Al-Basit — الإسراء 17:85 – الكهف 18:109
المحتويات
- الإسراء 17:85
- الإسراء 17:86
- الإسراء 17:87
- الإسراء 17:88
- الإسراء 17:89
- الإسراء 17:90
- الإسراء 17:91
- الإسراء 17:92
- الإسراء 17:93
- الإسراء 17:94
- الإسراء 17:95
- الإسراء 17:96
- الإسراء 17:97
- الإسراء 17:98
- الإسراء 17:99
- الإسراء 17:100
- الإسراء 17:101
- الإسراء 17:102
- الإسراء 17:103
- الإسراء 17:104
- الإسراء 17:105
- الإسراء 17:106
- الإسراء 17:107
- الإسراء 17:109
- الإسراء 17:110
- الإسراء 17:111
- الكهف 18:1
- الكهف 18:2
- الكهف 18:3
- الكهف 18:4
- الكهف 18:5
- الكهف 18:6
- الكهف 18:7
- الكهف 18:8
- الكهف 18:9
- الكهف 18:10
- الكهف 18:11
- الكهف 18:12
- الكهف 18:14
- الكهف 18:15
- الكهف 18:16
- الكهف 18:17
- الكهف 18:18
- الكهف 18:19
- الكهف 18:20
- الكهف 18:21
- الكهف 18:22
- الكهف 18:23
- الكهف 18:24
- الكهف 18:25
- الكهف 18:26
- الكهف 18:27
- الكهف 18:28
- الكهف 18:29
- الكهف 18:30
- الكهف 18:31
- الكهف 18:32
- الكهف 18:33
- الكهف 18:34
- الكهف 18:35
- الكهف 18:36
- الكهف 18:37
- الكهف 18:38
- الكهف 18:39
- الكهف 18:40
- الكهف 18:41
- الكهف 18:42
- الكهف 18:43
- الكهف 18:44
- الكهف 18:45
- الكهف 18:46
- الكهف 18:47
- الكهف 18:48
- الكهف 18:49
- الكهف 18:50
- الكهف 18:51
- الكهف 18:52
- الكهف 18:53
- الكهف 18:54
- الكهف 18:55
- الكهف 18:56
- الكهف 18:57
- الكهف 18:58
- الكهف 18:59
- الكهف 18:60
- الكهف 18:61
- الكهف 18:62
- الكهف 18:63
- الكهف 18:64
- الكهف 18:65
- الكهف 18:66
- الكهف 18:67
- الكهف 18:68
- الكهف 18:69
- الكهف 18:70
- الكهف 18:71
- الكهف 18:72
- الكهف 18:73
- الكهف 18:74
- الكهف 18:76
- الكهف 18:77
- الكهف 18:78
- الكهف 18:79
- الكهف 18:80
- الكهف 18:81
- الكهف 18:82
- الكهف 18:83
- الكهف 18:84
- الكهف 18:85
- الكهف 18:86
- الكهف 18:87
- الكهف 18:88
- الكهف 18:89
- الكهف 18:90
- الكهف 18:91
- الكهف 18:92
- الكهف 18:93
- الكهف 18:94
- الكهف 18:95
- الكهف 18:96
- الكهف 18:97
- الكهف 18:98
- الكهف 18:99
- الكهف 18:100
- الكهف 18:101
- الكهف 18:102
- الكهف 18:103
- الكهف 18:104
- الكهف 18:105
- الكهف 18:106
- الكهف 18:107
- الكهف 18:108
- الكهف 18:109
الإسراء 17:85
قوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ﴾ الآية. قال ابن عباس في رواية عطاء: اجتمعت قريش فقال بعضهم لبعض: والله ما كان محمد بكذاب، ولقد نشأ فينا بالصدق والأمانة، فإن شئتم فأرسلوا منكم جماعة إلى يهود يثرب حتى يسألوهم عنه، فخرج منهم طائفة حتى لقوا أحبار اليهود فسألوهم عنه، فقال لهم اليهود: سلوه [[في (أ)، (ش)، (د): (سلوهم)، والمثبت من (ع) وهامش نسخة (أ) هو الصحيح.]] عن ثلاثة، فإن أخبركم عن اثنين وأمسك عن الثالثة فهو نبي؛ سلوه عن فتية فُقِدوا، وسلوه عن ذي القرنين، وسلوه عن الروح، فقدم النفر من قريش إلى مكة ثم اجتمعوا فسألوا النبيّ -ﷺ- فقال لهم رسول الله -ﷺ-: "غدًا أخبركم" ولم يستثن، فأبطأ عنه الوحي أربعين يومًا لِمَا أراد الله، ثم نزل الوحي عليه بعد أربعين يومًا: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (23) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الكهف: 23، 24] ثم فَسَّر لهم أمر الفية الذين فُقِدوا في سورة الكهف، وفَسَّر لهم قصة ذي القرنين، وأبهم قصة الروح؛ وذلك أنه ليس في التوراة قصته ولا تفسيره إلا ذكر اسمه الروح، وأنزل قوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ﴾ الآية [[ورد في "السيرة" لابن هشام 1/ 321، وأخرجه "الطبري" 15/ 155 مطولًا من طريق عكرمة، والبيهقي في "الدلائل" 2/ 270 من طريق سعيد بن جبير، وورد في "دلائل النبوة" للأصبهاني ص 216، وأورده السيوطي في "الدر" 4/ 361 وزاد نسبته إلى ابن المنذر، وفي "الباب النقول" 143، والحديث ضعيف بسبب الجهالة والاضطراب؛ إذ رواه ابن إسحاق في رواية الطبري عن رجل من أهل مصر، وفي رواية البيهقي عن رجل من أهل مكة، لكن في سورة الكهف آيات تشير إلى حدوث الأسئلة.]]، فعلى هذا القول سألته قريش عن الروح، ونحو هذا روى عكرمة عن ابن عباس [[أخرجه أحمد 1/ 255، والترمذي (3141) في التفسير، باب ومن سورة بني إسرائيل، وقال حسن صحيح، وابن أبي عاصم في السنة 1/ 264، وأبو يعلى في "مسنده" 4/ 381، وأبو الشيخ في "العظمة" ص 192، والحاكم 2/ 531 وقال: صحيح الإسناد ووافقه الذهبي، والبيهقي في "الدلائل" 2/ 269، وأورده المصنف في "أسباب النزول" ص 299.]]
وقال ابن مسعود: سألته اليهود عن الروح وذَكر في [[في (أ)، (د): (وذكرو ذلك)، والمثبت من: (ش)، (ع).]] ذلك قصة [[ورد لهذه القصة عدة روايات، منها ما رواه الشيخان، البخاري (125) كتاب: العلم، باب قول الله تعالى: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾، ومسلم (2794)، في الجنة والنار، باب سؤال اليهود النبي -ﷺ- عن الروح. عن ابن مسعود -رضي الله عنه- قال: بينا أنا مع النبي -ﷺ- في حرث وهو متكئٌ على عسيب إذ مرّ اليهود، فقال بعضهم لبعض: سلوه عن الروح، فقال: ما رابكم إليه؟ [أي ما إربكم وحاجتكم إلى سؤاله] وقال بعضهم: لا يستقبلُكم بشيء تكرهونه، فقالوا: سلوه، فسألوه عن الروح، فأمسك النبي -ﷺ- فلم يردّ عليهم شيئًا، فعلمت أنه يوحى إليه، فقمت مقامي، فلما نزل الوحيُ قال: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾، أخرجه أحمد 1/ 389، والبخاري (4721) التفسير، الإسراء، ومسلم (2794) الموضع السابق، والترمذي (3141) في التفسير، باب ومن سورة بني إسرائيل، وابن أبي عاصم في "السنة" 1/ 263، والنسائي في "تفسيره" 1/ 670، و"الطبري" 15/ 155، والبيهقي في "الأسماء والصفات" ص 459، وأبو نعيم في "الدلائل" 2/ 357، وورد في "معاني القرآن" للنحاس 4/ 189، و"تفسير السمرقندي" 2/ 282، و"الثعلبي" 7/ 119 ب، وأوردها المصنف في "أسباب النزول" ص 299، وأورده السيوطي في "الدر المنثور" 4/ 361 وزاد نسبته إلى ابن المنذر وابن حبان وابن مردويه والبيهقي في الدلائل، وليس فيها؛ بل في "الأسماء والصفات".]] ، ونحو هذا قال مجاهد [["تفسير مجاهد" 1/ 369 ، وأخرجه "الطبري" 15/ 156 من طريقين.]].
واختلفوا في الروح المسؤول عنه؛ فقال علي بن أبي طلحة: هو مَلَك [[أخرجه عن ابن عباس من طريق ابن أبي طلحة "الطبري" 15/ 156، والبيهقي في "الأسماء والصفات" ص 462.]]، وهو قول علي -رضي الله عنه- قال: هو ملك من الملائكة له سبعون ألف وجه، لكل وجه سبعون ألف لسان، لكل لسان سبعون ألف لغة يُسَبّح الله -عز وجل- بتلك اللغات كلها، يخلق الله من كل تسبيحة ملكًا يطير مع الملائكة إلى يوم القيامة [[أخرجه "الطبري" 15/ 156 بنصه، وابن الأنباري في "الأضداد" ص 423، بنصه، وأبو الشيخ في "العظمة" ص 194، والبيهقي في "الأسماء والصفات" ص 462، بنصه، وورد في "تفسير الثعلبي" 7/ 119 ب، بنصه، و"الماوردي" 3/ 269 - بنحوه، و"الطوسي" 6/ 515، بنحوه، وأورده السيوطي في "الدر المنثور" 4/ 361 وزاد نسبته إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم، والأثر ضعيف، لجهالة أحد الرواة، وهو شيخ أبي هران الذي لم يسم، حيث قال: ... حدثني أبو هران يزيد بن سمرة القيساري عمن حدثه عن علي -رضي الله عنه- أنه قال: الحديث. وقال ابن عطية: وما أظن القول يصحُّ عن علي -رضي الله عنه-، وقد ضعفه الفخر الرازي -كذلك- من عدة وجوه، وقال ابن كثير: وهذا أثر غريب عجيب. انظر: "تفسير ابن عطية" 9/ 181، و"الفخر الرازي" 21/ 39، و"ابن كثير" 3/ 69.]]، ونحو هذا قال سعيد بن جبير، قال: ولم يخلق الله خلقاً أعظم من الروح غير العرش، لو شاء أن يبلع السموات السبع والأرضين السبع ومن فيها بلقمة واحدة لفعل، وهو المذكور في قوله -عز وجل-: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا﴾ [[ورد في "تفسير الثعلبي" 7/ 120 أمطولاً، وانظر: "البغوي" 5/ 125، و"الخازن" 3/ 179، وقد ورد في هذا الأثر أشياء غيبية غريبة لا يصح الاقول بها إلا بخبر صحيح عن المعصوم، وهو ما لم أقف عليه، وحسبك لرده أن مصدره الثعلبي!]] [النبأ: 38].
وقال الحسن وقتادة: هو جبريل [[أخرجه "عبد الرزاق" 2/ 388 بلفظه عنهما، و"الطبري" 15/ 156 بلفظه عن == قتادة، وورد بلفظه في "معاني القرآن" للنحاس 4/ 190، عن الحسن، و"تفسير السمرقندي" 2/ 282، عنهما، و"الثعلبي" 7/ 119 ب، عنهما، ولا وجه البتة لتفسيره بجبريل هنا.]]، قال أبو إسحاق: ومن تأول ذلك فدليله قوله: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (193) عَلَى قَلْبِكَ﴾ [الشعراء: 193، 194]، وقال مجاهد: الروح: خَلْقٌ ليسوا بالملائكة على سورة بني آدم، يأكلون، ولهم أيد وأرجل ورؤوس [[أخرجه "الطبري" 30/ 23، بنحوه، وأبو الشيخ في "العظمة" ص 197، بنحوه، وورد بنحوه في: "تفسير السمرقندي" 2/ 282، و"الثعلبي" 7/ 119 ب، انظر: "تفسير البغوي" 5/ 125، قال الفخر الرازي -تعقيبًا على هذا القول والذي يليه-: ولم أجد في القرآن ولا في الأخبار الصحيحة شيئًا يمكن التمسك به في إثبات هذا القول، وأيضًا فهذا شيء مجهول فيبعد صرف هذا السؤال إليه. "تفسير الفخر الرازي" 21/ 39.]].
وقال أبو صالح: يشبهون الناس، وليسوا بالناس [[أخرجه "الطبري" 30/ 23 بنصه، وأبو الشيخ في "العظمة" ص 195 بنصه، والبيهقي في "الأسماء والصفات" ص 463، بنحوه، وورد في "تفسير الثعلبي" 7/ 119 ب، بنحوه، وهو كسابقه.]].
وقال قوم: هو القرآن [[أخرجه بلفظه "الطبري" 30/ 23، عن ابن زيد، وأبو الشيخ في "العظمة" ص 196، عن الضحاك، وورد بلفظه في "معاني القرآن" للنحاس 4/ 190، و"تفسير السمرقندي" 2/ 282، و"هود الهواي" 2/ 440، عن الحسن، و"الثعلبي" 7/ 120 أو"الماوردي" 3/ 269، عن الحسن، و"الطوسي" 6/ 515، عن الحسن، وهو أيضًا بعيد هنا.]]، وذلك أن المشركين قالوا: يا محمد، من أتاك بهذا القرآن، فبين الله أنه من عنده، فقال: ﴿قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ قال أبو إسحاق: ودليل هذا القول قوله: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا﴾ [الشورى: 52]، وتأويل تسمية القرآن بالروح أن القرآن حياة القلوب وحياة النفوس [[في (د): (النفس).]] فيما تصير إليه من الخير عند الله -عز وجل- [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 258، بنصه تقريبًا.]].
وقال آخرون: هو روح الحيوان [[ورد في "تفسير الجصاص" 3/ 207، بلفظه، و"الثعلبي" 7/ 120، بمعناه، و"الماوردي" 3/ 270، بلفظه، و"الطوسي" 6/ 515، بلفظه.]]، وهو الأظهر في الكلام الذي يسبق إلى الأفهام [[وهذا هو القول المشهور والصحيح، وعليه أكثر المفسرين، ذكره البيهقي في "الأسماء والصفات" ص 459، والسمعاني في "تفسيره" 3/ 274، وقال أبو حيان 6/ 75 هو قول الجمهور، وقد ذهب إليه: "الجصاص" 3/ 207، والطوسي 5/ 515، والسمعاني 3/ 274، و"البغوي" 5/ 126، و"الخازن" 3/ 179، وابن حجر في "الفتح" 8/ 255 وقال: وجنح ابن القيم -في كتاب "الروح" 2/ 524 - إلى ترجيح أن المراد بالروح المسؤول عنها في الآية ما وقع في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا﴾ [النبأ: 38] قال: وأما أرواح بني آدم فلم يقع تسميتها في القرآن إلا نفسًا. ثم قال: ولا دلالة في ذلك لما رجحه، بل الراجح الأول، وأيده بما رواه "الطبري" 15/ 156، عن ابن عباس رضي الله عنهما من طريق العوفي في هذه أنهم سألوه عن الروح: وكيف يعذب الروح الذي في الجسد، وإنما الروح من الله؟ فنزلت الآية.]]، ونذكر هاهنا الكلام في الروح واشتقاقه ومعناه وبالله التوفيق، الروح الذي يحيا به البدن يُذَكّر وُيؤَنث، وأكثر الناس على أن اشتقاقه من الريح، والريح في الأصل روح، والعرب تسمي النفخ والنفس الذي يخرج من الإنسان روحًا.
قال ذو الرُمَة:
فقلتُ له ارفعها إليك وأحْيِها ... برُوحك واجعله لها قِيتَةً قدْرا [["ديوانه" 3/ 1429 برواية: (واقْتَتْهُ) بدل: (واجعله)، وورد في "تهذيب اللغة" (راح) 2/ 1313 و"الأسماء والصفات" ص 461، و"الأساس" 1/ 4378، == و"اللسان" (روح) 3/ 1766، و"المفردات" ص 687 بلا نسبة.
(ارفعها): أي ارفع النار، (اقتته): افتَعِلهُ من القوت، وقاته يقوته قُوتًا: أطعمه قُوتَه، وأقاته يُقِيتُهُ: جعل له ما يقوته، ويقال: ما له قوت ليلة، وقِيتُ ليلة، وقيتَةُ ليلة، نحوُ: الطعْمِ والطِّعْمَةِ.]] يذكر نارًا ناولها صاحبه، وقوله: (أحيها بروحك)، أي: بنفخك، وقد قال الله تعالى: ﴿وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي﴾ [الحجر: 29] وقال آخرون: سمي روحًا لأنه يهتز وينبسط وينتشر في جميع البدن، من قولهم: رجْلٌ أروح، ورِجلٌ روحاء، هي التي في صَدْرِ قدمها انبساط، وقَصْعَةٌ رَوْحَاءُ قريبة القَعْرِ منبسطة، وإناء أروح [[انظر: راح في "تهذيب اللغة" 2/ 1313، و"المحيط في اللغة" 3/ 198، و"مقاييس اللغة" 2/ 454، و"الصحاح" 1/ 367، و"اللسان" 3/ 1766.]]، وسميت الخمر رَاحًا لاهتزاز البدن وخفته وانبساطه عند شربها [[انظر: "التلخيص في معرفة أسماء الأشياء" 2/ 504.]].
واختلفوا في ماهية [[في جميع النسخ: (مائية)، والصواب المثبت كما دلّ عليه التفصيل بعده.]] الروح [[ليت الواحدي -رحمه الله- لم يخض في هذا الموضوع الفلسفي الذي لا طائل من ورائه ولا يقوم عليه عمل، وبحث لا يستند إلى علم، لذلك كان الأولى، بل الواجب أن يفوض أمر ماهية الروح ومسكنه ومدخله ومخرجه -مما تكلم عنه- إلى الله تعالى، كما قال: ﴿قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾، وهذا هو مذهب أهل السنة والجماعة، وما أحسن ما قاله ابن الجوزي، قال: وقد اختلف الناس في ماهية الروح .. ولا يُحتاج إلى ذكر اختلافهم؛ لأنه لا برهان على شيء من ذلك، وإنما هو شيء أخذوه عن الطب والفلاسفة، فأما السلف فإنهم أمسكوا عن ذلك، لقوله تعالى: ﴿قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ انظر: "البغوي" 5/ 126، و"ابن الجوزي" 5/ 83.]]؛ فقال قوم: إن الروح هو الدم، ألا ترى أن من نزف دمه مات، والميت لا يفقد جِسْمُه إلا الدم [[انظر: "تفسير البغوي" 5/ 126، و"الخازن" 3/ 179.]]، وزعمت طائفة أن الروح استنشاق الهواء، ألا ترى أن المخنوق ومن مُنع عن استنشاق الهواء يموت [[انظر: "تفسير الخازن" 3/ 179.]].
وأخبرني العروضي عن الأزهري قال: سمعت المنذري يقول: سمعت أبا الهيثم يقول: الروح إنما هو النَّفَسُ الذي يتنفسه الإنسان، وهو جار في جميع الجسد، فإذا خرج لم يتنفس بعد خروجه، وإذا تَتَامَّ خروجه بقي بصره شاخصًا نحوه حتى يُغْمض، وهو بالفارسية جان [[ورد في "تهذيب اللغة" (راح) 2/ 1313، بنصه.]].
وزعم ابن الروندي [[أحمد بن يحيى بن إسحاق الراوندي، وقيل: الرِّيوَنْديّ، الزنديق الشهير، كان من متكلمي المعتزلة ثم تزندق واشهر بالإلحاد، وقيل: كان لا يستقر على مذهب، كان غاية في الذكاء ولم يك زكي النفس، صنف كتبًا كثيرة يطعن فيها على الإسلام، وألَّف لليهود والنصارى يحتجُّ لهم في إبطال نبوة سيد البشر، وكان يلازم الرافضة والملاحدة، قيل: كان أبوه يهوديًا فأسلم هو، فكان بعض اليهود يقول للمسلمين: لا يفسد هذا عليكم كتابكم كما أفسد أبوه علينا التوراة، قال ابن الجوزي: وإنما ذكرته ليعرف قدر كفره، وقال ابن حجر: إنما أوردته لألعنه، مات سنة (298 هـ).
انظر: "المنتظم" 13/ 108، و"وفيات الأعيان" 1/ 94، و"سير أعلام النبلاء" 14/ 59، و"لسان الميزان" 1/ 194.]] أنه جسم لطيف أُسكن البدن [[ورد في "مقالات الإسلاميين" ص 332، بنحوه، انظر: "تفسير البغوي" 5/ 126، و"الخازن" 3/ 179 بلا نسبة فيهما.]].
وقال عامة المعتزلة والنجارية [[هم أتباع الحسين بن محمد النجّار، من فوق المرجئة، يعتقدون أن الإيمان بالقول دون العمل، وأن من كان مؤمنا لا يزول عنه اسم الإيمان إلا بالكفر، ويثبتون للفعل فاعلين؛ الله تعالى والعبد، واتفقوا مع المعتزلة في نفي بعض الصفات == والقول بخلق القرآن، وهم أكثر من عشر فرق بالري. انظر: "مقالات الإسلاميين" 135، و"الفرق بين الفرق" 25، و"البرهان في معرفة عقائد أهل الأديان" 39.]]: الروح عرض [[ورد في "مقالات الإسلاميين" ص 334 بلا نسبة، انظر: "تفسير البغوي" 5/ 126 بلا نسبة، و"الروح" لابن القيم 2/ 573 بلا نسبة.]]، ومثله حكى القلانسي [[أبو أحمد مصعب بن أحمد الغدادي القلانسي [نسبة إلى القلانس -جمع قلنسوة- وعملها]، شيخ الصوفية، صاحب أبي حمزة وعليه تخرج، وكان أبو حمزة والجنيد وجماعة المشايخ يكرمونه ويقدمونه على غيره، وكان أبو سعيد ابن الأعرابي ينتمي إليه في التصوف وصحبه إلى أن مات، حج سنة (270 هـ) فمات بمكة. انظر: "حلية الأولياء" 10/ 306، و"اللباب في تهذيب الإنساب" 3/ 67، و"سير أعلام النبلاء" 13/ 170.]] من أصحابنا عن عبد الله ابن سعيد [[عبد الله بن سعيد بن حصين الكندي الكوفي المفسّر، أبو سعيد الأشج، حدث عن هُشيم وأبي بكر بن عياش، وعنه الأئمة الستة وابن خزيمة، قال الذهبي: رأيت تفسيره مجلدٌ، مات سنة (257 هـ) انظر: "الجرح والتعديل" 5/ 73، و"سيرأعلام النبلاء" 12/ 182، و"طبقات المفسرين" للداوودي 1/ 235.]].
وقال بعض الحكماء: إن الله تعالى خلق الأرواح من ستة أشياء: من جوهر النور والطِّيبِ والبقاء والحياة والعلم والعلو، ألا ترى أنه ما دام في الجسد كان الجسد نورانيًا؛ تبصر العينان وتسمع الأذنان، ويكون طَيبًا فإذا خرج نَتِنَ الجسدُ، ويكون باقيًا فإذا زايله الروح لم يعلم شيئًا، ويكون الجسد علويًّا لطيفًا مادام فيه الروح، فإذا خرج صار سفليًّا كثيفًا [[انظر: "تفسير البغوي" 5/ 126 مختصرًا، و"الخازن" 3/ 179 مختصرًا.]].
وقال محمد بن موسى الواسطي [[محمد بن موسى الواسطي، قاضى الرملة، قال ابن يونس -في تايخ مصر- كان == عالمًا بالفقه والتفسير، ويتفقه على مذهب أهل الظاهر، وقد رمي بالقدر، مات سنة (320 هـ). انظر: "طبقات المفسرين" للسيوطي ص 117، و"طبقات المفسرين" للداوودي 2/ 264.]]: خلق الله الأرواح من [[في د: (ما).]] بين الجمال والبهاء، فلولا أنه سترها لسجد لها كل كافر [[لم أقف عليه.]]
وقال أبو قِلابَة: ما خلق الله شيئًا أطيب من الروح وما انتزع من شيء إلا نتن [[لم أقف عليه.]]، والاختيار في ماهية الروح أنه جسم لطيف توجد به الحياة، وقوله: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ﴾ إلى قوله: ﴿يُرْزَقُونَ (169) فَرِحِينَ﴾ [آل عمران: 169، 170] يدل على أن الروح جسم؛ لأن الارتزاق والفرح من صفات الأجسام، والمراد بهذا أرواحهم لأن أبدانهم قد بليت في التراب، وكذلك ما روي: "أن أرواح الشهداء تَعْلُقُ من شجر الجنة وتأوي إلى قناديل معلقة تحت العرش" [[لم أقف على هذه الرواية بنصها، بل وردت مفرداتها في أحاديث متفرقة، أقربها: عن ابن كعب بن مالك عن أبيه أن رسول الله -ﷺ- قال: "إن أروح الشهداء في طير خُضرٍ تَعْلُقُ من ثمرة الجنة أو شجر الجنة .. " أخرجه أحمد 6/ 386، والترمذي (1641) كتاب فضل الجهاد، باب ما جاء في ثواب الشهداء 4/ 176 وقال: حديث حسن صحيح، والطبراني في "الكبير" 19/ 66، بنحوه، وفي رواية عن ابن مسعود أن النبي -ﷺ- سئل عن قوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا﴾ [آل عمران: 169] فقال: "أرواحهم في جوف طير خُضرٍ لها قناديل معلقةٌ بالعرش .. " أخرجه مسلم (1887) في الأمارة، باب بيان أن أرواح الشهداء في الجنة 3/ 1502، والترمذي (3011) كتاب تفسير القرآن، باب ومن سورة آل عمران، وقال: حسن صحيح، وابن ماجه (2801): الجهاد، باب فضل الشهادة == في سبيبل الله، والبيهقي: السير، باب فضل الشهادة في سبيل الله 9/ 163، (تَعْلُقُ): أي تتناول.]]، وهذا الفعل لا يتأتى من العَرَض.
وأما مدخل الروح ومخرجه، فقال قوم: يدخل من المنافذ كلها ويخرج من المنافذ كلها، وقال بعضهم: يدخل من الأنف ويخرج من الفم.
وحكى علي بن مهدي [[علي بن محمد بن مهدي الطبري الأشعري، أبو الحسن، تلميذ أبي الحسن الأشعري، صحبه بالبصرة وأخذ عنه، كان من المبرزين في علم الكلام والقوَّامين بتحقيقه، وله كتاب تأويل الأحاديث المشكلات الواردات في الصفات، كان حافظًا للفقه والتفاسير والمعاني وأيام العرب، فصيحًا مبارزًا في النَّظر، توفي في حدود سنة (380 هـ) انظر: "طبقات الشافعية" للسبكي 3/ 466، و"تبيين كذب المفتري" ص 195، و"الوافي بالوفيات" للصفدي 22/ 143، و"طبقات الفقهاء الشافعية" للعبادي ص 85]] -من أصحابنا- أنه يدخل من حيث شاء الله ويخرج من الأنف، لقولهم: مات حتف أنفه [[جزء من حديث رواه عبد الله بن عتيك -رضي الله عنه-، وطرفه: "من خرج من بيته مجاهدًا في سبيل الله .. -إلى أن يقول- أو مات حتف أنفه، فقد وقع أجره على الله -عز وجل-" ثم يقول الرواي: والله إنها لكلمة ما سمعتها من أحد من العرب قبل رسول الله -ﷺ- ... ، أخرجه ابن أبي شيبة 4/ 210، وأحمد 4/ 36، والطبراني في "الكبير" 2/ 191، والحاكم 2/ 88، وصححه ووافقه الذهبي، وورد في "تهذيب اللغة" (حتف) 1/ 737 ، وأورده في "المجمع" 5/ 277 وقال: وفيه محمد بن إسحاق مدلس، وباقية رجال أحمد ثقات، انظر: "مجمع الأمثال" 2/ 266، و"المستقصى" 2/ 338، ويُروى: حتف أنْفَيْه، ومعناه: أي مات بلا ضرب ولا قتل ، قال أبو عبيد: هو أن يموت موتًا على فراشه من غير قتل ولا غرق ولا سبْع ولا غيره.]]، وأما مسكنه فقال قوم: مسكن الروح القلب، وعمله شائع في جميع البدن كقرصة الشمس مسكنها الفلك ونورها ينتشر في الدنيا.
وقال آخرون: مسكنها الدماغ، وقيل: مسكنه الدم، وقال بعضهم: هو يشتمل جميع البدن، ففي كل بعضٍ من أبعاضِ البدن بعضٌ مِن أبعاضِ الروح، واحتج بقوله: ﴿وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ﴾ [إبراهيم: 17]، وهذا كله إذا رجعت إلى التحقيق ضرب من التكلُّف [[في جميع النسخ: (التكليف). والصواب ما أثبته.]]؛ لأن الله تعالى أبهم على ذلك [[لذلك كان الأولى أن لا يخوض في هذه المسألة أصلاً.]].
قال عبد الله بن بُريدة: ما يبلغ الجن والإنس والملائكة والشياطين علم الروح، ولقد مات رسول الله -ﷺ- وما يدري ما الروح [[ورد في "الأضداد" لابن الأنباري ص 426 مختصرًا، وأخرجه أبو الشيخ في "العظمة" ص 193، بنصه، انظر:"تفسير السمعاني" 3/ 275، أورده السيوطي في "الدر المنثور" 4/ 362 مختصرًا، وزاد نسبته إلى ابن أبي حاتم.]].
وقال الفراء: الروح هو الذي يعيش به الإنسان، لم يخبر الله به أحدًا من خلقه، ولم يعط علمه أحدًا من عباده [[ورد في " تهذيب اللغة" (راح) 2/ 1313، بنصه تقريبًا.]].
وقال في قوله: ﴿قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ من علم ربي لا تعلمونه [["معاني القرآن" للفراء 2/ 130، بنحوه.]]، وقيل: من خلق ربي، أي: أنه مخلوق له.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾، أي: بالإضافة إلى علم الله تعالى، وذلك أن اليهود كانت تدّعى علم كل شيء بما في كتابهم التوراة، فقال الله تعالى: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ قال أبو إسحاق: وقليل وكثير لا يصلح إلا بالإضافة، وإنما يَقِلُّ الشيء عند ما هو أكثر منه، وكذلك يكثر عند ما هو أقل منه [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 258، بتصرف يسير.]]، ويجوز أن يكون الخطاب في قوله: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ للنبي -ﷺ- والمؤمنين، وذلك حين لم يعرف رسول الله -ﷺ- علم الروح، ولم يبين الله له ذلك، قال له: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾، يدل على هذا: قوله: ﴿وَلَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾.
الإسراء 17:86
قال أبو الفتح الموصلي: ليست اللام في: ﴿لَئِنْ﴾ بجواب القسم، وإنما الجواب: لنذهبنّ، وعليه وقع الحَلِف، واللام في ﴿لَئِنْ﴾ زائدة مؤكدة، ويدل على أن اللام الأولى زائدة أن الثانية هي التي تلقت القسم [[في (أ)، (د)، (ش): (الاسم)، والمثبت من (ع) وهو الصواب.]]، [ونظير] [[هذه إضافة يقتضيها الساق، وقد وردت هذه الكلمة في المصدر بنحو هذا السياق.]] جواز سقوط الأولى في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [المائدة: 73]، وإذا قلتَ: والله لئن [[و [["سر صناعة الإعراب" 1/ 396 - 397، باختصار وتصرف.]] في (أ)، (د)، (ش): (لأن)، والمثبت من (ع) وموافق لما في المصدر.]] قمت لأقومن، كان اعتماد القسم على اللام في لأقومن، واللام في لئن (¬4) زائدة مؤكدة [[ما بين القوسين ساقط من (أ)، (د)]].
ومعنى الآية: أي إني أقدر أن آخذ (ما أعطيتك؛ كأنه يقول: لم تؤت إلا قليلاً من العلم، وإن شئتُ أن آخذ ذلك) [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 258، بنصه.]] قدرت.
قال أبو إسحاق: لو شئنا لمحونا من القلوب ومن الكتب حتى لا يُوجَد له أثر (¬7)، ﴿ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنَا وَكِيلًا﴾، أي: لا تجد من يُتَوكَّل عليه في رد شيء منه، كقوله: ﴿ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنَا وَكِيلًا﴾ [الإسراء: 86].
الإسراء 17:87
ثم قال: ﴿إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾ قال الفراء: هو استثناء، كقوله: ﴿إِلَّا حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ﴾ [["معاني القرآن" للفراء 2/ 130، بنصه.]] [يوسف: 68].
وقال أبو إسحاق: ﴿رحَمَتَ﴾ استثناء ليس من الأول [[أي أنه ليس متصلاً، بل هو استثناء منقطع.]]، المعني لكن الله رَحِمَك، فأثبت ذلك في قلبك وقلوب المؤمنين [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 259، بنصه.]].
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ فَضْلَهُ كَانَ عَلَيْكَ كَبِيرًا﴾ قال ابن عباس: يريد حيث جعلتك سيدَ ولد آدم، وختمت بك النبيين، وأعطيتك المقام المحمود [[ورد في تفسيره "الوسيط" تحقيق سيسي 2/ 546 بنصه، وبلا نسبة في "تفسير الفخر الرازي" 21/ 54، و"القرطبي" 10/ 325، و"الخازن" 3/ 180.]].
الإسراء 17:88
قوله تعالى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا﴾ الآية. هذا احتجاج من الله تعالى عليهم بالمعجزة، أعلمهم -وهم أهل البيان وتأليف الكلام- عجزهم عن الإتيان بمثل ما أتى به الرسول -ﷺ- وإن تعاونوا عليه، قال المفسرون: هذا تكذيب للنضر بن الحارث حين قال: ﴿لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا﴾ [[ورد في "تفسير الثعلبي" 7/ 120 ب، بنحوه، انظر: "تفسير ابن الجوزي" 5/ 84.]] [الأنفال: 31].
وقال مقاتل: إن نبيّ الله -ﷺ- تحداهم أولاً فقال: ﴿فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ﴾ [هود: 13]، فعجزوا عن ذلك، فتحداهم وقال: ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾ [البقرة: 23]، فعجزوا، فآيسهم الله تعالى عن معارضته بمثل ما أتى به في هذه الآية [["تفسير مقاتل" 1/ 219 أ، بنحوه.]].
قال أهل المعاني: والمثل الذي طُلب منهم في التحدي كلام له نظم كنظم القرآن في أعلى طبقات البلاغة، إذا قُوبل به ظهر أنه في تلك المنزلة، كما يكون بين الشعراء من معارضة القصيدة بالقصيدة؛ كمعارضة علقمة [[علقمة بن عَبَدَة بن النعمان، شاعر جاهلي من بني تميم، لقب بالفحل لأنه خلف على امرأة امرئ القيس لما حكمت له بأنه أشعر منه، فطلقها، عدّه الجمحي في الطبقة الرابعة من فحول شعراء الجاهلية، وله قصيدة طويلة في معارضة امرئ القيس. انظر: "طبقات فحول الشعراء" 1/ 137، و"الشعر والشعراء" ص 125، و"الأغاني" 21/ 205، و"المنتخب في محاسن أشعار العرب" 1/ 17، و"الخزانة" 3/ 282.]] لامرئ القيس، ومعارضة جرير للفرزدق [[ورد في "تفسير الطوسي" 6/ 517، بنحوه.]]، ثم لمّا عرضوا القرآن على جميع أجناس كلامهم عجزوا عن المعارضة في النظم بَلْهَ البلاغة، وذلك أن كلامهم لم يخرج من أجناس ثمانية؛ أربعة معقودة وأربعة منثورة؛ فالمنثورة منها أربعة أجناس: منها الكلام الذي يدور بين الناس فيما يحتاجون إليها، ومنها الرسائل، ومنها الخُطَب، ومنها السجع، فلم يكن واحد من هذه الأجناس يشبه نظم القرآن، وبعض ما يُحتَاج إليه في هذه الآية قد ذكرنا في قوله: ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾ في سورة البقرة [[آية: [23].]].
وقوله تعالى: ﴿لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ﴾ هذا جواب (لئن) بالرفع [[قال الطوسي 6/ 517: وإنما رفعه لأنه غلب جواب القسم على جواب (إن) لوقوعه في صدر الكلام.]].
قال الفراء: والعرب إذا أجابت (لئن) بـ (لا) جعلوا ما بعد (لا) رفعًا، لأن (لئن) كاليمين، وجواب اليمين بـ (لا) مرفوعٌ، وربما جزم الشاعر بـ (لئن) وجوابها؛ لأن (لئن): (إن) التي يجازى بها زيدت عليها لام، وأنشد للأعشى:
لئن مُنِيْتَ بنا عن غِبّ معركة ... لا تُلْفِنا من دماء القوم ننتَفِلُ [["ديوانه" ص 149 وفيه: لم تلفنا، وورد في "تفسير الطبري" 15/ 159، و"الطوسي" 6/ 517، و"ابن عطية" 9/ 186، و"اللسان" (نفل) 8/ 4510، و"تفسير أبي حيان" 6/ 78، و"الدر المصون" 7/ 407، و"الخزانة" 11/ 329، وورد بلا نسبة في: "شرح ابن عقيل" 4/ 45، و"شرح الأشموني" 4/ 69، (منيت): ابتليت، ننتفل، الانتفال: التبرؤ، يقال: انتفل من الشيء تبرأ منه.]]
فجزم الجواب بـ (لا) [[وكان حقه الرفع لا تلفينا بإثبات الياء، جوابًا للقسم المتقدم على الشرط، لكنه جزمه بحذفها لأنه جعله جوابًا للشرط بإنْ ولم يُجِب القسم، بل حذفه لدلالة جواب الشرط عليه. انظر: "شرح ابن عقيل" 4/ 45.]].
قال: وأنشدني الكسائي [[البيت للكميت بن معروف.]]:
لَئِنْ تَكُ قد ضَاقتْ عليكم بلادُكُم ... لَيَعْلَمْ ربي [[ساقطة من (د).]] أن بيتي لواسعُ [[ورد في "الخزانة" 10/ 68، 11/ 331 وفيه: بيوتكم، وواسع، وورد بلا نسبة في: "الدر المصون" 2/ 46، و"شرح التصريح" 2/ 254، و"شرح الأشموني" 3/ 397، 4/ 72.]] [["معاني القرآن" للفراء 2/ 131، بتصرف واختصار.]]
فجزم بلئن [[يقول السمين: ولا يحذف جواب الشرط إلا وفعله ماضٍ، وقد يكون مضارعًا. وهنا قد حذف للضرورة -كما قال البغدادي- لأن القياس يقتضي أن يقول: لئن كانت. وأن يقول في الجواب؛ ليعْلَمنّ. انظر: "الدر المصون" 2/ 46،و"شرح التصريح" 2/ 254، و"شرح الأشموني" 4/ 72 ، و"الخزانة" 10/ 68 ، 11/ 351.]].
وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ الظهير: المعين المظاهر لك، وهو فعيل بمعنى المظاهر.
قال ابن عباس: يريد معينًا [[لم أقف عليه منسوبًا إليه، وأخرجه "الطبري" 15/ 159، عن ابن جريج، وورد في "معاني القرآن" للنحاس 4/ 193، وبلا نسبة في "تفسير السمرقندي" 2/ 283.]]، مثل ما يتعاون الشعراء على بيت شعر فيقيمونه.
الإسراء 17:89
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ﴾ أي بَيّنا، وذكرنا الكلام في هذا في هذه السورة [[عند آية [41].]]، قال ابن عباس: وأراد بالناس أهل مكة [[انظر: "تنوير المقباس" ص 305، و"تفسير الفخر الرازي" 21/ 55، و"الألوسي" 15/ 167 بلا نسبة فيهما.]]، ﴿مِنْ كُلِّ مَثَلٍ﴾، أي: من كل نوع وشِبْه، يريد من الأمثال التي يجب بها الاعتبار، ﴿فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ﴾ قال ابن عباس: يريد أكثرَ أهلِ مكة [[ورد بلا نسبة في "زاد المسير" 5/ 85، و"الفخر الرازي" 21/ 55، و"القرطبي" 10/ 327.]].
﴿إِلَّا كُفُورًا﴾ يريد جحودًا للحق وإنكارًا، وذلك أنهم أنكروا القرآن وكونه معجزة بعد قيام الحجة عليهم، واقترحوا من الآيات ما ليس لهم، وهو قوله: ﴿وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ﴾ قال ابن عباس: لن نصدقك [[انظر: "تنوير المقباس" ص 305، وورد بلا نسبة في "تفسير الطبري" 15/ 159، و"السمرقندي" 2/ 283.]]
الإسراء 17:90
قال المفسرون: نزلت في رؤساء مكة اقترحوا عليه ما ذكر الله عنهم في هذه الآيات [[ورد في "تفسير مقاتل" 1/ 219 ب، و"السيرة" لابن هشام 1/ 315 مطولاً، == أخرجه "الطبري" 15/ 159 من طريق عكرمة عن ابن عباس، وورد في "تفسير هود الهواري" 2/ 442، و"الثعلبي" 7/ 120 ب، وأورده المصنف -بلا سند- في "أسباب النزول" ص 300، و"تفسير البغوي" 5/ 128، و"ابن الجوزي" 5/ 85، و"الفخر الرازي" 21/ 56، و"القرطبي" 10/ 328، و"ابن كثير" 3/ 70، أورده السيوطي في "الدر المنثور" 4/ 367 وزاد نسبته إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم. والحديث في إسناده رجل مجهول، فقد رواه ابن إسحاق عن شيخ من أهل مصر قدم منذ أربعين سنة عن عكرمة عن ابن عباس - كما في رواية الطبري.]].
وقوله تعالى: ﴿حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا﴾ وذلك أنهم سألوه أن يُجري لهم نهرًا كأنهار الشام والعراق، وقرئ ﴿تَفْجُرَ﴾ بالتخفيف [[أي بفتح التاء وتسكين الفاء وضم الجيم مع التخفيف، قرأ بها: عاصم وحمزة والكسائي، انظر: "السبعة" ص 385، و"علل القراءات" 1/ 328، و"الحجة للقراء" 8/ 115، و"المبسوط في القراءات" 230، و"النشر" 2/ 308.]]، يقال: فَجَرْتُ الماءَ فَجْرًا وفَجَّرتُه تفجيرًا وتَفْجرةً، (فمن ثَقَّل [[أي بضم التاء وفتح الفاء وتشديد الجيم، وقرأ بها: ابن كثير ونافع وأبو عمرو وأبن عامر. انظر المصادر السابقة.]] أراد كثرة الانفجار من الينبوع، وهو وإن كان واحد فَلِتَكَرُّر الانفجار فيه يحسن أن يثقل، كما تقول: ضُرِّب زيد، إذا كثر الضرب فيه، فيُكَثُّر فِعْلُه وإن كان الفاعل واحدًا، ومن خفف فلأن الينبوع واحد، ودليل التشديد من التنزيل قوله: ﴿وَفَجَّرْنَا خِلَالَهُمَا نَهَرًا﴾ [الكهف: 33]، ودليل التخفيف قوله: ﴿فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا﴾ [البقرة: 60] والانفجار مطاوع الفجر) [[ورد في "الحجة للقراء" 5/ 119 ، بتصرف.]].
ومضى الكلام في الفجر والانفجار في سورة البقرة [[آية [60].]].
وقوله تعالى: ﴿يَنْبُوعًا﴾ يعني عينًا يَنْبَع الماء منه، وهو مفعول من نَبَع الماءُ يَنْبَعُ ويَنْبُعُ نَبْعًا ونُبوعًا ونَبْعَانًا، ذكره الفراء [["معاني القرآن" للفراء 2/ 131، بنحوه.]] والليث [[ورد في "تهذيب اللغة" (نبع) 4/ 3497، بنصه تقريبًا.]].
قال أهل المعاني: وإنما لم يجابوا إلى ما سألوا؛ لأنهم طلبوا ذلك دليلاً على صدقه، وقد أتاهم من القرآن بما يدل على صدقه، فليس لهم أن يطلبوا دليلاً آخر إلا بعد القدح في الدليل الأول بما يبين أنه شبهة لا يدل على صحة المعنى، فأما طلبهم الدليل على جهة الإنكار الأول فهو سفه وجهل لا يستحقون أن يجابوا إليه.
الإسراء 17:91
قوله تعالى: ﴿أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ﴾ هذا أيضًا كان فيما اقترحوا عليه، وقوله: ﴿فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ﴾ عطف على قوله: ﴿أَوْ تَكُونَ﴾.
الإسراء 17:92
﴿أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ﴾، هذا كان فيما اقترح عليه المشركون، قالوا له: فأسقط السماء علينا، قال ابن عباس: يعنون العذاب، وهو كما زعمت [[ورد في تفسيره "الوسيط" 2/ 548 بنصه تقريبًا؛ بدون ضمير الفصل وهو.]]. قال عكرمة: كما زعمت يا محمد أنك نبي، فأسقط السماء علينا [[انظر: "تفسير الرازي" 21/ 57.]]. وقال آخرون: كما زعمت أن ربك إن شاء فعل [[انظر: "تفسير الرازي" 21/ 57، و"أبي حيان" 6/ 79.]]، وكذا ذكر المفسرون بالقصة [[عند آية [90].]].
وقوله تعالى: ﴿كِسَفًا﴾ فيه وجهان من القراءة؛ جزم السين [[قرأ بها: ابن كثير وأبو عمرو وحمزة والكسائي، انظر: "السبعة" ص 385، و"إعراب القراءات السبع وعللها" 1/ 382، و"علل القراءات" 1/ 329، و"الحجة للقراء" 5/ 119، و"المبسوط في القراءات" ص 231، و"التيسير" ص 141، و"النشر" 2/ 309.]] وفتحها [[قرأ بها: ابن عامر ونافع وعاصم. انظر المصادر السابقة.]].
قال أبو زيد: يقال: كَسَفْتُ الثوبَ أكْسِفُه كَسْفُا، إذا قَطَّعته قِطَعًا [[ورد في "الحجة للقراء" 5/ 119، بنصه، و"تفسير الطوسي" 6/ 518، بنصه.]]
وقال الليث: الكَسْفُ: قَطْعُ العُرْقُوب [[ورد في "تهذيب اللغة" (كسف) 4/ 3143 بنصه. (العُرْقُوب): هو العصبُ الغليظُ المُوَتَّر فوق عقبِ الإنسان، أو خلف الكعبين. انظر: "اللسان" (عرقب) 5/ 2909، "متن اللغة" 4/ 83.]]، والكِسْفَة: القطعة.
قال الفراء: وسمعت أعرابيًّا يقول لبزاز: أعطني كِسْفة، يريد قطعة كقولك: خِرْقَة [["معاني القرآن" للفراء 2/ 131 بتصرف يسير، وورد في "تهذيب اللغة" (كسف) 4/ 3143، بنصه.]].
روى عمرو عن أبيه: يقال لخِرَق القميص قبل أن يُؤَلَّفَ: الكِسَف، واحدها كِسْفَة [[ورد في "تهذيب اللغة " (كسف) 4/ 3143، بتصرف يسير.]]، فمن قرأ بسكون السين احتمل قوله وجوهًا، أحدها: أن يكون جمع كِسْفة، على حد دِمْنَةٍ ودِمَن [[الدِّمنة: آثار الناس وما سَوَّدوا، وقيل: ما سوَّدوا من آثار البعر، والجمع: دمن، وهو البعر، ودمَّنت الماشيةُ المكانَ: بعَرت فيه وبالت. انظر: "اللسان" (دمن) 3/ 1428.]]، وسِدْرة، وسِدَر هذا قول الفراء [["معاني القرآن" للفراء 2/ 131، بنحوه، ورد في "تهذيب اللغة" (كسف) 4/ 3143، بنحوه، وما في التهذيب أقرب.]]، وقال الكسائي: من وَحَّد خفف [[لم أقف عليه. قال القرطبي: قال الأخفش: من قرأ: كسْفًا من السماء، جعله، واحداً، ومن قرأ: كِسَفًا، جعله جمعاً. "تفسير القرطبي" 10/ 330.]].
قال أبو علي: إذا كان المصدرُ الكسْفَ، فالكسْفُ [[في جميع النسخ: (والكسف) بالواو عطفًا، والصواب ما أثبته من المصدر بالفاء؛ لأنه جواب شرط قرن بالفاء.]]: الشيء المقطوع؛ كما يقال في الطَّحْن والطِّحْن، والسَقي والسِّقي [["الحجة للقراء" 5/ 119، بنصه.]]، ويؤكد هذا قوله: ﴿وَإِنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّمَاءِ سَاقِطًا﴾ [الطور: 44] ، وذكر الزجاج وجهاً ثالثًا، فقال: من قرأ كِسْفًا فكأنه قال: أو تسقطها طبَقًا علينا، واشتقاقه من كَسَفْتُ الشيء إذا غَطَّيته [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 259، بنصه.]]، ومن فتح السين فهو جمع كِسْفَةٍ مثل قِطْعَةٍ وقِطَعٍ، وسِدْرَةٍ وسِدَرٍ، وهو نصب على الحال في القراءتين جميعًا، كأنه قال: أو تسقط السماء علينا مقطعة [[ورد في "الحجة للقراء" 5/ 120، بنحوه]].
قال ابن عباس في قوله: ﴿كِسَفًا﴾: قطعًا [[أخرجه "الطبري" 15/ 161 بلفظه من طريق ابن أبي طلحة (صحيحة)، ومن طريق العوفي (ضعيفة)، وورد بلفظه في "تفسير الماوردي" 3/ 273، و"الطوسي" 6/ 519.]]
وقال مجاهد: السماء جميعًا [["تفسير مجاهد" 1/ 370، وأخرجه "الطبري" 15/ 161 بنصه من طريقين، انظر: "تفسير ابن عطية" 9/ 196]]، وهذا على قراءة من سَكَّن السين، ومعناه كما قال الزجاج: طبقًا، أو كما قال أبو علي: قطعة واحدة.
وقوله تعالى: ﴿أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا﴾ ذكروا في هذا ثلاثة أقوال: قال ابن عباس في رواية الضحاك: عيانًا [[انظر: "تفسير ابن الجوزي" 5/ 87، أورده السيوطي "الدر المنثور" 4/ 367 وعزاه إلى ابن أبي حاتم.]]، وهو قول قتادة وابن جريج [[أخرجه "عبد الرزاق" 2/ 389 بلفظه عن قتادة، و"الطبري" 15/ 162، بنحوه عنهما، وورد في "معاني القرآن" للنحاس 4/ 194 بلفظه عن قتادة، و"تفسير الثعلبي" 7/ 121 أبلفظه، و"الماوردي" 3/ 273، بنحوه عنهما، و"الطوسي" 6/ 520، بنحوه عنهما.]]، والمعنى: تأتي بهم حتى نراهم مقابلة، والعرب تُجري القبيل في هذا المعنى مجرى المصدر، فلا يثنى ولا يجمع ولا يؤنث، وذكرنا هذا عند قوله: ﴿وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا﴾ [الأنعام: 111]، وهذا القول منهم يدل على جهلهم بصفة الله؛ حيث لم يعلموا أنه لا يجوز على الله المقابلة.
القول الثاني: ما قاله ابن عباس في رواية عطاء: يريد فوجًا بعد فوج [[انظر: "تفسير الفخر الرازي" 21/ 58.]].
قال الليث: وكل جيل من الجن والناس قبيل [[ورد في "تهذيب اللغة" (قبل) 3/ 2876، بنصه.]]، ذكرنا ذلك في قوله: ﴿إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ﴾ [الأعراف: 27]، وهذا قول مجاهد [["تفسير مجاهد" 1/ 370 بمعناه، أخرجه "الطبري" 15/ 162 بمعناه من طريقين، وورد في "تفسير الثعلبي" 7/ 121 أبمعناه، انظر: "زاد المسير" 5/ 88.]].
القول الثالث: أن قبيلًا معناه هاهنا ضامنًا وكفيلاً، روي ذلك عن ابن عباس [[ورد في "تفسير الثعلبي" 7/ 121 أبلفظه، انظر: "زاد المسير" 5/ 88، و"القرطبي" 10/ 331.]]، وذكره الزجاج وابن قتيبة [["الغريب" لابن قتيبة 1/ 262، بنحوه.]].
قال الزجاج: يقال: قَبُلْتُ به أقْبُل، كقولك: كَفُلت أكفُل [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 259، بنصه تقريبًا.]]، وهو على هذا واحدٌ أريد به الجمع، وقد جاء [فعيل مفردًا] [[ما بين المعقوفين من (ش)، (ع) وفي (أ)، (د): (فصل مفرد).]] يُراد به الكثرة، كقول رؤبة:
دَعْها فما النَّحْوِيُ من صديقِها [["ديوانه" ص 182، وورد في "جمهرة اللغة" 20/ 656، و"المذكر والمؤنث" لابن الأنباري 1/ 295، و"الأغاني" 20/ 367، و"أساس البلاغة" 2/ 11، و"شرح شواهد الإيضاح" 573، و"اللسان" (ذبح) 3/ 1486، (صدق) 4/ 2418، و"تخليص الشواهد" ص 184.
والشاهد: أنه قال من صديقها: أي من أصدقائها، فهو مفرد وقع موقع الجمع.]]
وكقوله تعالى: ﴿وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ [[قال الواحدي -رحمه الله-: قال الفراء: وإنما وحّد الرفيق وهو حقه الجمع؛ لأن الرفيق والبريد والرسول تذهب به العرب إلى الواحد وإلى الجمع.]] [النساء: 69]، واختار أبو علي أن يكون معناه المعاينة، قال: إذا حملته على المعاينة كان القبيل مصدرًا كالنذير والنكير، قال: ولو أريد به الكفيل لكان خليقًا أن يجمع على فعلاء كما قالوا: كفلاء؛ لأنه في الأصل صفة وإن كان قد استعمل استعمال الأسماء، قال: ويدل على أن المراد بالقبيل المعاينة لا الكفيل قوله: ﴿لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا﴾ [الفرقان: 21]، وكما اقترح ذلك غيرهم في قوله: ﴿أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً﴾ [النساء: 153]، وقد مرّ [["الحجة للقراء" 3/ 386، بنصه تقريبًا.]].
الإسراء 17:93
قوله تعالى: ﴿أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ﴾ قال المفسرون: كان فيما اقترحوا من الآيات أن يكون له جنان وكنوز وقصور من ذهب، فذلك قوله: ﴿أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ﴾، قال ابن عباس ومجاهد وقتادة والسدي: من ذهب [["تفسير مجاهد" 1/ 370 بلفظه، وأخرجه بلفظه: "عبد الرزاق" 2/ 390، عن قتادة، و"الطبري" 15/ 163، عن ابن عباس من طريق العوفي (ضعيفة) وعن مجاهد وقتادة من طرق، وورد بلفظه في: "تفسير هود" 2/ 442، عن ابن عباس، و"الماوردي" 3/ 273، عن ابن عباس وقتادة، و"الطوسي" 6/ 520، عنهم عدا السدي، وأورده السيوطي في "الدر" 4/ 367 وعزاه إلى عبد بن حميد عن قتادة.]].
قال مجاهد: كنا لا ندري ما الزخرف حتى رأيت في قراءة عبد الله: (أو يكون لك بيت من ذهب) [[أخرجه "الطبري" 15/ 163 بنصه، وورد بنصه في "معاني القرآن" للنحاس 4/ 195، و"الثعلبي" 7/ 121 ب، و"الماوردي" 3/ 273، أورده السيوطي في "الدر" 4/ 367 وزاد نسبته إلى أبي عبيد في فضائله وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن الأنباري في "المصاحف" وأبي نعيم في الحلية - لم أقف عليه. وهذه قراءة شاذة، تعد من قبيل التفسير، لمخالفتها سواد المصحف. انظر: "تفسير أبي حيان" 6/ 80.]].
قال أبو إسحاق: وأصل الزُّخْرُف والزَّخْرَفة في اللغة: الزينة [[انظر (زخرف) في "تهذيب اللغة" 2/ 1520، و"المحيط في اللغة" 4/ 465، و"اللسان" 3/ 1821.]]، يدل على ذلك قوله: ﴿إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا﴾ [يونس: 24]، أي: أخذت كمال زينتها، ولا شيء في تحسين بيت وتزيينه كالذهب، فليس يخرج قول المفسرين عن الحق في هذا [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 260، بتصرف.]]. وقال الحسن: الزخرف: النقوش [[لم أقف عليه.]]. وفَسَّرنا الزخرف في سورة الأنعام [112] وسورة يونس [24].
وقوله تعالى: ﴿أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ﴾ قال المفسرون: قال عبد الله بن أُمَيَّة: لا أؤمن بك يا محمد أبدًا حتى تتخذ إلى السماء سُلَّمًا، ثم ترقى فيه وأنا انظر حتى تأتيها، وتأتي بنسخة منشورة معك، ونفر من الملائكة يشهدون لك أنك كما تقول، فذلك قوله: ﴿أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ﴾، قال الفراء: يقال: رَقِيتُ، وأنا أرقى، رَقْيُا ورُقْيًّا ورُقِيًّا، وأنشد [[نسب في "اللسان" لابن بري.]]:
أنتِ التي [[في جميع النسخ: (أنت)، وفي جميع المصادر: (الذي).]] كَلَّفتِني رَقْي الدَّرْج ... على الكِلالِ والمَشِيبِ والعَرْج [[ورد في: "اللسان" (رقا) 3/ 1711، وورد بلا نسبة في "الطبري" 15/ 163، و"الرازي" 21/ 58، (الكلال): الضعف والإعياء. و"متن اللغة" 5/ 95.]]
قال: [والمعنى إلى السماء، غير أنهم قالوا: أو تضع سُلَّمًا فترقى عليه إلى السماء فذهبت (في) إلى السُلَّم] [[ورد ما بين المعقوفين -فقط- في "معاني القرآن" للفراء 2/ 131، بنصه، وورد قوله بنحوه وبلا نسبة في "تفسير الطبري" 15/ 163]].
وقوله تعالى: ﴿حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ﴾ وقال ابن عباس ومجاهد: كتابًا نقرأه منشورًا من رب العالمين إلى فلان وفلان، عند كل رَجُل منا صحيفة يصبح عند رأسه يقرأها [["تفسير مجاهد" 1/ 370، بنحوه، وأخرجه "الطبري" 15/ 164، بنحوه عن مجاهد من طريقين، وورد في "تفسير هود الهواري" 2/ 443، بنحوه عن مجاهد، انظر: "تفسير ابن الجوزي" 5/ 88، عن ابن عباس، وأورده السيوطي في "الدر المنثور" 4/ 367 وزاد نسبته إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم عن مجاهد.]]، (قَالَ سُبْحَانَ رَبِّي) [[قرأ بها: ابن كثير وابن عامر. انظر: "السبعة" ص 385، و"إعراب القراءات السبع وعللها" 1/ 383، و"علل القراءات" 1/ 330، و"الحجة للقراء" 5/ 121، و"المبسوط في القراءات" ص 231، و"النشر" 2/ 309.]]، أي: قال النبي -ﷺ- ذلك، وقرئ: ﴿قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي﴾ [[قرأ بها: نافع وعاصم وأبو عمرو وحمزة والكسائي. انظر: المصادر السابقة.]] ،على الأمر له بأن يقول ذلك.
قال ابن عباس: يقول: عَظُمَ ربي وكَرُمَ، ﴿هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا﴾، كقوله: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ [الكهف: 110]، أي: إن هذه الأشياء ليس في قوى البشر أن يأتوا بها، فلا وجه لطلبكم هذه الآيات مني مع صفتي أني بشر.
الإسراء 17:94
قوله تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَ النَّاسَ﴾ قال ابن عباس: يريد أهل مكة [[انظر: "تفسير ابن الجوزي" 5/ 89، و"تنوير المقباس" ص 305، وورد بلا نسبة في "تفسير مقاتل" 1/ 219 ب، و"السمرقندي" 2/ 284.]]، ﴿أَنْ يُؤْمِنُوا﴾، أي: الإيمان والتصديق، ﴿إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى﴾: أي البينات والرشاد من الله تعالى على لسان محمد -ﷺ-، وهو القرآن، ﴿إِلَّا أَنْ قَالُوا﴾، أي: إلا قولهم في التعجب والإنكار، ﴿أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا﴾ قال أهل المعاني: ووجه تعجبهم من بعث الله بشرًا رسولاً، جهلهم في التعظيم؛ وهو قولهم: الله أعظم من أن يكون رسوله بشرًا، كما توهموا أن عبادة الأصنام تجوز من طريق التعظيم لله [[ورد نحوه في "تفسير الطوسي" 6/ 521]]، و ﴿رَسُولًا﴾ منصوب على أنه مفعول ثان للبعث، كقولك: بعثت زيدًا رسولاً إلى فلان، وفي إنكارهم كون البشر رسولاً اقتضاءُ أن يُبْعَثَ إليهم مَلَكٌ، وكأنه قيل: أبعث الله بشرًا رسولاً؟! هلا بعث مَلَكًا [[في (د): (ما كان) ،وفي (أ): (ما كا)، ويبدو أنها تصحفت عن (ملكًا).]] رسولاً!
الإسراء 17:95
فقال الله تعالى: {قُلْ لَوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلَائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ} قال الحسن: قاطنين [[ورد في "تفسير الطوسي" 6/ 522، بلفظه.]]، وقال الكلبي: مقيمين [[انظر: "تنوير المقباس" ص 305، ورد بلا نسبة في "تفسير مقاتل" 1/ 219 ب، و"السمرقندي" 2/ 284، و"هود الهواري" 2/ 443.]]، وقال الزجاج: مستوطنين الأرض [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 261، بنصه.]]، وأصل الطمأنينة السكون، وجُعل هاهنا عبارة عن المقام والاستيطان؛ لأنه يقال: سكن فلان بلدة كذا، وسكن دار فلان، وإن كان فيها ماشيًا منقلبًا في حاجاته، وليس يراد السكون الذي هو ضد الحركة، كذلك هاهنا ليس المراد بالاطمئنان الذي هو ضد المشي، إنما المراد به الإقامة، كما ذكرنا عن أهل التفسير.
وقوله تعالى: ﴿لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَسُولًا﴾ قال أبو إسحاق: أعلمهم الله أن الأعدل والأبلغ في الأداء إليهم بشرٌ [[في (أ)، (د): (بشرًا)، وهو خطأ نحوي ظاهر.]]؛ لأنه لا يُرْسِل إلى خلق إلا ما كان من جنسهم، فلو كان في الأرض بدل الآدميين ملائكة، لنزلنا عليهم ملكًا رسولاً [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 261 بتصرف.]]
فإن قيل: لم جاز أن يرسل إلى النبيّ وهو بشر ملكٌ ليس من جنسه، ولم يجز أن يرسل غير النبيّ من البشر؟
الجواب: أن النبيّ قد اختير للهداية والمصلحة، وهو صاحب معجزة، فصارت حاله بذلك مقاربة لحال الملك، مع أن الجماعة الكثيرة ينبغي أن يُتَخيّر لها ما يجتمع عليه هَمُّها، إذا أريد الصلاح لجميعها بما لا يحتاج إليها في الواحد منها.
الإسراء 17:96
قوله تعالى: ﴿قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾ فسرنا هذا في آخر سورة الرعد [آية: 43].
الإسراء 17:97
قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ﴾ قال ابن عباس: من يرد الله هُدَاه [[ورد في "الوسيط" 2/ 552، انظر: "تفسير ابن الجوزي" 5/ 90.]]، ﴿فَهُوَ الْمُهْتَدِ﴾، ﴿وَمَنْ يُضْلِلْ﴾ قال: ومن يخذل، ﴿فَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيَاءَ﴾: يهدونهم من دون الله، ﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ﴾، في حديث أبي هريرة، قيل: يا رسول الله، وكيف يمشون على وجوههم، قال: "إن الذي أمشاهم على أقدامهم قادر أن يمشيهم على وجوههم، إنهم يتقون [[في (ش): (يتقوه).]] بوجوههم كل حَدَبٍ وشَوْك" [[جزء من حديث طرفه: "بحشر الناس يوم القيامة ثلاثة أصناف .. " أخرجه الترمذي (3142) كتاب: التفسير، باب: ومن سورة بني إسرائيل بنصه عن أبي هريرة وحسنه، و"الطبري" بنصه دون الزيادة بين التنصيص، وورد في "تفسير الثعلبى" 7/ 121 ب، بنصه، وأورده السيوطي في "الدر المنثور" 4/ 368 وزاد نسبته إلى ابن مردويه وأبي داود والبيهقي في البعث -لم أجده فيهما، وللحديث شاهد من طريق أنس بن مالك -رضي الله عنه- دون الزيادة بين التنصيص- أخرجه: أحمد 3/ 167 ، والبخاري (4760) كتاب: التفسير، سورة الفرقان 4/ 1784، ومسلم (2806) كتاب: الجنة والنار، باب. صفات المنافقين، يحشر الكافر على وجهه 4/ 2161، والحاكم: التفسير، الفرقان 2/ 402.]].
وقوله تعالى: ﴿عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا﴾ روى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في تفسير هذه الآية، ثم قال: ﴿وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ﴾ [الكهف: 53]، وقال: ﴿سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا﴾ [الفرقان: 12]، وقال: ﴿دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا﴾ [الفرقان: 13]، فكيف قال في هذه الآية: ﴿عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا﴾، ثم أجاب ابن عباس: فقال عميًا لا يرون شيئًا يسرهم، صُمًّا لا يسمعون شيئًا يسرهم، بكمًا لا ينطقون بحجة [[أخرجه "الطبري" 15/ 168بنصه (صحيحة)، وورد بنحوه مختصرًا في "معاني القرآن" للنحاس 4/ 197، و"تفسير الثعلبي" 7/ 121 ب، و"الماوردي" 3/ 275، و"الطوسي" 6/ 524، بنحوه، انظر: "تفسير الفخر الرازي" 21/ 61، وأورده السيوطي في "الدر المنثور" 4/ 368 وزاد نسبته إلى ابن أبي حاتم.]].
وقال في روايهَ عطاء: يريد عُميًا عن النظر إلى ما جعله الله لأوليائه، وبكمًا عن مخاطبة الله تعالى، وصُمًّا عما مدح الله به أولياءه [[انظر: "تفسير ابن الجوزي" 5/ 90، و"الفخر الرازي" 21/ 61، و"أبي حيان" 6/ 82 بلانسبة.]].
وقال مقاتل: هذا حين يقال لهم: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: 108]، فيصيرون عميًا بكمًا صمًا لا يرون ولا يسمعون ولا ينطقون بعد ذلك [["تفسير مقاتل" 1/ 220 أ، بنحوه.]].
وقوله تعالى: ﴿كُلَّمَا خَبَتْ﴾ الخبو: سكون النار، يقال: خبت النار تخبو إذا سكن لهيبها، ومعنى خبت سَكَنت وطَفِئت، ويقال في مصدره: الخبؤ، وأخبأها المخبئ، أي أخمدها [[انظر: "الأضداد" لابن الأنباري ص 177، و"تهذيب اللغة" (خبأ) 1/ 97، و"المحيط في اللغة" (خبو) 4/ 427، و"اللسان" (خبا) 2/ 1098.]].
قال الكميت:
مؤجِّج نيرانِ المكارم لا المُخْبي [[صدره:
ومنّا ضرارٌ وابْنَماهُ وحاجبٌ= ومنا لقيط .... مؤرث نيران ....
وورد في "مجاز القرآن" 1/ 391، و"الأضداد" لابن الأنباري ص 175، و"الأزهية" ص 24، و"اللسان" (خبا) 2/ 1098، وبلا نسبة في "جمهرة اللغة" 3/ 1308، (ابنماه): تثنية ابن، حيث زادوا في (ابن) ميمًا للتوكيد وألحقوها الإعراب، وحركوا النون بحركتها، فقالوا: جاءني ابنُمٌ، ورأيت ابنَمًا، ومررتُ بابنِمٍ، وقالوا في الجمع: هؤلاء ابنُمونَ، (المخبي): الذي يطفئ النار؛ يقال: خبت النار والحرب، تخبو خبوًا وخُبُوًا: سكنت وطفئت وخمد لهبها، وهي خابية، وأخْبيتها أنا: أخمدتها.]] قوله تعالى: ﴿زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا﴾ قال ابن عباس: سُعِّر العذابُ عليهم بأشد مما كان [[أخرج "الطبري" 15/ 168 بمعناه من طريق العوفي (ضعيفة)، وابن الأنباري في "الأضداد" ص 176 - بمعناه من طريق ابن جريج "صحيحة"، وأورده السيوطي في "الدر المنثور" 4/ 369 وزاد نسبته إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم.]]، وقال ابن قتيبة: زدناهم نارًا تَتَسَعَّر، أي تَتَلَهَّب [["الغريب" لابن قتيبة 1/ 262، بنصه.]] ، ومضى الكلام في السعير في سورة النساء [آية:10].
الإسراء 17:98
قوله تعالى ﴿ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ﴾ هذه الآية مفسرة في هذه السورة [[عند آية [98].]]
الإسراء 17:99
ثم أجابهم الله عن إنكارهم البعث بقوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ﴾ الآية. ومعنى ﴿أَوَلَمْ﴾ هاهنا: أولم يعلموا، وذكرنا الكلام في هذا عند قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ﴾ [البقرة: 258]، والمعنى: ألم يعلموا أن من قدر على خلق السموات في عظمها، ﴿قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ﴾، أي: على أن يخلقهم ثانيًا، وأراد بمثلهم إيّاهم، وذلك أن مثل الشيء مساوٍ له في حالته، فجاز أن يُعَبِّرَ به عن الشيء نفسه، وخَلْقُ مِثْلِهم كخلقهم، والمعنى: قادر على أن يخلق مثلهم في ضعفهم وصغرهم، هذا معنى قول أكثر المفسرين [[انظر: "تفسير الطبري" 15/ 169، و"السمرقندي" 2/ 285، و"هود الهواري" 2/ 444، و"الثعلبي" 7/ 122 أ.]].
وقال عطاء عن ابن عباس: ﴿قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ﴾ يريد عبيدًا يوحدونني ويعظمونني ولا يعدلون بي شيئًا [[ذكره الفخر الرازي 21/ 62 بلا نسبة، وورد في "تفسير الألوسي" 15/ 1775 بلا نسبة بصيغة التمريض وردَّه.]]، فالمعنى على هذا يخلق مثلهم في الخلقة والشبه، ويكون المعنى كقوله: ﴿وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [إبراهيم: 19].
وقوله تعالى: ﴿يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾ [محمد: 38]، والقول هو الأول [[وهو الصحيح والذي عليه الجمهور -كما ذكر- ولم يكن حاجة إلى إيراد القول الثانى المرجوح جدًا خاصة أن طريقه مقطوعة.]]؛ لأنه أشبه بما قبله، ولأنه لا دليل على توحيد المخلوقين مثلهم في الآية، وتَمَّ الكلام، أي لا دليل في الآية على أن الذين يخلقهم أمثالهم يوحدونه ويعظمونه كما ذكرتم.
قال: ﴿وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلًا لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ قال ابن عباس: يريد أجل الموت وأجل القيامة [[ورد في "الوسيط" 2/ 554 بنصه، وورد بلا نسبة "تفسير الزمخشري" 2/ 376، و"ابن عطية" 9/ 204، و"القرطبي" 10/ 334 و"الخازن" 3/ 182.]]، وهذا جواب لاستدعائهم العذاب في قولهم: ﴿أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا﴾، ﴿فَأَبَى الظَّالِمُونَ﴾ أي المشركون، ﴿إِلَّا كُفُورًا﴾: جحودًا بذلك الأجل، وهو البعث والقيامة.
الإسراء 17:100
وقوله تعالى: ﴿قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ﴾ قال أبو إسحاق: ﴿أَنْتُمْ﴾ مرفوعة بفعل مضمر، المعنى: قل: لو تملكون أنتم؛ لأن (لو) يقع بها الشيء لوقوع غيره، فلا يليها إلا الفعل، فإذا وليها الاسم عمل فيه الفعل المضمر [[انظر: "المقتضب" 3/ 77، و"الكامل" 1/ 279، و"مغني اللبيب" ص 353، و"الدرر اللوامع" 5/ 99.]]، وأنشد قول المُتَلَمِّس [[المتلمس؛ هو جرير بن عبد المسيح، من بني ضُبَيعة، وأخواله بنو يَشْكُر، وهو خال طرفة بن العبد، شاعر جاهلي مُفْلقٌ مُقلّ، عدّه الجمحي في الطبقة السابعة من شعراء الجاهلية، دبّر عمرو بن هند ملك الحيرة قتله هو وطرفة بعد أن هَجَوَاه، فنجا المتلمس وهرب إلى بني جفنة ملوك الشام وقتل ابن أخته، قتله عامل البحرين، توفي نحو سنة (569 م).
انظر: "طبقات فحول الشعراء" 1/ 155، و"الشعر والشعراء" ص 99، و"لأغاني" 24/ 216، و"الخزانة" 6/ 345.]]:
فلو غيرُ أخوالي أرادوا نَقِيصَتِي ... نَصَبْتُ لهم فَوقَ العَرانِينِ مِيسَاً [["ديوانه" ص 29، وورد في "الأصمعيات" ص 245، و"مختارات ابن الشجري" ص 122، و"تفسير ابن الجوزي" 5/ 91، و"الخزانة" 10/ 59، وورد بلا نسبة في: "الكامل" 1/ 279، و"المقتضب" 3/ 77، و"تذكرة النحاة" ص 490، و"اللسان" (نقص) 8/ 4523، وفي الديوان وجميع المصادر -عدا ابن الجوزي-: (جعلت) بدل (نصبت). (نقيصتي): تنقصي، (العرانين): جمع عِرْنين؟ وهو أعلى قصبة الأنف، (ميسما): الميسم: هو الآلة التي يوسم بها، ومقصوده: أَسِمُهم على العرانين، أي أهجوهم هجاءً يبقى أثرُه في وجوهم ويلزمهم لزوم الميسم للأ نف.]]
المعنى: لو أراد غير أخوالي [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 262، بنصه.]].
وأنشد غيره لجرير [[ساقطة من (ش).]]:
لو غَيْرُكم عَلِقَ الزُّبَير بحبله ... أدّى الجوارَ إلى بني العَوّامِ [["ديوانه" ص 453 وفيه (ورَحْلَهُ)، وورد في: "الكامل" 1/ 279، == و"شرح شواهد المغني" 2/ 657، و"الخزانة" 5/ 432، و"الدرر اللوامع" 5/ 98، وورد بلا نسبة في "المقتضب" 3/ 78، و"تفسير الطوسي" 6/ 525، و"مغني اللبيب" ص 353.]] أي لو عَلِقَ غيْرَكُمْ، والخطاب في هذه الآية للمشركين، قال ابن عباس: ﴿قُلْ﴾: يا محمد [[ورد بلا نسبة في "تفسير الطبري" 15/ 170، و"الطوسي" 6/ 525.]]، ﴿لَّوْ انتُمْ﴾: يا معشر المشركين، ﴿تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي﴾ يريد خزائن الرزق، ﴿إِذًا لَأَمْسَكْتُمْ﴾ يريد إذا لبخلتم.
قال أبو إسحاق: أعلمهم الله أنهم لو ملكوا خزائن الأرزاق لأمسكوا شُحًّا وبُخْلاً، قال: وهذا جواب لقولهم: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا﴾ [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 261، بنصه مع تقديم وتأخير.]] يريد أنهم طلبوا عين ما في بلدهم ليكثر مالهم ويتسع عيشهم، فأعلمهم الله أنهم لو ملكوا الكثير لبخلوا؛ لأنهم جُبِلوا على الإمساك، والبخيل لا ينفعه كثرة المال.
وقوله تعالى: ﴿خَشْيَةَ الْإِنْفَاقِ﴾ خشية منصوب على أنه مفعول له.
قال ابن عباس: خشية الفقر [[أخرجه "الطبري" 15/ 170 بلفظه من طريق الحجاج عن ابن جريج (صحيحة)، وورد بلفظه في "معاني القرآن" للنحاس 4/ 198.]]، وقال قتادة: خشية الفاقة [[أخرجه "عبد الرزاق" 2/ 390 - بلفظه، و"الطبري" 15/ 170 بلفظه من طريقين، وورد في "معاني القرآن" للنحاس 4/ 198 - بمعناه، و"تفسير الماوردي" 3/ 276 - بمعناه، و"الطوسي" 6/ 525 - بمعناه، أورده السيوطي في "الدر المنثور" 4/ 369 - 370، وزاد نسبته إلى ابن أبي حاتم.]].
قال أبو عبيدة: يقال: قد أملق الرجل إملاقًا، وأنفق إنفاقًا، إذا قَلّ ماله [["مجاز القرآن" 1/ 208 وعبارته: ﴿مِنْ إِمْلَاقٍ﴾: من ذهاب ما في أيديكم؛ يقال: أملق فلان؛ اي ذهب ماله.]].
قال المبرد: المعروف في الإنفاق أنه إخراج المال عن اليد، فإن كان قد روي في اللغة معنى الإعدام فهو كما قال أبو عبيدة، وإلا فمعنى الكلام في الآية: خشية أن يستفرغكم الإنفاق ويُجْحِفَ بكم، فيكون الكلام من باب حذف المضاف على تقدير: خشية ضرر الإنفاق وما أشبهه [[لم أقف عليه.]]، وهذا معنى قول السدي: خشية أن ينفقوا فيفتقروا [[ورد في تفسيره "الوسيط" تحقيق سيسي 2/ 554، بنصه.]].
وقوله تعالى: ﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ قَتُورًا﴾ قال ابن عباس وقتادة وغيرهما: بخيلًا [[أخرجه "الطبري" 15/ 170 بلفظه عن ابن عباس من طريق ابن أبي طلحة (صحيحة)، ومن طريق ابن جريج (صحيحة)، وعن قتادة، وورد بلفظه في "معاني القرآن" للنحاس 4/ 199، عن ابن عباس، و"تفسير الماوردي" 3/ 276، عنهما، أورده السيوطي في "الدر المنثور" 4/ 369 وزاد نسبته إلى ابن المنذر عن ابن عباس، وزاد نسبته إلى ابن أبي حاتم عن قتادة.]]، يقال: قَتَرَ يَقْتِرُ ويَقْتُر قَتْرًا، وأقْتَرَ إقتارًا، وقَتَّر تَقْتيرًا، إذا قَصَّر في الإنفاق [[انظر: (قتر) في "جمهرة اللغة" 1/ 393، و"المحيط في اللغة" 5/ 360، و"مجمل اللغة" 2/ 742، و"اللسان" 6/ 3525.]].
قال الليث: القَتْرُ: الرُّمْقة في النَّفقة؛ وهو أن ينفق ما [[في (أ)، (د)، (ش): (ماله)، والمثبت من. (ع)، وبه يستقيم المعنى، وهو أقرب لما في المصدر.]] يُمْسِك الرّمَق [[ورد في "تهذيب اللغة" (قتر) 3/ 288، بتصرف.]].
فإن قيل في الناس: الجواد المُبَذِّر، فلم قيل: ﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ قَتُورًا﴾؟ الجواب: أن الأغلب عليهم البخل والاقتصار، ولا اعتبار بالنادر، على أن كل أحد بخيل بالإضافة إلى جُود الله؛ إذ لو ملك خزائن ربه لادّخر معظمها لنفسه، والله -عز وجل- يفيضها على عباده لا يمنعه عن ذلك الإبقاء لنفسه، لأنه يجلّ عن لحَاق النفع والضر.
وقال أبو إسحاق: يعني بالإنسان هاهنا الكافر خاصة، كما قال: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾، ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ﴾ [العاديات:6، 8]، أي: المال [[ساقطة من (ع).]]، ﴿لَشَدِيدٌ﴾: لبخيل [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 261، بتصرف يسير.]]، وهذا قول الحسن [[ورد في "تفسير الماوردي" 3/ 276، انظر: "تفسير القرطبي" 10/ 335، وورد بلا نسبة في: "تفسير مقاتل" 1/ 220 أ، و"هود الهواري" 2/ 445، والجمهور -كما في "التفسير الماوردي"- على أنها عامة، وهو الصحيح.]].
الإسراء 17:101
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ﴾ الآية. وجه اتصال معنى هذه الآية بما قبلها أنه ذكر في هذه الآية إنكارَ فرعونَ آياتِ موسى مع وضوحها، فيكون في ذلك تشبيها لحال هؤلاء المشركين بحاله وتسلية للنبيّ -ﷺ-. واختلفوا في الآيات التسع مع اتفاقهم أن منها: الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم، فهذه خمس، وأما الأربعة الباقية، فروى قتادة عن ابن عباس قال: هي يده البيضاء عن غير سوء، وعصاه إذا ألقاها، وما ذكر في قوله: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ﴾ [الأعراف: 130] قال: ﴿السِّنِينَ﴾ لأهل البوادي حتى هلكت مواشيهم، ﴿وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ﴾ لأهل القرى، وهاتان آيتان [[أخرجه "عبد الرازق" 2/ 390، بنحوه ، و"الطبري" 15/ 171، بنحوه من طريقين، وورد في:"تفسير السمرقندي" 2/ 285، بنحوه ، و"الثعلبي" 7/ 122 أ، == و"الماوردي" 3/ 277، و"الطوسي" 6/ 527 وفي المصادر الثلاثة الأخيرة: العقدة بلسانه [وفيه نظر؛ لأن وجه الآية فيه غير ظاهر]، وفَلْق البحر بدل السنين ونقص الثمرات، وأورده السيوطي في "الدر المنثور" 4/ 370، وزاد نسبته إلى سعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم من طرق.]]، ونحو هذا روى أبو صالح وعكرمة [[أخرجه "الطبري" 15/ 171، بنحوه عن عكرمة، وورد في "تفسير الثعلبي" 7/ 122 أ، بنحوه عن عكرمة، و"الطوسي" 6/ 527، بنحوه عن عكرمة عن ابن عباس.]]، وهذا قول مجاهد [[ورد بنحوه في "معاني القرآن" للنحاس 4/ 200، و"تفسير الثعلبي" 7/ 122 أ، و"الطوسي" 6/ 527.]]. وقال محمد بن كعب القرظي بدل السنين ونقص من الثمرات فَلْق البحر والطمسة، وهي أن الله تعالى مسخ أموالهم حجارة ميت النخل والدقيق والأطعمة والدراهم والدنانير [[أخرجه "الطبري" 15/ 171، بنحوه، لكنه ذكر الحجر بدل فلق البحر، وعرفّ الطمسة بقوله: دعا موسى وأمَّن هارون، فقال ﴿قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا﴾ [يونس: 89]، وورد في "تفسير الثعلبي" 7/ 122 أمع زيادات، و"الماوردي" 3/ 277، كرواية الطبري، و"الطوسي" 6/ 527، بنحوه.]]، وهذا الذي ذكرنا أجود ما قيل في تفسير الآيات [[قال ابن كثير 3/ 75: وهذا القول ظاهر جلي، حسن قوي، يقصد قول ابن عباس ومجاهد وعكرمة.]].
وقوله تعالى: ﴿فَاسْأَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ قال ابن عباس: فأسأل يا محمد بني إسرائيل [[ورد بلا نسبة في "تفسير الطبري" 15/ 173، و"الثعلبي" 7/ 122 ب، و"هود الهواري" 2/ 445، و"البغوي" 5/ 134، و"الخازن" 3/ 183.]]، يريد المؤمنين من قريظة والنضير، ﴿إِذ جَآءَهُم﴾ يريد موسى، ونظم الآية على غير ما هو عليه في الظاهر؛ لأن (إذ) تتعلق بالإتيان لا بالسؤال، وتقدير الآية: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾، ﴿إِذ جَاَءَهُم﴾: بني إسرائيل فسألهم، إلا أنه لمّا عُلِّق السؤال ببني إسرائيل كُنِّى عنهم [في قوله: ﴿جَاءَهُمْ﴾ والمراد: إذ جاء آباءهم الذين كانوا في ذلك الوقت، ولكنهم لمَّا كانوا من بني إسرائيل كنى عنهم] [[ما بين المعقوفين ساقط من (د).]]؛ لتقدم ذكر بني إسرائيل في الجملة، وقوله: ﴿فَاسْأَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ اعتراض دخل في كلام متصل.
وقال أهل المعاني في معنى هذا السؤال: إن النبيّ -ﷺ- أُمر بأن يسألهم لا ليعرف ذلك من جهتهم، ولكن لينكشف لعامة اليهود بقول علمائهم صِدقُ ما أتى به وأَخْبَر عنه، فيكون هذا السؤال سؤال استشهاد.
وقوله تعالى: ﴿فَقَالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا مُوسَى مَسْحُورًا﴾، قيل في المسحور هاهنا: إنه بمعنى الساحر؛ كالمشؤوم والميمون، وذكرنا هذا في قوله: ﴿حِجَابًا مَسْتُورًا﴾ [الإسراء: 45] هذا قول الفراء وأبي عبيدة [[ليس في المعاني ولا المجاز، وورد في "تفسير الثعلبي" 7/ 122 ب، بنحوه عنهما، وهو مصدره، وانظر: "تفسير البغوي" 5/ 135، و"القرطبي" 10/ 336، عنهما، و"ابن الجوزي" 5/ 94، و"الفخر الرازي" 21/ 65، كلاهما عن الفراء.]]، وقيل: إنه مفعول من السحر؛ أي أنك قد سُحِرت فأنت تحمل نفسك على هذا الذي تقوله للسحر الذي بك [[ورد نحوه في "تفسير الطبري" 15/ 173 - 174، و"الماوردي" 3/ 278، و"الطوسي" 6/ 528.]].
وقال محمد بن جرير: أي مُعْطَى عِلْم السحر، فهذه العجائب التي تأتي بها من سحرك [["تفسير الطبري" 15/ 173 - 174، بنحوه، وورد في "تفسير الثعلبي" 7/ 122 ب بنصه، والظاهر أنه اقتبسه منه لا من الطبري.]]، فأجابه موسى:
الإسراء 17:102
بقوله: ﴿قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ﴾ يعني الآيات، ﴿إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ﴾ أي عِبرٌ أو دلالات، وذكرنا معنى البصائر في آخر سورة الأعراف [: 203].
وقراءة العامة بفتح التاء [[انظر: "السبعة" ص 386، و"إعراب القراءات السبع وعللها" 1/ 383، و"علل القراءات" 1/ 330، و"الحجة للقراء" 5/ 122، و"المبسوط في القراءات" ص 231، و"التبصرة" ص 141، و"النشر" 2/ 309.]]، [وقرأ الكسائي: علمتُ بضم التاء [[انظر المصادر السابقة.]]، والاختيار عند الجميع فتح التاء، وهو قراءة ابن عباس، وضم التاء] [[ما بين المعقوفين ساقط من (أ)، (د).]] قراءة علي -رضي الله عنه-، وكان يقول: والله ما عَلِمَ عدو الله، ولكن موسى هو الذي عَلِم، فبلغ ذلك ابن عباس فاحتج بقوله تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ﴾ [النمل: 14]، على أن فرعون وقومه كانوا قد عرفوا صحة أمر موسى [[ورد بنحوه في "معاني القرآن" للفراء 2/ 132، و"معاني القرآن" للنحاس 4/ 201، و"إعراب القراءات السبع وعللها" 1/ 384، و"تفسير الثعلبي" 7/ 122 ب، وانظر: "تفسير الرازي" 21/ 65، بنصه، وأورده السيوطي في "الدر المنثور" 4/ 370 - 371 وعزاه إلى سعيد بن منصور وابن المنذر وابن أبي حاتم، دون رد ابن عباس -رضي الله عنه-. قال أبو حيان 6/ 86: وهذا القول عن علي -رضي الله عنه- لا يصح؛ لأنه رواه كلثوم المرادي، وهو مجهول.]].
وقال الزجاج: (الأجود في القراءة فتح التاء؛ لأن عِلم فرعونَ) [[ما بين التنصيص ساقط من (أ)، (د)]] بأنها آيات من عند الله أوكد في الحجة [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 263 بنصه. وعبارته الأجود غير جيدة؛ لأنها تقتضي انتقاص القراءة الأخرى السبعية.]]؛ فموسى يحتج عليه بما علم هؤلاء بما علم موسى، وأما من ضم التاء فحجته ما ذكرنا عن علي.
فإن قيل: كيف يصح الاحتجاج عليه بعلمه، وعلمه لا يكون حجة على فرعون؟
فالجواب: أنه لما قيل له: ﴿إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ﴾ [الشعراء: 27]، قال موسى: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ﴾، فكأنه نفى ذلك وقال: لقد علمتُ صحةَ ما أَتَيْتُ به علمًا صحيحاً؛ علم العقلاء [[ورد في "الحجة للقراء" 5/ 123، بنحوه، و"تفسير الطوسي" 6/ 526، بنحوه]]، وفي قوله: ﴿مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ﴾ دليل على قول من يقول: إن الآيات التسع كانت آيات من التوراة، وهو ما رُوي عن صفوان بن عسال [[صفوان بن عسال -رضي الله عنه- صحابي من بني الرَّبَض بن زاهر المرادي، سكن الكوفة، غزا مع النبي -ﷺ- اثنتي عشرة غزوة، وروى عن النبي -ﷺ- عدة أحاديث، روى عنه عبد الله ابن مسعود، وزِر بن حُبَيْش، وعبد الله بن سَلِمَة.
انظر: "الاستيعاب" 2/ 279، و"أسد الغابة" 3/ 28، و"الإصابة" 2/ 189.]] عن يهوديين سألا رسول الله -ﷺ- عن قوله: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ فقال رسول الله -ﷺ-: "لا تشركوا بالله، ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق، ولا تزنوا، ولا تسرقوا، ولا تسحروا، ولا تمشوا ببريء إلى ذي سلطان فيقتله، ولا تأكلوا الربا، ولا تقذفوا محصنة، ولا تفروا من الزحف، وعليكم خاصة ألا تعدوا في السبت، قال؛ فَقَبَّلا يديه ورجليه وقالا: نشهد أنك نبيّ" [[أخرجه بنحوه: ابن أبي شيبة 7/ 329، وأحمد 4/ 239، والترمذي (3144) كتاب التفسير، باب: ومن سورة بني إسرائيل، وقال: حسن صحيح، والنسائي: تحريم الدم والسحر 7/ 111، و"الطبري" 15/ 172 بنصه وبنحوه من طرق، والطبراني 8/ 83، والحاكم 1/ 9 وصححه، وأبو نعيم في "الحلية" 5/ 97، والبيهقي في "الدلائل" 6/ 268 وورد في "معاني القرآن" للنحاس 4/ 199 بنصه مع زيادة في == آخره، و"الماوردي" 3/ 277، بنحوه، و"الطوسي" 6/ 527، بنحوه.
قال ابن كثير 3/ 75: وهو حديث مشكل، وعبد الله بن سَلِمَة في حفظه شيء، وقد تكلموا فيه، ولعله اشتبه عليه التسع الآيات بالعشر الكلمات، فإنها وصايا في التوراة لا تعلق لها بقيام الحجة على فرعون. وعليه فالحديث لا دلالة فيه، فضلاً عن كونه ضعيفًا.]].
وقوله تعالى: ﴿وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا﴾ قال الكلبي: وإني لأعْلَمُك يا فرعون [[ورد بلا نسبة في "تفسير السمرقندي" 2/ 286، وهو قول أكثر المفسرين، كما قال ابن الجوزي 5/ 94.]]، ﴿مَثْبُورًا﴾ قال ابن عباس: ملعونًا [[أخرجه "الطبري" 15/ 175 بلفظه من طريق سعيد بن جبير، ومن طريق ابن أبي طلحة (كلاهما صحيحة)، وورد بلفظه في "معاني القرآن" للنحاس 4/ 203، و"تفسير السمرقندي" 2/ 286، و"الثعلبي" 7/ 122 ب، أورده السيوطي في "الدر المنثور" 4/ 371 وزاد نسبته إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم من طرق.]].
وقال قتادة: مهْلَكًا [[أخرجه "عبد الرزاق" 2/ 391 بلفظه، و"الطبري" 15/ 176، بنحوه من طريقين، وورد في "معاني القرآن" للنحاس 4/ 203 بلفظه، و"تهذيب اللغة" (ثبر) 1/ 471، بنحوه، و"تفسير السمرقندي" 2/ 386 بلفظه، والماوردي 3/ 278، بنحوه.]]، وقال مجاهد: هالِكًا [["تفسير مجاهد" 1/ 371، بنحوه، أخرجه "الطبري" 15/ 176 بلفظه من طريقين، وورد بلفظه في "معاني القرآن" للنحاس 4/ 203، و"تهذيب اللغة" (ثبر) 1/ 471، و"تفسير الثعلبي" 7/ 122 ب، و"الطوسي" 6/ 528.]].
قال الفراء: المثبور: الملعون المحبوس عن الخير، والعرب تقول: ما ثَبَرك عن هذا؟ أي ما منعك منه وما صرفك [["معاني القرآن" للفراء 2/ 132، بنصه تقريبًا.]].
وروى أبو عبيد عن أبي زيد: ثَبَرْتُ فلانًا عن الشيء: رَدَدْتُه عنه [[ورد في "تهذيب اللغة" (ثبر) 1/ 471، بنصه.]].
وروى ثعلب عن ابن الأعرابي: المثْبُور: الملْعُون المطْرود المُعَذَّب [[ورد في "تهذيب اللغة" (ثبر) 1/ 471، بنصه.]]، هذا وجه قول ابن عباس.
وأما وجه قول مجاهد وقتادة، فقال الزجاج: ثُبِرَ الرجل فهو مثبور إذا أهلك [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 263، بنصه.]]، والثبور الهلاك، قال شمر: ومَثَلٌ للعرب: إلى أُمّه يأوي من ثُبِر؛ أي مَن أُهلِك [[ورد في "تهذيب اللغة" (ثبر) 1/ 471 بنصه، انظر: "اللسان" (ثبر) 1/ 469، و"موسوعة أمثال العرب" 2/ 650.]].
قال أبو عبيد: والمعروف في الثبور الهلاك، والملعون هالك [[لم أقف على مصدره.]].
الإسراء 17:103
قوله تعالى: ﴿فَأَرَادَ﴾ قال ابن عباس: يريد فرعون [[ورد بلا نسبة في "تفسير الثعلبي" 7/ 123أ، و"الطوسي" 6/ 529، و"البغوي" 5/ 135، و"ابن الجوزي" 5/ 135.]] ﴿أَنْ يَسْتَفِزَّهُمْ﴾، أي: يخرجهم، يعني: موسى وقومه بني إسرائيل، ومضى تفسير الاستفزاز في هذه السورة [آية: 64]، ﴿مِنَ الْأَرْضِ﴾ يعني: أرض مصر [[ورد بلفظه في "تفسير هود الهواري" 2/ 446، و"الثعلبي" 7/ 123 أ؛ و"الطوسي" 6/ 529، والبغوي" 5/ 135.]].
قال أبو إسحاق: جائز أن يكون استفزازهم إخراجهم منها بالقتل وبالتنحية، وهذه الآية وما بعدها تسلية للنبيّ -ﷺ- إذ قص عليه -في إِثْر ما ذكر من تكذيب قومه وهمهم بإخراجه- قصة فرعون، وما همّ به من استفزاز موسى وبني إسرائيل من أرض مصر، حتى أهلكه الله تعالى وأورثهم أرضهم وديارهم وأموالهم، لذلك أظهر نبيه محمدًا [[ساقطة من (أ)، (د).]] -ﷺ- على المشركين، ورده إلى مكة ظاهرًا عليهم، فأنجز وعْدَه، ونصر عبده.
الإسراء 17:104
وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ﴾ قال ابن عباس: يريد القيامة [[انظر: "تنوير المقباس" ص 306، وورد بلا نسبة في "تفسير مقاتل" 1/ 220 ب، و"الطبري" 15/ 176، و"السمرقندي" 2/ 286، و"الثعلبي" 7/ 123 أ، وهذا هو قول الجمهور.]]، ﴿جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا﴾، أي: جميعًا، في قول مجاهد وقتادة [["تفسير مجاهد" 1/ 371 بلفظه، أخرجه "عبد الرزاق" 2/ 391 - بلفظه عن قتادة، و"الطبري" 15/ 177 بلفظه عنهما من طرق، وورد بلفظه: في "معاني القرآن" للنحاس 4/ 204، عنهما، و"تفسير هود" 2/ 446، عن مجاهد، و"الثعلبي" 7/ 123أ، و"الماوردي" 3/ 278، عن قتادة.]].
وقال ابن عباس: يريد من كل موضع [[ورد في "تفسير الماوردي" 3/ 278 بمعناه، وفي "تفسير الطبري" 15/ 177، عنه من طريق العوفي (ضعيفة): جميعًا.]].
وروى منصور عن أبي رَزين [[تقدمت ترجمته.]]: من كل قوم [[أخرجه "الطبري" 15/ 177 بنصه، وورد بنصه في "معاني القرآن" للنحاس 4/ 204]].
قال الفراء: من هاهنا وهاهنا [["معاني القرآن" للفراء 2/ 132، بنصه.]].
وقال الزجاج: من كل قبيلة [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 263، بنحوه.]].
وروى عمرو عن أبيه: اللفيف: الجمع العظيم من أخلاط شتى، فمنهم الشريف والدني، والمطيع والعاصي، والقوي والضعيف [[ورد في "تهذيب اللغة" (لفف) 4/ 3281، بنصه.]].
وقال المبرد: الأكثر عند العرب أن اللفيف إنما يقال للمختلطين من كل شيء خلطته بشيء فقد لففته، ومنه قيل: لفَفَتَ الجيوشَ إذا ضربت بعضها ببعض، والتفت الزحوف [[لم أقف عليه، وورد نحوه بلا نسبة في "تفسير الثعلبي" 7/ 123 أ، و"الطوسي" 6/ 529، و"الفخر الرازي" 21/ 66.]].
والمعنى: جئنا بكم من قبوركم إلى المحشر أخلاطًا، يعني جميع الخلق؛ المسلم والكافر والبر والفاجر.
الإسراء 17:105
قوله تعالى: ﴿وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ﴾ الحق نقيض الباطل، وهو الثابت الذي لا يزول، كما أن الباطل: الزائل الذاهب، وأراد بالحق هنا: الدين الحق والأمر الحق، وهو ما كان عليه محمد -ﷺ- والكناية في: ﴿أَنْزَلْنَاهُ﴾ للقرآن، ومعناه: أنزلنا القرآن بالأمر الثابت والدين القائم، قال أبو علي الفارسي: (الباء) في: ﴿وَبِالْحَقِّ﴾ في موضع الحال من الضمير في ﴿أَنْزَلْنَاهُ﴾، يعني أنه بمعنى: مع، كما تقول: نزل بِعُدّته وخرج بسلاحه، والمعنى: أنزلنا القرآن مع الحق.
وقوله تعالى: ﴿وَبِالْحَقِّ نَزَلَ﴾ قال: يحتمل الجار فيه ضربين؛ أحدهما: أن يكون التقدير نزل بالحق كما تقول: نزلت يزيد، والثاني: أن يكون حالاً من الضمير الذي في نزل، هذا كلامه [[لم أقف عليه.]]، وعلى القول الأول: الحق محمد -ﷺ-؛ لأن القرآن نزل به عليه، وعلى القول الثاني: معناه نزل مع الحق، كما قلنا في قوله: ﴿وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ﴾.
الإسراء 17:106
قوله تعالى: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ﴾ يَنْتَصبُ قرآنًا بإضمار فعل، مثل الذي ظهر [[مذهب سيبويه؛ أن نصبه بفعل مضمر يفسره الظاهر بعدُ؛ أي: وفرقناه قرآنًا، "تفسير ابن عطية" 9/ 215.]]، قال أبو علي: (وَقُرْءَانًا) يحتمل أمرين، أحدهما: أن يكون محمولًا على ﴿أَنْزَلْنَاهُ﴾ كأنه قال: بالحق أنزلناه وأنزلنا قرآناً، فانتصابه على أنه مفعول به، والوجه الآخر: أن تعطفه على ما يتصل به كأنه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾ وذا قرآن وصاحبَ قرآن [[في (أ)، (د)، (ش): (قرآنًا). وهو خطأ نحوي ظاهر، والمثبت من (ع) وموافق لما في المصدر.]]، فحذف المضاف [["المسائل الحلبيات" ص 298، بنصه. وهذا القول فيه تكلف وبعد عن ظاهر القرآن الواضح، وظاهر الآيتين أن الله تعالى وصف القرآن الكريم بثلاث صفات، أنه كله حق لأنه نزل من عنده، والثاني: أن جميع ما فيه حق لا مرية فيه، والثالث: أنه جاء محكمًا مفصلًا وواضحًا بَيّنًا، أو أراد وصفه بأنه نزل منجمًا مفرقًا بحسب الوقائع والأحداث. أملاه عليّ أ. د. فضل عباس، أحد علماء الأردن المعاصرين.]]، وعلى ما ذكر أبو علي -في القول الثاني- يجب أن يكون القرآن نكرة لوصفه له بالجملة من غير الذي، وقد ذكر في قوله: ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [الزمر: 28] أنه يجوز أن يكون نكرة [[المصدر السابق ص 297، بنحوه.]]، وذلك غير جيد لتنكير [[في (أ)، (د)، (ش): (لنكير)، والمثبت من (ع).]] الاسم العلم [[وهذه إشارة إلى أنه من القائلين بأن القرآن علم مرتجل، وهي مسألة خلافية بين العلماء في أصل القرآن، هل هو مشتق أو علم مرتجل؟ انظر: "مناهل العرفان" 1/ 14، و"المدخل لدراسة القرآن الكريم" ص 17، و"مباحث في علوم القرآن" ص 16.]]، و ﴿فَرَقْنَاهُ﴾: فَصَّلناه، قاله علي بن أبي طلحة عن ابن عباس [[أخرجه "الطبري" 15/ 178 بلفظه من هذه الطريق (صحيحة)، وورد بلفظه في "تفسير الثعلبي" 7/ 123 أ.]].
وقال سعيد بن جبير عنه: نزل القرآن كله ليلة القدر من السماء العليا إلى السماء السفلى في السنين التي نزل فيها [[أخرجه "الطبري" 15/ 178، بنحوه من طريق عكرمة (حسنة) ، وورد في "تفسير الطوسي" 6/ 530، بنحوه. انظر: "تفسير الرازي" 21/ 68، عن ابن جبير.]].
وقال قتادة: كان بين أوله وآخره عشرون سنة [[أخرجه "عبد الرزاق" 2/ 391 بنصه، و"الطبري" 15/ 178 بنصه، وورد في "تفسير الطوسي" 6/ 530 بنصه.]]، وهو معنى قوله: ﴿لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ﴾، وقال السدي: قطعناه آية آية وسورة سورة، ولم ننزله جملة [[ورد في تفسيره "الوسيط" 2/ 559، بنصه، وهو في معنى قول ابن عباس وقتادة السابقين.]]، والاختيار عند الأئمة: فرقناه مخففًا [[قرأ بها السبعة وعامة قراء الأمصار، انظر: "تفسير الطبري" 15/ 178، و"إعراب القراءات السبع وعللها" 1/ 384.]]، وفَسّره أبو عمرو: بَيَّناه [[ورد في "معاني القرآن" للنحاس 4/ 205 بلفظه.]].
وقال الفراء: أحكمناه [[في جميع النسخ: (حكيناه)، والصواب ما أثبته؛ لأنه هو المناسب للمعنى والمقابل لقوله: فصلناه، وقد ورد في المصدر والتهذيب: أحكمناه]] وفصَّلناه؛ كما قال: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ [الدخان: 4] أي يُفَصّل [["معاني القرآن" للفراء 2/ 133 بنصه تقريبًا، انظر: "تهذيب اللغة" (فرق) 3/ 2778.]].
قال أبو عبيد: والتخفيف أعجب إليّ لأن تفسيره: بَيّناه، ومن قرأ بالتشديد [[أخرجها الطبري عن ابن عباس 15/ 178، ونسبت في "القرأءات الشاذة" لابن خالويه ص81 إلى أُبيّ وابن عباس ومجاهد، وأوردها ابن جني في "المحتسب" 2/ 23، ونسبها إلى علي وابن عباس وابن مسعود وأُبيّ والشعبي والحسن وقتادة وغيرهم. وفي "الإتحاف" ص 287 قرأ بها ابن محيصن. وزاد ابن عطية 9/ 216 أن في قراءة ابن مسعود وأبي زيادة كلمة (عليك)، أي: فَرَّقْنَاه عليك لتقرأه، وكلتا الروايتين قراءة شاذة كما هو ظاهر.]] لم يكن له معنى إلا أنه أُنزل متفرقًا، والتأويل الأول أعجب إليّ وأشرق، هذا كلامه [[لم أقف عليه.]]، وحصل من هذا أن معنى الفَرْق تفصيل يتضمن التبيين، والتفريق لا يتضمن التبيين، ولهذا فسروا هاهنا وفي قوله: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ﴾ [الدخان: 4] بالتبيين.
ومما يرجح التخفيف ما روى ثعلب عن ابن الأعرابي أنه قال: فرقتُ أفْرُقُ بين الكلام، وفَرَّقتُ بين الأجسام [[ورد في "تهذيب اللغة" (فرق) 3/ 2778 بنصه.]]، ويدل على هذا قوله -ﷺ-: "البَيِّعان بالخيار ما لم يتفرقا" [[أخرجه بلفظه: أحمد 2/ 9، عن ابن عمر، والبخاري (2079) كتاب: البيوع، باب: إذا بيَّن البيّعان عن حكيم بن حزام، والدارمي: البيوع، في البيعان بالخيار 2/ 325، عن حكيم، والطبراني في "الكبير" 3/ 199، عن حكيم، والحاكم: البيوع، البيعان بالخيار 2/ 16، عن سمرة بن جندب، والبيهقي: البيوع، المتبايعان بالخيار 5/ 269، عن ابن عمر.]]، ولم يقل: يفترقا، والتفرق مطاوع التفريق، والافتراق مطاوع الفرق، ومعنى: ﴿عَلَى مُكْثٍ﴾ على تؤدة وتَرَسُّل، قاله مجاهد [["تفسير مجاهد" 1/ 371 بمعناه؛ قال: على ترتيل، وأخرجه "عبد الرزاق" 2/ 391، بلفظه، و"الطبري" 15/ 179 بلفظه وبمعناه، وورد بلفظه في "معاني القرآن" للنحاس 4/ 205 و"تفسير هود الهواري" 2/ 446، و"الماوردي" 3/ 279، و"الطوسي" 6/ 531.]].
قال الفراء: يقال: مَكُثَ ومَكَثَ ومَكِثَ، ويقال في الفعل: مَكُث ويَمْكُث ومَكَث يَمْكَث [[ورد في "تهذيب اللغة" (مكث) 4/ 3433 مختصرًا ، وورد في "تفسير الفخر الرازي" 21/ 68 مختصرًا، ومكث مثلثة الأول بمعنى اللَّبْث والإقامة، انظر: "إكمال الإعلام بتثليث الكلام" 1/ 15، و"الدرر المبثّثة في الغرر المثلثة" ص 190.]]، والفتح قراءة عاصم في قوله: ﴿فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ﴾ [[انظر: "السبعة" ص 480، و"الحجة للقراء" 5/ 380، و"المبسوط في القراءات" ص 278، و"التيسير" ص 167.]] [النمل: 22]، قال: فَرَّقَه الله في التنزيل ليفهمه الناس، فقال: ﴿لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا﴾ قال ابن عباس: [نجوما بعد نجوم، وشيئًا بعد شيء [[لم أقف عليه، وأخرجه "الطبري" 15/ 179 - 180 بمعناه عن الحسن وقتادة، وورد في "تفسير الطوسي" 6/ 531، وورد في "الوسيط" 2/ 559 بنصه غير منسوب.]].
الإسراء 17:107
قوله تعالى: ﴿قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا﴾ قال ابن عباس] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ش).]]: ﴿قُلْ﴾: لأهل مكة، ﴿آمِنُوا﴾: بالقرآن [[ورد بلا نسبة في "تفسير مقاتل" 1/ 221 أ، و"الطبري" 15/ 180، و"الوسيط" للواحدي 2/ 559.]]، ﴿أَوْ لَا تُؤْمِنُوا﴾ وهذا تهديد؛ أي فقد أنذر الله ووعد [[في (أ)، (د): (ووعده)، والمثبت من (ش)، (ع).]] وبَلَّغَ الرسول، فاختاروا ما تريدون، كما قال: ﴿فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: 55].
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ﴾ أي من قبل نزول القرآن، قال مجاهد: هم ناس من أهل الكتاب حين سمعوا ما أُنزل على محمد -ﷺ- خروا سجدًا [[أخرجه "الطبري" 15/ 181، بنحوه، وورد في "تفسير الثعلبي" 7/ 123 أ، بنحوه، و"الطوسي" 6/ 532، بنحوه.]].
وقال ابن عباس: منهم زيد بن عمرو بن نفيل، وورقة بن نوفل [[لم أقف عليه، وورد بلا نسبة في: "تفسير البغوي" 5/ 136، و"ابن عطية" 9/ 217، و"الفخر الرازي" 21/ 69.]]، وعلى هذا ليس المراد بقوله: ﴿أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ أهل الكتاب، وإنما هم طلاب الدين.
وقوله تعالى: ﴿يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا﴾ قال ابن عباس في رواية؛ الوالبي: يخرون للوجوه [[أخرجه "الطبري" 15/ 180 بلفظه من طريق ابن أبي طلحة (صحيحة)، وورد بلفظه في "تفسير الجصاص" 3/ 209، و"الثعلبي" 7/ 123 أ، و"الماوردي" 3/ 280، و"الطوسي" 6/ 532، وأورده السيوطي في "الدر المنثور" 4/ 372 وزاد نسبته إلى ابن المنذر.]]، وهو قول قتادة [[أخرجه "عبد الرزاق" 2/ 392 بلفظه، و"الطبري" 15/ 180 بلفظه من طريقين، وورد بلفظه في "معاني القرآن" للنحاس 8/ 205، و"تفسير الجصاص" 3/ 209، و"الماوردي" 3/ 280، و"الطوسي" 6/ 532.]].
وقال في رواية عطاء: يريد: يسجدون بوجوههم وجباههم وأذقانهم [[ورد في تفسيره "الوسيط" تحقيق سيسي 2/ 560 بنصه بلا نسبة.]].
قال أبو إسحاق: والذَّقَنُ مجمع اللَّحْيَيْنِ [[في (أ)، (د): (للجبين)، والمثبت من (ش)، (ع)، وهوالصحيح والموافق للمصدر. انظر: "المحيط في اللغة" (ذقن) 5/ 375.]]، وهو عضو من أعضاء الوجه، وكما يبتدئ المبتدئ يَخِرُّ فأقرب الأشياء من وجهه إلى الأرض الذَّقَنُ [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 264، بنصه.]]، وعلى هذا إنما خص الذقن بالذكر؛ لأنه أقرب أبعاض الوجه إلى الأرض، وهو هاهنا عبارة عن الوجه.
وروى عبد الرزاق عن معمر قال: قال الحسن: لِلّحى [[أخرجه "عبد الرزاق" 2/ 392 بلفظه، و"الطبري" 15/ 180 بلفظه، وورد بلفظه في "تفسير الجصاص" 3/ 359، و"الماوردي" 3/ 280، و"الطوسي" 6/ 532.]]، وعلى هذا القول: الأذقان عبارة عن اللِّحَى، وخصت بالذكر لأن المعنى أنهم يضعونها على الأرض للسجود تواضعًا لله تعالى، واللِّحْية تُلْقي بالإكرام والتنظيف، فإذا أذلوها في التراب فهو غاية التواضع، واللام هاهنا بمعنى على، كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ﴾ [الحجرات: 2] أي عليه، والعرب تقول: سقط فلان لفيه، أي على فيه، قال الشاعر:
فخر صريعًا لليدين وللفم [[صدره:
تناولهُ بالرُّمحِ ثُمَّ اتَّنَى لَهُ
نسب لجابر بن حُنَيّ التَّغْلِبي في "المفُضَّليات" ص 212، و"شرح شواهد المغني" 2/ 562.
ونسب لربيعة بن مُكدَّم في "الأغاني" 16/ 75 برواية:
وهتكت بالرمح الطويل إهابه ... فهوى ............
ونسب لعمام بن مقشعر البصري في "معجم الشعراء" ص 101 برواية:
دلفته بالرمح من تحت بزه
ونسب للأشعث الكندي في "الأزهية" ص 288 برواية:
تناولْت بالرُّمْحِ الطَّويلِ ثِيَابَهُ
وورد بلا نسبة في: "أدب الكاتب" ص 511، و"تفسير الزمخشري" 2/ 378، و"القرطبي" 10/ 341، و"رصف المباني" ص 297، و"الجنى الداني" ص 101، و"مغني اللبيب" ص 280، و"شرح الأشموني" 2/ 388.
(تناوله بالرمح): طعنه، (اتَّنَى): أراد اثتنى فأدغم الثاء في التاء، فأبدلهما تاءً، ويروى انثنى، (خرّ): سقط. "شرح اختيار المفضل" 2/ 955.]] والمعنى أنهم يبادرون إلى السجود فيسقطون على الأذقان أولاً إذا وقعوا بالأرض إلى أن نصبوا [[هكذا في جميع النسخ ، والعبارة قلقة، ولعلها (يصيبوا) من الإصابة، وهي الإنسب للسياق.]] جباههم على الأرض للسجود؛ لأن الذقن ليس من أعضاء السجود، ويدل على هذا [[في (أ)، (د)، (ش): (أن هذا) والمثبت من (ع).]] قوله: ﴿يَخِرُّونَ﴾ ولم يقل: يسجدون؛ لأنه أراد مسارعتهم إلى ذلك حتى إنهم ليسقطون ويقولون في سجودهم: ﴿سُبْحَانَ رَبِّنَا﴾، أي: ينزهونه ويعظمونه، ﴿إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا﴾: أي وعده بإنزال [[في (أ)، (د): (بأنزل)، والمثبت من (ش)، (ع).]] القرآن وبعث محمد -ﷺ-، وهذا يدل على أن هؤلاء كانوا من أهل الكتاب؛ لأن الوعد ببعث محمد -ﷺ- سبق في كتابهم، فهم كانوا ينتظرون ذلك الوعد.
وذكر الليث وجهًا آخر في قوله: ﴿يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ﴾ فقال: العرب تقول إذا خَرّ الرجل فوقع على وجهه: خَرّ للذقن، وكذلك الشجر والحجر إذا قلبه السيل يقال: كبه السيل للذقن [[ورد بنحوه غيرمنسوب في "تفسير الفخر الرازي" 21/ 69.]]، ويدل على ما ذكره قول امرئ القيس يصف سيلًا شديدًا [[في (أ)، (د): (سبيلًا شديد)، والصحيح المثبت من (ش)، (ع) لغويًّا ونحويًّا.]]:
يَكُبُّ على الأذْقَانِ دَوْحَ الكَنَهْبَلِ [[وصدره:
وأضْحى يَسُحُّ الماءَ عن كلِّ فيقةٍ
"ديوانه" ص 121، وورد في: "أساس البلا غة" ص 299 مادة: (ذقن)، و"اللسان" (كهبل) 7/ 3945، (ذقن) 3/ 1506 (فيقة): الفيقة: الفترة ما بين الحلبتين، (كنهبل): أصله كَهْبَل والنون فيه زائدة، وهو شجر عظام من العِضاه، وقيل: صنف من الطَّلح قصار الشوك، والمعنى: كأنه يقول: إن المطر يسح ويسكن أخرى، يكب على الأذقان دوح الكنهبل، يقتلع شجر الكنهبل من أصوله ويلقيه على أم رأسه لشدة سحه وهيجه.]] فلما استعمل ذلك في الشجر إذا سقط واستعير له الذقن، كان ذكره في الإنسان الذي له الذقن أولى.
وقوله تعالى: ﴿سُجَّدًا﴾ حال [[في (أ)، (د)، (ش): (قال)، والمثبت من (ع).]] مقدرة، المعنى: يَخِرّون مقدرين للسجود؛ لأن الإنسان في حال خُرُورِه لا يكون ساجدًا، قاله أبو إسحاق في قوله: ﴿خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا﴾ [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 335، بنصه.]] [مريم: 58]، ومثله: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة: 95]، وقد مرّ.
قال أبو إسحاق: و (إن) و (اللام) في: ﴿إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا﴾ دخلتا للتوكيد [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 264، بنصه.]]، ومضى الكلام في مثل هذا في مواضع.
الإسراء 17:109
قوله تعالى: ﴿يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ﴾ أعاد هذا لأن الأول للسجود، والثاني لغير السجود، ولكن للذّلة والخشوع عند استماع القرآن، يدل عليه قوله: ﴿وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾، ويجوز أن يكون تكرير القول دلالة تكرر الفعل منهم.
وقوله تعالى: ﴿يَبْكُونَ﴾ معناه الحال، ﴿وَيَزِيدُهُمْ﴾، أي: القرآن، ﴿خُشُوعًا﴾: تواضعًا، وذكرنا معنى الخشوع في أوائل سورة البقرة [[آية [45].]].
الإسراء 17:110
قوله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ﴾ الآية. قال ابن عباس: إن رسول الله -ﷺ- قال وهو ساجد ذات ليلة: يا رحمن، فسمعه أبوجهل -وهم لا يعرفون الرحمن-، فقال: إن محمدًا ينهانا أن نعبد إلهين وهو يدعو إلهًا آخر مع الله يقال له: الرحمن، فأنزل الله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ﴾ [[أخرجه "الطبري" 15/ 182، بنحوه من طريق أبي الجوزاء (ضعيفة)، وورد بنحوه في "تفسير الثعلبي" 7/ 123 ب، و"الماوردي" 3/ 281، و"الطوسي" 6/ 533، وأورده المؤلف في "أسباب النزول" ص 302، بنحوه بلا سند، وأورده السيوطي في "الدر" و"اللباب" 5/ 348، ص 142 وعزاه إلى ابن مردويه.]] ،أي: قل يا محمد: ادعوا الله يا معشر المشركين [[في جميع النسخ: (يا معشر المؤمنين)، والصواب ما أثبته، كما في "الطبري" 15/ 182، و"ابن كثير" 3/ 77، وسياق الكلام يدل عليه.]]، ﴿أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ﴾ أي إن شئتم قولوا: يا الله، وإن شئتم قولوا: يا رحمن.
﴿أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ قال أبو إسحاق: أعلمهم الله أن دعاءهم الله ودعاءهم الرحمن يرجعان إلى واحدٍ، فقال: ﴿أَيًّا مَا تَدْعُوا﴾ المعنى أي أسماء الله تدعوا ﴿فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 264، بنصه]].
وقال المبرد: يقول إذا دعوتم الله الرحمن فإنما تدعون واحداً، يعني أن تَخْيِيره [[في (أ)، (د)، (ش): (يختبره)، والمثبت من (ع).]] بين أن يُدْعى الله وبين أن يدعى الرحمن إنّما هو لأنهما واحد، يَدلّ على هذا: ﴿أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [[لم أقف عليه.]] قال النحويون: (أي) في الكلام تقع في ثلاثة مواضع؛ أحدها: الاستفهام، والآخر: الجزاء، والثالث: الخبر [[ذكر في "الأزهية" أنها تأتي على سنة أوجه: تكون جزاءً، واستفهامًا، وخبرًا، وتعجبًا، ونداءً، ونعتًا فيه معنى المدح، انظر:"حروف المعاني" للزجاجي ص 62، و"الأزهية" ص 106، و"مغني اللبيب" ص 107.]]، فإذا كان استفهامًا أو جزاءً لم تَحْتَج إلى صلة، وعمل فيها ما بعدها، ولم يجز أن يحمل فيها ما قبلها إلا ما يَجُرّ، وسنذكر ذلك عند قوله: ﴿لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ﴾ [الكهف: 12] إن شاء الله، وإذا كانت خبرًا احتاجت إلى صلة نحو صلة الذي، ويعمل فيها ما قبلها وما بعدها سوى صلتها؛ كقولك: لأضربن أيهم في الدار.
قال الفراء: العرب تقول: أيّ وأيّان وأيّون، إذا أفردوا (أيًّا) أنَّثُوها وجمعوها، وأنَّثُوها فقالوا: أيّة وأيّتان وأيّات، وإذا أضافوها إلى ظاهر أفردوها، وذكّروا فقالوا: أيّ الرجلين؟ وأيّ المرأتين؟ وأيّ الرجال؟ وأيّ النساء؟ وإذا أضافوا إلى مُكَنّى المؤنث أنثوا وإلى مُكَنّى المذكر ذَكّروا، فقالوا: أيّهما وأيّتهما للمرأتين، قال الله -عز وجل-: ﴿أَيًّا مَا تَدْعُوا﴾، وقال زهير في لُغة من أَنّث:
وزوَّدُوكَ [[في (أ)، (د)، (ش): (زودك)، والمثبت من (ع) وهو موافق للديوان.]] اشتياقًا أَيَّةً سَلَكُوا [[وصدره:
بانَ الخليطُ ولم يأْوُوا لمَن ترَكوا
"شرح ديوان زهير" ص 164، وورد في "الخزانة" 5/ 453 ، (الخليط): المجاور لك في الدار، (ولم يأوُوا):لم يرحموا، (وأيَّةً سلكوا):أيّ جهةٍ سلكوا فأنت مشتاق.]]
يُرادُ أَيّةُ وجْهة، فانَّثها حين لم يُضِفْها؛ ولو قال: أيًّا سلكوا، بمعنى: أيّ وجهة، كان جائزًا، ويقول لك قائل: رأيتُ رجلا، فتجيبه: أيًّا؟ ويقول: رجلين، فتقول: أَيَّيْن؟ وفي الرجال: أَيّون؟ وفي المرأة: أيّة؟ وفي النساء: أيّات؟ [[ورد في "تهذيب اللغة" (أي) 1/ 241 نقل طويل مع تصرف يسير.]] و (ما) في قوله: ﴿أَيًّا مَا﴾ صلة، كقوله: {جُندٌ مَّا هُنَالِكَ} [ص: 11] ، و ﴿عَمَّا قَلِيلٍ﴾ [المؤمنون: 40]، و ﴿مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ﴾ [نوح: 25]، و ﴿تَدْعُونَ﴾ في موضع جزم بأي؛ لأنه من حروف الشرط والجزاء، يقول: أيّهم يعط أعط، وعلامة الجزم في تدعوا سقوط النون التي تثبت للرفع في يفعلون، وجواب الشرط (الفاء) في قوله: ﴿فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾ روى سعيد بن جبير عن ابن عباس في هذه الآية قال: (كان رسول الله -ﷺ- يرفع صوته بالقرآن فإذا سمعه المشركون سَبُّوه وسَبُّوا من جاء به، فأوحى الله إليه: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ﴾ فيسمعه المشركون فيسبوه، ﴿وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾ فلا يسمع أصحابك، ﴿وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾، أي: أسمعهم القرآن أحيانًا يأخذوا عنك) [[أخرجه بنحوه من طريق سعيد: أحمد 1/ 23، والبخاري (4722) كتاب التفسير، باب ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾، ومسلم (446) في الصلاة، باب التوسط في القراءة في الصلاة الجهرية، و"الطبري" 15/ 184 من طرق، والطبراني في "الكبير" 12/ 55، وورد بنحوه في "معاني القرآن" للنحاس 4/ 207، و"تفسير الثعلبي" 7/ 123 ب، و"الماوردي" 3/ 281، وأخرجه المؤلف في "أسباب النزول" ص 303، بنحوه.]]، وهذا قول قتادة والسدي [[أخرجه "عبد الرزاق" 2/ 392، بنحوه عن قتادة، و"الطبري" 15/ 186، بنحوه من طريقين عن قتادة.]]، واختيار أبي إسحاق، قال: المخافتة: الإخفاء، والجهر: رفع الصوت.
وكان النبيّ -ﷺ- إذا جهر بالقرآن سبّ المشركون القرآن، فأمر الله أن لا يعرّض القرآن لسبهم، وأن لا يخافت مخافتةً لا يسمعها من يصلي خلفه من أصحابه فقال: ﴿وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾، أي اسلك طريقًا بين الجهر والمخافتة [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 265، بنصه تقريبًا.]]، يقال: خَفَتَ صوته يَخْفِت خُفُوتًا وخُفَاتًا، إذا ضَعُفَ وسكن، وصوتٌ خَفِيتٌ، أي: خَفِيضٌ، ومن هذا يقال للرجل إذا مات قد خَفَتَ، أي انقطع كلامه، وخفت الزرع إذا ذَبُلَ ولَانَ، وزرع خَافِت، والرجل يخافت بقراءته: إذا لم يبين قراءته برفع الصوت، وقد تخافت القومُ إذا تشاوَرُوا بينهم [[ورد في "تهذيب اللغة" (خفت) 1/ 1064، بنحوه، انظر: (خفت) في "المحيط في اللغة" 4/ 313، و"الصحاح" 1/ 248، و"اللسان" 2/ 1208.]]، وقال الجعدي:
ولَسْتُ وإنْ عَزُّوا عليّ بِهَالِكٍ ... خُفاتًا ولا مُسْتَهْزِمٍ ذاهبِ العَقْلِ [["شعر النابغة الجعدي" ص 225، وورد في "تهذيب اللغة" (خفت) 1/ 1064، و"اللسان" (خفت) 2/ 1208، (خفاتًا): ضعفًا وتذَلُّلاً، (مستهزم): جزوع.]]
يقول: لست أهلك خفاتًا أي ضعفًا لمصاب من أُصبت به منهم، وإن كانوا أعزة، ولكني أتصبَّر وأتجلَّد، هذا الذي ذكرنا في الجهر والمخافتة بالصلاة مذهب أكثر المفسرين [[انظر: "تفسير مقاتل" 1/ 221 أ، و"الطبري" 15/ 184، و"السمرقندي" 2/ 287، و"الثعلبي" 7/ 123 ب، و"الماوردي" 3/ 281، و"الطوسي" 6/ 534، وقد رجحه الطبري لصحة الإسناد الذي روي به عن صحابي وهو ابن عباس من طريق سعيد، ولآنه أشبه الأقوال بما دلّ عليه ظاهر التنزيل.]]، ومعنى الصلاة في هذا القول: القراءة، وذلك أن الصلاة لا تصح إلا بقراءة، فسميت القراءة صلاة، كما سميت الصلاة قراءة في قوله: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ﴾ [آية: 78]، وقد مرّ. وفي الآية قول ثان؛ وهو أن المراد بالصلاة الدعاء، وهذا قول أبي هريرة وعائشة ومجاهد [["تفسير مجاهد" 1/ 372 بلفظه، أخرجه ابن أبي شيبة 2/ 200 بلفظه، و"الطبري" 15/ 184 بلفظه من طرق عن مجاهد، وورد بلفظه في تفسير الثعلبي 7/ 124 أ، و"الطوسي" 6/ 534.]].
قال أبو هريرة في الآية: يعني بذلك الدعاء والمسألة [[انظر: "تفسير الفخر الرازي" 21/ 71، و"ابن الجوزي" 5/ 101.]].
وقالت عائشة: هي في الدعاء [[أخرجه ابن أبي شيبة 2/ 200 بلفظه، و"الطبري" 15/ 183 بلفظه من طرق، وورد بلفظه في "معاني القرآن" للنحاس 4/ 207، و"تفسير الماوردي" 3/ 281، و"الطوسي" 6/ 534، وأخرجه المؤلف في "أسباب النزول" ص 304 بلفظه، وأورده السيوطي في "الدر المنثور" 4/ 375 وزاد نسبته إلى ابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه.]]، وروي هذا مرفوعًا: أن النبيّ -ﷺ- قال في هذه الآية: "إنما ذلك في الدعاء لا ترفع صوتك، فتكثر ذنوبك، فيُسمع منك، فتُعيَّر به" [[لم أقف عليه مسندًا، وورد في "تفسير الثعلبي" 7/ 124، بنحوه، و"الفخر الرازي" 21/ 71 بنصه.]]، وهذا قول إبراهيم وابن عباس في رواية عطاء [[أخرجه ابن أبي شيبة 2/ 200 بلفظه عن ابن عباس من طريق عكرمة (حسنة)، وعن عطاء 6/ 97، و"الطبري" 1/ 1845 بلفظه عن ابن عباس من طريق العوفي (ضعيفة)، وعن عطاء، وورد في "تفسير الطوسي" 6/ 534 بلفظه عن ابن عباس وعطاء، انظر: "تفسير البغوي" 5/ 137، و"الخازن" 3/ 184 فيهما عن إبراهيم.]]، كل هؤلاء قالوا: في الدعاء، وعلى هذا: الصلاة الدعاء، والجهر به منهي عنه، وكذلك الإسرار الذي هو إخفاء، والمستحب منه ما بين ذلك، وحدّه أن يُسْمِع نفسه [[يؤيّده ما رواه الشيخان عن أبي موسى -رضي الله عنه- قال: كنا مع النبي -ﷺ- في سفر فجعل الناس يجهرون بالتكبير، فقال النبي -ﷺ-: "أيها الناس اربعوا [أي: ارفقوا] على أنفسكم، إنكم ليس تدعون أصمّ ولا غائبًا، إنكم تدعون سميعًا قريبًا وهو معكم" أخرجه البخاري (2992) كتاب الجهاد، باب: ما يكره من رفع الصوت في
التكبير، ومسلم (2704) كتاب الذكر والدعاء، باب: استحباب خفض الصوت بالذكر واللفظ له.]]؛ كما روي عن ابن مسعود أنه قال: لم يخافت من أسمع أذنيه [[أخرجه ابن أبي شيبة 2/ 200 بنصه، و"الطبري" 15/ 188 بنصه، وأورده السيوطي في "الدر المنثور" 4/ 376.]]، وفي الآية قول ثالث؛ وهو ما روى منصور عن الحسن ومعمر [[في جميع النسخ (مغيرة)، والصواب ما أثبته من تفسير عبد الرزاق والطبري.]] عنه قال: لا تُراء بعلانيتها ولا تسئْ سريرتها [[أخرجه "عبد الرزاق" 2/ 393، بنحوه من طريق معمر، و"الطبري" 15/ 187 بنصه من طريق منصور ومعمر وعوف، وورد بلفظه في "تفسير الثعلبي" 7/ 124 أ، و"الماوردي" 3/ 281، و"الطوسي" 6/ 534.]]، وهذا قول ابن عباس في رواية الوالبي، قال: يقول لا تصل مراءاة للناس، ولا تدعها مخافة للناس [[أخرجه "الطبري" 15/ 187 بنصه من طريق ابن أبي طلحة (صحيحة)، والطبراني في "الكبير" 12/ 256، بنصه، وورد في "تفسير الثعلبي" 7/ 124 أ، بنصه، أورده السيوطي في "الدر المنثور" 4/ 375 وزاد نسبته إلى ابن أبي حاتم.]]؛ وعلى هذا القول: الجهر بالصلاة هو إعلانها مراءاة، والمخافتة بها تركها مخافة أو إساءتها سرًّا؛ على ما قال الحسن.
الإسراء 17:111
قوله تعالى: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا﴾ الآية. قال رسول الله -ﷺ- في هذه الآية: "إنها آية العزة"، وكان يعلمها الصغير من أهله والكبير [[لم أقف عليه مسندًا، وأخرج "الطبري" 15/ 189، عن قتادة قال: ذُكر لنا أن نبي الله -ﷺ- كان يعلِّم أهله هذه الآية، الصغير من أهله والكبير، وفي "تفسير الثعلبي" 7/ 124 أقال معاذ -رضي الله عنه-: قال النبي -ﷺ-: آية العز: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾. انظر: "تفسير القرطبي" 10/ 345، و"ابن كثير" 3/ 78.]].
وقال قتادة: كذّب الله بهذه الآية اليهودَ والنصارى وأهلَ الفِرَاء عليه [[في (أ) ، (د)، (ش): (عنه)، والمثبت من (ع) و"الوسيط"، وقد ورد قولُ قتادة في "تفسير الوسيط" 2/ 564، بنصه، انظر: "تفسير القرطبي" 10/ 345 بلا نسبة.]].
وقوله تعالى: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ﴾ قال ابن عباس: لم يكن له ولي ينصره ممن استذله [[ورد بمعناه في "تفسير الزمخشري" 2/ 379 بلا نسبة، و"القرطبي" 10/ 345، عن الحسن بن الفضل، و"الخازن" 3/ 185 بلا نسبة.]].
وقال مجاهد: لم يحالف أحدًا ولم يبتغ نصر أحد [["تفسير مجاهد" 1/ 304 بنصه، وأخرجه "الطبري" 15/ 189 بنصه من طريقين، وأورده السيوطي في "الدر المنثور" 4/ 376 وزاد نسبته إلى ابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم، وفيه: لم يخف أحدًا.]]، فليس له حليف من خلقه ولا ناصر، يعني: أنه لا يحتاج إلى ولاء النصرة والمحالفة، وإنما يحتاج إلى ذلك من يُستذلُ وُيقْهر، وهو العزيز القهار، وهو معنى قول أبي إسحاق: لم يحتج أن ينتصر بغيره، ﴿وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا﴾، أي: عَظِّمه تعظيمًا عظمةً تامةً [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 265، بنصه.]].
الكهف 18:1
﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا (1) قَيِّمًا﴾.
ذكرنا معنى العَوج والفرق بينه وبين العِوج في قوله: ﴿تَبْغُونَهَا عِوَجًا﴾ [آل عمران: 99] [[العَوج بالفتح: ما كان منصوبًا كالحائط والعود. والعِوج بالكسر: ما كان في بساط أو أمر نحو: دين، ومعاش. انظر: "تهذيب اللغة" (عاج) 3/ 2264، و"معجم مقاييس اللغة" (عوج) 4/ 180، و"لسان العرب" (عوج) 5/ 3154، و"القاموس المحيط" (عوج) ص 200، و"المفردات في غريب القرآن" (عوج) 351.]]. روى الوالبي عن ابن عباس في قوله: ﴿وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا﴾ قال: (ملتبسًا) [["جامع البيان" 169/ 127، و"الكشف والبيان" 3/ 385/ أ، و"الدر المنثور" 4/ 381 وعزاه لابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه من طريق علي عن ابن عباس.]]. ومعناه: التباس، أي: لم يجعل ملتبسًا لا يُفهم، ومعوجًا لا يستقيم.
وقال أبو إسحاق: (لم يجعل فيه اختلافًا) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 267.]]. كما قال: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: 82]. يدل على هذا قوله: ﴿قَيِّمًا﴾ قال ابن عباس: (يريد مستقيمًا عدلاً) [["جامع البيان" 15/ 190، و"الكشف والبيان" 3/ 385 أ، و"معالم التنزيل" 5/ 143، و"المحرر الوجيز" 9/ 288،و"تفسير القرآن العظيم" 3/ 80، و"الدر المنثور" 4/ 381.]]. وذكرنا الكلام في القيِّم عند قوله: ﴿دِينًا قِيَمًا﴾ [الأنعام: 161] ، وجميع أهل اللغة والتفسير قالوا: (هذا من التقديم والتأخير، وتقديره: أنزل على عبده الكتاب قيمًا ولم يجعل له عوجًا) [["جامع البيان" 15/ 191، و"معالم التنزيل" 5/ 143، و"المحرر الوجيز" 9/ 228، و"معاني القرآن" للأخفش 2/ 616.]].
الكهف 18:2
وقوله تعالى: ﴿لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا﴾ قال ابن عباس: (يريد: لينذر عذابًا شديدًا) [[ذكرته كتب التفسير بدون نسبة. انظر: "جامع البيان" 15/ 192، و"تفسير كتاب الله العزيز" 3/ 80، و"المحرر الوجيز" 9/ 228، و"زاد المسير" 5/ 103، و"الجامع لأحكام القرآن" 10/ 352.]] [قال الفراء: (مع البأس أسماء مضمرة يقع عليها الفعل قبل أن يقع على البأس) [["معاني القرآن" للفراء 2/ 133.]].
يعني أن] [[ما بين المعقوفين ساقط من نسخة (س).]] المفعول الأول للإنذار محذوف على تقدير: لينذر الكافرين بأسًا، كما قال في ضده: ﴿وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ﴾، فأظهر [[انظر: "لكشاف" 2/ 379، و"الدر المصون" 7/ 437، و"البحر المحيط" 6/ 96.]]. وفسر الزجاج فقال: (أي لينذرهم بالعذاب البئيس) [["معاني القرآن" للزجاج ص 3/ 267.]].
وقوله تعالى: ﴿مِنْ لَدُنْهُ﴾ قال ابن عباس: (يريد من عنده) [[ذكرته كتب التفسير بدون نسبة "معالم التنزيل" 5/ 143، و"المحرر الوجيز" 9/ 228، و"زاد المسير" 5/ 103.]].
وقال الزجاج:- (من قِبَلِهِ) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 267.]]. قال: (وفي لدن لغات يقال: لدُ، ولَدُنْ، ولَدَى، والمعنى [[قوله: (المعنى) ساقط من نسخة: (س).]] واحد. قال: وهي لا تتمكَّن تمكُّن عند؛ لأنك تقول: هذا القول عندي صواب، ولا تقول: هو لدني صواب [[قوله: (ولا تقول: هو لدني صواب)، مكرر في نسخة (س).]]، وتقول [[(ويقول) في نسخة (س).]]: عندي مال عظيم، والمال غائب عنك، ولدن لما يليك لا غير) [[ذكره الزجاج مختصرًا في "معاني القرآن" 3/ 303، وأورده الأزهري في "تهذيب اللغة" (لدن) 4/ 3256، والفارسي في "الحجة للقراء السبعة" 5/ 125.]].
وقرأ عاصم في رواية أبي بكر: (من لَدُنِهِ)، بشم الدال الضمة وبكسر النون والهاء [[انظر: "السبعة" 388، "الحجة للقراء السبعة" 5/ 124، و"المبسوط" 233، و"التبصرة" 247، و"الكشف عن وجوه القراءات" 2/ 54، و"العنوان في القراءات" 122.]]. وهي لغة الكلابيين [[الكلابيون: بطن عظيم من عامر بن صعصعة من العدنانية، وهو بنو كلاب بن ربيعة ابن عامر بن صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوازن بن قيس بن عيلان، كانت ديارهم حمى ضرية، وهو حمى كليب، وحمى الربذة في جهات المدينة المنورة، وفدك والعوالي، ثم انتقلوا إلى الشام. انظر: "نهاية الأرب" ص 365، و"معجم قبائل العرب" 3/ 989، و"التعريف في الأنساب" ص 77.]].
روى أبو زيد عنهم أجمعين: (هذا من لدُنِه، فتحوا اللام وضموا الدال وكسروا النون) [["تهذيب اللغة" (لدن) 4/ 3256، "الحجة للقراء السبعة" 5/ 125.]].
قال أبو علي الفارسي: (في لدُنْ لغات: لدن مثل سبعٍ، وتخفف الدال، فإذا خففت على ضربين أحدهما: أن تحذف [[في نسخة (س): (أن تخفف)، وهو تصحيف.]] الضمَّة من الدال فيقال: لدن. والآخر: أن تحذف الضمة من الدال وتنقل إلى اللام، فيقال: لدن، مثل: عضد، وفي كلا الوجهين يجتمع في الكلمة ساكنان: الدال المنقول عنها الحركة، والمحذوفة منها مع النون. فأما قراءة عاصم: (من لَدْنِهِ) [[من طريق شعبة عن عاصم.
انظر: "السبعة" (388)، و"الحجة للقراء السبعة" 5/ 124، و"التبصرة" (247)، و"الكشف عن وجوه القراءات" 2/ 54.]] فالكسرة في النون ليست بجر، إنما هي كسرة للتقاء الساكنين، وذلك أن الدال أسكنت كما أسكنت في سبُعٍ، والنون ساكنة، فلما التقى ساكنان كسر الثاني منهما وأشمت [[الإشمام: إطباقك الشفين بعد الإسكان وتدع بينهما انفراجًا ليخرج النفس بغير صوت، وذلك إشارة للحركة التي ختصت بها الكلمة، ويكون في المرفوع والمضموم، ولا يعرف ذلك الأعمى؛ لأنه لرؤية العين. انظر: "التحديد في الإتقان والتجويد" ص 98، و"البرهان في تجويد القرآن" ص 66.]] الدال الضمة، لتدل على أنها كانت متحركة بها، كما قالوا: أنت تَغْزُين. وقولهم: قُيل، أشمت الكسرةُ فيهما الضمة، لتدل على أن الأصل فيهما التحريك بالضم، وإن كان إشمام عاصم ليس بحركة خرجت إلى اللفظ، وإنما هو تهيئة العضو لإخراج الضمة، ولو كانت حركة لم يلتق ساكنان ولم تكسر النون لاجتماعهما) [["الحجة للقراء السبعة" 5/ 124، و"البحر المحيط" 6/ 96، و"الدر المصون" 7/ 438.]]. وليس يحتمل هذا الموضع من الكلام في لدن أكثر مما ذكرنا، وما بقي نذكره عند قوله: ﴿قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا﴾ [الكهف: 76]، إن شاء الله.
والجار في قوله: "من لدنه" يحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون صفة النكرة التي هي قوله: "بأسًا"، وفيها ذكر الموصوف. والآخر: يكون متعلقًا بشديد [["الدر المصون" 7/ 439)، و"الجدول في إعراب القرآن الكريم" 15/ 112.]].
وقوله تعالى: ﴿أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا﴾ قال الزجاج: (المعنى بأن لهم أجرًا حسنًا) [["معاني القرآن" للزجاج 2/ 268.]].
قال ابن عباس: (يريد ثوابًا عظيمًا) [["جامع البيان" 15/ 192، و"تفسير القرآن العظيم" 3/ 80 بمعناه بدون نسبة.]].
وقال السدي: (هو الجنة) [["معالم التنزيل" 5/ 143 بدون نسبة، و"المحرر الوجيز" 229/ 9 بدون نسبة، و"الدر المنثور" 4/ 382 وعزاه لابن أبي حاتم.]].
الكهف 18:3
قوله تعالى: ﴿مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا﴾ بمعنى: خالدين [["جامع البيان" 15/ 192، و"القرطبي" 10/ 348، و"تفسير القرآن العظيم" 3/ 80.]]. وهو حال للمؤمنين من قوله: (أن لهم أجرًا) [["المحرر الوجيز" 9/ 229، و"البحر المحيط" 6/ 96، و"الدر المصون" 7/ 439، و"معاني القرآن" للزجاج 3/ 268.]].
الكهف 18:4
وقوله تعالى: ﴿وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا﴾ قال ابن عباس: (يريد بعذاب الله ونقمته) [[ذكره ابن جرير الطبري في "تفسيره" 15/ 193 بدون نسبة، وكذلك ابن الجوزي في "زاد المسير" 5/ 104.]].
قال الكلبي، والسدي: (يعني اليهود والنصارى) [["المحرر الوجيز" 9/ 203: بدون نسبة، و"زاد المسير" 5/ 104 بدون نسبة، و"الدر المنثور" 7/ 382 ونسبه لابن أبي حاتم.]].
الكهف 18:5
قوله تعالى: ﴿مَا لَهُمْ بِهِ﴾ أي: بذلك القول ﴿مِنْ عِلْمٍ﴾ يعني: قالوه جهلاً، وافتراء على الله تعالى ﴿وَلَا لِآبَائِهِمْ﴾ اختار الفراء ﴿كَلِمَةً﴾ بالنصب.
قال الفراء: (من نصب أضمر الفاعل؛ كأنه قيل: كبرت تلك الكلمة كلمة، ومن رفع لم يضمر شيئًا، كما تقول: عظم قولك) [["معاني القرآن" للفراء 2/ 134.
قراءة النصب هي القراءة الصحيحة الثابتة، وقراءة الرفع قراءة شاذة قرأ بها: الحسن وابن محيصن. انظر: "معا ني القرآن" للزجاج 3/ 268، و"إعراب القرآن" للنحاس 2/ 265، و"مشكل إعراب القرآن" ص 437، و"القراءات الشاذة" ص 81.]].
وقال الزجاج: (المعنى: كبرت مقالتهم كلمة، و ﴿كلِمَةً﴾ منصوب على التمييز)؛ هذا كلامه [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 268.]].
ومعنى التمييز في هذا: أنك إذا قلت: كبرت المقالة، أو الكلمة، جاز أن يتوهم أنها كبرت كذبًا، أو جهلاً، أو افتراء، فلما قلت: كلمة، ميزتها من محتمل فانتصب، كما تقول في باب التمييز.
قال أبو عبيد: (والنصب وجه القراءة؛ لأن الكلمة قد ذكرت قبل، وهي قوله: ﴿قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا﴾، فصارت مضمرة في (كبرت) [[ذكرته كتب التفسير بلا نسبة. انظر: "البحر المحيط" 6/ 97، و"الدر المصون" 7/ 440، و"التفسير الكبير" 21/ 78، و"روح المعاني" 18/ 204.]].
قال الأخفش: (هذه في النصب كقول الشاعر:
ولقد علمت إذا العشار ترَوَّحت .... هدج الرئال تكبهن شمالاً [[البيت للأخطل. انظر: "ديوان" ص387، و"معاني القرآن" للأخفش 1/ 616، و"شرح القصائد السبع" لابن الأنباري ص 581.]] أي: تكبُّهنَّ الرياح شمالاً، وهاهنا كأنه قيل: كبرت تلك الكلمة) [["معاني القرآن" للأخفش 1/ 616.]].
﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا﴾ [الكهف: 6].
الكهف 18:6
قوله تعالى: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ﴾ قال ابن عباس، ومجاهد: (قاتل نفسك) [["جامع البيان" 15/ 194، و"الدر المنثور" 4/ 382 وعزاه لابن المنذر.]]. وهو قول المفسرين، وأهل المعاني [["جامع البيان" 15/ 194، و"بحر العلوم" 2/ 289، و"الكشاف" 2/ 380، و"زاد المسير" 5/ 104، و"معاني القرآن" للزجاج 3/ 268، و"مجاز القرآن" لأبي عبيدة 1/ 393.]]. قال الفراء في المصادر: (بَخَعَها، يبخَعُهَا، بخعًا، وبخوعًا) [[لم أقف عليه. وذكره ابن منظور بلا نسبة في "لسان العرب" (بخع) 1/ 222.]]. وقال الليث: (بَخَعَ الرجل نفسه إذا قتلها غيظًا من شدة وجده بالشيء) [[ذكرت نحوه كتب اللغة. انظر: "تهذيب اللغة" (بخع) 1/ 285، "ومقاييس اللغة" (بخع) 1/ 206، و"لسان العرب" (بخع) 1/ 222، و"القاموس المحيط" (بخع) ص 702.]].
وأنشد قول ذي الرمة [[البيت الذي الرمة. انظر: "ديوانه" (251)، و"مجاز القرآن" لأبي عبيدة 1/ 393، و"تهذيب اللغة" (بخع) 1/ 286، و"مقاييس اللغة" (نجع) 1/ 206، و"الصحاح" (نجع) ص 17، و"اللسان" (نجع) 1/ 222، و"الدر المصون" 7/ 442.]]:
ألا أيُّهذا الباخعُ الوجد نفسه ... لشيءٍ نحته عن يديه المقادر
قال أبو عبيدة: (كان ذو الرمة ينشد الوجد رفعًا) [["مجاز القرآن" لأبي عبيدة 1/ 393.]].
وقال الأصمعي: (يقول: إنما هو الوجد بالفتح) [["الدر المصون" 7/ 442.]].
وأصل معنى البَخْع: الجهد، يقال: بَخَعْت لك نفسي، أي جهدتها، ذكره الفراء، والأخفش [[) "معاني القرآن" للفراء 2/ 134، و"تهذيب اللغة" (بخع) 1/ 285.]]. وفي حديث عائشة: (أنها ذكرت عمر فقالت: بَخَعَ الأرض) [[انظر: "النهاية في غريب الحديث" 1/ 102،و"التفسير الكبير" 21/ 79، و"تهذيب اللغة" (بخع) 1/ 285.]]. أي: جهدها حتى أخرج ما فيها من أموال الملوك.
وقال الكسائي: (بَخَعْتُ الأرض بالزراعة، إذا أنهكتها وتابعت [[في نسخة (ص): (بايعت)، وهو تصحيف.]] حراثتها، ولم تجمَّها عامًا، وبَخَعَ الوجدُ نفسه إذا أنهكها، وأنشد بيت ذي الرمة) [["تهذيب اللغة" (بخع) 1/ 285، و"الدر المصون" 7/ 442.]]. وعلى هذا معنى: ﴿بَاخِعٌ نَفْسَكَ﴾ أي: ناهكها، وجاهدها حتى تهلكها، ولكن أهل التأويل كلهم قالوا: قاتل نفسك ومهلكها؛ والأصل هو ما ذكرنا [[انظر: "تهذيب اللغة" (بخع) 1/ 285، و"مقاييس اللغة"، (بخع) 1/ 206، و"لسان العرب" (بخع) 1/ 222، و"القاموس المحيط" (بخع) ص 702، و"الصحاح" (بخع) 3/ 1183، و"المفردات في غريب القرآن" (بخع) ص 38.]].
وقوله تعالى: ﴿عَلَى آثَارِهِمْ﴾ قال الزجاج: (أي من بعدهم) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 268.]]. وهذا كلام العرب يقولون: مات فلان واحدًا على أثر فلان، أي: بعده، وأصل هذا من التأثير، والأثر الذي هو العلامة، وذلك أنهم يقولون: خرجت في أثر فلان، وجئت على أثره، يعنون بعده، كأنهم يريدون أثر سلوكه الطريق، ثم كثر هذا حتى استعمل بمعنى بعد حيث لا يتحقق الأثر، كقول: مات فلان على أثر فلان أي: بعده، وأثر كذا بكذا أتبعه إياه [[انظر: "تهذيب اللغة" (أثر) 1/ 119، و"مقاييس اللغة" (أثر) 1/ 53، و"الصحاح" (أثر) 2/ 574، و"اللسان" (أثر) 1/ 25، و"المفردات" (أثر) ص 9.]]، ومنه قول متمم [[هذا صدر بيت لمتمم يصف الغيث، وعجزه:
ترشِّح وسميًّا من النبت خروعا
والمعنى: أتبع مطرًا تقدم بديمة بعده انظر: "الشعر والشعراء" ص 219، و"الأغاني" 15/ 298، و"المفضليات" ص 268، و"خزانة الأدب" 1/ 236، و"تهذيب اللغة" (أثر) 1/ 119، و"لسان العرب" (أثر) 1/ 25.]]:
فأثر سيل الواديين بديمةٍ
أي: أتبعه بمطر.
ومعنى ﴿عَلَى آثَارِهِمْ﴾ هاهنا: من بعدهم، وتحقيقه ما بينَّا، وليس يريد من بعد موتهم، وإنما التأويل: من بعد توليهم وإعراضهم عنك [["جامع البيان" 15/ 194، و"معالم التنزيل" 5/ 144، و"المحرر الوجيز" 9/ 232 - 233، و"زاد المسير" 5/ 105.]].
قوله تعالى: ﴿إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ﴾ قال ابن عباس وغيره: (يعني القرآن) [["جامع البيان" 15/ 194، و"معالم التنزيل" 5/ 144،و"الكشاف" 2/ 280، و"الدر المنثور" 4/ 382. ويشهد لهذا قوله سبحانه في سورة الزمر الآية رقم (23): ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ﴾ الآية.]].
﴿أَسَفًا﴾ قال مجاهد: (جزعاً) [["جامع البيان" 15/ 195،"المحرر الوجيز" 9/ 233 و"زاد المسير" 5/ 105.]].
وقال السدي: (حزنًا) [["جامع البيان" 15/ 195، و"المحرر الوجيز" 9/ 233 عن قتادة، و"زاد المسير" 5/ 105 عن ابن عباس وابن قتيبة، و"تفسير القرآن العظيم" عن قتادة 3/ 81.]]. وقال سفيان: (غضبًا) [["معالم التنزيل" 5/ 144، و"الدر المنثور" 4/ 382، وعزاه لابن أبي حاتم، و"فتح القدير" 3/ 385 بدون نسبة.]].
وجمع ابن عباس بينهما فقال: (يريد: غضبًا وحزنًا) [[ذكرته كتب التفسير بدون نسبة انظر: "الكشف والبيان" 3/ 385 ب، و"المحرر الوجيز"، 9/ 233، و"معالم التنزيل" 5/ 144، و"زاد المسير" 5/ 105، و"الكشاف" 2/ 473، و"تفسير القرآن العظيم" 3/ 81.]]. وقال الزجاج: (والأسف: المبالغة في الحزن والغصب) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 269.]]. وذكرنا الكلام في هذا عند قوله: (غضبان أسفًا) في سورة الأعراف. وانتصابه يجوز أن يكون على المصدر، ودل ما قبله من الكلام على أنه تأسف، ويجوز أن يكون مفعولاً له أي: للأسف، كقولهم: جئتك ابتغاء الخير [[انظر: "الكشاف" 3/ 380، و"البحر المحيط" 6/ 98، و"الدر المصون" 7/ 443، و"إعراب القرآن" للنحاس 2/ 266، و"إملاء ما من به الرحمن" 1/ 394.]].
وقال الزجاج: (﴿أَسَفًا﴾ منصوب؛ لأنه مصدر في موضع الحال) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 268.]]. وفي هذه الآية إشارة إلى نهي النبي -ﷺ- عن كثرة الحرص على إيمان قومه حتى يؤدي ذلك إلى هلاك نفسه بالأسف، والفاء في قوله: ﴿فَلَعَلَّكَ﴾ جواب الشرط، وهو قوله: ﴿إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا﴾ قدّم عليه، ومعناه التأخير.
الكهف 18:7
قوله تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا﴾ قال مجاهد: (ما عليها من شيء من البحار، والجبال، والأشجار، والنبات) [["جامع البيان" 15/ 195، و"زاد المسير" 5/ 105 - 106، و"الدر المنثور" == 4/ 383 وعزاه لابن المنذر، وابن أبي حاتم. وذكره السمرقندي في "بحر العلوم" 2/ 289 بلا نسبة.]]. والمعنى: إنا زينّا الأرض بما خلقنا فيها من الماء، والمعادن، وأنواع المخلوقات، ويدخل في هذا كل ما على الأرض من ذي الروح والجماد.
وقوله تعالى: ﴿لِنَبْلُوَهُمْ﴾ قال ابن عباس: (يريد الاختبار في خلقه بما يفهمون) [[ذكرت كتب التفسير نحوه بدون نسبة. انظر: "جامع البيان" 15/ 195، و"النكت والعيون" 3/ 285، و"زاد المسير" 5/ 106، و"التسهيل لعلوم التنزيل" ص 376، و"لباب التأويل" 4/ 192.]]. ومضى الكلام في مثل هذا في مواضع [[نحو قوله تعالى في سورة هود الآية رقم (7): ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [لملك:2]، وقال سبحانه في سورة الملك الآية رقم (2) ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾.]].
وقوله تعالى: ﴿أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ قال الحسن: (أيّهم أزهد في الدنيا زهدًا، وأترك لها تركًا) [[ذكرت كتب التفسير نحوه بدون نسبة. انظر: "جامع البيان" 15/ 195 - 196، و"بحر العلوم" 2/ 289، و"النكت والعيون" 3/ 285، و"معالم التنزيل" 5/ 144، و"الجامع لأحكام القرآن"10/ 355.]]. وهذا قول أبي إسحاق قال: (فالحسن العمل من زهد فيما زيِّن له من الدنيا) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 269.]].
وقال مقاتل: (أيهم أصلح فيما أوتي من المال) [[ذكر نحوه البغوي في "تفسيره" 5/ 144 بدون نسبة. وكذلك ابن الجوزي في "زاد المسير" 5/ 106.]].
وذكر قتادة في تفسير هذه الآية قول النبي -ﷺ-: "إن الدنيا خضرة حلوة، وإن الله مستخلفكم فيها فناظر كيف تعملون، فاتقوا فتنة الدنيا" [[أخرجه مسلم في "صحيحه" كتاب: الرقائق باب: أكثر أهل الجنة الفقراء 4/ 2098، والترمذي في "جامعه" كتاب: الفتن باب: ما جاء في ما أخبر النبي -ﷺ- أصحابه 4/ 483، وابن ماجه في "سننه" كتاب: الفتن، باب: فتنة النساء 2/ 1325، والإمام أحمد في "مسنده" 3/ 19.]]. قال الزجاج: (و ﴿أَيُّهُمْ﴾ رفع بالابتداء؛ لأن لفظه لفظ الاستفهام) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 269.]]. والمعنى: ليختبر أهذا أحسن أم هذا، والاستفهام لا يعمل فيه ما قبله إلا ما يخبر، وإنما يعمل فيه ما بعده. ثم أعلم جل وعز أنه [مبيد] [[في الأصل وجميع النسخ التي اطلعت عليها: (مبتدأ)، وما أثبته في الأصل هو الصواب عندي، وهو الذي يدل عليه السياق، وهو المثبت في تفسيره الوسيط.]] ومُفْن ذلك كله.
الكهف 18:8
بقوله: ﴿وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا﴾ [الكهف: 8].
قال أبو عبيد: (الصعيد: المستوي من الأرض) [["غريب الحديث" لأبي عبيد 1/ 275، و"تهذيب اللغة" (صعد) 2/ 2014.]]. وقال الزجاج: (الصعيد: الطريق الذي لا نبات فيه) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 269.]]. ومثله قال المفضل. وقد ذكرنا تفسير الصعيد في آية التيمم [[عند قوله سبحانه في سورة النساء الآية رقم (43)، وفي سورة المائدة الآية رقم (6): ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [النساء: 43].]].
وأما الجرز فقال الفراء: (الجُرُز: الأرض لا نبات فيها، يقال: جُرِزَت الأرض فهي مجروزة، وجَرَزَها الجرادُ أو النساء أو الإبل أكلت ما عليها) [["معاني القرآن" للفراء 2/ 134.]].
وقال الزجاج: (الجرز: الأرض التي لا تنبت، كأنها تأكل النَّبْت أكلاً، يقال: أرض جُرُز، وأرَضُون أَجْرازٌ) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 269.]].
وامرأة جَرُوز إذا كانت أكولا، وسيف جرَّاز إذا كان مستأصلاً [[انظر: "تهذيب اللغة" (جرز) 1/ 580، و"مقاييس اللغة" (جرز) 1/ 441، و"الصحاح" (جرز) 3/ 866، و"المفردات في غريب القرآن" (جرز) (91).]]، ونذكر شيئًا من هذا عند قوله: ﴿نَسُوقُ الْمَاءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ﴾ [السجدة: 27] إن شاء الله.
قال مجاهد في هذه الآية: (بلاقع ليس فيه نبات) [["جامع البيان" 15/ 196، و"تفسير القرآن العظيم" 3/ 81، و"تفسير مجاهد" 1/ 373.]]. وقال عطاء عن ابن عباس في هذه الآية: (يريد يوم القيامة يجعل الله الأرض جرزًا ليس فيها ماء ولا نبات) [[ذكرت كتب التفسير نحوه بدون نسبة. انظر: "المحرر الوجيز" 9/ 236، و"زاد المسير" 5/ 106 - 107، و"تفسير القرآن العظيم" 3/ 81، و"الجامع لأحكام القرآن" 10/ 356.]].
الكهف 18:9
قوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ﴾ الآية. ذكرنا سبب نزول قصة أصحاب الكهف عند قوله: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ﴾ [الإسراء: 85]. وذكر محمد بن إسحاق سبب نزول هذه القصة مشروحًا، فقال: (كان النضر ابن الحارث من شياطين قريش، كان يؤذي رسول الله ﷺ، وينصب له العداوة، وكان قدم الحيرة [[الحِيرة -بكسر الحاء وسكون الياء-: مدينة مشهورة على ثلاثة أميال من الكوفة، تقع على نهر يربطها بالفرات، وكانت مسكنًا لملوك العرب في المجاهلية التابعين لمملكة الفرس، وهى قريبة من النجف. انظر: "معجم البلدان" 2/ 328، و"معجم المعالم الجغرافية" ص 107.]] وتعلم بها أحاديث رستم [[رستم الشديد بن دستار بن بريمان، من ملوك الفرس. انظر: "تاريخ الطبري" == 1/ 504، و"الروض الأنف" 2/ 52، و"الكامل في التاريخ" 1/ 137.]]، واسفنديار [[اسفنديار بن بشتاسب، من ملوك الفرس. انظر: "تاريخ الطبري" 1/ 562، و"الروض الأنف" 2/ 52، و"الكامل في التاريخ" 1/ 154.]]، وكان رسول الله -ﷺ- إذا جلس مجلسًا ذكر فيه الله تعالى، وحذر قومه ما أصاب من كان قبلهم من الأمم، خلفه في مجلسه إذا قام، ثم قال: وإنا والله يا معشر قريش أحسن حديثًا منه فهلمّوا أحدثكم بأحسن من حديثه، ثم يحدثهم عن ملوك فارس، فبعثته قريش، وبعثوا معه عقبة بن أبي معيط [[عقبة بن أبان بن ذكوان بن أمية بن عبد شمس بن أبي معيط، من مقدمي قريش في الجاهلية، كنيته أبو الوليد، وكنية أبيه أبو معيط، كان شديد الأذى للمسلمين عند ظهور الدعوة، أسر يوم بدر وقتل وصلب. انظر: "الروض الأنف" 2/ 76، و"ابن الأثير" 2/ 27، و"الأعلام" 4/ 240.]] إلى أحبار يهود [بالمدينة، وقالوا لهما: سلوا عن محمد، وعن صفته، وأخبروهم بقوله، فإنهم أهل الكتاب الأول، وعندهم من العلم مما ليس عندنا من علم الأنبياء، فخرجا حتى قدما المدينة فسألوا أحبار يهود] [[ما بين المعقوفين ساقط من نسخة (س).]] عن رسول الله -ﷺ- ووصفوا لهم صفته، وأخبروهم بأمره وببعض قوله، فقالت لهم أحبار يهود: سلوه عن ثلاث: عن فتية ذهبوا في الدهر الأول، ما كان من أمرهم؟ فإنه كان لهم حديث عجيب، وعن رجل طوّاف قد بلغ مشارق الأرض ومغاربها ما كان نبأه؟ وسلوه عن الروح ما هو؟ فإن أخبركم فهو نبي فاتبعوه، وإن لم يخبركم فهو متقوّل. فأقبل النضر بن الحارث وصاحبه حتى قدما مكة وقالا: قد جئناكم بفصل ما بيننا وبين محمد، وأخبراهم بما قالت اليهود. فجاؤوا رسول الله -ﷺ- وسألوه عن هذه الأشياء، فقال رسول الله -ﷺ-: "أخبركم بما سألتم عنه غدًا". ولم يستثن، فانصرفوا عنه، فمكث رسول الله -ﷺ- فيما يذكرون خمس عشرة ليلة لا يحدث الله إليه في ذلك وحيا، ولا يأتيه خبر، حتى أرجف أهل مكة به، وقالوا: وعدنا محمد غدًا واليوم خمس عشرة ليلة، وشقّ عليه ذلك، ثم جاءه جبريل من الله -عز وجل- بسورة أصحاب الكهف فيها معاتبة الله إياه على حزنه عليهم، وخبر ما سألوا عنه من أمر الفتية، والرجل الطوّاف) [["جامع البيان" 15/ 197، و"بحر العلوم" 2/ 290، و"المحرر الوجيز" 9/ 229 - 230، و"تفسير القرآن العظيم" 3/ 83، و"الدر المنثور" 4/ 380، و"أسباب النزول" للواحدي ص 306، و"لباب النقول في أسباب النزول" ص 143، و"جامع النقول في أسباب النزول" ص 208، و"الفتح السماوي" 2/ 494.]].
وافتتح السورة تبارك وتعالى بحمده وذكر نبوة رسوله لما أنكروه عليه من ذلك وهو قول: ﴿أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ﴾ [الكهف: 1]، فذكر أنه أنزل عليه القرآن للإنذار والتبشير إلى قوله: ﴿وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا﴾، يعني قريشًا في قولهم: الملائكة بنات الله [[نحو قوله تعالى في سورة النحل الآية رقم (57): ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ﴾، وقوله سبحانه في سورة الصافات الآية رقم (149): ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ﴾.]].
ثم عاتبه على حزنه عليهم حين فاته ما كان يرجو منهم من الإسلام بقوله: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ﴾ الآية. ثم قال: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ أيهم أتبعُ لأمري وأعمل بطاعتي، ﴿وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا﴾، يعني أنَّ ما على الأرض فانٍ زائل، وأن المرجع إلى فأجزي كلا بعمله، فلا يحزنك ما ترى وتسمع.
ثم أخبر عن ما سألوه عنه من شأن الفتية فقال: ﴿أَمْ حَسِبْتَ﴾ فقال أبو إسحاق: (معناه: بل حسبت) [["معاني القرآن" 1/ 285.]]. والكلام في ﴿أَمْ﴾ في مثل هذا الموضع قد ذكرناه في قوله: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ﴾ [البقرة: 214] وفي غيره من مواضع [[نحو قوله سبحانه في البقرة الآية رقم (108). ﴿أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى﴾ [البقرة: 108] الآية وقوله سبحانه في سورة السجدة الآية رقم (3): ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ﴾ الآية.]].
وقوله: ﴿أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ﴾ يعني أولئك الفتية الذين سئل عن قصتهم [[في نسخة: (س): (بعضهم)، وهو تصحيف.]].
و ﴿الْكَهْفِ﴾ قال الليث: (كالمغارة في الجبل) [["تهذيب اللغة" (كهف) 4/ 3199.]]. روى عكرمة عن ابن عباس أنه قال: (كل القرآن أعلمه إلا أربعة: غسلين [[الواردة في قوله سبحانه: ﴿وَلَا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ﴾ [الحاقة: 36].]]، وحنان [[في قوله تعالى: ﴿وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا وَزَكَاةً وَكَانَ تَقِيًّا﴾ [مريم: 13].]]، والأواه [[في قوله تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ﴾. ومثلها قوله تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ﴾ [هود: 75].]]، والرقيم) [["تفسير القرآن" للصنعاني 2/ 397، و"جامع البيان" 15/ 198، و"المحرر الوجيز" 9/ 237 - 238، و"تفسير القرآن العظيم" 3/ 82، و"الدر المنثور" 4/ 384.]].
وروى عكرمة أيضًا عن ابن عباس أنه سئل عن الرقيم فقال: (زعم كعب أنها القرية التي خرجوا منها) [["تفسير القرآن" للصنعاني 2/ 397، و"جامع البيان" 15/ 198، و"بحر العلوم" 2/ 290، و"تفسير القرآن العظيم" 3/ 83.]]؛ ونحو هذا قال السدي [["المحرر الوجيز" 9/ 237، و"زاد المسير" 5/ 108، و"الدر المنثور" 4/ 384 وعزاه لابن أبي حاتم، و"التفسير الكبير" 11/ 82.]].
وروي كن ابن أبي طلحة عنه قال: ("الرَّقِيم": الكتاب) [["جامع البيان" 15/ 198، و"تفسير القرآن العظيم" 3/ 82، و"الدر المنثور" 4/ 383، وعزاه لابن المنذر وابن أبي حاتم.]].
وهو قول مجاهد [["جامع البيان" 15/ 985 - 199، و"تفسير القرآن العظيم" 3/ 82 عن ابن عباس، و"الدر المنثور" 4/ 384 عزاه لابن أبي شيبة وابن المنذر.]]. وسعيد بن جبير قال: ("الرَّقِيم": لوح من حجارة) [["جامع البيان" 15/ 199، و"معالم التنزيل" 5/ 145، و"المحرر الوجيز" 9/ 283، و"تفسير القرآن العظيم" 3/ 82، و"الدر المنثور" 4/ 384.]].
وقيل: (من رصاص كتب فيه أسماؤهم وقصتهم، وجعل في البناء على باب الكهف) [["بحر العلوم" 2/ 290، و"معالم التنزيل" 5/ 144 - 145، و"الكشاف" 2/ 381، و"المحرر الوجيز" 9/ 283، و"البحر المحيط" 6/ 101.]]، ونحو هذا قال عطاء عن ابن عباس [["جامع البيان" 15/ 199، و"معالم التنزيل" 5/ 144 - 145، و"زاد المسير" 5/ 107، و"الدر المنثور" 4/ 384.]]، وهو قول جميع أهل المعاني والعربية قالوا: (الرقيم: الكتاب) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 269، و"معاني القرآن" للفراء 2/ 134، و"إملاء ما من به الرحمن" 1/ 395، و"تهذيب اللغة" رقم 2/ 1454، و"مقاييس اللغة" رقم 2/ 425، و"المفردات في غريب القرآن" رقم (201).]].
والأصل فيه المرقوم ثم حُول إلى فعيل، والرَّقْم: الكتابة، ومنه قوله -عز وجل-: ﴿كِتَابٌ مَرْقُومٌ﴾ [المطففين: 9] أي: مكتوب، وأنشدوا [[لم أهتد إلى قائله، وذكرته كتب اللغة بدون نسبة. القَرَاح: الماء الذي لا يخالطه شيء يطيب به كالعسل والتمر والزبيب. انظر: "تهذيب اللغة" رقم 2/ 1454، و"مقاييس اللغة" مريم 2/ 425، و"لسان العرب" رقم 3/ 1709.]]: سأرقم في الماء القراح إليكم ... على بعدكم إن كان في الماء راقمُ
وقال الفراء: (الرقيم: لوح كان فيه أسماؤهم) [["معاني القرآن" للفراء 2/ 134.]]، ونرى أنه إنما سُمى رقيما؛ لأن أسماءهم كانت مرقومة [[في (ص): (من قومه)، وهو تصحيف.]] فيه [[وهذا القول هو الراجح، وهو الذي تعضده اللغة، ورجحه أكثر المفسرين. انظر: "جامع البيان" 15/ 199، و"تفسير القرآن العظيم" 3/ 82، و"تهذيب اللغة" 2/ 1454، و"لسان العرب" رقم 3/ 1710.]].
وقوله تعالى: ﴿كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا﴾ قال مجاهد، وسفيان: (لم يكونوا بأعجب آياتنا) [["جامع البيان" 15/ 197، و"معالم التنزيل" 5/ 144 بدون نسبة، و"تفسير القرآن العظيم" 3/ 82، و"الدر المنثور" 4/ 384.]]. قال المفضل: (أم حسبت أنهم كانوا عجبًا من آياتنا فقط، فلا يحسن ذلك، فإن آياتنا كلها عجيب) [[ذكرته كتب التفسير بدون نسبة. انظر: "جامع البيان" 15/ 197، و"الكشف والبيان" 3/ 385 ب، و"المحرر الوجيز" 9/ 237، و"معالم التنزيل" 5/ 144، و"زاد المسير" 5/ 108، و"تفسير القرآن العظيم" 3/ 82.]]. وقال أبو إسحاق: (أعلم الله أن قصة أصحاب الكهف ليست بعجيبة من آيات الله؛ لأن خلق السموات والأرض وما بينهما مما يشاهد أعجب من قصة أصحاب الكهف) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 270.]]. والعجب هاهنا مصدر سمي المفعول به.
والتقدير: كانوا معجوبًا منهم، فسموا بالمصدر، والمفعول من هذا يستعمل باسم المصدر [["الكشاف" 2/ 381، و"الدر المصون" 7/ 446، و"البحر المحيط" 6/ 101، و"التفسير الكبير" 11/ 83.]].
الكهف 18:10
قوله تعالى: ﴿إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ﴾ الآية، "إِذْ" هنا لا يجوز أن يكون متعلقًا بما قبله على تقدير: أم حسبت إذ أوى الفتية؛ لأنه كان بين النبي -ﷺ- وبينهم مدة طويلة، فلم يتعلق الحسبان بذلك الوقت الذي أووا فيه إلى الكهف، وإذ يتعلق بمحذوف كأنه قيل: اذكر إذا أوى [["الدر المصون" 7/ 446، و"البحر المحيط" 6/ 102، و"التفسير الكبير" 11/ 83، و"إملاء ما من به الرحمن" 1/ 395.]]. كما قلنا في مواضع كثيرة. ومعنى ﴿أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ﴾: صاروا إليه وجعلوه مأواهم [["زاد المسير" 5/ 108، و"التفسير الكبير" 11/ 83، و"معاني القرآن" للزجاج 3/ 270.]].
قال ابن عباس: (يريد هربوا إلى الكهف) [[ذكرته كتب التفسير بلا نسبة. انظر: "النكت والعيون" 3/ 287، و"المحرر الوجيز" 9/ 239، و"زاد المسير" 5/ 108.]]. وذكرنا الكلام في الفتية عند قوله: ﴿وَقَالَ لِفِتْيَانِهِ﴾ [يوسف: 62] في سورة يوسف.
وقوله تعالى: ﴿فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً﴾ أخبر الله تعالى أنهم لما هربوا عمن يطلبهم اشتغلوا بالدعاء والتضرع إلى الله تعالى: ﴿فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً﴾ أي: أعطنا من عندك مغفرة ورزقًا [["معالم التنزيل" 5/ 155 بمعناه، و"الكشاف" 2/ 381، و"المحرر الوجيز" 9/ 245، و"زاد المسير" 5/ 109.]].
قال ابن عباس: (يريدون تغنينا بها عن جميع من سواك) [[ذكر نحوه ابن الجوزي بلا نسبة في "زاد المسير" 5/ 109، والرازى في "التفسير الكبير" 21/ 83، والألوسي في "روح المعاني" 15/ 211.]]، يعني أن قولهم: ﴿مِنْ لَدُنْكَ﴾ تتضمن هذا المعنى.
وقوله تعالى: ﴿وَهَيِّئْ لَنَا﴾ أي: أصلح، من قولك: هيأت الأمر فتهيأ ﴿مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا﴾ الرَّشَد، والرُّشْد، والرَّشاد، والرّشَاد: نقيض الضلال [["زاد المسير" 5/ 109، و"التفسير الكبير" 11/ 83، و"تهذيب اللغة" (رشد) 2/ 1411، و"مقاييس اللغة" (رشد) 2/ 318، و"لسان العرب" 3/ 1649.]].
قال أبو إسحاق: (أي أرشدنا إلى ما يقرب منك ويزلف عندك) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 270.]] وهذا معنى قول ابن عباس: (أرشد أفعالنا إلى محبتك) [[ذكرت كتب التفسير نحوه بدون نسبة.
انظر: "زاد المسير" 5/ 109، و"التفسير الكبير" 21/ 83، و"روح المعاني" 15/ 211، و"أنوار التنزيل" 3/ 217.]]. وقال أهل المعاني: (تقدير الآية: هيئ لنا من أمرنا ذا رشد) [["التفسير الكبير" 11/ 83.]]. أي: أمر ذا رشد. فحذف الموصوف، ثم حذف المضاف أيضًا، كأنهم قالوا: هيئ لنا من أمرنا ما نصيب به الرشد.
الكهف 18:11
قوله تعالى: ﴿فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ﴾ قال المفسرون: (معناه: أنمناهم) [["جامع البيان" 15/ 204، و"بحر العلوم" 2/ 290، و"معالم التنزيل" 5/ 155، و"الكشاف" 2/ 381، و"المحرز الوجيز" 9/ 245، و"زاد المسير" 5/ 109.]].
قال أبو إسحاق: (أي منعناهم أن يسمعوا؛ لأن النائم إذا سمع انتبه) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 271.]]. فالمعنى: أنمناهم ومنعناهم السمع. وهذا معنى قول ابن عباس: (فضربنا على آذانهم بالنوم) [[ذكرته كتب التفسير بدون نسبة. انظر: "جامع البيان" 15/ 206، و"المحرر == الوجيز" 9/ 245، و"معالم التنزيل" 5/ 155، و"تفسير القرآن العظيم" 3/ 82، و"الجامع لأحكام القرآن" 10/ 363.]]. والمعنى: سددنا آذانهم بالنوم الغالب عن نفوذ الأصوات إليها، ومن هذا النظم قال الأسود بن يَعْفُر [[البيت للأسود بن يعفر النهشلي. الأسْدَاد: جمع سد، وهو الحاجز بين الشيئين، يشير هنا إلى ضعفه فقد عمي. انظر: "ديوانه" ص 25، و"الجامع لأحكام القرآن" 10/ 363، و"البحر المحيط" 6/ 103، و"الدر المصون" 7/ 447، و"المفضليات" ص 216، و"اللامات" ص 103، و"لسان العرب" (سدد) 4/ 1969.]]:
ومن الحَوادِثِ لا أَبالَكِ أَنَّثِي ... ضربَتْ عليَّ الأرضُ بالأسْدَادِ
وذلك أنه كان ضريرًا لا يتمكن من المشي في الأرض، فكأن الأرض قد ضربت بالأسداد عليه، حيث منع من التصرف.
وقوله تعالى: ﴿فِي الْكَهْفِ﴾ بيان أن محل الضرب على آذانهم بالنوم كان في الكهف، فهو ظرف له بمنزلة المكان. ثم ذكر ظرف الزمان فقال: ﴿سِنِينَ عَدَدًا﴾، وذكر العدد هاهنا يفيد كثرة السنين [["معالم التنزيل" 5/ 155، و"الكشاف" 2/ 281، و"المحرر الوجيز" 9/ 245، و"الجامع لأحكام القرآن" 10/ 363، و"البحر المحيط" 6/ 103.]]، وكذلك كل شيء مما يعد إذا كثر فيه العدد ووصف به أريد كثرته؛ لأنه إذا قلَّ فُهِم مقداره فلم يحتج أن يعد، وإذا كثر احتيج إلى أن يُعد، فإذا قلت: أقمت أيامًا عددًا. أردت به الكثرة [["معاني القرآن" 3/ 271، "التفسير الكبير" 11/ 83.]]. وفي انتصابه وجهان أحدهما: أنه نعت للسنين. المعنى: سنين ذات عدد، أي معدودة، هذا قول الفراء، والزجاج [["معاني القرآن" للفراء 2/ 135، و"معاني القرآن" للزجاج 3/ 271.]].
وعلى هذا يجوز في الآية ضربان من التقدير أحدهما: حذف المضاف. والثاني: تسمية المفعول باسم المصدر. قال الزجاج: (ويجوز أن ينتصب على المصدر، المعنى: نعد عددًا) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 271.]].
الكهف 18:12
قوله تعالى: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ﴾ قال ابن عباس: (يريد من بعد نومهم) [[ذكرته كتب التفسير بلا نسبة. انظر: "معالم التنزيل" 5/ 155، و"الجامع لأحكام القرآن" 10/ 264، و"البحر المحيط" 6/ 103.]]، يعني: أيقظناهم بعد نومهم، وقوله تعالى: ﴿لِنَعْلَمَ﴾ المفسرون يقولون في هذا: (لنرى) [["معالم التنزيل" 5/ 155 بمعناه، و"زاد المسير" 5/ 114، و"الجامع لأحكام القرآن" 10/ 364 وعلمه سبحانه وتعالى كامل محيط بكل شيء جملة وتفصيلاً، فالله يعلم ما كان وما يكون وما لم يكن أن لو كان كيف يكون، والعلم صفة من صفاته سبحانه نثبتها له من غير تحريف ولا تعطيل ولا تشبيه ولا تمثيل.
قال الشنقيطي في "أضواء البيان" 4/ 24: (لنعلم أي الحزبين)، أي: لنعلم ذلك علمًا يظهر الحقيقة للناس، فلا ينافي أنه كان عالمًا به قبل ذلك دون خلقه. وانظر: "شرح العقيدة الطحاوية" 1/ 132، و"العقيدة الواسطية".]].
وقد تكلمنا في مثل هذا عند قوله: ﴿إِلَّا لِنَعْلَمَ﴾ [البقرة: 143] في سورة البقرة، وقوله: ﴿وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ﴾ [آل عمران: 142] في سورة آل عمران.
وقوله تعالى: ﴿أَيُّ الْحِزْبَيْنِ﴾ الآية، ﴿أَيُّ﴾ رفع بأحصى على الابتداء والخبر، ولم يوقع العلم على شيء منهما في الظاهر، وهو في الباطن واقع على ما يتضمنان من القصة، كما تقول: اذهب فاعلم أيهم قام [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 3/ 271، و"معاني القرآن" للفراء 2/ 135 و"إعراب القرآن" للنحاس 2/ 267، و"مشكل إعراب القرآن" 2/ 437.]]. قال الله تعالى: ﴿سَلْهُمْ أَيُّهُمْ بِذَلِكَ زَعِيمٌ﴾ [القلم: 40]. و ﴿أَيُّ﴾ من حروف الاستفهام فلا يعمل فيه ما قبله، سوى ما يجر، وذكرنا هذا.
وسنذكر استقصاء المسألة عند قوله: ﴿ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ﴾ [مريم: 69] إن شاء الله.
واختلفوا في الحزبين، فقال عطاء عن ابن عباس: (الحزبين الملوك الذين تداولوا المدينة مَلِكًا بعد مَلِك، وأصحاب الكهف حزب والملوك حزب) [["البحر المحيط" 6/ 103، و"التفسير الكبير" 11/ 84، و"روح المعاني" 15/ 212.]]. وقال مجاهد: (الحزبين من قوم الفتية) [["جامع البيان" 15/ 206، و"النكت والعيون" 3/ 289، و"البحر المحيط" 6/ 103، و"التفسير الكبير" 11/ 84، و"الدر المنثور" 4/ 389 وعزاه لابن المنذر وابن أبي حاتم.]]. وقال الكلبي: (يعني المؤمنين والكافرين) [["النكت والعيون" 3/ 289، و"زاد المسير" 5/ 114 ذكره بدون نسبة، و"روح المعاني" 15/ 212، وذكره السمرقندي في "بحر العلوم" 2/ 292 بلا نسبة.]].
وحكى الفراء: (أن طائفتين من المسلمين في دهر أصحاب الكهف اختلفوا في مدة لبثهم) [["معاني القرآن" للفراء 2/ 136.]]. قال من اختار هذا القول: (تنازع المسلمون الأولون أصحاب الملك الذي أطلقه الله تعالى على أصحاب الكهف، والمسلمون الذين أسلموا حين رأوا أصحاب الكهف في قدر مدة لبثهم في الكهف) [["المحرر الوجيز" 10/ 371، و"الجامع لأحكام القرآن" 10/ 364، و"البحر المحيط" 6/ 104، و"روح المعاني" 15/ 212.]]. فهذا ما وجدته للمفسرين في هذه الآية، وهو غير مقنع، ولا كاف، إذ لم يفتح غلقا.
وقال صاحب النظم: [(هذا ما قصه ربنا] [[ما بين المعقوفين ورد في جميع النسخ بلفظ: (هذه مقتصة من بناجا)، وما أثبته هو الصواب إن شاء الله، والموافق للسياق.]] فيما بعد هذا الفصل في قوله: ﴿بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ﴾ إلى قوله: ﴿قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ﴾ [الكهف: 19]، وهذا يدل على تنازع كان فيما بينهم فيما لبثوا، وكان ذلك سبب بعث الله إياهم، كما أعلمنا -عز وجل- وهو عالم بما كان منهم، وبما يكون قبل أن يكون، ويتعالى عن أن يكون شيء سببًا لعلمه، والتأويل -إن شاء الله-: ثم بعثناهم ليكون ذلك منهم، أي: تساؤل وتنازع واختلاف في مدة لبثهم) [[ذكر نحوه الرازي في "التفسير الكبير" 21/ 83.]]. فجعل صاحب النظم ﴿لِنَعْلَمَ﴾ هاهنا بمعنى ليكون ذلك لنعلم كائنًا قال الله تعالى: ﴿أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ﴾ [الرعد: 33]، أي: بما ليس ولا يعلمه كائنا.
قال: (والحزبان جميعًا من أصحاب الكهف، أنهم قالوا هذا القول منكرين على من قال: ﴿لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ [الكهف: 19]، فدل هذا على أن أصحاب الكهف كانوا حزبين) [[ذكر نحوه الرازي في "التفسير الكبير" 21/ 84.]]؛ هذا كلامه، وهو بعيد؛ لأنه يجعل معنى قوله: ﴿لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا﴾ [الكهف: 12] بمعنى: ليكون بينهم تساؤل وتنازع، وهذه العبارة التي في نظم الآية لا ينسى عن هذا المعنى الذي [[قوله: (الذي)، ساقط من نسخة (ص).]] ذكره، وقد ارتكب في كتابه أشياء بعيدة لم أحكها لبعدها. ومعنى الآية على ما ذكره المفسرون: قتادة، ومجاهد، وغيرهما: (ليعلم أي الحزبين من المؤمنين والكافرين من قوم أصحاب الكهف عدّ أمد لبثهم وعلم ذلك، وكأنه وقع بينهم تنازع في مدة لبثهم في الكهف، وخروجهم من بيتهم، فبعثهم الله ليبين ذلك ويظهر) [["جامع البيان" 15/ 206، و"بحر العلوم" 2/ 292، و"النكت والعيون" 3/ 289، و"معالم التنزيل" 3/ 152، و"زاد المسير" 5/ 114، و"الدر المنثور" 4/ 389.]].
وأما وجه نصب قوله: ﴿أَمَدًا﴾ فقال الفراء: (ويكون نصبه على وجهين: إن شئت جعلته خرج من أحصى مفسرًا، كما تقول: أي الحزبين أصوب قولاً، وإن شئت أوقعت عليه اللُّباث للباثهم أمدا) [["معاني القرآن" للفراء 2/ 136.]].
وقال أبو إسحاق نحو هذا سواء فقال: (﴿أَمَدًا﴾ منصوب على نوعين: وهو على التمييز إن شئت كان على أحصى أمدا، فيكون العامل فيه أحصى، كأنه قيل: لنعلم أهؤلاء أحصى للأمد أم هؤلاء؟. والوجه الثاني: أن يكون منصوبًا بلبثوا، ويكون أحصى متعلقًا بلما، فيكون المعنى: أيّ الحزبين أحصى للبثهم في الأمد) [["معانى القرآن" للزجاج 3/ 271.]].
قال أبو علي الفارسي: (إن انتصاب الأمد بالتمييز عندي ممتنع غير مستقيم؛ وذلك أنه لا يخلو من أن يحمل أحصى على أن يكون فعلاً ماضيًا، أو أفعل نحو: أحسن وأعلم، فلا يجوز أن يكون أحصى أفعل، وغير مثال الماضي لأمرين أحدهما: أنه يقال: أحصى يحصى في التنزيل: ﴿أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ﴾ [المجادلة: 6] وأفعل يفعل لا يقال منه: هو أفعل من كذا، فأما قولهم: ما أولاه للخير، وما أعطاه للدرهم، فمن الشاذ النادر الذي حكمه أن يحفظ لقلته، وسبيل ما كان كذلك أن لا يقاس عليه، ولا جوز أن يكون أحصى أفعل من كذا لهذا. والأمر الآخر: هو أن ما ينتصب على التمييز في نحو: هو أكثر منك مالاً، وأحسن وجهًا، وأغزر علمًا، هو في المعنى فاعل، وإن كان في اللفظ منتصبًا، ألا ترى أن الأمد ليس هو الذي أحصى، فهو خارج عن ما عليه [[في نسخة (ص). (عن حد ما عليه).]] الأسماء المنتصبة على التمييز، وإذا كان كذلك لم يجز أن يكون منها كان أحصى مثالاً ماضيًا، ويكون المعنى: لنعلم أي الحزبين أحصى أمدًا للبثهم، فيكون الأملى على هذا منتصبًا بأنه مفعول به، والعامل فيه أحصى الذي هو فعل، ومن قدّر أن أحصى أفعل من كذا فمخطئ لما ذكرنا) [["الإغفال فيما أغفله الزجاج من المعاني" ص 932.]].
وهذا الذي ذكره أبو علي قول ثالث؛ لأن ﴿أَمَدًا﴾ عند الفراء وأبي إسحاق: ينتصب إما على التمييز، أو على الظرف، وعند أبي علي أنه مفعول به [["معاني القرآن" للفراء 2/ 136، و"معاني القرآن" للزجاج 3/ 271، و"الإغفال فيما أغفله الزجاج من المعاني" ص 932.]]. قال [[لفظ: (قال)، ساقط من نسخة (س).]]: (ويجوز مع تأويل أحصى أفعل من كذا أن ينتصب الأمد بلبثوا، ويكون المعنى: للبثهم أمدا أي في الأمد، يتصل أحصى باللام، قال: وهذا القول مستكره؛ لأنك جعلت أحصى أفعل من كذا. قال: ومن قدّر أحصى فعلا وقدّر انتصاب الأمد بلبثوا دون أحصى فقد أساء، وعدل بالكلام عن وجهه، ألا ترى أن الكلام: أحصيت كذا، وفي التنزيل ﴿أَحْصَاهُ اللَّهُ﴾ [المجادلة: 6]، و ﴿وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا﴾ [الجن: 28]، فأوصل الفعل بلا حرف، وإذا كان تأويله انتصاب الأمد بلبثوا يؤدي إلى أن الفعل الذي هو أحصى المتعدي بلا حرف يتعدى بحرف استقبحنا هذا التأويل، وكرهناه، واستبعدناه) [["الاغفال فيما أغفله الزجاج من المعاني" ص 938.]].
الكهف 18:14
قوله تعالى: ﴿وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ قال المفسرون: (ألهمناها الصبر وثبتناها) [["جامع البيان" 15/ 257، و"النكت والعيون" 3/ 289، و"زاد المسير" 5/ 115، و"الجامع لأحكام القرآن" 10/ 365.]]
وذكرنا معنى الربط على القلب في سورة الأنفال [[عند قوله سبحانه: ﴿وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ﴾ [الأنفال: 11].]].
وقوله تعالى: ﴿إِذْ قَامُوا﴾ قال عطاء ومقاتل: (يعني من النوم) [["البحر المحيط" 6/ 106، و"روح المعاني" 15/ 218، و"التفسير الكبير" 11/ 98 وقال: وهذا بعيد؛ لأن الله استأنف قصتهم بقوله: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ﴾ [آية 13].]]. وهذا يتعدّى من وجوه، أحدها: أن الله تعالى استأنف قصتهم بقوله: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ﴾ [الكهف: 13] الآية، فلأنه قال: ﴿إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ وكانوا قد قالوا هذا قبل نومهم في الكهف، ولكن الوجه تفسير ﴿قَامُوا﴾: (أنهم قاموا بين يدي ملكهم دقيانوس الجبار الذي كان يفتن أهل الإيمان عن دينهم، فربط الله على قلوبهم بالصبر واليقين حتى قالوا بين يديه: ﴿رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ الآية، وذلك أنه كان يدعو الناس إلى عبادة الأصنام، والذبح للطواغيت، فثبت الله هؤلاء الفتية وعصمهم، حتى عصوا ذلك الجبار وأقروا بربوبية الله -سبحانه وتعالى- ووحدانيته، وأنهم إن دعوا غيره وعبدوه كان ذلك شططا) [[هذا قول جمهور المفسرين. انظر: "جامع البيان" 15/ 207، و"معالم التنزيل" 5/ 156، و "الكشاف" 2/ 383، و"زاد المسير" 5/ 115، و"ابن كثير" 3/ 83 - 84.]].
وفي تفسير شبل عن مجاهد قال: (إنهم أبناء عظماء مدينتهم، فخرجوا فاجتمعوا وراء المدينة من غير ميعاد، فقال رجل منهم هو أسن القوم: إني لأجد في نفسي شيئًا ما أظن أن أحدًا يجده. قالوا: ما تجد؟ قال: أجد في نفسي أن ربي رب السموات والأرض. فقالوا: نحن كذلك نجده في أنفسنا، فقاموا جميعًا فقالوا: ربنا رب السموات والأرض) [["جامع البيان" 15/ 207، و"زاد المسير" 5/ 110، و"الجامع لأحكام القرآن" 10/ 365، و"الدر المنثور" 4/ 388 وعزاه لابن المنذر وابن أبي حاتم.]].
وقوله تعالى: ﴿لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا﴾ أي: كذبًا وجورًا، قاله المفسرون [["جامع البيان" 15/ 208، و"معالم التنزيل" 5/ 156، و"المحرر الوجيز" 9/ 251، و"تفسير القرآن العظيم" 3/ 84.]].
ومعنى الشطط في اللغة: مجاوزة القدر [["مقاييس اللغة" (شط) 3/ 165، و"القاموس المحيط" (شط) ص 674، و"لسان العرب" (شطط) 4/ 2263، و"المفردات في غريب القرآن" (شطط) (260).]]. قال الفراء: (يقال: قد أشطّ في السَّوم، إذا جاوز القدر، ولم أسمع إلا أَشطَّ، يُشِطُّ، إِشطَاطًا، شَطَطًا) [["معاني القرآن" للفراء 2/ 403.]]. وحكى الزجاج وغيره: (شَطَّ الرجل وأَشَطَّ إذا جار) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 272.]]. ومنه قوله: ﴿وَلَا تُشْطِطْ﴾ [ص: 22]، ومثله أَشَطَّ، وأصل هذا من قولهم: بما شَطَّت الدار، إذا بعدت، فالشَّطَطُ في القول بعد عن الحق؛ وهو هاهنا منصوب على المصدر، والمعنى: لقد قلنا إذا قول شَطَط، قاله الزجاج [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 172.]].
الكهف 18:15
وقوله تعالى: ﴿هَؤُلَاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً﴾ هذا من قول أصحاب الكهف، ويعنون الذين كانوا في زمان دقيانوس عبدوا الأصنام ﴿لَوْلَا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ﴾ بحجة بينة.
قال الزجاج: (ومعنى ﴿عَلَيْهِمْ﴾ أي على عبادة الآلهة) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 272.]]. وهذا قول يوجب تقدير حذف المضاف، أي: هلا يأتون على عبادتهم، أو على اتخاذهم بسلطان بين، ثم حذف المضاف [["الكشاف" 2/ 382، و"الدر المصون" 7/ 454، و"روح المعاني" 15/ 219.]].
وقال صاحب النظم: (ظاهر قوله: ﴿لَوْلَا يَأْتُونَ﴾، حث وسؤال، وتأويله نفي وإبطال، على معنى: اتخذوا من دونه آلهة لا يأتون عليهم يسلطان؛ لأن في قولك: لولا فعلت كذا، دليل على أنه لم يفعله، وكان من حقه أن يفعل، وهذا من باب الإيماء إلى الشيء بالشيء)؛ انتهى كلامه [[ذكر نحوه الرازي في "التفسير الكبير" 21/ 98، و"البحر المحيط" 6/ 106، و"روح المعاني" 15/ 219.]]. وعلى قوله أيضًا يرجع حقيقة التأويل إلى تقدير حذف المضاف؛ لأن معنى ﴿لَوْلَا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ﴾ لا يأتون على عبادتهم، أي: على عبادة الآلهة، على هذا يحسن الكلام؛ لأن الحجة على الآلهة ضد الحجة لهم، فلابد من تقدير حذف المضاف، وإذا كان كذلك فالقول الأول أولى؛ لأنه لا يحتاج فيه إلى العدول عن ظاهر قوله: ﴿لَوْلَا يَأْتُونَ﴾، والكناية في قوله: ﴿عَلَيْهِمْ﴾ يجوز أن تكون عن القوم في قوله: ﴿هَؤُلَاءِ قَوْمُنَا﴾ وهو الظاهر، ويجوز أن تكون عن الآلهة.
الكهف 18:16
وقوله تعالى: ﴿وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ﴾ قال ابن عباس: (هذا من قول تمليخا، وهو رئيس أصحاب الكهف، قال لهم: وإذا اعتزلتموهم، أي: فارقتموهم وتنحيتم عنهم جانبًا، يعني عبدة الأصنام) [["زاد المسير" 5/ 116، و"البحر المحيط" 15/ 107.]].
﴿وَمَا يَعْبُدُونَ﴾ قال أبو إسحاق: (﴿مَا﴾ نصب، المعنى: واعتزلتم ما يعبدون إلا الله، فإنكم لن تتركوا عبادته) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 272.]]، وذلك أنهم كانوا يشركون بالله فقال: اعتزلتم الأصنام ولم تعتزلوا الله ولا عبادته، وهذا قول الفراء وهو: (أن ﴿مَا﴾ اسم وليس بنفي) [["معاني القرآن" للفراء 2/ 136.]].
وروى عطاء عن ابن عباس في قوله: ﴿وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ﴾ قال: (يريد لم يعبد أصحاب الكهف إلا الله) [[ذكرت نحوه كتب التفسير بلا نسبة انظر: "المحرر الوجيز" 9/ 253، و"البحر المحيط" 6/ 106، و"روح المعاني" 15/ 220، و"فتح القدير" 3/ 273.]]. وهذا يحمل على أن الله أخبر عنهم أنهم لم يعبدوا غيره، وعلى هذا لا يكون هذا حكايته قولهم؛ والقول ما قاله الفراء، والزجاج، وأهل التفسير [["جامع البيان" 95/ 201، و"الكشاف" 2/ 382، و"زاد المسير" 5/ 116، و"معاني القرآن" للفراء 2/ 136، و"معاني القرآن" للزجاج 3/ 272.]]، يدل على صحته ما روي أنه في مصحف عبد الله: (وما يعبدون من دون الله) [["جامع البيان" 15/ 209، و"معالم التنزيل" 5/ 156، و"المحرر الوجيز" 9/ 253، و"زاد المسير" 5/ 81، و "الجامع لأحكام القرآن" 10/ 367.]]. وهذا يقطع يكون "ما" اسماً.
وقوله تعالى: ﴿فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ﴾ قال الفراء: (هذا جواب "إذ" كما تقول: إذ فعلت كذا فافعل كذا) [["معاني القرآن" للفراء 2/ 136.]]، ومعناه: صيروا إليه واجعلوه مأواكم.
﴿يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ﴾ أي: يبسطها عليكم، ﴿وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرْفَقًا﴾ قال ابن عباس: (يسهل عليكم ما خوفكم من الملك وظلمه، ويأتيكم من الله اليسر والرفق واللطف) [["زاد المسير" 5/ 116، و"البحر المحيط" 6/ 107.]].
وقال الكلبي: (يعني غداء يأكلونه) [[لم أقف عيه.]]. ويقال: (مخرجا) [["جامع البيان" 15/ 209، و"بحر العلوم" 2/ 293.]]. وكل ما ارتفقت به فهو مِرْفَق، ويقال فيه أيضًا: مَرْفَق، ويقال فيه أيضًا: مَرْفِق بفتح الميم وكسر الفاء، كقراءة أهل المدينة [[قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وعاصم، وحمزة، والكسائي: (مِرْفَقًا) بكسر الميم وفتح الفاء. وقرأ نافع، وابن عامر، والكسائي عن أبي بكر عن عاصم: (مَرْفِقَا) بفتح الميم وكسر الفاء. انظر: "الحجة للقراء السبعة" 5/ 130، و"السبعة" ص 388، و"الغاية" ص 305، و"التبصرة" ص 248، و"الكشف عن وجوه القراءات" 2/ 56، و"النشر في القراءات العشر" 2/ 310.]]، وهما لغتان في مِرْفَق اليد، والأمر، والمتكأ، قال أبو عبيدة: (المَرْفَق: ما ارتفقت به، وبعضهم يقول: المَرْفِق، فأما ما في اليدين فهو مِرْفَق) [["مجاز القرآن" لأبي عبيدة 1/ 395]].
وقال الأخفش: (﴿مِرْفَقًا﴾ أي: شيئًا يَرْتَفقُون به، مثل المِقْطَعِ) [["معاني القرآن" للأخفش 2/ 617.]].
ومن قرأ: مَرْفِقًا، جعله اسما مثل المسجد، ويكون لغة. قال أبو علي: (قوله: جعله اسما، أي: جعل المِرْفَقَ اسمًا ولم يجعله اسم المكان ولا المصدر من رَفَقَ يَرْفُقُ، كما أن المسجد ليس باسم الموضع من سَجَدَ يَسْجُدُ، وقوله: أو يكون لغة أي: لغة في اسم المصدر، كما جاء المَطْلِعُ ونحوه، ولو كان على القياس لفتحت اللام) [["الحجة للقراء السبعة" 5/ 131.]].
قال الفراء: (وأكثر العرب على كسر الميم، من الأصل ومن مِرْفَق الإنسان، والعرب أيضًا تفتح الميم فيهما، فهما لغتان في هزا وفي هذا) [["معاني القرآن" للفراء 2/ 136.]]. وكأن الذين فتحوا الميم أرادوا أن يفرقوا بين المَرْفَق من الإنسان، وقال يونس: (الذي أختار المَرْفَق في الأمر، والمِرْفَق في اليد) [["تهذيب اللغة" (رفق) 2/ 1444.]].
وقال الأصمعي: (لا أعرف إلا الكسر فيهما) [["معاني القرآن" للزحاج 3/ 272، و"إعراب القرآن" للنحاس 2/ 268.]]؛ يعني كسر الميم في الأمر واليد، وذكر قطرب اللغتين جميعًا فيهما [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 273.]].
الكهف 18:17
قوله تعالى: ﴿وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ﴾ الآية، التاء في قوله: ﴿وَتَرَى﴾ لمخاطب، أي: ترى أنت أيها المخاطب الشمس عند طلوعها تميل عن كهفهم، وليس أن من خوطب بهذا يرى ذلك، ولكن العادة في المخاطبة تكون على هذا النحو، ومعناه: أنك لو رأيته على هذه الصورة [["زاد المسير" 5/ 117، و"القرطبي" 10/ 368، و"التفسير الكبير" 11/ 99.]].
ومعنى ﴿تَزَاوَرُ﴾ قال ابن عباس: تتنحى [[ذكرته كتب التفسير بلا نسبة. انظر: "القرطبي" 10/ 368، و"إرشاد العقل السليم" 5/ 211، و"روح المعاني" 15/ 222.]]. وقال في رواية الوالبي: (تميل عنهم) [["جامع البيان" 15/ 210، و"الدر المنثور" 4/ 391 وعزاه لابن المنذر وابن أبي حاتم.]]. ومعنى التَّزَاور: التمايل من الزَّوْر والأزور، فإن قيل: التَّزاور إنما يستعمل في زيارة بعض الناس بعضا، فكيف يحسن استعمال بمعنى الميل، كما قالوا: تمايل، أجروا تَزَاور مجرى تمايل، قال الشاعر [[البيت لذي الرمة. والنبط: بياض الجنبين، فإذا كان الفرس أبيض البطن فهو أنبط. قال الليث: النبط والنبطة: بياض تحت أبط الفرس، وربما عرض حتى يغشى البطن والصدر. انظر: "ديوانها" (227)، و"الحجة للقراء السبعة" 5/ 133، و"تهذيب اللغة" (نبط) 4/ 3497، و"لسان العرب" (نبط) 7/ 4326.]]:
كَلَون الحِصَان الأنبطِ البطن قائمًا ... تمايل عنه الجلُّ واللونُ أشقرُ
وكذلك قالوا: تجانف، بهذا المعنى [[الزَّوْرُ: الميل في وسط الصدر، ويقال للقوس: زَوْرَاء لميلها. والازوار عن الشيء: العدول عنه. انظر: "تهذيب اللغة" (زار) 2/ 1499، و"اللسان" (زور) 3/ 1887.]]، وقراءة أهل الكوفة: بحذف تاء التفاعل، وقرأ ابن عامر: تَزْوَرُّ [[قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو: (تَزَّاور) بثديد الزاي. وقرأ عاصم، وحمزة، والكسائي: (تَزَاور) خفيفة. وقرأ ابن عامر: (تَزْور) بغير ألف، على وزن: تحمر. انظر: "الحجة للقراء السبعة" 5/ 131، و"السبعة" ص 388، و"الغاية" ص 305، و"التبصرة" ص 248، و"الكشف عن وجوه القراءات" 2/ 56.]]. قال أبو الحسن: (لا يوضع في هذا المعنى إنما يقال: هو مزْوزٌّ عني، أي: منقبض) [["الحجة للقراء السبعة" 5/ 132، و"الدر المصون" 7/ 457، و"روح المعاني" 15/ 222.]]. ويدل على أن معنى ازوزَّ انقبض قول عنترة [[هذا صدر بيت لعنترة، وعجزه:
وشكا إلى بعبرة وتحمحم
ازور من وقع القنا، أي: أعرض الفرس لما رأى الرماح تقع بنحوه. واللبان: الصدر، وقيل: ما بين الثديين ويكون للإنسان وغيره. والتحمحم: الصوت الخفي، فإن اشتد فهو الصهيل. انظر: "ديوانه" ص 18، و"الحجة للقراء السبعة" 5/ 132، و"الجامع لآحكام القرآن" 10/ 386.]]: ازورَّ من وقع القنا بلبانهِ
أي: انقبض. والذي حسَّن القراءة به قول جرير [[هذا عجز بيت لجرير. وصدره:
عفن على الأماعز من حبي
عسفن: عدلن. والأماعز: الواحد أمعز: وهو المكان الصلب الكثير الحجارة والحصى. وطلح: مكان. انظر: "ديوانه" ص 182، و"الحجة للقراء السبعة" 5/ 133.]]:
وفي الأظعان عن طلح ازورار
فظاهر استعمال هذا في الأظعان مثل استعماله في الشمس [["الحجة للقراء السبعة" 5/ 133.]].
وقوله تعالى: ﴿ذَاتَ الْيَمِينِ﴾، أي: ناحية اليمين، فذات هاهنا صفة قامت مقام الموصوف، كأنه قيل: ناحية ذات اليمين. قال الأخفش: (وهو نصب على الظرف) [["معاني القرآن" للأخفش 2/ 617.]].
وقوله تعالى: ﴿تَقْرِضُهُمْ﴾ قال الوالبي عن ابن عباس: (تذرهم) [["جامع البيان" 15/ 212، و"الكشف والبيان" 3/ 388 أ.]].
وقال قتادة: (تدعهم) [["تفسير القرآن" للصنعاني 1/ 336، و"جامع البيان" 15/ 212، و"الجامع لأحكام القرآن" 10/ 369.]]. وقال مقاتل: (تجاوزهم) [["الكشف والبيان" 3/ 388 أ، و"تفسير المشكل" لمكي بن أبي طالب ص 142.]].
وقال الأخفش، والزجاج، وأبو عبيدة: (تعدل عنهم وتتركهم) [["معالم التنزيل" 5/ 157، و"زاد المسير" 5/ 117 بدون نسبة، و"معاني القرآن" للزجاج 3/ 273، و"مجاز القرآن" لأبي عبيدة 1/ 396.]]. وقال الكسائي: (قرضت المكان، أي: عدلت عنه) [["تهذيب اللغة" (قرض) 3/ 2932، و"روح المعاني" 15/ 222.]].
وأنشد قول ذي الرمة [[البيت لذي الرمة.
القَوَز: كثيب الرمل المستدير. ومشرف، والفوارس: موضعان. انظر: "ديوانه" (313)، و"المحرر الوجيز" 9/ 257، و"الكشاف" 2/ 388، و"البحر المحيط" 6/ 93، و"تهذيب اللغة" (قرض) 3/ 2932، و"الدر المصون" 7/ 458، و"لسان العرب" (قرض) 6/ 3590.]]:
إلى ظُعُنٍ يَقْرضْن أقواز مشرفٍ ... شمالا عن أيمانهن الفوارسُ
وقال أبو عبيد: (القرض في أشياء) فمنها: القطع، وكذلك السير في البلاد إذا قطعتها، وأنشد البيت [[ذكره الأزهري في "تهذيب اللغة" (قرض) 3/ 2932.]].
قال أبو عبيدة: (تقول لصاحبك: هل وردت مكان كذا؟ فيقول المجيب: إنما قرضته ذات الشمال، إذا مرَّ به وتجاوز عنه وهو على شماله) [[ذكره في "مجاز القرآن" 1/ 396.]].
قال الكلبي: (يقول إذا طلعت الشمس مالت عن كهفهم ذات اليمين، يعني: يمين الكهف، وإذا غربت تمر بهم ذات الشمال، يعني: شمال الكهف لا تصيبه، وكان كهفهم نحو بنات نعش [[بنات نعش: سبعة كواكب، فأربعة منها نعش؛ لأنها مربعة، وثلاثة منها بنات، يقال للواحد منها: ابن نعش؛ لأن الكوكب مذكر. انظر: "تهذيب اللغة" (نعش) 4/ 3611، و"مقاييس اللغة" (نعش) 5/ 450، و"لسان العرب" (نعش) 7/ 4474، و"القاموس المحيط" (نعش) ص 607.]] في أرض الروم) [["زاد المسير" 5/ 157، و"الجامع لأحكام القرآن" 10/ 369، وذكره "الكشف والبيان" 3/ 388 أبلا نسبة.]].
وقال المفسرون: (أعلم الله تعالى أنه ثواهم في مَقنَاة [[المَقْنُوَةُ، خفيفة، من الظل: حيث لا تصيبه الشمس في الشتاء. قال أبو عمر: مَقْنَاةٌ ومَقْنُوة بغير همز. وقال ابن السكيت: المَقْنَأَة: المكان الذي لا تصيبه الشمس. انظر: "تهذيب اللغة" (قنا) 3/ 3050، و"لسان العرب" (قنأ) 6/ 3746.]] من الكهف مستقبلاً بنات نعش، تميل عنهم الشمس طالعة وغاربة، لا تدخل عليهم فتؤذيهم بحرها، وتغير أوانهم، وتبلي ثيابهم) [["الكشف والبيان" 3/ 388 أ، و"بحر العلوم" 2/ 293، و"النكت والعيون" 3/ 290، و"معالم التنزيل" 5/ 117، و"المحرر الوجيز" 9/ 255.]].
وقال أبو علي الفارسي: (إذا مالت الشمس عنهم إذا طلعت، وتجاوزتهم إذا غربت، دلَّ أن الشمس لا تصيبهم ألبتة، أو في أكثر الأمر، فتكون صورهم محفوظة) [["الحجة للقراء السبعة" 5/ 134.]].
هذا الذي ذكرنا قول المفسرين قالوا في سبب ميل الشمس عنهم: (إنهم كانوا في مَقْنَاة) [["معالم التنزيل" 5/ 157، و"المحرر الوجيز" 9/ 255، و"البحر المحيط" 6/ 108، و"أضواء البيان" 4/ 435.]]. وقال أبو إسحاق: (هذا التفسير ليس ببين، إنما جعل الله فيهم هذه الآية أن الشمس لا تقربهم في مطلعها ولا عند غروبها) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 273.]]، ودل عليه قوله: ﴿ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ﴾ يعني: أن الله تعالى بقدرته [[قوله: (بقدرته)، ساقط من نسخة (س).]] حبس عنهم ضوء الشمس وحرها عند طلوعها وغروبها، فلا تنالهم طالعة ولا غاربة، لا بكونهم في مكان لا تصيبه الشمس، ولكن بقدرة الله تعالى جعل ذلك آية من آياته، كما قال: ﴿ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ﴾ [["الكشاف" 2/ 382، و"المحرر الوجيز" 9/ 295. وهذا القول هو الراجح -والله أعلم- للقرينة القرآنية وهي قوله: ﴿ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ﴾، قال الشنقيطي في "أضواء البيان" 4/ 34: وأما القول الذي تدل القرينة في هذه الآية على صحته فهو أن أصحاب الكهف كانوا في فجوة من الكهف على سمت تصيبه الشمس وتقابله، إلا أن الله منع ضوء الشمس من الوقوع عليهم على وجه خرق العادة، كرامة لهؤلاء القوم الصالحين الذين فروا بدينهم طاعة لربهم جل وعلا.
وقال الشوكاني في "تفسيره" 3/ 392: فإن صرف الشمس عنهم مع توجه الفجوة إلى مكان تصل إليه عادة أنسب بمعنى كونها آية، ويؤيده أيضًا إطلاق الفجوة وعدم تقيدها بكونها إلى جهة كذا. وانظر: "معاني القرآن" للزجاج 3/ 273، و"التفسير الكبير" 11/ 100.]].
ثم أخبر أنهم كانوا في متسع من الكهف، ينالهم فيه برد الريح، ونسيم الهوى فقال: "وهم في فجوة منه" أي: من الكهف، والفجوة: متسع في مكان [[انظر: "تهذيب اللغة" (فج) 10/ 507، و"مقاييس اللغة" (فجَّ) 3/ 2742، و"القاموس المحيط" (فج) ص 200، و"الصحاح" (فجَّ) ص 206، و"المفردات في غريب القرآن" (فجج) ص 373.]].
قال أبو عبيدة: (وجمعها فَجَوات) [["مجاز القرآن" لأبي عبيدة 1/ 396.]] وفِجَا، نحو: زَكوات وزِكَاء. ومنه الحديث: (فإذا وجد فجوة نصّ) [[النص: نصَّ الدابة ينصها نصًّا: رفعها في السير، قال أبو عبيد: النص التحريك حتى تستخرج من الناقة أقصى سيرها. وأصل النص أقصى الشيء وغايته، ثم سمي به ضرب من السير سريع. انظر: "تهذيب اللغة" (نصَّ) 4/ 3585، و"لسان العرب" (نصص) 7/ 4441.]] [[أخرجه البخاري "صحيحه" كتاب: الجهاد، باب: السرعة في السير 3/ 1093، == ومسلم في "صحيحه" كتاب الحج، باب الإفاضة من عرفات إلى مزدلفة 2/ 936، وأبو داود في "سننه" كتاب الحج، باب الدفعة من عرفة 2/ 472، والنسائي في "سننه" كتاب الحج، باب كيف يسير من عرفة 5/ 183، ومالك في "الموطأ" كتاب الحج، باب السير إلى عرفة 1/ 392.]].
وقال مجاهد: (الفجوة: المكان الذاهب) [["جامع البيان" 15/ 145، و"تفسير مجاهد" 446.]]. يعني: الذاهب في السعة والعرض. قال ابن عباس في قوله: "وهم في فجوة" (يريد في سعة) [[ذكرته كتب التفسير بلا نسبة. انظر: "جامع البيان" 15/ 212 - 213 بمعناه، و"الكشف والبيان" 3/ 388 ب، و"معالم التنزيل" 5/ 157، و"المحرر الوجيز" 9/ 295.]]، ﴿ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ﴾، أي: ذلك التزاور والقرض من دلائل قدرة الله ولطفه بأصحاب الكهف. ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَد﴾ أشار إلى أن الله تعالى هو الذي تولى هداية أصحاب الكهف] [[ما بين المعقوفين ساقط من نسخة (س).]]، ولولا ذلك لم يهتدوا، فالمهتدي من هداه الله كهؤلاء، ﴿وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا﴾، كدقيانوس الكافر وأصحابه.
الكهف 18:18
قوله تعالى: ﴿وَتَحْسَبُهُمْ﴾ معنى هذا الخطاب على ما ذكرنا في قوله: ﴿وَتَرَى الشَّمْسَ﴾، أي: لو رأيتهم لحسبتهم أيقاظًا، هو جمع: أيقاظ، ويقظ، ويقظان، قا له الأخفمش، وأبو عبيدة، والزجاج [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 274، و "معاني القرآن" للأخفش 1/ 617، و"مجاز القرآن" لأبي عبيدة 1/ 396.]]. وأنشدوا لرؤبة [[هذا صدر بيت لرؤبة، وعجزه:
وسيف غيَّاظٍ لهم غِيَاظا
انظر: "ديوانه" ص 81، "مجاز القرآن" 1/ 397، و"معاني القرآن"، للزجاج 3/ 274، و"جامع البيان" 15/ 213.]]: ووجدوا إخوانهم أيقاظا
ومثله: نَجْدٌ، نُجد، وأَنْجاد.
وقوله تعالى: ﴿وَهُمْ رُقُودٌ﴾ أي: نائمون، وهو مصدر سمِّي به، كما يقال: قوم ركوع، وقعود، وسجود، يوصف الجميع بالمصدر [["القرطبي" 10/ 370، و"التفسير الكبير" 11/ 101، و"روح المعاني" 15/ 224.]]، ومن قال: إنه جمع راقد، فقد أبعد؛ لأنه لم يجمع فاعل على فعول [["معالم التنزيل" 5/ 157، و"الدر المصون" 7/ 460، وقال القاسمي في "تفسيره" 10/ 4032: وما قيل أنه مصدر أطلق على الفاعل واستوى فيه القليل والكثير كركوع وقعود؛ لأن فاعلا لا يجمع على فعول، مردود بما نص عليه النحاة كما صرح به في المفصل والتسهيل.]].
(وإنما يحسبون أيقاظًا؛ لأن أعينهم مفتحة وهم نيام) [["النكت والعيون" 3/ 291، و"معالم التنزيل" 5/ 158، و"الكشاف" 2/ 383، و"المحرر الوجيز" 9/ 259، وقال الألوسي في "تفسيره" 15/ 224: ولو صح فتح أعينهم بسند يقطع العذر كان أبين في هذا الحسبان.]]؛ قاله الكلبي. وحكى أبو إسحاق: (لكثرة تقلبهم، يظن أنهم غير نيام. قال: ويدل على هذا قوله: ﴿وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ﴾) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 274.]]، وعلى هذا يجب أن يكثر تقلبهم.
قال قتادة: (ذكر لنا أن أبا عياض [[عمرو بن الأسود العنسي، الهمداني، الدمشقي، الدارني، أبو عياض، مخضرم، من كبار التابعين، أخرج له الستة، وكان من زهاد الشام الكبار، روى عن عمر وجماعة من الصحابة -رضي الله عنهم-، وروى عنه عدد من التابعين، توفى -رحمه الله- في خافة معاوية -رضي الله عنه-. انظر: "طبقات ابن سعد" 7/ 153، و"الجرح والتعديل" 3/ 220، و"الحلية" لأبي نعيم 5/ 155، و"تهذيب التهذيب" 8/ 4.]] قال: كان لهم في كل عام تقليبتان) [["جامع البيان" 15/ 213، و"المحرر الوجيز" 9/ 260 ذكره بدون نسبة، و"الدر المنثور" 4/ 291، و"التفسير الكبير" 11/ 101.]].
وهو قول أبي هريرة [["معالم التنزيل" 5/ 158، و"الجامع لأحكام القرآن" 10/ 370، و"التفسير الكبير" 11/ 101.]]. قال ابن عباس في رواية عطاء: (لئلا تأكل الأرض لحومهم، ولا تبليهم) [["جامع البيان" 15/ 214، و"معالم التنزيل" 5/ 158، و"زاد المسير" 5/ 118، و"تفسير القرآن العظيم" 3/ 85.]].
وروى ابن أبي نجيح عن مجاهد قال: (يمكثون رقودًا على أيمانهم تسع سنين، ثم يقلبون على شمائلهم فيمكثون رقودًا تسع سنين) [["روح المعاني" 15/ 225، وذكره الرازي في "التفسير الكبير" 11/ 101 وقال: هذه التقديرات لا سبيل للعقل إليها، ولفظ القرآن لا يدل عليها، وما لم يأت فيه خبر صحيح فكيف يعرف؟]]. و ﴿ذَاتَ﴾ منصوبة على الظرف؛ لأن المعنى: نقلبهم في ناحية اليمين، كما قلنا في قوله: ﴿تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ﴾ قال ابن عباس وأكثر المفسرين: (هربوا ليلاً من ملكهم، فمروا براع معه كلب، فتبعهم على دينهم ومعه كلبه) [["المحرر الوجيز" 9/ 261، و"الجامع لأحكام القرآن" 10/ 370، و"التفسير الكبير" 11/ 101، و"الدر المنثور" 4/ 388.]]. وقال كعب: (مروا بكلب فنبح عليهم فطردوه، فعاد ففعلوا ذلك مرارًا، فقال لهم الكلب: ما تريدون مني؟ لا تخشوا جانبي، أنا أحب أحباء الله، فناموا حتى أحرسكم) [["الجامع لأحكام القرآن" 10/ 370، و"التفسير الكبير" 11/ 101، و"روح المعاني" 15/ 225.]].
وقال عبيد بن عمير: (كان ذلك كلب صيدهم) [["المحرر الوجيز" 9/ 261، و"الجامع لأحكام القرآن" 10/ 370، و"تفسير القرآن العظيم" 3/ 85، و"التفسير الكبير" 11/ 101، و "محاسن التأويل" 11/ 4032.]].
ومعنى: ﴿بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ﴾ أي: يلقيهما على الأرض مبسوطتين غير مقبوضتين، ومنه الحديث في الصلاة: أنه نهى عن افتراش السبع، وقال: "لا تفترش ذراعيك افتراش السبع" [[أخرجه ابن ماجه في "سننه" كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها باب الاعتدال في السجود 2/ 288، وأبو داود في "سننه" كتاب الصلاة، باب صلاة من لا يقيم صلبه في الركوع والسجود 1/ 539، والنسائي في "سننه" كتاب التطبيق، باب النهي عن بسط الذراعين في السجود، وأحمد في "مسنده" 5/ 447، وأخرج نحوه الترمذي في "جامعه" كتاب الصلاة، باب ما جاء في الاعتدال في السجود حديث رقم (275) وقال: هذا حديث حسن صحيح، وأورده ابن الأثير في "جامع الأصول" كتاب الصلة، باب هيئة الركوع والسجود 5/ 374.]]، هو أن يضعهما على الأرض، والذراع: اسم جامع في كل ما يسمى يدًا من ذوي الأيدان.
قال الليث: (الذراع: من طرف المرفق إلى أطراف الأصبع الوسطى) [["تهذيب اللغة" (ذرع) 2/ 1277، و"القاموس المحيط" (الذراع) ص 716، و"لسان العرب" (ذرع) 3/ 1495.]]. قال ابن السكيت: (الذراع مؤنثة، تقول: هذه ذراع) [["تهذيب اللغة" (ذرع) 2/ 1277، و"القاموس المحيط" (الذراع) ص 716، و"الصحاح" (ذرع) 3/ 1209.]].
قال أبو علي: (لولا حكاية الحال لم يعمل اسم الفاعل في ذراعيه؛ لأنه إذا مضى اختص وصار معهودًا، فخرج بذلك من شبه الفعل، ألا ترى أن الفعل لا يكون معهودًا، فكما أن اسم الفاعل إذا وصف وحقر لم يعمل عمل الفعل لزوال شبهه عنه، كذلك إذا كان ماضيًا، ولكن المعنى على حكايته الحال الماضية) [["الكشاف" 2/ 383، و"البحر المحيط" 6/ 109، و"الدر المصون" 7/ 460، و"شرح الكافية الشافية" 2/ 1043.]]. وهذا الفضل نذكره بأشرح من هذا عند قوله: ﴿رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ [الكهف: 22].
وقوله تعالى: ﴿بِالْوَصِيدِ﴾ قال ابن عباس في رواية على وعطاء: (بالفناء) [["جامع البيان" 15/ 214، و"تفسير المشكل من غريب القرآن" ص 142، و"اللغات في القرآن" ص 33، و"معاني القرآن" للفراء 2/ 137، و"معالم التنزيل" 5/ 158، و"الجامع لأحكام القرآن" 10/ 243.]]، وهو قول أكثر المفسرين، قال مجاهد والضحاك: (يعني فناء الكهف) [["جامع البيان" 15/ 214، و"معاني القرآن" للفراء 2/ 137، و"تفسير كتاب الله العزيز" 2/ 453، و"معالم التنزيل" 5/ 158.]]، وبه قال أكثر أهل اللغة.
روى أبو عبيد عن الأحمر [[أبان بن عثمان بن يحيى بن زكريا اللؤلؤي البجلي بالولاء، أبو عبد الله المعروف بالأحمر، عالم بالأخبار والأنساب، أصله من الكوفة، وكان يسكنها تارة، ويسكن البصرة تارة أخرى، أخذ عنه أبو عبيدة معمر بن المثنى، وأبو عبد الله بن سلام وغيرهما، وله مصنفات وكتب. انظر: "بغية الوعاة" (177)، و"إنباه الرواة" 1/ 170، و"الأعلام" 1/ 27.]]: (الوصيد: الفناء) [["تهذيب اللغة" (وصد) 1/ 165.]].
وقال الزجاج: (الوصيد: فناء البيت، وفناء الدار) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 274.]].
وقال أبو عبيدة: (الوصيد: الفناء، والجميع وصائد ووصدٌ) [["مجاز القرآن" 3/ 274.]].
وقال يونس والأخفش والفراء: (الوَصِيد والأصَيد لغتان، مثل: الوِكَاف [[يقال: استوكف: استقطر، والوِكَاف لغة في الإِكَاف. والوكفُ: الإثم والعيب، والوكف: النطع، والوِكَاف والإكَاف: يكون للبعير والحمار والبغل، والجمع وكف. انظر: "تهذيب اللغة" (وكف) 4/ 3946، و"مقاييس اللغة" (وكف) 6/ 139، و"الصحاح" (وكف) 4/ 1441، و"لسان العرب" (وكف) 8/ 4908.]] والإكاف) [["معاني القرآن" للفراء 2/ 137، و"تهذيب اللغة" (وصد) 1/ 165، و"التفسير الكبير" 11/ 101.]].
وقال الكسائي: (أهل تهامة [[تِهَامة -بكسر التاء-: اسم لكل ما نزل عن نجد من بلاد الحجاز ومكة من تهامة، وقي: تهامة إلى عرق اليمن إلى أسياف البحر إلى الجحفة وذات عرق. انظر: "معجم البلدان" 2/ 63، و"تهذيب الأسماء واللغات" 3/ 44.]] يقولون: الوصيد، وهو الفناء، وأهل نجد [[نَجْد -بفتح أوله وسكون ثانيه-: اسم للأرض العريضة التي أعلاها تهامة واليمن، وأسفلها العراق والشام، فما ارتفع من بطن الرمة فهو نجد إلى ثنايا ذات عرق. انظر: "معجم البلدان" 5/ 261، و"تهذيب الأسماء واللغات" 3/ 175.]] يقولون: الأصيد، والقرآن بلغة تهامة نزل) [["جامع البيان" 15/ 215، و"زاد المسير" 5/ 119، و"تهذيب اللغة" (وصد) 1/ 165.]].
وقال السدي: (الوصيد: الباب، وهو رواية عكرمة عن ابن عباس) [["معالم التنزيل" 5/ 158، و"الكشاف" 2/ 383، و"زاد المسير" 5/ 119.]]. واختيار المبرد قال: (﴿بِالْوَصِيدِ﴾ عند أهل اللغة: بالباب، أي: بحضرة الباب، يقال: فلان بالباب، وإنما يراد بحضرة الباب).
وقال عطاء: (الوصيد: عتبة الباب) [["تفسير المشكل من غريب القرآن" ص 142، و"النكت العيون" 3/ 292، و"معالم التنزيل" 3/ 154، و"الكشاف" 2/ 383.]]. وهو اختيار ابن قتيبة قال: (لأنهم يقولون: أوصد بابك، أي: أغلقه، قال: وأصله أن تلصق الباب بالعتبة [إذا أغلقته، والكهف لم يكن له باب ولا عتبة، وإنما أراد أن الكلب منه بموضع العتبة من البيت] [[ما بين المعقوفين ساقط من نسخة (س).]]، قال: وقد يكون الوصيد الباب نفسه) [["تفسير غريب القرآن" لابن قتيبة 1/ 265، و"النكت والعيون" 3/ 292.]]، وأنشد [[البيت ينسب إلى عبيد بن وهب العبسي. انظر: "تفسير غريب القرآن" لابن قتيبة 1/ 265، و"النكت والعيون" 3/ 292، و"البحر المحيط" 6/ 93، و"الجامع لأحكام القرآن" 10/ 351، و"روح المعاني" 15/ 226، و"الدر المصون" 7/ 461.]]:
بأرض فضاءٍ لا يسدُّ وصيدها ... عليَّ ومعروفي بها غير منكرِ
ويقال: أصدت الباب، وأوصدته إذا أطبقته، وباللغتين قرئ: ﴿إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ﴾ [الهمزة: 8] [[قرأ ابن كثير، وابن عامر، وعاصم في رواية أبي بكر، والكسائي: (موصدة) بغير همز، وقرأ أبو عمرو، وحمزة، وحفص عن عاصم: (مؤصدة) بالهمز. انظر: "السبعة" ص 686، و"التبصرة" ص 381، و"المبسوط في القراءات" ص 410، و"الكشف عن وجوه القراءات" 2/ 377.]]. فمن قال: أَصَدت بالهمزة، قال: الأصيد، ومن قال: أوصدت، قال: الوصيد، ويقال للمطبق: الأصاد والوصاد، وهذا الاشتقاق يوجب أن يكون معنى الوصيد: الباب المطبق المجافى، فالذين قالوا: إنه الباب، وافق قولهم أصل اللفظ في اللغة، ويكون معنى الوصيد في الكهف: بأنه المسدود، كما روي في القصة: أن باب الكهف سدَّ عليهم، والذين قالوا: إنه الفناء؛ فلأن الكلب إذا كان داخل الكهف وراء بابه المسدود كان بالفناء؛ لأن ما جاوز فم الكهف كان من جملة الفناء، والكلب كان في آخر الفناء عند الباب. والقولان صحيحان على ما بينا [[قال الطبري في "تفسيره" 15/ 215: وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال الوصيد: الباب أو فناء الباب، حيث يغلق الباب، وذلك أن الباب يوصد، وإيصاده إطباقه وإغلاقه من قول الله -سبحانه وتعالى-: ﴿إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ﴾ [الهمزة: 8]. وانظر: "أضواء البيان" 4/ 41.]]؛ وأما ما روي عن سعيد بن جبير أنه فسر الوصيد: (الصعيد، والتراب) [["جامع البيان" 15/ 214، و"المحرر الوجيز" 9/ 263، و"زاد المسير" 5/ 119، و"الدر المنثور" 4/ 392.]]؛ فإنه أراد الفناء، ولكنه عبر بالصعيد.
وقوله تعالى: ﴿لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ﴾، أي: أشرفت عليهم، يقال: أطلعت فلانًا على الشيء فاطلع هو، قال الله تعالى: ﴿فَاطَّلَعَ فَرَآهُ﴾ [الصافات: 55].
﴿لوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا﴾، أي: لأدبرت وانقلبت منهم فرارًا. قال الزجاج: (منصوب على المصدر؛ لأن معنى وليت منهم: فررت منهم) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 275.]]. ﴿وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا﴾ أي: فزعًا وخوفًا، قال المفسرون: (هو أن الله تعالى منعهم بالرعب لئلا يراهم أحد) [["جامع البيان" 15/ 215، و"النكت والعيون" 3/ 293، و"معالم التنزيل" 5/ 159، و"المحرر الوجيز" 9/ 264.]].
وقال أبو إسحاق: (قيل في التفسير: إنهم طالت شعورهم جدًا، وأظفارهم، فلذلك كان الرائي لو رآهم لهرب مرعوبًا) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 275. وهذا قول بعيد، ولو كانت حالهم هكذ لم يقولوا ﴿لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ [الكهف: 19]، وإذا الصحيح -والله أعلم- في آمرهم أن الله -عز وجل- حفظ لهم الحالة التى ناموا عليها لتكون لهم ولغيرهم آية. قال الشوكاني في "تفسيره" 3/ 393: ويدفعه قوله تعالى: ﴿لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ == فإن ذلك يدل على أنهم لم ينكروا من حالهم شيئًا ولا وجدوا من أظافرهم وشعورهم ما يدل على طول المدة. وانظر: "المحرر الوجيز" 9/ 264، و"الجامع لأحكام القرآن" 10/ 373.]].
وفي قوله: ﴿وَلَمُلِئْتَ﴾ قراءتان: التخفيف، والتشديد [[قرأ ابن كثير، ونافع: (ولَمُلِّئْت) بالتشديد والهمز. وقرأ ابن عامر، وعاصم، وأبو عمرو، وحمزة، والكسائي: (ولملئت) بالتخفيف والهمز. انظر: "السبعة" (389)، و"الحجة للقراء السبعة" 5/ 134، و"الغاية" ص 305، و"التبصرة" 248، و"النشر في القراءات العشر" 2/ 310.]]، والاختيار التخفيف. قال أبو الحسن: (الخفيفة أجود في كلام العرب، يقولون: ملأتني رعبًا، ولا يكادون يعرفون [[من هنا ساقط حتى قوله: (.. المختلفون في عدد) من نسخة (ص).]] ملأتني) [["الحجة للقراء السبعة" 5/ 134، و"التفسير الكبير" 11/ 101.]]. ويدل على هذا كثرة استعمالهم الملء كقوله [[هذا صدر بيت لامرئ القيس. وعجزه:
وحسبك من غنى شبع وريُّ
والأقطُ: شيء يتخذ من اللبن المخيض يطبخ ثم يترك ثم يمصل.
والسَّمنُ: سلاء الزبد. انظر: "ديوانه" ص 171، و"الحجة للقراء السبعة" 5/ 134، و"التفسير الكبير" 11/ 102، و"لسان العرب" (سمن) 4/ 2104.]]:
فيملأ بيتنا أقطًا وسمنًا
وقول الآخر [[لم أهتد إلى قائله، وأورد أبو علي الفارسي الشطر الأول منه في كتابه "الحجة للقراء السبعة" 5/ 135 بدون نسبة، وكذلك الرازي في "التفسير الكبير" 11/ 102.]]:
ومن مالئ من شيء غيره إذا ... راح نحو الحمرة البيض بالدُّمى
وقول الآخر [[هذا شطر بيت من الرجز. وبعده: == ألا ترى حبار من يسقيها
عرِّق: عرِّق الدلو جعل فيها ماء قيلاً. انظر: "الحجة للقراء السبعة" 5/ 135، و"تهذيب اللغة" (عرق) 5/ 2459، و"لسان العرب" (عرق) 5/ 2905، و"التفسير الكبير" 11/ 102، و"مجالس ثعلب" ص 238.]]: لا تملأ الدَّلو وعرِّق فيها
وقول الآخر [[هذا شطر بيت من الرجز. وبعده:
مهلاً رويدًا قد ملأت بطني
قطني: بمعنى حسبي. وقد تقدم.]]:
امتلأ الحوض وقال قطني
وامتلأ يدل على ملأ؛ لأنه مطاوعه، وقد جاء الثقيل أيضًا، أنشدوا للمُخبَّل السعدي [[هذا البيت ضمن قصيدة قالها حينما بعث النعمان إلى كعب بن عوف جيشًا في الشهر الحرام وهم آمنون فقتل فيهم وسبى. انظر: "الحجة للقراء السبعة" 5/ 135، و"تهذيب اللغة" (فتك) 3/ 2737، و"لسان العرب" (فتك) 6/ 3343، و"الجامع لأحكام القرآن" 10/ 374.]]:
وإذا فتك النعمان بالنَّاس محرمًا ... فملئ من كعب بن عوفٍ سلاسله
قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ﴾ أشار إلى ما تقدم من قوله: ﴿فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ﴾ [الكهف: 11]، وقوله: ﴿وَزِدْنَاهُمْ هُدًى﴾ [الكهف: 13]، وقوله: ﴿وَنُقَلِّبُهُمْ﴾ أي: كما فعلنا بهم هذه الأشياء بعثناهم، قال ابن قتيبة: (أجسامهم من تلك النومة التي تشبه الموت) [["تفسير غريب القرآن" لابن قتيبة 1/ 265]].
الكهف 18:19
وقوله تعالى: ﴿لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ﴾ قال أبو علي الجرجاني: (ليكون بينهم تساؤل وتنازع واختلاف في مدة لبثهم) [[ذكر نحوه بلا نسبة الرازي "التفسير الكبير" 21/ 102، والطبرسي في "مجمع == البيان" 6/ 705، وقال الشوكاني في "فتح القدير" 3/ 293: ليقع التساؤل بينهم والاختلاف والتنازع في مدة اللبث لما يترتب على ذلك من انكشاف الحال وظهور القدرة الباهرة، والاقتصار على علة التساؤل لا ينفي غيرها، وإنما أفرده لاستتباعه لسائر الآثار.]].
﴿قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ﴾ قال ابن عباس: (يريد كم لنا منذ دخلنا الكهف) [[ذكره "زاد المسير" 5/ 120، و"التفسير الكبير" 11/ 103 بدون نسبة.]].
﴿قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ قال المفسرون: (إنهم دخلوا الكهف غدوة، وبعثهم الله في آخر النهار، لذلك قالوا: ﴿يَوْمًا﴾ فلما رأوا الشمس قالوا: ﴿أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾، وكان قد بقيت من النهار بقية) [["النكت والعيون" 3/ 293، و"معالم التنزيل" 5/ 159، و"زاد المسير" 5/ 120، و"الجامع لأحكام القرآن" 10/ 375.]].
﴿قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ﴾ قال ابن عباس: (يرد تمليخا رئيسهم رد علم ذلك إلى الله) [["معالم التنزيل" 5/ 159، و"زاد المسير" 5/ 120، و"التفسير الكبير" 11/ 103.]]، ﴿فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ﴾، الورق: اسم للدراهم.
وقال أبو عبيدة: (الفضة كانت مضروبة دراهم أو لا) [[ذكره الأزهري في "تهذيب اللغة" (ورق) 4/ 3874.]]؛ يدل على هذا ما روي: (أن عرفجة [[عرفجة بن أسعد بن كريب، وقيل: ابن صفوان التيمي، العطاردي، أحد أصحاب النبي -ﷺ-، أصيب أنفه يوم الكلاب بالجاهلية، وكان من أهل البصرة، روى عنه ابنه طرفة، وابن ابنه عبد الِرحمن. انظر: "أسد الغابة" 3/ 518، و"الاستيعاب" 3/ 1062، و"الإصابة" 2/ 467، و"تهذيب التهذيب" 7/ 176.]] اتخذ أنفًا من ورق) [[أخرجه أبو داود في "سننه" كتاب: الخاتم، باب: ما جاء في ربط الأسنان == بالذهب 4/ 434، والترمذي في "جامعه" كتاب: اللباس، باب: ما جاء في شد الأسنان بالذهب 4/ 211 وقال: هذا حديث حسن غريب. والنسائي في "سننه" كتاب: الزينة، باب: من أصيب أنفه هل يتخذ أنفًا من ذهب 8/ 163، والإمام أحمد في "مسنده" 4/ 342، وابن الأثير في "جامع الأصول" كتاب: الزينة، فصل: في أنواع من الحلي متفرقة 4/ 731، وابن حجر في "الكافي الشاف" ص 103.]]. وفيه لغات: وَرِق، وَوَرْق، وَوِرْق، مثل كَبِد، وكَبْد، وكِبْد، ذكر ذلك الفراء والزجاج [["معاني القرآن" للفراء 2/ 137، و"معاني القرآن" للزجاج 3/ 275.]]. وكسر الواو أردؤها.
ويقال أيضًا: للورق: الرِّقَة، قال الأزهري: (أصله: وِرْقَة، مثل: صِلَة وعِدَة) [["تهذيب اللغة" (ورق) 4/ 3876، و"إعراب القرآن" للنحاس 2/ 270.]]. وإنما قال هذه؛ لأنه عني بالورق الدراهم أو الفضة.
قال ابن عباس: (وكانت معهم دراهم عليها صورة الملك الذي كان في زمانهم، فهربوا منه) [[ذكرته كتب التفسير بلا نسبة انظر: "جامع البيان" 15/ 216، و"الجامع لأحكام القرآن" 15/ 375، و"التفسير الكبير" 11/ 103.]]. ويعني بالمدينة: دقسوس، وهي مدينتهم، ويقال: هي اليوم طرسوس [[طَرَسوس: بفتح أوله وثانيه وسينين مهملتين بينهما واو ساكنة: عجمية رومية، وهي في الإقليم الرابع، وقالوا: سميت بـ (طرسوس بن الروم بن اليفز بن سام بن نوح)، وقيل: إن مدينة طرسوس أحدثها سليمان كان خادمًا للرشيد في سنة نيف وتسعين ومائة، وهي مدينة بثغور الشام بين أنطاكية وحلب وبلاد الروم. انظر: "معجم البلدان" 4/ 28، و"تهذيب الأسماء واللغات" 3/ 152.]].
وقوله تعالى: ﴿فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا﴾ قال عطاء عن ابن عباس: (يريد: أحل الذبائح) [["زاد المسير" 5/ 121، و"الجامع لأحكام القرآن" 10/ 375، و"الدر المنثور" 4/ 392، و"البحر المحيط" 6/ 111.]].
وهو قول سعيد بن جبير [["جامع البيان" 15/ 223، و"تفسير القرآن" للصنعاني 4/ 400، و"زاد المسير" 5/ 185.]]، واختيار الفراء [["معاني القرآن" للفراء 2/ 137.]]. قالوا: لأن عامة بلدهم كانوا مجوسًا، وفيهم قوم يخفون إيمانهم.
وقال مجاهد: (أيها أحل، وكان لهم ملك غشوم يظلم الناس في طعامهم وأسواقهم، فقالوا لصاحبهم: لا تبتع طعامًا فيه ظلم ولا غصبًا) [["زاد المسير" 5/ 122، و"البحر المحيط" 6/ 11، و"التفسير الكبير" 11/ 103.]].
وذكر أبو إسحاق القولين جميعًا وقال: (الآية من باب حذف المضاف؛ لأن المعنى: أي أهلها أزكى طعامًا، أي: أحل، إما من جهة أنه ذبيحة مؤمن، وإما من جهة أنه لا غصب فيه، هذا معنى قوله. قال: و ﴿أَيُّهَا﴾ رفع بالابتداء، و ﴿أَزْكَى﴾ خبره، و ﴿طَعَامًا﴾ منصوب على التمييز) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 276.]].
وقوله تعالى: ﴿وَلْيَتَلَطَّفْ﴾ قال ابن عباس: (يريد يكون ذلك في ستر وكتمان) [[ذكره البغوي في "معالم التنزيل" 5/ 160 بدون نسبة.]]، يعني دخول المدينة وشراؤه الطعام، ومعنى ﴿وَلْيَتَلَطَّفْ﴾: وليدقق النظر وليحتل حتى لا يطلع عليه.
وقوله تعالى: ﴿وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا﴾ قال ابن عباس: (يريد لا يخبرن بكم، ولا بمكانكم أحدًا من أهل المدينة) [[ذكره "جامع البيان" بدون نسبة 15/ 224، وكذلك "الجامع لأحكام القرآن" 10/ 375، و"التفسير الكبير" 11/ 103.]].
وقال أبو إسحاق: (أي إن ظهر عليه فلا يوقعن إخوانه فيما يقع فيه) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 276.]]. وهذا خلاف ما ورد في التفسير، فقد ذكر السدي وغيره: (أن الرسول خرج من عندهم وقد أخذ عليه المواثيق، لئن أخذت لتدلن علينا ولا تستأثر بالشهادة) [[ذكر نحوه الثعلبي في "الكشف والبيان" 3/ 389 أ.]]؛ وهذا أليق بحالهم مما ذكره أبو إسحاق. والمعنى ما قاله ابن عباس، أنه لا يتولى إعلام أحد، ثم إن عرف واحد دل على أصحابه ليشاركوه في الشهادة.
الكهف 18:20
قوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ﴾، أي: يطلعوا ويشرفوا على مكانكم أو على أنفسكم، من قولهم: ظهرت على فلان إذا علوته، وظهرت على السطح إذا صرت فوقه، ومنه قوله: ﴿فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ﴾ [الصف: 14]، أي: عالين [[قوله: (عالين) ساقطة من نسخة (س).]] غالبين، وكذلك قوله: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ [التوبة: 33]، أي: ليعليه، وقد مر.
وقوله تعالى: ﴿يَرْجُمُوكُمْ﴾ قال ابن عباس: (يقتلوكم) [[ذكره "النكت والعيون" بدون نسبة 3/ 295، وكذلك "معالم التنزيل" 5/ 160 بدون نسبة، و"زاد المسير" 5/ 122، و"التفسير الكبير" 11/ 103.]]. والرجم بمعنى القتل قد ورد كثيرًا في التنزيل كقوله: ﴿وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ﴾ [هود: 91] وقوله: ﴿لَأَرْجُمَنَّكَ﴾ [مريم: 46] وقوله: ﴿أَنْ تَرْجُمُونِ﴾ [الدخان: 20]، وأصله: الرمي.
قال أبو إسحاق: (أي يقتلوكم بالرجم، والرجم من أخبث القتل) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 276.]].
ولما كانوا بالرجم سمي القتل: رجما، وقد يسمى السب والشتم: رجما، وهو قول ابن جريج في هذه الآية [["جامع البيان" 15/ 224 بدون نسبة، و"النكت والعيون" 3/ 295، و"زاد المسير" 5/ 122.]]، وذلك لأنه رمي بالقبيح من القول.
وقوله تعالى: ﴿يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ﴾ قال ابن عباس: (يردوكم إلى دينهم) [[ذكره "زاد المسير" بدون نسبة 5/ 122، و"التفسير الكبير" 11/ 103.]]، ﴿وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا﴾ أي: إن رجعتم إلى دينهم لن تسعدوا في الدنيا ولا في الآخرة.
قال الزجاج: ("إذ" يدل على الشرط، أي: ولن تفلحوا إن رجعتم إلى ملتهم أبدًا) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 276.]].
الكهف 18:21
وقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ﴾ الآية. قال العلماء بأخبار القدماء: (إن الفتية لما هربوا من ملكهم دقيانوس ودخلوا الكهف، أمر دقيانوس بالكهف أن يسد عليهم، ويدعوهم كما هم في الكهف يموتوا عطشًا وجوعًا، وليكن كهفهم الذي اختاروا قبرًا لهم، وهو يظن أنهم أيقاظ، وقد توفي الله تعالى أرواحهم وفاة النوم، ثم إن رجلين مؤمنين كتبا شأن الفتية وأنسابهم وأسماءهم وخبرهم في لوح من رصاص، وجعلاه في تابوت من نحاس، وجعلا التابوت في البنيان الذي بنوا على باب الكهف، وقالا: لعل الله يظهر على هؤلاء قومًا مؤمنين قبل يوم القيامة، فيعلم خبرهم حين يقرأ هذا الكتاب. ثم انقرض أهل ذلك الزمان وخلفت بعدهم قرون وملوك كثيرة، وملك أهل تلك البلاد رجل صالح يقال له: تندوسيس، وتحزب الناس في ملكه أحزابًا منهم من يؤمن بالله ويعلم أن الساعة حق، ومنهم من يكذب، فكبر ذلك على الملك الصالح وبكى إلى الله وتضرع إليه، وقال: أي رب، قد ترى اختلاف هؤلاء فأبعث لهم آية تبين لهم أن البعث حق وأن الساعة آتية لا ريب فيها. فألقى الله تعالى في نفس رجل [[قوله: (رجل)، ساقط من نسخة (س).]] من أهل ذلك البلد الذي هو به الكهف أن يهدم البنيان الذي على فم الكهف فيبني [[في (س): (فيجنى)، وهو تصحيف.]] به حظيرة لغنمه ففعل ذلك، وحجب الله الفتية عن الناس بالرعب، فلم يتجاسر أن يدخل عليهم أحد، وبعث الله الفتية من نومهم فجلسوا فرحين، وأرسلوا أحدهم ليطلب لهم طعامًا، فاطلع الناس على أمرهم كما ذكر في القصة، وبعثوا إلى الملك الصالح تندوسيس ليعلمونه الخبر، ليعجل القدوم عليهم وينظر إلى آية من آيات الله جعلها الله في ملكه آية للعالمين، فتية بعثهم الله وقد كان توفاهم منذ أكثر من ثلاثمائة سنة، فلما بلغه الخبر حمد الله تعالى، وركب معه أهل مدينته حتى أتوا مدينة أصحاب الكهف، ثم صعدوا نحو الكهف حتى أتوه. فذلك قوله: ﴿وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ﴾، أي: أطلعنا وأظهرنا عليهم)، كذا قال المفسرون [[انظر: "جامع البيان" 15/ 225، و"الكشاف" 2/ 384، و "تفسير القرآن العظيم" 3/ 87، و"الجامع لأحكام القرآن" 10/ 378، و"الدر المنثور" 4/ 388.]]. وذكرنا هذا عند قوله: ﴿فَإِنْ عُثِرَ﴾ [المائدة: 107].
وقوله تعالى: ﴿لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ قال ابن عباس: (يريد الملك ورعيته) [[ذكره "النكت والعيون" بدون نسبة 3/ 295، و"معالم التنزيل" 5/ 161 بدون نسبة، و"الجامع لأحكام القرآن" 5/ 123.]]، أن البعث والثواب والعقاب حق، والقيامة لا شك فيها.
وقوله تعالى: ﴿إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ﴾ اختلفوا في هذا التنازع، فالأشبه ما قال عكرمة: (أن أهل ذلك الزمان تنازعوا بالبعث) [["تفسير كتاب الله العزيز" 2/ 21، و"معالم التنزيل" 3/ 156، و"زاد المسير" 5/ 123.]]. كما ذكرنا في القصة.
والمراد بقوله: ﴿أَمْرَهُمْ﴾ ما تنازعوا فيه من أمر البعث. و ﴿إِذْ﴾ منصوب بقوله: ﴿أَعْثَرْنَا﴾، والمعنى: أطلعنا عليهم إذ وقعت المنازعة في أمرهم [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 276، و"إملاء ما من به الرحمن" ص 296.]]. قال أبو إسحاق: (ويجوز أن يكون منصوبًا بقوله: ﴿لِيَعْلَمُوا﴾ أي: ليعلموا في وقت منازعتهم) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 276.]].
وقال ابن عباس في رواية عطاء في قوله: ﴿إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ﴾ (وذلك أن الرجل إذ خرج ليشتري لهم الطعام لما وقف يتنازع، نظروا إلى درهمه، فإذا عليه صورة دقيانوس)، وذكر القصة [["النكت والعيون" 3/ 295، و"الكشاف" 2/ 384، و"زاد المسير" 5/ 123، و"تفسير القرآن العظيم" 3/ 87.]]. فعلى هذا التنازع: هو تنازع القوم مع هذا الواحد الذي كان يطلب لهم الطعام وتكذيبهم إياه فيما كان يخبر به.
وقال قوم: (يعني تنازعوا في قدر مكثهم ولبثهم) [["معالم التنزيل" 5/ 161، و"التفسير الكبير" 11/ 104.]]. وقيل: (تنازعوا في عددهم) [["معالم التنزيل" 5/ 161، و"زاد المسير" 5/ 123، و"التفسير الكبير" 11/ 104.]]، وهذا لا يتجه؛ لأن قوله: ﴿إِذْ يَتَنَازَعُونَ﴾ إما أن يتعلق بقوله: ﴿أَعْثَرْنَا﴾، أو بقوله: ﴿لِيَعْلَمُوا﴾ على ما بينا. وإذا جعلنا التنازع في قدر المكث أو في العدد لم يصح المعنى، إلا أن يجعل تمام الكلام عند قوله: ﴿لَا رَيْبَ فِيهَا﴾، ثم يقول: ﴿إِذْ يَتَنَازَعُونَ﴾، أي: اذكر يا محمد ﴿إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ﴾: مدة مكثهم، أو في عددهم فلا يتعلق بما قبله. ومنهم من قال: (هذا التنازع يعود إلى التنازع في البنيان، والمسجد)، يروى هذا عن ابن عباس [[ذكرته كتب التفسير بلا نسبة. انظر: "النكت والعيون" 3/ 296، و"معالم التنزيل" 5/ 161، و"زاد المسير" 5/ 123، و"البحر المحيط" 6/ 113.]]. يدل على هذا سياق الآية، وهو قوله: ﴿فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيَانًا﴾، يعني استروهم من الناس، قال ذلك المفسرون [["الكشاف" 2/ 384، و"زاد المسير" 5/ 123، و"تفسير القرآن العظيم" 3/ 87، أي: سددوا عليم باب كهفهم، و"التفسير الكبير" 11/ 105.]].
وقوله تعالى: ﴿رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ﴾ يدل على أنه وقع تنازع في عدتهم، فمعنى: ﴿رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ﴾، أي: بعددهم كما قال: ﴿قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ﴾ [الكهف: 22]، ويحتمل أن هذا من قول الله ابتداء، ويحتمل أنه من قول بعض الناس الذين تكلموا في عددهم [["البحر المحيط" 6/ 113، و"التفسير الكبير" 11/ 105.]].
وقوله تعالى: ﴿قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ﴾ قال ابن عباس: (يريد المؤمنين الذين لم يشكوا في البعث). قال المفسرون: (هم تندوسيس الملك وأصحابه) [["معالم التنزيل" 5/ 161، و"الكشاف" 2/ 184، و"زاد المسير" 5/ 124، و"روح المعاني" 15/ 236.]].
﴿لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا﴾ قال أبو إسحاق: (هذا يدل على أنه لما ظهر أمرهم غلب المؤمنون بالبعث والنشور؛ لأن المساجد للمؤمنين) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 277.]]. ومعنى: ﴿عَلَيْهِمْ﴾ هاهنا وفي قوله: ﴿ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيَانًا﴾ أنهم يجعلون وراء ذلك، كما يقال: بني عليه جدارًا، إذا حوطه وجعله وراء الجدار، وقد ذكر في قصتهم: (أن الملك جعل على باب الكهف مسجدًا يصلى فيه، وجعل عنده عيدًا عظيمًا، وأمر أن يؤتى كل سنة) [[ذكر نحوه البغوي في "معالم التنزيل" بلا نسبة 5/ 161، والسيوطي في "الدر المنثور" 4/ 392 وعزاه لابن أبي حاتم.]]. وقد نسقت شرح هذه الآية على ما أمكن، والآية مشكلة الظاهر والنظم، والله أعلم بما أراد.
الكهف 18:22
قوله تعالى: ﴿سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ الآية. قال المفسرون: (إن نصارى نجران [[نَجْرَان: بفتح النون وإسكان الجيم: بين مكة واليمن، قيل: أول من عمرها نجران بن زيدان بن سبأ بن قحطان، وكان أهلها يدينون بالنصرانية، حتى فتحت سنة عشر صلحًا، وهي الآن مدينة من مدن المملكة العربية السعودية. انظر: "معجم البلدان" 5/ 266، و"معجم ما استعجم" (1298)، و"تهذيب الأسماء واللغات" 3/ 176.]] كانوا عند النبي -ﷺ-، فجرى ذكر أصحاب الكهف، فقالت اليعقوبية [[اليعقوبية: فرقة من النصارى، منسوبون إلى يعقوب البرذعاني وكان راهبًا بالقسطنطينية، قالوا: إن المسيح هو الله نفسه -تعالى الله عما يقولون علوًّا كبيرًا- وإنه تعالى مات، وإن العالم بقي ثلاثة أيام بلا مدبر، ثم قام ورجع كما كان، وإنه عاد محدثًا وأن المحدث عاد قديمًا. انظر: "الملل والنحل" ص 226 - 227، و"الفصل في الملل والأهواء والنحل" 1/ 49.]] منهم: كانوا ثلاثة رابعهم كلبهم. وقالت النسطورية [[النسطورية: فرقة من فرق النصارى، منسوبون إلى نسطور، وكان بالقسطنطينة، قالوا: إن مريم لم تلد الإله، وإنما ولدت الإنسان، وإن الله تعالى لم يلد الإنسان == وإنما ولد الإله -تعالى الله عما يقولون- انظر: "الملل والنحل" ص 225، و"الفصل في الملل والأهواء والنحل" 1/ 49.]]: كانوا خمسة سادسهم كلبهم. وقال المسلمون: كانوا سبعة وثامنهم كلبهم)، هذا حكاية ما ذكره المفسرون [["الكشف والبيان" 3/ 389 ب، و"بحر العلوم" 2/ 295، و"معالم التنزيل" 5/ 161، و"الكشاف" 2/ 385، و"زاد المسير" 5/ 124، و"الجامع لأحكام القرآن" 10/ 382.]].
ونظم الآية يوجب أن يكون هذا التنازع بعد نزول الآية؛ لأن الله تعالى قال: ﴿سَيَقُولُونَ﴾، وهذه السين للتأخير، فالآية تكون نازلة قبل هذا التنازع، أخبر الله فيها أنه سيقع نزاع في عددهم، ثم وقع ذلك على ما في الآية، يدل على هذا أن السورة مكية ووفد نجران إنما أتوا النبي -ﷺ- بعد الهجرة.
واختلف النحويون في نظم هذه الآية وسقوط الواو من قولهم: رابعهم وسادسهم، ودخولها في ثامنهم، بعد اجتماعهم على أن قوله: ﴿ثَلَاثَةٌ﴾ مرفوع بالابتداء محذوف على تقدير: هم ثلاثة [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 277، و"إعراب القرآن" للنحاس 2/ 271.]].
فقال صاحب النظم: (﴿رَابِعُهُمْ﴾ ابتداء و ﴿كَلْبُهُمْ﴾ خبره، وهو جملة في موضع الحال لقوله: ﴿ثلاثةٌ﴾ [[ذكر نحوه بلا نسبة "البحر المحيط" 6/ 114، و"الدر المصون" 7/ 466، و"روح المعاني" 15/ 240.
وقال العكبري في "إملاء ما من به الرحمن" ص 396: رابعهم مبتدأ وكلبهم خبره، ولا يعمل اسم الفاعل هنا لأنه ماض والجملة صفة لثلاثة وليس حالاً، إذ لا عامل لها؛ لأن التقدير: هم ثلاثة، وهم لا يعمل ولا يصح أن يقدر هؤلاء لأنها إشارة إلى حاضر ولم يشيروا إلى الحاضر.]]. وتأويله: سيقولون ثلاثة بهذه الحال فيكون قوله: ﴿رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ توقيتًا للآية وحالاً لهم، وكذلك قوله: ﴿خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ﴾، قال أبو الفتح الموصلي: (لا يجوز أن تكون الجملة حالاً لثلاثة؛ لأنك لو فعلت ذلك لم يجد الحال ما ينصبها، ألا ترى أن التقدير: سيقولون: هم ثلاثة، وليس في قولك: هم ثلاثة ما يجوز أن ينصب الحال) [[و (¬2) و (¬3) و (¬4) "سر صناعة الإعراب" 2/ 643]].
وقال آخرون: (﴿رَابِعُهُمْ﴾ وصف لثلاثة، على أن يكون ﴿كَلْبُهُمْ﴾ رفع برابع، كما تقول: عندي غُلامٌ ضاربه زيد، فيرفع ضاربه؛ لأنه وهف لغلام، وترفع زيد بفعله، وهو الضرب) (¬2).
قال أبو الفتح: (وهذا الوجه أيضًا غير جائز، من قبل أن رابعهم في هذا الموضع، وإن كان اسم فاعل، فإنه أراد به الماضي، وإذا كان اسم الفاعل ماضيًا في المعنى لم يجز أن يعمل عمل الأفعال، لا رفعًا ولا نصبًا؛ ألا ترى أنك لا تقول: هذا رجل غلام أخوه، فترفع الأخ بفعل، وتجعل الغلام فعلا له؛ لأن اسم الفاعل إذا أريد به الماضي جرى مجرى غلام ورجل وفرس وما لا معنى فعل فيه، فقد بطل إذن أن يرتفع ﴿كَلْبُهُمْ﴾ بما في ﴿رَابِعُهُمْ﴾ من معنى الفعل) (¬3). وقد ذكرنا هذا الفصل عند قوله: ﴿وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ﴾ [الكهف: 18]، من كلام أبي علي.
وقال بعضهم: (﴿رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ مبتدأ وخبر، والجملة وصف لثلاثة، كما تقول: هؤلاء ثلاثة غُلامهم رابعهم) (¬4).
قال أبو الفتح: (وهذا الوجه غير سائغ ولا مختار، وإن كان في غير هذا الموضع جائزًا. والذي منع من إجازته هاهنا وضعفها أن الجملة التي في آخر الكلام [فيها واو العطف، وهو قوله: ﴿وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾، فكما ظهرت الواو في آخر الكلام] [[ما بين المعاقوفين مكرر في نسخة (س).]] فكذلك هي -والله أعلم- مرادة في أوله؛ لتتجنَّس الجمل في أحوالها والمراد بها، فكأنه قيل: سيقولون: ثلاثة ورابعهم كلبهم، ويقولون: خمسة وسادسهم كلبهم رجمًا بالغيب، ويقولون: سبعة وثامنهم كلبهم، إلا أن الواو حذفت من الجملتين المتقدمتين؛ لأن الذي فيهما من الضمير يعقدهما بما قبلهما لا عقد الحال ولا عقد الوصف لما ذكرنا، ولكن عقد الإتباع، لا سيما وقد ظهرت الواو في الجملة الثالثة، فدل ذلك على أنها مرادة في الجملتين المتقدمتين)، انتهى كلامه [["سر صناعة الإعراب" 2/ 644.]].
ونحو هذا قال أبو علي في هذه الآية فقال: (قوله: ﴿رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ و ﴿سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾، جملتان استغني عن حرف العطف فيهما بما تضمنتا من ذكر الجملة الأولى، وهي قوله: ﴿ثلاثةٌ﴾، والتقدير: هم ثلاثة) [["الحجة للقراء السبعة" 1/ 28.]]. وهذا الذي ذكره أبو علي وأبو الفتح في وجه نظم هذه الآية معنى قول أبي إسحاق: (دخول الواو في ﴿وَثَامِنُهُمْ﴾ وإخراجها من الأول واحد) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 227.]]. وعلى ما قالوا قوله: ﴿رَابِعُهُمْ﴾ عطف على خبر الابتداء الذي هو ثلاثة، كما تقول: هو حلو وحامض. و ﴿كَلْبُهُمْ﴾ مرفوع على أنه نعت لقوله: ﴿رَابِعُهُمْ﴾.
وقوله تعالى: ﴿رَجْمًا بِالْغَيْبِ﴾ الرجم: القول بالظن والحَدْس [[الحَدَس: التوهم في معاني الكلام والأمور. انظر: "تهذيب اللغة" (حدس) 1/ 764، و"مقاييس اللغة" (حدس) 2/ 33، و"القاموس المحيط" (الحدس) ص 537، و"الصحاح" (حدس) 3/ 915، و"لسان العرب" (حدس) 2/ 805.]].
ومنه قول زهير [[هذا عجز بيت لزهير بن أبي سلمى. وصدره:
وما الحرب إلا ما علمتم وذقتم
انظر: "ديوانه" ص 81، و"تهذيب اللغة" (رجم) 2/ 1375، و"شرح القصائد العشر" للتبريزي ص140، و"خزانة الأدب" 3/ 10، و"لسان العرب" (رجم) 3/ 1602، و"همع الهوامع" 2/ 92، و"الدر المصون" 7/ 467.]]:
وما هو عنها بالحديث المرجَّم
وذلك أنه رمى الظن إلى ذلك الشيء. قال أبو إسحاق: (أي تقولون ذلك رجما، أي ظنًّا وتخرصًا) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 277.]]. ومعنى قول المفسرين: ظنًّا من غير يقين.
وقوله تعالى: ﴿بِالْغَيْبِ﴾ الباء هاهنا ظرف للرجم، والتأويل: يرجمون القول فيهم بالغيبة عنهم، وتلخيصه: بالمكان الغائب عنهم، كما تقول: هو يحسن القول فيك بالغيب، ويظهر الغيب، والمعنى: أنهم يقولون هذا القول من غير مشاهدة.
وقوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ قال ابن عباس: (حين وقعت الواو وانقطعت العدة) [["الكشاف" 2/ 385، و"روح المعاني" 15/ 242.]]؛ يريد أنهم سبعة وثامنهم كلبهم، وإلى هذا المعنى أشار أبو إسحاق فقال: (وقد يجوز أن يكون الواو يدخل ليدل على انقطاع القصة وأن الشيء قد تمَّ) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 277.]]. إلى هاهنا إخبار عما يقوله المختلفون في عدد [[من قوله: (يعرفون ملأتني ..) إلى هنا ساقط من نسخة (ص).]] أصحاب الكهف، ثم قال: ﴿قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ﴾، أي: ما يعلم عددهم إلا قليل من الناس. قال ابن عباس: (أنا من ذلك القليل) [["جامع البيان" 15/ 226، و"تفسير القرآن" للصنعاني 1/ 337، و"معالم التنزيل" 5/ 162، و"الكشاف" 2/ 385، و"الدر المنثور" 4/ 393.]]. فقال في رواية الضحاك: (أنا من أولئك القليل، ثم ذكرهم بأسمائهم، فذكر سبعة) [["معالم التنزيل" 5/ 162، و"الجامع لأحكام القرآن" 10/ 384، و"الدر المنثور" 4/ 393.]]. وقال في رواية عكرمة: (كانوا سبعة) [["تفسير كتاب الله العزيز" 2/ 456، و"جامع البيان" 15/ 226، و"النكت والعيون" 3/ 297، و"المحرر الوجيز" 9/ 275.]]. وقال في رواية سعيد بن جبير: (كانوا سبعة أو ثمانية) [[ذكره الشنقيطي في "أضواء البيان" 4/ 75 ونسبه لابن جريج.]]. وقال في رواية عطاء الخراساني: ﴿مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ﴾، يعني أهل الكتاب) [["جامع البيان" 226/ 15، و"الكشف والبيان" 389/ 3، و"الكشاف" 2/ 385.]].
وروى السدي عن ابن عباس قال: (أرجو أن أكون من القليل، أظن القوم كانوا ثلاثة، يقول واحد منهم: كم لبثتم؟ فقال الثاني: لبثنا يومًا أو بعض يوم، قال الثالث: ربكم أعلم بما لبثتم) [["بحر العلوم" 395/ 2، و"المحرر الوجيز" 9/ 275، و"معالم التنزيل" 162/ 5.]].
وقوله تعالى: ﴿فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا﴾ قال السدي: (يقول بما أوحى إليك من القرآن) [[ذكره ابن عطية في "المحرر الوجيز" بلا نسبة 9/ 275، والقرطبي في "الجامع لأحكام القرآن" 10/ 384.]].
وقال سفيان: (إلا بما قصصنا عليك في القرآن) [[ذكرت كتب التفسير نحوه بلا نسبة. انظر: "جامع البيان" 15/ 227، و"النكت والعيون" 3/ 238، و"زاد المسير" 5/ 127، و"لباب التأويل" 4/ 207.]].
وروي عن ابن عباس، وقتادة، والضحاك في قوله: ﴿إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا﴾ (حسبك ما قصصنا عليك من شأنهم) [["جامع البيان" 15/ 227، و"تفسير القرآن" للصنعاني 1/ 337، و"النكت والعيون" 3/ 298، و"زاد المسير" 5/ 127، و"الدر المنثور" 4/ 393.]]. وقال ابن زيد: (المراء الظاهر: أن تقول لهم: ليس كما تقولون، ليس كما تعلمون عدتهم) [["جامع البيان" 15/ 227، و"زاد المسير" 5/ 127.]]؛ يعني إنما يعلمهم القليل. ومعنى المراء في اللغة: الجدال، يقال: مَارَى يُماري، مُمارَاة ومِراء، أي: جادل [[المِرَاء: المماراة والجدل، وأصله في اللغة: الجدال وأن يستخرج الرجل من مناظرة كلامًا ومعاني الخصومة وغيرها. انظر: "تهذيب اللغة" (مرى) 4/ 3383، و"مقاييس اللغة" (مرى) 5/ 314، و"مختار الصحاح" (مرا) (260)، و"المصباح المنير" (المرئ) ص 217.]].
قال أبو إسحاق: (أي لا تأت في أمرهم بغير ما أوحي إليك، أي: أفت في قصتهم بالظاهر الذي أنزل عليك) [["معاني القرآن" للزجاج 277/ 3]]. فعلى ما قالوا المراء الظاهر هو: أن يجادلهم بما أنزل إليه من أنه لا يعلم عددهم إلا القليل، كما قال ابن زيد.
وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ﴾، أي: في أصحاب الكهف ﴿مِنْهُمْ﴾، أي: من اليهود وأهل الكتاب. قال الفراء: (هم فريقان أتوه من أهل نجران: يعقوبي ونسطوري، فسألهم النبي -ﷺ- عن عددهم فَنُهي) [["معاني القرآن" للفراء 2/ 138.]]. قال أصحابنا: (وهذا دليل على منع المسلمين من استفتاء اليهود والنصارى) [[انظر: "الجامع لأحكام القرآن" 10/ 384.]].
الكهف 18:23
قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا﴾ ذكرنا قبل هذا سبب نزول هذه الآية [[عند قوله سبحانه في سورة الإسراء (85) ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ﴾ الآية. وعند قوله سبحانه في سورة الكهف (9) ﴿أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا﴾.]]. قال المفسرون: (هذا تأديب من الله تعالى لنبيه -عليه السلام-، وأمر له بالاستثناء فيما يعزم بمشيئة الله، إذا قلت لشيء: إني فاعله غدًا، فقل: إن شاء الله) [["جامع البيان" 15/ 228، و"معالم التنزيل" 5/ 162، و"المحرر الوجيز" 9/ 277، و"تفسير القرآن العظيم" 3/ 88.]]. قال الفراء في قوله: (إِلَّا أَن يَشَاء اللهُ}: إلا أن يريد الله) [["معاني القرآن" للفراء 2/ 138.]].
قال أبو إسحاق: (موضع ﴿أَن﴾ نصب، المعنى: لا تقولن إني أفعل إلا بمشيئة الله) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 278.]]. جعل أبو إسحاق ﴿أَن﴾ مع الفعل مصدرًا وأضمر الباء.
وقال الأخفش: (أي: إلا أن يقول: إن شاء الله. فأجزأ من ذلك هذا، وكذلك إذا طال الكلام أجزأ فيه، شبيه بالإيماء؛ لأن بعضه يدل على بعض) [["معاني القرآن" للأخفش 1/ 618.]]. ونحو هذا روي عن المبرد عن الكسائي والفراء قالا: (المعنى إني فاعل ذلك غدًا إلا أن يقول: إن شاء الله) [["معاني القرآن" للفراء 2/ 138، و"إملاء ما من به الرحمن" 1/ 397.]]؛ فأضمر القول، ومثله كثير في القرآن، وهذا على ما ذكروا، ولما حذف يقول نقل شاء إلى لفظ الاستقبال.
الكهف 18:24
وقوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ أكثر الناس على أن معناه: إذا نسيت الاستثناء بمشيئة الله تعالى فاذكره، وقله إذا ذكرت.
قال ابن عباس رواية عطاء: (يريد الاستثناء ولو بعد شهر) [["زاد المسير" 5/ 129، و"تفسير القرآن العظيم" 3/ 89، و"الجامع لأحكام القرآن" 10/ 386، و"التفسير الكبير" 11/ 110.]]. يعني أن من قال: أفعل غدًا كذا وكذا، ونسي أن يقول: إن شاء الله، فقد واقع ما نهى الله عنه، فإذا ذكر أنه كان قد نسي الاستثناء فقاله وضع عنه الحرج.
وقال سعيد بن جبير: (إذا قلت لشيء إنك فاعله غدًا، فنسيت أن تقول: إن شاء الله، ثم ذكرت، فقل: إن شاء الله، وإن كان بعد يوم أو شهر أو سنة) [["الكشاف" 2/ 386، و"زاد المسير" 5/ 128، و"الدر المنثور" 4/ 394، و"التفسير الكبير" 11/ 110.]].
وقال أبو العالية: (إذا ذكرت فاستثن) [[انظر: "جامع البيان" 15/ 229، و"المحرر الوجيز" 9/ 278، و"زاد المسير" 5/ 129، و"تفسير القرآن العظيم" 3/ 89، و"الدر المنثور" 4/ 394.]].
وقال عمرو بن دينار: (له الاستثناء متى ما ذكر) [[ذكره الواحدي في "الوسيط" 3/ 431، وذكرته كتب الفقه بلا نسبة. انظر: "أحكام القرآن" لابن العربي 3/ 1235، و"أحكام القرآن" للجصاص 5/ 41، و"الجامع لأحكام القرآن" 6/ 273، و"المغني" لابن قدامة 13/ 485.]]. هذا كله فيما يعد من نفسه أن يفعله من غير يمين، فإن حلف ثم استثنى بمشيئة الله متصلاً بيمينه فلا حنث عليه، كذلك روى أبو هريرة عن النبي ﷺ: "مَنْ حلف فقال: إن شاء الله، لم يحنث" [[أخرجه ابن ماجة في "سننه" كتاب: الكفارات، باب: الاستثناء في اليمين 1/ 680، النسائي في "سننه" كتاب الأيمان والنذر باب: الاستثناء 7/ 23، والترمذي في "جامعه" كتاب: النذور والأيمان باب: ما جاء في الاستثناء في اليمين 4/ 91 وقال: حديث حسن. والإمام أحمد في "مسنده" 2/ 275، والدارمي في "سننه" كتاب: النذور والأيمان باب: في الاستثناء في اليمين 2/ 106، وابن الأثير في "جامع الأصول" كتاب: الأيمان، باب: في الاستثناء في اليمين 11/ 664.]].
وروى ابن عمر عن النبي -ﷺ- قال: "مَنْ حلف على يمين فقال: إن شاء الله، فهو بالخيار" [[أخرج نحوه الترمذي في "جامعه" كتاب: النذور والأيمان، باب: الاستثناء في اليمين 4/ 91، والنسائي في "سننه" كتاب: الكفارات، باب: الاستثناء 7/ 23، وابن ماجة في "سنة" كتاب: الكفارات، باب: الاستثناء في اليمين 1/ 680، والإمام أحمد في "مسنده" 2/ 6، ومالك في "الموطأ" كتاب: الأيمان، باب: ما لا تجب فيه الكفارة من اليمين 2/ 477 والدارمى في "سننه"، كتاب. النذور والأيمان باب: في الاستثناء في اليمين 2/ 106، والسيوطي في "الدر المنثور" 4/ 395.]].
ولا خلاف في هذا بين الناس، وإنما الخلاف فيه إذا انقطع الاستثناء عن اليمين، روى قتادة عن الحسن في الرجل يحلف فيستثني في يمينه قال: (له ثنياه إذا اتصل كلامه، ولم يكن بين ذلك كلام) [["المحرر الوجيز" 9/ 278، و"زاد المسير" 5/ 129، و"تفسير القرآن العظيم" == 3/ 89، و"الجامع لأحكام القرآن" 10/ 386، و"المغني" لابن قدامة 13/ 273.]].
وقال طاووس: (له ثنياه ما كان في مجلسه) [["الكشاف" 2/ 386، و"المحرر الوجيز" 9/ 278، و"التفسير الكبير" 11/ 110، و"روح المعاني" 15/ 249، و"الدر المنثور" 4/ 394.]]. وعن حماد [[حماد بن زيد بن درهم الأزدي، تقدمت ترجمته.]] قال: (إن استثنى في نفسه فليس بشيء حتى يسمع نفسه) [[ذكرته كتب الفقه بلا نسبة. انظر: "أحكام القرآن" للجصاص 5/ 41، و"المحلى" 8/ 406، و"بلغة السالك" 1/ 700، و"المغني" لابن قدامة 3/ 485، كتاب: "الأيمان والنذور" لأبي فارس ص 37.]].
وقال الحسن: (إذا حرك لسانه أجزأ عنه) [[ذكره القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن" 6/ 283 بلا نسبة، وابن قدامة في "المغني" 13/ 485.]]. ومذهب الشافعي -رحمه الله-: أن الحالف إذا نسي الاستثناء موصولاً بكلامه، فات وقته في الطلاق والعتاق وسائر الأيمان [[انظر: "الأم" للشافعي 7/ 65، و"روضة الطالبين" 11/ 3، و"الجامع لأحكام القرآن" 6/ 274.]]. حتى قال بعض أصحابنا: (إنما ينفعه الاستثناء إذا أنشأ أول يمينه مع نية الاستثناء ثم وصله باليمين، فإن أنشأ اليمين ثم بدا له أن يستثني فوصل الاستثناء لم ينفعه) [[انظر: "الأم" للشافعي 7/ 65، و"روضة الطالبين" 11/ 4، و"أحكام القرآن" للجصاص 5/ 41، و"الجامع لأحكام القرآن" 6/ 283، و"المغني" لابن قدامة 13/ 484.]].
والصحيح: أنه إذا اتصل نفع، ووقع موقعه [[وهذا ما عليه جمهور العلماء. قال الإمام الطبري -رحمه الله- في "تفسيره" 15/ 229: فأما الكفارة فلا تسقط عنه بحال إلا أن يكون استثناؤه موصولاً بيمينه، وقال الشنقيطي في "أضواء البيان" 4/ 79: والتحقيق الذي لا شك فيه أن == الاستثناء لا يصح إلا مقترنًا بالمستثنى منه، وأن الاستثناء المتأخر لا أثر له ولا تحل به اليمين، ولو كان الاستثناء المتأخر يصح لما علم في الدنيا أنه تقرر عقد ولا يمين ولا غير ذلك، لاحتمال طرو الاستثناء بعد ذلك. وانظر: "روضة الطالبين" 11/ 4، و"بداية المجتهد" 8/ 406، و"أحكام القرآن" للكيا الهراس 4/ 207، و"الجامع لأحكام القرآن" 6/ 273، و"المغني" لابن قدامة 13/ 484.]].
وروي عن ابن عباس أنه قال: (يستثني الرجل في يمينه متى ما ذكر، وإن تطاول الزمان، وقرأ هذه الآية) [[ذكرت نحوه كتب التفسير. انظر: "جامع البيان" 15/ 229، و"الكشف والبيان" 3/ 389 أ، و"المحرر الوجيز" 9/ 278، و"معالم التنزيل" 5/ 162، و"زاد المسير" 5/ 129، و"ابن كثير" 3/ 89.]]. وهذا لا يصح؛ لأن سبيل الاستثناء أن لا يكون منفردًا بنفسه، هو مضمر كلام غيره، والآية وردت في غير اليمين، وليس في الآية: ولا تحلفن على شيء إني فاعل ذلك غدًا، يدل على هذا سبب نزول الآية، والنبي -ﷺ- لما سألوه عن قصة أصحاب الكهف قال: غدًا أخبركم، ولم يحلف على ذلك، ويؤكد هذا ما روي أن النبي -ﷺ- قال: "مَنْ حلف على يمين ورأى غيرها خيرًا منه، فليأتِ الذي هو خير ويُكَفّر عن يمينه" [[أخرجه البخاري كتاب: الأيمان والنذور، باب: قول الله تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ [البقرة: 225] 8/ 229، ومسلم، كتاب: الأيمان، باب: ندب من حلف يمينًا فرأى غيرها خيرًا منها 3/ 1268، والنسائي كتاب: الأيمان والنذور، باب: الكفارة قبل الحنث 7/ 9، وابن ماجة كتاب: الكفارات، باب: من حلف على يمين فرأى غيرها خيرًا منها 1/ 681 ومالك في "الموطأ" كتاب: الأيمان، باب: ما جاء فيه الكفارة من الأيمان 2/ 478.]].
ولو كان يخرج بقوله: إن شاء الله عن الحنث، لقال: وليقل: إن شاء الله، وأيضًا فإن الإنسان إذا حلف من غير نية [فقد تمت يمينه واستقرت، فلم يجز أن ينقض حكمها شيء يحدثه بعد ذلك، بخلاف ما يقارنه الاستثناء] [[ما بين المعقوفين ساقط من الأصل، والمثبت في بقية النسخ.]]؛ لأنه لا يستقر، على أن كثيرًا من المفسرين حملوا قوله: ﴿اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ على غير الاستثناء؛ لأن قوله: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ﴾ ابتداء كلام آخر وقصة أخرى، والاستثناء الذي ذكر وقع في موضعه متصلاً.
قال عكرمة: (﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ قال: إذا غضبت) [["جامع البيان" 15/ 229، و"معالم التنزيل" 5/ 163، و"المحرر الوجيز" 9/ 278، و"زاد المسير" 5/ 129، و"الدر المنثور" 4/ 395.]]
ومعناه أنه إنما يغضب لما يطرأ عليه من نسيان ذكر الله، فأمر بذكر الله ليزول غضبه. وروي عن السدي والضحاك أنهما قالا: (هذا فيمن نسي صلاة فعليه أن يصليها إذا ذكرها) [["معالم التنزيل" 5/ 163، و"الكشاف" 2/ 387، و"الجامع لأحكام القرآن" 10/ 386.]].
وقال المبرد: (إن ابن عباس أعلم من أن يسقط حكم الحنث بالاستثناء الذي لا يصله الحالف بيمينه، ولعله قال هذا في الاستثناء من غير يمين كما قال المفسرون، قال: إذا نسي أن يقول: إن شاء الله، ثم ذكر فليقله. فظن بعض الناس أنه يقول ذلك في اليمين، فروي عنه ذلك في اليمين) [[انظر: "جامع البيان" 15/ 229. وقال الشنقيطي في "أضواء البيان" 79/ 4: والتحقيق الذي لا شك فيه أن الاستثناء لا يصح، إلا مقترنًا بالمستثى منه وأن المستثناء المتأخر لا أثر له ولا تحل به اليمين، ولو كان الاستثناء المتأخر يصح لما علم في الدنيا أن تقرر عقد ولا يمين ولا غير ذلك لاحتمال طرو الاستثناء بعد ذلك، وهذا في غاية البطلان كما تري.]].
قوله تعالى: ﴿وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ﴾ إلى آخرها، قال أبو إسحاق: (أي قل عسى أن يعطيني ربي من الآيات والدلالات على النبوة ما يكون أقرب في الرشد، وأدل من قصة أصحاب الكهف) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 278.]].
قال المفسرون: (إن الله -عز وجل- فعل به ذلك حيث آتاه من علم غيوب المرسلين، وخبرهم ما كان أوضح في الحجة وأقرب إلى الرشد من خبر أصحاب الكهف) [["معالم التنزيل" 5/ 163، و"الكشاف" 2/ 387، و"زاد المسير" 5/ 129 و"التفسير الكبير" 11/ 111.]].
وقال بعضهم: (هذا نبأ أمر أن يقوله مع الاستثناء إذا ذكر، وهو كفارة نسيان الاستثناء أن يقول: ﴿عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ﴾ إلى آخرها) [["جامع البيان" 15/ 230، و"معالم التنزيل" 5/ 164، و"المحرر الوجيز" 9/ 281، و"الدر المنثور" 4/ 395.]]. والمعنى: عسى أن يهدين حتى لا أنسى الاستثناء بمشيئته، وهو أقرب رشدًا من أن ينسى ذلك.
وقال بعضهم: (هذا فيما ينساه النبي -ﷺ- أمر أن يذكر الله تعالى فسأله أو يذكره ما نسي، أو يهديه لما هو خير له من ذكر ما نسيه) [["معالم التنزيل" 5/ 164، و"الكشاف" 2/ 387.]].
الكهف 18:25
قوله تعالى: ﴿وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ﴾ الآية، اختلفوا في معنى هذه الآية على قولين أحدهما: أن هذا إخبار عن أهل الكتاب أنهم قالوا ذلك [["تفسير كتاب الله العزيز" 2/ 458، و"جامع البيان" 15/ 230، و"معالم التنزيل" 5/ 16، و"النكت والعيون" 3/ 300.]]. وهذا قول ابن عباس في رواية الضحاك قال: (إن الرجل ليفسر الآية يرى أنها كذلك فيهوي أبعد مما بين السماء والأرض ثم تلا: {وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ} الآية، ثم قال: كم لبث القوم؟ قالوا: ثلاثمائة سنة وتسع سنين، قال: فلو كانوا لبثوا ذلك لم يقل الله: ﴿قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا﴾، ولكنه حكى مقالة القوم، فقال: سيقولون: ﴿وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ﴾ الآية [["زاد المسير" 5/ 130، و"الدر المنثور" 4/ 395 وعزاه لابن أبي حاتم وابن مردويه.]].
وقال قتادة: (هذا قول أهل الكتاب، فرد الله عليهم بقوله: ﴿قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا﴾ قال: ويدل على صحة هذا قراءة ابن مسعود: قالوا لبثوا في كهفهم) [["جامع البيان" 15/ 230، و"معالم التنزيل" 5/ 164، و"النكت والعيون" 3/ 300، و"المحرر الوجيز" 9/ 282، و"الدر المنثور" 4/ 395.]]. ونحو هذا قال مطر الورّاق [[مطر بن طهمان الوراق، أبو رجاء الخراساني السلمي، مولى علي، من أهل البصرة، روى عن: أنس، وعكرمة، والحسن، وقتادة، وروى عنه: إبراهيم بن طهمان، ومعمر بن هشام، وشعبة، وغيرهم كثير، وكان من أكبر أصحاب قتادة، وثقه بعض العلماء، توفي سنة 125 هـ، وقيل غير ذلك. انظر: "الجرح والتعديل" 8/ 287، و"الكاشف" 3/ 149، و"ميزان الاعتدال" 4/ 126، و"تهذيب التهذيب" 10/ 152.]] [["جامع البيان" 15/ 231، و"المحرر الوجيز" 9/ 282.]].
القول الثاني: أن هذه الآية إخبار عن الله تعالى، أخبر عن قدر لبثهم في الكهف من يوم دخلوا إلى أن بعثهم الله وأطلع عليهم الخلق [["جامع البيان" 15/ 231، و"عالم التنزيل" 5/ 164، و"تفسير القرآن العظيم" 3/ 89، و"الجامع لأحكام القرآن" 10/ 386.]]؛ وهذا قول مجاهد قال في هذه الآية: (هو عدد ما لبثوا) [["جامع البيان" 15/ 231، و"الكشف والبيان" 3/ 389 أ.]]، ونحوه قال عبد الله بن عبيد بن عمير [[عبد الله بن عبيد بن عمير الليثي، المكي، أبو هاشم، إمام تابعي مشهور، عرف بالصلاح والتقوى، وثقة العلماء، وروى لي الأربعة، ومسلم في "صحيحه"، == روى عن أبيه وغيره، عنه الأوزاعي وطائفة من التابعين، توفي -رحمه الله- سنة 113 هـ. انظر: "طبقات ابن سعد" 5/ 249، و"الجرح والتعديل" 2/ 101، و"الحلية" 3/ 354، و"تهذيب التهذيب" 5/ 308، و"شذرات الذهب" 1/ 194.]]، والضحاك [["جامع البيان" 15/ 231، و"زاد المسير" 5/ 130.]].
واختاره الزجاج وقال: (هو الأجود عندي) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 278.]]، وهو اختيار ابن قتيبة [["تفسير غريب القرآن" لابن قتية 1/ 266.]]. وعلى هذا القول معنى قوله: ﴿قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا﴾ ما قاله القتبي: (وهو أنهم اختلفوا في لبثهم فقال الله: ﴿وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ﴾ الآية، ثم قال: ﴿قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا﴾ أي. وأنا أعلم بما لبثوا من المختلفين) [["تفسير غريب القرآن" لابن قتية 1/ 267.]]. وهذا معنى قول الزجاج، والكلبي: (قالت نصارى نجران: أما الثلاثمائة فقد عرفناها، وأما التسع فلا علم لنا بها، فنزلت: ﴿قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا﴾ [["معالم التنزيل" 5/ 165، و"زاد المسير" 5/ 92، و"معاني القرآن" للزجاج 3/ 279.]].
وقال كثير من أهل التفسير: (معنى قوله: ﴿قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا﴾ أن أهل الكتاب قالوا على رسول الله -ﷺ-: أن الفتية من لدن دخلوا الكهف إلى يومنا هذا ثلاثمائة وتسع سنين، فرد الله -عز وجل- عليهم وقال: ﴿قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا﴾ بعد أن قبض أرواحهم المرة الثانية إلى يومنا هذا لا يعلم ذلك غير الله تعالى) [["جامع البيان" 15/ 231، و"معالم التنزيل" 5/ 165، و"المحرر الوجيز" 9/ 28، و"زاد المسير" 5/ 130.]].
هذا الذي ذكرنا تفسير الآية [[قال الطبري -رحمه الله- في "تفسيره" 15/ 231: وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال كما قال الله عز ذكره، ولبث أصحاب الكهف في كهفهم رقودًا إلى أن بعثهم الله ليتساءلوا بينهم وإلى أن أعثر عليهم من أعثر ثلاثمائة سنين، وذلك لأن الله بذلك أخبر في كتابه. وقال ابن كثير -رحمه الله- في "تفسيره" 3/ 89: والظاهر من الآية إنما هو أخبار من الله لا حكاية عنهم، ورواية قتادة قراءة ابن مسعود منقطعة، ثم هي شاذة بالنسبة إلى قراءة الجمهور فلا يحتج بها، والله أعلم. وانظر: "المحرر الوجيز" لابن عطية 9/ 283.]]، فأما إعرابها فقال ابن عباس في رواية عطاء: (نزل قوله: ﴿وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِائَةٍ﴾ فلم يدرِ رسول الله -ﷺ- أسنين، أم أشهر، أم أيام، أم ساعات، حتى نزل جبريل فقال: ﴿سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا﴾ [[ذكرت كتب التفسير نحوه. انظر: "جامع البيان" 15/ 231، و"الكشف والبيان" 3/ 389 أ، و"معالم التنزيل" 5/ 165، و"زاد المسير" 5/ 130، و"لباب النقول في أسباب النزول" 144، و"جامع النقول في أسباب النزول" 2/ 209.]]؛ ونحو هذا قال الضحاك، ومقاتل [["الكشف والبيان" 3/ 389 أ.]]. وعلى هذا أجاز ابن مجاهد الوقف على ثلاثمائة، لفصل ما بينهما في النزول [[ذكر نحوه بلا نسبة "المكتفى في الوقت والابتداء" 368.]]. والاختيار ترك الوقف؛ لأن سنين وإن نزل بعد ثلاثمائة فقد التحق به في قول جميع النحويين، وصار التقدير: سنين ثلاثمائة. قاله الفراء، والزجاج، وأبو عبيدة، والكسائي. وعلى هذا ﴿سِنِينَ﴾ في موضع نصب بالفعل [["معاني القرآن" للفراء 2/ 138، و"إعراب القرآن" للنحاس 2/ 272، و"معاني القرآن" للزجاج 3/ 278.]]. قال أبو إسحاق: (ويجوز في تقدير العربية أن يكون سنين معطوفًا على ثلاث، عطف البيان والتوكيد) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 278.]]. وقال أبو علي: ﴿سِنِينَ﴾ بدل من قوله: {ثَلَاثَ مِائَةٍ} وموضعه نصب، كما أن موضع المبدل منه كذلك وهذا كما تقول: أعطيته ألفا درهما ومائة أثوابا) [["الحجة للقراء السبعة" 5/ 141.]]. قال الفراء: (ويجوز أن يكون ﴿سِنِينَ﴾ نصبا بالتفسير للعدد، كما قال عنترة [[البيت لعنترة. كَخَافِية الغُرَاب: أواخر الريش من الجناح مما يلي الظهر، وسميت بذلك لخفائها.
والأسْحم: الأسود. والشاهد فيه قوله: (سودا) وهو حال من النكرة (حلوبة) في بعض التخريجات، وفيه دليل على مجيء صاحب الحال نكرة واستشهد به أبو حيان على نعت التمييز المفرد بالجمع مراعاة للمعنى. انظر: "ديوانه" ص 13، و"الحيوان" 3/ 425، و"خزانة الأدب" 7/ 390، و"شرح شذور الذهب" ص 311، و"شرح القصائد السبع" لابن الأنباري 305، و"شرح القصائد العشر" 217، و"المقاصد النحوية" 4/ 487.]]:
فيها اثنتان وأربعون حلوبةً ... سودًا كخافية الغراب الأسحم
[وهي جمع مفسرة كما يفسر الواحد) [["معاني القرآن" للفراء 2/ 138.]].
وقال أبو إسحاق: (وجائز أن يكون ﴿سِنِينَ﴾ من نعت المائة، وهو راجع في المعنى إلى ثلاث، كما قال الشاعر، وأنشد البيت)] [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 278.]] [[ما بين المعقوفين ساقط من الأصل ومثبت في بقية النسخ.]]. فجعل سودا نعتا للحلوبة، وهي في المعنى نعت لجملة العدد. وهذا القول أحسن من قول الفراء؛ لأنه جعل سودًا تفسيرًا للعدد، وليس كذلك تفسير العدد حلوبة، وسودًا نعت للحلوبة راجع إلى جملة العدد، كذلك قوله: ﴿سِنِينَ﴾ نعت المائة راجع إلى جملة العدد، وعلى هذا يكون ﴿سِنِينَ﴾ في محل الجر، غير أنه يفتح النعت بالسنين؛ لأنها اسم جامد فلا يحسن النعت بها.
وقد حصل في قوله: ﴿سِنِينَ﴾ خمسة أوجه من الإعراب: الظرف، وعطف البيان، والبدل، والتفسير، والنصت. هذا الذي ذكرنا وجه قراءة العامة وهو تنوين (مِائَةٍ)، وقراءة حمزة، والكسائي: "ثلاثمائةِ سنين" مضافة غير منونة [[قرأ نافع، وابن كثير، وأبو عمرو، وعاصم، وابن عامر: (ثلاث مائةٍ سنين) منونًا. وقرأ حمزة، والكسائي: (ثلاث مائةِ سنين) مضافًا غير منون. انظر: "السبعة" لابن مجاهد (390)، و"الحجة للقراء السبعة" 5/ 136، و"المبسوط" (234)، و"التبصرة" (248)، و"الكشف عن وجوه القراءات" 2/ 58، و"النشر" 2/ 310.]]، وهذه قراءة غير جيدة [[قول المؤلف -غفر الله له- هذه قراءة غير جيدة. غير جيد؛ لأنها قراءة سبعية صحيحة ثابتة عن النبي -ﷺ- فلا يجوز الطعن فيها.
قال ابن عطية في "تفسيره" 9/ 285: وهي قراءتنا معشر المغاربة ولا يقوم فيها مخالفة قانون النحاة المشار إليه بقول الخلاصة: ومائة والألف للفرد أضف. لأن القرآن برواية أهل السبع عن رسول -ﷺ- حجة على النحاة لا العكس، لا سيما وأبو علي الفارسي يرى أن قاعدة إضافة المائة إلى الفرد، أغلبية لا كلية مطردة، وبهذا يرد على من أنكر هذه القراءة.
وقال أبو حيان في "البحر المحيط" 6/ 117: وقرأ حمزة والكسائي مائة بغير تنوين مضافًا إلى سنين أوقع الجمع موقع المفرد، وأنحى أبو حاتم على هذه القراءة ولا يجوز له ذلك.]].
قال أبو الحسن: (لا يحسن إضافة المائة إلى السنين، لا تكاد العرب تقول: مائة سنين) [["الحجة للقراء السبعة" 5/ 137، و"مجمع البيان" 3/ 716.]].
وقال صاحب النظم: (من أضاف وأظهر العدد اعتسف) [[ذكر نحوه الفارسي في "الحجة للقراء السبعة" 5/ 137 بلا نسبة.]]. إلا أن أبا الحسن قال: (هو جائز، وقد يقوله بعض العرب) [["الحجة للقراء السبعة" 5/ 137.]].
قال الفراء: (مِنَ العرب من يضع السنين في موضع سنة، وهي حينئذٍ [[في (ص): (مسد)، وهو تصحيف.]] في موضع خفض لمن أضاف) [["معاني القرآن" للفراء 2/ 138.]].
وقوله تعالى: ﴿وَازْدَادُوا تِسْعًا﴾ قال أبو إسحاق: (لا يكون على معنى تسع ليال، ولا تسع ساعات؛ لأن العدد يعرف تفسيره، فإذا تقدم تفسيره استغنى بما تقدم عن إعادة ذكر التفسير، تقول: عندي مائة درهم وخمسة، فتكون الخمسة قد دل عليها ذكر الدراهم) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 279.]].
وقال أبو علي: (﴿وَازْدَادُوا تِسْعًا﴾ أي: ازدادوا لُبث تسع، فحذف المصدر وأقيم المضاف إليه مقامه، وانتصاب تسع انتصاب المفعول به لا انتصاب الظرف، كما أن المضاف لو ظهر وأضيف إلى التسع كان كذلك) [["الحجة للقراء السبعة" 1/ 323.]].
الكهف 18:26
قوله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا﴾ ذكرنا تفسيره في الآية المتقدمة.
وقوله تعالى: ﴿لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ ذكرنا تفسيره في آخر سورة هود [[عند قوله سبحانه في سورة هود الآية رقم (123): ﴿ولله غيب السموات والأرض وإليه يرجع الأمر كله فاعبده وتوكل عليه وما ربك بغافل عما تعملون﴾.]].
﴿أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ﴾ قال الأخفش: (أي ما أبصره وأسمعه! كما تقول: أكرم به! أي ما أكرمه! قال: ويدلك على ذلك أن العرب تقول: يا أمة الله أكرم يزيد! فهذا معناه ما أكرمه! ولو كان يأمرها أن تفعل شيئًا لقال: أكرمي زيدًا) [["معاني القرآن" للأخفش 2/ 618.]].
وقال الفراء: (﴿أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ﴾ يريد الله، كقولك: أكرم بعبد الله! ومعناه: ما أكرم عبد الله! وكذلك قوله: ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ﴾ [مريم: 38] ما أسمعهم وما أبصرهم!) [["معاني القرآن" للفراء 2/ 139.]].
وقال أبو إسحاق: قوله: (﴿أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ﴾ أجمع العلماء أن معناه: ما أسمعه وأبصره! أي: هو عالم بقصة أصحاب الكهف وغيرهم) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 280.]].
وقال أبو علي: (العرب تتسع فتقيم المثال الذي يختص بالأمر مقام الخبر، والمثل المختص بالخبر موقع الدعاء والأمر مما أقيم من أمثلة الأمر موقع الخبر قولهم: أكرم يزيد! وقوله تعالى: ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ﴾ [مريم: 38]، ومعنى هذا ما أكرم زيدًا، واسمعوا وأبصروا، أي: صار زيد ذا كرم، وصار هؤلاء ذوي أسماع وأبصار. قال: وموضع الباء مع ما بعده من المنجر رفع، كما أن الباء في: ﴿كَفَى بِاللَّهِ﴾ [العنكبوت: 52] كذلك فوقع مثال الأمر هاهنا موقع الخبر، كما وقع مثال الخبر موقع الأمر في الدعاء في مثل: غفر الله لزيد، وقطع الله يد فلان، وجاء في التنزيل: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ فِي الضَّلَالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا﴾ [مريم: 75] فهذا لفظه كلفظ أمثلة الأمر، ومعناه الخبر، ألا ترى أنه لا وجه للأمر هاهنا وأن المعنى مده الرحمن مدا، ويدلك على أن المراد بقوله: أكرم يزيد! أن معناه أنه قد كرم، وأن الكرم وما أشبهه من الأحداث لا يخاطب ولا يؤمر ولا ينهى، وأنه ليس للأمر هاهنا معنى ولا متوجه، وأيضًا فإنك إذا قلت: يا زيد أكرم بعمرو، فليس يخلو هذا الفعل من أن يكون له فاعل، وفاعله لا يخلو من أن يكون المخاطب أو المتعجب منه، فلو كان المخاطب لوجب أن يجمع الضمير في الفعل ويلحق علامة التأنيث، فلما لم يفعل من ذلك شيء، بل أجروا هذا الفعل بعد المذكر والمؤنث والجمع والتثنية مجرى واحد أعلم أن فاعله المتعجب منه دون المخاطب، وثبت أن الجار مع المجرور في موضع رفع) [[ذكر نحوه في "الحجة للقراء السبعة" 2/ 205.]].
هذا الذي ذكره أبو علي أصل هذا الكلام، وشرح وضعه، ثم صار من ألفاظ التعجب حتى لا فصل بين قولك: ما أحسن زيدًا! وقولك: أحسن بزيد، وإذا كان كذلك فقدله تعالى: ﴿أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ﴾ قال المفسرون: (ما أبصر الله بكل موجود، وأسمعه بكل مسموع) [["جامع البيان" 15/ 232، و"معالم التنزيل" 5/ 165، و"النكت والعيون" 3/ 300.]].
وقال ابن زيد: (معناه أنه يرى أعمال أهل السموات والأرض، ويسمع منهم) [["جامع البيان" 15/ 232، و"تفسير القرآن العظيم" 3/ 89.]]. هذا الذي ذكرنا إجماع من أهل العلم أن قوله: ﴿أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ﴾ معناه ما أبصره وأسمعه!.
وروى عطاء عن ابن عباس أنه قال: (معناه أبصر أوليائي بعجائب القرآن، وأسمع به أوليائي) [[ذكرت كتب التفسير نحوه بدون نسبة. انظر: "زاد المسير" 5/ 131، و"الجامع لأحكام القرآن" 10/ 388، و"روح المعاني" 15/ 155.]]. وعلى هذا ﴿أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ﴾ المراد به الأمر، والمفعول محذوف على تقدير: أبصرهم وأسمعهم، وقوله: ﴿بِهِ﴾ أي: بالقرآن، كأنه قيل: اجعلهم يبصرون بالقرآن غيري، وولايتي ويسمعون ذلك [["النكت والعيون" 3/ 300، و"زاد المسير" 5/ 131، و"الجامع لأحكام القرآن" 10/ 388. والحق أن يقال في تفسير هذه الآية: ما أبصره وما أسمعه -ﷺ- وذكر في كتاب الله -عز وجل- آيات كثيرة تدل على اتصافه سبحانه بالسمع والبصر الذي يليق بجلاله. وقال ابن سعدي في "تفسيره" 5/ 27: تعجب من كمال سمعه وبصره، وإحاطتهما بالمسموعات والمبصرات، بعد ما أخبر بإحاطة علمه بالمعلومات.]]. والقول الذي عليه الناس هو الأول.
وقوله تعالى: ﴿مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ﴾ قال المفسرون: (أي ليس لأهل السموات والأرض من دون الله) [["جامع البيان" 15/ 232، و"معالم التنزيل" 53/ 165، و"الكشاف" 2/ 387، و"زاد المسير" 5/ 131.]]. والكناية تعود إلى أهل السموات والأرض، وقد سبق ذكرهم في قوله: ﴿غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، وهم من غيبها، أي: مما غابوا فيها. وقال عطاء عن ابن عباس: (﴿مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ﴾ يريد قد عرفوا عظمتي وربوبيتي فلم يتخذوا من دوني وليًّا) [[ذكره الطبري في "جامع البيان" 15/ 232 بدون نسبة.]]. وعلى هذا الكناية في قوله تعود إلى المؤمنين خاصة من أهل السموات والأرض [["البحر المحيط" 6/ 117، و"روح المعاني" 15/ 256.]].
وقوله تعالى: ﴿وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا﴾ قال أبو إسحاق: (هذا على معنيين أحدهما: أنه جرى ذكر علمه وقدرته، فأعلم أنه لا يشرك في حكمه بما يخبر به من الغيب أحدًا كما قال: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا﴾ [الجن: 26]. ويكون على معنى: أنه لا يجوز أن يحكم حاكم إلا بما حكم الله، وبما دل عليه حكم الله، وليس لأحد أن يحكم من ذات نفسه فيكون شريكًا في حكمه يأمر بحكم كما أمر الله) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 280.]]. وقرأ ابن عامر: ولا تشرك [[قرأ ابن عامر الشامي: (ولا تشرك) بالتاء جزمًا. وقرأ نافع، وأبو عمرو، وابن كثير، وحمزة، وعاصم، والكسائي: (ولا يشرك) بالياء والرفع. انظر: "السبعة" (390)، و"الحجة للقراء السبعة" 5/ 141، و"الغاية في القراءات العشر" (306)، و"العنوان في القراءات السبع" ص 122، و"النشر في القراءات العشر" 2/ 310.]]، على معنى: ولا تشرك أنت أيها الإنسان في حكمه أحدًا، على النهي عن الإشراك في حكمه، أي: لا يكن كمن قيل فيه: ﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ)﴾ [الأعراف: 191]. وعلى هذه القراءة في الآية رجوع من الغيبة إلى الخطاب، والقراءة الأولى التي عليها العامة أشبه لتقدم اسم الغيبة، وهو قوله: ﴿مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ﴾، والهاء للغيبة فكذلك قوله: ﴿وَلَا يُشْرِكُ﴾ أي: ولا يشرك الله في حكمه أحدًا [["جامع البيان" 15/ 233، و"النكت والعيون" 3/ 300، و"زاد المسير" 5/ 131.]].
الكهف 18:27
قوله تعالى: ﴿وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ﴾ قال المفسرون: (معناه: أَتبع القرآن) [["جامع البيان" 15/ 233، و"معالم التنزيل" 5/ 165، و"المحرر الوجيز" 10/ 392، و"زاد المسير" 5/ 93.]].
وقوله تعالى: ﴿لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ﴾ قال ابن عباس: (يريد لمواعيده) [["معالم التنزيل" 5/ 165، و"روح المعاني" 15/ 257.]].
وإلي هذا أشار الزجاج فقال: (أي ما أخبر الله به، وما أخبر به فلا مبدل له) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 280. ويشهد لهذا قوله سبحانه في سورة الأنعام: == 115: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾]]. وعلى هذا المعنى: لا مبدل لحكم كلماته مما وعد به وأمر، وقال الكلبي: (لا مغير للقرآن) [["الكشف والبيان" 3/ 389/ ب، و"معالم التنزيل" 3/ 158.]].
وقوله تعالى: ﴿وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا﴾ قال مجاهد: (ملجأ) [["جامع البيان" 15/ 233، و"معالم التنزيل" 5/ 166، و"النكت والعيون" 3/ 301، و"تفسير القرآن العظيم" 3/ 90.]] وقال الفراء: (الملتحد: الملجأ) [["معاني القرآن" للفراء 2/ 398.]]. وقال أبو عبيدة: (معدلا) [["مجاز القرآن" 1/ 398.]].
وقال الزجاج: (أي لن تجد معدلا عن أمره ونهيه) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 280.]]. وأصل هذا الحرف: من الميل، ومن قال: ملجأ، فهو يؤول إلى هذا المعنى أيضًا؛ لأنك إذا لجأت إلى شيء فليس يكون إلا بالميل منك إليه، وذكرنا هذا الحرف عند قوله: ﴿لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ﴾ [النحل: 103].
وقال ابن زيد في هذه الآية: (لا تجدون من دونه ملجأ ولا أحدا يمنعكم) [["جامع البيان" 15/ 154.]].
الكهف 18:28
قوله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ مفسرا بما فيه من النزول، واختلاف القراءة في سورة الأنعام [[عند قوله سبحانه في سورة الأنعام: 52: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾.]].
وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ﴾ قال علي عن ابن عباس: (يقول لا تتعداهم إلى غيرهم) [["جامع البيان" 15/ 234.]]. وقال عطاء عنه: (يريد يصدهم بالنظر والمحبة لهم) [[ذكرت نحوه كتب التفسير بلا نسبة انظر: "جامع البيان" 15/ 234، و"بحر العلوم" 2/ 297، و"النكت والعيون" 3/ 302، و"المحرر الوجيز" 9/ 293، و"زاد المسير" 5/ 132.]].
وقال الفراء: (لا تصرف عيناك عنهم) [["معاني القرآن" للفراء 2/ 140.]].
وقال الزجاج: (لا تصرف بصرك إلى غيرهم من ذوي الهيئات والزينة) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 281.]]. والنهي في الظاهر واقع على العينين، والمراد منه صاحب العينين، وهو النبي -ﷺ-.
قوله تعالى: ﴿تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ قال المفسرون: (يعني مجالسة أهل الشرف والغنى) [["جامع البيان" 15/ 235، و"معالم التنزيل" 5/ 166، و"النكت والعيون" 3/ 302، و"زاد المسير" 5/ 133.]].
وقال أهل المعاني: (قوله: ﴿تُرِيدُ﴾ هاهنا في موضع الحال) [["الكشاف" 2/ 388، و"البحر المحيط" 6/ 119، و"الدر المصون" 7/ 474.]]، أي: مريدًا، نهي أن يرفع بصره عن ضعفاء المؤمنين مريدًا مجالسة الأشراف. وكان -ﷺ- حريصًا على إيمان الرؤساء طمعًا في إيمان أتباعهم، ولم ينسب إلى إرادة زينة الحياة الدنيا؛ لأنه لم يمل إلى الدنيا قط ولا إلى أهلها، وإنما كان يلين في بعض الأحيان للرؤساء طمعًا في إيمانهم، فعوتب بهذه الآية، وأمر بأن يجعل إقباله على المؤمنين، وأن لا يلتفت إلى غيرهم، ونهي أن يكون له حال يميل فيها إلى الأشراف دون الضعفاء، ومثل هذه الآية قوله: ﴿أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى (5) فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى﴾ [عبس: 5، 6].
وقوله تعالى: ﴿لَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا﴾ قال ابن عباس: (يريد عيينة وأباهه) [[ذكره البغوي في "معالم التنزيل" 5/ 166 بدون نسبة، و"زاد المسير" 5/ 133، و"الجامع لأحكام القرآن" 10/ 392.]]، أي: لا تطعهم في تنحية الفقراء عنك ليجلسوا إليك.
وسئل أبو العباس عن قوله: ﴿لَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا﴾ فقال: (من جعلناه غافلاً. قال: ويكون في الكلام أغفلته سميته غافلاً، ووجدته غافلاً) [["تهذيب اللغة" (غفل) 3/ 2681.]]، وتأويل ﴿أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا﴾ تركناه غُفْلا عن الذكر، كالأرض الغُفْل التي لا علامة بها، والكتاب الغُفْل الذي لا شكل عليه.
وقوله تعالى: ﴿وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ قال مجاهد: (ضياعا) [["جامع البيان" 15/ 236، و"معالم التنزيل" 5/ 167، و"زاد المسير" 5/ 133، و"الدر المنثور" 4/ 399.]]. وقال قتادة: (ضاع أكبر الضيعة) [["معالم التنزيل" 5/ 167.]]. وقال السدي: (هلاكا) [["جامع البيان" 15/ 236، و"بحر العلوم" 2/ 297.]].
وقال أبو الهيثم: (أمر فرط، أي: متهاون به) [["تهذيب اللغة" (فرط) 3/ 2773.]]. وشبه أن يكون أصل هذا من التفريط، وهو تقديم العجز، وهذا بمعنى قول أبي إسحاق [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 281.]]. ومن قدم العجز في أمره أضاعه وأهلكه، ومعنى هذا أنه ترك الإيمان والاستدلال بآيات الله واتبع هواه.
الليث: (الفَرَطُ: الأمر الذي يُفَرَّط فيه، تقول: كل أمر فلان فَرَط) [["التفسير الكبير" 16/ 118، و"تهذيب اللغة" (فرط) 3/ 2773.]]، ونحو هذا قال الفراء: (فُرُطا: متروكًا قد ترك فيه الطاعة) [["معاني القرآن" للفراء 2/ 140.]].
وقال ابن عباس في رواية عطاء: (يريد أنه أفرط في مسألته، وأحب أن يرتفع عند الله بغير تقوى) [[ذكر نحوه بلا نسبة الألوسي في "روح المعاني" 15/ 265.]]، يعني حين أراد مجالسة النبي -ﷺ- والقرب منه، والتقدم على أهل الإيمان من غير طاعة وتقى. وعلى هذا الفَرَط اسم من الإفراط وهو مجاوزة الحد، ونحو هذا روي عن مقاتل أنه قال في قوله: ﴿فُرُطًا﴾ قال: (سرفا) [["معالم التنزيل" 15/ 167، و"النكت والعيون" 3/ 302، و"البحر المحيط" 6/ 120، و"روح المعاني" 15/ 265.]]. فيحتمل أنه يريد بالمسرف ما ذكرنا عن ابن عباس، ويحتمل أن يريد ما ذكره الكلبي والفراء.
قال الكلبي: (قال عيينة: إنا رؤوس مضر [[مضر: نسبة إلى مضر بن نزار بن معد بن عدنان، وهو جد جاهلي تنتسب إليه كثير من القبائك العدنانية، وهو أخو ربيعة بن نزار. انظر: "سير ابن هشام" 1/ 73، و"الأنساب" 5/ 318، و"الإيناس بعلم الإنساب" ص 29، و"المنتخب في ذكر أنساب قبائل العرب" ص 403.]] وأشرافها، فإن نسلم يسلم الناس بعدنا) [[ذكر نحوه البغوي في "معالم التنزيل" 5/ 167، و"زاد المسير" 5/ 133، و"الجامع لأحكام القرآن" 10/ 392.]].
وقال الفراء: (إنه أفرط في القول فقال: نحن رؤوس مضر وأشرافها، وليس كذلك) [["معاني القرآن" للفراء 2/ 140.]]. وعلى هذا كان أمره فُرُطا لإفراطه في القول والبذخ حين قال: إنه رأس العرب وهم أتباعه على دينه. ويقال: أمر فُرُط، أي مجاوز فيه الحدود. روي عن أبي زيد البلخي أنه قال: (معناه: قدما في الشر) [[ذكره الأزهري في "تهذيب اللغة" بلا نسبة (فرط) 3/ 2773، و"لسان العرب" (فرط) 6/ 3391.]]. وعلى هذا أصله من قوله: فَرَطَ منه أمر، أي: سبق وبدر [[انظر: "تهذيب اللغة" (فرط) 3/ 2773، و"مقاييس اللغة" (فرط) 4/ 490، و"القاموس المحيط" (فرط) ص (681)، و"لسان العرب" 6/ 3391، و"الصحاح" (فرط) 3/ 1148. وقال الطبري -رحمه الله- في "تفسيره" 15/ 236: وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال معناه ضياعًا وهلاكًا من قولهم: أفرط فلان في هذا الأمر إفراطًا، إذا أسرف فيه وتجاوز قدره. وكذلك قوله ﴿وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ [الكهف: 28]، معناه وكان أمر هذا الذي أغفلنا قلبه عن ذكرنا في الرياء والكبر واحتقار أهل الإيمان سرفًا قد تجاوز حده فضيع بذلك الحق وهلك.]].
ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا﴾ [طه: 45]، ومنه يقال: فرس فُرُط، أي: سريعة، قال لبيد [[هذا عجز بيت لبيد، وصدره:
ولقد حميتُ الخيل تحمل سكَّتى
والفرَطُ: الفرس السريعة التي تتفرط الخيل أي تتقدمها. وشاحي، لجامها: أن الفرسان كان أحدهم يتوشح اللجام، وتوشحه إياه أن يلقيه على عاتقه ويخرج يده منه. انظر: "ديوانه" 315، و"تهذيب اللغة" (فرط) 3/ 2773، و"لسان العرب" (فرط) 6/ 3391، و"شرح القصائد العشر" للتبريزي 195.]]:
فُرُط وشاحي إذ غدوتُ لجامها
الكهف 18:29
قوله تعالى: ﴿وقُلِ﴾ قال عطاء عن ابن عباس: (وقيل يا محمد لمن جاءك من أهل الدنيا شريفًا أو وضيعًا) [[ذكرت كتب التفسير نحوه انظر: "جامع البيان" 15/ 237، و"بحر العلوم" 2/ 297، و"المحرر الوجيز" 9/ 294، و"تفسير القرآن العظيم" 3/ 91.]]. قال المفسرون: قل لهؤلاء الذين أمروك بتنحية الفقراء عنك، وإدناء مجلسهم ليؤمنوا بك.
وقوله تعالى: ﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ قال الكسائي: (يعني هو الحق من ربكم، وهو الإسلام) [[ذكره الألوسي في "روح المعاني" 15/ 266 ونسبه للكرماني.]].
وقال الأخفش: (أي قل: هو الحق) [["معاني القرآن" للأخفش 1/ 618.]].
قال أبو إسحاق: (أي الذي أتيتكم به الحق من ربكم) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 281.]]. وهذا معنى قول قتادة: (﴿الْحَقُّ﴾ هذا القرآن) [[ذكره الثعلبي في "الكشف والبيان" 3/ 389 ب بلا نسبة، والسمرقندي في "بحر العلوم" 2/ 297، والسيوطي في "الدر المنثور" 4/ 399 وعزاه لابن أبي حاتم.]].
وقوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ قال السدي: (هذا على وجه الوعيد) [[ذكره القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن" 10/ 325 بدون نسبة.]]. وقال قتادة: (إن ربكم بين ثم خير) [[لم أقف على القول. وقال الشنقيطي -رحمه الله- عند هذه الآية 4/ 92: المراد من الآية الكريمة ليس هو التخيير وإنما المراد بها التهديد والتخويف، والتهديد بمثل هذه الصيغة التي ظاهرها التخيير أسلوب من أساليب اللغة العربية، والدليل من القرآن العظيم على أن المراد في الآية التهديد والتخويف أنه أتبع ذلك بقوله: ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا﴾ [الكهف: 29] الآية، وهذا أصرح دليل على أن المراد التهديد والتخويف، إذ لو كان التخيير على بابه لما توعد فاعل أحد الطرفين المخير بينهما بهذا العذاب الأليم، وهذا أوضح كما ترى. وقال ابن == تيمية في "العقيدة الواسطية" 45: وأهل السنة وسط بين الجبرية والقدرية لأن الجبرية يثبتون قضاء الله في أفعال العبد ويقولون: إنه مجبر لا قدرة له ولا اختيار، والقدرية ينكرون قضاء الله في أفعال العباد ويقولون: إن العبد قادر مختار لا يتعلق فعله بقضاء الله. وأهل السنة يثبتون قضاء الله في أفعال العبد ويقولون: إن له قدرة واختيارًا أودعهما الله فيه متعلقتين بقضاء الله، فيثبتون للعبد مشيئة واستطاعة وهي القدرة إلا أنهما تابعان لمشيئة الله تعالى.]]؛ يعني التخيير الذي هو للتهديد، كما قال الزجاج: (هذا الكلام ليس بأمر لهم ما فعلوا منه فهم فيه مطيعون، ولكنه كلام وعيد وإنذار، قد بين بعده ما لكل فريق من مؤمن وكافر) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 281.]]. هذا الذي ذكرنا قول أكثر أهل التفسير [["جامع البيان" 15/ 237، و"معالم التنزيل" 5/ 167، و "المحرر الوجيز" 9/ 294.]].
وروى الوالبي عن ابن عباس والضحاك في هذه الآية يقول: (من يشاء الله له الإيمان آمن، ومن شاء الله له الكفر كفر) [["جامع البيان" 15/ 238، و"معالم التنزيل" 5/ 167، و"الدر المنثور" 4/ 399.]]. وهو كقوله: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [التكوير: 29]، فعلى هذا القول قوله: ﴿فَمَن شَآءَ﴾، أي: من شاء الله، فالمشيئة مسندة إلى الله.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا﴾ أي: هيأنا وأعددنا. ومضى الكلام في معنى الإعتاد [[عند قوله سبحانه في سورة النساء: 18: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾.]]. ﴿لِلظَّالِمِينَ﴾ الذين عبدوا غير الله تعالى [[ويشهد لهذا قوله تعالى في سورة لقمان (13): ﴿يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾.]].
﴿نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا﴾ معنى السرادق في اللغة: كل ما أحاط بشيء واشتمل عليه من ثوب أو حائط. وأكثر ما يستعمل في الفسطاط.
قال الليث: (السرادق: كالحجرة المحوطة من غزل غليظ منسوج مضرب الأسفار للملوك، والجمع: سرادقات) [["تهذيب اللغة" (سردق) 2/ 1669.]].
قال رؤبة [[هذا عجز بيت لرؤبة، وصدره:
يا حكم بن المنذر بن الجارود
انظر: "ديوانه" ص 172، و"الكتاب" 1/ 313، و"المفصل" 2/ 5، و"الدر المصون" 7/ 478، و"لسان العرب" (سردق) 4/ 1988.]]:
سرادق المجد عليك ممدود
قال الأزهري: (ويقال للغبار الساطع، والدخان الشاخص المحيط بالشيء: سرادق) [["تهذيب اللغة" (سردق) 2/ 1669.]].
قال لبيد يذكر الإبل [[البيت للبيد بن ربيعة العامري. السرادق هنا: الغبار الساطع، والدخان الشاخص المحيط بالشيء. انظر: "ديوانه" ص 108، و"تهذيب اللغة" (سردق) 2/ 1669 - 1670، و"المخصص" 10/ 66، و"لسان العرب" (سردق) 4/ 1989.]]:
رفعن سرادقًا في يوم ريح ... يصفق بين ميل واعتدال
هذا معنى السرادق في اللغة [[السرادق هو: كل ما أحاط بشيء نحو الشقة في المضرب، أو الحائط المشتمل على الشيء.
انظر: "تهذيب اللغة" (سردق) 2/ 1669، و"الصحاح" (سردق) 4/ 1496، و"القاموس المحيط" (السرادق) ص 893.]]. فأما التفسير فروى أبو سعيد الخدري عن النبي -ﷺ- قال: "سرادق النار أربع جدر، كثف كل جدار منها مسيرة أربعين سنة" [[أخرجه الترمذي في "جامعه" كتاب: جهنم، باب: ما جاء في صفة شراب أهل النار 4/ 609، والإمام أحمد في "مسنده" 3/ 29، وابن المبارك في "الزهد" 2/ 90، وأبو نعيم في "الحلية" 10/ 290، وابن الأثير في "جامع الأصول" كتاب: القيامة، باب: في ذكر الجنة والنار 10/ 514، والطبري في "جامع البيان" 15/ 239، والبغوي في "معالم التنزيل" 5/ 168، وابن كثير في "تفسير القرآن العظيم" 3/ 92، والسيوطي في "الدر المنثور" 4/ 399.]]
وقال الكلبي: (هو دخان يحيط بالكفار يوم القيامة) [["جامع البيان" 15/ 239، و"تفسير القرآن" للصنعاني 1/ 338، و"زاد المسير" 5/ 134.]]. وبهذا فسِّر قوله تعالى: ﴿وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ﴾ [الواقعة: 43]، وقوله: ﴿انْطَلِقُوا إِلَى ظِلٍّ ذِي ثَلَاثِ شُعَبٍ﴾ [المرسلات: 30] الآية؛ وهذا اختيار أبي عبيدة، وابن قتيبة [["تفسير غريب القرآن" لابن قتيبة 1/ 267، و"مجاز القرآن" لأبي عبيدة 1/ 398.]].
وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا﴾ قال المفسرون: أي مما هم فيه من العذاب وشدة العطش.
﴿يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ﴾ قال أبو عبيد: (المهل: كل فِلِزٍّ [[الفِلِزّ بكسر الفاء واللام وتشديد الزاي: نحاس أبيض تجعل منه القدور المفرغة، أو خبت الحديد، أو الحجارة، أو جواهر الأرض كلها، أو ما ينفيه الكير من كل ما يذاب منها. انظر: "تهذيب اللغة" (فلز) 3/ 2828، و"مقاييس اللغة" (فلز) 4/ 451، و"القاموس المحيط" (الفلز) ص (520)، و"لسان العرب" (فلز) 6/ 3460.]] أذيب) [["غريب الحديث" لأبي عبيد 3/ 217، و"تهذيب اللغة" (مهل) 4/ 3464.]].
وروي في حديث أبي بكر -رضي الله عنه- أنه أوصى في موضعه فقال "ادفنوني في ثوبي هذين، فإنما هما للمهل والتراب" [["المحرر الوجيز" 9/ 298، و"الجامع لأحكام القرآن" 10/ 395، و"تهذيب اللغة" (مهل) 4/ 3464، و"غريب الحديث" لأبي عبيد 3/ 217، و"الفائق في غريب الحديث" للزمخشري 3/ 395.]].
قال أبو عبيدة: (المهل في هذا الحديث: الصديد والقيح) [["تهذيب اللغة" (مهل) 4/ 3464.]].
وقال أبو عمرو: (المهل في شيئين: هو في حديث أبي بكر: القيح والصديد، وفي غيره: دردي الزيت) [["الجامع لأحكام القرآن" 10/ 395، و"تهذيب اللغة" (مهل) 4/ 3464.]].
وقال اليث: (المهل: ضرب من القطران، يقال: مَهَلْتُ البعير فهو مَمْهُول) [["تهذيب اللغة" (مهل) 4/ 3465.]].
وروى شمر عن ابن شميل: (المهل عندهم الملَّة إذا حميت جدًّا رأيتها تموج) [["تهذيب اللغة" (مهل) 4/ 3465.]].
وقالت العامرية: (المهل عندنا السُّمّ) [["الجامع لأحكام القرآن" 10/ 394 بلا نسبة، و"أضواء البيان" 4/ 95، و"تهذيب اللغة" مهل 4/ 3465.]]. هذا معنى المهل في اللغة، وهو على ستة معان. روى أبو سعيد الخدري عن النبي -ﷺ- في قوله: "بماء كالمهل" قال: "كعكر الزيت" [[أخرجه الإمام أحمد في "مسنده" 1/ 222، والترمذي في "جامعه" كتاب: جهنم، باب: في صفة شراب أهل النار 4/ 608 قال: هذا حديث إنما نعرفة من حديث رشدين بن سعد، وفي رشدين مقال، وقد تكلم فيه من قبل حفظه. وأخرجه ابن حبان في "صحيحه"، باب: صفة النار وأهلها 9/ 279، والطبري في "جامع == البيان" 25/ 132، والبغوي في "معالم التنزيل" 5/ 168، وابن كثير في "تفسيره" 3/ 92، والسيوطي في "الدر المنثور" 4/ 400، وابن حجر في "الكافي الشاف" (103) وقال: أخرجه الترمذي من طريق رشدين بن سعد عن عمرو بن الحارث عن دراج عن أبي الهيثم عن أبي سعيد، وتعقب قوله: بأن أحمد وأبا يعلى أخرجاه من طريق ابن لهيعة من دراج، وبأن ابن حبان والحاكم أخرجاه من طريق ابن وهب عن عمرو بن الحارث.]].
وهو قول ابن عباس في رواية سعيد بن جبير قال: (كدردي الزيت) [["جامع البيان" 15/ 158، و"بحر العلوم" 3/ 297، و"معالم التنزيل" 3/ 160، و"تفسير القرآن العظيم" 3/ 84، و"الجامع لأحكام القرآن" 10/ 394.]]. ونحو هذا روى عنه الوالبي والعوفي [["النكت والعيون" 3/ 303، و"زاد المسير" 5/ 95.]]. وقال مجاهد: "كالمهل" (القيح والدم) [["جامع البيان" 15/ 158، و"معالم التنزيل" 3/ 160، و"النكت والعيون" 3/ 303، و"تفسير القرآن العظيم" 3/ 84.]].
وقال عطاء عن ابن عباس: (هو عكر القطران) [["الجامع لأحكام القرآن" 10/ 394، و"البحر المحيط" 6/ 121.]].
وروى قتادة والحسن عن ابن مسعود: (أنه سئل عن المهل، فدعا بذهب وفضة فخلطهما، فأذيبا حتى إذا أزبدا وانماعا قال: هذا أشبه شيء في الدنيا بالمهل الذي هو شراب أهل النار) [["جامع البيان" 15/ 158، و "الكشف والبيان" 3/ 389، 7ب، و"معالم التنزيل" 3/ 160، و"المحرر الوجيز" 10/ 396، و"زاد المسير" 5/ 95، و"الدر المنثور" 4/ 400.]]. وإلى هذا القول ذهب من قال في تفسير المهل: هو الذي قد انتهى حره؛ لأنه لا شيء أشد حرارة من هذه الجواهر إذا أذيبت. وهذا القول هو اختيار الزجاج فقال: (يعني أنهم يغاثون بماء كالرصاص المذاب والصُّفْر أو الفضة) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 282.]].
وقوله تعالى: ﴿يَشْوِي الْوُجُوهَ﴾ يقال: شويتُ اللحم أشويه شيًّا، فإذا شويته لنفسك خاصة قلت: أشويت. قال لبيد [[هذا عجز بيت للبيد، وصدره:
أو نهته فأتاه رزقه
اجتمل: انتفع بالشحم، والشحم يسمى الجميل. انظر: "ديوان لبيد" ص 140، و"مقاييس اللغة" (شوى) 3/ 225، و"لسان العرب" (شوا) 4/ 2367.]]:
فاشتوى ليلة ريحٍ واجتمل
وانشوى اللحم انشواء، ويقال: اشتوى أيضًا بهذا المعنى [[انظر: "تهذيب اللغة" (شوى) 2/ 1950، و"مقاييس اللغة" (شوى) 3/ 224، و"لسان العرب" (شوا) 4/ 2367، و"مختار الصحاح" (شوى) ص (148).]].
روى الخدري عن النبي -ﷺ- في هذه الآية قال: "فإذا قربه إليه سقط فروة وجهه فيه" [[أخرجه الإمام أحمد في "مسنده" 1/ 222، والترمذي في "جامعه" كتاب: جهنم، باب: ما جاء في صفة شراب أهل النار 4/ 608، وقال: هذا حديث إنما نعرفه من حديث رشدين بن سعد، وفي رشدين مقال، وقد تكلم فيه من قبل حفظه. وأخرجه ابن حبان في "صحيحه"، باب: صفة النار وأهلها 9/ 279، وأخرج نحوه الحاكم في "مستدركه" كتاب: التفسير، سورة الكهف 2/ 368، والطبري في "جامع البيان" 15/ 241، وابن كثير في "تفسير القرآن العظيم" 3/ 92، والسيوطي في "الدر المنثور" 4/ 400.]].
وقال ابن عباس: (يشويه حتى يسقط لحم وجهه) [[ذكرته كتب التفسير بدون نسبة.]]. ثم ذمه فقال: ﴿بِئْسَ الشَّرَابُ﴾ هذا الماء الذي وصفنا. ﴿وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا﴾ أي: ساءت النار مرتفقا، وهو نصب على التمييز [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 282.]]. ومعنى المرتفق في اللغة: ما يرتفق به [[انظر: "القاموس المحيط" (الرفق) ص 887، و"الصحاح" (رفق) 4/ 1482، و"لسان العرب" (رفق) 3/ 1696.]].
قال ابن عباس: (يريد وبئس ما ارتفقوا به) [[ذكرت كتب التفسير نحوه بدون نسبة. انظر: "جامع البيان" 15/ 241، و"بحر العلوم" 2/ 298، و"زاد المسير" 5/ 136، و"تفسير القرآن العظيم" 3/ 92.]]. واختلفت العبارات عن المفسرين في هذا، فقال مجاهد: (مجتمعا) [["جامع البيان" 15/ 158، و"معالم التنزيل" 5/ 168، و"المحرر الوجيز" 9/ 299، و"النكت والعيون" 3/ 303.]].
وقال عطاء: (مقرًّا) [["معالم التنزيل" 5/ 168، و"الجامع لأحكام القرآن" 10/ 395، و"البحر المحيط" 6/ 121، و"روح المعاني" 15/ 269.]]. وقال الزجاج: (منزلا) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 282.]].
وقال ابن قتيبة: (مجلسا) [["تفسير غريب القرآن" لابن قتيبة 1/ 267.]]. ومعنى هذه الألفاظ واحد، وهي كلها ترجع إلى أصل واحد، فيجوز أن ترجع إلى ما ذكرنا، وذلك أن المنزل والدار مما يرتفق به، ويجوز أن يكون أصلها من الارتفاق وهو الاتكاء على المرفق، ومنه قول الهذلي [[هذا صدر بيت لأبي ذؤيب الهذلي، ورد برواية:
نام الخلي وبت مشتجرا ... كأن عيني فيها الصاب مذبوح
الخليُّ: الذي ليس به هم. والصَّابُ. شجر بتهامة إذا قطع منه عود خرج منه لبن == إذا أصاب العين أحرقها. انظر: "ديوان الهذليين" 1/ 104، و"شرح أشعار الهذليين" 1/ 120، و"الدر المصون" 7/ 485، و"الجامع لأحكام القرآن" 10/ 395، و"لسان العرب" (صوب) 4/ 2520.]]: نام الخلي وبتُّ مرتفقا
وهذا قول ابن السكيت في قوله: ﴿مُرْتَفَقًا﴾ قال: (متكأ) [["تهذيب اللغة" (رفق) 2/ 1444.]]. وكل موضع نزلته وقعدت فيه فهو مرتفق لك ومتكأ.
الكهف 18:30
ثم ذكر ما وعد المؤمنين فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ الآية. واختلف النحويون في جواب ﴿إِنَّ﴾ الأولى، فذكر أبو إسحاق وأبو علي فيه ثلاثة أوجه:
أحدها: أن خبره قوله: ﴿إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا﴾ على إضمار منهم، فحذف الراجع من الخبر؛ لأنه معلوم أن الله إنما لا يضيع أجر من أحسن عملاً من المؤمنين، فأما من أحسن عملاً من غير المؤمنين فإن الله يحبط عمله.
الوجه الثاني: أن المعنى إنا لا نضيع أجرهم، إلا أنه وقع المظهر موقع المضمر؛ لأن من أحسن عملاً في المعنى الذين آمنوا وعملوا الصالحات.
الوجه الثالث: أن الخبر قوله: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ﴾ ويكون قوله: ﴿إِنَّا لَا نُضِيعُ﴾ اعتراضًا بين الاسم والخبر، وجاز ذلك؛ لأن من أحسن عملاً بمنزلة الذين آمنوا [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 283، و"الجحة" للقراء السبعة 3/ 63.]]. وذكر الفراء وجهين آخرين أحدهما: (أن قوله: ﴿إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ﴾ من عمل صالحًا، فترك الكلام الأول واعتمد على الثاني كقول الشاعر [[البيت لجرير، وصدره:
يكفي الخليفة أن الله سربله
انظر: "ديوان جرير" ص 431، و"معاني القرآن" للفراء 2/ 140، و"خزانة الأدب" 4/ 344، و"البحر المحيط" 6/ 121، و"الدر المصون" 7/ 481، و"معجم الشواهد النحوية" ص 595، و"المعجم المفصل في شواهد النحو الشعرية" 2/ 883، و"أبيات النحو في تفسير البحر المحيط" ص 313.]]:
إنَّ الخليفة إنَّ الله سربله ... سربال ملك به تزجى الخواتيم
الثاني: أن يجعل ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ في مذهب جزاء ويضمر، فيصير كأنك قلت: إن من عمل صالحًا فإنا لا نضيع أجره) [["معاني القرآن" للفراء 2/ 140.]]. والقول ما ذكره أبو إسحاق وأبو علي [[انظر: "إعراب القرآن" للنحاس 2/ 273، و"إملاء ما من به الرحمن" 1/ 398، و"البحر المحيط" 6/ 121، و"الدر المصون" 7/ 481.]].
الكهف 18:31
قوله تعالى: ﴿يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ﴾ قال أبو إسحاق: (أساور جمع أسورة، وأسورة جمع سوار، يقال: سوار في اليد بالكسر، وقد حُكي: سوار، وحكى قطرب: إسوار، وذكر أن أساور جمع إسوار)؛ انتهى كلامه [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 283.]]. وقال أبو زيد: (هو سوار المرأة، وسوار المرأة، وأسورة لجماعتها، وهما قلبان يكونان في يدها) [[ذكر نحوه "تهذيب اللغة" (سار) 2/ 1594 بلا نسبة، وكذلك الصحاح (سور) 2/ 690.]].
قال أبو علي: (قول من قال: سوار صحيح، يدل عليه قوله [[البيت لعدى بن زيد العبادي، وصدره:
عن مبرقات بالبرين وتبدو= المبرقات: النساء المتزينات والبرين: جمع برة، وهو الحلي. وسور: جمع سوار. انظر: "ديوان عدي" ص 127، و"الكتاب" لسيبويه 4/ 359، و"المخصص" 4/ 46، و"المنصف" 1/ 338، و"الحجة للقراء السبعة" 2/ 150، و"شرح المفصل" 5/ 44، و"شرح الكافية" لابن مالك 4/ 1837، و"اللسان" (لمع) 7/ 4074.]]: وفي الأكفِّ اللامعات سور
ففعل يجمع به هذا النحو، فأما من حكى أسوار فهذا الضرب من الأسماء قليل جدًّا، إلا أن الثقة إذا حكى شيئًا لزم قبوله، ونظيره قولهم: الإعصار، والإسكان، ولا يجوز عندي أن يكون الجمع الذي جاء في التنزيل مكسرا على هذا الواحد، ألا ترى أنه لو كان كذلك لوجب ثبات الياء في التكسير ليكون على زنة: دنانير؛ لأن حرف اللين إذا كان رابعًا في الواحد، ثبت أنه الآخر الذي هو سوار جمع على أسورة، ثم جمع أسورة على أساور، كما حكى سيبويه من جمعهم أسقية على: أساق [["الكتاب" لسيبويه 3/ 230]]. ولو كان أساور التي في التنزيل جمع: أسوار، لكان يجب أن يكون أساوير، فلما كانت بغير الياء كانت جمع: سِوَار، كما أن أسقية جمع: سقاء، ثم جمع على: (أساق) [["الإغفال فيما أغفله الزجاج من المعاني" لأبي علي الفارسي ص 940.]].
قال سعيد بن جبير: (على كل واحد منهم ثلاثة من الأساور، واحد من فضة، وواحد من ذهب، وواحد من لؤلؤ ويواقيت) [["معالم التنزيل" 5/ 169، و"زاد المسير" 5/ 137، و"الجامع لأحكام القرآن" 10/ 396.]]. وقال أهل المعاني: (السوار: زينة تلبس في الزند من اليد، وهو من زينة الملوك تسور في اليد وتتوج على الرأس) [[انظر: "تهذيب اللغة" (سار) 2/ 1594، و"الصحاح" (سور) 2/ 690، و"لسان العرب" (سور) 4/ 2148.]].
ويروى: (أن كسرى كان له تاج وسواران، فأتي بها عمر -رضي الله عنه-) [[ذكره ابن حجر في الإصابة في "تمييز الصحابة" 3/ 69 عند ترجمة سراقة بن مالك -رضي الله عنه-، و"أسد الغابة" 2/ 180 ترجمة سراقة بن مالك.]].
وقوله تعالى: ﴿مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ﴾ قال الزجاج: (هما نوعان من الحرير) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 284.]].
وقال المفسرون: (السندس: ما رقَّ من الديباج، والإستبرق: مما غلظ منه) [["جامع البيان" 15/ 243، و"معالم التنزيل" 5/ 169، و"المحرر الوجيز" 9/ 302.]] قال المرقش [[ربيعة بن سعد بن مالك، ويقال هو: عمرو بن سعد بن مالك بن ضبيعة بن قيس بن ثعلبة، أحد المتيمين، كان يهوى ابنة عمه أسماء بنت عوف بن مالك، وهو شاعر جاهلي، عرف بالشجاعة والقوة، والمرقش لقب غلب عليه، بسبب قوله بيت من الشعر فلقب به. انظر: "الشعر والشعراء" ص 119، و"خزانة الأدب" 8/ 313.]] [[البيت للمرقش ذكرته كتب التفسير بدون نسبة. انظر: "جامع البيان" 15/ 243، و"النكت والعيون" 3/ 305، و"الجامع لأحكام القرآن" 10/ 397، و"الدر المصون" 7/ 484، و"فتح القدير" 3/ 404.]]:
تراهنَّ يلبسن المشاعر مرَّةً ... وإستبرق الديباج طورًا لباسها
وهو اسم أعجمي أصله بالفارسية: [استبر، ونقل من العجمية إلى العربية، كما سمي الديباج، وهو منقول من الفارسية] [[ما بين المعقوفين ساقط من الأصل.]].
قال أبو علي: (الإستبرق لا تخلو حروفه من أن تكون أصولًا كلها أو بعضها أصولًا وبعضها زائدًا، ولا يجوز أن تكون أصولا؛ لأنه ليس من كلامهم في الأسماء والأفعال ما هو على ستة أحرف أصول، ولا يجوز أن تكون الهمزة وحدها زائدة؛ لأنها لم تلحق زائدة أول بنات الأربعة، فإن لا تلحق أوائل بنات الخمسة أجدر، فإذا لم يجز هذا فلابد من أن ينضم إليها في الزيادة غيرها، فلا يجوز أن تكون السين؛ لأنها لم تزد مع الهمزة أولاً، ولا يجوز أيضًا أن تكون التاء مع الهمزة، كما لم يجز أن تكون السين، فإذا لم يجز هذا علمت أن الزيادة، وهي التاء والسين مع الهمزة، وأن الكلمة من الثلث، ولما نقلت فأعربت وافق التعريب وزن استفعل الذي هو مثال من أمثلة الماضي، إلا أن الهمزة منه قطعت لينقل من مثال الفعل إلى الاسم، وكان قطع الهمزة أحد ما نقل به الفعل إلى أحكام الاسم، وجعل النحويون هذا الحرف ومجيء الهمزة مقطوعة فيه أصلاً لجميع ما أوله همزة موصولة إذا نُقل سمي به، فقطعوا الهمزة في جميع ذلك، يقال: لو سميت رجلاً بأضرب وأشرب أو أقتل قطعت الهمزة في جميع ذلك؛ لأنه ليس من حكم الاسم أن يلحق همزة الوصل أولها، والحروف التي لحقت همزة الوصل أولها كما لابن والاسم أشبهت الأفعال عند النحويين لما لحق أواخرها الحذف الذي يلحق الأفع الذي الجزم، فلحق أولها همزة الوصل أيضًا لهذه المشابهة التي بينها) [[ذكر نحوه مختصرًا في "الإغفال فيما أغفله الزجاج من المعاني" (944).]].
وروي عن ابن محيصن [[محمد بن عبد الرحمن بن محيصن السهمي، إمام فاضل، علم بالقراءات، ثقة محدث، قرأ القرآن على عدد من أصحاب النبي -ﷺ-، وقرأ عليه عدد من التابعين، توفي -رحمه الله- في مكة سنة 123 هـ. انظر: "الوافي بالوفيات" 3/ 223، == و"غاية النهاية" 2/ 167، و"معرفة الكبار" 1/ 98، و"تهذيب التهذيب" 7/ 474، و"شذرات الذهب" 1/ 162.]] أنه كان يقرأ: واستبرق، موصولة الألف مفتوحة الآخر على مثال الماضي [["المحتسب" لابن جني 2/ 29، و"القراءات الشاذة" للقاضي ص 63، و"إتحاف فضلاء البشر" 2/ 213.]]، نحو: استفعل، وذلك لا يجوز؛ لأنه ليس هذا الحرف استفعل من برق، وإنما وافق اللفظ، واللفظ في التقريب [كما أن سراويل في التقريب] [[ما بين المعقوفين ساقط من الأصل ومثبت في بقية النسخ.]] وافق هذا اللفظ وإن لم يكن في كلامهم، وإذا كان كذلك لم يتبع أن يجعل مثال الماضي، ولكنه اسم جنس، يدلك على ذلك دخول لام المعرفة عليه، والجار في نحو قوله: ﴿بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ﴾ [الرحمن: 54]. وإذا كان كذلك ففتحه لا يجوز إذ ليس بفعل، وإذا لم يكن فعلاً كان اسمًا أعجميًّا [معربًا واقعًا على الجنس، كما أن السندس والخَزّ [[الخَزُّ: نوع منه الثياب معروف مشتق منه، عربي صحيح، وهو من الجواهر المصوف بها. انظر: "القاموس المحيط" (الخز) ص 510، و"الصحاح" (خزز) 3/ 877، و"لسان العرب" (خزز) 2/ 1149، و"مختار الصحاح" (خزز) ص (73).]] كذلك] [[ما بين المعقوفين ساقط من الأصل ومثبت في بقية النسخ.]] كان بمنزلة الديباج والفِرنْد [[الفِرِنْدُ: دخيل معرب وهو اسم للثوب. ويطلق على السيف. انظر: "تهذيب اللغة" (فرند) 3/ 2783، و"القاموس المحيط" (الفرند) ص 306، و"الصحاح" (فرند) 2/ 519، و"لسان العرب" (فرند) 6/ 3405.]]، والبَرِيم [[البَرِيْمُ: ثوب فيه قز وكتان. وقيل: خيط ينظم فيه خرز فتشده المرأة على حقويها. انظر: "تهذيب اللغة" (برم) 1/ 321، و"معجم مقاييس اللغة" (برم) 1/ 231، و"الصحاح" (برم) 5/ 1869.]]، ونحو ذلك من الأسماء المنقولة نكرة، وليس من باب إبراهيم وإسماعيل، وإذا كان من هذا الضرب لم يكن فيه إلا الصرف إلا أن يُسمَّى به شيء فينضم إلى مثال الفعل التعريف، فإذا لم يكن كذلك فترك الصرف فيه لا يستقيم.
وقوله تعالى: ﴿مُتَّكِئِينَ فِيهَا﴾ يقال: اتكأ الرجل، وأصله: اوتكا، مثل: اتزن من الوزن، والتُكأة أصلها: وُكأة، ومنه التَّوكؤ، وهو: التحامل على الشيء، قال الله تعالى: ﴿قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا﴾ [طه: 18]؛ ورجل تُكأة إذا كان كثير الاتِّكاءِ، وهو في الأصل وكأة، فقلبت الواو تاء كما قالوا: تكلة في موضع وكلة ويقال: تكأ الرجل يتكئ مثل اتكأ، وأوكأت فلانًا إذا نصبت له متكأ [[انظر: "تهذيب اللغة" (تكئ) 1/ 445، و"الصحاح" (وكأ) 1/ 82، و"لسان العرب" (وكأ) 8/ 4904.]].
وقوله: ﴿عَلَى الْأَرَائِكِ﴾ جمع أريكة. قال الليث: (وهي سرير حجلة، فالحجلة والسرير أريكة، وجمعها: أرائك) [[ذكرته كتب اللغة بدون نسبة. انظر: "تهذيب اللغة" (أرك) 1/ 149، و"تاج العروس" (أرك) 13/ 504، و"القاموس المحيط" (الأراك) ص 931، و"لسان العرب" (أرك) 1/ 64 وقال: هي الأسرة، وهي في الحقيقة الفرش، كانت في الحجال أو في غير الحجال، وقِل: الأريكة لسرير منجد مزين في قبة أو بيت فإذا لم يكن فيه سرير فهو حجلة.]]. وهو قول المفسرين؛ قال ابن عباس ومجاهد: ﴿الْأَرَائِكِ﴾ هو: السُّرر في الحجال) [["جامع البيان" 15/ 243، و"تفسير القرآن" 3/ 93، و"الجامع لأحكام القرآن" 10/ 398، و"الدر المنثور" 4/ 403.]]. ولا يكون أريكة حتى يكون السرير في الحجلة.
وقال أبو إسحاق: (﴿الْأَرَائِكِ﴾: الفرش في الحجال) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 284.]].
قال ابن عباس [["الجامع لأحكام القرآن" 10/ 398.]]: (يريد الأَسِرَّة من ذهب مكللة بالدر والياقوت عليها الحجال، الأريكة ما بين صنعاء [[صنعاء: موضعان أحدهما: باليمن وهي العظمى، وأخرى: قرية بالغوطة من دمشق، وصنعاء اليمن: اسمها قديمًا أزال، وبينها وبين عدن ثمانية وستون ميلاً، وهي قصبة اليمن، وأحسن بلادها، وقيل: سميت بصنعاء بن أزال بن يقطن بن عابر وهو الذي بناها، وأثنى عليها العلماء ومدحوها ونسب إليها خلق كثير.
وصنعاء دمشق: قرية كانت في جانبها الغربي على باب دمشق دون المزة، مقابل مسجد خاتون خريت، وهي اليوم مزرعة وبساتين وقد خربت من العمران، وينسب إليها جماعة من المحدثين والعلماء. انظر: "معجم البلدان" 3/ 425، و"تهذيب الأسماء واللغات" 3/ 182، و"معجم ما استعجم" ص 843.]] إلى أيلة [[أيلة: بالفتح مدينة على ساحل بحر القلزم، مما يلي الشام، وقيل: هي مدينة عامرة في بلاد الشام بين الفسطاط ومكة على شاطى بحر القلزم، وقيل: سميت بأيلة بنت مدين بن إبراهيم -عليه السلام-. انظر: "معجم البلدان" 1/ 292، و"تهذيب الأسماء واللغات" 3/ 19.]]، وما بين عدن [[عدن بالتحريك وآخره نون، وهو من قولهم: عدن بالمكان إذا أقام به، وبذلك سميت عدن، وهي مدينة مشهورة على ساحل بحر الهند من ناحية اليمن، وهذا الموضع هو مرفأ مراكب الهند والتجار يجتمعون إليه، لأجل ذلك فإنها بلدة تجارة وعدن جنوبية تهامة وهو أقدم أسواق العرب، وقيل: سميت عدن: بعدن بن سينان بن نفيشان بن إبراهيم. وقيل غير ذلك. انظر: "معجم البلدان" 4/ 89، و"معجم ما استعجم" 3/ 924، و"تهذيب الأسماء واللغات" 3/ 55.]] إلى الجابية [[الجابية: قرية من أعمال دمشق، ثم من أعمال الجيدور من ناحية الجولان قرب مرج الصقر في شمالي حوران، وهي قرية معروفة بجنب نوى على ثلاثة أميال منها من جانب الشمال، وإلى هذه القرية ينسب باب الجابية أحد أبواب دمشق، وسميت الجابية تشبيهًا بما يجبى فيه الماء، فإن الجابية اسم للحوض، فسميت == جابية لكثرة مياهها، وقيل: سميت بذلك لاجتماع الناس بها وكثرتهم فيها لكونها أرضًا خصبة. انظر: "معجم البلدان" 2/ 19، و"تهذيب الأسماء واللغات" 3/ 60.]]). وما نزلت من الصفة أعظم.
وقوله تعالى: ﴿نِعْمَ الثَّوَابُ﴾ قال: يريد طاب ثوابهم وعظم، ﴿وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا﴾ يعني حسنت الأرائك مرتفقا، أي: موضع ارتفاق، بمعنى اتكأ؛ قاله الفراء في المصادر [[ذكره الأزهري في "تهذيب اللغة" بلا نسبة (رفق) 2/ 1444، وابن منظور في "لسان العرب" (رفق) 3/ 1695.]]. ومر معنا تفسير المرتفق آنفًا.
الكهف 18:32
قوله تعالى: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ﴾ الآية، قال ابن عباس في رواية عطاء: (يريد ابني ملك كان في بني إسرائيل توفي وترك ابنين، فاتخذ أحدهما القصور والأجنة، والآخر كان زاهدًا في الدنيا، راغبًا في الآخرة، فكان إذا عمل أخوه شيئًا من زينة الدنيا أخذ مثل ذلك فقدم لآخرته، واتخذ به عند الله الأجنة والقصور، حتى نفذ ماله. فضربهما مثلاً للمؤمن والكافر الذي أبطرته النعمة) [["معالم التنزيل" 5/ 169 - 170، "المحرر الوجيز" 9/ 305 - 306، "النكت والعيون" 3/ 306، "زاد المسير" 5/ 138 - 139.]].
وقال الكلبي: (هما أخوان من بني مخزوم [[بني مخزوم: هذه النسبة ترجع إلى قبيلتين: إحداهما تنسب إلى بني مخزوم بن عمرو، ومخزوم قريش هو: مخزوم بن يقظة بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب، وقد نسب إلى هذه القبيلة خلق كثير، وأما مخزوم بن المغيرة فقد نسب إليه عدد كبير.
انظر: "الأنساب" 5/ 225، "اللباب" 4/ 179، "نهاية الأرَب" (281)، "الاشتقاق" 2/ 269.]]: أحدهما مؤمن وهو: أبو سلمة عبد الله بن عبد الأسد [[عبد الله بن عبد الأسد بن هلال بن عبد الله بن عمر بن مخزوم المخزومي، أبو سلمة المكي، أمه برة بنت عبد المطلب، وكان أخًا للنبي -ﷺ- من الرضاعة، هاجر الهجرتين، وشهد بدرًا مع النبي -ﷺ-، توفي -رضي الله عنه- بالمدينة في حياة النبي -ﷺ- في السنة الرابعة من الهجرة، فتزوج النبي -ﷺ- بزوجته أم سلمة -رضي الله عنه-.
انظر: "أسد الغابة" 3/ 190، "الإصابة في تمييز الصحابة"، "سيرة ابن هشام" 1/ 252، "تهذيب التهذيب" 5/ 251.]] زوج أم سلمة. والآخر: كافر وهو: الأسود [["الكشف والبيان" 3/ 389 ب، "بحر العلوم" 2/ 298، "معالم التنزيل" 5/ 169 - 170، "الكشاف" 2/ 389، "الجامع لأحكام القرآن" 10/ 399.]].
قال أبو إسحاق: (كان المشركون سألوا النبي -ﷺ- بمشورة اليهود عن قصة أصحاب الكهف، وعن الروح، وعن هذين الرجلين فأعلمه الله الجواب؛ لأنه مثل له -ﷺ- وللكفار، ومثل لجميع من آمن بالله، وجميع من عَنَدَ عنه وكفر به) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 284.]]. فقال: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ﴾ منصوب [[في (ص): (رجلين منصوب).]] على معنى المفعول.
وقوله تعالي: ﴿وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ﴾ الحفُّ: الإطافة بالشيء، يقال: حفَّ القوم بسيدهم يَحُفُّون بضم الحاء إذا أطافوا به وعكفوا [[انظر: "تهذيب اللغة" (حف) 1/ 869، "الصحاح" (حف) 4/ 1344، "القاموس المحيط" (حف) ص 801، "لسان العرب" (حفف) 2/ 930.]]، ومنه قوله: ﴿حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ﴾ [الزمر: 75]. والمعنى: جعلنا النخل مطبقًا بها ﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا﴾ أي: بين الجنتين ﴿زَرْعًا﴾ ثم أخبر أنهما كاملتان في مادة حملهما وأعنابهما، والزرع الذي بينهما.
الكهف 18:33
فقال: ﴿كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا﴾ ذكرنا الكلام في (كلا) عند قوله: ﴿أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا﴾ [الإسراء: 23]، وأما ﴿كِلْتَا﴾ فذهب سيبويه إلى أنها فعلى بمنزلة الذكرى، وأصلها كلوى، فأبدلت الواو تاء كما أبدلت في أنحت وبنت [["الكتاب" لسيبويه 3/ 364.]]. والذي يدل على أن لام "كلتا" معتلة قولهم في مذكرها: كِلَى، وكِلَى فِعَل، ولامه معتلة بمنزلة لام حِجَى وَرِضَى، وهما من الواو لقولهم: حَجَى يَحْجُو، والرضوان، ولذلك مثلها سيبويه بما اغتسلت لامه فقال: (هي بمنزلة شروى) [["الكتاب" لسيبويه 3/ 364.]].
وأما أبو عمرو الجرمي فذهب إلى أنها معتلة وأن التاء فيها علامة تأنيثها [[انظر: "الجامع لأحكام القرآن" 10/ 402، "البحر المحيط" 6/ 123، "الدر المصون" 7/ 336، "روح المعاني" 15/ 274.]]. وخالف سيبويه، وشهد بفساد هذا القول أن التاء لا تكون علم تأنيث الواحد إلا وقبلها فتحة، مثل: حَمْزَة وطلحة وقاعدة، أو تكون قبلها ألف نحو: سعلاة وعزهاة، والسلام في كلتا ساكنة كما ترى. ووجه آخر: أن علامة التأنيث لا تكون أبدًا وسطا، إنما تكون آخرا لا محالة، وكلتا اسم مفرد يفيد معنى التثنية فلا يجوز أن يكون علامة تأنيثه التاء، وما قبلها ساكن، وأيضًا فإن فعلى مثال لا يوجد في الكلام أصلاً، فيحمل هذا عليه، فإن سميت بـ (كلتا) رجلاً لم تصرفه في قول سيبويه معرفة ولا نكرة؛ لأن ألفها للتأنيث بمنزلة ألف ذكرى، وتصرفه نكرة في قول أبي عمرو، لأن أقصى أحواله عنده أن يكون كتائهة وقاعدة وعزة وحمزة [[انظر: "البحر المحيط" 6/ 123، "الدر المصون" 7/ 336، "روح المعاني" 15/ 274.]].
وقوله تعالى: ﴿آتَتْ أُكُلَهَا﴾ قال الأخفش: (جعل الفعل واحدًا ولم يقل: آتتا، لأنه جعل ذلك لقوله: ﴿كِلْتَا﴾ هو في اللفظ، ولو جعله على معنى قولك: كلتا، لقال: آتتا) [["معاني القرآن" للأخفش 1/ 619.]]. ونحو هذا قال الزجاج [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 285.]]. ومعنى ﴿آتَتْ أُكُلَهَا﴾ صاحبها أكلها أي: أدت إليه ريعها تامًا من غير نقصان، وهو قوله: ﴿وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا﴾ قال ابن عباس والمفسرون: (لم تنقص منه شيئًا) [["جامع البيان" 15/ 244، "معالم التنزيل" 5/ 171، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 93، "الدر المنثور" 4/ 403.]].
يقال: ظلمهُ حقه إذا نقصه، وقد مر. ﴿وَفَجَّرْنَا﴾ أي: أنبطنا [[النبط: الماء الذي ينبط من قعر البئر إذا حفرت. انظر (نبط) في: "تهذيب اللغة" 4/ 3497، "القاموس المحيط" ص (689)، "معجم مقاييس اللغة" 5/ 381.]] وأخرجنا ﴿خِلَالَهُمَا﴾ وسط الجنتين ﴿نَهَرًا﴾ أخبر أن شربهما كان من ماء نهر، وهو من أعذب الشرب، والكلام في التفجير والخلال قد مر في سورة بني إسرائيل [[عند قوله تعالى في سورة الإسراء الآية: (90، 91): ﴿وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا (90) أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيرًا﴾.]].
قوله تعالى: ﴿وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ﴾ أي: كان للأخ الكافر أموال كثيرة، قال ابن عباس في رواية علي بن أبي طلحة في قوله: ﴿ثَمَرٌ﴾ يقول: (مال) [["جامع البيان" 15/ 245، "النكت والعيون" 3/ 306، "المحرر الوجيز" 9/ 308، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 93.]]. وقال مجاهد: (ذهب وفضة) [["جامع البيان" 15/ 245، "معالم التنزيل" 5/ 171، "الكشاف" 2/ 390، " الدر المنثور" 4/ 403.]]. وقال قتادة: (يقول ومن كل المال) [["جامع البيان" 15/ 245، "المحرر الوجيز" 9/ 358، "النكت والعيون" 3/ 306، "البحر المحيط" 6/ 125.]].
واختلف القراء في قوله: ﴿ثَمَرٌ﴾ علي ثلاثة أوجه: ثُمُر بضم الثاء والميم وهو قراءة أكثر القراء، وقرأ أبو عمرو: بضم الثاء وسكون الميم، وقرأ عاصم: بفتحهما [[قرأ أبو عمرو البصري: (ثُمْر) بضم الثاء وسكون الميم. وقرأ عاصم: (ثَمَر) بفتح الثاء والميم. وقرأ الباقون (ثُمُر) بضم الثاء والميم. انظر: "الحجة للقراء السبعة" 5/ 142، "السبعة" ص 39، "المبسوط في القراءات" ص 234، "التبصرة" ص 248، "النشر في القراءات العشر" 2/ 310.]].
قال الليث: (الثَمَر: حمل الشجر) [["تهذيب اللغة" (ثمر) 1/ 498.]]. والثُمُر أنواع المال، يقال: أثمر الرجل إذا كثر ماله، وثَمَّر الله مال فلان ، أي: كثره. وروى الفراء بإسناده عن مجاهد قال: (ما كان في القرآن من ثُمُر فهو مال، وما كان من ثَمَر فهو من الثمار) [["معاني القرآن" للفراء 2/ 144.]].
وقال ابن زيد: (الثُّمُر الأصل، والثَّمَرة ما يجتنى من ذي الثمر) [["جامع البيان" 15/ 246، "النكت والعيون" 3/ 306، "البحر المحيط" 6/ 125.]]. ويجمع ثَمَرَات مثل: رَقَبَة ورَقَبات، قال الله تعالى: ﴿وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ﴾ [النحل: 67]، وثِمَار أيضًا مثل: رِقَاب في جمع رَقَبَة، ويجوز أن يُكسَّر ثَمَار على ثُمُر ككِتَاب وكُتُب، ويجوز في جمع ثَمَرَة وجهان آخران: ثَمَر مثل: بَقَرة وبَقَر، وثُمْر أيضًا كبَدَنة وبُدْن وخَشَبَة وخُشْب.
فقراءة أبي عمرو بالتخفيف تحتمل ثلاثة أوجه أحدها: أن يكون جمع ثِمَار، فخفِّف نحو كتُب في جمع [[قوله: (في جميع) ساقط من الأصل، ومثبت في بقية النسخ.]] كِتَاب. الثاني: أن يكون جمع ثمرة مخفف نحو خُشْب جمع في [[كلمة: (في) ساقط من الأصل، ومثبت في بقية النسخ.]] خَشَبَة. الثالث: أن يكون ثُمُر واحد مثل ثَمَر فخفف نحو [[كلمة: (نحو) ساقط من الأصل، ومثبت في بقية النسخ.]] عَنُق وطُنُب. فعلى أي: هذه الوجوه كان، جاز إسكان العين [[في (س): (العنق).]] وساغ [["الحجة للقراء السبعة" 5/ 143.]].
وأما قراءة العامة بضمتين ، فلأن أهل اللغة فرقوا بين الثُمر والثمَر فقالوا: الثَمَر المال، والثُمُر المأكول. وأكثر المفسرين على أن الثَمَر هاهنا: الأموال، وعلى قول ابن زيد الثُمُر: الأصول التي تحمل الثمرة لا نفس الثمرة. وهذه القراءة أقوى الوجوه لقوله: ﴿فأصبحَ يُقلِّب كفَّيه عَلَى ما أَنْفَقَ فيها﴾ أي: في الجهة، والنفقة إنما تكون على ذوات الثمر في أغلب العرف [["جامع البيان" 15/ 245 - 246، "الحجة للقراء السبعة" 5/ 143.]]. وقال أبو إسحاق: (الثُمُر هاهنا أحسن؛ لأن قوله: ﴿كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا﴾ قد دل على الثَمَر) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 285.]].
وحكي عن أبي عمرو أنه قال: (الثَمَر والثُمُر أنواع المال) [["الحجة للقراء السبعة" 5/ 143، "البحر المحيط" 6/ 125، "التفسير الكبير" 21/ 125.]]. وهو المراد في هذه الآية، لا الثمرة التي تُجنى، دل على هذا قوله: "وأحيط بثَمَره" أي: أهلك جنته وماله وأصول نخله وشجره، وإذا كان كذلك فمن قرأ: بثُمْره وثُمُره كان قوله أبين، وأما قراءة عاصم في قوله: "وكان له ثَمَر" يعني ثَمَر [[قوله: (ثمر) ساقط من الأصل.]] نخله وكرمه، فليس بالجيد [[قول المؤلف -غفر الله له-: (فليس بجيد). ليس بجيد، فإن أراد القراءة، فهي سبعية ثابتة عن النبي -ﷺ-، ولا يجوز ردها ولا تضعيفها. وإن أراد المعنى، فقد وافقت وجهًا صحيحًا من أوجه اللغة العربية.]] ، لأن هذا قد فُهم من قوله: ﴿آتَتْ أُكُلَهَا﴾ وفي قوله: "وأحيط بثمره" كأنه أخبر عن بعض ما أصيب وأمسك عن بعض، وقراءة الباقين في قوله: "وأحيط بثمرة" جيدة عامة في الثَمَرة والأصول ، لأنه لا يكون أن يصاب الأصل ولا يصاب الثمرة.
وقال محمد بن سلام: (قال سلام أبو المنذر القارئ [[سلام بن سليمان المزني الضري أبو المنذر، المقرئ، عالم باللغة والنحو، والقراءات، من علماء خرسان، قرأ على عاصم الجحدري، وروى عن الحسن، ومطر الوراق، وثابت وغيرهم، وقرأ عليه يعقوب الحضرمي، وكان صدوق، صالح الحديث، توفي رحمه الله سنة 171 هـ انظر: "الجرح والتعديل" 4/ 259، "تهذيب التهذيب" 4/ 284، "الكاشف" 1/ 413، "ميزان الاعتدال" 2/ 177، "غاية النهاية" 1/ 309، "معرفة القراء الكبار" 1/ 132.]]: من قرأ: "ثَمَر" قال: من كل المال، ومن قرأ: "ثُمُر" فهو جمع ثَمَره. فأخبرت بذلك يونس فقال: هما سواء) [["تهذيب اللغة" (ثمر) 1/ 498.]].
وهذا على أنه جعل الثُمْر جمع ثَمَرة، كما ذكرنا في خَشَبَة وخُشب، والصحيح الفرق بين القراءتين على ما ذكرنا.
والثمّر في جمع الثَّمَرة صحيح، غير أن الثُّمُر هاهنا الأولى أن يحمل على الأموال كما بينا [[وعلى هذا قول أكثر المفسرين. انظر: "جامع البيان" 15/ 245، "إرشاد العقل السليم" 5/ 221، "الدر المصون" 7/ 80.]].
الكهف 18:34
وقوله تعالى: ﴿فَقَالَ لِصَاحِبِهِ﴾ قال ابن عباس: (يريد لأخيه) [[ذكره الماوردي في "النكت والعيون" 3/ 306 بدون نسبة.]]. ﴿وَهُوَ يُحَاوِرُهُ﴾ أي: يراجعه في الكلام ويجاوبه.
قال ابن عباس: (وذلك أنه سأله عن ماله فيما أنفقه؟ فقال: قدمته بين يدي لأقدم عليه) [["معالم التنزيل" 5/ 171، "المحرر الوجيز" 9/ 309، "النكت والعيون" 3/ 306.]]. فقال: ﴿أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا﴾ روى أبو عبيد عن أبي زيد: (النفر والرهط ما دون العشرة من الرجال) [["تهذيب اللغة" (نفر) 4/ 3627، "لسان العرب" (نفر) 8/ 4498.]].
وقال أبو العباس: (النفر، والقوم، والرهط هاهنا معناهم الجمع لا واحد لهم من لفظهم للرجال دون النساء) [["تهذيب اللغة" (نفر) 4/ 3627، "لسان العرب" (نفر) 8/ 4498.]].
وقال الليث: (يقال: هؤلاء عشرة نفر أي: عشرة رجال، ولا يقال: عشرون نفرًا، ولا ما فوق العشرة) [["تهذيب اللغة" (نفر) 4/ 3627.]].
قال ابن عباس: (يريد كثرة العبيد وعزة فيهم) [[ذكرت نحوه كتب التفسير بدون نسبة. انظر: "جامع البيان" 15/ 246، "المحرر الوجيز" 9/ 309، "زاد المسير" 5/ 142، "الجامع لأحكام القرآن" 10/ 403.]].
وقال الزجاج: (أخبر أن ناصره كثير) [[:معاني القرآن" للزجاج 3/ 285.]]. وقال قتادة في هذه الآية: تلك والله أمنية الفاجر كثرة المال وعزة النفر، وهم الخدم والحشم) [["جامع البيان" 15/ 246، "معالم التنزيل" 5/ 171، "ابن كثير" 3/ 93.]]. مقاتل: (يعني ولدًا) [["الكشف والبيان" 3/ 389 ب، "البغوي" 5/ 171، "روح المعاني" 15/ 275.]]. دليله قوله: ﴿إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالًا وَوَلَدًا﴾ وقال المفسرون: (يعني عشيرة ورهطًا) [["معالم التنزيل" 5/ 171، "البحر المحيط" 6/ 125، "روح المعاني" 15/ 275، "التفسير الكبير" 21/ 125.]]. ومنه قول امرئ القيس [[هذا عجز بيت لامرئ القيس يصف رجلاً بجودة الرمي. وصدره:
فهو لا تنمي رميتة
لا عد من نفره: دعاء له يوهم الدعاء عليه وهو كقولهم: ماله قاتله الله. انظر: "ديوان امرئ القيس" ص 76، "لسان العرب" (نفر) 8/ 4499.]]:
ماله لا عدَّ من نفره
أي: من رهطه وعشيرته.
الكهف 18:35
قوله تعالى: ﴿وَدَخَلَ جَنَّتَهُ﴾ [قال المفسرون: (أخذ بيد أخيه المسلم فأدخله جنته] [[ما بين المعقوفين ساقط من الأصل ومثبت في بقية النسخ.]] يطوف به فيها، ويريه إياها ويعجبه منها) [["معالم التنزيل" 5/ 171، "الكشاف" 2/ 390، "الجامع لأحكام القرآن" 10/ 404.]]. وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ قال ابن عباس: (يعني خارجًا عن الإيمان إلى الكفر بالله) [[ذكرت كتب التفسير نحوه بلا نسبة. انظر: "جامع البيان" 15/ 246، "المحرر الوجيز" 9/ 310، "معالم التنزيل" 5/ 171، "الكشاف" 2/ 484، "زاد المسير" 5/ 142. ويشهد لهذا قوله تعالى في سورة لقمان الآية رقم (13): ﴿وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾.]].
قال الزجاج: (وكل من كفر بالله فنفسه ظلم ، لأنه يولجها النار، وأي ظلم للنفس فوق هذا) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 285.]].
وقوله تعالى: ﴿قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا﴾ أنكر أن الله تعالى يفني الدنيا، لما رأى ما راقه وكبر في نفسه، وتوهم بجهله أنه يدوم، وأن مثله لا يبيد ولا يفنى.
الكهف 18:36
قوله تعالى: ﴿وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً﴾ قال ابن عباس: (أنكر البعث والثواب والعقاب) [[ذكرته كتب التفسير بلا نسبة. انظر: "جامع البيان" 15/ 246، "تفسير كتاب الله العزيز" 2/ 463، "المحرر الوجيز" 9/ 312 - 313، "معالم التنزيل" 5/ 171، "زاد المسير" 5/ 142 - 143.]].
وقال أبو إسحاق: (أخبر أخاه بكفره بالساعة، وبكفره بفناء الدنيا) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 285.]].
وقوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي﴾ الآية، قال ابن عباس: (يريد إن كان البعث حقًا) [[ذكره القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن" 10/ 404 بلا نسبة.]] ﴿لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا﴾ يريد: كما أعطاني هذا في الدنيا سيعطيني في الآخرة أفضل منه لكرامتي عليه [[وما تضمنته هذه الآية من جهل الكفار واغترارهم بالحياة الدنيا جاء مبينًا في آيات أخر ومنها في سورة فصلت الآية رقم (50): ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى﴾.]].
وقال أهل المعاني: (هذا يدل على أن صاحبه المؤمن قد أعلمه أن الساعة تقوم، وأنه يبعث، فأجابه بأن قاله له: إن كان الأمر على ما أعلمتني أني أبعث، ليعطيني في الآخرة خيرًا مما أعطاني في الدنيا؛ لأنه لم يعطني هذا في الدنيا إلا وهو يريدني) [["معالم التنزيل" 5/ 172، "معاني القرآن" للزجاج 3/ 286.]].
وقال ابن زيد: (شك، ثم قال على شكه في الرجوع إلى ربه: ما أعطاني هذا إلا ولي عنده خير منه) [["جامع البيان" 247/ 15.]]. تهكما سولته له نفسه.
واختلفوا في قوله: ﴿مِنْهَا﴾ فقرؤا بالإفراد والتثنية [[قرأ أبو عمرو، وعاصم، وحمزة، والكسائي: (خيرًا منها) بالإفراد. وقرأ ابن كثير، ونافع، وابن عامر. (خيرًا منهما) بالتثنية. انظر: "السبعة" ص 390، "الحجة" 5/ 144، "المبسوط في القراءات" 234، "التبصرة" ص 248، "العنوان" ص 123.]]. والإفراد أولى من حيث كان أقرب إلى الجنة المفردة في قوله: ﴿وَدَخَلَ جَنَّتَهُ﴾، والتثنية لا تمتنع لتقدم ذكر الجنتين.
الكهف 18:37
فأجابه صاحبه مكفرًا له بهذا القول فقال: {أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ} قال ابن عباس: (يريد أن آدم خلق من تراب) [[ذكره الطبري في "جامع البيان" 15/ 247 بدون نسبة، و"المحرر الوجيز" 9/ 311، "روح المعاني" 15/ 276. ويشهد لهذا قوله تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آل عمران: 59].]]. ثم ولده من نطفة، وإذا كان أبوه من تراب فهو من تراب، ومعنى النطفة في اللغة: الماء، يقال: في القربة نطفة من ماء [[انظر: "تهذيب اللغة" (نطف) 4/ 360، "مقاييس اللغة" (نطف) 5/ 440، "الصحاح" (نطف) 4/ 1434، "لسان العرب" (نطف) 7/ 4462.]]. ولا فعل للنطفة.
قال الأزهري: (والعرب تقول للماء القليل والكثير: نطفة) [["تهذيب اللغة" (نطف) 4/ 3601.]]. وسمى الله عز وجل المني نطفة قال: ﴿أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى﴾ [القيامة: 37].
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا﴾ قال الكلبي: (جعلك معتد الخلق والقامة، صحيح اليدين، والرجلين، والعينين) [[ذكرت نحوه كتب التفسير بلا نسبة. انظر: "إرشاد العقل السليم" 5/ 222، "البحر المحيط" 6/ 127، "روح البيان" 5/ 247، "فتح القدير" 3/ 409.]]. والتسوية: جعل الشيء على المقدار.
وقال الزجاج: (أي: ثم أكملك) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 286.]]. وهذا الجيد في تفسير سواك هاهنا، لأن العرب تقول للغلام إذا تم شبابه: قد استوى، ومنه قوله: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى﴾ [القصص: 14] أي: تم شبابه واجتمع، فالتسوية هاهنا: واقع الاستواء بالمعنى الذي ذكرنا، يقال: سواه الله رجلاً فاستوى.
الكهف 18:38
ثم أعلمه صاحبه أنه موحد لله فقال: ﴿لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي﴾ وأصله: لكن أنا، كما هو في قراءة أُبي [["المحتسب" 2/ 29، "المحرر الوجيز" 311/ 9 - 313، "البحر المحيط" 6/ 128، "الدر المصون" 7/ 493.]]، فخفف الهمزة التخفيف القياسي، وألقى حركتها على النون فصار لكننا، فاجتمع المثلان، فأدغموا المثل الأول في الثاني بعد أن أسكنوها، فصار في الدرج: لكنا هو الله، فلم تثبت ألف أنا في الوصل، كما لم تثبت الهاء في الوصل في نحو: إِرْمه، وأُغزه، و (كِتَابِيهْ) [الحاقة: 19]، و (حِسَابِيهْ) [الحاقة: 20]؛ لأنها إنما تلحق في الوقف لتبين [[في الأصل: (ليس) وهو تصحيف.]] الحرف الموقوف عليه، فإذا وقف على ﴿لَكِنَّا﴾ أثبت الألف في الوقف، كما تثبت الهاء في الوصل، وإذا لم يقف حذفها، هذا وجه قراءة العامة [[قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وعاصم، وحمزة، والكسائي: (لكنا هو الله) بإسقاط الألف في الوصل، وإثباتها في الوقف. انظر: "الحجة للقراء السبعة" 5/ 145، "العنوان في القراءات" ص 307، "الكشف عن وجوه القراءات" 2/ 61، "النشر في القراءات العشر" 2/ 311.]].
ومثل هذه القراءة في الإدغام ما حكاه أبو زيد في قول من سمعه يقرأ: ﴿وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [الحج: 65] (يريد: على الأرض، لكنه خفف الهمزة، وألقى حركتها على لام المعرفة فصار: (على الرض)، فاجتمع لامان مثلان فأدغم الأول في الثاني) [["الحجة للقراء السبعة" 5/ 145.]]. وهذا كله في إجراء المنفصل مجرى المتصل في نحو: شدَّ، وحلَّ.
وقرأ ابن عامر، ونافع في رواية المسيبي [[هو: إسحاق بن محمد بن عبد الرحمن المسيبي، عالم بالقراءات، تقدمت ترجمته.]]: ﴿لَكِنَّا﴾ بإثبات الألف في الوصل والوقف [[قرأ ابن عامر الشامي، ونافع المدني في رواية المسيبي: (لكنا هو الله) بإثبات الألف في الوصل والوقف. انظر: "السبعة" ص 391، "الحجة للقراء السبعة" 5/ 145، "الغاية" ص 307، "التبصرة" ص 249.]]. وهذا على إجراء الوصل مجرى الوقف. وهو غير مختار في القراءة. فتكون كقراءة حمزة: (ومكر السيئ) بالجزم في الوصل [[قرأ نافع، وابن كثير، وأبو عمر، وابن عامر، والكسائي، وعاصم: (ومكر السيئ) بكسر الهمزة.
وقرأ حمزة: (ومكر السيئ) ساكنة الهمزة انظر: "السبعة" ص 535، " الكشف عن وجوه القراءات" 2/ 212، "المبسوط في القراءات" ص 309، "النشر في القراءات" 3/ 352.]]. غير أن أبا علي الفارسي ذكر وجهًا جيدًا لهذه القراءة، فجعل النون والألف في ﴿لَكِنَّا﴾ الضمير المتصل في نحو: فعلنا، ولم يجعله الضمير المنفصل وهو: أنا، كما ذكرنا في القراءة الأولى فقال: (أدغم النون من لكن لسكونها في النون من علامة الضمير، فيكون على هذا في الوصل والوقف ﴿لَكِنَّا﴾ بإثبات الألف لا غير، ألا ترى أن أحدًا لا يحذف الألف في: نحن فعلنا. وعاد الضمير الذي دخلت عليه لكن على المعنى، ولو عاد على اللفظ لكان: لكنا هو الله ربنا) [["الحجة للقراء السبعة" 5/ 146، "إعراب القرآن" للنحاس 2/ 275 - 276.]].
وقال أبو إسحاق في توجيه هذه القراءة: (أثبت الألف في الوصل، كما كان يثبتها في الوقف، وهذا على لغة [[في الأصل: (لون) وهو تصحيف.]] من قال: أنا قمت، فأثبت الألف، قال الشاعر [[البيت لحميد بن ثور. قد تذريت السنا: أي علوت ذروته، وبلغت غاية المجد. والشاهد فيه. ثبوت ألف أنا في الوصل. انظر: "ديوانه" ص 133، "أساس == البلاغة" 1/ 298، "معاني القرآن" للزجاج 3/ 287، "الحجة للقراء السبعة" 15/ 46، "شرح المفصل" 3/ 93، "المنصف" 1/ 10، "الإغفال فيما أغفله الزجاج من المعاني" ص 957.]]: أنَا سيف العشيرة فاعرفوني ... حميد قد تذريت السناما
ثم قال: فأما: ﴿لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي﴾ فهو الجيد بإثبات الألف؛ لأن الهمزة قد حذفت من أنا فصار إثبات الألف عوضًا من الهمزة) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 286.]]. فاختار قراءة ابن عامر على قراءة عامة القراء [[قال الزجاج في "معانيه" 3/ 288: والأجود إتباع القراء، ولزوم الرواية، فإن القراءة سنة، وكلما كثرت الرواية في الحرف وكثرت به القراءة فهو المتبع، وما جاز في العربية ولم يقرأ به قارئ فلا تقرأن به فإن القراءة به بدعة، وكل ما قلت فيه الرواية وضعف عند أهل العربية فهو داخل في الشذوذ ولا ينبغي أن تقرأ به.]].
ورد ذلك عليه أبو علي فيما استدرك عليه فقال: (لا أرى ما قاله كما قال ، وذلك أن هذه الألف تلحق للوقوف، ولا يسوغ أن تلحق في الوصل، ألا ترى أن الهمزة في: ذيل أمه قد حذفت حذفًا على غير الحذف الذي توجه قياس التخفيف، ولم يعوض منها، فأن لا يعوض منها في التخفيف القياسي أجدر؛ لأنها في هذا الوجه في تقدير الثبات، ولولا ذلك لم يحرك حرف اللين، كقولهم: جيل في تخفيف جيال، فلما كانت في تقدير الثبات لم يلزم منها بدل. ومما يؤكد أن العوض لا يجب أن (أنا) علامة ضمير، وعلامات الضمير لا ينكر كونها على حرف أو حرفين، بل ذلك الأغلب من أحوالها والأكثر، وأيضًا فلو جاز أن تثبت الألف التي حكمها أن تلحق في الوقف دون الوصل للحذف اللاحق للحرف، للزم أن تثبت الهاء التي تلحق في الوقف [أيضًا إذا لحق كلمة محذوفة منها نحو: عه، وشه، وارمه، واغزه، فتثبت] [[ما بين المعقوفين ساقط من الأصل ومثبت في بقية النسخ.]] في هذا الضرب ليكون عوضًا من المحذوف من الكلمة، فإذا لم يجز هذا أحدًا فالأول كذلك لا فصل) [["الإغفال فيما أغفله الزجاج من المعاني" ص 959.]].
وقوله تعالى: ﴿هُوَ﴾ من ﴿هُوَ اللَّهُ رَبِّي﴾ ضمير علامة الحديث والقصة، كما أنه قوله: ﴿فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الأنبياء: 97] وقوله: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: 1] كذلك، ويسمى هذا الضمير على شريطة التفسير، وقد مضت هذه المسألة مشروحة عند قوله: ﴿فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ﴾ [يوسف: 77]. وهذا الضمير يدخل على المبتدأ والخبر، فيصير المبتدأ والخبر في موضع خبره.
وقوله تعالى: ﴿وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا﴾ قال أبو إسحاق: (دل خطابه على أن صاحب الجنتين مشرك عابد مع الله غيره) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 286.]]. وهذا من أبي إسحاق قول بمفهوم الخطاب.
الكهف 18:39
ثم أقبل على أخيه يلومه فقال: ﴿وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ﴾ بمعنى: هلا، وتأويله التوبيخ. ﴿قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ ذكر الفراء والزجاج في ﴿مَا﴾ وجهين:
أحدهما: أنه في موضع رفع على معنى: الأمر ما شاء الله، أو: هو ما شاء الله. والمعنى: أن الأمر بمشيئة الله، وفي هذا رد على الأخ الكافر، حيث قال حين دخل جنته: ﴿مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا﴾ فرد عليه الأخ المؤمن وقال: هلا قلت حين دخلتها: الأمر بمشيئة الله وما شاء الله كان.
الوجه الثاني: أن ﴿مَا﴾ في موضع نصب بـ (شاء) على معنى الشرط والجزاء، ويكون الجواب مضمرًا على تقدير: ما شاء الله كان. ويكون التأويل: أي شيء شاء الله كان، فطرحت كان وأضمرته، وجاز طرح الجواب كما قال: ﴿فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا﴾ [الأنعام: 35] الآية. ليس له جواب ، لأن معناه معروف [["معاني القرآن" للفراء 2/ 45، "معاني القرآن" للزجاج 3/ 288.]].
وقوله تعالى: ﴿لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾ قال أبو إسحاق: (أي لا يقوى أحد على ما في يديه من ملك ونعمة إلا بالله، ولا يكون له إلا ما شاء الله) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 290.]]. قال ابن عباس: (ثم رجع إلى نفسه) [[ذكر نحوه السمرقندي بلا نسبة في "بحر العلوم" 2/ 300، والرازي 21/ 127.]]. فقال: ﴿إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالًا وَوَلَدًا﴾. قال الفراء: (﴿أَنَا﴾ إذا نصبت ﴿أَقَلَّ﴾ عماد، وإذا رفعت ﴿أَقَلَّ﴾ فهي اسم، والقراءة بهما جائزة) [[قراءة النصب للجمهور. وقراءة الرفع لعيسى بن دينار، وهي قراءة شاذة لا يقرأ بها. انظر: "الكشاف" 2/ 391، "البحر المحيط" 6/ 129، "الدر المصون" 7/ 496.]]، هذا كلامه [["معاني القرآن" للفراء 2/ 145.]].
وقال أبو إسحاق بيانًا فقال: (﴿أَنَا﴾ يصلح لشيئين: إن شئت كانت توكيدًا للنون والياء، وإن شئت كانت فصلاً، كما تقول: كنت أنت القائم) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 288.]]. و ﴿أَقَلَّ﴾ هو منصوب مفعول ثان لترن، ويجوز رفعه على أن يكون ﴿أَنَا﴾ ابتداء، و ﴿أَقَلَّ﴾ خبره، والجملة في موضع المفعول الثاني لترن) [["إملاء ما من به الرحمن" 1/ 499، "مشكل إعراب القرآن" 2/ 442، "إعراب القرآن" للنحاس 2/ 276 - 277.]].
الكهف 18:40
قوله تعالى: ﴿فَعَسَى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ﴾ قال ابن عباس: (يريد في الآخرة) [[ذكره ابن عطية في "المحرر الوجيز" 9/ 315 بلا نسبة، والماوردي في "النكت والعيون" 3/ 307.]].
قال الزجاج: (وجائز أن يكون أراد في الدنيا) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 290.]].
﴿وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِنَ السَّمَاءِ﴾ قال ابن عباس في رواية عطاء: (نارًا من السماء) [["معالم التنزيل" 5/ 173، "النكت والعيون" 3/ 307، "الدر المنثور" 4/ 406.]]. وهو قول الكلبي [["بحر العلوم" 2/ 300، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 94، "الدر المنثور" 4/ 406، "البحر المحيط" 6/ 129.]].
وقال قتادة والضحاك: (عذابًا) [["جامع البيان" 15/ 249، "معالم التنزيل" 5/ 173، "النكت والعيون" 3/ 307، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 94.]]. وقال ابن زيد: (قضاء من أمر الله يقضيه) [["جامع البيان" 249/ 15، "الكشف والبيان" 389/ 3/ ب، "البحر المحيط" 6/ 129.]]. هذا كلام المفسرين في تفسير الحسبان، [وذلك كله معنى، وليس بتفسير. وتفسيره ما ذكره أهل اللغة، قال الأخفش: (الحُسْبَان)] [[ما بين المعقوفين ساقط من نسخة (س).]] المرامي، واحدتها حُسْبَانة) [["معاني القرآن" للأخفش 2/ 498، "تهذيب اللغة" (حسب) 1/ 811.]].
وقال ابن الأعرابي مما روى عنه ثعلب من رواية أبي عمرو: (أراد بالحسبان المرامي، قال: والحُسْبَانة: السحابة، والحُسْبَانة: الصاعقة) [["تهذيب اللغة" (حسب) 1/ 811، "الجامع لأحكام القرآن" 10/ 408.]].
وقال النضر: (الحُسْبَانُ: سهام يرمي بها الرجل في جوف قصبة ينزع القوس ثم يرمي بعشرين منها دفعة، فلا تمر بشيء إلا عقرته من صاحب سلاح وغيره، فإذا نزع في القصبة خرجت الحُسْبَان كأنها غيثة مطر، فتفرقت في الناس، واحدها حُسْبَانَة، قال: والمرامي مثل المسالِّ دقيقة فيها شيء من طُول لا حُروف لها) [["تهذيب اللغة" (حسب) 1/ 811، "لسان العرب" (حسب) 2/ 867.]]. ونحو هذا قال أبو عبيدة، وابن قتيبة، وكل أهل اللغة [["تفسير غريب القرآن" لابن قتيبة 1/ 267، "مجاز القرآن" لأبي عبيدة 1/ 403، "تفسير المشكل من غريب القرآن" ص 143.]]. والمعنى في هذه الآية: أن يرسل عليها عذاب حسبان، وذلك الحسبان حساب ما كسبت يداك [["معاني القرآن" للزجاج 2/ 295، "القرطبي" 15/ 458، "البحر المحيط" 6/ 129.]]. فجعل الآية من باب حذف المضاف، وجعل الحسبان بمعنى حساب ذنوبه، قال الأزهري: (الذي قاله الزجاج بعيد، والقول ما قاله الأخفش وابن الأعرابي والنضر. والمعنى والله أعلم: أن الله يرسل عليها مرامي من عذابه، إما بَرَدا، وإما حِجَارة أو غيرهما مما يشاء) [["تهذيب اللغة" (حسب) 1/ 811.]]. وقول المفسرين يوافق قول أهل اللغة، لأن ما قالوه لا يخرج عن أن يكون مرامي.
وقال أهل المعاني: (إنما سُمِّي المرامي حُسبَانا، لأنها تكثر كثرة الحسبان) [["تهذيب اللغة" (حسب) 1/ 811، "لسان العرب" (حسب) 2/ 867.]].
وذكرنا الحسبان بمعنى الحساب في تفسير قوله تعالى: ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا﴾ [الأنعام: 96].
وقوله تعالى: ﴿فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا﴾ قال ابن عباس: (أرضا لا نبات فيها). وهو قول الكلبي وغيره [["جامع البيان" 15/ 249، "الكشف والبيان" 3/ 389 ب، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 94، "الدر المنثور" 4/ 407.]]. والزَّلق في اللغة: المكان المزلقة، ومنه قول الشاعر [[هذا عجز بيت لابن يسير. وصدره:
اقدر لرجلك قبل الخطو منزلها
انظر: "الكامل في اللغة" للمبرد 4/ 127.]]:
فمن علا زلقا عن غرة زلقا
والذي في الآية ليس من هذا؛ لأنه ليس أنها تفسير مزلقة، ولكن معناه: أنها تفسير جرداء لا نبات بها، من قولهم: زَلَقَ رأسه، وأَزْلَقه، وزَلَقه إذا حلقه، والزَّلْق: الحَلْق، والزَّلق: المحلوق، كالنَّقْض والنَّقَض فشبه الصعيد الذي لا نبات فيه بالرأس المحلوق [[انظر: "تهذيب اللغة" (زلق) 2/ 1550، "مقاييس اللغة" (زلق) 3/ 21، "القاموس المحيط" (زلق) ص 891، "الصحاح" (زلق) 4/ 1491.]]. قال الفراء: (الزَّلَق التراب الذي لا نبات فيه) [["معاني القرآن" للفراء 2/ 145.]]. وقال قتادة: وفي قوله: ﴿صَعِيدًا زَلَقًا﴾ يقول: (قد حصد ما فيها فلم يُتْرَك فيها شيءٌ) [["جامع البيان" 15/ 249، "الكشف والبيان" 3/ 389 ب، "الدر المنثور" 4/ 407.]]. وذهب ابن قتيبة إلى الإملاس فقال: (الزَّلق: الإملاس الذي تزل عليه الأقدام) [["تفسير غريب القرآن" لابن قتيبة 1/ 267.]]. وهذا الذي ذكره هو الأصل، من أن المراد: ذهاب النبات لا الإملاس. والمعنى: أن هذا العذاب يهلكها ويبطل غلتها.
الكهف 18:41
قوله تعالى: ﴿أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا﴾ قال ابن عباس: (يعني النهر الذي من خلالها) [[في نسخة (ص): (في جلالها)، وهو تصحيف.]] [[ذكرته كتب التفسير بلا نسبة. انظر: "النكت والعيون" 3/ 307، "البحر المحيط" 6/ 129، "فتح القدير" 3/ 2620.]]. ﴿غَوْرًا﴾ يقال: غَارَ الماء في الأرض، يَغُور غَورًا، أو غوورًا إذا ذهب، وغَارَت العين في الرأس فهي غائرة [["تهذيب اللغة" (غار) 8/ 184، "القاموس المحيط" (الغور) 452، "الصحاح" (غور) 2/ 774، "لسان العرب" (غور) 6/ 3312.]].
وفي قوله: ﴿أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا﴾ وجهان أحدهما: ذا غور فحذف المضاف [["الجامع لأحكام القرآن" 10/ 409، "إعراب القرآن" للنحاس 2/ 277.]]. والثاني: وهو قول جميع أهل المعاني: أن الغور هاهنا بمعنى: الغائر أقيم المصدر مقام الصفة للمبالغة، كما يقال: وجه فلان نور ساطع، وعلى هذا يقال: ماء غَوْرٌ، ومياه غُورٌ، كما يقال: رجل عدل [["جامع البيان" 15/ 249، "الجامع لأحكام القرآن" 10/ 409، "البحر المحيط" 6/ 129، "إرشاد العقل السليم" 5/ 223، "معاني القرآن" للزجاج 3/ 290، "غريب القرآن" لابن قتيبة 1/ 267.]]. قال الشاعر [[هذا جزء من عجز بيت ذكرته كتب التفسير بلا نسبة. والبيت:
هريقي من دموعهما سجاما ... ضياع وجاؤوني نوحا قياما
انظر: "جامع البيان" 15/ 249، "الكشف والبيان" 3/ 389 ب، "الجامع لأحكام القرآن" 10/ 409. وذكره ابن منظور في "لسان العرب" (نوح) 8/ 4570 برواية أخرى ونسبها لثعلب فقال:
سمعن بموته فظهرن نوحا ... قياما ما يحل لهن عود]]: وجاؤوني نوحًا قيامًا
يريد [[في (س): (يعني).]]: نساء نائحات قائمات، فوصفهن بالمصدر. وقال قتادة في قوله: ﴿غَوْرًا﴾ يقول: (ذاهبا قد غار في الأرض) [["جامع البيان" 15/ 250، وذكر نحوه الثعلبي في "الكشف والبيان" 3/ 389 ب.]].
وقوله تعالى: ﴿فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا﴾ أي: لا يبقى له أثر يطلبه به. وقال الكلبي: (لن تستطيع له حيلة) [[ذكره السمرقندي في "بحر العلوم" 2/ 300 بلا نسبة، والقرطبي في "الجامع لأحكام القرآن" 10/ 409.]].
الكهف 18:42
قوله تعالى ﴿وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ﴾ معنى "أحيط" هاهنا: أهلك، أى أحاط العذاب بثمره، كما يحيط القوم بعدوهم فيهلكونهم عن آخرهم [["جامع البيان" 15/ 250، "معالم التنزيل" 5/ 173، "الكشاف" 2/ 391، "البحر المحيط" 6/ 130.]]. وذكرنا الكلام في هذا عند قوله: ﴿وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾ [البقرة:81].
وقوله تعالى: ﴿بِثَمَرِهِ﴾ قال ابن عباس: (بأشجار الثمر والنخل) [[ذكرته كتب التفسير بدون نسبة. انظر: "معالم التنزيل" 5/ 173، "الجامع لأحكام القرآن" 10/ 409، "التفسير الكبير" 21/ 109.]]. وذكرنا الكلام واختلاف القراء في هذا عند قوله: ﴿وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ﴾ [الكهف: 34].
وقوله تعالى: ﴿فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ﴾ قال ابن عباس: (يضرب يديه واحدة على الأخرى ندامة) [[ذكرته كتب التفسير بدون نسبة. انظر: "الكشف والبيان" 389/ 3/ ب، "بحر العلوم" 2/ 300، "معالم التنزيل" 5/ 173.]]. وقال الكلبي: (يصفق بالواحدة على الأخرى ندما) [["جامع البيان" 15/ 250، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 93، ونسباه لقتادة.]].
وقال أبو عبيدة، والزجاج، والمفضل، وابن قتيبة: (يقال: فلان يقلب كفيه على ما فاته، وتقليب الكفين يفعله النادم كثيرًا، والعرب تقول للرجل إذا ندم على الشيء وجعل يفكر فيه: يقلب يديه وكفيه؛ لأن ذلك يكثر من فعله. فصار تقليب الكف عبارة عن الندم كعض اليد) [["معاني القرآن" للزجاج 289/ 3، "تفسير غريب القرآن" لابن قتيبة 1/ 268، "تفسير المشكل من غريب القرآن" ص 144.]]. قال الشاعر [[لم أهتد إلى قائله.]]:
كمغبون يعض على يديه ... يُقلب كفَّه بعد السباع
وقوله تعالى: ﴿عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا﴾ يقال: أنفقت في هذه الدار، وفي هذا الثوب كذا وكذا، وأنفقت عليها أيضًا، فيجوز أن يكون هاهنا بمعنى: على، كقوله: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه: 71].
وقوله تعالى: ﴿وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا﴾ ومضى الكلام في هذا مستقصى في سورة البقرة [[عند قوله سبحانه في سورة البقرة: 259: ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا﴾ الآية.]]. والعروش في هذه الآية تعم سقوف الأبنية، وما عُرِش للكروم. يريد: أنها ساقطة على سقوفها خالية من عريشها [["معالم التنزيل" 5/ 173، "المحرر الوجيز" 9/ 316، "الكشاف" 2/ 391.]]. وقوله تعالى: ﴿وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا﴾ تمنى منه حين لا ينفعه التمني. أخبر الله تعالى أنه سلبه ما أنعم عليه في الدنيا، فندم حين لم ينفعه الندامة، وتمنى أنه كان موحدًا غير مشرك.
الكهف 18:43
قوله تعالى: ﴿وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ قال ابن عباس: (لم ينصره النفر الذين افتخر بهم في قوله: ﴿وَأَعَزُّ نَفَرًا﴾) [[ذكرت كتب التفسير نحوه بلا نسبة. انظر: "جامع البيان" 15/ 250 - 251، "بحر العلوم" 2/ 300، "الجامع لأحكلام القرآن" 10/ 410، "إرشاد العقل السليم" 5/ 224، "روح المعاني" 15/ 284.]].
قال الفراء والزجاج: (﴿يَنْصُرُونَهُ﴾ محمول على معنى الفئة، ولو حمل على لفظها لقيل: تنصره، كما قال: ﴿فِئَةٌ تُقَاتِلُ﴾ [آل عمران: 13]) [["معاني القرآن" للفراء 2/ 145، "معاني القرآن" للزجاج 3/ 289.]]. ﴿وَمَا كَانَ مُنْتَصِرًا﴾ بأن يسترد بدل ما ذهب منه. قال الزجاج: (وما كان هو أيضًا قادر على نصرة نفسه) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 289.]].
وقال قتادة: (وما كان ممتنعًا) [["جامع البيان" 15/ 251، "النكت والعيون" 3/ 308، "الجامع لأحكام القرآن" 10/ 410، "الدر المنثور" 4/ 407.]]. وقد تمت هاهنا قصة الأخوين، وضربت مثلاً للمؤمن مع الكافر، فالكافر تغره دنياه ويتبجح بها ويظن أنها تبقى له، والمؤمن يصبر على نوائبها احتسابًا من الله تعالى جميل الأجر وجزيل الذخر، ولا يركن إليها لما يعلم من فنائها. وقبل ذكر قصة الأخوين ذكر الله تعالى ما أعد للكافرين في قوله: ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا﴾ [الكهف: 29] إلى آخر الآية، وما أعد للمؤمنين في قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [الكهف: 30 - 31] الآيتان.
الكهف 18:44
ثم عاد الكلام إلى ما قبل القصة فقال: ﴿هُنَالِكَ﴾ قال الكلبي: (يقول عند ذلك، وهو يوم القيامة) [["النكت والعيون" 3/ 309، وذكره السمرقندي في "بحر العلوم" 2/ 300 بدون نسبة، وكذلك القرطبي 10/ 411.]].
وذكرنا عند [[قوله: (عند) ساقط من الأصل.]] قوله: ﴿هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ﴾ [آل عمران: 38] أنه يجوز أن يشار بهنالك إلى المكان، وإلى ما مضى من الزمان.
وقوله تعالى: ﴿الْوَلَايَةُ﴾ أكثر القراء على فتح الواو [[قرأ ابن كثير، ونافع، وابن عامر، وعاصم، وأبو عمر: (الولاية) بفتح الواو. وقرأ حمزة، والكسائي: (الولاية) بكسر الواو. انظر: "السبعة" ص 392) "الحجة للقراء السبعة" 5/ 149، "التبصرة" ص 248، "العنوان" ص 123.]]، والولاية: نقيض العداوة، ومعناها التولي، وهو مصدر الوَلِيِّ [[انظر: "تهذيب اللغة" (ولى) 4/ 3955، "مقاييس اللغة" (ولى) 6/ 141، "لسان العرب" (ولى) 8/ 4920.]]. وروي عن أبي عمرو، والأصمعي أنهما قالا: (الولاية بالكسر هاهنا لحن [[قولهما: (أن الكسر هنا لحن). قول لا يعول عليه ، لأنه مخالف لقراءة سبعية ثابتة عن النبي -ﷺ-، والقراءة الثابتة حجة على اللغة، فلا يجوز ردها أو تضعيفها، كما أن الفتح والكسر هنا جائز عند أكثر أهل اللغة.]]، والكسر في فعالة يجيء فيما كان صنعة نحو: الخياطة والصناعة [[في (ص): (الصياغة).]]، أو معنى متقلدًا كالكتابة والإمارة والخلافة، وليس هنا معنى تولي أمر، إنما [[في (س): (إنما هو الولاية).]] الولاية من الدين) [["المحرر الوجيز" 9/ 318، "البحر المحيط" 6/ 130، "الدر المصون" 7/ 499، "الحجة للقراء السبعة" 5/ 149.]]. وكذلك التي في الأنفال: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنفال: 72]. وأما ولاية الأمور فهو بالكسر، كولاية السلطان، ومن أهل اللغة من يقول: يجوز الفتح في هذه، والكسر في تلك. كما قالوا: الوِكالة والوَكالة، والوصاية والوصاية بمعنى واحد [["الحجة للقراء السبعة" 5/ 150، "إملاء ما من به الرحمن" 1/ 399، "الدر المصون" 7/ 498.]].
وقوله تعالى: ﴿لِلَّهِ الْحَقِّ﴾ من كسر القاف جعله من وصف الله سبحانه، ووصفه بالحق وهو مصدر كوصفه بالعدل وبالسلام [[قرأ ابن كثير، ونافع، وابن عامر، وعاصم: (لله الحقِّ) بالكسر. انظر: "الحجة للقراء السبعة" 5/ 149، "الغاية في القراءات العشر" ص 307، " التبصرة" ص 249، "النشر" 2/ 311.]]. والمعنى: أنه ذو الحق وذو السلام. وكذلك الإله معناه ذو العبادة، ويدل على صحة هذه القراءة: ﴿وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ﴾ [النور: 25]، وقوله: ﴿ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ﴾ [الأنعام: 62]، ويصدقه قراءة عبد الله: (هنالك الولاية لله وهو الحق) [[انظر كتاب قراءة عبد الله بن مسعود ص 124.]]. وقرأ أبو عمرو والكسائي: ﴿للهِ الحقُّ﴾ بضم القاف [[قرأ أبو عمرو البصري، والكسائي: (لله الحقُّ) بالضم.
انظر: "السبعة" ص 392، "الحجة للقراء السبعة" 5/ 149، "المبسوط في القراءات" 235، "حجة القراءات" 418.]]. جعلا الحق من صفة الولاية، وحجتهما قراءة أبي: (هنالك الولاية الحقّ لله) [["معالم التنزيل" 5/ 173، "روح المعاني" 15/ 285، "البحر المحيط" 6/ 131.]]. ومعنى وصف الولاية بالحق: أنه لا يشوبها غيره، ولا يخاف فيها ما يخاف في سائر الولايات من غير الحق.
وأما معنى الآية فقال أبو إسحاق: (في تلك الحال بيانُ الولاية لله أي: عند ذلك يتبين وليُّ الله بتولي الله إياه) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 289.]]. قوله: (في تلك الحال) يعني: في حال مجازاة الله الكافر والمؤمن الولاية لله، على معنى: هنالك يتبين ذلك على ما ذكر. وقال ابن قتيبة: (يريد يومئذ يتولون الله ويؤمنون به، ويتبرؤون مما كانوا يعبدون) [["تفسير غريب القرآن" 1/ 268.]]. وهذا أظهر من قول الزجاج. وذهب غيرهما في معنى الولاية في هذه الآية: إلى تولي الأمر، لا إلى معنى الموالاة، فقال: (معنى الآية: في ذلك الموطن الذي هو موطن الجزاء لا يتمكن أحد من نصرة أحد، بل الله تعالى يتولى ذلك، فينصر المؤمنين ويخذل الكافرين، لا يملك ذلك أحد من العباد، فالولاية يومئذ تخلص له كما قال: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة: 4] [["معالم التنزيل" 5/ 173، "النكت والعيون" 3/ 309، "الجامع لأحكام القرآن" 10/ 411، "التفسير الكبير" 21/ 129.]].
وقوله تعالى: ﴿هُوَ خَيْرٌ ثَوَابًا﴾ يقول: هو أفضل ثوابًا يقول: هو أفضل ثوابًا ممن يرجى ثوابه. قال أهل المعاني: (قوله: ﴿هُوَ خَيْرٌ ثَوَابًا﴾ مع أنه لا يثبت إلا هو، على تقدير: لو كان يثبت غيره لكان هو خير ثوابًا) [["معالم التنزيل" 5/ 173، "الجامع لأحكام القرآن" 10/ 411.]].
وقيل: (هذا على ادعاء الجهال والكفار أنه قد يثبت غير الله) [["الجامع لأحكام القرآن" 10/ 411.]]. ﴿وَخَيْرٌ عُقْبًا﴾ وعُقُبَا [[قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر، والكسائي: (عُقُبا) مضمومة القاف. وقرأ عاصم، وحمزة: (عُقْبا) ساكنة القاف. انظر: "السبعة" ص 392، "الحجة للقراء السبعة" 5/ 150، "التبصرة" ص 249، "العنوان" ص 123، "حجة القراءات" ص 419.]]. وهما لغتان في العاقبة يقال: عُقْب، وعُقُب، وعَاقِبَة وعُقْبى، والعقب لا يكون لله تعالى كما يكون الثواب له. ولا يجوز أن يضاف العاقبة إلى الله تعالى أو يوصف بالعاقبة، وإنما المعنى عاقبة طاعته خير من عاقبة طاعة غيره، فهو خير عقب طاعة وإثابة ونصرة وما يكون من هذا المعنى، ثم حذف المضاف إليه [["تفسير غريب القرآن" 1/ 268، "مجاز القرآن" 1/ 405، "القرطبي" 1/ 411.]].
﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا﴾ [الكهف: 45].
الكهف 18:45
قوله تعالى: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ قال ابن عباس: (يريد لقومك) [[ذكره البغوي في "تفسيره" 5/ 174 بدون نسبة، وكذلك القرطبي 10/ 411.]]. وقوله تعالى: ﴿كَمَاءٍ﴾ الكاف في محل الرفع لخبر ابتداء محذوف، أي: هو كماء يعني: مثل الحياة الدنيا [["إملاء ما من به الرحمن" 1/ 400 "المحرر الوجيز" 9/ 319، "الدر المصون" 7/ 500.]].
﴿كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ﴾ يعني: المطر [["جامع البيان" 15/ 264، "معالم التنزيل" 5/ 174.]]. ﴿فَاخْتَلَطَ﴾ فالتف واجتمع به، بذلك الماء أي: بسببه؛ لأن النبات إنما يختلط ويكثر بالماء [["المحرر الوجيز" 9/ 319، "النكت والعيون" 3/ 309، "القرطبي" 10/ 412.]].
وقال أبو إسحاق: (تأويله أنه نجع في النبات حتى خالطه، فأخذ النبات زخرفه) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 291.]]. يريد: أن النبات شرب من ذلك الماء فبدأ فيه الري والنضارة، فعلى هذا الوجه قد اختلط النبات بالماء حيث يروى به.
وقوله تعالى: ﴿فَأَصْبَحَ﴾ أي: النبات ﴿هَشِيمًا﴾ معنى الهَشْم في اللغة: الكسر، والهَاشِم: الذي يَهْشِم الخبز ويكسره في الثريد، وبه سمي هَاشِم، والهَشِيم: ما تَكَسَّر وتَهَشَّم وتَحَطَّم من يَبَسِ النبات [[انظر: "تهذيب اللغة" (هشم) 4/ 3763، "مقاييس اللغة" (هشم) 6/ 53، "القاموس المحيط" (هشم) 1170،"الصحاح" (هشم) 4/ 2058.]].
وقال المفسرون في الهشيم: (أنه الكسير المتفتت) [["جامع البيان" 15/ 252، "معالم التنزيل" 5/ 174، "المحرر الوجيز" 9/ 325، "النكت والعيون" 3/ 309.]].
وقوله تعالى: ﴿تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ﴾ الذَّرُّ حمل الريح الشيء ثم تثيره، يقال: ذَرَتْه الريح، تَذْرُوه، وتَذْرِيه، وبه قرأ عبد الله: (تَذْرِيه الرياح) [["المحرر الوجيز" 9/ 320، "الكشاف" 2/ 392، "الجامع لأحكام القرآن" 10/ 413، "البحر المحيط" 6/ 133.]]. وتَذْرُوة، وتَذْرِية وتُذْرِية لغات أربع [[انظر: "تهذيب اللغة" (ذرا) 2/ 1272، "لسان العرب" (ذرا) 3/ 1491.]].
قال المفسرون: (تَرْفعه وتُفْرقه وتنسفه) [["معالم التنزيل" 5/ 174، "المحرر الوجيز" 320/ 9، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 95، "الجامع لأحكام القرآن" 10/ 413.]]. وهذه الآية مختصرة من قوله في سورة يونس: ﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ﴾ [يونس: 24] الآية. وقد شرحناها هناك.
قال أبو إسحاق: (أعلم الله أن الحياة الدنيا زائلة، وأن مثلها هذا المثل) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 291.]].
وقوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرً﴾ أي: على كل شيء من الإنشاء والإفناء قادرًا، أنشأ النبات ولم يكن، ثم أفناه. قال الحسن: (كان الله على كل شيء مقتدرًا أن يكونه قبل كونه) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 291.]]. قال الزجاج وهو مذهب النحويين في هذا: (أن معناه كان مقتدرًا لم يزل) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 291.]]. أي: ما شاهدتم من قدرته ليس بحادث عنده. وهذا مما سبق بيانه قديمًا.
﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا﴾ [الكهف: 46].
الكهف 18:46
قوله تعالى: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ قال المفسرون: (هذا رد على عيينة بن حصين، والأقرع والرؤساء الذين كانوا يفتخرون بالمال والغنى والأبناء. أخبر الله تعالى أن ذلك مما يُتَزيَّن به في الحياة الدنيا ويُتَجمل به، لا مما ينفع في الآخرة) [["جامع البيان" 15/ 253.]]. ﴿وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ﴾ يعني: ما يأتي به سلمان، وصهيب، وفقراء المسلمين [["الجامع لأحكام القرآن" 10/ 414، "التفسير الكبير" 21/ 131.]].
واختلفوا في المراد بالباقيات الصالحات، فقال ابن عباس في رواية سعيد بن جبير: (هي الصلوات الخمس) [["جامع البيان" 15/ 254، "معالم التنزيل" 5/ 175، "المحرر الوجيز" 9/ 322، "النكت والعيون" 3/ 310.]]. وهو قول مسروق، وإبراهيم، ومحمد بن كعب [[المذكور في الطبرى وابن كثير خلاف هذا انظر: 15/ 255، وابن كثير 3/ 96.]]. وقال في رواية عطاء: (يريد سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر) [["جامع البيان" 15/ 254، "معالم التنزيل" 5/ 174، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 96.]]. وهذا قول مجاهد، وعكرمة، والضحاك [["جامع البيان" 15/ 256، "معالم التنزيل" 5/ 174، "بحر العلوم" 2/ 301، "الكشف والبيان" 3/ 389 ب.]]. وروي ذلك مرفوعًا: (أن النبي -ﷺ- سمَّي هذه الأذكار الباقيات الصالحات فقال: "وهي الباقيات الصالحات") [[أخرجه الإمام مالك في "الموطأ" كتاب: القرآن، باب: ما جاء في ذكر الله تبارك وتعالى 1/ 210، والإمام أحمد في "مسنده" 4/ 268، والهيثمي في "مجمع الزوائد" كتاب: الصلاة، باب: فضل الصلاة وحقنها للدم 1/ 297، وقال: رواه أحمد، وأبو يعلى، والبزار، ورجاله ورجال الصحيح، غير الحارث بن عبد الله مولى عثمان وهو ثقة. وابن الأثير في "جامع الأصول" كتاب: التفسير سورة الكهف 2/ 220، والطبراني في "الصغير" 1/ 145، وابن عدي في "الكامل" 6/ 2585، والطبري في "تفسيره" 15/ 255، والسيوطي في "الدر المنثور" 4/ 408.]]. روى ذلك أنس، وأبو هريرة، والخدري -رضي الله عنهم-. وزاد عثمان، وابن عمر، وسعيد بن المسيب: (لا حول ولا قوة إلا بالله، مع هذه الأذكار في تفسير الباقيات الصالحات) [["جامع البيان" 15/ 255، "الكشف والبيان" 3/ 389 ب، "النكت والعيون" 3/ 310، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 96، "الجامع لأحكام القرآن" 10/ 414، "تفسير الباقيات الصالحات وفضلها" 32.]].
وقال فى رواية العوفي: (هي الكلام الطيب) [["جامع البيان" 15/ 256، "النكت والعيون" 3/ 310، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 96، "الدر المنثور" 4/ 409.]]. وهذا أيضًا راجع إلى ذكر الله؛ لأنه الكلام الطيب.
وقال في رواية الوالبي: (هي الأعمال الصالحات وجميع الحسنات) [["جامع البيان" 15/ 256، "معالم التنزيل" 5/ 175، "المحرر الوجيز" 9/ 322، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 96.]].
وهو قول قتادة قال: (هي كل ما أريد به وجه الله) [["معالم التنزيل" 5/ 175، "الكشاف" 2/ 392، "الدر المنثور" 4/ 410.]]. واختاره الزجاج فقال: (هي كل عمل صالح يبقى ثوابه) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 292.]] [[والراجح -والله أعلم- أن الباقيات الصالحات: كل عمل خير، فلا وجه لقصرها == على عمل دون آخر، ولا على ما كان يفعله فقراء المهاجرين باعتبار السبب؛ لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
وهذا اختيار كثير من المفسرين. انظر: "جامع البيان" 15/ 256، "الجامع لأحكام القرآن" 10/ 414، "أضواء البيان" 4/ 109.]].
قوله تعالى: ﴿خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا﴾ قال ابن عباس: (يريد أفضل ثوابًا وأفضل أملاً من المال والبنين) [[ذكره القرطبي 10/ 144 بدون نسبة، وكذلك "روح المعاني" 15/ 287.]]. وهذا على عادة خطاب العرب تقول في الشيئين: هذا خير، وإن لم يكن في الثاني شيء يُخيَّر به. كقوله تعالى: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا﴾ [الفرقان: 24]، ومعلوم أنه، لا خير في مستقر أهل النار، وإلى هذا المعنى أشار الفراء فقال في قوله: ﴿وَخَيْرٌ أَمَلًا﴾ الأمل للعمل الصالح خير من الأمل للعمل السيئ) [["معاني القرآن" للفراء 2/ 146.]].
وقال ابن قتيبة: (﴿وَخَيْرٌ أَمَلًا﴾ مما يؤملون) [["تفسير غريب القرآن" لابن قتيبة 1/ 268.]]. أي: هو خير أن يؤمل.
الكهف 18:47
قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ﴾ قال الزجاج: (هو منصوب على معنى واذكر، ثم قال: ويجوز أن يكون نصبه على معنى: خير يوم تسير الجبال، أي: خير في القيامة) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 292.]]. وهذا الوجه يحسن لو لم يكن في ﴿وَيَوْمَ﴾ الواو [["مشكل إعراب القرآن" 1/ 443، "إعراب القرآن" للنحاس 2/ 279.]].
وقوله تعالى: ﴿نُسَيِّرُ الْجِبَالَ﴾ معنى التسيير: جعل الشيء يسير، وقال الكلبي: (تُسير الجبال عن وجه الأرض، كما تُسير السحاب في الدنيا، ثم تكسر فتعود في الأرض) [[ذكره الماوردي في "تفسيره" 3/ 311 بدون نسبة، وكذلك القرطبي في "تفسيره" 10/ 416.]]. وهذا معنى قوله: ﴿وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا (5) فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا (6)﴾ [الواقعة: 5، 6] وقرئ: ﴿نُسَيِّرُ الْجِبَالَ﴾ علي بناء الفعل للفاعل [[قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر: (ويوم تُسير الجبالُ) بالتاء، ورفع الجبال. وقرأ نافع، وعاصم، وحمزة، والكسائي: (ويوم نُسير الجبالَ) بالنون، ونصب الجبال. انظر: "السبعة" ص 393، "الحجة للقراء السبعة" 5/ 151، "التبصرة" ص 249، "العنوان" 123، "النشر" 2/ 311.]]. وهذه القراءة أشبه بما بعده من قوله: ﴿وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ﴾، وحجة القراءة الأولى قوله: ﴿وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ﴾ [النبأ: 20]، وقوله: ﴿وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ﴾ [التكوير: 3]، فبني الفعل للمفعول به.
وقوله تعالى: ﴿وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً﴾ قال ابن عباس: (يريد لا جبل ولا بناء ولا شجر ولا ماء) [[ذكره الثعلبي في "الكشف والبيان" 3/ 389 ب بدون نسبة.]]. وقال مجاهد: (لا خَمَر [[قال الأزهري في "تهذيب اللغة" (خَمَر) 1/ 1100: الوهدة: خَمر، والأكمة: خَمر، والجبل: خَمر، والشجر: خَمر، وكل ما خلفك فهو خمر. وانظر: "القاموس المحيط" (الخمر) 387، "الصحاح" (خمر) 2/ 650.]] فيها) [["جامع البيان" 15/ 257، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 98، "تفسير كتاب الله العزيز" 2/ 465، "تفسير مجاهد" 1/ 377.]]. وقال الكلبي: (ظاهرة ليس عليها شيء) [[ذكر نحوه الثعلبي في "الكشف والبيان" 3/ 389 ب بدون نسبة، وكذلك السمرقندي في "بحر العلوم" 2/ 302.]].
وقال أهل المعاني: (لا شيء يسترها، يحشر الناس فيكونون كلهم في صعيد واحد، يرى بعضهم بعضًا) [["معاني القرآن" للفراء 2/ 145، "معاني القرآن" للزجاج 3/ 292.]]. وهذا قول قتادة في البارزة: (أنها الظاهرة التي لا بناء عليها ،ولا شجر) [["جامع البيان" 15/ 257، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 98، "الدر المنثور" 4/ 411.]]. وقال عطاء: (قد برز الذين كانوا في بطنها فصاروا على ظهرها) [["الكشف والبيان" 3/ 389 ب، "معالم التنزيل" 5/ 176، "الجامع لأحكام القرآن" 10/ 417.]]. وحكى الكلبي هذا القول أيضًا فقال: (ويقال برز كل شيء فيكون على ظهرها) [[ذكرت كتب التفسير نحوه بدون نسبة. انظر: "جامع البيان" 15/ 257، "الكشف والبيان" 3/ 390 أ، "النكت والعيون" 3/ 311، "لباب التأويل" 4/ 215، "الجامع حكام القرآن" 10/ 417.]]. وذكره الفراء فقال: (﴿وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً﴾ يقول: أبرزنا أهلها من بطنها) [["معاني القرآن" للفراء 2/ 146.]].
والقول الأول هو الأولى [[وهذا هو الراجح -والله أعلم- وما عليه جمهور المفسرين، فهي ظاهرة وليس عليه ما يسترها من جبل ولا شجر ولا بنيان، أي: قد اجتثت ثمارها وقلعت جبالها وهدم نيانها فهي بارزة ظاهرة. انظر: "جامع البيان" 15/ 167، "الجامع لأحكام القرآن" 10/ 416، "أضواء البيان" 4/ 111.]]. وهذا لا يصح إلا على بعد.
واستكره بأن يجعل برز بمعنى: أبرز، فقد قال ابن هانئ [[محمد بن هانئ بن محمد بن سعدون الأزدي الأندلسي، أبو القاسم، يتصل نسبة بالمهلب بن أبي صفرة، أشهر المغاربة على الإطلاق، وقد عاصر المتنبي، وولد بإشبيلية ورحل إلى المنصورية بقرب قيروان مدة قصيرة، ثم رحل إلى مصر، وقتل غيلة برقة سنة 362 هـ وله ديوان مطبوع.
انظر: "وفيات الأعيان" 2/ 4، "النجوم الزاهرة" 4/ 67، "شذرات الذهب" 3/ 41، "الأعلام" 7/ 130.]] في قول لبيد [[هذا عجز بيت للبيد. وصدره: == أو مذهب جدد على ألواحه
المَبْرُوز: المكتوب المنشور، من أبرز الكتاب إذا أخرجه ونشره. المخْتُوم: الذي لم ينشر. انظر: "ديوان لبيد بن ربيعة" ص 151، "تهذيب اللغة" (برز) 1/ 310، "لسان العرب" (برز) 1/ 255.]]: النَّاطق المبروز والمختوم
قال: (يقال: بَرَزْته بَرَز، بمعنى: أبرزته) [["تهذيب اللغة" (برز) 1/ 310.]].
ويكون معنى الآية على هذا: وترى الأرض مبرزة ما فيها، كما قال: ﴿وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ﴾ [الانشقاق: 4]. وهذه لغة شاذة لا يفسر بها كتاب الله.
وقوله تعالى: ﴿وَحَشَرْنَاهُمْ﴾ أي: المؤمنين والكافرين، وقد تقدم ذكرهم في هذه السورة. ﴿فَلَمْ نُغَادِرْ﴾ أي: لم نترك ولم نخلف، يقال: غَادَرَه وأغدره إذا تركه، ومنه الغدر، لأنه ترك الوفاء، والغدير: الماء الذي غادره السيل والمطر [[انظر: "تهذيب اللغة" (غدر) 3/ 2638، "القاموس المحيط" (غدر) ص 448، "الصحاح" (غدر) 2/ 766.]].
الكهف 18:48
وقوله تعالى: ﴿وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ﴾ يعني المحشورين. ﴿صَفًّا﴾ الصف مصدر وصف به، ووضع موضع الحال، فهو بمعنى مصفوفين: كل زمرة وأمة صف [["إعراب القرآن" للنحاس 2/ 280، "مشكل إعراب القرآن" 1/ 443، "إملاء ما من به الرحمن" 1/ 400، "الدر المصون" 7/ 505.]].
وقوله تعالى: ﴿لَقَدْ جِئْتُمُونَا﴾ القول هاهنا مضمر، أي: يقال لهم: لقد جئتمونا. أو فيقول لهم الله: ﴿لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ قال ابن عباس: (يريد حفاة عراة غرلاً) [[ذكرته كتب التفسير بدون نسبة انظر: "الكشف والبيان" 3/ 389 ب، "بحر العلوم" 2/ 302، "معالم التنزيل" 5/ 176 بمعناه بدون نسبة، "النكت والعيون" 3/ 312، "الجامع لأحكام القرآن" 10/ 417. ويشهد لهذا حديث عائشة رضي الله عنها في "الصحيحين" قالت: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: (يحشر الناس يوم القيامة حفاة عراة غرلا ..) الحديث.]]
وقيل: (يعني فرادى) [["الكشف والبيان" 3/ 398 ب، "معالم التنزيل" 5/ 176، "الكشاف" 2/ 392، "الجامع لأحكام القرآن" 10/ 417.]]. كما قال في سورة الأنعام: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ الآية. وقال أبو إسحاق: (أي بعثناكم كما خلقناكم) [["معاني القرآن" للزجاج 2/ 292.]]. لأن قوله: ﴿لَقَدْ جِئْتُمُونَا﴾ يعني: بعثناكم.
وقوله تعالى: ﴿بَلْ زَعَمْتُمْ﴾ خطاب لمنكري البعث خاص، ومعناه: بل زعمتم في الدنيا أن لن تُبعثوا، لأن الله وعدهم البعث فلم يصدقوا، والمعنى: ﴿أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِدًا﴾ للبعث والجزاء، و ﴿بَلْ﴾ هاهنا إيذان بأن القصة الأولى قد تمت وبدأ في كلام آخر، وذلك أن الآية عامة في المؤمن والكافر إلى قوله: ﴿بَلْ زَعَمْتُمْ﴾ فلما أخذ في كلام خاص لأحد الفريقين أدخل ﴿بَلْ﴾ ليؤذن بتحقيق ما سبق، وتوكيد ما يأتي بعده، كقوله تعالى: ﴿بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ﴾ [النمل: 66]، وقد يجيء ﴿بَلْ﴾ في الكلام لترك ما سبق من غير إبطال له [["البحر المحيط" 6/ 134، "الدر المصون" 7/ 506، "إرشاد العقل السليم" 5/ 226، "إملاء ما من به الرحمن" 1/ 400، "أضواء البيان" 4/ 116.]]، كقول لبيد [[البيت للبيد. نوار: اسم امرأة. ونأت: بعدت. والأسباب: الحبال. == والرِّمام: الحبال الضعاف التي أخلقت وكادت تتقطع. انظر: "ديوانه" ص 166.]]: بل ما تذكر من نوار وقد نأت ... وتقطعت أسبابها ورمامها
لم يرد ببل هاهنا إبطال ما سبق، وإنما أراد الإذان بترك الكلام الأول، كما تقول: دع ذا، واترك ذا، عند تمام ما يتكلم به والانتقال إلى غيره، كما قال امرئ القيس [[هذا صدر بيت لامرئ القيس. وعجزه:
ذمولٍ إذا صام النَّهار وهجرا
جَسْرَة: يقال ناقة جسرة طويلة ضخمة، والجسر العظيم من الإبل. ذَمُول: السريعة.
انظر: "ديوانه" ص 63، "تهذيب اللغة" (صام) 2/ 1965، "لسان العرب" (هجر) 4619.]]:
فدع ذا وسلِّ الهمَّ عنك بجسرةٍ
الكهف 18:49
قوله تعالى: ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ﴾ قال المفسرون: (يعني كتب أعمال الخلق) [["جامع البيان" 15/ 258، "معالم التنزيل" 5/ 177، "النكت والعيون" 3/ 312، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 96.]]. و ﴿الْكِتَابُ﴾ اسم الجنس، فيعمُّ عند الإطلاق. قال أبو إسحاق: (معناه ووضع كتاب كل امرئ بيمينه أو شماله) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 293.]].
وقوله تعالى: ﴿فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ﴾ قال ابن عباس: (يريد المشركين. ﴿مُشْفِقِينَ﴾ قال: خائفين) [[ذكرته كتب التفسير بلا نسبة. انظر: "جامع البيان" 258/ 15، "البغوي" 3/ 177 بدون نسبة، "القرطبي" 10/ 418، "الرازي" 11/ 134، "أضواء البيان" 4/ 249.]]. ومعنى الإشفاق في اللغة: الخوف والحذر من وقوع المكروه، ويقال: شَفَقَ بمعنى أَشْفَقَ شفقةً، وإشْفاقًا فهو مشفق وشَفِق، وأصل الحرف من الرقة [[انظر: "تهذيب اللغة" (شفق) 2/ 1900، "القاموس المحيط" (شفق) 3/ 897، "لسان العرب" (شفق) 4/ 2292.]]. وسنذكر ذلك مستقصى عند قوله: {فَلَا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ} [الانشقاق: 16] إن شاء الله.
وقوله تعالى: ﴿مِمَّا فِيهِ﴾ أي: من الأعمال السيئة.
﴿وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا﴾ لوقوعهم في الهلكة يدعون بالويل على أنفسم: ﴿مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً﴾ أي: لا تاركًا صغيرة، فقوله: ﴿لَا يُغَادِرُ﴾ في موضع الحال، قال ابن عباس في رواية عكرمة: (الصغيرة التبسم، والكبيرة الضحك) [["معالم التنزيل" 5/ 177، "الكشاف" 2/ 393، "القرطبي" 10/ 419، "الدر المنثور" 4/ 411.]].
ونحو هذا روى عنه الذبال بن عمرو الأوزاعي فيما كان يعظ به المنصور [[عبد الله بن محمد بن علي بن العباس، أبو جعفر المنصور، ثاني خلفاء بني العباس، وأول من عني بالعلوم من ملوك العرب، وكان عارفًا بالفقه والأدب محبًا للعلم والعلماء، ولي الخلافة بعد وفاه أخيه السفاح سنة 136 هـ، وعرف بالشجاعة والحزم، توفي ببئر ميمون من أرض الحجاز محرمًا بالحج، ودفن في الحجون بمكة سنة 158 هـ، ودامت خلافته 22 عامًا. انظر: "تاريخ بغداد" 10/ 53، "الجرح والتعديل" 5/ 159، "تاريخ الطبري" 9/ 292، "الأعلام" 4/ 117.]] [["جامع البيان" 15/ 258.]]. ونحو هذا روي عن الحسن عن ابن عباس، وهو قول ابن أبي ليلى [[عيسى بن عبد الرحمن بن أبي ليلى الأنصاري، تابعي ثقة، قرأ القرآن على أبيه، وقرأ عليه أخوه محمد بن عبد الرحمن، وأبوهما ممن قرأ على علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- وله رواية قليلة في "السنن". انظر: "التاريخ الكبير" 6/ 390، "الكاشف" 2/ 368، "غاية النهاية" 1/ 609 ، "تهذيب التهذيب" 8/ 219، "معرفة القراء الكبار" 1/ 66.]]، والكلبي [["المحرر الوجيز" 9/ 326، "النكت والعيون" 3/ 312، "القرطبي" 10/ 419.]]. وقال في رواية عطاء: ﴿لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً﴾ يريد: من أعمالنا ﴿وَلَا كَبِيرَةً﴾ يريد: الشرك) [[ذكره القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن" 10/ 418 بلا نسبة.]]. وقال سعيد بن جبير: (الصغيرة: اللمم، والكبيرة: الزنا) [["معالم التنزيل" 5/ 177، "الكشاف" 2/ 393، "الجامع لأحكام القرآن" 10/ 419، "البحر المحيط" 6/ 135.]].
وقوله تعالى: ﴿إِلَّا أَحْصَاهَا﴾ أي: عدَّها، وأثبتها، وكتبها، وحفظها، كل هذه ألفاظ المفسرين [["جامع البيان" 15/ 258، "معالم التنزيل" 5/ 177، "الكشاف" 2/ 393، "أضواء البيان" 4/ 116.]]. والمعنى: إني أحصيت وأثبت في الكتاب. فأضيف الإحصاء إلى الكتاب توسعًا.
قال قتادة في هذا: (اشتكى القوم -كما تسمعون- الإحصاء، فإياكم والمحقرات من الذنوب، فإنها تجتمع على صاحبها حتى تهلكه) [["جامع البيان" 15/ 258، "النكت والعيون" 3/ 313، "الجامع لأحكام القرآن" 10/ 419، "الدر المنثور" 4/ 411.]].
وقوله تعالى: ﴿وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا﴾ أي: في الكتاب مكتوبًا مثبتًا ذكره. ﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ قال الزجاج: (أي: يعاقبهم، فيضع العقوبة موضعها في مجازاة الذنوب، قال: وأجمع أهل اللغة: أن الظلم وضع الشيء في غير موضعه) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 293.]].
وتأويل هذا: أنه لا يعاقب أحدًا بغير جرم، وهو معنى قول الضحاك: (لا نأخذ أحدًا بجرم لم يعمله) [["معالم التنزيل" 5/ 178، "الجامع لأحكام القرآن" 10/ 419.]].
الكهف 18:50
قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ قال المفسرون: أمر الله تعالى نبيه -ﷺ- أن يذكر هؤلاء المتكبرين عن مجالسة الفقراء قصة إبليس، وما أورثه الكبر، فقال: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ﴾ أي: واذكر يا محمد ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ﴾ قال ابن عباس في رواية عطاء: (يريد أن ملائكة السماء الدنيا يقال لهم: الجن) [["جامع البيان" 15/ 259، "زاد السير" 5/ 153، "المحرر الوجيز" 9/ 329.]]. مقل قوله: ﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا﴾ [الصافات: 158] يعني حين قالوا: الملائكة بنات الله. وكان ابن عباس يقول: (لو لم يكن من الملائكة لم يؤمر بالسجود) [["جامع البيان" 15/ 260، "الدر المنثور" 4/ 412.]].
وروى سعيد عن قتادة قال: (كان من قبيل من الملائكة يقال لهم: الجن) [["جامع البيان" 15/ 260، "تفسير القرآن" للصنعاني 1/ 404، "الدر المنثور" 4/ 412.]]. وقال شهر بن حوشب: (كان إبليس من الجن الذين ظفر بهم الملائكة) [["جامع البيان" 15/ 261، "البحر المحيط" 6/ 136، "الدر المنثور" 4/ 413، "روح المعاني" 15/ 292.]].
وقال الحسن: (ما كان إبليس من الملائكة طرفة عين، وإنه لأصل الجن، كما أن آدم أصل الإنس) [["جامع البيان" 15/ 260، "معالم التنزيل" 5/ 178، "النكت والعيون" 3/ 312.]].
وقد ذكرنا الخلاف في هذا في سورة البقرة عند ذكر قصة آدم بالشرح [[عند قوله سبحانه في سورة البقرة (34) ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: 34].]] [[والذي عليه كثير من المفسرين رحمهم الله تعالى أن إبليس كان من الملائكة، أو == من طائفة منهم يقال لهم: الجن.
قال الطبري بعد أن ذكر الأقوال في هذه المسألة: "وهذه علل تنبئ عن ضعف معرفة أهلها، وذلك أنه غير مستنكر أن يكون الله -جل ثناؤه- خلق أصناف ملائكته من أصناف من خلقه شتى، فخلق بعضًا من نور وبعضًا من نار وبعضًا مما شاء من غير ذلك، وليس في ترك الله الخبر عما خلق منه ملائكته واخباره عما خلق منه إبليس ما يوجب أن يكون إبليس خارجًا عن مسماهم .. وأما خبر الله عنه أنه من الجن فغير مدفوع أن يسمى ما اجتن من الأشياء عن الأبصار كلها جنا فيكون إبليس والملائكة منهم لاجتنانهم عن أبصار بني آدم". انظر: "جامع البيان" 1/ 227، "المحرر الوجيز" 1/ 246، "معالم التنزيل" 1/ 63، "الجامع لأحكام القرآن" 1/ 294، "البحر المحيط" 1/ 153.]].
وقوله تعالى: ﴿فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ ذكر أهل التأويل في هذا ثلاثة أوجه: أحدها وهو الأكثر: أن معناه خرج عن أمر ربه إلى معصيته في ترك السجود. وهو قول الفراء، وأبي عبيدة.
قال الفراء: (أي خرج عن طاعة ربه، والعرب تقول: فسقت الرطبة
من قشرها لخروجها منه، وكأن الفأرة إنما سميت فويسقة لخروجها [[قوله: (لخروجها)، ساقط من نسخة (ص).]] من جحرها على الناس) [["معاني القرآن" للفراء 2/ 147.]].
وقال أبو عبيدة: (﴿فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ أي: جار ومال عن طاعته) [["تهذيب اللغة" (فسق) 3/ 2788، "مجاز القرآن" لأبي عبيدة 1/ 406.]]، وأنشد لرؤية [[هذا عجز بيت لرؤية يصف إبلاً منعدلة عن قصد نجد. وصدره:
يهوين في نجد وغورًا غائزًا.
انظر: "ديوانه" 190، "مجاز القرآن" 1/ 406، "تهذيب اللغة" (فسق) 3/ 2788، "البحر المحيط" 6/ 136، "الزاهر" 1/ 218، "لسان العرب" (فسق) 6/ 3414.]]: فواسقًا عن قصده جوائرا
الوجه الثاني: ما ذكره الأخفش قال: (معنى ﴿فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ نحو قول العرب: اتخم عن الطعام، أي: عن أكله، ولما رد هذا الأمر فسق) [["جامع البيان" 15/ 261، "تهذيب اللغة" (فسق) 6/ 3414.]]. ونحو هذا حكى الزجاج عن قطرب [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 294.]]. قال أبو العباس: (ولا حاجة به إلى هذا، الفسوق معناه: الخروج، ﴿فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ أي: خرج) [["تهذيب اللغة" (فسق) 3/ 2788، "لسان العرب" (فسق) 6/ 3414]].
الوجه الثالث: ما ذهب إليه سيبويه والخليل: (أن معنى ﴿فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ أتاه الفسق لما أُمِرَ فعصى، وكان سبب فسقه أمر ربه، كما تقول: أطعمه عن جوع وكساه عن عُرِي، المعنى: كان سبب فسقه الأمر بالسجود، كما كان سبب الإطعام الجوع، وسبب الكسوة العري) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 94، "المحرر الوجيز" 9/ 330، "الجامع لأحكام القرآن" 10/ 420، "التفسير الكبير" 21/ 137.]].
قال أبو عبيد: (وهذه الكلمة -يعني الفسوق- لم أسمعها في شيء من أشعار الجاهلية ولا أحاديثها، وإنما تكلمت بها العرب بعد نزول [[في (ص): (تبدل)، وهو تصحيف.]] القرآن) [[ذكر نحوه ابن منظور في "لسان العرب" (فسق) 6/ 3414.]]. قال أهل المعاني المبرد وغيره: (هي كلمة فصيحة على ألسنة العرب) [["تهذيب اللغة" (فسق) 3/ 2788، "لسان العرب" (فسق) 6/ 3414]]. وأوكد الأمور ما جاء في القرآن، ومعناه: الخروج، كما قال: فواسقا ... البيت [[يريد به بيت رؤبة السابق الذكر. == وهذا ما ذهب إليه جمهور أهل اللغة والتفسير أن الفسق معناه: الخروج.
انظر: "معاني القرآن" للفراء 2/ 147، "المحرر الوجيز" 9/ 329، "الجامع لأحكام القرآن" 10/ 420، "البحر المحيط" 6/ 136، "إرشاد العقل سليم" 5/ 227، "أضواء البيان" 4/ 121.]].
وقوله تعالى: ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي﴾ قال قتادة: (وهم أولاده، وهم يتوالدون كما يتوالد بنوا آدم) [["جامع البيان" 15/ 262، "معالم التنزيل" 5/ 179، "البحر المحيط" 6/ 136، "إرشاد العقل السليم" 5/ 227.]]. ﴿أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي﴾ قال الكلبي: (ليس تصلون له ولا تصومون، ولكن من أطاع شيئًا فقد عبده) [[ذكر نحوه السمرقندي في "بحر العلوم" 2/ 302.]]. واختلف في كيفية ولادة إبليس وحصول ذريته، فقال مجاهد فيما روى عنه ابن جريج: (أن إبليس أدخل ذكره في دبره، فباض خمس بيضات فهم ذريته) [["معالم التنزيل" 5/ 179، "الجامع لأحكام القرآن" 10/ 420، "إرشاد العقل السليم" 5/ 227، "الدر المنثور" 4/ 413.]].
وقال الشعبي في هذه الآية: (لا تكون ذريته إلا من زوجة) [["معالم التنزيل" 5/ 179 بمعناه، "الجامع لأحكام القرآن" 10/ 420، "البحر المحيط" 6/ 136، "روح المعاني" 15/ 295.]].
وروى عبد الله بن المغيرة [[عبد الله بن عثمان بن المغيرة الثقفي، إمام زاهد، تابعي محدث، روى عن ابن عباس وغيره من أصحاب النبي -ﷺ-، وروى عنه ابن جريح والحسن البصري وغيرهما من التابعين. انظر: "الجرح والتعديل" 2/ 111، "تهذيب التهذيب" 5/ 317، "الخلاصة" ص 206، "تقريب التهذيب" ص 207.]]: (أن أبا هريرة قال: اسم امرأة إبليس ردة) [[لم أقف على هذا القول. وقد ذكر ابن عطية مثل هذا القول في "تفسيره" 10/ 413 ثم قال: "وهذا وما جانسه مما لم يأت به سند صحيح، وقد طول النقاش في هذا المعنى وجلب حكايات تبعد عن الصحة، ولم يمر بي في هذا صحيح إلا ما في كتاب: مسلم من أن للوضوء والوسوسة شيطانًا يسمى خنزب، وذكر الترمذي أن للوضوء شيطانًا يسمى الولهان، والله أعلم بتفاصيل هذه الأمور لا رب غيره".]]. وروى ليث عن مجاهد قال: (ذريته الشياطين) [["جامع البيان" 15/ 262، "الجامع لأحكام القرآن" 10/ 421.]] [[والحق في ذلك -والله أعلم- أن الله أخبر أن لإبليس أتباعًا وذرية، وأنهم يوسون إلى بني آدم ليضلوهم. أما كيفية ولادة تلك الذرية فلم يثبت فيه نقل صحيح، ومثله لا يعرف بالرأي، بل يتوقف الأمر فيه على النقل الثابت عن النبي -ﷺ-.]].
وقوله تعالى: ﴿وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ﴾ أعلم الله تعالى أنه من العداوة والحسد لبني آدم على مثل الذي كان لأبيهم. قال ابن عباس: (يريد كما أخرج أبويكم من الجنة) [[لم أقف على القول. ويشهد له قوله تعالى في سورة البقرة الآية رقم (36) ﴿فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾.]].
وقوله تعالى: ﴿بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا﴾ قال ابن عباس: (يريد حيث استبدلوا بالرحمن عبادة الشيطان) [[ذكرته كتب التفسير بدون نسبة. انظر: "الكشف والبيان" 3/ 390 أ، "بحر العلوم" 2/ 302، "معالم التنزيل" 3/ 167.]].
وقال الحسن: (بئس ما استبدلوا بعبادة ربهم أن أطاعوا إبليس، فبئس ذلك لهم بدلاً) [["زاد المسير" 5/ 154 ، "معالم التزيل" 5/ 180، ونسبه لقتادة، "الجامع لأحكام القرآن" 10/ 420.]].
وقال الزجاج: (بئس ما استبدل به الظالمون من رب العزة إبليس) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 294.]]. والمعنى: بئس هو بدلاً أي: إبليس.
﴿مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا﴾. [الكهف: 51]
الكهف 18:51
وقوله تعالى: ﴿مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي: ما أحضرتهم يعني إبليس وذريته [["جامع البيان" 15/ 263، "معالم التنزيل" 5/ 180، "المحرر الوجيز" 9/ 333، "النكت والعيون" 3/ 315.]].
قال صاحب النظم: (أومأ بقوله: ﴿مَا أَشْهَدْتُهُمْ﴾ إلى أنه لم يشاورهم في خلق السموات والأرض ولا في خلق أنفسهم) [[ذكره البغوي في "معالم التنزيل" 5/ 180 بدون نسبة، والسمرقندي في "النكت والعيون" 3/ 315.]]. أي: أنه خلقها وخلقهم على ما أراد وقدر من غير مشاورة لهم، وإنما ضمن الإشهاد الإيماء إلى المشاورة؛ لأن الرجل إذا أراد مشاورة إنسان أشهده نفسه، أو شهده بنفسه، يدل على صحة هذا المعنى قوله: ﴿وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا﴾ أي: الشياطين الذين يضلون الناس.
وقال أهل المعاني: هذه الآية تأكيد في زجرهم عن اتخاذ إبليس وذريته أولياء. يقول: ليس عندهم علم ما تحتاجون إليه فتقبلوا أنتم على إتباعهم، فإني لم أشهدهم خلق السموات والأرض. وقيل: (إن هذه الآية إخبار عن كمال قدرة الله تعالى، واستغنائه عن الأنصار والأعوان) [["الكشف والبيان" 3/ 390 أ، "بحر العلوم" 2/ 303.]].
قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا﴾ قال قتادة: (أعوانا) [["جامع البيان" 15/ 263، "تفسير القرآن" للصنعاني 1/ 341، "الدر المنثور" 4/ 412.]]. ولفظ العَضُد يستعمل كثيرًا في معنى العون، وذلك أن العضْد قوام اليد، منه الاعتضاد وهو التَّقوِّى، واعتضدت بفلان معناه: استعنت به، ومن هذا قوله تعالى: ﴿سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ﴾ [القصص: 53] أي: سنعينك ونقويك، وكل معين فهو عضد، وعاضدني فلان أي: عاونني، وفي العضد لغات: عَضُد، وعَضْد، وعُضُد، وعُضْد [[انظر: "تهذيب اللغة" (عضد) 3/ 2471، "مقاييس اللغة" (عضد) 4/ 348، "القاموس المحيط" (العضد) 1/ 299، "الصحاح" (عضد) ص 509.]]. والناس على أن معنى هذا: استغنى الله تعالى بقدرته عن الأنصار.
وقال ابن عباس في رواية عطاء: (يريد: لم يعضدوا لي وليًا، ولم ينصروا لي عبدًا، ولم يقوموا لأحد من أوليائي بحق) [[لم أقف عليه.]]. ومعنى هذا: أنهم لو نصروا أولياء الله لكان كأنهم نصروا الله، ولما لم يفعلوا ذلك أخبر الله تعالى أنه لم يتخذهم أعوانًا. والقول هو الأول، وإنما قال: عَضُد على واحد لوفاق الفواصل.
الكهف 18:52
قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَقُولُ﴾ أي: الله تعالى، وقراءة العامة: بالياء لقوله: ﴿شُرَكَائِيَ﴾ وقرأ حمزة: بالنون [[قرأ نافع، وابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر، والكسائي، وعاصم: (يقول) با لياء. وقرأ حمزة: (نقول) بالنون. انظر: "السبعة" ص 393، "الحجة للقراء السبعة" 5/ 151، "المبسوط في القراءات" 236، "التبصرة" ص 249، "النشر" 20/ 311.]]، حملاً على ما تقدم في المعنى من قوله: ﴿وَمَا كُنْتُ﴾ [الكهف: 51] فكما أن كنت للمتكلم كذلك: نقول، والجمع والإفراد في ذلك بمعنى.
قال ابن عباس: (يريد يوم القيامة) [[ذكره البغوي في "تفسيره" 5/ 181 بلا نسبة، والسمرقندي في "بحر العلوم" 2/ 303.]]. قال المفسرون: (يقول الله تعالى يوم القيامة: ادعوا الذين أشركتم بي ليمنعوكم من عذابي) [["معالم التنزيل" 5/ 181، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 2.]]. وهو قوله: ﴿نَادُوا شُرَكَائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ﴾ قال ابن عباس: (يريد في الدنيا) [[ذكره ابن كثير في "تفسيره" 3/ 101 بلا نسبة، والسمرقندي 2/ 303.]] ﴿فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ مَوْبِقًا﴾ قال أنس: (هو واد في جهنم من قيح ودم) [["جامع البيان" 15/ 265، "المحرر الوجيز" 9/ 335، "النكت والعيون" 3/ 316 "تفسير القرآن العظيم" 3/ 1012.]]. وهو قول مجاهد، وعبد الله بن عمر [["جامع البيان" 15/ 264، "معالم التنزيل" 5/ 181 بمعناه بدون نسبة لابن عمر، "المحرر الوجيز" 9/ 335، "الدر المنثور" 4/ 414.]].
وقال نوف البكالي: (هو واد بين أهل الضلال وبين أهل الإيمان) [[ذكره الطبري في "تفسيره" 15/ 264 ونسبه إلى عمرو البكالي، وكذلك ابن كثير 3/ 101، "والجامع لأحكام القرآن" 11/ 3.]]. وقال البكالي: (هو واد يفرق به [[قوله: (به)، ساقط من الأصل ومثبت في بقية النسخ.]] بين أهل لا إله إلا الله ومن سواهم) [["تفسير كتاب الله العزيز" 2/ 468، "الدر المنثور" 4/ 414، "أضواء البيان" 4/ 127.]]. وهذا القول يوافق قول ابن عباس في رواية عطاء فإنه قال: (يريد حِجازًا وحاجزْا) [["الجامع لأحكام القرآن" 11/ 2.]]. ونحو هذا قال ابن الأعرابي في الموبق قال: (وكل حاجِز بين شيئين فهو مُوبِق) [["معالم التنزيل" 3/ 101، "أضواء البيان" 4/ 128، "تهذيب اللغة" (وبق) 4/ 3828، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 2.]]. وعلى هذا القول الكناية في قوله: ﴿بَيْنَهُمْ﴾ يعود إلى الفريقين من المؤمنين والكافرين، وليس يعرف للموبق بمعنى الحاجز اشتقاق. وقال ابن عباس في رواية الوالبي: (مهلكا) [["جامع البيان" 15/ 264، "المحرر الوجيز" 9/ 335، "النكت والعيون" 3/ 316، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 92.]]. وهو قول قتادة، والضحاك، وابن زيد، والسدي [["جامع البيان" 15/ 264، "تفسير الصنعاني" 1/ 341، "معالم التنزيل" 3/ 101.]]. وجميع أهل المعاني [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 295، "معاني القرآن" للفراء 2/ 147، "تفسير المشكل من غريب القرآن" 2/ 268.]].
قال الفراء: (يقول: جعلنا تواصلهم في الدنيا موبقا، أي: مهلكا لهم في الآخرة) [["معاني القرآن" للفراء 2/ 147، "تهذيب اللغة" (وبق) 4/ 3828.]]. وعلى هذا ﴿بَيْنَهُمْ﴾ ينتصب انتصاب المفعول به؛ لأنه جعل البين بمعنى التواصل، فلا ينتصب انتصاب، والكناية تعود على المشركين فقط [["إملاء ما من به الرحمن" 1/ 400.]].
وقال أبو إسحاق: (أي جعلنا بينهم من العذاب ما يوبقهم أي: يهلكهم) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 295.]]. والبين على هذا ظرف، والموبق على القولين في مصدر، كأنه قيل: جعلنا تواصلهم في الدنيا هلاكًا لهم في الآخرة. والتأويل: سبب هلاك. هذا تقدير قول الفراء. وعلى قول أبي إسحاق كأنه قيل: جعلنا بينهم هلاكًا. يعني: عذابًا يهلكهم. ونص الضحاك على لفظ الهلاك فقال في قوله: ﴿مَوْبِقًا﴾: (هلاكًا) [["جامع البيان" 15/ 264، "معالم التنزيل" 3/ 101، "النكت والعيون" 3/ 316.]].
قال الفراء في "المصادر": (يقال: وَبِقَ، يَوبقُ، وَبَقاً، فهو وَبِق، قال: وبنو عامر [[بنو عامر: بطن من قيس عيلان من العدنانية، وهذه النسبة إلى ثلاثة رجا: عامر بن لؤي، وعامر بن صعصعة، وعامر بن عدي بن نجيب. انظر: "الأنساب" للسمعاني 4/ 113، "التعريف في الأنساب" ص 78، "معجم قبائل العرب" 3/ 422، "الجمهرة" ص 280.]] يقولون: يابِق، وتميم [[تميم: قبيلة كبيرة، قوية من العدنانية، منازلهم في نجد والبصرة، واليمامة، ويمتدون إلى الكوفة، ويمكن حصرهم اليوم في ثلاثة بطون: بطن حنظلة بن مالك ابن زيد بن مناة بن تميم، وبطن سعد بن زيد بن مناة بن تميم، وبطن عمر بن تميم. انظر: "نهاية الأرب" 177، "معجم قبائل العرب" 1/ 125، "اللباب في تهذيب الأنساب" 1/ 222، "الأنساب" للسمعاني 1/ 478.]] تقول: يَبِق والمصدر واحد) [["جامع البيان" 15/ 265، "لسان العرب" (وبق) 8/ 4705.]]. وحكى الكسائي: (وَبَقَ، يَبِقُ، وُبُوقًا، فهو وابِق، قال: ولم أسمعها [["جامع البيان" 15/ 265، "تهذيب اللغة" (وبق) 4/ 3828.]].
وذكر الزجاج هذه اللغات كلها [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 295.]].
وذُكِرَ في تفسير الموبق قولان آخران لا يدرى لهما أصل.
أحدهما: ما روي عن الحسن أنه قال: (جعلنا بينهم عداوة يوم القيامة) [["جامع البيان" 15/ 264، "المحرر الوجيز" 9/ 335، "النكت والعيون" 3/ 316، "الكشاف" 2/ 394، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 101.]]. فقال بعض أهل المعاني في هذا: يعني عداوة مهلكة. وهذا بعيد.
والقول الآخر: ما قاله أبو عبيدة قال في تفسير الموبق: (أنه الموعد، واحتج بقول الشاعر [[البيت لخفاف بن ندبة السلمي. شَرَوْرَى، والسِّتَار، وتِعَار: أسماء أماكن وجبال لبني سليم. انظر: "مجاز القرآن" 1/ 406، "تهذيب اللغة" 4/ 3828 (وبق)، "الأصمعيات" (15)، "لسان العرب" (وبق) 8/ 4755.]]: وجاد شرورى والستار فلم يدع ... تعارًا له والواديين بموبق
قال: معناه بموعد) [["مجاز القرآن" لأبي عبيدة 1/ 406،"تهذيب اللغة" (وبق) 4/ 3828.]]. ولم يذكر أحد من أهل اللغة وَبَقَ بمعنى: وعد، ثم وإن صح، فأي معنى لقوله: وجعلنا بينهم موعدًا. وهذا القول فاسد لفظًا ومعنى. وقد قال الأخفش: (موبق مثل: موعد) [["معاني القرآن" للأخفش 2/ 619.]]. ولعله رأى هذا فظن أنه يقول: هو مثله في التفسير. وذهب عليه أن يريد ذلك في اللفظ؛ لأنه قال: هو مثل: موعد، من وَبَقَ يَبِقُ. فظن أن وَبَقَ بمعنى: وعد، لما رأى مثل موعد. والله أعلم [[الراجح -والله أعلم- هو أن "وبق" بمعنى: هلك. قال الطبري -رحمه الله- في "تفسيره" 15/ 265: وأولى الأقوال في ذلك بالصواب القول الذي ذكرناه عن ابن عباس ومن وافقه في تأويل الموبق المهلك، وذلك أن العرب تقول في كلامها: قد أوبقت فلانًا، إذا أهلكته، ومنه قوله -عز وجل -: ﴿أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُوا﴾ بمعنى: يهلكهن. وانظر: "تفسير القرآن العظيم" 3/ 101، "أضواء البيان" 4/ 127، "تهذيب اللغة" (وبق) 4/ 3828]].
الكهف 18:53
قوله تعالى: ﴿وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ﴾ قال ابن عباس: (يريد المشركين) [[ذكره الطبري في "جامع البيان" 15/ 265 بدون نسبة، والبغوي في "معالم التنزيل" 5/ 181، والسمرقندي في "بحر العلوم" 2/ 303.]]. وهي تتلظى حنقا عليهم ﴿فَظَنُّوا﴾، قال ابن عباس، ومجاهد: (تيقنوا) [[ذكرته كتب التفسير بدون نسبة. انظر: "المحرر الوجيز" 2/ 336، "الكشاف والبيان" 3/ 391 أ، "الكشاف" 2/ 489، "الجامع لأحكام القرآن" 10/ 110، "البحر المحيط" 6/ 137.]].
وقال السدي: (استيقنوا) [[ذكرت كتب التفسير نحوه بدون نسبة. انظر: "الكشف والبيان" 3/ 391 أ، "بحر == العلوم" 2/ 303، "معالم التنزيل" 5/ 181، "لباب التأويل" 4/ 218، "إرشاد العقل السليم" 5/ 229.]].
وهو قول جميع المفسرين [["الكشف والبيان" 3/ 390 أ، "بحر العلوم" 2/ 303، "معالم التنزيل" 5/ 181.]]. والظن هاهنا بمعنى: العلم.
وقوله تعالى: ﴿أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا﴾ قال ابن عباس: (أنهم واردوها) [[ذكر نحوه بلا نسبة السمرقندي في "بحر العلوم" 2/ 303، والماوردي في "النكت والعيون" 3/ 317.]]. وقال الحسن: (أنهم داخلوها) [[ذكره الثعلبي في "الكشف والبيان" 3/ 390 أبدون نسبة، وكذلك السمرقندي في "بحر العلوم" 2/ 303.]]. وقال مجاهد: (مقتحموها) [["الكشف والبيان" 3/ 390 أ.]].
ومعنى المواقعة في اللغة: ملابسة الشيء بشدة، يقال: واقَعَهُ مُوَاقَعَةً، وأَوْقَعَ به إِيْقاعاً، ومنه: وقائع الحروب، وتَوَقَعَ أي: ترقب وقعة شيء، ومن هذا يقال للجماع: الوِقَاع؛ لأنه يلابسه بدفع وشدة [[انظر: "تهذيب اللغة" (وقع) 4/ 3935، "مقاييس اللغة" (وقع) 6/ 133، "القاموس المحيط" (وقع) (826)، "الصحاح" (وقع) 3/ 1301، "لسان العرب" (وقع) 8/ 4895.]]. والمعنى: ملابسون إياها ملابسة تقع بهم وتشتد عليهم. ﴿وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفًا﴾ قال ابن عباس: (يريد قد أحاطت بهم من كل جانب، فلم يقدروا على الهرب ولا على الرجوع عنها) [[ذكرت كتب التفسير نحوه بلا نسبة. انظر: "معالم التنزيل" 5/ 181، "الجامع لأحكام القرآن" 10/ 110، "لباب التأويل" 4/ 218.]]. وقال أهل اللغة: (معنى المصرف: المعدل. وهو الموضع الذي يصرف إليه) [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 3/ 295، "تهذيب اللغة" (صرف) 2/ 2007،== "القاموس المحيط" (صرف) ص 772، "الصحاح" (صرف) 4/ 1385، "لسان العرب" (صرف) 8/ 2435]].
قال أبو كبير الهذلي [[هذا صدر بيت لأبي كبير الهذلي. وعجزه:
أم لا خلود لباذل متكلف
انظر: "شرح أشعار الهذليين" 3/ 1084، "جامع البيان" 15/ 266، "النكت والعيون" 3/ 317، "البحر المحيط" 6/ 138، "الدر المصون" 7/ 510، "مجاز القرآن" 1/ 407، "لسان العرب" (صرف) 8/ 2435.]]:
أزهير هل عن شيبةٍ من مَصْرِفِ
والمصرف في هذه الآية: موضع، وليس بمعنى المصدر، ولو كان مصدرًا كان مفتوح الراء.
الكهف 18:54
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ﴾ مفسرًا في سورة بني إسرائيل في موضعين [[سورة الإسراء الآية رقم (41): ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِيَذَّكَّرُوا وَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا نُفُورًا﴾. وقوله في الآية رقم (89): ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا﴾ [سورة الإسراء]]].
وقوله تعالى: ﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾ قال ابن عباس: (يريد النضر بن الحارث، وجداله في القرآن) [["معالم التنزيل" 5/ 181، "المحرر الوجيز" 9/ 337، "البحر المحيط" 6/ 139.]]. وقال الكلبي: (يعني أبي بن خلف) [[أبي بن خلف بن وهب الجمحي، كان من أشد الناس وأكثرهم أذى للرسول -ﷺ- وللصحابة رضوان الله عليهم، رماه النبي -ﷺ- يوم أحد بحربة فقتله.
انظر: "جوامع السير" ص 54، "الكامل في التاريخ" 2/ 148 ، "الأعلام" 2/ 22.]] [["معالم التنزيل" 5/ 181، "البحر المحيط" 6/ 139، "القرطبي" 11/ 5.]].
وقال أبو إسحاق: (معناه كان الكافر، ويدل عليه قوله: ﴿وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ﴾ [الكهف: 56] الآية. وإن قيل: هل يجادل غير الإنسان؟ قيل: إن إبليس قد جادل، وإن كل ما يعقل من الملائكة، والجن يجادل، ولكن الإنسان أكثر هذه الأشياء جدلاً) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 296.]] [[الأولى -والله أعلم- أن تكون عامة في المؤمن والكافر، ويؤيد هذا ما ثبت في "الصحيحين" وغيرهما من حديث علي -رضي الله عنه- أن النبي -ﷺ- طرقه وفاطمة ليلاً فقال: ألا تصليان؟ فقلت: يا رسول الله إنما أنفسنا بيد الله إن شاء أن يبعثنا بعثنا، فانصرف حين قلت ذلك ولم يرجع إلى شيئًا، ثم سمعته يضرب فخذه ويقول: ﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾ [الكهف: 54].]].
الكهف 18:55
قوله تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَ النَّاسَ﴾ قال ابن عباس: (يريد أهل مكة) [[ذكرته كتب التفسير بلا نسبة. انظر: "المحرر الوجيز" 9/ 339، "الجامع لأحكام القرآن" 10/ 110، "روح المعاني" 15/ 300.]]. ﴿أَنْ يُؤْمِنُوا﴾ أي: الإيمان ﴿إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى﴾ محمد -ﷺ- جاءهم من الله بالرشاد والبيان [["معالم التنزيل" 5/ 182، "فتح القدير" 3/ 422.]]. وهذا مفسر في سورة بني إسرائيل [[عند قوله سبحانه في سورة الإسراء الآية رقم (94): ﴿وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى إِلَّا أَنْ قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا﴾.]].
وقوله تعالى: ﴿وَيَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ﴾ عطف على أن يؤمنوا.
وقوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ﴾ قال صاحب النظم: (﴿سُنَّةُ اَلأَوَّلِينَ﴾ أنهم إذا تمردوا ولم يؤمنوا أن يعذبوا ويهلكوا) [[لم أقف عليه. ويشهد لهذا عدد من الآيات التي تحققت فيها سنته سبحانه في إهلاك من كفر وصد عن سبيله فعم قوم نوح الغرق، وأهلكت عاد الريح العقيم، وأخذت ثمود الصيحة، وقلبت على اللوطية ديارهم فجعل الله عاليها سافلها قال سبحانه == في سورة العنكبوت الآية رقم (40): ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾.]].
يقول: فقدرت على هؤلاء العذاب أي: لم أقدر عليهم الإيمان، فذلك الذي يمنعهم من الإيمان؛ لأني قد قدرت عليهم الإهلاك وهو سنة الأولين [[ويشهد لهذا عدد من الآيات في كتاب الله، يقول -سبحانه وتعالى- في سورة يونس الآية (96، 97): ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ (96) وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾. وقوله تعالى في سورة يونس الآية (101): ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ﴾.]] -وهذه الآية على هذا التفسير دليل إثبات القدر.
وقال أبو إسحاق: (المعنى إلاَّ طلب أن تأتيهم سنة الأولين، وسنة الأولين أنهم عاينوا العذاب فطلب المشركون ذلك ﴿وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ﴾ [الأنفال: 32] [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 296.]].
وقوله تعالى: ﴿أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ قُبُلًا﴾ قال ابن عباس والكلبي: (يريد قتل المؤمنين إياهم ببدر) [[ذكرته كتب التفسير بدون نسبة. انظر: "معالم التنزيل" 5/ 182 بمعناه، "المحرر الوجيز" 9/ 340، "الكشاف" 2/ 294، "تفسير كتاب الله العزيز" 2/ 469. وذكره القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 6 ونسبه لابن عباس والكلبي.]]. معنى ﴿قبُلًا﴾: عيانًا أي: مقابلة. قرأ أهل الكوفة: قُبُلاً [[قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر: (قِبَلاً) بكسر القاف. وقرأ عاصم، وحمزة، والكسائي: (قُبُلاً) بضم القاف.
انظر: "السبعة" ص 393، "الحجة للقراء السبعة" 5/ 152، "المبسوط في القراءات" 236، "التبصرة" ص 249، "النشر" 2/ 311.]]، وهو يحتمل تأويلين أحدهما: أنه بمعنى قِبَلاً، فقد قال أبو زيد: (لقيت فلانًا قِبَلاً ومُقابَلَةً وقَبَلاً وقُبُلاً وقَبَلِيّاً وقبيلاً) [["جامع البيان" 15/ 267، "الحجة للقراء السبعة" 5/ 153، "لسان العرب" (قبل) 6/ 3520.]]. أي: صنفاً صنفاً، كل قبيل منه غير صاحبه، ويجوز أن يكون ضربًا واحدًا، ويجيئهم منه شيء بعد شيء. وهذا الحرف قد مضى تفسيره في سورة بني إسرائيل [[عند قوله سبحانه في سورة الإسراء الآية رقم (92): ﴿أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا﴾.]]، والأنعام [[عند قوله سبحانه في سورة الأنعام الآية رقم (111): ﴿وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ﴾]].
الكهف 18:56
وقوله تعالى: ﴿وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ﴾ قال ابن عباس: (يريد المستهزئين، والمقتسمين وأتباعهم) [["الجامع لأحكام القرآن" 11/ 6.]]. وجدالهم بالباطل: أنهم ألزموه أن يأتي بالآيات على أهوائهم على ما كانوا يقترحون.
وقوله تعالى: ﴿لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ﴾ قال ابن عباس: (ليبطلوا به ما جاء به محمد -ﷺ-) [[ذكره الطبري في "جامع البيان" 15/ 267 بدون نسبة، وكذلك الثعلبي في "الكشف والبيان" 3/ 390 ب.]]. ومعنى الإدحاض: الإذهاب والإهلاك. يقال: دَحَضَتْ رجله تَدْحَضُ دَحْضًا أي: زلت. ودَحَضْتَ حجته: إذا أبطلتها [[انظر: "تهذيب اللغة" دحض) 2/ 1154، "مقاييس اللغة" (دحض) 2/ 332، "القاموس المحيط" (دحض) 642، "الصحاح" (دحض) 3/ 1075.]].
ومن هذا ما روي في الحديث: (أنه كان يصلي الأولى حين تَدْحَض الشمس) [[أخرج نحوه البخاري كتاب: مواقيت الصلاة، باب: وقت الظهر عند الزوال 1/ 200، وأبو داود كتاب: الصلاة باب: وقت صلاة الظهر 1/ 285، وابن ماجه كتاب الصلاة، باب: وقت الظهر 1/ 221، والنسائي كتاب المواقيت، باب: أول وقت الظهر 1/ 176، والإمام أحمد في "مسنده" 4/ 420.]]. أي: تزول وتزلق عن بطن السماء.
وقوله تعالى: ﴿وَاتَّخَذُوا آيَاتِي﴾ يعني القرآن ﴿وَمَا أُنْذِرُوا﴾ وإن جعلت ﴿مَا﴾ موصولاً بمعنى: الذي، كان الراجع من الصلة محذوفًا على تقدير: وما أنذروا به أي: خوفوا به من النار والقيامة. وإن جعلت بمعنى المصدر لم يحتج إلى الراجع، ويكون المعنى: واتخذوا آياتي هزوا [["الكشاف" 2/ 394، "البحر المحيط" 6/ 139، "التفسير الكبير" 21/ 141.]]. والهزؤ: مصدر وصف به، كقوله تعالى: ﴿أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا﴾ [البقرة: 67]، وقد مر.
الكهف 18:57
قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظلَمُ﴾ استفهام بمعنى التقرير أي: لا أحد أظلم: ﴿مِمَّن ذُكِرَ﴾. قال ابن عباس: (وعظ) [[ذكره البغوي في "تفسيره" 5/ 182 بدون نسبة، وكذلك السمرقندي في "بحر العلوم" 2/ 304، والقرطبي في "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 7.]]. ولهذا دخلت الباء في ﴿بِآيَاتِ رَبِّهِ﴾ يريد: العقاب والعذاب. ﴿فَأَعْرَضَ عَنْهَا﴾ قال: (يريد فتهاون بها) [[ذكره القرطبي في "تفسيره" 10/ 112 بدون نسبة، والشوكاني في "فتح القدير" 3/ 423.]]. قال قتادة في هذه الآية: (إياكم والإعراض عن ذكر الله، فإن من أعرض عن ذكر الله فقد اغتر أكبر الغرة) [[لم أقف عليه. ويدل عليه قوله سبحانه في سورة طه الآيات (124، 125، 126): ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (124) قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا (125) قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى﴾.]].
وقوله تعالى: ﴿وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ﴾ قال قتادة: (نسي ما سلف من الذنوب الكبيرة) [["جامع البيان" 15/ 268، وذكره السمرقندي في "بحر العلوم" 2/ 304 بلا نسبة.]].
وقوله تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا﴾ مفسر في سورة بني إسرائيل [[عند قوله سبحانه في سورة الإسراء الآية رقم (46) ﴿وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا﴾ الآية.]]، والأنعام [[عند قوله سبحانه في سورة الأنعام الآية رقم: (25) ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا﴾. الآية.]]. ﴿وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى﴾ قال ابن عباس: (يريد إلى الإيمان) [[ذكره القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 7 بلا نسبة.]]. ﴿فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذًا أَبَدًا﴾ قال أبو إسحاق: (أخبر الله أن هؤلاء بأعيانهم أهل الطبع) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 297.]].
الكهف 18:58
قوله تعالى: ﴿بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ﴾ قال المفسرون: (يعني البعث والحساب) [["معالم التنزيل" 5/ 183، "الكشاف" 2/ 394، "الدر المنثور" 4/ 416.]]. ﴿لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلًا﴾ قال الأخفش، وأبو عبيد: (منجا، من وأل يئل وألاً على فعول) [["معاني القرآن" للأخفش 1/ 619.]]. وأنشد أبو عبيدة للأعشى [[البيت للأعشى. أخالس: خلس الشئ أي سرقه. ثم ما يئل: ما ينجو.
انظر: "ديوانه" ص 59، "مجاز القرآن" 1/ 408، "جامع البيان" 15/ 269، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 8، "البحر المحيط" 6/ 132، "الدر المصون" 7/ 513.]]:
وقد أخالس ربَّ البيت غفلته ... وقد يحاذر مني ثم ما يئل
وقال الفراء: (﴿مَوْئِلًا﴾: منجا وهو: الملجأ) [["معاني القرآن" للفراء 2/ 148.]]. ومعناهما واحد، والعرب تقول: إنه ليوائل إلى موضعه. يريدون يذهب إلى حرزه، والمنجا والملجأ في هذا لفظ المفسرين. قال ابن عباس في رواية الوالبي: (ملجأ) [["جامع البيان" 15/ 269، "النكت والعيون" 3/ 320، "القرطبي" 11/ 8.]]. وهو قول الكلبي ومجاهد في رواية إسرائيل [[ذكرته كتب التفسير بدون نسبة. انظر: "جامع البيان" 15/ 269، "معالم التنزيل" 5/ 183، "النكت والعيون" 3/ 320، "الكشاف" 2/ 489، "القرطبي" 10/ 112.]]. وروى ورقاء عنه: (محرزًا) [["جامع البيان" 15/ 269، "النكت والعيون" 3/ 320، "البحر المحيط" 6/ 140.]]. وقال قتادة وابن زبد: (منجا) [["تفسير القرآن" للصنعاني 1/ 341، وذكره الثعلبي في "الكشف والبيان" 3/ 390 أبدون نسبة، وكذلك السمرقندي في "بحر العلوم" 2/ 304.]].
الكهف 18:59
وقوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ﴾ قال الزجاج: (﴿وَتِلْك﴾ رفع بالابتداء، و ﴿الْقُرَى﴾ صفة لها، و ﴿أَهْلَكنَاهُمْ﴾ خبر الابتداء. قال: وجائز أن يكون موضع ﴿وَتِلْكَ الْقُرَى﴾ نصبا، ويكون ﴿أَهْلَكْنَاهُمْ﴾ مفسرًا للناصب، ويكون المعنى: وأهلكنا تلك القرى أهلكناهم) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 298.]]. قال الأخفش: (أراد أهلها لذلك قال: ﴿أهلَكْنَاهُمْ﴾ حملة على القوم والأهل) [["معاني القرآن" للأخفش 1/ 619.]].
قال ابن عباس: (يريد ما أهلك بالشام واليمن لما ظلموا وأشركوا وكذبوا بالأنبياء) [[لم أقف عليه. وهذا الإجمال في تعيين هذه القرى وأسباب هلاكها، وأنواع الهلاك الذي وقع عليها جاء مفصلاً في آيات أخرى كثيرة، كما جاء في القرآن الكريم من قصة قوم نوح، وقوم هود، وقوم صالح، وقوم شعيب، وقوم موسى.]].
﴿وَجَعَلْنَا لِمَهلِكِهِم﴾ والمهلك هاهنا يجوز أن يكون: مصدرًا، وأن يكون: وقتًا، والمعنى: جعلنا لإهلاكهم أو لوقت إهلاكهم، وكل فعل على أفعل.
فالمصدر واسم الزمان والمكان فيه سواء، تقول: أدخلتُه مُدْخلاً وهذا مُدْخله، أي: المكان الذي يدخل منه وقت إدخاله [["معاني القرآن" للفراء 2/ 148، "معاني القرآن" للزجاج 3/ 297، "إعراب القرآن" للنحاس 2/ 283، " إملاء ما من به الرحمن" 1/ 401.]]. وقرأ عاصم في رواية أبي بكر: ﴿لِمَهْلَكِهم﴾ بفتح الميم واللام [[قرأ عاصم في رواية أبي بكر: (لِمَهْلَكِهم) بفتح الميم واللام الثانية.
انظر: "السبعة" ص 393، "الحجة للقراء السبعة" 5/ 156، "المبسوط في القراءات العشر" ص 236، "التبصرة" ص 249.]]، وهو مصدر هلك يهلك، والمعنى لوقت هلاكهم يكون المهلك مصدرًا مضافًا إلى الفاعل [["الدر المصون" 7/ 515، "إعراب القرآن" للنحاس 2/ 283، "مشكل إعراب القرآن" 1/ 444، "معاني القرآن" للفراء 2/ 148.]].
قال أبو علي: (ويجوز على لغة تميم أن يكون مصدرًا مضافًا إلى المفعول؛ لأنهم يقولون: هلكني زيد، كأنهم جعلوه من باب رجع، ورجعته، وغاض الماء وغضته، وعلى هذا حمل بعضهم [[هذا عجز بيت للعجاج وصدره:
عصرًا وحضنا عيشة المعذلجا
انظر: "ديوانه" 2/ 43، "المحتسب" 1/ 92، "المقتضب" 4/ 180، "الخصائص" 2/ 210، "الحجة للقراء السبعة" 5/ 156، "الدر المصون" 7/ 515.]]:
ومهمهٍ هالك من تعرَّجا
قال: هو بمنزلة: مُهْلِكِ مَنْ تَعَرَّجا. فقدل: ﴿لِمَهْلَكِهم﴾، على قول من عَدَّى: هلكت مصدر مضاف إلى المفعول به، نحو ﴿مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ﴾ [فصلت: 49]. وقرئ في رواية حفص [["الحجة للقراء السبعة" 5/ 156.]]: ﴿لِمَهْلِكِهِم﴾ بفتح الميم وكسر اللام [[قرأ عاصم في رواية حفص: (لِمَهْلِكِهم) بكسر اللام فيهما وفتح الميم. انظر: "الغاية في القراءات" ص 308، "العنوان في القراءات" ص 123، "حجة القراءات" ص 421، "الكشف عن وجوه القراءات" 2/ 65.]].
قال أبو إسحاق: (هذا على أن يكون مهلك اسما للزَّمان، يقال: هلك يهلك، هذا زمن مهلكه) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 297.]].
قال أبو علي: (ويجوز أن يكون مصدرًا، وقد جاء المصدر من باب فعل يفعل بكسر العين قال: ﴿إِلىَّ مَرْجِعُكُمْ﴾ [آل عمران: 55]، وقال: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ﴾ [البقرة: 222]، والفتح في المصدر أكثر وأوسع) [["الحجة للقراء السبعة" 5/ 157.]].
وقوله تعالى: ﴿مَوْعِدًا﴾ قال ابن عباس: (يريد وقتًا) [[ذكره الماوردي في "تفسيره" 3/ 321 بدون نسبة.]]. وقال مجاهد: (أجلا) [["جامع البيان" 15/ 270، "النكت والعيون" 3/ 321، "تفسير كتاب الله العزيز" 2/ 469.]].
الكهف 18:60
قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ﴾ الآية. روي عن أبي بن كعب من طرق كثيرة أنه قال: (سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: "بينما موسى في ملأ من بني إسرائيل إذ جاءه رجل فقال: هل تعلم أحدًا أعلم منك؟ فقال موسى: لا. فأوحى الله إلى موسى: بلى عبدنا خضر [[الخضر هو صاحب موسى-عليه السلام-، وقد اشتهر بهذا اللقب وسمي به في القرآن والسنة، وقد أخرج البخاري في "صحيحه" 6/ 309 بسنده عن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النبي -ﷺ- قال: "إنما سمي الخضرة لأنه جلس على فروة بيضاء، فإذا هي تهتز من خلفه خضراء".
قال ابن كثير -رحمه الله- في "البداية والنهاية" 15/ 327: قيل إنما سمي الخضر خضرا: لحسنه وإشراقة وجهه، وهذا لا ينافي ما ثبت في الصحيح؛ فإن كان ولابد من التعليل بأحدهما فما ثبت في الصحيح أولى وأقوى بل لا يلتفت إلى ما عداه.]]، فسأل موسى السبيل إلى لقياه فجعل الله له الحوت آية. [وقيل؛ إذا فقدت الحوت] [[ما بين المعقوفين ساقط من الأصل ومن نسخة (ص).]] فأرجع فإنك ستلقاه" [["جامع البيان" 15/ 278، "تفسير القرآن" للصنعاني 1/ 340، "معالم التنزيل" 5/ 184، "المحرر الوجيز" 9/ 347 - 348، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 103، "الدر المنثور" 4/ 417، "تفسير النسائي" 2/ 8. وأخرجته كتب الصحاح والسنن من عدة طرق.
فقد أخرجه البخاري في كتاب التفسير سورة الكهف 8/ 409، وفي كتاب: العلم 1/ 173، وكتاب أحاديث الأنبياء باب حديث الخضر 6/ 431، وكتاب: التوحيد 13/ 448، وأخرجه مسلم في "صحيحه" في كتاب: الفضائل، باب: فضل الخضر -عليه السلام- 4/ 1850، وأخرجه الترمذي في "جامعه" كتاب: التفسير سورة الكهف 8/ 558، وأخرجه أبو داود في "سننه" كتاب: السنن، باب: في القدر حديث رقم (4705)، وأخرجه الإمام أحمد في "مسنده" 5/ 117.]].
وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: (قام موسى خطيبًا في بني إسرائيل فأبلغ في الخطبة، وحدث في نفسه أن أحدًا لم يؤت من العلم ما أوتي، فعلم الله الذي حدث نفسه من ذلك فقال له: يا موسى إن من عبادي من قد آتيته من العلم ما لم أوتك، قال: إي ربي من عبادك؟ قال: نعم، قال: فدلني على هذا الرجل الذي آتيته من العلم ما لم تؤتني حتى أتعلم منه قال: يدلك عليه بعض زادك. فقال لفتاه يوشع: ﴿لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ﴾ الآية، فكان فيما تزود حوتًا مالحاً في زبيل [[الزبيل: الجراب، وقيل: وعاء يحمل فيه. انظر: "تهذيب اللغة" (زبل) 2/ 1509، "لسان العرب" (زبل) 6/ 15.]]، ثم كان من أمرهما ما قص الله في كتابه) [["جامع البيان" 15/ 278، "تفسير القرآن" للصنعاني 1/ 405، "ابن كثير" 3/ 103، "الدر المنثور" 4/ 421. وأخرجه البخاري في كتاب: التفسير سورة الكهف 8/ 409، ومسلم في كتاب الفضائل باب: فضل الخضر 4/ 1850، والترمذي في كتاب: التفسير: سورة الكهف 8/ 588، والنسائي في "تفسيره" 2/ 8.]].
فقوله: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى﴾ معناه: واذكر إذ قال موسى، لما في قصته من العبرة وقوله تعالى: ﴿لِفَتَاهُ﴾ أجمعوا أنه: يوشع بن نون. قال عطاء عن ابن عباس: (يريد غلامه) [[ذكر نحوه بلا نسبة "جامع البيان" 15/ 271، "النكت والعيون" 3/ 321، "المحرر الوجيز" 9/ 346 - 347، "زاد المسير" 5/ 164، "القرطبي" 11/ 11.]].
قال الفراء، والزجاج: (وإنما سمي فتى موسى؛ لأنه كان ملازمًا له يأخذ عنه العلم ويخدمه) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 299، "معاني القرآن" للفراء 2/ 154.]].
وقوله تعالى: ﴿لَا أَبْرَحُ﴾ قال جميع أهل التأويل: (معناه لا أزال) [["معالم التنزيل" 5/ 185، "المحرر الوجيز" 9/ 348، "النكت والعيون" 2/ 323، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 9.]]. يقال: برحت أفعل كذا أي: ما زلت، ومنه قوله تعالى: ﴿لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ﴾ [طه: 91]، أي: لن نزال. وأصله من قوله: برح الرجل براحا، إذا راح من موضعه، ومنه قوله: ﴿فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ﴾ [يوسف: 80] وقد مرَّ بنا، فإذا قلت: ما برح يفعل كذا، فكأنك قلت: أقام يفعل ذلك، ودام على حاله تلك من غير مفارقة. قال أبو إسحاق: (معنى ﴿لَا أَبْرَحُ﴾: لا أزال، ولو كان معناه لا أزول كان محالاً؛ لأنه إذا لم يزل من مكانه لا يقطع أرضًا، وأنشد [[البيت لخداش بن زهير. منتطق: يقال جاء فلان منتطقًا فرسه إذا جنبه ولم يركبه. انظر: "معاني القرآن" للزجاج 3/ 298، "المقاصد النحوية" 2/ 64،"أساس البلاغة" 2/ 454، "خزانة الأدب" 9/ 243، "شرح ابن عقيل" 1/ 264، "تهذيب اللغة" (نطق) 4/ 3602، "لسان العرب" (نطق) 7/ 4463.]]:
وأبرح ما أدام الله قومي ... بحمد الله مُنْتَطِقًا مُجِيدًا
أي: لا زال) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 298.]]. وقال صاحب النظم: (قوله: ﴿لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ﴾ مكفوف عن إتمام نظمه؛ لأن فيه إضمارًا وهو: لا أبرح أمضى ماضيًا، أي: سائرًا حتى أبلع مجمع البحرين) [[ذكر نحوه بلا نسبة "الكشاف" 2/ 395، "إملاء ما من به الرحمن" ص 401، "البحر المحيط" 6/ 144، "الدر المصور" 7/ 517، "التفسير الكبير" 21/ 145.]].
قال ابن عباس في رواية عطاء: (يريد ملتقى البحرين العذب والمالح) [["جامع البيان" 15/ 271، "الدر المنثور" 4/ 417.]].
وقال قتادة: (يعني بحر فارس وبحر الروم) [["جامع البيان" 15/ 271، "تفسير القرآن" للصنعاني 1/ 405، "معالم التنزيل" 5/ 185، "المحرر الوجيز" 9/ 349.]]. وكان مجمع البحرين الموضع الذي وعد موسى للقاء الخضر -عليه السلام-.
وقوله تعالى: ﴿أَوْ أَمْضِيَ﴾ أو أسير. ﴿حُقُباً﴾ قال ابن عباس فيما روى عنه الوالبي يقول: (دهرًا) [["جامع البيان" 15/ 272، "النكت والعيون" 3/ 322، "ابن كثير" 3/ 103.]]. وقال في رواية عطاء: (الحقب الواحد بضع وثمانين سنة، السنة ثلاثمائة وستون يومًا، اليوم الواحد ألف سنة) [[ذكرت كتب التفسير نحوه بدون نسبة.
انظر: "التسهيل لعلوم التنزيل" ص 385، "الكشاف" 2/ 490، "التفسير الكبير" 21/ 146، "أنوار التنزيل" 3/ 230، "زاد المسير" 5/ 165، "مدارك التنزيل" 2/ 956، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 10.]]. وقال مجاهد: (الحقب سبعون خريفاً) [["جامع البيان" 15/ 272، "النكت والعيون" 3/ 322، "ابن كثير" 3/ 103، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 11.]].
وأمما أهل اللغة فإنهم كلهم قالوا: (الحقب ثمانون سنة) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 299، "معاني القرآن" للفراء 2/ 154، "تفسير المشكل من غريب القرآن" ص 144.]].
قال صاحب النظم: (﴿أَوْ﴾ بمعنى حتى، مثل قولك: لا آتيك أو تكرمني، فيرجع تأويل الآية: لا أبرح ماضيًا إلى أن أمضي حقبًا حتى أبلغ مجمع البحرين. قال: ونظير هذا في الكلام أن تقول: لا أزال إلى أن أسير سنة حتى أقضى حاجتي. ومعنى إلى أن أسير سنة: وإن احتجت إلى أن أسير سنة) [[ذكر نحوه بلا نسبة "البحر المحيط" 6/ 145، "الدر المصون" 8/ 517 ، "إملاء ما من به الرحمن" 401، "التفسير الكبير" 21/ 146.]]. وعلى ما ذكر يكون في الآية تقديم وتأخير، ولا يجوز أن يجعل ﴿أَوْ﴾ للعطف؛ لأنه ليس المراد حتى أبلغ مجمع البحرين وحتى أمضي حقبا، و ﴿أَوْ﴾ هاهنا الناصبة للفعل بإضمار أن كما تقول: لألزمنك أو تعطيني حقي، التقدير: إلى أن تعطيني حقى [["البحر المحيط" 6/ 145، "الدر المصون" 7/ 520، "إملاء ما من به الرحمن" ص 401، "روح المعاني" 15/ 312.]]، ومنه قول امرئ القيس [[البيت لامرئ القيس. انظر: "ديوانه" ص 64، "الكتاب" لسيبويه 3/ 47، "خزانة الأدب" 4/ 212، "المقتضب" 2/ 28، "اللامات" ص 68، "شرح المفصل" 7/ 22.]]:
فقلت له لا تبك عينك إنَّما ... نحاول ملكًا أو نموت فنعذرا
المعنى: إلى أن نموت.
الكهف 18:61
قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا بَلَغَا﴾ يعني: موسى وصاحبه. ﴿مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا﴾ قال ابن عباس: (يريد ملتقى العذب والمالح) [["جامع البيان" 15/ 271، "الدر المنثور" 4/ 417.]]. وعلي قول قتادة: (ملتقى بحر الروم وبحر فارس) [["جامع البيان" 15/ 271، "تفسير القرآن" للصنعاني 1/ 405، "معالم التنزيل" 5/ 185، "المحرر الوجيز" 9/ 349.]]. وهو حيث وعد لقاء الخضر.
وقوله تعالى: ﴿نَسِيَا حُوتَهُمَا﴾ إلى آخر الآية. قال سعيد بن جبير عن ابن عباس: (كان فيما تزودا حوتًا مالحًا في زبيل، وكان يصيبان منه عند العشاء والغداء، فلما انتهيا إلى الصخرة على ساحل البحر، وضع فتاه المكتل [[المكتل: الزنبيل يحمل فيه التمر وغيره. انظر: "تهذيب اللغة" (كتل) 4/ 3100، "القاموس المحيط" (الكتلة) ص 1052، "لسان العرب" (كتل) 6/ 3822.]] فأصاب الحوت [ندى البحر فتحرك في] [[في جميع النسخ: جرى البحر فترك المكتل. وما أثبته هو الصواب والموافق للسياق، والمخبت في "الوسيط" للمؤلف 3/ 157.]] المكتل فقلب المكتل، وانسرب في البحر) [["جامع البيان" 15/ 278، "تفسير القرآن" للصنعاني 1/ 408، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 103، "الدر المنثور" 4/ 421.]].
وروى أبي بن كعب عن رسول الله -ﷺ- قال: "لما أراد موسى أن يطلبه قيل له: تزود معك حوتًا مالحًا فحيث [[في (ص): (فحنت)، وهو تصحيف.]] يفقد الحوت ثم تجد الرجل، فانطلق هو وفتاه حتى أتيا الصخرة، فقال لفتاه: امكث حتى آتيك، وانطلق موسى لحاجته، فجرى الحوت حتى وقع في البحر، فقال فتاه: إذا جاء نبي الله حدثته، فأنساه الشيطان" [[سبق تخريج الحديث في أول القصة.]].
قال ابن عباس في رواية عطاء: (نسي الفتى أن يذكر قصة الحوت لموسى) [["الكشف والبيان" 3/ 390 أ، "بحر العلوم" 2/ 305 وذكره بدون نسبة.]].
﴿فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا﴾ قال: (يريد مسيرًا) [[ذكر نحوه بلا نسبة "المحرر الوجيز" 9/ 352، "بحر العلوم" 2/ 305، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 13.]]. وفي حديث أبي: "جعل لا يصيب الحوت شيئًا من الماء إلا جمد، حتى اتخذ سبيله في البحر سربًا شبه النقب" [[سبق تخريج الحديث في أول القصة.]].
وقال قتادة: (جعل لا يسلك طريقًا إلا صار الماء جامدًا) [["جامع البيان" 15/ 274، "المحرر الوجيز" 9/ 352، "البحر المحيط" 6/ 145.]].
وقال الربيع بن أنس: (انجاب الماء على مسلك الحوت فصارت كوة لم تلتئم) [[ذكرته كتب التفسير ونسبته لأبي بن كعب. انظر: "جامع البيان" 273/ 15، "الكشف والبيان" 3/ 39 أ، "لباب التأويل" 4/ 223، "معالم التنزيل" 5/ 186، "زاد المسير" 5/ 166، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 103.]].
وروي أيضًا عن النبي -ﷺ- في حديث أبي بن كعب قال: "ما انجاب الماء مذ كان الناس غير مكان الحوت الذي دخل منه كالكوة، حتى رجع إليه موسى فرأى مسلكه" [["جامع البيان" 15/ 273، "معالم التنزيل" 5/ 186، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 103.
وسبق تخريج الحديث في أول القصة.]]. هذا معنى قوله: ﴿فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا﴾.
وقال الكلبي: (كان عند تلك الصخرة التي نزلا عندها عين ماء فتوضأ يوشع من ذلك الماء، فانتضح على الحوت في المكتل ثم طفر في البحر) [["معالم التنزيل" 5/ 186، "بحر العلوم" 2/ 305، "الكشاف" 2/ 395، "روح المعاني" 15/ 314، "التفسير الكبير" 21/ 146.]].
والسَّرب معناه في اللغة: المحفور في الأرض لا نفاذ له، شبه مسلك الحوت في الماء [[انظر (سرب) "تهذيب اللغة" 3/ 1663، "الصحاح" 1/ 146، "اللسان" 4/ 1981.]]، والماء منجاب عنه بالسَّرب. كما قال الفراء: (حيي الحوت بالماء الذي أصابه من العين، فلما وقع في الماء جمد مذهبه في البحر فكان كالسرب) [["معاني القرآن" للفراء 2/ 154.]].
هذا قول المفسرين في هذه الآية. وعلى ما قالوا في نظم الآية تقديم وتأخير على تقدير: فلما بلغا مجمع بينهما اتخذ الحوت [سبيله في البحر سربا، ونسي يوشع أن يذكر ذلك لموسى؛ لأن النسيان لم يتقدم على ذهاب الحوت] [[ما بين المعقوفين ساقط من نسخة (س).]]، ذهب الحوت فنسي الفتى أن يذكر ذلك لموسى حتى جازوا ذلك المكان على ما في القرآن من الآيات بعد هذه الآية.
وقوله تعالى: ﴿نَسِيَا حُوتَهُمَا﴾ إجماع المفسرين أن النسيان هاهنا معناه: نسيان الفتى ذكر قصة الحوت لموسى، والناسي كان أحدهما، وأضيف إليهما جميعًا.
واختلفوا في وجه هذا فقال الفراء: (إنما نسيه يوشع فأضافة إليهما كما قال: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ﴾ [الرحمن: 22] وإنما يخرج من الملح دون العذب) [["معاني القرآن" للفراء 2/ 154.]]. وعلى هذا أضيف إليهما توسعا، وذكر غيره العلة في جواز هذا التوسع فقال: (إنهما كانا جميعًا تزوداه لسفرهما، فجاز إضافته إليهما كما يقال: نسي القوم زادهم، وإنما نسيه أحدهم) [["جامع البيان" 15/ 273، "المحرر الوجيز" 9/ 354، "النكت والعيون" 3/ 323، "روح المعاني" 15/ 314.]].
وقال أبو علي الفارسي: (هذا من باب حذف المضاف. المعنى: نسي أحدهما حوتهما، فلما حذف المضاف عادت الكناية إلى الفعل فقيل: نسيا. قال: وكذلك قوله: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا﴾ [الرحمن: 22] المعنى: من أحدهما، وفيه حذف أيضًا من وجه آخر وهو أن التقدير: نسيا أمر حوتهما وقصته؛ لأن يوشع نسي أن يذكر أمره لموسى على ما بينا) [["الحجة للقراء السبعة" 2/ 311.]].
هذا الذي ذكره مذهب المفسرين، وجميع أهل المعاني، وقد أغنى الزجاج عن الحذف والتقديم والتأخير الذي يلزم على مذهب هؤلاء فقال في قوله: ﴿نَسِيَا حُوتَهُمَا﴾ (كان النسيان من يوشع أن يقدمه، وكان النسيان من موسى أن يأمره فيه بشيء) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 299.]].
وعلى هذا المعنى لما بلغا مجمع بينهما نسي يوشع أن يقدم الحوت للأكل، ونسي موسى أيضًا أن يأمره بذلك، فلما نسياه حيا بإذن الله، وذهب في البحر، فصح المعنى واستغنى عن تقدير الحذف والتقديم والتأخير، غير أن مذهب المفسرين في النسيان ما ذكرنا أولى.
وذكر في انتصاب قوله: ﴿سَرَبَاً﴾ وجهين أحدهما: أنه مفعول ثان، كما تقول: اتخذت زيدًا وكيلاً.
والثاني: أن "سَرَبا" هاهنا مصدر سرب ينسرب إذا ذهب على وجهه [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 299، "مشكل إعراب القرآن" 1/ 445، "إعراب القرآن" للنحاس 2/ 283، "تهذيب اللغة" (سرب) 2/ 1663.]]. منه قول الشاعر [[هذا عجز بيت للأخنس بن شهاب التغلبي، وصدره:
وكل أناس قاربوا قيد فحلهم
انظر: "تهذيب اللغة" (سرب) 2/ 1662، "لسان العرب" (سرب) 4/ 1980.]]:
ونحن خلعنا قيده فهو سارب
وذكرنا هذا عند قوله: ﴿وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ﴾ [الرعد: 10]، وكأنه قيل: سَرب الحوت سربًا، ودل عليه قوله: ﴿وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ﴾ [الكهف: 63]؛ لأنه بمعنى سرب، ولهذا نظائر كثيرة في التنزيل. وعلى هذا قد حصل في معنى السرب قول آخر. وبنحو هذا القول أخبرني العروضي عن الأزهري قال: (أخبرني المنذري عن ابن اليزيدي عن أبي حاتم. في قوله: ﴿سَرَبًا﴾ قال: أظنه يريد ذهابًا يسرب سربًا، كقولك: يذهب ذهابًا) [["تهذيب اللغة": (سرب) 2/ 1663.]].
الكهف 18:62
قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاوَزَا﴾ أي: ذلك المكان الذي كانت عنده الصخرة وذهب الحوت.
قال رسول الله -ﷺ-: "انطلقا وأصابهما ما يصيب المسافر من النصب والكلال" [[سبق تخريج الحديث في أول القصة.]]. ولم يجد النَّصَب حتى جاوز حيث أمره الله تعالى ﴿قَالَ لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَاءَنَا﴾ الآية. ونحو هذا قال ابن عباس وجميع المفسرين: (إنه لم ينْصَب حتى جاوز الموضع الذي يريده، فلما خرج من حد الموضع نصب فدعا بالطعام ليأكل) [["جامع البيان" 15/ 278، "معالم التنزيل" 5/ 186، "الكشاف" 2/ 396، "لجامع لأحكام القرآن" 11/ 13.]]. والغداء: الطعام الذي يؤكل بالغداة. كالعشاء: الطعام الذي يؤكل بالعشي. والنَّصب: التعب والوهن الذي يكون عن الكلال [[انظر: "تهذيب اللغة" (نصب) 4/ 3581، "مقاييس اللغة" (نصب) 5/ 434، "القاموس المحيط" (نصب) 1/ 138.]].
قال الليث: (النَّصب الإعياء من العناء، والفعل نَصِبَ يَنْصَب، وأنْصَبَنِي هذا الأمر) [["تهذيب اللغة" (نصب) 4/ 3581.]].
الكهف 18:63
قال المفسرون: فلما قال له موسى ذلك تذكر قصة الحوت؛ لأنه كان من عنده عذابهما، فقال: ﴿أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ﴾ [الكهف: 63] الآية.
قال صاحب النظم: (الأمر عند الناس قوله: أرأيت من رؤية البصر، وليس كذلك، إنما هي كلمة وضعت لتنبيه المسؤول [[في نسخة (ص): (على ما يسأل عنه).]] عنه وبعثه على التفهم والإجابة كما قال -عز وجل -: ﴿أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى﴾ [العلق: 11]، والدليل على ذلك أن الفاء في قوله: ﴿فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ﴾ يدل على أنه جواب لمعنى يقتضي الفاء، والتأويل: إن شاء الله أرأيت. أي: اسمع وتفهم فإني نسيت الحوت) [[ذكر أبو علي الفارسي نحوه في "الحجة للقراء السبعة" 3/ 309.]]. ونحو هذا قال أبو علي الفارسي: (وأما ما جاء أرأيت فيه بمعنى انتبه فقوله: ﴿أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ﴾ كأن المعنى: انتبه فإني نسيت الحوت، ولذلك دخلت الفاء كما تدخل في جواب الجزاء. ومثله: ﴿أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَنْ يَأْتِيكُمْ﴾ [الملك: 30]، كأنه انتبهوا فمن يأتيكم) [[ذكر نحوه في "الحجة للقراء السبعة" 3/ 309.]].
وقوله تعالى: ﴿إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ﴾ يعني: حين نزلا هناك ووضع يوشع المكتل الذي فيه الحوت عند الصخرة.
وقوله تعالى: ﴿فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ﴾ قال ابن عباس في حديث أبي بن كعب مرفوعًا: (فإني نسيت الحوت أن أحدثكه) [[سبق تخريج الحديث في أول القصة.]]. وعلى هذا المعنى نسيت قصة الحوت وأمره على ما ذكرنا. ثم اعتذر فقال: ﴿وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ﴾ وذلك؛ لأنه لو ذكر لموسى قصة الحوت عند الصخرة ما جاوزها موسى، وما ناله النصب الذي شكاه في قوله: ﴿لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا﴾ فاعتذر فتاه من ذلك بأن أنساه الشيطان إياه. قال أهل المعاني: (معناه شغل قلبي بوسوسته حتى نسيته؛ لأن الشيطان لا يقدر على فعل النسيان وإنما عرضه له) [["النكت والعيون" 3/ 324، "التفسير الكبير" 21/ 147.]].
وقوله تعالى: ﴿أَنْ أَذْكُرَهُ﴾ قال أبو إسحاق: (﴿أَنْ أَذْكُرَهُ﴾ بدل من الهاء لاشتمال الذكر على الهاء في المعنى، وما أنساني أن أذكره إلا الشيطان) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 300.]]. قال ابن عباس: (يريد أن أحدث بقصة الحوت) [[ذكرته كتب التفسير بدون نسبة. انظر: "جامع البيان" 15/ 278، "الكشف والبيان" 3/ 391 أ، "بحر العلوم" 2/ 305، "تفسير كتاب الله العزيز" 2/ 271، "المحرر الوجيز" 9/ 354 - 355، "النكت والعيون" 3/ 324.]]. وهذه الآية تدل على صحة قول المفسرين في قوله: ﴿نَسِيَا حُوتَهُمَا﴾.
وقوله تعالى: ﴿وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا﴾ قال ابن عباس في رواية سعيد بن جبير: (اتخذ موسى سبيل الحوت في البحر عجبا) [["جامع البيان" 15/ 275.]]. ونحو هذا قال قتادة، ومجاهد، وابن زيد [["جامع البيان" 15/ 275، "تفسير كتاب الله العزيز" 2/ 472.]]. وقد ذكرنا: أن مسلك الحوت لم يلتئم فدخل موسى ذلك المسلك. وينتصب ﴿عَجَبًا﴾ على هذا بوقوعه موقع الحال، كأنه قيل: واتخذ موسى سبيل الحوت عاجبًا من ذلك الأمر [["إملاء ما من به الرحمن" ص 402، "مشكل إعراب القرآن" 1/ 445، "إعراب القرآن" للنحاس 2/ 284.]].
قال مجاهد: (تعجب موسى من أثر الحوت في البحر ودورانه التي غاب فيها) [["جامع البيان" 15/ 276، "إعراب القرآن" للنحاس 2/ 284.]].
وقال ابن زيد: (أي شيء أعجب من حوت كان دهرًا من الدهور يؤكل منه، ثم صار حيًا حتى مشى في البحر) [["جامع البيان" 15/ 275،"معالم التنزيل" 5/ 187.]]. وهذا القول اختيار الفراء فقد قال: (واتخذ موسى سبيل الحوت في البحر عجبًا) [["معاني القرآن" للفراء 2/ 154.]]. ويجوز أن ينتصب عجبا بأنه نعتُ محذوفٍ؛ كأنه قيل: سبيلاً عجبًا. ذكره ابن قتيبة [["تفسير غريب القرآن" 1/ 268.]]. وهذا القول الذي ذكرنا عن هؤلاء بعيدة لأن اتخاذ موسى سبيل الحوت مسلكًا كان بعد أن ارتدا على آثارهما قصصًا، إلا أن تحمل النظم على التقديم والتأخير، ولكن التقريب أن يجعل قوله: ﴿وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا﴾ من قول يوشع [إخبارًا عن الحوت أنه فعل ذلك. ذهب إلى هذا طائفة من المفسرين فقالوا: (هذا من قول يوشع] [[ما بين المعقوفين ساقط من نسخة (ص).]] يقول: اتخذ الحوت سبيله في البحر سبيلاً عجبًا) [["معالم التنزيل" 5/ 187، "المحرر الوجيز" 9/ 355، "الكشاف" 2/ 396، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 14.]]. وذكر الزجاج هذا القول [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 300.]].
وذكر كثير من أهل العلم: (أن الكلام قد تمَّ عند قوله: ﴿وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ﴾ ويحسن الوقف هاهنا ثم تقول [[قوله: (تقول)، ساقط من (ص).]]: ﴿عَجَبًا﴾) [["المحرر الوجيز" 9/ 355، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 14، "البحر المحيط" 6/ 146، "المكتفى في الوقف والابتداء" ص 370، "الإيضاح" 2/ 259، "القطع والإئتناف" ص 448.]]. ووجه هذا ما قاله أبو إسحاق: (وهو أن يكون قال يوشع: ﴿وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ﴾ فأجابه موسى فقال: ﴿عَجَبًا﴾ كأنه قال: أعْجَبُ عَجَبًا) [["معالم التنزيل" 5/ 187، "معاني القرآن" للزجاج 3/ 300.]].
ونحو هذا حكى أبو حاتم [[هو السجستاني.]] عن أهل التفسير فقال: (إنهم قالوا: ﴿وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ﴾ تمام، ثم قال: ﴿عَجَبًا﴾ أي: أعْجَبُ عَجَبًا، وعلى هذا يجوز أن يكون العجب راجعًا إلى يوشع أخبر عن اتخاذ الحوت سبيله في البحر، ثم أخبر عن تعجبه من ذلك) [["الكشف والبيان" 3/ 391، "بحر العلوم" 2/ 306، "المحرر الوجيز" 9/ 355، "لباب التأويل" 4/ 222، "الكشاف" 2/ 492، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 14، "إرشاد العقل السليم" 5/ 233.]]. والوقف على قوله: ﴿فِي الْبَحْرِ﴾ مذهب الحسن، وعيسى بن عمر [[في (ص): (عيسى بن مريم)، وهو تصحيف.]]، ويعقوب [["المكتفى في الوقف والابتداء" ص 370، "القطع والائنتاف" ص 448، "الإيضاح" 2/ 259.]].
قال سعيد بن جبير عن ابن عباس: (لما قال هذا يوشع ذكر موسى ما كان عهد إليه أنه يدلك عليه بعض زادك) [[ذكره الماوردي في "النكت والعيون" 3/ 324 بدون نسبة، وذكر نحوه السيوطي في "الدر المنثور" 4/ 417.]].
الكهف 18:64
فقال: ﴿ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ﴾ قال ابن عباس في رواية سعيد بن جبير: (أي هذه حاجتنا) [[ذكره الثعلبي في "الكشف والبيان" 3/ 391 أبدون نسبة، وكذلك السمرقندي في "بحر العلوم " 2/ 306.]]. وهذا اللفظ يحتمل معنيين أحدهما: أن المراد بحاجته التي كان يطلبها الخضر -عليه السلام-، وعلى هذا الإشارة بقوله: ﴿ذَلِكَ﴾ إلى الخضر. هذا قول ذكره المتأخرون من أهل التفسير. والصحيح: أنه أراد بقوله: ﴿ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ﴾ انسراب الحوت [["المحرر الوجيز" 9/ 356، "الكشاف" 2/ 396، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 15، "البحر المحيط" 6/ 147.]]؛ لأن هذا جواب لقول يوشع حين أخبره بذلك الحوت، وعنده الخضر في ذلك المكان الذي تنسرب فيه السمكة، فقال موسى: ﴿ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ﴾ أي: نطلب ونريد من العلامة، ولو أراد الخضر بقوله: ﴿مَا كُنَّا نَبْغِ﴾ لقال: ذلك من كنا نبغي. ولكن يوشع لم يخبره عن الخضر بشيء حتى يكون معنى قوله: ﴿ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ﴾ الخضر. ودل كلام أبي إسحاق، والفراء على هذا القول [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 300، "معاني القرآن" للفراء 2/ 155.]].
وقوله تعالى: ﴿فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا﴾ قال المفسرون: (رجعا وعادا عودهما على بدئهما في الطريق الذي جاءا منه) [["معالم التنزيل" 5/ 187، "المحرر الوجيز" 9/ 356، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 103 - 104، "الكشاف" 2/ 396.]]. ﴿قَصَصًا﴾ أي: يقصان آثارهما قَصَصا. والقَصَص: إتباع الأثر [["العمدة في غريب القرآن" ص 191.]]، وقد مر ذكره. وانتصابه على المصدر [["البحر المحيط" 6/ 147، "الدر المصون" 7/ 525، "مشكل إعراب القرآن" 1/ 445.]].
ودل قوله: ﴿فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا﴾ حتى انتهيا إلى الصخرة التي فعل عندها الحوت ما فعل، وأبصر موسى أثر الحوت فأخذا أثر الحوت يمشيان على الماء حتى انتهيا إلى جزيرة من جزائر البحر فوجدا الخضر [["جامع البيان" 15/ 279، "الدر المنثور" 4/ 421.]].
الكهف 18:65
فذلك قوله تعالى: ﴿فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا﴾ أي: صادفا وأدركا الخفر. قال المفسرون: (اسمه بليا بن ملكان) [["معالم التنزيل" 5/ 188، "البحر المحيط" 6/ 147،"روح المعاني" 15/ 319.]].
وقال مقاتل بن سليمان: (اسم المذكور في القرآن اليسع) [["النكت والعيون" 3/ 325، "البحر المحيط" 6/ 147، "روح المعاني" 15/ 319.]].
قال مجاهد: (سمي الخضر؛ لأنه إذا صلى اخضر ما حوله) [["معالم التنزيل" 5/ 188، "النكت والعيون" 3/ 325، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 16، "الدر المنثور" 4/ 424 وقد صح عند البخاري 6/ 309، من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- النبي -ﷺ- قال: إنما سمي الخضر؛ لأنه جلس على فروة بيضاء فإذا هي تهتز من خلفه خضراء.
وانظر:"صحيح مسلم بشرح النووي" 15/ 136، "مسند الإمام أحمد" 2/ 312.]].
وقوله تعالى: ﴿آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا﴾ قال ابن عباس: (يريد نبوة) [[ذكرته كتب التفسير بدون نسبة. انظر: "النكت والعيون" 3/ 325، "الكشاف" 2/ 396، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 16.
وقال ابن عطية في "المحرر الوجيز" 9/ 356. والخضر نبي عند الجمهور، والآية شهد بنبوته؛ لأن بواطن أفعاله هل كانت إلا بوحي الله.
وقال القرطبي 11/ 16: إن الإنسان لا يتعلم ولا يتبع إلا من فوقه، وليس يجوز أن يكون فوق النبي من ليس بنبي.
وانظر: "الزهر النضر في نبأ الخضر" ص 110،"الخضر بين الواقع والتهويل" ص 62، "الخضر نسبه ونبوته" ص 17، "الخضر وآثاره بين الحقيقة والخرافة" ص 18.]].
﴿وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا﴾ قال: (أعطاه علمًا من علم الغيب) [["جامع البيان" 15/ 276، "معالم التنزيل" 3/ 188، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 16.]].
الكهف 18:66
﴿قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا﴾ وقرئت: رَشَدا [[قرأ ابن كثير، ونافع، وعاصم، وحمزة، والكسائي: (رشدا) مضمومة الراء خفيفة الشين. وقرأ ابن عامر: (رُشُدا) مضمومة الراء والشين، وقرأ أبو عمرو البصري: (رَشَدا) مفتوحة الراء والشين.
انظر: "السبعة" ص 394، "الحجة للقراء السبعة" 5/ 154، "التبصرة" ص 250، "حجة القراءات" ص 422، "النشر" 2/ 311.]]، ومثله كثير في العربية نحو: البُخْل والبَخَل، والعُجْم والعَجَم، والعُرْب والعَرَب.
قال أبو علي الفارسي: (فُعْل وفَعَل قد أجرى العرب كل واحد منهما مجرى الآخر [[في نسخة (ص): (الأثري)، وهو تصحيف.]]، ألا ترى أنهم جمعوهما جمعًا واحدًا فقالوا: تاجٌ وتِيْجان، وقاعٌ وقِيْعان، وحُوت وحِيْتان، ونُوْنٌ ونيْنان، وكما جمعوا فعلاً على فعلٍ نحو: أَسَد وأُسْد، ووَثَن ووُثْن، جمعوا فُعْلا على فُعْلٍ أيضًا، كما جمعوا فَعَلاً وذلك قولهم: الفلك، قال الله تعالى: ﴿فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾ [الشعراء: 119] أراد الواحد. وقال: ﴿وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ﴾ [البقرة: 164]، أراد الجمع. وقيل: أرجح الوجهين قراءة من قرأ: رَشَدا، لاتفاقهم على الفتح في قوله: ﴿فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا﴾ [الجن: 14]. وقد اجتمعا في أن كل واحد منهما فاصلة. فأما وجه انتصابه فقوله: ﴿عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ﴾ حال من قوله: ﴿أَتَّبِعُكَ﴾، والراجع إلى الموصول في قوله: ﴿مِمَّا عُلِّمْتَ﴾ محذوف تقديره: مما علمته. و ﴿رُشْدًا﴾ منصوب على أنه مفعول له، كأنه قيل: أتبعك للرشد. ويجوز أن يكون مفعولاً به تقديره: هل أتبعك على أن تعلمني رشدًا مما علمته [["مشكل إعراب القرآن" 1/ 445، "إملاء ما من به الرحمن" 402، "الدر المصون" 7/ 525.]].
ومعنى: ﴿رُشدًا﴾ أمرا ذا رشد، وعلما ذا رشد) [["الحجة للقراء السبعة" 5/ 155.]]، وذكرنا معنى الرشد عند قوله: ﴿وَإِن يَرَوْاْ سَبِيلَ الرُّشَدِ﴾ [الأعراف: 146] وفي موضع آخر.
وهذه الآية بيان عما يوجبه العلم من تعظيم صاحبه، ألا ترى كيف دعت موسى مع جلالة شأنه وما أتاه الله من التوراة والعلم، في إتباع من يتعلم منه فيزداد إلى علمه.
قال أبو إسحاق: (وفيما فعل موسى وهو من جلة الأنبياء عليهم السلام من طلب العلم والرحلة في ذلك، ما يدل على أنه لا ينبغي لأحد أن يترك طلب العلم، وإن كان قد بلغ نهايته، وأحاط بأكثر ما يدركه أهل زمانه، وأن يتواضع لمن هو أعلم منه) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 301.]].
وقال قتادة: (لو كان أحد مكتفيًا من العلم لاكتفى موسى نبي [[في (س): (نجبى)، وهو تصحيف.]] الله حيث قال: ﴿هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ﴾ الآية) [["روح البيان" 15/ 274، "مجمع البيان" 6/ 446.]].
الكهف 18:67
وقوله تعالى: ﴿قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ هذا قول الخضر لموسى عليهما السلام. قال ابن عباس: (يريد لن تصبر على صنيعي؛ لأني علمت علم غيب، علم ربي) [[ذكر نحوه "جامع البيان" 15/ 280، "ومعالم التنزيل" 3/ 173، و"الجامع لأحكام القرآن" 11/ 16.]].
الكهف 18:68
وقال أبو إسحاق: (ثم أعلمه العلة في ترك الصبر، فقال: ﴿وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا﴾ أي: كيف تصبر على ما ظاهره منكر، والأنبياء والصالحون لا يصبرون على ما يرونه منكرًا) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 301.]].
وقال الكلبي: (يقول لا ينبغي لرجل صالح أن يصحبني يرى مني ما ينكر لا يغيره) [[ذكر السمرقندي في "بحر العلوم" 2/ 306 بدون نسبة، وكذلك القرطبي 11/ 16.]]. وقال ابن عباس: (يريد لم تحط بعلم الغيب) [["الكشف والبيان" 3/ 391 أ. وذكر نحوه بدون نسبة:"جامع البيان" 15/ 283، "النكت والعيون" 3/ 326.]].
وقال الزجاج: (نصب ﴿خُبْرًا﴾ على المصدر؛ لأن معنى ﴿لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا﴾ أي: لم يخبره خبرا) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 302.]]. ومعنى لم يخبره خبرا: لم يعلمه. والخبر: علمك بالشيء، يقال: من أين خبرت هذا؟ أي: علمت. وليس هذا من الخبر بمعنى التجربة. وقد روي ذلك عن عطاء في هذه الآية قال: (يريد لم يخبر من علم الغيب شيئًا) [[ذكرت كتب التفسير نحوه بدون نسبة. انظر: "جامع البيان" 15/ 283، "الكشف والبيان" 3/ 391 أ، "النكت والعيون" 3/ 326، وذكر السيوطي في "الدر المنثور" 4/ 420 نحوه عن سعيد بن جبير عن ابن عباس، وعزاه لعبد بن حميد، وابن مردويه.]]. وهو بعيد مع قوله: ﴿لَمْ تُحِطْ بِهِ﴾ ولفظ الإحاطة يستعمل في معنى العلم لا في معنى التجربة، فقوله: ﴿لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا﴾ كقولك: لم تحط به علمًا.
الكهف 18:69
﴿قَالَ﴾ موسى ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا﴾ قال الكلبي: (يقول لا أسألك عن شيء حتى تكون أنت تحدثني) [[ذكره نحوه السمرقندي في "بحر العلوم" 2/ 306 بدون نسبة.]] {وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا} قال ابن عباس: (يريد ولا أخالفك في شيء) [[ذكرته كتب التفسير بدون نسبة. انظر: "معالم التنزيل" 5/ 189، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 104، "لباب التأويل" 4/ 223.]].
الكهف 18:70
قال له الخضر: ﴿فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي﴾ قال ابن عباس: (وذلك أنه كان رجلاً يعمل على الغيب) [[ذكر نحوه "جامع البيان" 15/ 283، و"معالم التنزيل" 5/ 189، و"الجامع لأحكام القرآن" 11/ 16.]].
وقوله تعالى: ﴿حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا﴾ قال: (يريد حتى أكون أنا الذي أفسره لك؛ لأنه قد غاب علمه عنك) [["الكشف والبيان" 3/ 391 أ، "الدر المنثور" 4/ 420 وعزاه لابن عساكر.]]. هذا كلامه، وتفسير ﴿أُحْدِثَ لكَ مِنْهُ ذِكْراً﴾ أبتدئ بذكره لك وبيانه.
الكهف 18:71
وقوله تعالى: ﴿فَاَنطَلَقَا﴾ روي عن أبي بن كعب مرفوعًا أنه قال: (فانطلقا يمشيان على ساحل البحر، فمرت بهم سفينة وكلموهم أن يحملوهما، فحملوهما بغير أجر، فلما ولجوا البحر أخذ الخضر فأسًا فخرق لوحًا من السفينة، فحشاها موسى بثوبه، وقال له: ﴿أَخَرَقنَهَا﴾ الآية) [[سبق تخريج الحديث في أول القصة.]]. فذلك قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا رَكبَا في اَلسَّفِينَهِ﴾ أراد ركبا البحر في السفينة، فحذف المفعول للعلم به. والسفينة معروفة أصلها: من السَّفن وهو القشر، سميت لِسَفْنِهَا وجه الماء كأنها تَقْشرة، وهي فَعِيلَة بمعنى فَاعِلة. وروى ثعلب عن ابن الأعرابي قال: (قيل لها سَفِينَة؛ لأنها تَسْفِنُ الرَّمْل إذا قلَّ الماء. قال: ويكون مأخوذًا من السَّفن، وهو الفأس التي ينجر به النجار) [["تهذيب اللغة" (سفن) 2/ 1708.]]. ومنه قوله [[هذا عجز بيت اختلف في نسبته. وصدره:
تخوَّف الرَّحل منها تامكًا صلبًا
تخوف: التخوف التنقص شيئًا فشيئًا. والتامك: السنام المرتفع.
والنبعة: واحدة النبع وهو شجر تتخذ منه القسي. والسَّفن: مبرد الحديد الذي ينحت به الخشب.
انظر: "الجامع البيان" 14/ 113، "الكشاف" 2/ 411، "الجامع لأحكام القرآن" 10/ 110، "تهذيب اللغة" (سفن) 2/ 1708، "لسان العرب" (سفن) 4/ 2032، "الصحاح" (سفن) 5/ 2136.]]:
كما تخوَّف عود النبعة السَّفن
فهي على هذا فعيلة بمعنى مَفْعولة؛ لأنه نُحِتَت من الخشب بالسَّفَن فهي مَسْفونة، أي: منجورة منحوتة [[انظر المواضع السابقة من: "تهذيب اللغة"، "الصحاح"، "لسان العرب".]].
وقوله تعالى: ﴿خَرَقَهَا﴾ أي: شقها. جاء في التفسير: (أنه قلع لوحين مما يلي الماء) [["معالم التنزيل" 3/ 173، "المحرر الوجيز" 9/ 360، "النكت والعيون" 3/ 327، "الكشاف" 2/ 397.]]، فقال موسى منكرًا عليه: ﴿أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا﴾ قال مجاهد: (منكرا) [["جامع البيان" 15/ 284، "المحرر الوجيز" 9/ 361، "النكت والعيون" 3/ 327، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 19.]]. وهو قول قتادة، والمفسرين [["جامع البيان" 15/ 284، "فتح القدير" 3/ 431.]].
وقال أبو عبيدة: (داهية نكرا) [["مجاز القرآن" لأبي عبيدة 2/ 409.]]، وأنشد [[لم أهتد إلى قائله، وذكرته كتب التفسير واللغة بدون نسبة. انظر: "الطبري" 15/ 284، "النكت والعيون" 3/ 327، "القرطبي" 11/ 19، "مجاز القرآن" 1/ 409، "الدر المصون" 7/ 528، "شواهد الكشاف" ص 130، "اللسان" (أمر) 1/ 129.]]:
قد لقي الأقران منِّي نكرا ... داهيةً دهياء إدًّا إمرا
وقال الكسائي: (شديدًا عظيمًا) [["روح المعاني" 15/ 337.]]. من أَمِر الأمر إذا كبر أمرا بفتح الميم، والإمر الاسم [["جامع البيان" 15/ 285، "القرطبي" 11/ 19، "فتح القدير" 3/ 432، "لسان العرب" (أمر) 1/ 129.]].
الكهف 18:72
فقال له الخضر محققًا ما كان قال له أولاً: ﴿قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (72) قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ﴾ روى ابن عباس، وأبي بن كعب عن النبي -ﷺ- قال: "كانت الأوُلى من أمر موسى في النسيان، والثانية العذر، ولو صبر موسى لقص الله علينا أكثر مما قص" [["جامع البيان" 15/ 184، "النكت والعيون" 3/ 327، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 105. وسبق تخريج الحديث في أول القصة.]]. فعلى هذا معنى قوله: ﴿نَسِيتُ﴾ غفلت عن التسليم لك، وترك الإنكار عليك ونسيت ذلك.
وروي عن ابن عباس نفسه أنه قال: (بما تركت من عهدك) [["جامع البيان" 15/ 285، "معالم التنزيل" 5/ 190، "النكت والعيون" 3/ 327، "الكشف والبيان" 3/ 391 أ.]]. وهو قول الكلبي يقول: (ما تركت من وصيتك) [["النكت والعيون" 3/ 328، وذكره "بحر العلوم" 2/ 307 بدون نسبة، وكذلك "جامع البيان" 15/ 285، و"الكشاف" 2/ 493.]]. وعلى هذا القول النسيان بمعنى: الترك، لا بمعني الغفلة. وروي عن أبي بن كعب نفسه أنه قال: (لم ينسها ولكنها من معاريض الكلام) [["جامع البيان" 15/ 285، "الكشف والبيان" 3/ 391 أ، "المحرر الوجيز" 9/ 362، "البحر المحيط" 6/ 150، "روح المعاني" 15/ 338.]]. وهذا القول مروي عن أبي عمرو بن العلاء قال: (ما كان نسي [[في (ص): (مني)، وهو تصحيف.]]، ولكن هذا من معاريض الكلام) [[لم أقف عليه عن أبي عمرو. وذكره "جامع البيان" 15/ 285 ونسبه لأبي بن كعب، وكذلك "الكشف والبيان" 3/ 391، و"المحرر الوجيز" 9/ 362، و"زاد المسير" 5/ 171، و"الدر المنثور" 4/ 428.
وذكره "بحر العلوم" 2/ 307، ونسبه لابن عباس، وكذلك "معالم التنزيل" 5/ 190، و"النكت والعيون" 3/ 327، و"زاد المسير" 5/ 171، و"الجامع لأحكام القرآن" 11/ 20.]]. ومعني هذا: أنه اعتذر بالنسيان كالعادة في الكلام، وأن لفظ النسيان كثيرًا ما يذكر معترضًا به من غير حقيقة. وقال بعضهم: (أراد أنه لم يقل له: نسيت فيكون كاذبًا، ولكنه قال: ﴿لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ﴾ فأوهمه النسيان تعريضًا) [["المحرر الوجيز" 9/ 262، "بحر العلوم" 2/ 307.]]. وقد حصل في قوله: ﴿بِمَا نَسِيتُ﴾ ثلاثة أوجه [[والقول الأول -والله أعلم- هو الراجح وهو قول جمهور العلماء. قال ابن جرير الطبري 15/ 184: والصواب من القول في ذلك أن يقول أن موسى سأل صاحبه أن لا يؤاخذه بما نسي فيه عهده من سؤاله إياه على وجه ما فعل وسببه لا بما سأله عنه وهو لعهده ذاكرًا للصحيح عن رسول الله -ﷺ- بأن ذلك معناه من الخبر.
وانظر: "المحرر الوجيز" 9/ 362، "البحر المحيط" 6/ 150.]].
قوله تعالى: ﴿وَلَا تُرْهِقْنِي﴾ قال ابن عباس في رواية عطاء: (تلحقني) [[ذكره الماوردي في "النكت والعيون" 3/ 328 بدون نسبة.]]. روى سلمة عن الفراء: (رهِقَني الرجل، يَرْهَقني، رهقًا، أي: لَحِقَني وغَشِيَني، وأَرْهَقته إذا أَرْهَقَته غيرك) [["تهذيب اللغة" (رهق) 2/ 1479.]].
وقال أبو إسحاق: (معنى ﴿تُرْهقِنى﴾ تغشيني) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 302.]]. ونحو ذلك قال ابن قتيبة [["غريب القرآن" لابن قتيبة 1/ 269.]]، وهو قول العامة. ويغشني ويلحقني بمعنى واحد، ومن لحق شيئًا فقد غشيه.
وقال الكلبي في قوله: (﴿وَلَا تُرْهِقْنى﴾ لا تكلفني) [["النكت والعيون" 3/ 328، وذكره السمرقندي في "بحر العلوم" 2/ 307 بدون نسبة.]] قال أبو زيد: (أرهقتُه عُسْرًا إذا كلَّفته ذاك) [["تهذيب اللغة" (رهق) 2/ 1489.]]. وهذا قريب من الأول، والكلام في هذا الحرف قد سبق عند قوله: ﴿وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ﴾ [يونس: 26].
ومعنى الآية؛ عاملني باليسر لا بالعسر، ولا تضيق عليَّ الأمر في صحبتي إياك [["جامع البيان" 15/ 185، "معالم التنزيل" 5/ 190، "البحر المحيط" 6/ 150.]].
وقال الفراء في قوله: ﴿وَلَا تُرْهِقْنىِ﴾: (لا تعجلني) [["معاني القرآن" للفراء 2/ 155.]].
قال ابن شميل: (أرهَقَني القوم أن أصلِّي، أي: أعْجَلُوني) [["تهذيب اللغة" (رهق) 2/ 1489، "تاج العروس" (رهق) 13/ 183.]].
وقال ابن الأعرابي: (إنه لرَهِقٌ أي: سريع إلى الشر سريع الحِدَّة) [["تهذيب اللغة" (رهق) 2/ 1489، "لسان العرب" (رهق) 3/ 1756.]].
وقال الكسائي: (فيه رَهَق، أي: خفِّة وحدِّة) [["لسان العرب" (رهق) 3/ 1756.]]. والأحسن في تفسير ﴿ترهقني﴾ مع قوله: ﴿مِنْ أَمْرِي عُسْرًا﴾ قول ابن عباس، والكلبي. وقول الفراء بعيد في تفسير الآية، لا يحسن أن نقول: لا تعجلني من أمري عسرا، والله أعلم.
الكهف 18:73
فقال له الخضر محققًا ما كان قال له أولاً: ﴿قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (72) قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ﴾ روى ابن عباس، وأبي بن كعب عن النبي -ﷺ- قال: "كانت الأوُلى من أمر موسى في النسيان، والثانية العذر، ولو صبر موسى لقص الله علينا أكثر مما قص" [["جامع البيان" 15/ 184، "النكت والعيون" 3/ 327، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 105. وسبق تخريج الحديث في أول القصة.]]. فعلى هذا معنى قوله: ﴿نَسِيتُ﴾ غفلت عن التسليم لك، وترك الإنكار عليك ونسيت ذلك.
وروي عن ابن عباس نفسه أنه قال: (بما تركت من عهدك) [["جامع البيان" 15/ 285، "معالم التنزيل" 5/ 190، "النكت والعيون" 3/ 327، "الكشف والبيان" 3/ 391 أ.]]. وهو قول الكلبي يقول: (ما تركت من وصيتك) [["النكت والعيون" 3/ 328، وذكره "بحر العلوم" 2/ 307 بدون نسبة، وكذلك "جامع البيان" 15/ 285، و"الكشاف" 2/ 493.]]. وعلى هذا القول النسيان بمعنى: الترك، لا بمعني الغفلة. وروي عن أبي بن كعب نفسه أنه قال: (لم ينسها ولكنها من معاريض الكلام) [["جامع البيان" 15/ 285، "الكشف والبيان" 3/ 391 أ، "المحرر الوجيز" 9/ 362، "البحر المحيط" 6/ 150، "روح المعاني" 15/ 338.]]. وهذا القول مروي عن أبي عمرو بن العلاء قال: (ما كان نسي [[في (ص): (مني)، وهو تصحيف.]]، ولكن هذا من معاريض الكلام) [[لم أقف عليه عن أبي عمرو. وذكره "جامع البيان" 15/ 285 ونسبه لأبي بن كعب، وكذلك "الكشف والبيان" 3/ 391، و"المحرر الوجيز" 9/ 362، و"زاد المسير" 5/ 171، و"الدر المنثور" 4/ 428.
وذكره "بحر العلوم" 2/ 307، ونسبه لابن عباس، وكذلك "معالم التنزيل" 5/ 190، و"النكت والعيون" 3/ 327، و"زاد المسير" 5/ 171، و"الجامع لأحكام القرآن" 11/ 20.]]. ومعني هذا: أنه اعتذر بالنسيان كالعادة في الكلام، وأن لفظ النسيان كثيرًا ما يذكر معترضًا به من غير حقيقة. وقال بعضهم: (أراد أنه لم يقل له: نسيت فيكون كاذبًا، ولكنه قال: ﴿لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ﴾ فأوهمه النسيان تعريضًا) [["المحرر الوجيز" 9/ 262، "بحر العلوم" 2/ 307.]]. وقد حصل في قوله: ﴿بِمَا نَسِيتُ﴾ ثلاثة أوجه [[والقول الأول -والله أعلم- هو الراجح وهو قول جمهور العلماء. قال ابن جرير الطبري 15/ 184: والصواب من القول في ذلك أن يقول أن موسى سأل صاحبه أن لا يؤاخذه بما نسي فيه عهده من سؤاله إياه على وجه ما فعل وسببه لا بما سأله عنه وهو لعهده ذاكرًا للصحيح عن رسول الله -ﷺ- بأن ذلك معناه من الخبر.
وانظر: "المحرر الوجيز" 9/ 362، "البحر المحيط" 6/ 150.]].
قوله تعالى: ﴿وَلَا تُرْهِقْنِي﴾ قال ابن عباس في رواية عطاء: (تلحقني) [[ذكره الماوردي في "النكت والعيون" 3/ 328 بدون نسبة.]]. روى سلمة عن الفراء: (رهِقَني الرجل، يَرْهَقني، رهقًا، أي: لَحِقَني وغَشِيَني، وأَرْهَقته إذا أَرْهَقَته غيرك) [["تهذيب اللغة" (رهق) 2/ 1479.]].
وقال أبو إسحاق: (معنى ﴿تُرْهقِنى﴾ تغشيني) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 302.]]. ونحو ذلك قال ابن قتيبة [["غريب القرآن" لابن قتيبة 1/ 269.]]، وهو قول العامة. ويغشني ويلحقني بمعنى واحد، ومن لحق شيئًا فقد غشيه.
وقال الكلبي في قوله: (﴿وَلَا تُرْهِقْنى﴾ لا تكلفني) [["النكت والعيون" 3/ 328، وذكره السمرقندي في "بحر العلوم" 2/ 307 بدون نسبة.]] قال أبو زيد: (أرهقتُه عُسْرًا إذا كلَّفته ذاك) [["تهذيب اللغة" (رهق) 2/ 1489.]]. وهذا قريب من الأول، والكلام في هذا الحرف قد سبق عند قوله: ﴿وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ﴾ [يونس: 26].
ومعنى الآية؛ عاملني باليسر لا بالعسر، ولا تضيق عليَّ الأمر في صحبتي إياك [["جامع البيان" 15/ 185، "معالم التنزيل" 5/ 190، "البحر المحيط" 6/ 150.]].
وقال الفراء في قوله: ﴿وَلَا تُرْهِقْنىِ﴾: (لا تعجلني) [["معاني القرآن" للفراء 2/ 155.]].
قال ابن شميل: (أرهَقَني القوم أن أصلِّي، أي: أعْجَلُوني) [["تهذيب اللغة" (رهق) 2/ 1489، "تاج العروس" (رهق) 13/ 183.]].
وقال ابن الأعرابي: (إنه لرَهِقٌ أي: سريع إلى الشر سريع الحِدَّة) [["تهذيب اللغة" (رهق) 2/ 1489، "لسان العرب" (رهق) 3/ 1756.]].
وقال الكسائي: (فيه رَهَق، أي: خفِّة وحدِّة) [["لسان العرب" (رهق) 3/ 1756.]]. والأحسن في تفسير ﴿ترهقني﴾ مع قوله: ﴿مِنْ أَمْرِي عُسْرًا﴾ قول ابن عباس، والكلبي. وقول الفراء بعيد في تفسير الآية، لا يحسن أن نقول: لا تعجلني من أمري عسرا، والله أعلم.
الكهف 18:74
وقوله تعالى: ﴿فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلَامًا فَقَتَلَهُ﴾ في حديث أبي بن كعب: (أنهما خرجا مع الصبيان فقال به هكذا، كأنه اجتذب رأسه فقلعه. وأشار عبد الرزاق [[عبد الرزاق بن همام بن نافع الحافظ أبو بكر الحميري بالولاء، من علماء اليمن، حدث عن جماعة منهم: الأوزاعي، والثوري، ومالك بن أنس، وحدث عنه: الإمام أحمد وغيره. توفي -رحمه الله- سنة 211 هـ.
انظر: "طبقات ابن سعد" 5/ 548، "ميزان الاعتدال" 2/ 609، "سير أعلام النبلاء" 9/ 563.]] حين روى هذا الحديث بأصابعه الثلاثة: السبابة، والوسطى، والإبهام وفتحها) [["تفسير القرآن" للصنعاني 1/ 340، "معالم التنزيل" 5/ 190، "المحرر الوجيز" 9/ 364.
وسبق تخريج الحديث في أول القصة.]].
وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس: (أن ذلك الغلام كان من أحسن أولئك الغلمان وأصبحهم) [["جامع البيان" 15/ 286. وذكر نحوه الثعلبي في "الكشف والبيان" 3/ 391 أ، وكذلك السمرقندي في "بحر العلوم" 2/ 308.]].
وقال أبو العالية: (كان الخضر عبدًا لا تراه الأعين، ورآه موسى، ولو رآه الناس يقتله ما تركوه) [["الجامع لأحكام القرآن" 11/ 20، "فتح القدير" 3/ 436 وقال رحمه الله: وأقول ينبغي أن ينظر من أين له هذا؟ فإن لم يكن مستندًا إلاَّ قوله: ولو رآه القوم .. الخ ، فليس ذلك بموجب لما ذكره، أما أولاً: فإن من الجائز أن يفعل ذلك من غير أن == يراه أهل السفينة وأهل الغلام، لا لكونه لا تراه الأعين بل لكونه فعل ذلك من غير إطلاعهم. وأما ثانيًا: فيمكن أن أهل السفينة وأهل الغلام قد عرفوه وعرفوا أنه لا يفعل ذلك إلا بأمر من الله كما يفعل الأنبياء، فسلموا لأمر الله.
وانظر: "أضواء البيان" للشنقيطي 4/ 173.]].
قال موسى حين رأى ذلك: ﴿أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً﴾ قال ابن عباس ومجاهد: (لم يبلغ الحلم) [["معالم التنزيل" 5/ 191، "الكشف والبيان" 3/ 391 ب، و"زاد المسير" 5/ 172.]]. ومعنى الزاكية: الطاهرة من الذنوب، وذلك؛ لأنه كان صغيرًا لم يبلغ حد التكليف. وقرئ: زاكيه [[قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمر: (زاكية) بالألف.
وقرأ عاصم، وابن عامر، وحمزة، والكسائي: (زكية) بغير ألف مع التشديد.
انظر: "السبعة" ص 395، "المبسوط في القراءات" ص 237، "التبصرة" ص 250، "حجة القراءات" ص 424، "النشر" 2/ 313.]]. وهي البرئية من الذنوب. كذا قال الأعمش وغيره، وهو قول أبي إسحاق [["معاني القرآن" 3/ 303، "الكشف والبيان" 3/ 391 ب.]]. وقال الفراء: (الزَاكِية والزَكِية مثل: القَاسِية والقَسِية) [["معاني القرآن" للفراء 2/ 155.]].
قال الليث: (الزكاة: الصلاح) [["تهذيب اللغة" (زكا) 2/ 1542.]]. ورجل زاكٍ وزَكِي أي: تَقِي، ومنه قوله تعالى: ﴿خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً﴾ [الكهف: 81] أي: صلاحًا.
قال الكسائي: (والفعل منه زَكَوْتُ، يزْكُو، زُكُوًا، وزكاءً ممدود) [["الكشف والبيان" 3/ 391/ ب، وذكر نحوه بدون نسبة "تهذيب اللغة" (زكا).]]. هذا الذي ذكرنا أنه كان صبيًا لم يبلغ الحنث، قول أكثر المفسرين [["معالم التنزيل" 5/ 191، "المحرر الوجيز" 9/ 364، "النكت والعيون" 3/ 328، "زاد المسير" 5/ 172.]].
وقال الضحاك: (كان غلامًا يعمل بالفساد ويتأذى منه أبواه) [["معالم التنزيل" 5/ 191، "الكشف والبيان" 3/ 391.]].
وقال الكلبي: (كان يقطع الطريق) [["معالم التنزيل" 5/ 191، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 22، "الكشف والبيان" 3/ 391 ب.]]. وعلى هذا معنى قوله: "زاكية" ما قال قتادة: (الزاكية التائبة) [["جامع البيان" 15/ 286، "النكت والعيون" 3/ 329.]]. يعني النامية، وكل شيء يزداد ويسمن فهو يزكو، زكاء والمعنى: أنه كان غلامًا مقتبل الشباب [["النكت والعيون" 3/ 329، "زاد المسير" 5/ 173.]]. أو تقول معنى زاكية على تفسير الضحاك والكلبي: (أنها كانت زاكية في رأي العين؛ لأنه لم يجن جناية توجب قتله بحضرة موسى) [["جامع البيان" 15/ 286، "الكشف والبيان" 3/ 391 ب.]].
وقوله تعالى: ﴿بِغَيْرِ نَفْسٍ﴾ قال ابن عباس: (يريد من غير قود) [["جامع البيان" 15/ 286 بغير نسبة.]]. والمعنى: بغير قتل نفس: ﴿لَّقَدْ جِئْتَ شَيْئا نُكْراً﴾ أي: فظيعًا منكرًا لا يعرف. قال قتادة: (والنكر أشد من الإمر) [["جامع البيان" 15/ 287، "معالم التنزيل" 5/ 191، "النكت والعيون" 3/ 330، "الدر المنثور" 4/ 428.]]. وهو اختيار ابن كيسان [["الكشف والبيان" 3/ 391 ب.]]. والمعنى على هذا: لقد جئت شيئًا أنكر من الأول.
وقال أبو إسحاق: (و ﴿نُّكْرًا﴾ أقل من قوله: ﴿إِمْرًا﴾؛ لأن تغريق من في السفينة كان عنده أنكر من قتل نفس واحدة) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 303.]]. وانتصاب قوله: {شَيْئًا نُّكْراً} على المفعول به؛ لأن المعنى: أتيت شيئًا نكرا. قال الزجاج: (ويجوز أن يكون معناه جئت بشيء نكر، فلما حذف الباء أمضى الفعل فنصب) [[؛ "معاني القرآن" للزجاج 3/ 303.]].
الكهف 18:76
قوله تعالى: ﴿قَالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا﴾ قال أهل المعاني: أراد إن سألتك سؤال توبيخ وإنكار، كما قال في السفينة: ﴿أَخَرَقْتَهَا﴾ وفي الغلام: ﴿أَقَتَلْتَ نَفْسًا﴾ وذاك أن السؤال على وجوه: منه ما هو: طلب الأخبار عن المعنى للفائدة، ومنه ما هو: للتقرير، ومنه ما هو: للتوبيخ. والكناية في قوله: ﴿بَعْدِهَا﴾ تعود إلى النفس المقتولة.
وقوله تعالى: ﴿قَدْ بَلَغْتَ مِن لَّدُنِى عُذرًا﴾ قال ابن عباس: (يريد أنك قد أعذرت فيما بيني وبينك، وقد أخبرتني أني لا أستطيع معك صبرا) [["زاد المسير" 5/ 175.]]. وقال أهل المعاني: (هذا إقرار من موسى بأن الخضر قد قدم إليه ما يوجب العذر عنده، فلا يلزمه ما أنكر) [[ذكره نحوه "المحرر الوجيز" 9/ 367، "إعراب القرآن" للنحاس 2/ 286.]].
وروي: أن النبي -ﷺ- تلا هذه الآية فقال: "استحيا نبي الله موسى عندها، ولو صبر لرأى ألفا من العجائب" [[أخرجه البخاري في التفسير، سورة الكهف 8/ 409، ومسلم في الفضائل، باب فضائل الخضر 4/ 1851، وأخرجه ابن جرير في "تفسيره" 15/ 186، والترمذي في الدعوات، باب ما جاء أن الداعي يبدأ بنفسه 5/ 463، وأبو داود في "سننه" كتاب الحروف والقراءات 4/ 286، وابن أبي شيبة في "المصنف" 10/ 219، والحاكم في "المستدرك" 2/ 574، وأورده السيوطي في "الدر" 4/ 428.]].
واختلف القراء في قوله: (مِن لَّدُنِّي) فقراءة العامة: بتشديد النون، وقرأ أهل المدينة: بتخفيفها [[قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر، وحمزة، والكسائي، وحفص عن عاصم: (من لدنِّي) بتشديد النون.
وقرأ نافع: (من لَدُنِي) بضم الدال مع تخفيف النون.
وقرأ عاصم في رواية أبي بكر: (من لدني) بشم الدال شيئًا من الضم، مع تخفيف النون.
انظر: "السبعة" ص 397، "الحجة للقراء السبعة" 5/ 160، "التبصرة" ص 250، "حجة القراءات" ص 424، "النشر" 2/ 313.]].
قال أبو إسحاق: (الأجود تشديد النون؛ لأن أصل نون لَدُنْ الإسكان، فإذا أضفتها إلى نفسك زدت نونًا ليِعْلَمَ سكون النون الأولى، تقول: من لدنْ زيدٍ، فتسكن النون ثم تضيف إلى نفسك فتقول: من لَدُنِي، كما تقول: عن زيدٍ، ثم تقول: عَنِي) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 303.]].
وقال أبو علي: (من قال من لَدُنِّي زاد النون التي تزاد مع علامة المضمر المجرور والمنصوب، في نحو مِنِّي، وعَنِّي، وقَطْنِي، وضَرَبَني، فأدغم الأولى الساكنة في التي تزاد مع الضمير، فصار من لدنِّي، وهذا هو القياس والذي عليه الاستعمال. ومن خفف فإنه لم يلحق النون التي تلحق علامة الضمير في نحو: ضَرَبني، وقدني كما قال [[هذا صدر بيت لحميد بن مالك الأرقط. وعجزه:
ليس الإمام بالشحيح الملحد
قَدْني: حسبي. الخبيبان: عبد الله بن الزبير وابنه، وقيل: هما عبد الله وأخوه مصعب. انظر: "الكتاب" 2/ 371، "الخزانة" 5/ 382، "الحجة للقراء السبعة" 5/ 161، "المحتسب" 2/ 223، "الكامل" ص 84، "معاني القرآن" للزجاج 3/ 304، "مغني اللبيب" 1/ 170، "الإنصاف" ص 108، "لسان العرب" (خب) 2/ 1087.]]: قَدْنِي من نصر الخُبَيْبَيْن قدي
لم يلحق النون، كذلك قرأ نافع: لدني. ولا تكون النون المحذوفة نون لدن لثبوته في قولك: لدنه، ولدنك، ولدنَّا) [["الحجة للقراء السبعة" 5/ 161، "الإغفال فيما أغفله الزجاج من المعاني" 968.]].
وقال أبو إسحاق: (ومن قال: لدني، لم يجز له أن يقول: عَنِي، ومِنِي؛ لأن لَدُن اسم غير متمكن، ومن، وعن حرفان جاءا لمعنى، ولدن مع ذلك أثقل من: مِنْ، وعَنْ، والدليل على أن الأسماء يجوز فيها حذف النون قولهم: قدنى، في معنى: حسبي) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 303.]]، هذا كلامه. وذكر الفرق بين لدني مخفف، ومتى خفف لا يجوز من وجهين أحدهما: أن لَدُنْ اسم والاسم يجوز الحذف فيه كقولهم: قَدِي. والآخر: أن لدن أثقل من (من).
وقال أبو علي فيما استدرك عليه: (النون مع الياء التي للمتكلم إنما اجتلبت ليسلم سكون الحرف، كما اجتلبت في (قد)، كذلك ثم استجيز الحذف في لدن، كما استجيز في (قد): (قدي)، فيجب أن ينظر في أي: موضع يجوز الحذف في (قدي)، فيجوز في لدن على ذلك الحد. فوجدنا الحذف في (قد) إنما وقع في الضرورة في الشعر دون الكلام، ولم يجيء الحذف في غير الشعر فإذا كان كذلك فلا يستحسن على هذا الحذف في القراءة من لدني؛ لأنه ليس بموضع ضرورة، ولم يفصل أبو إسحاق ما يجوز في الشعر، مما يجوز في الكلام والقرآن، حتى صار الجائز في الضرورة يتوهم من كلامه جوازه في الكلام. فإن قيل: إن الحذف للنون في (لدني) أدنى مزية في الحسن على (قدي)، لاجتماع المثلين فيه وهم يكرهون اجتماعهما، فيكون الحذف فيه أمثل منه في (قدي)، فيجوز في الكلام. قلنا: ليس بأمثل؛ لأن المثلين ليسا بلازمين، فلا يستحسن فيهما ما يستحسن في اللازمين من الحذف للتخفيف، على أنه قد يجرى غير اللازم مجرى اللازم في الإدغام نحو: علماء بنو فلان، وكثير من الأحكام. وإجازة (لدني) في الكلام قياسًا على هذا وجيه، والأول أعجب إلينا. وأما فصله بين (لدني)، و (مني)، بأن أحدهما اسم والآخر حرف، فغير صحيح؛ لأنه لو امتنع الحذف في [منِّي وعنِّي؛ لأنهما حرفا معنى لامتنع في إنِّي وأَنني، ولَعَلِي ولَعَلَنِي، وكأني وكأنَنِي، وليتني وليتي فلما لم يمتنع الحذف في] [[ما بين المعقوفين ساقط من الأصل ومثبت في بقية النسخ.]] النون من هذه الكلم وهي حروف، دل أن الحذف في النون من منِّي لم يمتنع من حيث كان حرفا ، ولذلك لم يجر الحذف في لدني من حيث كان اسمًا ، وليس في كون الكلمة اسمًا ما يوجب الحذف منه أو يجوزه فيه، بل ظاهر الأمر يوجب أن تبقية الزيادة في الاسم أولى، إذ الاسم للزيادة أحمل، وإنما امتنع الحذف في مني وعني؛ لأن هذه النون [اجتلبت ليسلم به سكون الحرف كما] [[ما بين المعقوفين مكرر في الأصل.]] اجتلبت لتسلم به الحركة في ضرني ويضربني، فحذفه هو خلاف ما قصدوا له وإبطاله، والحذف في قدي إنما جاز في الشعر للضرورة، والشاعر إذا اضطر حذف ورد الكلمة إلى الأصل، ولو اضطر فحذف في مني وعني لجاز ذلك أيضًا وكان أمثل من قدي؛ لأنه مثلان في قد، وما لم تجتمع المتماثلة أو المتقاربة لم يحسن الحذف في الكلام، وإنما يجيء في الضرورة، ألا ترى أن ليت لما لم يجتمع المماثلة فيه لم يحذف في الكلام، وإنما جاء الحذف في بيت الكتاب. وأما قوله: (ولدن أثقل من مني، فلذلك حذف) فليس بشيء أيضًا، ألا ترى أنه قد حذف من قد وهو مثل: من في أنه على حرفين، فليس الحذف في هذه الحروف معتبرًا به لثقلها ولخفتها، وإنما الإثبات في هذه الحروف لما ذكرت من أنه ليسلم السكون أو الحركة، والحذف للضرورة إلا عند اجتماع الأمثال نحو: كأن، وأن، أو المتقاربة: كلعل، فإن هذا يجوز في الكلام، والأحسن فى لدن ألا يحذف في الكلام ويلحق بباب قد) [["الإغفال فيما أغفله الزجاج من المعاني" ص 972 - 990.]].
وروى أبو عبيدة عن الكسائي عن أبي بكر عن عاصم: (من لدن بضم اللام وتسكين الدال) [["السبعة" ص 397، "الحجة للقراء السبعة" 5/ 162، "المبسوط في القراءات" 237.]]. قال ابن مجاهد: (وهو غلط) [["السبعة" ص 397.]].
قال أبو علي: (يشبه أن يكون التغليط منه في وجه الرواية، فأما من جهة اللغة ومقاييسها فهو صحيح، ألا ترى أن عَضُد إذا خفف فتخفيفه على ضربين أحدهما: أن تحذف الضمة وتبقى فتحة الفاء على حالها، فيقال: عَضْدٌ. والآخر: أن تلقى الحركة التي هي الضمة على الفاء، وتحذف الفتحة فيقال: عُضْدٌ [["الحجة للقراء السبعة" 5/ 162.]]. وكذلك [[في (ص): (ولذلك).]]: أرني، ولدني، إلا أن التخفيف في لدني مستقبح من حيث أنه امتناع بعد الحذف والنون، وإن كسرت من أجل مجاورة الياء في نية سكون، فكما أنه إذا سكنت النون لم يجز الإسكان في الدال، كذلك إذا حركت وكانت في نية سكون، ألا تراهم قالوا: لم يردد الرجل، فلم يدغموا لما كان الآخر في نية سكون، كما لم يدغموا إذا كان على لفظ السكون، ووجه الجواز فيه ما مر من: أنه قد يجري المنفصل مجرى المتصل في نحو: وَهُوَ، ولَهُو، هذا الذي ذكرنا الكلام في وجوه القراءة [["السبعة" ص 397، "الحجة للقراءة السبعة" 5/ 161، "المبسوط" 237، "الكشف عن وجوه القراءات" 2/ 69، "النشر" 2/ 313.]]. فأما حكم هذه الكلمة: فاعلم أن لدن اسم غير متمكن، حذفت اللام منها في حال الإضافة إلى المظهر في نحو قولهم: مِنْ لدُ الحائط. وقول الشاعر [[هذا من مشطور الرجز لم أهتد إلى قائله، وذكرته كتب اللغة بلا نسبة.
الشَّوْل: النوق التي جف لبنها وارتفع ضرعها، وأتى عليها من نتاجها سبعة أشهر أو ثمانية، وقيل غير ذلك الإتلاء: مصدر أتلت الناقة إذا تلاها ولدها أي تبعها. انظر: "الكتاب" 1/ 134، "خزانة الأدب" 2/ 84، "شرح أبيات مغني اللبيب" 6/ 287،"سر صناعة الإعراب" 2/ 546، "الحجة للقراء السبعة" 5/ 125، "أوضح المسالك" ص 49، "المقاصد النحوية" 2/ 51، "لسان العرب" (لدن) 7/ 4022.]]:
من لد شولا فإلى إتلائها
و [[هذا عجز بيت لغيلان بن حريث يصف فيه فرسًا أو بعيرًا بطول العنق. وصدره:
يستوعب البوعين من جريره
واللحي: العظم الأسفل من الشدق. والمنحور والنحر: الصدر. انظر: "الكتاب" 4/ 234، "المخصص" 14/ 60، "شرح شواهد الشافية" ص 161، "الإغفال فيما أغفله الزجاج من المعاني" ص 969، "اللسان" (لدن) 7/ 4022.]]:
من لد لحييه إلى منحوره
وكان القياس ألا يحذف منه شيء لمشابهة الاسم للحرف في البناء، والحرووف لا تحذف إذا لم تكن مضاعفة، وليس هنا تضعيف، إلا أنه لما كان اسمًا وإن كان مشابهًا لحروف اللين استجيز الحذف فيه في حال الإضافة إلى المظهر، فألزم الرد في حال الإضافة إلى المضمر، ليكون ذلك دلالة علي أن الحذف لم يكن بقياس فيه، فكأنه جرى مجرى الأشياء التي تحذف في اللفظ للتخفيف، والمراد إثباتها، فإذا اتصل بالمضمر رد إلى أصله كقولهم: أعْطَيْتُكُمُوه ونحوه، كذلك قيل في هذا: من لدنه ولدنا). هذا كلام أبي علي [["الإغفال فيما أغفله الزجاج من المعاني" ص 969 - 971.]].
وقال ابن كيسان: (لَدُن حرف يَخْفِض، وربما نُصِب بها، وقال: وحكى البصريون: أنها تنصب غدوة خاصة من بين الكلام) [["تاج العروس" (لدن) 18/ 506، "لسان العرب" (لدن) 7/ 4022.]]. وأنشدوا [[البيت لأبي سفيان بن حرب.
انظر: "الحيوان" 1/ 318، "الدرر" 3/ 138، "جواهر الأدب" ص 128، "الروض الآنف" 3/ 164، "المقاصد النحوية" 3/ 429، "تاج العروس" (لدن) 18/ 506، "لسان العرب" (لدن) 7/ 4022.]]:
مازال مهري مزجر الكلب منهم ... لدن غدوةً حتى دنت لغروب
وأجاز الفراء في: غُدْوَة: الرفع، والنصب، والخفض [["سر صناعة الإعراب" 2/ 543، "لسان العرب" (لدن) 7/ 4022.]]. قال ابن كيسان: (من خفض بها أجراها مجرى: مِنْ، وعَنْ، ومن رفع أجراها مجرة مذْ، ومن نصب جعلها وقتا، وجعل ما بعدها ترجمة عنها) [["تاج العروس" (لدن) 18/ 506، "لسان العرب" (لدن) 7/ 4022.]]. وإن شئت أضمرت كان، كما قال [[سبق عزو البيت وتوثيقه.]]:
من لد شولا فإلى إتلائها
أراد: من لد كانت شولا. وحكى أبو عمرو عن أحمد بن يحيى، والمبرد أنهما قالا: (العرب تقول لَدُن غُدْوَةٌ، وغُدْوَةً، وغُدوةٍ، فمن رفع أراد: لدن كانت غدوةٌ، ومن نصب أراد: لَدُنْ كان الوقت غدوةً، ومن خفض أراد: من عند غدوةٍ) [["تهذيب اللغة" (لدن) 4/ 3256، "تاج العروس" (لدن) 18/ 506،"لسان العرب" (لدن) 7/ 4022.]].
وقال أبو الفتح الموصلي: (إنهم شبهوا النون في لدن بالتنوين في ضارب فنصبوا غدوة، نحو: هذا ضارب زيدًا، ووجهه الشبه بينهما اختلاف حركة الدال قبل النون، وذلك لأنه يقال: لدن، ولدن بفتح الدال وضمها، فلما اختلفت الحركات قبل النون شابهت النون التنوين، وشابهت الحركتان قبلها باختلافهما حركات الإعراب في نحو: ضَارِبٌ، وضاربًا، فلما أشبهت النون التنوين من حيث ذكرنا انتصب غدوةً تشبيهًا بالمفعول، وكذلك شبه بعضهم غدوةً بالفاعل، فرفعها فقال: لدن غدوةٌ، كما تقول: أقائم زيد؟ ومنهم من يلزم القياس فيها، فيجر بها فيقول: لدن غدوةٍ) [["سر صناعة الإعراب" 2/ 542.]].
قال سيبويه: (ولا تنصب مع لدن غير غُدوة، فلا تقول: لدن بكرةً؛ لأنها لم تكثر في كلامهم كثرة غدوة) [["الكتاب" لسيبويه 1/ 210، 3/ 119.]].
قال أبو الفتح: (ويزيد عندك في شبه نون لدن بتنوين اسم الفاعل، أن العرب قد حذفتها في بعض المواضع تخفيفًا، فقالت: من لَدُ الحائط، ولَدُ الصلاةِ، وقد حذفوها أيضًا ولا ساكن بعدها. أنشد سيبويه [[سبق عزو البيت وتوثيقه.]]:
من لد شولا فإلى إتلائها
فلما حذفت النون تارة، وثبتت أخرى، قوي شبه النون بالتنوين الذي حذف تارة وثبت أخرى) [["سر صناعة الإعراب" 2/ 546.]].
وقال القاضي أبو سعيد السيرافي في [[قوله: (في)، ساقط من نسخة (ص).]] حكم لدن: (أن يخفض بها على الإضافة؛ لأن النون من أصل الكلمة بمنزلة الدال من عند، كما قال الله تعالى: ﴿مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ﴾ [النمل: 6] ﴿مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ [هود: 1] غير أن من العرب من ينصب بها، وإنما يفعل ذلك؛ لأنه ينزع النون عنها فيقال: لَدُ، فشبهت الأصلية بالزائدة حين ثبتت في حال وسقطت في حال، كما ثبتت الزائدة في حال وسقطت في حال) [[ذكره نحوه بلا نسبة "إعراب القرآن" للنحاس 2/ 287، "سر صناعة الإعراب" 2/ 546، "الإغفال فيما أغفله الزجاج من المعاني" ص 966، "إملاء ما من به الرحمن" ص 403.]].
وكنت قد وعدت في أول هذه السورة، عند قوله: ﴿مِن لَّدُنْهُ﴾ [الكهف: 2] بسط الكلام في هذا الحرف، وقد ذكرت ذلك على حد الإيجاز والله المستعان.
الكهف 18:77
قوله تعالى: ﴿فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ﴾ هي: أنطاكية [[أنطاكية: بالفتح: السكون قصبة العوصم من الثغور الشامية، وهي من أعيان البلاد وأمهاتها، موصوفة بالنزاهة والحسن وطيب الهواء وعذوبة الماء وكثرة الفواكه وسعة الخير، قيل إن أول من بناها وسكها: أنطاكية بنت الروم بن اليقن بن سآم بن نوح -عليه السلام-، وقيل إن أول من بناها: أنطيغونيا في السنة السادسة من موت الإسكندر ولم يتمها، فأتمها بعد سلوقوس، وقيل غير ذلك، وفتحها أبو عبيدة بن الجراح سار إليها من حلب، وألزم أهلها بالجزية.
انظر: "معجم البلدان" 1/ 266.]] في قول ابن عباس [["معالم التنزيل" 5/ 192، "المحرر الوجيز" 9/ 270 ذكره بدون نسبة، "زاد المسير" 5/ 175.]]. والأيلة، في قول ابن سيرين [["جامع البيان" 15/ 288، "معالم التنزيل" 5/ 192، " المحرر الوجيز" 9/ 270، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 24.]].
وقوله تعالى: ﴿فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا﴾ روى أبي بن كعب أن النبي -ﷺ- قال: "كانوا أهل القرية لئام" [[سبق تخريج الحديث وعزوه في بداية القصة.]]. والتضييف والإضافة فيه بمعنى واحد، يقال: ضافَه وتَضَيَّفه إذا نزل به وصار له ضيفًا، وأضافه وضيَّفه إذا أنزله وقراه، وأصل هذا في اللغة: من الميل والإمالة، يقال: ضاف يضِيف إذا مال، وأضافه إذا أماله، يقال: هذا مُضاف إلى كذا، أي: ممال إليه، ومنه قيل للدَّعي: مُضاف؛ لأنه مستند إلى قوم ليس منهم [[انظر: "تهذيب اللغة" (ضاف) 3/ 2080، "القاموس المحيط" (الضيف) ص 830، "مقاييس اللغة" (ضيف) 3/ 380، "الصحاح" (ضيف) 4/ 1392.]].
ومنه: (قوله -ﷺ- في النهي عن الصلاة: "إذا أضفت الشمس للغروب") [[أخرجه أبو داود في الجنائز، باب الدفن عند طلوع الشمس وعند غروبها 3/ 531، والترمذي في الجنائز، باب كراهية الصلاة على الجنازة عند طلوع الشمس وعند غروبها 3/ 348، وقال: حديث حسن صحيح، والنسائي في الجنائز، باب الساعات التي نهى عن إقبار الموتى فيهن 4/ 62، وابن ماجه في الجنائز، باب == ما جاء في الأوقات التي لا يصلى فيها على الميت ولا يدفن 1/ 486، والإمام أحمد 4/ 152، وأورده الألباني في "إرواء الغليل" 2/ 2368 وقال: صحيح.]]. أي: مالت.
قال أبو عبيد: (ومنه سمي الضَّيف ضيفًا، يقال: ضِفْت فلانًا إذا ملت إليه، وأضفته: إذا أَمَلْتَه إليك) [["غريب الحديث" لأبي عبيد 1/ 22، "تهذيب اللغة" (ضاف) 3/ 2080.]]. ومن الناس من فرق بين التضييف والإضافة، قال شمر: (سمعت رجاء بن سلمة [[رجاء بن أبي سلمة مهران أبو المقدام الفلسطيني، نزل البصرة ثم تحول إلى الشام، روى عن: عمر بن عبد العزيز، وعمرو بن شعيب، والزهري، وغيرهم، وروى عنه: ابن عون، وابن عبلة، وبشر بن المفضل وغيرهم وثقه العلماء، وكان من أفاضل أهل زمانه، توفي رحمه الله سنة 61 هـ ، وله من العمر سبعين سنة.
انظر: "الجرح والتعديل" 3/ 503، "الكشاف" 1/ 308، "حلية الأولياء" 6/ 92، "تهذيب الكمال" 9/ 161، "تهذيب التهذيب" 3/ 231]] يقول: التَّضيف الإطعام، تقول: ضيَّفته إذا أطعمتَه، وأضافه إذا لم يُطْعِمْهُ. وقال في هذه الآية معناه: فأبوا أن يطعموهما) [["تهذيب اللغة": (ضاف) 3/ 2081، "لسان العرب" (ضيف) 5/ 2625.]].
وقال أبو الهيثم: (هما عندنا بمعنى واحد) [["تهذيب اللغة": (ضاف) 3/ 2081.]]. وقال الفراء في هذه الآية: (لو قرئت يُضيِفُوهُما كان صوابًا) [["معاني القرآن" للفراء 2/ 155.]].
وقوله تعالى: ﴿فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارً﴾ هو الجَدْرُ، والجِدَارُ، ومنه الحديث: "حتى يبلغ الماء الجَدْرُ" [[أخرجه البخاري في "صحيحه" كتاب: الصلح، باب: إذا أشار الإمام بالصلح فأبي حكم عليه 3/ 171، ومسلم في "صحيحه" كتاب: الفضائل، باب: وجوب إتباعه -ﷺ- 4/ 1829، وأبو داود في "سننه" كتاب: الأقضية أبواب: من القضاء == 4/ 51، والترمذي في "جامعه" كتاب: الأحكام، باب: ما جاء في الرجلين يكون أحدهما أسفل من الآخر في الماء 3/ 644، والنسائي في "سننه" كتاب: آداب القضاة باب: الرخصة للحاكم الأمين أن يحكم وهو غضبان 8/ 173، والإمام أحمد في "مسنده" 4/ 5.]]. ومكان جَدِير ومجدور: قد بني حواليه جدار؛ وأصله من الرفع، ومنه: أجدرت الشجرة إذا أخرجت في الربيع وأطلعت، ومنه: الجدري [[انظر: "تهذيب اللغة" (جدر) 1/ 557، "مقاييس اللغة" (جدر) 1/ 431، "القاموس المحيط" (الجدار) ص 362،"الصحاح" (جدر) 2/ 609.]].
وقوله تعالى: ﴿يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ﴾ الإرادة في صفة الجِدَار مجاز على جميع أهل المعاني، ومعناه: قرب أن ينقض، وذلك على التشبيه بحال من يريد أن يفعل [["النكت والعيون" 3/ 175، "المحرر الوجيز" 9/ 371، "الكشاف" 2/ 398، "البحر المحيط" 6/ 151.
وذهب قوم إلى منع المجاز في القرآن، قال الشنقيطي في "أضواء البيان" 4/ 179: وزعم من لا علم عنده: أن هذه الأمور لا حقيقة لها، وإنما هي ضرب أمثال زعم باطل؛ لأن نصوص الكتاب والسنة لا يجوز صرفها عن معناها الواضح المتبادر إلا بدليل يجب الرجوع إليه، وبذلك تعلم أنه لا مانع من إبقاء إرادة الجدار على حقيقتها، لإمكان أن يكون الله علم منه إرادة الإنقضاض وإن لم يعلم خلقه تلك الإرادة، مع أنه من الأساليب العربية إطلاق في الإرادة على المقاربة والميل إلى الشيء.]].
قال الفراء: (وذلك من كلام العرب أن يقولوا: الجدار يريد أن يسقط) [["معاني القرآن" للفراء 2/ 156.]]. ومثله قوله تعالى: ﴿ولَمَّا سَكَتَ عَن مُّوسَى الْغَضَبُ﴾ [الأعراف: 154]، وقوله: ﴿فَإِذَا عَزَمَ اَلأَمْرُ﴾ [محمد: 21]، يريد: أن إضافة السكوت إلى الغضب، والعزم إلى الأمر، كإضافة الإرادة إلى الجدار.
وقال الكسائي: (قوله للجدار: ﴿يُرِيدُ﴾ من أفصح كلام العرب، وإنما إرادة الجدار ميله) [[ذكر نحوه بلا نسبة "الكشاف" 2/ 398، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 25، "البحر المحيط" 6/ 151.]].
قال أبو عبيد: (وهذا كقوله -ﷺ-: "لا تتراءى ناراهما") [[أخرجه أبو داود في "سننه" كتاب: الجهاد، باب: النهي عن قتل من اعتصم بالسجود 3/ 104، والترمذي في "جامعه"، كتاب: السير، باب: ما جاء كراهية المقام بين أظهر المشركين 4/ 132، والنسائي في كتاب: القسامة، باب: القود بغير حديدة 8/ 26، والطبراني في "المعجم الكبير" 1/ 109، والحاكم في "المستدرك" 2/ 141، وصححه ووافقه الذهبي، وأحمد في "مسنده" 4/ 365، والطبري في "جامعه" 15/ 290، وابن عطية في "المحرر الوجيز" 10/ 432، وقال عنه الألباني في "إرواء الغليل" 5/ 29: صحيح.]]. وإنما هو أن تكون ناران كل واحدة من صاحبتها بالموضع الذي لو قام فيه إنسان رأى الأخرى في القرب [["جامع البيان" 15/ 290.]].
وقال ابن قتيبة: (الجدار إذا أشرف على الانهيار يقال فيه: جدار يهم أن ينقض، أو يكاد، أو يقارب، وأياما يقال فقد جعل فاعلا، ولا يوصل إلى هذا المعنى إلا بمثل هذه الألفاظ. قال: والعرب تقول بأرض بني فلان شجر قد صاح، إذا طال وتبين للناظر بطوله جعلوه كأنه صائح؛ لأن الصائح يدل على نفسه بصوته) [["تأويل مشكل القرآن" ص 132.]]. ويقال: شجر واعد إذا نور؛ كأنه ما نور وعد أن يثمر، وكل هذا مجاز كلام العرب واستعارتهم، وأنشد أبو عبيدة في مثل هذه الآية [[البيت للحارثي.= انظر: "مجاز القرآن" 1/ 410، "جامع البيان" 15/ 289، "النكت والعيون" 3/ 331، "الكشاف" 2/ 398، القرطبي 1/ 168، "لسان العرب" (رود) 3/ 1772.]]: يريد الرمح صدر أبي براء ... ويرغب عن دماء بني عقيل
وأنشد الفراء [[البيت ينسب لحسان بن ثابت -رضي الله عنه-.
الشَّمل: الاجتماع يقال: جمع الله شملك، وجمع الله شملهم أي: ما تشتت من أمرهم.
والجُمل: جماعة الشيء، وأجمل الشيء: جمعه عن تفرقه.
انظر: "معاني القرآن" للفراء 2/ 156، "جامع البيان" 15/ 289، "الكشف والبيان" 3/ 391 ب، "الكشاف" 2/ 368، "زاد المسير" 5/ 123، "روح المعاني" 16/ 6، "تهذيب اللغة" (دهر) 2/ 1240، "لسان العرب" (دهر) 3/ 1439.]]:
إنَّ دهرًا يلف شملي بجملٍ ... لزمان يهم بالإحسان
وأنشد أبو عبيد لذي الرمة، يذكر حوضًا دارسًا قد كان [[هذا شطر من بيت لذي الرمة يقول فيه:
من عطن قد هم بالبيود ... طلاوة من جائل مطرود
بيد: باد الشيء يبيد بيودًا: إذا انقطع وذهب، وباد يبيد إذا هلك.
انظر: "ديوان شعر ذي الرمة" (160)، "جامع البيان" 15/ 290.]]:
... قد هم بالبيود
ومثل هذا كثير مستفيض في كلامهم. وقال أبو إسحاق: (الجدار لا يريد إرادة حقيقية، إلا أن هيئته في التهيؤ للسقوط قد ظهرت، كما تظهر أفعال المريدين القاصدين، فوصف بالإرادة إذا كانت الصورتان واحدة) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 306، وقال الطبري 15/ 187: والذكره نقول به في == ذلك: أن الله عز ذكره بلطفه جعل الكلام بين خلقه رحمة منه بهم ليبين بعضهم
لبعض عما في ضمائرهم مما لا تحسه أبصارهم، وقد علمت أن معناه قد قارب من أن يقع أو يسقط، وإنما خاطب -جَلَّ ثناؤه- بالقرآن من أنزل الوحي بلسانه وقد عقلوا ما عني به، وإن استعجم عن فهمه ذو البلادة والعمى، وضل فيه ذو الجهالة والغبا.]]. وأنشد الراعي يصف إبلا [[البيت لعبيد بن حصين النميري الراعي.
انظر: "ديوانه" ص 128، "جامع البيان" 15/ 290، "الكشاف" 2/ 398، "القرطبي" 11/ 26، "التفسير الكبير" 21/ 157، "معاني القرآن" للزجاج 3/ 306، "وضح البرهان في مشكلات القرآن" 2/ 39، "لسان العرب" (رود) 3/ 1772.]]:
في مهمة فلقت به هاماتها ... فلق الفؤوس إذا أردن نصولا
وقوله تعالى: ﴿أَنْ يَنْقَضَّ﴾ معنى الانقضاض: السقوط بسرعة يقال: انقض الحائط إذا وقع، وانقض الطائر إذا هوى من طيرانه ليسقط علي شيء. وقال الليث؛ (يقال: قضضنا عليهم الخيل فانقضت عليهم أي: أوقعنا عليهم فوقعت، وأنشد [[لم أهتد إلى قائله، وذكرته كتب اللغة بدون نسبة.
انظر: "تهذيب اللغة" (قض) 3/ 2982، "لسان العرب" (قضض) 6/ 3161.]]:
قضوا غضابًا عليك الخيل من كثبٍ
وهذا قول مجاهد في هذه الآية: (يريد أن يسقط) [[ذكرته كتب التفسير بدون نسبة، انظر: "جامع البيان" 15/ 290، "بحر العلوم" 2/ 308،"المحرر الوجيز" 9/ 374، "معالم التنزيل" 5/ 193، "الكشاف" 2/ 494، "زاد المسير" 5/ 176.]].
وقال آخرون: (معنى ﴿يَنْقَضَّ﴾ ينكسر، يقال: قضضت الشيء إذا كسرته ودققته، ومنه قيل للحَصَى الصغار: قضض [["تهذيب اللغة" (قض) 3/ 2982، "القاموس المحيط" (قضض) ص 652، "الصحاح" (قض) 3/ 1102.]]. وكلا اللفظين ذكرهما المفسرون في تفسير ﴿يَنْقَضَّ﴾ فقالوا (ينكسر ويسقط)، وذكرهما ابن قتيبة [["تفسير غريب القرآن" ص 269، "النكت والعيون" 3/ 175، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 25.]].
وقوله تعالى: ﴿فَأَقَامَهُ﴾ روى ابن عباس عن أبي بن كعب عن النبي -ﷺ- قال: (انتهى إلى جدار مائل فدفعه بيده فقام) [[سبق تخريج الحديث وعزوه في بداية القصة.]].
وقال مجاهد: (مسحه بكفه حتى استوى) [[ذكر نحوه البغوي 5/ 193 ونسبه لسعيد بن جبير، وكذلك ابن عطية في "المحرر الوجيز" 9/ 374، والقرطبي 11/ 27، والسيوطي في "الدر المنثور" 4/ 429.]].
ومعنى أقامه: سواه، وذلك أن قوله: ﴿يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ﴾ معناه: مال، كأنه قال: فوجدا جدارًا قد مال فأقامه. فقال موسى: ﴿لَوْ شِئْتَ لَتَّخَذتَ عَلَيْهِ﴾ أي: على إقامته وإصلاحه ﴿أَجرًا﴾ قال الفراء: (لو شئت لم تقمه حتى يقرونا فهو الأجر) [["معاني القرآن" للفراء 2/ 156.]].
وقال أبو إسحاق: (وذلك أنهما لما نزلا القرية لم يضيفهما أهلها، فقال موسى: لو شئت لأخذت أجرة إقامتك هذا الحائط) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 306.]].
وروى هارون. بن عنترة [[هارون بن عنترة بن عبد الرحمن الشيباني، أبو عبد الرحمن بن أبي وكيع الكوفي، تابعي ثقة، روى عن أبيه، وعبد الرحمن بن الأسود، وسعيد بن جبير، ومحارب ابن دثار، وروى عنه: ابنه عبد الملك، وعمر بن مرة، وسفيان الثوري وغيرهم، وثقه أكثر العلماء، توفي رحمه الله من 142 هـ.
انظر: "الثقات" لابن حبان 7/ 582، "الكاشف" 3/ 214، "الجرح والتعديل" 9/ 92، "تهذيب التهذيب" 11/ 10، "ميزان الاعتدال" 4/ 284.]] عن أبيه عن ابن عباس في هذه الآية قال: (كان قول موسى في الجدار لنفسه لطلب شيء من الدنيا، وكان قوله في السفينة وفي الغلام لله) [["زاد المسير" 5/ 178، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 33، "البحر المحيط" 6/ 153، "روح المعاني" 16/ 8.]].
وقراءة العامة: ﴿لَتَّخَذْتَ﴾، افتعلت من الأخذ. وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو: لَتَخِذْتَ [[قرأ نافع، وابن عامر، وحمزة، والكسائي، وعاصم: (لتَّخذْتَ) وكلهم أدغم إلا ما روى حفص من عاصم فإنه لم يدغم.
وقرأ أبو عمرو، وابن كثير: (لَتَخِذْتَ) بكسر الخاء، وكان أبو عمرو يدغم الذال، وابن كثير يظهرها.
انظر: "السبعة" ص 396، "الحجة للقراء السبعة" 5/ 163، "التبصرة" ص 250، "العنوان في القراءات" ص 24، "النشر" 2/ 314.]]. وهي قراءة مجاهد، واختيار أبي زيد الأنصاري قال: (وكذلك هو مكتوب في الإمام، ومن قرأ: لاتخذت، فإنه يخالف الكتابة) [["تهذيب اللغة" (أخذ) 1/ 130، "لسان العرب" (أخذ) 1/ 37.]].
قال الليث: (يقال: اتَّخذ فلان يتَّخِذ اتِّخاذًا، ويقال: تَخِذَ يتخذ تخذًا، وتَخِذْتُ مالاً كسبتُه، ألزمت التاء الحرف كأنها أصلية) [["تهذيب اللغة" (أخذ) 1/ 130، "لسان العرب" (أخذ) 1/ 37، "تاج العروس" (أخذ) 5/ 345.]]. قال الفراء: (وأصلها اتَّخَذَ افْتَعَل) [["معاني القرآن" للفراء 2/ 156.]].
وحكى [[في (ص): (حلي)، وهو تصحيف.]] النضر: (اسْتَخَذْتُ عليهم يدًا أي: اتَّخَذْتُ) [["تاج العروس" (أخذ) 5/ 345، "لسان العرب" (أخذ) 1/ 37.]]. ومثل هذا حكى سيبويه: (استخذ فلان أرضًا) [["الكتاب" لسيبويه 4/ 483.]].
قال أبو علي الفارسي: (وتأويله على أمرين أحدهما: أنه اتخذ فأبدل السين من التاء الأولى. والآخر: أنه استفعل من تخذ فحذف التاء التي هي فاء من تخذت) [["الحجة للقراء السبعة" 5/ 163.]]. وكلهم أنشدوا [[البيت للممزق العبدي، واسمه: شأس بن نهار.
غرزها: الغرز للناقة مثل الحزام للفرس، والنسيف: أثر ركض الرجل بجنبي البعير. والأفحوص: المبيض، والمطرق: وصف للقطاة إذا حان خروج بيضها. انظر: "الحجة للقراء السبعة" 5/ 163، "الخصائص" 2/ 287، "الأصمعيات" ص 65، "الحيوان" 2/ 298، "مجالس العلماء" للزجاجي ص 333، "الإغفال فيما أغفله الزجاج من المعاني" ص 993، "تهذيب اللغة" (نسف) 4/ 3562، "لسان العرب" (فحص) 6/ 3356.]]:
وقد تخذت رجلي إلى جنب غرزها ... نسيفًا كأفحوص القطاة المطرَّق
فحصل من هذا أن تَخِذ لغة بمعنى اتخذ، وأصله: اتخذ، على ما قال الفراء، كأنهم لما رأوا التاء في اتخذ ظنوها أصلية فقالوا في الثلاثي: تخذ، كما قالوا: اتقى من يتقي [["إملاء ما من به الرحمن" ص 403، "سر صناعة الإعراب" 1/ 198.]].
قال أبو إسحاق: (وأصل تَخِذْتُ: أخَذْتُ) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 307.]]. وأنكر عليه أبو علي وقال: (تَخِذْتُ فعلت وأَخَذْتُ فعلت، وإبدال الحرف من الكلمة ليس يوجب تغيير بنائها عما كان عليه قبل البدل، لكن ينبغي أن يحافظ على البناء الأول، ليكون أدل على أنه قد أبدل منه شيء، ولا يظن أنه بناء آخر وصياغة أخرى) [["الإغفال فيما أغفله الزجاج من المعاني" ص 992.]].
وقال ابن الأنباري: (العرب تجعل تَخَذَ وتَخِذَ مستغنيا عما سقط منه، قائمًا بنفسه، جاريًا مجرى طعم أطعم، وعلمت أعلم، وبنوا يقنت على أيقنت، واتقى على يتقى، فلم يغيروا شيئًا من ماضيه ولا مستقبله ليجرى مجرى ما الساقط مظهر معه، وهو بالأفعال، وهذا لافتنانهم وإسباغ مبانيهم في لغاتهم) [[ذكر نحوه بلا نسبة "سر صناعة الإعراب" 1/ 98، "البحر المحيط" 6/ 152.]].
وقال أبو العباس: (الاختيار لاتخذت؛ لأنه هو أصل الحرف يعرى من الحذف واللبس، قال: والقراءة الأخرى من لغة معروفة) [[ذكر نحوه "تهذيب اللغة" (أخذ) 1/ 130، "لسان العرب" (أخذ) 1/ 37.]].
الكهف 18:78
قوله تعالى: ﴿قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ﴾ معناه: هذا الذي عليه فراق بيني وبينك، هذا الكلام، والإنكار على ترك الأجر هو المفرق بيننا [["معالم التنزيل" 5/ 193، "النكت والعيون" 3/ 331، "الكشاف" 2/ 399، "زاد المسير" 5/ 177.]]. وذلك أن موسى قد كان قال له: ﴿إِن سَأَلْتُكَ عَن شَئٍ بَعْدَهَا﴾ الآية. وقيل معناه: (هذا وقت فراق بيني وبينك) [["معالم التزيل" 5/ 193؛ "النكت والعيون" 3/ 331.]].
وقال الزجاج: (المعنى هذا فراق بيننا، أي: هذا فراق اتصالنا، وكرر "بين" تأكيدًا، ومثل هذا من الكلام: أخزى الله الكاذب مني ومنك) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 304.]]. قال ابن الأنباري: (ويجوز أن يكون "بين" هاهنا ظرف وموضعًا) [[ذكر نحوه "التفسير الكبير" 21/ 158، "البحر المحيط" 6/ 152، "روح المعاني" 16/ 8.]]. فلما قال الخضر هذا أخذ موسى بطرف ثوبه فقال: حدثني. فقال الخضر: ﴿سَأُنَبِّئُكَ﴾ الآية [["معالم التنزيل" 5/ 193، "روح المعاني" 16/ 8.]].
الكهف 18:79
ثم فسر له فقال: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ﴾ هذه الآية دلالة على أن الفقير أسوأ حالاً من المسكين؛ لأن الله تعالى أخبر أنهم كانوا مساكين مع أنهم كانوا يملكون سفينة وهي تساوى جملة من الدنانير [["معالم التنزيل" 5/ 194، "المحرر الوجيز" 9/ 376، "النكت والعيون" 3/ 332.]]، وذكرنا هذا عند قوله: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ [التوبة: 60] الآية، ويجوز أن تكون المسكنة هاهنا لم يعن بها الفقر وقلة ذات اليد، لكن أريد بها عدم الناظر وانقطاع الحيلة، كما يقال للذي يظلمه عدوه: مسكين فلان. يراد بالمسكين المستضعف المهتضم، وإن كان كثير المال واسع الملك.
ومن هذا الباب ما روي في الحديث: "مسكين لا زوجة له" [[أورده الهيثمي في "مجمع الزوائد"، كتاب: النكاح، باب: الحث على النكاح 4/ 252 وقال: رواه الطبراني في "الأوسط" ورجاله ثقا إلا أن أبا نجيح لا صحبة له. وابن الأثير في "جامع الأصول" كتاب: النكاح، باب: في الحث على النكاح والترغيب فيه 11/ 429، و"الترغيب والترهيب" للمنذري 3/ 67، وقال: ذكره == رزين ولم أره في شي من أصوله. وذكره الما وردي في "النكت والعيون" 3/ 332، و"منتخب الكنز بحاشية مسند الإمام أحمد" 6/ 390.]]. يعني في العجز عن الصبر في بعض الأحوال وضعف الحيلة، وإن كان له مال كثير [["المحرر الوجيز" 9/ 377، "النكت والعيون" 3/ 332، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 34، "روح المعاني" 16/ 9، وقال ابن عطية في "تفسيره" 9/ 377: وتحرير هذا عندي أنهما لفظان يدلان على ضعف الحال جدًا، ومع المسكنة انكشاف وذل وسؤال، ولذلك جعلهما الله صنفين في قسم الصدقات.]].
وقوله تعالى: ﴿فَأَرَدتُّ أَنْ أَعِيبَهَا﴾ قال مجاهد: (أخرقها) [["جامع البيان" 16/ 1، "الدر المنثور" 4/ 430.]]. وعَابَ في اللغة يكون على معان ثلاثة يقال: عَابَ فلان فلانًا يعيبه عَيبًا، ورجل عَيَّاب، وعاب الحائط، والشئ إذا صار ذا عيب [[في (س) قال: وعبته أنا، قال أبو الهيثم: ومنه قوله تعالى: ﴿فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا﴾ أي: أجعلها ذات عيب.]] [[انظر: "تهذيب اللغة" (عاب) 3/ 2263، "مقاييس اللغة" (عيب) 4/ 189، "الصحاح" (عيب) 1/ 190.]].
وقوله تعالى: ﴿وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ﴾ أكثر أهل العلم من المفسرين وأصحاب المعاني قالوا: ﴿وَرَاءَهُمْ﴾ هاهنا معناها أمامهم) [["جامع البيان" 16/ 1، "الكشف والبيان" 3/ 391 ب، "بحر العلوم" 2/ 309، "معالم التنزيل" 5/ 194، "النكت والعيون" 3/ 332، "الكشاف" 2/ 399.]]. وكذا كان ابن عباس يقرأ: (وكان أمامهم ملك) [["جامع البيان" 16/ 1، "معالم التنزيل" 5/ 194، "المحرر الوجيز" 9/ 378، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 34.]]. ووراء بمعنى: أمام، ورد كثيرًا في التنزيل والشعر، فمن ذلك قوله تعالى: ﴿وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ﴾ [إبراهيم: 17]، ﴿وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ﴾ [المؤمنون: 100] ، وقول لبيد [[هذا صدر بيت للبيد بن ربيعة وعجزه:
لزوم العصا تحنى عليها الأصابع
انظر: "ديوانه" ص 89، "البحر المحيط" 6/ 154، "الدر المصون" 7/ 537، "معاني القرآن" للزجاج 3/ 305، "تهذيب اللغة" (ورى) 4/ 3878، "لسان العرب" (ورى) 8/ 4823.]]:
أليس ورائي إن تراخت منيتي
وهذا قول أبي حاتم، وأبي عبيد، وابن السكيت، وأبي عبيدة، والفراء، والزجاج [["مجاز القرآن" 1/ 412،"معاني القرآن" ، للفراء 2/ 157، "معاني القرآن" للزجاج 3/ 305، "إعراب القرآن" للنحاس 2/ 288، "البحر المحيط" 6/ 154.]]، وذكرنا هذا في سورة إبراهيم [[عند قوله سبحانه في سورة إبراهيم الآية رقم (17): ﴿يَتَجَرَّعُهُ وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ﴾.]].
وأنشد أبو عبيدة: لسوار بن المضرب السعدي [[البيت لسوار بن المضرب السعدي.
انظر: "مجاز القرآن" 1/ 412، "جامع البيان" 16/ 1، "النكت والعيون" 3/ 332، "البحر المحيط" 6/ 154، "الدر المصون" 7/ 537، "الكامل" ص 289، "جمهرة اللغة" 1/ 236، "لسان العرب" (ورى) 8/ 4823.]]:
أيرجو بنو مروان سمعي وطاعتي ... وقومي تميم والفلاة ورائيا
أي: أمامي [["مجاز القرآن" 1/ 412.]]. قال: ووراء الرجل خلفه، ووراءه قدامه، وأنشد أيضًا [[البيت لعروة بن الورد.
انظر: "ديوانه" ص 114، "الأضداد" لابن الأنباري 69 ص، "البحر المحيط" 6/ 154، "الدر المصون" 7/ 537، "روح المعاني" 16/ 9.]]: أليس ورائي أن أدبَّ على العصا ... فيأمن أعدائي ويسأمني أهلي
ولا خلاف بين أهل اللغة أن وراء يجوز أن تكون بمعنى قدام، واختلفوا في معنى ذلك، فقال الفراء: (لا يجوز أن يقال لرجل بين يديك: هو وراءك، إنما يجوز ذلك في المواقيت من الأيام والليالي والدهر، تقول: وراءك برد شديد، وبين يديك برد شديد، جاز الوجهان؛ لأن البرد إذا لحقك صار من ورائك، وكأنك إذا بلغته كان بين يديك) [["معاني القرآن" للفراء 2/ 157.]].
وقال غيره: (يجوز استعمال وراء بمعنى أمام على الاتساع؛ لأنها جهة مقابلة لجهة، فكأن كل واحد من الجهتين وراء الآخر، إذا لم يرد معنى المواجهة، ويجوز ذلك في الأجسام التي لا وجه لها مثل: حجرين متقابلين كل واحد منها وراء الآخر) [["البحر المحيط" 6/ 154، ونسبه لأبي علي، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 36، "روح المعاني" 16/ 10.]].
وأكثر أهل اللغة على أن وراء من الأضداد.
قال أبو علي: (وقد حكى متقدمو أهل اللغة وقوع الاسم على الشيء وعلى ضده، وصنفوا فيه الكتب؛ كقطرب، والتوَّزي [[عبد الله بن ثابت بن يعقوب بن قيس بن إبراهيم أبو محمد العبقسي، النحوي، التوزي نسبة إلى توَّز مدينة في فارس عند بحر الهند، سكن بغداد، روى عن أبيه عن هذيل بن حبيب تفسير مقاتل بن سليمان، وروى عن عمر بن شبَّة النميري، وروى عنه أبو عمر بن السماك، ولد سنة 223 هـ، وتوفي رحمه الله سنة 330 هـ، ودفن بالرملية.
انظر: "إنباه الرواة" 2/ 112، "طبقات ابن قاضي شهبه" 2/ 26، "طبقات القراء" 1/ 411، "النجوم الزاهرة" 3/ 199.]]، ويعقوب وغيرهم، وربما أنكر ذلك بتعسف وتأويلات غير سهلة، وليس ينكر ان اللفظ الواحد يقع على الشيء وعلى خلافه، فلذلك لا ينبغي أن ينكر وقوعه على الشيء وضده؛ لأن الضد ضرب من الخلاف، فإن زعموا أن ذلك يلبس [فهو في الخلاف أيضًا يلبس)] [[ما بين المعقوفين ساقط من نسحة: (ص).]] [["الحجة للقراء السبعة" 5/ 187.]].
وروى الأزهري بإسناده عن ابن السكيت قال: (وراء، وأمام، وقدام يؤنَّثن ويُذَكَّرن، ويصغر أمام فيقال: أُمَيِّم ذلك وأُمَيِّمة، وقُدَيْدِيم ذلك وقديديمه، وهو وريئ ذلك [[قوله: (ذلك)، ساقط من (ص).]] الحائط، ووريئة الحائط) [["تهذيب اللغة" (ورى) 4/ 3878.]].
قال أبو علي: (اللام من هذه الكلمة همزة، والقول في تحقيرها: وُرَئِّيةٌ مثل: وديعة، حكى ذلك أبو عثمان وغيره، ولو كان من باب الوري والتواري لكان تحقيره: وريَّةً، قال: ومن نادر ما جاء في هذه الكلمة دخول الهاء في تحقيرها مع أنها على أربعة أحرف، وكذلك دخلت في قُدَيْديمة تحقير قُدَام، وأنشد [[البيت للقطامي.
انظر: "ديوانه" ص 44، "خزانة الأدب" 7/ 86، "المقتضب" 2/ 273، "شرح المفصل" 5/ 128، و"اللمع في العرية" ص 303، "لسان العرب" (قدم) 6/ 3552.]]:
قديديمة التجريب والحلم إنني ... أرى غفلات العيش قبل التجارب
وما كان على أربعة أحرف لا تدخله هاء التأنيث [[في نسخة (ص): (في التحقير).]]، كما تدخل عامة ما كان على ثلاثة أحرف، وذلك أن الحرف الأصلي قام مقام الزائد، كما قام مقامه في قولهم: لم يَغْزُ، ولم يَرْمِ، ولم يَخْشَ، ألا ترى أن هذه اللامات حذفت كما تحذف الحركات للجزم، فأما دخولها على قُدَيْديمةٍ، ووُرَيِّئةٍ فمن الأشياء التي شذت فترد إلى الأصل المرفوض نحو: استحوذ، والقصوى، والقود) [["الحجة للقراء السبعة" 5/ 188.]]. وهذا الذي ذكره أبو علي خلاف ما ذكره ابن السكيت؛ لأنه لم يجعل الهمز أصلاً [["تهذيب اللغة" (ورى) 4/ 3878.]].
قال أبو علي: (ووراء معرفة لا يصرف للتأنيث والتعريف) [["الحجة للقراء السبعة" 5/ 190.]]. والآية تدل على أن معنى وراء أمام؛ لأنه لو كان بمعنى خلف كانوا قد جاوزوه فلا يأخذ سفينتهم. واختار الزجاج أن يكون وراء بمعنى: خلفهم قال: (هذا أجود الوجهين- وعلى هذا قال: يجوز أن يكون: كان رجوعهم في طريقهم عليه، ولم يكونوا عالمين بخبره، فأعلم الله الخضر خبره حتى عاب السفينة لتسلم من الغصب) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 305.]].
وقوله تعالى: ﴿يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾ قال أهل المعاني: (أراد كل سفينة صالحة) [["بحر العلوم" 2/ 309، "زاد المسير" 5/ 179، "روح المعاني" 16/ 10، "فتح القدير" 3/ 437.]]. وكذا كان يقرأ ابن عباس، وأبي، وحذفت في قراءة الناس للعلم بها [["جامع البيان" 3/ 16، "الكشف والبيان" 3/ 391 ب، "بحر العلوم" 2/ 309، "زاد المسير" 5/ 179، "البحر المحيط" 6/ 154، "الدر المنثور" 4/ 430.]].
وروي في حديث أبي عن النبي -ﷺ- في هذه القصة: "أن الخضر قال [[قوله: (قال)، مكرر في نسخة: (ص).]]: وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصبا، فإذا مرت عليه فرآها منخرقة تركها، ورقعها أهلها بقطعة خشب فانتفعوا بها" [[سبق تخريج الحديث وعزوه في بداية القصة.]].
الكهف 18:80
قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ﴾ الآية. روى ابن عباس عن أبي بن كعب قال: (سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: في قوله: ﴿وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ﴾ قال: كان طبع يوم طبع كافرًا، وكان قد ألقى عليه محبة من أبويه) [[سبق تخريج الحديث وعزوه في بداية القصة.]] (لأرهقهما طُغْيَانًا وَكُفْرًا) وكذا كان يقرأ ابن عباس، وأبي: (وأما الغلام كان كافرًا وكان أبواه مؤمنين) [["جامع البيان" 16/ 3 ذكره عن قتادة عن أبي، "معالم التنزيل" 5/ 194، "المحرر الوجيز" 9/ 381، "النكت والعيون" 3/ 334، "الدر المنثور" 4/ 430.]].
وقوله تعالى: ﴿فَخَشِينَا﴾ قال الفراء (فعلمنا) [["معاني القرآن" للفراء 2/ 157.]]. وهو قول ابن عباس في رواية عطاء [[ذكرته كتب التفسير بلا نسبة. انظر: "معالم التنزيل" 5/ 194، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 36، "زاد المسير" 5/ 179.]]. وهي قراءة أبي: (فخاف ربك) [["الجامع لأحكام القرآن" 11/ 36، "معاني القرآن" للفراء 2/ 157، "البحر المحيط" 6/ 155.]]. على معنى: علم ربك، وذكرنا الخوف بمعنى: العلم عند قوله: ﴿فَمَنْ خَافَ مِن مُوصٍ﴾ [البقرة: 182] الآية. وقال قطرب والأخفش: (معناه فكرهنا) [["معاني القرآن" لأخفش 2/ 620.]].
قال أبو إسحاق: (الخشية من الله معناه الكراهة، ومعناها من الآدميين الخوف) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 305.]]. قال ابن الأنباري: (الخشية صلحت خبرا عن الله بمعنى الكراهية، فإذا وصف المخلوق بها أفادت هلعًا وفزعًا، وإذا أخبر بها عن الخالق دلت على تأويل الكراهة، كما كان الاستهزاء من المخلوق سفها، ومن الخالق استدراجا) [[ذكر نحوه مختصرًا "المحرر الوجيز" 9/ 381، "زاد المسير" 5/ 179، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 36، "البحر المحيط" 6/ 155.]].
﴿فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا﴾ [الكهف: 81].
وقال قوم: (هذا من كلام الخضر، ولا يجوز أن يكون فخشينا عن الله بل الخضر -عليه السلام- خشي أن يرهق الغلام أبويه طغيانًا وكفرا فلذلك قتله، قالوا: والدليل على أن هذا من كلام الخضر قوله تعالى: ﴿فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا﴾ ولو كان من كلام الله لقال: فأردنا أن نبدلهما خيرًا منه ولم يعد ذكر الرب) [["المحرر الوجيز" 9/ 381، "الكشاف" 2/ 400، "زاد المسير" 5/ 179، "البحر المحيط" 6/ 155، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 36.]]. والظاهر يعضد هذا، غير أن أبا إسحاق قال: (هذا جائز أن يكون عن الله بمعنى فكرهنا، وقوله: ﴿فَأَرَدْنَا﴾ بمعنى فأراد الله، ولفظ الإخبار عن الله كذا أكثر من أن يحصى) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 305.]]. هذا كلامه. وقول من قال: إنه من كلام الخضر ظاهر جلي.
وقوله تعالى: ﴿أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا﴾ أي: يغشيهما ويكلفهما، وذكرنا الكلام في هذا الحرف عند قوله: ﴿وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا﴾ [الكهف: 73].
قال المفسرون: (خشينا أن يحملهما حبه على أن يتبعاه ويدينا بدينه) [["معالم التنزيل" 15/ 194، "زاد المسير" 5/ 179، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 36، "الدر المنثور" 4/ 430.]]. وقال ابن عباس في رواية عطاء: (كان الغلام يؤذي الجيران، ويفعل القبيح، وكان أبواه يحلفان عنه بالكذب طغيانًا وكفرًا) [[ذكر نحوه المارودي في "تفسيره" 3/ 333، وابن الجوزي في "زاد المسير" 5/ 179، الألوسي في "روح المعاني" 16/ 11.]].
الكهف 18:81
وقوله تعالى: ﴿فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا﴾ وقرئ: بالتخفيف [[قرأ نافع، وأبو عمرو البصري: (أن يبدلهما) بالتشديد.
وقرأ ابن عامر، وابن كثير، وحمزة، والكسائي، وعاصم: (أن يبدلهما) بالتخفيف. انظر: "السبعة" ص 396، "الحجة" 5/ 164، "التبصرة" ص 251، "النشر" 2/ 314.]]. وبدل وأبدل متقاربان في المعنى، كما أن نزل وأنزل كذلك. وفرق قوم بينهما، وذكرنا ذلك عند قوله: ﴿بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا﴾ [النساء: 56] الآية.
قوله: ﴿خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً﴾ قال ابن عباس في رواية سعيد بن جبير: (خيرًا منه دينًا) [["زاد المسير" 5/ 180، "القرطبي" 11/ 37، بدون نسبة، "روح المعاني" 16/ 11.]]. وهو قول قتادة [[ذكره القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 37 بدون نسبة.]]. ومعنى هذا ما قاله الكلبي، والفراء: (خيرًا منه صلاحًا) [["معاني القرآن" للفراء 2/ 157، "الكشف والبيان" 3/ 391 ب.]]. والزكاة: الصلاح، والزاكي: الصالح، ذكرنا ذلك عند قوله: ﴿نَفْسًا زَكِيَّةً﴾ [الكهف: 74] وفسر الصلاح: بالدين؛ لأن الصلاح يكون من الدين. وكذلك تفسير ابن جريج الزكاة في هذه الآية: (بالإسلام) [["جامع البيان" 16/ 4، "معالم التنزيل" 5/ 195، "المحرر الوجيز" 9/ 193، "النكت والعيون" 3/ 334، "الدر المنثور" 4/ 431.]]. فيكون كتفسير ابن عباس بالدين.
وقوله تعالى: ﴿وَأَقْرَبَ رُحْمًا﴾ والرُّحْمُ، والرُّحُمُ، والرَّحْم: العطف والرحمة [["تفسير غريب القرآن" 1/ 270، "العمدة في غريب القرآن" ص 192، "لسان العرب" (رحم) 3/ 1613.]]. قاله أبو عبيدة، والزجاج [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 305، "مجاز القرآن" 1/ 412.]]. وأنشد أبو عبيدة للعجاج [[البيت للعجاج.
انظر: "ديوانه" 2/ 66، "مجاز القرآن" لأبي عبيدة 1/ 413، "جامع البيان" 16/ 4، "الحجة للقراء السبعة" 5/ 166، "لسان العرب" (رحم) 3/ 1613.]]:
ولم تعوَّج رحم من تعوَّجا
وأنشد غيره لرؤبة [[البيت لرؤبة.
انظر: "ديوانه" ص 175، "المحرر الوجيز" 9/ 193، "البحر المحيط" 6/ 155، "الدر المصون" 7/ 539، "الحجة للقراء السبعة" 5/ 166، "إعراب القرآن" للنحاس 2/ 290 والشطر الأول منه في "لسان العرب" (رحم) 3/ 1613.]]:
يا منزل الرَّحم على إدريس ... ومنزل اللعن علي إبليس
ويستعمل الرحم بمعنى القرابة لا بمعنى الشفقة. ويقال: فلان أشفق منك رحما، وفلان أمس رحما من فلان أي: قرابة. وأما الذي في الآية فقال قتادة: (أبر بوالديه) [["جامع البيان" 16/ 4، "معالم التنزيل" 5/ 195، "النكت والعيون" 3/ 335، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 110.]]. وهو قول ابن عباس قال: (أوصل للرحم، وأبر بوالديه) [["زاد المسير" 5/ 180، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 37.]]. وروى عنه سعيد بن جبير: (وأقرب مودة) [[ذكره النحاس في "إعراب القرآن" 2/ 290 بدون نسبة.]]. وهذا قول أكثر المفسرين جعلوا البدل: أبر بالوالدين.
ومنهم من جعل الوالدين أبر بالبدل، وهو قول ابن جريج، والفراء. قال ابن جريج: (أرحم به منهما بالذي قتل الخضر) [["جامع البيان" 16/ 4.]]. يعني رحمة الوالدين عليه أكثر.
وقال الفراء: (أقرب أن يرحماه) [["معاني القرآن" للفراء 2/ 157.]]. فعلى هذا، الرحم من جهة الوالدين، وعلى القول الأول الرحم من جهة الولد، وكلهم على أن معنى الرحم هاهنا: الرحمة والشفقة والعطف، غير أن الزجاج قال في هذه الآية: (أقرب عطفا، وأمس بالقرابة) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 305.]]. وَهِمَ؛ لأن الأولاد لصلب الوالدين سواء في القرابة، ولا يكون بعضهم أمس بالقرابة من بعض.
قال النبي -ﷺ- في حديث أبي بن كعب: "فوقع أبوه على أمه فنقلت: فولدت خيرًا منه زكاة وأقرب رحما" [[سبق تخريج الحديث وعزوه في بداية القصة.]].
وقال سعيد بن جبير عن ابن عباس: (ولدت جارية فولدت نبيا) [["جامع البيان" 16/ 4، "النكت والعيون" 3/ 335، "زاد المسير" 5/ 181، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 37.]]. وروى عكرمة عنه في قوله: ﴿خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا﴾ قال: (ولدا كان في بطن أمه) [[ذكرت كتب التفسير نحوه بدون نسبة انظر: "جامع البيان" 16/ 4، "لباب التأويل" 4/ 227، "الكشاف" 2/ 496، "زاد المسير" 5/ 126، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 110، "التفسير الكبير" 21/ 161، "البحر المحيط" 6/ 155.]]. وقال مجاهد: (كان ذلك الولد جارية) [["النكت والعيون" 3/ 335 بدون نسبة، وذكر نحوه الثعلبي عن الكلبي 3/ 391 ب، "بحر العلوم" 2/ 309.]]. وهو قول جميع المفسرين إلا ابن جريج، فإنه قال: (أبدلهما الله غلامًا مسلمًا، وكان المقتول كافرًا) [["جامع البيان" 4/ 16، "النكت والعيون" 3/ 334، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 110، "زاد المسير" 5/ 181.]]. وقال ابن عباس في رواية عطاء: (أبدلهما الله به جارية ولدت سبعين نبيا) [["معالم التنزيل" 5/ 195، "المحرر الوجيز" 9/ 383، "زاد المسير" 5/ 181، "البحر المحيط" 6/ 155.]]. وهذا قول الباقر [["الكشف والبيان" 3/ 391 ب، "روح المعاني" 16/ 12.]].
والجمع بين هذا وبين قوله في رواية سعيد: (ولدت نبيا)، أن السبعين كانوا من نسلها ولم تلد لبطنها إلا نبيًا. قال مطرف [[مطرف بن عبد الله بن الشخير الحرشي العامري، أبو عبد الله البصري، من كبار التابعين، ولد في حياة النبي -ﷺ-، وكان من عباد أهل السمرة وزهادهم، روى عن: أبيه، وعثمان، وعلي، وعمار بن يسار وغيرهم، وروى عنه: عبد الله بن هاني، والحسن البصري، وسعيد الجريري. وكان من أهل البصرة وثقه العلماء، توفي رحمه الله في أول ولاية الحجاج، وقيل سنة 95 هـ.
انظر: "الجرح والتعديل" 8/ 312، "الكاشف" 3/ 150، "تذكرة الحفاظ" 1/ 64، "تهذيب التهذيب" 10/ 157.]] في هذه الآية: (أيم الله لقد كان أبوه فرحا بمولده، وحزينًا بمقتله، ولو عاش كان في بقائه هلكتهما، فقضاء الله خير من قضائك لنفسك، وما يقضيه الله لك بما تكرهه خير من قضائك لنفسك بما تحب يا بني، فاستخر الله وارض) [["جامع البيان" 16/ 4 ذكره عن قتادة، "معالم التنزيل" 3/ 177، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 110، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 38، "الدر المنثور" 4/ 430.]].
الكهف 18:82
قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ﴾ يعني: القرية التي ذكرها في قوله: ﴿حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ﴾ [الكهف: 77]، وقوله تعالى: ﴿وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا﴾ روى أبو الدرداء أن رسول الله -ﷺ- قال: (كان ذهبًا وفضة) [[أخرجه الترمذي في التفسير سورة الكهف 5/ 313، وقال: هذا حديث غريب. وأخرجه الحاكم في "المستدرك" كتاب: التفسير 2/ 369 وقال: حديث صحيح. وعلق عليه الذهبي بقوله: قلت: بل يزيد بن يوسف متروك. وقال الحافظ بن حجر في "الكافي الشاف" ص 104 حديث رقم (324): وفيه يزيد بن يوسف الصنعاني وهو ضعيف. وأورده البغوي في "معالم التنزيل" 5/ 195.]]. وهذا قول عكرمة وقتادة [["جامع البيان" 16/ 6، "معالم التنزيل" 5/ 195، "المحرر الوجيز" 9/ 384، "النكت والعيون" 3/ 336، "زاد المسير" 5/ 181
وقال الطبري في "تفسيره" 16/ 6: وأولى التأويلين في ذلك بالصواب القول الذي قاله عكرمة؛ لأن المعروف من كلام العرب أن الكنز اسم لما يكنز من مال، وأن كل ما كنز فقد وقع عليه اسم الكنز فإن التأويل موصوف إلى الأغلب من استعمال المخاطبين بالتنزيل ما لم يأت دليل يجب من أجله صرفه إلى غير ذلك لعلل.
وانظر: "تفسير القرآن العظيم" 3/ 110، "معاني القرآن" للزجاج 3/ 307.]].
وقال ابن عباس في رواية عطاء: (كان لوحًا من ذهب فيه مكتوب: عجبا لمن أيقن بالقدر ثم هو ينصب، عجبا لمن أيقن بالنار ثم يضحك، عجبا للمؤمن كيف يفرح، عجبا لمن يوقن بالرزق كيف يتعب، عجبا لمن يؤمن بالحساب كيف يغفل، عجبا لمن رأى الدنيا وتقلبها بأهلها كيف يطمئن إليها، أنا الله لا إله إلا أنا محمد عبدي ورسولي. وفي الشق الآخر: أنا الله لا إله إلا أنا وحدي لا شريك لي، خلقت الخير والشر، فطوبي لمن خلقته للخير وأجريته على يديه، والويل لمن خلقته للشر وأجريته على يديه) [["جامع البيان" 16/ 5، "معالم التنزيل" 5/ 196، "النكت والعيون" 3/ 336، "زاد المسير" 5/ 181. == وأخرجه البيهقي في "الشعب" 1/ 64، والبزار، كما في "كشف الأستار" 3/ 57. وقال الهيثمي في "مجمع الزوائد" 7/ 53: رواه البزار من طريق بشر بن المنذر عن الحارث بن عبد الله اليحصبي ولم أعرفهما. وقال الحافظ بن حجر في "الكافي الشاف" ص 105: رواه الواحدي من رواية محمد بن مروان السدي الصغير عن أبان عن أنس مرفوعًا، وأبان والسدي الصغير متروكان.]].
وهذا قول الحسن [["جامع البيان" 16/ 6، "النكت والعيون" 3/ 336، "زاد المسير" 5/ 181 منسوب لابن عباس، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 111.]]، وأكثر أهل التفسير [["معالم التنزيل" 5/ 196، "القرطبي" 11/ 38، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 112.]].
وقال في رواية سعيد بن جبير، وكريب: (كان صحفا وعلما) [["جامع البيان" 16/ 5، "معالم التنزيل" 5/ 196، "النكت والعيون" 3/ 3366، وأخرجه الحاكم في "المستدرك" 2/ 369 وقال: صحيح الإسناد، ووافقه الذهبي.]]. وهو قول مجاهد: (كان صحفا للغلامين فيها علم) [["جامع البيان" 16/ 5، "النكت والعيون" 3/ 336، "زاد المسير" 5/ 181.]].
قال أبو إسحاق: (المعروف في اللغة أن الكنز إذا أفرد فمعناه: المال المدفون والمدَّخر، فإذا لم يكن المال قيل: عنده كنز علمٍ، وله كنز فهمٍ، والكنز هاهنا بالمال أشبه. قال: وجائز أن يكون الكنز كان مالاً مكتوب فيه علم على ما روي، فهو مال وعلم عظيم من توحيد الله وإعلام أن محمد -ﷺ- مبعوث) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 307.]]. وعلى ما ذكره أبو إسحاق قول من قال: (إنه كان صحفا فيها علم)، بعيد.
قال ابن الأنباري: (من قال: إن الكنز كان علمًا سمى العلم كنزًا؛ لأنه يتعجل من نفعه أفضل بما ينال من ناحية الأموال) [[ذكره ابن الجوزي في "زاد المسير" 5/ 181، وذكره بلا نسبة: "النكت والعيون" 3/ 336، "المحرر الوجيز" 9/ 384، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 38.]]. فمعنى قوله: ﴿كَنْزٌ لَهُمَا﴾ مثل الكنز، كما يقال: هو الأسد شدة، والقمر حسنا معناه: مثل الأسد، ومثل القمر. وعلى قول من قال: إنه مال، لم يكن الكنز حرامًا على أهل ذلك الزمان.
قال قتادة: (كانت الكنوز حلالاً لمن كان قبلنا، وكانت الغنائم محرمة عليهم، فأحل الله لنا الغنائم، وحرم علينا الكنوز) [["جامع البيان" 16/ 6، "الكشاف" 2/ 400، "الدر المنثور" 4/ 431.]].
وقوله تعالى: ﴿وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا﴾ قال سعيد بن جبير عن ابن عباس: (حفظا بصلاح أبيهما، ولم يذكر منهما صلاحا) [["جامع البيان" 16/ 6، "معالم التنزيل" 5/ 196، "بحر العلوم" 3/ 310، "زاد المسير" 5/ 182.]].
قال جعفر بن محمد: (كان بينهما وبين ذلك الأب الصالح سبعة أباء) [["جامع البيان" 16/ 5، "معالم التنزيل" 5/ 196، "المحرر الوجيز" 9/ 384، "الكشاف" 2/ 400، "زاد المسير" 5/ 127.]] [[قال ابن كثير رحمه الله في "تفسيره" 3/ 112 عند قوله: ﴿وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا﴾ وفيه دليل على أن الرجل الصالح يحفظ في ذريته، وتشمل بركة عبادته لهم في الدنيا والآخرة بشفاعته فيهم ورفع درجتهم إلى أعلى الدرجات في الجنة لتقر عينه بهم كما جاء في القرآن ووردت به السنة.]].
﴿فَأَرَادَ رَبُّكَ﴾ يا موسى ﴿أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا﴾ قال ابن عباس: (أن يكبرا ويعقلا) [[ذكرته كتب التفسير بدون نسبة. انظر: "بحر العلوم" 2/ 310، "معالم التنزيل" 5/ 196، "زاد المسير" 5/ 182.]]. ﴿وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا﴾ ومضى الكلام في بلوغ الغلامين الأشد. ولما أراد الله تعالى أن يبقي ذلك إلى بلوغ الغلامين حتى يستخرجاه أمر الخضر حتى أقام الجدار لأن لا ينهدم.
وقولى تعالى: ﴿رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾ منصوب على ضربين: أحدهما: على معنى أراد ذلك للرحمة، كما تقول: أنقذتك من الهلكة رحمة لك، والثاني: أن يكون منصوبًا على المصدر؛ لأن ما تقدم من الكلام معناه: رحمهما الله بذلك. وهذا معنى قول أبي إسحاق [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 307.]].
وقوله تعالى: (﴿وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي﴾ قال ابن عباس: (يريد انكشف لي من الله علم فعملت به ﴿ذَلِكَ تَأْوِيلُ﴾ قال: يريد هذا تفسير ﴿مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾) [["مجمع البيان" 6/ 754، وذكرت كتب التفسير نحوه بدون نسبة. انظر: "جامع البيان" 16/ 6، "بحر العلوم" 2/ 310، "معالم التنزيل" 5/ 196، "لباب التأويل" 4/ 228، "زاد المسير" 5/ 182، "الكشاف" 2/ 496.]]. وتسطع بمعنى تستطيع، ويذكر الكلام فيه عند قوله: ﴿فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ﴾ إن شاء الله.
الكهف 18:83
قوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ﴾ الآية. قد ذكرنا أن اليهود سألت النبي -ﷺ- عن الروح، وقصة أصحاب الكهف، وعن رجل طواف بلغ شرق الأرض وغربها؟ فكان من جوابه في الروح وقصة أصحاب الكهف ما تقدم [[سبق توثيقه عند قوله سبحانه في سورة الكهف (9): ﴿أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا﴾.]].
واختلفوا في ذي القرنين فقال مجاهد: (كان نبيا) [["معالم التنزيل" 5/ 197، "النكت والعيون" 3/ 337، "فتح القدير" 3/ 438، ذكروه بدون نسبة.]]. وهو قول عبد الله بن عمرو [["بحر العلوم" 2/ 310، "زاد المسير" 5/ 184، "فتح القدير" 3/ 443.]]. وقال علي -رضي الله عنه-: (كان عبدًا صالحًا أحب الله فأحبه الله، وناصح الله فنصحه الله) [["جامع البيان" 16/ 8، "معالم التنزيل" 5/ 197، "النكت والعيون" 3/ 337، "الدر المنثور" 4/ 435.]].
وروى عقبة بن عامر [[عقبة بن عامر بن عيسى بن عمرو بن عدي بن عمرو الجهني، أبو حماد، ويقال أبو عمرو، روى عن عمر بن الخطاب، وروى عنه: أبو أمامة، وابن عباس، وقيس بن أبي حازم وغيرهم، ولي أمرة مصر من قبل معاوية -رضي الله عنه- سنة 58 هـ، وكان من القراء، عالمًا بالفرائض والفقه، فصيح اللسان، يجيد الشعر والكتابة، شهد أحد، وتوفي في آخر خلافة معاوية رضي عنهما.
انظر: "أسد الغابة" 3/ 550، "الإصابة" 4/ 250، و"الجرح والتعديل" 6/ 313، "تهذيب التهذيب" 7/ 216.]] أن النبي -ﷺ- قال: "إن أول أمره أنه كان غلامًا من الروم أعطي ملكًا" [[أخرجه ابن جرير في "جامع البيان" 16/ 8 بسنده عن عقبة بن عام، وذكره ابن عطية في "المحرر الوجيز" 9/ 388 وقال: وهو حديث واهي السند. وأورده ابن كثير في "تفسيره" 3/ 112 قال: وفيه طول ونكاره ورفعه لا يصح وأكثر ما فيه أنه من أخبار بني إسرائيل، والعجب أن أبا زرعة الرازي مع جلالة قدره ساقه في كتابه دلائل النبوة وذلك غريب منه، وفيه من النكارة أنه من الروم، وإنما الذي كان من الروم الإسكندر الثاني وهو ابن قيليس المقدوني الذي تؤرخ به الروم، وأما الأول فقد ذكر الأزرقي وغيره أنه طاف بالبيت مع إبراهيم الخليل عليه السلام أول ما بناه وآمن به واتبعه.
وأخرجه السيوطي في "الدر المنثور" 4/ 436 وعزاه لابن عبد الحكم في فتح مصر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ والبيهقي في الدلائل عن عقبة بن عامر.]]. فهو ملك على هذا القول.
وروى خالد بن معدان [[خالد بن معدان بن أبي كريب الكلاعي، أبو عبد الله، الشامي، الحمصي، روى عن ثوبان وابن عمر وغيرهما من أصحاب النبي -ﷺ-، وروى عنه عدد من التابعين، توفي == رحمه الله سنة 104 هـ.
انظر: "تاريخ الثقات" ص 142، "الكاشف" 1/ 208، "تهذيب التهذيب" 2/ 118.]]: (أن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- سمع رجلاً يقول: يا ذا القرنين. فقال: اللهم غفرا، أما رضيتم أن تتسموا بالأنبياء حتى تسميتم بالملائكة) [["معالم التنزيل" 3/ 198، "الكشاف" 2/ 400، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 46.]]. والله أعلم أي: ذلك كان.
واختلفوا أيضًا في تسميته بذي القرنين فقال علي -رضي الله عنه-: (دعا قومه إلى الله فضربوا على قرنه [[في (ص، س): (قرية)، وهو تصحيف.]] الأيمن فمات، فأحياه الله، ثم دعا قومه إلى الله فضربوا على قرنه الأيسر فمات، فأحياه الله فسمي ذو القرنين) [["جامع البيان" 16/ 8، "معالم التنزيل" 5/ 198، "المحرر الوجيز" 9/ 390، "النكت والعيون" 3/ 337، "الدر المنثور" 4/ 435.]].
قال أبو إسحاق: (ويجوز على مذهب أهل اللغة أن يكون سمي ذا القرنين؛ لأنه بلغ قطري الأرض، مشرق الأرض ومغربها) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 308.]]. وهذا قول الزهري قال: (إنما سمي ذا القرنين؛ لأنه بلغ قرن الشمس من مغربها وقرنها من مطلعها) [["معالم التنزيل" 5/ 198، "النكت والعيون" 3/ 337، "تهذيب اللغة" (قرن) 3/ 2947.]].
وقال محمد بن إسحاق عن وهب: (إنما سمي [ذا القرنين؛ لأن صفحتي رأسه كانتا من نحاس) [["جامع البيان" 16/ 9، "المحرر الوجيز" 10/ 442، "زاد المسير" 5/ 183، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 112.]]. ويقال: (إنما سمي] [[ما بين المعقوفين ساقط من نسخة (س).]]؛ لأنه كانت له ضفيرتان) [["معالم التنزيل" 5/ 198، "المحرر الوجيز" 9/ 389، "النكت والعيون" 3/ 337، "زاد المسير" 5/ 184.]].
وقوله تعالى: ﴿قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا﴾ أي: خبرا يتضمن في ذكره.
الكهف 18:84
قوله تعالى: ﴿إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ﴾ قال على -رضي الله عنه-: (سخر الله له السحاب فحمله عليها، ومد له في الأسباب، وبسط له النور وكان الليل والنهار [[قوله: (والنهار)، ساقط من نسخة: (س).]] عليه سواء) [["معالم التنزيل" 5/ 198، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 113، "روح المعاني" 16/ 30.]]. وهذا معنى تمكينه في الأرض، وهو: أنه سهل عليه المسير فيها، وذلل له طرقها، وحزومها حتى تمكن منها أنى شاء [[في (ص): (أين شاء).]].
وقوله تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا﴾ قال علي عن أبي طلحة عن ابن عباس: (علما) [["جامع البيان" 16/ 8، "زاد المسير" 5/ 185، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 48، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 104.]]. وهو قول قتادة، وابن زيد، والضحاك، وابن جريج قالوا: (علما يتسبب به إلى ما يريد) [["جامع البيان" 16/ 8، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 113، "الدر المنثور" 4/ 445.]].
وقال أبو إسحاق: (أي آتيناه من كل شيء يبلغ به في التمكن أقطار الأرض) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 308.]]. ﴿سَبَبًا﴾ أي: علما يوصله إلى حيث يريد. قال المبرد: (وكل ما وصل شيئًا بشيء فهو سبب) [[ذكره بلا نسبة الأزهري في "تهذيب اللغة" (سب) 3/ 1605، "لسان العرب" (سبب) 4/ 1909.]]. وهذا بما يقدم فيه القول، وقال بعض المتأولين: (المعنى: وآتيناه من كل شيء بالخلق إليه ﴿سَبَبًا﴾ أي: علما ومعونة) [[ذكرت كتب التفسير نحوه. انظر: "بحر العلوم" 2/ 310، "معالم التنزيل" 5/ 198، "لباب التأويل" 4/ 229، "القرطبي" 11/ 48، "التفسير الكبير" 21/ 165.]].
الكهف 18:85
وقوله تعالى: ﴿فَأَتْبَعَ سَبَبًا﴾ قال مجاهد: (طريقًا بين المشرق والمغرب) [["جامع البيان" 16/ 10، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 113، "الدر المنثور" 4/ 445.]]. وهو قول قتادة، والضحاك، وابن زيد، والكلبي وجميعهم [["جامع البيان" 16/ 10، "بحر العلوم" 2/ 310، "زاد المسير" 5/ 185.]]. قال أبو عبيدة: (اتبع طريقًا وأثرا) [["مجاز القرآن" 1/ 413.]]. والمعنى على هذا: أنه، اتبع طريقًا يؤديه إلى مغرب الشمس. وعلى هذا السبب الثاني غير الأول؛ لأن معناه: الطريق، والأول بمعنى: العلم.
وقال أبو إسحاق: (فأتبع سببا من الأسباب التي أوتي) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 308.]]. وذلك أنه أوتي من كل شيء سببا فأتبع من تلك الأسباب التي أوتي سببا في المسير إلى المغرب. وعلى هذا القول هما سواء. والقراءة الجيدة: فاتبع، وقرئ: فأتبع بقطع الألف [[قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو البصري: (فاتبع) بالوصل والتشديد. وقرأ عاصم، وابن عامر، وحمزة، والكسائي: (فأتبع) بالقطع والتخفيف. انظر: "السبعة" ص 398، "الحجة للقراء السبعة" 5/ 166، "التبصرة" ص 251، "النشر" 2/ 314.]]. قال الأصمعي: (ومعناه: لحق، يقال: أتبعْتُ القوم لحقتهم، واتَّبع إنما هو أن يتتبع آثارهم وإن لم يلحقهم) [["إعراب القرآن" للنحاس 2/ 290، "لسان العرب" (تبع) 1/ 416.]]. وذكرنا هذا عند قوله: ﴿فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ﴾ [الأعراف: 175]
الكهف 18:86
وقوله تعالى ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ﴾ أي: ذات حمأة وهي: الطين الأسود المنتن [["جامع البيان" 16/ 11، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 49، "فتح القدير" 3/ 444.]]. قال ابن السكيت: (أحمأتُ الركيَّة القيت فيها الحمأة، وحمأتُها إذا نزعت حَمْأتَها) [["تهذيب اللغة" (حما) 1/ 909.]]. ونحو هذا روى أبو عبيد عن أبي زيد [[و [["تهذيب اللغة" (حما) 1/ 909.]] "تهذيب اللغة" (حما) 1/ 909، "لسان العرب" (حمم) 2/ 1006.]].
وقال الأصمعي في الأجناس: (على القلب من هذا) (¬4). قال الأزهري: (وليس ذلك بمحفوظ، والصواب ما قاله ابن السكيت) [["جامع البيان" 16/ 11، "بحر العلوم" 2/ 311، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 113.]].
ويقال: حمئت البئر تحمأ حمأ إذا صارت ذات حمأة فهي حمئة، وهذه قراءة ابن عباس، ومجاهد، وفسراها: (حَمَأة سوداء، وطينة سوداء) [["جامع البيان" 16/ 11، "تفسير القرآن" للصنعاني 1/ 411، "معالم التنزيل" 5/ 199، "المحرر الوجيز" 9/ 393، "الدر المنثور" 4/ 445.]]. ولما اختلف ابن عباس ومعاوية في حَمِئة وحامية، أرسلا إلى أبي بن كعب: (أين تجد الشمس تغرب؟ فقال: في طينة سوداء. فوافق ابن عباس) [[قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وحفص عن عاصم: (حمئه) مهموزة بغير ألف. وقرأ عاصم في رواية أبي بكر، وابن عامر، وحمزة، والكسائي: (حاميه) بألف من غير همز. == انظر: "السبعة" ص 398، "الحجة" للقراءة السبعة 5/ 169، "العنوان في القراءات" 124، "المبسوط في القراءات" ص 237.]].
وقرأ ابن الزبير، وابن مسعود: حامِية، من غير همز (¬8). وهي فاعلة من حَمِيَت تَحْمَى فهي حامية أي: حارة، ويدل على صحة هذه القراءة ما روي: (أن النبي -ﷺ- نظر إلى الشمس حين غابت فقال: "في نار الله الحامية، في نار الله الحامية") [[أخرج الإمام أحمد في "مسنده" 2/ 207، وانظر: "المطالب العالية" 3/ 350، و"الكافي الشاف" لابن حجر ص 104، والطبري في "جامع البيان" 16/ 12، وابن عطية 9/ 393، وابن كثير في "تفسيره" 3/ 113 وقال: رواه الإمام أحمد عن يزيد ابن هارون، وفي صحة رفع هذا الحديث نظر، ولعله من كلام عبد الله بن عمرو من زاملتيه اللتين وجدهما يوم اليرموك، والله أعلم.
وأورده السيوطي في "الدر المنثور" 4/ 447، وزاد في نسبته لأبي يعلى، وابن منيع، وابن مردويه.]]. وقال ابن عباس في رواية الوالبي والحسن في قوله: "في عين حامية" (عين حارة) [["جامع البيان" 16/ 12، "تفسير القرآن" للصنعاني 1/ 410، "زاد المسير" 5/ 1850، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 114.]]. وتترجح هذه القراءة؛ لأنها تجمع المعنيين [[قال الطبري -رحمه الله- في "تفسيره" 16/ 12: والصواب من القول في ذلك عندي: أن يقال أنهما قراءتان مستفيضتان في قراءة الأمصار ولكل واحدة منهما وجه صحيح ومعنى مفهوم غير مفسد أحدهما صاحبه، وذلك أنه جائز أن تكون الشمس تغرب في عين حارة ذات حمأة وطين، فيكون القارئ: في عين حامية واصفها بصفتها التي هي لها وهي الحرارة، ويكون القارئ: في عين حمئة واصفها بصفتها التي هي بها وهي أنها ذات حمأ وطين، وقد رُوِي -بكلا صفتيهما اللتين قلت: إنهما من صفتها- أخبار.
وقال ابن كثير في "تفسيره" 3/ 105: ولا منافاة بين معنييهما إذ قد تكون حارة لمجاورتها الشمس عند غروبها وملاقاتها الشعاع بلا حائل، وحمئة في ماء وطين أسود، كما قال كعب الأحبار.]]. وهو ما ذكره أبو إسحاق فقال: (وقد تكون حارة ذات حمأةٍ) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 308.]].
وقال أبو علي: (يجوز أن تكون حامية فاعِلةً من الحَمَأة، فخفف الهمزة بأن قلبت ياء محضة، على قياس قول أبي الحسن، وعلى قول الخليل كانت بَين بَين) [["الحجة للقراء السبعة" 5/ 169.]].
وقوله تعالى: ﴿وَوَجَدَ عِنْدَهَا قَوْمًا﴾ أي: عند العين: ﴿قُلْنَا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ﴾ قال ابن الأنباري: (من قال: إن ذا القرنين كان نبيا، فإن الله قال له كما يقول للأنبياء إما بتكلم، أو بوحي، ومن قال: لم يكن نبيا قال: معنى ﴿قُلْنَا﴾ هاهنا: ألهمنا) [[ذكرته كتب التفسير. انظر: "معالم التنزيل" 5/ 199، "المحرر الوجيز" 9/ 395، "زاد المسير" 5/ 185، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 52.]] ﴿إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ﴾ قال ابن عباس: (يريد إما أن [تقتل ﴿وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا﴾ قال: وإما أن تسبيهم) [[ذكرت كتب بالتفسير نحوه بدون نسبة. انظر: "جامع البيان" 16/ 11، "معالم التنزيل" 5/ 200، "المحرر الوجيز" 9/ 395، "لباب التأويل" 4/ 229، "أنوار التنزيل" 3/ 235.]].
قال المفسرون: (يريد إما أن] [[ما بين المعقوفين ساقط من نسخة (س).]] تقتلهم إن أبوا ما تدعوهم إليه، وإما أن تأسرهم فتعلمهم وتبصرهم الرشاد) [["جامع البيان" 16/ 12، "معالم التنزيل" 5/ 200، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 114، "بحر العلوم" 2/ 311.]]. وعلى هذا المراد بالتعذيب: القتل، وباتخاذ الحسن فيهم: أن لا يقتلهم بل يأسرهم فيسلموا عنده.
وقال الكلبي في قوله: ﴿وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا﴾ (يريد تعفو أو تنعم) [[ذكرت كتب التفسير نحوه بدون نسبة. انظر: "معالم التنزيل" 5/ 200، "النكت والعيون" 3/ 339، "لباب التأويل" 4/ 230، "التفسير الكبير" 21/ 167.]]. وعلى هذا المراد باتخاذ الحسن فيهم: عفوهم وتركهم. والأول القول؛ لأنه [[قوله: (القول لأنه)، ساقط من نسخة (س).]] لو أمر بتركهم والعفو عنهم لم يكن في الدعوة فائدة. قال أبو إسحاق: (أباح له الله عز وجل هذين الحكمين يعني: القتل، والأسر، كما أباح لمحمد الحكم بين أهل الكتاب أو الإعراض) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 309.]]. يعني قوله: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ [المائدة: 42].
قال ابن الأنباري: (موضع ﴿أَن﴾ نصب؛ لأن المعنى: اختر التعذيب أو اتخذا الحسن عندهم، فأفادت ﴿إِمَّا﴾ التخيير، قال: ويجوز أن يكون رفعا بتأويل: إما هو التعذيب، وإما هو الاتخاذ) [[ذى بلا نسبة في "إعراب القرآن" للنحاس 2/ 291، "إملاء ما من به الرحمن" ص 404، "البحر المحيط" 6/ 160، "الدر المصون" 7/ 542.]]. قال قتادة: (فقضى فيهم بقضاء الله، وكان عالمًا بالسياسة) [[لم أقف عليه وذكره المؤلف في "تفسيره الوسيط" 3/ 165.]].
الكهف 18:87
فقال: ﴿أَمَّا مَنْ ظَلَمَ﴾ قال ابن عباس: (يريد أشرك) [["مجمع البيان" 6/ 757. وذكرته كتب التفسير بدون نسبة. انظر: "زاد المسير" 5/ 186، "الكشاف" 2/ 497، "أنوار التنزيل" 3/ 235، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 114، "روح المعاني" 16/ 34، "إرشاد العقل السليم" 5/ 243.]] ﴿فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ﴾: نقتله إذا لم يرجع عن الشرك. ﴿ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ﴾ بعد قتلي إياه ﴿فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُكْرًا﴾ يعني في النار، وعذاب الله إياه بالنار أنكر من عذاب القتل. قاله الزجاج [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 309.]].
الكهف 18:88
﴿وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى﴾ يكون هذا الجزاء من الله تعالى، والحسنى هاهنا على معنيين أحدهما: الجنة، وأضيف الجزاء إليها وهي الجزاء، كما قال: ﴿حَقُّ الْيَقِينِ﴾، ﴿وَلَدَارُ الْآخِرَةِ﴾، و ﴿دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة: 5]، وهذا قول الفراء [["معاني القرآن" للفراء 2/ 159.]]. والثاني: أن تكون الحسنى حسناته، ويكون المعنى: له جزاء الخلال الحسنة التي آتاها وعملها. وهذا القول ذكره الفراء أيضًا، واختاره أبو علي وحرره [["معاني القرآن" للفراء 2/ 159، "الحجة للقراء السبعة" 5/ 170.]]. ويجوز أن يكون هذا الجزاء المذكور من ذي القرنين، وهو قول ابن عباس؛ كأنه قال: أتفضل عليه وأعطيه. وعلى هذا لا يكون معنى الحسنى: الجنة؛ لأن الجزاء بها لا يجزيه إلا الله عز ذكره، ومضى الكلام في الحسنى عند قوله: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى﴾ [يونس: 26] الآية.
وقرأ أهل الكوفة: فله جزاءً نصبا منونًا [[قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر، وعاصم في رواية أبي بكر: ﴿جَزَاءً الْحُسْنَى﴾ منونًا منصوبًا. انظر: "السبعة" ص 398، "الحجة للقراء السبعة" 5/ 170، "الغاية في القراءات" 312، "التبصرة" ص 251، "النشر" 2/ 315.]]. قال الفراء: (أي فله الحسنى جزاء، نصبت ﴿جَزَاءً﴾ هو على التفسير) [["معاني القرآن" للفراء2/ 159.]].
وقال الزجاج: (﴿جَزَاءً﴾ مصدر منصوب في موضع الحال، المعنى: فله الحسنى مجزيًا بها جزاء) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 309.]]. ونحو هذا قال أبو علي: (هو مصدر واقع موقع الحال، المعنى: فله الحسنى مجزية) [["الحجة للقراء السبعة" 5/ 170.]].
قال الأخفش: (وهذا لا يكاد العرب تكلم به مقدما إلا في شعر) [[ذكره الفارسي في "الحجة للقراء السبعة" 5/ 170.]]. وذكر ابن الأنباري في انتصاب ﴿جَزَاءً﴾ وجهين أحدهما: (المصدر على معنى: فيجزى الحسنى جزاء، كما يقال: هو لك هبة. والآخر: أن ينتصب على التفسير بمعنى: فله الحسنى من جزاء، كما قالوا: لك أسمنها كبشا، أي: من كبش) [[ذكر بلا نسبة في "إملاء ما من به الرحمن" ص 404، "إعراب القرآن" للنحاس 2/ 292، "المحرر الوجيز" 9/ 395، "الدر المصون" 7/ 543.]].
وقوله تعالى: ﴿وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا﴾ قال الكلبي: (أي خيرًا) [[ورد نحوه بلا نسبة في "جامع البيان" 16/ 13، "الكشاف" 2/ 401، "بحر العلوم" 2/ 311.]]. وقال مجاهد: (معروفًا) [["جامع البيان" 16/ 13، "معالم التنزيل" 5/ 200، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 114، "الدر المنثور" 4/ 448.]]. وقال أبو إسحاق: (أو نقول له قولا جميلاً) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 309.]].
وقال عباس: (يريد كما يحيي المؤمنون بعضهم بعضًا، مثل قول النبي -ﷺ-: يكن لك ما لنا، وعليك ما علينا) [[لم أقف عليه.]]. فجعل القول باليسر هاهنا السلم والمشاركة معه في الخير والشر.
الكهف 18:89
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا﴾ إخبار عن ذي القرنين أنه سلك طريقًا آخر مما يوصله إلى المشرق.
الكهف 18:90
قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِهَا سِتْرًا﴾ قال قتادة: (لم يكن بينهم وبين الشمس ستر، وذلك أنهم كانوا في مكان لا يستقر عليه بناء) [["جامع البيان" 16/ 14، "تفسير القرآن" للصنعاني 1/ 347، "معالم التنزيل" 5/ 200، "زاد المسير" 5/ 188.]].
ونحو هذا قال الحسن [["جامع البيان" 16/ 14، "معالم التنزيل" 5/ 200، "المحرر الوجيز" 9/ 398 - 399، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 54.]]. وقال الكلبي بإسناده عمن لقيهم: (كان أحدهم يفرش أذنه ويلبس الأخرى، وقال: كانوا عراة حفاة) [["معالم التنزيل" 5/ 201، "الكشاف" 2/ 401، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 54، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 15. ولعل هذه من الروايات الإسرائيلية.]]. وعلى هذا القول لا ستر بينهم وبين الشمس مما يلبسون. وعلى القول الأول من البناء. وجمع بينهما أبو إسحاق فقال: (لم يكن لهم شيء يظلهم من سقف ولا لباس) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 309.
وقال ابن عطية في "تفسيره" 9/ 398: والظاهر من اللفظ أنها عبارة بليغة عن قرب الشمس منهم وفعلها لقدرة الله تعالى فيهم، ونيلها منهم، ولو كان لهم أراب تغني لكان سترًا كثيفًا، وإنما هم في قبضة القدرة سواء كان لهم أسراب أو دور أو لم يكن، ألا ترى أن الستر عندنا نحن إنما هو من السحاب والغمام وبرد الهوى، ولو سلط الله علينا الشمس لأحرقتنا فسبحان المنفرد بالقدرة التامة.]].
الكهف 18:91
قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ﴾ اختلفوا في المشبه به، والمشار إليه فقال الزجاج: (يجوز أن يكون التقدير: وجدها تطلع على قوم، كذلك القبيل الذي كانوا عند مغرب الشمس وأن حكمهم حكم أولئك) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 309.]]. وقال غيره: (المعنى كما بلغ مغرب الشمس فكذلك بلغ مطلعها) [["معالم التنزيل" 5/ 201، "بحر العلوم" 2/ 311، "زاد المسير" 5/ 188.]]. وقيل: (أتبع سببًا، كما أتبع سببا) [["جامع البيان" 16/ 14، "زاد المسير" 5/ 188 - 189، "البحر المحيط" 6/ 161.]]. والقول ما قاله أبو إسحاق؛ لأن التشبيه بالكاف يجب أن يرجع إلى أقرب المذكور إليه، والأقرب وجود القوم لا البلوغ والإتباع.
وقوله تعالى: ﴿وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْرًا﴾ قال مقاتل: (وقد أحطنا بما قبله علما) [["بحر العلوم" 2/ 311.]]. أي: علمنا ما كان عنده من الجيوش والعدة. وهذا معنى قول ابن عباس؛ لأنه يقول: (يقول الله سبحانه: مكنته [[في (ص): (مكية)، وهو تصحيف.]] وملكته) [[ذكرت كتب التفسير نحوه بدون نسبة. انظر: "جامع البيان" 16/ 15، "بحر العلوم" 2/ 312، "النكت والعيون" 3/ 342، "المحرر الوجيز" 9/ 399، "الجامع لأحكام القرآن" 16/ 19.]]. يعني أنا أعطيته ما كان عنده، وإذا كان عطاؤه كان معلومه.
الكهف 18:92
﴿ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا﴾ ثالثًا، مما يبلغه قطرا من أقطار الأرض.
الكهف 18:93
قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ﴾ قرئ: بالفتح، والضم [[قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وحفص عن عاصم: ﴿بَيْنَ السَّدَّيْنِ﴾ بفتح السين. وقرأ ابن عامر، ونافع، وحمزة، والكسائي، وعاصم في رواية أبي بكر ﴿بين السُّدين﴾ بضم السين.
انظر: "السبعة" ص 399، "الحجة للقراء السبعة" 5/ 171، "المبسوط في القراءات" ص 237، "التبصرة" ص 251.]]. قال أبو عبيدة: السُّد مضموم إذا كان مخلوقًا من فعل الله تعالى، فإن كان من فعل الآدميين فهو سَدّ مفتوح) [["مجاز القرآن" 1/ 414، "تهذيب اللغة" (سد) 2/ 1655.]]. وهذا قول عكرمة [["جامع البيان" 16/ 15، "معالم التنزيل" 5/ 201، "زاد المسير" 5/ 189 - 190.]]، والأخفش [[ذكره الأزهري في "تهذيب اللغة" (سد) 2/ 1655.]].
وقال الكسائي: (ضم السين وفتحها سواء) [["تهذيب اللغة" (سد) 2/ 1655، "إعراب القرآن" للنحاس 2/ 293.]].
وقال ابن الأعرابي: (كل ما قابلك فَسَدَّ ما وراءه فهو سَدّ وسُدّ، وهذا نحو: الضَعف والضُعف، والفَقر والفُقر) [["زاد المسير" 5/ 189، "تهذيب اللغة" (سد) 2/ 1655، "الحجة" 5/ 171.]]. وقال أبو علي الفارسي: (يجوز أن يكون السَّد مصدرًا، والسُّد المسدود كالأشياء التي يفصل فيها من المصادر والأسماء، نحو: السِّقي والسُّقي، والطِّحن والطُّحن، والشِّرب والشُّرب، والقَبْض والقُبْض، وإذا كان كذلك فالأشبه بين السدين؛ لأنه المسدود، وأما من فتح السين جعله اسما للمسدود نحو: نَسجُ اليمن، وضَربُ الأمير) [["الحجة للقراء السبعة" 5/ 171.]].
وقال الأخفش: (المفتوحة أكثر اللغتين) [[ذكره الفارسي في "الحجة للقراء السبعة" 5/ 171.]].
قال ابن عباس: (هما جبلان سَد ذو القرنين ما بينهما جاجزًا بين يأجوج ومأجوج ومن سواهم) [["جامع البيان" 16/ 16، "معالم التنزيل" 5/ 201، "بحر العلوم" 2/ 312.]].
وقوله تعالى: ﴿لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا﴾ أي: يعلمونه فلا يستنبطون من فحواه شيئًا، وقرئ: يُفقهون بضم الياء [[قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وعاصم، وابن عامر: ﴿يَفْقَهُونَ﴾ بفتح الياء والقاف.
وقرأ حمزة، والكسائي: ﴿يُفقِهون﴾ بضم الياء وكسر القاف.
انظر: "السبعة" ص 399، "الحجة للقراء السبعة" 5/ 172، "المبسوط" ص239، "التبصرة" ص252.]]. والمعنى: لا يكادون يفقهون أحدًا قولاً، فحذف أحد المفعولين كما حذف من قوله: ﴿لِيُنْذِرَ بَأْسًا﴾ [الكهف: 2] وهذا الحذف غير ضيق. قال ابن عباس: (يريد لا يفهمون كلام أحد ولا يفهم الناس كلامهم) [["معالم التنزيل" 5/ 201، وذكره السمرقندي في "بحر العلوم" 2/ 312 بدون نسبة.]].
الكهف 18:94
قوله تعالى: ﴿قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ﴾ إن قيل: كيف خاطبوا ذا القرنين وقد وصفهم الله تعالى بأنهم لا يَفهمون ولا يُفهمون؟
والجواب عن هذا أن يقال: كلم عنهم قوم آخرون مترجمة عن لغتهم، فنسب القول إليهم، لما كان بأمرهم وإرادتهم، وهذا على قول من يجعل يكادون صلة كقوله: ﴿لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾ [النور: 40] [["معالم التنزيل" 5/ 201 - 202، "زاد المسير" 5/ 190، "فتح القدير" 3/ 445.]].
ومن لم يجعل صلة قال: هم يفقهون وُيفقهون وإذا قلت: لا يكاد فلان يفعل كذا، كان المعنى أنه يقارب أن لا يفعل ولكن يفعل [["زاد المسير" 5/ 190، "روح المعاني" 16/ 38، "مفاتح الغيب" 21/ 170.]]. وذكرنا هذا عند قوله: ﴿وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾ [البقرة: 71].
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ﴾ أكثر أهل العلم على أن هذين اسمان أعجميان مثل: طالوت وجالوت، وهاروت وماروت، لا ينصرفان للتعريف والعجمة [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 310، "الحجة للقراء السبعة" 5/ 173.]]. والقراءة فيها: بترك الهمز، وقرأ عاصم بالهمز [[قرأ نافع، وابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر، وحمزة، والكسائي: (ياجوج وماجوج) بغير همز. وقرأ عاصم: (يأجوج ومأجوح) بالهمز.
انظرت: "السبعة" ص399، "الحجة للقراء السبعة" 5/ 172، "الغاية في القراءات" ص 312، "الكشف عن وجوه القراءات" 2/ 77.]].
قال الليث: (والهمز لغة رديئة) [[لم أقف عليه. وهو قول ضعيف لا يصح، لأنه مخالف لقراءة سبعية ثابتة متواترة عن النبي -ﷺ-، والقراءة الصحيحة حجة على اللغة.]].
وذكر الأخفش، والزجاج، وأبو علي وجه جواز كون الاسمين عربيين فقالوا: (من همز يأجوج يجوز أن يكون عربيًا، ويكون على وزن يفعول مثل: يربوع من أَجَّةِ النار والحر، ومن لم يهمز أمكن أن يكون خفف الهمزة فقلبها ألفا مثل رأس وأما يأجوج فيمن همز: فمفعول [[قوله: (فمفعول)، ساقط من نسخة (ص).]] من أجَّ، والكلمتان من أصل واحد في الاشتقاق ومن لم يهمز فيجوز أن يكون خفف الهمزة كما ذكرنا، ويجوز أن يكون فاعول من مجَّ، والكلمتان على هذا من أصلين، وليستا من أجل واحد، ويكون ترك الصرف فيهما للتأنيث والتعريف، كأنه اسم للقبيلة كمجوس. وهذه التمثيلات لا يصح فيها إن جعلتها من العجمي؛ لأن العجمي لا يشتق [[في (ص): (لا يسبق)، وهو تصحيف.]] من العربية) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 310، "معاني القرآن" للأخفش (621)، "الحجة للقراء السبعة" 5/ 173.]].
قال ابن الأنباري: (وجه همزه على هذا القول أنه لا يعرف له أصل، كما أن العرب همزت حروفًا لا تعرف للهمزة فيها أصل، كقولهم: لبأت [[لبأت: اللبأ هو أول اللبن في النتاج، تقول لبأت الناقة إذا حلبت لباء. انظر: "تهذيب اللغة" (لب) 4/ 3224، "الصحاح" (لبأ) 1/ 70.]]، ورثأت [[رثأت: الرِثيئة الحامض يحلب عليه فيخثر. انظر: "تهذيب اللغة" (رث) 2/ 1358، "لسان العرب" (رثأ) 3/ 1579 - 1580.]]، واستنشأت الريح [[اسْتَنْشأت: من نَشَيْت الريح بلا همز أي: شممتها. والاستنشاء يهمز ولا يهمز، وقيل: هو من الإنشاء: الابتداء. == انظر: "تهذيب اللغة" (نشأ) 4/ 3566، "لسان العرب" (نشأ) 7/ 4418.]]، وإذا كان هذا معروفًا في أبنية العرب كان معروفًا في الألفاظ التي أصلها للعجم) [[ذكره "فتح القدير" 3/ 312، وورد معناه بلا نسبة في "إعراب القرآن" للنحاس 2/ 294، "إملاء ما من به الرحمن" ص 404، "البحر المحيط" 6/ 163، "الدر المصون" 7/ 545.]]. هذا هو الكلام في أصل الكلمتين من العربية.
وأما المسمون بهذين الاسمين فقال وهب: (هم من ولد يافث بن نوح، أب الترك) [["معالم التنزيل" 5/ 202، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 116، "روح المعاني" 16/ 38.]]. وهذا قول مقاتل بن سليمان [["الجامع لأحكام القرآن" 11/ 56، "فتح القدير" 3/ 445.]].
وقال الضحاك: (هم جيل من الترك) [["معالم التنزيل" 5/ 202، "زاد المسير" 5/ 190، "روح المعاني" 16/ 38.]]. وقال السدي: (الترك سرية من يأجوج ومأجوج خرجت تعبر، فجاء ذو القرنين فبنى السد على إحدى وعشرين قبيلة، وبقيت منهم قبيلة واحدة دون السد فهم الترك) [["معالم التنزيل" 5/ 202، "زاد المسير" 5/ 190، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 58، "البحر المحيط" 6/ 163.]].
وقال كعب: (هم نادرة في ولد آدم، وذلك أن آدم احتلم ذات يوم، وامتزجت نطفته بالتراب، فخلق الله من ذلك الماء يأجوج ومأجوج، فهم متصلون بنا من جهة الأب دون الأم) [["معالم التنزيل" 5/ 203، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 56.
وذكره ابن كثير رحمه الله في "تفسيره" 3/ 116 وقال: وهذا قول غريب جدًا، لا دليل عليه لا من عقل ولا من نقل، ولا يجوز الاعتماد هاهنا على ما يحيكه بعض أهل الكتاب لما عندهم من الأحاديث المفتعلة. والله اعلم. == وقال القرطبي 11/ 56: وهذا فيه نظر، لأن الأنبياء صلوات الله عليهم لا يحتلمون.
وانظر: "روح المعاني" 16/ 38.]].
وقال ابن عباس في رواية عطاء: (هم عشرة أجزاء، وولد آدم كلهم جزء) [["معالم التنزيل" 5/ 202، "زاد المسير" 5/ 133.]].
وقوله تعالى: ﴿مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ قال قتادة: (هما: حيَّان حيَّا سوء، كانا أهل بغي وظلم على من جاورهما) [["الجامع لأحكام القرآن" 11/ 59 بدون نسبة، "البحر المحيط" 6/ 164.]].
وقال الكلبي: (كانوا يخرجون إلى أرض هؤلاء الذين شكوهم إلى ذي القرنين أيام الربيع، فلا يدعون فيها شيئًا أخضر إلا أكلوه) [["معالم التنزيل" 5/ 204، "الكشاف" 2/ 402.]].
وقوله تعالى: ﴿فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا﴾ وقرئ: خَرَاجًا [[قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر، وعاصم: (خرجا) بغير ألف. وقرأ حمزة، والكسائي: (خراجا) بألف.
انظر: "السبعة" ص400، "الحجة للقراء السبعة" 5/ 174، "المبسوط" ص 239، "التبصرة" ص 252.]].
قال ابن عباس: (يريد: جعلاً) [["جامع البيان" 16/ 22، "المحرر الوجيز" 9/ 403، "زاد المسير" 5/ 191، "البحر المحيط" 6/ 164، "الدر المنثور" 4/ 451.]].
قال الليث: (الخَرْجُ والخَرَاجُ شيء واحد، وهو شيء يُخرجه القوم من مالهم بقدر معلوم) [["زاد المسير" 5/ 191، "البحر المحيط" 6/ 164، "تهذيب اللغة" (خرج) 1/ 1003.]]. والمعنى على هذا: هل نخرج إليك من أموالنا [شيئًا كالجُعل لك عطية نخرجه إليك من أموالنا] [[ما بين المعقوفين مكرر في (ص).]]، وكل ما استخرج من ضَرِيبة وجزية وغلة فهو خَراج وخَرْج، ومنه الحديث: "الخَرَاخ بالضمان" [[أخرجه الترمذي، كتاب: البيوع، باب: ما جاء فيمن يشتري العبد ويستعمله ثم يجد به عيبًا 3/ 581 وقال: هذا حديث حسن صحيح. والنسائي، كتاب: البيوع، باب: الخراج بالضمان 7/ 182، وابن ماجه كتاب: التجارات، باب: الخراج بالضمان 2/ 753، وأبو داود في كتاب: البيوع باب: فيمن اشترى عبدًا فاستعمله ثم وجد به عيبًا 3/ 777، والحاكم 2/ 15 وصححه، ووافقه الذهبي.]]. يعني الغَلَّة، سمي خراجا وخَرْجا؛ لأن المؤدي يُخرجه، والآخذ يستخرجه.
وفصل قوم بين الخَرْج والخراج فقالوا: (الخرج المصدر لما يخرج من المال كالضرب والقطع، والخراج الاسم لما يخرج من الأرض ونحوه كالنبات والحصاد فالخرج والخراج بمنزلة الحصد والحصاد). وهذا معنى قول الفراء والزجاج [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 310، "معاني القرآن" للفراء 2/ 159.]].
وقال ابن الأعرابي -ونحو هذا قال ثعلب-: الخرج أخص، والخراج أعم. يقال: أدَّى خرج رأسه، وأخذ الإمام خراج البلد) [["البحر المحيط" 6/ 164، "روح المعاني" 16/ 39.]].
وقد حكى أبو عبيدة: (العبد يؤدي إليك خرجه أي: غلته، والرعية تؤدي إلى الأمير الخرج) [["تهذيب اللغة" (خرج) 1/ 1003.]]. فحكى الخرجة في الضريبة التي على الأرضين فدل أن كلامهما بمعنى. وقال العجاج [[هذا عجز بيت العجاج، وصدره: == عكف النبيط يلعبون الفنزجا
الفنزجا: يعني به رقص المجوس إذا أخذ بعضهم يد بعض وهم يرقصون.
السمرجا: يوم للعجم يستخرجون فيه الخراج في ثلاث مرات، وعربه رؤبة بأن جعل الشين سينًا.
انظر: "ديوانه" ص 25، "الحجة للقراء السبعة" 5/ 174، "تهذيب اللغة" (السمرج) 2/ 1753، "لسان العرب" (شمرج) 4/ 2323.]]: يوم خراجٍ يُخْرِج السمرَّجا
وهذا ليس على الضرائب التي ألزمت الأرضين؛ لأن ذلك لا يكاد يضاف إلى وقت من يوم وغيره، وإنما هو شيء مؤبد لا يتغير عما عليه [["الحجة للقراء السبعة" 5/ 174.]] وقال أبو الحسن: (لا أدري أيهما أكثر في بلاد العرب) [[ذكر نحوه الأزهري في "تهذيب اللغة" (خرج) 1/ 1003.]].
الكهف 18:95
ويدل على أن المراد بالخَرْج والخَرَاج هاهنا: العطية منهم له، قوله تعالى في جوابه لهم: ﴿قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ﴾ والمعنى: ما مكني فيه من الاتساع في الدنيا، خير من خرجكم الذي تبذلونه لي، ومكَّن منقول من مكن يقال: مكُنَ مَكَانَةً، وهو مَكِين عند السلطان من قوم مُكناء، ومكَّن غيره إذا جعله ذا تمكن. وقراءة العامة: ما مَكَّنِّي بنون واحدة مشددة [[قرأ نافع، وأبو عمرو، وابن عامر، وحمزة، والكسائي، وعاصم: (ما مكنِّي) بنون واحدة مشددة.
وقرأ ابن كثير: (ما مكنني) بنونين.
انظر: "السبعة" ص 400، "الحجة للقراء السبعة" 5/ 176، "المبسوط في القراءات" ص 239، "النشر" ص 3152.]]. أدغموا النون في النون لاجتماع النونين كقوله: ﴿لَا تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ﴾ [يوسف: 11] وقرأ ابن كثير: بنونين؛ لأنهما من كلمتين والثانية غير لازمة؛ لأنك تقول: مكنتك ومكنته فلم تدغم [["الحجة للقراء السبعة" 5/ 177، "الكشف عن وجوه القراءات" 2/ 78.]].
قال ابن عباس: (يريد ما أعطاني وملكني أفضل من عطيتكم) [[ذكرت كتب التفسير نحوه بدون نسبة. انظر: "جامع البيان" 16/ 23، "بحر العلوم" 2/ 312، "المحرر الوجيز" 9/ 403، "النكت والعيون" 3/ 342، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 19، "التفسير الكبير" 21/ 171، "أنوار التنزيل" 3/ 236.]].
وقولى تعالى: ﴿فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ﴾ قال: (يريد بقوة الأبدان) [["المحرر الوجيز" 9/ 403، "معالم التنزيل" 5/ 204، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 60]].
وقال الزجاج: (بعمل يعملونه) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 311.]].
معنى: ﴿أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا﴾ سدًّا وحاجزًا.
قال ابن عباس: (وهو أشد الحجاب) [["جامع البيان" 16/ 23، "الدر المنثور" 4/ 452، "روح المعاني" 16/ 40، "فتح القدير" 3/ 446.]].
ومعنى الرَّدم في اللغة: سدُّك بابًا كله أو ثلمةً أر مدخلاً، يقال: رَدَمَه يردمه ردمًا [[انظر: "تهذيب اللغة" (ردم) 2/ 1395، "القاموس المحيط" (ردم) ص1112، "المعجم الوسيط" (ردم) 1/ 339، "مختار الصحاح" (ردم) (101).]].
قال أبو إسحاق: (والرَّدْمُ في اللغة أكثر من السدِّ؛ لأن الردم ما جعل بعضه على بعض، يقال: ثوب مردم إذا كان قد رُقِع رقعة فوق رُقعة) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 311.]].
الكهف 18:96
قوله تعالى: ﴿آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ﴾ لم يرد فأتوني استدعاء تمليك عين، ولكن تمليك المناولة بالأنفس؛ لأنه كلفهم المعونة على عمل السد بقوله: ﴿فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ﴾ ولم يقل: الخرج الذي بذلوه، فلا يسألهم الحديد أيضًا [["المحرر الوجيز" 9/ 405، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 60، "البحر المحيط" 6/ 164.]]. وهذا معنى قول ابن عباس: (يريدا احملوا إلى زبر الحديد) [["زاد المسير" 5/ 192.]] ألا ترى أنه فسره بالحمل إليه لا بمعنى التمليك.
قال الفراء: (معناه: آتوني) [["معاني القرآن" للفراء 2/ 160.]]. يريد: فلما ألقيت الباء زيدت ألف، كما تقول: قد أتيتك زيدًا، تريد: أتيتك يزيد، ويقوي هذا المعنى الذي ذكرناه قراءة من قرأ: ائتوني [[قرأ نافع، وأبو عمرو، وابن عامر، وحمزة، والكسائي، وابن كثير، وحفص عن عاصم: (ردما آتوني) بالمد. وقرأ عاصم في رواية أبي بكر: (ردما آئتوني) بالقصر وكسر التنوين ووصل الألف. انظر: "السبعة" ص 400، "الحجة" 5/ 175، "التبصرة" ص 252، "المبسوط" ص 240.]]. موصولاً من الإتيان على معنى جيؤني، وهو هاهنا حسن لاختصاصه بالمعونة فقط دون أن يكون سؤال عينه. وعلى هذه القراءة انتصب زبر الحديد بحذف الحرف اتساعًا، فيصل الفعل إلى المفعول الثاني على حد: أمرتك الخير، والتقدير: ايتوني بزبر الحديد [["الحجة للقراء السبعة" 5/ 175، "حجة القراءات" ص434، "الكشف عن وجوه القراءات" 2/ 79.]].
وزبر الحديد: قطعه في قول الجميع. قال الليث: (زبرة الحديد: قطعة ضخمة منه) [["تهذيب اللغة" (زبر) 2/ 1506، "لسان العرب" (زبر) 3/ 1804.]]. وأصلها الاجتماع ومنه: زبرى الأسد، وهي: ما اجتمع من الشعر على كاهله، وزَبَرْت الكتاب: إذا كتبته؛ لأنك جمعت حروفه، وزبرة الحديد: جملة مجتمعة منه [[انظر: "تهذيب اللغة" (زبر) 2/ 1506، "مقاييس اللغة" (زبر) 3/ 44، "الصحاح" (زبر) 2/ 666 "لسان العرب" (زبر) 3/ 1804.]].
قال ابن عباس في تفسير ﴿زُبَرَ الْحَدِيدِ﴾: (هي على قدر الحجارة التي يبنى بها قدر ما يحمل الرجل) [[ذكر نحوه الطبري في "جامع البيان" 16/ 24، والسمرقندي في "بحر العلوم" 2/ 313.]]. ومعنى الآية: أنه يأمرهم أن ينقلوا إليه زبر الحديد ليعمل بها الردم في وجوه يأجوج ومأجوج، فأتوه بها فبناه ﴿حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ﴾ قال الفراء: (ساوى وسوَّى بينهما: واحد) [["معاني القرآن" للفراء 2/ 160.]]. والمعنى: أنه جمع زبر الحديد ووضع بعضها على بعض بين الصدفين حتى سوى بينهما بالحديد. والصدفان: (الجبلان) في قول جميع المفسرين [["جامع البيان" 16/ 24، "المحرر الوجيز" 9/ 407، "معالم التنزيل" 5/ 205، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 61.]]. قال أبو عبيدة: (الصدفان جانبا الجبل) [["مجاز القرآن" 1/ 414.]]. ونحوه قال الزجاج [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 311.]].
وقال الأزهري: (الصَّدف والصُّدْفة الجانب والناحية، يقال: لجانبي الجبل إذا تحاذا صدفان لتصادفهما أي: تلاقيهما، ومن هذا يقال: صادفت فلانا أي: لاقيته) [["تهذيب اللغة" (صدف) 2/ 1989.]]. ويقال للبناء العظيم المرتفع: صَدَف. شبه بجانب الجبل، ومنه الحديث: (إذا مر بصدف مائل أسرع المشي) [[أخرجه الإمام أحمد 2/ 356 عن أبي هريرة -رضي الله عنه-، وأورده القرطبي 11/ 61، وأورده الأزهري في "تهذيب اللغة" (صدف) 12/ 146.]]. وفيه ثلاثة أوجه من القراءة: الصدفين بضم الصاد والدال، والصدفين بفتحهما، والصدفين بضم الصاد وتسكين الدال [[قرأ ابن كثير، وأبو عمر، وابن عامر: (الصدفين) بضم الصاد والدال.
وقرأ نافع، وحمزة، والكسائي، وحفص عن عاصم: (الصدفين) بفتح الصاد والدال. وقرأ عاصم في رواية أبي بكر: (الصدفين) بضم الصاد وتسكين الدال.
انظر: "السبعة" ص 401، "الحجة للقراء السبعة" 5/ 177، "العنوان في القراءات" ص 125، "التبصرة" ص 252، "النشر" 2/ 316.]]. وكلها لغات في هذه الكلمة فاشية.
وقوله تعالى: ﴿قَالَ انْفُخُوا﴾ قال ابن عباس: (يريد انفخوا على زبر الحديد بالكير) [[ذكرته كتب التفسير بدون نسبة. انظر: "بحر العلوم" 2/ 313، "القرطبي" 11/ 62، "روح المعاني" 16/ 41.]]. قال الزجاج: (جعل بينهما الحطب والفحم، ووضع عليها المنافيخ حتى إذا صارت كالنار، وهو قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا﴾ والحديد إذا أُحمي بالفحم والمنفاخ صار كالنار) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 311.]].
وقوله تعالى: ﴿قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا﴾ قال ابن عباس: (أذاب النحاس، ثم أفرغه على زبر الحديد فاختلط ولصق بعضه ببعض، حتى صار جبلاً صلدًا من حديد ونحاس) [[ذكرته كتب التفسير بدون نسبة. انظر: "بحر العلوم" 2/ 313، "معالم التنزيل" 5/ 205، "الكشاف" 2/ 402، "زاد المسير" 5/ 193، "القرطبي" 11/ 62.]]. قال قتادة: (وهو كالبُرْد المحبَّر طريقة سوداء، وطريقة حمراء) [["معالم التنزيل" 5/ 205، "زاد المسير" 5/ 193، "القرطبي" 11/ 62، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 116.]].
والقطر: النحاس الذائب، وأصله من القطر وذلك أنه إذا أذيب قطر كما يقطر الماء [[انظر: (قطر) في "تهذيب اللغة" 3/ 2990، "مقاييس اللغة" 5/ 105، "القاموس المحيط" ص 463، "الصحاح" 2/ 796، "المعجم الوسيط" 2/ 744.]].
ومضى الكلام في الإفراغ. وقرئ: ايتوني [[قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر، والكسائي، وحفص عن عاصم: (آتوني) ممدودا.
وقرأ حمزة، وعاصم في رواية أبي بكر: (آئتوني) قصرا.
انظر: "السبعة" ص 401، "الحجة للقراء السبعة" 5/ 178، "الغاية في القراءات" (313)، "التبصرة" ص 253.]]، موصولاً من الإتيان على معني: جيؤوني به. واللفظ على اتصال الفعل إلى المفعول الثاني بالحرف، إلا أنه أعمل الفعل الثاني وهو الإفراغ، ولو أعمل الأول لكان أفرغه عليه، وقد وصل الفعل الأول هاهنا إلى المفعول الثاني بلا حرف، كما ذكرنا في قراءة من قرأ إيتوني بزبر الحديد، ومن قرأ آتوني أفرغ عليه فمعناه: ناولوني. كما ذكرنا في أول الآية [["الحجة للقراء السبعة" 5/ 178، "حجة القراءات" (434)، "الكشف عن وجوه القراءات" 2/ 79.]]
قال ابن الأنباري: (يجوز أن يكون (قِطْرًا) معمول ﴿آتُونِي﴾ وأضمر لأفرغ مفعول على تقدير: أفرغه، وحذف لدلالة (قِطْرًا) عليه. ويجوز أن يكون معمول أفرغ وأضمر لآتوني مفعول على تقدير: آتوني قطرا أفرغ عليه قطرا، فحذف الأول لدلالة الثاني عليه) [[ذكر نحوه بلا نسبة "إعراب القرآن" للنحاس 2/ 295، "إملاء ما من به الرحمن" (405)، "الكشاف" 2/ 398، "الدر المصون" 7/ 549.]].
الكهف 18:97
قوله تعالى: ﴿فَمَا اسْطَاعُوا﴾ أصله: (استطاعوا) فلما اجتمعت متقاربتان، وهما التاء والطاء، أحبوا التخفيف بالإدغام، كما أحبوا ذلك في المثلين، فلما لم يسمع التخفيف بالإدغام لتحريك ما لم يتحرك في موضع، وذلك أنه كان يلزم تحريك السين لئلا يجتمع ساكنان، ولم تْحرك سين استفعل في موضع، فلما لم يسمع هذا عدل عن الإدغام إلى الحذف، كما أنه لما اجتمع المثلان في قولهم: على الماء بنو فلان، حذفوا أحد المثلين، فقالوا: عَلْمَاءِ، ولم يسمع الإدغام، وإن كانت تتحرك لام المعرفة في الماء، فحذفوا الأول من المثلين حيث لم يتجه الإدغام. والحذف في اسطاع أولى، لأن هذه السين لم تتحرك في موضع شيء من الحركات، وقد تحرك لام المعرفة نحو قولهم: أَلَحْمَرُ في الأحمر، فلما حذفوا في: عَلْماء أحد المثلين، ولم يدغموا مع جواز تحريك لام المعرفة فلا يؤدي إلى الجمع بين ساكنين كان الحذف في اسطاع أولى. وقد أجروا المتقاربين في مجرى المثلين فقالوا: بلغني لما كانت النون متقاربة للام وكانت تدغم فيها نحو: مَنْ لَكَ، أريد إدغام في هذا الموضع أيضًا، فلما لم يسمع ذلك عندهم خففوا بالحذف كما خففوا به في المثلين.
وفي (استطاع) لغة ثالثة وهو قولهم: يستيع في يستطيع، وهذا يحتمل أمرين أحدهما: [أنه أبدل من الطاء التي هي فاء التاء لقربها من الحرف الذي قبلها، فأبدل التاء لتوافق السين في الهمس، كما أبدل الدال] [[ما بين المعقوفين ساقط من نسخة (س).]] من التاء في نحو: ازدان ليوافق ما قبله في الجهر. والآخر: أن يكون حذف الطاء لما يستقيم إدغام ما قبلها من المتقارب فيها، كما حذف المثل والمقارب من: عَلْماء بنو فلان، وبَلْعَنْبَر، ويكون هذا في أنه حذف من الكلمة الأصل للتخفيف، بمنزلة قولهم: تقيت، ألا ترى أنه في الأصل اتَّقى فحذف الفاء التي هي في الأصل واو، فلما حذفها سقطت همزة الوصل المجتلبة لسكون الفاء فبقي: تَقَيْتُ على فعلت [["الحجة للقراء السبعة" 5/ 181، "سر صناعة الإعراب" 1/ 199، "الكتاب" لسيبويه 4/ 285.]].
فأما قولهم: أسطاع بقطع الألف، يُستطيع بضم الياء، فقال أبو علي الفارسي: (قولهم: أسطاع أَفْعَلَ، وإنما ألحقت السين لنقل الحركة إلى الفاء وتهيئة الكلمة بنقل الحركة فيها للحذف، ألا ترى أنها هيأت الكلمة للحذف منها في نحو: لم يَسْطِعْ، ومثل السين في ذلك الهاء، ففي قول من قال: أهَرَاق يُهَريق، فالهاء في: أنها عوض مثل السين في اسْطاع، وليس هذا العوض بلازم، ألا ترى أن ما كان نحوه لم يلزم هذا العوض) [["الحجة للقراء السبعة" 5/ 179.]]. هذا كلامه.؟
وشرحه أبو الفتح الموصلي فقال: (قولهم: أسطاع يستطيع، ذهب سيبويه فيه إلى أن أصله: أطاع يُطِيع، وأن السين زيدت عوضًا من حركة عين الفعل، وذلك أن أطاع أصله: أطْوَع، فنقلت فتحة الواو إلى الطاء، فانقلبت الواو ألفًا لتحركها في الأصل وانفتاح ما قبلها الآن) [["سر صناعة الإعراب" 1/ 199، "الكتاب" لسيبويه 4/ 285، 483.]].
وتعقب أبو العباس هذا القول فقال: (إنما يعوض من الشيء إذا فقد وذهب، فأما إذا كان موجودًا في اللفظ فلا وجه للتعويض منه، وحركة العين التي كانت في الواو قد نقلت إلى الطاء التي هي الفاء، ولم تعدم، وإنما نقلت [[في (ص): (وإنما نقلت الطاء التي هي الفاء).]] فلا وجه للتعويض من شيء موجود غير مفقود [["سر صناعة الإعراب" 1/ 199، "الممتع" (224)، "شرح المفصل" 10/ 6.]].
(والذي يدل على صحة قول سيبويه في هذا وأن السين عوض من حركة عين الفعل، هو أن الحركة التي هي الفتحة، وإن كانت كما قال أبو العباس موجودة منقولة إلى الفاء لما فقدتها العين، فسكنت توهنت بالسكون، وبالتهيؤ للحذف عند سكون اللام وذلك قولك: لا تُطِع، وأطِع، ولم يُطِع، ففي كل هذا قد حذفت العين لالتقاء الساكنين، ولو كانت العين بحالها متحركة لما حذفت؛ لأنه لم يكن هناك التقاء ساكنين، ألا ترى أنك لو قلت: أطْوَع، يُطْوِع [[في نسخة (ص): (تطوع).]]، ولم يُطْوِع، وأَطْوَعْ زيدا، لصحت العين ولم تحذف، فلما نقلت عنها الحركة وسكنت، سقطت لاجتماع الساكنين، فكان هذا توهينًا وضعفًا للعين، فجعلت السين عوضًا عن سكون العين الموهِّن لها المسبب لقلبها، وحركة الفاء بعد سكونها لا تدفع عن العين ما لحقها من الضعف في السكون والتهيؤ للحذف عند سكون اللام.
ويؤكد ما قال سيبويه من أن السين عوض من ذهاب العين، أنهم قد عوضوا من ذهاب حركة هذه العين حرفًا آخر غير السين، وهو الهاء في قول من قال: أهْرَقت فسكن الهاء، وجمع بينها وبين الهمزة، فالهاء هاهنا عوض من ذهاب فتحة العين؛ لأن الأصل: أرْوَقت، فجعلوا الهاء عوضًا من نقل فتحة العين عنها إلى الفاء، وأنشد [[ينسب هذا البيت لكثير.
الضاحي: البارز. والمَلاَ: الصحراء. وترقرق: يلمع.
انظر: "ديوانه" ص237، "سر صناعة الإعراب" 1/ 202، "الأغاني" 9/ 12، "وصف المباني" ص 401، "لسان العرب" (هرق) 8/ 4655.]]:
فأصبحت كالمهريق فضلة مائه ... لضاحي سرابٍ بالملا يترقرق انتهى كلامه [["سر صناعة الإعراب" 1/ 202، "الكتاب" لسيبويه 4/ 285، 483.]].
أخبرني العروضي عن الأزهري عن المنذري عن الحراني [[عبد الله بن الحسن بن أحمد الأموي، أبو شعيب الحراني، إمام ثقة، محدث صدوق، لازم ابن السكيت وأخذ عنه، توفي رحمه الله في بغداد سنة 295 هـ. انظر: "تاريخ بغداد" 9/ 435، "إنباه الرواة" 2/ 115، "سير أعلام النبلاء" 13/ 536، "لسان الميزان" 3/ 271.]] عن ابن السكيت قال: (يقال ما أستطيع، وما أسطيع، وما أستيع، وما أسطيع أربع لغات) [["تهذيب اللغة" (طاع) 3/ 2152.]]. وقد ذكرنا وجوهها.
وقرأ حمزة: ﴿فما اسْطَّاعوا﴾ مشددا الطاء، كأنه أدغم بالافتعال في الطاء [[قرأ نافع، وابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر، والكسائي، وعاصم: (فما اسطاعوا) بتخفبف الطاء.
وقرأ حمزة: (فما اسطاعوا) مشددة الطاء.
انظر: "السبعة" ص 401، "الحجة للقراء السبعة" 5/ 178، "المبسوط في القراءات" ص 240، "التبصرة" ص 253.]].
قال أبو إسحاق: (من قرأ بهذه القراءة فهو لاحن مخطئ، زعم ذلك الخليل، ويونس، وسيبويه وجميع من يقول بقولهم، وحجتهم في ذلك: أن السين ساكنة وإذا أدغمت التاء في الطاء صارت طاء ساكنة، ولا يجمع بين ساكنين) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 312.
إن طعنهم في قراءة حمزة رحمه الله مردود، فهي قراءة متواترة، والجمع بين الساكنين في هذا سائغ، جائز، مسموع في مثله فقد ذكر أن الجزري في "النشر" 2/ 316 عن أبي عمرو قوله: ومما يقوي ذلك ويسوغه أن الساكن الثاني لما كان == اللسان عنده يرتفع عنه وعن المدغم ارتفاعة واحدة صار بمنزلة حرف متحرك، فكأن الساكن الأول قد ولى متحركًا.
وذكر في "غيث النفع" ص 150: أن منع الجمع بين الساكنين أصل مختلف فيه عند أهل العربية، والقراءة لا تتبع العربية، بل العربية تتبع القراءة، لأنها مسموعة من أفصح العرب وهو النبي -ﷺ- وأصحابه من بعده.
وقال ابن الحاجب: إذا اختلف النحويون والقراء كان المصير إلى القراء أولى، لأنهم ناقلون عمن ثبتت عصمته من الغلط، ولأن القراءة ثبتت تواترًا وما نقله النحويون آحاد.
وانظر: "المحرر الوجيز" 9/ 408، "النشر" 2/ 316، "إتحاف فضلاء البشر" ص 295، "الكشف عن وجوه القراءات" 2/ 80.]].
قال أبو علي: (وقد قرأت القراء غير حرف من هذا كقوله: ﴿لَا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ﴾ [النساء: 154] في قراءة من شدد الدال فأدغم فيها تاء افتعل [[قرأ نافع: (لا تعْدّوا) بتسكين العين وتشديد الدال. وروى عنه ورش: (لا تعدوا) بفتح العين وتشديد الدال.
وقرأ بقية القراء: (لا تعدوا) بتخفيف الدال، وإسكان العين.
انظر: "السبعة" ص 240، "الحجة للقراء السبعة" 5/ 190، "التبصرة" ص 185، "النشر" 2/ 253.]]، وكذلك قراءة من قرأ: ﴿لَا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدَى﴾ [يونس: 35] [[قرأ أبو بكر عن عاصم: (أمن لا يهِدّي) بكسر الياء والهاء وتشديد الدال.
وقرأ حفص عن عاصم: (أمن لا يهدي) بفتح الياء وكسر الهاء وتشديد الدال.
وقرأ ابن كثير، وابن عامر، وورش عن نافع: (أمن لا يَهَدّي) بفتح الياء والهاء وتشديد الدال.
وقرأ حمزة، والكسائي: (أمن لا يَهْدي) بفتح الياء وإسكان الهاء وتخفيف الدال.
وقرأ أبو عمرو، وقالون عن نافع: (أمن لا يهدي) بفتح الياء وتشديد الدال.
انظر: "السبعة" ص 326، "التبصرة" ص 220، "المبسوط في القراءات" ص 200، "إتحاف فضلاء البشر" ص 249، "النشر" 2/ 283.]]، ﴿يَخِصِّمُونَ﴾ [يس: 49] [[قرأ حمزة: (يخْصمون) بإسكان الخاء وتخفيف الصاد.
وقرأ أبو عمرو، وقالون عن نافع: (يخْصّمون) بإسكان الخاء وتشديد الصاد.
وقرأ ورش عن نافع، وابن كثير: (يخَصّمون) بفتح الخاء وتشديد الصاد.
وقرأ عاصم، وابن عامر، والكسائي: (يخِصمون) بكسر الخاء وتشديد الصاد.
انظر: "السبعة" ص 541، "التبصرة" ص 306، "المبسوط في القراءات" ص 312، "الكشف عن وجوه القراءات" 2/ 217.]].
وقدمنا وجه ذكر هذا النحو) [["الحجة للقراء السبعة" 5/ 181.]].
وقال ابن الأنباري: (عظم تشنيع البصريين على حمزة في هذا الحرف، وتلحينهم إياه، وقولهم: جمع بين ساكنين لا ينبسط اللسان عليهما، وفي هذا تعد منهم عليه إذ جرى إلى مثله جماعة هن القراء، فلم ينسبوا إلى الذي نسب إليه، فقد قرأ الحسن: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ﴾ [البقرة: 185] بالإدغام [[قرأ أبو عمرو البصري، والحسن: (شهر رمضان) بإدغام راء (شهر) في راء (رمضان).
انظر: "إتحاف فضلاء البشر" 1/ 154، "القراءات الشاذة" ص 46.]]، فإنه يقرؤه، ويقرأ ﴿نَحْنُ نَقُصُّ﴾ [يوسف: 3]، ﴿وَالْحَرْثِ ذَلِكَ﴾ [آل عمران: 14]، ومعلوم أن الإدغام إذا وقع هاهنا اجتمع ساكنان، وقرأ: ﴿فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ﴾ [الحج: 31] [[قرأ الحسن: (فتخطفه الطير) بكسر الخاء والطاء وتشديدها.
انظر: "إتحاف فضلاء البشر" ص 315، و"القراءات الشاذة" ص 685.]] بالإدغام، ﴿يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ﴾ [البقرة: 20] [[قرأ الحسن: (يخطف) بكسر الياء والخاء والطاء المشددة.
انظر. "إتحاف فضلاء البشر" ص 128، و"القراءات الشاذة" ص 28.]] في نظائر يطول ذكرها، ولا وجه للتشنيع على الأئمة والرؤساء في الخير بما يعرف له مساغ وطريق إلى الصواب) [[لم أقف عليه.]].
وقوله تعالى: ﴿أَنْ يَظْهَرُوهُ﴾ قال ابن عباس وغيره: (أن يصعدوه ويعلوه) [[ذكره ابن عطية في تفسيره 5/ 408 بدون نسبة، وكذلك السمرقندي في "بحر العلوم" 2/ 313.]]. يقال: ظهرت السطح إذا صرت فوقه، ومنه قوله تعالى ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ [التوبة: 33] معناه: ليعلنه.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا﴾ يقال: نقبت الحائط: إذا خرقت فيه خرقا يخلص إلى ما وراءه [["تهذيب اللغة" (نقب) 4/ 3639، "مقاييس اللغة" (نقب) 5/ 465، "القاموس المحيط" (النقب) ص 139، "الصحاح" (نقب) 1/ 227.]]. قال أبو إسحاق: (أي ما قدروا أن يعلوا عليه لارتفاعه وإملاسه، وما استطاعوا أن ينقبوه من أسفله لشدته وصلابته) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 312.]].
الكهف 18:98
قوله تعالى: ﴿قَالَ هَذَا﴾ قال ذو القرنين لما فرغ من بنائه هذا. قال أبو إسحاق: (أي التمكين الذي أدركت به السد ﴿رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي﴾ [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 312.]]. وهذا معنى قول ابن عباس: (يريد معونة من ربي حيث ألهمني وقواني) [[ذكرت كتب التفسير نحوه بدون نسبة. انظر: "بحر العلوم" 2/ 314، "النكت والعيون" 3/ 345، "زاد المسير" 5/ 195. وقال ابن سعدي في "تفسيره" 5/ 93: (هذا رحمة من ربي) أي: من فضله وإحسانه علي.]].
وقال ابن الأنباري: (يجوز أن تكون الإشارة بهذا إلى السد، أي: هذا السد رحمة من ربي) [[ورد بلا نسبة في "الكشاف" 2/ 402، و"الجامع لأحكام القرآن" 11/ 63، و"البحر المحيط" 6/ 165.]]. ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي﴾ يعني: القيامة، في قول ابن عباس [[ذكره البغوي في "معالم التنزيل" 5/ 205 بدون نسبة، و"بحر العلوم" 2/ 314، و"زاد المسير" 5/ 195.]].
وقال الكلبي: (يقول: أجل ربي أن يخرجوا منه) [["جامع البيان" 16/ 27، "بحر العلوم" 2/ 314، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 65.]].
﴿جَعَلَهُ دَكَّاءَ﴾ أي: دَكَه دَكًا، ويجوز أن يكون المعنى: جعله ذا دك. ومن قرأ: في دكاء ممدودة [[قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر: (دكًّا) منون غير مهموز ولا ممدود. وقرأ حمزة، والكسائي، وعاصم: (دكاء) ممدود مهموز بلا تنوين.
انظر: "السبعة" ص402، "الحجة للقراء السبعة" 5/ 182، "المبسوط في القراءات" 240، "الكشف عن وجوه القراءات" 2/ 81]]، كان التقدير: جعله مثل دكَّاء، وهي: الناقة التي لا سنام لها [[انظر: "تهذيب اللغة" (دك) 2/ 1212، "القاموس المحيط" (دك) (939)، "الصحاح" (دك) 4/ 1548، "المعجم الوسيط" (دكه) 1/ 291.]]، فحذف المضاف ولابد من تقدير الحذف؛ لأن السد مذكر ولا يوصف بدكاء؛ لأنه من وصف المؤنث. ومضى الكلام في هذا في سورة الأعراف [[عند قوله سبحانه في سورة الأعراف الآية رقم (143): ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾.]]. ﴿وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا﴾ يعني: بالثواب والعقاب في القيامة، في قول ابن عباس [[ذكرت كتب التفسير نحوه بدون نسبة. انظر: "النكت والعيون" 3/ 345، "معالم == التنزيل" 53/ 205، "زاد المسير" 5/ 195، "الكشاف" 2/ 498، و"الجامع لأحكام القرآن" 11/ 63، "التفسير الكبير" 21/ 172.]].
وقال الكلبي: (وكان أجل ربي بخروجهم حقًّا كائنًا) [[ذكرت كتب التفسير نحوه بدون نسبة. انظر: "جامع البيان" 16/ 28، "النكت والعيون" 3/ 345، "معالم التنزيل" 5/ 205، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 117، "روح المعاني" 16/ 42.]].
الكهف 18:99
قوله تعالى: ﴿وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ﴾ يقال: ماجَ الماء يَمُوج إذا اضطرب، وماجَ الناس إذا في دخل بعضهم في بعض حيارى كموج الماء [[انظر: "تهذيب اللغة" (ماج) 4/ 3322، "القاموس المحيط" (الموج) ص 206، "الصحاح" (موج) 1/ 342، "لسان العرب" (موج) 7/ 4297.]]. قال كثير من المفسرين: (تركنا الجن والإنس يدخل بعضهم في بعض يوم القيامة) [["جامع البيان" 16/ 28، "معالم التنزيل" 5/ 209، "الكشاف" 2/ 403، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 65، "الدر المنثور" 4/ 454.]]. والصحيح أن قوله: ﴿بَعْضَهُمْ﴾ الكناية فيه عن يأجوج ومأجوج. يقول: تركناهم يوم انقضاء السد يموجون في الدنيا مختلطين لكثرتهم [["جامع البيان" 16/ 28، "معالم التنزيل" 5/ 209، "النكت والعيون" 3/ 345، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 65.]]. ثم ذكر نفخ الصور بعد هذا فقال: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ﴾ لأن: خروج يأجوج ومأجوج من علامات قرب الساعة ﴿فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا﴾ حشرنا الخلق كلهم.
الكهف 18:100
قوله تعالى: ﴿وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ﴾ الآية. قال الفراء: (أبرزناها حتى نظر إليها الكفار) [["معاني القرآن" للفراء 2/ 160.]].
وقال أبو إسحاق: (تأويل ﴿عَرَضْنَا﴾ أظهرنا لهم جهنم حتى شاهدوها ورأوها) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 313.]]. ومضى الكلام في العرض [[عند قوله سبحانه في سورة البقرة الآية رقم (31): ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾.]].
الكهف 18:101
قوله تعالى: ﴿كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاءٍ عَنْ ذِكْرِي﴾ الغطاء ما تغطيت به أو غطيت به، والجمع الأغطية، يقال: غطا الشيء، وغطا عليه إذا ستره [["تهذيب اللغة" (غطى) 3/ 2678، "مقاييس اللغة" (غطو) 4/ 429، "لسان العرب" (غطى) 6/ 3273، "المصباح المنير" (غطو) ص 171.]]. ومعنى قوله: في ﴿أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاءٍ عَنْ ذِكْرِي﴾ كقوله تعالى: ﴿وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ﴾ [البقرة: 7].
قال ابن عباس في قوله: ﴿عَنْ ذِكْرِي﴾ (يريد عما جاء به محمد -ﷺ- من البينات والهدى) [[ذكرت التفسير نحوه بدون نسبة. انظر: "جامع البيان" 16/ 31، "بحر العلوم" 2/ 314، "معالم التنزيل" 5/ 209، "الكشاف" 2/ 500، "لباب التأويل" 4/ 235، "فتح القدير" 3/ 450.]]. وصف الله تعالى هؤلاء الكفار بأنهم عمي عن آيات الله، وأدلة توحيده لما سبق لهم من الشقاء، وإذا لم يبصروا أدلة توحيده، وعجائب قدرته لم يتذكروا بقلوبهم؛ لأن العين رائد القلب، ألا ترى أن الشاعر يقول [[لم أهتد إلى قائله.]]:
ألا إنما العينان للقلب رائد ... فما تألف العينان فالقلب يألف
وهذا أبلغ في وصف غفلتهم من أن لو قيل [[في (ص): (أن لو قيل قلوبهم).]]: في غطاء عن الذكر؛ لأن وصفهم بالعمى عن الأدلة يوجب غفلة قلوبهم، ووصفهم بعمى القلوب لا يوجب عمى أبصارهم [["التفسير الكبير" 12/ 731، "فتح القدير" 3/ 450.]].
وقوله تعالى: ﴿وَكَانُوا لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا﴾ قال ابن عباس [[قوله: (عباس)، ساقط من نسخة (ص).]]: (يريد لا يسمعون القرآن ولا يحبونه) [[ذكرت كتب التفسير نحوه بدون نسبة. انظر: "بحر العلوم" 2/ 314، "معالم التنزيل" 5/ 209، "لباب التأويل" 4/ 235، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 65، "مدارك التنزيل" 2/ 967، "إرشاد العقل السليم" 5/ 347.]]. وقال أبو إسحاق: (كانوا لعدواتهم النبي -ﷺ- لا يقدرون أن يسمعوا ما يتلو عليهم، كما تقول للكاره لقولك: ما يقدر أن يسمع كلامي) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 313.]]. قال ابن الأنباري: (كان يثقل عليهم السمع وهم له مستطيعون، كما تقول: ما أستطيع البصر إليك. معناه: لما ثقل علي كنت كأني غير مستطيعه. قال: ويجوز أن يكون الله منعه الاستطاعة؛ لأن يسمع الهدى، وجعل على بصره غطاء عقابًا من الله له على عناده الحق) [[ذكر نحوه بلا نسبة "الكشاف" 3/ 402، "التفسير الكبير" 12/ 731، "البحر المحيط" 6/ 165.]].
الكهف 18:102
قوله تعالى: ﴿أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبَادِي مِنْ دُونِي أَوْلِيَاءَ﴾ يقول: أفظنوا أنهم يتخذونهم أربابًا من دوني، وعنى بالعباد هاهنا: المسيح، والملائكة [["جاء البيان" 16/ 31، "المحرر الوجيز" 9/ 413، "معالم التنزيل" 5/ 209، "زاد المسير" 5/ 196.]].
وقال ابن عباس: (يعني الشياطين، تولوهم وأطاعوهم من دون الله) [["معالم التنزيل" 5/ 209، "زاد المسير" 5/ 196، "البحر المحيط" 6/ 166، "التفسير الكبير" 21/ 174.]]. وقال مقاتل: (يعني الأصنام سماها عبادًا) [["معالم التنزيل" 5/ 209، "زاد المسير" 5/ 196، "التفسير الكبير" 21/ 174.
وقال الشنقيطي -رحمه الله- في "تفسيره" 4/ 190: والأظهر المتبادر من الإضافة في قوله: "عبادي" أن المراد بهم نحو الملائكة، وعيسى، وعزيز، لا الشاطين ونحوه؛ لأن مثل هذه الإضافة للتشريف غالبًا، وقد بين تعالى أنهم لا يكونون أولياء لهم في قوله: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ (40) قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ﴾. الآية.]]، كما قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ [الأعراف: 194]. وجواب هذا الاستفهام محذوف.
قال ابن عباس: (يريد أني لا أغضب لنفسي، ولا أعاقبهم) [["معالم التنزيل" 5/ 209، "زاد المسير" 5/ 196.]]. ويدل علي هذا المحذوف قوله: ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ نُزُلًا﴾، لأن هذا يدل على أنه يريد عقوبتهم.
وقال قوم: (هذا لا يقتضي جوابًا؛ لأنه أراد بالأولياء هاهنا الأنصار، والمعنى: أفحسبوا أنهم اتخذوهم أنصارا يمنعونهم من عذابي ويدفعون عنهم) [["زاد المسير" 5/ 196، "البحر المحيط" 7/ 166.]]. وهذا معنى قول الزجاج في هذه الآية قال: (تأويله: أفحسبوا أن ينفعهم اتخاذهم عبادي أولياء) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 314.]].
وقوله تعالى: ﴿نُزُلًا﴾ قال أبو إسحاق: (هو بمعنى: منزلا) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 314.]]. وهو معني قول ابن عباس: (يريد هي مثواهم ومصيرهم) [["معالم التنزيل" 5/ 210.]]. والنُّزُل على هذا التفسير المنزل.
وقال آخرون: النُّزُل ما يقال للضيف إذا نَزَل، والنزالة الضيافة، ومنه قوله [[هذا عجز بيت للبعيث، يهجو جريرًا، وصدره:
لقى حملته أمُّه وهي ضيفةً
أرْشَما: الأرشم الذي يتشمم الطعام ويحرص عليه.
انظر: "تهذيب اللغة" (نزل) 4/ 3555، "لسان العرب" (رشم) 3/ 1652.]]:
فجاءت بيتن للنزالة أرشما.
والمعنى: أن جهنم معدة لهم عندنا، كما يهيؤ النُّزل للضيَّف النازل [["المحرر الوجيز" 9/ 413، "معالم التنزيل" 5/ 210، "الكشاف" 2/ 403، "زاد المسير" 5/ 197، "البحر المحيط" 6/ 166.]].
الكهف 18:103
وقوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا﴾ أي: بالقوم الذين هم أخسر الخلق فيما عملوا. قال ابن عباس في رواية عطاء: (يرد كفار أهل الكتاب) [["معالم التنزيل" 5/ 210.]].
وهو قول الكلبي: (اليهود والنصارى) [["معالم التنزيل" 5/ 210، "النكت والعيون" 3/ 347، ونسبه لسعد بن أبي وقاص، وكذلك "زاد المسير" 5/ 197.]]. وروي عن علي -رضي الله عنه- أنه قال: (هم الرهبان أصحاب الصوامع) [["جامع البيان" 16/ 32، "النكت والعيون" 3/ 347، "زاد المسير" 5/ 197، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 66.]].
وعنه أيضًا أنه قال: (هم أهل حَرَوْرَاء) [[حَرَوراء: بفتحتين وسكون الواو وراء أخرى وألف ممدودة: قرية بظاهر الكوفة، وقيل موضع على ميلين منها، نزل به الخوارج الذين خالفوا علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- فنسبوا إليها. انظر: "معجم البلدان" 2/ 245.]] [["جامع البيان" 16/ 34، "تفسير القرآن" للصنعاني 1/ 348، "المحرر الوجيز" 9/ 415، "معالم التنزيل" 5/ 210 وقال ابن كثير في "تفسيره" 3/ 119: إن هذه الآية تشمل الحرورية، كما تشمل اليهود والنصارى وغيرهم، لا أنها نزلت في هؤلاء على الخصوص، ولا هؤلاء بل هي أهم من هذا، فإن هذه الآية مكية قبل خطاب اليهود والنصارى، وقبل وجود الخوارج بالكلية، وإنما هي عامة في كل من عبد الله على غير طريقة مرضية يحسب أنه مصيب فيها، وأن عمله مقبول وهو مخطئ وعمله مردود، كما قاله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ (2) عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ (3) تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً﴾ [الغاشية: 2: 4].]]
الكهف 18:104
وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ﴾ يجوز في ﴿الَّذِينَ﴾ الخفض بالنعت للأخسرين. ويجوز الرفع على الاستيئناف على معنى: هم الذين ضل سعيهم، بطل عملهم واجتهادهم في الدنيا: ﴿وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ يظنون أنهم بفعلهم محسنون، والصنع: مصدر صَنَع إليه معروفًا يصنع صنعًا، وأكثر ما يستعمل الصنع في الأعمال الحسنة [["تهذيب اللغة" (صنع) 2/ 2064، "الصحاح" (صنع) 3/ 1245، "المعجم الوسيط" (الصنع) 1/ 236، "مختار الصحاح" (صنع) ص 155.]].
الكهف 18:105
قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ﴾ أي: الأخسرين أعمالاهم: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ﴾ جحدوا دلائل توحيده وقدرته ﴿وَلِقَائِهِ﴾ وكفروا بالبعث، والثواب، والعقاب.
﴿فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾ قال ابن عباس: (بطل اجتهادهم) [[ذكرته كتب التفسير بدون نسبة. انظر: "معالم التنزيل" 5/ 210، "المحرر الوجيز" 9/ 415، "زاد المسير" 5/ 97، "لباب التأويل" 4/ 236.]].
﴿فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾ روى المفسرون في تفسير هذا: حديث أبي هريرة أن النبي -ﷺ- قال: "ليؤتين يوم القيامة بالعظيم، الطويل، الشروب، الأكلول فلا يزن عند الله جناح بعوضه"، ثم يقول: "اقرؤا ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الآية" [["جامع البيان" 16/ 35، "المحرر الوجيز" 9/ 416، "معالم التنزيل" 5/ 211، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 119، "الدر المنثور" 4/ 456.
وأخرجه البيهقي في "شعب الإيمان" 5/ 466، وأورده الحافظ بن حجر في "فتح الباري" 8/ 426، ومسلم في "صحيحه" كتاب: صفات المنافقين وأحكامهم 3/ 2147.]].
وقال كعب بن عجرة [[كعب بن عجرة القضاعي، حليف الأنصار، صحب النبي -ﷺ-، وعاش في المدينة، وشهد الحديبية، ثم سكن الكوفة، وتوفي -رضي الله عنه- في المدينة سنة 52 هـ. انظر: "الاستيعاب" 3/ 1321، "الإصابة" 5/ 600.]]: (يؤتى برجل يوم القيامة فيوزن بحبة فلا يزنها، فيوزن بجناح بعوضة فلا يزنها، ثم قرأ هذه الآية) [["جامع البيان" 16/ 35، "النكت والعيون" 3/ 347، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 119، "الدر المنثور" 4/ 457.]]. ونحو هذا قال عبيد بن عمير [["الجامع لأحكام القرآن" 11/ 66، "الدر المنثور" 4/ 457.]].
وروى عطاء عن ابن عباس في هذه الآية قال: (يريد أن ليس لهم وزن يوم القيامة، إنما يوزن من له عمل صالح، وكان على التوحيد) [[ذكرت كتب التفسير نحوه بدون نسبة. انظر: "جامع البيان" 16/ 35، "المحرر الوجيز" 9/ 416، "الكشاف" 2/ 500، "زاد المسير" 5/ 198، "لباب التأويل" 4/ 236، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 67، "التفسير الكبير" 21/ 174، "روح المعاني" 16/ 49.]]. وهذه الأقوال في الظاهر تدل على أن أعيان الرجال يوزنون، وليس كذلك؛ لأن الأعمال توزن يوم القيامة. والصحيح في هذا ما قاله أهل المعاني، روى أبو العباس عن ابن الأعرابي في هذه الآية قال: (العرب تقول: ما لفلان عندنا وزن، أي: قدر، لخسته، ويوصف الجاهل بأنه لا وزن له، لخفته بسرعة طيشه، وقلة تثبته فيما ينبغي أن يتثبت فيه) [["زاد المسير" 5/ 98، "تهذيب اللغة" (وزن) 4/ 3886.]].
فالمعنى على هذا: أنهم لا يعتد بهم، ولا يكون لهم عند الله قدر ومنزلة [["المحرر الوجيز" 9/ 416، "معالم التنزيل" 5/ 210 - 211، "النكت والعيون" 3/ 347، "زاد المسير" 5/ 198.]]. وحديث أبي هريرة محمول أيضًا على هذا، وهو: أن العظيم، الأكول، الشروب لا قدر له ولا وزن عند الله، إذا لم يكن من أهل التوحيد.
وقال بعضهم: (معنى هذا خفة موازينهم من الحسنات، وذلك أن الموازين إنما ترجح بالطاعات، وتنقص بالمعاصي، فيوضع الكافر في الميزان يوم القيامة فلا يزن شيئًا لخلوه مما يثقل الميزان به من توحيد الله) [["جامع البيان" 16/ 35، "النكت والعيون" 3/ 347، "الكشاف" 2/ 403، "زاد المسير" 5/ 198.]].
وذكر ابن الأنباري وجه ما ذكره المفسرون فقال: (إن الله عز وجل يأمر بوزن أهل الكفر تحقيرًا لهم، وتصغيرًا لأمرهم، حتى يتبين الخلق أنهم لا يزنون في ذلك المشهد وزن ذرة ولا جناح بعوضة) [[ذكر نحوه بلا نسبة "النكت والعيون" 3/ 347، "الكشاف" 2/ 403، "زاد المسير" 5/ 198، "التفسير الكبير" 21/ 174، "البحر المحيط" 6/ 167.]].
يدل على صحة هذا ما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله -ﷺ-: "يحشر المتكبرون يوم القيامة أمثال الذر في صور الناس، يعلوهم كل شيء من الصغار، حتى يدخلون إلى سجن في جهنم يقال له: بولس، يعلوهم فيه نار الأنيار، يسقون من طينة الخبال من عصارة أهل النار" [[أخرجه الترمذي في "جامعه" كتاب: صفة القيامة، باب: ما جاء في شدة الوعيد للمتكبرين 4/ 565 وقال: هذا حديث حسن صحيح. وأخرجه الإمام أحمد في "مسنده" 2/ 179، وابن الأثير في "جامع الأصول" كتاب: في الكبر والعجب النوع الثالث 10/ 616، والمنذري في "الترغيب والترهيب" كتاب: الآداب وغيره، باب: الترغيب في التواضع والترغيب من الكبر 3/ 541.]].
قال أبو بكر: (وإنما يجعلون أمثال الذر تصغيرًا لهم عند أنفسهم، ومن يحضر القيامة) [[ورد نحوه بلا نسبة في "النكت والعيون" 3/ 347، "زاد المسير" 5/ 198، "التفسير الكبير" 21/ 174.]]. وذكر من عنده في الآية وجهان: الكافر يقدم علي بسيئات لا حسنة معها، والموازين القسط يوزن فيها حسنات العبد وسيئاته، فإذا خلا الكافر من الحسنات، وحصل على السيئات استحق النار بغير وزن، ولا إقامة ميزان، وما فعل الكافر في الدنيا من نصرة مظلوم، وإطعام جائع، وعمل بر يكافؤ عليه في الدنيا بتوسعة له في الرزق، ويقدم على الله صفرا من كل خير. الثاني: لا يقيم لهم يوم القيامة وزنا؛ لأن الوزن عليهم لا لهم؛ لأنه لا عمل لهم من أعمال الخير يوزن. الوجه الثالث: هو ما ذكره أبو العباس عن ابن الأعرابي، وقد حكيناه [[انظر: "النكت والعيون" 3/ 348، "زاد المسير" 5/ 198، "التفسير الكبير" 21/ 174، "فتح القدير" 3/ 451.]].
الكهف 18:106
قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ﴾ الذي ذكرت من حبوط أعمالهم، وخسة قدرهم. ثم ابتدأ فقال: ﴿جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ﴾ قال ابن الأنباري: (ويجوز أن يكون ﴿ذَلِكَ﴾ في موضع نصب، بمعنى: فعل الله ذلك الاحتقار بكفرهم، وجزاؤهم جهنم، فأضمرت واو الحال مع الجملة) [[ذكره نحوه بلا نسبة في "إملاء ما من به الرحمن" ص 405، "البحر المحيط" 6/ 167، "روح المعاني" 16/ 49.]].
وقوله تعالى ﴿بِمَا كَفَرُوا﴾ أي: بكفرهم واتخاذهم آياتي، يعني: القرآن. ﴿وَرُسُلِي هُزُوًا﴾ قال ابن عباس: (يريد الذين كانوا يستهزئون بالنبي -ﷺ-) [[ذكرت كتب التفسير نحوه بدون نسبة. انظر: "بحر العلوم" 2/ 315، "معالم التنزيل" 5/ 211، "المحرر الوجيز" 9/ 416.]]. وإنما قال: ﴿وَرُسُلِي﴾ والمراد محمد -ﷺ-؛ لأن من استهزأ به فقد استهزأ بجميع الرسل؛ لأن الإيمان واجب بهم، فالكفر بواحد كفر بالجميع. ونحو هذا قال الكلبي: (ورسلي محمد -ﷺ-) [[ذكره السمرقندي في "بحر العلوم" 2/ 315 بدون نسبة.]].
وقوله تعالى: ﴿هُزُوًا﴾ مصدر، والمراد المفعول به.
الكهف 18:107
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ﴾ قال رسول الله -ﷺ-: "الفردوس ربوة الجنة، وأوسطها، وأفضلها، وأحسنها، وفوقه عرش الرحمن، ومنه تفجر أنهار الجنة، فإذا سألتم الله الجنة فاسألوه الفردوس" [[أخرجه الطبري في "جامع البيان" 16/ 37 بسنده عن أبي هريرة -رضي الله عنه-، والبغوي في "معالم التنزيل" 5/ 211، وابن كثير في "تفسيره" 3/ 120.
وأخرج نحوه البخاري في كتاب: الجهاد، باب: درجات المجاهدين 6/ 11، ومسلم كتاب: الإيمان، باب: إثبات رؤية المؤمنين 1/ 163، والترمذي كتاب: صفة الجنة، باب: ما جاء في صفة درجات الجنة 4/ 673، وابن ماجه في المقدمة باب: فيما أنكرت الجهمية 1/ 66، والإمام أحمد في "مسنده" 2/ 335.]].
وقال كعب: (هو البستان الذي فيه الأعناب) [["جامع البيان" 16/ 36، "المحرر الوجيز" 9/ 417، "معالم التنزيل" 5/ 211، "زاد المسير" 5/ 199.]]. وهو قول الليث قال: (الفردوس جنة ذات كرم، يقال: كَرْم مُفَردس أي: مُعَرَّش) [["زاد المسير" 5/ 199، "تهذيب اللغة" (فردوس) 3/ 2762.]].
وقال الضحاك: (هي الجنة الملتفة الأشجار) [["معالم التنزيل" 5/ 211، "زاد المسير" 5/ 199، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 120.]]. وهو اختيار المبرد قال: (الفردوس -فيما سمعت من كلام العرب-: الشجر الملتف، والأغلب عليه العنب، وجمعه الفراديس. قال: ولهذا سمي باب الفراديس بالشام) [[ذكره الأزهري بلا نسبة في "تهذيب اللغة" (فردوس) 3/ 2762.]]. وأنشد لجرير [[البيت لجرير من قصيدة قالها يهجو التيم.
يبرين: مكان في بلاد بني سعد. والفراديس: مكان بدمشق.
انظر: "ديوان جرير" ص 250.]]:
فقلت للركب إذ جد الرحيل بنا ... ما بعد يبرين من باب الفراديس.
وقال مجاهد: (هو البستان بالرومية) [["جامع البيان" 16/ 36، "المحرر الوجيز" 9/ 418، "معالم التنزيل" 5/ 211، "النكت والعيون" 3/ 348، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 111.]]. واختاره الزجاج فقال: (هو بالرومية منقول إلى لفظ العربية، وأنشد لحسان [[البيت لحسان بن ثابت -رضي الله عنه- من قصيدة قالها يمدح فيها النبي -ﷺ-.
انظر: "ديوان حسان" 92، "المحرر الوجيز" 9/ 418، "معاني القرآن" للزجاج 3/ 315، "سيرة ابن هشام" 4/ 350، "لسان العرب" (فردس) 6/ 3375.]]:
وإن ثواب الله كل موحد ... جنان من الفردوس فيها يخلد قال: وحقيقته: أنه البستان الذي يجمع كل ما يكون في البساتين) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 315.]].
ومعنى ﴿كَانَتْ لَهُمْ﴾ قال ابن الأنباري: (في علم الله قبل أن يخلقوا) [[ذكره ابن الجوزي في "زاد المسير" 5/ 199.]].
وقوله: ﴿نُزُلًا﴾ أي: منزلا. قال أبو علي: (ويجوز أن يكون ﴿نُزُلًا﴾ يراد به القوت الذي يقام للنازل أو الضيف، فيكون النزل القوت، وهذا الوجه يحتاج فيه إلى تقدير المضاف على معنى: كانت له ثمار جنات الفردوس، أو نعيمها. قال: ويجوز أن يكون النُزُل جمع نَازِل، ويكون حالاً والعامل فيه معنى الفعل في لهم) [["الحجة للقراء السبعة" 6/ 264.]].
الكهف 18:108
ويدل على هذا الوجه قوله تعالى: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا﴾ قال الليث: (الحِوَلُ يجرى مجرى التَّحويل، تقول: حُوِّلوا عنها تحويلا وحِولا) [["تهذيب اللغة" (حال) 1/ 709.]].
قال الأزهري: (فالتحويل مصدر حقيقي من حوَّلت، والحول اسم يقوم مقام المصدر) [["تهذيب اللغة" (حال) 51/ 709.]]. ونحو هذا قال ابن قتيبة في تفسير (حِوَلًا): (تَحْوِيلا) [["تفسر غريب القرآن" 1/ 271.]]. ورواه أيضًا أبو العباس عن ابن الأعرابي [["تهذيب اللغة" (حال) 1/ 709.]].
وقال أبو عبيدة (حِوَلًا): (تحويلا) [["مجاز القرآن" 1/ 416.]].
[قال الفراء: (وهو مصدر تحولت، ذكر على أصله)] [[ما بين المعقوفين مكرر في نسخة (ص).]] [["معاني القرآن" للفراء 2/ 161.]]. يعني بحذف الزوائد، كالصغر والعوج. ونحو هذا قال الزجاج: (أي لا يريدون عنها تحويلا) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 315.]].
قال ابن عباس: (لا يريدون أن يتحولوا عنها، كما ينتقل الرجل من دار إذا لم توافقه إلى دار أخرى، والجنة ليست هكذا) [["معالم التنزيل" 5/ 212.]].
وقال مجاهد في قوله: (حِوَلًا) (متحولا) [["جامع البيان" 16/ 38، "المحرر الوجيز" 9/ 418، "الدر المنثور" 4/ 458، "فتح القدير" 3/ 452.]]. يعني بالتحول المصدر، وذكر الزجاج وجهين آخرين في الحول، أحدهما: قال: (يقال: قد حال من مكانه حِوَلاً، كما قالوا في المصادر: صَغُرَ صِغَرًا، وعَظُم عِظَمًا وعادني حبها عِوَدًا، فعلى هذا الحِوَل الحِيلَةُ، فيكون المعنى على هذا: لا يحتالون منزلا غيرها) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 315.]].
الكهف 18:109
قوله تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ﴾ الآية. روى عكرمة عن ابن عباس، قال: (قالت قريش لليهود: أعطونا شيئًا نسأل عنه هذا الرجل. فقالوا: سلوه عن الروح، فنزلت: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ﴾ إلى قوله: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: 85]، فقالوا: أوتينا علمًا كثيرًا، أوتينا التوراة، فأنزل الله: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ﴾ الآية) [["المحرر الوجيز" 9/ 419، "معالم التنزيل" 5/ 212، "زاد المسير" 5/ 201، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 69، "أسباب النزول" للوحدي ص 308.]].
ومعنى المداد في اللغة: المجيء شيئًا بعد شيء على اتصال، ومنه يقال للزيت الذي يوقد به السراج: مداد [["تهذيب اللغة" (مد) 4/ 3361، "القاموس المحيط" (المد) 1/ 318، "الصحاح" (مدد) 2/ 537، "لسان العرب" (مدد) 7/ 4158.]].
قال الأخطل [[البيت للأخطل، غياث بن غوث بن الصلت التغلبي.
سرج: السراج الزاهر الذي يزهر بالليل، والمسرجة التي توضع فيها الفتيلة. انظر: "لسان العرب" (مدد) 7/ 4156.]]:
رأوا بارقات بالأكف كأنها ... مصابيح سرج أوقدت بمداد
أي: بزيت يمدها. قال ابن الأنباري: (سمي المداد مدادا لإمداده الكاتب) [[ذكره ابن الجوزي في "زاد المسير" 5/ 201، والطبري في "مجمع البيان" 6/ 770، والشوكاني في "فتح القدير" 3/ 454، وذكر نحوه الأزهري في "تهذيب اللغة" (مد) 4/ 3361.]]. وأصل هذا من الزيادة والكثرة، من قوله: مد النهر إذا كثر ماؤه ومده نهر آخر، ومنه قوله: ﴿وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ﴾ [لقمان: 27]، قال مجاهد: (لو كان البحر مدادًا للقلم، والقلم يكتب، لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي) [["جامع البيان" 16/ 39، "معالم التنزيل" 15/ 212، "زاد المسير" 5/ 201.]].
قال ابن عباس: (يريد أن كلماته أعظم من أن يكون لها أمد) [[ذكرت كتب التفسير نحوه بدون نسبة. انظر: "جامع البيان" 16/ 39، "معالم التنزيل" 15/ 212، "المحرر الوجيز" 9/ 420، "لباب التأويل" 4/ 237، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 120، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 69.]]. والكلام القديم صفة من صفات ذاته [[الكلام صفة من صفات الله عز وجل نثبتها كما أثبتها لنفسه من غير تحريف ولا تعطيل == ولا تشبيه، وهو صفة ذاتية باعتبار أصله؛ لأن الله تعالى لم يزل ولا يزال متكلمًا، وباعتبار آحاد الكلام صفة فعلية؛ لأن الكلام يتعلق بمشيئته يتكلم متى شاء بما شاء. وقد تقدم التعليق مرارا على الأقوال التي يوردها الواحدي والمتعلقة بالأسماء والصفات.
وانظر: "شرح العقيدة الطحاوية" 1/ 172، "القواعد المثلى في صفات الله وأسمائه الحسنى" للشيخ: محمد بن عثيمين ص 33، "العقيدة الواسطية" ص 43.]]، فلا يجوز أن يكون لكلامه غاية ومنتهى، كما ليس له غاية وحد، فأوصاف ذاته غير محدودة أيضًا. وهذا رد على اليهود حين ادعوا أنهم أوتوا العلم الكثير، وكأنه قيل لهم: أي: شيء الذي أوتيتم في علم الله، فكلماته التي لا تنفذ ولا تتناهى، كما لو كتبت بماء البحار وأضعاف ذلك. وقال ابن عباس في تفسير ﴿كَلِمَاتُ رَبِّي﴾: (يريد مواعظ الشكر [[في (ص): (الشك)، وهو تصحيف.]] مني، أو مواعيد ربي وعلمه في خلقه) [["الجامع لأحكام القرآن" 11/ 69.]].
وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾ أي: بمثل البحر في كثرة مائه مدادا زيادة له.
وأراد لو جئنا بمثله مدادًا له، والمدد: كل شيء زاد في شيء. يقال أمددناهم بمدد أي: بقوم يزيدون في عددهم. قال الزجاج: (﴿مَدَدًا﴾ منصوب على التمييز، يقول: ملؤ هذا، ومثل هذا ذهبًا، أي: من الذهب) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 316.]]. كقوله: ﴿أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾ [المائدة: 95] قال ابن الأنباري: (ويجوز أن يكون ﴿مَدَدًا﴾ منصوب على المصدر لجئنا بتقدير: لمدد البحر بمثله مددا، كما تقول: جاء فلان ركضا. قال: ويجوز أن يكون نائبا عن الحال بتقدير: لو جئنا بمثله مادين) [[ذكر نحوه بلا نسبة في "المحتسب" 2/ 35، "إملاء ما من به الرحمن" ص 405، == "البحر المحيط" 6/ 169، "الدر المصون" 7/ 558.]].