ بِنُكْرِ الشَّيْبِ والصَّلَعِ مِمّا يُرى بِالبَصَرِ. ومِنهُ قَوْلُ أبِي ذُؤَيْبٍ:
؎فَنَكِرْنَهُ فَنَفَرْنَ وامْتَرَسَتْ بِهِ ∗∗∗ هَوْجاءُ هادِيَةٌ وهادٍ جُرْشُعُ
ورُوِيَ أنَّهم كانُوا يَنْكُثُونَ بِقِداحٍ كانَتْ بِأيْدِيهِمْ في اللَّحْمِ ولا تَصِلُ أيْدِيهِمْ إلَيْهِ، ويَنْبَغِي أنْ يُنْظَرَ مِنَ الضَّيْفِ هَلْ يَأْكُلُ أوْ لا، ويَكُونُ بِتَلَفُّتٍ ومُسارَعَةٍ لا بِتَحْدِيدِ النَّظَرِ، لِأنَّ ذَلِكَ مِمّا يَجْعَلُ الضَّيْفَ مُقَصِّرًا في الأكْلِ. قِيلَ: كانَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ يَنْزِلُ في طَرَفٍ مِنَ الأرْضِ مَخافَةَ أنْ يُرِيدُوا بِهِ مَكْرُوهًا.
وقِيلَ: كانَتْ عادَتُهم إذا مَسَّ مِن يَطْرُقُهم طَعامَهم أمِنُوا وإلّا خافُوهُ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَظْهَرُ أنَّهُ أحَسَّ بِأنَّهم مَلائِكَةٌ ونَكِرَهم، لِأنَّهُ تَخَوَّفَ أنْ يَكُونَ نُزُولُهم لِأمْرٍ أنْكَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ، أوْ لِتَعْذِيبِ قَوْمِهِ.
ألا تَرى إلى قَوْلِهِمْ: ﴿لا تَخَفْ إنّا أُرْسِلْنا إلى قَوْمِ لُوطٍ﴾ وإنَّما يُقالُ هَذا لِمَن عَرَفَهم ولَمْ يَعْرِفْ فِيما أُرْسِلُوا. قالَ مُقاتِلٌ: فَأوْجَسَ: وقَعَ في قَلْبِهِ. وقالَ الحَسَنُ: حَدَّثَ بِهِ نَفْسَهُ، قِيلَ: وأصْلُ الوُجُوسِ: الدُّخُولُ، فَكَأنَّ الخَوْفَ دَخَلَ عَلَيْهِ.
والظّاهِرُ أنَّهُ لَمْ يَعْرِفْ أنَّهم مَلائِكَةٌ لِمَجِيئِهِمْ في صُورَةِ البَشَرِ، وكانَ مَشْغُوفًا بِإكْرامِ الأضْيافِ، فَلِذَلِكَ جاءُوا في صُوَرِهِمْ، ولِمُسارَعَتِهِ إلى إحْضارِ الطَّعامِ إلَيْهِمْ، ولِأنَّ امْتِناعَ المَلائِكَةِ مِنَ الأكْلِ لا يَدُلُّ عَلى حُصُولِ الشَّرِّ، وإنَّما عَرَفَ أنَّهم مَلائِكَةٌ بِقَوْلِهِمْ: ﴿لا تَخَفْ إنّا أُرْسِلْنا إلى قَوْمِ لُوطٍ﴾، فَنَهَوْهُ عَنْ شَيْءٍ وقَعَ في نَفْسِهِ، وعَرَفُوا خِيفَتَهُ بِكَوْنِ اللَّهِ جَعَلَ لَهم مِنَ الِاطِّلاعِ ما لَمْ يَجْعَلْ لِغَيْرِهِمْ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَعْلَمُونَ ما تَفْعَلُونَ﴾ [الإنفطار: ١٢] وفي الحَدِيثِ الصَّحِيحِ «قالَتِ المَلائِكَةُ رَبِّي عَبْدُكَ هَذا يُرِيدُ أنْ يَعْمَلَ سَيِّئَةً» الحَدِيثَ، أوْ بِما يَلُوحُ في صَفَحاتِ وجْهِ الخائِفِ.
﴿وامْرَأتُهُ قائِمَةٌ﴾ جُمْلَةٌ مِنِ ابْتِداءٍ وخَبَرٍ، قالَ الحَوْفِيُّ وأبُو البَقاءِ: في مَوْضِعِ الحالِ، قالَ أبُو البَقاءِ: مِن ضَمِيرِ الفاعِلِ في أرْسَلْنا، يَعْنِي المَفْعُولَ الَّذِي لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ.
والزَّمَخْشَرِيُّ يُسَمِّيهِ فاعِلًا لِقِيامِهِ مَقامَ الفاعِلِ. وقالَ الحَوْفِيُّ: والتَّقْدِيرُ: أُرْسِلْنا إلى قَوْمِ لُوطٍ في حالِ قِيامِ امْرَأتِهِ، يَعْنِي امْرَأةَ إبْراهِيمَ. والظّاهِرُ أنَّهُ حالٌ مِن ضَمِيرِ قالُوا، أيْ: قالُوا لِإبْراهِيمَ: لا تَخَفْ في حالِ قِيامِ امْرَأتِهِ وهي سارَةُ بِنْتُ هارانَ بْنِ ناخُورَ وهي ابْنَةُ عَمِّهِ، (قائِمَةٌ) أيْ: لِخِدْمَةِ الأضْيافِ، وكانَتْ نِساؤُهم لا تَحْتَجِبُ كَعادَةِ الأعْرابِ، ونازِلَةِ البَوادِي والصَّحْراءِ، ولَمْ يَكُنِ التَّبَرُّجُ مَكْرُوهًا، وكانَتْ عَجُوزًا، وخِدْمَةُ الضِّيفانِ مِمّا يُعَدُّ مِن مَكارِمِ الأخْلاقِ قالَهُ: مُجاهِدٌ.
وجاءَ في شَرِيعَتِنا مِثْلُ هَذا مِن حَدِيثِ أبِي أُسَيْدٍ السّاعِدِيِّ: وكانَتِ امْرَأتُهُ عَرُوسًا، فَكانَتْ خادِمَةَ الرَّسُولِ ومَن حَضَرَ مَعَهُ مِن أصْحابِهِ. وقالَ وهْبٌ: كانَتْ قائِمَةً وراءَ السَّتْرِ تَسْمَعُ مُحاوَرَتَهم. وقالَ ابْنُ إسْحاقَ: قائِمَةٌ تُصَلِّي. وقالَ المُبَرِّدُ: قائِمَةٌ عَنِ الوَلَدِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ: وامْرَأتُهُ قائِمَةٌ وهو قاعِدٌ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وفي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: وهي قائِمَةٌ وهو جالِسٌ. ولَمْ يَتَقَدَّمْ ذِكْرُ امْرَأةِ إبْراهِيمَ فَيُضْمَرُ، لَكِنَّهُ يُفَسِّرُهُ سِياقُ الكَلامِ.
قالَ مُجاهِدٌ وعِكْرِمَةُ: ﴿فَضَحِكَتْ﴾: حاضَتْ. قالَ الجُمْهُورُ: هو الضَّحِكُ المَعْرُوفُ. فَقِيلَ: هو مَجازٌ مُعَبَّرٌ بِهِ عَنْ طَلاقَةِ الوَجْهِ وسُرُورِهِ بِنَجاةِ أخِيها وهَلاكِ قَوْمِهِ، يُقالُ: أتَيْتُ عَلى رَوْضَةٍ تَضْحَكُ، أيْ: مُشْرِقَةٍ. وقِيلَ: هو حَقِيقَةٌ. فَقالَ مُقاتِلٌ: ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ضَحِكَتْ مِن شِدَّةِ خَوْفِ إبْراهِيمَ (p-٢٤٣)وهُوَ في أهْلِهِ وغِلْمانِهِ. والَّذِينَ جاءُوهُ ثَلاثَةٌ، وهي تَعْهَدُهُ يَغْلِبُ الأرْبَعِينَ، وقِيلَ: المِائَةَ. وقالَ قَتادَةُ: ضَحِكَتْ مِن غَفْلَةِ قَوْمِ لُوطٍ وقُرْبِ العَذابِ مِنهم.
وقالَ السُّدِّيُّ: ضَحِكَتْ مِن إمْساكِ الأضْيافِ عَنِ الأكْلِ وقالَتْ: عَجَبًا لِأضْيافِنا نَخْدُمُهم بِأنْفُسِنا وهم لا يَأْكُلُونَ طَعامَنا. وقالَ وهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ضَحِكَتْ مِنَ البِشارَةِ بِإسْحاقَ، وقالَ: هَذا مُقَدَّمٌ بِمَعْنى التَّأْخِيرِ. وذَكَرَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: أنَّ ضَحِكَها كانَ سُرُورًا بِصِدْقِ ظَنِّها، لِأنَّها كانَتْ تَقُولُ لِإبْراهِيمَ: اضْمُمْ إلَيْكَ ابْنَ أخِيكَ لُوطًا وكانَ أخاها، فَإنَّهُ سَيَنْزِلُ العَذابُ بِقَوْمِهِ. وقِيلَ: ضَحِكَتْ لِما رَأتْ مِنَ المُعْجِزِ، وهو أنَّ المَلائِكَةَ مَسَحَتِ العِجْلَ الحَنِيذَ فَقامَ حَيًّا يَطْفِرُ، والَّذِي يَظْهَرُ واللَّهُ أعْلَمُ أنَّهم لَمّا لَمْ يَأْكُلُوا، وأوْجَسَ في نَفْسِهِ خِيفَةً بَعْدَما نَكِرَ حالَهم، لَحِقَ المَرْأةَ مِن ذَلِكَ أعْظَمُ ما لَحِقَ الرَّجُلَ.
فَلَمّا قالُوا: لا تَخَفْ، وذَكَرُوا سَبَبَ مَجِيئِهِمْ زالَ عَنْهُ الخَوْفُ وسُرَّ، فَلَحِقَها هي مِنَ السُّرُورِ أنْ ضَحِكَتْ، إذِ النِّساءُ في بابِ الفَرَحِ والسُّرُورِ أطْرَبُ مِنَ الرِّجالِ وغالَبٌ عَلَيْهِنَّ ذَلِكَ. وقَدْ أشارَ الزَّمَخْشَرِيُّ إلى طَرَفٍ مِن هَذا فَقالَ: ضَحِكَتْ سُرُورًا بِزَوالِ الخِيفَةِ.
وذَكَرَ مُحَمَّدُ بْنُ قَيْسٍ سَبَبًا لِضَحِكِها تَرَكْنا ذِكْرَهُ لِفَظاعَتِهِ، يُوقَفُ عَلَيْهِ في تَفْسِيرِ ابْنِ عَطِيَّةَ: وقَرَأ مُحَمَّدُ بْنُ زِيادٍ الأعْرابِيُّ رَجُلٌ مِن قُرّاءِ مَكَّةَ: ﴿فَضَحِكَتْ﴾ بِفَتْحِ الحاءِ. قالَ المَهَدَوِيُّ: وفَتْحُ الحاءِ غَيْرُ مَعْرُوفٍ، ﴿فَبَشَّرْناها﴾ هَذا مُوافِقٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَقَدْ جاءَتْ رُسُلُنا إبْراهِيمَ بِالبُشْرى﴾، والمَعْنى: فَبَشَّرْناها عَلى لِسانِ رُسُلِنا، بَشَّرَتْها المَلائِكَةُ بِإسْحاقَ، وبِأنَّ إسْحاقَ سَيَلِدُ يَعْقُوبَ.
قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: أضافَ فِعْلَ المَلائِكَةِ إلى ضَمِيرِ اسْمِ اللَّهِ تَعالى، إذْ كانَ ذَلِكَ بِأمْرِهِ ووَحْيِهِ. وقالَ غَيْرُهُ: لَمّا وُلِدَ لِإبْراهِيمَ إسْماعِيلُ عَلَيْهِما السَّلامُ مِن هاجَرَ تَمَنَّتْ سارَةُ أنْ يَكُونَ لَها ابْنٌ، وأيِسَتْ لِكِبَرِ سِنِّها، فَبُشِّرَتْ بِوَلَدٍ يَكُونُ نَبِيًّا ويَلِدُ نَبِيًّا، فَكانَ هَذا بِشارَةً لَها بِأنْ تَرى ولَدَ ولَدِها. وإنَّما بَشَّرُوها دُونَهُ: لِأنَّ المَرْأةَ أعْجَلُ فَرَحًا بِالوَلَدِ، ولِأنَّ إبْراهِيمَ قَدْ بَشَّرُوهُ وأمَّنُوهُ مِن خَوْفِهِ، فَأتْبَعُوا بِشارَتَهُ بِبِشارَتِها. وقِيلَ: خُصِّتْ بِالبِشارَةِ حَيْثُ لَمْ يَكُنْ لَها ولَدٌ، وكانَلِإبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ ولَدُهُ إسْماعِيلُ.
والظّاهِرُ أنَّ (وراءِ) هُنا: ظَرْفٌ اسْتُعْمِلَ اسْمًا غَيْرَ ظَرْفٍ بِدُخُولِ (مِن) عَلَيْهِ كَأنَّهُ قِيلَ: ومِن بَعْدِ إسْحاقَ، أوْ مِن خَلْفِ إسْحاقَ، وبِمَعْنى بَعْدُ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ واخْتارَهُ مُقاتِلٌ وابْنُ قُتَيْبَةَ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا: أنَّ الوَراءَ: ولَدُ الوَلَدِ، وبِهِ قالَ الشَّعْبِيُّ: واخْتارَهُ أبُو عُبَيْدَةَ. وتَسْمِيَتُهُ وراءَ هي قَرِيبَةٌ مِن مَعْنى (وراءَ) الظَّرْفِ، إذْ هو ما يَكُونُ خَلْفَ الشَّيْءِ وبَعْدَهُ.
فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ يَكُونُ يَعْقُوبُ وراءً لِإسْحاقَ وهو ولَدُهُ لِصُلْبِهِ، وإنَّما الوَراءُ ولَدُ الوَلَدِ ؟ فَقَدْ أجابَ عَنْهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ فَقالَ: المَعْنى ومِنَ الوَراءِ المَنسُوبِ إلى إسْحاقَ يَعْقُوبُ، لِأنَّهُ قَدْ كانَ الوَراءُ لِإبْراهِيمَ مِن جِهَةِ إسْحاقَ، فَلَوْ قالَ: ومِنَ الوَراءِ يَعْقُوبُ، لَمْ يُعْلَمْ أهَذا الوَراءُ مَنسُوبٌ إلى إسْحاقَ أمْ إلى إسْماعِيلَ ؟ فَأُضِيفَ إلى إسْحاقَ لِيَنْكَشِفَ المَعْنى ويَزُولَ اللَّبْسُ، انْتَهى.
وبُشِّرَتْ مِن بَيْنِ أوْلادِ إسْحاقَ بِـ يَعْقُوبَ، لِأنَّها رَأتْهُ ولَمْ تَرَ غَيْرَهُ، وهَذِهِ البِشارَةُ لِسارَةَ كانْتَ وهي بِنْتُ تِسْعٍ وتِسْعِينَ سَنَةً، وإبْراهِيمُ ابْنُ مِائَةِ سَنَةٍ. وقِيلَ: كانَ بَيْنَهُما غَيْرُ ذَلِكَ، وهي أقْوالٌ مُتَناقِضَةٌ.
وهَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ إسْماعِيلَ هو الذَّبِيحُ، لِأنَّ سارَةَ حِينَ أخْدَمَها المَلِكُ الجَبّارُ هاجَرَ أُمَّ إسْماعِيلَ كانَتْ شابَّةً جَمِيلَةً، فاتَّخَذَ إبْراهِيمُ هاجَرَ سُرِّيَّةً، فَغارَتْ مِنها سارَةُ، فَخَرَجَ بِها وبِابْنِها إسْماعِيلَ مِنَ الشّامِ عَلى البُراقِ، وجاءَ مِن يَوْمِهِ مَكَّةَ، وانْصَرَفَ إلى الشّامِ مِن يَوْمِهِ، ثُمَّ كانَتِ البِشارَةُ بِـ إسْحاقَ وسارَةُ عَجُوزٌ مُحالَةً، وسَيَأْتِي الدَّلِيلُ عَلى ذَلِكَ أيْضًا مِن سُورَةِ ﴿والصّافّاتِ﴾ [الصافات: ١] . ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ اللَّهُ سَمّاها حالَةَ البِشارَةِ بِهَذَيْنِ الِاسْمَيْنِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الِاسْمانِ حَدَثا لَها وقْتَ الوِلادَةِ، وتَكُونُ البِشارَةُ بِوَلَدٍ ذَكَرٍ بَعْدَهُ ولَدٌ ذَكَرٌ، وحالَةُ الإخْبارِ عَنِ البِشارَةِ ذَكَرًا بِاسْمِها كَما يَقُولُ المُخْبِرُ: إذا بُشِّرَ في النَّوْمِ بِوَلَدٍ ذَكَرٍ فَوُلِدَ لَهُ ولَدٌ ذَكَرٌ فَسَمّاهُ مَثَلًا: عَبْدَ اللَّهِ بُشِّرْتُ بِعَبْدِ (p-٢٤٤)اللَّهِ. وقَرَأ الحَرَمِيّانِ والنَّحْوِيّانِ وأبُو بَكْرٍ يَعْقُوبُ: بِالرَّفْعِ عَلى الِابْتِداءِ و﴿مِن وراءِ﴾ [الأحزاب: ٥٣] الخَبَرُ كَأنَّهُ قِيلَ: ومِن وراءِ إسْحاقَ يَعْقُوبُ كائِنٌ، وقَدَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ مَوْلُودٌ أوْ مَوْجُودٌ. قالَ النَّحّاسُ: والجُمْلَةُ حالٌ داخِلَةٌ في البِشارَةِ، أيْ: فَبَشَّرْناها بِـ إسْحاقَ مُتَّصِلًا بِهِ يَعْقُوبُ.
وأجازَ أبُو عَلِيٍّ أنْ يَرْتَفِعَ بِالجارِّ والمَجْرُورِ، كَما أجازَهُ الأخْفَشُ، أيْ: واسْتَقَرَّ لَها مِن وراءِ إسْحاقَ يَعْقُوبُ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: رَفْعُهُ عَلى القَطْعِ بِمَعْنى: ومِن وراءِ إسْحاقَ يَحْدُثُ يَعْقُوبُ. وقالَ النَّحّاسُ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ فاعِلًا بِإضْمارِ فِعْلٍ تَقْدِيرُهُ: ويَحْدُثُ مِن وراءِ إسْحاقَ يَعْقُوبُ.
قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وعَلى هَذا لا تَدْخُلُ البِشارَةُ، انْتَهى. ولا حاجَةَ إلى تَكَلُّفِ القَطْعِ والعُدُولِ عَنِ الظّاهِرِ المُقْتَضِي لِلدُّخُولِ في البِشارَةِ.
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ وحَفْصٌ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: يَعْقُوبَ بِالنَّصْبِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: كَأنَّهُ قِيلَ ووَهَبْنا لَهُ إسْحاقَ ومِن وراءِ إسْحاقَ يَعْقُوبَ عَلى طَرِيقَةِ قَوْلِهِ: لَيْسُوا مُصْلِحِينَ عَشِيرَةً، ولا ناعِبٍ، انْتَهى. يَعْنِي أنَّهُ عُطِفَ عَلى التَّوَهُّمِ، والعَطْفُ عَلى التَّوَهُّمِ لا يَنْقاسُ، والأظْهَرُ أنْ يَنْتَصِبَ (يَعْقُوبَ) بِإضْمارِ فِعْلٍ تَقْدِيرُهُ: ومِن وراءِ إسْحاقَ وهَبْنا يَعْقُوبَ، ودَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: فَبَشَّرْناها لِأنَّ البِشارَةَ في مَعْنى الهِبَةِ، ورَجَّحَ هَذا الوَجْهَ أبُو عَلِيٍّ، ومَن ذَهَبَ إلى أنَّهُ مَجْرُورٌ مَعْطُوفٌ عَلى لَفْظِ (بِإسْحاقَ)، أوْ عَلى مَوْضِعِهِ. فَقَوْلُهُ ضَعِيفٌ، لِأنَّهُ لا يَجُوزُ الفَصْلُ بِالظَّرْفِ أوِ المَجْرُورِ بَيْنَ حَرْفِ العَطْفِ ومَعْطُوفِهِ المَجْرُورِ، لا يَجُوزُ: مَرَرْتُ بِزَيْدٍ اليَوْمَ وأمْسَ عَمْرٍو، فَإنْ جاءَ فَفي شِعْرٍ.
فَإنْ كانَ المَعْطُوفُ مَنصُوبًا أوْ مَرْفُوعًا، فَفي جَوازِ ذَلِكَ خِلافٌ نَحْوَ: قامَ زَيْدٌ واليَوْمَ عَمْرٌو، وضَرَبْتُ زَيْدًا واليَوْمَ عَمْرًا والظّاهِرُ أنَّ الألِفَ في ﴿ياوَيْلَتا﴾ [المائدة: ٣١] بَدَلٌ مِن ياءِ الإضافَةِ نَحْوَ: يا لَهْفا ويا عَجَبا، وأمالَ الألِفَ مِن ﴿ياوَيْلَتا﴾ [المائدة: ٣١] عاصِمٌ وأبُو عَمْرٍو والأعْشى، إذْ هي بَدَلٌ مِنَ الياءِ. وقَرَأ الحَسَنُ: (يا ويْلَتِي) بِالياءِ عَلى الأصْلِ.
وقِيلَ: الألِفُ: ألِفُ النُّدْبَةِ، ويُوقَفُ عَلَيْها بِالهاءِ. وأصْلُهُ الدُّعاءِ بِالوَيْلِ ونَحْوِهِ في التَّفَجُّعِ لِشِدَّةِ مَكْرُوهٍ يَدْهَمُ النَّفْسَ، ثُمَّ اسْتُعْمِلَ بَعْدُ في عَجَبٍ يَدْهَمُ النَّفْسَ. (ويا ويْلَتا) كَلِمَةٌ تَخِفُّ عَلى أفْواهِ النِّساءِ إذا طَرَأ عَلَيْهِنَّ ما يَعْجَبْنَ مِنهُ، واسْتَفْهَمَتْ بِقَوْلِها: ﴿أألِدُ﴾ اسْتِفْهامَ إنْكارٍ وتَعَجُّبٍ، و(أنا عَجُوزٌ) وما بَعْدَهُ جُمْلَتا حالٍ، وانْتَصَبَ (شَيْخًا) عَلى الحالِ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ، وخَبَرِ التَّقْرِيبِ عِنْدَ الكُوفِيِّينَ. ولا يُسْتَغْنى عَنْ هَذِهِ الحالِ إذا كانَ الخَبَرُ مَعْرُوفًا عِنْدَ المُخاطَبِ، لِأنَّ الفائِدَةَ إنَّما تَقَعُ بِهَذِهِ الحالِ، أمّا إذا كانَ مَجْهُولًا عِنْدَهُ فَأرَدْتَ أنْ تُفِيدَ المُخاطَبَ ما كانَ يَجْهَلُهُ، فَتَجِيءُ الحالُ عَلى بابِها مُسْتَغْنًى عَنْها.
وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ وهو في مُصْحَفِهِ والأعْمَشُ: ﴿شَيْخٌ﴾ [القصص: ٢٣] بِالرَّفْعِ. وجَوَّزُوا فِيهِ وفي ﴿بَعْلِي﴾ أنْ يَكُونا خَبَرَيْنِ كَقَوْلِهِمْ: هَذا حُلْوٌ حامِضٌ، وأنْ يَكُونَ ﴿بَعْلِي﴾: الخَبَرَ، و﴿شَيْخٌ﴾ [القصص: ٢٣] خَبَرٌ مَحْذُوفٍ، أوْ بَدَلٌ مِن بَعْلِي، وأنْ يَكُونَ ﴿بَعْلِي﴾ بَدَلًا أوْ عَطْفَ بَيانٍ، و﴿شَيْخٌ﴾ [القصص: ٢٣] الخَبَرَ.
والإشارَةُ بِهَذا إلى الوِلادَةِ أوِ البِشارَةِ بِها تَعَجَّبَتْ مِن حُدُوثِ ولَدٍ بَيْنَ شَيْخَيْنِ هَرِمَيْنِ، واسْتَغْرَبَتْ ذَلِكَ مِن حَيْثُ العادَةُ، لا إنْكارًا لِقُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى. قالُوا: أيِ المَلائِكَةُ، ﴿أتَعْجَبِينَ﴾ اسْتِفْهامُ إنْكارٍ لِعَجَبِها. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لِأنَّها كانَتْ في بَيْتِ الآياتِ ومَهْبِطِ المُعْجِزاتِ والأُمُورِ الخارِقَةِ لِلْعادَةِ، فَكانَ عَلَيْها أنْ تَتَوَفَّرَ ولا يَزْدَهِيَها ما يَزْدَهِي سائِرَ النِّساءِ في غَيْرِ بَيْتِ النُّبُوَّةِ، وأنْ تُسَبِّحَ اللَّهَ وتُمَجِّدَهُ مَكانَ التَّعَجُّبِ.
وإلى ذَلِكَ أشارَتِ المَلائِكَةُ في قَوْلِهِمْ ﴿رَحْمَةُ اللَّهِ وبَرَكاتُهُ عَلَيْكم أهْلَ البَيْتِ﴾ أرادُوا: أنَّ هَذِهِ وأمْثالَها مِمّا يُكْرِمُكم رَبُّ العِزَّةِ ويَخُصُّكم بِالإنْعامِ بِهِ يا أهْلَ بَيْتِ النُّبُوَّةِ ؟ فَلَيْسَتْ بِمَكانٍ عَجِيبٍ، و﴿أمَرَ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٧]: قُدْرَتُهُ وحِكْمَتُهُ. وقَوْلُهُ: ﴿رَحْمَةُ اللَّهِ وبَرَكاتُهُ عَلَيْكُمْ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ عُلِّلَ بِهِ إنْكارُ التَّعَجُّبِ، كَأنَّهُ قِيلَ: إيّاكَ والتَّعَجُّبَ، فَإنَّ أمْثالَ هَذِهِ الرَّحْمَةِ والبَرَكَةِ مُتَكاثِرَةٌ مِنَ اللَّهِ عَلَيْكم.
وقِيلَ: الرَّحْمَةُ: النُّبُوَّةُ، والبَرَكاتُ: الأسْباطُ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، لِأنَّ الأنْبِياءَ مِنهم، وكُلُّهم مِن ولَدِ إبْراهِيمَ، انْتَهى.
وقِيلَ: رَحْمَتُهُ: تَحِيَّتُهُ، وبَرَكاتُهُ: فَواضِلُ خَيْرِهِ بِالخِلَّةِ والإمامَةِ. ورُوِيَ (p-٢٤٥)أنَّ سارَةَ قالَتْ لِجِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ما آيَةُ ذَلِكَ ؟ فَأخَذَ عُودًا يابِسًا فَلَواهُ بَيْنَ أصابِعِهِ، فاهْتَزَّ أخْضَرَ، فَسَكَنَ رَوْعُها وزالَ عَجَبُها. وهَذِهِ الجُمْلَةُ المُسْتَأْنَفَةُ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ خَبَرًا وهو الأظْهَرُ، لِأنَّهُ يَقْتَضِي حُصُولَ الرَّحْمَةِ والبَرَكَةِ لَهم، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ دُعاءً، وهو مَرْجُوحٌ، لِأنَّ الدُّعاءَ إنَّما يَقْتَضِي أنَّهُ أمْرٌ يُتَرَجّى ولَمْ يَتَحَصَّلْ بَعْدُ. و(أهْلَ): مَنصُوبٌ عَلى النِّداءِ، أوْ عَلى الِاخْتِصاصِ، وبَيْنَ النَّصْبِ عَلى المَدْحِ والنَّصْبِ عَلى الِاخْتِصاصِ فَرْقٌ، ولِذَلِكَ جَعَلَهُما سِيبَوَيْهِ في بابَيْنِ وهو أنَّ المَنصُوبَ عَلى المَدْحِ لَفْظٌ يَتَضَمَّنُ بِوَضْعِهِ المَدْحَ، كَما أنَّ المَنصُوبَ عَلى الذَّمِّ يَتَضَمَّنُ بِوَضْعِهِ الذَّمَّ، والمَنصُوبُ عَلى الِاخْتِصاصِ لا يَكُونُ إلّا لِمَدْحٍ أوْ ذَمٍّ، لَكِنَّ لَفْظَهُ لا يَتَضَمَّنُ بِوَضْعِهِ المَدْحَ ولا الذَّمَّ كَقَوْلِهِ: بِنا تَمِيمًا يُكْشَفُ الضَّبابُ. وقَوْلِهِ: ولا الحَجّاجَ عَيْنِي بِنْتُ ماءٍ. وخِطابُ المَلائِكَةِ إيّاها بِقَوْلِهِمْ: ﴿أهْلَ البَيْتِ﴾: دَلِيلٌ عَلى انْدِراجِ الزَّوْجَةِ في أهْلِ البَيْتِ، وقَدْ دَلَّ عَلى ذَلِكَ أيْضًا في سُورَةِ الأحْزابِ، خِلافًا لِلشِّيعَةِ إذْ لا يَعُدُّونَ الزَّوْجَةَ مِن أهْلِ بَيْتِ زَوْجِها، والبَيْتُ يُرادُ بِهِ: بَيْتُ السُّكْنى.
﴿إنَّهُ حَمِيدٌ﴾: وقالَ أبُو الهَيْثَمِ: تُحْمَدُ أفْعالُهُ، وهو بِمَعْنى: المَحْمُودِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فاعِلٌ ما يُسْتَوْجَبُ مِن عِبادِهِ، مَجِيدٌ كَرِيمٌ كَثِيرُ الإحْسانِ إلَيْهِمْ.
هود 11:73
﴿ولَقَدْ جاءَتْ رُسُلُنا إبْراهِيمَ بِالبُشْرى قالُوا سَلامًا قالَ سَلامٌ فَما لَبِثَ أنْ جاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾ ﴿فَلَمّا رَأى أيْدِيَهم لا تَصِلُ إلَيْهِ نَكِرَهم وأوْجَسَ مِنهم خِيفَةً قالُوا لا تَخَفْ إنّا أُرْسِلْنا إلى قَوْمِ لُوطٍ﴾ ﴿وامْرَأتُهُ قائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْناها بِإسْحاقَ ومِن وراءِ إسْحاقَ يَعْقُوبَ﴾ ﴿قالَتْ ياوَيْلَتى أألِدُ وأنا عَجُوزٌ وهَذا بَعْلِي شَيْخًا إنَّ هَذا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ﴾ ﴿قالُوا أتَعْجَبِينَ مِن أمْرِ اللَّهِ رَحْمَةُ اللَّهِ وبَرَكاتُهُ عَلَيْكم أهْلَ البَيْتِ إنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ﴾: (p-٢٤١)تَقَدَّمَ أنَّ تَرْتِيبَ قَصَصِ هَذِهِ السُّورَةِ كَتَرْتِيبِ قَصَصِ الأعْرافِ، وإنَّما أدْرَجَ شَيْئًا مِن أخْبارِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ بَيْنَ قِصَّةِ صالِحٍ ولُوطٍ، لِأنَّ لَهُ مَدْخَلًا في قِصَّةِ لُوطٍ، وكانَ إبْراهِيمُ ابْنَ خالَةِ لُوطٍ.
والرُّسُلُ هُنا: المَلائِكَةُ، بَشَّرَتْ إبْراهِيمَ بِثَلاثِ بَشائِرَ: بِالوَلَدِ، وبِالخِلَّةِ، وبِإنْجاءِ لُوطٍ ومَن آمَنَ مَعَهُ.
قِيلَ: كانُوا اثْنَيْ عَشَرَ مَلَكًا، رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وقالَ السُّدِّيُّ: أحَدَ عَشَرَ، وحَكى صاحِبُ الغُنْيانِ: عَشَرَةٌ مِنهم جِبْرِيلُ. وقالَ الضَّحّاكُ: تِسْعَةٌ، وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: ثَمانِيَةٌ، وحَكى الماوَرْدِيُّ: أرْبَعَةٌ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ جُبَيْرٍ: ثَلاثَةٌ: جِبْرِيلُ ومِيكائِيلُ وإسْرافِيلُ. وقالَ مُقاتِلٌ: جِبْرِيلُ ومِيكائِيلُ ومَلَكُ المَوْتِ.
ورُوِيَ: أنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ مُخْتَصًّا بِإهْلاكِ قَوْمِ لُوطٍ، ومِيكائِيلَ بِبُشْرى إبْراهِيمَ بِإسْحاقَ عَلَيْهِما السَّلامُ، وإسْرافِيلَ بِإنْجاءِ لُوطٍ ومَن آمَنَ مَعَهُ.
قِيلَ: وكانَتِ المَلائِكَةُ جُرْدًا مُرْدًا عَلى غايَةٍ مِنَ الحُسْنِ والجَمالِ والبَهْجَةِ، ولِهَذا يُضْرَبُ بِهِمُ المَثَلُ في الحُسْنِ كَما قالَ تَعالى حِكايَةً عَمّا قِيلَ في يُوسُفَ: ﴿ما هَذا بَشَرًا إنْ هَذا إلّا مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾ [يوسف: ٣١] وقالَ الغَزِّيُّ:
؎قَوْمٌ إذا قُوبِلُوا كانُوا مَلائِكَةً حُسْنًا وإنْ قُوتِلُوا كانُوا عَفارِيتا
وانْتَصَبَ (سَلامًا) عَلى إضْمارِ الفِعْلِ، أيْ: سَلَّمْنا عَلَيْكَ سَلامًا، فَـ (سَلامًا) قَطَعَهُ مَعْمُولًا لِلْفِعْلِ المُضْمَرِ المَحْكِيِّ بِـ (قالُوا)، قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ (سَلامًا) حِكايَةً لِمَعْنى ما قالُوا، لا حِكايَةً لِلَفْظِهِمْ، قالَهُ مُجاهِدٌ والسُّدِّيُّ.
ولِذَلِكَ عَمِلَ فِيهِ القَوْلُ، كَما تَقُولُ لِرَجُلٍ قالَ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ: قُلْتَ: حَقًّا وإخْلاصًا، ولَوْ حَكَيْتَ لَفْظَهم لَمْ يَصِحَّ أنْ يَعْمَلَ فِيهِ القَوْلُ، انْتَهى. ويَعْنِي: لَمْ يَصِحَّ أنْ يَعْمَلَ في لَفْظِهِمُ القَوْلُ، يَعْنِي في اللَّفْظِ، وإنْ كانَ ما لَفَظُوا بِهِ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ لِلْقَوْلِ.
و(سَلامٌ): خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: أمْرِي أوْ أمْرُكم سَلامٌ، أوْ مُبْتَدَأٌ مَحْذُوفُ الخَبَرِ، أيْ: عَلَيْكم سَلامٌ، والجُمْلَةُ مَحْمِيَّةٌ وإنْ كانَ حُذِفَ مِنها أحَدُ جُزْءَيْها كَما قالَ:
؎إذا ذُقْتَ فاها قُلْتَ طَعْمَ مُدامَةٍ
أيْ: طَعْمُهُ طَعْمُ مُدامَةٍ.
وقَرَأ الأخَوانَ: قالَ سِلْمٌ، والسِّلْمُ: السَّلامُ كَحِرْمٍ وحَرامٍ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎مَرَرْنا فَقُلْنا إيهِ سِلْمٌ فَسَلَّمَتْ ∗∗∗ كَما اكْتَلَّ بِالبَرْقِ الغَمامُ اللَّوائِحُ
اكْتَلَّ: اتَّخَذَ إكْلِيلًا. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِالسِّلْمِ ضِدَّ الحَرْبِ تَقُولُ: نَحْنُ سِلْمٌ لَكم، انْتَهى. ونَصْبُ (سَلامًا) يَدُلُّ عَلى التَّجَدُّدِ، ورَفْعُ (سَلامٌ) يَدُلُّ عَلى الثُّبُوتِ والِاسْتِقْرارِ، والأقْرَبُ في إعْرابِ ﴿فَما لَبِثَ﴾ أنْ تَكُونَ ما نافِيَةً، ولَبِثَ مَعْناهُ: تَأخَّرَ وأبْطَأ، و﴿أنْ جاءَ﴾: فاعِلٌ بِلَبِثَ، التَّقْدِيرُ: فَما تَأخَّرَ مَجِيئُهُ قالَهُ: الفَرّاءُ.
وجَوَّزُوا أنْ يَكُونَ في (لَبِثَ) ضَمِيرُ إبْراهِيمَ فَهو فاعِلٌ، و﴿أنْ جاءَ﴾ عَلى إسْقاطِ الحَرْفِ فَقُدِّرَ بِأنْ وبِعْنَ وبِفِي، وجَعَلَ بَعْضُهم (أنْ) بِمَعْنى حَتّى حَكاهُ ابْنُ العَرَبِيِّ. وأنْ تَكُونَ (ما) مَصْدَرِيَّةً، وذَلِكَ المَصْدَرُ في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِالِابْتِداءِ، وأنْ تَكُونَ بِمَعْنى: الَّذِي، أيْ: فَلَبْثُهُ أوِ الَّذِي لَبِثَهُ، والخَبَرُ ﴿أنْ جاءَ﴾ عَلى حَذْفِ أيْ: قَدْرُ مَجِيئِهِ، وهَذا مِن أدَبِ الضِّيافَةِ، وهو تَعْجِيلُ القِرى. وكانَ مالُ إبْراهِيمَ البَقَرَ، فَقَدَّمَ أحْسَنَ ما فِيهِ وهو (p-٢٤٢)العِجْلُ. قالَ مُجاهِدٌ: (حَنِيذٍ) مَطْبُوخٍ، وقالَ الحَسَنُ: نَضِجٍ مَشْوِيٍّ سَمِينٍ يَقْطُرُ ودَكًا. وقالَ السُّدِّيُّ: سَمِينٍ، وقِيلَ: سَمِيطٍ لا يَصِلُ إلَيْهِ، أيْ: إلى العِجْلِ.
والمَعْنى: لا يَمُدُّونَ أيْدِيَهم إلى أكْلِهِ، فَلَمْ يَنْفِ الوُصُولَ النّاشِئَ عَنِ المَدِّ بَلْ، جَعَلَ عَدَمَ الوُصُولِ اسْتِعارَةً عَنِ امْتِناعِهِمْ مِنَ الأكْلِ، ﴿نَكِرَهُمْ﴾ أيْ: أنْكَرَهم قالَ الشّاعِرُ:
؎وأنْكَرَتْنِي وما كانَ الَّذِي نَكِرَتْ ∗∗∗ مِنَ الحَوادِثِ إلّا الشَّيْبَ والصَّلَعا
وقِيلَ: نَكِرَ فِيما يُرى، وأنْكَرَ فِيما لا يُرى مِنَ المَعانِي، فَكَأنَّ الشّاعِرَ قالَ: وأنْكَرَتْ مَوَدَّتِي ثُمَّ جاءَتْ بِنُكْرِ الشَّيْبِ والصَّلَعِ مِمّا يُرى بِالبَصَرِ. ومِنهُ قَوْلُ أبِي ذُؤَيْبٍ:
؎فَنَكِرْنَهُ فَنَفَرْنَ وامْتَرَسَتْ بِهِ ∗∗∗ هَوْجاءُ هادِيَةٌ وهادٍ جُرْشُعُ
ورُوِيَ أنَّهم كانُوا يَنْكُثُونَ بِقِداحٍ كانَتْ بِأيْدِيهِمْ في اللَّحْمِ ولا تَصِلُ أيْدِيهِمْ إلَيْهِ، ويَنْبَغِي أنْ يُنْظَرَ مِنَ الضَّيْفِ هَلْ يَأْكُلُ أوْ لا، ويَكُونُ بِتَلَفُّتٍ ومُسارَعَةٍ لا بِتَحْدِيدِ النَّظَرِ، لِأنَّ ذَلِكَ مِمّا يَجْعَلُ الضَّيْفَ مُقَصِّرًا في الأكْلِ. قِيلَ: كانَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ يَنْزِلُ في طَرَفٍ مِنَ الأرْضِ مَخافَةَ أنْ يُرِيدُوا بِهِ مَكْرُوهًا.
وقِيلَ: كانَتْ عادَتُهم إذا مَسَّ مِن يَطْرُقُهم طَعامَهم أمِنُوا وإلّا خافُوهُ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَظْهَرُ أنَّهُ أحَسَّ بِأنَّهم مَلائِكَةٌ ونَكِرَهم، لِأنَّهُ تَخَوَّفَ أنْ يَكُونَ نُزُولُهم لِأمْرٍ أنْكَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ، أوْ لِتَعْذِيبِ قَوْمِهِ.
ألا تَرى إلى قَوْلِهِمْ: ﴿لا تَخَفْ إنّا أُرْسِلْنا إلى قَوْمِ لُوطٍ﴾ وإنَّما يُقالُ هَذا لِمَن عَرَفَهم ولَمْ يَعْرِفْ فِيما أُرْسِلُوا. قالَ مُقاتِلٌ: فَأوْجَسَ: وقَعَ في قَلْبِهِ. وقالَ الحَسَنُ: حَدَّثَ بِهِ نَفْسَهُ، قِيلَ: وأصْلُ الوُجُوسِ: الدُّخُولُ، فَكَأنَّ الخَوْفَ دَخَلَ عَلَيْهِ.
والظّاهِرُ أنَّهُ لَمْ يَعْرِفْ أنَّهم مَلائِكَةٌ لِمَجِيئِهِمْ في صُورَةِ البَشَرِ، وكانَ مَشْغُوفًا بِإكْرامِ الأضْيافِ، فَلِذَلِكَ جاءُوا في صُوَرِهِمْ، ولِمُسارَعَتِهِ إلى إحْضارِ الطَّعامِ إلَيْهِمْ، ولِأنَّ امْتِناعَ المَلائِكَةِ مِنَ الأكْلِ لا يَدُلُّ عَلى حُصُولِ الشَّرِّ، وإنَّما عَرَفَ أنَّهم مَلائِكَةٌ بِقَوْلِهِمْ: ﴿لا تَخَفْ إنّا أُرْسِلْنا إلى قَوْمِ لُوطٍ﴾، فَنَهَوْهُ عَنْ شَيْءٍ وقَعَ في نَفْسِهِ، وعَرَفُوا خِيفَتَهُ بِكَوْنِ اللَّهِ جَعَلَ لَهم مِنَ الِاطِّلاعِ ما لَمْ يَجْعَلْ لِغَيْرِهِمْ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَعْلَمُونَ ما تَفْعَلُونَ﴾ [الإنفطار: ١٢] وفي الحَدِيثِ الصَّحِيحِ «قالَتِ المَلائِكَةُ رَبِّي عَبْدُكَ هَذا يُرِيدُ أنْ يَعْمَلَ سَيِّئَةً» الحَدِيثَ، أوْ بِما يَلُوحُ في صَفَحاتِ وجْهِ الخائِفِ.
﴿وامْرَأتُهُ قائِمَةٌ﴾ جُمْلَةٌ مِنِ ابْتِداءٍ وخَبَرٍ، قالَ الحَوْفِيُّ وأبُو البَقاءِ: في مَوْضِعِ الحالِ، قالَ أبُو البَقاءِ: مِن ضَمِيرِ الفاعِلِ في أرْسَلْنا، يَعْنِي المَفْعُولَ الَّذِي لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ.
والزَّمَخْشَرِيُّ يُسَمِّيهِ فاعِلًا لِقِيامِهِ مَقامَ الفاعِلِ. وقالَ الحَوْفِيُّ: والتَّقْدِيرُ: أُرْسِلْنا إلى قَوْمِ لُوطٍ في حالِ قِيامِ امْرَأتِهِ، يَعْنِي امْرَأةَ إبْراهِيمَ. والظّاهِرُ أنَّهُ حالٌ مِن ضَمِيرِ قالُوا، أيْ: قالُوا لِإبْراهِيمَ: لا تَخَفْ في حالِ قِيامِ امْرَأتِهِ وهي سارَةُ بِنْتُ هارانَ بْنِ ناخُورَ وهي ابْنَةُ عَمِّهِ، (قائِمَةٌ) أيْ: لِخِدْمَةِ الأضْيافِ، وكانَتْ نِساؤُهم لا تَحْتَجِبُ كَعادَةِ الأعْرابِ، ونازِلَةِ البَوادِي والصَّحْراءِ، ولَمْ يَكُنِ التَّبَرُّجُ مَكْرُوهًا، وكانَتْ عَجُوزًا، وخِدْمَةُ الضِّيفانِ مِمّا يُعَدُّ مِن مَكارِمِ الأخْلاقِ قالَهُ: مُجاهِدٌ.
وجاءَ في شَرِيعَتِنا مِثْلُ هَذا مِن حَدِيثِ أبِي أُسَيْدٍ السّاعِدِيِّ: وكانَتِ امْرَأتُهُ عَرُوسًا، فَكانَتْ خادِمَةَ الرَّسُولِ ومَن حَضَرَ مَعَهُ مِن أصْحابِهِ. وقالَ وهْبٌ: كانَتْ قائِمَةً وراءَ السَّتْرِ تَسْمَعُ مُحاوَرَتَهم. وقالَ ابْنُ إسْحاقَ: قائِمَةٌ تُصَلِّي. وقالَ المُبَرِّدُ: قائِمَةٌ عَنِ الوَلَدِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وفي مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ: وامْرَأتُهُ قائِمَةٌ وهو قاعِدٌ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وفي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: وهي قائِمَةٌ وهو جالِسٌ. ولَمْ يَتَقَدَّمْ ذِكْرُ امْرَأةِ إبْراهِيمَ فَيُضْمَرُ، لَكِنَّهُ يُفَسِّرُهُ سِياقُ الكَلامِ.
قالَ مُجاهِدٌ وعِكْرِمَةُ: ﴿فَضَحِكَتْ﴾: حاضَتْ. قالَ الجُمْهُورُ: هو الضَّحِكُ المَعْرُوفُ. فَقِيلَ: هو مَجازٌ مُعَبَّرٌ بِهِ عَنْ طَلاقَةِ الوَجْهِ وسُرُورِهِ بِنَجاةِ أخِيها وهَلاكِ قَوْمِهِ، يُقالُ: أتَيْتُ عَلى رَوْضَةٍ تَضْحَكُ، أيْ: مُشْرِقَةٍ. وقِيلَ: هو حَقِيقَةٌ. فَقالَ مُقاتِلٌ: ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ضَحِكَتْ مِن شِدَّةِ خَوْفِ إبْراهِيمَ (p-٢٤٣)وهُوَ في أهْلِهِ وغِلْمانِهِ. والَّذِينَ جاءُوهُ ثَلاثَةٌ، وهي تَعْهَدُهُ يَغْلِبُ الأرْبَعِينَ، وقِيلَ: المِائَةَ. وقالَ قَتادَةُ: ضَحِكَتْ مِن غَفْلَةِ قَوْمِ لُوطٍ وقُرْبِ العَذابِ مِنهم.
وقالَ السُّدِّيُّ: ضَحِكَتْ مِن إمْساكِ الأضْيافِ عَنِ الأكْلِ وقالَتْ: عَجَبًا لِأضْيافِنا نَخْدُمُهم بِأنْفُسِنا وهم لا يَأْكُلُونَ طَعامَنا. وقالَ وهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ضَحِكَتْ مِنَ البِشارَةِ بِإسْحاقَ، وقالَ: هَذا مُقَدَّمٌ بِمَعْنى التَّأْخِيرِ. وذَكَرَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: أنَّ ضَحِكَها كانَ سُرُورًا بِصِدْقِ ظَنِّها، لِأنَّها كانَتْ تَقُولُ لِإبْراهِيمَ: اضْمُمْ إلَيْكَ ابْنَ أخِيكَ لُوطًا وكانَ أخاها، فَإنَّهُ سَيَنْزِلُ العَذابُ بِقَوْمِهِ. وقِيلَ: ضَحِكَتْ لِما رَأتْ مِنَ المُعْجِزِ، وهو أنَّ المَلائِكَةَ مَسَحَتِ العِجْلَ الحَنِيذَ فَقامَ حَيًّا يَطْفِرُ، والَّذِي يَظْهَرُ واللَّهُ أعْلَمُ أنَّهم لَمّا لَمْ يَأْكُلُوا، وأوْجَسَ في نَفْسِهِ خِيفَةً بَعْدَما نَكِرَ حالَهم، لَحِقَ المَرْأةَ مِن ذَلِكَ أعْظَمُ ما لَحِقَ الرَّجُلَ.
فَلَمّا قالُوا: لا تَخَفْ، وذَكَرُوا سَبَبَ مَجِيئِهِمْ زالَ عَنْهُ الخَوْفُ وسُرَّ، فَلَحِقَها هي مِنَ السُّرُورِ أنْ ضَحِكَتْ، إذِ النِّساءُ في بابِ الفَرَحِ والسُّرُورِ أطْرَبُ مِنَ الرِّجالِ وغالَبٌ عَلَيْهِنَّ ذَلِكَ. وقَدْ أشارَ الزَّمَخْشَرِيُّ إلى طَرَفٍ مِن هَذا فَقالَ: ضَحِكَتْ سُرُورًا بِزَوالِ الخِيفَةِ.
وذَكَرَ مُحَمَّدُ بْنُ قَيْسٍ سَبَبًا لِضَحِكِها تَرَكْنا ذِكْرَهُ لِفَظاعَتِهِ، يُوقَفُ عَلَيْهِ في تَفْسِيرِ ابْنِ عَطِيَّةَ: وقَرَأ مُحَمَّدُ بْنُ زِيادٍ الأعْرابِيُّ رَجُلٌ مِن قُرّاءِ مَكَّةَ: ﴿فَضَحِكَتْ﴾ بِفَتْحِ الحاءِ. قالَ المَهَدَوِيُّ: وفَتْحُ الحاءِ غَيْرُ مَعْرُوفٍ، ﴿فَبَشَّرْناها﴾ هَذا مُوافِقٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَقَدْ جاءَتْ رُسُلُنا إبْراهِيمَ بِالبُشْرى﴾، والمَعْنى: فَبَشَّرْناها عَلى لِسانِ رُسُلِنا، بَشَّرَتْها المَلائِكَةُ بِإسْحاقَ، وبِأنَّ إسْحاقَ سَيَلِدُ يَعْقُوبَ.
قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: أضافَ فِعْلَ المَلائِكَةِ إلى ضَمِيرِ اسْمِ اللَّهِ تَعالى، إذْ كانَ ذَلِكَ بِأمْرِهِ ووَحْيِهِ. وقالَ غَيْرُهُ: لَمّا وُلِدَ لِإبْراهِيمَ إسْماعِيلُ عَلَيْهِما السَّلامُ مِن هاجَرَ تَمَنَّتْ سارَةُ أنْ يَكُونَ لَها ابْنٌ، وأيِسَتْ لِكِبَرِ سِنِّها، فَبُشِّرَتْ بِوَلَدٍ يَكُونُ نَبِيًّا ويَلِدُ نَبِيًّا، فَكانَ هَذا بِشارَةً لَها بِأنْ تَرى ولَدَ ولَدِها. وإنَّما بَشَّرُوها دُونَهُ: لِأنَّ المَرْأةَ أعْجَلُ فَرَحًا بِالوَلَدِ، ولِأنَّ إبْراهِيمَ قَدْ بَشَّرُوهُ وأمَّنُوهُ مِن خَوْفِهِ، فَأتْبَعُوا بِشارَتَهُ بِبِشارَتِها. وقِيلَ: خُصِّتْ بِالبِشارَةِ حَيْثُ لَمْ يَكُنْ لَها ولَدٌ، وكانَلِإبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ ولَدُهُ إسْماعِيلُ.
والظّاهِرُ أنَّ (وراءِ) هُنا: ظَرْفٌ اسْتُعْمِلَ اسْمًا غَيْرَ ظَرْفٍ بِدُخُولِ (مِن) عَلَيْهِ كَأنَّهُ قِيلَ: ومِن بَعْدِ إسْحاقَ، أوْ مِن خَلْفِ إسْحاقَ، وبِمَعْنى بَعْدُ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ واخْتارَهُ مُقاتِلٌ وابْنُ قُتَيْبَةَ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا: أنَّ الوَراءَ: ولَدُ الوَلَدِ، وبِهِ قالَ الشَّعْبِيُّ: واخْتارَهُ أبُو عُبَيْدَةَ. وتَسْمِيَتُهُ وراءَ هي قَرِيبَةٌ مِن مَعْنى (وراءَ) الظَّرْفِ، إذْ هو ما يَكُونُ خَلْفَ الشَّيْءِ وبَعْدَهُ.
فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ يَكُونُ يَعْقُوبُ وراءً لِإسْحاقَ وهو ولَدُهُ لِصُلْبِهِ، وإنَّما الوَراءُ ولَدُ الوَلَدِ ؟ فَقَدْ أجابَ عَنْهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ فَقالَ: المَعْنى ومِنَ الوَراءِ المَنسُوبِ إلى إسْحاقَ يَعْقُوبُ، لِأنَّهُ قَدْ كانَ الوَراءُ لِإبْراهِيمَ مِن جِهَةِ إسْحاقَ، فَلَوْ قالَ: ومِنَ الوَراءِ يَعْقُوبُ، لَمْ يُعْلَمْ أهَذا الوَراءُ مَنسُوبٌ إلى إسْحاقَ أمْ إلى إسْماعِيلَ ؟ فَأُضِيفَ إلى إسْحاقَ لِيَنْكَشِفَ المَعْنى ويَزُولَ اللَّبْسُ، انْتَهى.
وبُشِّرَتْ مِن بَيْنِ أوْلادِ إسْحاقَ بِـ يَعْقُوبَ، لِأنَّها رَأتْهُ ولَمْ تَرَ غَيْرَهُ، وهَذِهِ البِشارَةُ لِسارَةَ كانْتَ وهي بِنْتُ تِسْعٍ وتِسْعِينَ سَنَةً، وإبْراهِيمُ ابْنُ مِائَةِ سَنَةٍ. وقِيلَ: كانَ بَيْنَهُما غَيْرُ ذَلِكَ، وهي أقْوالٌ مُتَناقِضَةٌ.
وهَذِهِ الآيَةُ تَدُلُّ عَلى أنَّ إسْماعِيلَ هو الذَّبِيحُ، لِأنَّ سارَةَ حِينَ أخْدَمَها المَلِكُ الجَبّارُ هاجَرَ أُمَّ إسْماعِيلَ كانَتْ شابَّةً جَمِيلَةً، فاتَّخَذَ إبْراهِيمُ هاجَرَ سُرِّيَّةً، فَغارَتْ مِنها سارَةُ، فَخَرَجَ بِها وبِابْنِها إسْماعِيلَ مِنَ الشّامِ عَلى البُراقِ، وجاءَ مِن يَوْمِهِ مَكَّةَ، وانْصَرَفَ إلى الشّامِ مِن يَوْمِهِ، ثُمَّ كانَتِ البِشارَةُ بِـ إسْحاقَ وسارَةُ عَجُوزٌ مُحالَةً، وسَيَأْتِي الدَّلِيلُ عَلى ذَلِكَ أيْضًا مِن سُورَةِ ﴿والصّافّاتِ﴾ [الصافات: ١] . ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ اللَّهُ سَمّاها حالَةَ البِشارَةِ بِهَذَيْنِ الِاسْمَيْنِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الِاسْمانِ حَدَثا لَها وقْتَ الوِلادَةِ، وتَكُونُ البِشارَةُ بِوَلَدٍ ذَكَرٍ بَعْدَهُ ولَدٌ ذَكَرٌ، وحالَةُ الإخْبارِ عَنِ البِشارَةِ ذَكَرًا بِاسْمِها كَما يَقُولُ المُخْبِرُ: إذا بُشِّرَ في النَّوْمِ بِوَلَدٍ ذَكَرٍ فَوُلِدَ لَهُ ولَدٌ ذَكَرٌ فَسَمّاهُ مَثَلًا: عَبْدَ اللَّهِ بُشِّرْتُ بِعَبْدِ (p-٢٤٤)اللَّهِ. وقَرَأ الحَرَمِيّانِ والنَّحْوِيّانِ وأبُو بَكْرٍ يَعْقُوبُ: بِالرَّفْعِ عَلى الِابْتِداءِ و﴿مِن وراءِ﴾ [الأحزاب: ٥٣] الخَبَرُ كَأنَّهُ قِيلَ: ومِن وراءِ إسْحاقَ يَعْقُوبُ كائِنٌ، وقَدَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ مَوْلُودٌ أوْ مَوْجُودٌ. قالَ النَّحّاسُ: والجُمْلَةُ حالٌ داخِلَةٌ في البِشارَةِ، أيْ: فَبَشَّرْناها بِـ إسْحاقَ مُتَّصِلًا بِهِ يَعْقُوبُ.
وأجازَ أبُو عَلِيٍّ أنْ يَرْتَفِعَ بِالجارِّ والمَجْرُورِ، كَما أجازَهُ الأخْفَشُ، أيْ: واسْتَقَرَّ لَها مِن وراءِ إسْحاقَ يَعْقُوبُ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: رَفْعُهُ عَلى القَطْعِ بِمَعْنى: ومِن وراءِ إسْحاقَ يَحْدُثُ يَعْقُوبُ. وقالَ النَّحّاسُ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ فاعِلًا بِإضْمارِ فِعْلٍ تَقْدِيرُهُ: ويَحْدُثُ مِن وراءِ إسْحاقَ يَعْقُوبُ.
قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وعَلى هَذا لا تَدْخُلُ البِشارَةُ، انْتَهى. ولا حاجَةَ إلى تَكَلُّفِ القَطْعِ والعُدُولِ عَنِ الظّاهِرِ المُقْتَضِي لِلدُّخُولِ في البِشارَةِ.
وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ وحَفْصٌ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: يَعْقُوبَ بِالنَّصْبِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: كَأنَّهُ قِيلَ ووَهَبْنا لَهُ إسْحاقَ ومِن وراءِ إسْحاقَ يَعْقُوبَ عَلى طَرِيقَةِ قَوْلِهِ: لَيْسُوا مُصْلِحِينَ عَشِيرَةً، ولا ناعِبٍ، انْتَهى. يَعْنِي أنَّهُ عُطِفَ عَلى التَّوَهُّمِ، والعَطْفُ عَلى التَّوَهُّمِ لا يَنْقاسُ، والأظْهَرُ أنْ يَنْتَصِبَ (يَعْقُوبَ) بِإضْمارِ فِعْلٍ تَقْدِيرُهُ: ومِن وراءِ إسْحاقَ وهَبْنا يَعْقُوبَ، ودَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: فَبَشَّرْناها لِأنَّ البِشارَةَ في مَعْنى الهِبَةِ، ورَجَّحَ هَذا الوَجْهَ أبُو عَلِيٍّ، ومَن ذَهَبَ إلى أنَّهُ مَجْرُورٌ مَعْطُوفٌ عَلى لَفْظِ (بِإسْحاقَ)، أوْ عَلى مَوْضِعِهِ. فَقَوْلُهُ ضَعِيفٌ، لِأنَّهُ لا يَجُوزُ الفَصْلُ بِالظَّرْفِ أوِ المَجْرُورِ بَيْنَ حَرْفِ العَطْفِ ومَعْطُوفِهِ المَجْرُورِ، لا يَجُوزُ: مَرَرْتُ بِزَيْدٍ اليَوْمَ وأمْسَ عَمْرٍو، فَإنْ جاءَ فَفي شِعْرٍ.
فَإنْ كانَ المَعْطُوفُ مَنصُوبًا أوْ مَرْفُوعًا، فَفي جَوازِ ذَلِكَ خِلافٌ نَحْوَ: قامَ زَيْدٌ واليَوْمَ عَمْرٌو، وضَرَبْتُ زَيْدًا واليَوْمَ عَمْرًا والظّاهِرُ أنَّ الألِفَ في ﴿ياوَيْلَتا﴾ [المائدة: ٣١] بَدَلٌ مِن ياءِ الإضافَةِ نَحْوَ: يا لَهْفا ويا عَجَبا، وأمالَ الألِفَ مِن ﴿ياوَيْلَتا﴾ [المائدة: ٣١] عاصِمٌ وأبُو عَمْرٍو والأعْشى، إذْ هي بَدَلٌ مِنَ الياءِ. وقَرَأ الحَسَنُ: (يا ويْلَتِي) بِالياءِ عَلى الأصْلِ.
وقِيلَ: الألِفُ: ألِفُ النُّدْبَةِ، ويُوقَفُ عَلَيْها بِالهاءِ. وأصْلُهُ الدُّعاءِ بِالوَيْلِ ونَحْوِهِ في التَّفَجُّعِ لِشِدَّةِ مَكْرُوهٍ يَدْهَمُ النَّفْسَ، ثُمَّ اسْتُعْمِلَ بَعْدُ في عَجَبٍ يَدْهَمُ النَّفْسَ. (ويا ويْلَتا) كَلِمَةٌ تَخِفُّ عَلى أفْواهِ النِّساءِ إذا طَرَأ عَلَيْهِنَّ ما يَعْجَبْنَ مِنهُ، واسْتَفْهَمَتْ بِقَوْلِها: ﴿أألِدُ﴾ اسْتِفْهامَ إنْكارٍ وتَعَجُّبٍ، و(أنا عَجُوزٌ) وما بَعْدَهُ جُمْلَتا حالٍ، وانْتَصَبَ (شَيْخًا) عَلى الحالِ عِنْدَ البَصْرِيِّينَ، وخَبَرِ التَّقْرِيبِ عِنْدَ الكُوفِيِّينَ. ولا يُسْتَغْنى عَنْ هَذِهِ الحالِ إذا كانَ الخَبَرُ مَعْرُوفًا عِنْدَ المُخاطَبِ، لِأنَّ الفائِدَةَ إنَّما تَقَعُ بِهَذِهِ الحالِ، أمّا إذا كانَ مَجْهُولًا عِنْدَهُ فَأرَدْتَ أنْ تُفِيدَ المُخاطَبَ ما كانَ يَجْهَلُهُ، فَتَجِيءُ الحالُ عَلى بابِها مُسْتَغْنًى عَنْها.
وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ وهو في مُصْحَفِهِ والأعْمَشُ: ﴿شَيْخٌ﴾ [القصص: ٢٣] بِالرَّفْعِ. وجَوَّزُوا فِيهِ وفي ﴿بَعْلِي﴾ أنْ يَكُونا خَبَرَيْنِ كَقَوْلِهِمْ: هَذا حُلْوٌ حامِضٌ، وأنْ يَكُونَ ﴿بَعْلِي﴾: الخَبَرَ، و﴿شَيْخٌ﴾ [القصص: ٢٣] خَبَرٌ مَحْذُوفٍ، أوْ بَدَلٌ مِن بَعْلِي، وأنْ يَكُونَ ﴿بَعْلِي﴾ بَدَلًا أوْ عَطْفَ بَيانٍ، و﴿شَيْخٌ﴾ [القصص: ٢٣] الخَبَرَ.
والإشارَةُ بِهَذا إلى الوِلادَةِ أوِ البِشارَةِ بِها تَعَجَّبَتْ مِن حُدُوثِ ولَدٍ بَيْنَ شَيْخَيْنِ هَرِمَيْنِ، واسْتَغْرَبَتْ ذَلِكَ مِن حَيْثُ العادَةُ، لا إنْكارًا لِقُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى. قالُوا: أيِ المَلائِكَةُ، ﴿أتَعْجَبِينَ﴾ اسْتِفْهامُ إنْكارٍ لِعَجَبِها. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لِأنَّها كانَتْ في بَيْتِ الآياتِ ومَهْبِطِ المُعْجِزاتِ والأُمُورِ الخارِقَةِ لِلْعادَةِ، فَكانَ عَلَيْها أنْ تَتَوَفَّرَ ولا يَزْدَهِيَها ما يَزْدَهِي سائِرَ النِّساءِ في غَيْرِ بَيْتِ النُّبُوَّةِ، وأنْ تُسَبِّحَ اللَّهَ وتُمَجِّدَهُ مَكانَ التَّعَجُّبِ.
وإلى ذَلِكَ أشارَتِ المَلائِكَةُ في قَوْلِهِمْ ﴿رَحْمَةُ اللَّهِ وبَرَكاتُهُ عَلَيْكم أهْلَ البَيْتِ﴾ أرادُوا: أنَّ هَذِهِ وأمْثالَها مِمّا يُكْرِمُكم رَبُّ العِزَّةِ ويَخُصُّكم بِالإنْعامِ بِهِ يا أهْلَ بَيْتِ النُّبُوَّةِ ؟ فَلَيْسَتْ بِمَكانٍ عَجِيبٍ، و﴿أمَرَ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٧]: قُدْرَتُهُ وحِكْمَتُهُ. وقَوْلُهُ: ﴿رَحْمَةُ اللَّهِ وبَرَكاتُهُ عَلَيْكُمْ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ عُلِّلَ بِهِ إنْكارُ التَّعَجُّبِ، كَأنَّهُ قِيلَ: إيّاكَ والتَّعَجُّبَ، فَإنَّ أمْثالَ هَذِهِ الرَّحْمَةِ والبَرَكَةِ مُتَكاثِرَةٌ مِنَ اللَّهِ عَلَيْكم.
وقِيلَ: الرَّحْمَةُ: النُّبُوَّةُ، والبَرَكاتُ: الأسْباطُ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، لِأنَّ الأنْبِياءَ مِنهم، وكُلُّهم مِن ولَدِ إبْراهِيمَ، انْتَهى.
وقِيلَ: رَحْمَتُهُ: تَحِيَّتُهُ، وبَرَكاتُهُ: فَواضِلُ خَيْرِهِ بِالخِلَّةِ والإمامَةِ. ورُوِيَ (p-٢٤٥)أنَّ سارَةَ قالَتْ لِجِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ: ما آيَةُ ذَلِكَ ؟ فَأخَذَ عُودًا يابِسًا فَلَواهُ بَيْنَ أصابِعِهِ، فاهْتَزَّ أخْضَرَ، فَسَكَنَ رَوْعُها وزالَ عَجَبُها. وهَذِهِ الجُمْلَةُ المُسْتَأْنَفَةُ يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ خَبَرًا وهو الأظْهَرُ، لِأنَّهُ يَقْتَضِي حُصُولَ الرَّحْمَةِ والبَرَكَةِ لَهم، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ دُعاءً، وهو مَرْجُوحٌ، لِأنَّ الدُّعاءَ إنَّما يَقْتَضِي أنَّهُ أمْرٌ يُتَرَجّى ولَمْ يَتَحَصَّلْ بَعْدُ. و(أهْلَ): مَنصُوبٌ عَلى النِّداءِ، أوْ عَلى الِاخْتِصاصِ، وبَيْنَ النَّصْبِ عَلى المَدْحِ والنَّصْبِ عَلى الِاخْتِصاصِ فَرْقٌ، ولِذَلِكَ جَعَلَهُما سِيبَوَيْهِ في بابَيْنِ وهو أنَّ المَنصُوبَ عَلى المَدْحِ لَفْظٌ يَتَضَمَّنُ بِوَضْعِهِ المَدْحَ، كَما أنَّ المَنصُوبَ عَلى الذَّمِّ يَتَضَمَّنُ بِوَضْعِهِ الذَّمَّ، والمَنصُوبُ عَلى الِاخْتِصاصِ لا يَكُونُ إلّا لِمَدْحٍ أوْ ذَمٍّ، لَكِنَّ لَفْظَهُ لا يَتَضَمَّنُ بِوَضْعِهِ المَدْحَ ولا الذَّمَّ كَقَوْلِهِ: بِنا تَمِيمًا يُكْشَفُ الضَّبابُ. وقَوْلِهِ: ولا الحَجّاجَ عَيْنِي بِنْتُ ماءٍ. وخِطابُ المَلائِكَةِ إيّاها بِقَوْلِهِمْ: ﴿أهْلَ البَيْتِ﴾: دَلِيلٌ عَلى انْدِراجِ الزَّوْجَةِ في أهْلِ البَيْتِ، وقَدْ دَلَّ عَلى ذَلِكَ أيْضًا في سُورَةِ الأحْزابِ، خِلافًا لِلشِّيعَةِ إذْ لا يَعُدُّونَ الزَّوْجَةَ مِن أهْلِ بَيْتِ زَوْجِها، والبَيْتُ يُرادُ بِهِ: بَيْتُ السُّكْنى.
﴿إنَّهُ حَمِيدٌ﴾: وقالَ أبُو الهَيْثَمِ: تُحْمَدُ أفْعالُهُ، وهو بِمَعْنى: المَحْمُودِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فاعِلٌ ما يُسْتَوْجَبُ مِن عِبادِهِ، مَجِيدٌ كَرِيمٌ كَثِيرُ الإحْسانِ إلَيْهِمْ.
هود 11:74
﴿فَلَمّا ذَهَبَ عَنْ إبْراهِيمَ الرَّوْعُ وجاءَتْهُ البُشْرى يُجادِلُنا في قَوْمِ لُوطٍ﴾ ﴿إنَّ إبْراهِيمَ لَحَلِيمٌ أوّاهٌ مُنِيبٌ﴾ ﴿ياإبْراهِيمُ أعْرِضْ عَنْ هَذا إنَّهُ قَدْ جاءَ أمْرُ رَبِّكَ وإنَّهم آتِيهِمْ عَذابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ﴾ الرَّوْعُ: الخِيفَةُ الَّتِي كانَ أوْجَسَها في نَفْسِهِ حِينَ نَكِرَ أضْيافَهُ، والمَعْنى: اطْمَأنَّ قَلْبُهُ بِعِلْمِهِ أنَّهم مَلائِكَةٌ.
والبُشْرى: تَبْشِيرُهُ بِالوَلَدِ، أوْ بِأنَّ المُرادَ بِمَجِيئِهِمْ غَيْرُهُ. وجَوابُ (لَمّا) مَحْذُوفٌ كَما حُذِفَ في قَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا ذَهَبُوا بِهِ﴾ [يوسف: ١٥] وتَقْدِيرُهُ: اجْتَرَأ عَلى الخِطابِ إذْ فَطِنَ لِلْمُجادَلَةِ، أوْ قالَ: كَيْتَ وكَيْتَ. ودَلَّ عَلى ذَلِكَ الجُمْلَةُ المُسْتَأْنِفَةُ وهي ﴿يُجادِلُنا﴾، قالَ مَعْناهُ الزَّمَخْشَرِيُّ.
وقِيلَ: الجَوابُ ﴿يُجادِلُنا﴾ وُضِعَ المُضارِعُ مَوْضِعَ الماضِي، أيْ: جادَلَنا. وجازَ ذَلِكَ لِوُضُوحِ المَعْنى، وهَذا أقْرَبُ الأقْوالِ.
وقِيلَ: ﴿يُجادِلُنا﴾: حالٌ مِن إبْراهِيمَ، و﴿جاءَتْهُ﴾ [البقرة: ٢١١]: حالٌ أيْضًا، أوْ مِن ضَمِيرٍ في جاءَتْهُ. وجَوابُ لَمّا مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: قُلْنا يا إبْراهِيمُ أعْرِضْ عَنْ هَذا، واخْتارَ هَذا التَّوْجِيهَ أبُو عَلِيٍّ.
وقِيلَ: الجَوابُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: ظَلَّ أوْ أخَذَ يُجادِلُنا، فَحُذِفَ اخْتِصارًا لِدِلالَةِ ظاهِرِ الكَلامِ عَلَيْهِ. والمُجادَلَةُ قِيلَ: هي سُؤالُهُ: العَذابُ واقِعٌ بِهِمْ لا مَحالَةَ، أمْ عَلى سَبِيلِ الإخافَةِ لِيَرْجِعُوا إلى الطّاعَةِ ؟ . وقِيلَ: تَكَلَّما عَلى سَبِيلِ الشَّفاعَةِ، والمَعْنى: تَجادَلَ رُسُلُنا.
وعَنْ حُذَيْفَةَ أنَّهم لَمّا قالُوا لَهُ: ﴿إنّا مُهْلِكُو أهْلِ هَذِهِ القَرْيَةِ﴾ [العنكبوت: ٣١] قالَ: أرَأيْتُمُ إنْ كانَ فِيها خَمْسُونَ مِنَ المُسْلِمِينَ، أتُهْلِكُونَها ؟ قالُوا: لا، قالَ: فَأرْبَعُونَ ؟ قالُوا: لا. قالَ: فَثَلاثُونَ ؟ قالُوا: لا، قالَ: فَعِشْرُونَ ؟ قالُوا: لا. قالَ: فَإنْ كانَ فِيهِمْ عَشَرَةٌ أوْ خَمْسَةٌ شَكَّ الرّاوِي ؟ قالُوا: لا. قالَ: أرَأيْتُمْ إنْ كانَ فِيها رَجُلٌ. واحِدٌ مِنَ المُسْلِمِينَ أتُهْلِكُونَها ؟ قالُوا: لا، فَعِنْدَ ذَلِكَ قالَ: ﴿إنَّ فِيها لُوطًا﴾ [العنكبوت: ٣٢]، قالُوا: ﴿نَحْنُ أعْلَمُ بِمَن فِيها﴾ [العنكبوت: ٣٢]، لَنُنَجِّيَنَّهُ وأهْلَهُ. وكانَ ذَلِكَ مِن إبْراهِيمَ حِرْصًا عَلى إيمانِ قَوْمِ لُوطٍ ونَجاتِهِمْ، وكانَ في القَرْيَةِ أرْبَعَةُ آلافِ ألْفِ إنْسانٍ وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ حَلِيمٍ وأواهٍ ومُنِيبٍ. (يا إبْراهِيمُ)، أيْ: قالَتِ المَلائِكَةُ، والإشارَةُ بِهَذا إلى الجِدالِ والمُحاوَرَةِ في شَيْءٍ مَفْرُوغٍ مِنهُ، والأمْرُ ما قَضاهُ وحَكَمَ بِهِ مِن عَذابِهِ الواقِعِ بِهِمْ لا مَحالَةَ، ولا مَرَدَّ لَهُ بِجِدالٍ ولا دُعاءٍ ولا غَيْرِ ذَلِكَ.
وقَرَأ عَمْرُو بْنُ هَرِمٍ: وإنَّهم أتاهم بِلَفْظِ الماضِي، وعَذابٌ فاعِلُ بِهِ عَبِّرَ بِالماضِي عَنِ المُضارِعِ لِتَحَقُّقِ وُقُوعِهِ كَقَوْلِهِ ﴿أتى أمْرُ اللَّهِ﴾ [النحل: ١] .
هود 11:75
﴿فَلَمّا ذَهَبَ عَنْ إبْراهِيمَ الرَّوْعُ وجاءَتْهُ البُشْرى يُجادِلُنا في قَوْمِ لُوطٍ﴾ ﴿إنَّ إبْراهِيمَ لَحَلِيمٌ أوّاهٌ مُنِيبٌ﴾ ﴿ياإبْراهِيمُ أعْرِضْ عَنْ هَذا إنَّهُ قَدْ جاءَ أمْرُ رَبِّكَ وإنَّهم آتِيهِمْ عَذابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ﴾ الرَّوْعُ: الخِيفَةُ الَّتِي كانَ أوْجَسَها في نَفْسِهِ حِينَ نَكِرَ أضْيافَهُ، والمَعْنى: اطْمَأنَّ قَلْبُهُ بِعِلْمِهِ أنَّهم مَلائِكَةٌ.
والبُشْرى: تَبْشِيرُهُ بِالوَلَدِ، أوْ بِأنَّ المُرادَ بِمَجِيئِهِمْ غَيْرُهُ. وجَوابُ (لَمّا) مَحْذُوفٌ كَما حُذِفَ في قَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا ذَهَبُوا بِهِ﴾ [يوسف: ١٥] وتَقْدِيرُهُ: اجْتَرَأ عَلى الخِطابِ إذْ فَطِنَ لِلْمُجادَلَةِ، أوْ قالَ: كَيْتَ وكَيْتَ. ودَلَّ عَلى ذَلِكَ الجُمْلَةُ المُسْتَأْنِفَةُ وهي ﴿يُجادِلُنا﴾، قالَ مَعْناهُ الزَّمَخْشَرِيُّ.
وقِيلَ: الجَوابُ ﴿يُجادِلُنا﴾ وُضِعَ المُضارِعُ مَوْضِعَ الماضِي، أيْ: جادَلَنا. وجازَ ذَلِكَ لِوُضُوحِ المَعْنى، وهَذا أقْرَبُ الأقْوالِ.
وقِيلَ: ﴿يُجادِلُنا﴾: حالٌ مِن إبْراهِيمَ، و﴿جاءَتْهُ﴾ [البقرة: ٢١١]: حالٌ أيْضًا، أوْ مِن ضَمِيرٍ في جاءَتْهُ. وجَوابُ لَمّا مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: قُلْنا يا إبْراهِيمُ أعْرِضْ عَنْ هَذا، واخْتارَ هَذا التَّوْجِيهَ أبُو عَلِيٍّ.
وقِيلَ: الجَوابُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: ظَلَّ أوْ أخَذَ يُجادِلُنا، فَحُذِفَ اخْتِصارًا لِدِلالَةِ ظاهِرِ الكَلامِ عَلَيْهِ. والمُجادَلَةُ قِيلَ: هي سُؤالُهُ: العَذابُ واقِعٌ بِهِمْ لا مَحالَةَ، أمْ عَلى سَبِيلِ الإخافَةِ لِيَرْجِعُوا إلى الطّاعَةِ ؟ . وقِيلَ: تَكَلَّما عَلى سَبِيلِ الشَّفاعَةِ، والمَعْنى: تَجادَلَ رُسُلُنا.
وعَنْ حُذَيْفَةَ أنَّهم لَمّا قالُوا لَهُ: ﴿إنّا مُهْلِكُو أهْلِ هَذِهِ القَرْيَةِ﴾ [العنكبوت: ٣١] قالَ: أرَأيْتُمُ إنْ كانَ فِيها خَمْسُونَ مِنَ المُسْلِمِينَ، أتُهْلِكُونَها ؟ قالُوا: لا، قالَ: فَأرْبَعُونَ ؟ قالُوا: لا. قالَ: فَثَلاثُونَ ؟ قالُوا: لا، قالَ: فَعِشْرُونَ ؟ قالُوا: لا. قالَ: فَإنْ كانَ فِيهِمْ عَشَرَةٌ أوْ خَمْسَةٌ شَكَّ الرّاوِي ؟ قالُوا: لا. قالَ: أرَأيْتُمْ إنْ كانَ فِيها رَجُلٌ. واحِدٌ مِنَ المُسْلِمِينَ أتُهْلِكُونَها ؟ قالُوا: لا، فَعِنْدَ ذَلِكَ قالَ: ﴿إنَّ فِيها لُوطًا﴾ [العنكبوت: ٣٢]، قالُوا: ﴿نَحْنُ أعْلَمُ بِمَن فِيها﴾ [العنكبوت: ٣٢]، لَنُنَجِّيَنَّهُ وأهْلَهُ. وكانَ ذَلِكَ مِن إبْراهِيمَ حِرْصًا عَلى إيمانِ قَوْمِ لُوطٍ ونَجاتِهِمْ، وكانَ في القَرْيَةِ أرْبَعَةُ آلافِ ألْفِ إنْسانٍ وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ حَلِيمٍ وأواهٍ ومُنِيبٍ. (يا إبْراهِيمُ)، أيْ: قالَتِ المَلائِكَةُ، والإشارَةُ بِهَذا إلى الجِدالِ والمُحاوَرَةِ في شَيْءٍ مَفْرُوغٍ مِنهُ، والأمْرُ ما قَضاهُ وحَكَمَ بِهِ مِن عَذابِهِ الواقِعِ بِهِمْ لا مَحالَةَ، ولا مَرَدَّ لَهُ بِجِدالٍ ولا دُعاءٍ ولا غَيْرِ ذَلِكَ.
وقَرَأ عَمْرُو بْنُ هَرِمٍ: وإنَّهم أتاهم بِلَفْظِ الماضِي، وعَذابٌ فاعِلُ بِهِ عَبِّرَ بِالماضِي عَنِ المُضارِعِ لِتَحَقُّقِ وُقُوعِهِ كَقَوْلِهِ ﴿أتى أمْرُ اللَّهِ﴾ [النحل: ١] .
هود 11:76
﴿فَلَمّا ذَهَبَ عَنْ إبْراهِيمَ الرَّوْعُ وجاءَتْهُ البُشْرى يُجادِلُنا في قَوْمِ لُوطٍ﴾ ﴿إنَّ إبْراهِيمَ لَحَلِيمٌ أوّاهٌ مُنِيبٌ﴾ ﴿ياإبْراهِيمُ أعْرِضْ عَنْ هَذا إنَّهُ قَدْ جاءَ أمْرُ رَبِّكَ وإنَّهم آتِيهِمْ عَذابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ﴾ الرَّوْعُ: الخِيفَةُ الَّتِي كانَ أوْجَسَها في نَفْسِهِ حِينَ نَكِرَ أضْيافَهُ، والمَعْنى: اطْمَأنَّ قَلْبُهُ بِعِلْمِهِ أنَّهم مَلائِكَةٌ.
والبُشْرى: تَبْشِيرُهُ بِالوَلَدِ، أوْ بِأنَّ المُرادَ بِمَجِيئِهِمْ غَيْرُهُ. وجَوابُ (لَمّا) مَحْذُوفٌ كَما حُذِفَ في قَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا ذَهَبُوا بِهِ﴾ [يوسف: ١٥] وتَقْدِيرُهُ: اجْتَرَأ عَلى الخِطابِ إذْ فَطِنَ لِلْمُجادَلَةِ، أوْ قالَ: كَيْتَ وكَيْتَ. ودَلَّ عَلى ذَلِكَ الجُمْلَةُ المُسْتَأْنِفَةُ وهي ﴿يُجادِلُنا﴾، قالَ مَعْناهُ الزَّمَخْشَرِيُّ.
وقِيلَ: الجَوابُ ﴿يُجادِلُنا﴾ وُضِعَ المُضارِعُ مَوْضِعَ الماضِي، أيْ: جادَلَنا. وجازَ ذَلِكَ لِوُضُوحِ المَعْنى، وهَذا أقْرَبُ الأقْوالِ.
وقِيلَ: ﴿يُجادِلُنا﴾: حالٌ مِن إبْراهِيمَ، و﴿جاءَتْهُ﴾ [البقرة: ٢١١]: حالٌ أيْضًا، أوْ مِن ضَمِيرٍ في جاءَتْهُ. وجَوابُ لَمّا مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: قُلْنا يا إبْراهِيمُ أعْرِضْ عَنْ هَذا، واخْتارَ هَذا التَّوْجِيهَ أبُو عَلِيٍّ.
وقِيلَ: الجَوابُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: ظَلَّ أوْ أخَذَ يُجادِلُنا، فَحُذِفَ اخْتِصارًا لِدِلالَةِ ظاهِرِ الكَلامِ عَلَيْهِ. والمُجادَلَةُ قِيلَ: هي سُؤالُهُ: العَذابُ واقِعٌ بِهِمْ لا مَحالَةَ، أمْ عَلى سَبِيلِ الإخافَةِ لِيَرْجِعُوا إلى الطّاعَةِ ؟ . وقِيلَ: تَكَلَّما عَلى سَبِيلِ الشَّفاعَةِ، والمَعْنى: تَجادَلَ رُسُلُنا.
وعَنْ حُذَيْفَةَ أنَّهم لَمّا قالُوا لَهُ: ﴿إنّا مُهْلِكُو أهْلِ هَذِهِ القَرْيَةِ﴾ [العنكبوت: ٣١] قالَ: أرَأيْتُمُ إنْ كانَ فِيها خَمْسُونَ مِنَ المُسْلِمِينَ، أتُهْلِكُونَها ؟ قالُوا: لا، قالَ: فَأرْبَعُونَ ؟ قالُوا: لا. قالَ: فَثَلاثُونَ ؟ قالُوا: لا، قالَ: فَعِشْرُونَ ؟ قالُوا: لا. قالَ: فَإنْ كانَ فِيهِمْ عَشَرَةٌ أوْ خَمْسَةٌ شَكَّ الرّاوِي ؟ قالُوا: لا. قالَ: أرَأيْتُمْ إنْ كانَ فِيها رَجُلٌ. واحِدٌ مِنَ المُسْلِمِينَ أتُهْلِكُونَها ؟ قالُوا: لا، فَعِنْدَ ذَلِكَ قالَ: ﴿إنَّ فِيها لُوطًا﴾ [العنكبوت: ٣٢]، قالُوا: ﴿نَحْنُ أعْلَمُ بِمَن فِيها﴾ [العنكبوت: ٣٢]، لَنُنَجِّيَنَّهُ وأهْلَهُ. وكانَ ذَلِكَ مِن إبْراهِيمَ حِرْصًا عَلى إيمانِ قَوْمِ لُوطٍ ونَجاتِهِمْ، وكانَ في القَرْيَةِ أرْبَعَةُ آلافِ ألْفِ إنْسانٍ وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ حَلِيمٍ وأواهٍ ومُنِيبٍ. (يا إبْراهِيمُ)، أيْ: قالَتِ المَلائِكَةُ، والإشارَةُ بِهَذا إلى الجِدالِ والمُحاوَرَةِ في شَيْءٍ مَفْرُوغٍ مِنهُ، والأمْرُ ما قَضاهُ وحَكَمَ بِهِ مِن عَذابِهِ الواقِعِ بِهِمْ لا مَحالَةَ، ولا مَرَدَّ لَهُ بِجِدالٍ ولا دُعاءٍ ولا غَيْرِ ذَلِكَ.
وقَرَأ عَمْرُو بْنُ هَرِمٍ: وإنَّهم أتاهم بِلَفْظِ الماضِي، وعَذابٌ فاعِلُ بِهِ عَبِّرَ بِالماضِي عَنِ المُضارِعِ لِتَحَقُّقِ وُقُوعِهِ كَقَوْلِهِ ﴿أتى أمْرُ اللَّهِ﴾ [النحل: ١] .
هود 11:77
(p-٢٤٦)﴿ولَمّا جاءَتْ رُسُلُنا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وضاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وقالَ هَذا يَوْمٌ عَصِيبٌ﴾ ﴿وجاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إلَيْهِ ومِن قَبْلُ كانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ قالَ ياقَوْمِ هَؤُلاءِ بَناتِي هُنَّ أطْهَرُ لَكم فاتَّقُوا اللَّهَ ولا تُخْزُونِي في ضَيْفِي ألَيْسَ مِنكم رَجُلٌ رَشِيدٌ﴾ ﴿قالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ ما لَنا في بَناتِكَ مِن حَقٍّ وإنَّكَ لَتَعْلَمُ ما نُرِيدُ﴾ ﴿قالَ لَوْ أنَّ لِي بِكم قُوَّةً أوْ آوِي إلى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ خَرَجَتِ المَلائِكَةُ مِن قَرْيَةِ إبْراهِيمَ إلى قَرْيَةِ لُوطٍ وبَيْنَهُما قِيلَ: ثَمانِيَةُ أمْيالٍ. وقِيلَ: أرْبَعَةُ فَراسِخَ، فَأتَوْها عِشاءً. وقِيلَ: نِصْفَ النَّهارِ، ووَجَدُوا لُوطًا في حَرْثٍ لَهُ. وقِيلَ: وجَدُوا ابْنَتَهُ تَسْتَقِي ماءً في نَهْرِ سَدُومَ، وهي أكْبَرُ حَواضِرَ قَوْمِ لُوطٍ، فَسَألُوها الدِّلالَةَ عَلى مَن يُضَيِّفُهم، ورَأتْ هَيْئَتَهم فَخافَتْ عَلَيْهِمْ مِن قَوْمِ لُوطٍ وقالَتْ لَهم: مَكانَكم، وذَهَبَتْ إلى أبِيها فَأخْبَرَتْهُ، فَخَرَجَ إلَيْهِمْ فَقالُوا: إنّا نُرِيدُ أنْ تُضَيِّفَنا اللَّيْلَةَ فَقالَ لَهم: أوَ ما سَمِعْتُمْ بِعَمَلِ هَؤُلاءِ القَوْمِ ؟ فَقالُوا: وما عَمَلُهم ؟ فَقالَ: أشْهَدُ بِاللَّهِ أنَّهم شَرُّ قَوْمٍ في الأرْضِ، وقَدْ كانَ اللَّهُ قالَ لِلْمَلائِكَةِ: لا تُعَذِّبُوهم حَتّى يَشْهَدَ عَلَيْهِمْ لُوطٌ أرْبَعَ شَهاداتٍ، فَلَمّا قالَ هَذِهِ قالَ جِبْرِيلُ: هَذِهِ واحِدَةٌ، وتَرَدَّدَ القَوْلُ مِنهم حَتّى كَرَّرَ لُوطٌ الشَّهادَةَ أرْبَعَ مَرّاتٍ، ثُمَّ دَخَلَ لُوطٌ المَدِينَةَ فَحِينَئِذٍ سِيءَ بِهِمْ، أيْ: لَحِقَهُ سُوءٌ بِسَبَبِهِمْ، وضاقَ ذَرْعُهُ بِهِمْ، وقالَ: ﴿هَذا يَوْمٌ عَصِيبٌ﴾، أيْ: شَدِيدٌ، لِما كانَ يَتَخَوَّفُهُ مِن تَعَدِّي قَوْمِهِ عَلى أضْيافِهِ.
﴿وجاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إلَيْهِ﴾، لَمّا جاءَ لُوطٌ بِضَيْفِهِ لَمْ يَعْلَمْ بِذَلِكَ أحَدٌ إلّا أهْلُ بَيْتِهِ، فَخَرَجَتِ امْرَأتُهُ حَتّى أتَتْ مَجالِسَ قَوْمِها فَقالَتْ: إنَّ لُوطًا قَدْ أضافَ اللَّيْلَةَ فَتْيَةً ما رُئِيَ مِثْلُهم جَمالًا وكَذا وكَذا، فَحِينَئِذٍ جاءُوا يُهْرَعُونَ، أيْ: يُسْرِعُونَ، كَما يَدْفَعُونَ دَفْعًا فِعْلَ الطّامِعِ الخائِفِ فَوْتَ ما يَطْلُبُهُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (يُهْرَعُونَ) مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ مِن أهْرَعَ، أيْ: يُهْرِعُهُمُ الطَّمَعُ. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: (يَهْرَعُونَ) بِفَتْحِ الياءِ مِن هَرَعَ. وقالَ مُهَلْهَلٌ:
؎فَجاءُوا يَهْرَعُونَ وهم أُسارى يَقُودُهم عَلى رَغْمِ الأُنُوفِ
﴿ومِن قَبْلُ كانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ﴾، أيْ: كانَ ذَلِكَ دَيْدَنَهم وعادَتَهم، أصَرُّوا عَلى ذَلِكَ ومَرَنُوا عَلَيْهِ، فَلَيْسَ ذَلِكَ بِأوَّلِ إنْشاءِ هَذِهِ المَعْصِيَةِ، جاءُوا يَهْرَعُونَ لا يَكُفُّهم حَياءٌ لِضَراوَتِهِمْ عَلَيْها، والتَّقْدِيرُ في (ومِن قَبْلُ)، أيْ: مِن قَبْلِ مَجِيئِهِمْ إلى هَؤُلاءِ الأضْيافِ وطَلَبِهِمْ إيّاهم.
وقِيلَ: ومِن قَبْلِ بَعْثِ لُوطٍ رَسُولًا إلَيْهِمْ. وجُمِعَتِ السَّيِّئاتُ وإنْ كانَ المُرادُ بِها مَعْصِيَةَ إتْيانِ الذُّكُورِ، إمّا بِاعْتِبارِ فاعِلِيها أوْ بِاعْتِبارِ تَكَرُّرِها. وقِيلَ: كانَتْ سَيِّئاتٍ كَثِيرَةً بِاخْتِلافِ أنْواعِها، مِنها إتْيانُ الذُّكُورِ، وإتْيانُ النِّساءِ في غَيْرِ المَأْتِيِّ، وحَذْفُ الحَصا والحَيْقُ في المَجالِسِ والأسْواقِ، والمُكاءُ والصَّفِيرُ واللَّعِبُ بِالحَمامِ والقِمارُ، والِاسْتِهْزاءُ بِالنّاسِ في الطُّرُقاتِ، ووَضْعُ دِرْهَمٍ عَلى الأرْضِ وهم بَعِيدُونَ مِنهُ فَمَن أخَذَهُ صاحُوا عَلَيْهِ وخَجِلُوهُ، وإنْ أخَذَهُ صَبِيٌّ تابَعُوهُ وراوَدُوهُ.
﴿هَؤُلاءِ بَناتِي﴾: الأحْسَنُ أنْ تَكُونَ الإضافَةُ مَجازِيَّةً، أيْ: بَناتُ قَوْمِي، أيِ: البَناتُ أطْهَرُ لَكم، إذِ النَّبِيُّ يَتَنَزَّلُ مَنزِلَةَ الأبِ لِقَوْمِهِ. وفي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: (النَّبِيُّ أوْلى بِالمُؤْمِنِينَ مِن أنْفُسِهِمْ وأزْواجُهُ أُمَّهاتُهم وهو أبٌ لَهم) ويَدُلُّ عَلَيْهِ أنَّهُ فِيما قِيلَ: لَمْ يَكُنْ لَهُ إلّا بِنْتانِ، وهَذا بِلَفْظِ الجَمْعِ.
وأيْضًا فَلا يُمْكِنُ أنْ يُزَوِّجَ ابْنَتَيْهِ مِن جَمِيعِ قَوْمِهِ. وقِيلَ: أشارَ إلى بَناتِ نَفْسِهِ ونَدَبَهم إلى النِّكاحِ، إذْ كانَ مِن سُنَّتِهِمُ تَزْوِيجُ المُؤْمِنَةِ بِالكافِرِ. أوْ عَلى أنَّ في ضِمْنِ كَلامِهِ أنْ يُؤْمِنُوا. وقِيلَ: كانَ لَهم سَيِّدانِ مُطاعانِ فَأرادَ أنْ يُزَوِّجَهُما ابْنَتَيْهِ زَغُورا وزَيْتا. وقِيلَ: كُنَّ ثَلاثًا.
ومَعْنى أطْهَرُ: أنْظَفُ فِعْلًا. وقِيلَ: أحَلُّ وأطْهَرُ بَيْتًا لَيْسَ أفْعَلَ التَّفْضِيلِ، إذْ لا طَهارَةَ في إتْيانِ الذُّكُورِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (أطْهَرُ) بِالرَّفْعِ (p-٢٤٧)والأحْسَنُ في الإعْرابِ أنْ يَكُونَ جُمْلَتانِ كُلٌّ مِنهُما مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ. وجُوِّزَ في (بَناتِي) أنْ يَكُونَ بَدَلًا أوْ عَطْفَ بَيانٍ، و(هُنَّ) فَصْلٌ و(أطْهَرُ) الخَبَرُ. وقَرَأ الحَسَنُ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، وعِيسى بْنُ عُمَرَ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، ومُحَمَّدُ بْنُ مَرْوانَ السُّدِّيُّ: (أطْهَرَ) بِالنَّصْبِ.
وقالَ سِيبَوَيْهِ: هو لَحْنٌ. وقالَ أبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ: احْتَبى فِيهِ ابْنُ مَرْوانَ في لَحْنِهِ يَعْنِي: تَرَبَّعَ. ورُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَنْ مَرْوانَ بْنِ الحَكَمِ، وخُرِّجَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَلى أنَّ نَصْبَ أطْهَرَ عَلى الحالِ. فَقِيلَ: (هَؤُلاءِ): مُبْتَدَأٌ، و﴿بَناتِي هُنَّ﴾: مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ في مَوْضِعِ خَبَرِ (هَؤُلاءِ)، ورُوِيَ هَذا عَنِ المُبَرِّدِ. وقِيلَ: ﴿هَؤُلاءِ بَناتِي﴾: مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ، و(هُنَّ): مُبْتَدَأٌ و(لَكم): خَبَرُهُ، والعامِلُ قِيلَ: المُضْمَرُ. وقِيلَ: لَكم بِما فِيهِ مِن مَعْنى الِاسْتِقْرارِ. وقِيلَ: ﴿هَؤُلاءِ بَناتِي﴾: مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ و(هُنَّ): فَصْلٌ، و(أطْهَرَ): حالٌ. ورُدَّ بِأنَّ الفَصْلَ لا يَقَعُ إلّا بَيْنَ جُزْأيِ الجُمْلَةِ، ولا يَقَعُ بَيْنَ الحالِ وذِي الحالِ.
وقَدْ أجازَ ذَلِكَ بَعْضُهم وادَّعى السَّماعَ فِيهِ عَنِ العَرَبِ، لَكِنَّهُ قَلِيلٌ. ثُمَّ أمَرَهم بِتَقْوى اللَّهِ في أنْ يُؤْثِرُوا البَناتِ عَلى الأضْيافِ. و(لا تُخْزُونِي): يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِنَ الخِزْيِ وهو: الفَضِيحَةُ، أوْ مِنَ الخَزايَةِ وهو: الِاسْتِحْياءُ، لِأنَّهُ إذا خُزِيَ ضَيْفُ الرَّجُلِ أوْ جارُهُ فَقَدْ خُزِيَ هو، وذَلِكَ مِن عَراقَةِ الكَرَمِ وأصْلِ المُرُوءَةَ، ألَيْسَ مِنكم رَجُلٌ يَهْتَدِي إلى سَبِيلِ الحَقِّ، وفِعْلِ الجَمِيلِ، والكَفِّ عَنِ السُّوءِ ؟ وفي ذَلِكَ تَوْبِيخٌ عَظِيمٌ لَهم، حَيْثُ لَمْ يَكُنْ مِنهم رَشِيدٌ البَتَّةَ.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: رَشِيدٌ: مُؤْمِنٌ. وقالَ أبُو مالِكٍ: ناهٍ عَنِ المُنْكَرِ. ورَشِيدٌ: ذُو رُشْدٍ، أوْ مُرْشِدٌ كالحَكِيمِ بِمَعْنى: المُحْكَمُ، والظّاهِرُ أنَّ مَعْنى ﴿مِن حَقٍّ﴾: مِن نَصِيبٍ، ولا مِن غَرَضٍ ولا مِن شَهْوَةٍ، قالُوا لَهُ ذَلِكَ عَلى وجْهِ الخَلاعَةِ. وقِيلَ: مِن حَقٍّ لِأنَّكَ لا تَرى مِنّا كُحَّتَنا، لِأنَّهم كانُوا خَطَبُوا بَناتَهُ فَرَدَّهم، وكانَتْ سُنَّتُهم أنَّ مَن رُدَّ في خِطْبَةِ امْرَأةٍ لَمْ تَحِلَّ لَهُ أبَدًا.
وقِيلَ: لَمّا اتَّخَذُوا إتْيانَ الذُّكْرانِ مَذْهَبًا كانَ عِنْدَهم أنَّهُ هو الحَقُّ، وإنَّ نِكاحَ الإناثِ مِنَ الباطِلِ. وقِيلَ: لِأنَّ عادَتَهم كانَتْ أنْ لا يَتَزَوَّجَ الرَّجُلُ مِنهم إلّا واحِدَةً، وكانُوا كُلُّهم مُتَزَوِّجِينَ.
﴿وإنَّكَ لَتَعْلَمُ ما نُرِيدُ﴾ يَعْنِي: مِن إتْيانِ الذُّكُورِ، ومالَهم فِيهِ مِنَ الشَّهْوَةِ. قالَ: ﴿لَوْ أنَّ لِي بِكم قُوَّةً﴾: قالَ ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ التَّفَجُّعِ. وجَوابُ لَوْ مَحْذُوفٌ كَما حُذِفَ في: ﴿ولَوْ أنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الجِبالُ﴾ [الرعد: ٣١] وتَقْدِيرُهُ: لَفَعَلْتُ بِكم وصَنَعْتُ، والمَعْنى في ﴿إلى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ مَن يَسْتَنِدُ إلَيْهِ ويَمْتَنِعُ بِهِ مِن عَشِيرَتِهِ، شَبَّهَ الَّذِي يَمْتَنِعُ بِهِ بِالرُّكْنِ مِنَ الجَبَلِ في شِدَّتِهِ ومَنَعَتِهِ، وكَأنَّهُ امْتَنَعَ عَلَيْهِ أنْ يَنْتَصِرَ ويَمْتَنِعَ بِنَفْسِهِ أوْ بِغَيْرِهِ مِمّا يُمْكِنُ أنْ يَسْتَنِدَ إلَيْهِ.
وقالَ الحَوْفِيُّ وأبُو البَقاءِ: ﴿أوْ آوِي﴾: عَطْفٌ عَلى المَعْنى تَقْدِيرُهُ: أوْ أنِّي آوِي. والظّاهِرُ أنَّ أوْ عَطَفَ جُمْلَةً فِعْلِيَّةً، عَلى جُمْلَةٍ فِعْلِيَّةٍ إنْ قَدَّرْتَ أنِّي في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى الفاعِلِيَّةِ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ المُبَرِّدُ، أيْ: لَوْ ثَبَتَ أنَّ لِي بِكم قُوَّةً أوْ آوِي. ويَكُونُ المُضارِعُ المُقَدَّرُ وآوِي هَذا وقَعا مَوْقِعَ الماضِي، ولَوِ الَّتِي هي حَرْفٌ لِما كانَ سَيَقَعُ لِوُقُوعِ غَيْرِهِ نَقَلَتِ المُضارِعَ إلى الماضِي، وإنْ قَدَّرْتَ أنَّ وما بَعْدَها جُمْلَةً اسْمِيَّةً عَلى مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ، فَهي عَطْفٌ عَلَيْها مِن حَيْثُ أنَّ لَوْ تَأْتِي بَعْدَها الجُمْلَةُ المُقَدَّرَةُ اسْمِيَّةً، إذا كانَ الَّذِي يَنْسَبِكُ إلَيْها أنَّ ومَعْمُولاها.
وقالَ أبُو البَقاءِ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ﴿أوْ آوِي﴾: مُسْتَأْنَفًا، انْتَهى. ويَجُوزُ عَلى رَأْيِ الكُوفِيِّينَ أنْ تَكُونَ أوْ بِمَعْنى: بَلْ، ويَكُونُ قَدْ أضْرَبَ عَنِ الجُمْلَةِ السّابِقَةِ وقالَ: بَلْ آوِي في حالِي مَعَكم إلى رُكْنٍ شَدِيدٍ، وكَنّى بِهِ عَنْ جَنابِ اللَّهِ تَعالى.
وقَرَأ شَيْبَةُ وأبُو جَعْفَرٍ: ﴿أوْ آوِي﴾ بِنَصْبِ الياءِ بِإضْمارِ أنْ بَعْدَ أوْ، فَتَتَقَدَّرُ بِالمَصْدَرِ عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ: (قُوَّةً) . ونَظِيرُهُ مِنَ النَّصْبِ بِإضْمارِ (أنْ) بَعْدَ (أوْ) قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎ولَوْلا رِجالٌ مِن رِزامَ أعِزَّةٌ ∗∗∗ وآلِ سُبَيْعٍ أوْ يَسُوؤُكَ عَلْقَما
أيْ: أوْ ومُساءَتُكَ عَلْقَمًا.
هود 11:78
(p-٢٤٦)﴿ولَمّا جاءَتْ رُسُلُنا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وضاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وقالَ هَذا يَوْمٌ عَصِيبٌ﴾ ﴿وجاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إلَيْهِ ومِن قَبْلُ كانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ قالَ ياقَوْمِ هَؤُلاءِ بَناتِي هُنَّ أطْهَرُ لَكم فاتَّقُوا اللَّهَ ولا تُخْزُونِي في ضَيْفِي ألَيْسَ مِنكم رَجُلٌ رَشِيدٌ﴾ ﴿قالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ ما لَنا في بَناتِكَ مِن حَقٍّ وإنَّكَ لَتَعْلَمُ ما نُرِيدُ﴾ ﴿قالَ لَوْ أنَّ لِي بِكم قُوَّةً أوْ آوِي إلى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ خَرَجَتِ المَلائِكَةُ مِن قَرْيَةِ إبْراهِيمَ إلى قَرْيَةِ لُوطٍ وبَيْنَهُما قِيلَ: ثَمانِيَةُ أمْيالٍ. وقِيلَ: أرْبَعَةُ فَراسِخَ، فَأتَوْها عِشاءً. وقِيلَ: نِصْفَ النَّهارِ، ووَجَدُوا لُوطًا في حَرْثٍ لَهُ. وقِيلَ: وجَدُوا ابْنَتَهُ تَسْتَقِي ماءً في نَهْرِ سَدُومَ، وهي أكْبَرُ حَواضِرَ قَوْمِ لُوطٍ، فَسَألُوها الدِّلالَةَ عَلى مَن يُضَيِّفُهم، ورَأتْ هَيْئَتَهم فَخافَتْ عَلَيْهِمْ مِن قَوْمِ لُوطٍ وقالَتْ لَهم: مَكانَكم، وذَهَبَتْ إلى أبِيها فَأخْبَرَتْهُ، فَخَرَجَ إلَيْهِمْ فَقالُوا: إنّا نُرِيدُ أنْ تُضَيِّفَنا اللَّيْلَةَ فَقالَ لَهم: أوَ ما سَمِعْتُمْ بِعَمَلِ هَؤُلاءِ القَوْمِ ؟ فَقالُوا: وما عَمَلُهم ؟ فَقالَ: أشْهَدُ بِاللَّهِ أنَّهم شَرُّ قَوْمٍ في الأرْضِ، وقَدْ كانَ اللَّهُ قالَ لِلْمَلائِكَةِ: لا تُعَذِّبُوهم حَتّى يَشْهَدَ عَلَيْهِمْ لُوطٌ أرْبَعَ شَهاداتٍ، فَلَمّا قالَ هَذِهِ قالَ جِبْرِيلُ: هَذِهِ واحِدَةٌ، وتَرَدَّدَ القَوْلُ مِنهم حَتّى كَرَّرَ لُوطٌ الشَّهادَةَ أرْبَعَ مَرّاتٍ، ثُمَّ دَخَلَ لُوطٌ المَدِينَةَ فَحِينَئِذٍ سِيءَ بِهِمْ، أيْ: لَحِقَهُ سُوءٌ بِسَبَبِهِمْ، وضاقَ ذَرْعُهُ بِهِمْ، وقالَ: ﴿هَذا يَوْمٌ عَصِيبٌ﴾، أيْ: شَدِيدٌ، لِما كانَ يَتَخَوَّفُهُ مِن تَعَدِّي قَوْمِهِ عَلى أضْيافِهِ.
﴿وجاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إلَيْهِ﴾، لَمّا جاءَ لُوطٌ بِضَيْفِهِ لَمْ يَعْلَمْ بِذَلِكَ أحَدٌ إلّا أهْلُ بَيْتِهِ، فَخَرَجَتِ امْرَأتُهُ حَتّى أتَتْ مَجالِسَ قَوْمِها فَقالَتْ: إنَّ لُوطًا قَدْ أضافَ اللَّيْلَةَ فَتْيَةً ما رُئِيَ مِثْلُهم جَمالًا وكَذا وكَذا، فَحِينَئِذٍ جاءُوا يُهْرَعُونَ، أيْ: يُسْرِعُونَ، كَما يَدْفَعُونَ دَفْعًا فِعْلَ الطّامِعِ الخائِفِ فَوْتَ ما يَطْلُبُهُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (يُهْرَعُونَ) مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ مِن أهْرَعَ، أيْ: يُهْرِعُهُمُ الطَّمَعُ. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: (يَهْرَعُونَ) بِفَتْحِ الياءِ مِن هَرَعَ. وقالَ مُهَلْهَلٌ:
؎فَجاءُوا يَهْرَعُونَ وهم أُسارى يَقُودُهم عَلى رَغْمِ الأُنُوفِ
﴿ومِن قَبْلُ كانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ﴾، أيْ: كانَ ذَلِكَ دَيْدَنَهم وعادَتَهم، أصَرُّوا عَلى ذَلِكَ ومَرَنُوا عَلَيْهِ، فَلَيْسَ ذَلِكَ بِأوَّلِ إنْشاءِ هَذِهِ المَعْصِيَةِ، جاءُوا يَهْرَعُونَ لا يَكُفُّهم حَياءٌ لِضَراوَتِهِمْ عَلَيْها، والتَّقْدِيرُ في (ومِن قَبْلُ)، أيْ: مِن قَبْلِ مَجِيئِهِمْ إلى هَؤُلاءِ الأضْيافِ وطَلَبِهِمْ إيّاهم.
وقِيلَ: ومِن قَبْلِ بَعْثِ لُوطٍ رَسُولًا إلَيْهِمْ. وجُمِعَتِ السَّيِّئاتُ وإنْ كانَ المُرادُ بِها مَعْصِيَةَ إتْيانِ الذُّكُورِ، إمّا بِاعْتِبارِ فاعِلِيها أوْ بِاعْتِبارِ تَكَرُّرِها. وقِيلَ: كانَتْ سَيِّئاتٍ كَثِيرَةً بِاخْتِلافِ أنْواعِها، مِنها إتْيانُ الذُّكُورِ، وإتْيانُ النِّساءِ في غَيْرِ المَأْتِيِّ، وحَذْفُ الحَصا والحَيْقُ في المَجالِسِ والأسْواقِ، والمُكاءُ والصَّفِيرُ واللَّعِبُ بِالحَمامِ والقِمارُ، والِاسْتِهْزاءُ بِالنّاسِ في الطُّرُقاتِ، ووَضْعُ دِرْهَمٍ عَلى الأرْضِ وهم بَعِيدُونَ مِنهُ فَمَن أخَذَهُ صاحُوا عَلَيْهِ وخَجِلُوهُ، وإنْ أخَذَهُ صَبِيٌّ تابَعُوهُ وراوَدُوهُ.
﴿هَؤُلاءِ بَناتِي﴾: الأحْسَنُ أنْ تَكُونَ الإضافَةُ مَجازِيَّةً، أيْ: بَناتُ قَوْمِي، أيِ: البَناتُ أطْهَرُ لَكم، إذِ النَّبِيُّ يَتَنَزَّلُ مَنزِلَةَ الأبِ لِقَوْمِهِ. وفي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: (النَّبِيُّ أوْلى بِالمُؤْمِنِينَ مِن أنْفُسِهِمْ وأزْواجُهُ أُمَّهاتُهم وهو أبٌ لَهم) ويَدُلُّ عَلَيْهِ أنَّهُ فِيما قِيلَ: لَمْ يَكُنْ لَهُ إلّا بِنْتانِ، وهَذا بِلَفْظِ الجَمْعِ.
وأيْضًا فَلا يُمْكِنُ أنْ يُزَوِّجَ ابْنَتَيْهِ مِن جَمِيعِ قَوْمِهِ. وقِيلَ: أشارَ إلى بَناتِ نَفْسِهِ ونَدَبَهم إلى النِّكاحِ، إذْ كانَ مِن سُنَّتِهِمُ تَزْوِيجُ المُؤْمِنَةِ بِالكافِرِ. أوْ عَلى أنَّ في ضِمْنِ كَلامِهِ أنْ يُؤْمِنُوا. وقِيلَ: كانَ لَهم سَيِّدانِ مُطاعانِ فَأرادَ أنْ يُزَوِّجَهُما ابْنَتَيْهِ زَغُورا وزَيْتا. وقِيلَ: كُنَّ ثَلاثًا.
ومَعْنى أطْهَرُ: أنْظَفُ فِعْلًا. وقِيلَ: أحَلُّ وأطْهَرُ بَيْتًا لَيْسَ أفْعَلَ التَّفْضِيلِ، إذْ لا طَهارَةَ في إتْيانِ الذُّكُورِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (أطْهَرُ) بِالرَّفْعِ (p-٢٤٧)والأحْسَنُ في الإعْرابِ أنْ يَكُونَ جُمْلَتانِ كُلٌّ مِنهُما مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ. وجُوِّزَ في (بَناتِي) أنْ يَكُونَ بَدَلًا أوْ عَطْفَ بَيانٍ، و(هُنَّ) فَصْلٌ و(أطْهَرُ) الخَبَرُ. وقَرَأ الحَسَنُ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، وعِيسى بْنُ عُمَرَ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، ومُحَمَّدُ بْنُ مَرْوانَ السُّدِّيُّ: (أطْهَرَ) بِالنَّصْبِ.
وقالَ سِيبَوَيْهِ: هو لَحْنٌ. وقالَ أبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ: احْتَبى فِيهِ ابْنُ مَرْوانَ في لَحْنِهِ يَعْنِي: تَرَبَّعَ. ورُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَنْ مَرْوانَ بْنِ الحَكَمِ، وخُرِّجَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَلى أنَّ نَصْبَ أطْهَرَ عَلى الحالِ. فَقِيلَ: (هَؤُلاءِ): مُبْتَدَأٌ، و﴿بَناتِي هُنَّ﴾: مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ في مَوْضِعِ خَبَرِ (هَؤُلاءِ)، ورُوِيَ هَذا عَنِ المُبَرِّدِ. وقِيلَ: ﴿هَؤُلاءِ بَناتِي﴾: مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ، و(هُنَّ): مُبْتَدَأٌ و(لَكم): خَبَرُهُ، والعامِلُ قِيلَ: المُضْمَرُ. وقِيلَ: لَكم بِما فِيهِ مِن مَعْنى الِاسْتِقْرارِ. وقِيلَ: ﴿هَؤُلاءِ بَناتِي﴾: مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ و(هُنَّ): فَصْلٌ، و(أطْهَرَ): حالٌ. ورُدَّ بِأنَّ الفَصْلَ لا يَقَعُ إلّا بَيْنَ جُزْأيِ الجُمْلَةِ، ولا يَقَعُ بَيْنَ الحالِ وذِي الحالِ.
وقَدْ أجازَ ذَلِكَ بَعْضُهم وادَّعى السَّماعَ فِيهِ عَنِ العَرَبِ، لَكِنَّهُ قَلِيلٌ. ثُمَّ أمَرَهم بِتَقْوى اللَّهِ في أنْ يُؤْثِرُوا البَناتِ عَلى الأضْيافِ. و(لا تُخْزُونِي): يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِنَ الخِزْيِ وهو: الفَضِيحَةُ، أوْ مِنَ الخَزايَةِ وهو: الِاسْتِحْياءُ، لِأنَّهُ إذا خُزِيَ ضَيْفُ الرَّجُلِ أوْ جارُهُ فَقَدْ خُزِيَ هو، وذَلِكَ مِن عَراقَةِ الكَرَمِ وأصْلِ المُرُوءَةَ، ألَيْسَ مِنكم رَجُلٌ يَهْتَدِي إلى سَبِيلِ الحَقِّ، وفِعْلِ الجَمِيلِ، والكَفِّ عَنِ السُّوءِ ؟ وفي ذَلِكَ تَوْبِيخٌ عَظِيمٌ لَهم، حَيْثُ لَمْ يَكُنْ مِنهم رَشِيدٌ البَتَّةَ.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: رَشِيدٌ: مُؤْمِنٌ. وقالَ أبُو مالِكٍ: ناهٍ عَنِ المُنْكَرِ. ورَشِيدٌ: ذُو رُشْدٍ، أوْ مُرْشِدٌ كالحَكِيمِ بِمَعْنى: المُحْكَمُ، والظّاهِرُ أنَّ مَعْنى ﴿مِن حَقٍّ﴾: مِن نَصِيبٍ، ولا مِن غَرَضٍ ولا مِن شَهْوَةٍ، قالُوا لَهُ ذَلِكَ عَلى وجْهِ الخَلاعَةِ. وقِيلَ: مِن حَقٍّ لِأنَّكَ لا تَرى مِنّا كُحَّتَنا، لِأنَّهم كانُوا خَطَبُوا بَناتَهُ فَرَدَّهم، وكانَتْ سُنَّتُهم أنَّ مَن رُدَّ في خِطْبَةِ امْرَأةٍ لَمْ تَحِلَّ لَهُ أبَدًا.
وقِيلَ: لَمّا اتَّخَذُوا إتْيانَ الذُّكْرانِ مَذْهَبًا كانَ عِنْدَهم أنَّهُ هو الحَقُّ، وإنَّ نِكاحَ الإناثِ مِنَ الباطِلِ. وقِيلَ: لِأنَّ عادَتَهم كانَتْ أنْ لا يَتَزَوَّجَ الرَّجُلُ مِنهم إلّا واحِدَةً، وكانُوا كُلُّهم مُتَزَوِّجِينَ.
﴿وإنَّكَ لَتَعْلَمُ ما نُرِيدُ﴾ يَعْنِي: مِن إتْيانِ الذُّكُورِ، ومالَهم فِيهِ مِنَ الشَّهْوَةِ. قالَ: ﴿لَوْ أنَّ لِي بِكم قُوَّةً﴾: قالَ ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ التَّفَجُّعِ. وجَوابُ لَوْ مَحْذُوفٌ كَما حُذِفَ في: ﴿ولَوْ أنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الجِبالُ﴾ [الرعد: ٣١] وتَقْدِيرُهُ: لَفَعَلْتُ بِكم وصَنَعْتُ، والمَعْنى في ﴿إلى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ مَن يَسْتَنِدُ إلَيْهِ ويَمْتَنِعُ بِهِ مِن عَشِيرَتِهِ، شَبَّهَ الَّذِي يَمْتَنِعُ بِهِ بِالرُّكْنِ مِنَ الجَبَلِ في شِدَّتِهِ ومَنَعَتِهِ، وكَأنَّهُ امْتَنَعَ عَلَيْهِ أنْ يَنْتَصِرَ ويَمْتَنِعَ بِنَفْسِهِ أوْ بِغَيْرِهِ مِمّا يُمْكِنُ أنْ يَسْتَنِدَ إلَيْهِ.
وقالَ الحَوْفِيُّ وأبُو البَقاءِ: ﴿أوْ آوِي﴾: عَطْفٌ عَلى المَعْنى تَقْدِيرُهُ: أوْ أنِّي آوِي. والظّاهِرُ أنَّ أوْ عَطَفَ جُمْلَةً فِعْلِيَّةً، عَلى جُمْلَةٍ فِعْلِيَّةٍ إنْ قَدَّرْتَ أنِّي في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى الفاعِلِيَّةِ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ المُبَرِّدُ، أيْ: لَوْ ثَبَتَ أنَّ لِي بِكم قُوَّةً أوْ آوِي. ويَكُونُ المُضارِعُ المُقَدَّرُ وآوِي هَذا وقَعا مَوْقِعَ الماضِي، ولَوِ الَّتِي هي حَرْفٌ لِما كانَ سَيَقَعُ لِوُقُوعِ غَيْرِهِ نَقَلَتِ المُضارِعَ إلى الماضِي، وإنْ قَدَّرْتَ أنَّ وما بَعْدَها جُمْلَةً اسْمِيَّةً عَلى مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ، فَهي عَطْفٌ عَلَيْها مِن حَيْثُ أنَّ لَوْ تَأْتِي بَعْدَها الجُمْلَةُ المُقَدَّرَةُ اسْمِيَّةً، إذا كانَ الَّذِي يَنْسَبِكُ إلَيْها أنَّ ومَعْمُولاها.
وقالَ أبُو البَقاءِ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ﴿أوْ آوِي﴾: مُسْتَأْنَفًا، انْتَهى. ويَجُوزُ عَلى رَأْيِ الكُوفِيِّينَ أنْ تَكُونَ أوْ بِمَعْنى: بَلْ، ويَكُونُ قَدْ أضْرَبَ عَنِ الجُمْلَةِ السّابِقَةِ وقالَ: بَلْ آوِي في حالِي مَعَكم إلى رُكْنٍ شَدِيدٍ، وكَنّى بِهِ عَنْ جَنابِ اللَّهِ تَعالى.
وقَرَأ شَيْبَةُ وأبُو جَعْفَرٍ: ﴿أوْ آوِي﴾ بِنَصْبِ الياءِ بِإضْمارِ أنْ بَعْدَ أوْ، فَتَتَقَدَّرُ بِالمَصْدَرِ عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ: (قُوَّةً) . ونَظِيرُهُ مِنَ النَّصْبِ بِإضْمارِ (أنْ) بَعْدَ (أوْ) قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎ولَوْلا رِجالٌ مِن رِزامَ أعِزَّةٌ ∗∗∗ وآلِ سُبَيْعٍ أوْ يَسُوؤُكَ عَلْقَما
أيْ: أوْ ومُساءَتُكَ عَلْقَمًا.
هود 11:79
(p-٢٤٦)﴿ولَمّا جاءَتْ رُسُلُنا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وضاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وقالَ هَذا يَوْمٌ عَصِيبٌ﴾ ﴿وجاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إلَيْهِ ومِن قَبْلُ كانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ قالَ ياقَوْمِ هَؤُلاءِ بَناتِي هُنَّ أطْهَرُ لَكم فاتَّقُوا اللَّهَ ولا تُخْزُونِي في ضَيْفِي ألَيْسَ مِنكم رَجُلٌ رَشِيدٌ﴾ ﴿قالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ ما لَنا في بَناتِكَ مِن حَقٍّ وإنَّكَ لَتَعْلَمُ ما نُرِيدُ﴾ ﴿قالَ لَوْ أنَّ لِي بِكم قُوَّةً أوْ آوِي إلى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ خَرَجَتِ المَلائِكَةُ مِن قَرْيَةِ إبْراهِيمَ إلى قَرْيَةِ لُوطٍ وبَيْنَهُما قِيلَ: ثَمانِيَةُ أمْيالٍ. وقِيلَ: أرْبَعَةُ فَراسِخَ، فَأتَوْها عِشاءً. وقِيلَ: نِصْفَ النَّهارِ، ووَجَدُوا لُوطًا في حَرْثٍ لَهُ. وقِيلَ: وجَدُوا ابْنَتَهُ تَسْتَقِي ماءً في نَهْرِ سَدُومَ، وهي أكْبَرُ حَواضِرَ قَوْمِ لُوطٍ، فَسَألُوها الدِّلالَةَ عَلى مَن يُضَيِّفُهم، ورَأتْ هَيْئَتَهم فَخافَتْ عَلَيْهِمْ مِن قَوْمِ لُوطٍ وقالَتْ لَهم: مَكانَكم، وذَهَبَتْ إلى أبِيها فَأخْبَرَتْهُ، فَخَرَجَ إلَيْهِمْ فَقالُوا: إنّا نُرِيدُ أنْ تُضَيِّفَنا اللَّيْلَةَ فَقالَ لَهم: أوَ ما سَمِعْتُمْ بِعَمَلِ هَؤُلاءِ القَوْمِ ؟ فَقالُوا: وما عَمَلُهم ؟ فَقالَ: أشْهَدُ بِاللَّهِ أنَّهم شَرُّ قَوْمٍ في الأرْضِ، وقَدْ كانَ اللَّهُ قالَ لِلْمَلائِكَةِ: لا تُعَذِّبُوهم حَتّى يَشْهَدَ عَلَيْهِمْ لُوطٌ أرْبَعَ شَهاداتٍ، فَلَمّا قالَ هَذِهِ قالَ جِبْرِيلُ: هَذِهِ واحِدَةٌ، وتَرَدَّدَ القَوْلُ مِنهم حَتّى كَرَّرَ لُوطٌ الشَّهادَةَ أرْبَعَ مَرّاتٍ، ثُمَّ دَخَلَ لُوطٌ المَدِينَةَ فَحِينَئِذٍ سِيءَ بِهِمْ، أيْ: لَحِقَهُ سُوءٌ بِسَبَبِهِمْ، وضاقَ ذَرْعُهُ بِهِمْ، وقالَ: ﴿هَذا يَوْمٌ عَصِيبٌ﴾، أيْ: شَدِيدٌ، لِما كانَ يَتَخَوَّفُهُ مِن تَعَدِّي قَوْمِهِ عَلى أضْيافِهِ.
﴿وجاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إلَيْهِ﴾، لَمّا جاءَ لُوطٌ بِضَيْفِهِ لَمْ يَعْلَمْ بِذَلِكَ أحَدٌ إلّا أهْلُ بَيْتِهِ، فَخَرَجَتِ امْرَأتُهُ حَتّى أتَتْ مَجالِسَ قَوْمِها فَقالَتْ: إنَّ لُوطًا قَدْ أضافَ اللَّيْلَةَ فَتْيَةً ما رُئِيَ مِثْلُهم جَمالًا وكَذا وكَذا، فَحِينَئِذٍ جاءُوا يُهْرَعُونَ، أيْ: يُسْرِعُونَ، كَما يَدْفَعُونَ دَفْعًا فِعْلَ الطّامِعِ الخائِفِ فَوْتَ ما يَطْلُبُهُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (يُهْرَعُونَ) مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ مِن أهْرَعَ، أيْ: يُهْرِعُهُمُ الطَّمَعُ. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: (يَهْرَعُونَ) بِفَتْحِ الياءِ مِن هَرَعَ. وقالَ مُهَلْهَلٌ:
؎فَجاءُوا يَهْرَعُونَ وهم أُسارى يَقُودُهم عَلى رَغْمِ الأُنُوفِ
﴿ومِن قَبْلُ كانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ﴾، أيْ: كانَ ذَلِكَ دَيْدَنَهم وعادَتَهم، أصَرُّوا عَلى ذَلِكَ ومَرَنُوا عَلَيْهِ، فَلَيْسَ ذَلِكَ بِأوَّلِ إنْشاءِ هَذِهِ المَعْصِيَةِ، جاءُوا يَهْرَعُونَ لا يَكُفُّهم حَياءٌ لِضَراوَتِهِمْ عَلَيْها، والتَّقْدِيرُ في (ومِن قَبْلُ)، أيْ: مِن قَبْلِ مَجِيئِهِمْ إلى هَؤُلاءِ الأضْيافِ وطَلَبِهِمْ إيّاهم.
وقِيلَ: ومِن قَبْلِ بَعْثِ لُوطٍ رَسُولًا إلَيْهِمْ. وجُمِعَتِ السَّيِّئاتُ وإنْ كانَ المُرادُ بِها مَعْصِيَةَ إتْيانِ الذُّكُورِ، إمّا بِاعْتِبارِ فاعِلِيها أوْ بِاعْتِبارِ تَكَرُّرِها. وقِيلَ: كانَتْ سَيِّئاتٍ كَثِيرَةً بِاخْتِلافِ أنْواعِها، مِنها إتْيانُ الذُّكُورِ، وإتْيانُ النِّساءِ في غَيْرِ المَأْتِيِّ، وحَذْفُ الحَصا والحَيْقُ في المَجالِسِ والأسْواقِ، والمُكاءُ والصَّفِيرُ واللَّعِبُ بِالحَمامِ والقِمارُ، والِاسْتِهْزاءُ بِالنّاسِ في الطُّرُقاتِ، ووَضْعُ دِرْهَمٍ عَلى الأرْضِ وهم بَعِيدُونَ مِنهُ فَمَن أخَذَهُ صاحُوا عَلَيْهِ وخَجِلُوهُ، وإنْ أخَذَهُ صَبِيٌّ تابَعُوهُ وراوَدُوهُ.
﴿هَؤُلاءِ بَناتِي﴾: الأحْسَنُ أنْ تَكُونَ الإضافَةُ مَجازِيَّةً، أيْ: بَناتُ قَوْمِي، أيِ: البَناتُ أطْهَرُ لَكم، إذِ النَّبِيُّ يَتَنَزَّلُ مَنزِلَةَ الأبِ لِقَوْمِهِ. وفي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: (النَّبِيُّ أوْلى بِالمُؤْمِنِينَ مِن أنْفُسِهِمْ وأزْواجُهُ أُمَّهاتُهم وهو أبٌ لَهم) ويَدُلُّ عَلَيْهِ أنَّهُ فِيما قِيلَ: لَمْ يَكُنْ لَهُ إلّا بِنْتانِ، وهَذا بِلَفْظِ الجَمْعِ.
وأيْضًا فَلا يُمْكِنُ أنْ يُزَوِّجَ ابْنَتَيْهِ مِن جَمِيعِ قَوْمِهِ. وقِيلَ: أشارَ إلى بَناتِ نَفْسِهِ ونَدَبَهم إلى النِّكاحِ، إذْ كانَ مِن سُنَّتِهِمُ تَزْوِيجُ المُؤْمِنَةِ بِالكافِرِ. أوْ عَلى أنَّ في ضِمْنِ كَلامِهِ أنْ يُؤْمِنُوا. وقِيلَ: كانَ لَهم سَيِّدانِ مُطاعانِ فَأرادَ أنْ يُزَوِّجَهُما ابْنَتَيْهِ زَغُورا وزَيْتا. وقِيلَ: كُنَّ ثَلاثًا.
ومَعْنى أطْهَرُ: أنْظَفُ فِعْلًا. وقِيلَ: أحَلُّ وأطْهَرُ بَيْتًا لَيْسَ أفْعَلَ التَّفْضِيلِ، إذْ لا طَهارَةَ في إتْيانِ الذُّكُورِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (أطْهَرُ) بِالرَّفْعِ (p-٢٤٧)والأحْسَنُ في الإعْرابِ أنْ يَكُونَ جُمْلَتانِ كُلٌّ مِنهُما مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ. وجُوِّزَ في (بَناتِي) أنْ يَكُونَ بَدَلًا أوْ عَطْفَ بَيانٍ، و(هُنَّ) فَصْلٌ و(أطْهَرُ) الخَبَرُ. وقَرَأ الحَسَنُ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، وعِيسى بْنُ عُمَرَ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، ومُحَمَّدُ بْنُ مَرْوانَ السُّدِّيُّ: (أطْهَرَ) بِالنَّصْبِ.
وقالَ سِيبَوَيْهِ: هو لَحْنٌ. وقالَ أبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ: احْتَبى فِيهِ ابْنُ مَرْوانَ في لَحْنِهِ يَعْنِي: تَرَبَّعَ. ورُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَنْ مَرْوانَ بْنِ الحَكَمِ، وخُرِّجَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَلى أنَّ نَصْبَ أطْهَرَ عَلى الحالِ. فَقِيلَ: (هَؤُلاءِ): مُبْتَدَأٌ، و﴿بَناتِي هُنَّ﴾: مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ في مَوْضِعِ خَبَرِ (هَؤُلاءِ)، ورُوِيَ هَذا عَنِ المُبَرِّدِ. وقِيلَ: ﴿هَؤُلاءِ بَناتِي﴾: مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ، و(هُنَّ): مُبْتَدَأٌ و(لَكم): خَبَرُهُ، والعامِلُ قِيلَ: المُضْمَرُ. وقِيلَ: لَكم بِما فِيهِ مِن مَعْنى الِاسْتِقْرارِ. وقِيلَ: ﴿هَؤُلاءِ بَناتِي﴾: مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ و(هُنَّ): فَصْلٌ، و(أطْهَرَ): حالٌ. ورُدَّ بِأنَّ الفَصْلَ لا يَقَعُ إلّا بَيْنَ جُزْأيِ الجُمْلَةِ، ولا يَقَعُ بَيْنَ الحالِ وذِي الحالِ.
وقَدْ أجازَ ذَلِكَ بَعْضُهم وادَّعى السَّماعَ فِيهِ عَنِ العَرَبِ، لَكِنَّهُ قَلِيلٌ. ثُمَّ أمَرَهم بِتَقْوى اللَّهِ في أنْ يُؤْثِرُوا البَناتِ عَلى الأضْيافِ. و(لا تُخْزُونِي): يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِنَ الخِزْيِ وهو: الفَضِيحَةُ، أوْ مِنَ الخَزايَةِ وهو: الِاسْتِحْياءُ، لِأنَّهُ إذا خُزِيَ ضَيْفُ الرَّجُلِ أوْ جارُهُ فَقَدْ خُزِيَ هو، وذَلِكَ مِن عَراقَةِ الكَرَمِ وأصْلِ المُرُوءَةَ، ألَيْسَ مِنكم رَجُلٌ يَهْتَدِي إلى سَبِيلِ الحَقِّ، وفِعْلِ الجَمِيلِ، والكَفِّ عَنِ السُّوءِ ؟ وفي ذَلِكَ تَوْبِيخٌ عَظِيمٌ لَهم، حَيْثُ لَمْ يَكُنْ مِنهم رَشِيدٌ البَتَّةَ.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: رَشِيدٌ: مُؤْمِنٌ. وقالَ أبُو مالِكٍ: ناهٍ عَنِ المُنْكَرِ. ورَشِيدٌ: ذُو رُشْدٍ، أوْ مُرْشِدٌ كالحَكِيمِ بِمَعْنى: المُحْكَمُ، والظّاهِرُ أنَّ مَعْنى ﴿مِن حَقٍّ﴾: مِن نَصِيبٍ، ولا مِن غَرَضٍ ولا مِن شَهْوَةٍ، قالُوا لَهُ ذَلِكَ عَلى وجْهِ الخَلاعَةِ. وقِيلَ: مِن حَقٍّ لِأنَّكَ لا تَرى مِنّا كُحَّتَنا، لِأنَّهم كانُوا خَطَبُوا بَناتَهُ فَرَدَّهم، وكانَتْ سُنَّتُهم أنَّ مَن رُدَّ في خِطْبَةِ امْرَأةٍ لَمْ تَحِلَّ لَهُ أبَدًا.
وقِيلَ: لَمّا اتَّخَذُوا إتْيانَ الذُّكْرانِ مَذْهَبًا كانَ عِنْدَهم أنَّهُ هو الحَقُّ، وإنَّ نِكاحَ الإناثِ مِنَ الباطِلِ. وقِيلَ: لِأنَّ عادَتَهم كانَتْ أنْ لا يَتَزَوَّجَ الرَّجُلُ مِنهم إلّا واحِدَةً، وكانُوا كُلُّهم مُتَزَوِّجِينَ.
﴿وإنَّكَ لَتَعْلَمُ ما نُرِيدُ﴾ يَعْنِي: مِن إتْيانِ الذُّكُورِ، ومالَهم فِيهِ مِنَ الشَّهْوَةِ. قالَ: ﴿لَوْ أنَّ لِي بِكم قُوَّةً﴾: قالَ ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ التَّفَجُّعِ. وجَوابُ لَوْ مَحْذُوفٌ كَما حُذِفَ في: ﴿ولَوْ أنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الجِبالُ﴾ [الرعد: ٣١] وتَقْدِيرُهُ: لَفَعَلْتُ بِكم وصَنَعْتُ، والمَعْنى في ﴿إلى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ مَن يَسْتَنِدُ إلَيْهِ ويَمْتَنِعُ بِهِ مِن عَشِيرَتِهِ، شَبَّهَ الَّذِي يَمْتَنِعُ بِهِ بِالرُّكْنِ مِنَ الجَبَلِ في شِدَّتِهِ ومَنَعَتِهِ، وكَأنَّهُ امْتَنَعَ عَلَيْهِ أنْ يَنْتَصِرَ ويَمْتَنِعَ بِنَفْسِهِ أوْ بِغَيْرِهِ مِمّا يُمْكِنُ أنْ يَسْتَنِدَ إلَيْهِ.
وقالَ الحَوْفِيُّ وأبُو البَقاءِ: ﴿أوْ آوِي﴾: عَطْفٌ عَلى المَعْنى تَقْدِيرُهُ: أوْ أنِّي آوِي. والظّاهِرُ أنَّ أوْ عَطَفَ جُمْلَةً فِعْلِيَّةً، عَلى جُمْلَةٍ فِعْلِيَّةٍ إنْ قَدَّرْتَ أنِّي في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى الفاعِلِيَّةِ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ المُبَرِّدُ، أيْ: لَوْ ثَبَتَ أنَّ لِي بِكم قُوَّةً أوْ آوِي. ويَكُونُ المُضارِعُ المُقَدَّرُ وآوِي هَذا وقَعا مَوْقِعَ الماضِي، ولَوِ الَّتِي هي حَرْفٌ لِما كانَ سَيَقَعُ لِوُقُوعِ غَيْرِهِ نَقَلَتِ المُضارِعَ إلى الماضِي، وإنْ قَدَّرْتَ أنَّ وما بَعْدَها جُمْلَةً اسْمِيَّةً عَلى مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ، فَهي عَطْفٌ عَلَيْها مِن حَيْثُ أنَّ لَوْ تَأْتِي بَعْدَها الجُمْلَةُ المُقَدَّرَةُ اسْمِيَّةً، إذا كانَ الَّذِي يَنْسَبِكُ إلَيْها أنَّ ومَعْمُولاها.
وقالَ أبُو البَقاءِ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ﴿أوْ آوِي﴾: مُسْتَأْنَفًا، انْتَهى. ويَجُوزُ عَلى رَأْيِ الكُوفِيِّينَ أنْ تَكُونَ أوْ بِمَعْنى: بَلْ، ويَكُونُ قَدْ أضْرَبَ عَنِ الجُمْلَةِ السّابِقَةِ وقالَ: بَلْ آوِي في حالِي مَعَكم إلى رُكْنٍ شَدِيدٍ، وكَنّى بِهِ عَنْ جَنابِ اللَّهِ تَعالى.
وقَرَأ شَيْبَةُ وأبُو جَعْفَرٍ: ﴿أوْ آوِي﴾ بِنَصْبِ الياءِ بِإضْمارِ أنْ بَعْدَ أوْ، فَتَتَقَدَّرُ بِالمَصْدَرِ عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ: (قُوَّةً) . ونَظِيرُهُ مِنَ النَّصْبِ بِإضْمارِ (أنْ) بَعْدَ (أوْ) قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎ولَوْلا رِجالٌ مِن رِزامَ أعِزَّةٌ ∗∗∗ وآلِ سُبَيْعٍ أوْ يَسُوؤُكَ عَلْقَما
أيْ: أوْ ومُساءَتُكَ عَلْقَمًا.
هود 11:80
(p-٢٤٦)﴿ولَمّا جاءَتْ رُسُلُنا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وضاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وقالَ هَذا يَوْمٌ عَصِيبٌ﴾ ﴿وجاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إلَيْهِ ومِن قَبْلُ كانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ قالَ ياقَوْمِ هَؤُلاءِ بَناتِي هُنَّ أطْهَرُ لَكم فاتَّقُوا اللَّهَ ولا تُخْزُونِي في ضَيْفِي ألَيْسَ مِنكم رَجُلٌ رَشِيدٌ﴾ ﴿قالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ ما لَنا في بَناتِكَ مِن حَقٍّ وإنَّكَ لَتَعْلَمُ ما نُرِيدُ﴾ ﴿قالَ لَوْ أنَّ لِي بِكم قُوَّةً أوْ آوِي إلى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ خَرَجَتِ المَلائِكَةُ مِن قَرْيَةِ إبْراهِيمَ إلى قَرْيَةِ لُوطٍ وبَيْنَهُما قِيلَ: ثَمانِيَةُ أمْيالٍ. وقِيلَ: أرْبَعَةُ فَراسِخَ، فَأتَوْها عِشاءً. وقِيلَ: نِصْفَ النَّهارِ، ووَجَدُوا لُوطًا في حَرْثٍ لَهُ. وقِيلَ: وجَدُوا ابْنَتَهُ تَسْتَقِي ماءً في نَهْرِ سَدُومَ، وهي أكْبَرُ حَواضِرَ قَوْمِ لُوطٍ، فَسَألُوها الدِّلالَةَ عَلى مَن يُضَيِّفُهم، ورَأتْ هَيْئَتَهم فَخافَتْ عَلَيْهِمْ مِن قَوْمِ لُوطٍ وقالَتْ لَهم: مَكانَكم، وذَهَبَتْ إلى أبِيها فَأخْبَرَتْهُ، فَخَرَجَ إلَيْهِمْ فَقالُوا: إنّا نُرِيدُ أنْ تُضَيِّفَنا اللَّيْلَةَ فَقالَ لَهم: أوَ ما سَمِعْتُمْ بِعَمَلِ هَؤُلاءِ القَوْمِ ؟ فَقالُوا: وما عَمَلُهم ؟ فَقالَ: أشْهَدُ بِاللَّهِ أنَّهم شَرُّ قَوْمٍ في الأرْضِ، وقَدْ كانَ اللَّهُ قالَ لِلْمَلائِكَةِ: لا تُعَذِّبُوهم حَتّى يَشْهَدَ عَلَيْهِمْ لُوطٌ أرْبَعَ شَهاداتٍ، فَلَمّا قالَ هَذِهِ قالَ جِبْرِيلُ: هَذِهِ واحِدَةٌ، وتَرَدَّدَ القَوْلُ مِنهم حَتّى كَرَّرَ لُوطٌ الشَّهادَةَ أرْبَعَ مَرّاتٍ، ثُمَّ دَخَلَ لُوطٌ المَدِينَةَ فَحِينَئِذٍ سِيءَ بِهِمْ، أيْ: لَحِقَهُ سُوءٌ بِسَبَبِهِمْ، وضاقَ ذَرْعُهُ بِهِمْ، وقالَ: ﴿هَذا يَوْمٌ عَصِيبٌ﴾، أيْ: شَدِيدٌ، لِما كانَ يَتَخَوَّفُهُ مِن تَعَدِّي قَوْمِهِ عَلى أضْيافِهِ.
﴿وجاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إلَيْهِ﴾، لَمّا جاءَ لُوطٌ بِضَيْفِهِ لَمْ يَعْلَمْ بِذَلِكَ أحَدٌ إلّا أهْلُ بَيْتِهِ، فَخَرَجَتِ امْرَأتُهُ حَتّى أتَتْ مَجالِسَ قَوْمِها فَقالَتْ: إنَّ لُوطًا قَدْ أضافَ اللَّيْلَةَ فَتْيَةً ما رُئِيَ مِثْلُهم جَمالًا وكَذا وكَذا، فَحِينَئِذٍ جاءُوا يُهْرَعُونَ، أيْ: يُسْرِعُونَ، كَما يَدْفَعُونَ دَفْعًا فِعْلَ الطّامِعِ الخائِفِ فَوْتَ ما يَطْلُبُهُ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (يُهْرَعُونَ) مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ مِن أهْرَعَ، أيْ: يُهْرِعُهُمُ الطَّمَعُ. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: (يَهْرَعُونَ) بِفَتْحِ الياءِ مِن هَرَعَ. وقالَ مُهَلْهَلٌ:
؎فَجاءُوا يَهْرَعُونَ وهم أُسارى يَقُودُهم عَلى رَغْمِ الأُنُوفِ
﴿ومِن قَبْلُ كانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ﴾، أيْ: كانَ ذَلِكَ دَيْدَنَهم وعادَتَهم، أصَرُّوا عَلى ذَلِكَ ومَرَنُوا عَلَيْهِ، فَلَيْسَ ذَلِكَ بِأوَّلِ إنْشاءِ هَذِهِ المَعْصِيَةِ، جاءُوا يَهْرَعُونَ لا يَكُفُّهم حَياءٌ لِضَراوَتِهِمْ عَلَيْها، والتَّقْدِيرُ في (ومِن قَبْلُ)، أيْ: مِن قَبْلِ مَجِيئِهِمْ إلى هَؤُلاءِ الأضْيافِ وطَلَبِهِمْ إيّاهم.
وقِيلَ: ومِن قَبْلِ بَعْثِ لُوطٍ رَسُولًا إلَيْهِمْ. وجُمِعَتِ السَّيِّئاتُ وإنْ كانَ المُرادُ بِها مَعْصِيَةَ إتْيانِ الذُّكُورِ، إمّا بِاعْتِبارِ فاعِلِيها أوْ بِاعْتِبارِ تَكَرُّرِها. وقِيلَ: كانَتْ سَيِّئاتٍ كَثِيرَةً بِاخْتِلافِ أنْواعِها، مِنها إتْيانُ الذُّكُورِ، وإتْيانُ النِّساءِ في غَيْرِ المَأْتِيِّ، وحَذْفُ الحَصا والحَيْقُ في المَجالِسِ والأسْواقِ، والمُكاءُ والصَّفِيرُ واللَّعِبُ بِالحَمامِ والقِمارُ، والِاسْتِهْزاءُ بِالنّاسِ في الطُّرُقاتِ، ووَضْعُ دِرْهَمٍ عَلى الأرْضِ وهم بَعِيدُونَ مِنهُ فَمَن أخَذَهُ صاحُوا عَلَيْهِ وخَجِلُوهُ، وإنْ أخَذَهُ صَبِيٌّ تابَعُوهُ وراوَدُوهُ.
﴿هَؤُلاءِ بَناتِي﴾: الأحْسَنُ أنْ تَكُونَ الإضافَةُ مَجازِيَّةً، أيْ: بَناتُ قَوْمِي، أيِ: البَناتُ أطْهَرُ لَكم، إذِ النَّبِيُّ يَتَنَزَّلُ مَنزِلَةَ الأبِ لِقَوْمِهِ. وفي قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: (النَّبِيُّ أوْلى بِالمُؤْمِنِينَ مِن أنْفُسِهِمْ وأزْواجُهُ أُمَّهاتُهم وهو أبٌ لَهم) ويَدُلُّ عَلَيْهِ أنَّهُ فِيما قِيلَ: لَمْ يَكُنْ لَهُ إلّا بِنْتانِ، وهَذا بِلَفْظِ الجَمْعِ.
وأيْضًا فَلا يُمْكِنُ أنْ يُزَوِّجَ ابْنَتَيْهِ مِن جَمِيعِ قَوْمِهِ. وقِيلَ: أشارَ إلى بَناتِ نَفْسِهِ ونَدَبَهم إلى النِّكاحِ، إذْ كانَ مِن سُنَّتِهِمُ تَزْوِيجُ المُؤْمِنَةِ بِالكافِرِ. أوْ عَلى أنَّ في ضِمْنِ كَلامِهِ أنْ يُؤْمِنُوا. وقِيلَ: كانَ لَهم سَيِّدانِ مُطاعانِ فَأرادَ أنْ يُزَوِّجَهُما ابْنَتَيْهِ زَغُورا وزَيْتا. وقِيلَ: كُنَّ ثَلاثًا.
ومَعْنى أطْهَرُ: أنْظَفُ فِعْلًا. وقِيلَ: أحَلُّ وأطْهَرُ بَيْتًا لَيْسَ أفْعَلَ التَّفْضِيلِ، إذْ لا طَهارَةَ في إتْيانِ الذُّكُورِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (أطْهَرُ) بِالرَّفْعِ (p-٢٤٧)والأحْسَنُ في الإعْرابِ أنْ يَكُونَ جُمْلَتانِ كُلٌّ مِنهُما مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ. وجُوِّزَ في (بَناتِي) أنْ يَكُونَ بَدَلًا أوْ عَطْفَ بَيانٍ، و(هُنَّ) فَصْلٌ و(أطْهَرُ) الخَبَرُ. وقَرَأ الحَسَنُ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ، وعِيسى بْنُ عُمَرَ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، ومُحَمَّدُ بْنُ مَرْوانَ السُّدِّيُّ: (أطْهَرَ) بِالنَّصْبِ.
وقالَ سِيبَوَيْهِ: هو لَحْنٌ. وقالَ أبُو عَمْرِو بْنُ العَلاءِ: احْتَبى فِيهِ ابْنُ مَرْوانَ في لَحْنِهِ يَعْنِي: تَرَبَّعَ. ورُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَنْ مَرْوانَ بْنِ الحَكَمِ، وخُرِّجَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَلى أنَّ نَصْبَ أطْهَرَ عَلى الحالِ. فَقِيلَ: (هَؤُلاءِ): مُبْتَدَأٌ، و﴿بَناتِي هُنَّ﴾: مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ في مَوْضِعِ خَبَرِ (هَؤُلاءِ)، ورُوِيَ هَذا عَنِ المُبَرِّدِ. وقِيلَ: ﴿هَؤُلاءِ بَناتِي﴾: مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ، و(هُنَّ): مُبْتَدَأٌ و(لَكم): خَبَرُهُ، والعامِلُ قِيلَ: المُضْمَرُ. وقِيلَ: لَكم بِما فِيهِ مِن مَعْنى الِاسْتِقْرارِ. وقِيلَ: ﴿هَؤُلاءِ بَناتِي﴾: مُبْتَدَأٌ وخَبَرٌ و(هُنَّ): فَصْلٌ، و(أطْهَرَ): حالٌ. ورُدَّ بِأنَّ الفَصْلَ لا يَقَعُ إلّا بَيْنَ جُزْأيِ الجُمْلَةِ، ولا يَقَعُ بَيْنَ الحالِ وذِي الحالِ.
وقَدْ أجازَ ذَلِكَ بَعْضُهم وادَّعى السَّماعَ فِيهِ عَنِ العَرَبِ، لَكِنَّهُ قَلِيلٌ. ثُمَّ أمَرَهم بِتَقْوى اللَّهِ في أنْ يُؤْثِرُوا البَناتِ عَلى الأضْيافِ. و(لا تُخْزُونِي): يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مِنَ الخِزْيِ وهو: الفَضِيحَةُ، أوْ مِنَ الخَزايَةِ وهو: الِاسْتِحْياءُ، لِأنَّهُ إذا خُزِيَ ضَيْفُ الرَّجُلِ أوْ جارُهُ فَقَدْ خُزِيَ هو، وذَلِكَ مِن عَراقَةِ الكَرَمِ وأصْلِ المُرُوءَةَ، ألَيْسَ مِنكم رَجُلٌ يَهْتَدِي إلى سَبِيلِ الحَقِّ، وفِعْلِ الجَمِيلِ، والكَفِّ عَنِ السُّوءِ ؟ وفي ذَلِكَ تَوْبِيخٌ عَظِيمٌ لَهم، حَيْثُ لَمْ يَكُنْ مِنهم رَشِيدٌ البَتَّةَ.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: رَشِيدٌ: مُؤْمِنٌ. وقالَ أبُو مالِكٍ: ناهٍ عَنِ المُنْكَرِ. ورَشِيدٌ: ذُو رُشْدٍ، أوْ مُرْشِدٌ كالحَكِيمِ بِمَعْنى: المُحْكَمُ، والظّاهِرُ أنَّ مَعْنى ﴿مِن حَقٍّ﴾: مِن نَصِيبٍ، ولا مِن غَرَضٍ ولا مِن شَهْوَةٍ، قالُوا لَهُ ذَلِكَ عَلى وجْهِ الخَلاعَةِ. وقِيلَ: مِن حَقٍّ لِأنَّكَ لا تَرى مِنّا كُحَّتَنا، لِأنَّهم كانُوا خَطَبُوا بَناتَهُ فَرَدَّهم، وكانَتْ سُنَّتُهم أنَّ مَن رُدَّ في خِطْبَةِ امْرَأةٍ لَمْ تَحِلَّ لَهُ أبَدًا.
وقِيلَ: لَمّا اتَّخَذُوا إتْيانَ الذُّكْرانِ مَذْهَبًا كانَ عِنْدَهم أنَّهُ هو الحَقُّ، وإنَّ نِكاحَ الإناثِ مِنَ الباطِلِ. وقِيلَ: لِأنَّ عادَتَهم كانَتْ أنْ لا يَتَزَوَّجَ الرَّجُلُ مِنهم إلّا واحِدَةً، وكانُوا كُلُّهم مُتَزَوِّجِينَ.
﴿وإنَّكَ لَتَعْلَمُ ما نُرِيدُ﴾ يَعْنِي: مِن إتْيانِ الذُّكُورِ، ومالَهم فِيهِ مِنَ الشَّهْوَةِ. قالَ: ﴿لَوْ أنَّ لِي بِكم قُوَّةً﴾: قالَ ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ التَّفَجُّعِ. وجَوابُ لَوْ مَحْذُوفٌ كَما حُذِفَ في: ﴿ولَوْ أنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الجِبالُ﴾ [الرعد: ٣١] وتَقْدِيرُهُ: لَفَعَلْتُ بِكم وصَنَعْتُ، والمَعْنى في ﴿إلى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ مَن يَسْتَنِدُ إلَيْهِ ويَمْتَنِعُ بِهِ مِن عَشِيرَتِهِ، شَبَّهَ الَّذِي يَمْتَنِعُ بِهِ بِالرُّكْنِ مِنَ الجَبَلِ في شِدَّتِهِ ومَنَعَتِهِ، وكَأنَّهُ امْتَنَعَ عَلَيْهِ أنْ يَنْتَصِرَ ويَمْتَنِعَ بِنَفْسِهِ أوْ بِغَيْرِهِ مِمّا يُمْكِنُ أنْ يَسْتَنِدَ إلَيْهِ.
وقالَ الحَوْفِيُّ وأبُو البَقاءِ: ﴿أوْ آوِي﴾: عَطْفٌ عَلى المَعْنى تَقْدِيرُهُ: أوْ أنِّي آوِي. والظّاهِرُ أنَّ أوْ عَطَفَ جُمْلَةً فِعْلِيَّةً، عَلى جُمْلَةٍ فِعْلِيَّةٍ إنْ قَدَّرْتَ أنِّي في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى الفاعِلِيَّةِ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ المُبَرِّدُ، أيْ: لَوْ ثَبَتَ أنَّ لِي بِكم قُوَّةً أوْ آوِي. ويَكُونُ المُضارِعُ المُقَدَّرُ وآوِي هَذا وقَعا مَوْقِعَ الماضِي، ولَوِ الَّتِي هي حَرْفٌ لِما كانَ سَيَقَعُ لِوُقُوعِ غَيْرِهِ نَقَلَتِ المُضارِعَ إلى الماضِي، وإنْ قَدَّرْتَ أنَّ وما بَعْدَها جُمْلَةً اسْمِيَّةً عَلى مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ، فَهي عَطْفٌ عَلَيْها مِن حَيْثُ أنَّ لَوْ تَأْتِي بَعْدَها الجُمْلَةُ المُقَدَّرَةُ اسْمِيَّةً، إذا كانَ الَّذِي يَنْسَبِكُ إلَيْها أنَّ ومَعْمُولاها.
وقالَ أبُو البَقاءِ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ﴿أوْ آوِي﴾: مُسْتَأْنَفًا، انْتَهى. ويَجُوزُ عَلى رَأْيِ الكُوفِيِّينَ أنْ تَكُونَ أوْ بِمَعْنى: بَلْ، ويَكُونُ قَدْ أضْرَبَ عَنِ الجُمْلَةِ السّابِقَةِ وقالَ: بَلْ آوِي في حالِي مَعَكم إلى رُكْنٍ شَدِيدٍ، وكَنّى بِهِ عَنْ جَنابِ اللَّهِ تَعالى.
وقَرَأ شَيْبَةُ وأبُو جَعْفَرٍ: ﴿أوْ آوِي﴾ بِنَصْبِ الياءِ بِإضْمارِ أنْ بَعْدَ أوْ، فَتَتَقَدَّرُ بِالمَصْدَرِ عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ: (قُوَّةً) . ونَظِيرُهُ مِنَ النَّصْبِ بِإضْمارِ (أنْ) بَعْدَ (أوْ) قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎ولَوْلا رِجالٌ مِن رِزامَ أعِزَّةٌ ∗∗∗ وآلِ سُبَيْعٍ أوْ يَسُوؤُكَ عَلْقَما
أيْ: أوْ ومُساءَتُكَ عَلْقَمًا.
هود 11:81
﴿قالُوا يا لُوطُ إنّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إلَيْكَ فَأسْرِ بِأهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ ولا يَلْتَفِتْ مِنكم أحَدٌ إلّا امْرَأتَكَ إنَّهُ مُصِيبُها ما أصابَهم إنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ ألَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ﴾ ﴿فَلَمّا جاءَ أمْرُنا جَعَلْنا عالِيَها سافِلَها وأمْطَرْنا عَلَيْها حِجارَةً مِن سِجِّيلٍ مَنضُودٍ﴾ ﴿مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وما هي مِنَ الظّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾: (p-٢٤٨)رُوِيَ أنَّ لُوطًا عَلَيْهِ السَّلامُ غَلَبُوهُ، وهَمُّوا بِكَسْرِ البابِ وهو يُمْسِكُهُ قالَ لَهُ الرُّسُلُ: تَنَحَّ عَنِ البابِ فَتَنَحّى، وانْفَتَحَ البابُ فَضَرَبَهم جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِجَناحِهِ، فَطَمَسَ أعْيُنَهم وعُمُوا، وانْصَرَفُوا عَلى أعْقابِهِمْ يَقُولُونَ: النَّجاةَ النَّجاةَ فَعِنْدَ لُوطٍ قَوْمٌ سَحَرَةٌ وتَوَعَّدُوا لُوطًا، فَحِينَئِذٍ قالُوا لَهُ: ﴿إنّا رُسُلُ رَبِّكَ﴾ .
ورُوِيَ أنَّ جِبْرِيلَ نَقَبَ مِن خَصاصِ البابِ، ورَمى في أعْيُنِهِمْ فَعُمُوا. وقِيلَ: أخَذَ قَبْضَةً مِن تُرابٍ وأذْراها في وُجُوهِهِمْ، فَأوْصَلَهُ إلى عَيْنِ مَن بَعُدُ ومَن قَرُبَ مِن ذَلِكَ التُّرابِ، فَطُمِسَتْ أعْيُنُهم فَلَمْ يَعْرِفُوا طَرِيقًا ولَمْ يَهْتَدُوا إلى بُيُوتِهِمْ. وقِيلَ: كَسَرُوا بابَهُ وتَهَجَّمُوا عَلَيْهِ، فَفَعَلَ بِهِمْ جِبْرِيلُ ما فَعَلَ.
والجُمْلَةُ مِن قَوْلِهِ: ﴿لَنْ يَصِلُوا إلَيْكَ﴾: مُوَضِّحَةٌ لِلَّذِي قَبْلَها لِأنَّهم إذا كانُوا رُسُلَ اللَّهِ لَنْ يَصْلُوا إلَيْهِ، ولَمْ يَقْدِرُوا عَلى ضَرَرِهِ، ثُمَّ أمَرُوهُ بِأنْ يَسْرِيَ بِأهْلِهِ. وقَرَأ الحَرَمِيّانِ: فَأسْرِ، وأنِ أسْرِ بِوَصْلِ الألِفِ مِن سَرى، وباقِي السَّبْعَةِ: بِقَطْعِها، وأهْلُهُ: ابْنَتاهُ وطائِفَةٌ يَسِيرَةٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ.
﴿بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ﴾: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: بِطائِفَةٍ مِنَ اللَّيْلِ، وقالَ الضَّحّاكُ: بِبَقِيَّةٍ مِن آخِرِهِ، وقالَ قَتادَةُ: بَعْدَ مُضِيِّ صَدْرٍ مِنهُ، وقالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: أيْ: ساعَةٍ مِنَ اللَّيْلِ، وقِيلَ: بِظُلْمَةٍ، وقِيلَ: إنَّهُ نِصْفٌ، وقِيلَ: إنَّهُ نِصْفُ اللَّيْلِ مَأْخُوذٌ مِن قَطْعِهِ نِصْفَيْنِ. وقالَ الشّاعِرُ:
؎ونائِحَةٌ تَنُوحُ بِقِطْعِ لَيْلٍ عَلى رَجُلٍ بِقارِعَةِ الصَّعِيدِ
وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ زِيادٍ: السَّحَرُ، لِقَوْلِهِ: نَجَّيْناهم بِسَحَرٍ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنَّهُ أسْرى بِأهْلِهِ مِن أوَّلِ اللَّيْلِ حَتّى جاوَزَ البَلَدَ المُقْتَلَعَ، ووَقَعَتْ نَجاتُهُ بِسَحَرٍ. فَتَجْتَمِعُ هَذِهِ الآيَةُ مَعَ قَوْلِهِ ﴿إلّا آلَ لُوطٍ نَجَّيْناهم بِسَحَرٍ﴾ [القمر: ٣٤]، انْتَهى.
وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: القِطْعُ بِمَعْنى: القِطْعَةُ مُخْتَصٌّ بِاللَّيْلِ، ولا يُقالُ: عِنْدِي قِطْعٌ مِنَ الثَّوْبِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو: ﴿إلّا امْرَأتَكَ﴾ بِالرَّفْعِ، وباقِي السَّبْعَةِ: بِالنَّصْبِ، فَوَجْهُ النَّصْبِ عَلى أنَّهُ اسْتِثْناءٌ مِن قَوْلِهِ: (بِأهْلِكَ)، إذْ قَبْلَهُ أمْرٌ والأمْرُ عِنْدَهم كالواجِبِ. ويَتَعَيَّنُ النَّصْبُ عَلى الِاسْتِثْناءِ مِن (أهْلِكَ) في قِراءَةِ عَبْدِ اللَّهِ، إذْ سَقَطَ في قِراءَتِهِ وفي مُصْحَفِهِ: ﴿ولا يَلْتَفِتْ مِنكم أحَدٌ﴾ . وجَوَّزُوا أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا عَلى الِاسْتِثْناءِ مِن (أحَدٌ) وإنْ كانَ قَبْلَهُ نَهْيٌ، والنَّهْيُ كالنَّفْيِ عَلى أصْلِ الِاسْتِثْناءِ، كَقِراءَةِ ابْنِ عامِرٍ: (ما فَعَلُوهُ إلّا قَلِيلًا مِنهم) بِالنَّصْبِ، وإنْ كانَ قَبْلَهُ نَفْيٌ.
ووَجْهُ الرَّفْعِ عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِن أحَدٍ، وهو اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ. وقالَ أبُو عُبَيْدٍ: لَوْ كانَ الكَلامُ ولا يَلْتَفِتْ بِرَفْعِ الفِعْلِ، ولَكِنَّهُ نَهْيٌ. فَإذا اسْتَثْنَيْتَ المَرْأةَ مِن (أحَدٌ) وجَبَ أنْ تَكُونَ المَرْأةُ أُبِيحَ لَها الِالتِفاتُ، فَيُفِيدُ مَعْنى الآيَةِ يَعْنِي أنَّ التَّقْدِيرَ يَصِيرُ: (إلّا امْرَأتُكَ)، فَإنَّها لَمْ تُنْهَ عَنْ الِالتِفاتِ.
قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا الِاعْتِراضُ حَسَنٌ يَلْزَمُ أنَّ الِاسْتِثْناءَ مِن (أحَدٌ) رَفَعْتَ التّاءَ أوْ نَصَبْتَ، والِانْفِصالُ عَنْهُ يَتَرَتَّبُ بِكَلامٍ مَحْكِيٍّ عَنِ المُبَرِّدِ وهو أنَّ النَّهْيَ إنَّما قُصِدَ بِهِ لُوطٌ وحْدَهُ، والِالتِفاتَ مَنفِيٌّ عَنْهم، فالمَعْنى: أنْ لا تَدَعْ أحَدًا مِنهم يَلْتَفِتُ. وهَذا كَما تَقُولُ لِرَجُلٍ: لا يَقُمْ مِن هَؤُلاءِ أحَدٌ، وأُولَئِكَ لَمْ يَسْمَعُوكَ، فالمَعْنى: لا تَدَعْ أحَدًا مِن هَؤُلاءِ يَقُومُ، والقِيامُ في المَعْنى مَنفِيٌ عَنِ المُشارِ إلَيْهِمْ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وفي إخْراجِها مَعَ أهْلِهِ رِوايَتانِ: رُوِيَ أنَّهُ أخْرَجَها مَعَهم وأُمِرَ أنْ لا يَلْتَفِتَ مِنهم أحَدٌ إلّا هي، فَلَمّا سَمِعَتْ هَدَّةَ العَذابِ التَفَتَتْ وقالَتْ: واقَوْماهُ فَأدْرَكَها حَجَرٌ فَقَتَلَها. ورُوِيَ أنَّهُ أُمِرَ بِأنْ يُخَلِّفَها مَعَ قَوْمِها، وأنَّ هَواها إلَيْهِمْ، ولَمْ يَسِرْ بِها.
واخْتِلافُ القِراءَتَيْنِ لِاخْتِلافِ الرِّوايَتَيْنِ، انْتَهى. وهَذا وهْمٌ فاحِشٌ إذْ بَنى القِراءَتَيْنِ عَلى اخْتِلافِ الرِّوايَتَيْنِ مِن أنَّهُ سَرى بِها، أوْ أنَّهُ لَمْ يَسْرِ بِها، وهَذا تَكاذُبٌ في الأخْبارِ يَسْتَحِيلُ أنْ تَكُونَ القِراءَتانِ وهْمًا مِن كَلامِ اللَّهِ تَتَرَتَّبانِ عَلى التَّكاذُبِ. وقِيلَ في الِاسْتِثْناءِ مِن (p-٢٤٩)الأهْلِ إشْكالٌ مِن جِهَةِ المَعْنى، إذْ يَلْزَمُ أنْ لا يَكُونَ سَرى بِها، ولَمّا التَفَتَتْ كانَتْ قَدْ سَرَتْ مَعَهم قَطْعًا، وزالَ هَذا الإشْكالُ أنْ يَكُونَ لَمْ يَسْرِ بِها، ولَكِنَّها لَمّا تَبِعَتْهُمُ التَفَتَتْ. وقِيلَ: الَّذِي يَظْهَرُ أنَّ الِاسْتِثْناءَ عَلى كِلْتا القِراءَتَيْنِ مُنْقَطِعٌ، لَمْ يُقْصَدْ بِهِ إخْراجُها مِنَ المَأْمُورِ بِالإسْراءِ بِهِمْ، ولا مِنَ المَنهِيِّينَ عَنْ الِالتِفاتِ، ولَكِنِ اسْتُؤْنِفَ الإخْبارُ عَنْها، فالمَعْنى: لَكِنَّ امْرَأتَكَ يَجْرِي لَها كَذا وكَذا. ويُؤَيِّدُ هَذا المَعْنى أنَّ مِثْلَ هَذِهِ الآيَةِ جاءَتْ في سُورَةِ الحِجْرِ، ولَيْسَ فِيها اسْتِثْناءٌ البَتَّةَ، قالَ تَعالى: ﴿فَأسْرِ بِأهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ واتَّبِعْ أدْبارَهم ولا يَلْتَفِتْ مِنكم أحَدٌ وامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ﴾ [الحجر: ٦٥] فَلَمْ تَقَعِ العِنايَةُ في ذَلِكَ إلّا بِذِكْرِ مِن أنْجاهُمُ اللَّهُ تَعالى. فَجاءَ شَرْحُ حالِ امْرَأتِهِ في سُورَةِ هُودٍ تَبَعًا لا مَقْصُودًا بِالإخْراجِ مِمّا تَقَدَّمَ، وإذا اتَّضَحَ هَذا المَعْنى عُلِمَ أنَّ القِراءَتَيْنِ ورَدَتا عَلى ما تَقْتَضِيهِ العَرَبِيَّةُ في الِاسْتِثْناءِ المُنْقَطِعِ، فَفِيهِ النَّصْبُ والرَّفْعُ.
فالنَّصْبُ لُغَةُ أهْلِ الحِجازِ وعَلَيْهِ الأكْثَرُ، والرَّفْعُ لِبَنِي تَمِيمٍ وعَلَيْهِ اثْنانِ مِنَ القُرّاءِ، انْتَهى.
وهَذا الَّذِي طُوِّلَ بِهِ لا تَحْقِيقَ فِيهِ، فَإنَّهُ إذا لَمْ يُقْصَدْ إخْراجُها مِنَ المَأْمُورِ بِالإسْراءِ بِهِمْ ولا مِنَ المَنهِيِّينَ عَنْ الِالتِفاتِ، وجُعِلَ اسْتِثْناءً مُنْقَطِعًا كانَ الِاسْتِثْناءُ المُنْقَطِعُ الَّذِي لَمْ يَتَوَجَّهْ عَلَيْهِ العامِلُ بِحالٍ، وهَذا النَّوْعُ مِنَ الِاسْتِثْناءِ المُنْقَطِعِ يَجِبُ فِيهِ النَّصْبُ بِإجْماعٍ مِنَ العَرَبِ، ولَيْسَ فِيهِ النَّصْبُ والرَّفْعُ بِاعْتِبارِ اللُّغَتَيْنِ، وإنَّما هَذا في الِاسْتِثْناءِ المُنْقَطِعِ، وهو الَّذِي يُمْكِنُ تَوَجُّهُ العامِلِ عَلَيْهِ. وفي كِلا النَّوْعَيْنِ يَكُونُ ما بَعْدَ إلّا مِن غَيْرِ الجِنْسِ المُسْتَثْنى مِنهُ، فَكَوْنُهُ جازَ فِيهِ اللُّغَتانِ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ مِمّا يُمْكِنُ أنْ يَتَوَّجَهَ عَلَيْهِ العامِلُ، وهو قَدْ فُرِضَ أنَّهُ لَمْ يُقْصَدْ بِالِاسْتِثْناءِ إخْراجُها عَنِ المَأْمُورِ بِالإسْراءِ بِهِمْ، ولا مِنَ المَنهِيِّينَ عَنْ الِالتِفاتِ، فَكانَ يَجِبُ فِيهِ إذْ ذاكَ النَّصْبُ قَوْلًا واحِدًا. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ ﴿ولا يَلْتَفِتْ﴾ مِنَ التِفاتِ البَصَرِ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: مِن لَفَتَ الشَّيْءَ يَلْفِتُهُ إذا ثَناهُ ولَواهُ، فَمَعْناهُ: ولا يَتَثَبَّطْ.
وفِي كِتابِ الزَّهْراوِيِّ أنَّ المَعْنى: ولا يَلْتَفِتْ أحَدٌ إلى ما خَلَّفَ بَلْ يَخْرُجْ مُسْرِعًا. والضَّمِيرُ في إنَّهُ: ضَمِيرُ الشَّأْنِ، و﴿مُصِيبُها﴾: مُبْتَدَأٌ، و﴿ما أصابَهُمْ﴾: الخَبَرُ. ويَجُوزُ عَلى مَذْهَبِ الكُوفِيِّينَ أنْ يَكُونَ ﴿مُصِيبُها﴾: خَبَرَ إنَّ، و﴿ما أصابَهُمْ﴾ فاعِلَ بِهِ، لِأنَّهم يُجِيزُونَ إنَّهُ قائِمٌ أخَواكَ. ومَذْهَبُ البَصْرِيِّينَ أنَّ ضَمِيرَ الشّانِّ لا يَكُونُ خَبَرُهُ إلّا جُمْلَةً مُصَرَّحًا بِجُزْءَيْها، فَلا يَجُوزُ هَذا الإعْرابُ عِنْدَهم.
وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ: الصُّبُحُ بِضَمِّ الباءِ. قِيلَ: وهي لُغَةٌ، فَلا يَكُونُ ذَلِكَ إتْباعًا وهو عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ: إنَّ مَوْعِدَ هَلاكِهِمُ الصُّبْحُ. ويُرْوى أنَّ لُوطًا عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: أُرِيدُ أسْرَعَ مِن ذَلِكَ، فَقالَتْ لَهُ المَلائِكَةُ: ألَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ ؟ وجُعِلَ الصُّبْحُ مِيقاتًا لِهَلاكِهِمْ، لِأنَّ النُّفُوسَ فِيهِ أوْدَعُ، والرّاحَةَ فِيهِ أجْمَعُ.
ويُرْوى أنَّ لُوطًا خَرَجَ بِابْنَتَيْهِ لَيْسَ مَعَهُ غَيْرُهُما عِنْدَ طُلُوعِ الفَجْرِ، وطَوى اللَّهُ لَهُ الأرْضَ في وقْتِهِ حَتّى نَجا، ووَصَلَ إلى إبْراهِيمَ عَلَيْهِما السَّلامُ. والضَّمِيرُ في عالِيَها عائِدٌ عَلى مَدائِنِ قَوْمِ لُوطٍ، جَعَلَ جِبْرِيلُ جَناحَهُ في أسْفَلِها ثُمَّ رَفَعَها إلى السَّماءِ، حَتّى سَمِعَ أهْلُ السَّماءِ نُباحَ الكِلابِ وصِياحَ الدِّيَكَةِ، ثُمَّ قَلَبَها عَلَيْهِمْ، وأُتْبِعُوا الحِجارَةَ مِن فَوْقِهِمْ وهي: المُؤْتَفِكاتُ: سَبْعُ مَدائِنَ. وقِيلَ: خَمْسٌ عَدَّها المُفَسِّرُونَ، وفي ضَبْطِها إشْكالٌ، فَأهْمَلْتُ ذِكْرَها. وسَدُومُ في القَرْيَةِ العُظْمى، وأمْطَرْنا عَلَيْها أيْ: عَلى أهْلِها. ورُوِيَ أنَّ الحِجارَةَ أصابَتْ مِنهم مَن كانَ خارِجَ مُدُنِهِمْ حَتّى قَتَلَتْهم أجْمَعِينَ، وأنَّ رَجُلًا كانَ في الحَرَمِ فَبَقِيَ الحَجَرُ مُعَلَّقًا في الهَواءِ حَتّى خَرَجَ مِنَ الحَرَمِ فَقَتَلَهُ الحَجَرُ.
قالَ أبُو العالِيَةِ وابْنُ زَيْدٍ: السِّجِّيلُ: اسْمٌ لِسَماءِ الدُّنْيا، وهَذا ضَعِيفٌ لِوَصْفِهِ بِمَنضُودٍ، وتَقَدَّمَ شَرْحُهُ في المُفْرَداتِ. وقِيلَ: مِن أسْجَلَهُ إذا أرْسَلَهُ، وقِيلَ: مِمّا كَتَبَ اللَّهُ أنْ يُعَذِّبَ بِهِ مِنَ السِّجِلِّ، وسَجَّلَ لِفُلانٍ. ومَعْنى هَذِهِ اللَّفْظَةِ: ماءٌ وطِينٌ، هَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ وابْنِ جُبَيْرٍ و عِكْرِمَةَ والسُّدِّيِّ وغَيْرِهِمْ. وذَهَبُوا إلى أنَّ الحِجارَةَ الَّتِي رُمُوا بِها كانَتْ كالآجُرِّ المَطْبُوخِ. وقِيلَ: حَجَرٌ مَخْلُوطٌ (p-٢٥٠)بِطِينٍ أيْ: حَجَرٌ وطِينٌ، ويُمْكِنُ أنْ يَعُودَ هَذا إلى الآجُرِّ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الشَّدِيدُ مِنَ الحِجارَةِ: الصُّلْبُ، مُسَوَّمَةً عَلَيْها سِيما: يُعْلَمُ بِها أنَّها لَيْسَتْ مِن حِجارَةِ الأرْضِ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ.
وقالَ عِكْرِمَةُ وقَتادَةُ: إنَّهُ كانَ فِيها بَياضٌ. وقِيلَ: مَكْتُوبٌ عَلى كُلِّ حَجَرٍ اسْمُ مَن رُمِيَ بِهِ، قالَهُ الرَّبِيعُ.
وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والحَسَنِ: بَياضٌ في حُمْرَةٍ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا: الحَجَرُ أبْيَضُ فِيهِ نُقْطَةٌ سَوْداءُ، وأسْوَدُ فِيهِ نُقْطَةٌ بَيْضاءُ. وعَنْ عِكْرِمَةَ وقَتادَةَ أيْضًا: فِيها خُطُوطٌ حُمْرٌ عَلى هَيْئَةِ الجِزْعِ. وقِيلَ: وكانَتْ مِثْلَ رُءُوسِ الإبِلِ، ومِثْلَ مَبارِكِ الإبِلِ.
وقِيلَ: قَبْضَةُ الرَّجُلِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُقاتِلٌ: مَعْنى مِن عِنْدِ رَبِّكَ: جاءَتْ مِن عِنْدِ رَبِّكَ. وقِيلَ: مُعَدَّةٌ عِنْدَ رَبِّكَ، قالَهُ أبُو بَكْرٍ الهُذَلِيُّ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: المَعْنى: لَزِمَ هَذا التَّسْوِيمُ الحِجارَةَ عِنْدَ اللَّهِ إيذانًا بِنَفاذِ قُدْرَتِهِ وشِدَّةِ عَذابِهِ.
والظّاهِرُ أنَّ ضَمِيرَ هي عائِدٌ عَلى القُرى الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ أعالِيَها أسافِلَها، والمَعْنى: أنَّ ذَواتِ هَذِهِ المُدُنِ كانَتْ بَيْنَ المَدِينَةِ والشّامِ، يَمُرُّ عَلَيْها قُرَيْشٌ في مَسِيرِهِمْ، فالنَّظَرُ إلَيْها وفِيها فِيهِ اعْتِبارٌ واتِّعاظٌ. وقِيلَ: هي عائِدَةٌ عَلى الحِجارَةِ، وهي أقْرَبُ مَذْكُورٍ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وما عُقُوبَتُهم مِمَّنْ يَعْمَلُ عَمَلَهم بِبَعِيدٍ، والظّاهِرُ عُمُومُ الظّالِمِينَ. وقِيلَ: عُنِيَ بِهِ قُرَيْشٌ.
وفِي الحَدِيثِ: «إنَّهُ سَيَكُونُ في أُمَّتِي خَسْفٌ ومَسْخٌ وقَذْفٌ بِالحِجارَةِ»، وقِيلَ: مُشْرِكُو العَرَبِ. وقِيلَ: قَوْمُ لُوطٍ، أيْ: لَمْ تَكُنِ الحِجارَةُ تُخْطِئُهم. وفي الحَدِيثِ «سَيَكُونُ في أواخِرِ أُمَّتِي قَوْمٌ يَكْتَفِي رِجالُهم بِالرِّجالِ والنِّساءُ بِالنِّساءِ فَإذا كانَ كَذَلِكَ فارْتَقِبُوا عَذابَ قَوْمِ لُوطٍ أنْ يُرْسِلَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِن سِجِّيلٍ ثُمَّ تَلا ﴿وما هي مِنَ الظّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾»، وإذا كانَ الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: (وما هي)، عائِدًا عَلى الحِجارَةِ، فَيُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ: بِشَيْءٍ بَعِيدٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ: بِمَكانٍ بَعِيدٍ، لِأنَّها وإنْ كانَتْ في السَّماءِ وهي مَكانٌ بَعِيدٌ إلّا أنَّها إذا هَوِيَتْ مِنها فَهي أسْرَعُ شَيْءٍ لُحُوقًا بِالمَرْمِيِّ، فَكَأنَّها بِمَكانٍ قَرِيبٍ مِنهُ.
هود 11:82
﴿قالُوا يا لُوطُ إنّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إلَيْكَ فَأسْرِ بِأهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ ولا يَلْتَفِتْ مِنكم أحَدٌ إلّا امْرَأتَكَ إنَّهُ مُصِيبُها ما أصابَهم إنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ ألَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ﴾ ﴿فَلَمّا جاءَ أمْرُنا جَعَلْنا عالِيَها سافِلَها وأمْطَرْنا عَلَيْها حِجارَةً مِن سِجِّيلٍ مَنضُودٍ﴾ ﴿مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وما هي مِنَ الظّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾: (p-٢٤٨)رُوِيَ أنَّ لُوطًا عَلَيْهِ السَّلامُ غَلَبُوهُ، وهَمُّوا بِكَسْرِ البابِ وهو يُمْسِكُهُ قالَ لَهُ الرُّسُلُ: تَنَحَّ عَنِ البابِ فَتَنَحّى، وانْفَتَحَ البابُ فَضَرَبَهم جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِجَناحِهِ، فَطَمَسَ أعْيُنَهم وعُمُوا، وانْصَرَفُوا عَلى أعْقابِهِمْ يَقُولُونَ: النَّجاةَ النَّجاةَ فَعِنْدَ لُوطٍ قَوْمٌ سَحَرَةٌ وتَوَعَّدُوا لُوطًا، فَحِينَئِذٍ قالُوا لَهُ: ﴿إنّا رُسُلُ رَبِّكَ﴾ .
ورُوِيَ أنَّ جِبْرِيلَ نَقَبَ مِن خَصاصِ البابِ، ورَمى في أعْيُنِهِمْ فَعُمُوا. وقِيلَ: أخَذَ قَبْضَةً مِن تُرابٍ وأذْراها في وُجُوهِهِمْ، فَأوْصَلَهُ إلى عَيْنِ مَن بَعُدُ ومَن قَرُبَ مِن ذَلِكَ التُّرابِ، فَطُمِسَتْ أعْيُنُهم فَلَمْ يَعْرِفُوا طَرِيقًا ولَمْ يَهْتَدُوا إلى بُيُوتِهِمْ. وقِيلَ: كَسَرُوا بابَهُ وتَهَجَّمُوا عَلَيْهِ، فَفَعَلَ بِهِمْ جِبْرِيلُ ما فَعَلَ.
والجُمْلَةُ مِن قَوْلِهِ: ﴿لَنْ يَصِلُوا إلَيْكَ﴾: مُوَضِّحَةٌ لِلَّذِي قَبْلَها لِأنَّهم إذا كانُوا رُسُلَ اللَّهِ لَنْ يَصْلُوا إلَيْهِ، ولَمْ يَقْدِرُوا عَلى ضَرَرِهِ، ثُمَّ أمَرُوهُ بِأنْ يَسْرِيَ بِأهْلِهِ. وقَرَأ الحَرَمِيّانِ: فَأسْرِ، وأنِ أسْرِ بِوَصْلِ الألِفِ مِن سَرى، وباقِي السَّبْعَةِ: بِقَطْعِها، وأهْلُهُ: ابْنَتاهُ وطائِفَةٌ يَسِيرَةٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ.
﴿بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ﴾: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: بِطائِفَةٍ مِنَ اللَّيْلِ، وقالَ الضَّحّاكُ: بِبَقِيَّةٍ مِن آخِرِهِ، وقالَ قَتادَةُ: بَعْدَ مُضِيِّ صَدْرٍ مِنهُ، وقالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: أيْ: ساعَةٍ مِنَ اللَّيْلِ، وقِيلَ: بِظُلْمَةٍ، وقِيلَ: إنَّهُ نِصْفٌ، وقِيلَ: إنَّهُ نِصْفُ اللَّيْلِ مَأْخُوذٌ مِن قَطْعِهِ نِصْفَيْنِ. وقالَ الشّاعِرُ:
؎ونائِحَةٌ تَنُوحُ بِقِطْعِ لَيْلٍ عَلى رَجُلٍ بِقارِعَةِ الصَّعِيدِ
وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ زِيادٍ: السَّحَرُ، لِقَوْلِهِ: نَجَّيْناهم بِسَحَرٍ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنَّهُ أسْرى بِأهْلِهِ مِن أوَّلِ اللَّيْلِ حَتّى جاوَزَ البَلَدَ المُقْتَلَعَ، ووَقَعَتْ نَجاتُهُ بِسَحَرٍ. فَتَجْتَمِعُ هَذِهِ الآيَةُ مَعَ قَوْلِهِ ﴿إلّا آلَ لُوطٍ نَجَّيْناهم بِسَحَرٍ﴾ [القمر: ٣٤]، انْتَهى.
وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: القِطْعُ بِمَعْنى: القِطْعَةُ مُخْتَصٌّ بِاللَّيْلِ، ولا يُقالُ: عِنْدِي قِطْعٌ مِنَ الثَّوْبِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو: ﴿إلّا امْرَأتَكَ﴾ بِالرَّفْعِ، وباقِي السَّبْعَةِ: بِالنَّصْبِ، فَوَجْهُ النَّصْبِ عَلى أنَّهُ اسْتِثْناءٌ مِن قَوْلِهِ: (بِأهْلِكَ)، إذْ قَبْلَهُ أمْرٌ والأمْرُ عِنْدَهم كالواجِبِ. ويَتَعَيَّنُ النَّصْبُ عَلى الِاسْتِثْناءِ مِن (أهْلِكَ) في قِراءَةِ عَبْدِ اللَّهِ، إذْ سَقَطَ في قِراءَتِهِ وفي مُصْحَفِهِ: ﴿ولا يَلْتَفِتْ مِنكم أحَدٌ﴾ . وجَوَّزُوا أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا عَلى الِاسْتِثْناءِ مِن (أحَدٌ) وإنْ كانَ قَبْلَهُ نَهْيٌ، والنَّهْيُ كالنَّفْيِ عَلى أصْلِ الِاسْتِثْناءِ، كَقِراءَةِ ابْنِ عامِرٍ: (ما فَعَلُوهُ إلّا قَلِيلًا مِنهم) بِالنَّصْبِ، وإنْ كانَ قَبْلَهُ نَفْيٌ.
ووَجْهُ الرَّفْعِ عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِن أحَدٍ، وهو اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ. وقالَ أبُو عُبَيْدٍ: لَوْ كانَ الكَلامُ ولا يَلْتَفِتْ بِرَفْعِ الفِعْلِ، ولَكِنَّهُ نَهْيٌ. فَإذا اسْتَثْنَيْتَ المَرْأةَ مِن (أحَدٌ) وجَبَ أنْ تَكُونَ المَرْأةُ أُبِيحَ لَها الِالتِفاتُ، فَيُفِيدُ مَعْنى الآيَةِ يَعْنِي أنَّ التَّقْدِيرَ يَصِيرُ: (إلّا امْرَأتُكَ)، فَإنَّها لَمْ تُنْهَ عَنْ الِالتِفاتِ.
قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا الِاعْتِراضُ حَسَنٌ يَلْزَمُ أنَّ الِاسْتِثْناءَ مِن (أحَدٌ) رَفَعْتَ التّاءَ أوْ نَصَبْتَ، والِانْفِصالُ عَنْهُ يَتَرَتَّبُ بِكَلامٍ مَحْكِيٍّ عَنِ المُبَرِّدِ وهو أنَّ النَّهْيَ إنَّما قُصِدَ بِهِ لُوطٌ وحْدَهُ، والِالتِفاتَ مَنفِيٌّ عَنْهم، فالمَعْنى: أنْ لا تَدَعْ أحَدًا مِنهم يَلْتَفِتُ. وهَذا كَما تَقُولُ لِرَجُلٍ: لا يَقُمْ مِن هَؤُلاءِ أحَدٌ، وأُولَئِكَ لَمْ يَسْمَعُوكَ، فالمَعْنى: لا تَدَعْ أحَدًا مِن هَؤُلاءِ يَقُومُ، والقِيامُ في المَعْنى مَنفِيٌ عَنِ المُشارِ إلَيْهِمْ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وفي إخْراجِها مَعَ أهْلِهِ رِوايَتانِ: رُوِيَ أنَّهُ أخْرَجَها مَعَهم وأُمِرَ أنْ لا يَلْتَفِتَ مِنهم أحَدٌ إلّا هي، فَلَمّا سَمِعَتْ هَدَّةَ العَذابِ التَفَتَتْ وقالَتْ: واقَوْماهُ فَأدْرَكَها حَجَرٌ فَقَتَلَها. ورُوِيَ أنَّهُ أُمِرَ بِأنْ يُخَلِّفَها مَعَ قَوْمِها، وأنَّ هَواها إلَيْهِمْ، ولَمْ يَسِرْ بِها.
واخْتِلافُ القِراءَتَيْنِ لِاخْتِلافِ الرِّوايَتَيْنِ، انْتَهى. وهَذا وهْمٌ فاحِشٌ إذْ بَنى القِراءَتَيْنِ عَلى اخْتِلافِ الرِّوايَتَيْنِ مِن أنَّهُ سَرى بِها، أوْ أنَّهُ لَمْ يَسْرِ بِها، وهَذا تَكاذُبٌ في الأخْبارِ يَسْتَحِيلُ أنْ تَكُونَ القِراءَتانِ وهْمًا مِن كَلامِ اللَّهِ تَتَرَتَّبانِ عَلى التَّكاذُبِ. وقِيلَ في الِاسْتِثْناءِ مِن (p-٢٤٩)الأهْلِ إشْكالٌ مِن جِهَةِ المَعْنى، إذْ يَلْزَمُ أنْ لا يَكُونَ سَرى بِها، ولَمّا التَفَتَتْ كانَتْ قَدْ سَرَتْ مَعَهم قَطْعًا، وزالَ هَذا الإشْكالُ أنْ يَكُونَ لَمْ يَسْرِ بِها، ولَكِنَّها لَمّا تَبِعَتْهُمُ التَفَتَتْ. وقِيلَ: الَّذِي يَظْهَرُ أنَّ الِاسْتِثْناءَ عَلى كِلْتا القِراءَتَيْنِ مُنْقَطِعٌ، لَمْ يُقْصَدْ بِهِ إخْراجُها مِنَ المَأْمُورِ بِالإسْراءِ بِهِمْ، ولا مِنَ المَنهِيِّينَ عَنْ الِالتِفاتِ، ولَكِنِ اسْتُؤْنِفَ الإخْبارُ عَنْها، فالمَعْنى: لَكِنَّ امْرَأتَكَ يَجْرِي لَها كَذا وكَذا. ويُؤَيِّدُ هَذا المَعْنى أنَّ مِثْلَ هَذِهِ الآيَةِ جاءَتْ في سُورَةِ الحِجْرِ، ولَيْسَ فِيها اسْتِثْناءٌ البَتَّةَ، قالَ تَعالى: ﴿فَأسْرِ بِأهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ واتَّبِعْ أدْبارَهم ولا يَلْتَفِتْ مِنكم أحَدٌ وامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ﴾ [الحجر: ٦٥] فَلَمْ تَقَعِ العِنايَةُ في ذَلِكَ إلّا بِذِكْرِ مِن أنْجاهُمُ اللَّهُ تَعالى. فَجاءَ شَرْحُ حالِ امْرَأتِهِ في سُورَةِ هُودٍ تَبَعًا لا مَقْصُودًا بِالإخْراجِ مِمّا تَقَدَّمَ، وإذا اتَّضَحَ هَذا المَعْنى عُلِمَ أنَّ القِراءَتَيْنِ ورَدَتا عَلى ما تَقْتَضِيهِ العَرَبِيَّةُ في الِاسْتِثْناءِ المُنْقَطِعِ، فَفِيهِ النَّصْبُ والرَّفْعُ.
فالنَّصْبُ لُغَةُ أهْلِ الحِجازِ وعَلَيْهِ الأكْثَرُ، والرَّفْعُ لِبَنِي تَمِيمٍ وعَلَيْهِ اثْنانِ مِنَ القُرّاءِ، انْتَهى.
وهَذا الَّذِي طُوِّلَ بِهِ لا تَحْقِيقَ فِيهِ، فَإنَّهُ إذا لَمْ يُقْصَدْ إخْراجُها مِنَ المَأْمُورِ بِالإسْراءِ بِهِمْ ولا مِنَ المَنهِيِّينَ عَنْ الِالتِفاتِ، وجُعِلَ اسْتِثْناءً مُنْقَطِعًا كانَ الِاسْتِثْناءُ المُنْقَطِعُ الَّذِي لَمْ يَتَوَجَّهْ عَلَيْهِ العامِلُ بِحالٍ، وهَذا النَّوْعُ مِنَ الِاسْتِثْناءِ المُنْقَطِعِ يَجِبُ فِيهِ النَّصْبُ بِإجْماعٍ مِنَ العَرَبِ، ولَيْسَ فِيهِ النَّصْبُ والرَّفْعُ بِاعْتِبارِ اللُّغَتَيْنِ، وإنَّما هَذا في الِاسْتِثْناءِ المُنْقَطِعِ، وهو الَّذِي يُمْكِنُ تَوَجُّهُ العامِلِ عَلَيْهِ. وفي كِلا النَّوْعَيْنِ يَكُونُ ما بَعْدَ إلّا مِن غَيْرِ الجِنْسِ المُسْتَثْنى مِنهُ، فَكَوْنُهُ جازَ فِيهِ اللُّغَتانِ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ مِمّا يُمْكِنُ أنْ يَتَوَّجَهَ عَلَيْهِ العامِلُ، وهو قَدْ فُرِضَ أنَّهُ لَمْ يُقْصَدْ بِالِاسْتِثْناءِ إخْراجُها عَنِ المَأْمُورِ بِالإسْراءِ بِهِمْ، ولا مِنَ المَنهِيِّينَ عَنْ الِالتِفاتِ، فَكانَ يَجِبُ فِيهِ إذْ ذاكَ النَّصْبُ قَوْلًا واحِدًا. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ ﴿ولا يَلْتَفِتْ﴾ مِنَ التِفاتِ البَصَرِ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: مِن لَفَتَ الشَّيْءَ يَلْفِتُهُ إذا ثَناهُ ولَواهُ، فَمَعْناهُ: ولا يَتَثَبَّطْ.
وفِي كِتابِ الزَّهْراوِيِّ أنَّ المَعْنى: ولا يَلْتَفِتْ أحَدٌ إلى ما خَلَّفَ بَلْ يَخْرُجْ مُسْرِعًا. والضَّمِيرُ في إنَّهُ: ضَمِيرُ الشَّأْنِ، و﴿مُصِيبُها﴾: مُبْتَدَأٌ، و﴿ما أصابَهُمْ﴾: الخَبَرُ. ويَجُوزُ عَلى مَذْهَبِ الكُوفِيِّينَ أنْ يَكُونَ ﴿مُصِيبُها﴾: خَبَرَ إنَّ، و﴿ما أصابَهُمْ﴾ فاعِلَ بِهِ، لِأنَّهم يُجِيزُونَ إنَّهُ قائِمٌ أخَواكَ. ومَذْهَبُ البَصْرِيِّينَ أنَّ ضَمِيرَ الشّانِّ لا يَكُونُ خَبَرُهُ إلّا جُمْلَةً مُصَرَّحًا بِجُزْءَيْها، فَلا يَجُوزُ هَذا الإعْرابُ عِنْدَهم.
وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ: الصُّبُحُ بِضَمِّ الباءِ. قِيلَ: وهي لُغَةٌ، فَلا يَكُونُ ذَلِكَ إتْباعًا وهو عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ: إنَّ مَوْعِدَ هَلاكِهِمُ الصُّبْحُ. ويُرْوى أنَّ لُوطًا عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: أُرِيدُ أسْرَعَ مِن ذَلِكَ، فَقالَتْ لَهُ المَلائِكَةُ: ألَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ ؟ وجُعِلَ الصُّبْحُ مِيقاتًا لِهَلاكِهِمْ، لِأنَّ النُّفُوسَ فِيهِ أوْدَعُ، والرّاحَةَ فِيهِ أجْمَعُ.
ويُرْوى أنَّ لُوطًا خَرَجَ بِابْنَتَيْهِ لَيْسَ مَعَهُ غَيْرُهُما عِنْدَ طُلُوعِ الفَجْرِ، وطَوى اللَّهُ لَهُ الأرْضَ في وقْتِهِ حَتّى نَجا، ووَصَلَ إلى إبْراهِيمَ عَلَيْهِما السَّلامُ. والضَّمِيرُ في عالِيَها عائِدٌ عَلى مَدائِنِ قَوْمِ لُوطٍ، جَعَلَ جِبْرِيلُ جَناحَهُ في أسْفَلِها ثُمَّ رَفَعَها إلى السَّماءِ، حَتّى سَمِعَ أهْلُ السَّماءِ نُباحَ الكِلابِ وصِياحَ الدِّيَكَةِ، ثُمَّ قَلَبَها عَلَيْهِمْ، وأُتْبِعُوا الحِجارَةَ مِن فَوْقِهِمْ وهي: المُؤْتَفِكاتُ: سَبْعُ مَدائِنَ. وقِيلَ: خَمْسٌ عَدَّها المُفَسِّرُونَ، وفي ضَبْطِها إشْكالٌ، فَأهْمَلْتُ ذِكْرَها. وسَدُومُ في القَرْيَةِ العُظْمى، وأمْطَرْنا عَلَيْها أيْ: عَلى أهْلِها. ورُوِيَ أنَّ الحِجارَةَ أصابَتْ مِنهم مَن كانَ خارِجَ مُدُنِهِمْ حَتّى قَتَلَتْهم أجْمَعِينَ، وأنَّ رَجُلًا كانَ في الحَرَمِ فَبَقِيَ الحَجَرُ مُعَلَّقًا في الهَواءِ حَتّى خَرَجَ مِنَ الحَرَمِ فَقَتَلَهُ الحَجَرُ.
قالَ أبُو العالِيَةِ وابْنُ زَيْدٍ: السِّجِّيلُ: اسْمٌ لِسَماءِ الدُّنْيا، وهَذا ضَعِيفٌ لِوَصْفِهِ بِمَنضُودٍ، وتَقَدَّمَ شَرْحُهُ في المُفْرَداتِ. وقِيلَ: مِن أسْجَلَهُ إذا أرْسَلَهُ، وقِيلَ: مِمّا كَتَبَ اللَّهُ أنْ يُعَذِّبَ بِهِ مِنَ السِّجِلِّ، وسَجَّلَ لِفُلانٍ. ومَعْنى هَذِهِ اللَّفْظَةِ: ماءٌ وطِينٌ، هَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ وابْنِ جُبَيْرٍ و عِكْرِمَةَ والسُّدِّيِّ وغَيْرِهِمْ. وذَهَبُوا إلى أنَّ الحِجارَةَ الَّتِي رُمُوا بِها كانَتْ كالآجُرِّ المَطْبُوخِ. وقِيلَ: حَجَرٌ مَخْلُوطٌ (p-٢٥٠)بِطِينٍ أيْ: حَجَرٌ وطِينٌ، ويُمْكِنُ أنْ يَعُودَ هَذا إلى الآجُرِّ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الشَّدِيدُ مِنَ الحِجارَةِ: الصُّلْبُ، مُسَوَّمَةً عَلَيْها سِيما: يُعْلَمُ بِها أنَّها لَيْسَتْ مِن حِجارَةِ الأرْضِ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ.
وقالَ عِكْرِمَةُ وقَتادَةُ: إنَّهُ كانَ فِيها بَياضٌ. وقِيلَ: مَكْتُوبٌ عَلى كُلِّ حَجَرٍ اسْمُ مَن رُمِيَ بِهِ، قالَهُ الرَّبِيعُ.
وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والحَسَنِ: بَياضٌ في حُمْرَةٍ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا: الحَجَرُ أبْيَضُ فِيهِ نُقْطَةٌ سَوْداءُ، وأسْوَدُ فِيهِ نُقْطَةٌ بَيْضاءُ. وعَنْ عِكْرِمَةَ وقَتادَةَ أيْضًا: فِيها خُطُوطٌ حُمْرٌ عَلى هَيْئَةِ الجِزْعِ. وقِيلَ: وكانَتْ مِثْلَ رُءُوسِ الإبِلِ، ومِثْلَ مَبارِكِ الإبِلِ.
وقِيلَ: قَبْضَةُ الرَّجُلِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُقاتِلٌ: مَعْنى مِن عِنْدِ رَبِّكَ: جاءَتْ مِن عِنْدِ رَبِّكَ. وقِيلَ: مُعَدَّةٌ عِنْدَ رَبِّكَ، قالَهُ أبُو بَكْرٍ الهُذَلِيُّ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: المَعْنى: لَزِمَ هَذا التَّسْوِيمُ الحِجارَةَ عِنْدَ اللَّهِ إيذانًا بِنَفاذِ قُدْرَتِهِ وشِدَّةِ عَذابِهِ.
والظّاهِرُ أنَّ ضَمِيرَ هي عائِدٌ عَلى القُرى الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ أعالِيَها أسافِلَها، والمَعْنى: أنَّ ذَواتِ هَذِهِ المُدُنِ كانَتْ بَيْنَ المَدِينَةِ والشّامِ، يَمُرُّ عَلَيْها قُرَيْشٌ في مَسِيرِهِمْ، فالنَّظَرُ إلَيْها وفِيها فِيهِ اعْتِبارٌ واتِّعاظٌ. وقِيلَ: هي عائِدَةٌ عَلى الحِجارَةِ، وهي أقْرَبُ مَذْكُورٍ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وما عُقُوبَتُهم مِمَّنْ يَعْمَلُ عَمَلَهم بِبَعِيدٍ، والظّاهِرُ عُمُومُ الظّالِمِينَ. وقِيلَ: عُنِيَ بِهِ قُرَيْشٌ.
وفِي الحَدِيثِ: «إنَّهُ سَيَكُونُ في أُمَّتِي خَسْفٌ ومَسْخٌ وقَذْفٌ بِالحِجارَةِ»، وقِيلَ: مُشْرِكُو العَرَبِ. وقِيلَ: قَوْمُ لُوطٍ، أيْ: لَمْ تَكُنِ الحِجارَةُ تُخْطِئُهم. وفي الحَدِيثِ «سَيَكُونُ في أواخِرِ أُمَّتِي قَوْمٌ يَكْتَفِي رِجالُهم بِالرِّجالِ والنِّساءُ بِالنِّساءِ فَإذا كانَ كَذَلِكَ فارْتَقِبُوا عَذابَ قَوْمِ لُوطٍ أنْ يُرْسِلَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِن سِجِّيلٍ ثُمَّ تَلا ﴿وما هي مِنَ الظّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾»، وإذا كانَ الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: (وما هي)، عائِدًا عَلى الحِجارَةِ، فَيُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ: بِشَيْءٍ بَعِيدٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ: بِمَكانٍ بَعِيدٍ، لِأنَّها وإنْ كانَتْ في السَّماءِ وهي مَكانٌ بَعِيدٌ إلّا أنَّها إذا هَوِيَتْ مِنها فَهي أسْرَعُ شَيْءٍ لُحُوقًا بِالمَرْمِيِّ، فَكَأنَّها بِمَكانٍ قَرِيبٍ مِنهُ.
هود 11:83
﴿قالُوا يا لُوطُ إنّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إلَيْكَ فَأسْرِ بِأهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ ولا يَلْتَفِتْ مِنكم أحَدٌ إلّا امْرَأتَكَ إنَّهُ مُصِيبُها ما أصابَهم إنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ ألَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ﴾ ﴿فَلَمّا جاءَ أمْرُنا جَعَلْنا عالِيَها سافِلَها وأمْطَرْنا عَلَيْها حِجارَةً مِن سِجِّيلٍ مَنضُودٍ﴾ ﴿مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وما هي مِنَ الظّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾: (p-٢٤٨)رُوِيَ أنَّ لُوطًا عَلَيْهِ السَّلامُ غَلَبُوهُ، وهَمُّوا بِكَسْرِ البابِ وهو يُمْسِكُهُ قالَ لَهُ الرُّسُلُ: تَنَحَّ عَنِ البابِ فَتَنَحّى، وانْفَتَحَ البابُ فَضَرَبَهم جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِجَناحِهِ، فَطَمَسَ أعْيُنَهم وعُمُوا، وانْصَرَفُوا عَلى أعْقابِهِمْ يَقُولُونَ: النَّجاةَ النَّجاةَ فَعِنْدَ لُوطٍ قَوْمٌ سَحَرَةٌ وتَوَعَّدُوا لُوطًا، فَحِينَئِذٍ قالُوا لَهُ: ﴿إنّا رُسُلُ رَبِّكَ﴾ .
ورُوِيَ أنَّ جِبْرِيلَ نَقَبَ مِن خَصاصِ البابِ، ورَمى في أعْيُنِهِمْ فَعُمُوا. وقِيلَ: أخَذَ قَبْضَةً مِن تُرابٍ وأذْراها في وُجُوهِهِمْ، فَأوْصَلَهُ إلى عَيْنِ مَن بَعُدُ ومَن قَرُبَ مِن ذَلِكَ التُّرابِ، فَطُمِسَتْ أعْيُنُهم فَلَمْ يَعْرِفُوا طَرِيقًا ولَمْ يَهْتَدُوا إلى بُيُوتِهِمْ. وقِيلَ: كَسَرُوا بابَهُ وتَهَجَّمُوا عَلَيْهِ، فَفَعَلَ بِهِمْ جِبْرِيلُ ما فَعَلَ.
والجُمْلَةُ مِن قَوْلِهِ: ﴿لَنْ يَصِلُوا إلَيْكَ﴾: مُوَضِّحَةٌ لِلَّذِي قَبْلَها لِأنَّهم إذا كانُوا رُسُلَ اللَّهِ لَنْ يَصْلُوا إلَيْهِ، ولَمْ يَقْدِرُوا عَلى ضَرَرِهِ، ثُمَّ أمَرُوهُ بِأنْ يَسْرِيَ بِأهْلِهِ. وقَرَأ الحَرَمِيّانِ: فَأسْرِ، وأنِ أسْرِ بِوَصْلِ الألِفِ مِن سَرى، وباقِي السَّبْعَةِ: بِقَطْعِها، وأهْلُهُ: ابْنَتاهُ وطائِفَةٌ يَسِيرَةٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ.
﴿بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ﴾: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: بِطائِفَةٍ مِنَ اللَّيْلِ، وقالَ الضَّحّاكُ: بِبَقِيَّةٍ مِن آخِرِهِ، وقالَ قَتادَةُ: بَعْدَ مُضِيِّ صَدْرٍ مِنهُ، وقالَ ابْنُ الأعْرابِيِّ: أيْ: ساعَةٍ مِنَ اللَّيْلِ، وقِيلَ: بِظُلْمَةٍ، وقِيلَ: إنَّهُ نِصْفٌ، وقِيلَ: إنَّهُ نِصْفُ اللَّيْلِ مَأْخُوذٌ مِن قَطْعِهِ نِصْفَيْنِ. وقالَ الشّاعِرُ:
؎ونائِحَةٌ تَنُوحُ بِقِطْعِ لَيْلٍ عَلى رَجُلٍ بِقارِعَةِ الصَّعِيدِ
وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ زِيادٍ: السَّحَرُ، لِقَوْلِهِ: نَجَّيْناهم بِسَحَرٍ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويُحْتَمَلُ أنَّهُ أسْرى بِأهْلِهِ مِن أوَّلِ اللَّيْلِ حَتّى جاوَزَ البَلَدَ المُقْتَلَعَ، ووَقَعَتْ نَجاتُهُ بِسَحَرٍ. فَتَجْتَمِعُ هَذِهِ الآيَةُ مَعَ قَوْلِهِ ﴿إلّا آلَ لُوطٍ نَجَّيْناهم بِسَحَرٍ﴾ [القمر: ٣٤]، انْتَهى.
وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: القِطْعُ بِمَعْنى: القِطْعَةُ مُخْتَصٌّ بِاللَّيْلِ، ولا يُقالُ: عِنْدِي قِطْعٌ مِنَ الثَّوْبِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو: ﴿إلّا امْرَأتَكَ﴾ بِالرَّفْعِ، وباقِي السَّبْعَةِ: بِالنَّصْبِ، فَوَجْهُ النَّصْبِ عَلى أنَّهُ اسْتِثْناءٌ مِن قَوْلِهِ: (بِأهْلِكَ)، إذْ قَبْلَهُ أمْرٌ والأمْرُ عِنْدَهم كالواجِبِ. ويَتَعَيَّنُ النَّصْبُ عَلى الِاسْتِثْناءِ مِن (أهْلِكَ) في قِراءَةِ عَبْدِ اللَّهِ، إذْ سَقَطَ في قِراءَتِهِ وفي مُصْحَفِهِ: ﴿ولا يَلْتَفِتْ مِنكم أحَدٌ﴾ . وجَوَّزُوا أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا عَلى الِاسْتِثْناءِ مِن (أحَدٌ) وإنْ كانَ قَبْلَهُ نَهْيٌ، والنَّهْيُ كالنَّفْيِ عَلى أصْلِ الِاسْتِثْناءِ، كَقِراءَةِ ابْنِ عامِرٍ: (ما فَعَلُوهُ إلّا قَلِيلًا مِنهم) بِالنَّصْبِ، وإنْ كانَ قَبْلَهُ نَفْيٌ.
ووَجْهُ الرَّفْعِ عَلى أنَّهُ بَدَلٌ مِن أحَدٍ، وهو اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ. وقالَ أبُو عُبَيْدٍ: لَوْ كانَ الكَلامُ ولا يَلْتَفِتْ بِرَفْعِ الفِعْلِ، ولَكِنَّهُ نَهْيٌ. فَإذا اسْتَثْنَيْتَ المَرْأةَ مِن (أحَدٌ) وجَبَ أنْ تَكُونَ المَرْأةُ أُبِيحَ لَها الِالتِفاتُ، فَيُفِيدُ مَعْنى الآيَةِ يَعْنِي أنَّ التَّقْدِيرَ يَصِيرُ: (إلّا امْرَأتُكَ)، فَإنَّها لَمْ تُنْهَ عَنْ الِالتِفاتِ.
قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا الِاعْتِراضُ حَسَنٌ يَلْزَمُ أنَّ الِاسْتِثْناءَ مِن (أحَدٌ) رَفَعْتَ التّاءَ أوْ نَصَبْتَ، والِانْفِصالُ عَنْهُ يَتَرَتَّبُ بِكَلامٍ مَحْكِيٍّ عَنِ المُبَرِّدِ وهو أنَّ النَّهْيَ إنَّما قُصِدَ بِهِ لُوطٌ وحْدَهُ، والِالتِفاتَ مَنفِيٌّ عَنْهم، فالمَعْنى: أنْ لا تَدَعْ أحَدًا مِنهم يَلْتَفِتُ. وهَذا كَما تَقُولُ لِرَجُلٍ: لا يَقُمْ مِن هَؤُلاءِ أحَدٌ، وأُولَئِكَ لَمْ يَسْمَعُوكَ، فالمَعْنى: لا تَدَعْ أحَدًا مِن هَؤُلاءِ يَقُومُ، والقِيامُ في المَعْنى مَنفِيٌ عَنِ المُشارِ إلَيْهِمْ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وفي إخْراجِها مَعَ أهْلِهِ رِوايَتانِ: رُوِيَ أنَّهُ أخْرَجَها مَعَهم وأُمِرَ أنْ لا يَلْتَفِتَ مِنهم أحَدٌ إلّا هي، فَلَمّا سَمِعَتْ هَدَّةَ العَذابِ التَفَتَتْ وقالَتْ: واقَوْماهُ فَأدْرَكَها حَجَرٌ فَقَتَلَها. ورُوِيَ أنَّهُ أُمِرَ بِأنْ يُخَلِّفَها مَعَ قَوْمِها، وأنَّ هَواها إلَيْهِمْ، ولَمْ يَسِرْ بِها.
واخْتِلافُ القِراءَتَيْنِ لِاخْتِلافِ الرِّوايَتَيْنِ، انْتَهى. وهَذا وهْمٌ فاحِشٌ إذْ بَنى القِراءَتَيْنِ عَلى اخْتِلافِ الرِّوايَتَيْنِ مِن أنَّهُ سَرى بِها، أوْ أنَّهُ لَمْ يَسْرِ بِها، وهَذا تَكاذُبٌ في الأخْبارِ يَسْتَحِيلُ أنْ تَكُونَ القِراءَتانِ وهْمًا مِن كَلامِ اللَّهِ تَتَرَتَّبانِ عَلى التَّكاذُبِ. وقِيلَ في الِاسْتِثْناءِ مِن (p-٢٤٩)الأهْلِ إشْكالٌ مِن جِهَةِ المَعْنى، إذْ يَلْزَمُ أنْ لا يَكُونَ سَرى بِها، ولَمّا التَفَتَتْ كانَتْ قَدْ سَرَتْ مَعَهم قَطْعًا، وزالَ هَذا الإشْكالُ أنْ يَكُونَ لَمْ يَسْرِ بِها، ولَكِنَّها لَمّا تَبِعَتْهُمُ التَفَتَتْ. وقِيلَ: الَّذِي يَظْهَرُ أنَّ الِاسْتِثْناءَ عَلى كِلْتا القِراءَتَيْنِ مُنْقَطِعٌ، لَمْ يُقْصَدْ بِهِ إخْراجُها مِنَ المَأْمُورِ بِالإسْراءِ بِهِمْ، ولا مِنَ المَنهِيِّينَ عَنْ الِالتِفاتِ، ولَكِنِ اسْتُؤْنِفَ الإخْبارُ عَنْها، فالمَعْنى: لَكِنَّ امْرَأتَكَ يَجْرِي لَها كَذا وكَذا. ويُؤَيِّدُ هَذا المَعْنى أنَّ مِثْلَ هَذِهِ الآيَةِ جاءَتْ في سُورَةِ الحِجْرِ، ولَيْسَ فِيها اسْتِثْناءٌ البَتَّةَ، قالَ تَعالى: ﴿فَأسْرِ بِأهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ واتَّبِعْ أدْبارَهم ولا يَلْتَفِتْ مِنكم أحَدٌ وامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ﴾ [الحجر: ٦٥] فَلَمْ تَقَعِ العِنايَةُ في ذَلِكَ إلّا بِذِكْرِ مِن أنْجاهُمُ اللَّهُ تَعالى. فَجاءَ شَرْحُ حالِ امْرَأتِهِ في سُورَةِ هُودٍ تَبَعًا لا مَقْصُودًا بِالإخْراجِ مِمّا تَقَدَّمَ، وإذا اتَّضَحَ هَذا المَعْنى عُلِمَ أنَّ القِراءَتَيْنِ ورَدَتا عَلى ما تَقْتَضِيهِ العَرَبِيَّةُ في الِاسْتِثْناءِ المُنْقَطِعِ، فَفِيهِ النَّصْبُ والرَّفْعُ.
فالنَّصْبُ لُغَةُ أهْلِ الحِجازِ وعَلَيْهِ الأكْثَرُ، والرَّفْعُ لِبَنِي تَمِيمٍ وعَلَيْهِ اثْنانِ مِنَ القُرّاءِ، انْتَهى.
وهَذا الَّذِي طُوِّلَ بِهِ لا تَحْقِيقَ فِيهِ، فَإنَّهُ إذا لَمْ يُقْصَدْ إخْراجُها مِنَ المَأْمُورِ بِالإسْراءِ بِهِمْ ولا مِنَ المَنهِيِّينَ عَنْ الِالتِفاتِ، وجُعِلَ اسْتِثْناءً مُنْقَطِعًا كانَ الِاسْتِثْناءُ المُنْقَطِعُ الَّذِي لَمْ يَتَوَجَّهْ عَلَيْهِ العامِلُ بِحالٍ، وهَذا النَّوْعُ مِنَ الِاسْتِثْناءِ المُنْقَطِعِ يَجِبُ فِيهِ النَّصْبُ بِإجْماعٍ مِنَ العَرَبِ، ولَيْسَ فِيهِ النَّصْبُ والرَّفْعُ بِاعْتِبارِ اللُّغَتَيْنِ، وإنَّما هَذا في الِاسْتِثْناءِ المُنْقَطِعِ، وهو الَّذِي يُمْكِنُ تَوَجُّهُ العامِلِ عَلَيْهِ. وفي كِلا النَّوْعَيْنِ يَكُونُ ما بَعْدَ إلّا مِن غَيْرِ الجِنْسِ المُسْتَثْنى مِنهُ، فَكَوْنُهُ جازَ فِيهِ اللُّغَتانِ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ مِمّا يُمْكِنُ أنْ يَتَوَّجَهَ عَلَيْهِ العامِلُ، وهو قَدْ فُرِضَ أنَّهُ لَمْ يُقْصَدْ بِالِاسْتِثْناءِ إخْراجُها عَنِ المَأْمُورِ بِالإسْراءِ بِهِمْ، ولا مِنَ المَنهِيِّينَ عَنْ الِالتِفاتِ، فَكانَ يَجِبُ فِيهِ إذْ ذاكَ النَّصْبُ قَوْلًا واحِدًا. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ ﴿ولا يَلْتَفِتْ﴾ مِنَ التِفاتِ البَصَرِ. وقالَتْ فِرْقَةٌ: مِن لَفَتَ الشَّيْءَ يَلْفِتُهُ إذا ثَناهُ ولَواهُ، فَمَعْناهُ: ولا يَتَثَبَّطْ.
وفِي كِتابِ الزَّهْراوِيِّ أنَّ المَعْنى: ولا يَلْتَفِتْ أحَدٌ إلى ما خَلَّفَ بَلْ يَخْرُجْ مُسْرِعًا. والضَّمِيرُ في إنَّهُ: ضَمِيرُ الشَّأْنِ، و﴿مُصِيبُها﴾: مُبْتَدَأٌ، و﴿ما أصابَهُمْ﴾: الخَبَرُ. ويَجُوزُ عَلى مَذْهَبِ الكُوفِيِّينَ أنْ يَكُونَ ﴿مُصِيبُها﴾: خَبَرَ إنَّ، و﴿ما أصابَهُمْ﴾ فاعِلَ بِهِ، لِأنَّهم يُجِيزُونَ إنَّهُ قائِمٌ أخَواكَ. ومَذْهَبُ البَصْرِيِّينَ أنَّ ضَمِيرَ الشّانِّ لا يَكُونُ خَبَرُهُ إلّا جُمْلَةً مُصَرَّحًا بِجُزْءَيْها، فَلا يَجُوزُ هَذا الإعْرابُ عِنْدَهم.
وقَرَأ عِيسى بْنُ عُمَرَ: الصُّبُحُ بِضَمِّ الباءِ. قِيلَ: وهي لُغَةٌ، فَلا يَكُونُ ذَلِكَ إتْباعًا وهو عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ: إنَّ مَوْعِدَ هَلاكِهِمُ الصُّبْحُ. ويُرْوى أنَّ لُوطًا عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: أُرِيدُ أسْرَعَ مِن ذَلِكَ، فَقالَتْ لَهُ المَلائِكَةُ: ألَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ ؟ وجُعِلَ الصُّبْحُ مِيقاتًا لِهَلاكِهِمْ، لِأنَّ النُّفُوسَ فِيهِ أوْدَعُ، والرّاحَةَ فِيهِ أجْمَعُ.
ويُرْوى أنَّ لُوطًا خَرَجَ بِابْنَتَيْهِ لَيْسَ مَعَهُ غَيْرُهُما عِنْدَ طُلُوعِ الفَجْرِ، وطَوى اللَّهُ لَهُ الأرْضَ في وقْتِهِ حَتّى نَجا، ووَصَلَ إلى إبْراهِيمَ عَلَيْهِما السَّلامُ. والضَّمِيرُ في عالِيَها عائِدٌ عَلى مَدائِنِ قَوْمِ لُوطٍ، جَعَلَ جِبْرِيلُ جَناحَهُ في أسْفَلِها ثُمَّ رَفَعَها إلى السَّماءِ، حَتّى سَمِعَ أهْلُ السَّماءِ نُباحَ الكِلابِ وصِياحَ الدِّيَكَةِ، ثُمَّ قَلَبَها عَلَيْهِمْ، وأُتْبِعُوا الحِجارَةَ مِن فَوْقِهِمْ وهي: المُؤْتَفِكاتُ: سَبْعُ مَدائِنَ. وقِيلَ: خَمْسٌ عَدَّها المُفَسِّرُونَ، وفي ضَبْطِها إشْكالٌ، فَأهْمَلْتُ ذِكْرَها. وسَدُومُ في القَرْيَةِ العُظْمى، وأمْطَرْنا عَلَيْها أيْ: عَلى أهْلِها. ورُوِيَ أنَّ الحِجارَةَ أصابَتْ مِنهم مَن كانَ خارِجَ مُدُنِهِمْ حَتّى قَتَلَتْهم أجْمَعِينَ، وأنَّ رَجُلًا كانَ في الحَرَمِ فَبَقِيَ الحَجَرُ مُعَلَّقًا في الهَواءِ حَتّى خَرَجَ مِنَ الحَرَمِ فَقَتَلَهُ الحَجَرُ.
قالَ أبُو العالِيَةِ وابْنُ زَيْدٍ: السِّجِّيلُ: اسْمٌ لِسَماءِ الدُّنْيا، وهَذا ضَعِيفٌ لِوَصْفِهِ بِمَنضُودٍ، وتَقَدَّمَ شَرْحُهُ في المُفْرَداتِ. وقِيلَ: مِن أسْجَلَهُ إذا أرْسَلَهُ، وقِيلَ: مِمّا كَتَبَ اللَّهُ أنْ يُعَذِّبَ بِهِ مِنَ السِّجِلِّ، وسَجَّلَ لِفُلانٍ. ومَعْنى هَذِهِ اللَّفْظَةِ: ماءٌ وطِينٌ، هَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ وابْنِ جُبَيْرٍ و عِكْرِمَةَ والسُّدِّيِّ وغَيْرِهِمْ. وذَهَبُوا إلى أنَّ الحِجارَةَ الَّتِي رُمُوا بِها كانَتْ كالآجُرِّ المَطْبُوخِ. وقِيلَ: حَجَرٌ مَخْلُوطٌ (p-٢٥٠)بِطِينٍ أيْ: حَجَرٌ وطِينٌ، ويُمْكِنُ أنْ يَعُودَ هَذا إلى الآجُرِّ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: الشَّدِيدُ مِنَ الحِجارَةِ: الصُّلْبُ، مُسَوَّمَةً عَلَيْها سِيما: يُعْلَمُ بِها أنَّها لَيْسَتْ مِن حِجارَةِ الأرْضِ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ.
وقالَ عِكْرِمَةُ وقَتادَةُ: إنَّهُ كانَ فِيها بَياضٌ. وقِيلَ: مَكْتُوبٌ عَلى كُلِّ حَجَرٍ اسْمُ مَن رُمِيَ بِهِ، قالَهُ الرَّبِيعُ.
وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ والحَسَنِ: بَياضٌ في حُمْرَةٍ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا: الحَجَرُ أبْيَضُ فِيهِ نُقْطَةٌ سَوْداءُ، وأسْوَدُ فِيهِ نُقْطَةٌ بَيْضاءُ. وعَنْ عِكْرِمَةَ وقَتادَةَ أيْضًا: فِيها خُطُوطٌ حُمْرٌ عَلى هَيْئَةِ الجِزْعِ. وقِيلَ: وكانَتْ مِثْلَ رُءُوسِ الإبِلِ، ومِثْلَ مَبارِكِ الإبِلِ.
وقِيلَ: قَبْضَةُ الرَّجُلِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُقاتِلٌ: مَعْنى مِن عِنْدِ رَبِّكَ: جاءَتْ مِن عِنْدِ رَبِّكَ. وقِيلَ: مُعَدَّةٌ عِنْدَ رَبِّكَ، قالَهُ أبُو بَكْرٍ الهُذَلِيُّ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: المَعْنى: لَزِمَ هَذا التَّسْوِيمُ الحِجارَةَ عِنْدَ اللَّهِ إيذانًا بِنَفاذِ قُدْرَتِهِ وشِدَّةِ عَذابِهِ.
والظّاهِرُ أنَّ ضَمِيرَ هي عائِدٌ عَلى القُرى الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ أعالِيَها أسافِلَها، والمَعْنى: أنَّ ذَواتِ هَذِهِ المُدُنِ كانَتْ بَيْنَ المَدِينَةِ والشّامِ، يَمُرُّ عَلَيْها قُرَيْشٌ في مَسِيرِهِمْ، فالنَّظَرُ إلَيْها وفِيها فِيهِ اعْتِبارٌ واتِّعاظٌ. وقِيلَ: هي عائِدَةٌ عَلى الحِجارَةِ، وهي أقْرَبُ مَذْكُورٍ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وما عُقُوبَتُهم مِمَّنْ يَعْمَلُ عَمَلَهم بِبَعِيدٍ، والظّاهِرُ عُمُومُ الظّالِمِينَ. وقِيلَ: عُنِيَ بِهِ قُرَيْشٌ.
وفِي الحَدِيثِ: «إنَّهُ سَيَكُونُ في أُمَّتِي خَسْفٌ ومَسْخٌ وقَذْفٌ بِالحِجارَةِ»، وقِيلَ: مُشْرِكُو العَرَبِ. وقِيلَ: قَوْمُ لُوطٍ، أيْ: لَمْ تَكُنِ الحِجارَةُ تُخْطِئُهم. وفي الحَدِيثِ «سَيَكُونُ في أواخِرِ أُمَّتِي قَوْمٌ يَكْتَفِي رِجالُهم بِالرِّجالِ والنِّساءُ بِالنِّساءِ فَإذا كانَ كَذَلِكَ فارْتَقِبُوا عَذابَ قَوْمِ لُوطٍ أنْ يُرْسِلَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ حِجارَةً مِن سِجِّيلٍ ثُمَّ تَلا ﴿وما هي مِنَ الظّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾»، وإذا كانَ الضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: (وما هي)، عائِدًا عَلى الحِجارَةِ، فَيُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ: بِشَيْءٍ بَعِيدٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ: بِمَكانٍ بَعِيدٍ، لِأنَّها وإنْ كانَتْ في السَّماءِ وهي مَكانٌ بَعِيدٌ إلّا أنَّها إذا هَوِيَتْ مِنها فَهي أسْرَعُ شَيْءٍ لُحُوقًا بِالمَرْمِيِّ، فَكَأنَّها بِمَكانٍ قَرِيبٍ مِنهُ.
هود 11:84
﴿وإلى مَدْيَنَ أخاهم شُعَيْبًا قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ ولا تَنْقُصُوا المِكْيالَ والمِيزانَ إنِّي أراكم بِخَيْرٍ وإنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ﴾ ﴿ويا قَوْمِ أوْفُوا المِكْيالَ والمِيزانَ بِالقِسْطِ ولا تَبْخَسُوا النّاسَ أشْياءَهم ولا تَعْثَوْا في الأرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ ﴿بَقِيَّةُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكم إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وما أنا عَلَيْكم بِحَفِيظٍ﴾ ﴿قالُوا يا شُعَيْبُ أصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أنْ نَتْرُكَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا أوْ أنْ نَفْعَلَ في أمْوالِنا ما نَشاءُ إنَّكَ لَأنْتَ الحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾ [هود: ٨٧] ﴿قالَ يا قَوْمِ أرَأيْتُمْ إنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّي ورَزَقَنِي مِنهُ رِزْقًا حَسَنًا وما أُرِيدُ أنْ أُخالِفَكم إلى ما أنْهاكم عَنْهُ إنْ أُرِيدُ إلّا الإصْلاحَ ما اسْتَطَعْتُ وما تَوْفِيقِي إلّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وإلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [هود: ٨٨] ﴿ويا قَوْمِ لا يَجْرِمَنَّكم شِقاقِي أنْ يُصِيبَكم مِثْلُ ما أصابَ قَوْمَ نُوحٍ أوْ قَوْمَ هُودٍ أوْ قَوْمَ صالِحٍ وما قَوْمُ لُوطٍ مِنكم بِبَعِيدٍ﴾ [هود: ٨٩] ﴿واسْتَغْفِرُوا رَبَّكم ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ إنَّ رَبِّي رَحِيمٌ ودُودٌ﴾ [هود: ٩٠] ﴿قالُوا يا شُعَيْبُ ما نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمّا تَقُولُ وإنّا لَنَراكَ فِينا ضَعِيفًا ولَوْلا رَهْطُكَ لَرَجَمْناكَ وما أنْتَ عَلَيْنا بِعَزِيزٍ﴾ [هود: ٩١] ﴿قالَ يا قَوْمِ أرَهْطِي أعَزُّ عَلَيْكم مِنَ اللَّهِ واتَّخَذْتُمُوهُ وراءَكم ظِهْرِيًّا إنَّ رَبِّي بِما تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ [هود: ٩٢] ﴿ويا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكم إنِّي عامِلٌ سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ ومَن هو كاذِبٌ وارْتَقِبُوا إنِّي مَعَكم رَقِيبٌ﴾ [هود: ٩٣] ﴿ولَمّا جاءَ أمْرُنا نَجَّيْنا شُعَيْبًا والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنّا وأخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأصْبَحُوا في دِيارِهِمْ جاثِمِينَ﴾ [هود: ٩٤] ﴿كَأنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها ألا بُعْدًا لِمَدْيَنَ كَما بَعِدَتْ ثَمُودُ﴾ [هود: ٩٥] ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا وسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ [هود: ٩٦] ﴿إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ فاتَّبَعُوا أمْرَ فِرْعَوْنَ وما أمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾ [هود: ٩٧] ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ القِيامَةِ فَأوْرَدَهُمُ النّارَ وبِئْسَ الوِرْدُ المَوْرُودُ﴾ [هود: ٩٨] ﴿وأُتْبِعُوا في هَذِهِ لَعْنَةً ويَوْمَ القِيامَةِ بِئْسَ الرِّفْدُ المَرْفُودُ﴾ [هود: ٩٩] ﴿ذَلِكَ مِن أنْباءِ القُرى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنها قائِمٌ وحَصِيدٌ﴾ [هود: ١٠٠] ﴿وما ظَلَمْناهم ولَكِنْ ظَلَمُوا أنْفُسَهم فَما أغْنَتْ عَنْهم آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مِن شَيْءٍ لَمّا جاءَ أمْرُ رَبِّكَ وما زادُوهم غَيْرَ تَتْبِيبٍ﴾ [هود: ١٠١] ﴿وكَذَلِكَ أخْذُ رَبِّكَ إذا أخَذَ القُرى وهي ظالِمَةٌ إنَّ أخْذَهُ ألِيمٌ شَدِيدٌ﴾ [هود: ١٠٢] ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً لِمَن خافَ عَذابَ الآخِرَةِ ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النّاسُ وذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ﴾ [هود: ١٠٣] ﴿وما نُؤَخِّرُهُ إلّا لِأجَلٍ مَعْدُودٍ﴾ [هود: ١٠٤] ﴿يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إلّا بِإذْنِهِ فَمِنهم شَقِيٌّ وسَعِيدٌ﴾ [هود: ١٠٥] ﴿فَأمّا الَّذِينَ شَقُوا فَفي النّارِ لَهم فِيها زَفِيرٌ وشَهِيقٌ﴾ [هود: ١٠٦] ﴿خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ إلّا ما شاءَ رَبُّكَ إنَّ رَبَّكَ فَعّالٌ لِما يُرِيدُ﴾ [هود: ١٠٧] ﴿وأمّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفي الجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ إلّا ما شاءَ رَبُّكَ عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ [هود: ١٠٨] (p-٢٥١)الرَّهْطُ: قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: جَماعَةُ الرَّجُلِ، وقِيلَ: الرَّهْطُ والرّاهِطُ: اسْمٌ لِما دُونَ العَشَرَةِ مِنَ الرِّجالِ، ولا يَقَعُ الرَّهْطُ والعُصْبَةُ والنَّفَرُ إلّا عَلى الرِّجالِ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مِنَ الثَّلاثَةِ إلى العَشَرَةِ. وقِيلَ: إلى التِّسْعَةِ، ويُجْمَعُ عَلى أرْهُطٍ، ويَجْمَعُ أرْهُطٌ عَلى أراهِطَ، فَهو جَمْعُ جَمْعٍ. قالَ الرُّمّانِيُّ: وأصْلُ الرَّهْطِ: الشَّدُّ، ومِنهُ الرَّهِيطُ: شِدَّةُ الأكْلِ، والرّاهِطُ: اسْمٌ لِجُحْرِ اليَرْبُوعِ لِأنَّهُ يَتَوَثَّقُ بِهِ ويُخَبِّأُ فِيهِ ولَدَهُ.
الوِرْدُ؛ قالَ ابْنُ السِّكِّيتِ: هو وُرُودُ القَوْمِ الماءَ، والوِرْدُ: الإبِلُ الوارِدَةُ، انْتَهى. فَيَكُونُ مَصْدَرًا بِمَعْنى: الوُرُودُ، واسْمَ مَفْعُولٍ في المَعْنى كالطَّحْنِ بِمَعْنى: المَطْحُونِ.
رَفَدَ الرَّجُلُ يَرْفِدُهُ رَفْدًا ورِفْدا: أعْطاهُ وأعانَهُ، مِن رَفَدَ الحائِطَ: دَعَمَهُ، وعَنِ الأصْمَعِيِّ: الرَّفْدُ بِالفَتْحِ: القَدْحُ، والرِّفْدُ بِالكَسْرِ: ما في القَدَحِ مِنَ الشَّرابِ. وقالَ اللَّيْثُ: أصْلُ الرَّفْدِ: العَطاءُ والمَعُونَةُ، ومِنهُ رِفادَةُ قُرَيْشٍ يُقالُ رَفَدَهُ يَرْفِدُهُ رِفْدًا ورَفْدًا بِكَسْرِ الرّاءِ وفَتْحِها، ويُقالُ بِالكَسْرِ: الِاسْمُ، وبِالفَتْحِ: المَصْدَرُ. التَّتْبِيبُ: التَّخْسِيرُ، تَبَّ: خَسِرَ، وتَبَّهُ: خَسِرَهُ. وقالَ لَبِيدٌ:
؎ولَقَدْ بُلِيتُ وكُلُّ صاحِبِ جِدَّةٍ يَبْلى بِعُودٍ وذاكُمُ التَّتْبِيبُ
الزَّفِيرُ والشَّهِيقُ: زَعَمَ أهْلُ اللُّغَةِ مِنَ الكُوفِيِّينَ والبَصْرِيِّينَ أنَّ الزَّفِيرَ بِمَنزِلَةِ ابْتِداءِ صَوْتِ الحِمارِ، والشَّهِيقَ بِمَنزِلَةِ آخِرِ نَهِيقِهِ. وقالَ رُؤْبَةُ:
؎حَشْرَجَ في الصَّدْرِ صَهِيلًا وشَهِقَ ∗∗∗ حَتّى يُقالَ ناهِقٌ وما نَهَقَ
وقالَ ابْنُ فارِسٍ: الشَّهِيقُ ضِدُّ الزَّفِيرِ، لِأنَّ الشَّهِيقَ: رَدُّ النَّفَسِ، والزَّفِيرَ: إخْراجُ النَّفَسِ مِن شِدَّةِ الجَرْيِ، مَأْخُوذٌ مِنَ الزَّفْرِ وهو: الحَمْلُ عَلى الظَّهْرِ لِشِدَّتِهِ. وقالَ الشَّمّاخُ:
؎بَعِيدٌ مَدى التَّطْرِيبِ أوَّلُ صَوْتِهِ ∗∗∗ زَفِيرٌ ويَتْلُوهُ شَهِيقٌ مُحَشْرَجُ
والشَّهِيقُ: النَّفَسُ الطَّوِيلُ المُمْتَدُّ، مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِهِمْ: جَبَلٌ شاهِقٌ، أيْ: طَوِيلٌ. وقالَ اللَّيْثُ: الزَّفِيرُ: أنْ يَمْلَأ الرَّجُلُ صَدْرَهُ حالَ كَوْنِهِ في الغَمِّ الشَّدِيدِ مِنَ النَّفَسِ ويُخْرِجَهُ، والشَّهِيقُ: أنْ يُخْرِجَ ذَلِكَ النَّفَسَ بِشِدَّةٍ، يُقالُ: إنَّهُ عَظِيمُ الزَّفْرَةِ.
الشَّقاءُ: نَكَدُ العَيْشِ وسُوءُهُ. يُقالُ مِنهُ: شَقى يَشْقى شَقاءً وشِقْوَةً وشَقاوَةً، والسَّعادَةُ ضِدُّهُ، يُقالُ مِنهُ: سَعِدَ يَسْعَدُ، ويُعَدَّيانِ بِالهَمْزَةِ فَيُقالُ: أشْقاهُ اللَّهُ، وأسْعَدَهُ اللَّهُ. وقَدْ قُرِئَ ﴿شَقُوا﴾ [هود: ١٠٦] و﴿سُعِدُوا﴾ [هود: ١٠٨] بِضَمِّ الشِّينِ والسِّينِ، فَدَلَّ عَلى أنَّهُما قَدْ يَتَعَدَّيانِ. ومِنهُ قَوْلُهم: مَسْعُودٌ، وذُكِرَ أنَّ الفَرّاءَ حَكى أنْ هُذَيْلًا تَقُولُ: سَعِدَهُ اللَّهُ بِمَعْنى أسْعَدَهُ. وقالَ الجَوْهَرِيُّ: سَعِدَ بِالكَسْرِ فَهو سَعِيدٌ، مِثْلَ سَلِمَ فَهو سَلِيمٌ، وسَعِدَ فَهو مَسْعُودٌ.
وقالَ أبُو نَصْرٍ عَبْدُ الرَّحِيمِ القُشَيْرِيُّ: ورَدَ سَعِدَهُ اللَّهُ فَهو مَسْعُودٌ، وأسْعَدَهُ اللَّهُ فَهو مُسْعَدٌ.
الجَذُّ: القَطْعُ بِالمُعْجَمَةِ والمُهْمَلَةِ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: جَذَذْتُ وجَدَدْتُ، وهو بِالذّالِ أكْثَرُ. قالَ النّابِغَةُ:
؎تَجُذُّ السَّلُوقِيَّ المُضاعَفَ نَسْجُهُ ∗∗∗ وتُوقِدُ بِالصُّفّاحِ نارَ الحُباحِبِ
﴿وإلى مَدْيَنَ أخاهم شُعَيْبًا قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ ولا تَنْقُصُوا المِكْيالَ والمِيزانَ إنِّي أراكم بِخَيْرٍ وإنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ﴾ ﴿ويا قَوْمِ أوْفُوا المِكْيالَ والمِيزانَ بِالقِسْطِ ولا تَبْخَسُوا النّاسَ أشْياءَهم ولا تَعْثَوْا في الأرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ ﴿بَقِيَّةُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكم إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وما أنا عَلَيْكم بِحَفِيظٍ﴾: (p-٢٥٢)كانَ قَوْمُ شُعَيْبٍ عَبْدَةَ أوْثانٍ، فَدَعاهم إلى عِبادَةِ اللَّهِ وحْدَهُ. وبِالكُفْرِ اسْتَوْجَبُوا العَذابَ، ولَمْ يُعَذِّبِ اللَّهُ أُمَّةً عَذابَ اسْتِئْصالٍ إلّا بِالكُفْرِ، وإنِ انْضافَتْ إلى ذَلِكَ مَعْصِيَةٌ كانَتْ تابِعَةً. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: بِخَيْرٍ، أيْ: في رُخْصِ الأسْعارِ.
وعَذابُ اليَوْمِ المُحِيطِ، هو حُلُولُ الغَلاءِ المُهْلِكِ. ويَنْظُرُ هَذا التَّأْوِيلُ إلى قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ:«ما نَقَصَ قَوْمٌ المِكْيالَ والمِيزانَ إلّا ارْتَفَعَ عَنْهُمُ الرِّزْقُ» ونَبَّهَ بِقَوْلِهِ: (بِخَيْرٍ) عَلى العِلَّةِ المُقْتَضِيَةِ لِلْوَفاءِ لا لِلنَّقْصِ. وقالَ غَيْرُهُ: بِثَرْوَةٍ واسِعَةٍ تُغْنِيكم عَنِ التَّطْفِيفِ، أوْ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ حَقُّها أنْ تَقابَلَ بِغَيْرِ ما تَفْعَلُونَ، أوْ أراكم بِخَيْرٍ فَلا تُزِيلُوهُ عَنْكم بِما أنْتُمْ عَلَيْهِ.
﴿يَوْمٍ مُحِيطٍ﴾ أيْ: مُهْلِكٍ مِن قَوْلِهِ: ﴿وأُحِيطَ بِثَمَرِهِ﴾ [الكهف: ٤٢] وأصْلُهُ مِن إحاطَةِ العَدُوِّ، وهو العَذابُ الَّذِي حَلَّ بِهِمْ في آخِرِهِ. ووَصْفُ اليَوْمِ بِالإحاطَةِ أبْلَغُ مِن وصْفِ العَذابِ بِهِ، لِأنَّ اليَوْمَ زَمانٌ يَشْتَمِلُ عَلى الحَوادِثِ، فَإذا أحاطَ بِعَذابِهِ فَقَدِ اجْتَمَعَ لِلْمُعَذَّبِ ما اشْتَمَلَ عَلَيْهِ مِنهُ، كَما إذا أحاطَ بِنَعِيمِهِ.
ونُهُوا أوَّلًا: عَنِ القَبِيحِ الَّذِي كانُوا يَتَعاطَوْنَهُ وهو نَقْصُ المِكْيالِ والمِيزانِ، وفي التَّصْرِيحِ بِالنَّهْيِ نَعْيٌ عَلى المَنهِيِّ وتَعْيِيرٌ لَهُ. وأُمِرُوا ثانِيًا: بِإيفائِهِما مُصَرَّحًا بِلَفْظِهِما تَرْغِيبًا في الإيفاءِ وبَعْثًا عَلَيْهِ. وجِيءَ بِالقِسْطِ لِيَكُونَ الإيفاءُ عَلى جِهَةِ العَدْلِ والتَّسْوِيَةِ وهو الواجِبُ، لِأنَّ ما جاوَزَ العَدْلَ فَضْلٌ وأمْرٌ مَندُوبٌ إلَيْهِ.
ونُهُوا ثالِثًا: عَنْ نَقْصِ النّاسِ أشْياءَهم، وهو عامٌّ في النّاسِ، وفِيما بِأيْدِيهِمْ مِنَ الأشْياءِ: كانَتْ مِمّا تُكالُ وتُوزَنُ أوْ غَيْرَ ذَلِكَ. ونُهُوا رابِعًا: عَنِ الفَسادِ في الأرْضِ وهو أعَمُّ مِن أنْ يَكُونَ نَقْصًا أوْ غَيْرَهُ، فَبَدَأهم أوَّلًا بِالمَعْصِيَةِ الشَّنِيعَةِ الَّتِي كانُوا عَلَيْها بَعْدَ الأمْرِ بِعِبادَةِ اللَّهِ، ثُمَّ ارْتَقى إلى عامٍّ، ثُمَّ إلى أعَمَّ مِنهُ وذَلِكَ مُبالَغَةٌ في النُّصْحِ لَهم ولُطْفٌ في اسْتِدْراجِهِمْ إلى طاعَةِ اللَّهِ.
وتَفْسِيرُ مَعانِي هَذِهِ الجُمَلِ سَبَقَ في الأعْرافِ.
﴿بَقِيَّةُ اللَّهِ﴾، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ما أبْقى اللَّهُ لَكم مِنَ الحَلالِ بَعْدَ الإيفاءِ خَيْرٌ مِنَ البَخْسِ. وعَنْهُ: رِزْقُ اللَّهِ. وقالَ مُجاهِدٌ والزَّجّاجُ: طاعَةُ اللَّهِ. وقالَ قَتادَةُ: حَظُّكم مِنَ اللَّهِ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: رَحْمَةُ اللَّهِ. وقالَ قَتادَةُ: ذَخِيرَةُ اللَّهِ. وقالَ الرَّبِيعُ: وصِيَّةُ اللَّهِ. وقالَ مُقاتِلٌ: ثَوابُ اللَّهِ في الآخِرَةِ، وذَكَرَ الفَرّاءُ: مُراقَبَةُ اللَّهِ. وقالَ الحَسَنُ: فَرائِضُ اللَّهِ. وقِيلَ: ما أبْقاهُ اللَّهُ حَلالًا لَكم ولَمْ يُحَرِّمْهُ عَلَيْكم.
قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا كُلُّهُ لا يُعْطِيهِ لَفْظُ الآيَةِ، وإنَّما المَعْنى عِنْدِي: إبْقاءُ اللَّهِ عَلَيْكم إنْ أطَعْتُمْ. وقَوْلُهُ: ﴿إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾، شَرْطٌ في أنْ يَكُونَ البَقِيَّةُ خَيْرًا لَهم، وأمّا مَعَ الكُفْرِ فَلا خَيْرَ لَهم في شَيْءٍ مِنَ الأعْمالِ. وجَوابُ هَذا الشَّرْطِ مُتَقَدِّمٌ. والحَفِيظُ: المُراقِبُ الَّذِي يَحْفَظُ أحْوالَ مَن يَرْقُبُ، والمَعْنى: إنَّما أنا مُبَلِّغٌ، والحَفِيظُ: المُحاسِبُ هو الَّذِي يُجازِيكم بِالأعْمالِ، انْتَهى.
ولَيْسَ جَوابُ الشَّرْطِ مُتَقَدِّمًا كَما ذُكِرَ، وإنَّما الجَوابُ مَحْذُوفٌ لِدِلالَةِ ما تَقَدَّمَ عَلَيْهِ عَلى مَذْهَبِ جُمْهُورِ البَصْرِيِّينَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وإنَّما خُوطِبُوا بِتَرْكِ التَّطْفِيفِ والبَخْسِ والفَسادِ في الأرْضِ وهم كَفَرَةٌ بِشَرْطِ الإيمانِ، ويَجُوزُ أنْ يُرِيدَ: ما يَبْقى لَهم عِنْدَ اللَّهِ مِنَ الطّاعاتِ كَقَوْلِهِ: ﴿والباقِياتُ الصّالِحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوابًا﴾ [الكهف: ٤٦] وإضافَةُ البَقِيَّةِ إلى اللَّهِ مِن حَيْثُ أنَّها رِزْقُهُ الَّذِي يَجُوزُ أنْ يُضافَ إلَيْهِ، وأمّا الحَرامُ فَلا يَجُوزُ أنْ يُضافَ إلى اللَّهِ، ولا يُسَمّى رِزْقًا، انْتَهى.
عَلى طَرِيقِ المُعْتَزِلَةِ في الرِّزْقِ، وقَرَأ إسْماعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ أهْلِ المَدِينَةِ: (بَقِيَةُ) بِتَخْفِيفِ الياءِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هي لُغَةٌ، انْتَهى. وذَلِكَ أنَّ قِياسَ فَعِلَ اللّازِمِ أنْ يَكُونَ عَلى وزْنِ فَعِلٍ نَحْوَ: سَجِيَتْ المَرْأةُ فَهي سَجِيَةٌ، فَإذا شَدَّدْتَ الياءَ كانَ عَلى وزْنِ فَعِيلٍ لِلْمُبالَغَةِ. وقَرَأ الحَسَنُ: تَقِيَّةُ بِالتّاءِ، وهي تَقْواهُ ومُراقَبَتُهُ الصّارِفَةُ عَنِ المَعاصِي.
هود 11:85
﴿وإلى مَدْيَنَ أخاهم شُعَيْبًا قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ ولا تَنْقُصُوا المِكْيالَ والمِيزانَ إنِّي أراكم بِخَيْرٍ وإنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ﴾ ﴿ويا قَوْمِ أوْفُوا المِكْيالَ والمِيزانَ بِالقِسْطِ ولا تَبْخَسُوا النّاسَ أشْياءَهم ولا تَعْثَوْا في الأرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ ﴿بَقِيَّةُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكم إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وما أنا عَلَيْكم بِحَفِيظٍ﴾ ﴿قالُوا يا شُعَيْبُ أصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أنْ نَتْرُكَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا أوْ أنْ نَفْعَلَ في أمْوالِنا ما نَشاءُ إنَّكَ لَأنْتَ الحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾ [هود: ٨٧] ﴿قالَ يا قَوْمِ أرَأيْتُمْ إنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّي ورَزَقَنِي مِنهُ رِزْقًا حَسَنًا وما أُرِيدُ أنْ أُخالِفَكم إلى ما أنْهاكم عَنْهُ إنْ أُرِيدُ إلّا الإصْلاحَ ما اسْتَطَعْتُ وما تَوْفِيقِي إلّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وإلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [هود: ٨٨] ﴿ويا قَوْمِ لا يَجْرِمَنَّكم شِقاقِي أنْ يُصِيبَكم مِثْلُ ما أصابَ قَوْمَ نُوحٍ أوْ قَوْمَ هُودٍ أوْ قَوْمَ صالِحٍ وما قَوْمُ لُوطٍ مِنكم بِبَعِيدٍ﴾ [هود: ٨٩] ﴿واسْتَغْفِرُوا رَبَّكم ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ إنَّ رَبِّي رَحِيمٌ ودُودٌ﴾ [هود: ٩٠] ﴿قالُوا يا شُعَيْبُ ما نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمّا تَقُولُ وإنّا لَنَراكَ فِينا ضَعِيفًا ولَوْلا رَهْطُكَ لَرَجَمْناكَ وما أنْتَ عَلَيْنا بِعَزِيزٍ﴾ [هود: ٩١] ﴿قالَ يا قَوْمِ أرَهْطِي أعَزُّ عَلَيْكم مِنَ اللَّهِ واتَّخَذْتُمُوهُ وراءَكم ظِهْرِيًّا إنَّ رَبِّي بِما تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ [هود: ٩٢] ﴿ويا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكم إنِّي عامِلٌ سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ ومَن هو كاذِبٌ وارْتَقِبُوا إنِّي مَعَكم رَقِيبٌ﴾ [هود: ٩٣] ﴿ولَمّا جاءَ أمْرُنا نَجَّيْنا شُعَيْبًا والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنّا وأخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأصْبَحُوا في دِيارِهِمْ جاثِمِينَ﴾ [هود: ٩٤] ﴿كَأنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها ألا بُعْدًا لِمَدْيَنَ كَما بَعِدَتْ ثَمُودُ﴾ [هود: ٩٥] ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا وسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ [هود: ٩٦] ﴿إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ فاتَّبَعُوا أمْرَ فِرْعَوْنَ وما أمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾ [هود: ٩٧] ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ القِيامَةِ فَأوْرَدَهُمُ النّارَ وبِئْسَ الوِرْدُ المَوْرُودُ﴾ [هود: ٩٨] ﴿وأُتْبِعُوا في هَذِهِ لَعْنَةً ويَوْمَ القِيامَةِ بِئْسَ الرِّفْدُ المَرْفُودُ﴾ [هود: ٩٩] ﴿ذَلِكَ مِن أنْباءِ القُرى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنها قائِمٌ وحَصِيدٌ﴾ [هود: ١٠٠] ﴿وما ظَلَمْناهم ولَكِنْ ظَلَمُوا أنْفُسَهم فَما أغْنَتْ عَنْهم آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مِن شَيْءٍ لَمّا جاءَ أمْرُ رَبِّكَ وما زادُوهم غَيْرَ تَتْبِيبٍ﴾ [هود: ١٠١] ﴿وكَذَلِكَ أخْذُ رَبِّكَ إذا أخَذَ القُرى وهي ظالِمَةٌ إنَّ أخْذَهُ ألِيمٌ شَدِيدٌ﴾ [هود: ١٠٢] ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً لِمَن خافَ عَذابَ الآخِرَةِ ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النّاسُ وذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ﴾ [هود: ١٠٣] ﴿وما نُؤَخِّرُهُ إلّا لِأجَلٍ مَعْدُودٍ﴾ [هود: ١٠٤] ﴿يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إلّا بِإذْنِهِ فَمِنهم شَقِيٌّ وسَعِيدٌ﴾ [هود: ١٠٥] ﴿فَأمّا الَّذِينَ شَقُوا فَفي النّارِ لَهم فِيها زَفِيرٌ وشَهِيقٌ﴾ [هود: ١٠٦] ﴿خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ إلّا ما شاءَ رَبُّكَ إنَّ رَبَّكَ فَعّالٌ لِما يُرِيدُ﴾ [هود: ١٠٧] ﴿وأمّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفي الجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ إلّا ما شاءَ رَبُّكَ عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ [هود: ١٠٨] (p-٢٥١)الرَّهْطُ: قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: جَماعَةُ الرَّجُلِ، وقِيلَ: الرَّهْطُ والرّاهِطُ: اسْمٌ لِما دُونَ العَشَرَةِ مِنَ الرِّجالِ، ولا يَقَعُ الرَّهْطُ والعُصْبَةُ والنَّفَرُ إلّا عَلى الرِّجالِ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مِنَ الثَّلاثَةِ إلى العَشَرَةِ. وقِيلَ: إلى التِّسْعَةِ، ويُجْمَعُ عَلى أرْهُطٍ، ويَجْمَعُ أرْهُطٌ عَلى أراهِطَ، فَهو جَمْعُ جَمْعٍ. قالَ الرُّمّانِيُّ: وأصْلُ الرَّهْطِ: الشَّدُّ، ومِنهُ الرَّهِيطُ: شِدَّةُ الأكْلِ، والرّاهِطُ: اسْمٌ لِجُحْرِ اليَرْبُوعِ لِأنَّهُ يَتَوَثَّقُ بِهِ ويُخَبِّأُ فِيهِ ولَدَهُ.
الوِرْدُ؛ قالَ ابْنُ السِّكِّيتِ: هو وُرُودُ القَوْمِ الماءَ، والوِرْدُ: الإبِلُ الوارِدَةُ، انْتَهى. فَيَكُونُ مَصْدَرًا بِمَعْنى: الوُرُودُ، واسْمَ مَفْعُولٍ في المَعْنى كالطَّحْنِ بِمَعْنى: المَطْحُونِ.
رَفَدَ الرَّجُلُ يَرْفِدُهُ رَفْدًا ورِفْدا: أعْطاهُ وأعانَهُ، مِن رَفَدَ الحائِطَ: دَعَمَهُ، وعَنِ الأصْمَعِيِّ: الرَّفْدُ بِالفَتْحِ: القَدْحُ، والرِّفْدُ بِالكَسْرِ: ما في القَدَحِ مِنَ الشَّرابِ. وقالَ اللَّيْثُ: أصْلُ الرَّفْدِ: العَطاءُ والمَعُونَةُ، ومِنهُ رِفادَةُ قُرَيْشٍ يُقالُ رَفَدَهُ يَرْفِدُهُ رِفْدًا ورَفْدًا بِكَسْرِ الرّاءِ وفَتْحِها، ويُقالُ بِالكَسْرِ: الِاسْمُ، وبِالفَتْحِ: المَصْدَرُ. التَّتْبِيبُ: التَّخْسِيرُ، تَبَّ: خَسِرَ، وتَبَّهُ: خَسِرَهُ. وقالَ لَبِيدٌ:
؎ولَقَدْ بُلِيتُ وكُلُّ صاحِبِ جِدَّةٍ يَبْلى بِعُودٍ وذاكُمُ التَّتْبِيبُ
الزَّفِيرُ والشَّهِيقُ: زَعَمَ أهْلُ اللُّغَةِ مِنَ الكُوفِيِّينَ والبَصْرِيِّينَ أنَّ الزَّفِيرَ بِمَنزِلَةِ ابْتِداءِ صَوْتِ الحِمارِ، والشَّهِيقَ بِمَنزِلَةِ آخِرِ نَهِيقِهِ. وقالَ رُؤْبَةُ:
؎حَشْرَجَ في الصَّدْرِ صَهِيلًا وشَهِقَ ∗∗∗ حَتّى يُقالَ ناهِقٌ وما نَهَقَ
وقالَ ابْنُ فارِسٍ: الشَّهِيقُ ضِدُّ الزَّفِيرِ، لِأنَّ الشَّهِيقَ: رَدُّ النَّفَسِ، والزَّفِيرَ: إخْراجُ النَّفَسِ مِن شِدَّةِ الجَرْيِ، مَأْخُوذٌ مِنَ الزَّفْرِ وهو: الحَمْلُ عَلى الظَّهْرِ لِشِدَّتِهِ. وقالَ الشَّمّاخُ:
؎بَعِيدٌ مَدى التَّطْرِيبِ أوَّلُ صَوْتِهِ ∗∗∗ زَفِيرٌ ويَتْلُوهُ شَهِيقٌ مُحَشْرَجُ
والشَّهِيقُ: النَّفَسُ الطَّوِيلُ المُمْتَدُّ، مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِهِمْ: جَبَلٌ شاهِقٌ، أيْ: طَوِيلٌ. وقالَ اللَّيْثُ: الزَّفِيرُ: أنْ يَمْلَأ الرَّجُلُ صَدْرَهُ حالَ كَوْنِهِ في الغَمِّ الشَّدِيدِ مِنَ النَّفَسِ ويُخْرِجَهُ، والشَّهِيقُ: أنْ يُخْرِجَ ذَلِكَ النَّفَسَ بِشِدَّةٍ، يُقالُ: إنَّهُ عَظِيمُ الزَّفْرَةِ.
الشَّقاءُ: نَكَدُ العَيْشِ وسُوءُهُ. يُقالُ مِنهُ: شَقى يَشْقى شَقاءً وشِقْوَةً وشَقاوَةً، والسَّعادَةُ ضِدُّهُ، يُقالُ مِنهُ: سَعِدَ يَسْعَدُ، ويُعَدَّيانِ بِالهَمْزَةِ فَيُقالُ: أشْقاهُ اللَّهُ، وأسْعَدَهُ اللَّهُ. وقَدْ قُرِئَ ﴿شَقُوا﴾ [هود: ١٠٦] و﴿سُعِدُوا﴾ [هود: ١٠٨] بِضَمِّ الشِّينِ والسِّينِ، فَدَلَّ عَلى أنَّهُما قَدْ يَتَعَدَّيانِ. ومِنهُ قَوْلُهم: مَسْعُودٌ، وذُكِرَ أنَّ الفَرّاءَ حَكى أنْ هُذَيْلًا تَقُولُ: سَعِدَهُ اللَّهُ بِمَعْنى أسْعَدَهُ. وقالَ الجَوْهَرِيُّ: سَعِدَ بِالكَسْرِ فَهو سَعِيدٌ، مِثْلَ سَلِمَ فَهو سَلِيمٌ، وسَعِدَ فَهو مَسْعُودٌ.
وقالَ أبُو نَصْرٍ عَبْدُ الرَّحِيمِ القُشَيْرِيُّ: ورَدَ سَعِدَهُ اللَّهُ فَهو مَسْعُودٌ، وأسْعَدَهُ اللَّهُ فَهو مُسْعَدٌ.
الجَذُّ: القَطْعُ بِالمُعْجَمَةِ والمُهْمَلَةِ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: جَذَذْتُ وجَدَدْتُ، وهو بِالذّالِ أكْثَرُ. قالَ النّابِغَةُ:
؎تَجُذُّ السَّلُوقِيَّ المُضاعَفَ نَسْجُهُ ∗∗∗ وتُوقِدُ بِالصُّفّاحِ نارَ الحُباحِبِ
﴿وإلى مَدْيَنَ أخاهم شُعَيْبًا قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ ولا تَنْقُصُوا المِكْيالَ والمِيزانَ إنِّي أراكم بِخَيْرٍ وإنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ﴾ ﴿ويا قَوْمِ أوْفُوا المِكْيالَ والمِيزانَ بِالقِسْطِ ولا تَبْخَسُوا النّاسَ أشْياءَهم ولا تَعْثَوْا في الأرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ ﴿بَقِيَّةُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكم إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وما أنا عَلَيْكم بِحَفِيظٍ﴾: (p-٢٥٢)كانَ قَوْمُ شُعَيْبٍ عَبْدَةَ أوْثانٍ، فَدَعاهم إلى عِبادَةِ اللَّهِ وحْدَهُ. وبِالكُفْرِ اسْتَوْجَبُوا العَذابَ، ولَمْ يُعَذِّبِ اللَّهُ أُمَّةً عَذابَ اسْتِئْصالٍ إلّا بِالكُفْرِ، وإنِ انْضافَتْ إلى ذَلِكَ مَعْصِيَةٌ كانَتْ تابِعَةً. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: بِخَيْرٍ، أيْ: في رُخْصِ الأسْعارِ.
وعَذابُ اليَوْمِ المُحِيطِ، هو حُلُولُ الغَلاءِ المُهْلِكِ. ويَنْظُرُ هَذا التَّأْوِيلُ إلى قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ:«ما نَقَصَ قَوْمٌ المِكْيالَ والمِيزانَ إلّا ارْتَفَعَ عَنْهُمُ الرِّزْقُ» ونَبَّهَ بِقَوْلِهِ: (بِخَيْرٍ) عَلى العِلَّةِ المُقْتَضِيَةِ لِلْوَفاءِ لا لِلنَّقْصِ. وقالَ غَيْرُهُ: بِثَرْوَةٍ واسِعَةٍ تُغْنِيكم عَنِ التَّطْفِيفِ، أوْ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ حَقُّها أنْ تَقابَلَ بِغَيْرِ ما تَفْعَلُونَ، أوْ أراكم بِخَيْرٍ فَلا تُزِيلُوهُ عَنْكم بِما أنْتُمْ عَلَيْهِ.
﴿يَوْمٍ مُحِيطٍ﴾ أيْ: مُهْلِكٍ مِن قَوْلِهِ: ﴿وأُحِيطَ بِثَمَرِهِ﴾ [الكهف: ٤٢] وأصْلُهُ مِن إحاطَةِ العَدُوِّ، وهو العَذابُ الَّذِي حَلَّ بِهِمْ في آخِرِهِ. ووَصْفُ اليَوْمِ بِالإحاطَةِ أبْلَغُ مِن وصْفِ العَذابِ بِهِ، لِأنَّ اليَوْمَ زَمانٌ يَشْتَمِلُ عَلى الحَوادِثِ، فَإذا أحاطَ بِعَذابِهِ فَقَدِ اجْتَمَعَ لِلْمُعَذَّبِ ما اشْتَمَلَ عَلَيْهِ مِنهُ، كَما إذا أحاطَ بِنَعِيمِهِ.
ونُهُوا أوَّلًا: عَنِ القَبِيحِ الَّذِي كانُوا يَتَعاطَوْنَهُ وهو نَقْصُ المِكْيالِ والمِيزانِ، وفي التَّصْرِيحِ بِالنَّهْيِ نَعْيٌ عَلى المَنهِيِّ وتَعْيِيرٌ لَهُ. وأُمِرُوا ثانِيًا: بِإيفائِهِما مُصَرَّحًا بِلَفْظِهِما تَرْغِيبًا في الإيفاءِ وبَعْثًا عَلَيْهِ. وجِيءَ بِالقِسْطِ لِيَكُونَ الإيفاءُ عَلى جِهَةِ العَدْلِ والتَّسْوِيَةِ وهو الواجِبُ، لِأنَّ ما جاوَزَ العَدْلَ فَضْلٌ وأمْرٌ مَندُوبٌ إلَيْهِ.
ونُهُوا ثالِثًا: عَنْ نَقْصِ النّاسِ أشْياءَهم، وهو عامٌّ في النّاسِ، وفِيما بِأيْدِيهِمْ مِنَ الأشْياءِ: كانَتْ مِمّا تُكالُ وتُوزَنُ أوْ غَيْرَ ذَلِكَ. ونُهُوا رابِعًا: عَنِ الفَسادِ في الأرْضِ وهو أعَمُّ مِن أنْ يَكُونَ نَقْصًا أوْ غَيْرَهُ، فَبَدَأهم أوَّلًا بِالمَعْصِيَةِ الشَّنِيعَةِ الَّتِي كانُوا عَلَيْها بَعْدَ الأمْرِ بِعِبادَةِ اللَّهِ، ثُمَّ ارْتَقى إلى عامٍّ، ثُمَّ إلى أعَمَّ مِنهُ وذَلِكَ مُبالَغَةٌ في النُّصْحِ لَهم ولُطْفٌ في اسْتِدْراجِهِمْ إلى طاعَةِ اللَّهِ.
وتَفْسِيرُ مَعانِي هَذِهِ الجُمَلِ سَبَقَ في الأعْرافِ.
﴿بَقِيَّةُ اللَّهِ﴾، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ما أبْقى اللَّهُ لَكم مِنَ الحَلالِ بَعْدَ الإيفاءِ خَيْرٌ مِنَ البَخْسِ. وعَنْهُ: رِزْقُ اللَّهِ. وقالَ مُجاهِدٌ والزَّجّاجُ: طاعَةُ اللَّهِ. وقالَ قَتادَةُ: حَظُّكم مِنَ اللَّهِ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: رَحْمَةُ اللَّهِ. وقالَ قَتادَةُ: ذَخِيرَةُ اللَّهِ. وقالَ الرَّبِيعُ: وصِيَّةُ اللَّهِ. وقالَ مُقاتِلٌ: ثَوابُ اللَّهِ في الآخِرَةِ، وذَكَرَ الفَرّاءُ: مُراقَبَةُ اللَّهِ. وقالَ الحَسَنُ: فَرائِضُ اللَّهِ. وقِيلَ: ما أبْقاهُ اللَّهُ حَلالًا لَكم ولَمْ يُحَرِّمْهُ عَلَيْكم.
قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا كُلُّهُ لا يُعْطِيهِ لَفْظُ الآيَةِ، وإنَّما المَعْنى عِنْدِي: إبْقاءُ اللَّهِ عَلَيْكم إنْ أطَعْتُمْ. وقَوْلُهُ: ﴿إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾، شَرْطٌ في أنْ يَكُونَ البَقِيَّةُ خَيْرًا لَهم، وأمّا مَعَ الكُفْرِ فَلا خَيْرَ لَهم في شَيْءٍ مِنَ الأعْمالِ. وجَوابُ هَذا الشَّرْطِ مُتَقَدِّمٌ. والحَفِيظُ: المُراقِبُ الَّذِي يَحْفَظُ أحْوالَ مَن يَرْقُبُ، والمَعْنى: إنَّما أنا مُبَلِّغٌ، والحَفِيظُ: المُحاسِبُ هو الَّذِي يُجازِيكم بِالأعْمالِ، انْتَهى.
ولَيْسَ جَوابُ الشَّرْطِ مُتَقَدِّمًا كَما ذُكِرَ، وإنَّما الجَوابُ مَحْذُوفٌ لِدِلالَةِ ما تَقَدَّمَ عَلَيْهِ عَلى مَذْهَبِ جُمْهُورِ البَصْرِيِّينَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وإنَّما خُوطِبُوا بِتَرْكِ التَّطْفِيفِ والبَخْسِ والفَسادِ في الأرْضِ وهم كَفَرَةٌ بِشَرْطِ الإيمانِ، ويَجُوزُ أنْ يُرِيدَ: ما يَبْقى لَهم عِنْدَ اللَّهِ مِنَ الطّاعاتِ كَقَوْلِهِ: ﴿والباقِياتُ الصّالِحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوابًا﴾ [الكهف: ٤٦] وإضافَةُ البَقِيَّةِ إلى اللَّهِ مِن حَيْثُ أنَّها رِزْقُهُ الَّذِي يَجُوزُ أنْ يُضافَ إلَيْهِ، وأمّا الحَرامُ فَلا يَجُوزُ أنْ يُضافَ إلى اللَّهِ، ولا يُسَمّى رِزْقًا، انْتَهى.
عَلى طَرِيقِ المُعْتَزِلَةِ في الرِّزْقِ، وقَرَأ إسْماعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ أهْلِ المَدِينَةِ: (بَقِيَةُ) بِتَخْفِيفِ الياءِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هي لُغَةٌ، انْتَهى. وذَلِكَ أنَّ قِياسَ فَعِلَ اللّازِمِ أنْ يَكُونَ عَلى وزْنِ فَعِلٍ نَحْوَ: سَجِيَتْ المَرْأةُ فَهي سَجِيَةٌ، فَإذا شَدَّدْتَ الياءَ كانَ عَلى وزْنِ فَعِيلٍ لِلْمُبالَغَةِ. وقَرَأ الحَسَنُ: تَقِيَّةُ بِالتّاءِ، وهي تَقْواهُ ومُراقَبَتُهُ الصّارِفَةُ عَنِ المَعاصِي.
هود 11:86
﴿وإلى مَدْيَنَ أخاهم شُعَيْبًا قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ ولا تَنْقُصُوا المِكْيالَ والمِيزانَ إنِّي أراكم بِخَيْرٍ وإنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ﴾ ﴿ويا قَوْمِ أوْفُوا المِكْيالَ والمِيزانَ بِالقِسْطِ ولا تَبْخَسُوا النّاسَ أشْياءَهم ولا تَعْثَوْا في الأرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ ﴿بَقِيَّةُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكم إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وما أنا عَلَيْكم بِحَفِيظٍ﴾ ﴿قالُوا يا شُعَيْبُ أصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أنْ نَتْرُكَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا أوْ أنْ نَفْعَلَ في أمْوالِنا ما نَشاءُ إنَّكَ لَأنْتَ الحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾ [هود: ٨٧] ﴿قالَ يا قَوْمِ أرَأيْتُمْ إنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّي ورَزَقَنِي مِنهُ رِزْقًا حَسَنًا وما أُرِيدُ أنْ أُخالِفَكم إلى ما أنْهاكم عَنْهُ إنْ أُرِيدُ إلّا الإصْلاحَ ما اسْتَطَعْتُ وما تَوْفِيقِي إلّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وإلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [هود: ٨٨] ﴿ويا قَوْمِ لا يَجْرِمَنَّكم شِقاقِي أنْ يُصِيبَكم مِثْلُ ما أصابَ قَوْمَ نُوحٍ أوْ قَوْمَ هُودٍ أوْ قَوْمَ صالِحٍ وما قَوْمُ لُوطٍ مِنكم بِبَعِيدٍ﴾ [هود: ٨٩] ﴿واسْتَغْفِرُوا رَبَّكم ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ إنَّ رَبِّي رَحِيمٌ ودُودٌ﴾ [هود: ٩٠] ﴿قالُوا يا شُعَيْبُ ما نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمّا تَقُولُ وإنّا لَنَراكَ فِينا ضَعِيفًا ولَوْلا رَهْطُكَ لَرَجَمْناكَ وما أنْتَ عَلَيْنا بِعَزِيزٍ﴾ [هود: ٩١] ﴿قالَ يا قَوْمِ أرَهْطِي أعَزُّ عَلَيْكم مِنَ اللَّهِ واتَّخَذْتُمُوهُ وراءَكم ظِهْرِيًّا إنَّ رَبِّي بِما تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ [هود: ٩٢] ﴿ويا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكم إنِّي عامِلٌ سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ ومَن هو كاذِبٌ وارْتَقِبُوا إنِّي مَعَكم رَقِيبٌ﴾ [هود: ٩٣] ﴿ولَمّا جاءَ أمْرُنا نَجَّيْنا شُعَيْبًا والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنّا وأخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأصْبَحُوا في دِيارِهِمْ جاثِمِينَ﴾ [هود: ٩٤] ﴿كَأنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها ألا بُعْدًا لِمَدْيَنَ كَما بَعِدَتْ ثَمُودُ﴾ [هود: ٩٥] ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا وسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ [هود: ٩٦] ﴿إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ فاتَّبَعُوا أمْرَ فِرْعَوْنَ وما أمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾ [هود: ٩٧] ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ القِيامَةِ فَأوْرَدَهُمُ النّارَ وبِئْسَ الوِرْدُ المَوْرُودُ﴾ [هود: ٩٨] ﴿وأُتْبِعُوا في هَذِهِ لَعْنَةً ويَوْمَ القِيامَةِ بِئْسَ الرِّفْدُ المَرْفُودُ﴾ [هود: ٩٩] ﴿ذَلِكَ مِن أنْباءِ القُرى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنها قائِمٌ وحَصِيدٌ﴾ [هود: ١٠٠] ﴿وما ظَلَمْناهم ولَكِنْ ظَلَمُوا أنْفُسَهم فَما أغْنَتْ عَنْهم آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مِن شَيْءٍ لَمّا جاءَ أمْرُ رَبِّكَ وما زادُوهم غَيْرَ تَتْبِيبٍ﴾ [هود: ١٠١] ﴿وكَذَلِكَ أخْذُ رَبِّكَ إذا أخَذَ القُرى وهي ظالِمَةٌ إنَّ أخْذَهُ ألِيمٌ شَدِيدٌ﴾ [هود: ١٠٢] ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً لِمَن خافَ عَذابَ الآخِرَةِ ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النّاسُ وذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ﴾ [هود: ١٠٣] ﴿وما نُؤَخِّرُهُ إلّا لِأجَلٍ مَعْدُودٍ﴾ [هود: ١٠٤] ﴿يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إلّا بِإذْنِهِ فَمِنهم شَقِيٌّ وسَعِيدٌ﴾ [هود: ١٠٥] ﴿فَأمّا الَّذِينَ شَقُوا فَفي النّارِ لَهم فِيها زَفِيرٌ وشَهِيقٌ﴾ [هود: ١٠٦] ﴿خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ إلّا ما شاءَ رَبُّكَ إنَّ رَبَّكَ فَعّالٌ لِما يُرِيدُ﴾ [هود: ١٠٧] ﴿وأمّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفي الجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ إلّا ما شاءَ رَبُّكَ عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ [هود: ١٠٨] (p-٢٥١)الرَّهْطُ: قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: جَماعَةُ الرَّجُلِ، وقِيلَ: الرَّهْطُ والرّاهِطُ: اسْمٌ لِما دُونَ العَشَرَةِ مِنَ الرِّجالِ، ولا يَقَعُ الرَّهْطُ والعُصْبَةُ والنَّفَرُ إلّا عَلى الرِّجالِ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مِنَ الثَّلاثَةِ إلى العَشَرَةِ. وقِيلَ: إلى التِّسْعَةِ، ويُجْمَعُ عَلى أرْهُطٍ، ويَجْمَعُ أرْهُطٌ عَلى أراهِطَ، فَهو جَمْعُ جَمْعٍ. قالَ الرُّمّانِيُّ: وأصْلُ الرَّهْطِ: الشَّدُّ، ومِنهُ الرَّهِيطُ: شِدَّةُ الأكْلِ، والرّاهِطُ: اسْمٌ لِجُحْرِ اليَرْبُوعِ لِأنَّهُ يَتَوَثَّقُ بِهِ ويُخَبِّأُ فِيهِ ولَدَهُ.
الوِرْدُ؛ قالَ ابْنُ السِّكِّيتِ: هو وُرُودُ القَوْمِ الماءَ، والوِرْدُ: الإبِلُ الوارِدَةُ، انْتَهى. فَيَكُونُ مَصْدَرًا بِمَعْنى: الوُرُودُ، واسْمَ مَفْعُولٍ في المَعْنى كالطَّحْنِ بِمَعْنى: المَطْحُونِ.
رَفَدَ الرَّجُلُ يَرْفِدُهُ رَفْدًا ورِفْدا: أعْطاهُ وأعانَهُ، مِن رَفَدَ الحائِطَ: دَعَمَهُ، وعَنِ الأصْمَعِيِّ: الرَّفْدُ بِالفَتْحِ: القَدْحُ، والرِّفْدُ بِالكَسْرِ: ما في القَدَحِ مِنَ الشَّرابِ. وقالَ اللَّيْثُ: أصْلُ الرَّفْدِ: العَطاءُ والمَعُونَةُ، ومِنهُ رِفادَةُ قُرَيْشٍ يُقالُ رَفَدَهُ يَرْفِدُهُ رِفْدًا ورَفْدًا بِكَسْرِ الرّاءِ وفَتْحِها، ويُقالُ بِالكَسْرِ: الِاسْمُ، وبِالفَتْحِ: المَصْدَرُ. التَّتْبِيبُ: التَّخْسِيرُ، تَبَّ: خَسِرَ، وتَبَّهُ: خَسِرَهُ. وقالَ لَبِيدٌ:
؎ولَقَدْ بُلِيتُ وكُلُّ صاحِبِ جِدَّةٍ يَبْلى بِعُودٍ وذاكُمُ التَّتْبِيبُ
الزَّفِيرُ والشَّهِيقُ: زَعَمَ أهْلُ اللُّغَةِ مِنَ الكُوفِيِّينَ والبَصْرِيِّينَ أنَّ الزَّفِيرَ بِمَنزِلَةِ ابْتِداءِ صَوْتِ الحِمارِ، والشَّهِيقَ بِمَنزِلَةِ آخِرِ نَهِيقِهِ. وقالَ رُؤْبَةُ:
؎حَشْرَجَ في الصَّدْرِ صَهِيلًا وشَهِقَ ∗∗∗ حَتّى يُقالَ ناهِقٌ وما نَهَقَ
وقالَ ابْنُ فارِسٍ: الشَّهِيقُ ضِدُّ الزَّفِيرِ، لِأنَّ الشَّهِيقَ: رَدُّ النَّفَسِ، والزَّفِيرَ: إخْراجُ النَّفَسِ مِن شِدَّةِ الجَرْيِ، مَأْخُوذٌ مِنَ الزَّفْرِ وهو: الحَمْلُ عَلى الظَّهْرِ لِشِدَّتِهِ. وقالَ الشَّمّاخُ:
؎بَعِيدٌ مَدى التَّطْرِيبِ أوَّلُ صَوْتِهِ ∗∗∗ زَفِيرٌ ويَتْلُوهُ شَهِيقٌ مُحَشْرَجُ
والشَّهِيقُ: النَّفَسُ الطَّوِيلُ المُمْتَدُّ، مَأْخُوذٌ مِن قَوْلِهِمْ: جَبَلٌ شاهِقٌ، أيْ: طَوِيلٌ. وقالَ اللَّيْثُ: الزَّفِيرُ: أنْ يَمْلَأ الرَّجُلُ صَدْرَهُ حالَ كَوْنِهِ في الغَمِّ الشَّدِيدِ مِنَ النَّفَسِ ويُخْرِجَهُ، والشَّهِيقُ: أنْ يُخْرِجَ ذَلِكَ النَّفَسَ بِشِدَّةٍ، يُقالُ: إنَّهُ عَظِيمُ الزَّفْرَةِ.
الشَّقاءُ: نَكَدُ العَيْشِ وسُوءُهُ. يُقالُ مِنهُ: شَقى يَشْقى شَقاءً وشِقْوَةً وشَقاوَةً، والسَّعادَةُ ضِدُّهُ، يُقالُ مِنهُ: سَعِدَ يَسْعَدُ، ويُعَدَّيانِ بِالهَمْزَةِ فَيُقالُ: أشْقاهُ اللَّهُ، وأسْعَدَهُ اللَّهُ. وقَدْ قُرِئَ ﴿شَقُوا﴾ [هود: ١٠٦] و﴿سُعِدُوا﴾ [هود: ١٠٨] بِضَمِّ الشِّينِ والسِّينِ، فَدَلَّ عَلى أنَّهُما قَدْ يَتَعَدَّيانِ. ومِنهُ قَوْلُهم: مَسْعُودٌ، وذُكِرَ أنَّ الفَرّاءَ حَكى أنْ هُذَيْلًا تَقُولُ: سَعِدَهُ اللَّهُ بِمَعْنى أسْعَدَهُ. وقالَ الجَوْهَرِيُّ: سَعِدَ بِالكَسْرِ فَهو سَعِيدٌ، مِثْلَ سَلِمَ فَهو سَلِيمٌ، وسَعِدَ فَهو مَسْعُودٌ.
وقالَ أبُو نَصْرٍ عَبْدُ الرَّحِيمِ القُشَيْرِيُّ: ورَدَ سَعِدَهُ اللَّهُ فَهو مَسْعُودٌ، وأسْعَدَهُ اللَّهُ فَهو مُسْعَدٌ.
الجَذُّ: القَطْعُ بِالمُعْجَمَةِ والمُهْمَلَةِ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: جَذَذْتُ وجَدَدْتُ، وهو بِالذّالِ أكْثَرُ. قالَ النّابِغَةُ:
؎تَجُذُّ السَّلُوقِيَّ المُضاعَفَ نَسْجُهُ ∗∗∗ وتُوقِدُ بِالصُّفّاحِ نارَ الحُباحِبِ
﴿وإلى مَدْيَنَ أخاهم شُعَيْبًا قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ ولا تَنْقُصُوا المِكْيالَ والمِيزانَ إنِّي أراكم بِخَيْرٍ وإنِّي أخافُ عَلَيْكم عَذابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ﴾ ﴿ويا قَوْمِ أوْفُوا المِكْيالَ والمِيزانَ بِالقِسْطِ ولا تَبْخَسُوا النّاسَ أشْياءَهم ولا تَعْثَوْا في الأرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ ﴿بَقِيَّةُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكم إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وما أنا عَلَيْكم بِحَفِيظٍ﴾: (p-٢٥٢)كانَ قَوْمُ شُعَيْبٍ عَبْدَةَ أوْثانٍ، فَدَعاهم إلى عِبادَةِ اللَّهِ وحْدَهُ. وبِالكُفْرِ اسْتَوْجَبُوا العَذابَ، ولَمْ يُعَذِّبِ اللَّهُ أُمَّةً عَذابَ اسْتِئْصالٍ إلّا بِالكُفْرِ، وإنِ انْضافَتْ إلى ذَلِكَ مَعْصِيَةٌ كانَتْ تابِعَةً. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: بِخَيْرٍ، أيْ: في رُخْصِ الأسْعارِ.
وعَذابُ اليَوْمِ المُحِيطِ، هو حُلُولُ الغَلاءِ المُهْلِكِ. ويَنْظُرُ هَذا التَّأْوِيلُ إلى قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ:«ما نَقَصَ قَوْمٌ المِكْيالَ والمِيزانَ إلّا ارْتَفَعَ عَنْهُمُ الرِّزْقُ» ونَبَّهَ بِقَوْلِهِ: (بِخَيْرٍ) عَلى العِلَّةِ المُقْتَضِيَةِ لِلْوَفاءِ لا لِلنَّقْصِ. وقالَ غَيْرُهُ: بِثَرْوَةٍ واسِعَةٍ تُغْنِيكم عَنِ التَّطْفِيفِ، أوْ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ حَقُّها أنْ تَقابَلَ بِغَيْرِ ما تَفْعَلُونَ، أوْ أراكم بِخَيْرٍ فَلا تُزِيلُوهُ عَنْكم بِما أنْتُمْ عَلَيْهِ.
﴿يَوْمٍ مُحِيطٍ﴾ أيْ: مُهْلِكٍ مِن قَوْلِهِ: ﴿وأُحِيطَ بِثَمَرِهِ﴾ [الكهف: ٤٢] وأصْلُهُ مِن إحاطَةِ العَدُوِّ، وهو العَذابُ الَّذِي حَلَّ بِهِمْ في آخِرِهِ. ووَصْفُ اليَوْمِ بِالإحاطَةِ أبْلَغُ مِن وصْفِ العَذابِ بِهِ، لِأنَّ اليَوْمَ زَمانٌ يَشْتَمِلُ عَلى الحَوادِثِ، فَإذا أحاطَ بِعَذابِهِ فَقَدِ اجْتَمَعَ لِلْمُعَذَّبِ ما اشْتَمَلَ عَلَيْهِ مِنهُ، كَما إذا أحاطَ بِنَعِيمِهِ.
ونُهُوا أوَّلًا: عَنِ القَبِيحِ الَّذِي كانُوا يَتَعاطَوْنَهُ وهو نَقْصُ المِكْيالِ والمِيزانِ، وفي التَّصْرِيحِ بِالنَّهْيِ نَعْيٌ عَلى المَنهِيِّ وتَعْيِيرٌ لَهُ. وأُمِرُوا ثانِيًا: بِإيفائِهِما مُصَرَّحًا بِلَفْظِهِما تَرْغِيبًا في الإيفاءِ وبَعْثًا عَلَيْهِ. وجِيءَ بِالقِسْطِ لِيَكُونَ الإيفاءُ عَلى جِهَةِ العَدْلِ والتَّسْوِيَةِ وهو الواجِبُ، لِأنَّ ما جاوَزَ العَدْلَ فَضْلٌ وأمْرٌ مَندُوبٌ إلَيْهِ.
ونُهُوا ثالِثًا: عَنْ نَقْصِ النّاسِ أشْياءَهم، وهو عامٌّ في النّاسِ، وفِيما بِأيْدِيهِمْ مِنَ الأشْياءِ: كانَتْ مِمّا تُكالُ وتُوزَنُ أوْ غَيْرَ ذَلِكَ. ونُهُوا رابِعًا: عَنِ الفَسادِ في الأرْضِ وهو أعَمُّ مِن أنْ يَكُونَ نَقْصًا أوْ غَيْرَهُ، فَبَدَأهم أوَّلًا بِالمَعْصِيَةِ الشَّنِيعَةِ الَّتِي كانُوا عَلَيْها بَعْدَ الأمْرِ بِعِبادَةِ اللَّهِ، ثُمَّ ارْتَقى إلى عامٍّ، ثُمَّ إلى أعَمَّ مِنهُ وذَلِكَ مُبالَغَةٌ في النُّصْحِ لَهم ولُطْفٌ في اسْتِدْراجِهِمْ إلى طاعَةِ اللَّهِ.
وتَفْسِيرُ مَعانِي هَذِهِ الجُمَلِ سَبَقَ في الأعْرافِ.
﴿بَقِيَّةُ اللَّهِ﴾، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ما أبْقى اللَّهُ لَكم مِنَ الحَلالِ بَعْدَ الإيفاءِ خَيْرٌ مِنَ البَخْسِ. وعَنْهُ: رِزْقُ اللَّهِ. وقالَ مُجاهِدٌ والزَّجّاجُ: طاعَةُ اللَّهِ. وقالَ قَتادَةُ: حَظُّكم مِنَ اللَّهِ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: رَحْمَةُ اللَّهِ. وقالَ قَتادَةُ: ذَخِيرَةُ اللَّهِ. وقالَ الرَّبِيعُ: وصِيَّةُ اللَّهِ. وقالَ مُقاتِلٌ: ثَوابُ اللَّهِ في الآخِرَةِ، وذَكَرَ الفَرّاءُ: مُراقَبَةُ اللَّهِ. وقالَ الحَسَنُ: فَرائِضُ اللَّهِ. وقِيلَ: ما أبْقاهُ اللَّهُ حَلالًا لَكم ولَمْ يُحَرِّمْهُ عَلَيْكم.
قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا كُلُّهُ لا يُعْطِيهِ لَفْظُ الآيَةِ، وإنَّما المَعْنى عِنْدِي: إبْقاءُ اللَّهِ عَلَيْكم إنْ أطَعْتُمْ. وقَوْلُهُ: ﴿إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾، شَرْطٌ في أنْ يَكُونَ البَقِيَّةُ خَيْرًا لَهم، وأمّا مَعَ الكُفْرِ فَلا خَيْرَ لَهم في شَيْءٍ مِنَ الأعْمالِ. وجَوابُ هَذا الشَّرْطِ مُتَقَدِّمٌ. والحَفِيظُ: المُراقِبُ الَّذِي يَحْفَظُ أحْوالَ مَن يَرْقُبُ، والمَعْنى: إنَّما أنا مُبَلِّغٌ، والحَفِيظُ: المُحاسِبُ هو الَّذِي يُجازِيكم بِالأعْمالِ، انْتَهى.
ولَيْسَ جَوابُ الشَّرْطِ مُتَقَدِّمًا كَما ذُكِرَ، وإنَّما الجَوابُ مَحْذُوفٌ لِدِلالَةِ ما تَقَدَّمَ عَلَيْهِ عَلى مَذْهَبِ جُمْهُورِ البَصْرِيِّينَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وإنَّما خُوطِبُوا بِتَرْكِ التَّطْفِيفِ والبَخْسِ والفَسادِ في الأرْضِ وهم كَفَرَةٌ بِشَرْطِ الإيمانِ، ويَجُوزُ أنْ يُرِيدَ: ما يَبْقى لَهم عِنْدَ اللَّهِ مِنَ الطّاعاتِ كَقَوْلِهِ: ﴿والباقِياتُ الصّالِحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوابًا﴾ [الكهف: ٤٦] وإضافَةُ البَقِيَّةِ إلى اللَّهِ مِن حَيْثُ أنَّها رِزْقُهُ الَّذِي يَجُوزُ أنْ يُضافَ إلَيْهِ، وأمّا الحَرامُ فَلا يَجُوزُ أنْ يُضافَ إلى اللَّهِ، ولا يُسَمّى رِزْقًا، انْتَهى.
عَلى طَرِيقِ المُعْتَزِلَةِ في الرِّزْقِ، وقَرَأ إسْماعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ أهْلِ المَدِينَةِ: (بَقِيَةُ) بِتَخْفِيفِ الياءِ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هي لُغَةٌ، انْتَهى. وذَلِكَ أنَّ قِياسَ فَعِلَ اللّازِمِ أنْ يَكُونَ عَلى وزْنِ فَعِلٍ نَحْوَ: سَجِيَتْ المَرْأةُ فَهي سَجِيَةٌ، فَإذا شَدَّدْتَ الياءَ كانَ عَلى وزْنِ فَعِيلٍ لِلْمُبالَغَةِ. وقَرَأ الحَسَنُ: تَقِيَّةُ بِالتّاءِ، وهي تَقْواهُ ومُراقَبَتُهُ الصّارِفَةُ عَنِ المَعاصِي.
هود 11:87
(p-٢٥٣)﴿قالُوا يا شُعَيْبُ أصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أنْ نَتْرُكَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا أوْ أنْ نَفْعَلَ في أمْوالِنا ما نَشاءُ إنَّكَ لَأنْتَ الحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾ ﴿قالَ ياقَوْمِ أرَأيْتُمْ إنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّي ورَزَقَنِي مِنهُ رِزْقًا حَسَنًا وما أُرِيدُ أنْ أُخالِفَكم إلى ما أنْهاكم عَنْهُ إنْ أُرِيدُ إلّا الإصْلاحَ ما اسْتَطَعْتُ وما تَوْفِيقِي إلّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وإلَيْهِ أُنِيبُ﴾ ﴿ويا قَوْمِ لا يَجْرِمَنَّكم شِقاقِي أنْ يُصِيبَكم مِثْلُ ما أصابَ قَوْمَ نُوحٍ أوْ قَوْمَ هُودٍ أوْ قَوْمَ صالِحٍ وما قَوْمُ لُوطٍ مِنكم بِبَعِيدٍ﴾ ﴿واسْتَغْفِرُوا رَبَّكم ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ إنَّ رَبِّي رَحِيمٌ ودُودٌ﴾ لَمّا أمَرَهم شُعَيْبٌ بِعِبادَةِ اللَّهِ وتَرْكِ عِبادَةِ أوْثانِهِمْ، وبِإيفاءِ المِكْيالِ والمِيزانِ، رَدُّوا عَلَيْهِ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِهْزاءِ والهُزْءِ بِقَوْلِهِمْ: ﴿أصَلاتُكَ﴾، وكانَ كَثِيرَ الصَّلاةِ، وكانَ إذا صَلّى تَغامَزُوا وتَضاحَكُوا.
﴿أنْ نَتْرُكَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا﴾ مُقابِلٌ لِقَوْلِهِ: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [هود: ٨٤] ﴿أوْ أنْ نَفْعَلَ في أمْوالِنا ما نَشاءُ﴾ مُقابِلٌ لِقَوْلِهِ: ﴿ولا تَنْقُصُوا المِكْيالَ والمِيزانَ﴾ [هود: ٨٤]، وكَوْنُ الصَّلاةِ آمِرَةً هو عَلى وجْهِ المَجازِ، كَما كانَتْ ناهِيَةً في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت: ٤٥] أوْ يُقالُ: إنَّها تَأْمُرُ بِالجَمِيلِ والمَعْرُوفِ، أيْ: تَدْعُو إلَيْهِ وتَبْعَثُ عَلَيْهِ.
إلّا أنَّهم ساقُوا الكَلامَ مَساقَ الطَّنْزِ، وجَعَلُوا الصَّلاةَ آمِرَةً عَلى سَبِيلِ التَّهَكُّمِ بِصَلاتِهِ. والمَعْنى: فَأمْرُكَ بِتَكْلِيفِنا أنْ نَتْرُكَ، فَحُذِفَ المُضافُ لِأنَّ الإنْسانَ لا يُؤْمَرُ بِفِعْلِ غَيْرِهِ. والظّاهِرُ أنَّهُ أُرِيدَ بِالصَّلاةِ: الصَّلاةُ المَعْهُودَةُ في تِلْكَ الشَّرِيعَةِ. وقالَ الحَسَنُ: لَمْ يَبْعَثِ اللَّهُ نَبِيًّا إلّا فَرَضَ عَلَيْهِ الصَّلاةَ والزَّكاةَ. وقِيلَ: أُرِيدُ قِراءَتُكَ. وقِيلَ: مَساجِدَكَ. وقِيلَ: دَعَواتَكَ. وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ والأخَوانِ وحَفْصٌ: أصَلاتُكَ عَلى التَّوْحِيدِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿أوْ أنْ نَفْعَلَ في أمْوالِنا ما نَشاءُ﴾ بِالنُّونِ فِيهِما. وقَرَأ الضَّحّاكُ بْنُ قَيْسٍ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: بِالتّاءِ فِيهِما عَلى الخِطابِ، ورُوِيَتْ عَنْ أبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ.
وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ وطَلْحَةُ: نَفْعَلُ بِالنُّونِ ما نَشاءُ بِالتّاءِ عَلى الخِطابِ، ورُوِيَتْ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. فَمَن قَرَأ بِالنُّونِ فِيهِما فَقَوْلُهُ: ﴿أوْ أنْ نَفْعَلَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: (ما يَعْبُدُ)، أيْ: أنْ نَتْرُكَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا وفِعْلَنا في أمْوالِنا ما نَشاءُ. ومَن قَرَأ بِالتّاءِ فِيهِما أوْ بِالنُّونِ فِيهِما فَمَعْطُوفٌ عَلى أنْ نَتْرُكَ، أيْ: تَأْمُرُكَ بِتَرْكِ ما يَعْبُدُ آباؤُنا، وفِعْلِكِ في أمْوالِنا ما تَشاءُ، أوْ وفِعْلِنا في أمْوالِنا ما تَشاءُ. وأوْ لِلتَّنْوِيعِ، أيْ: تَأْمُرُكَ مَرَّةً بِهَذا، ومَرَّةً بِهَذا. وقِيلَ: بِمَعْنى الواوِ. والظّاهِرُ أنَّ الَّذِي كانُوا يَفْعَلُونَهُ في أمْوالِهِمْ هو بَخْسُ الكَيْلِ والوَزْنِ المُقَدَّمُ ذِكْرُهُ. وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: قَرْضُهُمُ الدِّينارَ والدِّرْهَمَ، وإجْراءُ ذَلِكَ مَعَ الصَّحِيحِ عَلى جِهَةِ التَّدْلِيسِ، وعَنِ ابْنِ المُسَيَّبِ: قَطْعُ الدَّنانِيرِ والدَّراهِمِ مِنَ الفَسادِ في الأرْضِ.
وقِيلَ: تَبْدِيلُ السِّكَكِ الَّتِي يُقْصَدُ بِها أكْلُ أمْوالِ النّاسِ. ومَن قَرَأ بِالتّاءِ فِيهِما أوْ في نَشاءُ، والظّاهِرُ أنَّهُ إيفاءُ المِكْيالِ والمِيزانِ. وقالَ سُفْيانُ الثَّوْرِيُّ: كانَ يَأْمُرُهم بِالزَّكاةِ. وقَوْلُهُ: ﴿إنَّكَ لَأنْتَ الحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾: ظاهِرُهُ أنَّهُ إخْبارٌ مِنهم عَنْهُ بِهَذَيْنِ الوَصْفَيْنِ الجَمِيلَيْنِ، فَيُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدُوا بِذَلِكَ الحَقِيقَةَ، أيْ: إنَّكَ لَلْمُتَّصِفُ بِهَذَيْنِ الوَصْفَيْنِ، فَكَيْفَ وقَعْتَ في هَذا الأمْرِ مِن مُخالَفَتِكَ دِينَ آبائِنا وما كانُوا عَلَيْهِ، ومِثْلُكَ مَن يَمْنَعُهُ حِلْمُهُ ورُشْدُهُ عَنْ ذَلِكَ.
أوْ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدُوا بِذَلِكَ: ﴿إنَّكَ لَأنْتَ الحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾: بِزَعْمِكَ إذْ تَأْمُرُنا بِما تَأْمُرُ بِهِ. أوْ يَحْتَمِلُ أنْ قالُوا ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِهْزاءِ والتَّهَكُّمِ، قالَهُ قَتادَةُ. والمُرادُ: نِسْبَتُهُ إلى الطَّيْشِ والعِيِّ كَما تَقُولُ لِلشَّحِيحِ: لَوْ رَآكَ حاتِمٌ لَسَجَدَ لَكَ، وقالُوا: لِلْحَبَشِيِّ أبُو البَيْضاءِ.
﴿قالَ ياقَوْمِ أرَأيْتُمْ إنْ كُنْتُ﴾ [هود: ٢٨]: (p-٢٥٤)هَذِهِ مُراجَعَةٌ لَطِيفَةٌ واسْتِنْزالٌ حَسَنٌ، واسْتِدْعاءٌ رَقِيقٌ، ولِذَلِكَ قالَ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «ذَلِكَ خَطِيبُ الأنْبِياءِ» وهَذا النَّوْعُ يُسَمّى اسْتِدْراجُ المُخاطَبِ عِنْدَ أرْبابِ عِلْمِ البَيانِ، وهو نَوْعٌ لَطِيفٌ غَرِيبُ المَغْزى يُتَوَصَّلُ بِهِ إلى بُلُوغِ الغَرَضِ، وقَدْ ورَدَ مِنهُ في قِصَّةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ مَعَ أبِيهِ، وفي قِصَّةِ نُوحٍ وهُودٍ وصالِحٍ، وفي قِصَّةِ مُؤْمِنِ آلِ فِرْعَوْنَ مَعَ قَوْمِهِ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): أيْنَ جَوابُ أرَأيْتُمْ ؟، ومالَهُ لَمْ يَثْبُتْ كَما ثَبَتَ في قِصَّةِ نُوحٍ وصالِحٍ ؟ قُلْتُ: جَوابُهُ مَحْذُوفٌ، وإنَّما لَمْ يَثْبُتْ لِأنَّ إثْباتَهُ في الصِّفَتَيْنِ دَلَّ عَلى مَكانِهِ، ومَعْنى الكَلامِ: يُناوِي عَلَيْهِ، والمَعْنى: أخْبِرُونِي إنْ كُنْتُ عَلى حُجَّةٍ واضِحَةٍ ويَقِينٍ مِن رَبِّي، وكُنْتُ نَبِيًّا عَلى الحَقِيقَةِ، أيَصِحُّ لِي أنْ لا آمُرَكم بِتَرْكِ عِبادَةِ الأوْثانِ والكَفِّ عَنِ المَعاصِي، والأنْبِياءُ لا يُبْعَثُونَ إلّا لِذَلِكَ ؟ انْتَهى.
وتَسْمِيَةُ هَذا جَوابًا لِأرَأيْتُمْ لَيْسَ بِالمُصْطَلَحِ، بَلْ هَذِهِ الجُمْلَةُ الَّتِي قَدَّرَها هي في مَوْضِعِ المَفْعُولِ الثّانِي لِأرَأيْتُمْ، لِأنَّ أرَأيْتُمْ إذا ضُمِّنَتْ مَعْنى: أخْبِرْنِي، تَعَدَّتْ إلى مَفْعُولَيْنِ، والغالِبُ في الثّانِي أنْ يَكُونَ جُمْلَةً اسْتِفْهامِيَّةً، تَنْعَقِدُ مِنها ومِنَ المَفْعُولِ الأوَّلِ في الأصْلِ جُمْلَةٌ ابْتِدائِيَّةٌ، كَقَوْلِ العَرَبِ: أرَأيْتُكَ زَيْدًا ما صَنَعَ. وقالَ الحَوْفِيُّ: وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ لِدِلالَةِ الكَلامِ عَلَيْهِ، والتَّقْدِيرُ: فَأعْدِلْ عَنْ ما أنا عَلَيْهِ مِن عِبادَتِهِ عَلى هَذِهِ الحالِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وجَوابُ الشَّرْطِ الَّذِي في قَوْلِهِ: ﴿إنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّي﴾ [هود: ٢٨] مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: أضِلُّ كَما ضَلَلْتُمْ، أوْ أتْرُكُ تَبْلِيغَ الرِّسالَةِ ونَحْوَ هَذا مِمّا يَلِيقُ بِهَذِهِ المُحاجَّةِ، انْتَهى.
ولَيْسَ قَوْلُهُ: (أضِلُّ) جَوابًا لِلشَّرْطِ، لِأنَّهُ إنْ كانَ مُثْبَتًا فَلا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ جَوابًا لِأنَّهُ لا يَتَرَتَّبُ عَلى الشَّرْطِ، وإنْ كانَ اسْتِفْهامًا حُذِفَ مِنهُ الهَمْزَةُ، فَهو في مَوْضِعِ المَفْعُولِ الثّانِي لِأرَأيْتُمْ، وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ تَدُلُّ عَلَيْهِ الجُمْلَةُ السّابِقَةُ مَعَ مُتَعَلِّقِها.
والظّاهِرُ في قَوْلِهِ: ﴿رِزْقًا حَسَنًا﴾ أنَّهُ: الحَلالُ الطَّيِّبُ مِن غَيْرِ بَخْسٍ ولا تَطْفِيفٍ أدْخَلْتُمُوهُ أمْوالَكم. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الحَلالُ، وكانَ شُعَيْبٌ عَلَيْهِ السَّلامُ كَثِيرَ المالِ. وقِيلَ: النُّبُوَّةُ. وقِيلَ: العِلْمُ.
﴿وما أُرِيدُ أنْ أُخالِفَكم إلى ما أنْهاكم عَنْهُ﴾ المَعْنى: لَسْتُ أُرِيدُ أنْ أفْعَلَ الشَّيْءَ الَّذِي نَهَيْتُكم عَنْهُ، مِن نَقْصِ الكَيْلِ والوَزْنِ وأسْتَأْثِرَ بِالمالِ، قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ. وقالَ قَتادَةُ: لَمْ أكُنْ لِأنْهاكم عَنْ أمْرٍ ثُمَّ أرْتَكِبُهُ. وقالَ صاحِبُ الغُنْيانِ: ما أُرِيدُ أنْ أُخالِفَكم في السِّرِّ إلى ما أنْهاكم عَنْهُ في العَلانِيَةِ. ويُقالُ: خالَفَنِي فُلانٌ إلى كَذا إذا قَصَدَهُ وأنْتَ مُوَلٍّ عَنْهُ، وخالَفَنِي عَنْهُ إذا ولّى عَنْهُ وأنْتَ قاصِدُهُ، ويَلْقاكَ الرَّجُلُ صادِرًا عَنِ الماءِ فَتَسْألُهُ عَنْ صاحِبِهِ فَتَقُولُ: خالَفَنِي إلى الماءِ، تُرِيدُ أنَّهُ قَدْ ذَهَبَ إلَيْهِ وارِدًا، وأنا ذاهِبٌ عَنْهُ صادِرًا.
والمَعْنى: أنْ أسْبِقَكم إلى شَهَواتِكُمُ الَّتِي نَهَيْتُكم عَنْها لَأسْتَبِدَّ بِها دُونَكم، فَعَلى هَذا الظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿أنْ أُخالِفَكُمْ﴾ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ لِأُرِيدُ، أيْ: وما أُرِيدُ مُخالَفَتَكم، ويَكُونُ خالَفَ بِمَعْنى: خَلَفَ نَحْوَ: جاوَزَ وجازَ، أيْ: وما أُرِيدُ أنْ أخْلُفَكم، أيْ: أكُونُ خَلَفًا مِنكم.
وتَتَعَلَّقُ إلى بِأُخالِفَكم أوْ بِمَحْذُوفٍ، أيْ: مائِلًا إلى ما أنْهاكم عَنْهُ، ولِذَلِكَ قالَ بَعْضُهم: فِيهِ حَذْفٌ يَقْتَضِيهِ إلى تَقْدِيرِهِ: وأمِيلُ إلى، أوْ يَبْقى ﴿أنْ أُخالِفَكُمْ﴾ عَلى ظاهِرِ ما يُفْهَمُ مِنَ المُخالَفَةِ، ويَكُونُ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ بِهِ بِأُرِيدُ، وتُقَدَّرُ: مائِلًا إلى، أوْ يَكُونُ ﴿أنْ أُخالِفَكُمْ﴾: مَفْعُولًا مِن أجْلِهِ، وتَتَعَلَّقُ إلى بِقَوْلِهِ: ﴿وما أُرِيدُ﴾ بِمَعْنى: وما أقْصِدُ، أيْ: وما أقْصِدُ لِأجْلِ مُخالَفَتِكم إلى ما أنْهاكم عَنْهُ، ولِذَلِكَ قالَ الزَّجّاجُ: وما أقْصِدُ بِخِلافِكم إلى ارْتِكابِ ما أنْهاكم عَنْهُ.
والظّاهِرُ أنَّ (ما) مَصْدَرِيَّةٌ ظَرْفِيَّةٌ، أيْ: مُدَّةُ اسْتِطاعَتِي لِلْإصْلاحِ، وما دُمْتُ مُتَمَكِّنًا مِنهُ لا آلُوا فِيهِ جُهْدًا. وأجازَ الزَّمَخْشَرِيُّ في (ما) وُجُوهًا أحَدُها: أنْ (p-٢٥٥)يَكُونَ بَدَلًا مِنَ الإصْلاحِ، أيِ: المُقَدَّرُ الَّذِي اسْتَطَعْتُهُ، أوْ عَلى حَذْفِ مُضافٍ تَقْدِيرُهُ: إلّا الإصْلاحَ إصْلاحَ ما اسْتَطَعْتُ، فَهَذانِ وجْهانِ في البَدَلِ. والثّالِثُ: أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا كَقَوْلِهِ:
ضَعِيفُ النِّكايَةِ أعْداءَهُ. أيْ: ما أُرِيدُ إلّا أنْ أُصْلِحَ ما اسْتَطَعْتُ إصْلاحَهُ مِن فاسِدِكم، وهَذا الثّالِثُ ضَعِيفٌ، لِأنَّ المَصْدَرَ المُعَرَّفَ بِألْ لا يَجُوزُ إعْمالُهُ في المَفْعُولِ بِهِ عِنْدَ الكُوفِيِّينَ، وأمّا البَصْرِيُّونَ فَإعْمالُهُ عِنْدَهم فِيهِ قَلِيلٌ.
﴿وما تَوْفِيقِي﴾، أيْ: لِدُعائِكم إلى عِبادَةِ اللَّهِ وحْدَهُ، وتَرْكِ ما نَهاكم عَنْهُ إلّا بِمَعُونَةِ اللَّهِ. أوْ: وما تَوْفِيقِي لِأنْ تَكُونَ أفْعالِي مُسَدَّدَةً مُوافِقَةً لِرِضا اللَّهِ إلّا بِمَعُونَتِهِ، ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾: لا عَلى غَيْرِهِ، ﴿وإلَيْهِ أُنِيبُ﴾: أرْجِعُ في جَمِيعِ أقْوالِي وأفْعالِي. وفي هَذا طَلَبُ التَّأْيِيدِ مِنَ اللَّهِ تَعالى، وتَهْدِيدٌ لِلْكُفّارِ، وحَسْمٌ لِأطْماعِهِمْ أنْ يَنالُوهُ بِشَرٍّ.
ومَعْنى ﴿لا يَجْرِمَنَّكُمْ﴾: لا يُكْسِبَنَّكم شِقاقِي، أيْ: خِلافِي وعَداوَتِي. قالَ السُّدِّيُّ: كَأنَّهُ في شِقٍّ وهم في شِقٍّ. وقالَ الحَسَنُ: ضِرارِي جَعَلَهُ مِنَ المَشَقَّةِ.
وقِيلَ: فِراقِي. وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ والأعْمَشُ: بِضَمِّ الياءِ مِن أجْرَمَ، ونَسَبَها الزَّمَخْشَرِيُّ إلى ابْنِ كَثِيرٍ، وجَرَمَ في التَّعْدِيَةِ مِثْلُ كَسَبَ يَتَعَدّى إلى واحِدٍ. جَرَمَ فُلانٌ الذَّنْبَ، وكَسَبَ زَيْدٌ المالَ، ويَتَعَدّى إلى اثْنَيْنِ جَرَّمْتُ زَيْدًا الذَّنْبَ، وكَسَّبْتُ زَيْدًا المالَ. وبِالألِفِ يَتَعَدّى إلى اثْنَيْنِ أيْضًا، أجْرَمَ زَيْدٌ عَمْرًا الذَّنْبَ، وأكْسَبْتُ زَيْدًا المالَ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ في جَرَمَ في العُقُودِ.
وقَرَأ مُجاهِدٌ والجَحْدَرِيُّ وابْنُ أبِي إسْحاقَ ورُوِيَتْ عَنْ نافِعٍ: مِثْلَ بِفَتْحِ اللّامِ، وخُرِّجَ عَلى وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنْ تَكُونَ الفُتْحَةُ فُتْحَةَ بِناءٍ، وهو فاعِلٌ كَحالِهِ حِينَ كانَ مَرْفُوعًا، ولَمّا أُضِيفَ إلى غَيْرِ مُتَمَكِّنٍ جازَ فِيهِ البِناءُ، كَقِراءَةِ مَن قَرَأ: ﴿إنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ ما أنَّكم تَنْطِقُونَ﴾ [الذاريات: ٢٣] والثّانِي: أنْ تَكُونَ الفُتْحَةُ فَتْحَةَ إعْرابٍ، وانْتَصَبَ عَلى أنَّهُ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: إصابَةً مِثْلَ إصابَةِ قَوْمِ نُوحٍ.
والفاعِلُ مُضْمَرٌ يُفَسِّرُهُ سِياقُ الكَلامِ، أيْ: أنْ يُصِيبَكم هو، أيِ: العَذابُ.
﴿وما قَوْمُ لُوطٍ مِنكم بِبَعِيدٍ﴾: إمّا في الزَّمانِ لِقُرْبِ عَهْدِ هَلاكِهِمْ مِن عَهْدِكم، إذْ هم أقْرَبُ الهالِكِينَ، وإمّا في الكُفْرِ والمَعاصِي وما يُسْتَحَقُّ بِهِ الهَلاكُ. وأجْرى بَعِيدًا عَلى قَوْمٍ إمّا بِاعْتِبارِ الزَّمانِ أوِ المَكانِ، أيْ: بِزَمانٍ بَعِيدٍ، أوْ بِمَكانٍ بَعِيدٍ.
أوْ بِاعْتِبارِ مَوْصُوفٍ غَيْرِهِما، أيْ: بِشَيْءٍ بَعِيدٍ، أوْ بِاعْتِبارِ مُضافٍ إلى قَوْمٍ، أيْ: وما إهْلاكُ قَوْمِ لُوطٍ. ويَجُوزُ أنْ يُسَوّى في قَرِيبٍ وبَعِيدٍ وكَثِيرٍ وقَلِيلٍ بَيْنَ المُفْرَدِ والجَمْعِ، وبَيْنَ المُذَكَّرِ والمُؤَنَّثِ، كَما قالُوا: هو صَدِيقٌ، وهم صَدِيقٌ، وهي صَدِيقٌ، وهُنَّ صَدِيقٌ. و(ودُودٌ): بِناءُ مُبالَغَةٍ مِن ودَّ الشَّيْءَ: أحَبَّهُ وآثَرَهُ، وهو عَلى فَعَلَ. وسَمِعَ الكِسائِيُّ: ودَدَتُ بِفَتْحِ العَيْنِ، والمَصْدَرُ: ودَّ وِدادًا ووِدادَةً. وقالَ بَعْضُ أهْلِ اللُّغَةِ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ودُودٌ فَعُولٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ. وقالَ المُفَسِّرُونَ: ودُودٌ مُتَحَبِّبٌ إلى عِبادِهِ بِالإحْسانِ إلَيْهِمْ. وقِيلَ: مَحْبُوبُ المُؤْمِنِينَ. ورَحْمَتُهُ لِعِبادِهِ، ومَحَبَّتُهُ لَهم سَبَبٌ في اسْتِغْفارِهِمْ وتَوْبَتِهِمْ، ولَوْلا ذَلِكَ ما وفَّقَهم إلى اسْتِغْفارِهِ والرُّجُوعِ إلَيْهِ، فَهو يَفْعَلُ بِهِمْ فِعْلَ الوادِّ بِمَن يَوَدُّهُ مِنَ الإحْسانِ إلَيْهِ.
هود 11:88
(p-٢٥٣)﴿قالُوا يا شُعَيْبُ أصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أنْ نَتْرُكَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا أوْ أنْ نَفْعَلَ في أمْوالِنا ما نَشاءُ إنَّكَ لَأنْتَ الحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾ ﴿قالَ ياقَوْمِ أرَأيْتُمْ إنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّي ورَزَقَنِي مِنهُ رِزْقًا حَسَنًا وما أُرِيدُ أنْ أُخالِفَكم إلى ما أنْهاكم عَنْهُ إنْ أُرِيدُ إلّا الإصْلاحَ ما اسْتَطَعْتُ وما تَوْفِيقِي إلّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وإلَيْهِ أُنِيبُ﴾ ﴿ويا قَوْمِ لا يَجْرِمَنَّكم شِقاقِي أنْ يُصِيبَكم مِثْلُ ما أصابَ قَوْمَ نُوحٍ أوْ قَوْمَ هُودٍ أوْ قَوْمَ صالِحٍ وما قَوْمُ لُوطٍ مِنكم بِبَعِيدٍ﴾ ﴿واسْتَغْفِرُوا رَبَّكم ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ إنَّ رَبِّي رَحِيمٌ ودُودٌ﴾ لَمّا أمَرَهم شُعَيْبٌ بِعِبادَةِ اللَّهِ وتَرْكِ عِبادَةِ أوْثانِهِمْ، وبِإيفاءِ المِكْيالِ والمِيزانِ، رَدُّوا عَلَيْهِ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِهْزاءِ والهُزْءِ بِقَوْلِهِمْ: ﴿أصَلاتُكَ﴾، وكانَ كَثِيرَ الصَّلاةِ، وكانَ إذا صَلّى تَغامَزُوا وتَضاحَكُوا.
﴿أنْ نَتْرُكَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا﴾ مُقابِلٌ لِقَوْلِهِ: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [هود: ٨٤] ﴿أوْ أنْ نَفْعَلَ في أمْوالِنا ما نَشاءُ﴾ مُقابِلٌ لِقَوْلِهِ: ﴿ولا تَنْقُصُوا المِكْيالَ والمِيزانَ﴾ [هود: ٨٤]، وكَوْنُ الصَّلاةِ آمِرَةً هو عَلى وجْهِ المَجازِ، كَما كانَتْ ناهِيَةً في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت: ٤٥] أوْ يُقالُ: إنَّها تَأْمُرُ بِالجَمِيلِ والمَعْرُوفِ، أيْ: تَدْعُو إلَيْهِ وتَبْعَثُ عَلَيْهِ.
إلّا أنَّهم ساقُوا الكَلامَ مَساقَ الطَّنْزِ، وجَعَلُوا الصَّلاةَ آمِرَةً عَلى سَبِيلِ التَّهَكُّمِ بِصَلاتِهِ. والمَعْنى: فَأمْرُكَ بِتَكْلِيفِنا أنْ نَتْرُكَ، فَحُذِفَ المُضافُ لِأنَّ الإنْسانَ لا يُؤْمَرُ بِفِعْلِ غَيْرِهِ. والظّاهِرُ أنَّهُ أُرِيدَ بِالصَّلاةِ: الصَّلاةُ المَعْهُودَةُ في تِلْكَ الشَّرِيعَةِ. وقالَ الحَسَنُ: لَمْ يَبْعَثِ اللَّهُ نَبِيًّا إلّا فَرَضَ عَلَيْهِ الصَّلاةَ والزَّكاةَ. وقِيلَ: أُرِيدُ قِراءَتُكَ. وقِيلَ: مَساجِدَكَ. وقِيلَ: دَعَواتَكَ. وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ والأخَوانِ وحَفْصٌ: أصَلاتُكَ عَلى التَّوْحِيدِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿أوْ أنْ نَفْعَلَ في أمْوالِنا ما نَشاءُ﴾ بِالنُّونِ فِيهِما. وقَرَأ الضَّحّاكُ بْنُ قَيْسٍ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: بِالتّاءِ فِيهِما عَلى الخِطابِ، ورُوِيَتْ عَنْ أبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ.
وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ وطَلْحَةُ: نَفْعَلُ بِالنُّونِ ما نَشاءُ بِالتّاءِ عَلى الخِطابِ، ورُوِيَتْ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. فَمَن قَرَأ بِالنُّونِ فِيهِما فَقَوْلُهُ: ﴿أوْ أنْ نَفْعَلَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: (ما يَعْبُدُ)، أيْ: أنْ نَتْرُكَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا وفِعْلَنا في أمْوالِنا ما نَشاءُ. ومَن قَرَأ بِالتّاءِ فِيهِما أوْ بِالنُّونِ فِيهِما فَمَعْطُوفٌ عَلى أنْ نَتْرُكَ، أيْ: تَأْمُرُكَ بِتَرْكِ ما يَعْبُدُ آباؤُنا، وفِعْلِكِ في أمْوالِنا ما تَشاءُ، أوْ وفِعْلِنا في أمْوالِنا ما تَشاءُ. وأوْ لِلتَّنْوِيعِ، أيْ: تَأْمُرُكَ مَرَّةً بِهَذا، ومَرَّةً بِهَذا. وقِيلَ: بِمَعْنى الواوِ. والظّاهِرُ أنَّ الَّذِي كانُوا يَفْعَلُونَهُ في أمْوالِهِمْ هو بَخْسُ الكَيْلِ والوَزْنِ المُقَدَّمُ ذِكْرُهُ. وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: قَرْضُهُمُ الدِّينارَ والدِّرْهَمَ، وإجْراءُ ذَلِكَ مَعَ الصَّحِيحِ عَلى جِهَةِ التَّدْلِيسِ، وعَنِ ابْنِ المُسَيَّبِ: قَطْعُ الدَّنانِيرِ والدَّراهِمِ مِنَ الفَسادِ في الأرْضِ.
وقِيلَ: تَبْدِيلُ السِّكَكِ الَّتِي يُقْصَدُ بِها أكْلُ أمْوالِ النّاسِ. ومَن قَرَأ بِالتّاءِ فِيهِما أوْ في نَشاءُ، والظّاهِرُ أنَّهُ إيفاءُ المِكْيالِ والمِيزانِ. وقالَ سُفْيانُ الثَّوْرِيُّ: كانَ يَأْمُرُهم بِالزَّكاةِ. وقَوْلُهُ: ﴿إنَّكَ لَأنْتَ الحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾: ظاهِرُهُ أنَّهُ إخْبارٌ مِنهم عَنْهُ بِهَذَيْنِ الوَصْفَيْنِ الجَمِيلَيْنِ، فَيُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدُوا بِذَلِكَ الحَقِيقَةَ، أيْ: إنَّكَ لَلْمُتَّصِفُ بِهَذَيْنِ الوَصْفَيْنِ، فَكَيْفَ وقَعْتَ في هَذا الأمْرِ مِن مُخالَفَتِكَ دِينَ آبائِنا وما كانُوا عَلَيْهِ، ومِثْلُكَ مَن يَمْنَعُهُ حِلْمُهُ ورُشْدُهُ عَنْ ذَلِكَ.
أوْ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدُوا بِذَلِكَ: ﴿إنَّكَ لَأنْتَ الحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾: بِزَعْمِكَ إذْ تَأْمُرُنا بِما تَأْمُرُ بِهِ. أوْ يَحْتَمِلُ أنْ قالُوا ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِهْزاءِ والتَّهَكُّمِ، قالَهُ قَتادَةُ. والمُرادُ: نِسْبَتُهُ إلى الطَّيْشِ والعِيِّ كَما تَقُولُ لِلشَّحِيحِ: لَوْ رَآكَ حاتِمٌ لَسَجَدَ لَكَ، وقالُوا: لِلْحَبَشِيِّ أبُو البَيْضاءِ.
﴿قالَ ياقَوْمِ أرَأيْتُمْ إنْ كُنْتُ﴾ [هود: ٢٨]: (p-٢٥٤)هَذِهِ مُراجَعَةٌ لَطِيفَةٌ واسْتِنْزالٌ حَسَنٌ، واسْتِدْعاءٌ رَقِيقٌ، ولِذَلِكَ قالَ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «ذَلِكَ خَطِيبُ الأنْبِياءِ» وهَذا النَّوْعُ يُسَمّى اسْتِدْراجُ المُخاطَبِ عِنْدَ أرْبابِ عِلْمِ البَيانِ، وهو نَوْعٌ لَطِيفٌ غَرِيبُ المَغْزى يُتَوَصَّلُ بِهِ إلى بُلُوغِ الغَرَضِ، وقَدْ ورَدَ مِنهُ في قِصَّةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ مَعَ أبِيهِ، وفي قِصَّةِ نُوحٍ وهُودٍ وصالِحٍ، وفي قِصَّةِ مُؤْمِنِ آلِ فِرْعَوْنَ مَعَ قَوْمِهِ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): أيْنَ جَوابُ أرَأيْتُمْ ؟، ومالَهُ لَمْ يَثْبُتْ كَما ثَبَتَ في قِصَّةِ نُوحٍ وصالِحٍ ؟ قُلْتُ: جَوابُهُ مَحْذُوفٌ، وإنَّما لَمْ يَثْبُتْ لِأنَّ إثْباتَهُ في الصِّفَتَيْنِ دَلَّ عَلى مَكانِهِ، ومَعْنى الكَلامِ: يُناوِي عَلَيْهِ، والمَعْنى: أخْبِرُونِي إنْ كُنْتُ عَلى حُجَّةٍ واضِحَةٍ ويَقِينٍ مِن رَبِّي، وكُنْتُ نَبِيًّا عَلى الحَقِيقَةِ، أيَصِحُّ لِي أنْ لا آمُرَكم بِتَرْكِ عِبادَةِ الأوْثانِ والكَفِّ عَنِ المَعاصِي، والأنْبِياءُ لا يُبْعَثُونَ إلّا لِذَلِكَ ؟ انْتَهى.
وتَسْمِيَةُ هَذا جَوابًا لِأرَأيْتُمْ لَيْسَ بِالمُصْطَلَحِ، بَلْ هَذِهِ الجُمْلَةُ الَّتِي قَدَّرَها هي في مَوْضِعِ المَفْعُولِ الثّانِي لِأرَأيْتُمْ، لِأنَّ أرَأيْتُمْ إذا ضُمِّنَتْ مَعْنى: أخْبِرْنِي، تَعَدَّتْ إلى مَفْعُولَيْنِ، والغالِبُ في الثّانِي أنْ يَكُونَ جُمْلَةً اسْتِفْهامِيَّةً، تَنْعَقِدُ مِنها ومِنَ المَفْعُولِ الأوَّلِ في الأصْلِ جُمْلَةٌ ابْتِدائِيَّةٌ، كَقَوْلِ العَرَبِ: أرَأيْتُكَ زَيْدًا ما صَنَعَ. وقالَ الحَوْفِيُّ: وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ لِدِلالَةِ الكَلامِ عَلَيْهِ، والتَّقْدِيرُ: فَأعْدِلْ عَنْ ما أنا عَلَيْهِ مِن عِبادَتِهِ عَلى هَذِهِ الحالِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وجَوابُ الشَّرْطِ الَّذِي في قَوْلِهِ: ﴿إنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّي﴾ [هود: ٢٨] مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: أضِلُّ كَما ضَلَلْتُمْ، أوْ أتْرُكُ تَبْلِيغَ الرِّسالَةِ ونَحْوَ هَذا مِمّا يَلِيقُ بِهَذِهِ المُحاجَّةِ، انْتَهى.
ولَيْسَ قَوْلُهُ: (أضِلُّ) جَوابًا لِلشَّرْطِ، لِأنَّهُ إنْ كانَ مُثْبَتًا فَلا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ جَوابًا لِأنَّهُ لا يَتَرَتَّبُ عَلى الشَّرْطِ، وإنْ كانَ اسْتِفْهامًا حُذِفَ مِنهُ الهَمْزَةُ، فَهو في مَوْضِعِ المَفْعُولِ الثّانِي لِأرَأيْتُمْ، وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ تَدُلُّ عَلَيْهِ الجُمْلَةُ السّابِقَةُ مَعَ مُتَعَلِّقِها.
والظّاهِرُ في قَوْلِهِ: ﴿رِزْقًا حَسَنًا﴾ أنَّهُ: الحَلالُ الطَّيِّبُ مِن غَيْرِ بَخْسٍ ولا تَطْفِيفٍ أدْخَلْتُمُوهُ أمْوالَكم. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الحَلالُ، وكانَ شُعَيْبٌ عَلَيْهِ السَّلامُ كَثِيرَ المالِ. وقِيلَ: النُّبُوَّةُ. وقِيلَ: العِلْمُ.
﴿وما أُرِيدُ أنْ أُخالِفَكم إلى ما أنْهاكم عَنْهُ﴾ المَعْنى: لَسْتُ أُرِيدُ أنْ أفْعَلَ الشَّيْءَ الَّذِي نَهَيْتُكم عَنْهُ، مِن نَقْصِ الكَيْلِ والوَزْنِ وأسْتَأْثِرَ بِالمالِ، قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ. وقالَ قَتادَةُ: لَمْ أكُنْ لِأنْهاكم عَنْ أمْرٍ ثُمَّ أرْتَكِبُهُ. وقالَ صاحِبُ الغُنْيانِ: ما أُرِيدُ أنْ أُخالِفَكم في السِّرِّ إلى ما أنْهاكم عَنْهُ في العَلانِيَةِ. ويُقالُ: خالَفَنِي فُلانٌ إلى كَذا إذا قَصَدَهُ وأنْتَ مُوَلٍّ عَنْهُ، وخالَفَنِي عَنْهُ إذا ولّى عَنْهُ وأنْتَ قاصِدُهُ، ويَلْقاكَ الرَّجُلُ صادِرًا عَنِ الماءِ فَتَسْألُهُ عَنْ صاحِبِهِ فَتَقُولُ: خالَفَنِي إلى الماءِ، تُرِيدُ أنَّهُ قَدْ ذَهَبَ إلَيْهِ وارِدًا، وأنا ذاهِبٌ عَنْهُ صادِرًا.
والمَعْنى: أنْ أسْبِقَكم إلى شَهَواتِكُمُ الَّتِي نَهَيْتُكم عَنْها لَأسْتَبِدَّ بِها دُونَكم، فَعَلى هَذا الظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿أنْ أُخالِفَكُمْ﴾ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ لِأُرِيدُ، أيْ: وما أُرِيدُ مُخالَفَتَكم، ويَكُونُ خالَفَ بِمَعْنى: خَلَفَ نَحْوَ: جاوَزَ وجازَ، أيْ: وما أُرِيدُ أنْ أخْلُفَكم، أيْ: أكُونُ خَلَفًا مِنكم.
وتَتَعَلَّقُ إلى بِأُخالِفَكم أوْ بِمَحْذُوفٍ، أيْ: مائِلًا إلى ما أنْهاكم عَنْهُ، ولِذَلِكَ قالَ بَعْضُهم: فِيهِ حَذْفٌ يَقْتَضِيهِ إلى تَقْدِيرِهِ: وأمِيلُ إلى، أوْ يَبْقى ﴿أنْ أُخالِفَكُمْ﴾ عَلى ظاهِرِ ما يُفْهَمُ مِنَ المُخالَفَةِ، ويَكُونُ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ بِهِ بِأُرِيدُ، وتُقَدَّرُ: مائِلًا إلى، أوْ يَكُونُ ﴿أنْ أُخالِفَكُمْ﴾: مَفْعُولًا مِن أجْلِهِ، وتَتَعَلَّقُ إلى بِقَوْلِهِ: ﴿وما أُرِيدُ﴾ بِمَعْنى: وما أقْصِدُ، أيْ: وما أقْصِدُ لِأجْلِ مُخالَفَتِكم إلى ما أنْهاكم عَنْهُ، ولِذَلِكَ قالَ الزَّجّاجُ: وما أقْصِدُ بِخِلافِكم إلى ارْتِكابِ ما أنْهاكم عَنْهُ.
والظّاهِرُ أنَّ (ما) مَصْدَرِيَّةٌ ظَرْفِيَّةٌ، أيْ: مُدَّةُ اسْتِطاعَتِي لِلْإصْلاحِ، وما دُمْتُ مُتَمَكِّنًا مِنهُ لا آلُوا فِيهِ جُهْدًا. وأجازَ الزَّمَخْشَرِيُّ في (ما) وُجُوهًا أحَدُها: أنْ (p-٢٥٥)يَكُونَ بَدَلًا مِنَ الإصْلاحِ، أيِ: المُقَدَّرُ الَّذِي اسْتَطَعْتُهُ، أوْ عَلى حَذْفِ مُضافٍ تَقْدِيرُهُ: إلّا الإصْلاحَ إصْلاحَ ما اسْتَطَعْتُ، فَهَذانِ وجْهانِ في البَدَلِ. والثّالِثُ: أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا كَقَوْلِهِ:
ضَعِيفُ النِّكايَةِ أعْداءَهُ. أيْ: ما أُرِيدُ إلّا أنْ أُصْلِحَ ما اسْتَطَعْتُ إصْلاحَهُ مِن فاسِدِكم، وهَذا الثّالِثُ ضَعِيفٌ، لِأنَّ المَصْدَرَ المُعَرَّفَ بِألْ لا يَجُوزُ إعْمالُهُ في المَفْعُولِ بِهِ عِنْدَ الكُوفِيِّينَ، وأمّا البَصْرِيُّونَ فَإعْمالُهُ عِنْدَهم فِيهِ قَلِيلٌ.
﴿وما تَوْفِيقِي﴾، أيْ: لِدُعائِكم إلى عِبادَةِ اللَّهِ وحْدَهُ، وتَرْكِ ما نَهاكم عَنْهُ إلّا بِمَعُونَةِ اللَّهِ. أوْ: وما تَوْفِيقِي لِأنْ تَكُونَ أفْعالِي مُسَدَّدَةً مُوافِقَةً لِرِضا اللَّهِ إلّا بِمَعُونَتِهِ، ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾: لا عَلى غَيْرِهِ، ﴿وإلَيْهِ أُنِيبُ﴾: أرْجِعُ في جَمِيعِ أقْوالِي وأفْعالِي. وفي هَذا طَلَبُ التَّأْيِيدِ مِنَ اللَّهِ تَعالى، وتَهْدِيدٌ لِلْكُفّارِ، وحَسْمٌ لِأطْماعِهِمْ أنْ يَنالُوهُ بِشَرٍّ.
ومَعْنى ﴿لا يَجْرِمَنَّكُمْ﴾: لا يُكْسِبَنَّكم شِقاقِي، أيْ: خِلافِي وعَداوَتِي. قالَ السُّدِّيُّ: كَأنَّهُ في شِقٍّ وهم في شِقٍّ. وقالَ الحَسَنُ: ضِرارِي جَعَلَهُ مِنَ المَشَقَّةِ.
وقِيلَ: فِراقِي. وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ والأعْمَشُ: بِضَمِّ الياءِ مِن أجْرَمَ، ونَسَبَها الزَّمَخْشَرِيُّ إلى ابْنِ كَثِيرٍ، وجَرَمَ في التَّعْدِيَةِ مِثْلُ كَسَبَ يَتَعَدّى إلى واحِدٍ. جَرَمَ فُلانٌ الذَّنْبَ، وكَسَبَ زَيْدٌ المالَ، ويَتَعَدّى إلى اثْنَيْنِ جَرَّمْتُ زَيْدًا الذَّنْبَ، وكَسَّبْتُ زَيْدًا المالَ. وبِالألِفِ يَتَعَدّى إلى اثْنَيْنِ أيْضًا، أجْرَمَ زَيْدٌ عَمْرًا الذَّنْبَ، وأكْسَبْتُ زَيْدًا المالَ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ في جَرَمَ في العُقُودِ.
وقَرَأ مُجاهِدٌ والجَحْدَرِيُّ وابْنُ أبِي إسْحاقَ ورُوِيَتْ عَنْ نافِعٍ: مِثْلَ بِفَتْحِ اللّامِ، وخُرِّجَ عَلى وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنْ تَكُونَ الفُتْحَةُ فُتْحَةَ بِناءٍ، وهو فاعِلٌ كَحالِهِ حِينَ كانَ مَرْفُوعًا، ولَمّا أُضِيفَ إلى غَيْرِ مُتَمَكِّنٍ جازَ فِيهِ البِناءُ، كَقِراءَةِ مَن قَرَأ: ﴿إنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ ما أنَّكم تَنْطِقُونَ﴾ [الذاريات: ٢٣] والثّانِي: أنْ تَكُونَ الفُتْحَةُ فَتْحَةَ إعْرابٍ، وانْتَصَبَ عَلى أنَّهُ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: إصابَةً مِثْلَ إصابَةِ قَوْمِ نُوحٍ.
والفاعِلُ مُضْمَرٌ يُفَسِّرُهُ سِياقُ الكَلامِ، أيْ: أنْ يُصِيبَكم هو، أيِ: العَذابُ.
﴿وما قَوْمُ لُوطٍ مِنكم بِبَعِيدٍ﴾: إمّا في الزَّمانِ لِقُرْبِ عَهْدِ هَلاكِهِمْ مِن عَهْدِكم، إذْ هم أقْرَبُ الهالِكِينَ، وإمّا في الكُفْرِ والمَعاصِي وما يُسْتَحَقُّ بِهِ الهَلاكُ. وأجْرى بَعِيدًا عَلى قَوْمٍ إمّا بِاعْتِبارِ الزَّمانِ أوِ المَكانِ، أيْ: بِزَمانٍ بَعِيدٍ، أوْ بِمَكانٍ بَعِيدٍ.
أوْ بِاعْتِبارِ مَوْصُوفٍ غَيْرِهِما، أيْ: بِشَيْءٍ بَعِيدٍ، أوْ بِاعْتِبارِ مُضافٍ إلى قَوْمٍ، أيْ: وما إهْلاكُ قَوْمِ لُوطٍ. ويَجُوزُ أنْ يُسَوّى في قَرِيبٍ وبَعِيدٍ وكَثِيرٍ وقَلِيلٍ بَيْنَ المُفْرَدِ والجَمْعِ، وبَيْنَ المُذَكَّرِ والمُؤَنَّثِ، كَما قالُوا: هو صَدِيقٌ، وهم صَدِيقٌ، وهي صَدِيقٌ، وهُنَّ صَدِيقٌ. و(ودُودٌ): بِناءُ مُبالَغَةٍ مِن ودَّ الشَّيْءَ: أحَبَّهُ وآثَرَهُ، وهو عَلى فَعَلَ. وسَمِعَ الكِسائِيُّ: ودَدَتُ بِفَتْحِ العَيْنِ، والمَصْدَرُ: ودَّ وِدادًا ووِدادَةً. وقالَ بَعْضُ أهْلِ اللُّغَةِ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ودُودٌ فَعُولٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ. وقالَ المُفَسِّرُونَ: ودُودٌ مُتَحَبِّبٌ إلى عِبادِهِ بِالإحْسانِ إلَيْهِمْ. وقِيلَ: مَحْبُوبُ المُؤْمِنِينَ. ورَحْمَتُهُ لِعِبادِهِ، ومَحَبَّتُهُ لَهم سَبَبٌ في اسْتِغْفارِهِمْ وتَوْبَتِهِمْ، ولَوْلا ذَلِكَ ما وفَّقَهم إلى اسْتِغْفارِهِ والرُّجُوعِ إلَيْهِ، فَهو يَفْعَلُ بِهِمْ فِعْلَ الوادِّ بِمَن يَوَدُّهُ مِنَ الإحْسانِ إلَيْهِ.
هود 11:89
(p-٢٥٣)﴿قالُوا يا شُعَيْبُ أصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أنْ نَتْرُكَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا أوْ أنْ نَفْعَلَ في أمْوالِنا ما نَشاءُ إنَّكَ لَأنْتَ الحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾ ﴿قالَ ياقَوْمِ أرَأيْتُمْ إنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّي ورَزَقَنِي مِنهُ رِزْقًا حَسَنًا وما أُرِيدُ أنْ أُخالِفَكم إلى ما أنْهاكم عَنْهُ إنْ أُرِيدُ إلّا الإصْلاحَ ما اسْتَطَعْتُ وما تَوْفِيقِي إلّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وإلَيْهِ أُنِيبُ﴾ ﴿ويا قَوْمِ لا يَجْرِمَنَّكم شِقاقِي أنْ يُصِيبَكم مِثْلُ ما أصابَ قَوْمَ نُوحٍ أوْ قَوْمَ هُودٍ أوْ قَوْمَ صالِحٍ وما قَوْمُ لُوطٍ مِنكم بِبَعِيدٍ﴾ ﴿واسْتَغْفِرُوا رَبَّكم ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ إنَّ رَبِّي رَحِيمٌ ودُودٌ﴾ لَمّا أمَرَهم شُعَيْبٌ بِعِبادَةِ اللَّهِ وتَرْكِ عِبادَةِ أوْثانِهِمْ، وبِإيفاءِ المِكْيالِ والمِيزانِ، رَدُّوا عَلَيْهِ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِهْزاءِ والهُزْءِ بِقَوْلِهِمْ: ﴿أصَلاتُكَ﴾، وكانَ كَثِيرَ الصَّلاةِ، وكانَ إذا صَلّى تَغامَزُوا وتَضاحَكُوا.
﴿أنْ نَتْرُكَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا﴾ مُقابِلٌ لِقَوْلِهِ: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [هود: ٨٤] ﴿أوْ أنْ نَفْعَلَ في أمْوالِنا ما نَشاءُ﴾ مُقابِلٌ لِقَوْلِهِ: ﴿ولا تَنْقُصُوا المِكْيالَ والمِيزانَ﴾ [هود: ٨٤]، وكَوْنُ الصَّلاةِ آمِرَةً هو عَلى وجْهِ المَجازِ، كَما كانَتْ ناهِيَةً في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت: ٤٥] أوْ يُقالُ: إنَّها تَأْمُرُ بِالجَمِيلِ والمَعْرُوفِ، أيْ: تَدْعُو إلَيْهِ وتَبْعَثُ عَلَيْهِ.
إلّا أنَّهم ساقُوا الكَلامَ مَساقَ الطَّنْزِ، وجَعَلُوا الصَّلاةَ آمِرَةً عَلى سَبِيلِ التَّهَكُّمِ بِصَلاتِهِ. والمَعْنى: فَأمْرُكَ بِتَكْلِيفِنا أنْ نَتْرُكَ، فَحُذِفَ المُضافُ لِأنَّ الإنْسانَ لا يُؤْمَرُ بِفِعْلِ غَيْرِهِ. والظّاهِرُ أنَّهُ أُرِيدَ بِالصَّلاةِ: الصَّلاةُ المَعْهُودَةُ في تِلْكَ الشَّرِيعَةِ. وقالَ الحَسَنُ: لَمْ يَبْعَثِ اللَّهُ نَبِيًّا إلّا فَرَضَ عَلَيْهِ الصَّلاةَ والزَّكاةَ. وقِيلَ: أُرِيدُ قِراءَتُكَ. وقِيلَ: مَساجِدَكَ. وقِيلَ: دَعَواتَكَ. وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ والأخَوانِ وحَفْصٌ: أصَلاتُكَ عَلى التَّوْحِيدِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿أوْ أنْ نَفْعَلَ في أمْوالِنا ما نَشاءُ﴾ بِالنُّونِ فِيهِما. وقَرَأ الضَّحّاكُ بْنُ قَيْسٍ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: بِالتّاءِ فِيهِما عَلى الخِطابِ، ورُوِيَتْ عَنْ أبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ.
وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ وطَلْحَةُ: نَفْعَلُ بِالنُّونِ ما نَشاءُ بِالتّاءِ عَلى الخِطابِ، ورُوِيَتْ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. فَمَن قَرَأ بِالنُّونِ فِيهِما فَقَوْلُهُ: ﴿أوْ أنْ نَفْعَلَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: (ما يَعْبُدُ)، أيْ: أنْ نَتْرُكَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا وفِعْلَنا في أمْوالِنا ما نَشاءُ. ومَن قَرَأ بِالتّاءِ فِيهِما أوْ بِالنُّونِ فِيهِما فَمَعْطُوفٌ عَلى أنْ نَتْرُكَ، أيْ: تَأْمُرُكَ بِتَرْكِ ما يَعْبُدُ آباؤُنا، وفِعْلِكِ في أمْوالِنا ما تَشاءُ، أوْ وفِعْلِنا في أمْوالِنا ما تَشاءُ. وأوْ لِلتَّنْوِيعِ، أيْ: تَأْمُرُكَ مَرَّةً بِهَذا، ومَرَّةً بِهَذا. وقِيلَ: بِمَعْنى الواوِ. والظّاهِرُ أنَّ الَّذِي كانُوا يَفْعَلُونَهُ في أمْوالِهِمْ هو بَخْسُ الكَيْلِ والوَزْنِ المُقَدَّمُ ذِكْرُهُ. وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: قَرْضُهُمُ الدِّينارَ والدِّرْهَمَ، وإجْراءُ ذَلِكَ مَعَ الصَّحِيحِ عَلى جِهَةِ التَّدْلِيسِ، وعَنِ ابْنِ المُسَيَّبِ: قَطْعُ الدَّنانِيرِ والدَّراهِمِ مِنَ الفَسادِ في الأرْضِ.
وقِيلَ: تَبْدِيلُ السِّكَكِ الَّتِي يُقْصَدُ بِها أكْلُ أمْوالِ النّاسِ. ومَن قَرَأ بِالتّاءِ فِيهِما أوْ في نَشاءُ، والظّاهِرُ أنَّهُ إيفاءُ المِكْيالِ والمِيزانِ. وقالَ سُفْيانُ الثَّوْرِيُّ: كانَ يَأْمُرُهم بِالزَّكاةِ. وقَوْلُهُ: ﴿إنَّكَ لَأنْتَ الحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾: ظاهِرُهُ أنَّهُ إخْبارٌ مِنهم عَنْهُ بِهَذَيْنِ الوَصْفَيْنِ الجَمِيلَيْنِ، فَيُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدُوا بِذَلِكَ الحَقِيقَةَ، أيْ: إنَّكَ لَلْمُتَّصِفُ بِهَذَيْنِ الوَصْفَيْنِ، فَكَيْفَ وقَعْتَ في هَذا الأمْرِ مِن مُخالَفَتِكَ دِينَ آبائِنا وما كانُوا عَلَيْهِ، ومِثْلُكَ مَن يَمْنَعُهُ حِلْمُهُ ورُشْدُهُ عَنْ ذَلِكَ.
أوْ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدُوا بِذَلِكَ: ﴿إنَّكَ لَأنْتَ الحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾: بِزَعْمِكَ إذْ تَأْمُرُنا بِما تَأْمُرُ بِهِ. أوْ يَحْتَمِلُ أنْ قالُوا ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِهْزاءِ والتَّهَكُّمِ، قالَهُ قَتادَةُ. والمُرادُ: نِسْبَتُهُ إلى الطَّيْشِ والعِيِّ كَما تَقُولُ لِلشَّحِيحِ: لَوْ رَآكَ حاتِمٌ لَسَجَدَ لَكَ، وقالُوا: لِلْحَبَشِيِّ أبُو البَيْضاءِ.
﴿قالَ ياقَوْمِ أرَأيْتُمْ إنْ كُنْتُ﴾ [هود: ٢٨]: (p-٢٥٤)هَذِهِ مُراجَعَةٌ لَطِيفَةٌ واسْتِنْزالٌ حَسَنٌ، واسْتِدْعاءٌ رَقِيقٌ، ولِذَلِكَ قالَ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «ذَلِكَ خَطِيبُ الأنْبِياءِ» وهَذا النَّوْعُ يُسَمّى اسْتِدْراجُ المُخاطَبِ عِنْدَ أرْبابِ عِلْمِ البَيانِ، وهو نَوْعٌ لَطِيفٌ غَرِيبُ المَغْزى يُتَوَصَّلُ بِهِ إلى بُلُوغِ الغَرَضِ، وقَدْ ورَدَ مِنهُ في قِصَّةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ مَعَ أبِيهِ، وفي قِصَّةِ نُوحٍ وهُودٍ وصالِحٍ، وفي قِصَّةِ مُؤْمِنِ آلِ فِرْعَوْنَ مَعَ قَوْمِهِ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): أيْنَ جَوابُ أرَأيْتُمْ ؟، ومالَهُ لَمْ يَثْبُتْ كَما ثَبَتَ في قِصَّةِ نُوحٍ وصالِحٍ ؟ قُلْتُ: جَوابُهُ مَحْذُوفٌ، وإنَّما لَمْ يَثْبُتْ لِأنَّ إثْباتَهُ في الصِّفَتَيْنِ دَلَّ عَلى مَكانِهِ، ومَعْنى الكَلامِ: يُناوِي عَلَيْهِ، والمَعْنى: أخْبِرُونِي إنْ كُنْتُ عَلى حُجَّةٍ واضِحَةٍ ويَقِينٍ مِن رَبِّي، وكُنْتُ نَبِيًّا عَلى الحَقِيقَةِ، أيَصِحُّ لِي أنْ لا آمُرَكم بِتَرْكِ عِبادَةِ الأوْثانِ والكَفِّ عَنِ المَعاصِي، والأنْبِياءُ لا يُبْعَثُونَ إلّا لِذَلِكَ ؟ انْتَهى.
وتَسْمِيَةُ هَذا جَوابًا لِأرَأيْتُمْ لَيْسَ بِالمُصْطَلَحِ، بَلْ هَذِهِ الجُمْلَةُ الَّتِي قَدَّرَها هي في مَوْضِعِ المَفْعُولِ الثّانِي لِأرَأيْتُمْ، لِأنَّ أرَأيْتُمْ إذا ضُمِّنَتْ مَعْنى: أخْبِرْنِي، تَعَدَّتْ إلى مَفْعُولَيْنِ، والغالِبُ في الثّانِي أنْ يَكُونَ جُمْلَةً اسْتِفْهامِيَّةً، تَنْعَقِدُ مِنها ومِنَ المَفْعُولِ الأوَّلِ في الأصْلِ جُمْلَةٌ ابْتِدائِيَّةٌ، كَقَوْلِ العَرَبِ: أرَأيْتُكَ زَيْدًا ما صَنَعَ. وقالَ الحَوْفِيُّ: وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ لِدِلالَةِ الكَلامِ عَلَيْهِ، والتَّقْدِيرُ: فَأعْدِلْ عَنْ ما أنا عَلَيْهِ مِن عِبادَتِهِ عَلى هَذِهِ الحالِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وجَوابُ الشَّرْطِ الَّذِي في قَوْلِهِ: ﴿إنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّي﴾ [هود: ٢٨] مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: أضِلُّ كَما ضَلَلْتُمْ، أوْ أتْرُكُ تَبْلِيغَ الرِّسالَةِ ونَحْوَ هَذا مِمّا يَلِيقُ بِهَذِهِ المُحاجَّةِ، انْتَهى.
ولَيْسَ قَوْلُهُ: (أضِلُّ) جَوابًا لِلشَّرْطِ، لِأنَّهُ إنْ كانَ مُثْبَتًا فَلا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ جَوابًا لِأنَّهُ لا يَتَرَتَّبُ عَلى الشَّرْطِ، وإنْ كانَ اسْتِفْهامًا حُذِفَ مِنهُ الهَمْزَةُ، فَهو في مَوْضِعِ المَفْعُولِ الثّانِي لِأرَأيْتُمْ، وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ تَدُلُّ عَلَيْهِ الجُمْلَةُ السّابِقَةُ مَعَ مُتَعَلِّقِها.
والظّاهِرُ في قَوْلِهِ: ﴿رِزْقًا حَسَنًا﴾ أنَّهُ: الحَلالُ الطَّيِّبُ مِن غَيْرِ بَخْسٍ ولا تَطْفِيفٍ أدْخَلْتُمُوهُ أمْوالَكم. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الحَلالُ، وكانَ شُعَيْبٌ عَلَيْهِ السَّلامُ كَثِيرَ المالِ. وقِيلَ: النُّبُوَّةُ. وقِيلَ: العِلْمُ.
﴿وما أُرِيدُ أنْ أُخالِفَكم إلى ما أنْهاكم عَنْهُ﴾ المَعْنى: لَسْتُ أُرِيدُ أنْ أفْعَلَ الشَّيْءَ الَّذِي نَهَيْتُكم عَنْهُ، مِن نَقْصِ الكَيْلِ والوَزْنِ وأسْتَأْثِرَ بِالمالِ، قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ. وقالَ قَتادَةُ: لَمْ أكُنْ لِأنْهاكم عَنْ أمْرٍ ثُمَّ أرْتَكِبُهُ. وقالَ صاحِبُ الغُنْيانِ: ما أُرِيدُ أنْ أُخالِفَكم في السِّرِّ إلى ما أنْهاكم عَنْهُ في العَلانِيَةِ. ويُقالُ: خالَفَنِي فُلانٌ إلى كَذا إذا قَصَدَهُ وأنْتَ مُوَلٍّ عَنْهُ، وخالَفَنِي عَنْهُ إذا ولّى عَنْهُ وأنْتَ قاصِدُهُ، ويَلْقاكَ الرَّجُلُ صادِرًا عَنِ الماءِ فَتَسْألُهُ عَنْ صاحِبِهِ فَتَقُولُ: خالَفَنِي إلى الماءِ، تُرِيدُ أنَّهُ قَدْ ذَهَبَ إلَيْهِ وارِدًا، وأنا ذاهِبٌ عَنْهُ صادِرًا.
والمَعْنى: أنْ أسْبِقَكم إلى شَهَواتِكُمُ الَّتِي نَهَيْتُكم عَنْها لَأسْتَبِدَّ بِها دُونَكم، فَعَلى هَذا الظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿أنْ أُخالِفَكُمْ﴾ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ لِأُرِيدُ، أيْ: وما أُرِيدُ مُخالَفَتَكم، ويَكُونُ خالَفَ بِمَعْنى: خَلَفَ نَحْوَ: جاوَزَ وجازَ، أيْ: وما أُرِيدُ أنْ أخْلُفَكم، أيْ: أكُونُ خَلَفًا مِنكم.
وتَتَعَلَّقُ إلى بِأُخالِفَكم أوْ بِمَحْذُوفٍ، أيْ: مائِلًا إلى ما أنْهاكم عَنْهُ، ولِذَلِكَ قالَ بَعْضُهم: فِيهِ حَذْفٌ يَقْتَضِيهِ إلى تَقْدِيرِهِ: وأمِيلُ إلى، أوْ يَبْقى ﴿أنْ أُخالِفَكُمْ﴾ عَلى ظاهِرِ ما يُفْهَمُ مِنَ المُخالَفَةِ، ويَكُونُ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ بِهِ بِأُرِيدُ، وتُقَدَّرُ: مائِلًا إلى، أوْ يَكُونُ ﴿أنْ أُخالِفَكُمْ﴾: مَفْعُولًا مِن أجْلِهِ، وتَتَعَلَّقُ إلى بِقَوْلِهِ: ﴿وما أُرِيدُ﴾ بِمَعْنى: وما أقْصِدُ، أيْ: وما أقْصِدُ لِأجْلِ مُخالَفَتِكم إلى ما أنْهاكم عَنْهُ، ولِذَلِكَ قالَ الزَّجّاجُ: وما أقْصِدُ بِخِلافِكم إلى ارْتِكابِ ما أنْهاكم عَنْهُ.
والظّاهِرُ أنَّ (ما) مَصْدَرِيَّةٌ ظَرْفِيَّةٌ، أيْ: مُدَّةُ اسْتِطاعَتِي لِلْإصْلاحِ، وما دُمْتُ مُتَمَكِّنًا مِنهُ لا آلُوا فِيهِ جُهْدًا. وأجازَ الزَّمَخْشَرِيُّ في (ما) وُجُوهًا أحَدُها: أنْ (p-٢٥٥)يَكُونَ بَدَلًا مِنَ الإصْلاحِ، أيِ: المُقَدَّرُ الَّذِي اسْتَطَعْتُهُ، أوْ عَلى حَذْفِ مُضافٍ تَقْدِيرُهُ: إلّا الإصْلاحَ إصْلاحَ ما اسْتَطَعْتُ، فَهَذانِ وجْهانِ في البَدَلِ. والثّالِثُ: أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا كَقَوْلِهِ:
ضَعِيفُ النِّكايَةِ أعْداءَهُ. أيْ: ما أُرِيدُ إلّا أنْ أُصْلِحَ ما اسْتَطَعْتُ إصْلاحَهُ مِن فاسِدِكم، وهَذا الثّالِثُ ضَعِيفٌ، لِأنَّ المَصْدَرَ المُعَرَّفَ بِألْ لا يَجُوزُ إعْمالُهُ في المَفْعُولِ بِهِ عِنْدَ الكُوفِيِّينَ، وأمّا البَصْرِيُّونَ فَإعْمالُهُ عِنْدَهم فِيهِ قَلِيلٌ.
﴿وما تَوْفِيقِي﴾، أيْ: لِدُعائِكم إلى عِبادَةِ اللَّهِ وحْدَهُ، وتَرْكِ ما نَهاكم عَنْهُ إلّا بِمَعُونَةِ اللَّهِ. أوْ: وما تَوْفِيقِي لِأنْ تَكُونَ أفْعالِي مُسَدَّدَةً مُوافِقَةً لِرِضا اللَّهِ إلّا بِمَعُونَتِهِ، ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾: لا عَلى غَيْرِهِ، ﴿وإلَيْهِ أُنِيبُ﴾: أرْجِعُ في جَمِيعِ أقْوالِي وأفْعالِي. وفي هَذا طَلَبُ التَّأْيِيدِ مِنَ اللَّهِ تَعالى، وتَهْدِيدٌ لِلْكُفّارِ، وحَسْمٌ لِأطْماعِهِمْ أنْ يَنالُوهُ بِشَرٍّ.
ومَعْنى ﴿لا يَجْرِمَنَّكُمْ﴾: لا يُكْسِبَنَّكم شِقاقِي، أيْ: خِلافِي وعَداوَتِي. قالَ السُّدِّيُّ: كَأنَّهُ في شِقٍّ وهم في شِقٍّ. وقالَ الحَسَنُ: ضِرارِي جَعَلَهُ مِنَ المَشَقَّةِ.
وقِيلَ: فِراقِي. وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ والأعْمَشُ: بِضَمِّ الياءِ مِن أجْرَمَ، ونَسَبَها الزَّمَخْشَرِيُّ إلى ابْنِ كَثِيرٍ، وجَرَمَ في التَّعْدِيَةِ مِثْلُ كَسَبَ يَتَعَدّى إلى واحِدٍ. جَرَمَ فُلانٌ الذَّنْبَ، وكَسَبَ زَيْدٌ المالَ، ويَتَعَدّى إلى اثْنَيْنِ جَرَّمْتُ زَيْدًا الذَّنْبَ، وكَسَّبْتُ زَيْدًا المالَ. وبِالألِفِ يَتَعَدّى إلى اثْنَيْنِ أيْضًا، أجْرَمَ زَيْدٌ عَمْرًا الذَّنْبَ، وأكْسَبْتُ زَيْدًا المالَ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ في جَرَمَ في العُقُودِ.
وقَرَأ مُجاهِدٌ والجَحْدَرِيُّ وابْنُ أبِي إسْحاقَ ورُوِيَتْ عَنْ نافِعٍ: مِثْلَ بِفَتْحِ اللّامِ، وخُرِّجَ عَلى وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنْ تَكُونَ الفُتْحَةُ فُتْحَةَ بِناءٍ، وهو فاعِلٌ كَحالِهِ حِينَ كانَ مَرْفُوعًا، ولَمّا أُضِيفَ إلى غَيْرِ مُتَمَكِّنٍ جازَ فِيهِ البِناءُ، كَقِراءَةِ مَن قَرَأ: ﴿إنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ ما أنَّكم تَنْطِقُونَ﴾ [الذاريات: ٢٣] والثّانِي: أنْ تَكُونَ الفُتْحَةُ فَتْحَةَ إعْرابٍ، وانْتَصَبَ عَلى أنَّهُ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: إصابَةً مِثْلَ إصابَةِ قَوْمِ نُوحٍ.
والفاعِلُ مُضْمَرٌ يُفَسِّرُهُ سِياقُ الكَلامِ، أيْ: أنْ يُصِيبَكم هو، أيِ: العَذابُ.
﴿وما قَوْمُ لُوطٍ مِنكم بِبَعِيدٍ﴾: إمّا في الزَّمانِ لِقُرْبِ عَهْدِ هَلاكِهِمْ مِن عَهْدِكم، إذْ هم أقْرَبُ الهالِكِينَ، وإمّا في الكُفْرِ والمَعاصِي وما يُسْتَحَقُّ بِهِ الهَلاكُ. وأجْرى بَعِيدًا عَلى قَوْمٍ إمّا بِاعْتِبارِ الزَّمانِ أوِ المَكانِ، أيْ: بِزَمانٍ بَعِيدٍ، أوْ بِمَكانٍ بَعِيدٍ.
أوْ بِاعْتِبارِ مَوْصُوفٍ غَيْرِهِما، أيْ: بِشَيْءٍ بَعِيدٍ، أوْ بِاعْتِبارِ مُضافٍ إلى قَوْمٍ، أيْ: وما إهْلاكُ قَوْمِ لُوطٍ. ويَجُوزُ أنْ يُسَوّى في قَرِيبٍ وبَعِيدٍ وكَثِيرٍ وقَلِيلٍ بَيْنَ المُفْرَدِ والجَمْعِ، وبَيْنَ المُذَكَّرِ والمُؤَنَّثِ، كَما قالُوا: هو صَدِيقٌ، وهم صَدِيقٌ، وهي صَدِيقٌ، وهُنَّ صَدِيقٌ. و(ودُودٌ): بِناءُ مُبالَغَةٍ مِن ودَّ الشَّيْءَ: أحَبَّهُ وآثَرَهُ، وهو عَلى فَعَلَ. وسَمِعَ الكِسائِيُّ: ودَدَتُ بِفَتْحِ العَيْنِ، والمَصْدَرُ: ودَّ وِدادًا ووِدادَةً. وقالَ بَعْضُ أهْلِ اللُّغَةِ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ودُودٌ فَعُولٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ. وقالَ المُفَسِّرُونَ: ودُودٌ مُتَحَبِّبٌ إلى عِبادِهِ بِالإحْسانِ إلَيْهِمْ. وقِيلَ: مَحْبُوبُ المُؤْمِنِينَ. ورَحْمَتُهُ لِعِبادِهِ، ومَحَبَّتُهُ لَهم سَبَبٌ في اسْتِغْفارِهِمْ وتَوْبَتِهِمْ، ولَوْلا ذَلِكَ ما وفَّقَهم إلى اسْتِغْفارِهِ والرُّجُوعِ إلَيْهِ، فَهو يَفْعَلُ بِهِمْ فِعْلَ الوادِّ بِمَن يَوَدُّهُ مِنَ الإحْسانِ إلَيْهِ.
هود 11:90
(p-٢٥٣)﴿قالُوا يا شُعَيْبُ أصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أنْ نَتْرُكَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا أوْ أنْ نَفْعَلَ في أمْوالِنا ما نَشاءُ إنَّكَ لَأنْتَ الحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾ ﴿قالَ ياقَوْمِ أرَأيْتُمْ إنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّي ورَزَقَنِي مِنهُ رِزْقًا حَسَنًا وما أُرِيدُ أنْ أُخالِفَكم إلى ما أنْهاكم عَنْهُ إنْ أُرِيدُ إلّا الإصْلاحَ ما اسْتَطَعْتُ وما تَوْفِيقِي إلّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وإلَيْهِ أُنِيبُ﴾ ﴿ويا قَوْمِ لا يَجْرِمَنَّكم شِقاقِي أنْ يُصِيبَكم مِثْلُ ما أصابَ قَوْمَ نُوحٍ أوْ قَوْمَ هُودٍ أوْ قَوْمَ صالِحٍ وما قَوْمُ لُوطٍ مِنكم بِبَعِيدٍ﴾ ﴿واسْتَغْفِرُوا رَبَّكم ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ إنَّ رَبِّي رَحِيمٌ ودُودٌ﴾ لَمّا أمَرَهم شُعَيْبٌ بِعِبادَةِ اللَّهِ وتَرْكِ عِبادَةِ أوْثانِهِمْ، وبِإيفاءِ المِكْيالِ والمِيزانِ، رَدُّوا عَلَيْهِ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِهْزاءِ والهُزْءِ بِقَوْلِهِمْ: ﴿أصَلاتُكَ﴾، وكانَ كَثِيرَ الصَّلاةِ، وكانَ إذا صَلّى تَغامَزُوا وتَضاحَكُوا.
﴿أنْ نَتْرُكَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا﴾ مُقابِلٌ لِقَوْلِهِ: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكم مِن إلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [هود: ٨٤] ﴿أوْ أنْ نَفْعَلَ في أمْوالِنا ما نَشاءُ﴾ مُقابِلٌ لِقَوْلِهِ: ﴿ولا تَنْقُصُوا المِكْيالَ والمِيزانَ﴾ [هود: ٨٤]، وكَوْنُ الصَّلاةِ آمِرَةً هو عَلى وجْهِ المَجازِ، كَما كانَتْ ناهِيَةً في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الفَحْشاءِ والمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت: ٤٥] أوْ يُقالُ: إنَّها تَأْمُرُ بِالجَمِيلِ والمَعْرُوفِ، أيْ: تَدْعُو إلَيْهِ وتَبْعَثُ عَلَيْهِ.
إلّا أنَّهم ساقُوا الكَلامَ مَساقَ الطَّنْزِ، وجَعَلُوا الصَّلاةَ آمِرَةً عَلى سَبِيلِ التَّهَكُّمِ بِصَلاتِهِ. والمَعْنى: فَأمْرُكَ بِتَكْلِيفِنا أنْ نَتْرُكَ، فَحُذِفَ المُضافُ لِأنَّ الإنْسانَ لا يُؤْمَرُ بِفِعْلِ غَيْرِهِ. والظّاهِرُ أنَّهُ أُرِيدَ بِالصَّلاةِ: الصَّلاةُ المَعْهُودَةُ في تِلْكَ الشَّرِيعَةِ. وقالَ الحَسَنُ: لَمْ يَبْعَثِ اللَّهُ نَبِيًّا إلّا فَرَضَ عَلَيْهِ الصَّلاةَ والزَّكاةَ. وقِيلَ: أُرِيدُ قِراءَتُكَ. وقِيلَ: مَساجِدَكَ. وقِيلَ: دَعَواتَكَ. وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ والأخَوانِ وحَفْصٌ: أصَلاتُكَ عَلى التَّوْحِيدِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿أوْ أنْ نَفْعَلَ في أمْوالِنا ما نَشاءُ﴾ بِالنُّونِ فِيهِما. وقَرَأ الضَّحّاكُ بْنُ قَيْسٍ وابْنُ أبِي عَبْلَةَ وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: بِالتّاءِ فِيهِما عَلى الخِطابِ، ورُوِيَتْ عَنْ أبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ.
وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ وطَلْحَةُ: نَفْعَلُ بِالنُّونِ ما نَشاءُ بِالتّاءِ عَلى الخِطابِ، ورُوِيَتْ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. فَمَن قَرَأ بِالنُّونِ فِيهِما فَقَوْلُهُ: ﴿أوْ أنْ نَفْعَلَ﴾ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: (ما يَعْبُدُ)، أيْ: أنْ نَتْرُكَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا وفِعْلَنا في أمْوالِنا ما نَشاءُ. ومَن قَرَأ بِالتّاءِ فِيهِما أوْ بِالنُّونِ فِيهِما فَمَعْطُوفٌ عَلى أنْ نَتْرُكَ، أيْ: تَأْمُرُكَ بِتَرْكِ ما يَعْبُدُ آباؤُنا، وفِعْلِكِ في أمْوالِنا ما تَشاءُ، أوْ وفِعْلِنا في أمْوالِنا ما تَشاءُ. وأوْ لِلتَّنْوِيعِ، أيْ: تَأْمُرُكَ مَرَّةً بِهَذا، ومَرَّةً بِهَذا. وقِيلَ: بِمَعْنى الواوِ. والظّاهِرُ أنَّ الَّذِي كانُوا يَفْعَلُونَهُ في أمْوالِهِمْ هو بَخْسُ الكَيْلِ والوَزْنِ المُقَدَّمُ ذِكْرُهُ. وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: قَرْضُهُمُ الدِّينارَ والدِّرْهَمَ، وإجْراءُ ذَلِكَ مَعَ الصَّحِيحِ عَلى جِهَةِ التَّدْلِيسِ، وعَنِ ابْنِ المُسَيَّبِ: قَطْعُ الدَّنانِيرِ والدَّراهِمِ مِنَ الفَسادِ في الأرْضِ.
وقِيلَ: تَبْدِيلُ السِّكَكِ الَّتِي يُقْصَدُ بِها أكْلُ أمْوالِ النّاسِ. ومَن قَرَأ بِالتّاءِ فِيهِما أوْ في نَشاءُ، والظّاهِرُ أنَّهُ إيفاءُ المِكْيالِ والمِيزانِ. وقالَ سُفْيانُ الثَّوْرِيُّ: كانَ يَأْمُرُهم بِالزَّكاةِ. وقَوْلُهُ: ﴿إنَّكَ لَأنْتَ الحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾: ظاهِرُهُ أنَّهُ إخْبارٌ مِنهم عَنْهُ بِهَذَيْنِ الوَصْفَيْنِ الجَمِيلَيْنِ، فَيُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدُوا بِذَلِكَ الحَقِيقَةَ، أيْ: إنَّكَ لَلْمُتَّصِفُ بِهَذَيْنِ الوَصْفَيْنِ، فَكَيْفَ وقَعْتَ في هَذا الأمْرِ مِن مُخالَفَتِكَ دِينَ آبائِنا وما كانُوا عَلَيْهِ، ومِثْلُكَ مَن يَمْنَعُهُ حِلْمُهُ ورُشْدُهُ عَنْ ذَلِكَ.
أوْ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدُوا بِذَلِكَ: ﴿إنَّكَ لَأنْتَ الحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾: بِزَعْمِكَ إذْ تَأْمُرُنا بِما تَأْمُرُ بِهِ. أوْ يَحْتَمِلُ أنْ قالُوا ذَلِكَ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِهْزاءِ والتَّهَكُّمِ، قالَهُ قَتادَةُ. والمُرادُ: نِسْبَتُهُ إلى الطَّيْشِ والعِيِّ كَما تَقُولُ لِلشَّحِيحِ: لَوْ رَآكَ حاتِمٌ لَسَجَدَ لَكَ، وقالُوا: لِلْحَبَشِيِّ أبُو البَيْضاءِ.
﴿قالَ ياقَوْمِ أرَأيْتُمْ إنْ كُنْتُ﴾ [هود: ٢٨]: (p-٢٥٤)هَذِهِ مُراجَعَةٌ لَطِيفَةٌ واسْتِنْزالٌ حَسَنٌ، واسْتِدْعاءٌ رَقِيقٌ، ولِذَلِكَ قالَ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «ذَلِكَ خَطِيبُ الأنْبِياءِ» وهَذا النَّوْعُ يُسَمّى اسْتِدْراجُ المُخاطَبِ عِنْدَ أرْبابِ عِلْمِ البَيانِ، وهو نَوْعٌ لَطِيفٌ غَرِيبُ المَغْزى يُتَوَصَّلُ بِهِ إلى بُلُوغِ الغَرَضِ، وقَدْ ورَدَ مِنهُ في قِصَّةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ مَعَ أبِيهِ، وفي قِصَّةِ نُوحٍ وهُودٍ وصالِحٍ، وفي قِصَّةِ مُؤْمِنِ آلِ فِرْعَوْنَ مَعَ قَوْمِهِ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): أيْنَ جَوابُ أرَأيْتُمْ ؟، ومالَهُ لَمْ يَثْبُتْ كَما ثَبَتَ في قِصَّةِ نُوحٍ وصالِحٍ ؟ قُلْتُ: جَوابُهُ مَحْذُوفٌ، وإنَّما لَمْ يَثْبُتْ لِأنَّ إثْباتَهُ في الصِّفَتَيْنِ دَلَّ عَلى مَكانِهِ، ومَعْنى الكَلامِ: يُناوِي عَلَيْهِ، والمَعْنى: أخْبِرُونِي إنْ كُنْتُ عَلى حُجَّةٍ واضِحَةٍ ويَقِينٍ مِن رَبِّي، وكُنْتُ نَبِيًّا عَلى الحَقِيقَةِ، أيَصِحُّ لِي أنْ لا آمُرَكم بِتَرْكِ عِبادَةِ الأوْثانِ والكَفِّ عَنِ المَعاصِي، والأنْبِياءُ لا يُبْعَثُونَ إلّا لِذَلِكَ ؟ انْتَهى.
وتَسْمِيَةُ هَذا جَوابًا لِأرَأيْتُمْ لَيْسَ بِالمُصْطَلَحِ، بَلْ هَذِهِ الجُمْلَةُ الَّتِي قَدَّرَها هي في مَوْضِعِ المَفْعُولِ الثّانِي لِأرَأيْتُمْ، لِأنَّ أرَأيْتُمْ إذا ضُمِّنَتْ مَعْنى: أخْبِرْنِي، تَعَدَّتْ إلى مَفْعُولَيْنِ، والغالِبُ في الثّانِي أنْ يَكُونَ جُمْلَةً اسْتِفْهامِيَّةً، تَنْعَقِدُ مِنها ومِنَ المَفْعُولِ الأوَّلِ في الأصْلِ جُمْلَةٌ ابْتِدائِيَّةٌ، كَقَوْلِ العَرَبِ: أرَأيْتُكَ زَيْدًا ما صَنَعَ. وقالَ الحَوْفِيُّ: وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ لِدِلالَةِ الكَلامِ عَلَيْهِ، والتَّقْدِيرُ: فَأعْدِلْ عَنْ ما أنا عَلَيْهِ مِن عِبادَتِهِ عَلى هَذِهِ الحالِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وجَوابُ الشَّرْطِ الَّذِي في قَوْلِهِ: ﴿إنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّي﴾ [هود: ٢٨] مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: أضِلُّ كَما ضَلَلْتُمْ، أوْ أتْرُكُ تَبْلِيغَ الرِّسالَةِ ونَحْوَ هَذا مِمّا يَلِيقُ بِهَذِهِ المُحاجَّةِ، انْتَهى.
ولَيْسَ قَوْلُهُ: (أضِلُّ) جَوابًا لِلشَّرْطِ، لِأنَّهُ إنْ كانَ مُثْبَتًا فَلا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ جَوابًا لِأنَّهُ لا يَتَرَتَّبُ عَلى الشَّرْطِ، وإنْ كانَ اسْتِفْهامًا حُذِفَ مِنهُ الهَمْزَةُ، فَهو في مَوْضِعِ المَفْعُولِ الثّانِي لِأرَأيْتُمْ، وجَوابُ الشَّرْطِ مَحْذُوفٌ تَدُلُّ عَلَيْهِ الجُمْلَةُ السّابِقَةُ مَعَ مُتَعَلِّقِها.
والظّاهِرُ في قَوْلِهِ: ﴿رِزْقًا حَسَنًا﴾ أنَّهُ: الحَلالُ الطَّيِّبُ مِن غَيْرِ بَخْسٍ ولا تَطْفِيفٍ أدْخَلْتُمُوهُ أمْوالَكم. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الحَلالُ، وكانَ شُعَيْبٌ عَلَيْهِ السَّلامُ كَثِيرَ المالِ. وقِيلَ: النُّبُوَّةُ. وقِيلَ: العِلْمُ.
﴿وما أُرِيدُ أنْ أُخالِفَكم إلى ما أنْهاكم عَنْهُ﴾ المَعْنى: لَسْتُ أُرِيدُ أنْ أفْعَلَ الشَّيْءَ الَّذِي نَهَيْتُكم عَنْهُ، مِن نَقْصِ الكَيْلِ والوَزْنِ وأسْتَأْثِرَ بِالمالِ، قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ. وقالَ قَتادَةُ: لَمْ أكُنْ لِأنْهاكم عَنْ أمْرٍ ثُمَّ أرْتَكِبُهُ. وقالَ صاحِبُ الغُنْيانِ: ما أُرِيدُ أنْ أُخالِفَكم في السِّرِّ إلى ما أنْهاكم عَنْهُ في العَلانِيَةِ. ويُقالُ: خالَفَنِي فُلانٌ إلى كَذا إذا قَصَدَهُ وأنْتَ مُوَلٍّ عَنْهُ، وخالَفَنِي عَنْهُ إذا ولّى عَنْهُ وأنْتَ قاصِدُهُ، ويَلْقاكَ الرَّجُلُ صادِرًا عَنِ الماءِ فَتَسْألُهُ عَنْ صاحِبِهِ فَتَقُولُ: خالَفَنِي إلى الماءِ، تُرِيدُ أنَّهُ قَدْ ذَهَبَ إلَيْهِ وارِدًا، وأنا ذاهِبٌ عَنْهُ صادِرًا.
والمَعْنى: أنْ أسْبِقَكم إلى شَهَواتِكُمُ الَّتِي نَهَيْتُكم عَنْها لَأسْتَبِدَّ بِها دُونَكم، فَعَلى هَذا الظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿أنْ أُخالِفَكُمْ﴾ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ لِأُرِيدُ، أيْ: وما أُرِيدُ مُخالَفَتَكم، ويَكُونُ خالَفَ بِمَعْنى: خَلَفَ نَحْوَ: جاوَزَ وجازَ، أيْ: وما أُرِيدُ أنْ أخْلُفَكم، أيْ: أكُونُ خَلَفًا مِنكم.
وتَتَعَلَّقُ إلى بِأُخالِفَكم أوْ بِمَحْذُوفٍ، أيْ: مائِلًا إلى ما أنْهاكم عَنْهُ، ولِذَلِكَ قالَ بَعْضُهم: فِيهِ حَذْفٌ يَقْتَضِيهِ إلى تَقْدِيرِهِ: وأمِيلُ إلى، أوْ يَبْقى ﴿أنْ أُخالِفَكُمْ﴾ عَلى ظاهِرِ ما يُفْهَمُ مِنَ المُخالَفَةِ، ويَكُونُ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ بِهِ بِأُرِيدُ، وتُقَدَّرُ: مائِلًا إلى، أوْ يَكُونُ ﴿أنْ أُخالِفَكُمْ﴾: مَفْعُولًا مِن أجْلِهِ، وتَتَعَلَّقُ إلى بِقَوْلِهِ: ﴿وما أُرِيدُ﴾ بِمَعْنى: وما أقْصِدُ، أيْ: وما أقْصِدُ لِأجْلِ مُخالَفَتِكم إلى ما أنْهاكم عَنْهُ، ولِذَلِكَ قالَ الزَّجّاجُ: وما أقْصِدُ بِخِلافِكم إلى ارْتِكابِ ما أنْهاكم عَنْهُ.
والظّاهِرُ أنَّ (ما) مَصْدَرِيَّةٌ ظَرْفِيَّةٌ، أيْ: مُدَّةُ اسْتِطاعَتِي لِلْإصْلاحِ، وما دُمْتُ مُتَمَكِّنًا مِنهُ لا آلُوا فِيهِ جُهْدًا. وأجازَ الزَّمَخْشَرِيُّ في (ما) وُجُوهًا أحَدُها: أنْ (p-٢٥٥)يَكُونَ بَدَلًا مِنَ الإصْلاحِ، أيِ: المُقَدَّرُ الَّذِي اسْتَطَعْتُهُ، أوْ عَلى حَذْفِ مُضافٍ تَقْدِيرُهُ: إلّا الإصْلاحَ إصْلاحَ ما اسْتَطَعْتُ، فَهَذانِ وجْهانِ في البَدَلِ. والثّالِثُ: أنْ يَكُونَ مَفْعُولًا كَقَوْلِهِ:
ضَعِيفُ النِّكايَةِ أعْداءَهُ. أيْ: ما أُرِيدُ إلّا أنْ أُصْلِحَ ما اسْتَطَعْتُ إصْلاحَهُ مِن فاسِدِكم، وهَذا الثّالِثُ ضَعِيفٌ، لِأنَّ المَصْدَرَ المُعَرَّفَ بِألْ لا يَجُوزُ إعْمالُهُ في المَفْعُولِ بِهِ عِنْدَ الكُوفِيِّينَ، وأمّا البَصْرِيُّونَ فَإعْمالُهُ عِنْدَهم فِيهِ قَلِيلٌ.
﴿وما تَوْفِيقِي﴾، أيْ: لِدُعائِكم إلى عِبادَةِ اللَّهِ وحْدَهُ، وتَرْكِ ما نَهاكم عَنْهُ إلّا بِمَعُونَةِ اللَّهِ. أوْ: وما تَوْفِيقِي لِأنْ تَكُونَ أفْعالِي مُسَدَّدَةً مُوافِقَةً لِرِضا اللَّهِ إلّا بِمَعُونَتِهِ، ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾: لا عَلى غَيْرِهِ، ﴿وإلَيْهِ أُنِيبُ﴾: أرْجِعُ في جَمِيعِ أقْوالِي وأفْعالِي. وفي هَذا طَلَبُ التَّأْيِيدِ مِنَ اللَّهِ تَعالى، وتَهْدِيدٌ لِلْكُفّارِ، وحَسْمٌ لِأطْماعِهِمْ أنْ يَنالُوهُ بِشَرٍّ.
ومَعْنى ﴿لا يَجْرِمَنَّكُمْ﴾: لا يُكْسِبَنَّكم شِقاقِي، أيْ: خِلافِي وعَداوَتِي. قالَ السُّدِّيُّ: كَأنَّهُ في شِقٍّ وهم في شِقٍّ. وقالَ الحَسَنُ: ضِرارِي جَعَلَهُ مِنَ المَشَقَّةِ.
وقِيلَ: فِراقِي. وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ والأعْمَشُ: بِضَمِّ الياءِ مِن أجْرَمَ، ونَسَبَها الزَّمَخْشَرِيُّ إلى ابْنِ كَثِيرٍ، وجَرَمَ في التَّعْدِيَةِ مِثْلُ كَسَبَ يَتَعَدّى إلى واحِدٍ. جَرَمَ فُلانٌ الذَّنْبَ، وكَسَبَ زَيْدٌ المالَ، ويَتَعَدّى إلى اثْنَيْنِ جَرَّمْتُ زَيْدًا الذَّنْبَ، وكَسَّبْتُ زَيْدًا المالَ. وبِالألِفِ يَتَعَدّى إلى اثْنَيْنِ أيْضًا، أجْرَمَ زَيْدٌ عَمْرًا الذَّنْبَ، وأكْسَبْتُ زَيْدًا المالَ، وتَقَدَّمَ الكَلامُ في جَرَمَ في العُقُودِ.
وقَرَأ مُجاهِدٌ والجَحْدَرِيُّ وابْنُ أبِي إسْحاقَ ورُوِيَتْ عَنْ نافِعٍ: مِثْلَ بِفَتْحِ اللّامِ، وخُرِّجَ عَلى وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنْ تَكُونَ الفُتْحَةُ فُتْحَةَ بِناءٍ، وهو فاعِلٌ كَحالِهِ حِينَ كانَ مَرْفُوعًا، ولَمّا أُضِيفَ إلى غَيْرِ مُتَمَكِّنٍ جازَ فِيهِ البِناءُ، كَقِراءَةِ مَن قَرَأ: ﴿إنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ ما أنَّكم تَنْطِقُونَ﴾ [الذاريات: ٢٣] والثّانِي: أنْ تَكُونَ الفُتْحَةُ فَتْحَةَ إعْرابٍ، وانْتَصَبَ عَلى أنَّهُ نَعْتٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ، أيْ: إصابَةً مِثْلَ إصابَةِ قَوْمِ نُوحٍ.
والفاعِلُ مُضْمَرٌ يُفَسِّرُهُ سِياقُ الكَلامِ، أيْ: أنْ يُصِيبَكم هو، أيِ: العَذابُ.
﴿وما قَوْمُ لُوطٍ مِنكم بِبَعِيدٍ﴾: إمّا في الزَّمانِ لِقُرْبِ عَهْدِ هَلاكِهِمْ مِن عَهْدِكم، إذْ هم أقْرَبُ الهالِكِينَ، وإمّا في الكُفْرِ والمَعاصِي وما يُسْتَحَقُّ بِهِ الهَلاكُ. وأجْرى بَعِيدًا عَلى قَوْمٍ إمّا بِاعْتِبارِ الزَّمانِ أوِ المَكانِ، أيْ: بِزَمانٍ بَعِيدٍ، أوْ بِمَكانٍ بَعِيدٍ.
أوْ بِاعْتِبارِ مَوْصُوفٍ غَيْرِهِما، أيْ: بِشَيْءٍ بَعِيدٍ، أوْ بِاعْتِبارِ مُضافٍ إلى قَوْمٍ، أيْ: وما إهْلاكُ قَوْمِ لُوطٍ. ويَجُوزُ أنْ يُسَوّى في قَرِيبٍ وبَعِيدٍ وكَثِيرٍ وقَلِيلٍ بَيْنَ المُفْرَدِ والجَمْعِ، وبَيْنَ المُذَكَّرِ والمُؤَنَّثِ، كَما قالُوا: هو صَدِيقٌ، وهم صَدِيقٌ، وهي صَدِيقٌ، وهُنَّ صَدِيقٌ. و(ودُودٌ): بِناءُ مُبالَغَةٍ مِن ودَّ الشَّيْءَ: أحَبَّهُ وآثَرَهُ، وهو عَلى فَعَلَ. وسَمِعَ الكِسائِيُّ: ودَدَتُ بِفَتْحِ العَيْنِ، والمَصْدَرُ: ودَّ وِدادًا ووِدادَةً. وقالَ بَعْضُ أهْلِ اللُّغَةِ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ودُودٌ فَعُولٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ. وقالَ المُفَسِّرُونَ: ودُودٌ مُتَحَبِّبٌ إلى عِبادِهِ بِالإحْسانِ إلَيْهِمْ. وقِيلَ: مَحْبُوبُ المُؤْمِنِينَ. ورَحْمَتُهُ لِعِبادِهِ، ومَحَبَّتُهُ لَهم سَبَبٌ في اسْتِغْفارِهِمْ وتَوْبَتِهِمْ، ولَوْلا ذَلِكَ ما وفَّقَهم إلى اسْتِغْفارِهِ والرُّجُوعِ إلَيْهِ، فَهو يَفْعَلُ بِهِمْ فِعْلَ الوادِّ بِمَن يَوَدُّهُ مِنَ الإحْسانِ إلَيْهِ.
هود 11:91
﴿قالُوا يا شُعَيْبُ ما نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمّا تَقُولُ وإنّا لَنَراكَ فِينا ضَعِيفًا ولَوْلا رَهْطُكَ لَرَجَمْناكَ وما أنْتَ عَلَيْنا بِعَزِيزٍ﴾ ﴿قالَ ياقَوْمِ أرَهْطِي أعَزُّ عَلَيْكم مِنَ اللَّهِ واتَّخَذْتُمُوهُ وراءَكم ظِهْرِيًّا إنَّ رَبِّي بِما تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ ﴿ويا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكم إنِّي عامِلٌ سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ ومَن هو كاذِبٌ وارْتَقِبُوا إنِّي مَعَكم رَقِيبٌ﴾ ﴿ولَمّا جاءَ أمْرُنا نَجَّيْنا شُعَيْبًا والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنّا وأخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأصْبَحُوا في دِيارِهِمْ جاثِمِينَ﴾ ﴿كَأنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها ألا بُعْدًا لِمَدْيَنَ كَما بَعِدَتْ ثَمُودُ﴾: (p-٢٥٦)كانُوا لا يُلْقُونَ إلَيْهِ أذْهانَهم، ولا يُصْغُونَ لِكَلامِهِ رَغْبَةً عَنْهُ وكَراهَةً لَهُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أكِنَّةً أنْ يَفْقَهُوهُ﴾ [الأنعام: ٢٥] أوْ كانُوا يَفْهَمُونَهُ ولَكِنَّهم لَمْ يَقْبَلُوهُ، فَكَأنَّهم لَمْ يَفْقَهُوهُ، أوْ قالُوا ذَلِكَ عَلى وجْهِ الِاسْتِهانَةِ بِهِ كَما يَقُولُ الرَّجُلُ لِصاحِبِهِ إذا لَمْ يَعْبَأْ بِحَدِيثِهِ: ما أدْرِي ما تَقُولُ، أوْ جَعَلُوا كَلامَهُ هَذَيانًا وتَخْلِيطًا لا يُتَفَهَّمُ كَثِيرٌ مِنهُ، وكَيْفَ لا يُتَفَهَّمُ كَلامُهُ وهو خَطِيبُ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ.
ثُمَّ الَّذِي حاوَرَهم بِهِ مِنَ الكَلامِ وخاطَبَهم بِهِ هو مِن أفْصَحِ الكَلامِ وأجَلِّهِ وأدَلِّهِ عَلى مَعانِيهِ بِحَيْثُ يَفْقَهُهُ مَن كانَ بَعِيدَ الفَهْمِ، فَضْلًا عَنِ الأذْكِياءِ العُقَلاءِ، ولَكِنَّ اللَّهَ تَعالى أرادَ خِذْلانَهم. ومَعْنى ضَعِيفًا: لا قُوَّةَ لَكَ ولا عِزَّ فِيما بَيْنَنا، فَلا تَقْدِرُ عَلى الِامْتِناعِ مِنهُ إنْ أرَدْناكَ بِمَكْرُوهٍ، وعَنِ الحَسَنِ: ضَعِيفًا مَهِينًا. وقِيلَ: كانَ ناحِلَ البَدَنِ زَمِنَهُ لا يَقَعُ في القَلْبِ مِنهُ هَيْبَةٌ ولا في العَيْنِ مِنهُ امْتِلاءٌ، والعَرَبُ تُعَظِّمُ بِكِبَرِ الأجْسامِ، وتَذُمُّ بِدَمامَتِها.
وقالَ الباقِرُ: مَهْجُورًا لا تُجالَسُ ولا تُعاشَرُ. وقالَ مُقاتِلٌ: ضَعِيفًا، أيْ: لَمْ يُؤْمِن بِكَ رَهْطُكَ. وقالَ السُّدِّيُّ: وحِيدًا في مَذْهَبِكَ واعْتِقادِكَ. وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ وشَرِيكٌ القاضِي: (ضَعِيفًا): ضَرِيرَ البَصَرِ أعْمى.
وحَكى الزَّهْراوِيُّ والزَّمَخْشَرِيُّ: أنَّ حِمْيَرَ تُسَمِّي الأعْمى: ضَعِيفًا، ويُبْعِدُهُ تَفْسِيرُهُ هُنا بِأعْمى أوْ بِناحِلِ البَدَنِ، أوْ بِضَعِيفِ البَصَرِ كَما قالَهُ الثَّوْرِيُّ. وزَعَمَ أبُو رَوْقٍ: أنَّ اللَّهَ لَمْ يَبْعَثْ نَبِيًّا أعْمى، ولا نَبِيًّا بِهِ زَمانَةٌ، بَلِ الظّاهِرُ أنَّهُ ضَعِيفُ الِانْتِصارِ والقُدْرَةِ.
﴿ولَوْلا رَهْطُكَ﴾: احْتَرَمُوهُ لِرَهْطِهِ إذْ كانُوا كُفّارًا مِثْلَهم، أوْ كانَ في عِزَّةٍ ومَنَعَةٍ مِنهم.
﴿لَرَجَمْناكَ﴾ . ظاهِرُهُ القَتْلُ بِالحِجارَةِ، وهي مِن شَرِّ القِتْلاتِ، وبِهِ قالَ ابْنُ زَيْدٍ، وقالَ الطَّبَرِيُّ: رَجَمْناكَ بِالسَّبِّ، وهَذا أيْضًا تَسْتَعْمِلُهُ العَرَبُ ومِنهُ: ﴿لَأرْجُمَنَّكَ واهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾ [مريم: ٤٦] وقِيلَ: لَأبْعَدْناكَ وأخْرَجْناكَ مِن أرْضِنا.
﴿وما أنْتَ عَلَيْنا بِعَزِيزٍ﴾، أيْ: لا تُعَزُّ ولا تُكْرَمُ حَتّى نُكْرِمَكَ مِنَ القَتْلِ، ونَرْفَعَكَ عَنِ الرَّجْمِ.
وإنَّما يَعِزُّ عَلَيْنا رَهْطُكُ لِأنَّهم مِن أهْلِ دِينِنا لَمْ يَحْتاجُّوكَ عَلَيْنا. وقِيلَ: بِعَزِيزٍ بِذِي مَنَعَةٍ وعِزَّةِ مَنزِلَةِ في نُفُوسِنا. وقِيلَ: بِذِي غَلَبَةٍ. وقِيلَ: بِمُلْكٍ، وكانُوا يُسَمُّونَ المَلِكَ عَزِيزًا. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وقَدْ دَلَّ إيلاءُ ضَمِيرِهِ حَرْفَ النَّفْيِ عَلى أنَّ الكَلامَ واقِعٌ في الفاعِلِ لا في الفِعْلِ، كَأنَّهُ قِيلَ: وما أنْتَ عَلَيْنا بِعَزِيزٍ بَلْ رَهْطُكَ هُمُ الأعِزَّةُ عَلَيْنا، ولِذَلِكَ قالَ في جَوابِهِمْ: ﴿أرَهْطِي أعَزُّ عَلَيْكم مِنَ اللَّهِ﴾ ؟ ولَوْ قِيلَ: وما عَزَزْتَ عَلَيْنا لَمْ يَصِحَّ هَذا الجَوابُ. (فَإنْ قُلْتَ): فالكَلامُ واقِعٌ فِيهِ وفي رَهْطِهِ وأنَّهُمُ الأعِزَّةُ عَلَيْهِمْ دُونَهُ، فَكَيْفَ صَحَّ قَوْلُهُ: ﴿أرَهْطِي أعَزُّ عَلَيْكم مِنَ اللَّهِ﴾ (قُلْتُ): تَهاوُنُهم بِهِ وهو نَبِيُّ اللَّهِ تَهاوُنٌ بِاللَّهِ فَحِينَ عَزَّ عَلَيْهِمْ رَهْطُهُ دُونَهُ، كانَ رَهْطُهُ أعَزَّ عَلَيْهِمْ مِنَ اللَّهِ. ألا تَرى إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أطاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: ٨٠]، انْتَهى.
والظّاهِرُ في قَوْلِهِ: ﴿واتَّخَذْتُمُوهُ﴾: أنَّ الضَّمِيرَ عائِدٌ عَلى اللَّهِ تَعالى، أيْ: ونَسِيتُمُوهُ وجَعَلْتُمُوهُ كالشَّيْءِ المَنبُوذِ وراءَ الظَّهْرِ لا يُعْبَأُ بِهِ. والظِّهْرِيُّ بِكَسْرِ الظّاءِ: مَنسُوبٌ إلى الظَّهْرِ مِن تَغْيِيراتِ النَّسَبِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهم في النَّسَبِ إلى الأمْسِ: إمْسِيٌّ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، ولَمّا خاطَبُوهُ خِطابَ الإهانَةِ والجَفاءِ جَرْيًا عَلى عادَةِ الكُفّارِ مَعَ أنْبِيائِهِمْ، خاطَبَهم خِطابَ الِاسْتِعْطافِ والتَّلَطُّفِ جَرْيًا عَلى عادَتِهِ في إلانَةِ القَوْلِ لَهم، والمَعْنى: أعَزُّ عَلَيْكم مِنَ اللَّهِ حَتّى جَعَلْتُمْ مُراعاتِي مِن أجْلِهِمْ ولَمْ تُسْنِدُوها إلى اللَّهِ، وأنا أوْلى وأحَقُّ أنْ أُراعى مِن أجْلِهِ، فالمُراعاةُ لِأجْلِ الخالِقِ أعْظَمُ مِنَ المُراعاةِ لِأجْلِ المَخْلُوقِ، والظِّهْرِيُّ: المَنسِيُّ المَتْرُوكُ الَّذِي جُعِلَ كَأنَّهُ خَلْفُ الظَّهْرِ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ في ﴿واتَّخَذْتُمُوهُ﴾ عائِدٌ عَلى الشَّرْعِ الَّذِي جاءَ شُعَيْبٌ عَلَيْهِ السَّلامُ بِهِ.
وقِيلَ: الظِّهْرِيُّ العَوْنُ وما يُتَقَوّى بِهِ. قالَ المُبَرِّدُ: فالمَعْنى: واتَّخَذْتُمُ العِصْيانَ عِنْدَهُ لِدَفْعِي، انْتَهى. فَيَكُونُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: واتَّخَذْتُمُوهُ، أيْ: عِصْيانَهُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقالَتْ فِرْقَةٌ: واتَّخَذْتُمُوهُ، أيْ: (p-٢٥٧)وأنْتُمْ مُتَّخِذُونَ اللَّهَ سَنَدَ ظُهُورِكم وعِمادَ آمالِكم. فَقَوْلُ الجُمْهُورِ: عَلى أنَّ كُفْرَ قَوْمِ شُعَيْبٍ كانَ جَحْدًا بِاللَّهِ وجَهْلًا بِهِ، وهَذا القَوْلُ الثّانِي عَلى أنَّهم كانُوا يُقِرُّونَ بِالخالِقِ الرّازِقِ ويَعْتَقِدُونَ الأصْنامَ وسائِطَ ووَسائِلَ، ومِنَ اللَّفْظَةِ الِاسْتِظْهارُ بِالبَيِّنَةِ.
وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: الظِّهْرِيُّ: الفَضْلُ، مِثْلَ الحَمّالِ يَخْرُجُ مَعَهُ بِإبِلٍ ظِهارِيَّةٍ يَعُدُّها إنِ احْتاجَ إلَيْها، وإلّا فَهي فَضْلَةٌ. (مُحِيطٌ): أحاطَ بِأعْمالِكم فَلا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنها، وفي ضِمْنِهِ تَوَعُّدٌ وتَهْدِيدٌ، وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ نَظِيرِ قَوْلِهِ: ﴿ويا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ﴾ وخِلافُ القُرّاءِ في مَكانَتِكم. وجَوَّزَ الفَرّاءُ والزَّمَخْشَرِيُّ: في ﴿مَن يَأْتِيهِ﴾ أنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً مَفْعُولَةً بِقَوْلِهِ: تَعْلَمُونَ، أيْ: تَعْلَمُونَ الشَّقِيَّ الَّذِي يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ والَّذِي هو كاذِبٌ، واسْتِفْهامِيَّةً في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى الِابْتِداءِ، و(تَعْلَمُونَ): مُعَلَّقٌ كَأنَّهُ قِيلَ: أيُّنا يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ، وأيُّنا هو كاذِبٌ ؟ . قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والأوَّلُ أحْسَنُ، يَعْنِي كَوْنَها مَفْعُولَةً قالَ: لِأنَّها مَوْصُولَةٌ، ولا يُوصَلُ في الِاسْتِفْهامِ، ويَقْضِي بِصِلَتِها أنَّ المَعْطُوفَةَ عَلَيْها مَوْصُولَةٌ لا مَحالَةَ، انْتَهى.
وقَوْلُهُ: ويَقْضِي بِصِلَتِها إلَخْ، لا يَقْضِي بِصِلَتِها، إذْ لا يَتَعَيَّنُ أنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً لا مَحالَةَ كَما قالَ، بَلْ تَكُونُ اسْتِفْهامِيَّةً إذا قَدَّرْتَها مَعْطُوفَةً عَلى مَن الِاسْتِفْهامِيَّةِ، كَما قَدَّرْناهُ: وأيُّنا هو كاذِبٌ ؟ .
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): أيُّ فَرْقٍ بَيْنَ إدْخالِ الفاءِ ونَزْعِها في سَوْفَ تَعْلَمُونَ ؟ (قُلْتُ): إدْخالُ الفاءِ وصْلٌ ظاهِرٌ بِحَرْفٍ مَوْضُوعٍ لِلْوَصْلِ، ونَزْعُها وصْلٌ خَفِيٌّ تَقْدِيرِيُّ بِالِاسْتِئْنافِ الَّذِي هو جَوابٌ لِسُؤالٍ مُقَدَّرٍ كَأنَّهم قالُوا: فَماذا يَكُونُ إذا عَمِلْنا نَحْنُ عَلى مَكانَتِنا، وعَمِلْتَ أنْتَ ؟ فَقالَ: سَوْفَ تَعْلَمُونَ، يُوصَلُ تارَةً بِالفاءِ، وتارَةً بِالِاسْتِئْنافِ، كَما هو عادَةُ البُلَغاءِ مِنَ العَرَبِ.
وأقْوى الوَصْلَيْنِ وأبْلَغُهُما: الِاسْتِئْنافُ، وهو بابٌ مِن أبْوابِ عِلْمِ البَيانِ تَتَكاثَرُ مَحاسِنُهُ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): قَدْ ذَكَرَ عَمَلَهم عَلى مَكانَتِهِمْ، وعَمَلَهُ عَلى مَكانَتِهِ، ثُمَّ أتْبَعَهُ ذِكْرَ عاقِبَةِ العامِلِينَ مِنهُ ومِنهم، فَكانَ القِياسُ أنْ يَقُولَ: مَن يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ ومَن هو صادِقٌ، حَتّى يَنْصَرِفَ مَن يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ إلى الجاحِدِينَ، ومَن هو صادِقٌ إلى النَّبِيِّ المَبْعُوثِ إلَيْهِمْ.
(قُلْتُ): القِياسُ ما ذَكَرْتُ، ولَكِنَّهم لَمّا كانُوا يَعُدُّونَهُ كاذِبًا قالَ: ومَن هو كاذِبٌ يَعْنِي: في زَعْمِكم ودَعْواكم تَجْهِيلًا لَهُمُ، انْتَهى.
وفِي ألْفاظِ هَذا الرَّجُلِ سُوءُ أدَبٍ، والَّذِي قالَهُ لَيْسَ بِقِياسٍ، لِأنَّ التَّهْدِيدَ الَّذِي وقَعَ لَيْسَ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ، ولا هو داخِلٌ في التَّهْدِيدِ المُرادِ بِقَوْلِهِ: ﴿سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾، إذْ لَمْ يَأْتِ التَّرْكِيبُ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكم، وأعْمَلُ عَلى مَكانَتِي، ولا سَوْفَ تَعْلَمُونَ.
واعْلَمُ أنَّ التَّهْدِيدَ مُخْتَصٌّ بِهِمْ. واسْتَسْلَفَ الزَّمَخْشَرِيُّ قَوْلَهُ: قَدْ ذَكَرَ عَمَلَهم عَلى مَكانَتِهِمْ، وعَمَلَهُ عَلى مَكانَتِهِ، فَبَنى عَلى ذَلِكَ سُؤالًا فاسِدًا، لِأنَّ المُتَرَتِّبَ عَلى ما لَيْسَ مَذْكُورًا لا يَصِحُّ البَتَّةَ، وجَمِيعُ الآيَةِ والَّتِي قَبْلَها إنَّما هي بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِمْ عَلى سَبِيلِ التَّهْدِيدِ، ونَظِيرُهُ في سُورَةِ (تَنْزِيلُ): ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ ويَحِلُّ عَلَيْهِ عَذابٌ مُقِيمٌ﴾ [هود: ٣٩]، فَهَذا جاءَ بِالنِّسْبَةِ لِلْمُخاطَبِينَ في قَوْلِهِ: ﴿قُلْ ياقَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ﴾ [الأنعام: ١٣٥] كَما جاءَ هُنا، ﴿وارْتَقِبُوا﴾: انْتَظِرُوا العاقِبَةَ وما أقُولُ لَكم. والرَّقِيبُ بِمَعْنى: الرّاقِبِ فَعِيلٌ لِلْمُبالَغَةِ، أوْ بِمَعْنى: المُراقِبِ كالعَشِيرِ والجَلِيسِ، أوْ بِمَعْنى: المُرْتَقِبِ كالفَقِيرِ والرَّفِيعِ بِمَعْنى: المُفْتَقِرِ والمُرْتَفِعِ، ويُحَسِّنُ هَذا مُقابَلَةُ فارْتَقِبُوا.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): ما بالُ ساقَتَيْ قِصَّةِ عادٍ وقِصَّةِ مَدْيَنَ جاءَتا بِالواوِ والسّاقَتانِ الوَسَطِيّانِ بِالفاءِ ؟ (قُلْتُ): قَدْ وقَعَتِ الوَسَطِيّانِ بَعْدَ ذِكْرِ الوَعْدِ وذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿إنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ﴾ [هود: ٨١] ﴿ذَلِكَ وعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ﴾ [هود: ٦٥] فَجِيءَ بِالفاءِ الَّتِي لِلتَّسَبُّبِ كَما تَقُولُ: وعَدْتُهُ فَلَمّا جاءَ المِيعادُ كانَ كَيْتَ وكَيْتَ، وأمّا الأُخْرَيانِ فَلَمْ يَقَعا بِتِلْكَ المَنزِلَةِ، وإنَّما وقَعَتا مُبْتَدَأتَيْنِ، فَكانَ حَقُّهُما أنْ يُعْطَفا بِحَرْفِ الجَمْعِ عَلى ما قَبْلَهُما كَما تُعْطَفُ قِصَّةٌ عَلى قِصَّةٍ، انْتَهى.
وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ مِثْلِ ﴿ولَمّا جاءَ أمْرُنا﴾ [هود: ٥٨] إلى قَوْلِهِ: ﴿كَأنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها﴾ [هود: ٦٨] . وقَرَأ السُّلَمِيُّ وأبُو حَيْوَةَ: ﴿كَما بَعِدَتْ﴾ بِضَمِّ العَيْنِ مِنَ البُعْدِ الَّذِي هو ضِدُّ القُرْبِ، والجُمْهُورُ (p-٢٥٨)بِكَسْرِها، أرادَتِ العَرَبُ التَّفْرِقَةَ بَيْنَ البُعْدِ مِن جِهَةِ الهَلاكِ وبَيْنَ غَيْرِهِ، فَغَيَّرُوا البِناءَ، وقِراءَةُ السُّلَمِيِّ جاءَتْ عَلى الأصْلِ اعْتِبارًا لِمَعْنى البُعْدِ مِن غَيْرِ تَخْصِيصٍ كَما يُقالُ: ذَهَبَ فُلانٌ، ومَضى في مَعْنى القُرْبِ.
وقِيلَ: مَعْناهُ بُعْدًا لَهم مِن رَحْمَةِ اللَّهِ كَما بَعُدَتْ ثَمُودُ مِنها. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: بَعُدَ يَبْعُدُ إذا كانَ بُعْدُهُ هَلَكَةً، وبَعُدَ يَبْعُدُ إذا تَأنّى. وقالَ النَّحّاسُ: المَعْرُوفُ في اللُّغَةِ بَعُدَ يَبْعُدُ بُعْدًا وبَعَدًا إذا هَلَكَ. وقالَ المَهْدَوِيُّ: بَعُدَ يُسْتَعْمَلُ في الخَيْرِ والشَّرِّ، وبَعِدَ في الشَّرِّ خاصَّةً.
وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: مِنَ العَرَبِ مَن يُسَوِّي بَيْنَ الهَلاكِ والبُعْدِ الَّذِي هو ضِدُّ القُرْبِ، فَيَقُولُ فِيهِما بَعُدَ يَبْعُدُ، وبَعِدَ يَبْعُدُ. وقالَ مالِكُ بْنُ الرَّيْبِ: في بَعُدَ بِمَعْنى: هَلَكَ.
؎يَقُولُونَ لا تَبْعُدْ وهم يَدْفِنُونَنِي وأيْنَ مَكانُ البُعْدِ إلّا مَكانِيا
وبُعْدًا لْفُلانٍ: دُعاءٌ عَلَيْهِ، ولا يُدْعى بِهِ إلّا عَلى مُبْغَضٍ كَقَوْلِكَ: سُحْقًا لِلْكافِرِينَ.
وقالَ أهْلُ عِلْمِ البَيانِ: لَمْ يَرِدْ في القُرْآنِ اسْتِطْرادٌ إلّا هَذا المَوْضِعُ، والِاسْتِطْرادُ قالُوا: هو أنْ تَمْدَحَ شَيْئًا أوْ تَذُمَّهُ، ثُمَّ تَأْتِي في آخِرِ الكَلامِ بِشَيْءٍ هو غَرَضُكَ في أوَّلِهِ. قالَ حَسّانُ:
؎إنْ كُنْتِ كاذِبَةَ الَّذِي حَدَّثْتِنِي ∗∗∗ فَنَجَوْتِ مَنجى الحارْثِ بْنِ هِشامِ
؎تَرَكَ الأحِبَّةَ أنْ يُقاتِلَ دُونَهم ∗∗∗ ونَجا بِرَأْسِ طِمِرَّةٍ ولِجامِ
هود 11:92
﴿قالُوا يا شُعَيْبُ ما نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمّا تَقُولُ وإنّا لَنَراكَ فِينا ضَعِيفًا ولَوْلا رَهْطُكَ لَرَجَمْناكَ وما أنْتَ عَلَيْنا بِعَزِيزٍ﴾ ﴿قالَ ياقَوْمِ أرَهْطِي أعَزُّ عَلَيْكم مِنَ اللَّهِ واتَّخَذْتُمُوهُ وراءَكم ظِهْرِيًّا إنَّ رَبِّي بِما تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ ﴿ويا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكم إنِّي عامِلٌ سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ ومَن هو كاذِبٌ وارْتَقِبُوا إنِّي مَعَكم رَقِيبٌ﴾ ﴿ولَمّا جاءَ أمْرُنا نَجَّيْنا شُعَيْبًا والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنّا وأخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأصْبَحُوا في دِيارِهِمْ جاثِمِينَ﴾ ﴿كَأنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها ألا بُعْدًا لِمَدْيَنَ كَما بَعِدَتْ ثَمُودُ﴾: (p-٢٥٦)كانُوا لا يُلْقُونَ إلَيْهِ أذْهانَهم، ولا يُصْغُونَ لِكَلامِهِ رَغْبَةً عَنْهُ وكَراهَةً لَهُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أكِنَّةً أنْ يَفْقَهُوهُ﴾ [الأنعام: ٢٥] أوْ كانُوا يَفْهَمُونَهُ ولَكِنَّهم لَمْ يَقْبَلُوهُ، فَكَأنَّهم لَمْ يَفْقَهُوهُ، أوْ قالُوا ذَلِكَ عَلى وجْهِ الِاسْتِهانَةِ بِهِ كَما يَقُولُ الرَّجُلُ لِصاحِبِهِ إذا لَمْ يَعْبَأْ بِحَدِيثِهِ: ما أدْرِي ما تَقُولُ، أوْ جَعَلُوا كَلامَهُ هَذَيانًا وتَخْلِيطًا لا يُتَفَهَّمُ كَثِيرٌ مِنهُ، وكَيْفَ لا يُتَفَهَّمُ كَلامُهُ وهو خَطِيبُ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ.
ثُمَّ الَّذِي حاوَرَهم بِهِ مِنَ الكَلامِ وخاطَبَهم بِهِ هو مِن أفْصَحِ الكَلامِ وأجَلِّهِ وأدَلِّهِ عَلى مَعانِيهِ بِحَيْثُ يَفْقَهُهُ مَن كانَ بَعِيدَ الفَهْمِ، فَضْلًا عَنِ الأذْكِياءِ العُقَلاءِ، ولَكِنَّ اللَّهَ تَعالى أرادَ خِذْلانَهم. ومَعْنى ضَعِيفًا: لا قُوَّةَ لَكَ ولا عِزَّ فِيما بَيْنَنا، فَلا تَقْدِرُ عَلى الِامْتِناعِ مِنهُ إنْ أرَدْناكَ بِمَكْرُوهٍ، وعَنِ الحَسَنِ: ضَعِيفًا مَهِينًا. وقِيلَ: كانَ ناحِلَ البَدَنِ زَمِنَهُ لا يَقَعُ في القَلْبِ مِنهُ هَيْبَةٌ ولا في العَيْنِ مِنهُ امْتِلاءٌ، والعَرَبُ تُعَظِّمُ بِكِبَرِ الأجْسامِ، وتَذُمُّ بِدَمامَتِها.
وقالَ الباقِرُ: مَهْجُورًا لا تُجالَسُ ولا تُعاشَرُ. وقالَ مُقاتِلٌ: ضَعِيفًا، أيْ: لَمْ يُؤْمِن بِكَ رَهْطُكَ. وقالَ السُّدِّيُّ: وحِيدًا في مَذْهَبِكَ واعْتِقادِكَ. وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ وشَرِيكٌ القاضِي: (ضَعِيفًا): ضَرِيرَ البَصَرِ أعْمى.
وحَكى الزَّهْراوِيُّ والزَّمَخْشَرِيُّ: أنَّ حِمْيَرَ تُسَمِّي الأعْمى: ضَعِيفًا، ويُبْعِدُهُ تَفْسِيرُهُ هُنا بِأعْمى أوْ بِناحِلِ البَدَنِ، أوْ بِضَعِيفِ البَصَرِ كَما قالَهُ الثَّوْرِيُّ. وزَعَمَ أبُو رَوْقٍ: أنَّ اللَّهَ لَمْ يَبْعَثْ نَبِيًّا أعْمى، ولا نَبِيًّا بِهِ زَمانَةٌ، بَلِ الظّاهِرُ أنَّهُ ضَعِيفُ الِانْتِصارِ والقُدْرَةِ.
﴿ولَوْلا رَهْطُكَ﴾: احْتَرَمُوهُ لِرَهْطِهِ إذْ كانُوا كُفّارًا مِثْلَهم، أوْ كانَ في عِزَّةٍ ومَنَعَةٍ مِنهم.
﴿لَرَجَمْناكَ﴾ . ظاهِرُهُ القَتْلُ بِالحِجارَةِ، وهي مِن شَرِّ القِتْلاتِ، وبِهِ قالَ ابْنُ زَيْدٍ، وقالَ الطَّبَرِيُّ: رَجَمْناكَ بِالسَّبِّ، وهَذا أيْضًا تَسْتَعْمِلُهُ العَرَبُ ومِنهُ: ﴿لَأرْجُمَنَّكَ واهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾ [مريم: ٤٦] وقِيلَ: لَأبْعَدْناكَ وأخْرَجْناكَ مِن أرْضِنا.
﴿وما أنْتَ عَلَيْنا بِعَزِيزٍ﴾، أيْ: لا تُعَزُّ ولا تُكْرَمُ حَتّى نُكْرِمَكَ مِنَ القَتْلِ، ونَرْفَعَكَ عَنِ الرَّجْمِ.
وإنَّما يَعِزُّ عَلَيْنا رَهْطُكُ لِأنَّهم مِن أهْلِ دِينِنا لَمْ يَحْتاجُّوكَ عَلَيْنا. وقِيلَ: بِعَزِيزٍ بِذِي مَنَعَةٍ وعِزَّةِ مَنزِلَةِ في نُفُوسِنا. وقِيلَ: بِذِي غَلَبَةٍ. وقِيلَ: بِمُلْكٍ، وكانُوا يُسَمُّونَ المَلِكَ عَزِيزًا. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وقَدْ دَلَّ إيلاءُ ضَمِيرِهِ حَرْفَ النَّفْيِ عَلى أنَّ الكَلامَ واقِعٌ في الفاعِلِ لا في الفِعْلِ، كَأنَّهُ قِيلَ: وما أنْتَ عَلَيْنا بِعَزِيزٍ بَلْ رَهْطُكَ هُمُ الأعِزَّةُ عَلَيْنا، ولِذَلِكَ قالَ في جَوابِهِمْ: ﴿أرَهْطِي أعَزُّ عَلَيْكم مِنَ اللَّهِ﴾ ؟ ولَوْ قِيلَ: وما عَزَزْتَ عَلَيْنا لَمْ يَصِحَّ هَذا الجَوابُ. (فَإنْ قُلْتَ): فالكَلامُ واقِعٌ فِيهِ وفي رَهْطِهِ وأنَّهُمُ الأعِزَّةُ عَلَيْهِمْ دُونَهُ، فَكَيْفَ صَحَّ قَوْلُهُ: ﴿أرَهْطِي أعَزُّ عَلَيْكم مِنَ اللَّهِ﴾ (قُلْتُ): تَهاوُنُهم بِهِ وهو نَبِيُّ اللَّهِ تَهاوُنٌ بِاللَّهِ فَحِينَ عَزَّ عَلَيْهِمْ رَهْطُهُ دُونَهُ، كانَ رَهْطُهُ أعَزَّ عَلَيْهِمْ مِنَ اللَّهِ. ألا تَرى إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أطاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: ٨٠]، انْتَهى.
والظّاهِرُ في قَوْلِهِ: ﴿واتَّخَذْتُمُوهُ﴾: أنَّ الضَّمِيرَ عائِدٌ عَلى اللَّهِ تَعالى، أيْ: ونَسِيتُمُوهُ وجَعَلْتُمُوهُ كالشَّيْءِ المَنبُوذِ وراءَ الظَّهْرِ لا يُعْبَأُ بِهِ. والظِّهْرِيُّ بِكَسْرِ الظّاءِ: مَنسُوبٌ إلى الظَّهْرِ مِن تَغْيِيراتِ النَّسَبِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهم في النَّسَبِ إلى الأمْسِ: إمْسِيٌّ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، ولَمّا خاطَبُوهُ خِطابَ الإهانَةِ والجَفاءِ جَرْيًا عَلى عادَةِ الكُفّارِ مَعَ أنْبِيائِهِمْ، خاطَبَهم خِطابَ الِاسْتِعْطافِ والتَّلَطُّفِ جَرْيًا عَلى عادَتِهِ في إلانَةِ القَوْلِ لَهم، والمَعْنى: أعَزُّ عَلَيْكم مِنَ اللَّهِ حَتّى جَعَلْتُمْ مُراعاتِي مِن أجْلِهِمْ ولَمْ تُسْنِدُوها إلى اللَّهِ، وأنا أوْلى وأحَقُّ أنْ أُراعى مِن أجْلِهِ، فالمُراعاةُ لِأجْلِ الخالِقِ أعْظَمُ مِنَ المُراعاةِ لِأجْلِ المَخْلُوقِ، والظِّهْرِيُّ: المَنسِيُّ المَتْرُوكُ الَّذِي جُعِلَ كَأنَّهُ خَلْفُ الظَّهْرِ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ في ﴿واتَّخَذْتُمُوهُ﴾ عائِدٌ عَلى الشَّرْعِ الَّذِي جاءَ شُعَيْبٌ عَلَيْهِ السَّلامُ بِهِ.
وقِيلَ: الظِّهْرِيُّ العَوْنُ وما يُتَقَوّى بِهِ. قالَ المُبَرِّدُ: فالمَعْنى: واتَّخَذْتُمُ العِصْيانَ عِنْدَهُ لِدَفْعِي، انْتَهى. فَيَكُونُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: واتَّخَذْتُمُوهُ، أيْ: عِصْيانَهُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقالَتْ فِرْقَةٌ: واتَّخَذْتُمُوهُ، أيْ: (p-٢٥٧)وأنْتُمْ مُتَّخِذُونَ اللَّهَ سَنَدَ ظُهُورِكم وعِمادَ آمالِكم. فَقَوْلُ الجُمْهُورِ: عَلى أنَّ كُفْرَ قَوْمِ شُعَيْبٍ كانَ جَحْدًا بِاللَّهِ وجَهْلًا بِهِ، وهَذا القَوْلُ الثّانِي عَلى أنَّهم كانُوا يُقِرُّونَ بِالخالِقِ الرّازِقِ ويَعْتَقِدُونَ الأصْنامَ وسائِطَ ووَسائِلَ، ومِنَ اللَّفْظَةِ الِاسْتِظْهارُ بِالبَيِّنَةِ.
وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: الظِّهْرِيُّ: الفَضْلُ، مِثْلَ الحَمّالِ يَخْرُجُ مَعَهُ بِإبِلٍ ظِهارِيَّةٍ يَعُدُّها إنِ احْتاجَ إلَيْها، وإلّا فَهي فَضْلَةٌ. (مُحِيطٌ): أحاطَ بِأعْمالِكم فَلا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنها، وفي ضِمْنِهِ تَوَعُّدٌ وتَهْدِيدٌ، وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ نَظِيرِ قَوْلِهِ: ﴿ويا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ﴾ وخِلافُ القُرّاءِ في مَكانَتِكم. وجَوَّزَ الفَرّاءُ والزَّمَخْشَرِيُّ: في ﴿مَن يَأْتِيهِ﴾ أنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً مَفْعُولَةً بِقَوْلِهِ: تَعْلَمُونَ، أيْ: تَعْلَمُونَ الشَّقِيَّ الَّذِي يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ والَّذِي هو كاذِبٌ، واسْتِفْهامِيَّةً في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى الِابْتِداءِ، و(تَعْلَمُونَ): مُعَلَّقٌ كَأنَّهُ قِيلَ: أيُّنا يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ، وأيُّنا هو كاذِبٌ ؟ . قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والأوَّلُ أحْسَنُ، يَعْنِي كَوْنَها مَفْعُولَةً قالَ: لِأنَّها مَوْصُولَةٌ، ولا يُوصَلُ في الِاسْتِفْهامِ، ويَقْضِي بِصِلَتِها أنَّ المَعْطُوفَةَ عَلَيْها مَوْصُولَةٌ لا مَحالَةَ، انْتَهى.
وقَوْلُهُ: ويَقْضِي بِصِلَتِها إلَخْ، لا يَقْضِي بِصِلَتِها، إذْ لا يَتَعَيَّنُ أنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً لا مَحالَةَ كَما قالَ، بَلْ تَكُونُ اسْتِفْهامِيَّةً إذا قَدَّرْتَها مَعْطُوفَةً عَلى مَن الِاسْتِفْهامِيَّةِ، كَما قَدَّرْناهُ: وأيُّنا هو كاذِبٌ ؟ .
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): أيُّ فَرْقٍ بَيْنَ إدْخالِ الفاءِ ونَزْعِها في سَوْفَ تَعْلَمُونَ ؟ (قُلْتُ): إدْخالُ الفاءِ وصْلٌ ظاهِرٌ بِحَرْفٍ مَوْضُوعٍ لِلْوَصْلِ، ونَزْعُها وصْلٌ خَفِيٌّ تَقْدِيرِيُّ بِالِاسْتِئْنافِ الَّذِي هو جَوابٌ لِسُؤالٍ مُقَدَّرٍ كَأنَّهم قالُوا: فَماذا يَكُونُ إذا عَمِلْنا نَحْنُ عَلى مَكانَتِنا، وعَمِلْتَ أنْتَ ؟ فَقالَ: سَوْفَ تَعْلَمُونَ، يُوصَلُ تارَةً بِالفاءِ، وتارَةً بِالِاسْتِئْنافِ، كَما هو عادَةُ البُلَغاءِ مِنَ العَرَبِ.
وأقْوى الوَصْلَيْنِ وأبْلَغُهُما: الِاسْتِئْنافُ، وهو بابٌ مِن أبْوابِ عِلْمِ البَيانِ تَتَكاثَرُ مَحاسِنُهُ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): قَدْ ذَكَرَ عَمَلَهم عَلى مَكانَتِهِمْ، وعَمَلَهُ عَلى مَكانَتِهِ، ثُمَّ أتْبَعَهُ ذِكْرَ عاقِبَةِ العامِلِينَ مِنهُ ومِنهم، فَكانَ القِياسُ أنْ يَقُولَ: مَن يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ ومَن هو صادِقٌ، حَتّى يَنْصَرِفَ مَن يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ إلى الجاحِدِينَ، ومَن هو صادِقٌ إلى النَّبِيِّ المَبْعُوثِ إلَيْهِمْ.
(قُلْتُ): القِياسُ ما ذَكَرْتُ، ولَكِنَّهم لَمّا كانُوا يَعُدُّونَهُ كاذِبًا قالَ: ومَن هو كاذِبٌ يَعْنِي: في زَعْمِكم ودَعْواكم تَجْهِيلًا لَهُمُ، انْتَهى.
وفِي ألْفاظِ هَذا الرَّجُلِ سُوءُ أدَبٍ، والَّذِي قالَهُ لَيْسَ بِقِياسٍ، لِأنَّ التَّهْدِيدَ الَّذِي وقَعَ لَيْسَ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ، ولا هو داخِلٌ في التَّهْدِيدِ المُرادِ بِقَوْلِهِ: ﴿سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾، إذْ لَمْ يَأْتِ التَّرْكِيبُ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكم، وأعْمَلُ عَلى مَكانَتِي، ولا سَوْفَ تَعْلَمُونَ.
واعْلَمُ أنَّ التَّهْدِيدَ مُخْتَصٌّ بِهِمْ. واسْتَسْلَفَ الزَّمَخْشَرِيُّ قَوْلَهُ: قَدْ ذَكَرَ عَمَلَهم عَلى مَكانَتِهِمْ، وعَمَلَهُ عَلى مَكانَتِهِ، فَبَنى عَلى ذَلِكَ سُؤالًا فاسِدًا، لِأنَّ المُتَرَتِّبَ عَلى ما لَيْسَ مَذْكُورًا لا يَصِحُّ البَتَّةَ، وجَمِيعُ الآيَةِ والَّتِي قَبْلَها إنَّما هي بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِمْ عَلى سَبِيلِ التَّهْدِيدِ، ونَظِيرُهُ في سُورَةِ (تَنْزِيلُ): ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ ويَحِلُّ عَلَيْهِ عَذابٌ مُقِيمٌ﴾ [هود: ٣٩]، فَهَذا جاءَ بِالنِّسْبَةِ لِلْمُخاطَبِينَ في قَوْلِهِ: ﴿قُلْ ياقَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ﴾ [الأنعام: ١٣٥] كَما جاءَ هُنا، ﴿وارْتَقِبُوا﴾: انْتَظِرُوا العاقِبَةَ وما أقُولُ لَكم. والرَّقِيبُ بِمَعْنى: الرّاقِبِ فَعِيلٌ لِلْمُبالَغَةِ، أوْ بِمَعْنى: المُراقِبِ كالعَشِيرِ والجَلِيسِ، أوْ بِمَعْنى: المُرْتَقِبِ كالفَقِيرِ والرَّفِيعِ بِمَعْنى: المُفْتَقِرِ والمُرْتَفِعِ، ويُحَسِّنُ هَذا مُقابَلَةُ فارْتَقِبُوا.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): ما بالُ ساقَتَيْ قِصَّةِ عادٍ وقِصَّةِ مَدْيَنَ جاءَتا بِالواوِ والسّاقَتانِ الوَسَطِيّانِ بِالفاءِ ؟ (قُلْتُ): قَدْ وقَعَتِ الوَسَطِيّانِ بَعْدَ ذِكْرِ الوَعْدِ وذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿إنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ﴾ [هود: ٨١] ﴿ذَلِكَ وعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ﴾ [هود: ٦٥] فَجِيءَ بِالفاءِ الَّتِي لِلتَّسَبُّبِ كَما تَقُولُ: وعَدْتُهُ فَلَمّا جاءَ المِيعادُ كانَ كَيْتَ وكَيْتَ، وأمّا الأُخْرَيانِ فَلَمْ يَقَعا بِتِلْكَ المَنزِلَةِ، وإنَّما وقَعَتا مُبْتَدَأتَيْنِ، فَكانَ حَقُّهُما أنْ يُعْطَفا بِحَرْفِ الجَمْعِ عَلى ما قَبْلَهُما كَما تُعْطَفُ قِصَّةٌ عَلى قِصَّةٍ، انْتَهى.
وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ مِثْلِ ﴿ولَمّا جاءَ أمْرُنا﴾ [هود: ٥٨] إلى قَوْلِهِ: ﴿كَأنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها﴾ [هود: ٦٨] . وقَرَأ السُّلَمِيُّ وأبُو حَيْوَةَ: ﴿كَما بَعِدَتْ﴾ بِضَمِّ العَيْنِ مِنَ البُعْدِ الَّذِي هو ضِدُّ القُرْبِ، والجُمْهُورُ (p-٢٥٨)بِكَسْرِها، أرادَتِ العَرَبُ التَّفْرِقَةَ بَيْنَ البُعْدِ مِن جِهَةِ الهَلاكِ وبَيْنَ غَيْرِهِ، فَغَيَّرُوا البِناءَ، وقِراءَةُ السُّلَمِيِّ جاءَتْ عَلى الأصْلِ اعْتِبارًا لِمَعْنى البُعْدِ مِن غَيْرِ تَخْصِيصٍ كَما يُقالُ: ذَهَبَ فُلانٌ، ومَضى في مَعْنى القُرْبِ.
وقِيلَ: مَعْناهُ بُعْدًا لَهم مِن رَحْمَةِ اللَّهِ كَما بَعُدَتْ ثَمُودُ مِنها. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: بَعُدَ يَبْعُدُ إذا كانَ بُعْدُهُ هَلَكَةً، وبَعُدَ يَبْعُدُ إذا تَأنّى. وقالَ النَّحّاسُ: المَعْرُوفُ في اللُّغَةِ بَعُدَ يَبْعُدُ بُعْدًا وبَعَدًا إذا هَلَكَ. وقالَ المَهْدَوِيُّ: بَعُدَ يُسْتَعْمَلُ في الخَيْرِ والشَّرِّ، وبَعِدَ في الشَّرِّ خاصَّةً.
وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: مِنَ العَرَبِ مَن يُسَوِّي بَيْنَ الهَلاكِ والبُعْدِ الَّذِي هو ضِدُّ القُرْبِ، فَيَقُولُ فِيهِما بَعُدَ يَبْعُدُ، وبَعِدَ يَبْعُدُ. وقالَ مالِكُ بْنُ الرَّيْبِ: في بَعُدَ بِمَعْنى: هَلَكَ.
؎يَقُولُونَ لا تَبْعُدْ وهم يَدْفِنُونَنِي وأيْنَ مَكانُ البُعْدِ إلّا مَكانِيا
وبُعْدًا لْفُلانٍ: دُعاءٌ عَلَيْهِ، ولا يُدْعى بِهِ إلّا عَلى مُبْغَضٍ كَقَوْلِكَ: سُحْقًا لِلْكافِرِينَ.
وقالَ أهْلُ عِلْمِ البَيانِ: لَمْ يَرِدْ في القُرْآنِ اسْتِطْرادٌ إلّا هَذا المَوْضِعُ، والِاسْتِطْرادُ قالُوا: هو أنْ تَمْدَحَ شَيْئًا أوْ تَذُمَّهُ، ثُمَّ تَأْتِي في آخِرِ الكَلامِ بِشَيْءٍ هو غَرَضُكَ في أوَّلِهِ. قالَ حَسّانُ:
؎إنْ كُنْتِ كاذِبَةَ الَّذِي حَدَّثْتِنِي ∗∗∗ فَنَجَوْتِ مَنجى الحارْثِ بْنِ هِشامِ
؎تَرَكَ الأحِبَّةَ أنْ يُقاتِلَ دُونَهم ∗∗∗ ونَجا بِرَأْسِ طِمِرَّةٍ ولِجامِ
هود 11:93
﴿قالُوا يا شُعَيْبُ ما نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمّا تَقُولُ وإنّا لَنَراكَ فِينا ضَعِيفًا ولَوْلا رَهْطُكَ لَرَجَمْناكَ وما أنْتَ عَلَيْنا بِعَزِيزٍ﴾ ﴿قالَ ياقَوْمِ أرَهْطِي أعَزُّ عَلَيْكم مِنَ اللَّهِ واتَّخَذْتُمُوهُ وراءَكم ظِهْرِيًّا إنَّ رَبِّي بِما تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ ﴿ويا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكم إنِّي عامِلٌ سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ ومَن هو كاذِبٌ وارْتَقِبُوا إنِّي مَعَكم رَقِيبٌ﴾ ﴿ولَمّا جاءَ أمْرُنا نَجَّيْنا شُعَيْبًا والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنّا وأخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأصْبَحُوا في دِيارِهِمْ جاثِمِينَ﴾ ﴿كَأنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها ألا بُعْدًا لِمَدْيَنَ كَما بَعِدَتْ ثَمُودُ﴾: (p-٢٥٦)كانُوا لا يُلْقُونَ إلَيْهِ أذْهانَهم، ولا يُصْغُونَ لِكَلامِهِ رَغْبَةً عَنْهُ وكَراهَةً لَهُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أكِنَّةً أنْ يَفْقَهُوهُ﴾ [الأنعام: ٢٥] أوْ كانُوا يَفْهَمُونَهُ ولَكِنَّهم لَمْ يَقْبَلُوهُ، فَكَأنَّهم لَمْ يَفْقَهُوهُ، أوْ قالُوا ذَلِكَ عَلى وجْهِ الِاسْتِهانَةِ بِهِ كَما يَقُولُ الرَّجُلُ لِصاحِبِهِ إذا لَمْ يَعْبَأْ بِحَدِيثِهِ: ما أدْرِي ما تَقُولُ، أوْ جَعَلُوا كَلامَهُ هَذَيانًا وتَخْلِيطًا لا يُتَفَهَّمُ كَثِيرٌ مِنهُ، وكَيْفَ لا يُتَفَهَّمُ كَلامُهُ وهو خَطِيبُ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ.
ثُمَّ الَّذِي حاوَرَهم بِهِ مِنَ الكَلامِ وخاطَبَهم بِهِ هو مِن أفْصَحِ الكَلامِ وأجَلِّهِ وأدَلِّهِ عَلى مَعانِيهِ بِحَيْثُ يَفْقَهُهُ مَن كانَ بَعِيدَ الفَهْمِ، فَضْلًا عَنِ الأذْكِياءِ العُقَلاءِ، ولَكِنَّ اللَّهَ تَعالى أرادَ خِذْلانَهم. ومَعْنى ضَعِيفًا: لا قُوَّةَ لَكَ ولا عِزَّ فِيما بَيْنَنا، فَلا تَقْدِرُ عَلى الِامْتِناعِ مِنهُ إنْ أرَدْناكَ بِمَكْرُوهٍ، وعَنِ الحَسَنِ: ضَعِيفًا مَهِينًا. وقِيلَ: كانَ ناحِلَ البَدَنِ زَمِنَهُ لا يَقَعُ في القَلْبِ مِنهُ هَيْبَةٌ ولا في العَيْنِ مِنهُ امْتِلاءٌ، والعَرَبُ تُعَظِّمُ بِكِبَرِ الأجْسامِ، وتَذُمُّ بِدَمامَتِها.
وقالَ الباقِرُ: مَهْجُورًا لا تُجالَسُ ولا تُعاشَرُ. وقالَ مُقاتِلٌ: ضَعِيفًا، أيْ: لَمْ يُؤْمِن بِكَ رَهْطُكَ. وقالَ السُّدِّيُّ: وحِيدًا في مَذْهَبِكَ واعْتِقادِكَ. وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ وشَرِيكٌ القاضِي: (ضَعِيفًا): ضَرِيرَ البَصَرِ أعْمى.
وحَكى الزَّهْراوِيُّ والزَّمَخْشَرِيُّ: أنَّ حِمْيَرَ تُسَمِّي الأعْمى: ضَعِيفًا، ويُبْعِدُهُ تَفْسِيرُهُ هُنا بِأعْمى أوْ بِناحِلِ البَدَنِ، أوْ بِضَعِيفِ البَصَرِ كَما قالَهُ الثَّوْرِيُّ. وزَعَمَ أبُو رَوْقٍ: أنَّ اللَّهَ لَمْ يَبْعَثْ نَبِيًّا أعْمى، ولا نَبِيًّا بِهِ زَمانَةٌ، بَلِ الظّاهِرُ أنَّهُ ضَعِيفُ الِانْتِصارِ والقُدْرَةِ.
﴿ولَوْلا رَهْطُكَ﴾: احْتَرَمُوهُ لِرَهْطِهِ إذْ كانُوا كُفّارًا مِثْلَهم، أوْ كانَ في عِزَّةٍ ومَنَعَةٍ مِنهم.
﴿لَرَجَمْناكَ﴾ . ظاهِرُهُ القَتْلُ بِالحِجارَةِ، وهي مِن شَرِّ القِتْلاتِ، وبِهِ قالَ ابْنُ زَيْدٍ، وقالَ الطَّبَرِيُّ: رَجَمْناكَ بِالسَّبِّ، وهَذا أيْضًا تَسْتَعْمِلُهُ العَرَبُ ومِنهُ: ﴿لَأرْجُمَنَّكَ واهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾ [مريم: ٤٦] وقِيلَ: لَأبْعَدْناكَ وأخْرَجْناكَ مِن أرْضِنا.
﴿وما أنْتَ عَلَيْنا بِعَزِيزٍ﴾، أيْ: لا تُعَزُّ ولا تُكْرَمُ حَتّى نُكْرِمَكَ مِنَ القَتْلِ، ونَرْفَعَكَ عَنِ الرَّجْمِ.
وإنَّما يَعِزُّ عَلَيْنا رَهْطُكُ لِأنَّهم مِن أهْلِ دِينِنا لَمْ يَحْتاجُّوكَ عَلَيْنا. وقِيلَ: بِعَزِيزٍ بِذِي مَنَعَةٍ وعِزَّةِ مَنزِلَةِ في نُفُوسِنا. وقِيلَ: بِذِي غَلَبَةٍ. وقِيلَ: بِمُلْكٍ، وكانُوا يُسَمُّونَ المَلِكَ عَزِيزًا. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وقَدْ دَلَّ إيلاءُ ضَمِيرِهِ حَرْفَ النَّفْيِ عَلى أنَّ الكَلامَ واقِعٌ في الفاعِلِ لا في الفِعْلِ، كَأنَّهُ قِيلَ: وما أنْتَ عَلَيْنا بِعَزِيزٍ بَلْ رَهْطُكَ هُمُ الأعِزَّةُ عَلَيْنا، ولِذَلِكَ قالَ في جَوابِهِمْ: ﴿أرَهْطِي أعَزُّ عَلَيْكم مِنَ اللَّهِ﴾ ؟ ولَوْ قِيلَ: وما عَزَزْتَ عَلَيْنا لَمْ يَصِحَّ هَذا الجَوابُ. (فَإنْ قُلْتَ): فالكَلامُ واقِعٌ فِيهِ وفي رَهْطِهِ وأنَّهُمُ الأعِزَّةُ عَلَيْهِمْ دُونَهُ، فَكَيْفَ صَحَّ قَوْلُهُ: ﴿أرَهْطِي أعَزُّ عَلَيْكم مِنَ اللَّهِ﴾ (قُلْتُ): تَهاوُنُهم بِهِ وهو نَبِيُّ اللَّهِ تَهاوُنٌ بِاللَّهِ فَحِينَ عَزَّ عَلَيْهِمْ رَهْطُهُ دُونَهُ، كانَ رَهْطُهُ أعَزَّ عَلَيْهِمْ مِنَ اللَّهِ. ألا تَرى إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أطاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: ٨٠]، انْتَهى.
والظّاهِرُ في قَوْلِهِ: ﴿واتَّخَذْتُمُوهُ﴾: أنَّ الضَّمِيرَ عائِدٌ عَلى اللَّهِ تَعالى، أيْ: ونَسِيتُمُوهُ وجَعَلْتُمُوهُ كالشَّيْءِ المَنبُوذِ وراءَ الظَّهْرِ لا يُعْبَأُ بِهِ. والظِّهْرِيُّ بِكَسْرِ الظّاءِ: مَنسُوبٌ إلى الظَّهْرِ مِن تَغْيِيراتِ النَّسَبِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهم في النَّسَبِ إلى الأمْسِ: إمْسِيٌّ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، ولَمّا خاطَبُوهُ خِطابَ الإهانَةِ والجَفاءِ جَرْيًا عَلى عادَةِ الكُفّارِ مَعَ أنْبِيائِهِمْ، خاطَبَهم خِطابَ الِاسْتِعْطافِ والتَّلَطُّفِ جَرْيًا عَلى عادَتِهِ في إلانَةِ القَوْلِ لَهم، والمَعْنى: أعَزُّ عَلَيْكم مِنَ اللَّهِ حَتّى جَعَلْتُمْ مُراعاتِي مِن أجْلِهِمْ ولَمْ تُسْنِدُوها إلى اللَّهِ، وأنا أوْلى وأحَقُّ أنْ أُراعى مِن أجْلِهِ، فالمُراعاةُ لِأجْلِ الخالِقِ أعْظَمُ مِنَ المُراعاةِ لِأجْلِ المَخْلُوقِ، والظِّهْرِيُّ: المَنسِيُّ المَتْرُوكُ الَّذِي جُعِلَ كَأنَّهُ خَلْفُ الظَّهْرِ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ في ﴿واتَّخَذْتُمُوهُ﴾ عائِدٌ عَلى الشَّرْعِ الَّذِي جاءَ شُعَيْبٌ عَلَيْهِ السَّلامُ بِهِ.
وقِيلَ: الظِّهْرِيُّ العَوْنُ وما يُتَقَوّى بِهِ. قالَ المُبَرِّدُ: فالمَعْنى: واتَّخَذْتُمُ العِصْيانَ عِنْدَهُ لِدَفْعِي، انْتَهى. فَيَكُونُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: واتَّخَذْتُمُوهُ، أيْ: عِصْيانَهُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقالَتْ فِرْقَةٌ: واتَّخَذْتُمُوهُ، أيْ: (p-٢٥٧)وأنْتُمْ مُتَّخِذُونَ اللَّهَ سَنَدَ ظُهُورِكم وعِمادَ آمالِكم. فَقَوْلُ الجُمْهُورِ: عَلى أنَّ كُفْرَ قَوْمِ شُعَيْبٍ كانَ جَحْدًا بِاللَّهِ وجَهْلًا بِهِ، وهَذا القَوْلُ الثّانِي عَلى أنَّهم كانُوا يُقِرُّونَ بِالخالِقِ الرّازِقِ ويَعْتَقِدُونَ الأصْنامَ وسائِطَ ووَسائِلَ، ومِنَ اللَّفْظَةِ الِاسْتِظْهارُ بِالبَيِّنَةِ.
وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: الظِّهْرِيُّ: الفَضْلُ، مِثْلَ الحَمّالِ يَخْرُجُ مَعَهُ بِإبِلٍ ظِهارِيَّةٍ يَعُدُّها إنِ احْتاجَ إلَيْها، وإلّا فَهي فَضْلَةٌ. (مُحِيطٌ): أحاطَ بِأعْمالِكم فَلا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنها، وفي ضِمْنِهِ تَوَعُّدٌ وتَهْدِيدٌ، وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ نَظِيرِ قَوْلِهِ: ﴿ويا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ﴾ وخِلافُ القُرّاءِ في مَكانَتِكم. وجَوَّزَ الفَرّاءُ والزَّمَخْشَرِيُّ: في ﴿مَن يَأْتِيهِ﴾ أنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً مَفْعُولَةً بِقَوْلِهِ: تَعْلَمُونَ، أيْ: تَعْلَمُونَ الشَّقِيَّ الَّذِي يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ والَّذِي هو كاذِبٌ، واسْتِفْهامِيَّةً في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى الِابْتِداءِ، و(تَعْلَمُونَ): مُعَلَّقٌ كَأنَّهُ قِيلَ: أيُّنا يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ، وأيُّنا هو كاذِبٌ ؟ . قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والأوَّلُ أحْسَنُ، يَعْنِي كَوْنَها مَفْعُولَةً قالَ: لِأنَّها مَوْصُولَةٌ، ولا يُوصَلُ في الِاسْتِفْهامِ، ويَقْضِي بِصِلَتِها أنَّ المَعْطُوفَةَ عَلَيْها مَوْصُولَةٌ لا مَحالَةَ، انْتَهى.
وقَوْلُهُ: ويَقْضِي بِصِلَتِها إلَخْ، لا يَقْضِي بِصِلَتِها، إذْ لا يَتَعَيَّنُ أنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً لا مَحالَةَ كَما قالَ، بَلْ تَكُونُ اسْتِفْهامِيَّةً إذا قَدَّرْتَها مَعْطُوفَةً عَلى مَن الِاسْتِفْهامِيَّةِ، كَما قَدَّرْناهُ: وأيُّنا هو كاذِبٌ ؟ .
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): أيُّ فَرْقٍ بَيْنَ إدْخالِ الفاءِ ونَزْعِها في سَوْفَ تَعْلَمُونَ ؟ (قُلْتُ): إدْخالُ الفاءِ وصْلٌ ظاهِرٌ بِحَرْفٍ مَوْضُوعٍ لِلْوَصْلِ، ونَزْعُها وصْلٌ خَفِيٌّ تَقْدِيرِيُّ بِالِاسْتِئْنافِ الَّذِي هو جَوابٌ لِسُؤالٍ مُقَدَّرٍ كَأنَّهم قالُوا: فَماذا يَكُونُ إذا عَمِلْنا نَحْنُ عَلى مَكانَتِنا، وعَمِلْتَ أنْتَ ؟ فَقالَ: سَوْفَ تَعْلَمُونَ، يُوصَلُ تارَةً بِالفاءِ، وتارَةً بِالِاسْتِئْنافِ، كَما هو عادَةُ البُلَغاءِ مِنَ العَرَبِ.
وأقْوى الوَصْلَيْنِ وأبْلَغُهُما: الِاسْتِئْنافُ، وهو بابٌ مِن أبْوابِ عِلْمِ البَيانِ تَتَكاثَرُ مَحاسِنُهُ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): قَدْ ذَكَرَ عَمَلَهم عَلى مَكانَتِهِمْ، وعَمَلَهُ عَلى مَكانَتِهِ، ثُمَّ أتْبَعَهُ ذِكْرَ عاقِبَةِ العامِلِينَ مِنهُ ومِنهم، فَكانَ القِياسُ أنْ يَقُولَ: مَن يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ ومَن هو صادِقٌ، حَتّى يَنْصَرِفَ مَن يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ إلى الجاحِدِينَ، ومَن هو صادِقٌ إلى النَّبِيِّ المَبْعُوثِ إلَيْهِمْ.
(قُلْتُ): القِياسُ ما ذَكَرْتُ، ولَكِنَّهم لَمّا كانُوا يَعُدُّونَهُ كاذِبًا قالَ: ومَن هو كاذِبٌ يَعْنِي: في زَعْمِكم ودَعْواكم تَجْهِيلًا لَهُمُ، انْتَهى.
وفِي ألْفاظِ هَذا الرَّجُلِ سُوءُ أدَبٍ، والَّذِي قالَهُ لَيْسَ بِقِياسٍ، لِأنَّ التَّهْدِيدَ الَّذِي وقَعَ لَيْسَ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ، ولا هو داخِلٌ في التَّهْدِيدِ المُرادِ بِقَوْلِهِ: ﴿سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾، إذْ لَمْ يَأْتِ التَّرْكِيبُ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكم، وأعْمَلُ عَلى مَكانَتِي، ولا سَوْفَ تَعْلَمُونَ.
واعْلَمُ أنَّ التَّهْدِيدَ مُخْتَصٌّ بِهِمْ. واسْتَسْلَفَ الزَّمَخْشَرِيُّ قَوْلَهُ: قَدْ ذَكَرَ عَمَلَهم عَلى مَكانَتِهِمْ، وعَمَلَهُ عَلى مَكانَتِهِ، فَبَنى عَلى ذَلِكَ سُؤالًا فاسِدًا، لِأنَّ المُتَرَتِّبَ عَلى ما لَيْسَ مَذْكُورًا لا يَصِحُّ البَتَّةَ، وجَمِيعُ الآيَةِ والَّتِي قَبْلَها إنَّما هي بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِمْ عَلى سَبِيلِ التَّهْدِيدِ، ونَظِيرُهُ في سُورَةِ (تَنْزِيلُ): ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ ويَحِلُّ عَلَيْهِ عَذابٌ مُقِيمٌ﴾ [هود: ٣٩]، فَهَذا جاءَ بِالنِّسْبَةِ لِلْمُخاطَبِينَ في قَوْلِهِ: ﴿قُلْ ياقَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ﴾ [الأنعام: ١٣٥] كَما جاءَ هُنا، ﴿وارْتَقِبُوا﴾: انْتَظِرُوا العاقِبَةَ وما أقُولُ لَكم. والرَّقِيبُ بِمَعْنى: الرّاقِبِ فَعِيلٌ لِلْمُبالَغَةِ، أوْ بِمَعْنى: المُراقِبِ كالعَشِيرِ والجَلِيسِ، أوْ بِمَعْنى: المُرْتَقِبِ كالفَقِيرِ والرَّفِيعِ بِمَعْنى: المُفْتَقِرِ والمُرْتَفِعِ، ويُحَسِّنُ هَذا مُقابَلَةُ فارْتَقِبُوا.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): ما بالُ ساقَتَيْ قِصَّةِ عادٍ وقِصَّةِ مَدْيَنَ جاءَتا بِالواوِ والسّاقَتانِ الوَسَطِيّانِ بِالفاءِ ؟ (قُلْتُ): قَدْ وقَعَتِ الوَسَطِيّانِ بَعْدَ ذِكْرِ الوَعْدِ وذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿إنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ﴾ [هود: ٨١] ﴿ذَلِكَ وعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ﴾ [هود: ٦٥] فَجِيءَ بِالفاءِ الَّتِي لِلتَّسَبُّبِ كَما تَقُولُ: وعَدْتُهُ فَلَمّا جاءَ المِيعادُ كانَ كَيْتَ وكَيْتَ، وأمّا الأُخْرَيانِ فَلَمْ يَقَعا بِتِلْكَ المَنزِلَةِ، وإنَّما وقَعَتا مُبْتَدَأتَيْنِ، فَكانَ حَقُّهُما أنْ يُعْطَفا بِحَرْفِ الجَمْعِ عَلى ما قَبْلَهُما كَما تُعْطَفُ قِصَّةٌ عَلى قِصَّةٍ، انْتَهى.
وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ مِثْلِ ﴿ولَمّا جاءَ أمْرُنا﴾ [هود: ٥٨] إلى قَوْلِهِ: ﴿كَأنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها﴾ [هود: ٦٨] . وقَرَأ السُّلَمِيُّ وأبُو حَيْوَةَ: ﴿كَما بَعِدَتْ﴾ بِضَمِّ العَيْنِ مِنَ البُعْدِ الَّذِي هو ضِدُّ القُرْبِ، والجُمْهُورُ (p-٢٥٨)بِكَسْرِها، أرادَتِ العَرَبُ التَّفْرِقَةَ بَيْنَ البُعْدِ مِن جِهَةِ الهَلاكِ وبَيْنَ غَيْرِهِ، فَغَيَّرُوا البِناءَ، وقِراءَةُ السُّلَمِيِّ جاءَتْ عَلى الأصْلِ اعْتِبارًا لِمَعْنى البُعْدِ مِن غَيْرِ تَخْصِيصٍ كَما يُقالُ: ذَهَبَ فُلانٌ، ومَضى في مَعْنى القُرْبِ.
وقِيلَ: مَعْناهُ بُعْدًا لَهم مِن رَحْمَةِ اللَّهِ كَما بَعُدَتْ ثَمُودُ مِنها. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: بَعُدَ يَبْعُدُ إذا كانَ بُعْدُهُ هَلَكَةً، وبَعُدَ يَبْعُدُ إذا تَأنّى. وقالَ النَّحّاسُ: المَعْرُوفُ في اللُّغَةِ بَعُدَ يَبْعُدُ بُعْدًا وبَعَدًا إذا هَلَكَ. وقالَ المَهْدَوِيُّ: بَعُدَ يُسْتَعْمَلُ في الخَيْرِ والشَّرِّ، وبَعِدَ في الشَّرِّ خاصَّةً.
وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: مِنَ العَرَبِ مَن يُسَوِّي بَيْنَ الهَلاكِ والبُعْدِ الَّذِي هو ضِدُّ القُرْبِ، فَيَقُولُ فِيهِما بَعُدَ يَبْعُدُ، وبَعِدَ يَبْعُدُ. وقالَ مالِكُ بْنُ الرَّيْبِ: في بَعُدَ بِمَعْنى: هَلَكَ.
؎يَقُولُونَ لا تَبْعُدْ وهم يَدْفِنُونَنِي وأيْنَ مَكانُ البُعْدِ إلّا مَكانِيا
وبُعْدًا لْفُلانٍ: دُعاءٌ عَلَيْهِ، ولا يُدْعى بِهِ إلّا عَلى مُبْغَضٍ كَقَوْلِكَ: سُحْقًا لِلْكافِرِينَ.
وقالَ أهْلُ عِلْمِ البَيانِ: لَمْ يَرِدْ في القُرْآنِ اسْتِطْرادٌ إلّا هَذا المَوْضِعُ، والِاسْتِطْرادُ قالُوا: هو أنْ تَمْدَحَ شَيْئًا أوْ تَذُمَّهُ، ثُمَّ تَأْتِي في آخِرِ الكَلامِ بِشَيْءٍ هو غَرَضُكَ في أوَّلِهِ. قالَ حَسّانُ:
؎إنْ كُنْتِ كاذِبَةَ الَّذِي حَدَّثْتِنِي ∗∗∗ فَنَجَوْتِ مَنجى الحارْثِ بْنِ هِشامِ
؎تَرَكَ الأحِبَّةَ أنْ يُقاتِلَ دُونَهم ∗∗∗ ونَجا بِرَأْسِ طِمِرَّةٍ ولِجامِ
هود 11:94
﴿قالُوا يا شُعَيْبُ ما نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمّا تَقُولُ وإنّا لَنَراكَ فِينا ضَعِيفًا ولَوْلا رَهْطُكَ لَرَجَمْناكَ وما أنْتَ عَلَيْنا بِعَزِيزٍ﴾ ﴿قالَ ياقَوْمِ أرَهْطِي أعَزُّ عَلَيْكم مِنَ اللَّهِ واتَّخَذْتُمُوهُ وراءَكم ظِهْرِيًّا إنَّ رَبِّي بِما تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ ﴿ويا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكم إنِّي عامِلٌ سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ ومَن هو كاذِبٌ وارْتَقِبُوا إنِّي مَعَكم رَقِيبٌ﴾ ﴿ولَمّا جاءَ أمْرُنا نَجَّيْنا شُعَيْبًا والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنّا وأخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأصْبَحُوا في دِيارِهِمْ جاثِمِينَ﴾ ﴿كَأنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها ألا بُعْدًا لِمَدْيَنَ كَما بَعِدَتْ ثَمُودُ﴾: (p-٢٥٦)كانُوا لا يُلْقُونَ إلَيْهِ أذْهانَهم، ولا يُصْغُونَ لِكَلامِهِ رَغْبَةً عَنْهُ وكَراهَةً لَهُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أكِنَّةً أنْ يَفْقَهُوهُ﴾ [الأنعام: ٢٥] أوْ كانُوا يَفْهَمُونَهُ ولَكِنَّهم لَمْ يَقْبَلُوهُ، فَكَأنَّهم لَمْ يَفْقَهُوهُ، أوْ قالُوا ذَلِكَ عَلى وجْهِ الِاسْتِهانَةِ بِهِ كَما يَقُولُ الرَّجُلُ لِصاحِبِهِ إذا لَمْ يَعْبَأْ بِحَدِيثِهِ: ما أدْرِي ما تَقُولُ، أوْ جَعَلُوا كَلامَهُ هَذَيانًا وتَخْلِيطًا لا يُتَفَهَّمُ كَثِيرٌ مِنهُ، وكَيْفَ لا يُتَفَهَّمُ كَلامُهُ وهو خَطِيبُ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ.
ثُمَّ الَّذِي حاوَرَهم بِهِ مِنَ الكَلامِ وخاطَبَهم بِهِ هو مِن أفْصَحِ الكَلامِ وأجَلِّهِ وأدَلِّهِ عَلى مَعانِيهِ بِحَيْثُ يَفْقَهُهُ مَن كانَ بَعِيدَ الفَهْمِ، فَضْلًا عَنِ الأذْكِياءِ العُقَلاءِ، ولَكِنَّ اللَّهَ تَعالى أرادَ خِذْلانَهم. ومَعْنى ضَعِيفًا: لا قُوَّةَ لَكَ ولا عِزَّ فِيما بَيْنَنا، فَلا تَقْدِرُ عَلى الِامْتِناعِ مِنهُ إنْ أرَدْناكَ بِمَكْرُوهٍ، وعَنِ الحَسَنِ: ضَعِيفًا مَهِينًا. وقِيلَ: كانَ ناحِلَ البَدَنِ زَمِنَهُ لا يَقَعُ في القَلْبِ مِنهُ هَيْبَةٌ ولا في العَيْنِ مِنهُ امْتِلاءٌ، والعَرَبُ تُعَظِّمُ بِكِبَرِ الأجْسامِ، وتَذُمُّ بِدَمامَتِها.
وقالَ الباقِرُ: مَهْجُورًا لا تُجالَسُ ولا تُعاشَرُ. وقالَ مُقاتِلٌ: ضَعِيفًا، أيْ: لَمْ يُؤْمِن بِكَ رَهْطُكَ. وقالَ السُّدِّيُّ: وحِيدًا في مَذْهَبِكَ واعْتِقادِكَ. وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ وشَرِيكٌ القاضِي: (ضَعِيفًا): ضَرِيرَ البَصَرِ أعْمى.
وحَكى الزَّهْراوِيُّ والزَّمَخْشَرِيُّ: أنَّ حِمْيَرَ تُسَمِّي الأعْمى: ضَعِيفًا، ويُبْعِدُهُ تَفْسِيرُهُ هُنا بِأعْمى أوْ بِناحِلِ البَدَنِ، أوْ بِضَعِيفِ البَصَرِ كَما قالَهُ الثَّوْرِيُّ. وزَعَمَ أبُو رَوْقٍ: أنَّ اللَّهَ لَمْ يَبْعَثْ نَبِيًّا أعْمى، ولا نَبِيًّا بِهِ زَمانَةٌ، بَلِ الظّاهِرُ أنَّهُ ضَعِيفُ الِانْتِصارِ والقُدْرَةِ.
﴿ولَوْلا رَهْطُكَ﴾: احْتَرَمُوهُ لِرَهْطِهِ إذْ كانُوا كُفّارًا مِثْلَهم، أوْ كانَ في عِزَّةٍ ومَنَعَةٍ مِنهم.
﴿لَرَجَمْناكَ﴾ . ظاهِرُهُ القَتْلُ بِالحِجارَةِ، وهي مِن شَرِّ القِتْلاتِ، وبِهِ قالَ ابْنُ زَيْدٍ، وقالَ الطَّبَرِيُّ: رَجَمْناكَ بِالسَّبِّ، وهَذا أيْضًا تَسْتَعْمِلُهُ العَرَبُ ومِنهُ: ﴿لَأرْجُمَنَّكَ واهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾ [مريم: ٤٦] وقِيلَ: لَأبْعَدْناكَ وأخْرَجْناكَ مِن أرْضِنا.
﴿وما أنْتَ عَلَيْنا بِعَزِيزٍ﴾، أيْ: لا تُعَزُّ ولا تُكْرَمُ حَتّى نُكْرِمَكَ مِنَ القَتْلِ، ونَرْفَعَكَ عَنِ الرَّجْمِ.
وإنَّما يَعِزُّ عَلَيْنا رَهْطُكُ لِأنَّهم مِن أهْلِ دِينِنا لَمْ يَحْتاجُّوكَ عَلَيْنا. وقِيلَ: بِعَزِيزٍ بِذِي مَنَعَةٍ وعِزَّةِ مَنزِلَةِ في نُفُوسِنا. وقِيلَ: بِذِي غَلَبَةٍ. وقِيلَ: بِمُلْكٍ، وكانُوا يُسَمُّونَ المَلِكَ عَزِيزًا. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وقَدْ دَلَّ إيلاءُ ضَمِيرِهِ حَرْفَ النَّفْيِ عَلى أنَّ الكَلامَ واقِعٌ في الفاعِلِ لا في الفِعْلِ، كَأنَّهُ قِيلَ: وما أنْتَ عَلَيْنا بِعَزِيزٍ بَلْ رَهْطُكَ هُمُ الأعِزَّةُ عَلَيْنا، ولِذَلِكَ قالَ في جَوابِهِمْ: ﴿أرَهْطِي أعَزُّ عَلَيْكم مِنَ اللَّهِ﴾ ؟ ولَوْ قِيلَ: وما عَزَزْتَ عَلَيْنا لَمْ يَصِحَّ هَذا الجَوابُ. (فَإنْ قُلْتَ): فالكَلامُ واقِعٌ فِيهِ وفي رَهْطِهِ وأنَّهُمُ الأعِزَّةُ عَلَيْهِمْ دُونَهُ، فَكَيْفَ صَحَّ قَوْلُهُ: ﴿أرَهْطِي أعَزُّ عَلَيْكم مِنَ اللَّهِ﴾ (قُلْتُ): تَهاوُنُهم بِهِ وهو نَبِيُّ اللَّهِ تَهاوُنٌ بِاللَّهِ فَحِينَ عَزَّ عَلَيْهِمْ رَهْطُهُ دُونَهُ، كانَ رَهْطُهُ أعَزَّ عَلَيْهِمْ مِنَ اللَّهِ. ألا تَرى إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أطاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: ٨٠]، انْتَهى.
والظّاهِرُ في قَوْلِهِ: ﴿واتَّخَذْتُمُوهُ﴾: أنَّ الضَّمِيرَ عائِدٌ عَلى اللَّهِ تَعالى، أيْ: ونَسِيتُمُوهُ وجَعَلْتُمُوهُ كالشَّيْءِ المَنبُوذِ وراءَ الظَّهْرِ لا يُعْبَأُ بِهِ. والظِّهْرِيُّ بِكَسْرِ الظّاءِ: مَنسُوبٌ إلى الظَّهْرِ مِن تَغْيِيراتِ النَّسَبِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهم في النَّسَبِ إلى الأمْسِ: إمْسِيٌّ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، ولَمّا خاطَبُوهُ خِطابَ الإهانَةِ والجَفاءِ جَرْيًا عَلى عادَةِ الكُفّارِ مَعَ أنْبِيائِهِمْ، خاطَبَهم خِطابَ الِاسْتِعْطافِ والتَّلَطُّفِ جَرْيًا عَلى عادَتِهِ في إلانَةِ القَوْلِ لَهم، والمَعْنى: أعَزُّ عَلَيْكم مِنَ اللَّهِ حَتّى جَعَلْتُمْ مُراعاتِي مِن أجْلِهِمْ ولَمْ تُسْنِدُوها إلى اللَّهِ، وأنا أوْلى وأحَقُّ أنْ أُراعى مِن أجْلِهِ، فالمُراعاةُ لِأجْلِ الخالِقِ أعْظَمُ مِنَ المُراعاةِ لِأجْلِ المَخْلُوقِ، والظِّهْرِيُّ: المَنسِيُّ المَتْرُوكُ الَّذِي جُعِلَ كَأنَّهُ خَلْفُ الظَّهْرِ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ في ﴿واتَّخَذْتُمُوهُ﴾ عائِدٌ عَلى الشَّرْعِ الَّذِي جاءَ شُعَيْبٌ عَلَيْهِ السَّلامُ بِهِ.
وقِيلَ: الظِّهْرِيُّ العَوْنُ وما يُتَقَوّى بِهِ. قالَ المُبَرِّدُ: فالمَعْنى: واتَّخَذْتُمُ العِصْيانَ عِنْدَهُ لِدَفْعِي، انْتَهى. فَيَكُونُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: واتَّخَذْتُمُوهُ، أيْ: عِصْيانَهُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقالَتْ فِرْقَةٌ: واتَّخَذْتُمُوهُ، أيْ: (p-٢٥٧)وأنْتُمْ مُتَّخِذُونَ اللَّهَ سَنَدَ ظُهُورِكم وعِمادَ آمالِكم. فَقَوْلُ الجُمْهُورِ: عَلى أنَّ كُفْرَ قَوْمِ شُعَيْبٍ كانَ جَحْدًا بِاللَّهِ وجَهْلًا بِهِ، وهَذا القَوْلُ الثّانِي عَلى أنَّهم كانُوا يُقِرُّونَ بِالخالِقِ الرّازِقِ ويَعْتَقِدُونَ الأصْنامَ وسائِطَ ووَسائِلَ، ومِنَ اللَّفْظَةِ الِاسْتِظْهارُ بِالبَيِّنَةِ.
وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: الظِّهْرِيُّ: الفَضْلُ، مِثْلَ الحَمّالِ يَخْرُجُ مَعَهُ بِإبِلٍ ظِهارِيَّةٍ يَعُدُّها إنِ احْتاجَ إلَيْها، وإلّا فَهي فَضْلَةٌ. (مُحِيطٌ): أحاطَ بِأعْمالِكم فَلا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنها، وفي ضِمْنِهِ تَوَعُّدٌ وتَهْدِيدٌ، وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ نَظِيرِ قَوْلِهِ: ﴿ويا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ﴾ وخِلافُ القُرّاءِ في مَكانَتِكم. وجَوَّزَ الفَرّاءُ والزَّمَخْشَرِيُّ: في ﴿مَن يَأْتِيهِ﴾ أنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً مَفْعُولَةً بِقَوْلِهِ: تَعْلَمُونَ، أيْ: تَعْلَمُونَ الشَّقِيَّ الَّذِي يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ والَّذِي هو كاذِبٌ، واسْتِفْهامِيَّةً في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى الِابْتِداءِ، و(تَعْلَمُونَ): مُعَلَّقٌ كَأنَّهُ قِيلَ: أيُّنا يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ، وأيُّنا هو كاذِبٌ ؟ . قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والأوَّلُ أحْسَنُ، يَعْنِي كَوْنَها مَفْعُولَةً قالَ: لِأنَّها مَوْصُولَةٌ، ولا يُوصَلُ في الِاسْتِفْهامِ، ويَقْضِي بِصِلَتِها أنَّ المَعْطُوفَةَ عَلَيْها مَوْصُولَةٌ لا مَحالَةَ، انْتَهى.
وقَوْلُهُ: ويَقْضِي بِصِلَتِها إلَخْ، لا يَقْضِي بِصِلَتِها، إذْ لا يَتَعَيَّنُ أنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً لا مَحالَةَ كَما قالَ، بَلْ تَكُونُ اسْتِفْهامِيَّةً إذا قَدَّرْتَها مَعْطُوفَةً عَلى مَن الِاسْتِفْهامِيَّةِ، كَما قَدَّرْناهُ: وأيُّنا هو كاذِبٌ ؟ .
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): أيُّ فَرْقٍ بَيْنَ إدْخالِ الفاءِ ونَزْعِها في سَوْفَ تَعْلَمُونَ ؟ (قُلْتُ): إدْخالُ الفاءِ وصْلٌ ظاهِرٌ بِحَرْفٍ مَوْضُوعٍ لِلْوَصْلِ، ونَزْعُها وصْلٌ خَفِيٌّ تَقْدِيرِيُّ بِالِاسْتِئْنافِ الَّذِي هو جَوابٌ لِسُؤالٍ مُقَدَّرٍ كَأنَّهم قالُوا: فَماذا يَكُونُ إذا عَمِلْنا نَحْنُ عَلى مَكانَتِنا، وعَمِلْتَ أنْتَ ؟ فَقالَ: سَوْفَ تَعْلَمُونَ، يُوصَلُ تارَةً بِالفاءِ، وتارَةً بِالِاسْتِئْنافِ، كَما هو عادَةُ البُلَغاءِ مِنَ العَرَبِ.
وأقْوى الوَصْلَيْنِ وأبْلَغُهُما: الِاسْتِئْنافُ، وهو بابٌ مِن أبْوابِ عِلْمِ البَيانِ تَتَكاثَرُ مَحاسِنُهُ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): قَدْ ذَكَرَ عَمَلَهم عَلى مَكانَتِهِمْ، وعَمَلَهُ عَلى مَكانَتِهِ، ثُمَّ أتْبَعَهُ ذِكْرَ عاقِبَةِ العامِلِينَ مِنهُ ومِنهم، فَكانَ القِياسُ أنْ يَقُولَ: مَن يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ ومَن هو صادِقٌ، حَتّى يَنْصَرِفَ مَن يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ إلى الجاحِدِينَ، ومَن هو صادِقٌ إلى النَّبِيِّ المَبْعُوثِ إلَيْهِمْ.
(قُلْتُ): القِياسُ ما ذَكَرْتُ، ولَكِنَّهم لَمّا كانُوا يَعُدُّونَهُ كاذِبًا قالَ: ومَن هو كاذِبٌ يَعْنِي: في زَعْمِكم ودَعْواكم تَجْهِيلًا لَهُمُ، انْتَهى.
وفِي ألْفاظِ هَذا الرَّجُلِ سُوءُ أدَبٍ، والَّذِي قالَهُ لَيْسَ بِقِياسٍ، لِأنَّ التَّهْدِيدَ الَّذِي وقَعَ لَيْسَ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ، ولا هو داخِلٌ في التَّهْدِيدِ المُرادِ بِقَوْلِهِ: ﴿سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾، إذْ لَمْ يَأْتِ التَّرْكِيبُ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكم، وأعْمَلُ عَلى مَكانَتِي، ولا سَوْفَ تَعْلَمُونَ.
واعْلَمُ أنَّ التَّهْدِيدَ مُخْتَصٌّ بِهِمْ. واسْتَسْلَفَ الزَّمَخْشَرِيُّ قَوْلَهُ: قَدْ ذَكَرَ عَمَلَهم عَلى مَكانَتِهِمْ، وعَمَلَهُ عَلى مَكانَتِهِ، فَبَنى عَلى ذَلِكَ سُؤالًا فاسِدًا، لِأنَّ المُتَرَتِّبَ عَلى ما لَيْسَ مَذْكُورًا لا يَصِحُّ البَتَّةَ، وجَمِيعُ الآيَةِ والَّتِي قَبْلَها إنَّما هي بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِمْ عَلى سَبِيلِ التَّهْدِيدِ، ونَظِيرُهُ في سُورَةِ (تَنْزِيلُ): ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ ويَحِلُّ عَلَيْهِ عَذابٌ مُقِيمٌ﴾ [هود: ٣٩]، فَهَذا جاءَ بِالنِّسْبَةِ لِلْمُخاطَبِينَ في قَوْلِهِ: ﴿قُلْ ياقَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ﴾ [الأنعام: ١٣٥] كَما جاءَ هُنا، ﴿وارْتَقِبُوا﴾: انْتَظِرُوا العاقِبَةَ وما أقُولُ لَكم. والرَّقِيبُ بِمَعْنى: الرّاقِبِ فَعِيلٌ لِلْمُبالَغَةِ، أوْ بِمَعْنى: المُراقِبِ كالعَشِيرِ والجَلِيسِ، أوْ بِمَعْنى: المُرْتَقِبِ كالفَقِيرِ والرَّفِيعِ بِمَعْنى: المُفْتَقِرِ والمُرْتَفِعِ، ويُحَسِّنُ هَذا مُقابَلَةُ فارْتَقِبُوا.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): ما بالُ ساقَتَيْ قِصَّةِ عادٍ وقِصَّةِ مَدْيَنَ جاءَتا بِالواوِ والسّاقَتانِ الوَسَطِيّانِ بِالفاءِ ؟ (قُلْتُ): قَدْ وقَعَتِ الوَسَطِيّانِ بَعْدَ ذِكْرِ الوَعْدِ وذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿إنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ﴾ [هود: ٨١] ﴿ذَلِكَ وعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ﴾ [هود: ٦٥] فَجِيءَ بِالفاءِ الَّتِي لِلتَّسَبُّبِ كَما تَقُولُ: وعَدْتُهُ فَلَمّا جاءَ المِيعادُ كانَ كَيْتَ وكَيْتَ، وأمّا الأُخْرَيانِ فَلَمْ يَقَعا بِتِلْكَ المَنزِلَةِ، وإنَّما وقَعَتا مُبْتَدَأتَيْنِ، فَكانَ حَقُّهُما أنْ يُعْطَفا بِحَرْفِ الجَمْعِ عَلى ما قَبْلَهُما كَما تُعْطَفُ قِصَّةٌ عَلى قِصَّةٍ، انْتَهى.
وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ مِثْلِ ﴿ولَمّا جاءَ أمْرُنا﴾ [هود: ٥٨] إلى قَوْلِهِ: ﴿كَأنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها﴾ [هود: ٦٨] . وقَرَأ السُّلَمِيُّ وأبُو حَيْوَةَ: ﴿كَما بَعِدَتْ﴾ بِضَمِّ العَيْنِ مِنَ البُعْدِ الَّذِي هو ضِدُّ القُرْبِ، والجُمْهُورُ (p-٢٥٨)بِكَسْرِها، أرادَتِ العَرَبُ التَّفْرِقَةَ بَيْنَ البُعْدِ مِن جِهَةِ الهَلاكِ وبَيْنَ غَيْرِهِ، فَغَيَّرُوا البِناءَ، وقِراءَةُ السُّلَمِيِّ جاءَتْ عَلى الأصْلِ اعْتِبارًا لِمَعْنى البُعْدِ مِن غَيْرِ تَخْصِيصٍ كَما يُقالُ: ذَهَبَ فُلانٌ، ومَضى في مَعْنى القُرْبِ.
وقِيلَ: مَعْناهُ بُعْدًا لَهم مِن رَحْمَةِ اللَّهِ كَما بَعُدَتْ ثَمُودُ مِنها. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: بَعُدَ يَبْعُدُ إذا كانَ بُعْدُهُ هَلَكَةً، وبَعُدَ يَبْعُدُ إذا تَأنّى. وقالَ النَّحّاسُ: المَعْرُوفُ في اللُّغَةِ بَعُدَ يَبْعُدُ بُعْدًا وبَعَدًا إذا هَلَكَ. وقالَ المَهْدَوِيُّ: بَعُدَ يُسْتَعْمَلُ في الخَيْرِ والشَّرِّ، وبَعِدَ في الشَّرِّ خاصَّةً.
وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: مِنَ العَرَبِ مَن يُسَوِّي بَيْنَ الهَلاكِ والبُعْدِ الَّذِي هو ضِدُّ القُرْبِ، فَيَقُولُ فِيهِما بَعُدَ يَبْعُدُ، وبَعِدَ يَبْعُدُ. وقالَ مالِكُ بْنُ الرَّيْبِ: في بَعُدَ بِمَعْنى: هَلَكَ.
؎يَقُولُونَ لا تَبْعُدْ وهم يَدْفِنُونَنِي وأيْنَ مَكانُ البُعْدِ إلّا مَكانِيا
وبُعْدًا لْفُلانٍ: دُعاءٌ عَلَيْهِ، ولا يُدْعى بِهِ إلّا عَلى مُبْغَضٍ كَقَوْلِكَ: سُحْقًا لِلْكافِرِينَ.
وقالَ أهْلُ عِلْمِ البَيانِ: لَمْ يَرِدْ في القُرْآنِ اسْتِطْرادٌ إلّا هَذا المَوْضِعُ، والِاسْتِطْرادُ قالُوا: هو أنْ تَمْدَحَ شَيْئًا أوْ تَذُمَّهُ، ثُمَّ تَأْتِي في آخِرِ الكَلامِ بِشَيْءٍ هو غَرَضُكَ في أوَّلِهِ. قالَ حَسّانُ:
؎إنْ كُنْتِ كاذِبَةَ الَّذِي حَدَّثْتِنِي ∗∗∗ فَنَجَوْتِ مَنجى الحارْثِ بْنِ هِشامِ
؎تَرَكَ الأحِبَّةَ أنْ يُقاتِلَ دُونَهم ∗∗∗ ونَجا بِرَأْسِ طِمِرَّةٍ ولِجامِ
هود 11:95
﴿قالُوا يا شُعَيْبُ ما نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمّا تَقُولُ وإنّا لَنَراكَ فِينا ضَعِيفًا ولَوْلا رَهْطُكَ لَرَجَمْناكَ وما أنْتَ عَلَيْنا بِعَزِيزٍ﴾ ﴿قالَ ياقَوْمِ أرَهْطِي أعَزُّ عَلَيْكم مِنَ اللَّهِ واتَّخَذْتُمُوهُ وراءَكم ظِهْرِيًّا إنَّ رَبِّي بِما تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ ﴿ويا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكم إنِّي عامِلٌ سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ ومَن هو كاذِبٌ وارْتَقِبُوا إنِّي مَعَكم رَقِيبٌ﴾ ﴿ولَمّا جاءَ أمْرُنا نَجَّيْنا شُعَيْبًا والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنّا وأخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأصْبَحُوا في دِيارِهِمْ جاثِمِينَ﴾ ﴿كَأنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها ألا بُعْدًا لِمَدْيَنَ كَما بَعِدَتْ ثَمُودُ﴾: (p-٢٥٦)كانُوا لا يُلْقُونَ إلَيْهِ أذْهانَهم، ولا يُصْغُونَ لِكَلامِهِ رَغْبَةً عَنْهُ وكَراهَةً لَهُ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أكِنَّةً أنْ يَفْقَهُوهُ﴾ [الأنعام: ٢٥] أوْ كانُوا يَفْهَمُونَهُ ولَكِنَّهم لَمْ يَقْبَلُوهُ، فَكَأنَّهم لَمْ يَفْقَهُوهُ، أوْ قالُوا ذَلِكَ عَلى وجْهِ الِاسْتِهانَةِ بِهِ كَما يَقُولُ الرَّجُلُ لِصاحِبِهِ إذا لَمْ يَعْبَأْ بِحَدِيثِهِ: ما أدْرِي ما تَقُولُ، أوْ جَعَلُوا كَلامَهُ هَذَيانًا وتَخْلِيطًا لا يُتَفَهَّمُ كَثِيرٌ مِنهُ، وكَيْفَ لا يُتَفَهَّمُ كَلامُهُ وهو خَطِيبُ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ.
ثُمَّ الَّذِي حاوَرَهم بِهِ مِنَ الكَلامِ وخاطَبَهم بِهِ هو مِن أفْصَحِ الكَلامِ وأجَلِّهِ وأدَلِّهِ عَلى مَعانِيهِ بِحَيْثُ يَفْقَهُهُ مَن كانَ بَعِيدَ الفَهْمِ، فَضْلًا عَنِ الأذْكِياءِ العُقَلاءِ، ولَكِنَّ اللَّهَ تَعالى أرادَ خِذْلانَهم. ومَعْنى ضَعِيفًا: لا قُوَّةَ لَكَ ولا عِزَّ فِيما بَيْنَنا، فَلا تَقْدِرُ عَلى الِامْتِناعِ مِنهُ إنْ أرَدْناكَ بِمَكْرُوهٍ، وعَنِ الحَسَنِ: ضَعِيفًا مَهِينًا. وقِيلَ: كانَ ناحِلَ البَدَنِ زَمِنَهُ لا يَقَعُ في القَلْبِ مِنهُ هَيْبَةٌ ولا في العَيْنِ مِنهُ امْتِلاءٌ، والعَرَبُ تُعَظِّمُ بِكِبَرِ الأجْسامِ، وتَذُمُّ بِدَمامَتِها.
وقالَ الباقِرُ: مَهْجُورًا لا تُجالَسُ ولا تُعاشَرُ. وقالَ مُقاتِلٌ: ضَعِيفًا، أيْ: لَمْ يُؤْمِن بِكَ رَهْطُكَ. وقالَ السُّدِّيُّ: وحِيدًا في مَذْهَبِكَ واعْتِقادِكَ. وقالَ ابْنُ جُبَيْرٍ وشَرِيكٌ القاضِي: (ضَعِيفًا): ضَرِيرَ البَصَرِ أعْمى.
وحَكى الزَّهْراوِيُّ والزَّمَخْشَرِيُّ: أنَّ حِمْيَرَ تُسَمِّي الأعْمى: ضَعِيفًا، ويُبْعِدُهُ تَفْسِيرُهُ هُنا بِأعْمى أوْ بِناحِلِ البَدَنِ، أوْ بِضَعِيفِ البَصَرِ كَما قالَهُ الثَّوْرِيُّ. وزَعَمَ أبُو رَوْقٍ: أنَّ اللَّهَ لَمْ يَبْعَثْ نَبِيًّا أعْمى، ولا نَبِيًّا بِهِ زَمانَةٌ، بَلِ الظّاهِرُ أنَّهُ ضَعِيفُ الِانْتِصارِ والقُدْرَةِ.
﴿ولَوْلا رَهْطُكَ﴾: احْتَرَمُوهُ لِرَهْطِهِ إذْ كانُوا كُفّارًا مِثْلَهم، أوْ كانَ في عِزَّةٍ ومَنَعَةٍ مِنهم.
﴿لَرَجَمْناكَ﴾ . ظاهِرُهُ القَتْلُ بِالحِجارَةِ، وهي مِن شَرِّ القِتْلاتِ، وبِهِ قالَ ابْنُ زَيْدٍ، وقالَ الطَّبَرِيُّ: رَجَمْناكَ بِالسَّبِّ، وهَذا أيْضًا تَسْتَعْمِلُهُ العَرَبُ ومِنهُ: ﴿لَأرْجُمَنَّكَ واهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾ [مريم: ٤٦] وقِيلَ: لَأبْعَدْناكَ وأخْرَجْناكَ مِن أرْضِنا.
﴿وما أنْتَ عَلَيْنا بِعَزِيزٍ﴾، أيْ: لا تُعَزُّ ولا تُكْرَمُ حَتّى نُكْرِمَكَ مِنَ القَتْلِ، ونَرْفَعَكَ عَنِ الرَّجْمِ.
وإنَّما يَعِزُّ عَلَيْنا رَهْطُكُ لِأنَّهم مِن أهْلِ دِينِنا لَمْ يَحْتاجُّوكَ عَلَيْنا. وقِيلَ: بِعَزِيزٍ بِذِي مَنَعَةٍ وعِزَّةِ مَنزِلَةِ في نُفُوسِنا. وقِيلَ: بِذِي غَلَبَةٍ. وقِيلَ: بِمُلْكٍ، وكانُوا يُسَمُّونَ المَلِكَ عَزِيزًا. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وقَدْ دَلَّ إيلاءُ ضَمِيرِهِ حَرْفَ النَّفْيِ عَلى أنَّ الكَلامَ واقِعٌ في الفاعِلِ لا في الفِعْلِ، كَأنَّهُ قِيلَ: وما أنْتَ عَلَيْنا بِعَزِيزٍ بَلْ رَهْطُكَ هُمُ الأعِزَّةُ عَلَيْنا، ولِذَلِكَ قالَ في جَوابِهِمْ: ﴿أرَهْطِي أعَزُّ عَلَيْكم مِنَ اللَّهِ﴾ ؟ ولَوْ قِيلَ: وما عَزَزْتَ عَلَيْنا لَمْ يَصِحَّ هَذا الجَوابُ. (فَإنْ قُلْتَ): فالكَلامُ واقِعٌ فِيهِ وفي رَهْطِهِ وأنَّهُمُ الأعِزَّةُ عَلَيْهِمْ دُونَهُ، فَكَيْفَ صَحَّ قَوْلُهُ: ﴿أرَهْطِي أعَزُّ عَلَيْكم مِنَ اللَّهِ﴾ (قُلْتُ): تَهاوُنُهم بِهِ وهو نَبِيُّ اللَّهِ تَهاوُنٌ بِاللَّهِ فَحِينَ عَزَّ عَلَيْهِمْ رَهْطُهُ دُونَهُ، كانَ رَهْطُهُ أعَزَّ عَلَيْهِمْ مِنَ اللَّهِ. ألا تَرى إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿مَن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أطاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: ٨٠]، انْتَهى.
والظّاهِرُ في قَوْلِهِ: ﴿واتَّخَذْتُمُوهُ﴾: أنَّ الضَّمِيرَ عائِدٌ عَلى اللَّهِ تَعالى، أيْ: ونَسِيتُمُوهُ وجَعَلْتُمُوهُ كالشَّيْءِ المَنبُوذِ وراءَ الظَّهْرِ لا يُعْبَأُ بِهِ. والظِّهْرِيُّ بِكَسْرِ الظّاءِ: مَنسُوبٌ إلى الظَّهْرِ مِن تَغْيِيراتِ النَّسَبِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهم في النَّسَبِ إلى الأمْسِ: إمْسِيٌّ بِكَسْرِ الهَمْزَةِ، ولَمّا خاطَبُوهُ خِطابَ الإهانَةِ والجَفاءِ جَرْيًا عَلى عادَةِ الكُفّارِ مَعَ أنْبِيائِهِمْ، خاطَبَهم خِطابَ الِاسْتِعْطافِ والتَّلَطُّفِ جَرْيًا عَلى عادَتِهِ في إلانَةِ القَوْلِ لَهم، والمَعْنى: أعَزُّ عَلَيْكم مِنَ اللَّهِ حَتّى جَعَلْتُمْ مُراعاتِي مِن أجْلِهِمْ ولَمْ تُسْنِدُوها إلى اللَّهِ، وأنا أوْلى وأحَقُّ أنْ أُراعى مِن أجْلِهِ، فالمُراعاةُ لِأجْلِ الخالِقِ أعْظَمُ مِنَ المُراعاةِ لِأجْلِ المَخْلُوقِ، والظِّهْرِيُّ: المَنسِيُّ المَتْرُوكُ الَّذِي جُعِلَ كَأنَّهُ خَلْفُ الظَّهْرِ. وقِيلَ: الضَّمِيرُ في ﴿واتَّخَذْتُمُوهُ﴾ عائِدٌ عَلى الشَّرْعِ الَّذِي جاءَ شُعَيْبٌ عَلَيْهِ السَّلامُ بِهِ.
وقِيلَ: الظِّهْرِيُّ العَوْنُ وما يُتَقَوّى بِهِ. قالَ المُبَرِّدُ: فالمَعْنى: واتَّخَذْتُمُ العِصْيانَ عِنْدَهُ لِدَفْعِي، انْتَهى. فَيَكُونُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: واتَّخَذْتُمُوهُ، أيْ: عِصْيانَهُ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقالَتْ فِرْقَةٌ: واتَّخَذْتُمُوهُ، أيْ: (p-٢٥٧)وأنْتُمْ مُتَّخِذُونَ اللَّهَ سَنَدَ ظُهُورِكم وعِمادَ آمالِكم. فَقَوْلُ الجُمْهُورِ: عَلى أنَّ كُفْرَ قَوْمِ شُعَيْبٍ كانَ جَحْدًا بِاللَّهِ وجَهْلًا بِهِ، وهَذا القَوْلُ الثّانِي عَلى أنَّهم كانُوا يُقِرُّونَ بِالخالِقِ الرّازِقِ ويَعْتَقِدُونَ الأصْنامَ وسائِطَ ووَسائِلَ، ومِنَ اللَّفْظَةِ الِاسْتِظْهارُ بِالبَيِّنَةِ.
وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: الظِّهْرِيُّ: الفَضْلُ، مِثْلَ الحَمّالِ يَخْرُجُ مَعَهُ بِإبِلٍ ظِهارِيَّةٍ يَعُدُّها إنِ احْتاجَ إلَيْها، وإلّا فَهي فَضْلَةٌ. (مُحِيطٌ): أحاطَ بِأعْمالِكم فَلا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنها، وفي ضِمْنِهِ تَوَعُّدٌ وتَهْدِيدٌ، وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ نَظِيرِ قَوْلِهِ: ﴿ويا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ﴾ وخِلافُ القُرّاءِ في مَكانَتِكم. وجَوَّزَ الفَرّاءُ والزَّمَخْشَرِيُّ: في ﴿مَن يَأْتِيهِ﴾ أنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً مَفْعُولَةً بِقَوْلِهِ: تَعْلَمُونَ، أيْ: تَعْلَمُونَ الشَّقِيَّ الَّذِي يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ والَّذِي هو كاذِبٌ، واسْتِفْهامِيَّةً في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى الِابْتِداءِ، و(تَعْلَمُونَ): مُعَلَّقٌ كَأنَّهُ قِيلَ: أيُّنا يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ، وأيُّنا هو كاذِبٌ ؟ . قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والأوَّلُ أحْسَنُ، يَعْنِي كَوْنَها مَفْعُولَةً قالَ: لِأنَّها مَوْصُولَةٌ، ولا يُوصَلُ في الِاسْتِفْهامِ، ويَقْضِي بِصِلَتِها أنَّ المَعْطُوفَةَ عَلَيْها مَوْصُولَةٌ لا مَحالَةَ، انْتَهى.
وقَوْلُهُ: ويَقْضِي بِصِلَتِها إلَخْ، لا يَقْضِي بِصِلَتِها، إذْ لا يَتَعَيَّنُ أنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً لا مَحالَةَ كَما قالَ، بَلْ تَكُونُ اسْتِفْهامِيَّةً إذا قَدَّرْتَها مَعْطُوفَةً عَلى مَن الِاسْتِفْهامِيَّةِ، كَما قَدَّرْناهُ: وأيُّنا هو كاذِبٌ ؟ .
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): أيُّ فَرْقٍ بَيْنَ إدْخالِ الفاءِ ونَزْعِها في سَوْفَ تَعْلَمُونَ ؟ (قُلْتُ): إدْخالُ الفاءِ وصْلٌ ظاهِرٌ بِحَرْفٍ مَوْضُوعٍ لِلْوَصْلِ، ونَزْعُها وصْلٌ خَفِيٌّ تَقْدِيرِيُّ بِالِاسْتِئْنافِ الَّذِي هو جَوابٌ لِسُؤالٍ مُقَدَّرٍ كَأنَّهم قالُوا: فَماذا يَكُونُ إذا عَمِلْنا نَحْنُ عَلى مَكانَتِنا، وعَمِلْتَ أنْتَ ؟ فَقالَ: سَوْفَ تَعْلَمُونَ، يُوصَلُ تارَةً بِالفاءِ، وتارَةً بِالِاسْتِئْنافِ، كَما هو عادَةُ البُلَغاءِ مِنَ العَرَبِ.
وأقْوى الوَصْلَيْنِ وأبْلَغُهُما: الِاسْتِئْنافُ، وهو بابٌ مِن أبْوابِ عِلْمِ البَيانِ تَتَكاثَرُ مَحاسِنُهُ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): قَدْ ذَكَرَ عَمَلَهم عَلى مَكانَتِهِمْ، وعَمَلَهُ عَلى مَكانَتِهِ، ثُمَّ أتْبَعَهُ ذِكْرَ عاقِبَةِ العامِلِينَ مِنهُ ومِنهم، فَكانَ القِياسُ أنْ يَقُولَ: مَن يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ ومَن هو صادِقٌ، حَتّى يَنْصَرِفَ مَن يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ إلى الجاحِدِينَ، ومَن هو صادِقٌ إلى النَّبِيِّ المَبْعُوثِ إلَيْهِمْ.
(قُلْتُ): القِياسُ ما ذَكَرْتُ، ولَكِنَّهم لَمّا كانُوا يَعُدُّونَهُ كاذِبًا قالَ: ومَن هو كاذِبٌ يَعْنِي: في زَعْمِكم ودَعْواكم تَجْهِيلًا لَهُمُ، انْتَهى.
وفِي ألْفاظِ هَذا الرَّجُلِ سُوءُ أدَبٍ، والَّذِي قالَهُ لَيْسَ بِقِياسٍ، لِأنَّ التَّهْدِيدَ الَّذِي وقَعَ لَيْسَ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ، ولا هو داخِلٌ في التَّهْدِيدِ المُرادِ بِقَوْلِهِ: ﴿سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾، إذْ لَمْ يَأْتِ التَّرْكِيبُ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكم، وأعْمَلُ عَلى مَكانَتِي، ولا سَوْفَ تَعْلَمُونَ.
واعْلَمُ أنَّ التَّهْدِيدَ مُخْتَصٌّ بِهِمْ. واسْتَسْلَفَ الزَّمَخْشَرِيُّ قَوْلَهُ: قَدْ ذَكَرَ عَمَلَهم عَلى مَكانَتِهِمْ، وعَمَلَهُ عَلى مَكانَتِهِ، فَبَنى عَلى ذَلِكَ سُؤالًا فاسِدًا، لِأنَّ المُتَرَتِّبَ عَلى ما لَيْسَ مَذْكُورًا لا يَصِحُّ البَتَّةَ، وجَمِيعُ الآيَةِ والَّتِي قَبْلَها إنَّما هي بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِمْ عَلى سَبِيلِ التَّهْدِيدِ، ونَظِيرُهُ في سُورَةِ (تَنْزِيلُ): ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ ويَحِلُّ عَلَيْهِ عَذابٌ مُقِيمٌ﴾ [هود: ٣٩]، فَهَذا جاءَ بِالنِّسْبَةِ لِلْمُخاطَبِينَ في قَوْلِهِ: ﴿قُلْ ياقَوْمِ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ﴾ [الأنعام: ١٣٥] كَما جاءَ هُنا، ﴿وارْتَقِبُوا﴾: انْتَظِرُوا العاقِبَةَ وما أقُولُ لَكم. والرَّقِيبُ بِمَعْنى: الرّاقِبِ فَعِيلٌ لِلْمُبالَغَةِ، أوْ بِمَعْنى: المُراقِبِ كالعَشِيرِ والجَلِيسِ، أوْ بِمَعْنى: المُرْتَقِبِ كالفَقِيرِ والرَّفِيعِ بِمَعْنى: المُفْتَقِرِ والمُرْتَفِعِ، ويُحَسِّنُ هَذا مُقابَلَةُ فارْتَقِبُوا.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): ما بالُ ساقَتَيْ قِصَّةِ عادٍ وقِصَّةِ مَدْيَنَ جاءَتا بِالواوِ والسّاقَتانِ الوَسَطِيّانِ بِالفاءِ ؟ (قُلْتُ): قَدْ وقَعَتِ الوَسَطِيّانِ بَعْدَ ذِكْرِ الوَعْدِ وذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿إنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ﴾ [هود: ٨١] ﴿ذَلِكَ وعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ﴾ [هود: ٦٥] فَجِيءَ بِالفاءِ الَّتِي لِلتَّسَبُّبِ كَما تَقُولُ: وعَدْتُهُ فَلَمّا جاءَ المِيعادُ كانَ كَيْتَ وكَيْتَ، وأمّا الأُخْرَيانِ فَلَمْ يَقَعا بِتِلْكَ المَنزِلَةِ، وإنَّما وقَعَتا مُبْتَدَأتَيْنِ، فَكانَ حَقُّهُما أنْ يُعْطَفا بِحَرْفِ الجَمْعِ عَلى ما قَبْلَهُما كَما تُعْطَفُ قِصَّةٌ عَلى قِصَّةٍ، انْتَهى.
وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ مِثْلِ ﴿ولَمّا جاءَ أمْرُنا﴾ [هود: ٥٨] إلى قَوْلِهِ: ﴿كَأنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها﴾ [هود: ٦٨] . وقَرَأ السُّلَمِيُّ وأبُو حَيْوَةَ: ﴿كَما بَعِدَتْ﴾ بِضَمِّ العَيْنِ مِنَ البُعْدِ الَّذِي هو ضِدُّ القُرْبِ، والجُمْهُورُ (p-٢٥٨)بِكَسْرِها، أرادَتِ العَرَبُ التَّفْرِقَةَ بَيْنَ البُعْدِ مِن جِهَةِ الهَلاكِ وبَيْنَ غَيْرِهِ، فَغَيَّرُوا البِناءَ، وقِراءَةُ السُّلَمِيِّ جاءَتْ عَلى الأصْلِ اعْتِبارًا لِمَعْنى البُعْدِ مِن غَيْرِ تَخْصِيصٍ كَما يُقالُ: ذَهَبَ فُلانٌ، ومَضى في مَعْنى القُرْبِ.
وقِيلَ: مَعْناهُ بُعْدًا لَهم مِن رَحْمَةِ اللَّهِ كَما بَعُدَتْ ثَمُودُ مِنها. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: بَعُدَ يَبْعُدُ إذا كانَ بُعْدُهُ هَلَكَةً، وبَعُدَ يَبْعُدُ إذا تَأنّى. وقالَ النَّحّاسُ: المَعْرُوفُ في اللُّغَةِ بَعُدَ يَبْعُدُ بُعْدًا وبَعَدًا إذا هَلَكَ. وقالَ المَهْدَوِيُّ: بَعُدَ يُسْتَعْمَلُ في الخَيْرِ والشَّرِّ، وبَعِدَ في الشَّرِّ خاصَّةً.
وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: مِنَ العَرَبِ مَن يُسَوِّي بَيْنَ الهَلاكِ والبُعْدِ الَّذِي هو ضِدُّ القُرْبِ، فَيَقُولُ فِيهِما بَعُدَ يَبْعُدُ، وبَعِدَ يَبْعُدُ. وقالَ مالِكُ بْنُ الرَّيْبِ: في بَعُدَ بِمَعْنى: هَلَكَ.
؎يَقُولُونَ لا تَبْعُدْ وهم يَدْفِنُونَنِي وأيْنَ مَكانُ البُعْدِ إلّا مَكانِيا
وبُعْدًا لْفُلانٍ: دُعاءٌ عَلَيْهِ، ولا يُدْعى بِهِ إلّا عَلى مُبْغَضٍ كَقَوْلِكَ: سُحْقًا لِلْكافِرِينَ.
وقالَ أهْلُ عِلْمِ البَيانِ: لَمْ يَرِدْ في القُرْآنِ اسْتِطْرادٌ إلّا هَذا المَوْضِعُ، والِاسْتِطْرادُ قالُوا: هو أنْ تَمْدَحَ شَيْئًا أوْ تَذُمَّهُ، ثُمَّ تَأْتِي في آخِرِ الكَلامِ بِشَيْءٍ هو غَرَضُكَ في أوَّلِهِ. قالَ حَسّانُ:
؎إنْ كُنْتِ كاذِبَةَ الَّذِي حَدَّثْتِنِي ∗∗∗ فَنَجَوْتِ مَنجى الحارْثِ بْنِ هِشامِ
؎تَرَكَ الأحِبَّةَ أنْ يُقاتِلَ دُونَهم ∗∗∗ ونَجا بِرَأْسِ طِمِرَّةٍ ولِجامِ
هود 11:96
﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا وسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ ﴿إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ فاتَّبَعُوا أمْرَ فِرْعَوْنَ وما أمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾ ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ القِيامَةِ فَأوْرَدَهُمُ النّارَ وبِئْسَ الوِرْدُ المَوْرُودُ﴾ ﴿وأُتْبِعُوا في هَذِهِ لَعْنَةً ويَوْمَ القِيامَةِ بِئْسَ الرِّفْدُ المَرْفُودُ﴾: الآياتُ المُعْجِزاتُ التِّسْعُ: العَصا واليَدُ والطُّوفانُ والجَرادُ والقُمَّلُ والضَّفادِعُ والدَّمُ ونَقْصٌ مِنَ الأمْوالِ والأنْفُسِ والثَّمَراتِ، ومِنهم مَن أبْدَلَ النَّقْصَ بِإظْلالِ الجَبَلِ.
وقِيلَ: الآياتُ: التَّوْراةُ، وهَذا لَيْسَ بِسَدِيدٍ، لِأنَّهُ قالَ ﴿إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ﴾، والتَّوْراةُ إنَّما نَزَلَتْ بَعْدَ هَلاكِ فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ. والسُّلْطانُ المُبِينُ هو: الحُجَجُ الواضِحَةُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِقَوْلِهِ: ﴿وسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾: فِيها، أيْ: في الآياتِ، وهي دالَّةٌ عَلى صِدْقِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ. ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِها العَصا لِأنَّها أبْهَرُ تِلْكَ الآياتِ، فَنَصَّ عَلَيْها كَما نَصَّ عَلى جِبْرِيلَ ومِيكائِيلَ بَعْدَ ذِكْرِ المَلائِكَةِ عَلى سَبِيلِ التَّشْرِيفِ بِالذِّكْرِ. والظّاهِرُ أنْ يُرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿أمْرَ فِرْعَوْنَ﴾ أمْرَهُ إيّاهم بِالكُفْرِ وجَحْدِ مُعْجِزاتِ مُوسى، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: الطَّرِيقَ والشَّأْنَ.
﴿وما أمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾: نَفى عَنْهُ الرُّشْدَ، وذَلِكَ تَجْهِيلٌ لِمُتَّبِعِيهِ حَيْثُ شايَعُوهُ عَلى أمْرِهِ، وهو ضَلالٌ مُبِينٌ لا يَخْفى عَلى مَن فِيهِ أدْنى مُسْكَةٍ مِنَ العَقْلِ. وذَلِكَ أنَّهُ ادَّعى الإلَهِيَّةَ وهو بَشَرٌ مِثْلُهم. عايَنُوا الآياتِ والسُّلْطانَ المُبِينَ في أمْرِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وعَلِمُوا أنَّ مَعَهُ الرُّشْدَ والحَقَّ، ثُمَّ عَدَلُوا عَنِ اتِّباعِهِ إلى اتِّباعِ مَن لَيْسَ في اتِّباعِهِ رُشْدٌ.
ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ﴿رَشِيدٌ﴾ [هود: ٧٨] بِمَعْنى راشِدٍ، ويَكُونَ رَشِيدٍ بِمَعْنى: مُرْشِدٍ، أيْ: بِمُرْشِدٍ إلى خَيْرٍ. وكانَ فِرْعَوْنُ دَهْرِيًّا نافِيًا لِلصّانِعِ والمَعادِ، وكانَ (p-٢٥٩)يَقُولُ: لا إلَهَ لِلْعالَمِ، وإنَّما يَجِبُ عَلى أهْلِ كُلِّ بَلَدٍ أنْ يَشْتَغِلُوا بِطاعَةِ سُلْطانِهِمْ، فَلِذَلِكَ كانَ أمْرُهُ خالِيًا عَنِ الرُّشْدِ بِالكُلِّيَّةِ. والرُّشْدُ يُسْتَعْمَلُ في كُلِّ ما يُحْمَدُ ويُرْتَضى، والغَيُّ ضِدُّهُ. ويُقالُ: قَدَمَ زَيْدٌ القَوْمَ يَقْدُمُ قَدْمًا وقُدُومًا تَقَدَّمَهم والمَعْنى: أنَّهُ يَقْدُمُ قَوْمَهُ المُغْرِقِينَ إلى النّارِ، وكَما كانَ قُدْوَةً في الضَّلالِ مُتَّبَعًا كَذَلِكَ يَتَقَدَّمُهم إلى النّارِ وهم يَتْبَعُونَهُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿بِرَشِيدٍ﴾: بِحَمِيدِ العاقِبَةِ، ويَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ﴾، تَفْسِيرًا لِذَلِكَ وإيضاحًا، أيْ: كَيْفَ يَرْشُدُ أمْرُ مَن هَذِهِ عاقِبَتُهُ ؟ وعَدَلَ عَنْ فَيُورِدُهم إلى ﴿فَأوْرَدَهُمُ﴾ لِتَحَقُّقِ وُقُوعِهِ لا مَحالَةَ، فَكَأنَّهُ قَدْ وقَعَ، ولِما في ذَلِكَ مِنَ الإرْهابِ والتَّخْوِيفِ.
أوْ هو ماضٍ حَقِيقَةً، أيْ: فَأوْرَدَهم في الدُّنْيا النّارَ، أيْ: مُوجِبَهُ وهو الكُفْرُ. ويُبْعِدُ هَذا التَّأْوِيلَ الفاءُ، والوُرُودُ في هَذِهِ الآيَةِ: وُرُودُ الخُلُودِ ولَيْسَ بِوُرُودِ الإشْرافِ عَلى الشَّيْءِ والإشْفاءِ كَقَوْلِهِ: ﴿ولَمّا ورَدَ ماءَ مَدْيَنَ﴾ [القصص: ٢٣] ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ النّارُ تُصِيبُهُ عَلى إعْمالِ الثّانِي لِأنَّهُ تُنازِعُهُ يَقْدُمُ، أيْ: إلى النّارِ وفَأوْرَدَهم، فَأُعْمِلَ الثّانِي وحُذِفَ مَعْمُولُ الأوَّلِ. والهَمْزَةُ في فَأوْرَدَهُمُ لِلتَّعْدِيَةِ، ورَدَ يَتَعَدّى إلى واحِدٍ، فَلَمّا أُدْخِلَتِ الهَمْزَةُ تَعَدّى إلى اثْنَيْنِ، فَتَضَمَّنَ وارِدًا ومَوْرُودًا. ويُطْلَقُ الوِرْدُ عَلى: الوارِدِ، فالوِرْدُ لا يَكُونُ المَوْرُودَ، فاحْتِيجَ إلى حَذْفٍ لِيُطابِقَ فاعِلَ بِئْسَ المَخْصُوصَ بِالذَّمِّ، فالتَّقْدِيرُ: وبِئْسَ مَكانُ الوِرْدِ المَوْرُودُ ويَعْنِي بِهِ: النّارَ. فالوِرْدُ فاعِلٌ بِبِئْسَ، والمَخْصُوصُ بِالذَّمِّ: المَوْرُودُ وهي: النّارُ. ويَجُوزُ في إعْرابِ المَوْرُودُ ما يَجُوزُ في زَيْدٍ مِن قَوْلِكَ: بِئْسَ الرَّجُلُ زَيْدٌ، وجَوَّزَ ابْنُ عَطِيَّةَ وأبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ المَوْرُودُ صِفَةً لِلْوِرْدِ، أيْ: بِئْسَ مَكانُ الوِرْدِ المَوْرُودِ النّارُ، ويَكُونُ المَخْصُوصُ مَحْذُوفًا لِفَهْمِ المَعْنى، كَما حُذِفَ في قَوْلِهِ: ﴿فَبِئْسَ المِهادُ﴾ [ص: ٥٦] وهَذا التَّخْرِيجُ يُبْتَنى عَلى جَوازِ وصْفِ فاعِلِ نِعْمَ وبِئْسَ، وفِيهِ خِلافٌ. ذَهَبَ ابْنُ السَّرّاجِ والفارِسِيُّ إلى أنَّ ذَلِكَ لا يَجُوزُ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والوِرْدُ المَوْرُودُ الَّذِي ورَدُوهُ: شَبَّهَهُ بِالفارِطِ الَّذِي يَتَقَدَّمُ الوارِدَةَ إلى الماءِ، وشَبَّهَ اتِّباعَهُ بِالوارِدَةِ، ثُمَّ قِيلَ: بِئْسَ الوِرْدُ الَّذِي يَرِدُونَهُ النّارُ، لِأنَّ الوِرْدَ إنَّما يُورَدُ لِتَسْكِينِ العَطَشِ وتَبْرِيدِ الأكْبادِ، والنّارُ ضِدُّهُ، انْتَهى. وقَوْلُهُ: والوِرْدُ المَوْرُودُ: إطْلاقُ الوِرْدِ عَلى المَوْرُودِ مَجازٌ، إذْ نَقَلُوا أنَّهُ يَكُونُ صَدْرًا بِمَعْنى: الوُرُودِ، أوْ بِمَعْنى: الوارِدَةِ مِنَ الإبِلِ وتَقْدِيرُهُ: بِئْسَ الوِرْدُ الَّذِي يَرِدُونَهُ النّارُ، يَدُلُّ عَلى أنَّ المَوْرُودَ صِفَةٌ لِلْوِرْدِ، وأنَّ المَخْصُوصَ بِالذَّمِّ مَحْذُوفٌ، ولِذَلِكَ قَدَّرَهُ: النّارَ.
وقَدْ ذَكَرْنا أنَّ ذَلِكَ يُبْتَنى عَلى جَوازِ وصْفِ فاعِلِ بِئْسَ ونِعْمَ. وقِيلَ: التَّقْدِيرُ: بِئْسَ القَوْمُ المَوْرُودُ بِهِمْ هم، فَيَكُونُ الوِرْدُ عُنِيَ بِهِ الجَمْعُ الوارِدُ، والمَوْرُودُ صِفَةٌ لَهم، والمَخْصُوصُ بِالذَّمِّ: الضَّمِيرُ المَحْذُوفُ وهو هم، فَيَكُونُ ذَلِكَ ذَمًّا لِلْوارِدِينَ، لا ذَمًّا لِمَوْضِعِ الوُرُودِ. والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: (في هَذِهِ) إلى الدُّنْيا وقَدْ جاءَ مُصَرَّحًا بِها في قِصَّةِ هُودٍ، ودَلَّ عَلَيْها قَوْلُهُ: ﴿ويَوْمَ القِيامَةِ﴾ [هود: ٦٠]، لِأنَّهُ الآخِرَةُ. فَيَوْمَ مَعْطُوفٌ عَلى مَوْضِعِ في هَذِهِ، والمَعْنى: أنَّهم أُلْحِقُوا لَعْنَةً في الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ.
قالَ الكَلْبِيُّ: ﴿فِي هَذِهِ لَعْنَةً﴾ مِنَ المُؤْمِنِينَ أوْ بِالغَرَقِ، ويَوْمَ القِيامَةِ مِنَ المَلائِكَةِ أوْ بِالنّارِ. وقالَ مُجاهِدٌ: فَلَهم لَعْنَتانِ، وذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّ التَّقْسِيمَ هو أنَّ لَهم في الدُّنْيا لَعْنَةً، ويَوْمَ القِيامَةِ يَرْفِدُونَ بِهِ فَهي لَعْنَةٌ واحِدَةٌ أوَّلًا، وقُبْحُ إرْفادٍ آخِرًا، انْتَهى.
وهَذا لا يَصِحُّ لِأنَّ هَذا التَّأْوِيلَ يَدُلُّ عَلى أنَّ يَوْمَ القِيامَةِ مَعْمُولٌ لَبِئْسَ، وبِئْسَ لا يَتَصَرَّفُ، فَلا يَتَقَدَّمُ مَعْمُولُها عَلَيْها، فَلَوْ تَأخَّرَ ﴿يَوْمَ القِيامَةِ﴾ صَحَّ كَما قالَ الشّاعِرُ:
؎ولَنِعْمَ حَشْوُ الدِّرْعِ أنْتَ إذا دُعِيَتْ نِزالِ ولُجَّ في الذُّعْرِ
. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: بِئْسَ الرِّفْدُ المَرْفُودُ رِفْدُهم، أيْ: بِئْسَ العَوْنُ المُعانُ، وذَلِكَ أنَّ اللَّعْنَةَ في الدُّنْيا رِفْدٌ لِلْعَذابِ ومَدَدٌ لَهُ، وقَدْ رُفِدَتْ بِاللَّعْنَةِ في الآخِرَةِ. وقِيلَ: بِئْسَ العَطاءُ المُعْطى، انْتَهى.
ويَظْهَرُ مِن كَلامِهِ أنَّ المَرْفُودَ صِفَةٌ لِلرِّفْدِ، وأنَّ المَخْصُوصَ بِالذَّمِّ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: رِفْدُهم، وما ذَكَرَ مِن تَفْسِيرِهِ، أيْ: بِئْسَ (p-٢٦٠)العَوْنُ المُعانُ هو قَوْلُ أبِي عُبَيْدَةَ، وسُمِّيَ العَذابُ رِفْدًا عَلى نَحْوِ قَوْلِهِمْ: تَحِيَّةُ بَيْنِهِمْ ضَرْبٌ وجِيعُ. وقالَ الكَلْبِيُّ: الرِّفْدُ الرِّفادَةُ، أيْ: بِئْسَ ما يَرْفِدُونَ بِهِ بَعْدَ الغَرَقِ النّارُ.
هود 11:97
﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا وسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ ﴿إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ فاتَّبَعُوا أمْرَ فِرْعَوْنَ وما أمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾ ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ القِيامَةِ فَأوْرَدَهُمُ النّارَ وبِئْسَ الوِرْدُ المَوْرُودُ﴾ ﴿وأُتْبِعُوا في هَذِهِ لَعْنَةً ويَوْمَ القِيامَةِ بِئْسَ الرِّفْدُ المَرْفُودُ﴾: الآياتُ المُعْجِزاتُ التِّسْعُ: العَصا واليَدُ والطُّوفانُ والجَرادُ والقُمَّلُ والضَّفادِعُ والدَّمُ ونَقْصٌ مِنَ الأمْوالِ والأنْفُسِ والثَّمَراتِ، ومِنهم مَن أبْدَلَ النَّقْصَ بِإظْلالِ الجَبَلِ.
وقِيلَ: الآياتُ: التَّوْراةُ، وهَذا لَيْسَ بِسَدِيدٍ، لِأنَّهُ قالَ ﴿إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ﴾، والتَّوْراةُ إنَّما نَزَلَتْ بَعْدَ هَلاكِ فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ. والسُّلْطانُ المُبِينُ هو: الحُجَجُ الواضِحَةُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِقَوْلِهِ: ﴿وسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾: فِيها، أيْ: في الآياتِ، وهي دالَّةٌ عَلى صِدْقِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ. ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِها العَصا لِأنَّها أبْهَرُ تِلْكَ الآياتِ، فَنَصَّ عَلَيْها كَما نَصَّ عَلى جِبْرِيلَ ومِيكائِيلَ بَعْدَ ذِكْرِ المَلائِكَةِ عَلى سَبِيلِ التَّشْرِيفِ بِالذِّكْرِ. والظّاهِرُ أنْ يُرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿أمْرَ فِرْعَوْنَ﴾ أمْرَهُ إيّاهم بِالكُفْرِ وجَحْدِ مُعْجِزاتِ مُوسى، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: الطَّرِيقَ والشَّأْنَ.
﴿وما أمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾: نَفى عَنْهُ الرُّشْدَ، وذَلِكَ تَجْهِيلٌ لِمُتَّبِعِيهِ حَيْثُ شايَعُوهُ عَلى أمْرِهِ، وهو ضَلالٌ مُبِينٌ لا يَخْفى عَلى مَن فِيهِ أدْنى مُسْكَةٍ مِنَ العَقْلِ. وذَلِكَ أنَّهُ ادَّعى الإلَهِيَّةَ وهو بَشَرٌ مِثْلُهم. عايَنُوا الآياتِ والسُّلْطانَ المُبِينَ في أمْرِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وعَلِمُوا أنَّ مَعَهُ الرُّشْدَ والحَقَّ، ثُمَّ عَدَلُوا عَنِ اتِّباعِهِ إلى اتِّباعِ مَن لَيْسَ في اتِّباعِهِ رُشْدٌ.
ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ﴿رَشِيدٌ﴾ [هود: ٧٨] بِمَعْنى راشِدٍ، ويَكُونَ رَشِيدٍ بِمَعْنى: مُرْشِدٍ، أيْ: بِمُرْشِدٍ إلى خَيْرٍ. وكانَ فِرْعَوْنُ دَهْرِيًّا نافِيًا لِلصّانِعِ والمَعادِ، وكانَ (p-٢٥٩)يَقُولُ: لا إلَهَ لِلْعالَمِ، وإنَّما يَجِبُ عَلى أهْلِ كُلِّ بَلَدٍ أنْ يَشْتَغِلُوا بِطاعَةِ سُلْطانِهِمْ، فَلِذَلِكَ كانَ أمْرُهُ خالِيًا عَنِ الرُّشْدِ بِالكُلِّيَّةِ. والرُّشْدُ يُسْتَعْمَلُ في كُلِّ ما يُحْمَدُ ويُرْتَضى، والغَيُّ ضِدُّهُ. ويُقالُ: قَدَمَ زَيْدٌ القَوْمَ يَقْدُمُ قَدْمًا وقُدُومًا تَقَدَّمَهم والمَعْنى: أنَّهُ يَقْدُمُ قَوْمَهُ المُغْرِقِينَ إلى النّارِ، وكَما كانَ قُدْوَةً في الضَّلالِ مُتَّبَعًا كَذَلِكَ يَتَقَدَّمُهم إلى النّارِ وهم يَتْبَعُونَهُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿بِرَشِيدٍ﴾: بِحَمِيدِ العاقِبَةِ، ويَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ﴾، تَفْسِيرًا لِذَلِكَ وإيضاحًا، أيْ: كَيْفَ يَرْشُدُ أمْرُ مَن هَذِهِ عاقِبَتُهُ ؟ وعَدَلَ عَنْ فَيُورِدُهم إلى ﴿فَأوْرَدَهُمُ﴾ لِتَحَقُّقِ وُقُوعِهِ لا مَحالَةَ، فَكَأنَّهُ قَدْ وقَعَ، ولِما في ذَلِكَ مِنَ الإرْهابِ والتَّخْوِيفِ.
أوْ هو ماضٍ حَقِيقَةً، أيْ: فَأوْرَدَهم في الدُّنْيا النّارَ، أيْ: مُوجِبَهُ وهو الكُفْرُ. ويُبْعِدُ هَذا التَّأْوِيلَ الفاءُ، والوُرُودُ في هَذِهِ الآيَةِ: وُرُودُ الخُلُودِ ولَيْسَ بِوُرُودِ الإشْرافِ عَلى الشَّيْءِ والإشْفاءِ كَقَوْلِهِ: ﴿ولَمّا ورَدَ ماءَ مَدْيَنَ﴾ [القصص: ٢٣] ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ النّارُ تُصِيبُهُ عَلى إعْمالِ الثّانِي لِأنَّهُ تُنازِعُهُ يَقْدُمُ، أيْ: إلى النّارِ وفَأوْرَدَهم، فَأُعْمِلَ الثّانِي وحُذِفَ مَعْمُولُ الأوَّلِ. والهَمْزَةُ في فَأوْرَدَهُمُ لِلتَّعْدِيَةِ، ورَدَ يَتَعَدّى إلى واحِدٍ، فَلَمّا أُدْخِلَتِ الهَمْزَةُ تَعَدّى إلى اثْنَيْنِ، فَتَضَمَّنَ وارِدًا ومَوْرُودًا. ويُطْلَقُ الوِرْدُ عَلى: الوارِدِ، فالوِرْدُ لا يَكُونُ المَوْرُودَ، فاحْتِيجَ إلى حَذْفٍ لِيُطابِقَ فاعِلَ بِئْسَ المَخْصُوصَ بِالذَّمِّ، فالتَّقْدِيرُ: وبِئْسَ مَكانُ الوِرْدِ المَوْرُودُ ويَعْنِي بِهِ: النّارَ. فالوِرْدُ فاعِلٌ بِبِئْسَ، والمَخْصُوصُ بِالذَّمِّ: المَوْرُودُ وهي: النّارُ. ويَجُوزُ في إعْرابِ المَوْرُودُ ما يَجُوزُ في زَيْدٍ مِن قَوْلِكَ: بِئْسَ الرَّجُلُ زَيْدٌ، وجَوَّزَ ابْنُ عَطِيَّةَ وأبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ المَوْرُودُ صِفَةً لِلْوِرْدِ، أيْ: بِئْسَ مَكانُ الوِرْدِ المَوْرُودِ النّارُ، ويَكُونُ المَخْصُوصُ مَحْذُوفًا لِفَهْمِ المَعْنى، كَما حُذِفَ في قَوْلِهِ: ﴿فَبِئْسَ المِهادُ﴾ [ص: ٥٦] وهَذا التَّخْرِيجُ يُبْتَنى عَلى جَوازِ وصْفِ فاعِلِ نِعْمَ وبِئْسَ، وفِيهِ خِلافٌ. ذَهَبَ ابْنُ السَّرّاجِ والفارِسِيُّ إلى أنَّ ذَلِكَ لا يَجُوزُ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والوِرْدُ المَوْرُودُ الَّذِي ورَدُوهُ: شَبَّهَهُ بِالفارِطِ الَّذِي يَتَقَدَّمُ الوارِدَةَ إلى الماءِ، وشَبَّهَ اتِّباعَهُ بِالوارِدَةِ، ثُمَّ قِيلَ: بِئْسَ الوِرْدُ الَّذِي يَرِدُونَهُ النّارُ، لِأنَّ الوِرْدَ إنَّما يُورَدُ لِتَسْكِينِ العَطَشِ وتَبْرِيدِ الأكْبادِ، والنّارُ ضِدُّهُ، انْتَهى. وقَوْلُهُ: والوِرْدُ المَوْرُودُ: إطْلاقُ الوِرْدِ عَلى المَوْرُودِ مَجازٌ، إذْ نَقَلُوا أنَّهُ يَكُونُ صَدْرًا بِمَعْنى: الوُرُودِ، أوْ بِمَعْنى: الوارِدَةِ مِنَ الإبِلِ وتَقْدِيرُهُ: بِئْسَ الوِرْدُ الَّذِي يَرِدُونَهُ النّارُ، يَدُلُّ عَلى أنَّ المَوْرُودَ صِفَةٌ لِلْوِرْدِ، وأنَّ المَخْصُوصَ بِالذَّمِّ مَحْذُوفٌ، ولِذَلِكَ قَدَّرَهُ: النّارَ.
وقَدْ ذَكَرْنا أنَّ ذَلِكَ يُبْتَنى عَلى جَوازِ وصْفِ فاعِلِ بِئْسَ ونِعْمَ. وقِيلَ: التَّقْدِيرُ: بِئْسَ القَوْمُ المَوْرُودُ بِهِمْ هم، فَيَكُونُ الوِرْدُ عُنِيَ بِهِ الجَمْعُ الوارِدُ، والمَوْرُودُ صِفَةٌ لَهم، والمَخْصُوصُ بِالذَّمِّ: الضَّمِيرُ المَحْذُوفُ وهو هم، فَيَكُونُ ذَلِكَ ذَمًّا لِلْوارِدِينَ، لا ذَمًّا لِمَوْضِعِ الوُرُودِ. والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: (في هَذِهِ) إلى الدُّنْيا وقَدْ جاءَ مُصَرَّحًا بِها في قِصَّةِ هُودٍ، ودَلَّ عَلَيْها قَوْلُهُ: ﴿ويَوْمَ القِيامَةِ﴾ [هود: ٦٠]، لِأنَّهُ الآخِرَةُ. فَيَوْمَ مَعْطُوفٌ عَلى مَوْضِعِ في هَذِهِ، والمَعْنى: أنَّهم أُلْحِقُوا لَعْنَةً في الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ.
قالَ الكَلْبِيُّ: ﴿فِي هَذِهِ لَعْنَةً﴾ مِنَ المُؤْمِنِينَ أوْ بِالغَرَقِ، ويَوْمَ القِيامَةِ مِنَ المَلائِكَةِ أوْ بِالنّارِ. وقالَ مُجاهِدٌ: فَلَهم لَعْنَتانِ، وذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّ التَّقْسِيمَ هو أنَّ لَهم في الدُّنْيا لَعْنَةً، ويَوْمَ القِيامَةِ يَرْفِدُونَ بِهِ فَهي لَعْنَةٌ واحِدَةٌ أوَّلًا، وقُبْحُ إرْفادٍ آخِرًا، انْتَهى.
وهَذا لا يَصِحُّ لِأنَّ هَذا التَّأْوِيلَ يَدُلُّ عَلى أنَّ يَوْمَ القِيامَةِ مَعْمُولٌ لَبِئْسَ، وبِئْسَ لا يَتَصَرَّفُ، فَلا يَتَقَدَّمُ مَعْمُولُها عَلَيْها، فَلَوْ تَأخَّرَ ﴿يَوْمَ القِيامَةِ﴾ صَحَّ كَما قالَ الشّاعِرُ:
؎ولَنِعْمَ حَشْوُ الدِّرْعِ أنْتَ إذا دُعِيَتْ نِزالِ ولُجَّ في الذُّعْرِ
. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: بِئْسَ الرِّفْدُ المَرْفُودُ رِفْدُهم، أيْ: بِئْسَ العَوْنُ المُعانُ، وذَلِكَ أنَّ اللَّعْنَةَ في الدُّنْيا رِفْدٌ لِلْعَذابِ ومَدَدٌ لَهُ، وقَدْ رُفِدَتْ بِاللَّعْنَةِ في الآخِرَةِ. وقِيلَ: بِئْسَ العَطاءُ المُعْطى، انْتَهى.
ويَظْهَرُ مِن كَلامِهِ أنَّ المَرْفُودَ صِفَةٌ لِلرِّفْدِ، وأنَّ المَخْصُوصَ بِالذَّمِّ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: رِفْدُهم، وما ذَكَرَ مِن تَفْسِيرِهِ، أيْ: بِئْسَ (p-٢٦٠)العَوْنُ المُعانُ هو قَوْلُ أبِي عُبَيْدَةَ، وسُمِّيَ العَذابُ رِفْدًا عَلى نَحْوِ قَوْلِهِمْ: تَحِيَّةُ بَيْنِهِمْ ضَرْبٌ وجِيعُ. وقالَ الكَلْبِيُّ: الرِّفْدُ الرِّفادَةُ، أيْ: بِئْسَ ما يَرْفِدُونَ بِهِ بَعْدَ الغَرَقِ النّارُ.
هود 11:98
﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا وسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ ﴿إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ فاتَّبَعُوا أمْرَ فِرْعَوْنَ وما أمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾ ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ القِيامَةِ فَأوْرَدَهُمُ النّارَ وبِئْسَ الوِرْدُ المَوْرُودُ﴾ ﴿وأُتْبِعُوا في هَذِهِ لَعْنَةً ويَوْمَ القِيامَةِ بِئْسَ الرِّفْدُ المَرْفُودُ﴾: الآياتُ المُعْجِزاتُ التِّسْعُ: العَصا واليَدُ والطُّوفانُ والجَرادُ والقُمَّلُ والضَّفادِعُ والدَّمُ ونَقْصٌ مِنَ الأمْوالِ والأنْفُسِ والثَّمَراتِ، ومِنهم مَن أبْدَلَ النَّقْصَ بِإظْلالِ الجَبَلِ.
وقِيلَ: الآياتُ: التَّوْراةُ، وهَذا لَيْسَ بِسَدِيدٍ، لِأنَّهُ قالَ ﴿إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ﴾، والتَّوْراةُ إنَّما نَزَلَتْ بَعْدَ هَلاكِ فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ. والسُّلْطانُ المُبِينُ هو: الحُجَجُ الواضِحَةُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِقَوْلِهِ: ﴿وسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾: فِيها، أيْ: في الآياتِ، وهي دالَّةٌ عَلى صِدْقِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ. ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِها العَصا لِأنَّها أبْهَرُ تِلْكَ الآياتِ، فَنَصَّ عَلَيْها كَما نَصَّ عَلى جِبْرِيلَ ومِيكائِيلَ بَعْدَ ذِكْرِ المَلائِكَةِ عَلى سَبِيلِ التَّشْرِيفِ بِالذِّكْرِ. والظّاهِرُ أنْ يُرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿أمْرَ فِرْعَوْنَ﴾ أمْرَهُ إيّاهم بِالكُفْرِ وجَحْدِ مُعْجِزاتِ مُوسى، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: الطَّرِيقَ والشَّأْنَ.
﴿وما أمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾: نَفى عَنْهُ الرُّشْدَ، وذَلِكَ تَجْهِيلٌ لِمُتَّبِعِيهِ حَيْثُ شايَعُوهُ عَلى أمْرِهِ، وهو ضَلالٌ مُبِينٌ لا يَخْفى عَلى مَن فِيهِ أدْنى مُسْكَةٍ مِنَ العَقْلِ. وذَلِكَ أنَّهُ ادَّعى الإلَهِيَّةَ وهو بَشَرٌ مِثْلُهم. عايَنُوا الآياتِ والسُّلْطانَ المُبِينَ في أمْرِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وعَلِمُوا أنَّ مَعَهُ الرُّشْدَ والحَقَّ، ثُمَّ عَدَلُوا عَنِ اتِّباعِهِ إلى اتِّباعِ مَن لَيْسَ في اتِّباعِهِ رُشْدٌ.
ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ﴿رَشِيدٌ﴾ [هود: ٧٨] بِمَعْنى راشِدٍ، ويَكُونَ رَشِيدٍ بِمَعْنى: مُرْشِدٍ، أيْ: بِمُرْشِدٍ إلى خَيْرٍ. وكانَ فِرْعَوْنُ دَهْرِيًّا نافِيًا لِلصّانِعِ والمَعادِ، وكانَ (p-٢٥٩)يَقُولُ: لا إلَهَ لِلْعالَمِ، وإنَّما يَجِبُ عَلى أهْلِ كُلِّ بَلَدٍ أنْ يَشْتَغِلُوا بِطاعَةِ سُلْطانِهِمْ، فَلِذَلِكَ كانَ أمْرُهُ خالِيًا عَنِ الرُّشْدِ بِالكُلِّيَّةِ. والرُّشْدُ يُسْتَعْمَلُ في كُلِّ ما يُحْمَدُ ويُرْتَضى، والغَيُّ ضِدُّهُ. ويُقالُ: قَدَمَ زَيْدٌ القَوْمَ يَقْدُمُ قَدْمًا وقُدُومًا تَقَدَّمَهم والمَعْنى: أنَّهُ يَقْدُمُ قَوْمَهُ المُغْرِقِينَ إلى النّارِ، وكَما كانَ قُدْوَةً في الضَّلالِ مُتَّبَعًا كَذَلِكَ يَتَقَدَّمُهم إلى النّارِ وهم يَتْبَعُونَهُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿بِرَشِيدٍ﴾: بِحَمِيدِ العاقِبَةِ، ويَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ﴾، تَفْسِيرًا لِذَلِكَ وإيضاحًا، أيْ: كَيْفَ يَرْشُدُ أمْرُ مَن هَذِهِ عاقِبَتُهُ ؟ وعَدَلَ عَنْ فَيُورِدُهم إلى ﴿فَأوْرَدَهُمُ﴾ لِتَحَقُّقِ وُقُوعِهِ لا مَحالَةَ، فَكَأنَّهُ قَدْ وقَعَ، ولِما في ذَلِكَ مِنَ الإرْهابِ والتَّخْوِيفِ.
أوْ هو ماضٍ حَقِيقَةً، أيْ: فَأوْرَدَهم في الدُّنْيا النّارَ، أيْ: مُوجِبَهُ وهو الكُفْرُ. ويُبْعِدُ هَذا التَّأْوِيلَ الفاءُ، والوُرُودُ في هَذِهِ الآيَةِ: وُرُودُ الخُلُودِ ولَيْسَ بِوُرُودِ الإشْرافِ عَلى الشَّيْءِ والإشْفاءِ كَقَوْلِهِ: ﴿ولَمّا ورَدَ ماءَ مَدْيَنَ﴾ [القصص: ٢٣] ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ النّارُ تُصِيبُهُ عَلى إعْمالِ الثّانِي لِأنَّهُ تُنازِعُهُ يَقْدُمُ، أيْ: إلى النّارِ وفَأوْرَدَهم، فَأُعْمِلَ الثّانِي وحُذِفَ مَعْمُولُ الأوَّلِ. والهَمْزَةُ في فَأوْرَدَهُمُ لِلتَّعْدِيَةِ، ورَدَ يَتَعَدّى إلى واحِدٍ، فَلَمّا أُدْخِلَتِ الهَمْزَةُ تَعَدّى إلى اثْنَيْنِ، فَتَضَمَّنَ وارِدًا ومَوْرُودًا. ويُطْلَقُ الوِرْدُ عَلى: الوارِدِ، فالوِرْدُ لا يَكُونُ المَوْرُودَ، فاحْتِيجَ إلى حَذْفٍ لِيُطابِقَ فاعِلَ بِئْسَ المَخْصُوصَ بِالذَّمِّ، فالتَّقْدِيرُ: وبِئْسَ مَكانُ الوِرْدِ المَوْرُودُ ويَعْنِي بِهِ: النّارَ. فالوِرْدُ فاعِلٌ بِبِئْسَ، والمَخْصُوصُ بِالذَّمِّ: المَوْرُودُ وهي: النّارُ. ويَجُوزُ في إعْرابِ المَوْرُودُ ما يَجُوزُ في زَيْدٍ مِن قَوْلِكَ: بِئْسَ الرَّجُلُ زَيْدٌ، وجَوَّزَ ابْنُ عَطِيَّةَ وأبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ المَوْرُودُ صِفَةً لِلْوِرْدِ، أيْ: بِئْسَ مَكانُ الوِرْدِ المَوْرُودِ النّارُ، ويَكُونُ المَخْصُوصُ مَحْذُوفًا لِفَهْمِ المَعْنى، كَما حُذِفَ في قَوْلِهِ: ﴿فَبِئْسَ المِهادُ﴾ [ص: ٥٦] وهَذا التَّخْرِيجُ يُبْتَنى عَلى جَوازِ وصْفِ فاعِلِ نِعْمَ وبِئْسَ، وفِيهِ خِلافٌ. ذَهَبَ ابْنُ السَّرّاجِ والفارِسِيُّ إلى أنَّ ذَلِكَ لا يَجُوزُ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والوِرْدُ المَوْرُودُ الَّذِي ورَدُوهُ: شَبَّهَهُ بِالفارِطِ الَّذِي يَتَقَدَّمُ الوارِدَةَ إلى الماءِ، وشَبَّهَ اتِّباعَهُ بِالوارِدَةِ، ثُمَّ قِيلَ: بِئْسَ الوِرْدُ الَّذِي يَرِدُونَهُ النّارُ، لِأنَّ الوِرْدَ إنَّما يُورَدُ لِتَسْكِينِ العَطَشِ وتَبْرِيدِ الأكْبادِ، والنّارُ ضِدُّهُ، انْتَهى. وقَوْلُهُ: والوِرْدُ المَوْرُودُ: إطْلاقُ الوِرْدِ عَلى المَوْرُودِ مَجازٌ، إذْ نَقَلُوا أنَّهُ يَكُونُ صَدْرًا بِمَعْنى: الوُرُودِ، أوْ بِمَعْنى: الوارِدَةِ مِنَ الإبِلِ وتَقْدِيرُهُ: بِئْسَ الوِرْدُ الَّذِي يَرِدُونَهُ النّارُ، يَدُلُّ عَلى أنَّ المَوْرُودَ صِفَةٌ لِلْوِرْدِ، وأنَّ المَخْصُوصَ بِالذَّمِّ مَحْذُوفٌ، ولِذَلِكَ قَدَّرَهُ: النّارَ.
وقَدْ ذَكَرْنا أنَّ ذَلِكَ يُبْتَنى عَلى جَوازِ وصْفِ فاعِلِ بِئْسَ ونِعْمَ. وقِيلَ: التَّقْدِيرُ: بِئْسَ القَوْمُ المَوْرُودُ بِهِمْ هم، فَيَكُونُ الوِرْدُ عُنِيَ بِهِ الجَمْعُ الوارِدُ، والمَوْرُودُ صِفَةٌ لَهم، والمَخْصُوصُ بِالذَّمِّ: الضَّمِيرُ المَحْذُوفُ وهو هم، فَيَكُونُ ذَلِكَ ذَمًّا لِلْوارِدِينَ، لا ذَمًّا لِمَوْضِعِ الوُرُودِ. والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: (في هَذِهِ) إلى الدُّنْيا وقَدْ جاءَ مُصَرَّحًا بِها في قِصَّةِ هُودٍ، ودَلَّ عَلَيْها قَوْلُهُ: ﴿ويَوْمَ القِيامَةِ﴾ [هود: ٦٠]، لِأنَّهُ الآخِرَةُ. فَيَوْمَ مَعْطُوفٌ عَلى مَوْضِعِ في هَذِهِ، والمَعْنى: أنَّهم أُلْحِقُوا لَعْنَةً في الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ.
قالَ الكَلْبِيُّ: ﴿فِي هَذِهِ لَعْنَةً﴾ مِنَ المُؤْمِنِينَ أوْ بِالغَرَقِ، ويَوْمَ القِيامَةِ مِنَ المَلائِكَةِ أوْ بِالنّارِ. وقالَ مُجاهِدٌ: فَلَهم لَعْنَتانِ، وذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّ التَّقْسِيمَ هو أنَّ لَهم في الدُّنْيا لَعْنَةً، ويَوْمَ القِيامَةِ يَرْفِدُونَ بِهِ فَهي لَعْنَةٌ واحِدَةٌ أوَّلًا، وقُبْحُ إرْفادٍ آخِرًا، انْتَهى.
وهَذا لا يَصِحُّ لِأنَّ هَذا التَّأْوِيلَ يَدُلُّ عَلى أنَّ يَوْمَ القِيامَةِ مَعْمُولٌ لَبِئْسَ، وبِئْسَ لا يَتَصَرَّفُ، فَلا يَتَقَدَّمُ مَعْمُولُها عَلَيْها، فَلَوْ تَأخَّرَ ﴿يَوْمَ القِيامَةِ﴾ صَحَّ كَما قالَ الشّاعِرُ:
؎ولَنِعْمَ حَشْوُ الدِّرْعِ أنْتَ إذا دُعِيَتْ نِزالِ ولُجَّ في الذُّعْرِ
. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: بِئْسَ الرِّفْدُ المَرْفُودُ رِفْدُهم، أيْ: بِئْسَ العَوْنُ المُعانُ، وذَلِكَ أنَّ اللَّعْنَةَ في الدُّنْيا رِفْدٌ لِلْعَذابِ ومَدَدٌ لَهُ، وقَدْ رُفِدَتْ بِاللَّعْنَةِ في الآخِرَةِ. وقِيلَ: بِئْسَ العَطاءُ المُعْطى، انْتَهى.
ويَظْهَرُ مِن كَلامِهِ أنَّ المَرْفُودَ صِفَةٌ لِلرِّفْدِ، وأنَّ المَخْصُوصَ بِالذَّمِّ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: رِفْدُهم، وما ذَكَرَ مِن تَفْسِيرِهِ، أيْ: بِئْسَ (p-٢٦٠)العَوْنُ المُعانُ هو قَوْلُ أبِي عُبَيْدَةَ، وسُمِّيَ العَذابُ رِفْدًا عَلى نَحْوِ قَوْلِهِمْ: تَحِيَّةُ بَيْنِهِمْ ضَرْبٌ وجِيعُ. وقالَ الكَلْبِيُّ: الرِّفْدُ الرِّفادَةُ، أيْ: بِئْسَ ما يَرْفِدُونَ بِهِ بَعْدَ الغَرَقِ النّارُ.
هود 11:99
﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا وسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾ ﴿إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ فاتَّبَعُوا أمْرَ فِرْعَوْنَ وما أمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾ ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ القِيامَةِ فَأوْرَدَهُمُ النّارَ وبِئْسَ الوِرْدُ المَوْرُودُ﴾ ﴿وأُتْبِعُوا في هَذِهِ لَعْنَةً ويَوْمَ القِيامَةِ بِئْسَ الرِّفْدُ المَرْفُودُ﴾: الآياتُ المُعْجِزاتُ التِّسْعُ: العَصا واليَدُ والطُّوفانُ والجَرادُ والقُمَّلُ والضَّفادِعُ والدَّمُ ونَقْصٌ مِنَ الأمْوالِ والأنْفُسِ والثَّمَراتِ، ومِنهم مَن أبْدَلَ النَّقْصَ بِإظْلالِ الجَبَلِ.
وقِيلَ: الآياتُ: التَّوْراةُ، وهَذا لَيْسَ بِسَدِيدٍ، لِأنَّهُ قالَ ﴿إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ﴾، والتَّوْراةُ إنَّما نَزَلَتْ بَعْدَ هَلاكِ فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ. والسُّلْطانُ المُبِينُ هو: الحُجَجُ الواضِحَةُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِقَوْلِهِ: ﴿وسُلْطانٍ مُبِينٍ﴾: فِيها، أيْ: في الآياتِ، وهي دالَّةٌ عَلى صِدْقِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ. ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِها العَصا لِأنَّها أبْهَرُ تِلْكَ الآياتِ، فَنَصَّ عَلَيْها كَما نَصَّ عَلى جِبْرِيلَ ومِيكائِيلَ بَعْدَ ذِكْرِ المَلائِكَةِ عَلى سَبِيلِ التَّشْرِيفِ بِالذِّكْرِ. والظّاهِرُ أنْ يُرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿أمْرَ فِرْعَوْنَ﴾ أمْرَهُ إيّاهم بِالكُفْرِ وجَحْدِ مُعْجِزاتِ مُوسى، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: الطَّرِيقَ والشَّأْنَ.
﴿وما أمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾: نَفى عَنْهُ الرُّشْدَ، وذَلِكَ تَجْهِيلٌ لِمُتَّبِعِيهِ حَيْثُ شايَعُوهُ عَلى أمْرِهِ، وهو ضَلالٌ مُبِينٌ لا يَخْفى عَلى مَن فِيهِ أدْنى مُسْكَةٍ مِنَ العَقْلِ. وذَلِكَ أنَّهُ ادَّعى الإلَهِيَّةَ وهو بَشَرٌ مِثْلُهم. عايَنُوا الآياتِ والسُّلْطانَ المُبِينَ في أمْرِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وعَلِمُوا أنَّ مَعَهُ الرُّشْدَ والحَقَّ، ثُمَّ عَدَلُوا عَنِ اتِّباعِهِ إلى اتِّباعِ مَن لَيْسَ في اتِّباعِهِ رُشْدٌ.
ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ ﴿رَشِيدٌ﴾ [هود: ٧٨] بِمَعْنى راشِدٍ، ويَكُونَ رَشِيدٍ بِمَعْنى: مُرْشِدٍ، أيْ: بِمُرْشِدٍ إلى خَيْرٍ. وكانَ فِرْعَوْنُ دَهْرِيًّا نافِيًا لِلصّانِعِ والمَعادِ، وكانَ (p-٢٥٩)يَقُولُ: لا إلَهَ لِلْعالَمِ، وإنَّما يَجِبُ عَلى أهْلِ كُلِّ بَلَدٍ أنْ يَشْتَغِلُوا بِطاعَةِ سُلْطانِهِمْ، فَلِذَلِكَ كانَ أمْرُهُ خالِيًا عَنِ الرُّشْدِ بِالكُلِّيَّةِ. والرُّشْدُ يُسْتَعْمَلُ في كُلِّ ما يُحْمَدُ ويُرْتَضى، والغَيُّ ضِدُّهُ. ويُقالُ: قَدَمَ زَيْدٌ القَوْمَ يَقْدُمُ قَدْمًا وقُدُومًا تَقَدَّمَهم والمَعْنى: أنَّهُ يَقْدُمُ قَوْمَهُ المُغْرِقِينَ إلى النّارِ، وكَما كانَ قُدْوَةً في الضَّلالِ مُتَّبَعًا كَذَلِكَ يَتَقَدَّمُهم إلى النّارِ وهم يَتْبَعُونَهُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿بِرَشِيدٍ﴾: بِحَمِيدِ العاقِبَةِ، ويَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ﴾، تَفْسِيرًا لِذَلِكَ وإيضاحًا، أيْ: كَيْفَ يَرْشُدُ أمْرُ مَن هَذِهِ عاقِبَتُهُ ؟ وعَدَلَ عَنْ فَيُورِدُهم إلى ﴿فَأوْرَدَهُمُ﴾ لِتَحَقُّقِ وُقُوعِهِ لا مَحالَةَ، فَكَأنَّهُ قَدْ وقَعَ، ولِما في ذَلِكَ مِنَ الإرْهابِ والتَّخْوِيفِ.
أوْ هو ماضٍ حَقِيقَةً، أيْ: فَأوْرَدَهم في الدُّنْيا النّارَ، أيْ: مُوجِبَهُ وهو الكُفْرُ. ويُبْعِدُ هَذا التَّأْوِيلَ الفاءُ، والوُرُودُ في هَذِهِ الآيَةِ: وُرُودُ الخُلُودِ ولَيْسَ بِوُرُودِ الإشْرافِ عَلى الشَّيْءِ والإشْفاءِ كَقَوْلِهِ: ﴿ولَمّا ورَدَ ماءَ مَدْيَنَ﴾ [القصص: ٢٣] ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ النّارُ تُصِيبُهُ عَلى إعْمالِ الثّانِي لِأنَّهُ تُنازِعُهُ يَقْدُمُ، أيْ: إلى النّارِ وفَأوْرَدَهم، فَأُعْمِلَ الثّانِي وحُذِفَ مَعْمُولُ الأوَّلِ. والهَمْزَةُ في فَأوْرَدَهُمُ لِلتَّعْدِيَةِ، ورَدَ يَتَعَدّى إلى واحِدٍ، فَلَمّا أُدْخِلَتِ الهَمْزَةُ تَعَدّى إلى اثْنَيْنِ، فَتَضَمَّنَ وارِدًا ومَوْرُودًا. ويُطْلَقُ الوِرْدُ عَلى: الوارِدِ، فالوِرْدُ لا يَكُونُ المَوْرُودَ، فاحْتِيجَ إلى حَذْفٍ لِيُطابِقَ فاعِلَ بِئْسَ المَخْصُوصَ بِالذَّمِّ، فالتَّقْدِيرُ: وبِئْسَ مَكانُ الوِرْدِ المَوْرُودُ ويَعْنِي بِهِ: النّارَ. فالوِرْدُ فاعِلٌ بِبِئْسَ، والمَخْصُوصُ بِالذَّمِّ: المَوْرُودُ وهي: النّارُ. ويَجُوزُ في إعْرابِ المَوْرُودُ ما يَجُوزُ في زَيْدٍ مِن قَوْلِكَ: بِئْسَ الرَّجُلُ زَيْدٌ، وجَوَّزَ ابْنُ عَطِيَّةَ وأبُو البَقاءِ أنْ يَكُونَ المَوْرُودُ صِفَةً لِلْوِرْدِ، أيْ: بِئْسَ مَكانُ الوِرْدِ المَوْرُودِ النّارُ، ويَكُونُ المَخْصُوصُ مَحْذُوفًا لِفَهْمِ المَعْنى، كَما حُذِفَ في قَوْلِهِ: ﴿فَبِئْسَ المِهادُ﴾ [ص: ٥٦] وهَذا التَّخْرِيجُ يُبْتَنى عَلى جَوازِ وصْفِ فاعِلِ نِعْمَ وبِئْسَ، وفِيهِ خِلافٌ. ذَهَبَ ابْنُ السَّرّاجِ والفارِسِيُّ إلى أنَّ ذَلِكَ لا يَجُوزُ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والوِرْدُ المَوْرُودُ الَّذِي ورَدُوهُ: شَبَّهَهُ بِالفارِطِ الَّذِي يَتَقَدَّمُ الوارِدَةَ إلى الماءِ، وشَبَّهَ اتِّباعَهُ بِالوارِدَةِ، ثُمَّ قِيلَ: بِئْسَ الوِرْدُ الَّذِي يَرِدُونَهُ النّارُ، لِأنَّ الوِرْدَ إنَّما يُورَدُ لِتَسْكِينِ العَطَشِ وتَبْرِيدِ الأكْبادِ، والنّارُ ضِدُّهُ، انْتَهى. وقَوْلُهُ: والوِرْدُ المَوْرُودُ: إطْلاقُ الوِرْدِ عَلى المَوْرُودِ مَجازٌ، إذْ نَقَلُوا أنَّهُ يَكُونُ صَدْرًا بِمَعْنى: الوُرُودِ، أوْ بِمَعْنى: الوارِدَةِ مِنَ الإبِلِ وتَقْدِيرُهُ: بِئْسَ الوِرْدُ الَّذِي يَرِدُونَهُ النّارُ، يَدُلُّ عَلى أنَّ المَوْرُودَ صِفَةٌ لِلْوِرْدِ، وأنَّ المَخْصُوصَ بِالذَّمِّ مَحْذُوفٌ، ولِذَلِكَ قَدَّرَهُ: النّارَ.
وقَدْ ذَكَرْنا أنَّ ذَلِكَ يُبْتَنى عَلى جَوازِ وصْفِ فاعِلِ بِئْسَ ونِعْمَ. وقِيلَ: التَّقْدِيرُ: بِئْسَ القَوْمُ المَوْرُودُ بِهِمْ هم، فَيَكُونُ الوِرْدُ عُنِيَ بِهِ الجَمْعُ الوارِدُ، والمَوْرُودُ صِفَةٌ لَهم، والمَخْصُوصُ بِالذَّمِّ: الضَّمِيرُ المَحْذُوفُ وهو هم، فَيَكُونُ ذَلِكَ ذَمًّا لِلْوارِدِينَ، لا ذَمًّا لِمَوْضِعِ الوُرُودِ. والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: (في هَذِهِ) إلى الدُّنْيا وقَدْ جاءَ مُصَرَّحًا بِها في قِصَّةِ هُودٍ، ودَلَّ عَلَيْها قَوْلُهُ: ﴿ويَوْمَ القِيامَةِ﴾ [هود: ٦٠]، لِأنَّهُ الآخِرَةُ. فَيَوْمَ مَعْطُوفٌ عَلى مَوْضِعِ في هَذِهِ، والمَعْنى: أنَّهم أُلْحِقُوا لَعْنَةً في الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ.
قالَ الكَلْبِيُّ: ﴿فِي هَذِهِ لَعْنَةً﴾ مِنَ المُؤْمِنِينَ أوْ بِالغَرَقِ، ويَوْمَ القِيامَةِ مِنَ المَلائِكَةِ أوْ بِالنّارِ. وقالَ مُجاهِدٌ: فَلَهم لَعْنَتانِ، وذَهَبَ قَوْمٌ إلى أنَّ التَّقْسِيمَ هو أنَّ لَهم في الدُّنْيا لَعْنَةً، ويَوْمَ القِيامَةِ يَرْفِدُونَ بِهِ فَهي لَعْنَةٌ واحِدَةٌ أوَّلًا، وقُبْحُ إرْفادٍ آخِرًا، انْتَهى.
وهَذا لا يَصِحُّ لِأنَّ هَذا التَّأْوِيلَ يَدُلُّ عَلى أنَّ يَوْمَ القِيامَةِ مَعْمُولٌ لَبِئْسَ، وبِئْسَ لا يَتَصَرَّفُ، فَلا يَتَقَدَّمُ مَعْمُولُها عَلَيْها، فَلَوْ تَأخَّرَ ﴿يَوْمَ القِيامَةِ﴾ صَحَّ كَما قالَ الشّاعِرُ:
؎ولَنِعْمَ حَشْوُ الدِّرْعِ أنْتَ إذا دُعِيَتْ نِزالِ ولُجَّ في الذُّعْرِ
. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: بِئْسَ الرِّفْدُ المَرْفُودُ رِفْدُهم، أيْ: بِئْسَ العَوْنُ المُعانُ، وذَلِكَ أنَّ اللَّعْنَةَ في الدُّنْيا رِفْدٌ لِلْعَذابِ ومَدَدٌ لَهُ، وقَدْ رُفِدَتْ بِاللَّعْنَةِ في الآخِرَةِ. وقِيلَ: بِئْسَ العَطاءُ المُعْطى، انْتَهى.
ويَظْهَرُ مِن كَلامِهِ أنَّ المَرْفُودَ صِفَةٌ لِلرِّفْدِ، وأنَّ المَخْصُوصَ بِالذَّمِّ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: رِفْدُهم، وما ذَكَرَ مِن تَفْسِيرِهِ، أيْ: بِئْسَ (p-٢٦٠)العَوْنُ المُعانُ هو قَوْلُ أبِي عُبَيْدَةَ، وسُمِّيَ العَذابُ رِفْدًا عَلى نَحْوِ قَوْلِهِمْ: تَحِيَّةُ بَيْنِهِمْ ضَرْبٌ وجِيعُ. وقالَ الكَلْبِيُّ: الرِّفْدُ الرِّفادَةُ، أيْ: بِئْسَ ما يَرْفِدُونَ بِهِ بَعْدَ الغَرَقِ النّارُ.
هود 11:100
﴿ذَلِكَ مِن أنْباءِ القُرى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنها قائِمٌ وحَصِيدٌ﴾ ﴿وما ظَلَمْناهم ولَكِنْ ظَلَمُوا أنْفُسَهم فَما أغْنَتْ عَنْهم آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مِن شَيْءٍ لَمّا جاءَ أمْرُ رَبِّكَ وما زادُوهم غَيْرَ تَتْبِيبٍ﴾: الإشارَةُ بِذَلِكَ إلى ما تَقَدَّمَ مِن ذِكْرِ الأنْبِياءِ وقَوْمِهِمْ، وما حَلَّ بِهِمْ مِنَ العُقُوباتِ، أيْ: ذَلِكَ النَّبَأُ بَعْضُ أنْباءِ القُرى.
ويُحْتَمَلُ أنْ يُعْنى بِالقُرى قُرى أُولَئِكَ المُهْلَكِينَ المُتَقَدِّمِ ذِكْرُهم، وأنْ يَعْنِيَ القُرى عُمُومًا، أيْ: هَذا النَّبَأُ المَقْصُوصُ عَلَيْكَ هو دَيْدَنُ المُدُنِ إذْ كَفَرَتْ، فَدَخَلَ المُدُنُ المُعاصِرَةُ. والضَّمِيرُ في مِنها عائِدٌ عَلى القُرى.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ﴿قائِمٌ وحَصِيدٌ﴾: عامِرٌ كَزاغِرٍ وداثِرٍ، وهَذا عَلى تَأْوِيلِ عُمُومِ القُرى. وقالَ قَتادَةُ وابْنُ جُرَيْجٍ: قائِمُ الجُدْرانِ ومُنْهَدِمٌ، وهَذا عَلى تَأْوِيلِ خُصُوصِ القُرى، وأنَّها قُرى أُولَئِكَ الأُمَمِ المُهْلَكِينَ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: بَعْضُها باقٍ وبَعْضُها عافِي الأثَرِ كالزَّرْعِ القائِمِ عَلى ساقِهِ والَّذِي حُصِدَ، انْتَهى.
وهَذا مَعْنى قَوْلِ قَتادَةَ، قالَ قَتادَةُ: قائِمُ الأثَرِ ودارِسُهُ، جَعَلَ حَصْدَ الزَّرْعِ كِنايَةً عَنِ الفَناءِ قالَ الشّاعِرُ:
؎والنّاسُ في قَسْمِ المَنِيَّةِ بَيْنَهم كالزَّرْعِ مِنهُ قائِمٌ وحَصِيدُ
. وقالَ الضَّحّاكُ: (قائِمٌ): لَمْ يُخْسَفْ، و(حَصِيدٌ): قَدْ خُسِفَ. وقالَ ابْنُ إسْحاقَ: (قائِمٌ): لَمْ يَهْلَكْ بَعْدُ، و(حَصِيدٌ): قَدْ أُهْلِكَ. وقِيلَ: قائِمٌ أيْ: باقٍ نَسْلُهُ، وحَصِيدٌ أيْ: مُنْقَطِعٌ نَسْلُهُ. وهَذا يَتَمَشّى عَلى أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: ذَلِكَ مِن أنْباءِ أهْلِ القُرى. وقَدْ قِيلَ: هو عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: مِن أنْباءِ أهْلِ القُرى، ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ: وما (ظَلَمْناهم)، فَعادَ الضَّمِيرُ عَلى ذَلِكَ المَحْذُوفِ.
وقالَ الأخْفَشُ: حَصِيدٌ أيْ: مَحْصُودٌ، وجَمْعُهُ حَصْدى وحِصادٌ، مِثْلَ: مَرْضى ومِراضٌ، وبابُ فَعْلى جَمْعًا لِفَعِيلٍ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، أنْ يَكُونَ فِيمَن يَعْقِلُ نَحْوَ: قَتِيلٍ وقَتْلى. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): ما مَحَلُّ هَذِهِ الجُمْلَةِ ؟ قُلْتُ: هي مُسْتَأْنَفَةٌ لا مَحَلَّ لَها، انْتَهى.
وقالَ أبُو البَقاءِ: ﴿مِنها قائِمٌ﴾ ابْتِداءٌ، وخَبَرٌ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الهاءِ في نَقُصُّهُ، و(حَصِيدٌ) مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ، أيْ: ومِنها حَصِيدٌ، انْتَهى.
وما ذَكَرَهُ تَجَوُّزٌ، أيْ: نَقُصُّهُ عَلَيْكَ وحالُ القُرى ذَلِكَ، والحالُ أبْلَغُ في التَّخْوِيفِ وضَرْبِ المَثَلِ لِلْحاضِرِينَ، أيْ: نَقُصُّ عَلَيْكَ بَعْضَ أنْباءِ القُرى وهي عَلى هَذِهِ الحالِ يُشاهِدُونَ فِعْلَ اللَّهِ بِها. وما ظَلَمْناهم، أيْ: بِإهْلاكِنا إيّاهم، بَلْ وضَعْنا عَلَيْهِمْ مِنَ العَذابِ ما يَسْتَحِقُّونَهُ، ولَكِنْ ظَلَمُوا أنْفُسَهم بِوَضْعِ الكُفْرِ مَوْضِعَ الإيمانِ، وارْتِكابِ ما بِهِ أُهْلِكُوا.
والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَما أغْنَتْ﴾: نَفْيٌ، أيْ: لَمْ تَرُدَّ عَنْهم مِن بَأْسِ اللَّهِ شَيْئًا ولا أجْدَتْ، (يَدْعُونَ): حِكايَةُ حالٍ، أيِ: الَّتِي كانُوا يَدْعُونَ، أيْ: يَعْبُدُونَ، أوْ يَدْعُونَها اللّاتَ والعُزّى وهُبَلَ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ولَمّا مَنصُوبٌ بِما أغْنَتْ، انْتَهى.
وهَذا بِناءٌ عَلى أنَّ لَمّا ظَرْفٌ، وهو خِلافُ مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ، لِأنَّ مَذْهَبَهُ أنَّها حَرْفُ وُجُوبٍ لِوُجُوبٍ. و﴿أمْرُ رَبِّكَ﴾ [هود: ٧٦] هو: عَذابُهُ ونِقْمَتُهُ.
﴿وما زادُوهُمْ﴾ عُومِلَ مُعامَلَةَ العُقَلاءِ في الإسْنادِ إلى واوِ الضَّمِيرِ الَّذِي هو لِمَن يَعْقِلُ، لِأنَّهم نَزَّلُوهم مَنزِلَةَ العُقَلاءِ في اعْتِقادِهِمْ أنَّها تَنْفَعُ، وعِبادَتِهِمْ إيّاهم.
والتَّتْبِيبُ: التَّخْسِيرُ. قالَ ابْنُ زَيْدٍ: الشَّرُّ، وقالَ قَتادَةُ: الخُسْرانُ والهَلاكُ، وقالَ مُجاهِدٌ: التَّخْسِيرُ، وقِيلَ: التَّدْمِيرُ. وهَذِهِ كُلُّها أقْوالٌ مُتَقارِبَةٌ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وصُورَةُ زِيادَةِ الأصْنامِ: التَّتْبِيبُ، إنَّما هو يُتَصَوَّرُ بِأنَّ تَأْمِيلَها والثِّقَةَ بِها والتَّعَبَ في عِبادَتِها شَغَلَتْ نُفُوسَهم عَنِ النَّظَرِ في الشَّرْعِ وعاقِبَتِهِ، فَلَحِقَ مِن ذَلِكَ عِقابٌ وخُسْرانٌ. وأمّا بِأنَّ عَذابَهم عَلى (p-٢٦١)الكُفْرِ يُزادُ بِهِ عَذابٌ عَلى مُجَرَّدِ عِبادَةِ الأوْثانِ.
﴿وكَذَلِكَ أخْذُ رَبِّكَ إذا أخَذَ القُرى وهي ظالِمَةٌ إنَّ أخْذَهُ ألِيمٌ شَدِيدٌ﴾ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً لِمَن خافَ عَذابَ الآخِرَةِ ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النّاسُ وذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ﴾ ﴿وما نُؤَخِّرُهُ إلّا لِأجَلٍ مَعْدُودٍ﴾ ﴿يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إلّا بِإذْنِهِ فَمِنهم شَقِيٌّ وسَعِيدٌ﴾ أيْ: ومِثْلُ ذَلِكَ الأخْذِ - أخْذِ اللَّهِ الأُمَمَ السّابِقَةَ - أخْذُ رَبِّكَ.
والقُرى عامٌّ في القُرى الظّالِمَةِ، والظُّلْمُ يَشْمَلُ ظُلْمَ الكُفْرِ وغَيْرَهُ. وقَدْ يُمْهِلُ اللَّهُ تَعالى بَعْضَ الكَفَرَةِ. وأمّا الظَّلَمَةُ في الغالِبِ فَمُعاجَلُونَ، وفي الحَدِيثِ: «إنَّ اللَّهَ يُمْلِي لِلظّالِمِ حَتّى إذا أخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ» ثُمَّ قَرَأ: ﴿وكَذَلِكَ أخْذُ رَبِّكَ إذا﴾ . وقَرَأ أبُو رَجاءٍ والجَحْدَرِيُّ: ﴿وكَذَلِكَ أخْذُ رَبِّكَ إذا أخَذَ﴾: عَلى أنَّ ﴿أخْذُ رَبِّكَ﴾ فِعْلٌ وفاعِلٌ، وإذْ ظَرْفٌ لِما مَضى، وهو إخْبارٌ عَمّا جَرَتْ بِهِ عادَةُ اللَّهِ في إهْلاكِ مَن تَقَدَّمَ مِنَ الأُمَمِ.
وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: (وكَذَلِكَ أخَذَ رَبُّكَ إذا أخَذَ) . قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهي قِراءَةٌ مُتَمَكِّنَةُ المَعْنى، ولَكِنَّ قِراءَةَ الجَماعَةِ تُعْطِي الوَعِيدَ واسْتِمْرارَهُ في الزَّمانِ، وهو البابُ في وضْعِ المُسْتَقْبَلِ مَوْضِعَ الماضِي، والقُرى: مَفْعُولٌ بِـ (أخَذَ) عَلى الإعْمالِ إذْ تَنازَعَهُ المَصْدَرُ وهو: ﴿أخْذُ رَبِّكَ﴾ و(أخَذَ) فَأُعْمِلَ الثّانِي، ﴿وهِيَ ظالِمَةٌ﴾: جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ، ﴿إنَّ أخْذَهُ ألِيمٌ﴾: مُوجِعٌ صَعْبٌ عَلى المَأْخُوذِ. والأخْذُ هُنا: أخْذُ الإهْلاكِ.
﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ أيْ: فِيما قَصَّ اللَّهُ مِن أخْبارِ الأُمَمِ الماضِيَةِ وإهْلاكِهِمْ، (لَآيَةً): لَعَلامَةً لِمَن خافَ عَذابَ الآخِرَةِ، أيْ: إنَّهم إذا عُذِّبُوا في الدُّنْيا لِأجْلِ تَكْذِيبِهِمُ الأنْبِياءَ وإشْراكِهِمْ بِاللَّهِ وهي دارُ العَمَلِ، فَلَأنْ يُعَذَّبُوا عَلى ذَلِكَ في الآخِرَةِ الَّتِي هي دارُ الجَزاءِ أوْلى، وذَلِكَ أنَّ الأنْبِياءَ أخْبَرُوا بِاسْتِئْصالِ مَن كَذَّبَهم وأشْرَكُوا بِاللَّهِ، ووَقَعَ ما أخْبَرُوا بِهِ وفْقَ إخْبارِهِمْ، فَدَلَّ عَلى أنَّ ما أخْبَرُوا بِهِ مِنَ البَعْثِ والجَزاءِ صِدْقٌ لا شَكَّ فِيهِ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿لَآيَةً لِمَن خافَ﴾: لَعِبْرَةً لَهُ، لِأنَّهُ يَنْظُرُ إلى ما أحَلَّ اللَّهُ بِالمُجْرِمِينَ في الدُّنْيا، وما هو إلّا أُنْمُوذَجٌ مِمّا أعَدَّ لَهم في الآخِرَةِ، فَإذا رَأى عَظَمَتَهُ وشِدَّتَهُ اعْتَبَرَ بِهِ مِن عَظِيمِ العَذابِ المَوْعُودِ فَيَكُونُ لَهُ عِظَةً وعِبْرَةً ولُطْفًا في زِيادَةِ التَّقْوى والخَشْيَةِ مِنَ اللَّهِ، ونَحْوُهُ: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَن يَخْشى﴾ [النازعات: ٢٦]: (ذَلِكَ): إشارَةٌ إلى يَوْمِ القِيامَةِ الدّالِّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿عَذابَ الآخِرَةِ﴾، والنّاسُ مَفْعُولٌ لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، رافِعُهُ مَجْمُوعٌ، وأجازَ ابْنُ عَطِيَّةَ أنْ يَكُونَ النّاسُ مُبْتَدَأً، ومَجْمُوعٌ خَبَرًا مُقَدَّمًا، وهو بَعِيدٌ لِإفْرادِ الضَّمِيرِ في ﴿مَجْمُوعٌ﴾، وقِياسُهُ عَلى إعْرابِهِ: مَجْمُوعُونَ، و﴿مَجْمُوعٌ لَهُ النّاسُ﴾: عِبارَةٌ عَنِ الحَشْرِ، و﴿مَشْهُودٌ﴾: عامٌّ يَشْهَدُهُ الأوَّلُونَ والآخِرُونَ مِنَ الإنْسِ والجِنِّ والمَلائِكَةِ والحَيَوانِ في قَوْلِ الجُمْهُورِ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): أيُّ فائِدَةٍ في أنْ أُوثِرَ اسْمُ المَفْعُولِ عَلى فِعْلِهِ ؟ (قُلْتُ): لِما في اسْمِ المَفْعُولِ مِن دِلالَتِهِ عَلى ثَباتِ مَعْنى الجَمْعِ لِلْيَوْمِ، وأنَّهُ لا بُدَّ أنْ يَكُونَ مِيعادًا مَضْرُوبًا لِجَمْعِ النّاسِ لَهُ، وأنَّهُ هو المَوْصُوفُ بِذَلِكَ صِفَةً لازِمَةً، وهو أثْبَتُ أيْضًا لِإسْنادِ الجَمْعِ إلى النّاسِ وأنَّهم لا يَنْفَكُّونَ مِنهُ، وفِيهِ مِن تَمَكُّنِ الوَصْفِ وثَباتِهِ ما لَيْسَ في الفِعْلِ. ومَعْنى ﴿مَشْهُودٌ﴾: مَشْهُودٌ فِيهِ، فاتُّسِعَ في الجارِّ والمَجْرُورِ، ووُصِلَ الفِعْلُ إلى الضَّمِيرِ إجْراءً لَهُ مَجْرى المَفْعُولِ بِهِ عَلى السَّعَةِ لِقَوْلِهِ:
؎ويَوْمًا شَهِدْناهُ سُلَيْمًا وعامِرًا
والمَعْنى: يَشْهَدُ فِيهِ الخَلائِقُ المَوْقِفَ لا يَغِيبُ عَنْهُ أحَدٌ، ومِنهُ قَوْلُهم: لِفُلانٍ مَجْلِسٌ مَشْهُودٌ، وطَعامٌ مَحْضُورٌ. وإنَّما لَمْ يُجْعَلِ اليَوْمُ مَشْهُودًا في نَفْسِهِ كَما قالَ: ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥] لِأنَّ الغَرَضَ وصْفُ ذَلِكَ اليَوْمِ بِالهَوْلِ والعِظَمِ وغَيْرِهِ مِن بَيْنِ الأيّامِ، وكَوْنُهُ مَشْهُودًا في نَفْسِهِ لا يُمَيِّزُهُ، إذْ هو مُوافِقٌ لِسائِرِ الأيّامِ في كَوْنِها مَشْهُودَةً.
﴿وما نُؤَخِّرُهُ﴾ أيْ: ذَلِكَ اليَوْمَ. وقِيلَ: يَعُودُ عَلى الجَزاءِ، قالَهُ الحَوْفِيُّ.
﴿إلّا لِأجَلٍ مَعْدُودٍ﴾ أيْ: لِقَضاءٍ سابِقٍ قَدْ نَفَذَ فِيهِ بِأجَلٍ مَحْدُودٍ لا يَتَقَدَّمُ عَلَيْهِ ولا يَتَأخَّرُ عَنْهُ. وقَرَأ الأعْمَشُ: (وما يُؤَخِّرُهُ) بِالياءِ، وقَرَأ النَّحْوِيّانِ ونافِعٌ: يَأْتِي بِإثْباتِ الياءِ وصْلًا وحَذْفِها وقْفًا، وابْنُ كَثِيرٍ: بِإثْباتِها وصْلًا ووَقْفًا، وهي ثابِتَةٌ في مُصْحَفِ أُبَيٍّ.
وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ بِحَذْفِها وصْلًا ووَقْفًا، وسَقَطَتْ في مُصْحَفِ الإمامِ عُثْمانَ.
(p-٢٦٢)وقَرَأ الأعْمَشُ: يَأْتُونَ، وكَذا في مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ، وإثْباتُها وصْلًا ووَقْفًا هو الوَجْهُ، ووَجْهُ حَذْفِها في الوَقْفِ: التَّشْبِيهُ بِالفَواصِلِ وقْفًا، ووَصْلًا: التَّخْفِيفُ كَما قالُوا: لا أدْرِ ولا أُبالِ.
وذَكَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنَّ الِاجْتِزاءَ بِالكَسْرَةِ عَنِ الياءِ كَثِيرٌ في لُغَةِ هُذَيْلٍ. وأنْشَدَ الطَّبَرِيُّ:
؎كَفّاكَ كَفٌّ ما تُلِيقُ دِرْهَمًا ∗∗∗ جُودًا وأُخْرى تُعْطِ بِالسَّيْفِ الدَّما
والظّاهِرُ أنَّ الفاعِلَ بِيَأْتِي ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلى ما عادَ عَلَيْهِ الضَّمِيرُ في نُؤَخِّرُهُ وهو قَوْلُهُ: (ذَلِكَ يَوْمٌ)، والنّاصِبُ لَهُ ﴿لا تَكَلَّمُ﴾، والمَعْنى: لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ يَوْمَ يَأْتِي ذَلِكَ اليَوْمُ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ، وذَلِكَ مِن عِظَمِ المَهابَةِ والهَوْلِ في ذَلِكَ اليَوْمِ. وهو نَظِيرُ: ﴿لا يَتَكَلَّمُونَ إلّا مَن أذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ﴾ [النبإ: ٣٨] هو ناصِبٌ كَقَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ والمَلائِكَةُ صَفًّا﴾ [النبإ: ٣٨] والمُرادُ بِإتْيانِ اليَوْمِ: إتْيانُ أهْوالِهِ وشَدائِدِهِ، إذِ اليَوْمُ لا يَكُونُ وقْتًا لِإتْيانِ اليَوْمِ.
وأجازَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنْ يَكُونَ فاعِلُ يَأْتِي ضَمِيرًا عائِدًا عَلى اللَّهِ قالَ: كَقَوْلِهِ: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلّا أنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢١٠] أوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ، وجاءَ رَبُّكَ، ويُعَضِّدُهُ قِراءَةُ وما يُؤَخِّرُهُ بِالياءِ، وقَوْلُهُ: (بِإذْنِهِ) وأجازَ أيْضًا أنْ يَنْتَصِبَ يَوْمَ يَأْتِي بِاذْكُرْ أوْ بِالِانْتِهاءِ المَحْذُوفِ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا لِأجَلٍ مَعْدُودٍ﴾، أيْ: يَنْتَهِي الأجَلُ يَوْمَ يَأْتِي. وأجازَ الحَوْفِيُّ أنْ يَكُونَ لا تَكَلَّمُ حالًا مِن ضَمِيرِ اليَوْمِ المُتَقَدِّمِ في مَشْهُودٍ، أوْ نَعْتًا لِأنَّهُ نَكِرَةٌ، والتَّقْدِيرُ: لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ فِيهِ يَوْمَ يَأْتِي إلّا بِإذْنِهِ.
وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ، يَصِحُّ أنْ يَكُونَ جُمْلَةً في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ الَّذِي في يَأْتِي، وهو العائِدُ عَلى قَوْلِهِ (ذَلِكَ يَوْمٌ) ويَكُونُ عَلى هَذا عائِدُ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ فِيهِ إلّا بِإذْنِهِ. ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ﴾، صِفَةً لِقَوْلِهِ: (يَوْمَ يَأْتِي)، أوْ يَوْمَ يَأْتِي يُرادُ بِهِ: الحِينُ والوَقْتُ لا النَّهارُ بِعَيْنِهِ. وما ورَدَ في القُرْآنِ مِن ذِكْرِ كَلامِ أهْلِ المَوْقِفِ في التَّلازُمِ والتَّساؤُلِ والتَّجادُلِ، فَإمّا أنْ يَكُونَ بِإذْنِ اللَّهِ، وإمّا أنْ يَكُونَ هَذِهِ مُخْتَصَّةً هُنا في تَكَلُّمِ شَفاعَةٍ أوْ إقامَةِ حُجَّةٍ، انْتَهى.
وكَلامُهُ في إعْرابِ لا تَكَلَّمُ كَأنَّهُ مَنقُولٌ مِن كَلامِ الحَوْفِيِّ. وقِيلَ: يَوْمُ القِيامَةِ: يَوْمٌ طَوِيلٌ لَهُ مَواقِفُ، فَفي بَعْضِها يُجادِلُونَ عَنْ أنْفُسِهِمْ، وفي بَعْضِها يَكُفُّونَ عَنِ الكَلامِ فَلا يُؤْذَنُ لَهم، وفي بَعْضِها يُؤْذَنُ لَهم فَيَتَكَلَّمُونَ، وفي بَعْضِها يُخْتَمُ عَلى أفْواهِهِمْ وتَكَلَّمُ أيْدِيهِمْ وتَشْهَدُ أرْجُلُهم، والضَّمِيرُ في مِنهم عائِدٌ عَلى النّاسِ في قَوْلِهِ: ﴿مَجْمُوعٌ لَهُ النّاسُ﴾ . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الضَّمِيرُ لِأهْلِ المَوْقِفِ، ولَمْ يُذْكَرُوا إلّا أنَّ ذَلِكَ مَعْلُومٌ، ولِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ﴾ يَدُلُّ عَلَيْهِ، وقَدْ مَرَّ ذِكْرُ النّاسِ في قَوْلِهِ: ﴿مَجْمُوعٌ لَهُ النّاسُ﴾ . وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ فَمِنهم عائِدٌ عَلى الجَمِيعِ الَّذِي تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ: (نَفْسٌ)، إذْ هو اسْمُ جِنْسٍ يُرادُ بِهِ الجَمِيعُ، انْتَهى.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الشَّقِيُّ مَن كُتِبَتْ عَلَيْهِ الشَّقاوَةُ، والسَّعِيدُ: الَّذِي كُتِبَتْ لَهُ السَّعادَةُ. وقِيلَ: مُعَذَّبٌ ومُنَعَّمٌ، وقِيلَ: مَحْرُومٌ ومَرْزُوقٌ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ في مِنهم عائِدٌ عَلى أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، ذَكَرَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ.
هود 11:101
﴿ذَلِكَ مِن أنْباءِ القُرى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنها قائِمٌ وحَصِيدٌ﴾ ﴿وما ظَلَمْناهم ولَكِنْ ظَلَمُوا أنْفُسَهم فَما أغْنَتْ عَنْهم آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مِن شَيْءٍ لَمّا جاءَ أمْرُ رَبِّكَ وما زادُوهم غَيْرَ تَتْبِيبٍ﴾: الإشارَةُ بِذَلِكَ إلى ما تَقَدَّمَ مِن ذِكْرِ الأنْبِياءِ وقَوْمِهِمْ، وما حَلَّ بِهِمْ مِنَ العُقُوباتِ، أيْ: ذَلِكَ النَّبَأُ بَعْضُ أنْباءِ القُرى.
ويُحْتَمَلُ أنْ يُعْنى بِالقُرى قُرى أُولَئِكَ المُهْلَكِينَ المُتَقَدِّمِ ذِكْرُهم، وأنْ يَعْنِيَ القُرى عُمُومًا، أيْ: هَذا النَّبَأُ المَقْصُوصُ عَلَيْكَ هو دَيْدَنُ المُدُنِ إذْ كَفَرَتْ، فَدَخَلَ المُدُنُ المُعاصِرَةُ. والضَّمِيرُ في مِنها عائِدٌ عَلى القُرى.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ﴿قائِمٌ وحَصِيدٌ﴾: عامِرٌ كَزاغِرٍ وداثِرٍ، وهَذا عَلى تَأْوِيلِ عُمُومِ القُرى. وقالَ قَتادَةُ وابْنُ جُرَيْجٍ: قائِمُ الجُدْرانِ ومُنْهَدِمٌ، وهَذا عَلى تَأْوِيلِ خُصُوصِ القُرى، وأنَّها قُرى أُولَئِكَ الأُمَمِ المُهْلَكِينَ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: بَعْضُها باقٍ وبَعْضُها عافِي الأثَرِ كالزَّرْعِ القائِمِ عَلى ساقِهِ والَّذِي حُصِدَ، انْتَهى.
وهَذا مَعْنى قَوْلِ قَتادَةَ، قالَ قَتادَةُ: قائِمُ الأثَرِ ودارِسُهُ، جَعَلَ حَصْدَ الزَّرْعِ كِنايَةً عَنِ الفَناءِ قالَ الشّاعِرُ:
؎والنّاسُ في قَسْمِ المَنِيَّةِ بَيْنَهم كالزَّرْعِ مِنهُ قائِمٌ وحَصِيدُ
. وقالَ الضَّحّاكُ: (قائِمٌ): لَمْ يُخْسَفْ، و(حَصِيدٌ): قَدْ خُسِفَ. وقالَ ابْنُ إسْحاقَ: (قائِمٌ): لَمْ يَهْلَكْ بَعْدُ، و(حَصِيدٌ): قَدْ أُهْلِكَ. وقِيلَ: قائِمٌ أيْ: باقٍ نَسْلُهُ، وحَصِيدٌ أيْ: مُنْقَطِعٌ نَسْلُهُ. وهَذا يَتَمَشّى عَلى أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: ذَلِكَ مِن أنْباءِ أهْلِ القُرى. وقَدْ قِيلَ: هو عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: مِن أنْباءِ أهْلِ القُرى، ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ: وما (ظَلَمْناهم)، فَعادَ الضَّمِيرُ عَلى ذَلِكَ المَحْذُوفِ.
وقالَ الأخْفَشُ: حَصِيدٌ أيْ: مَحْصُودٌ، وجَمْعُهُ حَصْدى وحِصادٌ، مِثْلَ: مَرْضى ومِراضٌ، وبابُ فَعْلى جَمْعًا لِفَعِيلٍ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، أنْ يَكُونَ فِيمَن يَعْقِلُ نَحْوَ: قَتِيلٍ وقَتْلى. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): ما مَحَلُّ هَذِهِ الجُمْلَةِ ؟ قُلْتُ: هي مُسْتَأْنَفَةٌ لا مَحَلَّ لَها، انْتَهى.
وقالَ أبُو البَقاءِ: ﴿مِنها قائِمٌ﴾ ابْتِداءٌ، وخَبَرٌ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الهاءِ في نَقُصُّهُ، و(حَصِيدٌ) مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ، أيْ: ومِنها حَصِيدٌ، انْتَهى.
وما ذَكَرَهُ تَجَوُّزٌ، أيْ: نَقُصُّهُ عَلَيْكَ وحالُ القُرى ذَلِكَ، والحالُ أبْلَغُ في التَّخْوِيفِ وضَرْبِ المَثَلِ لِلْحاضِرِينَ، أيْ: نَقُصُّ عَلَيْكَ بَعْضَ أنْباءِ القُرى وهي عَلى هَذِهِ الحالِ يُشاهِدُونَ فِعْلَ اللَّهِ بِها. وما ظَلَمْناهم، أيْ: بِإهْلاكِنا إيّاهم، بَلْ وضَعْنا عَلَيْهِمْ مِنَ العَذابِ ما يَسْتَحِقُّونَهُ، ولَكِنْ ظَلَمُوا أنْفُسَهم بِوَضْعِ الكُفْرِ مَوْضِعَ الإيمانِ، وارْتِكابِ ما بِهِ أُهْلِكُوا.
والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَما أغْنَتْ﴾: نَفْيٌ، أيْ: لَمْ تَرُدَّ عَنْهم مِن بَأْسِ اللَّهِ شَيْئًا ولا أجْدَتْ، (يَدْعُونَ): حِكايَةُ حالٍ، أيِ: الَّتِي كانُوا يَدْعُونَ، أيْ: يَعْبُدُونَ، أوْ يَدْعُونَها اللّاتَ والعُزّى وهُبَلَ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ولَمّا مَنصُوبٌ بِما أغْنَتْ، انْتَهى.
وهَذا بِناءٌ عَلى أنَّ لَمّا ظَرْفٌ، وهو خِلافُ مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ، لِأنَّ مَذْهَبَهُ أنَّها حَرْفُ وُجُوبٍ لِوُجُوبٍ. و﴿أمْرُ رَبِّكَ﴾ [هود: ٧٦] هو: عَذابُهُ ونِقْمَتُهُ.
﴿وما زادُوهُمْ﴾ عُومِلَ مُعامَلَةَ العُقَلاءِ في الإسْنادِ إلى واوِ الضَّمِيرِ الَّذِي هو لِمَن يَعْقِلُ، لِأنَّهم نَزَّلُوهم مَنزِلَةَ العُقَلاءِ في اعْتِقادِهِمْ أنَّها تَنْفَعُ، وعِبادَتِهِمْ إيّاهم.
والتَّتْبِيبُ: التَّخْسِيرُ. قالَ ابْنُ زَيْدٍ: الشَّرُّ، وقالَ قَتادَةُ: الخُسْرانُ والهَلاكُ، وقالَ مُجاهِدٌ: التَّخْسِيرُ، وقِيلَ: التَّدْمِيرُ. وهَذِهِ كُلُّها أقْوالٌ مُتَقارِبَةٌ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وصُورَةُ زِيادَةِ الأصْنامِ: التَّتْبِيبُ، إنَّما هو يُتَصَوَّرُ بِأنَّ تَأْمِيلَها والثِّقَةَ بِها والتَّعَبَ في عِبادَتِها شَغَلَتْ نُفُوسَهم عَنِ النَّظَرِ في الشَّرْعِ وعاقِبَتِهِ، فَلَحِقَ مِن ذَلِكَ عِقابٌ وخُسْرانٌ. وأمّا بِأنَّ عَذابَهم عَلى (p-٢٦١)الكُفْرِ يُزادُ بِهِ عَذابٌ عَلى مُجَرَّدِ عِبادَةِ الأوْثانِ.
﴿وكَذَلِكَ أخْذُ رَبِّكَ إذا أخَذَ القُرى وهي ظالِمَةٌ إنَّ أخْذَهُ ألِيمٌ شَدِيدٌ﴾ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً لِمَن خافَ عَذابَ الآخِرَةِ ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النّاسُ وذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ﴾ ﴿وما نُؤَخِّرُهُ إلّا لِأجَلٍ مَعْدُودٍ﴾ ﴿يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إلّا بِإذْنِهِ فَمِنهم شَقِيٌّ وسَعِيدٌ﴾ أيْ: ومِثْلُ ذَلِكَ الأخْذِ - أخْذِ اللَّهِ الأُمَمَ السّابِقَةَ - أخْذُ رَبِّكَ.
والقُرى عامٌّ في القُرى الظّالِمَةِ، والظُّلْمُ يَشْمَلُ ظُلْمَ الكُفْرِ وغَيْرَهُ. وقَدْ يُمْهِلُ اللَّهُ تَعالى بَعْضَ الكَفَرَةِ. وأمّا الظَّلَمَةُ في الغالِبِ فَمُعاجَلُونَ، وفي الحَدِيثِ: «إنَّ اللَّهَ يُمْلِي لِلظّالِمِ حَتّى إذا أخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ» ثُمَّ قَرَأ: ﴿وكَذَلِكَ أخْذُ رَبِّكَ إذا﴾ . وقَرَأ أبُو رَجاءٍ والجَحْدَرِيُّ: ﴿وكَذَلِكَ أخْذُ رَبِّكَ إذا أخَذَ﴾: عَلى أنَّ ﴿أخْذُ رَبِّكَ﴾ فِعْلٌ وفاعِلٌ، وإذْ ظَرْفٌ لِما مَضى، وهو إخْبارٌ عَمّا جَرَتْ بِهِ عادَةُ اللَّهِ في إهْلاكِ مَن تَقَدَّمَ مِنَ الأُمَمِ.
وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: (وكَذَلِكَ أخَذَ رَبُّكَ إذا أخَذَ) . قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهي قِراءَةٌ مُتَمَكِّنَةُ المَعْنى، ولَكِنَّ قِراءَةَ الجَماعَةِ تُعْطِي الوَعِيدَ واسْتِمْرارَهُ في الزَّمانِ، وهو البابُ في وضْعِ المُسْتَقْبَلِ مَوْضِعَ الماضِي، والقُرى: مَفْعُولٌ بِـ (أخَذَ) عَلى الإعْمالِ إذْ تَنازَعَهُ المَصْدَرُ وهو: ﴿أخْذُ رَبِّكَ﴾ و(أخَذَ) فَأُعْمِلَ الثّانِي، ﴿وهِيَ ظالِمَةٌ﴾: جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ، ﴿إنَّ أخْذَهُ ألِيمٌ﴾: مُوجِعٌ صَعْبٌ عَلى المَأْخُوذِ. والأخْذُ هُنا: أخْذُ الإهْلاكِ.
﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ أيْ: فِيما قَصَّ اللَّهُ مِن أخْبارِ الأُمَمِ الماضِيَةِ وإهْلاكِهِمْ، (لَآيَةً): لَعَلامَةً لِمَن خافَ عَذابَ الآخِرَةِ، أيْ: إنَّهم إذا عُذِّبُوا في الدُّنْيا لِأجْلِ تَكْذِيبِهِمُ الأنْبِياءَ وإشْراكِهِمْ بِاللَّهِ وهي دارُ العَمَلِ، فَلَأنْ يُعَذَّبُوا عَلى ذَلِكَ في الآخِرَةِ الَّتِي هي دارُ الجَزاءِ أوْلى، وذَلِكَ أنَّ الأنْبِياءَ أخْبَرُوا بِاسْتِئْصالِ مَن كَذَّبَهم وأشْرَكُوا بِاللَّهِ، ووَقَعَ ما أخْبَرُوا بِهِ وفْقَ إخْبارِهِمْ، فَدَلَّ عَلى أنَّ ما أخْبَرُوا بِهِ مِنَ البَعْثِ والجَزاءِ صِدْقٌ لا شَكَّ فِيهِ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿لَآيَةً لِمَن خافَ﴾: لَعِبْرَةً لَهُ، لِأنَّهُ يَنْظُرُ إلى ما أحَلَّ اللَّهُ بِالمُجْرِمِينَ في الدُّنْيا، وما هو إلّا أُنْمُوذَجٌ مِمّا أعَدَّ لَهم في الآخِرَةِ، فَإذا رَأى عَظَمَتَهُ وشِدَّتَهُ اعْتَبَرَ بِهِ مِن عَظِيمِ العَذابِ المَوْعُودِ فَيَكُونُ لَهُ عِظَةً وعِبْرَةً ولُطْفًا في زِيادَةِ التَّقْوى والخَشْيَةِ مِنَ اللَّهِ، ونَحْوُهُ: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَن يَخْشى﴾ [النازعات: ٢٦]: (ذَلِكَ): إشارَةٌ إلى يَوْمِ القِيامَةِ الدّالِّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿عَذابَ الآخِرَةِ﴾، والنّاسُ مَفْعُولٌ لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، رافِعُهُ مَجْمُوعٌ، وأجازَ ابْنُ عَطِيَّةَ أنْ يَكُونَ النّاسُ مُبْتَدَأً، ومَجْمُوعٌ خَبَرًا مُقَدَّمًا، وهو بَعِيدٌ لِإفْرادِ الضَّمِيرِ في ﴿مَجْمُوعٌ﴾، وقِياسُهُ عَلى إعْرابِهِ: مَجْمُوعُونَ، و﴿مَجْمُوعٌ لَهُ النّاسُ﴾: عِبارَةٌ عَنِ الحَشْرِ، و﴿مَشْهُودٌ﴾: عامٌّ يَشْهَدُهُ الأوَّلُونَ والآخِرُونَ مِنَ الإنْسِ والجِنِّ والمَلائِكَةِ والحَيَوانِ في قَوْلِ الجُمْهُورِ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): أيُّ فائِدَةٍ في أنْ أُوثِرَ اسْمُ المَفْعُولِ عَلى فِعْلِهِ ؟ (قُلْتُ): لِما في اسْمِ المَفْعُولِ مِن دِلالَتِهِ عَلى ثَباتِ مَعْنى الجَمْعِ لِلْيَوْمِ، وأنَّهُ لا بُدَّ أنْ يَكُونَ مِيعادًا مَضْرُوبًا لِجَمْعِ النّاسِ لَهُ، وأنَّهُ هو المَوْصُوفُ بِذَلِكَ صِفَةً لازِمَةً، وهو أثْبَتُ أيْضًا لِإسْنادِ الجَمْعِ إلى النّاسِ وأنَّهم لا يَنْفَكُّونَ مِنهُ، وفِيهِ مِن تَمَكُّنِ الوَصْفِ وثَباتِهِ ما لَيْسَ في الفِعْلِ. ومَعْنى ﴿مَشْهُودٌ﴾: مَشْهُودٌ فِيهِ، فاتُّسِعَ في الجارِّ والمَجْرُورِ، ووُصِلَ الفِعْلُ إلى الضَّمِيرِ إجْراءً لَهُ مَجْرى المَفْعُولِ بِهِ عَلى السَّعَةِ لِقَوْلِهِ:
؎ويَوْمًا شَهِدْناهُ سُلَيْمًا وعامِرًا
والمَعْنى: يَشْهَدُ فِيهِ الخَلائِقُ المَوْقِفَ لا يَغِيبُ عَنْهُ أحَدٌ، ومِنهُ قَوْلُهم: لِفُلانٍ مَجْلِسٌ مَشْهُودٌ، وطَعامٌ مَحْضُورٌ. وإنَّما لَمْ يُجْعَلِ اليَوْمُ مَشْهُودًا في نَفْسِهِ كَما قالَ: ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥] لِأنَّ الغَرَضَ وصْفُ ذَلِكَ اليَوْمِ بِالهَوْلِ والعِظَمِ وغَيْرِهِ مِن بَيْنِ الأيّامِ، وكَوْنُهُ مَشْهُودًا في نَفْسِهِ لا يُمَيِّزُهُ، إذْ هو مُوافِقٌ لِسائِرِ الأيّامِ في كَوْنِها مَشْهُودَةً.
﴿وما نُؤَخِّرُهُ﴾ أيْ: ذَلِكَ اليَوْمَ. وقِيلَ: يَعُودُ عَلى الجَزاءِ، قالَهُ الحَوْفِيُّ.
﴿إلّا لِأجَلٍ مَعْدُودٍ﴾ أيْ: لِقَضاءٍ سابِقٍ قَدْ نَفَذَ فِيهِ بِأجَلٍ مَحْدُودٍ لا يَتَقَدَّمُ عَلَيْهِ ولا يَتَأخَّرُ عَنْهُ. وقَرَأ الأعْمَشُ: (وما يُؤَخِّرُهُ) بِالياءِ، وقَرَأ النَّحْوِيّانِ ونافِعٌ: يَأْتِي بِإثْباتِ الياءِ وصْلًا وحَذْفِها وقْفًا، وابْنُ كَثِيرٍ: بِإثْباتِها وصْلًا ووَقْفًا، وهي ثابِتَةٌ في مُصْحَفِ أُبَيٍّ.
وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ بِحَذْفِها وصْلًا ووَقْفًا، وسَقَطَتْ في مُصْحَفِ الإمامِ عُثْمانَ.
(p-٢٦٢)وقَرَأ الأعْمَشُ: يَأْتُونَ، وكَذا في مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ، وإثْباتُها وصْلًا ووَقْفًا هو الوَجْهُ، ووَجْهُ حَذْفِها في الوَقْفِ: التَّشْبِيهُ بِالفَواصِلِ وقْفًا، ووَصْلًا: التَّخْفِيفُ كَما قالُوا: لا أدْرِ ولا أُبالِ.
وذَكَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنَّ الِاجْتِزاءَ بِالكَسْرَةِ عَنِ الياءِ كَثِيرٌ في لُغَةِ هُذَيْلٍ. وأنْشَدَ الطَّبَرِيُّ:
؎كَفّاكَ كَفٌّ ما تُلِيقُ دِرْهَمًا ∗∗∗ جُودًا وأُخْرى تُعْطِ بِالسَّيْفِ الدَّما
والظّاهِرُ أنَّ الفاعِلَ بِيَأْتِي ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلى ما عادَ عَلَيْهِ الضَّمِيرُ في نُؤَخِّرُهُ وهو قَوْلُهُ: (ذَلِكَ يَوْمٌ)، والنّاصِبُ لَهُ ﴿لا تَكَلَّمُ﴾، والمَعْنى: لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ يَوْمَ يَأْتِي ذَلِكَ اليَوْمُ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ، وذَلِكَ مِن عِظَمِ المَهابَةِ والهَوْلِ في ذَلِكَ اليَوْمِ. وهو نَظِيرُ: ﴿لا يَتَكَلَّمُونَ إلّا مَن أذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ﴾ [النبإ: ٣٨] هو ناصِبٌ كَقَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ والمَلائِكَةُ صَفًّا﴾ [النبإ: ٣٨] والمُرادُ بِإتْيانِ اليَوْمِ: إتْيانُ أهْوالِهِ وشَدائِدِهِ، إذِ اليَوْمُ لا يَكُونُ وقْتًا لِإتْيانِ اليَوْمِ.
وأجازَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنْ يَكُونَ فاعِلُ يَأْتِي ضَمِيرًا عائِدًا عَلى اللَّهِ قالَ: كَقَوْلِهِ: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلّا أنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢١٠] أوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ، وجاءَ رَبُّكَ، ويُعَضِّدُهُ قِراءَةُ وما يُؤَخِّرُهُ بِالياءِ، وقَوْلُهُ: (بِإذْنِهِ) وأجازَ أيْضًا أنْ يَنْتَصِبَ يَوْمَ يَأْتِي بِاذْكُرْ أوْ بِالِانْتِهاءِ المَحْذُوفِ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا لِأجَلٍ مَعْدُودٍ﴾، أيْ: يَنْتَهِي الأجَلُ يَوْمَ يَأْتِي. وأجازَ الحَوْفِيُّ أنْ يَكُونَ لا تَكَلَّمُ حالًا مِن ضَمِيرِ اليَوْمِ المُتَقَدِّمِ في مَشْهُودٍ، أوْ نَعْتًا لِأنَّهُ نَكِرَةٌ، والتَّقْدِيرُ: لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ فِيهِ يَوْمَ يَأْتِي إلّا بِإذْنِهِ.
وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ، يَصِحُّ أنْ يَكُونَ جُمْلَةً في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ الَّذِي في يَأْتِي، وهو العائِدُ عَلى قَوْلِهِ (ذَلِكَ يَوْمٌ) ويَكُونُ عَلى هَذا عائِدُ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ فِيهِ إلّا بِإذْنِهِ. ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ﴾، صِفَةً لِقَوْلِهِ: (يَوْمَ يَأْتِي)، أوْ يَوْمَ يَأْتِي يُرادُ بِهِ: الحِينُ والوَقْتُ لا النَّهارُ بِعَيْنِهِ. وما ورَدَ في القُرْآنِ مِن ذِكْرِ كَلامِ أهْلِ المَوْقِفِ في التَّلازُمِ والتَّساؤُلِ والتَّجادُلِ، فَإمّا أنْ يَكُونَ بِإذْنِ اللَّهِ، وإمّا أنْ يَكُونَ هَذِهِ مُخْتَصَّةً هُنا في تَكَلُّمِ شَفاعَةٍ أوْ إقامَةِ حُجَّةٍ، انْتَهى.
وكَلامُهُ في إعْرابِ لا تَكَلَّمُ كَأنَّهُ مَنقُولٌ مِن كَلامِ الحَوْفِيِّ. وقِيلَ: يَوْمُ القِيامَةِ: يَوْمٌ طَوِيلٌ لَهُ مَواقِفُ، فَفي بَعْضِها يُجادِلُونَ عَنْ أنْفُسِهِمْ، وفي بَعْضِها يَكُفُّونَ عَنِ الكَلامِ فَلا يُؤْذَنُ لَهم، وفي بَعْضِها يُؤْذَنُ لَهم فَيَتَكَلَّمُونَ، وفي بَعْضِها يُخْتَمُ عَلى أفْواهِهِمْ وتَكَلَّمُ أيْدِيهِمْ وتَشْهَدُ أرْجُلُهم، والضَّمِيرُ في مِنهم عائِدٌ عَلى النّاسِ في قَوْلِهِ: ﴿مَجْمُوعٌ لَهُ النّاسُ﴾ . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الضَّمِيرُ لِأهْلِ المَوْقِفِ، ولَمْ يُذْكَرُوا إلّا أنَّ ذَلِكَ مَعْلُومٌ، ولِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ﴾ يَدُلُّ عَلَيْهِ، وقَدْ مَرَّ ذِكْرُ النّاسِ في قَوْلِهِ: ﴿مَجْمُوعٌ لَهُ النّاسُ﴾ . وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ فَمِنهم عائِدٌ عَلى الجَمِيعِ الَّذِي تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ: (نَفْسٌ)، إذْ هو اسْمُ جِنْسٍ يُرادُ بِهِ الجَمِيعُ، انْتَهى.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الشَّقِيُّ مَن كُتِبَتْ عَلَيْهِ الشَّقاوَةُ، والسَّعِيدُ: الَّذِي كُتِبَتْ لَهُ السَّعادَةُ. وقِيلَ: مُعَذَّبٌ ومُنَعَّمٌ، وقِيلَ: مَحْرُومٌ ومَرْزُوقٌ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ في مِنهم عائِدٌ عَلى أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، ذَكَرَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ.
هود 11:102
﴿ذَلِكَ مِن أنْباءِ القُرى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنها قائِمٌ وحَصِيدٌ﴾ ﴿وما ظَلَمْناهم ولَكِنْ ظَلَمُوا أنْفُسَهم فَما أغْنَتْ عَنْهم آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مِن شَيْءٍ لَمّا جاءَ أمْرُ رَبِّكَ وما زادُوهم غَيْرَ تَتْبِيبٍ﴾: الإشارَةُ بِذَلِكَ إلى ما تَقَدَّمَ مِن ذِكْرِ الأنْبِياءِ وقَوْمِهِمْ، وما حَلَّ بِهِمْ مِنَ العُقُوباتِ، أيْ: ذَلِكَ النَّبَأُ بَعْضُ أنْباءِ القُرى.
ويُحْتَمَلُ أنْ يُعْنى بِالقُرى قُرى أُولَئِكَ المُهْلَكِينَ المُتَقَدِّمِ ذِكْرُهم، وأنْ يَعْنِيَ القُرى عُمُومًا، أيْ: هَذا النَّبَأُ المَقْصُوصُ عَلَيْكَ هو دَيْدَنُ المُدُنِ إذْ كَفَرَتْ، فَدَخَلَ المُدُنُ المُعاصِرَةُ. والضَّمِيرُ في مِنها عائِدٌ عَلى القُرى.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ﴿قائِمٌ وحَصِيدٌ﴾: عامِرٌ كَزاغِرٍ وداثِرٍ، وهَذا عَلى تَأْوِيلِ عُمُومِ القُرى. وقالَ قَتادَةُ وابْنُ جُرَيْجٍ: قائِمُ الجُدْرانِ ومُنْهَدِمٌ، وهَذا عَلى تَأْوِيلِ خُصُوصِ القُرى، وأنَّها قُرى أُولَئِكَ الأُمَمِ المُهْلَكِينَ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: بَعْضُها باقٍ وبَعْضُها عافِي الأثَرِ كالزَّرْعِ القائِمِ عَلى ساقِهِ والَّذِي حُصِدَ، انْتَهى.
وهَذا مَعْنى قَوْلِ قَتادَةَ، قالَ قَتادَةُ: قائِمُ الأثَرِ ودارِسُهُ، جَعَلَ حَصْدَ الزَّرْعِ كِنايَةً عَنِ الفَناءِ قالَ الشّاعِرُ:
؎والنّاسُ في قَسْمِ المَنِيَّةِ بَيْنَهم كالزَّرْعِ مِنهُ قائِمٌ وحَصِيدُ
. وقالَ الضَّحّاكُ: (قائِمٌ): لَمْ يُخْسَفْ، و(حَصِيدٌ): قَدْ خُسِفَ. وقالَ ابْنُ إسْحاقَ: (قائِمٌ): لَمْ يَهْلَكْ بَعْدُ، و(حَصِيدٌ): قَدْ أُهْلِكَ. وقِيلَ: قائِمٌ أيْ: باقٍ نَسْلُهُ، وحَصِيدٌ أيْ: مُنْقَطِعٌ نَسْلُهُ. وهَذا يَتَمَشّى عَلى أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: ذَلِكَ مِن أنْباءِ أهْلِ القُرى. وقَدْ قِيلَ: هو عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: مِن أنْباءِ أهْلِ القُرى، ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ: وما (ظَلَمْناهم)، فَعادَ الضَّمِيرُ عَلى ذَلِكَ المَحْذُوفِ.
وقالَ الأخْفَشُ: حَصِيدٌ أيْ: مَحْصُودٌ، وجَمْعُهُ حَصْدى وحِصادٌ، مِثْلَ: مَرْضى ومِراضٌ، وبابُ فَعْلى جَمْعًا لِفَعِيلٍ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، أنْ يَكُونَ فِيمَن يَعْقِلُ نَحْوَ: قَتِيلٍ وقَتْلى. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): ما مَحَلُّ هَذِهِ الجُمْلَةِ ؟ قُلْتُ: هي مُسْتَأْنَفَةٌ لا مَحَلَّ لَها، انْتَهى.
وقالَ أبُو البَقاءِ: ﴿مِنها قائِمٌ﴾ ابْتِداءٌ، وخَبَرٌ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الهاءِ في نَقُصُّهُ، و(حَصِيدٌ) مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ، أيْ: ومِنها حَصِيدٌ، انْتَهى.
وما ذَكَرَهُ تَجَوُّزٌ، أيْ: نَقُصُّهُ عَلَيْكَ وحالُ القُرى ذَلِكَ، والحالُ أبْلَغُ في التَّخْوِيفِ وضَرْبِ المَثَلِ لِلْحاضِرِينَ، أيْ: نَقُصُّ عَلَيْكَ بَعْضَ أنْباءِ القُرى وهي عَلى هَذِهِ الحالِ يُشاهِدُونَ فِعْلَ اللَّهِ بِها. وما ظَلَمْناهم، أيْ: بِإهْلاكِنا إيّاهم، بَلْ وضَعْنا عَلَيْهِمْ مِنَ العَذابِ ما يَسْتَحِقُّونَهُ، ولَكِنْ ظَلَمُوا أنْفُسَهم بِوَضْعِ الكُفْرِ مَوْضِعَ الإيمانِ، وارْتِكابِ ما بِهِ أُهْلِكُوا.
والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَما أغْنَتْ﴾: نَفْيٌ، أيْ: لَمْ تَرُدَّ عَنْهم مِن بَأْسِ اللَّهِ شَيْئًا ولا أجْدَتْ، (يَدْعُونَ): حِكايَةُ حالٍ، أيِ: الَّتِي كانُوا يَدْعُونَ، أيْ: يَعْبُدُونَ، أوْ يَدْعُونَها اللّاتَ والعُزّى وهُبَلَ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ولَمّا مَنصُوبٌ بِما أغْنَتْ، انْتَهى.
وهَذا بِناءٌ عَلى أنَّ لَمّا ظَرْفٌ، وهو خِلافُ مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ، لِأنَّ مَذْهَبَهُ أنَّها حَرْفُ وُجُوبٍ لِوُجُوبٍ. و﴿أمْرُ رَبِّكَ﴾ [هود: ٧٦] هو: عَذابُهُ ونِقْمَتُهُ.
﴿وما زادُوهُمْ﴾ عُومِلَ مُعامَلَةَ العُقَلاءِ في الإسْنادِ إلى واوِ الضَّمِيرِ الَّذِي هو لِمَن يَعْقِلُ، لِأنَّهم نَزَّلُوهم مَنزِلَةَ العُقَلاءِ في اعْتِقادِهِمْ أنَّها تَنْفَعُ، وعِبادَتِهِمْ إيّاهم.
والتَّتْبِيبُ: التَّخْسِيرُ. قالَ ابْنُ زَيْدٍ: الشَّرُّ، وقالَ قَتادَةُ: الخُسْرانُ والهَلاكُ، وقالَ مُجاهِدٌ: التَّخْسِيرُ، وقِيلَ: التَّدْمِيرُ. وهَذِهِ كُلُّها أقْوالٌ مُتَقارِبَةٌ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وصُورَةُ زِيادَةِ الأصْنامِ: التَّتْبِيبُ، إنَّما هو يُتَصَوَّرُ بِأنَّ تَأْمِيلَها والثِّقَةَ بِها والتَّعَبَ في عِبادَتِها شَغَلَتْ نُفُوسَهم عَنِ النَّظَرِ في الشَّرْعِ وعاقِبَتِهِ، فَلَحِقَ مِن ذَلِكَ عِقابٌ وخُسْرانٌ. وأمّا بِأنَّ عَذابَهم عَلى (p-٢٦١)الكُفْرِ يُزادُ بِهِ عَذابٌ عَلى مُجَرَّدِ عِبادَةِ الأوْثانِ.
﴿وكَذَلِكَ أخْذُ رَبِّكَ إذا أخَذَ القُرى وهي ظالِمَةٌ إنَّ أخْذَهُ ألِيمٌ شَدِيدٌ﴾ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً لِمَن خافَ عَذابَ الآخِرَةِ ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النّاسُ وذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ﴾ ﴿وما نُؤَخِّرُهُ إلّا لِأجَلٍ مَعْدُودٍ﴾ ﴿يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إلّا بِإذْنِهِ فَمِنهم شَقِيٌّ وسَعِيدٌ﴾ أيْ: ومِثْلُ ذَلِكَ الأخْذِ - أخْذِ اللَّهِ الأُمَمَ السّابِقَةَ - أخْذُ رَبِّكَ.
والقُرى عامٌّ في القُرى الظّالِمَةِ، والظُّلْمُ يَشْمَلُ ظُلْمَ الكُفْرِ وغَيْرَهُ. وقَدْ يُمْهِلُ اللَّهُ تَعالى بَعْضَ الكَفَرَةِ. وأمّا الظَّلَمَةُ في الغالِبِ فَمُعاجَلُونَ، وفي الحَدِيثِ: «إنَّ اللَّهَ يُمْلِي لِلظّالِمِ حَتّى إذا أخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ» ثُمَّ قَرَأ: ﴿وكَذَلِكَ أخْذُ رَبِّكَ إذا﴾ . وقَرَأ أبُو رَجاءٍ والجَحْدَرِيُّ: ﴿وكَذَلِكَ أخْذُ رَبِّكَ إذا أخَذَ﴾: عَلى أنَّ ﴿أخْذُ رَبِّكَ﴾ فِعْلٌ وفاعِلٌ، وإذْ ظَرْفٌ لِما مَضى، وهو إخْبارٌ عَمّا جَرَتْ بِهِ عادَةُ اللَّهِ في إهْلاكِ مَن تَقَدَّمَ مِنَ الأُمَمِ.
وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: (وكَذَلِكَ أخَذَ رَبُّكَ إذا أخَذَ) . قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهي قِراءَةٌ مُتَمَكِّنَةُ المَعْنى، ولَكِنَّ قِراءَةَ الجَماعَةِ تُعْطِي الوَعِيدَ واسْتِمْرارَهُ في الزَّمانِ، وهو البابُ في وضْعِ المُسْتَقْبَلِ مَوْضِعَ الماضِي، والقُرى: مَفْعُولٌ بِـ (أخَذَ) عَلى الإعْمالِ إذْ تَنازَعَهُ المَصْدَرُ وهو: ﴿أخْذُ رَبِّكَ﴾ و(أخَذَ) فَأُعْمِلَ الثّانِي، ﴿وهِيَ ظالِمَةٌ﴾: جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ، ﴿إنَّ أخْذَهُ ألِيمٌ﴾: مُوجِعٌ صَعْبٌ عَلى المَأْخُوذِ. والأخْذُ هُنا: أخْذُ الإهْلاكِ.
﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ أيْ: فِيما قَصَّ اللَّهُ مِن أخْبارِ الأُمَمِ الماضِيَةِ وإهْلاكِهِمْ، (لَآيَةً): لَعَلامَةً لِمَن خافَ عَذابَ الآخِرَةِ، أيْ: إنَّهم إذا عُذِّبُوا في الدُّنْيا لِأجْلِ تَكْذِيبِهِمُ الأنْبِياءَ وإشْراكِهِمْ بِاللَّهِ وهي دارُ العَمَلِ، فَلَأنْ يُعَذَّبُوا عَلى ذَلِكَ في الآخِرَةِ الَّتِي هي دارُ الجَزاءِ أوْلى، وذَلِكَ أنَّ الأنْبِياءَ أخْبَرُوا بِاسْتِئْصالِ مَن كَذَّبَهم وأشْرَكُوا بِاللَّهِ، ووَقَعَ ما أخْبَرُوا بِهِ وفْقَ إخْبارِهِمْ، فَدَلَّ عَلى أنَّ ما أخْبَرُوا بِهِ مِنَ البَعْثِ والجَزاءِ صِدْقٌ لا شَكَّ فِيهِ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿لَآيَةً لِمَن خافَ﴾: لَعِبْرَةً لَهُ، لِأنَّهُ يَنْظُرُ إلى ما أحَلَّ اللَّهُ بِالمُجْرِمِينَ في الدُّنْيا، وما هو إلّا أُنْمُوذَجٌ مِمّا أعَدَّ لَهم في الآخِرَةِ، فَإذا رَأى عَظَمَتَهُ وشِدَّتَهُ اعْتَبَرَ بِهِ مِن عَظِيمِ العَذابِ المَوْعُودِ فَيَكُونُ لَهُ عِظَةً وعِبْرَةً ولُطْفًا في زِيادَةِ التَّقْوى والخَشْيَةِ مِنَ اللَّهِ، ونَحْوُهُ: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَن يَخْشى﴾ [النازعات: ٢٦]: (ذَلِكَ): إشارَةٌ إلى يَوْمِ القِيامَةِ الدّالِّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿عَذابَ الآخِرَةِ﴾، والنّاسُ مَفْعُولٌ لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، رافِعُهُ مَجْمُوعٌ، وأجازَ ابْنُ عَطِيَّةَ أنْ يَكُونَ النّاسُ مُبْتَدَأً، ومَجْمُوعٌ خَبَرًا مُقَدَّمًا، وهو بَعِيدٌ لِإفْرادِ الضَّمِيرِ في ﴿مَجْمُوعٌ﴾، وقِياسُهُ عَلى إعْرابِهِ: مَجْمُوعُونَ، و﴿مَجْمُوعٌ لَهُ النّاسُ﴾: عِبارَةٌ عَنِ الحَشْرِ، و﴿مَشْهُودٌ﴾: عامٌّ يَشْهَدُهُ الأوَّلُونَ والآخِرُونَ مِنَ الإنْسِ والجِنِّ والمَلائِكَةِ والحَيَوانِ في قَوْلِ الجُمْهُورِ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): أيُّ فائِدَةٍ في أنْ أُوثِرَ اسْمُ المَفْعُولِ عَلى فِعْلِهِ ؟ (قُلْتُ): لِما في اسْمِ المَفْعُولِ مِن دِلالَتِهِ عَلى ثَباتِ مَعْنى الجَمْعِ لِلْيَوْمِ، وأنَّهُ لا بُدَّ أنْ يَكُونَ مِيعادًا مَضْرُوبًا لِجَمْعِ النّاسِ لَهُ، وأنَّهُ هو المَوْصُوفُ بِذَلِكَ صِفَةً لازِمَةً، وهو أثْبَتُ أيْضًا لِإسْنادِ الجَمْعِ إلى النّاسِ وأنَّهم لا يَنْفَكُّونَ مِنهُ، وفِيهِ مِن تَمَكُّنِ الوَصْفِ وثَباتِهِ ما لَيْسَ في الفِعْلِ. ومَعْنى ﴿مَشْهُودٌ﴾: مَشْهُودٌ فِيهِ، فاتُّسِعَ في الجارِّ والمَجْرُورِ، ووُصِلَ الفِعْلُ إلى الضَّمِيرِ إجْراءً لَهُ مَجْرى المَفْعُولِ بِهِ عَلى السَّعَةِ لِقَوْلِهِ:
؎ويَوْمًا شَهِدْناهُ سُلَيْمًا وعامِرًا
والمَعْنى: يَشْهَدُ فِيهِ الخَلائِقُ المَوْقِفَ لا يَغِيبُ عَنْهُ أحَدٌ، ومِنهُ قَوْلُهم: لِفُلانٍ مَجْلِسٌ مَشْهُودٌ، وطَعامٌ مَحْضُورٌ. وإنَّما لَمْ يُجْعَلِ اليَوْمُ مَشْهُودًا في نَفْسِهِ كَما قالَ: ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥] لِأنَّ الغَرَضَ وصْفُ ذَلِكَ اليَوْمِ بِالهَوْلِ والعِظَمِ وغَيْرِهِ مِن بَيْنِ الأيّامِ، وكَوْنُهُ مَشْهُودًا في نَفْسِهِ لا يُمَيِّزُهُ، إذْ هو مُوافِقٌ لِسائِرِ الأيّامِ في كَوْنِها مَشْهُودَةً.
﴿وما نُؤَخِّرُهُ﴾ أيْ: ذَلِكَ اليَوْمَ. وقِيلَ: يَعُودُ عَلى الجَزاءِ، قالَهُ الحَوْفِيُّ.
﴿إلّا لِأجَلٍ مَعْدُودٍ﴾ أيْ: لِقَضاءٍ سابِقٍ قَدْ نَفَذَ فِيهِ بِأجَلٍ مَحْدُودٍ لا يَتَقَدَّمُ عَلَيْهِ ولا يَتَأخَّرُ عَنْهُ. وقَرَأ الأعْمَشُ: (وما يُؤَخِّرُهُ) بِالياءِ، وقَرَأ النَّحْوِيّانِ ونافِعٌ: يَأْتِي بِإثْباتِ الياءِ وصْلًا وحَذْفِها وقْفًا، وابْنُ كَثِيرٍ: بِإثْباتِها وصْلًا ووَقْفًا، وهي ثابِتَةٌ في مُصْحَفِ أُبَيٍّ.
وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ بِحَذْفِها وصْلًا ووَقْفًا، وسَقَطَتْ في مُصْحَفِ الإمامِ عُثْمانَ.
(p-٢٦٢)وقَرَأ الأعْمَشُ: يَأْتُونَ، وكَذا في مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ، وإثْباتُها وصْلًا ووَقْفًا هو الوَجْهُ، ووَجْهُ حَذْفِها في الوَقْفِ: التَّشْبِيهُ بِالفَواصِلِ وقْفًا، ووَصْلًا: التَّخْفِيفُ كَما قالُوا: لا أدْرِ ولا أُبالِ.
وذَكَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنَّ الِاجْتِزاءَ بِالكَسْرَةِ عَنِ الياءِ كَثِيرٌ في لُغَةِ هُذَيْلٍ. وأنْشَدَ الطَّبَرِيُّ:
؎كَفّاكَ كَفٌّ ما تُلِيقُ دِرْهَمًا ∗∗∗ جُودًا وأُخْرى تُعْطِ بِالسَّيْفِ الدَّما
والظّاهِرُ أنَّ الفاعِلَ بِيَأْتِي ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلى ما عادَ عَلَيْهِ الضَّمِيرُ في نُؤَخِّرُهُ وهو قَوْلُهُ: (ذَلِكَ يَوْمٌ)، والنّاصِبُ لَهُ ﴿لا تَكَلَّمُ﴾، والمَعْنى: لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ يَوْمَ يَأْتِي ذَلِكَ اليَوْمُ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ، وذَلِكَ مِن عِظَمِ المَهابَةِ والهَوْلِ في ذَلِكَ اليَوْمِ. وهو نَظِيرُ: ﴿لا يَتَكَلَّمُونَ إلّا مَن أذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ﴾ [النبإ: ٣٨] هو ناصِبٌ كَقَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ والمَلائِكَةُ صَفًّا﴾ [النبإ: ٣٨] والمُرادُ بِإتْيانِ اليَوْمِ: إتْيانُ أهْوالِهِ وشَدائِدِهِ، إذِ اليَوْمُ لا يَكُونُ وقْتًا لِإتْيانِ اليَوْمِ.
وأجازَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنْ يَكُونَ فاعِلُ يَأْتِي ضَمِيرًا عائِدًا عَلى اللَّهِ قالَ: كَقَوْلِهِ: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلّا أنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢١٠] أوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ، وجاءَ رَبُّكَ، ويُعَضِّدُهُ قِراءَةُ وما يُؤَخِّرُهُ بِالياءِ، وقَوْلُهُ: (بِإذْنِهِ) وأجازَ أيْضًا أنْ يَنْتَصِبَ يَوْمَ يَأْتِي بِاذْكُرْ أوْ بِالِانْتِهاءِ المَحْذُوفِ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا لِأجَلٍ مَعْدُودٍ﴾، أيْ: يَنْتَهِي الأجَلُ يَوْمَ يَأْتِي. وأجازَ الحَوْفِيُّ أنْ يَكُونَ لا تَكَلَّمُ حالًا مِن ضَمِيرِ اليَوْمِ المُتَقَدِّمِ في مَشْهُودٍ، أوْ نَعْتًا لِأنَّهُ نَكِرَةٌ، والتَّقْدِيرُ: لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ فِيهِ يَوْمَ يَأْتِي إلّا بِإذْنِهِ.
وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ، يَصِحُّ أنْ يَكُونَ جُمْلَةً في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ الَّذِي في يَأْتِي، وهو العائِدُ عَلى قَوْلِهِ (ذَلِكَ يَوْمٌ) ويَكُونُ عَلى هَذا عائِدُ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ فِيهِ إلّا بِإذْنِهِ. ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ﴾، صِفَةً لِقَوْلِهِ: (يَوْمَ يَأْتِي)، أوْ يَوْمَ يَأْتِي يُرادُ بِهِ: الحِينُ والوَقْتُ لا النَّهارُ بِعَيْنِهِ. وما ورَدَ في القُرْآنِ مِن ذِكْرِ كَلامِ أهْلِ المَوْقِفِ في التَّلازُمِ والتَّساؤُلِ والتَّجادُلِ، فَإمّا أنْ يَكُونَ بِإذْنِ اللَّهِ، وإمّا أنْ يَكُونَ هَذِهِ مُخْتَصَّةً هُنا في تَكَلُّمِ شَفاعَةٍ أوْ إقامَةِ حُجَّةٍ، انْتَهى.
وكَلامُهُ في إعْرابِ لا تَكَلَّمُ كَأنَّهُ مَنقُولٌ مِن كَلامِ الحَوْفِيِّ. وقِيلَ: يَوْمُ القِيامَةِ: يَوْمٌ طَوِيلٌ لَهُ مَواقِفُ، فَفي بَعْضِها يُجادِلُونَ عَنْ أنْفُسِهِمْ، وفي بَعْضِها يَكُفُّونَ عَنِ الكَلامِ فَلا يُؤْذَنُ لَهم، وفي بَعْضِها يُؤْذَنُ لَهم فَيَتَكَلَّمُونَ، وفي بَعْضِها يُخْتَمُ عَلى أفْواهِهِمْ وتَكَلَّمُ أيْدِيهِمْ وتَشْهَدُ أرْجُلُهم، والضَّمِيرُ في مِنهم عائِدٌ عَلى النّاسِ في قَوْلِهِ: ﴿مَجْمُوعٌ لَهُ النّاسُ﴾ . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الضَّمِيرُ لِأهْلِ المَوْقِفِ، ولَمْ يُذْكَرُوا إلّا أنَّ ذَلِكَ مَعْلُومٌ، ولِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ﴾ يَدُلُّ عَلَيْهِ، وقَدْ مَرَّ ذِكْرُ النّاسِ في قَوْلِهِ: ﴿مَجْمُوعٌ لَهُ النّاسُ﴾ . وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ فَمِنهم عائِدٌ عَلى الجَمِيعِ الَّذِي تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ: (نَفْسٌ)، إذْ هو اسْمُ جِنْسٍ يُرادُ بِهِ الجَمِيعُ، انْتَهى.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الشَّقِيُّ مَن كُتِبَتْ عَلَيْهِ الشَّقاوَةُ، والسَّعِيدُ: الَّذِي كُتِبَتْ لَهُ السَّعادَةُ. وقِيلَ: مُعَذَّبٌ ومُنَعَّمٌ، وقِيلَ: مَحْرُومٌ ومَرْزُوقٌ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ في مِنهم عائِدٌ عَلى أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، ذَكَرَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ.
هود 11:103
﴿ذَلِكَ مِن أنْباءِ القُرى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنها قائِمٌ وحَصِيدٌ﴾ ﴿وما ظَلَمْناهم ولَكِنْ ظَلَمُوا أنْفُسَهم فَما أغْنَتْ عَنْهم آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مِن شَيْءٍ لَمّا جاءَ أمْرُ رَبِّكَ وما زادُوهم غَيْرَ تَتْبِيبٍ﴾: الإشارَةُ بِذَلِكَ إلى ما تَقَدَّمَ مِن ذِكْرِ الأنْبِياءِ وقَوْمِهِمْ، وما حَلَّ بِهِمْ مِنَ العُقُوباتِ، أيْ: ذَلِكَ النَّبَأُ بَعْضُ أنْباءِ القُرى.
ويُحْتَمَلُ أنْ يُعْنى بِالقُرى قُرى أُولَئِكَ المُهْلَكِينَ المُتَقَدِّمِ ذِكْرُهم، وأنْ يَعْنِيَ القُرى عُمُومًا، أيْ: هَذا النَّبَأُ المَقْصُوصُ عَلَيْكَ هو دَيْدَنُ المُدُنِ إذْ كَفَرَتْ، فَدَخَلَ المُدُنُ المُعاصِرَةُ. والضَّمِيرُ في مِنها عائِدٌ عَلى القُرى.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ﴿قائِمٌ وحَصِيدٌ﴾: عامِرٌ كَزاغِرٍ وداثِرٍ، وهَذا عَلى تَأْوِيلِ عُمُومِ القُرى. وقالَ قَتادَةُ وابْنُ جُرَيْجٍ: قائِمُ الجُدْرانِ ومُنْهَدِمٌ، وهَذا عَلى تَأْوِيلِ خُصُوصِ القُرى، وأنَّها قُرى أُولَئِكَ الأُمَمِ المُهْلَكِينَ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: بَعْضُها باقٍ وبَعْضُها عافِي الأثَرِ كالزَّرْعِ القائِمِ عَلى ساقِهِ والَّذِي حُصِدَ، انْتَهى.
وهَذا مَعْنى قَوْلِ قَتادَةَ، قالَ قَتادَةُ: قائِمُ الأثَرِ ودارِسُهُ، جَعَلَ حَصْدَ الزَّرْعِ كِنايَةً عَنِ الفَناءِ قالَ الشّاعِرُ:
؎والنّاسُ في قَسْمِ المَنِيَّةِ بَيْنَهم كالزَّرْعِ مِنهُ قائِمٌ وحَصِيدُ
. وقالَ الضَّحّاكُ: (قائِمٌ): لَمْ يُخْسَفْ، و(حَصِيدٌ): قَدْ خُسِفَ. وقالَ ابْنُ إسْحاقَ: (قائِمٌ): لَمْ يَهْلَكْ بَعْدُ، و(حَصِيدٌ): قَدْ أُهْلِكَ. وقِيلَ: قائِمٌ أيْ: باقٍ نَسْلُهُ، وحَصِيدٌ أيْ: مُنْقَطِعٌ نَسْلُهُ. وهَذا يَتَمَشّى عَلى أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: ذَلِكَ مِن أنْباءِ أهْلِ القُرى. وقَدْ قِيلَ: هو عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: مِن أنْباءِ أهْلِ القُرى، ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ: وما (ظَلَمْناهم)، فَعادَ الضَّمِيرُ عَلى ذَلِكَ المَحْذُوفِ.
وقالَ الأخْفَشُ: حَصِيدٌ أيْ: مَحْصُودٌ، وجَمْعُهُ حَصْدى وحِصادٌ، مِثْلَ: مَرْضى ومِراضٌ، وبابُ فَعْلى جَمْعًا لِفَعِيلٍ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، أنْ يَكُونَ فِيمَن يَعْقِلُ نَحْوَ: قَتِيلٍ وقَتْلى. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): ما مَحَلُّ هَذِهِ الجُمْلَةِ ؟ قُلْتُ: هي مُسْتَأْنَفَةٌ لا مَحَلَّ لَها، انْتَهى.
وقالَ أبُو البَقاءِ: ﴿مِنها قائِمٌ﴾ ابْتِداءٌ، وخَبَرٌ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الهاءِ في نَقُصُّهُ، و(حَصِيدٌ) مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ، أيْ: ومِنها حَصِيدٌ، انْتَهى.
وما ذَكَرَهُ تَجَوُّزٌ، أيْ: نَقُصُّهُ عَلَيْكَ وحالُ القُرى ذَلِكَ، والحالُ أبْلَغُ في التَّخْوِيفِ وضَرْبِ المَثَلِ لِلْحاضِرِينَ، أيْ: نَقُصُّ عَلَيْكَ بَعْضَ أنْباءِ القُرى وهي عَلى هَذِهِ الحالِ يُشاهِدُونَ فِعْلَ اللَّهِ بِها. وما ظَلَمْناهم، أيْ: بِإهْلاكِنا إيّاهم، بَلْ وضَعْنا عَلَيْهِمْ مِنَ العَذابِ ما يَسْتَحِقُّونَهُ، ولَكِنْ ظَلَمُوا أنْفُسَهم بِوَضْعِ الكُفْرِ مَوْضِعَ الإيمانِ، وارْتِكابِ ما بِهِ أُهْلِكُوا.
والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَما أغْنَتْ﴾: نَفْيٌ، أيْ: لَمْ تَرُدَّ عَنْهم مِن بَأْسِ اللَّهِ شَيْئًا ولا أجْدَتْ، (يَدْعُونَ): حِكايَةُ حالٍ، أيِ: الَّتِي كانُوا يَدْعُونَ، أيْ: يَعْبُدُونَ، أوْ يَدْعُونَها اللّاتَ والعُزّى وهُبَلَ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ولَمّا مَنصُوبٌ بِما أغْنَتْ، انْتَهى.
وهَذا بِناءٌ عَلى أنَّ لَمّا ظَرْفٌ، وهو خِلافُ مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ، لِأنَّ مَذْهَبَهُ أنَّها حَرْفُ وُجُوبٍ لِوُجُوبٍ. و﴿أمْرُ رَبِّكَ﴾ [هود: ٧٦] هو: عَذابُهُ ونِقْمَتُهُ.
﴿وما زادُوهُمْ﴾ عُومِلَ مُعامَلَةَ العُقَلاءِ في الإسْنادِ إلى واوِ الضَّمِيرِ الَّذِي هو لِمَن يَعْقِلُ، لِأنَّهم نَزَّلُوهم مَنزِلَةَ العُقَلاءِ في اعْتِقادِهِمْ أنَّها تَنْفَعُ، وعِبادَتِهِمْ إيّاهم.
والتَّتْبِيبُ: التَّخْسِيرُ. قالَ ابْنُ زَيْدٍ: الشَّرُّ، وقالَ قَتادَةُ: الخُسْرانُ والهَلاكُ، وقالَ مُجاهِدٌ: التَّخْسِيرُ، وقِيلَ: التَّدْمِيرُ. وهَذِهِ كُلُّها أقْوالٌ مُتَقارِبَةٌ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وصُورَةُ زِيادَةِ الأصْنامِ: التَّتْبِيبُ، إنَّما هو يُتَصَوَّرُ بِأنَّ تَأْمِيلَها والثِّقَةَ بِها والتَّعَبَ في عِبادَتِها شَغَلَتْ نُفُوسَهم عَنِ النَّظَرِ في الشَّرْعِ وعاقِبَتِهِ، فَلَحِقَ مِن ذَلِكَ عِقابٌ وخُسْرانٌ. وأمّا بِأنَّ عَذابَهم عَلى (p-٢٦١)الكُفْرِ يُزادُ بِهِ عَذابٌ عَلى مُجَرَّدِ عِبادَةِ الأوْثانِ.
﴿وكَذَلِكَ أخْذُ رَبِّكَ إذا أخَذَ القُرى وهي ظالِمَةٌ إنَّ أخْذَهُ ألِيمٌ شَدِيدٌ﴾ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً لِمَن خافَ عَذابَ الآخِرَةِ ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النّاسُ وذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ﴾ ﴿وما نُؤَخِّرُهُ إلّا لِأجَلٍ مَعْدُودٍ﴾ ﴿يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إلّا بِإذْنِهِ فَمِنهم شَقِيٌّ وسَعِيدٌ﴾ أيْ: ومِثْلُ ذَلِكَ الأخْذِ - أخْذِ اللَّهِ الأُمَمَ السّابِقَةَ - أخْذُ رَبِّكَ.
والقُرى عامٌّ في القُرى الظّالِمَةِ، والظُّلْمُ يَشْمَلُ ظُلْمَ الكُفْرِ وغَيْرَهُ. وقَدْ يُمْهِلُ اللَّهُ تَعالى بَعْضَ الكَفَرَةِ. وأمّا الظَّلَمَةُ في الغالِبِ فَمُعاجَلُونَ، وفي الحَدِيثِ: «إنَّ اللَّهَ يُمْلِي لِلظّالِمِ حَتّى إذا أخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ» ثُمَّ قَرَأ: ﴿وكَذَلِكَ أخْذُ رَبِّكَ إذا﴾ . وقَرَأ أبُو رَجاءٍ والجَحْدَرِيُّ: ﴿وكَذَلِكَ أخْذُ رَبِّكَ إذا أخَذَ﴾: عَلى أنَّ ﴿أخْذُ رَبِّكَ﴾ فِعْلٌ وفاعِلٌ، وإذْ ظَرْفٌ لِما مَضى، وهو إخْبارٌ عَمّا جَرَتْ بِهِ عادَةُ اللَّهِ في إهْلاكِ مَن تَقَدَّمَ مِنَ الأُمَمِ.
وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: (وكَذَلِكَ أخَذَ رَبُّكَ إذا أخَذَ) . قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهي قِراءَةٌ مُتَمَكِّنَةُ المَعْنى، ولَكِنَّ قِراءَةَ الجَماعَةِ تُعْطِي الوَعِيدَ واسْتِمْرارَهُ في الزَّمانِ، وهو البابُ في وضْعِ المُسْتَقْبَلِ مَوْضِعَ الماضِي، والقُرى: مَفْعُولٌ بِـ (أخَذَ) عَلى الإعْمالِ إذْ تَنازَعَهُ المَصْدَرُ وهو: ﴿أخْذُ رَبِّكَ﴾ و(أخَذَ) فَأُعْمِلَ الثّانِي، ﴿وهِيَ ظالِمَةٌ﴾: جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ، ﴿إنَّ أخْذَهُ ألِيمٌ﴾: مُوجِعٌ صَعْبٌ عَلى المَأْخُوذِ. والأخْذُ هُنا: أخْذُ الإهْلاكِ.
﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ أيْ: فِيما قَصَّ اللَّهُ مِن أخْبارِ الأُمَمِ الماضِيَةِ وإهْلاكِهِمْ، (لَآيَةً): لَعَلامَةً لِمَن خافَ عَذابَ الآخِرَةِ، أيْ: إنَّهم إذا عُذِّبُوا في الدُّنْيا لِأجْلِ تَكْذِيبِهِمُ الأنْبِياءَ وإشْراكِهِمْ بِاللَّهِ وهي دارُ العَمَلِ، فَلَأنْ يُعَذَّبُوا عَلى ذَلِكَ في الآخِرَةِ الَّتِي هي دارُ الجَزاءِ أوْلى، وذَلِكَ أنَّ الأنْبِياءَ أخْبَرُوا بِاسْتِئْصالِ مَن كَذَّبَهم وأشْرَكُوا بِاللَّهِ، ووَقَعَ ما أخْبَرُوا بِهِ وفْقَ إخْبارِهِمْ، فَدَلَّ عَلى أنَّ ما أخْبَرُوا بِهِ مِنَ البَعْثِ والجَزاءِ صِدْقٌ لا شَكَّ فِيهِ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿لَآيَةً لِمَن خافَ﴾: لَعِبْرَةً لَهُ، لِأنَّهُ يَنْظُرُ إلى ما أحَلَّ اللَّهُ بِالمُجْرِمِينَ في الدُّنْيا، وما هو إلّا أُنْمُوذَجٌ مِمّا أعَدَّ لَهم في الآخِرَةِ، فَإذا رَأى عَظَمَتَهُ وشِدَّتَهُ اعْتَبَرَ بِهِ مِن عَظِيمِ العَذابِ المَوْعُودِ فَيَكُونُ لَهُ عِظَةً وعِبْرَةً ولُطْفًا في زِيادَةِ التَّقْوى والخَشْيَةِ مِنَ اللَّهِ، ونَحْوُهُ: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَن يَخْشى﴾ [النازعات: ٢٦]: (ذَلِكَ): إشارَةٌ إلى يَوْمِ القِيامَةِ الدّالِّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿عَذابَ الآخِرَةِ﴾، والنّاسُ مَفْعُولٌ لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، رافِعُهُ مَجْمُوعٌ، وأجازَ ابْنُ عَطِيَّةَ أنْ يَكُونَ النّاسُ مُبْتَدَأً، ومَجْمُوعٌ خَبَرًا مُقَدَّمًا، وهو بَعِيدٌ لِإفْرادِ الضَّمِيرِ في ﴿مَجْمُوعٌ﴾، وقِياسُهُ عَلى إعْرابِهِ: مَجْمُوعُونَ، و﴿مَجْمُوعٌ لَهُ النّاسُ﴾: عِبارَةٌ عَنِ الحَشْرِ، و﴿مَشْهُودٌ﴾: عامٌّ يَشْهَدُهُ الأوَّلُونَ والآخِرُونَ مِنَ الإنْسِ والجِنِّ والمَلائِكَةِ والحَيَوانِ في قَوْلِ الجُمْهُورِ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): أيُّ فائِدَةٍ في أنْ أُوثِرَ اسْمُ المَفْعُولِ عَلى فِعْلِهِ ؟ (قُلْتُ): لِما في اسْمِ المَفْعُولِ مِن دِلالَتِهِ عَلى ثَباتِ مَعْنى الجَمْعِ لِلْيَوْمِ، وأنَّهُ لا بُدَّ أنْ يَكُونَ مِيعادًا مَضْرُوبًا لِجَمْعِ النّاسِ لَهُ، وأنَّهُ هو المَوْصُوفُ بِذَلِكَ صِفَةً لازِمَةً، وهو أثْبَتُ أيْضًا لِإسْنادِ الجَمْعِ إلى النّاسِ وأنَّهم لا يَنْفَكُّونَ مِنهُ، وفِيهِ مِن تَمَكُّنِ الوَصْفِ وثَباتِهِ ما لَيْسَ في الفِعْلِ. ومَعْنى ﴿مَشْهُودٌ﴾: مَشْهُودٌ فِيهِ، فاتُّسِعَ في الجارِّ والمَجْرُورِ، ووُصِلَ الفِعْلُ إلى الضَّمِيرِ إجْراءً لَهُ مَجْرى المَفْعُولِ بِهِ عَلى السَّعَةِ لِقَوْلِهِ:
؎ويَوْمًا شَهِدْناهُ سُلَيْمًا وعامِرًا
والمَعْنى: يَشْهَدُ فِيهِ الخَلائِقُ المَوْقِفَ لا يَغِيبُ عَنْهُ أحَدٌ، ومِنهُ قَوْلُهم: لِفُلانٍ مَجْلِسٌ مَشْهُودٌ، وطَعامٌ مَحْضُورٌ. وإنَّما لَمْ يُجْعَلِ اليَوْمُ مَشْهُودًا في نَفْسِهِ كَما قالَ: ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥] لِأنَّ الغَرَضَ وصْفُ ذَلِكَ اليَوْمِ بِالهَوْلِ والعِظَمِ وغَيْرِهِ مِن بَيْنِ الأيّامِ، وكَوْنُهُ مَشْهُودًا في نَفْسِهِ لا يُمَيِّزُهُ، إذْ هو مُوافِقٌ لِسائِرِ الأيّامِ في كَوْنِها مَشْهُودَةً.
﴿وما نُؤَخِّرُهُ﴾ أيْ: ذَلِكَ اليَوْمَ. وقِيلَ: يَعُودُ عَلى الجَزاءِ، قالَهُ الحَوْفِيُّ.
﴿إلّا لِأجَلٍ مَعْدُودٍ﴾ أيْ: لِقَضاءٍ سابِقٍ قَدْ نَفَذَ فِيهِ بِأجَلٍ مَحْدُودٍ لا يَتَقَدَّمُ عَلَيْهِ ولا يَتَأخَّرُ عَنْهُ. وقَرَأ الأعْمَشُ: (وما يُؤَخِّرُهُ) بِالياءِ، وقَرَأ النَّحْوِيّانِ ونافِعٌ: يَأْتِي بِإثْباتِ الياءِ وصْلًا وحَذْفِها وقْفًا، وابْنُ كَثِيرٍ: بِإثْباتِها وصْلًا ووَقْفًا، وهي ثابِتَةٌ في مُصْحَفِ أُبَيٍّ.
وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ بِحَذْفِها وصْلًا ووَقْفًا، وسَقَطَتْ في مُصْحَفِ الإمامِ عُثْمانَ.
(p-٢٦٢)وقَرَأ الأعْمَشُ: يَأْتُونَ، وكَذا في مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ، وإثْباتُها وصْلًا ووَقْفًا هو الوَجْهُ، ووَجْهُ حَذْفِها في الوَقْفِ: التَّشْبِيهُ بِالفَواصِلِ وقْفًا، ووَصْلًا: التَّخْفِيفُ كَما قالُوا: لا أدْرِ ولا أُبالِ.
وذَكَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنَّ الِاجْتِزاءَ بِالكَسْرَةِ عَنِ الياءِ كَثِيرٌ في لُغَةِ هُذَيْلٍ. وأنْشَدَ الطَّبَرِيُّ:
؎كَفّاكَ كَفٌّ ما تُلِيقُ دِرْهَمًا ∗∗∗ جُودًا وأُخْرى تُعْطِ بِالسَّيْفِ الدَّما
والظّاهِرُ أنَّ الفاعِلَ بِيَأْتِي ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلى ما عادَ عَلَيْهِ الضَّمِيرُ في نُؤَخِّرُهُ وهو قَوْلُهُ: (ذَلِكَ يَوْمٌ)، والنّاصِبُ لَهُ ﴿لا تَكَلَّمُ﴾، والمَعْنى: لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ يَوْمَ يَأْتِي ذَلِكَ اليَوْمُ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ، وذَلِكَ مِن عِظَمِ المَهابَةِ والهَوْلِ في ذَلِكَ اليَوْمِ. وهو نَظِيرُ: ﴿لا يَتَكَلَّمُونَ إلّا مَن أذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ﴾ [النبإ: ٣٨] هو ناصِبٌ كَقَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ والمَلائِكَةُ صَفًّا﴾ [النبإ: ٣٨] والمُرادُ بِإتْيانِ اليَوْمِ: إتْيانُ أهْوالِهِ وشَدائِدِهِ، إذِ اليَوْمُ لا يَكُونُ وقْتًا لِإتْيانِ اليَوْمِ.
وأجازَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنْ يَكُونَ فاعِلُ يَأْتِي ضَمِيرًا عائِدًا عَلى اللَّهِ قالَ: كَقَوْلِهِ: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلّا أنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢١٠] أوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ، وجاءَ رَبُّكَ، ويُعَضِّدُهُ قِراءَةُ وما يُؤَخِّرُهُ بِالياءِ، وقَوْلُهُ: (بِإذْنِهِ) وأجازَ أيْضًا أنْ يَنْتَصِبَ يَوْمَ يَأْتِي بِاذْكُرْ أوْ بِالِانْتِهاءِ المَحْذُوفِ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا لِأجَلٍ مَعْدُودٍ﴾، أيْ: يَنْتَهِي الأجَلُ يَوْمَ يَأْتِي. وأجازَ الحَوْفِيُّ أنْ يَكُونَ لا تَكَلَّمُ حالًا مِن ضَمِيرِ اليَوْمِ المُتَقَدِّمِ في مَشْهُودٍ، أوْ نَعْتًا لِأنَّهُ نَكِرَةٌ، والتَّقْدِيرُ: لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ فِيهِ يَوْمَ يَأْتِي إلّا بِإذْنِهِ.
وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ، يَصِحُّ أنْ يَكُونَ جُمْلَةً في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ الَّذِي في يَأْتِي، وهو العائِدُ عَلى قَوْلِهِ (ذَلِكَ يَوْمٌ) ويَكُونُ عَلى هَذا عائِدُ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ فِيهِ إلّا بِإذْنِهِ. ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ﴾، صِفَةً لِقَوْلِهِ: (يَوْمَ يَأْتِي)، أوْ يَوْمَ يَأْتِي يُرادُ بِهِ: الحِينُ والوَقْتُ لا النَّهارُ بِعَيْنِهِ. وما ورَدَ في القُرْآنِ مِن ذِكْرِ كَلامِ أهْلِ المَوْقِفِ في التَّلازُمِ والتَّساؤُلِ والتَّجادُلِ، فَإمّا أنْ يَكُونَ بِإذْنِ اللَّهِ، وإمّا أنْ يَكُونَ هَذِهِ مُخْتَصَّةً هُنا في تَكَلُّمِ شَفاعَةٍ أوْ إقامَةِ حُجَّةٍ، انْتَهى.
وكَلامُهُ في إعْرابِ لا تَكَلَّمُ كَأنَّهُ مَنقُولٌ مِن كَلامِ الحَوْفِيِّ. وقِيلَ: يَوْمُ القِيامَةِ: يَوْمٌ طَوِيلٌ لَهُ مَواقِفُ، فَفي بَعْضِها يُجادِلُونَ عَنْ أنْفُسِهِمْ، وفي بَعْضِها يَكُفُّونَ عَنِ الكَلامِ فَلا يُؤْذَنُ لَهم، وفي بَعْضِها يُؤْذَنُ لَهم فَيَتَكَلَّمُونَ، وفي بَعْضِها يُخْتَمُ عَلى أفْواهِهِمْ وتَكَلَّمُ أيْدِيهِمْ وتَشْهَدُ أرْجُلُهم، والضَّمِيرُ في مِنهم عائِدٌ عَلى النّاسِ في قَوْلِهِ: ﴿مَجْمُوعٌ لَهُ النّاسُ﴾ . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الضَّمِيرُ لِأهْلِ المَوْقِفِ، ولَمْ يُذْكَرُوا إلّا أنَّ ذَلِكَ مَعْلُومٌ، ولِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ﴾ يَدُلُّ عَلَيْهِ، وقَدْ مَرَّ ذِكْرُ النّاسِ في قَوْلِهِ: ﴿مَجْمُوعٌ لَهُ النّاسُ﴾ . وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ فَمِنهم عائِدٌ عَلى الجَمِيعِ الَّذِي تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ: (نَفْسٌ)، إذْ هو اسْمُ جِنْسٍ يُرادُ بِهِ الجَمِيعُ، انْتَهى.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الشَّقِيُّ مَن كُتِبَتْ عَلَيْهِ الشَّقاوَةُ، والسَّعِيدُ: الَّذِي كُتِبَتْ لَهُ السَّعادَةُ. وقِيلَ: مُعَذَّبٌ ومُنَعَّمٌ، وقِيلَ: مَحْرُومٌ ومَرْزُوقٌ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ في مِنهم عائِدٌ عَلى أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، ذَكَرَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ.
هود 11:104
﴿ذَلِكَ مِن أنْباءِ القُرى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنها قائِمٌ وحَصِيدٌ﴾ ﴿وما ظَلَمْناهم ولَكِنْ ظَلَمُوا أنْفُسَهم فَما أغْنَتْ عَنْهم آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مِن شَيْءٍ لَمّا جاءَ أمْرُ رَبِّكَ وما زادُوهم غَيْرَ تَتْبِيبٍ﴾: الإشارَةُ بِذَلِكَ إلى ما تَقَدَّمَ مِن ذِكْرِ الأنْبِياءِ وقَوْمِهِمْ، وما حَلَّ بِهِمْ مِنَ العُقُوباتِ، أيْ: ذَلِكَ النَّبَأُ بَعْضُ أنْباءِ القُرى.
ويُحْتَمَلُ أنْ يُعْنى بِالقُرى قُرى أُولَئِكَ المُهْلَكِينَ المُتَقَدِّمِ ذِكْرُهم، وأنْ يَعْنِيَ القُرى عُمُومًا، أيْ: هَذا النَّبَأُ المَقْصُوصُ عَلَيْكَ هو دَيْدَنُ المُدُنِ إذْ كَفَرَتْ، فَدَخَلَ المُدُنُ المُعاصِرَةُ. والضَّمِيرُ في مِنها عائِدٌ عَلى القُرى.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ﴿قائِمٌ وحَصِيدٌ﴾: عامِرٌ كَزاغِرٍ وداثِرٍ، وهَذا عَلى تَأْوِيلِ عُمُومِ القُرى. وقالَ قَتادَةُ وابْنُ جُرَيْجٍ: قائِمُ الجُدْرانِ ومُنْهَدِمٌ، وهَذا عَلى تَأْوِيلِ خُصُوصِ القُرى، وأنَّها قُرى أُولَئِكَ الأُمَمِ المُهْلَكِينَ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: بَعْضُها باقٍ وبَعْضُها عافِي الأثَرِ كالزَّرْعِ القائِمِ عَلى ساقِهِ والَّذِي حُصِدَ، انْتَهى.
وهَذا مَعْنى قَوْلِ قَتادَةَ، قالَ قَتادَةُ: قائِمُ الأثَرِ ودارِسُهُ، جَعَلَ حَصْدَ الزَّرْعِ كِنايَةً عَنِ الفَناءِ قالَ الشّاعِرُ:
؎والنّاسُ في قَسْمِ المَنِيَّةِ بَيْنَهم كالزَّرْعِ مِنهُ قائِمٌ وحَصِيدُ
. وقالَ الضَّحّاكُ: (قائِمٌ): لَمْ يُخْسَفْ، و(حَصِيدٌ): قَدْ خُسِفَ. وقالَ ابْنُ إسْحاقَ: (قائِمٌ): لَمْ يَهْلَكْ بَعْدُ، و(حَصِيدٌ): قَدْ أُهْلِكَ. وقِيلَ: قائِمٌ أيْ: باقٍ نَسْلُهُ، وحَصِيدٌ أيْ: مُنْقَطِعٌ نَسْلُهُ. وهَذا يَتَمَشّى عَلى أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: ذَلِكَ مِن أنْباءِ أهْلِ القُرى. وقَدْ قِيلَ: هو عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: مِن أنْباءِ أهْلِ القُرى، ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ: وما (ظَلَمْناهم)، فَعادَ الضَّمِيرُ عَلى ذَلِكَ المَحْذُوفِ.
وقالَ الأخْفَشُ: حَصِيدٌ أيْ: مَحْصُودٌ، وجَمْعُهُ حَصْدى وحِصادٌ، مِثْلَ: مَرْضى ومِراضٌ، وبابُ فَعْلى جَمْعًا لِفَعِيلٍ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، أنْ يَكُونَ فِيمَن يَعْقِلُ نَحْوَ: قَتِيلٍ وقَتْلى. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): ما مَحَلُّ هَذِهِ الجُمْلَةِ ؟ قُلْتُ: هي مُسْتَأْنَفَةٌ لا مَحَلَّ لَها، انْتَهى.
وقالَ أبُو البَقاءِ: ﴿مِنها قائِمٌ﴾ ابْتِداءٌ، وخَبَرٌ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الهاءِ في نَقُصُّهُ، و(حَصِيدٌ) مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ، أيْ: ومِنها حَصِيدٌ، انْتَهى.
وما ذَكَرَهُ تَجَوُّزٌ، أيْ: نَقُصُّهُ عَلَيْكَ وحالُ القُرى ذَلِكَ، والحالُ أبْلَغُ في التَّخْوِيفِ وضَرْبِ المَثَلِ لِلْحاضِرِينَ، أيْ: نَقُصُّ عَلَيْكَ بَعْضَ أنْباءِ القُرى وهي عَلى هَذِهِ الحالِ يُشاهِدُونَ فِعْلَ اللَّهِ بِها. وما ظَلَمْناهم، أيْ: بِإهْلاكِنا إيّاهم، بَلْ وضَعْنا عَلَيْهِمْ مِنَ العَذابِ ما يَسْتَحِقُّونَهُ، ولَكِنْ ظَلَمُوا أنْفُسَهم بِوَضْعِ الكُفْرِ مَوْضِعَ الإيمانِ، وارْتِكابِ ما بِهِ أُهْلِكُوا.
والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَما أغْنَتْ﴾: نَفْيٌ، أيْ: لَمْ تَرُدَّ عَنْهم مِن بَأْسِ اللَّهِ شَيْئًا ولا أجْدَتْ، (يَدْعُونَ): حِكايَةُ حالٍ، أيِ: الَّتِي كانُوا يَدْعُونَ، أيْ: يَعْبُدُونَ، أوْ يَدْعُونَها اللّاتَ والعُزّى وهُبَلَ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ولَمّا مَنصُوبٌ بِما أغْنَتْ، انْتَهى.
وهَذا بِناءٌ عَلى أنَّ لَمّا ظَرْفٌ، وهو خِلافُ مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ، لِأنَّ مَذْهَبَهُ أنَّها حَرْفُ وُجُوبٍ لِوُجُوبٍ. و﴿أمْرُ رَبِّكَ﴾ [هود: ٧٦] هو: عَذابُهُ ونِقْمَتُهُ.
﴿وما زادُوهُمْ﴾ عُومِلَ مُعامَلَةَ العُقَلاءِ في الإسْنادِ إلى واوِ الضَّمِيرِ الَّذِي هو لِمَن يَعْقِلُ، لِأنَّهم نَزَّلُوهم مَنزِلَةَ العُقَلاءِ في اعْتِقادِهِمْ أنَّها تَنْفَعُ، وعِبادَتِهِمْ إيّاهم.
والتَّتْبِيبُ: التَّخْسِيرُ. قالَ ابْنُ زَيْدٍ: الشَّرُّ، وقالَ قَتادَةُ: الخُسْرانُ والهَلاكُ، وقالَ مُجاهِدٌ: التَّخْسِيرُ، وقِيلَ: التَّدْمِيرُ. وهَذِهِ كُلُّها أقْوالٌ مُتَقارِبَةٌ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وصُورَةُ زِيادَةِ الأصْنامِ: التَّتْبِيبُ، إنَّما هو يُتَصَوَّرُ بِأنَّ تَأْمِيلَها والثِّقَةَ بِها والتَّعَبَ في عِبادَتِها شَغَلَتْ نُفُوسَهم عَنِ النَّظَرِ في الشَّرْعِ وعاقِبَتِهِ، فَلَحِقَ مِن ذَلِكَ عِقابٌ وخُسْرانٌ. وأمّا بِأنَّ عَذابَهم عَلى (p-٢٦١)الكُفْرِ يُزادُ بِهِ عَذابٌ عَلى مُجَرَّدِ عِبادَةِ الأوْثانِ.
﴿وكَذَلِكَ أخْذُ رَبِّكَ إذا أخَذَ القُرى وهي ظالِمَةٌ إنَّ أخْذَهُ ألِيمٌ شَدِيدٌ﴾ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً لِمَن خافَ عَذابَ الآخِرَةِ ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النّاسُ وذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ﴾ ﴿وما نُؤَخِّرُهُ إلّا لِأجَلٍ مَعْدُودٍ﴾ ﴿يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إلّا بِإذْنِهِ فَمِنهم شَقِيٌّ وسَعِيدٌ﴾ أيْ: ومِثْلُ ذَلِكَ الأخْذِ - أخْذِ اللَّهِ الأُمَمَ السّابِقَةَ - أخْذُ رَبِّكَ.
والقُرى عامٌّ في القُرى الظّالِمَةِ، والظُّلْمُ يَشْمَلُ ظُلْمَ الكُفْرِ وغَيْرَهُ. وقَدْ يُمْهِلُ اللَّهُ تَعالى بَعْضَ الكَفَرَةِ. وأمّا الظَّلَمَةُ في الغالِبِ فَمُعاجَلُونَ، وفي الحَدِيثِ: «إنَّ اللَّهَ يُمْلِي لِلظّالِمِ حَتّى إذا أخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ» ثُمَّ قَرَأ: ﴿وكَذَلِكَ أخْذُ رَبِّكَ إذا﴾ . وقَرَأ أبُو رَجاءٍ والجَحْدَرِيُّ: ﴿وكَذَلِكَ أخْذُ رَبِّكَ إذا أخَذَ﴾: عَلى أنَّ ﴿أخْذُ رَبِّكَ﴾ فِعْلٌ وفاعِلٌ، وإذْ ظَرْفٌ لِما مَضى، وهو إخْبارٌ عَمّا جَرَتْ بِهِ عادَةُ اللَّهِ في إهْلاكِ مَن تَقَدَّمَ مِنَ الأُمَمِ.
وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: (وكَذَلِكَ أخَذَ رَبُّكَ إذا أخَذَ) . قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهي قِراءَةٌ مُتَمَكِّنَةُ المَعْنى، ولَكِنَّ قِراءَةَ الجَماعَةِ تُعْطِي الوَعِيدَ واسْتِمْرارَهُ في الزَّمانِ، وهو البابُ في وضْعِ المُسْتَقْبَلِ مَوْضِعَ الماضِي، والقُرى: مَفْعُولٌ بِـ (أخَذَ) عَلى الإعْمالِ إذْ تَنازَعَهُ المَصْدَرُ وهو: ﴿أخْذُ رَبِّكَ﴾ و(أخَذَ) فَأُعْمِلَ الثّانِي، ﴿وهِيَ ظالِمَةٌ﴾: جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ، ﴿إنَّ أخْذَهُ ألِيمٌ﴾: مُوجِعٌ صَعْبٌ عَلى المَأْخُوذِ. والأخْذُ هُنا: أخْذُ الإهْلاكِ.
﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ أيْ: فِيما قَصَّ اللَّهُ مِن أخْبارِ الأُمَمِ الماضِيَةِ وإهْلاكِهِمْ، (لَآيَةً): لَعَلامَةً لِمَن خافَ عَذابَ الآخِرَةِ، أيْ: إنَّهم إذا عُذِّبُوا في الدُّنْيا لِأجْلِ تَكْذِيبِهِمُ الأنْبِياءَ وإشْراكِهِمْ بِاللَّهِ وهي دارُ العَمَلِ، فَلَأنْ يُعَذَّبُوا عَلى ذَلِكَ في الآخِرَةِ الَّتِي هي دارُ الجَزاءِ أوْلى، وذَلِكَ أنَّ الأنْبِياءَ أخْبَرُوا بِاسْتِئْصالِ مَن كَذَّبَهم وأشْرَكُوا بِاللَّهِ، ووَقَعَ ما أخْبَرُوا بِهِ وفْقَ إخْبارِهِمْ، فَدَلَّ عَلى أنَّ ما أخْبَرُوا بِهِ مِنَ البَعْثِ والجَزاءِ صِدْقٌ لا شَكَّ فِيهِ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿لَآيَةً لِمَن خافَ﴾: لَعِبْرَةً لَهُ، لِأنَّهُ يَنْظُرُ إلى ما أحَلَّ اللَّهُ بِالمُجْرِمِينَ في الدُّنْيا، وما هو إلّا أُنْمُوذَجٌ مِمّا أعَدَّ لَهم في الآخِرَةِ، فَإذا رَأى عَظَمَتَهُ وشِدَّتَهُ اعْتَبَرَ بِهِ مِن عَظِيمِ العَذابِ المَوْعُودِ فَيَكُونُ لَهُ عِظَةً وعِبْرَةً ولُطْفًا في زِيادَةِ التَّقْوى والخَشْيَةِ مِنَ اللَّهِ، ونَحْوُهُ: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَن يَخْشى﴾ [النازعات: ٢٦]: (ذَلِكَ): إشارَةٌ إلى يَوْمِ القِيامَةِ الدّالِّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿عَذابَ الآخِرَةِ﴾، والنّاسُ مَفْعُولٌ لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، رافِعُهُ مَجْمُوعٌ، وأجازَ ابْنُ عَطِيَّةَ أنْ يَكُونَ النّاسُ مُبْتَدَأً، ومَجْمُوعٌ خَبَرًا مُقَدَّمًا، وهو بَعِيدٌ لِإفْرادِ الضَّمِيرِ في ﴿مَجْمُوعٌ﴾، وقِياسُهُ عَلى إعْرابِهِ: مَجْمُوعُونَ، و﴿مَجْمُوعٌ لَهُ النّاسُ﴾: عِبارَةٌ عَنِ الحَشْرِ، و﴿مَشْهُودٌ﴾: عامٌّ يَشْهَدُهُ الأوَّلُونَ والآخِرُونَ مِنَ الإنْسِ والجِنِّ والمَلائِكَةِ والحَيَوانِ في قَوْلِ الجُمْهُورِ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): أيُّ فائِدَةٍ في أنْ أُوثِرَ اسْمُ المَفْعُولِ عَلى فِعْلِهِ ؟ (قُلْتُ): لِما في اسْمِ المَفْعُولِ مِن دِلالَتِهِ عَلى ثَباتِ مَعْنى الجَمْعِ لِلْيَوْمِ، وأنَّهُ لا بُدَّ أنْ يَكُونَ مِيعادًا مَضْرُوبًا لِجَمْعِ النّاسِ لَهُ، وأنَّهُ هو المَوْصُوفُ بِذَلِكَ صِفَةً لازِمَةً، وهو أثْبَتُ أيْضًا لِإسْنادِ الجَمْعِ إلى النّاسِ وأنَّهم لا يَنْفَكُّونَ مِنهُ، وفِيهِ مِن تَمَكُّنِ الوَصْفِ وثَباتِهِ ما لَيْسَ في الفِعْلِ. ومَعْنى ﴿مَشْهُودٌ﴾: مَشْهُودٌ فِيهِ، فاتُّسِعَ في الجارِّ والمَجْرُورِ، ووُصِلَ الفِعْلُ إلى الضَّمِيرِ إجْراءً لَهُ مَجْرى المَفْعُولِ بِهِ عَلى السَّعَةِ لِقَوْلِهِ:
؎ويَوْمًا شَهِدْناهُ سُلَيْمًا وعامِرًا
والمَعْنى: يَشْهَدُ فِيهِ الخَلائِقُ المَوْقِفَ لا يَغِيبُ عَنْهُ أحَدٌ، ومِنهُ قَوْلُهم: لِفُلانٍ مَجْلِسٌ مَشْهُودٌ، وطَعامٌ مَحْضُورٌ. وإنَّما لَمْ يُجْعَلِ اليَوْمُ مَشْهُودًا في نَفْسِهِ كَما قالَ: ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥] لِأنَّ الغَرَضَ وصْفُ ذَلِكَ اليَوْمِ بِالهَوْلِ والعِظَمِ وغَيْرِهِ مِن بَيْنِ الأيّامِ، وكَوْنُهُ مَشْهُودًا في نَفْسِهِ لا يُمَيِّزُهُ، إذْ هو مُوافِقٌ لِسائِرِ الأيّامِ في كَوْنِها مَشْهُودَةً.
﴿وما نُؤَخِّرُهُ﴾ أيْ: ذَلِكَ اليَوْمَ. وقِيلَ: يَعُودُ عَلى الجَزاءِ، قالَهُ الحَوْفِيُّ.
﴿إلّا لِأجَلٍ مَعْدُودٍ﴾ أيْ: لِقَضاءٍ سابِقٍ قَدْ نَفَذَ فِيهِ بِأجَلٍ مَحْدُودٍ لا يَتَقَدَّمُ عَلَيْهِ ولا يَتَأخَّرُ عَنْهُ. وقَرَأ الأعْمَشُ: (وما يُؤَخِّرُهُ) بِالياءِ، وقَرَأ النَّحْوِيّانِ ونافِعٌ: يَأْتِي بِإثْباتِ الياءِ وصْلًا وحَذْفِها وقْفًا، وابْنُ كَثِيرٍ: بِإثْباتِها وصْلًا ووَقْفًا، وهي ثابِتَةٌ في مُصْحَفِ أُبَيٍّ.
وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ بِحَذْفِها وصْلًا ووَقْفًا، وسَقَطَتْ في مُصْحَفِ الإمامِ عُثْمانَ.
(p-٢٦٢)وقَرَأ الأعْمَشُ: يَأْتُونَ، وكَذا في مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ، وإثْباتُها وصْلًا ووَقْفًا هو الوَجْهُ، ووَجْهُ حَذْفِها في الوَقْفِ: التَّشْبِيهُ بِالفَواصِلِ وقْفًا، ووَصْلًا: التَّخْفِيفُ كَما قالُوا: لا أدْرِ ولا أُبالِ.
وذَكَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنَّ الِاجْتِزاءَ بِالكَسْرَةِ عَنِ الياءِ كَثِيرٌ في لُغَةِ هُذَيْلٍ. وأنْشَدَ الطَّبَرِيُّ:
؎كَفّاكَ كَفٌّ ما تُلِيقُ دِرْهَمًا ∗∗∗ جُودًا وأُخْرى تُعْطِ بِالسَّيْفِ الدَّما
والظّاهِرُ أنَّ الفاعِلَ بِيَأْتِي ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلى ما عادَ عَلَيْهِ الضَّمِيرُ في نُؤَخِّرُهُ وهو قَوْلُهُ: (ذَلِكَ يَوْمٌ)، والنّاصِبُ لَهُ ﴿لا تَكَلَّمُ﴾، والمَعْنى: لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ يَوْمَ يَأْتِي ذَلِكَ اليَوْمُ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ، وذَلِكَ مِن عِظَمِ المَهابَةِ والهَوْلِ في ذَلِكَ اليَوْمِ. وهو نَظِيرُ: ﴿لا يَتَكَلَّمُونَ إلّا مَن أذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ﴾ [النبإ: ٣٨] هو ناصِبٌ كَقَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ والمَلائِكَةُ صَفًّا﴾ [النبإ: ٣٨] والمُرادُ بِإتْيانِ اليَوْمِ: إتْيانُ أهْوالِهِ وشَدائِدِهِ، إذِ اليَوْمُ لا يَكُونُ وقْتًا لِإتْيانِ اليَوْمِ.
وأجازَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنْ يَكُونَ فاعِلُ يَأْتِي ضَمِيرًا عائِدًا عَلى اللَّهِ قالَ: كَقَوْلِهِ: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلّا أنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢١٠] أوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ، وجاءَ رَبُّكَ، ويُعَضِّدُهُ قِراءَةُ وما يُؤَخِّرُهُ بِالياءِ، وقَوْلُهُ: (بِإذْنِهِ) وأجازَ أيْضًا أنْ يَنْتَصِبَ يَوْمَ يَأْتِي بِاذْكُرْ أوْ بِالِانْتِهاءِ المَحْذُوفِ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا لِأجَلٍ مَعْدُودٍ﴾، أيْ: يَنْتَهِي الأجَلُ يَوْمَ يَأْتِي. وأجازَ الحَوْفِيُّ أنْ يَكُونَ لا تَكَلَّمُ حالًا مِن ضَمِيرِ اليَوْمِ المُتَقَدِّمِ في مَشْهُودٍ، أوْ نَعْتًا لِأنَّهُ نَكِرَةٌ، والتَّقْدِيرُ: لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ فِيهِ يَوْمَ يَأْتِي إلّا بِإذْنِهِ.
وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ، يَصِحُّ أنْ يَكُونَ جُمْلَةً في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ الَّذِي في يَأْتِي، وهو العائِدُ عَلى قَوْلِهِ (ذَلِكَ يَوْمٌ) ويَكُونُ عَلى هَذا عائِدُ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ فِيهِ إلّا بِإذْنِهِ. ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ﴾، صِفَةً لِقَوْلِهِ: (يَوْمَ يَأْتِي)، أوْ يَوْمَ يَأْتِي يُرادُ بِهِ: الحِينُ والوَقْتُ لا النَّهارُ بِعَيْنِهِ. وما ورَدَ في القُرْآنِ مِن ذِكْرِ كَلامِ أهْلِ المَوْقِفِ في التَّلازُمِ والتَّساؤُلِ والتَّجادُلِ، فَإمّا أنْ يَكُونَ بِإذْنِ اللَّهِ، وإمّا أنْ يَكُونَ هَذِهِ مُخْتَصَّةً هُنا في تَكَلُّمِ شَفاعَةٍ أوْ إقامَةِ حُجَّةٍ، انْتَهى.
وكَلامُهُ في إعْرابِ لا تَكَلَّمُ كَأنَّهُ مَنقُولٌ مِن كَلامِ الحَوْفِيِّ. وقِيلَ: يَوْمُ القِيامَةِ: يَوْمٌ طَوِيلٌ لَهُ مَواقِفُ، فَفي بَعْضِها يُجادِلُونَ عَنْ أنْفُسِهِمْ، وفي بَعْضِها يَكُفُّونَ عَنِ الكَلامِ فَلا يُؤْذَنُ لَهم، وفي بَعْضِها يُؤْذَنُ لَهم فَيَتَكَلَّمُونَ، وفي بَعْضِها يُخْتَمُ عَلى أفْواهِهِمْ وتَكَلَّمُ أيْدِيهِمْ وتَشْهَدُ أرْجُلُهم، والضَّمِيرُ في مِنهم عائِدٌ عَلى النّاسِ في قَوْلِهِ: ﴿مَجْمُوعٌ لَهُ النّاسُ﴾ . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الضَّمِيرُ لِأهْلِ المَوْقِفِ، ولَمْ يُذْكَرُوا إلّا أنَّ ذَلِكَ مَعْلُومٌ، ولِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ﴾ يَدُلُّ عَلَيْهِ، وقَدْ مَرَّ ذِكْرُ النّاسِ في قَوْلِهِ: ﴿مَجْمُوعٌ لَهُ النّاسُ﴾ . وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ فَمِنهم عائِدٌ عَلى الجَمِيعِ الَّذِي تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ: (نَفْسٌ)، إذْ هو اسْمُ جِنْسٍ يُرادُ بِهِ الجَمِيعُ، انْتَهى.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الشَّقِيُّ مَن كُتِبَتْ عَلَيْهِ الشَّقاوَةُ، والسَّعِيدُ: الَّذِي كُتِبَتْ لَهُ السَّعادَةُ. وقِيلَ: مُعَذَّبٌ ومُنَعَّمٌ، وقِيلَ: مَحْرُومٌ ومَرْزُوقٌ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ في مِنهم عائِدٌ عَلى أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، ذَكَرَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ.
هود 11:105
﴿ذَلِكَ مِن أنْباءِ القُرى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنها قائِمٌ وحَصِيدٌ﴾ ﴿وما ظَلَمْناهم ولَكِنْ ظَلَمُوا أنْفُسَهم فَما أغْنَتْ عَنْهم آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مِن شَيْءٍ لَمّا جاءَ أمْرُ رَبِّكَ وما زادُوهم غَيْرَ تَتْبِيبٍ﴾: الإشارَةُ بِذَلِكَ إلى ما تَقَدَّمَ مِن ذِكْرِ الأنْبِياءِ وقَوْمِهِمْ، وما حَلَّ بِهِمْ مِنَ العُقُوباتِ، أيْ: ذَلِكَ النَّبَأُ بَعْضُ أنْباءِ القُرى.
ويُحْتَمَلُ أنْ يُعْنى بِالقُرى قُرى أُولَئِكَ المُهْلَكِينَ المُتَقَدِّمِ ذِكْرُهم، وأنْ يَعْنِيَ القُرى عُمُومًا، أيْ: هَذا النَّبَأُ المَقْصُوصُ عَلَيْكَ هو دَيْدَنُ المُدُنِ إذْ كَفَرَتْ، فَدَخَلَ المُدُنُ المُعاصِرَةُ. والضَّمِيرُ في مِنها عائِدٌ عَلى القُرى.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ﴿قائِمٌ وحَصِيدٌ﴾: عامِرٌ كَزاغِرٍ وداثِرٍ، وهَذا عَلى تَأْوِيلِ عُمُومِ القُرى. وقالَ قَتادَةُ وابْنُ جُرَيْجٍ: قائِمُ الجُدْرانِ ومُنْهَدِمٌ، وهَذا عَلى تَأْوِيلِ خُصُوصِ القُرى، وأنَّها قُرى أُولَئِكَ الأُمَمِ المُهْلَكِينَ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: بَعْضُها باقٍ وبَعْضُها عافِي الأثَرِ كالزَّرْعِ القائِمِ عَلى ساقِهِ والَّذِي حُصِدَ، انْتَهى.
وهَذا مَعْنى قَوْلِ قَتادَةَ، قالَ قَتادَةُ: قائِمُ الأثَرِ ودارِسُهُ، جَعَلَ حَصْدَ الزَّرْعِ كِنايَةً عَنِ الفَناءِ قالَ الشّاعِرُ:
؎والنّاسُ في قَسْمِ المَنِيَّةِ بَيْنَهم كالزَّرْعِ مِنهُ قائِمٌ وحَصِيدُ
. وقالَ الضَّحّاكُ: (قائِمٌ): لَمْ يُخْسَفْ، و(حَصِيدٌ): قَدْ خُسِفَ. وقالَ ابْنُ إسْحاقَ: (قائِمٌ): لَمْ يَهْلَكْ بَعْدُ، و(حَصِيدٌ): قَدْ أُهْلِكَ. وقِيلَ: قائِمٌ أيْ: باقٍ نَسْلُهُ، وحَصِيدٌ أيْ: مُنْقَطِعٌ نَسْلُهُ. وهَذا يَتَمَشّى عَلى أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: ذَلِكَ مِن أنْباءِ أهْلِ القُرى. وقَدْ قِيلَ: هو عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: مِن أنْباءِ أهْلِ القُرى، ويُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ: وما (ظَلَمْناهم)، فَعادَ الضَّمِيرُ عَلى ذَلِكَ المَحْذُوفِ.
وقالَ الأخْفَشُ: حَصِيدٌ أيْ: مَحْصُودٌ، وجَمْعُهُ حَصْدى وحِصادٌ، مِثْلَ: مَرْضى ومِراضٌ، وبابُ فَعْلى جَمْعًا لِفَعِيلٍ بِمَعْنى مَفْعُولٍ، أنْ يَكُونَ فِيمَن يَعْقِلُ نَحْوَ: قَتِيلٍ وقَتْلى. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): ما مَحَلُّ هَذِهِ الجُمْلَةِ ؟ قُلْتُ: هي مُسْتَأْنَفَةٌ لا مَحَلَّ لَها، انْتَهى.
وقالَ أبُو البَقاءِ: ﴿مِنها قائِمٌ﴾ ابْتِداءٌ، وخَبَرٌ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الهاءِ في نَقُصُّهُ، و(حَصِيدٌ) مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَحْذُوفٌ، أيْ: ومِنها حَصِيدٌ، انْتَهى.
وما ذَكَرَهُ تَجَوُّزٌ، أيْ: نَقُصُّهُ عَلَيْكَ وحالُ القُرى ذَلِكَ، والحالُ أبْلَغُ في التَّخْوِيفِ وضَرْبِ المَثَلِ لِلْحاضِرِينَ، أيْ: نَقُصُّ عَلَيْكَ بَعْضَ أنْباءِ القُرى وهي عَلى هَذِهِ الحالِ يُشاهِدُونَ فِعْلَ اللَّهِ بِها. وما ظَلَمْناهم، أيْ: بِإهْلاكِنا إيّاهم، بَلْ وضَعْنا عَلَيْهِمْ مِنَ العَذابِ ما يَسْتَحِقُّونَهُ، ولَكِنْ ظَلَمُوا أنْفُسَهم بِوَضْعِ الكُفْرِ مَوْضِعَ الإيمانِ، وارْتِكابِ ما بِهِ أُهْلِكُوا.
والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَما أغْنَتْ﴾: نَفْيٌ، أيْ: لَمْ تَرُدَّ عَنْهم مِن بَأْسِ اللَّهِ شَيْئًا ولا أجْدَتْ، (يَدْعُونَ): حِكايَةُ حالٍ، أيِ: الَّتِي كانُوا يَدْعُونَ، أيْ: يَعْبُدُونَ، أوْ يَدْعُونَها اللّاتَ والعُزّى وهُبَلَ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ولَمّا مَنصُوبٌ بِما أغْنَتْ، انْتَهى.
وهَذا بِناءٌ عَلى أنَّ لَمّا ظَرْفٌ، وهو خِلافُ مَذْهَبِ سِيبَوَيْهِ، لِأنَّ مَذْهَبَهُ أنَّها حَرْفُ وُجُوبٍ لِوُجُوبٍ. و﴿أمْرُ رَبِّكَ﴾ [هود: ٧٦] هو: عَذابُهُ ونِقْمَتُهُ.
﴿وما زادُوهُمْ﴾ عُومِلَ مُعامَلَةَ العُقَلاءِ في الإسْنادِ إلى واوِ الضَّمِيرِ الَّذِي هو لِمَن يَعْقِلُ، لِأنَّهم نَزَّلُوهم مَنزِلَةَ العُقَلاءِ في اعْتِقادِهِمْ أنَّها تَنْفَعُ، وعِبادَتِهِمْ إيّاهم.
والتَّتْبِيبُ: التَّخْسِيرُ. قالَ ابْنُ زَيْدٍ: الشَّرُّ، وقالَ قَتادَةُ: الخُسْرانُ والهَلاكُ، وقالَ مُجاهِدٌ: التَّخْسِيرُ، وقِيلَ: التَّدْمِيرُ. وهَذِهِ كُلُّها أقْوالٌ مُتَقارِبَةٌ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وصُورَةُ زِيادَةِ الأصْنامِ: التَّتْبِيبُ، إنَّما هو يُتَصَوَّرُ بِأنَّ تَأْمِيلَها والثِّقَةَ بِها والتَّعَبَ في عِبادَتِها شَغَلَتْ نُفُوسَهم عَنِ النَّظَرِ في الشَّرْعِ وعاقِبَتِهِ، فَلَحِقَ مِن ذَلِكَ عِقابٌ وخُسْرانٌ. وأمّا بِأنَّ عَذابَهم عَلى (p-٢٦١)الكُفْرِ يُزادُ بِهِ عَذابٌ عَلى مُجَرَّدِ عِبادَةِ الأوْثانِ.
﴿وكَذَلِكَ أخْذُ رَبِّكَ إذا أخَذَ القُرى وهي ظالِمَةٌ إنَّ أخْذَهُ ألِيمٌ شَدِيدٌ﴾ ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآيَةً لِمَن خافَ عَذابَ الآخِرَةِ ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النّاسُ وذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ﴾ ﴿وما نُؤَخِّرُهُ إلّا لِأجَلٍ مَعْدُودٍ﴾ ﴿يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إلّا بِإذْنِهِ فَمِنهم شَقِيٌّ وسَعِيدٌ﴾ أيْ: ومِثْلُ ذَلِكَ الأخْذِ - أخْذِ اللَّهِ الأُمَمَ السّابِقَةَ - أخْذُ رَبِّكَ.
والقُرى عامٌّ في القُرى الظّالِمَةِ، والظُّلْمُ يَشْمَلُ ظُلْمَ الكُفْرِ وغَيْرَهُ. وقَدْ يُمْهِلُ اللَّهُ تَعالى بَعْضَ الكَفَرَةِ. وأمّا الظَّلَمَةُ في الغالِبِ فَمُعاجَلُونَ، وفي الحَدِيثِ: «إنَّ اللَّهَ يُمْلِي لِلظّالِمِ حَتّى إذا أخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ» ثُمَّ قَرَأ: ﴿وكَذَلِكَ أخْذُ رَبِّكَ إذا﴾ . وقَرَأ أبُو رَجاءٍ والجَحْدَرِيُّ: ﴿وكَذَلِكَ أخْذُ رَبِّكَ إذا أخَذَ﴾: عَلى أنَّ ﴿أخْذُ رَبِّكَ﴾ فِعْلٌ وفاعِلٌ، وإذْ ظَرْفٌ لِما مَضى، وهو إخْبارٌ عَمّا جَرَتْ بِهِ عادَةُ اللَّهِ في إهْلاكِ مَن تَقَدَّمَ مِنَ الأُمَمِ.
وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ: (وكَذَلِكَ أخَذَ رَبُّكَ إذا أخَذَ) . قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهي قِراءَةٌ مُتَمَكِّنَةُ المَعْنى، ولَكِنَّ قِراءَةَ الجَماعَةِ تُعْطِي الوَعِيدَ واسْتِمْرارَهُ في الزَّمانِ، وهو البابُ في وضْعِ المُسْتَقْبَلِ مَوْضِعَ الماضِي، والقُرى: مَفْعُولٌ بِـ (أخَذَ) عَلى الإعْمالِ إذْ تَنازَعَهُ المَصْدَرُ وهو: ﴿أخْذُ رَبِّكَ﴾ و(أخَذَ) فَأُعْمِلَ الثّانِي، ﴿وهِيَ ظالِمَةٌ﴾: جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ، ﴿إنَّ أخْذَهُ ألِيمٌ﴾: مُوجِعٌ صَعْبٌ عَلى المَأْخُوذِ. والأخْذُ هُنا: أخْذُ الإهْلاكِ.
﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ أيْ: فِيما قَصَّ اللَّهُ مِن أخْبارِ الأُمَمِ الماضِيَةِ وإهْلاكِهِمْ، (لَآيَةً): لَعَلامَةً لِمَن خافَ عَذابَ الآخِرَةِ، أيْ: إنَّهم إذا عُذِّبُوا في الدُّنْيا لِأجْلِ تَكْذِيبِهِمُ الأنْبِياءَ وإشْراكِهِمْ بِاللَّهِ وهي دارُ العَمَلِ، فَلَأنْ يُعَذَّبُوا عَلى ذَلِكَ في الآخِرَةِ الَّتِي هي دارُ الجَزاءِ أوْلى، وذَلِكَ أنَّ الأنْبِياءَ أخْبَرُوا بِاسْتِئْصالِ مَن كَذَّبَهم وأشْرَكُوا بِاللَّهِ، ووَقَعَ ما أخْبَرُوا بِهِ وفْقَ إخْبارِهِمْ، فَدَلَّ عَلى أنَّ ما أخْبَرُوا بِهِ مِنَ البَعْثِ والجَزاءِ صِدْقٌ لا شَكَّ فِيهِ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿لَآيَةً لِمَن خافَ﴾: لَعِبْرَةً لَهُ، لِأنَّهُ يَنْظُرُ إلى ما أحَلَّ اللَّهُ بِالمُجْرِمِينَ في الدُّنْيا، وما هو إلّا أُنْمُوذَجٌ مِمّا أعَدَّ لَهم في الآخِرَةِ، فَإذا رَأى عَظَمَتَهُ وشِدَّتَهُ اعْتَبَرَ بِهِ مِن عَظِيمِ العَذابِ المَوْعُودِ فَيَكُونُ لَهُ عِظَةً وعِبْرَةً ولُطْفًا في زِيادَةِ التَّقْوى والخَشْيَةِ مِنَ اللَّهِ، ونَحْوُهُ: ﴿إنَّ في ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَن يَخْشى﴾ [النازعات: ٢٦]: (ذَلِكَ): إشارَةٌ إلى يَوْمِ القِيامَةِ الدّالِّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿عَذابَ الآخِرَةِ﴾، والنّاسُ مَفْعُولٌ لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ، رافِعُهُ مَجْمُوعٌ، وأجازَ ابْنُ عَطِيَّةَ أنْ يَكُونَ النّاسُ مُبْتَدَأً، ومَجْمُوعٌ خَبَرًا مُقَدَّمًا، وهو بَعِيدٌ لِإفْرادِ الضَّمِيرِ في ﴿مَجْمُوعٌ﴾، وقِياسُهُ عَلى إعْرابِهِ: مَجْمُوعُونَ، و﴿مَجْمُوعٌ لَهُ النّاسُ﴾: عِبارَةٌ عَنِ الحَشْرِ، و﴿مَشْهُودٌ﴾: عامٌّ يَشْهَدُهُ الأوَّلُونَ والآخِرُونَ مِنَ الإنْسِ والجِنِّ والمَلائِكَةِ والحَيَوانِ في قَوْلِ الجُمْهُورِ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): أيُّ فائِدَةٍ في أنْ أُوثِرَ اسْمُ المَفْعُولِ عَلى فِعْلِهِ ؟ (قُلْتُ): لِما في اسْمِ المَفْعُولِ مِن دِلالَتِهِ عَلى ثَباتِ مَعْنى الجَمْعِ لِلْيَوْمِ، وأنَّهُ لا بُدَّ أنْ يَكُونَ مِيعادًا مَضْرُوبًا لِجَمْعِ النّاسِ لَهُ، وأنَّهُ هو المَوْصُوفُ بِذَلِكَ صِفَةً لازِمَةً، وهو أثْبَتُ أيْضًا لِإسْنادِ الجَمْعِ إلى النّاسِ وأنَّهم لا يَنْفَكُّونَ مِنهُ، وفِيهِ مِن تَمَكُّنِ الوَصْفِ وثَباتِهِ ما لَيْسَ في الفِعْلِ. ومَعْنى ﴿مَشْهُودٌ﴾: مَشْهُودٌ فِيهِ، فاتُّسِعَ في الجارِّ والمَجْرُورِ، ووُصِلَ الفِعْلُ إلى الضَّمِيرِ إجْراءً لَهُ مَجْرى المَفْعُولِ بِهِ عَلى السَّعَةِ لِقَوْلِهِ:
؎ويَوْمًا شَهِدْناهُ سُلَيْمًا وعامِرًا
والمَعْنى: يَشْهَدُ فِيهِ الخَلائِقُ المَوْقِفَ لا يَغِيبُ عَنْهُ أحَدٌ، ومِنهُ قَوْلُهم: لِفُلانٍ مَجْلِسٌ مَشْهُودٌ، وطَعامٌ مَحْضُورٌ. وإنَّما لَمْ يُجْعَلِ اليَوْمُ مَشْهُودًا في نَفْسِهِ كَما قالَ: ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥] لِأنَّ الغَرَضَ وصْفُ ذَلِكَ اليَوْمِ بِالهَوْلِ والعِظَمِ وغَيْرِهِ مِن بَيْنِ الأيّامِ، وكَوْنُهُ مَشْهُودًا في نَفْسِهِ لا يُمَيِّزُهُ، إذْ هو مُوافِقٌ لِسائِرِ الأيّامِ في كَوْنِها مَشْهُودَةً.
﴿وما نُؤَخِّرُهُ﴾ أيْ: ذَلِكَ اليَوْمَ. وقِيلَ: يَعُودُ عَلى الجَزاءِ، قالَهُ الحَوْفِيُّ.
﴿إلّا لِأجَلٍ مَعْدُودٍ﴾ أيْ: لِقَضاءٍ سابِقٍ قَدْ نَفَذَ فِيهِ بِأجَلٍ مَحْدُودٍ لا يَتَقَدَّمُ عَلَيْهِ ولا يَتَأخَّرُ عَنْهُ. وقَرَأ الأعْمَشُ: (وما يُؤَخِّرُهُ) بِالياءِ، وقَرَأ النَّحْوِيّانِ ونافِعٌ: يَأْتِي بِإثْباتِ الياءِ وصْلًا وحَذْفِها وقْفًا، وابْنُ كَثِيرٍ: بِإثْباتِها وصْلًا ووَقْفًا، وهي ثابِتَةٌ في مُصْحَفِ أُبَيٍّ.
وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ بِحَذْفِها وصْلًا ووَقْفًا، وسَقَطَتْ في مُصْحَفِ الإمامِ عُثْمانَ.
(p-٢٦٢)وقَرَأ الأعْمَشُ: يَأْتُونَ، وكَذا في مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ، وإثْباتُها وصْلًا ووَقْفًا هو الوَجْهُ، ووَجْهُ حَذْفِها في الوَقْفِ: التَّشْبِيهُ بِالفَواصِلِ وقْفًا، ووَصْلًا: التَّخْفِيفُ كَما قالُوا: لا أدْرِ ولا أُبالِ.
وذَكَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنَّ الِاجْتِزاءَ بِالكَسْرَةِ عَنِ الياءِ كَثِيرٌ في لُغَةِ هُذَيْلٍ. وأنْشَدَ الطَّبَرِيُّ:
؎كَفّاكَ كَفٌّ ما تُلِيقُ دِرْهَمًا ∗∗∗ جُودًا وأُخْرى تُعْطِ بِالسَّيْفِ الدَّما
والظّاهِرُ أنَّ الفاعِلَ بِيَأْتِي ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلى ما عادَ عَلَيْهِ الضَّمِيرُ في نُؤَخِّرُهُ وهو قَوْلُهُ: (ذَلِكَ يَوْمٌ)، والنّاصِبُ لَهُ ﴿لا تَكَلَّمُ﴾، والمَعْنى: لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ يَوْمَ يَأْتِي ذَلِكَ اليَوْمُ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ، وذَلِكَ مِن عِظَمِ المَهابَةِ والهَوْلِ في ذَلِكَ اليَوْمِ. وهو نَظِيرُ: ﴿لا يَتَكَلَّمُونَ إلّا مَن أذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ﴾ [النبإ: ٣٨] هو ناصِبٌ كَقَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ والمَلائِكَةُ صَفًّا﴾ [النبإ: ٣٨] والمُرادُ بِإتْيانِ اليَوْمِ: إتْيانُ أهْوالِهِ وشَدائِدِهِ، إذِ اليَوْمُ لا يَكُونُ وقْتًا لِإتْيانِ اليَوْمِ.
وأجازَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنْ يَكُونَ فاعِلُ يَأْتِي ضَمِيرًا عائِدًا عَلى اللَّهِ قالَ: كَقَوْلِهِ: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلّا أنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢١٠] أوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ، وجاءَ رَبُّكَ، ويُعَضِّدُهُ قِراءَةُ وما يُؤَخِّرُهُ بِالياءِ، وقَوْلُهُ: (بِإذْنِهِ) وأجازَ أيْضًا أنْ يَنْتَصِبَ يَوْمَ يَأْتِي بِاذْكُرْ أوْ بِالِانْتِهاءِ المَحْذُوفِ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا لِأجَلٍ مَعْدُودٍ﴾، أيْ: يَنْتَهِي الأجَلُ يَوْمَ يَأْتِي. وأجازَ الحَوْفِيُّ أنْ يَكُونَ لا تَكَلَّمُ حالًا مِن ضَمِيرِ اليَوْمِ المُتَقَدِّمِ في مَشْهُودٍ، أوْ نَعْتًا لِأنَّهُ نَكِرَةٌ، والتَّقْدِيرُ: لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ فِيهِ يَوْمَ يَأْتِي إلّا بِإذْنِهِ.
وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ، يَصِحُّ أنْ يَكُونَ جُمْلَةً في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الضَّمِيرِ الَّذِي في يَأْتِي، وهو العائِدُ عَلى قَوْلِهِ (ذَلِكَ يَوْمٌ) ويَكُونُ عَلى هَذا عائِدُ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ فِيهِ إلّا بِإذْنِهِ. ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ﴾، صِفَةً لِقَوْلِهِ: (يَوْمَ يَأْتِي)، أوْ يَوْمَ يَأْتِي يُرادُ بِهِ: الحِينُ والوَقْتُ لا النَّهارُ بِعَيْنِهِ. وما ورَدَ في القُرْآنِ مِن ذِكْرِ كَلامِ أهْلِ المَوْقِفِ في التَّلازُمِ والتَّساؤُلِ والتَّجادُلِ، فَإمّا أنْ يَكُونَ بِإذْنِ اللَّهِ، وإمّا أنْ يَكُونَ هَذِهِ مُخْتَصَّةً هُنا في تَكَلُّمِ شَفاعَةٍ أوْ إقامَةِ حُجَّةٍ، انْتَهى.
وكَلامُهُ في إعْرابِ لا تَكَلَّمُ كَأنَّهُ مَنقُولٌ مِن كَلامِ الحَوْفِيِّ. وقِيلَ: يَوْمُ القِيامَةِ: يَوْمٌ طَوِيلٌ لَهُ مَواقِفُ، فَفي بَعْضِها يُجادِلُونَ عَنْ أنْفُسِهِمْ، وفي بَعْضِها يَكُفُّونَ عَنِ الكَلامِ فَلا يُؤْذَنُ لَهم، وفي بَعْضِها يُؤْذَنُ لَهم فَيَتَكَلَّمُونَ، وفي بَعْضِها يُخْتَمُ عَلى أفْواهِهِمْ وتَكَلَّمُ أيْدِيهِمْ وتَشْهَدُ أرْجُلُهم، والضَّمِيرُ في مِنهم عائِدٌ عَلى النّاسِ في قَوْلِهِ: ﴿مَجْمُوعٌ لَهُ النّاسُ﴾ . وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الضَّمِيرُ لِأهْلِ المَوْقِفِ، ولَمْ يُذْكَرُوا إلّا أنَّ ذَلِكَ مَعْلُومٌ، ولِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ﴾ يَدُلُّ عَلَيْهِ، وقَدْ مَرَّ ذِكْرُ النّاسِ في قَوْلِهِ: ﴿مَجْمُوعٌ لَهُ النّاسُ﴾ . وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ فَمِنهم عائِدٌ عَلى الجَمِيعِ الَّذِي تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ: (نَفْسٌ)، إذْ هو اسْمُ جِنْسٍ يُرادُ بِهِ الجَمِيعُ، انْتَهى.
قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الشَّقِيُّ مَن كُتِبَتْ عَلَيْهِ الشَّقاوَةُ، والسَّعِيدُ: الَّذِي كُتِبَتْ لَهُ السَّعادَةُ. وقِيلَ: مُعَذَّبٌ ومُنَعَّمٌ، وقِيلَ: مَحْرُومٌ ومَرْزُوقٌ، وقِيلَ: الضَّمِيرُ في مِنهم عائِدٌ عَلى أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ، ذَكَرَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ.