Al-Basit — آل عمران 3:142 – آل عمران 3:200
المحتويات
- آل عمران 3:142
- آل عمران 3:143
- آل عمران 3:144
- آل عمران 3:145
- آل عمران 3:146
- آل عمران 3:147
- آل عمران 3:148
- آل عمران 3:149
- آل عمران 3:150
- آل عمران 3:151
- آل عمران 3:152
- آل عمران 3:153
- آل عمران 3:154
- آل عمران 3:155
- آل عمران 3:156
- آل عمران 3:157
- آل عمران 3:158
- آل عمران 3:159
- آل عمران 3:160
- آل عمران 3:161
- آل عمران 3:162
- آل عمران 3:163
- آل عمران 3:164
- آل عمران 3:165
- آل عمران 3:166
- آل عمران 3:167
- آل عمران 3:168
- آل عمران 3:169
- آل عمران 3:170
- آل عمران 3:171
- آل عمران 3:172
- آل عمران 3:173
- آل عمران 3:174
- آل عمران 3:175
- آل عمران 3:176
- آل عمران 3:178
- آل عمران 3:179
- آل عمران 3:180
- آل عمران 3:181
- آل عمران 3:182
- آل عمران 3:183
- آل عمران 3:184
- آل عمران 3:185
- آل عمران 3:186
- آل عمران 3:187
- آل عمران 3:188
- آل عمران 3:189
- آل عمران 3:191
- آل عمران 3:192
- آل عمران 3:193
- آل عمران 3:194
- آل عمران 3:195
- آل عمران 3:196
- آل عمران 3:197
- آل عمران 3:198
- آل عمران 3:199
- آل عمران 3:200
آل عمران 3:142
قوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ﴾ الآية [[(الآية): ساقطة من (ج).]].
معنى ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ﴾: (بَلْ حَسِبْتُم)، على جهة الإنكار [[(أم) هذه، هي المنقطعة، التي تقدر بـ (بل) -التي للإضراب-، وهمزة الاستفهام التي تفيد الإنكار. والتقدير: (بل أحسبتم؟). وانظر أقوالًا أخرى فيها، في: "المغني" لابن هشام 821، و"البحر المحيط" 3/ 65 - 66، و"الدر المصون" 2/ 380، 3/ 408 - 409، و"دراسات لأسلوب القرآن الكريم" القسم الأول 1/ 313 - 315.]]، أي: لا تحسبوا ذلك. ومضى الكلام في هذا، في مواضع [[انظر: "البسيط" عند تفسير الآيات: 108، 133، 214 من سورة البقرة.]].
وقوله تعالى: ﴿وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ﴾.
قال أبو إسحاق [[في "معاني القرآن" 1/ 472. نقله عنه بتصرف.]]: (لَمَّا) جوابٌ لقولِ القائل: (قَدْ فَعَلَ فُلان). فجوابه: (لَمَّا [[(لما): ساقطة من (ج).]] يَفْعَل)؛ لأن (لَمَّا) مُؤَكَّدٌ بِحَرْفٍ؛ كما أُكِّدَ الابتداءُ بـ (قد).
وإذا قال: (فَعَلَ فلان)، فجوابه: (لَمْ يَفْعَل). وإذا قال: (لَقَد فَعَل)، فجوابه: (ما فَعَل) [[في "المعاني": ما يفعل.]] كأنه قال: (واللهِ لَقَد فَعَل) [[في "المعاني" (والله هو يفعل). وقد أورد هذا سيبويه في "الكتاب" 3/ 117 وفيه: (والله لقد فعل) كما هي عند المؤلف.]]، وقال المُجِيبُ: (واللهِ ما فَعَل) وإذا قال هو يفعل فجوابه و (لا يَفْعَل) [[انظر: "كتاب سيبويه" 3/ 117 فقد وردت نفس العبارات التي أوردها الزجاج، ويبدو أنه نقلها عن سيبويه.
قال الزمخشري: (و (لَمَّا) بمعنى (لم)، إلا أن فيها ضربًا من التوقع، فدل على نفي الجهاد فيما مضى، وعلى توقعه فيما يُستقبل. وتقول: (وعدني أن يفعل كذا، ولَمَّا)، تريد: ولم يفعل، وأنا أتوقع فعله). "الكشاف" 1/ 467.
قال أبو حيان -معلقًا على قول الزمخشري السابق-: (وهذا الذي قاله في (لَمَّا) == أنها تدل على توقع الفعل المنهي بها، فيما يُستَقبَل؛ لا أعلم أحدًا من النحويِن ذكره، بل ذكروا: أنك إذا قلت: (لمَّا يخرج زيد)، دَلَّ ذلك على انتفاء الخروج فيما مضى، متصلًا نفيُهُ إلى وقت الإخبار، أمَّا أنها تدل على توقعه في المستقبل، فلا، لكني وجدت في كلام الفراء شيئًا يقارب ما قاله الزمخشري، قال: (لَمَّا) لتعريض الوجود، بخلاف (لم))
"البحر المحيط" 3/ 66. وانظر: "دراسات لأسلوب القرآن الكريم" القسم الأول 2/ 620 - 622.]] وإذا قال سيفعل فجوابه (لن يفعل) و (لا يفعل).
والنَفْيُ في الآية، واقِعٌ على العِلْمِ. والمعنى: على نَفْي الجِهَادِ دونَ العِلْم؛ وذلك لِمَا فِيهِ مِنَ الإيجاز في انتفاءِ جهادٍ؛ لَوْ كانَ؛ لَعَلِمَهُ.
والتقدير: (ولَمَّا لم [[لم: ساقطة من (ج).]] يكن المعلوم من الجهاد الذي أَوْجَبَ عليكم). فجرى النفيُ على العِلْمِ؛ للإيجاز؛ على سبيل التوسع في الكلام؛ إذ المعنى مفهومٌ مِن غير إخلال.
وقال الزجاج [[في "معاني القرآن" له 1/ 472. نقله عنه بنصه.]]: المعنى: وَلَمَّا يقع العِلْمُ بالجهاد، والعِلْمُ بِصَبْرِ الصابرين؛ أي [[أي: ليست في "معاني القرآن".]]: وَلمَا يَعْلَمِ اللهُ ذلك واقِعًا منكم [[في "معاني القرآن": منهم.]]؛ لأنه يَعْلَمُه غَيْبًا [[في (أ): (غنيا). والمثبت من: (ب)، (ج)، و"معاني القرآن".]]، وإنما يجازيهم على عَمَلِهِم.
وقوله تعالى: ﴿وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ انتصب على الصَّرْفِ [[(الصرف) اصطلاح للكوفيين، يعني: أن الفعل كان من حقه أن يُعرَبَ بإعراب ما == قبله، ولكن صَرَفَتْهُ الواو إلى وجهٍ آخر من الإعراب. انظر: "المحلى" لابن شقير 42، و"مغني اللبيب" 472، و"الدر المصون" 3/ 411، و"النحو وكتب التفسير" 1/ 187. وسيفسر الفراءُ هذا المصطلح، كما سيأتي.]] عن العطف [[والرأي الثاني، -وهو للبصريين-: أن النصب في هذه الآية وأمثالها، بإضمار (أن) وجوبًا بعد الواو، إذا قصد بها المصاحبة.
والرأي الثالث، -وهو لأبي عمرو الجَرْمي، من البصريين-: أنها نصبت بالواو نفسها؛ لأنها خرجت عن باب العطف.
وقد عرض هذه الآراء وناقشها أبو البركات الأنباري في "الإنصاف" ص 442. وانظر: "شرح ابن عقيل" 4/ 14.]]. إذ ليس المعنى على نفي الثاني والأول، وإنما هو على نفي اجتماع الثاني والأول؛ على نحو: (لا يَسَعُنِي [[(أ)، (ب): (يستعني). والمثبت من (ج). وهو الصواب.]] شيءٌ، وَيعْجَزَ [[في (ب)، (ج): (ولا يعجز). وهو خطأ؛ لأنه خلاف ما يريد المؤلف في هذه المسألة النحوية، وسيأتي بيان ذلك في قول الفراء.]] عنك). ومثله:
لاَ تَنْهَ عَنْ خُلُقٍ وَتَأتِيَ مِثْلَهُ [[صدر بيت، وعجزه:
عار عليك إذا فعلت عظيمُ
وقد اختلف في قائله، فنُسِب للشعراء التالين: أبي الأسود الدُؤَلي، والمتوكل الليثي، وسابق البربري، وحسان بن ثابت، والطرماح. وقد ورد في الكتب التالية: "ديوان أبي الأسود الدؤلي" 231، و"كتاب سيبويه" 3/ 42، و"معاني القرآن" للفراء 1/ 34، و"المقتضب" 2/ 26، و"تفسير الطبري" 1/ 255، 2/ 185، و"الأصول في النحو" 2/ 154، و"المحلى" لابن شقير 42، و"اللمع" لابن جني 189، و"الإيضاح العضدي" 1/ 323، و"جامع بيان العلم" لابن عبد البر 1/ 240، و"فصل المقال" للبكري 93/ و"شرح المفصل" 7/ 24، و"البسيط في == شرح جمل الزجاجي" 1/ 232، و"المغني" لابن هشام 472، و"شرح شذور الذهب" 296، 360، و"شرح ابن عقيل" 4/ 15، و"خزانة الأدب" 8/ 564 وقد ذكر البيت، والاختلاف في قائله.
والشاهد في البيت: نصب الفعل المضارع (وتأتي) بعد الواو في جواب النهي. وهي الواو التي يسميها الكوفيون: واو الصرف. أما عند البصريين: فالنصب بـ (أن) المضمرة وجوبًا، بعد واو المعية التي تقتضي الجمع.
انظر: "شرح ابن عقيل" 4/ 14 والمصادر النحوية السابقة.]] قال الفراء [[في "معاني القرآن" له 1/ 235. نقله عنه بالمعنى. وعبارة المؤلف قريبة جدًا من عبارة الطبري في "تفسيره" 7/ 247، وقد يكون المؤلف نقل قول الفراء عن الطبري. وعبارة الفراء في المعاني أوضح وأجلى.]]: ومعنى (الصرف): أن يجتمع فِعْلان ببعض حروف النَّسَقِ [[في المعاني: بالواو، أو (ثُمَّ)، أو الفاء، أو (أو).]]، وفي أوَّلِهِ ما لا يَحْسُنُ إعادَتُه في حروف النَّسَقِ [[في المعاني: (وفي أوله جحد، أو استفهام، ثم ترى ذلك الجحد، أو الاستفهام، ممتنعًا أن يُكَرَّر في العطف، فذلك الصرف ..).]]، فتنصب الذي بعد حرف العطف، لأنه مَصرُوفٌ عن معنى الأول. وذلك يكون مع جْحدٍ أو استفهامٍ أو نَهْيٍ في أول الكلام. كقولهم: (لا يَسَعُنِي مكانٌ، ويَضِيقَ عنك) بفتح (ويضيقَ)، لأن (لا) التي مع (يَسَعُنِي)، لا يَحْسُن أن يذكرها مع (يضيقَ عنك) [[انظر -لبيان معنى الصرف-: "تفسير البسيط" فقد تناول هذه المسألة عند تفسير آية 42 من سورة البقرة، و"معاني القرآن"، للفراء: 1/ 33 - 34، و"تفسير الطبري" 1/ 255، 4/ 108، و"الإنصاف" 555 - 556.]].
وقال ابن الأنباري [[لم أقف على مصدر قوله.]]: قوله تعالى: ﴿وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ معناه: الحال لِمَا قبله. وهذه الواو، يُسَمُّون [[هكذا جاءت في: (أ)، (ب). وفي (ج): (تسميها).]] النحويون: (واو الصرف)، والذي بعدها يُنْصَبُ [[في (ب): (نصب).]] على خلافِ ما قبلها. كما تقول العربُ: (لا تأكل السَّمَكَ، وتَشْرَبَ اللَّبَنَ [[في (ب): (الماين).]])؛ أي: لا تجمع بينهما، ولا تأكلِ السَّمَكَ، في حال شُرْبِكَ اللَّبَنَ.
قال: وقَرَأ الحَسَنُ: ﴿وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ -بالكسر- [[انظر قراءة الحسن في: "معاني القرآن"، للفراء 1/ 235، "تفسير الطبري" 4/ 108، وهي -كذلك- قراءة: يحيى بن يعمر، وابن حيوة، وعمرو بن عبيد، انظر: "المحرر الوجيز" 3/ 41.
وقرأها عبدُ الوارث عن أبي عمرو بن العلاء بالرفع: (ويعلمُ)، وهي إما على الاستئناف، وهو الأظهر، أو على أن الواو للحال.
انظر: "الكشاف" 1/ 467، و"المحرر الوجيز" 3/ 344، و"الدر المصون" 3/ 411.]]، وهو جزمٌ بالعطف على الأول، وليس بحالٍ لما قبله.
وهذه الآية خطابٌ للذين انهزموا يوم أحد، فقيل لهم: أَحَسِبتم أنْ تدخلوا الجَنَّةَ، كما دَخَلَ الذين قُتِلوا، وبَذَلُوا مُهَجَهُم [[في (ب): (جهدهم).]] لِرَبِّهم، وثَبَتُوا على أَلَمِ الجِرَاح والضَّرْبِ، مِن غير أنْ تَسْلُكُوا [[في (ج): (يسلكوا).]] طَرِيقهم، وتصبروا صَبْرَهُمْ.
آل عمران 3:143
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ﴾ الآية.
قال الحسن [[قوله، في: "تفسير الطبري" 4/ 109، و"تفسير ابن أبي حاتم" 3/ 776.]]، ومجاهد [[قوله، في: "تفسيره" 137، و"تفسير الطبري" 4/ 109، و"تفسير ابن أبي حاتم" == 3/ 776، و"معاني القرآن"، للنحاس 485، وأورده السيوطي في "الدر" 2/ 141 وزاد نسبة إخراجه إلى عبد بن حميد، وابن المنذر.]]، ..................
وقتادة [[قوله، في: "تفسير عبد الرزاق" 1/ 134، و"الطبري" 4/ 109، و"ابن أبي حاتم" 3/ 776، وأورده السيوطي فى "الدر" 2/ 141 وزاد نسبته إلى عبد بن حميد.]]، والرَّبِيع [[قوله، في: المصادر السابقة.]]، والسُدِّي [[قوله، في: "تفسير الطبري" 4/ 110، و"تفسير ابن أبي حاتم" 3/ 776.]]، ومحمد بن إسحاق [[قوله في: "سيرة ابن هشام" 3/ 64، والمصادر السابقة.]]: كانوا يَتَأسَّفُون [[في (ج): (يأسفون).]] على ما فاتهم مِن [بَدْر] [[ما بين المعقوفين مطموس في (أ)، والمثبت من (ب)، (ج).]]، ويَتَمَنَّون يوما مع رسول الله ﷺ، ويقولون: لَنَفْعَلَنَّ ولَنَفْعَلَنَّ، ثم انهزموا يوم أُحُد، واستحقوا العِتَاب [[في (ج): (العقاب).]].
وقوله تعالى: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ﴾. يعني: مِن قَبْلِ يوم أُحُد.
وقوله تعالى: ﴿فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ﴾ أي: رأيتم أسبابَهُ، وما يتولَّدُ منه الموتُ [[في (أ): (وما يتولد منه الموت منه)، وفي (ب): (وما يتولد الموت منه)، والمثبت من (ج).]]؛ كالسَّيْفِ، والأَسِنَّةِ، ونحوِها [[انظر: "معاني القرآن"، للفراء 1/ 236، و"تفسير غريب القرآن" لابن قتيبة 1/ 106، و"تفسير الطبري" 4/ 108.]].
وقوله تعالى: ﴿وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾.
قال الأخفش [[قوله في "معاني القرآن" له 1/ 236، وهو معنى قوله.]]: هو تَوْكيدٌ [[في (ب): (تأكيد).]] لقوله: ﴿فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ﴾.
وقال أبو إسحاق [[في "معاني القرآن"، له 1/ 473. نقله عنه بنصه.]]: المعنى: فقد رأيتموه، وأنتم بُصَرَاء؛ كما تقول: (رأيت كذا وكذا)، وليس في عينيك [[في (ج): (عينك).]] عِلَّة [[ورد في مخطوطات "معاني القرآن" -كما ذكر محققه-: (علمه)، ورأى المحقق أنها لا تناسب ما بعدها؛ ولذا أثبَتَها (عَمَه)، وفسرها في الحاشية بـ (العَمَى). وليس كما قال؛ لأن (العَمَه) هو: التَّحَيُّرُ في منازعة أو طريق، والتردد في الضلال. انظر: (عمه) في: "اللسان" 5/ 3114، و"القاموس" 1250.
وأرى أن صوابها كما أثْبَتَ المؤلف هنا، وإنما صُحِّفت في أصول مخطوطات "معاني القرآن". وقد وردت (عِلَّة) في "بحر العلوم" 1/ 305 حيث نقل قول الزجاج.]]؛ أي: قد رأيته رؤيةً حقيقية، وهو راجع إلى معنى التوكيد.
وقال غيره [[لم أهتد إلى القائل.]]: لِئَلَّا يُتَوَهَّم رؤية القَلْبِ؛ كما يقال: (رأيته عِيَانًا)، و (سمعته بأذني)؛ لئلا يتوهم سَمْع العِلْمِ.
وقيل [[لم أهتد إلى القائل.]]: ﴿وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾؛ أي: تَتَأَمَّلُون الحالَ في ذلك، كيف هي؟ [[قال الطبري: ﴿فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ﴾ يعني: فقد رأيتموه بمرأى منكم ومنظر؛ أي: بقرب منكم). "تفسيره" 4/ 109. وحكى الزجاجُ قولًا، ولم يعزه لقائل، فقال: (وقال بعضهم: وأنتم تنظرون إلى محمد ﷺ). "معاني القرآن" 1/ 473، وانظر: "غرائب التفسير" للكرماني 1/ 271. وقد أورده ابنُ عطيَّة، وضَعَّفَه. انظر: "المحرر" 3/ 346.
وقال أبو الليث: (وأنتم تنظرون إلى السيوف التي فيها الموت). "بحر العلوم" 1/ 305 وأورد هذا القولَ ابنُ الجوزي في "زاد المسير" 1/ 468، وعزاه إلى أبن عباس. وعن ابن إسحاق: (تنظرون إليهم). "سيرة أبن هشام" 3/ 64، و"تفسير الطبري" 4/ 110، و"تفسير ابن أبي حاتم" 3/ 777.]] وفي الآية محذوفٌ، لأن المعنى: (فقد رأيتموه، وأنتم تنظرون، فَلِمَ انهزمتم)؟ وهذا موضعُ العِتَاب. وهو قول ابن عباس [[لم أقف على مصدر قوله.]].
آل عمران 3:144
وقوله [[في (ج): (قوله) -بدون واو-.]] تعالى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ﴾ الآية.
قال أهل التفسير [[ممن قال بذلك: السدِّي، وقد ورد معناه عن ابن عباس، من رواية عطية العوفي. انظر: "تفسير الطبري" 4/ 113، و"تاريخ الطبري" 2/ 520، و"تفسير ابن أبي حاتم" 3/ 777، و"أسباب النزول" للواحدي 129.]]: لَمَّا نُعِيَ رَسُولُ الله ﷺ يومَ أُحُد، وأُشِيعَ أنه قد قُتِل، قال بعضُ المسلمين: لَيْتَ لَنَا رَسُولًا إلى عبد الله بن أُبَيّ، فيأخذ لنا أَمَانًا مِنْ أَبِي سُفْيان!
وقال أناسٌ مِنْ أهل النِّفَاق: إنْ كان محمدٌ قد قُتِلَ، فالْحَقُوا بدينكم [[في (ج): (لدينكم).]] الأَوَّل؛ فأنزلَ الله هذه الآية [[ورد ذلك عن الضحاك، وابن جريج. انظر: "تفسير الطبري" 4/ 113، 114، و"تفسير الثعلبي" 3/ 125 ب.]].
و (مُحَمَد) [[من قوله: (ومحمد) إلى (في الكمال): نقله بنصه عن "تفسير الثعلبي" 3/ 126 أ.]] هو المُسْتَغْرِقُ لجميع المَحَامِدِ؛ لأن الحَمْدَ لا يَسْتَوْجِبُهُ إلَّا الكامِلُ. و (التَحْمِيد) فوق [[في "تفسير الثعلبي" (قول). وما أثبتهُ موجود -كذلك- في "تفسير البغوي" 2/ 115 حيث نقل هذا النص.]] (الحَمْدِ) [[لأن التحميد أبلغ من الحمد؛ يقال: (فلان محمود: إذا حُمِدَ، ومُحَمَّد: إذا كثرت خصاله المحمودة). انظر: "مفردات ألفاظ القرآن" 256 (حمد).
قال ابن فارس: (فإذا بلغ النهاية في ذلك، وتكاملت فيه المحاسِنُ والمناقِبُ، == فهو (محمد) .. وهذا البناء أبدًا يدل على الكثرة، وبلوغ النهاية .. وكذلك بناء اسم محمد ﷺ، دليل على كثرة المحامد وبلوغ النهاية في الحمد ..). "أسماء رسول الله ﷺ ومعانيها" 30.]]، فلا يستحقه إلا المستولي على الأَمَدِ [[في "تفسير الثعلبي": على الأمة وفي "تفسير البغوي": على الأمر.]] في الكمال.
و (الرَّسُول) -قال ابن الأنباري، فيما حكى عنه الأزهري- [[في "التهذيب" 2/ 1407 (رسل)، وقول ابن الأنباري في كتابه "الزاهر" 1/ 127.]]: معناه في اللغة: الذي يُتَابع أخبار مَنْ [[في " التهذيب"، و"الزاهر" الذي.]] بَعَثَهُ [[(بعثه): مطموس في (ج).]]؛ أُخِذَ مِنْ قولهم: (جاءت [[في "الزاهر" قد جاءت.]] الإِبِلُ رَسَلًا) [[في (ج): (رحلا).]]؛ أي: متتابعة [[الرَّسَلُ: القطيع من كل شيء، أو هو: القطيع من الإبل والغنم، وقيل: قطيع من الإبل، قدر عشر، يُرسل بعد قطيع، وقيل: ما بين عشر إلى خمس وعشرين. والجمع: أرسال. فإذا أوْرَدَ الرجل إبِلَهُ متقطعةً، قيل: أوردها أرسالًا. انظر: "اللسان" 3/ 1643 (رسل).]].
فمعنى [[من قوله: (فمعنى ..) إلى (.. الرسول هو): ساقط من (ج).]]: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ﴾ أي: إلَّا مُتَابع للأخبار عن الله.
وقال الأخفش [[لم أهتد إلى قوله في كتابه "المعاني"، وهو في "تهذيب اللغة" 2/ 1407 (رسل).]]: (الرسول): هو [[في (ب): (من) بدلا من: (هو)، وساقطة من (ج).]] الرِّسَالة، وهو اسمٌ مِنْ (أَرْسَلْتُ) [[وممن فسره بذلك: يونس بن حبيب البصري، وأبو عبيدة، والزجاج. فقالوا عن قوله تعالى: ﴿إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: 16]: إنه في معنى الرسالة؛ كأنه == قال: إنا رِسَالة رَبِّ العالمين.
انظر: "مجاز القرآن" 2/ 84، و"معاني القرآن" للزجاج 4/ 85، و"الزاهر" 1/ 128.]].
وقال أبو علي [[لم أقف على مصدر قوله.]]: (الرسول)، جاء على ضربين: أحدهما: يراد به المُرْسَلُ، والآخر: الرِّسَالة.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ﴾، يريد: المُرْسَل. يُقَوِّي ذلك قوله: ﴿إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [يس: 3]. ومثل [[في (ج): (وقيل).]] هذا في (فعُول)، يراد به (المفعول): (الرَّكُوب)، و (الحَلُوُب): لِمَا يُحْلَبُ، ويُرْكَبُ [[في (ج): (لما يركب ويحلب).]].
والرسول بمعنى الرسالة كقوله:
لَقَدَ كَذَبَ الواشُوُنَ مَا [[في (ب): (بما).]] بُحْتُ عِنْدَهُمْ ... بِسِرٍّ وَلاَ أَرْسَلْتُهُمْ بِرَسُولِ [[البيت لكثير عَزَّة. وهو في "ديوانه" 110. وورد منسوبًا له في "مجاز القرآن" 2/ 84، و"الصحاح" 1709 (رسل)، و"اللسان" 3/ 1645 (رسل).
وورد غير منسوب في: "معاني القرآن"، للزجاج 2/ 85، و"الزاهر" 1/ 125، و"تهذيب اللغة" 2/ 1407، و"المسائل العضديات" 36، و"البيان" للأنباري 2/ 206، 212، و"اللسان" 3/ 1644، و"تخليص الشواهد" لابن هشام 176، و"المقاصد النحوية" 1/ 506، و"خزانة الأدب" 10/ 278.
وقد وردت روايته في بعض المصادر: (ما فُهْتُ) بدلًا من: (ما بُحت)، وفي بعضها: (بسوء)، وفي أخرىَ: (بِلَيْلَى)، بدلًا من: (بِسِرٍّ).]]
أي: برسالة. ومِنْ هذا قولُهُ تعالى: ﴿أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ﴾ [مريم: 19] [[في (ج): ﴿إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ﴾ [طه: 47]. وكذا وردت في تفسير الفخر الرازي 9/ 22، حيث نقل هذا النص.]].
وسنذكره [[في (أ): (سنذكر). والمثبت من (ب)، (ج).]] في موضعه إن شاء الله.
وقوله تعالى: ﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ معناه: أنه يموت كما ماتت الرُّسُلُ قَبْلَهُ. وقوله تعالى: ﴿أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ﴾ ألِفُ [[من قوله: (ألف ..) إلى (.. نفي عنه القيام): نقله -بتصرف- عن "معاني القرآن" للزجاج 1/ 474. وانظر: "الصاحبي" 295 - 296.]] الاستفهام دخلت على حرف الشرط؛ ومعناها: الدخول على الجزاء. المعنى: (أتنقلبون على أعقابكم؛ إن مات محمَّدٌ [[في (أ): (محمدً). وفي (ج): (محمدا). والمثبت من (ب)، وهو الصواب.]] أو قُتِلَ)، إلّا أنَّ الشرط والجزاء مُعَلَّقٌ أحدُهُما بالآخَرِ، فانعقدا جملةً واحدةً، وخَبَرًا واحدًا؛ فدخلت أَلِفُ الاستفهام على الشرط، وأَنْبَأَت عن معنى الدخول على الجزاء؛ كما أنك إذا قلت: (هل زيدٌ قائمٌ؟)؛ فإنما تستفهم عن قيامِهِ، إلّا أنك أَدْخَلْتَ (هَلْ) على الاسم؛ لِيُعْلَمَ الذي استفهمتَ عن قيامه، مَنْ هُوَ؟ وكذلك قولك [[في (ج): (قول).]]: (ما زيدٌ قائما)، إنما نَفَيْتَ القيامَ، ولم تَنْفِ زيدًا، ولكنك أدخلت (ما) على (زيد)؛ ليُعْلَمَ مَن الذي نُفِيَ عنه القيامُ. يوضح هذا: أن هذا الاستفهام للإنكار، ولم ينكر عليهم الموت، وإنما أنكر عليهم الانقلاب.
وقوله تعالى: ﴿انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾ أي: ارْتدَدْتُم كُفَّارًا بعد إيمانكم؛ وذلك؛ لأن الرجوع عن الحق إلى الباطل، بمنزلة رجوع القَهْقَرَى [[القَهقَرَىَ: الرجوع إلى خَلْفٍ. والفعل: (قهْقَرَ)، و (تَقَهْقَرَ): إذا رجع على عقبيه. انظر: (قهر) في: "اللسان" 6/ 3746، و"القاموس" 467.]]، في القُبْح والتنكيل بالنفس.
ويقال لكلِّ مَن عادَ إلى ما كان عليه، ورَجَعَ ورَاءَهُ [[في (ج): (وراه).]]: انقَلَبَ على عَقِبِهِ [[انظر: "تفسير غريب القرآن" لابن قتيبة 113. ومن قوله: (على عقبه ..) إلى (.. فلن يضر الله): ساقط من (ج).]].
وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا﴾ فيه معنى الوعيد؛ أي: فإنما يَضُرُّ نَفْسَهُ؛ باستحقاق العِقَاب.
﴿وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ بِمَا يستحقونه مِنَ الثَّوَاب. قال ابن عباس [[لم أقف على مصدر قوله.]]: يريد: الطائعين لله من المهاجرين والأنصار.
آل عمران 3:145
وقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ الآية.
قال الأخفش [[لم أهتد إلى قوله في كتاب "المعاني" له، وقد ذكره الثعلبي في "تفسيره" 3/ 128أ.]]، والزجَاجُ [[في "معاني القرآن" له 1/ 474. وهو قول أبي عبيدة في "مجاز القرآن" 1/ 104.]]: اللَّام في (لِنَفْسٍ) [[في (ج): النفس.]]؛ معناها: النقل؛ بتقدير: وما كانت نفسٌ لِتَموتَ إلّا بِإذْنِ اللهِ [[أي: أنَّ قوله: ﴿أَنْ تَمُوتَ﴾ جُعِل خبَرًا لـ ﴿كَانَ﴾، بعد أن كان اسمًا لها. وجُعِلَ ﴿لِنَفْسٍ﴾ اسمًا لـ ﴿كَانَ﴾ بعد أن كان خبرًا لها. انظر: "الدر المصون" 3/ 408.]].
قال ابن عباس [[لم أقف على مصدر قوله.]]: يريد: بقضائه وَقَدَرِهِ. وفي هذا رَدٌّ على القَدَريَّةِ؛ حيث قالوا: إنَّ المقتول لا يكون مَيتًا بِأَجَلِهِ [[انظر رأيهم حول هذه المسألة في "كتاب الرد والاحتجاج على الحسن بن محمد بن الحنفية" ليحيى بن الحسين 153 وما بعدها، و"شرح جوهرة التوحيد" 160 - 162، == فقد ذكر آراء المعتزلة المختلفة في هذا الأمر، وذكر رأي أهل السنة، وانظر: "بحر العلوم" 1/ 305، و"المحرر الوجيز" 3/ 351، و"تفسير القرطبي" 7/ 202، و"روح المعاني" 4/ 76.]].
واختلفوا في المراد بهذا: فقال بعض [[(بعض): ساقطة من (ج).]] أهل المعاني [[ممن قال بذلك: ابن فورك. انظر: "المحرر الوجيز" 3/ 351.]]: المراد به التَّسْلِيَةُ عَمَّا يلحق النفسَ بموت النبي ﷺ إذا [[في (ج): (وإذا).]] وَقعَ. من جهة أنه إذا وَقَعَ كان بإذن الله.
وقال بعضهم [[لم أقف عليهم. وقد ذكر هذا القولَ ابنُ عطية في "المحرر" 3/ 351، ولم يعزه لقائل.]]: المراد به: الحَضُّ على الجهاد، من حيث لا يموت أحدٌ فيه إلّا بإذن الله. وقال ابن الأنباري [[لم أقف على مصدر قوله.]]: عاتب اللهُ تعالى [[كلمة (تعالى): ساقطة من (ج).]] بهذا المُنْهَزِمينَ يوم أُحُد؛ رَغْبَةً في الدنيا، وَضَنًّا بالحياة، وأخبرهم أن الحياة [لا تزيد] [[ما بين المعقوفين مطموس في (أ). والمثبت من (ب). (ج).]] ولا تنقص، وأنَّ الموتَ بِأَجَلٍ عنده، لا يتقدم ولا يتأخر.
وقوله تعالى: ﴿كتَابًا مُؤَجَّلًا﴾ إنتصب ﴿كِتَابًا﴾ بالفعل الذي دلّ عليه ما قبله، وذلك أن قوله: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾، يدل على: (كَتَبَ). وكذلك قوله: ﴿كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: 24]، لأن في قوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ [النساء: 23]، دِلاَلَةً على: (كَتَبَ هذا التحريمَ عليكم). ومثله: ﴿صُنْعَ اللَّهِ﴾ [النمل: 88]، و ﴿وَعَدَ اللَّهُ﴾ [النساء: 122].
و (المُؤَجَّلُ): ذو الأَجَلِ. و (الأَجَلُ): الوقت المعلوم [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 474.]].
[و] [[ما بين المعقوفين زيادة من (ج).]] قال عطاء [[لم أقف على مصدر قوله.]]، ومقاتل [[في "تفسيره" 1/ 305.]]: يريد مُؤَجَّلًا إلى أجله الذي هو في اللوح المحفوظ.
وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا﴾ قال المفسرون [[انظر: "تفسير الطبري" 4/ 115 - 116، و"معاني القرآن" للزجاج 1/ 475، و"بحر العلوم" 1/ 306، و"تفسير الثعلبي" 3/ 128 أ.]]: أي: من يُرِدْ بطاعته وعمله زينةَ الدنيا، وزُخْرُفَهَا؛ نُؤْتِهِ منها.
قال أهل المعاني [[من قوله: (قال ..) إلى (.. طلبًا للغنيمة): نقله -بتصرف يسير- عن "تفسير الثعلبي" 3/ 128 أ.]]: هو مُجْمَلٌ [[(هو مجمل): ساقط من (ج).]]، ومعناه: نؤته منها ما نشاء، مِمَّا قَدَّرناه له [[وممن قال بهذا: ابن إسحاق. انظر: "سيرة ابن هشام" 3/ 64، و"تفسير الطبري" 4/ 115 - 116، و"تفسير ابن أبي حاتم" 3/ 779، و"الدر المنثور" 2/ 145 وزاد نسبة إخراجه لابن المنذر. وهو قول الطبري. انظر: "تفسيره" 4/ 115 - 116.]] كقوله: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ﴾ [الإسراء: 18].
يعني بهذا: الذين تركوا المَرْكَزَ يوم أُحُد طلبًا للغنيمة، ورَغْبَةً في الدنيا [[ممن قال هذا: مقاتل في "تفسيره" 1/ 305.]].
﴿وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآخِرَةِ﴾ أي: مَنْ كانَ قَصْدُهُ بِعِمْلِهِ ثَوَابَ الآخرة. قال عطاء [[لم أقف على مصدر قوله.]]: يعنى: زينَتَها ومُلْكَها وسُرُورَهَا.
﴿نُؤْتِهِ مِنْهَا﴾. يعني بهذا: أولئك الذين ثَبَتُوا يومَ أُحُد حتى قُتِلُوا [[هذا قول مقاتل في: "تفسيره" 1/ 305، والثعلبي في "تفسيره" 3/ 128 ب.]].
أعْلَمَ الله -تعالى- أنَّهُ يُجازي كُلًّا على قَصْدِهِ وإرادته، فَمَنْ نَصِبَ للدنيا، و [[في (ج): (أو).]] عمل لها، أُعْطِيَ منها حظًّا على قَدْرِما قُسِمَ له، ومَن عَمِلَ للآخرة فاز بها [[قال الزجاج: (وليس في هذا دليل أنه يحرمه خير الدنيا؛ لأنه لم يقل: (ومن يرد ثواب الآخرة، لم نؤته إلا منها)، والله -عز وجل- ذو الفضل العظيم). "معاني القرآن" 1/ 475.]]، كما رُوِيَ عن [[في (ج): (قال النبي) بدلًا من: روي عن.]] النبي ﷺ في قوله: "الأعمال بالنيَّاتِ" [[الحديث أخرجه البخاري في "صحيحه" -في مواضع منها-: (1) كتاب بدء الوحي. باب كيف كان بدء الوحي، و (54) كتاب الإيمان: باب ما جاء من الأعمال بالنية، و (2529) كتاب العتق. باب الخطأ والنسيان في العتاق والطلاق، و (3898) كتاب مناقب الأنصار. باب هجرة النبي إلى المدينة.
وأخرجه مسلم في "صحيحه" رقم (1907) كتاب الإمارة. باب إنما الأعمال بالنيات. وأبو داود في "السنن" رقم (2201) كتاب الطلاق. باب فيما عني به الطلاق والنيات. والترمذي رقم (1647) كتاب فضائل الجهاد، باب ما جاء فيمن يقاتل رياء وللدنيا. والنسائي 1/ 58 كتاب الطهارة. باب النية في الوضوء، و 6/ 158 كتاب الطلاق. باب الكلام إذا قصد به فيما يحتمل معناه، و7/ 13 في الأيمان. باب النية في اليمين. وابن ماجة في "السنن" رقم (4227) كتاب "الزهد". باب النية. وأحمد في "المسند" 1/ 25، 43، والدارقطني في "السنن" 1/ 50،== وابن خزيمة في "الصحيح" 1/ 73 رقم (142، 243)، 1/ 232 رقم (455). وابن حبان في "الصحيح". انظر: "الإحسان" 2/ 113رقم: (388)، (389)، و11/ 210رقم: (4868)، والبيهقي في "السنن" 1/ 41، 298، و2/ 14، و4/ 112، و5/ 39، و7/ 341، والحميدي في مسنده 1/ 17 رقم (28)، وأبو داود الطيالسي 1/ 41 - 42 (37)، وابن المبارك في "الزهد" 62 رقم (188)، وهناد بن السري في "الزهد" 2/ 286 رقم (883)، والخطيب في "تاريخ بغداد" 9/ 346، 4/ 244. وابن الجارود في: "المنتقى" انظر: "غوث المكدود" 1/ 65 رقم (64).
وقد وردت معظم روايات الحديث بلفظ: (إنما الأعمال بالنِّيَّة)، ووردت بعض الروايات: (الأعمال بالنية)، وفي رواية: (العمل بالنية)، والرواية التي أوردها المؤلف موافِقَةٌ لِما أورده ابن حبان في: "صحيحه"، ولفظه: "الأعمال بالنيات، ولكل امرئٍ ما نَوَى، فمن كانت هجرتُه إلى الله ورسوله، فهجرتُه إلى الله ورسوله، ومَنْ كانت هجرتُه لدنيا يصيبُها أو امرأةٍ يتزوجها، فهجرته إلى ما هاجر إليه".]]، الحديث المعروف.
وأَنَّثَ الكِنَاية [[أي: الضمير.]] في ﴿مِنْهَا﴾، -وهي [[في (ج): (وهو).]] في المعنى راجعةٌ إلى الثواب-؛ لأن ثوابَ الدنيا، هو: الدنيا، وثوابَ الآخرة، هو: الآخرة. فرجوع الكِنَايَةِ إليها، كرجوعها [[في (ج): (لرجوعهما).]] إلى الثواب. ويقول القائل: (اللهم ارزقني الآخرة)؛ وهو يريد: ثوابَها.
وقوله تعالى: ﴿وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ﴾ قيل [[لم أقف على من قال بهذا القول.]]: إنَّه تكريرٌ للتأكيد الذي يُوجِبُ تمكين المعنى في النَّفْسِ؛ لأنه قد قال في الآية الأولى: ﴿وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾.
وقال محمد بن إسحاق [[قوله، في: "تفسير الطبري" 4/ 115، و"تفسير ابن أبي حاتم" 3/ 779.]]: فيه إشارةٌ إلى أنَّ مَنْ أرادَ بِعَملِهِ الآخرةَ، أُعْطِيَ ثوابَها، ولَمْ يُحْرَمْ مِن الدنيا ما يُعطَاه مِنْ عَمَلِ الدنيا [[في "تفسير الطبري" مع ما يجري عليه من الرزق في الدنيا.]]، مِمَّا قُسِمَ له.
آل عمران 3:146
قوله تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ﴾.
اجتمعوا [[في (ج): (أجمعوا). وكذا ورد في "تفسير الفخر الرازي" 9/ 27 حيث نقل هذا النص عن المؤلف.]] على أنَّ معنى (كَأَيِّنْ): كم [[هي (كم) الخبرية التي يُكنى بها عن معدود كثير، ولكنه مجهول الجنس والكمية. و (كأين تشترك مع (كم) -هنا- في إفادة التكثير للمعدود، وهو الغالب من استعمالها، وتستعمل في الأكثر مع (مِنْ)، ولا تأتي استفهامًا إلا في النادر، وهو رأي الجمهور، وأثبت وقوعها استفهامًا: ابن قتيبة وابن عصفور وابن مالك؛ كما أفاد ذلك ابن هشام. ويرى سيبويه أن معنى (كأين) معنى: (رُبَّ).
انظر: "كتاب سيبويه" 2/ 170، و"تأويل مشكل القرآن" 519، و"الإيضاح العضدي" 1/ 143، و"المغني" لابن هشام 246، و"النحو الوافي" 4/ 577 - 580.]]؛ وتأويلها: التكثير لعدد الأنبياء الذين هذه صفتهم. والكاف [[من هنا إلى نهاية: (.. لدن غدوة): نقل معناه عن "الحجة"، للفارسي 3/ 80 - 82، مع إضافات أخرى لم أقف على مصادرها.]] في (كَأَيِّنْ) كافُ التَّشْبِيه، دخلت على (أيٍّ)، التي هي الاستفهام-، كما دخلت على (ذا) مِن (كَذَا [[(كذا) من كنايات العدد المبهمة التي يكنى بها عن معدود؛ سواء كان كثيرًا أو قليلًا.]]، و (أَنَّ) مِن (كَأَنَّ)، ولا معنى للتشبيه فيه، كما أنه لا معنى للتشبيه في (كَذَا)؛ لأنك تقول: (لي عليه كَذَا وكَذَا)؛ معناه: لي عليه عددٌ مَّا. فلا معنى للتشبيه. إلا أنها زيادةٌ لازمةٌ، لا يجوز حذفُها.
ولم يقع للتنوين صورةٌ في الخط، إلا في هذا الحرف خاصَّةً.
وكَثُرَ استعمالُ هذه الكلمة، فصارت كَكَلِمَةٍ واحدةٍ، موضوعة للتكثير؛ كقول الشاعر:
كأيِّنْ في المَعَاشِرِ مِنْ أُنَاسٍ ... أخُوهُم فوقَهْمْ وهُمُ كِرَامُ [[للكميت بن زيد الأسدي في ديوانه، وأخبار أبي تمام، بلفظ (أخوهم منهم) والوساطة للجرجاني ص 329.
وقد ورد في: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 476، و"حجة القراءات" 175، و"تفسير الثعلبي" 3/ 129 أ، و"المحرر الوجيز" 3/ 354، و"تفسير القرطبي" 4/ 228، و"البحر المحيط" 3/ 72، و"الدر المصون" 3/ 422. وروايته عند الثعلبي:
(وكأين من أناس لم يزالوا ... ................).
المَعَاشِر: جماعات الناس. والمَعْشَرُ: كلُّ جماعةٍ أمرُهُم واحد، نحو: مَعْشَر المسلمين، ومَعْشَر المشركين. انظر: "اللسان" 4/ 754 (عشر).]]
أي: كَم مِن أُنَاسٍ.
وقرأ ابنُ كَثِير [[انظر: "السبعة" 216، و"الحجة" للفارسي 3/ 80، و"الكشف" 1/ 357.]]: ﴿وَكَائِنْ﴾ [[(أ)، (ب)، (ج): (وكاين). والمُثْبَت هو الموافق للقراءة.]]، في وزن: (كاعِنْ).
ووجه هذه القِرَاءةِ: أن [[(أن): ساقطة من (ج).]] (كأيِّنْ) لَمَّا جُعِلَت كلمةً واحدةً، قُلِبت قَلْبَ الكلمة الواحدة؛ كما فُعلَ ذلك، فيما حكاه أحمد بن يحيى [[هو ثَعْلب. وقوله في: "الحجة"، للفارسي 3/ 81، و"المسائل المشكلة" له 394، و"سر صناعة الإعراب" 1/ 308.]] مِن قولهم: (لَعَمْري)، و (رَعَمْلِي)، فصارت بالقَلْبِ (كَيَّإن). فَحُذِفت [[من قوله: (فحذفت ..) إلى (.. فصارت كَيْإن): ساقط من (ج).]] الياءُ الثانيةُ تخفيفًا؛ كما حُذِفَت مِن (مَيْت) و (هَيْن) و (لَيْن) [[الأصل فيها: (مَيِّت، وهَيِّن، ولَيِّن). انظر: "المنصف" 2/ 15.]]، فصارت: (كَيْإنْ) [[في (أ)، (ب): (كَيْأن). والمثبت من: "الحجة" 3/ 81، و"سر صناعة الإعراب" 1/ 307، و"المحتسب" 1/ 171. ورسِمَت الكلمةُ فيها: (كَيْءٍ).]] بعد الحذف، ثم أبْدِلت من الياء الألف؛ كما أبدلت في (طَائِيٍّ) [[في (أ)، (ب)، (ج): (طاي). والمثبت من المصادر السابقة، و"المسائل المشكلة" 394.
والأصل في كلمة (طائي): (طَيِّئيّ)، ثم حذفوا الياء المتحركة من الياء المشددة الأولى، فصارت: (طَيْئيّ)، ثم قلبوا الياءَ الساكنةَ ألِفًا، فصارت (طائي). انظر: "الدر المصون" 3/ 423، و"روح المعاني" 4/ 27، ويرى مَكيُّ بن أبي طالب أنَّ أصل (طائي): (طيِّيّ) -بياءين مشددتين-؛ لأنه ينسب إلى (طَيّ)، لكن أبدلوا من الياء الأولى الساكنةِ ألِفًا، فوقعت الياء الثانية بعد ألف زائدة، فأبدلوا منها همزة.). "الكشف"1/ 357. وانظر: "سر صناعة الإعراب" 1/ 23، 307، 2/ 669.]]، وكما أبدلت في (آيَةٍ) عند سيبويه [[انظر: "الكتاب" له 4/ 398، و"الحجة" للفارسي 1/ 85، و"سر صناعة الإعراب" 1/ 23، 2/ 669، و"الكشف" 1/ 357.]]، وكانت (أَيَّةً) [[في (ب): (أبيه).]]، وقد حُذِفَت الياءُ مِن (أَيٍّ) في قول الفرزدق:
تَنَظَّرْتُ نَضرًا والسِّماكَيْنِ أيْهُمَا [[في (ج): (الهما).]] ... عَلَيَّ مِنَ الغَيثِ اسْتَهَلَّتْ مَواطِرُهْ [[في (ب): (مواطر). والبيت في: ديوانه: 246. وقد ورد منسوبًا له في: "الحجة" للفارسي 1/ 92، 3/ 81، و"المحتسب"1/ 41، 108، 2/ 152، و"المحرر الوجيز" 3/ 355، و"اللسان" 2/ 1068 (حير). وقد ورد في: "اللسان" (تنظرت نَسْرا ..).
وقوله: (نصرا) يعني: نَصْرَ بن سَيَّار، الذي قال القصيدة في مدحه.
والسِّمَاكان: نجمان نَيِّران، أحدهما: السماك الرامح، والآخر: السماك الأعزل. و (الرامح) لا نَوْء له، وهو في جهة الشمال. و (الأعزل): من منازل القمر، وهو من كواكب الأنوار، وجهتة الجنوب. انظر: (سمك) في: "التهذيب" 2/ 1759، و"اللسان" 4/ 2099.
والشاهد فيه: تخفيفه لـ (أيِّهما)؛ بأن حذف الياءَ الثانِية.]] فَلَمَّا أُبْدِلَت الألفُ مِن الياء، صارت: (كَائِنْ)، على وزن: (كاعِنْ). وأكثر ما جاء في الشعر، على هذه اللغة.
قال جرير:
وكايِنْ في الأَبَاطِحِ مِن صَدِيقٍ ... يَرَانِي لَوْ أُصِيبَ [[هكذا جاءت في كل (أ)، (ب)، (ج): (أصيبَ). وهي خلاف ما جاء في كل المصادر التي أوردت البيت. وقد أثْبَتها كذلك؛ لاتفاق النسخ عليها، ولأني وجدت ابن الحاجب أوردها كذلك. انظر: "أمَالِيه" 2/ 662.
وجاء في جميع نسخ تفسير (الوسيط) للمؤلف: (لو أصِيب)، ولكن المحقق جعلها (لو أصِبْتُ)، وقال: (في جميع النسخ: (لو أصيب) وما أَثبته هو "الصحيح". "الوسيط" (تحقيق: بالطيور) 346.]] هو المُصَابَا [[البيت في "ديوانه" 21. وقد ورد منسوبًا له في أكثر المصادر التالية: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 475، و"الإيضاح العضدي"، للفارسي 1/ 143، و"شرح الأبيات المشكلة" له 244، و"الحجة" له 3/ 80، و"حجة القراءات" 174، و"أمالي ابن الشجري" 1/ 106، و"غرائب التفسير" للكرماني 1/ 272، و"المحرر الوجيز" 3/ 352، و"شرح المفصل" 3/ 110، 4/ 135، و"أمالي ابن الحاجب" 2/ 662، و"تفسير القرطبي" 4/ 228، و"المغني" 643، و"منهج السالك" 4/ 87، و"همع الهوامع" 1/ 68، 256، و"شرح شواهد المغني" 875، و"الدرر اللوامع" 1/ 46، 213، 2/ 92، و"خزانة الأدب" 5/ 397.
ورد البيت في جميع المصادر السابقة: (بالأباطح ..). وورد في الديوان وجميع المصادر السابقة -عدا أمالي ابن الحاجب-: (.. يراني لو أصِبْتُ هو المصابا). وأشار في: "خزانة الأدب" 5/ 401 إلى أن الأخفش رواه: (وكم في الأباطح ..)، وليس فيه موضع الشاهد.
الأباطح، جمع: أبطح، وهو: مَسِيل واسعٌ فيه دقاق الحصى. ويجمع -كذلك- على: (بِطَاح)، و (بَطَائِح). انظر: "القاموس" ص 213 (بطح).
ومعنى (يراني لو أصيبَ هو المصابا) -على الرواية التي أوردها المؤلف-: يراني أننى المصاب فيما أصِيب هو. -والله أعلم-.]] وأنْشَدَ المُفَضّل [[قوله: (وأنشد ..) إلى نهاية بيت الشعر: (.. حذاريا): ورد بنصه في "تفسير الثعلبي" 3/ 129 أ. ويبدو أن المؤلف نقله عنه.]]:
وكائِنْ [[في (أ)، (ب)، (ج): (وكاين).]] تَرَى [[في (ب): (يرى). وفي (ج): (نرى).]] في الحَيِّ مِنْ ذِي قَرَابَةٍ ... وغَيْرَان يَدْعُو ويلَهُ مِنْ حِذَارِيَا [[لم أقف على قائله. وقد ورد في المصدر السابق، وأورد شطره الأول الفخرُ الرازي في "تفسيره" 9/ 27. والحِذار: المحاذرة، والتحرز، والتأهب. انظر: "اللسان" 2/ 809 (حذر).]]
فإنْ وقفت على هذه الكلمة؛ فَلَكَ في الوَقْفِ على قِرَاءةِ ابن كثير، ثلاثة أوجه:
أحدها: أنْ تحذف التنوين الدَّاخِلَ الكلمة مع الجرِّ، فيقول [[هكذا في: (أ)، (ب). وفي (ج): مهملة من النقط. وقد تكون على تقدير: فيقول الواقف، أو القارئ.]]: (كاءْ). فَتُسَكِّنْ [[في (ب): (كائنتسكن). وفي (ج): (كافتسكن).]] الهمزةَ المجرورةَ للوقف.
الثاني: أن يقول: (كائِي) [[(أ)، (ب)، (ج): (كايَ). وما أثبَتُّه من "الحجة"، للفارسي 3/ 82، وهو الصواب؛ لأن الإبدال من التنوين، وليس من الهمز.]]؛ على لغة من يقول: (مَرَرْتُ بِزَيْدِيْ)، في الوقف، فَيُبْدِل [[في (ج): (فتبدل).]] مِنَ التَّنْوِين الياءَ.
الوجه الثالث: أنْ تَقِفَ على التنوين، وتترك الحركة [[في (ب): أن تترك الحركة، وتقف على التنوين.]]؛ فتقول: (كَائِنْ) [[في (ب)، (ج): (كاين).]]؛ وذلك أنَّ التنوين -بالقَلْبِ الذي حدث في هذه الكلمة-، صارت بمنزلة النون التي من نَفْسِ الكلمة [فَتُقِرُّهُ نُونًا في الوَقْفِ] [[ما بين المعقوفين زيادة من (ج).]]، بمنزلة [ما هو من نفس الكلمة؛ كما أنهم جعلوا ما هو من نفس الكلمة] [[ما بين المعقوفين زيادة من (ج).]]، [التنوينَ] [[ما بين المعقوفين زيادة أضفتها ليتضح الكلام. انظر: "الحجة" 3/ 82.]] الزائدَ [[في (ج): (الزائدة).]]، في قول من قال: (لَدُنْ غُدْوَةً) [[لَدُنْ: ظرف زمان ومكان، على حسب إضافتها، وهي مبنية على السكون، وتعني: (عند)، وهي تلازم الإضافة؛ إما إلى الاسم، أو الضمير. ويقال: (لُدْن، ولَدْن، ولَدِن، ولَدُ، ولَدَى). أما (لَدُنْ غُدْوَة)، فقال الأزهري عنها: (وَرَوَى أبو عمرو عن الإمامين: المبرد، وثعلب، قالا: العرب تقول: (لَدُنْ غُدوةً) و (لَدُنْ غُدْوةٌ)، و (لَدُنْ غُدْوَةٍ). قالا: فمن رَفَع؛ أراد: لدن كانت غُدْوةٌ [أي: (كان) -هنا- التَّامَّة. ومَن نَصَب؛ أراد: لدن كان الوقت غُدْوَةً. ومن خفض؛ أراد: مِن عِنْد غُدْوةٍ). "التهذيب" 3/ 2636 (غدا)، وانظر: "شرح المفصل" 2/ 127، و"اللسان" 7/ 4022 (لدن)، و"معجم الشوارد النحوية" 511 - 512.
والغُدْوَةُ: البُكْرَةُ ما بين صلاة الفجر، وطلوع الشمس. فإذا كانت مِن يَومٍ بعينه، فهي عَلَمٌ للوقت، غير مَصْروفَةٍ، فلا يدخلها التَنْوِينُ؛ لأنها مَعْرِفَة، أما إذا كانت نَكِرَةً، فإنها تُنَوَّنُ. انظر. "اللسان" 15/ 116.]].
فأما الوقف في القراءة [[في (ب)، (ج): (القراة).]] الأولى، فتقف على الياء، وتترك التنوين، ولا تقف على النون؛ لأنه لم يُقْلَبْ، كما ذكرنا من القَلْبِ في قراءة ابن كثير [[انظر: الكلام حول (كائن) في: "كتاب سيبويه" 3/ 151، 2/ 170 - 171، و"الحجة" للفارسي 3/ 80 - 82، و"المسائل المشكلة" 393 - 394، و"سر صناعة الإعراب" 1/ 306 - 308، و"المحتسب" 1/ 170 - 173، و"الكشف" لمكي 1/ 357، 358، و"مشكل إعراب القرآن" له 1/ 175.]].
وقوله تعالى: ﴿قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ﴾. ﴿قُتِلَ﴾، و ﴿قَاتَلَ﴾ [[قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، ونافع -من السبعة-، ويعقوب: ﴿قُتِلَ﴾. وقرأ باقي القراء: ﴿قَاتَلَ﴾.
انظر: "السبعة" 217، و"الحجة"، للفارسي 3/ 82، و"النشر" 2/ 242، و"إتحاف فضلاء البشر" ص 180.]]. فمن قرأ: ﴿قُتِلَ﴾ [[من قوله: (فمن قرأ ..) إلى (.. وتضمر للمبتدأ خبرا): نقله -بتصرف واختصار- عن "الحجة"، للفارسي 3/ 83]]، احتمل وجهين:
أحدهما: أن يكون القَتْلُ مُسْنَدًا إلى ﴿نَبِيٍّ﴾. [وقوله: ﴿مَعَهُ رِبِّيُّونَ﴾]، [[ما بين المعقوفين زيادة من (ج).]] صِفَة لـ ﴿نَبِيٍّ﴾. و (الرِّبِّيُّون) -على هذا- مرتَفِعٌ بالظَّرْفِ [[ويكون الضمير الذي في ﴿مَعَهُ﴾ يعود لـ ﴿نَبِيٍّ﴾. ويجوز أن يكون ﴿قُتِلَ﴾ في محل جَرٍّ، صِفَةً لـ ﴿نَبِيٍّ﴾، و ﴿مَعَهُ رَبِّيُّونَ﴾. صِفَةً ثانية. أو يكون ﴿مَعَهُ رَبِّيُّونَ﴾ في حالة إسناد القتل إلى ﴿نَبِيٍّ﴾ -: حالًا مِن الضَمِير الذيَ في ﴿قُتِلَ﴾. انظر: "الحجة" 3/ 83، و"الدر المصون" 3/ 427.]].
والثاني: أنْ يُسْنَدَ القَتْلُ إلى قوله: ﴿رِبِّيُّونَ﴾. ويكون معنى قوله: ﴿فَمَا وَهَنُوا﴾ أي: مَا وَهَنَ باقِيهم بَعْدُ، بِمَنْ [[في "الحجة" بعْدَ مَنْ.]] قُتِلَ منهم في سبيل الله. فَحُذِفَ المُضَافُ، وأقُيِمَ المضافُ إليه مقامه؛ والمعنى: ما وَهَنَ مَنْ بَقِيَ منهم لِقَتْلِ [[في (ج): (بقتل).]] مَن قُتِلَ مِنَ الرِّبَيِّينَ، لأن مَنْ قُتِلُوا لا يُوصَفُونَ بِأَنَّهُمْ (ما وَهَنُوا).
وحُجّة هذه القراءة: أنَّ هذا الكلامَ، اقتصاصُ ما جرى عليه سَيْرُ [[في "الحجة"، ضُبِطت: سِيَرُ.]] أُمَمِ الأنبياء -عليهم السلام- قبلهم؛ لِيَتَأَسَّوا بهم. وقد قال: ﴿أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾ [آل عمران: 144].
ومَنْ قَرَأَ: ﴿قَاتَلَ﴾، جاز فيه الوجهان اللذان ذكرنا في ﴿قُتِلَ﴾، مِن إسناد القِتَالِ إلى ﴿نَّبيٍّ﴾، أو إلى ﴿الرِّبِّيِّينَ﴾.
وحُجَّةُ هذه القراءة: أنَّ المُراد بهذه الآية مدح الطائفة الذين مع النَّبِيِّ، بالقتال والثَّبَاتِ على ما كان عليه نَبِيُّهُمْ. والقتال أَلْيَقُ بهذا المعنى مِنَ القَتْلِ، فَحَصلَ مِن هذا أنَّ قوله: ﴿وَكَأَيِّنْ﴾، موضع الكاف الجَارَّةِ مع المجرور، رَفْعٌ بالابتداء، كما أنَّ موضع (لَهُ كَذَا وَكَذَا)، رَفْعٌ. وخَبَرُهُ: ﴿قُتِلَ﴾؛ إذا أسندت القَتْلَ إلى ﴿نَبِيٍّ﴾. وإذا لم يُسنَدْ القَتلُ إليه، كان قولُه: ﴿قُتِلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ﴾: صِفَةً لـ ﴿نَبِيٍّ﴾، وتُضمِرُ للمبتدإ خَبَرًا؛ بتقدير: (كَأيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قُتِلَ معه رِبِّيُّونَ كثيرٌ قبلكم أو مضى). وما أشبهه من التقدير.
وهذا الذي ذكرنا في هذه الآية: قولُ الفَرَّاء [[في "معاني القرآن" له 1/ 237.]]، والزجَّاج [[في "معاني القرآن" له / 476.]]، وأبي علي [[في "الحجة للقراء السبعة" 3/ 83 - 84]]، وجميع مَن يُوثَقُ بِعِلْمِهِ في النحو [[انظر: "تفسير الطبري" 4/ 117، و"إيضاح الوقف والابتداء" 2/ 585 - 587،== وكتاب "القطع والائتناف" 236 - 237، و"حجة القراءات" 175 - 176، و"التبيان"، للعكبري ص 212 - 213.]].
وقوله تعالى: ﴿رِبِّيُّونَ﴾.
قال الفَرّاء [[في "معاني القرآن"، له 1/ 237.]]: الرِّبِّيُّون: الأُلُوف. وهو قول ابن مسعود [[قوله في "تفسير عبد الرزاق" 1/ 134، و"تفسير الطبري" 4/ 118، و"تفسير ابن أبي حاتم" 3/ 780، و"معاني القرآن" للنحاس 1/ 490، و"تفسير الثعلبي" 3/ 129ب، و"تفسير البغوي" 2/ 116، و"زاد المسير" 1/ 472، وأورده السيوطي في "الدر" 2/ 146 وزاد نسبة إخراجه إلى عبد بن حميد، وابن المنذر.]]، والضحاك [[قوله في "تفسير الطبري"4/ 119ونصه عنده: (جموع كثيرة، قتل نبيهم). وفي "تفسير الثعلبي" 3/ 129 ب، ونصه عند: (الرِّبِّيَّة الواحدة: ألف)، وكذا في: "تفسير البغوي" 2/ 116.
وأورده السيوطي في "الدر" 2/ 146 ونسب إخراجه إلى سعيد بن منصور، ولفظه: (الرِّبَّة الواحدة: ألف).]]، والكلبي [[قوله، في: "بحر العلوم" 1/ 306، و"تفسير الثعلبي" 3/ 129 ب، و"تفسير البغوي" 2/ 116، ونصه: (الرِّبِّيَّة الواحدة: عشرة آلاف)]].
وقال الزّجاج [[في "معاني القرآن" له 1/ 476، وأوره بلفظ: (قيل: .. إنهم الجماعات الكثيرة) واستحسنه.]]: هم الجماعة الكثيرة.
أخبرنا العَرُوضي [[هو: أحمد بن محمد، أبو الفضل. تقدمت ترجمته.]]، عن الأزهري، عن المنذري، عن أبي طالب، قال [[انظر: "تهذيب اللغة" 2/ 1336 - 1337 (ربّ)]]: الرِّبِّيُّونَ: الجماعات الكثيرة. الواحد: (رِبِّيٌّ).
وهو قول ابن عباس [[قوله في: "تفسير الطبري" 4/ 117 - 118، و"تفسير ابن أبي حاتم" 3/ 780، وأورده السيوطي في "الدر المنثور" 2/ 146 - 147 وزاد نسبة إخراجه إلى ابن المنذر.
وفي رواية أخرى عنه فَسرها بـ (علماء كثير). انظر: "تفسير الطبري" 4/ 117.]]، ومجاهد [[قوله، في: "تفسير الطبري" 4/ 118، و"تفسير ابن أبي حاتم" 3/ 780، و"معاني القرآن"، للنحاس: 490، و"تفسير الثعلبي" 3/ 129 ب، و"النكت والعيون" 1/ 428، و"زاد المسير" 1/ 472.]]، وقتادة [[قوله، في: "تفسير عبد الرزاق" 1/ 134، و"تفسير الطبري" 4/ 118، و"تفسير ابن أبي حاتم" 3/ 780، و"تفسير الثعلبي" 3/ 129 ب، و"زاد المسير" 1/ 472.]]، والرَّبِيع [[قوله، في: "تفسير الطبري" 4/ 118، و"تفسير الثعلبي" 3/ 129 ب، و"زاد المسير" 1/ 472.]]، والسُّدِّي [[قوله، في: المصادر السابقة، و"تفسير ابن أبي حاتم" 3/ 780.]].
[و] [[ما بين المعقوفين زيادة من (ج).]] قال ابن قتيبة [[في "تفسير غريب القرآن" له ص 106.]] وأصله مِن (الرِّبَّةِ)، وهي: الجَمَاعة، يقال [[في "تفسير الغريب" يقال للجمع.]]: (رِبِّيّ)؛ كأنه نُسِبَ [[في (ج): (ينسب).]] إلى (الرِّبَّةِ) [[(الربة): مطموس في (ج).]]، ثم يُجمَع (رِبِّيّ) بالواو [[في "تفسير غريب القرآن" فيُقال: رِبَّيُّون.]].
وقال الأخفش [[في "معاني القرآن"، له 1/ 217.]]: الرِّبَيُّونَ: الذين [[(أ)، (ب): (الذي). والمثبت من (ج)، و"معاني القرآن".]] يعبدون الرَّبَّ، واحِدُهم: (رِبِّيُّ).
قال أحمد بن يحيى [[قوله، في: "تهذيب اللغة" 2/ 1336 (ربّ)، و"اللسان" 3/ 1548 - 1549 (ربب).]]: ينبغي أن يُفتَحَ [الرَّاءُ] [[ما بين المعقوفين في (أ)، (ب)، (ج): (إلّا). وهي تخل بالمعنى، وأراها تصحيفًا من النساخ. والمثبت من: المصادر السابقة.]] على قول الأخفش، فيقال: (رَبِّي) [[في (أ): رِبِّي -بكسر الراء-. وفي (ب)، (ج): مهمل من النقط. وما أثبَتُّهُ -بفتح الراء- هو الصواب.]]؛ لِيَكونَ منسوبًا إلى الرَّبِّ.
فقال مَنْ نَصَرَ الأخفشَ [[هو الثعلبي، في: "تفسيره" 3/ 129 ب.]]: العرب تنسب الشيءَ إلى الشيء، فتغيِّر حَرَكَتَهُ؛ كما قالوا: (بِصْرِي)، في النسبة إلى البَصْرَةِ.
وقوله تعالى: ﴿فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا﴾ جَمَعَ بين الوَهْنِ والضَّعْفِ؛ لأن (الوَهْنَ): انكسارُ الحَدِّ بالخوف [[في (ج): (بالحذف).
لم أرَ في مصادر اللغة والتفسير التي رجعت إليها، مَن فسَّر (الوَهْن) بهذا المعنى الدقيق، وإنما فَسَّروه جميعًا بـ (الضَّعْف)، وجعلوهما مترادفين، وهما من عطف الشيء على نفسه. ومنهم من قال بأنه الضعف في الخَلْق والخُلُق، ومنهم من فَسَّره بالضعف في العمل والأمر.
انظر: "غريب القرآن"، لابن اليزيدي 44، و"تفسير غريب القرآن" لابن قتيبة ص 106، و"غريب الحديث" للحربي 1056، وانظر مادة (وهن) في: "تهذيب اللغة" 4/ 3966، و"الصحاح" 2215، و"المقاييس" 6/ 149، و"اللسان" 8/ 4935، و"تخليص الشواهد" لابن هشام 452، و"عمدة الحفاظ" 645.]].
و (الضَّعْفُ): نُقْصانِ القوة. أي: لم يَهِنْوا بالخوف، ولا ضَعُفُوا بنُقْصان القُوَّة. هذا معنى قول أبي إسحاق [[في "معاني القرآن" له 1/ 476.]]: ما جَبُنُوا عن قِتَال عَدُوِّهم، وَمَا فَتَرُوا [[نص عبارة الزجاج: (﴿فَمَا وَهَنُوا﴾: فما فَتَروا، ﴿وَمَا ضَعُفُواْ﴾: وما جبنوا عن قتال عدوهم).
أفهم من عبارة المؤلف -والله أعلم- أن (الوَهْنَ): أقرب إلى أن يكون نقصان القوة المعنوية، ومنها خَوَر العزيمة، ودبيب اليأس إلى النفس، وحُلُول الخوف. وأما (الضعف)؛ فهو: نقصان القوى البدنية، والفشل في المقاومة. ومن الطبيعي أنه إذا عمل الخوفُ عَمَلَه في النفس، خارت العزيمةُ، وضعفت القُوَى البدنيةُ، وقلّ إثرَها اندفاعُ الإنسان، وكُسِرت حدَّتُه، فيتضعضع حينها، ويذل، ويستكين. فالوهْنُ يكون أوَّلًا ثم الضعف، ثم الاستكانة.
انظر حول هذا المعنى: "التحرير والتنوير" لابن عاشور 4/ 118، و"تفسير الفخر الرازي" 9/ 28.]]
وقوله تعالى: ﴿وَمَا اسْتَكَانُوا﴾ الاسْتِكَانَةُ: الخُضُوعُ. وهو أنْ يَسْكنُ لصاحِبِهِ، لِيَفْعَلَ [[من قوله: (ليفعل ..) إلى نهاية قوله: (.. وقال في موضع آخر: السلطان في اللغة: الحجة): سقط من: (ج) من هذا الموضع من المخطوط، ثم عاد الناسخ وكتبه بعد تفسير قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ﴾ آية: 152، بحيث تداخل مع تفسير هذه الآية.]] بِهِ ما يريد؛ أي: وما خضعوا لِعَدُوِّهم [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 476.]].
قال المفسرون: هذه الآية احتجاجٌ على المنهزِمِينَ يومَ أُحُد، وذلك أنَّ صائِحًا صاحَ: قد قُتِلَ مُحمَد! فاضْطَرَبَ أمرُ المسلمينَ؛ كما ذكرنا القصة في قوله: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ﴾ [آل عمران: 144]، الآية.
واختلفوا فيما بينهم، فأنزل الله هذه الآية، يعاتبهم على ما كان مِن فِعْلِهم، وَيحَضُّهم على الجهاد في سبيل الله؛ لِسُلُوك طريقة العلماء مِن صَحَابَةِ الأنبياء، لِيَقْتَدِيَ الخَلَفُ بالسَّلَفِ في الصَّبْرِ، حتى يأتي اللهُ عز وجل بالفتح [[(بالفتح): ساقط من (ج).
وانظر: التعليق على تفسير المؤلف لقوله تعالى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ﴾ من آية: 144 سورة آل عمران، فقد وردت مصادر هذه الأقوال هناك.]].
وقال ابنُ الأنباري [[لم أقف على مصدر قوله.]] في هذه الآية: أي: وقد كان واجبًا عليكم، أن تُقاتلوا على أَمْرِ نَبِيِّكُمْ لو قُتِلَ؛ كما قَاتَلَ أُمَمُ الأنبياء بعد قَتْلِهِم، وَلَمْ يَرْجِعُوا عَنْ دِينِهم.
آل عمران 3:147
قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا﴾ قال ابن عباس [[لم أقف على مصدر قوله.]]: يريد: عند لِقَاء العدو. وهذا بعد أنْ قُتِلَ نَبِيُّهُم.
وقوله [[في (ج): قوله. -بدون واو-.]] تعالى: ﴿وَإِسْرَافَنَا﴾ الإسْرَافُ -في اللغة-: مُجَاوَزَةُ الحَدِّ. ومثله: السَّرَفُ [[انظر: (سرف) في: "مقاييس اللغة" 3/ 153، و"مفردات ألفاظ القرآن" 407، و"بصائر ذوي التمييز" 2/ 105.]].
قال ابن الأعرابي [[قوله في "تهذيب اللغة" 2/ 1675 (سرف).]]: هو تَجَاوُزُ ما حُدَّ لك. قال ابن عباس [[قوله في: "تفسير الطبري" 4/ 120، و"تفسير ابن أبي حاتم" 3/ 783.]] -في قوله: ﴿وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا﴾ -: يريد: في المَعَاصِي.
وقوله تعالى: ﴿وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا﴾ قال ابن عباس [[لم أقف على مصدر قوله.]]: يريد: بالقُوَّةِ مِن عِندك، والنُّصرَةِ. وعلى هذا أكثر المفسرين؛ أَنَّ المراد بهذا: سؤال [القوة و] [[ما بين المعقوفين زيادة من (ب).]] المعونة التي تَقَوَّى [[في (ب): (تقوي).]] بها قُلُوبُهم على جهاد عدوهم، حتى يقع معها ثُبُوت [[في (ب): (ثبات).]] أقدامهم [[انظر: "تفسير مقاتل" 1/ 307، و"تفسير الطبري" 4/ 121، و"تفسير الثعلبي" 3/ 130 ب. وهو قول ابن عباس؛ كما في: "زاد المسير" 1/ 473.]].
وقال [[في (ج): (قال).]] أبو إسحاق [[في "معاني القرآن" له 1/ 477.]]: معنى ﴿وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا﴾ أي: ثَبِّتْنَا على دينك. قال: فإذا [[في (ج): (وإذا).]] ثَبَّتَهُمْ على دينهم، ثَبَتُوا في حربهم. واحتج بقوله: ﴿فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا﴾ [النحل: 94]، قال: المعنى: تَزِلَّ عن الدِّينِ.
وهذا تعليم لدعاء الاستفتاح والاستنصار على الكُفَّار، وتعريضٌ بالعِتابِ معهم، حين أخبر عن غيرهم من الأمم بهذا.
آل عمران 3:148
قوله تعالى: ﴿فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا﴾ قال ابن عباس [[لم أقف على مصدر قوله. وهو قول: الحسن، وقتادة، والربيع، وابن جريج، وابن إسحاق. انظر: "تفسير الطبري" 4/ 122، و"تفسير ابن أبي حاتم" 3/ 783 - 784.]]: يريد: النَّصْر [[في (ب): (بالنصر).]] والظَّفَر والغنيمة.
﴿وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ﴾ يعنى: الأجر والمغفرة، وما يَلْقَوْنَه مِنَ النَّعِيم.
آل عمران 3:149
قوله تعالى: ﴿إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يعني: اليهود؛ في قول ابن عباس [[لم أقف على مصدر قوله. وقد ورد عن ابن جريج: أنهم اليهود والنصارى، وممن قال بذلك: الطبري، والثعلبي.
انظر: "تفسير الطبري" 4/ 123، و"تفسير ابن أبي حاتم" 3/ 785، و"تفسير الثعلبي" 3/ 130 ب.]]، والأكثرين.
وقال السُّدِّي [[قوله في: "تفسير الطبري" 4/ 123، و"تفسير ابن أبي حاتم" 3/ 784.]]: يعني: أبا سفيان، وأصحابه.
وقال علي [[قوله في: "تفسير الثعلبي" 3/ 130ب، و"زاد المسير" 1/ 474، و"تفسير القرطبي" 4/ 232.
وبه قال مقاتل في "تفسيره" 1/ 306، وأبو الليث في "بحر العلوم" 1/ 307.]]: يعني: المنافقين؛ في قولهم للمؤمنين عند الهزيمة: ارجِعُوا إلى دِينِ آبائكم.
وقوله تعالى: ﴿يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾ أي: يُرْجعوكم إلى أَوَّلِ أمْرِكم؛ الشركِ بالله [[انظر: "بحر العلوم" 1/ 307، و"زاد المسير" 1/ 474، و"تفسير القرطبي" 4/ 232.]].
آل عمران 3:150
وقوله تعالى: ﴿بَلِ اللَّهُ مَوْلَاكُمْ﴾ أي: ناصِرُكُم ومُعِينُكم. والمعني في هذه الآية: يقول: أنا مولاكم؛ فاسْتَغْنُوا عن مُوَالاةِ الكفَّار، وناصِرُكُمْ؛ فلا تَسْتَنْصِرُوهم.
آل عمران 3:151
[و] [[زيادة من (ب).]] قوله تعالى: ﴿سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ﴾.
قال المفسرون: هذا وَعْدٌ مِنَ الله تعالى للمؤمنين، بِخذلان أعدائِهم بالرُّعْب [[انظر: "تفسير الثعلبي" 7/ 279.]].
وقال السُّدِّي [[قوله، في: "تفسير الطبري" 4/ 124، و"تفسير الثعلبي" 3/ 130 ب، و"زاد المسير" 1/ 474.]]: لَمَّا انصرَفَ أبو سفيان وأصحابه مِن أُحُد إلى مَكَّةَ، هَمُّوا بالرجوع لاستئصال المسلمين، فألقى اللهُ في قلوبهم الرُّعْبَ، فَمَضوا ولم يرجعوا.
و (الإلقاء) [[من قوله: (والإلقاء ..) إلى (.. والعنق): نقله -بتصرف واختصار- عن "الحجة" للفارسي 3/ 85 - 88]]: أصلُهُ في الأعيان؛ كقوله: ﴿وَأَلقَى اَلأَلوَاحَ﴾ [الأعراف: 150]، ﴿فَأَلْقَوْا حِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ﴾ [الشعراء: 44]، ﴿إِذْ يُلْقُونَ﴾ [آل عمران: 44].
ويُسْتَعْمَلُ في غير الأعيان؛ تَوَسُّعًا؛ كقوله: ﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي﴾ [طه: 39]، ويقال: ألقَى عليه مَسْئلةً).
ومِثْلُ (الإلقاء) -في أنه يُسْتَعْمَلُ في الأعيان حقيقةً، وفي غير الأعيان تَوَسُّعًا-: (القَذْفُ)، و (الرَّجْمُ)، و (الرَّمْيُ)؛ يقال: (رَمَاهُ بالزِّنَا)؛ قال الله -عز وجل-: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ [النور: 6] أي: بالزِّنَا. وهذا اتِّسَاعٌ؛ لأن هذا ليس بِعَيْنٍ، وكذلك: (القَذْفُ).
قال الشاعر:
قَذَفُوا سَيِّدَهُم في وَرْطَةٍ ... قَذْفَكَ المَقْلَةَ وَسْطَ المُعْتَرَكْ [[البيت ليزيد بن طُعْمَة الخَطْمِيِّ. وقد ورد منسوبًا له في: كتاب "المعاني الكبير" 1/ 309، و"تهذيب اللغة" 4/ 3430 (مقل)، و"اللسان" 8/ 4813 (ورط)، 7/ 4245 (مقل).
وورد غير منسوب في: "مجالس ثعلب" 2/ 542، و"الحجة" للفارسي 3/ 87. وقد ورد في "المعاني الكبير" (قذفوا جارهم في هُوَّةٍ ..). == والوَرْطَةُ: الهَلَكَةُ، أو كلُّ غامض. وأصلها: الأرض التي لا طريق فيها. و (أوْرَطَهُ)، وَ (وَرَّطَهُ): أوقعه فيما لا خلاص له منه.
والمَقْلَةُ: هى حصاة القَسْمِ، التي توضع في الإناء، ويصب فيه الماء حتى يغمرها، فيعرف بها قَدْرُ ما يسقى كلُّ واحد؛ وذلك إذا قل الماء، وكانوا في سفر. وفي "مجالس ثعلب": 2/ 542: أنها الحجر الذي يُلقى في البئر، يُقدر به الماء انظر: "اللسان" 8/ 4812 (ورط)، 7/ 4245 (مقل).]] فالأوَّل: على الاتِّسَاع، والثاني: على الأصل؛ ألا تَرَى أنَّ المَقلَةَ تُلقَى للتَّصَافُنِ [[يقال: (تَصَافَنَ القومُ، تَصَافُنًا): إذا اقتسموا الماء بينهم على طريقة إلقاء المَقْلَةِ في الإناء. وذلك عند قلة الماء. كما سبق بيانه في الهامش السابق. انظر: "اللسان" 13/ 249 (صفن).]].
وقوله تعالى: ﴿الرُّعْبَ﴾ يُقرأ [[في (ج): (يقرى).]] بالتَّثْقِيلِ، والتخفيف [[قرأ ابن كثير، ونافع، وعاصم، وأبو عمرو، وحمزة: (الرُّعْبَ) مخففة؛ أي: ساكنة العين.
وقرأ ابن عامر، والكسائي: (الرُّعُبَ) بالتثقيل؛ أي: مضمومة العين.
انظر: كتاب "السبعة" 217، و"الحجة" للفارسي 3/ 85، و"حجة القراءات" لابن زنجلة 176.]]، وهما لُغَتَانِ، كـ (الطُّنْبِ [[في (أ): كالطِّنْبِ. وهى خطأ، وفي (ب): مهملة من غير شكل. والصواب ما أثبته. الطُّنْب: الحبلَ الذي يُشَدُّ به الخِبَاء والسُّرَادق. أو هو -أيضا-: عِرْق الشجر، وعَصَبُ الجَسَد، وَسَيْرٌ يُوصَلُ بِوَتَرِ القَوْسِ، ثم يدار على مَحزِّهَا الذي تقع فيه حلقة الوَتَر. ويُسمَّى -كذلك-: (الإطنابة). وجمع الطُّنْب: (أطْنَابٌ)، و (طِنَبَةٌ).
انظر: (طنب) في "الصحاح" 1/ 172، و"اللسان" 5/ 2708، و"التاج" 2/ 186 - 188.]] والطُّنُبِ)، و (العُنْقِ والعُنُقِ)، ومثله كثير [[انظر: "أدب الكاتب" 536 - 537]].
والرُّعْبُ، بمعنى: الرَّوْع [[الرَّوْع: الفزع. يقال: (رُعْتُه، أرُوعُهُ، رَوْعا). انظر: "إصلاح المنطق" 123 (روع).]]. يقال: (رَعَّبْتُهُ [[هكذا جاءت في أ -بتشديد العين المفتوحة-. وأهملت من الشكل في (ب)، (ج). أكثر مصادر اللغة التي بين يدي، أوردتها: (رَعَبه) -بفتح العين من غير تشديد- والمصدر منها: (رُعْبًا ورُعُبا). أما (رَعَّبه) فمصدرها: (الترعيب).
انظر: (رعب) في: "اللسان" 3/ 1667، و"القاموس" ص 90، و"التاج" 2/ 25 - 26. وفي "الجمهرة" لابن دريد: "رُعِبَ الرجل، يُرْعَبُ رُعْبًا، فهو (مرعوب)، و (رَعَبْتُه أنا، أرْعَبُه)، فـ (أنا راعِبٌ له. 1/ 318 (رعب).]] رَعْبًا، وَرُعْبًا) [[وهكذا ورد ضبطها -بفتح الراء في الأولى، وضمها في الثانية، مع تسكين العين في الحالتين في: "تهذيب اللغة" 2/ 1422، و"المقاييس" 2/ 410، و"المجمل" 1/ 384.
وورد ضَبْطُها في أكثر المصادر اللغوية التي بين يدي، كالتالي: (رُعْبًا، ورُعُبًا). انظر: (رعب) في: كتاب "العين" 2/ 130، و"اللسان" 3/ 1667، و"القاموس" ص 90، و"المصباح المنير" 88، و"عمدة الحفاظ" 205، و"التاج" 2/ 25 - 26. وانظر: "تفسير القرطبي" 4/ 232.]] -لغتان-، فهو (مَرْعُوبٌ)، وَ (رَعِيبٌ) [[و -كذلك-: (رَعِبٌ). انظر: "عمدة الحفاظ" 205.]]. ويَجوز أنْ يكون (الرَّعْبُ) [[في (أ): (الرَعَب). وفي (ب): (غير مشكولة). وفي (ج): ساقطة. والمثبت من: مصادر اللغة. ولتتناسب مع ما قبلها من قوله: (رَعْبا ورُعْبا).]] مصدرًا، و (الرُّعْبُ) اسم منه [[انظر: "مقاييس اللغة" 2/ 410.
وقال في "تاج العروس" عن الحالة الثانية، وهي: (الرُّعْب، والرُّعُب): (هما لغتان. وقيل: الأصل الضم، ولا سكون تخفيف. وقيل: العكس، والضم إتباع. وقيل: الأول مصدر، والثاني: اسم. وقيل: كلاهما اسم. وقيل: كلاهما مصدر). 1/ 371 (رعب).
وانظر: "تفسير القرطبي" 4/ 232، و"تفسير الفخر الرازي" 9/ 33.]]. وهو: الخوف الذي يحصل [في القلب.
(رَعَبْتُ] [[ما بين المعقوفين مطموس في (أ). وساقط من (ج). والمثبت من (ب).]] الشيءَ، أَرْعَبُهُ رَعْبًا). و (سَيْلٌ راعِبٌ): يملأ الأوديةَ والأنْهَارَ [[ويقال: (رعَبَ الحوضَ)، (يَرْعَبُهُ رَعْبا): مَلأه و (رَعَبَ السيلُ الوادي): ملأه. انظر: (رعب) في: "المقاييس" 2/ 410، و"اللسان" 3/ 1667.]]. ثم قالوا: (رَعَبْتُهُ فارْتَعَبَ)؛ أي: أفْزَعْتُهُ فَفَزعَ؛ كأنك قلت: ملأتُ قَلْبَهُ فَزَعًا. ومعنى الآية: يملأ قلوبَهُم فَزَعًا.
وقوله تعالى: ﴿بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ﴾ (ما) ليست بموصولة؛ لأنها للمصدر؛ أي: بإشراكهم بالله.
والباء في ﴿بِاللَّهِ﴾، مِنْ صِلَةِ معنى الإشراك، لا لَفْظه؛ لأن لفظَ الإشراك لا يقتضي الباء.
قال الأزهري [[في "تهذيب اللغة"10/ 16 (شرك). نقله عنه بتصرف يسير.]]: إنَّمَا دَخَلَتْ البَاءُ في قوله: ﴿لَا تُشرِك بِاَللَّهِ﴾ [لقمان:13]؛ لأن معناه: لا تَعْدِلْ به غَيْرَه، فتجعله شريكًا له، وذلك [[في "التهذيب" وكذلك.]] قوله -تعالى-: ﴿بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ﴾؛ أي: بِمَا عَدَلُوا باللهِ، ومَنْ عَدَلَ بالله شيئًا مِنْ خَلْقِهِ، فهو كافرٌ [[في "التهذيب" فهو مشرك. وفي نسخ أخرى منه أشار إليها محقِّقُهُ: فهو كافر مشرك.]].
وقوله تعالى: ﴿مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا﴾.
أي: حُجَّةً، وَبَيَانًا. و (السُّلْطَانُ)؛ معناه: الحُجَّةُ، في قول أكثر المفسِّرينَ، وأهلِ اللغة [[انظر: "تفسير غريب القرآن" لابن قتيبة ص 106، و"تأويل المشكل" له 504، و"تفسير الطبري" 7/ 279، و"نزهة القلوب" للسجستاني 276، و"تهذيب اللغة" 2/ 1732 (سلط)، و"المجمل" 2/ 471 (سلط)، و"مفردات ألفاظ القرآن"420 (سلط).]].
قال الزَّجَّاجُ [[في "معاني القرآن" له 3/ 76 عند تفسير آية 96 من سورة هود.]]: واشتقاق (السُّلْطانِ) مِنَ (السَّلِيط)، وهو: ما يُضَاءُ به [[السَّلِيطُ -عند عامَّةِ العرب-: الزَّيْتُ، وعند أهل اليمن: دهن السِّمْسِم، وقيل: هو كل دهن عُصِر من حَبِّ. انظر: "اللسان" 4/ 2065 (سلط).]] السِّرَاجُ [[السراج: ليست في: "معاني القرآن".]]. وقيل [[من قوله: (وقيل ..) على (.. الحقوق): في "معاني القرآن" للزجاج 5/ 127 عند تفسير آية 29 من سورة الحاقة.]] للأمراء: سلاطين؛ لأنهم الذين يُقامُ [[في (ج)، و"معاني القرآن": (تقام).]] بهم الحُجَجُ، والحُقُوقُ.
وقال في موضع آخر [[في "معاني القرآن" له 2/ 123 - 124 عند تفسير آية 144 من سورة النساء. نقله عنه باختصار، وتصرف ببعض عباراته. وانظر: "المذكر والمؤنث" له 74.]]: السُّلْطانُ -في اللغة-: الحُجَّةُ. وإنَّمَا قيل للخليفة والأمير: (سُلْطان)؛ لأن معناه: أنه ذو الحُجَّةِ. والعَرَبُ تُؤنِّثُ (السلطان) وتُذَكِّرُ [[في (ج)، و"معاني القرآن" (وتُذَكِّره).]]؛ فتقول: (قَضَتْ [[في (ج): (قضيت).]] بِهِ عَلَيْكَ السُّلْطَانُ [[من قوله: (السلطان ..) إلى (.. قضت به عيك): ساقط من (ج).]])، و (أمَرَتْكَ السُّلْطَانُ)؛ أي: قَضَتْ بِهِ عليك الحُجَّةُ، وَقَضَتْ به عليك حُجَّةُ الوَالِي.
ومَنْ قال: (قَضَى به عليك السُّلطانُ)؛ ذَهَبَ إلى معنى: (صاحبُ السُّلطانِ)؛ أي: صاحب الحُجَّةِ. وجائزٌ أنْ يذهب بـ (السُّلطان) إلى معنى: الاحتجاج والبرهان.
قال ابن السِّكِّيت [[في "إصلاح المنطق" 362. نقله عنه بتصرف يسير.]]: السُّلْطان: مؤنَّثَةٌ [[في (ج): (مؤنث).]]؛ يُقَال: (قَضَت [[في (ج): (قضيت).]] به عليهم [[في "إصلاح المنطق" علينا. وفي بعض النسخ منه أشار إليها محققه: (عليك)، و (عليه).]] السُّلْطانُ)، وقد (آمَنَتْهُ [[في (ج): (أمنه).]] السُّلْطَانُ).
قال الأزهريُّ [[في "تهذيب اللغة" 2/ 1732 (سلط). نقله عنه بنصه.]]: ورُبمَا ذُكِّرَ (السُّلْطانُ)، لأن لفظه [[في (ج): (لأنه لفظا).]] مُذَكَّرٌ؛ قال الله تعالى: ﴿وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾ [[سورة هود: 96، والمؤمنون: 45، وغافر: 23.
وورد في: "تهذيب اللغة" ﴿بِسُلطَانٍ مُبِينٍ﴾. وهي من سورة إبراهيم: 10، والنمل: 21، والدخان: 19، والذاريات: 38، والطور: 38.
انظر حول تذكير وتأنيث (السلطان): "المذكر والمؤنث" للفراء 74، و"المذكر والمؤنث" لابن الأنباري 1/ 381، و"الزاهر" لابن الأنباري 2/ 29 - 30، و"المذكر والمؤنث" لابن التستري 51، 83، و"اللسان" 4/ 2065 (سلط).]].
وقال اللَّيْثُ [[قوله: في "تهذيب اللغة" 2/ 1733 (سلط). نقله عنه بمعناه.]]: السُّلْطان: القُدْرَةُ. يقال: (جعلت لِفُلانٍ سُلْطانا على كذا). والنُّونُ فيه زيادة؛ لأن أصل بِنَائِهِ [[في (أ): (بنايه)، وفي (ج): (بيانه)، والمثبت من: (ب)، و"التهذيب".]] مِنَ (التَّسْلِيط). وعلى هذا: (سُلْطان المَلِكِ): قُوَّتُهُ وقُدْرَتُهُ.
والسُّلْطانُ: البُرْهان، لِقُوَّتِهِ على دفع الباطل. والتَّسْلِيطُ على الشيء: التَّقْوِية عليه.
وقال ابن دُرَيد [[في "الجمهرة" 2/ 836 (سلط). قال: (حِدَّته وسطوته). ويبدو أن المؤلف نقله عن الأزهري، نظرا لتوافق عبارة المؤلف مع عبارة التهذيب. انظر: "تهذيب اللغة" 2/ 1723 (سلط).]]: سلْطان كلِّ شيء: حِدَّتُه. مِن [[من قوله: (من ..) إلى (.. أرهقتها المواقع): بنصه في: "تهذيب اللغة" 2/ 1732 (سلط).]] اللِّسَان السَّلِيط الحدِيد. و (السَّلاَطَةُ)، بمعنى: الحِدَّة، قد جَاءَ، ومنه قول الشاعر -يَصِفُ نَصْلًا [[في "التهذيب" نصالا.
النَّصْل: الحديدة التي توضع في رأس المهم أو الرمح، أو حديدة السيف ما لم يكن له مقبض. والجمع: أنْصُل، ونِصَال، ونُصُول. انظر: "القاموس" 1062 - 1063 (نصل).]] مُحَدَّدَة [[في (أ)، (ب): (محدودة). والمثبت من: (ج)، و"تهذيب اللغة"، وهو ما استصوبته؛ لأنه يقال: (حَدَّده، فهو مُحدَّد). "التاج" 2/ 332 (حدد).
أما (المحدود) -في اللغة-، فهو: المَمْنوع من الخير وغيره، أو كلُّ مَصْروفٍ عن خير أو شر.
انظر: (حدد) في: "اللسان" 2/ 799، و"القاموس" ص 276.]] -:
سلاَطٌ حِدَادٌ أَرْهَقَتْهَا المَوَاقِعُ [[لم أهتد إلى قائله. وقد ورد غير منسوب في: "تهذيب اللغة" 2/ 1732 (سلط)؛ و"اللسان" 4/ 2065 (سلط).]]
هذا كلام أهل اللغة في معنى (السلطان) واشتقاقه.
قال أهل التفسير: لم [يُنْزل] [[ما بين المعقوفين غير مقروء في (أ). والمثبت من (ب)، (ج).]] اللهُ حُجَّةً ولا بَيَانًا في عِبَادَةِ غَيْرِهِ، والإشْرَاكِ به؛ فهم يُشْرِكون بالله الأوثانَ مِنْ غيْرِ حُجَّةً ولا بُرْهان [[انظر: "تفسير الطبري" 4/ 124، و"بحر العلوم" 1/ 307، و"تفسير القرطبي" 4/ 233.]].
وقوله تعالى: ﴿وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ﴾. أي مرجعهم ومصيرهم.
﴿وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ﴾ المَثْوَى: المكان الذي [[(الذي): ساقطة من (ب).]] يُقِيم به؛ مِن قولهم: (ثَوَى، يَثْوِي، ثَوَاءً) [[يقال: (ثَوَى المكانَ)، و (ثَوَى به)، (يَثوي، ثَواءً، وثُوِيًّا). ويقال -كذلك-: (أثْوَى)؛ بمعنى: أقام. و (أثْوَيْتُه، وثَوَّيْته): ألزمته الثَّواءَ فيه. انظر (ثوى) في: "التهذيب" 1/ 510، و"اللسان" 1/ 524، و"التاج" 19/ 262.]].
ويقال للمقتول: (ثَوَى) [[في "التهذيب" 1/ 510 (ثوى)، و"اللسان" 1/ 525 (ثوى): (ويقال للمقتول: قد ثَوَى).]]؛ لإقامته حيث قُتِل. وجَمْعُ الـ (مَثْوَى) [[في (ج): (الثوى).]]: مَثَاوِي [[انظر: المصادر السابقة، و"القاموس" (1268) (ثوى).]].
آل عمران 3:152
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ﴾ الآية.
قال القُرَظِيُّ [[قوله في: "تفسير الثعلبي" 3/ 131 أ. وقد نقله المؤلف بنصه عنه، من قوله: (لما رجع ..) إلى (.. ولقد صدقكم الله وعده).
وانظر قوله -كذلك- في: "أسباب النزول" للمؤلف (129)، و"زاد المسير" 1/ 475، و"تفسير القرطبي" 4/ 233.
والقُرَظي، هو: أبو حمزة، محمد بن كعب بن سليم بن أسد القُرَظي. تقدمت ترجمته.]]: لَمَّا رَجَعَ رسولُ الله ﷺ، وأصحابُه إلى المدينة، وقد أصابهم ما أصابهم بِأُحُد، قال ناسٌ مِن أصحابه: مِنْ أين أصابَنَا هذا، وقد وَعَدَنا اللهُ النصرَ؟ [فأنزل اللهُ] [[ما بين المعقوفين مطموس في (أ)، والمثبت من: (ب)، (ج)، و"تفسير الثعلبي".]]: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ﴾؟.
وقال بعضهم: كان رسولُ اللهِ ﷺ، رَأَى في المنام أنَّه [[(أ)، (ب)، (ج): (أن). وما أثبَتُه هو ما استصوبته.]] يذبح كَبْشًا، فصدَق رُؤياهُ بقتل [[في (ب): (فقتل).]] طَلْحَةَ بن عثمان [[انظر: "تفسير الطبري" 4/ 125 - 126.
وعند الواقدي: هو طلحة بن أبي طلحة، وأبو طلحة هو: عبد الله بن عبد العُزَّى بن عثمان بن عبد الدار بن قُصَي. انظر: "المغازي" 1/ 220.
والذي ورد في كتب السِّيَر عن رؤيا رسول الله ﷺ: أنه رأى في منامه كأنه في دِرْعٍ حَصِينة، ورأى كأن سيفه ذا الفقار انفصم من عند ظُبَتِه، ورأى بقرا تُذبح، ورأى كأنه مردفٌ كَبْشًا. فأولَّ النبي ﷺ الدرعَ الحصينة بالمدينة، وأما انفصام سيفه من عند ظُبَته: فمصيبة في نفسه؛ بأن يُقتل رجلٌ من أهل بيته، وأما البقر المذبوح: فقتلى في أصحابه، وأما أنه مُرْدف كَبشا: فكبش كتيبة العدو الذي سيقتلونه، أي: حامل لواء المشركين. وفي رواية عن الواقدي: (ورأيت في سيفي فَلًّا فكرهته)، فهو الذي أصاب وجهه الشريف ﷺ.
انظر: "المغازي" 1/ 209، و"سيرة ابن هشام" 3/ 66 - 67، و"طبقات ابن سعد" 2/ 37 - 38، و"تاريخ الطبري" 2/ 502، و"إمتاع الأسماع" للمقريزي 1/ 116.]]، صاحبِ لِوَاءِ المشركين، يوم أُحُد، وقَتْلِ تِسْعَة نَفَرٍ بعده على اللواء [[انظر: "المغازي" 1/ 226 - 228، و"الطبقات الكبرى" 2/ 40 - 41، و"تفسير ابن أبي حاتم" 3/ 787.]]، فذلك قوله: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ﴾؛ يريد: تصديق رؤيا رسول الله ﷺ.
والصِّدق يتعدى إلى مفعولين؛ تقول: صَدَقْتُهُ الوَعْدَ، والوَعِيدَ [[وقد يتعدى للثاني بالحرف، تقول: (صَدَقتك في القول).]].
قوله تعالى: ﴿إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ﴾.
قال اللَيْثُ [[قوله في: "تهذيب اللغة" 1/ 816 (حسس). نقله عنه ببعض التصرف.]]: الحَسُّ: القَتْلُ الذَرِيع. قال: و ﴿تَحُسُّونَهُمْ﴾، أي: تقتلونهم قَتْلًا شديدًا كثيرًا.
وروى الحَرَّانيُّ [[هو: أبو شعيب، عبد الله بن الحسن الحَرّاني. تقدمت ترجمته.]] عن ابن السِّكِّيت [[في "تهذيب اللغة" 1/ 816 (حسس). وانظر قول ابن السكيت في "إصلاح المنطق" 26.]]: الحَسُّ: مصدرُ (حَسَسْتُ القومَ، أَحُسُّهُمْ، حَسًّا): إذا قتلتهم.
وقال أبو عبيدة [[في "مجاز القرآن" 1/ 104.]]، والزَّجَّاجُ [[في "معاني القرآن" 478.]]، وابنُ قُتَيْبَة [[في "تفسير غريب القرآن" له 113.]]: الحَسُّ: الاستئصال بالقتل؛ يقال: (جَرَادٌ مَحْسُوسٌ): إذا قَتَلَه البَرْدُ. و (سَنَةٌ حَسُوسٌ): إذا أتَتْ على كلِّ شيء [[هذا قول ابن قتيبة المصدر السابق، تصرف فيه المؤلف بالتقديم والتأخير.]] ومعنى ﴿تَحُسُّونَهُمْ﴾: تستأصلونهم قَتْلًا [[انظر: "تفسير الطبري" 4/ 127، "نزهة القلوب"، للسجستاني 155، و"الموضع في تفسير القرآن" للحدادي 39.]].
وقال أصحاب الاشتقاق: (حَسَّهُ، يَحُسُّهُ): إذا قَتَلَه؛ لأنه أبطل حِسَّهُ بالقتل، وأصابَهُ [[انظر: "مقاييس اللغة" 2/ 9 (حسس)، و"النكت والعيون" 1/ 429، و"تفسير القرطبي" 4/ 235.]]؛ كما يقال: (بَطَنَهُ): إذا أصاب بَطْنَهُ [[(إذا أصاب بطنه): ساقط من (ج).]]، و (رَأَسَهُ): إذا أصاب رَأسَهُ [[يقال: (بَطَنَه)، و (بَطَنَ له)، و (بَطَّنَه): ضرب بَطْنَه. انظر: "القاموس المحيط" ص 1180 (بطن).
و (رَأسَه، يرْأسَه، رَأسًا): أصاب رأسه. انظر: "اللسان" 3/ 1533 (رأس).]]. والتَّحَسُّسُ: طَلَبُ الأخبار بحَاسَّةِ السَمْعِ [[انظر: "الزاهر" 1/ 473.]].
وقوله تعالى: ﴿بِإِذْنِهِ﴾ أي: بِعِلْمِهِ [[هذا قول الزجاج في "معاني القرآن" 1/ 478.
وقيل: بأمره وحكمة وقضائه. وهو قول ابن عباس، والطبري، وأبو سليمان الدمشقي، وأبو الليث.
انظر: "تفسير الطبري" 4/ 127، و"بحر العلوم" 1/ 308، و"زاد المسير" 1/ 476، و"تفسير القرطبي" 4/ 235.
وقيل: بلطفه، وقيل: بمعونته، وقيل: بصدق وعده. وهذه الأقوال الثلاثة ذكرها الماوردي في: "النكت والعيون" 2/ 906.]]
قال المفسرون [[انظر: "تفسير البغوي" 2/ 118، و"تفسير الثعلبي" 3/ 131 ب، و"تفسير ابن كثير" 1/ 444.]]: كان المسلمون يوم أُحُد، يقتلون المشركين قتلا ذريعًا حتى وَلَّوْا هاربين، وانكشفوا منهزمين؛ فذلك قوله: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ﴾.
ثم أَخَلَّ الرُّمَاةُ [[في (ب): (أجل الزمان).]] بالمكان الذي ألزمهم رسولُ الله ﷺ إيَّاهُ، فَحَمَلَ -حينئذ- خالدُ بنُ الوَلِيد [[هو: أبو سليمان، خالد بن الوليد بن المغيرة المخزومي. سماه الرسول ﷺ: (سيف الله)، كان أحد أشراف قريش في الجاهلية، وقائد خيلهم، وشهد مع الكفار حروبهم ضد المسلمين إلى عمرة الحديبية، وأسلم سنة سبع بعد خيبر، وقيل: قبلها. وهو من أشهر قادة الجيوشَ عند المسلمين. توفي سنة (21 هـ). انظر: "الاستيعاب" 2/ 11، و"الإصابة" 1/ 413.]]، مِن وَرَاء المسلمين، وتَرَاجَعَ المشركون، وقُتِلَ مِن المسلمين سبعونَ رجلًا، ثم هُزِمُوا [[انظر: أخبار غزوة أحد في: "صحيح البخاري" (4043) كتاب المغازي. باب غزوة أحد، و"سيرة ابن هشام" 3/ 3، و"الطبقات الكبرى" 2/ 36، و"إمتاع الأسماع" 1/ 116 وما بعدها، و"البداية والنهاية" 4/ 10 وما بعدها.]].
وقوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ﴾ أي: جَبنْتُم عن عَدُوِّكم [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 478، و"تفسير الطبري" 4/ 128، و"تفسير ابن أبي حاتم" 3/ 786.]].
قال الليث [[قوله في: "تهذيب اللغة" 3/ 2792 (فشل). نقله عنه بتصرف يسير.]]: يقال: (فَشِلَ الرَّجُلُ، يَفْشَلُ) - عند الحَرْبِ والشِّدَّةِ: إذا ضَعُفَ، وذهبَتْ قُوَاهُ [[في (ب)، (ج): (قوته).]]. ويقال: (إنه لفَشْلٌ)، و (فَشِلٌ) [[(فشل): ساقطة من (ج).
وفي "التهذيب" ويقال: (وإنه لَخَشْلٌ فَشْل، وإنه لَخَشلٌ فَشِلٌ).
والفَشِلُ: الرجل الضعيف الجبان، وجمعه: أفشال. يقال: فَشِلَ فَشلا. أما الخَشل والخَشلُ: فهو -هنا-: الرديء من كل شيء. والله أعلم. انظر: "الصحاح" 4/ 1685 (خشل)، و"اللسان" 6/ 3418 (فشل)، 2/ 1167 (خشل).]].
واختلفوا في جواب ﴿حَتَّى إِذَا﴾ [[(إذا): ساقطة من (ج).]]:
فقال الفراء [[في "معاني القرآن" له 1/ 238. نقله عنه باختصار، وتصرف.]]: جوابه: ﴿وَتَنَازَعْتُمْ﴾، والواو فيه مُقْحَمَةٌ، معناها السقوط؛ كما قال: ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (103) وَنَادَيْنَاهُ﴾ [[سورة الصافات: 103، 104. وبقيتها: ﴿وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ﴾. آية: 104.]]؛ المعنى: نَادَيْنَاه. واحتج بقول الشاعر:
حَتَّى إذا قَمِلَتْ بُطُونُكُمُ ... ورَأَيْتُمُ أبْنَاءَكُمْ شَبُّوا وقلبتمُ ظَهْرَ المِجَنِّ لَنَا ... إنَّ اللَّئِيمَ العاجِزُ الخَبُّ [[البيتان للأسود بن يَعْفُر النهشلي. وهما في "ديوانه" 19.
وأورد البكريُّ في "معجم ما استعجم" 2/ 379 البيت الأول ضمن أبيات نسبها للأسود قالها في هجاء بني نَجيح من بني مجاشع بن دارم.
وقد أورَدتْهما المصادر التالية، بدون نسبة "معاني القرآن" للفراء 2/ 51، و"تأويل مشكل القرآن" 254، وكتاب "المعاني الكبير" 1/ 533، و"المقتضب" 2/ 81، و"مجالس ثعلب" 1/ 59، و"شرح القصائد السبع" لابن الأنباري 55، و"تهذيب اللغة" 3/ 3047 (قمل)، 1/ 84 (باب الواوات)، و"سر صناعة الإعراب" 2/ 646، 647، و"أمالي ابن الشجري" 2/ 121، و"الإنصاف" للأنباري ص 367، 368، و"شرح المفصل" 8/ 94، و"رصف المباني" 487، و"لسان العرب" 6/ 3742 (قمل)، و"الجنى الداني" 165، و"تذكرة النحاة" 45، و"خزانة الأدب" 11/ 44، 45.
ورد في: "شرح القصائد السبع" (وقلبتم بطن المجن). وورد في بعض المصادر: (إن الغَدُورَ الفاحشُ الخب)، وفي بعضها: (إن اللئيم الفاجر)، وفي "سر صناعة الإعراب" (حتى إذا امتلأت بطونكم).
قَمِلَت: من (قَمِلَ القومُ): كثروا، و (قَمِل الرجلُ): سَمِنَ بعد هُزَال. ويريد -هنا-: كثرت قبائلكم.
والمِجَنُّ: التُّرْس. وقوله: (وقلبتم ظهر المجن): كناية عن إسقاط الحياء والتنكر للمعروف، وإبداء العداوة
والخِبُّ -بفتح الخاء وكسرها-: الخدّاع الذي يسعى بين الناس بالفساد. أما بكسر الخاء فقط - (الخِبُّ) -، فهو: الغَدْر.
والشاهد فيه عنده: أن الواو في (قلبتم) زائدة، وحقها أن تسقط. و (قلبتم): جواب (إذا).]]
قال: يريد: قَلَبْتُم. هذا مذهب الكوفيين.
وعند البصريين: لا يجوز زيادةُ الواو. ويتأولون هذه الآيةَ وأمثالَها، على حذف الجواب، والتقدير عندهم: (حتى إذا فَشِلْتُمْ، وتَنَازَعْتُم في الأمر، وعَصَيْتُم، امْتُحِنْتُمْ [[في (أ): (امتَحَنْتم) -بالبناء للمعلوم-. وفي: (ب)، (ج): مهملة من الشكل. والصواب ما أثبتُّه.]]؛ بأن نِيلَ منكم، وعُوقِبْتُم بِظَفَرِ أعدائكم بكم)، فحذف الجواب؛ لبيان [[(لبيان): ساقطة من (ج).]] معناه؛ كما حذف في قوله -عز وجل-: ﴿فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ﴾ [الأنعام: 35]؛ معناه: فافْعَلْ. فأسقط الجواب؛ إذْ أُمِنَ [[(أ)، (ب): (أمَرَّ). والمثبت من (ج).]] اللَّبْسُ [[وقد بينَّا مذهبي البصريين، والكوفيين في زيادة الواو من عدمه، مع ذكر طرف من أدلة الفريقين على ذلك. انظر التعليق على تفسير قوله تعالى: ﴿وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾ آية: 50 من سورة آل عمران. والتعليق على زيادة الواو في قوله تعالى: ﴿وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ آية: 49، والتعليق على زيادة (إذ) في قوله: ﴿إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ﴾ آية: 35.]].
والآية -عند الفراء- على التقديم والتأخير؛ لأنه يذهب إلى أن الفَشَلَ مُؤَخَّرٌ بعد التَّنازُع؛ والمعنى عنده: (حتى إذا تنازعتم في الأمر وعَصَيْتُم؛ فَشِلتم). فقدم المؤخر وأخر المقدم؛ كقوله: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ [[سورة آل عمران: 55.]].
وغيره يقول: الفَشَل في موضعه، غَيْرُ مَنْوِيٍّ به التأخير. والتنازع والعصيان كانا بعد الفَشَلِ [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 478، و"تفسير الطبري" 4/ 128 - 129.]].
والتنازع [[من قوله: (والتنازع ..) إلى (.. من بعض): نقله بنصه عن "تفسير الثعلبي" 3/ 131 ب.]]: الاختلاف. وأصله مِنْ: (نَزَعَ القومُ الشيءَ، بعضُهُم مِن بَعْضٍ). وسنذكر شرحه عند قوله: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ﴾ [النساء: 59]، إن شاء الله.
وكان اختلاف القوم [[(القوم): ساقط من (ج).]]: أن المشركين لَمَّا انكشفوا؛ قال بعضُ الرُّمَاةِ: ما مُقَامُنا هاهنا، قد انْهَزَمَ القومَ. وقال بعضُهم: لا نُجَاوِزُ أمْرَ رَسُولِ الله ﷺ [[انظر: "صحيح البخاري" (4043) كتاب المغازي. باب غزوة أحد، و"سنن أبي داود" رقم (2662)، و"تفسير النسائي" 1/ 334، و"مسند الطيالسي" 2/ 95 - 96 رقم (761)، و"الطبقات الكبرى" 2/ 41، و"تفسير الطبري" 4/ 128 - 129، و"تاريخه" 2/ 507، و"إمتاع الأسماع" 1/ 127، و"البداية والنهاية" 4/ 26.]].
وقوله تعالى: ﴿وَعَصَيْتُمْ﴾. أي [[من قوله: (أي ..) إلى (.. تحبون) ساقط من (ج).]]: بِتَرْكِ المَرْكَزِ [[يعني ترك الرماة لموقعهم الذي عينه لهم رسول الله ﷺ وأمرهم ألّا يبرحوه انظر: "تفسير الطبري" 4/ 128 - 129.]].
وقوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ﴾ يعني: الظَّفَرَ والنَّصْرَ والفَتْحَ، حين كان الدَّبْرَةُ [[الدَّبْرَةُ -بفتح الدال-: الهزيمة في القتال. أما الدِّبرة -بكسر الدال-: فهي خلاف القبلة. انظر: "القاموس" ص 390 (دبر).]] على المشركين [[وهذا قول عامة المفسرين، منهم: ابن عباس، وقتادة، ومجاهد، والسدي، وابن إسحاق.
انظر: "تفسير الطبري" 4/ 128 - 129، و"تفسير ابن أبي حاتم" 3/ 788.]].
وقوله تعالى: ﴿مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا﴾ يعني [[من قوله: (يعني ..) إلى (.. بالهزيمة) بنصه في: "تفسير الثعلبي" 3/ 132 أ.]]: الذين تَرَكُوا المَرْكَزَ، وأقْبَلُوا إلى النَّهْبِ.
﴿وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾ يعني: الذين ثَبَتُوا مَعَ عبد الله بن جُبَيْر -وهو أمير الرُّمَاةِ [[وهو أمير الرماة: ليس في "تفسير الثعلبي". وفي (ب): (الرملة). انظر: "تفسير الطبري" 4/ 129 - 130، و"تفسير ابن أبي حاتم" 3/ 789، و"المستدرك" 2/ 296 كتاب التفسير. سورة آل عمران.
وعبد الله بن جُبَيْر بن النعمان الأوسي الأنصاري. شهد العقبة وبدرًا، واستشهد يوم أحد -رضي الله عنه- انظر: "الاستيعاب" 3/ 14، و"أسد الغابة" 3/ 194.]] - حتى قُتِلُوا.
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ﴾ [أي] [[ما بين المعقوفين في (أ): (إلى). والمثبت من: (ب)، (ج)، و"تفسير الثعلبي".]]: بالهزيمة؛ على معنى: صَرَفَ وجوهَكُم عنهم [[في (ج): (وههم).]].
وقال عَطَاء [[لم أقف على مصدر قوله.]]: يريد: صرف حدكم [[هكذا في: (أ)، (ب)، (ج).
ومعناها -والله أعلم-: صرف بأسكم وقوتكم عنهم، لأن (حَدّ الرَّجُلِ): بأسه ونفاذُهُ. في نجدته. يقال: (إنه لذو حَدٍّ). انظر: "اللسان" 2/ 801 (حدد).]] عنهم. وهذا صريح في أن [المعصيةَ مَخْلُوقَةٌ لله] [[ما بين المعقوفين مطموس في (أ). والمثبت من (ب)، (ج).]] عز وجل؛ حيث أضاف انهزامهم وتَوَلِّيهم إلى نفسه؛ فقال: ﴿صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ﴾، ولم يقل: (انْصَرَفْتُمْ) [[انظر تأويل المعتزلة لها في: "تنزيه القرآن عن المطاعن" 82.]].
وقوله تعالى: ﴿لِيَبْتَلِيَكُمْ﴾. أي: لِيَخْتَبِرَكُمْ بِمَا جَعَلَ عليكم مِنَ الدَّبْرَةِ والهزيمةِ، فَيَتَبَيَّنَ الصابرُ [[(أ)، (ب): (الصابرين). والمثبت من (ج).]] مِنَ الجازع، والمُخْلِصُ مِنَ المنافق [[في (ب): (الشاك).]].
وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ﴾ أي: ذَنْبَكُمْ [[في (ج): (دينكم).]]؛ حيث عصيتم رسولَ اللهِ ﷺ وحيث [[في (ج): (فحيث).]] انهزمتم، فَلَمْ يُؤاخِذْكُمْ بذَنْبِكُمْ.
وقال بعضُ المُفَسِّرِينَ [[ممن قال ذلك: مقاتل، والحسن، وابن جريج، وابن إسحاق، والطبري، وأبو الليث، والثعلبي.
انظر: "تفسير الطبري" 4/ 131 - 132، و"تفسير ابن أبي حاتم" 3/ 789 - 790، و"بحر العلوم" 1/ 308، و"تفسير الثعلبي" 3/ 132 أ. والعبارة له.]]: ولقد عفا عنكم، فَلَمْ يَسْتَأصِلْكُم بعد المعصية والمخالفة، نظيره: ﴿ثُمَ عَفَوْنَا عَنْكُمْ﴾ [[سورة البقرة: 52. ﴿ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾.]].
وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ قال ابن عباس [[لم أقف على مصدر قوله بهذا النص. وقد أورد ابن الجوزي في "الزاد" 1/ 477، عنه قولَه: (إذ عفا عنهم جميعًا).]]: يريد: بالمَغْفِرَةِ.
آل عمران 3:153
قوله تعالى: ﴿إِذْ تُصْعِدُونَ﴾ (إذْ) مُتَعَلِّق بـ (عَفَا)؛ يعني: ولقد عَفَا عنكم إذْ تُصْعِدُونَ.
و (الإصْعَادُ)، قال الفَرَّاءُ [[في "معاني القرآن" له 1/ 239.]] والزَّجَّاجُ [[في "معاني القرآن" له 1/ 478 - 479.]]: هو الابتداء في كلِّ سَفَرٍ؛ يقال: (أَصْعَدْنَا مِن بَغْدادَ إلى خُرَاسانَ وإلى مَكَّةَ): إذا خرجنا إليها، وأَخَذْنا [[في (ب): (وابتدأنا).]] في السَّفَرِ نحوها [[في (ب): (يوما).]].
وأَقْرَأَني العَرُوضِيُّ، عن الأزهري، عن المُنْذِري، عن الحَرَّانِيِّ، عن ابن السِّكِّيت، قال [[قوله في "إصلاح المنطق" 256. ونصه: (قد أصْعَد في الأرض إصعادًا، وقد صَعِدَ في الجبل، وعلى الجبل). وأورده الأزهري في "تهذيب اللغة" 2/ 2013 (صعد)، والنص له.]]: يقال: (صَعِدَ في الجَبَلِ)، و (أَصْعَدَ في البلاد).
وقال الأخفش [[في "معاني القرآن" له 1/ 218.]]: (أَصْعَدَ في البلاد): سار ومَضَى [[ونصه عنده: "أصعد"؛ أي: مضى وسار. و (أصعد في الوادي)؛ أي: انحدر فيه. وأما (صَعِد)، فإنه ارتَقَى).
وأورده الازهريُّ -كما هو عند المؤلف-. ويبدو أن المؤلف نقله عنه. انظر: "التهذيب" 2/ 2013 (صعد).]].
أبو عُبَيْد، عن أبي زيد، وأبي عمروٍ: يقال: (أَصْعَدَ الرجلُ في البلاد): حيث تَوَجَّهَ. [[نقله -بنصه- عن "تهذيب اللغة" 2/ 2013 (صعد).]] قال الأعشى:
ألا أيُّهذا السَّائِلِي أينَ أَصْعَدَتْ ... فإنَّ لَهَا في أهلِ يَثْرِبَ مَوْعِدَا [[البيت في: ديوانه: 45. وقد ورد منسوبًا له في المصادر التالية: "السيرة النبوية" لابن هشام 1/ 412، و"المقتضب" 4/ 259، و"الأضداد" لابن الأنباري 315، و"تفسير الثعلبي" 3/ 132ب، و"تفسير القرطبي" 4/ 239، و"المقاصد النحوية" 3/ 60، 326، و"الدرر اللوامع" 1/ 153، وأورده السيوطي في "همع الهوامع" 3/ 51 ولم ينسبه.
وقد ورد البيت في الديوان، وكل المصادر السابقة -ما عدا "الأضداد" وتفسيري الثعلبي، والقرطبي-: (أين يَمَّمَتَ) بدلًا من: (أين أصْعَدَتْ) وليس فيها موضع الشاهد. وورد عند القرطبي: (فإن لها من بطن يثربَ موعدا).
والبيت من قصيدة طويلة يمدح فيها النبي ﷺ وهو متوجه إلى المدينة المنورة؛ لِيُسْلِمَ، إلا أن قريشًا صرفته عن ذلك، فرجع ولم يُسْلِمْ. انظر خبره في: "سيرة ابن هشام" 1/ 411.]] وقال ابن قُتَيبة [[في "تفسير غريب القرآن" له 114، وانظر: "أدب الكاتب" له 278.]]: ﴿تُصْعِدُونَ﴾: تُبْعِدُونَ في الهَزِيمَةِ؛ يقال: أَصعَدَ في الأرض: إذا أَمْعَنَ فيها [[(فيها): ليست في (ج)، ولا في "تفسير غريب القرآن".]] في الذَّهَاب [[وبقية عبارة ابن قتيبة: (وصعِد الجبل والسطح).
قال الطبري: (قالوا: فالهرب في مستوى الأرض، وبطون الأودية والشِّعاب: (إصعاد) لا صعود. قالوا: وإنما يكون (الصُّعُود) على الجبال والسلاليم والدَّرج؛ لأن معنى (الصعود): الارتقاء، والارتفاع على الشيء عُلُوًّا). "تفسيره" 4/ 132 - 133. وانظر: "مجاز القرآن" 1/ 105، و"الأضداد" لابن الأنباري 315.
ونقل الثعلبي عن المفضل، أن: (صَعِد، وأصْعَدَ، وصَعَدَ، بمعنى واحد). "تفسير الثعلبي" 2/ 132 ب.
وكذا فسر ابنُ اليزيدي (الإصعاد) بالصعود على الجبل. انظر: "غريب القرآن" لابن اليزيدي 44.]].
وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ﴾ أي: لا تُعَرِّجُونَ ولا تُقِيمون ولا تَلْتَفِتون هَرَبًا. يقال: (مَضَى ولم يَلْوِ على شيءٍ)؛ أي: لم يُعَرِّجْ. وأصله: أنَّ المُعَرِّجَ على الشيء، يَلْوِي إليه عُنُقَهُ، أو عِنَانَ [[(أ)، (ب): (عيْنان). والمُثبت من (ج).]] دابَّتِهِ. فإذا مضى، ولمْ يُعَرِّج، قيل: (لم يَلْوِ). ثم استُعْمِلَ في تَرْكِ التَّعْرِيج على الشيء.
فإن قيل: أليس اللهُ قد أخبَرَ أنَّه عَفَا عنهم -إذْ هُزِمُوا-، فكيف ذلك العَفْو، مع ما ابتلاهم به مِنَ القَتْلِ والجَرْح، وإدَالَةِ العَدُوِّ عليهم؟.
قيل: لولا عَفْوُ اللهِ، ما نَجَا منهم أحدٌ [[في (ج): (أحدا).]]، ولَصَارُوا في الآخرةِ من الخاسرين؛ حين عَصَوا رسولَهُ في تَرْكِ المَرْكَزِ والهزيمة، وهو يناديهم مِن وَرَائِهم: (إلَيَّ عِبَادَ اللهِ! إلَيَّ عِبَادَ الله!) وهم لا يَلْتَفِتُون إليهِ. وذلك قوله: ﴿وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ﴾.
قال ابن عباس [[لم أقف على مصدر قوله بهذا النص. والذي في "تفسير الطبري" 4/ 133من قوله -في تفسيرها-: (إليَّ عبادَ الله!) وقد يفهم من هذا القول أنه يناديهم مِن خَلْفهم، وهو ما فهمه الطبريُّ، حيث فسرها بذلك، ثم أورد قول ابن عباس -السابق- دليلًا على ذلك. انظر: "تفسيره" 4/ 133.]]: يريد: مِن خَلْفِكُم. يقال [[من قوله: (يقال ..) إلى (.. وأخراة الناس): بنصه في: "تفسير الثعلبي" 3/ 133 أ. وأورده القرطبي في "تفسيره" 4/ 240. وعندهما زيادة: (.. وأخرَيَات الناس).]]: (جاءَ فلانٌ في آخِرِ النَّاسِ)، و (آخِرَةِ [[في (ج): (احرة). وفي "تفسير الثعلبي" (أَخَرَةِ) وعند القرطبي: (أُخْرَةِ). وما ورد في (أ)، (ب) مِمّا أثبَتُّه، قد ورد في مصادر اللغة. يقال: (جاء أَخَرَة، وبأخَرَةٍ، وَأُخَرَةً، وبأخَرَةٍ)؛ أي: جاء آخر كل شيء. ويقال: (جاء أُخُرًا، وبآخِرَةٍ)، ويقال: (وآخِرَةِ السَّرْج، أو الرَّحل).
انظر: (أخر) في: "اللسان" 1/ 39، و"التاج" 6/ 17.]] النَّاس)، و (أُخْرَى الناس)، و (أُخْرَاة الناس) [[(وأخرى الناس وأخراة الناس): ساقط من (ج). وقوله: (وأخراة الناس) ليس في "تفسير القرطبي".
و (أخراة) مثل (أخرى)؛ مؤنث (الآخر). انظر: "التاج" 6/ 17 (أخر).]].
وقوله تعالى: ﴿فَأَثَابَكُمْ﴾ الإثَابَةُ: أكثر ما تُسْتَعمل [[في (ج): (يستعمل).]] في الخير، ويجوز استعمالُه في الشَّرِّ، لأن أصله: ما يَرْجِعُ مِنَ الجَزَاء على الفِعْل، طاعةً كان أو معصيةً، ولكنه كَثُرَ في جَزَاء الطاعة [[انظر: (ثوب) في: "تهذيب اللغة" 1/ 465، و"اللسان" 1/ 519.]]، كما تقول في (الطَّرَب)، فإنَّ أصْلَهُ: خِفَّةٌ تأخذ الإنسانَ، مِنْ فَرَحٍ أو حُزْنٍ [[انظر: (طرب) في: "التهذيب" 3/ 2174، و"اللسان" 5/ 2649.]]، كما قال [[في (ب): (يقال).]]: طَرَبَ الوَالِهِ أوْ كالمُخْتَبَلْ [[شطر بيت للنابغة الجعدي. وصدره:
وَأرَانِي طَرِبًا في إثْرِهِمْ
وقد ورد في: شعره: 93. وورد منسوبًا له في: "أدب الكاتب" 18، و"تهذيب اللغة" 3/ 2174 (طرب)، و"الاقتضاب" 3/ 14، و"اللسان" 5/ 2649 (طرب). وروايته في شعره: (فأراني ..).
(الوالهُ): الذي ذهب عقله، أو قارب الذهاب؛ لفقد حبيبه، أو ولده، وهو (الثاكل).
و (المُختَبَل): الذي خَبَلَهُ الحُزْنُ فَجَنَّنَهُ وأفقده عقله، أو هو الذي قُطِع عضوٌ من أعضائه. وهذا التفسير الثاني، قال في: "الاقتضاب" إنه (أجود في هذا الموضع؛ ليختلف المعنيان).
انظر: "الاقتضاب" 4/ 134، و"القاموس" 972 (ثكل)، 990 (خبل).]]
إلا أنَّه كَثُرَ استعمالُهُ في خِفَّةِ الفَرَحِ، وَنَشَاطِ السُّرُورِ [[انظر: (مادة: طرب) في المصادر السابقة]].
وقال أصحابُ المعاني [[انظر: "تفسيرِ الطبري" 4/ 134، و"معاني القرآن" للنحاس 1/ 497، و"بحر العلوم" 1/ 308، و"تفسير الثعلبي" 3/ 133 ب.]]: معنى قوله: ﴿فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ﴾؛ أي: جَعَلَ مكانَ مَا تَرْجُونَ مِنَ الثَّوَابِ، الغَمَّ؛ كما تقول: (تَحِيَّتُكَ الضَّرْبُ)، و (عِتَابُكَ السَّيْفُ) [[وهذا من كلام العرب السائر. كما يقول أبو زيد في: النوادر: 149.]]؛ أي: تجعل هذا مكانَ ذاك. قال عَمْرو بن مَعْد يكَرِب [[أبو ثور الزُّبَيْديَ، تقدم.]]:
وَخَيْلٍ قَدْ دَلَفْتُ لَهَا بِخَيْلٍ ... تَحِيَّةُ بَيْنهمْ ضرْبٌ وَجِيعُ [[ورد البيت في: شعره 149. وقد ورد منسوبًا له في:
"كتاب سيبويه" 3/ 50، و"النوادر" لأبي زيد 150، و"العمدة" لابن رشيق 2/ 1056، و"الممتع في صنعة الشعر" 159. == وأوردته المصادر التالية غير منسوب: "كتاب سيبويه" 2/ 232، و"المقتضب" 2/ 20، 4/ 413، و"الخصائص" 1/ 368، و"مفردات ألفاظ القرآن" 126، 835، و"المحرر الوجيز" 3/ 375، و"شرح المفصل" 2/ 80، و"التصريح" 1/ 353، و"خزانة الأدب" 9/ 257، 263؛ حيث ذكر نسبته للشاعر ولم يجزم بذلك.
أراد الشاعرُ بـ (الخيل) الأولى: خيل الأعداء، وبالثانية: خيلَه. والخيل -هنا-، يعني بها: الفُرسان. و (دَلَفْتُ): دَنَوْتُ وزَخفْتُ؛ يقال: (دَلَفَ الشيخ): إذا مَشى مَشْيًا لَيِّنًا. انظر: "خزانة الأدب" 9/ 264.]] أي: جَعَلُوا الضربَ الوجِيعَ، مَكَانَ التَّحِيَّةَ بين القَوْمِ.
وقال الفَرّاء [[في "معاني القرآن" له 1/ 239. نقله بنصه إلى نهاية بيت الشعر (فتلا).]]: الإثابة -ههنا- في معنى: (عِقَاب)، ولكنه كما قال الشاعر:
أَخَافُ زِيَادًا أنْ يَكُونَ عَطَاؤُهُ [[(أ)، (ب): (عطآه). والمثبت من: (ج)، ومصادر البيت.]] ... أدَاهِمَ سُودًا أوْ مُحَدْرَجَةً فُتْلا [[في (ج): (قتلا).
البيت، للفرزدق، وهو في: ديوانه: 169. وقد ورد منسوبًا له في. "طبقات فحول الشعراء" 2/ 304، و"تاريخ الطبري" 5/ 247، و"الصحاح" 1/ 305 (حدرج)، و"اللسان" 2/ 804 (حدرج). وورد غير منسوب في: "معاني القرآن"، للفراء 1/ 239، و"تفسير الطبري" 4/ 134، و"تفسير الثعلبي" 3/ 133 أ، و"المدخل" للحدادي 357، و"المحرر الوجيز" 3/ 376، و"زاد المسير" 1/ 478، و"البحر المحيط" 3/ 83.
ورواية البيت في الديوان، و"تاريخ الطبري":
فلمَّا خشِيتُ أن يكون عطاؤه ... أداهم سودا أو محدرجة سُمْرا
وفي "طبقات فحول الشعراء" (فلما خشينا ..). وورد في كل المصادر -ما عدا "تفسير الثعلبي"-: (سُمْرا) بدلا من: (فُتلا) التي لا تستقيم مع قافية القصيدة الرائية. واتفقت رواية المؤلف للبيت مع الثعلبي، مما يدل على أن المؤلف أخذ البِيت عنه.== (الأداهم): جمع: (أدْهَم)، وهو: الأسْوَد. وتُطلَقُ (الأداهمُ) على القيِود -وهي المرادة -هنا- في البيت-، وسميت بذلك؛ لِسَوَادها.
و (المُحَدْرَجة): السِّياط، وأصل المُحَدْرَج: المفتول، والأملس. ويقال -كذلك-: (الحُدرُج)، و (الحُدرُوج). انظر: "اللسان" 4/ 1443 (دهم)، 2/ 804 (حدرج). والبيت ضمن قصيدة طويلة قالها الشاعر في زِيَاد بن أبِيهِ، وكان قد تَوَعَّد الفرزدقَ، ثم أظهر عفوَهُ عنه، وأنه سيُؤَمِّنه وَيمُنُّ عليه، فلم يثق الشاعرُ في أمانه، وقال القصيدة في ذلك.]] يعني بـ (السُّودِ): القيود [[في (ج): (القيود والسياط).]]، وبـ (المحَدْرَجَة): السِّيَاط. وأرادَ: أخافُ أنْ يَجْعَلَ [[في (ج): (تجعل).]] مَكانَ عَطائِهِ، القُيُودَ والسِّيَاطَ.
قال [[الفراء في: "معاني القرآن" 1/ 239. نقله عنه بنصه.]]: وقد يقول الرَّجُلُ [لـ] [[ما بين المعقوفين زيادة لازمة لتستقيم العبارة.]] الذي اجترم [[في (ج): (احترم). اجْتَرَمَ، بمعنى: (جَرَم، وأجرم): تَعَدَّى، وارتكب جُرْما؛ أي: ذنبًا. يقال: (جرم إليهم، وعليهم جريمة)، و (فلان يَتَجَرَّم علينا)؛ أي: يَتَجَنَّى علينا ما لم نجْنِه. انظر: "اللسان" 1/ 604 (جرم).]] إليه [[في "معاني القرآن" عليك.]]: [(لَئِنْ] [[ما بين المعقوفين في (أ)، (ج): (أي). وساقط من (ب). والمثبت من "معاني القرآن".]] أتَيتَنِي [[في (أ): (أثييني)، وفي (ب): (أيثبتني)، وفي (ج): مهملة من النقط. والمثبت من "معاني القرآن".]]؛ لأُثِيبنَّك ثَوَابَكَ)، معناه: لأعاقبنَّكَ. وهذا راجعٌ إلى ما ذكرنا مِن قَوْلِ أصحابِ المعاني.
وقوله تعالى: ﴿غَمًّا بِغَمٍّ﴾ أي: أثَابَكم غَمًّا، وهو: الهَزِيمَة، وظَفَر المشركين بكم. ﴿بِغَمٍّ﴾، يعني: بِغَمِّكمْ رَسول الله ﷺ؛ إذْ عَصَيْتموهُ وَضَيَّعتم أمرَهُ. فالغَمُّ الأوّل لهم، والغَمُّ الثاني للنبي ﷺ. وهذا القول، اختيار الزجاج [[في "معانى القرآن" له 1/ 479.]].
وقال الحسن [[قوله في: "تفسير الثعلبي" 3/ 133 أ، و"النكت والعيون" 1/ 430، و"زاد المسير" 1/ 479، و"تفسير القرطبي" 4/ 240.]]: غَمّ يومِ أحُد للمسلمين، بغَمِّ يومِ بَدْرٍ للمشركين [[وأخرج عنه ابن أبي حاتم قولَه في تفسيرها: (قال غَمَّا -والله- شديد، على غَمٍّ شديد، ما منهم إنسان إلا وقد همته نفسه). "تفسيره" 3/ 791.]].
وقيل: الغَمُّ الأَوَّل: ما أصابهم مِنَ الهزيمة والقتل. والغَم الثاني: إشْرافُ خالد بن الوَلِيد عليهم، في خَيْلِهِ، فَرَعَبَهم ذلك، وزَادَ مِنْ قَلَقِهم. وهذا قول أكثر المفسرين [[ممن قال ذلك: ابن عباس. انظر: "زاد المسير" 1/ 478، ومقاتل. انظر: "تفسيره" 1/ 307. ولم أقف على غيرهما قال به.]]، واختيار الفراء [[في "معاني القرآن" له 1/ 240.]].
وقيل: الغَمّ الأوَّل: ما أصابهم مِنَ القتل والجرح. والغَمّ الثاني: ما سَمِعوا أنَّ مُحَمَّدًا قد قُتِلَ. وهذا قول: قَتَادة [[قوله في: "تفسير الطبري" 4/ 135، و"تفسير ابن أبي حاتم" 3/ 791، و"زاد المسير" 1/ 478، وأورده السيوطي في "الدر" 2/ 154، وزاد نسبة إخراجه لابن المنذر.]]، والرَّبِيع [[قوله في: "تفسير الطبري" 4/ 135.]]، وابنِ عبَّاس -في رواية عطاء- [[لم أقف على مصدر هذه الرواية عنه.]] فإنَّه قال في قوله: ﴿غَمَّا بِغَمٍّ﴾؛ يريد: الهزيمة، وحيث قال ابنُ قَمِيئَةُ [[في (ج): (قتيبة). == ابن قَمِيئة: اسمه عمرو، وقيل: عبد الله. وهو الذي قَتَلَ مُصْعَب ابن عُمَيْر (وكان يَظُنُّه رسولَ الله ﷺ، وكان بِيَدِ مُصْعب اللِّواء.
انظر: "المغازي" 1/ 244 - 246، و"تاريخ الطبري" 2/ 516، و"إمتاع الأسماع" 1/ 129، 130، 131.]]: قد قتلتُ محمدا.
والباء في قوله: ﴿بِغَمٍّ﴾ -في القولين المتأخرين-؛ بمعنى: [(مع)] [[ما بين المعقوفين زيادة لازمة من (ج).]] أو بمعنى: (عَلَى)؛ كما يقال [[في (ب): (قال).]]: (نزلتُ بِبَنِي [[في (ج): (بني).]] فلان)، و (على بَنِي فلان)، و (ما زِلْتُ به حتى فَعَلَ)، و (ما زِلْتُ معه حتى فَعَل) [[انظر: "معاني القرآن" للأخفش 1/ 812، و"تفسير الطبري" 4/ 134، و"رصف المباني" 222، و"الجنى الداني" 40، 42.
و (الباء) في القول -وهو قول الحسن-: للسببية؛ أي: فأثابكم غمًّا؛ بسبب الغم الذي حلَّ بالكفار -على أيديكم- يوم بدر.
وابن عطية يسمي هذه الباء: (باء معادلة).
انظر: "المحرر الوجيز" 3/ 376، و"البحر المحيط" 3/ 84، و"الدر المصون" 3/ 442.]].
قوله تعالى: ﴿لِكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَا أَصَابَكُمْ﴾.
اختلفوا [[في (ب): (واختلفوا).]] في اللّام في قوله: ﴿لِكَيْلَا﴾:
فقال بعضَ النحويِّين [[لم أهتد إليهم.]]: إنها مُتَّصِلَة بقوله: ﴿وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ﴾ [كأنه قال: ﴿وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ﴾] [[ما بين المعقوفين زيادة من (ج).]]، {لِكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ}، [لأن] [[ما بين المعقوفين مطموس في (أ)، وساقط من (ب)، والمثبت من (ج).]] في [[في (ب): (من).]] عَفوِهِ -جلَّ وعَزَّ-، ما يُذْهِبُ كُلَّ غَمٍّ وَحُزْنٍ [[وقد استحسن هذا الوجه: القرطبي، واستبعده أبو حيان، والسمين الحلبي؛ وذلك لطول الفصل، ولأنه -في الظاهر- يتعلق بمجاوره، وهو: ﴿فَأَثَابَكُمْ﴾. انظر: "تفسير القرطبي" 4/ 241، و"البحر المحيط" 3/ 85، و"الدر المصون" 3/ 443.]]. وقال آخرون: إنها مُتَّصِلَةٌ بقوله: ﴿فَأَثَابَكُمْ﴾.
ثُمْ اختلفوا:
فَقَالَ [أبو إسحاق] [[ما بين المعقوفين مطموس في (أ)، والمثبت من (ب)، (ج). وقول أبي إسحاق في "معاني القرآن" له 1/ 479. نقله عنه بمعناه.]]: المعنى: أثابكم غَمَّ الهزيمة، بِغَمِّكُمْ النبيَ ﷺ بِمُخَالَفتِهِ [[في (ج): (مخالفة).]]، ليكون غَمُّكُمْ، بأن خالفتموه فقط، لا على ما فاتكم مِنْ غَنِيمة، ولا ما أصابكم من هزيمة وجِرَاحٍ؛ وذلك أنَّ غَمَّ مُخَالَفَةِ الرَّسُولِ، يُنْسيهم غَمَّ فَوْتِ الغَنِيمَةِ.
وقال غيره: كان أصحاب رسول الله ﷺ، يَتَأَسَّفُونَ على ما فاتهم مِنْ غَنائم المشركين، وعلى ما حَلَّ بهم مِنَ القَتْلِ والجراح، فأنزلَ اللهُ بقلوبهم غَمَّ قَتْلِ الرسول ﷺ، ثمّ أزال ذلك الغم عنهم؛ لِيَفرحوا ببقائه، ولا يحزنوا مع بقائه على شَيءٍ [[في (ج): (ما) بدلا من (شيء).]] فَاتَهُمْ [[لم أقف على من قال هذا القول بتمامه، إلا أن بعضه، وهو: أن الغم الأول: ما أصابهم من قتل وجراح، والغم الثاني: سماعهم قتل النبي ﷺ. قد سبق وروده عند تفسير قوله تعالى: ﴿غَمًّا بِغَمٍّ﴾ آية: 153.]].
وقولُ أبي إسحاق ألْيَقُ بَظَاهِرِ الآية؛ لأنه ليس في الآية ذِكْرُ إزَالَةِ غَمِّ قتلِ النبيِّ ﷺ، إلّا بأنْ [[في (ج): (أن).]] يُقال: إنَّ ذلك الغَمَّ، لَمْ يتحققْ؛ لأنَّهُ لَم يَصْدُقْ نعْيُ الرسول.
وحُكي عن المُفَضَّلِ [[حكى قولَ المُفضَّل: الثعلبيُّ في "تفسيره" 3/ 133 ب، والقرطبى في "تفسيره" 4/ 241.]] أنه كان يَجْعَلُ (لا) -في هذه الآية- صِلَةً [[بمعنى: (زيادة).]]، ويقول: المعنى: لِكَيْ تَحْزَنُوا على ما فاتكم وما أصابكم؛ عُقُوبَةً لكم في خِلافِكُمْ إيَّاهُ؛ كقوله: ﴿لِئَلَّا يَعْلَمَ﴾ [[انظر: "تفسير البيضاوي" 2/ 250، و"تفسير النسفي" 4/ 221.]] [الحديد: 29].
وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾. تذكيرٌ؛ للتَّحْذِير [[في (أ)، (ب): (التحذير)، والمثبت من (ج).]].
آل عمران 3:154
قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا﴾ الآية.
قال المُفسِّرون [[انظر: "تفسير الطبري" 4/ 140، 141، و"النكت والعيون" 1/ 430.]]: إنَّ المشركين لَمَّا انصرفوا يوم أُحُد، كانوا يتوَعَّدُون المسلمينَ بالرجوع، ولم يَأمَن المسلمون [[في (ج): (المسلمين).]] كَرَّتَهم، وكانوا تحت الحَجَفِ [[(الحَجَفُ)، جمعٌ، ومفردُها: (حَجَفَةٌ)، وهي: التُّرُوسُ الصغيرة، والمُتَّخَذَةُ من الجلود، وليس فيها خَشب، يُطَارَقُ بين جِلْدين، ويُجعل منها حَجَفة.
انظر: (حجف) في: "المجمل" 1/ 265، و"القاموس" (798)، و"المعجم الوسيط" 1/ 108.]]؛ مُتَأَهِّبِينَ للقتال، فأنزَل اللهُ -تعالى-[عليهم] [[ما بين المعقوفين زيادة من (ج).]] -دونَ المنافقين- أمَنَةً؛ فأخذهم النُّعَاسُ.
قال ابن عباس [[قوله، في: "تفسير الطبري" 4/ 140، و"تفسير الثعلبي" 3/ 134 أ.]]: آمَنَهُم [[عند الطبري: أمَّنهم. وعند الثعلبي: أمَنَهم.]] -يومئذ- بِنُعَاس يَغْشاهم بعد خوف، وإنَّمَا يَنْعُسُ مَنْ يَأمَنُ، والخائف لا ينام.
قال أبو طَلْحَة [[أخرج قوله: ابن أبي شيبة في: "المصنف" 7/ 372 رقم (36780). والترمذي في: "السنن" رقم (2007) كتاب التفسير. باب سورة آل عمران. وقال: (حسن صحيح).
والطبري في: "تفسيره" 4/ 140، والحاكم في "المستدرك" 2/ 297. وقال: (صحيح على شرط مسلم)، ووافقه الذهبيُّ.
والطبراني في: "المعجم الكبير" 5/ 98 رقم (4707)، وأبو نعيم في "دلائل النبوة" 487 رقم (421)، والثعلبي في "تفسيره" 3/ 134 أ، والبغوي في "تفسيره" 2/ 121. وأبو طلحة، هو: زيد بن سهل بن الأسود، النَجَّاري الأنصاري. من فضلاء الصحابة، اشتهر بكُنْيَتِه، شهد العَقَبة، وبدرا، وأحدًا، وهو زوج أم سُلَيم بنت مِلْحان، أم أنس بن مالك، -رضي الله عنهم-، اختلف في تاريخ وفاته على السنوات التالية: (32، 33، 34، هـ)، وقيل: (51 هـ). انظر: "أسد الغابة" 2/ 289، و"الإصابة" 4/ 113.]]: رَفَعْتُ رَاسِي يوم أُحُد، فَجَعَلْتُ [[(فجعلت): ساقطة من (ج).]] ما [[في (ج): (فما).]] أرى أحَدًا مِنَ القوم، إلّا وَهُوَ يَمِيد تحت حَجَفَتِهِ؛ مِنَ النُّعَاس. قال [[أخرج قوله هذا: البخاري في: "صحيحه" (4068) كتاب المغازي. باب (ثم أنزل عليكم ..)، كتاب التفسير. سورة آل عمران. باب قوله: أمنة نعاسا ..
والنسائي في "تفسيره" 1/ 337،516، والترمذي في "السنن" رقم (3008) كتاب التفسير. باب: (سورة آل عمران). وأحمد في "المسند" 4/ 29، والطبراني في "المعجم الكبير" 5/ 96 رقم (4700)، والطبري في "تفسيره" 4/ 141، وابن أبي حاتم 3/ 793، والثعلبي 3/ 134 أ، والبغوي 2/ 121.]]: وكنت مِمَّن أُلْقيَ عليه النُّعَاس -يومئذٍ -، فكان السَّيْفُ سقُطُ مِن يدِي فَآخُذُهُ، ثم يَسْقُطُ السَّوْطُ من يدي فَآخُذُه.
وقال أبو إسحاق [[في "معاني القرآن"، له 1/ 479. نقله عنه بنصه.]] -في قوله: ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا﴾: أي: أعْقَبَكم- بما نالكم [[في (ج): (أنالكم).]] مِنَ الرُّعْب-؛ أنْ آمَنَكم [[في "معاني القرآن" (أمنَكم).]] أمْنًا تنامون معه؛ لأنَّ الشَّدِيدَ الخوفِ لا يكاد يَنَام.
والأَمَنَةُ: مصدرٌ، كـ (الأمْنِ). ومثله من المصادر: (العَظَمَةُ)، و (الغَلَبَةُ).
وقال اللِّحْيانيُّ [[قوله، في "تهذيب اللغة" 1/ 209 (أمن).]]: يُقال: (أَمِنَ فلانٌ، يَأمَنُ، أَمْنًا، وأَمَنَةً، وأَمْنَةً [[(وأمْنَةً): ساقطة من (ج). وليست في "تهذيب اللغة".
ويبدو أنَّ إثبات هذه الكلمة، سبق قلم من الناسخ؛ حيث أبدلها بـ (أمَنًا) التي وردت في قول اللحياني في (التهذيب)، ولم يذكرها المؤلفُ هنا، ولم أقف في مصادر اللغة التي رجعت إليها، على مجيء (أمْنةً) مصدرًا لـ (أمِنَ)، إلا أنها وردت في قراءة ابن محيصن، ورُويت عن يحيى، وإبراهيم من القُرَّاء. وقال ابن جِنِّي: (روينا عن قطرب أنه قال: (الأمْنَةُ): الأمْنُ. و (الأمَنَة) -بفتح الميم-، أشبه بمعاقبة الأمْن). "المحتسب" 1/ 174.
وانظر: "تفسير القرطبي" 4/ 241، و"فتح القدير" 1/ 589، و"القراءات الشاذة" لعبد الفتاح القاضي: 30.
وورد من مصادرها: (.. إمْنًا) -بالكسر-. انظر: "القاموس" 1176. وفي "اللسان" "ما أحسن أمَنَتَك، وإمْنَتَك"؛ أي: دينك وخلقك. 1/ 141 (أمن). و (أَمَنَةً) -إضافةً إلى مجيئها مصدرًا- فإنها تأتي صفة، بمعنى: الذي يثق بكلِّ أحد، أما (الأُمَنَة) -بضم الهمزة، وفتح الميم والنون-، فإنها صفهَ فقط، كـ (الأمَنَة)، ولا تأتي مصدرًا.= انظر (أمن) في: "الصحاح" 5/ 2071، و"اللسان" 1/ 140، و"التاج" 18/ 23 وما بعدها.]]، وأمَانًا). والنعاس: بَدَلٌ مِنَ (الأمَنَة) [[وهو بدل اشتمال، ويكون بدلًا في حالة إعراب ﴿أَمَنَةً﴾ مفعولًا به لـ ﴿أَنزَلَ﴾. وقيل: هو عطف بيان، ويجوز أن يكون ﴿نُّعَاسًا﴾ مفعولًا، و ﴿أَمَنَةً﴾ حال منه. وقيل غير ذلك.
انظر: "معاني القرآن"، للزجاج 1/ 478، و"البيان" للأنباري 1/ 226، و"التبيان" للعكبري (215)، و"الدر المصون" 3/ 444، و"فتح القدير" 1/ 589.]].
وقوله تعالى: ﴿يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ﴾ قُرِئ بالياء والتَّاءِ [[قرأ ابنُ كثير، ونافع، وأبو عمرو، وعاصم، وابن عامر ﴿يَغْشَى﴾ -بالياء-. وقرأ حمزة، والكسائي ﴿وَتَغشَى﴾ بالتاء.
انظر: "القراءات" للأزهري 1/ 128، و"الحجة" 88، و"الكشف" 1/ 360.]]. فَمَن قرأ بالياء؛ فلأن النُّعَاسَ هو الغاشي، والعرب تقول: (غَشِيَنِي النُّعاسُ)، وقلّما تقول: (غَشِيَني الأمْنُ).
و-أيضًا- فإنَّ النعاسَ مذكورٌ بالغِشْيَانِ في قوله: ﴿إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ﴾ [الأنفال: 11] ولأن النعاسَ يَلِي الفِعْلَ، وهو أقرب في اللفظ إلى ذِكْرِ الغِشْيانِ مِنَ الأمَنَة. فالتذكير أولى.
ومن قرأ بالتَّاءِ: جعل الأمَنَةَ هي الغاشِيَةَ.
والأَمَنَةُ والنُّعاسُ، أحدهما بَدَلٌ عن الثاني، فيجوز وَيحْسُن رَدُّ الكِنَايَةِ [[الكناية: الضمير.]] إلى أيِّهما شئت؛ كقوله: ﴿إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ (43) طَعَامُ الْأَثِيمِ (44) كَالْمُهْلِ يَغْلِي﴾ [الدخان:43 - 45]، وَ ﴿وتَغْلِي﴾ [[قرأ ابن كثير، وحفص عن عاصم: ﴿يَغْلِي﴾. وقرأ أبو عمرو، وابن عامر، ونافع، وحمزة، والكسائي، وعاصم -في رواية أبي بكر-: ﴿تَغْلِي﴾.== قال الفراء: (إذا كانت ﴿تغلي﴾، فهي الشجرة، وإذا كانت ﴿يَغلِى﴾، فهو المُهْل). "معاني القرآن" 1/ 240. وانظر: "السبعة" 592، و"تفسير الطبري" 4/ 139، و"المدخل" للحدادي 147 - 149، و"المسائل العضديات" 166.]].
ومِمَّا يُقَوِّي القراءة بالتَّاء: أنَّ الأصل: الأَمَنَةُ، و (النُّعَاس): بَدَلٌ. وَرَدُّ الكناَيَةِ إلى الأصْلِ أحْسَنُ. والأَمَنةُ هي المقصودة، فإذا حَصَلَتْ [[في (ج): (حصل).]] الأمَنَةُ، حَصلَ [[في (ج): (وحصل).]] النُّعَاسُ، لأنها سَبَبُهُ، فإنَّ الخائفَ لا يكادُ يَنْعُسُ.
وقوله تعالى: ﴿طَائِفَةً مِنْكُمْ﴾ قال ابن عباس [[لم أقف على مصدر قوله.]]: هم المهاجرون، وعامَّةُ الأنْصَارِ [[انظر: "تفسير البغوي" 2/ 121، و"زاد المسير" 1/ 480، و"تفسير ابن كثير" 1/ 451، و"فتح القدير" 1/ 590.]].
وقوله تعالى: ﴿وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ﴾ هؤلاء هم المنافقون: عبد الله بن أُبَي، ومُعَتِّبُ بن قُشَيْر [[ويقال: مُعتِّب بن بشير الأوسي الأنصاري. شهد العقبة وبدرًا وأُحدًا، وقال ابن هشام بأنه ليس من المنافقين، وقيل: إنه تاب مما قاله يوم أحد.
انظر: "سيرة ابن هشام" 3/ 238،344، و"الاستيعاب" 3/ 482، و"أسد الغابة" 5/ 225، و"الإصابة" 3/ 443.]]، وأصحابُهُما، كان هَمُّهُم خَلاَصَ أنفسِهِم [[انظر: "تفسير الطبري" 4/ 141، و"النكت والعيون" 1/ 430، و"تفسير البغوي" 2/ 122.]]. يقال: (أهَمَّنِي الشيءُ): إذا كان مِنْ هِمَّتِي وقَصْدِي.
والواو في قوله ﴿وَطَاَئِفَةٌ﴾، واو الحال.
قال سيبويه [[في "الكتاب" 1/ 90. نقله عنه بمعناه.
وانظر: "الكامل" للمبرد 1/ 327، 328، وكتاب "معاني الحروف" للرماني 60، و"الصاحبي" 157، و"أمالي ابن الشجري" 3/ 11، و"تذكرة النحاة" 648.]]: المعنئ: إذْ طائِفةٌ قد أهَمَّتْهُم أنفُسُهم، وهو [[من قوله: (وهو ..) إلى (.. وطائفة مهمتهم أنفسهم): ساقط من (ج).]] رَفْعٌ بالابتداء، وخبرُهُ: ﴿قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ﴾. وجائزٌ أن يكون الخَبَرُ: ﴿يَظُنُّونَ﴾، ويكون ﴿قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ﴾: مِنْ صِفَةِ النَّكِرَةِ، ويكون المعنى: وطائفةٌ مُهِمَّتُهُمْ أنفُسُهم، يَظنُّونَ.
قال أبو الفَتْحِ المَوصِلِيُّ [[هو ابن جِنِّي في: "سر صناعة الإعراب" 2/ 644 - 645. نقله عنه بعضه بتصرف، ونقل أكثره بنصه.]]: هذه الواو للحال، وهي وما بعدها في مَوْضِعٍ نَصْب، على تقدير: يَغْشَى طائفَةً منكم، مُهِمَّةً [[في (أ): مهمةٌ -بضم التاء المربوطة المُنوَّنة-. وفي (ب)، (ج): مهملة من الشكل. والمثبت من: "سر صناعة الإعراب"؛ وهو الصواب؛ لأن موقعها في الجملة حال منصوب.]] طائفةً أخرى منكم أنفُسُهم، في وقت غِشْيَانِهِ تلكَ الطائفة [[في (ب): (النعاس) بدلًا من: الطائفة.]] الأولى. ولا بُدَّ مِن هذا التقدير؛ كما أنَّ قولك: (جاءت هند، وعمرٌو ضاحكٌ)، في تقدير: (جاءت هند ضاحكًا [[في (أ)، (ب)، (ج): (ضاحك)، والمثبت من: سر الصناعة، لأن ابن جِنِّي أراد أنها حال منصوبة.]] عمرو في وقت مجيئها)، حتى يعود من الجملة التي هي حالٌ، ضميرٌ على صاحب الحال، ولهذا شبَّهَهَا سيبويه بـ (إذ) [[بـ (إذ): ساقط من (ج).]].
قال أبو علي [[قول أبي الفارسي -هنا- من تتمة كلام ابن جني في: المصدر السابق: 2/ 645 نقله المؤلف عنه بمعناه
وانظر رأي أبي علي الفارسي حول هذه المسألة في كتابيه: "المسائل المشكلة" 593، و"المسائل الحلبيات" 151.]]: إنما فَعَلَ ذلك من حيث كانت (إذْ) منتصبةَ المَوْضعِ في الحال [[عبارة أبي علي -كما نقلها ابن جني-، هي: (.. من حيث كانت (إذ) منتصبة الموضع بما قبلها، أو بعدها، كما أن (أو) منتصبة الموضع في الحال ..).]]، وأنَّ ما بعد (إذْ) لا يكون إلّا جملةً، كما أنّ ما بعد واو الحال لا يكون إلّا جملةً مرَكَّبَةً مِن مبتدأ وخَبَر، كقولك: (مَرَرْتُ بزَيْد، وعمرٌو قائمٌ) [[في (ب): (قائما).]].
وقوله تعالى: ﴿يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ﴾ أي: يظنون أنَّ أمرَ النبي ﷺ مضمَحِلٌّ، وأنّه لا يُنْصر [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 479، و"زاد المسير" 1/ 481.]].
وقوله تعالى: ﴿ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ﴾. الجاهلية: زَمَان الفَتْرَةِ، قبل الإسلام [[قال النووي: (سموا بذلك؛ لكثرة جهالاتهم). "صحيح مسلم بشرح النووي" 3/ 87، وانظر: "المزهر" للسيوطي 2/ 202.]]. والمعنى: إنهم على جاهليتهم في ظنهم هذا. وتقدير الكلام: يَظنُّونَ ظَنَّ أهلِ الجاهلية [[انظر: "تفسير الطبري" 4/ 142، و"معاني القرآن"، للزجاج 1/ 431.]].
وقوله تعالى: ﴿يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ﴾ أي: ما لنا. استفهام يتضمن الجَحْدَ.
قال الحَسَنُ [[قوله، في: "تفسير ابن أبي حاتم" 3/ 795، و"النكت والعيون" 2/ 909، و"زاد المسير" 1/ 481.]]: يقولون: أُخْرِجْنَا كَرْهًا، ولو كان الأمرُ إلينا ما خَرَجْنَا [[لفظه عند ابن أبي حاتم: (.. ذلك المنافق، لما قُتِل مِن أصحاب محمد، أتَوا عبد اللهَ بن أبَي، فقالوا له: ما تَرَى؟ فقال: إنَّا والله ما نُؤامَر، لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا ههنا). وما أورده المؤلف هو معنى هذا اللفظ.]] وقال الأكثرون [[في (ب): (وقال الآخرون الأكثرون).
ولم أقف على من قال بهذا القول، وقد أوردته بعض كتب التفسير ولم تعزه انظر: "النكت والعيون" 1/ 431، و"زاد المسير" 1/ 481، و"تفسير القرطبي" 4/ 242، و"فتح القدير" 1/ 590.]]: أي: ليس لَنا مِنَ النَّصْرِ والظَّفَرِ شيءٌ كما وعدنا، بل هو للمشركين. يقولون ذلك [[(ذلك): ساقطة من (ج).]] على جهة التكذيب. فقال الله: ﴿إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ﴾، أي: النَّصْرُ بيد الله عز وجل.
وقال عطاء، عن ابن عباس [[لم أقف على مصدر هذ الرواية. وأورد الثعلبي، والقرطبي -من رواية جويبر عن الضحاك عن ابن عباس- ما نصه: (يعني: القدر خيره وشره من الله). وهي بمعنى رواية عطاء عنه.
انظر: "تفسير الثعلبي" 3/ 134 ب، و"تفسير القرطبي" 4/ 242.]]: يريد: القضاء والقدر، والنُّصْرَةُ والشَّهادة. واختلف القرّاء [[في (ب): (واختلفوا القراء).]] في قوله: ﴿كُلَّهُ﴾:
فَنَصَبَهُ [أكثرُهُم] [[ما بين المعقوفين في (أ): غير واضح. والمثبت من (ب)، (ج). انظر هذه القراءة في: "السبعة" 2187، و"الحجة" للفارسي 3/ 90.]]؛ لأن [[من قوله: (لأن ..) إلى (.. إذا قال كله): نقله -بتصرف يسير- عن "الحجة" للفارسي 3/ 90.]] الكُلَّ بمنزلة (أجمعين)، وجُمَعَ؛ في أنه للإحَاطَةِ والعُمُوم.
ولو قيل: (إن الأمرَ أجْمَعَ)، لم يكن إلّا النَّصبُ، -كذلك- إذا [[(أ)، (ب): (إذ). والمثبت من: (ج)، و"الحجة".]] قال ﴿كُلَّهُ﴾ [[فنصب ﴿كُلَّهُ﴾ إما على التوكيد، أو النعت، أو البدل.
انظر: "معاني القرآن" للفراء 1/ 243، و"معاني القرآن" للأخفش 1/ 218، و"الأصول في النحو" لابن السراج 2/ 23، و"إعراب القرآن" للنحاس 1/ 371، و"التبيان" للعكبري ص 216.]].
وقرأ أبو عمروٍ بالرَّفْعِ [[أي: ﴿كُلَّهُ﴾ انظر: المصادر السابقة.]]، وذلك أنه لم يُجْرِهِ على ما قَبْلَهُ، ورَفَعَهُ على الابتداء، و ﴿لِلَّهِ﴾: الخَبَر.
قال الفَرّاءُ [[في "معاني القرآن"، له 1/ 243. نقله عنه بمعناه.]]: ومثله مِمَّا قُطِعَ مِمَّا [[في (ج): (من).]] قبلَهُ: قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ﴾ [[قوله تعالى: ﴿وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ﴾، جملة مكونة من: مبتدإ، وهو: ﴿وُجُوهُهُمْ﴾، وخبر، وهو: ﴿مُّسْوَدَّةٌ﴾. والجملة في محل نصب على الحال. ويجوز من الناحية النحوية أن تُنْصبَ ﴿وُجُوهُهُمْ﴾ على أنها بدل من ﴿الَّذِينَ﴾. انظر: "البيان" للأنباري 2/ 325]] [الزمر: 60]، ومِنْ هذا -أيضًا-: ما أجازه سيبويه مِن قولِهِم: (أينَ تَظُنُّ زيدٌ ذاهِبٌ).
وقوله تعالى: ﴿يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ﴾ أي: مِنَ الشَّكِّ والنِّفَاقِ، وتكذيب الوَعْدِ بالاستعلاء على أهل الشرك.
وقوله تعالى: ﴿يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا﴾
رُوي [[في (أ): (رَوَي). والمثبت من: (ب)، (ج).]] عن الزُّبَيْر بن العَوَام -رضي الله عنه -، أنَّه قال [[أخرج قوله: الواقدي في "المغازي" 1/ 323، والطبري في "تفسيره" 4/ 143،== وابن أبي حاتم 3/ 795، وأبو نعيم في "دلائل النبوة" 487 فصل 25. رقم (423)، وأورده السيوطي في "لباب النقول" 59، و"الدر المنثور" 2/ 156، وزاد نسبة إخراجه إلى ابن إسحاق، وابن راهويه، وعبد بن حميد، وابن المنذر، والبيهقي في "الدلائل". وانظر: "سيرة ابن هشام" 3/ 68.]]: أَرْسَلَ اللهُ علينا النَّوْمَ، وإنِّي لأَسْمَعُ قولَ مُعَتِّب بن قُشَيْر -والنُّعَاس يغشاني-، ما أسمعه إلّا كالحُلم [[في (أ): (كالحِكم). والمثبت من: (ب)، (ج)، ومصادر الخبر.]]، يقول: لو كان لنا من الأمر شىِءٌ، ما قُتلنا ههنا [[في (أ): (هنا). والمثبت من: (ب)، (ج)، ومصادر الأثر.]]. يَعْنُونَ أنهم أُخْرِجُوا كُرْهًا، ولو كان الأمر بيدهم لم يخرجوا.
وقال المفسرون [[انظر: "تفسير الطبري" 4/ 142، و"تفسير الثعلبي" 3/ 134 ب، والنَّصُّ له.]]: إنَّ المُنافِقِينَ قال بعضُهم لِبَعضٍ: لَوْ كانَ لنا عُقُولٌ، لم نخرجْ مع محمد لِقِتال أهل مكة، وَلَمَا قُتِلَ رُؤَساؤُنا. وهذا منهم تكذيبٌ بالقَدَرِ؛ حين ظَنُّوا أنهم لو لم يخرجوا لم يُقْتَلوا. فَرَدَّ اللهُ -تعالى- عليهم هذا الكلام بقوله: ﴿قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ﴾ أيها المُنافِقُونَ، وَلم تَخْرُجوا إلى أُحُد.
﴿لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ﴾ يعني: لو تَخلَّفتم عن القتال؛ لَخَرَج منكم الذين كُتِب عليهم القَتْل، ولم يكن لِيُنْجِيهم قُعُودهم.
ومعنى (بَرَزَ): صار إلى (بَرَاز)؛ وهو المكان المنكشف [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 480، و"نزهة القلوب" للسجستاني 144، و"المقاييس" 1/ 218 (برز).]].
والمضاجع: جمعُ (المَضْجَع)؛ وهو الموضع الذي يَضْجَعُ عليه الإنسانُ. ومنه قوله تعالى: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ [السجدة: 16].
قال الهُذَلِيُّ [[هو أبو ذؤيب، خويلد بن خالد الهذلي.]]:
أَم ما لجنْبِكَ لا يُلائِمُ مَضْجَعًا ... إلّا أَقَضَّ عليكَ ذاكَ المَضْجَعُ [[البيت ورد منسوبًا له في: "المفضليات" 421، و"الزاهر" 1/ 473، و"الأمالي" 1/ 182، و"تهذيب اللغة" 3/ 2982 (قضض)، و"شرح أشعار الهذليين" 1/ 5، و"مقاييس اللغة" 5/ 21 (قضض)، و"جمهرة أشعار العرب" ص 241، و"اللسان" 6/ 3662 (قضض).
ورد في (التهذيب): (.. أقضَّ عليه ذاك ..)، وفي "المقاييس" (أم ما لجسمك). البيت من مرثيته التي يرثي بها أبناءه الخمسة الذين ماتوا في عام واحد. وقبل هذا البيت:
قالتْ أُمَيْمَةُ ما لجسمك شاحبا ... منذ ابْتُلِيتَ ومثل مالِكَ يَنفَع
(أم) في البيت هي المنقطعة، بمعنى: (بل) والاستفهام. وقوله: (لا يُلائِم): لا يوافق، (أقضَّ عليك ذاك المضجع)؛ أي: لم يطمئن بك النوم، كأن تحت جنبك (قَضِيضا)، وهو: الحصى الصغار.
انظر: "الزاهر" 1/ 473، و"التهذيب" 3/ 2982، و"شرح أشعار الهذليين" 1/ 6.]]
وقال: (أضْجَعْتُ فُلانا): إذا وَضَعْت جَنْبَهُ بالأرض. و (ضَجَعَ)، فهو يَضْجَعُ بنَفْسِهِ. ويريد بـ ﴿المَضَاجِعِ﴾ ههنا: مَصارِعَهم للقتل؛ أي: حيث يَسْقُطُون [[(يسقطون): مطموسة في (ج).]] -هناك- قتلى.
وقوله تعالى: ﴿وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ﴾ قال الكسائيُّ وغيرُهُ [[لم أقف على مصدر قول الكسائي، ولا على مصدر قول غيره ممن قال هذا القول.]]: وليَبْتَلِيَ اللهُ ما في صدوركم، فَعَلَ ما فَعَلَ يومَ أُحُد. فَحُذِفَ واختُصِرَ؛ لِبَيَان المعنى.
ومعنى ﴿لِيَبْتَلِيَكُمْ﴾: ليعاملكم معامَلَة المُبْتَلِي، المُخْتَبِرِ لكم.
وقال أبو إسحاق [[في "معاني القرآن" له 1/ 480. نقله عن بتصرف.]]: أي: لِيَخْتَبِرَ ما في صدوركم، لِيَعلَمَهُ مُشَاهدَةً، كما يعلمه غَيْبًا؛ لأن المُجَازَاةَ تَقَعُ على ما عَلِمَهُ مُشَاهَدَةً.
وقيل [[ممن قال ذلك: الطبري في "تفسيره" 4/ 143، وقد أورد هذا القول الماورديُّ في: "النكت والعيون" 1/ 431 ولم يعزه]]: لِيَبتلي أولياءُ اللهِ ما في صدوركم. إلّا أنه أُضِيفَ الابتلاءُ إلى
اللهِ -تعالى-، تفخيما لشأنهم؛ كقوله: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا﴾ [[الزخرف: 55. ومعنى ﴿آسَفُونَا﴾: أغضبونا. وهو قول: ابن عباس، ومجاهد، وعكرمة، وسعيد بن جبير، ومحمد بن كعب القرظي، وقتادة، والسدي، وغيرهم من المفسرين. انظر: "تفسير الطبري" 25/ 84، و"تفسير ابن كثير" 4/ 137.
والمؤلف يقصد -هنا- أن معنى الآية: فلما أغضبوا موسى عليه السلام ومن معه من أولياء الله، ولكن نُسِب الغضبُ إلى الله تعالى؛ تفخيمًا لشأن أولياء الله.
ولا مانع من قبول هذا التأويل الذي يراه المؤلف، مع إثبات صفة الغضب لله تعالى، ولكن قد يكون الدافع لهذا التأويل هو الهرب من نسبة هذه الصفة إليه تعالى، وحينها، فإن هذا التأويل لا يُسَلَّم؛ وذلك أنَّ الأشاعرة -والمؤلف منهم- يرون أن الغضب من صفات المخلوقين التي يجب أن لا تنسب إلى الله على الحقيقة؛ حيث إن الغضبَ عندهم هو: غَلَيَانُ دَمِ القَلْب؛ لإرادة الانتقام، وذاك محال على الله، وانما يُنْسَب إلى الله -عز وجل- على سبيل المجاز، ويراد به -حينها-: إرادة العقوبة، فيكون صفة ذات، أو يُراد به العقوبة ذاتها، فيكون صفة فعل.
ولكنْ سَلَفُ الأُمَّةِ -وقد شق بيان مذهبهم الحق في صفات الباري تعالى- يرون أن الغضب من صفات الله، يُنْسبُ إليه -تعالى- على الحقيقة، بما يليق بذاته، والشأن في الصفات أن تُمَرَّ كما جاءت، دون تعطيل ولا تشبيه ولا تحريف ولا تأويل، ولا بيان لكيفيَّتها، كما أن صفة الغضب تنسب إلى المخلوق على الحقيقة، بما يتناسب مع خَلْقِهِ، وطبيعته، ومن توابع هذه الصفة، ولوازمها في المخلوق: هو ما ذكره المُؤَوِّلُونَ مِنْ غَلَيَان دَمِ القلب، وبذا تفترق صفة الخالق عن المخلوق. انظر: "النكت والعيون" 5/ 231 - 232، و"تفسير الفخر الرازي" 27/ 220،== ولوامع الأنوار" للسفاريني 1/ 221 - 223، و"روح المعاني" 25/ 91، و"أضواء البيان" 7/ 256، و"العقائد السلفية" لأحمد بن حجر 1/ 86]].
وقوله تعالى: ﴿وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ﴾ قد ذكرنا للتَّمْحِيصِ ثلاث مَعَانٍ، عند قوله -تعالى-: ﴿وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [آل عمران: 141]: التَّطْهِير، والكَشْف، والابْتِلاء. وهذ كلها مُحْتَمَلَةٌ في هذه الآية.
قال قتادة [[لم أقف على مصدر قوله. وقد أورده ابن الجوزي في: "الزاد" 1/ 482.]] - في قوله: ﴿وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ﴾، أي: يُظْهِرها [[في (ب)، (ج): (يطهرها) بالطاء.
انظر:"بحر العلوم" 1/ 309، و"تفسير الثعلبي" 3/ 134 ب، و"تفسير البغوي" 2/ 122، و"زاد المسير" 1/ 482.]] مِنَ الشَّكِّ والارْتِيَاب؛ بما يُرِيكم من عجائب صُنعه في إلقاء الأَمَنَةِ، وصَرْفِ العدُوِّ، وإعلانِ سَرَائِرِ المنافقين. وهذا [[من قوله: (وهذا ..) إلى (.. يمحص قلوب): ساقط من (ج).]] التمحيص خاصٌّ للمؤمنين؛ فابن عباس قال [[لم أقف على مصدر قوله.]]: يريد: يُمَحِّص قلوب أوليائه من الخطأ.
وقال الكَلْبِيُّ [[لم أقف على مصدر قوله.]]: ﴿وَلِيُمَحِّصَ﴾: يُبَيِّن ما في قلوبكم. يعني: أن المؤمن يُظْهِر الرِّضَا بِقَدَرِ الله، والمنافق يُظْهر مثلَ ما أظهرَ مُعَتِّب بن قُشَيْر وأصحابُه. فَعَلَ اللهُ ما فَعَلَ يومَ أُحُد؛ لِيُبَيِّنَ ما في قلوب الفريقين.
ويَحْتَمِلُ التَّمْحِيصُ -ههنا- معنى الابتلاء، غير أن القولين الأَوَّلَيْن أجودُ؛ لِزِيَادَةِ الفائدة؛ فإنَّ الابتلاءَ قد ذُكِرَ في قوله: ﴿وَلِيَبْتَلىَ اللَّهُ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ (ذاتُ الصدور)، تحتمل معنيين: أحدهما: أن (ذات الصدور) هي: الصدور؛ لأن ذاتَ الشيء نَفْسُهُ، وعَيْنهُ. يقال: (فَهَمتُ ذاتَ كلامك)، كما يقال: (نَفْسَ كلامك). قال الشاعر:
نَطُوفُ بِذَاتِ البيتِ والخَيْرُ ظاهِرُ [[هو عمرو بن الحارث بن مضاض كما في "الأغاني" 15/ 17بلفظ (نمشّى به والخير إذ ذاك) وفي "نهاية الأرب" للنويري بلفظ (نطوف بذاك). وصدره:
فنحن ولاة البيت من بعد نابت
وينظر: "السيرة الحلبية" (1/ 15)، و"البدء والتاريخ" 4/ 126، و"أخبار مكة" للأزرقي 1/ 97، و"الاكتفاء" للكلاعي 1/ 59، و"البداية والنهاية" 2/ 186، و"المنتظم" 2/ 321، و"تاريخ الطبري" 1/ 523، و"الأنساب" 5/ 440، و"معجم البلدان" 5/ 36، 186.]]
أي: البيت نفسه. وفيه معنى التأكيد. فيكون المعنى: واللهُ عليمٌ بالصدور.
والثاني: أنَّ (ذاتَ الصدور): الأشياء التي في الصدور، وهي الأسرار والضمائر، وهي (ذات الصدور)؛ لأنها فيها، تَحُلُّها [[في (ب): (وتحلها).]] وتصاحبها وصاحب الشيء: (ذُوهُ)، وصاحبته: (ذاته) [[انظر: "تهذيب اللغة" 2/ 1299 - 1301 (ذو)، و"اللسان" 3/ 1476 - 1477 (ذو) وانظر: تفسير قوله تعالى: ﴿إنَّ اللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾. آية: 119.]].
آل عمران 3:155
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ﴾ هذا الخطاب للمؤمنين خاصَّةً، يعني: الذين انهزموا يوم أحد [[انظر: "تفسير الطبري" 4/ 144.]].
﴿إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ﴾ أي: حَمَلَهُمْ على الزَّلَّةِ، وَكَسَبَهُمْ الزَّلَّةَ [[(وكسبهم الزلة): ساقط من (ج).= يقال: (كَسَبَ هو)؛ بمعنى: أصاب. ويقال: (كَسَبْتُ زيدًا مالًا)، و (أكْسَبْتُ زيدًا مالًا)؛ أي: أعنته على كَسْبِه، أو جعلته يَكْسِبُهُ. انظر: "اللسان" 7/ 3870 (كسب)، و"القاموس" 131 (كسب).
والزَّلَّة: الخطيئة. انظر: "تفسير الطبري" 4/ 145، و"القاموس" ص 1010 (زلل).]].
و (أَزَلَّ)، و (اسْتَزَلَّ)، بمعنى واحد. ذكرنا ذلك في قوله: ﴿فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ﴾ [البقرة: 36] [[انظر: "تفسير البسيط" عند تفسير هذه الآية]].
وقال ابن قُتَيْبَة [[في "تفسير غريب القرآن" له 107. نقله عنه بتصرف.]]: ﴿اسْتَزَلَّهُمُ﴾: طَلَبَ زَلَّتَهم؛ كما يقال: (استعجلته)؛ أي: طَلَبْتُ عَجَلَتَهُ، و (استعملته): طَلَبْتُ عَمَلَهُ.
وقول تعالى: ﴿بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا﴾ قال مقاتل [[في "تفسيره" 1/ 309.]]: يعني: معصيتهم النبيَّ ﷺ، وتركهم المَرْكَزَ.
وقيل: استزَلَّهم الشيطانُ بِتَذْكِيرِ خَطَايَا سَلَفَتْ لهم، فكرهوا أن يُقْتَلُوا قبلَ إخلاصِ التَّوْبَةِ. وهذا اختيار الزَّجَّاج؛ لأنه قال [[في "معاني القرآن" له 1/ 481. نقله عنه بتصرف يسير جدًّا. وانظر: "معاني القرآن" للنحاس 1/ 500.]]: لَمْ يَتَوَلَّوا على جهة المُعَانَدَةِ، ولا على الفِرَارِ مِنَ الزَّحْفِ؛ رَغْبَةً في الدنيا، وإنَّمَا ذَكَّرَهُم الشيطانُ خَطَايَا كانت لهم، فكرهوا لقاءَ اللهِ، إلا على حَالَةٍ يَرْضَوْنَهَا [[قال أبو حسان عن قول الزّجاج -هذا-: (ولا يَظْهَرُ هذا القول، لأنهم كانوا قادرين على التوبة قبل القتال، وفي حالة القتال، والتائب من الذنب كمن لا ذنب له.). "البحر المحيط" 3/ 91.]].
وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ﴾.
قال الكلبيُّ [[لم أقف عليه]]، ومقاتلُ [[في "تفسيره" 1/ 309.]]: عَفَا عنهم إذْ لَمْ يُقْتَلوا جميعًا، ولم يَسْتَأصِلْهم [[وممن قال بهذا القول: الحسن البصري، وسعيد بن جبير، وأبو الليث. انظر: "تفسير ابن أبي حاتم" 3/ 797 - 798، و"بحر العلوم" 1/ 310.]].
وقيل [[هذا قول الجمهور، ومنهم: عثمان بن عفان رضي الله عنه، وابن عمر -رضي الله عنهما-، وقتادة، والربيع، والطبري.
انظر: "صحيح البخاري" (4066) كتاب المغازي. باب: قول الله تعالى ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ﴾، و"تفسير الطبري" 4/ 144 - 146، و"بحر العلوم" 1/ 310، و"تفسير الثعلبي" 3/ 135 أ، و"المحرر الوجيز" 3/ 287، و"تفسير القرطبي" 4/ 244 - 345، و"البحر المحيط" 3/ 91، و"مجمع الزوائد" 9/ 83 - 84.]]: عَفا عنهم؛ أي: غفر لهم تلك الخطيئة.
آل عمران 3:156
قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الآية
قال ابن عباس -في رواية عطاء [[لم أقف على مصدر هذه الرواية.]] -: يريد قومًا من المنافقين قالوا فيمن بعثه رسولُ الله ﷺ، مِنَ السَّرَايَا إلى بِئْرِ مَعُونَة [[بَعَث النبي ﷺ، سبعينَ رَجُلا؛ لِحاجَةٍ، يُقال لهم القُرَّاء، فَعَرَضَ لهم حَيَّانِ من بني سُلَيْمِ: رِعْلٌ وذَكْوانُ، عند بِئْر يُقال لها بئرُ مَعُونَةَ، فقال القوم: والله ما إيَّاكم أرَدْنَا، إنَّمَا نحنُ مُجْتازُون في حاجة للنبي ﷺ، فقَتَلُوهم، فَدَعَا النبي ﷺ، عليهم شهرا، في صلاة الغَدَاةِ).
"صحيح البخاري" (4088)، كتاب: المغازي. باب: غزوة الرجيع. وهذ إحدى الروايات التي أوردها البخاري حول هذه السَّرِية، وهناك روايات أخرى عنده. انظرها في الباب نفسه. == وانظر روايات أخرى لهذه السَّرِيَّة في كتب السيرة، منها: "المغازي" 1/ 346، و"سيرة ابن هشام" 3/ 184، و"الطبقات الكبرى" 2/ 51، و"تاريخ الطبري" 2/ 545.]]، وإلى الرَّجيع [[بعث النبي ﷺ، سَرِيَّةً؛ عَيْنًا له، وقيل بعثهم استجابة لطلب عَضَل والقَارَة أن يبعث معهم من يُفَقِّههم في الإسلام ويقرؤهم القرآن، -وكان ذلك خدعة منهم، اتفقوا فيه مع بني لِحيان-، وأمَّرَ على السرِية عاصمَ بن ثابت، وقيل: مَرْثَد بن أبي مرثد الغَنَوِي، فخرجوا حتى إذا كانوا عند ماءٍ لهذيل، يقال له: الرَّجِيع، بناحية الحجاز، هجم عليهم بنو لِحيان، حيٌّ من هذيل، فاستل الصحابة سيوفهم، فقال لهم الأعداء: لكم العهد والميثاق ألا نقتل منكم رجلًا، فرفض عاصم، وقاتل حتى قتل، مع نَفَرٍ من أصحابه، وأسِرَ البقيَّةُ، وانطلق الأعداء بِخبَيْب بن عَدي، وزيد بن الدِّثِنَّةِ، وباعوهما بمكة، فقتلهما أهل مكة ثأرا لقتلاهم في بدر.
انظر تفصيل أخبار هذه السرِيَّة في: "صحيح البخاري" (4086). كتاب: المغازي، باب: غزوة الرجيع، و"المغازي" 1/ 354، و"سيرة ابن هشام" 3/ 160، و"الطبقات الكبرى" 2/ 55، و"تاريخ الطبري" 2/ 538.]]، فأُصِيبوا: ﴿لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا﴾.
وقال مجاهد [[الذي وقفت عليه عنه: قوله: (قول المنافق؛ عبد الله بن أبي بن سلول) "تفسير الطبري" 4/ 146، و"تفسير ابن أبي حاتم" 3/ 799.
وقد أورده السيوطي في "الدر" 2/ 158، إلا أن لفظه عنده: (هذا قول عبد الله بن أبي بن سلول، والمنافقين). ونسبه السيوطي إخراجه لهما، وزاد نسبته للفريابي، وعبد بن حميد وابن المنذر.]]، ومحمد بن إسحاق [[قوله في: "سيرة ابن هشام" 3/ 69، و"تفسير الطبري" 4/ 146، و"تفسير أبن أبي حاتم" 3/ 798.]]: يعني بـ ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾: جميعَ المنافقين.
وقوله تعالى:
﴿وَقَالُواْ لِإِخوَانِهِم﴾. أي: في النِّفَاق. وقيل: في النَّسَبِ [[ذكر القولِين: الثعلبي في: "تفسيره" 3/ 135 ب، ولم يعزهما لقائل. ورجح ابن == عطية القولَ بأنها أخُوَّةُ النَسَبِ، قائلا: (لأن قَتْلَى أُحُد كانوا من الأنصار، أكثرهم من الخزرج، ولم يكن فيهم من المهاجرين إلا أربعة). "المحرر" 3/ 389.]].
﴿إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ﴾ أي: ساروا وسافروا فيها. وكان [[من قوله: (وكان ..) إلى نهاية بيت الشعر: (.. ما كان في غد): نقله -بتصرف- عن "معاني القرآن"، للفراء 1/ 243 - 244، وأضاف إليه -مُلَفِّقا- بعضًا مِن كلام ابن الأنباري الذي أورده الأزهري في "التهذيب" 1/ 137 (إذ). وانظر: "الأضداد" لابن الأنباري 121.]] ينبغي في العَرَبِيَّةِ أنْ يُقَال: (وقالوا لإخوانهم إذْ [[(أ)، (ب)، (ج): (إذا). وهي خطأ. والمثبت من "معاني القرآن". وهي الصواب.]] ضَرَبُوا في الأرض)؛ لأنه ماضٍ، كما تقول: (ضربتك إذْ قُمْتَ)، ولا تقول [[(ضربتك إذ قمت ولا تقول): ساقطة من (ج).]]: (ضربتك إذا قُمْتَ). والذي في كتاب الله عَرَبِيٌّ حَسَنٌ، لأن القَوْلَ -وإن كان ماضيًا في اللفظ- فهو في معنى [[في (ج): (بمعنى) بدلًا من: (في معنى).]] الاستقبال؛ لأن (الذين) يُذْهَبُ بها إلى معنى الجزاء، وكذلك: (مَنْ)، و (ما). فإذا وقع الماضي صِلَةً لِمُبْهَمٍ مِنْ (مَنْ) و (ما) و (الذين)، جازَ أنْ يكون بمعنى الاستقبال [[يقول ابن عطية: (ودخلت (إذا) في هذه الآية -وهي حرف استقبال-؛ من حيث (الذين) اسمٌ فيه إبهام، ويعمُّ مَنْ قال في الماضي ومَنْ يقول في المستقبل، ومن حيث هذه النازلة تتصور في مستقبل الزمان). المحرر 3/ 389.]].
فقوله [[في (أ)، (ب): (بقوله). وساقطة من (ج). وليست في "معاني القرآن"، والمثبت هو ما اسْتَصْوَبْتُه.
ومن قوله: (بقوله ..) إلى (.. بمعنى الاستقبال): ساقط من (ج).]]: ﴿كَالَّذِينَ كَفَرُوا﴾، في معنى: يَكْفُرُونَ، فدخلت (إذا) لِمَعْنى الاستقبال؛ والتقدير: (لا تكونوا كالذين يكفرون [[في (ج): (كفروا).]]، ويقولون لإخوانهم إذا ضربوا في الأرض (ومثله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الحج: 25]؛ معناه: إنَّ الذين يكفرون. وكذلك قوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا﴾ [المائدة: 34]؛ معناه: يَتُوبُون. ومثله: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ [مريم: 60]؛ معناه: إلّا مَن يَتُوب.
ومشهورٌ في كلامهم، أنْ يقول الرجلُ للرجلِ: (لا تضربْ إلّا الذي ضَرَبَكَ؛ إذا سَلَّمْتَ عليه). فيجيء بـ (إذا)؛ لأن (الذي) غير مُؤَقَّت، فلو وَقَّته، لَقَالَ: (اضربْ هذا الذي ضَرَبَكَ؛ إذْ [[في (أ)، (ب): (إذا). والمثبت من (ج). وهو الصواب.]] سَلَّمْتَ عليه). ولا يجوز: (إذا سَلَّمْتَ) -ههنا-؛ لأنَّ توقيت (الذي) أبْطَلَ أنْ يكونَ الماضي في معنى المستَقبَلِ. وتقول: (ما هَلَكَ امرُؤٌ عَرَفَ قَدْرَهُ)؛ لأن الفعل حديثٌ عن مَنْكُورٍ؛ يُراد به الجنس؛ كأنَّ المتكلمَ يريد: (ما يهلك كُلُّ امرئٍ إذا عرف قدره)، أو الرَّجُل وما أشبهها [[في (ج): (أشبههما).]].
هذا مذهب الفراء [[في "معاني القرآن" له 1/ 244.]]، وأنشد:
وإنِّي لآتِيكمْ تَشَكُّرُ ما مَضَى ... مِنَ الأمرِ واستيجابَ ماكان في غَدِ [[البيت للطِّرِمّاح بن حكيم الطائي، وهو في: ذيل ديوانه 572، وورد منسوبًا له، في: "أمالي بن الشجري" 1/ 67، 2/ 53، 453، و"اللسان" 7/ 3962 (كون). وورد غير منسوب في: "معاني الفراء" 1/ 180، و"تفسير الطبري" 4/ 148، و"الخصائص" 3/ 331، و"سر صناعة الإعراب" 1/ 398، و"المحرر الوجيز" 3/ 390.
وردت روايته عند ابن الشجري: (من الود)، و (من البر)، و (من الأمس) بدلًا من: (من الأمر). كما وردت روايته: (.. في الغد). وفي "اللسان" (واستنجاز ما كان == في غد). وفي جميع المصادر السابقة -ما عدا "معاني القرآن"- ورد: (وإني)، والصواب ما ورد في الديوان، و"معاني الفراء" (فإني)؛ لأن جوابٌ للشرط الوارد في البيت الذي قبله، وهو:
مَنْ كان لا يأتيك إلا لحاجة ... يروح بها فيما يروح ويغتدي]] أي: ما يكون.
وأجاز [[في (ج): (وأجاب).]] قُطْرُب [[في كتاب "الأضداد" له 150 - 152. وانظر: "الأضداد" لابن الأنباري 119، فقد ناقش هذا الأمر، وأورد قول الأخفش هذا.]] أنْ تُوقَعَ (إذْ) على معنى (إذا)، و (إذا) على معنى (إذ)، واحتج بقول الشاعر:
ثمَّ جَزَاهُ اللهُ عَنِّي إذ جَزَى ... جَنَّاتِ عَدْنٍ في العَلالِيِّ العُلى [[البيت لأبي النجم العجلي. وقد ورد منسوبًا له في: المصادر السابقة، و"تفسير الطبري" 7/ 137، و"الصاحبي" 196، و"أمالي ابن الشجري" 1/ 67، 153، و"اللسان" 5/ 2716 (طها)، 1/ 50 (إذ) ولم يشبه هنا. وورد غير منسوب في: "تهذيب اللغة" 1/ 138. وقد ورد في كل المصادر السابقة: (.. جزاه الله عنا). (العلالي)، جمع: عُلِّيَّة -بكسر العين وضمها-، وهي الغُرْفة العالية في البيت. وأراد هنا (عِلِّيِّينَ) الواردة في القرآن. و (العُلَى)، جمع: عُلْيا. انظر: "عمدة الحفاظ" 379، 380 (علو).]]
معناه: إذا يجزي [[في (ج): (إذ يجزي). وفي "الأضداد"، لقطرب، وابن الأنباري: إذا جزى.]].
قال ابن الأنباري [[لم أقف على مصدر قوله، وليس هو في كتابه "الأضداد" الذي تعرض فيه لهذه المسألة.]]: والاختيار: مذهب الفراء؛ لأنه لا يصلح في كلِّ موضعٍ وَضْعُ [[في (أ): (وضُعَ). وفي (ب)، (ج): مهملة من الشكل. وما أثبته هو ما استصوبته.]] (إذ) في موضع (إذا)، ولا وَضْعُ (إذا) في موضع (إذ).
والذي احْتَجَّ به من قولِ الراجز، فإن معناه: (ثم جزاه الله عني، إذْ حَكَمَ بالجزاء وأوجبه). فـ (إذ) في بابها، غير منقولة إلى معنى غيرها [[انظر هذه المسألة في: "تفسير الطبري" 4/ 147 - 148، و"تهذيب اللغة" 1/ 138 (إذ)، و"اللسان" 1/ 50 (تفسير إذ).]].
وقوله تعالى: ﴿أَوْ كَانُوا غُزًّى﴾ (الغُزَّى) [[في (ب): (الغز).]]: جمع (غازٍ)؛ مثل: (شاهِدٍ، وشُهَّد)، و (نائِم ونُوَّم)، و (صائِمٍ وصُوَّم)، و (قائلٍ وقُوَّل). ومثله من الناقص: (عَافٍ وعُفًّى [[(العُفَّى، والعافِيَةِ والعُفَاة)؛ كلها جمعُ (عافٍ) و (مُعْتَفٍ)، وهو: كلُّ مَن جاءك يطلب رزقًا أو معروفًا، ويقال: (وفلان تَعْتَفِيه الأضيافُ) أو (هو كثير العُفَّى أو العافية)؛ أي: كثير الأضياف. انظر: "اللسان" 5/ 3019 (عفا).]]. ويجوز (غُزَاة)؛ مثل: (قُضَاة)، و (دُعَاة)، و (رُمَاة). ويجوز (غُزَّاء) مثل: (حُرَّاب) [[في (أ): (خراب) بالخاء. والمثبت من: (ب)، (ج)، و"معاني القرآن" للزجاج.]]، و (ضُرَّاب) [[انظر: "تفسير غريب القرآن" لابن قتيبة (107)، "معاني القرآن" للزجاج 1/ 481 - 482، و"تفسير الطبري" 4/ 147، و"إعراب القرآن" للنحاس 1/ 372 - 373، و"الدر المصون" 3/ 454، وقال: (ويقال: غُزَّاء -بالمد، أيضًا-، وهو شاذ).]].
ومعنى (الغَزْوِ) -في كلام العرب-: قَصْدُ العَدُوِّ. و (المَغْزَى): المَقْصد.
روى عَمْرُو [[في (أ)، (ب): (عمر). والمثبت من (ج)، و"تهذيب اللغة" 3/ 2661 - 2662؛ حيث نقل قول عمرو عنه بنصه. وعمرو هو: ابن أبي عمرو الشيباني (إسحاق بن مرار).]] عن أبيه: (الغَزْوُ): القَصْد. و-كذلك- (الغَوْزُ). و (قد غَزَاه، وغَازَه، غَزْوًا، وغَوْزًا): إذا قَصَدَه.
قال الأزهري [[قوله في: المصدر السابق 3/ 2662.]]: ويقال لِجَمْعٍ (الغَازِي): (غَزِيٌّ)؛ مثل: (نَاجٍ، ونَجِيٍّ)؛ للقوم يَتَناجَوْنَ، وأنشد لِزِياد [[في (أ)، (ب): (الزياد). والمثبت من (ج)، وهو الصواب؛ لأن اسمه (زياد) في المصادر التي تَرْجَمَت له، وليس (الزياد). وفي "التهذيب" (وقال زياد الأعجم). وهو: زياد بن سَلْمَى، وقيل: زياد بن جابر بن عمرو بن عامر، من عبد القيس، وقيل له الأعجم، لِلُكْنَة كانت فيه، شاعر إسلامي، شهد فتح إصطخر، وتوفي في حدود المائة للهجرة.
انظر: "الشعر والشعراء" ص 279، و"معجم الأدباء" 3/ 352.]] الأعجم:
قُلْ لِلْقَوافِلِ والغَزِيِّ إذا غَزَوْا ... والباكِرِينَ ولِلْمُجِدِّ الرَائحِ [[البيت، ورد في: "تهذيب اللغة" 3/ 2662 (غزا)، و"إعراب القرآن"، للنحاس ص 373، و"الأمالي" لأبي عبد الله اليزيدي 1، و"ذيل الأمالي" للقالي 3/ 8، و"أمالي المرتضى" 2/ 199، و"اللسان" 6/ 3253 (غزا)، و"المقاصد النحوية" 2/ 502.
وقد اختلف في نسبته، فقال اليزيدي في "الأمالي" (وقد قال لي الأصمعي، يرويها للصلتان العبدي). وقال القالي: (وكان في كتابي للصَّلتان، فقال [يعني ابن دريد]: هي لزياد الأعجم؛ وكان ينزل إصْطَخر، ورثى بهذه القصيدة المغيرة بن المهلب بن أبي صفرة. قال: وأنشدنا هذه القصيدة أبو الحسن الأخفش لزياد الأعجم). "ذيل الأمالي" 3/ 8.
وقال ابن منظور: (رأيت في حواشي ابن برِّي أن هذا البيت للصليان [هكذا في "اللسان"، بالياء] العبدي، لا لزياد. قال: وقد غلط أيضًا في نسبتها لزياد، أبو الفرج الأصبهاني، صاحب الأغاني، وتبعه الناس على ذلك). "اللسان" 6/ 3253. والصَّلَتَان، هو: قُثَم بن خبيئة، من عبد القيس.
انظر: "الشعر والشعراء" (331)، و"معاهد التنصيص" 1/ 74.
وقد ورد في بعض المصادر: (والغزاة إذا غزو) وليس فيها موضع للشاهد. وورد: (للباكرين).
و (القوافل): جمع (قافِلَةٍ)، وهي: الرُّفْقَة الراجعة من سفرها إلى وطنها.
و (الباكِرِين): المُسْرِعين في الذهاب من أوَّلِ النهار. و (المُجِدّ الرائح): المجتهد في رجوعه آخر النهار، أو المجتهد في السير في وقت الرواح، وهو: من الزوال إلى الليل. والشاهد في البيت قوله: (الغَزِيِّ)، وهي جمعُ (غازٍ).
انظر: "اللسان" 3/ 1763 (روح)، و"الخزانة" 10/ 5.]] وفي الآية محذوفٌ، يَدُلُّ عليه الكلامُ؛ والتقدير: إذا ضَرَبُوا في الأرض، فَمَاتُوا أو كانوا غُزًّى فَقُتِلُوا، ﴿لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا﴾ [[(وما قتلوا): ليس في (ج).]].
فقوله: ﴿مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا﴾؛ يَدُلُّ على موتِهم وقَتْلِهم.
وقوله تعالى: ﴿لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ﴾ أي: لِيَجْعَلَ ظَنَّهُمْ -أَنَهم لو [لم]، [[ما بين المعقوفين ساقط من (أ)، (ب)، والمُثبت من (ج).]] يَحْضُروا [[في (ب): (حضروا).]] الحربَ؛ لاندفع عنهم القتلُ- حَسْرَةً في قلوبهم. وحَسْرَتُهُم -في مَقَالَتِهم، التي كانوا كاذبين فيها على القضاء والقدر-؛ أشَدُّ [[في (أ): (اشتد). وفي (ب): (واشتد). والمثبت من (ج).]] عليهم مما [[في (ب): (فيما).]] نالهم في قَتْلِ إخوانهم ومَوْتِهم.
وتقدير الآية: لا تكونوا كهؤلاء الكفار في هذا القول منهم؛ لِيَجْعَلَ اللهُ ذلك حسرةً في قلوبهم دونكم. فـ (اللام) في ﴿لِيَجْعَلَ﴾ متعلقة بـ ﴿لاَ تَكُونُوا﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ أي [[من: (أي ..) إلى (.. في علم الله): نقله -بتصرف يسير جدًا- عن "معاني القرآن" للزجاج 1/ 824.]]: ليس يمنع الإنسانَ تَحَرُّزُهُ مِن إتْيَان أجَلِهِ على ما سَبَقَ في عِلْمِ الله -عز وجل-. فهو إنكارٌ على مَن خالفَ أمْرَ اللهِ في الجهاد؛ طَلَبًا [[في (أ) ، (ب)، (ج): (وطلبًا). ولم أر للواو وجهًا -هنا- فحذفتها.]] للحياة، وهَرَبًا من الموت. هذا قول أكثر المفسرين في هذه الآية [[انظر: المصدر السابق، و"تفسير الطبري" 4/ 148.]].
وقال ابن عباس -في رواية عطاء [[لم أقف على مصدر هذه الرواية.]] - في قوله: ﴿لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ﴾ ، يريد: يومَ القِيَامَةِ؛ لِمَا هم فيه من الخِزْيِ والهَوَان، ولما فيه أولياء [[في (ج): (لأولياء).]] الله مِنَ الكَرَامَةِ والنَّعِيم. ﴿حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ﴾؛ يريد: الندامة على ترك الإسلام.
﴿وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾؛ يريد: يحيى قلوبَ أوليائه وأهلِ طاعته، وُيرْشِدُهم للعمل بطاعته، وُيميت قلوبَ أعدائِهِ من المنافقين والكُفَّار. واللَّام [[في (ج): (فاللام).]] -على هذا التفسير- في قوله ﴿لِيَجْعَلَ اَللَّهُ﴾ متعلق [[في (ب): (تتعلق).]] بقوله ﴿كَفَرُوا﴾؛ على [أنها] [[ما بين المعقوفين زيادة أضفتها لتستقيم بها العبارة]] لام العاقبة [[وتُسمَّى لام الصيرورة، ولام المآل.]]؛ مثل قوله: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ [[سورة القصص: 8. وبقيتها: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ﴾. وينسب القول بأن اللام -هنا- لام الصيرورة، للأخفش، وليس هو رأي أكثر النحويين. قال ابن هشام: (وأنكر البصريون ومن تابعهم، لامَ العاقبة. قال الزمخشري: والتحقيق أنها لام العلة، وأن التعليل فيها وارد على طريق المجاز، دون الحقيقة، وبيانه: أنه لم يكن داعيهم إلى الالتقاط أن يكون لهم عَدُوًّا وحَزَنا، بل المحبةَ والتَّبنِّي، غير أن ذلك لما كان نتيجة التقاطهم له وثمرته، شُبِّه بالداعي الذي يُفعَلُ الفعل لأجله. فاللام مستعارة لما يشبه التعليل، كما استعير الأسدُ لمن == يشبه الأسدَ). "مغني اللبيب" 283.
وانظر: كتاب "معاني الحروف" للرماني 56، و"الدر المصون" 3/ 454 - 456، و"همع الهوامع" 4/ 200.]].
وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ بالياء والتاء [[قرأ ﴿يَعْمَلُونَ﴾ بالياء: ابن كثير، وحمزة، والكسائي، وخلف. وقرأ الباقون: نافع، وأبو عمرو، وابن عامر، وعاصم، وأبو جعفر، ويعقوب: ﴿تَعْمَلُونَ﴾ بالتاء.
انظر: "السبعة" 217، و"الحجة" للفارسي 3/ 91، و"المبسوط" لابن مهران 148، و"إتحاف فضلاء البشر" ص 181.]]. فمن قرأ بالتاء؛ فلأن الآية خطاب، وهو قوله: ﴿وَلَا تَكُونُوا﴾. ومن قرأ [الياء] [[ما بين المعقوفين ساقط من: (أ). والمثبت من (ب)، (ج).]]، فلِلْغَيْبَةِ التي قبلها؛ وهو قوله: ﴿وَقَالُوا لِإخوَانِهِم﴾، فحمل الكلام على الغَيْبَةِ.
آل عمران 3:157
قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾.
اللام في ﴿لَئِنْ﴾ لام القَسَم؛ بتقدير: والله لَئِنْ قُتِلتُمْ في سبيل الله -أيها المؤمنونَ- ﴿أَوْ مُتُّمْ﴾؛ يريد: في سبيل الله؛ كقوله: ﴿وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ﴾ [الأحزاب: 35]؛ يعني: فُرُوجَهم. وقال الكَلْبِيُّ [[لم أقف على مصدر قوله. وانظر: "بحر العلوم" 1/ 310، و"زاد المسير" 1/ 485.]]: أوْ مُتُّمْ في إقامتكم، وأنتم مؤمنون.
وقرأ بعضهم: ﴿مِتُّمْ﴾ بكسر الميم [[هي قراءة: نافع، وحمزة، والكسائي، وخلف. وقد كسروا الميم في: ﴿مِتَّ﴾، و ﴿مِتْنَا﴾، و ﴿مِتُّمْ﴾ في كل القرآن. وقد كسر عاصم -في رواية حفص- هذه الكلمات في كل القرآن، ما عدا ما ورد في سورة آل عمران ﴿مُتُّمْ﴾: الآية 157، 158 فقد رفعهما.
ورفع الميم فيها في كل القرآن: ابن كثير، وعاصم -في رواية أبي بكر-، وأبو == عمرو، وابن عامر، وأبو جعفر، ويعقوب.
انظر: "الحجة"، للفارسي 3/ 92، و"المبسوط" لابن مهران 148، و"إتحاف فضلاء البشر" ص 181.]].
قال أهل اللغة [[نقله باختصار عن "الحجة" للفارسي 3/ 93، وانظر: "كتاب سيبويه" 4/ 343.]]: الأشهر الأقْيَس: (مُتَّ، تَمُوتُ)، مثل: (قُلْتَ، تقول). والكسر شادٌّ [[الشذوذ -هنا- هو الشذوذ في القياس، لا في الاستعمال. انظر: "الكشف" لمكي 1/ 362، و"شرح الشافية" 1/ 135.]]. ونظيره في الصحيح [[يعني بـ"الصحيح" الفعل الصحيح الذي سلمت حروفه الأصلية من حرف العلة.]]: (فَضِلَ يَفْضُلُ) [[(يفضل): ساقطة من (ج).
وفي (أ)، (ب): فصل، يفصل -بالصاد-. والمثبت من "الحجة" للفارسي، و"كتاب سيبويه"، و"كتاب العين"، للخليل 7/ 44 (فصل)، وهي التي وردت في كتب اللغة والتصريف، مِثالًا على الشذوذ عن القياس؛ لأن القياس في مضارع (فَعِلَ)، هو: (يَفعَل) -بفتح العين-.
ونقل ابنُ السكيت عن أبي عبيدة، أنه (ليس في الكلام حرفٌ من السالم يشبه هذا). "إصلاح المنطق" 212.
قال في "اللسان" (وفَضَلَ الشيءُ يَفْضُلُ، مثال: (دَخَلَ يدخُلُ). وفَضِلَ يَفضلُ، كـ (حَذِر يحذَرُ). وفيه لغة ثالثة مركبة منهما: فَضِلَ -بالكسر-، يَفضُل -بالضم-، وهو شاذ لا نظير له. قال ابن سيدهْ: هو نادر) 11/ 525 (فضل).]].
هذا مذهب الخليل [[انظر: "كتاب سيبويه" 4/ 343 - 345، و"التكملة" للفارسي 979، و"حجة القراءات" 178، و"الكشف" 1/ 362، و"الدر المصون" 3/ 458 - 459، و"شرح الشافية" 1/ 135 - 137.
ونسب الخليل (فضِل يفضُل) لأهل الحجاز. انظر: "العين" 7/ 44.]].
وحكى المُبرِّد [[لم أقف على مصدر قوله. == وقول المؤلف: (هذا مذهب الخليل، وحكى المبرد): ليس في "الحجة"، للفارسي. وما بعده إلى نهاية بيت الشعر، في "الحجة".]]: أنَّ (مَاتَ يَمَاتُ)، لغة، مثل: (هَابَ يَهَابُ)، و (خافَ يَخَافُ)، وأنشد:
عِيشِي ولا يَوْمِي بِأنْ تَمَاتِي [[شطر بيت من الرجز، لم أقف على قائله.
وقد ورد غير منسوب في: الجمهرة، لابن دريد 3/ 1308، و"الحجة" للفارسي 3/ 93، و"الصحاح" 1/ 267 (موت)، و"تفسير القرطبي" 1/ 220، و"شرح الشافية" 1/ 137، و"اللسان" 7/ 4295 (موت)، و"الدر المصون" 1/ 174، 3/ 458، و"شرح شواهد الشافية" 57.
وتمام البيت:
بنيتي سيدة البنات ... عيشي ولا يومي بأن تماتي
وقد ورد في بعض المصادر: (بُنيَّ يا سيدة ..)، وورد: (ولا نأمن أن ..)، و (لا يُؤمَنُ أن ..). أما (يَوْمي) فقد وردت في (الجمهرة)، و"الحجة" فقط من المصادر السابقة. وورد: (بنيتي يا خِيرَة البنات). قال ابن دريد عن (مِتَّ تمات): (وأكثر ما يتكلم بها طيِّئ، وقد تكلم بها سائر العرب). "الجمهرة" 3/ 1308.]]
فإن ثَبَتَ هذا، فهو لُغَةٌ.
قالَ ابنُ عباس [[لم أقف على مصدر قوله.]]: هذه الآية رَدٌّ على المنافقين؛ حيث اختاروا الدنيا على الآخرة، وتركوا الجهاد؛ مَحَبَّةً للدنيا. فقيل للمؤمنين: ﴿وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ﴾ في الجهاد ﴿أَوْ مُتُّمْ﴾ ليغفرن لكم، وهو ﴿خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾.
وقوله تعالى: ﴿لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ﴾.
﴿لَمَغْفِرَةٌ﴾ [[ما بين المعقوفين مطموس في (أ). والمثبت من (ب)، (ج).]]: جواب القسم. وقد قام مقام جواب الجزاء.
وقوله تعالى: ﴿خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ أي: من أعراض الدنيا، التي يتركون القتال [[في (أ)، (ج): (للقتال). والمثبت من (ب). وهي الصواب انظر: "الحجة"، للفارسي 3/ 94، فقد وردت العبارة فيه.]] في سبيل الله؛ للاشتغال بجمعها.
وروي عن ابن عباس، أنه قال [[لم أقف على مصدر قوله. وقد ورد في "زاد المسير" 1/ 485.]]: ﴿تَجمَعون﴾ [[قرأ ﴿تَجمَعُونَ﴾ -بالتاء- كلُّ القرَّاءِ، ما عدا عاصم في رواية حفص؛ حيث قرأها: ﴿يَجمَعُونَ﴾ بالياء. انظر: "الحجة" للفارسي 3/ 94، و"الكشف" 1/ 362.]]: خطاب المنافقين؛ لأنه قال: ﴿خَيْرٌ مِمَّا تَجْمَعُون﴾ [[في (ج): (يجمعها).]] يا معشرَ المنافقين. ومثله، قال الكَلْبِيُّ [[لم أقف على مصدر قوله.]].
وقرأ حَفْص، عن عاصم: ﴿يَجمَعُونَ﴾ -بالياء-. ويكون المعنى: لَمَغْفِرةٌ مِن اللهِ ورَحْمَةٌ، خيرٌ مِمَّا يجمعُهُ غَيْرُكُم، مِمَّا تَرَكوا القِتَال لِجَمْعِهِ [[انظر: "الحجة" للفارسي 3/ 93.]].
آل عمران 3:158
قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ مُتُّمْ﴾ قال المفسرون: يريد: مقيمين عن الجهاد. ﴿أَوْ قُتِلْتُمْ﴾؛ يريد: مجاهدين [[انظر: "بحر العلوم" 1/ 310، و"زاد المسير" 1/ 485.]].
﴿لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ﴾؛ يعني: في الحالين. وهذا تهديد بالحشر، وتحذير من القيامة.
واللام في ﴿لَئِنْ﴾ خلف من القسم. والثانية [[أي (اللام) التي في قوله: ﴿لَإِلَى اللَّهِ﴾.]]: جواب، على معنى: والله إن متم، أو قتلتم لتحشرون إلى الله.
قال أبو عبيد: وتقول في الكلام: (لَئِن أحسنتَ إِليَّ؛ لأحْسِنَنَّ إليك) -بالنُّونِ-. فإذا حُلْت بينهما بالصفة [[(بالصفة): ساقطة من (ج). ويعني بـ (الصفة): حرف الجَرِّ.]]، قلت: (لَئِن أحسنتَ إليَّ، لإليكَ أُحْسِن) -بغير نُونِ-. كما في الآية-، لأن اللام قد تحولت إلى الصفة [[انظر: "الأصول في النحو" 2/ 166، و"البسيط في شرح جمل الزجاجي" 2/ 919.]].
آل عمران 3:159
قوله تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾.
أكثر النحويِّينَ على أنَّ (ما) -ههنا- صِلَةٌ [[(صلة)؛ بمعنى زيادة.]]، لا تمنع الباءَ مِن عَمَلِها فيما عملت فيه، وهي مع كونها صلةً، تُحْدِثُ معنى التأكيد [[في (ب): (التوكيد).]] وحُسْن النَّظْم. وهي كثيرةٌ في القرآن؛ كقوله: ﴿عَمَّا قَلِيلٍ﴾ [المؤمنون: 40]، و ﴿جُندٌ مَّا﴾ [ص: 11]، ﴿فبَمَا نَقضِهِم﴾ [النساء: 155]، ﴿مِمَّا خَطَايَاهُمْ﴾ [[المؤلف -هنا- أوردها على قراءة أبي عمرو: ﴿خَطَايَاهُم﴾. وقرأ الباقون: ﴿خَطِيئَاتِهِمْ﴾. انظر: "الكشف" لمكي 2/ 337، و"إتحاف فضلاء البشر" (425). وممن ذهب إلى كون (ما) -هنا- (صِلَة):
الفراء في: "معاني القرآن" 114، والمبرد في "الكامل" 1/ 342، والطبري في "تفسيره" 4/ 150، وكراع النمل في "المنتخب" 2/ 687، والزجاج في "معاني القرآن" 1/ 482، وابن شقير في "المحلى ووجوه النصب" 290، وابن جني في "سر صناعة الإعراب" 1/ 261، والثعلبي في "تفسيره" 3/ 136 أ، والسفاريني في "لباب الإعراب" 463.
قال الزجاج في "معاني القرآن" 1/ 482: "ما" بإجماع النحويين -هنا- صِلَةٌ، لا تمنع الباء من عملها فيما عملت.]] [نوح: 25].
[وتكثر] [[ما بين المعقوفين مطموس في (أ). والمثبت من (ب)، (ج).]] -أيضًا- في الشعر؛ قال امرؤ القيس:
وقاهم جَدُّهُمْ بِبَني أبِيهم ... وبالأشْقَيْنَ ما كانَ العِقَابُ [[البيت في "ديوانه" 45. وورد منسوبًا له في "الأصمعيات" 131، و"الشعر والشعراء" 54، وكتاب "المعاني الكبير" 2/ 886، و"فصل المقال" للبكري 385. البيت من قصيدة قالها الشاعر حين غزا بني أسد فأخطأهم، وأصاب بني كنانة بدلًا منهم، وهو لا يدري. و (الجَدُّ) -هنا-: الحظ والبخت.
أي: أن بني أسد وقاهم حظهم من سطوته، بقتل بني عمهم -بني كنانة- لأن أسد وكنانة أخوان.
والشاهد في البيت زيادة (ما) في قوله: (وبالأشقين ما كان العقاب). ويجوز كون (ما) مع الفعل بتأويل المصدر؛ أي: وبالأشقَيْن كون العقاب.]]
أراد: (وبالأشْقَيْنَ [[في (ج): (بالأشقين). بدون واو.]] كان العِقَابُ) [[(العقاب): ساقطة من (ج).]].
وقال النابغة:
المرءُ يَهْوَى أنْ يَعِيـ ... ـشَ وطُولُ عَيْشٍ ما يَضُرُّهْ [[البيت نسب للنابغة الذبياني، وقد ورد في ديوانه 122. ونسبته له المصادر التالية: "الشعر والشعراء" 85، و"جمهرة أشعار العرب" (63)، و"الأضداد" لابن الأنباري 196. ونسب للنابغة الجعدي، وقد ورد منسوبًا له في "ديوانه" 191.
ونسبته إليه المصادر التالية: "الأمالي" للقالي 2/ 8، و"الأمالي" للمرتضى 1/ 266، و"الأشباه والنظائر في النحو" للسيوطي 5/ 163، و"خزانة الأدب" 3/ 172.
وقد ورد في الشعر المنسوب لِلَبِيد. انظر "ديوانه" 356.
وأورده ابن الشجري في "أماليه" 2/ 365، ونسبه لبعض المُعمِّرِين.
وورد في: "المدخل" للحدادي 146، و"زاد المسير" 1/ 485 ونسباه للنابغة ولم يحددا مَن مِنهما. == وورد غير منسوب في: "أمالي الزجاجي" 111، و"النكت والعيون" 2/ 911. وورد البيت بروايات عدة منها: (المرء يرغب في الحياة)، و (المرء يأمل أن يعيش). و (المرء يهوى ما يعيش). وورد: (وطول عيش ..)، و (وطول عمر ..). وورد: (قد يضره) بدلًا من: (ما يضره) وليس فيها موضع الشاهد.
ويجوز أن تكون (ما) في البيت بمعنى (الذي)، والتأويل: وطول عيش الذي يضره. انظر: "الأضداد"، لابن الأنباري 196.]] أراد: (وطول عيش يَضُرُّهْ). فأكد الكلام بـ (ما).
والعرب قد تزيد في الكلام ما يُسْتغنى عنه؛ للتأكيد؛ كقوله: (أنت فعلت كذا وكذا؛ يا هذا!) فأدخلوا (يا هذا)؛ للتأكيد؛ إذ كانت (أنت) دالاًّ على الخطاب. وكذلك قولهم: (لَمَّا أنْ زارني عبد الله، زُرْتُه). معناه: لَمَّا زارني [[انظر: "مغني اللبيب" 50.]].
قال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ﴾ [يوسف: 96]، أراد: فلَمَّا جاء. فأكّد بـ (أنْ) [[في (ج): (أن). بدلًا من: بأن.]]. وكذلك قولهم:
يا تَيْمَ تَيْمَ عَدِيٍّ [[في (أ)، (ب): (يتم يتم)، والمثبت من (ج)، ومصادر الشاهد. وهذا جزء من بيت شعر لجرير، وهو في "ديوانه" 219، وتمامه:
يا تيمَ تيمَ عَدِيٍّ لا أبا لكُمُ ... لا يُوقِعَنَّكمُ في سَوْأةٍ عُمَرُ
وقد ورد منسوبًا له في: "كتاب سيبويه" 1/ 53، 2/ 205، و"الكامل" 3/ 217، و"المقتضب" 4/ 229، و"اللامات" 101، و"الخصائص" 1/ 345، و"العمدة" 2/ 841، و"شرح المفصل" 2/ 10، 105، و"اللسان" 1/ 18 (أبي)، و"المقاصد النحوية" 4/ 240، و"شرح شواهد المغني" 2/ 855، و"خزانة الأدب" 2/ 298، 301، 4/ 99، 107، 8/ 317، 10/ 191.= وورد غير منسوب في: "الأصول في النحو" 1/ 343، و"أمالي ابن الشجري" 2/ 307، و"شرح ابن عقيل" 3/ 17، و"ارتشاف الضرب" 3/ 315، و"منهج السالك". 3/ 153، و"همع الهوامع" 5/ 196، 2/ 122، و"الدرر اللوامع" 2/ 154.
وورد في أكثر المصادر: (لا يُلْقِيَنَّكُمُ في سوأة ..).
والبيت من قصيدة قالها الشاعر في هجاء عمر بن لَجَأ التَيْمِي. ويعني بـ (تيم): تيم بن عبد مناة بن أدّ. و (عدي) أخو (تيم). وأضاف (تيم) إلى (عدي) تخصيصًا، وتمييزًا لهم عن بطون عدة كلها تُدْعَى تَيْمًا. وقوله: (لا أبا لكم)، أصلها: أن يُنسب المخاطبُ إلى غير أب معلوم؛ شتمًا له، ثم كثرت في الاستعمال حتى جُعلت في كل خطاب يغلظ فيه على المخاطب. و (السوأة): الفعلة القبيحة.
يريد الشاعر تحذير بني تيم، وهي قبيلة عمر بن لجأ، بأن يمنعوا عمر من التعرض للشاعر بهجاء؛ وإلّا فإن الشاعر سيتعرض لِتَيْم في شعره، ويلقيهم في بلِيَّة، هم في غنى عنها.
ويجوز في (تيم) الأولى الضمُّ، على أنه منادى مفرد عَلَم، ويحوز النصبُ على تقدير إضافته إلى ما بعد (تيم) الثانية، أو بتقدير إضافته إلى محذوف وهو: (عدي). (وتيم) الثاني لا يجوز فيه إلا النصب على أنه منادى مضاف، أو مفعول بإضمار (أعني)، أو عطف بيان، أو توكيد، أو بدل. انظر: "ارتشاف الضرب" 3/ 135. والشاهد فيه: تكرير (تيم) للتأكيد.]] أكد الكلام بـ (تَيْم) [[في (أ)، (ب): يتم. والمثبت من (ج).]] الثاني. هذا قول أكثر أهل التأويل.
وقال بعضهم [[لم أقف على القائل. وممن أورد هذا القول ممن سبق المؤلف: الثعلبيُّ في "تفسيره" 3/ 136 أ، قائلاً: (وقال بعضهم: ..) ولم يعين.]]: يجوز أن تكون (ما) استفهامًا للتعجب [[ورد في: (ج) في هذا الموضع كلمة زائدة، لا وجه لها، وهي: (قوله).]]، تقديره: (فَبِأَيِّ رَحْمَةٍ مِنَ اللهِ لِنْتَ لهم؟!)؛ أي: سَهُلَتْ لهم أخلاقُكَ، وكثر احتمالك [[وقد جوز هذا الرأي الفخر الرازي في "تفسيره" 9/ 64 قائلًا: (وقال المحققون: دخول اللفظ المهمل الضائع في كلام أحكم الحاكمين، غير جائز)، ثم ذكر هذا الرأي واستصوبه.
والذي دفع لهذا الرأي هو تنزيه كتاب الله من أن يكون فيه حرف زائد مهمل، لا معنى له. وهذا فيه نظر؛ لأن القائلين بزيادة (ما) ويغرها من الحروف، لا يقصدون جواز سقوطها، وأنها مهملة لا معنى لها، بل يقولون: إنها مَزيدة لمعنًى مقصود، وهو -هنا- في (ما): التوكيد؛ أسوة بسائر ألفاظ التوكيد الواردة في القرآن. وكون (ما) للاستفهام التعجبي، قد رَدَّه علماءُ النحو، من ناحية الصناعة النحوية، ومنهم: ابن هشام في "المغني" 394، وأبو حيان في "البحر المحيط" 3/ 98، والسمين الحلبي في "الدر المصون" 3/ 362.]].
وقوله تعالى: ﴿لِنْتَ لَهُمْ﴾ (لانَ، يَلِينُ، لِينًا) [[ضُبطت: (لَيْنًا) بفتح اللام، في "تهذيب اللغة" 4/ 3314 (لين)، و"تفسير الثعلبي" 3/ 136 أ، وضبطت في بقية المصادر اللغوية التالية: (لينا) بكسر اللام.]]، و (لَيَانًا) -بالفتح: إذا رَقَّ، وحَسُنَ [خُلُقُهُ] [[ما بين المعقوفين زيادة من (ج).]]، وانْقادَ [[ورد في مصادر اللغة: اللِّين: ضد الخشونة، قال الراغب: (ويستعمل ذلك في الأجسام، ثم يستعار للخُلُق وغيره من المعاني). "مفردات ألفاظ القرآن" 752 (لين). أما (اللِّيان) بكسر اللام فمصدر الملاينة، يقال: (لايَنْته مُلايَنْة)، و (لِيَانا). انظر (لين) في: "جمهرة اللغة" 2/ 989، و"الصحاح" 6/ 2198، و"المقاييس" 5/ 225، و"اللسان" 7/ 4117، و"القاموس" (1232).]].
قال الشاعر:
وإنْ هي أعطتك اللَّيانَ كأنها ... لِغَيرك مِن خُلّانِها سَتَلِينُ [[البيت، لكُثَيِّر عَزَّة وقد ورد منسوبًا له في: "زهر الآداب" 1/ 17. وليس في ديوانه، وأورده محقق ديوانه وجعله مما نُسِب له، وأحال على المصدر السابقة == انظر "ديوانه" 176.
ورواية البيت في المصدر السابق:
وإن هي أعطتك الليان فإنها ... لآخر من خلانها ستلين]] وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا﴾ الفظُّ [[من قوله: (الفظ ..) إلى (.. وأصله صبب): نقله -بتصرف- عن "معاني القرآن"، للزجاج: 1/ 483.]]: الغليظ الجانب، السَّيّءُ الخُلُق [[انظر: "تهذيب اللغة" 3/ 2806 (فظظ)، و"الفرق بين الحروف الخمسة" 155، و"زينة الفضلاء" للأنباري 98.]]. يقال: (فَظِظْتَ، تَفَظُّ، فَظَاظَةً، وَفِظَاظًا)، فأنت فَظٌّ [[انظر: "اللسان" 6/ 3437 (فظظ). قال الراغب: (الفظُّ: الكريه الخُلُق؛ مستعار من: (الفظِّ)؛ أي: ماء الكرش، وذلك مكروه شربه، لا يتناول إلا في أشدّ ضرورة). "مفردات ألفاظ القرآن" 640 (فظظ).]]، وأصله. (فَظِظٌ)؛ كقولك: (حَذِرٌ) [[في (أ): (حَذِرَ) بفتح الراء، وفي (ب)، (ج): مهملة من الشكل، والصواب ما أثبت.]]؛ من: (حَذِرْتَ) [[في (أ): (حَذَرت) بفتح الذال، وفي (ب)، (ج): مهملة من الشكل، والصواب ما أثبت، وهي بكسر الذال. انظر: (حذر) في: "التهذيب" 1/ 767، و"القاموس" 373.]]، و (فَرِقٌ) [[في (أ): (فَرِق) بفتح القاف. وفي (ب)، (ج): مهملة من الشكل. والصواب ما أثبت. يقال: (رجلٌ فَرقٌ): شديد الفزع. انظر: "القاموس" 917 (فرق).]]؛ مِن: (فَرِقْتَ). إلّا أنَّ ما كان مِن المضاعف على هذا الوزن، يُدْغَم؛ نحو: (رَجُلٌ صَبٌّ) [[في (أ): (صبِّ)، وفي (ب)، (ج): مهملة من الشكل. والصواب ما أثبت. يقال: (رجلٌ صبُّ): بيِّنُ الصَّبَابَة. والصبابة: رِقّة الشَّوْق. انظر: "جمهرة اللغة" 1/ 71 (صب)، و"المخصص" 4/ 61.]]. وأصله: صَبِبٌ) [[في (أ): (صبَبٌ) بفتح الباء الأولى، وفي (ب)، (ج): مهملة من الشكل، == والصواب ما أثبت.
قال سيبويه عن (صَبِّ): (زعم الخليل أنها (فَعِلٌ)؛ لأنك تقول: (صَبِبْتُ صبابة)، كما تقول: (قَنِعْتُ قَناعةً)، و"قَنِعٌ". "كتاب سيبويه" 4/ 419. وانظر: "المخصص" 4/ 61.]].
قال الكلبي [[قوله في: "تفسير الثعلبي" 3/ 136 ب.]]: ولو كنت فظًّا في القول، غليظ القَلْبِ في الفعل [[قال السمين الحلبي: (وعن الغِلْظَةِ تنشأ الفظاظة، فلم قُدِّمت؟ فقيل: قدِّم ما هو ظاهر للحسِّ، على ما هو خافٍ في القلب؛ لأنه كما تقدم أن الفظاظة: الجفوة في العشرة قولًا وفعلًا. والغِلْظُ: قساوة القلب، وهذا أحسن من قَوْلِ من جعلهما بمعنًى، وجمع بينهما). "الدر المصون" 3/ 463.]]. ﴿لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ أي: لَتَفَرَّقوا وَنَفَرُوا منك؛ كما تتطاير شظايا الشيء المتكَسِّر.
والفَضُّ: الكسر والتفريق [[انظر: "تهذيب اللغة" 3/ 2799 (فض)، و"الفرق بين الحروف الخمسة" 156، و"زينة الفضلاء" 98.]]. يقال: (فَضضْتَ القومَ، فانْفَضُّوا). ومنه يقال: (لا يَفْضُضِ اللهُ فاكَ) [[معناه لا يكسر الله أسنانك، ويفرِّقها. والفم يقوم مقام الأسنان. وقد يقال: (لا يُفْضِ الله فاك)، ومعناه حينها: لا يجعل الله فاك فضاءً، لا أسنان فيه.
انظر: "الزاهر" 1/ 274 - 277، و"تهذيب اللغة" (فض) 3/ 2799، و"الفائق" 3/ 123، و"النهاية في غريب الحديث" 3/ 453.]].
قال الزّجاج [[في "معاني القرآن" له 1/ 482. نقله عنه بنصه.]]: المعنى: إنَّ لِينَكَ لهم، يُوجِبُ [[في "المعاني" مما يوجب.]] دخولهم في الإسلام [[في "المعاني" في الدين.]]؛ لأنك تأتيهم بالحُجَجِ والبراهين، مع لِينٍ وخُلُقٍ عظيم.
وقوله تعالى: ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ﴾. أي: ما فعلوا يومَ أُحُد حتى أشفعك فيهم. وقال الكلبي: فاعف عنهم أي الشيء يكون منهم و ﴿وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾. مِنْ ذلك الذَنْب.
وقوله تعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ يقال: (شَاوَرَ مُشَاوَرَةً)، و (شِوارا) [[في (ج): (سوارا).]]، و (مَشُورَةً) [[قال في (لسان العرب): (والمَشُورَة بضم السين (مَفْعَلة) ولا تكون (مفعولة)؛ لأنها مصدر، والمصادر لا تجيء على مثال (مفعولة)، وإن جاءت على مثال (مفعول)، وكذلك المَشْوَرَة) 4/ 2358 (شور).]]، و (مَشْوَرَةً) [[(ومَشْوَرة): ساقطة من (ج). انظر (شور) في: "تهذيب اللغة" 2/ 1803، و"اللسان" 4/ 2358.]]. و (القوم شُورى). وهي مصدرٌ، سُمِّي القومُ بها، كقوله: ﴿وَإِذْ هُمْ نَجْوَى﴾ [[في (ج): (فإذا).]] [الإسراء: 47].
وقد ذَكَرْنا أمْرَ هذه الكلمة وما فيها، عند قوله: ﴿عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ﴾ [البقرة: 233].
قال أصحاب المعاني [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 483. ومن قوله: (قال أصحاب المعاني ..) إلى نهاية تفسير هذا المقطع: موجود في "تفسير الثعلبي" 3/ 137أ. نقله عنه بالمعنى.]]: هذه عامَّةٌ في اللفظ، خاصَّةٌ في المعنى؛ لأن المعنى: وشاورهم فيما ليس عندك فيه من الله [[في (ب): (من الله فيه) بدلًا من (فيه من الله).]] أَمْرٌ وَوَحْيٌ [[في (ج): (ورحى).]] وعَهْد. يدل عليه: قراءةُ ابن عباس: (وشاورهم في بعض الأمر) [[أخرج هذه القراءة عنه البخاري في "الأدب المفرد" رقم (257)؛ وابن أبي == حاتم في "تفسيره" 3/ 802، وذكرها ابن جني في "المحتسب" 1/ 175، وأبو الليث في "بحر العلوم" 1/ 311، والثعلبي في "تفسيره" 3/ 137أ، وابن الجوزي في "زاد المسير" 1/ 489، ونسبها -كذلك- إلى ابن مسعود، وذكرها السيوطي في "الدر المنثور" 2/ 160 وقال: (بسند حسن)، وزاد نسبة إخراجها إلى سعيد بن منصور، وابن المنذر.]].
وقال الكلبي [[قوله في: "تفسير الثعلبي" / 137 أ.]]: إنما أُمِرَ بالمُشَاوَرَةِ معهم في لِقَاءِ العدُوِّ، والحربِ ومكايِدِها [[من قوله: (ومكايدها ..) إلى (.. خاص في العرب): ساقط من (ج).]]. فالأمر -عنده- بالمشاورة، خاصٌّ في الحرب.
وروى عَمرو بن دينار، عن ابن عباس، أنه قال [[أخرج قوله: الحاكم في "المستدرك" 3/ 70 كتاب معرفة الصحابة. وقال: (صحيح على شرط الشيخين) ووافقه الذهبي، وأخرجه البيهقي في "السنن الكبرى" 10/ 109 كتاب أدب القاضي. باب: (مشاورة الوالي ..)، والنحاس في "معاني القرآن" 1/ 502.]]: الذي أُمِرَ النبيُّ ﷺ، بمشاورته في هذه الآية: أبو بكر وعمر- رضي الله عنهما-.
وقال قتادة [[قوله في: "تفسير الطبري" 4/ 152، و"ابن أبي حاتم" 3/ 802، و"الثعلبي" 3/ 137أ، وأورده السيوطى في "الدر" 2/ 159وزاد نسبة إخراجه إلى ابن المنذر.]]، والربيع [[قوله في "تفسير الطبري" 4/ 152، والمصادر السابقة.]]، ومقاتل [[قوله في: "تفسيره" 1/ 310، و"تفسير الثعلبي" 3/ 137 أ.]]: إنما أُمِرَ بالمشاورة مع استغنائه بوحي الله وجَزَالَةِ رأيه؛ تَطْيِيبًا لِنُفُوسِ القوم، ورَفْعًا [[في (ب): (ورخصا).]] مِن أقدارهم؛ إذْ كانت العربُ إذا لم يُشَاوروا في الأمر، شَقَّ عليهم.
قال الشافعي ([[قوله معناه في كتاب "الأم" 5/ 19.]]: وهذا كقوله ﷺ: "والبِكْرُ تُسْتَأمَر" [[الحديث: أخرجه مسلم في "صحيحه" رقم (1421) كتاب النكاح. باب: (استئذان الثيب في النكاح). ونصه عنده:
(الثَّيِّبُ أحق بنفسها من وليها، والبكر تُستَأمَر، وإذنها سكوتها). وورد عنده بلفظ: "الأيِّم أحق .. والبكر تستأذن في نفسها، وإذنها صُمَاتُها).
وأخرجه الشافعي بلفظ (تستأمر) في "الأم" 7/ 165، وبلفظ (تستأذن) في "الأم" 2/ 19، وأخرجه أحمد في "المسند" 1/ 219، وانظر: "الدراية" لابن حجر 2/ 59، 61، 62.]]، ولو أكرهها [[في (ب): أكرمها.]] الأبُ على النِّكاح، جَازَ، لكنَّها تُسْتَأمر؛ تطييبا لِنَفْسِها.
وقال الحَسَنُ [[قوله في: كتاب "الأم" للشافعي 7/ 100، و"أحكام القرآن" له 2/ 119، و"تفسير ابن أبي حاتم" 632، و"معاني القرآن" للنحاس 502، و"سنن البيهقي" 10/ 109، كتاب "آداب القاضي"، و"زاد المسير" 1/ 488. وأورده السيوطي في: "الدر" 2/ 159 وزاد نسبة إخراجه إلى سعيد بن منصور، وابن المنذر.]]، وسُفْيانُ بن عُيَيْنَة [[قوله، في: "تفسير الطبري" 4/ 153، و"زاد المسير" 1/ 488.]]: إنما ذلك؛ لِيَقْتَدِيَ به غيرُهُ في المُشَاوَرَةِ، ويَصِير سُنَّة.
وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ﴾؛ أي: على ما تريد إمضاءَهُ [[في (أ)، (ب)، (ج): إمضاؤه. وما أثبت هو الصواب.]].
﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾، لا على المشاورة. ومعنى التَّوَكُّلِ: تفويضُ الأَمْرِ إلى الله؛ لِلثِّقَةِ بِحُسْنِ تدبيره.
آل عمران 3:160
قوله تعالى: ﴿إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ﴾ الآية.
معنى (الخِذْلان): القعود عن النُّصرَةِ وقت الحاجة إليها، والإسلامُ للهَلَكَةِ.
يقال: (خَذَلَ، يَخْذُلُ، خِذْلانًا، وخَذْلًا). ويقال للبقرة والظَّبْيَة، إذا تخلفت مع ولدها في المرعى، وتركت صواحباتها: (خَذُول) [[وتُسمَّى كذلك: خاذِل.
انظر هذه المعاني لـ (خذل) في: "ما اتفق لفظه واختلف معناه" لليزيدي 121، و"التهذيب" 1/ 998، و"معاني القرآن"، للنحاس 1/ 503، و"المقاييس" 2/ 165، و"الكليات" لأبي البقاء 310، و"اللسان" 2/ 1118.]].
قال [[في (ج): (وقال).]] طَرَفَة:
خَذُولٌ تُرَاعِي رَبْرَبًا بِخَمِيلَةٍ ... تَنَاوَلُ أطرافَ البَرِيرِ وترتدي [[البيت من معلقته، وهو في: "ديوانه" 21، و"شرح القصائد السبع" لابن الأنباري 141، و"جمهرة أشعار العرب" ص 149، و"تهذيب اللغة" 1/ 999 (خذل)، و"المقاييس" 2/ 165، و"شرح المعلقات السبع" للزوزني 47، و"شرح القصائد العشر" للتبريزي 58، و"اللسان" 2/ 1118 ولم ينسبه.
قوله: (تراعي ربربا)؛ أي: ترعى مع (الرَّبْرَب)، وهو: قطيع الظباء وبقر الوحش، وقيل: أولاد البقرة.
و (الخميلة): الأرض السهلة اللينة، التي فيها شجر. والجمع: (خَمائل).
و (البَرِير): ثمر الإراك البالغ، ومفردها: (بَرِيرة).
وخَصَّ الخذول -هنا-؛ لأنها فَزِعةٌ بانفرادها، وَلِهَةٌ على وليدها، فهي تمد عنقها مرتاعة، فيظهر -حينها- جمالها، وحسنها، ولو كانت في قطيعها، لم يَبِنْ حسنُها، ثم وصفها بأنها ترعى أطراف شجر الأراك، وتمد عنقها، وتتطاول؛ لتنال ما علا من أغصان الشجر، فتتهَدَّل عليها الأغصان حتى تصبح كأنها رداءٌ لها.
انظر: "شرح القصائد" لابن الأنباري 141 - 142، والتبريزي 58 - 59.]] وقال ذو الرُّمَّةِ [[هو: أبو الحارث، غَيْلان بن عُقْبَة بن بُهَيْش. شاعر إسلامي، في الطبقة الثانية من فحول شعراء الإسلام، مات سنة (117هـ).
انظر: "الشعر والشعراء" ص 350، و"طبقات فحول الشعراء" 2/ 549، و"وفيات الأعيان" 4/ 11.]]:
دَعَتْ مَيَّةَ الأعدادُ واستَبدَلت بها ... خَنَاطِيلَ آجَالٍ [[في (أ)، (ب)، (ج): مهملة من الشكل. والمثبت من مصادر البيت.]] مِنَ العِينِ [[في (أ): (العَيْن). في (ب)، (ج): مهملة من الشكل. والمثبت من مصادر البيت.]] خُذَّلِ [[البيت في: ديوانه: 1455.
وورد منسوبًا له في: "الصحاح" 4/ 1686 (خطل)، و"اللسان" 5/ 2835 (عدد)، و"التاج" 14/ 215 (خنطل).
(الأعداد): جمع (عِدٍّ)، وهو الماء الدائم الذي لا ينقطع. و (الخناطيل): القطعان من الإبل والبقر، وهي -هنا في البيت- بقر الوحش. و (آجال): جمع: (إجْل) -بكسر الهمزة، وتسكين الجيم- وهو: القطيع من بقر الوحش والظباء. و (العِين): بقر الوحش. والثور منها: (أَعْيَن)، والبقرة: (عَيْناء). و (خُذل): أي: أقامت على ولدها، وتركت صواحبها.
الشاعر -هنا- يذكر امرأة تسمى (ميّة)، وهي التي كان يشبب بها ويعشقها، يقول: تركت منازلَها وظعنت عنها، بعدما نضبت الغدرانُ في القيظ، وحضرت ماءً عِدًّا؛ واستبدلت الدارُ بها بقرَ الوحش، التي خالفتها إلى منازلها وأقامت فيها.
انظر: "اللسان" 5/ 2835 (عدد)، 3/ 1278 (خنطل)، 1/ 32 - 33 (أجل) ، و"القاموس" ص 1218 (عين).]]
أي: متخلفات من الأولاد.
والخَنَاطِيل [[في (أ)، (ب)، (ج): والخناظيل -بالظاء-. والمثبت من: مصادر اللغة.]]: جماعاتٌ في تَفْرِقَةٍ، لا واحد لها مِنْ لَفْظِها. وقيل: واحدها (خُنْطُول) [[في (أ)، (ب)، (ج): (خنظول) بالظاء. == الوارد في كتب اللغة التي رجعت إليها، أن واحد الخناطيل: (خِنْطيلة)، و (خُنْطُولة). أما (الخنطول)، فهو يطلق على: القرن الطويل.
انظر: "التهذيب" 1/ 1113 (خنطل)، و"الصحاح" 4/ 1686 (خطل)، و"اللسان" 3/ 1278 (خنطل)، و"التاج": 14/ 215 (خنطل).]].
قال محمد بن إسحاق بن يَسَار -في هذه الآية- [[قوله، في:"سيرة ابن هشام" 3/ 70، و"تفسير الطبري" 4/ 154، و"تفسير ابن أبي حاتم" 3/ 803.]]: أي: إنْ يَنْصُرْكَ [[في (ج): (ينصركم).]] اللهُ؛ فَلاَ غالبَ لك مِنَ النَّاس، ولن يَضُرَّكَ خِذْلانُ مَنْ خَذَلَكَ، وإنْ يَخْذلْكَ؛ فَلَنْ يَنْصُرَكَ الناسُ؛ أي: لا تترك أمري للناس، وارفض الناسَ [[في "سيرة ابن هشام": (وارفض أمر الناس ..).]] لأمري.
وقوله تعالى: ﴿فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ﴾.
(مَنْ) -ههنا-: تقريرٌ لِلنَّفْي؛ أي: لا يَنْصُرُكُمْ أحدٌ [[(أحد): مطموسة في: (ب).]] مِنْ بَعْدِهِ. وإنما تضمن حرفُ الاستفهام معنى النفي؛ لأن جوابَهُ يجب أن يكون بالنفي، فصار ذِكْرُهُ يغني عن ذِكْرِ جوابه، وكان أبلغ لتقرير المخاطَبِ فيه، بما لا يتهيأ له إنكاره.
آل عمران 3:161
قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ﴾ الآية.
اختلفوا في سبب نزول هذه الآية:
فرَوَى عكرمةُ، ومِقْسَم [[هو: أبو القاسم، مِقْسم بن بُجْرة، ويقال: نَجْدة الكِنْدي، ثم التُّجيبي النخعي. يقال له: مولى ابن عباس، من مشاهير التابعين، أسلم في حياة النبي ﷺ، وبايع == معاذًا في اليمن، ويقال: إن له صُحبة، صَدوق وكان يُرْسل، مات سنة (101هـ). انظر: "ميزان الاعتدال" 5/ 301، و"الإصابة" 3/ 455، و"تقريب التهذيب" 545 (6873).]]، وسعيد بن جبير، عن ابن عباس: أنَّ الآية نزلت في قَطِيفَةٍ [[القطيفة: دِثَارٌ أو كِسَاءٌ مُخَمَّلٌ؛ أي: له أهداب. وجمعها: قطائف، وقُطُف. انظر (قطف) في: "القاموس" 845، و"المعجم الوسيط" 2/ 753.]] حمراءَ، فُقِدَت يوم بَدْر، قال بعض الناس: لَعَلَّ النبي ﷺ أخذها [[الأثر عن ابن عباس -من رواية مقسم-، أخرجه: أبو داود (3971) كتاب الحروف والقراءات، والترمذي (3009) كتاب التفسير. باب: (4) من سورة آل عمران. وقال: (حديث حسن غريب)، والطبري في "تفسيره" 7/ 348، 349، وأورده السيوطي في "الدر" 2/ 361 وزاد نسبة إخراجه إلى عبد بن حميد. ومن رواية عكرمة، أخرجه: الطبري في "تفسيره" 4/ 155، وابن أبي حاتم في "تفسيره" 3/ 803، والطبراني في "المعجم الكبير" 11/ 364 رقم (12028، 12029)، والواحدي في "أسباب النزول" (130). ومن رواية سعيد بن جبير، أخرجه الطبري في "تفسيره" 4/ 155.]].
وقال -في رواية الضحّاك- [[من رواية جويبر عن الضحاك، عن ابن عباس، أوردها الثعلبي 3/ 140 ب، وابن الجوزي في "زاد المسير" 1/ 490.]]: إن رسول الله ﷺ، لَمَّا وَقَعَ في يده غنائمُ هَوَازِنَ يوم حُنَيْنٍ، غَلَّهُ رجلٌ بِمِخْيَط، فأنزل الله هذه الآية.
وقال قتادة -في نزول هذه الآية- [[قوله في: "تفسير الطبري" 4/ 157، و"زاد المسير" 1/ 490. وهذا القول من قتادة تفسير للآية على القراءة الثانية ﴿يَغُلَّ﴾.]]: نزلت وقد غَلَّ طوائفُ مِن أصحابه. ورُوي عن ابن عباس -من طريقٍ آخرَ-: أنَّ أشراف الناس استدعوا رسول الله ﷺ، [وطلبوا] [[ما بين المعقوفين زيادة يقتضيها السياق.]] تخصيصهم [[ويجوز أن تكون: لتخصيصهم. بدلًا من الكلمة التي أضفتها قبلها.]] بشيءٍ مِنَ المغانم؛ فنزلت هذه الآيةُ [[لم أقف على مصدر هذه الرواية، وقد ذكرها ابن الجوزي في "زاد المسير" 1/ 490.]]
وقال الكلبي [[قوله في "تفسير الثعلبي" 3/ 140 ب.]]، ومقاتل [[قوله في "تفسيره" 1/ 310، والمصدر السابق. وبه قال الفراء في "معاني القرآن" 1/ 246.]]: نزلت حين ترك الرُّمَاةُ المَرْكَزَ يومَ أحُد؛ طلبا للغنيمة، وقالوا: نخشى أنْ يقول النبي ﷺ: مَن [[من قوله: (من ..) إلى (فقال النبي ﷺ): ساقط من (ج).]] أخَذَ شيئًا فهو له، وأنْ لا يقسِم الغنائمَ، كما لم يَقْسِمْ [[في (أ): (يُقْسَم). وفي: (ب)، (ج): مهملة من الشكل. وأثبَتُّ ضبطَها من "تفسير الثعلبي" 3/ 140 ب؛ نظرًا لتقارب سياق المؤلف لهذا القول، مع سياق الثعلبي، وهي الأليق بسياق الكلام.]] يومَ بَدْر. فقال النبي ﷺ: ظننتم أنَّا نَغُلُّ، ولا نَقْسِم لكم. فأنزل الله هذه الآية.
وفي قوله ﴿يَغُلَّ﴾ قراءتان: أحدهما: فتح الياء، وضم الغَيْن [[القراءة بفتح الياء، وضم الغَين: ﴿يَغُلَّ﴾، قرأ بها: ابن كثير، وأبو عمرو، وعاصم. وقرأ الباقون: ﴿يَغُلَّ﴾ -بضم الياء، وفتح الغين-. انظر: "الحجة" للفارسي 3/ 94، و"النشر" 2/ 243، و"إتحاف فضلاء البشر" 181.]]؛ ومعناه: ما كان لِنَبِيٍّ أن يَخُونَ. مِنَ (الغُلُول)، وهو: الخِيَانَةِ. يُقال: (غَلَّ، يَغُلُّ، غُلُولًا): إذا خَانَ، وأصلُهُ: أخْذُ الشيء في خُفْيَةٍ [[انظر: "تهذيب اللغة" 3/ 2689.]].
قال الزّجاج [[في "معاني القرآن" له 1/ 484، وقد نقله عنه بتصرف، واختصار. وقد ورد نص قول الزجاج في "تهذيب اللغة" 3/ 2689، مع اختلاف يسير عما في "معاني القرآن"، ووافق نقل المؤلف -هنا- عن الزجاج، بعضًا مما في نسخة "المعاني" المطبوعة، ووافق بعضًا مما في "التهذيب"، وليس في "المعاني". مما يدل على أن المؤلف نقل عن نسخةٍ من المعاني فيها بعض اختلاف عن النسخة المطبوعة المتداولة، أو نقل قولَ الزجاج عن كتابٍ آخر تصرف في عبارة الزجاج.]]: وما [[في "المعاني": فكل ما.]] كان مِنْ هذا الباب، فهو راجعٌ إلى هذا، مِنْ ذلك: (الغَالُّ): وهو الوادي الذي [[في (ب): (التي).]] يُنْبِتُ الشجرَ، في مُطْمَئِن مِنَ الأرض [[(في مطمئن من الأرض): ليست في "معاني القرآن". والعبارة في "التهذيب" (وهو الوادي المطمئن الكثير الشجر). وانظر: "المنتخب" لكراع النمل 1/ 424.]]، وجمعه: (غُلّان)، ومن ذلك: (الغِلّ): الحقد في الصدر؛ لأنه كامن [[في "المعاني": وهو الحقد. وفي "التهذيب": وهو الحقد الكامن.]]، و (الغِلاَلَة): الثوب الذي يلبس تحت الثياب [[قوله: (والغلالة: الثوب الذي يلبس تحت الثياب): أورده في "التهذيب" من قول أبي زيد، وليس من قول الزجاج.]]. و (الغَلَلُ) [[في (أ)، (ب)، (ج): (الغال). وفي "المعاني": الغل. وما أثبت من مصادر اللغة. انظر (غلل) في: "إصلاح المنطق" 26، و"غريب الحديث" لأبي عبيد 1/ 49؛ و"جمهرة اللغة" لابن دريد 2/ 2012، و"تهذيب اللغة" 3/ 2689، و"المقاييس" 4/ 376، و"اللسان" 6/ 3287.]]: الماء الذي يجري في أصول الشجر؛ لأنه مستَتِرٌ بالأشجار.
فمعنى قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ﴾، أي: أن يَخُونَ فيكم [[هكذا وردت (فيكم) في (أ)، (ب)، (ج)، و"تفسير الوسيط" المؤلف 371. وأرى أن الأصوب أن تكون: (فيكتم)؛ لأنه أنسب للسياق الذي أراد المؤلف من خلاله أن يُدلِّل على أن معنى (الغل) -هنا- فيه كتمان وكمون وستر، وهو أنسب بسبب النزول الذي أورده المؤلف سابقًا، وأشار إليها هنا. ويعزز هذا ما قاله في تفسيره "الوجيز": (أي: يخون بكتمان شيء من الغنيمة عن أصحابه) 1/ 240.]] الغنيمةَ مِن أصحابه. أو أنْ يَخُونَ بأن يعطيَ البعضَ دون البعضِ، على ما روي في سبب النزول.
فإن قيل: ما معنى تخصيص النبي ﷺ ههنا-، وغيرُهُ يساويه في أنه ليس له ذلك؟.
قلنا: (أَنْ) مع المستقبل، تكون بمعنى المصدر؛ كأنه قيل: (ما كان لِنَبي الغُلُول)؛ أراد: ما غَلَّ نَبِيٌّ. ينفي عن الأنبياء الغُلُولَ، لا أنه [[في (ج): لأنه -. بدلًا من: (لا أنه).]] ينهاهم بهذا اللفْظَ.
وقال [[من قوله: (وقال ..) إلى (.. ليتخذ ولدا): نقله بنصه عن "تفسير الثعلبي" 3/ 141 أ. ولم أقف على من قال بهذا القول، من أصحاب المعاني.]] بعض أهلِ المعاني: اللّام فيه منقولة؛ معناه: ما كان نَبِيٌّ [[(في) (ج): (لنبي).]] ليَغُل، كقوله -عز وجل-: ﴿مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ﴾ [مريم: 35]، أي: ما كان الله لِيَتّخِذَ [ولدا] [[ما بين المعقوفين زيادة من (ج).]]، على نفي الاتخاذ، -كذلك- الآيةُ على نفي الغُلُول عن الأنبياء.
وحجة هذه القراءة: ما روي عن ابن عباسٍ -في أكثر الروايات- في سبب نزول الآية، وعن الكلبي ومقاتل، وذلك يدل على نَسَبِ الغُلُول إلى النبي ﷺ، فَنَفى ذلك عنه. و-أيضًا- فإنَّ ما هو مِن هذا [[من قوله: (من هذا ..) إلى (يُسند فيه الفعل إلى الفاعل): نقله -بتصرف يسير- عن "الحجة" للفارسي 3/ 96.]] القبيل في التنزيل، أُسنِدَ الفعلُ فيه إلى الفاعل، نحو: ﴿مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ﴾ [يوسف: 38]، و ﴿مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ﴾ [يوسف: 76]، و ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ﴾ [آل عمران: 145]، و ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا﴾ [التوبة: 115] ، و ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ﴾ [آل عمران: 179].
ولا يكاد يجيء منه: (ما كان زيدٌ ليُضْرَبَ)، فيُسنَد الفعلُ فيه إلى المفعول به، فكذلك: ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ﴾ يُسندُ [[من قوله: (يسند ..) إلى (.. عن يونس أنه): ساقط من (ج).]] فيه الفعلُ إلى الفاعل. يُؤكِّدُ [[في (أ): (بمؤكد). والمثبت من (ب)، (ج).]] هذا الفصل، ما حكى أبو عبيد [[(أ)، (ب)، (ج): (أبو عبيدة). وما أثبَتُّه فمن "تهذيب اللغة" 3/ 2688. فقد ورد فيه: (وأخبرني المنذري، عن الحسين بن فهم، عن ابن سلام، قال: كان أبو عمرو بن العلاء، ويونس يختاران ..) وذكره. وابن سَلّام، هو: أبو عبيد. والمؤلف، كثيرًا ما ينقل عن "تهذيب اللغة" بتصرف. وانظر: "اللسان" 6/ 3286 (غلل).]] عن يونس [[هو: أبو عبد الرحمن، يونس بن حبيب الضَبِّي بالولاء نحوي بصري، أخذ عن أبي عمرو بن العلاء، وحماد بن سلمة، وكانت له حلقة بالبصرة يحضرها أهل العلم، والأدباء وفصحاء الأعراب، توفي سنة (183هـ). انظر: "أخبار النحويين البصريين" 51، و"طبقات النحويين" للزبيدي 51، و"إنباه الرواة" 4/ 74.]] أنه اختار (يَغُلّ) -بفتح الياء-، وقال: لا يكون في الكلام: (ما كان لك أن تُضْرَب) بضم التاء.
وهذه القراءة اختيار ابن عباس، كان [[من هنا، وإلى: (.. لأن المعاصي بحضرته أعظم): نقله -بتصرف- عن "الحجة" للفارسي 3/ 96 - 97. وهو من تتمة النقل السابق.]] يقرأ (يَغُلّ) بفتح الياء، فقيل له: إنَّ ابن مسعود يقرأ: ﴿يُغَلّ﴾، فقال ابن عباس: قد كان النبي يُقتَل، فكيف [[في (ج): (كيف).]] لا يُخَوَّنُ؟ [[انظر هذا الأثر عن ابن عباس في: "تفسير الطبري" 4/ 155، وانظر قراءة ابن عباس في "تفسير سفيان الثوري" 81، و"المعجم الكبير" للطبراني 11/ 101 (11174).]].
والقراءة الثانية: ﴿يُغَلّ﴾ بضم الياء، وفتح الغين.
وهذه القراءة تحتملُ وجهين [[انظر: "غريب الحديث" لأبي عبيد 1/ 124، و"تفسير الثعلبي" 3/ 141 ب.]]: أحدهما: أن يكون من (الغُلُول). والثاني: أن يكون من (الإغلال).
فإن جعلتها من (الغُلُول) احتملت معنيين: أحدهما: أن معنى قوله: ﴿وَمَا كاَنَ لِنبيٍّ أَن يُغَلّ﴾ [[(أ)، (ب): (يَغُلّ) -بفتح الياء، وضم الغين، والمثبت من (ج)، وهو الصواب.]]؛ أي: ليس لأحدٍ أن يَغُلَّهُ، فيأخذ مِنَ الغنيمة التي حازها [[في (أ): (جازها). والمثبت من (ب)، (ج).]] على طريق الخيانة، وإن كان لا يجوز أن يُغَلّ غيرُ النبيِّ، مِن إمام المسلمين وأميرٍ لهم [[في (ب): (وأميرهم).]].
وفائدة تخصيص النبي ﷺ بالذِّكْر: أن الغُلُول يَعْظُمُ بحضرته، ويكبر كِبَرًا لا يكبر عند غيره؛ لأن المعاصي بحضرته أعظم.
المعنى [[(المعنى): ساقط من (ب).]] الثاني: أن تكون (أَنْ) مع الفعل، بمنزلة المصدر؛ كما ذَكَرْنا في القراءة الأولى. ويكون المعنى: ما كان لِنَبيٍّ غُلولٌ من المُتَحقِّقِينَ بِنُبُوَّتِهِ؛ أي: لم يَخُنْهُ أصحابُهُ وأنصارُهُ، ويكون في هذا ذَمٌّ لِمَن خانَه.
يُؤكِّد هذا المعنى ما روى عطاءٌ عن ابن عباس [[لم أقف على مصدر هذه الرواية.]]، في قوله: ﴿وَمَا كاَنَ لِنبيٍّ أَن يَغُلَّ﴾؛ يريد: أن يكون ممن يَصْحَبُهُ، أحدٌ يَغُلُّ ويَسْتَحلُّ الغُلُولَ.
وإن أخذت بهذه القراءةِ مِنَ (الإغْلال)، احتَمَلَتْ -أيضا- معنيين:
أحدهما: أن يكون (الإغلال) بمعنى (الغُلول). يقال: (غَلّ الرجلُ مِنَ الغنيمة، يَغل غَلًّا، وغلولًا)، و (أَغَلّ إغلالًا): إذا سَرَق منها [[يقال: (غَلَّ، يَغُلُّ، غُلولًا): للخيانة في المغنم خاصة. و (أغَلَّ، يُغِلُّ، إغلالًا): للخيانة في المغانم، وغيرها. و (غَلَّ، يَغِلُّ، غِلًّا): للحقد والضِّغْنِ والشحناء. انظر: "غريب الحديث" لأبي عبيد 1/ 124، و"إصلاح المنطق" 265 - 266، و"تهذيب اللغة" 3/ 2688 (غلل)، و"ما جاء على فعلت وأفعلت" للجواليقي 57، و"اللسان" 6/ 3285 (غلل).]]. ذكره الزّجاج في باب الوفاق [[لم أقف على مصدر قول الزجاج هذا.]] ومِن هذا يقال: (أغَلّ الجازِر، والسَّالِخُ): إذا أبْقَى في الجِلْدِ شيئًا مِنَ اللَّحْمِ؛ على طريقِ السَّرِقَةِ والخيانة [[انظر (غلل) في: "إصلاح المنطق" 65، و"التهذيب" 3/ 2690، و"اللسان" 6/ 3286.]].
قال النَّمْر بن تَوْلَب [[من بداية بيت الشعر، وإلى (.. أي: لا يقال له: غللت): نقله المؤلف -بتصرف؛ واختصار- عن: "الحجة" للفارسي 3/ 95 - 97.
والنَّمْر، هو: ابن تَوْلَب بن أقَيْش العُكْلي، وكُنْيَته: أبو قيس، وأبو ربيعة. شاعر مُخضْرَم، أدرك الجاهلية والإسلام، وَفَدَ على النبي ﷺ، وأسلم وحسن إسلامه. انظر. "الشعر والشعراء" ص 191، و"الإصابة" 3/ 572، و"الأعلام" 8/ 48.]]: جَزَى اللهُ عنَا جَمْرَةَ ابْنَةَ نَوْفَلٍ ... جَزاءَ مُغِلٍّ [[في (أ): (مُغَلٍّ). وفي (ب)، (ج): مهملة من الشكل. والمثبت من مصادر البيت.]] بالأمانَةِ كاذبِ [[البيت ورد في "شعره" ص 38، وورد منسوبا له في: "غريب الحديث" لأبي عبيد 1/ 123، و"إصلاح المنطق" 266، و"الزاهر" 1/ 469، و"تهذيب اللغة" 3/ 2689 (غلل)، و"الصحاح" 5/ 1784 (غلل)، و"المقاييس" 4/ 376 (غلل)، و"المحرر الوجيز" 3/ 401، و"اللسان" 6/ 3285 (غلل).
وقد ورد في "التهذيب"، و"الصحاح": (حمزة) بدلًا من (جمرة).
ومعنى (المُغِلِّ): الخائن.
ورد في إحدى نسخ "إصلاح المنطق" أشار إليها محقق الكتاب: (جَمرة، كانت أخيذة عنده، فسألته أن يزيرها قومها، ففعل، فلما أتتهم منعوها الرجوع ..). ص 266.]]
وقال آخر:
حَدَّثْتَ [[في (ب): (حدثته).]] نفْسَكَ بالوَفَاءِ ولم تَكُنْ ... للْغَدْر خائنَةً مُغلَّ الإصْبَع [[نسبته المصادر التالية لرجل من بني أبي بكر بن كلاب:
"مجاز القرآن" 1/ 158، و"الكامل" للمبرد 1/ 359، و"اللسان" 3/ 1294 (خون). وورد غير منسوب في: "إصلاح المنطق" 266، و"تفسير الطبري" 6/ 156، و"الجمهرة" لابن دريد 1/ 347، و"المخصص" 2/ 4، و"اللسان" 4/ 2395 (صبع)، 6/ 3286 (غلل).
يقال: (فلانٌ مُغِلُّ الإصبع): إذا كان خائنًا. انظر: "اللسان" 4/ 2395 (صبع).
يخاطب الشاعرُ رجلًا يُسمَّى (قرين بن سُلْميّ الحنفي) قتل أخاه، وقبل هذا البيت:
أقَرِينُ إشك لو رأيت فوارسي ... بعَمَايَتَيْنِ إلى جوانب ضَلْفَعِ
و (عمايتين)، و (ضلفع): مواضع في نجد. انظر مناسبة البيت في "الكامل" 1/ 358 - 359.]]
قوله: (لِلْغَدْرِ) [[في (ج): (الغدر).]]؛ أي: لِكَراهَةِ الغَدرِ. و (الخائِنَة): يحتمل أن تكَون مصدرا؛ كـ (العافِيَةِ)، و (العَاقِبَةِ).
و-حينئذٍ - يُقَدَّرُ حذفُ المضاف؛ أي: لم يكنَ صاحبَ خائِنَةٍ؛ أي: خيانَة. وإنْ شئتَ جعلته مثل: (راوِيَة).
ونَسَبَ [[في (أ): (نُسِبَ)، وفي (ب)، (ج) مهملة من الشكل. والمثبت من "الحجة" للفارسي. وهو الصواب؛ حتى تتناسب مع الكلمة المنصوبة المعمولة لها بعدها.]] الإغْلالَ إلى الإصْبَع، كَمَا نَسَبَ [[في (أ): نُسِبَ. وفي (ب)، (ج) مهملة من الشكل. والمثبت من "الحجة" للفارسي، ويقال فيها ما قيل في التي قبلها.]] الآخرُ الخيانةَ إلى اليَدِ، في قوله:
أَحَذَّ [[في (أ)، (ب): أحد. والمثبت من (ج)، ومصادر البيت.]] يَدِ القَمِيصِ [[جزء من بيت شعر، للفرزدق. وتمامه:
أأطعَمْتَ العراقَ ورافِدَيْه ... فَزَاريَّا أحَذَّ يَدِ القميصِ
وهو في "ديوانه" 338، وورد منسوبًا له في: "الحيوان" للجاحظ 5/ 197، 6/ 510، و"الشعر والشعراء" 1/ 94، و"المعارف" 408، و"الكامل" 3/ 83، و"اللسان" 3/ 1688 (رفد)، 2/ 809 (حذذ).
وورد غير منسوب في: "المخصص" 2/ 4، و"همع الهوامع" 1/ 172، و"الدرر اللوامع" 25.
جاء في بعض المصادر: (أوَلَّيْت العراق)، وورد: (فَوَلَّيت)، وورد: (بَعَثت إلى العراق)، وفي الهمع: (لأطعمت ..) وهي خطأ بلا شك.
ومعنى (أحذَّ يدِ القميص)، أي: خفيف اليد. يصفه بالغلول والسرقة، وأراد: أحذ اليد، وأضاف اليد إلى القميص؛ لحاجته.
و (الحَذَذ): السرعة، وقيل: السرعة والخفة، و-كذلك-: خفة الذنَب، واللحية. و (فرسٌ أحَذّ): خفيف شعر الذنب، و (رجل أَحَذّ): سريع اليد خفيفها، وهذا التفسير هو الذي أراده المؤلف أعلاه. وقيل: (الأحَذّ): المقطوع؛ أي: أنه قصير اليد عن نيل المعالي، فجعله كالأحذ، الذي لا شعر لذنبه. انظر: "اللسان" 2/ 808 (حذذ).= والبيت، ضمن أبيات، يهجو بها الشاعرُ عمرَ بن هبيرة الفزاري، ويخاطب -معاتبًا- يزيدَ بن عبد الملك، الذي ولَّى ابنَ هبيرة العراقَ.]] قال: جعلت (الإغلالَ) بمعنى (الغُلول). فقد ذكرنا للغُلُول معنيين في هذه القراءة.
المعنى الثاني: أنْ يكون (الإغلالُ) بمعنى النسبة إلى الغُلُول. وقد يَردُ [[في (ج): (ترد).]] (الإفْعَال) بمعنى النسمة، شاذًّا، وإن كان الأكثر فيه التَفْعيل؛ كقولهم: (أسْقاهُ)، أي: قال له: سَقَاكَ اللهُ [[في "الحجة" للفارسي 3/ 97: (.. كقولك: أسقيْتُهُ؛ أي: قلت له: سقاك الله).]].
ومنه قول ذي الرُّمَّة:
وأُسْقِيهِ حتى كاد [[وتمامه:
وأسقِيهِ حتى كاد مما أبُثُّهُ ... تكلِّمني أحجارُه ومَلاعبُه
وقبل هذا البيت:
وقفت على رَبْعٍ لِمَيَّة ناقتي ... فما زلت أبكي عنده وأخاطبه
وهو في "ديوانه" 821. وورد البيتُ -الشاهد- منسوبًا له، في: "كتاب سيبويه" 4/ 59، و"النوادر" 213، و"مجاز القرآن" 1/ 350، و"طبقات فحول الشعراء" 2/ 557، و"تهذيب اللغة"10/ 297، و"المحرر الوجيز" 3/ 404، و"لسان العرب" 4/ 2042 (سقى)، 4/ 2314 (شكا)، و"المقاصد النحوية" 2/ 176، و"التصريح" للأزهري 1/ 204، و"شرح شواهد الشافية" 41، و"الدرر اللوامع" 1/ 108.
وورد غير منسوب في: "منهج السالك" 1/ 263، و"همع الهوامع" 2/ 144. ورد في بعض الروايات: (وَأُشْكِيهِ ..)، وورد: (.. أبِثُّهُ) -بضم الهمزة، وكسر الباء-. ومعنى (أبُثُّه): أظهر له البَثَّ، وهو: الحزن والغم. انظر: "اللسان" 1/ 208 (بثث). يخاطب الشاعرُ -هنا- منزلَ معشوقته (مية). و (أسقيه): أدعوِ له بالسُّقْيا. والماضي: أسْقاهُ.]] ... البيت.
ويقال (أَكْفَرَهُ): إذا نَسَبَهُ إلى الكفر.
قال الكُمَيْت [[هو: أبو المُسْتَهِلّ، الكُمَيت بن زيد بن حُبَيْش، من بني أسد. شاعر إسلامي، عاش في أيام الدولة الأموية، ولم يدرك الدولة العباسية، وكان متشيعًا لبني هاشم، وُلِد سنة (60 هـ)، ومات سنة (126هـ).
انظر: "الشعر والشعراء" 2/ 385، و"جمهرة أشعار العرب" 351، و"أمالي الزجاجي" 137، و"الخزانة" 1/ 144.]]:
فَطَائِفَةٌ قَدْ أكفَرُوني بِحُبِّكُمْ [[صدر بيت، وعجزه:
وطائفةٌ قالوا مسيءٌ ومذنب
ورد في: "شرح هاشميات الكميت" 53، وورد منسوبًا له في "خزانة الأدب" 4/ 314.
وورد فيه: (.. قد أكفرتني بحبهم ..).
قال في "شرح الهاشميات": (و (طائفة)؛ يريد: الحرورية. (وطائفة)؛ يريد: المرجئة).]]
فيكون المعنى: وما كان لِنَبِيٍّ أن يُنْسَبَ إلى الغُلُول؛ أي: لا يُقَال له غَلَلْتَ.
قال الفرّاءُ، في [[في (ج): (وفي).]] هذه الآية [[في "معاني القرآن" له 1/ 246، نقله عنه بتصرف يسير.]]: وقرأ [[في (ج): (وقال).]] أصحاب عبد الله [[أي: ابن مسعود - رضي الله عنه -. وقال الطبري: (وهي قراءة عُظْم قَرَأة أهل المدينة والكوفة) "تفسيره" 4/ 157.]]: ﴿يُغَلّ﴾؛ يريدون: أنْ يُسَرَّقَ ويُخَوَّنَ [[أي: ينسب إلى السرقة والخيانة.]]، وذلك جائزٌ، وإنْ لم يَقُل: (يُغلَّل)، فيكون مثل قوله: ﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ﴾، و ﴿ويُكَذِّبُونَكَ﴾ [[القراءة الأولى: ﴿يُكَذِّبُونَكَ﴾، لابن كثير، وعاصم، وأبي عمرو، وابن عامر == والقراءة الثانية: ﴿يُكْذِبُونَكَ﴾، لنافع، والكسائي.
انظر:"السبعة" 257، و"الحجة" للفارسي 3/ 302، و"المبسوط" لابن مهران 618. أي: أن (كَذَّبه، وأكْذَبه)، بمعنًى واحد، وهو: نسبته إلى الكذب، وكذلك: (غَلَّ، وأغَلَّ) تتواردان على معنى واحد، وهو: النسبة إلى الغلول. انظر: "كتاب سيبويه" 4/ 58، و"الحجة" للفارسي 3/ 302. وحول رأي الفراء -هذا-، قال الأزهري: (وقال أبو العباس: جَعَلَ (يَغُل)، بمعنى: (يُغَلَّل)، وكلام العرب على غير ذلك في (فعَّلت)، و (أفْعَلْت). و (أفعلته): أدخلت ذاك فيه، و (فعَّلتُ): كثرت ذاك فيه). "التهذيب" 3/ 2688. وانظر: "الحجة" للفارسي 302 - 304.]] [الأنعام: 33].
ومِن حُجَّةِ هذه القراءة: ما رُوي عن ابن عبّاس، من طريق الضّحاك، وما روي عن قتادة، في سبب نزول هذه الآية [[انظر ما سبق ص 128 - 129.]].
وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾.
أي: يأتي به حاملًا له على ظهره، كما روي أن النبي ﷺ، خَطَبَ يومًا، فذَكَرَ الغُلُولَ، وعَظَّمَه، وعَظَّمَ أَمْرَهُ، فقال: "لا أُلْفِيَنَّ [[في (ج): (لألفين). وهذه توافق رواية الإمام أحمد في "المسند": (لألفِيَنَّ يجيء أحدكم يوم القيامة ..) وسيأتي تخريجه.
وفي بعض الروايات: (لا ألفِينَّ ..) انظر: "فتح الباري" 6/ 186. ألفى الشيء: وجده. يقال: (ألْفَيْتُ الشيء، أُلْفِيهِ، إِلفاءً): إذا وجدته وصادفته ولقيته. انظر: "اللسان": 7/ 4056 (لفا).]] أحدَكمْ يجيء على رقبته يوم القيامة بَعِيرٌ له رُغَاء [[الرُّغاء: صوت البعير. قال: (رَغَا البعيرُ، والضَّبُعُ، والنَّعامُ، رُغاءً): صوَّتَت فَضَجَّت. انظر: "القاموس" (1289) (رغا).]]، يقول: يا رسولَ الله! أعِنِّي [[في مصادر الحديث التالية: أغثني.]].
فأقول: لا أملك لك مِنَ الله شيئًا، قد أَبْلَغْتُكَ". وذَكَر في الحديث: الشاةَ والفرَسَ والصَّامِتَ [[في (ج): (والفَرَسَ الصامِتَ).
والصامت من المال: الذهب، والفضة، خلاف الناطق منه، وهو: الحيوان. انظر: "النهاية في غريب الحديث" 3/ 52، و"القاموس" 155 (صمت)، و"فتح الباري" 6/ 186.
والحديث من رواية أبي هريرة، أخرجه: البخاري في "الصحيح" (3073) كتاب الجهاد. باب الغلول وقول الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَغْلُلْ﴾.
ومسلم في "الصحيح" رقم (1831) كتاب الإمارة. باب غلظ تحريم الغلول. وأحمد في "المسند" 2/ 426، وابن أبي شيبة في "المصنف" 6/ 529، رقم (33519). والطبري في "تفسيره" 4/ 158، والبيهقي في "السنن" 9/ 101، والثعلبي في "تفسيره" 3/ 141 ب. وأورده السيوطي في "الدر" 2/ 163 وزاد نسبة إخراجه إلى البيهقي في "الشُّعَب".]].
وهذا قول: ابن عباس [[قول ابن عباس - رضي الله عنه - ومن بعده، هي آثار رواها المذكورون عن النبي ﷺ، بالمعنى نفسه. وقول ابن عباس رضي الله عنهما في "تفسير الطبري" 4/ 159، وأورد الأثر ابن كثير في "تفسيره" 1/ 455 ونسب أخراجه إلى ابن جرير، وقال: (لم يروه أحد من أهل الكتب الستة).]]، وأبي هريرة [[قوله في "تفسير الطبري" 4/ 158، 160، و"تفسير ابن أبي حاتم" 3/ 805.]]، وأبي حُمَيْد الساعدي [[قوله في: "صحيح مسلم" رقم (1832) كتاب الإمارة، باب تحريم هدايا العمال، والطبري في "تفسيره" 4/ 159، والبغوي في "تفسيره" 2/ 127، وابن كثير في "تفسيره" 1/ 455.
وأبو حميد الساعدي ، اختلف في اسمه كثيراً، المنذر بن سعد، وقيل: عبد الرحمن بن سعد بن المنذر، وقيل غير ذلك. أنصاري ، صحابي مشهور، شهد أحداً وما بعدها، تُوفي في آخر خلافة معاوية، وأول خلافة يزيد بن معاوية. انظر: "الاستيعاب" 4/ 199، و"الإصابة" 4/ 46.]]، وابن عمر [[قوله في: "تفسير الطبري" 4/ 160، وأورده الهيثمي في "مجمع الزوائد" 3/ 86، وقال: رواه البزار، ورجاله رجال الصحيح.]]، وقتادة [[قوله في: "المصنف" لعبد الرزاق 5/ 242 (9493)، و"تفسير الطبري" 4/ 161.]].
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ﴾.
قال ابن عباس [[لم أقف على مصدر قوله.]]: يريد: تجازى ثوابَ عَمَلِها.
﴿وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾. قال [[لم أقف على مصدر قوله.]]: وهم لا يُنقَصُونَ مِنْ ثوابِ أعمالهم شيئًا.
آل عمران 3:162
قوله تعالى: ﴿أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ﴾.
يعني: بترك الغُلُولِ -في قول: الكلبي [[قوله في "بحر العلوم" 1/ 312.]]، والضحاك [[قوله في: "المصنف" لعبد الرزاق 5/ 246 رقم (9507)، و"تفسير الطبري" 4/ 161، و"تفسير ابن أبي حاتم" 3/ 806. وأورده السيوطي في "الدر" 2/ 165 وزاد نسبة إخراجه إلى ابن المنذر.]] -.
﴿كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ﴾، في فِعْلِ الغُلول.
وقيل: ﴿أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ﴾ بالعمل بطاعته والإيمان، ﴿كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ﴾ في العملِ بمعصيته، والكفر به. وهذا القولُ يُحكَى عن محمد بن إسحاق [[قوله في: "سيرة ابن هشام" 3/ 70، و"تفسير الطبري" 4/ 161، و"تفسير ابن أبي حاتم" 3/ 807.]].
وعلى هذا المعنى دلّ كلامُ ابن عباس -في رواية عطاء-؛ لأنه قال [[لم أقف على مصدر قوله.]]: ﴿أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ﴾؛ يريد: المهاجرين والأنصار، {كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ}؛ يريد: المنافقين.
وقال الزجاج [[في "معاني القرآن" له 1/ 486. نقله عنه بتصرف.]]: يروى أن النبي ﷺ، حين أمر المسلمين يوم أحد بالحرب، اتَّبَعَهُ المؤمنون، وتَخَلَّفَ عنه جماعةٌ مِنَ المنافقين [[انظر: تفسير ﴿إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا﴾ آية: 122 من سورة آل عمران.]].
فأعلم الله عز وجل: أنّ مَنْ اتَّبَعَ نَبِيَّهُ، اتَّبَعَ رِضوانَهُ، وأنَّ مَن تَخَلّف عنه فقد باء بِسَخَطٍ مِنَ الله.
ومعنى (باءَ به)؛ أي: احتمله، ورَجَع به. وقد ذكرنا هذا في سورة البقرة [[انظر: "تفسير البسيط" عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾ البقرة: 61.]].
آل عمران 3:163
قوله تعالى: ﴿هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ﴾ أي: ذَوُو [[في (ب): (ذو).]] درجات. فحذف المضاف. وحَسُن ذلك ههنا؛ لأن اختلاف أعمالهم، قد صيَّرَهم بمنزلة المختلفي الذوات، كاختلاف مراتب الدرجات؛ لتبعيدهم من استواء الأحوال، فجاء على هذا المَجَاز.
والمجاز في موضعه، أحسنُ مِنَ الحقيقة، لِمَا فيه [مِنَ] [[ما بين المعقوفين: زيادة من (ج).]] الإيجاز مِن غيرِ إخلال، ومِنَ المُبالغة التي لا ينوبُ مَنَابها الحقيقة، إذْ [[في (أ)، (ب): إذا. والمثبت من (ج).]] قولك: (هو الشمسُ ضياءً)، أبْلَغُ في النفس مِن: (هو كالشمس ضياءً). فكذلك: ﴿هُمْ دَرَجَاتٌ﴾ [[في (أ): (بدرجات درجات).]]، أبلغ مِنْ: (هم أهلُ درجاتٍ) [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 486، و"معاني القرآن" للنحاس 1/ 506. == قيل في تأويل الآية: إنهم جعلوا نفس الدرجات؛ للمبالغة؛ أي: إنهم متفاوتون في الجزاء على كسبهم، كما أن الدرجات تتفاوت. والأصل فيه: هم مثل الدرجات في التفاوت. انظر: "الدر المصون" 3/ 469 - 470.]].
وأصل الدَّرَجَةِ: الرُّتْبَةُ [[انظر (درج) في: "جمهرة اللغة" 1/ 446، و"التهذيب" 2/ 1167، و"اللسان" 3/ 1351، وانظر: "تفسير الطبري" 4/ 162.
قال الراغب: (الدرجة، نحو المنزلة، لكن يقال للمنزلة: (درجة)، إذا اعتُبِرت بالصعود، دون الامتداد على البسيط؛ كدرجة السطع والسلَّم، ويعبر بها عن المنزلة الرفيعة ..). "مفردات ألفاظ القرآن": 310 (درج).]]، ومِنْهُ: (الدَّرْجُ)، لأنه يُطوَى رُتْبةً بعد رُتْبةٍ؛ قال: (أدْرَجَني إدْرَاجًا) [[قال ابن دريد: (والدَّرْج: مصدر (دَرَجْتُ الشيء دَرْجًا)، و (أدرجته إدراجًا): إذا طويته). "جمهرة اللغة" 1/ 446.
وأراد المؤلف، هنا والله أعلم: الدَّرْج -أو الدَّرَج-: الذي يُكتَبُ فيه. يقال: (أنفذته في دَرْج الكتاب)؛ أي: في طَيِّه. انظر: "الصحاح" 314 (درج).
وفي "مفردات ألفاظ القرآن": 311 (درج): (والدرْج: طيُّ الكتاب والثوب. ويقال للمطوي: دَرْج).]] و (الدَّرَجَانُ) [[في (أ)، (ب): (والدرجات). والمثبت من: (ج)، ومصادر اللغةُ.]]: تَقارُبُ الخَطْوِ؛ كَمِشْيَة الشَّيْخ، والصَّبِيِّ؛ لتقارُبِ الرُّتَبِ [[انظر: (درج) في: "التهذيب" 2/ 1167، و"مفردات ألفاظ القرآن" 311، و"اللسان" 3/ 1351.]].
فأما التفسير: فالآيةُ تحتملُ ثلاثةَ أوجه:
أحدها: أن يكون المراد بقولهم: دَرَجاتُ المؤمنين والكافرين جميعًا. والمعنى: أن المؤمنين ذَوُو [[في (ب): (ذو). وكذا في الموضع التالي.]] دَرَجةٍ رفيعةٍ، والكافرين ذَوُو درجةٍ [[(ذوو درجة): بياض في (ج).]] خَسِيسَةٍ.
وهذا الوجه مروي عن ابن عباسٍ، قال [[قوله في: "تفسير الثعلبي" 3/ 143 ب، و"تفسير البغوي" 2/ 129، و"زاد المسير" 1/ 493.]]: يعني أنَّ مَن اتَّبَعَ رِضْوانَ الله، ومَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ الله، مختلِفُو [[في (ب): (يختلفوا).]] المَنَازِلِ عند الله فَلِمَن اتبع رِضْوانه الكرامةُ والثواب، ولِمَن باء بسخطٍ منه المَهَانةُ والعذاب.
وهذا قول الكلبي -أيضًا-، فإنه قال [[لم أقف على مصدر قوله.]]: هم درجاتُ، بعضهم أشدُّ عذابًا مِنْ بعضٍ، وكلٌّ في عذابٍ وهَوَانٍ، وأهل الجَنَّةِ بعضهم أفضلَ من بعض، وكلٌّ [[من قوله: (وكل ..) إلى (.. بعضهم أفضل من بعض): ساقط من (ج).]] في فَضْلٍ وكَرَامَةٍ [[وهو قول ابن إسحاق، واختيار الطبري. انظر: "تفسيره" 4/ 162.]].
الوجه الثاني: أن تكون الآيةُ خاصَّةً في المؤمنين؛ يريد: أنَّ بعضهم أرفع درجة عند الله مِنْ بعض.
وهذا قول ابن عباس -في رواية عطاء-، قال [[لم أقف على مصدر هذه الرواية عنه.]]: يريد: أصحاب النبي ﷺ، بعضهم أفضل من بعض، وهذا أيضًا اختيارُ الفرّاء، قال [[في "معاني القرآن" له 1/ 246. نقله عنه بتصرف.]]: يقول: هم في الفضل مختلفون، بعضهم أرفع من بعض.
الوجه الثالث: أن تكون الآية خاصة في الكافرين [[في (ج): (المنافقين).]]. وهذا قول الحسن، يقول [[لم أقف على مصدر قوله. والذي وقفت عليه من قوله، الآتي:
أ- يعني أهل الخير وأهل الشر درجات.
ب- إنها درجات الجنة.
ج- للناس درجات بأعمالهم، في الخير والشر. انظر: "تفسير الحسن البصري" 246، 247.]]: بعض أهل النار أشدُّ عذابًا مِنْ بعضٍ؛ ألا تَرَاهُ [[في (ج): (تسمعه) بدلًا من: (تراه).]] يقول: ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا﴾ [الأنعام: 132].
قال: وبلغني أن النبي ﷺ قال: (إنَّ منها [[الضمير يعود على النار.]] ضحْضاحًا [[أصل الضحْضَاح: الماء القليل، الرقيق، أو الذي يصل إلى الكعبين. فشَبَّه قِلَّةَ النار به. انظر: "غريب الحديث" لأبي عبيد 2/ 400، و"الفائق" 2/ 332.]]، وإنَّ منها غَمْرًا [[الغَمْر: الماء الكثير. وجمعه: غِمَار، وغُمُور. انظر: "القاموس" 452 (غمر).]]، وإني لأرجو أنْ يكون أبو طالب في ضحْضَاحِها) [[هذا الجزء من قول الحسن (والمتضمن حديث النبي ﷺ، المرسل عن الحسن (إن منها ضحضاحا ..)، قد ورد بألفاظ مختلفة من طريق أخرى صحيحة، في بيان حال أبي طالب عم النبي ﷺ، يوم القيامة.
فقد أخرج البخاريُّ عن عبد الله بن الحارث بن نوفل، أن العباس بن عبد المطلب، قال للنبي ﷺ: ما أغنيت عن عمك؟ فوالله كان يحيطك ويغضب لك. قال: "هو في ضحضاح من نار، ولولا أنا، لكان في الدرك الأسفل من النار". "الصحيح" (3883). كتاب مناقب الأنصار. باب قصة أبى طالب، (6208) كتاب الأدب. باب كنية المشرك.
وأخرجه مسلم في "الصحيح" رقم (209) كتاب الإيمان رقم (357) باب شفاعة النبي ﷺ لأبي طالب، وورد في لفظٍ لمسلم: "نعم وجدته في غمرات من النار، فأخرجته إلى ضحضاح".
وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: أنه سمع رسول الله ﷺ وذُكِرَ عنده عَمُّهُ أبو طالب، فقال -واللفظ للبخاري-: "لعله تنفعه شفاعتي يوم القيامة، فيجعل في ضحضاح من النار، يبلغ كعبيه، يغلي منه أم دماغه". == "صحيح البخاري": (6564) كتاب الرقاق. باب صفة الجنة والنار. و"صحيح مسلم" رقم (120) كتاب الإيمان، رقم (360) باب شفاعة النبي ﷺ لأبي طالب.
وانظر روايات أخرى بألفاظ أخرى في: "فتح الباري" 7/ 193 - 194، و"الفائق" للزمخشري 2/ 332.]].
وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ [[في (أ)، (ب)، (ج): تعملون. والمثبت من رسم المصحف.]].
فيه تحريضٌ على العمل بطاعته؛ لأن ثوابه لا يضيع؛ إذا عَمِلَه [[في (ج): (علمه).]] مَنْ يعمل له، وتحذيرٌ مِنَ العملِ بمعصيته؛ لأن جزاءه لا يفوتُ إذا كان عالِمًا به. فهو تهديد ووعيدٌ للكافرين، وتبشيرٌ ووَعْدٌ للمؤمنين.
آل عمران 3:164
قوله تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ الآية.
لـ (المَنِّ) [[في (ج): (المن) بدلا من: (للمن).]] -في كلام العرب- مَعَانٍ:
أحدها: الذي يسقط من السماء، وقد مرّ ذكره في قوله: ﴿وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى﴾ [البقرة: 57]. والمَنُّ: الاعتداد بالصنَّيعَةِ [[الصَّنِيعة: العَطِيَّة، والكرامة، والإحسان. والجمع: صَنائِع. انظر: (صنع) في: "اللسان" 4/ 2510، و"القاموس" 739.]]، وهو: أنْ تَمُنَّ بما أعطيت، وذلك في قوله: ﴿لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ﴾ [البقرة: 264].
والمَنُّ: القَطْعُ. ومنه قوله: ﴿أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ [فصلت: 8]؛ أي: غيرُ مَقْطُوع [[وهذا قول ابن عباس، ومجاهد، والضحاك، وغيرهم. وحكى السُدِّي عن بعضهم، == أن معناه: غيرُ ممنونٍ عليهم. ورُدَّ عليه؛ لأن المِنَّة لله تعالى على أهل الجنة؛ لأنهم دخلوها برحمته تعالى وفضله، لا بأعمالهم. انظر: "تفسير ابن كثير" 4/ 519.]].
والمَنُّ: الإعطاء والإنعام، والإحسان إلى مَنْ لا تَسْتَثِيبه. منه قوله تعالى: ﴿هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ﴾ [ص: 39]، وقوله: ﴿وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ [المدثر: 6] [[معنى الآية -على هذا الوجه-: لا تُعْطِ العطيَّةَ تلتمس أكثر منها. وهذا قول ابن عباس، وعكرمة، ومجاهد، وعطاء، وطاوس، وأبي الأحوص، وإبراهيم النخعي، والضحاك، وقتادة، والسدي، وغيرهم، واستظهره ابن كثير. ويرى الضحاك أن هذا خاص بالنبي ﷺ، مباح للناس عامة.
وقيل: لا تعط عطاءً وتستكثره؛ لأن الكريم يستقل ما يعطي، وإن كان كثيرًا. ذكره ابن جُزي.
وهناك أقوال أخرى في الآية، هي:
- لا تمنن بعملك على ربك تستكثره وهو قول الحسن، والربيع، واختيار الطبري.
- وقيل: لا تضعف أن تستكثر من الخير؛ على أنَّ (تَمْنُنْ) -في كلام العرب-: تضعف. وهي رواية خصيف عن مجاهد. أو لا تضعف عن تبليغ الرسالة، وتستكثر ما حملناك من ذلك. ذكره ابن جُزَي.
- وقيل: لا تمنن بالنبوة والقرآن على الناس، تستكثرهم به، تأخذ عليه عوضًا من الدنيا. وهو قول ابن زيد.
انظر: "تفسير الطبري" 29/ 148 - 150، "وتفسير ابن جزي" 806، و"تفسير ابن كثير" 4/ 466.]]. و (المَنَّانُ) -في صفة الله- تعالى-؛ معناه: المُعْطِي ابتداءً [[انظر هذه المعاني لـ (المن) في: "الزاهر" 2/ 355 - 357، و"تهذيب اللغة" 4/ 3459 - 3460، و"مفردات ألفاظ القرآن" 777، و"قاموس القرآن" للدامغاني 444، و"بصائر ذوي التمييز" 4/ 527 - 528.]].
فمعنى قوله: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾؛ أي: أنعَمَ عليهم، وأحسَنَ إليهم، إذ بَعَثَ فيهم رَسُولًا.
واختلفوا في المراد بـ (المؤمنين) في قوله: ﴿عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾.
فقال بعضهم [[من قوله: (قال بعضهم ..) إلى (.. على النصرانية): نقله -بتصرف- عن "تفسير الثعلبي" 3/ 143 - ب.]]: هذا خاصٌّ في العرب، لأن النبي ﷺ، كانَ مِنَ العَرَبِ، ولم يكُنْ حَيٌّ مِن أحياء العرب، إلّا [و] [[ما بين المعقوفين زيادة من (ج)، و"تفسير الثعلبي".]] قد وَلَدَهُ، وله فيهم نَسَبٌ، غير بني تَغْلِب؛ لأنهم كانوا نَصَارَى [[هم بنو تَغْلب بن وائل بن قاسط. ينتهي نسبهم إلى مَعَدّ بن عدنان. ومساكنهم بالجزيرة الفُرَاتية، وتعرف بديار بكر. وبينهم وبين بني بكر بن وائل دارت حرب (البَسُوس) المشهورة التي استمرت (40) سنة.
انظر: "جمهرة أنساب العرب" 303، 469، و"صبح الأعشى" 1/ 338، و"معجم القبائل العربية" 1/ 120.]]، فطَهَّرَهُ [[في (أ)، (ب): (فظهره). والمثبت من (ج)، و"تفسير الثعلبي"، وكذا جاءت في "تفسير القرطبي" 4/ 264، 18/ 92. وهي الصواب.]] اللهُ منهم؛ لأنهم ثَبَتوا على النصرانية [[أورد هذا القول القرطبيُّ في "تفسيره" 18/ 92 ونسبه لابن إسحاق، وكذا أورده أبنُ عطية في "المحرر" 3/ 409 ونسبه للنقاش.]]. وعلى هذا دلّ كلام ابن عباس -في رواية عطاء- [[لم أقف على مصدر هذه الرواية عنه.]]، فإنه قال: يعنى المهاجرين والأنصار.
وعلى هذا التفسير، معنى قوله: ﴿مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾؛ أي: مِنْ نَسَبِهم. قال ابن عباس [[لم أقف على مصدر قوله؛ وقد ذكره ابن الجوزي في "الزاد" 1/ 494.]]: يريد: نَسَبه نَسَبهم، هو مِن وَلَدِ إسماعيل. وبه قال الكلبيُّ [[لم أقف على مصدر قوله.= وممن ورد عنه أن هذا خاصٌّ في العرب: عائشةُ -رضي الله عنها-. فقد أخرج عنها ابن أبي حاتم في "تفسيره" 3/ 808 أنها قالت -بعد أن قرأت هذه الآية-: (هذه للعرب خاصة). وأورده القرطبي في: "تفسيره" 4/ 264، ونسب إخراجه لأبي محمد عبد الغني، بسنده عنها.
وأورده السيوطي في "الدر" 2/ 165 وزاد نسبة إخراجه إلى ابن المنذر، والبيهقي في "الشعب".
وهو اختيار الطبري في "تفسيره" 4/ 163حيث قال: (﴿مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ نبيًا من أهل لسانهم، ولم يجعله من غير أهل لسانهم، فلا يفقهوا عنه ما يقول).]].
ومعنى (المِنَّة) -على هذا التفسير-: أنه بُعِثَ واحدًا منهم؛ ليكونَ ذلك شَرَفًا لهم [[انظر: "بحر العلوم" لأبي الليث 1/ 313، و"النكت والعيون" 1/ 434.]]. ففيه إنعامٌ مِنْ وجهين:
أحدهما: أنه أنقذهم به من النار، وهداهم. والثاني: أنْ جعله منهم. ودليل هذا التأويل، قولُه: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ [الجمعة: 2].
وقال آخرون [[ممن قال هذا: الزجاج -كما سيأتي-، وذكره الثعلبي في "تفسيره" 3/ 143 ب، ولم يعزه لقائل.]]: أراد المؤمنين كلَّهم، وعلى هذا معنى قوله: ﴿مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾؛ أي: إنه واحدٌ منهم، يعرفونه، ويعرفون نَسَبَهُ، ليس بِمَلَكٍ، ولا أحد مِن غيرِ بني آدم.
ومعنى (المِنّة) -على هذا القول-: أنّه [[من قوله: (أنه) إلى (من قبله) نقله -بتصرف- عن "معاني القرآن" للزجاج 1/ 487.]] مَنَّ على المؤمنين، بإرساله واحدًا منهم، عُرِفَ أمرُهُ، وخُبِرَ صِدْقُهُ وأمانَتُهُ، فكانَ تَنَاوُلُ [[في (أ)، (ب): (يتأول). والمثبت من (ج)، و"معاني القرآن".]] الحُجّةِ والبرهانِ [[في (أ): (البرهانُ) بضم النون. وفي (ب)، (ج): مهملة، وما أثبته هو الصواب.]] سَهْلًا مِنْ قِبَلِهِ [[في (ب): (قبل).]].
وهذا القول اختيار الزجّاج؛ لأنه قال [[في "معاني القرآن" له 1/ 487. نقله عنه بتصرف يسير.]]: لو كانت المنّةُ فيه [أنه] [[ما بين المعقوفين زيادة ليستقيم بها السياق.]] مِنَ العرب، لكانَ [[في (ب): (لكانت).]] العَجَمُ لا مِنَّة عليهم فيهِ، ولكن المِنَّة [[في (ب): (أمانته).]] فيه: أنَّهُ قد خُبِرَ أمْرُه، وشأنُه، وعُلِمَ صدقُهُ، بعد أنْ عَلِمُوا أنه كان واحدًا منهم، وإذا كان واحدًا منهم، كانَ أيْسَرَ عليهم معرِفةُ أحوالِهِ مِنَ الصِّدقِ والأمانة.
وعلى هذا التفسير: خُصّ المؤمنون بالذكر، وإنْ كانَ جميعُ المُكَلَّفِينَ في هذا سواء؛ لأن المِنّة على المُؤْمِنِ في هذا أعظمُ منها على الكافر؛ لانتفاع المؤمن ببعثته، فصار كقوله: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا﴾ [النازعات: 45]، وهو كان منذرًا لجميع البَشَرِ، ولكنْ لَمَّا كان المؤمنُ يخشَى الساعةَ دون الكافرين، وكان للمؤمن الانتفاعُ بإنذاره، أُضِيفَ إليه.
وباقي الآية مفسَّرَةٌ في سورة البقرة [[انظر: تفسير الآية 129، والآية 151 من سورة البقرة.]].
وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ قيل: معناه: وقد كانوا [[لم أقف على من قال بهذا القول، إلا أنه يُخَرَّج على قول الكسائي -من الكوفيين- أنَّ (إنْ) إنْ دخلت على جملة فعلية، تكون بمعنى (قد)، واللام زائدة للتوكيد، وإن دخلت على جملة اسمية، فتكون (إنْ) هي النافية، واللام بمعنى (إلَّا).
انظر: "تفسير الطبري" 4/ 163، و"اللامات" للزجاجي 115، و"الجنى الداني" 214، و"الدر المصون" 2/ 334.]].
وقيل: معناه: وما كانوا مِنْ قَبْلِهِ؛ أي [[(من قبله أي): ساقط من (ج).]]: مِنْ قبل محمد، إلَّا في ضلال مبين. ومثله قوله: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ﴾ [[هذا رأي الكوفيين، ومنهم: الفراء، أنَّ (إنْ) -هنا- نافية، بمعنى (ما)، واللام بمعنى: (إلا)، بينما مذهب أهل البصرة أنَّ (إنْ) هي المخففة من الثقيلة، واللام هي الفارقة بينها وبين (إنْ) النافية.
انظر: المصادر السابقة، و"الفريد في إعراب القرآن المجيد" 1/ 656، و"الجنى الداني" 209، و"المغني" لابن هشام 306.]] [البقرة: 198].
آل عمران 3:165
قوله تعالى: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ﴾ الآية.
الواوُ في ﴿أَوَلَمَّا﴾، لِعَطْفِ جملةٍ على جملة. ودخل أَلِفُ الاستفهام على واو النَّسَقِ [[النَّسَق، هو: العطف.]]؛ لأنَّ له صدر الكلام.
قال الزجّاج [[في "معاني القرآن" له 1/ 487. نقله عنه بتصرف يسير.]]: ومثله من الكلام قولُ القائل: (تكَلّمَ فلانٌ بكذا وكذا) فيقول مجيبًا له: (أوَ هُوَ مِمَّن يقول ذلك؟).
والمعنى: أَوَ حين أصابتكم مُصيبةٌ. ويعنى بالمصيبة: ما أصابتهم يوم أحد.
وقوله تعالى: ﴿قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا﴾.
هو مِنْ صفة النَّكِرَةِ [[أي: في موضع رفع؛ صفة لـ (مصيبة).]]. ومعناه: قد أصبتم مثليها يوم بدر؛ وذلك [أنَّ] [[ما بين المعقوفين زيادة من (ج).]] المشركين قتلوا من المسلمين يوم أُحُد سبعين، [وقَتَلَ المسلمونَ منهم يوم بدر، سبعين] [[ما بين المعقوفين زيادة من (ج).]] وأسروا سبعين. هذا قول أكثرِ المفسرين: ابن عباس [[قوله في "تفسير الطبري" 4/ 165، و"تفسير ابن أبي حاتم" 3/ 810.]]، وقتادة [[قوله في المصدرين السابقين.]]، وعكرمة [[قوله في المصدرين السابقين.]]، والربيع [[قوله في المصدرين السابقين.]]، والسُدِّي [[قوله في المصدرين السابقين.
وانظر: "سيرة ابن هشام" 3/ 71، و"عيون الأثر" 1/ 432، 2/ 47 - 48، و"فتح الباري" 7/ 307، كتاب المغازي. باب 10 رقم الحديث: (3986).
قال ابن حجر: (واتفق أهل العلم بالتفسير على أن المخاطبين بذلك أهل أحُد، وأنَّ المراد بـ ﴿أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا﴾ يوم بدر، وعلى أن عدة من استشهد من المسلمين بأحد سبعون نفسًا). "الفتح" 7/ 307 وقد عدَّه الطبري إجماعًا. انظر "تفسيره" 4/ 164.]].
وقال بعضهم [[لم أقف على من قال بهذا القول. إلا ما ورد عن الزجاج كما سيأتي.]]: أي: أَصبتم في يوم أحد مثلها [[حيث قتل من الكفار يوم أحد ثلاثة وعشرون رجلًا. انظر: "عيون الأثر" 2/ 48.]]، وفي يوم بدر مثلها [[(وفي يوم بدر مثلها): ساقط من (ج).
حيث قَتَلَ المسلمون من الكفار سبعينَ -كما سبق-، ولا مَدْخَلَ للأسرى -هنا- على هذا القول؛ لأنهم قد تم فداؤهم، فلا تتم المماثلة بهم.]]. فقد أصَبتم مِثْلَيْ ما أصابكم، وقتلوا منكم في يوم أُحُد، وقتلتم منهم في يومين. وهذا اختيار الزجّاج [[في "معاني القرآن" له 1/ 488.]].
والأول أصح؛ لأن الكفار يوم بدر، نالوا مِنَ المسلمين -أيضًا- [[في (ب): (تعبا).]]؛ بقتل بعضهم [[في (أ): (بعضُهم) برفع الضاد. وفي (ب)، (ج): مهملة. والصواب ما أثبت. واستشهد من المسلمين في بدر: أربعة عشر رجلًا؛ ستة من المهاجرين، وثمانية من الأنصار. انظر: "عيون الآثر" 1/ 432.]].
وقوله تعالى: ﴿قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا﴾.
جواب الاستفهام. ومعناه: قلتم: مِنْ أينَ أصابَنَا هذا القتلُ والهزيمة، وقد تقدم الوَعْدُ بالنُّصْرَةِ، ونحن مسلمون، ورسول الله فينا، والوحي ينزل عليه [فينا] [[ما بين المعقوفين مطموس في (أ)، والمثبت من (ب)، (ج).]]؟.
وقوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾.
فيه ثلاثة أوْجُه:
أحدهما -وهو قول أكثر أهل التأويل-: أن [[(أن): ساقطة من (ج).]] معناه: أنّكم تركتم ما أمِرْتُم به، وطلبتم الغنيمةَ وتركتم مراكزكم، فَمِنْ قِبَلِكُمْ جاء الشَّرُّ. وهذا قول: الكلبي [[لم أقف على مصدر قوله.]]، وعطاء [[لم أقف على مصدر قوله. وقد يكون قوله هو قول ابن عباس الذي أورده ابن الجوزي في: "الزاد" 1/ 496؛ حيث إن أغلب أقوال عطاء التي يوردها المؤلف هي روايته عن ابن عباس.]]، واختيار: الفرّاء [[في "معاني القرآن" له 1/ 246، وقد نقل المؤلف هذا القول عنه بنصه، وهو من قوله (تركتم ما أمرتم) إلى (.. جاء الشر).]]، والزجّاج [[في "معاني القرآن" له 1/ 488. وهو قول مقاتل في "تفسيره" 1/ 311، وأبي الليث في "بحر العلوم" 1/ 313.]].
وعلى هذا القول: أضاف إليهم المعصيةَ والهزيمةَ، وإنْ كانت مخلوقة لله -تعالى- مُرَادةً، لأن المعصيةَ تضاف إلى العاصي من حيث المباشرة والكَسْب [[(الكسب هو الفعل الذي يعود على فاعله بنفع، أو خير، كما قال تعالى: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ [البقرة: 286]. "مجموع فتاوى ابن تيمية" 8/ 387 == وانظر:"شرح العقيدة الطحاوية" ص 448.
وقد نقل السفاريني بعض اصطلاحات المتكلمين حول الكسب، فقال: (الكسب في اصطلاح المتكلمين: ما وقع من الفاعل مقارنًا لقدرة محدثة واختيار، وقيل: هو ما وجد بقدرة محدثة في المكتسب.
وقال العلَّامَةُ ابنُ حمدان -من علمائنا-: الكسب هو ما خلقه الله في محل قدرة المكتسب على وفق إرادته في كسبه ..). "لوامع الأنوار" 1/ 291. وانظر ما بعدها. وانظر للتوسع في موضوع الكسب: "شفاء العليل" 121 وما بعدها، و"شرح العقيدة الطحاوية" ص 438 وما بعدها، و"المعتزلة وأصولهم الخمسة" 169 - 184، و"أفعال العباد في القرآن الكريم" لعبد العزيز المجذوب 325 وما بعدها، و"الكليات"، لأبي البقاء 161.]].
والثاني: أن معنى قوله: ﴿مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾؛ أي: بخرُوجِكُم مِنَ المدينة، وخلافكم على رسولكم؛ وذلك أنه دعاهم إلى التَحَصُّنِ بالمدينة، وكان [[(وكان): ساقطة من (ج).]] قد رأى في المنام أنَّ عليه درْعًا حَصِينَةً، فأوَّلَها: المدينة. فقالوا: كنا نَمْتَنِع في الجاهلية، ونحن اليوم أحقُّ بالامتناع، فأكرهوا رسولَ الله على الخروج. وهذا قول: قتادة [[قوله في: "تفسير الطبري" 4/ 164، و"زاد المسير" 1/ 496، و"الدر المنثور" 2/ 166، وزاد السيوطي نسبته إلى عبد بن حميد.]]، والربيع [[قوله في: "تفسير الطبري" 4/ 165، و"زاد المسير" 1/ 496.]]، وابن عباس -في رواية عطاء- [[لم أقف على مصدر قوله.]]؛ لأنه قال: يريد: حيث اختلفوا على النبي ﷺ [[انظر ما سبق عند تفسير الآية: 152 ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ﴾.]].
الوجه الثالث [[في (ج): (الثاني).]]: ما روي عن علي - رضي الله عنه -، أنه قال: جاء جبريلُ إلى النبي ﷺ، يوم بَدْر، فقال [[في (ج): (وقال).]]: يا محمدُ: إنَّ الله -تعالى- قد كَرِهَ ما صَنَعَ قومُكَ في أخذهم الفداءَ من الأُسارى، وقد أمرك أن تُخَيِّرَهم بين أن يُقَدِّمُوا الأُسارى فَيَضْرِبُوا أعناقَهم، وبين أن يأخذوا الفداء، على أن يُقْتَلَ منهم عِدَّتُهُم. فَذَكَرَ ذلك رسولُ الله ﷺ لقَومِهِ، فقالوا: يا رسول الله: عشائرُنا وإخواننا، لا؛ بل نأخذ فِدَاهم [[هكذا جاءت في: (أ)، (ب)، (ج). على التخفيف. والأصل فيها أن تكون: (فداءهم). كما هي في "تفسير الطبري". وقد وردت في بعض ألفاظ الحديث: (.. بل نفاديهم)، ووردت: (قالوا الفداء).]]، فنقوى [[هكذا في: (أ)، (ب)، (ج). وجاءت في المصادر التالية: (فنتقوّى).]] به على قتال العدوِّ، ويُستشهد منّا بعددهم [[الحديث أخرجه: الترمذي في "السنن" رقم (1567. كتاب السير. باب 18 (ما جاء في قتل الأسارى والفداء) وقال الترمذي: (حديث حسن غريب)، وأخرجه الطبري في "تفسيره" 1/ 166، وذكره الثعلبي في "تفسيره" 3/ 144 أ، والبغوي في "تفسيره" 2/ 129، وابن كثير في "تفسيره" 1/ 459 وزاد نسبة إخراجه للنسائي، ولم أهتد إليه في (سننه) المطبوعة.
وأورده السيوطي في "الدر" 2/ 368 وزاد نسبة إخراجه لابن أبي شيبة، وابن مردوية.]].
فقُتِلَ منهم يوم أحد سبعون رجلًا، عدد [[في (ج): (بعدد).]] أُسارى أهلِ بَدْر. فهو معنى قوله: ﴿قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾؛ أي: بأخْذِكُم الفداء، واختياركم القَتْلَ [[قال الشوكاني -بعد إيراده لهذا الأثر عن علي - رضي الله عنه -: (ولكنه يشكل على حديث التخيير السابق؛ ما نزل من المعاتبة منه سبحانه وتعالى لمن أخذ الفداء، بقوله: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ﴾ [الأنفال: 67]، وما رُوي من بكائه ﷺ، هو وأبو بكر؛ ندمًا على أخذ الفداء. ولو كان أخذ ذلك بعد التخيير لهم من الله -سبحانه-، لم يعاتبهم عليه، ولا حصل ما حصل من النبي ﷺ، ومن معه من الندم والحزن، ولا صوَّب النبي ﷺ رأي عمر - رضي الله عنه -، حيث أشار بقتل الأسرى، وقال ما معناه: لو نزلت عقوبة لم ينج منها إلا عمر). "فتح القدير" 1/ 598 - 599.]].
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ يعنى: مِنَ النَّصْرِ؛ مع طاعتكم النبي ﷺ، وترك النصر؛ مع مخالفتكم ما أُمرتم به. وقال ابن عباس [[لم أقف على مصدر قوله.]]: يريد: على نَصرِكُم، وعلى اتِّخاذِ الشهداءِ منكم، وتعجيلِ أوليائهِ إلى الجَنَّةِ، قديرٌ.
آل عمران 3:166
قوله تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ﴾ دَخَلَتْ الفاءُ في ﴿فَبِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [[في (ج): (بإذن).]]؛ لأن خبر (ما) التي بمعنى (الذي)، يشبه جواب الجزاء؛ مِنْ جهة أنه مُعَلَّقٌ [[في (ج): (متعلق).]] بالفعل الذي في الصِّلَةِ، كتعلُّقِهِ بالفعل الذي في الشَّرْط. وقد شرحنا هذه المسألة عند قوله: ﴿وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: 158].
ومعنى قوله: ﴿فَبِإِذْنِ اللَّهِ﴾: قيل: بِعِلْمِ الله [[ممن قال ذلك الزجاج، في "معاني القرآن" 1/ 488.]]. وقال ابن عباس [[لم أقف على مصدر قوله. وقد أورده ابن الجوزي في: "زاد المسير" 1/ 497.]]: يريد: فبقضاء الله. وهذا أوْلَى؛ لأن الآية تَسْلِيَةٌ للمؤمنينَ مما أصابهم [[في (أ): (أصابكم). والمثبت من: (ب)، (ج).]]، ولا تَقَعُ التسليةُ إذا كان واقعًا بِعِلْمِهِ، وإنما تقع؛ إذا كان واقعًا بقضاء الله وقدره، فحينئذٍ يرضون بما قضى عليهم. وفي هذا دليلٌ على أن الكائنات كلَّها تقع على ما قضاه الله في الأزَلِ.
وقوله تعالى: ﴿وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ﴾.
آل عمران 3:167
﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا﴾ أي: لِيظْهرَ إيمان [المؤمنين] [[ما بين المعقوفين زيادة من (ج).]]، بِثُبُوتِهِمْ [[في (ب): (ثبوتهم).]] على ما نالَهم، ويظْهرَ نفاق المنافقين، بِفَشَلِهم، وقِلَّةِ صبرِهِمْ على ما ينزلُ بهم.
وقد مضت نظائرُ لهذه الآية، وذكرنا معنى عِلْمِهِ فيما لا يزال، مع سبقِ عِلْمِهِ بالكائنات فيما لم يزل [[انظر: "تفسير البسيط"، عند تفسير قوله تعالى: ﴿إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ﴾ [البقرة: 143]، وانظر تفسير قوله تعالى: ﴿وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [آل عمران: 140]، وتفسير: ﴿وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا﴾ [آل عمران: 142].]].
وقوله تعالى: ﴿نَافَقُواْ﴾.
يقال: (نافق الرجلُ)، فـ (هو منافقٌ): إذا أظهر كلمةَ الإيمانِ، وأضْمَرَ [[في (ج): (وأظهر).]] خِلاَفَهَا. و (النِّفَاق): اسمٌ إسْلامِيٌّ [[يعني أن (النفاق) اصطلاح جاءت به الشريعة الإسلامية، ولم يكن معروفًا من قبل، وإن كان أصله في اللغةِ معروفًا. انظر: "اللسان" 8/ 4508 (نفق)، و"المزهر" 1/ 301.
وقد ذكر د. عودة أبو عودة في كتابه "التطور الدلالي بين لغة الشعر ولغة القرآن" 266 أن (النفاق) بمعنى التَّلَوُّنِ والمخادعة قد عرف في الجاهلية، واستدل ببيت شعرٍ منسوب إلى طرفة، وهو:
وأما رِجَالٌ نافَقُوا في إخائِهِم ... ولستُ إذا أحبَبْتُ حُرًّا أنَافِقُه
ويفيد د. عودة أنَّ هذا البيت لم تتأكد نسبتُه لطرفة، كما يفيد شارح ديوانه، وإنْ ثَبَتَ فيدل على استخدام مصطلح (النفاق) في الجاهلية، ولكن لا على سبيل الشيوع والانتشار، ولا ينفي ذلك إسلامية هذا المصطلح.]].
واختلفوا في اشتقاقه: قال أبو عبيد [[في "غريب الحديث" له 1/ 382. نقله عنه بتصرف.]]: يقال (نافق اليَرْبُوعُ) [[اليَرْبُوع: حيوان صغير على هيئة الجُرَذِ الصغير، وله ذنب طويل ينتهي بِخُصْلة من الشعر، وهو قصير اليدين، طويل الرجلين. والجمع: يَرَابيع. انظر (ربع) في: "الصحاح" 2/ 1215، و"المعجم الوسيط" 1/ 325.]]، و (نَفَقَ) [[يقال: (نَفَقَ، ونفَّق، وانتفق). انظر: "اللسان" 8/ 4507 (نفق).]]. وَ (نَافِقاءُ اليربوع): أحَدُ جُحْرَيْهِ. وله جُحْرٌ آخر يقال له: (القاصِعَاء)، فإذا طُلِبَ مِنَ النافقاء، خرج [[في (ب): أخرج. وفي "غريب الحديث" قَصَّعَ فخرج من القاصعاء.]] من القاصعاء، وإذا طُلِبَ مِنَ القاصعاء، خَرَجَ [[في (ب): (أخرج).]] مِنَ النافقاء، فقيل للمنافق: (مُنافِقٌ)، لأن يخرجُ مِنَ الإسلامِ مِنْ غير الوجه الذي دَخَلَ فيه؛ وذلك أنه دَخَلَ عَلاَنِيَةً وخرج سِرًّا.
وَحَكَى ابنُ الأنباري [[في "الزاهر": 1/ 230. نقله عنه بتصرف.]] عن بعضهم: أن المنافقَ مِنَ (النَّفَق)، وهو: السَّرَبُ. ومعناه: أنَّه يَتَستَّرُ بالإسلام، كما يتستر [[(بالإسلام كما يتستر): ساقط من (ج).]] الرجلُ في السَّرَبِ.
وقال قوم [[ذكر هذا ابن الأنباري في: "الزاهر" 1/ 230 ونقله عنه المؤلف بتصرف. وقائل هذا القول هو ابن الأعرابي، وقد نقل معنى قوله هذا الأزهري، في: "تهذيب اللغة" 4/ 3635 (نفق).]]: هو مأخوذ من (النافقاء)، على غير الوجه الذي ذكره أبو عبيد، وهو: أن [النافقاء] [[ما بين المعقوفين في (أ) (النا)، والمثبت من: (ب)، (ج)، ومصادر القول.]] جُحْرٌ يَحْفِرُه اليَّرْبُوعُ مِن داخلِ الأرض، فإذا بَلَغَ إلى جِلْدَةِ [[في (ج): (جلد).]] الأرض، رَقَّقَ التُّرَابَ، ولم يُتِم الحَفْرَ، حتى إذا رَابَهُ رَيْبٌ، دفَعَ الترابَ بِرَأسِهِ، فَخَرَجَ.
فقيل للمنافق: منافقٌ؛ لأنه يُضمر غير ما يُظهر؛ بمنزلة النافقاء، ظاهِرُهُ [[(ظاهره): ساقط من (ج).]] غير بَيِّن، وباطِنُه محفور في الأرض.
قال ابن عباس [[لم أقف على مصدر قوله.]]: ويريد [[في (ج): (يريد) بدون واو.]] بـ ﴿الَّذِينَ نَافَقُوا﴾: عبد الله بن أُبَي وأصحابه.
وقوله تعالى: ﴿وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾.
قال السدّيُّ [[قوله في "تفسير الطبري" 4/ 168.]]، ومحمدُ بن إسحاق [[قوله في: "سيرة ابن هشام" 3/ 71 - 82، والمصدر السابق: 4/ 167 - 168.]]: هذا حين انصرف عبد الله بن أُبَي، قبل أن يبلغ أُحُد، بثلاثمائة مِنْ جُمْلَةِ الأَلْفِ الذين خرج بهم رسولُ الله ﷺ، فقال لهم عبد الله بن عَمْرِو بن حرام -أبو جابر بن عبد الله- [[الأنصاري. الصحابي الجليل، شهد العقبة وكان نقيبًا، وشهد بدرًا، واستشهد في أحد، وصلى عليه النبي ﷺ. انظر: "الاستيعاب" 3/ 26 (1633)، و"الإصابة" 2/ 350 (4838).]]: أذَكِّرُكُم اللهَ أنْ تَخْذلوا نبيَّكم وقومَكم، عندما حضر [[في (ب): (خبر).]] عَدُوُّهُم [[في (ج): (عدوكم).
انظر خبر انصراف ابن أبَيّ بمن معه في: "المغازي" للواقدي 1/ 219، 325، و"الطبقات الكبرى" 2/ 39، و"تاريخ الطبري" 2/ 504، و"حدائق الأنوار" 2/ 521.]]! ودعاهم إلى القتال في سبيل الله، فذلك قوله: ﴿وَقِيلَ لَهُمْ﴾، يعنى: قولَ عبد الله بن عمرو: تَعَالوا قاتلوا في سبيل الله.
وقوله تعالى: ﴿أَوِ ادْفَعُوا﴾.
قال السدّي [[قوله في: "تفسير الطبري" 4/ 168، و"تفسير الثعلبي" 3/ 144ب، و"زاد المسير" لابن الجوزي 1/ 497.]]، وابنُ جُرَيْج [[قوله في المصادر السابقة.
وزاد ابن الجوزي نسبة هذا القول لابن عباس، والحسن، وعكرمة، والضحاك، وهو قول ابن قتيبة في: "تفسير غريب القرآن" ص 108، والنحاس في: "معاني القرآن": 1/ 508.]]: ادفعوا عنّا العدُوَّ [[في (ج): (العذاب).]]، بِتَكثير [[في (ج): (وبتكثير).]] سَوَادِنَا، إنْ لمْ تُقَاتِلُوا معنا. وهذا اختيار الفرّاء، لأنه قال [[في "معاني القرآن" له 1/ 246. نقله عنه بتصرف.]]: لأنهم إذا كثروا دفعوا القومَ عنهم بكثرتهم.
وقال جماعةٌ من المفسرين [[منهم مقاتل في: "تفسيره" 1/ 312، ونسبه ابن الجوزي لابن عباس، من رواية أبي صالح عنه. انظر: "زاد المسير" 1/ 498، و"المحرر الوجيز" 3/ 474، والقرطبي 4/ 266.]]: معناه: أو ادفعوا عن أهلكم وبلدكم وحرِيمكم. يعنى: إنْ لم تقاتلوا في سبيل الله، لأجلِ ديِنِهِ [[في (ج): (دينكم).]]، فقاتِلُوا للدَّفْع عن الأهل والمال. يقول: فافعلوا هذا، أو ذلك.
وقوله تعالى: ﴿قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ﴾.
هذا جواب المنافقيِن لعبد الله بن عَمرو بن حَرَام.
قال محمد بن إسحاق [[قوله، في: "سيرة ابن هشام" 3/ 82. نقله عنه بتصرف.]]: لَمَّا قال لهم عبد الله ما قال، قالوا: لو ونعلم أنكم تقاتلون ما أسلمناكم، ولكِنَّا لا نَرَى أنْ يكون قتال؛ يعنون: لا يكون اليوم قتالٌ؛ ولو نعلم أنه يكون لاتَّبعناكم؛ وأرادوا: أن انصرافنا؛ لِعِلْمِنَا بِأَنَّ [[في (ج): (أن).]] الفريقين لا يقْتَتِلان. ونافقوا بهذا القول؛ لأنه كان في قلوبهم خلاف ما تكلموا به.
قالَ الله تعالى: ﴿هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ﴾ يريد: أنَّهم [بما] [[ما بين المعقوفين ساقط من: (أ)، (ب). والمثبت من (ج).]] أظهروا من خذلان المؤمنين عند الحرب، صاروا أقرب إلى الكفر منهم إلى الإيمان؛ وذلك [[من قوله: (وذلك ..) إلى (.. إلى الإيمان): ساقط من (ج).]] أنهم قبل هذا، كانوا -بظاهر حالهم- أقرب إلى الإيمان، حتى هتكوا أنفسَهم عند مَنْ تخفى عليه حالُهم مِنَ المؤمنين، الذين كانوا يحسنون الظنَّ بهم. وفي هذا دليلٌ على أنَّ مَنْ أتَى بكلمة التوحيد لم يكفر، ولم يُطْلَق القولُ بتكفيره؛ لأن الله تعالى لم يُطْلق القول بتكفيرهم، مع أنهم كانوا كافرين؛ لإظهارهم القولَ بـ (لا إله إلا الله، محمد رسول الله).
وقوله تعالى [[(وقيل): بدلًا من: (وقوله تعالى).]]: ﴿يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ﴾ قال المفسِّرون [[لم أقف على من قال بهذا القول. وقد أورده الماوردي في "النكت والعيون" 1/ 435.]]: يعنى: بإظهار الإيمانِ وإضمار الكفر.
وقال بعضهم [[ممن قال ذلك الطبريُّ في "تفسيره" 4/ 169.]]: يعنى [[في (ب) وردت هنا عبارة وهي: (إظهار الإيمان). وهي زيادة لا وجه لها.]] قولَهم: ﴿لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ﴾، ولو عَلِمُوا ما اتَّبعوهم.
وذِكْرُ الأفواه -ههنا- زيادة للتوْكيد [[في (ب): (للتأكيد).]]، لأن القولَ قد يضاف إلى الإنسان، إذا كَتَبَ أو أشار به.
فأعْلَمَ اللهُ أنهم يقولون بألسنتهم؛ لِيُفَرِّقَ بين قول [[قول: ساقط من (ج).]] اللسان وقول الكتابة [[وذكر الماوردي فائدة للتقييد -هنا- بـ (أفواههم)، وهي: أنه (رُبما نُسِب القولُ للساكت مجازًا؛ إذا كان به راضيًا). "النكت" 1/ 436.
وقال الزمخشريُّ: (وذكر الأفواه مع القلوب؛ تصوير لنفاقهم، وأن إيمانهم موجود في أفواههم، معدوم في قلوبهم). "الكشاف": 1/ 478.
وقال السمين الحلبي -معلقًا على قول الزمخشري-: (وبهذا الذي قاله الزمخشري، ينتفي كونه للتأكيد؛ لتحصيله هذه الفائدة). "الدر المصون" 3/ 78.]].
آل عمران 3:168
قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ﴾.
في محل ﴿الَّذِينَ﴾ ثلاثةُ أوْجُهٍ:
أحدها: النصب على البدل من ﴿الَّذِينَ نَافَقُوا﴾ [[وهناك وجهان آخران للنصب، هما: النصب على الذمِّ؛ إي: أذم الذين قالوا .. ؛ أو بإضمار (أعني)، أو النصب على الصفة ﴿الَّذِينَ نَافَقُوا﴾.]].
و [[الواو زيادة من (ج).]] الثاني: الرفع على البدلِ من الضمير في ﴿يَكْتُمُونَ﴾ [[في (ج): (بلتون).]].
الثالث: الرفع على خبر الابتداء، بتقدير: (هم الذين) [[وهناك وجه ثالث، للرفع، وهو: أنه مبتدأ. والخبر: ﴿قُلْ فَادْرَءُوا﴾. على تقدير: قل لهم فادرءوا.= ويجوز -كذلك- الجرُّ في موضع ﴿الَّذِينَ﴾، إما على أنه بدل من الضمير في ﴿بِأَفْوَاهِهِمْ﴾، أو من الضمير في ﴿قُلُوبِهِمْ﴾.
انظر هذه الوجوه في: "إعراب القرآن" للنحاس 377، و"مشكل إعراب القرآن"، لمكي 1/ 178، و"البيان" للأنباري 1/ 230 - 231، و"التبيان" للعكبري ص 219، و"الفريد في إعراب القرآن المجيد" 1/ 658، و"الدر المصون" 3/ 479.]].
والمراد بـ ﴿الَّذِينَ قَالُوا﴾: عبد الله بن أُبَيّ، وأصحابه [[هذا قول: جابر بن عبد الله، وابن عباس، وقتادة، والسدي، وابن جريج، والربيع، ومقاتل، والماوردي.
انظر: "تفسير مقاتل" 1/ 312، و"تفسير الطبري" 4/ 169 - 170، و"تفسير ابن أبي حاتم" 3/ 811، و"زاد المسير" 1/ 498، و"الدر المنثور" 2/ 167.]].
وقوله: ﴿لِإِخْوَانِهِمْ﴾، أكثر المفَسِّرينَ [[منهم: مقاتل، وابن إسحاق، والطبري، والثعلبي.
انظر: "تفسير مقاتل" 1/ 312، و"سيرة ابن هشام" 3/ 72، و"تفسير الطبري" 4/ 169، و"تفسير الثعلبي" 3/ 144 ب.]] على أنَّ المرادَ بِهِ شهداءُ أُحُد، قالوا فيهم: لو أطاعونا في القعود بالمدينة، والانصراف عن رسول الله ﷺ، بعد الخروج، ما قُتِلوا. وعلى هذا؛ المراد بـ (الأخُوَّةِ) -ههُنا-: أخُوَّةُ النَّسَبِ، لا أخوَّةُ الدِّين [[قال مقاتل: (كقوله سبحانه: ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا﴾ [هود: 61]، ليس بأخِيهم في الدين ولا في الولاية، ولكن آخوهم في النسب والقرابة). "تفسيره" 1/ 313.]].
أو نقول: يجوز هذا في إطلاق اللفظ، من حيث إنهم كانوا يظهرون المَوَدّةَ والمؤاخَاةَ للمؤمنين.
فالمراد [[في (ج): (والمراد).]] بقوله: ﴿قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ﴾ [[(قالوا): ساقطة من (ج).]]: قالوا في إخوانهم الذين قُتِلوا، لَوْ أطاعونا؛ لأنهم بعد أن قُتِلوا لا يخاطَبُون. ومثل هذا، قولُه: ﴿لَا [[في (أ)، (ب)، (ج): (ولا). والمثبت من رسم المصحف.]] تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ﴾ [آل عمران: 156] الآية. وقال الكلبي [[لم أقف على مصدر قوله.]]: ﴿الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ﴾، [[ما بين المعقوفين زيادة من (ج).]]؛ يعني: من [[(من): ساقطة من (ج).]] المنافقين [[ممن قال بهذا: ابن عباس، كما في "زاد المسير" 1/ 498، وإليه ذهب أبو الليث في "بحر العلوم" 1/ 314.]].
وعلى هذا التفسير: لا إشكال؛ فإن أصحابَ عبد الله بن أُبَي قالوا لقرنائهم مَنَ المنافقين: لو أطاعنا [[في (ج): (أطاعونا).]] هؤلاء -الذين خرجوا مع محمد- في القعود؛ ما قُتِلوا.
وقوله تعالى: ﴿وَقَعَدُوا﴾ يعني: المنافقين، قعدوا عن الجهاد. والواو للحال [[قال السمين الحلبي: (و (قد) مرادة؛ أي: (وقد قعدوا). ومجيء الماضي حالًا بالواو و (قد)، أو بأحدهما، أو بدونهما، ثابت من لسان العرب)، ثم ذكر وجهًا آخر لإعراب جملة ﴿وَقَعَدُوا﴾ وهي أنها معطوفة على ﴿قَالُوا﴾، فتكون جملة اعتراضية بين ﴿قَالُوا﴾ ومعمولها ﴿أَطَاعُونَا﴾. "الدر المصون" 3/ 480.]].
﴿لَوْ أَطَاعُونَا﴾؛ يعنون: شهداء أُحُد. ﴿مَا قتلُوا﴾.
فَرَدَّ الله عليهم، وقال: قل لهم يا محمد: ﴿فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ﴾ إنْ صَدَقْتُم أنَّ الحَذَرَ ينفع مِنَ القَدَرِ.
وفي هذا دليل على أن المقتول يُقْتَلُ بِأَجَلِهِ، وأنَّ [[في (ج): (فإن).]] المُنَافِقِينَ كَذَبُوا في أنَّهم لو قعدوا ما قُتِلُوا.
ومعنى (الدَرْء) -في اللغة-: الدَفْعُ. ومنه قوله: ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ﴾ [النور: 8] أي: يدفع [[انظر: "تفسير غريب القرآن" لابن قتيبة ص 108، و"تفسير الطبري" 4/ 169.]] وقوله ﷺ: "ادرَءُوا الحُدُودَ بالشُّبُهاتِ" [[الحديث من الأحاديث المشهورة، وقد أورده السيوطي في "جمع الجوامع" 1/ 284 رقم (874) (875)، وفي "الجامع الصغير" انظر: "فيض القدير" 1/ 293 (314) ونسب إخراجه إلى ابن عدي في جزء له من حديث أهل مصر والجزيرة، من رواية ابن لهيعة عن ابن عباس، ونسب إخراجه كذلك إلى أبي سعد، عبد الكريم السمعاني، في "ذيل تاريخ بغداد"، بسنده عن عمر بن عبد العزيز، عن النبي ﷺ، مُرسلاً، ونسبه -كذلك- لأبي مسلم الكجِّي في سننه، عن عمر بن عبد العزيز مرسلًا.
وأورده الزركشي في: "المعتبر في تخريج أحاديث المنهاج والمختصر" 36 رقم (76)، وابن حجر في "التلخيص الحبير" 4/ 56 رقم (1755)، والسخاوي في "المقاصد الحسنة" 50 رقم (46) ونسبوا إخراجه للحارثيِّ، في "مسند أبي حنيفة" له، بسنده عن مِقْسم، عن ابن عباس، مرفوعًا.
ونقل المُناوي -في "فيض القدير"- قولَ الحافظ ابن حجر، عن رواية ابن عدي: (إن كان بين ابن عدي وابن لهيعة مقبولٌ، فهو حسن).
وقال الزركشي عن رواية أبي مسلم الكجي: إنها معضلة. ونقل السخاوي عن شيخه ابن حجر، أن في سنده من لا يعرف. وضعفه الألباني في: ضعيف "الجامع الصغير" 1/ 117 رقم (258).
وقد ورد الأثر موقوفًا على ابن مسعود من رواية سفيان الثوري، عن عصام، عن أبي وائل عنه، وكذا رواه مسدد في مسنده موقوفًا عليه، بلفظ: (ادرءوا الحدود بالشبهة). وقال عنه ابن حجر: (وهو موقوف حسن الإسناد). انظر: "فيض القدير": 1/ 294. == وورد بلفظ: (ادرءوا الحدودَ عن المسلمين ما استطعتم ..) أخرجه -من رواية يزيد بن زياد الدمشقي عن الزهري عن عروة عائشة-:
الترمذيُّ في "السنن" رقم (1424) كتاب الحدود. باب: (ما جاء في درء الحدود)، وصحح الترمذيُّ وقفَهُ على عائشة، من رواية وكيع عن يزيد بن زياد، وقال: (وقد روي عن غير واحد من أصحاب النبي ﷺ، أنهم قالوا مثل ذلك، ويزيد بن زياد الدمشقي ضعيف في الحديث).
وأخرجه الحاكم في "المستدرك" 4/ 384. وحكم عليه بالصحة. وتعقبه الذهبيُّ بأن فيه يزيد بن زياد، شامي متروك.
وأخرجه الدارقطني في "السنن" 3/ 84، والبيهقي في "السنن" 8/ 238، والخطيب في "تاريخ بغداد" 5/ 331، والديلمي في "مسند الفردوس" 82 رقم (256).
وورد عن علي، بلفظ: (ادرءوا الحدود ..)، أخرجه الدارقطني في: "السنن": 3/ 84، والبيهقي في "السنن" 8/ 238 وفيه المختار بن نافع منكر الحديث.
وورد عن أبي هريرة، بلفظ: (ادرءوا الحدود ما استطعتم ..) أخرجه: أبو يعلى في: مسنده. انظر: "نصب الراقي" للزيلعي 3/ 309، و"الدراية" لابن حجر 2/ 95. قال الغماري: (وفيه إبراهيم بن الفضل، ضعيف). "الابتهاج بتخريج أحاديث المنهاج" للغماري 256.
وانظر في الكلام على هذا الحديث بألفاظه المختلفة -إضافة إلى ما ورد من مصادر-: "كشف الخفاء"، للعجلوني 1/ 73 رقم 166.]].
آل عمران 3:169
قوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا﴾.
أكثر أهل التفسير على أن هذه الآية نزلت في شهداء أحد [[ممن قال ذلك: ابن عباس، وابن مسعود، وجابر بن عبد الله، وقتادة، وسعيد بن جبير، والضحاك، وأبو الضحى، والربيع.
انظر: "تفسير الطبري" 4/ 170 - 175، و"تفسير ابن أبي حاتم" 3/ 812 - 813؛ و"زاد المسير" 1/ 499، و"تفسير القرطبي" 4/ 268 - 269، و"تفسير ابن كثير" 1/ 460 - 463.
وقيل: نزلت في شهداء بدر. وهو قول مقاتل في "تفسيره" 1/ 313.
وقيل: نزلت في شهداء بئر معونة. روى ذلك عكرمة عن إسحاق بن أبي طلحة عن == أنس بن مالك. انظر: "سيرة ابن هشام" 3/ 184 - 187، و"تفسير الطبري" 4/ 173، و"تفسير الثعلبي" 3/ 146 أ، و"أسباب النزول"، للواحدي ص 134، و"زاد المسير" 1/ 500، و"تفسير القرطبي" 4/ 269.
وقيل: إن أولياء الشهداء كانوا إذا أصابتهم نعمة أو سرور، تحسروا على الشهداء
وقالوا: نحن في النعمة والسرور، وآباؤنا وأبناؤنا وإخواننا في القبور. فأنزل الله تعالى هذه الآية؛ تنفيسًا عنهم، وإخبارًا عن حال قتلاهم. ذكره الثعلبي في "تفسيره" 3/ 147 ب، والواحدي في "أسباب النزول" ص 134 ولم يعزواه لقائل. وانظر الروايات في أسبابها في: "الدر المنثور" 2/ 169، و"فتح القدير" 1/ 600 - 601، و"تفسير ابن كثير" 1/ 463.]].
روى ابن عباس عن النبي ﷺ، قال: "لَمَّا أُصِيبَ إخْوانكم يومَ أُحُد، جَعَلَ اللهُ أرواحَهم في أجواف طَيْر خُضرٍ، تَرِدُ أنهارَ الجَنَّة، وتأكل مِنْ ثمارِها، وتَسْرَحُ مِنَ الجنة حيث شاءت، وتأوي إلى قناديل من ذهب تحت العرش، فَلَمَّا رأوا طِيبَ مَقِيلِهم [[المقيل: هو النوم وقت القائلة، وهو: نصف النهار. يقال: (قال قَيْلا، وقائلة، وقَيْلُولة، ومَقَالا، ومَقِيلا) انظر: "القاموس" 1359 (قيل).]] ومطعمهم ومشربهم، قالوا: يا ليت قومنا يعلمون مما نحن فيه من النعيم، وما صنع الله عز وجل بنا؛ كي يرغبوا في الجهاد، وقال الله عز وجل: أنا مخْبِرٌ عنكم، ومُبَلغ إخوانكم، فَفَرحوا بذلك واستبشروا؛ فأنزل الله هذه الآية" [[الحديث، أخرجه: أبو داود في "السنن" رقم (2520) كتاب الجهاد. باب فضل الشهادة، وأحمد في "المسند" (شرح الشيخ شاكر) 4/ 123، 124رقم (2388، 2389)، وهنّاد بن السري في "الزهد" 1/ 234 رقم (156)، والطبري في "تفسيره" 4/ 170 - 171، والحاكم في "المستدرك" 2/ 297 - 298. وقال: (صحيح على شرط مسلم) ووافقه الذهبي، والثعلبي في "تفسيره" 3/ 145 أ، والواحدي في "أساب النزول" ص132، والبيهقي في "السنن" 9/ 163، وأورده التبريزي في "مشكاة المصابيح" 2/ 1131 رقم (3853)، وابن كثير في "تفسيره" == 1/ 427 وزاد نسبة إخراجه لسفيان الثوري، وأورده السيوطي في "الجامع الصغير" (انظر: "صحيح الجامع الصغير" للألباني 2/ 924 رقم (5205) وصححه)، وأورده في "الدر المنثور" 2/ 168 وزاد نسبة إخراجه إلى عبد بن حميد، وابن أبي شيبة، وابن المنذر، والبيهقي في "الدلائل".]].
وقوله تعالى: ﴿بَلْ أَحْيَاءٌ﴾، أي: (بل هم أحياءٌ)، فهو رَفعٌ بالابتداء. وخبره: قوله [[(قوله): ساقط من (ب).]]: ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [[فـ ﴿أَحْيَاءٌ﴾ خبر لمبتدأ مقدر هو (هم)، وجملة ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ خبر ثانٍ للمبتدأ المقدر. وقيل: إنها في محل رفع صفة لـ ﴿أَحْيَاءٌ﴾، وقيل في إعرابها غير ذلك. انظر: "الدر المصون": 3/ 483، و"روح المعاني" 4/ 122.]]. قال أبو إسحاق [[في "معاني القرآن"، له 1/ 488. نقله عنه بمعناه.]]: ولو قُرِئ: (أحياءً) [[في (ج): (أحيا). وهكذا رسمت في (ج) فيما بعدها مما سيأتي منها. وقد قرأها بالنصب ابن أبي عبلة. انظر: "البحر المحيط" 3/ 113، و"تفسير الثعلبي" 3/ 148 أ، و"المحرر الوجيز" 3/ 417.]] -بالنصب-، لجاز [[أي: لجاز من الناحية النحوية، لا من ناحية جواز القراءة بها.]]، على معنى: بل احسبهم أحياءً [[وإليه ذهب الزمخشري في "الكشاف" 1/ 479. وهناك توجيه آخر للنصب، وهو: العطف على ﴿أَمْوَاتًا﴾، كما تقول: (ما ظننت زيدًا قائمًا بل قاعدًا). انظر: "التبيان" للعكبري 1/ 309.]].
قال أبو علي الفارسي [[في "الإغفال" 1/ 509. نقله عنه بمعناه]]: لا يجوز ذلك؛ لأنه أَمْرٌ بالشَّكِّ، ولا يجوز أنْ يَأْمُرَ [[في (ج): (يأمرك).]] الله [[(لفظ الجلالة): ليس في (ج).]] بالشك، ولا يجوز أن نتأول [[ورد في (ب) بعد قوله: (نتأول) عبارة: (هذا أن). وهي زيادة لا وجه لها.]] في (الحِسْبَانِ) معنى العِلْم، على أن يكون معنى (احسبهم أحياء): اعلمهم؛ لأن ذلك لم يذهب إليه [أحدٌ من أهل] [[ما بين المعقوفين مطموس في (أ). والمثبت من: (ب)، (ج).]] اللغة [[قال أبو حيان -بعد أن ذكر قول الفارسي-: (وهذا الذي ذكره هو الأكثر، وقد يقع (حسب) لليقين؛ كما تقع (ظن)، لكنه في (ظن) كثير، وفي (حسب) قليل). ثم ذكر شواهد شعرية على ذلك. "البحر المحيط" 3/ 113، وانظر: "الدر المصون" 3/ 482.]]
واختلفوا في كيفية حياة الشهداء: فالأصح ما ذكرنا عن النبي ﷺ، أن أرواحهم في أجواف طير خضر، وأنهم يُرزقون ويأكلون ويتنعمون.
وقال جماعة من أهل العلم [[لم أقف عليهم.]]: معنى قوله: ﴿أَحْيَاءٌ﴾: أن أرواحهم أُحْضِرَتْ دارَ السَّلام، وأرواح غيرهم لا تشهدها [[في (ج): (يشهدها).]] إلى يوم البعث.
وقال آخرون [[ممن قال ذلك: الأصم البَلْخي، كما في "تفسير الفخر الرازي" 9/ 95. والأصم، هو: حاتم بن عنوان الأصم، زاهد اشتهر بالورع والتقشف، من أهل بَلْخ، زار بغداد واجتمع بأحمد بن حنبل، توفي 237 هـ. انظر: "الأعلام" للزركلي 2/ 152. وقد ذكر هذا القول الزجاج في "المعاني" 1/ 488، والثعلبي في "تفسيره" 3/ 148 أ، ولم يعزواه لقائل.]]: لا تحبسهم أمواتًا في الدين والإيمان؛ بل هم [[(هم): ساقط من (ج).]] أحياء، كما قال الله تعالى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ﴾ [الأنعام: 122]. [وهذا الوجه] [[ما بين المعقوفين: مطموس في (أ). وفي (ج): (في هذا). والمثبت من (ب).]] اختيار أبي إسحاق [[سياق أبي إسحاق لهذا القول لا يدل على اختياره له؛ حيث أورده مصدِّرًا له بقوله. (قال بعضهم: ..) ولم يعقب عليه. وأتبعه بأقوال أخر في الآية.]].
وقيل [[لم أقف على القائل. وقد أورده الثعلبي في "تفسيره" 3/ 148 أ، وأورد الأقوال السابقة وغيرها، ولم يعزها لقائل. وانظر: "تفسير القرطبي" 4/ 270.]]: لأن أرواحهم تركع وتسجد كل ليلة تحت العرش، إلى يوم القيامة، كأرواح الأحياء من المؤمنين الذين باتوا على الوضوء [[(أ)، (ب): (تابوا على الوضو)، وفي (ج): (ماتوا على الوضو). والمثبت من: "تفسير الثعلبي" 3/ 148 أ، و"تفسير القرطبي" 4/ 270، حيث ورد فيهما هذا القول.
والأثر في هذا المعنى أخرجه عبد الله بن المبارك في "الزهد" 441 رقم (1245) بسنده المتصل من طريق ابن لهيعة (قال: حدثنا عثمان بن نعيم الرعيني، عن أبي عثمان الأصبحي، عن أبي الدرداء، قال: إذا نام الإنسان عرج بروحه حتى يؤتى بها إلى العرش، فإن كان طاهرًا أذن لها بالسجود، وإن كانت جنبًا لم يؤذن لها بالسجود).
وأورد هذا الأثر الحكيمُ الترمذي في "نوادر الأصول" 2/ 356، موقوفًا على أبي الدرداء، ولفظه: (إن النفوس تعرج إلى الله -تعالى- في منامها، فما كان طاهرًا سجد تحت العرش، وما كان غير طاهر تباعد في سجوده، وما كان جنبًا لم يؤذن لها في السجود).
وأورده ابن القيِّم في كتاب "الروح" 44 موقوفًا على أبي الدرداء من طريق ابن لهيعة. وأورد الحكيم الترمذي في "نوادر الأصول" 2/ 355 عن عبد الله بن عمرو؛ قال: (تعرج الأرواح إلى الله -تعالى- في منامها، فما كان طاهرًا يسجد تحت العرش، وما لم يكن طاهرًا يسجد قاصيًا، فلذلك يستحب أن لا ينام الرجل إلا وهو طاهر).
وذكر المعنى الغزاليُّ في "الإحياء" 1/ 343 وزاد العراقي في "تخريج الإحياء" نسبته إلى البيهقي في "الشُّعَب" موقوفًا على عبد الله بن عمرو بن العاص.]].
وقوله تعالى: ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ فيه وجهان: أحدهما: بحيث لا يملك لهم أحدٌ نفعًا ولا ضرًّا، إلّا [[في (ج): (لأن).]] الله عز وجل.
والثاني: هم أحياء عند ربهم؛ أي: في عِلْمِهِ بِعَمَلِهِم، -كذلك- كما تقول: (هذا عند الشافعي كذا)؛ أي: في عِلْمِهِ وقولِه.
وقل [[لم أقف على القائل.]]: معنى ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾: أنهم أحياء في دار كرامته، فمعنى (عند): معنى القرب والإكرام، بحضور دار السلام.
آل عمران 3:170
وقوله تعالى: ﴿وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ﴾ الاستبشار: السرور بالبِشَارَةِ [[في (ج): (بمنزلة البشارة). بدلًا من (السرور بالبشارة).]] يُبَشَّرُ بها. وأصل الاستفعال: طَلَبُ الفعل.
فالمستَبْشِر بمنزلة الذي طَلَبَ السُّرُورَ فوجده بالبِشَارَةِ [[يرى ابن عطية أن (استفعل) -هنا- ليس بمعنى: طلب البشارة، بل بمعنى الفعل المجرد، مثل: (استغنى الله) أي: غَنيَ.
وقد ورد في اللغة: (بَشِرَ، واستبشر)، بمعنى واحد، وهو: فَرِح.
إلا أن أبا حيان يرى أن هذا المعنى لا يتعين، وأجاز أن يكون (استبشر) فعلًا مطاوعًا لـ (أبشر)؛ أي: أبشره الله، فاستَبْشَر؛ كقولهم: (أكانه الله فاستكان)، و (أراحه فاستراح). واستظهر أبو حيان هذا؛ لأن المطاوعة تدل على الانفعال عن الغير، فحصلت له البشرى بإبشار الله له بذلك، ولا يلزم المعنى إذا كان بمعنى الفعل المجرد لعدم دلالته على المطاوعة.
انظر: "المحرر الوجيز" 3/ 221، و"لسان العرب" 1/ 287 (بشر)، و"البحر المحيط" 3/ 115.]].
وفي هذا ثلاثة أقوال:
أحدها: أنهم يفرحون بإخوانهم الذين فارقوهم وهم أحياء، يقولون: إخواننا يُقْتَلُونَ كما قُتِلْنَا، فَيُصِيبونَ مِنْ كَرَامَةِ الله ما أَصبْنَا. وهذا قول: الحَسَن [[لم أقف على مصدر قوله.]]، وابن جريج [[قوله في: "تفسير الطبري" 4/ 174، و" النكت والعيون" 1/ 437.]]، وقتادة [[قوله في: "تفسير الطبري" 4/ 174، و"زاد المسير" 1/ 502.]]، واختيار الفرّاء [[في "معاني القرآن" له 1/ 247. نقله عنه بتصرف يسير. وهو -كذلك- قول: الربيع، وابن إسحاق، وابن زيد. أخرجه عنه الطبري وذهب إليه. انظر: "تفسيره" 4/ 174 - 175، و"تفسير ابن أبي حاتم" 3/ 814 - 815.]]، فإنَّهُ قال: وَيَسْتَبْشَرُونَ بإخوانهم الذين يرجون لهم الشهادة، للذي [[في (ج): للذين.]] رَأَوا مِنْ ثواب الله، فهم يستبشرون بهم.
والثاني: يستبشرون بإخوانهم الذين لم يلحقوا بهم في الفضل؛ لأنهم لم يُقْتَلُوا في سبيل الله، إلا أنّ لهم فضلًا عظيمًا بتصديقهم النبي [ﷺ] [[ما بين المعقوفين زيادة من (ج).]]، وإيمانهم بالله، عَلِمُوا ذلك بإعلام الله إيَّاهم، [أن] [[ما بين المعقوفين زيادة من (ج).]] أولئك الإخوان الذين خَلَّفُوهم في الدنيا، هم مرحومون عند الله، لا خوف عليهم ولا هم يحزنون. فالشهداء يفرحون بذلك ويستبشرون. وهذا القول، اختيار أبي إسحاق [[في "معاني القرآن" له 1/ 489. ونسبه الفخر الرازي -كذلك- لأبي مسلم الأصفهاني. انظر: "تفسير الفخر الرازي" 9/ 97.]].
القول الثالث: ما قاله السُّدِّي [[قوله في: "تفسير الطبري" 4/ 175، و"تفسير ابن أبي حاتم" 3/ 814، و "تفسير الثعلبي" 3/ 149أ، و"النكت والعيون" 1/ 437، و"زاد المسير" 1/ 502.]]: وهو أن الشهيد يؤتى بكتاب فيه ذِكْرُ [[من قوله: (فيه ذكر ..) إلى (.. عليك فلان): ساقط من (ج).]] مَنْ يَقْدَمُ [[في (ب): (تقدم).]] عليه من إخوانه، فَيُقَال: يَقدَمُ [[في (ب): (تقدم).]] عليك فلانٌ يومَ كذا، وفلانٌ يوم كذا، فَيَسْتَبْشِرُ [[في (ج): (فيستبشرون).]] بهم حين يقدمون عليه، كما يستبشر أهلُ الغائب بقدومه في الدنيا.
وقوله تعالى: ﴿أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ [[(ألا): كتب في (أ)، (ب)، (ج): (أن لا). وأثبتُّها وفق رسم المصحف.]] موضع (أنْ): خفض، لأن المعنى: بأنْ لا خوف عليهم. هذا قول الخليل [[انظر مذهبه في "معاني القرآن"، للزجاج 1/ 309 عند تفسير ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا﴾ [البقرة: 23].]]، والكسائي [[انظر مذهبه في "معاني القرآن" للفراء 1/ 148، و"معاني القرآن" للزجاج 1/ 309.]]، والزجاج [[في "معاني القرآن" له 1/ 489.
وقد ذكر الزجاج -موضحًا مذهب الكسائي والخليل- عند قوله تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا﴾ [البقرة: 230]، أن موضع ﴿أَنْ يَتَرَاجَعَا﴾ خفض على إسقاط (في)، ومعنى إرادتها في الكلام .. ثم قال: والحذف مع (أن) سائغ؛ فلهذا أجاز الخليل وغيره أن يكون موضع جر على إرادة (في). "المعاني" 1/ 309.
وعلى غرار هذا المثال يأتي قوله تعالى: ﴿أَلَّا خَوْفٌ﴾ على إرادة الباء، فتصير: (بأن لا خوف ..) كما ذكر المؤلف.
وتعرب -كذلك- بدل اشتمال من (الذين)؛ أي: يستبشرون بعدم خوفهم وحزنهم، لأنه هو المستبشر به في الحقيقة، أما الذوات فلا يستبشر بها.
انظر: "إعراب القرآن" المنسوب للزجاج 2/ 581، و"البحر المحيط" 3/ 115، و"الدر المصون" 3/ 486.]].
ويجوز أن يكون نصبًا، على أنه لَمَّا حُذف الجارُّ، نُصبَ بالفعل، كما قال:
أمرتك الخيرَ ......... [[مقطع من بيت شعر، وتمامه:
أمَرْتُكَ الخيرَ فافعلْ ما أمِرْتَ به ... فقد تَرَكْتُك ذا مَالٍ وذا نَشَبِ
وقد اختلف في نسبته، فنسب لعمرو بن معديكرب، ولخُفاف بن نُدْبة، ولزرَعة بن خفاف، وللعباس بن مرداس، ولأعشى طرود. فقد ورد في: "شعر عمرو بن معد يكرب" 63. ونسبته له المصادر التالية: "كتاب سيبويه" 1/ 37، و"الأصول في النحو" 1/ 178، و"المخصص" 14/ 71، و"أمالي ابن الشجري" 2/ 558، و"شرح شواهد المغني" 2/ 727، و"الخزانة" 9/ 124.
وورد في: "شعر خفاف بن ندبة السُّلمي" 126.
ونسب لزرعة بن خفاف انظر: "خزانة الأدب" 1/ 339، 342، 343.
وورد في "ديوان العباس بن مرداس" 131.
ونسب لأعشى طرود في: "المؤتلف والمختلف" للآمدي 17، و"الخزانة" 1/ 342، 343.
وروايته عند الآمدي: (أمرتك الرُّشْد ..) وقال الآمدي: (ويروى: بالسين المهملة)؛ أي: (وذا نسب).
وورد غير منسوب في: "الكامل" للمبرد 1/ 33، و"المقتضب" 2/ 36، 86؛ 321، و"اللامات" 139، و"المحتسب" 1/ 51، 272، و"الإفصاح" للفارقي 127، 270، و"أمالي ابن الشجري" 2/ 133، و"شرح المفصل" 2/ 44، 8/ 50، و"البسيط في شرح جمل الزجاجي" 426، و"شرح شذور الذهب" 443. والنشب: المال الأصيل، المنقول منه والثابت. انظر (نشب) في: "القاموس" 137، و"المعجم الوسيط" 928.]].
أي: بالخير. وهذا هو القياس [[أو إنها مفعول لأجله، بتقديرِ: لأنهم لا خوف عليهم. انظر: "التبيان" ص 220.]]. وقد مضت هذه المسألة فيما تقدم.
آل عمران 3:171
قوله تعالى: ﴿يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ﴾ الآية.
يُقرأ: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ﴾ بالفتح والكسر [[قراءة ﴿وَإِنَّ﴾ -بكسر الهمزة- للكسائي. وقرأ الباقون: بفتحها ﴿وَأَنَّ﴾. انظر: كتاب "القطع والائتناف" للنحاس 240، و"الحجة" للفارسي 3/ 98، و"النشر" 2/ 244، و"إتحاف فضلاء البشر" ص 182.]]. فمن فتحها [[قوله: (فمن فتحها ..) إلى (.. لهذا المعنى): نقله بتصرف واختصار عن "الحجة" للفارسي 3/ 98 - 99.]]: جعلها خفضًا، على معنى: (وَبِأَنَّ الله)، فـ (أَنَّ) معطوفة على الباء في ﴿بِنِعْمَةٍ﴾؛ والمعنى: يستبشرون بتوفير نِعْمَةِ الله عليهم، ووصول أجرهم إليهم؛ لأنه إذا لم يُضِعْهُ [[(يضعه): غير واضحة في (أ). والمثبت من: (ب)، (ج)، و"الحجة".]]، وَصَلَ إليهم.
ومَنْ [[من قوله: (ومن ..) على (.. وصل إليهم): ساقط من (ج).]] كَسَرَها: استأنف، وهو يَؤُولُ إلى معنى القراءةِ الأولى؛ لأنه إذا لم يُضِعْهُ وَصَلَ إليهم. والأول أشد إبانة لهذا المعنى.
آل عمران 3:172
قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ الآية.
[قال المفسرون [[منهم: عكرمة، وابن إسحاق، وقتادة، والسدي، وابن جريج، والحسن. انظر: "تفسير الطبري" 4/ 176 - 178، و"تفسير ابن أبي حاتم" 3/ 815 - 817، و"أسباب النزول"، للواحدي: ص 172 - 173.]]: لما انصرف أبو سفيان] [[ما بين المعقوفين: بياض في (أ). والمثبت من (ب)، (ج).]] وأصحابه من أحد، ندموا على انصرافهم، وتلاوموا فيما بينهم، وقالوا: قتلتموهم حتى إذا [لم يَبْقَ إلا الشَّرِيدَ تركتموهم؟] [[ما بين المعقوفين: بياض في (أ). والمثبت من (ب)، (ج).]] ارجعوا فاستأصِلُوهم. فَبَلَغَ ذلك رسول الله ﷺ، فأراد أن يرهب العَدُوَّ، ويريهم من نفسه وأصحابه [قُوَّةً؛ فَنَدَبَ] [[ما بين المعقوفين: بياض في (أ). والمثبت من (ب)، (ج).]] أصحابَهُ للخروج في طلب أبي سفيان، فانتدب عِصَابَةٌ منهم، مع ما [[في (ج): (معما).]] بهم من الجرح الذي أصابهم يوم أحد، فخرج رسول الله ﷺ في أصحابه، حتى بلغوا حَمرَاءَ الأسد -وهي مِنَ المدينة على ثمانية أميال [[قال ابن سعد في: "الطبقات الكبرى" 2/ 49: (وهي من المدينة على عشرة أميال، طريق العقيق، متياسرة عن ذي الحُليفة، إذا أخذتها من الوادي).]] -، وألقى [[في (ج): (فألقى).]] الله عز وجل الرعبَ في قلوب المشركين، فانهزموا من غير حَرْبٍ، فذلك قولُه: ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [[انظر: "المغازي" للواقدي 1/ 334 - 340، و"سيرة ابن هشام" 3/ 74 - 75، و"الطبقات الكبرى" لابن سعد 2/ 48 - 49، و"تاريخ الطبري" 2/ 534، و"البداية والنهاية" 4/ 504.]].
ومحل ﴿الَّذِينَ﴾: خَفْضٌ، على النعت للمؤمنين [[في (ب): (من للمؤمنين).]]. قال الزجّاج [[في "معاني القرآن" له 1/ 489، نقله عنه بتصرف.]]: والأحسن أن يكون في موضع رَفْعٍ، على الابتداء، و [[(أ)، (ب): (أو). وساقط من (ج). والمثبت من: "معاني القرآن".]] يكون خبر الابتداء [[(ويكون خبر الابتداء): ساقط من (ج).]] ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا﴾ على آخر الآية [[وفيه وجوه أخرى من الإعراب:
أنه خبر لمبتدأ مضمر، تقديره: (هم الذين)، أو إنه منصوب بإضمار أعني، أو أنه بدل من ﴿الْمُؤْمِنِينَ﴾، أو من ﴿الَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ﴾. انظر: "الدر المصون": 3/ 488.]].
و ﴿اسْتَجَابُوا﴾، بمعنى: أجابوا [[في (أ)، (ب): (جابوا). والمثبت من (ج). وهو الصواب؛ لأن (جابوا) لا وجه لها -هنا- لأنها بمعنى: خرقوا. يقال: (جاب الشيء جَوْبا)، و (اجتابه): خرقه. و (جاب يجوب جَوْبا): قطع وخرق انظر: "اللسان" 2/ 717 (جوب).]]. وقد مَرَّ [[انظر: تفسير الآية 186 سورة البقرة.]].
وقوله: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ﴾ أي: بطاعة رسول الله، وإجابته إلى ما دعاهم إليه، واتَّقَوا معصيتَهُ ومخالفته.
آل عمران 3:173
قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ﴾ الآية.
قال المفسِّرُون: إنَّ أبا سفيان يوم أحد، حين أراد أن ينصرف، قال: يا محمد! موعِدُ ما بيننا وبينك موسمُ بَدْرٍ الصُّغْرَى [[وتسمى هذه الغزوة -كذلك- بغزوة بدر الثانية، والآخرة، والموعد. و (بدر) هو نفسه المكان الذي وقعت فيه معركة بدر الكبرى، أو الأولى. وقد حدد المشركون هذا المكان للقاء رسول الله ﷺ؛ انتقامًا لقتلاهم الذين قتلهم المسلمون في هذا الموضع في معركة بدر الأولى.
انظر أخبار هذه الغزوة في: "سيرة ابن هشام" 3/ 221 - 222، و"المغازي" 1/ 384.]]، لِقابِل، إنْ شِئْتَ.
فقال [[في (ج): (وقال).]] رسول الله ﷺ [[(رسول الله ﷺ): ليس في: (ج).]]، (ذلك بيننا [وبينك] [[ما بين المعقوفين زيادة من (ج).]]، إن شاءَ الله). فَلَمَّا كان العام المقبل، خرج أبو سُفيان في أهل مَكَّةَ، حتى نزل [مَجَنَّة] [[ما بين المعقوفين غير مقروء في (أ). وفي (ب): (جنة). والمثبت من (ج)، ومصادر الخبر.
ومَجَنَّة: موضعٌ، كان سوقًا للجاهلية، يقع بناحية مرِّ الظهران، قرب جبل يقال له الأصفر، على بعد مسافة من مكة. وقيل في تحديد موقع مجنة غير ذلك. انظر: "معجم ما استعجم" 4/ 1187، و"معحم البلدان" 5/ 58.]]، ثم ألقى اللهُ الرُّعْبَ في قَلْبِهِ. فَبَدَا له الرجوع، فلقي نُعَيْمَ بنَ مَسْعُود الأشجَعِي [[تقدمت ترجمته.]]، فبعثه أبو سفيان، وقال: ثَبِّطْ [[في (ج): (نسط).]] عنّا مُحَمَدًا، وخَوِّفْهُ حتى لا [[(لا): ساقطة من (ج).]] يلقانا ببدر الصغرى. ولأن يكونَ الخُلْفُ مِنْ قِبَلِهِم، أحبّ إليّ مِنْ أنْ يكون مِنْ قِبَلي. فأتاهم نعَيْم [وخَوَّفَهم] [[ما بين المعقوفين زيادة من (ج).]]، فوجدهم يتجهزون لميعاد أبي سفيان، فقال: قد أَتَوْكُم في بلدكم، وصنعوا بكم ما صنعوا، فكيف بكم إذا وَرَدْتُم عليهم في بَلْدَتِهِم، وهم أكثر، وأنتم أقل؟
وهذا قول: مجاهد [[قوله، في: "تفسير الطبري" 4/ 181، و"تفسير الثعلبي" 3/ 153 أ، و"الدر المنثور" 2/ 181 وزاد نسبة إخراجه لعبد بن حميد، وابن المنذر.]]، ومقاتل [[قوله في "تفسيره" 1/ 315.]]، وعكرمة [[قوله في: "تفسير سفيان بن عيينة" 230، و"تفسير عبد الرزاق" 1/ 140، و"سنن سعيد بن منصور" 2/ 327 رقم (2914)، و"تفسير الطبري" 4/ 181، و"تفسير ابن أبي حاتم" 3/ 816، و"تفسير الثعلبي" 3/ 153 أ، و"الدر المنثور" 2/ 181 وزاد نسبته إلى ابن المنذر.]]، والواقدي [[قوله في "المغازي" 1/ 327.]]، والكلبي [[لم أقف على مصدر قوله. وقد ذكره القرطبي في "تفسيره" 4/ 279.]].
فـ ﴿النَّاسُ﴾ على قول هؤلاء، في قوله: ﴿قَالَ لَهُمُ النَّاسُ﴾: هو نُعَيم ابن مسعود. وهو من العَامِّ الذي أريد به الخاصُّ. وهذا [[من قوله: (وهذا ..) إلى (.. وجاز ذلك): ساقط من (ب).]] اختيار الفرّاء [[في "معاني القرآن" له 1/ 247.]] والزجّاج [[في "معاني القرآن" له 1/ 489. وبه قال ابن قتيبة في "تأويل مشكل القرآن" 282.]] أن ﴿النَّاسُ﴾ -في هذا الموضع [[في (ج): (القول).]] -: واحدٌ. وجاز ذلك؛ لأن هذا القول [[(واحد وجاز ذلك لأن هذا القول): ساقط من (ج).]] جاء من قِبَل الناس، فوُضِعَ كلامٌ موْضِعَ كلامٍ؛ للإيجاز [[في (أ)، (ب)، (ج): الإيجاز. والمثبت هو ما استصوبته.]]؛ وذلك أن نُعَيْمًا [[في (ب): (فيهما).]] ابتدأ بقوله: ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾، ثم انتشر هذا القولُ؛ وخاضَ فيه الناسُ، وتكلم به كلُّ [[كل: ساقطة من (ج).]] أَحَدٍ، و-أيضًا- فقد يُطْلَقُ لفظُ (الناس) على الواحد، كما تقول -إذا انتظرت قومًا، فجاء واحدٌ منهم-: (قد جاءَ الناسُ)؛ إمَّا لتفخيمِ الشَأْنِ، وإمَّا لابتداء الإتيان.
وقال ابن عباس [[قوله في "تفسير الطبري" 4/ 180.]]، ومحمد بن إسحاق [[قوله في: "سيرة ابن هشام" 3/ 75، و"تفسير الطبري" 4/ 180، و"تفسير ابن أبي حاتم" 3/ 818.]] -في قوله: ﴿قَالَ لَهُمُ اَلنَّاسُ﴾ -: هم [[هم: ساقطة من (ج).]] رَكْبٌ مِنْ عَبْد القيس، مَرُّوا بِأبِي سفيان، فَدَسَّهم [[هكذا في (أ)، (ب)، (ج). وقد تكون (فندبهم)، وهي أولى وأنسب للمعنى.]] على المسلمين لِيُجَبِّنُوهم [[في (ب): (ليجيبوهم).]] عنه، وَضَمن على ذلك لهم جُعْلًا [[الجُعْل، والجِعال، والجُعالة، والجَعالة، والجعيلة: هو ما جُعل من عطاءٍ على عملٍ، وهو أعم من الأجرة والثواب والجمع: جُعُل، وجعائل. انظر: (جعل) في: "اللسان" 2/ 637، و"التاج" 14/ 109.
وما ذكره ابن عباس، وابن إسحاق -هنا- يعنيان به ما حدث عند خروج النبي ﷺ وأصحابه في طلب أبي سفيان والمشركين، بعد انصرافهم من أحد إلى حمراء الأسد، وكان المشركون قد عزموا على الكَرَّة على المسلمين لاستئصالهم، فلما أن علموا بخروج رسول الله ﷺ، في إثرهم، فَتَّ ذلك في عَضُدِهم، وحينها == طلبوا من الركب من (عبد القيس) الذين مروا بهم مبتغين المدينة للمِيرَة أن يهوِّلوا من أمر جيش المشركين، ويثَبِّطوا المسلمين عن لقائهم.
وهذا ما رجحه الطبري في "تفسيره" 4/ 182، وقال ابن عطية: (وهذا هو تفسير الجمهور لهذه الآية، وأنها في غزوة أحد في الخرجة إلى حمراء الأسد)، واستصوبه "المحرر الوجيز" 3/ 426. ورجحه ابن كثير في "تفسيره" 1/ 463. وانظر: "أسباب النزول" للواحدي 134 - 135.]].
وقال السُّدِّي [[قوله في: "تفسير الثعلبي" 3/ 154 ب، و"تفسير القرطبي" 4/ 279، و"زاد المسير" 1/ 505.]]: ﴿النَّاسُ﴾ ههنا هم: المنافقون، قالوا للمسلمين حين تجهزوا للمسير إلى بدر، لميعاد أبي سفيان: قد أتوكم في دياركم، فقاتلوكم [[(فقاتلواكم): ساقطة من (ج).]] وظَفَرِوا [[في (ج): (فطفروا).]] فإنْ أتيتموهم في ديارهم لا يَرْجِعُ منكم أَحَدٌ.
ومحل ﴿الَّذِينَ﴾: رَفْعٌ أو خفْضٌ، على ما ذكرنا في قوله: ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا﴾ [آل عمران: 172] لأن هذا بدل منه.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾ يعني: أبا سفيان وأصحابَه.
وقوله [[(أ)، (ب): (وقولهم)، والمثبت من (ج).]]: ﴿فَزَادَهُمْ إِيمَانًا﴾ أي: زادهم قولُ الناس لهم إيمانًا. أضمر المصدر، وأسند الفعل إليه. ومثله: قوله: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ مَا زَادَهُمْ إِلَّا نُفُورًا﴾ [فاطر: 42]؛ أي: ما زادهم [[في (ج). (ما جاهم).]] مجيءُ النذيرِ. ومثله: قوله: ﴿وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ﴾ إلى قوله: ﴿وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا﴾ [الأحزاب: 22]؛ أي: ما زادهم رؤيتُهم لهم.
ومثله مِنْ إضمار المصدر لِدِلالَةِ الفعلِ عليه كثيرٌ.
ومعنى قوله: ﴿إِيمَانًا﴾: قال ابن عباس [[لم أقف على مصدر قوله.]]: أي: تصديقًا ويقينًا.
وقال أبو إسحاق [[في "معاني القرآن" له 1/ 490، نقله عنه بنصِّه.]]: أي: فزادهم ذلك التخويف ثبوتًا في دينهم، وإقامة على نُصْرة نبيهم.
﴿وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ﴾ [أي: الذي [[(الذي): ساقطة من (أ)، (ب). وفي (ج): الذي. والمثبت هو ما استصوبته.]] يكفينا أمرَهم: اللهُ.
قال ابن الأنباري [[في "الزاهر" 1/ 96. نقله عنه باختصار.]]: معنى قوله: ﴿حَسْبُنَا اللَّهُ﴾] [[ما بين المعقوفين زيادة من (ج).]]: كافينا الله، وأنشد:
إذا كانت الهيجاءُ وانْشَقَّتِ العَصَا ... فَحَسْبُكَ والضَّحَّاكَ سَيْفٌ مُهَنَّدُ [[البيت، نُسِب لجرير في "ذيل الأمالي" 140. ولم أقف عليه في ديوانه.
ونُسِب لِلَبِيد في: "إعراب القرآن" المنسوب للزجاج 3/ 870، ولم أقف عليه في ديوانه. وورد غير منسوب في: "معاني القرآن" للفراء 1/ 417، و"الأصول في النحو" 2/ 37 و"جمهرة اللغة" 2/ 1047، و"الزاهر" 1/ 96، و"التهذيب" 1/ 810، و"التكملة" للفارسي 324، و"الصحاح" 6/ 2429 (عصا)، و"المخصص" 16/ 14، و"سمط الآلىء" 899، و"شرح المفصل" 2/ 51، و"اللسان" 2/ 865 (حسب)، 8/ 4732 (هيج)، 5/ 2981 (عصا)، و"مغني اللبيب" 731، و"المقاصد النحوية" 3/ 84، 2/ 136.
الهَيْجاء، والهَيْجا، والهَيْج، والهِياج: الحرب. انظر: "اللسان" 8/ 4732 (هيج). (انشقت العصا): أي: وقع الخلاف. انظر: "الصحاح" 6/ 2428 (عصا).]]
قال: معناه: يكفيك ويكفي الضحاكَ [[ناقل في "لسان العرب" عن ابن بَرْي معنًى آخر، فقال: (الواو في قوله: == (والضحاك) بمعنى الباءَ، وإن كانت معطوفة على المفعول، كما تقول: (بعت الشاءَ شاةً ودرهمًا)؛ لأن المعنى: أن الضحاك نفسه هو السيف المُهنَّد، وليس المعنى: يكفيك ويكفي الضحاك سيفٌ مهنَّدٌ كما ذكر). "اللسان" 5/ 2981 (عصا). ولكن المعنى الأوَّل الذي ذكره المؤلفُ هو الأوضح والأشهر.]].
ومثله [[في (ج): ومنه. وفي "الزاهر": (ومن ذلك).]] قول امرىء القَيْسِ:
وحَسْبُكَ مِنْ غِنًى شِبَعٌ ورِيُّ [[عجز بيت، وصدره:
فَتُوسِعُ أهلَها أقِطًا وَسَمْنًا
وهو في "ديوانه" ص 171. وقد نسب له -كذلك- في: "الزاهر" 1/ 96، و"الأمالي" للقالي 2/ 262، و"اللسان" 8/ 4835 (وسع)، 4/ 2104 (سمن). وورد غير منسوب في: "تفسير الثعلبي" 3/ 157أ، و"تفسير القرطبي" 4/ 282. وقد ورد في بعض المصادر: (فتملأ بيتنا أقطًا ..). والأقِط: شيء يصنع من اللبَن المخيض، على هيئة الجبن. والشاعر -هنا- يتحدث عن (مِعْزى)، تَدُرُّ الحليب، وتوسع أهلها بالأقط، والسَّمِن.]]
أي: يكفيك الشِبَعُ والرِيُّ.
ويقال: (أَحْسَبَني الشيءُ، إحْسابًا): إذا كفاني [[يقال: (أحسبني الشيءُ إحسابًا)، وهو (مُحسِبٌ): إذا كفاني. انظر: "تفسير أسماء الله الحسنى" للزجاج 49، و"الزاهر" 1/ 96، و"الأمالي" للقالي 2/ 262. انظر: "معاني القرآن" للفراء 1/ 417.]]. فـ (حَسْبُ) مأخوذٌ من (الإحْساب)، وهو: الكِفَايَة. وهو اسمٌ فيه معنى الفعل؛ ألا ترى أنه يُعْطَفُ على المَكْني المتصل به بالنصب، كقوله: (فَحَسْبُكَ والضَّحَّاكَ)، على معنى: يكفيك. ومثله: ﴿إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ﴾ [العنكبوت: 33].
وقوله تعالى: ﴿وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ أي: الموكول إليه الأمور. (فَعِيل) بمعنى: (مَفْعُول) [[انظر: "تفسير أسماء الله الحسنى" للزجاج 54.]].
قال ابن الأنباري [[في "الزاهر" 1/ 100، نقله عنه بتصرف.]]: والعرب تتكلم بالوكيل، بمعنى: الكَفِيل. فتقول: (هو وكيلٌ بكذا وكذا)؛ يريدون: كفالته به. قال الشاعر:
ذَكَرْتُ أبا أرْوَى فَبِتُّ كَأنَنِي ... بِرَدِّ [[في (أ)، (ب): (بود). والمثبت من (ج)، ومصادر البيت.]] الأُمورِ الماضيات وَكِيلُ [[البيت، ورد منسوبًا لشقران السلامي، في "بهجة المجالس" 3/ 112. وورد غير منسوب في: "البيان والتبيين" 3/ 164، و"الزاهر" 1/ 100. وقد ورد في المصادر السابقة: (.. برد أمورِ الماضيات).]]
أراد: كأنني برد الأمور كفيلُ.
وقال الفرّاء [[في "معاني القرآن" له 2/ 116. وقول الفراء -هنا-، هو من تتمة نقل المؤلف عن "الزاهر" 1/ 99 - 100.]]: الوكيل: الكافي. قال الله -عز وجل-: ﴿أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا﴾ [الإسراء: 2]، أي: كافيا.
قال أبو بكر [[هو ابن الأنباري، في "الزاهر" 1/ 100. نقله عنه بالمعنى.]]: والذي أختاره: مذهب الفرّاء؛ لأن (نِعْمَ) سبيلها أن يكون الذي بعدها موافقًا للذي قبلها؛ كما تقول: (رازقُنا اللهُ، ونِعْمَ الرّازق). و (خالقُنا الله؛ ونعم الخالق). فيكون أحسنَ مِنْ قولك: (رازقنا الله؛ ونعْمَ الخالق)، وكذلك الآية: يكفينا [[في (ج): (ويكفينا).]] الله، ونِعْمَ الكافي.
وأصلُه في اللغة: ما ذكرنا؛ أنه الموكول إليه، ثم الكافي [[أنكر الزجاج أن يكون (الوكيل) بمعنى (الكافي)؛ فقال -بعد أن ذكر رأي == الفراء-: (ونحن لا نعرف في الكلام: (وَكَلْتُ) ولا (وكَلْتُ إليه): إذا كَفَيْت. فلا ندري من أين له هذا القول). "تفسير أسماء الله الحسنى" 54.]].
والكفيل؛ يجوز أنْ يُسَمَّى: وكَيلاً؛ لأن الوكيل يكفي الأمور والكفيلُ -أيضًا- موكولٌ إليها الأمر.
آل عمران 3:174
قوله تعالى: ﴿فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ﴾ وذلك أنَّ رسولَ الله ﷺ، خرج في أصحابه حتى وافوْا بدرَ الصُّغْرَى، وهي ماءٌ لِبَني كِنَانَة [[انظر: "معجم البلدان" 1/ 357، وانظر تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ﴾ [آية: 123].]]، وكانت موضع سُوقٍ لهم، يجتمعون إليها في كل عام ثمانية أيام. فلم يلْقَ رسولُ الله ﷺ، وأصحابُه، أحدًا من المشركين، ووافقوا السُّوقَ، وكانت معهم نفقاتٌ وتجارات، فباعُوا واشتَرَوْا أُدمًا [[الأُدُم: جمعٌ، ومفردها: (أُدْم)، و (إدام)، وهو: ما يُستمرأ به الخبز؛ من سائل: كالخل، والزيت، واللبن، وما أشبهه؛ أو من جامد. انظر: "غريب الحديث" لأبي عبيد 1/ 286، و"المصباح المنير" 4 (أدم)، و"المعجم الوسيط" 1/ 10 (أدم).]] وزَبِيبًا، وربحوا وأصابوا للدرهم درهمَيْنِ، وانصرفوا إلى المدينة سالمين غانمين [[انظر: "تفسير الطبري" 4/ 182 - 183، و"تفسير النسائي" 1/ 343 - 345.]]؛ فذلك قوله: ﴿فَانْقَلَبُوا﴾، أي: وخرجوا فانقلبوا. فحذف الخروجَ؛ لأن الانقلابَ يَدُلُّ عليه؛ كقوله: ﴿أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ﴾ [الشعراء: 63]؛ أي: فَضَرَبَه [[في (ج): (فضرب).]] فانْفَلَقَ.
وقوله تعالى: ﴿بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ﴾ قال السُّدِّي [[قوله في: "تفسير الطبري" 4/ 183، و"تفسير ابن أبي حاتم" 3/ 819، و"زاد المسير" 1/ 505 - 506.]]، ومجاهد: النِّعمةُ -ههنا-: العافية. والفَضْلُ: التجارة [[ورد قولُه في المصادر السابقة، ولكنه فسر فيها (النعمة) و (الفضل) بما أصابوا من التجارة والأجر، ولم يَرِدْ فيها أنه فسَّرَها بالعافية.]].
وقوله تعالى: ﴿لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ﴾. لم يُصِبْهُم قَتْلٌ وَلاَ جِراحٌ. في قول الجميع.
﴿وَاَتَّبَعُواْ رِضْوَانَ اَللَّهِ﴾ في طاعةِ رَسُولِه.
آل عمران 3:175
قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ﴾ (ذلك) إشارةٌ إلى التخويف؛
أي [[في (ج): (إلى).]]: ذلك التخويفُ الذي كان، فِعْلُ الشيطان؛ لأنه سَوَّلَهُ للمُخَوَّفِين. قاله [[في (ج): (قال).]] الزجاج [[في: "معاني القرآن" له 1/ 490. نقله عنه بنصه.]].
وعلى هذا [[في (ج): (هذه).]]؛ الآيةُ مِنْ باب حذف المضاف، على تقدير: إنما ذلكم فِعْلُ الشيطان [[في (ج): (الشيد).]]، أو كَيْدُ الشيطان، أو تخويفُ الشيطان؛ لأنَّه سبب ذلك؛ بالدعاء [[في (ب): (الدعاء).]] إليه والإغواء فيه.
وقوله تعالى: ﴿يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ﴾ مذهب النحويين في هذا [[في (ب): (في هذه الآية).]]: أنَّ ﴿يُخَوِّفُ﴾ قد حُذِف معه مفعولٌ [[من قوله: (يقتضيه ..) إلى (.. حذف منه): ساقط من (ج).]] يقتضيه؛ تقديره: يخوفكم [[في (ب): (خوفكم).]]، أو: يخوفُ المؤمنينَ.
وقوله تعالى ﴿أَوْلِيَاءَهُ﴾ حُذِف منه الجارُّ، أي: بأوليائهِ، أو: مِن أوليائه، فَلَمَّا حُذِفَ الجار، وَصَلَ الفعلُ إلى المفعول الثاني فَنَصَبَهُ.
ومثله -مِن حذفِ المفعول منه-، قولُه: ﴿فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ﴾ [القصص: 7] المعنى: إذا خِفْتِ عليه فِرْعَونَ أو الهلاكَ.
والجارُّ المُظْهَرُ في قوله: ﴿فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ﴾، بمنزلة المحذوف مِن قوله: ﴿أَوْلِيَاءَهُ﴾.
والتقديرُ عندهم: يُخَوِّفُكم بأوليائِهِ.
قال الفَرّاءُ [[في "معاني القرآن" له 1/ 248، نقله عنه بمعناه]]: ومِثْلُهُ، قولُهُ: ﴿لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلَاقِ﴾ [غافر: 15]؛ معناه: لِيُنْذِرَكُمْ بِيَومِ التَّلاقِ. وقوله: ﴿لِيُنْذِرَ بَأْسًا﴾ [الكهف: 2]؛ معناه: لِيُنْذِرَكُمْ بِبِأسٍ.
هذا الذي ذَكَرْنَا: مذهب الفرّاء، والزّجاج [[في "معاني القرآن" له 1/ 490.]]، وأبي علي [[لم أقف على مصدر مذهبه.
انظر: "معاني القرآن" للأخفش 1/ 221، و"تفسير غريب القرآن" لابن قتيبة ص 108، و"تأويل المشكل" له 222، و"معاني القرآن" للنحاس 1/ 512.]].
والذي يدلّ عل هذا: قراءةُ أُبَيِّ بن كعب: (يُخوِّفُكُمْ بِأَوْلِيَائِهِ) [[أخرج القراءة عنه بسنده: الثعلبيُّ في "تفسيره" 3/ 158 أ، وذكرها البغوي في "تفسيره" 2/ 139، وأبن عطية في "المحرر الوجيز" 3/ 429، وأبو حيان في "البحر" 3/ 120.]]. وللمفسِّرِينَ في هذه الآية مذهبان، سِوَى ما ذكرنا:
أحدهما: أنَّ هذا، على قول القائل: (خَوَّفْتُ زَيْدًا عَمْرًا). ومعنى الآية: يُخَوِّفكم أولياءَهُ. فحذف المفعول الأول؛ كما تقول: (أعطيتُ الأموالَ)؛ أي: أعطيتُ القومَ، أو الناسَ الأموالَ.
قال ابن الأنباري [[لم أقف على مصدر قوله. وقد ورد -بنصه- في "زاد المسير" 1/ 507، وورد -كما هو عند المؤلف- في: "تفسير الفخر الرازي" 9/ 105.]]: وهذا أشْبَه مِن ادِّعاءِ جارٍّ [[في (ج): (جاز). وفي "زاد المسير": (وهذا أشبه من ادِّعاء (باء) ما عليها دليل، ولا تدعو إليها ضرورة).]] ما عليه دليلٌ.
قال: وقوله: ﴿لِيُنْذِرَ بَأْسًا﴾ [الكهف 20]، معناه: لِيُنْذِرَكمْ بأسًا. وكذلك قوله: ﴿لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلَاقِ﴾ [غافر: 15] [معناه: لِيُنْذِرَكُم يومَ التَّلاقِ] [[ما بين المعقوفين زيادة من (ج).]].
والتخويفُ يتعدَّى إلى مفعولين، من غير حرف جَرٍّ؛ تقول [[(تقول): ساقطة من (ب).]]: (خافَ زَيْدٌ القِتَالَ)، و (خَوّفْتُهُ القتالَ)؛ كما تقول: (عَرَفَ زيدٌ أخاكَ)، و (عَرَّفْتُهُ أخاكَ).
وهذا مذهب ابن عباس [[انظر: "تفسير الطبري" 4/ 183 - 184، و"النكت والعيون" 1/ 438، وقد ورد عنه من رواية عطاء، أنه كان يقرأها: (يخوفكم أولياءه). انظر: "المصاحف" لابن أبي داود 74، و"تفسير ابن أبي حاتم" 3/ 820، و"المحتسب" 1/ 177، و"المحرر الوجيز" 3/ 328، وأوردها عنه السيوطي في "الدر المنثور" 2/ 182 وزاد نسبة إخراجها إلى الفريابي: وعبد بن حميد، وابن الأنباري في "المصاحف".
وأورد عنه ابن عطية في "المحرر" 3/ 428 أنه قرأ: (يخوفكم أولياؤُه)، أي: يخوفكم قريش ومن معهم.]]، ومجاهد [[انظر: "تفسيره" 139، و"تفسير الطبري" 4/ 183، و"ابن أي حاتم" 3/ 820، و"النكت والعيون" 1/ 438، و"الدر المنثور" 2/ 182 وزاد نسبة إخراجه إلى عبد ابن حميد، وابن المنذر.]]، وقتادة [[انظر: "الطبري" 4/ 183، و"ابن ابي حاتم" 3/ 821، و"النكت والعيون" 1/ 438.]]. ويَدلُّ على هذا قراءةُ ابن مسعود: (يخوِّفُكُم أولياءَهُ) [[ذكر الثعلبي القراءة -بسنده عن عطاء- في "تفسيره" 3/ 158 أ، وأوردها أبو حيان في "البحر" 3/ 120.]].
المذهب الثاني: أنَّ معنى الآية: يُخَوَفُ أولياءَهُ [المنافقين [[أي: أولياءه من المنافقين. فالمنافقين -هنا- بدل من (أولياءه).]]؛ ليقعدوا عن قتال المشركين. كأنَّ المعنى: يُخَوِّف أولياءَه] [[ما بين المعقوفين زيادة من (ج).]] الذين يُطيعونَهُ، وُيؤْثِرُونَ أمرَهُ، وَيعْصون رَبَّهم، ويُقِيمونَ على خِلافِهِ. فأمَّا أولياءُ اللهِ، فَإنَّهُمْ لا يَخَافُونَهُ إذا خَوَّفَهم، ولا يَنْقادُون لِمُرَادهِ منهم. وهذا قولُ: الحَسَن [[لم أقف على مصدر قوله. وقد ورد في: "النكت والعيون" 1/ 438، و"زاد المسير" 1/ 507، و"تفسير القرطبي" 4/ 282.]]، والسدِّي [[قوله في: "تفسير الطبري" 4/ 183، و"تفسير ابن أبي حاتم" 3/ 820، و"النكت والعيون" 1/ 438، و"زاد المسير" 1/ 507، و"تفسير القرطبي" 4/ 282.]]، وابنِ عباس في رواية عطاء [[لم أقف على مصدر هذه الرواية عنه.]].
فالمذهب الأول: فيه محذوفان، والثاني: فيه محذوفٌ واحد، والثالث: لا حَذْفَ فيه.
ومعنى (الأوْلِيَاء) -في القولين الأوَّلَيْنِ-: المشركون والكفار.
وقوله تعالى: ﴿فَلَا تَخَافُوهُمْ﴾ الكناية [[الكناية: هي الضمير.]] تعود إلى الأولياء في القولين الأوَّلَيْنِ. وفي الثالث: تعود إلى المشركين؛ وهم قد ذُكِروا في قوله: ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾ [آل عمران: 173].
وقوله تعالى: ﴿وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ أي: خافونِ [[في (أ)، (ج): (خافوني)، والمثبت من (ب).]] في تركِ أمري؛ إنْ كنتم مصدِّقِينَ بوعدي، وقد أعلمتكم أنِّي أنصركم عليهم [[في (ج): (عليكم).]]، فقد سقط عنكم [[في (ج): (عنهم).]] الخوف.
آل عمران 3:176
قوله تعالى: ﴿وَلَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ﴾.
أكثر القُرّاءِ على ﴿يَحْزُنْكَ﴾ -مِنَ الثلاثي-. وقرأ نافع: ﴿يَحْزُنْكَ﴾ -بضمِّ الياء- [[وقد قرأ نافع هذه الآية، وقرأ ﴿ولِيُحْزِن﴾ في الآية 10 من سورة المجادلة، و ﴿ليُحْزِنني﴾ في الآية 13 من سورة يوسف، بضم الياء وكسر الزاي في كل القرآن، إلا قوله تعالى: ﴿لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ﴾ [آية: 103] من سورة الأنبياء، فقد قرأها كباقي القراء الذين فتحوا الياءَ وضمُّوا الزايَ في كل القرآن.
انظر: "السبعة" 219، و"القراءات"، للأزهري 1/ 131، و"الحجة" للفارسي 3/ 99.]].
واختلف أهل اللغة في هذا: فقال قومٌ: (حَزَنَ، وأحْزَنَ)، بمعنى واحد [[انظر: "تهذيب اللغة" 1/ 807 (حزن)، و"المقاييس" 2/ 54 (حزن)، و"تفسير الثعلبي" 3/ 158 أ، و"ما جاء على فعلت وأفعلت" للجواليقي 34.
قال ابن دريد: (و (حَزَنني الأمر)، و (أحْزَنَنِي)، لغتان فصيحتان، أجازهما أبو زيد وغيره. وقال الأصمعي: لا أعرف إلا حزنني يحزنني، والرجل (محزون) و (حزين)، ولم يقولوا: (مُحْزَن). "الجمهرة" 1/ 529.
وفي "الصحاح" للجوهري، ينقل عن اليزيدي قوله: (حزَنه)، لغة قريش، و (أحْزَنَه) لغة تميم. 5/ 2098 (حزن)]].
قال الزّجاج -في باب الوفاق- [[لم أقف على هذا المصدر.]]: (حزَنَني الأمْرُ، وأَحْزَنَنِي).
و (أمرٌ حازِنٌ ومُحزِنٌ).
وقال ابن المُظَفَّر [[ورد القول التالي -مع اختلاف يسير- في: "تهذيب اللغة": 1/ 807 (حزن)، من قول أبي عمرو، برواية يونس عنه، وليس من قول الليث بن المظفر، فالمؤلف ينقل هنا عن "العين" للخليل وينسب الكلام لابن المظفر.
وانظر هذا المعنى في "العين" للخليل 3/ 160 (حزن).]]: تقول [[في (ج): (يقول).]]: (حَزَنَنِي)، و (هو يَحزُنُني حُزْنًا)، (فأَنَا مَحْزُونٌ)، و (هو حازِنٌ) [[(وهو حازن): لم ترد في "تهذيب اللغة".]] و (أحْزَنَنِي، فأنا مَحْزون) [[في "التهذيب": (وأنا مُحْزَن)، وكلا الكلمتين واردتان في اللغة. انظر: "اللسان" 2/ 851 (حزن).]]، و (هو مُحزِنٌ).
وحكى -أيضًا- سيبويه [[في "الكتاب" 4/ 57.]] -عن بعض العرب-: أنهم يقولون: (أحْزَنْت الرجلَ): إذا جعلته حزينًا.
وحكى أبو زيد -في كتاب (خُبَأة) [[لم أقف على هذا المصدر، ولم أعثر في ترجمة أبي زيد فيما رجعت إلي من مصادر على كتابٍ له بهذا الاسم. انظر: "معجم الأدباء" 3/ 378.
والخُبَأة -في اللغة-: هي المرأة التي تلزم بيتها، وتستتر. والتي تَطَّلِع ثم تختبئ. انظر: "اللسان" 2/ 1085 (خبأ).
وكأن الكتاب في الكلمة الغريبة المهمة، وهو ما يتناسب مع المعنى اللغوي له.
وقد يكون الاسم محرفًا عن كتاب آخر له، يحتمل رسمُ اسمِهِ التحريفَ في الخط، وهو: كتاب (حِيلَة ومَحالة)؛ حيث أن رسم (حيلة) قريب من (خبأة)، فحصل فيه التحريف. والله أعلم. انظر: المصدر السابق.
ومعنى (حيلة) و (مَحالة): الحِذْق وجودة النظر، والقدرة على التصرف. انظر: "القاموس" ص 989 (حول).]]: (أحْزَنَنِي الأمرُ إحزانًا)، و (هو يُحْزِنُنِي) بضم الياء.
وقال الخليل [[انظر: "كتاب سيبويه" 4/ 56.]]: إذا أردت تغيير [[في (ب): (تعيين).]] (حَزِنَ)، قلت: (أحزنته). فهذا قولُ مَن سَوَّى بينهما، وجعلهما لُغَتَيْن. وهو حُجَّةٌ لِقِرَاءةِ نافع.
وروى أبو عُبَيد، عن أبي زيد، قال [[قوله، في: "تهذيب اللغة" 1/ 807 (حزن). نقله عنه بتصرف.]]: لا يقولون: (حَزَنه الأمرُ). ويقولون: (يَحْزُنُه). فإذا صاروا [[في (ب): (صيروا).]] على (8) الماضي، قالوا: [أحْزَنَهُ] [[ما بين المعقوفين في (أ)، (ب)، (ج): (حزنه) والمثبت هو الصواب. وقد جاء في "التهذيب": (.. ويقولون: يَحْزُنُهُ. فإذا قالوا أفْعَلَهُ الله؛ فهو بالألف). وهو يتناسب مع ذكره المؤلف بعده من استعمال الماضي من الرباعي.]].
يستعمل الماضي مِنَ الرُّبَاعي، والمضارع مِنَ الثلاثي. وهذا شاذٌّ؛ لأنه استعمل (أحزَنَ)، وأهمل (يُحْزِن)، واستعمل (يَحْزُنُ)، وأهمل (حَزَنَ). فمن قرأ بقراءة العامَّة، فَحُجَّته: أنه أشهر اللغَتَيْنِ، وأكثرهما استعمالًا.
قال الأزهري [[في "تهذيب اللغة" 1/ 807 (حزن). نقله عنه بتصرف. وانظر: قريبًا من عبارة الأزهري هذه في كتابه: "القراءات" 131.]]: اللغة الجَيِّدة: (حَزَنَهُ، يَحْزُنُه)، على ما قرأ به أكثر القرّاء.
وحجّة نافع: قولُ مَن زَعم أنهما لُغَتَان، وما حكاه سيبويه [[في "الكتاب" له 4/ 56. نقله عنه بتصرف واختصار يسيرين.]] عن الخليل، أنَّك حيث قلت: (حَزَنْتُه)، لم تُرِدْ أن تقول: [جعلتُه حزينًا، كما أنك حيث قلت: (أدْخَلته)، أردت: (جعلته داخلًا). ولكنك أردت أن تقول:] [[ما بين المعقوفين زيادة من (ج). وهي في المصادر السابقة.]] جعلت فيه حُزْنًا.
كما تقول: (كحَلْتُهُ)؛ أي: جعلت فيه كُحْلًا، و (دَهَنْته)؛ جعلت [[في (ب): (أي جعلت). ولم أثبت (أي)؛ لأنها لم ترد في بقية النسخ، ولا في مصادر النص.]] في دُهنًا، و (فَتَنْتُه): جعلت فيه فِتْنة. فجئت بـ (فَعَلْتُهُ) على حَدِّهِ [[ضبطت في "كتاب سيبويه": (حِدَةٍ). وقد ورد النص في كتاب "الحجة" للفارسي 3/ 100، وضبطت فيه كالتالي: (حَدِّه) كما هي مثبتة أعلاه.]]، ولم [[في (ج): (لم) بدون واو.]] تُرِد بـ (فَعَلْتُهُ) -ههنا- تغيير قوله: (حَزِنَ)، و (فَتِنَ) [[هكذا ضُبِطت -هنا- بكسر التاء، وكذا عند الفارسي في "الحجة". وضَبطت في (كتاب سيبويه): (فَتَنَ) -بفتح التاء-. وأكثر مصادر اللغة التي رجعت إليها لم تشر إلى (فَتِن) بالكسر، وإنما ذَكَرَتْها بفتح التاء، إلا ما وجدته في "تهذيب اللغة" 3/ 2739 (فتن) ، حيث نقل عن أبي زيد قوله: (فَتِنَ الرجلُ، يفْتَنُ، فُتُونًا: إذا وقع في الفتنة، أو تحول من حال حسنة إلى حال سيئة).]]. ولو أردت ذلك، لقلت: (أحزنته)، و (أفتنته).
وهذا الذي حكاهُ، حُجَّةُ نافع؛ لأنه أرادَ تغيير (حَزِنَ)، فنقله بالهمز.
قال الخليل [[قوله في "كتاب سيبويه" 4/ 57. نقله عنه بمعناه.]]: ومثله: (شَتِرَ [[في (ج): (شتر) مهملة من النقط والشكل. وهذا جاءت في بعدها مهملة من النقط والشكل.
والشَّتْرُ: القطع. و (شَتَرَ ثَوْبَه): مزَّقه. و (الشَّتَرُ): الانقطاع، وانقلابٌ في جَفْنِ العين، وانشقاقُهُ، وانشقاقُ الشَّفَةِ السفلى. يقال: (شَترت عينهُ شَتَرًا)، و (شَتَرها يشْتُرُها شَتْرا)، و (أشْتَرها وشَتَّرها)، و (شَتِرَ يَشْتَر شَتَرًا).
انظر (شتر) في: "اللسان" 4/ 2193، و"القاموس" 413.]] الرجلُ)، و (شَتَرْتُ عَيْنَه). فإذا أردت تغيير (شَتِرَ الرجلُ)، قلت: (أشْتَرْتُ، كما تقول: (فَزعَ) [[في (ج): (فزع) -مهملة من النقط ولاشكل-. وكذا التي بعدها.]] [و] [[ما بين المعقوفين زيادة من: كتاب سيبويه.]] (أفزَعْتُهُ).
وأراد بـ ﴿الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ﴾: المنافقين، وقُرَيْظَة والنّضير -في قول ابن عباس- [[لم أقف على مصدر قوله. وقد ورد هذا القول عن الكلبي. انظر: "بحر العلوم" 1/ 317.
وورد عن مجاهد، وابن إسحاق: أنهم المنافقون. انظر: "تفسير مجاهد" 1/ 139، و"تفسير الطبري" 4/ 185.]].
ومعنى مسارعتهم في الكفر: مُظَاهَرَتُهُم [[المُظاهَرَةُ: المُعَاوَنَة. و (ظاهَرَ فلانٌ فلانًا): عاوَنَه. انظر: "اللسان" 5/ 2768 (ظهر).]] الكفَّارَ على محمد ﷺ. وتأويله: يُسارِعُون في نُصْرةِ الكفر. وقال الضَّحَّاكُ [[قوله في: "تفسير الثعلبي" 3/ 158 أ، و"زاد المسير" 1/ 508.]]: يعني: كفّار قريش.
فإذا قيل: معنى قوله: ﴿وَلَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ﴾: لا تحزن لِكفرِهم. والحزن على كفر الكافر، ومعصيةِ العاصي، طاعةٌ، فكيف نهى عنهُ؟.
قيل: إنما نهى عنه النبيَّ ﷺ، لأنه كان يُفرطُ وُيسْرِفُ في الحُزْنِ على كُفْر قومِهِ، حتى كان يؤدّي ذلك إلى أن يَضُرّ [[في (ج): (نصر).]] به، فنُهِي [[في (ج): (نهى).]] [عن] [[ما بين المعقوفين زيادة من (ج)]] الإسراف فيه؛ ألا ترى إلى قوله -عز وجل-: ﴿فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ﴾ [فاطر: 8].
وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا﴾ يعنى: أنَّ عائِدَ الوَبَالِ في ذلك عليهم، لا على غيرهم. وقال عطاء [[لم أقف على مصدر قوله. وقد ذكره ابن الجوزي في "الزاد" 1/ 508.]]: يريد: لن يضروا أولياءَ اللهِ شيئا.
وقوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَلَّا يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الْآخِرَةِ﴾ يعنى: نصيبًا في المجنة. وفي هذا رَدٌّ على القَدَرِيّة، وبيان أنَ الخيرَ والشرَّ بإرادة الله -جلَّ وعزَّ- [[إنَّ الله -تعالى- خالق الخير والشر، ولكنَّ الشرَّ في بعض مخلوقاته، وليس في خلق الله وفعله؛ لأن خلقَ الله وفعلَه، وقضاءَهُ وقَدَرَه، خيرٌ كلُّه؛ لأنه -تعالى- وضع الأمور في مواضعها، وذلك هو الخير والعدل، أما الشر؛ فهو: وضع الأمور في غير مواضعها، وذلك هو الظُّلْم، واللهُ مُنَزّهٌ عن الظلم. فأفعاله كلها تدور بين العدل والفضل والحكمة والمصلحة، ولا تخرج عن ذلك، فالله -تعالى- لا ينسب إليه الشرُّ، بل ينسب إليه الخير، وإنما صار الشرُّ شرًا، لانقطاع نسبته واضافته إلى الله تعالى، وفي الحديث: (.. والخير كله في يديك، والشر ليس إليك ..).
أخرجه النسائي في "السنن" 2/ 130 كتاب الصلاة. باب: الدعاء بين التكبيرة والقراءة.
فلو أضيف إليه، لم يكن شرًّا. انظر: "شفاء العليل" لابن القيم 179. وقال: (فإن قلت: لِمَ خَلَقَه وهو شر؟ قلت: خَلْقُهُ له وفِعْلُه، خيرٌ لا شرٌّ، فإن الخلق والفعل قائمٌ به -سبحانه-، والشر يستحيل قيامه به واتصافه به. وما كان في المخلوق من شر، فلعدم إضافته ونسبته إليه، والفعل والخَلْق يضاف إليه، فكان خيرًا، والذي شاءه كله خير، والذي لم يشأ وجوده بقي على العدم الأصلي، وهو الشر، فإن الشر كلَّه عَدَمٌ، وإنْ سبّبَه جهل وهو: عدم العِلْم، وظلمٌ وهو: عدم العدل. وما يترتب على ذلك من الآلام فهو من عدم استعداد المحل، وقبوله لأسباب الخيرات واللذات) 181 المصدر السابق، وانظر: "شرح العقيدة الطحاوية" (453) وما بعدها.]].
آل عمران 3:178
وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ﴾ الآية.
﴿الَّذِينَ﴾ [[من قوله: (الذين ..) إلى (.. اللذين يقتضيهما ﴿يَحْسَبَنَّ﴾: نقله -بتصرف- عن: "الحجة"، للفارسي: 3/ 101 - 102.]] -في قراءة من قرأ: ﴿يَحْسَبَنَّ﴾ بالياء [[القراءة الواردة في قوله: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ﴾ في الآية: 178، 180 و ﴿لَا تَحْسَبَنَّ﴾، و ﴿فَلَا تَحْسَبَنَّهُم﴾ في آية: 188 كالتالي:
قرأها ابن كثير، وأبو عمرو، كلَّها بالياء، في كل القرآن.
وقرأها نافع، وابن عامر (لا تحسبن) و (فلا تحسبنهم).
وقرأ عاصم، والكسائي، ويعقوب: ﴿يَحْسَبَنَّ﴾ في الآية: 178، 180 بالياء. وقرأوا ﴿تَحْسَبَنَّ﴾ و ﴿تَحْسَبَنَّهُم﴾ في الآية: 188، بالتاء. وكَسَرَ الكسائيُّ السينَ، وفتحها عاصم. وقرأها حمزة كلَّها بالتاء.
ومن قرأ ﴿فَلَا تَحْسَبَنَّهُم﴾ بالتاء، فتح الباءَ، ومن قرأها بالياء، ضم الباء.
انظر: "السبعة" 219، 220، و"القراءات" للأزهري 1/ 131، و"الحجة" للفارسي 3/ 100 - 101، و"الكشف" 1/ 364 - 368.]] -، رَفْعٌ؛ بأنه فاعل (يَحْسَبُ) [[يقال: (حَسِبْتُ الشيءَ): ظَنَنْتُه، (أحْسِبُه، وأحْسَبُه)، والكسر أجْوَدُ اللغتين). "تهذيب اللغة" 1/ 810 (حسب).
قال الجوهري: (ويقال: (أحْسِبُه) -بالكسر-، وهو شاذٌّ؛ لأن كلَّ فِعْلٍ كان ماضيه مكسورًا، فإن مستقبله يأتي مفتوح العَيْنِ، نحو: (عَلِمَ، يَعْلَمُ)، إلا أربعة أحرف جاءت نوادر، قالوا: (حسِب يحسِب ويحسَبُ)، و (بَئِس يبأس ويَبْئِسُ)، و (يَئِس يَيْأسُ وَييئسُ)، و (نَعِمَ يَنعَمُ ويَنْعِم) فإنها جاءت من السالم بالكسر والفتح. ومن المعتَلِّ ما جاء ماضيه ومستقبله جميعًا بالكسر، نحو: (ومِقَ يمِق)، و (وفِقَ يَفِق)، و (وثِقَ يَثِق)، و (وَرع يَرعُ)، و (ورِمَ يَرِمْ)، و (ورث يرث)، و (وريَ الزندُ يَرِي)، و (وَلي يَلي). "الصحاح" 1/ 112 (حسب).]].
وإذا كان ﴿الَّذِينَ﴾ فاعلًا؛ اقتضى (يَحْسَبُ) مفعولين؛ لأنّه يتعدى إلى مفعولين، أو إلى مفعولٍ يَسُدُّ مَسَدَّ مفعولين، وذلك إذا جَرَى - في صلة ما يتعدى إليه الحِسْبانُ-، ذِكْرُ الحديثِ والمُحَدَّث عنه، نحو: (حَسِبْتُ أن زيدًا منطلقٌ)، و (حَسِبتُ أنْ يقومَ عمرٌو) [[في (ج): (أن عمرو يقوم) وفي "الحجة": وحسبت أن تقومَ.]].
فجرى [[في (أ)، (ب): (جرت). والمثبت من (ج).]] فيما تَعَدَّى إليه (حَسِبْتُ) الحديثُ، وهو: الانطلاقُ والقيامُ. والمُحَدَّثُ عنه، وهو: زيدٌ أو عَمْرُو. فقام المفعولُ الواحدُ مقامَ المفعولين. وفقوله: ﴿أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ﴾ قد سَدَّ مسَدَّ المفعولين اللَّذَيْن يقتضيهما ﴿يَحْسَبَنَّ﴾.
وقرأ حمزة: ﴿ولا تَحْسَبَنَّ الذين كفروا﴾ بالتاء. و ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ -في هذه القراءة- في موضع نَصْبٍ، بأنّه المفعول الأول.
واختلفوا في وجه هذه القراءة:
فقال الفرّاء [[في "معاني القرآن" له 1/ 448. نقله عنه بالمعنى. وهو رأي الكسائي -كذلك-. انظر: "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 380، و"تفسير القرطبي" 4/ 287.]]: هو على التكرير. المعنى: ولا تَحْسَبَنَّ يا محمدُ الذين كفروا، ولا تَحْسَبَنَّ أنَمَا نمْلِي لهم خيرٌ [[في (ج): (خيرا).]] لأنفسهم. قال: وهذا كقوله -تعالى-: ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً﴾ [[في (ج)، و"معاني القرآن": (هل).]] [محمد: 18]؛ يعنى: فهل ينظرون إلا الساعة، هل يَنْظُرُونَ [[في (ج): (ينتظرون).]] إلا أنْ تأتيهم بَغْتةً؟.
وقال الزّجاج [[في "معاني القرآن" له 1/ 491. ناقله عنه بتصرف يسير.]]: هذه القراءة عندي، يجوز على البدل من ﴿الَّذِينَ﴾؛ المعنى: ولا تَحسَبَنَّ ﴿أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ﴾ [[في "معاني القرآن": (لا تحسبن إملاءنا للذين كفروا خيرًا لهم).]]. وأنشد:
فَمَا كانَ قَيْسٌ هُلْكُهُ هُلْكَ واحدٍ [[صدر بيت، وعجزه:
ولكنَّه بنيانُ قومٍ تَهَدَّما
وهو لعبدة بن الطبيب السعدي التميمي، وهو في "شعره" 88. وورد منسوبًا له في: "كتاب سيبويه" 1/ 156، و"البيان والتبيين" 2/ 363، و"الشعر والشعراء" (487)، و"عيون الأخبار" 1/ 287، و"الأصول في النحو" 2/ 51، و"الأغاني" 21/ 25، 26، و"شرح القصائد السبع"، لابن الأنباري 9، و"ديوان المعاني" لأبي هلال العسكري (تصحيح: كرنكو، ن: مطبعة القدسي، القاهرة، 1342 هـ): 2/ 175، و"أمالي المرتضى" 1/ 114، و"بهجة المجالس" 1/ 514، و"شرح ديوان الحماسة" للتبريزي (ن: دار القلم) 1/ 328، و"شرح المفصل" 3/ 65. ونسبه في "الأغاني" 14/ 86 لمرداس بن عبدة.
وورد غبر منسوب في: "تفسير الثعلبي" 3/ 158 ب، و"شرح المفصل" 8/ 55، و"البسيط في شرح جمل الزجاجي" 2/ 198، و"إعراب القرآن" لنحاس 1/ 380، و"الإغفال" للفارسي 1/ 593.
وقد ورد في بعض المصادر: (فلم يك قيس ..).
قال الشاعر البيت في رثاء قيس بن عاصم المنقري، سيد بني تميم.
والشاهد في البيت: رفع (هلكُه) على أنه بدل من (قيس) اسم (كان) ويكون حينها (هلكَ) منصوبًا على أنه خبر (كان). ويجوز أن يكون (هلكُه) مرفوعًا على الابتداء، وحينها تكون (هلك) مرفوعة على أنها خبر المبتدأ.
قال ابن الأنباري: (والرواية الجيدة: (هلكُه هلكُ واحد) برفعهما جميعًا). "شرح القصائد السبع": 9.]]
جعل (هُلكُهُ) بدلًا من (قَيس)؛ المعنى: فما كان هُلْكَ قيسٍ هُلكَ واحدٍ.
ومثلُه -مما جُعِلَ (أنَّ) مع الفعل بدلًا من المفعول-، قولُه: ﴿وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ﴾ [[انظر: "الحجة" للفارسي 3/ 107، و"التبيان" للعكبري (542).]] [الكهف: 63]، وقوله -تعالى-: ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ﴾ [[انظر: "الحجة" للفارسي 3/ 107، و"التبيان" للعكبري 2/ 404.]] [الأنفال: 7]، بَدَلًا مِنْ إحْدَى الطائفتين.
قال أبو علي الفارسي [[في: "الإغفال" 1/ 593. نقله عنه بتصرف. وانظر: "الحجة" له 3/ 107.]]: هذه القراءة على تقدير البدل، لا يصح إلا بنصب (خيْر) [[في (ج): (خبر).]]؛ لأن (أنّ) تصير بدلًا من ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وإذا صار بدلًا منه، فكأنه قال: لا تَحْسَبَنَّ إملاءَ الذين كفروا خيرًا. فيلزم انتصاب (خير) [[في (ج): (خبر).]] من حيثُ كان المفعول الثاني لـ (حَسِبْتُ).
ألا ترى أنه أبدل [[(أبدل): ساقطة من (ج).]] ﴿أَنَّمَا﴾ كما [[في (ج): (كان).]] أبدل الشاعرُ (هلكُهُ) من (قيس)، فصار التقدير: وما كان هُلْك قَيْسٍ هُلْكَ واحدٍ، انتصب (هلكَ واحدٍ) [[(انتصب هلك واحد): ساقط من (ج).]] على أنه خبرُ (كان)، ولو [[(ولو): ساقطة من (ج).]] لم يبدل (هلكُه) من (قيس)؛ لارتفع بالابتداء، وصار (هُلْكُ واحدٍ) خَبَرَه. والجملة في موضع نصب على خبر (كان). كما أَنه لو لم يُبْدِلْ (أنّ) من ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ لكسرها ولم يَفْتَحْها، ولو كسرها لصارت (أنّ) واسمها وخبرها، في موضع نصب؛ لأنه مفعول ثانٍ لـ ﴿تَحْسَبَنَّ﴾.
وكما انتصب (هُلْكَ واحد) في البيت، لَمّا أبدل الأول مِنْ (قيس) بأنه خَبَرُ (كان)؛ كذلك ينتصبُ ﴿خيرٌ لهم﴾ في الآية، إذا أبدل الإملاء من ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ بأنه مفعول ثانٍ لـ ﴿تَحْسَبَنَّ﴾.
فإذًا، قد جاء أنه لا يجوز أن يُقرأ ﴿تَحْسَبَنَّ﴾ بالتاء، إلّا أن يُكسر (إنَّ) في ﴿أَنَّمَا نُمْلِي﴾، أو يُنصب ﴿خَيْرٌ﴾ [[في (ج): (خبر).
وقد جاء في (ج) بعد (خير) العبارةُ التالية: (فلا يصح بالياء إنما). وهي عبارة
مقحمة لا وجه لها.]]، مع فتح ﴿أَنَّمَا﴾، فيقرأ: (أنَّمَا نُمْلي لهم خيرًا لأنفسهم).
ولم يُرْوَ عن حمزةَ كسْرُ (أنّ)، ولا نَصْبُ (خَيْرٌ)، فلا تصح القراءة بالتاء، على ما قرأ به حمزةُ، عند أبي عليّ [[قال النحاس، عن قراءة حمزة لقوله تعالى ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ﴾ [الآيتان: 178، 180] (وزعم أبو حاتم أنه لحنٌ لا يجوز، وتابعه على ذلك جماعةٌ). "إعراب القرآن" 1/ 379.
وعَقَّب القرطبيُّ على زعم أبي حاتم، قائلًا: (قلت: وهذا ليس بشيء؛ لما تقدم بيانه من الإعراب، ولصحة القراءة وثبوتها نقلًا). "تفسيره" 4/ 288.]].
قال ابن عباس [[لم أقف على مصدر قوله. وقد ورد في: "زاد المسير" 1/ 805]]: أراد بـ ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾: المنافقين، وقُرَيْظَةَ والنَّضِير. وقال مقاتل [[في "تفسيره" 1/ 317. نصه عنده -بعد أن ذكر الآية-: (أبا سفيان وأصحابه، يوم أحد).]]: يعنى: مشركي مكة.
وقوله: ﴿أَنَّمَا﴾، (ما) تحتمل وجهين:
أحدهما: أن يَكون بمعنى (الذي) [[انظر: "مجاز القرآن" 1/ 108.]]، فيكون التقدير: لا يحسبن الذين كفروا أن الذي نمليه خيرٌ لأنفسهم، وحَذَفَ (الهاء) مِنْ ﴿نُمْلِي﴾؛ لأنه يجوز حذفُ الهاء مِنْ صِلَةِ (الذي)؛ كقولك: (الذي رأيتُ زيدٌ).
والآخر: أن يَكون (ما) بمنزلة الإملاء، فيكون مصدرًا، وإذا كان مصدرًا [[(وإذا كان مصدرًا): ساقط من (ج).]]، لم تقتض راجعًا إليها [[في (ج): (إليهما).]].
وقوله تعالى: ﴿نُمْلِي لَهُمْ﴾.
معنى ﴿نُمْلِي﴾ -في اللغة-: نُطِيل، ونُؤَخِّر. والإملاء: الإمهال والتأخير. واشتقاقه [[من قوله: (واشتقاقه ..) إلى نهاية بيت الشعر: (.. من طريف وتالد): هو من قول ابن الأنباري؛ حيث ورد بعض النص في: "زاد المسير" 1/ 509، و"اللسان" 7/ 4272 (ملا). ونسباه لابن الأنباري، ولم يبينا المصدر.]] من (المِلْوَة)، وهي: المُدَّة من الزمان. يقال: (مِلْوَةٌ مِنَ الدَّهْرِ)، و (مُلْوَةٌ، ومَلْوَةٌ، ومِلاَوَةٌ [[(أ)، (ب): وملاؤة. والمثبت من: (ج)، ومصادر اللغة.]]، ومَلاَوَةٌ [[في (ج): (ومَلاوة، ومِلاوة).]]، ومُلاَوَةٌ)، بمعنًى [[انظر: "مجاز القرآن" 1/ 234، و"غريب القرآن" لابن اليزيدي 45، و"تفسير غريب القرآن" لابن قتيبة 116، و"غريب الحديث" للحربي 1/ 341، و"تحفة الأريب" 388، وانظر مادة (ملا) في: "تهذيب اللغة" 4/ 3438، و"الصحاح" 6/ 2496، و"اللسان" 7/ 4272.]].
قال العَجَّاج:
وقد أُرَانِي لِلغَوَانِي [[في (ج): (الغواني).]] مِصْيَدا ... مُلاوَةً كأنَّ فَوْقِي جَلَدا [[البيت في "ديوانه" (تح: د. عزة حسن): 340. وورد منسوبًا له في: "إصلاح المنطق" 47، ومادة (جلد) في: "تهذيب اللغة" 1/ 634، و"الصحاح" 2/ 458.== و"المقاييس" 1/ 471، و"اللسان" 2/ 654.
وورد غير منسوب في: "جمهرة اللغة" 1/ 449، و"تفسير الثعلبي" 3/ 159 أ. وروايته في الديوان والجمهرة: (فقد أكونُ ..).
و (الغواني): جمع غانية، وقيل في معناها: التي غَنِت بالزوج. وقيل: التي غَنِيت بحُسْنها عن الزينة وقيل: التي تُطلَب، ولا تَطلُب. وقيل: الشابَّة العفيفة؛ كان لها زوجٌ أو لم يكن. وقيل: كلُّ امرأة، فإنها تُسمَّى غانية. وقيل غير ذلك. انظر: "اللسان" 6/ 3309 (غنا).
و (المِصْيَد) -بكسر الميم، وفتحها-: ما يُصاد به. "اللسان" 4/ 2534 (صيد). و (الجَلَد)، فيه قولان: أحدهما: أن يُسلخ جِلْدُ البعيرِ وغيره، وُيلْبَس غيرَه من الدواب، وُيسمَّى هذا (جَلَدا). والقول الثاني: أن يُسلخ جِلْدُ الحُوار، ثم يُحشى ثُمامًا، أو غيره من الشجر، ثم يُعطف عليه أمُّه، فترأمه. انظر: (جلد) في: "تهذيب اللغة" 1/ 634، و"المقاييس" 1/ 471.
ومعنى البيت: إنَّهنَّ يَرأمْنَنِي ويَعْطِفْنَ عليَّ، كما ترأم الناقةُ الجَلَدَ.]] ومنه قولُ العَرَبِ: (الْبَسْ جَدِيدا، وتَمَلَّ حبيبًا) [[انظر: "مجاز القرآن" 2/ 234، و"الصحاح" 6/ 2497 (ملا)، و"اللسان" 7/ 4272 (ملا). وقد ورد المثل فيه: (أبليت جَدِيدًا، وتَمَلَّيتَ حبيبًا). أي: عشت معه ملاوتَكَ من دهرك، وتمتعت به.]]؛ أي: لِتطل أيَّامك معه. وقال مُتَمِّم [[تقدمت ترجمته.]]:
بِودَّيَ أَنّي لو تَمَلَّيْتُ عُمْرَهُ ... بِمَالِيَ مِنْ مالٍ طَريفٍ وتَالدِ [[البيت في "شعره" 86.
وقد ورد منسوبًا له، في: "الزاهر" 1/ 256. وورد غير منسوب في: "اللسان" 7/ 4272 (ملا) وردت روايته في المصادر السابقة: (بودي لو أني ..).
قال في "الزاهر": (الطريف، والطارف)، وهما: المال المستحدث الذي كَسَبه الرجلُ، وجَمَعَهُ. و (التَّليد، والتالِدُ): ما ورثه عن آبائه ولم يكتسبه) 1/ 256.]] وقال الأصمعي [[قوله -بنصه-، في: "تهذيب اللغة" (3438) (ملو).]]: (أمْلَى عليه الزمانُ) [[في "التهذيب": الزمن.]]؛ أي: طال عليه. و (أملَى له)؛ أي: طَوَّل له، وأمهله.
قال أبو عبيدة: ومنه: (المَلاَ) [[وهي غير مهموزة، وتكتب بالألف والياء، والبصريون يكتبونها بالألف. وقال الفراء: (والألف أجود). وكذا قال ابن الأنباري.
انظر: "المقصور والممدود" للفراء 43،61، و"المنتخب" لكراع 2/ 438؛ و"شرح القصائد السبع" لابن الأنباري 465، ومادة (ملا) في: "تهذيب اللغة" 4/ 3438، و"الصحاح" 6/ 2497، و"اللسان" 7/ 4272.]]: الأرض الواسعة الطويلة [[لم أقف على مصدر قول أبي عبيدة، والذي ورد في "مجاز القرآن ": (ويقال للخرق الواسع في الأرض: مَلًا، مقصور) 1/ 333.]].
قال ابن عباس [[لم أقف على مصدر قوله.]] -في قوله: ﴿أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ﴾ -: يريد [[في (ج): (مريد).]]: تماديهم في معاصي الله.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا﴾ قال ابن الأنباري [[لم أقف على مصدر قوله.]]: قال جماعة من أهل العلم [[لم أقف عليهم.]]: أنزل الله عز وجل هذه الآية في قوم يعاندون الحق، سَبَقَ في علمه أنهم لا يؤمنون، فقال: ﴿إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا﴾ بمعاندتهم الحقَّ، وخِلاَفِهِم الرسولَ.
وقد قال رسول الله ﷺ: (إذا رأيتَ اللهَ يُعْطِي على المعاصي، فإنَّ ذلك استدراجٌ مِنَ اللهِ لِخَلْقِهِ)، ثم تلا هذه الآية [[الحديث أخرجه: أحمد في "المسند" 4/ 145، وابن أبي الدنيا في "كتاب الشكر" 80 رقم (32)، والطبراني في "المعجم الكبير" 17/ 133، والطبري في "تفسيره" 7/ 195.
وأورده الهيثمي في "مجمع الزوائد" 7/ 20، 10/ 245، وقال: (رواه الطبراني في الأوسط عن شيخه، الوليد بن العباس المصري، وهو ضعيف).
وأورده السيوطي في "الدر المنثور" 3/ 22 وزاد نسبة إخراجه إلى ابن أبي حاتم، وابن المنذر، وأبي الشيخ، وابن مردويه، والبيهقي في "الشعب".
وأورده في "الجامع الصغير" ورمز له بالحسن. انظر: "فيض القدير" 1/ 455. وأورده الخطيب التبريزي في: "مشكاة المصابيح" 3/ 1435 رقم (5201).
وحَسَّن الحافظ العراقي سنده (انظر: "تخريج الإحياء" بهامش "إحياء علوم الدين" 4/ 132).
وصححه الألباني في: صحيح "الجامع الصغير" 1/ 158 رقم (561)، وفي "سلسلة الأحاديث الصحيحة" رقم (414).
ولفظ الحديث -كما عند أحمد، من رواية عقبة بن عامر، عن النبي ﷺ: "إذا رأيت الله -عز وجل- يعطي العبد من الدنيا على معاصيه ما يُحب، فإنما هو استدراج"، ثم تلا رسولُ الله ﷺ: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾ [الأنعام: 44]. فليس في الأثر -عند من رواه- أنه ﷺ قرأ هذه الآية من سورة آل عمران.]].
ونحو هذا، قال الزّجاج [[في "معاني القرآن" له 1/ 491. نقله عنه بتصرف يسيِر.]]: إن هؤلاء قومٌ، أعلَمَ اللهُ نبيَّه أنهم لا يؤمنون أبدًا، وأن بقاءهم يزيدهم كفرًا وإثما.
والآية حجّة ظاهرة على القَدَريّة [[سبق بيان أن المراد بـ (القدَريَّة) هم المعتزلة، الذين وافقوا القَدَرية القُدامى في نفي القدر.]]؛ حيث أخبر الله -تعالى-، أنه يطيل أعمارَ قومٍ وُيمْهِلُهُم؛ لِيَزدادوا غَيًّا وكُفْرا.
والقَدَرِيّة، تأولوا الآية على وجهين:
أحدهما: على التقديم والتأخير؛ فقالوا: التقدير: (ولا يحْسَبَنَّ الذين كفروا إنما نُملي لهم لِيَزدادوا إثما؛ إنَّما نُملي لهم خيرٌ لأنفسهم). وهذا [[من قوله: (وهذا ..) إلى (.. خير لأنفسهم): ساقط من (ج).]] إنما كان يُحتمل لو قُرِئ بِكَسْرِ ﴿أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ﴾، ﴿إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا﴾. ولم يقرأ به أحدٌ يُعرَف. ولا يجوز حملُ الآية على وجهٍ لا يجوز أن يُقرأ به [[قال النحاس في "إعراب القرآن" 1/ 380 (قال أبو حاتم: سمعت الأخفش يذكر كسر (إنَّ) يحتج لأهل القَدَر؛ لأنه كان منهم، ويجعله على التقديم والتأخير .. قال: ورأيت في مصحفٍ في المسجد الجامع، قد زادوا فيه حرفًا؛ فصار: (إنما نملي لهم ليزدادوا إيمانًا)، فنظر إليه يعقوب القارئ، فتَبيَّنَ اللَّحَقَ، فحكَّه). وانظر: "تفسير القرطبي" 4/ 288.]].
والوجه الثاني: قالوا [[انظر: "تنزيه القرآن عن المطاعن" للقاضي عبد الجبار 83]]: معنى قوله: ﴿إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا﴾: إنما نُمْلي لهم، على أنَّ عاقبةَ أمْرِهم ازديادُ الإثم. وهذه لام العاقبة؛ كقوله: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ [القصص: 8]. وهذا [[(أ)، (ب): (وهو)، والمثبت من: (ج)، وهو أولى وأصوب.]] الذي قالوه، خِلافُ ما ذَكَرَهُ المفسرون وأهل العلم، وعُدُولٌ عن ظاهرِ الخِطَاب، فلا يُقْبَلُ.
على أن لام العاقبة يشَاكِل ما قبله؛ كقوله: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ﴾، الآية، وهم ما التقطُوهُ لِهذا؛ ولكنْ كان الالتقاطُ سبَبَ كونِهِ عَدُوًّا لهم، كذلك في الآية، يجب أنْ يكونَ إمْلاءُ اللهِ إيَّاهم، سَبَبَ ازديادهم الإثم [[في (ج): (الكفر).]]، وهو ما نقول: إن الله -تعالى- يُملِي لهم، لِيَزدادوا إثمًا.
آل عمران 3:179
قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ﴾ الآية.
اختلفوا في سبب نزول هذه الآية:
فقال الكَلْبيُّ [[قوله في: "بحر العلوم" 1/ 318، و"تفسير الثعلبي" 3/ 159 أ، و"أسباب النزول" للمؤلف 136، و"تفسير البغوي" 2/ 140، و"تفسير القرطبي" 4/ 288.
وأورد هذا القول ابنُ الجوزي في "الزاد" 1/ 510 ونسبه لابن عباس.
ونحو هذا القول، قال السُّدِّي. انظر: "تفسير الطبري" 4/ 188، و"تفسير ابن أبي حاتم" 3/ 824.]]: قال المشركون للنبي ﷺ: ما بَالُكَ تَزْعُمُ أن الرَّجلَ مِنْ أهلِ النار، حتى يَدْخُلَ في دِينِكَ، فإذا انتقل إلى دينك، ادَّعَيْتَ أنه من أهل الجَنَّةِ، فينبغي أنْ تُعَرِّفَنَا الذي يَنتَقِلُ، قبل أن ينتَقِلَ.
فأنزل الله -تعالى- مجيبًا لهم-: ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ﴾ أي: ما كانَ اللهُ لِيَدَعَ المؤمِنَ [[في (ج): (المؤمنين).]]، على ما عليه الكافرُ [[في (ج): (الكافرين).]]. وأَعْلَمَ أنَّ حُكْمَ مَنْ كَفَر، أن يقال: أنه مِن أهل النار، ومَنْ آمَنَ: فهو من أهل الجَنَّة.
ومعنى: ﴿حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ -على هذا التفسير-: حتى يُفَرِّقَ بين المؤمن والكافر؛ بالحُكْمِ لِلْمُؤْمِنِ بالجَنَّةِ، ولِلكافر بالنار.
والخِطاب في قوله: ﴿أَنتُمْ﴾ -على هذا الوجْهِ-، للمشركين.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ﴾ أي [[أي: ساقطة من (ج).]]: وما كان اللهُ لِيُخْبِركم بإسلامِ مَنْ يُسْلِم قبل أن يُسْلِم؛ فَيَدُلكم على غَيْبِهِ؛ وذلك أنهم سألوا أن يُعرَّفوا ذلك.
وقوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾: أي: يختارُ مِنَ الرُّسُل مَن يشاء بالغيب، فيُطْلِعُه على بعض عِلْمِ الغيب؛ كقوله: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (26) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾ [الجن:26 - 27]، الآية.
قال الزّجاج [[في "معاني القرآن" له 1/ 492. نقله عنه بتصرف يسير.]]: وإنما يُطْلِعُ الرسلَ على الغيب؛ لإقامة البرهان في أنهم رُسُلٌ، وأنَ ما أتَوا به مِن عند الله.
ومعنى قوله: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾؛ أي: بالغيب. فَحذف ذلك للعلم به؛ وذلك لاستثناء الرسولِ مِمَّن لا يُطلَعُ على الغيب.
وهذا [[يعني بـ (هذا): ما قاله الكلبيُّ في سبب نزول الآية، وما يترتب عليه في كون الخطاب فيها للمشركين.]] قول جماعةٍ مِنَ المفسرين [[منهم: مقاتل، في "تفسيره" 1/ 317 - 318.]]، واختيار الفرّاء [[في "معاني القرآن" له 1/ 248.]] والزّجاج [[في "معاني القرآن" له 1/ 492.]]. والآية مطَّرِدَة على هذا التفسير.
وقال مجاهد [[قوله في: "تفسير الطبري" 4/ 187، و"تفسير ابن أبي حاتم" 3/ 824، و"النكت والعيون" 1/ 439.]]، ومحمد بن إسحاق [[قوله في: "سيرة ابن هشام" 3/ 75، و"تفسير الطبري" 4/ 187.]]: نزلت الآية في المنافقين، وتمييزهم عن المؤمنين، و-على هذا التفسير- الخطابُ للمؤمنين في قوله: ﴿أَنْتُمْ﴾، رَجَعَ من الخَبَر عن المؤمنين إلى مخاطبتهم.
ومعنى الآية: ما كان الله ليذركم يا معشر المؤمنين، على ما أنتم عليه مِن التباسِ المنافقِ بالمؤمنِ، والمؤمن بالمنافق، حتى يُمَيِّزَ الخبيثَ من الطَّيِّب، أي: المنافقَ مِنَ المُؤمِنِ.
قال مجاهد [[قوله في: "تفسير الطبري" 4/ 187، و"تفسير ابن أبي حاتم" 3/ 824، و"النكت والعيون" 1/ 439.]]: فَمَيّزَ الله المؤمنين يومَ أحد مِنَ المنافقين؛ حيث أظهروا النفاقَ، وتَخَلَّوا عن رسول الله ﷺ.
﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ﴾ فتعرفوا المنافقَ من المؤمنِ قبل التمييز، ولكنَّ اللهَ يختار بمعرفة [[في (ج): (بمعرفته).]] ذلك مَنْ يَشَاء مِنَ الرُّسُلِ.
قال ابن عباس [[لم أقف على مصدر قوله.]]: يريد: أنت يا محمد ممن اصطفيتُهُ وأطلعته على هذا الغيب.
وهذا معنى قول السُّدِّي في هذه الآية، فإنه قال في سبب نزولهما ما يُشاكِل هذا التفسير، وهو أنه قال: قال رسول الله ﷺ: "أُعْلِمْتُ مَنْ يُؤْمِنُ بي وَمَنْ لا يُؤمِنُ" فَبَلَغَ ذلك المنافقينَ، فاستهزؤوا، وقالوا: كيف، ونحن معه لا يعرفنا؟! فأنزل الله هذه الآية [[الحديث أورده -غير مسند-: الثعلبي في "تفسيره" 3/ 159 ب. ونَصُّه عن الثعلبي: (قال السدي: قال رسول الله ﷺ: "عُرِضت علي أمتي في صورها، كما عُرِضت على آدم، وأعْلِمتُ مَن يُؤْمِنُ بي ومن يكفر". فبلغ ذلك المنافقين، فاستهزؤوا، وقالوا: زعم محمد أنه يعلم من يؤمن به ومن يكفر، ممن لم يُخلَق بعد، ونحن معه ولا يعرفنا. فبلغ ذلك رسول الله ﷺ، فقام على المنبر خطيبًا، فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال: "ما بال أقوام جهَلوني، وطعنوا في علمي، لا == تسألوني عن شيء فيما بينكم وبين الساعة إلا أنبأتكم به" فقام عبد الله بن حذافة السهمي، فقال: يا رسول الله. من أبي؟ قال: "حذافة". فقام عمر بن الخطاب، فقال: يا رسول الله ﷺ، رضينا بالله ربا وبالإسلام دينًا وبالقرآن إمامًا وبك نبياً فاعف عنا، عفا الله عنك. فقال النبي ﷺ: "فهل أنتم منتهون؟ هل أنتم منتهون؟ " ثم نزل عن المنبر. فأنزل الله -تعالى- هذه الآية ..).
والأثر طويل، وله عنده بقية، وأورده -كذلك- المؤلف في "أسباب النزول" 136، والبغوي في "تفسيره" 2/ 141، وابن الجوزي في "زاد المسير" 1/ 510، وكلهم نسبه للسدي، عن رسول الله ﷺ.
ولم أقف عليه في مصادر أخرى بهذا النص، وإنما ورد بنص آخر -من رواية حذيفة بن أسيد- "عُرضت علي أمتي البارحة، لَدُنْ هذه الحجرة، حتى إني لأعْرفُ بالرجل منهم، من أحدكم بصاحبه". فقال رجل من القوم: يا رسول الله، هذا عُرِض عليك مَنْ خُلِق منهم، أرأيت من لم يُخلَق؟. فقال: "صُوِّروا لي، فوالذي نفسي بيده، لأنا أعْرَفُ بالإنسان منهم بصاحبه".
أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير" 3/ 181 رقم (3054، 3055)، والديلمي في "مسند الفردوس" 3/ 66 رقم (4185)، وأورده السيوطي في "الجامع الصغير" وزاد نسبته للضياء المقدسي، ورمز له بالصحة. (انظر: "فيض القدير" 4/ 414). وقال الهيثمي: (رواه الطبراني، وفيه زياد بن المنذر، وهو كذاب). "مجمع الزوائد"10/ 69. وحكم عليه الألباني بالضعف في ضعيف "الجامع الصغير" 4/ 29 رقم (3703).
وهذه الرواية تختلف عما أورده الثعلبي في تفسيره، وليس فيه أنه سبب نزول الآية، ولا متعلق له بهذه الآية.
كما أخرج البخاريُ حديثًا آخر من رواية أنس، نحو ما أورده المؤلف، ونصه: "سألوا النبي ﷺ حتى أحفَوْهُ بالمسألة، فصعد النبي ﷺ ذات يوم المنبرَ، فقال: لا تسألوني عن شيء إلا بينت لكم، فجعلت أنظر يمينًا وشمالًا فإذا كل رجل رأسه في ثوبه يبكي، فأنشأ رجل كان إذا لاحى يُدعى إلى غير أبيه، ومَال: يا نبي الله من أبي؟ فقال: أبوك حذافة. ثم أنشأ عمرُ فقال: رضينا بالله ربا وبالإسلام ديناً وبمحمد رسولًا. نعوذ بالله من سوء الفتن، فقال النبي ﷺ: ما رأيت في الخير والشر كاليوم قطّ، إنما صورت لى الجنة والنار حتى رأيتهما دون الحائط). قال =]].
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وهذا [[هكذا في (أ)، (ب)، (ج). والأصوب أن يكون (هذان) إلا أني أبقيت (هذا) لاحتمال أن يريد بـ (هذا): ما سبق من قول في الآية.]] وجهان من التفسير لهذه الآية.
وقيل فيه وجه ثالث من التفسير، وهو: إن الخطاب للمشركين والمنافقين واليهود [[في (ج): (ولليهود).]] في قوله: ﴿أَنْتُمْ﴾ [[(أنتم): ساقطة من (ج).]]؛ والمراد بـ (المؤمنين) [[(المؤمنين): ساقطة من (ج).]] في قوله: ﴿لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ﴾: الذين هم [[(هم): ساقطة من (ج).]] في أصلاب الرجال من المشركين، وأرحام النساء من المشركات، ممن يؤمنون.
ومعنى الآية: ما كان الله لِيَدَعَ أولادَكُمْ الذين جرى لهم الحكمُ بالإيمان، على ما أنتم عليه من الشِّرْك، حتى يُفَرِّق بينكم وبين مَن في أصلابكم، وأرحام نسائِكم من المؤمنين.
وهذا قول الضّحاك [[قوله، في "تفسير الثعلبي" 3/ 160 ب، و"تفسير البغوي" 2/ 141. وورد في "بحر العلوم"، عنه: (إن المنافقين أعلنوا الإسلام، وأسروا الكفر، وصلوا وجاهدوا مع المؤمنين، فأحب أن يُمَيِّز بين الفريقين، وأن يَدُلَّ رسول الله على سرائر المنافقين، فقال: ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾. يعني: المنافق من المؤمن) 1/ 319.
ورد في: "زاد المسير" 1/ 510 عن الضحاك، أن المخاطب في هذه الآية: الكفار والمنافقون.]]، وابن عباس في رواية عطاء [[لم أقف على مصدر قوله وفق سياق المؤلف. والذي ورد عن ابن عباس -من == رواية علي بن أبي طلحة-، قال: (يقول للكفار: ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ﴾ من الكفر، ﴿حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ فيميز أهل السعادة من أهل الشقاوة). "تفسير ابن أبي حاتم": 3/ 824 - 825.
وكون الخطاب في الآية للكفار والمنافقين -وفق المعنى الذي ذكرته عن ابن عباس سابقًا-، قال عنه الثعلبي: (هو قول: ابن عباس والضحاك ومقاتل والكلبي، وأكثر المفسرين). "تفسيره" 3/ 160 أ.]].
وقوله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ﴾، لا يتعلق بأوَّلِ الآية في المعنى -على هذا التفسير-، ولكن معناه: إنه أَخْبَرَ ابتداءً، أنه لا يُطلِعُ أحدًا على عِلْمِ الغيب؛ لأنه لا يعلمه أحدٌ غيرُه، ولكن يجتبي مِن رُسُلِهِ مَنْ يَشاء، فَيُطْلَعَ على بعض عِلْمِ الغَيْب.
وقيل في سبب نزول قوله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ﴾: إنّ المشركين أنكروا نُبُوَّةَ محمد ﷺ، وقالوا: ما بالنا نحن لا نكون أنبياء، فإنَّا أكثرُ أموالًا وأولادًا؟ فأنزل الله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ﴾؛ أي: لم يكن ليوحي إليكم فيجعلكم بمنزلة الرُّسُل، بظنِّكُم عند أنفسكم أنكم مستحقون ذاك [[في (ج): (ذلك).]]، بل يُنَبِّئ [[في (ج): (ينبأ).]] مَنْ يَراهُ أهلًا للخصوصية والتشريف.
وهذا معنى قولِ أبي إسحاق [[في: "معاني القرآن" له 1/ 492. ولكن هذا القول، ليس مما تبناه الزجاج، وإنما أورده بصيغة (قيل). فقد ذكر أولا قول الكلبي -الذي ذكره المؤلف-، وصدره بقوله: (يروى في التفسير)، ثم ذكر هذا القول، قائلًا: (وقد قيل في التفسير ..) وذَكَره.]]، وابن الأنباري [[لم أقف على مصدر قوله.]]. قال ابن الأنباري: وأوَّلُ الآية يدل على هذا، ويمكن حمله على هذا التفسير؛ وهو: أنهم أنكروا نُبُوَّةَ محمد، وما يدعوا إليه مِنْ تَرْكِ دينِ الآباءِ والأجداد. فأعلم الله -تعالى- أنه لم يكن لِيَدَعَ المؤمنين على ما عليه الكفارُ مِنَ العَمَى والحَيْرة، حتى يَنْتاشَهم [[ينتاشهم؛ أي: يستخرجهم. وأصلها من: (النَتْش)، وهو: نتف اللحم، وجذبه قرصًا، واستخراج الشوكة ونحوها. ويقال للمنتاش: استخرجه.
انظر (نتش) في: "اللسان" 7/ 4336، و"القاموس" (606).]] ويستنقذهم من المهالك، بإرساله محمدًا ﷺ، وإعطائه [[في (أ)، (ب)، (ج): وأعطاه. والمُثبَت هو ما استصوبته.]] إيَّاه مِنَ الدَّلائِلِ ما يكَون عَلَما لِصِدْقِهِ، وسببًا لانقياد [[في (ب): (للانقياد).]]، [الناس] [[ما بين المعقوقين زيادة من (ج).]] إلى متابعته.
فهذه أربعة أوجُهٍ مِنَ التفسير، في هذه الآية.
فقوله: ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ﴾، هذه اللام يُسمِّيها بعضُ أهل النحو، لامَ الجَحْد؛ كما تقول: (ما كنت لأفعل ذلك) [[انظر: "اللامات"، للزجاجي 68، و"المحلى" لابن شقير 228. وهي عند الكوفيين حرف زائد، يدخل لتقوية النفي، ويرى النحاس أن الصواب تسميتها (لام النفي)؛ لأن الجحد في اللغة إنكار ما تعرفه، لا مطلق الإنكار. انظر: "المغني" لابن هشام 278.]]. وهي في تأويل (كي)؛ ولذلك نَصَبَتْ ما بعدها.
وذكرنا الكلام في (يَذَر) عند قوله: ﴿وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا﴾ [[سورة البقرة: من الآية: 234 ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ ، والآية:240 ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾]].
قوله تعالى: ﴿حَتَّى يَمِيزَ﴾.
فيه [[(فيه): ساقطة من (ج).]] قراءتان: التشديد والتخفيف [[قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر، وعاصم، وأبو جعفر: ﴿يَمِيزَ﴾ بفتح الياء الأولى، وكسر الميم مع التخفيف.
وقرأ حمزة، والكسائي، ويعقوب، وخلف: ﴿يُمَيز﴾ -بضم الياء الأولى، وفتح الميم مع التشديد.
انظر: "السبعة" 220، و"الحجة"، للفارسي 3/ 110، و"المبسوط" لابن مهران 149 - 150.]]. وهما لغتان. يقال: (مِزْتُ الشيءَ بَعْضَهُ عن بَعْض)، فأنا (أمِيزُهُ مَيْزًا)، و (مَيّزْتُهُ تمييزًا) [[أي: عزلته، وفرزته، وخلصته
انظر: "علل القراءات" للأزهري 1/ 133، و"المجموع المغيث" 3/ 248، و"اللسان" 7/ 4307 (ميز).]]. ومنه الحديث: "مَن مَازَ أذًى عن طريق، فهو له صدقة" [[الحديث من رواية أبي عبيدة بن الجراح، أخرجه: أحمد في "المسند" 1/ 159 -
196، والخطابي في "غريب الحديث" 3/ 127.
وأورده ابن الأثير في "النهاية في غريب الحديث" 4/ 380، وأورده الهيثمي في "مجمع الزوائد" 2/ 300، وزاد نسبة إخراجه لأبي يعلى، والبزار، وقال: (وفيه يسار بن أبي سيف، ولم أر من وَثَّقه، ولا من جرحه، وبقية رجاله ثقات).
قال البنا في: "الفتح الرباني" 19/ 197 - معلقًا على كلام الهيثمي-: (الظاهر أن النسخة التي وقعت للحافظ الهيثمي فيها يسار -بالياء التحتية، والسين المهملة-، وهو خطأ؛ ولذلك لم يجد له ترجمة، والصواب بشار بالباء الموحدة، والشين المعجمة-، كما جاء في نسختنا. وفي "تقريب التهذيب": بشار بن أبي سيف الجَرمي -بفتح الجيم- الشامي، نزل البصرة، مقبول).
ولفظه -عند أحمد-: (مَن أنفق نَفَقَة فاضلة في سبيل الله، فبسبعمائة، ومن أنفق على نفسه وأهله، أو عاد مريضًا، أو مَازَ أذًى، فالحسنة بعشر أمثالها، الصوم == جُنَّة ما لم يَخرْقها، ومَن ابتلاه ببلاءٍ في جَسَدِهِ فَهو له حِطَّة).
ومعنى (مَازَ): نحَّى وأزال.]].
وقال الشاعر:
تنفِي رُضَاضَ الحَصَا مَنَاسِمُها ... كَمَا يَمِيزَ الزُّيُوفَ مُنْتَقِدُ [[لم أهتد إلى قائله.
رُضَاض الحصا: فُتَاتُه. انظر: "اللسان" 3/ 1659 (رضض).
المناسم: جمع (مَنْسِم)، وهو: طرف الخُفِّ من: البعير والنعامة والفيل والحافر. انظر: "اللسان" 7/ 4415 (نسم).
والمُنْتَقِد: الصيرفي الحاذق، الذي يميز الدراهم الصحيحة من الزائفة.]]
و (التمييز) [[من قوله: (والتمييز ..) إلى (.. فعوض وعاض لغتان): نقله -بمعناه- عن "الحجة" للفارسي 3/ 111 - 113.]] ليس بمنقول بالتشديد عن (المَيْز)؛ كـ (التَّغْرِيم) مِنَ (الغرْم)؛ لأنه لو كان منقولًا لَتَعدَّى إلى مفعولين؛ كـ (التغريم)؛ فإنه [يقال] [[ما بين المعقوفين غير مقروء في (أ). وساقط من (ب). والمثبت من (ج).]]: غَرَّمْتُ زيدًا مالًا. و (التمييز) لا يتعدّى إلى مفعولين إلّا بحرف جرٍّ؛ نحو قولك: (مَيَّزت مَتَاعَكَ بعضَه من بعض).
ومثل [[في (ج): (ومثلى).]] (مَيَّز) -في أنّ التضعيف فيه ليس للنقل والتعدّي- قولُهم: (عَوَّض)، فهو بمعنى (عاض). ولو كان التضعيف فيه للنقل؛ لَتَعدّى إلى ثلاثة مَفْعولِينَ [[في (ب): (مفاعيل).]]؛ لأن (عاض) يَتَعدَّى إلى مَفْعولَيْنِ، فـ (عَوّضَ) و (عاض) لُغَتَان.
وحجّة مَن قَرَأ بالتخفيف: أنَّه يَصْلُح للقليل والكثير؛ لأن (المَيْز) كـ (التميِيز)، سَوَاء، وهو -مع ذلك- خفيف في اللفظ. وإذا اجتمعت خِفَّةُ اللفظ مع استيعاب المعنى، كان المصير إليه أَوْلى.
وحكى أبو زيد، عن أبي عمرٍو، أنه كان يقول [[لم أقف على مصدر قوله. وقد ذكره -بمعناه- ابنُ زنجلة في: "حجة القراءات" 182.]]:
التشديد للكثرة، فأما واحدٌ مِن واحدٍ فـ (يَمِيز) -بالتخفيف-. والله -تعالى- يقول: ﴿حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾، فَذَكَر شيئين. و-هذا- كما قال بعضهم [[ذكر الثعلبي والقرطبي هذا القائل، وهو: أبو معاذ، الفضل بن خالد المروزي، أحد كبار علماء النحو، قال السيوطي: (وذكره ابن حبان في الثقات، وصنف كتابًا في القرآن). توفي سنة (211 هـ). انظر: "تفسير الثعلبي" 3/ 160 أ - ب، و"تفسير القرطبي" 4/ 289، و"بغية الوعاة"، للسيوطي 2/ 245.]] في (الفَرْق) و (التَّفرِيق) [[في "تفسير الثعلبي" 3/ 160 أ، (ومثله، إذا جَعلتَ الواحدَ شيئين، قلت: (فَرَقْتُ بينهما)، ومنه: (فَرْقُ الشَّعْرِ). فإن جعلته أشياء، قلت: (فَرَّقتْه تفريقًا). وانظر: "تفسير القرطبي" 4/ 289.]].
وحجّة من قرأ بالتشديد: أن التشديد للتكثير والمبالغة، ويِكثر المؤمنون والمنافقون. فالتمييز -ههنا- أَوْلى، والله -تعالى- ذَكَرَ الجِنْسَيْنِ بلفظ ﴿الْخَبِيثَ﴾ و ﴿الطَّيِّبِ﴾ وهما للجِنْس؛ فالمراد بهما: جميع المؤمنين والمنافقين، لا اثنان منهما. وقد قال الله -تعالى-: ﴿تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ﴾ [الملك: 8]. وهذا مُطَاوع [(التَّميِيِز). والذي يدل على [[وردت العبارة في (ج): (والذي يدل من التميين على ..). ولم أر لها وجهًا. والعبارة ساقطة من: (أ)، (ب). وما أثبتُّه هو ما استصوبته.]] أن التخفيف أولى، قولُه: ﴿وَامْتَازُوا الْيَوْمَ﴾ [يس: 59]، وهو مُطاوع] [[ما بين المعقوفين: زيادة من (ج).]] (المَيْز).
وقوله تعالى: ﴿لِيُطْلِعَكُمْ﴾.
الإطْلاعُ: أن تُطلِعَ إنسانًا على أمرٍ، لم يكن عَلِمَ [[في (ج): (يعلم).]] به. فيقال [[في (ج): (فيقال).]]: (أطلعته على كذا)؛ أي: أعلمته. ويقال: (أطْلِعْنِى طِلْعَ أمْرِكَ)؛ أي: أعلمني بما خَفِيَ منه عَلَيَّ [[في (ج): (خفي علي منه).]].
ويقال: (طَلَعْتُ على كذا)، و (اطَّلَعتُ)، و (أطْلَعْتُ عليه) [[(وأطلعت عليه): ساقطة من (ج).]]، و (أطْلَعْتُ غيري) [[انظر (طلع) في: "تهذيب اللغة" 3/ 2206، و"اللسان" 5/ 2689.]]. فـ (الاطلاع)، واقعٌ ومُطاوع [[سبق بيان أن الفعل الواقع، هو: المتعدِّي إلى مفعول به أو أكثر. وسُمِّي بذلك؛ لأنه يقع على المفعول به.
أما الفعل المُطَاوع، فيعني به -هنا- الفعل اللازم؛ لأن المطاوعة سبب من أسباب لزوم الفعل المتعدي لواحد.
انظر: "معجم المصطلحات النحوية والصرفية" د. أحمد اللبدي 141.]].
آل عمران 3:180
قوله تعالى: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ﴾ الآية.
قُرِئ: ﴿يَحْسَبَنَّ﴾ بالياء والتاء [[قرأ حمزةُ ﴿تَحْسَبَنَّ﴾ بالتاء. وقرأ الباقون بالياء.
انظر: "حجة القراءات"، لابن زنجلة: 183، و"التبصرة" لمكي 468.]].
فمن قَرَأ بالياء؛ فـ ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ﴾: فاعل ﴿يَحْسَبَنَّ﴾]، [[ما يبن المعقوفين: زيادة من (ج).]]، والمفعول الأول محذوفٌ؛ لدلالة اللفظ عليه؛ معناه: لا يَحسَبَنَّ الذين يبخلون بما آتاهم الله مِنْ فَضْلِهِ، البُخْلَ خيرًا لهم. فدلّ ﴿يَبْخَلُونَ﴾ على البخل، فَحُذِفَ؛ كقولهم: (مَنْ كَذَبَ كان شَرًّا له)؛ أي: الكذب [[انظر: "الأصول في النحو" لابن السراج 1/ 79، 2/ 167.]]. ومثلُه:
إذا نهِيَ السَّفِيهُ جَرَى إليه [[صدر بيت، وعجزه:
وخَالَفَ والسَّفِيهُ إلى خلِافِ= وقد نُسب في "إعراب القرآن"، المنسوب للزجاج 3/ 902 إلى أبي قير الأسلت الأنصاري. وورد غير منسوب في: "معاني القرآن" للفراء 1/ 104، 429، و"تأويل مشكل القرآن" 227، و"مجالس ثعلب" 1/ 60، و"تفسير الطبري" 7/ 431، و"إعراب القرآن" للنحاس 1/ 348، 422، و"الخصائص" 3/ 49، و"المحتسب" 1/ 70، 2/ 370، و"شرح الحماسة"، للمرزوقي 244، و"أمالي المرتضى" 1/ 203، و"تفسير الثعلبي" 3/ 161 أ، و"العمدة" لابن رشيق 2/ 1034، و"أمالي ابن الشجري" 1/ 103، 169، 2/ 36، 385، 507، و"البيان" للأنباري 1/ 129، 285، و"الأشباه والنظائر" للسيوطي 5/ 179، و"خزانة الأدب" 4/ 364، 5/ 226.
وروايته في "شرح الحماسة": (.. إذا زُجِرَ السفيهُ ..).]] أي: إلى السَّفَةِ. وأنشد الفَرّاء [[في "معاني القرآن" له 1/ 104.]]:
هُمُ المُلوكُ وأبناءُ المُلوكِ هُمُ ... والآخِذُونَ بِهِ والسَّاسَةُ الأُوَل [[البيت للقطامي. وقد ورد في "ديوانه" 30.
وورد منسوبًا له في: "جمهرة أشعار العرب" 811، و"أمالي المرتضى" 1/ 203، و"أمالي ابن الشجري" 1/ 103، 2/ 36، 3/ 103، و"خزانة الأدب" 5/ 227، 228، 6/ 483، 485.
وقد ورد في المصادر السابقة -عدا ديوانه-: (.. وأبناء الملوك لهم ..). ويعني بها. وأبناء الملوك منهم.
البيت من قصيدة قالها في مدح عبد الواحد بن الحارث بن الحكم بن أبي العاص، وقيل: هو عبد الواحد بن سليمان بن عبد الملك، وكان يكنى أبا عثمان. وقد ورد اسمُ عبد الواحد وكنيتُه في القصيدة.]]
قوله: (به)؛ يريد: بالمُلْكِ. فاكتَفَى منه بِذِكْرِ (المُلُوك).
وقوله تعالى: ﴿هُوَ خَيْرًا لَهُمْ﴾.
﴿هُوَ﴾ -ههنا- فَصْلٌ [[في (ج): (فضل). وضمير الفَصْل، تَسْمِيَةٌ بَصْرِيَّةٌ، (لأنه فَصَل بين المبتدإ والخبر. وقيل: لأنه فصل بين الخبر والنعت. وقيل: لأنه فصل بين الخبر والتابع؛ لآن الفصل به يوضح كون الثاني خبرًا تابعًا). "همع الهوامع" 1/ 236. وانظر: "دراسة في النحو الكوفي" 239.]]، وهو الذي يُسَمِّيه الكوفيون: عماداً [[لأنه يعتمد عليه في الفائدة. وبعض الكوفيين يسميه: دِعَامة؛ لأنه يُدعَم به الكلام؛ أي: يُقوى به ويؤكد. وبعضهم سماه: صفة. انظر: المراجع السابقة، و"شرح المفصل" 3/ 110، و"الإنصاف" للأنباري ص 567.]]؛ وذلك أنّ تَقَدمَ ﴿يَبْخَلُونَ﴾ بمنزلة تقدم (البُخْل)؛ فَكَأنَّه قيل: ولا يَحْسَبَنَّ الذين يَبخَلُونَ البُخْلَ -هو- خَيْرًا لهم.
ومَن قَرَأ بالتَّاء فَقَال الزّجَّاجُ [[في "معاني القرآن" له 1/ 493. نقله عنه بمعناه.]]. معناه: ولا تَحْسَبَنَّ بُخْلَ الذين يبخلون، فَحذف المُضَاف؛ كأنه قيل: ولا تَحسَبَنَّ بُخْلَ الباخلين [هو] [[ما بين المعقوفين زيادة من (ج).]] خيرًا.
وأمَّا التفسير فقال ابنُ عباس -في رواية عطاء- [[قوله، في: "بحر العلوم" 1/ 319، و"تفسير الثعلبي": 3/ 161 ب. إلا أنهما أطلقا العزو إليه، ولم يقيداه برواية عطاء.
وفي "زاد المسير" 1/ 512 أنه من رواية أبي صالح.
وورد عنه قول آخر -من رواية عطية العوفي-: إن المراد بالآية: أهل "الكتاب"، بخلوا أن يبينوه للناس. وهو قول مجاهد.
انظر: "تفسير الطبري" 4/ 190، و"تفسير ابن أبي حاتم" 3/ 826.]]، وأكثر أهل التفسير -ابن مسعود [[ورد قوله هذا في أثر يرفعه النبي ﷺ، في: "سنن الترمذي" رقم (3012). كتاب التفسير. ومن سورة آل عمران. وقال: (حسن صحيح)، وأخرجه ابن خزيمة في "صحيحه" 4/ 12 رقم (2256)، والنسائي في "تفسيره" 1/ 347 رقم (104)، والطبري في "تفسيره" 4/ 192، وابن أبي حاتم في "تفسيره" 3/ 826.]]، والشعبي [[قوله في: "تفسير الثعلبي" 3/ 161 ب.]]، والسُّدِّي [[قوله في: "تفسير الطبري" 4/ 190، و"تفسير ابن أبي حاتم" 3/ 826، و"تفسير الثعلبي" 3/ 161 ب، و"النكت والعيون" 1/ 440.]]، وغيرهم [[انظر: المصادر السابقة.]] -: نزلت الآية في الباخلين بالزكاة الواجبة [[انظر: (الموجبة).]] عليهم.
وقوله تعالى: ﴿بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ قال ابن عباس [[لم أقف على مصدر قوله.]]: يريدون: الذهبَ والفِضَّةَ والحيوان والثِّمَارَ. فَفَسَّرَهُ [[في (ج): (يفسره).]] بالأشياء التي تَجِبُ فيها الزكاة
وقوله تعالى: ﴿بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ﴾ قال الحَسَن [[لم أقف على مصدر قوله.]]: لأنهم نالوا بهِ عذَابَ الله.
وقوله تعالى: ﴿سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ أكثرُ المفسِّرينَ على أنَّ معناه: يُجْعَلُ ما بَخِلَ به مِنَ المَالِ حَيَّةً، يُطَوَّقها يومَ القيامة [[(يوم القيامة): ساقط من (ج).]] في عُنُقِهِ، تَنْهَسُهُ [[في (ب)، (ج): (تنهشه). (تَنْهَسُهُ، وتَنْهَشُه)، بمعنى واحد. ولكن (النَّهْسَ): أن يأخذه بمقدم الأسنان، و (النَّهْش): أن يأخذه بأضراسه. انظر: "القاموس المحيط" 579 (نهس)، 608 (نهش).]] مِنْ قَرْنِهِ [[(القَرْنُ) من الإنسان: الجانب الأعلى منه. انظر (قرن) في: "القاموس" 1223، و"المعجم الوسيط" 2/ 737.]] إلى قَدَمِهِ [[من قال ذلك: أبو مالك العبدي، وابن مسعود، وأبو وائل، والسُّدِّي، ومقاتل. انظر: "تفسير مقاتل" 1/ 318، و"تفسير الطبري" 4/ 191 - 193.]].
يَدُلُّ على هذا ما روى ابن مسعود عن النبي ﷺ، [قال] [[ما بين المعقوفين: زيادة من (ج).]]: "ما مِن رَجُلِ لا يُؤدِّي زكاةَ مالِهِ إلاّ جُعِلَ [[في (ج): (جعل الله).]] له شُجاعٌ [[الشجاع -بضم الشين وكسرها-: الحَيَّةُ الذَّكَر. وقيل: الحيةُ مطلقًا. انظر: "الفائق في غريب الحديث" 2/ 222، و"النهاية في غريب الحديث"2/ 447.]] في عنقِه يومَ القيامة"، ثُمَّ قَرَأ علينا رسول الله ﷺ، مِصْدَاقَهُ مِنْ كتاب الله ﴿سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [[الحديث أورده المؤلف بالمعنى، وقد أخرجه: الترمذي في "سننه" رقم (3012). وقال: (حسن صحيح). والنسائي في "سننه" 5/ 11 رقم (2441). وأخرجه في "تفسيره" 1/ 346 - 347. وابن ماجه في "سننه" رقم (1784)، وأحمد في "المسند" (شرح شاكر): رقم (3577) وقال شاكر: (إسناده صحيح). والحاكم في "المستدرك" 2/ 298، 299 كتاب التفسير. باب: سورة آل عمران. وابن خزيمة 2/ 12 رقم (2256)، والطبراني في "المعجم الكبير" 9/ 262 رقم (9123 - 9126). والطبري في "تفسيره" 4/ 192، وابن أبي حاتم 3/ 278.]] وقال إبراهيم النَّخَعِي: معناه: يُجعَل يوم القيامة في أعناقهم، طَوْقٌ مِن نارٍ.
أخبرنا إسماعِيل بن أبي القَاسِم الصوفي [[تقدمت ترجمته.]]، أَبَنَا [[(أبنا): اختصار لـ (أخبرنا). وفي "تدريب الراوي": (ويكتبون من (أخبرنا): (أنا)؛ أي: الهمزة والضمير. ولا تحسن زيادة الباء قبل النون، وإن فعله البيهقيُّ وغيره؛ لأنها تلتبس برمز (حدثنا)) 2/ 87.]] أبو عبد الرحمن، عبد الله بن عمر بن علَّك الجَوْهري [[ويقال المروزي. أحد الحفاظ المتفق على جلالتهم، ويعد من نقاد أئمة الحديث بـ (مرو). توفي سنة (360 هـ).
انظر: "سير أعلام النبلاء" 16/ 168، و"تذكرة الحفاظ" 3/ 929، و"شذرات الذهب" 3/ 37.]]، بِمَرْو [[مَرْوُ، وتسمى: (مرو الشاهِجَان). وهي أشهر مدن خراسان، وقصبتها. والنسبة == إليها: (مرْوَزي) على غير قياس. ويقال عن الثوب (مَرْوِي) على القياس. وهناك مدينة أخرى تسمى (مرو الرُّوذ). والنسب إليها: (مرْوَرُوذي) و (مرُّوذي). وهي أصغر من (مرو الشاهِجان). انظر: "معجم البلدان" 5/ 112.]]، ثنا عبد الله بن محمود السَّعْدِي [[هو: أبو عبد الرحمن، السعدي المروزي. الشيخ العالم الحافظ الثقة المأمون. توفي سنة (311 هـ).
انظر: "سير أعلام النبلاء" 14/ 499، و"تذكرة الحفاظ" 2/ 718، و"شذرات الذهب" 2/ 262.]]، ثنا موسى بن بحر [[أبو عِمْران، المروذي، أصله عراقي، مقبول، عده ابن حجر من الطبقة العاشرة، ممن لم يَلْقَوا التابعين، وإنما رَوَوْا عن أتباع التابعين، مات سنة (230 هـ). انظر: الثقات، لابن حبان: 9/ 162، و"الجرح والتعديل" 8/ 137، و"تقريب التهذيب" ص 550 (6950).]]، ثنا عَبِيدة بن [[في (ج): (عن) بدلًا من (بن).]] حُمَيْد [[هو: عَبِيدة بن حُمَيد التيمي، وقيل: الليثي، وقيل: الضبِّي، أبو عبد الرحمن الحذَّاء. قال ابن المديني: ما رأيت أصح حديثًا منه، وأحسن الإمام أحمد الثناء عليه جِدًا، ورفع أمره. وكان صاحب نحو وعربية وقراءة للقرآن. مات سنة: 190 هـ انظر: "الجرح والتعديل": 6/ 92، و"تاريخ بغداد" 11/ 120، و"ميزان الاعتدال" 3/ 422، و"تهذيب التهذيب" 3/ 43.]] ، حدّثَنِي منصور [[تقدمت ترجمته.]]، عن إبراهيم [[هو النخعي.]] -في قوله: ﴿سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ -، قال: (يُطَوَّقون بِطَوْقٍ [[في (ج): (يطوق).]] منْ نار) [[أخرج الأثر عنه -كذلك-: سفيان الثوري في "تفسيره" 82، وعبد الرزاق في "تفسيره" 1/ 141، والطبري في "تفسيره" 4/ 192 - 193، وابن أبي حاتم في "تفسيره" 3/ 828، وأورده السيوطي في "الدر" 2/ 185 وزاد نسبة إخراجه لسعيد ابن منصور، وعبد بن حميد، وابن المنذر.]].
وعلى هذا التَّفْسِير، يجعَل ما بَخِلُوا به مِنْ المال، طَوْقًا مِنْ نارٍ، كما جُعِلَ في التفسير الأوَّلِ حَيَّة.
وقال المُؤَرج [[لم أقف على مصدر قوله.]]: معناه [[(معناه): ساقط من (ج).]]: يُلزَمُون أعمالَهم، مِثْل ما يَلْزم الطوقُ العنقَ. والعربُ تكني بالتطويق [[في (ج): (بالطريق).]] عن الإلْزام؛ ومنه قراءة مَن قرأ: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾ [البقرة: 184]، [[القراءة التي ذكرها المؤلف: ﴿يُطَوَّقونه﴾، هي قراءة: عائشة، وابن عباس، وسعيد بن جبير، ومجاهد، وعكرمة، وطاوس، وعطاء.
انظر: "صحيح البخاري" (4505) كتاب التفسير. باب: 25 فقد رواها عن ابن عباس. و"مصنف عبد الرزاق" 4/ 220، 221، 223 رقم (7573 - 7575)، (7577) رواها عن ابن عباس، ورقم (7576) عن عائشة، ورقم (7583) رواها عن ابن جبير. و" الناسخ والمنسوخ" لأبي عبيد بن سلام 46، 47، و"تفسير الطبري" 2/ 132، و"الدر المنثور" 1/ 326، فقد أخرجوها عمن سبق.]]؛ أي: يَتَكَلَّفُونَه، وُيلْزَمُونَه. يُقال: (طُوِّقَ فلانٌ عَمَلَهُ، مثلَ طَوْقِ الحَمَامَةِ).
قال ابنُ الأنباري [[لم أقف على مصدر قوله.]]: معناه -على هذا التفسير-: سَيُطَوّقُونَ جَزَاءَ ما بخلُوا به. وذِكْرُ التَّطْوِيق -ههنا- على جهة المَثَلِ، كِنَايَةً عن الإلزام، لا على أنَّ ثَمَّ أطواقًا.
وقال ابن عباس -في رواية العَوْفي- [[هذه الرواية في: "تفسير الطبري" 4/ 190، و"تفسير ابن أبي حاتم" 3/ 826، و"تفسير الثعلبي" 3/ 162 - ب، و"أسباب النزول" للمؤلف 136 - 137.]]: نزلت هذه الآية في اليهود الذين كتموا صِفَةَ محمد ﷺ، وأراد بـ (البخل): كِتْمان العِلْم الذي آتاهم الله.
يَدُلُّ على هذا التفسير: قولُه -تعالى-: ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النساء: 37].
وعلى هذا، معنى قوله: ﴿سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ﴾ أي: يُحَمَّلُون وِزْرَهُ وإثْمَهُ. وهذا القول اختيار: ابنِ كَيْسان [[لم أقف على مصدر قوله.]]، وأبي إسحاق [[هو الزجاج، في "معاني القرآن" له 1/ 492.]].
وقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾.
قال المفسرون كلُّهم [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 1/ 249، و"معاني القرآن" للزجاج 1/ 493، و"تفسير الطبري" 7/ 440، و"بحر العلوم" 1/ 319، و"تفسير البغوي" 2/ 143، و"تفسير القرطبي" 4/ 293.]]: يعني أنه يَفْنى أهلُها، وتبقى الأملاكُ والأموالُ، ولا مالكَ لها إلا اللهُ. فجرى هذا مجْرى الوِراثَةِ؛ إذْ كانَ الخلْقُ قبل ذلك يَدّعُونَ المُلْكَ، فَلَمَّا ماتُوا عنها، ولم يُخَلِّفُوا أحدًا، كانَ هو الوارث لها -جل وعَزَّ-.
قال أبو إسحاق [[في "معاني القرآن" له 1/ 493. نقله عنه بنصه.]]: خُوطِبَ القومُ بِمَا يَعْقِلُون؛ لأنهم يَجْعَلُون ما رَجَعَ إلى الإنسانِ ميراثًا، [إذا كان ملكًا له.
وتأويله: بُطلانُ مُلْكِ جميع المَالِكين، إلّا مُلْك الله -جَلَّ وعَزَّ-] [[ما بين المعقوفين زيادة من (ج).]]، فيصير كالميراث.
قال ابن الأنباري [[لم أقف على مصدر قوله. وقد أورده الفخرُ الرازي في "تفسيره" 9/ 119 والنيسابوري في: "غرائب القرآن ورغائب الفرقان" 4/ 137.]]: والعرب تقول: (وَرِثَ فلانٌ عِلْمَ فلانٍ): إذا تَفَرَّد به [[في (ب): (انفرد). وكذا وردت في "تفسير الفخر الرازي".]] بعد أن كان مشاركًا فيه [[في "غرائب القرآن": (مشاركًا له فيه).]].
وقد قال الله -تعالى- [[في "غرائب القرآن": (ومثله). بدلًا من (وقد قال الله تعالى).]]: ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ﴾ [النمل: 16]، [فَذَهَبَ إلى وِراثَتِهِ عِلْمَهُ، بعد أنْ كانَ داودُ] [[ما بين المعقوفين: زيادة من (ج). والعبارة في "تفسير الفخر الرازي": (وكان المعنى: انفراده بذلك الأمر، بعد أن كان داود ..).]] مشاركًا فيه [[في "غرائب القرآن": (مشاركًا له فيه).]]، أو [[في (ج) و"تفسير الفخر الرازي": (و) بدلًا من (أو).]] غالبًا عليه.
وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾.
مَنْ قَرَأَ بالياءِ [[قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، ويعقوب: بالياء في ﴿يَعْمَلُونَ﴾. وقرأ الباقون: بالتاء ﴿تَعْمَلُونَ﴾. انظر: "السبعة" 320، و"القراءات" للأزهري 1/ 133، و"الحجة"، للفارسي 3/ 113.
ومن قوله: (من قرأ ..) إلى (.. أقرب إلى الصواب): نقله -بتصرف- عن: "الحجة" للفارسي 3/ 113.]]، فلأنَّ ما قَبْلَهُ على الغَيْبَةِ، وذلك قوله: ﴿سَيطَوَّقُونَهُ﴾ [[هكذا في (أ)، (ب)، (ج). وفي "الحجة": (سيطوقون).]]، ﴿والله بِمَا يَعملون [[في (ج): (تعملون).]] خبير﴾ مِنْ مَنْعِهِم الحقوقَ، فَيُجَازِيهم عليه.
ومَن قرأ بالتاء؛ فَلأنَّ قبل هذه الآية خِطابًا، وهو قوله: ﴿وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [آل عمران: 179]، ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾، فَيُجازِيكم عليه.
والغَيْبَةُ أقرب إليه مِنَ الخطاب.
آل عمران 3:181
وقوله تعالى: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا﴾ الآية.
قال ابن عباس [[قوله، في: "تفسير الطبري" 4/ 194، و"تفسير ابن أبي حاتم" 3/ 828.
وأورده السيوطي في: "الدر" 2/ 186 وزاد نسبة إخراجه إلى ابن إسحاق، وابن المنذر. وذكره الحافظ ابن حجر في "فتح الباري" 8/ 231، والسيوطي في "لباب النقول" 61، 62 وحسَّنا إسناده.]] والمفسرون [[منهم: السُّدِّي، ومجاهد، وابن جريج، والحسن، وقتادة، وعكرمة، وابن إسحاق. انظر: "تفسير الطبري" 4/ 194 - 195، و"أسباب النزول"، للواحدي ص 137 - 138.]]: نزلت هذه الآية في اليهود، حين قالوا -لَمَّا نَزَلَ قولُه: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ﴾ [[في (أ): (ذي). والمثبت من رسم المصحف، وبقية النسخ.]] -: إنَّ اللهَ فقيرٌ يَسْتَقرِضُنا، ونحن أغنياء.
وُيروى أن قائل هذا رجلٌ من اليهود، يقال له فِنْحاص، قال: لو كان الله غنيَّا ما استَقْرَضَنَا أموالَنَا [[انظر: المصادر السابقة.]]، وأنه [[في (ج): (فإنه).]] يَنهَى عن الرِّبَا، ويعطينا، ولو كان غنيًا ما أعطانا الرِّبا. وقيل: إن قائِلَه: حُييُّ بن أخْطَب [[قال بذلك: قتادة انظر: "تفسير الطبري" 4/ 195، وأورده السيوطي في "الدر" 2/ 187وزاد نسبة إخراجه إلى ابن المنذر. ونُسِب القولُ بهذا للحَسَن. انظر: "تفسير الثعلبي" 3/ 163 أ، و"زاد المسير" 1/ 515. ويرى ابنُ عطيَّة أنَّ هذا القول (صدر أولا عن فنحاص، وحُيَي، وأشباههما من الأحبار، ثم تقاولها اليهود ..) ، ويستدل ابن عطية بقوله تعالى: ﴿قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا﴾، حيث إنهم جماعة. انظر: "المحرر الوجيز" 3/ 441.]].
وقوله تعالى: ﴿سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا﴾ أي: نأمر [[في (ب): (نأمن).]] الحَفَظَةَ بإثبات قولهم في صحائف أعمالهم؛ وذلك أظهر في الحجَّة عليهم. وهذا كقوله: ﴿وَإِنَّا لَهُ كَاتِبُونَ﴾ [آل عمران:181]
وقرأ [[في (ج): (وقال). وانظر: "معاني القرآن" للفراء 1/ 249 فقد ورد فيه معنى ما ذكره المؤلف.]] حمزة [[وقد قرأ حمزة: ﴿سيُكتَبُ﴾ -بالياء-، و ﴿قَتْلُهُم﴾ -بضم اللام-، و ﴿يَقُولُ﴾ -بالياء-. وقرأ الباقون: ﴿سَنَكتُبُ﴾ -بالنون-، و ﴿قَتْلُهُم﴾ -بفتح اللام-، و ﴿نَقُولُ﴾ -بالنون-.
انظر: "القراءات" للأزهري 1/ 134، و"الحجة" للفارسي 3/ 115، و"إتحاف فضلاء البشر" ص 183.]]: ﴿سيُكتَبُ ما قالوا﴾ اعتبارًا بقراءة عبد الله [[هو ابن مسعود - رضي الله عنه -.]]: (وَيُقالُ ذُوقوا عذابَ الحَرِيق) [[انظر: قراءته، في "المصاحف" لابن أبي داود 60، وهي فيه: (ويقال لهم ذوقوا)، و"معاني القرآن" للفراء 1/ 249، و"تفسير الطبري" 4/ 196، و"زاد المسير" 1/ 515، و"تفسير القرطبي" 4/ 295.]]؛ ولأنَّه مِنَ التَّصَرُّف في وجوه الكلام.
وقراءة العامَّة أحسنُ؛ لِجَرْيِ الكلامِ فيها على تَشَاكل [[في (ب): (مشاكل).]].
و ﴿الْحَرِيقِ﴾: اسمٌ للنار الملتهبة، وهو بمعنى المُحْرِق [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 494.]].
آل عمران 3:182
قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ﴾.
أي: ذلك [[(ذلك): ساقطة من (ج).]] العذاب بما سلف من الإجرام، وأضيف التقديم إلى أيديهم -وهو لهم في الحقيقة-؛ لِيَكون أدَلّ على تَوَلِّي الفِعْلِ؛ لأنه قد يُضافُ الفِعْلُ إلى الإنسان على أنه أَمَرَ به، وَدَعَا إليه؛ نحو قوله: {يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ} [القصص: 4]، فإذا ذُكِرَت اليد، دَلَّ على تَوَلِّي الفعل؛ نحو قوله -تعالى-: ﴿مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا﴾ [يس: 71].
وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ﴾ ابتداءٌ. وخَبَرُهُ: ﴿بِمَا قَدَّمَتْ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَأَنَّ اَللهَ﴾. أي: وبأن الله ﴿لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ وموضع (أنَّ) [[في (ج): (أجر) بدلًا من: (أن).]]: جَرٌّ [[لأنها معطوفة على (ما) المجرورة بالياء، من قوله: ﴿مِّمَّا عَمِلَتْ﴾.]].
آل عمران 3:183
قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا﴾ الآية.
قال أبو إسحاق [[في "معاني القرآن" له 1/ 494. نقله عنه بنصه.]]: هذا مِن نَعْتِ (العبيد) [[قال ابن عطية عن هذا الإعراب: (وهذا مفسد للمعنى والرصف). "المحرر الوجيز" 3/ 443.]].
ويجوز أن يكون رفعًا بالابتداء؛ على معنى: هم الذين قالوا. ويجوز أن يكون بدلًا مِنَ ﴿الَّذِينَ﴾ الأوَّل [[ويجوز أن يكون صفة لـ ﴿الَّذِينَ﴾ في قوله: ﴿قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا﴾. ويجوز فيها النصب بإضمار فعل، مثل: (أذُمُّ)، أي: أذم الذين. انظر: "الدر المصون" 3/ 516.]].
قال السدِّي [[قوله -بنصه- في: "تفسير الثعلبي" 3/ 164 ب.]]: إن الله أمَرَ بني إسرائيلَ في التوراة: مَن جاءَكم [[في المصدر السابق: (من جاءكم من أحد يزعم).]] يَزْعُمُ أنه رسول الله، فلا تُصَدِّقوه حتى يأتيكم بِقُرْبانٍ تأكله النار، حتى يأتيكم المسيحُ ومحمد، فإذا أتَيَاكم، فآمنوا بهما، فإنهما يأتيان بغير قُرْبان.
وقوله تعالى: ﴿بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ﴾.
القُرْبان: البِرُّ الذي تتقرب به إلى الله [[انظر: "جمهرة اللغة" 1/ 325، و"الكُليات" 702، 733، و"التوقيف على مُهِمَّات التعاريف" 578.]]. وأصلُهُ المَصْدَر، من قولك: قَرُبَ قُرْبانًا [[قُرْبانًا، وقِرْبانا، وقُرْبًا. انظر: "اللسان" 6/ 3066 (قرب).]]. كالكُفْران والرُّجْحان، والخُسْران، ثم يُسَمَّى [[في (ج): (سمي).]] به نفْسُ المُتَقَرَّب به. ومنه قوله ﷺ، لكَعْبِ بن عُجْرَة [[كعب بن عجرة القُضاعي، حليف الأنصار، صحابي، مدني، شهد عمرة الحديبية، وسكن الكوفة، مات بالمدينة سنة (51 أو 52، أو 53هـ).
انظر: "الاستيعاب" 3/ 379، و"الإصابة" 3/ 297.]]: "يا كعبُ: الصوم جُنَّة، والصلاة قُرْبان" [[مقطع من حديث طويل، أخرجه: عبد الرزاق في مصنفه 11/ 345 رقم (20719). وابن حبان في صحيحه (انظر: الإحسان: 5/ 9 رقم (1723)، و10/ 372 رقم (4514). والحاكم في "المستدرك" 4/ 422. وقال: (صحيح الإسناد) ووافقه الذهبي. والبزار (انظر: "كشف الأستار" 2/ 241 رقم 1609، وفيه: " .. الصلاة برهان، والصوم جنة").
وورد من طريق أبي بكر بن أبي شيبة، عن كعب، أخرجه: ابن حبان في صحيحه (انظر: الإحسان: 12/ 378 رقم 5567).
والطبراني في "المعجم الكبير" 19/ 162 رقم (361)، ولفظه عنده: (الصلاة برهان، والصوم جنة)، وأخرجه من طرق أخرى عن كعب، في: 19/ 105 رقم (212)، 135 رقم (298)، و141 رقم (309)، و145رقم (318)، ولفظ بعضها: (الصلاة نور)، وبعضها: (الصلاة برهان).
وأخرجه الإمام أحمد في: المسند، عن جابر: 3/ 312، انظر: "الفتح الرباني" 23/ 26 - 27)، واقتصر على بعفر ألفاظه، وليس فيه هذا المقطع، وأورده الهيثمي في "مجمع الزوائد" عن جابر 5/ 247، وقال: (رواه أحمد والبزار، == ورجالهما رجال الصحيح ..)، وفي: 10/ 230 وقال: (رواه أبو يَعلى، ورجاله رجال الصحيح، غير أبي إسحاق بن أبي إسرائيل، وهو ثقة مأمون).
وأورده المتقي الهندي في: "كنز العمال": 6/ 71 - 72 رقم (14893)، وزاد نسبة إخراجه لعبد بن حميد، والدارمي، وابن زنجويه، وسعيد بن منصور، والطبري، والطبراني، وأبي نعيم في: الحلية، والبيهقي في: الشعب.]]؛ أي: بها يُتَقَرَّبُ إلى الله، ويُسْتشفَعُ في الحاجة لَديْهِ" [[في (ج): (إليه).]]
قال عَطَاءَ [[قوله، في: "تفسير الثعلبي" 3/ 165 أ، و"زاد المسير" 1/ 516.]]: كانت بنو إسرائيل يَذْبَحون لله، فيأخذون الثُّرُوبَ [[الثُّرُوب، جمع: ثَرْب، وهو: شحم رقيق يغشى الكرش والأمعاء. انظر: "القاموس" 80 (ثرب).]] وأطايِبَ اللَّحْم، يضعونها في وسْطِ بَيْتٍ، والسَّقْفُ مكشوفٌ، فيقومَ النبيُّ في البيت، ويُناجي رَبَّهُ، وبنو إسرائيل خارجون حول البيت، فتنزل نارٌ [[في (ج)، و"تفسير الثعلبي": (نارا).]] بيضاء لها دَويٌّ وحَفِيفٌ، ولا دُخانَ لها، فتأكل ذلك القربان، فقال الله -تعالى- إقامةً للحُجَّةِ عليهم:
﴿قُلْ قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ﴾، إلى آخرها.
وخُوطِب [بهذا] [[ما بين المعقوفين زيادة من (ج).]] اليهودُ الذين كانوا في عهد النبي ﷺ لأنهم يجرون مجرَى أسلافهم؛ لِرِضاهم بمذاهبهم، وكونهم على طريقتهم.
وقد مضى مثل هذا في أوائل سورة البقرة [[انظر: تفسير قوله تعالى: ﴿وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾. من الآية: 61 من سورة البقرة، في "تفسير البسيط".]].
آل عمران 3:184
قوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ﴾ الآية.
قال ابن عباس [[لم أقف على مصدر قوله.]]، والحسن [[لم أقف على مصدر قوله.]]، والضحّاك [[قوله في "تفسير الطبري" 4/ 198.]]، وابن جريج [[قوله في المصدر السابق.]]: هذه
الآية تعزِيَةٌ للنبي ﷺ، في تكذيب اليهود إيَّاه، وجوابٌ لقائلٍ يقول: لو كان
ما جاء به حقًّا لَصَدّق به مَن أتاه من العقلاء، وبيان أنهم إن كَذَّبوهُ،
فالتكذيب عادة للأمم، وسائر الرُّسُل قد كُذّبوا كما كُذِّب.
وقوله تعالى: ﴿وَالزُّبُرِ﴾.
معناه: الكُتُب. وهو جَمْعُ (زَبُور). والزَّبُور: الكتاب؛ بمعنى: المَزْبُور؛ أي: المكتوب. يقال: (زَبَرْتُ الكِتَابَ)؛ أي: كتبته. وكُلُّ كِتَابٍ زَبُورٌ [[انظر: "تهذيب اللغة" 2/ 1506 (زبر)، و"تفسير الطبري" 4/ 198.]].
قال امرؤ القيس:
لِمَنْ طَلَلٌ أبْصَرْتُهُ فَشَجانِي ... كَخَطِّ زَبُورٍ في عَسِيبِ يَمَانِ [[قوله: (عسيب) في (أ)، (ب)، (ج) لم تضبط بالشكل. البيت في "ديوانه" ص 165. وورد منسوبًا له في: "تفسير الطبري" 4/ 198، و"اللامات" 63، و"تفسير الثعلبي" 3/ 164ب، و"تفسير القرطبي" 4/ 296، و"المحرر الوجيز" 3/ 445، و"اللسان" 4/ 2434 (صرع).
الطَّلَل: ما بقي من آثار الدار. وجمعها: (أطلال)، و (طُلُول).
وقوله: (فشجاني) -هنا-: أحزنني، وترد بمعنى: أطربني؛ لأنها من الأضداد.
والعَسيب: جريدة من النخل مستقيمة دقيقة، يُكْشَطُ خوصُها.
ويريد الشاعر: أنه نظر إلى هذا الطَّلَل، فأحْزَنَه، حيث خفيت آثارُه واندَرَست، فأصبحت في خفائِها كخط كتابِ في عَسِيب النخلة. == قال شارح ديوانه عن البيت: (وقوله في (عسيب يَمَان): كان أهل اليمن يكتبون في عسيب النخلة، عهودهم وصِكاكَهِم).
وقيل أيضًا (في عسيبِ يَمان): فهي بمعنى: في عسيب رجلٍ يَمَانِ. انظر: "المجمل" لابن فارس 522 (شجو)، و"اللسان" 5/ 2935 (عسب).]] وقال الزّجاج [[في: "معاني القرآن" له 1/ 495.]]: الزَّبُور: كلُّ كِتَابٍ ذي [[في "معاني القرآن": ذو.]] حِكْمَةٍ. وعلى هذا، يُشْبِهُ أنْ يكونَ معنى الزَّبُورِ، مِنَ: (الزَّبْرِ)، الذي هو: الزَّجْر. يقال: (زَبَرْتُ الرجلَ، أزْبُرُهُ زَبْرًا): إذا زَجَرْتُه مِنَ [[في (ج): (عن).]] الباطل [[انظر: (زبر) في: "تهذيب اللغة" 2/ 1506، و"اللسان" 3/ 1804.
وقال الأزهري -ناقلًا عن أبي الهيثم-: (وأصل (الزَّبْر): طيُّ البئر؛ إذا طُوِيت تماسكت واستحكمت. والزَّبْرُ: الزجر؛ لأن من زبرته عن الغَيِّ، فقد أحكمته؛ كَزَبْرِ البِئْرِ بالطِّين).]]. وسمّي الكتاب: (زَبُورًا)؛ لما فيه من الزَّبْر عن خلاف الحق. وبه سُمِّي زَبُورُ داود؛ لِكثرة ما فيه من المَزَاجِرِ، والمواعظ.
وقرأ [[من قوله: (وقرأ ..) إلى (.. حَسَن عربي): نقله -بمعناه- عن "الحجة" للفارسي 3/ 114.]] ابنُ عامر [[هو: أبو عمران، عبد الله بن عامر بن تميم اليَحْصَبي. إمام أهل الشام في القراءة، أحد القراء السبعة، توفي سنة (118 هـ).
انظر: "الفهرست" ص 49، و"معرفة القراء الكبار" 1/ 82، و"النشر" 1/ 144.]]:
﴿وَبِاَلزُّبُرِ﴾ [[انظر قراءة ابن عامر في: "إعراب القراءت السبع" لابن خالويه 1/ 125، و"الحجة" للفارسي 3/ 113.]]، ووجهه أنه أعاد الباءَ، وإنْ كانَ مُسْتَغْنًى عنه؛ لِضَرْبٍ من التأكيد. ومما جاء على قياس هذه القراءة، قولُ رُؤبَة:
يا دارَ عَفْراءَ وَدارَ البَخْدَنِ [[في (أ): (النجدو). وفي (ب): (النجدر). والمثبت من (ج)، ومصادر البيت. وهذا شطر بيت من الرجز، وقد ورد في: ديوانه (ضمن مجموعة أشعار العرب: 161).
تصحيح: وليم بن الورد. ط ليبسغ سنة: 1903م). وقد ورد منسوبًا له، في: "كتاب سيبويه" 2/ 188، و"شرح أبيات سيبويه" للنحاس (تح: زهير غازي) 131، و"المخصص" 3/ 29، و"إعراب القرآن" المنسوب للزجاج 453.
وورد غير منسوب، في "اللسان" 1/ 220 (بخدن). وقال في "اللسان": (وبَخْدَن، وبِخْدِن، كل ذلك اسم امراة)، ثم ذكر البيت، وضَبَطَها فيه: (البِخْدِنِ).]]
فَكَرَّرَ الدارَ، والدار واحدةٌ لهما [[(لهما): ساقطة من (ج).]]. يدلك [[في (ج): (يدل).]] على ذلك: قوله:
فيكِ المَهَا مِنْ مُطْفِلٍ ومُشْدِنِ [[في (ج): (ومشدّن) بتشديد الدال. وهي خطأ. والبيت تكملة للبيت السابق. انظر: ديوانه (ضمن مجموعة أشعار العرب: 160)، و"شرح أبيات سيبويه" للنحاس 131.
المَها: بقر الوحش. وتجمع على (مَهَوَات)، و (مَهَيَات)، ومفردها: مَهَاة. انظر: "القاموس المحيط" ص 1336 (مهو).
و (المَهَا المُطْفِل): التي لها أولادٌ صِغار. و (المها المُشْدِن): التي شَدَن ولدها، أي: قوي جسمُه وترَعْرَعَ، وطَلَع قرناه، واستغنى عن أمِّه. يقال: (شَدَنَ، يَشْدُن، شُدُونًا)، فـ (هو شَادِن). انظر: "اللسان" 4/ 2217 (شدن)، و"القاموس" ص 1336 (مهو)، ص1025 (طفل).
ولم يورد الفارسي، في "الحجة" هذا المقطع من البيت، وإنما أورد بدلًا منه بيتًا آخر من نفس القصيدة، وهو:
أمَا جَزَاءُ العارف المُسْتَيْقِنِ ... عندكِ إلّا حاجة التَّفَكُّنِ]] ولم يقل: فيكما. فكذلك كرَّرَ ابنُ عامر الباءَ، وكلا [[في (أ)، (ب)، (ج): (وكلي). والمثبت من: "الحجة"، للفارسي، وهو الصواب.]] الوجهين -مِن تكرير الباءِ وحَذْفِهِ- حَسَنٌ عربيٌّ.
ومعنى [[(معنى): ساقط من (ج).]] قوله: ﴿جَاءُوا بِالْبَيِّنَاتِ﴾ إلى آخرها؛ أي: بالمعجزات، وكتب المَزَاجِرِ، و ﴿الْكِتَابِ﴾ الهادي إلى الحق.
و ﴿الْمُنِيرِ﴾؛ مِنْ قولك: (أَنَرْتُ الشيءَ، أُنِيرُه، إنَارَةً)؛ أي: بَيَّنتُه، وأوضحته، وفي الحديث: (فَرَض عمرُ بن الخطاب لِلجَدِّ، ثم أنارهما زيدُ ابن ثابت) [[ورد الأثر بهذا النص في: "تهذيب اللغة" 4/ 3479 (نور)، و"غريب الحديث"، لابن الجوزي 2/ 440، و"النهاية" لابن الأثير 2/ 125، و"اللسان" 8/ 4571 (نور). وأخرج نحوه عبد الرزاق، عن الزهري، قال: (إنما هذه فرائض عمر، ولكن زيد أثارها بعده، وفشت في الناس). "المصنف" 10/ 266، رقم (19060)، وانظر رقم (19061). وهكذا جاءت في "المصنف" (أثارها)، وأشار محققُه إلى ورودها في نسخة أخرى (أنارها).]]؛ أي: أوضحها. ويقال [[من قوله: (ويقال ..) إلى (.. واستبان بمعى واحد): نقله -بنصه- عن "تهذيب اللغة" 4/ 3482 (نور). وانظر: "اللسان" 8/ 4571 (نور).]]: (نارَ الشيءُ وأنَارَ، ونَوَّرَ، واستنار) بمعنى واحد. كما [[من قوله: (كما ..) إلى (بمعنى واحد): ساقط من (ج).]] يقال: (أبَانَ الشيءُ [[في "التهذيب" و"اللسان": (بان الشيء، وأبان ..).]]، وبَيَّنَ، وتَبَيَّنَ، واستَبَان) بمعنى واحدٍ. وعلى ما ذكرنا؛ (أنَارَ) يكون واقعًا ومُطاوعًا [[يعني بـ (الواقع): الفعل المتعدي، و (المطاوع): الفعل اللازم. انظر تفسير قوله تعالى: ﴿لِيُطْلِعَكُمْ﴾ من الآية: 179 من هذه السورة.]].
آل عمران 3:185
قوله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ الآية.
﴿ذَائِقَةُ﴾: فاعِلَة، مِنَ: (الذَّوْقِ). واسم الفاعِلِ إذا أضيف إلى اسمٍ، وأُريِدَ [[في (ج): (أريد) بدون واو.]] بِهِ المُضِيّ، لم يَجُزْ إلّا الجَرُّ، نحو:
(زيْدٌ ضارِبُ عمروٍ أمسِ)، فإنْ أردت به الحالَ والاستقبالَ، جازَ الجَرُّ والنَصْبُ؛ تقول: (هو ضاربُ زيدٍ غدًا)، و (ضاربٌ زيدًا [[في (أ)، (ب): (زيد). والمثبت من (ج)، وهو الصواب.]] غدًا). قال الله -تعالى-: ﴿هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ﴾ [الزمر: 38]. و ﴿كاشفات ضُرَّه﴾ [[﴿كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ﴾: ليس في: (ج).]]، قُرِئ بالوجهين [[﴿كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ﴾ -بالتنوين، ونصب الراء المشددة من ﴿ضُرِّهِ﴾ - هي قراءة أبي عمرو، ورواية الكسائي عن أبي بكر عن عاصم. وقرأ الباقون: ﴿كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ﴾ على الإضافة.
انظر: "السبعة" 562، و"التبصرة" لمكي 660، و"الكشف" له 2/ 239، وكتاب "الإقناع" 2/ 750.]]، لأنه الاستقبال.
وروي عن الحسن أنه قرأ: (ذائقةٌ الموتَ) [[لم أقف على مصدر قراءة الحسن. وقد قرأ بها: الأعمشُ، واليَزِيدي، وأبو حَيْوَة، ويحيى، وأبي إسحاق.
انظر: "تفسير الثعلبي" 3/ 165أ، و"تفسير القرطبي" 4/ 297، و"البحر المحيط" 3/ 133.
وذكر الزمخشريُّ، عن الأعمش، أنه قرأ: ﴿ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ -بدون التنوين، مع النصب- أنظر: "الكشاف" 1/ 485.]] -بالتنوين، ونصب الموت-، واستقصاء الكلام في هذه المسألة يأتي عند قوله: ﴿ظَالِمِي أِنْفُسِهِمْ﴾ في سورة النساء.
وقوله تعالى: ﴿فَقَدْ فَازَ﴾. الفَوْزُ؛ معناه: الظَّفَرُ بالخير، والنجاةُ من الشَّرِّ [[ورد هذا التعريف بنصه عن الليث بن المظفر، في "تهذيب اللغة" 13/ 264 (فوز).]]. ألا ترى أن الله -تعالى- حَكَمَ بالفوز لِمَن أُبْعِدَ مِنَ النار، فَنَجَا مِنْ شَرِّها، وأدْخِلَ الجَنَّةَ، فَظَفِرَ بنعيمها؟.
قال الزّجاج [[في: "معاني القرآن" له 1/ 495. نقله عنه بتصرف.]]: يقال لِكُلِّ مَنْ نَجَا من هَلَكَةٍ، ولَقِيَ ما يَغْتَبِطُ به [[الغِبْطَة: حسن الحال، والنعمة والسرور؛ يقال: (فلانٌ مُغْتَبِطٌ)؛ أي: في غِبْطَةٍ. وجائز أن تقول: (مُغتَبَط) -بفتح الباء-، و (قد اغْتَبَطَ، فهو مُغْتَبِط)، و (اغْتُبط، فهو مغتَبَطٌ). انظر: "اللسان" 6/ 3208 (غبط).]]: (فازَ). فتأويل [[في (ج): (وتأويل)، وفي "معاني القرآن": فتأويله.]] ﴿فَازَ﴾: تَبَاعَدَ مِنَ المكروه، ولَقِيَ ما يُحِب.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ يريد: العيش في هذه الدار الفانية، تَغُرُّ الإنسان بما تُمَنِّيهِ مِنْ طولِ البقاء، وسينقطع عن قريب. فَوُصِفت بأنها متاعُ الغرُوُر؛ لأنها بمنزلة مَنْ يَغُرّ ببذل المحبوب، والتخييل [إليك] [[ما بين المعقوفين زيادة من (ج).]] أنه يَدُوم.
و ﴿المَتَاع﴾ قد ذكرنا أنه كل ما يُنْتَفَع به، وُيسْتَمتَعُ [[انظر: "تفسير البسيط" تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾ [البقرة: 36].]]. وأضافَهُ إلى ﴿الْغُرُورِ﴾ لأنه يَغُرّ.
آل عمران 3:186
قوله تعالى: ﴿لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ﴾ الآية.
اللَّام، لام القَسَمِ. والنونُ دخلت مُؤَّكِدَةً. وضُمَّت الواوُ لِسُكُونها وسكون النون. ولم تكسر لالتقاء الساكنين؛ لأنها واو جمع، فحركت بما كان يَجِبُ لِمَا قبلها مِنَ الضَمِّ. ومثله: ﴿اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ﴾ [البقرة: 16]. وقد مَرّ مستقصًى فيه.
ومعنى ﴿لَتُبْلَوُنَّ﴾: لَتُخْتَبَرُنَّ. ولا يجوز في وصف الله تعالى الاختبار؛ لأنه طلب المعرفة، لِيُعْرَفَ الجَيِّدُ مِنَ الرَّديء، ولكنَّ معناه -في وصف الله-: أنه يُعامِلُ العبدَ مُعامَلَةَ المُخْتَبِرِ.
واختلفوا في معنى هذا الابتلاء:
فقال ابن عباس -في رواية عطاء- [[أورد هذا القولَ الثعلبيُّ، في: "تفسيره" 3/ 167 ب، قائلًا: (قال عطاء ..).]]: الخطاب للمهاجرين؛ أَخَذَ المشركون أموالَهم، وباعوا رِبَاعَهم، وعَذَّبوهم.
وقال الحَسَنُ [[قوله، في: "تفسير ابن أبي حاتم" 3/ 833، و"تفسير الثعلبي" 3/ 167 - ب.]]: يعنى: بالفرائض التي أوْجَبَها في الأموال، وعلى الأنفس؛ كالصوم والصلاةِ والزكاةِ والحجِّ والجهاد [[ولفظه عند ابن أبي حاتم: (قال نُبْتلى -والله- في أموالنا وأنفسنا).]].
وقال مقاتل [[لم أقف على مصدر قوله، وليس هو في تفسيره. وقد أورد هذا القول -مع اختلاف يسير- الثعلبي، في "تفسيره" 3/ 167 ب، ولم يعزه لقائل.]]:
يعنى: بالحوائِجِ [[هكذا في (أ)، (ب). وفي (ج): (بالحوائح) بدون إعجام. وفي "تفسير الثعلبي": (بالجوائح). وهي أولى بسياق الكلام والمعنى المراد؛ لأن الجوائح، هي: الشدائد التي تجتاح المال. ومفردها: جائحة. انظر: "القاموس المحيط" 276 (جوح).]]، والخسران في الأموال، والأمراض في الأنفس.
قال [[في: "تفسيره" 1/ 320.]]: ونزلت الآية في النبي ﷺ، وأبي بكر رضي الله عنه.
وقوله تعالى: ﴿وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا﴾.
قال عكرمة [[من قوله: (قال عكرمة ..) إلى (.. ونزلت هذه الآية): نقله -باختصار وتصرف- عن "تفسير الثعلبي" 3/ 165 ب. وقول عكرمة في "تفسير الطبري" 4/ 200، و"النكت والعيون" 1/ 441.]]، ومقاتل [[في "تفسيره" 1/ 319.]]، والكلبي [[لم أقف على مصدرٍ آخر لقوله، سوى "تفسير الثعلبي".]]، وابن جريجِ [[لم أقف على مصدر قوله.
وقد ورد عنه في الآية قولُه: (يعني اليهود والنصارى، ﴿وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا﴾، فكان المسلمون يسمعون مِنَ اليهود قولَهم. ﴿عُزَيْرُ ابْنُ الله﴾، ومِنَ النصارَى قولَهم: ﴿المَسِيحُ ابْنُ الله﴾، فكان المسلمون ينصبون لهم الحربَ إذْ يَسْمَعُون إشراكَهم ..). أخرجه: الطبريُّ في: "تفسيره": 4/ 200 - 201، وابن أبي حاتم في "تفسيره" 835، وأورده الماوردي في "النكت والعيون" 1/ 441، والسيوطي في "الدر المنثور" 2/ 189 وزاد نسبة إخراجه إلى ابن المنذر.]]: بعث رسولُ اللهِ أبا بكرٍ الصدِّيقَ إلى فِنْحاص، يَسْتَمِدُّه. فقالَ فِنْحاصُ: قد احتاجَ رَبُّكُم إلى أن نُمِدَّه؟ فَهَمَّ أبو بكر أنْ يضرِبَهُ بالسيف، وقد كان رسول الله قال له -حين بَعَثَهُ-: لا تَفْتَاتَنَّ [[يقال: (افْتَاتَ عليكَ فِيهِ، وفَاتَكَ بِهِ)؛ أي: أحدث شيئا دون أمرك. والمصدر: (الافتِيَات)، وهو من: (الفَوْت)، وهو: السبق إلى الشيء دون ائتمار مَنْ يُؤْتَمَر. انظر: "اللسان" 6/ 3481 (فوت).]] عليّ بشيء حتى ترجع. فتذكر أبو بكرٍ ذلك، فَكَفَّ عن الضرب، ونزلت هذه الآية [[انظر تفسير الآية: 181 والتعليق على قول ابن عباس في الهامش. وقد ورد في سبب نزولها، ما رواه الزهري، عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك، عن أبيه: (أن كعب بن الأشرف اليهودي، كان شاعرًا، وكان يهجو النبي ﷺ، == وُيحرِّض كفارَ قريش في شعره، وكان النبي ﷺ، قدم المدينة، وأهلها أخلاطٌ: منهم المسلمون، ومنهم المشركون، ومنهم اليهود، فأراد النبي ﷺ، أن يستصلحهم كلَّهم، وكان المشركون واليهود يؤذونه ويؤذون أصحابه أشد الأذى، فأمر اللهُ النبى ﷺ، بالصبر على ذلك، وفيهم أنزل الله: ﴿وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ الآية.). "أسباب النزول"، للمؤلف: ص 138 - 139.
وقد أخرجه: أبو داود في "السنن" رقم (3000) كتاب الخراج، باب: كيف كان إخراج اليهود من المدينة، وعبد الرزاق في "تفسيره" 1/ 142، وابن سعد في "الطبقات الكبرى" 2/ 33، والطبري في "تفسيره" 4/ 201 عن الزهري مرسلا، وابن أبي حاتم في "تفسيره" 3/ 834 أخرجه متصلًا.
وأورده الثعلبيُّ في "تفسيره" 3/ 166 أ، والسيوطي في "لباب النقول" 62. وانظر: الصحيح المسند من "أسباب النزول" ص 65.
وورد -كذلك- في سبب نزولها: أن رسول الله ﷺ، مرَّ -وهو على حمار- على مجلس فيه عبد الله بن أبَيّ -وذلك قبل إسلامه- وفي المجلس أخلاط من المسلمين والمشركين واليهود، وفي المجلس عبد الله بن رواحة، فلما غشيت المجلس عَجَاجة الدابَّةِ، خَمَّرَ ابن أبَيّ أنفَهُ بردائه، ثم قال: لا تُغَبِّروا علينا. فسلم رسول الله ثم وقف، فنزل، ودعاهم إلى الله، وقرأ عليهم القرآن، فقال ابن أبَيّ: أيها المرء إنه لا أحسن مما تقول، إن كان حقًا فلا تؤذنا به في مجالسنا، ارجع إلى رحلك فمن جاءك فاقصص عليه. فقال ابن رواحة: بلى يا رسول الله فاغشنا به في مجالسنا فإنا نحب ذلك. واستب المسلمون والمشركون واليهود، حتى كادوا يتساورون، فلم يزل ﷺ، يخفضهم حتى سكتوا. ففي فِعْل ابن أبَيّ نَزَلَ قولُه تعالى ﴿وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾. انظر: السبب بالتفصيل في: "أسباب النزول" للمؤلف: ص 139 - 140. وقد أخرج هذه القصة: البخاريُ في "صحيحه" (4566) كتاب التفسير، باب: ﴿وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾، ولكن ليس فيه النص على أن هذه القصة سبب لنزول الآية. وإنما ذكر البخاريُّ القصةَ، ثم ذكر عقبها: (قال الله -عز وجل-: ﴿وَلَتَسْمَعُنَّ﴾، وقال: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا﴾ [البقرة: 109]. =]].
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا﴾ أي: على الأذى الذي ينالكم [[في (ج): (الذين أنا لكم) بدلا من: (الأذى الذي ينالكم).]] منهم ، كترك المفارضة. وكان هذا قبل نزول آية السَّيْفِ [[آية السيف، هي-في أصح الأقوال-: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (5)﴾ [التوبة: 5].
ودعوى النسخ على هذه الآية، لا يسلم؛ حيث إننا مأمورون بالصبر على أذى أعداء الله على كل حال، قبل القتال وأثناءه وبعده، بل إن الصَّبرَ أثناء القتال أحوج ما نكون إليه، فكيف ينسخه الأمر بالقتال؟
كما أن الآية ذكرت البلاء في الأموال والأنفس، قبل ذكر أذى أعداء الله للمسلمين، فنحن مأمورون بالصبر على جميع أنواع البلاء، فلا يعقل أن يُنسَخ فعل الصبر، ويبقى فعله محكما غير منسوخ.
كما أن الآية أمرت بالتقوى مع الصبر، فقالت: ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا﴾، وجُعِل الأمران فعلين للشرط، وأشارت الآية إليهما في جواب الشرط باسم الإشارة، فقالت: ﴿فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ فلا يعقل أن ينسخ فعل الشرط، ويَبقَى الآخرمحكما غير منسوخ.
انظر: "النسخ في القرآن" د. مصطفى زيد 2/ 516.]].
قوله تعالى: ﴿فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾.
قال ابن عباس [[أورده هذا القول، الثعلبي في "تفسيره" 3/ 167 ب، وعزاه لعطاء. ويبدو أنه من رواية عطاء عن ابن عباس.]]: مِنْ حقيقة الإيمان. ومعنى العَزم: تَوْطِينُ النفس على الأمر. ومعنى ﴿مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾؛ أي: ذلك مِمَّا يُعْزَم عليه مِنَ الأمْرِ [[في (ج): (الأمور).]]؛ لظُهُورِ رُشدِهِ، وموضع الحظِّ [[في (ج): (الخط).]] فيه، فيجب التَّمَسُّكُ به [[العَزْمُ -في اللغة-: الجِدُّ، وما عَقَد عليه قلْبُك مِنْ أنك فاعله. و (عَزَمَ الأمْرُ): جَدَّ الأمر. و (عزائم الأمور، وعَوازِمُها): فرائضها التي عَزَمَ اللهُ علينا بفعلها، أو التي يُؤَكَد الرأي أو النية والعزم عليها. و (عزائم الله): فرائضه التي أوجبها علينا.
انظر (عزم) في: "تهذيب اللغة" 3/ 2425، و"اللسان" 5/ 2932، و"الكُلِّيَّات" لأبي البقاء 650، و"المصباح المنير" 155.]].
ومعنى قول ابن عباس: (مِنْ حقيقة الإيمان)؛ أي: مِمَّا عَزَمْتم عليه مِنَ الأمر، وهو الإيمانُ والتصديق لِوَعْدِ الله بالنُّصْرِةِ.
آل عمران 3:187
قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ الآية.
قال ابن عباس [[قوله في: "تفسير الطبري" 4/ 202، و"تفسير ابن أبي حاتم" 3/ 835، و"النكت والعيون" 1/ 441، و"زاد المسير" 1/ 521، و"الدر المنثور" 2/ 189.]]، والسدّي [[قوله في: "تفسير الطبري" 4/ 202، و"تفسير ابن أبي حاتم" 3/ 836، و"النكت والعيون" 1/ 441، و"زاد المسير" 1/ 521.]]، والكلبي [[لم أقف على مصدر قوله.]]، والمفسِّرون [[منهم: سعيد بن جبير، وابن جريج، ومقاتل.
انظر: "تفسير مقاتل" 1/ 320، و"تفسير الطبري" 4/ 202، و"تفسير ابن أبي حاتم" 3/ 835 - 836، و"زاد المسير" 1/ 521، و"الدر المنثور" 2/ 190.]]: نَزَلت في يهود المدينة، أخَذَ اللهُ ميثاقهم في التوراة، لَيُبَيِّنُنَّ شأن محمد ﷺ، ونَعْتِهِ، وَمَبْعَثِهِ، ولا يُخْفُونَه، فَنَبَذوا الميثاقَ، ولم يَعْمَلُوا به [[وذهب قتادة إلى أن الآية مَعنِيٌّ بها كل من أوتي علمًا بأمر الدين. انظر: "تفسير الطبري" 7/ 461، و"ابن أبي حاتم" 948، و"الثعلبي" 3/ 168أ، و"الدر المنثور" 2/ 402، وزاد نسبة إخراجه إلى عبد بن حميد، وابن المنذر. وهو قول محمد بن كعب، والحسن. انظر: "تفسير الثعلبي" 3/ 168 أ، و"تفسير == القرطبي" 4/ 304.
ولا تعارض بين القولين؛ لأن الآية وإن كانت خاصة في اليهود، إلا أنَّ العِبْرَة بعموم لفظها، فيدخل فيها هم وغيرُهم مِنْ أصحابِ العِلْمِ، ولذا قال ابن عَطِيَّة: (الآية توبيخ لِمُعاصِرِي النبي ﷺ، ثم هو مع ذلك خبر عامٌّ لهم ولغيرهم)، ثم تابع قائلاً: (وقال جمهورٌ من العلماء: الآية عامَّةٌ في كلِّ مَنْ عَلَّمه اللَهُ عِلْما، وعلماءُ الأمَّةِ داخلون في هذا الميثاق).
"المحرر الوجيز" 3/ 449 - 450، وانظر: "تفسير القرطبي" 4/ 304، و"تفسير ابن كثير" 1/ 472.]].
قوله تعالى: ﴿لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾ [[(أ)، (ب)، (ج): ﴿ولا يكتمونه﴾. والمثبت وفق رسم المصحف الشريف.]] يُقرأ بالياء والتاء [[قرأ بالياء فيهما -على الغيبة-: ﴿لَيُبَيِّنُنَّهُ﴾، ﴿ولا يَكتُمُونَه﴾: ابنُ كثير، وأبو عمرو، وعاصم -في رواية أبي بكر عنه-.
وقرأ الباقون -نافع، وابن عامر، وحمزة، والكسائي، وعاصم، في رواية حفص- بالتاء فيهما -على الخطاب-.
انظر: "السبعة" 221، و"القراءات"، للأزهري 1/ 134، و"إعراب القراءات السبع" لابن خالويه 1/ 125، و"الحجة" للفارسي 3/ 106، و"الإقناع" 2/ 625.]]. فَمَن قرأ بالياء؛ فلأنهم غَيْبٌ. ومن قرأ بالتاء؛ حَكَى المخاطبةَ التي كانت في وقت أخذ الميثاق.
ومثل [[في (ج): (وميث) بدلًا من: (ومثل).]] هذه الآية: قوله: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ﴾ [البقرة: 83]، بالياء والتاء [[قرأ ابن كثير، وحمزة، والكسائي: ﴿لا يَعبدون﴾ -بالياء-. وقرأ أبو عمرو، ونافع، وعاصم، وابن عامر: ﴿لَا تَعْبُدُونَ﴾ -بالتاء-.
انظر: "الحجة" للفارسي 2/ 121، و"الكشف" لمكي 1/ 249.]]. وقد تقدم القول في ذلك.
وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾ [[في (أ)، (ب)، (ج): ﴿ولا يكتمونه﴾. والمثبت وفق رسم المصحف الشريف.]] ولم [[في (ج): (فلم).]] يقل: ولا تكتُمُنَّهُ [[في (ج): (ولاي كتمنه).]]؛ كما قال: ﴿لَتُبَيِّنُنَّهُ﴾ [[في (أ): (ليبيننه)، والمثبت من (ب)، ورسم المصحف الشريف. ومن قوله: (لتبيننه ..) إلى (.. كأن المعنى): ساقط من (ج).]]؛ لأنه في معنى الحال [[أي: أن الواوَ واوُ الحال. والفعل بعدها منصوب على الحال.]]، لا في معنى الاستقبال المعطوفِ على ما قبله.
كأن المعنى: لَتُبَيِّنُنَّه للناس غيرَ كاتِمِينَ [[واستحسن أبو حيان أن تكون الواو للعطف، وأن الفعل بعدها من جملة المقسم عليه، ولكنه لم يُؤَكَّد؛ لأنه منفيٌّ؛ كما تقول: (والله لا يقوم زيد). وقال: (وهذا الوجه -عندي- أعْرَب وأفصح). "البحر المحيط" 3/ 136.]]. و (الهاء) في ﴿لَتُبَيِّنُنَّهُ﴾، يعود [[في (ج): (تعود).]] على محمد ﷺ، في قول أكثر المفسرين [[منهم: السدي، وسعيد بن جبير، ومقاتل. وإليه ذهب الطبري. وقال ابن الجوزي: (وهذا قول من قال: هم اليهود)، أي: المَعْنِيِّينَ بالآية.
انظر: "تفسير مقاتل" 1/ 320، و"تفسير الطبري" 4/ 202، و"زاد المسير" لابن الجوزي 1/ 521، و"الدر المنثور" 2/ 190.]]. فهو عائدٌ على معلوم، ليس بمذكور.
وفي قول الحسن، وقَتَادة [[انظر قولهما في: "النكت والعيون" 1/ 442، و"زاد المسير" 1/ 531، و"تفسير القرطبي" 4/ 304.]]: يعود على الكتاب، في قوله: ﴿الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾، [ويدخُلُ فيه بَيانُ أمرِ النبي ﷺ؛ لأنه في الكتاب] [[ما بين المعقوفين زيادة من (ج).= قال ابن الجوزي عن هذا الرأي: (وهو أصح؛ لأن الكتاب أقرب المذكورين، ولأن مِنْ ضرورة تَبْيِينِهم ما فيه، إظهار صفة محمد ﷺ). "زاد المسير" 1/ 521.]].
قال الحسن [[لم أقف على مصدر قوله.]]: هذا ميثاق الله على علماء أهل الكتاب، أن يُبَيِّنوا للناس ما في كتابهم، وفيه ذكر رسول الله ﷺ، والإسلام، فَنَبَذُوه وَرَاءَ ظُهورهم.
وقال قتادة [[قوله في: "تفسير الطبري" 4/ 203، و"تفسير ابن أبي حاتم" 3/ 836، و"معاني القرآن"، للنحاس 1/ 520، و"تفسير الثعلبي" 3/ 168 أ، وأورده السيوطي في "الدر المنثور" 2/ 190 وزاد نسبة إخراجه إلى عبد بن حميد، وابن المنذر.]]، والقُرَظِيُّ [[قوله في: "تفسير الثعلبي" 3/ 168 أ، و"تفسير القرطبي" 4/ 304.]]: كلّ مَنْ أوتي عِلْمَ شيءٍ مِنْ كُتُبِ [[في (ب): (كتاب).]] الله -جل وعز- [[(جل وعز): ليس في (ج).]]، فقد أخذَ ميثاقُهُ: أنْ يُبَيِّنَه للناس ولا يكتُمَه.
وقوله تعالى: ﴿فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ﴾.
قال [[من قوله: (قل ..) إلى (.. خلف ظهورهم): ساقط من (ج).]] ابن عباس [[لم أقف على مصدر قوله.]]: يريد: ألقوا ذلك الميثاقَ خَلْفَ ظهورهم.
وقال أهل المعاني [[ممن قال بذلك: الشعبي. انظر: "تفسير الطبري" 4/ 204، و"تفسير ابن أبي حاتم" 3/ 837. وقال به أبو عبيدة في "مجاز القرآن" 1/ 111، وأبو الليث في "بحر العلوم" 1/ 322.]]: تركوا العَمَلَ [[في (ج): (العلم).]] به [[(به): ساقطة من (ج).]]، وقد كانوا يقرأونَهُ [[في (أ)، (ب)، (ج): (يقرونه). وأثبَتُّها وفق الرسم الإملائي الحديث.]]، فصاروا بترك العمل به، كأنهم قد ألقوه وراء ظهورهم.
قال الزجّاج [[في "معاني القرآن" له 1/ 497. نقله عنه بنصه.]]: يقال للذي يطرح الشيء، لا [[في (المعاني): (ولا).]] يَعْبَأ به: قد جعلت هذا الأمر بِظَهْرٍ [[في (ج): (يظهر).]].
وأنشد للفرزدق [[في (ج): (الفرزدق).]]: تميم بن قيس:
لا يكونن حاجتي بظهر ... فلا يعبأ على جوابها
أي لا يتركنها تعبأ بها.
وقوله تعالى ﴿وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ يعني ما كان يأخذونه من سفلتهم من المآكل التي كانوا يصيبونها منهم برياستهم في العلم.
وقوله تعالى: ﴿فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ﴾ قال ابنُ عبَّاس [[لم أقف على مصدر قوله.]]: يريد: قَبُحَ شراؤُهم وخَسِروا.
آل عمران 3:188
قوله تعالى: ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ﴾ الآية.
قال أبو سعيد الخُدْرِي [[أخرج قوله -في هذا المعنى-: البخاري في "الصحيِح" (4567) كتاب: تفسير القرآن. سورة آل عمران. باب: ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا﴾.
ومسلم في "الصحيح" 4/ 205 رقم (2777) كتاب: صفات المنافقين.
والطبري في "تفسيره" 4/ 205، وابن أبي حاتم في "تفسيره" 3/ 839، والمؤلف في "أسباب النزول" 140.
وأورده الثعلبي في "تفسيره" 3/ 168 ب، والسيوطي في: "الدر المنثور" 2/ 191 وزاد نسبة إخراجه إلى ابن المنذر، والبيهقي في "الشعب".]]: نزلت في رجالٍ من المنافقين، كانوا يتخلفون عن رسول الله في الغَزْوِ، ويفرحون بقعودهم عنه. فإذا قدم اعتذروا إليه، فيقبل عذْرَهم [[(فيقبل عذرهم): ساقطة من (ج).]]، وأحَبُّوا أنْ يُحْمَدوا بما ليسوا عليه مِنَ الإيمان.
وقال عكرمة [[قوله في "تفسير الطبري" 4/ 205 - 206، وقد ورد فيه: (عن مولى زيد بن ثابت، عن عكرمة، مولى ابن عباس، وسعيد بن جبير)، وذكره بمعناه، وأخرجه من طريق آخر، وفيه: (عن مولى زيد بن ثابت، عن عكرمة، أنه حدثه عن ابن عباس بنحو ذلك ..). وأخرجه -منسوبًا إليه-: ابنُ أبي حاتم في "تفسيره" 3/ 838]]: هم اليهود، فرحوا بإضلال الناس، وبنسبة الناس إيَّاهم إلى العِلْمِ؛ وليسوا كذلك.
وقال بعضُهم: نزلت في الذين ذَمَّهم الله -تعالى-: بِكِتْمان الحَقِّ، كتموه وفَرِحوا بذلك، وأحَبُّوا أنْ يُحْمدوا بالتمسك بالحق، وقالوا: نحن أصحاب التوراة، وأولوا العِلْمِ القديم، وكلُّ ما [[في (ج): (كلما) بدلًا من: (كل ما).]] قلناه واجبٌ على الناس قَبُولُهُ، واتِّباعنا فيه. وهذا يُروَى عن ابن عباس [[أخرج قوله -بهذا المعنى-: البخاري في "صحيحه" (4568) كتاب التفسير. تفسير سورة آل عمران. باب: ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا﴾.
ومسلم في "صحيحه" رقم (2778) كتاب صفات المنافقين. والترمذي في "سننه" رقم (3014) كتاب تفسير القرآن. باب: من سورة آل عمران. وقال: (حسن صحيح غريب).
والحاكم في "المستدرك" 2/ 299 وصححه، ووافقه الذهبي.
والنسائي في "تفسيره" 1/ 352، والطبراني في "المعجم الكبير" 10/ 364 رقم (10730)، وعبد الرزاق في "تفسيره" 1/ 141، والطبري في "تفسيره" 4/ 206، وابن أبي حاتم في "تفسيره" 3/ 838، والبغوى في "تفسيره" 2/ 150، والمؤلف في "أسباب النزول" 141.
وأورده السيوطى فى "الدر المنثور" 2/ 191 وزاد نسبه اخراجه إلى عبد بن حميد == وابن المنذر، والبيهقي في "الشعب".
وقد ورد حول سبب النزول أقوال أخرى. انظرها في: "تفسير الطبري" 4/ 205 - 208، و"تفسير البغوي" 2/ 150، و"أسباب النزول" للمؤلف 140 - 142، و"الدر المنثور" 2/ 191 - 193.
قال ابن حجر عن الأثر الوارد عن أبي سعيد وابن عباس والآخرين: (ويمكن الجمع بأن تكون الآية نزلت في الفريقين معًا، وبهذا أجاب القرطبيًّ وغيره). وقال -عن هذين الأثرين، وعن بقية الآثار الواردة في سبب نزولها-: (ولا مانع أن تكون نزلت في كل ذلك، أو نزلت في أشياء خاصة، وعمومها يتناول كل من أتى بحسنة ففرح بها فرح إعجاب، أحب أن يحمده الناس، ويثنوا عليه بما ليس فيه. والله أعلم).
"فتح الباري" 8/ 233، وانظر: "تفسير القرطبي" 4/ 306 - 307، و"تفسير ابن كثير" 1/ 473.]].
واختلف القرّاء في هذه الآية:
فقرأ ابن كثير، وأبو عمرو -كلاهما-: بالياء وضمِّ الباء، مِنْ ﴿يَحْسِبُنَّهم﴾ [[أي: قرآ: ﴿وَلَا يَحْسِبَنَّ﴾، و ﴿فلا يَحْسِبُنَّهم﴾ بكسر السين فيهما. انظر: "السبعة" 219، و"الحجة " للفارسي 3/ 100 - 101، و"حجة القراءات" 186 - 187. وضبطت الكلمتان بفتح السين في: "إعراب القراءات السبع" لابن خالويه 1/ 125.]].
ووجه [[من قوله: (ووجه ..) إلى (.. فيستقيم فيه تقدير العطف): نقله -بتصرف- عن "الحجة" للفارسي 3/ 104 - 105.]] هذه القراءة: أنهما لم يُعَدِّيا (حَسِبْتُ) إلى مفعوليه اللذين [[في (ج): (الذين).]] يقتضيهما؛ لأنهما جعلا قولَهُ -تعالى- [[(تعالى): ليست في: (ج).]]: ﴿فَلا يَحْسِبُنَّهُم﴾ [[(أ)، (ب): (تحسِبنَهم) -بالتاء وكسر السين-. ولم ترد قراءة بهذه الصورة. وفي (ب): (تَحسَبَنَهم). وفي (ج): مهملة من النقط والشكل. ولكنَّ المؤلف -هنا- يتحدث عن توجيه قراءة ابن كثير وأبي عمرو، فالصواب ما أثبَتُه، والله أعلم.]] بدلًا مِنَ الأوَّلِ. ولَمَّا جعلاه بَدَلًا، وعُدِّي إلى مفعوليه، استُغنِيَ عن تَعْدِيَة الأولى إليهما، كما استغنى في قوله:
بِأيِّ كتابٍ أم بِأيِّة سُنَّةٍ ... تَرىَ حُبَّهُمْ عارًا عليَّ وتَحْسَبُ [[البيت للكُمَيت. وقد ورد منسوبًا له في: "شرح هاشميات الكميت" 49، و"المحتسب" 1/ 183، و"شرح ديوان الحماسة" للمرزوقي 692، و"المقاصد النحوية" 2/ 413، 3/ 112، و"منهج السالك" 2/ 35، و"التصريح"، للأزهري 1/ 259، و"خزانة الأدب" 4/ 314، 9/ 137.
وورد غير منسوب في: "إعراب القرآن"، المنسوب للزجاج 2/ 432، و"أوضح المسالك" ص 77، و"شرح ابن عقيل" 2/ 55.
والشاهد فيه: أنه لم يذكر مفعوليْ (تحسبُ)، اكتفاءً بدلالة الفعل السابق عليهما، وهو: (ترى).]]
بتعدية أحد الفعلين إلى مفعوليه، عن تعدية الآخر إليهما.
فإن قيل: لا [[في (ج)، و"الحجة": (كيف) بدلًا من (لأن).]] يستقيم تقدير البَدَلِ في قوله: ﴿لا يَحْسِبَن [[(يحسبن) في (أ)، (ج): الياء غير منقوطة، والكلمة غير مشكولة. وفي (ب): (تحسبن)، والمثبت من: "الحجة" للفارسى، لأن المؤلف -هنا- يتحدث عن توجيه قراءة ابن كثير وأبي عمرو.]] الذيِن يَفْرَحُون بِمَا أتَوْا فَلا يَحْسِبُنَّهم [[في (أ)، (ب): (تَحْسِبُنَّهم). ولم ترد قراءة بهذه الصورة وفي (ج): مهملة من النقط والشكل. والمثبت من "الحجة" للفارسي.]] بِمَفَازَةٍ﴾، وقد دخلت الفاءُ بينهما، ولا يدخل بين البدل والمُبْدَلِ منه، الفاءُ [[(الفاء): ساقطة من (ج).]].
قيل: إن الفاء زائدة [[انظر: "معاني القرآن"، للأخفش: 1/ 222.]]؛ يَدُلُّك [[في (ج): (بذلك).]] على ذلك: أنها لا يجوز أن تكون عاطفة؛ لأن المعنى: لا يَحْسِبَنَّ الذين يفرحون بما أتوا، أَنْفُسَهم بمفازةٍ مِنَ العَذَابِ.
وإذا كان كذلك، لَمْ يَجُزْ تقديرُ العطف؛ لأن الكلام لم يستقل بعدُ، فيستقيم فيه تقديرُ العَطْفِ. ولا يجوز [[من قوله: (ولا يجوز ..) إلى نهاية بيت الشعر (.. فاجزعي): نقله -بتصرف واختصار- عن: "الحجة"، للفارسي 3/ 108 - 109.]] -أيضًا- أن تكون للجزاء، كالتي في قوله: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [[سورة النحل: 53 وبقيتها: ﴿ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ﴾.]]، ونحوها؛ لأن هذا ليس من مواضع الجزاء. وإذا لم يجز أن تكون للعطف [و] [[ما بين المعقوفين زيادة من (ج)، و"الحجة".]] لا لِلْجَزَاء، ثَبَتَ أنها زائدة؛ كقوله:
وإذا هَلَكْتُ [[في (ب): (جزعت).]] فَعِنْدَ ذلك فاجْزَعِي [[عجز بيت للنَّمِر بن تَوْلَب. وصدره:
لا تَجْزعي إنْ مُنْفِسا أهلكته
وهو في "شعره" 72. وورد منسوبا له في: "كتاب سيبويه" 1/ 134، و"الكامل"، للمبرد 3/ 300، و"شرح الأبيات المشكلة" 90، 361، و"سمط اللآلئ" 468، و"أمالي ابن الشجري" 1/ 48، 3/ 129، و"اللسان" 8/ 4503 (نفس)، 2/ 1248 (خلل)، و"المقاصد النحوية" 2/ 535، و"شرح شواهد المغني" 1/ 472، 2/ 829، و"خزانة الأدب" 1/ 314، 321، 3/ 32، 9/ 41، 43، 44، 11/ 36. وورد غير منسوب في: "المقتضب" 2/ 76، و"الحجة" للفارسي 1/ 44، 3/ 109، و"شرح المفصل" 2/ 38، و"شرح ابن عقيل" 2/ 133، و"الأزهية" 248، و"منهج السالك" 2/ 75، و"الأشباه والنظائر" للسيوطي 2/ 181. ويروى: (لا تجزعي إنْ منفسٌ ..). انظر توجيه هذه الراوية في "خزانة الأدب" 1/ 314.
البيت ضمن أبيات يخاطب فيها الشاعرُ زوجَه التي لامته على إسرافه وتبذيره في == إكرامه لأضيافه.
الجَزَع: نقيض الصبر. و (المُنْفِسُ): المال النفيس الذي له قدر. ومعنى (أهلكتُه): أفنَيتُه، وأذهبتُه. انظر: "اللسان" 1/ 616 (جزع)، 8/ 4503 (نفس).
والشاهد في البيت: زيادة الفاء. قال الفارسي: (ألا ترى أن إحدى الفاءين لا تكون إلا زائدة؛ لأن (إذا) إنما يقتضي جوابًا واحدًا).
وانظر حول زيادة إحدى الفاءين -هنا-: "الخزانة" 1/ 315.]] وكما أنشد [[في (ج): (أنشده).]] قُطْرُب [[انظر: "سر صناعة الإعراب" 1/ 268 - 269]]:
وحِينَ تَركتُ العائداتِ يَعدْنَهُ ... يَقُلْن فلا تَبْعَدْ وقلتُ لَه ابْعَدِ [[البيت لحاتم الطائي. وهو في "ديوانه" 30.
وقد ورد منسوبًا له، في: "سر صناعة الإعراب" 1/ 269، و"الأزهية" 247. وورد في المصادر السابقة: (حتى تركت ..). وفي الديوان: (وحتى .. * ينادين لا تبعد). يتحدث عن شخص طعنه الشاعرُ طعنةً، تركه بين الحياة والموت. و (العائدات): اللاتي يَزُرْن المريض. انظر: "القاموس" 303 (عود).
و (لا تَبْعَد): لا تهلك؛ من: (البُعْد)، وهو: الهلاك والموت؛ يقال: (بَعِدَ، بَعَدًا)، و (بَعُدَ): هلك. ومن العرب من يقول: (بَعُدَ) -في المكان-، و (بَعِد) -في الهلاك-. وقيل: (بَعِد)، و (بَعُد) فيكون مضارعها: (يَبْعَدُ) -بفتح العين-، وهكذا ضَبطتُها في البيت. انظر: "المزهر" 1/ 208 - 209. والشاهد فيه: زيادة الفاء في (فلا ..).]]
وذكرنا وجْهَ زيادة الفاء في الكلام، فيما تقدم.
وقوله تعالى: ﴿فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ﴾ قد [[من قوله: (قد ..) على (.. لا يحسبن زيدًا ذاهبًا): نقله -بتصرف واختصار- عن: "الحجة" للفارسي 3/ 105 - 106.]] تَعَدّى فيه فعلُ الفاعل إلى ضميرِهِ. وفِعْلُ الفاعل في هذا الباب، يَتَعدَّى إلى ضمير نفسه؛ نحوَ (ظَنَنْتُنىِ أخاه)، و (حَسِبْتُني ذاهبًا).
يدل على ذلك: قُبْحُ دخولِ النَفْسِ عليها. ولو قلت: (حَسِبتُ نفسي تفعل كذا). لم يَحْسُنْ، كما يَحْسنُ: (حَسِبْتُنِي)، و (أَحْسِبُنِي) [[يجوز في مضارع (حَسِبَ) كسر السين وفتحها. انظر: "المزهر" 1/ 209.]].
وحُذِفَتْ واوُ الضميرِ في ﴿يَحْسِبُنَّهم﴾ [[في (أ): (تَحْسُبُنهم) بالتاء وضم السين. وهي خطأ واضح. وفي (ب): (تحسبنهم)، وفي (ج): مهملة من النقط والشكل. والمثبت هو ما استصوبته؛ لاتساقه مع ما سبق.]]؛ لِدُخول النون الثقيلة، واجتماع الساكنين [[أي: سكون الواو، وأول النون المشددة.]]. و-كذلك- يُحذف عند دخول النونِ الخفيفة؛ كما تقول: (لا يَحْسِبُنْ زيدًا ذاهبًا).
وقوله تعالى: ﴿بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ﴾.
في موضع المفعول الثاني. وقرأ حمزة، وعاصم والكسائي -كلاهما- [[هكذا جاءت في: (أ)، (ب)، (ج): (كلاهما) -على الرفع للمثنى-، والأصل فيها أن تكون: (كلهم)، وتعود على القراء الثلاثة. أو (كليهما) -بالنصب بالياء-، وتعود على القراءتين القرآنيتين ﴿تَحْسَبَنَّ﴾، و ﴿تَحسَبَنَّهُم﴾، وقد ترجع (كلاهما) على عاصم والكسائي.]]: بالتَّاء، وفتحوا الباءَ من ﴿تَحْسَبَنَّهُمْ﴾ [[أي: ﴿تَحسَبَنَّهُم﴾ -بالتاء وفتح الباء والسين-. إلا أن الكسائي كَسَر السين. انظر: "السبعة" 220، و"الحجة" للفارسي 3/ 101، و"حجة القراءات" 186، و"إتحاف فضلاء البشر" ص 183.]].
ووجه هذه القراءة: أنه حذف [[من قوله: (حذف ..) إلى (.. لاتفاق الفعلين): نقله -بتصرف- عن: "الحجة" للفارسي 3/ 108.]] المفعولَ الثاني الذي يقتضيه ﴿تَحْسَبَنَّ﴾ الأول؛ لأن ما يجيء بَعدُ من قوله: ﴿فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ﴾ ، يدل عليه.
ويجوز أن تجعل [[في (ب): (يجعل).]] ﴿تَحْسَبَنَّهُمْ﴾ بدلًا من ﴿تَحْسَبَنَّ﴾، كما جاز أن تجعل (يَحسِبُنَّهم [[(أ)، (ب): (تحسبنهم)، وفي (ج): غير معجمة. والمثبت من "الحجة" للفارسي.]]) بدلًا من (يَحْسِبَنَّ [[(أ)، (ب): (تحسبن)، وفي (ج): غير معجمة. والمثبت من "الحجة".]]) في قراءة ابن كثير وأبي عمرو، لاتِّفاق [[(أ)، (ب): (ولاتفاق)، ولا وجه للواو -هنا-. والمثبت من (ج)، و"الحجة"، للفارسي.]] الفعلين.
قال أبو إسحاق [[في "معاني القرآن" له 1/ 498. نقله عنه بتصرف واختصار يسيرين.]]: ووقعت (فَلا [[في (أ)، (ب)، (ج): (لا). والمثبت وفق رسم المصحف الشريف. وكذا جاءت في "معاني القرآن".]] تَحسَبَنَّهم) مُكَرَّرةً؛ لِطُول القصَّة.
والعربُ تُعيد إذا طالت القصّة (حَسبت) وما أشبهها؛ إعلامًا أن الذي جرى متصل بالأوَّل، وتوكيد [[في (ج): (وتأكيد)، وفي المعاني؛ وتوكيدًا.]] له، فتقول: (لا تظنَنَّ زيدًا إذا جاءك وَكلَّمَكَ في كذا وكذا، فَلاَ تظُننَّه صادقًا)، فتكرره إيضاحًا للقصة.
وهذا -الذي ذكره أبو إسحاق- سائغٌ في القراءتين: قراءةِ أبي عمرو، وقراءةِ حمزة.
وقرأ نافعٌ وابنُ عامر: الأوَّل بالياء، والثاني بالتاء وفتح الباء [[أي: ﴿يَحْسَبَنَّ﴾ و ﴿تَحْسَبَنَّهُمْ﴾، وكسرَ نافعٌ السينَ وفتحها ابنُ عامر. انظر: "السبعة" 219 - 220، و"علل القراءات" 1/ 131، و"الحجة" للفارسي 3/ 101]].
ووجه هذه القراءة: أن المفعولَيْن [[من قوله: (المفعولين ..) إلى (.. من بعد عليهما): نقله -بتصرف- عن "الحجة" للفارسي 3/ 107.]] اللَّذَيْن يقتضيهما الحِسْبانُ في قوله: ﴿لَا يَحْسَبَنَّ الذين يفرحون﴾ محذوفان [[في (ج): (محذوفًا).]]؛ لِدَلالَةِ ما ذكِرَ من بَعْدُ عليهما [[في (ج): (عليها).]]. فَلمَّا كان قوله: ﴿فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ﴾ متَّصلًا بمفعولَيْن ظاهِرَيْنِ، جُعِلا مفعولَي قولِهِ [[في (ج): (لقوله).]]: ﴿لا يَحْسَبَنَّ [[(أ)، (ب): ﴿تَحْسَبَنَّ﴾ -بالتاء-. وفي (ج): غير معجمة. والمُثبَت يتناسب مع السياق؛ لأن المؤلف يوجِّهُ قراءةَ نافع وابن عامر وهي بالياء.]] الذين يَفْرَحُون﴾ ، بتقدير: لا يَحْسَبَنَّ [[في (أ)، (ب): ﴿تَحْسَبَنَّ﴾ -بالتاء-. وفي (ج): غير معجمة والمثبت يتناسب مع السياق.]] الذين يفرحون أنْفُسَهُمْ، بمفازةٍ من العذاب، ولا تَحْسَبَنَّهم أنت -أيضًا- كذلك.
وقوله تعالى: ﴿بِمَا أَتَوْا﴾ قال الفرّاء [[في "معاني القرآن" له 1/ 250. نقله عنه بتصرف.]]: يريد: [ما] [[ما بين المعقوفين زيادة من (ج). وفي "معاني القرآن": بما فعلوا.]] فعلوه؛ كما قال ﴿لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا﴾ [مريم: 27] أي: فَعَلْتِ. وكقوله: ﴿وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ﴾ [النساء: 16].
وقوله تعالى: ﴿بِمَفَازَةٍ﴾ أي [[من قوله: (أي ..) إلى (.. نجا): نقله -بنصه- عن "تفسير غريب القرآن"، لابن قتيبة 1/ 109.]]: بِمَنْجَاةٍ؛ مِنْ قولهم: (فَازَ فلانٌ): إذا [[في "تفسير الغريب" أي.]] نَجَا. وقال الفرّاء [[في "معاني القرآن" له 1/ 250.]]: أي: بِبُعْدٍ [[في (أ): (يبعد)، وفي (ب)، (ج): رسمت كالتي في (أ)، إلا أنَّ النقط غير == واضحة. والمثبت هو ما استظهرت صوابه. وهي أقرب إلى رسمها في "معاني القرآن" (ببعيد)، وكذا وردت في: "إعراب القراءات السبع" لابن خالويه 1/ 125 (ببعد من النار).]] من العذاب؛ لأن الفَوْزَ معناه: التباعد من المكروه [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 495.]].
وذكرنا ذلك في قوله: (﴿فَقَدْ فَازَ﴾ [آل عمران: 185].
آل عمران 3:189
قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي: بِمُلْكِ تدْبيرِهما [[في (ج): (سرها).]]، وتصريفهما [[في (ج): (وتصريفها).]] على ما يشاء. وهذا تكذيبٌ لِلَّذِين قالوا: ﴿إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ [[سورة آل عمران: 181. وانظر: "تفسير الطبري" 4/ 209.]].
آل عمران 3:191
قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا﴾ الآية.
رُوي عن علي، وابن عباس، وقتادة [[ذكر قولهم الثعلبي في "تفسير" 3/ 170 ب، وابن الجوزي في "زاد المسير" 1/ 527.]]: أنهم قالوا: يعني [[في (ج): (معنى).]] [أنهم] [[ما بين المعقوفين زيادة من (ج).]] يُصَلُّون على هذه الأحوال: قِيَامًا، فإن لم يستطيعوا فقُعُودا، فإن لم يستطيعوا فَعَلَى جُنُوبِهم.
وهذا اختيار الزجاج، قال [[في "معاني القرآن"، له: 1/ 499. نقله عنه بنصه. ولكن ليس هذا اختيار الزجاج، وإنما أورده وعزاه لبعض المفسرين، فقال: (وقال بعضهم ..) ثم ذكره، وأعقبه بقوله: (وحقيقته عندي -والله أعلم-: أنهم موحدون الله على كل حال). وقال قبلها: (.. وإنهم يذكرون الله في جميع أحوالهم) 1/ 498. وهذا هو اختياره.]]: يصلون في [[في "معاني القرآن": على.]] جميع هذه الأحوال، على قَدْرِ إمْكانِهِم، في صحتهم وسَقَمِهم.
وقال آخرون [[ممن قال به: قتادة، وابن جريج، ومجاهد. انظر. "تفسير الطبري" 4/ 210، و"تفسير ابن أبي حاتم" 3/ 842]]: يريد: أنهم يذكرون الله على كل حال.
وجاز [[من قوله: (وجاز ..) على (.. وراكبًا): نقله -بتصرف- عن: "معاني القرآن"، للزجاج: 1/ 498.]] أن يعطف بـ (على) على ﴿قِيَامًا﴾ و ﴿وَقُعُودًا﴾ ، لأن معناه يُنْبِئ عن حالٍ مِنْ أحوال تَصَرُّفِ الإنسان؛ كما تقول: (أنا أصِيرُ إلى زيدٍ ماشِيًا، وعلى الخيل). المعنى: ماشِيًا ورَاكِبًا [[أي أنَّ ﴿وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾ في معنى الاسم؛ أي: (ونيَامًا)، أو (مُضْطجِعين على جنوبهم). فحسن حينها عطفها على ﴿قِيَامًا وَقُعُودًا﴾، كما قال في موضع آخر: ﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا﴾ [سورة يونس: 12] فقوله: ﴿لِجَنْبِهِ﴾، أي: (مضطجعا)، فعطف على الأسماء بعدها.
انظر: "معاني القرآن"، للفراء 1/ 250، و"تفسير الطبري" 4/ 210.]].
وقوله تعالى: ﴿وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾.
ليَكُون [[من قوله: (ليكون ..) إلى (.. آثار حكمته): نقله -بتصرف- عن "معاني القرآن"، للزجاج: 1/ 499.]] ذلك أزيد في بَصِيرتهم؛ لأن فكرهم يُرِيهم عِظَمَ شأنهما، فيكون تعظيمُهم للهِ عز وجل على حسب ما يقفون عليه من آثار حكمته.
وقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا﴾.
أي: و [[(الواو): زيادة من (ج).]] يقولون: رَبَّنا ما خلقت هذا [[في (ج): (هذه).]]. الإشارة بـ ﴿هَذَا﴾ راجعةٌ إلى الخَلْقِ. و ﴿خَلَقْتَ﴾ يدل على الخَلْقِ [[انظر: "تفسير الطبري" 4/ 210. وقال مُعلِّلًا ذلك: (يدل على ذلك قوله: ﴿سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ ورغبتهم إلى ربِّهم أنْ يُقِيهم عذابَ الجحيم. ولو كان المعنِيَّ بقوله: ﴿فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾، معنًى مفهومٌ؛ لأن السمواتِ والأرضَ أدلةٌ على بارئها، لا على الثواب والعقاب، وإنما الدليل على الثواب والعقاب الأمر والنهي).]].
وقوله تعالى: ﴿بَاطِلًا﴾.
أي: خلقته دليلًا على حكمتك، وكَمَالِ قُدرتِك.
ومعنى الباطل: الزائِل الذاهب، الذي لا يَثْبُتُ [[قال ابن فارس (الباء والطاء واللام، أصلٌ واحدٌ، وهو: ذهاب الشيء، وقِلَّةُ مُكْثِهِ ولُبْثِه؛ يقال: (بَطَلَ الشيءُ، يَبْطُلُ بُطْلًا وبُطُولًا". "مقاييس اللغة" 1/ 258 (بطل).]]. ولَمَّا كان خَلْقُ السَّموات والأرض خَلْقًا مُتْقَنًا، وصُنْعًا مُحْكمًا دالًا على قدرة الصانع، لم يكن باطلًا.
وكثير من المفسرين يذهبون إلى أن المعنى: (ما خلقتهما لغَيرِ شيءٍ) [[وممن قال بهذا المعنى: مقاتل، والطبري، وأبو الليث السمرقندي، والثعلبي، والعز بن عبد السلام.
انظر: "تفسير مقاتل" 1/ 321، و"تفسير الطبري" 4/ 210، و"بحر العلوم" 1/ 324، و"تفسير الثعلبي" 3/ 171 أ، و"فوائد في مشكل القرآن" لابن عبد السلام 109.]]؛ لأنه خلقهما لِيَبْلُوَ العِبَادَ بينهما بالأمر والنهي، فيثيب المطيع، ويعاقب العاصي [[قال تعالى: ﴿وَخَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَلِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾ [الجاثية: 22].]]، وانتصب قولُه ﴿بَاطِلًا﴾ على أنه نَعْتُ مصدرٍ محذوفٍ؛ أي: خَلْقًا باطلًا [[وهذا وجه واحد من وجوه نصبه، وفيه وجوه أخرى، ذكرها أبو حيان في "البحر == المحيط" 3/ 140، والسمين الحلبي في "الدر المصون" 3/ 532 - 533 واستحسنا كونها حالًا من ﴿هَذَا﴾.]].
وقوله تعالى: ﴿سُبْحَانَكَ﴾.
أي: تنزيهًا لك، ببراءتك عما لا يجوز في وصفك [[التسبيح: تنزيه الله -تعالى- من كلِّ سُوء والتنزيه: التبعيد. فقولهم: (سبحانك)؛ أي: تنزيهًا لك يا ربنا .. أي: نَزَّهناك.
انظر: "الزاهر" 1/ 144، و"مقاييس اللغة" 3/ 125 (سبح)، و"اللسان" 4/ 1914 (سبح).]].
﴿فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾.
أي: قد اعترفنا بوحدانيَّتِك، وصدَّقنا أنَّ لك جَنّةً ونارًا، فقِنا عذابَ النار.
آل عمران 3:192
قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ﴾.
الإخزاء -في اللغة- يَرِدُ على معانٍ، يَقْرُبُ بعضُها مِنْ بَعْضٍ.
قال الزجاج [[لم أقف على مصدر قوله. وورد عنه في: "معاني القرآن" -عند هذه الآية-: (والمَخْزِيُّ -في اللغة-: المُذَلُّ المَحقور بأمرٍ قد لَزمَهُ بِحُجَّة، وكذلك (أخزيته)؛ أي: ألزمته حجة أذْلَلْتهُ معها).]]: (أخزى اللهُ العَدُوَّ)؛ أي: أبْعَدَهُ. وقال غيرُه [[أورد هذا القول الأزهري في: "التهذيب" 1/ 1027 (خزى) ولم ينسبه لقائل؛ حيث أورد قولَ الليث بن المظفر أولًا، ثم قال: (وقال غيره ..) وذكر القول.]]: الخِزْي: الهَوَانُ، و (أخزاهُ الله)؛ أي: أهانه.
وقال شَمِر [[قوله في: "تهذيب اللغة" 1/ 1027 (خزى). ونصه في "التهذيب": (قال شمر: قال بعضهم ..) ثم ذكره.]]: أخزيته: فضحته. وفي القرآن: ﴿وَلَا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي﴾ [هود: 78].
وقال [[في (ج): (قال) بدون واو.]] المُفَضَّلُ [[قوله في "تفسير الثعلبي" 3/ 172 أ.]] -في قوله: ﴿أَخْزَيْتَهُ﴾ -: أي: أهْلَكته.
وقال ابن الأنباري [[لم أقف على مصدر قوله.]]: معنى الخِزْي -في اللغة-: الهلاك بتَلفٍ أو انقطاع حُجّةٍ، أو بوقوعٍ في بلاء [[تعرض ابن الأنباري لهذه الكلمة في "الزاهر" 1/ 374 فقال عن قولهم (أخزى الله فلانًا): (معناه: أذله الله وكسَره وأهلكه. قال أبو العباس: الأصل فيه: أن يفعل الرجل فَعْلَةً، يستحي منها وينكسر لها، ويذل من أجلها ..).]]. قال جرير:
تَمَّتْ تَمِيمٌ يا أُخَيْطِلُ فانْجَحِرْ ... خَزِيَ الأُخَيْطِلُ حين قُلتُ وقالا [[البيت في: ديوانه: 362. وهو من قصيدة يهجو فيها الأخطل، الشاعر النصراني.
وروايته في الديوان: (تمت تميمي يا أخيطل فاحتجز ..).
ومعنى (فانْجَحِرْ): ادخل جُحرك. من: (جَحَرَ الضبُّ): دخل جُحره و (جَحَرَ فلانٌ الضَبَّ): أدخله في جحره. انظر: "القاموس" ص 362 (جحر).]]
أي: هَلَكَ بانقطاع حُجّتِهِ. ويحتمل: استحيا بانقطاعه. يقال [[من قوله: (يقال ..) إلى (.. إذا استحيا): موجود في: "الزاهر" لابن الأنباري 1/ 374.]]: (خَزِيَ، يَخْزَى، خِزْيًا): إذا هلك. و (خَزِي، يَخْزى [[قوله: (خزيًا: إذا هلك وخزي يخزى) ساقط من (ج).]]، خَزَايةً): إذا استحيا [[ونصه عند ابن الأنباري: (يقال: (خَزِي يخزَى خزايَةً): إذا استحيا. و (خزِي يخزَى خِزْيا): إذا انكسر وهلك وذل).]].
وتعلقت الوَعِيدِيَّةُ بهذه الآية، وقالوا: قد أخبر الله -تعالى-: أنه لا يُخزي النبيَّ والذين آمنوا معه، فوجب أن كلّ مَنْ يدخل النارَ لا يكون مؤمنًا؛ لِقَولِه: ﴿أَخْزَيْتَهُ﴾. والجواب عن هذا، من وجوه: أحدها: ما رَوَى قتادة، عن أنسٍ [[قوله في: "تفسير الطبري" 4/ 211، و"تفسير ابن أبي حاتم" 3/ 842، و"معاني القرآن" للنحاس 1/ 526، و"تفسير الثعلبي" 3/ 172 أ.]] -في قوله: ﴿إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ﴾ -، قال: إنك مَنْ تُخَلِّدْ في النار.
وقال الثَوْريُّ: بَلَغَنِي عن سعيد بن المسيب [[قوله في "تفسير عبد الرزاق" 1/ 142، و"تفسير الطبري" 4/ 211، و"تفسير الثعلبي" 3/ 172 أ، وفيها: (أخبرنا الثوري، عن رجل، عن ابن المسيب ..). وأورده ابن أبي حاتم في "تفسيره" 964 بدون إسناد.]]، أنه قال في هذه الآية: هي خاصَّةٌ في قومٍ لا يخرُجونَ مِنَ النَّارِ بعد دُخُولِهم إيَّاها.
ورُوي هذا المعنى -أيضًا- عن قتادة [[قوله في "تفسير ابن أبي حاتم" 4/ 842، و"تفسير الثعلبي" 3/ 172 أ. وهو قول: سعيد بن جبير، وابن جريج، ومقاتل. انظر: "زاد المسير" 1/ 528.]] نفسِهِ. فمذهب هؤلاء الثلاثة: أنَّ الآية خاصَّةٌ فيمن يدخلها للخلود فيها. يدل عليه آخرُ الآية، وهو قوله تعالى: ﴿وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ يريد: الكفار.
والثاني: أن المُدخَل في النار مَخْزِيٌّ في حال دُخُولِهِ، وإن كانت عاقبتُهُ أن يخرج منها، فإن الدخول لا يقع إلّا بخزيٍ في ذلك الوقت. وهذا مذهب جابر بن عبد الله، واختيار ابن الأنباري.
يَدُلُّ عليه ما روي عن عَمْرُو بن دينار، أنه قال: قَدِم علينا جابر -في عُمْرةٍ -، فسألته عن هذه الآية، فقال: وما أخزاهُ [[(أ) ، (ب): (اخزاؤه). ولا وجه لها -هنا-. والمثبت من (ج)، ومصادر الخبر التالية.
وقوله: (وما أخزاه) أي: ما أشد وأكثر خزيه! أو: يا لخزيه!.]] حين أحرقه بالنار! إنّ دون ذا [[في (ب): (ذلك) وكذا وردت في مصادر الخبر.]] لَخِزْيًا [[أخرج الخبر: الحاكم في "المستدرك" 2/ 300، والطبرى في "تفسيره" 4/ 211،== وأورده السيوطي في "الدر" 2/ 196.
وقد رجح الطبريُّ هذا القول. انظر: "تفسيره" 4/ 211.]].
قال ابن الأنباري [[لم أقف على مصدر قوله.]]: وحَمْل الآية على العموم أولى من نقلها إلى خصوصٍ لا دليل عليه.
والجواب الثالث: ما قال أهلُ المعاني، وهو: أنّ الإخزاءَ يحتمل معنيين: أحدهما: الإهانة والإهلاك والإبعاد، كما ذكرنا. وهذا للكفّار والثاني: الإخجال؛ يقال: (خَزِيَ خَزَايَةً): إذا استحيا، و (أخزاه غَيْرُهْ): إذا عَمِلَ بِهِ عَمَلًا يُخْجِلُه، ويستحيي منه.
ومنه حديث يزيد بن شَجَرَة [[هو: يزيد بن شَجَرة بن أبي شجرة الرُّهاوي. شامي من مذحج، مُخْتَلَفٌ في صُحبته، وكان معاوية (يستعمله على الجيوش، وكان أميرًا حازمًا، قتل في إحدى الغزوات سنة (55 هـ)، وقيل: (58 هـ).
انظر: "الاستيعاب" 4/ 138، و"الكامل" 3/ 190، 227، و"أسد الغابة" 5/ 495، و"الإصابة" 3/ 658.]]: (ولا تُخزُوا الحورَ العِين) [[الأثر، مِنْ خُطبة ليَزيد بن شجرة، أخرجه ابن المبارك في "الزهد" 43 رقم (133)، موقوفًا على يزيد، قال: (أخبرنا زائدة عن منصور عن مجاهد، قال: كان يزيد بن شجرة مما يُذَاكرنا فيبكي ..) وذكره.
وأخرجه أبو عبيد بن سلام في "غريب الحديث" 4/ 358 - 359، موقوفًا.
وأورده الأزهريُّ في "تهذيب اللغة" 1/ 1027 نقلًا عن أبي عبيد، وأورده الزمخشري في "الفائق" 1/ 317، وابن الجوزي في "غريب الحديث" 1/ 277.
وقد أورده -كذلك-: ابنُ الأثير في "أسد الغابة" 5/ 495، بنحوه، مرفوعًا عن يزيد، وكذا أورده ابن حجر في "الإصابة": 3/ 658، مرفوعًا عن يزيد. وعزاه، ابن حجر للخرائطي في: مكارم الأخلاق، وابن أبي شيبة، وعزاه للبغوي من طريق خالد الواسطي، ولأبي نعيم من طريق مسعود بن سعد، عن يزيد، ونسب ابن == حجر إخراجه لآخرين غيرهم من طرق مختلفة، ونقل عن البغوي أنه موقوف، وقال ابن حجر: (وهو الصواب).]]؛ كأنهن يَتَطلَّعنَ مَن يَصيرُ إليهن بالشهادة؛ يقول: فلا تُخْجِلُوهُنَّ بِفِرَارِكُم.
فعلى هذا، خِزْيُ المؤمنين: الحياءُ مِنْ سائِرِ أهلِ الإيمان، بدخول النار إلى أن يخرجوا منها، وخِزْيُ الكافرين: الهلاكُ بالخلود [[في (ب): (في الخلود).]] فيها.
آل عمران 3:193
قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا﴾ الآية.
المنادي: محمد ﷺ، في قول ابن عباس [[قوله في: "تفسير الثعلبي" 3/ 172 ب، و"تفسير البغوي" 2/ 153، و"زاد المسير" 1/ 528.]]، وابن مسعود [[قوله في: المصادر السابقة، ما عدا "زاد المسير".]]، وابن جريج [[قوله في: "تفسير الطبري" 4/ 212، و"تفسير ابن أبي حاتم" 3/ 843، و"النكت والعيون" 1/ 443، و"زاد المسير" 1/ 528، و"الدر المنثور" 2/ 196 وزاد نسبة إخراجه إلى ابن المنذر.]]، وابن زيد [[قوله في: "تفسير الطبري" 4/ 212، و"النكت والعيون" 1/ 443، و"زاد المسير" 1/ 528.]]، والأكثرين [[انظر: "تفسير مقاتل" 1/ 321، و"تفسير القرطبي" 4/ 317، وقال: (وهذا صحيح معنى)، و"تفسير ابن جزي" 104، و"تفسير ابن كثير" 1/ 476.]].
وقيل: عين [[هكذا في: (أ)، (ب). وفي (ج): (عنى).]] المُنادِي: القرآنُ؛ حِكايَةً عن مؤمني الإنس، كما حكى عن مؤمني الجنَّ: ﴿إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا﴾ [الجن: 1] الآية.
وهذا قول القُرَظِيِّ [[قوله في: "تفسير سفيان الثوري" 83، و"تفسير الطبري" 4/ 212، و"ابن أبي حاتم" 3/ 843، و"معانى القرآن" للنحاس 1/ 527، و"تفسير الثعلبي" 3/ 172 ب، == و"النكت والعيون" 1/ 442، و"تفسير البغوي" 2/ 153، و"زاد المسير" 2/ 196، و"الدر المنثور" 2/ 411 وزاد نسبة إخراجه إلى عبد بن حميد، وابن المنذر، والخطيب في "المتفق والمفترق".
وهو قول قتادة انظر: "تفسير الطبري" 4/ 212، ورجحه الطبري، و"تفسير ابن أبي حاتم" 3/ 842.]]، قال: لأنه ليس كلُّ أحدٍ لَقِيَ النبي ﷺ. والذين قالوا: إنه النبي؛ قالوا: إن من سَمِع القرآنَ، فكأنه رأى النبي وأدركه وسمع منه؛ لأن القرآن معجزته، لم يأت به غيره، فهو دليل عليه، وكل مَن بَلَغه القرآنُ، فقد أنذره رسول [[في (ب): (النبي)]] الله ﷺ.
وقال تعالى: ﴿يُنَادِي لِلْإِيمَانِ﴾ قال أبو عبيدة [[في "مجاز القرآن" له 1/ 11. نقله عنه بمعناه.]]: هذا على التقديم والتأخير، أي: سمعنا مناديًا للإيمان ينادي. وقيل [[قال بذلك: الفرّاءُ في "معاني القرآن" 1/ 250، والطبري في "تفسيره" 4/ 213.]]: اللام؛ بمعنى: (إلى)؛ كقوله: ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾ [المجادلة: 8]، ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا﴾ [المجادلة: 3] ﴿بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا﴾ [الزلزلة: 5]، و ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا﴾ [الأعراف: 43]، ومثله كثير. وهذا قول أكثر النحويين [[انظر -إضافةً على ما سبق-: "تأويل مشكل القرآن" 572، و"اللامات" 143، و"النكت والعيون" 1/ 443.]].
وقيل: هي [[في (ج): (هو).]] لام (أَجْل) [[ذكره الثعلبي بلفظ (قيل: ..) ولم ينسبه لقائل.]].
وقوله تعالى: ﴿وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا﴾ معنى (التكفير) في اللغة: التغطية. و (رجلٌ مُكَفَّرٌ بالسلاح)؛ أي: مُغَطَّى [[(كَفَر) و (كَفَّر) بِمَعنى، وأصله يدل على التغطية والستر. ويقال: (فارسٌ مُكَفَّرٌ) و (مُتَكَفِّرٌ بالسلاح).= انظر: (كفر) في: "إصلاح المنطق" 126، 127، 240، و"تهذيب اللغة" 4/ 3161، و"المقاييس" 5/ 191، و"بصائر ذوي التمييز" 4/ 361.]].
والكُفْر، منه [[منه: ساقط من (ج).]] -أيضًا-، وقد [[في (ج): (قد) بدون واو.]] ذكرناه.
ومعنى ﴿كَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا﴾، أي: غَطِّها عَنّا [[(عنا): ساقطة من (ج).]]، حتَّى لا نراها [[في (ج): (نريها).]]؛ كما تقول: (اغفر لي خطيئتي).
و (الغَفْرُ) -في اللغة-: السَّتْر [[انظر: (غفر) في: "جمهرة اللغة" 1/ 778، و"تهذيب اللغة" 3/ 2679، و"الزاهر" 1/ 192، و"معجم المقاييس" 4/ 385، و"بصائر ذوي التمييز" 4/ 136.]]. وجَمَعَ بين غُفْران الذنوب، وتكفير السَّيئات؛ لأن غفرانَ الذنوبِ، تَفَضُّلُه ورحمتُه؛ وتكفيرَ السيئات بالطاعات؛ كما تقول في الأشياء الموجبة للكفَّارة، فإنها إذا كُفِّرت، صارت مُكفَّرةً بتلك الطاعةِ التي هي كفَّارةٌ لها، كالصوم في الظِّهار، وإعتاق الرَّقبة في القتل الخطأ، والإطعام في الحِنْث [[الحِنْثُ -هنا-: الخُلْف في اليمين.]]. فالمغفرة بفضله من غير سبب، والتكفير، بسبب [[في (ج): (سبب).]] طاعة.
والسَّيَئات جَمْعُ: سَيِّئَة. قال الليث [[قوله في: "تهذيب اللغة" 2/ 1583 (سوأ)، وقد دمج المؤلف -هنا- بين قول أبي زيد، وقول الليث. فمن قوله: (السيء ..) إلى (.. للأنثى): هو نص قول الليث. ومن قوله: (سوأت ..) إلى (.. بما صنع): من قول أبي زيد، تصرف فيه المؤلف.]]: يقال: (ساءَ الشَيءُ، يَسُوءُ)، فهو (سَيِّئٌ): إذا قَبُحَ.
وقال أبو زيد: (السَّيِّىُء)، و (السَّيِّئة)، عملان قبيحان. يصير (السيِّىءُ) [[في (ج): (الشيء).]] نعتًا للذَّكَرِ مِنَ الأفعال [[في "التهذيب": الأعمال.]]، و (السَّيِّئَةُ) للأنثى؛ ومِنْ هذا يقال: (سَوَّأتُ على فلان فعلَه) ، أي: قَبَّحْتُهُ عليه، وعِبْتُهُ بما صَنَع.
وقوله تعالى: ﴿وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ﴾.
قال ابن عباس [[لم أقف على مصدر قوله. وقد ورد في "زاد المسير" 1/ 529.]]: يريد: مع [[(مع): ساقطة من (ج).]] الأنبياء؛ والمعنى: تَوَفَّنا في جُمْلَتِهم. وكلُّ مَنْ أُخِذَ في جُمْلَةِ قومٍ صار معهم؛ فلذلك قال: ﴿مَعَ الْأَبْرَارِ﴾.
آل عمران 3:194
قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ﴾ الآية.
قالوا: معناه: على ألسُنِ رُسُلِك. فهو من باب حذف المضاف [[انظر: "تفسير الطبري" 4/ 213، و"بحر العلوم" 1/ 324، و"تفسير الثعلبي" 3/ 173 أ، و"زاد المسير" 1/ 529.]].
وقال الكَلْبيُّ -عن ابن عباس- [[لم أقف على مصدر قوله.]]: يقولون: على لِسان رُسُلِك.
ومعنى الدعاء -ههنا- مع العِلْم أنه مُنْجِزٌ وَعْدَهُ لا محالة-: التَّعَبُدُ؛ لمَا في ذلك من الخُضُوع لله، وإظهار الحاجة إليه؛ وذلك أن (الدعاء مُخُّ العِبَادةِ) [[هذا نص حديث، أخرجه بهذا اللفظ: الترمذي في "السنن" 5/ 456 رقم (3371). كتاب: الدعاء. باب: (من فضل الدعاء)، عن أنس بن مالك، من طريق ابن لهيعة، وقال الترمذي: (حديث غريب من هذا الوجه، لا نعرفه إلا من حديث ابن لهيعة).
وورد بلفظ: (الدعاء هو العبادة)، أخرجه: الترمذي في "السنن" رقم (2969) == كتاب: "التفسير": باب (من سورة البقرة). وقال: (حسن صحيح)، رقم (3247) كتاب: التفسير. باب (ومن سورة المؤمن)، رقم (3372) كتاب: الدعاء. باب: (ما جاء في فضل الدعاء).
وأحمد في "المسند" 4/ 271، والحاكم في "المستدرك" 1/ 491. وقال: (صحيح الإسناد)، ووافقه الذهبي.
وابن ماجه في "السنن" رقم (3828) كتاب: الدعاء باب (فضل الدعاء).
وأبو داود في "السنن" رقم (1479) كتاب: الصلاة باب (الدعاء).
وابن حبان في صحيحه - انظر: "الإحسان" 3/ 172 رقم: (890).
وابن أبي شيبة في "مصنفه" 6/ 21 - 22 رقم (29158).
والبخاري في "الأدب المفرد" رقم (714)، والطيالسي في "مسنده" 2/ 146 (838)، والبغوي في "شرح السنة" 5/ 184 رقم (1384).]].
ومثلُهُ -مِمَّا لا يجوز غيرُه، وقد تعبدنا بالدعاء به-: قولُهُ [[في (ج): (وقوله).]] -تعالى- [[(تعالى): ليست في (ج).]]: ﴿قَالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ﴾ [الأنبياء: 112]، وقوله: ﴿فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ﴾ [غافر: 7] [[وانظر: "روح المعاني" 4/ 167.]] الآية
وقيل [[ذكر معنى هذا القول: الطبري في "تفسيره" 4/ 214، والثعلبيُّ في "تفسيره" 3/ 173 أ، ولم ينسباه لقائل.]]: معناه: اجعلنا مِمَّن وَعَدته بالثواب، دون الخِزْي والعِقَاب.
فمعنى (آتِنَا ذلك): اجعلنا مِنْ أهلِهِ. وقيل [[ممن قال به: ابن جريج. انظر: "تفسير الطبري" 4/ 213، 214، و"تفسير ابن أبي حاتم" 3/ 843.
واختاره الطبري في: "تفسيره" 4/ 214. وقال الآلوسي: (وكلام أبي القاسم البلخي يشير إلى هذا أيضًا) "روح المعاني" 4/ 167.]]: معناه: و [[(الواو): زيادة من (ج).]] آتِنا ما وعدتنا مِنَ النصْرِ لنا، والخِذْلان لِعَدُونَّا، عاجِلًا. فهم سألوا تعجيل ما وُعِدوا.
وقوله تعالى: ﴿وَلَا تُخْزِنَا﴾ قد ذكرنا معاني (الإخزاء)، عند قوله: ﴿مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ﴾ [آل عمران: 192].
آل عمران 3:195
قوله تعالى: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي﴾ أي: بِأنِّي.
وقوله تعالى: ﴿بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ أي: في الدِّينِ والنُصْرَةِ، والمُوَالاة. معناه: بعضكم يوالي بعضًا؛ كما ذكرنا في قوله: ﴿ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ﴾ [آل عمران: 34]. هذا قولُ الكَلبِيِّ [[قوله، في: تفسير "بحر العلوم" 1/ 324، و"تفسير الثعلبي" 3/ 174أ.]] وغيرِه [[وهو قول: ابن عباس، والحسن، وقتادة، واختيار الطبري. انظر: "تفسير الطبري" 4/ 216، و"النكت والعيون" 1/ 443، و"زاد المسير" 1/ 375.]].
وقيل [[هذا القول، أورده الطبري في تفسيره؛ مِن تتمة القول الأول، ولم يفصل بينهما. انظر: "تفسيره" 4/ 216. وأورده الثعلبي في "تفسيره" 3/ 174 أ، وصَدّره بـ (قيل) ولم ينسبه لقائل.]]: معناه: حُكْمُ جَمِيعِكم حُكْمُ واحِدٍ منكم؛ فيما أفْعَلُ بكم؛ مِنْ مُجازاتِكم على أعمالكم، وتَرْكِ تضييعها لكم. يستوي في ذلك ذُكْرانُكم وإناثكم.
وقوله تعالى: ﴿وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا﴾. أحسنُ [[من قوله: (أحسن ..) إلى (.. للقتل الذي وقع بهم): نقله -بالمعنى- من "الحجة" للفارسي 3/ 117.]] وجوهِ القِراءَةِ: تقديمُ ﴿قَاتَلُوا﴾ على ﴿قُتِلُوا﴾ [[هي قراءة نافع، وعاصم، وأبي عمرو.
انظر: "السبعة" 221، و"القراءات" للأزهري 1/ 135، و"الحجة" للفارسي 3/ 117، و"الكشف" لمكي 1/ 373، و"التيسير" للداني 93.]]، لأن القتال قبل القتل. وقرأ ابنُ عامر، وابنُ كَثير: ﴿وَقُتِّلُواْ﴾ -مُشَدَّدَة- [[انظر: المصادر السابقة.]]؛ لِتَكَرُّرِ القتلِ فيهم، فهو مثل: ﴿مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوَابُ﴾ [ص: 50]، ومَنْ خَفَّفَ؛ فإن التخفيف يقع على القليل والكثير.
وقرأ حمزة، والكسائيُّ [[انظر: المصادر السابقة، و"النشر" 2/ 246.]]: ﴿وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا﴾، ولها وجهان:
أحدهما: أن المعطوف بالواو، هو الأوَّلُ في المعنى، وإنْ كان مُؤَخَّرًا في اللفظ؛ لأن [[في (ج): (فإن).]] الواوَ لا يُوجِبُ [[في (ج): (لا توجب).]] ترتيبًا.
والثاني: أن المُرادَ بقوله: ﴿وَقتُلُواْ﴾ ، أي: قُتِلَ بعضُهم، ثم قاتل مَنْ بَقِيَ منهم، ولم يَهِنُوا، ولم يَضْعُفوا، لِلْقَتْلِ الذي وَقَعَ بهم [[استشهد الفارسي في هذا الموضع بقوله تعالى: ﴿فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الآية: 146. سورة آل عمران].]].
وقوله تعالى: ﴿ثَوَابًا مِّن عِندِ اَللَّهِ﴾ قال الزجاجُ [[في "معاني القرآن" له 1/ 500. نقله عنه بتصرف واختصار.]]: هو مصدرٌ مؤكِّدٌ لِمَا قبله [[المصدر المؤكِّد، هو المفعول المطلق. وفي نصبه وجوه أخرى؛ منها: أنه منصوب على التمييز، الذي يسميه الفراء (التفسير). وقيل: منصوب على القطع؛ أي: الحال. وقيل غير ذلك.
انظر: "معاني القرآن" للفراء 1/ 251، و"إعراب القرآن" للنحاس 1/ 387، و"مشكل إعراب القرآن" 1/ 185، و"الدر المصون" 3/ 543 - 544.]] ، لأن معنى ﴿وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ﴾: لأُثِيبَنَّهُمْ.
قال: ومثله: ﴿كِتَابَ اللهِ﴾ [[سورة النساء: 24. ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾، لأن قبلها جاء قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ﴾ إلى آخر الآية 23 من سورة النساء.]]، و ﴿صُنْعَ اللهِ﴾ [[سورة النمل: 88. ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ﴾.]]؛ لأن ما قبله بمنزلة: (كَتَبَ اللهُ)، و (صَنَعَ اللهُ) [[انظر: "كتاب سيبويه" 1/ 381، و"المسائل الحلبيات" 303، وانظر: تفسير قوله تعالى: ﴿كِتَابًا مُّؤَجَّلاً﴾ [الآية: 145].]].
آل عمران 3:196
قوله تعالى: ﴿لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ﴾
قال المفسرون: نزلت [[من قوله: (نزلت ..) إلى (.. فأنزل الله ﴿لَا يَغُرَّنَّك﴾): نقله -بتصرف يسير- عن "تفسير الثعلبي" 3/ 175أ.
وممن قال بذلك: مقاتل في "تفسيره" 1/ 323، وذكره أبو الليث في "بحر العلوم" 1/ 325 على أنه معنى الآية، ولم ينص على كونه سببًا في نزولها.
وذكره المؤلف في "أسباب النزول" 143، والبغوي في "تفسيره" 2/ 154، ولم ينسباه لقائل. وذكره الآلوسي، واستظهره. انظر: "روح المعاني" 4/ 172.]] في مشركي مَكَّة، وذلك أنهم كانوا يَتَجَبَّرُون [[في (ج)، و"تفسير الثعلبي": (يتَّجرون)، وكذا هي في: "روح المعاني"، حيث نقل الآلوسيُّ نَصَّ هذه العبارة عن الواحدي، وفيها (يتجرون). وهي أصوب وأليق بالمعنى المراد. والمثبت من (أ)، (ب)، وله وجه كذلك.]] وَيتَنَعَّمُون. فقال بعض المؤمنين: إن [[(إن): ساقطة من (ج).]] أعداء الله فيما نرى من الخير، وقد هَلَكْنَا من الجُوعِ والجَهْدِ، فنزلت هذه الآية.
وقال الفراء [[في "معاني القرآن " له 1/ 251.]]: كانت اليهود تضرب في الأرض فَتُصِيبُ الأموالَ، فأنزل [[في "معاني القرآن": (فقال الله عز وجل).]] الله: ﴿لَا يَغُرَّنَكَ﴾ [[ذكر هذا السببَ ابنُ الجوزي في "زاد المسير" 1/ 531، ونسبه لابن عباس.
وذكر ابن الجوزي عن أبي سليمان الدمشقي، أن النبي ﷺ، أراد أن يستلف من بعض اليهود شعيرًا، فأبى إلا على رَهْنٍ، فقال النبي ﷺ: "لو أعطاني لأوفيته، إني لأمينٌ في السماء، أمينٌ في الأرض" فنزلت هذه الآية.]].
قال الزجاج [[في "معاني القرآن" له 1/ 500. نقله عنه بنصه.]]: خطاب النبي ﷺ، خطاب الخَلْقِ في هذا الموضع؛ المعنى: لا يَغُرَّنَّكم أيها المؤمنون. وهذا قول قتادة [[قوله في: "تفسير الطبري" 4/ 217، و"تفسير ابن أبي حاتم" 3/ 845.]]. قال: والله ما غَرُّوا نَبِيَّ اللهِ، حتى قبضه الله. والخطاب له، والمراد غيره [[(الخطاب له والمراد غيره): العبارة للثعلبي في "تفسيره" 3/ 175 أ.]].
وقال بعض النَحْوِيِّين [[لم أقف عليهم.]]: هذا خطابٌ لكل من سمعه من المكلفين؛ كأنه قيل: لا يَغُرَّنك أيُّها السامِعُ.
وُيبْنى المضارعُ مع النون الشديدة؛ لأن النون لحقت حرفَ الإعراب، على جهة التأكيد، فصار بمنزلة ضمِّ الاسم إلى الاسم في (خَمْسَةَ عَشَرَ)، ونحوه.
وقوله تعالى: ﴿تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ﴾.
يعني: تَصَرُّفهم للتجارات [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 1/ 251، و"تفسير غريب القرآن" لابن قتيبة 117، و"معاني القرآن" للزجاج 1/ 500، و"تفسير الثعلبي" 3/ 175 أ، و"زاد المسير" 1/ 532.]].
أعلَمَ [[من قوله: (أعلم ..) إلى (.. نعيم بعده النار): نقله -بتصرف يسير- عن: "معاني القرآن" للزجاج 1/ 500 - 501.]] اللهُ أن ذلك مما لا ينبغي أن يُغْبَطوا به؛ لأن مصيرهم -بكفرهم- إلى النار، ولا خير [[في (ج): (وأخبر).]] في نَعِيمٍ [[في "معاني القرآن": (بخير) بدلًا من (في نعيم).]] بعده النار.
آل عمران 3:197
فقال: ﴿مَتَاعٌ قَلِيلٌ﴾ أي: تَقَلُّبُهُم مَتَاعٌ قَلِيلٌ. وقال الفراء [[قد يُفْهم قولُ الفراء هذا، من عباراته التي يقول فيها: (كانت اليهود تضرب في الأرض فتصيب الأموال، فقال الله عز وجل: لا يغرنك ذلك. وقوله: ﴿مَتَعٌ قَلِيلٌ﴾ في الدنيا). "معاني القرآن" 1/ 251. معنى قوله: (ذلك)، أي: ضَرْبُ اليهود في الأرض، متاع قليل.]]: ذلك متاعٌ قليل.
وقال الزجاج [[في "معاني القرآن" له 1/ 501. نقله عنه بنصه.]]: ذلك الكَسْبُ والرِّبْحُ الذي يربحونه، مَتَاعٌ قليل. وإنما وصفه [[في (ب): (وصف).]] بالقِلَّةِ؛ لأنه فانٍ مُنْقَطِعٌ؛ ولأنَّهُ [[في (ج): (وإنه).]] -بالإضافة إلى نعيم الآخرة- قليلٌ.
آل عمران 3:198
قوله تعالى: ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ﴾ الآية. قد ذكرنا التخفيفَ والتشديد في ﴿لَكِنِ﴾ [[قرأ أبو جعفر بتشديد النون المفتوحة. وقرأ الباقون بالتخفيف. انظر: "المبسوط" لابن مهران 151، و "تفسير الثعلبي" 3/ 175ب، و"زاد المسير" 1/ 532، و"النشر" 2/ 247.]] عند قوله: ﴿وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا﴾ [[سورة البقرة:102. وانظر: "الحجة" للفارسى 2/ 169 - 180.]]، ومعناه [[في (ج): (معناه) بدون واو.]] -ههنا-: الاستدراك بها، خلاف المعنى المتقدم؛ وذلك أن [[(أن): ساقطة من (ج).]] قوله: ﴿مَتَاعٌ قَلِيلٌ﴾ تَضَمَّنَ: ما لَهُم كثيرُ انتفاع؛ فجاء على ذلك: ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ﴾ لَهُمْ [[(لهم): زيادة من (ب).]] الخلود في النعيم المقيم.
وقوله تعالى: ﴿مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾. المعنى: مِنْ تحتِ أشجارِهَا وقصورها وأبْنِيَتِها.
وقوله تعالى: ﴿نُزُلًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ النُّزُلُ [[النُّزُل، والنُّزْل -بضم الزاي وتسكينها. انظر: "القاموس المحيط" (1062) (نزل).]]: ما يُهيّأ لضيف أو لقوم إذا نزلوا موضعًا.
ويقال: (أقمت لهم نُزُلَهم) ، أي: أقمت لهم غذاءَهم [[في (ج): (عداوهم).]]، وما يصلح معه أن ينزلوا [[من قوله: (أقمت ..) إلى (.. ينزلوا عليه): هو نص قول الزجاج في: "معاني القرآن" له 4/ 306 عند تفسير الآية 62 من سورة الصافات ﴿أَذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا﴾.]] عليه. هذا معناه في اللغة [[انظر هذا المعنى، وبقية المعاني و (نزل) في: "تهذيب اللغة" 4/ 3555، و"المقاييس" 5/ 417، و"مفردات ألفاظ القرآن" 800، و"اللسان" 7/ 4400.]].
وقال الكَلْبيُّ في تفسيره [[في (أ)، (ب): (تفسير)، والمثبت من (ج). وقد أورد قوله هذا: الثعلبي في: "تفسيره": 3/ 175 ب وورد في: "زاد المسير" 1/ 532، ونسبه إلى ابن عباس. ويبدو أنه من رواية الكلبي عنه.]]: جزاءً وثوابًا [[انظر: "بحر العلوم" 1/ 325، و"تفسير البغوي" 2/ 154.]]. وانتصابه على المصدر [[أي: المفعول المطلق.]]، في قول الزجاج، قال [[في "معاني القرآن" له 1/ 501. نقله عنه بنصه.]]: هو مصدرٌ مُؤَكِّدٌ [[مؤكد: ليس في "معاني القرآن".]]؛ لأن خلودهم فيها: إنزالهم فيها أو نزولهم [[(أو نزولهم): ليس في "معاني القرآن".]].
وقال الفرّاء [[في "معاني القرآن" له 1/ 251. نقله عنه بتصرف.]]: هو نصبٌ على التفسير [[(التفسير) من مصطلحات الكوفيين. وهو (التمييز) عند البصريين، ويقال له كذلك: التبيين. وقد يُطلِقُ الفراءُ (التفسير) على المفعول لأجله، أو على بدل المطابقة. ولكنهما ليسا مرادان في هذا الموضع.
انظر: "همع الهوامع" 3/ 62. و"دراسة في النحو الكوفي" 266 - 228، و"النحو وكتب التفسير" 1/ 189، 190.]]، كما تقول: (هو لك: هِبَةً وبَيْعًا وَصَدَقَة).
وقوله تعالى: ﴿وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ﴾ أي: مما يَتَقَلَّبُ [[في (أ): (ينقلب). وفي (ج): غير معجمة. والمثبت من (ب)؛ لأنها أولى وأليق بالمعنى. وكذا وردت في: "الكشاف" 1/ 491، و"تفسير القرطبي" 4/ 322، و"تفسير البيضاوي" 1/ 83]] فيه الكفّار في دار الدنيا. و (الأبرار) [[من قوله: (والأبرار ..) إلى (للتضعيف) نقله عن "معاني القرآن" للزجاج 1/ 501.]] يجوز أن يكون واحده (بارٌّ)، مثل: صاحِبٌ وأصحاب. ويجوز أن يكون واحده (بَرٌّ)، وأصلُهُ: (بَرَرٌ) [[(وأصله برر): ساقط من (ج).]]، فأدْغِمَ [[في (ج): (وأدغم).]] للتضعيف [[في "الصحاح"، و"اللسان"، و"المصباح المنير"، و"التاج": أن (الأبرار) جمع (بَرٍّ). و (بَرَرَة) جمع (بارٍّ). انظر: (بر) في: "الصحاح" 2/ 588، و"اللسان" 1/ 253، و"المصباح" 17، و"التاج" 6/ 701.
وعند الراغب: أن (أبرار) جمع (بار). و (بَرَرَة) جمع (بَرٍّ). انظر: "مفردات ألفاظ القرآن": 115. وتبعه الفيروزآبادى في "بصائر ذوي التمييز" 2/ 213. وانظر: "البرهان" للزركشي 4/ 18، و"عمدة الحفاظ" 45.]].
آل عمران 3:199
وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ﴾ الآية.
اختلفوا في نزولها؛ فقال ابن عباس [[قوله في: "تفسير الثعلبي" 3/ 1176، و"أسباب النزول" للمؤلف 143.]]، وجابر [[قوله في: "تفسير الطبري" 4/ 218، و"تفسير الثعلبي" 176 أ، و"أسباب النزول" للمؤلف 143، 144.]]، وقتادة [[قوله، في: "تفسير عبد الرزاق" 1/ 144، و"تفسير الطبري" 4/ 218 - 219، و"تفسير الثعلبي" 3/ 176 أ، و"أسباب النزول" للمؤلف 143، 144.]]: نزلت في النَّجَاشيِّ [[هو: أصحمة بن أبحر، والنجاشي، لقبه. قال ابن عيينة عن (أصحمة)، (هو بالعربية: عطية). وهو ملك الحبشة، وقد أكرم المسلمين الذين هاجروا إلى بلاده من مكة المكرمة، وأحسن استقبالهم، وأسلم ولم يهاجر. انظر: "تفسير عبد الرزاق" 1/ 144، و"الإصابة" 1/ 109.]] حينَ مات، وصلّى عليه النبيُّ ﷺ بالمدينة. فقال المنافقون: إنه يُصَلِّي على نصرانِيٍّ لم يَرَهُ قَطُّ [[وبه قال ابن جريج في رواية عنه أخرجها الطبري في "تفسيره" 4/ 2191. وقال به أنس بن مالك، أخرجه عنه النسائي في "تفسيره" 356 رقم (108)، وابن أبي حاتم في "تفسيره" 3/ 846، والمؤلف في: "أسباب النزول" 144، والبزار
(انظر: "كشف الأستار عن زوائد البزار" 1/ 392 رقم: 832).
وذكره الهيثمي في "مجمع الزوائد" 3/ 38وزاد نسبة إخراجه للطبراني في "الأوسط"، وقال: (ورجال الطبراني ثقات)، وذكره ابن حجر في "الإصابة" 1/ 109، وزاد نسبة إخراجه لابن شاهين والدارقطني في: الأفراد.
وانظر: "تفسير ابن كثير" 1/ 481، و"الدر المنثور" 2/ 200.
وبه قال الحسن البصري. ذكر ذلك ابن كثير في "تفسيره" 1/ 481، ونسب إخراج الأثر عنه إلى عبد بن حميد، وابن أبي حاتم.
وصلاة الرسول على النجاشي، أخرجها الشيخان، ولكن ليس فيها اعتراض المنافقين، ولا أنه سبب نزول الآية.
انظر: "صحيح البخاري" (3877) كتاب: مناقب الأنصار. باب: موت النجاشي، و"صحيح مسلم" رقم (951 - 953) كتاب الجنائز. باب: في التكبير على الجنارة. وانظر: "جمع الزوائد" 3/ 38 - 39.]].
وقال ابن جُرَيْج [[قوله في: "تفسير الطبري" 4/ 219، و"تفسير الثعلبي" 3/ 176 ب، و"أسباب النزول" للمؤلف 144.]]، وابن زيد [[قوله في: المصادر السابقة وبه قال مقاتل في "تفسيره" 1/ 323.]]: نزلت في عبد الله بن سَلامٍ وأصحابه.
وقال مجاهد [[قوله في: "تفسير الطبري" 4/ 219، و"تفسير ابن أبي حاتم" 3/ 846، و"تفسير الثعلبي" 3/ 176ب، و"أسباب النزول" للمؤلف173، وهو قول ابن عباس من رواية أبي صالح عنه. انظر:"زاد المسير" 1/ 533. وإلى هذا القول، ذهب الطبري في تفسيره، في الموضع السابق.]]: نزلت في مؤمِنِي أهلِ الكتابِ، كلِّهم.
و [[(الواو): زيادة من (ج).]] قال الزجاج [[في "معاني القرآن" له 1/ 501. نقله عنه بالمعنى.]]: لَمَّا ذكر الذين كفروا من أهل الكتاب في قوله: ﴿فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [آل عمران: 187] ذكر حال مَنْ آمَنَ مِنْ أهلِ الكتاب، وأخبر أنهم صَدَقُوا في حال خُشُوعٍ.
وقوله تعالى: ﴿لَا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ أي: عَرَضًا مِنَ الدُّنياَ، كفعل اليهود الذين غَيَّروا التوراة بِثَمَن.
ومعنى: ﴿سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ -ههنا-: أنه لا يُؤخِّرُ الجزاءَ عَمَّن استحقه؛ لِطُول الحِسَابِ والاشتغال به؛ كما يتأخر [[في (أ)، (ب)، (ج): (يتأخر). والأصل أن يقول: تتأخر. إلا أن المُثبَتَ على معنى: يتأخر قضاء الحقوق.]] لذلك الحقوقُ في الدنيا. ومضى الكلام في معنى سرعة حساب الله [[انظر: تفسير الآية: 202 من سورة البقرة.]].
آل عمران 3:200
وقوله [[في (ج): (قوله) بدون واو.]] تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا﴾
قال الحسن [[قوله في: "تفسيرالطبري" 4/ 221، و"تفسير ابن أبي حاتم" 3/ 849، و"تفسير الثعلبي" 3/ 176 ب، و"زاد المسير" 1/ 534.]]: اصبروا على دينكم فلا تَدَعُوه لِشِدّةٍ. وهذا اختيار الزجّاج [[في "معانى القرآن" له 1/ 501.
وهو قول محمد بن كعب القرظي. انظر: "تفسير الطبري" 4/ 221، و"تفسير ابن أبي حاتم" 3/ 847.
وهو اختيار الطبري في "تفسيره" 4/ 222 وعلله بقوله: (وذلك أن الله لم يخصص من معاني الصبر على الدين والطاعة شيئًا، فيجوز إخراجه من ظاهر التنزيل، فلذلك قلنا: إنه عنى بقوله: ﴿اصْبِرُوا﴾: الأمر بالصبر على جميع معاني طاعة الله، فيما أمر ونهى، صعبها وشديدها، وسهلها وخفيفها).]].
وقال زيد بن أسلم [[قوله في: "تفسير الطبري" 4/ 222، و"تفسير ابن أبي حاتم" 3/ 848، وأورده السيوطي في "الدر" 2/ 201، 202. وزاد نسبة إخراجه لعبد بن حميد، والبيهقي في "الشعب".
وأخرجه الحاكم بنفس سند الطبري وابن أبي حاتم، إلا أنه زاد فقال: (.. عن زيد ابن أسلم عن أبيه عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -) وفيه أن عمر بلغه أن أبا عبيدة حضر بالشام، وتألب عليه الأعداء، فكتب إليه يُصبِّره، وأنهى كتابه لهذه الآية. انظر: "المستدرك" 2/ 300. وصححه، ووافقه الذهبي.]]: أي: على الجهاد. وهو اختيار ابن الأنباري [[لم أقف على مصدر قوله.]].
وقال الفرّاء [[في "معاني القرآن" له 1/ 251. نقله عنه بنصه.]]: ﴿اصْبِرُوا﴾ مع نَبِيِّكم [[في المعاني: (مع نبيكم على الجهاد).]]، ﴿وَصَابِرُوا﴾ عدُوَّكم، فلا يكونن [[في (ج): (فلا يكون).]] أصْبَرَ منكم.
﴿وَرَابِطُوا﴾، أي: أقيموا على جهاد عدوكم بالحرب والحُجَّةِ. قاله الزجّاج [[في: "معاني القرآن"، له: 1/ 501 - 502. نقله عنه بنصه.]]. وأصلُهُ -عند أهل اللغة-: مِن (مُرابَطَةِ الخَيْل)، وهو ارتباطها بإيزاء العَدُوِّ في بعض الثُّغُور [[هذا نص قول الأزهري في: "تهذيب اللغة": 2/ 1346 (ربط).]].
قال ابن قتيبة [[في: "تفسير غريب القرآن"، له: 1/ 109. نقله عنه بتصرف.]]: أصل (المُرَابَطَةِ) و (الرِّباط): أن يَرْبِطَ هؤلاء خيولَهم في الثَّغْرِ، وَيربط الكفارُ خيولَهم، كلٌّ يُعِدُّ لِصَاحبه، ثم سُمِّيَ المُقامُ بالثغور (رِباطًا)؛ لوجود هذا المعنى [[قال ابن فارس عن الرباط: هو (ملازمة ثَغْرِ العدو، كأنهم رُبطوا هناك، فثبتوا به، ولازموه). "المقاييس" 2/ 478 (ربط). وانظر: "تفسير الطبري" 4/ 222، و"معاني القرآن" للنحاس 1/ 530، و"مفردات ألفاظ القرآن" 338 - 339 (ربط)، و"أساس البلاغة" (316) (ربط).]].
وكلام ابن عباس -في رواية عطاء- يَدُلُّ على هذه الجملة، فإنه قال في قوله: ﴿وَرَابِطُوا﴾ يريد: عَدُوِّي وعدوَّكم. حتى يرجع عن دينه إلى دينكم [[ورد معنى قول ابن عباس في: "زاد المسير" 1/ 534، وأورد الثعلبي في "تفسيره" 3/ 177 أقول عطاء، دون أن يرفعه لابن عباس، وفيه: (﴿وَرَابِطُوا﴾: يعني. المشركين).]].
وهذا اللفظ يتضمن معنى [[(معنى): ساقط من (ج).]] ملازمة الجهاد. وهذا قول أكثر أهل التفسير [[هو قول: قتادة، وابن جريج، والضحاك، ومحمد بن كعب القُرَظي، ومقاتل. انظر: "تفسير الطبري" 4/ 221، 222، و"تفسير مقاتل" 1/ 324.
وهو الذي رجحه الطبري في "تفسيره" 4/ 223؛ مُعَلِّلًا بأنه: (هو المعنى المعروف من معاني (الرباط)، وإنما يوجه الكلام إلى الأغلب المعروف في استعمال الناس من معانيه، دون الخفي، حتى يأتي بخلاف ذلك -مما يوجب صرفه إلى الخفي من معانيه- حُجةٌ يجب التسليم لها، مِن كتاب، أو خبر من الرسول ﷺ، أو إجماع من أهل التأويل) 4/ 223.]].
وقال أبو سَلَمَة بن عبد الرحمن [[قوله في: "المستدرك" للحاكم 2/ 301، و"تفسير الطبري" 4/ 222، وانظر: "تفسير ابن كثير" 1/ 481.]]: معنى ﴿وَرَابِطُوا﴾: انتظروا الصلاة بعد الصلاة. واحتج [[من قوله: (واحتج ..) إلى (.. الصلاة بعد الصلاة): ساقط من (ج).]] بقوله ﷺ في حديث أبي هريرة، حيث ذكر انتظار الصلاة بعد الصلاة- قال: (فَذلِكُمُ الرِّبَاط)، ثلاث مرّات [[الحديث من رواية أبي هريرة. أخرجه مسلم في "الصحيح" رقم (251). كتاب الطهارة، باب فضل إسباغ الوضوء، والترمذي رقم (51، 52) أبواب الطهارة. باب ما جاء في إسباغ الوضوء، وقال: (حسن صحيح)، ومالك في "الموطأ" ص 118 (58) كتاب قصر الصلاة في السفر، باب انتظار الصلاة والمشي إليها.]].
وأصل هذا من الرَّبْط، وهو: الشَّدُّ [[في (ج): (الشدة).]]. ويقال لِكُلِّ مَنْ صَبَرَ على أمْرٍ: (رَبَطَ قَلْبَه عليه)، و (ربط نفسه) [[انظر: (ربط): "تهذيب اللغة" 2/ 1346، و"مقاييس اللغة" 2/ 78، و"تفسير الثعلبي" 3/ 177 أ.]].
قال لَبِيد: رابطُ الجَأْشِ على كُلِّ وَجَلْ [[في (ب): (رجل).
وهذا عجز بيت، وصدره:
يُسْئِدُ السَّيْرَ عليها راكبٌ
البيت في: "ديوانه" 176. وورد منسوبًا له في: "تهذيب اللغة" 2/ 1591 (سأد)، و"الصحاح" 2/ 482 (سأد)، و"تفسير الثعلبي" 3/ 177 أ، و"اللسان" 3/ 1905.
ومعنى (يُسْئِد): يُغذُّ ويسرع السَّيْرَ. يقال: (أسْأدَ الرجلُ السَّيْرَ): أدْأبَهُ. و (الإسآد): الإسراع والإغذاذُ في السير، وأكثر ما يستعمل ذلك في سير الليل. وعن أبي عمرو: الإسآد: أن تسير الإبلُ الليل مع النهار. و (الوَجَلُ): الخوف.
انظر (سأد) في: "الصحاح" 2/ 482، و"اللسان" 3/ 1905، و"القاموس" (1067) (وجل).]]
أي: صابرٌ ثابت. فقيل للصبر على الصلاة وربط النفس عليها: (رِبَاط).
وقال أبو عبيدة [[في: "مجاز القرآن" 1/ 112.]]، وابنُ الأنباري [[لم أقف على مصدر قوله.]]: معنى ﴿وَرَابِطُوا﴾؛ أي: اثْبُتُوا، وداوموا [[في "مجاز القرآن": ودوموا. وورد قول أبي عبيدة في: "تفسير الثعلبي" 3/ 177 أ، وفيه: (داوموا)، كما هي عند المؤلف.]].
وأنشد ابنُ الأنباري قولَ الأخْطَل [[هو: غياث بن غوث بن الصلت، أبو مالك التغلبي. شاعر نَصْراني، ومات على نَصْرانِيَّتِه، كان مُقَدَّمًا عند خلفاء بني أمية، لكثرة مدحه لهم وانقطاعه إليهم. توفي سنة (90 هـ).
انظر. "شرح شواهد المغني" 1/ 123، "الأعلام" 5/ 123.]]: ما زال فينا رِباطُ الخيْل معْلِمَةً ... وفي كُلَيْبٍ رِباطُ اللُّؤْمِ والعَارِ [[البيت في "شعره" 635. وورد منسوبًا له في: "الصحاح" 5/ 1990 (علم)،
و"اللسان" 5/ 3084 (علم).
وورد غير منسوب في: "أساس البلاغة" 1/ 316.
قوله: (مُعْلِمة) -بكسر اللام، وهكذا ضبطت في شعره، والصحاح، و"اللسان"-: هي من قولهم: (أعْلَمَ الفارِسُ): جعل لنفسه علامة الشجعان. فهو مُعْلِم. والخيل المُعلِمة: المشهورة التي لها علامة في الحرب.
وفي "مجاز القرآن": (مُعْلَمَة) -بفتح اللام-: وهي للبناء للمجهول، من قولهم: (أعْلَمَ الفَرَسَ): عَلَّق عليه صوفًا أحمر أو أبيض في العرب. انظر: "اللسان" 5/ 3084 (علم).
وكُلَيب: هم رهط جرير، الذي يهجوه الأخطلُ في هذا البيت.]]
قال: إنما [[(إنما): ساقط من (ج).]] أراد بـ (الرِّبَاط): اللزوم والثبات. وهذا المعنى راجع إلى ما ذكرنا من الصبر ورَبْطِ النفس.
ثم هذا الثبات والدوام يجوز أن يكون على جهاد العدو، ويجوز أن يكون على الصلاة [[والراجح أن (الرباط) -المذكور في الآية- معنيٌّ به المرابطة في الجهاد. وهو ما رجحه ابن جرير، وأكثر المفسرين. وقول رسول الله ﷺ: (فذلكم الرباط ..) إنما هو تشبيه المحافظة على الصلاة؛ بملازمتها والدوام عليها، والرباط في سبيل الله؛ بجامع ما في الأمرين من دوام ولزوم وانتظار. انظر: "المحرر الوجيز" 3/ 477.]].