Al-Bahr Al-Muhit — هود 11:106 – يوسف 12:27
المحتويات
- هود 11:106
- هود 11:107
- هود 11:108
- هود 11:109
- هود 11:110
- هود 11:111
- هود 11:112
- هود 11:113
- هود 11:114
- هود 11:115
- هود 11:116
- هود 11:117
- هود 11:118
- هود 11:119
- هود 11:120
- هود 11:121
- هود 11:122
- هود 11:123
- يوسف 12:1
- يوسف 12:2
- يوسف 12:3
- يوسف 12:4
- يوسف 12:5
- يوسف 12:6
- يوسف 12:7
- يوسف 12:8
- يوسف 12:9
- يوسف 12:10
- يوسف 12:11
- يوسف 12:12
- يوسف 12:13
- يوسف 12:14
- يوسف 12:15
- يوسف 12:16
- يوسف 12:17
- يوسف 12:18
- يوسف 12:19
- يوسف 12:20
- يوسف 12:21
- يوسف 12:22
- يوسف 12:23
- يوسف 12:24
- يوسف 12:25
- يوسف 12:26
- يوسف 12:27
هود 11:106
﴿فَأمّا الَّذِينَ شَقُوا فَفي النّارِ لَهم فِيها زَفِيرٌ وشَهِيقٌ﴾ ﴿خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ إلّا ما شاءَ رَبُّكَ إنَّ رَبَّكَ فَعّالٌ لِما يُرِيدُ﴾ ﴿وأمّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفي الجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ إلّا ما شاءَ رَبُّكَ عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ قالَ الضَّحّاكُ ومُقاتِلٌ والفَرّاءُ: الزَّفِيرُ: أوَّلُ نَهِيقِ الحِمارِ، والشَّهِيقُ: آخِرُهُ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وقالَ أبُو العالِيَةِ والرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ: الزَّفِيرُ: في الحَلْقِ، والشَّهِيقُ: (p-٢٦٣)فِي الصَّدْرِ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا. وقالَ ابْنُ السّائِبِ: الزَّفِيرُ: زَفِيرُ الحِمارِ، والشَّهِيقُ: شَهِيقُ البِغالِ. وانْتِصابُ خالِدِينَ عَلى أنَّها حالٌ مُقَدَّرَةٌ، وما مَصْدَرِيَّةٌ ظَرْفِيَّةٌ، أيْ: مُدَّةُ دَوامِ السَّماواتِ والأرْضِ، والمُرادُ بِهَذا التَّوْقِيتِ: التَّأْبِيدُ، كَقَوْلِ العَرَبِ: ما أقامَ ثَبِيرٌ وما لاحَ كَوْكَبٌ، وضَعَتِ العَرَبُ ذَلِكَ لِلتَّأْبِيدِ مِن غَيْرِ نَظَرٍ لِفَناءِ ثَبِيرٍ أوِ الكَوْكَبِ، أوْ عَدَمِ فَنائِهِما.
وقِيلَ: سَماواتُ الآخِرَةِ وأرْضُها وهي دائِمَةٌ لا بُدَّ، يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرْضُ غَيْرَ الأرْضِ والسَّماواتُ﴾ [إبراهيم: ٤٨] وقَوْلُهُ: ﴿وأوْرَثَنا الأرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ﴾ [الزمر: ٧٤] ولِأنَّهُ لا بُدَّ لِأهْلِ الآخِرَةِ مِمّا يُقِلُّهم ويُظِلُّهم، إمّا سَماءٌ يَخْلُقُها اللَّهُ، أوْ يُظِلُّهُمُ العَرْشُ وكُلُّ ما أظَلَّكَ فَهو سَماءٌ.
وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: إنَّ السَّماواتِ والأرْضَ في الآخِرَةِ يُرَدّانِ إلى النُّورِ الَّذِي أُخِذَتا مِنهُ، فَهُما دائِمَتانِ أبَدًا في نُورِ العَرْشِ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿إلّا ما شاءَ رَبُّكَ﴾: اسْتِثْناءٌ مِنَ الزَّمانِ الدّالِّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ﴾ . والمَعْنى: إلّا الزَّمانَ الَّذِي شاءَهُ اللَّهُ تَعالى، فَلا يَكُونُ في النّارِ، ولا في الجَنَّةِ، ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ هَذا الزَّمانُ المُسْتَثْنى هو الزَّمانُ الَّذِي يَفْصِلُ اللَّهُ بَيْنَ الخَلْقِ يَوْمَ القِيامَةِ، إذا كانَ الِاسْتِثْناءُ مِنَ الكَوْنِ في النّارِ والجَنَّةِ، لِأنَّهُ زَمانٌ يَخْلُو فِيهِ الشَّقِيُّ والسَّعِيدُ مِن دُخُولِ النّارِ أوِ الجَنَّةِ.
وأمّا إنْ كانَ الِاسْتِثْناءُ مِنَ الخُلُودِ فَيُمْكِنُ ذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ إلى أهْلِ النّارِ، ويَكُونُ الزَّمانُ المُسْتَثْنى: هو الزَّمانُ الَّذِي فاتَ أهْلَ النّارِ العُصاةَ مِنَ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَخْرُجُونَ مِنَ النّارِ ويَدْخُلُونَ الجَنَّةَ، فَلَيْسُوا خالِدِينَ في النّارِ إذْ قَدْ أُخْرِجُوا مِنها وصارُوا في الجَنَّةِ، وهَذا رُوِيَ مَعْناهُ عَنْ قَتادَةَ والضَّحّاكِ وغَيْرِهِما، ويَكُونُ الَّذِينَ شَقُوا شامِلًا لِلْكُفّارِ وعُصاةِ المُسْلِمِينَ.
وأمّا بِالنِّسْبَةِ إلى أهْلِ الجَنَّةِ فَلا يَتَأتّى مِنهم ما تَأتّى في أهْلِ النّارِ، إذْ لَيْسَ مِنهم مَن يَدْخُلُ الجَنَّةَ ثُمَّ لا يَخْلُدُ فِيها، لَكِنْ يُمْكِنُ ذَلِكَ بِاعْتِبارِ أنْ يَكُونَ أُرِيدَ الزَّمانُ الَّذِي فاتَ أهْلَ النّارِ العُصاةَ مِنَ المُؤْمِنِينَ، أوِ الَّذِي فاتَ أصْحابَ الأعْرافِ، فَإنَّهم بِفَواتِ تِلْكَ المُدَّةِ الَّتِي دَخَلَ المُؤْمِنُونَ فِيها الجَنَّةَ وخُلِّدُوا فِيها، صَدَقَ عَلى العُصاةِ المُؤْمِنِينَ وأصْحابِ الأعْرافِ أنَّهم ما خُلِّدُوا في الجَنَّةِ تَخْلِيدَ مَن دَخَلَها لِأوَّلِ وهْلَةٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ اسْتِثْناءً مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَكِنِّ في الجارِّ والمَجْرُورِ، أوْ في خالِدِينَ، وتَكُونُ (ما) واقِعَةً عَلى نَوْعِ مَن يَعْقِلُ، كَما وقَعَتْ في قَوْلِهِ: ﴿فانْكِحُوا ما طابَ لَكم مِنَ النِّساءِ﴾ [النساء: ٣]، أوْ تَكُونُ واقِعَةً عَلى مَن يَعْقِلُ، عَلى مَذْهَبِ مَن يَرى وُقُوعَها عَلى مَن يَعْقِلُ مُطْلَقًا، ويَكُونُ المُسْتَثْنى في قِصَّةِ النّارِ: عُصاةَ المُؤْمِنِينَ، وفي قِصَّةِ الجَنَّةِ: هم أوْ أصْحابَ الأعْرافِ لِأنَّهم لَمْ يَدْخُلُوا الجَنَّةَ لِأوَّلِ وهْلَةٍ، ولا خُلِّدُوا فِيها خُلُودَ مَن دَخَلَها أوَّلَ وهْلَةٍ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): ما مَعْنى الِاسْتِثْناءِ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا ما شاءَ رَبُّكَ﴾، وقَدْ ثَبَتَ خُلُودُ أهْلِ الجَنَّةِ والنّارِ في الآيَةِ مِن غَيْرِ اسْتِثْناءٍ ؟ (قُلْتُ): هو اسْتِثْناءٌ مِنَ الخُلُودِ في عَذابِ النّارِ، ومِنَ الخُلُودِ في نَعِيمِ أهْلِ الجَنَّةِ، وذَلِكَ أنَّ أهْلَ النّارِ لا يَخْلُدُونَ في عَذابِ النّارِ وحْدَهُ، بَلْ يُعَذَّبُونَ بِالزَّمْهَرِيرِ وبِأنْواعٍ مِنَ العَذابِ يُساوِي عَذابَ النّارِ، وبِما هو أغْلَظُ مِنها كُلِّها وهو سَخَطُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ وخَسْؤُهُ لَهم وإهانَتُهُ إيّاهم.
وهَكَذا أهْلُ الجَنَّةِ لَهم مَعَ تَبَوُّءِ الجَنَّةِ ما هو أكْبَرُ مِنها، وأجَلُّ مَوْقِعًا مِنهم، وهو رِضْوانُ اللَّهِ تَعالى. كَما قالَ: ﴿وعَدَ اللَّهُ﴾ [النساء: ٩٥]، الآيَةَ إلى قَوْلِهِ: ﴿ورِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أكْبَرُ﴾ [التوبة: ٧٢] ولَهم ما يَتَفَضَّلُ بِهِ عَلَيْهِمْ سِوى ثَوابِ الجَنَّةِ ما لا يَعْرِفُ كُنْهَهُ إلّا هو، فَهو المُرادُ بِالِاسْتِثْناءِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ . ومَعْنى قَوْلِهِ في مُقابَلَتِهِ: ﴿إنَّ رَبَّكَ فَعّالٌ لِما يُرِيدُ﴾: أنَّهُ يَفْعَلُ بِأهْلِ النّارِ ما يُرِيدُ مِنَ العَذابِ، كَما يُعْطِي أهْلَ الجَنَّةِ عَطاءَهُ الَّذِي لا انْقِطاعَ لَهُ، فَتَأمَّلْهُ فَإنَّ القُرْآنَ يُفَسِّرُ بَعْضُهُ بَعْضًا ولا يَخْدَعَنَّكَ عَنْهُ قَوْلُ المُجْبِرَةِ: المُرادُ بِالِاسْتِثْناءِ: خُرُوجُ أهْلِ الكَبائِرِ مِنَ النّارِ بِالشَّفاعَةِ، فَإنَّ الِاسْتِثْناءَ الثّانِيَ يُنادِي عَلى تَكْذِيبِهِمْ ويُسَجِّلُ بِافْتِرائِهِمْ. وما ظَنُّكَ بِقَوْمٍ نَبَذُوا كِتابَ اللَّهِ وراءَ ظُهُورِهِمْ ؟ لِما رَوى لَهم بَعْضُ الثَّوابِتِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العاصِ: لَيَأْتِيَنَّ عَلى جَهَنَّمَ يَوْمٌ تَصْفِقُ (p-٢٦٤)فِيهِ أبْوابُها لَيْسَ فِيها أحَدٌ، وذَلِكَ عِنْدَما يَلْبَثُونَ فِيها أحْقابًا. وقَدْ بَلَغَنِي أنَّ مِنَ الضُّلّالِ مَنِ اعْتَبَرَ هَذا الحَدِيثَ، فاعْتَقَدَ أنَّ الكُفّارَ لا يَخْلُدُونَ في النّارِ، وهَذا ونَحْوُهُ والعِياذُ بِاللَّهِ مِنَ الخِذْلانِ المُبِينِ زادَنا اللَّهُ هِدايَةً إلى الحَقِّ ومَعْرِفَةً بِكِتابِهِ، وتَنْبِيهًا عَنْ أنْ نَغْفُلَ عَنْهُ.
ولَئِنْ صَحَّ هَذا عَنْ أبِي العاصِ فَمَعْناهُ: يَخْرُجُونَ مِنَ النّارِ إلى بَرْدِ الزَّمْهَرِيرِ، فَذَلِكَ خُلُوُّ جَهَنَّمَ وصَفْقُ أبْوابِها، انْتَهى. وهو عَلى طَرِيقِ الِاعْتِزالِ في تَخْلِيدِ أهْلِ الكَبائِرِ غَيْرِ التّائِبِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ في النّارِ، وأمّا ما ذَكَرَهُ مِنَ الِاسْتِثْناءِ في أهْلِ النّارِ مِن كَوْنِهِمْ لا يَخْلُدُونَ في عَذابِ النّارِ، إذْ يَنْتَقِلُونَ إلى الزَّمْهَرِيرِ فَلا يُضَيِّقُ عَلَيْهِمْ أنَّهم خالِدُونَ في عَذابِ النّارِ، فَقَدْ يَتَمَشّى. وأمّا ما ذَكَرَهُ مِنَ الِاسْتِثْناءِ في أهْلِ الجَنَّةِ مِن قَوْلِهِ: (خالِدِينَ)، فَلا يَتَمَشّى لِأنَّهم مَعَ ما أعْطاهُمُ اللَّهُ مِن رِضْوانِهِ، وما تَفَضَّلَ عَلَيْهِمْ بِهِ مِن سِوى ثَوابِ الجَنَّةِ، لا يُخْرِجُهم ذَلِكَ عَنْ كَوْنِهِمْ خالِدِينَ في الجَنَّةِ، فَلا يَصِحُّ الِاسْتِثْناءُ عَلى هَذا، بِخِلافِ أهْلِ النّارِ، فَإنَّهُ لِخُرُوجِهِمْ مِن عَذابِها إلى الزَّمْهَرِيرِ يَصِحُّ الِاسْتِثْناءُ.
وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وأمّا قَوْلُهُ: ﴿إلّا ما شاءَ رَبُّكَ﴾ فَقِيلَ فِيهِ: إنَّ ذَلِكَ عَلى طَرِيقِ الِاسْتِثْناءِ الَّذِي نَدَبَ الشَّرْعُ إلى اسْتِعْمالِهِ في كُلِّ كَلامٍ، فَهو عَلى نَحْوِ قَوْلِهِ: ﴿لَتَدْخُلُنَّ المَسْجِدَ الحَرامَ إنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ [الفتح: ٢٧] اسْتِثْناءٌ في واجِبٍ، وهَذا الِاسْتِثْناءُ هو في حُكْمِ الشَّرْطِ، كَأنَّهُ قالَ: إنْ شاءَ اللَّهُ، فَلَيْسَ يَحْتاجُ أنْ يُوصَفَ بِمُتَّصِلٍ ولا مُنْقَطِعٍ.
وقِيلَ: هو اسْتِثْناءٌ مِن طُولِ المُدَّةِ، وذَلِكَ عَلى ما رُوِيَ أنَّ جَهَنَّمَ تُخَرَّبُ ويُعْدَمُ أهْلُها، وتَخْفُقُ أبْوابُها، فَهم عَلى هَذا يَخْلُدُونَ حَتّى يَصِيرَ أمْرُهم إلى هَذا، وهَذا قَوْلٌ مُحالٌ. والَّذِي رُوِيَ ونُقِلَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وغَيْرِهِ: أنَّها تَخْلُو مِنَ النّارِ إنَّما هو الدَّرْكُ الأعْلى المُخْتَصُّ بِعُصاةِ المُؤْمِنِينَ، وهو الَّذِي يُسَمّى: جَهَنَّمُ، وسُمِّيَ الكُلُّ بِهِ تَجَوُّزًا. وقِيلَ: إلّا بِمَعْنى: الواوِ، فَمَعْنى الآيَةِ: و﴿ما شاءَ اللَّهُ﴾ [الأنعام: ١٢٨] زائِدًا عَلى ذَلِكَ.
وقِيلَ: إلّا في هَذِهِ الآيَةِ بِمَعْنى: سِوى، والِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعٌ كَما تَقُولُ: لِي عِنْدَكَ ألْفا دِرْهَمٍ إلّا الألْفَ الَّتِي كُنْتُ أسْلَفْتُكَ، بِمَعْنى: سِوى تِلْكَ الألْفِ. فَكَأنَّهُ قالَ: ﴿خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ﴾، سِوى ما شاءَ اللَّهُ زائِدًا عَلى ذَلِكَ، ويُؤَيِّدُ هَذا التَّأْوِيلَ قَوْلُهُ تَعالى بَعْدَ هَذا: ﴿عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾، وهَذا قَوْلُ الفَرّاءِ. وقِيلَ: سِوى ما أُعِدَّ لَهم مِن أنْواعِ العَذابِ مِمّا لا يُعْرَفُ كالزَّمْهَرِيرِ.
وقِيلَ: اسْتِثْناءٌ مِن مُدَّةِ السَّماواتِ والأرْضِ الَّتِي فَرَطَتْ لَهم في الحَياةِ الدُّنْيا. وقِيلَ: في البَرْزَخِ بَيْنَ الدُّنْيا والآخِرَةِ. وقِيلَ: في المَسافاتِ الَّتِي بَيْنَهم في دُخُولِ النّارِ إذْ دُخُولُهم إنَّما هو زُمَرًا بَعْدَ زُمَرٍ.
وقِيلَ: الِاسْتِثْناءُ مِن قَوْلِهِ فَفي النّارِ، كَأنَّهُ قالَ: إلّا ما شاءَ رَبُّكَ مِن تَأْخِيرِ قَوْمٍ عَنْ ذَلِكَ، وهَذا قَوْلٌ رَواهُ أبُو نَضْرَةَ عَنْ جابِرٍ، أوْ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ، ثُمَّ أخْبَرَ مُنَبِّهًا عَلى قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى فَقالَ: ﴿إنَّ رَبَّكَ فَعّالٌ لِما يُرِيدُ﴾، انْتَهى. وقالَ أبُو مِجْلَزٍ: إلّا ما شاءَ رَبُّكَ أنْ يَتَجاوَزَ عَنْهُ بِعَذابٍ يَكُونُ جَزاؤُهُ الخُلُودَ في النّارِ، فَلا يُدْخِلُهُ النّارَ. وقِيلَ: مَعْنى ﴿إلّا ما شاءَ رَبُّكَ﴾: كَما شاءَ رَبُّكَ قِيلَ: كَقَوْلِهِ: ﴿ولا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكم مِنَ النِّساءِ إلّا ما قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء: ٢٢] أيْ: كَما قَدْ سَلَفَ. وقَرَأ الحَسَنُ: شُقُوا بِضَمِّ الشِّينِ، والجُمْهُورِ: بِفَتْحِها. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ وطَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ وابْنُ وثّابٍ والأعْمَشُ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفْصٌ: سُعِدُوا بِضَمِّ السِّينِ، وباقِي السَّبْعَةِ والجُمْهُورُ: بِفَتْحِها. وكانَ عَلِيُّ بْنُ سُلَيْمانَ يَتَعَجَّبُ مِن قِراءَةِ الكِسائِيِّ: سَعِدُوا، مَعَ عِلْمِهِ بِالعَرَبِيَّةِ، ولا يُتَعَجَّبُ مِن ذَلِكَ إذْ هي قِراءَةٌ مَنقُولَةٌ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ومَن ذَكَرْنا مَعَهُ. وقَدِ احْتَجَّ الكِسائِيُّ بِقَوْلِهِمْ: مَسْعُودٌ، قِيلَ: ولا حُجَّةَ فِيهِ لِأنَّهُ يُقالُ: مَكانٌ مَسْعُودٌ فِيهِ، ثُمَّ حُذِفَ فِيهِ وسُمِّيَ بِهِ، وقالَ المَهْدَوِيُّ: مَن قَرَأ سَعِدُوا فَهو مَحْمُولٌ عَلى مَسْعُودٍ، وهو شاذٌّ قَلِيلٌ لِأنَّهُ لا يُقالُ سَعَدَهُ اللَّهُ، إنَّما يُقالُ: أسْعَدَهُ اللَّهُ.
وقالَ الثَّعْلَبِيُّ: سَعِدَ وأسْعَدَ بِمَعْنًى واحِدٍ، وانْتَصَبَ عَطاءً عَلى المَصْدَرِ، أيْ: أُعْطُوا عَطاءً بِمَعْنى إعْطاءٍ كَقَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ أنْبَتَكم مِنَ الأرْضِ نَباتًا﴾ [نوح: ١٧] أيْ: إنْباتًا. ومَعْنى ﴿غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾: غَيْرَ مَقْطُوعٍ، بَلْ هو مُمْتَدٌّ إلى غَيْرِ نِهايَةٍ.
هود 11:107
﴿فَأمّا الَّذِينَ شَقُوا فَفي النّارِ لَهم فِيها زَفِيرٌ وشَهِيقٌ﴾ ﴿خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ إلّا ما شاءَ رَبُّكَ إنَّ رَبَّكَ فَعّالٌ لِما يُرِيدُ﴾ ﴿وأمّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفي الجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ إلّا ما شاءَ رَبُّكَ عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ قالَ الضَّحّاكُ ومُقاتِلٌ والفَرّاءُ: الزَّفِيرُ: أوَّلُ نَهِيقِ الحِمارِ، والشَّهِيقُ: آخِرُهُ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وقالَ أبُو العالِيَةِ والرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ: الزَّفِيرُ: في الحَلْقِ، والشَّهِيقُ: (p-٢٦٣)فِي الصَّدْرِ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا. وقالَ ابْنُ السّائِبِ: الزَّفِيرُ: زَفِيرُ الحِمارِ، والشَّهِيقُ: شَهِيقُ البِغالِ. وانْتِصابُ خالِدِينَ عَلى أنَّها حالٌ مُقَدَّرَةٌ، وما مَصْدَرِيَّةٌ ظَرْفِيَّةٌ، أيْ: مُدَّةُ دَوامِ السَّماواتِ والأرْضِ، والمُرادُ بِهَذا التَّوْقِيتِ: التَّأْبِيدُ، كَقَوْلِ العَرَبِ: ما أقامَ ثَبِيرٌ وما لاحَ كَوْكَبٌ، وضَعَتِ العَرَبُ ذَلِكَ لِلتَّأْبِيدِ مِن غَيْرِ نَظَرٍ لِفَناءِ ثَبِيرٍ أوِ الكَوْكَبِ، أوْ عَدَمِ فَنائِهِما.
وقِيلَ: سَماواتُ الآخِرَةِ وأرْضُها وهي دائِمَةٌ لا بُدَّ، يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرْضُ غَيْرَ الأرْضِ والسَّماواتُ﴾ [إبراهيم: ٤٨] وقَوْلُهُ: ﴿وأوْرَثَنا الأرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ﴾ [الزمر: ٧٤] ولِأنَّهُ لا بُدَّ لِأهْلِ الآخِرَةِ مِمّا يُقِلُّهم ويُظِلُّهم، إمّا سَماءٌ يَخْلُقُها اللَّهُ، أوْ يُظِلُّهُمُ العَرْشُ وكُلُّ ما أظَلَّكَ فَهو سَماءٌ.
وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: إنَّ السَّماواتِ والأرْضَ في الآخِرَةِ يُرَدّانِ إلى النُّورِ الَّذِي أُخِذَتا مِنهُ، فَهُما دائِمَتانِ أبَدًا في نُورِ العَرْشِ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿إلّا ما شاءَ رَبُّكَ﴾: اسْتِثْناءٌ مِنَ الزَّمانِ الدّالِّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ﴾ . والمَعْنى: إلّا الزَّمانَ الَّذِي شاءَهُ اللَّهُ تَعالى، فَلا يَكُونُ في النّارِ، ولا في الجَنَّةِ، ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ هَذا الزَّمانُ المُسْتَثْنى هو الزَّمانُ الَّذِي يَفْصِلُ اللَّهُ بَيْنَ الخَلْقِ يَوْمَ القِيامَةِ، إذا كانَ الِاسْتِثْناءُ مِنَ الكَوْنِ في النّارِ والجَنَّةِ، لِأنَّهُ زَمانٌ يَخْلُو فِيهِ الشَّقِيُّ والسَّعِيدُ مِن دُخُولِ النّارِ أوِ الجَنَّةِ.
وأمّا إنْ كانَ الِاسْتِثْناءُ مِنَ الخُلُودِ فَيُمْكِنُ ذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ إلى أهْلِ النّارِ، ويَكُونُ الزَّمانُ المُسْتَثْنى: هو الزَّمانُ الَّذِي فاتَ أهْلَ النّارِ العُصاةَ مِنَ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَخْرُجُونَ مِنَ النّارِ ويَدْخُلُونَ الجَنَّةَ، فَلَيْسُوا خالِدِينَ في النّارِ إذْ قَدْ أُخْرِجُوا مِنها وصارُوا في الجَنَّةِ، وهَذا رُوِيَ مَعْناهُ عَنْ قَتادَةَ والضَّحّاكِ وغَيْرِهِما، ويَكُونُ الَّذِينَ شَقُوا شامِلًا لِلْكُفّارِ وعُصاةِ المُسْلِمِينَ.
وأمّا بِالنِّسْبَةِ إلى أهْلِ الجَنَّةِ فَلا يَتَأتّى مِنهم ما تَأتّى في أهْلِ النّارِ، إذْ لَيْسَ مِنهم مَن يَدْخُلُ الجَنَّةَ ثُمَّ لا يَخْلُدُ فِيها، لَكِنْ يُمْكِنُ ذَلِكَ بِاعْتِبارِ أنْ يَكُونَ أُرِيدَ الزَّمانُ الَّذِي فاتَ أهْلَ النّارِ العُصاةَ مِنَ المُؤْمِنِينَ، أوِ الَّذِي فاتَ أصْحابَ الأعْرافِ، فَإنَّهم بِفَواتِ تِلْكَ المُدَّةِ الَّتِي دَخَلَ المُؤْمِنُونَ فِيها الجَنَّةَ وخُلِّدُوا فِيها، صَدَقَ عَلى العُصاةِ المُؤْمِنِينَ وأصْحابِ الأعْرافِ أنَّهم ما خُلِّدُوا في الجَنَّةِ تَخْلِيدَ مَن دَخَلَها لِأوَّلِ وهْلَةٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ اسْتِثْناءً مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَكِنِّ في الجارِّ والمَجْرُورِ، أوْ في خالِدِينَ، وتَكُونُ (ما) واقِعَةً عَلى نَوْعِ مَن يَعْقِلُ، كَما وقَعَتْ في قَوْلِهِ: ﴿فانْكِحُوا ما طابَ لَكم مِنَ النِّساءِ﴾ [النساء: ٣]، أوْ تَكُونُ واقِعَةً عَلى مَن يَعْقِلُ، عَلى مَذْهَبِ مَن يَرى وُقُوعَها عَلى مَن يَعْقِلُ مُطْلَقًا، ويَكُونُ المُسْتَثْنى في قِصَّةِ النّارِ: عُصاةَ المُؤْمِنِينَ، وفي قِصَّةِ الجَنَّةِ: هم أوْ أصْحابَ الأعْرافِ لِأنَّهم لَمْ يَدْخُلُوا الجَنَّةَ لِأوَّلِ وهْلَةٍ، ولا خُلِّدُوا فِيها خُلُودَ مَن دَخَلَها أوَّلَ وهْلَةٍ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): ما مَعْنى الِاسْتِثْناءِ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا ما شاءَ رَبُّكَ﴾، وقَدْ ثَبَتَ خُلُودُ أهْلِ الجَنَّةِ والنّارِ في الآيَةِ مِن غَيْرِ اسْتِثْناءٍ ؟ (قُلْتُ): هو اسْتِثْناءٌ مِنَ الخُلُودِ في عَذابِ النّارِ، ومِنَ الخُلُودِ في نَعِيمِ أهْلِ الجَنَّةِ، وذَلِكَ أنَّ أهْلَ النّارِ لا يَخْلُدُونَ في عَذابِ النّارِ وحْدَهُ، بَلْ يُعَذَّبُونَ بِالزَّمْهَرِيرِ وبِأنْواعٍ مِنَ العَذابِ يُساوِي عَذابَ النّارِ، وبِما هو أغْلَظُ مِنها كُلِّها وهو سَخَطُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ وخَسْؤُهُ لَهم وإهانَتُهُ إيّاهم.
وهَكَذا أهْلُ الجَنَّةِ لَهم مَعَ تَبَوُّءِ الجَنَّةِ ما هو أكْبَرُ مِنها، وأجَلُّ مَوْقِعًا مِنهم، وهو رِضْوانُ اللَّهِ تَعالى. كَما قالَ: ﴿وعَدَ اللَّهُ﴾ [النساء: ٩٥]، الآيَةَ إلى قَوْلِهِ: ﴿ورِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أكْبَرُ﴾ [التوبة: ٧٢] ولَهم ما يَتَفَضَّلُ بِهِ عَلَيْهِمْ سِوى ثَوابِ الجَنَّةِ ما لا يَعْرِفُ كُنْهَهُ إلّا هو، فَهو المُرادُ بِالِاسْتِثْناءِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ . ومَعْنى قَوْلِهِ في مُقابَلَتِهِ: ﴿إنَّ رَبَّكَ فَعّالٌ لِما يُرِيدُ﴾: أنَّهُ يَفْعَلُ بِأهْلِ النّارِ ما يُرِيدُ مِنَ العَذابِ، كَما يُعْطِي أهْلَ الجَنَّةِ عَطاءَهُ الَّذِي لا انْقِطاعَ لَهُ، فَتَأمَّلْهُ فَإنَّ القُرْآنَ يُفَسِّرُ بَعْضُهُ بَعْضًا ولا يَخْدَعَنَّكَ عَنْهُ قَوْلُ المُجْبِرَةِ: المُرادُ بِالِاسْتِثْناءِ: خُرُوجُ أهْلِ الكَبائِرِ مِنَ النّارِ بِالشَّفاعَةِ، فَإنَّ الِاسْتِثْناءَ الثّانِيَ يُنادِي عَلى تَكْذِيبِهِمْ ويُسَجِّلُ بِافْتِرائِهِمْ. وما ظَنُّكَ بِقَوْمٍ نَبَذُوا كِتابَ اللَّهِ وراءَ ظُهُورِهِمْ ؟ لِما رَوى لَهم بَعْضُ الثَّوابِتِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العاصِ: لَيَأْتِيَنَّ عَلى جَهَنَّمَ يَوْمٌ تَصْفِقُ (p-٢٦٤)فِيهِ أبْوابُها لَيْسَ فِيها أحَدٌ، وذَلِكَ عِنْدَما يَلْبَثُونَ فِيها أحْقابًا. وقَدْ بَلَغَنِي أنَّ مِنَ الضُّلّالِ مَنِ اعْتَبَرَ هَذا الحَدِيثَ، فاعْتَقَدَ أنَّ الكُفّارَ لا يَخْلُدُونَ في النّارِ، وهَذا ونَحْوُهُ والعِياذُ بِاللَّهِ مِنَ الخِذْلانِ المُبِينِ زادَنا اللَّهُ هِدايَةً إلى الحَقِّ ومَعْرِفَةً بِكِتابِهِ، وتَنْبِيهًا عَنْ أنْ نَغْفُلَ عَنْهُ.
ولَئِنْ صَحَّ هَذا عَنْ أبِي العاصِ فَمَعْناهُ: يَخْرُجُونَ مِنَ النّارِ إلى بَرْدِ الزَّمْهَرِيرِ، فَذَلِكَ خُلُوُّ جَهَنَّمَ وصَفْقُ أبْوابِها، انْتَهى. وهو عَلى طَرِيقِ الِاعْتِزالِ في تَخْلِيدِ أهْلِ الكَبائِرِ غَيْرِ التّائِبِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ في النّارِ، وأمّا ما ذَكَرَهُ مِنَ الِاسْتِثْناءِ في أهْلِ النّارِ مِن كَوْنِهِمْ لا يَخْلُدُونَ في عَذابِ النّارِ، إذْ يَنْتَقِلُونَ إلى الزَّمْهَرِيرِ فَلا يُضَيِّقُ عَلَيْهِمْ أنَّهم خالِدُونَ في عَذابِ النّارِ، فَقَدْ يَتَمَشّى. وأمّا ما ذَكَرَهُ مِنَ الِاسْتِثْناءِ في أهْلِ الجَنَّةِ مِن قَوْلِهِ: (خالِدِينَ)، فَلا يَتَمَشّى لِأنَّهم مَعَ ما أعْطاهُمُ اللَّهُ مِن رِضْوانِهِ، وما تَفَضَّلَ عَلَيْهِمْ بِهِ مِن سِوى ثَوابِ الجَنَّةِ، لا يُخْرِجُهم ذَلِكَ عَنْ كَوْنِهِمْ خالِدِينَ في الجَنَّةِ، فَلا يَصِحُّ الِاسْتِثْناءُ عَلى هَذا، بِخِلافِ أهْلِ النّارِ، فَإنَّهُ لِخُرُوجِهِمْ مِن عَذابِها إلى الزَّمْهَرِيرِ يَصِحُّ الِاسْتِثْناءُ.
وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وأمّا قَوْلُهُ: ﴿إلّا ما شاءَ رَبُّكَ﴾ فَقِيلَ فِيهِ: إنَّ ذَلِكَ عَلى طَرِيقِ الِاسْتِثْناءِ الَّذِي نَدَبَ الشَّرْعُ إلى اسْتِعْمالِهِ في كُلِّ كَلامٍ، فَهو عَلى نَحْوِ قَوْلِهِ: ﴿لَتَدْخُلُنَّ المَسْجِدَ الحَرامَ إنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ [الفتح: ٢٧] اسْتِثْناءٌ في واجِبٍ، وهَذا الِاسْتِثْناءُ هو في حُكْمِ الشَّرْطِ، كَأنَّهُ قالَ: إنْ شاءَ اللَّهُ، فَلَيْسَ يَحْتاجُ أنْ يُوصَفَ بِمُتَّصِلٍ ولا مُنْقَطِعٍ.
وقِيلَ: هو اسْتِثْناءٌ مِن طُولِ المُدَّةِ، وذَلِكَ عَلى ما رُوِيَ أنَّ جَهَنَّمَ تُخَرَّبُ ويُعْدَمُ أهْلُها، وتَخْفُقُ أبْوابُها، فَهم عَلى هَذا يَخْلُدُونَ حَتّى يَصِيرَ أمْرُهم إلى هَذا، وهَذا قَوْلٌ مُحالٌ. والَّذِي رُوِيَ ونُقِلَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وغَيْرِهِ: أنَّها تَخْلُو مِنَ النّارِ إنَّما هو الدَّرْكُ الأعْلى المُخْتَصُّ بِعُصاةِ المُؤْمِنِينَ، وهو الَّذِي يُسَمّى: جَهَنَّمُ، وسُمِّيَ الكُلُّ بِهِ تَجَوُّزًا. وقِيلَ: إلّا بِمَعْنى: الواوِ، فَمَعْنى الآيَةِ: و﴿ما شاءَ اللَّهُ﴾ [الأنعام: ١٢٨] زائِدًا عَلى ذَلِكَ.
وقِيلَ: إلّا في هَذِهِ الآيَةِ بِمَعْنى: سِوى، والِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعٌ كَما تَقُولُ: لِي عِنْدَكَ ألْفا دِرْهَمٍ إلّا الألْفَ الَّتِي كُنْتُ أسْلَفْتُكَ، بِمَعْنى: سِوى تِلْكَ الألْفِ. فَكَأنَّهُ قالَ: ﴿خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ﴾، سِوى ما شاءَ اللَّهُ زائِدًا عَلى ذَلِكَ، ويُؤَيِّدُ هَذا التَّأْوِيلَ قَوْلُهُ تَعالى بَعْدَ هَذا: ﴿عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾، وهَذا قَوْلُ الفَرّاءِ. وقِيلَ: سِوى ما أُعِدَّ لَهم مِن أنْواعِ العَذابِ مِمّا لا يُعْرَفُ كالزَّمْهَرِيرِ.
وقِيلَ: اسْتِثْناءٌ مِن مُدَّةِ السَّماواتِ والأرْضِ الَّتِي فَرَطَتْ لَهم في الحَياةِ الدُّنْيا. وقِيلَ: في البَرْزَخِ بَيْنَ الدُّنْيا والآخِرَةِ. وقِيلَ: في المَسافاتِ الَّتِي بَيْنَهم في دُخُولِ النّارِ إذْ دُخُولُهم إنَّما هو زُمَرًا بَعْدَ زُمَرٍ.
وقِيلَ: الِاسْتِثْناءُ مِن قَوْلِهِ فَفي النّارِ، كَأنَّهُ قالَ: إلّا ما شاءَ رَبُّكَ مِن تَأْخِيرِ قَوْمٍ عَنْ ذَلِكَ، وهَذا قَوْلٌ رَواهُ أبُو نَضْرَةَ عَنْ جابِرٍ، أوْ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ، ثُمَّ أخْبَرَ مُنَبِّهًا عَلى قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى فَقالَ: ﴿إنَّ رَبَّكَ فَعّالٌ لِما يُرِيدُ﴾، انْتَهى. وقالَ أبُو مِجْلَزٍ: إلّا ما شاءَ رَبُّكَ أنْ يَتَجاوَزَ عَنْهُ بِعَذابٍ يَكُونُ جَزاؤُهُ الخُلُودَ في النّارِ، فَلا يُدْخِلُهُ النّارَ. وقِيلَ: مَعْنى ﴿إلّا ما شاءَ رَبُّكَ﴾: كَما شاءَ رَبُّكَ قِيلَ: كَقَوْلِهِ: ﴿ولا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكم مِنَ النِّساءِ إلّا ما قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء: ٢٢] أيْ: كَما قَدْ سَلَفَ. وقَرَأ الحَسَنُ: شُقُوا بِضَمِّ الشِّينِ، والجُمْهُورِ: بِفَتْحِها. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ وطَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ وابْنُ وثّابٍ والأعْمَشُ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفْصٌ: سُعِدُوا بِضَمِّ السِّينِ، وباقِي السَّبْعَةِ والجُمْهُورُ: بِفَتْحِها. وكانَ عَلِيُّ بْنُ سُلَيْمانَ يَتَعَجَّبُ مِن قِراءَةِ الكِسائِيِّ: سَعِدُوا، مَعَ عِلْمِهِ بِالعَرَبِيَّةِ، ولا يُتَعَجَّبُ مِن ذَلِكَ إذْ هي قِراءَةٌ مَنقُولَةٌ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ومَن ذَكَرْنا مَعَهُ. وقَدِ احْتَجَّ الكِسائِيُّ بِقَوْلِهِمْ: مَسْعُودٌ، قِيلَ: ولا حُجَّةَ فِيهِ لِأنَّهُ يُقالُ: مَكانٌ مَسْعُودٌ فِيهِ، ثُمَّ حُذِفَ فِيهِ وسُمِّيَ بِهِ، وقالَ المَهْدَوِيُّ: مَن قَرَأ سَعِدُوا فَهو مَحْمُولٌ عَلى مَسْعُودٍ، وهو شاذٌّ قَلِيلٌ لِأنَّهُ لا يُقالُ سَعَدَهُ اللَّهُ، إنَّما يُقالُ: أسْعَدَهُ اللَّهُ.
وقالَ الثَّعْلَبِيُّ: سَعِدَ وأسْعَدَ بِمَعْنًى واحِدٍ، وانْتَصَبَ عَطاءً عَلى المَصْدَرِ، أيْ: أُعْطُوا عَطاءً بِمَعْنى إعْطاءٍ كَقَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ أنْبَتَكم مِنَ الأرْضِ نَباتًا﴾ [نوح: ١٧] أيْ: إنْباتًا. ومَعْنى ﴿غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾: غَيْرَ مَقْطُوعٍ، بَلْ هو مُمْتَدٌّ إلى غَيْرِ نِهايَةٍ.
هود 11:108
﴿فَأمّا الَّذِينَ شَقُوا فَفي النّارِ لَهم فِيها زَفِيرٌ وشَهِيقٌ﴾ ﴿خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ إلّا ما شاءَ رَبُّكَ إنَّ رَبَّكَ فَعّالٌ لِما يُرِيدُ﴾ ﴿وأمّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفي الجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ إلّا ما شاءَ رَبُّكَ عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ قالَ الضَّحّاكُ ومُقاتِلٌ والفَرّاءُ: الزَّفِيرُ: أوَّلُ نَهِيقِ الحِمارِ، والشَّهِيقُ: آخِرُهُ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وقالَ أبُو العالِيَةِ والرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ: الزَّفِيرُ: في الحَلْقِ، والشَّهِيقُ: (p-٢٦٣)فِي الصَّدْرِ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا. وقالَ ابْنُ السّائِبِ: الزَّفِيرُ: زَفِيرُ الحِمارِ، والشَّهِيقُ: شَهِيقُ البِغالِ. وانْتِصابُ خالِدِينَ عَلى أنَّها حالٌ مُقَدَّرَةٌ، وما مَصْدَرِيَّةٌ ظَرْفِيَّةٌ، أيْ: مُدَّةُ دَوامِ السَّماواتِ والأرْضِ، والمُرادُ بِهَذا التَّوْقِيتِ: التَّأْبِيدُ، كَقَوْلِ العَرَبِ: ما أقامَ ثَبِيرٌ وما لاحَ كَوْكَبٌ، وضَعَتِ العَرَبُ ذَلِكَ لِلتَّأْبِيدِ مِن غَيْرِ نَظَرٍ لِفَناءِ ثَبِيرٍ أوِ الكَوْكَبِ، أوْ عَدَمِ فَنائِهِما.
وقِيلَ: سَماواتُ الآخِرَةِ وأرْضُها وهي دائِمَةٌ لا بُدَّ، يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرْضُ غَيْرَ الأرْضِ والسَّماواتُ﴾ [إبراهيم: ٤٨] وقَوْلُهُ: ﴿وأوْرَثَنا الأرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ﴾ [الزمر: ٧٤] ولِأنَّهُ لا بُدَّ لِأهْلِ الآخِرَةِ مِمّا يُقِلُّهم ويُظِلُّهم، إمّا سَماءٌ يَخْلُقُها اللَّهُ، أوْ يُظِلُّهُمُ العَرْشُ وكُلُّ ما أظَلَّكَ فَهو سَماءٌ.
وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: إنَّ السَّماواتِ والأرْضَ في الآخِرَةِ يُرَدّانِ إلى النُّورِ الَّذِي أُخِذَتا مِنهُ، فَهُما دائِمَتانِ أبَدًا في نُورِ العَرْشِ. والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿إلّا ما شاءَ رَبُّكَ﴾: اسْتِثْناءٌ مِنَ الزَّمانِ الدّالِّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ﴾ . والمَعْنى: إلّا الزَّمانَ الَّذِي شاءَهُ اللَّهُ تَعالى، فَلا يَكُونُ في النّارِ، ولا في الجَنَّةِ، ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ هَذا الزَّمانُ المُسْتَثْنى هو الزَّمانُ الَّذِي يَفْصِلُ اللَّهُ بَيْنَ الخَلْقِ يَوْمَ القِيامَةِ، إذا كانَ الِاسْتِثْناءُ مِنَ الكَوْنِ في النّارِ والجَنَّةِ، لِأنَّهُ زَمانٌ يَخْلُو فِيهِ الشَّقِيُّ والسَّعِيدُ مِن دُخُولِ النّارِ أوِ الجَنَّةِ.
وأمّا إنْ كانَ الِاسْتِثْناءُ مِنَ الخُلُودِ فَيُمْكِنُ ذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ إلى أهْلِ النّارِ، ويَكُونُ الزَّمانُ المُسْتَثْنى: هو الزَّمانُ الَّذِي فاتَ أهْلَ النّارِ العُصاةَ مِنَ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَخْرُجُونَ مِنَ النّارِ ويَدْخُلُونَ الجَنَّةَ، فَلَيْسُوا خالِدِينَ في النّارِ إذْ قَدْ أُخْرِجُوا مِنها وصارُوا في الجَنَّةِ، وهَذا رُوِيَ مَعْناهُ عَنْ قَتادَةَ والضَّحّاكِ وغَيْرِهِما، ويَكُونُ الَّذِينَ شَقُوا شامِلًا لِلْكُفّارِ وعُصاةِ المُسْلِمِينَ.
وأمّا بِالنِّسْبَةِ إلى أهْلِ الجَنَّةِ فَلا يَتَأتّى مِنهم ما تَأتّى في أهْلِ النّارِ، إذْ لَيْسَ مِنهم مَن يَدْخُلُ الجَنَّةَ ثُمَّ لا يَخْلُدُ فِيها، لَكِنْ يُمْكِنُ ذَلِكَ بِاعْتِبارِ أنْ يَكُونَ أُرِيدَ الزَّمانُ الَّذِي فاتَ أهْلَ النّارِ العُصاةَ مِنَ المُؤْمِنِينَ، أوِ الَّذِي فاتَ أصْحابَ الأعْرافِ، فَإنَّهم بِفَواتِ تِلْكَ المُدَّةِ الَّتِي دَخَلَ المُؤْمِنُونَ فِيها الجَنَّةَ وخُلِّدُوا فِيها، صَدَقَ عَلى العُصاةِ المُؤْمِنِينَ وأصْحابِ الأعْرافِ أنَّهم ما خُلِّدُوا في الجَنَّةِ تَخْلِيدَ مَن دَخَلَها لِأوَّلِ وهْلَةٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ اسْتِثْناءً مِنَ الضَّمِيرِ المُسْتَكِنِّ في الجارِّ والمَجْرُورِ، أوْ في خالِدِينَ، وتَكُونُ (ما) واقِعَةً عَلى نَوْعِ مَن يَعْقِلُ، كَما وقَعَتْ في قَوْلِهِ: ﴿فانْكِحُوا ما طابَ لَكم مِنَ النِّساءِ﴾ [النساء: ٣]، أوْ تَكُونُ واقِعَةً عَلى مَن يَعْقِلُ، عَلى مَذْهَبِ مَن يَرى وُقُوعَها عَلى مَن يَعْقِلُ مُطْلَقًا، ويَكُونُ المُسْتَثْنى في قِصَّةِ النّارِ: عُصاةَ المُؤْمِنِينَ، وفي قِصَّةِ الجَنَّةِ: هم أوْ أصْحابَ الأعْرافِ لِأنَّهم لَمْ يَدْخُلُوا الجَنَّةَ لِأوَّلِ وهْلَةٍ، ولا خُلِّدُوا فِيها خُلُودَ مَن دَخَلَها أوَّلَ وهْلَةٍ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): ما مَعْنى الِاسْتِثْناءِ في قَوْلِهِ: ﴿إلّا ما شاءَ رَبُّكَ﴾، وقَدْ ثَبَتَ خُلُودُ أهْلِ الجَنَّةِ والنّارِ في الآيَةِ مِن غَيْرِ اسْتِثْناءٍ ؟ (قُلْتُ): هو اسْتِثْناءٌ مِنَ الخُلُودِ في عَذابِ النّارِ، ومِنَ الخُلُودِ في نَعِيمِ أهْلِ الجَنَّةِ، وذَلِكَ أنَّ أهْلَ النّارِ لا يَخْلُدُونَ في عَذابِ النّارِ وحْدَهُ، بَلْ يُعَذَّبُونَ بِالزَّمْهَرِيرِ وبِأنْواعٍ مِنَ العَذابِ يُساوِي عَذابَ النّارِ، وبِما هو أغْلَظُ مِنها كُلِّها وهو سَخَطُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ وخَسْؤُهُ لَهم وإهانَتُهُ إيّاهم.
وهَكَذا أهْلُ الجَنَّةِ لَهم مَعَ تَبَوُّءِ الجَنَّةِ ما هو أكْبَرُ مِنها، وأجَلُّ مَوْقِعًا مِنهم، وهو رِضْوانُ اللَّهِ تَعالى. كَما قالَ: ﴿وعَدَ اللَّهُ﴾ [النساء: ٩٥]، الآيَةَ إلى قَوْلِهِ: ﴿ورِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أكْبَرُ﴾ [التوبة: ٧٢] ولَهم ما يَتَفَضَّلُ بِهِ عَلَيْهِمْ سِوى ثَوابِ الجَنَّةِ ما لا يَعْرِفُ كُنْهَهُ إلّا هو، فَهو المُرادُ بِالِاسْتِثْناءِ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ . ومَعْنى قَوْلِهِ في مُقابَلَتِهِ: ﴿إنَّ رَبَّكَ فَعّالٌ لِما يُرِيدُ﴾: أنَّهُ يَفْعَلُ بِأهْلِ النّارِ ما يُرِيدُ مِنَ العَذابِ، كَما يُعْطِي أهْلَ الجَنَّةِ عَطاءَهُ الَّذِي لا انْقِطاعَ لَهُ، فَتَأمَّلْهُ فَإنَّ القُرْآنَ يُفَسِّرُ بَعْضُهُ بَعْضًا ولا يَخْدَعَنَّكَ عَنْهُ قَوْلُ المُجْبِرَةِ: المُرادُ بِالِاسْتِثْناءِ: خُرُوجُ أهْلِ الكَبائِرِ مِنَ النّارِ بِالشَّفاعَةِ، فَإنَّ الِاسْتِثْناءَ الثّانِيَ يُنادِي عَلى تَكْذِيبِهِمْ ويُسَجِّلُ بِافْتِرائِهِمْ. وما ظَنُّكَ بِقَوْمٍ نَبَذُوا كِتابَ اللَّهِ وراءَ ظُهُورِهِمْ ؟ لِما رَوى لَهم بَعْضُ الثَّوابِتِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العاصِ: لَيَأْتِيَنَّ عَلى جَهَنَّمَ يَوْمٌ تَصْفِقُ (p-٢٦٤)فِيهِ أبْوابُها لَيْسَ فِيها أحَدٌ، وذَلِكَ عِنْدَما يَلْبَثُونَ فِيها أحْقابًا. وقَدْ بَلَغَنِي أنَّ مِنَ الضُّلّالِ مَنِ اعْتَبَرَ هَذا الحَدِيثَ، فاعْتَقَدَ أنَّ الكُفّارَ لا يَخْلُدُونَ في النّارِ، وهَذا ونَحْوُهُ والعِياذُ بِاللَّهِ مِنَ الخِذْلانِ المُبِينِ زادَنا اللَّهُ هِدايَةً إلى الحَقِّ ومَعْرِفَةً بِكِتابِهِ، وتَنْبِيهًا عَنْ أنْ نَغْفُلَ عَنْهُ.
ولَئِنْ صَحَّ هَذا عَنْ أبِي العاصِ فَمَعْناهُ: يَخْرُجُونَ مِنَ النّارِ إلى بَرْدِ الزَّمْهَرِيرِ، فَذَلِكَ خُلُوُّ جَهَنَّمَ وصَفْقُ أبْوابِها، انْتَهى. وهو عَلى طَرِيقِ الِاعْتِزالِ في تَخْلِيدِ أهْلِ الكَبائِرِ غَيْرِ التّائِبِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ في النّارِ، وأمّا ما ذَكَرَهُ مِنَ الِاسْتِثْناءِ في أهْلِ النّارِ مِن كَوْنِهِمْ لا يَخْلُدُونَ في عَذابِ النّارِ، إذْ يَنْتَقِلُونَ إلى الزَّمْهَرِيرِ فَلا يُضَيِّقُ عَلَيْهِمْ أنَّهم خالِدُونَ في عَذابِ النّارِ، فَقَدْ يَتَمَشّى. وأمّا ما ذَكَرَهُ مِنَ الِاسْتِثْناءِ في أهْلِ الجَنَّةِ مِن قَوْلِهِ: (خالِدِينَ)، فَلا يَتَمَشّى لِأنَّهم مَعَ ما أعْطاهُمُ اللَّهُ مِن رِضْوانِهِ، وما تَفَضَّلَ عَلَيْهِمْ بِهِ مِن سِوى ثَوابِ الجَنَّةِ، لا يُخْرِجُهم ذَلِكَ عَنْ كَوْنِهِمْ خالِدِينَ في الجَنَّةِ، فَلا يَصِحُّ الِاسْتِثْناءُ عَلى هَذا، بِخِلافِ أهْلِ النّارِ، فَإنَّهُ لِخُرُوجِهِمْ مِن عَذابِها إلى الزَّمْهَرِيرِ يَصِحُّ الِاسْتِثْناءُ.
وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وأمّا قَوْلُهُ: ﴿إلّا ما شاءَ رَبُّكَ﴾ فَقِيلَ فِيهِ: إنَّ ذَلِكَ عَلى طَرِيقِ الِاسْتِثْناءِ الَّذِي نَدَبَ الشَّرْعُ إلى اسْتِعْمالِهِ في كُلِّ كَلامٍ، فَهو عَلى نَحْوِ قَوْلِهِ: ﴿لَتَدْخُلُنَّ المَسْجِدَ الحَرامَ إنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ [الفتح: ٢٧] اسْتِثْناءٌ في واجِبٍ، وهَذا الِاسْتِثْناءُ هو في حُكْمِ الشَّرْطِ، كَأنَّهُ قالَ: إنْ شاءَ اللَّهُ، فَلَيْسَ يَحْتاجُ أنْ يُوصَفَ بِمُتَّصِلٍ ولا مُنْقَطِعٍ.
وقِيلَ: هو اسْتِثْناءٌ مِن طُولِ المُدَّةِ، وذَلِكَ عَلى ما رُوِيَ أنَّ جَهَنَّمَ تُخَرَّبُ ويُعْدَمُ أهْلُها، وتَخْفُقُ أبْوابُها، فَهم عَلى هَذا يَخْلُدُونَ حَتّى يَصِيرَ أمْرُهم إلى هَذا، وهَذا قَوْلٌ مُحالٌ. والَّذِي رُوِيَ ونُقِلَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وغَيْرِهِ: أنَّها تَخْلُو مِنَ النّارِ إنَّما هو الدَّرْكُ الأعْلى المُخْتَصُّ بِعُصاةِ المُؤْمِنِينَ، وهو الَّذِي يُسَمّى: جَهَنَّمُ، وسُمِّيَ الكُلُّ بِهِ تَجَوُّزًا. وقِيلَ: إلّا بِمَعْنى: الواوِ، فَمَعْنى الآيَةِ: و﴿ما شاءَ اللَّهُ﴾ [الأنعام: ١٢٨] زائِدًا عَلى ذَلِكَ.
وقِيلَ: إلّا في هَذِهِ الآيَةِ بِمَعْنى: سِوى، والِاسْتِثْناءُ مُنْقَطِعٌ كَما تَقُولُ: لِي عِنْدَكَ ألْفا دِرْهَمٍ إلّا الألْفَ الَّتِي كُنْتُ أسْلَفْتُكَ، بِمَعْنى: سِوى تِلْكَ الألْفِ. فَكَأنَّهُ قالَ: ﴿خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ﴾، سِوى ما شاءَ اللَّهُ زائِدًا عَلى ذَلِكَ، ويُؤَيِّدُ هَذا التَّأْوِيلَ قَوْلُهُ تَعالى بَعْدَ هَذا: ﴿عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾، وهَذا قَوْلُ الفَرّاءِ. وقِيلَ: سِوى ما أُعِدَّ لَهم مِن أنْواعِ العَذابِ مِمّا لا يُعْرَفُ كالزَّمْهَرِيرِ.
وقِيلَ: اسْتِثْناءٌ مِن مُدَّةِ السَّماواتِ والأرْضِ الَّتِي فَرَطَتْ لَهم في الحَياةِ الدُّنْيا. وقِيلَ: في البَرْزَخِ بَيْنَ الدُّنْيا والآخِرَةِ. وقِيلَ: في المَسافاتِ الَّتِي بَيْنَهم في دُخُولِ النّارِ إذْ دُخُولُهم إنَّما هو زُمَرًا بَعْدَ زُمَرٍ.
وقِيلَ: الِاسْتِثْناءُ مِن قَوْلِهِ فَفي النّارِ، كَأنَّهُ قالَ: إلّا ما شاءَ رَبُّكَ مِن تَأْخِيرِ قَوْمٍ عَنْ ذَلِكَ، وهَذا قَوْلٌ رَواهُ أبُو نَضْرَةَ عَنْ جابِرٍ، أوْ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ، ثُمَّ أخْبَرَ مُنَبِّهًا عَلى قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى فَقالَ: ﴿إنَّ رَبَّكَ فَعّالٌ لِما يُرِيدُ﴾، انْتَهى. وقالَ أبُو مِجْلَزٍ: إلّا ما شاءَ رَبُّكَ أنْ يَتَجاوَزَ عَنْهُ بِعَذابٍ يَكُونُ جَزاؤُهُ الخُلُودَ في النّارِ، فَلا يُدْخِلُهُ النّارَ. وقِيلَ: مَعْنى ﴿إلّا ما شاءَ رَبُّكَ﴾: كَما شاءَ رَبُّكَ قِيلَ: كَقَوْلِهِ: ﴿ولا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكم مِنَ النِّساءِ إلّا ما قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء: ٢٢] أيْ: كَما قَدْ سَلَفَ. وقَرَأ الحَسَنُ: شُقُوا بِضَمِّ الشِّينِ، والجُمْهُورِ: بِفَتْحِها. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ وطَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ وابْنُ وثّابٍ والأعْمَشُ وحَمْزَةُ والكِسائِيُّ وحَفْصٌ: سُعِدُوا بِضَمِّ السِّينِ، وباقِي السَّبْعَةِ والجُمْهُورُ: بِفَتْحِها. وكانَ عَلِيُّ بْنُ سُلَيْمانَ يَتَعَجَّبُ مِن قِراءَةِ الكِسائِيِّ: سَعِدُوا، مَعَ عِلْمِهِ بِالعَرَبِيَّةِ، ولا يُتَعَجَّبُ مِن ذَلِكَ إذْ هي قِراءَةٌ مَنقُولَةٌ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ومَن ذَكَرْنا مَعَهُ. وقَدِ احْتَجَّ الكِسائِيُّ بِقَوْلِهِمْ: مَسْعُودٌ، قِيلَ: ولا حُجَّةَ فِيهِ لِأنَّهُ يُقالُ: مَكانٌ مَسْعُودٌ فِيهِ، ثُمَّ حُذِفَ فِيهِ وسُمِّيَ بِهِ، وقالَ المَهْدَوِيُّ: مَن قَرَأ سَعِدُوا فَهو مَحْمُولٌ عَلى مَسْعُودٍ، وهو شاذٌّ قَلِيلٌ لِأنَّهُ لا يُقالُ سَعَدَهُ اللَّهُ، إنَّما يُقالُ: أسْعَدَهُ اللَّهُ.
وقالَ الثَّعْلَبِيُّ: سَعِدَ وأسْعَدَ بِمَعْنًى واحِدٍ، وانْتَصَبَ عَطاءً عَلى المَصْدَرِ، أيْ: أُعْطُوا عَطاءً بِمَعْنى إعْطاءٍ كَقَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ أنْبَتَكم مِنَ الأرْضِ نَباتًا﴾ [نوح: ١٧] أيْ: إنْباتًا. ومَعْنى ﴿غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾: غَيْرَ مَقْطُوعٍ، بَلْ هو مُمْتَدٌّ إلى غَيْرِ نِهايَةٍ.
هود 11:109
(p-٢٦٥)﴿فَلا تَكُ في مِرْيَةٍ مِمّا يَعْبُدُ هَؤُلاءِ ما يَعْبُدُونَ إلّا كَما يَعْبُدُ آباؤُهم مِن قَبْلُ وإنّا لَمُوَفُّوهم نَصِيبَهم غَيْرَ مَنقُوصٍ﴾ ﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ فاخْتُلِفَ فِيهِ ولَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهم وإنَّهم لَفي شَكٍّ مِنهُ مُرِيبٍ﴾ ﴿وإنَّ كُلًّا لَمّا لَيُوَفِّيَنَّهم رَبُّكَ أعْمالَهم إنَّهُ بِما يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [هود: ١١١] ﴿فاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ ومَن تابَ مَعَكَ ولا تَطْغَوْا إنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [هود: ١١٢] ﴿ولا تَرْكَنُوا إلى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النّارُ وما لَكم مِن دُونِ اللَّهِ مِن أوْلِياءَ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ﴾ [هود: ١١٣] ﴿وأقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ وزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إنَّ الحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ ذَلِكَ ذِكْرى لِلذّاكِرِينَ﴾ [هود: ١١٤] ﴿واصْبِرْ فَإنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أجْرَ المُحْسِنِينَ﴾ [هود: ١١٥] ﴿فَلَوْلا كانَ مِنَ القُرُونِ مِن قَبْلِكم أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الفَسادِ في الأرْضِ إلّا قَلِيلًا مِمَّنْ أنْجَيْنا مِنهم واتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا ما أُتْرِفُوا فِيهِ وكانُوا مُجْرِمِينَ﴾ [هود: ١١٦]: الزُّلْفَةُ: قالَ اللَّيْثُ: طائِفَةٌ مِن أوَّلِ اللَّيْلِ، والجَمْعُ: الزُّلَفُ، وقالَ ثَعْلَبٌ: الزُّلَفُ: أوَّلُ ساعاتِ اللَّيْلِ، واحِدُها زُلْفَةٌ.
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ والأخْفَشُ وابْنُ قُتَيْبَةَ: الزُّلَفُ: ساعاتُ اللَّيْلِ وآناؤُهُ، وكُلُّ ساعَةٍ زُلْفَةٌ. وقالَ العَجّاجُ:
؎ناحٍ طَواهُ الأيْنُ مِنّا وجَفا طَيَّ اللَّيالِي زُلَفًا فَزُلَفا
؎سَماؤُهُ الهِلالُ حَتّى احْقَوْقَفا
وأصْلُ الكَلِمَةِ مِنَ الزُّلْفى وهي: القُرْبَةُ، ويُقالُ: أزْلَفَهُ فازْدَلَفَ، أيْ: قَرَّبَهُ فاقْتَرَبَ، وأزْلَفَنِي: أدْنانِي. التَّرَفُ: النِّعْمَةُ، صَبِيٌّ مُتْرَفٌ: مُنَعَّمُ البَدَنِ، ومُتْرَفٌ: أبْطَرَتْهُ النِّعْمَةُ وسَعَةُ العَيْشِ. وقالَ الفَرّاءُ: أتْرَفَ: عُوِّدَ التُّرْفَةَ وهي النِّعْمَةُ.
﴿فَلا تَكُ في مِرْيَةٍ مِمّا يَعْبُدُ هَؤُلاءِ ما يَعْبُدُونَ إلّا كَما يَعْبُدُ آباؤُهم مِن قَبْلُ وإنّا لَمُوَفُّوهم نَصِيبَهم غَيْرَ مَنقُوصٍ﴾ (، لَمّا ذَكَرَ تَعالى قَصَصَ عَبَدَةِ الأوْثانِ مِنَ الأُمَمِ السّالِفَةِ، وأتْبَعَ ذَلِكَ بِذِكْرِ أحْوالِ الأشْقِياءِ والسُّعَداءِ، شَرَحَ لِلرَّسُولِ ﷺ أحْوالَ الكُفّارِ مِن قَوْمِهِ، وأنَّهم مُتَّبِعُو آبائِهِمْ كَحالِ مَن تَقَدَّمَ مِنَ الأُمَمِ في اتِّباعِ آبائِهِمْ في الضَّلالِ.
وهَؤُلاءِ: إشارَةٌ إلى مُشْرِكِي العَرَبِ بِاتِّفاقٍ، وأنَّ دَيْدَنَهم كَدَيْدَنِ الأُمَمِ الماضِيَةِ في التَّقْلِيدِ والعَمى عَنِ النَّظَرِ في الدَّلائِلِ والحُجَجِ. وهَذِهِ تَسْلِيَةٌ لِلرَّسُولِ ﷺ، وعِدَةٌ بِالِانْتِقامِ مِنهم، إذْ حالُهم في ذَلِكَ حالُ الأُمَمِ السّالِفَةِ، والأُمَمُ السّالِفَةُ قَدْ قَصَصْنا عَلَيْكَ ما جَرى لَهم مِن سُوءِ العاقِبَةِ.
والتَّشْبِيهُ في قَوْلِهِ: ( ﴿كَما يَعْبُدُ﴾ مَعْناهُ: أنَّ حالَهم في الشِّرْكِ مِثْلُ حالِ آبائِهِمْ مِن غَيْرِ تَفاوُتٍ، وقَدْ بَلَغَكَ ما نَزَلَ بِأسْلافِهِمْ، فَسَيَنْزِلُ بِهِمْ مِثْلُهُ.
(وما يَعْبُدُ): اسْتِئْنافٌ جَرى مَجْرى التَّعْلِيلِ لِلنَّهْيِ عَنِ المِرْيَةِ، وما في (مِمّا) وفي (كَما) يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً وبِمَعْنى الَّذِي. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿لَمُوَفُّوهُمْ﴾ مُشَدَّدًا مِن وفّى، وابْنُ مُحَيْصِنٍ مُخَفَّفًا مِن أوْفى، والنَّصِيبُ هُنا قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ما قُدِّرَ لَهم مِن خَيْرٍ ومِن شَرٍّ.
وقالَ أبُو العالِيَةِ: مِنَ الرِّزْقِ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: مِنَ العَذابِ، وكَذا قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ قالَ: كَما وفَّيْنا آباءَهم أنْصِباءَهم، و﴿غَيْرَ مَنقُوصٍ﴾: حالٌ مِن نَصِيبِهِمْ، وهو عِنْدِي: حالٌ مُؤَكِّدَةٌ، لِأنَّ التَّوْفِيَةَ تَقْتَضِي التَّكْمِيلَ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): كَيْفَ نُصِبَ ﴿غَيْرَ مَنقُوصٍ﴾ حالًا (p-٢٦٦)مِنَ النَّصِيبِ المُوَفّى ؟ (قُلْتُ): يَجُوزُ أنْ يُوَفّى وهو ناقِصٌ، ويُوَفّى وهو كامِلٌ.
ألا تَراكَ تَقُولُ: وفَّيْتُهُ شَطْرَ حَقِّهِ، وثُلُثَ حَقِّهِ، وحَقَّهُ كامِلًا وناقِصًا ؟ انْتَهى. وهَذِهِ مَغْلَطَةٌ إذا قالَ: وفَّيْتُهُ شَطْرَ حَقِّهِ، فالتَّوْفِيَةُ وقَعَتْ في الشَّطْرِ، وكَذا ثُلُثَ حَقِّهِ، والمَعْنى: أعْطَيْتُهُ الشَّطْرَ أوِ الثُّلُثَ كامِلًا لَمْ أنْقُصْهُ مِنهُ شَيْئًا.
وأمّا قَوْلُهُ: وحَقَّهُ كامِلًا وناقِصًا، أمّا كامِلًا فَصَحِيحٌ، وهي حالٌ مُؤَكِّدَةٌ لِأنَّ التَّوْفِيَةَ تَقْتَضِي الإكْمالَ، وأمّا وناقِصًا فَلا يُقالُ لِمُنافاتِهِ التَّوْفِيَةَ. والخِطابُ في ﴿فَلا تَكُ﴾ [هود: ١٧] مُتَوَجِّهٌ إلى مَن داخَلَهُ الشَّكُّ لا إلى الرَّسُولِ، والمَعْنى: واللَّهُ أعْلَمُ: قُلْ يا مُحَمَّدُ لِكُلِّ مَن شَكَّ لا تَكُ في مِرْيَةٍ مِمّا يَعْبُدُ هَؤُلاءِ، فَإنَّ اللَّهَ لَمْ يَأْمُرْهم بِذَلِكَ، وإنَّما اتَّبَعُوا في ذَلِكَ آباءَهم تَقْلِيدًا لَهم وإعْراضًا عَنْ حُجَجِ العُقُولِ.
﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ فاخْتُلِفَ فِيهِ ولَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهم وإنَّهم لَفي شَكٍّ مِنهُ مُرِيبٍ﴾ لَمّا بَيَّنَ تَعالى إصْرارَ كُفّارِ مَكَّةَ عَلى إنْكارِ التَّوْحِيدِ ونُبُوَّةِ الرَّسُولِ والقُرْآنِ الَّذِي أتى بِهِ، بَيَّنَ أنَّ الكُفّارَ مِنَ الأُمَمِ السّابِقَةِ كانُوا عَلى هَذِهِ السِّيرَةِ الفاجِرَةِ مَعَ أنْبِيائِهِمْ، فَلَيْسَ ذَلِكَ بِبِدْعٍ مِمَّنْ عاصَرَ الرَّسُولَ، وضَرَبَ لِذَلِكَ مَثَلًا وهو: إنْزالُ التَّوْراةِ عَلى مُوسى فاخْتَلَفُوا فِيها.
والكِتابُ هُنا: التَّوْراةُ، فَقَبِلَهُ بَعْضٌ وأنْكَرَهُ بَعْضٌ، كَما اخْتَلَفَ هَؤُلاءِ في القُرْآنِ. والظّاهِرُ عَوْدُ الضَّمِيرِ فِيهِ عَلى الكِتابِ لِقُرْبِهِ، ويَجُوزُ أنْ يَعُودَ عَلى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ.
ويَلْزَمُ مِنَ الِاخْتِلافِ في أحَدِهِما الِاخْتِلافُ في الآخَرِ. وجازَ أنْ تَكُونَ (في) بِمَعْنى (عَلى)، أيْ: فاخْتُلِفَ عَلَيْهِ، وكانَ بَنُو إسْرائِيلَ أشَدَّ تَعَنُّتًا عَلى مُوسى وأكْثَرَ اخْتِلافًا عَلَيْهِ.
وقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُ ﴿ولَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ والظّاهِرُ عَوْدُ الضَّمِيرِ في بَيْنَهم عَلى قَوْمِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، إذْ هُمُ المُخْتَلِفُونَ فِيهِ، أوْ في الكِتابِ. وقِيلَ: يَعُودُ عَلى المُخْتَلِفِينَ في الرَّسُولِ مِن مُعاصِرِيهِ.
قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وأنْ يَعُمَّهُمُ اللَّفْظُ أحْسَنُ عِنْدِي، وهَذِهِ الجُمْلَةُ مِن جُمْلَةِ تَسْلِيَتِهِ أيْضًا.
هود 11:110
(p-٢٦٥)﴿فَلا تَكُ في مِرْيَةٍ مِمّا يَعْبُدُ هَؤُلاءِ ما يَعْبُدُونَ إلّا كَما يَعْبُدُ آباؤُهم مِن قَبْلُ وإنّا لَمُوَفُّوهم نَصِيبَهم غَيْرَ مَنقُوصٍ﴾ ﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ فاخْتُلِفَ فِيهِ ولَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهم وإنَّهم لَفي شَكٍّ مِنهُ مُرِيبٍ﴾ ﴿وإنَّ كُلًّا لَمّا لَيُوَفِّيَنَّهم رَبُّكَ أعْمالَهم إنَّهُ بِما يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [هود: ١١١] ﴿فاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ ومَن تابَ مَعَكَ ولا تَطْغَوْا إنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [هود: ١١٢] ﴿ولا تَرْكَنُوا إلى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النّارُ وما لَكم مِن دُونِ اللَّهِ مِن أوْلِياءَ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ﴾ [هود: ١١٣] ﴿وأقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ وزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إنَّ الحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ ذَلِكَ ذِكْرى لِلذّاكِرِينَ﴾ [هود: ١١٤] ﴿واصْبِرْ فَإنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أجْرَ المُحْسِنِينَ﴾ [هود: ١١٥] ﴿فَلَوْلا كانَ مِنَ القُرُونِ مِن قَبْلِكم أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الفَسادِ في الأرْضِ إلّا قَلِيلًا مِمَّنْ أنْجَيْنا مِنهم واتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا ما أُتْرِفُوا فِيهِ وكانُوا مُجْرِمِينَ﴾ [هود: ١١٦]: الزُّلْفَةُ: قالَ اللَّيْثُ: طائِفَةٌ مِن أوَّلِ اللَّيْلِ، والجَمْعُ: الزُّلَفُ، وقالَ ثَعْلَبٌ: الزُّلَفُ: أوَّلُ ساعاتِ اللَّيْلِ، واحِدُها زُلْفَةٌ.
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ والأخْفَشُ وابْنُ قُتَيْبَةَ: الزُّلَفُ: ساعاتُ اللَّيْلِ وآناؤُهُ، وكُلُّ ساعَةٍ زُلْفَةٌ. وقالَ العَجّاجُ:
؎ناحٍ طَواهُ الأيْنُ مِنّا وجَفا طَيَّ اللَّيالِي زُلَفًا فَزُلَفا
؎سَماؤُهُ الهِلالُ حَتّى احْقَوْقَفا
وأصْلُ الكَلِمَةِ مِنَ الزُّلْفى وهي: القُرْبَةُ، ويُقالُ: أزْلَفَهُ فازْدَلَفَ، أيْ: قَرَّبَهُ فاقْتَرَبَ، وأزْلَفَنِي: أدْنانِي. التَّرَفُ: النِّعْمَةُ، صَبِيٌّ مُتْرَفٌ: مُنَعَّمُ البَدَنِ، ومُتْرَفٌ: أبْطَرَتْهُ النِّعْمَةُ وسَعَةُ العَيْشِ. وقالَ الفَرّاءُ: أتْرَفَ: عُوِّدَ التُّرْفَةَ وهي النِّعْمَةُ.
﴿فَلا تَكُ في مِرْيَةٍ مِمّا يَعْبُدُ هَؤُلاءِ ما يَعْبُدُونَ إلّا كَما يَعْبُدُ آباؤُهم مِن قَبْلُ وإنّا لَمُوَفُّوهم نَصِيبَهم غَيْرَ مَنقُوصٍ﴾ (، لَمّا ذَكَرَ تَعالى قَصَصَ عَبَدَةِ الأوْثانِ مِنَ الأُمَمِ السّالِفَةِ، وأتْبَعَ ذَلِكَ بِذِكْرِ أحْوالِ الأشْقِياءِ والسُّعَداءِ، شَرَحَ لِلرَّسُولِ ﷺ أحْوالَ الكُفّارِ مِن قَوْمِهِ، وأنَّهم مُتَّبِعُو آبائِهِمْ كَحالِ مَن تَقَدَّمَ مِنَ الأُمَمِ في اتِّباعِ آبائِهِمْ في الضَّلالِ.
وهَؤُلاءِ: إشارَةٌ إلى مُشْرِكِي العَرَبِ بِاتِّفاقٍ، وأنَّ دَيْدَنَهم كَدَيْدَنِ الأُمَمِ الماضِيَةِ في التَّقْلِيدِ والعَمى عَنِ النَّظَرِ في الدَّلائِلِ والحُجَجِ. وهَذِهِ تَسْلِيَةٌ لِلرَّسُولِ ﷺ، وعِدَةٌ بِالِانْتِقامِ مِنهم، إذْ حالُهم في ذَلِكَ حالُ الأُمَمِ السّالِفَةِ، والأُمَمُ السّالِفَةُ قَدْ قَصَصْنا عَلَيْكَ ما جَرى لَهم مِن سُوءِ العاقِبَةِ.
والتَّشْبِيهُ في قَوْلِهِ: ( ﴿كَما يَعْبُدُ﴾ مَعْناهُ: أنَّ حالَهم في الشِّرْكِ مِثْلُ حالِ آبائِهِمْ مِن غَيْرِ تَفاوُتٍ، وقَدْ بَلَغَكَ ما نَزَلَ بِأسْلافِهِمْ، فَسَيَنْزِلُ بِهِمْ مِثْلُهُ.
(وما يَعْبُدُ): اسْتِئْنافٌ جَرى مَجْرى التَّعْلِيلِ لِلنَّهْيِ عَنِ المِرْيَةِ، وما في (مِمّا) وفي (كَما) يُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً وبِمَعْنى الَّذِي. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿لَمُوَفُّوهُمْ﴾ مُشَدَّدًا مِن وفّى، وابْنُ مُحَيْصِنٍ مُخَفَّفًا مِن أوْفى، والنَّصِيبُ هُنا قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ما قُدِّرَ لَهم مِن خَيْرٍ ومِن شَرٍّ.
وقالَ أبُو العالِيَةِ: مِنَ الرِّزْقِ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: مِنَ العَذابِ، وكَذا قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ قالَ: كَما وفَّيْنا آباءَهم أنْصِباءَهم، و﴿غَيْرَ مَنقُوصٍ﴾: حالٌ مِن نَصِيبِهِمْ، وهو عِنْدِي: حالٌ مُؤَكِّدَةٌ، لِأنَّ التَّوْفِيَةَ تَقْتَضِي التَّكْمِيلَ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): كَيْفَ نُصِبَ ﴿غَيْرَ مَنقُوصٍ﴾ حالًا (p-٢٦٦)مِنَ النَّصِيبِ المُوَفّى ؟ (قُلْتُ): يَجُوزُ أنْ يُوَفّى وهو ناقِصٌ، ويُوَفّى وهو كامِلٌ.
ألا تَراكَ تَقُولُ: وفَّيْتُهُ شَطْرَ حَقِّهِ، وثُلُثَ حَقِّهِ، وحَقَّهُ كامِلًا وناقِصًا ؟ انْتَهى. وهَذِهِ مَغْلَطَةٌ إذا قالَ: وفَّيْتُهُ شَطْرَ حَقِّهِ، فالتَّوْفِيَةُ وقَعَتْ في الشَّطْرِ، وكَذا ثُلُثَ حَقِّهِ، والمَعْنى: أعْطَيْتُهُ الشَّطْرَ أوِ الثُّلُثَ كامِلًا لَمْ أنْقُصْهُ مِنهُ شَيْئًا.
وأمّا قَوْلُهُ: وحَقَّهُ كامِلًا وناقِصًا، أمّا كامِلًا فَصَحِيحٌ، وهي حالٌ مُؤَكِّدَةٌ لِأنَّ التَّوْفِيَةَ تَقْتَضِي الإكْمالَ، وأمّا وناقِصًا فَلا يُقالُ لِمُنافاتِهِ التَّوْفِيَةَ. والخِطابُ في ﴿فَلا تَكُ﴾ [هود: ١٧] مُتَوَجِّهٌ إلى مَن داخَلَهُ الشَّكُّ لا إلى الرَّسُولِ، والمَعْنى: واللَّهُ أعْلَمُ: قُلْ يا مُحَمَّدُ لِكُلِّ مَن شَكَّ لا تَكُ في مِرْيَةٍ مِمّا يَعْبُدُ هَؤُلاءِ، فَإنَّ اللَّهَ لَمْ يَأْمُرْهم بِذَلِكَ، وإنَّما اتَّبَعُوا في ذَلِكَ آباءَهم تَقْلِيدًا لَهم وإعْراضًا عَنْ حُجَجِ العُقُولِ.
﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ فاخْتُلِفَ فِيهِ ولَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهم وإنَّهم لَفي شَكٍّ مِنهُ مُرِيبٍ﴾ لَمّا بَيَّنَ تَعالى إصْرارَ كُفّارِ مَكَّةَ عَلى إنْكارِ التَّوْحِيدِ ونُبُوَّةِ الرَّسُولِ والقُرْآنِ الَّذِي أتى بِهِ، بَيَّنَ أنَّ الكُفّارَ مِنَ الأُمَمِ السّابِقَةِ كانُوا عَلى هَذِهِ السِّيرَةِ الفاجِرَةِ مَعَ أنْبِيائِهِمْ، فَلَيْسَ ذَلِكَ بِبِدْعٍ مِمَّنْ عاصَرَ الرَّسُولَ، وضَرَبَ لِذَلِكَ مَثَلًا وهو: إنْزالُ التَّوْراةِ عَلى مُوسى فاخْتَلَفُوا فِيها.
والكِتابُ هُنا: التَّوْراةُ، فَقَبِلَهُ بَعْضٌ وأنْكَرَهُ بَعْضٌ، كَما اخْتَلَفَ هَؤُلاءِ في القُرْآنِ. والظّاهِرُ عَوْدُ الضَّمِيرِ فِيهِ عَلى الكِتابِ لِقُرْبِهِ، ويَجُوزُ أنْ يَعُودَ عَلى مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ.
ويَلْزَمُ مِنَ الِاخْتِلافِ في أحَدِهِما الِاخْتِلافُ في الآخَرِ. وجازَ أنْ تَكُونَ (في) بِمَعْنى (عَلى)، أيْ: فاخْتُلِفَ عَلَيْهِ، وكانَ بَنُو إسْرائِيلَ أشَدَّ تَعَنُّتًا عَلى مُوسى وأكْثَرَ اخْتِلافًا عَلَيْهِ.
وقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُ ﴿ولَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ والظّاهِرُ عَوْدُ الضَّمِيرِ في بَيْنَهم عَلى قَوْمِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، إذْ هُمُ المُخْتَلِفُونَ فِيهِ، أوْ في الكِتابِ. وقِيلَ: يَعُودُ عَلى المُخْتَلِفِينَ في الرَّسُولِ مِن مُعاصِرِيهِ.
قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وأنْ يَعُمَّهُمُ اللَّفْظُ أحْسَنُ عِنْدِي، وهَذِهِ الجُمْلَةُ مِن جُمْلَةِ تَسْلِيَتِهِ أيْضًا.
هود 11:111
﴿وإنَّ كُلًّا لَمّا لَيُوَفِّيَنَّهم رَبُّكَ أعْمالَهم إنَّهُ بِما يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ الظّاهِرُ عُمُومُ كُلٍّ وشُمُولُهُ لِلْمُؤْمِنِ والكافِرِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: التَّنْوِينُ عِوَضٌ مِنَ المُضافِ إلَيْهِ يَعْنِي: وإنَّ كُلَّهم، وإنَّ جَمِيعَ المُخْتَلِفِينَ فِيهِ. وقالَ مُقاتِلٌ: يَعْنِي بِهِ كُفّارَ هَذِهِ الأُمَّةِ. وقَرَأ الحَرَمِيّانِ وأبُو بَكْرٍ: وإنْ كُلًّا بِتَخْفِيفِ النُّونِ ساكِنَةً. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وعاصِمٌ وحَمْزَةُ: لَمّا بِالتَّشْدِيدِ هُنا وفي (يس)، (والطّارِقِ) وأجْمَعَتِ السَّبْعَةُ عَلى نَصْبِ كُلًّا، فَتُصُوِّرَ في قِراءَتِهِمْ أرْبَعُ قِرَآتٍ: إحْداها: تَخْفِيفُ (إنْ، ولَما)، وهي قِراءَةُ الحَرَمِيَّيْنِ. والثّانِيَةُ: تَشْدِيدُهُما، وهي قِراءَةُ ابْنِ عامِرٍ وحَمْزَةَ وحَفْصٍ.
والثّالِثَةُ: تَخْفِيفُ (إنْ) وتَشْدِيدُ (لَمّا) وهي قِراءَةُ أبِي بَكْرٍ. والرّابِعَةُ: تَشْدِيدُ (إنَّ) وتَخْفِيفُ (لَما)، وهي قِراءَةُ الكِسائِيِّ وأبِي عَمْرٍو.
وقَرَأ أُبَيٌّ والحَسَنُ بِخِلافٍ عَنْهُ، وأبانُ بْنُ ثَعْلَبٍ: وإنْ: بِالتَّخْفِيفِ، كُلٌّ: بِالرَّفْعِ، لَمّا: مُشَدَّدًا. وقَرَأ الزُّهْرِيُّ وسُلَيْمانُ بْنُ أرْقَمَ: ﴿وإنَّ كُلًّا لَمّا﴾: بِتَشْدِيدِ المِيمِ وتَنْوِينِها، ولَمْ يَتَعَرَّضُوا لِتَخْفِيفِ إنَّ ولا تَشْدِيدِها.
وقالَ أبُو حاتِمٍ: الَّذِي في مُصْحَفِ أُبَيٍّ وإنَّ مِن كُلٍّ إلّا لَيُوَفِّيَنَّهم. وقَرَأ الأعْمَشُ: وإنَّ كُلٌّ إلّا، وهو حَرْفُ ابْنِ مَسْعُودٍ، فَهَذِهِ أرْبَعَةُ وُجُوهٍ في الشّاذِّ.
فَأمّا القِراءَةُ الأُولى فَإعْمالُ إنْ مُخَفَّفَةً كَإعْمالِها مُشَدَّدَةً، وهَذِهِ المَسْألَةُ فِيها خِلافٌ: ذَهَبَ الكُوفِيُّونَ إلى أنَّ تَخْفِيفَ (إنْ) يُبْطِلُ عَمَلَها، ولا يَجُوزَ أنْ تَعْمَلَ. وذَهَبَ البَصْرِيُّونَ إلى أنَّ إعْمالَها جائِزٌ، لَكِنَّهُ قَلِيلٌ إلّا مَعَ المُضْمَرِ، فَلا يَجُوزُ إلّا إنْ ورَدَ في شَعْرٍ، وهَذا هو الصَّحِيحُ لِثُبُوتِ ذَلِكَ في لِسانِ العَرَبِ. حَكى سِيبَوَيْهِ: أنَّ الثِّقَةَ أخْبَرَهُ: أنَّهُ سَمِعَ بَعْضَ العَرَبِ: أنْ عُمَرَ المُنْطَلِقُ، ولِثُبُوتِ هَذِهِ القِراءَةِ المُتَواتِرَةِ وقَدْ تَأوَّلَها الكُوفِيُّونَ. وأمّا (لَمّا) فَقالَ الفَرّاءُ: فاللّامُ فِيها هي اللّامُ الدّاخِلَةُ عَلى خَبَرِ (إنَّ)، و(ما) مَوْصُولَةٌ بِمَعْنى الَّذِي كَما جاءَ: ﴿فانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ﴾ [النساء: ٣] والجُمْلَةُ مِنَ القَسَمِ المَحْذُوفِ وجَوابِهِ (p-٢٦٧)الَّذِي هو ﴿لَيُوَفِّيَنَّهُمْ﴾ صِلَةُ (لَمّا)، نَحْوَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنَّ مِنكم لَمَن لَيُبَطِّئَنَّ﴾ [النساء: ٧٢] وهَذا وجْهٌ حَسَنٌ، ومِن إيقاعِ (ما) عَلى مَن يَعْقِلُ قَوْلُهم: لا سِيَّما زَيْدٌ بِالرَّفْعِ، أيْ: لا سِيَّ الَّذِي هو زَيْدٌ. وقِيلَ: (ما) نَكِرَةٌ مَوْصُوفَةٌ وهي لِمَن يَعْقِلُ، والجُمْلَةُ القَسَمِيَّةُ وجَوابُها قامَتْ مَقامَ الصِّفَةِ، لِأنَّ المَعْنى: وإنَّ كُلًّا لَخُلِقَ مُوَفًّى عَمَلُهُ، ورَجَّحَ الطَّبَرِيُّ هَذا القَوْلَ واخْتارَهُ. وقالَ أبُو عَلِيٍّ: العُرْفُ أنْ تَدْخُلَ لامُ الِابْتِداءِ عَلى الخَبَرِ، والخَبَرُ هُنا هو: القَسَمُ وفِيهِ لامٌ تَدْخُلُ عَلى جَوابِهِ، فَلَمّا اجْتَمَعَ اللّامانِ والقَسَمُ مَحْذُوفٌ، واتَّفَقا في اللَّفْظِ وفي تَلَقِّي القَسَمِ، فُصِلَ بَيْنَهُما بِما كَما فَصَلُوا بَيْنَ إنَّ واللّامِ، انْتَهى.
ويَظْهَرُ مِن كَلامِهِ أنَّ اللّامَ في لَمّا هي اللّامُ الَّتِي تَدْخُلُ في الخَبَرِ، ونَصَّ الحَوْفِيُّ عَلى أنَّها لامُ إنَّ، إلّا أنَّ المَنقُولَ عَنْ أبِي عَلِيٍّ أنَّ الخَبَرَ هو: ﴿لَيُوَفِّيَنَّهُمْ﴾، وتَحْرِيرُهُ ما ذَكَرْنا وهو القَسَمُ وجَوابُهُ. وقِيلَ: اللّامُ في لَمّا مُوَطِّئَةٌ لِلْقَسَمِ، وما مَزِيدَةٌ، والخَبَرُ الجُمْلَةُ القَسَمِيَّةُ وجَوابُها، وإلى هَذا القَوْلِ في التَّحْقِيقِ يَئُولُ قَوْلُ أبِي عَلِيٍّ. وأمّا القِراءَةُ الثّانِيَةُ فَتَشْدِيدُ إنَّ وإعْمالُها في كُلٍّ واضِحٌ. وأمّا تَشْدِيدُ لَمّا فَقالَ المُبَرِّدُ: هَذا لَحْنٌ، لا تَقُولُ العَرَبُ: إنَّ زَيْدًا لَمّا خارِجٌ، وهَذِهِ جَسارَةٌ مِنَ المُبَرِّدِ عَلى عادَتِهِ.
وكَيْفَ تَكُونُ قِراءَةٌ مُتَواتِرَةٌ لَحْنًا، ولَيْسَ تَرْكِيبُ الآيَةِ كَتَرْكِيبِ المِثالِ الَّذِي قالَ وهو إنَّ زَيْدًا لَمّا خارِجٌ هَذا المِثالُ لَحْنٌ، وأمّا في الآيَةِ فَلَيْسَ لَحْنًا، ولَوْ سَكَتَ وقالَ كَما قالَ الكِسائِيُّ: ما أدْرِي ما وجْهُ هَذِهِ القِراءَةِ لَكانَ قَدْ وُفِّقَ، وأمّا غَيْرُ هَذَيْنِ مِنَ النَّحْوِيِّينَ فاخْتَلَفُوا في تَخْرِيجِها.
فَقالَ أبُو عُبَيْدٍ: أصْلُهُ لَمًّا مُنَوَّنًا وقَدْ قُرِئَ كَذَلِكَ، ثُمَّ بُنِيَ مِنهُ فَعْلى، فَصارَ كَتَتْرى نُوِّنَ إذْ جُعِلَتْ ألِفُهُ لِلْإلْحاقِ كَأرْطى، ومُنِعَ الصَّرْفَ إذْ جُعِلَتْ ألِفَ تَأْنِيثٍ، وهو مَأْخُوذٌ مِن لَمَمْتُهُ، أيْ: جَمَعْتُهُ، والتَّقْدِيرُ: وإنَّ كُلًّا جَمِيعًا لَيُوَفِّيَنَّهم، ويَكُونُ جَمِيعًا فِيهِ مَعْنى التَّوْكِيدِ كَكُلٍّ، ولا يُقالُ (لَمّا) هَذِهِ هي (لَمّا) المُنَوَّنَةُ وُقِفَ عَلَيْها بِالألِفِ، لِأنَّها بَدَلٌ مِنَ التَّنْوِينِ، وأجْرى الأصْلَ مَجْرى الوَقْفِ، لِأنَّ ذَلِكَ إنَّما يَكُونُ في الشِّعْرِ. وما قالَهُ أبُو عُبَيْدٍ بَعِيدٌ، إذْ لا يُعْرَفُ بِناءُ فَعْلى مِنَ اللَّمِّ، ولِما يَلْزَمُ لِمَن أمالَ فَعْلى أنْ يُمِيلَها، ولَمْ يُمِلْها أحَدٌ بِالإجْماعِ، ومِن كِتابَتِها بِالياءِ ولَمْ تُكْتَبْ بِها، وقِيلَ: لَمّا المُشَدَّدَةُ هي لَما المُخَفَّفَةُ، وشَدَّدَها في الوَقْفِ كَقَوْلِكِ: رَأيْتُ فَرَّحًا يُرِيدُ: فَرَحًا، وأجْرى الوَصْلَ مَجْرى الوَقْفِ، وهَذا بَعِيدٌ جِدًّا، ورُوِيَ عَنِ المازِنِيِّ. وقالَ ابْنُ جِنِّيٍّ وغَيْرُهُ: تَقَعُ إلّا زائِدَةً، فَلا يَبْعُدُ أنْ تَقَعَ لَمّا بِمَعْناها زائِدَةً، انْتَهى.
وهَذا وجْهٌ ضَعِيفٌ مَبْنِيٌّ عَلى وجْهٍ ضَعِيفٍ في إلّا. وقالَ المازِنِيُّ: إنْ هي المُخَفَّفَةُ ثُقِّلَتْ، وهي نافِيَةٌ بِمَعْنى: ما، كَما خُفِّفَتْ إنْ ومَعْناها المُثَقَّلَةُ، ولَمّا بِمَعْنى: إلّا، وهَذا باطِلٌ لِأنَّهُ لَمْ يُعْهَدْ تَثْقِيلُ إنِ النّافِيَةِ ولِنَصْبِ كُلٍّ، وإنِ النّافِيَةُ لا تَنْصِبُ. وقِيلَ: لَمّا بِمَعْنى إلّا، كَقَوْلِكَ: نَشَدْتُكَ بِاللَّهِ لَمّا فَعَلْتَ، تُرِيدُ: إلّا فَعَلْتَ، وقالَهُ الحَوْفِيُّ، وضَعَّفَهُ أبُو عَلِيٍّ قالَ: لِأنَّ لَمّا هَذِهِ لا تُفارِقُ القَسَمَ، انْتَهى.
ولَيْسَ كَما ذَكَرَ، قَدْ تُفارِقُ القَسَمَ. وإنَّما يَبْطُلُ هَذا الوَجْهُ، لِأنَّهُ لَيْسَ مَوْضِعَ دُخُولِ إلّا، لَوْ قُلْتَ: إنْ زَيْدًا إلّا ضَرَبْتُهُ، لَمْ يَكُنْ تَرْكِيبًا عَرَبِيًّا. وقِيلَ: لَمّا أصْلُها لَمَن ما، ومَن هي المَوْصُولَةُ، وما بَعْدَها زائِدَةٌ، واللّامُ في لَمّا هي داخِلَةٌ في خَبَرِ إنَّ، والصِّلَةُ: الجُمْلَةُ القَسَمِيَّةُ، فَلَمّا أُدْغِمَتْ مَن في ما الزّائِدَةِ اجْتَمَعَتْ ثَلاثُ مِيماتٍ، فَحُذِفَتِ الوُسْطى مِنهُنَّ وهي المُبْدَلَةُ مِنَ النُّونِ، فاجْتَمَعَ المِثْلانِ، فَأُدْغِمَتْ مِيمُ مَن في مِيمِ ما، فَصارَ لَمّا وقالَهُالمَهْدَوِيُّ.
وقالَ الفَرّاءُ، وتَبِعَهُ جَماعَةٌ مِنهم نَصْرٌ الشِّيرازِيُّ: أصْلُ لَمّا لَمِن ما دَخَلَتْ مِنَ الجارَّةُ عَلى ما، كَما في قَوْلِ الشّاعِرِ:
؎وإنّا لَمِن ما يَضْرِبُ الكَبْشَ ضَرْبَةً عَلى رَأْسِهِ تُلْقِي اللِّسانَ مِنَ الفَمِ
فَعَمِلَ بِها ما عَمِلَ في الوَجْهِ الَّذِي قَبْلَهُ. وهَذانِ الوَجْهانِ ضَعِيفانِ جِدًّا لَمْ يُعْهَدْ حَذْفُ نُونِ (مَن)، ولا حَذْفُ نُونِ (مِن) إلّا في الشِّعْرِ، إذا لَقِيَتْ لامَ التَّعْرِيفِ أوْ شِبْهَها غَيْرَ المُدْغَمَةِ نَحْوَ قَوْلِهِمْ: مِلْمالِ يُرِيدُونَ: مِنَ المالِ.
وهَذِهِ كُلُّها تَخْرِيجاتٌ ضَعِيفَةٌ جِدًّا يُنَزَّهُ القُرْآنُ عَنْها. وكُنْتُ قَدْ ظَهَرَ لِي فِيها وجْهٌ جارٍ عَلى قَواعِدِ العَرَبِيَّةِ، وهو أنَّ لَمّا هَذِهِ هي لَمّا الجازِمَةُ حُذِفَ فِعْلُها المَجْزُومُ لِدِلالَةِ المَعْنى عَلَيْهِ، كَما حَذَفُوهُ في قَوْلِهِمْ: (p-٢٦٨)قارَبْتُ المَدِينَةَ، ولَمّا يُرِيدُونَ ولَمّا أدْخُلْها. وكَذَلِكَ هُنا التَّقْدِيرُ: وإنَّ كُلًّا لَمّا يَنْقُصُ مِن جَزاءِ عَمَلِهِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَيُوَفِّيَنَّهم رَبُّكَ أعْمالَهُمْ﴾، لَمّا أخْبَرَ بِانْتِفاءِ نَقْصِ جَزاءِ أعْمالِهِمْ أكَّدَهُ بِالقَسَمِ فَقالَ: ﴿لَيُوَفِّيَنَّهم رَبُّكَ أعْمالَهُمْ﴾، وكُنْتُ اعْتَقَدْتُ أنِّي سَبَقْتُ إلى هَذا التَّخْرِيجِ السّائِغِ العارِي مِنَ التَّكَلُّفِ، وذَكَرْتُ ذَلِكَ لِبَعْضِ مَن يَقْرَأُ عَلَيَّ فَقالَ: قَدْ ذَكَرَ ذَلِكَ أبُو عَمْرٍو وابْنُ الحاجِبِ، ولِتَرْكِي النَّظَرَ في كَلامِ هَذا الرَّجُلِ لَمْ أقِفْ عَلَيْهِ، ثُمَّ رَأيْتُ في كِتابِ التَّحْرِيرِ نَقْلَ هَذا التَّخْرِيجِ عَنِ ابْنِ الحاجِبِ قالَ: (لَمّا) هَذِهِ هي الجازِمَةُ، حُذِفَ فِعْلُها لِلدَّلالَةِ عَلَيْهِ لِما ثَبَتَ مِن جَوازِ حَذْفِ فِعْلِها في قَوْلِهِمْ: خَرَجْتُ ولَمّا سافَرْتُ، ولَمّا ونَحْوُهُ، وهو سائِغٌ فَصِيحٌ، فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ: لَمّا يُتْرَكُوا، لِما تَقَدَّمَ مِنَ الدَّلالَةِ عَلَيْهِ مِن تَفْصِيلِ المَجْمُوعَيْنِ في قَوْلِهِ: ﴿فَمِنهم شَقِيٌّ وسَعِيدٌ﴾ [هود: ١٠٥]، ثُمَّ ذَكَرَ الأشْقِياءَ والسُّعَداءَ ومُجازاتَهم، ثُمَّ بَيَّنَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿لَيُوَفِّيَنَّهم رَبُّكَ أعْمالَهُمْ﴾، قالَ: وما أعْرِفُ وجْهًا أشْبَهَ مِن هَذا، وإنْ كانَ النُّفُوسُ تَسْتَبْعِدُهُ مِن جِهَةِ أنَّ مِثْلَهُ لَمْ يَقَعْ في القُرْآنِ.
وأمّا القِراءَةُ الثّالِثَةُ والرّابِعَةُ فَتَخْرِيجُهُما مَفْهُومٌ مِن تَخْرِيجِ القِراءَتَيْنِ قَبْلَهُما، وأمّا قِراءَةُ أُبَيٍّ ومَن ذُكِرَ مَعَهُ فَـ (إنْ) نافِيَةٌ، ولَمّا بِمَعْنى إلّا، والتَّقْدِيرُ: ما كُلٌّ إلّا واللَّهِ لَيُوَفِّيَنَّهم. وكُلٌّ مُبْتَدَأٌ، والخَبَرُ الجُمْلَةُ القَسَمِيَّةُ، وجَوابُها الَّتِي بَعْدَ لَمّا كَقِراءَةِ مَن قَرَأ ﴿وإنْ كُلٌّ لَمّا جَمِيعٌ﴾ [يس: ٣٢] ﴿إنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمّا عَلَيْها حافِظٌ﴾ [الطارق: ٤] ولا التِفاتَ إلى قَوْلِ أبِي عُبَيْدٍ والفَرّاءِ مِن إنْكارِهِما أنَّ لَمّا تَكُونُ بِمَعْنى إلّا. قالَ أبُو عُبَيْدٍ: لَمْ نَجِدْ هَذا في كَلامِ العَرَبِ، ومَن قالَ هَذا لَزِمَهُ أنْ يَقُولَ: رَأيْتُ القَوْمَ لَمّا أخاكَ يُرِيدُ إلّا أخاكَ، وهَذا غَيْرُ مَوْجُودٍ.
وقالَ الفَرّاءُ: أمّا مَن جَعَلَ (لَمّا) بِمَعْنى إلّا، فَإنَّهُ وجْهٌ لا نَعْرِفُهُ، وقَدْ قالَتِ العَرَبُ مَعَ اليَمِينِ بِاللَّهِ لَمّا قُمْتَ عَنّا، وإلّا قُمْتَ عَنّا، فَأمّا في الِاسْتِثْناءِ فَلَمْ نَنْقُلْهُ في شِعْرٍ. ألا تَرى أنَّ ذَلِكَ لَوْ جازَ لَسُمِعَ في الكَلامِ: ذَهَبَ النّاسُ لَمّا زَيْدًا ؟ والقِراءَةُ المُتَواتِرَةُ في قَوْلِهِ: ﴿وإنْ كُلٌّ لَمّا﴾ [يس: ٣٢]، و﴿إنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمّا﴾ [الطارق: ٤]، حُجَّةٌ عَلَيْهِما.
وكَوْنُ لَمّا بِمَعْنى إلّا نَقَلَهُ الخَلِيلُ وسِيبَوَيْهِ والكِسائِيُّ، وكَوْنُ العَرَبِ خَصَّصَتْ مَجِيئَها بِبَعْضِ التَّراكِيبِ لا يَقْدَحُ ولا يَلْزَمُ اطِّرادُها في بابِ الِاسْتِثْناءِ، فَكَمْ مِن شَيْءٍ خُصَّ بِتَرْكِيبٍ دُونَ ما أشْبَهَهُ. وأمّا قِراءَةُ الزُّهْرِيِّ وابْنِ أرْقَمَ: لَمًّا بِالتَّنْوِينِ والتَّشْدِيدِ، فَلَمّا مَصْدَرٌ مِن قَوْلِهِمْ: لَمَمْتُ الشَّيْءَ: جَمَعْتُهُ، وخُرِّجَ نَصْبُهُ عَلى وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ صِفَةً لِكُلًّا، وُصِفَ بِالمَصْدَرِ وقُدِّرَ كُلٌّ مُضافًا إلى نَكِرَةٍ، حَتّى يَصِحَّ الوَصْفُ بِالنَّكِرَةِ، كَما وُصِفَ بِهِ في قَوْلِهِ: ﴿أكْلًا لَمًّا﴾ [الفجر: ١٩] وهَذا تَخْرِيجُ أبِي عَلِيٍّ. والوَجْهُ الثّانِي: أنْ يَكُونَ مَنصُوبًا بِقَوْلِهِ: ﴿لَيُوَفِّيَنَّهُمْ﴾ عَلى حَدِّ قَوْلِهِمْ: قِيامًا لَأقُومَنَّ، وقُعُودًا لَأقْعُدَنَّ، فالتَّقْدِيرُ: تَوْفِيَةٌ جامِعَةٌ لِأعْمالِهِمْ لَيَوَفِّيَنَّهم. وهَذا تَخْرِيجُ ابْنِ جِنِّيٍّ، وخَبَرُ إنَّ عَلى هَذَيْنِ الوَجْهَيْنِ هو جُمْلَةُ القَسَمِ وجَوابُهُ.
وأمّا ما في مُصْحَفِ أُبَيٍّ فَإنْ نافِيَةٌ، ومِن زائِدَةٌ. وأمّا قِراءَةُ الأعْمَشِ فَواضِحَةٌ، والمَعْنى: جَمِيعُ ما لَهم. قِيلَ: وهَذِهِ الجُمْلَةُ تَضَمَّنَتْ تَوْكِيداتٍ بِإنْ وبِكُلٍّ وبِاللّامِ في الخَبَرِ وبِالقَسَمِ، وبِما إذا كانَتْ زائِدَةً، وبِنُونِ التَّوْكِيدِ وبِاللّامِ قَبْلَها وذَلِكَ مُبالَغَةٌ في وعْدِ الطّائِعِ ووَعِيدِ العاصِي، وأرْدَفَ ذَلِكَ بِالجُمْلَةِ المُؤَكَّدَةِ وهي: ﴿إنَّهُ بِما يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ . وهَذا الوَصْفُ يَقْتَضِي عِلْمَ ما خَفِيَ. وقَرَأ ابْنُ هُرْمُزَ: (بِما تَعْمَلُونَ) عَلى الخِطابِ.
هود 11:112
﴿فاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ ومَن تابَ مَعَكَ ولا تَطْغَوْا إنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾: قالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ وجَماعَةٌ: مَعْناهُ: اسْتَقِمْ عَلى القُرْآنِ، وقالَ الضَّحّاكُ: اسْتَقِمْ بِالجِهادِ، وقالَ مُقاتِلٌ: امْضِ عَلى التَّوْحِيدِ، وقالَ جَماعَةٌ: اسْتَقِمْ عَلى أمْرِ رَبِّكَ بِالدُّعاءِ إلَيْهِ، وقالَ جَعْفَرٌ الصّادِقُ: اسْتَقِمْ في الإخْبارِ عَنِ اللَّهِ بِصِحَّةِ العَزْمِ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فاسْتَقِمِ اسْتِقامَةً مِثْلَ الِاسْتِقامَةِ الَّتِي أُمِرْتَ بِها عَلى جادَّةِ الحَقِّ غَيْرَ عادِلٍ عَنْها.
وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: أُمِرَ بِالِاسْتِقامَةِ وهو عَلَيْها، وهو أمْرٌ بِالدَّوامِ والثُّبُوتِ. والخِطابُ لِلرَّسُولِ وأصْحابِهِ الَّذِينَ تابُوا مِنَ الكُفْرِ ولِسائِرِ الأُمَّةِ، فالمَعْنى وأُمِرْتَ: مُخاطَبَةُ تَعْظِيمٍ، انْتَهى. وقِيلَ: اسْتَفْعَلَ هُنا لِلطَّلَبِ، أيِ: اطْلُبِ الإقامَةَ عَلى الدِّينِ، كَما تَقُولُ: اسْتَغْفِرْ، أيِ: (p-٢٦٩)اطْلُبِ الغُفْرانَ. (ومَن تابَ): مَعْطُوفٌ عَلى الضَّمِيرِ المُسْتَكِنِّ في فاسْتَقِمْ، وأغْنى الفاصِلُ عَنِ التَّوْكِيدِ.
(ولا تَطْغَوْا): قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: في القُرْآنِ فَتُحِلُّوا وتُحَرِّمُوا ما لَمْ آمُرْكم بِهِ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: لا تَعْصُوا رَبَّكم. وقالَ مُقاتِلٌ: لا تَخْلِطُوا التَّوْحِيدَ بِالشَّكِّ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لا تَخْرُجُوا عَنْ حُدُودِ اللَّهِ. وقَرَأ الحَسَنُ والأعْمَشُ: (بِما يَعْمَلُونَ) بِالياءِ عَلى الغَيْبَةِ، ورُوِيَتْ عَنْ عِيسى الثَّقَفِيِّ بَصِيرٌ مُطَّلِعٌ عَلى أعْمالِهِمْ يَراها ويُجازِي عَلَيْها.
﴿ولا تَرْكَنُوا إلى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النّارُ وما لَكم مِن دُونِ اللَّهِ مِن أوْلِياءَ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ﴾: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مَعْنى الرُّكُونِ: المَيْلُ. وقالَ السُّدِّيُّ وابْنُ زَيْدٍ: لا تُداهِنُوا الظَّلَمَةَ.
وقالَ قَتادَةُ: لا تَلْحَقُوا بِهِمْ. وقالَ سُفْيانُ: لا تَدْنُوا إلى الَّذِينَ ظَلَمُوا. وقالَ أبُو العالِيَةِ: لا تَرْضَوْا أعْمالَهم، وقِيلَ: لا تُجالِسُوهم، وقالَ جَعْفَرٌ الصّادِقُ: ﴿إلى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾: إلى أنْفُسِكم فَإنَّها ظالِمَةٌ، وهَذا شَبِيهٌ بِتَفْسِيرِ الباطِنِيَّةِ. وقِيلَ: لا تَتَشَبَّهُوا بِهِمْ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿تَرْكَنُوا﴾ بِفَتْحِ الكافِ، والماضِي رَكِنَ بِكَسْرِها، وهي لُغَةُ قُرَيْشٍ. وقالَ الأزْهَرِيُّ: هي اللُّغَةُ الفُصْحى.
وعَنْ أبِي عَمْرٍو: بِكَسْرِ التّاءِ عَلى لُغَةِ تَمِيمٍ في مُضارِعِ عَلِمَ غَيْرَ الياءِ. وقَرَأ قَتادَةُ وطَلْحَةُ والأشْهَبُ، ورُوِيَتْ عَنْ أبِي عُمَرَ: وتَرْكُنُوا بِضَمِّ الكافِ ماضِي رَكَنَ بِفَتْحِها، وهي لُغَةُ قَيْسٍ وتَمِيمٍ، وقالَ الكِسائِيُّ وأهْلُ نَجْدٍ: وشَذَّ يَرْكَنُ بِفَتْحِ الكافِ، مُضارِعُ رَكَنَ بِفَتْحِها.
وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: ولا تَرْكَنُوا مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ مِن أرْكَنَهُ إذا أمالَهُ، والنَّهْيُ مُتَناوِلٌ الِانْحِطاطَ في هَواهم، والِانْقِطاعَ إلَيْهِمْ، ومُصاحَبَتَهم، ومُجالَسَتَهم، وزِيارَتَهم، ومُداهَنَتَهم، والرِّضا بِأعْمالِهِمْ، والتَّشَبُّهَ بِهِمْ، والتَّزَيِّيَ بِزِيِّهِمْ، ومَدَّ العَيْنِ إلى زَهْرَتِهِمْ، وذِكْرَهم بِما فِيهِ تَعْظِيمٌ لَهم. وتَأمَّلْ قَوْلَهُ: ﴿ولا تَرْكَنُوا﴾، فَإنَّ الرُّكُونَ هو: المَيْلُ اليَسِيرُ. وقَوْلَهُ: ﴿إلى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾، أيِ: الَّذِينَ وُجِدَ مِنهُمُ الظُّلْمُ، ولَمْ يَقُلِ: الظّالِمِينَ، قالَهُ: الزَّمَخْشَرِيُّ.
وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ومَعْناهُ: السُّكُونُ إلى الشَّيْءِ والرِّضا بِهِ. قالَ أبُو العالِيَةِ: الرُّكُونُ: الرِّضا. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: الرُّكُونُ: الإدْهانُ، والرُّكُونُ يَقَعُ في قَلِيلِ هَذا وكَثِيرِهِ.
والنَّهْيُ هُنا يَتَرَتَّبُ مِن مَعْنى الرُّكُونِ عَنِ المَيْلِ إلَيْهِمْ بِالشِّرْكِ مَعَهم إلى أقَلِّ الرُّتَبِ، مِن تَرْكِ التَّعْيِيرِ عَلَيْهِمْ مَعَ القُدْرَةِ، والَّذِينَ ظَلَمُوا هُنا هُمُ: الكَفَرَةُ، وهو النَّصُّ لِلْمُتَأوِّلِينَ، ويَدْخُلُ بِالمَعْنى أهْلُ المَعاصِي، انْتَهى. وقالَ سُفْيانُ الثَّوْرِيُّ: في جَهَنَّمَ وادٍ لا يَسْكُنُهُ إلّا القُرّاءُ الزّائِرُونَ المُلُوكَ. وسُئِلَ سُفْيانُ عَنْ ظالِمٍ أشْرَفَ عَلى الهَلاكِ في بَرِّيَّةٍ هَلْ يُسْقى شَرْبَةَ ماءٍ ؟ فَقالَ: لا. فَقِيلَ لَهُ: يَمُوتُ، فَقالَ: دَعْهُ يَمُوتُ. وفي الحَدِيثِ: «مَن دَعا لِظالِمٍ بِالبَقاءِ فَقَدْ أحَبَّ أنْ يُعْصى اللَّهُ في أرْضِهِ»، وكَتَبَ إلى الزُّهْرِيِّ حِينَ خالَطَ السَّلاطِينَ أخٌ لَهُ في الدِّينِ كِتابًا طَوِيلًا، قَرَّعَهُ فِيهِ أشَدَّ التَّقْرِيعِ، يُوقَفُ عَلَيْهِ في تَفْسِيرِ الزَّمَخْشَرِيِّ. وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ وعَلْقَمَةُ والأعْمَشُ وابْنُ مُصَرِّفٍ وحَمْزَةُ فِيما رُوِيَ عَنْهُ: ﴿فَتَمَسَّكُمُ﴾ بِكَسْرِ التّاءِ عَلى لُغَةِ تَمِيمٍ، والمَسُّ: كِنايَةٌ عَنِ الإصابَةِ. وانْتَصَبَ الفِعْلُ في جَوابِ النَّهْيِ، والجُمْلَةُ بَعْدَها حالٌ. ومَعْنى مِن أوْلِياءَ: مِن أنْصارٍ يَقْدِرُونَ عَلى مَنعِكم مِن عَذابِهِ.
﴿ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ﴾، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ثُمَّ لا يَنْصُرُكم هو لِأنَّهُ وجَبَ في حِكْمَتِهِ تَعْذِيبُكم، وتَرْكُ الإبْقاءِ عَلَيْكم. (فَإنْ قُلْتَ): ما مَعْنى ثُمَّ ؟ قُلْتُ: مَعْناها الِاسْتِبْعادُ، لِأنَّ النُّصْرَةَ مِنَ اللَّهِ مُسْتَبْعَدَةٌ مَعَ اسْتِيجابِهُمُ العَذابَ وقَضاءِ حِكْمَتِهِ لَهُ، انْتَهى. وهي ألْفاظُ المُعْتَزِلَةِ.
وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: (ثُمَّ لا تُنْصَرُوا) بِحَذْفِ النُّونِ، والفِعْلُ مَنصُوبٌ عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ: فَتَمَسَّكُمُ، والجُمْلَةُ حالٌ، أوِ اعْتِراضٌ بَيْنَ المُتَعاطِفَيْنِ.
هود 11:113
﴿فاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ ومَن تابَ مَعَكَ ولا تَطْغَوْا إنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾: قالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ وجَماعَةٌ: مَعْناهُ: اسْتَقِمْ عَلى القُرْآنِ، وقالَ الضَّحّاكُ: اسْتَقِمْ بِالجِهادِ، وقالَ مُقاتِلٌ: امْضِ عَلى التَّوْحِيدِ، وقالَ جَماعَةٌ: اسْتَقِمْ عَلى أمْرِ رَبِّكَ بِالدُّعاءِ إلَيْهِ، وقالَ جَعْفَرٌ الصّادِقُ: اسْتَقِمْ في الإخْبارِ عَنِ اللَّهِ بِصِحَّةِ العَزْمِ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فاسْتَقِمِ اسْتِقامَةً مِثْلَ الِاسْتِقامَةِ الَّتِي أُمِرْتَ بِها عَلى جادَّةِ الحَقِّ غَيْرَ عادِلٍ عَنْها.
وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: أُمِرَ بِالِاسْتِقامَةِ وهو عَلَيْها، وهو أمْرٌ بِالدَّوامِ والثُّبُوتِ. والخِطابُ لِلرَّسُولِ وأصْحابِهِ الَّذِينَ تابُوا مِنَ الكُفْرِ ولِسائِرِ الأُمَّةِ، فالمَعْنى وأُمِرْتَ: مُخاطَبَةُ تَعْظِيمٍ، انْتَهى. وقِيلَ: اسْتَفْعَلَ هُنا لِلطَّلَبِ، أيِ: اطْلُبِ الإقامَةَ عَلى الدِّينِ، كَما تَقُولُ: اسْتَغْفِرْ، أيِ: (p-٢٦٩)اطْلُبِ الغُفْرانَ. (ومَن تابَ): مَعْطُوفٌ عَلى الضَّمِيرِ المُسْتَكِنِّ في فاسْتَقِمْ، وأغْنى الفاصِلُ عَنِ التَّوْكِيدِ.
(ولا تَطْغَوْا): قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: في القُرْآنِ فَتُحِلُّوا وتُحَرِّمُوا ما لَمْ آمُرْكم بِهِ. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: لا تَعْصُوا رَبَّكم. وقالَ مُقاتِلٌ: لا تَخْلِطُوا التَّوْحِيدَ بِالشَّكِّ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لا تَخْرُجُوا عَنْ حُدُودِ اللَّهِ. وقَرَأ الحَسَنُ والأعْمَشُ: (بِما يَعْمَلُونَ) بِالياءِ عَلى الغَيْبَةِ، ورُوِيَتْ عَنْ عِيسى الثَّقَفِيِّ بَصِيرٌ مُطَّلِعٌ عَلى أعْمالِهِمْ يَراها ويُجازِي عَلَيْها.
﴿ولا تَرْكَنُوا إلى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النّارُ وما لَكم مِن دُونِ اللَّهِ مِن أوْلِياءَ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ﴾: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مَعْنى الرُّكُونِ: المَيْلُ. وقالَ السُّدِّيُّ وابْنُ زَيْدٍ: لا تُداهِنُوا الظَّلَمَةَ.
وقالَ قَتادَةُ: لا تَلْحَقُوا بِهِمْ. وقالَ سُفْيانُ: لا تَدْنُوا إلى الَّذِينَ ظَلَمُوا. وقالَ أبُو العالِيَةِ: لا تَرْضَوْا أعْمالَهم، وقِيلَ: لا تُجالِسُوهم، وقالَ جَعْفَرٌ الصّادِقُ: ﴿إلى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾: إلى أنْفُسِكم فَإنَّها ظالِمَةٌ، وهَذا شَبِيهٌ بِتَفْسِيرِ الباطِنِيَّةِ. وقِيلَ: لا تَتَشَبَّهُوا بِهِمْ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿تَرْكَنُوا﴾ بِفَتْحِ الكافِ، والماضِي رَكِنَ بِكَسْرِها، وهي لُغَةُ قُرَيْشٍ. وقالَ الأزْهَرِيُّ: هي اللُّغَةُ الفُصْحى.
وعَنْ أبِي عَمْرٍو: بِكَسْرِ التّاءِ عَلى لُغَةِ تَمِيمٍ في مُضارِعِ عَلِمَ غَيْرَ الياءِ. وقَرَأ قَتادَةُ وطَلْحَةُ والأشْهَبُ، ورُوِيَتْ عَنْ أبِي عُمَرَ: وتَرْكُنُوا بِضَمِّ الكافِ ماضِي رَكَنَ بِفَتْحِها، وهي لُغَةُ قَيْسٍ وتَمِيمٍ، وقالَ الكِسائِيُّ وأهْلُ نَجْدٍ: وشَذَّ يَرْكَنُ بِفَتْحِ الكافِ، مُضارِعُ رَكَنَ بِفَتْحِها.
وقَرَأ ابْنُ أبِي عَبْلَةَ: ولا تَرْكَنُوا مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ مِن أرْكَنَهُ إذا أمالَهُ، والنَّهْيُ مُتَناوِلٌ الِانْحِطاطَ في هَواهم، والِانْقِطاعَ إلَيْهِمْ، ومُصاحَبَتَهم، ومُجالَسَتَهم، وزِيارَتَهم، ومُداهَنَتَهم، والرِّضا بِأعْمالِهِمْ، والتَّشَبُّهَ بِهِمْ، والتَّزَيِّيَ بِزِيِّهِمْ، ومَدَّ العَيْنِ إلى زَهْرَتِهِمْ، وذِكْرَهم بِما فِيهِ تَعْظِيمٌ لَهم. وتَأمَّلْ قَوْلَهُ: ﴿ولا تَرْكَنُوا﴾، فَإنَّ الرُّكُونَ هو: المَيْلُ اليَسِيرُ. وقَوْلَهُ: ﴿إلى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾، أيِ: الَّذِينَ وُجِدَ مِنهُمُ الظُّلْمُ، ولَمْ يَقُلِ: الظّالِمِينَ، قالَهُ: الزَّمَخْشَرِيُّ.
وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ومَعْناهُ: السُّكُونُ إلى الشَّيْءِ والرِّضا بِهِ. قالَ أبُو العالِيَةِ: الرُّكُونُ: الرِّضا. وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: الرُّكُونُ: الإدْهانُ، والرُّكُونُ يَقَعُ في قَلِيلِ هَذا وكَثِيرِهِ.
والنَّهْيُ هُنا يَتَرَتَّبُ مِن مَعْنى الرُّكُونِ عَنِ المَيْلِ إلَيْهِمْ بِالشِّرْكِ مَعَهم إلى أقَلِّ الرُّتَبِ، مِن تَرْكِ التَّعْيِيرِ عَلَيْهِمْ مَعَ القُدْرَةِ، والَّذِينَ ظَلَمُوا هُنا هُمُ: الكَفَرَةُ، وهو النَّصُّ لِلْمُتَأوِّلِينَ، ويَدْخُلُ بِالمَعْنى أهْلُ المَعاصِي، انْتَهى. وقالَ سُفْيانُ الثَّوْرِيُّ: في جَهَنَّمَ وادٍ لا يَسْكُنُهُ إلّا القُرّاءُ الزّائِرُونَ المُلُوكَ. وسُئِلَ سُفْيانُ عَنْ ظالِمٍ أشْرَفَ عَلى الهَلاكِ في بَرِّيَّةٍ هَلْ يُسْقى شَرْبَةَ ماءٍ ؟ فَقالَ: لا. فَقِيلَ لَهُ: يَمُوتُ، فَقالَ: دَعْهُ يَمُوتُ. وفي الحَدِيثِ: «مَن دَعا لِظالِمٍ بِالبَقاءِ فَقَدْ أحَبَّ أنْ يُعْصى اللَّهُ في أرْضِهِ»، وكَتَبَ إلى الزُّهْرِيِّ حِينَ خالَطَ السَّلاطِينَ أخٌ لَهُ في الدِّينِ كِتابًا طَوِيلًا، قَرَّعَهُ فِيهِ أشَدَّ التَّقْرِيعِ، يُوقَفُ عَلَيْهِ في تَفْسِيرِ الزَّمَخْشَرِيِّ. وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ وعَلْقَمَةُ والأعْمَشُ وابْنُ مُصَرِّفٍ وحَمْزَةُ فِيما رُوِيَ عَنْهُ: ﴿فَتَمَسَّكُمُ﴾ بِكَسْرِ التّاءِ عَلى لُغَةِ تَمِيمٍ، والمَسُّ: كِنايَةٌ عَنِ الإصابَةِ. وانْتَصَبَ الفِعْلُ في جَوابِ النَّهْيِ، والجُمْلَةُ بَعْدَها حالٌ. ومَعْنى مِن أوْلِياءَ: مِن أنْصارٍ يَقْدِرُونَ عَلى مَنعِكم مِن عَذابِهِ.
﴿ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ﴾، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ثُمَّ لا يَنْصُرُكم هو لِأنَّهُ وجَبَ في حِكْمَتِهِ تَعْذِيبُكم، وتَرْكُ الإبْقاءِ عَلَيْكم. (فَإنْ قُلْتَ): ما مَعْنى ثُمَّ ؟ قُلْتُ: مَعْناها الِاسْتِبْعادُ، لِأنَّ النُّصْرَةَ مِنَ اللَّهِ مُسْتَبْعَدَةٌ مَعَ اسْتِيجابِهُمُ العَذابَ وقَضاءِ حِكْمَتِهِ لَهُ، انْتَهى. وهي ألْفاظُ المُعْتَزِلَةِ.
وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: (ثُمَّ لا تُنْصَرُوا) بِحَذْفِ النُّونِ، والفِعْلُ مَنصُوبٌ عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ: فَتَمَسَّكُمُ، والجُمْلَةُ حالٌ، أوِ اعْتِراضٌ بَيْنَ المُتَعاطِفَيْنِ.
هود 11:114
﴿وأقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ وزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إنَّ الحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ ذَلِكَ ذِكْرى لِلذّاكِرِينَ﴾ ﴿واصْبِرْ فَإنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أجْرَ المُحْسِنِينَ﴾: سَبَبُ نُزُولِها ما في صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِن حَدِيثِ الرَّجُلِ الَّذِي عالَجَ امْرَأةً أجْنَبِيَّةً مِنهُ، فَأصابَ مِنها ما سِوى إتْيانِها فَنَزَلَتْ. وقِيلَ: نَزَلَتْ قَبْلَ ذَلِكَ، واسْتَعْمَلَها الرَّسُولُ ﷺ في قِصَّةِ هَذا (p-٢٧٠)الرَّجُلِ فَقالَ رَجُلٌ: ألَهُ خاصَّةً ؟ قالَ: لا، بَلْ لِلنّاسِ عامَّةً وانْظُرْ إلى الأمْرِ والنَّهْيِ في هَذِهِ الآياتِ، حَيْثُ جاءَ الخِطابُ في الأمْرِ، ﴿فاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ﴾ [هود: ١١٢]، و(أقِمِ الصَّلاةَ) مُوَحَّدًا في الظّاهِرِ، وإنْ كانَ المَأْمُورُ بِهِ مِن حَيْثُ المَعْنى عامًّا، وجاءَ الخِطابُ في النَّهْيِ: ﴿ولا تَرْكَنُوا﴾ [هود: ١١٣] مُوَجَّهًا إلى غَيْرِ الرَّسُولِ ﷺ، مُخاطَبًا بِهِ أُمَّتُهُ، فَحَيْثُ كانَ بِأفْعالِ الخَيْرِ تَوَجَّهَ الخِطابُ إلَيْهِ، وحَيْثُ كانَ بِالنَّهْيِ عَنِ المَحْظُوراتِ عَدَلَ عَنِ الخِطابِ عَنْهُ إلى غَيْرِهِ مِن أُمَّتِهِ، وهَذا مِن جَلِيلِ الفَصاحَةِ. وخِلافُ أنَّ المَأْمُورَ بِإقامَتِها هي الصَّلَواتُ المَكْتُوبَةُ، وإقامَتُها دَوامُها، وقِيلَ: أداؤُها عَلى تَمامِها، وقِيلَ: فِعْلُها في أفْضَلِ أوْقاتِها، وهي ثَلاثَةُ الأقْوالِ الَّتِي في قَوْلِهِ تَعالى: وأقِيمُوا الصَّلاةَ. وانْتَصَبَ طَرَفَيِ النَّهارِ عَلى الظَّرْفِ. وطَرَفُ الشَّيْءِ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ مِنَ الشَّيْءِ، فالَّذِي يَظْهَرُ أنَّهُما الصُّبْحُ والعَصْرُ، لِأنَّهُما طَرَفا النَّهارِ، ولِذَلِكَ وقَعَ الإجْماعُ، إلّا مَن شَذَّ عَلى أنَّ مَن أكَلَ أوْ جامَعَ بَعْدَ طُلُوعِ الفَجْرِ مُتَعَمِّدًا أنَّ يَوْمَهُ يَوْمُ فِطْرٍ وعَلَيْهِ القَضاءُ والكَفّارَةُ، وما بَعْدَ طُلُوعِ الفَجْرِ مِنَ النَّهارِ.
وقَدِ ادَّعى الطَّبَرِيُّ والماوَرْدِيُّ الإجْماعَ عَلى أنَّ أحَدَ الطَّرَفَيْنِ الصُّبْحُ، والخِلافُ في ذَلِكَ عَلى ما نَذْكُرُهُ.
ومِمَّنْ قالَ: هُما الصُّبْحُ والعَصْرُ الحَسَنُ، وقَتادَةُ، والضَّحّاكُ، وقالَ: الزُّلَفُ المَغْرِبُ والعِشاءُ، ولَيْسَتِ الظّاهِرَ في هَذِهِ الآيَةِ عَلى هَذا القَوْلِ، بَلْ هي في غَيْرِها. وقالَ مُجاهِدٌ ومُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: الطَّرَفُ الأوَّلُ الصُّبْحُ، والثّانِي الظُّهْرُ والعَصْرُ، والزُّلَفُ المَغْرِبُ والعِشاءُ، ولَيْسَتِ الصُّبْحَ في هَذِهِ الآيَةِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ أيْضًا: هُما الصُّبْحُ والمَغْرِبُ، والزُّلَفُ العِشاءُ، ولَيْسَتِ الظُّهْرَ والعَصْرَ في الآيَةِ. وقِيلَ: هُما الظُّهْرُ والعَصْرُ، والزُّلَفُ المَغْرِبُ والعِشاءُ والصُّبْحُ، وكَأنَّ هَذا القائِلَ راعى الجَهْرَ بِالقِراءَةِ والإخْفاءَ. واخْتارَ ابْنُ عَطِيَّةَ قَوْلَ مُجاهِدٍ، وجَعْلُ الظُّهْرِ مِنَ الطَّرَفِ الثّانِي لَيْسَ بِواضِحٍ، إنَّما الظُّهْرُ نِصْفُ النَّهارِ، والنِّصْفُ لا يُسَمّى طَرَفًا إلّا بِمَجازٍ بَعِيدٍ، ورَجَّحَ الطَّبَرِيُّ قَوْلَ ابْنِ عَبّاسٍ: وهو أنَّ الطَّرَفَيْنِ هُما الصُّبْحُ والمَغْرِبُ، ولا تُجْعَلُ المَغْرِبُ طَرَفًا لِلنَّهارِ إلّا بِمَجازٍ، إنَّما هو طَرَفُ اللَّيْلِ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: غُدْوَةً وعَشِيَّةً قالَ: وصَلاةُ الغُدْوَةِ الصُّبْحُ، وصَلاةُ العَشِيَّةِ الظَّهْرُ والعَصْرُ، لِأنَّ ما بَعْدَ الزَّوالِ عَشِيٌّ، وصَلاةُ الزُّلَفِ المَغْرِبُ والعِشاءُ انْتَهى.
ولا يَلْزَمُ مِن إطْلاقِ العَشِيِّ عَلى ما بَعْدَ الزَّوالِ أنْ يَكُونَ الظُّهْرُ طَرَفًا لِلنَّهارِ، لِأنَّ الأمْرَ إنَّما جاءَ بِالإقامَةِ لِلصَّلاةِ في طَرَفَيِ النَّهارِ، لا في الغَداةِ والعَشِيِّ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿وزُلَفًا﴾ بِفَتْحِ اللّامِ، وطَلْحَةُ وعِيسى البَصْرَةِ وابْنُ أبِي إسْحاقَ وأبُو جَعْفَرٍ: بِضَمِّها كَأنَّهُ اسْمٌ مُفْرَدٌ. وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ ومُجاهِدٌ: بِإسْكانِها ورُوِيَ عَنْهُما: (وزُلْفى) عَلى وزْنِ فُعْلى عَلى صِفَةِ الواحِدِ مِنَ المُؤَنَّثِ لَمّا كانَتْ بِمَعْنى المَنزِلَةِ. وأمّا القِرَءاتُ الأُخَرُ مِنَ الجُمُوعِ فَمَنزِلَةٌ بَعْدَ مَنزِلَةٍ، فَزُلَفٌ جَمْعٌ كَظُلَمٍ، وزُلْفٌ كَبُسْرٍ في بُسُرٍ، وزُلُفٌ كَبُسُرٍ في بُسْرَةٍ، فَهُما اسْما جِنْسٍ، وزُلْفى بِمَنزِلَةِ الزُّلْفَةِ. والظّاهِرُ عَطْفُ وزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ عَلى طَرَفَيِ النَّهارِ، عَطَفَ طَرَفًا عَلى طَرَفٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وقَدْ ذُكِرَ هَذِهِ القِرَآتُ وهو ما يَقْرُبُ مِن آخِرِ النَّهارِ مِنَ اللَّيْلِ. وقِيلَ: زُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ، وقُرَبًا مِنَ اللَّيْلِ، وحَقُّها عَلى هَذا التَّفْسِيرِ أنْ تُعْطَفَ عَلى الصَّلاةِ أيْ: أقِمِ الصَّلاةَ في النَّهارِ، وأقِمْ زُلْفى مِنَ اللَّيْلِ عَلى مَعْنى صَلَواتٍ يُتَقَرَّبُ بِها إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ في بَعْضِ اللَّيْلِ.
والظّاهِرُ عُمُومُ الحَسَناتِ مِنَ الصَّلَواتِ المَفْرُوضَةِ، وصِيامِ رَمَضانَ، وما أشْبَهَهُما مِن فَرائِضِ الإسْلامِ. وخُصُوصُ السَّيِّئاتِ وهي الصَّغائِرُ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ الحَدِيثُ الصَّحِيحُ: «ما اجْتُنِبَتِ الكَبائِرُ» وذَهَبَ جُمْهُورُ المُتَأوِّلِينَ مِنَ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ: إلى أنَّ الحَسَناتِ يُرادُ بِها الصَّلَواتُ الخَمْسُ، وإلَيْهِ ذَهَبَ عُثْمانُ عِنْدَ وُضُوءِهِ عَلى المَقاعِدِ، وهو تَأْوِيلُ مالِكٍ. وقالَ مُجاهِدٌ: الحَسَناتُ قَوْلُ الرَّجُلِ: سُبْحانَ اللَّهِ، والحَمْدُ لِلَّهِ، ولا إلَهَ إلّا اللَّهُ، واللَّهُ أكْبَرُ، ولا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ العَلِيِّ العَظِيمِ. ويَنْبَغِي أنْ يُحْمَلَ هَذا كُلُّهُ عَلى جِهَةِ المِثالِ في الحِسابِ، ومِن أجْلِ أنَّ الصَّلَواتِ الخَمْسَ هي أعْظَمُ الأعْمالِ. والصَّغائِرُ الَّتِي تَذْهَبُ هي (p-٢٧١)بِشَرْطِ التَّوْبَةِ مِنها وعَدَمِ الإصْرارِ عَلَيْها، وهَذا نَصُّ حُذّاقِ الأُصُولِيِّينَ. ومَعْنى إذْهابِها: تَكْفِيرُ الصَّغائِرِ، والصَّغائِرُ قَدْ وُجِدَتْ وأذْهَبَتِ الحَسَناتُ ما كانَ يَتَرَتَّبُ عَلَيْها، لا أنَّها تَذْهَبُ حَقائِقُها، إذْ هي قَدْ وُجِدَتْ.
هود 11:115
﴿وأقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهارِ وزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إنَّ الحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ ذَلِكَ ذِكْرى لِلذّاكِرِينَ﴾ ﴿واصْبِرْ فَإنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أجْرَ المُحْسِنِينَ﴾: سَبَبُ نُزُولِها ما في صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِن حَدِيثِ الرَّجُلِ الَّذِي عالَجَ امْرَأةً أجْنَبِيَّةً مِنهُ، فَأصابَ مِنها ما سِوى إتْيانِها فَنَزَلَتْ. وقِيلَ: نَزَلَتْ قَبْلَ ذَلِكَ، واسْتَعْمَلَها الرَّسُولُ ﷺ في قِصَّةِ هَذا (p-٢٧٠)الرَّجُلِ فَقالَ رَجُلٌ: ألَهُ خاصَّةً ؟ قالَ: لا، بَلْ لِلنّاسِ عامَّةً وانْظُرْ إلى الأمْرِ والنَّهْيِ في هَذِهِ الآياتِ، حَيْثُ جاءَ الخِطابُ في الأمْرِ، ﴿فاسْتَقِمْ كَما أُمِرْتَ﴾ [هود: ١١٢]، و(أقِمِ الصَّلاةَ) مُوَحَّدًا في الظّاهِرِ، وإنْ كانَ المَأْمُورُ بِهِ مِن حَيْثُ المَعْنى عامًّا، وجاءَ الخِطابُ في النَّهْيِ: ﴿ولا تَرْكَنُوا﴾ [هود: ١١٣] مُوَجَّهًا إلى غَيْرِ الرَّسُولِ ﷺ، مُخاطَبًا بِهِ أُمَّتُهُ، فَحَيْثُ كانَ بِأفْعالِ الخَيْرِ تَوَجَّهَ الخِطابُ إلَيْهِ، وحَيْثُ كانَ بِالنَّهْيِ عَنِ المَحْظُوراتِ عَدَلَ عَنِ الخِطابِ عَنْهُ إلى غَيْرِهِ مِن أُمَّتِهِ، وهَذا مِن جَلِيلِ الفَصاحَةِ. وخِلافُ أنَّ المَأْمُورَ بِإقامَتِها هي الصَّلَواتُ المَكْتُوبَةُ، وإقامَتُها دَوامُها، وقِيلَ: أداؤُها عَلى تَمامِها، وقِيلَ: فِعْلُها في أفْضَلِ أوْقاتِها، وهي ثَلاثَةُ الأقْوالِ الَّتِي في قَوْلِهِ تَعالى: وأقِيمُوا الصَّلاةَ. وانْتَصَبَ طَرَفَيِ النَّهارِ عَلى الظَّرْفِ. وطَرَفُ الشَّيْءِ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ مِنَ الشَّيْءِ، فالَّذِي يَظْهَرُ أنَّهُما الصُّبْحُ والعَصْرُ، لِأنَّهُما طَرَفا النَّهارِ، ولِذَلِكَ وقَعَ الإجْماعُ، إلّا مَن شَذَّ عَلى أنَّ مَن أكَلَ أوْ جامَعَ بَعْدَ طُلُوعِ الفَجْرِ مُتَعَمِّدًا أنَّ يَوْمَهُ يَوْمُ فِطْرٍ وعَلَيْهِ القَضاءُ والكَفّارَةُ، وما بَعْدَ طُلُوعِ الفَجْرِ مِنَ النَّهارِ.
وقَدِ ادَّعى الطَّبَرِيُّ والماوَرْدِيُّ الإجْماعَ عَلى أنَّ أحَدَ الطَّرَفَيْنِ الصُّبْحُ، والخِلافُ في ذَلِكَ عَلى ما نَذْكُرُهُ.
ومِمَّنْ قالَ: هُما الصُّبْحُ والعَصْرُ الحَسَنُ، وقَتادَةُ، والضَّحّاكُ، وقالَ: الزُّلَفُ المَغْرِبُ والعِشاءُ، ولَيْسَتِ الظّاهِرَ في هَذِهِ الآيَةِ عَلى هَذا القَوْلِ، بَلْ هي في غَيْرِها. وقالَ مُجاهِدٌ ومُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: الطَّرَفُ الأوَّلُ الصُّبْحُ، والثّانِي الظُّهْرُ والعَصْرُ، والزُّلَفُ المَغْرِبُ والعِشاءُ، ولَيْسَتِ الصُّبْحَ في هَذِهِ الآيَةِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ أيْضًا: هُما الصُّبْحُ والمَغْرِبُ، والزُّلَفُ العِشاءُ، ولَيْسَتِ الظُّهْرَ والعَصْرَ في الآيَةِ. وقِيلَ: هُما الظُّهْرُ والعَصْرُ، والزُّلَفُ المَغْرِبُ والعِشاءُ والصُّبْحُ، وكَأنَّ هَذا القائِلَ راعى الجَهْرَ بِالقِراءَةِ والإخْفاءَ. واخْتارَ ابْنُ عَطِيَّةَ قَوْلَ مُجاهِدٍ، وجَعْلُ الظُّهْرِ مِنَ الطَّرَفِ الثّانِي لَيْسَ بِواضِحٍ، إنَّما الظُّهْرُ نِصْفُ النَّهارِ، والنِّصْفُ لا يُسَمّى طَرَفًا إلّا بِمَجازٍ بَعِيدٍ، ورَجَّحَ الطَّبَرِيُّ قَوْلَ ابْنِ عَبّاسٍ: وهو أنَّ الطَّرَفَيْنِ هُما الصُّبْحُ والمَغْرِبُ، ولا تُجْعَلُ المَغْرِبُ طَرَفًا لِلنَّهارِ إلّا بِمَجازٍ، إنَّما هو طَرَفُ اللَّيْلِ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: غُدْوَةً وعَشِيَّةً قالَ: وصَلاةُ الغُدْوَةِ الصُّبْحُ، وصَلاةُ العَشِيَّةِ الظَّهْرُ والعَصْرُ، لِأنَّ ما بَعْدَ الزَّوالِ عَشِيٌّ، وصَلاةُ الزُّلَفِ المَغْرِبُ والعِشاءُ انْتَهى.
ولا يَلْزَمُ مِن إطْلاقِ العَشِيِّ عَلى ما بَعْدَ الزَّوالِ أنْ يَكُونَ الظُّهْرُ طَرَفًا لِلنَّهارِ، لِأنَّ الأمْرَ إنَّما جاءَ بِالإقامَةِ لِلصَّلاةِ في طَرَفَيِ النَّهارِ، لا في الغَداةِ والعَشِيِّ. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿وزُلَفًا﴾ بِفَتْحِ اللّامِ، وطَلْحَةُ وعِيسى البَصْرَةِ وابْنُ أبِي إسْحاقَ وأبُو جَعْفَرٍ: بِضَمِّها كَأنَّهُ اسْمٌ مُفْرَدٌ. وقَرَأ ابْنُ مُحَيْصِنٍ ومُجاهِدٌ: بِإسْكانِها ورُوِيَ عَنْهُما: (وزُلْفى) عَلى وزْنِ فُعْلى عَلى صِفَةِ الواحِدِ مِنَ المُؤَنَّثِ لَمّا كانَتْ بِمَعْنى المَنزِلَةِ. وأمّا القِرَءاتُ الأُخَرُ مِنَ الجُمُوعِ فَمَنزِلَةٌ بَعْدَ مَنزِلَةٍ، فَزُلَفٌ جَمْعٌ كَظُلَمٍ، وزُلْفٌ كَبُسْرٍ في بُسُرٍ، وزُلُفٌ كَبُسُرٍ في بُسْرَةٍ، فَهُما اسْما جِنْسٍ، وزُلْفى بِمَنزِلَةِ الزُّلْفَةِ. والظّاهِرُ عَطْفُ وزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ عَلى طَرَفَيِ النَّهارِ، عَطَفَ طَرَفًا عَلى طَرَفٍ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وقَدْ ذُكِرَ هَذِهِ القِرَآتُ وهو ما يَقْرُبُ مِن آخِرِ النَّهارِ مِنَ اللَّيْلِ. وقِيلَ: زُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ، وقُرَبًا مِنَ اللَّيْلِ، وحَقُّها عَلى هَذا التَّفْسِيرِ أنْ تُعْطَفَ عَلى الصَّلاةِ أيْ: أقِمِ الصَّلاةَ في النَّهارِ، وأقِمْ زُلْفى مِنَ اللَّيْلِ عَلى مَعْنى صَلَواتٍ يُتَقَرَّبُ بِها إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ في بَعْضِ اللَّيْلِ.
والظّاهِرُ عُمُومُ الحَسَناتِ مِنَ الصَّلَواتِ المَفْرُوضَةِ، وصِيامِ رَمَضانَ، وما أشْبَهَهُما مِن فَرائِضِ الإسْلامِ. وخُصُوصُ السَّيِّئاتِ وهي الصَّغائِرُ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ الحَدِيثُ الصَّحِيحُ: «ما اجْتُنِبَتِ الكَبائِرُ» وذَهَبَ جُمْهُورُ المُتَأوِّلِينَ مِنَ الصَّحابَةِ والتّابِعِينَ: إلى أنَّ الحَسَناتِ يُرادُ بِها الصَّلَواتُ الخَمْسُ، وإلَيْهِ ذَهَبَ عُثْمانُ عِنْدَ وُضُوءِهِ عَلى المَقاعِدِ، وهو تَأْوِيلُ مالِكٍ. وقالَ مُجاهِدٌ: الحَسَناتُ قَوْلُ الرَّجُلِ: سُبْحانَ اللَّهِ، والحَمْدُ لِلَّهِ، ولا إلَهَ إلّا اللَّهُ، واللَّهُ أكْبَرُ، ولا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ العَلِيِّ العَظِيمِ. ويَنْبَغِي أنْ يُحْمَلَ هَذا كُلُّهُ عَلى جِهَةِ المِثالِ في الحِسابِ، ومِن أجْلِ أنَّ الصَّلَواتِ الخَمْسَ هي أعْظَمُ الأعْمالِ. والصَّغائِرُ الَّتِي تَذْهَبُ هي (p-٢٧١)بِشَرْطِ التَّوْبَةِ مِنها وعَدَمِ الإصْرارِ عَلَيْها، وهَذا نَصُّ حُذّاقِ الأُصُولِيِّينَ. ومَعْنى إذْهابِها: تَكْفِيرُ الصَّغائِرِ، والصَّغائِرُ قَدْ وُجِدَتْ وأذْهَبَتِ الحَسَناتُ ما كانَ يَتَرَتَّبُ عَلَيْها، لا أنَّها تَذْهَبُ حَقائِقُها، إذْ هي قَدْ وُجِدَتْ.
هود 11:116
وقِيلَ: المَعْنى إنَّ فِعْلَ الحَسَناتِ يَكُونُ لُطْفًا في تَرْكِ السَّيِّئاتِ، لا أنَّها واقِعَةٌ كَقَوْلِهِ: ﴿اتْلُ ما أُوحِيَ إلَيْكَ مِنَ الكِتابِ﴾ [العنكبوت: ٤٥] والظّاهِرُ أنَّ الإشارَةَ بِقَوْلِهِ ذَلِكَ، إلى أقْرَبِ مَذْكُورٍ وهو قَوْلُهُ: أقِمِ الصَّلاةَ أيْ إقامَتَها في هَذِهِ الأوْقاتِ. ذِكْرى أيْ: سَبَبُ عِظَةٍ وتَذْكِرَةٍ لِلذّاكِرِينَ أيِ المُتَّعِظِينَ. وقِيلَ: إشارَةٌ إلى الإخْبارِ بِأنَّ الحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ، فَيَكُونُ في هَذِهِ الذِّكْرى حَضًّا عَلى فِعْلِ الحَسَناتِ. وقِيلَ: إشارَةٌ إلى ما تَقَدَّمَ مِنَ الوَصِيَّةِ بِالِاسْتِقامَةِ وإقامَةِ الصَّلاةِ، والنَّهْيِ عَنِ الطُّغْيانِ، والرُّكُونِ إلى الظّالِمِينَ، وهو قَوْلُ الزَّمَخْشَرِيِّ. وقالَ الطَّبَرِيُّ: إشارَةٌ إلى الأوامِرِ والنَّواهِي في هَذِهِ السُّورَةِ، وقِيلَ: إشارَةٌ إلى القُرْآنِ، وقِيلَ: ذِكْرى مَعْناها تَوْبَةٌ، ثُمَّ أمَرَ تَعالى بِالصَّبْرِ عَلى التَّبْلِيغِ والمَكارِهِ في ذاتِ اللَّهِ بَعْدَ ما تَقَدَّمَ مِنَ الأوامِرِ والنَّواهِي، ومُنَبِّهًا عَلى مَحَلِّ الصَّبْرِ، إذْ لا يَتِمُّ شَيْءٌ مِمّا وقَعَ الأمْرُ بِهِ والنَّهْيُ عَنْهُ إلّا بِهِ، وأتى بِعامٍّ وهو قَوْلُهُ: ﴿أجْرَ المُحْسِنِينَ﴾ [هود: ١١٥]، لِيَنْدَرِجَ فِيهِ كُلُّ مَن أحْسَنَ بِسائِرِ خِصالِ الإحْسانِ مِمّا يُحْتاجُ إلى الصَّبْرِ فِيهِ، وما قَدْ لا يُحْتاجُ كَطَبْعِ مَن خُلِقَ كَرِيمًا، فَلا يَتَكَلَّفُ الإحْسانَ إذْ هو مَرْكُوزٌ في طَبْعِهِ.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المُحْسِنُونَ هُمُ المُصَلُّونَ، كَأنَّهُ نَظَرَ إلى سِياقِ الكَلامِ. وقالَ مُقاتِلٌ: هُمُ المُخْلِصُونَ، وقالَ أبُو سُلَيْمانَ: المُحْسِنُونَ في أعْمالِهِمْ.
﴿فَلَوْلا كانَ مِنَ القُرُونِ مِن قَبْلِكم أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الفَسادِ في الأرْضِ إلّا قَلِيلًا مِمَّنْ أنْجَيْنا مِنهم واتَّبَعَ﴾: (لَوْلا) هُنا لِلتَّحْضِيضِ، صَحِبَها مَعْنى التَّفَجُّعِ والتَّأسُّفِ الَّذِي يَنْبَغِي أنْ يَقَعَ مِنَ البَشَرِ عَلى هَذِهِ الأُمَمِ الَّتِي لَمْ تَهْتَدِ، وهَذا نَحْوُ قَوْلِهِ: ﴿ياحَسْرَةً عَلى العِبادِ﴾ [يس: ٣٠] والقُرُونُ: قَوْمُ نُوحٍ، وعادٍ، وثَمُودَ، ومَن تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ. والبَقِيَّةُ هُنا يُرادُ بِها الخَيْرُ والنَّظَرُ والجَزْمُ في الدِّينِ، وسُمِّيَ الفَضْلُ والجُودُ بَقِيَّةً، لِأنَّ الرَّجُلَ يَسْتَبْقِي مِمّا يُخْرِجُهُ أجْوَدَهُ وأفْضَلَهُ، فَصارَ مَثَلًا في الجَوْدَةِ والفَضْلِ. فَيُقالُ فُلانٌ مِن بَقِيَّةِ القَوْمِ أيْ مِن خِيارِهِمْ، وبِهِ فُسِرَّ بَيْتُ الحَماسَةِ:
؎إنْ تُذْنِبُوا ثُمَّ يَأْتِينِي بَقِيَّتُكُمْ
ومِنهُ قَوْلُهم: في الزَّوايا خَبايا، وفي الرِّجالِ بَقايا. وإنَّما قِيلَ: بَقِيَّةٌ لِأنَّ الشَّرائِعَ والدُّوَلَ ونَحْوَها قُوَّتُها في أوَّلِها، ثُمَّ لا تَزالُ تَضْعُفُ، فَمَن ثَبَتَ في وقْتِ الضَّعْفِ فَهو بَقِيَّةُ الصَّدْرِ الأوَّلِ.
وبَقِيَّةٌ فَعِيلَةٌ اسْمُ فاعِلٍ لِلْمُبالَغَةِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ البَقِيَّةُ بِمَعْنى البَقْوى، كالتَّقِيَّةِ بِمَعْنى التَّقْوى أيْ: فَلا كانَ مِنهم ذَوُو بَقاءٍ عَلى أنْفُسِهِمْ وصِيانَةٍ لَها مِن سَخَطِ اللَّهِ وعِقابِهِ. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ (بَقِيَةٍ) بِتَخْفِيفِ الياءِ اسْمُ فاعِلٍ مِن بَقِيَ، نَحْوُ: شَجِيَتْ فَهي شَجِيَّةٌ. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ: (بُقْيَةٍ) بِضَمِّ الباءِ وسُكُونِ القافِ، عَلى وزْنِ فُعْلَةٍ. وقُرِيءَ: (بَقْيَةٍ) عَلى وزْنِ فَعْلَةٍ لِلْمَرَّةِ مِن بَقاهُ بَقْيًا إذا رَقَبَهُ وانْتَظَرَهُ، والمَعْنى: فَلَوْلا كانَ مِنهم أُولُو مُراقَبَةٍ وخَشْيَةٍ مِنِ انْتِقامِ اللَّهِ، كَأنَّهم يَنْتَظِرُونَ إيقاعَهُ بِهِمْ لِإشْفاقِهِمْ.
والفَسادُ هُنا الكُفْرُ وما اقْتَرَنَ بِهِ مِنَ المَعاصِي، وفي ذَلِكَ تَنْبِيهٌ لِهَذِهِ الأُمَّةِ وحَضٌّ لَها عَلى تَغْيِيرِ المُنْكِرِ. (إلّا قَلِيلًا) اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ أيْ: لَكِنَّ قَلِيلًا مِمَّنْ أنْجَيْنا مِنهم نَهَوْا عَنِ الفَسادِ وهم قَلِيلٌ بِالإضافَةِ إلى جَماعاتِهِمْ، ولا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ اسْتِثْناءً مُتَّصِلًا مَعَ بَقاءِ التَّحْضِيضِ عَلى ظاهِرِهِ لِفَسادِ المَعْنى، وصَيْرُورَتِهِ إلى أنَّ النّاجِينَ لَمْ يُحَرِّضُوا عَلى النَّهْيِ عَنِ الفَسادِ.
والكَلامُ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ بِالتَّحْضِيضِ واجِبٌ، وغَيْرُهُ يَراهُ مَنفِيًّا مِن حَيْثُ مَعْناهُ: أنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ أُولُو بَقِيَّةٍ، ولِهَذا قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ بَعْدَ أنْ مَنَعَ أنْ يَكُونَ مُتَّصِلًا: (فَإنْ قُلْتَ): في تَحْضِيضِهِمْ عَلى النَّهْيِ عَنِ الفَسادِ مَعْنى نَفْيِهِ عَنْهم، فَكَأنَّهُ قِيلَ: ما كانَ مِنَ (p-٢٧٢)القُرُونِ أُولُوا بَقِيَّةٍ إلّا قَلِيلًا، كانَ اسْتِثْناءً مُتَّصِلًا، ومَعْنًى صَحِيحًا، وكانَ انْتِصابُهُ عَلى أصْلِ الِاسْتِثْناءِ وإنْ كانَ الأفْصَحُ أنْ يَرْجِعَ عَلى البَدَلِ انْتَهى.
وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: (إلّا قَلِيلٌ) بِالرَّفْعِ، لَحِظَ أنَّ التَّحْضِيضَ تَضَمَّنَ النَّفْيَ، فَأبْدَلَ كَما يُبْدَلُ في صَرِيحِ النَّفْيِ. وقالَ الفَرّاءُ: المَعْنى فَلَمْ يَكُنْ، لِأنَّ في الِاسْتِفْهامِ ضَرْبًا مِنَ الجَحْدِ، وأبى الأخْفَشُ كَوْنَ الِاسْتِثْناءِ مُنْقَطِعًا، والظّاهِرُ أنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا هم تارِكُو النَّهْيِ عَنِ الفَسادِ.
و﴿ما أُتْرِفُوا فِيهِ﴾ أيْ: ما نَعِمُوا فِيهِ مِن حُبِّ الرِّياسَةِ والثَّرْوَةِ وطَلَبِ أسْبابِ العَيْشِ الهَنِيِّ، ورَفَضُوا ما فِيهِ صَلاحُ دِينِهِمْ. و(اتَّبَعَ) اسْتِئْنافُ إخْبارٍ عَنْ حالِ هَؤُلاءِ الَّذِينَ ظَلَمُوا، وإخْبارٌ عَنْهم أنَّهم مَعَ كَوْنِهِمْ تارِكِي النَّهْيِ عَنِ الفَسادِ كانُوا مُجْرِمِينَ أيْ: ذَوِي جَرائِمَ غَيْرِ ذَلِكَ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: إنْ كانَ مَعْناهُ واتَّبَعُوا الشَّهَواتِ كانَ مَعْطُوفًا عَلى مُضْمَرٍ، لِأنَّ المَعْنى إلّا قَلِيلًا مِمَّنْ أنْجَيْنا مِنهم نَهَوْا عَنِ الفَسادِ في الأرْضِ، واتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا شَهَواتِهِمْ، فَهو عَطْفٌ عَلى نَهَوْا، وإنْ كانَ مَعْناهُ: واتَّبَعُوا جَزاءَ الإتْرافِ. قالُوا ولِلْحالِ، كَأنَّهُ قِيلَ: أنْجَيْنا القَلِيلَ وقَدِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا جَزاءَهم. وقالَ: ﴿وكانُوا مُجْرِمِينَ﴾، عُطِفَ عَلى ﴿أُتْرِفُوا﴾، أيِ اتَّبَعُوا الإتْرافَ.
وكَوْنُهم مُجْرِمِينَ، لِأنَّ تابِعَ الشَّهَواتِ مَغْمُورٌ بِالآثامِ انْتَهى. فَجَعَلَ (ما) في قَوْلِهِ: ﴿ما أُتْرِفُوا فِيهِ﴾ مَصْدَرِيَّةً، ولِهَذا قَدَّرَهُ: اتَّبَعُوا الإتْرافَ، والظّاهِرُ أنَّها بِمَعْنى الَّذِي لِعَوْدِ الضَّمِيرِ في فِيهِ عَلَيْها. وأجازَ أيْضًا أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى (اتَّبَعُوا) أيِ: اتَّبَعُوا شَهَواتِهِمْ وكانُوا مُجْرِمِينَ بِذَلِكَ. قالَ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ اعْتِراضًا وحُكْمًا عَلَيْهِمْ بِأنَّهم قَوْمٌ مُجْرِمُونَ انْتَهى.
ولا يُسَمّى هَذا اعْتِراضًا في اصْطِلاحِ النَّحْوِ، لِأنَّهُ آخِرُ آيَةٍ، فَلَيْسَ بَيْنَ شَيْئَيْنِ يَحْتاجُ أحَدُهُما إلى الآخَرِ. وقَرَأ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، والعَلاءُ بْنُ سِيابَةَ كَذا في كِتابِ اللَّوامِحِ، وأبُو عُمَرَ في رِوايَةِ الجُعْفِيِّ: وأُتْبِعُوا ساكِنَةَ التّاءِ مَبْنِيَّةً لِلْمَفْعُولِ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، لِأنَّهُ مِمّا يَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ، أيْ جَزاءَ ما أُتْرِفُوا فِيهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى في القِراءَةِ المَشْهُورَةِ أنَّهُمُ اتَّبَعُوا جَزاءَ إتْرافِهِمْ، وهَذا مَعْنًى قَوِيٌّ لِتَقَدُّمِ الإنْجاءِ كَأنَّهُ قِيلَ: إلّا قَلِيلًا مِمَّنْ أنْجَيْنا مِنهم وهَلَكَ السّائِرُ ﴿وما كانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ القُرى بِظُلْمٍ وأهْلُها مُصْلِحُونَ﴾: تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ شَبِيهِ هَذِهِ الآيَةِ في الأنْعامِ، إلّا أنَّ هُنا لِيُهْلِكَ وهي آكَدُ في النَّفْيِ، لِأنَّهُ عَلى مَذْهَبِ الكُوفِيِّينَ زِيدَتِ اللّامُ في خَبَرِ كانَ عَلى سَبِيلِ التَّوْكِيدِ، وعَلى مَذْهَبِ البَصْرِيِّينَ نُوَجِّهُ النَّفْيَ إلى الخَبَرِ المَحْذُوفِ المُتَعَلِّقِ بِهِ اللّامُ، وهُنا ﴿وأهْلُها مُصْلِحُونَ﴾ . قالَ الطَّبَرِيُّ: بِشِرْكٍ مِنهم وهم مُصْلِحُونَ، أيْ: مُصْلِحُونَ في أعْمالِهِمْ وسِيَرِهِمْ، وعَدْلِ بَعْضِهِمْ في بَعْضٍ، أيْ: أنَّهُ لا بُدَّ مِن مَعْصِيَةٍ تَقْتَرِنُ بِكُفْرِهِمْ، قالَهُ الطَّبَرِيُّ ناقِلًا. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا ضَعِيفٌ، وإنَّما ذَهَبَ قائِلُهُ إلى نَحْوِ ما قالَ: إنَّ اللَّهَ يُمْهِلُ الدُّوَلَ عَلى الكُفْرِ ولا يُمْهِلُها عَلى الظُّلْمِ والجَوْرِ، ولَوْ عَكَسَ لَكانَ ذَلِكَ مُتَّجِهًا، أيْ: ما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَ أُمَّةً بِظُلْمِهِمْ في مَعاصِيهِمْ وهم مُصْلِحُونَ في الإيمانِ.
والَّذِي رَجَّحَ ابْنُ عَطِيَّةَ أنْ يَكُونَ التَّأْوِيلُ: بِظُلْمٍ مِنهُ تَعالى عَنْ ذَلِكَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿وأهْلُها مُصْلِحُونَ﴾: تَنْزِيهًا لِذاتِهِ عَنِ الظُّلْمِ، وإيذانًا بِأنَّ إهْلاكَ المُصْلِحِينَ مِنَ الظُّلْمِ، انْتَهى.
وهُوَ مُصادِمٌ لِلْحَدِيثِ: «أنَهْلِكُ وفِينا الصّالِحُونَ قالَ: نَعَمْ، إذا كَثُرَ الخَبَثُ» ولِلْآيَةِ: ﴿واتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكم خاصَّةً﴾ [الأنفال: ٢٥] .
هود 11:117
وقِيلَ: المَعْنى إنَّ فِعْلَ الحَسَناتِ يَكُونُ لُطْفًا في تَرْكِ السَّيِّئاتِ، لا أنَّها واقِعَةٌ كَقَوْلِهِ: ﴿اتْلُ ما أُوحِيَ إلَيْكَ مِنَ الكِتابِ﴾ [العنكبوت: ٤٥] والظّاهِرُ أنَّ الإشارَةَ بِقَوْلِهِ ذَلِكَ، إلى أقْرَبِ مَذْكُورٍ وهو قَوْلُهُ: أقِمِ الصَّلاةَ أيْ إقامَتَها في هَذِهِ الأوْقاتِ. ذِكْرى أيْ: سَبَبُ عِظَةٍ وتَذْكِرَةٍ لِلذّاكِرِينَ أيِ المُتَّعِظِينَ. وقِيلَ: إشارَةٌ إلى الإخْبارِ بِأنَّ الحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ، فَيَكُونُ في هَذِهِ الذِّكْرى حَضًّا عَلى فِعْلِ الحَسَناتِ. وقِيلَ: إشارَةٌ إلى ما تَقَدَّمَ مِنَ الوَصِيَّةِ بِالِاسْتِقامَةِ وإقامَةِ الصَّلاةِ، والنَّهْيِ عَنِ الطُّغْيانِ، والرُّكُونِ إلى الظّالِمِينَ، وهو قَوْلُ الزَّمَخْشَرِيِّ. وقالَ الطَّبَرِيُّ: إشارَةٌ إلى الأوامِرِ والنَّواهِي في هَذِهِ السُّورَةِ، وقِيلَ: إشارَةٌ إلى القُرْآنِ، وقِيلَ: ذِكْرى مَعْناها تَوْبَةٌ، ثُمَّ أمَرَ تَعالى بِالصَّبْرِ عَلى التَّبْلِيغِ والمَكارِهِ في ذاتِ اللَّهِ بَعْدَ ما تَقَدَّمَ مِنَ الأوامِرِ والنَّواهِي، ومُنَبِّهًا عَلى مَحَلِّ الصَّبْرِ، إذْ لا يَتِمُّ شَيْءٌ مِمّا وقَعَ الأمْرُ بِهِ والنَّهْيُ عَنْهُ إلّا بِهِ، وأتى بِعامٍّ وهو قَوْلُهُ: ﴿أجْرَ المُحْسِنِينَ﴾ [هود: ١١٥]، لِيَنْدَرِجَ فِيهِ كُلُّ مَن أحْسَنَ بِسائِرِ خِصالِ الإحْسانِ مِمّا يُحْتاجُ إلى الصَّبْرِ فِيهِ، وما قَدْ لا يُحْتاجُ كَطَبْعِ مَن خُلِقَ كَرِيمًا، فَلا يَتَكَلَّفُ الإحْسانَ إذْ هو مَرْكُوزٌ في طَبْعِهِ.
وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المُحْسِنُونَ هُمُ المُصَلُّونَ، كَأنَّهُ نَظَرَ إلى سِياقِ الكَلامِ. وقالَ مُقاتِلٌ: هُمُ المُخْلِصُونَ، وقالَ أبُو سُلَيْمانَ: المُحْسِنُونَ في أعْمالِهِمْ.
﴿فَلَوْلا كانَ مِنَ القُرُونِ مِن قَبْلِكم أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الفَسادِ في الأرْضِ إلّا قَلِيلًا مِمَّنْ أنْجَيْنا مِنهم واتَّبَعَ﴾: (لَوْلا) هُنا لِلتَّحْضِيضِ، صَحِبَها مَعْنى التَّفَجُّعِ والتَّأسُّفِ الَّذِي يَنْبَغِي أنْ يَقَعَ مِنَ البَشَرِ عَلى هَذِهِ الأُمَمِ الَّتِي لَمْ تَهْتَدِ، وهَذا نَحْوُ قَوْلِهِ: ﴿ياحَسْرَةً عَلى العِبادِ﴾ [يس: ٣٠] والقُرُونُ: قَوْمُ نُوحٍ، وعادٍ، وثَمُودَ، ومَن تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ. والبَقِيَّةُ هُنا يُرادُ بِها الخَيْرُ والنَّظَرُ والجَزْمُ في الدِّينِ، وسُمِّيَ الفَضْلُ والجُودُ بَقِيَّةً، لِأنَّ الرَّجُلَ يَسْتَبْقِي مِمّا يُخْرِجُهُ أجْوَدَهُ وأفْضَلَهُ، فَصارَ مَثَلًا في الجَوْدَةِ والفَضْلِ. فَيُقالُ فُلانٌ مِن بَقِيَّةِ القَوْمِ أيْ مِن خِيارِهِمْ، وبِهِ فُسِرَّ بَيْتُ الحَماسَةِ:
؎إنْ تُذْنِبُوا ثُمَّ يَأْتِينِي بَقِيَّتُكُمْ
ومِنهُ قَوْلُهم: في الزَّوايا خَبايا، وفي الرِّجالِ بَقايا. وإنَّما قِيلَ: بَقِيَّةٌ لِأنَّ الشَّرائِعَ والدُّوَلَ ونَحْوَها قُوَّتُها في أوَّلِها، ثُمَّ لا تَزالُ تَضْعُفُ، فَمَن ثَبَتَ في وقْتِ الضَّعْفِ فَهو بَقِيَّةُ الصَّدْرِ الأوَّلِ.
وبَقِيَّةٌ فَعِيلَةٌ اسْمُ فاعِلٍ لِلْمُبالَغَةِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ البَقِيَّةُ بِمَعْنى البَقْوى، كالتَّقِيَّةِ بِمَعْنى التَّقْوى أيْ: فَلا كانَ مِنهم ذَوُو بَقاءٍ عَلى أنْفُسِهِمْ وصِيانَةٍ لَها مِن سَخَطِ اللَّهِ وعِقابِهِ. وقَرَأتْ فِرْقَةٌ (بَقِيَةٍ) بِتَخْفِيفِ الياءِ اسْمُ فاعِلٍ مِن بَقِيَ، نَحْوُ: شَجِيَتْ فَهي شَجِيَّةٌ. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ: (بُقْيَةٍ) بِضَمِّ الباءِ وسُكُونِ القافِ، عَلى وزْنِ فُعْلَةٍ. وقُرِيءَ: (بَقْيَةٍ) عَلى وزْنِ فَعْلَةٍ لِلْمَرَّةِ مِن بَقاهُ بَقْيًا إذا رَقَبَهُ وانْتَظَرَهُ، والمَعْنى: فَلَوْلا كانَ مِنهم أُولُو مُراقَبَةٍ وخَشْيَةٍ مِنِ انْتِقامِ اللَّهِ، كَأنَّهم يَنْتَظِرُونَ إيقاعَهُ بِهِمْ لِإشْفاقِهِمْ.
والفَسادُ هُنا الكُفْرُ وما اقْتَرَنَ بِهِ مِنَ المَعاصِي، وفي ذَلِكَ تَنْبِيهٌ لِهَذِهِ الأُمَّةِ وحَضٌّ لَها عَلى تَغْيِيرِ المُنْكِرِ. (إلّا قَلِيلًا) اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ أيْ: لَكِنَّ قَلِيلًا مِمَّنْ أنْجَيْنا مِنهم نَهَوْا عَنِ الفَسادِ وهم قَلِيلٌ بِالإضافَةِ إلى جَماعاتِهِمْ، ولا يَصِحُّ أنْ يَكُونَ اسْتِثْناءً مُتَّصِلًا مَعَ بَقاءِ التَّحْضِيضِ عَلى ظاهِرِهِ لِفَسادِ المَعْنى، وصَيْرُورَتِهِ إلى أنَّ النّاجِينَ لَمْ يُحَرِّضُوا عَلى النَّهْيِ عَنِ الفَسادِ.
والكَلامُ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ بِالتَّحْضِيضِ واجِبٌ، وغَيْرُهُ يَراهُ مَنفِيًّا مِن حَيْثُ مَعْناهُ: أنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ أُولُو بَقِيَّةٍ، ولِهَذا قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ بَعْدَ أنْ مَنَعَ أنْ يَكُونَ مُتَّصِلًا: (فَإنْ قُلْتَ): في تَحْضِيضِهِمْ عَلى النَّهْيِ عَنِ الفَسادِ مَعْنى نَفْيِهِ عَنْهم، فَكَأنَّهُ قِيلَ: ما كانَ مِنَ (p-٢٧٢)القُرُونِ أُولُوا بَقِيَّةٍ إلّا قَلِيلًا، كانَ اسْتِثْناءً مُتَّصِلًا، ومَعْنًى صَحِيحًا، وكانَ انْتِصابُهُ عَلى أصْلِ الِاسْتِثْناءِ وإنْ كانَ الأفْصَحُ أنْ يَرْجِعَ عَلى البَدَلِ انْتَهى.
وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: (إلّا قَلِيلٌ) بِالرَّفْعِ، لَحِظَ أنَّ التَّحْضِيضَ تَضَمَّنَ النَّفْيَ، فَأبْدَلَ كَما يُبْدَلُ في صَرِيحِ النَّفْيِ. وقالَ الفَرّاءُ: المَعْنى فَلَمْ يَكُنْ، لِأنَّ في الِاسْتِفْهامِ ضَرْبًا مِنَ الجَحْدِ، وأبى الأخْفَشُ كَوْنَ الِاسْتِثْناءِ مُنْقَطِعًا، والظّاهِرُ أنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا هم تارِكُو النَّهْيِ عَنِ الفَسادِ.
و﴿ما أُتْرِفُوا فِيهِ﴾ أيْ: ما نَعِمُوا فِيهِ مِن حُبِّ الرِّياسَةِ والثَّرْوَةِ وطَلَبِ أسْبابِ العَيْشِ الهَنِيِّ، ورَفَضُوا ما فِيهِ صَلاحُ دِينِهِمْ. و(اتَّبَعَ) اسْتِئْنافُ إخْبارٍ عَنْ حالِ هَؤُلاءِ الَّذِينَ ظَلَمُوا، وإخْبارٌ عَنْهم أنَّهم مَعَ كَوْنِهِمْ تارِكِي النَّهْيِ عَنِ الفَسادِ كانُوا مُجْرِمِينَ أيْ: ذَوِي جَرائِمَ غَيْرِ ذَلِكَ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: إنْ كانَ مَعْناهُ واتَّبَعُوا الشَّهَواتِ كانَ مَعْطُوفًا عَلى مُضْمَرٍ، لِأنَّ المَعْنى إلّا قَلِيلًا مِمَّنْ أنْجَيْنا مِنهم نَهَوْا عَنِ الفَسادِ في الأرْضِ، واتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا شَهَواتِهِمْ، فَهو عَطْفٌ عَلى نَهَوْا، وإنْ كانَ مَعْناهُ: واتَّبَعُوا جَزاءَ الإتْرافِ. قالُوا ولِلْحالِ، كَأنَّهُ قِيلَ: أنْجَيْنا القَلِيلَ وقَدِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا جَزاءَهم. وقالَ: ﴿وكانُوا مُجْرِمِينَ﴾، عُطِفَ عَلى ﴿أُتْرِفُوا﴾، أيِ اتَّبَعُوا الإتْرافَ.
وكَوْنُهم مُجْرِمِينَ، لِأنَّ تابِعَ الشَّهَواتِ مَغْمُورٌ بِالآثامِ انْتَهى. فَجَعَلَ (ما) في قَوْلِهِ: ﴿ما أُتْرِفُوا فِيهِ﴾ مَصْدَرِيَّةً، ولِهَذا قَدَّرَهُ: اتَّبَعُوا الإتْرافَ، والظّاهِرُ أنَّها بِمَعْنى الَّذِي لِعَوْدِ الضَّمِيرِ في فِيهِ عَلَيْها. وأجازَ أيْضًا أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى (اتَّبَعُوا) أيِ: اتَّبَعُوا شَهَواتِهِمْ وكانُوا مُجْرِمِينَ بِذَلِكَ. قالَ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ اعْتِراضًا وحُكْمًا عَلَيْهِمْ بِأنَّهم قَوْمٌ مُجْرِمُونَ انْتَهى.
ولا يُسَمّى هَذا اعْتِراضًا في اصْطِلاحِ النَّحْوِ، لِأنَّهُ آخِرُ آيَةٍ، فَلَيْسَ بَيْنَ شَيْئَيْنِ يَحْتاجُ أحَدُهُما إلى الآخَرِ. وقَرَأ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، والعَلاءُ بْنُ سِيابَةَ كَذا في كِتابِ اللَّوامِحِ، وأبُو عُمَرَ في رِوايَةِ الجُعْفِيِّ: وأُتْبِعُوا ساكِنَةَ التّاءِ مَبْنِيَّةً لِلْمَفْعُولِ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، لِأنَّهُ مِمّا يَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ، أيْ جَزاءَ ما أُتْرِفُوا فِيهِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى في القِراءَةِ المَشْهُورَةِ أنَّهُمُ اتَّبَعُوا جَزاءَ إتْرافِهِمْ، وهَذا مَعْنًى قَوِيٌّ لِتَقَدُّمِ الإنْجاءِ كَأنَّهُ قِيلَ: إلّا قَلِيلًا مِمَّنْ أنْجَيْنا مِنهم وهَلَكَ السّائِرُ ﴿وما كانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ القُرى بِظُلْمٍ وأهْلُها مُصْلِحُونَ﴾: تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ شَبِيهِ هَذِهِ الآيَةِ في الأنْعامِ، إلّا أنَّ هُنا لِيُهْلِكَ وهي آكَدُ في النَّفْيِ، لِأنَّهُ عَلى مَذْهَبِ الكُوفِيِّينَ زِيدَتِ اللّامُ في خَبَرِ كانَ عَلى سَبِيلِ التَّوْكِيدِ، وعَلى مَذْهَبِ البَصْرِيِّينَ نُوَجِّهُ النَّفْيَ إلى الخَبَرِ المَحْذُوفِ المُتَعَلِّقِ بِهِ اللّامُ، وهُنا ﴿وأهْلُها مُصْلِحُونَ﴾ . قالَ الطَّبَرِيُّ: بِشِرْكٍ مِنهم وهم مُصْلِحُونَ، أيْ: مُصْلِحُونَ في أعْمالِهِمْ وسِيَرِهِمْ، وعَدْلِ بَعْضِهِمْ في بَعْضٍ، أيْ: أنَّهُ لا بُدَّ مِن مَعْصِيَةٍ تَقْتَرِنُ بِكُفْرِهِمْ، قالَهُ الطَّبَرِيُّ ناقِلًا. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهَذا ضَعِيفٌ، وإنَّما ذَهَبَ قائِلُهُ إلى نَحْوِ ما قالَ: إنَّ اللَّهَ يُمْهِلُ الدُّوَلَ عَلى الكُفْرِ ولا يُمْهِلُها عَلى الظُّلْمِ والجَوْرِ، ولَوْ عَكَسَ لَكانَ ذَلِكَ مُتَّجِهًا، أيْ: ما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَ أُمَّةً بِظُلْمِهِمْ في مَعاصِيهِمْ وهم مُصْلِحُونَ في الإيمانِ.
والَّذِي رَجَّحَ ابْنُ عَطِيَّةَ أنْ يَكُونَ التَّأْوِيلُ: بِظُلْمٍ مِنهُ تَعالى عَنْ ذَلِكَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ﴿وأهْلُها مُصْلِحُونَ﴾: تَنْزِيهًا لِذاتِهِ عَنِ الظُّلْمِ، وإيذانًا بِأنَّ إهْلاكَ المُصْلِحِينَ مِنَ الظُّلْمِ، انْتَهى.
وهُوَ مُصادِمٌ لِلْحَدِيثِ: «أنَهْلِكُ وفِينا الصّالِحُونَ قالَ: نَعَمْ، إذا كَثُرَ الخَبَثُ» ولِلْآيَةِ: ﴿واتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكم خاصَّةً﴾ [الأنفال: ٢٥] .
هود 11:118
(p-٢٧٣)﴿ولَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النّاسَ أُمَّةً واحِدَةً ولا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾ ﴿إلّا مَن رَحِمَ رَبُّكَ ولِذَلِكَ خَلَقَهم وتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الجِنَّةِ والنّاسِ أجْمَعِينَ﴾: قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَعْنِي لِاضْطِرارِهِمْ إلى أنْ يَكُونُوا أهْلَ مِلَّةٍ واحِدَةٍ وهي مِلَّةُ الإسْلامِ كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّ هَذِهِ أُمَّتُكم أُمَّةً واحِدَةً﴾ [الأنبياء: ٩٢] وهَذا كَلامٌ يَتَضَمَّنُ نَفْيَ الِاضْطِرارِ، وأنَّهُ لَمْ يَقْهَرْهم عَلى الِاتِّفاقِ عَلى دِينِ الحَقِّ، ولَكِنَّهُ مَكَّنَهم مِنَ الِاخْتِيارِ الَّذِي هو أساسُ التَّكْلِيفِ، فاخْتارَ بَعْضُهُمُ الحَقَّ، وبَعْضُهُمُ الباطِلَ فاخْتَلَفُوا ﴿ولا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾ ﴿إلّا مَن رَحِمَ رَبُّكَ﴾: إلّا ناسًا هَداهُمُ اللَّهُ ولَطَفَ بِهِمْ فاتَّفَقُوا عَلى دِينِ الحَقِّ غَيْرَ مُخْتَلِفِينَ فِيهِ، انْتَهى. وهو عَلى طَرِيقَةِ الِاعْتِزالِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ: أُمَّةً واحِدَةً مُؤْمِنَةً حَتّى لا يَقَعَ مِنهم كُفْرٌ، لَكِنَّهُ تَعالى لَمْ يَشَأْ ذَلِكَ. وقالَ الضَّحّاكُ: لَوْ شاءَ لَجَعَلَهم عَلى هُدًى أوْ ضَلالَةٍ، والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ولا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾ هو مِنَ الِاخْتِلافِ الَّذِي هو ضِدُّ الِاتِّفاقِ، وأنَّ المَعْنى: في الحَقِّ والباطِلِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقالَ مُجاهِدٌ: في الأدْيانِ، وقالَ الحَسَنُ: في الأرْزاقِ والأحْوالِ مِن تَسْخِيرِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ، وقالَ عِكْرِمَةُ: في الأهْواءِ، وقالَ ابْنُ بَحْرٍ: المُرادُ أنَّ بَعْضَهم يَخْلُفُ بَعْضًا، فَيَكُونُ الآتِي خَلَفًا لِلْماضِي. قالَ: ومِنهُ قَوْلُهم: ما اخْتَلَفَ الجَدِيدانِ، أيْ: خَلَفَ أحَدُهُما صاحِبَهُ. و﴿إلّا مَن رَحِمَ﴾: اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿ولا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾، ولا ضَرُورَةَ تَدْعُو إلى أنَّهُ بِمَعْنى لَكِنْ، فَيَكُونُ اسْتِثْناءً مُنْقَطِعًا كَما ذَهَبَ إلَيْهِ الحَوْفِيُّ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿ولِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾: إلى المَصْدَرِ المَفْهُومِ مِن قَوْلِهِ: ﴿مُخْتَلِفِينَ﴾، كَما قالَ: إذا نَهى السَّفِيهَ جَرى إلَيْهِ. فَعادَ الضَّمِيرُ إلى المَصْدَرِ المَفْهُومِ مِنِ اسْمِ الفاعِلِ، كَأنَّهُ قِيلَ: ولِلِاخْتِلافِ خَلَقَهم، ويَكُونُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: لِثَمَرَةِ الِاخْتِلافِ مِنَ الشَّقاوَةِ والسَّعادَةِ خَلَقَهم. ودَلَّ عَلى هَذا المَحْذُوفِ أنَّهُ قَدْ تَقَرَّرَ مِن قاعِدَةِ الشَّرِيعَةِ أنَّ اللَّهَ تَعالى خَلَقَ خَلْقًا لِلسَّعادَةِ، وخَلْقًا لِلشَّقاوَةِ، ثُمَّ يَسَّرَ كُلًّا لِما خُلِقَ لَهُ، وهَذا نَصٌّ في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ.
وهَذِهِ اللّامُ في التَّحْقِيقِ هي لامُ الصَّيْرُورَةِ في ذَلِكَ المَحْذُوفِ، أوْ تَكُونُ لامُ الصَّيْرُورَةِ بِغَيْرِ ذَلِكَ المَحْذُوفِ، أيْ: خَلَقَهم لِيَصِيرَ أمْرُهم إلى الِاخْتِلافِ. ولا يَتَعارَضُ هَذا مَعَ قَوْلِهِ: ﴿وما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ إلّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] لِأنَّ مَعْنى هَذا: الأمْرُ بِالعِبادَةِ. وقالَ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ: ذَلِكَ إشارَةٌ إلى الرَّحْمَةِ الَّتِي تَضَمَّنَها قَوْلُهُ: ﴿إلّا مَن رَحِمَ رَبُّكَ﴾، والضَّمِيرُ في (خَلَقَهم) عائِدٌ عَلى المَرْحُومِينَ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ واخْتارَهُ الطَّبَرِيُّ: الإشارَةُ بِذَلِكَ إلى الِاخْتِلافِ والرَّحْمَةِ مَعًا، فَيَكُونُ عَلى هَذا أُشِيرَ بِالمُفْرَدِ إلى اثْنَيْنِ كَقَوْلِهِ: ﴿عَوانٌ بَيْنَ ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٦٨]، أيْ: بَيْنَ الفارِضِ والبِكْرِ، والضَّمِيرُ في (خَلَقَهم) عائِدٌ عَلى الصِّنْفَيْنِ: المُسْتَثْنى والمُسْتَثْنى مِنهُ، ولَيْسَ في هَذِهِ الجُمْلَةِ ما يُمْكِنُ أنْ يَعُودَ عَلَيْهِ الضَّمِيرُ إلّا الِاخْتِلافَ كَما قالَ الحَسَنُ وعَطاءٌ، أوِ الرَّحْمَةَ كَما قالَ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ، أوْ كِلاهُما كَما قالَ ابْنُ عَبّاسٍ. وقَدْ أبْعَدَ المُتَأوِّلُونَ في تَقْدِيرِ غَيْرِ هَذِهِ الثَّلاثِ، فَرُوِيَ: أنَّهُ إشارَةٌ إلى ما بَعْدَهُ. وفِيهِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، أيْ: وتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الجِنَّةِ والنّاسِ أجْمَعِينَ، ولِذَلِكَ خَلَقَهم، أيْ: لِمِلْءِ جَهَنَّمَ مِنهم، وهَذا بَعِيدٌ جِدًّا مِن تَراكِيبِ كَلامِ العَرَبِ. وقِيلَ: إشارَةٌ إلى شُهُودِ ذَلِكَ اليَوْمِ المَشْهُودِ، وقِيلَ: إلى قَوْلِهِ: ﴿فَمِنهم شَقِيٌّ وسَعِيدٌ﴾ [هود: ١٠٥] وقِيلَ: إشارَةٌ إلى أنْ يَكُونَ فَرِيقٌ في الجَنَّةِ وفَرِيقٌ في السَّعِيرِ، وقِيلَ: إشارَةٌ إلى قَوْلِهِ: ﴿يَنْهَوْنَ عَنِ الفَسادِ في الأرْضِ﴾ [هود: ١١٦] وقِيلَ: إشارَةٌ إلى العِبادَةِ، وقِيلَ: (p-٢٧٤)إلى الجَنَّةِ والنّارِ، وقِيلَ: لِلسَّعادَةِ والشَّقاوَةِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ولِذَلِكَ إشارَةٌ إلى ما دَلَّ عَلَيْهِ الكَلامُ، أوَّلًا: مِنَ التَّمْكِينِ والِاخْتِيارِ الَّذِي عَنْهُ الِاخْتِلافُ، خَلَقَهم لِيُثِيبَ مُخْتارَ الحَقِّ بِحُسْنِ اخْتِيارِهِ، ويُعاقِبَ مُخْتارَ الباطِلِ بِسُوءِ اخْتِيارِهِ، انْتَهى. وهو عَلى طَرِيقَةِ الِاعْتِزالِ. ولَوْلا أنَّ هَذِهِ الأقْوالَ سُطِّرَتْ في كُتُبِ التَّفْسِيرِ لَضَرَبْتُ عَنْ ذِكْرِها صَفْحًا.
﴿وتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ﴾، أيْ: نَفَذَ قَضاؤُهُ وحَقَّ أمْرُهُ. واللّامُ في (لِأمْلَأنَ): هي الَّتِي يُتَلَقّى بِها القَسَمُ، أوِ الجُمْلَةُ قَبْلَها ضُمِّنَتْ مَعْنى القَسَمِ كَقَوْلِهِ ﴿وإذْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ﴾ [آل عمران: ٨١] ثُمَّ قالَ: ﴿لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ﴾ [آل عمران: ٨١]: والجِنَّةُ والجِنُّ بِمَعْنًى واحِدٍ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والهاءُ فِيهِ لِلْمُبالَغَةِ، وإنْ كانَ الجِنُّ يَقَعُ عَلى الواحِدِ، فالجِنَّةُ جَمْعُهُ، انْتَهى.
فَيَكُونُ مِمّا يَكُونُ فِيهِ الواحِدُ بِغَيْرِ هاءٍ، وجَمْعُهُ بِالهاءِ لِقَوْلِ بَعْضِ العَرَبِ: كَمْءٌ لِلْواحِدِ، وكَمْأةٌ لِلْجَمْعِ.
هود 11:119
(p-٢٧٣)﴿ولَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النّاسَ أُمَّةً واحِدَةً ولا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾ ﴿إلّا مَن رَحِمَ رَبُّكَ ولِذَلِكَ خَلَقَهم وتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الجِنَّةِ والنّاسِ أجْمَعِينَ﴾: قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: يَعْنِي لِاضْطِرارِهِمْ إلى أنْ يَكُونُوا أهْلَ مِلَّةٍ واحِدَةٍ وهي مِلَّةُ الإسْلامِ كَقَوْلِهِ: ﴿إنَّ هَذِهِ أُمَّتُكم أُمَّةً واحِدَةً﴾ [الأنبياء: ٩٢] وهَذا كَلامٌ يَتَضَمَّنُ نَفْيَ الِاضْطِرارِ، وأنَّهُ لَمْ يَقْهَرْهم عَلى الِاتِّفاقِ عَلى دِينِ الحَقِّ، ولَكِنَّهُ مَكَّنَهم مِنَ الِاخْتِيارِ الَّذِي هو أساسُ التَّكْلِيفِ، فاخْتارَ بَعْضُهُمُ الحَقَّ، وبَعْضُهُمُ الباطِلَ فاخْتَلَفُوا ﴿ولا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾ ﴿إلّا مَن رَحِمَ رَبُّكَ﴾: إلّا ناسًا هَداهُمُ اللَّهُ ولَطَفَ بِهِمْ فاتَّفَقُوا عَلى دِينِ الحَقِّ غَيْرَ مُخْتَلِفِينَ فِيهِ، انْتَهى. وهو عَلى طَرِيقَةِ الِاعْتِزالِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ: أُمَّةً واحِدَةً مُؤْمِنَةً حَتّى لا يَقَعَ مِنهم كُفْرٌ، لَكِنَّهُ تَعالى لَمْ يَشَأْ ذَلِكَ. وقالَ الضَّحّاكُ: لَوْ شاءَ لَجَعَلَهم عَلى هُدًى أوْ ضَلالَةٍ، والظّاهِرُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ولا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾ هو مِنَ الِاخْتِلافِ الَّذِي هو ضِدُّ الِاتِّفاقِ، وأنَّ المَعْنى: في الحَقِّ والباطِلِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقالَ مُجاهِدٌ: في الأدْيانِ، وقالَ الحَسَنُ: في الأرْزاقِ والأحْوالِ مِن تَسْخِيرِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ، وقالَ عِكْرِمَةُ: في الأهْواءِ، وقالَ ابْنُ بَحْرٍ: المُرادُ أنَّ بَعْضَهم يَخْلُفُ بَعْضًا، فَيَكُونُ الآتِي خَلَفًا لِلْماضِي. قالَ: ومِنهُ قَوْلُهم: ما اخْتَلَفَ الجَدِيدانِ، أيْ: خَلَفَ أحَدُهُما صاحِبَهُ. و﴿إلّا مَن رَحِمَ﴾: اسْتِثْناءٌ مُتَّصِلٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿ولا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾، ولا ضَرُورَةَ تَدْعُو إلى أنَّهُ بِمَعْنى لَكِنْ، فَيَكُونُ اسْتِثْناءً مُنْقَطِعًا كَما ذَهَبَ إلَيْهِ الحَوْفِيُّ، والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: ﴿ولِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾: إلى المَصْدَرِ المَفْهُومِ مِن قَوْلِهِ: ﴿مُخْتَلِفِينَ﴾، كَما قالَ: إذا نَهى السَّفِيهَ جَرى إلَيْهِ. فَعادَ الضَّمِيرُ إلى المَصْدَرِ المَفْهُومِ مِنِ اسْمِ الفاعِلِ، كَأنَّهُ قِيلَ: ولِلِاخْتِلافِ خَلَقَهم، ويَكُونُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ: لِثَمَرَةِ الِاخْتِلافِ مِنَ الشَّقاوَةِ والسَّعادَةِ خَلَقَهم. ودَلَّ عَلى هَذا المَحْذُوفِ أنَّهُ قَدْ تَقَرَّرَ مِن قاعِدَةِ الشَّرِيعَةِ أنَّ اللَّهَ تَعالى خَلَقَ خَلْقًا لِلسَّعادَةِ، وخَلْقًا لِلشَّقاوَةِ، ثُمَّ يَسَّرَ كُلًّا لِما خُلِقَ لَهُ، وهَذا نَصٌّ في الحَدِيثِ الصَّحِيحِ.
وهَذِهِ اللّامُ في التَّحْقِيقِ هي لامُ الصَّيْرُورَةِ في ذَلِكَ المَحْذُوفِ، أوْ تَكُونُ لامُ الصَّيْرُورَةِ بِغَيْرِ ذَلِكَ المَحْذُوفِ، أيْ: خَلَقَهم لِيَصِيرَ أمْرُهم إلى الِاخْتِلافِ. ولا يَتَعارَضُ هَذا مَعَ قَوْلِهِ: ﴿وما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ إلّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] لِأنَّ مَعْنى هَذا: الأمْرُ بِالعِبادَةِ. وقالَ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ: ذَلِكَ إشارَةٌ إلى الرَّحْمَةِ الَّتِي تَضَمَّنَها قَوْلُهُ: ﴿إلّا مَن رَحِمَ رَبُّكَ﴾، والضَّمِيرُ في (خَلَقَهم) عائِدٌ عَلى المَرْحُومِينَ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ واخْتارَهُ الطَّبَرِيُّ: الإشارَةُ بِذَلِكَ إلى الِاخْتِلافِ والرَّحْمَةِ مَعًا، فَيَكُونُ عَلى هَذا أُشِيرَ بِالمُفْرَدِ إلى اثْنَيْنِ كَقَوْلِهِ: ﴿عَوانٌ بَيْنَ ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٦٨]، أيْ: بَيْنَ الفارِضِ والبِكْرِ، والضَّمِيرُ في (خَلَقَهم) عائِدٌ عَلى الصِّنْفَيْنِ: المُسْتَثْنى والمُسْتَثْنى مِنهُ، ولَيْسَ في هَذِهِ الجُمْلَةِ ما يُمْكِنُ أنْ يَعُودَ عَلَيْهِ الضَّمِيرُ إلّا الِاخْتِلافَ كَما قالَ الحَسَنُ وعَطاءٌ، أوِ الرَّحْمَةَ كَما قالَ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ، أوْ كِلاهُما كَما قالَ ابْنُ عَبّاسٍ. وقَدْ أبْعَدَ المُتَأوِّلُونَ في تَقْدِيرِ غَيْرِ هَذِهِ الثَّلاثِ، فَرُوِيَ: أنَّهُ إشارَةٌ إلى ما بَعْدَهُ. وفِيهِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، أيْ: وتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الجِنَّةِ والنّاسِ أجْمَعِينَ، ولِذَلِكَ خَلَقَهم، أيْ: لِمِلْءِ جَهَنَّمَ مِنهم، وهَذا بَعِيدٌ جِدًّا مِن تَراكِيبِ كَلامِ العَرَبِ. وقِيلَ: إشارَةٌ إلى شُهُودِ ذَلِكَ اليَوْمِ المَشْهُودِ، وقِيلَ: إلى قَوْلِهِ: ﴿فَمِنهم شَقِيٌّ وسَعِيدٌ﴾ [هود: ١٠٥] وقِيلَ: إشارَةٌ إلى أنْ يَكُونَ فَرِيقٌ في الجَنَّةِ وفَرِيقٌ في السَّعِيرِ، وقِيلَ: إشارَةٌ إلى قَوْلِهِ: ﴿يَنْهَوْنَ عَنِ الفَسادِ في الأرْضِ﴾ [هود: ١١٦] وقِيلَ: إشارَةٌ إلى العِبادَةِ، وقِيلَ: (p-٢٧٤)إلى الجَنَّةِ والنّارِ، وقِيلَ: لِلسَّعادَةِ والشَّقاوَةِ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: ولِذَلِكَ إشارَةٌ إلى ما دَلَّ عَلَيْهِ الكَلامُ، أوَّلًا: مِنَ التَّمْكِينِ والِاخْتِيارِ الَّذِي عَنْهُ الِاخْتِلافُ، خَلَقَهم لِيُثِيبَ مُخْتارَ الحَقِّ بِحُسْنِ اخْتِيارِهِ، ويُعاقِبَ مُخْتارَ الباطِلِ بِسُوءِ اخْتِيارِهِ، انْتَهى. وهو عَلى طَرِيقَةِ الِاعْتِزالِ. ولَوْلا أنَّ هَذِهِ الأقْوالَ سُطِّرَتْ في كُتُبِ التَّفْسِيرِ لَضَرَبْتُ عَنْ ذِكْرِها صَفْحًا.
﴿وتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ﴾، أيْ: نَفَذَ قَضاؤُهُ وحَقَّ أمْرُهُ. واللّامُ في (لِأمْلَأنَ): هي الَّتِي يُتَلَقّى بِها القَسَمُ، أوِ الجُمْلَةُ قَبْلَها ضُمِّنَتْ مَعْنى القَسَمِ كَقَوْلِهِ ﴿وإذْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ﴾ [آل عمران: ٨١] ثُمَّ قالَ: ﴿لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ﴾ [آل عمران: ٨١]: والجِنَّةُ والجِنُّ بِمَعْنًى واحِدٍ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والهاءُ فِيهِ لِلْمُبالَغَةِ، وإنْ كانَ الجِنُّ يَقَعُ عَلى الواحِدِ، فالجِنَّةُ جَمْعُهُ، انْتَهى.
فَيَكُونُ مِمّا يَكُونُ فِيهِ الواحِدُ بِغَيْرِ هاءٍ، وجَمْعُهُ بِالهاءِ لِقَوْلِ بَعْضِ العَرَبِ: كَمْءٌ لِلْواحِدِ، وكَمْأةٌ لِلْجَمْعِ.
هود 11:120
﴿وكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِن أنْباءِ الرُّسُلِ ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ وجاءَكَ في هَذِهِ الحَقُّ ومَوْعِظَةٌ وذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ الظّاهِرُ أنَّ كُلًّا مَفْعُولٌ بِهِ، والعامِلُ فِيهِ نَقُصُّ، والتَّنْوِينُ عِوَضٌ مِنَ المَحْذُوفِ، والتَّقْدِيرُ: وكُلُّ نَبَأٍ نَقُصُّ عَلَيْكَ. و﴿مِن أنْباءِ الرُّسُلِ﴾: في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِقَوْلِهِ: (وكُلًّا)، إذْ هي مُضافَةٌ في التَّقْدِيرِ إلى نَكِرَةٍ، وما صِلَةٌ كَما هي في قَوْلِهِ: ﴿قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ﴾ [الأعراف: ٣] قِيلَ: أوْ بَدَلٌ، أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ: هو ما نُثَبِّتُ، فَتَكُونُ ما بِمَعْنى: الَّذِي، أوْ مَصْدَرِيَّةً. وأجازُوا أنْ يَنْتَصِبَ كُلًّا عَلى المَصْدَرِ، وما نُثَبِّتُ: مَفْعُولٌ بِهِ بِقَوْلِكَ: نَقُصُّ، كَأنَّهُ قِيلَ: ونَقُصُّ عَلَيْكَ الشَّيْءَ الَّذِي نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكُ كُلَّ قَصٍّ. وأجازُوا أنْ يَكُونَ (كُلًّا) نَكِرَةً بِمَعْنى: جَمِيعًا، ويَنْتَصِبُ عَلى الحالِ مِنَ المَفْعُولِ الَّذِي هو ما، أوْ مِنَ المَجْرُورِ الَّذِي هو الضَّمِيرُ في بِهِ، عَلى مَذْهَبِ مَن يُجَوِّزُ تَقْدِيمَ حالِ المَجْرُورِ بِالحَرْفِ عَلَيْهِ، التَّقْدِيرُ: ونَقُصُّ عَلَيْكَ مِن أنْباءِ الرُّسُلِ الأشْياءَ الَّتِي نُثَبِّتُ بِها فُؤادَكَ جَمِيعًا، أيِ: المُثَبِّتَةَ فُؤادَكُ جَمِيعًا. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: نُثَبِّتُ: نُسَكِّنُ، وقالَ الضَّحّاكُ: نَشَدُّ، وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: نُقَوِّي. وتَثْبِيتُ الفُؤادِ: هو بِما جَرى لِلْأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ ولِأتْباعِهِمُ المُؤْمِنِينَ، وما لَقُوا مِن مُكَذِّبِيهِمْ مِنَ الأذى، فَفي هَذا كُلِّهِ أُسْوَةٌ بِهِمْ، إذِ المُشارَكَةُ في الأُمُورِ الصَّعْبَةِ تُهَوِّنُ ما يَلْقى الإنْسانُ مِنَ الأذى، ثُمَّ الإعْلامُ بِما جَرى عَلى مُكَذِّبِيهِمْ مِنَ العُقُوباتِ المُسْتَأْصِلَةِ بِأنْواعٍ مِنَ العَذابِ، مِن غَرَقٍ ورِيحٍ ورَجْفَةٍ وخَسْفٍ، وغَيْرِ ذَلِكَ فِيهِ طُمَأْنِينَةٌ لِلنَّفْسِ وتَأْنِيسٌ، بِأنْ يُصِيبَ اللَّهُ مَن كَذَّبَ الرَّسُولَ ﷺ بِالعَذابِ، كَما جَرى لِمُكَذِّبِي الرُّسُلِ، وإنْباءٌ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِحُسْنِ العاقِبَةِ لَهُ ولِأتْباعِهِ، كَما اتُّفِقَ لِلرُّسُلِ وأتْباعِهِمْ. والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: (في هَذِهِ): إلى أنْباءِ الرُّسُلِ الَّتِي قَصَّها اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ، أيِ: النَّبَأِ الصِّدْقِ الحَقِّ الَّذِي هو مُطابِقٌ بِما جَرى لَيْسَ فِيهِ تَغْيِيرٌ ولا تَحْرِيفٌ، كَما يَنْقُلُ شَيْئًا مِن ذَلِكَ المُؤَرِّخُونَ. و(مَوْعِظَةٌ) أيِ: اتِّعاظٌ وازْدِجارٌ لِسامِعِهِ، وذِكْرى لِمَن آمَنَ، إذِ المَوْعِظَةُ والذِّكْرى لا يَنْتَفِعُ بِها إلّا المُؤْمِنُ كَقَوْلِهِ ﴿وذَكِّرْ فَإنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ المُؤْمِنِينَ﴾ [الذاريات: ٥٥] وقَوْلِهِ: ﴿سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشى﴾ [الأعلى: ١٠] ﴿ويَتَجَنَّبُها الأشْقى﴾ [الأعلى: ١١] وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الإشارَةُ إلى السُّورَةِ والآياتِ الَّتِي فِيها تَذَكُّرُ قَصَصِ الأُمَمِ، وهَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ. ووَجْهُ تَخْصِيصِ هَذِهِ السُّورَةِ بِوَصْفِها بِالحَقِّ والقُرْآنُ كُلُّهُ حَقٌّ، أنَّ ذَلِكَ يَتَضَمَّنُ مَعْنى الوَعِيدِ لِلْكَفَرَةِ والتَّنْبِيهِ لِلنّاظِرِ، أيْ: جاءَكَ في هَذِهِ السُّورَةِ الحَقُّ الَّذِي أصابَ الأُمَمَ الظّالِمَةَ. وهَذا كَما يُقالُ عِنْدَ الشَّدائِدِ: جاءَ الحَقُّ، وإنْ كانَ الحَقُّ يَأْتِي في غَيْرِ شَدِيدَةٍ وغَيْرِ ما وجْهٍ، ولا تُسْتَعْمَلُ في ذَلِكَ جاءَ الحَقُّ. وقالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ: الإشارَةُ إلى دارِ الدُّنْيا. قالَ قَتادَةُ: والحَقُّ: النُّبُوَّةُ. وقِيلَ: إشارَةٌ إلى السُّورَةِ مَعَ نَظائِرِها.
﴿وقُلْ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكم إنّا عامِلُونَ﴾ ﴿وانْتَظِرُوا إنّا مُنْتَظِرُونَ﴾: (اعْمَلُوا): صِيغَةُ أمْرٍ ومَعْناهُ: التَّهْدِيدُ والوَعِيدُ، والخِطابُ لِأهْلِ مَكَّةَ وغَيْرِها.
عَلى مَكانَتِكم: أيْ: جِهَتِكم وحالِكُمُ الَّتِي أنْتُمْ عَلَيْها. وقِيلَ: اعْمَلُوا في هَلاكِي عَلى إمْكانِكم. (p-٢٧٥)وانْتَظِرُوا بِنا الدَّوائِرَ، إنّا مُنْتَظِرُونَ أنْ يَنْزِلَ بِكم نَحْوُ ما اقْتَصَّ اللَّهُ مِنَ النِّقَمِ النّازِلَةِ بِأشْباهِكم، ويُشْبِهُ أنْ يَكُونَ إيتاءَ مُوادَعَةٍ، فَلِذَلِكَ قِيلَ: إنَّهُما مَنسُوخَتانِ، وقِيلَ: مُحْكَمَتانِ، وهُما لِلتَّهْدِيدِ والوَعِيدِ، والحَرْبُ قائِمَةٌ.
هود 11:121
﴿وكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِن أنْباءِ الرُّسُلِ ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ وجاءَكَ في هَذِهِ الحَقُّ ومَوْعِظَةٌ وذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ الظّاهِرُ أنَّ كُلًّا مَفْعُولٌ بِهِ، والعامِلُ فِيهِ نَقُصُّ، والتَّنْوِينُ عِوَضٌ مِنَ المَحْذُوفِ، والتَّقْدِيرُ: وكُلُّ نَبَأٍ نَقُصُّ عَلَيْكَ. و﴿مِن أنْباءِ الرُّسُلِ﴾: في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِقَوْلِهِ: (وكُلًّا)، إذْ هي مُضافَةٌ في التَّقْدِيرِ إلى نَكِرَةٍ، وما صِلَةٌ كَما هي في قَوْلِهِ: ﴿قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ﴾ [الأعراف: ٣] قِيلَ: أوْ بَدَلٌ، أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ: هو ما نُثَبِّتُ، فَتَكُونُ ما بِمَعْنى: الَّذِي، أوْ مَصْدَرِيَّةً. وأجازُوا أنْ يَنْتَصِبَ كُلًّا عَلى المَصْدَرِ، وما نُثَبِّتُ: مَفْعُولٌ بِهِ بِقَوْلِكَ: نَقُصُّ، كَأنَّهُ قِيلَ: ونَقُصُّ عَلَيْكَ الشَّيْءَ الَّذِي نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكُ كُلَّ قَصٍّ. وأجازُوا أنْ يَكُونَ (كُلًّا) نَكِرَةً بِمَعْنى: جَمِيعًا، ويَنْتَصِبُ عَلى الحالِ مِنَ المَفْعُولِ الَّذِي هو ما، أوْ مِنَ المَجْرُورِ الَّذِي هو الضَّمِيرُ في بِهِ، عَلى مَذْهَبِ مَن يُجَوِّزُ تَقْدِيمَ حالِ المَجْرُورِ بِالحَرْفِ عَلَيْهِ، التَّقْدِيرُ: ونَقُصُّ عَلَيْكَ مِن أنْباءِ الرُّسُلِ الأشْياءَ الَّتِي نُثَبِّتُ بِها فُؤادَكَ جَمِيعًا، أيِ: المُثَبِّتَةَ فُؤادَكُ جَمِيعًا. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: نُثَبِّتُ: نُسَكِّنُ، وقالَ الضَّحّاكُ: نَشَدُّ، وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: نُقَوِّي. وتَثْبِيتُ الفُؤادِ: هو بِما جَرى لِلْأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ ولِأتْباعِهِمُ المُؤْمِنِينَ، وما لَقُوا مِن مُكَذِّبِيهِمْ مِنَ الأذى، فَفي هَذا كُلِّهِ أُسْوَةٌ بِهِمْ، إذِ المُشارَكَةُ في الأُمُورِ الصَّعْبَةِ تُهَوِّنُ ما يَلْقى الإنْسانُ مِنَ الأذى، ثُمَّ الإعْلامُ بِما جَرى عَلى مُكَذِّبِيهِمْ مِنَ العُقُوباتِ المُسْتَأْصِلَةِ بِأنْواعٍ مِنَ العَذابِ، مِن غَرَقٍ ورِيحٍ ورَجْفَةٍ وخَسْفٍ، وغَيْرِ ذَلِكَ فِيهِ طُمَأْنِينَةٌ لِلنَّفْسِ وتَأْنِيسٌ، بِأنْ يُصِيبَ اللَّهُ مَن كَذَّبَ الرَّسُولَ ﷺ بِالعَذابِ، كَما جَرى لِمُكَذِّبِي الرُّسُلِ، وإنْباءٌ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِحُسْنِ العاقِبَةِ لَهُ ولِأتْباعِهِ، كَما اتُّفِقَ لِلرُّسُلِ وأتْباعِهِمْ. والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: (في هَذِهِ): إلى أنْباءِ الرُّسُلِ الَّتِي قَصَّها اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ، أيِ: النَّبَأِ الصِّدْقِ الحَقِّ الَّذِي هو مُطابِقٌ بِما جَرى لَيْسَ فِيهِ تَغْيِيرٌ ولا تَحْرِيفٌ، كَما يَنْقُلُ شَيْئًا مِن ذَلِكَ المُؤَرِّخُونَ. و(مَوْعِظَةٌ) أيِ: اتِّعاظٌ وازْدِجارٌ لِسامِعِهِ، وذِكْرى لِمَن آمَنَ، إذِ المَوْعِظَةُ والذِّكْرى لا يَنْتَفِعُ بِها إلّا المُؤْمِنُ كَقَوْلِهِ ﴿وذَكِّرْ فَإنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ المُؤْمِنِينَ﴾ [الذاريات: ٥٥] وقَوْلِهِ: ﴿سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشى﴾ [الأعلى: ١٠] ﴿ويَتَجَنَّبُها الأشْقى﴾ [الأعلى: ١١] وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الإشارَةُ إلى السُّورَةِ والآياتِ الَّتِي فِيها تَذَكُّرُ قَصَصِ الأُمَمِ، وهَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ. ووَجْهُ تَخْصِيصِ هَذِهِ السُّورَةِ بِوَصْفِها بِالحَقِّ والقُرْآنُ كُلُّهُ حَقٌّ، أنَّ ذَلِكَ يَتَضَمَّنُ مَعْنى الوَعِيدِ لِلْكَفَرَةِ والتَّنْبِيهِ لِلنّاظِرِ، أيْ: جاءَكَ في هَذِهِ السُّورَةِ الحَقُّ الَّذِي أصابَ الأُمَمَ الظّالِمَةَ. وهَذا كَما يُقالُ عِنْدَ الشَّدائِدِ: جاءَ الحَقُّ، وإنْ كانَ الحَقُّ يَأْتِي في غَيْرِ شَدِيدَةٍ وغَيْرِ ما وجْهٍ، ولا تُسْتَعْمَلُ في ذَلِكَ جاءَ الحَقُّ. وقالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ: الإشارَةُ إلى دارِ الدُّنْيا. قالَ قَتادَةُ: والحَقُّ: النُّبُوَّةُ. وقِيلَ: إشارَةٌ إلى السُّورَةِ مَعَ نَظائِرِها.
﴿وقُلْ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكم إنّا عامِلُونَ﴾ ﴿وانْتَظِرُوا إنّا مُنْتَظِرُونَ﴾: (اعْمَلُوا): صِيغَةُ أمْرٍ ومَعْناهُ: التَّهْدِيدُ والوَعِيدُ، والخِطابُ لِأهْلِ مَكَّةَ وغَيْرِها.
عَلى مَكانَتِكم: أيْ: جِهَتِكم وحالِكُمُ الَّتِي أنْتُمْ عَلَيْها. وقِيلَ: اعْمَلُوا في هَلاكِي عَلى إمْكانِكم. (p-٢٧٥)وانْتَظِرُوا بِنا الدَّوائِرَ، إنّا مُنْتَظِرُونَ أنْ يَنْزِلَ بِكم نَحْوُ ما اقْتَصَّ اللَّهُ مِنَ النِّقَمِ النّازِلَةِ بِأشْباهِكم، ويُشْبِهُ أنْ يَكُونَ إيتاءَ مُوادَعَةٍ، فَلِذَلِكَ قِيلَ: إنَّهُما مَنسُوخَتانِ، وقِيلَ: مُحْكَمَتانِ، وهُما لِلتَّهْدِيدِ والوَعِيدِ، والحَرْبُ قائِمَةٌ.
هود 11:122
﴿وكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِن أنْباءِ الرُّسُلِ ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ وجاءَكَ في هَذِهِ الحَقُّ ومَوْعِظَةٌ وذِكْرى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ الظّاهِرُ أنَّ كُلًّا مَفْعُولٌ بِهِ، والعامِلُ فِيهِ نَقُصُّ، والتَّنْوِينُ عِوَضٌ مِنَ المَحْذُوفِ، والتَّقْدِيرُ: وكُلُّ نَبَأٍ نَقُصُّ عَلَيْكَ. و﴿مِن أنْباءِ الرُّسُلِ﴾: في مَوْضِعِ الصِّفَةِ لِقَوْلِهِ: (وكُلًّا)، إذْ هي مُضافَةٌ في التَّقْدِيرِ إلى نَكِرَةٍ، وما صِلَةٌ كَما هي في قَوْلِهِ: ﴿قَلِيلًا ما تَذَكَّرُونَ﴾ [الأعراف: ٣] قِيلَ: أوْ بَدَلٌ، أوْ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أيْ: هو ما نُثَبِّتُ، فَتَكُونُ ما بِمَعْنى: الَّذِي، أوْ مَصْدَرِيَّةً. وأجازُوا أنْ يَنْتَصِبَ كُلًّا عَلى المَصْدَرِ، وما نُثَبِّتُ: مَفْعُولٌ بِهِ بِقَوْلِكَ: نَقُصُّ، كَأنَّهُ قِيلَ: ونَقُصُّ عَلَيْكَ الشَّيْءَ الَّذِي نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكُ كُلَّ قَصٍّ. وأجازُوا أنْ يَكُونَ (كُلًّا) نَكِرَةً بِمَعْنى: جَمِيعًا، ويَنْتَصِبُ عَلى الحالِ مِنَ المَفْعُولِ الَّذِي هو ما، أوْ مِنَ المَجْرُورِ الَّذِي هو الضَّمِيرُ في بِهِ، عَلى مَذْهَبِ مَن يُجَوِّزُ تَقْدِيمَ حالِ المَجْرُورِ بِالحَرْفِ عَلَيْهِ، التَّقْدِيرُ: ونَقُصُّ عَلَيْكَ مِن أنْباءِ الرُّسُلِ الأشْياءَ الَّتِي نُثَبِّتُ بِها فُؤادَكَ جَمِيعًا، أيِ: المُثَبِّتَةَ فُؤادَكُ جَمِيعًا. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: نُثَبِّتُ: نُسَكِّنُ، وقالَ الضَّحّاكُ: نَشَدُّ، وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: نُقَوِّي. وتَثْبِيتُ الفُؤادِ: هو بِما جَرى لِلْأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ ولِأتْباعِهِمُ المُؤْمِنِينَ، وما لَقُوا مِن مُكَذِّبِيهِمْ مِنَ الأذى، فَفي هَذا كُلِّهِ أُسْوَةٌ بِهِمْ، إذِ المُشارَكَةُ في الأُمُورِ الصَّعْبَةِ تُهَوِّنُ ما يَلْقى الإنْسانُ مِنَ الأذى، ثُمَّ الإعْلامُ بِما جَرى عَلى مُكَذِّبِيهِمْ مِنَ العُقُوباتِ المُسْتَأْصِلَةِ بِأنْواعٍ مِنَ العَذابِ، مِن غَرَقٍ ورِيحٍ ورَجْفَةٍ وخَسْفٍ، وغَيْرِ ذَلِكَ فِيهِ طُمَأْنِينَةٌ لِلنَّفْسِ وتَأْنِيسٌ، بِأنْ يُصِيبَ اللَّهُ مَن كَذَّبَ الرَّسُولَ ﷺ بِالعَذابِ، كَما جَرى لِمُكَذِّبِي الرُّسُلِ، وإنْباءٌ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِحُسْنِ العاقِبَةِ لَهُ ولِأتْباعِهِ، كَما اتُّفِقَ لِلرُّسُلِ وأتْباعِهِمْ. والإشارَةُ بِقَوْلِهِ: (في هَذِهِ): إلى أنْباءِ الرُّسُلِ الَّتِي قَصَّها اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِ، أيِ: النَّبَأِ الصِّدْقِ الحَقِّ الَّذِي هو مُطابِقٌ بِما جَرى لَيْسَ فِيهِ تَغْيِيرٌ ولا تَحْرِيفٌ، كَما يَنْقُلُ شَيْئًا مِن ذَلِكَ المُؤَرِّخُونَ. و(مَوْعِظَةٌ) أيِ: اتِّعاظٌ وازْدِجارٌ لِسامِعِهِ، وذِكْرى لِمَن آمَنَ، إذِ المَوْعِظَةُ والذِّكْرى لا يَنْتَفِعُ بِها إلّا المُؤْمِنُ كَقَوْلِهِ ﴿وذَكِّرْ فَإنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ المُؤْمِنِينَ﴾ [الذاريات: ٥٥] وقَوْلِهِ: ﴿سَيَذَّكَّرُ مَن يَخْشى﴾ [الأعلى: ١٠] ﴿ويَتَجَنَّبُها الأشْقى﴾ [الأعلى: ١١] وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الإشارَةُ إلى السُّورَةِ والآياتِ الَّتِي فِيها تَذَكُّرُ قَصَصِ الأُمَمِ، وهَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ. ووَجْهُ تَخْصِيصِ هَذِهِ السُّورَةِ بِوَصْفِها بِالحَقِّ والقُرْآنُ كُلُّهُ حَقٌّ، أنَّ ذَلِكَ يَتَضَمَّنُ مَعْنى الوَعِيدِ لِلْكَفَرَةِ والتَّنْبِيهِ لِلنّاظِرِ، أيْ: جاءَكَ في هَذِهِ السُّورَةِ الحَقُّ الَّذِي أصابَ الأُمَمَ الظّالِمَةَ. وهَذا كَما يُقالُ عِنْدَ الشَّدائِدِ: جاءَ الحَقُّ، وإنْ كانَ الحَقُّ يَأْتِي في غَيْرِ شَدِيدَةٍ وغَيْرِ ما وجْهٍ، ولا تُسْتَعْمَلُ في ذَلِكَ جاءَ الحَقُّ. وقالَ الحَسَنُ وقَتادَةُ: الإشارَةُ إلى دارِ الدُّنْيا. قالَ قَتادَةُ: والحَقُّ: النُّبُوَّةُ. وقِيلَ: إشارَةٌ إلى السُّورَةِ مَعَ نَظائِرِها.
﴿وقُلْ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكم إنّا عامِلُونَ﴾ ﴿وانْتَظِرُوا إنّا مُنْتَظِرُونَ﴾: (اعْمَلُوا): صِيغَةُ أمْرٍ ومَعْناهُ: التَّهْدِيدُ والوَعِيدُ، والخِطابُ لِأهْلِ مَكَّةَ وغَيْرِها.
عَلى مَكانَتِكم: أيْ: جِهَتِكم وحالِكُمُ الَّتِي أنْتُمْ عَلَيْها. وقِيلَ: اعْمَلُوا في هَلاكِي عَلى إمْكانِكم. (p-٢٧٥)وانْتَظِرُوا بِنا الدَّوائِرَ، إنّا مُنْتَظِرُونَ أنْ يَنْزِلَ بِكم نَحْوُ ما اقْتَصَّ اللَّهُ مِنَ النِّقَمِ النّازِلَةِ بِأشْباهِكم، ويُشْبِهُ أنْ يَكُونَ إيتاءَ مُوادَعَةٍ، فَلِذَلِكَ قِيلَ: إنَّهُما مَنسُوخَتانِ، وقِيلَ: مُحْكَمَتانِ، وهُما لِلتَّهْدِيدِ والوَعِيدِ، والحَرْبُ قائِمَةٌ.
هود 11:123
﴿ولِلَّهِ غَيْبُ السَّماواتِ والأرْضِ وإلَيْهِ يُرْجَعُ الأمْرُ كُلُّهُ فاعْبُدْهُ وتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾
لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِن أعْمالِكم، ولا حَظَّ لِمَخْلُوقٍ في عِلْمِ الغَيْبِ، وقَرَأ نافِعٌ وحَفْصٌ: (يُرْجَعُ) مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، (الأمْرُ كُلُّهُ) أمْرُهم وأمْرُكَ، فَيَنْتَقِمُ لَكَ مِنهم، وقالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: عَلِمَ ما غابَ في السَّماواتِ والأرْضِ، أضافَ الغَيْبَ إلَيْهِما تَوَسُّعًا، انْتَهى. والجُمْلَةُ الأُولى دَلَّتْ عَلى أنَّ عِلْمَهُ مُحِيطٌ بِجَمِيعِ الكائِناتِ كُلِّيِّها وجُزْئِيِّها حاضِرِها وغائِبِها؛ لِأنَّهُ إذا أحاطَ عِلْمُهُ بِما غابَ فَهو بِما حَضَرَ مُحِيطٌ، إذْ عِلْمُهُ تَعالى لا يَتَفاوَتُ.
والجُمْلَةُ الثّانِيَةُ دَلَّتْ عَلى القُدْرَةِ النّافِذَةِ والمَشِيئَةِ.
والجُمْلَةُ الثّالِثَةُ دَلَّتْ عَلى الأمْرِ بِإفْرادِ مَن هَذِهِ صِفاتُهُ بِالعِبادَةِ الجَسَدِيَّةِ والقَلْبِيَّةِ، والعِبادَةُ أوْلى الرُّتَبِ الَّتِي يَتَحَلّى بِها العَبْدُ.
والجُمْلَةُ الرّابِعَةُ دَلَّتْ عَلى الأمْرِ بِالتَّوَكُّلِ، وهي آخِرَةُ الرُّتَبِ؛ لِأنَّهُ بِنُورِ العِبادَةِ أبْصَرَ أنَّ جَمِيعَ الكائِناتِ مَعْذُوقَةٌ بِاللَّهِ تَعالى، وأنَّهُ هو المُتَصَرِّفُ وحْدَهُ في جَمِيعِها، لا يَشْرَكُهُ في شَيْءٍ مِنها أحَدٌ مِن خَلْقِهِ، فَوَكَلَ نَفْسَهُ إلَيْهِ تَعالى، ورَفَضَ سائِرَ ما يُتَوَهَّمُ أنَّهُ سَبَبٌ في شَيْءٍ مِنها.
والجُمْلَةُ الخامِسَةُ: تَضَمَّنَتِ التَّنْبِيهَ عَلى المُجازاةِ، فَلا يُضِيعُ طاعَةَ مُطِيعٍ ولا يُهْمِلُ حالَ مُتَمَرِّدٍ، وقَرَأ الصّاحِبانِ وحَفْصٌ وقَتادَةُ والأعْرَجُ وشَيْبَةُ وأبُو جَعْفَرٍ والجَحْدَرِيُّ: (تَعْمَلُونَ) بِتاءِ الخِطابِ؛ لِأنَّ قَبْلَهُ (اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكم)، وقَرَأ باقِي السَّبْعَةِ: بِالياءِ عَلى الغَيْبَةِ، واخْتُلِفَ عَنِ الحَسَنِ وعِيسى بْنِ عُمَرَ.
يوسف 12:1
(سُورَةُ يُوسُفَ مِائَةٌ وإحْدى عَشْرَةَ آيَةً مَكِّيَّةٌ)
(بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ)
﴿الر تِلْكَ آياتُ الكِتابِ المُبِينِ﴾ ﴿إنّا أنْزَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾ ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أحْسَنَ القَصَصِ بِما أوْحَيْنا إلَيْكَ هَذا القُرْآنَ وإنْ كُنْتَ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ الغافِلِينَ﴾ [يوسف: ٣] ﴿إذْ قالَ يُوسُفُ لِأبِيهِ يا أبَتِ إنِّي رَأيْتُ أحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا والشَّمْسَ والقَمَرَ رَأيْتُهم لِي ساجِدِينَ﴾ [يوسف: ٤] ﴿قالَ يا بُنَيَّ لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ عَلى إخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا إنَّ الشَّيْطانَ لِلْإنْسانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [يوسف: ٥] ﴿وكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ ويُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ الأحادِيثِ ويُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وعَلى آلِ يَعْقُوبَ كَما أتَمَّها عَلى أبَوَيْكَ مِن قَبْلُ إبْراهِيمَ وإسْحاقَ إنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [يوسف: ٦] ﴿لَقَدْ كانَ في يُوسُفَ وإخْوَتِهِ آياتٌ لِلسّائِلِينَ﴾ [يوسف: ٧] ﴿إذْ قالُوا لَيُوسُفُ وأخُوهُ أحَبُّ إلى أبِينا مِنّا ونَحْنُ عُصْبَةٌ إنَّ أبانا لَفي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [يوسف: ٨] ﴿اقْتُلُوا يُوسُفَ أوِ اطْرَحُوهُ أرْضًا يَخْلُ لَكم وجْهُ أبِيكم وتَكُونُوا مِن بَعْدِهِ قَوْمًا صالِحِينَ﴾ [يوسف: ٩] ﴿قالَ قائِلٌ مِنهم لا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وألْقُوهُ في غَيابَةِ الجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيّارَةِ إنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ﴾ [يوسف: ١٠] ﴿قالُوا يا أبانا ما لَكَ لا تَأْمَنّا عَلى يُوسُفَ وإنّا لَهُ لَناصِحُونَ﴾ [يوسف: ١١] ﴿أرْسِلْهُ مَعَنا غَدًا يَرْتَعْ ويَلْعَبْ وإنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾ [يوسف: ١٢] ﴿قالَ إنِّي لَيَحْزُنُنِي أنْ تَذْهَبُوا بِهِ وأخافُ أنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وأنْتُمْ عَنْهُ غافِلُونَ﴾ [يوسف: ١٣] ﴿قالُوا لَئِنْ أكَلَهُ الذِّئْبُ ونَحْنُ عُصْبَةٌ إنّا إذًا لَخاسِرُونَ﴾ [يوسف: ١٤] ﴿فَلَمّا ذَهَبُوا بِهِ وأجْمَعُوا أنْ يَجْعَلُوهُ في غَيابَةِ الجُبِّ وأوْحَيْنا إلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهم بِأمْرِهِمْ هَذا وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ [يوسف: ١٥] ﴿وجاءُوا أباهم عِشاءً يَبْكُونَ﴾ [يوسف: ١٦] ﴿قالُوا يا أبانا إنّا ذَهَبْنا نَسْتَبِقُ وتَرَكْنا يُوسُفَ عِنْدَ مَتاعِنا فَأكَلَهُ الذِّئْبُ وما أنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا ولَوْ كُنّا صادِقِينَ﴾ [يوسف: ١٧] ﴿وجاءُوا عَلى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكم أنْفُسُكم أمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ واللَّهُ المُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ﴾ [يوسف: ١٨] ﴿وجاءَتْ سَيّارَةٌ فَأرْسَلُوا وارِدَهم فَأدْلى دَلْوَهُ قالَ يا بُشْرى هَذا غُلامٌ وأسَرُّوهُ بِضاعَةً واللَّهُ عَلِيمٌ بِما يَعْمَلُونَ﴾ [يوسف: ١٩] ﴿وشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَراهِمَ مَعْدُودَةٍ وكانُوا فِيهِ مِنَ الزّاهِدِينَ﴾ [يوسف: ٢٠] ﴿وقالَ الَّذِي اشْتَراهُ مِن مِصْرَ لِامْرَأتِهِ أكْرِمِي مَثْواهُ عَسى أنْ يَنْفَعَنا أوْ نَتَّخِذَهُ ولَدًا وكَذَلِكَ مَكَّنّا لِيُوسُفَ في الأرْضِ ولِنُعَلِّمَهُ مِن تَأْوِيلِ الأحادِيثِ واللَّهُ غالِبٌ عَلى أمْرِهِ ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف: ٢١] ﴿ولَمّا بَلَغَ أشُدَّهُ آتَيْناهُ حُكْمًا وعِلْمًا وكَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ [يوسف: ٢٢] ﴿وراوَدَتْهُ الَّتِي هو في بَيْتِها عَنْ نَفْسِهِ وغَلَّقَتِ الأبْوابَ وقالَتْ هَيْتَ لَكَ قالَ مَعاذَ اللَّهِ إنَّهُ رَبِّي أحْسَنَ مَثْوايَ إنَّهُ لا يُفْلِحُ الظّالِمُونَ﴾ [يوسف: ٢٣] ﴿ولَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وهَمَّ بِها لَوْلا أنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ والفَحْشاءَ إنَّهُ مِن عِبادِنا المُخْلَصِينَ﴾ [يوسف: ٢٤] ﴿واسْتَبَقا البابَ وقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِن دُبُرٍ وألْفَيا سَيِّدَها لَدى البابِ قالَتْ ما جَزاءُ مَن أرادَ بِأهْلِكَ سُوءًا إلّا أنْ يُسْجَنَ أوْ عَذابٌ ألِيمٌ﴾ [يوسف: ٢٥]
(p-٢٧٦)الطَّرْحُ لِلشَّيْءِ رَمْيُهُ وإلْقاؤُهُ، وطَرَحَ عَلَيْهِ الثَّوْبَ ألْقاهُ، وطَرَحْتُ الشَّيْءَ أبْعَدْتُهُ، ومِنهُ قَوْلُ عُرْوَةَ بْنِ الوَرْدِ:
؎ومَن يَكُ مِثْلِي ذا عِيالٍ ومُقْتِرًا مِنَ المالِ يَطْرَحْ نَفْسَهُ كُلَّ مَطْرَحِ
والنَّوى: الطَّرُوحُ البَعِيدَةُ. الجُبُّ: الرَّكِيَّةُ الَّتِي لَمْ تُطْوَ فَإذا طُوِيَتْ فَهي بِئْرٌ، قالَ الأعْشى:
؎لَئِنْ كُنْتَ في جُبٍّ ثَمانِينَ قامَةً ∗∗∗ ورُقِّيتَ أسْبابَ السَّماءِ بِسُلَّمِ
ويُجْمَعُ عَلى جُبَبٍ وجِبابٍ وأجْبابٍ، وسُمِّيَ جُبًّا لِأنَّهُ قُطِعَ في الأرْضِ، مِن جَبَبْتُ؛ أيْ: قَطَعْتُ. الِالتِقاطُ: تَناوَلُ الشَّيْءِ مِنَ الطَّرِيقِ، يُقالُ: لَقَطَهُ والتَقَطَهُ، وقالَ: ومَنهَلٌ لَقَطْتُهُ التِقاطًا، ومِنهُ: اللُّقَطَةُ واللَّقِيطُ.
ارْتَعى: افْتَعَلَ مِنَ الرَّعْيِ بِمَعْنى المُراعاةِ وهي الحِفْظُ لِلشَّيْءِ، أوْ مِنَ الرَّعْيِ وهو أكْلُ الحَشِيشِ والنَّباتِ، يُقالُ: رَعَتِ الماشِيَةُ الكَلَأ تَرْعاهُ رَعْيًا أكْلَتْهُ، والرِّعْيُ بِالكَسْرِ الكَلَأُ، ومِثْلُهُ ارْتَعى، قالَ الأعْشى:
؎تَرْتَعِي السَّفْحَ فالكَثِيبَ فَذا قا ∗∗∗ رٍ فَرَوْضَ القَطا فَذاتَ الرِّمالِ
رَتَعَ: أقامَ في خِصْبٍ وتَنَعُّمٍ، ومِنهُ قَوْلُ الغَضْبانِ بْنِ القَبَعْثَرى: القَيْدُ، والمُتْعَةُ، وقِلَّةُ الرَّتْعَةِ. وقَوْلُ الشّاعِرِ:
؎أكُفْرًا بَعْدَ رَدِّ المَوْتِ عَنِّي ∗∗∗ وبَعْدَ عَطائِكَ المِائَةَ الرِّتاعا
الذِّئْبُ: سَبُعٌ مَعْرُوفٌ، ولَيْسَ في صَقْعِنا الأنْدَلُسِيِّ، ويُجْمَعُ عَلى أذْؤُبٍ وذِئابٍ وذُؤْبانٍ، قالَ:
؎وأزْوَرَ يَمْطُو في بِلادٍ بَعِيدَةٍ ∗∗∗ تَعاوى بِهِ ذُؤْبانُهُ وثَعالِبُهُ
وأرْضٌ مَذْأبَةٌ كَثِيرَةُ الذِّئابِ، وتَذاءَبَتِ الرِّيحُ جاءَتْ مِن هُنا ومِن هُنا، فِعْلُ الذِّئْبِ، ومِنهُ الذُّؤابَةُ مِنَ الشَّعْرِ لِكَوْنِها تَنُوسُ إلى هُنا وإلى هُنا، الكَدْبُ بِالدّالِ المُهْمَلَةِ الكَدَرِ، وقِيلَ: الطَّرِيُّ، سَوَّلَ مِنَ السَّوَلِ، ومَعْناهُ سَهَّلَ، وقِيلَ: زَيَّنَ. (أدْلى الدَّلْوَ) أرْسَلَها لِيَمْلَأها، ودَلّاها يَدْلُوها جَذَبَها وأخْرَجَها مِنَ البِئْرِ، قالَ: لا تَعْقِلُوها وادْلُوها دَلْوًا، والدَّهْرُ مَعْرُوفٌ، وهي مُؤَنَّثَةٌ فَتُصَغَّرُ عَلى دُلَيَّةٍ، وتُجْمَعُ عَلى أدْلٍ ودِلاءٍ ودُلِيٍّ، البِضاعَةُ: القِطْعَةُ مِنَ المالِ تُجْعَلُ لِلتِّجارَةِ، مِن بَضَعْتُهُ إذا قَطَعْتَهُ، ومِنهُ المِبْضَعُ، المُراوَدَةُ: الطَّلَبُ بِرِفْقٍ ولِينُ القَوْلِ، والرَّوْدُ: التَّأنِّي يُقالُ: أرْوِدْنِي أمْهِلْنِي، والرِّيادَةُ: طَلَبُ النِّكاحِ. ومَشى رُوَيْدًا أيْ: بِرِفْقٍ، أغْلَقَ البابَ وأصْفَدَهُ وأقْفَلَهُ بِمَعْنًى، وقالَ الفَرَزْدَقُ:
؎ما زِلْتُ أُغْلِقُ أبْوابًا وأفْتَحُها ∗∗∗ حَتّى أتَيْتُ أبا عَمْرِو بْنَ عَمّارٍ
هَيْتَ: اسْمُ فِعْلٍ بِمَعْنى أسْرِعْ، قَدَّ الثَّوْبَ: شَقَّهُ. السَّيِّدُ فَيْعِلٌ مِن سادَ يَسُودُ، يُطْلَقُ عَلى المالِكِ، وعَلى رَئِيسِ القَوْمِ، وفَيْعِلٌ بِناءٌ مُخْتَصٌّ بِالمُعْتَلِّ، وشَذَّ بَيْئِسُ وصَيْقِلُ اسْمُ امْرَأةٍ. السِّجْنُ: الحَبْسُ.
﴿الر تِلْكَ آياتُ الكِتابِ المُبِينِ﴾ ﴿إنّا أنْزَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾ هَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ كُلُّها. وقالَ ابْنُ (p-٢٧٧)عَبّاسٍ وقَتادَةُ: إلّا ثَلاثَ آياتٍ مِن أوَّلِها، وسَبَبُ نُزُولِها أنَّ كُفّارَ مَكَّةَ أمَرَتْهُمُ اليَهُودُ أنْ يَسْألُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنِ السَّبَبِ الَّذِي أحَلَّ بَنِي إسْرائِيلَ بِمِصْرَ فَنَزَلَتْ، وقِيلَ: سَبَبُهُ تَسْلِيَةُ الرَّسُولِ ﷺ عَمّا كانَ يَفْعَلُ بِهِ قَوْمُهُ بِما فَعَلَ إخْوَةُ يُوسُفَ بِهِ، وقِيلَ: سَألَتِ اليَهُودُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أنْ يُحَدِّثَهم أمْرَ يَعْقُوبَ ووَلَدِهِ وشَأْنَ يُوسُفَ، وقالَ سَعْدُ بْنُ أبِي وقّاصٍ: أُنْزِلَ القُرْآنُ فَتَلاهُ عَلَيْهِمْ زَمانًا فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ لَوْ قَصَصْتَ عَلَيْنا، فَنَزَلَتْ.
ووَجْهُ مُناسَبَتِها لِما قَبْلَها وارْتِباطِها أنَّ في آخِرِ السُّورَةِ الَّتِي قَبْلَها: ﴿وكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِن أنْباءِ الرُّسُلِ ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ﴾ [هود: ١٢٠] وكانَ في تِلْكَ الأنْباءِ المَقْصُوصَةِ فِيها ما لاقى الأنْبِياءُ مِن قَوْمِهِمْ، فَأتْبَعَ ذَلِكَ بِقِصَّةِ يُوسُفَ، وما لاقاهُ مِن إخْوَتِهِ، وما آلَتْ إلَيْهِ حالُهُ مِن حُسْنِ العاقِبَةِ، لِيَحْصُلَ لِلرَّسُولِ ﷺ التَّسْلِيَةُ الجامِعَةُ لِما يُلاقِيهِ مِن أذى البَعِيدِ والقَرِيبِ، وجاءَتْ هَذِهِ القِصَّةُ مُطَوَّلَةً مُسْتَوْفاةً، فَلِذَلِكَ لَمْ يَتَكَرَّرْ في القُرْآنِ إلّا ما أخْبَرَ بِهِ مُؤْمِنُ آلِ فِرْعَوْنَ في سُورَةِ غافِرٍ، والإشارَةُ بِـ ”تِلْكَ آياتُ“ إلى ”الر“ وسائِرِ حُرُوفِ المُعْجَمِ الَّتِي تَرَكَّبَتْ مِنها آياتُ القُرْآنِ، أوْ إلى التَّوْراةِ والإنْجِيلِ، أوِ الآياتِ الَّتِي ذُكِرَتْ في سُورَةِ هُودٍ، أوْ إلى آياتِ السُّورَةِ، و﴿الكِتابِ المُبِينِ﴾ السُّورَةِ أيْ: تِلْكَ الآياتُ الَّتِي أُنْزِلَتْ إلَيْكَ في هَذِهِ السُّورَةِ - أقْوالٌ - . والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بِالكِتابِ القُرْآنُ، والمُبِينُ إمّا البَيِّنُ في نَفْسِهِ الظّاهِرُ أمْرُهُ في إعْجازِ العَرَبِ وتَبْكِيتِهِمْ، وإمّا المُبِينُ الحَلالَ والحَرامَ والحُدُودَ والأحْكامَ وما يُحْتاجُ إلَيْهِ مِن أمْرِ الدِّينِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ، أوِ المُبِينُ الهُدى والرُّشْدَ والبَرَكَةَ، قالَهُ قَتادَةُ، أوِ المُبِينُ ما سَألَتْ عَنْهُ اليَهُودُ، أوْ ما أمَرَتْ أنْ يُسْألَ مِن حالِ انْتِقالِ يَعْقُوبَ مِنَ الشّامِ إلى مِصْرَ وعَنْ قِصَّةِ يُوسُفَ، أوِ المُبِينُ مِن جِهَةِ بَيانِ اللِّسانِ العَرَبِيِّ وجَوْدَتِهِ، إذْ فِيهِ سِتَّةُ أحْرُفٍ لَمْ تُجْمَعْ في لِسانٍ، رُوِيَ هَذا عَنْ مُعاذِ بْنِ جَبَلٍ. قالَ المُفَسِّرُونَ: وهي الطّاءُ والظّاءُ والضّادُ والصّادُ والعَيْنُ والخاءُ انْتَهى، والضَّمِيرُ في (إنّا أنْزَلْناهُ) عائِدٌ عَلى الكِتابِ الَّذِي فِيهِ قِصَّةُ يُوسُفَ، وقِيلَ: عَلى القُرْآنِ، وقِيلَ: عَلى نَبَأِ يُوسُفَ، قالَهُ الزَّجّاجُ وابْنُ الأنْبارِيِّ، وقِيلَ: هو ضَمِيرُ الإنْزالِ، و(قُرْآنًا) هو المَعْطُوفُ بِهِ، وهَذانِ ضَعِيفانِ، وانْتَصَبَ (قُرْآنًا) قِيلَ: عَلى البَدَلِ مِنَ الضَّمِيرِ، وقِيلَ: عَلى الحالِ المُوطِّئَةِ، وسُمِّيَ القُرْآنُ قُرْآنًا؛ لِأنَّهُ اسْمُ جِنْسٍ يَقَعُ عَلى القَلِيلِ والكَثِيرِ، و(عَرَبِيًّا) مَنسُوبٌ إلى العَرَبِ، والعَرَبُ جَمْعُ عَرَبِيٍّ، كَرُومٍ ورُومِيٍّ، وعَرِبَةُ ناحِيَةُ دارِ إسْماعِيلَ بْنِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ. قالَ الشّاعِرُ:
؎وعَرْبَةُ أرْضٍ ما يُحِلُّ حَرامَها ∗∗∗ مِنَ النّاسِ إلّا اللَّوْذَعِيُّ الحُلاحِلُ
ويَعْنِي النَّبِيَّ ﷺ أُحِلَّتْ لَهُ مَكَّةُ، وسَكَّنَ راءَ ”عَرْبَةُ“ الشّاعِرُ ضَرُورَةً، قِيلَ: وإنْ شِئْتَ نَسَبْتَ القُرْآنَ إلَيْها ابْتِداءً؛ أيْ: عَلى لُغَةِ أهْلِ هَذِهِ النّاحِيَةِ، ﴿لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾ ما تَضَمَّنَ مِنَ المَعانِي، واحْتَوى عَلَيْهِ مِنَ البَلاغَةِ والإعْجازِ فَتُؤْمِنُونَ، إذْ لَوْ كانَ بِغَيْرِ العَرَبِيَّةِ لَقِيلَ: ﴿لَوْلا فُصِّلَتْ آياتُهُ﴾ [فصلت: ٤٤]
يوسف 12:2
(سُورَةُ يُوسُفَ مِائَةٌ وإحْدى عَشْرَةَ آيَةً مَكِّيَّةٌ)
(بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ)
﴿الر تِلْكَ آياتُ الكِتابِ المُبِينِ﴾ ﴿إنّا أنْزَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾ ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أحْسَنَ القَصَصِ بِما أوْحَيْنا إلَيْكَ هَذا القُرْآنَ وإنْ كُنْتَ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ الغافِلِينَ﴾ [يوسف: ٣] ﴿إذْ قالَ يُوسُفُ لِأبِيهِ يا أبَتِ إنِّي رَأيْتُ أحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا والشَّمْسَ والقَمَرَ رَأيْتُهم لِي ساجِدِينَ﴾ [يوسف: ٤] ﴿قالَ يا بُنَيَّ لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ عَلى إخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا إنَّ الشَّيْطانَ لِلْإنْسانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [يوسف: ٥] ﴿وكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ ويُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ الأحادِيثِ ويُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وعَلى آلِ يَعْقُوبَ كَما أتَمَّها عَلى أبَوَيْكَ مِن قَبْلُ إبْراهِيمَ وإسْحاقَ إنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [يوسف: ٦] ﴿لَقَدْ كانَ في يُوسُفَ وإخْوَتِهِ آياتٌ لِلسّائِلِينَ﴾ [يوسف: ٧] ﴿إذْ قالُوا لَيُوسُفُ وأخُوهُ أحَبُّ إلى أبِينا مِنّا ونَحْنُ عُصْبَةٌ إنَّ أبانا لَفي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [يوسف: ٨] ﴿اقْتُلُوا يُوسُفَ أوِ اطْرَحُوهُ أرْضًا يَخْلُ لَكم وجْهُ أبِيكم وتَكُونُوا مِن بَعْدِهِ قَوْمًا صالِحِينَ﴾ [يوسف: ٩] ﴿قالَ قائِلٌ مِنهم لا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وألْقُوهُ في غَيابَةِ الجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيّارَةِ إنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ﴾ [يوسف: ١٠] ﴿قالُوا يا أبانا ما لَكَ لا تَأْمَنّا عَلى يُوسُفَ وإنّا لَهُ لَناصِحُونَ﴾ [يوسف: ١١] ﴿أرْسِلْهُ مَعَنا غَدًا يَرْتَعْ ويَلْعَبْ وإنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾ [يوسف: ١٢] ﴿قالَ إنِّي لَيَحْزُنُنِي أنْ تَذْهَبُوا بِهِ وأخافُ أنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وأنْتُمْ عَنْهُ غافِلُونَ﴾ [يوسف: ١٣] ﴿قالُوا لَئِنْ أكَلَهُ الذِّئْبُ ونَحْنُ عُصْبَةٌ إنّا إذًا لَخاسِرُونَ﴾ [يوسف: ١٤] ﴿فَلَمّا ذَهَبُوا بِهِ وأجْمَعُوا أنْ يَجْعَلُوهُ في غَيابَةِ الجُبِّ وأوْحَيْنا إلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهم بِأمْرِهِمْ هَذا وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ [يوسف: ١٥] ﴿وجاءُوا أباهم عِشاءً يَبْكُونَ﴾ [يوسف: ١٦] ﴿قالُوا يا أبانا إنّا ذَهَبْنا نَسْتَبِقُ وتَرَكْنا يُوسُفَ عِنْدَ مَتاعِنا فَأكَلَهُ الذِّئْبُ وما أنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا ولَوْ كُنّا صادِقِينَ﴾ [يوسف: ١٧] ﴿وجاءُوا عَلى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكم أنْفُسُكم أمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ واللَّهُ المُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ﴾ [يوسف: ١٨] ﴿وجاءَتْ سَيّارَةٌ فَأرْسَلُوا وارِدَهم فَأدْلى دَلْوَهُ قالَ يا بُشْرى هَذا غُلامٌ وأسَرُّوهُ بِضاعَةً واللَّهُ عَلِيمٌ بِما يَعْمَلُونَ﴾ [يوسف: ١٩] ﴿وشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَراهِمَ مَعْدُودَةٍ وكانُوا فِيهِ مِنَ الزّاهِدِينَ﴾ [يوسف: ٢٠] ﴿وقالَ الَّذِي اشْتَراهُ مِن مِصْرَ لِامْرَأتِهِ أكْرِمِي مَثْواهُ عَسى أنْ يَنْفَعَنا أوْ نَتَّخِذَهُ ولَدًا وكَذَلِكَ مَكَّنّا لِيُوسُفَ في الأرْضِ ولِنُعَلِّمَهُ مِن تَأْوِيلِ الأحادِيثِ واللَّهُ غالِبٌ عَلى أمْرِهِ ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف: ٢١] ﴿ولَمّا بَلَغَ أشُدَّهُ آتَيْناهُ حُكْمًا وعِلْمًا وكَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ [يوسف: ٢٢] ﴿وراوَدَتْهُ الَّتِي هو في بَيْتِها عَنْ نَفْسِهِ وغَلَّقَتِ الأبْوابَ وقالَتْ هَيْتَ لَكَ قالَ مَعاذَ اللَّهِ إنَّهُ رَبِّي أحْسَنَ مَثْوايَ إنَّهُ لا يُفْلِحُ الظّالِمُونَ﴾ [يوسف: ٢٣] ﴿ولَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وهَمَّ بِها لَوْلا أنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ والفَحْشاءَ إنَّهُ مِن عِبادِنا المُخْلَصِينَ﴾ [يوسف: ٢٤] ﴿واسْتَبَقا البابَ وقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِن دُبُرٍ وألْفَيا سَيِّدَها لَدى البابِ قالَتْ ما جَزاءُ مَن أرادَ بِأهْلِكَ سُوءًا إلّا أنْ يُسْجَنَ أوْ عَذابٌ ألِيمٌ﴾ [يوسف: ٢٥]
(p-٢٧٦)الطَّرْحُ لِلشَّيْءِ رَمْيُهُ وإلْقاؤُهُ، وطَرَحَ عَلَيْهِ الثَّوْبَ ألْقاهُ، وطَرَحْتُ الشَّيْءَ أبْعَدْتُهُ، ومِنهُ قَوْلُ عُرْوَةَ بْنِ الوَرْدِ:
؎ومَن يَكُ مِثْلِي ذا عِيالٍ ومُقْتِرًا مِنَ المالِ يَطْرَحْ نَفْسَهُ كُلَّ مَطْرَحِ
والنَّوى: الطَّرُوحُ البَعِيدَةُ. الجُبُّ: الرَّكِيَّةُ الَّتِي لَمْ تُطْوَ فَإذا طُوِيَتْ فَهي بِئْرٌ، قالَ الأعْشى:
؎لَئِنْ كُنْتَ في جُبٍّ ثَمانِينَ قامَةً ∗∗∗ ورُقِّيتَ أسْبابَ السَّماءِ بِسُلَّمِ
ويُجْمَعُ عَلى جُبَبٍ وجِبابٍ وأجْبابٍ، وسُمِّيَ جُبًّا لِأنَّهُ قُطِعَ في الأرْضِ، مِن جَبَبْتُ؛ أيْ: قَطَعْتُ. الِالتِقاطُ: تَناوَلُ الشَّيْءِ مِنَ الطَّرِيقِ، يُقالُ: لَقَطَهُ والتَقَطَهُ، وقالَ: ومَنهَلٌ لَقَطْتُهُ التِقاطًا، ومِنهُ: اللُّقَطَةُ واللَّقِيطُ.
ارْتَعى: افْتَعَلَ مِنَ الرَّعْيِ بِمَعْنى المُراعاةِ وهي الحِفْظُ لِلشَّيْءِ، أوْ مِنَ الرَّعْيِ وهو أكْلُ الحَشِيشِ والنَّباتِ، يُقالُ: رَعَتِ الماشِيَةُ الكَلَأ تَرْعاهُ رَعْيًا أكْلَتْهُ، والرِّعْيُ بِالكَسْرِ الكَلَأُ، ومِثْلُهُ ارْتَعى، قالَ الأعْشى:
؎تَرْتَعِي السَّفْحَ فالكَثِيبَ فَذا قا ∗∗∗ رٍ فَرَوْضَ القَطا فَذاتَ الرِّمالِ
رَتَعَ: أقامَ في خِصْبٍ وتَنَعُّمٍ، ومِنهُ قَوْلُ الغَضْبانِ بْنِ القَبَعْثَرى: القَيْدُ، والمُتْعَةُ، وقِلَّةُ الرَّتْعَةِ. وقَوْلُ الشّاعِرِ:
؎أكُفْرًا بَعْدَ رَدِّ المَوْتِ عَنِّي ∗∗∗ وبَعْدَ عَطائِكَ المِائَةَ الرِّتاعا
الذِّئْبُ: سَبُعٌ مَعْرُوفٌ، ولَيْسَ في صَقْعِنا الأنْدَلُسِيِّ، ويُجْمَعُ عَلى أذْؤُبٍ وذِئابٍ وذُؤْبانٍ، قالَ:
؎وأزْوَرَ يَمْطُو في بِلادٍ بَعِيدَةٍ ∗∗∗ تَعاوى بِهِ ذُؤْبانُهُ وثَعالِبُهُ
وأرْضٌ مَذْأبَةٌ كَثِيرَةُ الذِّئابِ، وتَذاءَبَتِ الرِّيحُ جاءَتْ مِن هُنا ومِن هُنا، فِعْلُ الذِّئْبِ، ومِنهُ الذُّؤابَةُ مِنَ الشَّعْرِ لِكَوْنِها تَنُوسُ إلى هُنا وإلى هُنا، الكَدْبُ بِالدّالِ المُهْمَلَةِ الكَدَرِ، وقِيلَ: الطَّرِيُّ، سَوَّلَ مِنَ السَّوَلِ، ومَعْناهُ سَهَّلَ، وقِيلَ: زَيَّنَ. (أدْلى الدَّلْوَ) أرْسَلَها لِيَمْلَأها، ودَلّاها يَدْلُوها جَذَبَها وأخْرَجَها مِنَ البِئْرِ، قالَ: لا تَعْقِلُوها وادْلُوها دَلْوًا، والدَّهْرُ مَعْرُوفٌ، وهي مُؤَنَّثَةٌ فَتُصَغَّرُ عَلى دُلَيَّةٍ، وتُجْمَعُ عَلى أدْلٍ ودِلاءٍ ودُلِيٍّ، البِضاعَةُ: القِطْعَةُ مِنَ المالِ تُجْعَلُ لِلتِّجارَةِ، مِن بَضَعْتُهُ إذا قَطَعْتَهُ، ومِنهُ المِبْضَعُ، المُراوَدَةُ: الطَّلَبُ بِرِفْقٍ ولِينُ القَوْلِ، والرَّوْدُ: التَّأنِّي يُقالُ: أرْوِدْنِي أمْهِلْنِي، والرِّيادَةُ: طَلَبُ النِّكاحِ. ومَشى رُوَيْدًا أيْ: بِرِفْقٍ، أغْلَقَ البابَ وأصْفَدَهُ وأقْفَلَهُ بِمَعْنًى، وقالَ الفَرَزْدَقُ:
؎ما زِلْتُ أُغْلِقُ أبْوابًا وأفْتَحُها ∗∗∗ حَتّى أتَيْتُ أبا عَمْرِو بْنَ عَمّارٍ
هَيْتَ: اسْمُ فِعْلٍ بِمَعْنى أسْرِعْ، قَدَّ الثَّوْبَ: شَقَّهُ. السَّيِّدُ فَيْعِلٌ مِن سادَ يَسُودُ، يُطْلَقُ عَلى المالِكِ، وعَلى رَئِيسِ القَوْمِ، وفَيْعِلٌ بِناءٌ مُخْتَصٌّ بِالمُعْتَلِّ، وشَذَّ بَيْئِسُ وصَيْقِلُ اسْمُ امْرَأةٍ. السِّجْنُ: الحَبْسُ.
﴿الر تِلْكَ آياتُ الكِتابِ المُبِينِ﴾ ﴿إنّا أنْزَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾ هَذِهِ السُّورَةُ مَكِّيَّةٌ كُلُّها. وقالَ ابْنُ (p-٢٧٧)عَبّاسٍ وقَتادَةُ: إلّا ثَلاثَ آياتٍ مِن أوَّلِها، وسَبَبُ نُزُولِها أنَّ كُفّارَ مَكَّةَ أمَرَتْهُمُ اليَهُودُ أنْ يَسْألُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنِ السَّبَبِ الَّذِي أحَلَّ بَنِي إسْرائِيلَ بِمِصْرَ فَنَزَلَتْ، وقِيلَ: سَبَبُهُ تَسْلِيَةُ الرَّسُولِ ﷺ عَمّا كانَ يَفْعَلُ بِهِ قَوْمُهُ بِما فَعَلَ إخْوَةُ يُوسُفَ بِهِ، وقِيلَ: سَألَتِ اليَهُودُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أنْ يُحَدِّثَهم أمْرَ يَعْقُوبَ ووَلَدِهِ وشَأْنَ يُوسُفَ، وقالَ سَعْدُ بْنُ أبِي وقّاصٍ: أُنْزِلَ القُرْآنُ فَتَلاهُ عَلَيْهِمْ زَمانًا فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ لَوْ قَصَصْتَ عَلَيْنا، فَنَزَلَتْ.
ووَجْهُ مُناسَبَتِها لِما قَبْلَها وارْتِباطِها أنَّ في آخِرِ السُّورَةِ الَّتِي قَبْلَها: ﴿وكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِن أنْباءِ الرُّسُلِ ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ﴾ [هود: ١٢٠] وكانَ في تِلْكَ الأنْباءِ المَقْصُوصَةِ فِيها ما لاقى الأنْبِياءُ مِن قَوْمِهِمْ، فَأتْبَعَ ذَلِكَ بِقِصَّةِ يُوسُفَ، وما لاقاهُ مِن إخْوَتِهِ، وما آلَتْ إلَيْهِ حالُهُ مِن حُسْنِ العاقِبَةِ، لِيَحْصُلَ لِلرَّسُولِ ﷺ التَّسْلِيَةُ الجامِعَةُ لِما يُلاقِيهِ مِن أذى البَعِيدِ والقَرِيبِ، وجاءَتْ هَذِهِ القِصَّةُ مُطَوَّلَةً مُسْتَوْفاةً، فَلِذَلِكَ لَمْ يَتَكَرَّرْ في القُرْآنِ إلّا ما أخْبَرَ بِهِ مُؤْمِنُ آلِ فِرْعَوْنَ في سُورَةِ غافِرٍ، والإشارَةُ بِـ ”تِلْكَ آياتُ“ إلى ”الر“ وسائِرِ حُرُوفِ المُعْجَمِ الَّتِي تَرَكَّبَتْ مِنها آياتُ القُرْآنِ، أوْ إلى التَّوْراةِ والإنْجِيلِ، أوِ الآياتِ الَّتِي ذُكِرَتْ في سُورَةِ هُودٍ، أوْ إلى آياتِ السُّورَةِ، و﴿الكِتابِ المُبِينِ﴾ السُّورَةِ أيْ: تِلْكَ الآياتُ الَّتِي أُنْزِلَتْ إلَيْكَ في هَذِهِ السُّورَةِ - أقْوالٌ - . والظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بِالكِتابِ القُرْآنُ، والمُبِينُ إمّا البَيِّنُ في نَفْسِهِ الظّاهِرُ أمْرُهُ في إعْجازِ العَرَبِ وتَبْكِيتِهِمْ، وإمّا المُبِينُ الحَلالَ والحَرامَ والحُدُودَ والأحْكامَ وما يُحْتاجُ إلَيْهِ مِن أمْرِ الدِّينِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ، أوِ المُبِينُ الهُدى والرُّشْدَ والبَرَكَةَ، قالَهُ قَتادَةُ، أوِ المُبِينُ ما سَألَتْ عَنْهُ اليَهُودُ، أوْ ما أمَرَتْ أنْ يُسْألَ مِن حالِ انْتِقالِ يَعْقُوبَ مِنَ الشّامِ إلى مِصْرَ وعَنْ قِصَّةِ يُوسُفَ، أوِ المُبِينُ مِن جِهَةِ بَيانِ اللِّسانِ العَرَبِيِّ وجَوْدَتِهِ، إذْ فِيهِ سِتَّةُ أحْرُفٍ لَمْ تُجْمَعْ في لِسانٍ، رُوِيَ هَذا عَنْ مُعاذِ بْنِ جَبَلٍ. قالَ المُفَسِّرُونَ: وهي الطّاءُ والظّاءُ والضّادُ والصّادُ والعَيْنُ والخاءُ انْتَهى، والضَّمِيرُ في (إنّا أنْزَلْناهُ) عائِدٌ عَلى الكِتابِ الَّذِي فِيهِ قِصَّةُ يُوسُفَ، وقِيلَ: عَلى القُرْآنِ، وقِيلَ: عَلى نَبَأِ يُوسُفَ، قالَهُ الزَّجّاجُ وابْنُ الأنْبارِيِّ، وقِيلَ: هو ضَمِيرُ الإنْزالِ، و(قُرْآنًا) هو المَعْطُوفُ بِهِ، وهَذانِ ضَعِيفانِ، وانْتَصَبَ (قُرْآنًا) قِيلَ: عَلى البَدَلِ مِنَ الضَّمِيرِ، وقِيلَ: عَلى الحالِ المُوطِّئَةِ، وسُمِّيَ القُرْآنُ قُرْآنًا؛ لِأنَّهُ اسْمُ جِنْسٍ يَقَعُ عَلى القَلِيلِ والكَثِيرِ، و(عَرَبِيًّا) مَنسُوبٌ إلى العَرَبِ، والعَرَبُ جَمْعُ عَرَبِيٍّ، كَرُومٍ ورُومِيٍّ، وعَرِبَةُ ناحِيَةُ دارِ إسْماعِيلَ بْنِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ. قالَ الشّاعِرُ:
؎وعَرْبَةُ أرْضٍ ما يُحِلُّ حَرامَها ∗∗∗ مِنَ النّاسِ إلّا اللَّوْذَعِيُّ الحُلاحِلُ
ويَعْنِي النَّبِيَّ ﷺ أُحِلَّتْ لَهُ مَكَّةُ، وسَكَّنَ راءَ ”عَرْبَةُ“ الشّاعِرُ ضَرُورَةً، قِيلَ: وإنْ شِئْتَ نَسَبْتَ القُرْآنَ إلَيْها ابْتِداءً؛ أيْ: عَلى لُغَةِ أهْلِ هَذِهِ النّاحِيَةِ، ﴿لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾ ما تَضَمَّنَ مِنَ المَعانِي، واحْتَوى عَلَيْهِ مِنَ البَلاغَةِ والإعْجازِ فَتُؤْمِنُونَ، إذْ لَوْ كانَ بِغَيْرِ العَرَبِيَّةِ لَقِيلَ: ﴿لَوْلا فُصِّلَتْ آياتُهُ﴾ [فصلت: ٤٤]
يوسف 12:3
﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أحْسَنَ القَصَصِ بِما أوْحَيْنا إلَيْكَ هَذا القُرْآنَ وإنْ كُنْتَ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ الغافِلِينَ﴾ ﴿إذْ قالَ يُوسُفُ لِأبِيهِ ياأبَتِ إنِّي رَأيْتُ أحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا والشَّمْسَ والقَمَرَ رَأيْتُهم لِي ساجِدِينَ﴾ ﴿قالَ يابُنَيَّ لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ عَلى إخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا إنَّ الشَّيْطانَ لِلْإنْسانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ ﴿وكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ ويُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ الأحادِيثِ ويُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وعَلى آلِ يَعْقُوبَ كَما أتَمَّها عَلى أبَوَيْكَ مِن قَبْلُ إبْراهِيمَ وإسْحاقَ إنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾
(p-٢٧٨)(القَصَصِ): مَصْدَرُ قَصَّ، واسْمُ مَفْعُولٍ إمّا لِتَسْمِيَتِهِ بِالمَصْدَرِ، وإمّا لِكَوْنِ الفِعْلِ يَكُونُ لِلْمَفْعُولِ، كالقَبْضِ والنَّقْصِ، والقَصَصُ هُنا يَحْتَمِلُ الأوْجُهَ الثَّلاثَةَ، فَإنْ كانَ المَصْدَرَ فالمُرادُ بِكَوْنِهِ أحْسَنَ أنَّهُ اقْتُصَّ عَلى أبْدَعِ طَرِيقَةٍ، وأحْسَنِ أُسْلُوبٍ، ألا تَرى أنَّ هَذا الحَدِيثَ مُقْتَصٌّ في كُتُبِ الأوَّلِينَ، وفي كُتُبِ التَّوارِيخِ، ولا تَرى اقْتِصاصَهُ في كِتابٍ مِنها مُقارِبًا لِاقْتِصاصِهِ في القُرْآنِ، وإنْ كانَ المَفْعُولَ فَكانَ أحْسَنَهُ لِما يَتَضَمَّنُ مِنَ العِبَرِ والحِكَمِ والنُّكَتِ والعَجائِبِ الَّتِي لَيْسَتْ في غَيْرِهِ، والظّاهِرُ أنَّهُ أحْسَنُ ما يُقَصُّ في بابِهِ كَما يُقالُ لِلرَّجُلِ: هو أعْلَمُ النّاسِ وأفْضَلُهم، يُرادُ في فَنِّهِ.
وقِيلَ: كانَتْ هَذِهِ السُّورَةُ أحْسَنَ القَصَصِ لِانْفِرادِها عَنْ سائِرِها بِما فِيها مِن ذِكْرِ الأنْبِياءِ والصّالِحِينَ والمَلائِكَةِ والشَّياطِينِ والجِنِّ والإنْسِ والأنْعامِ والطَّيْرِ وسِيَرِ المُلُوكِ والمَمالِكِ والتُّجّارِ والعُلَماءِ والرِّجالِ، والنِّساءِ وكَيْدِهِنَّ ومَكْرِهِنَّ، مَعَ ما فِيها مِن ذِكْرِ التَّوْحِيدِ والفِقْهِ والسِّيَرِ والسِّياسَةِ وحُسْنِ المِلْكَةِ والعَفْوِ عِنْدَ المَقْدِرَةِ، وحُسْنِ المُعاشَرَةِ، والحِيَلِ وتَدْبِيرِ المَعاشِ، والمَعادِ، وحُسْنِ العاقِبَةِ في العِفَّةِ، والجِهادِ والخَلاصِ مِنَ المَرْهُوبِ إلى المَرْغُوبِ، وذِكْرِ الحَبِيبِ والمَحْبُوبِ، ومَرْأى السِّنِينَ وتَعْبِيرِ الرُّؤْيا، والعَجائِبِ الَّتِي تَصْلُحُ لِلدِّينِ والدُّنْيا، وقِيلَ: كانَتْ أحْسَنَ القَصَصِ؛ لِأنَّ كُلَّ مَن ذُكِرَ (p-٢٧٩)فِيها كانَ مَآلُهُ إلى السَّعادَةِ، انْظُرْ إلى يُوسُفَ وأبِيهِ وإخْوَتِهِ وامْرَأةِ العَزِيزِ والمَلِكِ أسْلَمَ بِ يُوسُفَ وحَسُنَ إسْلامُهُ، ومُعَبِّرِ الرُّؤْيا السّاقِي والشّاهِدِ فِيما يُقالُ، وقِيلَ: (أحْسَنَ) هُنا لَيْسَتْ أفْعَلَ التَّفْضِيلِ، بَلْ هي بِمَعْنى حَسَنٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: حَسَنَ القَصَصِ، مِن بابِ إضافَةِ الصِّفَةِ إلى المَوْصُوفِ أيْ: القَصَصَ الحَسَنَ، و”ما“ في بِـ (ما أوْحَيْنا) مَصْدَرِيَّةٌ أيْ: بِإيحائِنا، وإذا كانَ القَصَصُ مَصْدَرًا فَمَفْعُولُ (نَقُصُّ) مِن حَيْثُ المَعْنى هو (هَذا القُرْآنَ)، إلّا أنَّهُ مِن بابِ الإعْمالِ، إذْ تَنازَعَهُ (نَقُصُّ) و(أوْحَيْنا) فَأُعْمِلَ الثّانِي عَلى الأكْثَرِ، والضَّمِيرُ في (مِن قَبْلِهِ) يَعُودُ عَلى الإيحاءِ، وتَقَدَّمَتْ مَذاهِبُ النُّحاةِ في ”أنِ“ المُخَفَّفَةِ ومَجِيءِ اللّامِ في ثانِي الجُزْأيْنِ، ومَعْنى ﴿مِنَ الغافِلِينَ﴾ [الأعراف: ٢٠٥] لَمْ يَكُنْ لَكَ شُعُورٌ بِهَذِهِ القِصَّةِ، ولا سَبَقَ لَكَ عِلْمٌ فِيها، ولا طَرَقَ سَمْعَكَ طَرَفٌ مِنها، والعامِلُ في (إذْ) قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ وابْنُ عَطِيَّةَ: اذْكُرْ، وأجازَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنْ تَكُونَ بَدَلًا مِن ﴿أحْسَنَ القَصَصِ﴾ قالَ: وهو بَدَلُ اشْتِمالٍ؛ لِأنَّ الوَقْتَ يَشْتَمِلُ عَلى القَصَصِ وهو المَقْصُوصُ، فَإذا قَصَّ وقْتَهُ فَقَدْ قَصَّ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويَجُوزُ أنْ يَعْمَلَ فِيهِ (نَقُصُّ) كانَ المَعْنى: نَقُصُّ عَلَيْكَ الحالَ إذْ، وهَذِهِ التَّقْدِيراتُ لا تَتَّجِهُ حَتّى تُخْلَعَ ”إذْ“ مِن دَلالَتِها عَلى الوَقْتِ الماضِي، وتُجَرَّدَ لِلْوَقْتِ المُطْلَقِ الصّالِحِ لِلْأزْمانِ كُلِّها عَلى جِهَةِ البَدَلِيَّةِ.
وحَكى مَكِّيٌّ أنَّ العامِلَ في (إذِ) (الغافِلِينَ)، والَّذِي يَظْهَرُ أنَّ العامِلَ فِيهِ (قالَ يا بُنَيَّ)، كَما تَقُولُ: إذْ قامَ زَيْدٌ قامَ عَمْرٌو، وتَبْقى (إذْ) عَلى وضْعِها الأصْلِيِّ مِن كَوْنِها ظَرْفًا لِما مَضى، و(يُوسُفُ) اسْمٌ عِبْرانِيٌّ، وتَقَدَّمَتْ سِتُّ لُغاتٍ فِيهِ، ومَنعُهُ الصَّرْفَ دَلِيلٌ عَلى بُطْلانِ قَوْلِ مَن ذَهَبَ إلى أنَّهُ عَرَبِيٌّ مُشْتَقٌّ مِنَ الأسَفِ، وإنْ كانَ في بَعْضِ لُغاتِهِ يَكُونُ فِيهِ الوَزْنُ الغالِبُ، لِامْتِناعِ أنْ يَكُونَ أعْجَمِيًّا غَيْرَ أعْجَمِيٍّ، وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ بِالهَمْزِ وفَتْحِ السِّينِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وأبُو جَعْفَرٍ والأعْرَجُ: (يا أبَتَ) بِفَتْحِ التّاءِ، وباقِي السَّبْعَةِ والجُمْهُورُ بِكَسْرِها، ووَقَفَ الِابْنانِ عَلَيْها بِالهاءِ، وهَذِهِ التّاءُ عِوَضٌ مِن ياءِ الإضافَةِ فَلا يَجْتَمِعانِ، وتَجامَعَ الألِفُ الَّتِي هي بَدَلٌ مِنَ التّاءِ قالَ:
؎يا أبَتا عَلَّكَ أوْ عَساكا
ووَجْهُ الِاقْتِصارِ عَلى التّاءِ مَفْتُوحَةً أنَّهُ اجْتَزَأ بِالفَتْحَةِ عَنِ الألِفِ، أوْ رُخِّمَ بِحَذْفِ التّاءِ ثُمَّ أُقْحِمَتْ، قالَهُ أبُو عَلِيٍّ، أوِ الألِفُ في أبَتا لِلنُّدْبَةِ، فَحَذَفَها قالَهُ الفَرّاءُ وأبُو عُبَيْدٍ وأبُو حاتِمٍ وقُطْرُبٌ، ورُدَّ بِأنَّهُ لَيْسَ مَوْضِعَ نُدْبَةٍ أوِ الأصْلُ ”يا أبَةً“ بِالتَّنْوِينِ فَحُذِفَ، والنِّداءُ (نادِ) حُذِفَ، قالَهُ قُطْرُبٌ، ورُدَّ بِأنَّ التَّنْوِينَ لا يُحْذَفُ مِنَ المُنادى المَنصُوبِ نَحْوَ: يا ضارِبًا رَجُلًا، وفَتَحَ أبُو جَعْفَرٍ ياءَ ”إنِّيَ“ .
وقَرَأ الحَسَنُ وأبُو جَعْفَرٍ وطَلْحَةُ بْنُ سُلَيْمانَ: ﴿أحَدَ عَشَرَ﴾ بِسُكُونِ العَيْنِ لِتَوالِي الحَرَكاتِ، ولِيَظْهَرَ جَعْلُ الِاسْمَيْنِ اسْمًا واحِدًا و(رَأيْتُ) هي حُلْمِيَّةٌ لِدَلالَةِ مُتَعَلِّقِها عَلى أنَّهُ مَنامٌ، والظّاهِرُ أنَّهُ رَأى في مَنامِهِ كَواكِبَ الشَّمْسِ والقَمَرِ، وقِيلَ: رَأى إخْوَتَهُ وأبَوَيْهِ، فَعَبَّرَ عَنْهم بِذَلِكَ، وعَبَّرَ عَنِ الشَّمْسِ عَنْ أُمِّهِ، وقِيلَ: عَنْ خالَتِهِ راحِيلَ؛ لِأنَّ أُمَّهُ كانَتْ ماتَتْ، ومِن حَدِيثِ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ: «أنَّ يَهُودِيًّا جاءَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: يا مُحَمَّدُ أخْبِرْنِي عَنْ أسْماءِ الكَواكِبِ الَّتِي رَآها يُوسُفُ، فَسَكَتَ عَنْهُ، ونَزَلَ جِبْرِيلُ فَأخْبَرَهُ بِأسْمائِها، فَدَعا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ اليَهُودِيَّ فَقالَ: هَلْ أنْتَ مُؤْمِنٌ إنْ أخْبَرْتُكَ بِذَلِكَ ؟ فَقالَ: نَعَمْ. قالَ: جَرَيانُ، والطّارِقُ، والذَّيّالُ، وذُو الكَتِفَيْنِ، وقابِسُ، ووَثّابُ، وعَمُودانُ، والفَلِيقُ، والمُصْبِحُ، والضَّرُوحُ، والفُرُغُ، والضِّياءُ، والنُّورُ. فَقالَ اليَهُودِيُّ: إي واللَّهِ إنَّها لَأسْماؤُها»، وذَكَرَ السُّهَيْلِيُّ مُسْنَدًا إلى الحارْثِ بْنِ أبِي أُسامَةَ فَذَكَرَ الحَدِيثَ، وفِيهِ بَعْضُ اخْتِلافٍ، وذَكَرَ النَّطْحَ عِوَضًا عَنِ المُصْبَحِ، وعَنْ وهْبٍ أنَّ يُوسُفَ رَأى وهو ابْنُ سَبْعِ سِنِينَ أنَّ إحْدى عَشْرَةَ عَصًا طُوالًا كانَتْ مَرْكُوزَةً في الأرْضِ كَهَيْئَةِ الدّارَةِ، وإذا عَصًا صَغِيرَةٌ تَثِبُ عَلَيْها حَتّى اقْتَلَعَتْها وغَلَبَتْها، فَوَصَفَ ذَلِكَ لِأبِيهِ فَقالَ: إيّاكَ أنْ تَذْكُرَ هَذا لِإخْوَتِكَ، ثُمَّ رَأى وهو ابْنُ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً الشَّمْسَ والقَمَرَ والكَواكِبَ سُجُودًا لَهُ فَقَصَّها عَلى أبِيهِ فَقالَ لَهُ: لا تَقُصُّها عَلَيْهِمْ فَيَبْغُوا (p-٢٨٠)لَكَ الغَوائِلَ، وكانَ بَيْنَ رُؤْيا يُوسُفَ ومَسِيرِ إخْوَتِهِ إلَيْهِ أرْبَعُونَ سَنَةً، وقِيلَ: ثَمانُونَ، ورُوِيَ أنَّ رُؤْيا يُوسُفَ كانَتْ لَيْلَةَ القَدْرِ لَيْلَةَ جُمُعَةٍ، والظّاهِرُ أنَّ الشَّمْسَ والقَمَرَ لَيْسا مُنْدَرِجَيْنِ في الأحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا، ولِذَلِكَ حِينَ عَدَّهُما الرَّسُولُ لِلْيَهُودِيِّ ذَكَرَ أحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا غَيْرَ الشَّمْسِ والقَمَرِ، ويَظْهَرُ مِن كَلامِ الزَّمَخْشَرِيِّ أنَّهُما مُنْدَرِجانِ في الأحَدَ عَشَرَ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): لِمَ أخَّرَ الشَّمْسَ والقَمَرَ ؟ (قُلْتُ): أخَّرَهُما لِيَعْطِفَهُما عَلى الكَواكِبِ عَلى طَرِيقِ الِاخْتِصاصِ إثْباتًا لِفَضْلِهِما، واسْتِبْدادِهِما بِالمَزِيَّةِ عَلى غَيْرِهِما مِنَ الطَّوالِعِ، كَما أخَّرَ جِبْرِيلُ ومِيكائِيلُ عَنِ المَلائِكَةِ ثُمَّ عَطَفَهُما عَلَيْهِما لِذَلِكَ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الواوُ بِمَعْنى مَعَ؛ أيْ: رَأيْتُ الكَواكِبَ مَعَ الشَّمْسِ والقَمَرِ، انْتَهى. والَّذِي يَظْهَرُ أنَّ التَّأْخِيرَ إنَّما هو مِن بابِ التَّرَقِّي مِنَ الأدْنى إلى الأعْلى، ولَمْ يَقَعِ التَّرَقِّي في الشَّمْسِ والقَمَرِ جَرْيًا عَلى ما اسْتَقَرَّ في القُرْآنِ مِن أنَّهُ إذا اجْتَمَعا قُدِّمَتْ عَلَيْهِ، قالَ تَعالى: ﴿الشَّمْسُ والقَمَرُ بِحُسْبانٍ﴾ [الرحمن: ٥]، وقالَ: ﴿وجُمِعَ الشَّمْسُ والقَمَرُ﴾ [القيامة: ٩]، ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً والقَمَرَ نُورًا﴾ [يونس: ٥] وقُدِّمَتْ عَلَيْهِ لِسُطُوعِ نُورِها وكِبَرِ جَرْمِها وغَرابَةِ سَيْرِها، واسْتِمْدادِهِ مِنها، وعُلُوِّ مَكانِها، والظّاهِرُ أنَّ (رَأيْتُهم) كُرِّرَ عَلى سَبِيلِ التَّوْكِيدِ لِلطُّولِ بِالمَفاعِيلِ، كَما كُرِّرَ ”إنَّكم“ في قَوْلِهِ: (إنَّكم مُخْرَجُونَ) لِطُولِ الفَصْلِ بِالظَّرْفِ وما تَعَلَّقَ بِهِ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: ما مَعْنى تَكْرارِ (رَأْيَتُهم) ؟ (قُلْتُ): لَيْسَ بِتَكْرارٍ، إنَّما هو كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ عَلى تَقْدِيرِ سُؤالٍ وقَعَ جَوابًا لَهُ، كانَ يَعْقُوبُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - قالَ لَهُ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿إنِّي رَأيْتُ أحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا والشَّمْسَ والقَمَرَ﴾ كَيْفَ رَأيْتَها سائِلًا عَنْ حالِ رُؤْيَتِها ؟ فَقالَ: ﴿رَأيْتُهم لِي ساجِدِينَ﴾ انْتَهى. وجَمَعَهم جَمْعَ مَن يَعْقِلُ؛ لِصُدُورِ السُّجُودِ لَهُ، وهو صِفَةُ مَن يَعْقِلُ، وهَذا سائِغٌ في كَلامِ العَرَبِ، وهو أنْ يُعْطِيَ الشَّيْءَ حُكْمَ الشَّيْءِ لِلِاشْتِراكِ في وصْفٍ ما، وإنْ كانَ ذَلِكَ الوَصْفُ أصْلُهُ أنْ يَخُصَّ أحَدَهُما. والسُّجُودُ: سُجُودُ كَرامَةٍ، كَما سَجَدَتِ المَلائِكَةُ لِآدَمَ، وقِيلَ: كانَ في ذَلِكَ الوَقْتِ السُّجُودُ تَحِيَّةَ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ، ولَمّا خاطَبَ يُوسُفُ أباهُ بِقَوْلِهِ: (يا أبَتِ) وفِيهِ إظْهارُ الطَّواعِيَةِ والبِرِّ والتَّنْبِيهِ عَلى مَحَلِّ الشَّفَقَةِ بِطَبْعِ الأُبُوَّةِ خاطَبَهُ أبُوهُ بِقَوْلِهِ: (يا بُنَيَّ) تَصْغِيرُ التَّحْبِيبِ والتَّقْرِيبِ والشَّفَقَةِ، وقَرَأ حَفْصٌ هُنا وفي لُقْمانَ والصّافّاتِ: (يا بُنَيَّ) بِفَتْحِ الياءِ، وابْنُ كَثِيرٍ في لُقْمانَ ﴿يابُنَيَّ لا تُشْرِكْ﴾ [لقمان: ١٣] وقُنْبُلٌ (يا بُنَيْ أقِمْ) بِإسْكانِها، وباقِي السَّبْعَةِ بِالكَسْرِ، وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: (لا تَقُصُّ) مُدْغَمًا، وهي لُغَةُ تَمِيمٍ، والجُمْهُورُ بِالفَكِّ وهي لُغَةُ الحِجازِ، والرُّؤْيا مَصْدَرٌ كالبُقْيا. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الرُّؤْيا بِمَعْنى الرُّؤْيَةِ، إلّا أنَّها مُخْتَصَّةٌ بِما كانَ في النَّوْمِ دُونَ اليَقَظَةِ، فُرِّقَ بَيْنَهُما بِحَرْفَيِ التَّأْنِيثِ كَما قِيلَ: القُرْبَةُ والقُرْبى، انْتَهى. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿رُؤْياكَ﴾، والرُّؤْيا حَيْثُ وقَعَتْ بِالهَمْزِ مِن غَيْرِ إمالَةٍ، وقَرَأ الكِسائِيُّ: بِالإمالَةِ وبِغَيْرِ الهَمْزِ، وهي لُغَةُ أهْلِ الحِجازِ.
وإخْوَةُ يُوسُفَ: هم كاذٌ، وبِنْيامِينُ، ويَهُوذا، ونَفْتالِي، وزَبُولُونُ، وشَمْعُونُ، ورُوبِينُ، ويُقالَ بِاللّامِ كَجِبْرِيلَ، وجِبْرِينُ، ويُساخا، ولاوِي، وذانٌ، وياشِيرُ، ﴿فَيَكِيدُوا لَكَ﴾ مَنصُوبٌ بِإضْمارِ ”أنْ“ عَلى جَوابِ النَّهْيِ، وعُدِّيَ ﴿فَيَكِيدُوا﴾ بِاللّامِ، وفي ”فَكِيدُونِ“ بِنَفْسِهِ، فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ مِن بابِ شَكَرْتُ زَيْدًا وشَكَرْتُ لِزَيْدٍ، واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ مِن بابِ التَّضْمِينِ، ضَمَّنَ ﴿فَيَكِيدُوا﴾ مَعْنى ما يَتَعَدّى بِاللّامِ، فَكَأنَّهُ قالَ: فَيَحْتالُوا لَكَ بِالكَيْدِ، والتَّضْمِينُ أبْلَغُ لِدَلالَتِهِ عَلى مَعْنى الفِعْلَيْنِ، ولِلْمُبالَغَةِ أُكِّدَ بِالمَصْدَرِ. ونَبَّهَ يَعْقُوبُ عَلى سَبَبِ الكَيْدِ وهو: ما يُزَيِّنُهُ الشَّيْطانُ لِلْإنْسانِ ويُسَوِّلُهُ لَهُ، وذَلِكَ لِلْعَداوَةِ الَّتِي بَيْنَهُما، فَهو يَجْتَهِدُ دائِمًا أنْ يُوقِعَهُ في المَعاصِي ويُدْخِلَهُ فِيها ويَحُضَّهُ عَلَيْها، وكانَ يَعْقُوبُ دَلَّتْهُ رُؤْيا يُوسُفَ - عَلَيْهِما السَّلامُ - عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى يُبْلِغُهُ مَبْلَغًا مِنَ الحِكْمَةِ، ويَصْطَفِيهِ لِلنُّبُوَّةِ، ويُنْعِمُ عَلَيْهِ بِشَرَفِ الدّارَيْنِ كَما فَعَلَ بِآبائِهِ، فَخافَ عَلَيْهِ مِن حَسَدِ إخْوَتِهِ، فَنَهاهُ مِن أنْ يَقُصَّ رُؤْياهُ لَهم، وفي خِطابِ يَعْقُوبَ لِيُوسُفَ تَنْهِيَةٌ عَنْ أنْ (p-٢٨١)يَقُصَّ عَلى إخْوَتِهِ مَخافَةَ كَيْدِهِمْ، دَلالَةً عَلى تَحْذِيرِ المُسْلِمِ أخاهُ المُسْلِمَ مِمَّنْ يَخافُهُ عَلَيْهِ، والتَّنْبِيهُ عَلى بَعْضِ ما لا يَلِيقُ، ولا يَكُونُ ذَلِكَ داخِلًا في بابِ الغَيْبَةِ، ﴿وكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ﴾ أيْ: مِثْلَ ذَلِكَ الِاجْتِباءِ، وهو ما أراهُ مِن تِلْكَ الرُّؤْيا الَّتِي دَلَّتْ عَلى جَلِيلِ قَدْرِهِ، وشَرِيفِ مَنصِبِهِ، ومَآلِهِ إلى النُّبُوَّةِ والرِّسالَةِ والمُلْكِ، و﴿يَجْتَبِيكَ﴾: يَخْتارُكَ رَبُّكَ لِلنُّبُوَّةِ والمُلْكِ، قالَ الحَسَنُ: لِلنُّبُوَّةِ. وقالَ مُقاتِلٌ: لِلسُّجُودِ لَكَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لِأُمُورٍ عِظامٍ.
﴿ويُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ الأحادِيثِ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ لَيْسَ داخِلًا في التَّشْبِيهِ، كَأنَّهُ قالَ: وهو يُعَلِّمُكَ، قالَ مُجاهِدٌ والسُّدِّيُّ: ﴿تَأْوِيلِ الأحادِيثِ﴾ عِبارَةُ الرُّؤْيا، وقالَ الحَسَنُ: عَواقِبُ الأُمُورِ، وقِيلَ: عامَّةٌ لِذَلِكَ ولِغَيْرِهِ مِنَ المُغَيَّباتِ، وقالَ مُقاتِلٌ: غَرائِبُ الرُّؤْيا، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: العِلْمُ والحِكْمَةُ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (الأحادِيثِ) الرُّؤى؛ لِأنَّ الرُّؤى إمّا حَدِيثُ نَفْسٍ أوْ مَلَكٍ أوْ شَيْطانٍ، وتَأْوِيلُها عِبارَتُها وتَفْسِيرُها، فَكانَ يُوسُفُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أعْبَرَ النّاسِ لِلرُّؤْيا وأصَحَّهم عِبارَةً، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِتَأْوِيلِ الأحادِيثِ مَعانِي كُتِبِ اللَّهِ وسِيَرِ الأنْبِياءِ، وما غَمُضَ واشْتَبَهَ عَلى النّاسِ في أغْراضِها ومَقاصِدِها، يُفَسِّرُها لَهم ويَشْرَحُها، ويَدُلُّهم عَلى مُودَعاتِ حِكَمِها، وسُمِّيَتْ أحادِيثَ؛ لِأنَّها تُحَدَّثُ بِها عَنِ اللَّهِ ورُسُلِهِ فَيُقالُ: قالَ اللَّهُ: وقالَ الرَّسُولُ: كَذا وكَذا، ألا تَرى إلى قَوْلِهِ: ﴿فَبِأيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٥] ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أحْسَنَ الحَدِيثِ كِتابًا﴾ [الزمر: ٢٣] وهي اسْمُ جَمْعٍ لِلْحَدِيثِ، ولَيْسَ بِجَمْعِ أُحْدُوثَةٍ، انْتَهى. ولَيْسَ بِاسْمِ جَمْعٍ كَما ذُكِرَ، بَلْ هو جَمْعُ تَكْسِيرٍ لِحَدِيثٍ عَلى غَيْرِ قِياسٍ، كَما قالُوا: أباطِلُ وأباطِيلُ، ولَمْ يَأْتِ اسْمُ جَمْعٍ عَلى هَذا الوَزْنِ، وإذا كانُوا يَقُولُونَ في عَبادِيدَ ويَناذِيرَ أنَّهُما جَمْعا تَكْسِيرٍ ولَمْ يُلْفَظْ لَهُما بِمُفْرَدٍ، فَكَيْفَ لا يَكُونُ أحادِيثُ وأباطِيلُ جَمْعَيْ تَكْسِيرٍ ؟
﴿ويُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ﴾ وإتْمامُها بِأنَّهُ تَعالى وصَلَ لَهم نِعْمَةَ الدُّنْيا - بِأنْ جَعَلَهم أنْبِياءَ ومُلُوكًا - بِنِعْمَةِ الآخِرَةِ - بِأنْ نَقَلَهم إلى أعْلى الدَّرَجاتِ في الجَنَّةِ -، وقالَ مُقاتِلٌ: بِإعْلاءِ كَلِمَتِكَ وتَحْقِيقِ رُؤْياكَ، وقالَ الحَسَنُ: هَذا شَيْءٌ أعْلَمَهُ اللَّهُ يَعْقُوبَ مِن أنَّهُ سَيُعْطِي يُوسُفَ النُّبُوَّةَ، وقِيلَ: بِأنْ يُحَوِّجَ إخْوَتَكَ إلَيْكَ، فَتُقابِلُ الذَّنْبَ بِالغُفْرانِ، والإساءَةَ بِالإحْسانِ، وقِيلَ: بِإنْجائِكَ مِن كُلِّ مَكْرُوهٍ، و(آلِ يَعْقُوبَ) الظّاهِرُ أنَّهُ أوْلادُهُ ونَسْلُهم؛ أيْ: نَجْعَلُ النُّبُوَّةَ فِيهِمْ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هم نَسْلُهم وغَيْرُهم، وقِيلَ: أهْلُ دِينِهِ وأتْباعُهم، كَما جاءَ في الحَدِيثِ: مَن آلُكَ ؟ فَقالَ: (كُلُّ تَقِيٍّ) وقِيلَ: امْرَأتُهُ وأوْلادُهُ الأحَدَ عَشَرَ، وقِيلَ: المُرادُ يَعْقُوبُ نَفْسُهُ خاصَّةً، وإتْمامُ النِّعْمَةِ عَلى إبْراهِيمَ بِالخُلَّةِ، والإنْجاءِ مِنَ النّارِ، وإهْلاكِ عَدُوِّهِ نَمْرُوذَ، وعَلى إسْحاقَ بِإخْراجِ يَعْقُوبَ والأسْباطِ مِن صُلْبِهِ، وسُمِّيَ الجَدُّ وأبُو الجَدِّ أبَوَيْنِ؛ لِأنَّهُما في عَمُودِ النَّسَبِ كَما قالَ: ﴿وإلَهَ آبائِكَ﴾ [البقرة: ١٣٣] ولِهَذا يَقُولُونَ: ابْنُ فُلانٍ، وإنْ كانَ بَيْنَهُما عِدَّةٌ في عَمُودِ النَّسَبِ، ﴿إنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ﴾ بِمَن يَسْتَحِقُّ الِاجْتِباءَ، (حَكِيمٌ) يَضَعُ الأشْياءَ مَواضِعَها، وهَذانِ الوَصْفانِ مُناسِبانِ لِهَذا الوَعْدِ الَّذِي وعَدَهُ يَعْقُوبَ ويُوسُفَ - عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ - في قَوْلِهِ: ﴿وكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ﴾ قِيلَ: وعَلِمَ يَعْقُوبُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ذَلِكَ مِن دَعْوَةِ إسْحاقَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - حِينَ تَشَبَّهَ لَهُ بِعَيْصُو.
يوسف 12:4
﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أحْسَنَ القَصَصِ بِما أوْحَيْنا إلَيْكَ هَذا القُرْآنَ وإنْ كُنْتَ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ الغافِلِينَ﴾ ﴿إذْ قالَ يُوسُفُ لِأبِيهِ ياأبَتِ إنِّي رَأيْتُ أحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا والشَّمْسَ والقَمَرَ رَأيْتُهم لِي ساجِدِينَ﴾ ﴿قالَ يابُنَيَّ لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ عَلى إخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا إنَّ الشَّيْطانَ لِلْإنْسانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ ﴿وكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ ويُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ الأحادِيثِ ويُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وعَلى آلِ يَعْقُوبَ كَما أتَمَّها عَلى أبَوَيْكَ مِن قَبْلُ إبْراهِيمَ وإسْحاقَ إنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾
(p-٢٧٨)(القَصَصِ): مَصْدَرُ قَصَّ، واسْمُ مَفْعُولٍ إمّا لِتَسْمِيَتِهِ بِالمَصْدَرِ، وإمّا لِكَوْنِ الفِعْلِ يَكُونُ لِلْمَفْعُولِ، كالقَبْضِ والنَّقْصِ، والقَصَصُ هُنا يَحْتَمِلُ الأوْجُهَ الثَّلاثَةَ، فَإنْ كانَ المَصْدَرَ فالمُرادُ بِكَوْنِهِ أحْسَنَ أنَّهُ اقْتُصَّ عَلى أبْدَعِ طَرِيقَةٍ، وأحْسَنِ أُسْلُوبٍ، ألا تَرى أنَّ هَذا الحَدِيثَ مُقْتَصٌّ في كُتُبِ الأوَّلِينَ، وفي كُتُبِ التَّوارِيخِ، ولا تَرى اقْتِصاصَهُ في كِتابٍ مِنها مُقارِبًا لِاقْتِصاصِهِ في القُرْآنِ، وإنْ كانَ المَفْعُولَ فَكانَ أحْسَنَهُ لِما يَتَضَمَّنُ مِنَ العِبَرِ والحِكَمِ والنُّكَتِ والعَجائِبِ الَّتِي لَيْسَتْ في غَيْرِهِ، والظّاهِرُ أنَّهُ أحْسَنُ ما يُقَصُّ في بابِهِ كَما يُقالُ لِلرَّجُلِ: هو أعْلَمُ النّاسِ وأفْضَلُهم، يُرادُ في فَنِّهِ.
وقِيلَ: كانَتْ هَذِهِ السُّورَةُ أحْسَنَ القَصَصِ لِانْفِرادِها عَنْ سائِرِها بِما فِيها مِن ذِكْرِ الأنْبِياءِ والصّالِحِينَ والمَلائِكَةِ والشَّياطِينِ والجِنِّ والإنْسِ والأنْعامِ والطَّيْرِ وسِيَرِ المُلُوكِ والمَمالِكِ والتُّجّارِ والعُلَماءِ والرِّجالِ، والنِّساءِ وكَيْدِهِنَّ ومَكْرِهِنَّ، مَعَ ما فِيها مِن ذِكْرِ التَّوْحِيدِ والفِقْهِ والسِّيَرِ والسِّياسَةِ وحُسْنِ المِلْكَةِ والعَفْوِ عِنْدَ المَقْدِرَةِ، وحُسْنِ المُعاشَرَةِ، والحِيَلِ وتَدْبِيرِ المَعاشِ، والمَعادِ، وحُسْنِ العاقِبَةِ في العِفَّةِ، والجِهادِ والخَلاصِ مِنَ المَرْهُوبِ إلى المَرْغُوبِ، وذِكْرِ الحَبِيبِ والمَحْبُوبِ، ومَرْأى السِّنِينَ وتَعْبِيرِ الرُّؤْيا، والعَجائِبِ الَّتِي تَصْلُحُ لِلدِّينِ والدُّنْيا، وقِيلَ: كانَتْ أحْسَنَ القَصَصِ؛ لِأنَّ كُلَّ مَن ذُكِرَ (p-٢٧٩)فِيها كانَ مَآلُهُ إلى السَّعادَةِ، انْظُرْ إلى يُوسُفَ وأبِيهِ وإخْوَتِهِ وامْرَأةِ العَزِيزِ والمَلِكِ أسْلَمَ بِ يُوسُفَ وحَسُنَ إسْلامُهُ، ومُعَبِّرِ الرُّؤْيا السّاقِي والشّاهِدِ فِيما يُقالُ، وقِيلَ: (أحْسَنَ) هُنا لَيْسَتْ أفْعَلَ التَّفْضِيلِ، بَلْ هي بِمَعْنى حَسَنٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: حَسَنَ القَصَصِ، مِن بابِ إضافَةِ الصِّفَةِ إلى المَوْصُوفِ أيْ: القَصَصَ الحَسَنَ، و”ما“ في بِـ (ما أوْحَيْنا) مَصْدَرِيَّةٌ أيْ: بِإيحائِنا، وإذا كانَ القَصَصُ مَصْدَرًا فَمَفْعُولُ (نَقُصُّ) مِن حَيْثُ المَعْنى هو (هَذا القُرْآنَ)، إلّا أنَّهُ مِن بابِ الإعْمالِ، إذْ تَنازَعَهُ (نَقُصُّ) و(أوْحَيْنا) فَأُعْمِلَ الثّانِي عَلى الأكْثَرِ، والضَّمِيرُ في (مِن قَبْلِهِ) يَعُودُ عَلى الإيحاءِ، وتَقَدَّمَتْ مَذاهِبُ النُّحاةِ في ”أنِ“ المُخَفَّفَةِ ومَجِيءِ اللّامِ في ثانِي الجُزْأيْنِ، ومَعْنى ﴿مِنَ الغافِلِينَ﴾ [الأعراف: ٢٠٥] لَمْ يَكُنْ لَكَ شُعُورٌ بِهَذِهِ القِصَّةِ، ولا سَبَقَ لَكَ عِلْمٌ فِيها، ولا طَرَقَ سَمْعَكَ طَرَفٌ مِنها، والعامِلُ في (إذْ) قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ وابْنُ عَطِيَّةَ: اذْكُرْ، وأجازَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنْ تَكُونَ بَدَلًا مِن ﴿أحْسَنَ القَصَصِ﴾ قالَ: وهو بَدَلُ اشْتِمالٍ؛ لِأنَّ الوَقْتَ يَشْتَمِلُ عَلى القَصَصِ وهو المَقْصُوصُ، فَإذا قَصَّ وقْتَهُ فَقَدْ قَصَّ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويَجُوزُ أنْ يَعْمَلَ فِيهِ (نَقُصُّ) كانَ المَعْنى: نَقُصُّ عَلَيْكَ الحالَ إذْ، وهَذِهِ التَّقْدِيراتُ لا تَتَّجِهُ حَتّى تُخْلَعَ ”إذْ“ مِن دَلالَتِها عَلى الوَقْتِ الماضِي، وتُجَرَّدَ لِلْوَقْتِ المُطْلَقِ الصّالِحِ لِلْأزْمانِ كُلِّها عَلى جِهَةِ البَدَلِيَّةِ.
وحَكى مَكِّيٌّ أنَّ العامِلَ في (إذِ) (الغافِلِينَ)، والَّذِي يَظْهَرُ أنَّ العامِلَ فِيهِ (قالَ يا بُنَيَّ)، كَما تَقُولُ: إذْ قامَ زَيْدٌ قامَ عَمْرٌو، وتَبْقى (إذْ) عَلى وضْعِها الأصْلِيِّ مِن كَوْنِها ظَرْفًا لِما مَضى، و(يُوسُفُ) اسْمٌ عِبْرانِيٌّ، وتَقَدَّمَتْ سِتُّ لُغاتٍ فِيهِ، ومَنعُهُ الصَّرْفَ دَلِيلٌ عَلى بُطْلانِ قَوْلِ مَن ذَهَبَ إلى أنَّهُ عَرَبِيٌّ مُشْتَقٌّ مِنَ الأسَفِ، وإنْ كانَ في بَعْضِ لُغاتِهِ يَكُونُ فِيهِ الوَزْنُ الغالِبُ، لِامْتِناعِ أنْ يَكُونَ أعْجَمِيًّا غَيْرَ أعْجَمِيٍّ، وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ بِالهَمْزِ وفَتْحِ السِّينِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وأبُو جَعْفَرٍ والأعْرَجُ: (يا أبَتَ) بِفَتْحِ التّاءِ، وباقِي السَّبْعَةِ والجُمْهُورُ بِكَسْرِها، ووَقَفَ الِابْنانِ عَلَيْها بِالهاءِ، وهَذِهِ التّاءُ عِوَضٌ مِن ياءِ الإضافَةِ فَلا يَجْتَمِعانِ، وتَجامَعَ الألِفُ الَّتِي هي بَدَلٌ مِنَ التّاءِ قالَ:
؎يا أبَتا عَلَّكَ أوْ عَساكا
ووَجْهُ الِاقْتِصارِ عَلى التّاءِ مَفْتُوحَةً أنَّهُ اجْتَزَأ بِالفَتْحَةِ عَنِ الألِفِ، أوْ رُخِّمَ بِحَذْفِ التّاءِ ثُمَّ أُقْحِمَتْ، قالَهُ أبُو عَلِيٍّ، أوِ الألِفُ في أبَتا لِلنُّدْبَةِ، فَحَذَفَها قالَهُ الفَرّاءُ وأبُو عُبَيْدٍ وأبُو حاتِمٍ وقُطْرُبٌ، ورُدَّ بِأنَّهُ لَيْسَ مَوْضِعَ نُدْبَةٍ أوِ الأصْلُ ”يا أبَةً“ بِالتَّنْوِينِ فَحُذِفَ، والنِّداءُ (نادِ) حُذِفَ، قالَهُ قُطْرُبٌ، ورُدَّ بِأنَّ التَّنْوِينَ لا يُحْذَفُ مِنَ المُنادى المَنصُوبِ نَحْوَ: يا ضارِبًا رَجُلًا، وفَتَحَ أبُو جَعْفَرٍ ياءَ ”إنِّيَ“ .
وقَرَأ الحَسَنُ وأبُو جَعْفَرٍ وطَلْحَةُ بْنُ سُلَيْمانَ: ﴿أحَدَ عَشَرَ﴾ بِسُكُونِ العَيْنِ لِتَوالِي الحَرَكاتِ، ولِيَظْهَرَ جَعْلُ الِاسْمَيْنِ اسْمًا واحِدًا و(رَأيْتُ) هي حُلْمِيَّةٌ لِدَلالَةِ مُتَعَلِّقِها عَلى أنَّهُ مَنامٌ، والظّاهِرُ أنَّهُ رَأى في مَنامِهِ كَواكِبَ الشَّمْسِ والقَمَرِ، وقِيلَ: رَأى إخْوَتَهُ وأبَوَيْهِ، فَعَبَّرَ عَنْهم بِذَلِكَ، وعَبَّرَ عَنِ الشَّمْسِ عَنْ أُمِّهِ، وقِيلَ: عَنْ خالَتِهِ راحِيلَ؛ لِأنَّ أُمَّهُ كانَتْ ماتَتْ، ومِن حَدِيثِ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ: «أنَّ يَهُودِيًّا جاءَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: يا مُحَمَّدُ أخْبِرْنِي عَنْ أسْماءِ الكَواكِبِ الَّتِي رَآها يُوسُفُ، فَسَكَتَ عَنْهُ، ونَزَلَ جِبْرِيلُ فَأخْبَرَهُ بِأسْمائِها، فَدَعا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ اليَهُودِيَّ فَقالَ: هَلْ أنْتَ مُؤْمِنٌ إنْ أخْبَرْتُكَ بِذَلِكَ ؟ فَقالَ: نَعَمْ. قالَ: جَرَيانُ، والطّارِقُ، والذَّيّالُ، وذُو الكَتِفَيْنِ، وقابِسُ، ووَثّابُ، وعَمُودانُ، والفَلِيقُ، والمُصْبِحُ، والضَّرُوحُ، والفُرُغُ، والضِّياءُ، والنُّورُ. فَقالَ اليَهُودِيُّ: إي واللَّهِ إنَّها لَأسْماؤُها»، وذَكَرَ السُّهَيْلِيُّ مُسْنَدًا إلى الحارْثِ بْنِ أبِي أُسامَةَ فَذَكَرَ الحَدِيثَ، وفِيهِ بَعْضُ اخْتِلافٍ، وذَكَرَ النَّطْحَ عِوَضًا عَنِ المُصْبَحِ، وعَنْ وهْبٍ أنَّ يُوسُفَ رَأى وهو ابْنُ سَبْعِ سِنِينَ أنَّ إحْدى عَشْرَةَ عَصًا طُوالًا كانَتْ مَرْكُوزَةً في الأرْضِ كَهَيْئَةِ الدّارَةِ، وإذا عَصًا صَغِيرَةٌ تَثِبُ عَلَيْها حَتّى اقْتَلَعَتْها وغَلَبَتْها، فَوَصَفَ ذَلِكَ لِأبِيهِ فَقالَ: إيّاكَ أنْ تَذْكُرَ هَذا لِإخْوَتِكَ، ثُمَّ رَأى وهو ابْنُ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً الشَّمْسَ والقَمَرَ والكَواكِبَ سُجُودًا لَهُ فَقَصَّها عَلى أبِيهِ فَقالَ لَهُ: لا تَقُصُّها عَلَيْهِمْ فَيَبْغُوا (p-٢٨٠)لَكَ الغَوائِلَ، وكانَ بَيْنَ رُؤْيا يُوسُفَ ومَسِيرِ إخْوَتِهِ إلَيْهِ أرْبَعُونَ سَنَةً، وقِيلَ: ثَمانُونَ، ورُوِيَ أنَّ رُؤْيا يُوسُفَ كانَتْ لَيْلَةَ القَدْرِ لَيْلَةَ جُمُعَةٍ، والظّاهِرُ أنَّ الشَّمْسَ والقَمَرَ لَيْسا مُنْدَرِجَيْنِ في الأحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا، ولِذَلِكَ حِينَ عَدَّهُما الرَّسُولُ لِلْيَهُودِيِّ ذَكَرَ أحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا غَيْرَ الشَّمْسِ والقَمَرِ، ويَظْهَرُ مِن كَلامِ الزَّمَخْشَرِيِّ أنَّهُما مُنْدَرِجانِ في الأحَدَ عَشَرَ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): لِمَ أخَّرَ الشَّمْسَ والقَمَرَ ؟ (قُلْتُ): أخَّرَهُما لِيَعْطِفَهُما عَلى الكَواكِبِ عَلى طَرِيقِ الِاخْتِصاصِ إثْباتًا لِفَضْلِهِما، واسْتِبْدادِهِما بِالمَزِيَّةِ عَلى غَيْرِهِما مِنَ الطَّوالِعِ، كَما أخَّرَ جِبْرِيلُ ومِيكائِيلُ عَنِ المَلائِكَةِ ثُمَّ عَطَفَهُما عَلَيْهِما لِذَلِكَ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الواوُ بِمَعْنى مَعَ؛ أيْ: رَأيْتُ الكَواكِبَ مَعَ الشَّمْسِ والقَمَرِ، انْتَهى. والَّذِي يَظْهَرُ أنَّ التَّأْخِيرَ إنَّما هو مِن بابِ التَّرَقِّي مِنَ الأدْنى إلى الأعْلى، ولَمْ يَقَعِ التَّرَقِّي في الشَّمْسِ والقَمَرِ جَرْيًا عَلى ما اسْتَقَرَّ في القُرْآنِ مِن أنَّهُ إذا اجْتَمَعا قُدِّمَتْ عَلَيْهِ، قالَ تَعالى: ﴿الشَّمْسُ والقَمَرُ بِحُسْبانٍ﴾ [الرحمن: ٥]، وقالَ: ﴿وجُمِعَ الشَّمْسُ والقَمَرُ﴾ [القيامة: ٩]، ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً والقَمَرَ نُورًا﴾ [يونس: ٥] وقُدِّمَتْ عَلَيْهِ لِسُطُوعِ نُورِها وكِبَرِ جَرْمِها وغَرابَةِ سَيْرِها، واسْتِمْدادِهِ مِنها، وعُلُوِّ مَكانِها، والظّاهِرُ أنَّ (رَأيْتُهم) كُرِّرَ عَلى سَبِيلِ التَّوْكِيدِ لِلطُّولِ بِالمَفاعِيلِ، كَما كُرِّرَ ”إنَّكم“ في قَوْلِهِ: (إنَّكم مُخْرَجُونَ) لِطُولِ الفَصْلِ بِالظَّرْفِ وما تَعَلَّقَ بِهِ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: ما مَعْنى تَكْرارِ (رَأْيَتُهم) ؟ (قُلْتُ): لَيْسَ بِتَكْرارٍ، إنَّما هو كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ عَلى تَقْدِيرِ سُؤالٍ وقَعَ جَوابًا لَهُ، كانَ يَعْقُوبُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - قالَ لَهُ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿إنِّي رَأيْتُ أحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا والشَّمْسَ والقَمَرَ﴾ كَيْفَ رَأيْتَها سائِلًا عَنْ حالِ رُؤْيَتِها ؟ فَقالَ: ﴿رَأيْتُهم لِي ساجِدِينَ﴾ انْتَهى. وجَمَعَهم جَمْعَ مَن يَعْقِلُ؛ لِصُدُورِ السُّجُودِ لَهُ، وهو صِفَةُ مَن يَعْقِلُ، وهَذا سائِغٌ في كَلامِ العَرَبِ، وهو أنْ يُعْطِيَ الشَّيْءَ حُكْمَ الشَّيْءِ لِلِاشْتِراكِ في وصْفٍ ما، وإنْ كانَ ذَلِكَ الوَصْفُ أصْلُهُ أنْ يَخُصَّ أحَدَهُما. والسُّجُودُ: سُجُودُ كَرامَةٍ، كَما سَجَدَتِ المَلائِكَةُ لِآدَمَ، وقِيلَ: كانَ في ذَلِكَ الوَقْتِ السُّجُودُ تَحِيَّةَ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ، ولَمّا خاطَبَ يُوسُفُ أباهُ بِقَوْلِهِ: (يا أبَتِ) وفِيهِ إظْهارُ الطَّواعِيَةِ والبِرِّ والتَّنْبِيهِ عَلى مَحَلِّ الشَّفَقَةِ بِطَبْعِ الأُبُوَّةِ خاطَبَهُ أبُوهُ بِقَوْلِهِ: (يا بُنَيَّ) تَصْغِيرُ التَّحْبِيبِ والتَّقْرِيبِ والشَّفَقَةِ، وقَرَأ حَفْصٌ هُنا وفي لُقْمانَ والصّافّاتِ: (يا بُنَيَّ) بِفَتْحِ الياءِ، وابْنُ كَثِيرٍ في لُقْمانَ ﴿يابُنَيَّ لا تُشْرِكْ﴾ [لقمان: ١٣] وقُنْبُلٌ (يا بُنَيْ أقِمْ) بِإسْكانِها، وباقِي السَّبْعَةِ بِالكَسْرِ، وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: (لا تَقُصُّ) مُدْغَمًا، وهي لُغَةُ تَمِيمٍ، والجُمْهُورُ بِالفَكِّ وهي لُغَةُ الحِجازِ، والرُّؤْيا مَصْدَرٌ كالبُقْيا. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الرُّؤْيا بِمَعْنى الرُّؤْيَةِ، إلّا أنَّها مُخْتَصَّةٌ بِما كانَ في النَّوْمِ دُونَ اليَقَظَةِ، فُرِّقَ بَيْنَهُما بِحَرْفَيِ التَّأْنِيثِ كَما قِيلَ: القُرْبَةُ والقُرْبى، انْتَهى. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿رُؤْياكَ﴾، والرُّؤْيا حَيْثُ وقَعَتْ بِالهَمْزِ مِن غَيْرِ إمالَةٍ، وقَرَأ الكِسائِيُّ: بِالإمالَةِ وبِغَيْرِ الهَمْزِ، وهي لُغَةُ أهْلِ الحِجازِ.
وإخْوَةُ يُوسُفَ: هم كاذٌ، وبِنْيامِينُ، ويَهُوذا، ونَفْتالِي، وزَبُولُونُ، وشَمْعُونُ، ورُوبِينُ، ويُقالَ بِاللّامِ كَجِبْرِيلَ، وجِبْرِينُ، ويُساخا، ولاوِي، وذانٌ، وياشِيرُ، ﴿فَيَكِيدُوا لَكَ﴾ مَنصُوبٌ بِإضْمارِ ”أنْ“ عَلى جَوابِ النَّهْيِ، وعُدِّيَ ﴿فَيَكِيدُوا﴾ بِاللّامِ، وفي ”فَكِيدُونِ“ بِنَفْسِهِ، فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ مِن بابِ شَكَرْتُ زَيْدًا وشَكَرْتُ لِزَيْدٍ، واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ مِن بابِ التَّضْمِينِ، ضَمَّنَ ﴿فَيَكِيدُوا﴾ مَعْنى ما يَتَعَدّى بِاللّامِ، فَكَأنَّهُ قالَ: فَيَحْتالُوا لَكَ بِالكَيْدِ، والتَّضْمِينُ أبْلَغُ لِدَلالَتِهِ عَلى مَعْنى الفِعْلَيْنِ، ولِلْمُبالَغَةِ أُكِّدَ بِالمَصْدَرِ. ونَبَّهَ يَعْقُوبُ عَلى سَبَبِ الكَيْدِ وهو: ما يُزَيِّنُهُ الشَّيْطانُ لِلْإنْسانِ ويُسَوِّلُهُ لَهُ، وذَلِكَ لِلْعَداوَةِ الَّتِي بَيْنَهُما، فَهو يَجْتَهِدُ دائِمًا أنْ يُوقِعَهُ في المَعاصِي ويُدْخِلَهُ فِيها ويَحُضَّهُ عَلَيْها، وكانَ يَعْقُوبُ دَلَّتْهُ رُؤْيا يُوسُفَ - عَلَيْهِما السَّلامُ - عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى يُبْلِغُهُ مَبْلَغًا مِنَ الحِكْمَةِ، ويَصْطَفِيهِ لِلنُّبُوَّةِ، ويُنْعِمُ عَلَيْهِ بِشَرَفِ الدّارَيْنِ كَما فَعَلَ بِآبائِهِ، فَخافَ عَلَيْهِ مِن حَسَدِ إخْوَتِهِ، فَنَهاهُ مِن أنْ يَقُصَّ رُؤْياهُ لَهم، وفي خِطابِ يَعْقُوبَ لِيُوسُفَ تَنْهِيَةٌ عَنْ أنْ (p-٢٨١)يَقُصَّ عَلى إخْوَتِهِ مَخافَةَ كَيْدِهِمْ، دَلالَةً عَلى تَحْذِيرِ المُسْلِمِ أخاهُ المُسْلِمَ مِمَّنْ يَخافُهُ عَلَيْهِ، والتَّنْبِيهُ عَلى بَعْضِ ما لا يَلِيقُ، ولا يَكُونُ ذَلِكَ داخِلًا في بابِ الغَيْبَةِ، ﴿وكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ﴾ أيْ: مِثْلَ ذَلِكَ الِاجْتِباءِ، وهو ما أراهُ مِن تِلْكَ الرُّؤْيا الَّتِي دَلَّتْ عَلى جَلِيلِ قَدْرِهِ، وشَرِيفِ مَنصِبِهِ، ومَآلِهِ إلى النُّبُوَّةِ والرِّسالَةِ والمُلْكِ، و﴿يَجْتَبِيكَ﴾: يَخْتارُكَ رَبُّكَ لِلنُّبُوَّةِ والمُلْكِ، قالَ الحَسَنُ: لِلنُّبُوَّةِ. وقالَ مُقاتِلٌ: لِلسُّجُودِ لَكَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لِأُمُورٍ عِظامٍ.
﴿ويُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ الأحادِيثِ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ لَيْسَ داخِلًا في التَّشْبِيهِ، كَأنَّهُ قالَ: وهو يُعَلِّمُكَ، قالَ مُجاهِدٌ والسُّدِّيُّ: ﴿تَأْوِيلِ الأحادِيثِ﴾ عِبارَةُ الرُّؤْيا، وقالَ الحَسَنُ: عَواقِبُ الأُمُورِ، وقِيلَ: عامَّةٌ لِذَلِكَ ولِغَيْرِهِ مِنَ المُغَيَّباتِ، وقالَ مُقاتِلٌ: غَرائِبُ الرُّؤْيا، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: العِلْمُ والحِكْمَةُ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (الأحادِيثِ) الرُّؤى؛ لِأنَّ الرُّؤى إمّا حَدِيثُ نَفْسٍ أوْ مَلَكٍ أوْ شَيْطانٍ، وتَأْوِيلُها عِبارَتُها وتَفْسِيرُها، فَكانَ يُوسُفُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أعْبَرَ النّاسِ لِلرُّؤْيا وأصَحَّهم عِبارَةً، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِتَأْوِيلِ الأحادِيثِ مَعانِي كُتِبِ اللَّهِ وسِيَرِ الأنْبِياءِ، وما غَمُضَ واشْتَبَهَ عَلى النّاسِ في أغْراضِها ومَقاصِدِها، يُفَسِّرُها لَهم ويَشْرَحُها، ويَدُلُّهم عَلى مُودَعاتِ حِكَمِها، وسُمِّيَتْ أحادِيثَ؛ لِأنَّها تُحَدَّثُ بِها عَنِ اللَّهِ ورُسُلِهِ فَيُقالُ: قالَ اللَّهُ: وقالَ الرَّسُولُ: كَذا وكَذا، ألا تَرى إلى قَوْلِهِ: ﴿فَبِأيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٥] ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أحْسَنَ الحَدِيثِ كِتابًا﴾ [الزمر: ٢٣] وهي اسْمُ جَمْعٍ لِلْحَدِيثِ، ولَيْسَ بِجَمْعِ أُحْدُوثَةٍ، انْتَهى. ولَيْسَ بِاسْمِ جَمْعٍ كَما ذُكِرَ، بَلْ هو جَمْعُ تَكْسِيرٍ لِحَدِيثٍ عَلى غَيْرِ قِياسٍ، كَما قالُوا: أباطِلُ وأباطِيلُ، ولَمْ يَأْتِ اسْمُ جَمْعٍ عَلى هَذا الوَزْنِ، وإذا كانُوا يَقُولُونَ في عَبادِيدَ ويَناذِيرَ أنَّهُما جَمْعا تَكْسِيرٍ ولَمْ يُلْفَظْ لَهُما بِمُفْرَدٍ، فَكَيْفَ لا يَكُونُ أحادِيثُ وأباطِيلُ جَمْعَيْ تَكْسِيرٍ ؟
﴿ويُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ﴾ وإتْمامُها بِأنَّهُ تَعالى وصَلَ لَهم نِعْمَةَ الدُّنْيا - بِأنْ جَعَلَهم أنْبِياءَ ومُلُوكًا - بِنِعْمَةِ الآخِرَةِ - بِأنْ نَقَلَهم إلى أعْلى الدَّرَجاتِ في الجَنَّةِ -، وقالَ مُقاتِلٌ: بِإعْلاءِ كَلِمَتِكَ وتَحْقِيقِ رُؤْياكَ، وقالَ الحَسَنُ: هَذا شَيْءٌ أعْلَمَهُ اللَّهُ يَعْقُوبَ مِن أنَّهُ سَيُعْطِي يُوسُفَ النُّبُوَّةَ، وقِيلَ: بِأنْ يُحَوِّجَ إخْوَتَكَ إلَيْكَ، فَتُقابِلُ الذَّنْبَ بِالغُفْرانِ، والإساءَةَ بِالإحْسانِ، وقِيلَ: بِإنْجائِكَ مِن كُلِّ مَكْرُوهٍ، و(آلِ يَعْقُوبَ) الظّاهِرُ أنَّهُ أوْلادُهُ ونَسْلُهم؛ أيْ: نَجْعَلُ النُّبُوَّةَ فِيهِمْ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هم نَسْلُهم وغَيْرُهم، وقِيلَ: أهْلُ دِينِهِ وأتْباعُهم، كَما جاءَ في الحَدِيثِ: مَن آلُكَ ؟ فَقالَ: (كُلُّ تَقِيٍّ) وقِيلَ: امْرَأتُهُ وأوْلادُهُ الأحَدَ عَشَرَ، وقِيلَ: المُرادُ يَعْقُوبُ نَفْسُهُ خاصَّةً، وإتْمامُ النِّعْمَةِ عَلى إبْراهِيمَ بِالخُلَّةِ، والإنْجاءِ مِنَ النّارِ، وإهْلاكِ عَدُوِّهِ نَمْرُوذَ، وعَلى إسْحاقَ بِإخْراجِ يَعْقُوبَ والأسْباطِ مِن صُلْبِهِ، وسُمِّيَ الجَدُّ وأبُو الجَدِّ أبَوَيْنِ؛ لِأنَّهُما في عَمُودِ النَّسَبِ كَما قالَ: ﴿وإلَهَ آبائِكَ﴾ [البقرة: ١٣٣] ولِهَذا يَقُولُونَ: ابْنُ فُلانٍ، وإنْ كانَ بَيْنَهُما عِدَّةٌ في عَمُودِ النَّسَبِ، ﴿إنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ﴾ بِمَن يَسْتَحِقُّ الِاجْتِباءَ، (حَكِيمٌ) يَضَعُ الأشْياءَ مَواضِعَها، وهَذانِ الوَصْفانِ مُناسِبانِ لِهَذا الوَعْدِ الَّذِي وعَدَهُ يَعْقُوبَ ويُوسُفَ - عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ - في قَوْلِهِ: ﴿وكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ﴾ قِيلَ: وعَلِمَ يَعْقُوبُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ذَلِكَ مِن دَعْوَةِ إسْحاقَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - حِينَ تَشَبَّهَ لَهُ بِعَيْصُو.
يوسف 12:5
﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أحْسَنَ القَصَصِ بِما أوْحَيْنا إلَيْكَ هَذا القُرْآنَ وإنْ كُنْتَ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ الغافِلِينَ﴾ ﴿إذْ قالَ يُوسُفُ لِأبِيهِ ياأبَتِ إنِّي رَأيْتُ أحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا والشَّمْسَ والقَمَرَ رَأيْتُهم لِي ساجِدِينَ﴾ ﴿قالَ يابُنَيَّ لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ عَلى إخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا إنَّ الشَّيْطانَ لِلْإنْسانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ ﴿وكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ ويُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ الأحادِيثِ ويُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وعَلى آلِ يَعْقُوبَ كَما أتَمَّها عَلى أبَوَيْكَ مِن قَبْلُ إبْراهِيمَ وإسْحاقَ إنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾
(p-٢٧٨)(القَصَصِ): مَصْدَرُ قَصَّ، واسْمُ مَفْعُولٍ إمّا لِتَسْمِيَتِهِ بِالمَصْدَرِ، وإمّا لِكَوْنِ الفِعْلِ يَكُونُ لِلْمَفْعُولِ، كالقَبْضِ والنَّقْصِ، والقَصَصُ هُنا يَحْتَمِلُ الأوْجُهَ الثَّلاثَةَ، فَإنْ كانَ المَصْدَرَ فالمُرادُ بِكَوْنِهِ أحْسَنَ أنَّهُ اقْتُصَّ عَلى أبْدَعِ طَرِيقَةٍ، وأحْسَنِ أُسْلُوبٍ، ألا تَرى أنَّ هَذا الحَدِيثَ مُقْتَصٌّ في كُتُبِ الأوَّلِينَ، وفي كُتُبِ التَّوارِيخِ، ولا تَرى اقْتِصاصَهُ في كِتابٍ مِنها مُقارِبًا لِاقْتِصاصِهِ في القُرْآنِ، وإنْ كانَ المَفْعُولَ فَكانَ أحْسَنَهُ لِما يَتَضَمَّنُ مِنَ العِبَرِ والحِكَمِ والنُّكَتِ والعَجائِبِ الَّتِي لَيْسَتْ في غَيْرِهِ، والظّاهِرُ أنَّهُ أحْسَنُ ما يُقَصُّ في بابِهِ كَما يُقالُ لِلرَّجُلِ: هو أعْلَمُ النّاسِ وأفْضَلُهم، يُرادُ في فَنِّهِ.
وقِيلَ: كانَتْ هَذِهِ السُّورَةُ أحْسَنَ القَصَصِ لِانْفِرادِها عَنْ سائِرِها بِما فِيها مِن ذِكْرِ الأنْبِياءِ والصّالِحِينَ والمَلائِكَةِ والشَّياطِينِ والجِنِّ والإنْسِ والأنْعامِ والطَّيْرِ وسِيَرِ المُلُوكِ والمَمالِكِ والتُّجّارِ والعُلَماءِ والرِّجالِ، والنِّساءِ وكَيْدِهِنَّ ومَكْرِهِنَّ، مَعَ ما فِيها مِن ذِكْرِ التَّوْحِيدِ والفِقْهِ والسِّيَرِ والسِّياسَةِ وحُسْنِ المِلْكَةِ والعَفْوِ عِنْدَ المَقْدِرَةِ، وحُسْنِ المُعاشَرَةِ، والحِيَلِ وتَدْبِيرِ المَعاشِ، والمَعادِ، وحُسْنِ العاقِبَةِ في العِفَّةِ، والجِهادِ والخَلاصِ مِنَ المَرْهُوبِ إلى المَرْغُوبِ، وذِكْرِ الحَبِيبِ والمَحْبُوبِ، ومَرْأى السِّنِينَ وتَعْبِيرِ الرُّؤْيا، والعَجائِبِ الَّتِي تَصْلُحُ لِلدِّينِ والدُّنْيا، وقِيلَ: كانَتْ أحْسَنَ القَصَصِ؛ لِأنَّ كُلَّ مَن ذُكِرَ (p-٢٧٩)فِيها كانَ مَآلُهُ إلى السَّعادَةِ، انْظُرْ إلى يُوسُفَ وأبِيهِ وإخْوَتِهِ وامْرَأةِ العَزِيزِ والمَلِكِ أسْلَمَ بِ يُوسُفَ وحَسُنَ إسْلامُهُ، ومُعَبِّرِ الرُّؤْيا السّاقِي والشّاهِدِ فِيما يُقالُ، وقِيلَ: (أحْسَنَ) هُنا لَيْسَتْ أفْعَلَ التَّفْضِيلِ، بَلْ هي بِمَعْنى حَسَنٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: حَسَنَ القَصَصِ، مِن بابِ إضافَةِ الصِّفَةِ إلى المَوْصُوفِ أيْ: القَصَصَ الحَسَنَ، و”ما“ في بِـ (ما أوْحَيْنا) مَصْدَرِيَّةٌ أيْ: بِإيحائِنا، وإذا كانَ القَصَصُ مَصْدَرًا فَمَفْعُولُ (نَقُصُّ) مِن حَيْثُ المَعْنى هو (هَذا القُرْآنَ)، إلّا أنَّهُ مِن بابِ الإعْمالِ، إذْ تَنازَعَهُ (نَقُصُّ) و(أوْحَيْنا) فَأُعْمِلَ الثّانِي عَلى الأكْثَرِ، والضَّمِيرُ في (مِن قَبْلِهِ) يَعُودُ عَلى الإيحاءِ، وتَقَدَّمَتْ مَذاهِبُ النُّحاةِ في ”أنِ“ المُخَفَّفَةِ ومَجِيءِ اللّامِ في ثانِي الجُزْأيْنِ، ومَعْنى ﴿مِنَ الغافِلِينَ﴾ [الأعراف: ٢٠٥] لَمْ يَكُنْ لَكَ شُعُورٌ بِهَذِهِ القِصَّةِ، ولا سَبَقَ لَكَ عِلْمٌ فِيها، ولا طَرَقَ سَمْعَكَ طَرَفٌ مِنها، والعامِلُ في (إذْ) قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ وابْنُ عَطِيَّةَ: اذْكُرْ، وأجازَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنْ تَكُونَ بَدَلًا مِن ﴿أحْسَنَ القَصَصِ﴾ قالَ: وهو بَدَلُ اشْتِمالٍ؛ لِأنَّ الوَقْتَ يَشْتَمِلُ عَلى القَصَصِ وهو المَقْصُوصُ، فَإذا قَصَّ وقْتَهُ فَقَدْ قَصَّ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويَجُوزُ أنْ يَعْمَلَ فِيهِ (نَقُصُّ) كانَ المَعْنى: نَقُصُّ عَلَيْكَ الحالَ إذْ، وهَذِهِ التَّقْدِيراتُ لا تَتَّجِهُ حَتّى تُخْلَعَ ”إذْ“ مِن دَلالَتِها عَلى الوَقْتِ الماضِي، وتُجَرَّدَ لِلْوَقْتِ المُطْلَقِ الصّالِحِ لِلْأزْمانِ كُلِّها عَلى جِهَةِ البَدَلِيَّةِ.
وحَكى مَكِّيٌّ أنَّ العامِلَ في (إذِ) (الغافِلِينَ)، والَّذِي يَظْهَرُ أنَّ العامِلَ فِيهِ (قالَ يا بُنَيَّ)، كَما تَقُولُ: إذْ قامَ زَيْدٌ قامَ عَمْرٌو، وتَبْقى (إذْ) عَلى وضْعِها الأصْلِيِّ مِن كَوْنِها ظَرْفًا لِما مَضى، و(يُوسُفُ) اسْمٌ عِبْرانِيٌّ، وتَقَدَّمَتْ سِتُّ لُغاتٍ فِيهِ، ومَنعُهُ الصَّرْفَ دَلِيلٌ عَلى بُطْلانِ قَوْلِ مَن ذَهَبَ إلى أنَّهُ عَرَبِيٌّ مُشْتَقٌّ مِنَ الأسَفِ، وإنْ كانَ في بَعْضِ لُغاتِهِ يَكُونُ فِيهِ الوَزْنُ الغالِبُ، لِامْتِناعِ أنْ يَكُونَ أعْجَمِيًّا غَيْرَ أعْجَمِيٍّ، وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ بِالهَمْزِ وفَتْحِ السِّينِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وأبُو جَعْفَرٍ والأعْرَجُ: (يا أبَتَ) بِفَتْحِ التّاءِ، وباقِي السَّبْعَةِ والجُمْهُورُ بِكَسْرِها، ووَقَفَ الِابْنانِ عَلَيْها بِالهاءِ، وهَذِهِ التّاءُ عِوَضٌ مِن ياءِ الإضافَةِ فَلا يَجْتَمِعانِ، وتَجامَعَ الألِفُ الَّتِي هي بَدَلٌ مِنَ التّاءِ قالَ:
؎يا أبَتا عَلَّكَ أوْ عَساكا
ووَجْهُ الِاقْتِصارِ عَلى التّاءِ مَفْتُوحَةً أنَّهُ اجْتَزَأ بِالفَتْحَةِ عَنِ الألِفِ، أوْ رُخِّمَ بِحَذْفِ التّاءِ ثُمَّ أُقْحِمَتْ، قالَهُ أبُو عَلِيٍّ، أوِ الألِفُ في أبَتا لِلنُّدْبَةِ، فَحَذَفَها قالَهُ الفَرّاءُ وأبُو عُبَيْدٍ وأبُو حاتِمٍ وقُطْرُبٌ، ورُدَّ بِأنَّهُ لَيْسَ مَوْضِعَ نُدْبَةٍ أوِ الأصْلُ ”يا أبَةً“ بِالتَّنْوِينِ فَحُذِفَ، والنِّداءُ (نادِ) حُذِفَ، قالَهُ قُطْرُبٌ، ورُدَّ بِأنَّ التَّنْوِينَ لا يُحْذَفُ مِنَ المُنادى المَنصُوبِ نَحْوَ: يا ضارِبًا رَجُلًا، وفَتَحَ أبُو جَعْفَرٍ ياءَ ”إنِّيَ“ .
وقَرَأ الحَسَنُ وأبُو جَعْفَرٍ وطَلْحَةُ بْنُ سُلَيْمانَ: ﴿أحَدَ عَشَرَ﴾ بِسُكُونِ العَيْنِ لِتَوالِي الحَرَكاتِ، ولِيَظْهَرَ جَعْلُ الِاسْمَيْنِ اسْمًا واحِدًا و(رَأيْتُ) هي حُلْمِيَّةٌ لِدَلالَةِ مُتَعَلِّقِها عَلى أنَّهُ مَنامٌ، والظّاهِرُ أنَّهُ رَأى في مَنامِهِ كَواكِبَ الشَّمْسِ والقَمَرِ، وقِيلَ: رَأى إخْوَتَهُ وأبَوَيْهِ، فَعَبَّرَ عَنْهم بِذَلِكَ، وعَبَّرَ عَنِ الشَّمْسِ عَنْ أُمِّهِ، وقِيلَ: عَنْ خالَتِهِ راحِيلَ؛ لِأنَّ أُمَّهُ كانَتْ ماتَتْ، ومِن حَدِيثِ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ: «أنَّ يَهُودِيًّا جاءَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: يا مُحَمَّدُ أخْبِرْنِي عَنْ أسْماءِ الكَواكِبِ الَّتِي رَآها يُوسُفُ، فَسَكَتَ عَنْهُ، ونَزَلَ جِبْرِيلُ فَأخْبَرَهُ بِأسْمائِها، فَدَعا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ اليَهُودِيَّ فَقالَ: هَلْ أنْتَ مُؤْمِنٌ إنْ أخْبَرْتُكَ بِذَلِكَ ؟ فَقالَ: نَعَمْ. قالَ: جَرَيانُ، والطّارِقُ، والذَّيّالُ، وذُو الكَتِفَيْنِ، وقابِسُ، ووَثّابُ، وعَمُودانُ، والفَلِيقُ، والمُصْبِحُ، والضَّرُوحُ، والفُرُغُ، والضِّياءُ، والنُّورُ. فَقالَ اليَهُودِيُّ: إي واللَّهِ إنَّها لَأسْماؤُها»، وذَكَرَ السُّهَيْلِيُّ مُسْنَدًا إلى الحارْثِ بْنِ أبِي أُسامَةَ فَذَكَرَ الحَدِيثَ، وفِيهِ بَعْضُ اخْتِلافٍ، وذَكَرَ النَّطْحَ عِوَضًا عَنِ المُصْبَحِ، وعَنْ وهْبٍ أنَّ يُوسُفَ رَأى وهو ابْنُ سَبْعِ سِنِينَ أنَّ إحْدى عَشْرَةَ عَصًا طُوالًا كانَتْ مَرْكُوزَةً في الأرْضِ كَهَيْئَةِ الدّارَةِ، وإذا عَصًا صَغِيرَةٌ تَثِبُ عَلَيْها حَتّى اقْتَلَعَتْها وغَلَبَتْها، فَوَصَفَ ذَلِكَ لِأبِيهِ فَقالَ: إيّاكَ أنْ تَذْكُرَ هَذا لِإخْوَتِكَ، ثُمَّ رَأى وهو ابْنُ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً الشَّمْسَ والقَمَرَ والكَواكِبَ سُجُودًا لَهُ فَقَصَّها عَلى أبِيهِ فَقالَ لَهُ: لا تَقُصُّها عَلَيْهِمْ فَيَبْغُوا (p-٢٨٠)لَكَ الغَوائِلَ، وكانَ بَيْنَ رُؤْيا يُوسُفَ ومَسِيرِ إخْوَتِهِ إلَيْهِ أرْبَعُونَ سَنَةً، وقِيلَ: ثَمانُونَ، ورُوِيَ أنَّ رُؤْيا يُوسُفَ كانَتْ لَيْلَةَ القَدْرِ لَيْلَةَ جُمُعَةٍ، والظّاهِرُ أنَّ الشَّمْسَ والقَمَرَ لَيْسا مُنْدَرِجَيْنِ في الأحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا، ولِذَلِكَ حِينَ عَدَّهُما الرَّسُولُ لِلْيَهُودِيِّ ذَكَرَ أحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا غَيْرَ الشَّمْسِ والقَمَرِ، ويَظْهَرُ مِن كَلامِ الزَّمَخْشَرِيِّ أنَّهُما مُنْدَرِجانِ في الأحَدَ عَشَرَ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): لِمَ أخَّرَ الشَّمْسَ والقَمَرَ ؟ (قُلْتُ): أخَّرَهُما لِيَعْطِفَهُما عَلى الكَواكِبِ عَلى طَرِيقِ الِاخْتِصاصِ إثْباتًا لِفَضْلِهِما، واسْتِبْدادِهِما بِالمَزِيَّةِ عَلى غَيْرِهِما مِنَ الطَّوالِعِ، كَما أخَّرَ جِبْرِيلُ ومِيكائِيلُ عَنِ المَلائِكَةِ ثُمَّ عَطَفَهُما عَلَيْهِما لِذَلِكَ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الواوُ بِمَعْنى مَعَ؛ أيْ: رَأيْتُ الكَواكِبَ مَعَ الشَّمْسِ والقَمَرِ، انْتَهى. والَّذِي يَظْهَرُ أنَّ التَّأْخِيرَ إنَّما هو مِن بابِ التَّرَقِّي مِنَ الأدْنى إلى الأعْلى، ولَمْ يَقَعِ التَّرَقِّي في الشَّمْسِ والقَمَرِ جَرْيًا عَلى ما اسْتَقَرَّ في القُرْآنِ مِن أنَّهُ إذا اجْتَمَعا قُدِّمَتْ عَلَيْهِ، قالَ تَعالى: ﴿الشَّمْسُ والقَمَرُ بِحُسْبانٍ﴾ [الرحمن: ٥]، وقالَ: ﴿وجُمِعَ الشَّمْسُ والقَمَرُ﴾ [القيامة: ٩]، ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً والقَمَرَ نُورًا﴾ [يونس: ٥] وقُدِّمَتْ عَلَيْهِ لِسُطُوعِ نُورِها وكِبَرِ جَرْمِها وغَرابَةِ سَيْرِها، واسْتِمْدادِهِ مِنها، وعُلُوِّ مَكانِها، والظّاهِرُ أنَّ (رَأيْتُهم) كُرِّرَ عَلى سَبِيلِ التَّوْكِيدِ لِلطُّولِ بِالمَفاعِيلِ، كَما كُرِّرَ ”إنَّكم“ في قَوْلِهِ: (إنَّكم مُخْرَجُونَ) لِطُولِ الفَصْلِ بِالظَّرْفِ وما تَعَلَّقَ بِهِ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: ما مَعْنى تَكْرارِ (رَأْيَتُهم) ؟ (قُلْتُ): لَيْسَ بِتَكْرارٍ، إنَّما هو كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ عَلى تَقْدِيرِ سُؤالٍ وقَعَ جَوابًا لَهُ، كانَ يَعْقُوبُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - قالَ لَهُ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿إنِّي رَأيْتُ أحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا والشَّمْسَ والقَمَرَ﴾ كَيْفَ رَأيْتَها سائِلًا عَنْ حالِ رُؤْيَتِها ؟ فَقالَ: ﴿رَأيْتُهم لِي ساجِدِينَ﴾ انْتَهى. وجَمَعَهم جَمْعَ مَن يَعْقِلُ؛ لِصُدُورِ السُّجُودِ لَهُ، وهو صِفَةُ مَن يَعْقِلُ، وهَذا سائِغٌ في كَلامِ العَرَبِ، وهو أنْ يُعْطِيَ الشَّيْءَ حُكْمَ الشَّيْءِ لِلِاشْتِراكِ في وصْفٍ ما، وإنْ كانَ ذَلِكَ الوَصْفُ أصْلُهُ أنْ يَخُصَّ أحَدَهُما. والسُّجُودُ: سُجُودُ كَرامَةٍ، كَما سَجَدَتِ المَلائِكَةُ لِآدَمَ، وقِيلَ: كانَ في ذَلِكَ الوَقْتِ السُّجُودُ تَحِيَّةَ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ، ولَمّا خاطَبَ يُوسُفُ أباهُ بِقَوْلِهِ: (يا أبَتِ) وفِيهِ إظْهارُ الطَّواعِيَةِ والبِرِّ والتَّنْبِيهِ عَلى مَحَلِّ الشَّفَقَةِ بِطَبْعِ الأُبُوَّةِ خاطَبَهُ أبُوهُ بِقَوْلِهِ: (يا بُنَيَّ) تَصْغِيرُ التَّحْبِيبِ والتَّقْرِيبِ والشَّفَقَةِ، وقَرَأ حَفْصٌ هُنا وفي لُقْمانَ والصّافّاتِ: (يا بُنَيَّ) بِفَتْحِ الياءِ، وابْنُ كَثِيرٍ في لُقْمانَ ﴿يابُنَيَّ لا تُشْرِكْ﴾ [لقمان: ١٣] وقُنْبُلٌ (يا بُنَيْ أقِمْ) بِإسْكانِها، وباقِي السَّبْعَةِ بِالكَسْرِ، وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: (لا تَقُصُّ) مُدْغَمًا، وهي لُغَةُ تَمِيمٍ، والجُمْهُورُ بِالفَكِّ وهي لُغَةُ الحِجازِ، والرُّؤْيا مَصْدَرٌ كالبُقْيا. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الرُّؤْيا بِمَعْنى الرُّؤْيَةِ، إلّا أنَّها مُخْتَصَّةٌ بِما كانَ في النَّوْمِ دُونَ اليَقَظَةِ، فُرِّقَ بَيْنَهُما بِحَرْفَيِ التَّأْنِيثِ كَما قِيلَ: القُرْبَةُ والقُرْبى، انْتَهى. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿رُؤْياكَ﴾، والرُّؤْيا حَيْثُ وقَعَتْ بِالهَمْزِ مِن غَيْرِ إمالَةٍ، وقَرَأ الكِسائِيُّ: بِالإمالَةِ وبِغَيْرِ الهَمْزِ، وهي لُغَةُ أهْلِ الحِجازِ.
وإخْوَةُ يُوسُفَ: هم كاذٌ، وبِنْيامِينُ، ويَهُوذا، ونَفْتالِي، وزَبُولُونُ، وشَمْعُونُ، ورُوبِينُ، ويُقالَ بِاللّامِ كَجِبْرِيلَ، وجِبْرِينُ، ويُساخا، ولاوِي، وذانٌ، وياشِيرُ، ﴿فَيَكِيدُوا لَكَ﴾ مَنصُوبٌ بِإضْمارِ ”أنْ“ عَلى جَوابِ النَّهْيِ، وعُدِّيَ ﴿فَيَكِيدُوا﴾ بِاللّامِ، وفي ”فَكِيدُونِ“ بِنَفْسِهِ، فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ مِن بابِ شَكَرْتُ زَيْدًا وشَكَرْتُ لِزَيْدٍ، واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ مِن بابِ التَّضْمِينِ، ضَمَّنَ ﴿فَيَكِيدُوا﴾ مَعْنى ما يَتَعَدّى بِاللّامِ، فَكَأنَّهُ قالَ: فَيَحْتالُوا لَكَ بِالكَيْدِ، والتَّضْمِينُ أبْلَغُ لِدَلالَتِهِ عَلى مَعْنى الفِعْلَيْنِ، ولِلْمُبالَغَةِ أُكِّدَ بِالمَصْدَرِ. ونَبَّهَ يَعْقُوبُ عَلى سَبَبِ الكَيْدِ وهو: ما يُزَيِّنُهُ الشَّيْطانُ لِلْإنْسانِ ويُسَوِّلُهُ لَهُ، وذَلِكَ لِلْعَداوَةِ الَّتِي بَيْنَهُما، فَهو يَجْتَهِدُ دائِمًا أنْ يُوقِعَهُ في المَعاصِي ويُدْخِلَهُ فِيها ويَحُضَّهُ عَلَيْها، وكانَ يَعْقُوبُ دَلَّتْهُ رُؤْيا يُوسُفَ - عَلَيْهِما السَّلامُ - عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى يُبْلِغُهُ مَبْلَغًا مِنَ الحِكْمَةِ، ويَصْطَفِيهِ لِلنُّبُوَّةِ، ويُنْعِمُ عَلَيْهِ بِشَرَفِ الدّارَيْنِ كَما فَعَلَ بِآبائِهِ، فَخافَ عَلَيْهِ مِن حَسَدِ إخْوَتِهِ، فَنَهاهُ مِن أنْ يَقُصَّ رُؤْياهُ لَهم، وفي خِطابِ يَعْقُوبَ لِيُوسُفَ تَنْهِيَةٌ عَنْ أنْ (p-٢٨١)يَقُصَّ عَلى إخْوَتِهِ مَخافَةَ كَيْدِهِمْ، دَلالَةً عَلى تَحْذِيرِ المُسْلِمِ أخاهُ المُسْلِمَ مِمَّنْ يَخافُهُ عَلَيْهِ، والتَّنْبِيهُ عَلى بَعْضِ ما لا يَلِيقُ، ولا يَكُونُ ذَلِكَ داخِلًا في بابِ الغَيْبَةِ، ﴿وكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ﴾ أيْ: مِثْلَ ذَلِكَ الِاجْتِباءِ، وهو ما أراهُ مِن تِلْكَ الرُّؤْيا الَّتِي دَلَّتْ عَلى جَلِيلِ قَدْرِهِ، وشَرِيفِ مَنصِبِهِ، ومَآلِهِ إلى النُّبُوَّةِ والرِّسالَةِ والمُلْكِ، و﴿يَجْتَبِيكَ﴾: يَخْتارُكَ رَبُّكَ لِلنُّبُوَّةِ والمُلْكِ، قالَ الحَسَنُ: لِلنُّبُوَّةِ. وقالَ مُقاتِلٌ: لِلسُّجُودِ لَكَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لِأُمُورٍ عِظامٍ.
﴿ويُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ الأحادِيثِ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ لَيْسَ داخِلًا في التَّشْبِيهِ، كَأنَّهُ قالَ: وهو يُعَلِّمُكَ، قالَ مُجاهِدٌ والسُّدِّيُّ: ﴿تَأْوِيلِ الأحادِيثِ﴾ عِبارَةُ الرُّؤْيا، وقالَ الحَسَنُ: عَواقِبُ الأُمُورِ، وقِيلَ: عامَّةٌ لِذَلِكَ ولِغَيْرِهِ مِنَ المُغَيَّباتِ، وقالَ مُقاتِلٌ: غَرائِبُ الرُّؤْيا، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: العِلْمُ والحِكْمَةُ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (الأحادِيثِ) الرُّؤى؛ لِأنَّ الرُّؤى إمّا حَدِيثُ نَفْسٍ أوْ مَلَكٍ أوْ شَيْطانٍ، وتَأْوِيلُها عِبارَتُها وتَفْسِيرُها، فَكانَ يُوسُفُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أعْبَرَ النّاسِ لِلرُّؤْيا وأصَحَّهم عِبارَةً، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِتَأْوِيلِ الأحادِيثِ مَعانِي كُتِبِ اللَّهِ وسِيَرِ الأنْبِياءِ، وما غَمُضَ واشْتَبَهَ عَلى النّاسِ في أغْراضِها ومَقاصِدِها، يُفَسِّرُها لَهم ويَشْرَحُها، ويَدُلُّهم عَلى مُودَعاتِ حِكَمِها، وسُمِّيَتْ أحادِيثَ؛ لِأنَّها تُحَدَّثُ بِها عَنِ اللَّهِ ورُسُلِهِ فَيُقالُ: قالَ اللَّهُ: وقالَ الرَّسُولُ: كَذا وكَذا، ألا تَرى إلى قَوْلِهِ: ﴿فَبِأيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٥] ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أحْسَنَ الحَدِيثِ كِتابًا﴾ [الزمر: ٢٣] وهي اسْمُ جَمْعٍ لِلْحَدِيثِ، ولَيْسَ بِجَمْعِ أُحْدُوثَةٍ، انْتَهى. ولَيْسَ بِاسْمِ جَمْعٍ كَما ذُكِرَ، بَلْ هو جَمْعُ تَكْسِيرٍ لِحَدِيثٍ عَلى غَيْرِ قِياسٍ، كَما قالُوا: أباطِلُ وأباطِيلُ، ولَمْ يَأْتِ اسْمُ جَمْعٍ عَلى هَذا الوَزْنِ، وإذا كانُوا يَقُولُونَ في عَبادِيدَ ويَناذِيرَ أنَّهُما جَمْعا تَكْسِيرٍ ولَمْ يُلْفَظْ لَهُما بِمُفْرَدٍ، فَكَيْفَ لا يَكُونُ أحادِيثُ وأباطِيلُ جَمْعَيْ تَكْسِيرٍ ؟
﴿ويُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ﴾ وإتْمامُها بِأنَّهُ تَعالى وصَلَ لَهم نِعْمَةَ الدُّنْيا - بِأنْ جَعَلَهم أنْبِياءَ ومُلُوكًا - بِنِعْمَةِ الآخِرَةِ - بِأنْ نَقَلَهم إلى أعْلى الدَّرَجاتِ في الجَنَّةِ -، وقالَ مُقاتِلٌ: بِإعْلاءِ كَلِمَتِكَ وتَحْقِيقِ رُؤْياكَ، وقالَ الحَسَنُ: هَذا شَيْءٌ أعْلَمَهُ اللَّهُ يَعْقُوبَ مِن أنَّهُ سَيُعْطِي يُوسُفَ النُّبُوَّةَ، وقِيلَ: بِأنْ يُحَوِّجَ إخْوَتَكَ إلَيْكَ، فَتُقابِلُ الذَّنْبَ بِالغُفْرانِ، والإساءَةَ بِالإحْسانِ، وقِيلَ: بِإنْجائِكَ مِن كُلِّ مَكْرُوهٍ، و(آلِ يَعْقُوبَ) الظّاهِرُ أنَّهُ أوْلادُهُ ونَسْلُهم؛ أيْ: نَجْعَلُ النُّبُوَّةَ فِيهِمْ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هم نَسْلُهم وغَيْرُهم، وقِيلَ: أهْلُ دِينِهِ وأتْباعُهم، كَما جاءَ في الحَدِيثِ: مَن آلُكَ ؟ فَقالَ: (كُلُّ تَقِيٍّ) وقِيلَ: امْرَأتُهُ وأوْلادُهُ الأحَدَ عَشَرَ، وقِيلَ: المُرادُ يَعْقُوبُ نَفْسُهُ خاصَّةً، وإتْمامُ النِّعْمَةِ عَلى إبْراهِيمَ بِالخُلَّةِ، والإنْجاءِ مِنَ النّارِ، وإهْلاكِ عَدُوِّهِ نَمْرُوذَ، وعَلى إسْحاقَ بِإخْراجِ يَعْقُوبَ والأسْباطِ مِن صُلْبِهِ، وسُمِّيَ الجَدُّ وأبُو الجَدِّ أبَوَيْنِ؛ لِأنَّهُما في عَمُودِ النَّسَبِ كَما قالَ: ﴿وإلَهَ آبائِكَ﴾ [البقرة: ١٣٣] ولِهَذا يَقُولُونَ: ابْنُ فُلانٍ، وإنْ كانَ بَيْنَهُما عِدَّةٌ في عَمُودِ النَّسَبِ، ﴿إنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ﴾ بِمَن يَسْتَحِقُّ الِاجْتِباءَ، (حَكِيمٌ) يَضَعُ الأشْياءَ مَواضِعَها، وهَذانِ الوَصْفانِ مُناسِبانِ لِهَذا الوَعْدِ الَّذِي وعَدَهُ يَعْقُوبَ ويُوسُفَ - عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ - في قَوْلِهِ: ﴿وكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ﴾ قِيلَ: وعَلِمَ يَعْقُوبُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ذَلِكَ مِن دَعْوَةِ إسْحاقَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - حِينَ تَشَبَّهَ لَهُ بِعَيْصُو.
يوسف 12:6
﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أحْسَنَ القَصَصِ بِما أوْحَيْنا إلَيْكَ هَذا القُرْآنَ وإنْ كُنْتَ مِن قَبْلِهِ لَمِنَ الغافِلِينَ﴾ ﴿إذْ قالَ يُوسُفُ لِأبِيهِ ياأبَتِ إنِّي رَأيْتُ أحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا والشَّمْسَ والقَمَرَ رَأيْتُهم لِي ساجِدِينَ﴾ ﴿قالَ يابُنَيَّ لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ عَلى إخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا إنَّ الشَّيْطانَ لِلْإنْسانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ ﴿وكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ ويُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ الأحادِيثِ ويُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وعَلى آلِ يَعْقُوبَ كَما أتَمَّها عَلى أبَوَيْكَ مِن قَبْلُ إبْراهِيمَ وإسْحاقَ إنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾
(p-٢٧٨)(القَصَصِ): مَصْدَرُ قَصَّ، واسْمُ مَفْعُولٍ إمّا لِتَسْمِيَتِهِ بِالمَصْدَرِ، وإمّا لِكَوْنِ الفِعْلِ يَكُونُ لِلْمَفْعُولِ، كالقَبْضِ والنَّقْصِ، والقَصَصُ هُنا يَحْتَمِلُ الأوْجُهَ الثَّلاثَةَ، فَإنْ كانَ المَصْدَرَ فالمُرادُ بِكَوْنِهِ أحْسَنَ أنَّهُ اقْتُصَّ عَلى أبْدَعِ طَرِيقَةٍ، وأحْسَنِ أُسْلُوبٍ، ألا تَرى أنَّ هَذا الحَدِيثَ مُقْتَصٌّ في كُتُبِ الأوَّلِينَ، وفي كُتُبِ التَّوارِيخِ، ولا تَرى اقْتِصاصَهُ في كِتابٍ مِنها مُقارِبًا لِاقْتِصاصِهِ في القُرْآنِ، وإنْ كانَ المَفْعُولَ فَكانَ أحْسَنَهُ لِما يَتَضَمَّنُ مِنَ العِبَرِ والحِكَمِ والنُّكَتِ والعَجائِبِ الَّتِي لَيْسَتْ في غَيْرِهِ، والظّاهِرُ أنَّهُ أحْسَنُ ما يُقَصُّ في بابِهِ كَما يُقالُ لِلرَّجُلِ: هو أعْلَمُ النّاسِ وأفْضَلُهم، يُرادُ في فَنِّهِ.
وقِيلَ: كانَتْ هَذِهِ السُّورَةُ أحْسَنَ القَصَصِ لِانْفِرادِها عَنْ سائِرِها بِما فِيها مِن ذِكْرِ الأنْبِياءِ والصّالِحِينَ والمَلائِكَةِ والشَّياطِينِ والجِنِّ والإنْسِ والأنْعامِ والطَّيْرِ وسِيَرِ المُلُوكِ والمَمالِكِ والتُّجّارِ والعُلَماءِ والرِّجالِ، والنِّساءِ وكَيْدِهِنَّ ومَكْرِهِنَّ، مَعَ ما فِيها مِن ذِكْرِ التَّوْحِيدِ والفِقْهِ والسِّيَرِ والسِّياسَةِ وحُسْنِ المِلْكَةِ والعَفْوِ عِنْدَ المَقْدِرَةِ، وحُسْنِ المُعاشَرَةِ، والحِيَلِ وتَدْبِيرِ المَعاشِ، والمَعادِ، وحُسْنِ العاقِبَةِ في العِفَّةِ، والجِهادِ والخَلاصِ مِنَ المَرْهُوبِ إلى المَرْغُوبِ، وذِكْرِ الحَبِيبِ والمَحْبُوبِ، ومَرْأى السِّنِينَ وتَعْبِيرِ الرُّؤْيا، والعَجائِبِ الَّتِي تَصْلُحُ لِلدِّينِ والدُّنْيا، وقِيلَ: كانَتْ أحْسَنَ القَصَصِ؛ لِأنَّ كُلَّ مَن ذُكِرَ (p-٢٧٩)فِيها كانَ مَآلُهُ إلى السَّعادَةِ، انْظُرْ إلى يُوسُفَ وأبِيهِ وإخْوَتِهِ وامْرَأةِ العَزِيزِ والمَلِكِ أسْلَمَ بِ يُوسُفَ وحَسُنَ إسْلامُهُ، ومُعَبِّرِ الرُّؤْيا السّاقِي والشّاهِدِ فِيما يُقالُ، وقِيلَ: (أحْسَنَ) هُنا لَيْسَتْ أفْعَلَ التَّفْضِيلِ، بَلْ هي بِمَعْنى حَسَنٍ، كَأنَّهُ قِيلَ: حَسَنَ القَصَصِ، مِن بابِ إضافَةِ الصِّفَةِ إلى المَوْصُوفِ أيْ: القَصَصَ الحَسَنَ، و”ما“ في بِـ (ما أوْحَيْنا) مَصْدَرِيَّةٌ أيْ: بِإيحائِنا، وإذا كانَ القَصَصُ مَصْدَرًا فَمَفْعُولُ (نَقُصُّ) مِن حَيْثُ المَعْنى هو (هَذا القُرْآنَ)، إلّا أنَّهُ مِن بابِ الإعْمالِ، إذْ تَنازَعَهُ (نَقُصُّ) و(أوْحَيْنا) فَأُعْمِلَ الثّانِي عَلى الأكْثَرِ، والضَّمِيرُ في (مِن قَبْلِهِ) يَعُودُ عَلى الإيحاءِ، وتَقَدَّمَتْ مَذاهِبُ النُّحاةِ في ”أنِ“ المُخَفَّفَةِ ومَجِيءِ اللّامِ في ثانِي الجُزْأيْنِ، ومَعْنى ﴿مِنَ الغافِلِينَ﴾ [الأعراف: ٢٠٥] لَمْ يَكُنْ لَكَ شُعُورٌ بِهَذِهِ القِصَّةِ، ولا سَبَقَ لَكَ عِلْمٌ فِيها، ولا طَرَقَ سَمْعَكَ طَرَفٌ مِنها، والعامِلُ في (إذْ) قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ وابْنُ عَطِيَّةَ: اذْكُرْ، وأجازَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنْ تَكُونَ بَدَلًا مِن ﴿أحْسَنَ القَصَصِ﴾ قالَ: وهو بَدَلُ اشْتِمالٍ؛ لِأنَّ الوَقْتَ يَشْتَمِلُ عَلى القَصَصِ وهو المَقْصُوصُ، فَإذا قَصَّ وقْتَهُ فَقَدْ قَصَّ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: ويَجُوزُ أنْ يَعْمَلَ فِيهِ (نَقُصُّ) كانَ المَعْنى: نَقُصُّ عَلَيْكَ الحالَ إذْ، وهَذِهِ التَّقْدِيراتُ لا تَتَّجِهُ حَتّى تُخْلَعَ ”إذْ“ مِن دَلالَتِها عَلى الوَقْتِ الماضِي، وتُجَرَّدَ لِلْوَقْتِ المُطْلَقِ الصّالِحِ لِلْأزْمانِ كُلِّها عَلى جِهَةِ البَدَلِيَّةِ.
وحَكى مَكِّيٌّ أنَّ العامِلَ في (إذِ) (الغافِلِينَ)، والَّذِي يَظْهَرُ أنَّ العامِلَ فِيهِ (قالَ يا بُنَيَّ)، كَما تَقُولُ: إذْ قامَ زَيْدٌ قامَ عَمْرٌو، وتَبْقى (إذْ) عَلى وضْعِها الأصْلِيِّ مِن كَوْنِها ظَرْفًا لِما مَضى، و(يُوسُفُ) اسْمٌ عِبْرانِيٌّ، وتَقَدَّمَتْ سِتُّ لُغاتٍ فِيهِ، ومَنعُهُ الصَّرْفَ دَلِيلٌ عَلى بُطْلانِ قَوْلِ مَن ذَهَبَ إلى أنَّهُ عَرَبِيٌّ مُشْتَقٌّ مِنَ الأسَفِ، وإنْ كانَ في بَعْضِ لُغاتِهِ يَكُونُ فِيهِ الوَزْنُ الغالِبُ، لِامْتِناعِ أنْ يَكُونَ أعْجَمِيًّا غَيْرَ أعْجَمِيٍّ، وقَرَأ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ بِالهَمْزِ وفَتْحِ السِّينِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وأبُو جَعْفَرٍ والأعْرَجُ: (يا أبَتَ) بِفَتْحِ التّاءِ، وباقِي السَّبْعَةِ والجُمْهُورُ بِكَسْرِها، ووَقَفَ الِابْنانِ عَلَيْها بِالهاءِ، وهَذِهِ التّاءُ عِوَضٌ مِن ياءِ الإضافَةِ فَلا يَجْتَمِعانِ، وتَجامَعَ الألِفُ الَّتِي هي بَدَلٌ مِنَ التّاءِ قالَ:
؎يا أبَتا عَلَّكَ أوْ عَساكا
ووَجْهُ الِاقْتِصارِ عَلى التّاءِ مَفْتُوحَةً أنَّهُ اجْتَزَأ بِالفَتْحَةِ عَنِ الألِفِ، أوْ رُخِّمَ بِحَذْفِ التّاءِ ثُمَّ أُقْحِمَتْ، قالَهُ أبُو عَلِيٍّ، أوِ الألِفُ في أبَتا لِلنُّدْبَةِ، فَحَذَفَها قالَهُ الفَرّاءُ وأبُو عُبَيْدٍ وأبُو حاتِمٍ وقُطْرُبٌ، ورُدَّ بِأنَّهُ لَيْسَ مَوْضِعَ نُدْبَةٍ أوِ الأصْلُ ”يا أبَةً“ بِالتَّنْوِينِ فَحُذِفَ، والنِّداءُ (نادِ) حُذِفَ، قالَهُ قُطْرُبٌ، ورُدَّ بِأنَّ التَّنْوِينَ لا يُحْذَفُ مِنَ المُنادى المَنصُوبِ نَحْوَ: يا ضارِبًا رَجُلًا، وفَتَحَ أبُو جَعْفَرٍ ياءَ ”إنِّيَ“ .
وقَرَأ الحَسَنُ وأبُو جَعْفَرٍ وطَلْحَةُ بْنُ سُلَيْمانَ: ﴿أحَدَ عَشَرَ﴾ بِسُكُونِ العَيْنِ لِتَوالِي الحَرَكاتِ، ولِيَظْهَرَ جَعْلُ الِاسْمَيْنِ اسْمًا واحِدًا و(رَأيْتُ) هي حُلْمِيَّةٌ لِدَلالَةِ مُتَعَلِّقِها عَلى أنَّهُ مَنامٌ، والظّاهِرُ أنَّهُ رَأى في مَنامِهِ كَواكِبَ الشَّمْسِ والقَمَرِ، وقِيلَ: رَأى إخْوَتَهُ وأبَوَيْهِ، فَعَبَّرَ عَنْهم بِذَلِكَ، وعَبَّرَ عَنِ الشَّمْسِ عَنْ أُمِّهِ، وقِيلَ: عَنْ خالَتِهِ راحِيلَ؛ لِأنَّ أُمَّهُ كانَتْ ماتَتْ، ومِن حَدِيثِ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ: «أنَّ يَهُودِيًّا جاءَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: يا مُحَمَّدُ أخْبِرْنِي عَنْ أسْماءِ الكَواكِبِ الَّتِي رَآها يُوسُفُ، فَسَكَتَ عَنْهُ، ونَزَلَ جِبْرِيلُ فَأخْبَرَهُ بِأسْمائِها، فَدَعا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ اليَهُودِيَّ فَقالَ: هَلْ أنْتَ مُؤْمِنٌ إنْ أخْبَرْتُكَ بِذَلِكَ ؟ فَقالَ: نَعَمْ. قالَ: جَرَيانُ، والطّارِقُ، والذَّيّالُ، وذُو الكَتِفَيْنِ، وقابِسُ، ووَثّابُ، وعَمُودانُ، والفَلِيقُ، والمُصْبِحُ، والضَّرُوحُ، والفُرُغُ، والضِّياءُ، والنُّورُ. فَقالَ اليَهُودِيُّ: إي واللَّهِ إنَّها لَأسْماؤُها»، وذَكَرَ السُّهَيْلِيُّ مُسْنَدًا إلى الحارْثِ بْنِ أبِي أُسامَةَ فَذَكَرَ الحَدِيثَ، وفِيهِ بَعْضُ اخْتِلافٍ، وذَكَرَ النَّطْحَ عِوَضًا عَنِ المُصْبَحِ، وعَنْ وهْبٍ أنَّ يُوسُفَ رَأى وهو ابْنُ سَبْعِ سِنِينَ أنَّ إحْدى عَشْرَةَ عَصًا طُوالًا كانَتْ مَرْكُوزَةً في الأرْضِ كَهَيْئَةِ الدّارَةِ، وإذا عَصًا صَغِيرَةٌ تَثِبُ عَلَيْها حَتّى اقْتَلَعَتْها وغَلَبَتْها، فَوَصَفَ ذَلِكَ لِأبِيهِ فَقالَ: إيّاكَ أنْ تَذْكُرَ هَذا لِإخْوَتِكَ، ثُمَّ رَأى وهو ابْنُ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً الشَّمْسَ والقَمَرَ والكَواكِبَ سُجُودًا لَهُ فَقَصَّها عَلى أبِيهِ فَقالَ لَهُ: لا تَقُصُّها عَلَيْهِمْ فَيَبْغُوا (p-٢٨٠)لَكَ الغَوائِلَ، وكانَ بَيْنَ رُؤْيا يُوسُفَ ومَسِيرِ إخْوَتِهِ إلَيْهِ أرْبَعُونَ سَنَةً، وقِيلَ: ثَمانُونَ، ورُوِيَ أنَّ رُؤْيا يُوسُفَ كانَتْ لَيْلَةَ القَدْرِ لَيْلَةَ جُمُعَةٍ، والظّاهِرُ أنَّ الشَّمْسَ والقَمَرَ لَيْسا مُنْدَرِجَيْنِ في الأحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا، ولِذَلِكَ حِينَ عَدَّهُما الرَّسُولُ لِلْيَهُودِيِّ ذَكَرَ أحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا غَيْرَ الشَّمْسِ والقَمَرِ، ويَظْهَرُ مِن كَلامِ الزَّمَخْشَرِيِّ أنَّهُما مُنْدَرِجانِ في الأحَدَ عَشَرَ.
قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (فَإنْ قُلْتَ): لِمَ أخَّرَ الشَّمْسَ والقَمَرَ ؟ (قُلْتُ): أخَّرَهُما لِيَعْطِفَهُما عَلى الكَواكِبِ عَلى طَرِيقِ الِاخْتِصاصِ إثْباتًا لِفَضْلِهِما، واسْتِبْدادِهِما بِالمَزِيَّةِ عَلى غَيْرِهِما مِنَ الطَّوالِعِ، كَما أخَّرَ جِبْرِيلُ ومِيكائِيلُ عَنِ المَلائِكَةِ ثُمَّ عَطَفَهُما عَلَيْهِما لِذَلِكَ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الواوُ بِمَعْنى مَعَ؛ أيْ: رَأيْتُ الكَواكِبَ مَعَ الشَّمْسِ والقَمَرِ، انْتَهى. والَّذِي يَظْهَرُ أنَّ التَّأْخِيرَ إنَّما هو مِن بابِ التَّرَقِّي مِنَ الأدْنى إلى الأعْلى، ولَمْ يَقَعِ التَّرَقِّي في الشَّمْسِ والقَمَرِ جَرْيًا عَلى ما اسْتَقَرَّ في القُرْآنِ مِن أنَّهُ إذا اجْتَمَعا قُدِّمَتْ عَلَيْهِ، قالَ تَعالى: ﴿الشَّمْسُ والقَمَرُ بِحُسْبانٍ﴾ [الرحمن: ٥]، وقالَ: ﴿وجُمِعَ الشَّمْسُ والقَمَرُ﴾ [القيامة: ٩]، ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً والقَمَرَ نُورًا﴾ [يونس: ٥] وقُدِّمَتْ عَلَيْهِ لِسُطُوعِ نُورِها وكِبَرِ جَرْمِها وغَرابَةِ سَيْرِها، واسْتِمْدادِهِ مِنها، وعُلُوِّ مَكانِها، والظّاهِرُ أنَّ (رَأيْتُهم) كُرِّرَ عَلى سَبِيلِ التَّوْكِيدِ لِلطُّولِ بِالمَفاعِيلِ، كَما كُرِّرَ ”إنَّكم“ في قَوْلِهِ: (إنَّكم مُخْرَجُونَ) لِطُولِ الفَصْلِ بِالظَّرْفِ وما تَعَلَّقَ بِهِ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: ما مَعْنى تَكْرارِ (رَأْيَتُهم) ؟ (قُلْتُ): لَيْسَ بِتَكْرارٍ، إنَّما هو كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ عَلى تَقْدِيرِ سُؤالٍ وقَعَ جَوابًا لَهُ، كانَ يَعْقُوبُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - قالَ لَهُ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿إنِّي رَأيْتُ أحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا والشَّمْسَ والقَمَرَ﴾ كَيْفَ رَأيْتَها سائِلًا عَنْ حالِ رُؤْيَتِها ؟ فَقالَ: ﴿رَأيْتُهم لِي ساجِدِينَ﴾ انْتَهى. وجَمَعَهم جَمْعَ مَن يَعْقِلُ؛ لِصُدُورِ السُّجُودِ لَهُ، وهو صِفَةُ مَن يَعْقِلُ، وهَذا سائِغٌ في كَلامِ العَرَبِ، وهو أنْ يُعْطِيَ الشَّيْءَ حُكْمَ الشَّيْءِ لِلِاشْتِراكِ في وصْفٍ ما، وإنْ كانَ ذَلِكَ الوَصْفُ أصْلُهُ أنْ يَخُصَّ أحَدَهُما. والسُّجُودُ: سُجُودُ كَرامَةٍ، كَما سَجَدَتِ المَلائِكَةُ لِآدَمَ، وقِيلَ: كانَ في ذَلِكَ الوَقْتِ السُّجُودُ تَحِيَّةَ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ، ولَمّا خاطَبَ يُوسُفُ أباهُ بِقَوْلِهِ: (يا أبَتِ) وفِيهِ إظْهارُ الطَّواعِيَةِ والبِرِّ والتَّنْبِيهِ عَلى مَحَلِّ الشَّفَقَةِ بِطَبْعِ الأُبُوَّةِ خاطَبَهُ أبُوهُ بِقَوْلِهِ: (يا بُنَيَّ) تَصْغِيرُ التَّحْبِيبِ والتَّقْرِيبِ والشَّفَقَةِ، وقَرَأ حَفْصٌ هُنا وفي لُقْمانَ والصّافّاتِ: (يا بُنَيَّ) بِفَتْحِ الياءِ، وابْنُ كَثِيرٍ في لُقْمانَ ﴿يابُنَيَّ لا تُشْرِكْ﴾ [لقمان: ١٣] وقُنْبُلٌ (يا بُنَيْ أقِمْ) بِإسْكانِها، وباقِي السَّبْعَةِ بِالكَسْرِ، وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: (لا تَقُصُّ) مُدْغَمًا، وهي لُغَةُ تَمِيمٍ، والجُمْهُورُ بِالفَكِّ وهي لُغَةُ الحِجازِ، والرُّؤْيا مَصْدَرٌ كالبُقْيا. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الرُّؤْيا بِمَعْنى الرُّؤْيَةِ، إلّا أنَّها مُخْتَصَّةٌ بِما كانَ في النَّوْمِ دُونَ اليَقَظَةِ، فُرِّقَ بَيْنَهُما بِحَرْفَيِ التَّأْنِيثِ كَما قِيلَ: القُرْبَةُ والقُرْبى، انْتَهى. وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿رُؤْياكَ﴾، والرُّؤْيا حَيْثُ وقَعَتْ بِالهَمْزِ مِن غَيْرِ إمالَةٍ، وقَرَأ الكِسائِيُّ: بِالإمالَةِ وبِغَيْرِ الهَمْزِ، وهي لُغَةُ أهْلِ الحِجازِ.
وإخْوَةُ يُوسُفَ: هم كاذٌ، وبِنْيامِينُ، ويَهُوذا، ونَفْتالِي، وزَبُولُونُ، وشَمْعُونُ، ورُوبِينُ، ويُقالَ بِاللّامِ كَجِبْرِيلَ، وجِبْرِينُ، ويُساخا، ولاوِي، وذانٌ، وياشِيرُ، ﴿فَيَكِيدُوا لَكَ﴾ مَنصُوبٌ بِإضْمارِ ”أنْ“ عَلى جَوابِ النَّهْيِ، وعُدِّيَ ﴿فَيَكِيدُوا﴾ بِاللّامِ، وفي ”فَكِيدُونِ“ بِنَفْسِهِ، فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ مِن بابِ شَكَرْتُ زَيْدًا وشَكَرْتُ لِزَيْدٍ، واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ مِن بابِ التَّضْمِينِ، ضَمَّنَ ﴿فَيَكِيدُوا﴾ مَعْنى ما يَتَعَدّى بِاللّامِ، فَكَأنَّهُ قالَ: فَيَحْتالُوا لَكَ بِالكَيْدِ، والتَّضْمِينُ أبْلَغُ لِدَلالَتِهِ عَلى مَعْنى الفِعْلَيْنِ، ولِلْمُبالَغَةِ أُكِّدَ بِالمَصْدَرِ. ونَبَّهَ يَعْقُوبُ عَلى سَبَبِ الكَيْدِ وهو: ما يُزَيِّنُهُ الشَّيْطانُ لِلْإنْسانِ ويُسَوِّلُهُ لَهُ، وذَلِكَ لِلْعَداوَةِ الَّتِي بَيْنَهُما، فَهو يَجْتَهِدُ دائِمًا أنْ يُوقِعَهُ في المَعاصِي ويُدْخِلَهُ فِيها ويَحُضَّهُ عَلَيْها، وكانَ يَعْقُوبُ دَلَّتْهُ رُؤْيا يُوسُفَ - عَلَيْهِما السَّلامُ - عَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى يُبْلِغُهُ مَبْلَغًا مِنَ الحِكْمَةِ، ويَصْطَفِيهِ لِلنُّبُوَّةِ، ويُنْعِمُ عَلَيْهِ بِشَرَفِ الدّارَيْنِ كَما فَعَلَ بِآبائِهِ، فَخافَ عَلَيْهِ مِن حَسَدِ إخْوَتِهِ، فَنَهاهُ مِن أنْ يَقُصَّ رُؤْياهُ لَهم، وفي خِطابِ يَعْقُوبَ لِيُوسُفَ تَنْهِيَةٌ عَنْ أنْ (p-٢٨١)يَقُصَّ عَلى إخْوَتِهِ مَخافَةَ كَيْدِهِمْ، دَلالَةً عَلى تَحْذِيرِ المُسْلِمِ أخاهُ المُسْلِمَ مِمَّنْ يَخافُهُ عَلَيْهِ، والتَّنْبِيهُ عَلى بَعْضِ ما لا يَلِيقُ، ولا يَكُونُ ذَلِكَ داخِلًا في بابِ الغَيْبَةِ، ﴿وكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ﴾ أيْ: مِثْلَ ذَلِكَ الِاجْتِباءِ، وهو ما أراهُ مِن تِلْكَ الرُّؤْيا الَّتِي دَلَّتْ عَلى جَلِيلِ قَدْرِهِ، وشَرِيفِ مَنصِبِهِ، ومَآلِهِ إلى النُّبُوَّةِ والرِّسالَةِ والمُلْكِ، و﴿يَجْتَبِيكَ﴾: يَخْتارُكَ رَبُّكَ لِلنُّبُوَّةِ والمُلْكِ، قالَ الحَسَنُ: لِلنُّبُوَّةِ. وقالَ مُقاتِلٌ: لِلسُّجُودِ لَكَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لِأُمُورٍ عِظامٍ.
﴿ويُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ الأحادِيثِ﴾ كَلامٌ مُسْتَأْنَفٌ لَيْسَ داخِلًا في التَّشْبِيهِ، كَأنَّهُ قالَ: وهو يُعَلِّمُكَ، قالَ مُجاهِدٌ والسُّدِّيُّ: ﴿تَأْوِيلِ الأحادِيثِ﴾ عِبارَةُ الرُّؤْيا، وقالَ الحَسَنُ: عَواقِبُ الأُمُورِ، وقِيلَ: عامَّةٌ لِذَلِكَ ولِغَيْرِهِ مِنَ المُغَيَّباتِ، وقالَ مُقاتِلٌ: غَرائِبُ الرُّؤْيا، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: العِلْمُ والحِكْمَةُ.
وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (الأحادِيثِ) الرُّؤى؛ لِأنَّ الرُّؤى إمّا حَدِيثُ نَفْسٍ أوْ مَلَكٍ أوْ شَيْطانٍ، وتَأْوِيلُها عِبارَتُها وتَفْسِيرُها، فَكانَ يُوسُفُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أعْبَرَ النّاسِ لِلرُّؤْيا وأصَحَّهم عِبارَةً، ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِتَأْوِيلِ الأحادِيثِ مَعانِي كُتِبِ اللَّهِ وسِيَرِ الأنْبِياءِ، وما غَمُضَ واشْتَبَهَ عَلى النّاسِ في أغْراضِها ومَقاصِدِها، يُفَسِّرُها لَهم ويَشْرَحُها، ويَدُلُّهم عَلى مُودَعاتِ حِكَمِها، وسُمِّيَتْ أحادِيثَ؛ لِأنَّها تُحَدَّثُ بِها عَنِ اللَّهِ ورُسُلِهِ فَيُقالُ: قالَ اللَّهُ: وقالَ الرَّسُولُ: كَذا وكَذا، ألا تَرى إلى قَوْلِهِ: ﴿فَبِأيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٥] ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أحْسَنَ الحَدِيثِ كِتابًا﴾ [الزمر: ٢٣] وهي اسْمُ جَمْعٍ لِلْحَدِيثِ، ولَيْسَ بِجَمْعِ أُحْدُوثَةٍ، انْتَهى. ولَيْسَ بِاسْمِ جَمْعٍ كَما ذُكِرَ، بَلْ هو جَمْعُ تَكْسِيرٍ لِحَدِيثٍ عَلى غَيْرِ قِياسٍ، كَما قالُوا: أباطِلُ وأباطِيلُ، ولَمْ يَأْتِ اسْمُ جَمْعٍ عَلى هَذا الوَزْنِ، وإذا كانُوا يَقُولُونَ في عَبادِيدَ ويَناذِيرَ أنَّهُما جَمْعا تَكْسِيرٍ ولَمْ يُلْفَظْ لَهُما بِمُفْرَدٍ، فَكَيْفَ لا يَكُونُ أحادِيثُ وأباطِيلُ جَمْعَيْ تَكْسِيرٍ ؟
﴿ويُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ﴾ وإتْمامُها بِأنَّهُ تَعالى وصَلَ لَهم نِعْمَةَ الدُّنْيا - بِأنْ جَعَلَهم أنْبِياءَ ومُلُوكًا - بِنِعْمَةِ الآخِرَةِ - بِأنْ نَقَلَهم إلى أعْلى الدَّرَجاتِ في الجَنَّةِ -، وقالَ مُقاتِلٌ: بِإعْلاءِ كَلِمَتِكَ وتَحْقِيقِ رُؤْياكَ، وقالَ الحَسَنُ: هَذا شَيْءٌ أعْلَمَهُ اللَّهُ يَعْقُوبَ مِن أنَّهُ سَيُعْطِي يُوسُفَ النُّبُوَّةَ، وقِيلَ: بِأنْ يُحَوِّجَ إخْوَتَكَ إلَيْكَ، فَتُقابِلُ الذَّنْبَ بِالغُفْرانِ، والإساءَةَ بِالإحْسانِ، وقِيلَ: بِإنْجائِكَ مِن كُلِّ مَكْرُوهٍ، و(آلِ يَعْقُوبَ) الظّاهِرُ أنَّهُ أوْلادُهُ ونَسْلُهم؛ أيْ: نَجْعَلُ النُّبُوَّةَ فِيهِمْ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: هم نَسْلُهم وغَيْرُهم، وقِيلَ: أهْلُ دِينِهِ وأتْباعُهم، كَما جاءَ في الحَدِيثِ: مَن آلُكَ ؟ فَقالَ: (كُلُّ تَقِيٍّ) وقِيلَ: امْرَأتُهُ وأوْلادُهُ الأحَدَ عَشَرَ، وقِيلَ: المُرادُ يَعْقُوبُ نَفْسُهُ خاصَّةً، وإتْمامُ النِّعْمَةِ عَلى إبْراهِيمَ بِالخُلَّةِ، والإنْجاءِ مِنَ النّارِ، وإهْلاكِ عَدُوِّهِ نَمْرُوذَ، وعَلى إسْحاقَ بِإخْراجِ يَعْقُوبَ والأسْباطِ مِن صُلْبِهِ، وسُمِّيَ الجَدُّ وأبُو الجَدِّ أبَوَيْنِ؛ لِأنَّهُما في عَمُودِ النَّسَبِ كَما قالَ: ﴿وإلَهَ آبائِكَ﴾ [البقرة: ١٣٣] ولِهَذا يَقُولُونَ: ابْنُ فُلانٍ، وإنْ كانَ بَيْنَهُما عِدَّةٌ في عَمُودِ النَّسَبِ، ﴿إنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ﴾ بِمَن يَسْتَحِقُّ الِاجْتِباءَ، (حَكِيمٌ) يَضَعُ الأشْياءَ مَواضِعَها، وهَذانِ الوَصْفانِ مُناسِبانِ لِهَذا الوَعْدِ الَّذِي وعَدَهُ يَعْقُوبَ ويُوسُفَ - عَلَيْهِما الصَّلاةُ والسَّلامُ - في قَوْلِهِ: ﴿وكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ﴾ قِيلَ: وعَلِمَ يَعْقُوبُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ذَلِكَ مِن دَعْوَةِ إسْحاقَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - حِينَ تَشَبَّهَ لَهُ بِعَيْصُو.
يوسف 12:7
(p-٢٨٢)﴿لَقَدْ كانَ في يُوسُفَ وإخْوَتِهِ آياتٌ لِلسّائِلِينَ﴾ ﴿إذْ قالُوا لَيُوسُفُ وأخُوهُ أحَبُّ إلى أبِينا مِنّا ونَحْنُ عُصْبَةٌ إنَّ أبانا لَفي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ ﴿اقْتُلُوا يُوسُفَ أوِ اطْرَحُوهُ أرْضًا يَخْلُ لَكم وجْهُ أبِيكم وتَكُونُوا مِن بَعْدِهِ قَوْمًا صالِحِينَ﴾
(آياتٌ) أيْ: عَلاماتٌ ودَلائِلُ عَلى قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى وحِكْمَتُهُ في كُلِّ شَيْءٍ، لِلسّائِلِينَ لِمَن سَألَ عَنْهم وعَرَفَ قِصَّتَهم، وقِيلَ: آياتٌ عَلى نُبُوَّةِ النَّبِيِّ ﷺ لِلَّذِينَ سَألُوهُ مِنَ اليَهُودِ عَنْها فَأخْبَرَهم بِالصِّحَّةِ مِن غَيْرِ سَماعٍ مِن أحَدٍ ولا قِراءَةِ كِتابٍ، والَّذِي يَظْهَرُ أنَّ الآياتِ الدَّلالاتُ عَلى صِدْقِ الرَّسُولِ وعَلى ما أظْهَرَ اللَّهُ في قِصَّةِ يُوسُفَ مِن عَواقِبِ البَغْيِ عَلَيْهِ، وصِدْقِ رُؤْياهُ، وصِحَّةِ تَأْوِيلِهِ، وضَبَطِ نَفْسِهِ وقَهْرِها حَتّى قامَ بِحَقِّ الأمانَةِ، وحُدُوثِ السُّرُورِ بَعْدَ اليَأْسِ، وقِيلَ: المَعْنى لِمَن سَألَ ولِمَن لَمْ يَسْألْ لِقَوْلِهِ: ﴿سَواءً لِلسّائِلِينَ﴾ [فصلت: ١٠] أيْ: سَواءً لِمَن سَألَ ولِمَن لَمْ يَسْألْ، وحَسُنَ الحَذْفُ لِدَلالَةِ قُوَّةِ الكَلامِ عَلَيْهِ كَقَوْلِهِ: ﴿سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الحَرَّ﴾ [النحل: ٨١] أيْ: والبَرْدَ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقَوْلُهُ: (لِلسّائِلِينَ) يَقْتَضِي تَحْضِيضًا لِلنّاسِ عَلى تَعَلُّمِ هَذِهِ الأنْباءِ؛ لِأنَّهُ إنَّما المُرادُ آياتٌ لِلنّاسِ، فَوَصَفَهم بِالسُّؤالِ، إذْ كُلُّ أحَدٍ يَنْبَغِي أنْ يَسْألَ عَنْ مِثْلِ هَذِهِ القِصَصِ، إذْ هي مَقَرُّ العِبَرِ والِاتِّعاظِ، وتَقَدَّمَ لَنا ذِكْرُ أسْماءِ إخْوَةِ يُوسُفَ مَنقُولَةً مِن خَطِّ الحُسَيْنِ بْنِ أحْمَدَ بْنِ القاضِي الفاضِلِ عَبْدِ الرَّحِيمِ البِيسانِيِّ، ونَقَلَها مِن خَطِّ الشَّرِيفِ النَّقِيبِ النَّسّابَةِ أبِي البَرَكاتِ مُحَمَّدِ بْنِ أسْعَدَ الحُسَيْنِيِّ الجَوّانِيِّ مُحَرَّرَةٌ بِالنُّقَطِ، وتُوجَدُ في كُتُبِ التَّفْسِيرِ مُحَرَّفَةً مُخْتَلِفَةً، وكانَ رُوبِيلُ أكْبَرَهم، وهو ويَهُوذا، وشَمْعُونُ، ولاوِي، وزَبُولُونُ، ويُساخا، شَقائِقُ أُمِّهِمْ لَيّا بِنْتِ لِيانَ بْنِ ناهِرَ بْنِ آزَرَ وهي: بِنْتُ خالِ يَعْقُوبَ، وذانُ ونَفْتالِي، وكاذُ وياشِيرُ، أرْبَعَةٌ مِن سُرِّيَّتَيْنِ كانَتا لَلَيّا وأُخْتِها راحِيلَ، فَوَهَبَتاهُما لِيَعْقُوبَ، فَجَمَعَ بَيْنَهُما ولَمْ يَحِلَّ الجَمْعُ بَيْنَ الأُخْتَيْنِ لِأحَدٍ بَعْدَهُ، وأسْماءُ السُّرِّيَّتَيْنِ فِيما قِيلَ: لَيّا، وتَلْتا، وتُوُفِّيَتْ أُمُّ السَّبْعَةِ فَتَزَوَّجَ بَعْدَها يَعْقُوبُ أُخْتَها راحِيلَ، فَوَلَدَتْ لَهُ يُوسُفَ وبِنْيامِينَ، وماتَتْ مِن نِفاسِهِ.
وقَرَأ مُجاهِدٌ وشِبْلٌ وأهْلُ مَكَّةَ وابْنُ كَثِيرٍ: (آيَةٌ) عَلى الإفْرادِ، والجُمْهُورُ: (آياتٌ) وفي مُصْحَفِ أُبَيٍّ (عِبْرَةٌ لِلسّائِلِينَ) مَكانَ (آيَةٍ)، والضَّمِيرُ في (قالُوا) عائِدٌ عَلى إخْوَةِ يُوسُفَ (وأخُوهُ) هو بِنْيامِينُ؛ ولَمّا كانا شَقِيقَيْنِ أضافُوهُ إلى يُوسُفَ، واللّامُ في (لَيُوسُفُ) لامُ الِابْتِداءِ، وفِيها تَأْكِيدٌ وتَحْقِيقٌ لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ؛ أيْ: كَثْرَةُ حُبِّهِ لَهُما ثابِتٌ لا شُبْهَةَ فِيهِ، و(أحَبُّ) أفْعَلُ تَفْضِيلٍ، وهي مَبْنِيٌّ مِنَ المَفْعُولِ شُذُوذًا، ولِذَلِكَ عُدِّيَ بِـ (إلى) لِأنَّهُ إذا كانَ ما تَعَلَّقَ بِهِ فاعِلًا مِن حَيْثُ المَعْنى عُدِّيَ إلَيْهِ بِـ ”إلى“، وإذا كانَ مَفْعُولًا عُدِّيَ إلَيْهِ بِـ ”في“، تَقُولُ: زَيْدٌ أحَبُّ إلى عَمْرٍو مِن خالِدٍ، فالضَّمِيرُ في ”أحَبُّ“ مَفْعُولٌ مِن حَيْثُ المَعْنى، وعَمْرٌو هو المُحِبُّ، وإذا قُلْتَ: زَيْدٌ أحَبُّ إلى عَمْرٍو مِن خالِدٍ، كانَ الضَّمِيرُ فاعِلًا وعَمْرٌو هو المَحْبُوبُ، و”مِن خالِدٍ“ في المِثالِ الأوَّلِ مَحْبُوبٌ، وفي الثّانِي فاعِلٌ.
ولَمْ يَبْنِ (أحَبُّ) لِتَعَدِّيهِ بِـ ”مِن“ . وكانَ بِنْيامِينُ أصْغَرَ مِن يُوسُفَ، فَكانَ يَعْقُوبُ يُحِبُّهُما بِسَبَبِ صِغَرِهِما ومَوْتِ أُمِّهِما، وحُبُّ الصَّغِيرِ والشَّفَقَةُ عَلَيْهِ مَرْكُوزٌ في فِطْرَةِ البَشَرِ، وقِيلَ لِابْنَةِ الحَسَنِ: أيُّ بَنِيكِ أحَبُّ (p-٢٨٣)إلَيْكِ ؟ قالَتْ: الصَّغِيرُ حَتّى يَكْبُرَ، والغائِبُ حَتّى يَقْدَمَ، والمَرِيضُ حَتّى يُفِيقَ، وقَدْ نَظَّمَ الشُّعَراءُ في مَحَبَّةِ الوَلَدِ الصَّغِيرِ قَدِيمًا وحَدِيثًا، ومِن ذَلِكَ ما قالَهُ الوَزِيرُ أبُو مَرْوانَ عَبْدُ المَلِكِ بْنُ إدْرِيسَ الجُزَيْرِيُّ في قَصِيدَتِهِ الَّتِي بَعَثَ بِها إلى أوْلادِهِ وهو في السِّجْنِ.
؎وصَغِيرُكم عَبْدُ العَزِيزِ فَإنَّنِي أطْوِي لِفُرْقَتِهِ جَوًى لَمْ يَصْغُرِ
؎ذاكَ المُقَدَّمُ في الفُؤادِ وإنْ غَدا ∗∗∗ كُفُؤًا لَكم في المُنْتَمى والعُنْصُرِ
؎إنَّ البَناتَ الخَمْسَ أكْفاءٌ مَعًا ∗∗∗ والحَلْيُ دُونَ جَمِيعِها لِلْخِنْصِرِ
؎وإذا الفَتى بَعْدَ الشَّبابِ سَما لَهُ ∗∗∗ حُبُّ البَنِينَ ولا كَحُبِّ الأصْغَرِ
﴿ونَحْنُ عُصْبَةٌ﴾ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ أيْ: تُفَضِّلُهُما عَلَيْنا في المَحَبَّةِ، وهُما ابْنانِ صَغِيرانِ لا كِفايَةَ فِيهِما ولا مَنفَعَةَ، ونَحْنُ جَماعَةٌ عَشَرَةُ رِجالٍ كُفاةٌ نَقُومُ بِمُرافَقَةٍ، فَنَحْنُ أحَقُّ بِزِيادَةِ المَحَبَّةِ مِنهُما، ورَوى النَّزّالُ بْنُ سَبْرَةَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: (ونَحْنُ عُصْبَةً) وقِيلَ: مَعْناهُ ونَحْنُ نَجْتَمِعُ عُصْبَةً، فَيَكُونُ الخَبَرُ مَحْذُوفًا وهو عامِلٌ في (عُصْبَةً) وانْتَصَبَ (عُصْبَةً) عَلى الحالِ، وهَذا كَقَوْلِ العَرَبِ: حُكْمُكَ مُسَمَّطًا، حُذِفَ الخَبَرُ، قالَ المُبَرِّدُ: قالَ الفَرَزْدَقُ:
؎يا لَهْذَمُ حُكْمُكَ مُسَمَّطا
أرادَ لَكَ حُكْمُكَ مُسَمَّطًا، واسْتُعْمِلَ هَذا فَكَثُرَ حَتّى حُذِفَ اسْتِخْفافًا، لِعِلْمِ السّامِعِ ما يُرِيدُ القائِلُ كَقَوْلِكَ: الهِلالُ واللَّهِ؛ أيْ: هَذا الهِلالُ. والمُسَمَّطُ: المُرْسَلُ غَيْرُ المَرْدُودِ. وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: هَذا كَما تَقُولُ العَرَبُ: إنَّما العامِرِيُّ عِمَّتَهُ؛ أيْ: يَتَعَمَّمُ عِمَّتَهُ، انْتَهى. ولَيْسَ مِثْلَهُ، لِأنَّ (عُصْبَةً) لَيْسَ مَصْدَرًا ولا هَيْئَةً، فالأجْوَدُ أنْ يَكُونَ مِن بابِ حُكْمُكَ مُسَمَّطًا. وقَدَّرَهُ بَعْضُهم: حُكْمُكَ ثَبَتَ مُسَمَّطًا.
وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: العُصْبَةُ ما زادَ عَلى العَشَرَةِ، وعَنْهُ: ما بَيْنَ العَشَرَةِ إلى الأرْبَعِينَ، وعَنْ قَتادَةَ: ما فَوْقَ العَشَرَةِ إلى الأرْبَعِينَ، وعَنْ مُجاهِدٍ: مِن عَشَرَةٍ إلى خَمْسَةَ عَشَرَ، وعَنْ مُقاتِلٍ: عَشَرَةٌ، وعَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ: سِتَّةٌ أوْ سَبْعَةٌ، وقِيلَ: ما بَيْنَ الواحِدِ إلى العَشَرَةِ، وقِيلَ: إلى خَمْسَةَ عَشَرَ، وعَنِ الفَرّاءِ: عَشَرَةٌ فَما زادَ، وعَنِ ابْنِ زَيْدٍ والزَّجّاجِ وابْنِ قُتَيْبَةَ: العُصْبَةُ ثَلاثَةُ نَفَرٍ، فَإذا زادُوا فَهم رَهْطٌ إلى التِّسْعَةِ، فَإذا زادُوا فَهم عُصْبَةٌ، ولا يُقالُ لِأقَلَّ مِن عَشَرَةٍ عُصْبَةٌ.
والضَّلالُ هُنا هو الهَوى قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، أوِ الخَطَأُ مِنَ الرَّأْيِ قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ، أوِ الجَوْرُ في الفِعْلِ قالَهُ ابْنُ كامِلٍ، أوِ الغَلَطُ في أمْرِ الدُّنْيا، رُوِيَ أنَّهُ بَعْدَ إخْبارِهِ لِأبِيهِ بِالرُّؤْيا كانَ يَضُمُّهُ كُلَّ ساعَةٍ إلى صَدْرِهِ، وكَأنَّ قَلْبَهُ أيْقَنَ بِالفِراقِ فَلا يَكادُ يَصْبِرُ عَنْهُ، والظّاهِرُ (أنِ اقْتُلُوا يُوسُفَ) مِن جُمْلَةِ قَوْلِهِمْ، وقِيلَ: هو مِن قَوْلِ قَوْمٍ اسْتَشارَهم إخْوَةُ يُوسُفَ فِيما يُفْعَلُ بِهِ فَقالُوا ذَلِكَ، والظّاهِرُ أنِ (اطْرَحُوهُ) هو مِن قَوْلِهِمْ أنْ يَفْعَلُوا بِهِ أحَدَ الأمْرَيْنِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ (أوْ) لِلتَّنْوِيعِ أيْ: قالَ بَعْضٌ: اقْتُلُوا يُوسُفَ، وبَعْضٌ: اطْرَحُوهُ، وانْتَصَبَ (أرْضًا) عَلى إسْقاطِ حَرْفِ الجَرِّ، قالَهُ الحَوْفِيُّ وابْنُ عَطِيَّةَ؛ أيْ: في أرْضٍ بَعِيدَةٍ مِنَ الأرْضِ الَّتِي هو فِيها قَرِيبٌ مِن أرْضِ يَعْقُوبَ، وقِيلَ: مَفْعُولٌ ثانٍ عَلى تَضْمِينِ اطْرَحُوهُ مَعْنى أنْزِلُوهُ، كَما تَقُولُ: أنْزَلْتُ زَيْدًا الدّارَ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: ظَرْفٌ، واخْتارَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وتَبِعَهُ أبُو البَقاءِ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (أرْضًا) مَنكُورَةٌ مَجْهُولَةٌ بَعِيدَةٌ مِنَ العُمْرانِ، وهو مَعْنى تَنْكِيرِها وإخْلائِها مِنَ النّاسِ، ولِإبْهامِها مِن هَذا الوَجْهِ نُصِبَتْ نَصْبَ الظُّرُوفِ المُبْهَمَةِ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وذَلِكَ خَطَأٌ بِمَعْنى كَوْنِها مَنصُوبَةً عَلى الظَّرْفِ. قالَ: لِأنَّ الظَّرْفَ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ مُبْهَمًا وهَذِهِ لَيْسَتْ كَذَلِكَ، بَلْ هي أرْضٌ مُقَيَّدَةٌ بِأنَّها بَعِيدَةٌ أوْ قاصِيَةٌ ونَحْوُ ذَلِكَ، فَزالَ بِذَلِكَ إبْهامُها، ومَعْلُومٌ أنَّ يُوسُفَ لَمْ يَخْلُ مِنَ الكَوْنِ في أرْضٍ فَتَبَيَّنَ أنَّهم أرادُوا أرْضًا بَعِيدَةً غَيْرَ الَّتِي هو فِيها قَرِيبٌ مِن أبِيهِ، انْتَهى، وهَذا الرَّدُّ صَحِيحٌ، لَوْ قُلْتَ: جَلَسْتُ دارًا بَعِيدَةً، أوْ قَعَدْتُ (p-٢٨٤)مَكانًا بَعِيدًا لَمْ يَصِحَّ إلّا بِوَساطَةِ ”في“، ولا يَجُوزُ حَذْفُها إلّا في ضَرُورَةِ شِعْرٍ، أوْ مَعَ دَخَلْتُ عَلى الخِلافِ في دَخَلْتُ أهِيَ لازِمَةٌ أوْ مُتَعَدِّيَةٌ. والوَجْهُ هُنا قِيلَ: الذّاتُ؛ أيْ: يَخْلُ لَكم أبُوكم، وقِيلَ: هو اسْتِعارَةٌ عَنْ شَغْلِهِ بِهِمْ، وصَرْفِ مَوَدَّتِهِ إلَيْهِمْ؛ لِأنَّ مَن أقْبَلَ عَلَيْكَ صَرَفَ وجْهَهُ إلَيْكَ، وهَذا كَقَوْلِ نَعامَةَ حِينَ أحَبَّتْهُ أُمُّهُ لَمّا قَتَلَ إخْوَتَهُ وكانَتْ قَبْلُ لا تُحِبُّهُ، قالَ: الثَّكْلُ أرامَها؛ أيْ: عَطَفَها، والضَّمِيرُ في (بَعْدِهِ) عائِدٌ عَلى يُوسُفَ، أوْ قَتْلِهِ، أوْ طَرْحِهِ، وصَلاحُهم إمّا صَلاحُ حالِهِمْ عِنْدَ أبِيهِمْ وهو قَوْلُ مُقاتِلٍ، أوْ صَلاحُهم بِالتَّوْبَةِ والتَّنَصُّلِ مِن هَذا الفِعْلِ وهَذا أظْهَرُ، وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ مِنهُمُ الكَلْبِيُّ، واحْتَمَلَ (تَكُونُوا) أنْ يَكُونَ مَجْزُومًا عَطْفًا عَلى مَجْزُومٍ، أوْ مَنصُوبًا عَلى إضْمارِ (أنْ) . والقائِلُ: ﴿لا تَقْتُلُوا يُوسُفَ﴾ رُوبِيلُ قالَهُ قَتادَةُ وابْنُ إسْحاقَ، أوْ شَمْعُونُ قالَهُ مُجاهِدٌ، أوْ يَهُوذا وكانَ أحَلَمَهم وأحْسَنَهم فِيهِ رَأْيًا وهو الَّذِي قالَ: ﴿فَلَنْ أبْرَحَ الأرْضَ﴾ [يوسف: ٨٠] قالَ لَهم: القَتْلُ عَظِيمٌ قالَهُ السُّدِّيُّ - أوْذانُ أرْبَعَةِ أقْوالٍ - وهَذا عَطْفٌ مِنهم عَلى أخِيهِمْ، لَمّا أرادَ اللَّهُ مِن إنْفاذِ قَضائِهِ وإبْقاءٍ عَلى نَفْسِهِ، وسَبَبٍ لِنَجاتِهِمْ مِنَ الوُقُوعِ في هَذِهِ الكَبِيرَةِ وهو إتْلافُ النَّفْسِ بِالقَتْلِ، قالَ الهَرَوِيُّ: الغَيابَةُ في الجُبِّ شَبَهُ لِحْفٍ، أوْ طاقٍ في البِئْرِ فُوَيْقَ الماءِ يَغِيبُ ما فِيهِ عَنِ العُيُونِ. وقالَ الكَلْبِيُّ: الغَيابَةُ كُمُونٌ في قَعْرِ الجُبِّ؛ لِأنَّ أسْفَلَهُ واسِعٌ ورَأْسُهُ ضَيِّقٌ، فَلا يَكادُ النّاظِرُ يَرى ما في جَوانِبِهِ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: غَوْرُهُ وهو ما غابَ مِنهُ عَنْ عَيْنِ النّاظِرِ، وأظْلَمُ مِن أسْفَلِهِ، انْتَهى. مِنهُ قِيلَ لِلْقَبْرِ: غَيابَةٌ، قالَ المُنْخَلُّ السَّعْدِيُّ:
؎فَإنْ أنا يَوْمًا غَيَّبَتْنِي غَيابَتِي ∗∗∗ فَسِيرُوا بِسَيْرِي في العَشِيرَةِ والأهْلِ
. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (غَيابَةِ) عَلى الإفْرادِ، ونافِعٌ: (غَياباتِ) عَلى الجَمْعِ، جَعَلَ كُلَّ جُزْءٍ مِمّا يَغِيبُ فِيهِ غَيابَةً، وقَرَأ ابْنُ هُرْمُزَ: (غَيّاباتٍ) بِالتَّشْدِيدِ والجَمْعِ، والَّذِي يَظْهَرُ أنَّهُ سُمِّيَ بِاسْمِ الفاعِلِ الَّذِي لِلْمُبالَغَةِ، فَهو وصْفٌ في الأصْلِ، وألْحَقَهُ أبُو عَلِيٍّ بِالِاسْمِ الحائِيِّ عَلى فِعالٍ نَحْوَ ما ذَكَرَ سِيبَوَيْهِ مِنَ الغَيادِ، قالَ أبُو الفَتْحِ: ووَجَدْتُ مِن ذَلِكَ المَبارَ المُبَرَّحَ والفَخارَ الخَزَفَ، وقالَ صاحِبُ الَّلَوامِحِ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَلى فَعّالاتٍ كَحَمّاماتٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَلى فَيْعالاتٍ كَشَيْطاناتٍ في جَمْعِ شَيْطانَةٍ، وكُلٌّ لِلْمُبالَغَةِ، وقَرَأ الحَسَنُ: (في غَيْبَةٍ) فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ في الأصْلِ مَصْدَرًا كالغَلَبَةِ، واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ جَمْعَ غائِبٍ كَصانِعٍ وصَنْعَةٍ، وفي حِرَفِ أُبَيٍّ في (غَيْبَةٍ) بِسُكُونِ الياءِ، وهي ظُلْمَةُ الرَّكِيَّةِ، وقالَ قَتادَةُ في جَماعَةٍ: الجُبُّ بِئْرُ بَيْتِ المَقْدِسِ، وقالَ وهْبٌ: بِأرْضِ الأُرْدُنِّ، وقالَ مُقاتِلٌ: عَلى ثَلاثِ فَراسِخَ مِن مَنزِلِ يَعْقُوبَ، وقِيلَ: بَيْنَ مَدَيْنَ ومِصْرَ، وقَرَأ الحَسَنُ ومُجاهِدٌ وقَتادَةُ وأبُو رَجاءٍ: (تَلْتَقِطْهُ) بِتاءِ التَّأْنِيثِ، أُنِّثَ عَلى المَعْنى كَما قالَ:
؎إذا بَعْضُ السِّنِينَ تَعَرَّفَتْنا ∗∗∗ كَفى الأيْتامَ فَقْدَ أبِي اليَتِيمِ
والسَّيّارَةُ جَمْعُ سَيّارٍ، وهو الكَثِيرُ السَّيْرِ في الأرْضِ، والظّاهِرُ أنَّ الجُبَّ كانَ فِيهِ ماءٌ، ولِذَلِكَ قالُوا: ﴿يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيّارَةِ﴾ وقِيلَ: كانَ فِيهِ ماءٌ كَثِيرٌ يُغْرِقُ يُوسُفَ، فَنَشَزَ حَجَرٌ مِن أسْفَلِ الجُبِّ حَتّى ثَبَتَ يُوسُفُ عَلَيْهِ، وقِيلَ: لَمْ يَكُنْ ماءٌ فَأخْرَجَهُ اللَّهُ فِيهِ حَتّى قَصَدَهُ النّاسُ. ورُوِيَ: أنَّهم رَمَوْهُ بِحَبْلٍ في الجُبِّ، فَتَماسَكَ بِيَدَيْهِ حَتّى رَبَطُوا يَدَيْهِ ونَزَعُوا قَمِيصَهُ ورَمَوْهُ، حِينَئِذٍ وهَمُّوا بَعْدُ بِرَضْخِهِ بِالحِجارَةِ فَمَنَعَهم أخُوهُمُ المُشِيرُ بِطَرْحِهِ مِن ذَلِكَ. ومَفْعُولُ فاعِلِينَ مَحْذُوفٌ؛ أيْ: فاعِلِينَ ما يَحْصُلُ بِهِ غَرَضُكم مِنَ التَّفْرِيقِ بَيْنَهُ وبَيْنَ أبِيهِ.
يوسف 12:8
(p-٢٨٢)﴿لَقَدْ كانَ في يُوسُفَ وإخْوَتِهِ آياتٌ لِلسّائِلِينَ﴾ ﴿إذْ قالُوا لَيُوسُفُ وأخُوهُ أحَبُّ إلى أبِينا مِنّا ونَحْنُ عُصْبَةٌ إنَّ أبانا لَفي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ ﴿اقْتُلُوا يُوسُفَ أوِ اطْرَحُوهُ أرْضًا يَخْلُ لَكم وجْهُ أبِيكم وتَكُونُوا مِن بَعْدِهِ قَوْمًا صالِحِينَ﴾
(آياتٌ) أيْ: عَلاماتٌ ودَلائِلُ عَلى قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى وحِكْمَتُهُ في كُلِّ شَيْءٍ، لِلسّائِلِينَ لِمَن سَألَ عَنْهم وعَرَفَ قِصَّتَهم، وقِيلَ: آياتٌ عَلى نُبُوَّةِ النَّبِيِّ ﷺ لِلَّذِينَ سَألُوهُ مِنَ اليَهُودِ عَنْها فَأخْبَرَهم بِالصِّحَّةِ مِن غَيْرِ سَماعٍ مِن أحَدٍ ولا قِراءَةِ كِتابٍ، والَّذِي يَظْهَرُ أنَّ الآياتِ الدَّلالاتُ عَلى صِدْقِ الرَّسُولِ وعَلى ما أظْهَرَ اللَّهُ في قِصَّةِ يُوسُفَ مِن عَواقِبِ البَغْيِ عَلَيْهِ، وصِدْقِ رُؤْياهُ، وصِحَّةِ تَأْوِيلِهِ، وضَبَطِ نَفْسِهِ وقَهْرِها حَتّى قامَ بِحَقِّ الأمانَةِ، وحُدُوثِ السُّرُورِ بَعْدَ اليَأْسِ، وقِيلَ: المَعْنى لِمَن سَألَ ولِمَن لَمْ يَسْألْ لِقَوْلِهِ: ﴿سَواءً لِلسّائِلِينَ﴾ [فصلت: ١٠] أيْ: سَواءً لِمَن سَألَ ولِمَن لَمْ يَسْألْ، وحَسُنَ الحَذْفُ لِدَلالَةِ قُوَّةِ الكَلامِ عَلَيْهِ كَقَوْلِهِ: ﴿سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الحَرَّ﴾ [النحل: ٨١] أيْ: والبَرْدَ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقَوْلُهُ: (لِلسّائِلِينَ) يَقْتَضِي تَحْضِيضًا لِلنّاسِ عَلى تَعَلُّمِ هَذِهِ الأنْباءِ؛ لِأنَّهُ إنَّما المُرادُ آياتٌ لِلنّاسِ، فَوَصَفَهم بِالسُّؤالِ، إذْ كُلُّ أحَدٍ يَنْبَغِي أنْ يَسْألَ عَنْ مِثْلِ هَذِهِ القِصَصِ، إذْ هي مَقَرُّ العِبَرِ والِاتِّعاظِ، وتَقَدَّمَ لَنا ذِكْرُ أسْماءِ إخْوَةِ يُوسُفَ مَنقُولَةً مِن خَطِّ الحُسَيْنِ بْنِ أحْمَدَ بْنِ القاضِي الفاضِلِ عَبْدِ الرَّحِيمِ البِيسانِيِّ، ونَقَلَها مِن خَطِّ الشَّرِيفِ النَّقِيبِ النَّسّابَةِ أبِي البَرَكاتِ مُحَمَّدِ بْنِ أسْعَدَ الحُسَيْنِيِّ الجَوّانِيِّ مُحَرَّرَةٌ بِالنُّقَطِ، وتُوجَدُ في كُتُبِ التَّفْسِيرِ مُحَرَّفَةً مُخْتَلِفَةً، وكانَ رُوبِيلُ أكْبَرَهم، وهو ويَهُوذا، وشَمْعُونُ، ولاوِي، وزَبُولُونُ، ويُساخا، شَقائِقُ أُمِّهِمْ لَيّا بِنْتِ لِيانَ بْنِ ناهِرَ بْنِ آزَرَ وهي: بِنْتُ خالِ يَعْقُوبَ، وذانُ ونَفْتالِي، وكاذُ وياشِيرُ، أرْبَعَةٌ مِن سُرِّيَّتَيْنِ كانَتا لَلَيّا وأُخْتِها راحِيلَ، فَوَهَبَتاهُما لِيَعْقُوبَ، فَجَمَعَ بَيْنَهُما ولَمْ يَحِلَّ الجَمْعُ بَيْنَ الأُخْتَيْنِ لِأحَدٍ بَعْدَهُ، وأسْماءُ السُّرِّيَّتَيْنِ فِيما قِيلَ: لَيّا، وتَلْتا، وتُوُفِّيَتْ أُمُّ السَّبْعَةِ فَتَزَوَّجَ بَعْدَها يَعْقُوبُ أُخْتَها راحِيلَ، فَوَلَدَتْ لَهُ يُوسُفَ وبِنْيامِينَ، وماتَتْ مِن نِفاسِهِ.
وقَرَأ مُجاهِدٌ وشِبْلٌ وأهْلُ مَكَّةَ وابْنُ كَثِيرٍ: (آيَةٌ) عَلى الإفْرادِ، والجُمْهُورُ: (آياتٌ) وفي مُصْحَفِ أُبَيٍّ (عِبْرَةٌ لِلسّائِلِينَ) مَكانَ (آيَةٍ)، والضَّمِيرُ في (قالُوا) عائِدٌ عَلى إخْوَةِ يُوسُفَ (وأخُوهُ) هو بِنْيامِينُ؛ ولَمّا كانا شَقِيقَيْنِ أضافُوهُ إلى يُوسُفَ، واللّامُ في (لَيُوسُفُ) لامُ الِابْتِداءِ، وفِيها تَأْكِيدٌ وتَحْقِيقٌ لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ؛ أيْ: كَثْرَةُ حُبِّهِ لَهُما ثابِتٌ لا شُبْهَةَ فِيهِ، و(أحَبُّ) أفْعَلُ تَفْضِيلٍ، وهي مَبْنِيٌّ مِنَ المَفْعُولِ شُذُوذًا، ولِذَلِكَ عُدِّيَ بِـ (إلى) لِأنَّهُ إذا كانَ ما تَعَلَّقَ بِهِ فاعِلًا مِن حَيْثُ المَعْنى عُدِّيَ إلَيْهِ بِـ ”إلى“، وإذا كانَ مَفْعُولًا عُدِّيَ إلَيْهِ بِـ ”في“، تَقُولُ: زَيْدٌ أحَبُّ إلى عَمْرٍو مِن خالِدٍ، فالضَّمِيرُ في ”أحَبُّ“ مَفْعُولٌ مِن حَيْثُ المَعْنى، وعَمْرٌو هو المُحِبُّ، وإذا قُلْتَ: زَيْدٌ أحَبُّ إلى عَمْرٍو مِن خالِدٍ، كانَ الضَّمِيرُ فاعِلًا وعَمْرٌو هو المَحْبُوبُ، و”مِن خالِدٍ“ في المِثالِ الأوَّلِ مَحْبُوبٌ، وفي الثّانِي فاعِلٌ.
ولَمْ يَبْنِ (أحَبُّ) لِتَعَدِّيهِ بِـ ”مِن“ . وكانَ بِنْيامِينُ أصْغَرَ مِن يُوسُفَ، فَكانَ يَعْقُوبُ يُحِبُّهُما بِسَبَبِ صِغَرِهِما ومَوْتِ أُمِّهِما، وحُبُّ الصَّغِيرِ والشَّفَقَةُ عَلَيْهِ مَرْكُوزٌ في فِطْرَةِ البَشَرِ، وقِيلَ لِابْنَةِ الحَسَنِ: أيُّ بَنِيكِ أحَبُّ (p-٢٨٣)إلَيْكِ ؟ قالَتْ: الصَّغِيرُ حَتّى يَكْبُرَ، والغائِبُ حَتّى يَقْدَمَ، والمَرِيضُ حَتّى يُفِيقَ، وقَدْ نَظَّمَ الشُّعَراءُ في مَحَبَّةِ الوَلَدِ الصَّغِيرِ قَدِيمًا وحَدِيثًا، ومِن ذَلِكَ ما قالَهُ الوَزِيرُ أبُو مَرْوانَ عَبْدُ المَلِكِ بْنُ إدْرِيسَ الجُزَيْرِيُّ في قَصِيدَتِهِ الَّتِي بَعَثَ بِها إلى أوْلادِهِ وهو في السِّجْنِ.
؎وصَغِيرُكم عَبْدُ العَزِيزِ فَإنَّنِي أطْوِي لِفُرْقَتِهِ جَوًى لَمْ يَصْغُرِ
؎ذاكَ المُقَدَّمُ في الفُؤادِ وإنْ غَدا ∗∗∗ كُفُؤًا لَكم في المُنْتَمى والعُنْصُرِ
؎إنَّ البَناتَ الخَمْسَ أكْفاءٌ مَعًا ∗∗∗ والحَلْيُ دُونَ جَمِيعِها لِلْخِنْصِرِ
؎وإذا الفَتى بَعْدَ الشَّبابِ سَما لَهُ ∗∗∗ حُبُّ البَنِينَ ولا كَحُبِّ الأصْغَرِ
﴿ونَحْنُ عُصْبَةٌ﴾ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ أيْ: تُفَضِّلُهُما عَلَيْنا في المَحَبَّةِ، وهُما ابْنانِ صَغِيرانِ لا كِفايَةَ فِيهِما ولا مَنفَعَةَ، ونَحْنُ جَماعَةٌ عَشَرَةُ رِجالٍ كُفاةٌ نَقُومُ بِمُرافَقَةٍ، فَنَحْنُ أحَقُّ بِزِيادَةِ المَحَبَّةِ مِنهُما، ورَوى النَّزّالُ بْنُ سَبْرَةَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: (ونَحْنُ عُصْبَةً) وقِيلَ: مَعْناهُ ونَحْنُ نَجْتَمِعُ عُصْبَةً، فَيَكُونُ الخَبَرُ مَحْذُوفًا وهو عامِلٌ في (عُصْبَةً) وانْتَصَبَ (عُصْبَةً) عَلى الحالِ، وهَذا كَقَوْلِ العَرَبِ: حُكْمُكَ مُسَمَّطًا، حُذِفَ الخَبَرُ، قالَ المُبَرِّدُ: قالَ الفَرَزْدَقُ:
؎يا لَهْذَمُ حُكْمُكَ مُسَمَّطا
أرادَ لَكَ حُكْمُكَ مُسَمَّطًا، واسْتُعْمِلَ هَذا فَكَثُرَ حَتّى حُذِفَ اسْتِخْفافًا، لِعِلْمِ السّامِعِ ما يُرِيدُ القائِلُ كَقَوْلِكَ: الهِلالُ واللَّهِ؛ أيْ: هَذا الهِلالُ. والمُسَمَّطُ: المُرْسَلُ غَيْرُ المَرْدُودِ. وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: هَذا كَما تَقُولُ العَرَبُ: إنَّما العامِرِيُّ عِمَّتَهُ؛ أيْ: يَتَعَمَّمُ عِمَّتَهُ، انْتَهى. ولَيْسَ مِثْلَهُ، لِأنَّ (عُصْبَةً) لَيْسَ مَصْدَرًا ولا هَيْئَةً، فالأجْوَدُ أنْ يَكُونَ مِن بابِ حُكْمُكَ مُسَمَّطًا. وقَدَّرَهُ بَعْضُهم: حُكْمُكَ ثَبَتَ مُسَمَّطًا.
وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: العُصْبَةُ ما زادَ عَلى العَشَرَةِ، وعَنْهُ: ما بَيْنَ العَشَرَةِ إلى الأرْبَعِينَ، وعَنْ قَتادَةَ: ما فَوْقَ العَشَرَةِ إلى الأرْبَعِينَ، وعَنْ مُجاهِدٍ: مِن عَشَرَةٍ إلى خَمْسَةَ عَشَرَ، وعَنْ مُقاتِلٍ: عَشَرَةٌ، وعَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ: سِتَّةٌ أوْ سَبْعَةٌ، وقِيلَ: ما بَيْنَ الواحِدِ إلى العَشَرَةِ، وقِيلَ: إلى خَمْسَةَ عَشَرَ، وعَنِ الفَرّاءِ: عَشَرَةٌ فَما زادَ، وعَنِ ابْنِ زَيْدٍ والزَّجّاجِ وابْنِ قُتَيْبَةَ: العُصْبَةُ ثَلاثَةُ نَفَرٍ، فَإذا زادُوا فَهم رَهْطٌ إلى التِّسْعَةِ، فَإذا زادُوا فَهم عُصْبَةٌ، ولا يُقالُ لِأقَلَّ مِن عَشَرَةٍ عُصْبَةٌ.
والضَّلالُ هُنا هو الهَوى قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، أوِ الخَطَأُ مِنَ الرَّأْيِ قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ، أوِ الجَوْرُ في الفِعْلِ قالَهُ ابْنُ كامِلٍ، أوِ الغَلَطُ في أمْرِ الدُّنْيا، رُوِيَ أنَّهُ بَعْدَ إخْبارِهِ لِأبِيهِ بِالرُّؤْيا كانَ يَضُمُّهُ كُلَّ ساعَةٍ إلى صَدْرِهِ، وكَأنَّ قَلْبَهُ أيْقَنَ بِالفِراقِ فَلا يَكادُ يَصْبِرُ عَنْهُ، والظّاهِرُ (أنِ اقْتُلُوا يُوسُفَ) مِن جُمْلَةِ قَوْلِهِمْ، وقِيلَ: هو مِن قَوْلِ قَوْمٍ اسْتَشارَهم إخْوَةُ يُوسُفَ فِيما يُفْعَلُ بِهِ فَقالُوا ذَلِكَ، والظّاهِرُ أنِ (اطْرَحُوهُ) هو مِن قَوْلِهِمْ أنْ يَفْعَلُوا بِهِ أحَدَ الأمْرَيْنِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ (أوْ) لِلتَّنْوِيعِ أيْ: قالَ بَعْضٌ: اقْتُلُوا يُوسُفَ، وبَعْضٌ: اطْرَحُوهُ، وانْتَصَبَ (أرْضًا) عَلى إسْقاطِ حَرْفِ الجَرِّ، قالَهُ الحَوْفِيُّ وابْنُ عَطِيَّةَ؛ أيْ: في أرْضٍ بَعِيدَةٍ مِنَ الأرْضِ الَّتِي هو فِيها قَرِيبٌ مِن أرْضِ يَعْقُوبَ، وقِيلَ: مَفْعُولٌ ثانٍ عَلى تَضْمِينِ اطْرَحُوهُ مَعْنى أنْزِلُوهُ، كَما تَقُولُ: أنْزَلْتُ زَيْدًا الدّارَ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: ظَرْفٌ، واخْتارَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وتَبِعَهُ أبُو البَقاءِ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (أرْضًا) مَنكُورَةٌ مَجْهُولَةٌ بَعِيدَةٌ مِنَ العُمْرانِ، وهو مَعْنى تَنْكِيرِها وإخْلائِها مِنَ النّاسِ، ولِإبْهامِها مِن هَذا الوَجْهِ نُصِبَتْ نَصْبَ الظُّرُوفِ المُبْهَمَةِ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وذَلِكَ خَطَأٌ بِمَعْنى كَوْنِها مَنصُوبَةً عَلى الظَّرْفِ. قالَ: لِأنَّ الظَّرْفَ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ مُبْهَمًا وهَذِهِ لَيْسَتْ كَذَلِكَ، بَلْ هي أرْضٌ مُقَيَّدَةٌ بِأنَّها بَعِيدَةٌ أوْ قاصِيَةٌ ونَحْوُ ذَلِكَ، فَزالَ بِذَلِكَ إبْهامُها، ومَعْلُومٌ أنَّ يُوسُفَ لَمْ يَخْلُ مِنَ الكَوْنِ في أرْضٍ فَتَبَيَّنَ أنَّهم أرادُوا أرْضًا بَعِيدَةً غَيْرَ الَّتِي هو فِيها قَرِيبٌ مِن أبِيهِ، انْتَهى، وهَذا الرَّدُّ صَحِيحٌ، لَوْ قُلْتَ: جَلَسْتُ دارًا بَعِيدَةً، أوْ قَعَدْتُ (p-٢٨٤)مَكانًا بَعِيدًا لَمْ يَصِحَّ إلّا بِوَساطَةِ ”في“، ولا يَجُوزُ حَذْفُها إلّا في ضَرُورَةِ شِعْرٍ، أوْ مَعَ دَخَلْتُ عَلى الخِلافِ في دَخَلْتُ أهِيَ لازِمَةٌ أوْ مُتَعَدِّيَةٌ. والوَجْهُ هُنا قِيلَ: الذّاتُ؛ أيْ: يَخْلُ لَكم أبُوكم، وقِيلَ: هو اسْتِعارَةٌ عَنْ شَغْلِهِ بِهِمْ، وصَرْفِ مَوَدَّتِهِ إلَيْهِمْ؛ لِأنَّ مَن أقْبَلَ عَلَيْكَ صَرَفَ وجْهَهُ إلَيْكَ، وهَذا كَقَوْلِ نَعامَةَ حِينَ أحَبَّتْهُ أُمُّهُ لَمّا قَتَلَ إخْوَتَهُ وكانَتْ قَبْلُ لا تُحِبُّهُ، قالَ: الثَّكْلُ أرامَها؛ أيْ: عَطَفَها، والضَّمِيرُ في (بَعْدِهِ) عائِدٌ عَلى يُوسُفَ، أوْ قَتْلِهِ، أوْ طَرْحِهِ، وصَلاحُهم إمّا صَلاحُ حالِهِمْ عِنْدَ أبِيهِمْ وهو قَوْلُ مُقاتِلٍ، أوْ صَلاحُهم بِالتَّوْبَةِ والتَّنَصُّلِ مِن هَذا الفِعْلِ وهَذا أظْهَرُ، وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ مِنهُمُ الكَلْبِيُّ، واحْتَمَلَ (تَكُونُوا) أنْ يَكُونَ مَجْزُومًا عَطْفًا عَلى مَجْزُومٍ، أوْ مَنصُوبًا عَلى إضْمارِ (أنْ) . والقائِلُ: ﴿لا تَقْتُلُوا يُوسُفَ﴾ رُوبِيلُ قالَهُ قَتادَةُ وابْنُ إسْحاقَ، أوْ شَمْعُونُ قالَهُ مُجاهِدٌ، أوْ يَهُوذا وكانَ أحَلَمَهم وأحْسَنَهم فِيهِ رَأْيًا وهو الَّذِي قالَ: ﴿فَلَنْ أبْرَحَ الأرْضَ﴾ [يوسف: ٨٠] قالَ لَهم: القَتْلُ عَظِيمٌ قالَهُ السُّدِّيُّ - أوْذانُ أرْبَعَةِ أقْوالٍ - وهَذا عَطْفٌ مِنهم عَلى أخِيهِمْ، لَمّا أرادَ اللَّهُ مِن إنْفاذِ قَضائِهِ وإبْقاءٍ عَلى نَفْسِهِ، وسَبَبٍ لِنَجاتِهِمْ مِنَ الوُقُوعِ في هَذِهِ الكَبِيرَةِ وهو إتْلافُ النَّفْسِ بِالقَتْلِ، قالَ الهَرَوِيُّ: الغَيابَةُ في الجُبِّ شَبَهُ لِحْفٍ، أوْ طاقٍ في البِئْرِ فُوَيْقَ الماءِ يَغِيبُ ما فِيهِ عَنِ العُيُونِ. وقالَ الكَلْبِيُّ: الغَيابَةُ كُمُونٌ في قَعْرِ الجُبِّ؛ لِأنَّ أسْفَلَهُ واسِعٌ ورَأْسُهُ ضَيِّقٌ، فَلا يَكادُ النّاظِرُ يَرى ما في جَوانِبِهِ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: غَوْرُهُ وهو ما غابَ مِنهُ عَنْ عَيْنِ النّاظِرِ، وأظْلَمُ مِن أسْفَلِهِ، انْتَهى. مِنهُ قِيلَ لِلْقَبْرِ: غَيابَةٌ، قالَ المُنْخَلُّ السَّعْدِيُّ:
؎فَإنْ أنا يَوْمًا غَيَّبَتْنِي غَيابَتِي ∗∗∗ فَسِيرُوا بِسَيْرِي في العَشِيرَةِ والأهْلِ
. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (غَيابَةِ) عَلى الإفْرادِ، ونافِعٌ: (غَياباتِ) عَلى الجَمْعِ، جَعَلَ كُلَّ جُزْءٍ مِمّا يَغِيبُ فِيهِ غَيابَةً، وقَرَأ ابْنُ هُرْمُزَ: (غَيّاباتٍ) بِالتَّشْدِيدِ والجَمْعِ، والَّذِي يَظْهَرُ أنَّهُ سُمِّيَ بِاسْمِ الفاعِلِ الَّذِي لِلْمُبالَغَةِ، فَهو وصْفٌ في الأصْلِ، وألْحَقَهُ أبُو عَلِيٍّ بِالِاسْمِ الحائِيِّ عَلى فِعالٍ نَحْوَ ما ذَكَرَ سِيبَوَيْهِ مِنَ الغَيادِ، قالَ أبُو الفَتْحِ: ووَجَدْتُ مِن ذَلِكَ المَبارَ المُبَرَّحَ والفَخارَ الخَزَفَ، وقالَ صاحِبُ الَّلَوامِحِ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَلى فَعّالاتٍ كَحَمّاماتٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَلى فَيْعالاتٍ كَشَيْطاناتٍ في جَمْعِ شَيْطانَةٍ، وكُلٌّ لِلْمُبالَغَةِ، وقَرَأ الحَسَنُ: (في غَيْبَةٍ) فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ في الأصْلِ مَصْدَرًا كالغَلَبَةِ، واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ جَمْعَ غائِبٍ كَصانِعٍ وصَنْعَةٍ، وفي حِرَفِ أُبَيٍّ في (غَيْبَةٍ) بِسُكُونِ الياءِ، وهي ظُلْمَةُ الرَّكِيَّةِ، وقالَ قَتادَةُ في جَماعَةٍ: الجُبُّ بِئْرُ بَيْتِ المَقْدِسِ، وقالَ وهْبٌ: بِأرْضِ الأُرْدُنِّ، وقالَ مُقاتِلٌ: عَلى ثَلاثِ فَراسِخَ مِن مَنزِلِ يَعْقُوبَ، وقِيلَ: بَيْنَ مَدَيْنَ ومِصْرَ، وقَرَأ الحَسَنُ ومُجاهِدٌ وقَتادَةُ وأبُو رَجاءٍ: (تَلْتَقِطْهُ) بِتاءِ التَّأْنِيثِ، أُنِّثَ عَلى المَعْنى كَما قالَ:
؎إذا بَعْضُ السِّنِينَ تَعَرَّفَتْنا ∗∗∗ كَفى الأيْتامَ فَقْدَ أبِي اليَتِيمِ
والسَّيّارَةُ جَمْعُ سَيّارٍ، وهو الكَثِيرُ السَّيْرِ في الأرْضِ، والظّاهِرُ أنَّ الجُبَّ كانَ فِيهِ ماءٌ، ولِذَلِكَ قالُوا: ﴿يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيّارَةِ﴾ وقِيلَ: كانَ فِيهِ ماءٌ كَثِيرٌ يُغْرِقُ يُوسُفَ، فَنَشَزَ حَجَرٌ مِن أسْفَلِ الجُبِّ حَتّى ثَبَتَ يُوسُفُ عَلَيْهِ، وقِيلَ: لَمْ يَكُنْ ماءٌ فَأخْرَجَهُ اللَّهُ فِيهِ حَتّى قَصَدَهُ النّاسُ. ورُوِيَ: أنَّهم رَمَوْهُ بِحَبْلٍ في الجُبِّ، فَتَماسَكَ بِيَدَيْهِ حَتّى رَبَطُوا يَدَيْهِ ونَزَعُوا قَمِيصَهُ ورَمَوْهُ، حِينَئِذٍ وهَمُّوا بَعْدُ بِرَضْخِهِ بِالحِجارَةِ فَمَنَعَهم أخُوهُمُ المُشِيرُ بِطَرْحِهِ مِن ذَلِكَ. ومَفْعُولُ فاعِلِينَ مَحْذُوفٌ؛ أيْ: فاعِلِينَ ما يَحْصُلُ بِهِ غَرَضُكم مِنَ التَّفْرِيقِ بَيْنَهُ وبَيْنَ أبِيهِ.
يوسف 12:9
(p-٢٨٢)﴿لَقَدْ كانَ في يُوسُفَ وإخْوَتِهِ آياتٌ لِلسّائِلِينَ﴾ ﴿إذْ قالُوا لَيُوسُفُ وأخُوهُ أحَبُّ إلى أبِينا مِنّا ونَحْنُ عُصْبَةٌ إنَّ أبانا لَفي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ ﴿اقْتُلُوا يُوسُفَ أوِ اطْرَحُوهُ أرْضًا يَخْلُ لَكم وجْهُ أبِيكم وتَكُونُوا مِن بَعْدِهِ قَوْمًا صالِحِينَ﴾
(آياتٌ) أيْ: عَلاماتٌ ودَلائِلُ عَلى قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى وحِكْمَتُهُ في كُلِّ شَيْءٍ، لِلسّائِلِينَ لِمَن سَألَ عَنْهم وعَرَفَ قِصَّتَهم، وقِيلَ: آياتٌ عَلى نُبُوَّةِ النَّبِيِّ ﷺ لِلَّذِينَ سَألُوهُ مِنَ اليَهُودِ عَنْها فَأخْبَرَهم بِالصِّحَّةِ مِن غَيْرِ سَماعٍ مِن أحَدٍ ولا قِراءَةِ كِتابٍ، والَّذِي يَظْهَرُ أنَّ الآياتِ الدَّلالاتُ عَلى صِدْقِ الرَّسُولِ وعَلى ما أظْهَرَ اللَّهُ في قِصَّةِ يُوسُفَ مِن عَواقِبِ البَغْيِ عَلَيْهِ، وصِدْقِ رُؤْياهُ، وصِحَّةِ تَأْوِيلِهِ، وضَبَطِ نَفْسِهِ وقَهْرِها حَتّى قامَ بِحَقِّ الأمانَةِ، وحُدُوثِ السُّرُورِ بَعْدَ اليَأْسِ، وقِيلَ: المَعْنى لِمَن سَألَ ولِمَن لَمْ يَسْألْ لِقَوْلِهِ: ﴿سَواءً لِلسّائِلِينَ﴾ [فصلت: ١٠] أيْ: سَواءً لِمَن سَألَ ولِمَن لَمْ يَسْألْ، وحَسُنَ الحَذْفُ لِدَلالَةِ قُوَّةِ الكَلامِ عَلَيْهِ كَقَوْلِهِ: ﴿سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الحَرَّ﴾ [النحل: ٨١] أيْ: والبَرْدَ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقَوْلُهُ: (لِلسّائِلِينَ) يَقْتَضِي تَحْضِيضًا لِلنّاسِ عَلى تَعَلُّمِ هَذِهِ الأنْباءِ؛ لِأنَّهُ إنَّما المُرادُ آياتٌ لِلنّاسِ، فَوَصَفَهم بِالسُّؤالِ، إذْ كُلُّ أحَدٍ يَنْبَغِي أنْ يَسْألَ عَنْ مِثْلِ هَذِهِ القِصَصِ، إذْ هي مَقَرُّ العِبَرِ والِاتِّعاظِ، وتَقَدَّمَ لَنا ذِكْرُ أسْماءِ إخْوَةِ يُوسُفَ مَنقُولَةً مِن خَطِّ الحُسَيْنِ بْنِ أحْمَدَ بْنِ القاضِي الفاضِلِ عَبْدِ الرَّحِيمِ البِيسانِيِّ، ونَقَلَها مِن خَطِّ الشَّرِيفِ النَّقِيبِ النَّسّابَةِ أبِي البَرَكاتِ مُحَمَّدِ بْنِ أسْعَدَ الحُسَيْنِيِّ الجَوّانِيِّ مُحَرَّرَةٌ بِالنُّقَطِ، وتُوجَدُ في كُتُبِ التَّفْسِيرِ مُحَرَّفَةً مُخْتَلِفَةً، وكانَ رُوبِيلُ أكْبَرَهم، وهو ويَهُوذا، وشَمْعُونُ، ولاوِي، وزَبُولُونُ، ويُساخا، شَقائِقُ أُمِّهِمْ لَيّا بِنْتِ لِيانَ بْنِ ناهِرَ بْنِ آزَرَ وهي: بِنْتُ خالِ يَعْقُوبَ، وذانُ ونَفْتالِي، وكاذُ وياشِيرُ، أرْبَعَةٌ مِن سُرِّيَّتَيْنِ كانَتا لَلَيّا وأُخْتِها راحِيلَ، فَوَهَبَتاهُما لِيَعْقُوبَ، فَجَمَعَ بَيْنَهُما ولَمْ يَحِلَّ الجَمْعُ بَيْنَ الأُخْتَيْنِ لِأحَدٍ بَعْدَهُ، وأسْماءُ السُّرِّيَّتَيْنِ فِيما قِيلَ: لَيّا، وتَلْتا، وتُوُفِّيَتْ أُمُّ السَّبْعَةِ فَتَزَوَّجَ بَعْدَها يَعْقُوبُ أُخْتَها راحِيلَ، فَوَلَدَتْ لَهُ يُوسُفَ وبِنْيامِينَ، وماتَتْ مِن نِفاسِهِ.
وقَرَأ مُجاهِدٌ وشِبْلٌ وأهْلُ مَكَّةَ وابْنُ كَثِيرٍ: (آيَةٌ) عَلى الإفْرادِ، والجُمْهُورُ: (آياتٌ) وفي مُصْحَفِ أُبَيٍّ (عِبْرَةٌ لِلسّائِلِينَ) مَكانَ (آيَةٍ)، والضَّمِيرُ في (قالُوا) عائِدٌ عَلى إخْوَةِ يُوسُفَ (وأخُوهُ) هو بِنْيامِينُ؛ ولَمّا كانا شَقِيقَيْنِ أضافُوهُ إلى يُوسُفَ، واللّامُ في (لَيُوسُفُ) لامُ الِابْتِداءِ، وفِيها تَأْكِيدٌ وتَحْقِيقٌ لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ؛ أيْ: كَثْرَةُ حُبِّهِ لَهُما ثابِتٌ لا شُبْهَةَ فِيهِ، و(أحَبُّ) أفْعَلُ تَفْضِيلٍ، وهي مَبْنِيٌّ مِنَ المَفْعُولِ شُذُوذًا، ولِذَلِكَ عُدِّيَ بِـ (إلى) لِأنَّهُ إذا كانَ ما تَعَلَّقَ بِهِ فاعِلًا مِن حَيْثُ المَعْنى عُدِّيَ إلَيْهِ بِـ ”إلى“، وإذا كانَ مَفْعُولًا عُدِّيَ إلَيْهِ بِـ ”في“، تَقُولُ: زَيْدٌ أحَبُّ إلى عَمْرٍو مِن خالِدٍ، فالضَّمِيرُ في ”أحَبُّ“ مَفْعُولٌ مِن حَيْثُ المَعْنى، وعَمْرٌو هو المُحِبُّ، وإذا قُلْتَ: زَيْدٌ أحَبُّ إلى عَمْرٍو مِن خالِدٍ، كانَ الضَّمِيرُ فاعِلًا وعَمْرٌو هو المَحْبُوبُ، و”مِن خالِدٍ“ في المِثالِ الأوَّلِ مَحْبُوبٌ، وفي الثّانِي فاعِلٌ.
ولَمْ يَبْنِ (أحَبُّ) لِتَعَدِّيهِ بِـ ”مِن“ . وكانَ بِنْيامِينُ أصْغَرَ مِن يُوسُفَ، فَكانَ يَعْقُوبُ يُحِبُّهُما بِسَبَبِ صِغَرِهِما ومَوْتِ أُمِّهِما، وحُبُّ الصَّغِيرِ والشَّفَقَةُ عَلَيْهِ مَرْكُوزٌ في فِطْرَةِ البَشَرِ، وقِيلَ لِابْنَةِ الحَسَنِ: أيُّ بَنِيكِ أحَبُّ (p-٢٨٣)إلَيْكِ ؟ قالَتْ: الصَّغِيرُ حَتّى يَكْبُرَ، والغائِبُ حَتّى يَقْدَمَ، والمَرِيضُ حَتّى يُفِيقَ، وقَدْ نَظَّمَ الشُّعَراءُ في مَحَبَّةِ الوَلَدِ الصَّغِيرِ قَدِيمًا وحَدِيثًا، ومِن ذَلِكَ ما قالَهُ الوَزِيرُ أبُو مَرْوانَ عَبْدُ المَلِكِ بْنُ إدْرِيسَ الجُزَيْرِيُّ في قَصِيدَتِهِ الَّتِي بَعَثَ بِها إلى أوْلادِهِ وهو في السِّجْنِ.
؎وصَغِيرُكم عَبْدُ العَزِيزِ فَإنَّنِي أطْوِي لِفُرْقَتِهِ جَوًى لَمْ يَصْغُرِ
؎ذاكَ المُقَدَّمُ في الفُؤادِ وإنْ غَدا ∗∗∗ كُفُؤًا لَكم في المُنْتَمى والعُنْصُرِ
؎إنَّ البَناتَ الخَمْسَ أكْفاءٌ مَعًا ∗∗∗ والحَلْيُ دُونَ جَمِيعِها لِلْخِنْصِرِ
؎وإذا الفَتى بَعْدَ الشَّبابِ سَما لَهُ ∗∗∗ حُبُّ البَنِينَ ولا كَحُبِّ الأصْغَرِ
﴿ونَحْنُ عُصْبَةٌ﴾ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ أيْ: تُفَضِّلُهُما عَلَيْنا في المَحَبَّةِ، وهُما ابْنانِ صَغِيرانِ لا كِفايَةَ فِيهِما ولا مَنفَعَةَ، ونَحْنُ جَماعَةٌ عَشَرَةُ رِجالٍ كُفاةٌ نَقُومُ بِمُرافَقَةٍ، فَنَحْنُ أحَقُّ بِزِيادَةِ المَحَبَّةِ مِنهُما، ورَوى النَّزّالُ بْنُ سَبْرَةَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: (ونَحْنُ عُصْبَةً) وقِيلَ: مَعْناهُ ونَحْنُ نَجْتَمِعُ عُصْبَةً، فَيَكُونُ الخَبَرُ مَحْذُوفًا وهو عامِلٌ في (عُصْبَةً) وانْتَصَبَ (عُصْبَةً) عَلى الحالِ، وهَذا كَقَوْلِ العَرَبِ: حُكْمُكَ مُسَمَّطًا، حُذِفَ الخَبَرُ، قالَ المُبَرِّدُ: قالَ الفَرَزْدَقُ:
؎يا لَهْذَمُ حُكْمُكَ مُسَمَّطا
أرادَ لَكَ حُكْمُكَ مُسَمَّطًا، واسْتُعْمِلَ هَذا فَكَثُرَ حَتّى حُذِفَ اسْتِخْفافًا، لِعِلْمِ السّامِعِ ما يُرِيدُ القائِلُ كَقَوْلِكَ: الهِلالُ واللَّهِ؛ أيْ: هَذا الهِلالُ. والمُسَمَّطُ: المُرْسَلُ غَيْرُ المَرْدُودِ. وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: هَذا كَما تَقُولُ العَرَبُ: إنَّما العامِرِيُّ عِمَّتَهُ؛ أيْ: يَتَعَمَّمُ عِمَّتَهُ، انْتَهى. ولَيْسَ مِثْلَهُ، لِأنَّ (عُصْبَةً) لَيْسَ مَصْدَرًا ولا هَيْئَةً، فالأجْوَدُ أنْ يَكُونَ مِن بابِ حُكْمُكَ مُسَمَّطًا. وقَدَّرَهُ بَعْضُهم: حُكْمُكَ ثَبَتَ مُسَمَّطًا.
وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: العُصْبَةُ ما زادَ عَلى العَشَرَةِ، وعَنْهُ: ما بَيْنَ العَشَرَةِ إلى الأرْبَعِينَ، وعَنْ قَتادَةَ: ما فَوْقَ العَشَرَةِ إلى الأرْبَعِينَ، وعَنْ مُجاهِدٍ: مِن عَشَرَةٍ إلى خَمْسَةَ عَشَرَ، وعَنْ مُقاتِلٍ: عَشَرَةٌ، وعَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ: سِتَّةٌ أوْ سَبْعَةٌ، وقِيلَ: ما بَيْنَ الواحِدِ إلى العَشَرَةِ، وقِيلَ: إلى خَمْسَةَ عَشَرَ، وعَنِ الفَرّاءِ: عَشَرَةٌ فَما زادَ، وعَنِ ابْنِ زَيْدٍ والزَّجّاجِ وابْنِ قُتَيْبَةَ: العُصْبَةُ ثَلاثَةُ نَفَرٍ، فَإذا زادُوا فَهم رَهْطٌ إلى التِّسْعَةِ، فَإذا زادُوا فَهم عُصْبَةٌ، ولا يُقالُ لِأقَلَّ مِن عَشَرَةٍ عُصْبَةٌ.
والضَّلالُ هُنا هو الهَوى قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، أوِ الخَطَأُ مِنَ الرَّأْيِ قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ، أوِ الجَوْرُ في الفِعْلِ قالَهُ ابْنُ كامِلٍ، أوِ الغَلَطُ في أمْرِ الدُّنْيا، رُوِيَ أنَّهُ بَعْدَ إخْبارِهِ لِأبِيهِ بِالرُّؤْيا كانَ يَضُمُّهُ كُلَّ ساعَةٍ إلى صَدْرِهِ، وكَأنَّ قَلْبَهُ أيْقَنَ بِالفِراقِ فَلا يَكادُ يَصْبِرُ عَنْهُ، والظّاهِرُ (أنِ اقْتُلُوا يُوسُفَ) مِن جُمْلَةِ قَوْلِهِمْ، وقِيلَ: هو مِن قَوْلِ قَوْمٍ اسْتَشارَهم إخْوَةُ يُوسُفَ فِيما يُفْعَلُ بِهِ فَقالُوا ذَلِكَ، والظّاهِرُ أنِ (اطْرَحُوهُ) هو مِن قَوْلِهِمْ أنْ يَفْعَلُوا بِهِ أحَدَ الأمْرَيْنِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ (أوْ) لِلتَّنْوِيعِ أيْ: قالَ بَعْضٌ: اقْتُلُوا يُوسُفَ، وبَعْضٌ: اطْرَحُوهُ، وانْتَصَبَ (أرْضًا) عَلى إسْقاطِ حَرْفِ الجَرِّ، قالَهُ الحَوْفِيُّ وابْنُ عَطِيَّةَ؛ أيْ: في أرْضٍ بَعِيدَةٍ مِنَ الأرْضِ الَّتِي هو فِيها قَرِيبٌ مِن أرْضِ يَعْقُوبَ، وقِيلَ: مَفْعُولٌ ثانٍ عَلى تَضْمِينِ اطْرَحُوهُ مَعْنى أنْزِلُوهُ، كَما تَقُولُ: أنْزَلْتُ زَيْدًا الدّارَ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: ظَرْفٌ، واخْتارَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وتَبِعَهُ أبُو البَقاءِ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (أرْضًا) مَنكُورَةٌ مَجْهُولَةٌ بَعِيدَةٌ مِنَ العُمْرانِ، وهو مَعْنى تَنْكِيرِها وإخْلائِها مِنَ النّاسِ، ولِإبْهامِها مِن هَذا الوَجْهِ نُصِبَتْ نَصْبَ الظُّرُوفِ المُبْهَمَةِ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وذَلِكَ خَطَأٌ بِمَعْنى كَوْنِها مَنصُوبَةً عَلى الظَّرْفِ. قالَ: لِأنَّ الظَّرْفَ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ مُبْهَمًا وهَذِهِ لَيْسَتْ كَذَلِكَ، بَلْ هي أرْضٌ مُقَيَّدَةٌ بِأنَّها بَعِيدَةٌ أوْ قاصِيَةٌ ونَحْوُ ذَلِكَ، فَزالَ بِذَلِكَ إبْهامُها، ومَعْلُومٌ أنَّ يُوسُفَ لَمْ يَخْلُ مِنَ الكَوْنِ في أرْضٍ فَتَبَيَّنَ أنَّهم أرادُوا أرْضًا بَعِيدَةً غَيْرَ الَّتِي هو فِيها قَرِيبٌ مِن أبِيهِ، انْتَهى، وهَذا الرَّدُّ صَحِيحٌ، لَوْ قُلْتَ: جَلَسْتُ دارًا بَعِيدَةً، أوْ قَعَدْتُ (p-٢٨٤)مَكانًا بَعِيدًا لَمْ يَصِحَّ إلّا بِوَساطَةِ ”في“، ولا يَجُوزُ حَذْفُها إلّا في ضَرُورَةِ شِعْرٍ، أوْ مَعَ دَخَلْتُ عَلى الخِلافِ في دَخَلْتُ أهِيَ لازِمَةٌ أوْ مُتَعَدِّيَةٌ. والوَجْهُ هُنا قِيلَ: الذّاتُ؛ أيْ: يَخْلُ لَكم أبُوكم، وقِيلَ: هو اسْتِعارَةٌ عَنْ شَغْلِهِ بِهِمْ، وصَرْفِ مَوَدَّتِهِ إلَيْهِمْ؛ لِأنَّ مَن أقْبَلَ عَلَيْكَ صَرَفَ وجْهَهُ إلَيْكَ، وهَذا كَقَوْلِ نَعامَةَ حِينَ أحَبَّتْهُ أُمُّهُ لَمّا قَتَلَ إخْوَتَهُ وكانَتْ قَبْلُ لا تُحِبُّهُ، قالَ: الثَّكْلُ أرامَها؛ أيْ: عَطَفَها، والضَّمِيرُ في (بَعْدِهِ) عائِدٌ عَلى يُوسُفَ، أوْ قَتْلِهِ، أوْ طَرْحِهِ، وصَلاحُهم إمّا صَلاحُ حالِهِمْ عِنْدَ أبِيهِمْ وهو قَوْلُ مُقاتِلٍ، أوْ صَلاحُهم بِالتَّوْبَةِ والتَّنَصُّلِ مِن هَذا الفِعْلِ وهَذا أظْهَرُ، وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ مِنهُمُ الكَلْبِيُّ، واحْتَمَلَ (تَكُونُوا) أنْ يَكُونَ مَجْزُومًا عَطْفًا عَلى مَجْزُومٍ، أوْ مَنصُوبًا عَلى إضْمارِ (أنْ) . والقائِلُ: ﴿لا تَقْتُلُوا يُوسُفَ﴾ رُوبِيلُ قالَهُ قَتادَةُ وابْنُ إسْحاقَ، أوْ شَمْعُونُ قالَهُ مُجاهِدٌ، أوْ يَهُوذا وكانَ أحَلَمَهم وأحْسَنَهم فِيهِ رَأْيًا وهو الَّذِي قالَ: ﴿فَلَنْ أبْرَحَ الأرْضَ﴾ [يوسف: ٨٠] قالَ لَهم: القَتْلُ عَظِيمٌ قالَهُ السُّدِّيُّ - أوْذانُ أرْبَعَةِ أقْوالٍ - وهَذا عَطْفٌ مِنهم عَلى أخِيهِمْ، لَمّا أرادَ اللَّهُ مِن إنْفاذِ قَضائِهِ وإبْقاءٍ عَلى نَفْسِهِ، وسَبَبٍ لِنَجاتِهِمْ مِنَ الوُقُوعِ في هَذِهِ الكَبِيرَةِ وهو إتْلافُ النَّفْسِ بِالقَتْلِ، قالَ الهَرَوِيُّ: الغَيابَةُ في الجُبِّ شَبَهُ لِحْفٍ، أوْ طاقٍ في البِئْرِ فُوَيْقَ الماءِ يَغِيبُ ما فِيهِ عَنِ العُيُونِ. وقالَ الكَلْبِيُّ: الغَيابَةُ كُمُونٌ في قَعْرِ الجُبِّ؛ لِأنَّ أسْفَلَهُ واسِعٌ ورَأْسُهُ ضَيِّقٌ، فَلا يَكادُ النّاظِرُ يَرى ما في جَوانِبِهِ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: غَوْرُهُ وهو ما غابَ مِنهُ عَنْ عَيْنِ النّاظِرِ، وأظْلَمُ مِن أسْفَلِهِ، انْتَهى. مِنهُ قِيلَ لِلْقَبْرِ: غَيابَةٌ، قالَ المُنْخَلُّ السَّعْدِيُّ:
؎فَإنْ أنا يَوْمًا غَيَّبَتْنِي غَيابَتِي ∗∗∗ فَسِيرُوا بِسَيْرِي في العَشِيرَةِ والأهْلِ
. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (غَيابَةِ) عَلى الإفْرادِ، ونافِعٌ: (غَياباتِ) عَلى الجَمْعِ، جَعَلَ كُلَّ جُزْءٍ مِمّا يَغِيبُ فِيهِ غَيابَةً، وقَرَأ ابْنُ هُرْمُزَ: (غَيّاباتٍ) بِالتَّشْدِيدِ والجَمْعِ، والَّذِي يَظْهَرُ أنَّهُ سُمِّيَ بِاسْمِ الفاعِلِ الَّذِي لِلْمُبالَغَةِ، فَهو وصْفٌ في الأصْلِ، وألْحَقَهُ أبُو عَلِيٍّ بِالِاسْمِ الحائِيِّ عَلى فِعالٍ نَحْوَ ما ذَكَرَ سِيبَوَيْهِ مِنَ الغَيادِ، قالَ أبُو الفَتْحِ: ووَجَدْتُ مِن ذَلِكَ المَبارَ المُبَرَّحَ والفَخارَ الخَزَفَ، وقالَ صاحِبُ الَّلَوامِحِ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَلى فَعّالاتٍ كَحَمّاماتٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَلى فَيْعالاتٍ كَشَيْطاناتٍ في جَمْعِ شَيْطانَةٍ، وكُلٌّ لِلْمُبالَغَةِ، وقَرَأ الحَسَنُ: (في غَيْبَةٍ) فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ في الأصْلِ مَصْدَرًا كالغَلَبَةِ، واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ جَمْعَ غائِبٍ كَصانِعٍ وصَنْعَةٍ، وفي حِرَفِ أُبَيٍّ في (غَيْبَةٍ) بِسُكُونِ الياءِ، وهي ظُلْمَةُ الرَّكِيَّةِ، وقالَ قَتادَةُ في جَماعَةٍ: الجُبُّ بِئْرُ بَيْتِ المَقْدِسِ، وقالَ وهْبٌ: بِأرْضِ الأُرْدُنِّ، وقالَ مُقاتِلٌ: عَلى ثَلاثِ فَراسِخَ مِن مَنزِلِ يَعْقُوبَ، وقِيلَ: بَيْنَ مَدَيْنَ ومِصْرَ، وقَرَأ الحَسَنُ ومُجاهِدٌ وقَتادَةُ وأبُو رَجاءٍ: (تَلْتَقِطْهُ) بِتاءِ التَّأْنِيثِ، أُنِّثَ عَلى المَعْنى كَما قالَ:
؎إذا بَعْضُ السِّنِينَ تَعَرَّفَتْنا ∗∗∗ كَفى الأيْتامَ فَقْدَ أبِي اليَتِيمِ
والسَّيّارَةُ جَمْعُ سَيّارٍ، وهو الكَثِيرُ السَّيْرِ في الأرْضِ، والظّاهِرُ أنَّ الجُبَّ كانَ فِيهِ ماءٌ، ولِذَلِكَ قالُوا: ﴿يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيّارَةِ﴾ وقِيلَ: كانَ فِيهِ ماءٌ كَثِيرٌ يُغْرِقُ يُوسُفَ، فَنَشَزَ حَجَرٌ مِن أسْفَلِ الجُبِّ حَتّى ثَبَتَ يُوسُفُ عَلَيْهِ، وقِيلَ: لَمْ يَكُنْ ماءٌ فَأخْرَجَهُ اللَّهُ فِيهِ حَتّى قَصَدَهُ النّاسُ. ورُوِيَ: أنَّهم رَمَوْهُ بِحَبْلٍ في الجُبِّ، فَتَماسَكَ بِيَدَيْهِ حَتّى رَبَطُوا يَدَيْهِ ونَزَعُوا قَمِيصَهُ ورَمَوْهُ، حِينَئِذٍ وهَمُّوا بَعْدُ بِرَضْخِهِ بِالحِجارَةِ فَمَنَعَهم أخُوهُمُ المُشِيرُ بِطَرْحِهِ مِن ذَلِكَ. ومَفْعُولُ فاعِلِينَ مَحْذُوفٌ؛ أيْ: فاعِلِينَ ما يَحْصُلُ بِهِ غَرَضُكم مِنَ التَّفْرِيقِ بَيْنَهُ وبَيْنَ أبِيهِ.
يوسف 12:10
(p-٢٨٢)﴿لَقَدْ كانَ في يُوسُفَ وإخْوَتِهِ آياتٌ لِلسّائِلِينَ﴾ ﴿إذْ قالُوا لَيُوسُفُ وأخُوهُ أحَبُّ إلى أبِينا مِنّا ونَحْنُ عُصْبَةٌ إنَّ أبانا لَفي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ ﴿اقْتُلُوا يُوسُفَ أوِ اطْرَحُوهُ أرْضًا يَخْلُ لَكم وجْهُ أبِيكم وتَكُونُوا مِن بَعْدِهِ قَوْمًا صالِحِينَ﴾
(آياتٌ) أيْ: عَلاماتٌ ودَلائِلُ عَلى قُدْرَةِ اللَّهِ تَعالى وحِكْمَتُهُ في كُلِّ شَيْءٍ، لِلسّائِلِينَ لِمَن سَألَ عَنْهم وعَرَفَ قِصَّتَهم، وقِيلَ: آياتٌ عَلى نُبُوَّةِ النَّبِيِّ ﷺ لِلَّذِينَ سَألُوهُ مِنَ اليَهُودِ عَنْها فَأخْبَرَهم بِالصِّحَّةِ مِن غَيْرِ سَماعٍ مِن أحَدٍ ولا قِراءَةِ كِتابٍ، والَّذِي يَظْهَرُ أنَّ الآياتِ الدَّلالاتُ عَلى صِدْقِ الرَّسُولِ وعَلى ما أظْهَرَ اللَّهُ في قِصَّةِ يُوسُفَ مِن عَواقِبِ البَغْيِ عَلَيْهِ، وصِدْقِ رُؤْياهُ، وصِحَّةِ تَأْوِيلِهِ، وضَبَطِ نَفْسِهِ وقَهْرِها حَتّى قامَ بِحَقِّ الأمانَةِ، وحُدُوثِ السُّرُورِ بَعْدَ اليَأْسِ، وقِيلَ: المَعْنى لِمَن سَألَ ولِمَن لَمْ يَسْألْ لِقَوْلِهِ: ﴿سَواءً لِلسّائِلِينَ﴾ [فصلت: ١٠] أيْ: سَواءً لِمَن سَألَ ولِمَن لَمْ يَسْألْ، وحَسُنَ الحَذْفُ لِدَلالَةِ قُوَّةِ الكَلامِ عَلَيْهِ كَقَوْلِهِ: ﴿سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الحَرَّ﴾ [النحل: ٨١] أيْ: والبَرْدَ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقَوْلُهُ: (لِلسّائِلِينَ) يَقْتَضِي تَحْضِيضًا لِلنّاسِ عَلى تَعَلُّمِ هَذِهِ الأنْباءِ؛ لِأنَّهُ إنَّما المُرادُ آياتٌ لِلنّاسِ، فَوَصَفَهم بِالسُّؤالِ، إذْ كُلُّ أحَدٍ يَنْبَغِي أنْ يَسْألَ عَنْ مِثْلِ هَذِهِ القِصَصِ، إذْ هي مَقَرُّ العِبَرِ والِاتِّعاظِ، وتَقَدَّمَ لَنا ذِكْرُ أسْماءِ إخْوَةِ يُوسُفَ مَنقُولَةً مِن خَطِّ الحُسَيْنِ بْنِ أحْمَدَ بْنِ القاضِي الفاضِلِ عَبْدِ الرَّحِيمِ البِيسانِيِّ، ونَقَلَها مِن خَطِّ الشَّرِيفِ النَّقِيبِ النَّسّابَةِ أبِي البَرَكاتِ مُحَمَّدِ بْنِ أسْعَدَ الحُسَيْنِيِّ الجَوّانِيِّ مُحَرَّرَةٌ بِالنُّقَطِ، وتُوجَدُ في كُتُبِ التَّفْسِيرِ مُحَرَّفَةً مُخْتَلِفَةً، وكانَ رُوبِيلُ أكْبَرَهم، وهو ويَهُوذا، وشَمْعُونُ، ولاوِي، وزَبُولُونُ، ويُساخا، شَقائِقُ أُمِّهِمْ لَيّا بِنْتِ لِيانَ بْنِ ناهِرَ بْنِ آزَرَ وهي: بِنْتُ خالِ يَعْقُوبَ، وذانُ ونَفْتالِي، وكاذُ وياشِيرُ، أرْبَعَةٌ مِن سُرِّيَّتَيْنِ كانَتا لَلَيّا وأُخْتِها راحِيلَ، فَوَهَبَتاهُما لِيَعْقُوبَ، فَجَمَعَ بَيْنَهُما ولَمْ يَحِلَّ الجَمْعُ بَيْنَ الأُخْتَيْنِ لِأحَدٍ بَعْدَهُ، وأسْماءُ السُّرِّيَّتَيْنِ فِيما قِيلَ: لَيّا، وتَلْتا، وتُوُفِّيَتْ أُمُّ السَّبْعَةِ فَتَزَوَّجَ بَعْدَها يَعْقُوبُ أُخْتَها راحِيلَ، فَوَلَدَتْ لَهُ يُوسُفَ وبِنْيامِينَ، وماتَتْ مِن نِفاسِهِ.
وقَرَأ مُجاهِدٌ وشِبْلٌ وأهْلُ مَكَّةَ وابْنُ كَثِيرٍ: (آيَةٌ) عَلى الإفْرادِ، والجُمْهُورُ: (آياتٌ) وفي مُصْحَفِ أُبَيٍّ (عِبْرَةٌ لِلسّائِلِينَ) مَكانَ (آيَةٍ)، والضَّمِيرُ في (قالُوا) عائِدٌ عَلى إخْوَةِ يُوسُفَ (وأخُوهُ) هو بِنْيامِينُ؛ ولَمّا كانا شَقِيقَيْنِ أضافُوهُ إلى يُوسُفَ، واللّامُ في (لَيُوسُفُ) لامُ الِابْتِداءِ، وفِيها تَأْكِيدٌ وتَحْقِيقٌ لِمَضْمُونِ الجُمْلَةِ؛ أيْ: كَثْرَةُ حُبِّهِ لَهُما ثابِتٌ لا شُبْهَةَ فِيهِ، و(أحَبُّ) أفْعَلُ تَفْضِيلٍ، وهي مَبْنِيٌّ مِنَ المَفْعُولِ شُذُوذًا، ولِذَلِكَ عُدِّيَ بِـ (إلى) لِأنَّهُ إذا كانَ ما تَعَلَّقَ بِهِ فاعِلًا مِن حَيْثُ المَعْنى عُدِّيَ إلَيْهِ بِـ ”إلى“، وإذا كانَ مَفْعُولًا عُدِّيَ إلَيْهِ بِـ ”في“، تَقُولُ: زَيْدٌ أحَبُّ إلى عَمْرٍو مِن خالِدٍ، فالضَّمِيرُ في ”أحَبُّ“ مَفْعُولٌ مِن حَيْثُ المَعْنى، وعَمْرٌو هو المُحِبُّ، وإذا قُلْتَ: زَيْدٌ أحَبُّ إلى عَمْرٍو مِن خالِدٍ، كانَ الضَّمِيرُ فاعِلًا وعَمْرٌو هو المَحْبُوبُ، و”مِن خالِدٍ“ في المِثالِ الأوَّلِ مَحْبُوبٌ، وفي الثّانِي فاعِلٌ.
ولَمْ يَبْنِ (أحَبُّ) لِتَعَدِّيهِ بِـ ”مِن“ . وكانَ بِنْيامِينُ أصْغَرَ مِن يُوسُفَ، فَكانَ يَعْقُوبُ يُحِبُّهُما بِسَبَبِ صِغَرِهِما ومَوْتِ أُمِّهِما، وحُبُّ الصَّغِيرِ والشَّفَقَةُ عَلَيْهِ مَرْكُوزٌ في فِطْرَةِ البَشَرِ، وقِيلَ لِابْنَةِ الحَسَنِ: أيُّ بَنِيكِ أحَبُّ (p-٢٨٣)إلَيْكِ ؟ قالَتْ: الصَّغِيرُ حَتّى يَكْبُرَ، والغائِبُ حَتّى يَقْدَمَ، والمَرِيضُ حَتّى يُفِيقَ، وقَدْ نَظَّمَ الشُّعَراءُ في مَحَبَّةِ الوَلَدِ الصَّغِيرِ قَدِيمًا وحَدِيثًا، ومِن ذَلِكَ ما قالَهُ الوَزِيرُ أبُو مَرْوانَ عَبْدُ المَلِكِ بْنُ إدْرِيسَ الجُزَيْرِيُّ في قَصِيدَتِهِ الَّتِي بَعَثَ بِها إلى أوْلادِهِ وهو في السِّجْنِ.
؎وصَغِيرُكم عَبْدُ العَزِيزِ فَإنَّنِي أطْوِي لِفُرْقَتِهِ جَوًى لَمْ يَصْغُرِ
؎ذاكَ المُقَدَّمُ في الفُؤادِ وإنْ غَدا ∗∗∗ كُفُؤًا لَكم في المُنْتَمى والعُنْصُرِ
؎إنَّ البَناتَ الخَمْسَ أكْفاءٌ مَعًا ∗∗∗ والحَلْيُ دُونَ جَمِيعِها لِلْخِنْصِرِ
؎وإذا الفَتى بَعْدَ الشَّبابِ سَما لَهُ ∗∗∗ حُبُّ البَنِينَ ولا كَحُبِّ الأصْغَرِ
﴿ونَحْنُ عُصْبَةٌ﴾ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ أيْ: تُفَضِّلُهُما عَلَيْنا في المَحَبَّةِ، وهُما ابْنانِ صَغِيرانِ لا كِفايَةَ فِيهِما ولا مَنفَعَةَ، ونَحْنُ جَماعَةٌ عَشَرَةُ رِجالٍ كُفاةٌ نَقُومُ بِمُرافَقَةٍ، فَنَحْنُ أحَقُّ بِزِيادَةِ المَحَبَّةِ مِنهُما، ورَوى النَّزّالُ بْنُ سَبْرَةَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: (ونَحْنُ عُصْبَةً) وقِيلَ: مَعْناهُ ونَحْنُ نَجْتَمِعُ عُصْبَةً، فَيَكُونُ الخَبَرُ مَحْذُوفًا وهو عامِلٌ في (عُصْبَةً) وانْتَصَبَ (عُصْبَةً) عَلى الحالِ، وهَذا كَقَوْلِ العَرَبِ: حُكْمُكَ مُسَمَّطًا، حُذِفَ الخَبَرُ، قالَ المُبَرِّدُ: قالَ الفَرَزْدَقُ:
؎يا لَهْذَمُ حُكْمُكَ مُسَمَّطا
أرادَ لَكَ حُكْمُكَ مُسَمَّطًا، واسْتُعْمِلَ هَذا فَكَثُرَ حَتّى حُذِفَ اسْتِخْفافًا، لِعِلْمِ السّامِعِ ما يُرِيدُ القائِلُ كَقَوْلِكَ: الهِلالُ واللَّهِ؛ أيْ: هَذا الهِلالُ. والمُسَمَّطُ: المُرْسَلُ غَيْرُ المَرْدُودِ. وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: هَذا كَما تَقُولُ العَرَبُ: إنَّما العامِرِيُّ عِمَّتَهُ؛ أيْ: يَتَعَمَّمُ عِمَّتَهُ، انْتَهى. ولَيْسَ مِثْلَهُ، لِأنَّ (عُصْبَةً) لَيْسَ مَصْدَرًا ولا هَيْئَةً، فالأجْوَدُ أنْ يَكُونَ مِن بابِ حُكْمُكَ مُسَمَّطًا. وقَدَّرَهُ بَعْضُهم: حُكْمُكَ ثَبَتَ مُسَمَّطًا.
وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: العُصْبَةُ ما زادَ عَلى العَشَرَةِ، وعَنْهُ: ما بَيْنَ العَشَرَةِ إلى الأرْبَعِينَ، وعَنْ قَتادَةَ: ما فَوْقَ العَشَرَةِ إلى الأرْبَعِينَ، وعَنْ مُجاهِدٍ: مِن عَشَرَةٍ إلى خَمْسَةَ عَشَرَ، وعَنْ مُقاتِلٍ: عَشَرَةٌ، وعَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ: سِتَّةٌ أوْ سَبْعَةٌ، وقِيلَ: ما بَيْنَ الواحِدِ إلى العَشَرَةِ، وقِيلَ: إلى خَمْسَةَ عَشَرَ، وعَنِ الفَرّاءِ: عَشَرَةٌ فَما زادَ، وعَنِ ابْنِ زَيْدٍ والزَّجّاجِ وابْنِ قُتَيْبَةَ: العُصْبَةُ ثَلاثَةُ نَفَرٍ، فَإذا زادُوا فَهم رَهْطٌ إلى التِّسْعَةِ، فَإذا زادُوا فَهم عُصْبَةٌ، ولا يُقالُ لِأقَلَّ مِن عَشَرَةٍ عُصْبَةٌ.
والضَّلالُ هُنا هو الهَوى قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، أوِ الخَطَأُ مِنَ الرَّأْيِ قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ، أوِ الجَوْرُ في الفِعْلِ قالَهُ ابْنُ كامِلٍ، أوِ الغَلَطُ في أمْرِ الدُّنْيا، رُوِيَ أنَّهُ بَعْدَ إخْبارِهِ لِأبِيهِ بِالرُّؤْيا كانَ يَضُمُّهُ كُلَّ ساعَةٍ إلى صَدْرِهِ، وكَأنَّ قَلْبَهُ أيْقَنَ بِالفِراقِ فَلا يَكادُ يَصْبِرُ عَنْهُ، والظّاهِرُ (أنِ اقْتُلُوا يُوسُفَ) مِن جُمْلَةِ قَوْلِهِمْ، وقِيلَ: هو مِن قَوْلِ قَوْمٍ اسْتَشارَهم إخْوَةُ يُوسُفَ فِيما يُفْعَلُ بِهِ فَقالُوا ذَلِكَ، والظّاهِرُ أنِ (اطْرَحُوهُ) هو مِن قَوْلِهِمْ أنْ يَفْعَلُوا بِهِ أحَدَ الأمْرَيْنِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ (أوْ) لِلتَّنْوِيعِ أيْ: قالَ بَعْضٌ: اقْتُلُوا يُوسُفَ، وبَعْضٌ: اطْرَحُوهُ، وانْتَصَبَ (أرْضًا) عَلى إسْقاطِ حَرْفِ الجَرِّ، قالَهُ الحَوْفِيُّ وابْنُ عَطِيَّةَ؛ أيْ: في أرْضٍ بَعِيدَةٍ مِنَ الأرْضِ الَّتِي هو فِيها قَرِيبٌ مِن أرْضِ يَعْقُوبَ، وقِيلَ: مَفْعُولٌ ثانٍ عَلى تَضْمِينِ اطْرَحُوهُ مَعْنى أنْزِلُوهُ، كَما تَقُولُ: أنْزَلْتُ زَيْدًا الدّارَ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: ظَرْفٌ، واخْتارَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وتَبِعَهُ أبُو البَقاءِ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: (أرْضًا) مَنكُورَةٌ مَجْهُولَةٌ بَعِيدَةٌ مِنَ العُمْرانِ، وهو مَعْنى تَنْكِيرِها وإخْلائِها مِنَ النّاسِ، ولِإبْهامِها مِن هَذا الوَجْهِ نُصِبَتْ نَصْبَ الظُّرُوفِ المُبْهَمَةِ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وذَلِكَ خَطَأٌ بِمَعْنى كَوْنِها مَنصُوبَةً عَلى الظَّرْفِ. قالَ: لِأنَّ الظَّرْفَ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ مُبْهَمًا وهَذِهِ لَيْسَتْ كَذَلِكَ، بَلْ هي أرْضٌ مُقَيَّدَةٌ بِأنَّها بَعِيدَةٌ أوْ قاصِيَةٌ ونَحْوُ ذَلِكَ، فَزالَ بِذَلِكَ إبْهامُها، ومَعْلُومٌ أنَّ يُوسُفَ لَمْ يَخْلُ مِنَ الكَوْنِ في أرْضٍ فَتَبَيَّنَ أنَّهم أرادُوا أرْضًا بَعِيدَةً غَيْرَ الَّتِي هو فِيها قَرِيبٌ مِن أبِيهِ، انْتَهى، وهَذا الرَّدُّ صَحِيحٌ، لَوْ قُلْتَ: جَلَسْتُ دارًا بَعِيدَةً، أوْ قَعَدْتُ (p-٢٨٤)مَكانًا بَعِيدًا لَمْ يَصِحَّ إلّا بِوَساطَةِ ”في“، ولا يَجُوزُ حَذْفُها إلّا في ضَرُورَةِ شِعْرٍ، أوْ مَعَ دَخَلْتُ عَلى الخِلافِ في دَخَلْتُ أهِيَ لازِمَةٌ أوْ مُتَعَدِّيَةٌ. والوَجْهُ هُنا قِيلَ: الذّاتُ؛ أيْ: يَخْلُ لَكم أبُوكم، وقِيلَ: هو اسْتِعارَةٌ عَنْ شَغْلِهِ بِهِمْ، وصَرْفِ مَوَدَّتِهِ إلَيْهِمْ؛ لِأنَّ مَن أقْبَلَ عَلَيْكَ صَرَفَ وجْهَهُ إلَيْكَ، وهَذا كَقَوْلِ نَعامَةَ حِينَ أحَبَّتْهُ أُمُّهُ لَمّا قَتَلَ إخْوَتَهُ وكانَتْ قَبْلُ لا تُحِبُّهُ، قالَ: الثَّكْلُ أرامَها؛ أيْ: عَطَفَها، والضَّمِيرُ في (بَعْدِهِ) عائِدٌ عَلى يُوسُفَ، أوْ قَتْلِهِ، أوْ طَرْحِهِ، وصَلاحُهم إمّا صَلاحُ حالِهِمْ عِنْدَ أبِيهِمْ وهو قَوْلُ مُقاتِلٍ، أوْ صَلاحُهم بِالتَّوْبَةِ والتَّنَصُّلِ مِن هَذا الفِعْلِ وهَذا أظْهَرُ، وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ مِنهُمُ الكَلْبِيُّ، واحْتَمَلَ (تَكُونُوا) أنْ يَكُونَ مَجْزُومًا عَطْفًا عَلى مَجْزُومٍ، أوْ مَنصُوبًا عَلى إضْمارِ (أنْ) . والقائِلُ: ﴿لا تَقْتُلُوا يُوسُفَ﴾ رُوبِيلُ قالَهُ قَتادَةُ وابْنُ إسْحاقَ، أوْ شَمْعُونُ قالَهُ مُجاهِدٌ، أوْ يَهُوذا وكانَ أحَلَمَهم وأحْسَنَهم فِيهِ رَأْيًا وهو الَّذِي قالَ: ﴿فَلَنْ أبْرَحَ الأرْضَ﴾ [يوسف: ٨٠] قالَ لَهم: القَتْلُ عَظِيمٌ قالَهُ السُّدِّيُّ - أوْذانُ أرْبَعَةِ أقْوالٍ - وهَذا عَطْفٌ مِنهم عَلى أخِيهِمْ، لَمّا أرادَ اللَّهُ مِن إنْفاذِ قَضائِهِ وإبْقاءٍ عَلى نَفْسِهِ، وسَبَبٍ لِنَجاتِهِمْ مِنَ الوُقُوعِ في هَذِهِ الكَبِيرَةِ وهو إتْلافُ النَّفْسِ بِالقَتْلِ، قالَ الهَرَوِيُّ: الغَيابَةُ في الجُبِّ شَبَهُ لِحْفٍ، أوْ طاقٍ في البِئْرِ فُوَيْقَ الماءِ يَغِيبُ ما فِيهِ عَنِ العُيُونِ. وقالَ الكَلْبِيُّ: الغَيابَةُ كُمُونٌ في قَعْرِ الجُبِّ؛ لِأنَّ أسْفَلَهُ واسِعٌ ورَأْسُهُ ضَيِّقٌ، فَلا يَكادُ النّاظِرُ يَرى ما في جَوانِبِهِ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: غَوْرُهُ وهو ما غابَ مِنهُ عَنْ عَيْنِ النّاظِرِ، وأظْلَمُ مِن أسْفَلِهِ، انْتَهى. مِنهُ قِيلَ لِلْقَبْرِ: غَيابَةٌ، قالَ المُنْخَلُّ السَّعْدِيُّ:
؎فَإنْ أنا يَوْمًا غَيَّبَتْنِي غَيابَتِي ∗∗∗ فَسِيرُوا بِسَيْرِي في العَشِيرَةِ والأهْلِ
. وقَرَأ الجُمْهُورُ: (غَيابَةِ) عَلى الإفْرادِ، ونافِعٌ: (غَياباتِ) عَلى الجَمْعِ، جَعَلَ كُلَّ جُزْءٍ مِمّا يَغِيبُ فِيهِ غَيابَةً، وقَرَأ ابْنُ هُرْمُزَ: (غَيّاباتٍ) بِالتَّشْدِيدِ والجَمْعِ، والَّذِي يَظْهَرُ أنَّهُ سُمِّيَ بِاسْمِ الفاعِلِ الَّذِي لِلْمُبالَغَةِ، فَهو وصْفٌ في الأصْلِ، وألْحَقَهُ أبُو عَلِيٍّ بِالِاسْمِ الحائِيِّ عَلى فِعالٍ نَحْوَ ما ذَكَرَ سِيبَوَيْهِ مِنَ الغَيادِ، قالَ أبُو الفَتْحِ: ووَجَدْتُ مِن ذَلِكَ المَبارَ المُبَرَّحَ والفَخارَ الخَزَفَ، وقالَ صاحِبُ الَّلَوامِحِ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَلى فَعّالاتٍ كَحَمّاماتٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَلى فَيْعالاتٍ كَشَيْطاناتٍ في جَمْعِ شَيْطانَةٍ، وكُلٌّ لِلْمُبالَغَةِ، وقَرَأ الحَسَنُ: (في غَيْبَةٍ) فاحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ في الأصْلِ مَصْدَرًا كالغَلَبَةِ، واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ جَمْعَ غائِبٍ كَصانِعٍ وصَنْعَةٍ، وفي حِرَفِ أُبَيٍّ في (غَيْبَةٍ) بِسُكُونِ الياءِ، وهي ظُلْمَةُ الرَّكِيَّةِ، وقالَ قَتادَةُ في جَماعَةٍ: الجُبُّ بِئْرُ بَيْتِ المَقْدِسِ، وقالَ وهْبٌ: بِأرْضِ الأُرْدُنِّ، وقالَ مُقاتِلٌ: عَلى ثَلاثِ فَراسِخَ مِن مَنزِلِ يَعْقُوبَ، وقِيلَ: بَيْنَ مَدَيْنَ ومِصْرَ، وقَرَأ الحَسَنُ ومُجاهِدٌ وقَتادَةُ وأبُو رَجاءٍ: (تَلْتَقِطْهُ) بِتاءِ التَّأْنِيثِ، أُنِّثَ عَلى المَعْنى كَما قالَ:
؎إذا بَعْضُ السِّنِينَ تَعَرَّفَتْنا ∗∗∗ كَفى الأيْتامَ فَقْدَ أبِي اليَتِيمِ
والسَّيّارَةُ جَمْعُ سَيّارٍ، وهو الكَثِيرُ السَّيْرِ في الأرْضِ، والظّاهِرُ أنَّ الجُبَّ كانَ فِيهِ ماءٌ، ولِذَلِكَ قالُوا: ﴿يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيّارَةِ﴾ وقِيلَ: كانَ فِيهِ ماءٌ كَثِيرٌ يُغْرِقُ يُوسُفَ، فَنَشَزَ حَجَرٌ مِن أسْفَلِ الجُبِّ حَتّى ثَبَتَ يُوسُفُ عَلَيْهِ، وقِيلَ: لَمْ يَكُنْ ماءٌ فَأخْرَجَهُ اللَّهُ فِيهِ حَتّى قَصَدَهُ النّاسُ. ورُوِيَ: أنَّهم رَمَوْهُ بِحَبْلٍ في الجُبِّ، فَتَماسَكَ بِيَدَيْهِ حَتّى رَبَطُوا يَدَيْهِ ونَزَعُوا قَمِيصَهُ ورَمَوْهُ، حِينَئِذٍ وهَمُّوا بَعْدُ بِرَضْخِهِ بِالحِجارَةِ فَمَنَعَهم أخُوهُمُ المُشِيرُ بِطَرْحِهِ مِن ذَلِكَ. ومَفْعُولُ فاعِلِينَ مَحْذُوفٌ؛ أيْ: فاعِلِينَ ما يَحْصُلُ بِهِ غَرَضُكم مِنَ التَّفْرِيقِ بَيْنَهُ وبَيْنَ أبِيهِ.
يوسف 12:11
﴿قالُوا يا أبانا ما لَكَ لا تَأْمَنّا عَلى يُوسُفَ وإنّا لَهُ لَناصِحُونَ﴾ ﴿أرْسِلْهُ مَعَنا غَدًا يَرْتَعْ ويَلْعَبْ وإنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾ ﴿قالَ إنِّي لَيَحْزُنُنِي أنْ تَذْهَبُوا بِهِ وأخافُ أنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وأنْتُمْ عَنْهُ غافِلُونَ﴾ ﴿قالُوا لَئِنْ أكَلَهُ الذِّئْبُ ونَحْنُ عُصْبَةٌ إنّا إذًا لَخاسِرُونَ﴾
لَمّا تَقَرَّرَ في أذْهانِهِمُ التَّفْرِيقُ بَيْنَ يُوسُفَ (p-٢٨٥)وأبِيهِ، أعْمَلُوا الحِيلَةَ عَلى يَعْقُوبَ وتَلَطَّفُوا في إخْراجِهِ مَعَهم، وذَكَرُوا نُصْحَهم لَهُ وما في إرْسالِهِ مَعَهم مِنِ انْشِراحِ صَدْرِهِ بِالِارْتِعاءِ واللَّعِبِ، إذْ هو مِمّا يُشْرِحُ الصِّبْيانَ، وذَكَرُوا حِفْظَهم لَهُ مِمّا يَسُوءُهُ، وفي قَوْلِهِمْ: ﴿ما لَكَ لا تَأْمَنّا﴾ دَلِيلٌ عَلى أنَّهم تَقَدَّمَ مِنهم سُؤالٌ في أنْ يَخْرُجَ مَعَهم، وذَكَرُوا سَبَبَ الأمْنِ وهو النُّصْحُ؛ أيْ: لِمَ لا تَأْمَنّا عَلَيْهِ وحالَتُنا هَذِهِ ؟ والنُّصْحُ دَلِيلٌ عَلى الأمانَةِ، ولِهَذا قُرِنا في قَوْلِهِ: ﴿ناصِحٌ أمِينٌ﴾ [الأعراف: ٦٨]، وكانَ قَدْ أحَسَّ مِنهم قَبْلُ ما أوْجَبَ أنْ لا يَأْمَنَهم عَلَيْهِ، و﴿لا تَأْمَنّا﴾ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ، وهَذا الِاسْتِفْهامُ صَحِبَهُ التَّعَجُّبُ.
وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وأبُو جَعْفَرٍ والزُّهْرِيُّ وعَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ: بِإدْغامِ نُونِ (تَأْمَنَ) في نُونِ الضَّمِيرِ مِن غَيْرِ إشْمامٍ ومَجِيئِهِ بَعْدَ مالِكٍ، والمَعْنى: يُرْشِدُ إلى أنَّهُ نَفْيٌ لا نَهْيٌ، ولَيْسَ كَقَوْلِهِمْ: ما أحْسَنَنا في التَّعَجُّبِ؛ لِأنَّهُ لَوْ أُدْغِمَ لالتَبَسَ بِالنَّفْيِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: بِالإدْغامِ والإشْمامِ لِلضَّمِّ، وعَنْهم إخْفاءُ الحَرَكَةِ، فَلا يَكُونُ إدْغامًا مَحْضًا، وقَرَأ ابْنُ هُرْمُزَ: بِضَمِّ المِيمِ، فَتَكُونُ الضَّمَّةُ مَنقُولَةً إلى المِيمِ مِنَ النُّونِ الأُولى بَعْدَ سَلْبِ المِيمِ حَرَكَتَها، وإدْغامِ النُّونِ في النُّونِ، وقَرَأ أُبَيٌّ والحَسَنُ وطَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ والأعْمَشُ: (لا تَأْمُنُنا) بِالإظْهارِ وضَمِّ النُّونِ عَلى الأصْلِ - وخَطُّ المُصْحَفِ بِنُونٍ واحِدَةٍ - وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ وأبُو رَزِينٍ: (لا يَتْمَنّا) عَلى لُغَةِ تَمِيمٍ، وسَهَّلَ الهَمْزَةَ بَعْدَ الكَسْرَةِ ابْنُ وثّابٍ، وفي لَفْظَةِ: (أرْسِلْهُ) دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ كانَ يُمْسِكُهُ ويَصْحَبُهُ دائِمًا، وانْتَصَبَ (غَدًا) عَلى الظَّرْفِ، وهو ظَرْفٌ مُسْتَقْبَلٌ يُطْلَقُ عَلى اليَوْمِ الَّذِي يَلِي يَوْمَكَ، وعَلى الزَّمَنِ المُسْتَقْبَلِ مِن غَيْرِ تَقْيِيدٍ بِاليَوْمِ الَّذِي يَلِي يَوْمَكَ، وأصْلُهُ: غُدُوٌّ، فَحُذِفَتْ لامُهُ وقَدْ جاءَ تامًّا، وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿يَرْتَعْ ويَلْعَبْ﴾ بِالياءِ والجَزْمِ، والِابْنانِ وأبُو عُمَرَ، وبِالنُّونِ والجَزْمِ وكَسْرِ العَيْنِ الحَرَمِيّانِ، واخْتَلَفَ عَنْ قُنْبُلٍ في إثْباتِ الياءِ وحَذْفِها، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ: (ويَلْعَبْ) بِالياءِ، وهي قِراءَةُ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، وقَرَأ العَلاءُ بْنُ سَيابَةَ: (يَرْتَعِ) بِالياءِ وكَسْرِ العَيْنِ مَجْزُومًا مَحْذُوفَ اللّامِ، (ويَلْعَبُ) بِالياءِ وضَمِّ الباءِ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ؛ أيْ: وهو يَلْعَبُ، وقَرَأ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ وابْنُ مُحَيْصِنٍ: بِنُونٍ مَضْمُومَةٍ مِنِ ارْتَعْنا (ونَلْعَبْ) بِالنُّونِ، وكَذَلِكَ أبُو رَجاءٍ، إلّا أنَّهُ بِالياءِ فِيهِما ﴿يَرْتَعْ ويَلْعَبْ﴾، والقِراءَتانِ عَلى حَذْفِ المَفْعُولِ؛ أيْ: يَرْتَعِ المَواشِي أوْ غَيْرِها. وقَرَأ النَّخَعِيُّ: (نَرْتَعْ) بِنُونٍ، (ويَلْعَبْ) بِياءٍ، بِإسْنادِ اللَّعِبِ إلى يُوسُفَ وحْدَهُ لِصِباهُ، وجاءَ كَذَلِكَ عَنْ أبِي إسْحاقَ ويَعْقُوبَ، وكُلُّ هَذِهِ القِراآتِ الفِعْلانِ فِيها مَبْنِيّانِ لِلْفاعِلِ، وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: (يُرْتَعْ ويُلْعَبْ) بِضَمِّ الياءَيْنِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، ويُخْرِجُها عَلى أنَّهُ أُضْمِرَ المَفْعُولُ الَّذِي لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ وهو ضَمِيرُ غَدٍ، وكانَ أصْلُهُ يَرْتَعْ فِيهِ ويَلْعَبْ فِيهِ، ثُمَّ حُذِفَ واتَّسَعَ، فَعُدِّيَ الفِعْلُ لِلضَّمِيرِ، فَكانَ التَّقْدِيرُ: يَرْتَعْهُ ويَلْعَبْهُ، ثُمَّ بَناهُ لِلْمَفْعُولِ فاسْتَكَنَ الضَّمِيرُ الَّذِي كانَ مَنصُوبًا لِكَوْنِهِ نابَ عَنِ الفاعِلِ، واللَّعِبُ هُنا هو الِاسْتِباقُ والِانْتِضالُ، فَيُدَرَّبُونَ بِذَلِكَ لِقِتالِ العَدُوِّ، سَمَّوْهُ لَعِبًا لِأنَّهُ بِصُورَةِ اللَّعِبِ، ولَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لِلَّهْوِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِمْ: (إنَّنا ذَهَبْنا نَسْتَبِقُ) ولَوْ كانَ لَعِبَ لَهْوٍ ما أقَرَّهم عَلَيْهِ يَعْقُوبُ. ومَن كَسَرَ العَيْنَ مِن (يَرْتَعِ) فَهو يَفْتَعِلُ، قالَ مُجاهِدٌ: هي مِنَ المُراعاةِ أيْ: يُراعِي بَعْضُنا بَعْضًا ويَحْرُسُهُ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: مِن رَعْيِ الإبِلِ أيْ: يَتَدَرَّبْ في الرَّعْيِ، وحِفْظِ المالِ، أوْ مِن رَعْيِ النَّباتِ والكَلَأِ، أيْ: يَرْتَعِ؛ عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ: مَواشِينا، ومَن أثْبَتَ الياءَ. فَقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هي قِراءَةٌ ضَعِيفَةٌ لا تَجُوزُ إلّا في الشِّعْرِ كَقَوْلِ الشّاعِرِ:
؎ألَمْ يَأْتِيكَ والأنْباءُ تَنْمِي بِما لاقَتْ لَبُونُ بَنِي زِيادٍ
انْتَهى. وقِيلَ: تَقْدِيرُ حَذْفِ الحَرَكَةِ في الياءِ لُغَةٌ، فَعَلى هَذا لا يَكُونُ ضَرُورَةً، ومَن قَرَأ بِسُكُونِ العَيْنِ فالمَعْنى: نَقُمْ في خِصْبٍ وسَعَةٍ، ويَعْنُونَ مِنَ الأكْلِ والشُّرْبِ، ﴿وإنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ، والعامِلُ فِيهِ الأمْرُ أوِ الجَوابُ، ولا يَكُونُ ذَلِكَ مِن بابِ الإعْمالِ؛ لِأنَّ الحالَ لا تُضْمَرُ، وبِأنَّ الإعْمالَ لا بُدَّ فِيهِ مِنَ الإضْمارِ إذا أُعْمِلَ الأوَّلُ، ثُمَّ اعْتَذَرَ لَهم يَعْقُوبُ بِشَيْئَيْنِ: أحَدُهُما: عاجِلٌ في الحالِ، وهو ما يَلْحَقُهُ مِنَ الحُزْنِ (p-٢٨٦)لِمُفارَقَتِهِ وكانَ لا يَصْبِرُ عَنْهُ، والثّانِي: خَوْفُهُ عَلَيْهِ مِنَ الذِّئْبِ إنْ غَفَلُوا عَنْهُ بِرِعْيِهِمْ ولَعِبِهِمْ، أوْ بِقِلَّةِ اهْتِمامِهِمْ بِحِفْظِهِ وعِنايَتِهِمْ، فَيَأْكُلُهُ ويَحْزَنُ عَلَيْهِ الحُزْنَ المُؤَبَّدَ، وخَصَّ الذِّئْبَ؛ لِأنَّهُ كانَ السَّبُعَ الغالِبَ عَلى قُطْرِهِ، أوْ لِصِغَرِ يُوسُفَ فَخافَ عَلَيْهِ هَذا السَّبُعَ الحَقِيرَ، وكانَ تَنْبِيهًا عَلى خَوْفِهِ عَلَيْهِ ما هو أعْظَمُ افْتِرِاسًا، ولِحَقارَةِ الذِّئْبِ خَصَّهُ الرَّبِيعُ بْنُ ضَبُعٍ الفَزارِيُّ في كَوْنِهِ يَخْشاهُ لَمّا بَلَغَ مِنَ السِّنِّ في قَوْلِهِ:
؎والذِّئْبُ أخْشاهُ إنْ مَرَرْتُ بِهِ ∗∗∗ وحْدِي وأخْشى الرِّياحَ والمَطَرا
وكانَ يَعْقُوبُ بِقَوْلِهِ: ﴿وأخافُ أنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ﴾ لَقَّنَهم ما يَقُولُونَ مِنَ العُذْرِ إذا جاءُوا ولَيْسَ مَعَهم يُوسُفُ، فَلُقِّنُوا ذَلِكَ وجَعَلُوهُ عُدَّةً لِلْجَوابِ، وتَقَدَّمَ خِلافُ القُرّاءِ في ”يَحْزَنُ“ . وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وابْنُ هُرْمُزَ وابْنُ مُحَيْصِنٍ: (لَيَحْزُنِّي) بِتَشْدِيدِ النُّونِ، والجُمْهُورُ بِالفَكِّ، و﴿لَيَحْزُنُنِي﴾ مُضارِعٌ مُسْتَقْبَلٌ لا حالٌ؛ لِأنَّ المُضارِعَ إذا أُسْنِدَ إلى مُتَوَقَّعٍ تَخَلَّصَ لِلِاسْتِقْبالِ، لِأنَّ ذَلِكَ المُتَوَقَّعَ مُسْتَقْبَلٌ وهو المُسَبِّبُ لِأثَرِهِ، فَمُحالُ أنْ يَتَقَدَّمَ الأثَرُ عَلَيْهِ، فالذَّهابُ لَمْ يَقَعْ، فالحُزْنُ لَمْ يَقَعْ، كَما قالَ:
؎يُهُولُكَ أنْ تَمُوتَ وأنْتَ مُلْغٍ ∗∗∗ لِما فِيهِ النَّجاةُ مِنَ العَذابِ
وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: ﴿تَذْهَبُوا بِهِ﴾ مِن أذْهَبَ رُباعِيًّا، ويَخْرُجُ عَلى زِيادَةِ الباءِ في بِهِ، كَما خَرَّجَ بَعْضُهم ﴿تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ﴾ [المؤمنون: ٢٠] في قِراءَةِ مَن ضَمَّ التّاءَ وكَسَرَ الباءَ أيْ: (تُنْبِتُ الدُّهْنَ، وتُذْهِبُوهُ) وقَرَأ الجُمْهُورُ: (الذِّئْبُ) بِالهَمْزِ؛ وهي لُغَةُ الحِجازِ، وقَرَأ الكِسائِيُّ ووَرْشٌ وحَمْزَةُ: إذا وقَفَ بِغَيْرِ هَمْزٍ، وقالَ نَصْرٌ: سَمِعْتُ أبا عُمَرَ ولا يَهْمِزُ، وعَدَلَ إخْوَةُ يُوسُفَ عَنْ أحَدِ الشَّيْئَيْنِ وهو حُزْنُهُ عَلى ذَهابِهِمْ بِهِ لِقِصَرِ مُدَّةِ الحُزْنِ، وإيهامِهِمْ أنَّهم يَرْجِعُونَ بِهِ إلَيْهِ عَنْ قَرِيبٍ، وعَدَلُوا إلى قَضِيَّةِ الذِّئْبِ وهو السَّبَبُ الأقْوى في مَنعِهِ أنْ تَذْهَبُوا بِهِ، فَحَلَفُوا لَهُ لَئِنْ كانَ ما خافَهُ مِن خَطْفَةِ الذِّئْبِ أخاهم مِن بَيْنِهِمْ، وحالُهم أنَّهم عَشَرَةُ رِجالٍ بِمِثْلِهِمْ تُعْصَبُ الأُمُورُ وتُكْفى الخُطُوبُ (إنَّهم إذًا لَقَوْمٌ خاسِرُونَ) أيْ: هالِكُونَ ضَعْفًا وخَوَرًا وعَجْزًا، أوْ مُسْتَحِقُّونَ أنْ يَهْلِكُوا؛ لِأنَّهم لا غِنى عِنْدَهِمْ ولا جَدْوى في حَياتِهِمْ، أوْ مُسْتَحِقُّونَ بِأنْ يُدْعى عَلَيْهِمْ بِالخَسارِ والدَّمارِ، وأنْ يُقالَ: خَسَّرَهُمُ اللَّهُ ودَمَّرَهم حِينَ أكَلَ الذِّئْبُ بَعْضَهم وهم حاضِرُونَ، وقِيلَ: إنْ لَمْ نَقْدِرْ عَلى حِفْظِ بَعْضِنا فَقَدْ هَلَكَتْ مَواشِينا إذًا وخَسِرْنا، ورُوِيَ أنَّ يَعْقُوبَ رَأى في مَنامِهِ كَأنَّهُ عَلى ذُرْوَةِ جَبَلٍ، وكانَ يُوسُفُ في بَطْنِ الوادِي، فَإذا عَشَرَةٌ مِنَ الذِّئابِ قَدِ احْتَوَشَتْهُ يُرِدْنَ أكْلَهُ، فَدَرَأ عَنْهُ واحِدٌ، ثُمَّ انْشَقَّتِ الأرْضُ فَتَوارى يُوسُفُ فِيها ثَلاثَةَ أيّامٍ.
يوسف 12:12
﴿قالُوا يا أبانا ما لَكَ لا تَأْمَنّا عَلى يُوسُفَ وإنّا لَهُ لَناصِحُونَ﴾ ﴿أرْسِلْهُ مَعَنا غَدًا يَرْتَعْ ويَلْعَبْ وإنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾ ﴿قالَ إنِّي لَيَحْزُنُنِي أنْ تَذْهَبُوا بِهِ وأخافُ أنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وأنْتُمْ عَنْهُ غافِلُونَ﴾ ﴿قالُوا لَئِنْ أكَلَهُ الذِّئْبُ ونَحْنُ عُصْبَةٌ إنّا إذًا لَخاسِرُونَ﴾
لَمّا تَقَرَّرَ في أذْهانِهِمُ التَّفْرِيقُ بَيْنَ يُوسُفَ (p-٢٨٥)وأبِيهِ، أعْمَلُوا الحِيلَةَ عَلى يَعْقُوبَ وتَلَطَّفُوا في إخْراجِهِ مَعَهم، وذَكَرُوا نُصْحَهم لَهُ وما في إرْسالِهِ مَعَهم مِنِ انْشِراحِ صَدْرِهِ بِالِارْتِعاءِ واللَّعِبِ، إذْ هو مِمّا يُشْرِحُ الصِّبْيانَ، وذَكَرُوا حِفْظَهم لَهُ مِمّا يَسُوءُهُ، وفي قَوْلِهِمْ: ﴿ما لَكَ لا تَأْمَنّا﴾ دَلِيلٌ عَلى أنَّهم تَقَدَّمَ مِنهم سُؤالٌ في أنْ يَخْرُجَ مَعَهم، وذَكَرُوا سَبَبَ الأمْنِ وهو النُّصْحُ؛ أيْ: لِمَ لا تَأْمَنّا عَلَيْهِ وحالَتُنا هَذِهِ ؟ والنُّصْحُ دَلِيلٌ عَلى الأمانَةِ، ولِهَذا قُرِنا في قَوْلِهِ: ﴿ناصِحٌ أمِينٌ﴾ [الأعراف: ٦٨]، وكانَ قَدْ أحَسَّ مِنهم قَبْلُ ما أوْجَبَ أنْ لا يَأْمَنَهم عَلَيْهِ، و﴿لا تَأْمَنّا﴾ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ، وهَذا الِاسْتِفْهامُ صَحِبَهُ التَّعَجُّبُ.
وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وأبُو جَعْفَرٍ والزُّهْرِيُّ وعَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ: بِإدْغامِ نُونِ (تَأْمَنَ) في نُونِ الضَّمِيرِ مِن غَيْرِ إشْمامٍ ومَجِيئِهِ بَعْدَ مالِكٍ، والمَعْنى: يُرْشِدُ إلى أنَّهُ نَفْيٌ لا نَهْيٌ، ولَيْسَ كَقَوْلِهِمْ: ما أحْسَنَنا في التَّعَجُّبِ؛ لِأنَّهُ لَوْ أُدْغِمَ لالتَبَسَ بِالنَّفْيِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: بِالإدْغامِ والإشْمامِ لِلضَّمِّ، وعَنْهم إخْفاءُ الحَرَكَةِ، فَلا يَكُونُ إدْغامًا مَحْضًا، وقَرَأ ابْنُ هُرْمُزَ: بِضَمِّ المِيمِ، فَتَكُونُ الضَّمَّةُ مَنقُولَةً إلى المِيمِ مِنَ النُّونِ الأُولى بَعْدَ سَلْبِ المِيمِ حَرَكَتَها، وإدْغامِ النُّونِ في النُّونِ، وقَرَأ أُبَيٌّ والحَسَنُ وطَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ والأعْمَشُ: (لا تَأْمُنُنا) بِالإظْهارِ وضَمِّ النُّونِ عَلى الأصْلِ - وخَطُّ المُصْحَفِ بِنُونٍ واحِدَةٍ - وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ وأبُو رَزِينٍ: (لا يَتْمَنّا) عَلى لُغَةِ تَمِيمٍ، وسَهَّلَ الهَمْزَةَ بَعْدَ الكَسْرَةِ ابْنُ وثّابٍ، وفي لَفْظَةِ: (أرْسِلْهُ) دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ كانَ يُمْسِكُهُ ويَصْحَبُهُ دائِمًا، وانْتَصَبَ (غَدًا) عَلى الظَّرْفِ، وهو ظَرْفٌ مُسْتَقْبَلٌ يُطْلَقُ عَلى اليَوْمِ الَّذِي يَلِي يَوْمَكَ، وعَلى الزَّمَنِ المُسْتَقْبَلِ مِن غَيْرِ تَقْيِيدٍ بِاليَوْمِ الَّذِي يَلِي يَوْمَكَ، وأصْلُهُ: غُدُوٌّ، فَحُذِفَتْ لامُهُ وقَدْ جاءَ تامًّا، وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿يَرْتَعْ ويَلْعَبْ﴾ بِالياءِ والجَزْمِ، والِابْنانِ وأبُو عُمَرَ، وبِالنُّونِ والجَزْمِ وكَسْرِ العَيْنِ الحَرَمِيّانِ، واخْتَلَفَ عَنْ قُنْبُلٍ في إثْباتِ الياءِ وحَذْفِها، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ: (ويَلْعَبْ) بِالياءِ، وهي قِراءَةُ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، وقَرَأ العَلاءُ بْنُ سَيابَةَ: (يَرْتَعِ) بِالياءِ وكَسْرِ العَيْنِ مَجْزُومًا مَحْذُوفَ اللّامِ، (ويَلْعَبُ) بِالياءِ وضَمِّ الباءِ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ؛ أيْ: وهو يَلْعَبُ، وقَرَأ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ وابْنُ مُحَيْصِنٍ: بِنُونٍ مَضْمُومَةٍ مِنِ ارْتَعْنا (ونَلْعَبْ) بِالنُّونِ، وكَذَلِكَ أبُو رَجاءٍ، إلّا أنَّهُ بِالياءِ فِيهِما ﴿يَرْتَعْ ويَلْعَبْ﴾، والقِراءَتانِ عَلى حَذْفِ المَفْعُولِ؛ أيْ: يَرْتَعِ المَواشِي أوْ غَيْرِها. وقَرَأ النَّخَعِيُّ: (نَرْتَعْ) بِنُونٍ، (ويَلْعَبْ) بِياءٍ، بِإسْنادِ اللَّعِبِ إلى يُوسُفَ وحْدَهُ لِصِباهُ، وجاءَ كَذَلِكَ عَنْ أبِي إسْحاقَ ويَعْقُوبَ، وكُلُّ هَذِهِ القِراآتِ الفِعْلانِ فِيها مَبْنِيّانِ لِلْفاعِلِ، وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: (يُرْتَعْ ويُلْعَبْ) بِضَمِّ الياءَيْنِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، ويُخْرِجُها عَلى أنَّهُ أُضْمِرَ المَفْعُولُ الَّذِي لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ وهو ضَمِيرُ غَدٍ، وكانَ أصْلُهُ يَرْتَعْ فِيهِ ويَلْعَبْ فِيهِ، ثُمَّ حُذِفَ واتَّسَعَ، فَعُدِّيَ الفِعْلُ لِلضَّمِيرِ، فَكانَ التَّقْدِيرُ: يَرْتَعْهُ ويَلْعَبْهُ، ثُمَّ بَناهُ لِلْمَفْعُولِ فاسْتَكَنَ الضَّمِيرُ الَّذِي كانَ مَنصُوبًا لِكَوْنِهِ نابَ عَنِ الفاعِلِ، واللَّعِبُ هُنا هو الِاسْتِباقُ والِانْتِضالُ، فَيُدَرَّبُونَ بِذَلِكَ لِقِتالِ العَدُوِّ، سَمَّوْهُ لَعِبًا لِأنَّهُ بِصُورَةِ اللَّعِبِ، ولَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لِلَّهْوِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِمْ: (إنَّنا ذَهَبْنا نَسْتَبِقُ) ولَوْ كانَ لَعِبَ لَهْوٍ ما أقَرَّهم عَلَيْهِ يَعْقُوبُ. ومَن كَسَرَ العَيْنَ مِن (يَرْتَعِ) فَهو يَفْتَعِلُ، قالَ مُجاهِدٌ: هي مِنَ المُراعاةِ أيْ: يُراعِي بَعْضُنا بَعْضًا ويَحْرُسُهُ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: مِن رَعْيِ الإبِلِ أيْ: يَتَدَرَّبْ في الرَّعْيِ، وحِفْظِ المالِ، أوْ مِن رَعْيِ النَّباتِ والكَلَأِ، أيْ: يَرْتَعِ؛ عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ: مَواشِينا، ومَن أثْبَتَ الياءَ. فَقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هي قِراءَةٌ ضَعِيفَةٌ لا تَجُوزُ إلّا في الشِّعْرِ كَقَوْلِ الشّاعِرِ:
؎ألَمْ يَأْتِيكَ والأنْباءُ تَنْمِي بِما لاقَتْ لَبُونُ بَنِي زِيادٍ
انْتَهى. وقِيلَ: تَقْدِيرُ حَذْفِ الحَرَكَةِ في الياءِ لُغَةٌ، فَعَلى هَذا لا يَكُونُ ضَرُورَةً، ومَن قَرَأ بِسُكُونِ العَيْنِ فالمَعْنى: نَقُمْ في خِصْبٍ وسَعَةٍ، ويَعْنُونَ مِنَ الأكْلِ والشُّرْبِ، ﴿وإنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ، والعامِلُ فِيهِ الأمْرُ أوِ الجَوابُ، ولا يَكُونُ ذَلِكَ مِن بابِ الإعْمالِ؛ لِأنَّ الحالَ لا تُضْمَرُ، وبِأنَّ الإعْمالَ لا بُدَّ فِيهِ مِنَ الإضْمارِ إذا أُعْمِلَ الأوَّلُ، ثُمَّ اعْتَذَرَ لَهم يَعْقُوبُ بِشَيْئَيْنِ: أحَدُهُما: عاجِلٌ في الحالِ، وهو ما يَلْحَقُهُ مِنَ الحُزْنِ (p-٢٨٦)لِمُفارَقَتِهِ وكانَ لا يَصْبِرُ عَنْهُ، والثّانِي: خَوْفُهُ عَلَيْهِ مِنَ الذِّئْبِ إنْ غَفَلُوا عَنْهُ بِرِعْيِهِمْ ولَعِبِهِمْ، أوْ بِقِلَّةِ اهْتِمامِهِمْ بِحِفْظِهِ وعِنايَتِهِمْ، فَيَأْكُلُهُ ويَحْزَنُ عَلَيْهِ الحُزْنَ المُؤَبَّدَ، وخَصَّ الذِّئْبَ؛ لِأنَّهُ كانَ السَّبُعَ الغالِبَ عَلى قُطْرِهِ، أوْ لِصِغَرِ يُوسُفَ فَخافَ عَلَيْهِ هَذا السَّبُعَ الحَقِيرَ، وكانَ تَنْبِيهًا عَلى خَوْفِهِ عَلَيْهِ ما هو أعْظَمُ افْتِرِاسًا، ولِحَقارَةِ الذِّئْبِ خَصَّهُ الرَّبِيعُ بْنُ ضَبُعٍ الفَزارِيُّ في كَوْنِهِ يَخْشاهُ لَمّا بَلَغَ مِنَ السِّنِّ في قَوْلِهِ:
؎والذِّئْبُ أخْشاهُ إنْ مَرَرْتُ بِهِ ∗∗∗ وحْدِي وأخْشى الرِّياحَ والمَطَرا
وكانَ يَعْقُوبُ بِقَوْلِهِ: ﴿وأخافُ أنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ﴾ لَقَّنَهم ما يَقُولُونَ مِنَ العُذْرِ إذا جاءُوا ولَيْسَ مَعَهم يُوسُفُ، فَلُقِّنُوا ذَلِكَ وجَعَلُوهُ عُدَّةً لِلْجَوابِ، وتَقَدَّمَ خِلافُ القُرّاءِ في ”يَحْزَنُ“ . وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وابْنُ هُرْمُزَ وابْنُ مُحَيْصِنٍ: (لَيَحْزُنِّي) بِتَشْدِيدِ النُّونِ، والجُمْهُورُ بِالفَكِّ، و﴿لَيَحْزُنُنِي﴾ مُضارِعٌ مُسْتَقْبَلٌ لا حالٌ؛ لِأنَّ المُضارِعَ إذا أُسْنِدَ إلى مُتَوَقَّعٍ تَخَلَّصَ لِلِاسْتِقْبالِ، لِأنَّ ذَلِكَ المُتَوَقَّعَ مُسْتَقْبَلٌ وهو المُسَبِّبُ لِأثَرِهِ، فَمُحالُ أنْ يَتَقَدَّمَ الأثَرُ عَلَيْهِ، فالذَّهابُ لَمْ يَقَعْ، فالحُزْنُ لَمْ يَقَعْ، كَما قالَ:
؎يُهُولُكَ أنْ تَمُوتَ وأنْتَ مُلْغٍ ∗∗∗ لِما فِيهِ النَّجاةُ مِنَ العَذابِ
وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: ﴿تَذْهَبُوا بِهِ﴾ مِن أذْهَبَ رُباعِيًّا، ويَخْرُجُ عَلى زِيادَةِ الباءِ في بِهِ، كَما خَرَّجَ بَعْضُهم ﴿تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ﴾ [المؤمنون: ٢٠] في قِراءَةِ مَن ضَمَّ التّاءَ وكَسَرَ الباءَ أيْ: (تُنْبِتُ الدُّهْنَ، وتُذْهِبُوهُ) وقَرَأ الجُمْهُورُ: (الذِّئْبُ) بِالهَمْزِ؛ وهي لُغَةُ الحِجازِ، وقَرَأ الكِسائِيُّ ووَرْشٌ وحَمْزَةُ: إذا وقَفَ بِغَيْرِ هَمْزٍ، وقالَ نَصْرٌ: سَمِعْتُ أبا عُمَرَ ولا يَهْمِزُ، وعَدَلَ إخْوَةُ يُوسُفَ عَنْ أحَدِ الشَّيْئَيْنِ وهو حُزْنُهُ عَلى ذَهابِهِمْ بِهِ لِقِصَرِ مُدَّةِ الحُزْنِ، وإيهامِهِمْ أنَّهم يَرْجِعُونَ بِهِ إلَيْهِ عَنْ قَرِيبٍ، وعَدَلُوا إلى قَضِيَّةِ الذِّئْبِ وهو السَّبَبُ الأقْوى في مَنعِهِ أنْ تَذْهَبُوا بِهِ، فَحَلَفُوا لَهُ لَئِنْ كانَ ما خافَهُ مِن خَطْفَةِ الذِّئْبِ أخاهم مِن بَيْنِهِمْ، وحالُهم أنَّهم عَشَرَةُ رِجالٍ بِمِثْلِهِمْ تُعْصَبُ الأُمُورُ وتُكْفى الخُطُوبُ (إنَّهم إذًا لَقَوْمٌ خاسِرُونَ) أيْ: هالِكُونَ ضَعْفًا وخَوَرًا وعَجْزًا، أوْ مُسْتَحِقُّونَ أنْ يَهْلِكُوا؛ لِأنَّهم لا غِنى عِنْدَهِمْ ولا جَدْوى في حَياتِهِمْ، أوْ مُسْتَحِقُّونَ بِأنْ يُدْعى عَلَيْهِمْ بِالخَسارِ والدَّمارِ، وأنْ يُقالَ: خَسَّرَهُمُ اللَّهُ ودَمَّرَهم حِينَ أكَلَ الذِّئْبُ بَعْضَهم وهم حاضِرُونَ، وقِيلَ: إنْ لَمْ نَقْدِرْ عَلى حِفْظِ بَعْضِنا فَقَدْ هَلَكَتْ مَواشِينا إذًا وخَسِرْنا، ورُوِيَ أنَّ يَعْقُوبَ رَأى في مَنامِهِ كَأنَّهُ عَلى ذُرْوَةِ جَبَلٍ، وكانَ يُوسُفُ في بَطْنِ الوادِي، فَإذا عَشَرَةٌ مِنَ الذِّئابِ قَدِ احْتَوَشَتْهُ يُرِدْنَ أكْلَهُ، فَدَرَأ عَنْهُ واحِدٌ، ثُمَّ انْشَقَّتِ الأرْضُ فَتَوارى يُوسُفُ فِيها ثَلاثَةَ أيّامٍ.
يوسف 12:13
﴿قالُوا يا أبانا ما لَكَ لا تَأْمَنّا عَلى يُوسُفَ وإنّا لَهُ لَناصِحُونَ﴾ ﴿أرْسِلْهُ مَعَنا غَدًا يَرْتَعْ ويَلْعَبْ وإنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾ ﴿قالَ إنِّي لَيَحْزُنُنِي أنْ تَذْهَبُوا بِهِ وأخافُ أنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وأنْتُمْ عَنْهُ غافِلُونَ﴾ ﴿قالُوا لَئِنْ أكَلَهُ الذِّئْبُ ونَحْنُ عُصْبَةٌ إنّا إذًا لَخاسِرُونَ﴾
لَمّا تَقَرَّرَ في أذْهانِهِمُ التَّفْرِيقُ بَيْنَ يُوسُفَ (p-٢٨٥)وأبِيهِ، أعْمَلُوا الحِيلَةَ عَلى يَعْقُوبَ وتَلَطَّفُوا في إخْراجِهِ مَعَهم، وذَكَرُوا نُصْحَهم لَهُ وما في إرْسالِهِ مَعَهم مِنِ انْشِراحِ صَدْرِهِ بِالِارْتِعاءِ واللَّعِبِ، إذْ هو مِمّا يُشْرِحُ الصِّبْيانَ، وذَكَرُوا حِفْظَهم لَهُ مِمّا يَسُوءُهُ، وفي قَوْلِهِمْ: ﴿ما لَكَ لا تَأْمَنّا﴾ دَلِيلٌ عَلى أنَّهم تَقَدَّمَ مِنهم سُؤالٌ في أنْ يَخْرُجَ مَعَهم، وذَكَرُوا سَبَبَ الأمْنِ وهو النُّصْحُ؛ أيْ: لِمَ لا تَأْمَنّا عَلَيْهِ وحالَتُنا هَذِهِ ؟ والنُّصْحُ دَلِيلٌ عَلى الأمانَةِ، ولِهَذا قُرِنا في قَوْلِهِ: ﴿ناصِحٌ أمِينٌ﴾ [الأعراف: ٦٨]، وكانَ قَدْ أحَسَّ مِنهم قَبْلُ ما أوْجَبَ أنْ لا يَأْمَنَهم عَلَيْهِ، و﴿لا تَأْمَنّا﴾ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ، وهَذا الِاسْتِفْهامُ صَحِبَهُ التَّعَجُّبُ.
وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وأبُو جَعْفَرٍ والزُّهْرِيُّ وعَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ: بِإدْغامِ نُونِ (تَأْمَنَ) في نُونِ الضَّمِيرِ مِن غَيْرِ إشْمامٍ ومَجِيئِهِ بَعْدَ مالِكٍ، والمَعْنى: يُرْشِدُ إلى أنَّهُ نَفْيٌ لا نَهْيٌ، ولَيْسَ كَقَوْلِهِمْ: ما أحْسَنَنا في التَّعَجُّبِ؛ لِأنَّهُ لَوْ أُدْغِمَ لالتَبَسَ بِالنَّفْيِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: بِالإدْغامِ والإشْمامِ لِلضَّمِّ، وعَنْهم إخْفاءُ الحَرَكَةِ، فَلا يَكُونُ إدْغامًا مَحْضًا، وقَرَأ ابْنُ هُرْمُزَ: بِضَمِّ المِيمِ، فَتَكُونُ الضَّمَّةُ مَنقُولَةً إلى المِيمِ مِنَ النُّونِ الأُولى بَعْدَ سَلْبِ المِيمِ حَرَكَتَها، وإدْغامِ النُّونِ في النُّونِ، وقَرَأ أُبَيٌّ والحَسَنُ وطَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ والأعْمَشُ: (لا تَأْمُنُنا) بِالإظْهارِ وضَمِّ النُّونِ عَلى الأصْلِ - وخَطُّ المُصْحَفِ بِنُونٍ واحِدَةٍ - وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ وأبُو رَزِينٍ: (لا يَتْمَنّا) عَلى لُغَةِ تَمِيمٍ، وسَهَّلَ الهَمْزَةَ بَعْدَ الكَسْرَةِ ابْنُ وثّابٍ، وفي لَفْظَةِ: (أرْسِلْهُ) دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ كانَ يُمْسِكُهُ ويَصْحَبُهُ دائِمًا، وانْتَصَبَ (غَدًا) عَلى الظَّرْفِ، وهو ظَرْفٌ مُسْتَقْبَلٌ يُطْلَقُ عَلى اليَوْمِ الَّذِي يَلِي يَوْمَكَ، وعَلى الزَّمَنِ المُسْتَقْبَلِ مِن غَيْرِ تَقْيِيدٍ بِاليَوْمِ الَّذِي يَلِي يَوْمَكَ، وأصْلُهُ: غُدُوٌّ، فَحُذِفَتْ لامُهُ وقَدْ جاءَ تامًّا، وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿يَرْتَعْ ويَلْعَبْ﴾ بِالياءِ والجَزْمِ، والِابْنانِ وأبُو عُمَرَ، وبِالنُّونِ والجَزْمِ وكَسْرِ العَيْنِ الحَرَمِيّانِ، واخْتَلَفَ عَنْ قُنْبُلٍ في إثْباتِ الياءِ وحَذْفِها، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ: (ويَلْعَبْ) بِالياءِ، وهي قِراءَةُ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، وقَرَأ العَلاءُ بْنُ سَيابَةَ: (يَرْتَعِ) بِالياءِ وكَسْرِ العَيْنِ مَجْزُومًا مَحْذُوفَ اللّامِ، (ويَلْعَبُ) بِالياءِ وضَمِّ الباءِ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ؛ أيْ: وهو يَلْعَبُ، وقَرَأ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ وابْنُ مُحَيْصِنٍ: بِنُونٍ مَضْمُومَةٍ مِنِ ارْتَعْنا (ونَلْعَبْ) بِالنُّونِ، وكَذَلِكَ أبُو رَجاءٍ، إلّا أنَّهُ بِالياءِ فِيهِما ﴿يَرْتَعْ ويَلْعَبْ﴾، والقِراءَتانِ عَلى حَذْفِ المَفْعُولِ؛ أيْ: يَرْتَعِ المَواشِي أوْ غَيْرِها. وقَرَأ النَّخَعِيُّ: (نَرْتَعْ) بِنُونٍ، (ويَلْعَبْ) بِياءٍ، بِإسْنادِ اللَّعِبِ إلى يُوسُفَ وحْدَهُ لِصِباهُ، وجاءَ كَذَلِكَ عَنْ أبِي إسْحاقَ ويَعْقُوبَ، وكُلُّ هَذِهِ القِراآتِ الفِعْلانِ فِيها مَبْنِيّانِ لِلْفاعِلِ، وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: (يُرْتَعْ ويُلْعَبْ) بِضَمِّ الياءَيْنِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، ويُخْرِجُها عَلى أنَّهُ أُضْمِرَ المَفْعُولُ الَّذِي لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ وهو ضَمِيرُ غَدٍ، وكانَ أصْلُهُ يَرْتَعْ فِيهِ ويَلْعَبْ فِيهِ، ثُمَّ حُذِفَ واتَّسَعَ، فَعُدِّيَ الفِعْلُ لِلضَّمِيرِ، فَكانَ التَّقْدِيرُ: يَرْتَعْهُ ويَلْعَبْهُ، ثُمَّ بَناهُ لِلْمَفْعُولِ فاسْتَكَنَ الضَّمِيرُ الَّذِي كانَ مَنصُوبًا لِكَوْنِهِ نابَ عَنِ الفاعِلِ، واللَّعِبُ هُنا هو الِاسْتِباقُ والِانْتِضالُ، فَيُدَرَّبُونَ بِذَلِكَ لِقِتالِ العَدُوِّ، سَمَّوْهُ لَعِبًا لِأنَّهُ بِصُورَةِ اللَّعِبِ، ولَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لِلَّهْوِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِمْ: (إنَّنا ذَهَبْنا نَسْتَبِقُ) ولَوْ كانَ لَعِبَ لَهْوٍ ما أقَرَّهم عَلَيْهِ يَعْقُوبُ. ومَن كَسَرَ العَيْنَ مِن (يَرْتَعِ) فَهو يَفْتَعِلُ، قالَ مُجاهِدٌ: هي مِنَ المُراعاةِ أيْ: يُراعِي بَعْضُنا بَعْضًا ويَحْرُسُهُ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: مِن رَعْيِ الإبِلِ أيْ: يَتَدَرَّبْ في الرَّعْيِ، وحِفْظِ المالِ، أوْ مِن رَعْيِ النَّباتِ والكَلَأِ، أيْ: يَرْتَعِ؛ عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ: مَواشِينا، ومَن أثْبَتَ الياءَ. فَقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هي قِراءَةٌ ضَعِيفَةٌ لا تَجُوزُ إلّا في الشِّعْرِ كَقَوْلِ الشّاعِرِ:
؎ألَمْ يَأْتِيكَ والأنْباءُ تَنْمِي بِما لاقَتْ لَبُونُ بَنِي زِيادٍ
انْتَهى. وقِيلَ: تَقْدِيرُ حَذْفِ الحَرَكَةِ في الياءِ لُغَةٌ، فَعَلى هَذا لا يَكُونُ ضَرُورَةً، ومَن قَرَأ بِسُكُونِ العَيْنِ فالمَعْنى: نَقُمْ في خِصْبٍ وسَعَةٍ، ويَعْنُونَ مِنَ الأكْلِ والشُّرْبِ، ﴿وإنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ، والعامِلُ فِيهِ الأمْرُ أوِ الجَوابُ، ولا يَكُونُ ذَلِكَ مِن بابِ الإعْمالِ؛ لِأنَّ الحالَ لا تُضْمَرُ، وبِأنَّ الإعْمالَ لا بُدَّ فِيهِ مِنَ الإضْمارِ إذا أُعْمِلَ الأوَّلُ، ثُمَّ اعْتَذَرَ لَهم يَعْقُوبُ بِشَيْئَيْنِ: أحَدُهُما: عاجِلٌ في الحالِ، وهو ما يَلْحَقُهُ مِنَ الحُزْنِ (p-٢٨٦)لِمُفارَقَتِهِ وكانَ لا يَصْبِرُ عَنْهُ، والثّانِي: خَوْفُهُ عَلَيْهِ مِنَ الذِّئْبِ إنْ غَفَلُوا عَنْهُ بِرِعْيِهِمْ ولَعِبِهِمْ، أوْ بِقِلَّةِ اهْتِمامِهِمْ بِحِفْظِهِ وعِنايَتِهِمْ، فَيَأْكُلُهُ ويَحْزَنُ عَلَيْهِ الحُزْنَ المُؤَبَّدَ، وخَصَّ الذِّئْبَ؛ لِأنَّهُ كانَ السَّبُعَ الغالِبَ عَلى قُطْرِهِ، أوْ لِصِغَرِ يُوسُفَ فَخافَ عَلَيْهِ هَذا السَّبُعَ الحَقِيرَ، وكانَ تَنْبِيهًا عَلى خَوْفِهِ عَلَيْهِ ما هو أعْظَمُ افْتِرِاسًا، ولِحَقارَةِ الذِّئْبِ خَصَّهُ الرَّبِيعُ بْنُ ضَبُعٍ الفَزارِيُّ في كَوْنِهِ يَخْشاهُ لَمّا بَلَغَ مِنَ السِّنِّ في قَوْلِهِ:
؎والذِّئْبُ أخْشاهُ إنْ مَرَرْتُ بِهِ ∗∗∗ وحْدِي وأخْشى الرِّياحَ والمَطَرا
وكانَ يَعْقُوبُ بِقَوْلِهِ: ﴿وأخافُ أنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ﴾ لَقَّنَهم ما يَقُولُونَ مِنَ العُذْرِ إذا جاءُوا ولَيْسَ مَعَهم يُوسُفُ، فَلُقِّنُوا ذَلِكَ وجَعَلُوهُ عُدَّةً لِلْجَوابِ، وتَقَدَّمَ خِلافُ القُرّاءِ في ”يَحْزَنُ“ . وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وابْنُ هُرْمُزَ وابْنُ مُحَيْصِنٍ: (لَيَحْزُنِّي) بِتَشْدِيدِ النُّونِ، والجُمْهُورُ بِالفَكِّ، و﴿لَيَحْزُنُنِي﴾ مُضارِعٌ مُسْتَقْبَلٌ لا حالٌ؛ لِأنَّ المُضارِعَ إذا أُسْنِدَ إلى مُتَوَقَّعٍ تَخَلَّصَ لِلِاسْتِقْبالِ، لِأنَّ ذَلِكَ المُتَوَقَّعَ مُسْتَقْبَلٌ وهو المُسَبِّبُ لِأثَرِهِ، فَمُحالُ أنْ يَتَقَدَّمَ الأثَرُ عَلَيْهِ، فالذَّهابُ لَمْ يَقَعْ، فالحُزْنُ لَمْ يَقَعْ، كَما قالَ:
؎يُهُولُكَ أنْ تَمُوتَ وأنْتَ مُلْغٍ ∗∗∗ لِما فِيهِ النَّجاةُ مِنَ العَذابِ
وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: ﴿تَذْهَبُوا بِهِ﴾ مِن أذْهَبَ رُباعِيًّا، ويَخْرُجُ عَلى زِيادَةِ الباءِ في بِهِ، كَما خَرَّجَ بَعْضُهم ﴿تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ﴾ [المؤمنون: ٢٠] في قِراءَةِ مَن ضَمَّ التّاءَ وكَسَرَ الباءَ أيْ: (تُنْبِتُ الدُّهْنَ، وتُذْهِبُوهُ) وقَرَأ الجُمْهُورُ: (الذِّئْبُ) بِالهَمْزِ؛ وهي لُغَةُ الحِجازِ، وقَرَأ الكِسائِيُّ ووَرْشٌ وحَمْزَةُ: إذا وقَفَ بِغَيْرِ هَمْزٍ، وقالَ نَصْرٌ: سَمِعْتُ أبا عُمَرَ ولا يَهْمِزُ، وعَدَلَ إخْوَةُ يُوسُفَ عَنْ أحَدِ الشَّيْئَيْنِ وهو حُزْنُهُ عَلى ذَهابِهِمْ بِهِ لِقِصَرِ مُدَّةِ الحُزْنِ، وإيهامِهِمْ أنَّهم يَرْجِعُونَ بِهِ إلَيْهِ عَنْ قَرِيبٍ، وعَدَلُوا إلى قَضِيَّةِ الذِّئْبِ وهو السَّبَبُ الأقْوى في مَنعِهِ أنْ تَذْهَبُوا بِهِ، فَحَلَفُوا لَهُ لَئِنْ كانَ ما خافَهُ مِن خَطْفَةِ الذِّئْبِ أخاهم مِن بَيْنِهِمْ، وحالُهم أنَّهم عَشَرَةُ رِجالٍ بِمِثْلِهِمْ تُعْصَبُ الأُمُورُ وتُكْفى الخُطُوبُ (إنَّهم إذًا لَقَوْمٌ خاسِرُونَ) أيْ: هالِكُونَ ضَعْفًا وخَوَرًا وعَجْزًا، أوْ مُسْتَحِقُّونَ أنْ يَهْلِكُوا؛ لِأنَّهم لا غِنى عِنْدَهِمْ ولا جَدْوى في حَياتِهِمْ، أوْ مُسْتَحِقُّونَ بِأنْ يُدْعى عَلَيْهِمْ بِالخَسارِ والدَّمارِ، وأنْ يُقالَ: خَسَّرَهُمُ اللَّهُ ودَمَّرَهم حِينَ أكَلَ الذِّئْبُ بَعْضَهم وهم حاضِرُونَ، وقِيلَ: إنْ لَمْ نَقْدِرْ عَلى حِفْظِ بَعْضِنا فَقَدْ هَلَكَتْ مَواشِينا إذًا وخَسِرْنا، ورُوِيَ أنَّ يَعْقُوبَ رَأى في مَنامِهِ كَأنَّهُ عَلى ذُرْوَةِ جَبَلٍ، وكانَ يُوسُفُ في بَطْنِ الوادِي، فَإذا عَشَرَةٌ مِنَ الذِّئابِ قَدِ احْتَوَشَتْهُ يُرِدْنَ أكْلَهُ، فَدَرَأ عَنْهُ واحِدٌ، ثُمَّ انْشَقَّتِ الأرْضُ فَتَوارى يُوسُفُ فِيها ثَلاثَةَ أيّامٍ.
يوسف 12:14
﴿قالُوا يا أبانا ما لَكَ لا تَأْمَنّا عَلى يُوسُفَ وإنّا لَهُ لَناصِحُونَ﴾ ﴿أرْسِلْهُ مَعَنا غَدًا يَرْتَعْ ويَلْعَبْ وإنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾ ﴿قالَ إنِّي لَيَحْزُنُنِي أنْ تَذْهَبُوا بِهِ وأخافُ أنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وأنْتُمْ عَنْهُ غافِلُونَ﴾ ﴿قالُوا لَئِنْ أكَلَهُ الذِّئْبُ ونَحْنُ عُصْبَةٌ إنّا إذًا لَخاسِرُونَ﴾
لَمّا تَقَرَّرَ في أذْهانِهِمُ التَّفْرِيقُ بَيْنَ يُوسُفَ (p-٢٨٥)وأبِيهِ، أعْمَلُوا الحِيلَةَ عَلى يَعْقُوبَ وتَلَطَّفُوا في إخْراجِهِ مَعَهم، وذَكَرُوا نُصْحَهم لَهُ وما في إرْسالِهِ مَعَهم مِنِ انْشِراحِ صَدْرِهِ بِالِارْتِعاءِ واللَّعِبِ، إذْ هو مِمّا يُشْرِحُ الصِّبْيانَ، وذَكَرُوا حِفْظَهم لَهُ مِمّا يَسُوءُهُ، وفي قَوْلِهِمْ: ﴿ما لَكَ لا تَأْمَنّا﴾ دَلِيلٌ عَلى أنَّهم تَقَدَّمَ مِنهم سُؤالٌ في أنْ يَخْرُجَ مَعَهم، وذَكَرُوا سَبَبَ الأمْنِ وهو النُّصْحُ؛ أيْ: لِمَ لا تَأْمَنّا عَلَيْهِ وحالَتُنا هَذِهِ ؟ والنُّصْحُ دَلِيلٌ عَلى الأمانَةِ، ولِهَذا قُرِنا في قَوْلِهِ: ﴿ناصِحٌ أمِينٌ﴾ [الأعراف: ٦٨]، وكانَ قَدْ أحَسَّ مِنهم قَبْلُ ما أوْجَبَ أنْ لا يَأْمَنَهم عَلَيْهِ، و﴿لا تَأْمَنّا﴾ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ، وهَذا الِاسْتِفْهامُ صَحِبَهُ التَّعَجُّبُ.
وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وأبُو جَعْفَرٍ والزُّهْرِيُّ وعَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ: بِإدْغامِ نُونِ (تَأْمَنَ) في نُونِ الضَّمِيرِ مِن غَيْرِ إشْمامٍ ومَجِيئِهِ بَعْدَ مالِكٍ، والمَعْنى: يُرْشِدُ إلى أنَّهُ نَفْيٌ لا نَهْيٌ، ولَيْسَ كَقَوْلِهِمْ: ما أحْسَنَنا في التَّعَجُّبِ؛ لِأنَّهُ لَوْ أُدْغِمَ لالتَبَسَ بِالنَّفْيِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: بِالإدْغامِ والإشْمامِ لِلضَّمِّ، وعَنْهم إخْفاءُ الحَرَكَةِ، فَلا يَكُونُ إدْغامًا مَحْضًا، وقَرَأ ابْنُ هُرْمُزَ: بِضَمِّ المِيمِ، فَتَكُونُ الضَّمَّةُ مَنقُولَةً إلى المِيمِ مِنَ النُّونِ الأُولى بَعْدَ سَلْبِ المِيمِ حَرَكَتَها، وإدْغامِ النُّونِ في النُّونِ، وقَرَأ أُبَيٌّ والحَسَنُ وطَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ والأعْمَشُ: (لا تَأْمُنُنا) بِالإظْهارِ وضَمِّ النُّونِ عَلى الأصْلِ - وخَطُّ المُصْحَفِ بِنُونٍ واحِدَةٍ - وقَرَأ ابْنُ وثّابٍ وأبُو رَزِينٍ: (لا يَتْمَنّا) عَلى لُغَةِ تَمِيمٍ، وسَهَّلَ الهَمْزَةَ بَعْدَ الكَسْرَةِ ابْنُ وثّابٍ، وفي لَفْظَةِ: (أرْسِلْهُ) دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ كانَ يُمْسِكُهُ ويَصْحَبُهُ دائِمًا، وانْتَصَبَ (غَدًا) عَلى الظَّرْفِ، وهو ظَرْفٌ مُسْتَقْبَلٌ يُطْلَقُ عَلى اليَوْمِ الَّذِي يَلِي يَوْمَكَ، وعَلى الزَّمَنِ المُسْتَقْبَلِ مِن غَيْرِ تَقْيِيدٍ بِاليَوْمِ الَّذِي يَلِي يَوْمَكَ، وأصْلُهُ: غُدُوٌّ، فَحُذِفَتْ لامُهُ وقَدْ جاءَ تامًّا، وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿يَرْتَعْ ويَلْعَبْ﴾ بِالياءِ والجَزْمِ، والِابْنانِ وأبُو عُمَرَ، وبِالنُّونِ والجَزْمِ وكَسْرِ العَيْنِ الحَرَمِيّانِ، واخْتَلَفَ عَنْ قُنْبُلٍ في إثْباتِ الياءِ وحَذْفِها، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ: (ويَلْعَبْ) بِالياءِ، وهي قِراءَةُ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، وقَرَأ العَلاءُ بْنُ سَيابَةَ: (يَرْتَعِ) بِالياءِ وكَسْرِ العَيْنِ مَجْزُومًا مَحْذُوفَ اللّامِ، (ويَلْعَبُ) بِالياءِ وضَمِّ الباءِ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ؛ أيْ: وهو يَلْعَبُ، وقَرَأ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ وابْنُ مُحَيْصِنٍ: بِنُونٍ مَضْمُومَةٍ مِنِ ارْتَعْنا (ونَلْعَبْ) بِالنُّونِ، وكَذَلِكَ أبُو رَجاءٍ، إلّا أنَّهُ بِالياءِ فِيهِما ﴿يَرْتَعْ ويَلْعَبْ﴾، والقِراءَتانِ عَلى حَذْفِ المَفْعُولِ؛ أيْ: يَرْتَعِ المَواشِي أوْ غَيْرِها. وقَرَأ النَّخَعِيُّ: (نَرْتَعْ) بِنُونٍ، (ويَلْعَبْ) بِياءٍ، بِإسْنادِ اللَّعِبِ إلى يُوسُفَ وحْدَهُ لِصِباهُ، وجاءَ كَذَلِكَ عَنْ أبِي إسْحاقَ ويَعْقُوبَ، وكُلُّ هَذِهِ القِراآتِ الفِعْلانِ فِيها مَبْنِيّانِ لِلْفاعِلِ، وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: (يُرْتَعْ ويُلْعَبْ) بِضَمِّ الياءَيْنِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ، ويُخْرِجُها عَلى أنَّهُ أُضْمِرَ المَفْعُولُ الَّذِي لَمْ يُسَمَّ فاعِلُهُ وهو ضَمِيرُ غَدٍ، وكانَ أصْلُهُ يَرْتَعْ فِيهِ ويَلْعَبْ فِيهِ، ثُمَّ حُذِفَ واتَّسَعَ، فَعُدِّيَ الفِعْلُ لِلضَّمِيرِ، فَكانَ التَّقْدِيرُ: يَرْتَعْهُ ويَلْعَبْهُ، ثُمَّ بَناهُ لِلْمَفْعُولِ فاسْتَكَنَ الضَّمِيرُ الَّذِي كانَ مَنصُوبًا لِكَوْنِهِ نابَ عَنِ الفاعِلِ، واللَّعِبُ هُنا هو الِاسْتِباقُ والِانْتِضالُ، فَيُدَرَّبُونَ بِذَلِكَ لِقِتالِ العَدُوِّ، سَمَّوْهُ لَعِبًا لِأنَّهُ بِصُورَةِ اللَّعِبِ، ولَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لِلَّهْوِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِمْ: (إنَّنا ذَهَبْنا نَسْتَبِقُ) ولَوْ كانَ لَعِبَ لَهْوٍ ما أقَرَّهم عَلَيْهِ يَعْقُوبُ. ومَن كَسَرَ العَيْنَ مِن (يَرْتَعِ) فَهو يَفْتَعِلُ، قالَ مُجاهِدٌ: هي مِنَ المُراعاةِ أيْ: يُراعِي بَعْضُنا بَعْضًا ويَحْرُسُهُ، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: مِن رَعْيِ الإبِلِ أيْ: يَتَدَرَّبْ في الرَّعْيِ، وحِفْظِ المالِ، أوْ مِن رَعْيِ النَّباتِ والكَلَأِ، أيْ: يَرْتَعِ؛ عَلى حَذْفِ مُضافٍ أيْ: مَواشِينا، ومَن أثْبَتَ الياءَ. فَقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: هي قِراءَةٌ ضَعِيفَةٌ لا تَجُوزُ إلّا في الشِّعْرِ كَقَوْلِ الشّاعِرِ:
؎ألَمْ يَأْتِيكَ والأنْباءُ تَنْمِي بِما لاقَتْ لَبُونُ بَنِي زِيادٍ
انْتَهى. وقِيلَ: تَقْدِيرُ حَذْفِ الحَرَكَةِ في الياءِ لُغَةٌ، فَعَلى هَذا لا يَكُونُ ضَرُورَةً، ومَن قَرَأ بِسُكُونِ العَيْنِ فالمَعْنى: نَقُمْ في خِصْبٍ وسَعَةٍ، ويَعْنُونَ مِنَ الأكْلِ والشُّرْبِ، ﴿وإنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ، والعامِلُ فِيهِ الأمْرُ أوِ الجَوابُ، ولا يَكُونُ ذَلِكَ مِن بابِ الإعْمالِ؛ لِأنَّ الحالَ لا تُضْمَرُ، وبِأنَّ الإعْمالَ لا بُدَّ فِيهِ مِنَ الإضْمارِ إذا أُعْمِلَ الأوَّلُ، ثُمَّ اعْتَذَرَ لَهم يَعْقُوبُ بِشَيْئَيْنِ: أحَدُهُما: عاجِلٌ في الحالِ، وهو ما يَلْحَقُهُ مِنَ الحُزْنِ (p-٢٨٦)لِمُفارَقَتِهِ وكانَ لا يَصْبِرُ عَنْهُ، والثّانِي: خَوْفُهُ عَلَيْهِ مِنَ الذِّئْبِ إنْ غَفَلُوا عَنْهُ بِرِعْيِهِمْ ولَعِبِهِمْ، أوْ بِقِلَّةِ اهْتِمامِهِمْ بِحِفْظِهِ وعِنايَتِهِمْ، فَيَأْكُلُهُ ويَحْزَنُ عَلَيْهِ الحُزْنَ المُؤَبَّدَ، وخَصَّ الذِّئْبَ؛ لِأنَّهُ كانَ السَّبُعَ الغالِبَ عَلى قُطْرِهِ، أوْ لِصِغَرِ يُوسُفَ فَخافَ عَلَيْهِ هَذا السَّبُعَ الحَقِيرَ، وكانَ تَنْبِيهًا عَلى خَوْفِهِ عَلَيْهِ ما هو أعْظَمُ افْتِرِاسًا، ولِحَقارَةِ الذِّئْبِ خَصَّهُ الرَّبِيعُ بْنُ ضَبُعٍ الفَزارِيُّ في كَوْنِهِ يَخْشاهُ لَمّا بَلَغَ مِنَ السِّنِّ في قَوْلِهِ:
؎والذِّئْبُ أخْشاهُ إنْ مَرَرْتُ بِهِ ∗∗∗ وحْدِي وأخْشى الرِّياحَ والمَطَرا
وكانَ يَعْقُوبُ بِقَوْلِهِ: ﴿وأخافُ أنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ﴾ لَقَّنَهم ما يَقُولُونَ مِنَ العُذْرِ إذا جاءُوا ولَيْسَ مَعَهم يُوسُفُ، فَلُقِّنُوا ذَلِكَ وجَعَلُوهُ عُدَّةً لِلْجَوابِ، وتَقَدَّمَ خِلافُ القُرّاءِ في ”يَحْزَنُ“ . وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وابْنُ هُرْمُزَ وابْنُ مُحَيْصِنٍ: (لَيَحْزُنِّي) بِتَشْدِيدِ النُّونِ، والجُمْهُورُ بِالفَكِّ، و﴿لَيَحْزُنُنِي﴾ مُضارِعٌ مُسْتَقْبَلٌ لا حالٌ؛ لِأنَّ المُضارِعَ إذا أُسْنِدَ إلى مُتَوَقَّعٍ تَخَلَّصَ لِلِاسْتِقْبالِ، لِأنَّ ذَلِكَ المُتَوَقَّعَ مُسْتَقْبَلٌ وهو المُسَبِّبُ لِأثَرِهِ، فَمُحالُ أنْ يَتَقَدَّمَ الأثَرُ عَلَيْهِ، فالذَّهابُ لَمْ يَقَعْ، فالحُزْنُ لَمْ يَقَعْ، كَما قالَ:
؎يُهُولُكَ أنْ تَمُوتَ وأنْتَ مُلْغٍ ∗∗∗ لِما فِيهِ النَّجاةُ مِنَ العَذابِ
وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: ﴿تَذْهَبُوا بِهِ﴾ مِن أذْهَبَ رُباعِيًّا، ويَخْرُجُ عَلى زِيادَةِ الباءِ في بِهِ، كَما خَرَّجَ بَعْضُهم ﴿تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ﴾ [المؤمنون: ٢٠] في قِراءَةِ مَن ضَمَّ التّاءَ وكَسَرَ الباءَ أيْ: (تُنْبِتُ الدُّهْنَ، وتُذْهِبُوهُ) وقَرَأ الجُمْهُورُ: (الذِّئْبُ) بِالهَمْزِ؛ وهي لُغَةُ الحِجازِ، وقَرَأ الكِسائِيُّ ووَرْشٌ وحَمْزَةُ: إذا وقَفَ بِغَيْرِ هَمْزٍ، وقالَ نَصْرٌ: سَمِعْتُ أبا عُمَرَ ولا يَهْمِزُ، وعَدَلَ إخْوَةُ يُوسُفَ عَنْ أحَدِ الشَّيْئَيْنِ وهو حُزْنُهُ عَلى ذَهابِهِمْ بِهِ لِقِصَرِ مُدَّةِ الحُزْنِ، وإيهامِهِمْ أنَّهم يَرْجِعُونَ بِهِ إلَيْهِ عَنْ قَرِيبٍ، وعَدَلُوا إلى قَضِيَّةِ الذِّئْبِ وهو السَّبَبُ الأقْوى في مَنعِهِ أنْ تَذْهَبُوا بِهِ، فَحَلَفُوا لَهُ لَئِنْ كانَ ما خافَهُ مِن خَطْفَةِ الذِّئْبِ أخاهم مِن بَيْنِهِمْ، وحالُهم أنَّهم عَشَرَةُ رِجالٍ بِمِثْلِهِمْ تُعْصَبُ الأُمُورُ وتُكْفى الخُطُوبُ (إنَّهم إذًا لَقَوْمٌ خاسِرُونَ) أيْ: هالِكُونَ ضَعْفًا وخَوَرًا وعَجْزًا، أوْ مُسْتَحِقُّونَ أنْ يَهْلِكُوا؛ لِأنَّهم لا غِنى عِنْدَهِمْ ولا جَدْوى في حَياتِهِمْ، أوْ مُسْتَحِقُّونَ بِأنْ يُدْعى عَلَيْهِمْ بِالخَسارِ والدَّمارِ، وأنْ يُقالَ: خَسَّرَهُمُ اللَّهُ ودَمَّرَهم حِينَ أكَلَ الذِّئْبُ بَعْضَهم وهم حاضِرُونَ، وقِيلَ: إنْ لَمْ نَقْدِرْ عَلى حِفْظِ بَعْضِنا فَقَدْ هَلَكَتْ مَواشِينا إذًا وخَسِرْنا، ورُوِيَ أنَّ يَعْقُوبَ رَأى في مَنامِهِ كَأنَّهُ عَلى ذُرْوَةِ جَبَلٍ، وكانَ يُوسُفُ في بَطْنِ الوادِي، فَإذا عَشَرَةٌ مِنَ الذِّئابِ قَدِ احْتَوَشَتْهُ يُرِدْنَ أكْلَهُ، فَدَرَأ عَنْهُ واحِدٌ، ثُمَّ انْشَقَّتِ الأرْضُ فَتَوارى يُوسُفُ فِيها ثَلاثَةَ أيّامٍ.
يوسف 12:15
﴿فَلَمّا ذَهَبُوا بِهِ وأجْمَعُوا أنْ يَجْعَلُوهُ في غَيابَةِ الجُبِّ وأوْحَيْنا إلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهم بِأمْرِهِمْ هَذا وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ ﴿وجاءُوا أباهم عِشاءً يَبْكُونَ﴾ ﴿قالُوا ياأبانا إنّا ذَهَبْنا نَسْتَبِقُ وتَرَكْنا يُوسُفَ عِنْدَ مَتاعِنا فَأكَلَهُ الذِّئْبُ وما أنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا ولَوْ كُنّا صادِقِينَ﴾ ﴿وجاءُوا عَلى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكم أنْفُسُكم أمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ واللَّهُ المُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ﴾ ﴿وجاءَتْ سَيّارَةٌ فَأرْسَلُوا وارِدَهم فَأدْلى دَلْوَهُ قالَ يابُشْرى هَذا غُلامٌ وأسَرُّوهُ بِضاعَةً واللَّهُ عَلِيمٌ بِما يَعْمَلُونَ﴾
(p-٢٨٧)حُكِيَ أنَّهم قالُوا لِيُوسُفَ: اطْلُبْ مِن أبِيكَ أنْ يَبْعَثَكَ مَعَنا، فَأقْبَلَ عَلى يُوسُفَ فَقالَ: أتُحِبُّ ذَلِكَ ؟ قالَ: نَعَمْ. قالَ يَعْقُوبُ: إذا كانَ غَدًا أذِنْتُ لَكَ، فَلَمّا أصْبَحَ يُوسُفُ لَبِسَ ثِيابَهُ وشَدَّ عَلَيْهِ مِنطَقَتَهُ، وخَرَجَ مَعَ إخْوَتِهِ فَشَيَّعَهم يَعْقُوبُ وقالَ: يا بَنِيَّ أُوصِيكم بِتَقْوى اللَّهِ وبِحَبِيبِي يُوسُفَ، ثُمَّ أقْبَلَ عَلى يُوسُفَ وضَمَّهُ إلى صَدْرِهِ وقَبَّلَ بَيْنَ عَيْنَيْهِ ثُمَّ قالَ: اسْتَوْدَعَتُكَ اللَّهَ رَبَّ العالَمِينَ، وانْصَرَفَ فَحَمَلُوا يُوسُفَ عَلى أكْتافِهِمْ ما دامَ يَعْقُوبُ يَراهم، ثُمَّ لَمّا غابُوا عَنْ عَيْنِهِ طَرَحُوهُ لِيَعْدُوَ مَعَهم إضْرارًا بِهِ، وذَكَرَ المُفَسِّرُونَ أشْياءَ كَثِيرَةً تَتَضَمَّنُ كَيْفِيَّةَ إلْقائِهِ في غَيابَةِ الجُبِّ ومُجاوَرَتِهِ لَهم بِما يُلِينُ الصَّخْرَ، وهم لا يَزْدادُونَ إلّا قَساوَةً، ولَمْ يَتَعَرَّضِ القُرْآنُ ولا الحَدِيثُ الصَّحِيحُ لِشَيْءٍ مِنها، فَيُوقَفَ عَلَيْها في كُتُبِ التَّفْسِيرِ، وبَيْنَ هَذِهِ الجُمْلَةِ والجُمَلِ الَّتِي قَبْلَها مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ المَعْنى تَقْدِيرُهُ: فَأجابَهم إلى ما سَألُوهُ وأرْسَلَ مَعَهم يُوسُفَ، ﴿فَلَمّا ذَهَبُوا بِهِ وأجْمَعُوا﴾ أيْ: عَزَمُوا واتَّفَقُوا عَلى إلْقائِهِ في الجُبِّ، و﴿أنْ يَجْعَلُوهُ﴾ مَفْعُولُ (أجْمَعُوا)، يُقالُ: أجْمَعَ الأمْرَ وأزْمَعَهُ - بِمَعْنى العَزْمِ عَلَيْهِ - واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ الجَعْلُ هُنا بِمَعْنى الإلْقاءِ، وبِمَعْنى التَّصْيِيرِ، واخْتَلَفُوا في جَوابِ (لَمّا) أهْوَ مُثْبَتٌ ؟ أوْ مَحْذُوفٌ ؟ فَمَن قالَ: مُثْبَتٌ، قالَ: هو قَوْلُهم ﴿قالُوا ياأبانا إنّا ذَهَبْنا نَسْتَبِقُ﴾ أيْ: لَمّا كانَ كَيْتَ وكَيْتَ، قالُوا وهو تَخْرِيجٌ حَسَنٌ، وقِيلَ: هو أوْحَيْنا، والواوُ زائِدَةٌ، وعَلى هَذا مَذْهَبُ الكُوفِيِّينَ يُزادُ عِنْدَهم بَعْدَ لَمّا، وحَتّى إذا، وعَلى ذَلِكَ خَرَّجُوا قَوْلَهُ: ﴿فَلَمّا أسْلَما وتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ [الصافات: ١٠٣] ونادَيْناهُ أيْ: نادَيْناهُ، وقَوْلَهُ: ﴿حَتّى إذا جاءُوها وفُتِحَتْ﴾ [الزمر: ٧٣] أيْ: فُتِحَتْ. وقَوْلَ امْرِئِ القَيْسِ:
؎فَلَمّا أجَزْنا سَـاحَـةَ الحَيِّ وانْتَحى
أيِ: انْتَحى. ومَن قالَ: هو مَحْذُوفٌ، وهو رَأْيُ البَصْرِيِّينَ، فَقَدَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَعَلُوا بِهِ ما فَعَلُوا مِنَ الأذى، وحَكى الحِكايَةَ الطَّوِيلَةَ فِيما فَعَلُوا بِهِ، وما حاوَرُوهُ وحاوَرَهم بِهِ، قَدَّرَهُ بَعْضُهم: فَلَمّا ذَهَبُوا بِهِ وأجْمَعُوا أنْ يَجْعَلُوهُ في غَيابَةِ الجُبِّ عَظُمَتْ فِتْنَتُهم، وقَدَّرَهُ بَعْضُهم: جَعَلُوهُ فِيها، وهَذا أوْلى؛ إذْ يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿وأجْمَعُوا أنْ يَجْعَلُوهُ﴾ والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في ﴿وأوْحَيْنا إلَيْهِ﴾ عائِدٌ عَلى يُوسُفَ، وهو وحْيُ إلْهامٍ قالَهُ مُجاهِدٌ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أوْ مَنامٍ، وقالَ الضَّحّاكُ وقَتادَةُ: نَزَلَ عَلَيْهِ جِبْرِيلُ في البِئْرِ، وقالَ الحَسَنُ: أعْطاهُ اللَّهُ النُّبُوَّةَ في الجُبِّ وكانَ صَغِيرًا، كَما أوْحى إلى يَحْيَـى وعِيسى عَلَيْهِما السَّلامُ، وهو ظاهِرُ (أوْحَيْنا)، ويَدُلُّ عَلى أنَّ الضَّمِيرَ عائِدٌ عَلى يُوسُفَ قَوْلُهُ لَهم قالَ: ﴿هَلْ عَلِمْتُمْ ما فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وأخِيهِ إذْ أنْتُمْ جاهِلُونَ﴾ [يوسف: ٨٩] . وقِيلَ: الضَّمِيرُ في (إلَيْهِ) عائِدٌ عَلى يَعْقُوبَ، وإنَّما أُوحِيَ إلَيْهِ (p-٢٨٨)لِيَأْنَسَ في الظُّلْمَةِ مِنَ الوَحْدَةِ، ولِيُبَشَّرَ بِما يَئُولُ إلَيْهِ أمْرُهُ، ومَعْناهُ: لِلتَّخَلُّصِ مِمّا أنْتَ فِيهِ، ولَتُحَدِّثَنَّ إخْوَتَكَ بِما فَعَلُوا بِكَ، ﴿وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿لَتُنَبِّئَنَّهم بِأمْرِهِمْ هَذا﴾ أيْ: غَيْرَ عالِمِينَ أنَّكَ يُوسُفُ وقْتَ التَّنْبِئَةِ قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ، وذَلِكَ لِعُلُوِّ شَأْنِكَ وعَظَمَةِ سُلْطانِكَ، وبُعْدِ حالِكَ عَنْ أذْهانِهِمْ، ولِطُولِ العُمُرِ المُبْدِلِ لِلْهَيْئاتِ والأشْكالِ، وذَكَرَ أنَّهم حِينَ دَخَلُوا عَلَيْهِ مُمْتارِينَ فَعَرَفَهم وهم لَهُ مُنْكِرُونَ، دَعا بِالصُّواعِ فَوَضَعَهُ عَلى يَدِهِ ثُمَّ نَقَرَهُ فَطَنَّ فَقالَ: إنَّهُ لَيُخْبِرُنِي هَذا الجامُ أنَّهُ كانَ لَكم أخٌ مِن أبِيكم يُقالُ لَهُ: يُوسُفُ، وكانَ يُدْنِيهِ دُونَكم، وأنَّكُمُ انْطَلَقْتُمْ بِهِ وألْقَيْتُمُوهُ في غَيابَةِ الجُبِّ وقُلْتُمْ لِأبِيكم: أكَلَهُ الذِّئْبُ، وبِيعَ بِثَمَنٍ بَخْسٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ﴿وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ حالًا مِن قَوْلِهِ: (وأوْحَيْنا) أيْ: وهم لا يَشْعُرُونَ، قالَهُ قَتادَةُ؛ أيْ: بِإيحائِنا إلَيْكَ وما أخْبَرْناكَ بِهِ مِن نَجاتِكَ وطُولِ عُمُرِكَ، إلى أنْ تُنَبِّئَهم بِما فَعَلُوا بِكَ، وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿لَتُنَبِّئَنَّهُمْ﴾ بِتاءِ الخِطابِ، وابْنُ عُمَرَ بِياءِ الغَيْبَةِ، وكَذا في بَعْضِ مَصاحِفِ البَصْرَةِ. وقَرَأ (سَلامُنْ) بِالنُّونِ.
والَّذِي يَظْهَرُ مِن سِياقِ الأخْبارِ والقَصَصِ أنَّ يُوسُفَ كانَ صَغِيرًا، فَقِيلَ: كانَ عُمُرُهُ إذْ ذاكَ سَبْعَ سِنِينَ، وقِيلَ: سِتٌّ قالَهُ الضَّحّاكُ. وأبْعَدُ مَن ذَهَبَ إلى أنَّهُ اثْنَتا عَشْرَةَ سَنَةً، وثَمانَ عَشْرَةَ سَنَةً وكِلاهُما عَنِ الحَسَنِ، أوْ سَبْعَ عَشْرَةَ سَنَةً قالَهُ ابْنُ السّائِبِ، ويَدُلُّ عَلى أنَّهُ كانَ صَغِيرًا بِحَيْثُ لا يَدْفَعُ نَفْسَهُ، قَوْلُهُ: ﴿وأخافُ أنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ﴾ [يوسف: ١٣] (ويَرْتَعْ ويَلْعَبْ) ﴿وإنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾ [يوسف: ١٢]، وأخْذُ السَّيّارَةِ لَهُ، وقَوْلُ الوارِدِ: ﴿هَذا غُلامٌ﴾، وقَوْلُ العَزِيزِ: ﴿عَسى أنْ يَنْفَعَنا أوْ نَتَّخِذَهُ ولَدًا﴾ [يوسف: ٢١] وما حُكِيَ مِن حَمْلِهِمْ إيّاهُ واحِدًا بَعْدَ واحِدٍ، ومِن كَلامِهِ لِأخِيهِ يَهُوذا: ارْحَمْ ضَعْفِي وعَجْزِي وحَداثَةَ سِنِّي، وارْحَمْ قَلْبَ أبِيكَ يَعْقُوبَ، ومَن هو ابْنُ ثَمانَ عَشْرَةَ سَنَةً لا يُخافُ عَلَيْهِ مِنَ الذِّئْبِ ولا سِيَّما إنْ كانَ في رُفْقَةٍ، ولا يُقالُ فِيهِ: ﴿وإنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾ [يوسف: ٦٣] لِأنَّهُ إذْ ذاكَ قادِرٌ عَلى التَّحَيُّلِ في نَجاةِ نَفْسِهِ، ولا يُسَمّى غُلامًا إلّا بِمَجازٍ، ولا يُقالُ فِيهِ: ﴿أوْ نَتَّخِذَهُ ولَدًا﴾ [يوسف: ٢١] .
و﴿عِشاءً﴾ نُصِبَ عَلى الظَّرْفِ، أوْ مِنَ العَشْوَةِ، والعَشْوَةُ: الظَّلامُ، فَجُمِعَ عَلى فِعالٍ، مِثْلَ: راعٍ ورِعاءٍ، ويَكُونُ انْتِصابُهُ عَلى الحالِ كَقِراءَةِ الحَسَنِ (عُشًا) عَلى وزْنِ دُجًى، جَمْعُ عاشٍ، حُذِفَ مِنهُ الهاءُ كَما حُذِفَتْ في مالِكٍ، وأصْلُهُ مالِكَةٌ، وعَنِ الحَسَنِ (عُشَيًّا) عَلى التَّصْغِيرِ، قِيلَ: وإنَّما جاءُوا عِشاءً لِيَكُونَ أقْدَرَ عَلى الِاعْتِذارِ في الظُّلْمَةِ، ولِذا قِيلَ: لا تَطْلِبِ الحاجَةَ بِاللَّيْلِ فَإنَّ الحَياءَ في العَيْنَيْنِ، ولا تَعْتَذِرْ في النَّهارِ مِن ذَنْبٍ فَتَتَلَجْلَجُ في الِاعْتِذارِ، وفي الكَلامِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ: وجاءُوا أباهم دُونَ يُوسُفَ عِشاءً يَبْكُونَ، فَقالَ: أيْنَ يُوسُفُ ؟ قالُوا: إنّا ذَهَبْنا، ورُوِيَ أنَّ يَعْقُوبَ لَمّا سَمِعَ بُكاءَهم قالَ: ما لَكم، أجَرى في الغَنَمِ شَيْءٌ ؟ قالُوا: لا. قالَ: فَأيْنَ يُوسُفُ ؟ قالُوا: إنّا ذَهَبْنا نَسْتَبِقُ فَأكَلَهُ الذِّئْبُ، فَبَكى، وصاحَ، وخَرَّ مَغْشِيًّا عَلَيْهِ، فَأفاضُوا عَلَيْهِ الماءَ فَلَمْ يَتَحَرَّكْ، ونادَوْهُ فَلَمْ يُجِبْ، ووَضَعَ يَهُوذا يَدَهُ عَلى مَخارِجَ نَفَسِهِ فَلَمْ يُحِسَّ بِنَفَسِهِ ولا تَحَرَّكَ لَهُ عِرْقٌ فَقالَ: ويْلٌ لَنا مِن دَيّانِ يَوْمِ الدَّيْنِ الَّذِي ضَيَّعْنا أخانا وقَتَلْنا أبانا، فَلَمْ يُفِقْ إلّا بِبَرْدِ السَّحَرِ، قالَ الأعْمَشُ: لا يُصَدَّقُ باكٍ بَعْدَ إخْوَةِ يُوسُفَ. و﴿نَسْتَبِقُ﴾ أيْ: نَتَرامى بِالسِّهامِ، أوْ نَتَجارى عَلى الأقْدامِ أيُّنا أشَدُّ عَدْوًا، أوْ نَسْتَبِقُ في أعْمالٍ نَتَوَزَّعُها مِن سَقْيٍ ورَعْيٍ واحْتِطابٍ، أوْ نَتَصَيَّدُ؛ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
﴿عِنْدَ مَتاعِنا﴾ أيْ: عِنْدَ ثِيابِنا، وما تَجَرَّدْنا لَهُ حالَةَ الِاسْتِباقِ، وهَذا أيْضًا يَدُلُّ عَلى صِغَرِ يُوسُفَ؛ إذْ لَوْ كانَ ابْنَ ثَمانَ عَشْرَةَ سَنَةً أوْ سَبْعَ عَشْرَةَ لَكانَ يَسْتَبِقُ مَعَهم ﴿فَأكَلَهُ الذِّئْبُ﴾ قَدْ ذَكَرْنا أنَّهم تَلَقَّنُوا هَذا الجَوابَ مِن قَوْلِ أبِيهِمْ ﴿وأخافُ أنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ﴾ [يوسف: ١٣] لِأنَّ أكْلَ الذِّئْبِ إيّاهُ كانَ أغْلَبَ ما كانَ خافَ عَلَيْهِ.
﴿وما أنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا﴾ أيْ: بِمُصَدِّقٍ لَنا الآنَ ولَوْ كُنّا صادِقِينَ، أوَ لَسْتَ مُصَدِّقًا لَنا عَلى كُلِّ حالٍ حَتّى في حالَةِ الصِّدْقِ، لِما غَلَبَ عَلَيْكَ مِن تُهْمَتِنا وكَراهَتِنا في يُوسُفَ، وإنّا نَرْتادُ لَهُ الغَوائِلَ، ونَكِيدُ لَهُ المَكائِدَ، وأوْهَمُوا بِقَوْلِهِمْ: ﴿ولَوْ كُنّا صادِقِينَ﴾ أنَّهم صادِقُونَ في أكْلِ الذِّئْبِ يُوسُفَ، فَيَكُونُ صِدْقُهم مُقَيَّدًا بِهَذِهِ النّازِلَةِ، أوْ مِن أهْلِ الصِّدْقِ والثِّقَةِ عِنْدَ يَعْقُوبَ قَبْلَ هَذِهِ النّازِلَةِ، لِشِدَّةِ (p-٢٨٩)مَحَبَّتِكَ لِيُوسُفَ، فَكَيْفَ وأنْتَ سَيِّءُ الظَّنِّ بِنا في هَذِهِ النّازِلَةِ، غَيْرُ واثِقٍ بِقَوْلِنا فِيهِ ؟
رُوِيَ أنَّهم أخَذُوا سَخْلَةً أوْ جَدْيًا فَذَبَحُوهُ، ولَطَّخُوا قَمِيصَ يُوسُفَ بِدَمِهِ، وقالُوا لِيَعْقُوبَ: هَذا قَمِيصُ يُوسُفَ فَأخَذَهُ، ولَطَّخَ بِهِ وجْهَهُ وبَكى، ثُمَّ تَأمَّلَهُ فَلَمْ يَرَ خَرْقًا ولا ارْتابَ فاسْتَدَلَّ بِذَلِكَ عَلى خِلافِ ما زَعَمُوا وقالَ لَهم: مَتى كانَ الذِّئْبُ حَلِيمًا يَأْكُلُ يُوسُفَ ولا يَخْرِقُ قَمِيصَهُ ؟ قِيلَ: كانَ في قَمِيصِ يُوسُفَ ثَلاثُ آياتٍ، كانَ دَلِيلًا لِيَعْقُوبَ عَلى أنَّ يُوسُفَ لَمْ يَأْكُلْهُ الذِّئْبُ، وألْقاهُ عَلى وجْهِهِ فارْتَدَّ بَصِيرًا، ودَلِيلًا عَلى بَراءَةِ يُوسُفَ حِينَ قُدَّ مِن دُبُرٍ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: ﴿عَلى قَمِيصِهِ﴾ ما مَحَلُّهُ ؟ (قُلْتُ): مَحَلُّهُ النَّصْبُ عَلى الظَّرْفِ، كَأنَّهُ قِيلَ: وجاءُوا فَوْقَ قَمِيصِهِ بِدَمٍ، كَما تَقُولُ: جاءَ عَلى جِمالِهِ بِأحْمالٍ، (فَإنْ قُلْتَ): هَلْ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا مُقَدَّمَةً ؟ (قُلْتُ): لا؛ لِأنَّ حالَ المَجْرُورِ لا يَتَقَدَّمُ عَلَيْهِ، انْتَهى. ولا يُساعِدُ المَعْنى عَلى نَصْبِ ”عَلى“ عَلى الظَّرْفِ بِمَعْنى فَوْقَ؛ لِأنَّ العامِلَ فِيهِ إذْ ذاكَ (جاءُوا)، ولَيْسَ الفَوْقُ ظَرْفًا لَهم، بَلْ يَسْتَحِيلُ أنْ يَكُونَ ظَرْفًا لَهم، وقالَ الحَوْفِيُّ: (عَلى) مُتَعَلِّقٌ بِـ (جاءُوا) ولا يَصِحُّ أيْضًا، وأمّا المِثالُ الَّذِي ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ وهو جاءَ عَلى جِمالِهِ بِأحْمالٍ فَيُمْكِنُ أنْ يَكُونَ ظَرْفًا لِلْجائِي؛ لِأنَّهُ تَمَكَّنَ الظَّرْفِيَّةُ فِيهِ بِاعْتِبارِ تَبَدُّلِهِ مِن جَمَلٍ عَلى جَمَلٍ، ويَكُونُ بِأحْمالٍ في مَوْضِعِ الحالِ؛ أيْ: مَصْحُوبًا بِأحْمالٍ، وقالَ أبُو البَقاءِ: عَلى قَمِيصِهِ في مَوْضِعِ نَصْبِ حالًا مِنَ الدَّمِ؛ لِأنَّ التَّقْدِيرَ: جاءُوا بِدَمٍ كَذِبٍ عَلى قَمِيصِهِ، انْتَهى. وتَقْدِيمُ الحالِ عَلى المَجْرُورِ بِالحَرْفِ غَيْرِ الزّائِدِ في جَوازِهِ خِلافٌ، ومَن أجازَ اسْتَدَلَّ عَلى ذَلِكَ بِأنَّهُ مَوْجُودٌ في لِسانِ العَرَبِ، وأنْشَدَ عَلى ذَلِكَ شَواهِدَ هي مَذْكُورَةٌ في عِلْمِ النَّحْوِ، والمَعْنى: يُرْشِدُ إلى ما قالَهُ أبُو البَقاءِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: (كَذِبٍ) وصْفٌ لِـ (دَمٍ) عَلى سَبِيلِ المُبالَغَةِ، أوْ عَلى حَذْفِ مُضافٍ؛ أيْ: ذِي كَذِبٍ، لَمّا كانَ دالًّا عَلى الكَذِبِ وُصِفَ بِهِ، وإنْ كانَ الكَذِبُ صادِرًا مِن غَيْرِهِ، وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: (كَذِبًا) بِالنَّصْبِ، فاحْتُمِلَ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا في مَوْضِعِ الحالِ، وأنْ يَكُونَ مَفْعُولًا مِن أجْلِهِ، وقَرَأتْ عائِشَةُ والحَسَنُ: (كَدِبٍ) بِالدّالِ غَيْرَ مُعْجَمَةٍ، وفُسِّرَ بِالكَدَرِ، وقِيلَ: الطَّرِيُّ، وقِيلَ: اليابِسُ، وقالَ صاحِبُ اللَوامِحِ: ومَعْناهُ ذِي كَذِبٍ؛ أيْ: أثَرٍ؛ لِأنَّ الكَذِبَ هو بَياضٌ يَخْرُجُ في أظافِيرِ الشُّبّانِ ويُؤَثِّرُ فِيها، فَهو كالنَّقْشِ، ويُسَمّى ذَلِكَ البَياضُ الفُوفَ، فَيَكُونُ هَذا اسْتِعارَةً لِتَأْثِيرِهِ في القَمِيصِ، كَتَأْثِيرِ ذَلِكَ في الأظافِيرِ، قالَ: (بَلْ سَوَّلَتْ) هُنا مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: لَمْ يَأْكُلْهُ الذِّئْبُ بَلْ سَوَّلَتْ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أمَرْتُكم أمْرًا، وقالَ قَتادَةُ: زَيَّنَتْ، وقِيلَ: رَضِيَتْ أمْرًا؛ أيْ: صَنِيعًا قَبِيحًا، وقِيلَ: سَهَّلَتْ، فَصَبْرٌ جَمِيلٌ؛ أيْ: فَأمْرِي صَبْرٌ جَمِيلٌ، أوْ فَصَبْرٌ جَمِيلٌ أمْثَلُ، وقَرَأ أُبَيٌّ، والأشْهَبُ وعِيسى بْنُ عُمَرَ: (فَصَبْرًا جَمِيلًا) بِنَصْبِهِما، وكَذا هي في مُصْحَفِ أُبَيٍّ، ومُصْحَفِ أنَسِ بْنِ مالِكٍ، ورُوِيَ كَذَلِكَ عَنِ الكِسائِيِّ، ونَصَبَهُ عَلى المَصْدَرِ الخَبَرِيِّ؛ أيْ: فاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا، قِيلَ: وهي قِراءَةٌ ضَعِيفَةٌ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ، ولا يَصْلُحُ النَّصْبُ في مِثْلِ هَذا إلّا مَعَ الأمْرِ، وكَذَلِكَ يَحْسُنُ النَّصْبُ في قَوْلِهِ:
؎شَكا إلَيَّ جَمَلِي طُولَ السَّرى ∗∗∗ صَبْرًا جَمِيلًا فَكِلانا مُبْتَلى
ويُرْوى ”صَبْرٌ جَمِيلٌ“ في البَيْتِ، وإنَّما تَصِحُّ قِراءَةُ النَّصْبِ عَلى أنْ يُقَدَّرَ أنَّ يَعْقُوبَ رَجَعَ إلى مُخاطَبَةِ نَفْسِهِ فَكَأنَّهُ قالَ: فاصْبِرِي يا نَفْسُ صَبْرًا جَمِيلًا، وفي الحَدِيثِ: «أنَّ الصَّبْرَ الجَمِيلَ أنَّهُ الَّذِي لا شَكْوى فِيهِ» أيْ: إلى الخَلْقِ، ألا تَرى إلى قَوْلِهِ: ﴿إنَّما أشْكُو بَثِّي وحُزْنِي إلى اللَّهِ﴾ [يوسف: ٨٦] وقِيلَ: أتَجَمَّلُ لَكم في صَبْرِي فَلا أُعاشِرُكم عَلى كَآبَةِ الوَجْهِ، وعُبُوسِ الجَبِينِ، بَلْ عَلى ما كُنْتُ عَلَيْهِ مَعَكم. وقالَ الثَّوْرِيُّ: مِنَ الصَّبْرِ أنْ لا تُحَدِّثَ بِما يُوجِعُكَ ولا بِمُصِيبَتِكَ ولا تَبْكِي نَفْسَكَ.
﴿واللَّهُ المُسْتَعانُ﴾ أيْ: المَطْلُوبُ مِنهُ العَوْنُ عَلى احْتِمالِ ما تَصِفُونَ مِن هَلاكِ يُوسُفَ، والصَّبْرُ عَلى الرَّزِيَّةِ.
﴿وجاءَتْ سَيّارَةٌ﴾ قِيلَ: كانُوا مِن مَدْيَنَ قاصِدِينَ إلى مِصْرَ، وقِيلَ: في الكَلامِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ: وأقامَ يُوسُفُ في الجُبِّ ثَلاثَةَ أيّامٍ، وكانَ أخُوهُ (p-٢٩٠)يَهُوذا يَأْتِيهِ بِالطَّعامِ خِفْيَةً مِن إخْوَتِهِ. وقِيلَ: جاءَتِ السَّيّارَةُ في اليَوْمِ الثّانِي مِن طَرْحِهِ في الجُبِّ. وقِيلَ: كانَ التَّسْبِيحُ غِذاءَهُ في الجُبِّ. قِيلَ: وكانَتِ السَّيّارَةُ تائِهَةً تَسِيرُ مِن أرْضٍ إلى أرْضٍ، وقِيلَ: سَيّارَةٌ في الطَّرِيقِ أخْطَأُوهُ فَنَزَلُوا قَرِيبًا مِنَ الجُبِّ، وكانَ في قَفْرَةٍ بَعِيدَةٍ مِنَ العُمْرانِ لَمْ تَكُنْ إلّا لِلرُّعاةِ، وفِيهِمْ مالِكُ بْنُ دُعْرٍ الخُزاعِيُّ فَأرْسَلُوهُ لِيَطْلُبَ لَهُمُ الماءَ، والوارِدُ الَّذِي يَرِدُ الماءَ لِيَسْتَقِيَ لِلْقَوْمِ، وإضافَةُ الوارِدِ لِلضَّمِيرِ كَإضافَتِهِ في قَوْلِهِ: ألْقَيْتُ كاسِبَهم، لَيْسَتْ إضافَةً إلى المَفْعُولِ، بَلِ المَعْنى الَّذِي يَرِدُ عَلَيْهِمْ والَّذِي يَكْسِبُ لَهم، والظّاهِرُ أنَّ الوارِدَ واحِدٌ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والوارِدُ هُنا يُمْكِنُ أنْ يَقَعَ عَلى الواحِدِ وعَلى جَماعَةٍ، انْتَهى. وحُمِلَ عَلى مَعْنى السَّيّارَةِ في قَوْلِهِ: ﴿فَأرْسَلُوا﴾، ولَوْ حُمِلَ عَلى اللَّفْظِ لَكانَ التَّرْتِيبُ فَأرْسَلَتْ وارِدَها.
﴿فَأدْلى دَلْوَهُ﴾ أيْ: أرْسَلَها لِيَسْتَقِيَ الماءَ قالَ: يا بُشْرايَ، في الكَلامِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ: فَتَعَلَّقَ يُوسُفُ بِحَبْلِ الدَّلْوِ، فَلَمّا بَصُرَ بِهِ المُدْلِي قالَ: يا بُشْرايَ، وتَعَلُّقُهُ بِالحَبْلِ يَدُلُّ عَلى صِغَرِهِ، إذْ لَوْ كانَ ابْنَ ثَمانِيَةَ عَشَرَ أوْ سَبْعَةَ عَشَرَ لَمْ يَحْمِلْهُ الحَبْلُ غالِبًا، ولَفْظَةُ غُلامٍ تُرَجِّحُ ذَلِكَ، إذْ يُطْلَقُ عَلَيْهِ ما بَيْنَ الحَوْلَيْنِ إلى البُلُوغِ حَقِيقَةً، وقَدْ يُطْلَقُ عَلى الرَّجُلِ الكامِلِ لِقَوْلِ لَيْلى الأخْيَلِيَّةِ في الحَجّاجِ بْنِ يُوسُفَ:
؎غُلامٌ إذا هَزَّ القَناةَ سَقاها
وقَوْلُهُ: يا بُشْرايَ؛ هو عَلى سَبِيلِ السُّرُورِ والفَرَحِ بِيُوسُفَ، إذْ رَأى أحْسَنَ ما خَلَقَ، وأبْعَدَ السُّدِّيُّ في زَعْمِهِ أنَّ (بُشْرى) اسْمُ رَجُلٍ، وأضافَ البُشْرى إلى نَفْسِهِ فَكَأنَّهُ قالَ تَعالى: فَهَذا مِن آوِنَتِكَ، وقَرَأ ﴿يابُشْرى﴾ بِغَيْرِ إضافَةٍ الكُوفِيُّونَ، ورَوى ورْشٌ عَنْ نافِعٍ: (يا بُشْرايْ): بِسُكُونِ ياءِ الإضافَةِ، وهو جَمْعٌ بَيْنَ ساكِنَيْنِ عَلى غَيْرِ حِدَّةٍ وتَقَدَّمَ تَقْرِيرُ مِثْلِهِ في (ومَحْيايَ) وقَرَأ أبُو الطُّفَيْلِ والحَسَنُ وابْنُ أبِي إسْحاقَ والجَحْدَرِيُّ: ﴿يابُشْرى﴾ بِقَلْبِ الألِفِ ياءً وإدْغامِها في ياءِ الإضافَةِ، وهي لُغَةٌ لِهُذَيْلٍ، ولِناسٍ غَيْرِهِمْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْها في البَقَرَةِ، في ﴿فَمَن تَبِعَ هُدايَ﴾ [البقرة: ٣٨] قِيلَ: ذَهَبَ بِهِ الوارِدُ، فَلَمّا دَنا مِن أصْحابِهِ صاحَ بِذَلِكَ، فَبَشَّرَهم بِهِ وأسَرُوهُ، الظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ لِلسَّيّارَةِ الَّتِي الوارِدُ مِنهم أيْ: أخْفَوْهُ مِنَ الرُّفْقَةِ، أوْ كَتَمُوا أمْرَهُ مِن وِجْدانِهِمْ لَهُ في الجُبِّ وقالُوا: دَفَعَهُ إلَيْنا أهْلُ الماءِ لِنَبِيعَهُ لَهم بِمِصْرَ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الضَّمِيرُ في ﴿وأسَرُّوهُ﴾ ﴿وشَرَوْهُ﴾ [يوسف: ٢٠] لِإخْوَةِ يُوسُفَ، وأنَّهم قالُوا لِلرُّفْقَةِ: هَذا غُلامٌ قَدْ أبْقِ لَنا فاشْتَرُوهُ مِنّا، وسَكَتَ يُوسُفُ مَخافَةَ أنْ يَقْتُلُوهُ، وذَلِكَ أنَّهُ رُوِيَ أنَّ بَعْضَهم رَجَعَ إلى الجُبِّ لِيَتَحَقَّقُوا أمْرَ يُوسُفَ ويَقِفُوا عَلى الحَقِيقَةِ مِن فَقْدِهِ، فَلَمّا عَلِمُوا أنَّ الوارِدَ قَدْ أخَذُوهُ، جاءُوهم وقالُوا تِلْكَ المَقالَةَ، وانْتَصَبَ بِضاعَةً عَلى الحالِ أيْ: مَتْجَرًا لَهم ومَكْسَبًا.
﴿واللَّهُ عَلِيمٌ بِما يَعْمَلُونَ﴾ أيْ: لَمْ تَخَفَ عَلَيْهِ أسْرارُهم، وهو وعِيدٌ لَهم حَيْثُ اسْتَبْضَعُوا ما لَيْسَ لَهم، أوْ واللَّهُ عَلِيمٌ بِعَمَلِ إخْوَةِ يُوسُفَ بِأبِيهِمْ وأخِيهِمْ مِن سُوءِ الصُّنْعِ، وفي ذَلِكَ أعْظَمُ تِذْكارٍ بِما فَعَلُوا بِيُوسُفَ، قِيلَ: أوْحى اللَّهُ إلَيْهِ في الجُبِّ أنْ لا يُطْلِعَ أباهُ ولا غَيْرَهُ عَلى حالِهِ، لِحِكْمَةٍ أرادَ مَضاءَها، وظَهَرَ بَعْدَ ذَلِكَ ما جَرى لَهُ مِن جَعْلِهِ عَلى خَزائِنِ الأرْضِ، وإحْواجِ إخْوَتِهِ إلَيْهِ، ورَفْعِ أبَوَيْهِ عَلى العَرْشِ، وما جَرى مَجْرى ذَلِكَ مِمّا كانَ مَكْنُونًا في القَدَرِ.
يوسف 12:16
﴿فَلَمّا ذَهَبُوا بِهِ وأجْمَعُوا أنْ يَجْعَلُوهُ في غَيابَةِ الجُبِّ وأوْحَيْنا إلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهم بِأمْرِهِمْ هَذا وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ ﴿وجاءُوا أباهم عِشاءً يَبْكُونَ﴾ ﴿قالُوا ياأبانا إنّا ذَهَبْنا نَسْتَبِقُ وتَرَكْنا يُوسُفَ عِنْدَ مَتاعِنا فَأكَلَهُ الذِّئْبُ وما أنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا ولَوْ كُنّا صادِقِينَ﴾ ﴿وجاءُوا عَلى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكم أنْفُسُكم أمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ واللَّهُ المُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ﴾ ﴿وجاءَتْ سَيّارَةٌ فَأرْسَلُوا وارِدَهم فَأدْلى دَلْوَهُ قالَ يابُشْرى هَذا غُلامٌ وأسَرُّوهُ بِضاعَةً واللَّهُ عَلِيمٌ بِما يَعْمَلُونَ﴾
(p-٢٨٧)حُكِيَ أنَّهم قالُوا لِيُوسُفَ: اطْلُبْ مِن أبِيكَ أنْ يَبْعَثَكَ مَعَنا، فَأقْبَلَ عَلى يُوسُفَ فَقالَ: أتُحِبُّ ذَلِكَ ؟ قالَ: نَعَمْ. قالَ يَعْقُوبُ: إذا كانَ غَدًا أذِنْتُ لَكَ، فَلَمّا أصْبَحَ يُوسُفُ لَبِسَ ثِيابَهُ وشَدَّ عَلَيْهِ مِنطَقَتَهُ، وخَرَجَ مَعَ إخْوَتِهِ فَشَيَّعَهم يَعْقُوبُ وقالَ: يا بَنِيَّ أُوصِيكم بِتَقْوى اللَّهِ وبِحَبِيبِي يُوسُفَ، ثُمَّ أقْبَلَ عَلى يُوسُفَ وضَمَّهُ إلى صَدْرِهِ وقَبَّلَ بَيْنَ عَيْنَيْهِ ثُمَّ قالَ: اسْتَوْدَعَتُكَ اللَّهَ رَبَّ العالَمِينَ، وانْصَرَفَ فَحَمَلُوا يُوسُفَ عَلى أكْتافِهِمْ ما دامَ يَعْقُوبُ يَراهم، ثُمَّ لَمّا غابُوا عَنْ عَيْنِهِ طَرَحُوهُ لِيَعْدُوَ مَعَهم إضْرارًا بِهِ، وذَكَرَ المُفَسِّرُونَ أشْياءَ كَثِيرَةً تَتَضَمَّنُ كَيْفِيَّةَ إلْقائِهِ في غَيابَةِ الجُبِّ ومُجاوَرَتِهِ لَهم بِما يُلِينُ الصَّخْرَ، وهم لا يَزْدادُونَ إلّا قَساوَةً، ولَمْ يَتَعَرَّضِ القُرْآنُ ولا الحَدِيثُ الصَّحِيحُ لِشَيْءٍ مِنها، فَيُوقَفَ عَلَيْها في كُتُبِ التَّفْسِيرِ، وبَيْنَ هَذِهِ الجُمْلَةِ والجُمَلِ الَّتِي قَبْلَها مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ المَعْنى تَقْدِيرُهُ: فَأجابَهم إلى ما سَألُوهُ وأرْسَلَ مَعَهم يُوسُفَ، ﴿فَلَمّا ذَهَبُوا بِهِ وأجْمَعُوا﴾ أيْ: عَزَمُوا واتَّفَقُوا عَلى إلْقائِهِ في الجُبِّ، و﴿أنْ يَجْعَلُوهُ﴾ مَفْعُولُ (أجْمَعُوا)، يُقالُ: أجْمَعَ الأمْرَ وأزْمَعَهُ - بِمَعْنى العَزْمِ عَلَيْهِ - واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ الجَعْلُ هُنا بِمَعْنى الإلْقاءِ، وبِمَعْنى التَّصْيِيرِ، واخْتَلَفُوا في جَوابِ (لَمّا) أهْوَ مُثْبَتٌ ؟ أوْ مَحْذُوفٌ ؟ فَمَن قالَ: مُثْبَتٌ، قالَ: هو قَوْلُهم ﴿قالُوا ياأبانا إنّا ذَهَبْنا نَسْتَبِقُ﴾ أيْ: لَمّا كانَ كَيْتَ وكَيْتَ، قالُوا وهو تَخْرِيجٌ حَسَنٌ، وقِيلَ: هو أوْحَيْنا، والواوُ زائِدَةٌ، وعَلى هَذا مَذْهَبُ الكُوفِيِّينَ يُزادُ عِنْدَهم بَعْدَ لَمّا، وحَتّى إذا، وعَلى ذَلِكَ خَرَّجُوا قَوْلَهُ: ﴿فَلَمّا أسْلَما وتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ [الصافات: ١٠٣] ونادَيْناهُ أيْ: نادَيْناهُ، وقَوْلَهُ: ﴿حَتّى إذا جاءُوها وفُتِحَتْ﴾ [الزمر: ٧٣] أيْ: فُتِحَتْ. وقَوْلَ امْرِئِ القَيْسِ:
؎فَلَمّا أجَزْنا سَـاحَـةَ الحَيِّ وانْتَحى
أيِ: انْتَحى. ومَن قالَ: هو مَحْذُوفٌ، وهو رَأْيُ البَصْرِيِّينَ، فَقَدَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَعَلُوا بِهِ ما فَعَلُوا مِنَ الأذى، وحَكى الحِكايَةَ الطَّوِيلَةَ فِيما فَعَلُوا بِهِ، وما حاوَرُوهُ وحاوَرَهم بِهِ، قَدَّرَهُ بَعْضُهم: فَلَمّا ذَهَبُوا بِهِ وأجْمَعُوا أنْ يَجْعَلُوهُ في غَيابَةِ الجُبِّ عَظُمَتْ فِتْنَتُهم، وقَدَّرَهُ بَعْضُهم: جَعَلُوهُ فِيها، وهَذا أوْلى؛ إذْ يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿وأجْمَعُوا أنْ يَجْعَلُوهُ﴾ والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في ﴿وأوْحَيْنا إلَيْهِ﴾ عائِدٌ عَلى يُوسُفَ، وهو وحْيُ إلْهامٍ قالَهُ مُجاهِدٌ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أوْ مَنامٍ، وقالَ الضَّحّاكُ وقَتادَةُ: نَزَلَ عَلَيْهِ جِبْرِيلُ في البِئْرِ، وقالَ الحَسَنُ: أعْطاهُ اللَّهُ النُّبُوَّةَ في الجُبِّ وكانَ صَغِيرًا، كَما أوْحى إلى يَحْيَـى وعِيسى عَلَيْهِما السَّلامُ، وهو ظاهِرُ (أوْحَيْنا)، ويَدُلُّ عَلى أنَّ الضَّمِيرَ عائِدٌ عَلى يُوسُفَ قَوْلُهُ لَهم قالَ: ﴿هَلْ عَلِمْتُمْ ما فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وأخِيهِ إذْ أنْتُمْ جاهِلُونَ﴾ [يوسف: ٨٩] . وقِيلَ: الضَّمِيرُ في (إلَيْهِ) عائِدٌ عَلى يَعْقُوبَ، وإنَّما أُوحِيَ إلَيْهِ (p-٢٨٨)لِيَأْنَسَ في الظُّلْمَةِ مِنَ الوَحْدَةِ، ولِيُبَشَّرَ بِما يَئُولُ إلَيْهِ أمْرُهُ، ومَعْناهُ: لِلتَّخَلُّصِ مِمّا أنْتَ فِيهِ، ولَتُحَدِّثَنَّ إخْوَتَكَ بِما فَعَلُوا بِكَ، ﴿وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿لَتُنَبِّئَنَّهم بِأمْرِهِمْ هَذا﴾ أيْ: غَيْرَ عالِمِينَ أنَّكَ يُوسُفُ وقْتَ التَّنْبِئَةِ قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ، وذَلِكَ لِعُلُوِّ شَأْنِكَ وعَظَمَةِ سُلْطانِكَ، وبُعْدِ حالِكَ عَنْ أذْهانِهِمْ، ولِطُولِ العُمُرِ المُبْدِلِ لِلْهَيْئاتِ والأشْكالِ، وذَكَرَ أنَّهم حِينَ دَخَلُوا عَلَيْهِ مُمْتارِينَ فَعَرَفَهم وهم لَهُ مُنْكِرُونَ، دَعا بِالصُّواعِ فَوَضَعَهُ عَلى يَدِهِ ثُمَّ نَقَرَهُ فَطَنَّ فَقالَ: إنَّهُ لَيُخْبِرُنِي هَذا الجامُ أنَّهُ كانَ لَكم أخٌ مِن أبِيكم يُقالُ لَهُ: يُوسُفُ، وكانَ يُدْنِيهِ دُونَكم، وأنَّكُمُ انْطَلَقْتُمْ بِهِ وألْقَيْتُمُوهُ في غَيابَةِ الجُبِّ وقُلْتُمْ لِأبِيكم: أكَلَهُ الذِّئْبُ، وبِيعَ بِثَمَنٍ بَخْسٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ﴿وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ حالًا مِن قَوْلِهِ: (وأوْحَيْنا) أيْ: وهم لا يَشْعُرُونَ، قالَهُ قَتادَةُ؛ أيْ: بِإيحائِنا إلَيْكَ وما أخْبَرْناكَ بِهِ مِن نَجاتِكَ وطُولِ عُمُرِكَ، إلى أنْ تُنَبِّئَهم بِما فَعَلُوا بِكَ، وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿لَتُنَبِّئَنَّهُمْ﴾ بِتاءِ الخِطابِ، وابْنُ عُمَرَ بِياءِ الغَيْبَةِ، وكَذا في بَعْضِ مَصاحِفِ البَصْرَةِ. وقَرَأ (سَلامُنْ) بِالنُّونِ.
والَّذِي يَظْهَرُ مِن سِياقِ الأخْبارِ والقَصَصِ أنَّ يُوسُفَ كانَ صَغِيرًا، فَقِيلَ: كانَ عُمُرُهُ إذْ ذاكَ سَبْعَ سِنِينَ، وقِيلَ: سِتٌّ قالَهُ الضَّحّاكُ. وأبْعَدُ مَن ذَهَبَ إلى أنَّهُ اثْنَتا عَشْرَةَ سَنَةً، وثَمانَ عَشْرَةَ سَنَةً وكِلاهُما عَنِ الحَسَنِ، أوْ سَبْعَ عَشْرَةَ سَنَةً قالَهُ ابْنُ السّائِبِ، ويَدُلُّ عَلى أنَّهُ كانَ صَغِيرًا بِحَيْثُ لا يَدْفَعُ نَفْسَهُ، قَوْلُهُ: ﴿وأخافُ أنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ﴾ [يوسف: ١٣] (ويَرْتَعْ ويَلْعَبْ) ﴿وإنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾ [يوسف: ١٢]، وأخْذُ السَّيّارَةِ لَهُ، وقَوْلُ الوارِدِ: ﴿هَذا غُلامٌ﴾، وقَوْلُ العَزِيزِ: ﴿عَسى أنْ يَنْفَعَنا أوْ نَتَّخِذَهُ ولَدًا﴾ [يوسف: ٢١] وما حُكِيَ مِن حَمْلِهِمْ إيّاهُ واحِدًا بَعْدَ واحِدٍ، ومِن كَلامِهِ لِأخِيهِ يَهُوذا: ارْحَمْ ضَعْفِي وعَجْزِي وحَداثَةَ سِنِّي، وارْحَمْ قَلْبَ أبِيكَ يَعْقُوبَ، ومَن هو ابْنُ ثَمانَ عَشْرَةَ سَنَةً لا يُخافُ عَلَيْهِ مِنَ الذِّئْبِ ولا سِيَّما إنْ كانَ في رُفْقَةٍ، ولا يُقالُ فِيهِ: ﴿وإنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾ [يوسف: ٦٣] لِأنَّهُ إذْ ذاكَ قادِرٌ عَلى التَّحَيُّلِ في نَجاةِ نَفْسِهِ، ولا يُسَمّى غُلامًا إلّا بِمَجازٍ، ولا يُقالُ فِيهِ: ﴿أوْ نَتَّخِذَهُ ولَدًا﴾ [يوسف: ٢١] .
و﴿عِشاءً﴾ نُصِبَ عَلى الظَّرْفِ، أوْ مِنَ العَشْوَةِ، والعَشْوَةُ: الظَّلامُ، فَجُمِعَ عَلى فِعالٍ، مِثْلَ: راعٍ ورِعاءٍ، ويَكُونُ انْتِصابُهُ عَلى الحالِ كَقِراءَةِ الحَسَنِ (عُشًا) عَلى وزْنِ دُجًى، جَمْعُ عاشٍ، حُذِفَ مِنهُ الهاءُ كَما حُذِفَتْ في مالِكٍ، وأصْلُهُ مالِكَةٌ، وعَنِ الحَسَنِ (عُشَيًّا) عَلى التَّصْغِيرِ، قِيلَ: وإنَّما جاءُوا عِشاءً لِيَكُونَ أقْدَرَ عَلى الِاعْتِذارِ في الظُّلْمَةِ، ولِذا قِيلَ: لا تَطْلِبِ الحاجَةَ بِاللَّيْلِ فَإنَّ الحَياءَ في العَيْنَيْنِ، ولا تَعْتَذِرْ في النَّهارِ مِن ذَنْبٍ فَتَتَلَجْلَجُ في الِاعْتِذارِ، وفي الكَلامِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ: وجاءُوا أباهم دُونَ يُوسُفَ عِشاءً يَبْكُونَ، فَقالَ: أيْنَ يُوسُفُ ؟ قالُوا: إنّا ذَهَبْنا، ورُوِيَ أنَّ يَعْقُوبَ لَمّا سَمِعَ بُكاءَهم قالَ: ما لَكم، أجَرى في الغَنَمِ شَيْءٌ ؟ قالُوا: لا. قالَ: فَأيْنَ يُوسُفُ ؟ قالُوا: إنّا ذَهَبْنا نَسْتَبِقُ فَأكَلَهُ الذِّئْبُ، فَبَكى، وصاحَ، وخَرَّ مَغْشِيًّا عَلَيْهِ، فَأفاضُوا عَلَيْهِ الماءَ فَلَمْ يَتَحَرَّكْ، ونادَوْهُ فَلَمْ يُجِبْ، ووَضَعَ يَهُوذا يَدَهُ عَلى مَخارِجَ نَفَسِهِ فَلَمْ يُحِسَّ بِنَفَسِهِ ولا تَحَرَّكَ لَهُ عِرْقٌ فَقالَ: ويْلٌ لَنا مِن دَيّانِ يَوْمِ الدَّيْنِ الَّذِي ضَيَّعْنا أخانا وقَتَلْنا أبانا، فَلَمْ يُفِقْ إلّا بِبَرْدِ السَّحَرِ، قالَ الأعْمَشُ: لا يُصَدَّقُ باكٍ بَعْدَ إخْوَةِ يُوسُفَ. و﴿نَسْتَبِقُ﴾ أيْ: نَتَرامى بِالسِّهامِ، أوْ نَتَجارى عَلى الأقْدامِ أيُّنا أشَدُّ عَدْوًا، أوْ نَسْتَبِقُ في أعْمالٍ نَتَوَزَّعُها مِن سَقْيٍ ورَعْيٍ واحْتِطابٍ، أوْ نَتَصَيَّدُ؛ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
﴿عِنْدَ مَتاعِنا﴾ أيْ: عِنْدَ ثِيابِنا، وما تَجَرَّدْنا لَهُ حالَةَ الِاسْتِباقِ، وهَذا أيْضًا يَدُلُّ عَلى صِغَرِ يُوسُفَ؛ إذْ لَوْ كانَ ابْنَ ثَمانَ عَشْرَةَ سَنَةً أوْ سَبْعَ عَشْرَةَ لَكانَ يَسْتَبِقُ مَعَهم ﴿فَأكَلَهُ الذِّئْبُ﴾ قَدْ ذَكَرْنا أنَّهم تَلَقَّنُوا هَذا الجَوابَ مِن قَوْلِ أبِيهِمْ ﴿وأخافُ أنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ﴾ [يوسف: ١٣] لِأنَّ أكْلَ الذِّئْبِ إيّاهُ كانَ أغْلَبَ ما كانَ خافَ عَلَيْهِ.
﴿وما أنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا﴾ أيْ: بِمُصَدِّقٍ لَنا الآنَ ولَوْ كُنّا صادِقِينَ، أوَ لَسْتَ مُصَدِّقًا لَنا عَلى كُلِّ حالٍ حَتّى في حالَةِ الصِّدْقِ، لِما غَلَبَ عَلَيْكَ مِن تُهْمَتِنا وكَراهَتِنا في يُوسُفَ، وإنّا نَرْتادُ لَهُ الغَوائِلَ، ونَكِيدُ لَهُ المَكائِدَ، وأوْهَمُوا بِقَوْلِهِمْ: ﴿ولَوْ كُنّا صادِقِينَ﴾ أنَّهم صادِقُونَ في أكْلِ الذِّئْبِ يُوسُفَ، فَيَكُونُ صِدْقُهم مُقَيَّدًا بِهَذِهِ النّازِلَةِ، أوْ مِن أهْلِ الصِّدْقِ والثِّقَةِ عِنْدَ يَعْقُوبَ قَبْلَ هَذِهِ النّازِلَةِ، لِشِدَّةِ (p-٢٨٩)مَحَبَّتِكَ لِيُوسُفَ، فَكَيْفَ وأنْتَ سَيِّءُ الظَّنِّ بِنا في هَذِهِ النّازِلَةِ، غَيْرُ واثِقٍ بِقَوْلِنا فِيهِ ؟
رُوِيَ أنَّهم أخَذُوا سَخْلَةً أوْ جَدْيًا فَذَبَحُوهُ، ولَطَّخُوا قَمِيصَ يُوسُفَ بِدَمِهِ، وقالُوا لِيَعْقُوبَ: هَذا قَمِيصُ يُوسُفَ فَأخَذَهُ، ولَطَّخَ بِهِ وجْهَهُ وبَكى، ثُمَّ تَأمَّلَهُ فَلَمْ يَرَ خَرْقًا ولا ارْتابَ فاسْتَدَلَّ بِذَلِكَ عَلى خِلافِ ما زَعَمُوا وقالَ لَهم: مَتى كانَ الذِّئْبُ حَلِيمًا يَأْكُلُ يُوسُفَ ولا يَخْرِقُ قَمِيصَهُ ؟ قِيلَ: كانَ في قَمِيصِ يُوسُفَ ثَلاثُ آياتٍ، كانَ دَلِيلًا لِيَعْقُوبَ عَلى أنَّ يُوسُفَ لَمْ يَأْكُلْهُ الذِّئْبُ، وألْقاهُ عَلى وجْهِهِ فارْتَدَّ بَصِيرًا، ودَلِيلًا عَلى بَراءَةِ يُوسُفَ حِينَ قُدَّ مِن دُبُرٍ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: ﴿عَلى قَمِيصِهِ﴾ ما مَحَلُّهُ ؟ (قُلْتُ): مَحَلُّهُ النَّصْبُ عَلى الظَّرْفِ، كَأنَّهُ قِيلَ: وجاءُوا فَوْقَ قَمِيصِهِ بِدَمٍ، كَما تَقُولُ: جاءَ عَلى جِمالِهِ بِأحْمالٍ، (فَإنْ قُلْتَ): هَلْ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا مُقَدَّمَةً ؟ (قُلْتُ): لا؛ لِأنَّ حالَ المَجْرُورِ لا يَتَقَدَّمُ عَلَيْهِ، انْتَهى. ولا يُساعِدُ المَعْنى عَلى نَصْبِ ”عَلى“ عَلى الظَّرْفِ بِمَعْنى فَوْقَ؛ لِأنَّ العامِلَ فِيهِ إذْ ذاكَ (جاءُوا)، ولَيْسَ الفَوْقُ ظَرْفًا لَهم، بَلْ يَسْتَحِيلُ أنْ يَكُونَ ظَرْفًا لَهم، وقالَ الحَوْفِيُّ: (عَلى) مُتَعَلِّقٌ بِـ (جاءُوا) ولا يَصِحُّ أيْضًا، وأمّا المِثالُ الَّذِي ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ وهو جاءَ عَلى جِمالِهِ بِأحْمالٍ فَيُمْكِنُ أنْ يَكُونَ ظَرْفًا لِلْجائِي؛ لِأنَّهُ تَمَكَّنَ الظَّرْفِيَّةُ فِيهِ بِاعْتِبارِ تَبَدُّلِهِ مِن جَمَلٍ عَلى جَمَلٍ، ويَكُونُ بِأحْمالٍ في مَوْضِعِ الحالِ؛ أيْ: مَصْحُوبًا بِأحْمالٍ، وقالَ أبُو البَقاءِ: عَلى قَمِيصِهِ في مَوْضِعِ نَصْبِ حالًا مِنَ الدَّمِ؛ لِأنَّ التَّقْدِيرَ: جاءُوا بِدَمٍ كَذِبٍ عَلى قَمِيصِهِ، انْتَهى. وتَقْدِيمُ الحالِ عَلى المَجْرُورِ بِالحَرْفِ غَيْرِ الزّائِدِ في جَوازِهِ خِلافٌ، ومَن أجازَ اسْتَدَلَّ عَلى ذَلِكَ بِأنَّهُ مَوْجُودٌ في لِسانِ العَرَبِ، وأنْشَدَ عَلى ذَلِكَ شَواهِدَ هي مَذْكُورَةٌ في عِلْمِ النَّحْوِ، والمَعْنى: يُرْشِدُ إلى ما قالَهُ أبُو البَقاءِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: (كَذِبٍ) وصْفٌ لِـ (دَمٍ) عَلى سَبِيلِ المُبالَغَةِ، أوْ عَلى حَذْفِ مُضافٍ؛ أيْ: ذِي كَذِبٍ، لَمّا كانَ دالًّا عَلى الكَذِبِ وُصِفَ بِهِ، وإنْ كانَ الكَذِبُ صادِرًا مِن غَيْرِهِ، وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: (كَذِبًا) بِالنَّصْبِ، فاحْتُمِلَ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا في مَوْضِعِ الحالِ، وأنْ يَكُونَ مَفْعُولًا مِن أجْلِهِ، وقَرَأتْ عائِشَةُ والحَسَنُ: (كَدِبٍ) بِالدّالِ غَيْرَ مُعْجَمَةٍ، وفُسِّرَ بِالكَدَرِ، وقِيلَ: الطَّرِيُّ، وقِيلَ: اليابِسُ، وقالَ صاحِبُ اللَوامِحِ: ومَعْناهُ ذِي كَذِبٍ؛ أيْ: أثَرٍ؛ لِأنَّ الكَذِبَ هو بَياضٌ يَخْرُجُ في أظافِيرِ الشُّبّانِ ويُؤَثِّرُ فِيها، فَهو كالنَّقْشِ، ويُسَمّى ذَلِكَ البَياضُ الفُوفَ، فَيَكُونُ هَذا اسْتِعارَةً لِتَأْثِيرِهِ في القَمِيصِ، كَتَأْثِيرِ ذَلِكَ في الأظافِيرِ، قالَ: (بَلْ سَوَّلَتْ) هُنا مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: لَمْ يَأْكُلْهُ الذِّئْبُ بَلْ سَوَّلَتْ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أمَرْتُكم أمْرًا، وقالَ قَتادَةُ: زَيَّنَتْ، وقِيلَ: رَضِيَتْ أمْرًا؛ أيْ: صَنِيعًا قَبِيحًا، وقِيلَ: سَهَّلَتْ، فَصَبْرٌ جَمِيلٌ؛ أيْ: فَأمْرِي صَبْرٌ جَمِيلٌ، أوْ فَصَبْرٌ جَمِيلٌ أمْثَلُ، وقَرَأ أُبَيٌّ، والأشْهَبُ وعِيسى بْنُ عُمَرَ: (فَصَبْرًا جَمِيلًا) بِنَصْبِهِما، وكَذا هي في مُصْحَفِ أُبَيٍّ، ومُصْحَفِ أنَسِ بْنِ مالِكٍ، ورُوِيَ كَذَلِكَ عَنِ الكِسائِيِّ، ونَصَبَهُ عَلى المَصْدَرِ الخَبَرِيِّ؛ أيْ: فاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا، قِيلَ: وهي قِراءَةٌ ضَعِيفَةٌ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ، ولا يَصْلُحُ النَّصْبُ في مِثْلِ هَذا إلّا مَعَ الأمْرِ، وكَذَلِكَ يَحْسُنُ النَّصْبُ في قَوْلِهِ:
؎شَكا إلَيَّ جَمَلِي طُولَ السَّرى ∗∗∗ صَبْرًا جَمِيلًا فَكِلانا مُبْتَلى
ويُرْوى ”صَبْرٌ جَمِيلٌ“ في البَيْتِ، وإنَّما تَصِحُّ قِراءَةُ النَّصْبِ عَلى أنْ يُقَدَّرَ أنَّ يَعْقُوبَ رَجَعَ إلى مُخاطَبَةِ نَفْسِهِ فَكَأنَّهُ قالَ: فاصْبِرِي يا نَفْسُ صَبْرًا جَمِيلًا، وفي الحَدِيثِ: «أنَّ الصَّبْرَ الجَمِيلَ أنَّهُ الَّذِي لا شَكْوى فِيهِ» أيْ: إلى الخَلْقِ، ألا تَرى إلى قَوْلِهِ: ﴿إنَّما أشْكُو بَثِّي وحُزْنِي إلى اللَّهِ﴾ [يوسف: ٨٦] وقِيلَ: أتَجَمَّلُ لَكم في صَبْرِي فَلا أُعاشِرُكم عَلى كَآبَةِ الوَجْهِ، وعُبُوسِ الجَبِينِ، بَلْ عَلى ما كُنْتُ عَلَيْهِ مَعَكم. وقالَ الثَّوْرِيُّ: مِنَ الصَّبْرِ أنْ لا تُحَدِّثَ بِما يُوجِعُكَ ولا بِمُصِيبَتِكَ ولا تَبْكِي نَفْسَكَ.
﴿واللَّهُ المُسْتَعانُ﴾ أيْ: المَطْلُوبُ مِنهُ العَوْنُ عَلى احْتِمالِ ما تَصِفُونَ مِن هَلاكِ يُوسُفَ، والصَّبْرُ عَلى الرَّزِيَّةِ.
﴿وجاءَتْ سَيّارَةٌ﴾ قِيلَ: كانُوا مِن مَدْيَنَ قاصِدِينَ إلى مِصْرَ، وقِيلَ: في الكَلامِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ: وأقامَ يُوسُفُ في الجُبِّ ثَلاثَةَ أيّامٍ، وكانَ أخُوهُ (p-٢٩٠)يَهُوذا يَأْتِيهِ بِالطَّعامِ خِفْيَةً مِن إخْوَتِهِ. وقِيلَ: جاءَتِ السَّيّارَةُ في اليَوْمِ الثّانِي مِن طَرْحِهِ في الجُبِّ. وقِيلَ: كانَ التَّسْبِيحُ غِذاءَهُ في الجُبِّ. قِيلَ: وكانَتِ السَّيّارَةُ تائِهَةً تَسِيرُ مِن أرْضٍ إلى أرْضٍ، وقِيلَ: سَيّارَةٌ في الطَّرِيقِ أخْطَأُوهُ فَنَزَلُوا قَرِيبًا مِنَ الجُبِّ، وكانَ في قَفْرَةٍ بَعِيدَةٍ مِنَ العُمْرانِ لَمْ تَكُنْ إلّا لِلرُّعاةِ، وفِيهِمْ مالِكُ بْنُ دُعْرٍ الخُزاعِيُّ فَأرْسَلُوهُ لِيَطْلُبَ لَهُمُ الماءَ، والوارِدُ الَّذِي يَرِدُ الماءَ لِيَسْتَقِيَ لِلْقَوْمِ، وإضافَةُ الوارِدِ لِلضَّمِيرِ كَإضافَتِهِ في قَوْلِهِ: ألْقَيْتُ كاسِبَهم، لَيْسَتْ إضافَةً إلى المَفْعُولِ، بَلِ المَعْنى الَّذِي يَرِدُ عَلَيْهِمْ والَّذِي يَكْسِبُ لَهم، والظّاهِرُ أنَّ الوارِدَ واحِدٌ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والوارِدُ هُنا يُمْكِنُ أنْ يَقَعَ عَلى الواحِدِ وعَلى جَماعَةٍ، انْتَهى. وحُمِلَ عَلى مَعْنى السَّيّارَةِ في قَوْلِهِ: ﴿فَأرْسَلُوا﴾، ولَوْ حُمِلَ عَلى اللَّفْظِ لَكانَ التَّرْتِيبُ فَأرْسَلَتْ وارِدَها.
﴿فَأدْلى دَلْوَهُ﴾ أيْ: أرْسَلَها لِيَسْتَقِيَ الماءَ قالَ: يا بُشْرايَ، في الكَلامِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ: فَتَعَلَّقَ يُوسُفُ بِحَبْلِ الدَّلْوِ، فَلَمّا بَصُرَ بِهِ المُدْلِي قالَ: يا بُشْرايَ، وتَعَلُّقُهُ بِالحَبْلِ يَدُلُّ عَلى صِغَرِهِ، إذْ لَوْ كانَ ابْنَ ثَمانِيَةَ عَشَرَ أوْ سَبْعَةَ عَشَرَ لَمْ يَحْمِلْهُ الحَبْلُ غالِبًا، ولَفْظَةُ غُلامٍ تُرَجِّحُ ذَلِكَ، إذْ يُطْلَقُ عَلَيْهِ ما بَيْنَ الحَوْلَيْنِ إلى البُلُوغِ حَقِيقَةً، وقَدْ يُطْلَقُ عَلى الرَّجُلِ الكامِلِ لِقَوْلِ لَيْلى الأخْيَلِيَّةِ في الحَجّاجِ بْنِ يُوسُفَ:
؎غُلامٌ إذا هَزَّ القَناةَ سَقاها
وقَوْلُهُ: يا بُشْرايَ؛ هو عَلى سَبِيلِ السُّرُورِ والفَرَحِ بِيُوسُفَ، إذْ رَأى أحْسَنَ ما خَلَقَ، وأبْعَدَ السُّدِّيُّ في زَعْمِهِ أنَّ (بُشْرى) اسْمُ رَجُلٍ، وأضافَ البُشْرى إلى نَفْسِهِ فَكَأنَّهُ قالَ تَعالى: فَهَذا مِن آوِنَتِكَ، وقَرَأ ﴿يابُشْرى﴾ بِغَيْرِ إضافَةٍ الكُوفِيُّونَ، ورَوى ورْشٌ عَنْ نافِعٍ: (يا بُشْرايْ): بِسُكُونِ ياءِ الإضافَةِ، وهو جَمْعٌ بَيْنَ ساكِنَيْنِ عَلى غَيْرِ حِدَّةٍ وتَقَدَّمَ تَقْرِيرُ مِثْلِهِ في (ومَحْيايَ) وقَرَأ أبُو الطُّفَيْلِ والحَسَنُ وابْنُ أبِي إسْحاقَ والجَحْدَرِيُّ: ﴿يابُشْرى﴾ بِقَلْبِ الألِفِ ياءً وإدْغامِها في ياءِ الإضافَةِ، وهي لُغَةٌ لِهُذَيْلٍ، ولِناسٍ غَيْرِهِمْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْها في البَقَرَةِ، في ﴿فَمَن تَبِعَ هُدايَ﴾ [البقرة: ٣٨] قِيلَ: ذَهَبَ بِهِ الوارِدُ، فَلَمّا دَنا مِن أصْحابِهِ صاحَ بِذَلِكَ، فَبَشَّرَهم بِهِ وأسَرُوهُ، الظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ لِلسَّيّارَةِ الَّتِي الوارِدُ مِنهم أيْ: أخْفَوْهُ مِنَ الرُّفْقَةِ، أوْ كَتَمُوا أمْرَهُ مِن وِجْدانِهِمْ لَهُ في الجُبِّ وقالُوا: دَفَعَهُ إلَيْنا أهْلُ الماءِ لِنَبِيعَهُ لَهم بِمِصْرَ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الضَّمِيرُ في ﴿وأسَرُّوهُ﴾ ﴿وشَرَوْهُ﴾ [يوسف: ٢٠] لِإخْوَةِ يُوسُفَ، وأنَّهم قالُوا لِلرُّفْقَةِ: هَذا غُلامٌ قَدْ أبْقِ لَنا فاشْتَرُوهُ مِنّا، وسَكَتَ يُوسُفُ مَخافَةَ أنْ يَقْتُلُوهُ، وذَلِكَ أنَّهُ رُوِيَ أنَّ بَعْضَهم رَجَعَ إلى الجُبِّ لِيَتَحَقَّقُوا أمْرَ يُوسُفَ ويَقِفُوا عَلى الحَقِيقَةِ مِن فَقْدِهِ، فَلَمّا عَلِمُوا أنَّ الوارِدَ قَدْ أخَذُوهُ، جاءُوهم وقالُوا تِلْكَ المَقالَةَ، وانْتَصَبَ بِضاعَةً عَلى الحالِ أيْ: مَتْجَرًا لَهم ومَكْسَبًا.
﴿واللَّهُ عَلِيمٌ بِما يَعْمَلُونَ﴾ أيْ: لَمْ تَخَفَ عَلَيْهِ أسْرارُهم، وهو وعِيدٌ لَهم حَيْثُ اسْتَبْضَعُوا ما لَيْسَ لَهم، أوْ واللَّهُ عَلِيمٌ بِعَمَلِ إخْوَةِ يُوسُفَ بِأبِيهِمْ وأخِيهِمْ مِن سُوءِ الصُّنْعِ، وفي ذَلِكَ أعْظَمُ تِذْكارٍ بِما فَعَلُوا بِيُوسُفَ، قِيلَ: أوْحى اللَّهُ إلَيْهِ في الجُبِّ أنْ لا يُطْلِعَ أباهُ ولا غَيْرَهُ عَلى حالِهِ، لِحِكْمَةٍ أرادَ مَضاءَها، وظَهَرَ بَعْدَ ذَلِكَ ما جَرى لَهُ مِن جَعْلِهِ عَلى خَزائِنِ الأرْضِ، وإحْواجِ إخْوَتِهِ إلَيْهِ، ورَفْعِ أبَوَيْهِ عَلى العَرْشِ، وما جَرى مَجْرى ذَلِكَ مِمّا كانَ مَكْنُونًا في القَدَرِ.
يوسف 12:17
﴿فَلَمّا ذَهَبُوا بِهِ وأجْمَعُوا أنْ يَجْعَلُوهُ في غَيابَةِ الجُبِّ وأوْحَيْنا إلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهم بِأمْرِهِمْ هَذا وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ ﴿وجاءُوا أباهم عِشاءً يَبْكُونَ﴾ ﴿قالُوا ياأبانا إنّا ذَهَبْنا نَسْتَبِقُ وتَرَكْنا يُوسُفَ عِنْدَ مَتاعِنا فَأكَلَهُ الذِّئْبُ وما أنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا ولَوْ كُنّا صادِقِينَ﴾ ﴿وجاءُوا عَلى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكم أنْفُسُكم أمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ واللَّهُ المُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ﴾ ﴿وجاءَتْ سَيّارَةٌ فَأرْسَلُوا وارِدَهم فَأدْلى دَلْوَهُ قالَ يابُشْرى هَذا غُلامٌ وأسَرُّوهُ بِضاعَةً واللَّهُ عَلِيمٌ بِما يَعْمَلُونَ﴾
(p-٢٨٧)حُكِيَ أنَّهم قالُوا لِيُوسُفَ: اطْلُبْ مِن أبِيكَ أنْ يَبْعَثَكَ مَعَنا، فَأقْبَلَ عَلى يُوسُفَ فَقالَ: أتُحِبُّ ذَلِكَ ؟ قالَ: نَعَمْ. قالَ يَعْقُوبُ: إذا كانَ غَدًا أذِنْتُ لَكَ، فَلَمّا أصْبَحَ يُوسُفُ لَبِسَ ثِيابَهُ وشَدَّ عَلَيْهِ مِنطَقَتَهُ، وخَرَجَ مَعَ إخْوَتِهِ فَشَيَّعَهم يَعْقُوبُ وقالَ: يا بَنِيَّ أُوصِيكم بِتَقْوى اللَّهِ وبِحَبِيبِي يُوسُفَ، ثُمَّ أقْبَلَ عَلى يُوسُفَ وضَمَّهُ إلى صَدْرِهِ وقَبَّلَ بَيْنَ عَيْنَيْهِ ثُمَّ قالَ: اسْتَوْدَعَتُكَ اللَّهَ رَبَّ العالَمِينَ، وانْصَرَفَ فَحَمَلُوا يُوسُفَ عَلى أكْتافِهِمْ ما دامَ يَعْقُوبُ يَراهم، ثُمَّ لَمّا غابُوا عَنْ عَيْنِهِ طَرَحُوهُ لِيَعْدُوَ مَعَهم إضْرارًا بِهِ، وذَكَرَ المُفَسِّرُونَ أشْياءَ كَثِيرَةً تَتَضَمَّنُ كَيْفِيَّةَ إلْقائِهِ في غَيابَةِ الجُبِّ ومُجاوَرَتِهِ لَهم بِما يُلِينُ الصَّخْرَ، وهم لا يَزْدادُونَ إلّا قَساوَةً، ولَمْ يَتَعَرَّضِ القُرْآنُ ولا الحَدِيثُ الصَّحِيحُ لِشَيْءٍ مِنها، فَيُوقَفَ عَلَيْها في كُتُبِ التَّفْسِيرِ، وبَيْنَ هَذِهِ الجُمْلَةِ والجُمَلِ الَّتِي قَبْلَها مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ المَعْنى تَقْدِيرُهُ: فَأجابَهم إلى ما سَألُوهُ وأرْسَلَ مَعَهم يُوسُفَ، ﴿فَلَمّا ذَهَبُوا بِهِ وأجْمَعُوا﴾ أيْ: عَزَمُوا واتَّفَقُوا عَلى إلْقائِهِ في الجُبِّ، و﴿أنْ يَجْعَلُوهُ﴾ مَفْعُولُ (أجْمَعُوا)، يُقالُ: أجْمَعَ الأمْرَ وأزْمَعَهُ - بِمَعْنى العَزْمِ عَلَيْهِ - واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ الجَعْلُ هُنا بِمَعْنى الإلْقاءِ، وبِمَعْنى التَّصْيِيرِ، واخْتَلَفُوا في جَوابِ (لَمّا) أهْوَ مُثْبَتٌ ؟ أوْ مَحْذُوفٌ ؟ فَمَن قالَ: مُثْبَتٌ، قالَ: هو قَوْلُهم ﴿قالُوا ياأبانا إنّا ذَهَبْنا نَسْتَبِقُ﴾ أيْ: لَمّا كانَ كَيْتَ وكَيْتَ، قالُوا وهو تَخْرِيجٌ حَسَنٌ، وقِيلَ: هو أوْحَيْنا، والواوُ زائِدَةٌ، وعَلى هَذا مَذْهَبُ الكُوفِيِّينَ يُزادُ عِنْدَهم بَعْدَ لَمّا، وحَتّى إذا، وعَلى ذَلِكَ خَرَّجُوا قَوْلَهُ: ﴿فَلَمّا أسْلَما وتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ [الصافات: ١٠٣] ونادَيْناهُ أيْ: نادَيْناهُ، وقَوْلَهُ: ﴿حَتّى إذا جاءُوها وفُتِحَتْ﴾ [الزمر: ٧٣] أيْ: فُتِحَتْ. وقَوْلَ امْرِئِ القَيْسِ:
؎فَلَمّا أجَزْنا سَـاحَـةَ الحَيِّ وانْتَحى
أيِ: انْتَحى. ومَن قالَ: هو مَحْذُوفٌ، وهو رَأْيُ البَصْرِيِّينَ، فَقَدَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَعَلُوا بِهِ ما فَعَلُوا مِنَ الأذى، وحَكى الحِكايَةَ الطَّوِيلَةَ فِيما فَعَلُوا بِهِ، وما حاوَرُوهُ وحاوَرَهم بِهِ، قَدَّرَهُ بَعْضُهم: فَلَمّا ذَهَبُوا بِهِ وأجْمَعُوا أنْ يَجْعَلُوهُ في غَيابَةِ الجُبِّ عَظُمَتْ فِتْنَتُهم، وقَدَّرَهُ بَعْضُهم: جَعَلُوهُ فِيها، وهَذا أوْلى؛ إذْ يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿وأجْمَعُوا أنْ يَجْعَلُوهُ﴾ والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في ﴿وأوْحَيْنا إلَيْهِ﴾ عائِدٌ عَلى يُوسُفَ، وهو وحْيُ إلْهامٍ قالَهُ مُجاهِدٌ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أوْ مَنامٍ، وقالَ الضَّحّاكُ وقَتادَةُ: نَزَلَ عَلَيْهِ جِبْرِيلُ في البِئْرِ، وقالَ الحَسَنُ: أعْطاهُ اللَّهُ النُّبُوَّةَ في الجُبِّ وكانَ صَغِيرًا، كَما أوْحى إلى يَحْيَـى وعِيسى عَلَيْهِما السَّلامُ، وهو ظاهِرُ (أوْحَيْنا)، ويَدُلُّ عَلى أنَّ الضَّمِيرَ عائِدٌ عَلى يُوسُفَ قَوْلُهُ لَهم قالَ: ﴿هَلْ عَلِمْتُمْ ما فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وأخِيهِ إذْ أنْتُمْ جاهِلُونَ﴾ [يوسف: ٨٩] . وقِيلَ: الضَّمِيرُ في (إلَيْهِ) عائِدٌ عَلى يَعْقُوبَ، وإنَّما أُوحِيَ إلَيْهِ (p-٢٨٨)لِيَأْنَسَ في الظُّلْمَةِ مِنَ الوَحْدَةِ، ولِيُبَشَّرَ بِما يَئُولُ إلَيْهِ أمْرُهُ، ومَعْناهُ: لِلتَّخَلُّصِ مِمّا أنْتَ فِيهِ، ولَتُحَدِّثَنَّ إخْوَتَكَ بِما فَعَلُوا بِكَ، ﴿وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿لَتُنَبِّئَنَّهم بِأمْرِهِمْ هَذا﴾ أيْ: غَيْرَ عالِمِينَ أنَّكَ يُوسُفُ وقْتَ التَّنْبِئَةِ قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ، وذَلِكَ لِعُلُوِّ شَأْنِكَ وعَظَمَةِ سُلْطانِكَ، وبُعْدِ حالِكَ عَنْ أذْهانِهِمْ، ولِطُولِ العُمُرِ المُبْدِلِ لِلْهَيْئاتِ والأشْكالِ، وذَكَرَ أنَّهم حِينَ دَخَلُوا عَلَيْهِ مُمْتارِينَ فَعَرَفَهم وهم لَهُ مُنْكِرُونَ، دَعا بِالصُّواعِ فَوَضَعَهُ عَلى يَدِهِ ثُمَّ نَقَرَهُ فَطَنَّ فَقالَ: إنَّهُ لَيُخْبِرُنِي هَذا الجامُ أنَّهُ كانَ لَكم أخٌ مِن أبِيكم يُقالُ لَهُ: يُوسُفُ، وكانَ يُدْنِيهِ دُونَكم، وأنَّكُمُ انْطَلَقْتُمْ بِهِ وألْقَيْتُمُوهُ في غَيابَةِ الجُبِّ وقُلْتُمْ لِأبِيكم: أكَلَهُ الذِّئْبُ، وبِيعَ بِثَمَنٍ بَخْسٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ﴿وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ حالًا مِن قَوْلِهِ: (وأوْحَيْنا) أيْ: وهم لا يَشْعُرُونَ، قالَهُ قَتادَةُ؛ أيْ: بِإيحائِنا إلَيْكَ وما أخْبَرْناكَ بِهِ مِن نَجاتِكَ وطُولِ عُمُرِكَ، إلى أنْ تُنَبِّئَهم بِما فَعَلُوا بِكَ، وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿لَتُنَبِّئَنَّهُمْ﴾ بِتاءِ الخِطابِ، وابْنُ عُمَرَ بِياءِ الغَيْبَةِ، وكَذا في بَعْضِ مَصاحِفِ البَصْرَةِ. وقَرَأ (سَلامُنْ) بِالنُّونِ.
والَّذِي يَظْهَرُ مِن سِياقِ الأخْبارِ والقَصَصِ أنَّ يُوسُفَ كانَ صَغِيرًا، فَقِيلَ: كانَ عُمُرُهُ إذْ ذاكَ سَبْعَ سِنِينَ، وقِيلَ: سِتٌّ قالَهُ الضَّحّاكُ. وأبْعَدُ مَن ذَهَبَ إلى أنَّهُ اثْنَتا عَشْرَةَ سَنَةً، وثَمانَ عَشْرَةَ سَنَةً وكِلاهُما عَنِ الحَسَنِ، أوْ سَبْعَ عَشْرَةَ سَنَةً قالَهُ ابْنُ السّائِبِ، ويَدُلُّ عَلى أنَّهُ كانَ صَغِيرًا بِحَيْثُ لا يَدْفَعُ نَفْسَهُ، قَوْلُهُ: ﴿وأخافُ أنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ﴾ [يوسف: ١٣] (ويَرْتَعْ ويَلْعَبْ) ﴿وإنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾ [يوسف: ١٢]، وأخْذُ السَّيّارَةِ لَهُ، وقَوْلُ الوارِدِ: ﴿هَذا غُلامٌ﴾، وقَوْلُ العَزِيزِ: ﴿عَسى أنْ يَنْفَعَنا أوْ نَتَّخِذَهُ ولَدًا﴾ [يوسف: ٢١] وما حُكِيَ مِن حَمْلِهِمْ إيّاهُ واحِدًا بَعْدَ واحِدٍ، ومِن كَلامِهِ لِأخِيهِ يَهُوذا: ارْحَمْ ضَعْفِي وعَجْزِي وحَداثَةَ سِنِّي، وارْحَمْ قَلْبَ أبِيكَ يَعْقُوبَ، ومَن هو ابْنُ ثَمانَ عَشْرَةَ سَنَةً لا يُخافُ عَلَيْهِ مِنَ الذِّئْبِ ولا سِيَّما إنْ كانَ في رُفْقَةٍ، ولا يُقالُ فِيهِ: ﴿وإنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾ [يوسف: ٦٣] لِأنَّهُ إذْ ذاكَ قادِرٌ عَلى التَّحَيُّلِ في نَجاةِ نَفْسِهِ، ولا يُسَمّى غُلامًا إلّا بِمَجازٍ، ولا يُقالُ فِيهِ: ﴿أوْ نَتَّخِذَهُ ولَدًا﴾ [يوسف: ٢١] .
و﴿عِشاءً﴾ نُصِبَ عَلى الظَّرْفِ، أوْ مِنَ العَشْوَةِ، والعَشْوَةُ: الظَّلامُ، فَجُمِعَ عَلى فِعالٍ، مِثْلَ: راعٍ ورِعاءٍ، ويَكُونُ انْتِصابُهُ عَلى الحالِ كَقِراءَةِ الحَسَنِ (عُشًا) عَلى وزْنِ دُجًى، جَمْعُ عاشٍ، حُذِفَ مِنهُ الهاءُ كَما حُذِفَتْ في مالِكٍ، وأصْلُهُ مالِكَةٌ، وعَنِ الحَسَنِ (عُشَيًّا) عَلى التَّصْغِيرِ، قِيلَ: وإنَّما جاءُوا عِشاءً لِيَكُونَ أقْدَرَ عَلى الِاعْتِذارِ في الظُّلْمَةِ، ولِذا قِيلَ: لا تَطْلِبِ الحاجَةَ بِاللَّيْلِ فَإنَّ الحَياءَ في العَيْنَيْنِ، ولا تَعْتَذِرْ في النَّهارِ مِن ذَنْبٍ فَتَتَلَجْلَجُ في الِاعْتِذارِ، وفي الكَلامِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ: وجاءُوا أباهم دُونَ يُوسُفَ عِشاءً يَبْكُونَ، فَقالَ: أيْنَ يُوسُفُ ؟ قالُوا: إنّا ذَهَبْنا، ورُوِيَ أنَّ يَعْقُوبَ لَمّا سَمِعَ بُكاءَهم قالَ: ما لَكم، أجَرى في الغَنَمِ شَيْءٌ ؟ قالُوا: لا. قالَ: فَأيْنَ يُوسُفُ ؟ قالُوا: إنّا ذَهَبْنا نَسْتَبِقُ فَأكَلَهُ الذِّئْبُ، فَبَكى، وصاحَ، وخَرَّ مَغْشِيًّا عَلَيْهِ، فَأفاضُوا عَلَيْهِ الماءَ فَلَمْ يَتَحَرَّكْ، ونادَوْهُ فَلَمْ يُجِبْ، ووَضَعَ يَهُوذا يَدَهُ عَلى مَخارِجَ نَفَسِهِ فَلَمْ يُحِسَّ بِنَفَسِهِ ولا تَحَرَّكَ لَهُ عِرْقٌ فَقالَ: ويْلٌ لَنا مِن دَيّانِ يَوْمِ الدَّيْنِ الَّذِي ضَيَّعْنا أخانا وقَتَلْنا أبانا، فَلَمْ يُفِقْ إلّا بِبَرْدِ السَّحَرِ، قالَ الأعْمَشُ: لا يُصَدَّقُ باكٍ بَعْدَ إخْوَةِ يُوسُفَ. و﴿نَسْتَبِقُ﴾ أيْ: نَتَرامى بِالسِّهامِ، أوْ نَتَجارى عَلى الأقْدامِ أيُّنا أشَدُّ عَدْوًا، أوْ نَسْتَبِقُ في أعْمالٍ نَتَوَزَّعُها مِن سَقْيٍ ورَعْيٍ واحْتِطابٍ، أوْ نَتَصَيَّدُ؛ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
﴿عِنْدَ مَتاعِنا﴾ أيْ: عِنْدَ ثِيابِنا، وما تَجَرَّدْنا لَهُ حالَةَ الِاسْتِباقِ، وهَذا أيْضًا يَدُلُّ عَلى صِغَرِ يُوسُفَ؛ إذْ لَوْ كانَ ابْنَ ثَمانَ عَشْرَةَ سَنَةً أوْ سَبْعَ عَشْرَةَ لَكانَ يَسْتَبِقُ مَعَهم ﴿فَأكَلَهُ الذِّئْبُ﴾ قَدْ ذَكَرْنا أنَّهم تَلَقَّنُوا هَذا الجَوابَ مِن قَوْلِ أبِيهِمْ ﴿وأخافُ أنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ﴾ [يوسف: ١٣] لِأنَّ أكْلَ الذِّئْبِ إيّاهُ كانَ أغْلَبَ ما كانَ خافَ عَلَيْهِ.
﴿وما أنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا﴾ أيْ: بِمُصَدِّقٍ لَنا الآنَ ولَوْ كُنّا صادِقِينَ، أوَ لَسْتَ مُصَدِّقًا لَنا عَلى كُلِّ حالٍ حَتّى في حالَةِ الصِّدْقِ، لِما غَلَبَ عَلَيْكَ مِن تُهْمَتِنا وكَراهَتِنا في يُوسُفَ، وإنّا نَرْتادُ لَهُ الغَوائِلَ، ونَكِيدُ لَهُ المَكائِدَ، وأوْهَمُوا بِقَوْلِهِمْ: ﴿ولَوْ كُنّا صادِقِينَ﴾ أنَّهم صادِقُونَ في أكْلِ الذِّئْبِ يُوسُفَ، فَيَكُونُ صِدْقُهم مُقَيَّدًا بِهَذِهِ النّازِلَةِ، أوْ مِن أهْلِ الصِّدْقِ والثِّقَةِ عِنْدَ يَعْقُوبَ قَبْلَ هَذِهِ النّازِلَةِ، لِشِدَّةِ (p-٢٨٩)مَحَبَّتِكَ لِيُوسُفَ، فَكَيْفَ وأنْتَ سَيِّءُ الظَّنِّ بِنا في هَذِهِ النّازِلَةِ، غَيْرُ واثِقٍ بِقَوْلِنا فِيهِ ؟
رُوِيَ أنَّهم أخَذُوا سَخْلَةً أوْ جَدْيًا فَذَبَحُوهُ، ولَطَّخُوا قَمِيصَ يُوسُفَ بِدَمِهِ، وقالُوا لِيَعْقُوبَ: هَذا قَمِيصُ يُوسُفَ فَأخَذَهُ، ولَطَّخَ بِهِ وجْهَهُ وبَكى، ثُمَّ تَأمَّلَهُ فَلَمْ يَرَ خَرْقًا ولا ارْتابَ فاسْتَدَلَّ بِذَلِكَ عَلى خِلافِ ما زَعَمُوا وقالَ لَهم: مَتى كانَ الذِّئْبُ حَلِيمًا يَأْكُلُ يُوسُفَ ولا يَخْرِقُ قَمِيصَهُ ؟ قِيلَ: كانَ في قَمِيصِ يُوسُفَ ثَلاثُ آياتٍ، كانَ دَلِيلًا لِيَعْقُوبَ عَلى أنَّ يُوسُفَ لَمْ يَأْكُلْهُ الذِّئْبُ، وألْقاهُ عَلى وجْهِهِ فارْتَدَّ بَصِيرًا، ودَلِيلًا عَلى بَراءَةِ يُوسُفَ حِينَ قُدَّ مِن دُبُرٍ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: ﴿عَلى قَمِيصِهِ﴾ ما مَحَلُّهُ ؟ (قُلْتُ): مَحَلُّهُ النَّصْبُ عَلى الظَّرْفِ، كَأنَّهُ قِيلَ: وجاءُوا فَوْقَ قَمِيصِهِ بِدَمٍ، كَما تَقُولُ: جاءَ عَلى جِمالِهِ بِأحْمالٍ، (فَإنْ قُلْتَ): هَلْ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا مُقَدَّمَةً ؟ (قُلْتُ): لا؛ لِأنَّ حالَ المَجْرُورِ لا يَتَقَدَّمُ عَلَيْهِ، انْتَهى. ولا يُساعِدُ المَعْنى عَلى نَصْبِ ”عَلى“ عَلى الظَّرْفِ بِمَعْنى فَوْقَ؛ لِأنَّ العامِلَ فِيهِ إذْ ذاكَ (جاءُوا)، ولَيْسَ الفَوْقُ ظَرْفًا لَهم، بَلْ يَسْتَحِيلُ أنْ يَكُونَ ظَرْفًا لَهم، وقالَ الحَوْفِيُّ: (عَلى) مُتَعَلِّقٌ بِـ (جاءُوا) ولا يَصِحُّ أيْضًا، وأمّا المِثالُ الَّذِي ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ وهو جاءَ عَلى جِمالِهِ بِأحْمالٍ فَيُمْكِنُ أنْ يَكُونَ ظَرْفًا لِلْجائِي؛ لِأنَّهُ تَمَكَّنَ الظَّرْفِيَّةُ فِيهِ بِاعْتِبارِ تَبَدُّلِهِ مِن جَمَلٍ عَلى جَمَلٍ، ويَكُونُ بِأحْمالٍ في مَوْضِعِ الحالِ؛ أيْ: مَصْحُوبًا بِأحْمالٍ، وقالَ أبُو البَقاءِ: عَلى قَمِيصِهِ في مَوْضِعِ نَصْبِ حالًا مِنَ الدَّمِ؛ لِأنَّ التَّقْدِيرَ: جاءُوا بِدَمٍ كَذِبٍ عَلى قَمِيصِهِ، انْتَهى. وتَقْدِيمُ الحالِ عَلى المَجْرُورِ بِالحَرْفِ غَيْرِ الزّائِدِ في جَوازِهِ خِلافٌ، ومَن أجازَ اسْتَدَلَّ عَلى ذَلِكَ بِأنَّهُ مَوْجُودٌ في لِسانِ العَرَبِ، وأنْشَدَ عَلى ذَلِكَ شَواهِدَ هي مَذْكُورَةٌ في عِلْمِ النَّحْوِ، والمَعْنى: يُرْشِدُ إلى ما قالَهُ أبُو البَقاءِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: (كَذِبٍ) وصْفٌ لِـ (دَمٍ) عَلى سَبِيلِ المُبالَغَةِ، أوْ عَلى حَذْفِ مُضافٍ؛ أيْ: ذِي كَذِبٍ، لَمّا كانَ دالًّا عَلى الكَذِبِ وُصِفَ بِهِ، وإنْ كانَ الكَذِبُ صادِرًا مِن غَيْرِهِ، وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: (كَذِبًا) بِالنَّصْبِ، فاحْتُمِلَ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا في مَوْضِعِ الحالِ، وأنْ يَكُونَ مَفْعُولًا مِن أجْلِهِ، وقَرَأتْ عائِشَةُ والحَسَنُ: (كَدِبٍ) بِالدّالِ غَيْرَ مُعْجَمَةٍ، وفُسِّرَ بِالكَدَرِ، وقِيلَ: الطَّرِيُّ، وقِيلَ: اليابِسُ، وقالَ صاحِبُ اللَوامِحِ: ومَعْناهُ ذِي كَذِبٍ؛ أيْ: أثَرٍ؛ لِأنَّ الكَذِبَ هو بَياضٌ يَخْرُجُ في أظافِيرِ الشُّبّانِ ويُؤَثِّرُ فِيها، فَهو كالنَّقْشِ، ويُسَمّى ذَلِكَ البَياضُ الفُوفَ، فَيَكُونُ هَذا اسْتِعارَةً لِتَأْثِيرِهِ في القَمِيصِ، كَتَأْثِيرِ ذَلِكَ في الأظافِيرِ، قالَ: (بَلْ سَوَّلَتْ) هُنا مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: لَمْ يَأْكُلْهُ الذِّئْبُ بَلْ سَوَّلَتْ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أمَرْتُكم أمْرًا، وقالَ قَتادَةُ: زَيَّنَتْ، وقِيلَ: رَضِيَتْ أمْرًا؛ أيْ: صَنِيعًا قَبِيحًا، وقِيلَ: سَهَّلَتْ، فَصَبْرٌ جَمِيلٌ؛ أيْ: فَأمْرِي صَبْرٌ جَمِيلٌ، أوْ فَصَبْرٌ جَمِيلٌ أمْثَلُ، وقَرَأ أُبَيٌّ، والأشْهَبُ وعِيسى بْنُ عُمَرَ: (فَصَبْرًا جَمِيلًا) بِنَصْبِهِما، وكَذا هي في مُصْحَفِ أُبَيٍّ، ومُصْحَفِ أنَسِ بْنِ مالِكٍ، ورُوِيَ كَذَلِكَ عَنِ الكِسائِيِّ، ونَصَبَهُ عَلى المَصْدَرِ الخَبَرِيِّ؛ أيْ: فاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا، قِيلَ: وهي قِراءَةٌ ضَعِيفَةٌ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ، ولا يَصْلُحُ النَّصْبُ في مِثْلِ هَذا إلّا مَعَ الأمْرِ، وكَذَلِكَ يَحْسُنُ النَّصْبُ في قَوْلِهِ:
؎شَكا إلَيَّ جَمَلِي طُولَ السَّرى ∗∗∗ صَبْرًا جَمِيلًا فَكِلانا مُبْتَلى
ويُرْوى ”صَبْرٌ جَمِيلٌ“ في البَيْتِ، وإنَّما تَصِحُّ قِراءَةُ النَّصْبِ عَلى أنْ يُقَدَّرَ أنَّ يَعْقُوبَ رَجَعَ إلى مُخاطَبَةِ نَفْسِهِ فَكَأنَّهُ قالَ: فاصْبِرِي يا نَفْسُ صَبْرًا جَمِيلًا، وفي الحَدِيثِ: «أنَّ الصَّبْرَ الجَمِيلَ أنَّهُ الَّذِي لا شَكْوى فِيهِ» أيْ: إلى الخَلْقِ، ألا تَرى إلى قَوْلِهِ: ﴿إنَّما أشْكُو بَثِّي وحُزْنِي إلى اللَّهِ﴾ [يوسف: ٨٦] وقِيلَ: أتَجَمَّلُ لَكم في صَبْرِي فَلا أُعاشِرُكم عَلى كَآبَةِ الوَجْهِ، وعُبُوسِ الجَبِينِ، بَلْ عَلى ما كُنْتُ عَلَيْهِ مَعَكم. وقالَ الثَّوْرِيُّ: مِنَ الصَّبْرِ أنْ لا تُحَدِّثَ بِما يُوجِعُكَ ولا بِمُصِيبَتِكَ ولا تَبْكِي نَفْسَكَ.
﴿واللَّهُ المُسْتَعانُ﴾ أيْ: المَطْلُوبُ مِنهُ العَوْنُ عَلى احْتِمالِ ما تَصِفُونَ مِن هَلاكِ يُوسُفَ، والصَّبْرُ عَلى الرَّزِيَّةِ.
﴿وجاءَتْ سَيّارَةٌ﴾ قِيلَ: كانُوا مِن مَدْيَنَ قاصِدِينَ إلى مِصْرَ، وقِيلَ: في الكَلامِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ: وأقامَ يُوسُفُ في الجُبِّ ثَلاثَةَ أيّامٍ، وكانَ أخُوهُ (p-٢٩٠)يَهُوذا يَأْتِيهِ بِالطَّعامِ خِفْيَةً مِن إخْوَتِهِ. وقِيلَ: جاءَتِ السَّيّارَةُ في اليَوْمِ الثّانِي مِن طَرْحِهِ في الجُبِّ. وقِيلَ: كانَ التَّسْبِيحُ غِذاءَهُ في الجُبِّ. قِيلَ: وكانَتِ السَّيّارَةُ تائِهَةً تَسِيرُ مِن أرْضٍ إلى أرْضٍ، وقِيلَ: سَيّارَةٌ في الطَّرِيقِ أخْطَأُوهُ فَنَزَلُوا قَرِيبًا مِنَ الجُبِّ، وكانَ في قَفْرَةٍ بَعِيدَةٍ مِنَ العُمْرانِ لَمْ تَكُنْ إلّا لِلرُّعاةِ، وفِيهِمْ مالِكُ بْنُ دُعْرٍ الخُزاعِيُّ فَأرْسَلُوهُ لِيَطْلُبَ لَهُمُ الماءَ، والوارِدُ الَّذِي يَرِدُ الماءَ لِيَسْتَقِيَ لِلْقَوْمِ، وإضافَةُ الوارِدِ لِلضَّمِيرِ كَإضافَتِهِ في قَوْلِهِ: ألْقَيْتُ كاسِبَهم، لَيْسَتْ إضافَةً إلى المَفْعُولِ، بَلِ المَعْنى الَّذِي يَرِدُ عَلَيْهِمْ والَّذِي يَكْسِبُ لَهم، والظّاهِرُ أنَّ الوارِدَ واحِدٌ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والوارِدُ هُنا يُمْكِنُ أنْ يَقَعَ عَلى الواحِدِ وعَلى جَماعَةٍ، انْتَهى. وحُمِلَ عَلى مَعْنى السَّيّارَةِ في قَوْلِهِ: ﴿فَأرْسَلُوا﴾، ولَوْ حُمِلَ عَلى اللَّفْظِ لَكانَ التَّرْتِيبُ فَأرْسَلَتْ وارِدَها.
﴿فَأدْلى دَلْوَهُ﴾ أيْ: أرْسَلَها لِيَسْتَقِيَ الماءَ قالَ: يا بُشْرايَ، في الكَلامِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ: فَتَعَلَّقَ يُوسُفُ بِحَبْلِ الدَّلْوِ، فَلَمّا بَصُرَ بِهِ المُدْلِي قالَ: يا بُشْرايَ، وتَعَلُّقُهُ بِالحَبْلِ يَدُلُّ عَلى صِغَرِهِ، إذْ لَوْ كانَ ابْنَ ثَمانِيَةَ عَشَرَ أوْ سَبْعَةَ عَشَرَ لَمْ يَحْمِلْهُ الحَبْلُ غالِبًا، ولَفْظَةُ غُلامٍ تُرَجِّحُ ذَلِكَ، إذْ يُطْلَقُ عَلَيْهِ ما بَيْنَ الحَوْلَيْنِ إلى البُلُوغِ حَقِيقَةً، وقَدْ يُطْلَقُ عَلى الرَّجُلِ الكامِلِ لِقَوْلِ لَيْلى الأخْيَلِيَّةِ في الحَجّاجِ بْنِ يُوسُفَ:
؎غُلامٌ إذا هَزَّ القَناةَ سَقاها
وقَوْلُهُ: يا بُشْرايَ؛ هو عَلى سَبِيلِ السُّرُورِ والفَرَحِ بِيُوسُفَ، إذْ رَأى أحْسَنَ ما خَلَقَ، وأبْعَدَ السُّدِّيُّ في زَعْمِهِ أنَّ (بُشْرى) اسْمُ رَجُلٍ، وأضافَ البُشْرى إلى نَفْسِهِ فَكَأنَّهُ قالَ تَعالى: فَهَذا مِن آوِنَتِكَ، وقَرَأ ﴿يابُشْرى﴾ بِغَيْرِ إضافَةٍ الكُوفِيُّونَ، ورَوى ورْشٌ عَنْ نافِعٍ: (يا بُشْرايْ): بِسُكُونِ ياءِ الإضافَةِ، وهو جَمْعٌ بَيْنَ ساكِنَيْنِ عَلى غَيْرِ حِدَّةٍ وتَقَدَّمَ تَقْرِيرُ مِثْلِهِ في (ومَحْيايَ) وقَرَأ أبُو الطُّفَيْلِ والحَسَنُ وابْنُ أبِي إسْحاقَ والجَحْدَرِيُّ: ﴿يابُشْرى﴾ بِقَلْبِ الألِفِ ياءً وإدْغامِها في ياءِ الإضافَةِ، وهي لُغَةٌ لِهُذَيْلٍ، ولِناسٍ غَيْرِهِمْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْها في البَقَرَةِ، في ﴿فَمَن تَبِعَ هُدايَ﴾ [البقرة: ٣٨] قِيلَ: ذَهَبَ بِهِ الوارِدُ، فَلَمّا دَنا مِن أصْحابِهِ صاحَ بِذَلِكَ، فَبَشَّرَهم بِهِ وأسَرُوهُ، الظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ لِلسَّيّارَةِ الَّتِي الوارِدُ مِنهم أيْ: أخْفَوْهُ مِنَ الرُّفْقَةِ، أوْ كَتَمُوا أمْرَهُ مِن وِجْدانِهِمْ لَهُ في الجُبِّ وقالُوا: دَفَعَهُ إلَيْنا أهْلُ الماءِ لِنَبِيعَهُ لَهم بِمِصْرَ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الضَّمِيرُ في ﴿وأسَرُّوهُ﴾ ﴿وشَرَوْهُ﴾ [يوسف: ٢٠] لِإخْوَةِ يُوسُفَ، وأنَّهم قالُوا لِلرُّفْقَةِ: هَذا غُلامٌ قَدْ أبْقِ لَنا فاشْتَرُوهُ مِنّا، وسَكَتَ يُوسُفُ مَخافَةَ أنْ يَقْتُلُوهُ، وذَلِكَ أنَّهُ رُوِيَ أنَّ بَعْضَهم رَجَعَ إلى الجُبِّ لِيَتَحَقَّقُوا أمْرَ يُوسُفَ ويَقِفُوا عَلى الحَقِيقَةِ مِن فَقْدِهِ، فَلَمّا عَلِمُوا أنَّ الوارِدَ قَدْ أخَذُوهُ، جاءُوهم وقالُوا تِلْكَ المَقالَةَ، وانْتَصَبَ بِضاعَةً عَلى الحالِ أيْ: مَتْجَرًا لَهم ومَكْسَبًا.
﴿واللَّهُ عَلِيمٌ بِما يَعْمَلُونَ﴾ أيْ: لَمْ تَخَفَ عَلَيْهِ أسْرارُهم، وهو وعِيدٌ لَهم حَيْثُ اسْتَبْضَعُوا ما لَيْسَ لَهم، أوْ واللَّهُ عَلِيمٌ بِعَمَلِ إخْوَةِ يُوسُفَ بِأبِيهِمْ وأخِيهِمْ مِن سُوءِ الصُّنْعِ، وفي ذَلِكَ أعْظَمُ تِذْكارٍ بِما فَعَلُوا بِيُوسُفَ، قِيلَ: أوْحى اللَّهُ إلَيْهِ في الجُبِّ أنْ لا يُطْلِعَ أباهُ ولا غَيْرَهُ عَلى حالِهِ، لِحِكْمَةٍ أرادَ مَضاءَها، وظَهَرَ بَعْدَ ذَلِكَ ما جَرى لَهُ مِن جَعْلِهِ عَلى خَزائِنِ الأرْضِ، وإحْواجِ إخْوَتِهِ إلَيْهِ، ورَفْعِ أبَوَيْهِ عَلى العَرْشِ، وما جَرى مَجْرى ذَلِكَ مِمّا كانَ مَكْنُونًا في القَدَرِ.
يوسف 12:18
﴿فَلَمّا ذَهَبُوا بِهِ وأجْمَعُوا أنْ يَجْعَلُوهُ في غَيابَةِ الجُبِّ وأوْحَيْنا إلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهم بِأمْرِهِمْ هَذا وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ ﴿وجاءُوا أباهم عِشاءً يَبْكُونَ﴾ ﴿قالُوا ياأبانا إنّا ذَهَبْنا نَسْتَبِقُ وتَرَكْنا يُوسُفَ عِنْدَ مَتاعِنا فَأكَلَهُ الذِّئْبُ وما أنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا ولَوْ كُنّا صادِقِينَ﴾ ﴿وجاءُوا عَلى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكم أنْفُسُكم أمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ واللَّهُ المُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ﴾ ﴿وجاءَتْ سَيّارَةٌ فَأرْسَلُوا وارِدَهم فَأدْلى دَلْوَهُ قالَ يابُشْرى هَذا غُلامٌ وأسَرُّوهُ بِضاعَةً واللَّهُ عَلِيمٌ بِما يَعْمَلُونَ﴾
(p-٢٨٧)حُكِيَ أنَّهم قالُوا لِيُوسُفَ: اطْلُبْ مِن أبِيكَ أنْ يَبْعَثَكَ مَعَنا، فَأقْبَلَ عَلى يُوسُفَ فَقالَ: أتُحِبُّ ذَلِكَ ؟ قالَ: نَعَمْ. قالَ يَعْقُوبُ: إذا كانَ غَدًا أذِنْتُ لَكَ، فَلَمّا أصْبَحَ يُوسُفُ لَبِسَ ثِيابَهُ وشَدَّ عَلَيْهِ مِنطَقَتَهُ، وخَرَجَ مَعَ إخْوَتِهِ فَشَيَّعَهم يَعْقُوبُ وقالَ: يا بَنِيَّ أُوصِيكم بِتَقْوى اللَّهِ وبِحَبِيبِي يُوسُفَ، ثُمَّ أقْبَلَ عَلى يُوسُفَ وضَمَّهُ إلى صَدْرِهِ وقَبَّلَ بَيْنَ عَيْنَيْهِ ثُمَّ قالَ: اسْتَوْدَعَتُكَ اللَّهَ رَبَّ العالَمِينَ، وانْصَرَفَ فَحَمَلُوا يُوسُفَ عَلى أكْتافِهِمْ ما دامَ يَعْقُوبُ يَراهم، ثُمَّ لَمّا غابُوا عَنْ عَيْنِهِ طَرَحُوهُ لِيَعْدُوَ مَعَهم إضْرارًا بِهِ، وذَكَرَ المُفَسِّرُونَ أشْياءَ كَثِيرَةً تَتَضَمَّنُ كَيْفِيَّةَ إلْقائِهِ في غَيابَةِ الجُبِّ ومُجاوَرَتِهِ لَهم بِما يُلِينُ الصَّخْرَ، وهم لا يَزْدادُونَ إلّا قَساوَةً، ولَمْ يَتَعَرَّضِ القُرْآنُ ولا الحَدِيثُ الصَّحِيحُ لِشَيْءٍ مِنها، فَيُوقَفَ عَلَيْها في كُتُبِ التَّفْسِيرِ، وبَيْنَ هَذِهِ الجُمْلَةِ والجُمَلِ الَّتِي قَبْلَها مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ المَعْنى تَقْدِيرُهُ: فَأجابَهم إلى ما سَألُوهُ وأرْسَلَ مَعَهم يُوسُفَ، ﴿فَلَمّا ذَهَبُوا بِهِ وأجْمَعُوا﴾ أيْ: عَزَمُوا واتَّفَقُوا عَلى إلْقائِهِ في الجُبِّ، و﴿أنْ يَجْعَلُوهُ﴾ مَفْعُولُ (أجْمَعُوا)، يُقالُ: أجْمَعَ الأمْرَ وأزْمَعَهُ - بِمَعْنى العَزْمِ عَلَيْهِ - واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ الجَعْلُ هُنا بِمَعْنى الإلْقاءِ، وبِمَعْنى التَّصْيِيرِ، واخْتَلَفُوا في جَوابِ (لَمّا) أهْوَ مُثْبَتٌ ؟ أوْ مَحْذُوفٌ ؟ فَمَن قالَ: مُثْبَتٌ، قالَ: هو قَوْلُهم ﴿قالُوا ياأبانا إنّا ذَهَبْنا نَسْتَبِقُ﴾ أيْ: لَمّا كانَ كَيْتَ وكَيْتَ، قالُوا وهو تَخْرِيجٌ حَسَنٌ، وقِيلَ: هو أوْحَيْنا، والواوُ زائِدَةٌ، وعَلى هَذا مَذْهَبُ الكُوفِيِّينَ يُزادُ عِنْدَهم بَعْدَ لَمّا، وحَتّى إذا، وعَلى ذَلِكَ خَرَّجُوا قَوْلَهُ: ﴿فَلَمّا أسْلَما وتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ [الصافات: ١٠٣] ونادَيْناهُ أيْ: نادَيْناهُ، وقَوْلَهُ: ﴿حَتّى إذا جاءُوها وفُتِحَتْ﴾ [الزمر: ٧٣] أيْ: فُتِحَتْ. وقَوْلَ امْرِئِ القَيْسِ:
؎فَلَمّا أجَزْنا سَـاحَـةَ الحَيِّ وانْتَحى
أيِ: انْتَحى. ومَن قالَ: هو مَحْذُوفٌ، وهو رَأْيُ البَصْرِيِّينَ، فَقَدَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَعَلُوا بِهِ ما فَعَلُوا مِنَ الأذى، وحَكى الحِكايَةَ الطَّوِيلَةَ فِيما فَعَلُوا بِهِ، وما حاوَرُوهُ وحاوَرَهم بِهِ، قَدَّرَهُ بَعْضُهم: فَلَمّا ذَهَبُوا بِهِ وأجْمَعُوا أنْ يَجْعَلُوهُ في غَيابَةِ الجُبِّ عَظُمَتْ فِتْنَتُهم، وقَدَّرَهُ بَعْضُهم: جَعَلُوهُ فِيها، وهَذا أوْلى؛ إذْ يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿وأجْمَعُوا أنْ يَجْعَلُوهُ﴾ والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في ﴿وأوْحَيْنا إلَيْهِ﴾ عائِدٌ عَلى يُوسُفَ، وهو وحْيُ إلْهامٍ قالَهُ مُجاهِدٌ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أوْ مَنامٍ، وقالَ الضَّحّاكُ وقَتادَةُ: نَزَلَ عَلَيْهِ جِبْرِيلُ في البِئْرِ، وقالَ الحَسَنُ: أعْطاهُ اللَّهُ النُّبُوَّةَ في الجُبِّ وكانَ صَغِيرًا، كَما أوْحى إلى يَحْيَـى وعِيسى عَلَيْهِما السَّلامُ، وهو ظاهِرُ (أوْحَيْنا)، ويَدُلُّ عَلى أنَّ الضَّمِيرَ عائِدٌ عَلى يُوسُفَ قَوْلُهُ لَهم قالَ: ﴿هَلْ عَلِمْتُمْ ما فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وأخِيهِ إذْ أنْتُمْ جاهِلُونَ﴾ [يوسف: ٨٩] . وقِيلَ: الضَّمِيرُ في (إلَيْهِ) عائِدٌ عَلى يَعْقُوبَ، وإنَّما أُوحِيَ إلَيْهِ (p-٢٨٨)لِيَأْنَسَ في الظُّلْمَةِ مِنَ الوَحْدَةِ، ولِيُبَشَّرَ بِما يَئُولُ إلَيْهِ أمْرُهُ، ومَعْناهُ: لِلتَّخَلُّصِ مِمّا أنْتَ فِيهِ، ولَتُحَدِّثَنَّ إخْوَتَكَ بِما فَعَلُوا بِكَ، ﴿وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿لَتُنَبِّئَنَّهم بِأمْرِهِمْ هَذا﴾ أيْ: غَيْرَ عالِمِينَ أنَّكَ يُوسُفُ وقْتَ التَّنْبِئَةِ قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ، وذَلِكَ لِعُلُوِّ شَأْنِكَ وعَظَمَةِ سُلْطانِكَ، وبُعْدِ حالِكَ عَنْ أذْهانِهِمْ، ولِطُولِ العُمُرِ المُبْدِلِ لِلْهَيْئاتِ والأشْكالِ، وذَكَرَ أنَّهم حِينَ دَخَلُوا عَلَيْهِ مُمْتارِينَ فَعَرَفَهم وهم لَهُ مُنْكِرُونَ، دَعا بِالصُّواعِ فَوَضَعَهُ عَلى يَدِهِ ثُمَّ نَقَرَهُ فَطَنَّ فَقالَ: إنَّهُ لَيُخْبِرُنِي هَذا الجامُ أنَّهُ كانَ لَكم أخٌ مِن أبِيكم يُقالُ لَهُ: يُوسُفُ، وكانَ يُدْنِيهِ دُونَكم، وأنَّكُمُ انْطَلَقْتُمْ بِهِ وألْقَيْتُمُوهُ في غَيابَةِ الجُبِّ وقُلْتُمْ لِأبِيكم: أكَلَهُ الذِّئْبُ، وبِيعَ بِثَمَنٍ بَخْسٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ﴿وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ حالًا مِن قَوْلِهِ: (وأوْحَيْنا) أيْ: وهم لا يَشْعُرُونَ، قالَهُ قَتادَةُ؛ أيْ: بِإيحائِنا إلَيْكَ وما أخْبَرْناكَ بِهِ مِن نَجاتِكَ وطُولِ عُمُرِكَ، إلى أنْ تُنَبِّئَهم بِما فَعَلُوا بِكَ، وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿لَتُنَبِّئَنَّهُمْ﴾ بِتاءِ الخِطابِ، وابْنُ عُمَرَ بِياءِ الغَيْبَةِ، وكَذا في بَعْضِ مَصاحِفِ البَصْرَةِ. وقَرَأ (سَلامُنْ) بِالنُّونِ.
والَّذِي يَظْهَرُ مِن سِياقِ الأخْبارِ والقَصَصِ أنَّ يُوسُفَ كانَ صَغِيرًا، فَقِيلَ: كانَ عُمُرُهُ إذْ ذاكَ سَبْعَ سِنِينَ، وقِيلَ: سِتٌّ قالَهُ الضَّحّاكُ. وأبْعَدُ مَن ذَهَبَ إلى أنَّهُ اثْنَتا عَشْرَةَ سَنَةً، وثَمانَ عَشْرَةَ سَنَةً وكِلاهُما عَنِ الحَسَنِ، أوْ سَبْعَ عَشْرَةَ سَنَةً قالَهُ ابْنُ السّائِبِ، ويَدُلُّ عَلى أنَّهُ كانَ صَغِيرًا بِحَيْثُ لا يَدْفَعُ نَفْسَهُ، قَوْلُهُ: ﴿وأخافُ أنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ﴾ [يوسف: ١٣] (ويَرْتَعْ ويَلْعَبْ) ﴿وإنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾ [يوسف: ١٢]، وأخْذُ السَّيّارَةِ لَهُ، وقَوْلُ الوارِدِ: ﴿هَذا غُلامٌ﴾، وقَوْلُ العَزِيزِ: ﴿عَسى أنْ يَنْفَعَنا أوْ نَتَّخِذَهُ ولَدًا﴾ [يوسف: ٢١] وما حُكِيَ مِن حَمْلِهِمْ إيّاهُ واحِدًا بَعْدَ واحِدٍ، ومِن كَلامِهِ لِأخِيهِ يَهُوذا: ارْحَمْ ضَعْفِي وعَجْزِي وحَداثَةَ سِنِّي، وارْحَمْ قَلْبَ أبِيكَ يَعْقُوبَ، ومَن هو ابْنُ ثَمانَ عَشْرَةَ سَنَةً لا يُخافُ عَلَيْهِ مِنَ الذِّئْبِ ولا سِيَّما إنْ كانَ في رُفْقَةٍ، ولا يُقالُ فِيهِ: ﴿وإنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾ [يوسف: ٦٣] لِأنَّهُ إذْ ذاكَ قادِرٌ عَلى التَّحَيُّلِ في نَجاةِ نَفْسِهِ، ولا يُسَمّى غُلامًا إلّا بِمَجازٍ، ولا يُقالُ فِيهِ: ﴿أوْ نَتَّخِذَهُ ولَدًا﴾ [يوسف: ٢١] .
و﴿عِشاءً﴾ نُصِبَ عَلى الظَّرْفِ، أوْ مِنَ العَشْوَةِ، والعَشْوَةُ: الظَّلامُ، فَجُمِعَ عَلى فِعالٍ، مِثْلَ: راعٍ ورِعاءٍ، ويَكُونُ انْتِصابُهُ عَلى الحالِ كَقِراءَةِ الحَسَنِ (عُشًا) عَلى وزْنِ دُجًى، جَمْعُ عاشٍ، حُذِفَ مِنهُ الهاءُ كَما حُذِفَتْ في مالِكٍ، وأصْلُهُ مالِكَةٌ، وعَنِ الحَسَنِ (عُشَيًّا) عَلى التَّصْغِيرِ، قِيلَ: وإنَّما جاءُوا عِشاءً لِيَكُونَ أقْدَرَ عَلى الِاعْتِذارِ في الظُّلْمَةِ، ولِذا قِيلَ: لا تَطْلِبِ الحاجَةَ بِاللَّيْلِ فَإنَّ الحَياءَ في العَيْنَيْنِ، ولا تَعْتَذِرْ في النَّهارِ مِن ذَنْبٍ فَتَتَلَجْلَجُ في الِاعْتِذارِ، وفي الكَلامِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ: وجاءُوا أباهم دُونَ يُوسُفَ عِشاءً يَبْكُونَ، فَقالَ: أيْنَ يُوسُفُ ؟ قالُوا: إنّا ذَهَبْنا، ورُوِيَ أنَّ يَعْقُوبَ لَمّا سَمِعَ بُكاءَهم قالَ: ما لَكم، أجَرى في الغَنَمِ شَيْءٌ ؟ قالُوا: لا. قالَ: فَأيْنَ يُوسُفُ ؟ قالُوا: إنّا ذَهَبْنا نَسْتَبِقُ فَأكَلَهُ الذِّئْبُ، فَبَكى، وصاحَ، وخَرَّ مَغْشِيًّا عَلَيْهِ، فَأفاضُوا عَلَيْهِ الماءَ فَلَمْ يَتَحَرَّكْ، ونادَوْهُ فَلَمْ يُجِبْ، ووَضَعَ يَهُوذا يَدَهُ عَلى مَخارِجَ نَفَسِهِ فَلَمْ يُحِسَّ بِنَفَسِهِ ولا تَحَرَّكَ لَهُ عِرْقٌ فَقالَ: ويْلٌ لَنا مِن دَيّانِ يَوْمِ الدَّيْنِ الَّذِي ضَيَّعْنا أخانا وقَتَلْنا أبانا، فَلَمْ يُفِقْ إلّا بِبَرْدِ السَّحَرِ، قالَ الأعْمَشُ: لا يُصَدَّقُ باكٍ بَعْدَ إخْوَةِ يُوسُفَ. و﴿نَسْتَبِقُ﴾ أيْ: نَتَرامى بِالسِّهامِ، أوْ نَتَجارى عَلى الأقْدامِ أيُّنا أشَدُّ عَدْوًا، أوْ نَسْتَبِقُ في أعْمالٍ نَتَوَزَّعُها مِن سَقْيٍ ورَعْيٍ واحْتِطابٍ، أوْ نَتَصَيَّدُ؛ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
﴿عِنْدَ مَتاعِنا﴾ أيْ: عِنْدَ ثِيابِنا، وما تَجَرَّدْنا لَهُ حالَةَ الِاسْتِباقِ، وهَذا أيْضًا يَدُلُّ عَلى صِغَرِ يُوسُفَ؛ إذْ لَوْ كانَ ابْنَ ثَمانَ عَشْرَةَ سَنَةً أوْ سَبْعَ عَشْرَةَ لَكانَ يَسْتَبِقُ مَعَهم ﴿فَأكَلَهُ الذِّئْبُ﴾ قَدْ ذَكَرْنا أنَّهم تَلَقَّنُوا هَذا الجَوابَ مِن قَوْلِ أبِيهِمْ ﴿وأخافُ أنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ﴾ [يوسف: ١٣] لِأنَّ أكْلَ الذِّئْبِ إيّاهُ كانَ أغْلَبَ ما كانَ خافَ عَلَيْهِ.
﴿وما أنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا﴾ أيْ: بِمُصَدِّقٍ لَنا الآنَ ولَوْ كُنّا صادِقِينَ، أوَ لَسْتَ مُصَدِّقًا لَنا عَلى كُلِّ حالٍ حَتّى في حالَةِ الصِّدْقِ، لِما غَلَبَ عَلَيْكَ مِن تُهْمَتِنا وكَراهَتِنا في يُوسُفَ، وإنّا نَرْتادُ لَهُ الغَوائِلَ، ونَكِيدُ لَهُ المَكائِدَ، وأوْهَمُوا بِقَوْلِهِمْ: ﴿ولَوْ كُنّا صادِقِينَ﴾ أنَّهم صادِقُونَ في أكْلِ الذِّئْبِ يُوسُفَ، فَيَكُونُ صِدْقُهم مُقَيَّدًا بِهَذِهِ النّازِلَةِ، أوْ مِن أهْلِ الصِّدْقِ والثِّقَةِ عِنْدَ يَعْقُوبَ قَبْلَ هَذِهِ النّازِلَةِ، لِشِدَّةِ (p-٢٨٩)مَحَبَّتِكَ لِيُوسُفَ، فَكَيْفَ وأنْتَ سَيِّءُ الظَّنِّ بِنا في هَذِهِ النّازِلَةِ، غَيْرُ واثِقٍ بِقَوْلِنا فِيهِ ؟
رُوِيَ أنَّهم أخَذُوا سَخْلَةً أوْ جَدْيًا فَذَبَحُوهُ، ولَطَّخُوا قَمِيصَ يُوسُفَ بِدَمِهِ، وقالُوا لِيَعْقُوبَ: هَذا قَمِيصُ يُوسُفَ فَأخَذَهُ، ولَطَّخَ بِهِ وجْهَهُ وبَكى، ثُمَّ تَأمَّلَهُ فَلَمْ يَرَ خَرْقًا ولا ارْتابَ فاسْتَدَلَّ بِذَلِكَ عَلى خِلافِ ما زَعَمُوا وقالَ لَهم: مَتى كانَ الذِّئْبُ حَلِيمًا يَأْكُلُ يُوسُفَ ولا يَخْرِقُ قَمِيصَهُ ؟ قِيلَ: كانَ في قَمِيصِ يُوسُفَ ثَلاثُ آياتٍ، كانَ دَلِيلًا لِيَعْقُوبَ عَلى أنَّ يُوسُفَ لَمْ يَأْكُلْهُ الذِّئْبُ، وألْقاهُ عَلى وجْهِهِ فارْتَدَّ بَصِيرًا، ودَلِيلًا عَلى بَراءَةِ يُوسُفَ حِينَ قُدَّ مِن دُبُرٍ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: ﴿عَلى قَمِيصِهِ﴾ ما مَحَلُّهُ ؟ (قُلْتُ): مَحَلُّهُ النَّصْبُ عَلى الظَّرْفِ، كَأنَّهُ قِيلَ: وجاءُوا فَوْقَ قَمِيصِهِ بِدَمٍ، كَما تَقُولُ: جاءَ عَلى جِمالِهِ بِأحْمالٍ، (فَإنْ قُلْتَ): هَلْ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا مُقَدَّمَةً ؟ (قُلْتُ): لا؛ لِأنَّ حالَ المَجْرُورِ لا يَتَقَدَّمُ عَلَيْهِ، انْتَهى. ولا يُساعِدُ المَعْنى عَلى نَصْبِ ”عَلى“ عَلى الظَّرْفِ بِمَعْنى فَوْقَ؛ لِأنَّ العامِلَ فِيهِ إذْ ذاكَ (جاءُوا)، ولَيْسَ الفَوْقُ ظَرْفًا لَهم، بَلْ يَسْتَحِيلُ أنْ يَكُونَ ظَرْفًا لَهم، وقالَ الحَوْفِيُّ: (عَلى) مُتَعَلِّقٌ بِـ (جاءُوا) ولا يَصِحُّ أيْضًا، وأمّا المِثالُ الَّذِي ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ وهو جاءَ عَلى جِمالِهِ بِأحْمالٍ فَيُمْكِنُ أنْ يَكُونَ ظَرْفًا لِلْجائِي؛ لِأنَّهُ تَمَكَّنَ الظَّرْفِيَّةُ فِيهِ بِاعْتِبارِ تَبَدُّلِهِ مِن جَمَلٍ عَلى جَمَلٍ، ويَكُونُ بِأحْمالٍ في مَوْضِعِ الحالِ؛ أيْ: مَصْحُوبًا بِأحْمالٍ، وقالَ أبُو البَقاءِ: عَلى قَمِيصِهِ في مَوْضِعِ نَصْبِ حالًا مِنَ الدَّمِ؛ لِأنَّ التَّقْدِيرَ: جاءُوا بِدَمٍ كَذِبٍ عَلى قَمِيصِهِ، انْتَهى. وتَقْدِيمُ الحالِ عَلى المَجْرُورِ بِالحَرْفِ غَيْرِ الزّائِدِ في جَوازِهِ خِلافٌ، ومَن أجازَ اسْتَدَلَّ عَلى ذَلِكَ بِأنَّهُ مَوْجُودٌ في لِسانِ العَرَبِ، وأنْشَدَ عَلى ذَلِكَ شَواهِدَ هي مَذْكُورَةٌ في عِلْمِ النَّحْوِ، والمَعْنى: يُرْشِدُ إلى ما قالَهُ أبُو البَقاءِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: (كَذِبٍ) وصْفٌ لِـ (دَمٍ) عَلى سَبِيلِ المُبالَغَةِ، أوْ عَلى حَذْفِ مُضافٍ؛ أيْ: ذِي كَذِبٍ، لَمّا كانَ دالًّا عَلى الكَذِبِ وُصِفَ بِهِ، وإنْ كانَ الكَذِبُ صادِرًا مِن غَيْرِهِ، وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: (كَذِبًا) بِالنَّصْبِ، فاحْتُمِلَ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا في مَوْضِعِ الحالِ، وأنْ يَكُونَ مَفْعُولًا مِن أجْلِهِ، وقَرَأتْ عائِشَةُ والحَسَنُ: (كَدِبٍ) بِالدّالِ غَيْرَ مُعْجَمَةٍ، وفُسِّرَ بِالكَدَرِ، وقِيلَ: الطَّرِيُّ، وقِيلَ: اليابِسُ، وقالَ صاحِبُ اللَوامِحِ: ومَعْناهُ ذِي كَذِبٍ؛ أيْ: أثَرٍ؛ لِأنَّ الكَذِبَ هو بَياضٌ يَخْرُجُ في أظافِيرِ الشُّبّانِ ويُؤَثِّرُ فِيها، فَهو كالنَّقْشِ، ويُسَمّى ذَلِكَ البَياضُ الفُوفَ، فَيَكُونُ هَذا اسْتِعارَةً لِتَأْثِيرِهِ في القَمِيصِ، كَتَأْثِيرِ ذَلِكَ في الأظافِيرِ، قالَ: (بَلْ سَوَّلَتْ) هُنا مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: لَمْ يَأْكُلْهُ الذِّئْبُ بَلْ سَوَّلَتْ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أمَرْتُكم أمْرًا، وقالَ قَتادَةُ: زَيَّنَتْ، وقِيلَ: رَضِيَتْ أمْرًا؛ أيْ: صَنِيعًا قَبِيحًا، وقِيلَ: سَهَّلَتْ، فَصَبْرٌ جَمِيلٌ؛ أيْ: فَأمْرِي صَبْرٌ جَمِيلٌ، أوْ فَصَبْرٌ جَمِيلٌ أمْثَلُ، وقَرَأ أُبَيٌّ، والأشْهَبُ وعِيسى بْنُ عُمَرَ: (فَصَبْرًا جَمِيلًا) بِنَصْبِهِما، وكَذا هي في مُصْحَفِ أُبَيٍّ، ومُصْحَفِ أنَسِ بْنِ مالِكٍ، ورُوِيَ كَذَلِكَ عَنِ الكِسائِيِّ، ونَصَبَهُ عَلى المَصْدَرِ الخَبَرِيِّ؛ أيْ: فاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا، قِيلَ: وهي قِراءَةٌ ضَعِيفَةٌ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ، ولا يَصْلُحُ النَّصْبُ في مِثْلِ هَذا إلّا مَعَ الأمْرِ، وكَذَلِكَ يَحْسُنُ النَّصْبُ في قَوْلِهِ:
؎شَكا إلَيَّ جَمَلِي طُولَ السَّرى ∗∗∗ صَبْرًا جَمِيلًا فَكِلانا مُبْتَلى
ويُرْوى ”صَبْرٌ جَمِيلٌ“ في البَيْتِ، وإنَّما تَصِحُّ قِراءَةُ النَّصْبِ عَلى أنْ يُقَدَّرَ أنَّ يَعْقُوبَ رَجَعَ إلى مُخاطَبَةِ نَفْسِهِ فَكَأنَّهُ قالَ: فاصْبِرِي يا نَفْسُ صَبْرًا جَمِيلًا، وفي الحَدِيثِ: «أنَّ الصَّبْرَ الجَمِيلَ أنَّهُ الَّذِي لا شَكْوى فِيهِ» أيْ: إلى الخَلْقِ، ألا تَرى إلى قَوْلِهِ: ﴿إنَّما أشْكُو بَثِّي وحُزْنِي إلى اللَّهِ﴾ [يوسف: ٨٦] وقِيلَ: أتَجَمَّلُ لَكم في صَبْرِي فَلا أُعاشِرُكم عَلى كَآبَةِ الوَجْهِ، وعُبُوسِ الجَبِينِ، بَلْ عَلى ما كُنْتُ عَلَيْهِ مَعَكم. وقالَ الثَّوْرِيُّ: مِنَ الصَّبْرِ أنْ لا تُحَدِّثَ بِما يُوجِعُكَ ولا بِمُصِيبَتِكَ ولا تَبْكِي نَفْسَكَ.
﴿واللَّهُ المُسْتَعانُ﴾ أيْ: المَطْلُوبُ مِنهُ العَوْنُ عَلى احْتِمالِ ما تَصِفُونَ مِن هَلاكِ يُوسُفَ، والصَّبْرُ عَلى الرَّزِيَّةِ.
﴿وجاءَتْ سَيّارَةٌ﴾ قِيلَ: كانُوا مِن مَدْيَنَ قاصِدِينَ إلى مِصْرَ، وقِيلَ: في الكَلامِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ: وأقامَ يُوسُفُ في الجُبِّ ثَلاثَةَ أيّامٍ، وكانَ أخُوهُ (p-٢٩٠)يَهُوذا يَأْتِيهِ بِالطَّعامِ خِفْيَةً مِن إخْوَتِهِ. وقِيلَ: جاءَتِ السَّيّارَةُ في اليَوْمِ الثّانِي مِن طَرْحِهِ في الجُبِّ. وقِيلَ: كانَ التَّسْبِيحُ غِذاءَهُ في الجُبِّ. قِيلَ: وكانَتِ السَّيّارَةُ تائِهَةً تَسِيرُ مِن أرْضٍ إلى أرْضٍ، وقِيلَ: سَيّارَةٌ في الطَّرِيقِ أخْطَأُوهُ فَنَزَلُوا قَرِيبًا مِنَ الجُبِّ، وكانَ في قَفْرَةٍ بَعِيدَةٍ مِنَ العُمْرانِ لَمْ تَكُنْ إلّا لِلرُّعاةِ، وفِيهِمْ مالِكُ بْنُ دُعْرٍ الخُزاعِيُّ فَأرْسَلُوهُ لِيَطْلُبَ لَهُمُ الماءَ، والوارِدُ الَّذِي يَرِدُ الماءَ لِيَسْتَقِيَ لِلْقَوْمِ، وإضافَةُ الوارِدِ لِلضَّمِيرِ كَإضافَتِهِ في قَوْلِهِ: ألْقَيْتُ كاسِبَهم، لَيْسَتْ إضافَةً إلى المَفْعُولِ، بَلِ المَعْنى الَّذِي يَرِدُ عَلَيْهِمْ والَّذِي يَكْسِبُ لَهم، والظّاهِرُ أنَّ الوارِدَ واحِدٌ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والوارِدُ هُنا يُمْكِنُ أنْ يَقَعَ عَلى الواحِدِ وعَلى جَماعَةٍ، انْتَهى. وحُمِلَ عَلى مَعْنى السَّيّارَةِ في قَوْلِهِ: ﴿فَأرْسَلُوا﴾، ولَوْ حُمِلَ عَلى اللَّفْظِ لَكانَ التَّرْتِيبُ فَأرْسَلَتْ وارِدَها.
﴿فَأدْلى دَلْوَهُ﴾ أيْ: أرْسَلَها لِيَسْتَقِيَ الماءَ قالَ: يا بُشْرايَ، في الكَلامِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ: فَتَعَلَّقَ يُوسُفُ بِحَبْلِ الدَّلْوِ، فَلَمّا بَصُرَ بِهِ المُدْلِي قالَ: يا بُشْرايَ، وتَعَلُّقُهُ بِالحَبْلِ يَدُلُّ عَلى صِغَرِهِ، إذْ لَوْ كانَ ابْنَ ثَمانِيَةَ عَشَرَ أوْ سَبْعَةَ عَشَرَ لَمْ يَحْمِلْهُ الحَبْلُ غالِبًا، ولَفْظَةُ غُلامٍ تُرَجِّحُ ذَلِكَ، إذْ يُطْلَقُ عَلَيْهِ ما بَيْنَ الحَوْلَيْنِ إلى البُلُوغِ حَقِيقَةً، وقَدْ يُطْلَقُ عَلى الرَّجُلِ الكامِلِ لِقَوْلِ لَيْلى الأخْيَلِيَّةِ في الحَجّاجِ بْنِ يُوسُفَ:
؎غُلامٌ إذا هَزَّ القَناةَ سَقاها
وقَوْلُهُ: يا بُشْرايَ؛ هو عَلى سَبِيلِ السُّرُورِ والفَرَحِ بِيُوسُفَ، إذْ رَأى أحْسَنَ ما خَلَقَ، وأبْعَدَ السُّدِّيُّ في زَعْمِهِ أنَّ (بُشْرى) اسْمُ رَجُلٍ، وأضافَ البُشْرى إلى نَفْسِهِ فَكَأنَّهُ قالَ تَعالى: فَهَذا مِن آوِنَتِكَ، وقَرَأ ﴿يابُشْرى﴾ بِغَيْرِ إضافَةٍ الكُوفِيُّونَ، ورَوى ورْشٌ عَنْ نافِعٍ: (يا بُشْرايْ): بِسُكُونِ ياءِ الإضافَةِ، وهو جَمْعٌ بَيْنَ ساكِنَيْنِ عَلى غَيْرِ حِدَّةٍ وتَقَدَّمَ تَقْرِيرُ مِثْلِهِ في (ومَحْيايَ) وقَرَأ أبُو الطُّفَيْلِ والحَسَنُ وابْنُ أبِي إسْحاقَ والجَحْدَرِيُّ: ﴿يابُشْرى﴾ بِقَلْبِ الألِفِ ياءً وإدْغامِها في ياءِ الإضافَةِ، وهي لُغَةٌ لِهُذَيْلٍ، ولِناسٍ غَيْرِهِمْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْها في البَقَرَةِ، في ﴿فَمَن تَبِعَ هُدايَ﴾ [البقرة: ٣٨] قِيلَ: ذَهَبَ بِهِ الوارِدُ، فَلَمّا دَنا مِن أصْحابِهِ صاحَ بِذَلِكَ، فَبَشَّرَهم بِهِ وأسَرُوهُ، الظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ لِلسَّيّارَةِ الَّتِي الوارِدُ مِنهم أيْ: أخْفَوْهُ مِنَ الرُّفْقَةِ، أوْ كَتَمُوا أمْرَهُ مِن وِجْدانِهِمْ لَهُ في الجُبِّ وقالُوا: دَفَعَهُ إلَيْنا أهْلُ الماءِ لِنَبِيعَهُ لَهم بِمِصْرَ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الضَّمِيرُ في ﴿وأسَرُّوهُ﴾ ﴿وشَرَوْهُ﴾ [يوسف: ٢٠] لِإخْوَةِ يُوسُفَ، وأنَّهم قالُوا لِلرُّفْقَةِ: هَذا غُلامٌ قَدْ أبْقِ لَنا فاشْتَرُوهُ مِنّا، وسَكَتَ يُوسُفُ مَخافَةَ أنْ يَقْتُلُوهُ، وذَلِكَ أنَّهُ رُوِيَ أنَّ بَعْضَهم رَجَعَ إلى الجُبِّ لِيَتَحَقَّقُوا أمْرَ يُوسُفَ ويَقِفُوا عَلى الحَقِيقَةِ مِن فَقْدِهِ، فَلَمّا عَلِمُوا أنَّ الوارِدَ قَدْ أخَذُوهُ، جاءُوهم وقالُوا تِلْكَ المَقالَةَ، وانْتَصَبَ بِضاعَةً عَلى الحالِ أيْ: مَتْجَرًا لَهم ومَكْسَبًا.
﴿واللَّهُ عَلِيمٌ بِما يَعْمَلُونَ﴾ أيْ: لَمْ تَخَفَ عَلَيْهِ أسْرارُهم، وهو وعِيدٌ لَهم حَيْثُ اسْتَبْضَعُوا ما لَيْسَ لَهم، أوْ واللَّهُ عَلِيمٌ بِعَمَلِ إخْوَةِ يُوسُفَ بِأبِيهِمْ وأخِيهِمْ مِن سُوءِ الصُّنْعِ، وفي ذَلِكَ أعْظَمُ تِذْكارٍ بِما فَعَلُوا بِيُوسُفَ، قِيلَ: أوْحى اللَّهُ إلَيْهِ في الجُبِّ أنْ لا يُطْلِعَ أباهُ ولا غَيْرَهُ عَلى حالِهِ، لِحِكْمَةٍ أرادَ مَضاءَها، وظَهَرَ بَعْدَ ذَلِكَ ما جَرى لَهُ مِن جَعْلِهِ عَلى خَزائِنِ الأرْضِ، وإحْواجِ إخْوَتِهِ إلَيْهِ، ورَفْعِ أبَوَيْهِ عَلى العَرْشِ، وما جَرى مَجْرى ذَلِكَ مِمّا كانَ مَكْنُونًا في القَدَرِ.
يوسف 12:19
﴿فَلَمّا ذَهَبُوا بِهِ وأجْمَعُوا أنْ يَجْعَلُوهُ في غَيابَةِ الجُبِّ وأوْحَيْنا إلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهم بِأمْرِهِمْ هَذا وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ ﴿وجاءُوا أباهم عِشاءً يَبْكُونَ﴾ ﴿قالُوا ياأبانا إنّا ذَهَبْنا نَسْتَبِقُ وتَرَكْنا يُوسُفَ عِنْدَ مَتاعِنا فَأكَلَهُ الذِّئْبُ وما أنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا ولَوْ كُنّا صادِقِينَ﴾ ﴿وجاءُوا عَلى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكم أنْفُسُكم أمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ واللَّهُ المُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ﴾ ﴿وجاءَتْ سَيّارَةٌ فَأرْسَلُوا وارِدَهم فَأدْلى دَلْوَهُ قالَ يابُشْرى هَذا غُلامٌ وأسَرُّوهُ بِضاعَةً واللَّهُ عَلِيمٌ بِما يَعْمَلُونَ﴾
(p-٢٨٧)حُكِيَ أنَّهم قالُوا لِيُوسُفَ: اطْلُبْ مِن أبِيكَ أنْ يَبْعَثَكَ مَعَنا، فَأقْبَلَ عَلى يُوسُفَ فَقالَ: أتُحِبُّ ذَلِكَ ؟ قالَ: نَعَمْ. قالَ يَعْقُوبُ: إذا كانَ غَدًا أذِنْتُ لَكَ، فَلَمّا أصْبَحَ يُوسُفُ لَبِسَ ثِيابَهُ وشَدَّ عَلَيْهِ مِنطَقَتَهُ، وخَرَجَ مَعَ إخْوَتِهِ فَشَيَّعَهم يَعْقُوبُ وقالَ: يا بَنِيَّ أُوصِيكم بِتَقْوى اللَّهِ وبِحَبِيبِي يُوسُفَ، ثُمَّ أقْبَلَ عَلى يُوسُفَ وضَمَّهُ إلى صَدْرِهِ وقَبَّلَ بَيْنَ عَيْنَيْهِ ثُمَّ قالَ: اسْتَوْدَعَتُكَ اللَّهَ رَبَّ العالَمِينَ، وانْصَرَفَ فَحَمَلُوا يُوسُفَ عَلى أكْتافِهِمْ ما دامَ يَعْقُوبُ يَراهم، ثُمَّ لَمّا غابُوا عَنْ عَيْنِهِ طَرَحُوهُ لِيَعْدُوَ مَعَهم إضْرارًا بِهِ، وذَكَرَ المُفَسِّرُونَ أشْياءَ كَثِيرَةً تَتَضَمَّنُ كَيْفِيَّةَ إلْقائِهِ في غَيابَةِ الجُبِّ ومُجاوَرَتِهِ لَهم بِما يُلِينُ الصَّخْرَ، وهم لا يَزْدادُونَ إلّا قَساوَةً، ولَمْ يَتَعَرَّضِ القُرْآنُ ولا الحَدِيثُ الصَّحِيحُ لِشَيْءٍ مِنها، فَيُوقَفَ عَلَيْها في كُتُبِ التَّفْسِيرِ، وبَيْنَ هَذِهِ الجُمْلَةِ والجُمَلِ الَّتِي قَبْلَها مَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ المَعْنى تَقْدِيرُهُ: فَأجابَهم إلى ما سَألُوهُ وأرْسَلَ مَعَهم يُوسُفَ، ﴿فَلَمّا ذَهَبُوا بِهِ وأجْمَعُوا﴾ أيْ: عَزَمُوا واتَّفَقُوا عَلى إلْقائِهِ في الجُبِّ، و﴿أنْ يَجْعَلُوهُ﴾ مَفْعُولُ (أجْمَعُوا)، يُقالُ: أجْمَعَ الأمْرَ وأزْمَعَهُ - بِمَعْنى العَزْمِ عَلَيْهِ - واحْتَمَلَ أنْ يَكُونَ الجَعْلُ هُنا بِمَعْنى الإلْقاءِ، وبِمَعْنى التَّصْيِيرِ، واخْتَلَفُوا في جَوابِ (لَمّا) أهْوَ مُثْبَتٌ ؟ أوْ مَحْذُوفٌ ؟ فَمَن قالَ: مُثْبَتٌ، قالَ: هو قَوْلُهم ﴿قالُوا ياأبانا إنّا ذَهَبْنا نَسْتَبِقُ﴾ أيْ: لَمّا كانَ كَيْتَ وكَيْتَ، قالُوا وهو تَخْرِيجٌ حَسَنٌ، وقِيلَ: هو أوْحَيْنا، والواوُ زائِدَةٌ، وعَلى هَذا مَذْهَبُ الكُوفِيِّينَ يُزادُ عِنْدَهم بَعْدَ لَمّا، وحَتّى إذا، وعَلى ذَلِكَ خَرَّجُوا قَوْلَهُ: ﴿فَلَمّا أسْلَما وتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ [الصافات: ١٠٣] ونادَيْناهُ أيْ: نادَيْناهُ، وقَوْلَهُ: ﴿حَتّى إذا جاءُوها وفُتِحَتْ﴾ [الزمر: ٧٣] أيْ: فُتِحَتْ. وقَوْلَ امْرِئِ القَيْسِ:
؎فَلَمّا أجَزْنا سَـاحَـةَ الحَيِّ وانْتَحى
أيِ: انْتَحى. ومَن قالَ: هو مَحْذُوفٌ، وهو رَأْيُ البَصْرِيِّينَ، فَقَدَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَعَلُوا بِهِ ما فَعَلُوا مِنَ الأذى، وحَكى الحِكايَةَ الطَّوِيلَةَ فِيما فَعَلُوا بِهِ، وما حاوَرُوهُ وحاوَرَهم بِهِ، قَدَّرَهُ بَعْضُهم: فَلَمّا ذَهَبُوا بِهِ وأجْمَعُوا أنْ يَجْعَلُوهُ في غَيابَةِ الجُبِّ عَظُمَتْ فِتْنَتُهم، وقَدَّرَهُ بَعْضُهم: جَعَلُوهُ فِيها، وهَذا أوْلى؛ إذْ يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿وأجْمَعُوا أنْ يَجْعَلُوهُ﴾ والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في ﴿وأوْحَيْنا إلَيْهِ﴾ عائِدٌ عَلى يُوسُفَ، وهو وحْيُ إلْهامٍ قالَهُ مُجاهِدٌ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أوْ مَنامٍ، وقالَ الضَّحّاكُ وقَتادَةُ: نَزَلَ عَلَيْهِ جِبْرِيلُ في البِئْرِ، وقالَ الحَسَنُ: أعْطاهُ اللَّهُ النُّبُوَّةَ في الجُبِّ وكانَ صَغِيرًا، كَما أوْحى إلى يَحْيَـى وعِيسى عَلَيْهِما السَّلامُ، وهو ظاهِرُ (أوْحَيْنا)، ويَدُلُّ عَلى أنَّ الضَّمِيرَ عائِدٌ عَلى يُوسُفَ قَوْلُهُ لَهم قالَ: ﴿هَلْ عَلِمْتُمْ ما فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وأخِيهِ إذْ أنْتُمْ جاهِلُونَ﴾ [يوسف: ٨٩] . وقِيلَ: الضَّمِيرُ في (إلَيْهِ) عائِدٌ عَلى يَعْقُوبَ، وإنَّما أُوحِيَ إلَيْهِ (p-٢٨٨)لِيَأْنَسَ في الظُّلْمَةِ مِنَ الوَحْدَةِ، ولِيُبَشَّرَ بِما يَئُولُ إلَيْهِ أمْرُهُ، ومَعْناهُ: لِلتَّخَلُّصِ مِمّا أنْتَ فِيهِ، ولَتُحَدِّثَنَّ إخْوَتَكَ بِما فَعَلُوا بِكَ، ﴿وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ جُمْلَةٌ حالِيَّةٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿لَتُنَبِّئَنَّهم بِأمْرِهِمْ هَذا﴾ أيْ: غَيْرَ عالِمِينَ أنَّكَ يُوسُفُ وقْتَ التَّنْبِئَةِ قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ، وذَلِكَ لِعُلُوِّ شَأْنِكَ وعَظَمَةِ سُلْطانِكَ، وبُعْدِ حالِكَ عَنْ أذْهانِهِمْ، ولِطُولِ العُمُرِ المُبْدِلِ لِلْهَيْئاتِ والأشْكالِ، وذَكَرَ أنَّهم حِينَ دَخَلُوا عَلَيْهِ مُمْتارِينَ فَعَرَفَهم وهم لَهُ مُنْكِرُونَ، دَعا بِالصُّواعِ فَوَضَعَهُ عَلى يَدِهِ ثُمَّ نَقَرَهُ فَطَنَّ فَقالَ: إنَّهُ لَيُخْبِرُنِي هَذا الجامُ أنَّهُ كانَ لَكم أخٌ مِن أبِيكم يُقالُ لَهُ: يُوسُفُ، وكانَ يُدْنِيهِ دُونَكم، وأنَّكُمُ انْطَلَقْتُمْ بِهِ وألْقَيْتُمُوهُ في غَيابَةِ الجُبِّ وقُلْتُمْ لِأبِيكم: أكَلَهُ الذِّئْبُ، وبِيعَ بِثَمَنٍ بَخْسٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ﴿وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ حالًا مِن قَوْلِهِ: (وأوْحَيْنا) أيْ: وهم لا يَشْعُرُونَ، قالَهُ قَتادَةُ؛ أيْ: بِإيحائِنا إلَيْكَ وما أخْبَرْناكَ بِهِ مِن نَجاتِكَ وطُولِ عُمُرِكَ، إلى أنْ تُنَبِّئَهم بِما فَعَلُوا بِكَ، وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿لَتُنَبِّئَنَّهُمْ﴾ بِتاءِ الخِطابِ، وابْنُ عُمَرَ بِياءِ الغَيْبَةِ، وكَذا في بَعْضِ مَصاحِفِ البَصْرَةِ. وقَرَأ (سَلامُنْ) بِالنُّونِ.
والَّذِي يَظْهَرُ مِن سِياقِ الأخْبارِ والقَصَصِ أنَّ يُوسُفَ كانَ صَغِيرًا، فَقِيلَ: كانَ عُمُرُهُ إذْ ذاكَ سَبْعَ سِنِينَ، وقِيلَ: سِتٌّ قالَهُ الضَّحّاكُ. وأبْعَدُ مَن ذَهَبَ إلى أنَّهُ اثْنَتا عَشْرَةَ سَنَةً، وثَمانَ عَشْرَةَ سَنَةً وكِلاهُما عَنِ الحَسَنِ، أوْ سَبْعَ عَشْرَةَ سَنَةً قالَهُ ابْنُ السّائِبِ، ويَدُلُّ عَلى أنَّهُ كانَ صَغِيرًا بِحَيْثُ لا يَدْفَعُ نَفْسَهُ، قَوْلُهُ: ﴿وأخافُ أنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ﴾ [يوسف: ١٣] (ويَرْتَعْ ويَلْعَبْ) ﴿وإنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾ [يوسف: ١٢]، وأخْذُ السَّيّارَةِ لَهُ، وقَوْلُ الوارِدِ: ﴿هَذا غُلامٌ﴾، وقَوْلُ العَزِيزِ: ﴿عَسى أنْ يَنْفَعَنا أوْ نَتَّخِذَهُ ولَدًا﴾ [يوسف: ٢١] وما حُكِيَ مِن حَمْلِهِمْ إيّاهُ واحِدًا بَعْدَ واحِدٍ، ومِن كَلامِهِ لِأخِيهِ يَهُوذا: ارْحَمْ ضَعْفِي وعَجْزِي وحَداثَةَ سِنِّي، وارْحَمْ قَلْبَ أبِيكَ يَعْقُوبَ، ومَن هو ابْنُ ثَمانَ عَشْرَةَ سَنَةً لا يُخافُ عَلَيْهِ مِنَ الذِّئْبِ ولا سِيَّما إنْ كانَ في رُفْقَةٍ، ولا يُقالُ فِيهِ: ﴿وإنّا لَهُ لَحافِظُونَ﴾ [يوسف: ٦٣] لِأنَّهُ إذْ ذاكَ قادِرٌ عَلى التَّحَيُّلِ في نَجاةِ نَفْسِهِ، ولا يُسَمّى غُلامًا إلّا بِمَجازٍ، ولا يُقالُ فِيهِ: ﴿أوْ نَتَّخِذَهُ ولَدًا﴾ [يوسف: ٢١] .
و﴿عِشاءً﴾ نُصِبَ عَلى الظَّرْفِ، أوْ مِنَ العَشْوَةِ، والعَشْوَةُ: الظَّلامُ، فَجُمِعَ عَلى فِعالٍ، مِثْلَ: راعٍ ورِعاءٍ، ويَكُونُ انْتِصابُهُ عَلى الحالِ كَقِراءَةِ الحَسَنِ (عُشًا) عَلى وزْنِ دُجًى، جَمْعُ عاشٍ، حُذِفَ مِنهُ الهاءُ كَما حُذِفَتْ في مالِكٍ، وأصْلُهُ مالِكَةٌ، وعَنِ الحَسَنِ (عُشَيًّا) عَلى التَّصْغِيرِ، قِيلَ: وإنَّما جاءُوا عِشاءً لِيَكُونَ أقْدَرَ عَلى الِاعْتِذارِ في الظُّلْمَةِ، ولِذا قِيلَ: لا تَطْلِبِ الحاجَةَ بِاللَّيْلِ فَإنَّ الحَياءَ في العَيْنَيْنِ، ولا تَعْتَذِرْ في النَّهارِ مِن ذَنْبٍ فَتَتَلَجْلَجُ في الِاعْتِذارِ، وفي الكَلامِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ: وجاءُوا أباهم دُونَ يُوسُفَ عِشاءً يَبْكُونَ، فَقالَ: أيْنَ يُوسُفُ ؟ قالُوا: إنّا ذَهَبْنا، ورُوِيَ أنَّ يَعْقُوبَ لَمّا سَمِعَ بُكاءَهم قالَ: ما لَكم، أجَرى في الغَنَمِ شَيْءٌ ؟ قالُوا: لا. قالَ: فَأيْنَ يُوسُفُ ؟ قالُوا: إنّا ذَهَبْنا نَسْتَبِقُ فَأكَلَهُ الذِّئْبُ، فَبَكى، وصاحَ، وخَرَّ مَغْشِيًّا عَلَيْهِ، فَأفاضُوا عَلَيْهِ الماءَ فَلَمْ يَتَحَرَّكْ، ونادَوْهُ فَلَمْ يُجِبْ، ووَضَعَ يَهُوذا يَدَهُ عَلى مَخارِجَ نَفَسِهِ فَلَمْ يُحِسَّ بِنَفَسِهِ ولا تَحَرَّكَ لَهُ عِرْقٌ فَقالَ: ويْلٌ لَنا مِن دَيّانِ يَوْمِ الدَّيْنِ الَّذِي ضَيَّعْنا أخانا وقَتَلْنا أبانا، فَلَمْ يُفِقْ إلّا بِبَرْدِ السَّحَرِ، قالَ الأعْمَشُ: لا يُصَدَّقُ باكٍ بَعْدَ إخْوَةِ يُوسُفَ. و﴿نَسْتَبِقُ﴾ أيْ: نَتَرامى بِالسِّهامِ، أوْ نَتَجارى عَلى الأقْدامِ أيُّنا أشَدُّ عَدْوًا، أوْ نَسْتَبِقُ في أعْمالٍ نَتَوَزَّعُها مِن سَقْيٍ ورَعْيٍ واحْتِطابٍ، أوْ نَتَصَيَّدُ؛ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
﴿عِنْدَ مَتاعِنا﴾ أيْ: عِنْدَ ثِيابِنا، وما تَجَرَّدْنا لَهُ حالَةَ الِاسْتِباقِ، وهَذا أيْضًا يَدُلُّ عَلى صِغَرِ يُوسُفَ؛ إذْ لَوْ كانَ ابْنَ ثَمانَ عَشْرَةَ سَنَةً أوْ سَبْعَ عَشْرَةَ لَكانَ يَسْتَبِقُ مَعَهم ﴿فَأكَلَهُ الذِّئْبُ﴾ قَدْ ذَكَرْنا أنَّهم تَلَقَّنُوا هَذا الجَوابَ مِن قَوْلِ أبِيهِمْ ﴿وأخافُ أنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ﴾ [يوسف: ١٣] لِأنَّ أكْلَ الذِّئْبِ إيّاهُ كانَ أغْلَبَ ما كانَ خافَ عَلَيْهِ.
﴿وما أنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا﴾ أيْ: بِمُصَدِّقٍ لَنا الآنَ ولَوْ كُنّا صادِقِينَ، أوَ لَسْتَ مُصَدِّقًا لَنا عَلى كُلِّ حالٍ حَتّى في حالَةِ الصِّدْقِ، لِما غَلَبَ عَلَيْكَ مِن تُهْمَتِنا وكَراهَتِنا في يُوسُفَ، وإنّا نَرْتادُ لَهُ الغَوائِلَ، ونَكِيدُ لَهُ المَكائِدَ، وأوْهَمُوا بِقَوْلِهِمْ: ﴿ولَوْ كُنّا صادِقِينَ﴾ أنَّهم صادِقُونَ في أكْلِ الذِّئْبِ يُوسُفَ، فَيَكُونُ صِدْقُهم مُقَيَّدًا بِهَذِهِ النّازِلَةِ، أوْ مِن أهْلِ الصِّدْقِ والثِّقَةِ عِنْدَ يَعْقُوبَ قَبْلَ هَذِهِ النّازِلَةِ، لِشِدَّةِ (p-٢٨٩)مَحَبَّتِكَ لِيُوسُفَ، فَكَيْفَ وأنْتَ سَيِّءُ الظَّنِّ بِنا في هَذِهِ النّازِلَةِ، غَيْرُ واثِقٍ بِقَوْلِنا فِيهِ ؟
رُوِيَ أنَّهم أخَذُوا سَخْلَةً أوْ جَدْيًا فَذَبَحُوهُ، ولَطَّخُوا قَمِيصَ يُوسُفَ بِدَمِهِ، وقالُوا لِيَعْقُوبَ: هَذا قَمِيصُ يُوسُفَ فَأخَذَهُ، ولَطَّخَ بِهِ وجْهَهُ وبَكى، ثُمَّ تَأمَّلَهُ فَلَمْ يَرَ خَرْقًا ولا ارْتابَ فاسْتَدَلَّ بِذَلِكَ عَلى خِلافِ ما زَعَمُوا وقالَ لَهم: مَتى كانَ الذِّئْبُ حَلِيمًا يَأْكُلُ يُوسُفَ ولا يَخْرِقُ قَمِيصَهُ ؟ قِيلَ: كانَ في قَمِيصِ يُوسُفَ ثَلاثُ آياتٍ، كانَ دَلِيلًا لِيَعْقُوبَ عَلى أنَّ يُوسُفَ لَمْ يَأْكُلْهُ الذِّئْبُ، وألْقاهُ عَلى وجْهِهِ فارْتَدَّ بَصِيرًا، ودَلِيلًا عَلى بَراءَةِ يُوسُفَ حِينَ قُدَّ مِن دُبُرٍ، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإنْ قُلْتَ: ﴿عَلى قَمِيصِهِ﴾ ما مَحَلُّهُ ؟ (قُلْتُ): مَحَلُّهُ النَّصْبُ عَلى الظَّرْفِ، كَأنَّهُ قِيلَ: وجاءُوا فَوْقَ قَمِيصِهِ بِدَمٍ، كَما تَقُولُ: جاءَ عَلى جِمالِهِ بِأحْمالٍ، (فَإنْ قُلْتَ): هَلْ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ حالًا مُقَدَّمَةً ؟ (قُلْتُ): لا؛ لِأنَّ حالَ المَجْرُورِ لا يَتَقَدَّمُ عَلَيْهِ، انْتَهى. ولا يُساعِدُ المَعْنى عَلى نَصْبِ ”عَلى“ عَلى الظَّرْفِ بِمَعْنى فَوْقَ؛ لِأنَّ العامِلَ فِيهِ إذْ ذاكَ (جاءُوا)، ولَيْسَ الفَوْقُ ظَرْفًا لَهم، بَلْ يَسْتَحِيلُ أنْ يَكُونَ ظَرْفًا لَهم، وقالَ الحَوْفِيُّ: (عَلى) مُتَعَلِّقٌ بِـ (جاءُوا) ولا يَصِحُّ أيْضًا، وأمّا المِثالُ الَّذِي ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ وهو جاءَ عَلى جِمالِهِ بِأحْمالٍ فَيُمْكِنُ أنْ يَكُونَ ظَرْفًا لِلْجائِي؛ لِأنَّهُ تَمَكَّنَ الظَّرْفِيَّةُ فِيهِ بِاعْتِبارِ تَبَدُّلِهِ مِن جَمَلٍ عَلى جَمَلٍ، ويَكُونُ بِأحْمالٍ في مَوْضِعِ الحالِ؛ أيْ: مَصْحُوبًا بِأحْمالٍ، وقالَ أبُو البَقاءِ: عَلى قَمِيصِهِ في مَوْضِعِ نَصْبِ حالًا مِنَ الدَّمِ؛ لِأنَّ التَّقْدِيرَ: جاءُوا بِدَمٍ كَذِبٍ عَلى قَمِيصِهِ، انْتَهى. وتَقْدِيمُ الحالِ عَلى المَجْرُورِ بِالحَرْفِ غَيْرِ الزّائِدِ في جَوازِهِ خِلافٌ، ومَن أجازَ اسْتَدَلَّ عَلى ذَلِكَ بِأنَّهُ مَوْجُودٌ في لِسانِ العَرَبِ، وأنْشَدَ عَلى ذَلِكَ شَواهِدَ هي مَذْكُورَةٌ في عِلْمِ النَّحْوِ، والمَعْنى: يُرْشِدُ إلى ما قالَهُ أبُو البَقاءِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: (كَذِبٍ) وصْفٌ لِـ (دَمٍ) عَلى سَبِيلِ المُبالَغَةِ، أوْ عَلى حَذْفِ مُضافٍ؛ أيْ: ذِي كَذِبٍ، لَمّا كانَ دالًّا عَلى الكَذِبِ وُصِفَ بِهِ، وإنْ كانَ الكَذِبُ صادِرًا مِن غَيْرِهِ، وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: (كَذِبًا) بِالنَّصْبِ، فاحْتُمِلَ أنْ يَكُونَ مَصْدَرًا في مَوْضِعِ الحالِ، وأنْ يَكُونَ مَفْعُولًا مِن أجْلِهِ، وقَرَأتْ عائِشَةُ والحَسَنُ: (كَدِبٍ) بِالدّالِ غَيْرَ مُعْجَمَةٍ، وفُسِّرَ بِالكَدَرِ، وقِيلَ: الطَّرِيُّ، وقِيلَ: اليابِسُ، وقالَ صاحِبُ اللَوامِحِ: ومَعْناهُ ذِي كَذِبٍ؛ أيْ: أثَرٍ؛ لِأنَّ الكَذِبَ هو بَياضٌ يَخْرُجُ في أظافِيرِ الشُّبّانِ ويُؤَثِّرُ فِيها، فَهو كالنَّقْشِ، ويُسَمّى ذَلِكَ البَياضُ الفُوفَ، فَيَكُونُ هَذا اسْتِعارَةً لِتَأْثِيرِهِ في القَمِيصِ، كَتَأْثِيرِ ذَلِكَ في الأظافِيرِ، قالَ: (بَلْ سَوَّلَتْ) هُنا مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: لَمْ يَأْكُلْهُ الذِّئْبُ بَلْ سَوَّلَتْ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أمَرْتُكم أمْرًا، وقالَ قَتادَةُ: زَيَّنَتْ، وقِيلَ: رَضِيَتْ أمْرًا؛ أيْ: صَنِيعًا قَبِيحًا، وقِيلَ: سَهَّلَتْ، فَصَبْرٌ جَمِيلٌ؛ أيْ: فَأمْرِي صَبْرٌ جَمِيلٌ، أوْ فَصَبْرٌ جَمِيلٌ أمْثَلُ، وقَرَأ أُبَيٌّ، والأشْهَبُ وعِيسى بْنُ عُمَرَ: (فَصَبْرًا جَمِيلًا) بِنَصْبِهِما، وكَذا هي في مُصْحَفِ أُبَيٍّ، ومُصْحَفِ أنَسِ بْنِ مالِكٍ، ورُوِيَ كَذَلِكَ عَنِ الكِسائِيِّ، ونَصَبَهُ عَلى المَصْدَرِ الخَبَرِيِّ؛ أيْ: فاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا، قِيلَ: وهي قِراءَةٌ ضَعِيفَةٌ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ، ولا يَصْلُحُ النَّصْبُ في مِثْلِ هَذا إلّا مَعَ الأمْرِ، وكَذَلِكَ يَحْسُنُ النَّصْبُ في قَوْلِهِ:
؎شَكا إلَيَّ جَمَلِي طُولَ السَّرى ∗∗∗ صَبْرًا جَمِيلًا فَكِلانا مُبْتَلى
ويُرْوى ”صَبْرٌ جَمِيلٌ“ في البَيْتِ، وإنَّما تَصِحُّ قِراءَةُ النَّصْبِ عَلى أنْ يُقَدَّرَ أنَّ يَعْقُوبَ رَجَعَ إلى مُخاطَبَةِ نَفْسِهِ فَكَأنَّهُ قالَ: فاصْبِرِي يا نَفْسُ صَبْرًا جَمِيلًا، وفي الحَدِيثِ: «أنَّ الصَّبْرَ الجَمِيلَ أنَّهُ الَّذِي لا شَكْوى فِيهِ» أيْ: إلى الخَلْقِ، ألا تَرى إلى قَوْلِهِ: ﴿إنَّما أشْكُو بَثِّي وحُزْنِي إلى اللَّهِ﴾ [يوسف: ٨٦] وقِيلَ: أتَجَمَّلُ لَكم في صَبْرِي فَلا أُعاشِرُكم عَلى كَآبَةِ الوَجْهِ، وعُبُوسِ الجَبِينِ، بَلْ عَلى ما كُنْتُ عَلَيْهِ مَعَكم. وقالَ الثَّوْرِيُّ: مِنَ الصَّبْرِ أنْ لا تُحَدِّثَ بِما يُوجِعُكَ ولا بِمُصِيبَتِكَ ولا تَبْكِي نَفْسَكَ.
﴿واللَّهُ المُسْتَعانُ﴾ أيْ: المَطْلُوبُ مِنهُ العَوْنُ عَلى احْتِمالِ ما تَصِفُونَ مِن هَلاكِ يُوسُفَ، والصَّبْرُ عَلى الرَّزِيَّةِ.
﴿وجاءَتْ سَيّارَةٌ﴾ قِيلَ: كانُوا مِن مَدْيَنَ قاصِدِينَ إلى مِصْرَ، وقِيلَ: في الكَلامِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ: وأقامَ يُوسُفُ في الجُبِّ ثَلاثَةَ أيّامٍ، وكانَ أخُوهُ (p-٢٩٠)يَهُوذا يَأْتِيهِ بِالطَّعامِ خِفْيَةً مِن إخْوَتِهِ. وقِيلَ: جاءَتِ السَّيّارَةُ في اليَوْمِ الثّانِي مِن طَرْحِهِ في الجُبِّ. وقِيلَ: كانَ التَّسْبِيحُ غِذاءَهُ في الجُبِّ. قِيلَ: وكانَتِ السَّيّارَةُ تائِهَةً تَسِيرُ مِن أرْضٍ إلى أرْضٍ، وقِيلَ: سَيّارَةٌ في الطَّرِيقِ أخْطَأُوهُ فَنَزَلُوا قَرِيبًا مِنَ الجُبِّ، وكانَ في قَفْرَةٍ بَعِيدَةٍ مِنَ العُمْرانِ لَمْ تَكُنْ إلّا لِلرُّعاةِ، وفِيهِمْ مالِكُ بْنُ دُعْرٍ الخُزاعِيُّ فَأرْسَلُوهُ لِيَطْلُبَ لَهُمُ الماءَ، والوارِدُ الَّذِي يَرِدُ الماءَ لِيَسْتَقِيَ لِلْقَوْمِ، وإضافَةُ الوارِدِ لِلضَّمِيرِ كَإضافَتِهِ في قَوْلِهِ: ألْقَيْتُ كاسِبَهم، لَيْسَتْ إضافَةً إلى المَفْعُولِ، بَلِ المَعْنى الَّذِي يَرِدُ عَلَيْهِمْ والَّذِي يَكْسِبُ لَهم، والظّاهِرُ أنَّ الوارِدَ واحِدٌ، وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والوارِدُ هُنا يُمْكِنُ أنْ يَقَعَ عَلى الواحِدِ وعَلى جَماعَةٍ، انْتَهى. وحُمِلَ عَلى مَعْنى السَّيّارَةِ في قَوْلِهِ: ﴿فَأرْسَلُوا﴾، ولَوْ حُمِلَ عَلى اللَّفْظِ لَكانَ التَّرْتِيبُ فَأرْسَلَتْ وارِدَها.
﴿فَأدْلى دَلْوَهُ﴾ أيْ: أرْسَلَها لِيَسْتَقِيَ الماءَ قالَ: يا بُشْرايَ، في الكَلامِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ: فَتَعَلَّقَ يُوسُفُ بِحَبْلِ الدَّلْوِ، فَلَمّا بَصُرَ بِهِ المُدْلِي قالَ: يا بُشْرايَ، وتَعَلُّقُهُ بِالحَبْلِ يَدُلُّ عَلى صِغَرِهِ، إذْ لَوْ كانَ ابْنَ ثَمانِيَةَ عَشَرَ أوْ سَبْعَةَ عَشَرَ لَمْ يَحْمِلْهُ الحَبْلُ غالِبًا، ولَفْظَةُ غُلامٍ تُرَجِّحُ ذَلِكَ، إذْ يُطْلَقُ عَلَيْهِ ما بَيْنَ الحَوْلَيْنِ إلى البُلُوغِ حَقِيقَةً، وقَدْ يُطْلَقُ عَلى الرَّجُلِ الكامِلِ لِقَوْلِ لَيْلى الأخْيَلِيَّةِ في الحَجّاجِ بْنِ يُوسُفَ:
؎غُلامٌ إذا هَزَّ القَناةَ سَقاها
وقَوْلُهُ: يا بُشْرايَ؛ هو عَلى سَبِيلِ السُّرُورِ والفَرَحِ بِيُوسُفَ، إذْ رَأى أحْسَنَ ما خَلَقَ، وأبْعَدَ السُّدِّيُّ في زَعْمِهِ أنَّ (بُشْرى) اسْمُ رَجُلٍ، وأضافَ البُشْرى إلى نَفْسِهِ فَكَأنَّهُ قالَ تَعالى: فَهَذا مِن آوِنَتِكَ، وقَرَأ ﴿يابُشْرى﴾ بِغَيْرِ إضافَةٍ الكُوفِيُّونَ، ورَوى ورْشٌ عَنْ نافِعٍ: (يا بُشْرايْ): بِسُكُونِ ياءِ الإضافَةِ، وهو جَمْعٌ بَيْنَ ساكِنَيْنِ عَلى غَيْرِ حِدَّةٍ وتَقَدَّمَ تَقْرِيرُ مِثْلِهِ في (ومَحْيايَ) وقَرَأ أبُو الطُّفَيْلِ والحَسَنُ وابْنُ أبِي إسْحاقَ والجَحْدَرِيُّ: ﴿يابُشْرى﴾ بِقَلْبِ الألِفِ ياءً وإدْغامِها في ياءِ الإضافَةِ، وهي لُغَةٌ لِهُذَيْلٍ، ولِناسٍ غَيْرِهِمْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْها في البَقَرَةِ، في ﴿فَمَن تَبِعَ هُدايَ﴾ [البقرة: ٣٨] قِيلَ: ذَهَبَ بِهِ الوارِدُ، فَلَمّا دَنا مِن أصْحابِهِ صاحَ بِذَلِكَ، فَبَشَّرَهم بِهِ وأسَرُوهُ، الظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ لِلسَّيّارَةِ الَّتِي الوارِدُ مِنهم أيْ: أخْفَوْهُ مِنَ الرُّفْقَةِ، أوْ كَتَمُوا أمْرَهُ مِن وِجْدانِهِمْ لَهُ في الجُبِّ وقالُوا: دَفَعَهُ إلَيْنا أهْلُ الماءِ لِنَبِيعَهُ لَهم بِمِصْرَ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الضَّمِيرُ في ﴿وأسَرُّوهُ﴾ ﴿وشَرَوْهُ﴾ [يوسف: ٢٠] لِإخْوَةِ يُوسُفَ، وأنَّهم قالُوا لِلرُّفْقَةِ: هَذا غُلامٌ قَدْ أبْقِ لَنا فاشْتَرُوهُ مِنّا، وسَكَتَ يُوسُفُ مَخافَةَ أنْ يَقْتُلُوهُ، وذَلِكَ أنَّهُ رُوِيَ أنَّ بَعْضَهم رَجَعَ إلى الجُبِّ لِيَتَحَقَّقُوا أمْرَ يُوسُفَ ويَقِفُوا عَلى الحَقِيقَةِ مِن فَقْدِهِ، فَلَمّا عَلِمُوا أنَّ الوارِدَ قَدْ أخَذُوهُ، جاءُوهم وقالُوا تِلْكَ المَقالَةَ، وانْتَصَبَ بِضاعَةً عَلى الحالِ أيْ: مَتْجَرًا لَهم ومَكْسَبًا.
﴿واللَّهُ عَلِيمٌ بِما يَعْمَلُونَ﴾ أيْ: لَمْ تَخَفَ عَلَيْهِ أسْرارُهم، وهو وعِيدٌ لَهم حَيْثُ اسْتَبْضَعُوا ما لَيْسَ لَهم، أوْ واللَّهُ عَلِيمٌ بِعَمَلِ إخْوَةِ يُوسُفَ بِأبِيهِمْ وأخِيهِمْ مِن سُوءِ الصُّنْعِ، وفي ذَلِكَ أعْظَمُ تِذْكارٍ بِما فَعَلُوا بِيُوسُفَ، قِيلَ: أوْحى اللَّهُ إلَيْهِ في الجُبِّ أنْ لا يُطْلِعَ أباهُ ولا غَيْرَهُ عَلى حالِهِ، لِحِكْمَةٍ أرادَ مَضاءَها، وظَهَرَ بَعْدَ ذَلِكَ ما جَرى لَهُ مِن جَعْلِهِ عَلى خَزائِنِ الأرْضِ، وإحْواجِ إخْوَتِهِ إلَيْهِ، ورَفْعِ أبَوَيْهِ عَلى العَرْشِ، وما جَرى مَجْرى ذَلِكَ مِمّا كانَ مَكْنُونًا في القَدَرِ.
يوسف 12:20
﴿وشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَراهِمَ مَعْدُودَةٍ وكانُوا فِيهِ مِنَ الزّاهِدِينَ﴾ ﴿وقالَ الَّذِي اشْتَراهُ مِن مِصْرَ لِامْرَأتِهِ أكْرِمِي مَثْواهُ عَسى أنْ يَنْفَعَنا أوْ نَتَّخِذَهُ ولَدًا وكَذَلِكَ مَكَّنّا لِيُوسُفَ في الأرْضِ ولِنُعَلِّمَهُ مِن تَأْوِيلِ الأحادِيثِ واللَّهُ غالِبٌ عَلى أمْرِهِ ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿ولَمّا بَلَغَ أشُدَّهُ آتَيْناهُ حُكْمًا وعِلْمًا وكَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ (p-٢٩١)شَرى بِمَعْنى باعَ، وبِمَعْنى اشْتَرى قالَ يَزِيدُ بْنُ مُفَرَّعٍ الحِمْيَرِيُّ:
؎وشَرَيْتُ بُرْدًا لَيْتَنِي مِن بَعْدِ بُرْدٍ كُنْتُ هامَهْ
أيْ: بِعْتُ بُرْدًا، وبُرْدَ غُلامِهِ. وقالَ الآخَرُ:
؎ولَوْ أنَّ هَذا المَوْتَ يَقْبَلُ فِدْيَةً ∗∗∗ شَرَيْتُ أبا زَيْدٍ بِما مَلَكَتْ يَدِي
أيِ: اشْتَرَيْتُ أبا زَيْدٍ، والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في ﴿وشَرَوْهُ﴾ عائِدٌ عَلى ﴿السَّيّارَةِ﴾ [يوسف: ١٠] أيْ: وباعُوا يُوسُفَ، ومَن قالَ: إنَّ الضَّمِيرَ في ﴿وأسَرُّوهُ﴾ [يوسف: ١٩] عائِدٌ عَلى إخْوَةِ يُوسُفَ جَعَلَهُ عائِدًا عَلَيْهِمْ أيْ: باعُوا أخاهم يُوسُفَ بِثَمَنٍ بَخْسٍ، و﴿بَخْسٍ﴾ مَصْدَرٌ وُصِفَ بِهِ بِمَعْنى مَبْخُوسٍ، وقالَ مُقاتِلٌ: زَيْفٌ ناقِصُ العِيارِ، وقالَ عِكْرِمَةُ والشَّعْبِيُّ: قَلِيلٌ، وهو مَعْنى الزَّمَخْشَرِيِّ: ناقِصٌ عَنِ القِيمَةِ نَقْصًا ظاهِرًا، وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: البَخْسُ الخَسِيسُ الَّذِي بَخَسَ بِهِ البائِعُ، وقالَ قَتادَةُ: بَخْسٌ: ظُلْمٌ؛ لِأنَّهم ظَلَمُوهُ في بَيْعِهِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ أيْضًا في آخَرِينَ: بَخْسٌ: حَرامٌ، وقالَ ابْنُ عَطاءٍ: إنَّما جَعَلَهُ بَخْسًا؛ لِأنَّهُ عِوَضُ نَفْسٍ شَرِيفَةٍ لا تُقابَلُ بِعِوَضٍ وإنْ جَلَّ، انْتَهى. وذَلِكَ أنَّ الَّذِينَ باعُوهُ إنْ كانُوا الوارِدَةَ فَإنَّهم لَمْ يُعْطُوا بِهِ ثَمَنًا، فَما أخَذُوا فِيهِ رِبْحٌ كُلُّهُ وإنْ كانُوا إخْوَتَهُ، فالمَقْصُودُ خَلُّو وجْهَ أبِيهِمْ مِنهُ لا ثَمَنَهُ، و﴿دَراهِمَ﴾ بَدَلٌ مِن (ثَمَنٍ)، فَلَمْ يَبِيعُوهُ بِدَنانِيرَ، و(مَعْدُودَةٍ) إشارَةٌ إلى القِلَّةِ، وكانَتْ عادَتُهم أنَّهم لا يَزِنُونَ إلّا ما بَلَغَ أُوقِيَّةً وهي أرْبَعُونَ دِرْهَمًا؛ لِأنَّ الكَثِيرَةَ يَعْسُرُ فِيها العَدُّ، بِخِلافِ القَلِيلَةِ، قالَ عِكْرِمَةُ في رِوايَةٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ إسْحاقَ: أرْبَعُونَ دِرْهَمًا. وقِيلَ: ثَلاثُونَ دِرْهَمًا ونَعْلانِ وحُلَّةٌ، وقالَ السُّدِّيُّ: كانَتِ اثْنَيْنِ وعِشْرِينَ دِرْهَمًا كَذا نَقَلَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ عَنْهُ، ونَقَلَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ عَنْ مُجاهِدٍ: أخَذَها إخْوَتُهُ دِرْهَمَيْنِ دِرْهَمَيْنِ، وصاحِبُ التَّحْرِيرِ عَنْهُ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ وابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةٍ، وعِكْرِمَةُ في رِوايَةٍ، ونَوْفٌ الشّامِيُّ ووَهْبٌ والشَّعْبِيُّ وعَطِيَّةُ والسُّدِّيُّ ومُقاتِلٌ في آخَرِينَ: عِشْرُونَ دِرْهَمًا، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا: عِشْرُونَ وحُلَّةٌ ونَعْلانِ. وقِيلَ: ثَمانِيَةَ عَشَرَ دِرْهَمًا اشْتَرَوْا بِها أخْفافًا ونِعالًا، وقِيلَ: عَشَرَةُ دَراهِمَ، والظّاهِرُ عَوْدُ الضَّمِيرِ في (فِيهِ) إلى يُوسُفَ؛ أيْ: لَمْ يَعْلَمُوا مَكانَهُ مِنَ اللَّهِ تَعالى قالَهُ: الضَّحّاكُ وابْنُ جُرَيْجٍ. وقِيلَ: يَعُودُ عَلى الثَّمَنِ، وزُهْدُهم فِيهِ لِرَداءَةِ الثَّمَنِ، أوْ لِقَصْدِ إبْعادِ يُوسُفَ لا الثَّمَنِ، وهَذا إذا كانَ الضَّمِيرُ في ﴿وشَرَوْهُ﴾ (وكانُوا) عائِدًا عَلى إخْوَةِ يُوسُفَ، فَأمّا إذا كانَ عائِدًا عَلى السَّيّارَةِ فَزُهْدُهم فِيهِ لِكَوْنِهِمُ ارْتابُوا فِيهِ، أوْ لِوَصْفِ إخْوَتِهِ بِالخِيانَةِ والإباقِ، أوْ لِعِلْمِهِمْ أنَّهُ حُرٌّ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مِنَ الزّاهِدِينَ، مِمَّنْ يَرْغَبُ عَمّا في يَدِهِ فَيَبِيعُهُ بِما طَفَّ مِنَ الثَّمَنِ؛ لِأنَّهُمُ التَقَطُوهُ، والمُلْتَقِطُ لِلشَّيْءِ مُتَهاوِنٌ بِهِ لا يُبالِي بِما باعَهُ، ولِأنَّهُ يَخافُ أنْ يَعْرِضَ لَهُ مُسْتَحِقٌّ فَيَنْزِعُهُ مِن يَدِهِ فَيَبِيعُهُ مِن أوَّلِ مُساوِمٍ بِأوْكَسِ الثَّمَنِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْنى ﴿وشَرَوْهُ﴾ اشْتَرَوْهُ، يَعْنِي الرُّفْقَةَ مِن إخْوَتِهِ.
﴿وكانُوا فِيهِ مِنَ الزّاهِدِينَ﴾ لِأنَّهُمُ اعْتَقَدُوا فِيهِ أنَّهُ آبِقٌ، فَخافُوا أنْ يُخاطِرُوا بِما لَهم فِيهِ، ويُرْوى أنَّ إخْوَتَهُ اتَّبَعُوهم يَقُولُونَ: اسْتَوْثِقُوا مِنهُ لا يَأْبَقُ، انْتَهى. وفِيهِ تَقَدَّمَ نَظِيرُهُ في ﴿إنِّي لَكُما لَمِنَ النّاصِحِينَ﴾ [الأعراف: ٢١] وأنَّهُ خَرَجَ تَعَلُّقُ الجارِّ إمّا (باعَنِي) مُضْمَرَةٌ، أوْ بِمَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ مِنَ الزّاهِدِينَ؛ أيْ: وكانُوا زاهِدِينَ فِيهِ مِنَ الزّاهِدِينَ، أوْ بِالزّاهِدِينَ؛ لِأنَّهُ يَتَسامَحُ في الجارِّ والظَّرْفِ، فَجُوِّزَ فِيهِما ما لا يَجُوزُ في غَيْرِهِما.
﴿وقالَ الَّذِي اشْتَراهُ مِن مِصْرَ﴾ ذَكَرُوا أقْوالًا مُتَعارِضَةً فِيمَنِ اشْتَراهُ، وفي الثَّمَنِ الَّذِي اشْتَراهُ بِهِ، ولا يَتَوَقَّفُ تَفْسِيرُ كِتابِ اللَّهِ عَلى تِلْكَ الأقْوالِ المُتَعارِضَةِ، فَقِيلَ: اشْتَراهُ رَجُلٌ مِنَ العَمالِيقِ وقَدْ آمَنَ بِ يُوسُفَ، وماتَ في حَياةِ يُوسُفَ. قِيلَ: وهو إذْ ذاكَ المَلِكُ بِمِصْرَ، واسْمُهُ الرَّيّانُ بْنُ الوَلِيدِ (p-٢٩٢)بْنِ بَرْوانَ بْنِ أراشَهْ بْنِ فارانَ بْنِ عَمْرِو بْنِ عِمْلاقِ بْنِ لاوَذَ بْنِ سامِ بْنِ نُوحٍ، فَمَلَكَ بَعْدَهُ قابُوسُ بْنُ مُصْعَبِ بْنِ تَمْرِ بْنِ السَّلواسِ بْنِ فارانَ بْنِ عَمْرٍو المَذْكُورِ في نَسَبِ الرَّيّانِ، فَدَعاهُ يُوسُفُ إلى الإيمانِ فَأبى، فاشْتَراهُ العَزِيزُ وهو ابْنُ سَبْعَ عَشْرَةَ سَنَةً، وأقامَ في مَنزِلِهِ ثَلاثَ عَشْرَةَ سَنَةً، واسْتَوْزَرَهُ الرَّيّانُ بْنُ الوَلِيدِ وهو ابْنُ ثَلاثِينَ سَنَةً، وآتاهُ اللَّهُ الحِكْمَةَ والعِلْمَ وهو ابْنُ ثَلاثٍ وثَلاثِينَ سَنَةً، وتُوُفِّيَ وهو ابْنُ مِائَةٍ وعِشْرِينَ سَنَةً، وقِيلَ: كانَ المَلِكُ في أيّامِهِ فِرْعَوْنَ مُوسى، عاشَ أرْبَعَمِائَةِ سَنَةٍ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ جاءَكم يُوسُفُ مِن قَبْلُ بِالبَيِّناتِ﴾ [غافر: ٣٤] وقِيلَ: فِرْعَوْنُ مُوسى مِن أوْلادِ فِرْعَوْنَ يُوسُفَ، وقِيلَ: عُرِضَ في السُّوقِ وكانَ أجْمَلَ النّاسِ، فَوَقَعَتْ فِيهِ مُزايَدَةً حَتّى بَلَغَ ثَمَنًا عَظِيمًا، فَقِيلَ: وزْنُهُ مِن ذَهَبٍ ومِن فِضَّةٍ ومِن حَرِيرٍ، فاشْتَراهُ العَزِيزُ وهو كانَ صاحِبَ المَلِكِ وخازِنَهُ، واسْمُ المَلِكِ الرَّيّانُ بْنُ الوَلِيدِ، وقِيلَ: مُصْعَبُ بْنُ الرَّيّانِ، وهو أحَدُ الفَراعِنَةِ، واسْمُ العَزِيزِ قِطْفِيرُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقِيلَ: إطْفِيرُ، وقِيلَ: قِنْطُورُ، واسْمُ امْرَأتِهِ راعِيلُ، وقِيلَ: زَلِيخا. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وظاهِرُ أمْرِ العَزِيزِ أنَّهُ كانَ كافِرًا، ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ كَوْنُ الصَّنَمِ في بَيْتِهِ حَسْبَما يُذْكَرُ، وقالَ مُجاهِدٌ: كانَ مُسْلِمًا، واسْمُ امْرَأةِ العَزِيزِ راعِيلُ بِنْتُ رَعايِيلَ، وقالَ السُّدِّيُّ: العَزِيزُ هو المَلِكُ، واسْمُ امْرَأتِهِ زَلِيخا بِنْتُ تَمْلِيخا، ومَثْواهُ مَكانَ إقامَتِهِ وهو كِنايَةٌ عَنِ الإحْسانِ إلَيْهِ في مَأْكَلٍ ومَشْرَبٍ ومَلْبَسٍ، ولامُ ﴿لِامْرَأتِهِ﴾ تَتَعَلَّقُ بِـ (قالَ) فَهي لِلتَّبْلِيغِ، نَحْوَ قُلْتُ لَكَ لا بِـ (اشْتِراهُ) عَسى أنْ يَنْفَعَنا، لَعَلَّهُ إذا تَدَرَّبَ وراضَ الأُمُورَ وعَرَفَ مَجارِيها نَسْتَعِينُ بِهِ عَلى بَعْضِ ما نَحْنُ بِصَدَدِهِ، فَيَنْفَعُنا بِكِفايَتِهِ، أوْ نَتَبَنّاهُ ونُقِيمُهُ مَقامَ الوَلَدِ، وكانَ قِطْفِيرُ عَقِيمًا لا يُولَدُ لَهُ، فَتَفَرَّسَ فِيهِ الرُّشْدَ فَقالَ ذَلِكَ، وكَذَلِكَ أيْ: مِثْلُ ذَلِكَ التَّمْكِينُ مِن قَلْبِ العَزِيزِ حَتّى عَطَفَ عَلَيْهِ، وأمَرَ امْرَأتَهُ بِإكْرامِ مَثْواهُ.
﴿مَكَّنّا لِيُوسُفَ في الأرْضِ﴾ أيْ: أرْضِ مِصْرَ يَتَصَرَّفُ فِيها بِأمْرِهِ ونَهْيِهِ؛ أيْ: حَكَّمْناهُ فِيها، ولامُ ﴿ولِنُعَلِّمَهُ﴾ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ، إمّا قَبْلَهُ لِنُمَلِّكَهُ ولِنُّعَلِّمَهُ، وإمّا بَعْدَهُ؛ أيْ: ولِنُعَلِّمَهُ مِن تَأْوِيلِ الأحادِيثِ، كانَ ذَلِكَ الإنْجاءُ والتَّمْكِينُ، أوِ الواوُ مُقْحَمَةٌ: أيْ: مَكَّنا لِيُوسُفَ في الأرْضِ لِنُعَلِّمَهُ كُلَّ مَقُولٍ، و(الأحادِيثِ) الرُّؤْيا، قالَهُ مُجاهِدٌ، وقِيلَ: أحادِيثُ الأنْبِياءِ والأُمَمِ، والضَّمِيرُ في ﴿عَلى أمْرِهِ﴾ الظّاهِرُ عَوْدُهُ عَلى اللَّهِ قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ، لا يُمْنَعُ عَمّا يَشاءُ ولا يُنازَعُ فِيما يُرِيدُ، ويَقْضِي، أوْ عَلى يُوسُفَ قالَهُ الطَّبَرِيُّ؛ أيْ: يُدِيرُهُ ولا يَكِلُهُ إلى غَيْرِهِ، قَدْ أرادَ إخْوَتُهُ بِهِ ما أرادُوا، ولَمْ يَكُنْ إلّا ما أرادَ اللَّهُ ودَبَّرَهُ، وأكْثَرُ النّاسِ المَنفِيِّ عَنْهُمُ العِلْمَ هُمُ الكُفّارُ قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لا يَعْلَمُونَ أنَّ الأمْرَ بِيَدِ اللَّهِ. وقِيلَ: المُرادُ بِالأكْثَرِ الجَمِيعُ؛ أيْ: لا يَطَّلِعُونَ عَلى غَيْبِهِ. وقِيلَ: المُرادُ بِأكْثَرِ النّاسِ أهْلُ مِصْرَ. وقِيلَ: أهْلُ مَكَّةَ.
والأشُدُّ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ جَمْعٌ واحِدُهُ شِدَّةٌ، وأشُدُّ كَنِعْمَةٍ وأنْعُمٍ. وقالَ الكِسائِيُّ: شَدَّ وأشُدٌّ نَحْوُ صَكَّ وأصُكٍّ، وقالَ الشّاعِرُ:
؎عَهْدِي بِهِ شَدَّ النَّهارِ كَأنَّما ∗∗∗ خُضِبَ البَنانُ ورَأْسُهُ بِالعِظْلِمِ
وزَعَمَ أبُو عُبَيْدَةَ أنَّهُ لا واحِدَ لَهُ مِن لَفْظِهِ عِنْدَ العَرَبِ والأشُدُّ بُلُوغُ الحُلُمِ قالَهُ: الشَّعْبِيُّ ورَبِيعَةُ وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ أوْ سَبْعَةَ عَشَرَ عامًا إلى نَحْوِ الأرْبَعِينَ قالَهُ الزَّجّاجُ. أوْ ثَمانِيَةَ عَشَرَ إلى سِتِّينَ أوْ ثَمانِيَةَ عَشَرَ قالَهُ عِكْرِمَةُ. ورَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أوْ عِشْرُونَ قالَهُ الضَّحّاكُ، أوْ إحْدى وعِشْرُونَ سَنَةً أوْ ثَلاثُونَ أوْ ثَلاثَةٌ وثَلاثُونَ قالَهُ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ ورَواهُ ابْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أوْ ثَمانٌ وثَلاثُونَ حَكاهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ، أوْ أرْبَعُونَ قالَهُ الحَسَنُ، وسُئِلَ الفاضِلُ النَّحْوِيُّ مُهَذِّبُ الدِّينِ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - الخَيْمِيُّ عَنِ الأشُدِّ فَقالَ: هو خَمْسٌ وثَلاثُونَ، وتَمامُهُ أرْبَعُونَ، وقِيلَ: أقْصاهُ اثْنانِ وسِتُّونَ، والحُلُمُ: الحُكْمُ، والعِلْمُ: النُّبُوَّةُ. وقِيلَ: الحُكْمُ بَيْنَ النّاسِ، والعِلْمُ: الفِقْهُ في الدِّينِ، وهَذا أشْبَهُ لِمَجِيءِ (p-٢٩٣)قِصَّةِ المُراوَدَةِ بَعْدَ هَذِهِ القِصَّةِ، وكَذَلِكَ أيْ: مِثْلُ ذَلِكَ الجَزاءِ لِمَن صَبَرَ ورَضِيَ بِالمَقادِيرِ نَجْزِي المُحْسِنِينَ، وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ يُوسُفَ كانَ مُحْسِنًا في عُنْفُوانِ شَبابِهِ فَآتاهُ اللَّهُ الحُكْمَ والعِلْمَ جَزاءً عَلى إحْسانِهِ، وعَنِ الحَسَنِ: مَن أحْسَنَ عِبادَةَ اللَّهِ في شَبِيبَتِهِ آتاهُ اللَّهُ الحِكْمَةَ في اكْتِهالِهِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المُحْسِنِينَ المُهْتَدِينَ، وقالَ الضَّحّاكُ: الصّابِرِينَ عَلى النَّوائِبِ.
يوسف 12:21
﴿وشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَراهِمَ مَعْدُودَةٍ وكانُوا فِيهِ مِنَ الزّاهِدِينَ﴾ ﴿وقالَ الَّذِي اشْتَراهُ مِن مِصْرَ لِامْرَأتِهِ أكْرِمِي مَثْواهُ عَسى أنْ يَنْفَعَنا أوْ نَتَّخِذَهُ ولَدًا وكَذَلِكَ مَكَّنّا لِيُوسُفَ في الأرْضِ ولِنُعَلِّمَهُ مِن تَأْوِيلِ الأحادِيثِ واللَّهُ غالِبٌ عَلى أمْرِهِ ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿ولَمّا بَلَغَ أشُدَّهُ آتَيْناهُ حُكْمًا وعِلْمًا وكَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ (p-٢٩١)شَرى بِمَعْنى باعَ، وبِمَعْنى اشْتَرى قالَ يَزِيدُ بْنُ مُفَرَّعٍ الحِمْيَرِيُّ:
؎وشَرَيْتُ بُرْدًا لَيْتَنِي مِن بَعْدِ بُرْدٍ كُنْتُ هامَهْ
أيْ: بِعْتُ بُرْدًا، وبُرْدَ غُلامِهِ. وقالَ الآخَرُ:
؎ولَوْ أنَّ هَذا المَوْتَ يَقْبَلُ فِدْيَةً ∗∗∗ شَرَيْتُ أبا زَيْدٍ بِما مَلَكَتْ يَدِي
أيِ: اشْتَرَيْتُ أبا زَيْدٍ، والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في ﴿وشَرَوْهُ﴾ عائِدٌ عَلى ﴿السَّيّارَةِ﴾ [يوسف: ١٠] أيْ: وباعُوا يُوسُفَ، ومَن قالَ: إنَّ الضَّمِيرَ في ﴿وأسَرُّوهُ﴾ [يوسف: ١٩] عائِدٌ عَلى إخْوَةِ يُوسُفَ جَعَلَهُ عائِدًا عَلَيْهِمْ أيْ: باعُوا أخاهم يُوسُفَ بِثَمَنٍ بَخْسٍ، و﴿بَخْسٍ﴾ مَصْدَرٌ وُصِفَ بِهِ بِمَعْنى مَبْخُوسٍ، وقالَ مُقاتِلٌ: زَيْفٌ ناقِصُ العِيارِ، وقالَ عِكْرِمَةُ والشَّعْبِيُّ: قَلِيلٌ، وهو مَعْنى الزَّمَخْشَرِيِّ: ناقِصٌ عَنِ القِيمَةِ نَقْصًا ظاهِرًا، وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: البَخْسُ الخَسِيسُ الَّذِي بَخَسَ بِهِ البائِعُ، وقالَ قَتادَةُ: بَخْسٌ: ظُلْمٌ؛ لِأنَّهم ظَلَمُوهُ في بَيْعِهِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ أيْضًا في آخَرِينَ: بَخْسٌ: حَرامٌ، وقالَ ابْنُ عَطاءٍ: إنَّما جَعَلَهُ بَخْسًا؛ لِأنَّهُ عِوَضُ نَفْسٍ شَرِيفَةٍ لا تُقابَلُ بِعِوَضٍ وإنْ جَلَّ، انْتَهى. وذَلِكَ أنَّ الَّذِينَ باعُوهُ إنْ كانُوا الوارِدَةَ فَإنَّهم لَمْ يُعْطُوا بِهِ ثَمَنًا، فَما أخَذُوا فِيهِ رِبْحٌ كُلُّهُ وإنْ كانُوا إخْوَتَهُ، فالمَقْصُودُ خَلُّو وجْهَ أبِيهِمْ مِنهُ لا ثَمَنَهُ، و﴿دَراهِمَ﴾ بَدَلٌ مِن (ثَمَنٍ)، فَلَمْ يَبِيعُوهُ بِدَنانِيرَ، و(مَعْدُودَةٍ) إشارَةٌ إلى القِلَّةِ، وكانَتْ عادَتُهم أنَّهم لا يَزِنُونَ إلّا ما بَلَغَ أُوقِيَّةً وهي أرْبَعُونَ دِرْهَمًا؛ لِأنَّ الكَثِيرَةَ يَعْسُرُ فِيها العَدُّ، بِخِلافِ القَلِيلَةِ، قالَ عِكْرِمَةُ في رِوايَةٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ إسْحاقَ: أرْبَعُونَ دِرْهَمًا. وقِيلَ: ثَلاثُونَ دِرْهَمًا ونَعْلانِ وحُلَّةٌ، وقالَ السُّدِّيُّ: كانَتِ اثْنَيْنِ وعِشْرِينَ دِرْهَمًا كَذا نَقَلَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ عَنْهُ، ونَقَلَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ عَنْ مُجاهِدٍ: أخَذَها إخْوَتُهُ دِرْهَمَيْنِ دِرْهَمَيْنِ، وصاحِبُ التَّحْرِيرِ عَنْهُ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ وابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةٍ، وعِكْرِمَةُ في رِوايَةٍ، ونَوْفٌ الشّامِيُّ ووَهْبٌ والشَّعْبِيُّ وعَطِيَّةُ والسُّدِّيُّ ومُقاتِلٌ في آخَرِينَ: عِشْرُونَ دِرْهَمًا، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا: عِشْرُونَ وحُلَّةٌ ونَعْلانِ. وقِيلَ: ثَمانِيَةَ عَشَرَ دِرْهَمًا اشْتَرَوْا بِها أخْفافًا ونِعالًا، وقِيلَ: عَشَرَةُ دَراهِمَ، والظّاهِرُ عَوْدُ الضَّمِيرِ في (فِيهِ) إلى يُوسُفَ؛ أيْ: لَمْ يَعْلَمُوا مَكانَهُ مِنَ اللَّهِ تَعالى قالَهُ: الضَّحّاكُ وابْنُ جُرَيْجٍ. وقِيلَ: يَعُودُ عَلى الثَّمَنِ، وزُهْدُهم فِيهِ لِرَداءَةِ الثَّمَنِ، أوْ لِقَصْدِ إبْعادِ يُوسُفَ لا الثَّمَنِ، وهَذا إذا كانَ الضَّمِيرُ في ﴿وشَرَوْهُ﴾ (وكانُوا) عائِدًا عَلى إخْوَةِ يُوسُفَ، فَأمّا إذا كانَ عائِدًا عَلى السَّيّارَةِ فَزُهْدُهم فِيهِ لِكَوْنِهِمُ ارْتابُوا فِيهِ، أوْ لِوَصْفِ إخْوَتِهِ بِالخِيانَةِ والإباقِ، أوْ لِعِلْمِهِمْ أنَّهُ حُرٌّ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مِنَ الزّاهِدِينَ، مِمَّنْ يَرْغَبُ عَمّا في يَدِهِ فَيَبِيعُهُ بِما طَفَّ مِنَ الثَّمَنِ؛ لِأنَّهُمُ التَقَطُوهُ، والمُلْتَقِطُ لِلشَّيْءِ مُتَهاوِنٌ بِهِ لا يُبالِي بِما باعَهُ، ولِأنَّهُ يَخافُ أنْ يَعْرِضَ لَهُ مُسْتَحِقٌّ فَيَنْزِعُهُ مِن يَدِهِ فَيَبِيعُهُ مِن أوَّلِ مُساوِمٍ بِأوْكَسِ الثَّمَنِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْنى ﴿وشَرَوْهُ﴾ اشْتَرَوْهُ، يَعْنِي الرُّفْقَةَ مِن إخْوَتِهِ.
﴿وكانُوا فِيهِ مِنَ الزّاهِدِينَ﴾ لِأنَّهُمُ اعْتَقَدُوا فِيهِ أنَّهُ آبِقٌ، فَخافُوا أنْ يُخاطِرُوا بِما لَهم فِيهِ، ويُرْوى أنَّ إخْوَتَهُ اتَّبَعُوهم يَقُولُونَ: اسْتَوْثِقُوا مِنهُ لا يَأْبَقُ، انْتَهى. وفِيهِ تَقَدَّمَ نَظِيرُهُ في ﴿إنِّي لَكُما لَمِنَ النّاصِحِينَ﴾ [الأعراف: ٢١] وأنَّهُ خَرَجَ تَعَلُّقُ الجارِّ إمّا (باعَنِي) مُضْمَرَةٌ، أوْ بِمَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ مِنَ الزّاهِدِينَ؛ أيْ: وكانُوا زاهِدِينَ فِيهِ مِنَ الزّاهِدِينَ، أوْ بِالزّاهِدِينَ؛ لِأنَّهُ يَتَسامَحُ في الجارِّ والظَّرْفِ، فَجُوِّزَ فِيهِما ما لا يَجُوزُ في غَيْرِهِما.
﴿وقالَ الَّذِي اشْتَراهُ مِن مِصْرَ﴾ ذَكَرُوا أقْوالًا مُتَعارِضَةً فِيمَنِ اشْتَراهُ، وفي الثَّمَنِ الَّذِي اشْتَراهُ بِهِ، ولا يَتَوَقَّفُ تَفْسِيرُ كِتابِ اللَّهِ عَلى تِلْكَ الأقْوالِ المُتَعارِضَةِ، فَقِيلَ: اشْتَراهُ رَجُلٌ مِنَ العَمالِيقِ وقَدْ آمَنَ بِ يُوسُفَ، وماتَ في حَياةِ يُوسُفَ. قِيلَ: وهو إذْ ذاكَ المَلِكُ بِمِصْرَ، واسْمُهُ الرَّيّانُ بْنُ الوَلِيدِ (p-٢٩٢)بْنِ بَرْوانَ بْنِ أراشَهْ بْنِ فارانَ بْنِ عَمْرِو بْنِ عِمْلاقِ بْنِ لاوَذَ بْنِ سامِ بْنِ نُوحٍ، فَمَلَكَ بَعْدَهُ قابُوسُ بْنُ مُصْعَبِ بْنِ تَمْرِ بْنِ السَّلواسِ بْنِ فارانَ بْنِ عَمْرٍو المَذْكُورِ في نَسَبِ الرَّيّانِ، فَدَعاهُ يُوسُفُ إلى الإيمانِ فَأبى، فاشْتَراهُ العَزِيزُ وهو ابْنُ سَبْعَ عَشْرَةَ سَنَةً، وأقامَ في مَنزِلِهِ ثَلاثَ عَشْرَةَ سَنَةً، واسْتَوْزَرَهُ الرَّيّانُ بْنُ الوَلِيدِ وهو ابْنُ ثَلاثِينَ سَنَةً، وآتاهُ اللَّهُ الحِكْمَةَ والعِلْمَ وهو ابْنُ ثَلاثٍ وثَلاثِينَ سَنَةً، وتُوُفِّيَ وهو ابْنُ مِائَةٍ وعِشْرِينَ سَنَةً، وقِيلَ: كانَ المَلِكُ في أيّامِهِ فِرْعَوْنَ مُوسى، عاشَ أرْبَعَمِائَةِ سَنَةٍ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ جاءَكم يُوسُفُ مِن قَبْلُ بِالبَيِّناتِ﴾ [غافر: ٣٤] وقِيلَ: فِرْعَوْنُ مُوسى مِن أوْلادِ فِرْعَوْنَ يُوسُفَ، وقِيلَ: عُرِضَ في السُّوقِ وكانَ أجْمَلَ النّاسِ، فَوَقَعَتْ فِيهِ مُزايَدَةً حَتّى بَلَغَ ثَمَنًا عَظِيمًا، فَقِيلَ: وزْنُهُ مِن ذَهَبٍ ومِن فِضَّةٍ ومِن حَرِيرٍ، فاشْتَراهُ العَزِيزُ وهو كانَ صاحِبَ المَلِكِ وخازِنَهُ، واسْمُ المَلِكِ الرَّيّانُ بْنُ الوَلِيدِ، وقِيلَ: مُصْعَبُ بْنُ الرَّيّانِ، وهو أحَدُ الفَراعِنَةِ، واسْمُ العَزِيزِ قِطْفِيرُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقِيلَ: إطْفِيرُ، وقِيلَ: قِنْطُورُ، واسْمُ امْرَأتِهِ راعِيلُ، وقِيلَ: زَلِيخا. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وظاهِرُ أمْرِ العَزِيزِ أنَّهُ كانَ كافِرًا، ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ كَوْنُ الصَّنَمِ في بَيْتِهِ حَسْبَما يُذْكَرُ، وقالَ مُجاهِدٌ: كانَ مُسْلِمًا، واسْمُ امْرَأةِ العَزِيزِ راعِيلُ بِنْتُ رَعايِيلَ، وقالَ السُّدِّيُّ: العَزِيزُ هو المَلِكُ، واسْمُ امْرَأتِهِ زَلِيخا بِنْتُ تَمْلِيخا، ومَثْواهُ مَكانَ إقامَتِهِ وهو كِنايَةٌ عَنِ الإحْسانِ إلَيْهِ في مَأْكَلٍ ومَشْرَبٍ ومَلْبَسٍ، ولامُ ﴿لِامْرَأتِهِ﴾ تَتَعَلَّقُ بِـ (قالَ) فَهي لِلتَّبْلِيغِ، نَحْوَ قُلْتُ لَكَ لا بِـ (اشْتِراهُ) عَسى أنْ يَنْفَعَنا، لَعَلَّهُ إذا تَدَرَّبَ وراضَ الأُمُورَ وعَرَفَ مَجارِيها نَسْتَعِينُ بِهِ عَلى بَعْضِ ما نَحْنُ بِصَدَدِهِ، فَيَنْفَعُنا بِكِفايَتِهِ، أوْ نَتَبَنّاهُ ونُقِيمُهُ مَقامَ الوَلَدِ، وكانَ قِطْفِيرُ عَقِيمًا لا يُولَدُ لَهُ، فَتَفَرَّسَ فِيهِ الرُّشْدَ فَقالَ ذَلِكَ، وكَذَلِكَ أيْ: مِثْلُ ذَلِكَ التَّمْكِينُ مِن قَلْبِ العَزِيزِ حَتّى عَطَفَ عَلَيْهِ، وأمَرَ امْرَأتَهُ بِإكْرامِ مَثْواهُ.
﴿مَكَّنّا لِيُوسُفَ في الأرْضِ﴾ أيْ: أرْضِ مِصْرَ يَتَصَرَّفُ فِيها بِأمْرِهِ ونَهْيِهِ؛ أيْ: حَكَّمْناهُ فِيها، ولامُ ﴿ولِنُعَلِّمَهُ﴾ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ، إمّا قَبْلَهُ لِنُمَلِّكَهُ ولِنُّعَلِّمَهُ، وإمّا بَعْدَهُ؛ أيْ: ولِنُعَلِّمَهُ مِن تَأْوِيلِ الأحادِيثِ، كانَ ذَلِكَ الإنْجاءُ والتَّمْكِينُ، أوِ الواوُ مُقْحَمَةٌ: أيْ: مَكَّنا لِيُوسُفَ في الأرْضِ لِنُعَلِّمَهُ كُلَّ مَقُولٍ، و(الأحادِيثِ) الرُّؤْيا، قالَهُ مُجاهِدٌ، وقِيلَ: أحادِيثُ الأنْبِياءِ والأُمَمِ، والضَّمِيرُ في ﴿عَلى أمْرِهِ﴾ الظّاهِرُ عَوْدُهُ عَلى اللَّهِ قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ، لا يُمْنَعُ عَمّا يَشاءُ ولا يُنازَعُ فِيما يُرِيدُ، ويَقْضِي، أوْ عَلى يُوسُفَ قالَهُ الطَّبَرِيُّ؛ أيْ: يُدِيرُهُ ولا يَكِلُهُ إلى غَيْرِهِ، قَدْ أرادَ إخْوَتُهُ بِهِ ما أرادُوا، ولَمْ يَكُنْ إلّا ما أرادَ اللَّهُ ودَبَّرَهُ، وأكْثَرُ النّاسِ المَنفِيِّ عَنْهُمُ العِلْمَ هُمُ الكُفّارُ قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لا يَعْلَمُونَ أنَّ الأمْرَ بِيَدِ اللَّهِ. وقِيلَ: المُرادُ بِالأكْثَرِ الجَمِيعُ؛ أيْ: لا يَطَّلِعُونَ عَلى غَيْبِهِ. وقِيلَ: المُرادُ بِأكْثَرِ النّاسِ أهْلُ مِصْرَ. وقِيلَ: أهْلُ مَكَّةَ.
والأشُدُّ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ جَمْعٌ واحِدُهُ شِدَّةٌ، وأشُدُّ كَنِعْمَةٍ وأنْعُمٍ. وقالَ الكِسائِيُّ: شَدَّ وأشُدٌّ نَحْوُ صَكَّ وأصُكٍّ، وقالَ الشّاعِرُ:
؎عَهْدِي بِهِ شَدَّ النَّهارِ كَأنَّما ∗∗∗ خُضِبَ البَنانُ ورَأْسُهُ بِالعِظْلِمِ
وزَعَمَ أبُو عُبَيْدَةَ أنَّهُ لا واحِدَ لَهُ مِن لَفْظِهِ عِنْدَ العَرَبِ والأشُدُّ بُلُوغُ الحُلُمِ قالَهُ: الشَّعْبِيُّ ورَبِيعَةُ وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ أوْ سَبْعَةَ عَشَرَ عامًا إلى نَحْوِ الأرْبَعِينَ قالَهُ الزَّجّاجُ. أوْ ثَمانِيَةَ عَشَرَ إلى سِتِّينَ أوْ ثَمانِيَةَ عَشَرَ قالَهُ عِكْرِمَةُ. ورَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أوْ عِشْرُونَ قالَهُ الضَّحّاكُ، أوْ إحْدى وعِشْرُونَ سَنَةً أوْ ثَلاثُونَ أوْ ثَلاثَةٌ وثَلاثُونَ قالَهُ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ ورَواهُ ابْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أوْ ثَمانٌ وثَلاثُونَ حَكاهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ، أوْ أرْبَعُونَ قالَهُ الحَسَنُ، وسُئِلَ الفاضِلُ النَّحْوِيُّ مُهَذِّبُ الدِّينِ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - الخَيْمِيُّ عَنِ الأشُدِّ فَقالَ: هو خَمْسٌ وثَلاثُونَ، وتَمامُهُ أرْبَعُونَ، وقِيلَ: أقْصاهُ اثْنانِ وسِتُّونَ، والحُلُمُ: الحُكْمُ، والعِلْمُ: النُّبُوَّةُ. وقِيلَ: الحُكْمُ بَيْنَ النّاسِ، والعِلْمُ: الفِقْهُ في الدِّينِ، وهَذا أشْبَهُ لِمَجِيءِ (p-٢٩٣)قِصَّةِ المُراوَدَةِ بَعْدَ هَذِهِ القِصَّةِ، وكَذَلِكَ أيْ: مِثْلُ ذَلِكَ الجَزاءِ لِمَن صَبَرَ ورَضِيَ بِالمَقادِيرِ نَجْزِي المُحْسِنِينَ، وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ يُوسُفَ كانَ مُحْسِنًا في عُنْفُوانِ شَبابِهِ فَآتاهُ اللَّهُ الحُكْمَ والعِلْمَ جَزاءً عَلى إحْسانِهِ، وعَنِ الحَسَنِ: مَن أحْسَنَ عِبادَةَ اللَّهِ في شَبِيبَتِهِ آتاهُ اللَّهُ الحِكْمَةَ في اكْتِهالِهِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المُحْسِنِينَ المُهْتَدِينَ، وقالَ الضَّحّاكُ: الصّابِرِينَ عَلى النَّوائِبِ.
يوسف 12:22
﴿وشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَراهِمَ مَعْدُودَةٍ وكانُوا فِيهِ مِنَ الزّاهِدِينَ﴾ ﴿وقالَ الَّذِي اشْتَراهُ مِن مِصْرَ لِامْرَأتِهِ أكْرِمِي مَثْواهُ عَسى أنْ يَنْفَعَنا أوْ نَتَّخِذَهُ ولَدًا وكَذَلِكَ مَكَّنّا لِيُوسُفَ في الأرْضِ ولِنُعَلِّمَهُ مِن تَأْوِيلِ الأحادِيثِ واللَّهُ غالِبٌ عَلى أمْرِهِ ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿ولَمّا بَلَغَ أشُدَّهُ آتَيْناهُ حُكْمًا وعِلْمًا وكَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ (p-٢٩١)شَرى بِمَعْنى باعَ، وبِمَعْنى اشْتَرى قالَ يَزِيدُ بْنُ مُفَرَّعٍ الحِمْيَرِيُّ:
؎وشَرَيْتُ بُرْدًا لَيْتَنِي مِن بَعْدِ بُرْدٍ كُنْتُ هامَهْ
أيْ: بِعْتُ بُرْدًا، وبُرْدَ غُلامِهِ. وقالَ الآخَرُ:
؎ولَوْ أنَّ هَذا المَوْتَ يَقْبَلُ فِدْيَةً ∗∗∗ شَرَيْتُ أبا زَيْدٍ بِما مَلَكَتْ يَدِي
أيِ: اشْتَرَيْتُ أبا زَيْدٍ، والظّاهِرُ أنَّ الضَّمِيرَ في ﴿وشَرَوْهُ﴾ عائِدٌ عَلى ﴿السَّيّارَةِ﴾ [يوسف: ١٠] أيْ: وباعُوا يُوسُفَ، ومَن قالَ: إنَّ الضَّمِيرَ في ﴿وأسَرُّوهُ﴾ [يوسف: ١٩] عائِدٌ عَلى إخْوَةِ يُوسُفَ جَعَلَهُ عائِدًا عَلَيْهِمْ أيْ: باعُوا أخاهم يُوسُفَ بِثَمَنٍ بَخْسٍ، و﴿بَخْسٍ﴾ مَصْدَرٌ وُصِفَ بِهِ بِمَعْنى مَبْخُوسٍ، وقالَ مُقاتِلٌ: زَيْفٌ ناقِصُ العِيارِ، وقالَ عِكْرِمَةُ والشَّعْبِيُّ: قَلِيلٌ، وهو مَعْنى الزَّمَخْشَرِيِّ: ناقِصٌ عَنِ القِيمَةِ نَقْصًا ظاهِرًا، وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: البَخْسُ الخَسِيسُ الَّذِي بَخَسَ بِهِ البائِعُ، وقالَ قَتادَةُ: بَخْسٌ: ظُلْمٌ؛ لِأنَّهم ظَلَمُوهُ في بَيْعِهِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ أيْضًا في آخَرِينَ: بَخْسٌ: حَرامٌ، وقالَ ابْنُ عَطاءٍ: إنَّما جَعَلَهُ بَخْسًا؛ لِأنَّهُ عِوَضُ نَفْسٍ شَرِيفَةٍ لا تُقابَلُ بِعِوَضٍ وإنْ جَلَّ، انْتَهى. وذَلِكَ أنَّ الَّذِينَ باعُوهُ إنْ كانُوا الوارِدَةَ فَإنَّهم لَمْ يُعْطُوا بِهِ ثَمَنًا، فَما أخَذُوا فِيهِ رِبْحٌ كُلُّهُ وإنْ كانُوا إخْوَتَهُ، فالمَقْصُودُ خَلُّو وجْهَ أبِيهِمْ مِنهُ لا ثَمَنَهُ، و﴿دَراهِمَ﴾ بَدَلٌ مِن (ثَمَنٍ)، فَلَمْ يَبِيعُوهُ بِدَنانِيرَ، و(مَعْدُودَةٍ) إشارَةٌ إلى القِلَّةِ، وكانَتْ عادَتُهم أنَّهم لا يَزِنُونَ إلّا ما بَلَغَ أُوقِيَّةً وهي أرْبَعُونَ دِرْهَمًا؛ لِأنَّ الكَثِيرَةَ يَعْسُرُ فِيها العَدُّ، بِخِلافِ القَلِيلَةِ، قالَ عِكْرِمَةُ في رِوايَةٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ إسْحاقَ: أرْبَعُونَ دِرْهَمًا. وقِيلَ: ثَلاثُونَ دِرْهَمًا ونَعْلانِ وحُلَّةٌ، وقالَ السُّدِّيُّ: كانَتِ اثْنَيْنِ وعِشْرِينَ دِرْهَمًا كَذا نَقَلَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ عَنْهُ، ونَقَلَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ عَنْ مُجاهِدٍ: أخَذَها إخْوَتُهُ دِرْهَمَيْنِ دِرْهَمَيْنِ، وصاحِبُ التَّحْرِيرِ عَنْهُ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ وابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةٍ، وعِكْرِمَةُ في رِوايَةٍ، ونَوْفٌ الشّامِيُّ ووَهْبٌ والشَّعْبِيُّ وعَطِيَّةُ والسُّدِّيُّ ومُقاتِلٌ في آخَرِينَ: عِشْرُونَ دِرْهَمًا، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا: عِشْرُونَ وحُلَّةٌ ونَعْلانِ. وقِيلَ: ثَمانِيَةَ عَشَرَ دِرْهَمًا اشْتَرَوْا بِها أخْفافًا ونِعالًا، وقِيلَ: عَشَرَةُ دَراهِمَ، والظّاهِرُ عَوْدُ الضَّمِيرِ في (فِيهِ) إلى يُوسُفَ؛ أيْ: لَمْ يَعْلَمُوا مَكانَهُ مِنَ اللَّهِ تَعالى قالَهُ: الضَّحّاكُ وابْنُ جُرَيْجٍ. وقِيلَ: يَعُودُ عَلى الثَّمَنِ، وزُهْدُهم فِيهِ لِرَداءَةِ الثَّمَنِ، أوْ لِقَصْدِ إبْعادِ يُوسُفَ لا الثَّمَنِ، وهَذا إذا كانَ الضَّمِيرُ في ﴿وشَرَوْهُ﴾ (وكانُوا) عائِدًا عَلى إخْوَةِ يُوسُفَ، فَأمّا إذا كانَ عائِدًا عَلى السَّيّارَةِ فَزُهْدُهم فِيهِ لِكَوْنِهِمُ ارْتابُوا فِيهِ، أوْ لِوَصْفِ إخْوَتِهِ بِالخِيانَةِ والإباقِ، أوْ لِعِلْمِهِمْ أنَّهُ حُرٌّ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مِنَ الزّاهِدِينَ، مِمَّنْ يَرْغَبُ عَمّا في يَدِهِ فَيَبِيعُهُ بِما طَفَّ مِنَ الثَّمَنِ؛ لِأنَّهُمُ التَقَطُوهُ، والمُلْتَقِطُ لِلشَّيْءِ مُتَهاوِنٌ بِهِ لا يُبالِي بِما باعَهُ، ولِأنَّهُ يَخافُ أنْ يَعْرِضَ لَهُ مُسْتَحِقٌّ فَيَنْزِعُهُ مِن يَدِهِ فَيَبِيعُهُ مِن أوَّلِ مُساوِمٍ بِأوْكَسِ الثَّمَنِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْنى ﴿وشَرَوْهُ﴾ اشْتَرَوْهُ، يَعْنِي الرُّفْقَةَ مِن إخْوَتِهِ.
﴿وكانُوا فِيهِ مِنَ الزّاهِدِينَ﴾ لِأنَّهُمُ اعْتَقَدُوا فِيهِ أنَّهُ آبِقٌ، فَخافُوا أنْ يُخاطِرُوا بِما لَهم فِيهِ، ويُرْوى أنَّ إخْوَتَهُ اتَّبَعُوهم يَقُولُونَ: اسْتَوْثِقُوا مِنهُ لا يَأْبَقُ، انْتَهى. وفِيهِ تَقَدَّمَ نَظِيرُهُ في ﴿إنِّي لَكُما لَمِنَ النّاصِحِينَ﴾ [الأعراف: ٢١] وأنَّهُ خَرَجَ تَعَلُّقُ الجارِّ إمّا (باعَنِي) مُضْمَرَةٌ، أوْ بِمَحْذُوفٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ مِنَ الزّاهِدِينَ؛ أيْ: وكانُوا زاهِدِينَ فِيهِ مِنَ الزّاهِدِينَ، أوْ بِالزّاهِدِينَ؛ لِأنَّهُ يَتَسامَحُ في الجارِّ والظَّرْفِ، فَجُوِّزَ فِيهِما ما لا يَجُوزُ في غَيْرِهِما.
﴿وقالَ الَّذِي اشْتَراهُ مِن مِصْرَ﴾ ذَكَرُوا أقْوالًا مُتَعارِضَةً فِيمَنِ اشْتَراهُ، وفي الثَّمَنِ الَّذِي اشْتَراهُ بِهِ، ولا يَتَوَقَّفُ تَفْسِيرُ كِتابِ اللَّهِ عَلى تِلْكَ الأقْوالِ المُتَعارِضَةِ، فَقِيلَ: اشْتَراهُ رَجُلٌ مِنَ العَمالِيقِ وقَدْ آمَنَ بِ يُوسُفَ، وماتَ في حَياةِ يُوسُفَ. قِيلَ: وهو إذْ ذاكَ المَلِكُ بِمِصْرَ، واسْمُهُ الرَّيّانُ بْنُ الوَلِيدِ (p-٢٩٢)بْنِ بَرْوانَ بْنِ أراشَهْ بْنِ فارانَ بْنِ عَمْرِو بْنِ عِمْلاقِ بْنِ لاوَذَ بْنِ سامِ بْنِ نُوحٍ، فَمَلَكَ بَعْدَهُ قابُوسُ بْنُ مُصْعَبِ بْنِ تَمْرِ بْنِ السَّلواسِ بْنِ فارانَ بْنِ عَمْرٍو المَذْكُورِ في نَسَبِ الرَّيّانِ، فَدَعاهُ يُوسُفُ إلى الإيمانِ فَأبى، فاشْتَراهُ العَزِيزُ وهو ابْنُ سَبْعَ عَشْرَةَ سَنَةً، وأقامَ في مَنزِلِهِ ثَلاثَ عَشْرَةَ سَنَةً، واسْتَوْزَرَهُ الرَّيّانُ بْنُ الوَلِيدِ وهو ابْنُ ثَلاثِينَ سَنَةً، وآتاهُ اللَّهُ الحِكْمَةَ والعِلْمَ وهو ابْنُ ثَلاثٍ وثَلاثِينَ سَنَةً، وتُوُفِّيَ وهو ابْنُ مِائَةٍ وعِشْرِينَ سَنَةً، وقِيلَ: كانَ المَلِكُ في أيّامِهِ فِرْعَوْنَ مُوسى، عاشَ أرْبَعَمِائَةِ سَنَةٍ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ جاءَكم يُوسُفُ مِن قَبْلُ بِالبَيِّناتِ﴾ [غافر: ٣٤] وقِيلَ: فِرْعَوْنُ مُوسى مِن أوْلادِ فِرْعَوْنَ يُوسُفَ، وقِيلَ: عُرِضَ في السُّوقِ وكانَ أجْمَلَ النّاسِ، فَوَقَعَتْ فِيهِ مُزايَدَةً حَتّى بَلَغَ ثَمَنًا عَظِيمًا، فَقِيلَ: وزْنُهُ مِن ذَهَبٍ ومِن فِضَّةٍ ومِن حَرِيرٍ، فاشْتَراهُ العَزِيزُ وهو كانَ صاحِبَ المَلِكِ وخازِنَهُ، واسْمُ المَلِكِ الرَّيّانُ بْنُ الوَلِيدِ، وقِيلَ: مُصْعَبُ بْنُ الرَّيّانِ، وهو أحَدُ الفَراعِنَةِ، واسْمُ العَزِيزِ قِطْفِيرُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وقِيلَ: إطْفِيرُ، وقِيلَ: قِنْطُورُ، واسْمُ امْرَأتِهِ راعِيلُ، وقِيلَ: زَلِيخا. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وظاهِرُ أمْرِ العَزِيزِ أنَّهُ كانَ كافِرًا، ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ كَوْنُ الصَّنَمِ في بَيْتِهِ حَسْبَما يُذْكَرُ، وقالَ مُجاهِدٌ: كانَ مُسْلِمًا، واسْمُ امْرَأةِ العَزِيزِ راعِيلُ بِنْتُ رَعايِيلَ، وقالَ السُّدِّيُّ: العَزِيزُ هو المَلِكُ، واسْمُ امْرَأتِهِ زَلِيخا بِنْتُ تَمْلِيخا، ومَثْواهُ مَكانَ إقامَتِهِ وهو كِنايَةٌ عَنِ الإحْسانِ إلَيْهِ في مَأْكَلٍ ومَشْرَبٍ ومَلْبَسٍ، ولامُ ﴿لِامْرَأتِهِ﴾ تَتَعَلَّقُ بِـ (قالَ) فَهي لِلتَّبْلِيغِ، نَحْوَ قُلْتُ لَكَ لا بِـ (اشْتِراهُ) عَسى أنْ يَنْفَعَنا، لَعَلَّهُ إذا تَدَرَّبَ وراضَ الأُمُورَ وعَرَفَ مَجارِيها نَسْتَعِينُ بِهِ عَلى بَعْضِ ما نَحْنُ بِصَدَدِهِ، فَيَنْفَعُنا بِكِفايَتِهِ، أوْ نَتَبَنّاهُ ونُقِيمُهُ مَقامَ الوَلَدِ، وكانَ قِطْفِيرُ عَقِيمًا لا يُولَدُ لَهُ، فَتَفَرَّسَ فِيهِ الرُّشْدَ فَقالَ ذَلِكَ، وكَذَلِكَ أيْ: مِثْلُ ذَلِكَ التَّمْكِينُ مِن قَلْبِ العَزِيزِ حَتّى عَطَفَ عَلَيْهِ، وأمَرَ امْرَأتَهُ بِإكْرامِ مَثْواهُ.
﴿مَكَّنّا لِيُوسُفَ في الأرْضِ﴾ أيْ: أرْضِ مِصْرَ يَتَصَرَّفُ فِيها بِأمْرِهِ ونَهْيِهِ؛ أيْ: حَكَّمْناهُ فِيها، ولامُ ﴿ولِنُعَلِّمَهُ﴾ مُتَعَلِّقَةٌ بِمَحْذُوفٍ، إمّا قَبْلَهُ لِنُمَلِّكَهُ ولِنُّعَلِّمَهُ، وإمّا بَعْدَهُ؛ أيْ: ولِنُعَلِّمَهُ مِن تَأْوِيلِ الأحادِيثِ، كانَ ذَلِكَ الإنْجاءُ والتَّمْكِينُ، أوِ الواوُ مُقْحَمَةٌ: أيْ: مَكَّنا لِيُوسُفَ في الأرْضِ لِنُعَلِّمَهُ كُلَّ مَقُولٍ، و(الأحادِيثِ) الرُّؤْيا، قالَهُ مُجاهِدٌ، وقِيلَ: أحادِيثُ الأنْبِياءِ والأُمَمِ، والضَّمِيرُ في ﴿عَلى أمْرِهِ﴾ الظّاهِرُ عَوْدُهُ عَلى اللَّهِ قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ، لا يُمْنَعُ عَمّا يَشاءُ ولا يُنازَعُ فِيما يُرِيدُ، ويَقْضِي، أوْ عَلى يُوسُفَ قالَهُ الطَّبَرِيُّ؛ أيْ: يُدِيرُهُ ولا يَكِلُهُ إلى غَيْرِهِ، قَدْ أرادَ إخْوَتُهُ بِهِ ما أرادُوا، ولَمْ يَكُنْ إلّا ما أرادَ اللَّهُ ودَبَّرَهُ، وأكْثَرُ النّاسِ المَنفِيِّ عَنْهُمُ العِلْمَ هُمُ الكُفّارُ قالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ. وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لا يَعْلَمُونَ أنَّ الأمْرَ بِيَدِ اللَّهِ. وقِيلَ: المُرادُ بِالأكْثَرِ الجَمِيعُ؛ أيْ: لا يَطَّلِعُونَ عَلى غَيْبِهِ. وقِيلَ: المُرادُ بِأكْثَرِ النّاسِ أهْلُ مِصْرَ. وقِيلَ: أهْلُ مَكَّةَ.
والأشُدُّ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ جَمْعٌ واحِدُهُ شِدَّةٌ، وأشُدُّ كَنِعْمَةٍ وأنْعُمٍ. وقالَ الكِسائِيُّ: شَدَّ وأشُدٌّ نَحْوُ صَكَّ وأصُكٍّ، وقالَ الشّاعِرُ:
؎عَهْدِي بِهِ شَدَّ النَّهارِ كَأنَّما ∗∗∗ خُضِبَ البَنانُ ورَأْسُهُ بِالعِظْلِمِ
وزَعَمَ أبُو عُبَيْدَةَ أنَّهُ لا واحِدَ لَهُ مِن لَفْظِهِ عِنْدَ العَرَبِ والأشُدُّ بُلُوغُ الحُلُمِ قالَهُ: الشَّعْبِيُّ ورَبِيعَةُ وزَيْدُ بْنُ أسْلَمَ أوْ سَبْعَةَ عَشَرَ عامًا إلى نَحْوِ الأرْبَعِينَ قالَهُ الزَّجّاجُ. أوْ ثَمانِيَةَ عَشَرَ إلى سِتِّينَ أوْ ثَمانِيَةَ عَشَرَ قالَهُ عِكْرِمَةُ. ورَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أوْ عِشْرُونَ قالَهُ الضَّحّاكُ، أوْ إحْدى وعِشْرُونَ سَنَةً أوْ ثَلاثُونَ أوْ ثَلاثَةٌ وثَلاثُونَ قالَهُ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ ورَواهُ ابْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أوْ ثَمانٌ وثَلاثُونَ حَكاهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ، أوْ أرْبَعُونَ قالَهُ الحَسَنُ، وسُئِلَ الفاضِلُ النَّحْوِيُّ مُهَذِّبُ الدِّينِ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ - الخَيْمِيُّ عَنِ الأشُدِّ فَقالَ: هو خَمْسٌ وثَلاثُونَ، وتَمامُهُ أرْبَعُونَ، وقِيلَ: أقْصاهُ اثْنانِ وسِتُّونَ، والحُلُمُ: الحُكْمُ، والعِلْمُ: النُّبُوَّةُ. وقِيلَ: الحُكْمُ بَيْنَ النّاسِ، والعِلْمُ: الفِقْهُ في الدِّينِ، وهَذا أشْبَهُ لِمَجِيءِ (p-٢٩٣)قِصَّةِ المُراوَدَةِ بَعْدَ هَذِهِ القِصَّةِ، وكَذَلِكَ أيْ: مِثْلُ ذَلِكَ الجَزاءِ لِمَن صَبَرَ ورَضِيَ بِالمَقادِيرِ نَجْزِي المُحْسِنِينَ، وفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ يُوسُفَ كانَ مُحْسِنًا في عُنْفُوانِ شَبابِهِ فَآتاهُ اللَّهُ الحُكْمَ والعِلْمَ جَزاءً عَلى إحْسانِهِ، وعَنِ الحَسَنِ: مَن أحْسَنَ عِبادَةَ اللَّهِ في شَبِيبَتِهِ آتاهُ اللَّهُ الحِكْمَةَ في اكْتِهالِهِ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: المُحْسِنِينَ المُهْتَدِينَ، وقالَ الضَّحّاكُ: الصّابِرِينَ عَلى النَّوائِبِ.
يوسف 12:23
﴿وراوَدَتْهُ الَّتِي هو في بَيْتِها عَنْ نَفْسِهِ وغَلَّقَتِ الأبْوابَ وقالَتْ هَيْتَ لَكَ قالَ مَعاذَ اللَّهِ إنَّهُ رَبِّي أحْسَنَ مَثْوايَ إنَّهُ لا يُفْلِحُ الظّالِمُونَ﴾ ﴿ولَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وهَمَّ بِها لَوْلا أنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ والفَحْشاءَ إنَّهُ مِن عِبادِنا المُخْلَصِينَ﴾ [يوسف: ٢٤]
المُراوَدَةُ: المُطالَبَةُ بِرِفْقٍ، مِن رادَ يَرُودُ إذا ذَهَبَ وجاءَ، وهي مُفاعَلَةٌ مِن واحِدٍ نَحْوَ: داوَيْتُ المَرِيضَ، وكُنِّيَ بِهِ عَنْ طَلَبِ النِّكاحِ والمُخادَعَةِ لِأجْلِهِ، كانَ المَعْنى وخادَعَتْهُ عَنْ نَفْسِهِ، ولِذَلِكَ عَدّاهُ بِـ (عْنَ)، وقالَ: ﴿الَّتِي هو في بَيْتِها﴾ ولَمْ يُصَرِّحْ بِاسْمِها ولا بِامْرَأةِ العَزِيزِ سِتْرًا عَلى الحُرُمِ، والعَرَبُ تُضِيفُ البُيُوتَ إلى النِّساءِ فَتَقُولُ: رَبَّةُ البَيْتِ، وصاحِبَةُ البَيْتِ، قالَ الشّاعِرُ:
؎يا رَبَّةَ البَيْتِ قُومِي غَيْرَ صاغِرَةٍ
﴿وغَلَّقَتِ الأبْوابَ﴾ هو تَضْعِيفُ تَكْثِيرٍ بِالنِّسْبَةِ إلى وُقُوعِ الفِعْلِ بِكُلِّ بابٍ بابٍ. قِيلَ: وكانَتْ سَبْعَةُ أبْوابٍ، ﴿هَيْتَ﴾ اسْمُ فِعْلٍ بِمَعْنى أسْرِعْ، و(لَكَ) لِلتَّبْيِينِ؛ أيْ: لَكَ أقُولُ، أمَرَتْهُ بِأنْ يُسْرِعَ إلَيْها، وزَعَمَ الكِسائِيُّ والفَرّاءُ أنَّها لُغَةٌ حَوَرانِيَّةٌ وقَعَتْ إلى أهْلِ الحِجازِ فَتَكَلَّمُوا بِها ومَعْناها: تَعالَ، وقالَهُ عِكْرِمَةُ، وقالَ أبُو زَيْدٍ: هي عِبْرانِيَّةٌ. هيتلخ أيْ: تَعالَهُ فَأعْرَبَهُ القُرْآنُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ: بِالسِّرْيانِيَّةِ. وقالَ السُّدِّيُّ: بِالقِبْطِيَّةِ هَلُمَّ لَكَ، وقالَ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ: عَرَبِيَّةٌ تَدْعُوهُ بِها إلى نَفْسِها، وهي كَلِمَةُ حَثٍّ وإقْبالٍ، انْتَهى. ولا يَبْعُدُ اتِّفاقُ اللُّغاتِ في لَفْظٍ، فَقَدْ وُجِدَ ذَلِكَ في كَلامِ العَرَبِ مَعَ لُغاتِ غَيْرِهِمْ، وقالَ الجَوْهَرِيُّ: (p-٢٩٤)هَوْتَ وهَيْتَ بِهِ صاحَ بِهِ فَدَعاهُ، ولا يَبْعُدُ أنْ يَكُونَ مُشْتَقًّا مِنِ اسْمِ الفِعْلِ، كَما اشْتَقُّوا مِنَ الجُمَلِ نَحْوَ سَبَّحَ وحَمَدَكَ، ولَمّا كانَ اسْمَ فِعْلٍ لَمْ يَبْرُزْ فِيهِ الضَّمِيرُ، بَلْ يَدُلُّ عَلى رُتْبَةِ الضَّمِيرِ بِما يَتَّصِلُ بِاللّامِ مِنَ الخِطابِ نَحْوَ: هَيْتَ لَكَ، وهَيْتَ لَكِ، وهَيْتَ لَكُما، وهَيْتَ لَكم، وهَيْتَ لَكُنَّ، وقَرَأ نافِعٌ وابْنُ ذَكْوانَ والأعْرَجُ وشَيْبَةُ وأبُو جَعْفَرٍ: ﴿هَيْتَ﴾ بِكَسْرِ الهاءِ بَعْدَها ياءٌ ساكِنَةٌ وفَتْحِ التّاءِ، والحُلْوانِيُّ عَنْ هِشامٍ كَذَلِكَ إلّا أنَّهُ هَمَزَ وعَلِيٌّ وأبُو وائِلٍ وأبُو رَجاءٍ ويَحْيَـى وعِكْرِمَةُ ومُجاهِدٌ وقَتادَةُ وطَلْحَةُ والمُقْرِي وابْنُ عَبّاسٍ وأبُو عامِرٍ في رِوايَةٍ عَنْهُما، وأبُو عَمْرٍو في رِوايَةٍ وهِشامٌ في رِوايَةٍ كَذَلِكَ، إلّا أنَّهم ضَمُّوا التّاءَ، وزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وابْنُ أبِي إسْحاقَ كَذَلِكَ، إلّا أنَّهُما سَهَّلا الهَمْزَةَ، وذَكَرَ النَّحّاسُ: أنَّهُ قُرِئَ بِكَسْرِ الهاءِ بَعْدَها ياءٌ ساكِنَةٌ وكَسْرِ التّاءِ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأهْلُ مَكَّةَ: بِفَتْحِ الهاءِ وسُكُونِ الياءِ وضَمِّ التّاءِ، وباقِي السَّبْعَةِ أبُو عَمْرٍو والكُوفِيُّونَ وابْنُ مَسْعُودٍ والحَسَنُ، والبَصْرِيُّونَ كَذَلِكَ إلّا أنَّهم فَتَحُوا التّاءَ، وابْنُ عَبّاسٍ وأبُو الأسْوَدِ وابْنُ أبِي إسْحاقَ وابْنُ مُحَيْصِنٍ وعِيسى البَصْرَةِ كَذَلِكَ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: هَيِيَتْ مِثْلُ حَيِيَتْ، فَهَذِهِ تِسْعُ قِراءاتٍ هي فِيها اسْمُ فِعْلٍ إلّا قِراءَةَ ابْنِ عَبّاسٍ الأخِيرَةَ فَإنَّها فِعْلٌ مَبْنِيٌّ لِلْمَفْعُولِ مُسَهَّلُ الهَمْزَةِ مِن هَيَّأْتُ الشَّيْءَ، وإلّا مَن ضَمَّ التّاءَ وكَسَرَ الهاءَ سَواءٌ هَمَزَ أمْ لَمْ يَهْمِزْ، فَإنَّهُ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ اسْمَ فِعْلٍ كَحالِها عِنْدَ فَتْحِ التّاءِ أوْ كَسْرِها، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ فِعْلًا واقِعًا ضَمِيرَ المُتَكَلِّمِ مِن هاءِ الرَّجُلِ يُهَيِّءُ إذا أحْسَنَ هَيْئَتَهُ عَلى مِثالِ: جاءَ يَجِيءُ، أوْ بِمَعْنى تَهَيَّأْتُ. يُقالُ: هَيْتَ وتَهَيَّأْتُ بِمَعْنًى واحِدٍ، فَإذا كانَ فِعْلًا تَعَلَّقَتِ اللّامُ بِهِ، وفي هَذِهِ الكَلِمَةِ لُغاتٌ أُخَرُ، وانْتَصَبَ ﴿مَعاذَ اللَّهِ﴾ عَلى المَصْدَرِ؛ أيْ: عِياذًا بِاللَّهِ مِن فِعْلِ السُّوءِ، والضَّمِيرُ في (إنَّهُ) الأصَحُّ أنَّهُ يَعُودُ عَلى اللَّهِ تَعالى؛ أيْ: إنَّ اللَّهَ رَبِّي أحْسَنَ مَثْوايَ إذْ نَجّانِي مِنَ الجُبِّ، وأقامَنِي في أحْسَنِ مَقامٍ، وإمّا أنْ يَكُونَ ضَمِيرَ الشَّأْنِ وعَنى بِرَبِّهِ سَيِّدَهُ العَزِيزَ فَلا يَصْلُحُ لِي أنْ أخُونَهُ، وقَدْ أكْرَمَ مَثْوايَ وائْتَمَنَنِي قالَهُ مُجاهِدٌ والسُّدِّيُّ وابْنُ إسْحاقَ ويَبْعُدُ جِدًّا؛ إذْ لا يُطْلِقُ نَبِيٌّ كَرِيمٌ عَلى مَخْلُوقٍ أنَّهُ رَبُّهُ، ولا بِمَعْنى السَّيِّدِ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ في الحَقِيقَةِ مَمْلُوكًا لَهُ ﴿إنَّهُ لا يُفْلِحُ الظّالِمُونَ﴾ أيِ: المُجازُونَ الإحْسانَ بِالسُّوءِ. وقِيلَ: الزُّناةُ. وقِيلَ: الخائِنُونَ. وقَرَأ أبُو الطُّفَيْلِ والجَحْدَرِيُّ (مَثْوَيَّ) كَما قَرَأ (يا بُشْرَيَّ)، وما أحْسَنَ هَذا التَّنَصُّلَ مِنَ الوُقُوعِ في السُّوءِ. اسْتَعاذَ أوَّلًا بِاللَّهِ الَّذِي بِيَدِهِ العِصْمَةُ ومَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ، ثُمَّ نَبَّهَ عَلى أنَّ إحْسانَ اللَّهِ أوْ إحْسانَ العَزِيزِ الَّذِي سَبَقَ مِنهُ لا يُناسِبُ أنْ يُجازى بِالإساءَةِ، ثُمَّ نَفى الفَلاحَ عَنِ الظّالِمِينَ وهو الظَّفَرُ والفَوْزُ بِالبُغْيَةِ فَلا يُناسِبُ أنْ أكُونَ ظالِمًا أضَعُ الشَّيْءَ غَيْرَ مَوْضِعِهِ، وأتَعَدّى ما حَدَّهُ اللَّهُ تَعالى لِي.
يوسف 12:24
﴿ولَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وهَمَّ بِها لَوْلا أنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ﴾ طَوَّلَ (p-٢٩٥)المُفَسِّرُونَ في تَفْسِيرِ هَذَيْنِ الهَمَّيْنِ، ونَسَبَ بَعْضُهم لِيُوسُفَ ما لا يَجُوزُ نِسْبَتَهُ لِآحادِ الفُسّاقِ، والَّذِي أخْتارُهُ أنَّ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لَمْ يَقَعْ مِنهُ هَمٌّ بِها البَتَّةَ، بَلْ هو مَنفِيٌّ لِوُجُودِ رُؤْيَةِ البُرْهانِ كَما تَقُولُ: لَقَدْ قارَفْتَ لَوْلا أنْ عَصَمَكَ اللَّهُ، ولا تَقُولُ: إنَّ جَوابَ لَوْلا مُتَقَدِّمٌ عَلَيْها وإنْ كانَ لا يَقُومُ دَلِيلٌ عَلى امْتِناعِ ذَلِكَ، بَلْ صَرِيحُ أدَواتِ الشَّرْطِ العامِلَةِ مُخْتَلِفٌ في جَوازِ تَقْدِيمِ أجْوِبَتِها عَلَيْها، وقَدْ ذَهَبَ إلى ذَلِكَ الكُوفِيُّونَ، ومِن أعْلامِ البَصْرِيِّينَ أبُو زَيْدٍ الأنْصارِيُّ وأبُو العَبّاسِ المُبَرِّدُ. بَلْ نَقُولُ: إنَّ جَوابَ لَوْلا مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ، كَما تَقُولُ جُمْهُورُ البَصْرِيِّينَ في قَوْلِ العَرَبِ: أنْتَ ظالِمٌ إنْ فَعَلْتَ، فَيُقَدِّرُونَهُ إنْ فَعَلْتَ فَأنْتَ ظالِمٌ، ولا يَدُلُّ قَوْلُهُ: أنْتَ ظالِمٌ عَلى ثُبُوتِ الظُّلْمِ، بَلْ هو مُثْبَتٌ عَلى تَقْدِيرِ وُجُودِ الفِعْلِ، وكَذَلِكَ هُنا التَّقْدِيرُ لَوْلا أنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ لَهم بِها، فَكانَ مُوجِدًا لَهم عَلى تَقْدِيرِ انْتِفاءِ رُؤْيَةِ البُرْهانِ، لَكِنَّهُ وجَدَ رُؤْيَةَ البُرْهانِ فانْتَفى الهَمُّ، ولا التِفاتَ إلى قَوْلِ الزَّجّاجِ، ولَوْ كانَ الكَلامُ ولَهم بِها كانَ بَعِيدًا فَكَيْفَ مَعَ سُقُوطِ اللّامِ ؟ لِأنَّهُ يُوهِمُ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وهَمَّ بِها﴾ هو جَوابُ لَوْلا، ونَحْنُ لَمْ نَقُلْ بِذَلِكَ، وإنَّما هو دَلِيلُ الجَوابِ، وعَلى تَقْدِيرِ أنْ يَكُونَ نَفْسَ الجَوابِ، فاللّامُ لَيْسَتْ بِلازِمَةٍ لِجَوازِ أنَّ ما يَأْتِي جَوابَ ”لَوْلا“ إذا كانَ بِصِيغَةِ الماضِي بِاللّامِ، وبِغَيْرِ لامٍ تَقُولُ: لَوْلا زَيْدٌ لَأكْرَمْتُكَ، ولَوْلا زَيْدٌ أكْرَمْتُكَ، فَمَن ذَهَبَ إلى أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وهَمَّ بِها﴾ هو نَفْسُ الجَوابِ لَمْ يَبْعُدْ، ولا التِفاتَ لِقَوْلِ ابْنِ عَطِيَّةَ إنَّ قَوْلَ مَن قالَ: إنَّ الكَلامَ قَدْ تَمَّ في قَوْلِهِ: ولَقَدْ هَمَّتْ بِهِ، وإنَّ جَوابَ ”لَوْلا“ في قَوْلِهِ: ﴿وهَمَّ بِها﴾، وأنَّ المَعْنى لَوْلا أنْ رَأى البُرْهانَ لَهَمَّ بِها فَلَمْ يَهُمَّ يُوسُفُ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، قالَ: وهَذا قَوْلٌ يَرُدُّهُ لِسانُ العَرَبِ وأقْوالُ السَّلَفِ، انْتَهى.
أمّا قَوْلُهُ: يَرُدُّهُ لِسانُ العَرَبِ فَلَيْسَ كَما ذَكَرَ، وقَدِ اسْتَدَلَّ مَن ذَهَبَ إلى جَوازِ ذَلِكَ بِوُجُودِهِ في لِسانِ العَرَبِ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إنْ كادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلا أنْ رَبَطْنا عَلى قَلْبِها لِتَكُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ [القصص: ١٠] فَقَوْلُهُ: ﴿إنْ كادَتْ لَتُبْدِي بِهِ﴾ [القصص: ١٠] إمّا أنْ يَتَخَرَّجَ عَلى أنَّهُ الجَوابُ عَلى ما ذَهَبَ إلَيْهِ ذَلِكَ القائِلُ، وإمّا أنْ يَتَخَرَّجَ عَلى ما ذَهَبْنا إلَيْهِ مِن أنَّهُ دَلِيلُ الجَوابِ، والتَّقْدِيرُ: لَوْلا أنْ رَبَطْنا عَلى قَلْبِها لَكادَتْ تُبْدِي بِهِ، وأمّا أقْوالُ السَّلَفِ فَنَعْتَقِدُ أنَّهُ لا يَصِحُّ عَنْ أحَدٍ مِنهم شَيْءٌ مِن ذَلِكَ، لِأنَّها أقْوالٌ مُتَكاذِبَةٌ يُناقِضُ بَعْضُها بَعْضًا، مَعَ كَوْنِها قادِحَةً في بَعْضِ فُسّاقِ المُسْلِمِينَ، فَضْلًا عَنِ المَقْطُوعِ لَهم بِالعِصْمَةِ، والَّذِي رُوِيَ عَنِ السَّلَفِ لا يُساعِدُ عَلَيْهِ كَلامُ العَرَبِ؛ لِأنَّهم قَدَّرُوا جَوابَ ”لَوْلا“ مَحْذُوفًا، ولا يَدُلُّ عَلَيْهِ دَلِيلٌ؛ لِأنَّهم لَمْ يُقَدِّرُوا لَهم بِها، ولا يَدُلُّ كَلامُ العَرَبِ إلّا عَلى أنْ يَكُونَ المَحْذُوفُ مِن مَعْنى ما قَبْلَ الشَّرْطِ، لِأنَّ ما قَبْلَ الشَّرْطِ دَلِيلٌ عَلَيْهِ، ولا يُحْذَفُ الشَّيْءُ لِغَيْرِ دَلِيلٍ عَلَيْهِ، وقَدْ طَهَّرْنا كِتابَنا هَذا عَنْ نَقْلِ ما في كُتُبِ التَّفْسِيرِ مِمّا لا يَلِيقُ ذِكْرُهُ، واقْتَصَرْنا عَلى ما دَلَّ عَلَيْهِ لِسانُ العَرَبِ ومَساقُ الآياتِ الَّتِي في هَذِهِ السُّورَةِ مِمّا يَدُلُّ عَلى العِصْمَةِ وبَراءَةِ يُوسُفَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِن كُلِّ ما يَشِينُ، ومَن أرادَ أنْ يَقِفَ عَلى ما نُقِلَ عَنِ المُفَسِّرِينَ في هَذِهِ الآيَةِ فَلْيُطالِعْ ذَلِكَ في تَفْسِيرِ الزَّمَخْشَرِيِّ وابْنِ عَطِيَّةَ وغَيْرِهِما.
والبُرْهانُ الَّذِي رَآهُ يُوسُفُ هو ما آتاهُ اللَّهُ تَعالى مِنَ العِلْمِ الدّالِّ عَلى تَحْرِيمِ ما حَرَّمَهُ اللَّهُ، واللَّهُ لا يُمَكِّنُ الهَمَّ بِهِ فَضْلًا عَنِ الوُقُوعِ فِيهِ ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ والفَحْشاءَ﴾ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: الكافُ مَنصُوبُ المَحَلِّ؛ أيْ: مِثْلَ ذَلِكَ التَّثْبِيتِ ثَبَّتْناهُ، أوْ مَرْفُوعَةٌ؛ أيْ: الأمْرُ مِثْلُ ذَلِكَ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: والكافُ مِن قَوْلِهِ: (كَذَلِكَ) مُتَعَلِّقَةٌ بِمُضْمَرٍ تَقْدِيرُهُ: جَرَتْ أفْعالُنا وأقْدارُنا كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ، ويَصِحُّ أنْ تَكُونَ الكافُ في مَوْضِعِ رَفْعٍ بِتَقْدِيرِ عِصْمَتِهِ، كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ، وقِيلَ: في الكَلامِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ تَقْدِيرُهُ: هَمَّتْ بِهِ وهَمَّ بِها كَذَلِكَ، ثُمَّ قالَ: لَوْلا أنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ، لِنَصْرِفَ عَنْهُ ما هَمَّ بِهِ، انْتَهى. وقالَ الحَوْفِيُّ: كَذَلِكَ الكافُ لِلتَّشْبِيهِ في مَوْضِعِ نَصْبٍ؛ أيْ: أرَيْناهُ البَراهِينَ كَذَلِكَ، وقِيلَ: في مَوْضِعِ رَفْعٍ؛ أيْ: أمَرُ البَراهِينَ كَذَلِكَ، والنَّصْبُ (p-٢٩٦)أجْوَدُ لِمُطالَبَةِ حُرُوفِ الجَرِّ لِلْأفْعالِ أوْ مَعانِيها، وقالَ أبُو البَقاءِ: (كَذَلِكَ) في مَوْضِعِ رَفْعٍ؛ أيِ: الأمْرُ كَذَلِكَ. وقِيلَ: في مَوْضِعِ نَصْبٍ؛ أيْ: نُراعِيهِ كَذَلِكَ، انْتَهى. وأقُولُ: إنَّ التَّقْدِيرَ مِثْلَ تِلْكَ الرُّؤْيَةِ، أوْ مِثْلَ ذَلِكَ الرَّأْيِ، نُرِي بَراهِينَنا لِنَصْرِفَ عَنْهُ، فَتُجْعَلُ الإشارَةُ إلى الرَّأْيِ أوِ الرُّؤْيَةِ، والنّاصِبُ لِلْكافِ ما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿لَوْلا أنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ﴾ . و﴿لِنَصْرِفَ﴾ مُتَعَلِّقٌ بِذَلِكَ الفِعْلِ النّاصِبِ لِلْكافِ، ومَصْدَرُ رَأى: رُؤْيَةٌ ورَأْيٌ قالَ:
؎ورَأْيُ عَيْنَيَّ الفَتى أباكا يُعْطِي الجَزِيلَ فَعَلَيْكَ ذاكا
وقَرَأ الأعْمَشُ: (لِيَصْرِفَ) بِياءِ الغَيْبَةِ عائِدًا عَلى رَبِّهِ، وقَرَأ العَرَبِيّانِ وابْنُ كَثِيرٍ: (المُخْلِصِينَ) إذا كانَ فِيهِ إلى حَيْثُ وقَعَ بِكَسْرِ اللّامِ، وباقِي السَّبْعَةِ بِفَتْحِها، وفي صَرْفِ السُّوءِ والفَحْشاءِ عَنْهُ وكَوْنِهِ مِنَ المُخْلَصِينَ دَلِيلٌ عَلى عِصْمَتِهِ.
٢٥: ٢٩
يوسف 12:25
﴿واسْتَبَقا البابَ وقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِن دُبُرٍ وألْفَيا سَيِّدَها لَدى البابِ قالَتْ ما جَزاءُ مَن أرادَ بِأهْلِكَ سُوءًا إلّا أنْ يُسْجَنَ أوْ عَذابٌ ألِيمٌ﴾ ﴿قالَ هي راوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي وشَهِدَ شاهِدٌ مِن أهْلِها إنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وهو مِنَ الكاذِبِينَ﴾ ﴿وإنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وهو مِنَ الصّادِقِينَ﴾ ﴿فَلَمّا رَأى قَمِيصَهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ قالَ إنَّهُ مِن كَيْدِكُنَّ إنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ﴾ ﴿يُوسُفُ أعْرِضْ عَنْ هَذا واسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إنَّكِ كُنْتِ مِنَ الخاطِئِينَ﴾
أيْ: واسْتَبَقَ يُوسُفُ وامْرَأةُ العَزِيزِ إلى البابِ هَذا لِلْخُرُوجِ والهُرُوبِ مِنها، وهَذِهِ لِمَنعِهِ ومُراوَدَتِهِ، وأصْلُ اسْتَبَقَ أنْ يَتَعَدّى بِإلى، فَحُذِفَ اتِّساعًا، وتَقَدَّمَ أنَّ الأبْوابَ سَبْعَةٌ، فَكانَ تَنْفَتِحُ لَهُ الأبْوابُ بابًا بابًا مِن غَيْرِ مِفْتاحٍ، عَلى ما نُقِلَ عَنْ كَعْبٍ أنَّ فِراشَ القُفْلِ كانَ يَتَناثَرُ ويَسْقُطُ، حَتّى خَرَجَ مِنَ الأبْوابِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ الأبْوابُ المُغْلَقَةُ لَيْسَتْ عَلى التَّرْتِيبِ بابًا فَبابًا، بَلْ تَكُونُ في جِهاتٍ مُخْتَلِفَةٍ كُلُّها مَنافِذُ لِلْمَكانِ الَّذِي كانا فِيهِ، فاسْتَبَقا إلى بابٍ يَخْرُجُ مِنهُ، ولا يَكُونُ السّابِعَ عَلى التَّرْتِيبِ بَلْ أحَدَها، ﴿وقَدَّتْ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى (p-٢٩٧)﴿واسْتَبَقا﴾ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ حالًا؛ أيْ: وقَدْ قَدَّتْ جَذَبَتْهُ مِن خَلْفِهِ بِأعْلى القَمِيصِ مِن طَوْقِهِ، فانْخَرَقَ إلى أسْفَلِهِ، والقَدُّ: القَطْعُ والشَّقُّ، وأكْثَرُ اسْتِعْمالِهِ فِيما كانَ طُولًا قالَ:
؎تَقُدَّ السَّلُوقِيَّ المُضاعَفَ نَسْجُهُ وتُوقِدُ بِالصُّفّاحِ نارَ الحُباحِبِ
والقَطُّ: يُسْتَعْمَلُ فِيما كانَ عَرْضًا، وقالَ المُفَضَّلُ بْنُ حَرْبٍ: رَأيْتُ في مُصْحَفٍ قَطًّا مِن دُبُرٍ؛ أيْ: شَقًّا، قالَ يَعْقُوبُ: الشَّقُّ في الجِلْدِ الصَّحِيحِ والثَّوْبِ الصَّحِيحِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: (قَطَّ) .
﴿وألْفَيا سَيِّدَها﴾ أيْ: وجَدَ أوْ صادَفا زَوْجَها وهو قِطْفِيرُ، والمَرْأةُ تَقُولُ لِبَعْلِها: سَيِّدِي، ولَمْ يُضَفْ إلَيْهِما؛ لِأنَّ قِطْفِيرَ لَيْسَ سَيِّدَ يُوسُفَ عَلى الحَقِيقَةِ، ويُقالُ: ألْفاهُ ووارَطَهُ وصادَفَهُ ووالَطَهُ ولاظَهُ، كُلُّهُ بِمَعْنًى واحِدٍ، قِيلَ: ألْفَياهُ مُقْبِلًا يُرِيدُ أنْ يَدْخُلَ، وقِيلَ: مَعَ ابْنِ عَمِّ المَرْأةِ، وفي الكَلامِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ: فَرابَهُ أمْرُهُما وقالَ: ما لَكُما ؟ فَلَمّا سَألَ وقَدْ خافَتَ لَوْمَهُ أوْ سَبْقَ يُوسُفَ بِالقَوْلِ، بادَرَتْ أنْ جاءَتْ بِحِيلَةٍ جَمَعَتْ فِيها بَيْنَ تَبْرِئَةِ ساحَتِها مِنَ الرِّيبَةِ، وغَضَبِها عَلى يُوسُفَ وتَخْوِيفِهِ طَمَعًا في مُواقَعَتِها خِيفَةً مِن مَكْرِها، كَرْهًا لَمّا آيَسَتْ أنْ يُواقِعَها طَوْعًا، ألا تَرى إلى قَوْلِها: ﴿ولَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ ما آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ﴾ [يوسف: ٣٢] ؟ ولَمْ تُصَرِّحْ باسِمِ يُوسُفَ، بَلْ أتَتْ بِلَفْظٍ عامٍّ وهو قَوْلُها: ﴿ما جَزاءُ مَن أرادَ﴾ وهو أبْلَغُ في التَّخْوِيفِ، و(ما) الظّاهِرُ أنَّها نافِيَةٌ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ اسْتِفْهامِيَّةً؛ أيْ: أيُّ شَيْءٍ جَزاؤُهُ إلّا السِّجْنَ ؟ وبَدَأتْ بِالسِّجْنِ إبْقاءً عَلى مَحْبُوبِها، ثُمَّ تَرَقَّتْ إلى العَذابِ الألِيمِ، قِيلَ: وهو الضَّرْبُ بِالسَّوْطِ، وقَوْلُها: ﴿ما جَزاءُ﴾ أيْ: إنَّ الذَّنْبَ ثابِتٌ مُتَقَرِّرٌ في حَقِّهِ، وأتَتْ بِلَفْظِ (بِسُوءٍ) أيْ: بِما يَسُوءُ، ولَيْسَ نَصًّا في مَعْصِيَةٍ كُبْرى، إذْ يَحْتَمِلُ خِطابُهُ لَها بِما يَسُوؤُها، أوْ ضَرْبَهُ إيّاها. وقَوْلُها: ﴿إلّا أنْ يُسْجَنَ أوْ عَذابٌ﴾، يَدُلُّ عَلى عِظَمِ مَوْقِعِ السِّجْنِ مِن ذَوِي الأقْدارِ حَيْثُ قَرَنَتْهُ بِالعَذابِ الألِيمِ.
وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: (أوْ عَذابًا ألِيمًا) وقَدَّرَهُ الكِسائِيُّ أوْ يُعَذَّبُ عَذابًا ألِيمًا، ولَمّا أغْرَتْ بِيُوسُفَ وأظْهَرَتْ تُهْمَتَهُ احْتاجَ إلى إزالَةِ التُّهْمَةِ عَنْ نَفْسِهِ فَقالَ: ﴿هِيَ راوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي﴾ ولَمْ يَسْبِقْ إلى القَوْلِ أوْلًا سَتْرًا عَلَيْها، فَلَمّا خافَ عَلى نَفْسِهِ وعَلى عِرْضِهِ الطّاهِرِ قالَ: (هي) وأتى بِضَمِيرِ الغَيْبَةِ؛ إذْ كانَ غَلَبَ عَلَيْهِ الحَياءُ أنْ يُشِيرَ إلَيْها ويُعَيِّنَها بِالإشارَةِ فَيَقُولُ: هَذِهِ راوَدَتْنِي، أوْ تِلْكَ راوَدَتْنِي، لِأكُنْ في المُواجَهَةِ بِالقَبِيحِ ما لَيْسَ في الغَيْبَةِ، ولَمّا تَعارَضَ قَوْلاهُما عِنْدَ العَزِيزِ وكانَ رَجُلًا فِيهِ إناءَةً ونَصْفَةً، طَلَبَ الشّاهِدَ مِن كُلٍّ مِنهُما.
﴿فَشَهِدَ شاهِدٌ مِن أهْلِها﴾ فَقالَ أبُو هُرَيْرَةَ وابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ وابْنُ جُبَيْرٍ وهِلالُ بْنُ يَسافٍ والضَّحّاكُ: كانَ ابْنُ خالَتِها طِفْلًا في المَهْدِ أنْطَقَهُ اللَّهُ تَعالى لِيَكُونَ أدَلَّ عَلى الحُجَّةِ، ورُوِيَ في الحَدِيثِ: (إنَّهُ مِنَ الصِّغارِ الَّذِينَ تَكَلَّمُوا في المَهْدِ) وأسْنَدَهُ الطَّبَرِيُّ. وفي صَحِيحِ البُخارِيِّ وصَحِيحِ مُسْلِمٍ: «لَمْ يَتَكَلَّمْ في المَهْدِ إلّا ثَلاثَةٌ؛ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ، وصاحِبُ جُرَيْجٍ؛ وابْنُ السَّوْداءِ» وقِيلَ: كانَ ابْنَ عَمِّها الَّذِي كانَ مَعَ زَوْجِها لَدى البابِ، ولا يُنافِي هَذا قَوْلَ قَتادَةَ، كانَ رَجُلًا حَلِيمًا مِن أهْلِها ذا رَأْيٍ يَأْخُذُ المَلِكُ بِرَأْيِهِ ويَسْتَشِيرُهُ، وقِيلَ: كانَ حَكَمًا حَكَّمَهُ زَوْجُها فَحَكَمَ بَيْنَهُما، وكانَ الشّاهِدُ مِن أهْلِها لِيَكُونَ أوْجَبَ لِلْحُجَّةِ عَلَيْها، وأوْثَقَ لِبَراءَةِ يُوسُفَ، وأنْفى لِلتُّهْمَةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَعَهُما في الدّارِ بِحَيْثُ لا يُشْعَرُ بِهِ، فَبَصَرَ بِما جَرى بَيْنَهُما، فَأغْضَبَهُ اللَّهُ لِيُوسُفَ، وشَهِدَ بِالحَقِّ، ويَبْعُدُ قَوْلُ مُجاهِدٍ وابْنِ حَبِيبٍ أنَّ الشّاهِدَ هو القَمِيصُ المَقْدُودُ لِقَوْلِهِ: ﴿شاهِدٌ مِن أهْلِها﴾ ولا يُوصَفُ القَمِيصُ بِكَوْنِهِ شاهِدًا مِن أهْلِ المَرْأةِ، وسُمِّيَ الرَّجُلُ شاهِدًا مِن حَيْثُ دَلَّ عَلى الشّاهِدِ، وهو تَخْرِيقُ القَمِيصِ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: سَمّى قَوْلَهُ شَهادَةً؛ لِأنَّهُ أدّى تَأْدِيَتَها في ثَبْتِ قَوْلِ يُوسُفَ وبَطْلِ قَوْلِها، و”﴿إنْ كانَ قَمِيصُهُ﴾“ مَحْكِيٌّ إمّا بِـ (قالَ) مُضْمَرَةٍ عَلى مَذْهَبِ البَصْرِيِّينَ، وإمّا بِـ (شَهِدَ) لِأنَّ الشَّهادَةَ قَوْلٌ مِنَ الأقْوالِ عَلى مَذْهَبِ الكُوفِيِّينَ، و(كانَ) هُنا دَخَلَتْ عَلَيْها أداةُ الشَّرْطِ، وتَقَدَّمَ خِلافُ المُبَرِّدِ والجُمْهُورِ (p-٢٩٨)فِيها، هَلْ هي باقِيَةٌ عَلى مُضِيِّها ولَمْ تَقْلِبْها أداةُ الشَّرْطِ ؟ أوِ المَعْنى: أنْ يَتَبَيَّنَ كَوْنَهُ، فَأداةُ الشَّرْطِ في الحَقِيقَةِ إنَّما دَخَلَتْ عَلى هَذا المُقَدَّرِ، وجَوابُ الشَّرْطِ ﴿فَصَدَقَتْ﴾ و(فَكَذَبَتْ)، وهو عَلى إضْمارِ ”قَدْ“ أيْ: فَقَدْ صَدَقَتْ، وفَقَدَ كَذَبَتْ، ولَوْ كانَ فِعْلًا جامِدًا أوْ دُعاءً لَمْ يَحْتَجْ إلى تَقْدِيرِ قَدْ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: (مِن قُبُلٍ) و(مِن دُبُرٍ) بِضَمِّ الباءِ فِيهِما والتَّنْوِينِ، وقَرَأ الحَسَنُ وأبُو عُمَرَ، وفي رِوايَةٍ: بِتَسْكِينِها وبِالتَّنْوِينِ وهي لُغَةُ الحِجازِ وأسَدٍ، وقَرَأ ابْنُ يَعْمَرَ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ والعُطارِدِيُّ وأبُو الزِّنادِ ونُوحٌ القارِئُ والجارُودُ بْنُ أبِي سَبْرَةَ بِخِلافٍ عَنْهُ: (مِن قُبُلٍ، ومِن دُبُرٍ) بِثَلاثِ صِماتٍ، وقَرَأ ابْنُ يَعْمَرَ وابْنُ أبِي إسْحاقَ والجارُودُ أيْضًا في رِوايَةٍ عَنْهم: بِإسْكانِ الباءِ مَعَ بِنائِهِما عَلى الضَّمِّ، جَعَلُوها غايَةً نَحْوَ: مِن قَبْلُ. ومَعْنى الغايَةِ: أنْ يَصِيرَ المُضافُ غايَةَ نَفْسِهِ بَعْدَما كانَ المُضافُ إلَيْهِ غايَتَهُ، والأصْلُ إعْرابُهُما؛ لِأنَّهُما اسْمانِ مُتَمَكِّنانِ، ولَيْسا بِظَرْفَيْنِ، وقالَ أبُو حاتِمٍ: وهَذا رَدِيءٌ في العَرَبِيَّةِ، وإنَّما يَقَعُ هَذا البِناءُ في الظُّرُوفِ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والمَعْنى مِن قُبُلِ القَمِيصِ ومِن دُبُرِهِ، وأمّا التَّنْكِيرُ فَمَعْناهُ مِن جِهَةٍ يُقالُ لَها: قُبُلٌ، ومِن جِهَةٍ يُقالُ لَها: دُبُرٌ، وعَنِ ابْنِ أبِي إسْحاقَ: أنَّهُ قَرَأ (مِن قُبُلَ ومِن دُبُرَ) بِالفَتْحِ، كَأنْ جَعَلَهُما عَلَمَيْنِ لِلْجِهَتَيْنِ، فَمَنَعَهُما الصَّرْفُ لِلْعَلَمِيَّةِ والتَّأْنِيثِ، وقالَ أيْضًا: (فَإنْ قُلْتَ): إنْ دَلَّ (قُدَّ قَمِيصُهُ مِن دُبُرٍ) عَلى أنَّها كاذِبَةٌ وأنَّها هي الَّتِي تَبِعَتْهُ واجْتَذَبَتْ ثَوْبَهُ إلَيْها فَقَدَّتْهُ، فَمِن أيْنَ دَلَّ قَدُّهُ مِن قُبُلٍ عَلى أنَّها صادِقَةٌ، وأنَّهُ كانَ تابِعُها ؟ (قُلْتُ): مِن وجْهَيْنِ؛ أحَدُهُما: أنَّهُ إذا كانَ تابَعَها وهي دافِعَةٌ عَنْ نَفْسِها فَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِن قُدّامِهِ بِالدَّفْعِ. والثّانِي: أنْ يُسْرِعَ خَلْفَها لِيَلْحَقَها، فَيَتَعَثَّرُ في قُدّامِ قَمِيصِهِ فَيَشُقُّهُ، انْتَهى. وقَوْلُهُ: ﴿وهُوَ مِنَ الكاذِبِينَ﴾، ﴿وهُوَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾، جُمْلَتانِ مُؤَكِّدَتانِ؛ لِأنَّ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَصَدَقَتْ﴾ يُعْلَمُ كَذِبُهُ، ومِن قَوْلِهِ: (فَكَذَبَتْ) يُعْلَمُ صِدْقُهُ، وفي بِناءِ ”قُدَّ“ لِلْمَفْعُولِ سَتْرٌ عَلى مَن قَدَّهُ، ولَمّا كانَ الشّاهِدُ مِن أهْلِها راعى جِهَةَ المَرْأةِ فَبَدَأ بِتَعْلِيقِ صِدْقِها عَلى تَبَيُّنِ كَوْنِ القَمِيصِ قُدَّ مِن قُبُلٍ، ولَمّا كانَتْ كُلُّ جُمْلَةٍ مُسْتَقِلَّةً بِنَفْسِها أُبْرِزَ اسْمُ كانَ بِلَفْظِ المَظْهَرِ، ولَمْ يُضْمَرْ لِيَدُلَّ عَلى الِاسْتِقْلالِ، ولِكَوْنِ التَّصْرِيحِ بِهِ أوْضَحَ، وهو نَظِيرُ قَوْلِهِ: (مَن يُطِعِ اللَّهَ ورَسُولَهُ فَقَدْ رَشَدَ ومَن يَعْصِ اللَّهَ ورَسُولَهُ فَقَدْ غَوى) فَلَمّا رَأى العَزِيزُ، وقِيلَ: الشّاهِدُ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ قالَ: (إنَّهُ) أيْ: إنَّ قَوْلَكِ ﴿ما جَزاءُ﴾ إلى آخِرِهِ، قالَهُ الزَّجّاجُ، أوْ أنَّ هَذا الأمْرَ وهو طَمَعُها في يُوسُفَ، ذَكَرَهُ الماوَرَدِيُّ والزَّمَخْشَرِيُّ، أوْ إلى تَمْزِيقِ القَمِيصِ قالَهُ: مُقاتِلٌ، والخِطابُ في ﴿مِن كَيْدِكُنَّ﴾ لَها ولِجَوارِيها، أوْ لَها ولِلنِّساءِ، ووَصَفَ كَيْدَ النِّساءِ بِالعِظَمِ، وإنْ كانَ قَدْ يُوجَدُ في الرِّجالِ؛ لِأنَّهُنَّ ألْطَفُ كَيْدًا بِما جُبِلْنَ عَلَيْهِ وبِما تَفَرَّغْنَ لَهُ، واكْتَسَبَ بَعْضُهُنَّ مِن بَعْضٍ، وهُنَّ أنْفَذُ حِيلَةً. وقالَ تَعالى: ﴿ومِن شَرِّ النَّفّاثاتِ في العُقَدِ﴾ [الفلق: ٤] وأمّا اللَّواتِي في القُصُورِ فَمَعَهُنَّ مِن ذَلِكَ ما لا يُوجَدُ لِغَيْرِهِنَّ، لِكَوْنِهِنَّ أكْثَرَ تَفَرُّغًا مِن غَيْرِهِنَّ، وأكْثَرَ تَأنُّسًا بِأمْثالِهِنَّ.
﴿يُوسُفُ أعْرِضْ عَنْ هَذا﴾ أيْ: عَنْ هَذا الأمْرِ واكْتُمْهُ، ولا تَتَحَدَّثْ بِهِ، وفي نِدائِهِ بِاسْمِهِ تَقْرِيبٌ لَهُ وتَلْطِيفٌ، ثُمَّ أقْبَلَ عَلَيْها وقالَ: واسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ، والظّاهِرُ أنَّ المُتَكَلِّمَ بِهَذا هو العَزِيزُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ناداهُ الشّاهِدُ وهو الرَّجُلُ الَّذِي كانَ مَعَ العَزِيزِ وقالَ: اسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ، أيْ لِزَوْجِكِ وسَيِّدِكِ، انْتَهى. ثُمَّ ذَكَرَ سَبَبَ الِاسْتِغْفارِ وهو قَوْلُهُ: (لِذَنْبِكِ) ثُمَّ أكَّدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّكِ كُنْتِ مِنَ الخاطِئِينَ﴾ ولَمْ يَقُلْ مِنَ الخاطِئاتِ؛ لِأنَّ الخاطِئِينَ أعَمُّ، لِأنَّهُ يَنْطَلِقُ عَلى الذُّكُورِ والإناثِ بِالتَّغْلِيبِ، يُقالُ: خُطِّئَ إذا أذْنَبَ مُتَعَمِّدًا، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وما كانَ العَزِيزُ إلّا حَلِيمًا، رُوِيَ أنَّهُ كانَ قَلِيلَ الغَيْرَةِ، انْتَهى. وتُرْبَةُ إقْلِيمِ قِطْفِيرَ اقْتَضَتْ هَذا، وأيْنَ هَذا مِمّا جَرى لِبَعْضِ مُلُوكِنا أنَّهُ كانَ مَعَ نُدَمائِهِ المُخْتَصِّينَ بِهِ في مَجْلِسِ أُنْسٍ وجارِيَةٌ تُغَنِّيهِمْ مِن وراءِ سِتْرٍ، فاسْتَعادَ بَعْضُ خُلَصائِهِ بَيْتَيْنِ مِنَ الجارِيَةِ كانَتْ قَدْ غَنَّتْ بِهِما، فَما لَبِثَ أنْ جِيءَ بِرَأْسِ الجارِيَةِ مَقْطُوعًا في طَسْتٍ وقالَ لَهُ المَلِكُ: اسْتَعِدِ البَيْتَيْنِ مِن هَذا الرَّأْسِ، فَسَقَطَ في يَدِ ذَلِكَ (p-٢٩٩)المُسْتَعِيدِ، ومَرِضَ مُدَّةَ حَياةِ ذَلِكَ المَلِكِ.
يوسف 12:26
﴿واسْتَبَقا البابَ وقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِن دُبُرٍ وألْفَيا سَيِّدَها لَدى البابِ قالَتْ ما جَزاءُ مَن أرادَ بِأهْلِكَ سُوءًا إلّا أنْ يُسْجَنَ أوْ عَذابٌ ألِيمٌ﴾ ﴿قالَ هي راوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي وشَهِدَ شاهِدٌ مِن أهْلِها إنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وهو مِنَ الكاذِبِينَ﴾ ﴿وإنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وهو مِنَ الصّادِقِينَ﴾ ﴿فَلَمّا رَأى قَمِيصَهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ قالَ إنَّهُ مِن كَيْدِكُنَّ إنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ﴾ ﴿يُوسُفُ أعْرِضْ عَنْ هَذا واسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إنَّكِ كُنْتِ مِنَ الخاطِئِينَ﴾
أيْ: واسْتَبَقَ يُوسُفُ وامْرَأةُ العَزِيزِ إلى البابِ هَذا لِلْخُرُوجِ والهُرُوبِ مِنها، وهَذِهِ لِمَنعِهِ ومُراوَدَتِهِ، وأصْلُ اسْتَبَقَ أنْ يَتَعَدّى بِإلى، فَحُذِفَ اتِّساعًا، وتَقَدَّمَ أنَّ الأبْوابَ سَبْعَةٌ، فَكانَ تَنْفَتِحُ لَهُ الأبْوابُ بابًا بابًا مِن غَيْرِ مِفْتاحٍ، عَلى ما نُقِلَ عَنْ كَعْبٍ أنَّ فِراشَ القُفْلِ كانَ يَتَناثَرُ ويَسْقُطُ، حَتّى خَرَجَ مِنَ الأبْوابِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ الأبْوابُ المُغْلَقَةُ لَيْسَتْ عَلى التَّرْتِيبِ بابًا فَبابًا، بَلْ تَكُونُ في جِهاتٍ مُخْتَلِفَةٍ كُلُّها مَنافِذُ لِلْمَكانِ الَّذِي كانا فِيهِ، فاسْتَبَقا إلى بابٍ يَخْرُجُ مِنهُ، ولا يَكُونُ السّابِعَ عَلى التَّرْتِيبِ بَلْ أحَدَها، ﴿وقَدَّتْ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى (p-٢٩٧)﴿واسْتَبَقا﴾ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ حالًا؛ أيْ: وقَدْ قَدَّتْ جَذَبَتْهُ مِن خَلْفِهِ بِأعْلى القَمِيصِ مِن طَوْقِهِ، فانْخَرَقَ إلى أسْفَلِهِ، والقَدُّ: القَطْعُ والشَّقُّ، وأكْثَرُ اسْتِعْمالِهِ فِيما كانَ طُولًا قالَ:
؎تَقُدَّ السَّلُوقِيَّ المُضاعَفَ نَسْجُهُ وتُوقِدُ بِالصُّفّاحِ نارَ الحُباحِبِ
والقَطُّ: يُسْتَعْمَلُ فِيما كانَ عَرْضًا، وقالَ المُفَضَّلُ بْنُ حَرْبٍ: رَأيْتُ في مُصْحَفٍ قَطًّا مِن دُبُرٍ؛ أيْ: شَقًّا، قالَ يَعْقُوبُ: الشَّقُّ في الجِلْدِ الصَّحِيحِ والثَّوْبِ الصَّحِيحِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: (قَطَّ) .
﴿وألْفَيا سَيِّدَها﴾ أيْ: وجَدَ أوْ صادَفا زَوْجَها وهو قِطْفِيرُ، والمَرْأةُ تَقُولُ لِبَعْلِها: سَيِّدِي، ولَمْ يُضَفْ إلَيْهِما؛ لِأنَّ قِطْفِيرَ لَيْسَ سَيِّدَ يُوسُفَ عَلى الحَقِيقَةِ، ويُقالُ: ألْفاهُ ووارَطَهُ وصادَفَهُ ووالَطَهُ ولاظَهُ، كُلُّهُ بِمَعْنًى واحِدٍ، قِيلَ: ألْفَياهُ مُقْبِلًا يُرِيدُ أنْ يَدْخُلَ، وقِيلَ: مَعَ ابْنِ عَمِّ المَرْأةِ، وفي الكَلامِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ: فَرابَهُ أمْرُهُما وقالَ: ما لَكُما ؟ فَلَمّا سَألَ وقَدْ خافَتَ لَوْمَهُ أوْ سَبْقَ يُوسُفَ بِالقَوْلِ، بادَرَتْ أنْ جاءَتْ بِحِيلَةٍ جَمَعَتْ فِيها بَيْنَ تَبْرِئَةِ ساحَتِها مِنَ الرِّيبَةِ، وغَضَبِها عَلى يُوسُفَ وتَخْوِيفِهِ طَمَعًا في مُواقَعَتِها خِيفَةً مِن مَكْرِها، كَرْهًا لَمّا آيَسَتْ أنْ يُواقِعَها طَوْعًا، ألا تَرى إلى قَوْلِها: ﴿ولَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ ما آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ﴾ [يوسف: ٣٢] ؟ ولَمْ تُصَرِّحْ باسِمِ يُوسُفَ، بَلْ أتَتْ بِلَفْظٍ عامٍّ وهو قَوْلُها: ﴿ما جَزاءُ مَن أرادَ﴾ وهو أبْلَغُ في التَّخْوِيفِ، و(ما) الظّاهِرُ أنَّها نافِيَةٌ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ اسْتِفْهامِيَّةً؛ أيْ: أيُّ شَيْءٍ جَزاؤُهُ إلّا السِّجْنَ ؟ وبَدَأتْ بِالسِّجْنِ إبْقاءً عَلى مَحْبُوبِها، ثُمَّ تَرَقَّتْ إلى العَذابِ الألِيمِ، قِيلَ: وهو الضَّرْبُ بِالسَّوْطِ، وقَوْلُها: ﴿ما جَزاءُ﴾ أيْ: إنَّ الذَّنْبَ ثابِتٌ مُتَقَرِّرٌ في حَقِّهِ، وأتَتْ بِلَفْظِ (بِسُوءٍ) أيْ: بِما يَسُوءُ، ولَيْسَ نَصًّا في مَعْصِيَةٍ كُبْرى، إذْ يَحْتَمِلُ خِطابُهُ لَها بِما يَسُوؤُها، أوْ ضَرْبَهُ إيّاها. وقَوْلُها: ﴿إلّا أنْ يُسْجَنَ أوْ عَذابٌ﴾، يَدُلُّ عَلى عِظَمِ مَوْقِعِ السِّجْنِ مِن ذَوِي الأقْدارِ حَيْثُ قَرَنَتْهُ بِالعَذابِ الألِيمِ.
وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: (أوْ عَذابًا ألِيمًا) وقَدَّرَهُ الكِسائِيُّ أوْ يُعَذَّبُ عَذابًا ألِيمًا، ولَمّا أغْرَتْ بِيُوسُفَ وأظْهَرَتْ تُهْمَتَهُ احْتاجَ إلى إزالَةِ التُّهْمَةِ عَنْ نَفْسِهِ فَقالَ: ﴿هِيَ راوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي﴾ ولَمْ يَسْبِقْ إلى القَوْلِ أوْلًا سَتْرًا عَلَيْها، فَلَمّا خافَ عَلى نَفْسِهِ وعَلى عِرْضِهِ الطّاهِرِ قالَ: (هي) وأتى بِضَمِيرِ الغَيْبَةِ؛ إذْ كانَ غَلَبَ عَلَيْهِ الحَياءُ أنْ يُشِيرَ إلَيْها ويُعَيِّنَها بِالإشارَةِ فَيَقُولُ: هَذِهِ راوَدَتْنِي، أوْ تِلْكَ راوَدَتْنِي، لِأكُنْ في المُواجَهَةِ بِالقَبِيحِ ما لَيْسَ في الغَيْبَةِ، ولَمّا تَعارَضَ قَوْلاهُما عِنْدَ العَزِيزِ وكانَ رَجُلًا فِيهِ إناءَةً ونَصْفَةً، طَلَبَ الشّاهِدَ مِن كُلٍّ مِنهُما.
﴿فَشَهِدَ شاهِدٌ مِن أهْلِها﴾ فَقالَ أبُو هُرَيْرَةَ وابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ وابْنُ جُبَيْرٍ وهِلالُ بْنُ يَسافٍ والضَّحّاكُ: كانَ ابْنُ خالَتِها طِفْلًا في المَهْدِ أنْطَقَهُ اللَّهُ تَعالى لِيَكُونَ أدَلَّ عَلى الحُجَّةِ، ورُوِيَ في الحَدِيثِ: (إنَّهُ مِنَ الصِّغارِ الَّذِينَ تَكَلَّمُوا في المَهْدِ) وأسْنَدَهُ الطَّبَرِيُّ. وفي صَحِيحِ البُخارِيِّ وصَحِيحِ مُسْلِمٍ: «لَمْ يَتَكَلَّمْ في المَهْدِ إلّا ثَلاثَةٌ؛ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ، وصاحِبُ جُرَيْجٍ؛ وابْنُ السَّوْداءِ» وقِيلَ: كانَ ابْنَ عَمِّها الَّذِي كانَ مَعَ زَوْجِها لَدى البابِ، ولا يُنافِي هَذا قَوْلَ قَتادَةَ، كانَ رَجُلًا حَلِيمًا مِن أهْلِها ذا رَأْيٍ يَأْخُذُ المَلِكُ بِرَأْيِهِ ويَسْتَشِيرُهُ، وقِيلَ: كانَ حَكَمًا حَكَّمَهُ زَوْجُها فَحَكَمَ بَيْنَهُما، وكانَ الشّاهِدُ مِن أهْلِها لِيَكُونَ أوْجَبَ لِلْحُجَّةِ عَلَيْها، وأوْثَقَ لِبَراءَةِ يُوسُفَ، وأنْفى لِلتُّهْمَةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَعَهُما في الدّارِ بِحَيْثُ لا يُشْعَرُ بِهِ، فَبَصَرَ بِما جَرى بَيْنَهُما، فَأغْضَبَهُ اللَّهُ لِيُوسُفَ، وشَهِدَ بِالحَقِّ، ويَبْعُدُ قَوْلُ مُجاهِدٍ وابْنِ حَبِيبٍ أنَّ الشّاهِدَ هو القَمِيصُ المَقْدُودُ لِقَوْلِهِ: ﴿شاهِدٌ مِن أهْلِها﴾ ولا يُوصَفُ القَمِيصُ بِكَوْنِهِ شاهِدًا مِن أهْلِ المَرْأةِ، وسُمِّيَ الرَّجُلُ شاهِدًا مِن حَيْثُ دَلَّ عَلى الشّاهِدِ، وهو تَخْرِيقُ القَمِيصِ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: سَمّى قَوْلَهُ شَهادَةً؛ لِأنَّهُ أدّى تَأْدِيَتَها في ثَبْتِ قَوْلِ يُوسُفَ وبَطْلِ قَوْلِها، و”﴿إنْ كانَ قَمِيصُهُ﴾“ مَحْكِيٌّ إمّا بِـ (قالَ) مُضْمَرَةٍ عَلى مَذْهَبِ البَصْرِيِّينَ، وإمّا بِـ (شَهِدَ) لِأنَّ الشَّهادَةَ قَوْلٌ مِنَ الأقْوالِ عَلى مَذْهَبِ الكُوفِيِّينَ، و(كانَ) هُنا دَخَلَتْ عَلَيْها أداةُ الشَّرْطِ، وتَقَدَّمَ خِلافُ المُبَرِّدِ والجُمْهُورِ (p-٢٩٨)فِيها، هَلْ هي باقِيَةٌ عَلى مُضِيِّها ولَمْ تَقْلِبْها أداةُ الشَّرْطِ ؟ أوِ المَعْنى: أنْ يَتَبَيَّنَ كَوْنَهُ، فَأداةُ الشَّرْطِ في الحَقِيقَةِ إنَّما دَخَلَتْ عَلى هَذا المُقَدَّرِ، وجَوابُ الشَّرْطِ ﴿فَصَدَقَتْ﴾ و(فَكَذَبَتْ)، وهو عَلى إضْمارِ ”قَدْ“ أيْ: فَقَدْ صَدَقَتْ، وفَقَدَ كَذَبَتْ، ولَوْ كانَ فِعْلًا جامِدًا أوْ دُعاءً لَمْ يَحْتَجْ إلى تَقْدِيرِ قَدْ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: (مِن قُبُلٍ) و(مِن دُبُرٍ) بِضَمِّ الباءِ فِيهِما والتَّنْوِينِ، وقَرَأ الحَسَنُ وأبُو عُمَرَ، وفي رِوايَةٍ: بِتَسْكِينِها وبِالتَّنْوِينِ وهي لُغَةُ الحِجازِ وأسَدٍ، وقَرَأ ابْنُ يَعْمَرَ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ والعُطارِدِيُّ وأبُو الزِّنادِ ونُوحٌ القارِئُ والجارُودُ بْنُ أبِي سَبْرَةَ بِخِلافٍ عَنْهُ: (مِن قُبُلٍ، ومِن دُبُرٍ) بِثَلاثِ صِماتٍ، وقَرَأ ابْنُ يَعْمَرَ وابْنُ أبِي إسْحاقَ والجارُودُ أيْضًا في رِوايَةٍ عَنْهم: بِإسْكانِ الباءِ مَعَ بِنائِهِما عَلى الضَّمِّ، جَعَلُوها غايَةً نَحْوَ: مِن قَبْلُ. ومَعْنى الغايَةِ: أنْ يَصِيرَ المُضافُ غايَةَ نَفْسِهِ بَعْدَما كانَ المُضافُ إلَيْهِ غايَتَهُ، والأصْلُ إعْرابُهُما؛ لِأنَّهُما اسْمانِ مُتَمَكِّنانِ، ولَيْسا بِظَرْفَيْنِ، وقالَ أبُو حاتِمٍ: وهَذا رَدِيءٌ في العَرَبِيَّةِ، وإنَّما يَقَعُ هَذا البِناءُ في الظُّرُوفِ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والمَعْنى مِن قُبُلِ القَمِيصِ ومِن دُبُرِهِ، وأمّا التَّنْكِيرُ فَمَعْناهُ مِن جِهَةٍ يُقالُ لَها: قُبُلٌ، ومِن جِهَةٍ يُقالُ لَها: دُبُرٌ، وعَنِ ابْنِ أبِي إسْحاقَ: أنَّهُ قَرَأ (مِن قُبُلَ ومِن دُبُرَ) بِالفَتْحِ، كَأنْ جَعَلَهُما عَلَمَيْنِ لِلْجِهَتَيْنِ، فَمَنَعَهُما الصَّرْفُ لِلْعَلَمِيَّةِ والتَّأْنِيثِ، وقالَ أيْضًا: (فَإنْ قُلْتَ): إنْ دَلَّ (قُدَّ قَمِيصُهُ مِن دُبُرٍ) عَلى أنَّها كاذِبَةٌ وأنَّها هي الَّتِي تَبِعَتْهُ واجْتَذَبَتْ ثَوْبَهُ إلَيْها فَقَدَّتْهُ، فَمِن أيْنَ دَلَّ قَدُّهُ مِن قُبُلٍ عَلى أنَّها صادِقَةٌ، وأنَّهُ كانَ تابِعُها ؟ (قُلْتُ): مِن وجْهَيْنِ؛ أحَدُهُما: أنَّهُ إذا كانَ تابَعَها وهي دافِعَةٌ عَنْ نَفْسِها فَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِن قُدّامِهِ بِالدَّفْعِ. والثّانِي: أنْ يُسْرِعَ خَلْفَها لِيَلْحَقَها، فَيَتَعَثَّرُ في قُدّامِ قَمِيصِهِ فَيَشُقُّهُ، انْتَهى. وقَوْلُهُ: ﴿وهُوَ مِنَ الكاذِبِينَ﴾، ﴿وهُوَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾، جُمْلَتانِ مُؤَكِّدَتانِ؛ لِأنَّ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَصَدَقَتْ﴾ يُعْلَمُ كَذِبُهُ، ومِن قَوْلِهِ: (فَكَذَبَتْ) يُعْلَمُ صِدْقُهُ، وفي بِناءِ ”قُدَّ“ لِلْمَفْعُولِ سَتْرٌ عَلى مَن قَدَّهُ، ولَمّا كانَ الشّاهِدُ مِن أهْلِها راعى جِهَةَ المَرْأةِ فَبَدَأ بِتَعْلِيقِ صِدْقِها عَلى تَبَيُّنِ كَوْنِ القَمِيصِ قُدَّ مِن قُبُلٍ، ولَمّا كانَتْ كُلُّ جُمْلَةٍ مُسْتَقِلَّةً بِنَفْسِها أُبْرِزَ اسْمُ كانَ بِلَفْظِ المَظْهَرِ، ولَمْ يُضْمَرْ لِيَدُلَّ عَلى الِاسْتِقْلالِ، ولِكَوْنِ التَّصْرِيحِ بِهِ أوْضَحَ، وهو نَظِيرُ قَوْلِهِ: (مَن يُطِعِ اللَّهَ ورَسُولَهُ فَقَدْ رَشَدَ ومَن يَعْصِ اللَّهَ ورَسُولَهُ فَقَدْ غَوى) فَلَمّا رَأى العَزِيزُ، وقِيلَ: الشّاهِدُ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ قالَ: (إنَّهُ) أيْ: إنَّ قَوْلَكِ ﴿ما جَزاءُ﴾ إلى آخِرِهِ، قالَهُ الزَّجّاجُ، أوْ أنَّ هَذا الأمْرَ وهو طَمَعُها في يُوسُفَ، ذَكَرَهُ الماوَرَدِيُّ والزَّمَخْشَرِيُّ، أوْ إلى تَمْزِيقِ القَمِيصِ قالَهُ: مُقاتِلٌ، والخِطابُ في ﴿مِن كَيْدِكُنَّ﴾ لَها ولِجَوارِيها، أوْ لَها ولِلنِّساءِ، ووَصَفَ كَيْدَ النِّساءِ بِالعِظَمِ، وإنْ كانَ قَدْ يُوجَدُ في الرِّجالِ؛ لِأنَّهُنَّ ألْطَفُ كَيْدًا بِما جُبِلْنَ عَلَيْهِ وبِما تَفَرَّغْنَ لَهُ، واكْتَسَبَ بَعْضُهُنَّ مِن بَعْضٍ، وهُنَّ أنْفَذُ حِيلَةً. وقالَ تَعالى: ﴿ومِن شَرِّ النَّفّاثاتِ في العُقَدِ﴾ [الفلق: ٤] وأمّا اللَّواتِي في القُصُورِ فَمَعَهُنَّ مِن ذَلِكَ ما لا يُوجَدُ لِغَيْرِهِنَّ، لِكَوْنِهِنَّ أكْثَرَ تَفَرُّغًا مِن غَيْرِهِنَّ، وأكْثَرَ تَأنُّسًا بِأمْثالِهِنَّ.
﴿يُوسُفُ أعْرِضْ عَنْ هَذا﴾ أيْ: عَنْ هَذا الأمْرِ واكْتُمْهُ، ولا تَتَحَدَّثْ بِهِ، وفي نِدائِهِ بِاسْمِهِ تَقْرِيبٌ لَهُ وتَلْطِيفٌ، ثُمَّ أقْبَلَ عَلَيْها وقالَ: واسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ، والظّاهِرُ أنَّ المُتَكَلِّمَ بِهَذا هو العَزِيزُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ناداهُ الشّاهِدُ وهو الرَّجُلُ الَّذِي كانَ مَعَ العَزِيزِ وقالَ: اسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ، أيْ لِزَوْجِكِ وسَيِّدِكِ، انْتَهى. ثُمَّ ذَكَرَ سَبَبَ الِاسْتِغْفارِ وهو قَوْلُهُ: (لِذَنْبِكِ) ثُمَّ أكَّدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّكِ كُنْتِ مِنَ الخاطِئِينَ﴾ ولَمْ يَقُلْ مِنَ الخاطِئاتِ؛ لِأنَّ الخاطِئِينَ أعَمُّ، لِأنَّهُ يَنْطَلِقُ عَلى الذُّكُورِ والإناثِ بِالتَّغْلِيبِ، يُقالُ: خُطِّئَ إذا أذْنَبَ مُتَعَمِّدًا، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وما كانَ العَزِيزُ إلّا حَلِيمًا، رُوِيَ أنَّهُ كانَ قَلِيلَ الغَيْرَةِ، انْتَهى. وتُرْبَةُ إقْلِيمِ قِطْفِيرَ اقْتَضَتْ هَذا، وأيْنَ هَذا مِمّا جَرى لِبَعْضِ مُلُوكِنا أنَّهُ كانَ مَعَ نُدَمائِهِ المُخْتَصِّينَ بِهِ في مَجْلِسِ أُنْسٍ وجارِيَةٌ تُغَنِّيهِمْ مِن وراءِ سِتْرٍ، فاسْتَعادَ بَعْضُ خُلَصائِهِ بَيْتَيْنِ مِنَ الجارِيَةِ كانَتْ قَدْ غَنَّتْ بِهِما، فَما لَبِثَ أنْ جِيءَ بِرَأْسِ الجارِيَةِ مَقْطُوعًا في طَسْتٍ وقالَ لَهُ المَلِكُ: اسْتَعِدِ البَيْتَيْنِ مِن هَذا الرَّأْسِ، فَسَقَطَ في يَدِ ذَلِكَ (p-٢٩٩)المُسْتَعِيدِ، ومَرِضَ مُدَّةَ حَياةِ ذَلِكَ المَلِكِ.
يوسف 12:27
﴿واسْتَبَقا البابَ وقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِن دُبُرٍ وألْفَيا سَيِّدَها لَدى البابِ قالَتْ ما جَزاءُ مَن أرادَ بِأهْلِكَ سُوءًا إلّا أنْ يُسْجَنَ أوْ عَذابٌ ألِيمٌ﴾ ﴿قالَ هي راوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي وشَهِدَ شاهِدٌ مِن أهْلِها إنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وهو مِنَ الكاذِبِينَ﴾ ﴿وإنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وهو مِنَ الصّادِقِينَ﴾ ﴿فَلَمّا رَأى قَمِيصَهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ قالَ إنَّهُ مِن كَيْدِكُنَّ إنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ﴾ ﴿يُوسُفُ أعْرِضْ عَنْ هَذا واسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إنَّكِ كُنْتِ مِنَ الخاطِئِينَ﴾
أيْ: واسْتَبَقَ يُوسُفُ وامْرَأةُ العَزِيزِ إلى البابِ هَذا لِلْخُرُوجِ والهُرُوبِ مِنها، وهَذِهِ لِمَنعِهِ ومُراوَدَتِهِ، وأصْلُ اسْتَبَقَ أنْ يَتَعَدّى بِإلى، فَحُذِفَ اتِّساعًا، وتَقَدَّمَ أنَّ الأبْوابَ سَبْعَةٌ، فَكانَ تَنْفَتِحُ لَهُ الأبْوابُ بابًا بابًا مِن غَيْرِ مِفْتاحٍ، عَلى ما نُقِلَ عَنْ كَعْبٍ أنَّ فِراشَ القُفْلِ كانَ يَتَناثَرُ ويَسْقُطُ، حَتّى خَرَجَ مِنَ الأبْوابِ، ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ الأبْوابُ المُغْلَقَةُ لَيْسَتْ عَلى التَّرْتِيبِ بابًا فَبابًا، بَلْ تَكُونُ في جِهاتٍ مُخْتَلِفَةٍ كُلُّها مَنافِذُ لِلْمَكانِ الَّذِي كانا فِيهِ، فاسْتَبَقا إلى بابٍ يَخْرُجُ مِنهُ، ولا يَكُونُ السّابِعَ عَلى التَّرْتِيبِ بَلْ أحَدَها، ﴿وقَدَّتْ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى (p-٢٩٧)﴿واسْتَبَقا﴾ ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ حالًا؛ أيْ: وقَدْ قَدَّتْ جَذَبَتْهُ مِن خَلْفِهِ بِأعْلى القَمِيصِ مِن طَوْقِهِ، فانْخَرَقَ إلى أسْفَلِهِ، والقَدُّ: القَطْعُ والشَّقُّ، وأكْثَرُ اسْتِعْمالِهِ فِيما كانَ طُولًا قالَ:
؎تَقُدَّ السَّلُوقِيَّ المُضاعَفَ نَسْجُهُ وتُوقِدُ بِالصُّفّاحِ نارَ الحُباحِبِ
والقَطُّ: يُسْتَعْمَلُ فِيما كانَ عَرْضًا، وقالَ المُفَضَّلُ بْنُ حَرْبٍ: رَأيْتُ في مُصْحَفٍ قَطًّا مِن دُبُرٍ؛ أيْ: شَقًّا، قالَ يَعْقُوبُ: الشَّقُّ في الجِلْدِ الصَّحِيحِ والثَّوْبِ الصَّحِيحِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وقَرَأتْ فِرْقَةٌ: (قَطَّ) .
﴿وألْفَيا سَيِّدَها﴾ أيْ: وجَدَ أوْ صادَفا زَوْجَها وهو قِطْفِيرُ، والمَرْأةُ تَقُولُ لِبَعْلِها: سَيِّدِي، ولَمْ يُضَفْ إلَيْهِما؛ لِأنَّ قِطْفِيرَ لَيْسَ سَيِّدَ يُوسُفَ عَلى الحَقِيقَةِ، ويُقالُ: ألْفاهُ ووارَطَهُ وصادَفَهُ ووالَطَهُ ولاظَهُ، كُلُّهُ بِمَعْنًى واحِدٍ، قِيلَ: ألْفَياهُ مُقْبِلًا يُرِيدُ أنْ يَدْخُلَ، وقِيلَ: مَعَ ابْنِ عَمِّ المَرْأةِ، وفي الكَلامِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ: فَرابَهُ أمْرُهُما وقالَ: ما لَكُما ؟ فَلَمّا سَألَ وقَدْ خافَتَ لَوْمَهُ أوْ سَبْقَ يُوسُفَ بِالقَوْلِ، بادَرَتْ أنْ جاءَتْ بِحِيلَةٍ جَمَعَتْ فِيها بَيْنَ تَبْرِئَةِ ساحَتِها مِنَ الرِّيبَةِ، وغَضَبِها عَلى يُوسُفَ وتَخْوِيفِهِ طَمَعًا في مُواقَعَتِها خِيفَةً مِن مَكْرِها، كَرْهًا لَمّا آيَسَتْ أنْ يُواقِعَها طَوْعًا، ألا تَرى إلى قَوْلِها: ﴿ولَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ ما آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ﴾ [يوسف: ٣٢] ؟ ولَمْ تُصَرِّحْ باسِمِ يُوسُفَ، بَلْ أتَتْ بِلَفْظٍ عامٍّ وهو قَوْلُها: ﴿ما جَزاءُ مَن أرادَ﴾ وهو أبْلَغُ في التَّخْوِيفِ، و(ما) الظّاهِرُ أنَّها نافِيَةٌ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ اسْتِفْهامِيَّةً؛ أيْ: أيُّ شَيْءٍ جَزاؤُهُ إلّا السِّجْنَ ؟ وبَدَأتْ بِالسِّجْنِ إبْقاءً عَلى مَحْبُوبِها، ثُمَّ تَرَقَّتْ إلى العَذابِ الألِيمِ، قِيلَ: وهو الضَّرْبُ بِالسَّوْطِ، وقَوْلُها: ﴿ما جَزاءُ﴾ أيْ: إنَّ الذَّنْبَ ثابِتٌ مُتَقَرِّرٌ في حَقِّهِ، وأتَتْ بِلَفْظِ (بِسُوءٍ) أيْ: بِما يَسُوءُ، ولَيْسَ نَصًّا في مَعْصِيَةٍ كُبْرى، إذْ يَحْتَمِلُ خِطابُهُ لَها بِما يَسُوؤُها، أوْ ضَرْبَهُ إيّاها. وقَوْلُها: ﴿إلّا أنْ يُسْجَنَ أوْ عَذابٌ﴾، يَدُلُّ عَلى عِظَمِ مَوْقِعِ السِّجْنِ مِن ذَوِي الأقْدارِ حَيْثُ قَرَنَتْهُ بِالعَذابِ الألِيمِ.
وقَرَأ زَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ: (أوْ عَذابًا ألِيمًا) وقَدَّرَهُ الكِسائِيُّ أوْ يُعَذَّبُ عَذابًا ألِيمًا، ولَمّا أغْرَتْ بِيُوسُفَ وأظْهَرَتْ تُهْمَتَهُ احْتاجَ إلى إزالَةِ التُّهْمَةِ عَنْ نَفْسِهِ فَقالَ: ﴿هِيَ راوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي﴾ ولَمْ يَسْبِقْ إلى القَوْلِ أوْلًا سَتْرًا عَلَيْها، فَلَمّا خافَ عَلى نَفْسِهِ وعَلى عِرْضِهِ الطّاهِرِ قالَ: (هي) وأتى بِضَمِيرِ الغَيْبَةِ؛ إذْ كانَ غَلَبَ عَلَيْهِ الحَياءُ أنْ يُشِيرَ إلَيْها ويُعَيِّنَها بِالإشارَةِ فَيَقُولُ: هَذِهِ راوَدَتْنِي، أوْ تِلْكَ راوَدَتْنِي، لِأكُنْ في المُواجَهَةِ بِالقَبِيحِ ما لَيْسَ في الغَيْبَةِ، ولَمّا تَعارَضَ قَوْلاهُما عِنْدَ العَزِيزِ وكانَ رَجُلًا فِيهِ إناءَةً ونَصْفَةً، طَلَبَ الشّاهِدَ مِن كُلٍّ مِنهُما.
﴿فَشَهِدَ شاهِدٌ مِن أهْلِها﴾ فَقالَ أبُو هُرَيْرَةَ وابْنُ عَبّاسٍ والحَسَنُ وابْنُ جُبَيْرٍ وهِلالُ بْنُ يَسافٍ والضَّحّاكُ: كانَ ابْنُ خالَتِها طِفْلًا في المَهْدِ أنْطَقَهُ اللَّهُ تَعالى لِيَكُونَ أدَلَّ عَلى الحُجَّةِ، ورُوِيَ في الحَدِيثِ: (إنَّهُ مِنَ الصِّغارِ الَّذِينَ تَكَلَّمُوا في المَهْدِ) وأسْنَدَهُ الطَّبَرِيُّ. وفي صَحِيحِ البُخارِيِّ وصَحِيحِ مُسْلِمٍ: «لَمْ يَتَكَلَّمْ في المَهْدِ إلّا ثَلاثَةٌ؛ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ، وصاحِبُ جُرَيْجٍ؛ وابْنُ السَّوْداءِ» وقِيلَ: كانَ ابْنَ عَمِّها الَّذِي كانَ مَعَ زَوْجِها لَدى البابِ، ولا يُنافِي هَذا قَوْلَ قَتادَةَ، كانَ رَجُلًا حَلِيمًا مِن أهْلِها ذا رَأْيٍ يَأْخُذُ المَلِكُ بِرَأْيِهِ ويَسْتَشِيرُهُ، وقِيلَ: كانَ حَكَمًا حَكَّمَهُ زَوْجُها فَحَكَمَ بَيْنَهُما، وكانَ الشّاهِدُ مِن أهْلِها لِيَكُونَ أوْجَبَ لِلْحُجَّةِ عَلَيْها، وأوْثَقَ لِبَراءَةِ يُوسُفَ، وأنْفى لِلتُّهْمَةِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَعَهُما في الدّارِ بِحَيْثُ لا يُشْعَرُ بِهِ، فَبَصَرَ بِما جَرى بَيْنَهُما، فَأغْضَبَهُ اللَّهُ لِيُوسُفَ، وشَهِدَ بِالحَقِّ، ويَبْعُدُ قَوْلُ مُجاهِدٍ وابْنِ حَبِيبٍ أنَّ الشّاهِدَ هو القَمِيصُ المَقْدُودُ لِقَوْلِهِ: ﴿شاهِدٌ مِن أهْلِها﴾ ولا يُوصَفُ القَمِيصُ بِكَوْنِهِ شاهِدًا مِن أهْلِ المَرْأةِ، وسُمِّيَ الرَّجُلُ شاهِدًا مِن حَيْثُ دَلَّ عَلى الشّاهِدِ، وهو تَخْرِيقُ القَمِيصِ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: سَمّى قَوْلَهُ شَهادَةً؛ لِأنَّهُ أدّى تَأْدِيَتَها في ثَبْتِ قَوْلِ يُوسُفَ وبَطْلِ قَوْلِها، و”﴿إنْ كانَ قَمِيصُهُ﴾“ مَحْكِيٌّ إمّا بِـ (قالَ) مُضْمَرَةٍ عَلى مَذْهَبِ البَصْرِيِّينَ، وإمّا بِـ (شَهِدَ) لِأنَّ الشَّهادَةَ قَوْلٌ مِنَ الأقْوالِ عَلى مَذْهَبِ الكُوفِيِّينَ، و(كانَ) هُنا دَخَلَتْ عَلَيْها أداةُ الشَّرْطِ، وتَقَدَّمَ خِلافُ المُبَرِّدِ والجُمْهُورِ (p-٢٩٨)فِيها، هَلْ هي باقِيَةٌ عَلى مُضِيِّها ولَمْ تَقْلِبْها أداةُ الشَّرْطِ ؟ أوِ المَعْنى: أنْ يَتَبَيَّنَ كَوْنَهُ، فَأداةُ الشَّرْطِ في الحَقِيقَةِ إنَّما دَخَلَتْ عَلى هَذا المُقَدَّرِ، وجَوابُ الشَّرْطِ ﴿فَصَدَقَتْ﴾ و(فَكَذَبَتْ)، وهو عَلى إضْمارِ ”قَدْ“ أيْ: فَقَدْ صَدَقَتْ، وفَقَدَ كَذَبَتْ، ولَوْ كانَ فِعْلًا جامِدًا أوْ دُعاءً لَمْ يَحْتَجْ إلى تَقْدِيرِ قَدْ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: (مِن قُبُلٍ) و(مِن دُبُرٍ) بِضَمِّ الباءِ فِيهِما والتَّنْوِينِ، وقَرَأ الحَسَنُ وأبُو عُمَرَ، وفي رِوايَةٍ: بِتَسْكِينِها وبِالتَّنْوِينِ وهي لُغَةُ الحِجازِ وأسَدٍ، وقَرَأ ابْنُ يَعْمَرَ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ والعُطارِدِيُّ وأبُو الزِّنادِ ونُوحٌ القارِئُ والجارُودُ بْنُ أبِي سَبْرَةَ بِخِلافٍ عَنْهُ: (مِن قُبُلٍ، ومِن دُبُرٍ) بِثَلاثِ صِماتٍ، وقَرَأ ابْنُ يَعْمَرَ وابْنُ أبِي إسْحاقَ والجارُودُ أيْضًا في رِوايَةٍ عَنْهم: بِإسْكانِ الباءِ مَعَ بِنائِهِما عَلى الضَّمِّ، جَعَلُوها غايَةً نَحْوَ: مِن قَبْلُ. ومَعْنى الغايَةِ: أنْ يَصِيرَ المُضافُ غايَةَ نَفْسِهِ بَعْدَما كانَ المُضافُ إلَيْهِ غايَتَهُ، والأصْلُ إعْرابُهُما؛ لِأنَّهُما اسْمانِ مُتَمَكِّنانِ، ولَيْسا بِظَرْفَيْنِ، وقالَ أبُو حاتِمٍ: وهَذا رَدِيءٌ في العَرَبِيَّةِ، وإنَّما يَقَعُ هَذا البِناءُ في الظُّرُوفِ، وقالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: والمَعْنى مِن قُبُلِ القَمِيصِ ومِن دُبُرِهِ، وأمّا التَّنْكِيرُ فَمَعْناهُ مِن جِهَةٍ يُقالُ لَها: قُبُلٌ، ومِن جِهَةٍ يُقالُ لَها: دُبُرٌ، وعَنِ ابْنِ أبِي إسْحاقَ: أنَّهُ قَرَأ (مِن قُبُلَ ومِن دُبُرَ) بِالفَتْحِ، كَأنْ جَعَلَهُما عَلَمَيْنِ لِلْجِهَتَيْنِ، فَمَنَعَهُما الصَّرْفُ لِلْعَلَمِيَّةِ والتَّأْنِيثِ، وقالَ أيْضًا: (فَإنْ قُلْتَ): إنْ دَلَّ (قُدَّ قَمِيصُهُ مِن دُبُرٍ) عَلى أنَّها كاذِبَةٌ وأنَّها هي الَّتِي تَبِعَتْهُ واجْتَذَبَتْ ثَوْبَهُ إلَيْها فَقَدَّتْهُ، فَمِن أيْنَ دَلَّ قَدُّهُ مِن قُبُلٍ عَلى أنَّها صادِقَةٌ، وأنَّهُ كانَ تابِعُها ؟ (قُلْتُ): مِن وجْهَيْنِ؛ أحَدُهُما: أنَّهُ إذا كانَ تابَعَها وهي دافِعَةٌ عَنْ نَفْسِها فَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِن قُدّامِهِ بِالدَّفْعِ. والثّانِي: أنْ يُسْرِعَ خَلْفَها لِيَلْحَقَها، فَيَتَعَثَّرُ في قُدّامِ قَمِيصِهِ فَيَشُقُّهُ، انْتَهى. وقَوْلُهُ: ﴿وهُوَ مِنَ الكاذِبِينَ﴾، ﴿وهُوَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾، جُمْلَتانِ مُؤَكِّدَتانِ؛ لِأنَّ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَصَدَقَتْ﴾ يُعْلَمُ كَذِبُهُ، ومِن قَوْلِهِ: (فَكَذَبَتْ) يُعْلَمُ صِدْقُهُ، وفي بِناءِ ”قُدَّ“ لِلْمَفْعُولِ سَتْرٌ عَلى مَن قَدَّهُ، ولَمّا كانَ الشّاهِدُ مِن أهْلِها راعى جِهَةَ المَرْأةِ فَبَدَأ بِتَعْلِيقِ صِدْقِها عَلى تَبَيُّنِ كَوْنِ القَمِيصِ قُدَّ مِن قُبُلٍ، ولَمّا كانَتْ كُلُّ جُمْلَةٍ مُسْتَقِلَّةً بِنَفْسِها أُبْرِزَ اسْمُ كانَ بِلَفْظِ المَظْهَرِ، ولَمْ يُضْمَرْ لِيَدُلَّ عَلى الِاسْتِقْلالِ، ولِكَوْنِ التَّصْرِيحِ بِهِ أوْضَحَ، وهو نَظِيرُ قَوْلِهِ: (مَن يُطِعِ اللَّهَ ورَسُولَهُ فَقَدْ رَشَدَ ومَن يَعْصِ اللَّهَ ورَسُولَهُ فَقَدْ غَوى) فَلَمّا رَأى العَزِيزُ، وقِيلَ: الشّاهِدُ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ قالَ: (إنَّهُ) أيْ: إنَّ قَوْلَكِ ﴿ما جَزاءُ﴾ إلى آخِرِهِ، قالَهُ الزَّجّاجُ، أوْ أنَّ هَذا الأمْرَ وهو طَمَعُها في يُوسُفَ، ذَكَرَهُ الماوَرَدِيُّ والزَّمَخْشَرِيُّ، أوْ إلى تَمْزِيقِ القَمِيصِ قالَهُ: مُقاتِلٌ، والخِطابُ في ﴿مِن كَيْدِكُنَّ﴾ لَها ولِجَوارِيها، أوْ لَها ولِلنِّساءِ، ووَصَفَ كَيْدَ النِّساءِ بِالعِظَمِ، وإنْ كانَ قَدْ يُوجَدُ في الرِّجالِ؛ لِأنَّهُنَّ ألْطَفُ كَيْدًا بِما جُبِلْنَ عَلَيْهِ وبِما تَفَرَّغْنَ لَهُ، واكْتَسَبَ بَعْضُهُنَّ مِن بَعْضٍ، وهُنَّ أنْفَذُ حِيلَةً. وقالَ تَعالى: ﴿ومِن شَرِّ النَّفّاثاتِ في العُقَدِ﴾ [الفلق: ٤] وأمّا اللَّواتِي في القُصُورِ فَمَعَهُنَّ مِن ذَلِكَ ما لا يُوجَدُ لِغَيْرِهِنَّ، لِكَوْنِهِنَّ أكْثَرَ تَفَرُّغًا مِن غَيْرِهِنَّ، وأكْثَرَ تَأنُّسًا بِأمْثالِهِنَّ.
﴿يُوسُفُ أعْرِضْ عَنْ هَذا﴾ أيْ: عَنْ هَذا الأمْرِ واكْتُمْهُ، ولا تَتَحَدَّثْ بِهِ، وفي نِدائِهِ بِاسْمِهِ تَقْرِيبٌ لَهُ وتَلْطِيفٌ، ثُمَّ أقْبَلَ عَلَيْها وقالَ: واسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ، والظّاهِرُ أنَّ المُتَكَلِّمَ بِهَذا هو العَزِيزُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ناداهُ الشّاهِدُ وهو الرَّجُلُ الَّذِي كانَ مَعَ العَزِيزِ وقالَ: اسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ، أيْ لِزَوْجِكِ وسَيِّدِكِ، انْتَهى. ثُمَّ ذَكَرَ سَبَبَ الِاسْتِغْفارِ وهو قَوْلُهُ: (لِذَنْبِكِ) ثُمَّ أكَّدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّكِ كُنْتِ مِنَ الخاطِئِينَ﴾ ولَمْ يَقُلْ مِنَ الخاطِئاتِ؛ لِأنَّ الخاطِئِينَ أعَمُّ، لِأنَّهُ يَنْطَلِقُ عَلى الذُّكُورِ والإناثِ بِالتَّغْلِيبِ، يُقالُ: خُطِّئَ إذا أذْنَبَ مُتَعَمِّدًا، قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وما كانَ العَزِيزُ إلّا حَلِيمًا، رُوِيَ أنَّهُ كانَ قَلِيلَ الغَيْرَةِ، انْتَهى. وتُرْبَةُ إقْلِيمِ قِطْفِيرَ اقْتَضَتْ هَذا، وأيْنَ هَذا مِمّا جَرى لِبَعْضِ مُلُوكِنا أنَّهُ كانَ مَعَ نُدَمائِهِ المُخْتَصِّينَ بِهِ في مَجْلِسِ أُنْسٍ وجارِيَةٌ تُغَنِّيهِمْ مِن وراءِ سِتْرٍ، فاسْتَعادَ بَعْضُ خُلَصائِهِ بَيْتَيْنِ مِنَ الجارِيَةِ كانَتْ قَدْ غَنَّتْ بِهِما، فَما لَبِثَ أنْ جِيءَ بِرَأْسِ الجارِيَةِ مَقْطُوعًا في طَسْتٍ وقالَ لَهُ المَلِكُ: اسْتَعِدِ البَيْتَيْنِ مِن هَذا الرَّأْسِ، فَسَقَطَ في يَدِ ذَلِكَ (p-٢٩٩)المُسْتَعِيدِ، ومَرِضَ مُدَّةَ حَياةِ ذَلِكَ المَلِكِ.