Al-Basit — الكهف 18:110 – طه 20:95
المحتويات
- الكهف 18:110
- مريم 19:1
- مريم 19:2
- مريم 19:3
- مريم 19:4
- مريم 19:5
- مريم 19:6
- مريم 19:7
- مريم 19:8
- مريم 19:9
- مريم 19:10
- مريم 19:11
- مريم 19:12
- مريم 19:13
- مريم 19:14
- مريم 19:15
- مريم 19:16
- مريم 19:17
- مريم 19:18
- مريم 19:19
- مريم 19:20
- مريم 19:21
- مريم 19:22
- مريم 19:23
- مريم 19:24
- مريم 19:25
- مريم 19:26
- مريم 19:27
- مريم 19:28
- مريم 19:29
- مريم 19:30
- مريم 19:31
- مريم 19:32
- مريم 19:33
- مريم 19:34
- مريم 19:35
- مريم 19:36
- مريم 19:37
- مريم 19:38
- مريم 19:39
- مريم 19:40
- مريم 19:41
- مريم 19:42
- مريم 19:43
- مريم 19:44
- مريم 19:45
- مريم 19:46
- مريم 19:47
- مريم 19:49
- مريم 19:50
- مريم 19:51
- مريم 19:52
- مريم 19:53
- مريم 19:54
- مريم 19:55
- مريم 19:56
- مريم 19:57
- مريم 19:58
- مريم 19:59
- مريم 19:60
- مريم 19:61
- مريم 19:62
- مريم 19:63
- مريم 19:64
- مريم 19:65
- مريم 19:66
- مريم 19:67
- مريم 19:68
- مريم 19:69
- مريم 19:70
- مريم 19:71
- مريم 19:72
- مريم 19:73
- مريم 19:74
- مريم 19:75
- مريم 19:76
- مريم 19:77
- مريم 19:78
- مريم 19:79
- مريم 19:80
- مريم 19:81
- مريم 19:82
- مريم 19:83
- مريم 19:84
- مريم 19:85
- مريم 19:86
- مريم 19:87
- مريم 19:88
- مريم 19:89
- مريم 19:90
- مريم 19:91
- مريم 19:92
- مريم 19:96
- مريم 19:97
- طه 20:1
- طه 20:2
- طه 20:3
- طه 20:4
- طه 20:5
- طه 20:6
- طه 20:7
- طه 20:8
- طه 20:9
- طه 20:10
- طه 20:11
- طه 20:12
- طه 20:13
- طه 20:14
- طه 20:15
- طه 20:16
- طه 20:17
- طه 20:18
- طه 20:19
- طه 20:20
- طه 20:21
- طه 20:22
- طه 20:23
- طه 20:24
- طه 20:25
- طه 20:26
- طه 20:27
- طه 20:29
- طه 20:30
- طه 20:31
- طه 20:32
- طه 20:33
- طه 20:34
- طه 20:37
- طه 20:38
- طه 20:39
- طه 20:40
- طه 20:41
- طه 20:42
- طه 20:43
- طه 20:44
- طه 20:45
- طه 20:46
- طه 20:47
- طه 20:48
- طه 20:49
- طه 20:50
- طه 20:51
- طه 20:52
- طه 20:53
- طه 20:54
- طه 20:55
- طه 20:56
- طه 20:57
- طه 20:58
- طه 20:59
- طه 20:60
- طه 20:61
- طه 20:62
- طه 20:63
- طه 20:64
- طه 20:65
- طه 20:66
- طه 20:67
- طه 20:68
- طه 20:69
- طه 20:70
- طه 20:71
- طه 20:72
- طه 20:73
- طه 20:74
- طه 20:75
- طه 20:76
- طه 20:77
- طه 20:78
- طه 20:79
- طه 20:80
- طه 20:81
- طه 20:83
- طه 20:84
- طه 20:85
- طه 20:86
- طه 20:87
- طه 20:88
- طه 20:89
- طه 20:90
- طه 20:91
- طه 20:92
- طه 20:93
- طه 20:94
- طه 20:95
الكهف 18:110
قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ قال ابن عباس: (علم الله رسوله التواضع لئلا يزهو على خلقه) [["معالم التنزيل" 5/ 213، "زاد المسير" 5/ 302، "مجمع البيان" 5/ 770.]]. وهذا أمر من الله لرسوله بأن يقر على نفسه بأنه آدمي كغيره، إلا أنه أكرم بالوحي وهو قوله: ﴿يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ لا شريك له. ذكر المفسرون في سبب نزول هذه الآية: (أن رجلاً أتى النبي -ﷺ- فقال: إني لأصلي، وأتصدق، وأحب مع ذلك أن يطلع عليه الناس، فأنزل الله هذه الآية) [["جامع البيان" 16/ 40،"المحرر الوجيز" 9/ 421، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 69، وأخرجه الحاكم في "المستدرك" كتاب: التفسير 4/ 329، "أسباب النزول" للواحدي 308، "لباب النقول في أسباب النزول" ص 145.]]. والإشارة في ذكر توحيده هاهنا إلى من راءى بعمله [[في (ص): (بعلمه).]]، فكأنه أشرك فيه غير الله، والمعبود واحد لا يقبل الشركة.
قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ﴾ لقاء البعث والمصير إلى الله، والرجاء يذكر بمعنى الخوف؛ لأنه يتضمن الخوف، ومنه قول الهذلي [[هو صدر بيت لأبي ذؤيب الهذلي، وعجزه:
وخالفها في بيت نوبٍ عواسل
اللسع: لما ضرب بمؤخرة، واللسع لذوات الإبر من العقارب والزنابير ونحوها والنوب: النحل وهو جمع نائب لأنها شرعى وتنوب إلى مكانها. انظر: "شرح أشعار الهذليين" 1/ 144، "معاني القرآن" للفراء 1/ 286، "تفسير غريب القرآن" 1/ 271، "تهذب اللغة" (ناب) 4/ 3476، "اللسان" (نوب) 8/ 4569.]]:
إذا لسمعته النَّحل لم يرج لسعها أي: لم يخف. وهذا قول الكلبي، ومقاتل [[ذكره ابن عطية في "تفسيره" 9/ 420 بدون نسبة، و"بحر العلوم" 2/ 315، و"معالم التنزيل" 5/ 213، و"النكت والعيون" 3/ 349، "أضواء البيان" 4/ 200، "تفسير غريب القرآن" لابن قتيبة 1/ 271، و"تفسير المشكل" لمكي ص 145.
وقال الشنقيطي -رحمه الله- في "أضواء البيان" 4/ 200: الرجاء يستعمل في رجاء الخير، ويستعمل في الخوف أيضًا، واعلم أنهما متلازمان فمن كان يرجو ما عند الله من الخير فهو يخاف ما لديه من الشر كالعكس.]]. وهو باطل عند الفراء؛ لأن الرجاء لا تذهب به العرب مذهب الخوف إلا مع الجحد [["معاني القرآن" للفراء 1/ 286.]]. كقوله: ﴿لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ﴾ [الجاثية: 14]، و ﴿لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا﴾ [نوح: 13].
قال ابن الأنباري: ("من" حرف شرط، والشرط يقع على ما لم يتحصل، فجرى الشرط في هذا مجرى الجحد) [[ذكر نحوه في "زاد المسير" 3/ 205، "مجمع البيان" 6/ 770، "روح المعاني" 16/ 53.]]. وقال سعيد بن جبير: (من كان يأمل ثواب الله) [["جامع البيان" 16/ 39، "بحر العلوم" 2/ 315، "النكت والعيون" 3/ 350، "الدر المنثور" 4/ 460.]].
وقوله تعالى: ﴿فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا﴾ أي: خالصًا لا يرائي به. والمفسرون والصحابة على أن هذه الآية نزلت: في النهي عن الرياء، وذكروا في تفسير هذه الآية: ما روي عن النبي -ﷺ- أنه قال: "قال الله: أنا خير الشركاء، من عمل لي عملاً وأشرك فيه غيري، فأنا منه بري، وهو للذي أشرك" [[أخرجه الإمام مسلم في "صحيحه" كتاب: الزهد، باب: من أشرك في عمله غير الله 3/ 2289، وابن ماجه في سننه، كتاب: الزهد، باب: الرياء والسمعة == 2/ 1405، وذكره ابن كثير في "تفسيره" 3/ 122، وأورده السيوطي في "الدر المنثور" 4/ 460 وعزاه لأحمد ومسلم وابن أبي حاتم وابن مردويه.]].
وهذا قول عبادة بن الصامت، وشداد بن أوس [[شداد بن أوس بن ثابت المنذر بن حرام، أبو علي، الأنصاري، النجاري الخزرجي، ابن أخي حسان بن ثابت، وهو من فضلاء الصحابة وعلمائهم، توفي -رضي الله عنه- سنة 64 هـ. انظر: "حلية الأولياء" 1/ 264، "الجرح والتعديل" 4/ 328، "تهذيب التهذيب" 4/ 315، "شذرات الذهب" 1/ 64، "طبقات ابن سعد" 7/ 401.]] [[أخرجه أحمد في "مسنده" 4/ 125، والحاكم في "المستدرك" 3/ 506 وصححه، والطبري في "تفسيره" 16/ 40، والسيوطي في "الدر المنثور" 4/ 460 وعزاه لأحمد وابن أبي الدنيا وابن مردويه والهيثمي في "مجمع الزوائد" 10/ 221.]].
وقال كثير بن زياد [[كثير بن زياد، أبو سهل البرساني الأزدي، العتكي، البصري، سكن بلخ، وكان ثقة، وهو من أكابر أصحاب الحسن، روى عن: الحسن، وعمر بن عثمان، وأبي سمية، وأبي العالية، وروى عنه: حماد بن زيد، وجعفر بن سلمان، وعمرو بن الرماح البلخي وغيرهم، وثقه العلماء وأُثنوا عليه.
انظر: "الثقات" لابن حبان 7/ 353، "الكشاف" 3/ 4، "ميزان الاعتدال" 3/ 404، "تهذيب الكمال" 24/ 112، "تهذيب التهذيب" 8/ 370.]]: (قلت للحسن: قول الله: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ﴾ الآية، قال: في المؤمن نزلت. قلت: مشركا بالله؟ قال: لا، ولكن أشرك في عمله، يريد الله به والناس، فذلك الذي يرد عليه) [[أورده السيوطي في "الدر المنثور" 4/ 459 وعزاه لابن أبي حاتم.]].
وقال سعيد بن جبير في قوله: ﴿وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ (ولا يرائي) [["جامع البيان" 16/ 40، "المحرر الوجيز" 9/ 421، "النكت والعيون" 3/ 350، "زاد المسير" 5/ 203، "الدر المنثور" 4/ 459.]].
ونحو هذا قال مجاهد، وموسى بن عقبة [[موسى بن عقبة بن أبي عياش الأسدي، مولى آل الزبير، تابعي جليل، روى عن: أم خالد بنت سعيد بن العاص، والأعرج، وعكرمة، وعروة بن الزبير وغيرهم، وروى عنه: بكير بن الأشج، وسفيان الثوري، وسفيان بن عيينة، وابن جريج وغيرهم، وكان ثقة، كثير الحديث، اشتهر بالصلاح والتقوى، توفي سنة 141 هـ بالمدينة.
انظر: "الجرح والتعديل" 8/ 154، "الكاشف" 3/ 186، "ميزان الاعتدال" 4/ 214، "تهذيب التهذيب" 10/ 121.]] [["جامع البيان" 16/ 40، "النكت والعيون" 3/ 350، "الدر المنثور" 4/ 457.]].
هذا الذي ذكرنا قول الجمهور، وروى الوالبي عن ابن عباس: (أن هذه الآية أنزلت في المشركين الذين عبدوا مع الله غيره، وليست في المؤمنين) [["الدر المنثور" 4/ 458، "روح المعاني" 16/ 55، "فتح القدير" 3/ 455، "إعراب القرآن" للنحاس 2/ 297.]]
والصحيح الذي عليه الناس، وقد بين ذلك ابن عباس فيما روى عنه عطاء، وهو أنه قال: (قال الله: ﴿وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ﴾، ولم يقل: ولا يشرك بربه؛ لأنه أراد العمل الذي يعمل الله، ويحب أن يحمد عليه، قال: وكذلك يستحب للرجل أن يدفع صدقته إلى غيره ليقسمها، كيلا يعظمه ويوقره من يصله بها) [["روح البيان" 5/ 309، "مجمع البيان" 5/ 770.]].
قال الكلبي، ومقاتل: (نزلت هذه الآية في رجل يقال له: جندب بن زهير [[جندب بن زهير الأزدي، الغامدي، أحد أصحاب النبي -ﷺ-، عالم، زاهد، تقي، ورع، روى عنه عدد من التابعين منهم: أبو عثمان الهندي، والحسن البصري، وتميم بن الحارث، قتل -رضي الله عنه- في موقعة صفين وكان مع علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- أميرًا على الرجالة.== انظر: "أسد الغابة" 1/ 303، "الإصابة" 1/ 249، "الاستيعاب" 1/ 219، "الكاشف" 1/ 132، "تهذيب التهذيب" 2/ 118، "سير أعلام النبلاء" 3/ 174.]]، قال: يا رسول الله أعمل العمل ألتمس به ثواب الله وأحب أن يثني عليَّ به، فأنزل الله فيه هذه الآية) [["النكت والعيون" 3/ 350، "زاد المسير" 5/ 203، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 70، "تفسير مقاتل" ص 231، "أسباب نزول القرآن" للواحدي ص 307، "لباب النقول في أسباب النزول" للسيوطي ص 145، "جامع النقول في أسباب النزول" ص 211، وذكره ابن حجر في "الكافي الشاف" 4/ 105.]]. ونحو هذا قال مجاهد [["الجامع لأحكام القرآن" 11/ 72، "زاد المسير" 5/ 203، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 112، "الدر المنثور" 4/ 459، "أسباب نزول القرآن" للواحدي ص 307، "لباب النقول في أسباب النزول" للسيوطي ص 145، "جامع النقول في أسباب النزول" (211).]]، وطاووس [["جامع البيان" 16/ 40، "تفسير القرآن" للصنعاني 1/ 348، "زاد المسير" 5/ 203، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 69، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 120، "الدر المنثور" 4/ 459، "أسباب نزول القرآن" للواحدي ص 307، "لباب النقول في أسباب النزول" للسيوطي ص 145، "جامع النقول في أسباب النزول" ص 211.]].
مريم 19:1
﴿كهيعص﴾ قال ابن عباس في رواية عطاء: (كاف: كاف، ها: هاد، عين: عالم، صاد: صادق، والياء: يد من الله على خلقه) [[انظر "جامع البيان" 16/ 41، "بحر العلوم" 2/ 317، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 74.]]. وهذا قول الكلبي، وزاده بيانا فقال: (معناه كاف لخلقه، هاد لعباده، يده فوق أيديهم، عالم ببريته، صادق في وعده) [["تفسير القرآن" للصنعاني 2/ 5، "جامع البيان" 16/ 42،"معالم التنزيل" 5/ 218، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 74.]]. وعلى هذا كل واحد من هذه الحروف يدل على صفة من صفات الله.
وذكر أبو الهيثم قال: (روى سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه قال في "كهيعص": هو كاف، هاد، يمين، عزيز، صادق) [["تفسير القرآن" للصنعاني 2/ 5، "جامع البيان" 16/ 41، "معالم التزيل" 5/ 218، "الدر المنثور" 4/ 465.]].
قال أبو الهيثم: (جعل الياء من يمين من قولك: يمن الله الإنسان يمينه، يمنًا، ويُمْنًا فهو مَيْمُون، قال: فَاليَمِيْنُ واليَامِنُ يكونان بمعنى واحد كالقدير والقادر) [["تهذيب اللغة" (يمن) 4/ 3984.]].
وقال أبو إسحاق: (قال أكثر أهل اللغة: إنها حروف التَّهَجِّي تدل على الابتداء بالسورة) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 317.]] [[قال الطبري في "تفسيره" 1/ 93: والصواب من القول عندي في تأويل مفاتيح السور التي هي حروف المعجم: أن الله ثناؤه جعلها حروف مقطعة ولم يصل بعضها ببعض فيجعلها كسائر الكلام المتصل الحروف؛ لأنه عن ذكره أراد بلفظه الدلالة بكل حرف منه على معان كثيرة لا على معنى واحد. وقال ابن كثير في "تفسيره" 1/ 40: إنما ذكرت هذه الحروف في أوائل السور التي ذكرت فيها بيانا لإعجاز القرآن وأن الخلق عاجزون عن معارضته بمثله، هذا مع أنه مركب من هذه الحروف المقطعه التي يتخاطبون بها.
وقال الشوكاني في "تفسيره" 3/ 364: وكما وقع الخلاف في هذا وأمثاله بين الصحابة وقع بين من بعدهم ولم يصح مرفوعًا في ذلك شيء، ومن روي عنه من الصحابة في ذلك شيء فقد روي عن غيره ما يخالفه، وقد يروى عن الصحابي نفسه التفاسير المتخالفه المتناقضة في هذه الفواتح فلا يقوم شيء من ذلك حجة، بل الحق الوقف ورد العلم في مثيلها إلى الله سبحانه.
انظر: "المحرر الوجيز" 1/ 138، "الجامع لأحكام القرآن" 1/ 154، "التفسير الكبير" 2/ 5، "التحرير والتنوير"1/ 94، " أضواء البيان" 4/ 399، "مشكل القرآن" لابن قتيبة 299.]].
وقُرئ: ها، يا، بالتفخيم والإمالة [[قرأ: أبو بكر عن عاصم، والكسائي: (كهيعص) بإمالة الهاء والياء. وقرأ: أبو عمرو البصري: (كهيعص) بإمالة الهاء وفتح الياء. وقرأ: ابن عمر، وحمزة: (كهيعص) بإمالة الياء وفتح الهاء. وقرأ: نافع المدني: (كهيعص) بين اللفظين فيهما، وذكر عنه الفتح. وقرأ: ابن كثير المكي، وحفص عن عاصم: (كهيعص) بفتحهما وتبيين الدال. انظر: "السبعة" ص 406، "الحجة للقراء السبعة" 5/ 184، "المبسوط في القراءات" ص 242، "حجة القراءات" ص 437، "التبصرة" ص 255.]]. قال أبو علي: (إمالة هذه الحروف لا يمتنع؛ لأنها ليست بحروف معنى، وإنما هي أسماء لهذه الأصوات) [["الحجة للقراء السبعة" 185/ 5.]].
قال سيبويه: (قالوا: يا، تا؛ لأنها أسماء ما يتهجى به) [["الكتاب" لسيبويه 2/ 267.]]. (فلما كانت أسماء غير حروف [جازت فيها الإمالة كما جازت في الأسماء، ويدلك على أنها أسماء غير حروف] [[ما بين المعقوفتين ساقط من (س).]] أنها إذا أخبرت عنها أعربتها، كما أن أسماء العدد إذا أخبرت عنها أعربتها، فكما أن أسماء العدد قبل أن تعربها أسماء، فكذلك هذه الحروف، وإذا كانت أسماء شاعت فيها الإمالة) [["الحجة للقراء السبعة" 5/ 185.]].
وروى حفص عن عاصم: عين صاد بين النون [[انظر: "السبعة" ص 407، "الحجة للقراء السبعة" 5/ 185.]].
قال أبو عثمان: (بيان النون مع حروف الفم [[في (ص): (الفهم)، وهو تصحيف.]] لحن؛ إلا أن هذه تجري على الوقف عليها والقطع لها مما بعدها، فحكمها البيان وأن لا تُخفى) [["الحجة للقراء السبعة" 5/ 185.]]. (وقول عاصم هو القياس فيها، وكذلك أسماء العدد حكمها على الوقف وعلى أنها منفصلة مما بعدها، ومما يبين أنها على الوقف أنهم قالوا: ثلاثة، أربعه، فألقوا حركة الهمزة على الهاء لسكونها ولم يقلبوها تاء وإن كانت موصولة لما كانت النية بها الوقف، فكذلك النون ينبغي أن تبين؛ لأنها في نية الوقف والانفصال مما بعدها. ولمن لم يبين أن يستدل بتركهم قطع الهمزة في قولهم: ﴿الم (1) اللَّهُ﴾ [آل عمران: 1،2] ألا ترى أن الهمزة لم تقطع، وإن كانت في تقدير الانفصال مما قبلها، وكما لم تقطع الهمزة في (الم الله) وفي قولهم: واحد اثنان، كذلك لم تبين النون؛ لأنها جعلت في حكم الاتصال كما كان الهمزة فيما ذكرنا) [["الحجة للقراء السبعة" 5/ 186.]]. كذلك قال أبو الحسن: (تبين النون أجود في العربية؛ لأن حروف العدد والهجاء منفصل بعضه من بعض، وعامة القراء على خلاف التبيين) [["معاني القرآن" للأخفش 1/ 173، "الحجة للقراء السبعة" 5/ 186.]].
مريم 19:2
وقوله تعالى: ﴿ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا﴾ قال أبو إسحاق: ("ذكر" مرتفع بالمضمر المعنى: هذا الذي نتلو عليك ذكر) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 318.]]. قال الأخفش: (كأنه قال: ومما نقص عليك ذكر رحمة ربك) [["معاني القرآن" للأخفش 2/ 624.]].
وذكر الفراء وجها آخر فقال: (الذكر مرفوع بكهيعص) [["معاني القرآن" للفراء 2/ 161. قال أبو البقاء في "إملاء ما من به الرحمن" 1/ 110: وفيه بعد؛ لأن الخبر هو المبتدأ في المعنى وليس في الحروف المقطعة ذكر الرحمة، ولا في ذكر الرحمة معناها.]]. وأنكره الزجاج فقال: (هذا محال؛ لأن كهيعص ليس مما أنباء الله به عن زكريا، ولم يجيء في شيء من التفسير أن كهيعص هو قصة زكريا) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 318.]].
وقول الفراء صحيح على قول من يقول: كهيعص اسم لهذه السورة، وهو قول الحسن [["النكت والعيون" 3/ 352، "معالم التنزيل" 5/ 217، "زاد المسير" 5/ 206.]]. ويصير المعنى كأنه قيل هذه السورة ذكر رحمة ربك، وقد تضمنت هذه السورة قصة زكريا.
وذكر صاحب النظم هذا القول فقال: (هذه الحروف كأنها اسم لهذه السورة، فصارت مبتدأ وصار خبرها في قوله: ﴿ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ﴾ [[في (ص): (ثم حذف المضاف)، زائد على الأصل.]] [[ذكره نحوه بلا نسبة "المحرر الوجيز" 9/ 423، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 75، "البحر المحيط" 6/ 172.]].
وقال ابن الأنباري مصححًا قول الفراء منكرًا على الزجاج: (تلخيص قول الفراء كهيعص ابتداء ذكر رحمة ربك، وتقدمه ذكر رحمة ربك ثم حذف المضاف، وافتتاح الشيء داخل فيه ومحسوب من جملته) [[أورده بلا نسبة "المحتسب" 2/ 37، "المحرر الوجيز" 9/ 425، "البحر المحيط" 6/ 172، "الدر المصون" 7/ 561.]]. والمراد بالرحمة هاهنا: إجابة الله تعالى زكريا حين دعاه وسأله الولد [["النكت والعيون" 3/ 354، "التفسير الكبير" 11/ 179، "فتح القدير" 3/ 458.]]. وانتصب قوله: "عبده" بالذكر، ومعنى الآية على التقديم والتأخير تقديرها: ذكر ربك عبده بالرحمة، هذا قول الفراء، والزجاج، وصاحب النظم [["معاني القرآن للفراء" 2/ 261، "معاني القرآن" للزجاج 3/ 318.]].
وقال الأخفش: (انتصب العبد بالرحمة كما نقول: هذا ذكر ضرب زيد عمرا) [["معاني القرآن" للأخفش 2/ 624.]]. وهذا هو الوجه؛ لأن الله تعالى ذكر في هذه السورة رحمته زكريا بإجابة دعائه، وليس يحتاج في هذا القول تقدير التقديم والتأخير.
مريم 19:3
قوله تعالى: ﴿إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا﴾ بمعنى: الخافي، يقال: خفي الشيء يخفى، خفاء، فهو خاف، وخفي كما يقال: سامع وسميع [[انظر: "تهذيب اللغة" (خفى) 1/ 1070، "المعجم الوسيط" (خفى) 1/ 247.]]. قال ابن عباس: (يريد يخفي ذلك في نفسه) [[ذكرت كتب التفسير نحوه بدون نسبة. انظر: "النكت والعيون" 3/ 354، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 113، " الجامع لأحكام القرآن" 11/ 76، "التفسير الكبير" 21/ 180، "روح المعاني" 16/ 59.]]. قال ابن جريج: (لا يريد رياء) [["جامع البيان" 16/ 45، " النكت والعيون" 3/ 354، "المحرر الوجيز" 9/ 426، "زاد المسير" 5/ 206، "الدر المنثور" 4/ 466.]].
وهذا يدل على أن المستحب في الدعاء الإخفاء. قال الحسن: (وقد كان المسلمون يجتهدون في الدعاء، وما يسمع لهم صوت إن كان إلا همسًا بينهم وبين ربهم، وذلك أن الله -عز وجل- يقول [[قوله: (يقول)، ساقط من (ص).]]: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ [الأعراف: 55] [[ذكر نحوه مختصرًا الهواري في "تفسيره" 3/ 6.]]. وذكر الله عبدا صالحًا ورضي قوله فقال: ﴿إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا﴾ وقال الكلبي: (أخفاه وأسره عن قومه لئلا يسمعوه) [[ذكرته كتب التفسير بدون نسبة.
انظر: "بحر العلوم" 2/ 318، "زاد المسير" 5/ 206، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 76، "التفسير الكبير" 11/ 180، "البحر المحيط" 6/ 173 "أنوار التنزيل" 4/ 2.]]. وهذا يقرب من قول من قال: إنما أخفى؛ لأنه خاف أن يلام على مسألته الولد عند كبر سنه فدعاء الله خفيا من قومه. وهذا القول حكاه ابن الأنباري عن الكلبي، ومقاتل بن سليمان قالا: (إنما أخفى نداءه استيحاء من أن يرى الناس شيخا كبيرا يتمنى الولد ويحب أن يرزقه) [["النكت والعيون" 3/ 354، "زاد المسير" 5/ 206. وقال الشقيطي في "أضواء == البيان" 4/ 204 بعد ذكر هذه الأقوال: كل ذلك ليس بالأظهر، والأظهر أن السر في إخفائه هو ما ذكرنا من كون الإخفاء أفضل من الإعلان في الدعاء.]].
مريم 19:4
قوله تعال ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي﴾ وهن: ضعف يَهِن وَهْنا، ووَهَنا، فهو واهنِ، وأوهنه يُوهِنُه [[انظر: "تهذيب اللغة" (وهن) 4/ 3966، "مقاييس اللغة" (وهن) 6/ 149، "القاموس المحيط" (وهن) 1239، "لسان العرب" (وهن) 8/ 4935.]]. ﴿وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ﴾ أي: انتشر فيه الشيب كما ينتشر شعاع النار في الحطب، وهذا من أحسن الإشارة إذ شبه بياض الشيب وانتشاره في الرأس بشعاع النار وانتشارها [[انظر: "النكت والعيون" 3/ 355، "المحرر الوجيز" 9/ 426، "الكشاف" 2/ 405، "الإيضاح في علوم البلاغة" 302، "البرهان في علوم القرآن" 3/ 435.]]. وأصل هذا الحرف من الاشتعال يقال: غارة مُشْعِلة، وقد أَشْعَلَت إذا تفرقت.
قال ابن السكيت: (جاء جيش كالجراد المُشْعِل، وهو الذي يخرج في كل وجه، وكَتِيْبَةٌ مُشْعَلَةُ: إذا انتشرت) [["تهذيب اللغة" (شعل) 2/ 1891.]]. قال جرير [[البيت لجرير في قصيدة يهجو بها الأخطل، المُشْعَلَة: المتفرقه والرِّعَال: قطع الخيل. وتُغاوِلُ: تبادر سرعة. وشَمَام: جبل.
انظر: "ديوان جرير" ص 224، "تهذيب اللغة" (غال) 3/ 2624، "لسان العرب" (غول) 6/ 3319.]]:
عَايَنْت مُشْعِلَةَ الرِّعَالِ كَأنَّها طَيْرٌ ... تُغَاوِلُ في شَمَامِ وُكُوْرا
ويقال أيضًا: أَشْعَلْت جَمْعَهم، أي: فرقتهم، ومنه يقال: أَشْعَلْتُ النار في الحطب، أي: فرقتها فيه فَاشْتَعَلَت. قال الزجاج: (يقال للشيب إذا كثر جدا: قد اشتعل رأس فلان) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 319.]]. قال لبيد [[البيت للبيد من قصيدة يتحدث فيها عن مآثره ومواقفه، ويأسى لفقد أخيه أربد. انظر: "ديوان لبيد بن ربيعة" ص 140.]]: أَلَمْ تَرَى رَأْسي أَمْسَى وَاضِحًا ... سُلِّطَ الشَّيْب عَلَيْه فَاشْتَعَل
أي: انتشر وكثر، والإشتعال للشيب إلا أنه نقل الفعل إلى الرأس فخرج الشيب مفسرًا ولذلك نصب كما يقال: ألم رأسه، ووجع بطنه [["إملاء ما من به الرحمن" 1/ 110، "إعراب القرآن" للنحاس 2/ 301.]].
وقال بعضهم: انتصب قوله: "شيبا" على المصدر كأنه قال: شاب رأسي شيبًا [["معاني القرآن" للأخفش 2/ 624، "إعراب القرآن" للنحاس 2/ 301.]].
قال ابن الأنباري: (المعنى واشتعل شيب الرأس، فنقل الفعل عن الشيب إلى الرأس وانتصب الشيب بتحول الفعل عنه وخروجه من الوصف، يعني من أن يوصف بأنه فاعل، كما يقال: مررت برجل حسن وجها، نقلوا الحسن إلى الرجل، فلما انعدل الحسن عن الوجه انتصب بخروجه عن الوصف. قال: ويجوز أن يكون الشيب نائبًا عن المصدر، والتأويل واشتعل الرأس اشتعالا، فسد الشيب مسد الاشتعال، كما تقول: جاء فلان ركضا، والتأويل ركض ركضا أو جاء مجيئًا) [[ذكره نحوه بلا نسبة "إملاء ما من به الرحمن" ص 406، "المحرر الوجيز" 9/ 426، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 77، "الدر المصون" 7/ 565.]].
ومعنى الشيب: مخالطة الشعر الأبيض الأسود، وهو موافق لمعنى الشايب الذي يخلط الشيء بغيره [[انظر: "تهذيب اللغة" (شاب) 2/ 1799، "مقاييس اللغة" (شيب) 3/ 232، "القاموس المحيط" (شيب) 99، "المعجم الوسيط" (شيب) 1/ 502.]].
وقوله تعالى: ﴿وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ﴾ أي: بدعائي إياك، والمصدر هاهنا مضاف إلى المفعول ﴿رَبِّ شَقِيًّا﴾ قال ابن عباس: (لم تكن تخيب دعائي إذا دعوتك) [[ذكرته بعض كتب التفاسير بدون نسبة.
انظر: "جامع البيان" 16/ 46، "النكت والعيون" 3/ 355، "معالم التنزيل" 5/ 218، "تنوير المقباس" 254.]].
[وقال مجاهد: (كنت تعرفني الإجابة إذا دعوتك)] [[ذكره الطبري في "تفسيره" 16/ 46 بدون نسبة، وكذلك الماوردي في "تفسيره" 3/ 355.]] [[ما بين المعقوفين ساقط من نسخة (س).]]. وهذا قول الجميع. ويقال: شقي فلان بكذا [[قوله: (بكذا)، ساقط من (س).]] إذا أتعب بسببه ولم يحصل له طائل، يقول: لم أكن أتعب بالدعاء ثم أخيب.
مريم 19:5
وقوله تعالى: ﴿وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي﴾ أراد بالموالي: الورثة، وهم العصبة، والكلالة. قاله ابن عباس في رواية الضحاك، وهو قول مجاهد، وجميع أهل التفسير [["تفسير القرآن" للصنعاني 2/ 3، "جامع البيان" 16/ 46 - 47، "النكت والعيون" 3/ 355، "المحرر الوجيز" 9/ 427، "معالم التنزيل" 5/ 218.]].
قال الزجاج: (ومعنى "الموالي": هم الذين يلونه في النسب، كما أن معنى القرابة: الذين يقربون منه بالنسب) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 219.]].
وقال الفراء: (﴿الْمَوَالِيَ﴾ هم: بنو العم، وورثته، والولي والمَوْلَى في كلام العرب واحد) [["معاني القرآن" للفراء 2/ 161.]].
ويقول تعالى: ﴿مِنْ وَرَائِي﴾ أي: من بعد موتي، واختلفوا في معنى خوفه فقال بعضهم: (خاف أن يرثه غير الولد) [["المحرر الوجيز" 9/ 427، "الكشاف" 2/ 405، "زاد المسير" 5/ 209، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 78.]].
وقيل: (خاف أن تذهب النبوة من نسبه إلى بني الأعمام) [[ذكرت كتب التفسير نحوه. انظر: "جامع البيان" 16/ 46، "تفسير القرآن" للصنعاني 2/ 3، "الكشف والبيان" 3/ 2 أ، "معالم التنزيل" 5/ 218، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 124، "زاد المسير" 5/ 209.]]. وهذا ليس بشيء؛ لأنه لا يكون خوفًا من الموالي، والصحيح في معنى خوفه ما ذكره أبو علي فقال: (الخوف لا يكون من الأعيان في الحقيقة، إنما يكون من معان فيها، فإذا قال القائل: خفت الله، وخفت الوالي، وخفت الناس، فالمعنى: خفت عقاب الله ومؤاخذته، وخفت عقوبة الوالي، وملامة الناس، وكذلك أي: "خفت الموالي من ورائي"، أي خفت تضيج بني عمي، فحذف المضاف، والمعنى تضييعهم للدين، ونبذهم إياه وإطراحهم له، فسأل ربه وليا يرث نبوته وعلمه لئلا يضيع الدين، وكأن الذي حمله على مسألة ذلك ما شاهدهم عليه من تبديلهم للدين وتوثُّبِهِم على الأنبياء وقتلهم إياهم) [["الحجة للقراء السبعة" 5/ 189.]].
ويؤكد هذا ما روى عطاء عن ابن عباس قال: (يريد بالموالي بني إسرائيل) [[ذكر في كتب التفاسير بدون نسبة. انظر: "النكت والعيون" 3/ 355، "الكشاف" 2/ 405، "روح المعاني" 16/ 61، "الدر المصون" 7/ 566.]]. وبنو إسرائيل كانوا يبدلون ويقتلون الأنبياء [[وإلى هذا أشار القرآن الكريم في قوله تعالى في سورة البقرة الآية (59): ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ﴾ الآية. == وقال سبحانه في الآية (61): ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾.]]، وعلى هذا سَمَّى بني إسرائيل موالي؛ لأنهم كانوا بني أعمامه.
وقوله تعالى: ﴿وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا﴾ أي: عقيما لا تلد، وهذا الذي قاله زكريا إخبار عن خوفه فإما مضى حين كانت امرأته لا تلد، وكان هو آيسًا من الولد لذلك ذكره بلفظ الماضي في "خفت" "وكانت".
وقوله تعالى: ﴿فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا﴾ أي: ابنا صالحًا يتولاه، قال أبو إسحاق: (قوله: ﴿وَلِيًّا﴾ يدل على أنه سأل ولدًا دَيِّنًا؛ لأن غير الدَّيِّنِ لا يكون وليا لنبي) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 320.]].
مريم 19:6
قوله تعالى: ﴿يَرِثُنِي وَيَرِثُ﴾ قرئ: بالرفع، والجزم [[قرأ: ابن كثير، ونافع، وعاصم، وابن عامر، وحمزة: (يرثنني ويرث) برفعهما. وقرأ: أبو عمرو والبصري، والكسائي: (يرثني ويرث) بالجزم فيهما.
انظر: "السبعة" ص 407، "الحجة للقراء السبعة" 5/ 191، "العنوان في القراءات" 126، "النشر" 2/ 317.]]. فالرفع على صفة الولي، كأنه سأل وليا وارثًا علمه ونبوته، والجزم على جواب الأمر، والرفع أصح القراءتين، إذ ليس المعنى على الجزاء وذلك؛ لأنه ليس كل ولي يرث، وإذا كان كذلك لم يسهل الجزاء من حيث لم يصح إن وهبته ورث؛ لأنه قد يهب له وليا لا يرث بأن يموت قبله، أو لا يصلح لخلافة النبوة، وإذا كان كذلك كان الوجه الرفع، ووجه الجزم أنه أراد بالولي وليا وارثًا، فيصح الشرط بأن تقول: إن وهبت ورث إذا كان المسؤول وليًا وإرثًا [["الحجة للقراء السبعة" 5/ 191.= قرئ بالرفع والجزم كما مر معنا آنفا، وثبتت القراءة بهما وصحت عن النبي -ﷺ- فلا وجه لتضعيف قراءة الجزم.]].
واختلفوا فيم يرثه هذا الولي فقال ابن عباس في رواية عطاء: (يرث النبوة) [["التفسير الكبير" 11/ 184، وذكره بدون نسبة ابن الجوزي في "تفسيره" 5/ 209، وكذلك القرطبي في "تفسيره" 16/ 81.]]. وهو قول أبي صالح: (يكون نبيا كما كانت أباؤه أنبياء) [["جامع البيان" 16/ 47، "الدر المنثور" 4/ 467.]]. وقال مجاهد والسدي: (يرث العلم والنبوة) [["جامع البيان" 16/ 48، "الوسيط" 3/ 176.]].
وقال الكلبي: (يرث مكاني وحبورتي) [["روح المعاني" 16/ 62، وذكره بدون نسبة البغوي في "تفسيره" 5/ 219، والزمخشري في "كشافه" 2/ 405.]].
وقال قتادة: (نبوتي وعلمي) [["تفسير القرآن" للصنعاني 2/ 5، "جامع البيان" 16/ 48، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 124.]].
وقال ابن قتيبة: (يرثني الحبورة، وكان زكريا حبرا، ﴿وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ﴾ الملك، قال: وكذلك قيل في التفسير) [["غريب القرآن" لابن قتيبة 2/ 2.]].
وقال قوم: أراد وراثة المال. وهو قول ابن عباس في رواية عكرمة قال: (يرث مالي ويرث من آل يعقوب النبوة). وهو قول الحسن وسفيان [["النكت والعيون" 3/ 356، "معالم التنزيل" 5/ 219، "زاد المسير" 5/ 209، "الدر المنثور" 4/ 467.]]. والصحيح القول الأول [[وهو قول جمهور المفسرين، وتشهد له الأحاديث الصحيحة.
قال ابن كثير -رحمه الله- في "تفسيره" 3/ 124: إن النبي أعظم مزلة وأجل قدرًا == من أن يشفق على حاله إلى ما هذا حده، وأن يأنف من وراثه عصابته له ويسأل أن يكون له ولد ليحوز ميراثه دونهم هذا وجه.
والثاني: أنه لم يذكر أنه كان ذا مال بل كان نجارا يأكل من كسب يديه ومثل هذا لا يجمع ولا سيما أن الأنبياء كانوا أزهد شيء في الدنيا.
والثالث: أنه قد ثبت في الصحيحين من غير وجه أن رسول الله -ﷺ- قال: "لا نورث مما تركنا صدقه". وعلى هذا فيتعين أن المراد ميراث النبوة. وانظر: "زاد المسير" 5/ 209، "أضواء البيان" 4/ 206.]].
قال أبو إسحاق: (لا يجوز أن يخاف زكريا أن يورث المال؛ لأن أمر الأنبياء والصالحين أنهم لا يخافون أن يرثهم أقرباؤهم ما جعله الله لهم) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 320.]]. وكان يحيى بن يعمر [[يحيى بن يعمر العدواني، أبو سليمان البصري، قاضي مرو، إمام تابعي ثقة، فقيه مقرئ، نحوي أديب، عالم باللغة، يقال أنه أول من نقط المصحف، مات -رحمه الله- قبل المائة وقيل بعدها. انظر:"سير أعلام النبلاء" 4/ 441، "غاية النهاية" 2/ 381، "تهذيب التهذيب" 11/ 305، "معجم البلدان" 20/ 42.]] يقول: (لئن كان إنما قال يرثني مالي إن كان إذا لجشعا) [[لم أقف عليه، وهو قول بعيد؛ لأنه لا يصح أن يقال ذلك في حق الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام- فهو وصف لا يليق بمكانة نبي الله زكريا -عليه السلام-، وحاشاه أن يوسف بالجشع وهو صفة ذم، والأنبياء عليهم السلام لهم صفات المدح والثناء فمَد اصطفاهم الله واختصهم بالنبوة وشرفهم بها.]].
قال أبو علي: (لا يخلو هذا من أن يكون أراد يرث مالي، وعلمي، ونبوتي، وفيما أثر عن رسول الله -ﷺ- من أنه قال: "نحن معاشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة" [[أخرجه البخاري: كتاب: فضائل الصحابة، باب: مناقب قرابة رسول الله -ﷺ- ومنقبة فاطمة عليها السلام 3/ 1360، ومسلم: كتاب: الجهاد والسير باب قول == النبي -ﷺ-: "لا نورث ما تركناه صدقة" (3/ 1379، والترمذي في "جامعه" كتاب: السير، باب: ما جاء في تركة رسول الله -ﷺ- 4/ 135، وقال: حديث صحيح، وأخرجه النسائي: كتاب: قسم الفيء 7/ 95، والإمام أحمد في مسنده 1/ 4.]]. دلالة على أن الذي سأل أن يرثه وليه ليس المال، فإذا بطل هذا ثبت الوجه الآخر، على أنه لا يجوز على نبي الله أن يقول: أخاف أن يرثني بنو عمي وعصبتي على ما فرضته لهم، ويدل على صحة هذا قراءة عثمان -رضي الله عنه-: (وإني خَفَّتِ الموالي) [["الحجة للقراء السبعة" 5/ 189، "مختصر ابن خالويه" 83، "إعراب القرآن" للنحاس 3/ 5، "المحتسب" 2/ 37.]]. أي: أنهم قَلُّوا وقَلَّ من كان منهم يقوم بالدين فسأل وليا يقوم به) [["الحجة السبعة" للفراء 5/ 189.]].
وبين عبد الله بن مسلم هذا فقال: (زكريا لم يرد يرثني مالا، وأي مال كان لزكريا فيظن به عن عصبته حتى يسأل الله أن يهب له ولدًا يرثه، لقد جَلَّ هذا المال إذا وعَظُم عنده، ونافس عليه منافسة أبناء الدنيا الذين لها يعملون وللمال يكدحون، وإنما كان زكريا ابن آذر نجارا وكان حبرا). كذلك قال وهب بن منبه [[لم أقف على هذا القول. ولكن له شواهد، فقد صح من حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي -ﷺ- قال: كان زكريا نجارا. انظر: "صحيح مسلم" كتاب الفضائل، باب: من فضائل زكريا عليه السلام 4/ 1847، وابن ماجه كتاب: التجارات، باب: الصناعات 2/ 727، وأحمد 2/ 296، وابن كثير في "تفسيره" 3/ 114.]].
وكلا هذين الأمرين يدل على أنه لا مال له، والذين قالوا: يرثني مالي رووا عن رسول الله -ﷺ-: أنه كان إذا قرأ هذه الآية قال: (رحم الله زكريا ما كان عليه من ورثته) [[رواه الطبري في "تفسيره" 16/ 37 بسنده عن قتادة، وعبد الرزاق في "تفسيره" 2/ 3، والثعلبي في "الكشف والبيان" 3/ 1 ب، والماوردي في "النكت" == 3/ 356، وابن عطية في "المحرر الوجيز" 11/ 13، والسيوطي في "الدر المنثور" 4/ 467 وعزاه لعبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم، وأورده ابن كثير في "تفسيره" 3/ 124، وقال: وهذه مرسلات لا تعارض الصحاح، والله أعلم.]]. وهذا لا يدل على أنه فسر الآية بوارث الوالي وإنما أراد -ﷺ-: وما كان عليه من وراثة النبوة والعلم، كأنه يقول: لو لم يسأل الله ولدا يرثه علمه ونبوته ما كان الله ليضيع دينه، وكان يرث ما كان قوم به من أمر الدين غير ولده.
وقولى تعالى: ﴿مِنْ آلِ يَعْقُوبَ﴾ أكثر الناس على أن هذا يعقوب بن إسحاق، وكان زكريا من سبط يهوذا بن يعقوب [["الكشاف" 2/ 405، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 124، "زاد المسير" 5/ 209، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 82.]].
وقال الكلبي: (هو يعقوب بن ماتان، رؤوس بني إسرائيل وبنو ملوكهم، وكان آل يعقوب أخوال ولده؛ لأن امرأة زكريا حنة أخت مريم بنت عمران بن ماتان) [["النكت والعيون" 3/ 356، "زاد المسير" 5/ 209، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 82، "روح المعاني" 16/ 62.]].
قوله تعالى: ﴿وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا﴾ الرضى بمعنى المرضي، قال ابن عباس: (يريد يكون عبدًا مرضيا في الصلاح والعفاف والنبوة) [[ذكرت كتب التفسير نحوه بدون نسبة. انظر: "الكشف والبيان" 3/ 2 أ، "المحرر الوجيز" 9/ 430، "معالم التنزيل" 5/ 219، "التفسير الكبير" 21/ 185.]].
مريم 19:7
وقوله تعالى: ﴿يَا زَكَرِيَّا﴾ فيه إضمار والمعنى: استجاب الله دعاءه فقال: ﴿يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى﴾ وذكرنا في سورة آل عمران هذه القصة [[عند قوله سبحانه في سورة آل عمران الآية (39): ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ﴾]].
وقوله تعالى: ﴿لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا﴾ قال ابن عباس في رواية عكرمة: (لم يسم أحد قبله يحيى) [["زاد المسير" 5/ 210،"الجامع لأحكام القرآن" 11/ 73، "روح المعاني" 16/ 65، "الدر المنثور" 4/ 468، "تفسير ابن عباس" 2/ 599.]]. وهذا قول قتادة، والكلبي، وابن جريج، والسدي، وابن زيد، واختيار القتبي [["تفسير القرآن" للصنعاني 2/ 6، "جامع البيان" 16/ 50، "النكت والعيون" 3/ 357، "معالم التنزيل" 5/ 219.]]. وعلى هذا فالفضيلة تثبت ليحيى من حيث أن الله تعالى تولى تسميته باسم لم يسبق به، ولم يكل تسميته إلى الأبوين فكان ذلك تفضيلًا له من هذا الوجه. قال الزجاج: (قيل: سمي يحيى؛ لأنه حيي بالعلم والحكمة التي أوتيها) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 325.]].
وقال ابن عباس في رواية عطاء: ﴿لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا﴾ يريد: (لم يكن له في سابق علمي نظير ولا شبه) [[ذكرت كتب التفسير نحوه بدون نسبة. انظر: "جامع البيان" 16/ 49، "الكشف والبيان" 3/ 2/ أن "النكت والعيون" 3/ 357، "معالم التنزيل" 5/ 220، "زاد المسير" 5/ 211، "المحرر الوجيز" 9/ 432، "تفسير القرآن العظيم " 3/ 124.]].
وقال في رواية الوالبي: (لم تلد العواقر مثله ولدًا) [["جامع البيان" 16/ 49،"النكت والعيون" 3/ 357، "المحرر الوجيز" 9/ 431، "معالم التنزيل" 5/ 220.]]. وهذا قول سعيد بن جبير: ﴿لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا﴾ قال: (عدلاً) [["الدر المنثور" 4/ 468، وقال: شبيهًا. "الكشف والبيان" 3/ 3.]]. وقال مجاهد: (مثلًا) [["جامع البيان" 16/ 49، "المحرر الوجيز" 9/ 431، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 124، "زاد المسير" 5/ 211.]].
وعلى هذا القول فالمراد بالسمي: المثل والنظير كقوله: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم: 65]، أي: مثلا وعدلا، ولم يكن ليحيى مثل من البشر من حيث أنه لم يعص ولم يهم بمعصية قط.
مريم 19:8
وقوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ﴾ مضى الكلام في معنى هذا الاستفهام في سورة آل عمران [[عند قوله سبحانه في سورة آل عمران الآية: (40): ﴿قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ قَالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾.]].
وقوله تعالى: ﴿وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا﴾ قال كثير من الناس: (كَانَت) هاهنا زيادة [[التعبير بلفظ الزيادة، لا يصح القول به في القرآن الكريم، فإن كل حرف منه ورد ليدل على معنى من المعاني فزيادة المبني تدل على زيادة المعنى والمنزل الحكيم سبحانه لا ينزل الشيء إلا لفائدة.]]، والمعنى: وامرأتي عاقرًا، كما قال في موضع آخر: ﴿وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ﴾ [آل عمران: 40]. قال ابن الأنباري: (كَانَت) هاهنا ماضٍ، معناه الحال كأنه قال: وكائنة امرأتي في الحال، فصلح وضع الماضي في وضع الدائم؛ لأن المعنى مفهوم غير ملتبس، كقوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: 96]، و ﴿كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [النساء: 11]. المعنى: وكائن الله غفورا أبدا. قال: وفي المسألة جواب ثالث: وهو أنه لما بشر بالولد وقع في نفسه أنه يكون بزوال العقر عن زوجته فقال بعد وقوع هذا المعنى في نفسه ﴿وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا﴾ أي: إلى هذا الوقت الذي لا أدري أزال العقر عنها أم لا؟ قال: وهذا جواب جيد صحيح) [[ذكر نحوه في "المحر الوجيز" 9/ 432، "زاد المسير" 5/ 211، "التفسير الكبير" 21/ 184.]].
قوله تعالى: ﴿وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا﴾ قال أبو عبيد: (يقال للشيخ إذا ولى وكبر: عَتَا، يَعْتُو، عِتِيّا) [["تهذيب اللغة" (عتا) 3/ 2313، "لسان العرب" (عتا) 5/ 2804.]].
وقال أبو عبيدة: (كل مبالغ في شيء أو كفر فقد عَتَا، عِتِيّا، فهو عَاتٍ) [["مجاز القرآن" 2/ 2.]].
وقال أبو إسحاق: (كل شيء انتهى فقد عَتَا يَعْتْوا عُتُوًّا وعِتيًا) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 320.]].
وقال الفراء: (يقال للشيخ إذا كبر عَتَا وعِتِيا) [["معاني القرآن" للفراء 2/ 162.]].
قال أهل المعاني: (يقال للذي غيره الزمان إلى حال اليبس والجفاف: هو عَاتٍ وعَاس) [["النكت والعيون" 3/ 357، "لسان العرب" (عتا) 5/ 2804.]].
وبهذا المعنى فسره مجاهد فقال: (هو نحول العظم) [["جامع البيان" 16/ 51، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 125، "زاد المسير" 5/ 211، "تفسير كتاب الله العزيز" 3/ 7.]]. وهو قول قتادة [["تفسير القرآن" للصنعاني 2/ 6، "جامع البيان" 16/ 5، "النكت والعيون" 3/ 357، "معالم التنزيل" 5/ 220.]].
وقال ابن قتيبة: ﴿عِتِيًّا﴾ هو أي: يبسا ومنه يقال: ملك عَاتٍ إذا كان قاسي القلب غير لين) [["تفسير غريب القرآن" 272.]].
وقال ابن عباس في معنى قوله: ﴿وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا﴾ (لا أقدر على مجامعة النساء) [[ذكره الطبرسي في "مجمع البيان" 6/ 780، وورد بلا نسبة في "جامع البيان" 16/ 50، "بحر العلوم" 2/ 319، "الكشف البيان" 3/ 3 أ.]]. وهذا راجع إلى ما ذكرنا من معنى اليبوسة.
وروى عمرو بن ميمون: (أن نافع بن الأزرق سأل ابن عباس فقال: أخبرني عن قول الله -عز وجل-: ﴿وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا﴾ ما العتي؟ قال: اليبوس من الكبر) [[ذكر بلا نسبة في "بحر العلوم" 2/ 319، "النكت والعيون" 3/ 357، "الكشف والبيان" 3/ 3 أ.]].
وقرأ القراء: عُتِيا بالضم، وعِتيا بالكسر [[قرأ: ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وعاصم في رواية أبي بكر، وابن عامر: (عُتيا) بالضم، وقرأ: حمزة، والكسائي، وحفصر عن عاصم: (عتيا) بالكسر.
انظر: "السبعة" ص 407، "الحجة للاقراء السبعة" 5/ 192، "المبسوط في القراءات" ص 242، "التبصرة" ص 255.]]. وكذلك: (صليا) [مريم: 70]، (بكيا) [مريم: 58]، (جثيا) [مريم: 68]، والأصل في هذا أن ما كان من فُعُول جمعا من المعتل اللام، فاللام إذا كانت واوا لزمه القلب على الإطراد إلى الياء، ثم تقلب واو فُعول إلى الياء لادغامها في الياء، وتكسر عين الفعل كما كسرت في مرمي ونحوه، وذلك نحو: حَقْو وحُقِي، ودَلْو ودُلِي، وعَصَا وعُصِي، وصَفَا وصَفِي، وكسر الفاء مطرد في هذا نحو: دِلِي، وحِقِي، وعِصِي، وجاز ذلك؛ لأنها غيرت تغيرين وهما: أن الواو التي هي لام قلبت، والواو التي كانت قبلها قلبت أيضا، فلما غيرت تغيرين قويا على هذا التغيير من كسر الفاء هذا في الجمع، فأما ما كان من ذلك مصدرا فالقياس فيه أن يصح نحو: العُتْو والقُلُو؛ لأن واوه لم يلزمها الإنقلاب كما لزمها في الجمع، ولكن لما كانوا قد قلبوا الواو من هذا النحو وإن كان مفردا نحو: مَرْمِي وقلبوا ما كان قبل الآخر بحرف كما قلبوا الآخر نحو: صيَّم، وكان هذا على وزنه غير أيضًا تغيرين كما غيروا في الجمع ثم أجرى المصدر مجرى الجمع في كسر الفاء منه، ويروى أن في حرف عبد الله: (ظلما وعليا) [النمل: 14] في علو [[" الحجة للقراء السبعة" 5/ 193، "إعراب القرآن" للنحاس 2/ 305، "إملاء ما من به الرحمن" 1/ 111، "الدر المصون" 7/ 569.]]. وقال الله تعالى: ﴿وَعَتَوْا عُتُوًّا﴾ [الفرقان: 21] وقال في موضع آخر: ﴿أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا﴾ [مريم: 69] يعني هاهنا كالذي في هذه الآية. وقد ذكرنا في هذا النحو في قوله تعالى: ﴿مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا﴾ [الأعراف: 148].
مريم 19:9
قوله تعالى: ﴿قَالَ كَذَلِكَ﴾ قال الزجاج: (أي الأمر كما قيل لك) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 321.]]. وقال مقاتل بن سليمان: (كَذَلِكَ: بمعنى: هكذا) [["تفسير مقاتل" 2/ 232.]].
قال ابن الأنباري: (وعلى هذا القول كَذَلِكَ: بجملته في موضع نصب، ولا يقضي على الكاف بانفراد مما بعدها) [[ذكر نحوه بلا نسبة في "الكشاف" 2/ 406، "إملاء ما من به الرحمن" ص 407، "البحر المحيط" 6/ 175، "الدر المصون" 7/ 571.]].
﴿قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ﴾ قال الفراء: (أي خلقه على هين) [["معاني القرآن" للفراء 3/ 162.]].
قال ابن عباس: (يريد: أردًّ عليك قوَّتك حتى تقوى على الجماع، وأفتق رحم امرأتك بالولد) [["مجمع البيان" 5/ 780، "روح البيان" 5/ 317.]].
﴿وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ﴾ يحيى. قرئ: خلقناك [[قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر، وعاصم: (خلقتك) بالتاء من غير ألف. وقرأ: حمزة، والكسائي: (خلقناك) بالنون والألف. انظر: "السبعة" ص 408، "الحجة للقراء السبعة" 5/ 195، "التبصرة" ص 255، "النشر" 2/ 317.]]، لكثرة ما جاء من [[قوله: (من لفظ الخلق مضاف إلى) ساقط من نسخة: (س).]] لفظ الخلق مضاف إلى لفظ الجمع كقوله: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ﴾ [الحجر: 26]، في مواضع. وقوله: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ﴾ [الأعراف: 11]، ولغة الجمع قد جاء بعد لفظ الافراد كقوله: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى﴾ [الإسراء: 1]، ثم قال: ﴿وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾ [الإسراء: 2]. واختار أبو عبيد التاء [[ذكره بلا نسبة الفارسي في "الحجة للقراء السبعة" 5/ 195.]]؛ لأنها تشاكل الياء في: ﴿عَلَيَّ هَيِّنُ﴾.
وقال أحمد بن يحيى [[هو: ثعلب، تقدمت ترجمته.]]: (الاختيار النون والألف؛ لأن فيه زيادة حرف وبكل حرف عشر حسنات) [[لم أقف عليه. ويشهد له ما صح من حديث ابن مسعود -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -ﷺ-: "من قرأ حرفا من كتاب الله فله حسنة والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول ألم حرف ولكن ألف حرف ولام حرف وميم حرف".]]. والقراءة غير مخالفة خط المصحف؛ لأنهم يسقطون الألف من الهجاء في مئل هذا البناء؛ ولأن فيه الفخامة والتعظيم لاسم الله -عز وجل- وله المثل الأعلى.
وقوله تعالى: ﴿وَلَمْ تَكُ شَيْئًا﴾ يريد أنه كان عدما فأوجده بقدرته، وفي هذا رد على القدرية في تسميتهم المعدوم شيئًا [[قال القاضي علي بن أبي العز في "شرح العقيدة الطحاوية" 1/ 117: أهل السنة عندهم أن الله على كل شيء قدير، وكل ممكن فهو مندرج في هذا، وهذا الأصل هو الإيمان بربوبيته العامة التامة، وأن المعدوم ليس بشئ في الخارج، ولكن الله == يعلم ما يكون قبل أن يكون، ويكتبه، وقد يذكره ويخبر به فيكون شيئا في العلم والذكر والكتاب لا في الخارج، قال تعالى: ﴿وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا﴾ أي: لم تكن شيئاً في الخارج، وإن كان شيئًا في علمه تعالى. وانظر: "أضواء البيان" 4/ 217.]]. والله تعالى يقول لزكريا حين كان معدوما: ﴿وَلَمْ تَكُ شَيْئًا﴾. قال الزجاج: (أي فخلق الولد لك كخلقك) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 321.]].
مريم 19:10
قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً﴾ قال قتادة: (سأل نبي الله آية على حمل امرأته بعد ما شافهته الملائكة بالبشارة مشافهة) [["جامع البيان" 16/ 52، "تفسير كتاب الله العزيز" 3/ 7.]].
قال ابن الأنباري: (وفي سؤاله الآية وجوه:
أحدها: أن التماسه الآية كان على معنى المزيد من الله والتكرمة من الله بإعطائه الآية، ليتم نعمة إلى نعمة، وكلتاهما يد من الله -عز وجل- عنده.
والثاني: [أنه لما بشر بالولد كان على يقين منه، غير أنه تاقت إلى سرعة الأمر فسأل الله آية يستدل بها على قرب ما من به عليه] [[ما بين المعقوفين مكرر في نسخة (س).]].
والثالث: أنه لما بشر بالولد غلب عليه طبع البشرية، فسأل الآية ليزداد بها يقينا وإيمانا، فعاقبه الله بأن حبس لسانه ثلاث ليال حين احتاج إلى مشافهة الملائكة بالبشارة إلى علامة تدل على صحة ما وعد به) [[ذكرته كتب التفسير بلا نسبة. انظر: "جامع البيان" 16/ 52، "تفسير كتاب الله العزيز" 3/ 7، "معالم التنزيل" 3/ 189.]].
وإلى هذا ذهب الكلبي ومقاتل [["تفسيرمقاتل" 232.]]، وقتادة، قال [[قوله: (قال)، ساقط من نسخة (س).]] قتادة: (قوله: {آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ} حبس لسانه عقوبة لما سأل الله الآية بعد ما شافهته الملائكة بالبشارة، وكان لا يفيض بكلمة إنما يومئ إيماء) [["جامع البيان" 16/ 52، وذكره الهواري في "تفسيره" 3/ 7 بدون نسبة، "الدر المنثور" 2/ 192.]]. ﴿قَالَ آيَتُكَ﴾ أي قال الله علامتك على خلق الولد لذلك ﴿أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ﴾، أي: تمنع الكلام فلا تقدر عليه ﴿ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا﴾ صحيحًا من غير ما بأس ولا خرس. قال مجاهد: (أي لا يمنعك مرض) [["جامع البيان" 16/ 52، "معالم التنزيل" 5/ 220، "الدر المنثور" 4/ 469.]]. و ﴿سَوِيًّا﴾ هو منصوب على اقال. قال ابن الأنباري: (ويجوز أن يكون ﴿سَوِيًّا﴾ نعت مصدر محذوف على معنى أن لا يكلم الناس تكليمًا سويًا، يصحح هذا أنه كان يشير في الليالي الثلاث ولا يتكلم تكلما صحيحا) [[ذكر نحوه بلا نسبة "المسير الكبير" 21/ 190، "البحر المحيط" 6/ 176، "الدر المصون" 7/ 573.]].
مريم 19:11
قوله تعالى: ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ﴾ قال ابن زيد: (من مصلاه) [["جامع البيان" 16/ 53، "النكت والعيون" 3/ 358، "الدر المنثور" 4/ 469.]].
﴿فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ﴾ قال ابن عباس: (يريد أشار إليهم) [[ذكرت كتب التفسير نحوه بدون نسبة. انظر: "جامع البيان" 16/ 53، "المحرر الوجيز" 10/ 16، "النكت والعيون" 3/ 358، "معالم التنزيل" 5/ 221، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 58.]]، وهو قول القرظي [["روح المعاني" 16/ 71، "فتح القدير" 3/ 264.]]، وقال قتادة: (أو ماء إليهم) [["تفسير القرآن" للصنعاني 2/ 6، "جامع البيان" 16/ 54، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 126، "روح المعاني" 16/ 71.]]. وقال مجاهد: (كتب إليهم في الأرض) [["جامع البيان" 16/ 54، "معالم التنزيل" 5/ 221، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 126، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 85.]]. وهو قول الحكم، وإبراهيم [["جامع البيان" 16/ 54، "الدر المنثور" 4/ 469.]]. ويدل على صحة الإشارة قوله: ﴿ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا﴾ [آل عمران: 41] ﴿أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ ومعنى أمره إياهم بالصلاة ما ذكره سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: (كان يأمرهم بالصلاة بكرة وعشيا) [["روح المعاني" 16/ 71، "الدر المنثور" 4/ 469، "تنوير المقباس" 254.]]. والمعنى أنه كان يخرج على قومه بكرة وعشيا فيأمرهم بالصلاة. فلما كان وقت حمل امرأته ومنع الكلام خرج عليهم فأمرهم بالصلاة.
مريم 19:12
وقوله تعالى: ﴿يَا يَحْيَى﴾ قال أبو إسحاق: (المعنى فوهبنا له وقلنا: ﴿يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ﴾) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 321.]]. قال ابن عباس: (التوراة بقوة) [["النكت والعيون" 3/ 359، "تنوير المقباس" 254.]]. قال مجاهد: (بجد) [["جامع البيان" 16/ 55، "النكت والعيون" 3/ 359، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 86، "الدر المنثور" 4/ 470.]]. وقال ابن عباس: (بقوة منك أعطيتكها وقويتك على حفظها والعمل بما فيها) [[ذكرت كتب التفسير نحوه. انظر: "المحرر الوجيز" 9/ 436، "النكت والعيون" 3/ 360، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 86، "التفسير الكبير" 21/ 191.]].
﴿وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا﴾ قال: (يريد النبوة في صباه وهو ابن ثلاث سنين) [["زاد المسير" 5/ 213، "روح المعاني" 16/ 72، "الدر المنثور" 4/ 470 ونسبة لقتادة.]].
وقال مجاهد: (الحكم والفهم هو أنه أعطي فهما لكتاب الله حتى حصل له عظيم الفائدة) [["زاد المسير" 5/ 213، "الدر المنثور" 4/ 470، "فتح القدير" 3/ 466.]].
وقال معمر: (هو أن الصبيان قالوا له: اذهب بنا نلعب. فقال ما للعب خلقت) [["تفسير القرآن" للصنعاني 2/ 6، "جامع البيان" 16/ 55، "النكت والعيون" 3/ 360، "المحرر الوجيز" 9/ 436.]].
وقال الحسن: (﴿وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا﴾: اللب) [["زاد المسير" 5/ 213.]]. والحكم عند العرب: ما يمنع من الجهل والخطأ ويصرف عنهما [[انظر: "تهذيب اللغة" (حكم) 1/ 885، "مقاييس اللغة" (حكم) 2/ 91، "الصحاح" (حكم) 5/ 1901، "لسان العرب" (حكم) 2/ 951.]].
مريم 19:13
قوله تعالى: ﴿وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا وَزَكَاةً وَكَانَ تَقِيًّا﴾ الحنان معناه في اللغة: العطف والرحمة. يقال: حنانك وحنانيك يذكره الرحمة والبر، ومنه قول الشاعر [[هذا عجز بيت لطرفة بن العبد، وصدره:
أبا منذر أفنيت فاستبق بعضنا
انظر: "ديوانه" 66، "مجاز القرآن" لأبي عبيدة 2/ 2، "الكتاب" لسيبويه 1/ 348، "همع الهوامع" 1/ 190، "الدر المصون" 7/ 575، "لسان العرب" (حنن) 2/ 1030، "جمهرة أشعار العرب" 3/ 449.]]:
حَنَانَيْكَ بَعضُ الشَّرِّ أَهْوَنُ مِنْ بَعْضِ
ويقال: حَنَّ عليه أي: عطف عليه، وحَنَّ إليه أي: نزع إليه [[انظر: "تهذيب اللغة" (حن) 1/ 945، "القاموس المحيط" (الحنين) 1188، "الصحاح" (حنن) 5/ 2104.]]، ونحو هذا قال المفسرون في معنى الحَنَان، قال ابن عباس في رواية علي بن أبي طلحة: ﴿وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا﴾ يقول: (رحمة من عندنا) [["جامع البيان" 16/ 55، "النكت والعيون" 3/ 360، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 126، "زاد المسير" 5/ 214، "الدر المنثور" 4/ 471.]]. وهو قول عكرمة، وقتادة، والربيع [["جامع البيان" 16/ 55، "تفسير القرآن" للصنعاني 2/ 7، "النكت والعيون" 3/ 360، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 126.]].
وقوله تعالى: ﴿وَزَكَاةً﴾ قال ابن عباس: (يعني بالزكاة طاعة الله والإخلاص) [["معالم التزيل" 5/ 222، "زاد المسير" 5/ 214.]].
وقال قتادة: (هي العمل الصالح) [["جامع البيان" 16/ 57، "معالم التزيل" 5/ 222، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 126، "زاد المسير" 5/ 214.]]. وهو قول الضحاك وابن جريج [["جامع البيان" 16/ 58، "النكت والعيون" 3/ 360، "معالم التزيل" 5/ 222.]]. ومعنى الآية: وآتيناه رحمة من عندنا وتحننا على العباد ليدعوهم إلى طاعة ربهم وعملا صالحا في إخلاص، فعلى هذا الموصوف بالحنان والزكاة يحيى؛ لأن الله آتاه إياهما.
وقال ابن عباس في رواية عكرمة: (لا أدري ما الحنان؟ غير أني أظنه يعطف الله على عبده) [["جامع البيان" 16/ 56، "المحرر الوجيز" 9/ 437، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 126، "الدر المنثور" 4/ 471.]]. ونحو هذا قال مجاهد في تفسير: ﴿وَحَنَانًا﴾ (تعطفا من ربه على يحيى) [["جامع البيان" 16/ 56، "النكت والعيون" 3/ 360، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 126، "زاد المسير" 5/ 214.]].
وقال أبو إسحاق في تفسير ﴿وَزَكَاةً﴾: (الزكاة التطهير) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 322.]]. وعلى هذا معني الآية: وآيتنا يحيى تعطفا منا عليه، وتطهيرا إياه من عندنا، والموصوف بالحنان والزكاة هو الله تعالى على هذا القول؛ لأنه ذو الرحمة على يحيى والمطهر له.
وقال قوم: الحنان والزكاة يعودان إلى زكريا، وهو قول الكلبي والفراء. قال الفراء: (وفعلنا ذلك رحمة لأبويك) [["معاني القرآن" للفراء 2/ 163.]]. وقال الكلبي في قوله: ﴿وَزَكَاةً﴾ (يعني: صدقه تصدق الله بها على أبويه) [["معالم التنزيل" 5/ 222.]]. وعلى هذا القول يحتاج إلى إضمار كما ذكره الفراء ويكون التقدير: وفعلنا ذلك يعني هبة الولد واستجابة الدعاء حنانا من لدنا أي: رحمة منا على زكريا، وزكاة، وصدقة منا عليه [[قال الشنقيطي في "أضواء البيان" 4/ 229: والتحقيق فيه إن شاء الله هو أن المعنى: وأعطيناه زكاة أي: طهارة من الذنوب والمعاصي بتوفيقنا إياه للعمل بما يرضي الله تعالى. وانظر: "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 88.]].
وقوله تعالى: ﴿وَكَانَ تَقِيًّا﴾ قال ابن عباس: (جعلته يتقيني ولا يعدل بي غيري) [["زاد المسير" 5/ 214.]].
قال المفسرون: (وكان من تقواه أنه لم يعمل خطيئة ولا هم بها) [["جامع البيان" 16/ 58، "المحرر الوجيز" 9/ 438، "معالم التنزيل" 5/ 222، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 88.]]. كما قال رسول الله -ﷺ-: "ما من الناس عبد إلا قد هم بخطيئه أو عملها غير يحيى بن زكريا" [[أخرجه الطبري في "تفسيره" 16/ 58، والصنعاني في "تفسيره" 2/ 7، والإمام أحمد في "مسنده" 1/ 215، وذكره ابن كثير في "تفسيره" 3/ 126، بروايات مختلفة وضعفها جميعا. وقال الشنقيطي في "أضواء البيان" 4/ 226: والظاهر أنه لم يثبت شيء من ذلك مرفوعًا: إما بانقطاع، وإما بعنعنة مدلس، وإما بضعف راوٍ كما أشار له ابن كثير وغيره.
وأخرج نحوه ابن أبي شيبه في مصنفه موقوفًا على عبد الله بن عمرو بن العاص 11/ 561، و"الحاكم في مستدركه" 2/ 373 وقال: صحيح على شرط مسلم ووافقه الذهبي، والسيوطي في "الدر المنثور" 4/ 471 وعزاه لأحمد وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن قتاده.]].
مريم 19:14
قوله تعالى: ﴿وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ﴾ البَرُّ بمعنى البار كالصب والطب فعل بمعنى فاعل، والمعنى لطيفا بهما محسنا إليهما [[انظر: "تهذيب اللغة" (بر) 1/ 308، "مقاييس اللغة" (بر) 1/ 177، "القاموس المحيط" (البر) 1/ 348، "الصحاح" (برر) 2/ 588، "لسان العرب" (برر) 1/ 252.
وانظر: "معالم التنزيل" 5/ 222، "بحر العلوم" 2/ 320، "زاد المسير" 5/ 215، "أضواء البيان" 4/ 229.]]. ﴿وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا﴾ قال الكلبي: (هو الذي يقتل على الغضب ويضرب على الغضب) [["الكشف والبيان" 3/ 3 ب، وذكره البغوي في "تفسيره" 5/ 122 بدون نسبة.]]. ﴿عَصِيًّا﴾ عاصيا. قال ابن عباس: (يريد لا يرتكب لي معصية) [[ذكرت كتب التفسير نحوه بدون نسبة. انظر: "الكشف والبيان" 3/ 2 ب، "المحرر الوجيز" 9/ 440، "معالم التنزيل" 5/ 222، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 126، "لباب التأويل" 4/ 240، "روح المعاني" 16/ 73.]].
مريم 19:15
قوله تعالى: ﴿وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ﴾ الآية، قال أبو إسحاق: (سلام مما يبتدأ به في النكره؛ لأنه اسم يكثر استعماله تقول: سلام عليك، والسلام عليك، وأسماء الأجناس يبدأ بها؛ لأن فائدة نكرتها قريب من فائدة معرفتها تقول: لبيك وخير بين يديك، وإن شئت قلت: والخير بين يديك) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 329.]].
قال عطاء عن ابن عباس: (يريد سلام عليه مني في هذه الأيام) [[ذكرت كتب التفسير نحوه بدون نسبة. انظر: "جامع البيان" 16/ 58، "المحرر الوجيز" 9/ 440، "زاد المسير" 5/ 215، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 126، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 89، "لباب التأويل" 4/ 240.]].
وقال الكلبي: (سلامة له منا) [["الكشف والبيان" 3/ 3 ب.]]. وقال سفيان بن عيينه: (أوحش ما يكون الخلق في ثلاثة مواطن: يوم ولد فيرى نفسه خارجا مما كان، ويوم يموت فيرى قوما لم يكن عاينهم، وأحكاما يشير له بها عهد، ويوم يبعث فيرى نفسه في محشر لم يره، فخص الله فيها بالكرامة يحيى بن زكريا فسلم عليه بالمواطن الثلاثة) [["جامع البيان" 16/ 59، "معالم التنزيل" 5/ 222، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 127، "زاد المسير" 5/ 215.]]. فقال: ﴿وَسَلَامٌ عَلَيْه﴾ الآية.
قال ابن الأنباري: (لم يقصد باليوم قصد يوم واحد؛ لأنه يجوز أن يموت بالليل، وأن لا يولد نهارا، ولكن اليوم يقع على الزمان الذي يشتمل على الساعات والليالي) [[ذكر نحوه الأزهري في "تهذيب اللغة" (يوم) 4/ 3990، وابن الجوزي في "زاد المسير" 5/ 215.]].
وتلخيص معنى الآية: ويسلم عليه في زمان مولده، وكذلك ما بعده. وقد قال الكلبي عن ابن عباس: (وسلم عليه حين ولد) [["الكشف والبيان" 3/ 3 ب.]].
مريم 19:16
قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ﴾ قال ابن عباس: (يعني واذكر يا محمد من أمر مريم لأهل مكة) [[ذكرت نحوه كتب التفسير بدون نسبة. انظر: "جامع البيان" 16/ 59، "بحر العلوم" 2/ 320، "تفسير كتاب الله العزيز" 3/ 8، "المحرر الوجيز" 9/ 441، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 95. والأولى العموم فالذكر لأهل مكة ولغيرهم من أمة محمد -ﷺ-.]]. ﴿إِذِ انْتَبَذَتْ﴾ قال الكلبي والزجاج: (تنحت) [["الكشف والبيان" 3/ 4 أ، "معاني القرآن للزجاج" 3/ 322.]]. وأصله من النبذ، وهو طرحك الشيء ورميك به. يقال: نبذْتُه ناحية فانتبذ، وجلس فلان نَبْذَةً ونُبُذَةً أي ناحية، وانْتَبَذَ فلان ناحية أي: تنحى ناحية [[انظر: "تهذيب اللغة" (نبذ) 4/ 3494، "الصحاح" (نبذ) 2/ 571، "المعجم الوسيط" (نبذ) 2/ 897، "المفردات في غريب القرآن" (نبذ) 480، "لسان العرب" (نبذ) 7/ 4322.]].
وقال قتادة: (انفردت) [["جامع البيان" 16/ 59، "النكت والعيون" 3/ 361، "الكشف والبيان" 3/ 4 أ.]]. وقال ابن قتيبة: (اعتزلت) [["تفسير غريب القرآن" لابن قتيبة 2/ 3.]]. والقولان معنى، وليس بتفسير، وتفسير (انتبذت): تَنحَّت.
﴿مِنْ أَهْلِهَا﴾ يعني ممن كانوا معها في الدار ﴿مَكَانًا شَرْقِيًّا﴾ إلى مكان في جانب الشرق. وقال ابن السكيت: الشرق: الشمس، والشرق بسكون الراء المكان الذي تشرق فيه الشمس) [["تهذيب اللغة" (شرق) 2/ 1865.]].
قال ابن عباس في رواية عطاء: (أن مريم أذاها القمل [[القمل: دواب صغار من جنس القردان إلا أنها أصغر منها، واحدتها قملة.
انظر: تهذيب اللغة (قمل) 9/ 186، "الصحاح" (قمل) 5/ 1805، "لسان العرب" (قمل) 6/ 4743.]] في رأسها كنت أن تجد خلوة فتفلي رأسها، فخرجت في يوم شديد البرد فجلست في مشرقة الشمس) [["زاد المسير" 5/ 215، "الكشاف" 2/ 407، "البحر المحيط" 6/ 180 بدون نسبة.]].
وقال عكرمة: (أنها كانت تكون في المسجد فإذا حاضت تحولت إلى بيت خالتها ثم أنها أرادت الغسل من الحيض فتحولت إلى مشرقة دارهم للسغل) [["معالم التنزيل" 5/ 223، "الكشف والبيان" 3/ 4 أ.]]. فذلك قوله: ﴿إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا﴾ ونحو هذا قال الكلبي [[ذكرت نحوه كتب التفسير بدون نسبة. انظر: "الكشف والبيان" 3/ 4 أ، "معالم التنزيل" 5/ 223، "الكشاف" 3/ 505، "أنوار التنزيل" 4/ 4، "روح المعاني" 16/ 75، "مجمع البيان" 5/ 784، "روح البيان" 5/ 321.]].
مريم 19:17
قوله: ﴿فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ﴾ أي من دون أهلها لئلا يرونها ﴿حِجَابًا﴾ سترًا حاجزًا. قال ابن عباس: (يريد جعلت الجبل بينها وبين الناس) [[ذكرت كتب التفسير نحوه بدون نسبة. انظر: "الكشف البيان" 3/ 4 أ، "معالم التنزيل" 5/ 223، "الكشاف" 2/ 506، "لباب التأويل" 4/ 141، "التفسير الكبير" 21/ 196، "البحر المحيط" 6/ 180.]]. والحجاب: الجبل كقوله: ﴿حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾ [ص: 32] وهذا قول مقاتل [["معالم التنزيل" 5/ 223، "تفسير مقاتل" 232، "الكشف والبيان" 3/ 4 أ.]]. وقال السدي: (حجابا من الجدران) [["جامع البيان" 16/ 60، "النكت والعيون" 3/ 361، "المحرر الوجيز" 9/ 442، "زاد المسير" 5/ 215.]]. ﴿فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا﴾ قال المفسرون: (بينما هي تغتسل من الحيض إذ عرض لها جبريل -عليه السلام- في صورة شاب أمرد وضيء الوجه) [["معالم التنزيل" 5/ 223، "الكشاف" 2/ 407، "زاد المسير" 5/ 217، "الكشف والبيان" 3/ 4 أ.]].
فذلك قوله: ﴿فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا﴾ يعني جبريل ﴿فَتَمَثَّلَ﴾ فتصور وتشبه ﴿لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا﴾ معتدلًا تامًّا.
مريم 19:18
قال ابن عباس: (فلما رأت جبريل يقصد نحوها نادته مر بعيد) [[ذكره البغوي في "تفسيره" 5/ 223 بدون نسبة.]] بقوله: ﴿قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا﴾ أي مخلصا مطيعا. قال أبو إسحاق: (تأويله إني أعوذ بالله منك، فإن كنت تقيا فستتعظ بتعوذي بالله منك) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 323.]].
مريم 19:19
قوله تعالى: ﴿قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ﴾ هذا جواب جبريل -عليه السلام- لمريم ﴿لِأَهَبَ لَكِ﴾ اللام متعلقة بمعنى قوله: ﴿رَسُولُ رَبِّكِ﴾ أي: أرسلني ليهب لك. ومن قراء: لأهب [[قرأ: ابن كثير، وعاصم، وابن عامر، وحمزة، والكسائي، وقالون عن نافع: (لأهب) بالهمز.
وقرأ: أبو عمرو البصري، وورش عن نافع: (ليهب) بغير همز.
انظر: "السبعة" ص 408، "الحجة للقراء السبعة" 5/ 195، "التبصرة" ص 256، "النشر" 2/ 317.]]، استند إلى المتكلم وهو جبريل والهبة لله سبحانه، والرسول والوكيل قد يسندون هذا النحو إلى أنفسهم، وإن كان الفعل للموكل والمرسل للعلم به، وإن الرسول مترجم عنه [["الحجة للقراء السبعة" 5/ 195.]].
وقوله تعالى: ﴿غُلَامًا زَكِيًّا﴾ قال قال ابن عباس: (يريد نبيا) [[ذكرته كتب التفسير بدون نسبة. انظر: "مجمع البيان" 5/ 784، "التفسير الكبير" 21/ 199، "روح المعاني" 16/ 77. "فتح القدير" 3/ 468.]]. وقال الكلبي: (يعني صالحا) [[ذكرت كتب التفسير نحوه بدون نسبة. انظر: "معالم التزيل" 5/ 223، "بحر العلوم" 2/ 320، "لباب التأويل" 4/ 241، "روح المعاني" 16/ 77.]]. وهو قول الضحاك [[ذكرت كتب التفسير نحوه بدون نسبة. انظر: "تفسير كتاب الله العزيز" 3/ 9، "معالم التنزيل" 5/ 223، "بحر العلوم" 2/ 320.]].
وقيل: (طاهرا من الذنوب) [["جامع البيان" 16/ 61، "معالم التزيل" 5/ 223، "زاد المسير" 5/ 217، سعيد "فتح القدير" 3/ 468.]]. وقيل: (ناميا على الخير) [["زاد المسير" 5/ 218، "التفسير الكبير" 11/ 219، "روح المعاني" 16/ 77.]].
مريم 19:20
﴿قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ﴾ لم يقربني زوج ﴿وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا﴾ فاجرة زانية.
وقال ابن عباس: (تريد ليس لي زوج، ولست بزانية، وليس يكون الولد إلا من زوج أو من الزنا) [[ذكرت كتب التفسير نحوه بدون نسبة. انظر: "جامع البيان" 16/ 62، "المحرر الوجيز" 9/ 444، "معالم التنزيل" 3/ 191، "زاد المسير" 5/ 218، "لباب التأويل" 4/ 241.]].
ويقال: بَغَت المرأة تبغي بَغْيًا إذا فجرت، وأصله: من البَغْي والذي هو الطلب وذلك أنهم يبغين بالفجور، والعرب تسمي الإماء البَغَايا والواحدة منها: بَغِي، ذكره ابن السكيت [[انظر: "تهذيب اللغة" (بغي) 1/ 367، "مقاييس اللغة" (بغي) 1/ 272، "المفردات في غريب القرآن" (بغي) ص 55، "لسان العرب" (بغا) 1/ 321.]]. وذلك أن العرب كانوا يأمرونهن بالمباغاة تكسبا بهن فكن يبغين الأجور فجرى هذا الاسم على الإماء. وبغي فعيل بمعنى فاعل ويكون منقولا غير مبني على الفعل فلذلك لم تدخله الهاء، وقد ذكرنا تمام هذا الفصل عند قوله: (والنطيحة) [[عند قوله سبحانه في سورة المائدة الآية رقم (3): ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ﴾ الآية.]].
وقال ابن الأنباري: (إن بغي النساء أغلب عليه، قل ما تقول العرب: رجل بغي، إنما يغلب عليهم امرأة بغي، ورجل عاهر فاجر، فلما انفردت المرأة بالوصف استغنى عن إلحاق علامات التأنيث، وجرى مجرى حائض وطالق) [["الكشاف" 2/ 407،"زاد المسير" 5/ 218، "إملاء ما من به الرحمن" ص 408، "الدر المصون" 7/ 578.]].
وقال المازني: (بغي [[في (س): (يعني)، وهو تصحيف.]] ليس بفعيل إنما هو فعول الأصل بغوي فلما التقت واو وياء وسبق أحدهما بالسكون أدغمت الواو في الياء فقيل: بغي، كما تقول: امرأة صبور بغير هاء؛ لأنها بمعنى صابرة) [[ذكر نحوه بلا نسبة "الكشاف" 2/ 408، "المحرر الوجيز" 9/ 444، "إملاء ما من به الرحمن" 408، "الممتع" 1/ 549، "الدر المصون" 7/ 578.]].
مريم 19:21
قوله تعالى: ﴿قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ﴾ مفسر في هذه السورة [[عند قوله سبحانه في هذه السورة الآية رقم (9): ﴿قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا﴾.]]. ومعنى الهين: المتأتي من غير مشقة، والهين من باب الصيب والميت [[انظر: "تهذيب اللغة" (هَيَن) 4/ 3698، "القاموس المحيط" (هَيَنَ) (1240)، "المفردات في غريب القرآن" (هَيَن) ص 547.]].
قال ابن عباس: (يريد يسير أن أهب لك غلاما من غير فحل) [[ذكرت نحوه كتب التفسير بدون نسبة. انظر: "جامع البيان" 16/ 62، "بحر == العلوم" 2/ 321، "زاد المسير" 5/ 218، "مجمع البيان" 5/ 789، "مدارك التنزيل" 2/ 975، "روح البيان" 5/ 323.]].
﴿وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ﴾ قال: (يريد عجيبة للناس) [[ذكرت نحوه كتب التفسير بدون نسبة. انظر: "زاد المسير" 5/ 218، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 91، "روح المعاني" 16/ 78.]]. كونه غلاما ليس له أب ﴿وَرَحْمَةً مِنَّا﴾ لمن تبعه وصدق به.
وقوله تعالى: [﴿وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً﴾ عطف جملة على جملة، واللام تعلق بمحذوف تقديره] [[ما بين المعقوتين ساقط من نسخه (س).]]: ولنجعله آية للناس، ﴿وَرَحْمَةً مِنَّا﴾ خلقناه. وقال ابن الأنباري: (هو معطوف على مضمر محذوف التقدير: هو علي هين لننفعك به ولنجعله، فحذف الكلام الأول اختصارا ودل الثاني عليه) [[ذكر نحوه بلا نسبة في "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 91، "التفسير الكبير" 21/ 200، "البحر المحيط" 6/ 181، "الدر المصون" 7/ 579.]]. ﴿وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا﴾ أي كان خلقه أمرا محكوما به مفروغا منه سابقا في علم الله أن يقع.
مريم 19:22
قوله تعالى: ﴿فَحَمَلَتْهُ﴾ هو مختصر والمعنى: فنفخ فيها جبريل فحملته. وحذف ذلك؛ لأن النفخ قد بين في غير هذا الموضع، والقرآن كله كتاب واحد [[عند قوله سبحانه في سورة التحريم الآية رقم (12): ﴿وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا﴾.
وقوله في سورة الأنبياء الآية رقم (91): ﴿وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا﴾.]]. قال ابن عباس: (دنا منها جبريل فأخذ ردن قميصها فنفخ فيه فحملت مريم من ساعتها بعيسى ووجدت حس الحمل) [["جامع البيان" 16/ 62، "الكشاف" 2/ 408، "زاد المسير" 5/ 218، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 91، "الدر المنثور" 4/ 478.]]. فذلك قوله: ﴿فَحَمَلَتْهُ﴾.
وقوله تعالى: ﴿فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا﴾ أي تنحت بالحمل إلى مكان بعيد. قال ابن عباس: (يريد أقصى الوادي) [["معالم التنزيل" 5/ 224، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 92.]]. وهو: وادي بيت لحم [[بيت لحم: بالفتح وسكون الحاء قرية قرب البيت المقدس، عامرة حافلة، وهي مهد عيسى -عليه السلام-، ومن قرى فلسطين. انظر: "معجم البلدان" 1/ 521.]] [["المحرر الوجيز" 9/ 445، "معالم التنزيل" 5/ 224، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 92، "أضواء البيان" 4/ 240.]]. وهذا الإنتباذ إنما كان عند وضعها، فرارا من زكريا ومن قومها أن يعيروها بولادتها من غير زوج.
قال ابن عباس: (ما هو إلا أن حملت فوضعت) [["بحر العلوم" 2/ 321، "معالم التنزيل" 5/ 224، "الكشاف" 2/ 408، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 119 وقال: وهذا غريب، "الدر المنثور" 4/ 479، "زاد المسير" 5/ 218.]]. وعلى هذا دل ظاهر قوله: ﴿فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ﴾ ذكر الانتباذ عقب الحمل، والانتباذ إنما كان عند الوضع [[وهذا خلاف قول الجمهور. قال ابن كثير في "تفسيره" 3/ 129: فالمشهور عن الجمهور أنها حملت به تسعة أشهر .. والفاء وإن كانت للتعقيب لكن تعقيب كل شيء بحسبه.
وقال ابن عطية في "تفسيره" 9/ 445: وظاهر قوله: (فأجاءها المخاض) يقتضي أنها كانت على عرف النساء، وتظاهرت الروايات على ذلك.
وقال الشنقيطي في "أضواء البيان" 4/ 244: وأظهر الأقوال أنه حمل كعادة حمل النساء وإن كان منشؤه خارقا للعادة.]] والقَصِي فَعِيْل بمعنى فَاعِل من قَصَى يَقْصُو إذا بعد [[انظر: "تهذيب اللغة" (قصا) 3/ 2969، "مقاييس اللغة" (قصوى) 5/ 94، "لسان العرب" (قصا) 6/ 3657، "المفردات في غريب القرآن" (قصى) 405.]]، قال الراجز [[ذكرته كتب التفسير واللغة بلا نسبة.
انظر: "جامع البيان" 16/ 63، "معاني القرآن للفراء" 2/ 70، "المذكر والمؤنث" لابن الأنباري 334، "لسان العرب" (ذا) 3/ 1472.]]:
لَيَقْعُدنَّ مَقْعَدَ القَصِي ... مِنِّي ذَي القَاذُورةِ المَقْلِي
مريم 19:23
قوله تعالى: ﴿فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ﴾ أي: الجأها واضطرها يقال: جاء بها وأجاءها بمعنى هذا قول جميع أهل اللغة [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 324، "معاني القرآن" للفراء 2/ 164، "إملاء ما من به الرحمن" 1/ 112، "المحتسب" 2/ 39، "غريب القرآن لابن الملقن" 239.]]، وأنشدوا لزهير [[هذا عجز بيت لزهير، وصدره:
وَجَار سارَ مُعْتَمِدًا إليكُم
انظر "ديوانه" ص 13، "معاني القرآن" للزجاج 3/ 324، "المحرر الوجيز" 9/ 446، "البحر المحيط" 6/ 182، "الدر المصون" 7/ 581، "لسان العرب" (جيأ) 2/ 736.]]:
أَجَأَتْهُ المَخَافَةُ والرَّجَاء
قالوا: والعرب تقول في أمثالها: شر مَا أَلجَأكَ إلى مُخَّةِ عُرْقُوب [[المعنى: أن العرقوب لا مخ له، وإنما يلجأ إليه من لا يقدر على شيء.
انظر: "جامع البيان" 16/ 63، "معاني القرآن" للفراء 2/ 164، "معاني القرآن" للزجاج 3/ 324، "لسان العرب" (مخ) 7/ 4155.]]. يريدون اضطرك وألجأك إليها. قال ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، والسدي في تفسير أجاءها: (ألجأها) [["جامع البيان" 16/ 64، "النكت والعيون" 3/ 363، "معالم التنزيل" 5/ 225، "الدر المنثور" 4/ 481.]]. والمخاض: وجع الولادة وهو الطلق، ومَخِضتِ المرآة تَمْخَضُ مَخَاضًا، وناقة مَاخِض وشاة مآخِضٌ إذا دنا ولادتها [[في (ص): (ولادها).]]، ويقال أيضًا دجاجة مَاخِضٌ إذا قربت أن تبيض، ومنه قول الراجز [[هذا عجز البيت وصدره:
وَمَسدٍ فَوْقَ محالٍ نُغَّيضِ
ذكر البيت الأزهري في "تهذيب اللغة" (مخض) 4/ 3358 بدون نسبة، وكذلك "لسان العرب" (مخض) 7/ 4153.]]:
تُنْقِضُ إنْقضَاض الدَّجَاجِ المُخَّضِ
والمخاض من الإبل: الحوامل، سميت مخاضًا تفاؤلا بأنها تَمْخِضُ بالولد إذا أنجبت [[نظر: "تهذيب اللغة" (مخض) 4/ 3358، "مقاييس اللغة" (مخض) 5/ 304، "القاموس المحيط" (مخض) 2/ 653، "لسان العرب" (مخض) 7/ 4153.]].
وقوله تعالى: ﴿إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ الجذع: ساق النخل، قال ابن عباس: (نظرت مريم إلى أكمة [[الأكمة: هو الموضع الذي هو أشد ارتفاعا مما حوله، وهو دون الجبال ومثل الروابي.
انظر: "تهذيب اللغة" (أكم) 1/ 177، "الصحاح" (أكم) 5/ 1862، "لسان العرب" (أكم) 1/ 103.]] فصعدت مسرعة، فإذا على الأكمة جذع نحو جذع نخلة فأسرعت المشيء حتى سارت إلى الجذع) [[ذكرت نحوه كتب التفسير بدون نسبة انظر: "الكشاف" 2/ 506، "زاد المسير" 5/ 220، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 90، "مجمع البيان" 5/ 590، "روح المعاني" 16/ 81، "لباب التأويل" 4/ 242.]]. فذلك قوله: ﴿فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ قال المفسرون: (وكان جذع نخلة يابسة لس لها سعف) [["بحر العلوم" 2/ 321، "المحرر الوجيز" 9/ 446، "معالم التنزيل" 5/ 225، "زاد المسير" 5/ 220، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 92.]]. ولهذا قال الله تعالى: ﴿إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ ولم يقل إلى النخلة؛ لأنها لم يبق منها إلا الجذع.
وقوله تعالى: ﴿قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا﴾ قال السدي: [(قالت في حال الطلق: يا ليتني مت قبل هذا استحياء من الناس) [["جامع البيان" 16/ 66، "النكت والعيون" 3/ 364، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 121.]]. وقيل:] [[ما بين المعقوفين ساقط من نسخه (س).]] (إنما قالت ذلك بطبع البشرية خوف الفضيحة) [["المحرر الوجيز" 9/ 447، "معالم التنزيل" 5/ 225، "الكشاف" 2/ 108، "روح المعاني" 16/ 82.]]. وقيل: (إنما جاز أن تتمنى الموت قبل تلك الحال التي قد علمت أنها من قضاء الله، لكراهتها أن يعصي الله بسببها إذ كان الناس يتسرعون إلى القول في ذلك بما يسخط الله جل وعز) [["النكت والعيون" 3/ 364، "الكشاف" 2/ 409، "زاد المسير" 5/ 220، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 92.]].
وقال أبو إسحاق: (معناه لو خيرت قبل هذه الحال بين الموت أو الدفع إلى هذه الحال لاختارت الموت) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 324.]]. ومعنى قوله: ﴿قَبْلَ هَذَا﴾ أي: قبل هذا اليوم، أو هذا الوقت، أو هذا الأمر [["زاد المسير" 5/ 220، "روح المعاني" 16/ 82، "فتح القدير" 3/ 469.]].
وقوله تعالى: ﴿وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا﴾ قال أبو إسحاق: (النسي في كلام العرب الشيء المطروح لا يؤبه له) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 324.]].
قال الشنفري [[الشنفري بن مالك الأزدي، والشنفري اسمه، وقيل لقب له لأنه غليظ الشفة، واختلف في اسمه، وهو شاعر جاهلي فحل، له أشعار في الفخر والحماسة وأشهرها لاميته، وهو من عدائي العرب.
انظر: "نزهة الألباء" 1/ 408، "الأعلام" 5/ 85، "الخزانة" 3/ 343.]] [[البيت للشنفري يصف امرأة كأنها من شدة حيائها إذا مشت تطلب شيئًا ضاع منها.
تبلت: انقطعت في كلامها فلا تطيله.
انظر: "معاني القرآن" للزجاج 3/ 325، "شرح المفضليات" 201، "مجاز القرآن" لأبي عبيدة 2/ 46، "الحجة للقراء السبعة" 5/ 196، "وضح البرهان في مشكلات القرآن" 2/ 46، "المخصص" 12/ 27، "لسان العرب" (نسا) 7/ 4417.]]:
كَأَنَّ لَهَا في الأرضِ نِسْيًا تَقُصُّه ... عَلَى أُمِّهَا وإِن تُكَلِمْكَ تَبْلَتِ
يصف امرأة بالخفى [[في (ص): (بالخفر).]]. وقال الأخفش، وأبو عبيدة: (النسي ما أغفل من شيء حقير ونسي) [["مجاز القرآن" لأبي عبيدة 2/ 4، "تهذيب اللغة" (نسى) 4/ 3565.]].
وقال يونس: (العرب تقول إذا ارتحلوا من المنزل انظروا أنساكم، أي: الشيء اليسير نحو: العصا، والقدح، والشِّظَاظ [[الشِّظَاظُ: خُشَيْبَة عَقْفَاء محددة الطرف توضع في الجوالق أو بين الأونين يشد بها الوعاء. انظر: "تهذيب اللغة" (شظ) 2/ 1879، "لسان العرب" (شظظ) 2/ 1879، "مختار الصحاح" (شظظ) 338.]].) [["الكشاف" 2/ 408، "تهذيب اللغة" (نسى) 4/ 3565.]]. هذا معنى النسي في اللغة.
فأما التفسير فقال ابن عباس: (نسيًا: متروكا لا يذكر) [[ذكر نحوه "جامع البيان" 16/ 66، و"النكت والعيون" 3/ 364، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 129، "زاد المسير" 5/ 221، "الدر المنثور" 4/ 481.]].
وهو قول قتادة [["جامع البيان" 16/ 66، "بحر العلوم" 2/ 321، "النكت والعيون" 3/ 364، "معالم التنزيل" 5/ 245، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 129.]].
وقال عكرمة، والضحاك، ومجاهد: (حيضة ملقاة) [["النكت والعيون" 3/ 364، "معالم التنزيل" 5/ 225، "زاد المسير" 5/ 221، "الدر المنثور" 4/ 481.]].
والمنسي: المفعول؛ من نسيت الشيء ضد ذكرته، ويجوز أن يكون مفعولًا من نسيت بمعنى: تركت، وهو هاهنا من صفة الشيء، ومعناه المبالغة؛. لأن النسي وإن كان حقيرًا فقد يطلب ويذكر، فهي تقول ياليتني [[في (س): (بالشيء)، وهو تصحيف.]] كنت ذلك الشيء الذي لا يذكر ولا يطلب.
وقال السدي: (﴿وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا﴾ أي نسي ذكري، ومنسيا أي: نسي أثري فلا يرى لي أثر ولا عين) [["جامع البيان" 16/ 66.]].
وقرئ: نسيا بالفتح [[قرأ: ابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر، ونافع، والكسائي، وعاصم في رواية أبي بكر: (نِسيا) بكسر النون.
وقرأ: حمزة، وعاصم في رواية حفص: (نَسيا) بفتح النون.
انظر: "السبعة" ص 408، "الحجة للقراء السبعة" 5/ 196، "المبسوط في القراءات" 243، "النشر" 2/ 318.]]. قال الفراء: (هما لغتان مثل: الجَسْر والجِسْر، والحَجْر والحِجْر، والوَتْر والوِتْر. والنسي: ما تلقيه المرآة من خرق اعتلالها وهو اللقَى) [["معاني القرآن" للفراء 2/ 164.]].
وقال أهل اللغة: (الكسر أعلى اللغتين) [["إعراب القرآن" للنحاس 9/ 352، "الحجة للقراء السبعة" 5/ 196، "الدر المصون" 7/ 582.]]. ويجوز في غير هذا أن يكون النسي مصدرًا كالنسيان كما يقال: العصي والعصيان، والآتي والإتيان، أنشد الفراء [[ذكره الفراء في "معاني القرآن" 2/ 165 بلا نسبة، وكذلك الطبري في "جامع البيان" 16/ 66.]]:
مِنْ طَاعَة الرَّب وعَصْى الشَّيْطَان
وأنشد [[في (ص): (وأنشد أيضًا).]] [["معاني القرآن" للفراء 2/ 165.]]:
أَتْيُ الفَوَاحِشِ فِيْهمُ مَعْرُوفَة ... وَيرَونَ فِعْلَ المَكْرُمَات حَرَاما
مريم 19:24
قوله تعالى: ﴿فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا﴾ قال ابن عباس: (سمع جبريل كلامها وعرف جزعها فناداها من تحتها أسفل منها تحت الأكمة [[ذكره نحوه "جامع البيان" 16/ 67، "النكت والعيون" 3/ 364، "المحرر الوجيز" 9/ 450، "معالم التنزيل" 5/ 226، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 135.]]. ﴿أَلَّا تَحْزَنِي﴾. وهذا قول الضحاك، والسدي، وقتادة: (أن المنادي كان جبريل، ناداها من سفح الجبل) [["تفسير القرآن" للصنعاني 2/ 7، "جامع البيان" 16/ 67 - 68، "النكت والعيون" 3/ 364، "معالم التنزيل" 5/ 226، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 321.]]. وقال مجاهد، والحسن: (الذي ناداها عيسى) [["تفسير القرآن" للصنعاني 2/ 6، "جامع البيان" 16/ 68 "بحر العلوم" 2/ 321، "النكت والعيون" 3/ 364، "المحرر الوجيز" 9/ 450.]]. وهو قول وهب، وسعيد بن جبير، وابن زيد [["جامع البيان" 16/ 68، "معالم التنزيل" 5/ 226، "تفسير القرآن العظيم" == 3/ 131، "الدر المنثور" 4/ 482، وهذا ما رجحه الطبري في "تفسيره" 16/ 68، وقال الشنقيطي في "أضواء البيان" 4/ 246: أظهر القولين عندي أن الذي ناداها هو ابنها عيسى وتدل على ذلك قرينتان الأولى: أن الضمير يرجع إلى أقرب مذكور. والقرينة الثانية: أنها لما جاءت به قومها تحمله وقالوا لها ما قالوا أشارت إلى عيسى ليكلموه، وإشارتها إليه ليكلموه قرينة على أنها عرفت قبل ذلك أنه يتكلم على سبيل خرق العادة لندائه لها عندما وضعته.]].
قال أبو إسحاق: (ويكون المعنى في مناداة عيسى لها أن يبين الله لها الآية في عيسى) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 325.]].
وقال أبو علي: (وأن يكون المنادي لها عيسى أشبه وأشد إزالة لما خامرها من الوحشة والاغتمام لما يوجد به طعن عليها) [["الحجة للقراء السبعة" 5/ 197.]]: ولهذا كان الاختيار قراءة من قرأ: مَنْ تَحْتَهَا بفتح الميم [[قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وعاصم في رواية أبي بكر، وابن عامر: (مَن تَحْتَها) بفتح الميم والتاء.
وقرأ نافع، وحمزة، والكسائي، وحفص عن عاصم: (مِن تَحْتِها) بكسر الميم والتاء. انظر: "السبعة" ص 408، "الحجة للقراء السبعة" 5/ 197، "النشر" 2/ 318.]]، يعني به عيسى. وهو من وضع اللفظة العامة موضع الخاصة كما تقول: رأيت مَنْ عندك، وأنت تعني أحدًا بعينه [[في (س): (يعني).]].
وقوله تعالى: ﴿قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾ قال ابن عباس: (يريد السري الجدول، وكان ساقيه للماء قبل ذلك، ثم انقطع [الماء منه، فأرسل الله الماء فيه لمريم) [[ذكر نحوه "جامع البيان" 16/ 69، و"النكت والعيون" 3/ 365، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 131، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 94.]].
وهذا قول عامة المفسرين [["تفسير القرآن" للصنعاني 2/ 7، "جامع البيان" 16/ 69 - 70، "النكت والعيون" 3/ 365، "المحرر الوجيز" 11/ 23، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 121.
وجمهور المفسرين على ذلك وهو ما رجحه ابن جرير الطبري رحمه الله في "تفسيره" 16/ 71، وابن كثير 3/ 121. وقال الشنقيطي في "أضواء البيان" 4/ 248: أظهر القولين عندي أن السري في الآية النهر الصغير، والدليل على ذلك أمران أحدهما: القرينة من القرآن فقدله: ﴿فَكُلِي وَاشْرَبِي﴾ قرينة على أن ذلك المأكول والمشروب هو ما تقدم الامتنان به. الأمر الثاني: حديث جاء بذلك عن النبي -ﷺ- يقول فيه: "إن السرى الذي قال الله لمريم: ﴿قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾ نهر أخرجه الله لها لتشرب منه". فهذا الحديث المرفوع إلى النبي -ﷺ- وإن كانت طرقه لا يخلو شيء منها من ضعف؛ أقرب إلى الصواب من دعوى أن السري عيسى بغير دليل يجب الرجوع إليه.]].
قال أبو إسحاق: (وروي عن الحسن أنه قال: (يعني عيسى عليه السلام، كان والله سريا من الرجال) [["جامع البيان" 16/ 70، "النكت والعيون" 3/ 365، "معالم التنزيل" 5/ 226، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 131، "زاد المسير" 5/ 222.]]. فعرف الحسن أن من العرب من يسمي النهر سريا [[السَّرِي: الجدول وهو قول جميع أهل اللغة.
انظر: "تهذيب اللغة" (سري) 2/ 1680،"لسان العرب" (سرا) 4/ 2002، "المفردات في غريب القرآن" (سري) ص 231.]]. فرجع إلى هذا القول. ولا خلاف بين أهل اللغة أن السري: النهر بمنزلة الجدول) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 325.]]. وأنشد للبيد [[البيت للبيد وقد ورد في معلقته. عُرْضَ: الناحية. ومَسْجُورَة: عين مملوءة. القُلام: نبت ينبت على الأنهار، قيل هو نوع من الحمض.
انظر "ديوانه" ص 170، "شرح القصائد العشر" للتبريزي ص 176، "معاني القرآن" للزجاج 3/ 325، "الدر المصون" 7/ 584.]]: فتوَسَّطَا عُرْضَ السَّرِيِّ وَصدَّعَا ... مَسْجُورَةً مُتَجَاوِزًا قُلامُهَا
ومعنى قوله: (تَحْتَكِ) قال الكلبي: (بحيال قدميك) [["النكت والعيون" 3/ 364.]]. فجعل تحت هاهنا إسما للجهة المحاذية للمتمكن، وهذا يوافق قول من قال: (إن جبريل ضرب الأرض من تحت قدمها) [["معالم التنزيل" 5/ 226، "الكشف والبيان" 3/ 4 أ، "التفسير الكبير" 11/ 205.]]. ويقال: (إن عيسى ضرب برجله فظهر عين ماء عذب وجرى) [["معالم التنزيل" 5/ 226، "روح المعاني" 16/ 83.]].
وقيل: (معنى قوله: ﴿تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾ لم يكن الجدول محاذيًا لهذه الجهة، ولكن المعنى جعله دونك، وقد يقال: فلان تحتنا أي: دوننا في المواضع). قال ذلك أبو الحسن [["الحجة للقراء السبعة" 5/ 197.]].
وقال بعض المفسرين: (معنى قوله: (تَحْتَكِ) أن الله تعالى جعل النهر تحت أمرها إن أمرته أن يجري جرى، وإن أمرته بالإمساك أمسك لقوله تعالى فيما أخبر عن فرعون: (وهذه الأنهار تجرى من تحتي) [[سورة الزخرف الآية رقم: (51).]] أي: من تحت أمري) [["معالم التنزيل" 5/ 226، "الكشف والبيان" 3/ 4 أ، "التفسير الكبير" 11/ 205، "روح المعاني" 16/ 83.]].
مريم 19:25
قوله تعالى: ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ﴾ الهز معناه: التحريك [[انظر: "مقاييس اللغة" (هز) 6/ 9، "القاموس المحيط" (هز) ص 529، "الصحاح" (هزز) 3/ 901، "المفردات في غريب القرآن" (هزز) ص 542.]]، يقال: هَزَزْتُه فاهْتَزَّ، ومعنى ﴿إِلَيْكِ﴾ اجذبيه إليك أي: حركيه بأن تجذبيه إليك.
وقوله تعالى: ﴿بِجِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ قال الأخفش: (الباء زائدة) [["معاني القرآن" للأخفش 2/ 626، وقال أبو السعود في "تفسيره" 3/ 579: الباء صلة للتوكيد.
وقول أبو السعود أولى من القول بالزيادة، وذلك أدبا مع القرآن الكريم فإن كل حرف ورد فيه يقصد به معنى من المعاني. ولذلك قال ابن جرير -رحمه الله- في "تفسيره" 16/ 73: تدخل الباء في الأفعال وتخرج فيكون دخولها وخروجها بمعنى فمعنى الكلام: وهزي إليك جذع النخلة.]]. وهي تزاد كثيرًا في الكلام يقال: خذ بالزمام، وتناول بالخطام، ومد بالحبل، وأعطني بيدك، وأنشد:
بِوَادٍ يَمَانٍ يُنْبِتُ الشَّثَّ صَدْرُه ... وَأَسْفَلُه بِالمَرْخِ والشَّبَهَانِ [[ورد البيت في عدد من الكتب ونسب إلى رجل من عبد القيس، وقيل إنه ليعلى الأحول.
الشَّث: الكثير من الشيء وهو ضرب من الشجر طيب الريح مر الطعم.
والشبهان: ضرب من الرياحين. انظر: "مجاز القرآن" 2/ 48، "معاني القرآن" للأخفش 2/ 626، "الحجة للقراء السبعة" 5/ 200، "أدب الكاتب" 416، "الجمهرة" 1/ 45، "الدر المصون" 7/ 585، "لسان العرب" (شبه) ص 2191.]]
ونحو هذا قال الفراء، قال: (والعرب تقول: هَزَّ بِه وَهَزَّه، وقوله تعالى: ﴿فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ﴾ [الحج: 15]، معناه فَلْيَمدْدُ سببا) [["معاني القرآن" للفراء 2/ 165.]].
ويقال: ألقى بيده، أي ألقى يده، قال الله تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ﴾ [البقرة: 195].
قال أبو علي: (ويحتمل أن يكون معنى ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ أي: بهز جذع النخله رطبا فحذف المضاف) [["الحجة للقراء السبعة" 5/ 198.]].
والمعنى: إذا هززت الجذع هززت بهزه رطبا، فإذا هززت الرطب سقط. وهذا على قول من يخصب الرطب بالهز، وهو قول المبرد، حكى عنه الزجاج قال: (والمعنى هزي إليك بجذع النخلة رطبا تساقط عليك) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 325.]].
وقوله تعالى: ﴿تُسَاقِطْ عَلَيْكِ﴾ أي: تتساقط فأدغمت التاء في السين، وتساقط هاهنا بمعني: تسقط، وتفاعل مطاوع فاعل كما أن تفعل مطاوع فَعَّل وكما عدّى تفعل في: تجرعته، وغليته، وتَمَزَّزْته، كذلك عدي تفاعل فمما جاء من ذلك قول الشاعر:
تُطَالِعنا خَيَالاتٌ لِسَلْمَى ... كَمَا يَتَطَالعُ الدَّينَ الغَرِيمُ [[البيت لسلمة بن الخرشب الأنماري. ويريد به أن خيال صاحبته يكثر معاودته، كما يلح الدائن على المدين بكثرة ترداده عليه.
انظر: "الحجة للقراء السبعة" 5/ 199، "المحتسب" 2/ 358، "المفضليات" 39.]]
ويكون المعنى: تسقط عليك النخلة رطبا جنيا، وانتصب (رُطَبًا) على أنه مفعول به [["الحجه للقراء السبعة" 5/ 198، "إملاء ما من به الرحمن" 1/ 113، "الدر المصون" 7/ 588.]]. وقرأ حمزة: تَسَاقَطْ، مخففا [[قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر، والكسائي: (تساقط) بفتح التاء وتشديد السين. وقرأ حمزة: (تَسَاقط) بفتح التاء وتخفيف السين.
انظر: "السبعة" ص 409، "الحجة للقراء السبعة" 5/ 198، "المبسوط في القراءات" ص 243، "حجة القراءات" ص 442.]]. حذف التاء التي أدغمها غيره، ويجوز أن يكون المعنى: تساقط عليك ثمرة النخلة رطبا، فيكون انتصاب رطبا على الحال، وجاز أن يضمر الثمرة وإن لم يجر لها ذكر؛ لأن ذكر النخلة يدل عليها، وعلى هذا الوجه تساقط مطاوع [["الحجة للقراء السبعة" 5/ 200.]]، وعلى قول الفراء، والزجاج [[) "معاني القرآن" للفراء 2/ 166، "معاني القرآن" للزجاج 3/ 325.]] انتصب (رُطَبًا) على التمييز والتفسير؛ لأن الفعل نقل من الرطب إلى النخلة فلما حول الفعل إليها خرج الرطب مفسرًا كقولهم: تصبب عرقا، كذلك تساقطت النخلة رطبا [["إملاء ما من به الرحمن" 1/ 113، "الدر المصون" 7/ 588.]].
وروى حفص عن عاصم: تُسَاقِطْ على وزن تفاعل [[قرأ حفص عن عاصم: (تُسَاقِط) بضم التاء وكسر القاف مخففة السين. وقرأ أبو بكر عن عاصم: (تَسُاقط) بفتح التاء وتشديد السين.
انظر: "السبعة" ص 409، "الحجة للقراء السبعة" 198، "العنوان في القراءات" 126، "التبصرة" ص 256.]]، وساقط بمعنى: أسقط، قال يصف الثور والكلاب [[البيت لضابئ البرجمي، يصف الثور والكلاب. الروق: القرن. أَخْوَل أَخْوَلاَ: متفرقا.
انظر: "المحتسب" 2/ 41، "الخصائص" 2/ 130، "تهذيب اللغة" (خال) 1/ 969، "لسان العرب" (خول) 3/ 1294.]]:
يُسَاقِطُ عَنْهُ رَوْقُهُ ضَارِيَاتِهَا ... سِقَاطَ حَدِيدِ القَيْنِ أَخْوَلَ أَخْوَلاَ
وقوله تعالى: (رُطَبًا) الرُّطَبُ: الناضج من البسر [[انظر: "تهذيب اللغة" (رطب) 2/ 1421، "الصحاح" (رطب) 1/ 136، "لسان العرب" (رطب) 3/ 1664، "المفردات في غريب القرآن" (رطب) 197.]]، وقد أَرْطَبَتِ النخلة وأَرْطَبَ القوم إذا أَرْطَبَ نخلهم، ورَطَّبْتَ القوم أطعمتهم رُطَبًا. والجَنَى بمعنى المَجْنِي يقال: جَنَيْتُ الثمر، وأَجْنَيْته، وجَنَا الشجرة ما جُنِي منها [[انظر: "تهذيب اللغة" (جني) 1/ 674، "مقاييس اللغة" (جني) 1/ 482، "المفردات في غريب القرآن" (جنى) ص 101، "لسان العرب" (جني) 2/ 707.]]. قال ابن عباس: (فعجبت مريم من قول جبريل حين قال لها: ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ وذلك أنه كان جذعًا نخرًا ليس له سعف فلمَّا هزته نظرت إلى أعلى الجذع فإذا السعف قد طلع، ثم نظرت إلى الطلع، ثم خرج من بين السعف، ثم نظرت إلى الطلع قد اخضر فصار بلحا، ثم نظرت إلى البلح قد احمر فصار زهوا، ثم نظرت إلى البسر الأحمر قد صار رطبا كل ذلك طرفة عين قبل أن يرتد إليها طرفها، فجعل الرطب يقع بين يديها في أقماعه ولا يتشدخ منها شيء، فطابت نفسها) [["الجامع لأحكام القرآن" 11/ 95، "روح المعاني" 16/ 85، "البحر المحيط" 6/ 184.]].
مريم 19:26
قوله تعالى: ﴿فَكُلِي﴾ قال ابن عباس: (من الرطب ﴿وَاشْرَبِي﴾ من السري ﴿وَقَرِّي عَيْنًا﴾ يريد بعيسى) [[ذكر نحوه "معالم التنزيل" 5/ 227، و"الجامع لأحكام القرآن" 11/ 96، "تنوير المقباس" 255.]]. قال الكسائي: (قَرِرْتُ به عينا أَقَرُّ، قُرَّةً، وقُرُورًا) [["تهذيب اللغة" (قر) 3/ 2924.]].
وبعضهم يقول: قَرِرْتُ، أَقَرُ، القُرَّةُ المصدر، والقُرَّة كل شيء قَرَّتْ به عينك، وأَقَرَّ الله عينه فَقَرَّت [["تهذيب اللغة" (قر) 3/ 2924، "لسان العرب" (قرر) 6/ 3581.]]. قال الأصمعي: (أَقَرَّ مأخوذ من القُرُّ والقِرَّة، وهما البرد، ومعنى أَقَرَّ الله عينه أبرد الله دمعه؛ لآن دمعة السرور باردة ودمعة الحزن حارة [["النكت والعيون" 3/ 367، "زاد المسير" 5/ 224، "إعراب القرآن" للنحاس 311، "تهذيب اللغة" (قر) 3/ 2924، "لسان العرب" (قرر) 6/ 3581.]].
قال المنذري: (وعرض هذا القول على أحمد بن يحيى فأنكره، وقال: الدمع كله حار في فرح كان أو حزن) [["تهذيب اللغة" (قر) 3/ 2924.]].
وحكي عن جماعة من أهل اللغة أنهم قالوا: (أَقَرَّ الله عينك سكن الله عينك بالنظر إلى ما تحب. أي: صادفت ما يرضيك فَتَقَرّ عينك من النظر إلى غيره. والعرب تقول للذي يدرك ثاره: وقعت بقرك، أي: صادف فؤادك ما كان متطلعا إليه فَقَرَّ) [["زاد المسير" 5/ 224، "تهذيب اللغة" (قر) 3/ 2924، "لسان العرب" (قر) 6/ 3581.]].
وقولهم: فلان قُرَّة عيني معناه رضي نفسي، أي: ترضى نفسي وتَقر وتسكن بقربه مني ونظري إليه [[انظر: "تهذيب اللغة" (قر) 3/ 2924، "مقاييس اللغة" (قر) 5/ 7، "الصحاح" (قرر) 2/ 788، "المفردات في غريب القرآن" (قر) 397، "لسان العرب" (قر) 6/ 3581.]].
قال أبو عمرو الشيباني: (أقر الله عينه أنام الله عينه، والمعنى صادف سرورًا يذهب سهره فينام) [["إعراب القرآن" للنحاس 2/ 311، "تهذيب اللغة" (قر) 3/ 2924، "لسان العرب" (قرر) 6/ 3581.]]، وأنشد [[هذا عجز بيت ينسب لعمرو بن كلثوم وصدره:
بيوم كريهة ضربًا وطعنًا
انظر: "تهذيب اللغة" (قرر) 3/ 2924، "لسان العرب" (قرر) 6/ 3581.]]:
أَقَرَّ بِه مَوَالِيْك العُيُونَا
أي: نامت عيونهم لما ظفروا بما أرادوا. وقال الفراء: ﴿وَقَرِّي عَيْنًا﴾ جاء في التفسير: طيبي نفسا، وإنما نصبت العين؛ لأن الفعل كان لها، فصيرته للمرأة فمعناه لتقر عينك، فإذا حول الفعل عن صاحبه إلى ما قبله نُصب صاحب الفعل على التفسير، كقوله تعالى: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا﴾ [النساء: 4]، معناه: فإن طابت أنفسهن، ومثله: ﴿وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا﴾ [[سورة هود الآية رقم: (77)، وسورة العنكبوت الآية رقم: (33).]]، وسؤت به ظنا) [["معاني القرآن" للفراء 2/ 166.]].
وقوله تعالى: ﴿فَإِمَّا تَرَيِنَّ﴾ ترين كان في الأصل ترأيين فحذفت الهمزة كما حذفت من يرى وترى، ونقلت فتحتها إلى الراء، فصار تريين فلما تحركت الياء الأولى وانفتح ما قبلها صارت ألفا، فاجتمع ساكنان أحدهما الألف المنقلبة في الياء والأخرى ياء التأنيث، فحذفت الألف لالتقاء الساكنين، فصار (تَرَيْنَ) ثم حذفت النون علامة للجزم؛ لأن قوله: إما حرف شرط فبقي ترى، ثم دخلته نون التأكيد وهي منقلة فكسرت الياء أعني ياء التأنيث لالتقاء الساكنين إذ النون المثقلة بمنزلة نونين الأولى منها ساكنة فصار تنوين [["إملاء ما من به الرحمن" 1/ 113، "الدر المصون" 7/ 591.]].
قال الزجاج: (وكذلك تقول للمرآة: اخشينَّ زيدا) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 327.]]. يعني أن ياء التأنيث تكسر لأجل نون التأكيد وكذلك تقول: ألم تَرَى القوم، ولم تَخْشَى الرجل فتحرك بالكسر مع لام المعرفة وسائر السواكن كذلك حركتها مع النون الشديدة بالكسر ولم ترد اللام التي حذفتها لالتقاء الساكنين لما حركت الساكن الذي كنت حذفت اللام لالتقائها معه؛ لأن حركة الالتقاء الساكن غير لازمه وهي في تقدير السكون كما لم ترد في قولك: رَمَتِ ابنك ونحوه، وإذا قلت للواحدة: تَرَيْنَ كان اضافته على ضمير التأنيث وليست لام الفعل؛ لأن لام الفعل قد حذفت لالتقاء الساكنين كما ذكرنا، فإن خاطبت جماعة نساء قلت: كيف تَرَيْنَ؟ فالياء لام الفعل، وليست التي للضمير كما كانت] [[من قوله: (فأرسل الله الماء فيه لمريم ..) إلى هنا ساقط من نسخة: (س).]] في خطاب الواحدة ألا ترى أن قولك: أَنْتُنَّ تَذْهَبْنَ، تلي فيه الباء التي هي لام الفعل علامة الضمير للتأنيث وهي النون، فقياس المعتل في هذا قياس الصحيح، ولذلك لو قلت للواحدة: كيف تَرَيْنَك كانت النون علامة للرفع والياء علامة الضمير، ولو قلت لجماعة نساء: كيف تَرَيْنَكُنَّ، كانت النون علامة الضمير والياء لام الفعل، فإذا ألحق الجازم والناصب ترين، وتأتين حذفت النون للجزم والنصب، ولو لحق فعل الجميع لم تحذف النون كما لم تحذف في؛ لم تَضرِبنَ. ذكر هذا كله أبو علي الفارسي في "المسائل الحلبية" [["المسائل الحلبيات" لأبي علي الفارسي 87.]].
قوله تعالى: ﴿فَقُولِي﴾ فيه اختصار؛ لأن المعنى: فإما ترين من البشر أحدًا فسألك عن ولدك فقدلي: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾ قال ابن عباس: (صمتا) [["جامع البيان" 16/ 74، "بحر العلوم" 2/ 322، "النكت والعيون" 3/ 367، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 131، "زاد المسير" 5/ 225، "الدر المنثور" 4/ 485.]]. ومعنى الصوم في اللغة: الإمساك عن الأكل وعن الكلام [[انظر: "تهذيب اللغة" (صام) 2/ 1964، "مقاييس اللغة" (صوم) 3/ 323، "القاموس المحيط" (صام) ص 1131، "المفردات في غريب القرآن" (صوم) 291.]]. والمعنى أوجبت على نفسي لله تعالى أن لا أتكلم.
وقال قتادة: (صامت من الكلام، والطعام، والشراب) [["تفسير القرآن" للصنعاني 2/ 8، "جامع البيان" 16/ 74، "النكت والعيون" == 3/ 367، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 331.]].
وعلى هذا معنى قوله: ﴿نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾ هو الصوم المعروف الذي هو عبادة. قال السدي، وابن زيد: (كان في بني إسرائيل من أراد أن يجتهد صام عن الكلام، كما يصوم عن الطعام فلا يتكلم الصائم حتى يمسي) [["جامع البيان" 16/ 74، "المحرر الوجيز" 9/ 458، "معالم التنزيل" 5/ 227، "زاد المسير" 5/ 225، "الدر المنثور" 4/ 485.]]. ويدل على صحة هذا القول قوله: ﴿فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا﴾ أي: إني صائم فلا أكلم اليوم أحدًا. ولو أريد بالصوم هاهنا الصمت فقط لم يحتج إلى قوله فلن أكلم اليوم. وأيضًا فإنه قال: ﴿نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾ والصوم الذي هو لله إنما هو [[قوله: (هو)، ساقط من نسخة (س).]] ترك الطعام لا ترك الكلام.
قال المفسرون: (كان قد أذن لها أن تقول: ﴿نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا﴾ [ثم تسكت ولا تتكلم بشيء آخر) [["النكت والعيون" 3/ 368، "المحرر الوجيز" 9/ 458، "معالم التنزيل" 5/ 227،" الجامع لأحكام القرآن" 11/ 98.
وهذا قول جمهور المفسرين. قال أبو حيان في "تفسيره" 6/ 195: إن المعنى فلن أكلم اليوم إنسيا بعد قولي هذا، وبين الشرط وجزائه جملة محذوفة يدل عليه المعنى أي: فإما ترين من البشر أحدًا وسألك أو حاورك الكلام فقولي. وانظر: "أضواء البيان" 4/ 254.]].
وقال قوم: (كانت تقول هذا القدر إشارة بحيث يعرف أنها ممسكة عن الكلام) [["بحر العلوم" 2/ 322، "المحرر الوجيز" 9/ 458، "معالم التنزيل" 5/ 228، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 131.]]. وأما سبب أمرها] [[ما بين المعقوفين ساقط من نسخة (س).]] بترك الكلام فقال ابن مسعود، وابن زيد، ووهب: (أمرت بالصمت؛ لأنها لم يكن لها حجة عند الناس ظاهرة في شأن ولدها، فأمرت بالكف عن الكلام ليكفيها الكلام ولدها بما يبرئ به ساحتها) [["جامع البيان" 16/ 75، "النكت والعيون" 3/ 368، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 131، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 98.]]. وقيل في قوله: ﴿فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا﴾ خصت الإنس لأنها كانت تكلم الملائكة [["معالم التنزيل" 5/ 228، "الكشاف" 2/ 409، "زاد المسير" 5/ 225، "الدر المنثور" 4/ 485.]].
مريم 19:27
قوله تعالى: ﴿فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ﴾ قال ابن عباس في رواية: (خرجت مريم من عندهم ضحى تتشرق للشمس [[قوله: (للشمس)، ساقط من نسخة (س).]] ليس بها [[في (ص): (فيها).]] قلبه [[قلبه: أي ما به على يخشى عليه منها. وقيل: معناه ما به شيء يقلقله.
انظر: "تهذيب اللغة" (قلب) 3/ 3026، "الصحاح" (قلب) 1/ 205، "المعجم الوسيط" (قلب) 2/ 753، "لسان العرب" (قلب) 6/ 3713.]]، فجاءت عند الظهر ومعها صبي تحمله، فكان الحمل والولادة في ثلاث ساعات من النهار) [["الجامع لأحكام القرآن" 11/ 99، "زاد المسير" 5/ 226.]]. وقال الكلبي: (أتت به قومها تحمله بعد أربعين يوما، وذلك أنها ولدت حيث لم يشعر بها قومها، ومكثت أربعين يوما حتى طهرت من نفاسها، ثم حملت عيسى إلى قومها، فلما دخلت عليهم ومعها الصبي بكوا وحزنوا وكانوا أهل بيت صالحين) [["معالم التنزيل" 5/ 228، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 99، "الكشاف والبيان" 3/ 5 / أ.]]. فقالوا: ﴿قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا﴾ قال أبو عبيدة: (كل فائق من عجب أو عمل فهو: فري، وهو هاهنا: عجب) [["مجاز القرآن" لأبي عبيدة 2/ 7.]]. وقال الفراء [والزجاج وجميع أهل اللغة: (الفَرِي: الأمر العظيم، يقال فلان يَفْرِي الفَرِي] [[ما بين المعقوفين ساقط من نسخة (س).]] إذا كان يعمل عملا يفضل فيه الناس) [["تهذيب اللغة" (فرا) 3/ 2756، "لسان العرب" (فرا) 6/ 3408.]]. ومنه قول -عليه السلام- في صفة عمر: (فلم أرَ عبقريا يَفْرِي فَرِيَّه) [[أخرجه البخاري في صحيحه كتاب: "فضائل الصحابة" باب: قول النبي -ﷺ- "لو كنت متخذًا خليلًا" 3/ 1345، ومسلم في صحيحه كتاب: فضائل الصحابة، باب: فضائل عمر -رضي الله عنه- 4/ 1860، والترمذي في جامعه كتاب: الرؤيا، باب: ما جاء في رؤيا النبي -ﷺ- 4/ 468، والإمام أحمد في "مسنده" 2/ 28، والثعلبي في "تفسيره" 3/ 5/ أ، والبغوي في "معالم التنزيل" 5/ 2028.]]. قال ابن عباس: ﴿لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا﴾ أي: عظيما منكرا لا يعرف منك ولا من أهل بيتك) [["زاد المسير" 5/ 226، "تنوير المقباس" 255.]]. وهذا قول مجاهد، وقتادة، والسدي قالوا: (الفري: العظيم من الأمر) [["جامع البيان" 16/ 77، "النكت والعيون" 3/ 368، "المحرر الوجيز" 9/ 459، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 132، "الدر المنثور" 4/ 486.]].
مريم 19:28
قوله تعالى: ﴿يَا أُخْتَ هَارُونَ﴾ اختلفوا في هارون من هو؟ فقال ابن عباس في رواية عطاء: (أن مريم كانت عابدة، وكان في بني إسرائيل رجل عابد يقال له هارون، تبع جنازته يوم مات أربعون ألفا كلهم اسمه هارون) [[) "جامع البيان" 16/ 77، "معالم التنزيل" 5/ 228، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 100.]].
وهذا قول قتادة، وكعب، وابن زيد قالوا: (هارون رجل صالح من بني إسرائيل ينسب إليه من عرف بالصلاح) [["تفسير القرآن" للصنعاني 2/ 9، "جامع البيان" 16/ 77، "النكت والعيون" 3/ 368، "المحرر الوجيز" 9/ 459، "معالم التنزيل" 5/ 228.]]. والمعنى: يا شبيهته في العفة. ونحو هذا روى المغيرة بن شعبة عن النبي -ﷺ- [[الحديث رواه المغيرة بن شعبة وقال: بعثني رسول الله -ﷺ- إلى أهل نجران، فقالوا: ألستم تقرؤن "يا أخت هارون" وقد علمتم ما كان بين موسى وعيسى؟ فلم أدر ما أجيبهم، فرجعت إلى رسول الله -ﷺ- فأخبرته، فقال: ألا أخبرتهم أنهم كانوا يسمون بأنبيائهم والصالحين قبلهم.
أخرجه مسلم في صحيحه كتاب: الآداب، باب: النهي عن التكني بأبي القاسم وبيان ما يستحب من الأسماء 2/ 1685 والترمذي في جامعه كتاب: التفسير سورة مريم 2/ 144، والنسائي في "تفسيره" 2/ 29، والإمام أحمد في "مسنده" 4/ 252، أخرجه الطبري في "جامع البيان" 16/ 78، والماوردي في "النكت والعيون" 3/ 368، والبغوي في "معالم التنزيل" 5/ 228، والسمرقندي في "بحر العلوم" 2/ 323، وابن عطية في "المحرر الوجيز" 9/ 459، والسيوطي في "الدر المنثور" 4/ 486 وزاد في نسبته إلى عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن حبان، والطبراني، وابن مردويه، والبيهقي.]]. وقال السدي: (عنوا هارون أخا موسى، ونسبت مريم إلى أنها أخته؛ لأنها من ولده، كما يقال للتميمي: يا أخا تميم) [["جامع البيان" 16/ 78، "النكت والعيون" 3/ 369، "المحرر الوجيز" 9/ 460، "معالم التزيل" 5/ 228، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 132.]]. وقال الكلبي: (كان هارون أخا مريم من أبيها ليس من أمها، وكان أمثل رجل في بني إسرائيل) [["بحر العلوم" 2/ 323، "معالم التنزيل" 5/ 228، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 100، "روح المعاني" 16/ 88.]]. وقيل: (إن هارون هذا كان فاسقا معلنا بالفسق فشبهت به) [["جامع البيان" 1/ 786، "بحر العلوم" 2/ 323، "النكت والعيون" 3/ 369،== "المحرر الوجيز" 9/ 461، "معالم التنزيل" 5/ 228، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 132.
هذا القول بعيد، والراجح -والله أعلم- من هذه الأقوال ما ثبت في الصحيح من حديث المغيرة بن شعبة رضي الله عنه والذي مر بنا آنفًا.
وانظر: "جامع البيان" 16/ 78، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 132، "فتح القدير" 3/ 473، "أضواء البيان" 4/ 271.]].
وقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ﴾ قال ابن عباس: (يريد زانيا) [["معالم التنزيل" 5/ 229، "النكت والعيون" 3/ 369، "تنوير المقباس" ص 255.]].
﴿وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا﴾ يريد زانية. وذكرنا الكلام في البغي في هذه السورة [[عند قوله سبحانه في الآية رقم: (20): ﴿قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا﴾.]]. والمعنى في نفي الزنا عن أبويها تعريض بزناها، كأنهم قالوا: لم يكونا زانيين فمن أين لك هذا الولد؟. قال الفراء: (أي أهل بيتك أخوك وأبوك صالحون وقد أتيت أمرا عظيما) [["معاني القرآن" للفراء 2/ 167.]].
مريم 19:29
قوله تعالى: ﴿فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ﴾ قال ابن عباس: (تريد أن كلموه وهو يرضع فنظر بعضهم إلى بعض تعجبا منها حين أشارت إليه) [["الجامع لأحكام القرآن" 11/ 102.]]. ﴿قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ﴾ الآيه. وقال أبو إسحاق: (أشارت إليه بأن يجعلوا الكلام معه، ودل على أنها أشارت إليه في الكلام، قوله: ﴿قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا﴾) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 328.]]. قال ابن عباس: (يريد في الحجر رضيعا) [[ذكره "المحرر الوجيز" 9/ 262 بدون نسبة، و"النكت والعيون" 3/ 370 ونسبة لقتادة، و"زاد المسير" 5/ 226.]].
والمَهْدُ: الموضع الذي يُهَيَأ لينام فيه الصبي [[انظر: "تهذيب اللغة" (مهد) 4/ 3461، "الصحاح" (مهد) 2/ 541، "المفردات في غريب القرآن" (مهد) ص 476، "المصباح المنير" (المهد) ص 582.]]. فيجوز أن يكون الحجر كما ذكره ابن عباس، وقتادة، والكلبي [["جامع البيان" 16/ 79، "النكت والعيون" 3/ 370، "زاد المسير" 5/ 226.]].
ويجوز أن يكون: سريرا كالمَهْد المعروف للصبيان [["النكت والعيون" 3/ 369، "معالم التنزيل" 5/ 229، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 102.]]. واختلفوا في ﴿كَانَ﴾ هاهنا فقال أبو عبيدة: (﴿كَانَ﴾ هاهنا حشو زائد [[هذا القول بعيد ولا يليق أن يوصف كلام الله بالحشو الزائد، وكتاب الله هو الحكم في اللغة. قال القرطبي 11/ 102: لا يجوز أن يقال زائدة وقد نصبت (صبيا). وانظر: "معاني القرآن" للزجاج 3/ 328، "البيان في غريب القرآن" 2/ 124، "البحر المحيط" 6/ 187.]]، والمعنى: كيف نكلم صبيا في المهد) [["مجاز القرآن" لأبي عبيدة 2/ 7، "معاني القرآن" للزجاج 3/ 328، "البحر المحيط" 6/ 187.]]. وهذا اختيار ابن قتيبة، وكثير من أهل التفسير ذكروه [["معالم التنزيل" 5/ 229، "زاد المسير" 5/ 228، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 102.]]، واحتجوا بقول الفرزدق [[البيت للفرزدق قاله في قصيدة يمدح فيها هشام بن عبد الملك. انظر "ديوانه" ص 597، "خزانة الأدب" 9/ 217، "الكتاب" 2/ 153، "المقتضب" 4/ 116، "الدر المصون" 7/ 595، "لسان العرب" (كون) 7/ 3961.]]:
فَكَيْفَ إذَا رَأَيْتَ دِيَارَ قَوْمٍ ... وَجِيْرَانٍ لَنَا كَانُوا كِرَام
وقال قوم: (﴿كَانَ﴾ في معنى وقع وحدث) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 328، "إعراب القرآن" للنحاس 2/ 308.]]. والمعنى: كيف نكلم صبيا قد حدث في المهد. وقال الزجاج: (وأجود الأقوال أن يكون في معنى الشرط والجزاء فيكون المعنى: من يكن في المهد صبيا، فكيف نكلمه؟ كما تقول: من كان لا يسمع ولا يعقل فكيف أخاطبه) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 328.]]. قال ابن الأنباري: (لا يجوز أن يكون الكون مُلْغًى، وهو عامل في الصبي النصب، وقول من قال: إن ﴿كَانَ﴾ بمعنى حدث قبيح أيضا؛ لأن الصبي لما انتصب بالكون لم يكن الكون بمعنى الحدوث؛ لأنه إذا كان بمعنى الوقوع والحدوث استغنى عن خبره، كما تقول: كان البرد وكان الحر، تريد وقع وحدث -ثم اختار قول الزجاج- قال: والذي نذهب إليه أن يكون ﴿مَنْ﴾ في معنى الجزاء و ﴿كَانَ﴾ بمعنى يكون، والتقدير: من يكن في المهد صبيا فكيف نكلمه؟ كما تقول: كيف أعظ من كان لا يقبل عظتي؟ معناه: من يكن لا يقبل، والماضي يكون بمعنى المستقبل في باب الجزاء، كقوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِنْ ذَلِكَ﴾ [الفرقان: 10] معناه: إن شاء يجعل) [[ذكر في "زاد المسير" 5/ 228، "البحر المحيط" 6/ 187، "الدر المصون" 7/ 594.]].
قال السدي: (لما أشارت إليه غضبوا وقالوا: سخريتها بنا حيث تأمرنا أن نسأل هذا الصبي أعظم علينا مما صنعت) [["المحرر الوجيز" 9/ 462، "الكشاف" 2/ 410، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 133، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 102.]].
مريم 19:30
وكان عيسى يرضع فلما سمع كلامهم لم يزد على أن ترك الرضاع وأقبل عليهم بوجهه وأشار بسبابته فقال: ﴿إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ﴾ وقال ابن عباس: (أقر بالعبودية على نفسه، وبربوبية الله أول ما تكلم) [[ذكر نحوه "معالم التنزيل" 5/ 230، و"ابن كثير" 3/ 133، "القرطبي" 11/ 102، "فتح القدير" 3/ 332.]]. ﴿آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا﴾ أي: حكم لي بإيتاء الكتاب والنبوة فيما قضى وسبق، وهذا إخبار عما سبق له مما هو كائن فيما بعد. وقال قوم: (أخبر عما حصل له؛ لأن الله تعالى علمه وهو في بطن أمه التوارة والحكمة والخط وجعله نبيا ينبئ عن الله، وكان كلامه في حال الرضاع معجزته، وذلك أن الله تعالى كمل عقله في ذلك الوقت). والأول قول عكرمة وجماعة [["جامع البيان" 16/ 80، "المحرر الوجيز" 9/ 464، "معالم التنزيل" 5/ 230، "ابن كثير" 3/ 133، "الدر المنثور" 4/ 487.]]. والثاني معنى قول ابن عباس في رواية عطاء [["بحر العلوم" 2/ 323، "ابن كثير" 3/ 133، "زاد المسير" 5/ 229.
والقول الأول أولى، وقد ضعف القول الثاني عدد من المفسرين، قال ابن عطية في "تفسيره" 11/ 29: وهذا في غاية الضعف.]].
مريم 19:31
قوله تعالى: ﴿وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا﴾ قال ابن عباس: (لأن أدعوا إلى الله وإلى توحيده وعبادته) [["معالم التزيل" 3/ 195.]].
وقال مجاهد: (جعلني معلما للخير نفاعا) [["جامع البيان" 16/ 81، "المحرر الوجيز" 9/ 464، "معالم التنزيل" 5/ 230، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 133، "زاد المسير" 5/ 229.]]. وقال غيره: (بركته [[في (س): (تركته)، وهو تصحيف.]] الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) [[المراجع السابقة.]].
﴿وَأَوْصَانِي﴾ أمرني، وتقدم إلى ﴿بِالصَّلَاةِ﴾ بإقامتها ﴿وَالزَّكَاةِ﴾ أي: زكاة الأموال [[المراجع السابقة.]]. وقيل: معنى الزكاة هاهنا: (طهارة الجسد من الذنوب واجتناب المعاصي) [["جامع البيان" 16/ 81، "المحرر الوجيز" 9/ 463.]].
مريم 19:32
﴿وَبَرًّا بِوَالِدَتِي﴾ مطيعا لها لطيفا بها، وهو عطف على ﴿مُبَارَكًا﴾ [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 329، "إعراب القرآن" للنحاس 2/ 313، "إملاء ما من به الرحمن" 1/ 114.]]. قال ابن عباس: (لما قال: ﴿وَبَرًّا بِوَالِدَتِي﴾ ولم يقل: بوالدي علموا أنه شيء من الله) [["زاد المسير" 5/ 230، "الجامع لأحكام القرآن" للقرطبي 11/ 103.]]. ﴿وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا﴾ متعظمًا يقتل ويضرب على الغضب [["تفسير القرآن العظيم" 3/ 124، "القرطبي" 11/ 103.]]. ﴿شَقِيًّا﴾ عاصيا لربه [["جامع البيان" 16/ 82، "النكت والعيون" 3/ 371، "معالم التنزيل" 5/ 230، "زاد المسير" 5/ 230، "الدر المنثور" 4/ 488.]].
مريم 19:33
قوله تعالى: ﴿وَالسَّلَامُ عَلَيَّ﴾ قال أبو إسحاق: (لما جرى ذكر السلام قبل هذا بغير ألف ولام كان الأحسن أن يذكر ثانية بالألف واللام، ومعنى السلام هاهنا: عموم العافيه؛ لأنه مصدر سَلَّمْتُ سَلاَمًا) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 329، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 124.]].
قال المفسرون: (السلامة عليَّ من الله تعالى يوم ولدت حتى لم يضرني شيطان) [["الطبري" 16/ 82، "الماوردي" 3/ 371، "البغوي" 5/ 230، القرطبي 11/ 104.]]. وهذا معنى ما روي أن النبي -ﷺ-! قال: "ما من مولود يولد إلا ويطعن الشيطان في جنبه وذلك حين يستهل صارخا، إلا عيسى بن مريم، فإنه ذهب يطعن فطعن في الحجاب" [[أخرج نحوه البخاري في "صحيحه"، كتاب الأنبياء، باب قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا﴾ 3/ 1265، ومسلم، في الفضائل، باب فضل عيسى -عليه السلام- 4/ 1838، والإمام أحمد 2/ 553، والماوردي في "النكت والعيون" 3/ 371.]]. والآية مفسرة في قصة يحيى في هذه السورة [[عند قوله سبحانه في الآية رقم (15): ﴿وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا﴾.]]. قال ابن عباس والمفسرون: (كلمهم عيسى بهذا ثم سكت فلم يتكلم حتى بلغ المدة التي يتكلم فيها الصبيان) [["بحر العلوم" 2/ 323، "المحرر الوجيز" 9/ 466، "معالم التنزيل" 5/ 230، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 104، "الدر المنثور" 4/ 488.]].
مريم 19:34
قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ﴾ قال أبو إسحاق: (أي ذلك الذي قال ﴿إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ﴾ الآيات، هو عيسى بن مريم، لا ما يقول النصارى من أنه ابن الله وأنه إله) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 329.]]. ﴿قَوْلَ الْحَقِّ﴾ ﴿الْحَقِّ﴾ هاهنا يجوز أن يراد به الله تعالى، وهو قول مجاهد [["جامع البيان" 16/ 83، "النكت والعيون" 3/ 372، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 105 ذكره بدون نسبة.]]. ويرتفع (قَوْل) على أنه نعت لعيسى [["معاني القرآن" للفراء 2/ 168، "إعراب القرآن" للنحاس 3/ 313، "إملاء ما من به الرحمن" 1/ 144، "الدر المصون" 7/ 598.]]، أي: ذلك عيسى بن مريم قول الله، أي: كلمته، والكلمة قول، ويجوز أن يضاف القول إلى الحق [["جامع البيان" 16/ 83، "معاني القرآن" للفراء 2/ 168.]]، ومعناه: القول الحق، كما قيل: ﴿حَقُّ الْيَقِينِ﴾ [الواقعة: 95، الحاقة 51]، و ﴿وَعْدَ الصِّدْقِ﴾ [الأحقاف: 16]، و {الدَّارُ الْآخِرَةِ} [يوسف: 109] وعلى هذا يجوز أن يرتفع ﴿قَوْلَ الْحَقِّ﴾ على النعت لعيسى كما ذكرنا، ويجوز أن يرتفع على أنه خبر ابتداء مضمر [["جامع البيان" 16/ 83، "إملاء ما من به الرحمن" 1/ 114، "الحجة للقراء السبعة" 5/ 201، "الدر المصون" 7/ 598.]]، دل عليه قوله: ﴿ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ﴾ والمعنى: هذا الكلام قول الحق، أي: هذا الذي ذكرنا من صفته، وأنه ابن مريم قول الحق، ومن قرأ: قَوْلَ الحق، بالنصب فهو نصب على المصدر [[قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، ونافع، وحمزة، والكسائي: (قولُ الحق) رفعا. وقرأ عاصم، وابن عامر: (قولَ الحق) نصبا.
انظر: "السبعة" ص 409، "الحجة للقراء السبعة" 5/ 201، "التبصرة" ص 256.]]، أي: قال قول الحق.
[وقال أبو علي: (أما النصب فهو أن قوله: ﴿ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ﴾ هو يدل على: أَحقُّ قَولَ الحَقّ] [[ما بين المعقوفين ساقط من نسخة (س).]]. وتقول: هذا زيدُ الحقّ لا الباطل؛ لأن قول هذا زيد، بمنزله أحُقُّ، كأنك قلت: أحُقُّ الحَقَّ، وأَحَقُّ قَولَ الحَقِّ) [["الحجة للقراء السبعة" 5/ 202.]].
ويكون على هذا التقدير اعتراضا بين الصفة والموصوف؛ لأن التقدير: ذلك عيسى بن مريم الذي فيه. وقال الفراء: (وإن نصبت القول وهو في النية من نعت عيسى كان صوابا، كأنك قلت: هذا عبد الله الأَسَدَ عَاديًا، كما تقول: أَسَدًا عَاديِا) [["معاني القرآن" للفراء 2/ 168.]].
وقوله تعالى: ﴿الَّذِي﴾ هو هو من نعت عيسى ﴿فِيهِ يَمْتَرُونَ﴾ أي: يشكون فيختلفون، فيقول قائل: هو ابن الله، ويقول آخر: هو الله [["تفسير القرآن" للصنعاني 2/ 8، "جامع البيان" 16/ 83 - 84، "النكت والعيون" 3/ 372، "معالم التزيل" 5/ 231.]]. ثم نفى عن نفسه اتخاذ الولد.
مريم 19:35
فقال؛ ﴿مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ﴾ إن مع الفعل بمنزلة المصدر أي: ما كان له اتخاذ الولد على معنى أن ذلك ليس من صفته، ولا مما يليق به؛ لأن الولد مجانس للوالد، وكذلك من اتخذ ولدا إنما يتخذه من جنسه والله تعالى ليس كمثله شيء، فلا يجوز أن يكون له ولد، ولا أن يتخذ ولدا، وذكر ابن الأنباري في هذا وجهين:
أحدهما: (أن هذه من المقلوب على معنى ما كان للولد أن يتخذه الله، فدخلت اللام في غير موضعها على مذهب العرب في الاتساع وقد تقدم لهذا نظائر.
والثاني: أن المعنى ما كان ينبغي لله أن يتخذ من ولد، فنابت اللام عن الفعل الذي هو ينبغي، وتأويل لا ينبغي: لا يصلح ولا يستقيم) [[ذكر نحوه بلا نسبة في "المحرر الوجيز" 9/ 469، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 107.]].
وقوله تعالى: ﴿مِنْ وَلَدٍ﴾: ﴿مِنْ﴾ زائدة مؤكدة لاستغراق الجنس، فلا يجوز أن يتخذ ولدا واحدا ولا أكثر، هذا معنى قول الزجاج: (﴿مِنْ﴾ مؤكدة تدل على نفي الواحد والجماعة) [["معاني القرآن للزجاج" 3/ 329. وقول الزجاج أولى من القول بالزيادة، وذلك أدبًا مع كتاب الله -عز وجل- فإن وجل فإن كل حرف ورد فيه يقصد به معنى من المعاني.]].
ثم نزه نفسه عن مقالتهم بقوله سبحانه، ثم بين السبب في كون عيسى من غير أب فقال: ﴿إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ أي: إذا أراد أن يحدث ولدا من غير أب ﴿فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ كما فعل بآدم إذ خلقه من غير أب ولا أم، وهو قوله تعالى: ﴿مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آل عمران: 59]، والمعنى: أن كون عيسى إنما كان بقضاء الله وإرادته، وإذا أراد أمرا لم يتعذر عليه، وأوجده على الوجه الذي أراده، والكلام في مثل هذه الآية قد تقدم في سورة البقرة في قوله: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [البقرة: 117] الآية.
مريم 19:36
قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ﴾ الآية. ذكر الفراء في فتح ﴿أَن﴾ ثلاثة أوجه أحدها: العطف على عيسى بن مريم، بتأويل ذلك عيسى بن مريم، وأن الله ربي وربكم، فيكون في موضع رفع. والثاني: ولأن الله ربي ربكم [فاعبدوه، فيعمل فيه فاعبدوه] [[ما بين المعقوفين ساقط من نسخه (س).]] وهذا الوجه اختيار أبي علي [["الحجة للقراء السبعة" 2/ 203.]]. وروي وجه رابع عن أبي عمرو بن العلاء وهو: أن المعنى وقضى الله ربي وربكم [["إعراب القرآن" للنحاس 2/ 315، " الجامع لأحكام القرآن" 11/ 108، "البحر المحيط" 6/ 190.
وقال السمين الحلبي في "الدر المصون" 7/ 600: واستبعد الناس صحة هذا النقل عن أبي عمرو؛ لأنه من الجلالة في العلم والمعرفة بمنزلة يمنعه من هذا القول، وذلك لأنه إذا عطف على (أمرا) لزم أن يكون داخلا في حيز الشرط به (إذا) وكونه تبارك ربنا لا يتقد يشترط البته.]]، ومن كسر استأنف الكلام وجعله معطوفا على المستأنف قبله وهو [[في (س): (وهذا).]] قوله: ﴿قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ﴾ ويجوز أن يكون استئنافًا بالواو من غير عطف، ويؤكد هذا الوجه ما روي في قراءة أبي: أن الله ربي وربكم، بغير واو [["جامع البيان" 16/ 85، "بحر العلوم" 2/ 324، "الكشاف" 2/ 411، "البحر المحيط" 6/ 189، "معاني القرآن" للفراء 2/ 168.= واختلف القراء في قراءة هذه الآية: فقرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو: (وأن الله ربي) بنصب الألف. وقرأ ابن عامر، وعاصم، حمزة، والكسائي: (وإن الله) بالكسر.
انظر: "السبعة" ص 410، "الحجة للقراء السبعة" 5/ 202، "المبسوط في القراءات" ص 243، "النشر" 2/ 318.]]. وعلى الأوجه كلها الآية من كلام عيسى لقومه.
قوله تعالى: ﴿هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ أي: هذا الذي أخبرتكم أن الله أمرني به هو الطريق المستقيم الذي يؤدي إلى الجنة.
مريم 19:37
قوله تعالى: ﴿فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ﴾ يعني: فرق النصاري اختلفوا في عيسى فقال بعضهم: هو الله [[وهم اليعقوبية. انظر: "تفسير القرآن" للصنعاني 2/ 8، "جامع البيان" 16/ 85 - 86، "بحر العلوم" 2/ 324، "المحرر الوجيز" 9/ 471، "زاد المسير" 5/ 232.]]، وقال بعضهم: ابن الله [[وهم النسطورية. انظر: "تفسير القرآن" للصنعاني 2/ 9، "جامع البيان" 16/ 86، "وبحر العلوم" 2/ 324، "معالم التنزيل" 5/ 231، "الدر المنثور" 2/ 488.]]، وقال بعضهم: ثالث ثلاثة [[وهم الإسرائيلية من ملوك النصارى. انظر: "تفسير القرآن" للصنعاني 2/ 9، "جامع البيان" 16/ 86، "المحرر الوجيز" 9/ 471، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 135.]].
قوله تعالى: ﴿مِنْ بَيْنِهِمْ﴾ أي: بينهم، ومن زائدة. قال المفسرون: (كانوا أحزابا متفرقين ﴿بَيْنِهِمْ﴾ في أمر عيسى) [["جامع البيان" 16/ 86، "المحرر الوجيز" 9/ 471، "معالم التنزيل" 5/ 231، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 135.]].
﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ فشدة عذاب للذين كفروا بالله بقولهم في المسيح بأنه ابن الله وأنه إله ﴿مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ أي: من حضور ذلك اليوم، والمشهد مصدر يراد به [الشهود، والمعنى: ويل لهم إذا جاءت القيامة [["جامع البيان" 16/ 86، "المحرر الوجيز" 9/ 471، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 135.]].
ويجوز أن يكون الحضور لهم وأضيف إلى الظرف لوقوعه فيه، كما تقول: ويل لفلان] [[ما بين المعقوفين ساقط من نسخة (س).]] من قتال يوم كذا، والمعنى: ويل لهم حضورهم ذلك وشهودهم إياه للجزاء والحساب [["الكشاف" 2/ 411، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 108، "البحر المحيط" 6/ 190، "فتح القدير" 3/ 477.]].
مريم 19:38
قوله تعالى: ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ﴾ قال قتادة: (ذلك والله يوم القيامة سمعوا حين لم ينفعهم السمع وأبصروا حين لم ينفعهم البصر) [["جامع البيان" 16/ 86، "النكت والعيون" 3/ 373، "الدر المنثور" 4/ 489، "البحر المحيط" 6/ 191.]].
وقال ابن عباس، والسدي وجميع المفسرين: (ما أسمعهم وأبصرهم يوم القيامة) [["جامع البيان" 16/ 87، "المحرر الوجيز" 9/ 472، "معالم التنزيل" 5/ 232، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 135، "زاد المسير" 5/ 163.]]. وقال الكلبي: (يقول: ما أبصرهم بالهدى يوم القيامة، وأطوعهم أن عيسى ليس الله، ولا ابن الله، ولا ثالث ثلاثة) [["معالم التنزيل" 3/ 232، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 108، "الكشف والبيان" 3/ 7 أ.]].
فجعل السمع هاهنا بمعنى الطاعة وهو حسن. وقال الحسن: (لئن كانوا في الدنيا صما عميا عن الحق فما أبصرهم به وأسمعهم يوم القيامة) [["النكت والعيون" 3/ 373.]]. ﴿لَكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾. يعني أن الكافرين والمشركين ضلوا في الدنيا، وعموا عن الحق وآثروا الهوى على الهدى.
وقوله تعالى: ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ﴾ لفظ التعجب كما قالوا في تفسيره: ما أسمعهم وأبصرهم [["إعراب القرآن" للنحاس 2/ 316، " إملاء ما من به الرحمن" 1/ 114.]]، وللتعجب لفظان أحدهما: ما أكرم زيدا، وذكرنا الكلام فيه عند قوله: ﴿فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ﴾ [البقرة: 175]، والثاني: أكرم يزيد وأسمع بهم وأبصر.
قال أبو علي: (وهذا مثال الأمر أقيم مقام الخبر، والمعنى: اسمعوا وأبصروا أي: صاروا ذوي سماع وإبصار، فوقع مثال الأمر هاهنا موقع الخبر، كما وقع مثال الخبر موقع الأمر في الدعاء في مثل: غفر الله لزيد، وقطع الله يد فلان، وسلام عليك، وخير بين يديك ونحوه مما يراد به الدعاء، وهو على لفظ الخبر، ومثل هذا مما جاء في التنزيل قوله: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ فِي الضَّلَالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا﴾ [مريم: 75] فهذا لفظه كلفظ أمثلة الأمر ومعناه الخبر، ألا ترى أنه لا وجه للأمر هاهنا وأن المعنى: يمده الرحمن مداد، ويدلك على أن المراد في هذا الخبر أن السمع والبصر وغيرهما من الأحداث لا يخاطب ولا يؤمر ولا ينهي، فليس للأمر هاهنا معنى ولا متوجه) [[ذكره مختصرًا في "الحجة للقراء السبعة" 2/ 205.]].
وموضع الباء مع ما بعدها من المنجر في قولك أكرم يزيد رفع، كما أن الباء في: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ﴾ [[وردت في مواطن كثيرة ومنها ما ورد في سورة النساء الآية رقم: (6).]] كذلك، وذلك أن المتعجب منه وقع موقع الفاعل، وفاعل هذا الفعل المتعجب منه، فلذلك قلنا إن الجار مع المجرور في موضع رفع.
مريم 19:39
قوله تعالى: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ﴾ أي: خوف يا محمد كفار مكة يوم الندامة يتحسر المسيء هلا أحسن العمل، والمحسن هلا إزداد من الإحسان. وقال أكثر أهل التأويل: (يعني الحسرة حين يذبح الموت بين الفريقين، ويقال: يا أهل الجنة خلود فلا موت، ويا أهل النار خلود فلا موت، فلو مات أحد فرحا لمات أهل الجنة، ولو مات أحد حزنا لمات أهل النار) [["المحرر الوجيز" 9/ 472، "النكت والعيون" 3/ 374، "معالم التنزيل" 5/ 232، "زاد المسير" 5/ 233، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 109.]].
قال مقاتل: (لولا ما قضى الله من تخليد أهل النار فيها لماتوا حسرة حين رأوا ذلك) [["النكت والعيون" 3/ 374، "الكشف والبيان" 3/ 7 أ.]]. وهذا يروى مرفوعاً عن النبي -ﷺ- [[أخرج البخاري في صحيحه عن أبي سعيد قال: قال رسول الله -ﷺ-: "إذا دخل أهل النار النار وأدخل أهل الجنة الجنة يجاء بالموت كأنه كبش أملح فينادي منادي: يا أهل الجنة تعرفون هذا؟ قال: فيشرئبون وينظرون وكل قد رأوه فيقولون: نعم هذا الموت، ثم ينادي: يا أهل النار تعرفون هذا؟ فيشرئبون وينظرون، وكلهم قد رأوه فيقولون: نعم هذا الموت، فيؤخذ فيذبح، ثم ينادي: يا أهل الجنة خلود ولا موت، ويا أهل النار خلود ولا موت، فذلك قوله: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ﴾ قال: أهل الدنيا في غفلة".
أخرجه البخاري في "كتاب التفسير" سورة مريم 6/ 117، ومسلم في كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب: النار يدخلها الجبارون والجنة يدخلها الضعفاء 4/ 2188، والترمذي في جامعه كتاب: التفسير سورة مريم 12/ 14، والدرامي كتاب: الرقائق، باب: ذبح الموت 2/ 329، وأحمد في "مسنده" 3/ 9، والنسائي في "تفسيره" 2/ 30، والطبري في "جامع البيان" 16/ 87، والسيوطي في "الدر المنثور" 4/ 489 وزاد في نسبته إلى سعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه.]].
قوله تعالى: ﴿إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ﴾ هو أي: فرغ من الحساب، وأدخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار. والمعنى: إذ يقضى الأمر؛ لأنه لم يأت بعد إلا أن ما كان من أحكام الآخرة يذكر بلفظ الماضي فىِ القرآن؛ لأنها كأنها قد وقعت حيث هي كائنة لا شك، كقوله: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ﴾ [الأعراف: 50]. وقال ابن جريج في قوله: (﴿إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ﴾ إذ ذبح الموت) [["جامع البيان" 16/ 88، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 139، "زاد المسير" 5/ 234، "البحر المحيط" 6/ 191.]]. وقال مقاتل بن سليمان: (إذ قضي لهم العذاب في الآخرة وهم في الدنيا في غفلة) [["زاد المسير" 5/ 234، "البحر المحيط" 6/ 191.]].
وقوله تعالى: ﴿وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ﴾ وقال ابن عباس: (يريد في الدنيا) [[ذكره بدون نسبة "المحرر الوجيز" 9/ 473، و"تفسير كتاب الله العزيز" 3/ 16، "البحر المحيط" 6/ 191.]]. وهذا استئاف إخبار عنهم أنهم في غفلة عن ذلك اليوم وأحكامه. ثم أخبر عن كفرهم بذلك اليوم فقال: ﴿وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ قال ابن عباس: (لا يصدقون بالبعث) [[ذكرت كتب التفسير نحوه بدون نسبة. انظر: "جامع البيان" 16/ 88، "بحر العلوم" 2/ 324، "معالم التنزيل" 5/ 232، "زاد المسير" 5/ 234، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 135، "لباب التأويل" 4/ 247.]].
وقال السدي: (وهم في غفلة في الدنيا عما يصنع الموت ذلك اليوم، وهم لا يؤمنون بما يصنع بالموت ذلك اليوم) [[ذكرت كتب التفسير نحوه بدون نسبة. انظر: "معالم التنزيل" 5/ 232، "زاد المسير" 5/ 235، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 135، "البحر المحيط" 6/ 191.]].
مريم 19:40
قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ﴾ أي: نميت سكانها فنرثها ومن عليها لأني أميتهم وأهلكهم [["معالم التنزيل" 5/ 232، "زاد المسير" 5/ 235، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 109، "فتح القدير" 3/ 477.]]، وهذا كقوله: ﴿وَنَحْنُ الْوَارِثُونَ﴾ [الحجر: 23]، وذكرنا الكلام فيه. ﴿وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ﴾ بعد احيائنا إياهم للثواب والعقاب.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ﴾ كقولك لغيرك: أرثك وأرث مالك. أي: تموت فينتقل إلى مالك. والمعنى: أنهم يموتون وتبقى الأرض لا مالك لها إلا الله -عز وجل-.
مريم 19:41
قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ﴾ اقصص عليهم قصته. قال ابن عباس: (اذكر لقومك إبراهيم فقد انتهى إليهم دينه، وعرفوا أنهم من ولده، وأنه كان حنيفا مسلما) [[ذكرت كتب التفسير نحوه بدون نسبة. انظر: "تفسير القرآن العظيم" 3/ 137، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 110، "التفسير الكبير" 21/ 223، "روح البيان" 5/ 336.]]. وهو معنى قوله: ﴿إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا﴾ والصديق: اسم للمبالغ في الصدق. وقد مر [[عند قوله سبحانه في سورة يوسف الآية رقم: (46): ﴿يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ﴾ الآية.]].
مريم 19:42
﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ﴾ سبق الكلام في هذه التاء في (أبت) في أول سورة يوسف [[عند قوله سبحانه في سورة يوسف الآية رقم: (4): ﴿إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ﴾.]] [[قال الزمخشري في "الكشاف" 2/ 412: انظر حين أراد أن ينصح أباه ويعظه فيما كان متورطا فيه من الخطأ العظيم والارتكاب الشنيع الذي عصا فيه أمر العقلاء وانسلخ عن قضية التميز ومن الغباوة التي يشير بعدها غباوة، كيف رتب الكلام == معه في أحسن إتساق وساقه أرشق مساق مع استعمال المجاملة واللطف والرفق واللين والأدب الجميل والخلق الحسن منتصحا في ذلك بنصيحة ربه عز وعلا.]].
﴿لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ﴾ يعني الصنم [["جامع البيان" 16/ 89، "المحرر الوجيز" 9/ 476، "معالم التنزيل" 5/ 234، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 111.]]، وبخه على عبادته شيئا لا سمع له ولا بصر ﴿وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾ لا يدفع عنك ضرًا ولا يكفيك شيئا.
مريم 19:43
﴿يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ﴾ قال ابن عباس: (من اليقين والمعرفة بالله) [[ذكره بدون نسبة "البغوي" 5/ 234، و"القرطبي" 11/ 111.]]. قال أبو إسحاق: (وهذا يدل على أنه كان قد آتاه الوحي) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 332.]]. ﴿فَاتَّبِعْنِي﴾ الآية قال ابن عباس: (يريد اتبعني على جاءني من ربي أرشدك إلى دين مستقيم) [[ذكرت كتب التفسير نحوه بدون نسبة. انظر: "بحر العلوم" 2/ 325، "المحرر الوجيز" 9/ 476، "معالم التنزيل" 5/ 234، "ابن كثير" 3/ 137، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 111.]]. ﴿يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ﴾ قال ابن عباس: (لا تطعه) [[ذكرته كتب التفسير بدون نسبة انظر: المراجع السابقة، "زاد المسير" 5/ 236.]]. قال أبو إسحاق: (معنى عبادة الشيطان: طاعته فيما يسول من الكفر والمعاصي) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 332.]]. والمعنى أن عبادتك الصنم عبادة الشيطان؛ لأن من أطاع شيئاً في معصية الله فقد عبده.
مريم 19:44
﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا﴾ قيل: كان زائدة. وقيل: أنه بمعنى صار [["الجامع لأحكام القرآن" 11/ 111.]]. والصحيح: أنه بمعنى الحال [["معالم التنزيل" 5/ 234، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 111.]]. أي: كائن كما ذكرنا في قوله: ﴿وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ﴾ [مريم: 8] الآية. والعصي: بمعنى العاصي على فعيل مثل القادر والقدير وبابه.
مريم 19:45
﴿يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ﴾ أخشى أن يصيبك عذاب الله بطاعتك الشيطان ﴿فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا﴾ قرينا في النار. قال الفراء: (﴿أَخَافُ﴾ أي: أعلم، كقوله: ﴿فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا﴾ [الكهف: 80]، أي: فعلمنا) [["معاني القرآن" للفراء 2/ 169.]].
مريم 19:46
فقال أبوه مجيبا له: ﴿أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ﴾ أي: أتاركها أنت وتارك عبادتها، يقال: رغب عن الشيء إذا تركه عمدا [[انظر: "تهذيب اللغة" (رغب) 2/ 1432، "مقاييس اللغة" (رغب) 2/ 415، "القاموس المحيط" (رغب) ص 90، "المفردات" (رغب) ص 198.]]. ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ﴾ لم تمتنع عن شتمها وعيبها، ومعنى الإنتهاء: الامتناع من الفعل المنهي عنه، يقال: نهاه عن كذا فانتهى [[انظر: "تهذيب اللغة" (نهى) 4/ 3680، "الصحاح" (نهى) 6/ 2517، "المفردات في غريب القرآن" (نهى) 507، "لسان العرب" (نهى) 8/ 4564.]].
وقوله تعالى: ﴿لَأَرْجُمَنَّكَ﴾ (لأرمينك بالقول القبيح وأشتمك)، قاله الضحاك، ومقاتل، والسدي، والكلبي، ومجاهد، وابن جريج [["جامع البيان" 16/ 91، "النكت والعيون" 3/ 374، "المحرر الوجيز" 9/ 478، "معالم التنزيل" 5/ 234، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 137.]]. واختيار الزجاج قال: (يقال: فلان يرمي فلانا، ويرجم فلانا معناه: يشتمه) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 332.]]. وقال ابن عباس في رواية عطاء: (لأقتلنك) [[ذكره ابن عطية في "المحرر الوجيز" 9/ 478 بدون نسبة، وكذلك السمرقندي في "بحر العلوم" 2/ 325.]].
وقال الحسن: (لأرمينك بالحجارة حتى تبعد عني) [["النكت والعيون" 3/ 374، "المحرر الوجيز" 9/ 478، "معالم التنزيل" 5/ 2354، "زاد المسير" 5/ 237، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 111.]]. وهذا كما روي عن ابن عباس أنه قال: (لأضربنك بالحجارة) [["معالم التنزيل" 5/ 234، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 111.]]. وذكرنا الكلام في معاني الرجم عند قوله: ﴿وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ﴾ [هود: 91].
وقوله: ﴿وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾ ويقال: هَجَرَ الرجل هَجْرًا إذا تباعد ونأى، وهَجَرَ في الصوم يَهْجُرُ هِجْرَانًا، قاله أبو زيد [["تهذيب اللغة" (هجر) 4/ 3717، "لسان العرب" (هجر) 8/ 4617.]]. قال ابن عباس: (واعتزلني) [["الكشف والبيان" 3/ 7 ب، "معالم التنزيل" 5/ 234، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 111، "لباب التأويل" 4/ 248.]]. وقال الكلبي: (واتركني) [["الكشف والبيان" 3/ 7 ب، وذكر نحوه "معالم التنزيل" 5/ 234.]].
﴿مَلِيًّا﴾ قال ابن عباس في رواية عطاء: (يريد حينا) [["النكت والعيون" 3/ 374، "زاد المسير" 5/ 237، "فتح القدير" 3/ 337.]]. وهو قول مجاهد [["جامع البيان" 16/ 91، "النكت والعيون" 3/ 374، "المحرر الوجيز" 9/ 478، "معالم التنزيل" 5/ 234، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 137.]]. وقال عكرمة: (دهرا) [["النكت والعيون" 3/ 374، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 127.]]. وقال الحسن: (زمانا طويلا) [["تفسير القرآن" للصنعاني 2/ 10، "جامع البيان" 16/ 91، "النكت والعيون" 3/ 374، "المحرر الوجيز" 9/ 478، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 137.]]. وهو قول الكلبي [["جامع البيان" 16/ 91، "الكشف والبيان" 3/ 7، "معالم التنزيل" 5/ 234، "الدر المنثور" 4/ 491.]]. وقال السدي: (أبدا) [["جامع البيان" 16/ 91، "بحر العلوم" 2/ 325، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 137.]].
قال الليث: (الملِيُّ من الدهر حين طويل، ويقال: أقام مَلِيًا) [[ذكرته كتب اللغة بدون نسبة. انظر (ملا) في: "تهذيب اللغة" 4/ 3438، "القاموس المحيط" 4/ 52، "تاج العروس" 1/ 252، "اللسان" 7/ 4273.]].
وقال الفراء: (يقال: مَلْوَةً من الدهر، ومُلْوَةً، ومِلْوَةً، ومُلاَوَةً، ومِلاَوَةً وكله من الطول) [["معاني القرآن" للفراء 2/ 169.]]. والله يُمْلِي من يشاء فيؤجله ومنه قوله تعالى: ﴿وَأُمْلِي لَهُمْ﴾ [[سورة الأعراف: (183)، وسورة القلم: (45).]]، قال الأصمعي: (وأَمْلَى عليه الزمن أي: طال عليه، وَأمْلِي له أي: طول له وأمهله) [["تهذيب اللغة" (ملا) 4/ 3438، "لسان العرب" (ملا) 47/ 273.]]. قال ابن السكيت: (تَمَلَّيْت العيش: إذا عشت مَلِيًّا؛ أي: طويلًا [[انظر: "لسان العرب" (ملا) 7/ 4273، "تاج العروس" (ملا) 1/ 252.]].
قال العجاج [[البيت للعجاج. والصَّنْجُ: هو الذي يتخذ من صفر يضرب أحدهما بالآخر، وقيل الصنج: ذو الأوتار الذي يلعب به. انظر: "تهذب اللغة" (ملا) 4/ 3438، "لسان العرب" (ملا) 7/ 4273.]]:
مُلاَوَةَ مُلِّيْتُهَا كَأَنِي ... ضَارِبُ صَنْجِ نَشْوَةٍ مُغَنِّي
مَلَّيتها؛ أي: طولت لي، وذكرنا الكلام في هذا الحرف عند قوله: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ [آل عمران: 178]
وقال أبو علي الفارسي: (قالوا انتظرته مَلِيًا من الدهر، أي: متسعا منه، وهو صفة استعمل استعمال الأسماء، والمَلأَة من هذا الزيادة عرضها واستاعها، والهمزة فيه منقلبة عن حرف لين، يريد به سقوطها في التحقير، ولو كانت الهمزة لاما لم تسقط) [[ذكر نحوه في "الحجة للقراء السبعة" 3/ 102.]].
وروي عن ابن عباس في قوله: ﴿مَلِيًّا﴾ قال: (سالم العِرض لا يصيبك مني مكروه) [["جامع البيان" 16/ 92، "النكت والعيون" 3/ 374، "المحرر الوجيز" 9/ 479، "معالم التنزيل" 5/ 235، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 137.]]. وهو قول قتادة، وعطية، والضحاك قالوا في معنى ﴿مَلِيًّا﴾ قال: (سويا سليما) [["تفسير القرآن" للصنعاني 2/ 10، "جامع البيان" 16/ 92، "بحر العلوم" 2/ 325، "النكت والعيون" 3/ 374، "معالم التنزيل" 5/ 235.]]. وأصل هذا من قولهم: فلان مَلِئٌ بهذا الأمر. والقول هو الأول؛ لأن الملي بالأمر أصله الهمز [[قال ابن جرير الطبري -رحمه الله- في "تفسيره" 16/ 92: وأولى القولين بتأويل الآية عندي قول من قال: معنى ذلك واهجرني سويا سليما من عقوبتي؛ لأنه عقيب قوله: ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ﴾ وذلك وعيد منه له إن لم ينته عن ذكر آلهته بالسوء أن يرجمه بالقول السيء والذي هو أولى بأن يتبع ذلك المتقدم إليه بالانتهاء عنه قبل أن تناله العقوبة، فأما الأمر بطول هجره فلا وجه له.]].
قال أبو زيد: (مَلُؤ الرجل، يَمْلُؤُ، مَلاَءَة فهو مَلِئ) [["تهذيب اللغة" (ملا) 4/ 3438.]]. ولم يروى عن القراء: (وَأهْجُرنِى مليئًا) بالهمز.
مريم 19:47
فقال إبراهيم مجيبا لأبيه: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكَ﴾ أي: سلمت مني لا أصيبك بمكروه [["جامع البيان" 6/ 92، "النكت والعيون" 3/ 375، "المحرر الوجيز" 9/ 480، "معالم التنزيل" 3/ 198، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 137.]]. وذلك أنه لا يؤمر بقتاله على كفره فلذلك قال: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكَ﴾ وسئل سفيان بن عيينة: (أيجوز السلام على أهل الذمة؟ فقال: نعم، إنما حضر ذلك في دار الحرب، فأما في السلم فلا، وقد قال الله تعالى: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ﴾ [الممتحنة: 8] الآية، وقال في قصة إبراهيم: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ﴾ إلى قوله: ﴿لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ﴾ [الممتحنة: 4]، فاستثنى الاستغفار، ولم يستثن السلام) [[ذكره القرطبي 11/ 11 أو قال: والجمهور على أن المراد بسلامه المسالمة التي هي المتاركة لا التحية، وقال النقاش: حليم خاطب فيها كما قال: ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾.]]. وقد قال إبراهيم: ﴿قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي﴾ سأدعو لك ربي بالمغفرة والتوبة، وذلك أنه لما أعياه أمره وعده أن يراجع الله في بابه فيسأله أن يرزقه التوحيد ويغفرله، واستغفاره له يتضمن مسألة التوحيد؛ لأنه لا يغفر له ما ثبت على شركه، ألا ترى أن الله تعالى قال: ﴿فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ﴾ [التوبة: 114] أي: لما مات على شركه ترك الاستغفار له. والمعنى على هذا سأسأل الله لك توبة تنال بها مغفرته [["بحر العلوم" 325/ 2، "النكت والعيون" 3/ 375، "المحرر الوجيز" 9/ 480، "معالم التنزيل" 5/ 235، "زاد المسير" 5/ 237.]]. وقيل: (أنه وعد أباه الاستغفار وهو لا يعلم أن ذلك محظور على المصر على الكفر فلما أعلمه الله، [[من قوله: (وموضع الباء مع ما بعدها ..) إلى هنا ساقط من (س).]] ما فيه قطع الاستغفار وبريء من أبيه) [["المحرر الوجيز" 9/ 480، "ابن كثير" 3/ 137، "فتح القدير" 3/ 483.
ويشهد لهذا قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ﴾ [التوبة: 114].]].
قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا﴾ قال ابن عباس، ومقاتل: (لطيفا بارا)] [["جامع البيان" 16/ 92، "ابن كثير" 3/ 137، "زاد المسير" 5/ 238، "فتح القدير" 3/ 337. وما بين المعقوفين ساقط من نسخة (س).]]. وهو قول أكثر المفسرين.
قال الزجاج: (يقال: تَحَفَّى به تَحَفِّيًا، وحَفِي به حَفْوَة إذا بره وألطفه) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 333.]].
وقال الكلبي: (﴿حَفِيًّا﴾: عالما) [["النكت والعيون" 3/ 375، "معالم التنزيل" 5/ 235.]]. وهو قول ابن عباس في رواية عطاء [[ذكرته كتب التفسير بدون نسبة. انظر: "الكشف والبيان" 3/ 7، "معالم التنزيل" 5/ 235، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 113.]]. قال جابر: (معينا) [[ذكره أبو حيان في "النهر المارد" بدون نسبة 1/ 392، وكذلك ابن سعدي في "تيسير الكريم الرحمن" 5/ 113.]].
وذكر الفراء القولين جميعا [["معاني القرآن" للفراء 2/ 169.]]. والكلام في هذا قد مر مستقصى في قوله: ﴿يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا﴾ [الأعراف: 187].
قوله تعالى: ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ﴾ أي: أتنحى عنكم وأفارقكم. يقال: عَزَلْتُه عن الشيء نحيته عنه فَاعْتَزَل [[انظر: "تهذيب اللغة" (عزل) 5/ 2930، "مقاييس اللغة" (عزل) 4/ 307، "المفردات في غريب القرآن" (عزل) 334، "مختار الصحاح" (عزل) 430.]].
وقوله تعالى: ﴿وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ أي: أعتزل ما تعبدون من دون الله يعني: الأصنام [["معالم التنزيل" 5/ 236، "المحرر الوجيز" 9/ 481، "زاد المسير" 5/ 238.]]. ﴿وَأَدْعُو رَبِّي﴾ أعبده ﴿عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا﴾ أرجو أن لا أشقى بعبادته، وفي هذا إشارة إلى أنهم شقوا بعبادة الأصنام؛ لأنها لا تنفعهم ولا تجيب دعاءهم [["معالم التنزيل" 5/ 239، "زاد المسير" 5/ 238.]].
مريم 19:49
﴿فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ هاجرهم بالخروج إلى ناحية الشام [["المحرر الوجيز" 9/ 481، "الكشاف" 2/ 413، "زاد المسير" 5/ 328.]]. ﴿وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ﴾ آنسنا وحشته من فراقهم بأولاد كرام على الله [["جامع البيان" 1/ 936، "زاد المسير" 5/ 238، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 113.]]. ﴿وَكُلًّا﴾ من هذين ﴿جَعَلْنَا نَبِيًّا﴾.
مريم 19:50
قوله تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنَا﴾ قال الكلبي: (المال والولد) [["معالم التنزيل" 5/ 236، "الكشاف" 2/ 414، "زاد المسير" 5/ 838.]]. وهو قول الأكثرين قالوا: (رحمته ما بسط لهم في الدنيا من سعة الرزق) [["جامع البيان" 16/ 93، "المحرر الوجيز" 9/ 481، "معالم التنزيل" 5/ 236.]]. فقوله: ﴿مِنْ رَحْمَتِنَا﴾ في محل النصب بوقوع الهبة عليه. وقال آخرون: (يعني الكتاب والنبوة) [["معالم التنزيل" 5/ 236، "فتح القدير" 3/ 483.]]. ﴿وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ﴾ أي: ثناء حسنا في الناس ﴿عَلِيًّا﴾ مرتفعا سائرا في الناس [["جامع البيان" 16/ 93، "المحرر الوجيز" 9/ 481، "معالم التنزيل" 5/ 236، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 138، "زاد المسير" 5/ 240.]]. وكل أهل الأديان يتولون إبراهيم وذريته ويثنون عليهم، واللسان يذكر ويراد به: القول واللغة، وإضافته إلى الصدق مدح له، والعرب إذا مدحت شيئًا أضافته إلى الصدق يقال: فلان رجل صدق. قال الله تعالى: ﴿مُبَوَّأَ صِدْقٍ﴾ [يونس: 93]. وقال: ﴿قَدَمَ صِدْقٍ﴾ [يونس: 2]، وتقول العرب: إن لسان الناس عليه لحسنة، وحسن، أي: ثناؤهم، يقولون: إن شفة الناس عليك لحسنة [["تهذيب اللغة" (لسن) 4/ 3262.]].
مريم 19:51
قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَى إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصًا﴾ قال الكلبي: (أخلص العبادة والتوحيد لله تعالى [[ذكرت كتب التفسير نحوه بدون نسبة. انظر: "جامع البيان" 16/ 94، "معالم التنزيل" 5/ 236، "زاد المسير" 5/ 240، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 138، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 114، "التفسير الكبير" 21/ 231.]]. أي: جعلها خالصة من شائبة تفسدها. وقال الزجاج: (جعل نفسه خالصة في طاعة الله غير دنسه) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 333.]]. ومن قرأ: ﴿مُخْلَصًا﴾ بالفتح [[قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر، وعاصم في رواية الكسائي عن أبي بكر والمفضل عن عاصم: (مُخْلِصًا) بكسر اللام.
وقرأ حمزة، والكسائي، وعاصم في رواية يحيى عن أبي بكر، وحفص عنه: (مُخْلَصا) بفتح اللام.
انظر: "السبعة" 410، "الحجة للقراء السبعة" 5/ 252، "المبسوط في القراءات" ص 244، "حجة القراءات" ص 445.]]. فهو الذي أخلصه الله وجعله مختارا خالصا من الدنس، فحجة من كسر اللام قوله: ﴿وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ﴾ [النساء: 146]، وحجة من فتحها قوله: ﴿إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ﴾ [ص: 46].
مريم 19:52
وقوله تعالى: ﴿وَنَادَيْنَاهُ﴾ قال ابن عباس: (يريد حيث أقبل من مدين [[مدين: مدينة على البحر الأحمر، محاذية لتبوك من الجنوب على نحو ست مراحل، وكانت منازل العاربة من طسم، وجديس، وأميم، وجرهم، وقد هلك من هلك من بقايا العاربة بمدين، وخلفهم فيها بنو قحطان ابن عابر فعرفوا بعرب مدين. انظر: "محجم البلدان" 5/ 77، "معجم ما استعجم" 4/ 1201، "نهاية الأرب" ص 19.]]، ورأى النار في الشجرة، وهو يريد من يهديه إلى طريق مصر، فلما انتهى إلى الشجرة ناداه الله) [[ذكرت كتب التفسير نحوه بدون نسبة. انظ: "تفسير القرآن العظيم" 3/ 110، "البحر المحيط" 6/ 199، "مجمع البيان" 5/ 800، "روح البيان" 5/ 339. == ويشهد لهذا ما ورد في سورة القصص الآية رقم: (30): ﴿فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾.]]. وهو قوله: {يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} [القصص: 30]
وقوله تعالى: ﴿مِنْ جَانِبِ الطُّورِ﴾ أي: من ناحية الجبل، وهو جبل بين مصر ومدين اسمه: زبير [["معالم التنزيل" 5/ 236، "زاد المسير" 5/ 240، "الجامع لأحكام القرآن" 17/ 58، "التبيان في أقسام القرآن" 165، "فتح القدير" 3/ 483.]].
وقوله تعالى: ﴿الْأَيْمَنِ﴾ قال الكلبي: (يعني يمين موسى، ولم يكن للجبل يمين ولا شمال) [[ذكره بدون نسبة "بحر العلوم" 2/ 326، و"النكت والعيون" 3/ 376، "المحرر الوجيز" 9/ 482، "معالم التنزيل" 5/ 236.]]. ونحو هذا قال الفراء وقال: (إنما هو الجانب الذي يلي يمين موسى، كما تقول: عن يمين القبلة وشمالها) [["معاني القرآن" للفراء 2/ 169.]]. ﴿وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾ أي: مناجيا، والنجي بمعنى: المناجي كالجليس، والنديم، قاله الفراء، والزجاج [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 333، "معاني القرآن" للفراء 2/ 169.]]. وقد يكون النجي اسما ومصدرًا، وذكرنا ذلك عند قوله: ﴿خَلَصُوا نَجِيًّا﴾ [يوسف: 80]. قال ابن عباس في رواية عطاء: (يريد قربه الله وكلمه) [["معالم التنزيل" 5/ 236.]]. وهذا قول جماعة جعلوا معنى هذا التقريب أن أسمعه كلامه [["بحر العلوم" 1/ 326، "النكت والعيون" 3/ 376، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 114.]]. وهو قول أبي عبيدة، واختيار الزجاج قال: (قربه منه في المنزلة حتى سمع مناجاة الله وهي كلام الله -عزوجل-) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 333.]].
قال ابن عباس في رواية سعيد بن جبير: (قربه حتى سمع صريف القلم حين كتب في اللوح) [["جامع البيان" 16/ 94، "النكت والعيون" 3/ 376، "المحرر الوجيز" 9/ 485، "معالم التنزيل" 5/ 237، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 128.]]. وهو قول الكلبي، ومجاهد [["جامع البيان" 16/ 95، "بحر العلوم" 2/ 326، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 138، "الدر المنثور" 4/ 492.]]. وقال الحسن: (أدخل في السماء الدنيا فكلم) [[ذكرته كتب التفسير ونسبته للسدي. انظر: "بحر العلوم" 2/ 326، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 138، "أضواء البيان" 4/ 297.]].
مريم 19:53
قوله تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنَا﴾ أي: من نعمتنا ﴿أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا﴾. قال ابن عباس: (يريد حيث سألني) [[ذكرته كتب التفسير بدون نسبة. انظر: "الكشف والبيان" 3/ 7 ب، "معالم التنزيل" 5/ 237، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 138، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 114، "التفسير الكبير" 21/ 231.
ويشهد لهذا قوله سبحانه في سورة القصص الآية رقم (34): ﴿وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ﴾.]]. فقال: ﴿وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي﴾ [طه: 29 - 30] الآية. [قال الكلبي: (وكان معه وزيرا) [[ذكرته كتب التفسير بدون نسبة. انظر: "بحر العلوم" 2/ 326، " المحرر الوجيز" 9/ 485، "لباب التأويل" 4/ 249، "روح البيان" 5/ 339.]]. و ﴿نَبِيًّا﴾ منصوب بوهبنا على تقدير ووهبنا له من رحمتنا نبيا أخاه هارون] [[ما بين المعقوفين ساقط من نسخة (س).]] على أن تجعل أخاه بدلا من نبيا، ولا يجوز أن تجعل أخاه منصوبا بوهبنا؛ لأنه لم يسأل الله أن يهب له أخا إنما سأله أن يشرك أخاه في نبوته ويجعله وزيرًا [له فوهبه الله ذلك بأن] [[ما بين المعقوفين ساقط من نسخة (س).]] أكرم أخاه بالنبوة [["إعراب القرآن" للنحاس 2/ 319، "إملاء ما من به الرحمن" 1/ 115.]]. يدل على هذا ما روى عكرمة عن ابن عباس قال. (هارون أكبر من موسى [وإنما وهبت له نبوته)] [["جامع البيان" 16/ 71، "الكشاف" 2/ 414، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 138، "فتح القدير" 3/ 483.]] [[ما بين المعقوفين ساقط من نسخة (س).]].
مريم 19:54
قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ﴾ قال مجاهد: (لم يعد شيئا إلا وفي به) [["بحر العلوم" 2/ 326، "معالم التنزيل" 5/ 237، "زاد المسير" 5/ 245.]]. قال مقاتل: (أقام ينتظر إنسانا لميعاد ثلاثة أيام) [["بحر العلوم" 2/ 326، "النكت والعيون" 3/ 376، "معالم التنزيل" 5/ 237، "زاد المسير" 5/ 240.]].
وقال الكلبي: (أقام حتى حال عليه الحول) [["بحر العلوم" 3/ 326، "معالم التنزيل" 5/ 237، "الكشف والبيان" 3/ 8/ أ.
وذكره ابن عطية في "تفسيره" 9/ 485 بدون نسبة، وقال: وهذا بعيد غير صحيح. والراجح في ذلك قول مجاهد -رحمه الله- فإن إسماعيل لم يعد شيئًا إلا وفي به، وهو الذي يقتضيه ظاهر الآية.]]. وقال عطاء عن ابن عباس: (وعده إنسان أن يعود إليه فأقام ولم يبرح من مكانه، وكان في ضميره أن لو أقام سنة لم يخلفه موعده، حتى أتاه جبريل فقال: إن الفاجر الذي سألك أن تقعد حتى يعود إليك هو إبليس، فلا تقعد ولا كرامة) [["الجامع لأحكام القرآن" 11/ 115 أو قال: وهذا بعيد ولا يصح. وذكر نحوه الماوردي في "تفسيره" 3/ 376، والزمخشري في "كشافه" 2/ 414، وابن الجوزي في "زاد المسير" 5/ 240.]].
فسماه الله صادق الوعد ﴿وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا﴾ قال: (أرسل إلى جرهم) [[جرهم: بطن من القحطانية كانت منازلهم باليمن ثم انتقلوا إلى الحجاز فنزلوه ثم نزلوا مكة واستوطنوها، وكانوا ملوكًا في الحجاز حتى نزل إسماعيل عليه السلام مكة نزلوا عليه، وتزوج منهم، واستولت جرهم على البيت، ثم تفرقت قبائل العرب بسيل العرم، ونزلت عليهم حزاعة وأخرجت جرهما من مكة.
انظر: "معجم قبائل العرب" 1/ 183، "الأنساب للسمعاني" 2/ 47، "نهاية الإرب" ص211، "المنتخب في ذكر أنساب العرب" ص 172.]] [["معالم التنزيل" 5/ 237، "زاد المسير" 5/ 240، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 116، "فتح القدير" 3/ 483.]]
مريم 19:55
وقوله تعالى: ﴿وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ﴾ قال ابن عباس: (يريد قومه) [[ذكر في كتب التفسير بدون نسبة انظر: "بحر العلوم" 2/ 326، "النكت والعيون" 3/ 377، "معالم التنزيل" 5/ 237، "زاد المسير" 5/ 140.]]. قال الزجاج: (أهله جميع أمته، ممن كانت بينه وبينهم قرابة أو لم يكن، وكذلك أهل كل نبي أمته) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 333.]]؛ لأن كل نبي [[في (س): (شيء)، وهو تصحيف.]] فهو بمنزلة الأب لأمته فإذا كانت الأمة كالأولاد له [[قوله: (له)، ساقط من نسخة (س).]] فهم أهله. قاله مقاتل [[ذكرت كتب التفسير نحوه بدون نسبة. انظر: "معالم التنزيل" 5/ 237، "زاد المسير" 5/ 240، "البحر المحيط" 6/ 199، "روح المعاني" 16/ 100، "أنوار التنزيل" 4/ 10.]]. نظيره: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ﴾ [طه: 132] أي: قومك.
وقوله تعالى: ﴿بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ﴾ قال ابن عباس: (يريد التي افترضها الله عليهم وهي الحنيفية التي افترضت علينا) [["معالم التنزيل" 5/ 240.]]. {وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا} قال: (يريد قام لله بطاعته) [[ذكرت كتب التفسير نحوه بدون نسبة. انظر: "معالم التنزيل" 5/ 237، "لباب التأويل" 4/ 249، "التفسير الكبير" 11/ 232، "روح البيان" 5/ 341.]].
قال الزجاج: (ويقال: فلان مَرْضُو، ومَرْضِي، وأَرْضٌ مَسْنُوَّة ومَسْنِية إذا سقيت بالسواني، والأصل الواو إلا أنها قلبت عند الخليل؛ لأنها طرف) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 334.]]. وقال الفراء: (الأصل الواو بدليل الرِّضْوَان، والذين قالوا مَرْضِيَّا بنوه طى رَضِيْت أَرْضِي، أصله رَضَوْت أَرْضُو فصارت الواو في رَضَوْت ياء لإنكسار ما قبلها، وغلبت الفتحة على الواو من أَرْضُو فجعلتها [[في (س): (فجعلها).]] ألفا وبني مَرْضِي على رَضِيْت. هذا مذهب الفراء [["معاني القرآن" للفراء 2/ 170.]].
مريم 19:56
قوله تعالى في ذكر إدريس: ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾ قال ابن عباس في رواية عطاء: (يعني الجنة) [[ذكرته كتب التفاسير من غير نسبة. انظر: "بحر العلوم" 2/ 326، "معالم التنزيل" 5/ 238، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 140، "زاد المسير" 5/ 241.]]. والقصة في كيفية ذلك معروفة. وروى أنس بن مالك أن نبي الله -ﷺ- قال: (لما عرج بي رأيت إدريس في السماء الرابعة) [[أخرج البخاري في كتاب: بدء الخلق، باب: ذكر الملائكة 4/ 77، ومسلم في صحيحه كتاب: الإيمان، باب: الإسراء 1/ 149، والترمذي كتاب: التفسير، سورة مريم 12/ 14، وأحمد في "مسنده" 3/ 270، وابن أبي شيبة في "مصنفه" 11/ 533 والحاكم في "المستدرك" 2/ 373 وصححه ووافقه الذهبي، وابن جرير الطبري في "تفسيره" 16/ 96، وابن كثير "تفسيره" 3/ 140، والسيوطي في "الدر المنثور" 4/ 494 وزاد نسبته لابن المنذر، وابن مردويه، وعبد بن حميد.]].
ونحو ذلك روى أبو سعيد الخدري [["جامع البيان" 16/ 72، "النكت والعيون" 3/ 377، "زاد المسير" 5/ 241، "فتح القدير" 3/ 483، "الدر المنثور" 4/ 494.]]. وهو قول كعب، ومجاهد قال: (رفع إلى السماء الرابعة ولم يمت كما رفع عيسى) [["جامع البيان" 16/ 96، "بحر العلوم" 2/ 326، "النكت والعيون" 3/ 377، "المحرر الوجيز" 9/ 490، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 140.]]. وروي عن ابن عباس أيضًا: (أنه رفع إلى السماء السادسة) [["جامع البيان" 16/ 96، "النكت والعيون" 3/ 377، "المحرر الوجيز" 9/ 490، "الكشاف" 2/ 414، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 140، "زاد المسير" 5/ 241.]]. وهو قول الضحاك [["جامع البيان" 16/ 96، " النكت والعيون" 3/ 377، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 140، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 117.
وقال ابن حجر -رحمه الله- في "فتح الباري" 6/ 375: وكون إدريس رفع وهو حي لم يثبت من طرف مرفوعة قوية.]] وقال أبو إسحاق: (وجائز أن قوله: ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾ في النبوة والعلم) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 335.]].
مريم 19:57
قوله تعالى في ذكر إدريس: ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾ قال ابن عباس في رواية عطاء: (يعني الجنة) [[ذكرته كتب التفاسير من غير نسبة. انظر: "بحر العلوم" 2/ 326، "معالم التنزيل" 5/ 238، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 140، "زاد المسير" 5/ 241.]]. والقصة في كيفية ذلك معروفة. وروى أنس بن مالك أن نبي الله -ﷺ- قال: (لما عرج بي رأيت إدريس في السماء الرابعة) [[أخرج البخاري في كتاب: بدء الخلق، باب: ذكر الملائكة 4/ 77، ومسلم في صحيحه كتاب: الإيمان، باب: الإسراء 1/ 149، والترمذي كتاب: التفسير، سورة مريم 12/ 14، وأحمد في "مسنده" 3/ 270، وابن أبي شيبة في "مصنفه" 11/ 533 والحاكم في "المستدرك" 2/ 373 وصححه ووافقه الذهبي، وابن جرير الطبري في "تفسيره" 16/ 96، وابن كثير "تفسيره" 3/ 140، والسيوطي في "الدر المنثور" 4/ 494 وزاد نسبته لابن المنذر، وابن مردويه، وعبد بن حميد.]].
ونحو ذلك روى أبو سعيد الخدري [["جامع البيان" 16/ 72، "النكت والعيون" 3/ 377، "زاد المسير" 5/ 241، "فتح القدير" 3/ 483، "الدر المنثور" 4/ 494.]]. وهو قول كعب، ومجاهد قال: (رفع إلى السماء الرابعة ولم يمت كما رفع عيسى) [["جامع البيان" 16/ 96، "بحر العلوم" 2/ 326، "النكت والعيون" 3/ 377، "المحرر الوجيز" 9/ 490، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 140.]]. وروي عن ابن عباس أيضًا: (أنه رفع إلى السماء السادسة) [["جامع البيان" 16/ 96، "النكت والعيون" 3/ 377، "المحرر الوجيز" 9/ 490، "الكشاف" 2/ 414، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 140، "زاد المسير" 5/ 241.]]. وهو قول الضحاك [["جامع البيان" 16/ 96، " النكت والعيون" 3/ 377، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 140، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 117.
وقال ابن حجر -رحمه الله- في "فتح الباري" 6/ 375: وكون إدريس رفع وهو حي لم يثبت من طرف مرفوعة قوية.]] وقال أبو إسحاق: (وجائز أن قوله: ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾ في النبوة والعلم) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 335.]].
مريم 19:58
قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ﴾ يعني الذين ذكرهم من الأنبياء في هذه السورة، ثم بين مراتبهم في شرف النسب فقال: ﴿مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ﴾ قال ابن عباس، والسدي: (يعني إدريس، ونوحا) [["جامع البيان" 1/ 976، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 141، "أضواء البيان" 4/ 305.]]. ﴿وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ﴾ إبراهيم؛ لأنه من ولد سام بن نوح، ويريد بالحمل مع نوح العمل في سفينته. ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ﴾ يريد إسحاق، وإسماعيل، ويعقوب.
وقوله تعالى: ﴿وَإِسْرَائِيلَ﴾ يعني: ومن ذريته وهم: موسى، وهارون، وزكريا، ويحيى، وعيسى [["جامع البيان" 16/ 97، "المحرر الوجيز" 9/ 190، "معالم التنزيل" 5/ 240، "الكشاف" 2/ 415، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 141.]]، وكان لإدريس، ونوح شرف القرب من آدم، ولإبراهيم شرف القرب من نوح. وإسماعيل، وإسحاق، ويعقوب لما تباعدوا من آدم حصل لهم الشرف بإبراهيم [["الجامع لأحكام القرآن" 16/ 120.]].
وقوله تعالى: ﴿وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا﴾ أي: هؤلاء كانوا ممن أرشدنا واصطفينا ﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا﴾ قال ابن عباس: (سجدًا متضرعين إليه) [[ذكرت كتب التفسير نحوه بدون نسبة انظر: "جامع البيان" 97/ 16، "المحرر الوجيز" 9/ 491، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 141، "التفسير الكبير" 21/ 234.]]. قال أبو إسحاق: (قد بين الله أن الأنبياء كانوا إذا سمعوا آيات الله سجدوا وبكوا) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 335.]]. وذكر الكلام في انتصاب سجدا عند قوله: ﴿يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا﴾ [الإسراء: 107] ﴿وَبُكِيًّا﴾: جمع باك مثل ساجد وسجود، وقاعد وقعود أصله: بكوي ففعل كما فعل بمرمى ومقضى، وقد ذكرنا ذلك في هذه السور [[عند قوله سبحانه في الآية رقم: (8): ﴿قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا﴾.]]
مريم 19:59
قوله تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ﴾ ذكرنا الكلام في هذا في سورة الأعراف [169]. قال السدي: (هم اليهود والنصارى) [["معالم التنزيل" 5/ 240، "زاد المسير" 5/ 245، "أضواء البيان" 4/ 308، "الدر المنثور" 4/ 499.]]. وقال مجاهد وقتادة: (هم من هذه الأمة عند قيام الساعة، وذهاب صالحي أمة محمد -ﷺ- قوما يتبارون ينزوا بعضهم على بعض في الأزقة [[الزقاق: الطريق الضيق دون السكة والجمع أزقة، وزقاق.
انظر: "تهذيب اللغة" (زقق) 2/ 1401، "الصحاح" (زقق) 4/ 1491، "لسان العرب" (زقق) 3/ 1845.]] زناة) [["جامع البيان" 16/ 99، "المحرر الوجيز" 9/ 493، "معالم التنزيل" 5/ 141، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 142، "زاد المسير" 5/ 245.]].
وقوله تعالى: ﴿أَضَاعُوا الصَّلَاةَ﴾ قال محمد بن كعب: (تركوها) [["جامع البيان" 16/ 99، "النكت والعيون" 3/ 379، "المحرر الوجيز" 9/ 493، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 142، "الدر المنثور" 4/ 499.]] وقال القاسم بن مخيمرة [[القاسم بن مخيمرة الهمداني، أبو عروة الكوفي نزيل الشام، تابعي، إمام عابد، محدث فقيه، توفي -رحمه الله- سنة 100 هـ.
انظر: "الجرح والتعديل" 7/ 120، "سير أعلام النبلاء" 5/ 201، "تهذيب التهذيب" 8/ 337.]]: (أخروها عن وقتها) [["جامع البيان" 16/ 99، "المحرر الوجيز" 9/ 493،"تفسير القرآن العظيم" 3/ 142، "زاد المسير" 5/ 245، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 122.]]. وهو قول إبراهيم، وسعيد بن المسيب، وعمر بن عبد العزيز [[ذكر ابن جرير الطبري في "تفسيره" 16/ 99 رأيًا نقله عن العلماء يقول فيه: أضاعوا المواقيت ولو كان تركًا كان كفرًا. وقال القرطبي في "تفسيره" 11/ 123: وجملة القول في هذا الباب أن من لم يحافظ على كمال وضوئها وركوعها وسجودها فليس بمحافظ عليها، ومن لم يحافظ عليها فقد ضيعها فهو لما سواها أضيع، كما أن من حافظ عليها حفظ الله عليه دينه ولا دين لمن لا صلاة له.]]. قال إبراهيم: (أضاعوا الوقت) [["معالم التنزيل" 5/ 241، "الكشاف" 2/ 415، "زاد المسير" 5/ 245، "الدر المنثور" 4/ 499.]].
وقال عمر: (شربوا الخمر فأضاعوها) [[ذكر نحوه "جامع البيان" 16/ 99، "النكت والعيون" 3/ 379، "المحرر الوجيز" 9/ 494،"تفسير القرآن العظيم" 3/ 142، "الدر المنثور" 4/ 499.]].
وقال سعيد: (هو أن لا يصلي الظهر حتى يأتي العصر، ولا العصر حتى تغرب الشمس) [["معالم التنزيل" 5/ 241.]]. وقال السدي: (لم يتركوها ولكنهم أضاعوا وقتها) [[ذكرت كتب التفسير نحوه بدون نسبة. انظر: "جامع البيان" 16/ 99، "الكشف والبيان" 3/ 9، "بحر العلوم" 2/ 328، "معالم التنزيل" 5/ 241، "زاد المسير" 5/ 245، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 142.]].
وقال الحسن: (عطلوا المساجد ولزموا الضيعات) [[الضيعة: الحرفة والتجارة، وضيعة الرجل: حرفته وصناعته، ومعاشه وكسبه. وقيل: الضياع المنازل، وسميت ضياعًا؛ لأنها تضيع إذا ترك تعهدها وعمارتها. انظر: "تهذيب اللغة" (ضيع) 3/ 2579، "الصحاح" (ضيع) 3/ 1252، "لسان العرب" (ضيع) 5/ 2624، "مختار الصحاح" (ضيع) ص 162.]] [["تفسير القرآن العظيم" 3/ 142، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 123.]].
قال الزجاج: (والأشبه في تفسير: ﴿أَضَاعُوا الصَّلَاةَ﴾ تركوها البته؛ لأنه يدل على أنه يعني به الكفار، ودليل ذلك قوله: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ﴾) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 335.
والراجح -والله أعلم- أن من أخر الصلاة عن وقتها، وترك فرضا من فروضها، أو شرطا من شروطها، أو ركنا من أركانها فقد أضاعها، وإن كانت أنواع الإضاعات تتفاوت، ويدخل تحت الإضاعة تركها أو جحدها دخولًا أوليًّا.
انظر: "جامع البيان" 16/ 99، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 123، "فتح القدير" 3/ 485، "أضواء البيان" 4/ 308.]].
وقوله تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ﴾ قال ابن عباس: (اتبعوا المعاصي) [[ذكرته كتب المفسير بدون نسبة. انظر: "معالم التنزيل" 5/ 241، "زاد المسير" 5/ 245، "لباب التأويل" 4/ 252، "روح المعاني" 16/ 109.]]. قال الكلبي: (يعني اللذات شرب الخمر وغيره) [[ذكره بدون نسبة البغوي "تفسيره" 5/ 241، والزمخشري في "كشافه" 2/ 415.]]. المعنى: آثروا شهوات أنفسهم على طاعة الله، ويمكن الجمع بين القولن في الآية بأن يقال: "أضاعوا الصلاة" يعني: المقصرين فيها في هذه الأمة، ﴿وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ﴾ يعني: اليهود والنصارى والمجوس. فقد قال مقاتل في تفسيره: (استحلوا نكاح الأخت. ثم قال: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ﴾ يعني تاب من التقصير في الصلاة "وآمن" يعني: اليهود والنصارى) [["الكشف والبيان" 3/ 9 أ، "تفسير كتاب الله العزيز" 3/ 18، "بحر العلوم" 2/ 328، "الكشاف" 2/ 405، "روح المعاني" 16/ 109.]].
وقوله تعالى: ﴿فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ قال ابن عباس في رواية عطاءة (الغي: واد في جنهم) [["معالم التنزيل" 5/ 241، "زاد المسير" 5/ 245، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 125، "فتح القدير" 3/ 485، "الدر المنثور" 4/ 500.]]، وهو قول ابن مسعود [["جامع البيان" 16/ 100، "النكت والعيون" 3/ 380، "المحرر الوجيز" 9/ 495، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 132.]]، وأبي أمامة [["جامع البيان" 6/ 100، "المحرر الوجيز" 11/ 41، "معالم التنزيل" 5/ 241، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 143، "الدر المنثور" 4/ 500.]]، وشفي بن ماتع [[شفي بن ماتع، ويقال: ابن عبد الله الأصبحي، أبو عثمان المصري، تابعي ثقة، روى عن عبد الله بن عمرو بن العاص، وأبي هريرة وغيرهما، وروى عنه عقبة بن مسلم، وأيوب بن بشير، وأبو هاني وغيرهم، وثقة العلماء وذكروه في كتب الثقات، وكان عالمًا حكيمًا، توفي -رحمه الله- سنة 105 هـ.
انظر: "تهذيب التهذيب" 4/ 315، "الجرح والتعديل" 4/ 389، "الثقات" لابن حبان 4/ 371، "الكاشف" 2/ 14.]] [["أضواء البيان" 4/ 359، "الدر المنثور" 4/ 500.]]، ومجاهد [["زاد المسير" 5/ 245، "البحر المحيط" 6/ 201.]]، ووهب [["معالم التنزيل" 5/ 241، "الكشف والبيان" 3/ 9/ أ، "البحر المحيط" 6/ 201.]]، وكعب [["معالم التنزيل" 5/ 241، "زاد المسير" 5/ 245، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 125.]]. وعلى هذا قال أبو إسحاق: (جائز أن يكون نهرًا وواديًا أعد للغاوين فسمي غيا) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 336.]].
وروي عن ابن عباس في قوله: (غَيًّا) قال: (شرا وخيبة) [[ذكر نحوه: "جامع البيان" 16/ 100، "النكت والعيون" 3/ 380، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 143، "زاد المسير" 5/ 245، "أضواء البيان" 4/ 309.]]. وهو قول ابن زيد [["جامع البيان" 16/ 100، "النكت والعيون" 3/ 380، "المحرر الوجيز" 9/ 494، "زاد المسير" 5/ 245، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 125.]]. وقال الضحاك: (خسرانا وعذابا) [["معالم التنزيل" 5/ 241، "المحرر الوجيز" 9/ 494.]]. وعلى هذا القول معنى الغي في اللغة: الفساد [[انظر: "تهذيب اللغة" (غوى) 3/ 2706، "مقاييس اللغة" (غوى) 4/ 399، "المفردات في غريب القرآن" (غوى) 369، "لسان العرب" (غوى) 6/ 3320.]]. روى ذلك ثعلب عن ابن الأعرابي قال: (وقول الله تعالى: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾ [طه: 121] أي: فسد عليه عيشه) [["تهذيب اللغة" (غوى) 83/ 2706، "لسان العرب" (غوى) 6/ 3320.]].
وذكر الزجاج وجها آخر في معنى الغي وهو أنه قال: (فسوف يلقون مجازاة الغي، كما قال: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا﴾ [الفرقان: 68] أي: مجازاة الأثام) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 336.
والظاهر -والله أعلم- أن هذه الأقوال متقاربة المعاني وذلك أن من فعل هذه الأفعال فسوف يلقى عذابا عظيما ومن لقيه فقد لقي خسرانا وشرا حسبه به شرا. انظر: "جامع البيان" 16/ 101، "أضواء البيان" 4/ 310.]].
ومعنى ﴿يُلْقُونَ﴾ هاهنا ليس بمعنى يرون فقط؛ لأن اللقاء معناه الاجتماع والملابسة مع الرؤية [["معالم التنزيل" 5/ 241، "زاد المسير" 5/ 245.]].
مريم 19:60
قوله تعالى: ﴿إَلا مَن تَابَ﴾ قال الزجاج: (﴿مَنْ﴾ في موضع النصب، أي: فسوف يلقون العذاب إلا التائبين. قال: وجائز أن يكون نصبا استثناء من غير الأول ويكون المعنى لكن من تاب) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 336.]].
وقوله تعالى: ﴿وَلَا يُظلَمُونَ شَيْئًا﴾ قال ابن عباس: (يريد ولا ينقصون ثوابا) [[ذكره بدون نسبة الطبري في "تفسيره" 16/ 1001.]].
مريم 19:61
قوله تعالى: ﴿جَنَّاتِ عَدْن﴾ بدل من قوله: ﴿يَدخُلُونَ اَلجَنَّةَ﴾ [["إعراب القرآن" للنحاس 2/ 320، "إملاء ما من به الرحمن" 1/ 115، "الدر المصون" 7/ 610.]]. ومضى الكلام في معنى عدن [[في سورة التوبة الآية رقم: (72) عند قوله سبحانه: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾.]].
وقوله تعالى: ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمَنُ عِبَادَهُ بِالْغَيْبِ﴾ قال ابن عباس: (يريد أنهم غابوا عما فيها مما لا عين رأت) [[ذكرت كتب التفسير نحوه بدون نسبة. انظر: "جامع البيان" 16/ 101، "الكشف والبيان" 3/ 9 أ، "المحرر الوجيز" 9/ 496، "زاد المسير" 5/ 246، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 143، "جامع البيان" 5/ 804.]]. والمعنى أنهم لم يروها فهي غيب لهم ﴿إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا﴾ قال الكسائي: (لابد من أن يؤتى عليه ومن أن يبلغ ويصار إليه. ولو كان آتيا لكان صوابا كما قال: ﴿إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لَآتٍ﴾ [الأنعام: 134] ولكن مأتيا لرؤس الآيات) [["تهذيب اللغة" (أتى) 1/ 118، "لسان العرب" (أتى) 1/ 22.]]. وقال الفراء: (مأتيا ولم يقل آتيا؛ لأن كل ما أتاك فقد أتيته ألا ترى أنك تقول: أتيت على خمسين سنة وأتت علي خمسون سنة) [["معاني القرآن" للفراء 2/ 170.]]. ونحو هذا في الزجاج سواء، ومثله بقولك: وصلت إلى خبر فلان، ووصل إلى خبر فلان [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 336.]]. وذكر ابن جرير وجهًا آخر قال: (وعده في هذه الآية موعوده وهو الجنة، ومأتيا ما يأتيه أولياؤه وأهل طاعته) [["جامع البيان" 16/ 101.]].
مريم 19:62
قوله تعالى: ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا﴾ اللغو: الهدر من الكلام، واللغو ما يلغى من الكلام ويؤثم فيه [[انظر: "تهذيب اللغة" (لغا) 4/ 3275، "مقاييس اللغة" (لغو) 5/ 255، "المفردات في غريب القرآن" (لغا) 451، "لسان العرب" (لغا) 7/ 4049.]]. وقد تقدم القول في هذا [[في سورة البقرة الآية رقم: (255) قال سبحانه: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾]]. قال ابن عباس في رواية الوالبي: (لغوا: باطلاً) [["الدر المنثور" 4/ 500، "فتح القدير" 3/ 485، وذكره بدون نسبة: "جامع البيان" 16/ 102، "معالم التنزيل" 5/ 243، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 126.]].
وقال في رواية عطاء: (اللغو: كل ما لم يكن فيه ذكر الله) [["الجامع لأحكام القرآن" 11/ 126، "فتح القدير" 3/ 485.]].
وقوله تعالى: ﴿إِلَّا سَلَامًا﴾ استثناء من غير الجنس، معناه: لكن يسمعون سلاما [["جامع البيان" 16/ 102، "محرر الوجيز" 9/ 496، "الكشاف" 2/ 416، "البحر المحيط" 6/ 202 "الدر المصون" 7/ 613، "أضواء البيان" 4/ 335.]]. قال ابن عباس: (يريد ذكر الله وما يثابون عليه) [[في (س): (يثابون عليه)، بدون واو.]] [[ذكرت كتب التفسير نحوه بدون نسبة. انظر: "بحر العلوم" 2/ 328، "التفسير الكبير" 21/ 237، "لباب التأويل" 4/ 252.]]. وقال المفسرون: (يُحىِّ بعضُهم بعضًا بالسلام، ويرسل إليهم الرب الملائكة بالسلم) [["جامع البيان" 16/ 102، "النكت والعيون" 3/ 381، "المحرر الوجيز" 9/ 496، "معالم التنزيل" 5/ 243، "روح المعاني" 16/ 112.]]. قال الزجاج: (السلام [[في (س): (السلم).]]: اسم جامع للخير؛ لأنه يتضمن السلامة. والمعنى: أن أهل الجنة لا يسمعون ما يؤثمهم وإنما يسمعون ما يسلمهم) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 337.]].
وقوله تعالى: ﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ قال ابن عباس: (ليس في الجنة بكرة ولا عشية ولكن على قدر ما يعرفون في الدنيا من الغداء والعشاء) [["الدر المنثور" 4/ 501، "فتح القدير" 3/ 485، وذكره بدون نسبة: "جامع البيان" 16/ 102، "النكت والعيون" 3/ 381.]]. [وقال الضحاك عنه: (يؤتون به على مقادير الليل والنهار) [["تفسير القرآن العظيم" 3/ 143، وذكره بدون نسبة الطبري في "جامع البيان" 16/ 102.]]. وقال قتادة: (كانت العرب إذا أصاب أحدهم الغداء والعشاء] [[ما بين المعقوفين ساقط من نسخة (س).]] أعجب به، فأخبر الله أن لهم في الجنة رزقهم بكرة وعشيا على قدر ذلك الوقت) [["تفسير القرآن" للصنعاني 2/ 10، "جامع البيان" 16/ 102، "بحر العلوم" 2/ 329، "المحرر الوجيز" 9/ 496، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 134.]]. وقال الحسن: (كانت العرب لا تعرف شيئا من العيش أفضل من الغداء والعشاء، فذكر الله جنته فقال: ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إِلَّا سَلَامًا وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾) [["المحرر الوجيز" 9/ 496، "معالم التنزيل" 5/ 243، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 143، "زاد المسير" 5/ 246، "الدر المنثور" 4/ 500.]]. وقال الزجاج: (ليس ثم بكرة ولا عشي، ولكنهم خوطبوا بما يعقلون في الدنيا، فالمعنى: لهم رزقهم في مقدار الغداة والعشي) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 337.]]. وهذا قول جميع أهل التأويل [["تفسير القرآن" للصنعاني 2/ 10، "جامع البيان" 16/ 102، "المحرر الوجيز" 9/ 496، "معالم التنزيل" 5/ 243، "زاد المسير" 5/ 246.]].
وقال أهل المعاني: (لهم رزقهم على مقادير أرِفَّة عيش في الدنيا؛ لأن أَرِفَّة عيشها [[في نسخة (س): (عيش).]] أن يكون الإنسان آكلا بكرة وعشيًّا كيف شاء، فضرب الله ذلك مثلًا لرغد العيش في الجنة، [وزمان الجنة] [[ما بين المعقوفين ساقط من نسخة (س).]] كله نهار) [[ويشهد لهذا ما رواه القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 127 قال: وخرج الترمذي في نوادر الأصول من حديث أبان عن الحسن وأبي قلابة قالا: (قال رجل: يا رسول الله هل في الجنة من ليل؟ قال: "وما هيجك على هذا؟ " قال: سمعت الله تعالى يذكر في كتابه ﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ فقلت: الليل بين البكرة والعشي. فقال رسول الله -ﷺ-: "ليس هناك ليل إنما هو ضوء ونور يرد الغدو على الرواح والرواح على الغدو، وتأتيهم طرف الهدايا من الله تعالى لمواقيت الصلاة التي كانو يصلون فيها في الدنيا وتسلم عليهم الملائكة" وهذا في غاية البيان.
وقال العلماء. ليس في الجنة ليل ولا نهار وإنما هم في نور أبدا إنما يعرفون == مقدار الليل من النهار بإرخاء الحجب واغلاق الأبواب ويعرفون مقدار النهار برفع الحجب وفتح الأبواب.
وانظر: "جامع البيان" 16/ 102، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 144، "الدر المنثور" 4/ 105، "الفتاوى" لابن تيمية 4/ 312، "أضواء البيان" 4/ 340.]].
مريم 19:63
قوله تعالى: ﴿تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا﴾ في معنى إيراث الجنة قولان للمفسرين:
أحدهما: أن معناه ننزل. وهو قول الكلبي [[ذكرته كتب التفسير بدون نسبة. انظر: "معالم التنزيل" 5/ 243، "البحر المحيط" 6/ 201، "التفسير الكبير" 11/ 237، "روح المعاني" 16/ 113، "فتح القدير" 3/ 485.]]. وجعل ذلك كالميراث من جهة أنه يملك بحال استؤنفت عن حال قد انقضت من أمر الدنيا كما ينقضي حال الميت من أمر الدنيا.
القول الثاني: أن الله تعالى يورث عباده المؤمنين من الجنة المساكن التي كانت لأهل النار لو آمنوا [["جامع البيان" 6/ 103، "معالم التنزيل" 5/ 143، "زاد المسير" 5/ 246، "الدر المنثور" 4/ 105، "روح المعاني" 16/ 113.
قال الشنقيطي في "أضواء البيان" 4/ 342: قد جاء حديث يدل لما ذكر من أن لكل أحد منزلا في الجنة ومنزلا في النار، إلا أن حمل الآية عليه غير صواب؛ لأن أهل الجنة يرثون من الجنة منازلهم المعدة لهم بأعمالهم وتقواهم، كما قال تعالى: ﴿وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ونحوها من الآيات. ولو فرضنا أنهم يرثون منازل أهل النار فحمل الآية على ذلك يوهم أنهم ليس لهم في الجنة إلا ما أورثوا من منازل أهل النار، والواقع بخلاف ذلك كما ترى.
وانظر: "روح المعاني" للآلوسي 16/ 113.]]. وقوله: ﴿مَنْ كَانَ تَقِيًّا﴾ أي: اتقى معصية الله وعقابه بالطاعة والإيمان.
مريم 19:64
قوله تعالى: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ﴾ الآيه. روي بطرق كثيره عن سعيد بن جبير عن ابن عباس: (أن رسول الله -ﷺ- قال لجبريل: "ما يمنعك أن تزورنا أكثر مما تزورنا؟ فنزلت هذه الآية جوابا لرسول الله -ﷺ-) [[أخرجه البخاري في كتاب: التفسير سورة مريم 6/ 118، والترمذي في جامعة كتاب. التفسير سورة مريم 12/ 15، والحاكم في "مستدركه" 2/ 611، وصححه ووافقه الذهبي، والنسائي في "تفسيره" 2/ 34، والإمام أحمد في "مسنده" 1/ 231، والطبراني في "الكبير" 12/ 33، والطبري في "جامع البيان" 16/ 103، والبغوي في "معالم التزيل" 3/ 202، والسمرقندي في "بحر العلوم" 2/ 329، وابن كثير في "تفسيره" 3/ 144، والسيوطي في "الدر المنثور" 4/ 501، وزاد نسبته لمسلم، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي.]]. وقال في رواية عطاء: (سأل المشركون رسول الله -ﷺ- عن ذي القرنين، وعن أصحاب الكهف، وعن الروح فقال: غدًا أخبركم، ولم يستثن وأبطأ عليه الوحي أربعين يوما، ثم نزل جبريل فقال: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (23) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الكهف: 23، 24]، وقال رسول الله -ﷺ-: ألا [[في (س): (لازرتنا).]] زرتنا حين أبطأ عن الوحي، فأنزل الله: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ﴾ الآية) [[أورده الطبري في "جامع البيان" 16/ 103، والسمرقندي في "بحر العلوم" 2/ 329، وابن عطية في "المحرر الوجيز" 9/ 498، والماوردي في "النكت" 3/ 381، "والبغوي" في "معالم التنزيل" 5/ 243، وابن كثير في "تفسيره" 3/ 145، والسيوطي في "الدر المنثور" 4/ 502 وابن إسحاق في "السيرة" 182، والواحدي في "أسباب النزول" 308، و"لباب النقول في أسباب النزول" للسيوطي 145، و"جامع النقول في أسباب النزول" 212.]].
والمفسرون كلهم [في سبب نزول] [[ما بين المعقوفين ساقط من نسخة (س).]] هذه الآية على هذا، قالوا: (استبطأ رسول الله -ﷺ- جبريل ثم جاءه فقال رسول الله -ﷺ-: "يا جبريل إن كنت لمشتاقا إليك". قال: وأنا والله يا محمد قد كنت إليك مشتاقا، ولكني عبد مأمور إذا بعثت نزلت، وإذا حبست احتبست. وأنزل الله: ﴿وَمَا نَتَنَزَّل﴾ الآية) [[أورده بسنده ابن جرير الطبري في "جامع البيان" 16/ 103، وابن عطية في "المحرر الوجيز" 9/ 498، والبغوي في "معالم التنزيل" 5/ 243، وابن كثير في "تفسيره" 3/ 145 وقال: رواه ابن أبي حاتم -رحمه الله- وهو غريب. والسيوطي في "الدر المنثور" 4/ 502 وعزاه لعبد بن حميد، وابن أبي حاتم، وذكره الواحدي في "أسباب النزول" 308، و"جامع النقول في أسباب النزول" 212.]].
وقوله تعالى: ﴿لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا﴾ قال سعيد بن جبير: (﴿لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا﴾ من أمر الآخرة (وما خلفنا من أمر الدنيا) [["المحرر الوجيز" 9/ 499، "معالم التنزيل" 5/ 243، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 145، "زاد المسير" 5/ 346، "الدر المنثور" 4/ 502.]]. وهذا قول سفيان، وقتادة، ومقاتل [["جامع البيان" 16/ 104، "النكت والعيون" 3/ 382، "المحرر الوجيز" 9/ 500، "معالم التنزيل" 5/ 243، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 145.]]. وقال الآخرون: ﴿لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا﴾ الدنيا ﴿وَمَا خَلْفَنَا﴾ الآخرة) [["النكت والعيون" 3/ 382، "المحرر الوجيز" 9/ 500، "معالم التنزيل" 5/ 243.]]. وهذا قول السدي، ومجاهد [["تفسير القرآن العظيم" 3/ 145، "زاد المسير" 5/ 250]].
وقوله تعالى: ﴿وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ﴾ قال سعيد بن جبير: (ما بين الدنيا والآخرة) [["تفسير القرآن العظيم" 3/ 145، "زاد المسير" 5/ 250، "الدر المنثور" 4/ 502.]]. وهو قول مجاهد في رواية ابن أبي نجيح [[ذكرت كتب التفسير نحوه بدون نسبة. انظر: "الكشف والبيان" 3/ 10 أ، "معالم التنزيل" 5/ 244، "زاد المسير" 5/ 250، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 145، "الجامع لآحكام القرآن" 11/ 129، "التفسير الكبير" 21/ 239.]]. وقال في رواية الليث: (وما بين ذلك ما بين النفختين) [["تفسير القرآن العظيم" 3/ 145، "زاد المسير" 5/ 250.]]. وهو قول السدي [["تفسير القرآن العظيم" 3/ 145.]]، وقتادة [["الجامع البيان" 6/ 104، "النكت والعيون" 3/ 382، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 145، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 129، "الدر المنثور" 4/ 502.]]، وسفيان [[ذكرته كتب التفسير بدون نسبة. انظر: "الكشف والبيان" 3/ 10 أ، "بحر العلوم" 2/ 329، "النكت والعيون" 3/ 382، "المحرر الوجيز" 9/ 50، "معالم التنزيل" 5/ 244، "زاد المسير" 5/ 250.]]، والربيع [["جامع البيان" 16/ 104، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 145.]]، والضحاك [["جامع البيان" 16/ 104.]]، وأبي العالية [["جامع البيان" 16/ 104، "المحرر الوجيز" 9/ 500، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 145، "زاد المسير" 5/ 250، "الدر المنثور" 4/ 502.]].
وقال أبو إسحاق: (﴿مَا بَيْنَ أَيْدِينَا﴾ من أمر الآخرة والثواب والعقاب، ﴿وَمَا خَلْفَنَا﴾ جميع ما مضى من أمر الدنيا، ﴿وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ﴾ ما يكون منا في هذا الوقت إلى يوم القيامة) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 337.]]. وهذا هو الاختيار؛ لأنه لم يجز للنفختين ذكر حتى يشار إليه [[وقال ابن جرير الطبري -رحمه الله- في "تفسيره" 6/ 105: وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال معناه ما بين أيدينا من أمر الآخرة؛ لأن ذلك لم يجيء وهو جاء فهو بين أيديهم وما خلفنا من أمر الدنيا وذلك ما قد خلفوه فمضى فصار خلفهم بتخليفهم إياه، وما بين ذلك ما بين ما لم يمضي من أمر الدنيا إلى الآخرة؛ لأن ذلك هو الذي بين الوقتين، وإنما قلنا ذلك أولى؛ لأن ذلك هو الظاهر الأغلب وإنما يحمل تأويل القرآن على الأغلب من معانيه مالم يمنع من ذلك ما يجب التسليم له.]].
وقال ابن عباس في رواية عطاء: (﴿لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا﴾ يريد الدنيا يعني الأرض. ﴿وَمَا خَلْفَنَا﴾ يريد السموات ﴿وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ﴾ يريد الهواء) [["الجامع لأحكام القرآن" 11/ 29، وذكره بدون نسبة: "معالم التنزيل" 5/ 244، "النكت والعيون" 3/ 382.]] والمعنى: أن كل ما ذكر لله فلا نقدر على فعل إلا بأمره [[في (س): (الأمر).]].
وقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ قال ابن عباس: (يريد تاركا لك منذ أبطاء عنك الوحي) [["زاد المسير" 5/ 250، وذكره الطبري في "تفسيره" 16/ 100 بدون نسبة.]]. وعلى هذا النسي بمعنى الناسي، وهو التارك، وقال السدي: (ما نسيك ربك) [["تفسير القرآن العظيم" 3/ 135، "الدر المنثور" 4/ 502، وذكره بدون نسبة: "الجامع البيان" 16/ 106، "معالم التنزيل" 5/ 244.]]. [وذلك أن المشركين قالوا لما أبطأ عنه الوحي: قد نسيه وودعه، فنزل: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾] [[ما بين المعقوفين ساقط من نسخة (س).]] ونزل: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ [الضحى: 3]. وقال أبو إسحاق: (أي قد علم الله ما كان وما يكون وما هو كائن وهو حافظ لذلك لا ينسى منه شيئًا) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 337.]].
مريم 19:65
قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي: مالكهما ﴿وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ أي: ومالك ما بينهما من خلقه ﴿فَاعْبُدْه﴾ أي: وحده؛ لأن عبادته بالشرك كلا عبادة ﴿وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ﴾ قال ابن عباس: (لطاعته) [[ذكره بدون نسبة: "جامع البيان" 16/ 106 "بحر العلوم" 2/ 329.]].
وقال غيره: (اصبر على أمره ونهيه) [["جامع البيان" 16/ 106، "بحر العلوم" 2/ 329، "معالم التنزيل" 5/ 244، "زاد المسير" 5/ 250.]]. ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ قال في رواية الوالبي: (هل تعلم للرب مثلًا أو شبها) [["جامع البيان" 16/ 106، "النكت والعيون" 3/ 382، "المحرر الوجيز" 9/ 503، "معالم التنزيل" 5/ 244، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 135.]]. وهو قول مجاهد [["جامع البيان" 16/ 106، "النكت والعيون" 3/ 382، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 145، "زاد المسير" 5/ 251.]]، وسعيد بن جبير [["جامع البيان" 16/ 106، "معالم التنزيل" 5/ 244، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 145.]]، وابن جريج [["جامع البيان" 16/ 106، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 145، "زاد المسير" 5/ 251، "روح المعاني" 16/ 116.]] وعلى هذا السَّمي: عبارة عن المثل والشبيه.
وقال في رواية سماك: (هل تعلم أحدًا اسمه الرحمن غيره) [["الجامع لأحكام القرآن" 11/ 130، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 145، "الدر المنثور" 4/ 503، "البحر المحيط" 6/ 205.]]. وهو قول السدي [[ذكرت كتب التفسير نحوه بدون نسبة. انظر: "بحر العلوم" 2/ 329، "المحرر الوجيز" 9/ 503، "النكت والعيون" 3/ 382، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 145، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 130.]].
ودليل هذا القول قراءة ابن مسعود: (الرحمن هل تعلم له سميا).
وقال في رواية عطاء: (هل تعلم أحدا يسمى الله غيره) [["تفسير القرآن العظيم" 3/ 145، "زاد المسير" 5/ 251، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 130.]]. وهذا قول الكلبي [["النكت والعيون" 3/ 382، "معالم التنزيل" 5/ 244، "الكشف والبيان" 3/ 10 أ.]].
وقال أبو إسحاق: (تأويله -والله أعلم- هل تعلم له سميا يستحق أن يقال له: خالق، وقادر، وعالم بما كان وبما يكون، فذلك ليس إلا من صفة الله) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 338.]]. وعلى هذا لا سمي لله في جميع أسمائه، لأن غيره وإن سمي [بشيء من أسمائه فإنه غير مستحق للوصف به، والله تعالى حقيقته ذلك الوصف. وقال مقاتل: (لا يسمى باسم الله غير الله، لما حاول المشركون التسمية باللهِ قالوا: اللات، وقالوا في العزيز: العزى) [[ذكرت كتب التفسير نحوه بدون نسبة. انظر: "الكشف والبيان" 3/ 10 أ، "بحر العلوم" 2/ 329، "النكت والعيون" 3/ 382، "الكشاف" 2/ 517، "زاد المسير" 15/ 251.]].
مريم 19:66
قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُ الْإِنْسَانُ﴾ يعني الكافر الذي لا يؤمن بالبعث إذا مات [[في (س): (إذا مات).]].
﴿لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا﴾ يقول ذلك استهزاء وتكذيبا منه بالبعث. قال ابن عباس في رواية عطاء: (نزلت في الوليد بن المغيرة) [["زاد المسير" 5/ 252، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 131، "البحر المحيط" 6/ 206، "روح المعانى" 16/ 116.]]. وقال في رواية الكلبي عن أبي صالح: (نزلت في أبي بن خلف حين أخذ عظاما بالية يفتها بيده ويقول: زعم لكم محمد أن الله يبعثنا بعد أن نموت) [["بحر العلوم" 2/ 329، "المحرر الوجيز" 9/ 506، "معالم التنزيل" 5/ 245، "زاد المسير" 5/ 252، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 131.]].
وقال صاحب النظم: (اللام في قوله: ﴿لَسَوْفَ﴾ لام تأكيد يؤكد بها ما بعدها من الخبر، وهذا الإنسان كافر لا يؤمن بالبعث، والكلام محكي عنه فلم حكي عنه بالتأكيد وهو منكر له ومن أنكر شيئا لم يؤكده؟ قال: والجواب أن هذا من باب الحكاية والمجازاه. كأن النبي -ﷺ- قال له: لسوف تخرج بعد الموت حيا، فقال حاكيا ومعارضا لكلامه: ﴿أَإِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا﴾ ولا يذهب مذهب التأكيد، وإنما يذهب مذهب الحكاية والمعارضة والمجازاة لكلامه، كما تقول العرب: رأيت زيدًا، فيقول السامع: من زيدا؟ وإذا قال: مررت بزيد، قال: من زيد؟ بالخفض أتبعوا آخر الكلام أوله على الحكاية والمجازاة) [[ذكر نحوه في "الكشاف" 2/ 417، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 131، "البحر المحيط" 6/ 207، "الدر المصون" 7/ 617.]].
مريم 19:67
فقال الله تعالى مجيبا لذلك الكافر ﴿أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنْسَانُ﴾ أي: هذا الذي جحد البعث أو لا يتذكر أول خلقه فيستدل [[في نسخة (س): (فاستدل).]] بالإبتداء على أن الإعادة مثله، وهو قوله: ﴿أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا﴾ أي: من قبل إنكاره البعث خلقناه ولم يكن شيئا، كذلك نعيده كما قال: ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [يس: 79] وقرئ: يذكر بالتشديد، والتخفيف [[قرأ عاصم، نافع، وابن عامر: (أو لا يذْكر الإنسان) ساكنة الذال خفيفة.
وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وحمزة، والكسائي: (أو لا يذَّكَّر الإنسان) بفتح الذال مشددة الكاف.
انظر: "السبعة" ص 410، "الحجة للقراء السبعة" 5/ 204، "حجة القراءات" ص 445، "التبصرة" ص 256، "النشر" 2/ 318.]]. والتشديد في هذا المعنى أكثر؛ لأنه يراد به التدبر والتفكر وليس ذكرا عن نسيان، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ﴾ [فاطر:37]، وقال: {إِنَّمَا يَتذكَّرُ أُولُوا الأَلبَابِ} [[سورة الرعد (19)، وسورة الزمر (9).]] وإضافته إلى أولي الألباب يدل على أن [[قوله: (أن) ساقط من نسخة (س).]] المراد به النظر والتفكر، وزعموا أن في حرف أبي: (تتذكر) بالتاء [["المحرر الوجيز" 9/ 506، "الكشاف" 2/ 418، "زاد المسير" 5/ 252، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 131، "البحر المحيط" 6/ 207، "الحجة للقراء السبعة" 5/ 204.]]. والمعنى: أولا يتدبر ويتفكر هذا الجاحد في أول خلقه. ومن قرأ بالتخفيف من الذكر أراد هذا المعنى أيضا، وقد ترد الخفيفة أيضًا بهذا المعنى كقوله: ﴿إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ﴾ [[سورة المزمل (19)، وسورة الإنسان (29).]]، ﴿فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ﴾ [[سورة المدثر (55)، وسورة عبس (12).]]. ثم أقسم أنه يحشرهم.
مريم 19:68
فقال: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ﴾ أي: لنجمعنهم في المعاد. قال الكلبي: (يعني الذين أنكروا البعث) [[ذكرته كتب التفسير بدون نسبة انظر: "المحرر الوجيز" 9/ 506، "معالم التنزيل" 5/ 245، "زاد المسير" 5/ 252، "لباب التأويل" 4/ 254.]].
وقوله تعالى: ﴿وَالشَّيَاطِينَ﴾ أي: ولنحشرن الشياطين قرناء معهم قال المفسرون: (يحشر كل كافر مع شيطان في سلسلة) [["معالم التنزيل" 5/ 245، "الكشاف" 2/ 418، "زاد المسير" 5/ 252، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 132، "البحر المحيط" 6/ 208.]]. وذلك أن ذكر حشر الشياطين مع حشرهم يدل على أنهم يجمعون معهم.
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا﴾ قال المفسرون: (في جهنم) [["معالم التنزيل" 5/ 245، "زاد المسير" 5/ 252، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 133.]]. وذلك أن حول الشيء يجوز أن يكون خارجه، ويجوز أن يكون داخله يقال: جلس القوم حول البيت، وحوالي البيت إذا جلسوا داخله مطيقين به. قال ابن الأنباري: (ويجوز أن يجثون حول جهنم قبل أن يدخلوها) [[ذكر نحوه بلا نسبة "الكشاف" 2/ 419، "زاد المسير" 5/ 252، "الكشف والبيان" 3/ 10 ب.]].
وقوله تعالى: ﴿جِثِيًّا﴾ مستوفزين على الركب. قاله مجاهد، وسفيان [["زاد المسير" 5/ 253 "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 133 "البحر المحيط" 6/ 208.]]. وقال السدي: (قياما) [["معالم التنزيل" 5/ 245، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 146، "زاد المسير" 5/ 253، "الدر المنثور" 4/ 504.]]. أراد قياما على الركب وذلك لضيق المكان لا يمكنهم أن يجلسوا ولا أن يقوموا أيضا. وهو جمع: جاثٍ من قولهم: جَثَا على ركبته [[في (س): (ركبتيه).]] يَجْثُو جُثُوًا فهو جَاثٍ [[جثا: أي: جلس على ركبتيه للخصومة ونحوها.
انظر: "تهذيب اللغة" (جثا) 1/ 538، "الصحاح" (جثا) 6/ 2298، "المفردات في غريب القرآن" (جثا) 88، "لسان العرب" (جثا) 1/ 546.]]. قال الله تعالى: ﴿وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً﴾ [الجاثية: 28] ويجمع الجَاثِي جُثِيَا كما قلنا في البكي، وأصله فعول وقد تقدم القول فيه [[عند قوله سبحانه في سورة مريم الآية رقم: (58): ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا﴾.]]. وقال ابن عباس في قوله: ﴿جِثِيّا﴾: (جماعات جماعات) [["معالم التنزيل" 5/ 245، "زاد المسير" 5/ 253، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 133، "البحر المحيط" 6/ 208.]].
وهو قول مقاتل، والكلبي [["النكت والعيون" 3/ 383، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 133، "الكشف والبيان" 3/ 10/ ب.]]. وعلى هذا الجُثَي جمع جَثْوَة وجُثْوَة وهي: المجموع من التراب والحجارة، ومنه قول طرفة [[هذا بيت لطرفة بن العبد من قصيدة قالها يصف قبري أخوين غني وفقير. انظر: "شرح القصائد العشر" للتبريزي 108، "تهذيب اللغة" (جثا) 1/ 538، "لسان العرب" (جثا) 1/ 546، "شرح المعلقات السبع" للزوربي ص 90.]]:
تَرَى جُثْوَتَيْنِ مِنْ تُرَابٍ عَلَيْهِمَا ... صَفَائِحُ صُمٌّ مِنْ صفِيْحٍ مُنَضَّدِ
والأول اختيار الزجاج، وأبي عبيدة [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 338، "مجاز القرآن" لأبي عبيدة 2/ 9.
قال الشنقيطي في "أضواء البيان" 4/ 346: إنه جثيهم على ركبهم وهو الظاهر، وهو قول الأكثرين، وهو الإطلاق المشهور في اللغة.]].
مريم 19:69
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ﴾ أي: لنأخذن ولنخرجن ﴿مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ﴾ من كل فرقة وجماعة ﴿أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا﴾ أي: الأعتى فالأعتى منهم، كأنه يبدأ بالتعذيب بأشدهم ثم الذي يليه. قال أبو الأحوص [[سلام بن سليم الكوفي، أبو الأحوص، عالم باللغة والتفسير، صدوق، زاهد، وثقه العلماء وأثنوا عليه، توفي -رحمه الله- سنة 199 هـ.
انظر: "ميزان الاعتدال" 2/ 176، "الكاشف" 3/ 269، "تذكرة الحفاظ" 1/ 250، "تهذيب التهذيب" 4/ 282، "طبقات الحفاظ" 106.]]: (يبدأ بالأكابر فالأكابر جرما) [["تفسير القرآن" للصنعاني 2/ 10، "جامع البيان" 16/ 107، "بحر العلوم" 2/ 330، "المحرر الوجيز" 9/ 150، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 146، "الدر المنثور" 4/ 504.]]. وقال قتادة: (لننزعن من كل أهل دين قادتهم ورؤسهم في الشر) [["تفسير القرآن العظيم" 3/ 135، "الدر المنثور" 4/ 504، "فتح القدير" 3/ 491.]]. ونحو هذا قال الكلبي في تفسير: ﴿أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا﴾ قال: (قائدهم ورأسهم في الشر) [["معالم التنزيل" 5/ 245، "الكشف والبيان" 3/ 10 ب.]]. والعتي هاهنا مصدر كالعتو وهو: التمرد في العصيان [[انظر: "تهذيب اللغة" (عتا) 3/ 2313، "معجم مقاييس اللغة" (عتو) 4/ 225، "المفردات في غريب القرآن" (عتا) 321، "لسان العرب" (عتا) 5/ 2804.]]. قال ابن عباس في رواية الوالبي: (أيهم أشد عصيانا) [["جامع البيان" 16/ 107، "الدر المنثور" 4/ 504.]]. وقال في رواية عطاء: (أيهم أعظم فرية) [["الكشف والبيان" 3/ 10 ب، "اللغات في القرآن" 34.]]. وقال مقاتل: (أيهم أشد علوا في الكفر) [[ذكرته التفسير بدون نسبة. انظر: "جامع البيان" 16/ 107، "بحر العلوم" 2/ 330، "المحرر الوجيز" 9/ 510، "معالم التنزيل" 5/ 245، "زاد المسير" 5/ 253، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 146.]].
وقال الكلبي: (يعني جراءة بالفراء والكذب) [["النكت والعيون" 3/ 383.]]. وقال مجاهد: (كفرا) [["جامع البيان" 16/ 107، "الدر المنثور" 4/ 504، "روح المعاني" 16/ 119.]]. قال أبو إسحاق: (فأما رفع ﴿أَيُّهُمْ﴾ فهي القراءة، ويجوز (أيَّهُم) بالنصب، حكاها سيبويه وذكر: أنها قراءة هارون الأعور [[هارون بن موسى بن شريك الدمشقي، أبو عبد الله التغلبي، شيخ المقرئين بدمشق في زمانه، وكان من أهل الفضل، قرأ على ابن ذكوان، وحدث عنه خلق كثير، ورحل إليه الطلبة من الأقطار لإتقانه وتبحره، صنف في القراءات والعربية، إليه رجعت الإمامة في قراءة ابن ذكوان.
انظر: "طبقات النحويين" للزبيدي 263، "تذكرة الحفاظ" 2/ 659، "غاية النهاية" 2/ 347، "طبقات المفسرين" 2/ 347، "شذرات الذهب" 2/ 209، "معرفة القراءة الكبار" 1/ 247.]] [["الكتاب" 1/ 259، "الإغفال فيما أغفله الزجاج من المعاني" 994، "الإنصاف == في مسائل الخلاف" 1/ 573، "إعراب القرآن" للنحاس 2/ 322، "المحرر الوجيز" 9/ 150، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 133.]].
وفي رفعها ثلاثة أقوال: قال يونس: قوله: ﴿لَنَنزِعَنَّ﴾ معلقة لم تعمل شيئا، ثم استأنف فقال: ﴿أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا﴾ ومثله عنده قول الشاعر [[البيت للأخطل، وصدره في ديوانه:
ولقد أكون من الفتاة بمنزل
انظر: ديوانه 84، "الكتاب" 1/ 259، "الخزانة" 2/ 553، "الإنصاف" 2/ 572، "الإغفال" للفارسي 995، "الدر المصون" 7/ 631]]:
وَلَقَدْ أَبِيْتُ مِن الفَتَاةِ بِمَنْزِلٍ ... فَأَبِيْتُ لا حَرِجٌ وَلاَ مَحْرُوْمُ
والمعنى: فأبيتُ بمنزلة الذي يقال له لا هو حرج ولا محروم [["الإغفال فيما أغفله الزجاج من المعاني" ص 995، "إعراب القرآن" للنحاس (22312)، "إملاء ما من به الرحمن" 1/ 126، "الدر المصون" 7/ 721]]. وقال سيبويه: ﴿أَيُّهُم﴾ مبنية على الضم؛ لأنها خالفت أخواتها، واستعمل منها حذف الابتداء تقول: اضرب لأيهم أفضل تريد أيهم هو أفضل [فيحسن الاستعمال بحذف هو، ولا يحسن: اضرب من أفضل، حتى تقول: من هو أفضل] [[ما بين المعقوفين ساقط من نسخة (س).]]، ولا يحسن: كل ما أطيب، حتى تقول: ما هو أطيب، ولا تقول أيضا: خذ الذي أفضل، حتى تقول: الذي هو أفضل، فلما خالفت ما، ومن، والذي هذا الخلاف بنيت على الضم في الإضافة، والنصب حسن، وإن كنت قد حذفت هو؛ لأن هو قد يجوز حذفها، وقد قرئ: ﴿تَمَامًا عَلَى اَلَذِى أَحْسَنَ﴾ [لأنعام: 154] على معنى الذي هو أحسن) [["الكتاب" لسيبويه 2/ 398، "الإنصاف في مسائل الخلاف" ص 573، "إعراب القرآن" للنحاس 2/ 223، "الإغفال فيما أغفله الزجاج من المعاني" ص 997، "الدر المصون" 7/ 621.]]. انتهت الحكايه عن أبي إسحاق [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 340 وقال: والذي أعتقده أن القول في هذا قول الخليل، وهو موافق للتفسير؛ لأن الخليل كان مذهبه أو تأويله في قوله: ﴿ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ﴾ الذي من أجل عتوه يقال: أي: هؤلاء اشتد عتيا. فيستعمل ذلك في الأشد فالأشد.]]
وذكرنا أحكام "أي" في قوله: ﴿أَيًّا مَا تَدْعُوا﴾ [الإسراء: 110] وفي مواضع. واعلم أن "أيًا" من الأسماء الموصوله [كمن، وما، والذي إلا أن العرب قد استعملت حذف الراجع إلى الموصول] [[ما بين المعقوفين ساقط من نسخة (س).]] مع أي أكثر من استعمالهم مع الذي، وقد شرح أبو علي الفارسي ما ذكره أبو إسحاق فقال: (ينبغي أن يكون مراد يونس أن الفعل معمل في موضع كل شيعة، وليس يريد أنه غير معمل في شيء البتة، والدليل على ذلك أنه قال فيه: إن ذلك معلق. ولفظ التعليق إنما يستعمل فيما يعمل في الموضع دون اللفظ، ألا تراهم قالوا في علمت أزيد في الدار، أن الفعل معلق وهو معمل في موضع الجملة، وكذلك إذا قال هنا معلق، كان معملا في موضع الجار والمجرور، ولو أراد أنه لا عمل له في لفظ لقال ملغى، ولم يقل معلق، كما تقول في زيد ظننت منطلق، فقوله فيه معلق دلالة على مراده فيه أنه عامل في الموضع، وإن لم يكن عاملا في اللفظ، وإذا كان كذلك كان قول الكسائي في الآية مثل قول يونس؛ لأن الكسائي قال: إن قوله ﴿لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ﴾ كقولك: أكلت من طعام [["الإغفال فيما أغفله الزجاج من المعاني" ص 998، "إعراب القرآن" للنحاس 2/ 322، "إملا ما من به الرحمن" 1/ 116، "الدر المصون" 7/ 621.]]، فإذا كان كذلك كان ﴿أَيُهُم﴾ منقطعًا من هذه الجملة وكانت جملة مستأنفة، لا يجيء [[في (س): (لا يجوز).]] هذا على مذهب سيبويه؛ لأنه لا يرى في من مثل ما رآه الكسائي من زيادته في الإيجاب، فإن قال قائل: لم زعم سيبويه أنه إذا حذف العائد من الصلة وجب البناء على الضم؟ قيل: إن الصلة تبين الموصول وتوضحه، كما أن المضاف يبين المضاف إليه ويخصصه، فكما أنه لما حذف المضاف إليه من الأسماء التي تبينها الإضافة نحو: قبل، وبعد بنيت، كذلك لما حذفت العائد من الصلة إلى الموصول من هنا بنيت). وأطال أبو علي الكلام في هذه المسألة [["الإغفال فيما أغفله الزجاج من المعاني" لأبي علي الفارسي ص 998.]]. وليس يليق بهذا الكتاب أكثر مما حكينا [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 3/ 340، "إعراب القرآن" للنحاس 2/ 322، "إملاء ما من به الرحمن" 1/ 116، "الإنصاف" 1/ 573، "الدر المصون" 7/ 621.]].
مريم 19:70
قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلَى بِهَا صِلِيًّا﴾ الصِّلي: مصدر صَلَى النار، صَلاَهَا، صُلِيًّا ووزنه فعول، ويجوز فيه صِلِيًا بالكسر وقد تقدم القول فيه. ومعنى الصِّلي: دخول النار ومقاساة حرها وشدتها نعوذ بالله منها.
قال أبو إسحاق: (أي ثم لنحن أعلم بالذين هم أشد عتيا فهم أولى بها صليا) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 340.]]. يعني أن الأولى بها صليا الذين هم أشد عتيا، فهؤلاء هم الأولى بالنار صليا على معنى الابتداء بهم دون أتباعهم؛ لأنهم كانوا رؤساء في الضلالة.
مريم 19:71
قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ﴾ أي: وما منكم أحد ﴿إِلَّا وَارِدُهَا﴾ وارد جهنم ﴿كَانَ عَلَى رَبِّك﴾ ورودكم ﴿حَتْمًا مَقْضِيًّا﴾ والحتم إيجاب القضاء، والقطع بالأمر، ويقال: كان ذلك الأمر حتما أي: موجبا، ويقال للأقضية والأمور التي قضى الله بكونها الحتوم، قال أمية:
حنَانَي رَبِّنَا وَلَه عَنَوْنَا ... بِكَفَّيْهِ المَنَايَا وَالحُتُومُ [[البيت لأمية بن أبي الصلت. انظر: "لسان العرب" (حتم) 2/ 771.]]
وقوله تعالى: ﴿مَقْضِيًّا﴾ أي: قضاه الله عليكم.
قال ابن مسعود في قوله: ﴿حَتْمًا مَقْضِيًّا﴾: (قسما واجبا) [["جامع البيان" 16/ 114، "النكت والعيون" 3/ 385، "ابن كثير" 3/ 146.]]. وكان الإجماع أن هذه الآية قسم من الله بورود النار، وموضع القسم قوله تعالى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ﴾ الآية وهذه الآية [[قوله: (وهذه الآية)، ساقط من نسخة (س).]] ترجع إلى ما قبلها بالعطف، وهي داخلة في الجملة المقسم عليها، وقيل: القسم مضمر بتقدير: وإن منكم والله إلا واردها كقوله: ﴿وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ﴾ [النساء: 72] [المعنى: والله لمن ليبطئن] [[ما بين المعقوفين ساقط من نسخة (س).]] فأضمر [["إعراب القرآن" للنحاس 2/ 322، "المحرر الوجيز" 9/ 510، "البحر المحيط" 6/ 209، "الدر المصون" 7/ 625. وقال الشنقيطي في "أضواء البيان" 4/ 354: الذي يظهر لي والله أعلم أن الآية ليس يتعين فيها قسم؛ لأنها لم تقترن بأداة من أدوات القسم، ولا قرينة واضحة دالة على القسم، ولم يتعين عطفها على القسم، والحكم بتقدير قسم من كتاب الله دون قرينة ظاهرة فيه زيادة على كلام الله بغير دليل يجب الرجوع إليه، وأقرب أقوال من قالوا: إن في الآية قسما قول من قال إنه معطوف على قوله: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ﴾ لدلالة قرينة لام القسم في الجمل المذكورة على ذلك، أما قوله: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ فهو محتمل للعطف أيضا، ومحتمل، للاستئناف والعلم عند الله تعالى.]]. وأكثر الناس على الحكم بظاهر هذه الآية وهو: أن الخلق كلهم يرد النار ثم ينجي الله المؤمنين [["جامع البيان" 16/ 115 "النكت والعيون" 3/ 385، "المحرر الوجيز" 9/ 511، "معالم التنزيل" 5/ 246، "زاد المسير" 5/ 257، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 138.]].
روي عن ابن مسعود أن رسول الله -ﷺ- قال: "يرد الناس جهنم [[لفظ: (جهنم) ساقط من نسخة (س).]] ثم يصدرون عنها بأعمالهم، فأولهم كالبرق، ثم كالريح، ثم كأجود الخيل، ثم كالراكب في رجله، ثم كشد الرَّجل، ثم كمشيه" [[أخرجه الترمذي في جامعه كتاب التفسير سورة مريم 12/ 16 ح 3159 وقال: حديث حسن. والحاكم في "مستدركه" 2/ 375 وصححه ووافقه الذهبي، وأحمد في "مسنده" 1/ 433، والدرامي في كتاب: الرقائق، باب: في ورود النار 2/ 329، وأخرج نحوه البخاري في كتاب: الرقائق، باب: الصراط جسر جهنم 8/ 146، ومسلم كتاب: الإيمان، باب: معرفة طريق الرؤية 1/ 187، والطبري في "جامع البيان" 16/ 114، وابن كثير في "تفسيره" 3/ 147.]]. وقال ابن عباس في هذه الآية: (الورود الدخول، وأخذ بيد مجاهد وقال: أما أنا وأنت فسندخلها) [["جامع البيان" 16/ 114، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 147.]]. وخاصمه نافع بن الأزرق فقال: (إن الشيء ربما ورد الشيء ولكن لا يدخله، فقال ابن عباس: يا ابن الأزرق أما أنا وأنت فسندخلها فانظر هل ينجينا الله منها بعد أم لا) [["تفسير القرآن" للصنعاني 2/ 11، "جامع البيان" 16/ 114، "بحر العلوم" 2/ 330، "المحرر الوجيز" 9/ 512، "معالم التنزيل" 5/ 246، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 147.]]
وسئل جابر -رضي الله عنه- عن هذه الآية فقال: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: "الورود الدخول لا يبقى بر ولا فاجر إلا دخلها، فتكون على المؤمن بردًا وسلاما، كما كانت على إبراهيم" [[أخرجه الإمام أحمد في "مسنده" 3/ 329، ورجاله ثقات غير أبي سمية قال عنه الحافظ: مقبول، وأورده الهيثمي في "مجمع الزوائد" كتاب: البعث، باب: ما جاء في الصراط والميزان والورود 10/ 360 وقال: رواه أحمد ورجاله ثقات، وابن حجر في "الكافي الشاف" 157، وأورده ابن كثير في "تفسيره" 3/ 47 وقال: غريب ولم يخرجوه. وكذلك القرطبي في جامعه 11/ 136، والسيوطي في "الدر المنثور" 4/ 505 ونسبة لابن أبي حاتم وابن مردويه، وعبد ابن حميد.
وقال الشنقيطي -رحمه الله- في "أضواء البيان" 4/ 351 بعد ذكره لهذا الحديث: أبو سمية قد ذكره ابن حبان في الثقات، وبتوثيق أبي سمية المذكور تتضح صحة الحديث؛ لأن غيره من رجال الإسناد ثقات معروفون، مع أن حديث جابر المذكور يعتضد بظاهر القرى وبالآيات الأخرى التي استدل بها ابن عباس وآثار جاءت عن علماء السلف -رضي الله عنهم- كما ذكره ابن كثير عن خالد بن معدان، وعبد الله بن رواحة، وذكره ابن جرير عن أبي ميسرة، وذكره ابن كثير عن عبد الله بن المبارك عن الحسن البصري، كلهم يقولون: إنه ورود دخول.]].
وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: (يرد الناس جميعا نار جهنم، وكان قسما من ربنا وحتما مقضيا تخلف فيها أهل الشرك وهم ظالمون، وأقام أهل الصلاة والإيمان فيها بقدر أعمالهم، ونادى المنادي فقال: إن الله يقول ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ فخرجوا واحترق بعضهم). وذكر حديثًا طويلا [[لم أقف عليه وذكرت كتب التفسير نحوه مختصرًا. انظر: "جامع البيان" 16/ 83، "معالم التنزيل" 3/ 204 "بحر العلوم" 2/ 330، "المحرر الوجيز" 11/ 48، "الكشف والبيان" 3/ 11 أ.]]. وهذا الذي ذكرنا مذهب أهل السنة واحتجوا من طريق اللفظ بأن قالوا: جرى ذكر الكافرين، ثم قال بعد: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ فنظم الكلام أوجب أن هذا عام، والورود بمعنى الدخول قد أتى في التنزيل قال الله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾ [الأنبياء: 98]، ﴿لَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ آلِهَةً مَا وَرَدُوهَا﴾ [الأنبياء: 99] ويراد بالورود هاهنا: الدخول، وقال تعالى: ﴿فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ﴾ [هود: 98]؛ ولأن الله تعالى قال فيما بعد: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ والنجاة لا تكون إلا مما دخلت فيه؛ ولأنه قال: ﴿نَذَرُ الظَّالِمِين﴾ ولم يقل وندخل الظالمين، ونذر: نترك الشيء وقد حصل في مكانه.
وروى الحسن بن مسلم [[الحسن بن مسلم بن يناق، المكي، روى عن صفية بنت شيبة، وطاوس، ومجاهد، وسعيد بن جبير، وروى عنه: ابن جريج، وأبان بن صالح، وإبراهيم بن نافع وغيرهم، وهو ثقة، ثبت، توفي -رحمه الله- سنة 98 هـ وقيل غير ذلك.
انظر: "تهذيب التهذيب" 2/ 322، "طبقات ابن سعد" 5/ 479، "تهذيب الأسماء واللغات" 1/ 161، "الكاشف" 1/ 227، "تهذيب الكمال" 6/ 325.]] عن عبيد بن عمير في هذه الآية قال: (ورودها حضورها) [["زاد المسير" 5/ 178، وذكر البغوي في "تفسيره" 3/ 204 بدون نسبة.]]. وروى يزيد النحوي [[يزيد بن أبي سعيد النحوي، أبو الحسن القرشي مولاهم، المروزي، من بني نحو بطن من الأزد، روى عن سليمان بن بريدة، وعكرمة مولى بن عباس، ومجاهد وغيرهم، وروى عنه: الحسن بن رشيد، والحسين بن واقد، ومحمد بن بشار وغيرهم، وثقه العلماء، وكان متقنًا، من العباد، تقيًا من الرفعاء، تاليًا لكتاب الله، عالمًا بما فيه، قتل سنة 131 هـ.
انظر: "طبقات ابن سعد" 7/ 368، "اللباب" 3/ 301، "الكاشف" 3/ 178، "تهذيب التهذيب" 11/ 332، "الأنساب" للسمعاني 5/ 469، "تهذيب الكمال" 32/ 143.]] عن عكرمة في هذه الآية قال: (الورود الدخول) [[ذكره الماوردي في "النكت والعيون" 3/ 384 بدون نسبة، وكذلك البغوي في "معالم التنزيل" 5/ 246.]]. وبكى عبد الله بن رواحة لما نزلت هذه الآية وقال: (إني علمت أني وارد النار فما أدري أناج منها أم لا) [["تفسير القرآن" للصنعاني 2/ 11، "جامع البيان" 16/ 114، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 147، "زاد المسير" 5/ 255.]]. هذا هو الكلام في الورود، ثم الله تعالى قادر بلطفه أن يسلم المؤمنين منها إذا وردوها حتى يعبروها ويخرجوا منها سالمين كما ذكرنا في حديث جابر أن النبي -ﷺ- قال: "فتكون على المؤمن بردًا وسلامًا" [[سبق تخريج الحديث وعزوه.]].
وقال خالد بن معدان: (إذا جاز المؤمنون الصراط قال بعضهم لبعض: ألم يعدنا ربنا أن نمر على جسر النار، فيقولون: بلى ولكنا مررنا عليها وهي خامدة لمرورنا) [["جامع البيان" 16/ 114، "بحر العلوم" 2/ 330، "معالم التنزيل" 5/ 246، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 147، "زاد المسير" 5/ 255.]].
وقال أشعث الجذامي: (بلغني أن أهل الإيمان إذا مروا بصراط جهنم تقول لهم: جوزوا عني قد بردتم وهجي ذروني لأهلي) [[ذكرت نحوه كتب التفسير بدون نسبة.
انظر: "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 141، "روح المعاني" 16/ 122، "لباب التأويل" 4/ 256.]].
وروى أن النبي -ﷺ- قال: "تقول النار للمؤمن يوم القيامة: جز يا مؤمن فقد أطفأ نورك لهبي" [[أخرجه أبو نعيم في "الحلية" 9/ 329، والقرطبي في "تذكرته" ص 234، والطبراني في "الكبير" ص 668، وأورده الهيثمي في "مجمع الزوائد" كتاب البعث، باب: == ما جاء في الميزان والصراط والورود 10/ 360، وقال: رواه الطبراني وفيه سليم بن منصور بن عمار وهو ضعيف. وأورده البغوي في "تفسيره" 3/ 205، والسيوطي في "الدر المنثور" 4/ 282، وأورده الألباني في "السلسلة الضعيفة" (3413)، والحديث بجميع طرقه ضعيف فيه بشير بن طلحة ضعيف، وخالد بن دريك لم يسمع من يعلي بن منية فهو منقطع، وكذلك سليم بن منصور ضعيف.]].
وروى عثمان بن الأسود عن مجاهد في هذه الآية قال: (من حمَّ من المسلمين فقد وردها) [["جامع البيان" 16/ 111، "النكت والعيون" 3/ 348، "المحرر الوجيز" 9/ 515، "معالم التنزيل" 3/ 205، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 137.]]. لأن الحمَّى من فيح جهنم قال رسول الله -ﷺ-: "الحمَّي كير من جهنم فما أصاب المؤمن منها كان حظه من النار في الآخرة" [[أخرجه الإمام أحمد في "مسنده" 5/ 252، عن أبي أمامة رضي الله عنه، ورواه الهيثمي في "مجمع الزوائد" 2/ 305، وقال: رواه أحمد وفيه أبو حصين الفلسطيني ولم أر له راويًا غير محمد بن مطرف. وأخرج نحوه البخاري في "صحيحه" كتاب الطب، باب: الحمى من فيح جهنم 5/ 2162، ومسلم في "صحيحه" كتاب السلام، باب: لكل داء دواء واستحباب التداوي 4/ 1732، وابن ماجه في "سننه" كتاب الطب، باب: الحمى 2/ 1149، والدرامي كتاب الرقائق، باب: الحمى من فيح جهنم 2/ 224، والحاكم في "المستدرك" 1/ 345، وقال: صحح الإسناد ووافقه الذهبي، والطبري في "جامع البيان" 16/ 111، والبغوي في "معالم التنزيل" 5/ 249، وابن كثير في "تفسير القرآن العظيم" 3/ 147.]] [[قال الشنقيطي -رحمه الله- في "أضواء البيان" 4/ 352 بعد ذكره لهذا القول: وأجابوا عن الاستدلال بحديث "الحمى من فيح فجهنم" قالوا: الحديث حق صحيح ولكنه لا دليل فيه لمحل النزاع؛ لأن السياق صريح في أن الكلام في النار في الآخرة وليس في حرارة منها في الدنيا؛ لأن أول الكلام قوله تعالى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا﴾ -إلى أن قال- ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ فدل على أن كل ذلك في الآخرة لا في الدنيا كما ترى.]].
وقال قوم: (إن هذا إنما يعني به المشركين خاصة) [["الجامع البيان" 16/ 110، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 136، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 138.]]. واحتجوا بقراءة بعضهم: ﴿وَإِن مِّنهمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ [[قرأ بها ابن عباس، وعكرمة رضي الله عنهما.
انظر: "المحرر الوجيز" 9/ 511، "الكشاف" 2/ 419، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 147 "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 38، "البحر المحيط" 6/ 210.]]. وهذا معنى قول ابن عباس في رواية عطاء [["جامع البيان" 16/ 114، "زاد المسير" 5/ 255، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 138.]]. ويكون على مذهب هؤلاء معنى: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ نخرجهم من جملة من يدخل النار.
وقال ابن زيد: (الورود عام لكل مؤمن وكافر غير أن ورود المسلمين على الجسر، وورود الكافرين أن يدخلوها) [["تفسير القرآن العظيم" 3/ 148، "زاد المسير" 5/ 255، "روح المعاني" 16/ 122.]]. وهذا يروى عن الحسن، وقتادة أنهما قالا: (ورودها ليس دخولها) [["الجامع لأحكام القرآن" 11/ 136، "البحر المحيط" 6/ 209 "معاني القرآن" للزجاج 3/ 341.]].
قال أبو إسحاق: (وحجتهم في ذلك قوية من جهات أحدها: أن العرب تقول: وردت ماء كذا ولم تدخله، ووردت بلد كذا إذا أشرف عليه ولم يدخله، قال: والحجة القاطعة عندي قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ (101) لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا﴾ [الأنبياء: 101، 102] [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 341.]]. ومن قال بالقول الأول قال في هذه الآية: (وهم عن مكروهها مبعدون؛ لأنه لا ينالهم أذاها ووهجها إذا وردوها) [[والراجح -والله أعلم- القول الأول. قال ابن جرير الطبري -رحمه الله- في "تفسيره" 16/ 114: وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال يردها الجميع ثم يصدر عنها المؤمنون فينجيهم الله ويهوي فيها الكفار وورودهما هو ما تظاهرت به الأخبار عن رسول الله -ﷺ- من مرورهم على الصراط المنصوب على متن جهنم فناج مسلم ومكدس فيها.
وقال البغوي -رحمه الله- في "تفسيره" 5/ 249: والأول أصح، وعليه أهل السنة أنهم جميعًا يدخلون النار ثم يخرج الله -عَزَّ وَجَلَّ- منها أهل الإيمان؛ بدليل قوله تعالى: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ أي: اتقوا الشرك، وهم المؤمنون، والنجاة إنما تكون مما دخلت فيه لا ما وردت.
وقال الشنقيطي -رحمه الله- في "أضواء البيان" 4/ 352 بعد ترجيحه لهذا القول: وأجاب من قال: بأن الورود في الآية الدخول عن قوله: ﴿أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ بأنهم مبعدون عن عذابها وألمها، فلا ينافي ذلك ورودهم إياها من غير شعورهم بألم ولا حر منها.
انظر: "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 139، "التفسير الكبير" 11/ 244، "أضواء البيان" 4/ 350.]].
مريم 19:72
قوله تعالى: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ قال ابن عباس: (يريد اتقوا الشرك وصدقوا بنبيي) [[ذكرت نحوه كتب التفسير بدون نسبة.
انظر: "الكشف والبيان" 3/ 12 أ، "المحرر الوجيز" 9/ 516، "معالم التنزيل" 5/ 249، "زاد المسير" 5/ 257، "إرشاد العقل السليم" 5/ 276.]]. ﴿وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ﴾ قال: (يريد المشركين والكفار والمنافقين) [[ذكرت نحوه كتب التفسير بدون نسبة.
انظر: "بحر العلوم" 2/ 331، "المحرر الوجيز" 9/ 516 "معالم التنزيل" 5/ 249، "التفسير الكبير" 21/ 245.]]. ﴿فِيهَا جِثِيًّا﴾ قيل: على الركب، وقيل: جميعًا، وقد مر قبل ذلك [[عند قوله سبحانه: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا﴾. [مريم: 68]]].
مريم 19:73
قوله تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ﴾ يعني: على المشركين ﴿آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ﴾ يريد القرآن ﴿قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ مشركوا قريش ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الفقراء المؤمنين] [[ما بين المعقوفين ساقط من نسخة (س).]] ﴿أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ﴾ أنحن أم أنتم ﴿خَيْرٌ مَقَامًا﴾ وقرئ: مُقَاما بالضم [[قرأ ابن كثير المكي: ﴿خَيْرٌ مُقاما﴾ بضم الميم. وقرأ نافع، وأبو عمرو، وابن عامر، وحمزة، والكسائي، وعاصم: ﴿خَيْرٌ مَقَامًا﴾ بفتح الميم.
انظر: "السبعة" ص 411، "الحجة للقراء السبعة" 5/ 205، "التبصرة" ص 256، "الغاية في القراءات" ص 317.]]. وهما المنزل والمسكن، وكذا قال المفسرون [["تفسير القرآن" للصنعاني 2/ 11، "جامع البيان" 16/ 114، "بحر العلوم" 2/ 331 "النكت والعيون" 3/ 385 "المحرر الوجيز" 9/ 516.]].
والمَقَام بالفتح المصدر واسم الموضع جميعًا، وفَعَلَ يَفْعُل المصدر واسم الموضع منه على مَفْعَلٍ نحو: قَتَلَن يَقْتُل، مَقْتَلاً، وهذا مَقْتَلُ فلان، وأما المُقَام بالضم فيصلح أن يكون بمعنى الإقامة فعول أقَمْت مُقَاما كما تقول: أَقَمْت إِقَامَة، ومكان الإقَامَة مُقَام أيضًا، وكذلك ما زاد من الأفعال على ثلاثة أحرف بحرف زائد أو أصلي فالمصدر اسم الموضع يكون منه على مفعل [[انظر: "الحجة للقراء السبعة" 5/ 207، "إملاء ما من به الرحمن" 1/ 116، "الدر المصون" 7/ 628.]]. والمَقَام والمُقَام في هذه الآية يراد به المكان كما ذكرنا.
قال الأخفش: (يقال للمَقْعد المَقَام وللمشهد المَقَام) [["الحجة للقراء السبعة" 5/ 206.]]. ومنه قوله تعالى: ﴿قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ﴾ [النمل: 39] أي: من مشهدك، وقد يكون المقام حيث يقوم الإنسان كقول الراجز [[هذا صدر بيت لقطر. وعجزه:
ذَبَّبَ حَتى دَلَكَتْ بَرَاحِ
والبَرَاحِ: الشمس. ومعنى البيت: أن الشمس قد غربت وزالت فهم يضعون راحاتهم على عيونهم ينظرون هل غربت أو زالت.
انظر: "الحجة للقراء السبعة" 5/ 208، "النوادر" ص 315، "لسان العرب" (برح) 1/ 245.]]:
هَذَا مُقَامُ قَدَمَيْ رَبَاحِ
أي: موضع قيامه.
وقوله تعالى: ﴿وَأَحْسَنُ نَدِيًّا﴾ الندي فعيل بمعنى الفاعل وهو المجلس، وكذلك النادي، يقال: نَدَوْتُ القوم، أَنْدُوهم، نَدْوًا إذا جمعتهم، ويقال للموضع الذي يجتمعون فيه: النَّادِي، والنَّادِي لا يسمى نَادِيًا حتى يكون فيه أهله، وإذا تفرقوا لا يكون نَادِيا ومن هذا قوله: ﴿وَتَأْتُونَ في نَادِيكُمُ الْمُنْكَر﴾ [العنكبوت: 29] ولذلك سميت دار النَّدْوة بمكة، كانوا إذا حز بهم أمر نَدَوا إليها فاجتمعوا للتشاور، وأُنَادِيك أشاورك، وأجالسك من النَّادِي [["تهذيب اللغة" (ندا) 4/ 3543، "الصحاح" (ندا) 6/ 2505، "المفردات في غريب القرآن" (ندا) ص 487، "لسان العرب" (ندى) 7/ 4387.]]. قال كُثَير:
أُنَادِيْكَ مَا حَجَّتْ حَجِيْجٌ وَكَبَرَتْ ... بِفَيْفَا غَزَالٍ رُفْقَةٌ وَأَهَلَّتِ [[البيت لكثير. انظر: "الحجة للقراء السبعة" 5/ 208، "المنصف" 2/ 180.]]
والمعنى: أن المشركين قالوا للفقراء المؤمنين أنحن أم أنتم أعظم شأنًا، وأعز مجلسًا في قومه افتخروا عليهم بمساكنهم، ومجالسهم وحسن معاشهم [["جامع البيان" 16/ 116، "النكت والعيون" 3/ 386، "معالم التنزيل" 3/ 152، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 148، "زاد المسير" 5/ 157.]].
مريم 19:74
فقال الله تعالى: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثًا وَرِئْيًا﴾ قال الليث: (الأثاث: أنواع المتاع من متاع البيت ونحوه) [["تهذيب اللغة" (أث) 1/ 118.]].
وقال أبو زيد: (الأثاث: المال أجمع، المال، والإبل، والغنم، والعبيد، والمتاع قال: وواحدتها أثاثة) [["تهذيب اللغة" (أث) 1/ 118.]].
وقال الفراء: (الأثاث: لا واحد له، كما أن المتاع لا واحد له) [["معاني القرآن" للفراء 2/ 171.]]. قال ابن عباس، والسدي: (الأثاث: المال) [["جامع البيان" 16/ 116، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 149.]].
وقال قتادة: (﴿أَحْسَنُ أَثَاثًا﴾: أكثر أموالًا) [["جامع البيان" 16/ 116، وذكره الماوردي في "تفسيره" 3/ 386 بدون نسبة، وكذلك ابن كثير في "تفسيره" 3/ 138.]]. وقال الحسن: (الأثاث: اللباس) [[ذكر في كتب التفسير بدون نسبة.
انظر: "جامع البيان" 16/ 116، "النكت والعيون" 3/ 386، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 149.]].
وقال مجاهد: (الأثاث: المتاع والزينة) [["جامع البيان" 16/ 116، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 149.]].
وقال عطاء عن ابن عباس في قوله: ﴿أَحْسَنُ أَثَاثًا﴾ قال: (مثل الدَّرَانِيْك [[الدَّرْنيك: ضرب من الثياب أو البسط، له خمل قصير كخمل المناديل، ويشبه فروة البعير والأسد.
انظر: "تهذيب اللغة" (درنك) 2/ 1181، "مقاييس اللغة" (الدرنوك) 2/ 341، "الصحاح" (درنك) 4/ 1583، "لسان العرب" (درنك) 3/ 1369.]]، والطَّنَافِس) [[الطَّنْفُسَة: بضم الفاء، البساط الذي له حمل رقيق. ويقال للإنسان إذا لبس الثياب الكثيرة: مطنفس.
انظر: "تهذيب اللغة" (طنفس) 3/ 2224، لسان (طفنس) 5/ 2710، "القاموس المحيط" (طنفس) 2/ 596.]] [[ذكر نحوه بالنسبة القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 143.]]. وأصل الحرف من قولهم: أَثَّ النبات يَئِثُّ أَثَاثَةً إذا كثر والتف، ويوصف به الشعر [[انظر: "تهذيب اللغة" (أث) 1/ 118، "مقاييس اللغة" (أث) 1/ 8، "القاموس المحيط" (أث) 1/ 1616، "المعجم الوسيط" (أث) 1/ 5، "لسان العرب" (أثث) 1/ 24.]]، ومنه قوله [[هذا عجز بيت لامرئ القيس. وصدره:
وَفَرْع يِزينُ الَمَتَن أَسْوَدَ فَاحِمِ
والفرع: الشعر التام، والفاحم: الشديد السواد، العثكال: بمعنى القنو وقد يكون قطعة منه. فقد ذكر المرأة تبدي عن شعر طويل تام يزين ظهرها إذا أرسلته ثم شبه ذؤابتيها بقنو نخلة خرجت قنوانها.
انظر: "ديوانه" ص 44، "شرح القصائد" للتبريزي ص 44، "شرح المعلقات السبع" ص 32، "تهذيب اللغة" (أث) 1/ 118، "لسان العرب" (أثث) 1/ 24.]]:
أَثِيْث كَقِنْوِ النَّخْلَة المُتَعَثْكِلِ
وقوله تعالى: ﴿وَرِئْيًا﴾ قال أبو إسحاق: (منظرًا من رأيت) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 342.]].
قال أبو علي: (رِئْيٌ فعل من رأيت، وكأنه اسم لما ظهر وليس المصدر، إنما المصدر الرأي والرؤية، ومنه قوله: ﴿رأي العين﴾ [آل عمران: 13] فالرأي الفعل، والرئي المرئي كالطَّحْن والطِّحْن، والسَّقْي والسِّقْي، والرَّعْي والرِّعْي) [["الحجة للقراء السبعة" 5/ 210]]. وقول المفسرين في تفسير الرئي: (المنظر)، قاله ابن عباس وغيره [["جامع البيان 16/ 117، "النكت والعيون" 3/ 386، "المحرر الوجيز" 9/ 520، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 183، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 143]]. وقال الحسن: (الصور) [["المحرر الوجيز" 9/ 520، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 149، "البحر المحيط" 6/ 210.]]. وهو راجع إلى النظر. وقرئ: وريا بغير همز. [[قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وعاصم، وحمزة، والكسائي: (ورئيا) مهموزة بين الراء والياء. وقرأ ابن عامر، ونافع: (وريا) بغير همز. (¬4)
انظر: "السبعة ص 411، "الحجة للقراء السبعة" 5/ 209، "حجة القراءات" ص 447، "المبسوط في القراءات" ص 244.]]
قال أبو إسحاق: (وله تفسيران: على معنى الأول بطرح الهمز، وعلى معنى أن منظرهم مُرْتو من النعمة، كأن النعيم بين فيهم) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 342.]].
قال أبو علي: (ريا بغير همز يجوز أن يكون بمعنى رئيا فخففت الهمزة، وإذا خففت لزم أن يبدل منها الياء لانكسار ما قبلها، كما تبدل في: ذيب، وبير، فإذا أبدل منها الياء وقعت ساكنة قبل حرف مثله فلابد من الإدغام، وليس يجوز الإظهار لاجتماع المثلين الأول ساكن، ويجوز أن يكون أصله غير الهمز من الري الذي هو ضد العطش، والمراد به في الآية الطراوة والنضارة؛ لأن الري يتبعه ذلك، كما أن العطش يتبعه الذبول والجهد). [["الحجة للقراء السبعة" 5/ 210.]] قال الفراء: (والقراءة بغير همز وجه جيد؛ لأنه مع آيات ليست بمهموزات الأواخر) [["معاني القرآن" للفراء 2/ 171.]]. وروي عن عاصم في بعض الروايات: وَرِئيًا مثل وريعًا [["الحجة للقراء السبعة" 5/ 209، "المبسوط في القراءات العشر" ص 244.]]. وهذا على الهمز التي هي عين إلى موضع اللام ويكون تقديره: فَلِعًا، ومن العرب من يقول: رَاءَني زيدٌ بقلب الهمز فيؤخره فرئيا من رآني [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 343، "الحجة للقراء السبعة" 5/ 209، "المحتسب" 2/ 44.]]. والمعنى: أن الله تعالى قد أهلك قبلهم أقوامًا كانوا أكثر متاعًا، وأحسن منظرًا فأهلك أموالهم، وأفسد عليهم صورهم فليخافوا نقمة الله بالإهلاك كسنة من قبلهم من الكفار.
مريم 19:75
قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ في الضَّلَالَةِ﴾ قال ابن عباس: (قل لهم يا محمد من كان في العماية) [[ذكرته كتب التفسير نحوه بدون نسبة.
انظر: "جامع البيان" 16/ 119، "زاد المسير" 5/ 259.]]. يعني عن التوحيد ودين الله ﴿فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا﴾ قال أبو إسحاق: (فليمدد لفظ أمر في معنى الخبر، وتأويله إن الله جعل جزاء ضلالته أن يتركه، ويمده فيها إلا أن لفظ الأمر يؤكد معنى الخبر، كان لفظ الأمر يريد به المتكلم نفسه إلزامًا، كأنه يقول أفعل ذلك وآمر نفسي، فإذا قال قائل: من زارني فلأكرمه، فهو ألزم من قوله أكرمه، كأنه قال: من زارني فأنا آمر نفسي بإكرامه وألزمها ذلك) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 343.]].
وقال أبو علي: (هذا لفظه كلفظ أمثله الأمر ومعناه الخبر ألا ترى أنه لا وجه للأمر هاهنا، وأن المعنى مده الرحمن مدا) [["الحجة للقراء السبعة" 2/ 205.]]. وابن عباس فسره أيضًا بالخبر فقال: (يريد فإن الله يمد له فيها حتى يستدرجه) [[ذكرت كتب التفسير نحوه بدون نسبة.
انظر: "الكشف والبيان" 3/ 12 أ، "المحرر الوجيز" 9/ 522، "معالم التنزيل" 5/ 253، "زاد المسير" 5/ 259، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 144، "روح المعاني" 16/ 127.]]. وقد تقدم القول في وضع بعض الأمثلة موضع البعض في آيات.
ومعنى المد في الضلالة ذكرناه في قوله: ﴿وَيَمُدُّهُمْ في طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [البقرة: 15]. وقال صاحب النظم: (من شرط وللشرط جزاء واجتمع في قوله: ﴿فَلْيَمْدُدْ﴾ جزاء الشرط والفاء دليل عليه، وابتداء الأمر ولو تمحض جزاء لكان يمدد ولكنه دعاء عليهم بأن يمدهم الله في الضلالة والدعاء يكون بلفظ الأمر كأنه أمر النبي -ﷺ- أن يدعوا على من كان في الضلالة بهذا الدعاء، وهذا كما تقول في الكلام: من سرق مالي فليقطع الله يده، فهذا دعاء على السارق وهو جواب للشرط) [[ذكر نحوه القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 144.]]. هذا معنى كلامه. وعلى ما ذكر لا يكون ﴿فَلْيَمْدُدْ﴾ خبرًا كما قاله الزجاج، وأبو علي، وأكد ابن الأنباري هذا الوجه فقال: (اللام في ﴿فَلْيَمْدُدْ﴾ لام الدعاء وتقديرها في الآية: قل يا محمد من كان في الضلالة فاللهم مد له في العمر مدا) [[ذكر نحوه بلا نسبة في "الكشاف" 2/ 421، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 141، "البحر المحيط" 6/ 212.]].
وقوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا رَأَوْا﴾ هو متصل بالمد؛ لأن المعنى مده الله في ضلالته حتى يرى ما يوعد من العذاب أو الساعة، وإنما قال ﴿رَأَوْا﴾ بعد قوله ﴿فَلْيَمْدُدْ﴾ لأن لفظ من يصلح للواحد والجمع، وإذا مع الماضي يكون بمعنى المستقبل، والمعنى: حتى يروا ما يوعدون.
وقوله تعالى: ﴿إِمَّا الْعَذَابَ وَإِمَّا السَّاعَةَ﴾ منصوبان على البدل من ﴿مَا يُوعَدُونَ﴾ [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 343، "إعراب القرآن" للنحاس 2/ 326.]]. قال أبو إسحاق: (و ﴿الْعَذَابَ﴾ هاهنا ما وعدوا به من نصر المؤمنين عليهم، فإنهم يعذبونهم قتلاً، وأسرًا، و ﴿اَلسَّاعَةُ﴾ يعني بها يوم القيامة وما وعدوا فيها من الخلود في النار) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 343.]]. والمعنى: ﴿فَسَيَعْلَمُونَ﴾ بالنصر والقتل أيهم ﴿وَأَضْعَفُ جُنْدًا﴾ كما قاله الزجاج وأبو علي [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 343، "الحجة للقراء السبعة" 2/ 205.]]، أهم أم المؤمنون، ويعلمون بمكانهم من جهنم ومكان المؤمنين من الجنة ﴿مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكَانًا﴾ قال ابن عباس: (أراد الله هذا الرد عليهم في قولهم: ﴿أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا﴾) [[ذكرت كتب التفسير نحوه بدون نسبة.
انظر: "معالم التنزيل" 5/ 203، "المحرر الوجيز" 9/ 524، "زاد المسير" 5/ 259 "الكشاف" 2/ 522، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 144.]].
مريم 19:76
قوله تعالى: ﴿وَيَزِيدُ الله الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى﴾ قال [الربيع بن أنس: (يزيد الله الذين اهتدوا] [[ما بين المعقوفين مكرر في نسخة (س).]] بكتابه هدى بما ينزل عليهم من الآيات فيصدقون بها) [[ذكرت كتب التفسير نحوه بدون نسبة.
انظر: "جامع البيان" 16/ 119، "النكت والعيون" 3/ 387، "زاد المسير" 5/ 259، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 144، "التفسير الكبير" 21/ 248.]]. وقال الكلبي: (ويزيد الله الذين اهتدوا بالمنسوخ هدى بالناسخ) [["النكت والعيون" 3/ 387، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 144، وذكره بدون نسبة "جامع البيان" 16/ 90، "المحرر الوجيز" 9/ 524، "زاد المسير" 5/ 259.]]. وقيل معناه: (يزيدهم إخلاصًا وإيمانًا) [["زاد المسير" 5/ 259، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 144، "التفسير الكبير" 11/ 148.]]. وقيل: (يزيدهم هدى بالتوفيق حتى يستكثروا من الطاعات) [["النكت والعيون" 3/ 387، "زاد المسير" 5/ 259، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 144، "فتح القدير" 3/ 498.]]. وقال أبو إسحاق: (المعنى أن الله تعالى يجعل جزاء المؤمنين أن يزيدهم يقينًا كما جعل جزاء الكافر [[في (س): (الكافرين).]] أن يمده في ضلالته) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 344.]].
﴿وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ﴾ الأذكار والأعمال الحسنة من الطاعات التي تبقى لصاحبها ولا تحيط [["تفسير القرآن" للصنعاني 2/ 12، "جامع البيان" 16/ 119، "معالم التنزيل" 5/ 253.]]. ﴿خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا﴾ جزاء في الآخرة مما يفتخر به الكفار من مالهم وحسن معاشهم. ومضى القول في الباقيات الصالحات في سورة الكهف [[عند قوله سبحانه: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا﴾ [الكهف: 46].]].
وقوله تعالى: ﴿وَخَيْرٌ مَرَدًّا﴾ المراد هاهنا مصدر مثل الرد، والمعنى: وخير ردًّا على عامليها للثواب، ليست كأعمال الكفار التي خسروها فبطلت، ويقال: هذا الأمر أرد عليك أي: أنفع لك [[انظر: "تهذيب اللغة" (رد) 2/ 1390، "الصحاح" (ردد) 2/ 473، "لسان العرب" (ردد) 3/ 1621، "المفردات في غريب القرآن" (رد) ص 193.]]. والمعنى: أنه يرد عليك ما تريد، كذلك أعمال المؤمنين ترد عليهم الجنة التي فقدوها بإخراج أبيهم آدم منها [["الجامع لأحكام القرآن" 11/ 145.]]. ويجوز أن يكون المرد بمعنى: المرجع وكل واحد يرد إلى عمله الذي عمله، فيجمع بينه وبين ما عمل فالأعمال الصالحة خير مردًا من الأعمال السيئة [["الكشاف" 2/ 421، "زاد المسير" 5/ 259، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 145، "فتح القدير" 3/ 498.]].
مريم 19:77
قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا﴾ قال ابن عباس وجماعة أهل التفسير: (نزلت في العاص بن وائل [[العاص بن وائل بن هاشم السهمي، أحد المجاهرين بالعداوة والأذى للرسول -ﷺ- وللصحابة رضوان الله عليهم، توفي بعد الهجرة بشهرين وهو والد الصحابي الجليل عمرو بن العاص رضي الله عنه.
انظر: "جوامع السيرة" ص 53، "الكامل" لابن الأثير 2/ 48، "الأعلام" 3/ 247.]]، وذلك أن خباب بن الأرت كان له عليه دين فأتاه يتقاضاه فقال: لا أقضيك حتى تكفر بآلهة محمد، فقال خباب: والله لا أكفر بإله محمد حيًا ولا ميتًا ولا حين أبعث، فقال: أوتبعث أيضًا؟ فدع مالك قبلي، فإذا بعثت أعطيت مالًا وولدًا وقضيتك مما أعطى، يقول ذلك مستهزءًا) [["جامع البيان" 16/ 120، "النكت والعيون" 3/ 387، "المحرر الوجيز" 9/ 526، "معالم التنزيل" 5/ 253، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 150.]].
وقال مقاتل والكلبي: (قال لخباب: لئن كان ما تقول حقًا فإني لأفضل ثَمَّ نصيبًا منك، فأنزل الله عَزَّ وَجَلَّ: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا﴾ يعنىِ: العاص كفر بالقرآن) [["الجامع لأحكام القرآن" 11/ 145، "الكشف والبيان" 3/ 12 ب.]]. ﴿وَقَالَ لَأُوتَيَن﴾ لأعطين أي: والله لأوتين القسم مضمر ﴿مَالًا وَوَلَدًا﴾ يعني في الجنة بعد البعث.
وقرئ: وَلَدا، ووُلْدا [[قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، ونافع، وعاصم، وابن عمر: (وَوَلَدًا) بفتح الواو. وقرأ حمزة، والكسائي: (وَوُلْدا) بضم الواو.
انظر: "السبعة" ص 412، "الحجة للقراء السبعة" 5/ 211، "التبصرة" ص 257، "النشر" 2/ 319.]]. قال الليث: (الولد اسم يجمع الواحد والكثير والذكر والأنثى) [["تهذيب اللغة" (ولد) 4/ 3951.]]. قال الزجاج: (الوَلَدُ والوُلْدُ واحد مثل العَرَبُ، والعُرْبُ، والعَجَمُ، والعُجْمُ، والبَخَل، والبُخْلُ) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 344.]]. ونحو ذلك قال الفراء [["معاني القرآن" للفراء 2/ 173.]]، وأنشد [[البيت للحارث بن حلزة.
انظر: "جامع البيان" 16/ 122، "النكت والعيون" 3/ 387، "معاني القرآن" للفراء 2/ 173، "الدر المصون" 7/ 635، "تهذيب اللغة" (ولد) 4/ 3951، "لسان العرب" (ولد) 8/ 4914.]].
وَلَقَدْ رَأَيْتُ مَعَاشِرًا ... قَدْ ثَمَّرُوا مَالًا وَوُلدَا
واحتج على استعمال المضموم في الواحد بقول العرب في المثل: (وُلْدُكِ مَنْ دَمَّى عَقِبَيْكِ) [[المعنى: ابنكِ الذي نَفُسْتِ به حتى أدمى النفاس عقبيك، فهو ابنك حقيقة لا من اتخذته وتبنيته وهو من غيرك.
انظر: "جامع البيان" 16/ 122، "معاني القرآن" للفراء 2/ 173، "الأمثال" للسدوسي ص 51، "المستقصى في أمثال العرب" 1/ 30، "الأمثال" لابن سلام ص 147، "تهذيب اللغة" (ولد) 4/ 3950، "لسان العرب" (ولد) 8/ 4914.]]، وأنشد [[لم أهتد إلى قائله، وذكرته كتب التفسير واللغة بلا نسبة. == انظر: "جامع البيان" 16/ 122، "المحرر الوجيز" 9/ 527، "البحر المحيط" 6/ 213، "الحجة للقراء السبعة" 5/ 211، "المحتسب" 1/ 365، "الدر المصون" 7/ 636، "تهذيب اللغة" (ولد) 4/ 3951، "لسان العرب" (ولد) 8/ 4914.]]: فَلَيْتَ فُلاَنًا كَانَ في بَطْنِ أُمَّه ... وَلَيْتَ فُلاَنا كَانَ وُلْدَ حِمَارِ
فهذا واحد قال: (وقيس تجعل الوُلْد جمعًا، والوَلَد واحدًا) [["معاني القرآن" للفراء 2/ 173.]]. وقال ابن السكيت: (الوُلْدُ يكون واحدا وجمعًا) [["تهذيب اللغة" (ولد) 4/ 3951، "لسان العرب" (ولد) 8/ 4914.]].
قال أبو علي: (هو كالفُلْك الذي يكون مرة جمعًا ومرة واحدًا، ويكون لفظ واحده [موافقًا للفظ جمعه] [[ما بين المعقوفين ساقط من نسخة (س).]]، قال: ويجوز أن يكون الوُلْدُ جمع وَلَد مثل أَسَدٍ، وأُسْدٍ، وثَمَرٍ، وثُمْرٍ) [["الحجة للقراء السبعة" 5/ 212.]].
مريم 19:78
قال الله تعالى مكذبًا له ومنكرًا عليه ﴿أَطَّلَعَ الْغَيْبَ﴾ قال ابن عباس، ومجاهد: (يريد أعلم ما غاب عنه حتى يعلم أفي الجنة هو أم لا) [["معالم التنزيل" 5/ 253، "زاد المسير" 5/ 361، "القرطبي" 11/ 146.]]. وقال الكلبي: (معناه: انظر في اللوح المحفوظ) [[ذكرته كتب التفسير ونسبته لابن عباس.
انظر: "معالم التنزيل" 5/ 253، "زاد المسير" 5/ 361، "القرطبي" 11/ 146.]].
وقوله تعالى: ﴿أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ قال ابن عباس: (يريد: من قال: لا إله إلا الله فارحمه بها) [["تفسير القرآن العظيم" 3/ 150، و"زاد المسير" 5/ 261، و"الدر المنثور" 4/ 506.]].
وقال قتادة: (يعني: أقدم عملًا صالحًا فهو يرجوه) [[قوله: (فهو يرجوه)، ساقط من نسخة (س).]] [["جامع البيان" 16/ 122، "النكت والعيون" 3/ 388، "معالم التنزيل" 5/ 253 "زاد المسير" 5/ 261، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 146.]].
وقال السدي: (العهد: الطاعة لله -عَزَّ وَجَلَّ-) [[ذكرت كتب التفسير نحوه بدون نسبة. انظر: "جامع البيان" 16/ 122، "بحر العلوم" 2/ 332، "روح المعاني" 16/ 130.]]. وهذا القول منتزع مما روى أن النبي -ﷺ- قال: "يقول الله: من صلى الصلوات لوقتها ولم يذرها استخفافا بها لقيني يوم القيامة وله عندي عهدًا أدخله به الجنة، ومن لم يصلها لوقتها وتركها استخفافًا بها لقيني يوم القيامة وليس له عندي عهد" [[أخرج نحوه أبو داود في "سننه" في الوتر، باب فيمن لم يوتر 2/ 131، والنسائي في الصلاة، باب فضل الخمس 1/ 164، وابن ماجه في "سننه" كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، باب ما جاء في فرض الصلوات الخمس 1/ 448، والإمام أحمد في "مسنده" 4/ 244، والهواري في "تفسيره" 3/ 76.]].
وعلى [هذا المعنى فالآية] [[ما بين المعقوفين ساقط من نسخة (س).]]: أم صلى الصلوات الخمس فاتخذ بها عندي عهدًا. وقال الكلبي: (أعهد إليه الله أنه يدخله الجنة) [["معالم التنزيل" 5/ 254، "زاد المسير" 5/ 261، "القرطبي" 11/ 146.]]. وهو اختيار الزجاج يقول: (أم أعطى عهدًا) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 345.]].
مريم 19:79
وقوله تعالى: ﴿كَلَّا﴾ [[قال الألوسي في "روح المعاني" 16/ 313: وهذا أول موضع وقع فيه من القرآن، وقد تكرر في النصف الأخير فوقع في ثلاثة وثلاثين موضعًا.]] هذه الكلمة ترد في القرآن بمعنيين أحدهما: الرد لكلام تقدم [[لفظ: (تقدم): ساقط من نسخة (س).]]. والثاني: بمعنى: حقًّا [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 345، "إملاء ما من به الرحمن" 1/ 117، "البحر المحيط" 6/ 214، "روح المعاني" 16/ 131، "الدر المصون" 7/ 637.]].
قال الفراء: (كلا بمنزلة سوف، وتجيء حرف رد فكأنها نعم ولا) [[أورد نحوه بلا نسبة "الكشاف" 2/ 422، "البحر المحيط" 6/ 214، "الدر المصون" 7/ 637.]].
وهذا الذي قاله [[قوله: (قاله)، ساقط من نسخة (س).]] الفراء هو أصل معنى كلا، فإنه ينفي ما قبله ويحقق ما بعده، ولذلك اختلف المفسرون في معناه فجعله [[قوله: (فجعله)، ساقط من نسخة (س).]] بعضهم بمنزلة حقًا، وبعضهم جعله ردًا لما قبله وردعًا، وهو متضمن للمعنيين كما ذكره الفراء [["المحرر الوجيز" 9/ 528، "الكشاف" 2/ 422، "القرطبي" 11/ 147.]].
وقال الكسائي: (لا تنفي حسب، وكلا تنفي شيئًا وتوجب شيئًا كقولك لرجل قال لك: أكلت شيئًا؟ قلت: لا، ويقول آخر: أكلت تمرًا فتقول [[قوله: (فتقول)، ساقط من نسخة (س).]]: كلا، أردت أنك أكلت عسلًا لا تمرًا، قال: وتأتي كلا بمعنى قول حقًّا) قال ذلك كله أحمد بن يحيى عن سلمة عن الفراء عن الكسائي [["تهذيب اللغة" (كلا) 4/ 3179، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 149، "شرح كلا وبلى ونعم" لمكي بن أبي طالب ص 24.]].
قال الفراء: (ويجوز أن تجعلها صلة لما بعدها كقولك: كلا ورب الكعبة، فتكون بمنزلة: إي ورب الكعبة، قال الله تعالى: ﴿كَلَّا وَالْقَمَرِ﴾ [المدثر:22] فإذا جعلتها صلة لما بعدها لم تقف عليها كقوله: ﴿كَلَّا وَالْقَمَر﴾ والوقف على ﴿كَلَّا﴾ قبيح؛ لأنها صلة لليمين) [["تهذيب اللغة" (كلا) 4/ 3179، "الإيضاح في الوقف والابتداء" 2/ 776، "القطع والائتناف" ص 458، "المكتفى في الوقف والابتداء" ص 377، "شرح وكلا وبلى ونعم" ص 19.]].
وقال الأخفش: (﴿كَلَّا﴾ ردع وزجر) [["تهذيب اللغة" (كلا) 4/ 3179، "شرح كلا وبلى ونعم" ص 28.]]. وهذا مذهب سيبويه [["الكتاب" لسيبويه 2/ 312.]]، وإليه ذهب الزجاج -ﷺ- في جميع القرآن [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 345.]]. قال أبو حاتم: (وتجيء ﴿كَلَّا﴾ بمعنى "أَلَا" التي هي للتنبيه يستفتح بها الكلام كما يستفتح بأَلَا) [["تهذيب اللغة" (كلا) 4/ 3179، "القطع والائتناف" ص 458، "المكتفى في الوقف والابتداء" ص 377، "شرح كلا وبلى ونعم" ص 25.]]، واحتج بقول الأعشى [[البيت للأعشى.
انظر: "شرح القصائد" للتبريزي ص 347، "شعراء النصرانية" ص 369، "تهذيب اللغة" (كلا) 4/ 3179، "لسان العرب" (كلا) 7/ 3926.]]:
كَلَّا زَعَمْتُمُ بِأَنَّا لاَ نُقَاتِلكُمْ ... إِنَّا لأَمْثَالِكُمْ يَا قَوْمَنَا قُتل
قال ابن الأنباري: (هذا غلط منه ﴿كَلَّا﴾ لا تكون افتتاح الكلام، والذي في البيت بمعنى "لا"، أي: ليس الأمر على ما يقولون) [[انظر: "تهذيب اللغة" (كلا) 4/ 3179، "لسان العرب" (كلا) 7/ 3926.]]. واحتج أيضًا بقوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى﴾ [العلق: 6]، قال معناه: (أَلَا أن الإنسان ليطغى) [[انظر: المراجع السابقة، "شرح كلا وبلى ونعم" ص 26.]].
قال ابن الأنباري: (معنى ﴿كَلَّا﴾ في هذه الآية الذي احتج بها حقًا، كأنه قال: حقًّا إن الإنسان ليطغى، قال: ويجوز أن يكون بمعنى "لا" كأنه لا ليس الأمر على ما تظنون يا معشر الكفرة، كما قال: ﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَة﴾ [القيامة: 1]، ولا راد لكلامه ثم ابتداء فقال: أقسم) هذا كلام أبي بكر [["تهذيب اللغة" (كلا) 4/ 3179، "شرح كلا وبلى ونعم" ص 61.]]. وقد ذكر سيبويه أن كلا بمعنى: (حقًّا) [["الكتاب" 2/ 312، "تهذيب اللغة" (كلا) 4/ 3179.]].
وعلى هذا يجوز أن تكون بمعنى (أَلَا)، ولا يجوز على الوجه الذي ذكره أبو حاتم؛ لأنه يجعله افتتاحًا لا بمعنى حقًا. واختلفوا في الوقف على كلا؛ فقال أبو العباس أحمد بن يحيى: (لا يوقف على ﴿كَلَّا﴾ في جميع القرآن؛ لأنها جواب والفائدة تقع فيما بعدها) [[انظر: "القطع والائتناف" ص 458، "المكتفى في الوقف والابتداء" ص 377، "تهذيب اللغة" (كلا) 4/ 3179، "شرح كلا وبلى ونعم" ص 19.]]. ومنهم من قال: (يوقف على ﴿كَلَّا﴾ في جميع القرآن) [[الجام 11/ 147، "روح المعاني" 16/ 131، "المكتفى في الوقف والابتداء" ص 377.]]. ومنهم من قال: (يوقف على ما قبل ﴿كَلَّا﴾ ويبتدأ بها) [["الجامع لأحكام القرآن" 11/ 147، "روح المعاني" 16/ 131، "المحتسب" 2/ 45، "شرح كلا وبلى ونعم" ص 19.]].
فأما في هذه الآية فقال ابن الأنباري: (الوقف على ﴿كَلَّا﴾ جائز؛ لأن المعنى ليس الأمر) [["تهذيب اللغة" (كلا) 4/ 3179، وقال مكي بن أبي طالب في شرح كلا وبلى ونعم ص 19: يوقف عليها إذا كان ما قبلها يرد وينكر، ويبتدأ بها إذا كان ما قبلها لا == يرد ولا ينكر، وتوصل بما قبلها وما بعدها إذا لم يكن قبلها كلام تام. وهذا المذهب أليق بمذهب القراء وحذاق أهل النظر، وهو الاختيار، وبه آخذ.]]. كذا قال، ويجوز أن يوقف على قوله: ﴿عَهْدًا﴾ أي لم يطلع الغيب ولم يتخذ عند الله عهدا. ومنهم من قال: (معناه: ليس الأمر كما يظنه من أنه يؤتى المال والولد) [["الجامع لأحكام القرآن" 11/ 147.]].
وقوله تعالى: ﴿كَلَّا سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ﴾ أي: سنأمر الحفظة بإثباته لنجازيه في الآخرة ﴿وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدًّا﴾ نزيده عذابًا فوق العذاب.
مريم 19:80
وقوله تعالى: ﴿وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ﴾ فيه قولان أحدهما: (نرثه ما عنده من المال والولد بإهلاكنا إياه وإبطال ملكه). وهذا قول ابن عباس، وقتادة، وابن زيد [["تفسير القرآن" للصنعاني 2/ 12، "جامع البيان" 16/ 123، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 151، "زاد المسير" 5/ 261، "الدر المنثور" 4/ 506.]]. ويدل عليه قراءة ابن مسعود: (ونرثه ما عنده) [["تفسير القرآن" للصنعاني 1/ 13، "جامع البيان" 16/ 123، "المحرر الوجيز" 9/ 529، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 151.]]. وما بعده من قوله: ﴿وَيَأْتِينَا فَرْدًا﴾ يدل على هذا القول؛ أي: أنه يأتي الآخرة بلا مال ولا ولد. القول الثاني: ما قاله السدي قال: (نرثه أهله وماله الذي في الجنة) [[ذكره في "زاد المسير" 5/ 261 بدون نسبة، "أضواء البيان" 4/ 385.]]. وهو قول الكلبي قال: ﴿وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ﴾ في الجنة من الذهب والفضة والحرير فنجعله لغيره من المسلمين) [["البحر المحيط" 6/ 214، وذكره بدون نسبة "زاد المسير" 5/ 261.]].
وعلى هذا معنى الآية: لا نعطيه ما يقول ونسلبه الذي آتيناه في الدنيا حتى يأتينا خاليًا منه. وهو قوله: ﴿وَيَأْتِينَا فَرْدًا﴾ أي: خاليًا من الأموال والأولاد.
مريم 19:81
قوله تعالى: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا﴾ معنى العز: الامتناع من الضيم، والعزيز: المنيع من أن ينال بسؤ [[انظر: "تهذيب اللغة" (عز) 3/ 2419، "مقاييس اللغة" (عز) 4/ 38، "لسان العرب" (عزز) 5/ 2925، "مختار الصحاح" (عزز) ص 429.]]. والمعنى: عبدوها ليمتنعوا بها من عذابي.
قال أبو إسحاق: (﴿لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا﴾ أي: أعوانًا) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 345.]].
وقال الفراء: (ليكونوا له شفعاء في الآخرة) [["معاني القرآن" للفراء 2/ 171.]]. وهذا معنى قول ابن عباس: (ليمنعوهم مني) [[ذكرت كتب التفسير نحوه بدون نسبة.
انظر: "جامع البيان" 16/ 123، "بحر العلوم" 2/ 333، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 148، "مجمع البيان" 5/ 817، "فتح القدير" 3/ 500.]]. وذلك أنهم رجوا منها الشفاعة والنصرة والمنع من عذاب الله، ووحد العز؛ لأنه مصدر وكان من حق هذا المعنى أن يقال: واتخذوا من دون الله آلهة ليعزوا بها أعزة؛ لأنهم رجوا منها العز، ولكن جعلت الآلهة عزًا في اللفظ لحبهم عبادتها وقوة رجائهم في العز بها، فلغلوهم في حبها والطمع في الامتناع بها جعلت هي في اللفظ العز، وإن كانوا إنما يرجون العز بها في الحقيقة كما يقال: السخاء حاتم [[حاتم بن عبد الله بن سعد الطائي، أبو عدي، شاعر جاهلي، اشتهر بالجود والكرم، والخلق والسماحة، ويضرب به المثل في جوده وكرمه، يتميز شعره بذكر السخاء والكرم، والحكم الجاهلية، توفي في السنة الثامنة بعد مولد النبي -ﷺ-. انظر: "الشعر والشعراء" ص 143، "تهذيب تاريخ ابن عساكر" 3/ 424، "الأعلام" 2/ 151، "إنباه الرواة" 3/ 320.]]، والشعر زهير، والشجاعة عنترة، وهو لا يكونون نفس هذه الأحاديث وإنما توجد بهم.
مريم 19:82
قال الله تعالى: ﴿كَلَّا﴾ قال ابن عباس: (يجحدون بعبادتهم) [[ذكرته كتب التفسير بدون نسبة.
انظر: "جامع البيان" 16/ 123 "بحر العلوم" 2/ 333، "معالم التنزيل" 5/ 254، "زاد المسير" 5/ 262، "الكشاف" 2/ 523، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 148، "أنوار التنزيل" 4/ 15.]]. وهذا يحتمل وجهين:
أحدهما: أن العابدين يجحدون أنهم عبدوها، وذلك لما رأوا من سوء عاقبتها [["النكت والعيون" 3/ 389، "المحرر الوجيز" 9/ 531، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 148.]].
الثاني: تجحد الآلهة عبادة المشركين لها، كما قال الله في موضع آخر: ﴿تَبَرَّأْنَا إِلَيْكَ مَا كَانُوا إِيَّانَا يَعْبُدُونَ﴾ [القصص: 63] وذلك أن تلك الآلهة كانت جمادًا لا تعلم العبادة [["جامع البيان" 16/ 123، "المحرر الوجيز" 9/ 531، "معالم التنزيل" 5/ 254، "زاد المسير" 5/ 262، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 148.]]. وقيل معناه: (ما كانوا إيانا يعبدون بأمرنا وإرادتنا) [["جامع البيان" 16/ 123، "التفسير الكبير" 11/ 250.
وقال الشنقيطي في "أضواء البيان" 4/ 388: (والقرينة المرجحة لهذا القول أن الضمير في قوله: ﴿وَيَكُونُونَ﴾ راجع إلى المعبودات، وعليه فرجوع الضمير في ﴿يَكْفُرُونَ﴾ للمعبودات أظهر لانسجام الضمائر بعضها مع البعض، وتفريق الضمائر خلاف الظاهر والعلم عند الله تعالى).]].
وقوله تعالى: ﴿وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾ قال ابن عباس: (يقول أعوانًا) [["جامع البيان" 11/ 236، "المحرر الوجيز" 9/ 532، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 101، "الدر المنثور" 4/ 506.]].
وهو اختيار أبي إسحاق قال: (أي يصيرون أعوانًا عليهم) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 345.]].
وقال مجاهد: (تكون عونًا عليهم) [["جامع البيان" 16/ 124، "النكت والعيون" 3/ 141، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 151، "الدر المنثور" 4/ 506.]]. وهو قول الفراء [["معاني القرآن" للفراء 2/ 172.]]. والمعنى: أن الأصنام التي عبدوها تكون أعوانًا على عابديها يكذبونهم ويلعنونهم ويتبرؤون منهم، وهو معنى قول عكرمة ﴿وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾ قال: (أعداء) [[ذكرته كتب التفسير ونسبته إلى الضحاك.
انظر: "معالم التنزيل" 5/ 254، "النكت والعيون" 3/ 389، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 148.]]. وهذا اللفظ اختيار ابن قتيبة قال في قوله: (ضِدًّا): (أي أعداء يوم القيامة وكانوا في الدنيا أولياءهم) [["تفسير غريب القرآن" 2/ 4.]].
قال الأخفش: (الضَّد يكون واحد أو جماعة مثل الرَّصد والأَرْصَاد، قال: والرَّصَدُ يكون للجماعة) [["معاني القرآن" للأخفش 2/ 628.]]. وروى ثعلب عن الفراء أنه قال: (معناه في التفسير: ويكونون عليهم عونًا) [["معاني القرآن" للفراء 2/ 172، "تهذيب اللغة" (ضد) 2/ 2100.]]. فلذلك وحده، يقال: فلان ضد فلان، إذا كان مخالفًا كالبياض ضد للسواد، فإذا قلت: فلان ضد على فلان، كان المعنى أنه مخالف معاد له.
وروى عن قتادة أنه قال في قوله: ﴿وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾ قال: (قرناء في النار) [["تفسير القرآن" للصنعاني 2/ 12، "جامع البيان" 16/ 124، "النكت والعيون" == 3/ 389، "المحرر الوجيز" 9/ 532، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 151.]].
والصحيح ما عليه الجماعة [[ويشهد لذلك قوله سبحانه: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ (5) وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ [الأحقاف: 5، 6]]]، لقوله: ﴿عَلَيْهِمْ﴾ ولو قال لهم ضدا احتمل ما قاله قتادة؛ لأن الضد قد ورد في اللغة بمعنى مثل الشيء حكاه ابن السكيت عن أبي عمرو [["تهذيب اللغة" (ضد) 2/ 200.]]، فلما قال: ﴿وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾ كان المعنى: أنهم عون عليهم أعداء لهم، ويبعد أن يفسر بالقرناء. قال ابن الأنباري: (ويجوز أن تكون الهاء في عليهم ترجع على الأصنام بتأويل ويكون الكفار على الأصنام ضد؛ لأنه يبيحون بعيبها ويخبرون بعجزها عند البراءة منها) [[ذكر نحوه بلا نسبة "الكشاف" 2/ 423، "البحر المحيط" 6/ 215، "الدر المصون" 7/ 640.]].
مريم 19:83
قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ قال الكلبي: (نزلت في المستهزئين بالقرآن) [["بحر العلوم" 2/ 333.]]. وذكر أبو إسحاق في قوله: ﴿أَرْسَلْنَا﴾ وجهين:
أحدهما: (أن المعنى خلينا الشياطين وإياهم فلم نعصمهم من القبول منهم) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 345.]].
قال أبو علي: (الإرسال يستعمل على معنى التخلية بين المرسل وبين ما يريد وليس يراد به معنى البعث، كما قال الراجز [[لم أهتد إلى قائله. بازلاً: يقال للبعير إذا استكمل السنة الثامنة وطعن في التاسعة وفطر نابه فهو حينئذ بازل، وهو أقصى أسنان البعير، وسميي بازلًا من البزل، ويقال للأنثى بازل وجمعها بوازل. بخبخة البعير: هدير يملأ الفم شقشقته.
انظر: "تهذيب اللغة" (بزل) 1/ 328، "لسان العرب" (بزل) 1/ 276.]]:
أَرْسَلَ فِيْهَا بَازِلًا يَقدمه
وَهُوَ بِهَا بخوا طَرِيْقًا يَعْلَمُه
يريد خلى، يريد: بين الفحل وبن طروقته ولم يمنعه منها. قال فمعنى الآية: خلينا بين الشياطين وبين الكافرين. أي: لم نعصمهم منهم ولم نعذهم، بخلاف المؤمنين الذين قيل فيهم: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَان﴾ [الحجر: 42]، [الإسراء:65] هذا كلام أبي علي في شرح أحد وجهي الإرسال [[لم أقف عليه.]]. وإلى هذا الوجه يذهب القدرية في معنى الآية. وليس المعنى على ما يذهبون إليه [[وقال الشنقيطي -رحمه الله- في "أضواء البيان" 4/ 389: أي: سلطانهم عليهم وقيضناهم لهم وهذا هو الصواب. خلافًا لمن زعم أن المعنى: ﴿أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ﴾ الآية، أي: خلينا بينهم وبينهم، ولم نعصمهم من شرهم. يقال أرسلت البعير أي: خليته.
قال الرازي في "تفسيره" 11/ 251: وقد تعلق المجبرة بذلك لأن عندهم أن ضلال الكافر من قبله تعالى بأن خلق فيهم الكفر وقدر الكفر فلا تأثير لما يكون من الشيطان، وإذا بطل حمل اللفظ في ظاهره فلابد من التأويل فتحمله على أنه تعالى خلى بين الشياطين وبين الكفار وما منعهم من إغوائهم وهذه التخلية تسمى إرسالاً في سعة اللغة، وهذه التخلية وإن كان فيها تشديد للمحنة عليهم فهم متمكنون من أن لا يقبلوا منهم ويكون ثوابهم على ترك القبول أعظم والدليل عليه قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ﴾، == والله تعالى ما أرسل الشياطين إلى الكفار بل أرسلها عليهم والإرسال عليهم هو التسليط لا إرادة أن يصبر مستوليًا عليه ..... وكما خلى بين الشياطين والكفرة فقد خلى بينهم وبين الأنبياء.
انظر: "شرح العقيدة الطحاوية" 1/ 34، "العقيدة الواسطية" ص 58.]].
قال أبو إسحاق: (والوجه الثاني وهو المختار: أنهم أرسلوا عليهم وقيضوا لهم بكفرهم كما قال: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾ [الزخرف: 36]، وكما قال: ﴿وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ﴾ [فصلت: 25] الآية. قال: ومعنى الإرسال هاهنا: التسليط، تقول: قد أرسلت فلانًا علي فلان، إذا سلطته عليه كما قال: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ [الحجر: 42] فأعلم أن من اتبعه هو مسلط عليه) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 345. انظر: "تفسير القرآن العظيم" 3/ 152، "أضواء البيان" 4/ 389.]]. وقد بان بما ذكره أبو إسحاق أن الوجه في معنى الآية هذا.
وقوله تعالى: ﴿تَؤُزُّهُمْ أَزًّا﴾ معنى الأز في اللغة: التحريك والتهييج [[انظر: "تهذيب اللغة" (أز) 1/ 155، "مقاييس اللغة" (أز) 1/ 13، "القاموس المحيط" (أزت) (146)، "الصحاح" (أزز) 3/ 864، "لسان العرب" (أزز) 1/ 72.]]. قاله ابن الأعرابي وأبو عبيدة [["مجاز القرآن" لأبي عبيدة 2/ 11، "تهذيب اللغة" (أز) 1/ 155.]]، وأنشد لرؤبة [[البيت لرؤبة.
التأفيك: من الإفك وهو الكذب. والتحزي: التكهن. والطيخ: الجهل، ويطلق على الكبر.
انظر: "ديوانه" ص 64، "مجاز القرآن" 2/ 11، "الجمهرة" 1/ 17، "تهذيب اللغة" (أز) 1/ 155، "لسان العرب" (أزز) 1/ 72.]]: لاَ يَأْخُذُ التَّأْفِيْكُ والتَّحَزَّي ... فِيْنَا ولاَ طَيْخُ العِدَى ذُو الأَزَّ
ومنه يقال لغليان القدر: الأزيز، وذلك أن الماء يتحرك عند الغليان، ومنه الحديث: (إنه كان لجوفه أزيز كأزيز المرجل من البكاء) [[أخرجه النسائي في "سننه" كتاب الصلاة، باب: البكاء في الصلاة 3/ 13، وأبو داود في "سننه" كتاب الصلاة (157)، والإمام أحمد في "مسنده" 4/ 25 عن مطرق بن عبد الله عن أبيه، وأخرجه ابن ماجة في المقدمة 1/ 3، والطبري في "جامع البيان" 16/ 125، وابن عطية في "المحرر الوجيز" 9/ 532، وذكره القرطبي في "تفسيره" 16/ 150، وذكره ابن حجر في "فتح الباري" 2/ 206، وقال: الحديث رواه أبو داود والنسائي والترمذي في "الشمائل" وإسناده قوي وصححه ابن خزيمة وابن حبان والحاكم، ووهم من زعم أن سلمًا أخرجه.]].
قال أبو عبيدة: (الأزيز الإلتهاب والحركة كالتهاب النار في الحطب، يقال: أُزَّ قِدْرَك، أي: ألهب تحتها النار، وائْتَزَّتِ القدر إذا اشتد غليانها) [["تهذيب اللغة" (أز) 1/ 155.]].
وقال شمر: (أقرأنا ابن الأعرابي عن المفضل: أن لقيم بن لقمان قال لأبيه: اطْبَخْ جَزُورَكَ فَأُزَّ مَاء أو وغَلَّه حَتى ترى الكَرَاديْسَ [[الكَرَادِيس: رؤوس العظام، واحدها: كردوس. ولك عظم تام ضخم فهو كردوس. انظر: "تهذيب اللغة" (كردس) 4/ 3122، "مقاييس اللغة" (الكردوس) 5/ 194، "القاموس المحيط" (الكردوسة) (570)، "اللسان" (كردس) 7/ 3850.]] كأنها رُؤُوس شُيُوخٍ صُلْعٍ، في كلام ذكر) [["تهذيب اللغة" (أز) 1/ 155، "لسان العرب" (أزز) 1/ 72.]].
وقد حصل للأز معنيان، أحدهما: التحريك. والثاني: الإيقاد والإلهاب، وأحدهما قريب من الآخر. وكلام المفسرين غير خارج عن الأصلين، واختلفت عبارات ابن عباس وغيره في تفسير الأَزّ، فقال في رواية الوالبي: (﴿تَؤُزُّهُمْ أَزًّا﴾ أي: تغويهم إغواء) [["جامع البيان" 16/ 125، "النكت والعيون" 3/ 389، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 152، "الجامع لأحكام القرآن" 16/ 150.]]. وهو قول سعيد بن جبير [["الكشف والبيان" 3/ 9 أ.]]، وسفيان [["تفسير القرآن العظيم" 3/ 141.]]، ومجاهد إلا أنه ذكر لفظًا آخر فقال: (تشليهم أشلًا) [["المحرر الوجيز" 9/ 532، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 152، "الدر المنثور" 4/ 507، "أضواء البيان" 4/ 389.]]. وقال في رواية الضحاك: (تحرضهم تحريضًا) [[ذكرت كتب التفسير نحوه بدون نسبة.
انظر: "الكشف والبيان" 3/ 9 أ، "لباب التأويل" 4/ 260، "الدر المنثور" 4/ 507، "روح المعاني" 16/ 134، "فتح القدير" 3/ 501.]]. وقال في رواية عطاء: (تزعجهم إلى المعاصي إزعاجًا) [["الجامع لأحكام القرآن" 16/ 150.]]. وهو قول قتادة [["تفسير القرآن" للصنعاني 2/ 12، "جامع البيان" 16/ 125، "النكت والعيون" 3/ 389 "تفسير القرآن العظيم" 3/ 151، "الدر المنثور" 4/ 507.]]، واختيار أبي إسحاق، وابن قتيبة [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 345، "تفسير غريب القرآن" لابن قتيبة 2/ 4.]].
وروى ميمون بن مهران أن نافع بن الأزرق قال لابن عباس: (أخبرني عن قول الله: ﴿تَؤُزُّهُمْ أَزًّا﴾ قال: توقدهم) [["الدر المنثور" 4/ 507 وعزاه لابن الأنباري.]].
والمعنى أنها تحركهم كما تحرك الماء بالإيقاد تحته، وهذا كما قال الأخفش والمؤرج: (توهجهم وتحركهم) [[ذكرته كتب اللغة بدون نسبة.= انظر: "تهذيب اللغة" (أز) 13/ 280، "مقاييس اللغة" (أز) 1/ 13، "القاموس المحيط" (أزت) ص 502، "لسان العرب" (أزز) 1/ 72، "الصحاح" (أزز) 3/ 864، "تاج العروس" (أزز) 8/ 7.]].
وقال الضحاك: (تأمرهم أمرًا) [["بحر العلوم" 2/ 333، "الكشف والبيان" 3/ 9 أ.]]. وهذا أضعف العبارات.
مريم 19:84
قوله تعالى: ﴿فَلَا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا﴾ أي: بطلب العذاب لهم ﴿إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا﴾ أي: أجلناهم إلى أجل يبلغونه بالعدد. وروي عن ابن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله: ﴿إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا﴾ قال: (أنفاسهم التي [[قوله: (التي)، ساقط من (ص).]] يتنفسون في الدنيا فهي معدودة كستيهم وآجالهم) [["جامع البيان" 16/ 126، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 152، "الدر المنثور" 4/ 517.]]. وقال في رواية عطاء: (يريد الأنفاس) [["زاد المسير" 5/ 262.]]. وقال الكلبي: (﴿إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا﴾ الليالي والأيام والشهور والسنين والساعات) [["النكت والعيون" 3/ 389، "معالم التنزيل" 5/ 255 "الجامع لأحكام القرآن" 16/ 150.]]. والمعنى: أنا لم نغفل عنهم نعد لهم هذه الأشياء إلى الأجل الذي أجلنا لعذابهم، وهذا من أبلغ الوعيد. ومثله: كقول عمرو بن معد يكرب في الوعيد والتهديد [[لم أهتد إليه.]]:
أَغْنَى عَنَا المَيْتِين ... أَعُدُّ الأَعْدَاء عَدًا
قيل في تفسيره: أعدا أنفاسهم لأنتهز الفرصة في الإيقاع بهم. والمعنى: لا أغفلهم، وهذا مأخوذ من الآية.
مريم 19:85
وقوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ﴾ أي: اذكر لهم يا محمد هذا اليوم الذي يجمع فيه من اتقى الله في الدنيا بطاعته واجتناب معاصيه إلى الجنة، هذا معنى قوله: ﴿إِلَى الرَّحْمَنِ﴾ أي: إلى جنته ومحل كرامته، قاله قتادة [["تفسير القرآن" للصنعاني 2/ 13، "جامع البيان" 16/ 126، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 152، "الدر المنثور" 4/ 508.]]. ﴿وَفدًا﴾ قال الفراء، والأصمعي (﴿وَفدًا﴾ الوَفْدُ، يَفِدُ، وَفْدًا، وَوِفَادَةً، وَوُفُودًا إذا خرج إلى ملك وأمير في فتح أوامر، ويقال: وَفَّدَ الأمير إلى الذي فوقه وأَوْفَدَ) [["تهذيب اللغة" (وفد) 4/ 3925، "تاج العروس" (وفد) 5/ 322.]].
قال الفراء: (والوَفْدُ اسم الوَافدِين كما قالوا: صوم وفطر وزور) [[ذكرت كتب اللغة نحوه.
انظر: "تهذيب اللغة" (وفد) 4/ 3925، "تاج العروس" (وفد) 5/ 322، "لسان العرب" (وفد) 8/ 4881.]]. وقال ابن قتيبة: (الوَفْدُ جمع الوَافِدِ، كما يقال: رَاكِب ورَكْب، وصَاحِب وصَحْب) [["تفسير غريب القرآن" لابن قتيبة 2/ 4.]]. قال ابن عباس في رواية الوالبي: (وفدا: ركبانًا) [["جامع البيان" 16/ 127، "معالم التنزيل" 5/ 255، "زاد المسير" 5/ 263، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 152، "الدر المنثور" 4/ 508.]]. وقال أبو هريرة: (على الإبل) [["جامع البيان" 16/ 127، "معالم التنزيل" 5/ 255،"تفسير القرآن العظيم" 3/ 152، "الدر المنثور" 4/ 508.]].
وقال سفيان: (على النوق) [["جامع البيان" 16/ 127، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 152، "أضواء البيان" 4/ 391.]]. وجمع ابن عباس في رواية عطاء بين هذه الأقوال فقال: (من كان يحب ركوب الخيل وفد إلى الله على خيل، لا تَرُوث، ولا تبول، لَجْمُها [[لَجْمَة الدابة: موقع اللجَام من وجهها. واللَّجَام: حبل أو عصا تدخل في فم الدابة وتلزق إلى قفاه.
انظر: "تهذيب اللغة" (لجم) 4/ 3238، "الصحاح" (لجم) 5/ 2027، "لسان العرب" (لجم) 7/ 4001.]] من الياقوت [[اليَاقُوت: حجر من الأحجار الكريمة، وهو أكثر المعادن صلابة بعد الماس. ويستعمل للزينة. وهو فاعول الواحدة ياقوتة والجمع اليواقيت. انظر: "الصحاح" (يقت) 1/ 271، "المعجم الوسيط" (الياقوت) 2/ 1065، "لسان العرب" (يقت) 8/ 4964.]] الأحمر، ومن الزَّبَرْجَد [[الزَّبَرْجد: حجر كريم يشبه الزمرد، ويستعمل للزينة، وهو من الجواهر المعروفة. انظر: "تهذيب اللغة" (زبرجد) 2/ 1508، "لسان العرب" (زبرجد) 3/ 1806، "المعجم الوسيط" (الزبرجد) 1/ 388، "مختار الصحاح" (الزبرجد) ص 113.]] الأخضر، ومن الدّر [[الدُّر: العظام من اللؤلؤ، الواحدة درة، ومنه الكوكب الدري نسبة إلى الدر في صفائه وحسنه.
انظر: "تهذيب اللغة" (درر) 2/ 1172، "مقاييس اللغة" (در) 2/ 255، "لسان العرب" (درأ) 3/ 1347، "القاموس المحيط" (الدر) ص 391.]] الأبيض وسُرُوحُهَا [[السَّرِيْح: السير الذي تشد به الخدمة فوق الرسغ، والسرائح والسرح: نعال الإبل، وقيل سيور نعالها كل سير منها سريحة
انظر: "تهذيب اللغة" (سرح) 2/ 1665، "القاموس المحيط" (السرح) 1/ 223، "لسان العرب" (سرح) 4/ 1984.]] من السندس [[السُّندس: رقيق الديباج ورفيعه. والاستبرق: غليظ الديباج.
انظر: "تهذيب اللغة" (سندس) 2/ 1772، "القاموس المحيط" (السندس) ص 551، "لسان العرب" (سندس) 4/ 2117، "المعجم الوسيط" (السندس) 1/ 454.]]، ومن كان يحب ركوب الإبل فعلى نَجَائِب [[النَّجِيْبُ من الإبل: القوي منها، الخفيف السريع.
انظر: "تهذيب اللغة" (نجب) 4/ 3511، "القاموس المحيط" (النجيب) ص 136، "لسان العرب" (نجب) 7/ 4342، "مختار الصحاح" (نجب) ص 269.]] لا تبعر ولا تبول، أَزِمَّتُها [[الزَّمَام: الخيط الذي يشد في البرة، أو في الخشاش ثم يشد في طرفه المقود، وزَمَمْتُ البعير: خطمته.
انظر: "تهذيب اللغة" (زم) 2/ 1559، "الصحاح" (زمم) 5/ 1944، "لسان العرب" (زمم) 3/ 1865، "المعجم الوسيط" (الزمام) 1/ 401.]] الياقوت والزبرجد، ومن كان يحب ركوب السفن فعلى سفن من زبرجد وياقوت قد أمنوا الغرق وأمنوا الأهوال) [["الجامع لأحكام القرآن" 11/ 151.]]
وقال أهل اللغة: (الوفد: الركبان المكرمون) [["معاني القرآن" للفراء 2/ 172، "معاني القرآن" للزجاج 3/ 346، "تهذيب اللغة" (وفد) 4/ 3925.]].
وإلى هذا ذهب الربيع بن أنس فقال في قوله: ﴿وَفْدًا﴾ قال: (يُحيَّون ويعطون ويكرمون ويشفعون) [["بحر العلوم" 2/ 33، "الكشف والبيان" 3/ 13 أ، "الدر المنثور" 4/ 508.]].
قال صاحب النظم: (هذا من باب الإيماء بالشيء إلى الشيء؛ لأن قوله: ﴿وَفدًا﴾ دليل على أنهم يثابون ويجزون؛ لأن الوفد هم الرسل يقدمون على الملوك بالصلح وبالفتوح والبشارات فهم يتوقعون الجوائز، وكذلك أهل الجنة بهذه الحال) [[ذكر نحوه الزمخشري في "الكشاف" 2/ 423 بلا نسبة، وكذلك أبو حيان في "البحر المحيط" 6/ 216.]].
وقال أصحاب العربية: (اسم الوفد لا يقع إلا على الركبان؛ لأن اشتقاقه من قولهم أوفد على الشيء إذا أشرف عليه، وأنشدوا [[لم أهتد إلى قائله. ورود البيت في كتب اللغة والمعاجم.
العِلاَفَّي: هو الرجل المنسوب إلى علاف، رجل من الأزد وهو زبان أبو جرم من قضاعة كان يصنع الرحال، وقيل هو أول من عملها فقيل لها علافية لذلك.
انظر: "تهذيب اللغة" (وفد) 4/ 3925، "لسان العرب" (وفد) 8/ 4881.]]:
تَرَى العِلاَفِيَّ عَلَيْهَا مُوْفَدًا ... كَأَنَّ بُرْجًا فَوْقَهَا مُشَيَّدَا
ويقال: رأيت فلانًا مسْتَوْفِدًا إذا قعد منتصبًا غير مطمئن. فهذا الاسم من حيث الاشتقاق يدل على أنه يقع على الركبان؛ لأنهم أشرفوا علي مركوبهم) [[انظر: "تهذيب اللغة" (وفد) 4/ 3925، "مقاييس اللغة" (وفد) 6/ 129، "الصحاح" (وفد) 2/ 553، "لسان العرب" (وفد) 8/ 4881، "المفردات في غريب القرآن" (وفد) ص 528.]].
ويدل على صحة هذا ما روي عن علي -رضي الله عنه- أنه قال: (لما نزلت هذه الآية قلت: يا رسول الله قد رأيت الملوك ووفودهم، فلم أرى وفدًا إلا ركبانًا فما وفد الله؟ الحديث بطوله) [[رواه ابن كثير في "تفسيره" 3/ 141 عن ابن أبي حاتم وقال: وروى ابن أبي حاتم هاهنا حديثًا غريبًا جدًا مرفوعًا عن علي -ثم ذكر الحديث وقال في نهايته- هكذا وقع في هذه الرواية مرفوعًا رويناه في المقدمات من كلام علي رضي الله عنه بنحوه وهو أشبه بالصحة والله أعلم.
وأخرجه السيوطي في "الدر" 4/ 508، وعزاه لابن أبي الدنيا، وابن أبي حاتم، وابن مردويه من طرق عن علي، وذكره القرطبي 11/ 152، والألوسي في "روح المعاني" 16/ 135. وأخرج نحوه ابن أبي شيبة في "مصنفه" كتاب الجنة 12/ 161، والحاكم في "المستدرك" 2/ 377 وصححه، وتعقبه الذهبي لضعف عبد الرحمن بن إسحاق، وأخرج نحوه الإمام أحمد في "مسنده" 1/ 155.]]. ومن حيث العرف يدل على أن هذا الاسم يقع على من يُحيَّا ويكرم كما ذكره صاحب النظم، فإذا معنى الوفد: الركبان المكرمون، كما ذكره أهل اللغة، وهو اختيار أبي إسحاق [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 346.]].
مريم 19:86
قوله تعالى: ﴿وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ﴾ قال ابن عباس في رواية الضحاك: (الكافرين) [[ذكرته كتب التفسير بدون نسبة.
انظر: "جامع البيان" 16/ 127، "معالم التنزيل" 5/ 255، "زاد المسير" 5/ 264، "لباب التأويل" 4/ 260.]] ﴿إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا﴾ قال جماعة أهل التفسير: (عطاشا) [["جامع البيان" 16/ 127، "النكت والعيون" 3/ 390، "المحرر الوجيز" 9/ 535، "معالم التنزيل" 5/ 255، "ابن كثير" 3/ 153، "الدر المنثور" 4/ 509.]]. وزاد أبو عبيدة والفراء، والزجاج: (مشاة) [["معاني القرآن" للفراء 2/ 172، "معاني القرآن" للزجاج 3/ 346.]]. والوُرُوْدُ في اللغة معناه: الجماعة التي تَرِد الماء من طير أو إبل [[انظر: "تهذيب اللغة" (ورد) 4/ 3869، "مقاييس اللغة" (ورد) 6/ 105، "الصحاح" (ورد) 2/ 549، "لسان العرب" (ورد) 8/ 4810، "المفردات في غريب القرآن" (ورد) ص 519.]].
قال ابن السكيت: (الوِرْدُ وُرُوْدُ القوم الماء، والوِرْدُ الماء الذي يُوْرَدُ، والوِرْدُ الإبل الوَارِدَة) [["تهذيب اللغة" (ورد) 4/ 3869، "لسان العرب" (ورد) 8/ 4810]].
قال رؤبة [[البيت لرؤبة. لم ينده: النده الزجر عن كل شيء والطرد عنه بالصياح تقول: ندهت البعير إذا زجرته عون الحوض وغيره.
انظر: "تهذيب اللغة" (ورد) 4/ 3869، "لسان العرب" (ورد) 8/ 4810.]]:
لَوْ دَقَّ وِرْدِي حَوْضَه لَمْ يَنْدَهِ قال صاحب النظم: (هذا من باب الإيماء بالشيء إلى الشيء؛ لأن الوِرْد وُرُوْد الماء، ولا يَرِدُ أحدًا الماء إلا بعد العطش ليشرب، فأوماء بهذا إلى أنهم عطاش يساقون إلى النار) [[ذكرت كتب التفسير نحوه بلا نسبة.
انظر: "الكشاف" 2/ 423، "زاد المسير" 5/ 264، "البحر المحيط" 6/ 217، "روح المعاني" 16/ 136، "لسان العرب" (ورد) 8/ 4810.]]. ومضى الكلام في الورد عند قوله: ﴿وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ﴾ [هود: 98].
مريم 19:87
قوله تعالى: ﴿لَا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَة﴾ أي: لا يملك هؤلاء الكافرون الشفاعة. والمعنى: لا يشفعون ولا يشفع لهم حين يشفع أهل الإيمان بعضهم لبعض وهو قول: ﴿إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ﴾ و ﴿مِّن﴾ في موضع نصب على استثناء ليس من الأول على معنى: لا يملك الشفاعة المجرمون، ثم قال: ﴿عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ على معنى: لكن من اتخذ عند الرحمن عهدًا فإنه يملك الشفاعة [["جامع البيان" 16/ 128، "المحرر الوجيز" 9/ 536، "البحر المحيط" 6/ 217، "معاني القرآن" للزجاج 3/ 346، "إملاء ما من به الرحمن" 1/ 117 "إعراب القرآن" للنحاس 2/ 326.]].
قال ابن عباس في رواية الوالبي: (العهد: شهادة أن لا إله إلا الله، ويتبرأ إلى الله من الحول والقوة، ولا يرجو إلا الله) [["جامع البيان" 16/ 128، "المحرر الوجيز" 11/ 57، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 153، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 154، "الدر المنثور" 4/ 510.]].
ومضى الكلام في تفسير اتخاذ العهد عند قوله: ﴿أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ [مريم: 78].
مريم 19:88
قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا﴾ يعني: اليهود، والنصارى، ومن زعم من المشركين أن الملائكة بنات الله.
مريم 19:89
قال الله تعالى مخاطبًا لهم: ﴿لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا﴾ أي: (عظيمًا)، في قول ابن عباس، وجميع المفسرين [["تفسير القرآن" للصنعاني 2/ 13، "جامع البيان" 16/ 129، "النكت والعيون" 3/ 390، "معالم التنزيل" 5/ 255، "ابن كثير" 3/ 153، "الدر المنثور" 4/ 511.]]. قال الراجز [[لم أهتد إلى قائله. وذكرته كتب التفسير واللغة بدون نسبة.
انظر: "جامع البيان" 16/ 129، "النكت والعيون" 13/ 327، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 19، "مجاز القرآن" 1/ 409، "الدر المصون" 7/ 528، "شواهد الكشاف" ص 130، "لسان العرب" (أمر) 1/ 129.]]:
قَدْ لَقِي الأَعْدَاءُ مِنَّي مُنْكرَا
دَاهِيَةً دَهْيَاءَ إِدًا إِمْرَا
قال الفراء، والزجاج: (يقال: إِدًّا وأَدًّا، وهي قراءة السلمي [[عبد الله بن حبيب بن ربيعة، أبو عبد الرحمن السلمي، من كبار التابعين، ولد في عهد النبي -ﷺ-، ولأبيه صحبة، قرأ القرآن وجوده وعرضه على عثمان، وعلي، وابن مسعود -رضي الله عنهم- وروى عن عدد من الصحابة، توفي -رحمه الله- سنة 74 هـ.
انظر: "طبقات ابن سعد" 6/ 172، "الجرح والتعديل" 5/ 37، "تذكرة الحفاظ" 1/ 58، "غاية المنتهى" 1/ 413، "معرفة القراء الكبار" 1/ 52، "سير أعلام النبلاء" 4/ 267.]] [["جامع البيان" 16/ 129، "المحرر الوجيز" 9/ 540، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 156، "البحر المحيط" 6/ 218، "المحتسب" 2/ 45.]]، وآدّ بوزن: مَاد ومعناه: الشيء العظيم) [["معاني القرآن" للفراء 2/ 173، "معاني القرآن" للزجاج 3/ 346.]]. وأنشد الليث لرؤبة [[البيت لرؤبة. انظر: "تهذيب اللغة" (أد) 1/ 133، "لسان العرب" (أدد) 1/ 43.]]:
وَالإِدَدَ الإِدَادَ وَالعَضَائِلاَ قال: (وواحد الإِدَد إِدَّة، وواحد الأَدَاد أَدّ) [["تهذيب اللغة" (أد) 1/ 133، "لسان العرب" (أدد) 1/ 43.]]. ومعنى الآية: قلتم قولًا عظيمًا.
مريم 19:90
قوله تعالى: ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ﴾ وقرئ: بالياء [[قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر، وعاصم، وحمزة: (تكاد) بالتاء. وقرأ نافع، والكسائي، (يكاد) بالياء.
انظر "السبعة" ص 413، "الحجة" 5/ 213، "التبصرة" ص 257، "النشر" 2/ 319.]]. وكلاهما حسن، وقد تقدم ذلك.
قال أبو علي: (إلحاق علامة التأنيث أحسن؛ لأن الجمع بالألف والتاء في الأصل للجمع القليل، والجمع القليل يشبه الآحاد، وكما أن الأحسن في الآحاد إلحاق العلامة في هذا النحو فكذلك مع الألف والتاء) [["الحجة للقراء السبعة" 5/ 214.]].
وأهل التأويل على أن المعنى ﴿تَكَادُ﴾ هاهنا: تدنو من الانشقاق، كما يقال: كاد يفعل ذلك إذا دنا من أن يفعله. وزعم أبو الحسن الأخفش أن ﴿تَكَادُ﴾ هاهنا معناه: نريد من غير دنو فقال: (هممن به إعظامًا لقول المشركين، ولا يكون من هم بالشيء أن يدنو منه، ألا ترى أن رجلاً لو أراد أن ينال السماء لم يدن من ذلك وقد كانت منه إرادة، ونحو هذا قال في قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُف﴾ [يوسف: 76]، أي: أردنا له) [["معاني القرآن" للأخفش 2/ 627، "الحجة للقراء السبعة" 5/ 215، "البحر المحيط" 6/ 219.]]، وأنشد:
كَادَتْ وَكِدْتُ وَتِلْكَ خَيْرُ إِرَادَةٍ ... لَوْ عَادَ مِنْ لَهْمِ الصَّبَابَةِ مَا مَضَى [[لم أهتد لقائله. وورد البيت في كتب التفسير واللغة. == انظر: "الحجة للقراء السبعة" 5/ 215، "البحر المحيط" 6/ 218، "الدر المصون" 7/ 647، "معاني القرآن" للأخفش 2/ 627، "المحتسب" 2/ 31، "الأضداد" لابن الأنباري ص 97، "لسان العرب" (كيد) 7/ 3966 ..]].
وقوله تعالي: ﴿يَتَفَطَّرْن﴾ وقرئ: ينفطرن [[قرأ أبو بكر عن عاصم، وأبو عمرو، وحمزة، وابن عامر: (ينفطرن) بالنون والتخفيف. وقرأ حفص عن عاصم، وابن كثير، ونافع، والكسائي: (يتفطرن) بالتاء والتشديد.
انظر: "السبعة" ص 413، "الحجة للقراء السبعة" 5/ 214، "التبصرة" ص 257، "العنوان في القراءات" 127.]]. ومعناهما واحد، يقال: انفطر الشيء، وتفطر: إذا تشقق. قال امرئ القيس [[هذا عجز بيت لامرئ القيس يصف فرسه وخروجه إلى الصيد، وصدره:
بَرَهْرَهَةُ رُودَةُ رَخْصَةُ
البَرَهْرَهَة: الرقيقة الجلد وقيل الملساء المترجرجة والرُوْدَة: الرخصة الناعمة، والخُرْعُوْبَة: القضيب الغض، والغض المنثني.
انظر: "ديوانه" ص 69، "تهذيب اللغة" (الخرعبة) 1/ 1014، "لسان العرب" (خرعب) 2/ 1138.]]:
كَخُرْعُوْبَةِ البَانَةِ المُنفَطِرْ
إلا أن انفَطَر مطاوع فَطَر، وتَفَطَّر مطاوع فَطَّر، واختار أبو عبيدة ينفطرن بالنون [["مجاز القرآن" لأي عبيدة 2/ 12، "إعراب القرآن" للنحاس 2/ 328.]]، لقوله: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ﴾ [الانفطار: 1]، وقوله: ﴿السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ﴾ [المزمل: 18].
قال أبو علي: (وهذا لا يدل على ترجيح هذه القراءة؛ لأن ذلك في القيامة لما يريد الله سبحانه من إبادتها وإفنائها. وما في هذه السورة إنما هو لعظم فِرْيتهم وعُتوهم في كفرهم. والمعنيان مختلفان، وتفطر بهذا الموضع أليق من انفطر، لما فيه من معنى المبالغة، لأنه يدل على الكثرة، كما أن فطر يدل على التكثير) [["الحجة للقراء السبعة" 5/ 214.]].
وقوله تعالى: ﴿وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا﴾ تخر: تسقط. وقد مضى الكلام فيه [[عند قوله سبحانه: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا﴾ الآية [الأعراف: 143].]]. والهد: الكسر الشديد والهدم، يقال: هّدَّنِي هذا الأمر وهَدّ ركني [[انظر: "تهذيب اللغة" (هد) 4/ 3728، "مقاييس اللغة" (هد) 6/ 7، "القاموس المحيط" (الهد) ص 328، "الصحاح" (هدد) 2/ 555، "المفردات في غريب القرآن" (هدد) ص 538.]].
قال ابن عباس في رواية الوالبي: (هدما) [["جامع البيان" 16/ 130، "تفسير ابن كثير" 3/ 154، "القرطبي" 11/ 157.]]. وروي عنه: (كسرًا) [["الكشف والبيان" 3/ 13 ب، وذكره "معالم التنزيل" 5/ 256 بدون نسبة، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 154، "فتح القدير" 3/ 503.]]. وهو قول الفراء [["معاني القرآن" للفراء 2/ 173.]].
وقال أبو عبيدة: (سقوطًا) [["مجاز القرآن" لأبي عبيدة 2/ 12.]]. وهو اختيار القتبي [["تفسير غريب القرآن" 2/ 4.]].
قال المفسرون: (لما قالوا ﴿اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا﴾ اقشعرت الأرض، وشاك الشجر [[صار ذا شوكٍ.]]، وغضبت الملائكة، واستعرت جنهم، وفزعت السموات والأرض والجبال وجميع الخلائق إلا الثقلين) [["المحرر الوجيز" 9/ 539، "معالم التنزيل" 5/ 256، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 154، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 58.]].
قال ابن عباس في رواية عطاء: (فلما كادت السموات أن تنشق، والأرض أن تنشق، والجبال أن تنهد اقشعرت الجبال وما فيها من الأشجار والبحار وما فيها من الحيتان، فصار في الحيتان الشوك، وفي الأشجار الشوك) [["معالم التنزيل" 5/ 256، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 58.]]. هذا كلام المفسرين.
وذهب أهل المعاني: (إلى أن هذا مثل على عادة العرب، وذلك أن العرب كانت إذا سمعت كذبًا ومنكرًا تعاظمته عظمته بالمثل الذي كان عندها عظيمًا فتقول: كادت الأرض تنشق، واظلم على ما بين السماء والأرض، فلما افتروا على الله الكذب ضرب مثل كذبهم بأهول الأشياء وأعظمها) [["المحرر الوجيز" 9/ 541، "الكشاف" 2/ 424، "البحر المحيط" 6/ 218، "التفسير الكبير" 21/ 254، "الحجة للقراء السبعة" 5/ 215.]].
ومما يقرب من هذا قول الشاعر [[لم أهتد إلى قائله. وقد ورد البيت في كتب التفسير.
انظر: "المحرر الوجيز" 9/ 541، "البحر المحيط" 6/ 218، "ورح المعاني" 16/ 141، "الحجة للقراء السبعة" 5/ 216.]]:
أَلَمْ تَرَ صَدْعًا في السَّمَاءِ مُبَيَّنًا ... عَلَى ابْنِ لُبَيْنَى الحَارِثِ بنِ هِشَام
وقول الآخر [[البيت للحارث بن خالد بن العاص.
انظر: "البحر المحيط" 6/ 218، "الحجة للقراء السبعة" 5/ 216، "الاشتقاق" ص 101، "الكامل" 2/ 487، "التصريح" 1/ 212، "لسان العرب" (قثم) 6/ 3534.]]:
وَأَصبَحَ بَطْنُ مَكَّةَ مُقْشَعِرًّا ... كَأَنَّ الأَرْضَ لَيْسَ بِهَا هِشَام وقول آخر [[البيت لجرير، قاله في قصيدة يهجو بها الفرزدق. انظر: "ديوان جرير" ص 270، "الحجة للقراء السبعة" 5/ 216، "البحر المحيط" 6/ 218، "لسان العرب" (حرث) 2/ 821.]]:
لَمَّا أَتَى خَبَرُ الزُّبَيْر تَوَاضَعَتْ ... سُوْرُ المَدِيْنَةِ وَالجِبَالُ الخُشَّعُ
مريم 19:91
قوله تعالى: ﴿أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا﴾ قال الفراء: (أن دعوا، ولأن دعوا وموضع ﴿أَن﴾ نصب بسقوط الخافض) [["معاني القرآن" للفراء 2/ 173.]]. وقال الكسائي: (موضعها خفض) [["معاني القرآن" للفراء 2/ 173، "إعراب القرآن" للنحاس 2/ 328، "الدر المصون" 7/ 648.]]. وهذه المسألة قد تقدمت. ومعنى: دعوا له ولدًا سموًا له ولدًا، وجعلوا له ولدًا. أنشد ابن الأعرابي على هذا [[لم أهتد لقائله.]]:
أَلاَ رُبَّ منْ تَدْعْو صدِيْقًا وَإِنْ تَرَى ... مَقَاَلَته بِالغَيْبِ يَأتِيْكَ مَا يفْرِي
قال: يريد تدعو: تحقق صداقته وتجعله صديقًا.
مريم 19:92
قال الله تعالى: ﴿وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا﴾ أي: لا يليق به اتخاذ الولد؛ لأن اتخاذ الولد يقتضي مجانسة وكل من اتخذ ولدًا اتخذه من جنسه والله تعالى منزه من أن يجانس شيئًا أو يجانسه شيء، محال في وصفه اتخاذ الولد، وقال المفسرون في قوله: ﴿وَمَا يَنْبَغِي﴾ (وما يصلح) [["جامع البيان" 16/ 131، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 154، "زاد المسير" 5/ 265، "فتح القدير" 3/ 503.]]. وهذه اللفظة لا يستعمل منها المصدر والفاعل، وقد استعمل منها الماضي نادرًا
قوله تعالى: ﴿إِنْ كُلُّ﴾ أي: ما كل ﴿مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ﴾ من فيها من الملائكة ﴿الْأَرْضِ﴾ من فيها من الخلق ﴿إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ﴾ إلا يأتيه يوم ﴿عَبْدًا﴾ ذليلًا خاضعًا منقادًا يعني: أن الخلق عبيده، وأن عيسى وعزيرًا من جملة العبيد، وانتصب ﴿عَبْدًا﴾ على الحال ﴿لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا﴾ أي: عرف عددهم ﴿وَعَدَّهُمْ عَدًّا﴾ لا يخفى عليه مبلغ جمعهم، ولا واحد منهم مع كثرتهم ﴿وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا﴾ بلا مال ولا معه شيء من الدنيا [["بحر العلوم" 2/ 334، "زاد المسير" 5/ 265، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 160.]]. وقيل -وهو الصحيح-: (أنه يأتي وحده لا أنصار له ولا أعوان؛ لاشتغال كل واحد بنفسه) [["جامع البيان" 16/ 132، "معالم التنزيل" 257/ 5، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 154.]].
مريم 19:96
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾ أي: يجعلهم يحب بعضهم بعضًا، فيتراحمون ويتعاطفون بما جعل الله لبعضهم في قلوب بعض.
قال ابن عباس: (يحبهم ويحببهم إلى المؤمنين) [["تفسير القرآن" للصنعاني 2/ 14، "جامع البيان" 16/ 132، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 144، "زاد المسير" 5/ 266، "الدر المنثور" 4/ 582.]]. ونحو هذا قال مجاهد، وقتادة [["جامع البيان" 16/ 132، "معالم التنزيل" 5/ 257 "تفسير القرآن العظيم" 3/ 154.]].
وقال هرم بن حيان [[هرم بن حيان الأزدي، العبدي، أحد التابعين روى عن بعض الصحابة مثل عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-، وروى عنه الحسن البصري، اشتهر بكثرة العبادة والزهد.
انظر: "الجرح والتعديل" 9/ 110، "الثقات" لابن حبان 7/ 558، "التاريخ الكبير" 4/ 242، "الطبقات الكبرى" 7/ 102.]]: (ما أقبل عبد بقلبه إلى الله إلا أقبل الله بقلوب المؤمنين إليه، حتى يرزقه محبتهم ومودتهم ورحمتهم) [["جامع البيان" 16/ 133 "تفسير القرآن العظيم" 3/ 154 "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 161.]]. وقال بعضهم: (يجعل لهم في قلوب الملائكة ودا ثم في قلوب العباد) [["الجامع لأحكام القرآن" 11/ 161، "البحر المحيط" 6/ 220، "التفسير الكبير" 21/ 256.]].
وهذا مروي عن النبي -ﷺ- في حديث أبي هريرة قال: "إذا أحب الله عبدًا نادى جبريل إني قد أحببت فلانًا فأحبه، قال: فينادي في السماء، ثم تنول له المحبة في أهل الأرض" [[أخرجه البخاري في بدء الخلق، باب ذكر الملائكة 6/ 303، ومسلم في البر والصلة، باب: إذا أحب الله عبدًا حببه إلى عباده 4/ 2030، والإمام أحمد في "مسنده" 92/ 267، وانظر: ابن كثير 3/ 154، و"الدر المنثور" 4/ 513.]]. فذلك قول الله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ الآية. قال عطاء عن ابن عباس: (نزلت الآية في عبد الرحمن بن عوف جعل الله له في قلوب العباد المودة لا يلقاه مؤمن إلى وقره، ولا مشرك ولا منافق إلا عظمه) [["القرطبي" 11/ 161، وذكره نحوه "جامع البيان" 6/ 133، وابن كثير 3/ 154، وقال: روي أن هذه الآية نزلت في هجرة عبد الرحمن بن عوف وهو خطأ فإن هذه السورة بكاملها مكية لم ينزل منها شيء بعد الهجرة ولم يصح سند ذلك والله أعلم. انظر في "لباب النقول في أسباب النزول" للسيوطي ص 146، "جامع النقول في أسباب النزول" ص 214.]].
وعلى هذا القول قال ابن الأنباري: (سمي الواحد باسم الجمع لدخول من فعل مثل فعله في مثل وصفه وحسن جزائه) [[ذكر نحوه في "المذكر والمؤنث" ص671.]].
مريم 19:97
قوله تعالى: ﴿فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ﴾ أي: هوناه وأنزلناه بلغتك ليسهل عليك الإبلاغ ﴿لِتُبَشِّرَ بِه﴾ أي: بالقرآن من أطاعك ﴿وَتُنْذِر﴾ من عصاك. وقال الكلبي: (هوناه على لسانك) [[ذكرت نحوه كتب التفسير بدون نسبة.
انظر "بحر العلوم" 2/ 334، "معالم التنزيل" 5/ 258، "زاد المسير" 5/ 266، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 162، "لباب التأويل" 4/ 262.]]. وعلى هذا لم يرد باللسان اللغة.
وقوله تعالى ﴿قَوْمًا لُدًّا﴾ قال أبو صالح [[هو باذام الهاشمي، مولى أم هانئ بنت أبي طالب.، تقدم]]: (عوجًا عن الحق) [["تفسير القرآن العظيم" 3/ 155، "البحر المحيط" 6/ 221، "روح المعاني" 16/ 144، "تفسير سفيان الثوري" ص 190.]].
وقال مجاهد: (لا يستقيمون) [["جامع البيان" 16/ 132، "معالم التنزيل" 5/ 258، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 155، "الدر المنثور" 4/ 513.]]. وقال قتادة: (جدلًا بالباطل) [["تفسير القرآن" للصنعاني 2/ 14، "جامع البيان" 16/ 132، "النكت والعيون" 3/ 391، "الدر المنثور" 4/ 513.]].
وذكرنا الكلام في هذا الحرف عند قوله: ﴿أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾ [البقرة: 204]. وروي عن الحسن أنه قال في "تفسيره": (صما) [["جامع البيان" 16/ 135، "معالم التنزيل" 5/ 258، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 155، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 162، "الدر المنثور" 4/ 513.]]. وزاد الربيع بيانًا فقال: (صم آذان القلوب) [["الجامع لأحكام القرآن" 11/ 162، "الكشف والبيان" 3/ 14 ب، وذكره ابن == كثير في "تفسيره" 3/ 155 بدون نسبة.]].
وهذه الأقوال كلها معنى وليس بتفسير. والتفسير قول قتادة، وذلك أن خصومتهم بالباطل إنما هو بصمم قلوبهم، ولو فهموا ما أتى به الي النبى -ﷺ- لتركوا جدالهم، فإذا الصمم وغير ذلك مما ذكرنا من قول المفسرين معاني اللدّ لا تفسيره.
قال ابن الأنباري: (وخص اللد بالإنذار؛ لأنهم إذا قامت عليه الحجة صار غيرهم لاحقًا بهم من أجل أن الذي لا عناد عنده يسرع انقياده، فالمقصود بالإنذار هؤلاء اللد المخاصمون) [[ذكر نحوه الزمخشري في "الكشاف" 2/ 426، والقرطبي 11/ 162.]].
قوله تعالى: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ﴾ يعني: قبل القوم اللد وهم قريش، وهذا تخويف لهم بالإهلاك.
وقوله تعالى: ﴿هَلْ تُحِسُّ مِنْهُم﴾ أي: هل ترى من الذين أهلكناهم ﴿مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا﴾ أي: (صوتًا). قاله ابن عباس والمفسرون [["جامع البيان" 16/ 135، "النكت والعيون" 3/ 391، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 155 "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 162، "الدر المنثور" 4/ 514.]]. وقال زيد: (حسا) [["جامع البيان" 16/ 135، "النكت والعيون" 3/ 391،"الجامع لأحكام القرآن" 11/ 162.]]. وقال أهل اللغة: (الركز: الصوت الخفي) [[انظر (ركز) في "تهذيب اللغة" 2/ 1459، "القاموس المحيط" ص 512، "الصحاح" 3/ 880، "اللسان" 3/ 1717، "المفردات في غريب القرآن" ص 202.]]، وأنشدوا قول لبيد [[البيت للبيد، ذكره في معلقه.
انظر "ديوانه" ص 173، "شرح القصائد العشر" للتبريزى ص 184،"شرح المعلقات السبع" للزوزبي ص 238، "الدر المصون" 7/ 654.]]: وَتَوَجَّسْتُ رِكْزَ الأَنِيْسِ فَرَاعَهَا ... عَنْ ظَهرِ غَيْبٍ وَالأَنِيْسُ سَقَامُهَا
ومضى الكلام في معنى أحس [[عند قوله سبحانه: ﴿فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّه﴾ الآية [آل عمران: 52].]]، وتحقيق معنى الآية: وكم أهلكنا قبلهم من قرن بتكذيب المرسلين يعضهم بهذا، ويلزمهم الاعتبار بمن تقدم من الأمم المكذبة.
طه 20:1
﴿طه﴾ قال ابن عباس في رواية عطاء: (يا رجل، يريد محمدً -ﷺ- [["جامع البيان" 16/ 135، "معالم التنزيل" 5/ 262، "زاد المسير" 5/ 369، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 157، "الدر المنثور" 4/ 516.]]. وهو قول الحسن، وعكرمة، وسعيد بن جبير، والضحاك، وقتادة، وابن أبي نجيح عن مجاهد، والكلبي [["تفسير القرآن" للصنعاني 2/ 14، "جامع البيان" 16/ 135، "الكشف والبيان" 3/ 14 ب، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 157، "الجامع لأحكام القرآن" للقرطبي 11/ 166.]].
قال عكرمة: (هي بلسان الحبشة) [["زاد المسير" 5/ 369، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 166، "الدر المنثور" 4/ 517، "التفسير الكبير" 22/ 3.]].
وقال سعيد بن جبير والضحاك: (بالنبطية) [["جامع البيان" 16/ 135، "النكت والعيون" 3/ 392، "زاد المسير" 5/ 369، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 157، "الدرر المنثور" 4/ 517.]].
وقال قتادة: (بالسريانية) [["جامع البيان" 16/ 135، "معالم التنزيل" 5/ 135، "زاد المسير" 5/ 369، "التفسير الكبير" 3/ 157.]].
وقال الكلبي: (هي بلغة عك) [[عك: بطن اختلف في نسبة، فقال بعضهم: بنو عك بن عدنان بن عبد الله بن الأزد من كهلان من القحطانية. وذهب آخرون إلى أنهم: من العدنانية، وعك أصغر من معد بن عدنان، أبو العدنانية. وقال آخرون: إنه عك بن الديث بن آذر، أخو معد ابن عدنان. حالفوا اليمن، ونزلوا في الأشعريين، وقيل غير ذلك. انظر "أنساب العرب" 328، "الأنساب" للسمعاني 4/ 225، "معجم قبائل العرب" 2/ 802، "التعريف بالأنساب" 125، "معجم البلدان" 4/ 143.]] [["النكت والعيون" 3/ 392، "معالم التنزيل" 5/ 262، "القرطبي" 11/ 165، "البحر المحيط" 6/ 224.]].
وأنشد لشاعرهم [[البيت ليزيد بن المهلهل. انظر: "جامع البيان" 16/ 137، "النكت والعيون" 3/ 392، "المحرر الوجيز" 10/ 2، "الكشاف" 2/ 528،، "القرطبي" 11/ 166، "البحر المحيط" 6/ 224، "أضواء البيان" 4/ 399، "مجمع البيان" 7/ 5.]]:
إِنَّ السّفَاهَة طَه من خَلائِقكُم ... لاَ قَدسَ اللهُ أروَاحَ المَلاَعين
وقال السدي: (يا فلان) [["الكشف والبيان" 3/ 14 ب، "ابن كثير" 3/ 157، "للقرطبي" 11/ 166.]].
وروى خصيف عن مجاهد قال: (هي من فواتح السور) [["بحر العلوم" 2/ 336، "الدر المنثور" 4/ 517، "تفسير سفيان الثوري" 192.]]. وهو اختيار أبي إسحاق [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 349.]].
وقال ابن عباس في رواية الوالبي: (هو قسم أقسم الله به) [["جامع البيان" 16/ 136، "النكت والعيون" 3/ 393، "زاد المسير" 5/ 270، القرطبي "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 166، "الدر المنثور" 4/ 517.]]. وهذا القول اختيار صاحب النظم [[ذكرته كتب التفسير بلا نسبة. انظر: "النكت والعيون" 3/ 393، "زاد المسير" 5/ 270، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 166.]].
وفسر القرظي هذا القسم فقال: (أقسم الله عز وجل بَطوْلِه وهدايته) [["معالم التنزيل" 5/ 262، "زاد المسير" 5/ 270.]].
وقال مقاتل بن حيان: (معناه: طاء الأرض بقدميك، يريد به التهجد) [["معالم التنزيل" 5/ 262، "زاد المسير" 5/ 270، "الكشف والبيان" 3/ 14/ ب.]]. ومال قوم إلى هذا التفسير، واحتجوا بما بعده، وبما ذكر في سبب النزول وهو: (أن النبي -ﷺ- في ابتداء الوحي ربما علق إحدى رجليه في الصلاة تخشعًا وشكرًا، فقيل له: طأها. أي: طاء الأرض برجلك وضعها عليها) [["بحر العلوم" 2/ 336، "المحرر الوجيز" 10/ 2 بدون نسبة،، "الكشاف" 2/ 528، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 157، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 167.]]. وقالوا: أصله طأها من [[في نسخة (س): أمر.]] وطئ الأرض، والهاء كناية عن الأرض ثم لينت الهمزة فقيل: طه.
قال صاحب النظم: (ولو كان الأمر على ما ذهبوا إليه لما كتبت حرفين، ووجه الكتب أربعة أحرف، كمن تكتب الكلام المؤلف) [[لم أقف عليه.]].
وروى الفراء بإسناده: (أن رجلاً قرأ على ابن مسعود: ﴿طه﴾ بالكسر. فقال له الرجل: يا أبا عبد الرحمن أليس إنما أمر أن يطأ قدمه؟ فقال له عبد الله: ﴿طه﴾ هكذا أقرأني رسول الله -ﷺ-) [["معاني القرآن" للفراء 2/ 174، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 168، "الدر المنثور" 4/ 517.]] [[اختلف العلماء في الحروف الهجائية في فواتح السور وما المراد بها إلى أقوال كثيرة. والصواب -والله أعلم- أن علمها إلى الله عز وجل، وهذا ما ذهب إليه أكثر المحققين من المفسرين. قال ابن جرير الطبري في "تفسيره" 1/ 93: (والصواب == من القول عندي في تأويل مفاتيح السور التي هي حروف المعجم: أن الله جل ثناؤه جعلها حروفًا مقطعة، ولم يصل بعضها ببعض فيجعلها كسائر الكلام المتصل الحروف؛ لأنه عز ذكره أراد بلفظه الدلالة بكل حرف منه على معان كثيرة لا على معنى واحد).
وذهب بعض العلماء إلى أن هذه الحروف إنما ذكرت في أوائل السور التي ذكرت فيها بيانًا لإعجاز القرآن، وأن الخلق عاجزون عن معارضته بمثله، هذا مع أنه مركب من هذه الحروف المقطعة التي يتخاطبون بها.
وقال الشوكاني -رحمه الله- في "فتح القدير" 3/ 464: (وكما وقع الخلاف في هذا وأمثاله بين الصحابة وقع بين من بعدهم، ولي يصح مرفوعًا في ذلك شيء، ومن روي عنه من الصحابة في ذلك شيء فقد روي عن غيره ما يخالفه، وقد يروى عن الصحابي نفسه التفاسير المتخالفة المتناقضة في هذه الفواتح، فلا يقوم شيء من ذلك حجة، بل الحق الوقف ورد العلم في مثلها إلى الله سبحانه).
وقال الدكتور محمد صالح في كتابه "تفسير سورة الرعد" ص 43 بعد أن ذكر بعض الأقوال: (ولكن الأقوال المحكية، والنقول المروية لا تصح نقلاً، ولا تسلم عقلاً، فالله أعلم بحقيقة المراد).
انظر "المحرر الوجيز" 1/ 138، "الجامع لأحكام القرآن" 1/ 154، "تفسير القرآن العظيم" 1/ 38، "التفسير الكبير" 2/ 5، "التحرير والتنوير" 1/ 206، أضواء البيان 4/ 399، "تأويل مشكل القرآن" لابن قتيبة 299.]].
فلو كان المعنى كما ذهبوا إليه ما أنكر ابن مسعود قراءة من قرأ: ﴿طه﴾ بإسكان الهاء [[قراء الحسن: (طه) بسكون الهاء من غير ألف قبلها. انظر: "القراءات الشاذة" للقاضي ص 66، "إتخاف فضلاء البشر" ص 301.]]. وأصله: طأ بالهمز فأبدلت منها الهاء، كما قالوا: هياك وهرقت، في إياك، وأرقت، ويجوز أن يكون الأصل طا من وطي على ترك الهمز، ثم أثبتت الهاء فيها للوقف، والوجهان ذكرهما أبو إسحاق [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 349.]]. وهذه قراءة شاذة لا يقرأ بها.
قال ابن الأنباري: (وجه قول من قال: إن ﴿طه﴾ لغة غير العرب، أن لغة قريش وافقت تلك اللغة في هذا المعنى من جهة اتفاق اللغتين؛ لأن الله تعالى لم يخاطب نبيه -ﷺ- بلسان غير قريش) [["زاد المسير" 5/ 269، "روح المعاني" 16/ 148، "فتح القدير" 3/ 508.]].
فمن بني ﴿طه﴾ على يا رجل قال: موضعه رفع بالنداء المفرد. ووجه قول من قال: إنه قسم أن التأويل: وحق طه وحق حروف المعجم التي نزل القرآن بها، وأثنى على الباري وسبح ومجد بما انتظم من كلمها، وموضعه خفض بإضمار واو القسم، أو نصب على أنه حلت محل: حقًا ويقينًا، ويمينًا صادقة، وحلفًا بارًا. وقول من قال: إنه من فواتح السور أن يصرف طه إلى مثل ألا في افتتاح الكلام حين يقال: ألا إن عبد الله مقيم [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 2/ 174، "معاني القرآن" للزجاج 3/ 349، "إملاء ما من به الرحمن" 1/ 118، "البحر المحيط" 6/ 224.]].
طه 20:2
قوله تعالى: ﴿مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى﴾ أي: لتتعب وتبلغ من الجهد ما بلغت. قال أبو إسحاق: (أي لتصلي على إحدى رجليك فيشتد عليك) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 349.]].
قال الكلبي: (لما نزل على رسول الله -ﷺ- الوحي بمكة اجتهد في العبادة واشتدت عبادته، فأمره الله أن يخفف على نفسه، وذكر له أنه ما أنزل عليه الوحي ليتعب كل ذلك التعب، وكان بعد نزول هذه الآية ينام بعض الليل ويصلي بعضه) [["معالم التنزيل" 5/ 263، "القرطبي" 11/ 167 "الكشف والبيان" 3/ 15 أ.]].
وذكر مقاتل في سبب النزول غير هذا وهو أنه قال: (قال أبو جهل والمشركون للنبي -ﷺ-: إنك لتشقى بترك دنيا، وذلك لما رأوا من جهده وطول عبادته، فأنزل الله هذه الآية جوابًا للمشركين) [["الجامع لأحكام القرآن" 11/ 168،"التفسير الكبير" 22/ 3، "روح المعاني" 16/ 149، "تفسير مقاتل" ص 2.]].
طه 20:3
قوله تعالى: ﴿إِلَّا تَذْكِرَةً﴾ قال الفراء: (نصبها على قوله: ما أنزلناه إلا تذكرة) [["معاني القرآن" للفراء 2/ 174.]]. فأضمر ما أنزلناه لدلالة ما قبله عليه. قال المبرد: (لكن تذكرة أي: لكن أنزلناه تذكرة، كقوله تعالى: ﴿وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى (19) إِلَّا ابْتِغَاءَ﴾ [الليل:19 - 20]، أي: لكن فعله ابتغاء وجه ربه) [[ذكره الطبري في "تفسيره" 7/ 5، وذكرته كتب التفسير بدون نسبة. انظر: "المحرر الوجيز" 10/ 3، "إملاء ما من به الرحمن" 1/ 118،"روح المعاني" 16/ 151، "فتح القدير" 3/ 509.]].
وقال صاحب النظم: (﴿إِلّا﴾ هاهنا بمعنى بل، المعنى: بل أنزلناه تذكرة) [[ذكره بلا نسبة "إملاء ما من به الرحمن" 1/ 118، "الكشاف" 2/ 529، "البحر المحيط" 6/ 225.]]. وهذا أضعف الوجوه. ومعنى الآية: أنزلنا القرآن لتذكر به من يخشى الله، والتذكرة مصدر كالتذكير.
طه 20:4
قوله تعالى: ﴿تَنْزِيلًا﴾ قال الزجاج: (المعنى أنزلناه تنزيلًا) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 350.]]. فعلى هذا ينتصب على المصدر، وأنزلنا ونزلنا بمعنى واحد، فهو من باب المصدر على غير الصدر.
وقال المبرد: (تنزيلًا بدل من تذكرة) [[ذكرته كتب التفسير بدون نسبة.= انظر: "زاد المسير" 5/ 270، "التفسير الكبير" 22/ 5، "روح المعاني" 16/ 151.]].
وقال ابن الأنباري: (معناه نزلناه تنزيلًا) [[انظر المراجع السابقة.]]. فأكد المصدر فعلًا أتى الكلام السابق بتأويله، كما قال الهذلي [[البيت لأبي كبير الهذلي.
المِحْمَلُ: مِحْمَلُ السيف. ويريد الشاعر: أنه إذا اضطجع لم يمس الأرض إلا منكبه وحرف ساقه، لأنه خميص البطن فلا يصيب بطنه الأرض. انظر: "شرح أشعار الهذليين" 3/ 1074، "خزانة الأدب" 8/ 194، "شرح أبيات سيبويه" 1/ 324، "شرح شواهد الإيضاح" ص 147، "الشعر والشعراء" ص 447، "المقاصد النحوية" 3/ 54.]]:
مَا إِنْ يَمَسُّ الأَرْضَ إِلاَ مَنْكِبٌ ... مِنْهُ وَحَرْفُ السَّاقِ طَيَّ المِحْمَلِ
نصب طي على المصدر من غير أن يذكر فعله؛ لأن ما تقدم من الكلام يدل على طوى، ومثله قول امرئ القيس [[البيت لامرئ القيس في معلقته.
الغبيط: أكمة قد إنخفض وسطها وارتفع طرفاها، وسميت غبيطًا تشبيهًا بغبيط البعير، ويقال: إن صحراء الغبيط هي أرض بني يربوع. والبِعَاع: الثقل. ونزول اليماني: أي: نزول التاجر اليماني. العِيَاب: جمع عيبة الثياب. انظر: "ديوان امرئ القيس" ص 62، "شرح القصائد العشر" للتبريزي ص 71، "شرح المعلقات السبع" للزورني ص 59، "الخصائص" لابن جني 2/ 126.]]:
وأَلْقَى بِصَحْرَاءِ الغَبِيطِ بِقَاعَه ... نُزُولَ اليَمَانِي ذِي العِيَابِ المُحَمَّلِ
وقوله تعالى: ﴿مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَى﴾ قال ابن عباس: (أخبر بعظمته وجلاله) [[ذكرت كتب التفسير نحوه بدون نسبة.
انظر: "القرطبي" 11/ 169، "البحر المحيط" 6/ 226، "أنوار التنزيل" 4/ 18.]].
قال أبو إسحاق: (العلى جمع العليا، كما يقال: الكبرى والكبر) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 350.]]. قال المبرد: (وهو مثل ظُلْمَة وظُلَم، ورُكْبَة ورُكَب، وكذلك العُلْيَا والعُلَى، والدُنْيَا والدُنَى، فالألف بحذاء الهاء للتأنيث) [[أورد نحوه بلا نسبة العبكري في "إملاء ما من به الرحمن" 1/ 118، والقرطبي في "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 169، والألوسي في "روح المعاني" 16/ 152.]].
طه 20:5
قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنِ﴾ قال الأخفش: (هو الرحمن) [["معاني القرآن" للأخفش 2/ 629.]]. [قال المبرد: (﴿الرَّحْمَنِ﴾ مرفوع على خبر المبتدأ المضمر) [[انظر: "الكشاف" 2/ 529، "البحر المحيط" 6/ 226، "فتح القدير" 3/ 509.]]. لأنه لما قال: ﴿تَنْزِيلًا مِمَّنْ خَلَق﴾ بينه فكأنه قال: هو الرحمن] [[ما بين المعقوفين ساقط من نسخة: (ص).]]، كقوله: ﴿بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكُمُ النَّار﴾ [الحج: 72]، المعنى ففي النار.
قوله تعالى: ﴿عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ قال كثير من أهل التأويل: استوى معناه استولى [[تفسير الاستواء بالاستعلاء قول المعتزلة والجهمية والحرورية قالوا: إن استوى بمعنى استولى وملك وقهر. قال أبو الحسن الأشعري في "الإبانة عن أصول الديانة" ص 49: (فلو كان الله مستويًا على العرش بمعنى الاستيلاء، وهو عز وجل مستول على الأشياء كلها، لكان مستويًا على العرش وعلى الأرض وعلى السماء .. لأنه قادر على الأشياء مستول عليها .. ، لم يجز أن يكون الاستواء على العرش: الاستيلاء الذي هو عام في الأشياء كلها، ووجب أن يكون معناه استواء يخص العرش دون الأشياء كلها).
وقال ابن تيمية -رحمه الله- في "مجموعة الفتاوى" 5/ 144، في الرد على من فسر ﴿اسْتَوَى﴾ بـ (استولى): (ومن تلك الوجوه أنه لم يرد عن أحد من الصحابة ولا التابعين لهم، بل تفسير حدث من المبتدعة بعدهم، ثم هو ضعيف لغة).]].
وقد بينا استقصاء هذا عند قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء﴾ [[سورة البقرة: (29). وانظر تعليق المحقق عليه.]].
وأخبرني العروضي عن الأزهري عن المنذري قال: (سئل أحمد بن يحيى عن قول الله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ فقال: الاستواء الإقبال على الشيء) [["تهذيب اللغة" (سواء) 2/ 1794.]].
وقال الأخفش: (استوى أي علا تقول: استويت فوق الدابة وعلى ظهر البيت أي علوته) [["معاني القرآن" للأخفش 2/ 631، "تهذيب اللغة" (سواء) 2/ 1794.]]. ونحو هذا قال أبو عبيدة [["مجاز القرآن" لأبي عبيدة 2/ 15.]]. وعلى هذا التفسير معنى الآية: أنه عز وجل علا على العرش بقدرته وقوته، وخص العرش بالذكر؛ لأنه أعظم المخلوقات. وعامة السلف أعرضوا عن الكلام في هذه الآية ونظائرها وذلك طريقة مالك، والشافعي، والأوزاعي، والثوري رحمهم الله [[إن أريد إعراضهم عن معانيها؛ فهذا قول المفوضة لا قول أهل السنة، فإن أهل السنة يثبتون الأسماء والمعاني والصفات الثابتة اللائقة بالله عز وجل، وأما الإعراض في آيات الصفات فإنما يكون للكيفية فهي التي لا يعلمها إلا الله تعالى، ومثل هذا يقال في معنى الاستواء، فالمنهج السوي أن نثبت لله ما أثبته لنفسه، فهو سبحانه مستو على عرشه عال على خلقه، ولا يلزم لهذا أي: لازم باطل مما يلزم لاستواء المخلوقين.
قال ابن كثير -رحمه الله- في "تفسيره" 2/ 220: (وللناس في هذا المقام مقالات كثرة جدًّا يشير هذا موضع بسطها، وإنما نسلك في هذا المقام مذهب السلف الصالح مالك، والأوزاعي، والثوري، والليث بن سعد، والشافعي، وأحمد وإسحاق بن راهوية وغيرهم من أئمة المسلمين قديمًا وحديثًا وهو: إمرارها كما == جاءت من غير تكييف ولا تشبيه ولا تعطيل فإن الله لا يشبه شيء من خلقه ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾. انظر: "الإبانة عن أصول الديانة" ص 48، "شرح العقيدة الطحاوية" ص 313، "الرسالة التدمرية" ص 81، "مجمع فتاوى شيخ الإسلام" ابن تيمية 5/ 95، "أضواء البيان" 2/ 316.]].
طه 20:6
قوله تعالى: ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ الآية، تأويلها إنه مالك كل شيء ومدبره. وقوله تعالى: ﴿وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ قال المبرد: (يعني الهواء) [[ذكرته كتب التفسير بلا نسبة.
انظر: "التفسير الكبير" 22/ 8، "مجمع البيان" 7/ 5، "روح المعاني" 16/ 161، وقال: ﴿وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ من الموجودات الكائنة في الجو كالهواء، والسحاب، وخلق لا نعلمهم هو سبحانه يعلمهم.]]. ﴿وَمَا تَحْتَ الثَّرَى﴾ الثرى في اللغة معناه: التراب الندي، وثَرَّيْتُ التربة بللتها، ويقال: ثَرِيْتُ الأرضَ ثَرَّى فهي ثَرِيَّةٌ إذا ابتل ترابها بعد الجدوبة، وأَثْرَتْ فهي ثَرِيَّة إذا كثر ثَراها، ويقال: أرض ثَرِيَّةٌ أي ذات ثَرَى، والثَرى يستعمل في أشياء كثيرة يقال: قد بدا ثَرَى الماء من الفرس، وهو حين يندى بعرقه [[انظر: "تهذيب اللغة" (ثرا) 1/ 478، "الصحاح" (ثرا) 6/ 2291، "اللسان" (ثرا) 1/ 479، "المعجم الوسيط" (ثرى) 1/ 95، "مختار الصحاح" (ثرى) ص83.]].
وقال ابن الأعرابي: يقال: فلان قريب الثَّرَى بعِيد النَّبَط للذي يعد ولا وفاء له [["تهذيب اللغة" (ثرا) 1/ 479، "لسان العرب" (ثرا) 1/ 479.]]. ويقال: إِني لأَرَى ثَرَى الغضب في وجه فلان أي: أَثَره، ومنه قول الشاعر [[نسبة في "الأغاني" إلى شبيب بن البرصاء، وذكرته كتب اللغة بدون نسبة. انظر: "تهذيب اللغة" (ثرى) 1/ 479، "لسان العرب" (ثرا) 1/ 479.]]:
وإِنَّي لَتَرَّاكُ الضغَّينَةِ قَدْ أَرَى ... ثَرَاهَا من المَوْلَى فَمَ أَسْتَثْيِرُهَا ويقال: الثَرَى بيني وبين فلان نَد، إذا لم ينقطع ما بينك وبينه، ومنه [[قول: (ومنه)، ساقط من نسخه: (ص).]] قول جرير [[البيت لجرير. انظر: "ديوانه" ص 213، "الصحاح" (ثرى) 6/ 2293، "لسان العرب" (ثرا) 1/ 480.]]:
فَلاَ تُوبِسُوا بَيْنِي وبَيْنَكُمُ الثَّرَى ... فإِنَّ الذِي بَيْنِي وبَيْنَكمُ مُثْرى
والمفسرون يقولون في (الثرى) في هذه الآية: أراد الثرى الذي تحت الصخرة التي عليها الثور الذي تحت الأرض، ولا يعلم ما تحت الثرى إلا الله عز وجل [["الكشف والبيان" 3/ 15 أ، "بحر العلوم" 2/ 336، "النكت والعيون" 3/ 394، "معالم التنزيل" 5/ 263، "زاد المسير" 5/ 270، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 169.
ود ذكر ابن كثير -رحمه الله- في "تفسيره" 3/ 157 بعض هذه الروايات وضعفها وقال غريبة جدًّا، ورفعها فيه نظر.]].
طه 20:7
قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرّ﴾ اختلفوا في وجه هذا النظم، ومعنى الآية، وكان من حق المقابلة أن يقول: وإن أسررت القول فإنه يعلم السر.
فقال المفضل: (﴿وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ﴾ أي: ترفع صوتك بالقراءة ﴿فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرّ وَأخْفَى﴾ فلا تجهد نفسك بالمبالغة في رفع الصوت؛ فإنك وإن لم تجهر [به وأسررته علم ذلك السر) [[ذكرته كتب التفسير بلا نسبة. انظر: "زاد المسير" 5/ 270، "التفسير الكبير" 22/ 8، "الفتوحات الإلهية" 3/ 82، "مجمع البيان" 7/ 6، "فتح القدير" 3/ 510.]].
وقال صاحب النظم: (معناه وإن تجهر بالقول فتظهره] [[ما بين المعقوفين ساقط من نسخة: (س).]] فهو يعلم السر وأخفى منه فكيف الجهر) [[ذكرت نحوه كتب التفسير بلا نسبة. انظر: "المحرر الوجيز" 10/ 5، "البحر المحيط" 6/ 226، "روح المعاني" 16/ 162.]]. وذكر وجهًا آخر وهو: أن يكون في الكلام اختصار على معنى: وإن تجهر بالقول، أو لم تجهر فهو يعلم السر وأخفى منه. أي فما حاجتك إلى الجهر، أي: إن في غير الجهر كفاية لك.
فأما معنى: (السر وأخفى) قال ابن عباس فيما روى عنه سعيد بن جبير: (السر ما علمت أنت مما أسررت في نفسك، وأخفى من السر ما لم يكن بعد وهو كائن) [["جامع البيان" 16/ 140، "معالم التنزيل" 5/ 264، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 170، "الدر المنثور" 4/ 519.]].
وقال في رواية الوالبي: (السر: ما أسر ابن آدم في نفسه، وأخفى: ما خفي على ابن آدم مما هو فاعله قبل أن يعلمه، والله يعلم ذلك كله، فيعلمه فيما مضى من ذلك وما بقي علم واحد) [["معالم التنزيل" 5/ 264، "زاد المسير" 5/ 271، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 170، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 158، "الدر المنثور" 4/ 518.]]. وهو قول مجاهد، وقتادة، وسفيان، والضحاك، وسعيد بن جبير [["تفسير القرآن" للصنعاني 2/ 14 "جامع البيان" 16/ 140 "بحر العلوم" 2/ 336 "النكت والعيون" 3/ 394، "الكشف والبيان" 3/ 15 ب.]]. وأكثرهم قالوا: (السر ما أسره في نفسه، وأخفى: ما لم يحدث به نفسه مما يكون في غد) [["جامع البيان" 16/ 140، "النكت والعيون" 3/ 394، "زاد المسير" 5/ 271، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 170، "الدر المنثور" 4/ 519.]].
وقال عكرمة: (السر: ما حدث به الرجل أهله، وأخفى: ما تكلمت به في نفسك) [["جامع البيان" 16/ 139، "بحر العلوم" 2/ 336، "الكشف والبيان" 3/ 15 ب.]].
وهذا قول الحسن [["معالم التنزيل" 5/ 264، "الكشف والبيان" 3/ 15 ب، "الدر المنثور" 4/ 519.]]. وعلى هذا؛ المراد: وأخفى منه إلا أنه حذف منه للعلم به. قال المفضل: (ومثله قول القائل: الله أكبر، معناه: أكبر من كل شيء) [[لم أقف عليه.]]. وأنشد قول الفرزدق [[البيت للفرزدق. انظر: "ديوانه" 2/ 155، "الأشباه والنظائر" 6/ 50، "خزانة الأدب" 6/ 539، "شرح المفصل" 6/ 97، "المقاصد النحوية" 4/ 42، "لسان العرب" (كبر) 6/ 3808.]]:
إِنَّ الذِي سَمَكَ السَّمَاءَ بَنَى لَنَا ... بَيْتًا دَعَائِمُه أَعَزُّ وأَطْوَلُ
معناه: أعز وأطول من دعائم بيتك، فحذفه للعلم به.
قال المبرد: (لم يقل: وأخفى منه؛ لأنه قد ذكر السر فبان ما يتصل بأخفى، كقولك: فلان كالفيل أو أعظم، والعرب تحذف ما لا يبطل المعنى استخفافًا واختصارًا، ألا تراهم يقولون: أزيد أفضل أم عمرو، وتمام الكلام: أزيد أفضل من عمرو أم عمرو أفضل من زيد) [[ذكره نحوه بدون نسبة الطبرسي في "مجمع البيان" 7/ 6.]].
وقال زيد بن أسلم في قوله: ﴿يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾: (يعلم أسرار العباد، وأخفى سره عنهم فلا يعلم) [["جامع البيان" 16/ 140، "النكت والعيون" 3/ 394، "معالم التنزيل" 4/ 264، "زاد المسير" 5/ 271.]]. فعلى هذا لا يحتاج إلى تقدير محذوف؛ لأن أخفى على هذا القول أَفْعَل من الإخفاء. وعلى القول الأول أفعل من الخفاء، والألف للتفضيل.
وذهب قوم إلى أن (أخفى) هاهنا بمعنى الخفي، وأفعل يأتي في الكلام ولا يراد به التفضيل. كقول الشاعر: تَمَنَّى رِجَالٌ أَنْ أَمُوتَ وإنْ أَمُتْ ... فَتِلْكَ سَبِيلُ لَسْتُ فِيهَا بأَوحَدِ [[البيت لطرفة بن العبد.
انظر: "جامع البيان" 16/ 140، "مجاز القرآن" لأبي عبيدة 2/ 16، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 170.]]
أي: بواحد. وقيل في بيت الفرزدق: إن قوله: أعز وأطول؛ بمعنى: عزيزة طويلة، وهذا قول أبي عبيدة [["مجاز القرآن" لأبي عبيدة 2/ 16.]]. قال ابن الأنباري: (وهذا القول يخالف الآثار، ويبعد متناوله عند أهل النحو، إذ ترتيب أفعل أن لا يعرى من التزيد حتى يقوم بذلك دليل عند الاضطرار والبناء على الأحرف، والأشهر عند أهل الأثر أوجب) [[ذكره نحوه بلا نسبة في "الكشاف" 2/ 162، "المحرر الوجيز" 10/ 6، "البحر المحيط" 6/ 227.]]. والأولى من هذه الأقاويل ما عليه المفسرون [[قال الطبري -رحمه الله- في "تفسيره" 16/ 140: (والصواب من القول في ذلك قول من قال: معناه يعلم السر وأخفى من السر: لأن ذلك هو الظاهر من الكلام، ولو كان معنى ذلك ما تأوله ابن زيد لكان الكلام وأخفى الله سره؛ لأن أخفى فعل واقع متعد إذ كان بمعنى فعل، على ما تأوله ابن زيد، وفي انفراد أخفى من مفعوله والذي يعمل فيه لو كان بمعنى فعل الدليل الواضح على أنه بمعنى أفعل وأن تأويل الكلام: فإنه يعلم السر وأخفى منه، فإذا كان ذلك تأويله فالصواب من القول في معنى (أخفى) من السر أن يقال: هو ما علم الله مما أخفى عن العباد ولم يعلموه مما هو كائن ولما يكن).
وانظر: "تفسير غريب القرآن" لابن قتيبة 2/ 8، "غريب القرآن" لعبد الله بن المبارك ص 243، "المحرر الوجيز" 16/ 6.]].
طه 20:8
قوله تعالى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ قال المبرد: يجوز أن يكون ﴿اللهُ﴾ ابتداء، وخبره ﴿لا إِلَهَ إِلا هُو﴾ ويجوز أن تكون خبر ابتداء على قدير: هو الله لا إله إلا هو، نعت) [[انظر: "إعراب القرآن" للنحاس 2/ 332، "البحر المحيط" 6/ 227، "روح المعاني" 16/ 164 "الفتوحات الإلهية" 3/ 82]]. والمعنى: لا معبود يستحق العبادة غيره. ﴿لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ يعني: التسعة والتسعين التي ورد بها الخبر [[وهو ما أخرجه البخاري عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -ﷺ-: لله تسع وتسعون اسمًا من أحصاها دخل الجنة".
أخرجه البخاري في التوحيد، باب: لله عز وجل مائة اسم غير واحد 8/ 169، ومسلم في الذكر والدعاء، باب: في أسماء الله تعالى 4/ 2062.
والحديث الذي فيه ذكر الأسماء أخرجه ابن ماجه 2/ 1269، والحاكم في "المستدرك" 1/ 16، والبيهقي في "الأسماء والصفات" ص 15، والترمذي 5/ 530، وقال: هذا حديث غريب، وذكر الأسماء ليس له إسناد صحيح.
وقال ابن تيمية -رحمه الله- في "الفتاوى" 6/ 379: (وتعيينها ليس من كلام النبي -ﷺ- باتفاق أهل المعرفة بالحديث، ولم يرد في تعيينها حديث صحيح عن النبي -ﷺ-).
وقال النووي في "شرح مسلم" 7/ 17: (اتفق العلماء على أن هذا الحديث ليس فيه حصر لأسمائه سبحانه وتعالى فليس معناه إنه ليس له أسماء غير هذه التسعة والتسعين، وإنما مقصود الحديث: أن هذه التسعة والتسعين من أحصاها دخل الجنة، فالمراد الإخبار عن دخول الجنة بإحصائها لا الإخبار بحصرها).
انظر: "أحكام القرآن" لابن العربي 2/ 802، "شرح أسماء الله الحسني" للرازي ص 36، "القواعد المثلى" للشيخ محمد بن عثيمين ص 13.]]. والحسنى تأنيث الأحسن، كالكبرى والعليا، ووحدت الحسنى والأسماء جمع؛ لأنها مؤنثه والجماعة توصف بصفة المؤنث الواحد كقوله: ﴿حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَة﴾ [النمل: 60]، و ﴿مَارِبُ أُخْرَى﴾ [طه:18]، كأنها اسم واحد للجميع [["الكشاف" 2/ 530 "البحر المحيط" 6/ 227، "روح المعاني" 16/ 165.]].
طه 20:9
قوله تعالى: ﴿وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى﴾ روى سلمة عن الفراء: (هل [[في (س): (هل قد تكون).]] تكون جحدًا، وتكون خبرًا، قال: وقول الله تعالى: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ﴾ [الإنسان: 1]، من الخبر معناه قد أتى، قال: والجحد أن يقول: وهل يقدر أحد على مثل هذا. قال: ومن الخبر قولك للرجل: هل وعظتك، هل أعطيتك، تقرره بأنك قد وعظته وأعطيته) [["معاني القرآن" للفراء 2/ 213.]]. فعلى هذا قوله ﴿وَهَلْ أَتَاكَ﴾ استفهام يراد به التقرير والخبر. أي: وقد أتاك (حديث موسى).
وقال الكلبي: (لم يكن آتاه حديثه ثم أخبره) [["الجامع لأحكام القرآن" 16/ 171، "التفسير الكبير" 22/ 14.]]. والصحيح أنه استفهام تقرير بمعنى الخبر [["معالم التنزيل" 5/ 264، "البحر المحيط" 6/ 229.]]. وعلى هذا فسره ابن عباس، فقال: (يريد وقد أتاك) [["الجامع لأحكام القرآن" 16/ 171، "التفسير الكبير" 22/ 14، وذكره البغوي في "تفسيره" 5/ 264 بدون نسبة.]].
قال أهل المعاني: (معنى ذكر قصة موسى عليه السلام هاهنا تسلية للنبي -ﷺ- مما ناله من أذى قومه، وتثبيت بالصبر على ذلك، كما صبر أخوه موسى حتى نال الفوز في الدنيا والآخرة) [["الكشاف" 2/ 531، "البحر المحيط" 6/ 229، "التفسير الكبير" 22/ 14، "روح المعاني" 16/ 164.]].
طه 20:10
قوله تعالى: ﴿إِذْ رَأَى نَارًا﴾ قال وهب: (استأذن موسى عليه السلام شعيبًا [[لم يرد دليل صحيح في أن الذي صاهره موسى عليه السلام هو نبي الله شعيب، ولم ينقل عن أحد من الصحابة في ذلك شيء، وقد توسع شيخ الإسلام ابن تيمية في الرد == على من يقول بذلك القول في رسالة جميعها في ذلك ضمن "جامع الرسائل" 1/ 63، وقال فيها: وإن كان الثعلبي قد ذكر أنه شعيب النبي فقد قال ما ليس له به علم وما لم ينقل عن النبي -ﷺ- ولا عن الصحابة ولا عمن يحتج بقوله من علماء المسلمين، وخالف في ذلك ما ثبت عن ابن عباس والحسن البصري مع مخالفته أيضًا لأهل الكتاب فإنهم متفقون على أنه في هو شعيب النبي فإن في التوراة عند اليهود والإنجيل الذي عند النصارى أن اسمه: (يثرون) وليس لشعيب النبي عندهم ذكر في التوراة.]] بالرجوع إلى والديه فأذن له، فخرج بأهله فولد له ابن في الطريق في ليلة شاتية مثلجة، وقد حاد عن الطريق فقدح موسى النار فلم تنور المقدحة شيئًا، فبينما هو في مزاولته ذلك أبصر نارًا من بعيد عن يسار الطريق، فذلك قوله: ﴿إِذْ رَأَى نَارًا﴾) [["جامع البيان" 16/ 142، "زاد المسير" 5/ 272، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 171، "الكشف والبيان" 3/ 16 أ، "الدر المنثور" 4/ 519.]].
وقال عطاء عن ابن عباس: (كان موسى رجلاً غيورًا لا يصحب الرفقة لئلا ترى امرأته، فأخطأ الطريق في ليلة مظلمة فرأى نارًا من بعيد) [["الجامع لأحكام القرآن" 11/ 171، وذكره نحوه البغوي في "تفسيره" 5/ 265، بدون نسبة، وابن عطية في "تفسيره" 10/ 7.]] ﴿فَقَالَ لِأَهْلِهِ﴾ يريد امرأته بنت شعيب ﴿امْكُثُوا﴾ أقيموا مكانكم، الخطاب لامرأته ولكنه خرج على ظاهر لفظ الأهل، فإن الأهل يقع على الجماعة كما يقال: أهل البيت [[انظر: "تهذيب اللغة" (أهل) 1/ 227، "الصحاح" (أهل) 4/ 1628، "القاموس المحيط" (أهل) ص 963.]].
﴿إِنِّي آنَسْتُ نَارًا﴾ قال المبرد: (ويقول الذي يبصر الشيء من بعيد مما تسكن إليه نفسه: آنست كذا أي رأيته لي أنسًا، ويقال: أنس الطائر إذا كان مما يصيد فرأى صيدًا) [[ذكر بلا نسبة في "تهذيب اللغة" (أنس) 1/ 217، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 172، "البحر المحيط" 6/ 230.]].
قال العجاج [[البيت للعجاج.
الخِرْب: ذكر الحبارى، وقيل: هو الحبارى كلها. انظر: "ديوانه" ص 17، "مجاز القرآن" لأبي عبيدة 2/ 287.]]:
أَنَسَ خِرْبَانَ فَضاَءٍ فَانْكَدَرْ
وذكرنا هذا الحرف عند قوله: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا﴾ [النساء: 6]، والأصل فيه ما ذكره المبرد. والمفسرون يقولون: (رأيت وأبصرت) [["النكت والعيون" 3/ 395، "معالم التنزيل" 5/ 265، "المحرر الوجيز" 10/ 8، "الكشاف" 2/ 531، "زاد المسير" 5/ 272.]].
وقوله تعالى: ﴿آتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ﴾ القبس: شعلة من نار يقتبسها من معظم النار [[انظر: "تهذيب اللغة" (قبس) 3/ 2871، "مقاييس اللغة" (قبس) 5/ 48، "الصحاح" (قبس) 3/ 960، "لسان العرب" (قبس) 6/ 3510.]].
قال أبو زيد: (أقبست الرجل علمًا بالألف، وقبسته نارًا إذا جئته بها، فإن كان طلبها قال: أقبسته بالألف) [["تهذيب اللغة" (قبس) 3/ 2871.]].
وقال الكسائي: (أقبسته نارًا وعلمًا سواء، وقد يجوز طرح الألف منهما) [["تهذيب اللغة" (قبس) 3/ 2871، "لسان العرب" (قبس) 6/ 3510.]]. قال المبرد: (والأصل واحدة لأن كلاهما مستضاء به) [[انظر: "الفتوحات الإلهية" 3/ 83، "فتح القدير" 3/ 511.]].
وقوله تعالى: ﴿أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى﴾ قال ابن عباس: (من يدل على الطريق) [["جامع البيان" 16/ 142، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 159، "الدر المنثور" 4/ 519.]] وقال مجاهد: (هاديًا يهدي إلى الطريق) [["جامع البيان" 16/ 143، "الدر المنثور" 4/ 519.]].
قال الفراء: (أراد: هاديًا فذكره بلفظ المصدر) [["معاني القرآن" للفراء 2/ 175.]].
قال الزجاج: (رجاء أن يجد عند النار من يهديه للطريق) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 351.]]. لأن النار لا تخلو من أهل لها وناس عندها. قاله السدي [[ذكرت كتب التفسير نحوه بدون نسبة. انظر: "الكشاف" 2/ 531، "زاد المسير" 5/ 272، "التفسير الكبير" 22/ 15، "مجمع البيان" 7/ 10، "روح المعاني" 5/ 369.]].
طه 20:11
قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَتَاهَا﴾ قال ابن عباس: (لما توجه نحو النار فإذا النار في شجرة عناب، فوقف متعجبًا من حسن ضوء تلك النار، وشدة خضرة تلك الشجرة فلا شدة حر النار تغير حسن خضرة الشجرة ولا كثرة ماء الشجرة يغير حسن ضوء النار، فسمع النداء من الشجرة ﴿يَا مُوسَى﴾) [["بحر العلوم" 2/ 337، "معالم التنزيل" 5/ 511، "القرطبي" 11/ 172.
قال الشنقيطي -رحمه الله- في "أضواء البيان" 4/ 293: (والنداء المذكور في جمغ الآيات المذكورة نداء الله له، فهو كلام الله أسمعه نبيه موسى، ولا يعقل أنه كلام مخلوق ولا كلام خلقه الله في مخلوق كما يزعم بعض الملاحدة الجهلة، فالله هو المتكلم بذلك صراحة لا تحتمل غير ذلك كما هو معلوم عند من له أدنى معرفة بدين الإسلام.
وقال ابن تيمية -رحمه الله- في "العقيدة الواسطية" ص 35: قول أهل السنة في كلام الله أنه صفة من صفاته لم يزل ولا يزال يتكلم بكلام حقيقي بصوت لا يشبه أصوات == المخلوقين وحروف يتكلم بما شاء ومتى ما شاء وكيف شاء وأدلتهم على ذلك كثيرة. وانظر: "شرح العقيدة الطحاوية" 1/ 172، "الفتاوى" لابن تيمية 5/ 52.]].
قال نوف [[قوله: (قال نوف)، ساقط من نسخة: (س).]]: (فلما سمع النداء قال: من أنت الذي تناديني وتدعوني؟ قال: أنا ربك الأعلى فذلك قوله: ﴿إِنِّي أَنَا رَبُّكَ﴾) [["أنوار التنزيل" 4/ 19، "الفتوحات الإلهية" 3/ 84.]]. وقرئ: ﴿أَنِّي﴾ بالفتح [[قرأ ابن كثير المكي، وأبو عمرو البصري: (أَنَّيَ) بفتح الألف والياء.
وقرأ عاصم، وحمزة، والكسائي، ونافع: (إِني) بكسر الألف.
انظر: "السبعة" ص 417، "الحجة للقراء السبعة" 5/ 218، "المبسوط" في القراءات ص 247، "التبصرة" ص 258.]].
قال الزجاج: (من فتح كان المعنى نودي أني أنا ربك. وموضع أن نصب، ومن كسر فالمعنى: نودي، فقال الله له: إني ربك) هذا كلامه [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 351.]] وشرحه أبو علي فقال: (من كسر فلأن هذا الكلام حكاية، كأنه نودي فقيل: يا موسى إني أنا ربك. ومن فتح كان المعنى: نودي بكذا، ونادى قد يوصل بحرف الجر) [["الحجة للقراء السبعة" 5/ 218.]]. قال [[البيت للفرزدق يمدح فيه حمزة بن عبد الله بن الزبير. كما في أخباره في "الأغاني"، وذكرته كتب التفسير واللغة بدون نسبة. انظر: "الحجة للقراء السبعة" 5/ 218، "المحرر الوجيز" 10/ 9، "البحر المحيط" 6/ 230، "خزانة الأدب" 2/ 521، "إيضاح الشعر" للفارسي ص 429، "مجمع البيان" 7/ 7.]]:
نَادَيْتُ باسمِ رَبِيْعةَ بَنِ مُكْدَّمٍ ... أَن المُنَوَّهَ باسْمِهِ المَوْثُوقُ
طه 20:12
وقوله تعالى: ﴿فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ﴾ الخلع: النزع، يقال: خلع ثوبه خلعًا [[انظر: "تهذيب اللغة" (خلع) 1/ 1084، "مقاييس اللغة" (خلع) 2/ 209، "الصحاح" (خلع) 3/ 1205، "مختار الصحاح" (خلع) ص 78.]] والنعل: ما جعلته وقاية لقدميك من الأرض، يقال: نَعِلَ، يَنْعَلُ، فهو نَاعِل، وانْتَعَل بكذا [[انظر: "تهذيب اللغة" (نعل) 4/ 3614، "القاموس المحيط" (نعل) ص 1063، "لسان العرب" (نعل) 7/ 4477، "المفردات في غريب القرآن" (نعل) ص 449.]].
واختلفوا لم أمر بخلع النعل فروى ابن مسعود عن النبي -ﷺ- في هذه الآية قال: "كانتا من جلد حمار ميت" [[أخرجه الترمذي في "جامعه" كتاب اللباس، باب: ما جاء في لبس الصوف 7/ 240، وقال: (حديث غريب، وحميد هو ابن علي الكوفي ... منكر الحديث). وأخرجه مالك في "الموطأ" في ما جاء في الانتعال (795) موقوفًا على كعب الأحبار، وذكره ابن عدي في "الكامل في الضعفاء" 2/ 688، في ترجمة حميد الأعرج، وابن جرير في "تفسيره" 16/ 144، وقال: (في إسناده نظر يجب التثبت فيه). والذهبي في "ميزان الاعتدال" 1/ 614، في ترجمة حميد الأعرج، والحاكم في "المستدرك" 2/ 379، وصححه، وقال الذهبي: (في الإسناد حميد بن قيس كذا وهو خطأ، إنما هو حميد الأعرج الكوفي أحد المتروكين). وأورده ابن حجر في "الكافي" ص 108، والبغوي في "معالم التنزيل" 5/ 266، وابن كثير في "تفسيره" 3/ 159، والسيوطي في "تفسيره" 4/ 522.
وسبب إعلال العلماء لسند هذا الحديث وجود حميد الأعرج فقد ضعفه جمهور العلماء. انظر: "الجرح والتعديل" 3/ 226، "الكامل" لابن عدي 2/ 688، "ميزان الاعتدال" 1/ 614، "تهذيب التهذيب" 3/ 53.]]. وهو [قول علي -رضي الله عنه-، وسفيان، وكعب والأكثرين [["تفسير القرآن" للصنعاني 1/ 14، "جامع البيان" 16/ 144، "النكت والعيون" 3/ 396، "زاد المسير" 5/ 273، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 159.]].
قال الكلبي: (كانت نعلاً، فقيل] [[ما بين المعقوفين ساقط من نسخة (س).]] له: لا تدخل الوادي وهما عليك) [[ذكرت كتب التفسير نحو بدون نسبة. انظر: "الكشف والبيان" 3/ 16 ب، "بحر العلوم" 2/ 337، "الكشاف" 2/ 531، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 173، "التفسير الكبير" 22/ 17.]].
وقال ابن عباس: (يريد: باشر الأرض بقدميك فإنك بواد مقدس) [[ذكرت كتب التفسير نحوه بدون نسبة. انظر: "جامع البيان" 16/ 144، "النكت والعيون" 3/ 396، "معالم التنزيل" 5/ 266، "زاد المسير" 5/ 273، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 173.]]
وقال الحسن: (كانتا من جلد بقرة ذكية، ولكنه أمر بخلعها ليباشر تراب الأرض المقدسة فيناله بركتها) [["جامع البيان" 16/ 144، "زاد المسير" 5/ 273، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 173.]]. وهذا قول سعيد بن جبير، وقتادة، ومجاهد، وابن جريج [["تفسير القرآن" للصنعاني 2/ 14، "جامع البيان" 16/ 144، "النكت والعيون" 3/ 396، "معالم التنزيل" 5/ 266.]].
قال ابن أبي نجيح: (يقول: أفض بقدميك إلى بركة الوادي) [["جامع البيان" 16/ 144.]] [[قال الطبري في "تفسيره" 16/ 144: (وأولى القولين في ذلك بالصواب قول من قال: أمره الله تعالى بخلع نعليه ليباشر بقدميه بركة الوادي إذ كان واديًا مقدسًا، وإنما قلنا ذلك أولى التأويلين بالصواب؛ لأنه لا دلالة في ظاهر التنزيل على أنه أمر بخلعهما من أجل أنهما من جلد حمار، ولا لنجاستهما ولا خبر بذلك عمن يلزم بقوله الحجة، وإن قوله: (إنك بالواد المقدس) يعقبه دليلًا واضحًا على أنه إنما أمره بخلعهما لما ذكرنا، ولو كان الخبر الذي روي عن ابن مسعود صحيحًا لم نعده إلى غيره، ولكن في إسناده نظر يجب التثبت فيه).
وقال الشنقيطي في "أضواء البيان" 4/ 192: (وأظهرها عندي والله تعالى أعلم: == أن الله أمره بخلع نعليه أي: نزعهما من قدميه ليعلمه التواضع لربه حين ناداه، فإن نداء الله لعبده أمر عظيم يستوجب من العبد كمال التواضع والخضوع، والله أعلم).]].
وقوله تعالى: ﴿إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ﴾ أي: المطهر [["جامع البيان" 16/ 145، "بحر العلوم" 2/ 337، "النكت والعيون" 3/ 396، "المحرر الوجيز" 10/ 10.]]. قال ابن عباس في رواية عطاء: (قدسته مرتين) [["النكت والعيون" 3/ 396.]]. وهو قول عكرمة [[ذكرته كتب التفسير بدون نسبة انظر: "الكشف والبيان" 3/ 16 ب، "النكت والعيون" 3/ 396، "جامع البيان" 16/ 145، "معالم التنزيل" 3/ 213، "المحرر الوجيز" 10/ 10، "الكشاف" 2/ 531.]].
وقال في رواية الوالبي: (المقدس المبارك) [["جامع البيان" 16/ 145، "النكت والعيون" 3/ 396.]]. وذكرنا الكلام في هذا عند قوله: ﴿ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ﴾ [المائدة: 21]. وقوله تعالى: (طوى) قال ابن عباس: (هو اسم الوادي) [["جامع البيان" 16/ 145، "زاد المسير" 5/ 273، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 159، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 175، "الدر المنثور" 4/ 523.]]. وهو قول جميع المفسرين [["جامع البيان" 16/ 145، "ابن كثير" 3/ 159، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 175.]]. وقال الحسن: (أي طوى بالبركة مرتين) [["جامع البيان" 16/ 145، "النكت والعيون" 3/ 396، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 175، "الدر المنثور" 4/ 523.]]. فعلى هذا (طوى) مصدر من قولك: طويته طوى. قال عدي بن زيد [[البيت لعدي بن زيد التميمي.
انظر: "جامع البيان" 16/ 145، "زاد المسير" 5/ 273، "مجمع البيان" 7/ 9، "روح المعاني" 16/ 170، "لسان العرب" (طوى) 5/ 2730.]]:
أُعَاذِلُ إِنَّ اللَّوْمَ في غَيْرِ كُنْهِه ... عَليَّ طُوى مِنْ غَيَّك المُتَرَدَّدِ أراد إن لومك مكرر علي، والصحيح هو الأول.
قال أبو إسحاق: ويجوز فيه أربعة أوجه، -يعني من القراءة -: ضم الطاء، وكسرها، والإجراء، وترك الإجراء [[قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو: (طُوى) غير مجراة، مضمومة الطاء. وقرأ عاصم، وابن عامر، وحمزة، والكسائي: (طُوى) مجراة، مضمومة الطاء. وقرأ الأعمش، والحسن: (طِوى) بكسر الطاء.
انظر: "السبعة" ص 417، "الحجة للقراء السبعة" 5/ 219، "العنوان في القراءات" ص 129، "النشر" 2/ 319، "القراءات الشاذة" للقاضي ص 66.]]، فمن أجرى فلأنه مذكر سُمّيَ بمذكر على فُعَل نحو: حُطَم وصُرَد، ومن لم يجري ترك صرفه من جهتين أحدهما: أن يكون معدولًا عن طاء، فيصير مثل عُمَر. والآخر: أن يكون اسمًا للبقعة، كما قال الله عز وجل: ﴿فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ﴾ [القصص: 30].
قال: وإذا كُسِرَ طِوى فهو مثل: مِعى، وضِلع. ومن لم ينون جعله اسمًا للبقعة) هذا كلامه [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 351.]].
وقال أبو علي: (الصرف من وجهين أحدهما: أن يجعل اسم الوادي فيصرف؛ لأنه مذكر سمَّي بمذكر. والوجه الآخر: أن يجعل طوى صفة، وذلك في قول من قال: إنه قُدس مرتين، فيكون طِوى كقولك: ثنى، ويكون صفة كقوله: ﴿مَكَانًا سُوًى﴾ [طه:58]، وقومٌ على، وجاء في (طوى) الضم والكسر، ما جاء في قوله: (مكان سوى) الكسر والضم، وكذلك يقال: ثِنى وثُنى. قال: ومن لم يصرف احتمل أمرين أحدهما: أن يكون (طوى) اسمًا لبقعة أو أرض وهو مذكر، فهو بمنزلة امرأة أسميتها باسم مذكر فيجتمع التعريف والتأنيث. والثاني: أن يكون معدولًا كعمر، فإن قلت: إن عمر معدول عن عامر، وهذا الاسم لا يعرف عمَّ عُدل، فإنه لا يمتنع العدل عما لم يخرجوه إلى الاستعمال، ألا ترى أن جُمَع وكُتَع معدولتان عما لم يستعملا، فكذلك يكون طوى) [["الحجة للقراء السبعة" 5/ 219.]].
طه 20:13
قوله تعالى: ﴿وَأَنَا اخْتَرْتُكَ﴾ قال الكلبي: (أنا اخترتك برسالتي لكي تقوم بأمري) [[ذكرت كتب التفسير نحوه بدون نسبة.
انظر: "معالم التنزيل" 5/ 267، "الكشاف" 2/ 532، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 176، "روح المعاني" 16/ 1701، "فتح القدير" 3/ 512.]]. ﴿فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى﴾ أي: اعمل بما آمرك به وأنهاك عنه.
طه 20:14
وقوله تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ فيه وجهان: أحدهما -وهو الذي عليه العامة-: أن معناه أقم الصلاة متى ذكرت أن عليك صلاة، كنت في وقتها أو لم تكن [["جامع البيان" 16/ 112، "بحر العلوم" 2/ 338، "النكت والعيون" 3/ 397، "معالم التنزيل" 5/ 267، "زاد المسير" 5/ 275، "ابن كثير" 3/ 160.]].
وهذا المعنى ما روي أن النبي -ﷺ- قال: "من نسي صلاة، أو نام عنها فليصلها إذا ذكرها، إن الله عز وجل يقول: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ " [[أخرجه البخاري في المواقيت، باب: من نسي صلاة فليصلها إذا ذكرها 2/ 70، ومسلم في المساجد، باب: قضاء الصلاة الفائتة 1/ 477، والترمذي في الصلاة 1/ 114، وأبو داود في الصلاة 1/ 250، والطبري في "جامع البيان" 16/ 148، والصنعاني في "تفسيره" 1/ 15، والإمام أحمد في "مسنده" 3/ 100.]].
والثاني: معناه أقم الصلاة لأن تذكرني؛ لأن الصلاة لا تكون إلا بذكر الله. وهذا قول الحسن [[ذكرت كتب التفسير نحوه بدون نسبة. انظر: "جامع البيان" 16/ 148، "المحرر الوجيز" 10/ 11، "النكت والعيون" 3/ 397، "الكشاف" 2/ 532، "زاد المسير" 5/ 275، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 177، "التفسير القيم" ص 357.]].
ومجاهد قال: (إذا صلى عبد ذكر ربه) [["جامع البيان" 16/ 148، "النكت والعيون" 3/ 397، "معالم التنزيل" 5/ 267، "الدر المنثور" 4/ 524.]]. واختاره ابن قتيبة فقال: (لتذكرني فيها) [["تفسير غريب القرآن" لابن قتيبة 2/ 8.]].
طه 20:15
قوله تعالى: ﴿إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا﴾ قال أكثر المفسرين: (أخفيها من نفسي)، وهذا قول سعيد بن جبير، ومجاهد، وعطاء بن السائب [["جامع البيان" 16/ 149، "بحر العلوم" 2/ 338، "النكت والعيون" 3/ 397، "معالم التنزيل" 5/ 267، "زاد المسير" 5/ 275.]]. وهذا التفسير موافق لما روي: أن في مصحف أبي: (أكاد أخفيها من نفسي) [["بحر العلوم" 2/ 338، "النكت والعيون" 3/ 397، "معالم التنزيل" 5/ 267، "الكشاف" 2/ 532، "زاد المسير" 5/ 276.]]، (فكيف يعلمها مخلوق)، وفي بعض القراءات: (أكاد أخفيها من نفسي فكيف أظهركم عليها) [["معالم التنزيل" 5/ 267، "الكشاف" 2/ 532، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 185، "الكشف والبيان" 3/ 16.]].
قال أبو إسحاق: (والله أعلم بحقيقة هذا التفسير) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 352.]]. وكأنه لم يعلم (معنى) [[زيادة من (ص).]] هذا، وعلمه قطرب، والمبرد، وابن الأنباري، قال قطرب: (هذا على عادة مخاطبة العرب بعضهم بعضًا، إذا بالغوا في كتمان السر: كتمته حتى من نفسي، والمعنى لم أطلع عليه أحدًا) [[ذكره ابن الجوزي في "زاد المسير" 5/ 276، والقرطبي 11/ 185.]]. وأنشد [[ذكره الثعلبي في "الكشف والبيان" 3/ 16 ب بدون نسبة، وكذلك القرطبي في == "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 185، وذكره "البحر المحيط" 6/ 233 بدون نسبة بلفظ:
أيام تصحبني هند وأخبرها ... ما كدت أكتمه عني من الخبر]]: أيامَ تَصْحَبني هِنْد وَأخبرُها ... ما أكتم النَّفْسَ مِنْ حَاجِي وأَسْرَارِي
أي: أخبرها بما لا أطلع عليه أحدًا، هذا معناه.
وقال المبرد: (هذا مستعمل في الكلام وجار على الأفواه أن يقول القائل -إذا أراد أن يستر شيئًا سترًا شديدًا-: أنا أسر هذا من نفسي، وأكاد أسره من نفسي. أي: أقارب ذلك، فيأتي على جهة المثل، وعلى المبالغة في ستر الشيء) هذا كلامه [[ذكرته كتب التفسير. انظر: "زاد المسير" 5/ 276، "البحر المحيط" 6/ 233، "مجمع البيان" 7/ 11، "فتح القدير" 3/ 513.]]. وعلى هذا معنى الآية: إن الله تعالى بالغ في إخفاء الساعة، فذكره بأبلغ ما تعرفه العرب في مثله. وهذا موافق لما قال ابن عباس في تفسيره: (قد أخفها من الملائكة يقول: لا أظهر عليها أحداً). قاله في رواية سعيد بن جبير والوالبي [["تفسير القرآن العظيم" 3/ 160، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 185، "الدر المنثور" 4/ 525.]].
والمعنى: أنه لم يطلع على وقت قيام الساعة ملكًا مقربًا، ولا نبيًا، حتى لو جاز أن يخفيه عن نفسه أخفاها.
قال ابن الأنباري: (والمعنى في إخفائها التهويل والتخويف؛ لأن الناس إذا لم يعلموا متى تقوم الساعة كانوا على حذر منها كل وقت) [[ذكرته كتب التفسير. انظر: "المحرر الوجيز" 10/ 15، "زاد المسير" 5/ 276، "البحر المحيط" 6/ 233.]]. هذا معنى قول المفسرين في هذه الآية [["جامع البيان" 16/ 149، "النكت والعيون" 3/ 397، "المحرر الوجيز" 10/ 5.]]. وكاد -على قولهم- للمقاربة.
ولأهل المعنى وجوه من التأويل، قال ابن الأنباري وهو قول الأخفش: (﴿أَكَادُ أُخْفِيهَا﴾: أريد أخفيها) [[و [[انظر: "تهذيب اللغة" (خفي) 1/ 1070، "لسان العرب" (خفا) 2/ 1216.]] "الأضداد" لابن الأنباري ص 97.]].
وعلى هذا ﴿أَكَادُ﴾ لا يكون للمقاربة، ولا يحتاج أن يقال: من نفسي، يقول الله تعالى: أريد إخفاء الساعة.
قال أبو بكر: (ويجوز أن يكون ﴿أَكَادُ﴾ مزيدًا للتوكيد فيكون المعنى: إن الساعة آتية أخفيها) (¬2). ونذكر جواز زيادة كاد عند قوله: ﴿لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾ [النور: 40]، إن شاء الله.
وقال قطرب: (يقال: أخفيت الشيء: إذا كتمته، وأخفيته: إذا أظهرته، كما يقال: أسررت الشيء بالمعنيين) [["تهذيب اللغة" (خفى) 1/ 1070.]].
وذكر أبو عبيد: أخفيت بالمعنيين جميعًا [["مجاز القرآن" لأبي عبيدة 2/ 16.]].
وهذا أيضًا مذهب أبي عبيدة في هذه الآية قال: (أخفيها أظهرها) [[البيت لامرئ القيس. انظر: "ديوانه" 1/ 1070، "مجاز القرآن" لأبي عبيدة 2/ 17، "الأضداد" لابن الأنباري ص 96، "تهذيب اللغة" (خفى) 1/ 1070 ، "لسان العرب" (خفا) 2/ 1216.]]. واحتج بقول الشاعر (¬6):
فَإِنْ تَكْتِمُوا الدَّاءَ لاَ نُخْفِهِ ... وَإِنْ تَبْعَثُوا الحَرْبَ لاَ نَقْعُدِ
رواه بضم النون، وغيره يرويه بفتحها من خفاء إذا أظهر.
وقال أبو الفتح الموصلي: (﴿أَكَادُ أُخْفِيهَا﴾ تأويله عند أهل النظر: أكاد أظهرها. وتلخيص هذه اللفظة: أكاد أزيل عنها خفاها، وخفاء كل شيء: غطاؤه، من ذلك خفاء القِرْبة للكساء الذي يكون عليها. وأَفْعلت يأتي والمراد به السَّلْب والنفي، كقولهم: أَعْجَمْت الكتاب وأَشْكَلته أي: أزلت عجمته وإشكاله، وأَشْكيته أزلت ما يشكوه) [["سر صناعة الإعراب" 1/ 38]].
وهذا الذي ذهبوا إليه في معنى الآية يوافق قول ابن عباس في رواية عطاء قال: (يريد: أكاد أظهرها) [[ذكرته كتب التفسير بدون نسبة.
انظر: "جامع البيان" 16/ 149، "الكشف والبيان" 3/ 16 ب، "بحر العلوم" 3/ 338، "المحرر الوجيز" 10/ 15، "زاد المسير" 5/ 277، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 160.]]. وعلى هذا معنى الآية: إن الله تعالى أخبر عن إرادته إظهار الساعة كما قال: ﴿لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ﴾ [الأعراف: 187]. غير أن هذا المعنى أصح في قراءة من قرأ: (أَخفيها) بفتح الألف [[قرأ سعيد بن جبير: (أكاد أخفيها) بفتح الألف.
انظر: "جامع البيان" 16/ 150، "الكشاف" 2/ 430، "تهذيب اللغة" (خفى) 1/ 1070، "المحتسب" 2/ 47.]]؛ لأن كلام العرب الجيد: خفيت الشيء: أظهرته، وأخفيته: سترته.
قال الأزهري: (هذه اللغة الجيدة) [["تهذيب اللغة" (خفي) 1/ 1070.]]. وقد روي: خفيت بالمعنيين المتضادين، كما روى أخفيت، وكتاب الله تعالى يفسر بأفصح اللغات. وروي عن بعض أهل اللغة في هذه الآية وجه آخر وهو أن المعنى: الساعة آتية أكاد، وتم الكلام هاهنا [["جامع البيان" 16/ 152، "النكت والعيون" 3/ 973، "المحور الوجيز" 10/ 15، "المكتفى في الوقف والابتداء" ص 379.]]. والمعنى: أكاد أن آتي بها، ثم ابتدأ فقال: أخفيها، والمعني: لكني أخفيها لتجزي كل نفس بما تسعى، وهذا وجه لا بأس فيه [[والقول الأول هو قول جمهور المفسرين، قال ابن جرير الطبري -رحمه الله- في "تفسيره" 16/ 150: (والذي هو أولى بتأويل الآية من القول قول من قال: معناه أكاد أخفيها من نفسي؛ لأن تأويل أهل التأويل بذلك جاء. وإنما وجهنا معنى أُخفيها بضم الألف إلى معنى أسترها من نفسي؛ لأن المعروف من معنى الإخفاء في كلام العرب الستر، يقال: قد أخفيت الشيء إذا سترته، وأما وجه صحة القول في ذلك فهو أن الله تعالى ذكره خاطب بالقرآن العرب على ما يعرفونه من كلامهم وجرى به خطابهم بينهم، وإنما اخترنا هذا القول على غيره من الأقوال لموافقة أقوال أهل العلم من الصحابة والتابعين إذ كنا لا نستجيز الخلاف عليهم فيما استفاض القول به منهم، وجاء عنهم مجيئًا يقطع العذر، والذي ذكر عن سعيد بن جبير من قراءة ذلك بفتح الألف، قراءة لا أستجيز القراءة بها لخلافها قراءة الحجة التي لا يجوز خلافها فيما جاءت به نقلاً مستفيضًا).]].
وقوله تعالى: ﴿لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ﴾ قال ابن الأنباري: (من قال: أخفيها معناه: أظهرها، جعل اللام في ﴿لِتُجْزَى﴾ من صلة أخفيها، والمعنى: أظهرها للجزاء، ومن قال: أخفيها: أسترها، جعل اللام معلقة بقوله: إن الساعة آتية لتجزي كل نفس) [["الأضداد" لابن الأنباري ص 96.]].
وبهذا قال الزجاج [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 353.]].
وقوله تعالى: ﴿بِمَا تَسْعَى﴾ بما تعمل من خير وشر.
طه 20:16
قوله تعالى: ﴿فَلَا يَصُدَّنَّكَ﴾ الصد: الصرف عن الخير، يقال: صده عن الإيمان وعن الحق، ولا يقال: صده عن الشر. والمعنى لا يمنعنك ولا يصرفنك [[انظر "تهذيب اللغة" (صد) 2/ 1984 "مقاييس اللغة" (صد) 3/ 282، == "القاموس المحيط" (صد) 1/ 292، "لسان العرب" (صد) 7/ 2409.]].
وقوله تعالى: ﴿عَنْهَا﴾ قال الفراء: (يريد عن الإيمان بها) [["معاني القرآن" للفراء 2/ 177.]].
وقال الزجاج: (عن التصديق بها) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 353.]]. ﴿مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهَا﴾ أي: من لا يؤمن بأنها تكون.
﴿وَاتَّبَعَ هَوَاهُ﴾ مراده وخالف أمر الله ﴿فَتَرْدَى﴾ فتهلك، يقال: رَدِيَ، يَرْدَى، رَدًى فهو رَدٍ، ومثله تَرَدَّى إذا هلك [[انظر: "القاموس المحيط" (ردى) 4/ 1287، "الصحاح" (ردي) 6/ 2354، "لسان العرب" (ردى) 5/ 1630، "المفردات في غريب القرآن" (ردأ) ص 194.]]، قال الله تعالى: ﴿وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى﴾ [الليل: 11]. والظاهر أن هذا خطاب لموسى، ثم هو نهي لجميع المكلفين عن ترك الإيمان بالساعة والتأهب لها، وإنذار بالهلاك لمن فعل ذلك [["المحرر الوجيز" 10/ 16، "البحر المحيط" 6/ 233، "روح المعاني" 16/ 173.]]. وجعل أبو إسحاق هذا خطابًا لنبي -ﷺ- فقال: (وخطاب النبي -ﷺ- هو خطاب سائر أمته) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 0353 الراجح -والله أعلم- أن الخطاب لموسى عليه السلام، وهو ما عليه جمهور المفسرين.
انظر: "المحرر الوجيز" 10/ 16، "البحر المحيط" 6/ 233، "التفسير الكبير" 22/ 23.]].
ومعنى ﴿وَلَا يَصُدُّنَّكَ﴾: لا يصدنكم، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ﴾ [الطلاق: 1]، فَنُبِه النبي -ﷺ- وخوطب هو وأمته بقوله: ﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ﴾.
طه 20:17
قوله تعالى: ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى﴾ قال أبو إسحاق: (﴿تِلْكَ﴾ اسم مبهم يجري مجرى التي، ويوصل كما توصل التي ، المعنى: ما التي بيمينك) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 353.]].
وقال الفراء: (معنى: ﴿تِلْكَ﴾ هذه) [["معاني القرآن" للفراء 2/ 177.]]. و ﴿بِيَمِينِكَ﴾ في مذهب صلة لتلك؛ لأن تلك وهذه توصلان كما توصل الذي. فتلك على قول الزجاج بمعنى: التي، وعلى قول الفراء بمعنى: هذه، كما أن ذلك يكون بمعنى هذا، كما بينا في قوله: ﴿ذَلِكَ﴾ في قوله: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ [البقرة: 2]. وقال أهل المعاني: (معنى سؤال موسى عما في يده من العصا التنبيه له عليها، ليقع المعجز بها بعد التثبيت فيها والتأمل لها) [["بحر العلوم" 2/ 339، "النكت والعيون" 3/ 399، "الكشاف" 2/ 533، "البحر المحيط" 6/ 233.]].
وقد كشف أبو إسحاق عن هذا المعنى فقال: (هذا الكلام لفظه لفظ الاستفهام ومجراه في الكلام مجرى ما يسأل عنه، ويجيب المخاطب بالإقرار به لتثبت عليه الحجة بعد ما اعترف، فيستغنى بإقراره عن أن يجحد بعد وقوع الحجة، ومثله من الكلام أن تُرِي المخاطب ماءً فتقول: ما هذا؟ فيقول ماء. ثم تحيله بشيء من الصبْع فإن قال: إنه لم يزل هكذا، قلت: ألست قد اعترفت بأنه ماء) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 354.]].
طه 20:18
قوله تعالى: ﴿قَالَ هِيَ عَصَايَ﴾ جواب الاستفهام والسؤال عما في يده، قال وهب: (لما قال موسى: ﴿هِيَ عَصَايَ﴾، قال الله تعالى: وما تصنع بها) [[ذكرت كتب التفسير نحوه بدون نسبة.= انظر: "زاد المسير" 5/ 278، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 186، "التفسير الكبير" 22/ 26، "روح المعاني" 16/ 177.]]. ولا أحد أعلم منه بذلك، قال موسى: ﴿أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا﴾؛ لأن هذا جواب السؤال عما يصنع بها؟ والسؤال الأول يكفيه من الجواب قوله: ﴿هِيَ عَصَايَ﴾ ومعنى التَوكُؤ [[في (س): (التوكيد)، وهو تصحيف.]]: التحامل على العصا في المشي، ومنه الاتكَأ، أصله: الاوتكأ، والمعنى: أعتمد عليها إذا مشيت [[انظر: "تهذيب اللغة" (تكئ) 1/ 445، "لسان العرب" (وكأ) 8/ 4904، "المعجم الوسيط" (أوكأ) 2/ 1052، "المفردات في غريب القرآن" (وكأ) ص 532، "القاموس المحيط" (توكأ) (56).]].
وقوله تعالى: ﴿وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي﴾ قال الأصمعي: (هَشَّ يَهِشُّ هَشَّاً: إذا خبط الشجر فألقاه لغنمه) [["لسان العرب" (هش) 8/ 4667، "الصحاح" (هشش) 3/ 1027.]].
قال الفراء: (أي أضرب بها الشجر اليابس ليسقط ورقه فترعاه الغنم) [["معاني القرآن" للفراء 2/ 177.]]. قال الراجز [[لم أهتد إلى قائله. وذكرته كتب التفسير واللغة بدون نسبة. والأراك، والبَشَام: نوعان من الشجر تأكلهما الماشية، وفي أغصانهما لين، ولهما ريح طيب، ويستاك بهما. انظر: "جامع البيان" 16/ 154، "النكت والعيون" 3/ 399، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 187، "مجاز القرآن" 2/ 17، "فتح القدير" 3/ 517، "تهذيب اللغة" (بشم) 1/ 340، "لسان العرب" (أرك) 1/ 64.]]:
أَهُشُّ بالعَصا عَلَى أَغْنَامِي
مِنْ نَاعِمِ الأَرَاكِ وَالبَشَامِ
قال الزجاج: (واشتقاقه من أني أُحيلُ الشيء إلى الهشاشة والإمكان) [["معانى القرآن" للزجاج 3/ 354.]]. وذلك أن الهش من كل شيء فيه رخاوة، يقال: رجل هَش، وجوز هش، وإذا خبط الشجر فسقط ورقه سهل على الغنم تناوله.
قال عكرمة: (يقال: أضرب الشجر فيتساقط الورق على غنمي) [["جامع البيان" 16/ 154، "الدر المنثور" 4/ 526.]].
وقوله: ﴿وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى﴾ المآرب: الحوائج، واحدتها مأرَبة بفتح الراء وضمها، حكاهما جميع أهل اللغة [[انظر: "تهذيب اللغة" (أرب) 1/ 142، "مقاييس اللغة" (أرب) 1/ 89، "الصحاح" (أرب) 1/ 87، "لسان العرب" (أرب) 1/ 55، "المفردات في غريب القرآن" (أرب) ص 15.]].
وحكى ابن الأعرابي: (مأربِة بكسر الراء) [["تهذيب اللغة" (أرب) 1/ 142، "لسان العرب" (أرب) 1/ 55.]]. ومنه المثل: مَأرُبَة لا حَفَاوة [["مجمع الأمثال" للميداني، "فرائد اللآلي في مجمع الأمثال" 2/ 273. والمعنى: إنما يكرمك لأرب له فيك، لا لمحبته لك.]]. وكذلك الأرب والإربة ومنه قوله تعالى: ﴿غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ﴾ [النور: 31].
وقوله تعالى: ﴿أُخْرَى﴾ جاء على لفظ صيغه الواحدة؛ لأن مأرب في معنى جماعة، فكأنه جماعة من الحاجات أخرى. وقاله الزجاج [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 355.]]. وذكرنا مثل هذا في قوله: ﴿الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [طه: 8]، قال مجاهد، وسفيان والمفسرون: (ولي فيها حاجات أخرى) [["تفسير القرآن" للصنعاني 2/ 15، "جامع البيان" 16/ 154، "النكت والعيون" 3/ 399، "معالم التنزيل" 5/ 268، "الدر المنثور" 4/ 526.]].
وقال عطاء، وقتادة: (منافع أخرى) [["تفسير القرآن" للصنعاني 2/ 15، "الطبري" 16/ 154، "الدر المنثور" 4/ 526.]]. وذكر المفسرون تلك الحوائج التي كانت في عصاه، فقال ابن عباس في رواية عطاء: (إذا أتيت إلى بئر فقصر الرشا، وصلته بالعصا حتى ينال الماء، وإذا أصابني حر الشمس أقمتها في الأرض، وجعلت لي عليها ظلاً بثوب يسترني من الشمس، وإذا خفت شيئًا من هوام الأرض قتلتها بالعصا) [["الكشف والبيان" 3/ 17 أ، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 187.]].
وقال وهب: (كان لها شعبتان ومحجن [[الحجن: اعوجاج الخشبة وغيرها. والمحجن: خشبة أو عصا معقفة الرأس. انظر: "تهذيب اللغة" (حجن) 1/ 753، "مقاييس اللغة" (حجن) 2/ 141، "القاموس المحيط" (حجن) 4/ 1188، "لسان العرب" (حجن) 1/ 791.]] تحت الشعبتين، فإذا طال الغصن حناه بالمحجن، وإذا أراد كسره لواه بالشعبتين، وكان إذا شاء ألقاها على عاتقه، فعلق بها قوسه، وكنانته [[الكنانة: الجعبة تتخذ للنبل والسهام.
انظر: "تهذيب اللغة" (كن) 4/ 3196، "الصحاح" (كن) 6/ 2188، "لسان العرب" (كنن) 7/ 3943، "المعجم الوسيط" (الكنانة) 2/ 801.]]، ومَرْجونَته [[المَرْجُونة: القفة، وهي الزبيل، لها معاليق تعلق بها في آخر الزاد يوضع فيها الزاد والتمر.
انظر: "تهذيب اللغة" (قفف) 3/ 3021، "القاموس المحيط" (رجن) 4/ 1199، "لسان العرب" (قفف) 6/ 3704.]]، ومِخْلاته [[المخلات: ما يوضع فيه الحشيش الرطب. وبه سميت المخلاة. والخلي: هو الحشيش الذي يحتش من بقول الربيع، وقد اختليته، وبه سميت المخلات، والواحدة خلاة، وأعطني مخلاة أخلي فيها. انظر: "القاموس المحيط" (الخلي) 4/ 1281، "لسان العرب" (خلا) 2/ 1258، "الصحاح" (خلا) 6/ 2331.]]، وثوبه وزادًا إن كان معه، وكان يقاتل بها السباع عن غنمه) [["الدر المنثور" 4/ 520، "التفسير الكبير" 22/ 27، "روح المعاني" 16/ 176.]].
طه 20:19
قوله تعالى: ﴿قَالَ أَلْقِهَا يَا مُوسَى﴾ قال الكلبي: (ألقها من يدك) [[ذكرته كتب التفسير بدون نسبة انظر: "الكشف والبيان" 3/ 17 أ، "بحر العلوم" 2/ 339، "زاد المسير" 5/ 279، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 161.]]. وقال وهب: (قال له الرب: (ألقها يا موسى) فظن موسى أنه يقول ارفضها فألقاها على وجه الرفض) [["جامع البيان" 16/ 156، "معالم التنزيل" 5/ 269، "الدر المنثور" 4/ 520.]]. ثم حانت منه نظرة فإذا بأعظم ثعبان نظر إليه الناظرون.
طه 20:20
فذلك قوله: ﴿فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى﴾ تشد، وتمشي مسرعة على بطنها.
قال ابن عباس: (فابتلعت الصخور والشجر وكل ما مرت به) [["جامع البيان" 16/ 156، "الكشاف" 2/ 534، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 190، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 161، "الدر المنثور" 4/ 527.]].
طه 20:21
وخاف موسى فناداه ربه: ﴿خُذْهَا وَلَا تَخَفْ﴾ وذلك أن الله تعالى أراد أن يري موسى ما أعطاه من الآيات التي لا يقدر عليها مخلوق؛ لئلا يفزع منها إذا ألقاها عند فرعون ولا يولي مدبرًا. ولم يذكر خوف موسى في هذه السورة، وذكر في سورة القصص [[عند قوله سبحانه في سورة [القصص: 31]: ﴿وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَا مُوسَى أَقْبِلْ وَلَا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ﴾.]]. وقوله هاهنا: ﴿وَلَا تَخَفْ﴾ يدل على خوفه.
وقوله تعالى: ﴿سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَى﴾ قال عطاء والسدي: (نردها عصا كما كانت) [[ذكرت كتب التفسير نحوه بدون نسبة. انظر: "جامع البيان" 16/ 157، "الكشف والبيان" 3/ 17 أ، "تفسير كتاب الله العزيز" 3/ 36، "معالم التنزيل" 5/ 269، "زاد المسير" 5/ 270، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 161.]].
قال ابن عَباس: (﴿سِيرَتَهَا﴾ حالتها) [[و [["مجاز القرآن" لأبي عبيدة 2/ 18.]] "جامع البيان" 16/ 157، "الدر المنثور" 4/ 527.]].
وقال مجاهد. (هيئتها) (¬2). وقال أبو عبيدة: (خلقتها الأولى) [[ذكر بلا نسبة في "المحرر الوجيز" 10/ 21، "زاد المسير" 5/ 180، "البحر المحيط" 6/ 235.]]. يقال لمن كان على شيء فتركه، ثم عاد فتحول إليه: عاد إلى سيرته. وقال المبرد: (أي يجعلها كما كانت) [[انظر: "القاموس المحيط" (السير) 2/ 4، "الصحاح" (سير) 2/ 691، "لسان العرب" (سير) 4/ 2169، "المفردات في غريب القرآن" (سار) ص 247.]]. والسيرة: الهيئة [["معاني القرآن" للزحاج 3/ 355.]].
والمعنى في الآية: أنها تجري على ما كانت تجري عليه من قبل، من كونها عصا، ونحو هذا قال أبو إسحاق في السيرة: (أنها الهيئة، يقال إذا كان القوم مشتبهين: هم على سيرة واحدة. قال: و ﴿سِيرَتَهَا﴾ منصوبة على إسقاط الخافض، وأفضى الفعل إليها، والمعنى: إلى سيرتها، فلما حذفت (إلى) أفضى الفعل، وهو ﴿سَنُعِيدُهَا﴾ فنصب) [[المدرعة: ضرب من الثياب التي تلبس ولا تكون إلا من الصوف.
انظر: "تهذيب اللغة" (درع) 2/ 175، "مقاييس اللغة" (درع) 2/ 268، "القاموس المحيط" (درع) 4/ 7، "الصحاح" (درع) 3/ 1206.]].
قال وهب: (لما أمره الله بأخذها أدنى طرف المدرعة (¬7) على يده، فقال له مَلك: أرأيت يا موسى لو أذن الله بما تحاذر، أكانت المدرعة تغني عنك شيئًا؟ قال: لا، ولكني ضعيف ومن ضعف خلقت. فكشف عن يده ثم وضعها في فم الحية وقبض، فإذا عصاه التي عهدها، وإذا يده في موضعه التي كان عهدها إذا توكأ بين الشعبتين) [["تفسير القرآن العظيم" 3/ 161، "الدر المنثور" 4/ 520، "روح المعاني" 16/ 179، "الزهد" للإمام أحمد ص 63.]].
طه 20:22
قوله تعالى: ﴿وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ﴾ اختلفوا في الجناح هاهنا، فقال أبو عبيدة (كل ناحيتين جناحان) [["مجاز القرآن" لأبي عبيدة 2/ 18.]].
وقال المبرد: (الجناح الجانب) [[ورد نحوه بلا نسبة في "بحر العلوم" 2/ 339، "الكشف والبيان" 3/ 17 أ، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 191.]]. فعلى هذا الجنب والإبط جناح، وهذا قول الكلبي، والسدي في هذه الآية [["بحر العلوم" 2/ 339، "الكشف والبيان" 3/ 17 أ.]]. واختيار ابن قتيبة [["تفسير غريب القرآن" لابن قتيبة ص 278.]].
وقال الفراء، والزجاج: (جناح الإنسان عضده إلى أصل غبطه) [["معاني القرآن" للفراء 2/ 178، "معاني القرآن" للزجاج 3/ 355.]]. وهذا قول مجاهد قال: (﴿إِلَى جَنَاحِكَ﴾ تحت عضدك) [["جامع البيان" 16/ 257، "تفسير كتاب الله العزيز" 3/ 36، "النكت والعيون" 3/ 400، "معالم التنزيل" 5/ 270، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 162.]]. وهذا القول أشبه؛ لأن يدي الإنسان مشبهتان بجناح الطائرة ولأنه قال: ﴿تَخْرُجْ بَيْضَاءَ﴾ والمعنى: أدخل يدك تحت عضدك تخرج بيضاء، ولو كان المراد بالجناح الجنب والإبط لم يقل: تخرج.
وقال ابن عباس في رواية عطاء: (يريد إلى صدرك) [["التفسير الكبير" 22/ 30.]]. ولا أدري كيف فسر الجناح بالصدر!.
وقوله تعالى: ﴿تَخْرُجْ بَيْضَاءَ﴾ أراد وأخرجها تخرج بيضاء، وكذلك قوله: ﴿وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ﴾ [النمل: 12]، المعنى: أخرجها تخرج، وذكرنا مثل هذا في قوله تعالى: ﴿فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا﴾ [البقرة: 61].
قال ابن عباس: (كان ليده نور ساطع يضيء بالليل والنهار، كضوء الشمس والقمر وأشد ضوءًا) [["معالم التنزيل" 5/ 270، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 191.]]. فذلك قوله: ﴿بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾ من غير برص، في قول جميع المفسرين [["تفسير القرآن" للصنعاني 2/ 15، "جامع البيان" 16/ 158، "تفسير كتاب الله العزيز" 3/ 36، "بحر العلوم" 2/ 339، "معالم التنزيل" 5/ 270.]].
قال الليث: (ويكنى بالسوء عن اسم البرص) [[انظر: "تهذيب اللغة" (ساء) 2/ 1583، "لسان العرب" (سوأ) 4/ 2160.]]. وقال أبو عمرو: (﴿سُوءٍ﴾ أي: برص) [[ذكرته كتب اللغة بدون نسبة.
انظر: "تهذيب اللغة" (ساء) 2/ 1583، "لسان العرب" (سوأ) 4/ 2160، "المفردات في غريب القرآن" (سوأ) ص 252، "مختار الصحاح" (سوأ) ص 134.]].
وقال المبرد: (السوء إذا أطلق فهو البرص، وإذا وصلوه بشيء فهو كل ما يسؤ، والأغلب عليه عند العرب من الأدواء البرص) [[ذكر نحوه بلا نسبة في: "المحرر الوجيز" 10/ 22، "الكشف والبيان" 3/ 17 أ، "زاد المسير" 5/ 280، "البحر المحيط" 6/ 236، "تهذيب اللغة" (ساء) 2/ 1583.]].
وقوله تعالى: (آية أخرى) قال الأخفش: (جعل ﴿آيَةً﴾ بدل من ﴿بَيْضَاءَ﴾) [["معاني القرآن" للأخفش 2/ 629.]].
وقال الزجاج: (هي اسم في موضع الحال، المعنى: تخرج بيضاء مبينة آية أخرى. قال: ويجوز أن تكون منصوبة على آتيناك آية أخرى، أو نؤتيك آية؛ لأنه لما قال: ﴿تَخْرُجْ بَيْضَاءَ﴾ كان في ذلك دليل أنه يعطى آية، فلم يحتج إلى ذكر آتينا؛ لأن في الكلام دليلاً عليه) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 355.]]. قال المبرد: (ولا تكون أخرى إلا بعد الأولى) [[ذكره القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن" بلا نسبة 11/ 191، والرازي في "التفسير الكبير" 22/ 30.]] قوله: ﴿فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى﴾ [طه: 20].
طه 20:23
قوله تعالى: ﴿لِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنَا الْكُبْرَى﴾ تأنيث الأكبر، وهي نعت الآيات، ولم يقل الأكبر لما ذكرنا في قوله: ﴿مَآرِبُ أُخْرَى﴾ [طه: 18]. ولو قيل الكبر لجاز وحسن، ولكن لوفاق رؤوس الآي جاءت الكبرى، ويجوز أن تكون ﴿الْكُبْرَى﴾ نعتًا لمنعوت محذوف على تقدير: لنريك من آياتنا الآية الكبرى، وهذا مذهب أبي عبيدة [["مجاز القرآن" لأبي عبيدة 2/ 18.]]. وبه قال جماعة من المفسرين [["جامع البيان" 16/ 158، "معالم التنزيل" 5/ 270، "المحرر الوجيز" 10/ 22، "الكشاف" 2/ 534، "التفسير الكبير" 22/ 30.]].
قال ابن عباس: (كانت يد موسى أكبر آياته) [["الكشف والبيان" 3/ 17 أ، "معالم التنزيل" 5/ 270، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 191.]].
وقال الكلبي: (يده أعظم ما رأى من الآيات) [[ذكرت كتب التفسير نحوه بدون نسبة. انظر: "الكشف والبيان" 3/ 17 أ، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 191، "التفسير الكبير" 22/ 30، "فتح القدير" 3/ 518.]].
وقال الثوري: (يده هي الآية الكبرى) [[ذكرت كتب التفسير نحوه بدون نسبة.
انظر: "معالم التنزيل" 5/ 270، "الكشف والبيان" 3/ 17/ ب، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 191، "التفسير الكبير" 22/ 30، "الفتوحات الإلهية" 3/ 88.
وقال أبو حيان في "البحر المحيط" 6/ 237: (ويبعد ما قيل من أن اليد أعظم في الإعجاز من العصا؛ لأنه ذكر عقيب اليد). ﴿لِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنَا الْكُبْرَى﴾ لأنه جعل الكبرى مفعولاً ثانيًا لنريك وجعل ذلك راجعًا إلى الآية القريبة وهي إخراج اليد بيضاء من غير سؤ، وقد ضعف قوله هذا؛ لأنه ليس في اليد إلا تغيير اللون، وأما العصا ففيها تغيير اللون، وخلق الزيادة في الجسم، وخلق الحياة، والقدرة، والأعضاء المختلفة، وابتلاع الشجر والحجر ثم عادت عصا بعد ذلك فقد وقع التغيير مرارًا فكانت أعظم من اليد).]].
طه 20:24
قوله تعالى: ﴿اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى﴾ أي: جاوز القدر في العصيان، وذلك أنه خرج من معصيته إلى فاحش تجاوز به معاصي الناس.
قال أهل المعاني: (وفي الآية محذوف؛ لأن المعنى: إذهب إلى فرعون فادعه إلى توحيد الله ﴿إِنَّهُ طَغَى﴾؛ لأنه أمر بالذهاب إليه، وأن يدعوه إلى التوحيد) [["جامع البيان" 16/ 158.]].
طه 20:25
قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾ ذكرنا الكلام في معنى شرح الصدر في سورة الأنعام [[عند قوله سبحانه في سورة [الأنعام: 125]: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾.]]. يقول افتح صدري ووسعه لقبول الحق.
قال ابن عباس: (يريد حتى لا أخاف غيرك. وذلك أنه كان يضيق صدره بما كلف من مقاومة فرعون وحده، فسأل الله تعالى أن يوسع قلبه للحق حتى يعلم أن أحدًا لا يقدر على مضرته إلا بإذن الله، وإذا علم ذلك حق العلم لم يخف فرعون وإن اشتدت شوكته، وكثر جنوده) [["معالم التنزيل" 5/ 270.]].
طه 20:26
قوله تعالى: ﴿وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي﴾ قال ابن عباس: (يريد سهل علي مابعثتني له) [[ذكرت كتب التفسير نحوه بدون نسبة.
انظر: "جامع البيان" 16/ 159، "الكشف والبيان" 3/ 17 ب، "المحرر الوجيز" 10/ 23، "معالم التنزيل" 5/ 271، "زاد المسير" 5/ 281.]].
طه 20:27
﴿وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي﴾ العقدة: الربطة في الحبل والخيط [[انظر: "تهذيب اللغة" (قعد) 3/ 2511، "مقاييس اللغة" (عقد) 4/ 86، "المعجم الوسيط" (عقد) 2/ 613، "المفردات في غريب القرآن" (عقد) ص 341.]]. وأراد بالعقدة هاهنا رثة [[الرثة: عجلة في الكلام، وقلة أناة، وقلب لبعض الحروف، فتسمع الصوت ولا يبين لك تقطيع الكلام. والأرث: الذي في لسانه قعدة وحبسه، ويعجل في كلامه، فلا يطاوعه لسانه.
انظر: "تهذيب اللغة" (رث) 2/ 1359، "القاموس المحيط" (الرث) (169) ، "لسان العرب" (رثت) 3/ 1580.]] كانت في لسانه، تمنعه من الإنطلاق في الكلام. قال سعيد بن جبير، وهو قول العامة: (عجمة من جمرة نار أدخلها في فيه) [["جامع البيان" 16/ 159، "القرطبي" 16/ 11، "الدر المنثور" 4/ 528.]]. والقصة في ذلك معروفة [["الكشف والبيان" 3/ 17 ب، "تفسير كتاب الله العزيز" 3/ 36، "بحر العلوم" 2/ 339، "النكت والعيون" 3/ 400 ، "معالم التنزيل" 5/ 271. == ذكر بعض المفسرون هذه القصة وبها فسروا العقدة، ولم يثبت في هذا خبر صحيح عن الرسول -ﷺ- وقد نسب هذا التفسير لبعض التابعين والذي يظهر -والله أعلم- أنه من قبيل الإسرائيليات، وأولى ما فسرت به العقدة ما ذكره أبو عبيدة في "مجاز القرآن" 2/ 18 حيث قال: مجاز العقدة في اللسان كل ما لم ينطق بحرف أو كانت منه مسكة من تمتمة أو فأفأة.]]. قال ابن عباس: (يريد أطلق عن لساني العقدة التي فيه حتى يفهموا كلامي) [["الكشف والبيان" 3/ 17 ب، "الكشاف" 2/ 535.]].
طه 20:29
قوله تعالى: ﴿وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي﴾ قال المفسرون: (عونًا وظهيرًا من أهل بيتي) [["جامع البيان" 16/ 160، "الكشف والبيان" 3/ 17 ب، "معالم التنزيل" 5/ 271.]].
قال أبو إسحاق: (الوزير في اللغة اشتقاقه من الوَزَرِ، وهو الجبل الذي يعتصم به لينجي من الهلكة، وزير الخليفة معناه: الذي يعتمد على رأيه في أموره ويلتجئ إليه. وقوله تعالى: ﴿كَلَّا لَا وَزَرَ﴾ [القيامة: 11] معناه: لا شيء يعتصم به من أمر الله) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 357.]].
وقال غيره: (قيل لوزير السلطان: وزير؛ لأنه يَزِرُ عن السلطان أثقال ما أسند إليه من تدبير الولاية، أي: يحمل. وزَرْتُ الشيء أي: حملته، أَزِرُه وَزْرًا) [["البحر المحيط" 6/ 239، "تفسير غريب القرآن" لابن قتيبة ص 278، "تهذيب اللغة" (وز) (4/ 3883، "القاموس المحيط" (الوزر) 2/ 528، "لسان العرب" (وزر) 8/ 4824.]]. وذكرنا هذا عند قوله: ﴿وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ)﴾ [الأنعام: 31]. الآية.
وقال الليث: (الوَزِيرُ الذي يَسْتَوزره الملك فيستعين به، وصناعته الوزارة، وهو يُوَازر الملك مُوَازَرة أي: يعاونه، والزرع يُوَازِر بعضه بعضًا إذا تلاحق والتفَّ) [[ذكرت نحوه كتاب اللغة بدون نسبة.
انظر: "تهذيب اللغة" (وزر) 4/ 3883، "الصحاح" (وزر) 2/ 845، "القاموس المحيط" (الوز) ص 528، "لسان العرب" (وزر) 8/ 4824.]]. وذكر المفضل الوجهين اللذين ذكرناهما في الوزير) [[ذكرت نحوه كتاب اللغة بدون نسبة.
انظر: "تهذيب اللغة" (وزر) 13/ 243، "الصحاح" (وزر) 2/ 845، "القاموس المحيط" (الوزر) 2/ 154، "لسان العرب" (وزر) 15/ 284.]]
طه 20:30
قوله تعالى: ﴿هَارُونَ أَخِي﴾ يجوز في نصب ﴿هَارُونَ﴾ وجهان أحدهما: أنه مفعول الجعل على تقدير: اجعل هارون أخي وزيري. والثاني: على البدل من وزير. والوجهان ذكرهما الفراء، والزجاج [["معاني القرآن" للفراء 2/ 178، "معاني القرآن" للزجاج 3/ 356.]]. و ﴿أَخِي﴾ نعت لهارون.
طه 20:31
قوله تعالى: ﴿اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي﴾ قال المفسرون: (قوي ظهري وأعني به) [["جامع البيان" 16/ 160، "الكشف والبيان" 3/ 17 ب، "معالم التنزيل" 5/ 271، "زاد المسير" 5/ 282.]].
قال ابن الأعرابي: (الأَزْرُ: القوة، والأزر: الظهر، والأزر: الضعف. وفسر قوله: ﴿اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي﴾ بالقوة، والظهر والضعف) [["تفسير غريب القرآن" لابن قتيبة ص 278، "تفسير غريب القرآن" لابن الملقن ص 245، "تهذيب اللغة" 4/ 3883، "إعراب القرآن" للنحاس 2/ 337.]]. وأنشد أبو عبيدة على أن الأزر في هذه الآية الظهر [["مجاز القرآن" لأبي عبيدة 2/ 18.]]، قول ذي الرمة [[البيت لذي الرمة. المحافظة: الذب عن المحارم، والمنع لها عند الحروب. انظر: "ديوان ذي الرمة" ص 220، "مجاز القرآن" لأبي عبيدة 2/ 18.]]: إِذَا مُدَّت الأَيْدِي الكِرَام إِلى العُلَى ... وشُدَّ لأَيَّامِ المُحَافَظَةِ الأَزْرُ
ويقال: آزَرَه ووَازَرَه: إذا عاونه. ونذكر الكلام فيه عند قوله: ﴿فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ﴾ [الفتح: 29]. إن شاء الله.
طه 20:32
﴿وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي﴾ أي: اجمع يبني وبينه في النبوة، فالمراد بالأمر هاهنا: النبوة، قاله ابن عباس، والكلبي [[ذكرت كتب التفسير نحوه بدون نسبة. انظر: "جامع البيان" 16/ 161، "المحرر الوجيز" 10/ 26، "معالم التنزيل" 5/ 271، "زاد المسير" 5/ 282، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 192.]].
وقراءة العامة: ﴿اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي (31) وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي﴾ على الدعاء، وقرأ ابن عامر: (أَشدد به أزري وأُشركه) على الجواب والمجازاة [[قرأ ابن عامر الشامي: (أَشدد به) بفتح الهمزة وجعلها ألف المتكلم، وقرأ: ﴿وَأَشْرِكْه﴾ بضم الهمزة على الجواب والمجازاة.
قرأ نافع، وابن كثير، وأبو عمرو، وحمزة، والكسائي، وعاصم: ﴿اشْدُدْ بِهِ﴾ بوصل الألف والإبتداء بالضم، وقرأوا: ﴿وَأَشْرِكْهُ﴾ بفتح الهمزة على الدعاء.
انظر: "السبعة" ص 417، "الحجة للقراء السبعة" 5/ 221، "التبصرة" ص 259، "حجة القراءات" ص 452، "المبسوط في القراءات" ص 247.]]، والوجه الدعاء؛ لأنه معطوف على ما تقدمه من قوله: ﴿رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي (25) وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي﴾ [طه: 26،25]، فكما أن ذلك كله دعاء فكذلك ما عطف عليه، وأما الاشتراك في النبوة لا يكون إلا من الله سبحانه، اللهم إلا أن يجعل أمره شأنه الذي هو غير النبوة، وإنما ينبغي أن يكون النبوة، كما فسره ابن عباس. فأما ﴿اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي﴾ فحمله على الإخبار وغير الدعاء أسهل، ولا يسوغ أن يحمل ﴿وَأَشْرِكْه﴾ في أمري على غير النبوة؛ لأنه قد جاء ما يعلم فيه مسألة موسى لذلك [["الحجة للقراء السبعة" 5/ 222.]]، وذلك قوله: ﴿وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي﴾ [القصص: 34] الآية
طه 20:33
قوله تعالى: ﴿كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا﴾ [قال الكلبي: (يقول: نصلي لك كثيرًا] [[ما بين المعقوفين مكرر في نسخة (س).]].
طه 20:34
﴿وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا﴾ بحمدك والثناء عليك بما أوليتنا من نعمك، ومننت به علينا من تحميل رسالتك) [["معالم التنزيل" 5/ 272.]]. فاستجاب الله دعاءه وقال: ﴿قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى﴾ أي: أعطيت ما سألت.
قال الكلبي: (فلق الله له صدره، وحل عقدة من لسانه، وبعث معه أخاه هارون) [[ذكره الطبري في "جامع البيان" 16/ 161 بدون نسبة، وكذلك ابن عطية في "المحرر الوجيز" 10/ 26.]].
قال الأزهري: (سُؤل الإنسان: أمنيته التي يطلبها، والتسويل تفعيل منه وهو تزين ذلك، وأصل السؤال مهموز، غير أن العرب استثقلوا فيه الهمز لما كثر في كلامهم) [["تهذيب اللغة" (سول) 2/ 1791.]].
وقال الراعي فلم يهمز السول [[البيت للراعي. رثت: الرثأة قلة الفطنة، وضعف الفؤاد. والخليقة: الفطرة يقال: إنه لكريم الطبيعة، والخليقة، والسليقة بمعنى واحد.
انظر: "تهذيب اللغة" (سول) 2/ 1791، "لسان العرب" (سول) 4/ 2157.]]:
اخْتَرْتُكَ النَّاسُ إِذْ رَثَّتْ خَلاَئِقُهُم ... واعْتَلَّ مَنْ كَانَ يُرْجَى عِنْدَه السُّولُ
طه 20:37
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَى﴾ أي: أحسنا إليك وأنعمنا عليك قبل هذه المرة، والمن: الإحسان إلى من لا يَسْتَثيِبه [[انظر: "تهذيب اللغة" (منّ) 4/ 3453، "القاموس المحيط" (منّ) ص 1233، "الصحاح" (منن) 6/ 2207، "لسان العرب" (منن) 7/ 4277،"المفردات في غريب القرآن" (منن) ص 474.]]. وذكرنا معاني المَن عند قوله: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: 164] الآية.
طه 20:38
وقوله تعالى: ﴿مَرَّةً أُخْرَى﴾ تفسيره قوله: ﴿إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّكَ﴾ قال المفسرون: (وحي إلهام) [["الكشف والبيان" 3/ 17 ب، "تفسير كتاب الله العزيز" 3/ 37، "بحر العلوم" 2/ 340، "معالم التزيل" 5/ 272، "المحرر الوجيز" 10/ 26.]]. مثل: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ﴾ [النحل: 68] أي: ألهمناها حين عيت بأمرك، بلطف إلهامنا إياها ما كان فيه سبب نجاتك من القتل.
وقوله تعالى ﴿مَا يُوحَى﴾ أي: ما يلهم، ثم فسر هذا الملهم بقوله:
طه 20:39
﴿أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ﴾. وذكر ابن الأنباري في قوله: ﴿مَا يُوحَى﴾ وجهين أحدهما: (أن معناه وأوحينا إلى أمك الذي يجوز أن يوحى إليها، والضرب الذي يمكن أن تكون مختصة به؛ لأنه ليس كل الأمور يصلح وحيها إليها، فكأنها اختصت بما يجوز أن يختص به أمثالها ممن ليس بنبي ولا رسول. والثاني: أن ﴿مَا يُوحَى﴾ أفاد في الآية توكيد أوحينا، كأنه قيل: أوحينا إلى أمك إيحاء) [[ذكره ابن الجوزي في "زاد المسير" 5/ 283، والطبرسي في "مجمع البيان" 5/ 17.]]. ومعنى: ﴿أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ﴾ اجعليه فيه بأن ترميه فيه، واستعمل لفظ القذف هاهنا للعجلة، كي تعجل قبل أن يطلع عليها الذابحون. ومعنى القذف في اللغة: الرمي بالسهم والحصى والكلام وكل شيء، ويقال للسب: القذف؛ لأنه رمي بالقبيح من القول [[انظر: "تهذيب اللغة" (قذف) 3/ 2907، "مقاييس اللغة" (قذف)، "القاموس المحيط" (قذف) (843)، "الصحاح" (قذف) ص 4/ 1414، "لسان العرب" (قذف) 6/ 3560.
ويشهد لهذا المعنى قوله سبحانه في سورة [النور: 23]: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾.]].
وقوله تعالى: ﴿فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ﴾ قال ابن عباس: (يريد النيل) [[ذكرته كتب التفسير بدون نسبة. انظر: "جامع البيان" 16/ 161، "الكشف والبيان" 3/ 17 ب، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 195.]]
قال الليث: (﴿الْيَمِّ﴾: البحر الذي لا يدرك قعره ولا شطاه) [["تهذيب اللغة" (يم) 4/ 3984.]]
قال الأزهري: (﴿الْيَمِّ﴾: البحر، وهو معرب وأصله بالسريانية، فعربته العرب وأصله: يم، ويقع اسم اليم على ما كان ماؤه ملحًا زعاقًا، وعلى النهر الكبير العذب الماء كالذي في هذه الآية، وهو نهر النيل بمصر وماؤه عذب. قال الله تعالى: ﴿فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ﴾ فجعل له ساحلاً، وهذا كله دليل على بطلان قول الليث في اليم) [[نفسه.]].
قال صاحب النظم: (اشترك في قوله: ﴿فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ﴾ الأمر والجزاء؛ لأنه جواب لقوله: ﴿فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ﴾ وهو أمر بالإلقاء، فصار كقوله: ﴿اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ﴾ [العنكبوت: 12]، فقوله: ﴿اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا﴾ أمر وله جواب، وجوابه في قوله: (نحمل)، ودخول الواو واللام دلالة على استئناف أمر لنفسه، كما قال الشاعر [[اختلف في نسبة هذا البيت.= فنسب للأعشى في "الكتاب" 1/ 426، "الرد على النحاة" ص 128، "العيني" 4/ 392، "الدرر" 2/ 9، وليس في ديوانه.
ونسب للفرزدق في "آمالي القالي" 2/ 92، وليس في ديوانه.
ونسب لدثار بن شيبان النمري ذكر ذلك: "الأغاني" 2/ 159، "سمط اللآلي" ص 726، "لسان العرب" (ندى) 7/ 4388.
وذكر بغير نسبة في: "الإنصاف" 9/ 4، "سر صناعة الإعراب" 1/ 392، "مجالس ثعلب" ص 456، "معنى اللبيب" 1/ 397.]]: فَقُلْتُ ادْعِي وأَدْعُ فَإنَّ أَنْدَى ... لِصَوْتِ أَنْ يُنَادِيَ دَاعِيَانِ
بمعنى: ولأَدْعُ أنا، فهو جواب وأمر لنفسه بذلك، وذكرنا هذا في قوله: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ فِي الضَّلَالَةِ فَلْيَمْدُدْ﴾ [مريم: 75] [[ذكرته كتب التفسير بدون نسبة.
انظر: "المحرر الوجيز" 10/ 26، "الكشاف" 2/ 536، "البحر المحيط" 6/ 241، "إعراب القرآن" للنحاس 2/ 326.]]).
وهذا الذي ذكره صاحب النظم شرح ما ذكره الفراء وبيانه [["معاني القرآن" للفراء 2/ 179.]]. والساحل: شاطئ البحر، والوادي سمي ساحلاً؛ لأن الماء يسحله أي: يقشره إذا علاه، وهو فاعل بمعنى مفعول هاهنا، ذكره الأزهري [["تهذيب اللغة" (سحل) 2/ 1645.]]. وذكر في التفسير: أن النيل ألقاه إلى مشرعة [[الْمَشْرَعةُ: التي يَشْرَعها الناس فيشربون منها ويستقون، وربما شرعوها دوابهم حتى تشرعها وتشرب منها، والعرب لا تسميها شريعة حتى يكون الماء عدّا لا انقطاع له، ويكون ظاهرًا معينًا لا يستقى منه بالرشاء. انظر: "تهذيب اللغة" (شرع) 2/ 1858، "القاموس المحيط" (الشريعة) ص 732، "الصحاح" (شرع) 3/ 1236، "لسان العرب" (شرع) 4/ 2238.]] آل فرعون [["الكشف والبيان" 3/ 17 ب، "المحرر الوجيز" 10/ 26، "زاد المسير" 5/ 284، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 195.]].
وقوله تعالى: ﴿يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ﴾ يعني فرعون، ﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي﴾ قال ابن عباس في رواية عطاء: (لا يراك أحد إلا أحبك، لا مؤمن ولا كافر) [["زاد المسير" 5/ 284.]].
وقال سلمة بن كهيل [[سلمة بن كهيل الحضرمي، التنعي، الكوفي أبو يحيى من كبار التابعين، روى له الستة، وروى عن سعيد بن جبير ومجاهد وغيرهما، وروى عنه الثوري وغيره، وهو ثقة، ثبت في الحديث، وكان فيه تشيع قليل، توفي -رحمه الله- سنة 121 هـ، وقيل غير ذلك.
انظر: "طبقات ابن سعد" 6/ 221، "الجرح والتعديل" 2/ 170، "الكامل" 5/ 96، "تهذيب التهذيب" 4/ 115، "شذرات الذهب" 1/ 159.]]: (حببتك إلى عبادي) [["جامع البيان" 16/ 161، "النكت والعيون" 3/ 402، "معالم التزيل" 5/ 272، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 164، "الدر المنثور" 4/ 529.]].
وقال عكرمة: (حسن وملاحة) [["جامع البيان" 16/ 161، "النكت والعيون" 3/ 402، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 196، "الدر المنثور" 4/ 529.]]. فحيث أبصرت وجهه آسيه [[آسية بنت مزاحم، زوجة الطاغية فرعون، وهي من أفضل النساء لإيمانها وصبرها ، وقد ورد بذلك الخبر عن النبي -ﷺ- كما رواه الإمام أحمد 1/ 316، وأخرجه الحاكم في "مستدركه" 2/ 594 أنه قال: "أفضل نساء الجنة خديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد، ومريم بنت عمران، وآسية بنت مز احم امرأة فرعون".]]، قالت لفرعون: ﴿قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ﴾ وروي عن ابن عباس أنه قال: (أحبه وحببه إلى خلقه) [["الكشف والبيان" 3/ 17 ب، "معالم التنزيل" 5/ 273، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 196.]].
وقال العوفي: (جعل عليه مسحة من جمال لا يكاد يصبر عنه من رآه) [["الكشف والبيان" 3/ 17 ب، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 196.]].
وقال قتادة: (ملاحة كانت في عيني موسى ما رآه أحد إلا عشقه) [["الكشف والبيان" 3/ 17 ب، "معالم التنزيل" 5/ 273، "زاد المسير" 5/ 284، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 196، "الدر المنثور" 4/ 529.]].
وقال في رواية سعيد بن جبير: (ألقى عليه منها محبة لم يلق منها على أحد من البشر) [[ذكرت كتب التفسير نحوه بدون نسبة. انظر: "جامع البيان" 16/ 161، "المحرر الوجيز" 10/ 29، "التسهيل لعلوم التنزيل" ص 403، "مجمع البيان" 7/ 18، "روح المعاني" 16/ 189.]]. وهذا كلام المفسرين.
فأما ظاهر اللفظ فإنه يقتضي أن الله تعالى أحبه، وحب الله تعالى إياه أعظم نعمة وأجمل إحسان [[قال الإمام الطبري في "تفسيره" 16/ 161: والذي هو أولى بالصواب من القول في ذلك أن يقال إن الله ألقى محبته على موسى كما قال جل ثناؤه: ﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي﴾ فحببه إلى آسية امرأة فرعون حتى تبنته وغذته وربته.
وقال ابن تيمية في "العقيدة الواسطية" ص 20: (ومحبة الله صفة من صفاته الفعلية ودليلها قوله تعالى: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾.
ويشهد لهذا ما رواه البخاري في التوحيد، باب: كلام الرب مع جبريل قال -ﷺ-: "إذا أحب الله العبد نادى جبريل إني أحب فلانا فأحبه فيحبه جبريل ثم ينادي في السماء أن الله يحب فلانا فأحبوه فيحبه أهل السماء ويوضع له القبول في الأرض".]]. ومن قال: إنه حببه إلى خلقه كان المعنى: ألقيت عليك محبة للعباد، وهي مني مخلوقة لي. ومن فسر هذه المحبة بالحسن والجمال كان المعنى: ألقيت عليك سبب محبة، فسمي سبب الحب حبًا، أو حذف المضاف.
وقال أبو عبيدة في هذه الآية: (يقول: جعلت لك محبة عندي وعند غيري) [[و [["جامع البيان" 16/ 162، "الكشف والبيان" 3/ 17 ب، "تفسير كتاب الله العزيز" 3/ 38، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 179.]] "مجاز القرآن" لأبي عبيدة 2/ 19.]]. أحبك فرعون فسلمت من شره، وأحبتك امرأته آسية فتبنتك. واستعملت لفظة الإلقاء للمبالغة في هذا المعنى، والعرب تقول إذا أحب الواحد منهم أخاه: ألقيت عليك رحمتي وشفقتي، فيكون هذا أبلغ من قولهم: رحمتك وأشفقت عليك (¬2).
وقوله تعالى: ﴿وَلِتُصْنَعَ﴾ قال المفسرون: (ولتربي تغذي) [[انظر: "تهذيب اللغة" (صنع) 2/ 2065، "القاموس المحيط" (صنع) ص 738، "الصحاح" (صنع) 3/ 1245، "لسان العرب" (صنع) 4/ 2508.]]. يقال: صنع الرجل جاريته، وصنعها إذا رباها، وصنع فرسه إذا داوم على علفه والقيام عليه، ومن هذا يقال: فلان صنيع فلان، وصنيعته، إذا رباه وأبه حتى يخرجه [["جامع البيان" 16/ 163، "الكشف والبيان" 3/ 17 ب، "معالم التنزيل" 5/ 273 ، "المحرر الوجيز" 10/ 30.]].
وقوله تعالى: ﴿عَلَى عَيْنِي﴾ ذكر المفسرون في تفسيره: (مرآى مني) [["النكت والعيون" 3/ 402، وذكرته كتب التفسير بدون لفظ الإرادة.
انظر: "تفسير القرآن" للصنعاني 1/ 16، "جامع البيان" 16/ 162، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 179، "الدر المنثور" 4/ 529.]]. وهو جائز من حيث اللفظ، ولكن لا يكون في هذا تخصيص لموسى، فإن جميع الأشياء بمرآى من الله لا يغيب عن رؤيته شيء. والصحيح في هذا ما روى قتادة أنه قال: (لتغذى على محبتي وإرادتي) (¬6). واختاره أبو عبيدة وذكره فقال: (أي لتربي وتغذي على محبتي وما أريد.
قال: والعرب تقول: اتخذه لي على عيني، أي على محبتي) [["مجاز القرآن" لأبي عبيدة 2/ 19.]].
وقال ابن الأنباري: (العين في هذه الآية يقصد بها قصد الإرادة والاختيار، من قول العرب: غذى فلان على عيني أي على المحبة مني والإشفاق) [[ذكره ابن الجوزي في "زاد المسير" 5/ 284، والألوسي في "روح المعاني" 16/ 190.
وقال ابن تيمية في "العقيدة الواسطية" ص 22: (إن عيني الله من صفاته الذاتية الثابتة له حقيقة على الوجه اللائق به ينظر بهما ويبصر ويرى ودليل ذلك قوله: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ ولا يجوز تفسيرها بالعلم ولا بالرؤية مع نفي العين لأنه مخالف لظاهر اللفظ وإجماع السلف على ثبوت العين لله). وأولى ما حملت عليه هذه الآية أن يقال فيها: أي: على نظر مني ومرئ فأنت بحفظي ورعايتي.
انظر: "الفتاوى" لابن تيمية 3/ 133، "تيسير الكريم الرحمن" 5/ 156، "القواعد المثلى في صفات الله وأسمائه الحسنى" ص 90.]].
وأنشد لخفاف بن ندبة [[البيت لخفاف بن ندبة، قاله بعد قتله لمالك بن حمار، سيد بني شمخ بن فزارة. انظر: " الشعر والشعراء" ص 212، "الخزانة" 5/ 443، "الأغاني" 13/ 135، "لسان العرب" (عين) 6/ 3199.]]:
إِن تَكُ خَيْلِي قَدْ أُصِيبَ صَمِيمُها ... فَعَمْدًا عَلى عَيْنٍ تَيَمَّمْتُ مَالِكَا
وذكر صاحب النظم في اللام التي في قوله: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ أوجهًا أحدها: (أنها متصلة بما قبلها، وهو قوله: ﴿إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّكَ مَا يُوحَى﴾؛ لأن ذلك الإيحاء كان من أسباب تربية موسى على ما أراد الله، وعلى هذا يجب أن تكون الواو مقحمة زائدة في ﴿وَلِتُصْنَعَ﴾. الثاني: أن اللام متصلة بما بعدها، وهو قوله تعالى: ﴿إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ﴾ كأن المعنى: ولتصنع على عيني قدرنا مشي أختك، وقولها: ﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَنْ يَكْفُلُهُ﴾ قال: وقيل أيضًا: ولتصنع على عيني فعلمنا ذلك، كما قلنا في مثل هذا في مواضع) [[ذكر نحوه بلا نسبة في "الكشاف" 2/ 537، "البحر المحيط" 6/ 242، "التفسير الكبير" 22/ 54، وقال: ويجوز أن تكون الواو مقحمة أي: ألقيت عليك محبة مني لتصنع، وهذا بعيد. وقال الألوسي في "روح المعاني" 16/ 190: وزعم أنه متعلق بألقت على أن الواو مقحمة ليس بشيء.]].
طه 20:40
قوله تعالى: ﴿إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ﴾ [يعني حين قالت لها أم موسى: قصيه فاتبعت موسى على أثر الماء.
وقوله تعالى: ﴿فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ﴾ [القصص: 12] الآية. [[في (ص) قال: (حين تركت موسى المراضع).]]، قال الفراء: (كثير وهو من كلام العرب أن تجتزي بحذف كثير من الكلام إذا كان المعنى معروفًا) [["معاني القرآن" للفراء 2/ 179.]].
وقوله تعالى: ﴿عَلَى مَنْ يَكْفُلُهُ﴾ أي: يرضعه ويضمه إليه [["جامع البيان" 16/ 163، "الكشف والبيان" 3/ 18 أ، "بحر العلوم" 2/ 340، "معالم التنزيل" 5/ 273، "زاد المسير" 5/ 285.]]، وذكرنا هذا عند قوله: ﴿وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا﴾ [آل عمران: 37]. فقيل له: ثم رددناك إليها كي تقر عينها بك وبرؤيتك. وذكرنا الكلام في قراءة العين عند قوله: ﴿وَقَرِّي عَيْنًا﴾ [مريم: 26].
وقوله تعالى: ﴿وَقَتَلْتَ نَفْسًا﴾ يعني: القبطي الذي وكزه موسى فقضى عليه [[كما قال سبحانه في سورة [القصص: 15]: {وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا == فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ}.]].
وقوله تعالى: ﴿فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ﴾ قال ابن عباس: [(يريد الهم الذي كنت تخافه من عذاب الله، ومن قتل فرعون، فخلصناك منه حين هربت إلى مدين) [[ذكرت كتب التفسير نحوه بدون نسبة.
انظر: "جامع البيان" 16/ 164، "زاد المسير" 5/ 285، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 164، "التفسير الكبير" 22/ 54، "ارشاد العقل السليم" 6/ 16.]].
وقوله: ﴿وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا﴾ قال ابن عباس في رواية علي بن أبي طلحة: (أختبرناك اختبارًا) [["جامع البيان" 16/ 164، "الكشف والبيان" 3/ 18 أ، "معالم التنزيل" 5/ 273، "زاد المسير" 5/ 285، "الدر المنثور" 4/ 529.]]. واختاره الزجاج، وابن قتيبة [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 357، "تفسير غريب القرآن" لابن قتيبة ص 279.]].
وقال الفراء: (أبتليناك بغم القتل) [["معاني القرآن" للفراء 2/ 179.]].
وتفسير ﴿وَفَتَنَّاكَ﴾ بالاختبار والابتلاء صحيح، إلا أنه لا يأتي بالمعنى هاهنا، والوجه ما ذكره ابن عباس في رواية عطاء قال: (يريد خلصناك إخلاصًا من الذبح وغيره) [["جامع البيان" 16/ 164، "الكشف" 2/ 237، "زاد المسير" 5/ 285.]]. وهذا قول سعيد بن جبير حين سأله عن الفتون ما هو؟ في حديث طويل [["جامع البيان" 16/ 164، "بحر العلوم" 2/ 340، "الكشف" 2/ 537، "ابن كثير" 3/ 164، وقال -رحمه الله- بعد أن ساق الحديث بطوله: وهو موقوف من كلام ابن عباس، وليس مرفوع إلا قليل منه، وكأنه تلقاه ابن عباس -رضي الله عنه- مما أبيح == نقله من الإسرائيليات عن كعب الأحبار أو غيره والله أعلم.
انظر: "الدر المنثور" 4/ 530، "مجمع الزوائد" للهيثمي 7/ 66، وقال: رواه أبو يعلى ورجاله رجال الصحيح غير أصبغ بن زيد، والقاسم بن أبي أيوب وهما ثقتان.]].
وعن مجاهد في رواية ابن أبي نجيح قال: (الفتون وقوعه في محنة خلصه الله منها أولها: أن أمه حملته في السنة التي كان يذبح الأطفال فيها، ثم: إلقاؤه في البحر، ثم: منعه الرضاع إلا من ثدي أمه، ثم: جره لحية فرعون حتى هم بقتله، ثم: تناوله الجمرة بدل الدرة، ثم: مجيء رجل من شيعته يسعى ليخبره بما عزموا عليه من قتله) [["جامع البيان" 16/ 164، "النكت والعيون" 3/ 403، "معالم التنزيل" 5/ 273، "زاد المسير" 5/ 285، "الجامع" 11/ 198.]]. وهذا معنى قولهما وقد اختصرته. وكان ابن عباس يقص القصة على سعيد بن جبير ويقول عند كل بلية: (هذا من الفتون يا ابن جبير) [["جامع البيان" 16/ 164، "بحر العلوم" 2/ 341، "الكشاف" 2/ 537، "زاد المسير" 5/ 285، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 164، "الدر المنثور" 4/ 530.]]. ويؤكد هذا ما روي عن سفيان أنه قال: (بلغني عن ابن عباس في هذه: ﴿وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا﴾ قال: بلاء على كل بلاء) [["زاد المسير" 5/ 285.]]. وعلى هذا معنى ﴿وَفَتَنَّاكَ﴾: خلصناك من تلك المحن، كما يفتن الذهب بالنار فيخلص من كل خبيث وشائب [[انظر (فتن) في: "تهذيب اللغة" 3/ 274، "مقاييس اللغة" 4/ 472، "القاموس المحيط" (1220)، "لسان العرب" ص 3344.]]. والفتون مصدر.
قال ابن الأنباري في القول الأول: (معناه الامتحان الذي يبتلى معه صبر الممتحن، والأنبياء وأهل الخير يختبرهم الله تعالى ليسعدهم، ويجعل حسن العقبى لهم، فتفسير: ﴿وَفَتَنَّاكَ﴾ ابتليناك بغم القتل، يعني: قتل القبطي. والفتنة] [[من قوله: (يعني حين قالت لها أم موسى ..) إلى هنا ساقط من نسخة (س)، ومن قوله: (يريد الهم الذي كنت تخافه ..) إلى هنا ساقط من نسخة (ص).]] في القول الثاني: الإخلاص من قولهم: فتنته [[قوله: (فتنه) ساقط من نسختي: (س، ص).]] فتنة في النار، إذا خلصته مما يتعلق به مما يفسده) [[ذكر نحوه بلا نسبة في "الكشاف" 2/ 537، "زاد المسير" 5/ 285، "البحر المحيط" 6/ 243.]].
وقوله تعالى: ﴿فَلَبِثْتَ سِنِينَ﴾ [نظم الآية: وفتناك فتونًا، فخرجت خائفًا إلى أهل مدين، فلبثت سنين] [[ما بين المعقوفين ساقط من نسخة (س).]] ولكنه من الحذف الذي ذكره الفراء [["جامع البيان" 16/ 167، "معاني القرآن" للفراء 2/ 179.]].
وقوله تعالى: ﴿فِي أَهْلِ مَدْيَنَ﴾ يعني بلد شعيب، وكان على ثمان مراحل من مصر. ﴿ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَا مُوسَى﴾ قال ابن عباس: (يريد موافقًا للنبوة؛ لأن الأنبياء لا يبعثون إلا أبناء أربعين سنة) [["الجامع لأحكام القرآن" 11/ 198.]].
وقال قتادة: (على قدر الرسالة والنبوة) [["تفسير القرآن" للصنعاني 2/ 16، "جامع البيان" 16/ 167، "النكت والعيون" 3/ 403، "ابن كثير" 3/ 164.]].
وقال ابن كيسان: (على رأس أربعين سنة، وهو القدر الذي يوحى فيه إلى الأنبياء) [["الكشف والبيان" 3/ 18 أ، "معالم التنزيل" 5/ 274، "القرطبي" 11/ 198.]]. والعرب تقول: جاء فلان على قدر، إذا جاء لميقات الحاجة إليه [["جامع البيان" 16/ 167، "تهذيب اللغة" (قدر) 3/ 2896، "لسان العرب" (قدر) 11/ 3545.]]، قال جرير [[البيت لجرير من قصيدة يمدح فيها عمر بن عبد العزيز -رحمه الله-.
انظر: "ديوانه" ص 211، "جامع البيان" 16/ 168، "النكت والعيون" 3/ 404، "الأضداد" ص 279، "أمالي المرتضى" 2/ 57، "همع الهوامع" 1/ 167.]]:
نَالَ الخِلاَفَةَ إِذْ كَانَتْ لَه قَدَرًا ... كَمَا أَتَى رَبَّهُ مُوسَى عَلَى قَدَرِ
وعلى هذا معنى القدر: قدر السن [الذي هو: أربعون سنة] [[ما بين المعقوفين ساقط من نسخة (س).]] وهو مبلغه. قال الزجاج: (قيل: على قدر من تكليمي إياك) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 357.]]. وهو هذا المعنى الذي ذكرناه وإنما لم يوصف القدر وهو نكره؛ لأنه معلوم عند الله، وعند الناس كم هو. وقال مجاهد: (﴿عَلَى قَدَرٍ﴾ علي موعد) [["جامع البيان" 16/ 168، "تفسير كتاب الله العزيز" 3/ 38، "النكت والعيون" 3/ 403، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 198، "ابن كثير" 3/ 157.]]. وهذا أيضًا بالمعنى الأول؛ لأنه لم يسبق بين الله وموسى مواعدة للمجيء حتى يقال: إن موسى أتى على ذلك الوعد، ولكن المعنى: على الموعد الذي وعده الله وقدره في علمه أن يوحي إليه الرسالة وهو أربعون سنة. وهذا معنى قول محمد بن كعب: (ثم جئت على القدر الذي قدرت أنك تجيء) [["الكشف والبيان" 3/ 18 أ، "معالم التنزيل" 5/ 274، "القرطبي" 11/ 198.]].
وقال الفراء: (يريد على ما أراد الله من تكليمه) [["معاني القرآن" للفراء 2/ 179.]]. يعنىِ على ذلك السن. وقال الكلبي: (وافق الكلام عند الشجرة) [["الكشف والبيان" 3/ 18 أ.]].
وقال الليث: (وإذا وافق الشيء الشيء قلت: جاء قدره) [["تهذيب اللغة" (قدر) 3/ 2896.]]. وروى مغيرة [[مغيرة بن مقسم الضبي أبو هاشم، مولاهم، الكوفي، الأعمى أحد الأئمة الأعلام، ومن رواة السنة، روى عن إبراهيم النخعي، وروى عنه الثوري، وثقه العلماء وكان ذكيًا، حافظًا، صاحب سنة توفي -رحمه الله- سنة 136 هـ وقيل غير ذلك. انظر: "الطبقات لابن سعد" 6/ 235، "الجرح والتعديل" 4/ 228، "التذكرة" للذهبي 1/ 135، "ميزان الاعتدال" 2/ 496، "تهذيب التهذيب" 10/ 269، "شذرات الذهب" 1/ 191.]] عن إبراهيم: (أنه كان يكره أن يضرب المثل في القرآن) [[لم أهتد إليه.]]. مثل قوله: ﴿ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَا مُوسَى﴾.
طه 20:41
قوله تعالى: ﴿وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾ الاصطناع: اتخاذ الصنيعة وهي الخير تسديه إلى الإنسان، وهذا افتعال من الصنع [[انظر: "تهذيب اللغة" (صنع) 2/ 2065، "القاموس المحيط" (صنع) ص 738، "الصحاح" (صنع) 3/ 1245، "لسان العرب" (صنع) 4/ 2508.]]. قال الشاعر [[البيت لهذيل الأشجعي. انظر: "تهذيب اللغة" (صنع) 2/ 2065، "الكامل" 2/ 123.]]:
فَإذا اصْطَنَعْتَ صَنِيعَة فَاقْصد بِها ... الله ولِذَوي القَرَابة أَودَع
ومعنى ﴿وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾ قال ابن عباس: (يريد اصطنعتك لوحيي ورسالتي) [["زاد المسير" 5/ 286، "القرطبي" 11/ 198،"روح المعاني" 16/ 193.]].
وقال الكلبي [[في (س): (قال الكلبي: تقول اخترتك).]]: (اخترتك بالرسالة لنفسي، لكي تحبني وتقوم بأمري) [[ذكرت كتب التفسير نحوه بدون نسبة. انظر: "جامع البيان" 16/ 168، "معالم التنزيل" 5/ 274، "زاد المسير" 5/ 286، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 170، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 199.]].
قال أهل المعاني: (معنى ﴿لِنَفْسِي﴾ لتتصرف بإرادتي ومحبتي). وجاز ﴿لِنَفْسِي﴾ بمعنى لمحبتي؛ لأن المحبة أخص شيء بالنفس، فحسن أن يجعل ما اختص بها مختصًّا بالنفس على هذا الوجه. وهذا معنى قول ابن عباس: (لوحيي ورسالتي) [["زاد المسير" 5/ 199، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 198 "روح المعاني" 16/ 193.]]. لأن تبليغه الوحي وقيامه بأداء الرسالة تصرف على إرادة الله تعالى ومحبته [[قال ابن أبي العز في "شرح العقيدة الطحاوية" 1/ 264: وأما لفظ الأركان والأعضاء والأدوات فيستدل بها النفاة على نفي بعض الصفات الثابتة بالأدلة القطعية كاليد والوجه قال أبو حنيفة: (له يد ووجه ونفس كما ذكر تعالى في القرآن من ذكر اليد والوجه والنفس فهو له صفة بلا كيف) فالألفاظ الشرعية صحيحة المعاني سالمة من الاحتمالات الفاسدة، فلذلك يجب أن لا يعدل عن الألفاظ الشرعية نفيًا ولا إثباتًا لئلا يثبت معنى فاسد أو ينفى معنى صحيح وكل هذه الألفاظ المجملة عرضة للمحق والمبطل.
وقال ابن كثير في "تفسيره" 3/ 170: أي: اصطفيتك واجتبيتك رسولاً لنفسي أي: كما أريد وأشاء.
انظر: "الفقه الأكبر" ص 36، "تيسير الكريم الرحمن" 5/ 158، "القواعد المثلى في صفات الله وأسمائه الحسنى".]].
وقال بعضهم: (معنى ﴿وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾: اخترتك بالإحسان إليك لإقامة حجتي) [["المحرر الوجيز" 10/ 32، "روح المعاني" 16/ 193.]]. أي: لتتكلم عني وتبلغ عني وتقيم حجتي على خلفي. وهذا ظاهر في معنى لنفسي، وقد كشف عنه أبو إسحاق فقال: (تأويله: اخترتك لإقامة حجتي، وجعلتك بيني وبين خلقي حتى صرت في الخطاب عني والتبليغ عني بالمنزلة التي أكون أنا بها لو خاطبتهم واحتججت عليهم) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 365.]].
طه 20:42
قوله تعالى: ﴿اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ بِآيَاتِي﴾ قال ابن عباس: (يعني الآيات التسع التي بعث بها موسى) [["معالم التنزيل" 5/ 274، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 198، "روح المعاني" 16/ 193. ويشهد لذلك قوله سبحانه في سورة [الإسراء: 101]: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ فَاسْأَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِذْ جَاءَهُمْ فَقَالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا مُوسَى مَسْحُورًا﴾.]].
وقال آخرون: (بحججي) [["جامع البيان" 16/ 168، "زاد المسير" 5/ 286، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 170، "لباب التأويل" 4/ 270.]].
وقال ابن الأنباري: (يجوز أن يريد ﴿بِآيَاتِي﴾ العصا، واليد، وأوقع عليهما اسم الجمع، ويجوز أن يريدهما مع حل العقدة من لسانه التي لم يزل موسى يعرف بها) [[ذكره ابن الجوزي في "زاد المسير" 5/ 287، وذكر بلا نسبة في "الكشف والبيان" 3/ 18 أ، "التفسير الكبير" 22/ 57، "البحر المحيط" 6/ 245.]].
قال الكلبي: (وكان هارون يومئذ بمصر، فألهم أن يتلقى موسى، فتلقاه من مصر، فلما لقي موسى قال له موسى: إن الله أمرني أن آتي فرعون فسألت ربي أن يجعلك معي) [["الكشف والبيان" 3/ 18 أ، وذكره البغوي في "تفسيره" 5/ 274 بدون نسبة، وكذلك ابن الجوزي في "زاد المسير" 5/ 287.]].
وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَنِيَا﴾ أي: (لا تضعفا ولا تفترا)، قاله المفسرون [["تفسير القرآن" للصنعاني 2/ 16، "جامع البيان" 16/ 169، "الكشف والبيان" 3/ 18 أ، "تفسير كتاب الله العزيز" 3/ 39، "بحر العلوم" 2/ 344.]].
يقال: وَنَى، يَنِي، وَنْيًا، ووَانٍ إذا ضعف [[انظر: "تهذيب اللغة" (وني) 4/ 3960، "مقاييس اللغة" (وني) 6/ 146، "القاموس المحيط" (الونى) 4/ 1344، "الصحاح" (وني) 6/ 2531، "لسان العرب" (وني) 8/ 4928.]]. قال العجاج [[البيت لرؤبة بن العجاج. انظر: "ديوانه" ص 15، "جامع البيان" 16/ 169، "النكت والعيون" 3/ 404.]]:
فَمَا وَنَى مُحَمَد مُذْ أَنْ غَفَر ... لَه الإِلَه مَا مَضَى ومَا غَبَر
ويقال: هو وَانٍ في الأمر ومُتَوَان.
وقوله تعالى: ﴿فِي ذِكْرِي﴾ قال الفراء: (في ذكري، وعن ذكري سواء) [["معاني القرآن" للفراء 2/ 179.]]. والمعنى: لا تقصرا في ذكري بالإحسان إليكما والإنعام عليكما. وذكر النعمة شكرها.
طه 20:43
قوله تعالى: ﴿اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ﴾ تكرير الأمر بالذهاب للتأكيد. ﴿إنه طغى﴾ قد مر في هذه السورة [[عند قوله سبحانه: ﴿اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى﴾ [طه: 24].]].
طه 20:44
﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا﴾ ذكر ابن عباس فيه قولين: أحدهما: (كنياه) [["زاد المسير" 5/ 288، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 200، "الدر المنثور" 4/ 536، "روح المعاني" 16/ 195.]]، وهو قول عكرمة، والسدي [["جامع البيان" 16/ 169، "الكشف والبيان" 18/ 3 أ، "النكت والعيون" 3/ 405، "معالم التنزيل" 5/ 274.]].
واختلفوا في كنيته فقيل: أبو العباس، وأبو الوليد، وأبو مرة [[الكشف والبيان" 3/ 18 أ، "النكت والعيون" 3/ 405، "معالم التنزيل" 5/ 274، "زاد المسير" 5/ 288.]].
والثاني: (أن القول اللين هو: أن موسى أتاه فقال له: تسلم وتؤمن بما جئت به، وتعبد رب العالمين على أن لك شبابك فلا تهرم إلى الموت، وملكًا لا ينزع منك حتى تموت، ولا ينزع منك لذة المطعم والمشرب والنكاح حتى تموت، وينسى في أجلك أربع مائة سنة، فإذا مت دخلت الجنة) [[انظر المراجع السابقة والذي يظهر لي -والله أعلم- أن هذا من أخبار بني إسرائيل، ولم يصح في ذلك شيء ولو كان في التفصيل هذا منفعة لنا لبينه القرآن الكريم وذكرته السنة النبوية.]]. فهذه الكلمات اللينات التي أتى بها موسى فرعون، وهذا معنى قول ابن عباس في رواية عطاء، وأبي صالح السدي عن أبي مالك، ومرة عن ابن مسعود، وناس من الصحابة [["معالم التنزيل" 5/ 274، "زاد المسير" 5/ 288.]].
وقال مقاتل: يعني بالقول اللين: ﴿فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى (18) وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى﴾ [النازعات: 19،18] [["الكشف والبيان" 3/ 18 أ، "معالم التنزيل" 5/ 274، "تفسير مقاتل" 2 أ. وقال القرطبي -رحمه الله- في "تفسيره" 11/ 200: القول اللين هو: القول الذي لا خشونة فيه، يقال: لان الشيء يلين لينا، وشيء لين ولين مخفف منه، والجمع أليناء، فإذا كان موسى أمر بأن يقول لفرعون قولاً لينا، فمن دونه أحرف بأن يقتدى بذلك في خطابه، وأمره بالمعروف في كلامه.]].
وقوله تعالى: ﴿لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ أي: ادعوه على الرجاء والطمع، لا على الناس من فلاحه، فوقع التعبد لهما على هذا الوجه؛ لأنه أبلغ في دعائه إلى الحق بالحرص الذي يكون من الراجي [["معالم التنزيل" 5/ 275، "المحرر الوجيز" 10/ 33، "القرطبي" 11/ 200.]].
وقد كشف أبو إسحاق عن هذا المعنى فقال: (خاطب الله العباد بما يعقلون، والمعنى في هذا عند سيبويه: اذهبا على رَجَائِكُمَا وطَمَعكُما [["الكتاب" لسيبويه 2/ 148.]]. والعلم من الله قد أتى من رواء ما يكون، وإنما تبعث الرسل وهي لا تعلم الغيب، ولا تدري أيقبل منها أم لا، وهم يرجون ويطمعون أن يقبل منهم، ومعنى (لعل) متصور في أنفسهم، وعلى تصور ذلك تقوم الحجة، وليس علم الله بما سيكون يجب به الحجة على الآدميين، ولو كان ذلك لم يكن في الرسل فائدة) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 357.]].
وقال ابن الأنباري: (مذهب الفراء في ﴿لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ﴾ كي يتذكر ويخشى في تقديركما وما تمضيان عليه) [[ذكره ابن الجوزي في "زاد المسير" 5/ 288، "البحر المحيط" 6/ 246.]].
طه 20:45
قوله تعالى: ﴿قَالَا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا﴾ أي: يبادر ويعجل بعقوبتنا. قاله ابن عباس، ومجاهد، والمفسرون [["جامع البيان" 16/ 170، "تفسير كتاب الله العزيز" 3/ 39، "النكت والعيون" 3/ 405، "معالم التنزيل" 5/ 275، "زاد المسير" 5/ 289.]]. وجميع أهل اللغة. [يقال: فَرَطَ علينا فلان إذا عجل بمكروه، وفَرَطَ منه أمرًا أي: بدر وسبق [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 3/ 358، "تهذيب اللغة" (فرط) 3/ 2773، "مقاييس اللغة" (فرط) 4/ 490، "القاموس المحيط" (فرط) ص 680، "الصحاح" (فرط) 3/ 1148، "المفردات في غريب القرآن" (فرط) ص 376.]].
وقال الكسائي] [[ما بين المعقوفين ساقط من الأصل ومن (ص).]]: (يقال: فَرَطَ عليهم، يَفْرُطُ، فُرُوطًا، وفَرْطًا، وفُرطَانا) [[ذكرت نحوه كتب اللغة بدون فسبة. انظر: "تهذيب اللغة" 3/ 2773، "لسان العرب" 6/ 3389، "المعجم الوسيط" (فرط) 2/ 683.]].
وقال الأصمعي: (يقال: فَرَطْتُ القوم، وأنا أَفْرِطُهم فَرْطًا إذا تقدمتهم، ومنه الفَارِطُ والفَرَطُ إلى الماء) [["تهذيب اللغة" (فرط) 3/ 2773.]]. وذكرنا هذا الحرف عند قوله: ﴿وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ﴾ [النحل: 62].
وقال ابن الأعرابي: (الفَرَطُ: العجلة، يقال: فَرَطَ يَفْرُطُ) [["تهذيب اللغة" (فرط) 3/ 2773.]].
وقوله تعالى: (أو أن يطغى) أي: يجاوز الحد في الإساءة بنا.
قال الكلبي: (يقتلنا) [[ذكرته كتب التفسير بدون نسبة انظر: "الكشف والبيان" 3/ 18 ب، "معالم التنزيل" 5/ 275، "لباب التأويل" 4/ 270، "روح المعاني" 5/ 19.]].
طه 20:46
﴿قَالَ لَا تَخَافَا﴾ جواب لقولهما: ﴿إِنَّنَا نَخَافُ﴾ [وقوله: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا﴾ وعد لهما في النصرة والمعونة والغلبة] [[ما بين المعقوفين ساقط من الأصل ومن (ص).]] [[إن ما جاء في القرآن من ألفاظ المعية حق على حقيقته وظاهره، يقول الشيخ ابن عثيمين في "القواعد المثلى" ص 71: إن ظاهره وحقيقته أن الله تعالى مع خلقه معية تقتضي أن يكون محيطًا بهم علمًا وقدرة وسمعًا وبصرًا وتدبيرًا وسلطانًا وغير ذلك من معاني ربوبيته مع علوه على عرشه فوق جميع خلقه.
وقال ابن سعدي في "تفسيره" 5/ 160: أي: أنتما بحفظي ورعايتي أسمع قولكما وأرى جميع أحوالكما فلا تخافا منه. انظر: "الفتاوي" لابن تيمية 5/ 103، "العقيدة الواسطية" ص 33.]].
وقوله تعالى: ﴿أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ قال ابن عباس: (أسمع دعاءكما فأجيبه، وأرى ما يراد بكما فأمنع) [["معالم التنزيل" 5/ 275.]]. والمعنى: لست بغافل عنكم فلا تهتما [[السمع والرؤية من صفات الله عز وجل الثابتة له على الوجه اللائق به عز وجل نثبتها له كما == أثبتها لنفسه من غير تحريف ولا تعطل ولا تشبيه ولا تمثيل، وقد يراد مع إدراك السمع والرؤية النصر والتأييد. انظر: "العقيدة الواسطية" ص 25، "الفتاوى" لابن تيمية 3/ 134، "القواعد المثلى في صفات الله وأسمائه الحسنى".]].
طه 20:47
قوله تعالى: ﴿قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ﴾ قيل: العصا [["تفسير كتاب الله العزيز" 3/ 39، "بحر العلوم" 2/ 345، "زاد المسير" 5/ 290، "القرطبي" 11/ 203.]]، وقيل: اليد [["تفسير كتاب الله العزيز" 3/ 39، "بحر العلوم" 2/ 345، "زاد المسير" 5/ 290.]].
وقال ابن الأنباري: (أراد جميع [[قوله: (جميع) ساقط من نسخة (س).]] آيات موسى، فذكرها بلفظ الواحد، كما تقع اللفظة على جماعة الألفاظ والكلمة على جملة الكلمات) [[ذكر نحوه بلا نسبة في "الكشاف" 2/ 539، "المحرر" 10/ 35، "البحر المحيط" 6/ 246، "روح المعاني" 16/ 198، وقال: وتوحيد الآية مع تعددها لأن المراد إثبات الدعوى ببرهانها لا بيان الحجة فكأنه قيل: جئناك بما يثبت مدعانا.]]. ﴿وَالسَّلَامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى﴾ قال عطاء عن ابن عباس: (يريد من الله عز وجل على من اتبع البيان الذي جاء به موسى) [[ذكرت كتب التفسير نحوه بدون نسبة. انظر: "جامع البيان" 16/ 171، "زاد المسير" 5/ 290، "الجامع لأححَام القرآن" 11/ 204.]].
وقال أبو إسحاق: (ليس يعني به التحية، وإنما معناه: أن من اتبع الهدى يسلم من عذاب الله وسخطه، والدليل على أنه ليس سلام: أنه ليس ابتداء لقاء وخطاء) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 358.]]. والذي ذكره عطاء يحتمل التحية ويحتمل ما قاله أبو إسحاق.
وقال الفراء: (يريد والسلامة على من أَتبع الهدى، ولمن ابتع الهدى واحد. قال: ويدل على صحة هذا المعنى.
طه 20:48
قوله تعالى: ﴿إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنَا أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾) [["معاني القرآن" للفراء 2/ 180.]]. أي: إنما يعذب الله تعالى من كذب بما جئنا به، وأعرض عنه، فأما من اتبعه فإنه يسلم من العذاب.
وقيل: هذه أرجى آية [[في (س): (إنه)، وهو تصحيف.]] في كتاب الله للمؤمنين، وذلك أن الله أوحى إليهما أن العذاب على من كذب أنبياء الله وأعرض عن الإيمان [["الكشف والبيان" 3/ 18 ب، "القرطبي" 11/ 204، "البحر المحيط" 6/ 247.]]. و ﴿الْعَذَابَ﴾ هاهنا اسم الجنس وظاهر هذا موجب أن من صدق وآمن لم يكن عليه شيء من العذاب.
طه 20:49
وقوله تعالى: ﴿قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا﴾ قال أبو إسحاق: (المعنى فأتياه فقالا له ما أخبر الله في كتابه، فقال لهما فرعون: ﴿فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى﴾ دليل على أنهما أتياه فقالا له) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 358.]]. وفي قوله: ﴿فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى﴾ وجهان أحدهما: أن المعنى فمن ربك وربه يا موسى، فغلب الخطاب؛ لأن المخاطب كان موسى دون هارون. [الثاني: أن كليهما مخاطب، ترك ذكر هارون] [[ما بين المعقوفين ساقط من نسخة (س).]] اكتفاء بموسى ولموافقة رؤوس الآي [["الكشف والبيان" 3/ 18 ب، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 204.]]. ويدل على أن المخاطب موسى دون هارون قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبُّنَا﴾ ولم يقل: قالا ولو كان الخطاب لهما كان الجواب منهما.
طه 20:50
وقوله تعالى: ﴿أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ﴾ فيه وجهان أحدهما: ما قاله مجاهد وهو أنه قال: (لم يجعل خلق الإنسان كخلق البهائم، ولا خلق البهائم كخلق الإنسان، ولكن خلق كل شيء فقدره تقديرًا) [["جامع البيان" 16/ 172، "الكشف والبيان" 3/ 18 ب، "معالم التنزيل" 5/ 276، "زاد المسير" 5/ 291، "القرطبي" 11/ 204، "الدر المنثور" 4/ 538.]]. وأكثر أقوال المفسرين تعود على هذا. قال عطية، ومقاتل: (﴿أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ﴾ يعني صورته) [["الكشف والبيان" 3/ 18 ب، "زاد المسير" 5/ 291، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 205، "البحر المحيط" 6/ 247.]]. فهذا كقول مجاهد؛ لأن المعنى خلق كل جنس من الحيوان على صورة أخرى.
وقال الحسن، وقتادة: (أعطى كل شيء صلاحه وما يصلحه) [["تفسير القرآن" للصنعاني 1/ 16، "جامع البيان" 16/ 172، "تفسير كتاب الله العزيز" 3/ 40، "بحر العلوم" 2/ 345، "النكت والعيون" 3/ 406.]]. والمعنى ما يصلحه من الخلق والصورة، فكل شيء أعطي من الصورة ما يصلح لما خلق له.
وقوله تعالى: (ثم هدى) قالوا: هداه لما يصلحه من معيشته ومشربه ومنكحه إلى غير ذلك. وهذا القول اختيار أبي إسحاق وبينه فقال: (معناه: خلق كل شيء على الهيئة التي بها ينتفع، والتي هي أصلح الخلق له، ثم هداه لمعيشته) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 358.]]. وقال عطاء عن ابن عباس: (يريد أتقن كل ما خلق) [[ذكرته كتب التفسير بدون نسبة. انظر: "جامع البيان" 16/ 172، "المحرر الوجيز" 10/ 36، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 172.]]. والمعنى على هذا: أعطى كل شيء تمام خلقه.
[الوجه الثاني في تفسير هذه الآية قول الكلبي، والسدي قالا: (أعطى الرجل المرأة، والبعير الناقة، والذكر الأنثى من جنسه) [["جامع البيان" 16/ 172، "تفسير القرآن" للصنعاني 2/ 16، "تفسير كتاب الله العزيز" 3/ 40، "زاد المسير" 5/ 291، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 204.]]. وعلى هذا المعنى أعطى كل شيء من جنس خلقه] [[ما بين المعقوفين ساقط من الأصل ومن نسخة (ص).]]. وصرح السدي بهذا اللفظ قال: (أعطى الذكر الأنثى مثل خلقه (ثم هدى) قال: إلى الجماع) [["جامع البيان" 16/ 172، "زاد المسير" 5/ 291، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 204.]].
وهو قول الكلبي [["تفسير القرآن" للصنعاني 2/ 16، "تفسير كتاب الله العزيز" 3/ 40.]]. والمعنى: ألهم كيف يأتي الذكر الأنثى في النكاح. وهذا القول اختيار ابن قتيبة [["تفسير غريب القرآن" ص 279.]]، والفراء. قال الفراء: (أعطى الذكر من الناس امرأة مثله من صنفه، والشاة شاة، والثور بقرة (ثم هدى) ألهم الذكر المأتى) [["معاني القرآن" للفراء 2/ 181.]].
قال أبو إسحاق: (وهذا التفسير جائز؛ لأنا نرى الذكر من الحيوان يأتي الأنثى، ولم يرى ذكرًا قد أتى أنثى قبله، فألهمه الله ذلك وهداه إلى المأتى. قال: والقول الأول ينتظم هذا المعنى؛ لأنه إذا هداه لمصلحته فهذا داخل في المصلحة) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 359.]].
وروي عن الضحاك قول آخر في ﴿أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ﴾ قال: (يعني اليد: البطش، والرجل: المشي، واللسان: النطق، والعين: البصر، والأذن: السمع) [["الكشف والبيان" 3/ 19 أ، "معالم التنزيل" 5/ 277، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 205، "أضواء البيان" 4/ 418.]]. والمعنى على هذا: أعطى كل عضو من الأعضاء ما خلق له من النفع الذي فيه [[قال الشنقيطي -رحمه الله- في "أضواء البيان" 4/ 419: ولا مانع من شمول الآية الكريمة لجميع الأقوال المذكورة، لأنه لا شك أن الله أعطى الخلائق كل شيء يحتاجون إليه في الدنيا ثم هداهم إلى طريق الانتفاع به، ولا شك أنه أعطى كل صنف شكله وصورته المناسبة له، وأعطى كل ذكر وأنثى الشكل المناسب له من جنسه في المناكحة والألفة والاجتماع، وأعطى كل عضو شكله الملائم للمنفعة المنوطة به فسبحانه جل وعلا.]]. والخلق في هذا القول في معنى المخلوق، والبطش والمشي والنظر وهذه المعاني كلها مخلوق لله تعالى، أودعها الأعضاء وأعطاها. والاحتجاج على فرعون من هذا الجواب: أنه قد ثبت خلق وهداية لا خلاف، ولابد لهما من خالق وهاد، ذلك الخالق والهادي هو الرب، لا رب غيره، فلما دعاه إلى دين الله وإتباع الهدى واحتج عليه بأن الرب هو الخالق الهادي.
طه 20:51
قال له فرعون: ﴿قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى﴾ قال ابن عباس: (يريد ما حال القرون التي مضت) [[ذكرت كتب التفسير نحوه بدون نسبة. انظر: "جامع البيان" 16/ 173، "معالم التنزيل" 5/ 277، "زاد المسير" 5/ 291، "لباب التأويل" 4/ 271، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 205.]]. ومعنى البال هاهنا: الحال والشأن [[انظر: "تهذيب اللغة" (بال) 1/ 263، "الصحاح" (بول) 4/ 1642، "لسان العرب" (بول) 1/ 389، "المفردات في غريب القرآن" (بال) ص 67، "مختار الصحاح" (بول) ص 28.]].
والمعنى: ما حالها فإنها لم تقر بالله وبما تدعو إليه، ولكنها عبدت الأوثان. ويعني بالقرون الأولى: الأمم المتقدمة مثل: قوم نوح، وعاد، وثمود.
طه 20:52
فقال موسى: ﴿عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي﴾ قال أبو إسحاق: (أي أعمالهم محفوظة عند الله يجازي بها) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 359.]]. وعلى هذا يكون التقدير: علم أعمالها عند ربي ﴿فِي كِتَابٍ﴾ قال الكلبي: (اللوح المحفوظ) [[ذكرته كتب التفسير بدون نسبة.
انظر: "الكشف والبيان" 3/ 19 أ، "بحر العلوم" 2/ 345، "معالم التنزيل" 5/ 277، "المحرر الوجيز" 10/ 40، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 205.]]. والمعنى: أن أعمالهم مكتوبة مثبتة. ومعنى هذا الجواب أنهم يجازون بما عملوا، وأنت تجازى بما تعمل، كما قال في آية أخرى: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [البقرة: 134].
وقوله تعالى: ﴿لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى﴾ تأكيد وتحقيق للجزاء بالأعمال. قال: يريد لا يترك من كفر به حتى ينتقم منه، ولا ينسى من وحده حتى يجازيه. وقال الكلبي: (لا يخطئ ربي ولا ينسى ما كان من أمرهم، حتى يوافيهم بأعمالهم بالحسن حسنًا وبالسيئ سيئًا) [[ذكرت كتب التفسير نحوه بدون نسبة.
انظر: "جامع البيان" 16/ 173، "معالم التنزيل" 5/ 277، "زاد المسير" 5/ 292، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 208.]].
قال الفراء: (يقال أضللت الشيء: إذا ضاع منك مثل: الدابة وما أشبهها إذا انفلت منك، وإذا أخطأت موضع الشيء الثابت مثل: الدار والمكان، قلت: ضللته ولا يقال أضللته) [["معاني القرآن" للفراء 2/ 181.]].
وقال أبو إسحاق: (ضَلَلْتُ الشيء أَضِلُّه إذا جعلته في مكان لم تدر أين هو، وأَضْلَلْتُه أضعته) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 359.]]. وتقدير الآية: لا يضله ربي ولا ينساه، يعني به الكتاب، ويجوز لا يضلها ولا ينساها، يعني به القرون. هذا كلامهما، والمعنى على ما ذكر الفراء: لا يخطئ ربي كما ذكره الكلبي. وعلى ما ذكر أبو إسحاق معنى يضل: ينسى. وقد قال مجاهد: (يضل ربي ولا ينسى هما شيء واحد) [["جامع البيان" 16/ 173، "الكشف والبيان" 3/ 19 أ، "بحر العلوم" 2/ 345 ، "الدر المنثور" 4/ 538.]]. وقال السدي: (لا يغفل ولا يترك شيئًا) [["بحر العلوم" 2/ 345.]]. فجعل النسيان بمعنى: الترك. وفي قول مجاهد النسيان معناه: ضد الذكر.
وقال أبو عمرو: (يقال أَضْلَلْتُ بعيري: إذا كان معقولاً فلم يهتد لمكانه، وأَضْلَلْتُه إِضْلاَلاً: إذا كان مطلقًا فذهب ولا يدري أين ذهب وأخذ، وكل ما جاء من الضَّلال من قِبَلِك قلت: ضَلَلْتُه، وما جاء من المفعول به قلت: أَضْلَلْته. قال: وأصل الضلال: من الغيبوبة، يقال: ضَلَّ الماء في اللبن إذا غاب، وضَلَّ الكافر غاب عن الحجة، وضَلَّ الناسي إذا غاب عن حفظه) [["تهذيب اللغة" (ضل) 3/ 2129، "لسان العرب" (ضلل) 5/ 2602.]].
وقوله تعالى: ﴿لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى﴾ أي: لا يغيب عن شيء ولا يغيب عنه شيء.
وقال ابن الأنباري: (مذهب مقاتل في هذه الآية: أن عدو الله فرعون كان قد قال له مؤمن آل فرعون: {إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزَابِ (30) مِثْلَ مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ} [غافر: 31 - 31]. وكان هذا في قلب فرعون يحب أيعلم حالاتهم، فلما أورد موسى عليه الآية الباهرة التي عجز عن معارضتها أحب أن يعلم من جهته أخبارهم، ولم يكن عند موسى في ذلك الوقت علم بأخبارهم؛ لأنه عرف أخبار القرون من التوراة ولم تنزل التوراة على موسى إلا بعد هلكة فرعون وغرقه) [["تفسير مقاتل" 3 أ، "النكت والعيون" 3/ 407، "زاد المسير" 5/ 292.]]. فلذلك قال موسى: ﴿عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ﴾ يعني: اللوح المحفوظ، ﴿لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى﴾ قال وذهب الأولون إلى أن المعنى في: ﴿لَا يَضِلُّ رَبِّي﴾ لا يضل الكتاب من ربي. قال وهذا باطل؛ لأن الخافض لا يحتمل له سقوط في مثل هذا المكان، لا يجوز أن تقول: سقط الدرهم كمك. وأنت تريد من كمك، كذلك هاهنا لا يجوز) [[ذكر نحوه بلا نسبة في "الكشاف" 2/ 539، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 208، "البحر المحيط" 6/ 248، "إملاء ما من به الرحمن" 1/ 122.]].
طه 20:53
قوله تعالى: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا﴾ وقرئ: مهدًا [[قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، ونافع، وابن عامر: (مهادا) بالألف. وقرأ عاصم، وحمزة، والكسائي: (مهدا) بغير ألف.
انظر: "السبعة" ص 418، "الحجة للقراء السبعة" 5/ 223 "التبصرة" ص 259، "المبسوط في القراءات" ص 248.]]. قال أبو علي: (المهد مصدر كالفرش، والمهاد مثل الفِراش والبِساط، وهما اسم ما يفرش ويبسط، ويجوز أن يكون المهد استعمل استعمال الأسماء فجمع كما يجمع فَعْل على فِعَال والأول أبين، قال: ويجوز أن يكون المعنى في قوله: ﴿مَهْدًا﴾ ذات مهد، فيكون في المعنى كقول من قال: مهادًا) [["الحجة للقراء السبعة" 5/ 223.]].
وقوله تعالى: ﴿وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا﴾ السلك: إدخال الشيء في الشيء يسلكه فيه قال الله تعالى: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ﴾ [المدثر: 42]، والطاعن يسلك الرمح في المطعون [[انظر: "تهذيب اللغة" (سلك) 2/ 173، "مقاييس اللغة" (سلك) 3/ 97 ، "القاموس المحيط" (سلك) ص 943، "الصحاح" (سلك) 4/ 1591، "لسان العرب" (سلك) 4/ 2073.]]. أدخل في الأرض لأجلكم طرقًا تسلكونها، كما قال ابن عباس: (سهل لكم فيها طرقًا) [["معالم التنزيل" 5/ 278، وذكره الطبري في "تفسيره" 16/ 174 بدون نسبة.]].
ولما كانت الطرق المسلوكة ممتدة على الأرض ظاهرة عليها جعلت كأنها مسلوكة فيها، وإن كانت من الأرض تشبيهًا بالشيء الذي يسلك في الشيء. ﴿وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾ يعني: المطر ﴿فَأَخْرَجْنَا بِهِ﴾ قال صاحب النظم: (تم الإخبار والحكاية عن موسى عند قوله: ﴿مَاءً﴾ ثم أخبر الله تعالى عن نفسه متصلاً بالكلام الأول بقوله: ﴿فَأَخْرَجْنَا﴾ يدل على هذا قوله: ﴿كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ﴾ [طه: 54]، قال: وقد قيل: إن معناه مضاف إلى موسى على تأويل: الذي أنزل من السماء ماء فأخرجنا نحن معاشر عباده ﴿بِهِ﴾ بذلك الماء ﴿أَزْوَاجًا مِنْ نَبَاتٍ شَتَّى﴾ على الحراثة، أي: إنما حرثناه بذلك الماء، ولولا ذلك الماء ما نبت كما قال سبحانه: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ﴾ [الواقعة: 63]، فأضاف الحراثة إليهم) [[لم أقف على قول صاحب النظم. وذكر نحوه "المحرر الوجيز" 10/ 40، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 29، "التفسير الكبير" 22/ 68، "روح المعاني" 16/ 206.]].
وقوله: ﴿أَزْوَاجًا مِنْ نَبَاتٍ شَتَّى﴾ قال ابن عباس: (يريد أصنافًا من النبات مختلفة) [["جامع البيان" 16/ 174، "الدر المنثور" 4/ 539.]]. وقال الكلبي: (﴿شَتَّى﴾ مختلفاً ألوانه أبيض وأحمر وأخضر وأصفر كل لون منها زوج) [[ذكره البغوي في "تفسيره" 5/ 278 بدون نسبة.]].
وقال الفراء: (﴿شَتَّى﴾ مختلف الألوان والطعوم) [["معاني القرآن" للفراء 2/ 181.]]. والزوج: اللون، والأزواج: الألوان، قال الأعشى [[البيت للأعشى. والديباج: ضرب من الثياب. والحبوة: الثوب الذي يحتبى به. انظر: "ديوانه" ص 108، "تهذيب اللغة" (زاج) 2/ 1497، "لسان العرب" (زوج) 3/ 1886.]]:
وَكُلُّ زَوْجٍ منْ الدَّيْبَاجٍ يَلْبَسُهُ ... أَبُو قُدَامَةَ مَحْبُوا بِذَاكَ مَعَا
وتقدم الكلام في معاني الزوج [[عند قوله سبحانه ﴿وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الرعد: 3].]].
وقوله تعالى: ﴿شَتَّى﴾ معناه: مختلف متفرق، ولا واحد له من لفظه، مثل: فوضى، يقال: شتَّ الشيء إذا تفرق، يَشِتُّه شَتَّا وشَتَاتًا وشَتّتَه إذا فرقه، وأَشَتَّه وشَتّتَه ويقال: وقعوا في أمرٍ شَتّ وشتَّى [[انظر: "تهذيب اللغة" (شت) 2/ 1825، "مقاييس اللغة" (شت) 3/ 177، "القاموس المحيط" (شت) ص 154، "الصحاح" (شت) 1/ 254، "لسان العرب" (شت) 4/ 2192، "المفردات في غريب القرآن" (شتت) ص 255.]]. و ﴿شَتَّى﴾ في هذه الآية نعت للأزواج؛ لأن المراد ألوان مختلفة، ويجوز أن يكون من نبات [["الكشاف" 2/ 540، "البحر المحيط" 6/ 251، "إملاء ما من به الرحمن" 1/ 122.]]. قال الأخفش: (كل ذلك مستقيم) [["معاني القرآن" للأخفش 2/ 631.]].
ذكر ابن الأنباري القولين فقال: (النبات يقع على جمع لا ينفرد واحده، وكذلك ﴿شَتَّى﴾) [[أورده بلا نسبة في "الكشاف" 2/ 540، "زاد المسير" 5/ 292، "التفسير الكبير" 22/ 69، "البحر المحيط" 6/ 251.]]. وذهب بها مذهب: عطشى، وكسلى، وإن قدر واحد النبات نباتة، وواحد شَتَّى شَتيت صح ووضح التشاكل، وإن حمل ﴿شَتَّى﴾ على أزواج، وقدر أزواجًا شَتَّى من نبات فهو معنى صحيح.
طه 20:54
قوله تعالى: ﴿كُلُوا وَارْعَوْا﴾ أي: مما أخرجنا بالمطر من النبات، ﴿وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ﴾ يقال: رعت الماشية الكلأ رعيًا، ورعاها صاحبها رعاية، إذا أسامها وسرحها وأراحها [[انظر: "تهذيب اللغة" (رعى) ص 1430، "القاموس المحيط" (الرعى) ص 1289، "الصحاح" (رعى) 6/ 2358، "لسان العرب" (رعى) 3/ 1676، "المفردات في غريب القرآن" (رعى) ص 198.]].
والمعنى: أسيموا مواشيكم فيما أنبتناه بالمطر، وهذا أمر إباحة [[في (ص): (افاته)، وهو تصحيف.]] معناه التذكير بالنعمة، قال ابن عباس: هذا كقوله: ﴿فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا﴾ -إلى قوله- ﴿مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ﴾ [عبس: 27 - 32]) [[ذكرت كتب التفسير نحوه بدون نسبة. انظر: "الكشاف" 2/ 540، "الفتوحات الإلهية" 3/ 96، "أضواء البيان" 4/ 423.]].
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ معنى ما ذكر من الدلالة على توحيده ﴿لَآيَاتٍ لِأُولِي النُّهَى﴾ قال اللحياني: (النَّهْيَة: العقل، والنُّهَى جمع نُهْيَه، ورجل نَهٍ ونَهِىُّ من قوم نَهِين وأَنْهِياء، ولقد نَهُوَ ما شاء، كل ذلك من العقل. وسمي العقل نَهْيَة؛ لأنه يُنْتَهَى إلى ما أَمَر به، لا يُجَاوز أَمْرَه) [["تهذيب اللغة" (نهى) 4/ 3680.]].
وقال أبو إسحاق: (يقال: فلان ذُو نُهْيةٍ، ومعناه ذُو عَقل يَنْتَهي به عن المقابح ويدخل به في المحاسن، قال: وقال أهل اللغة: ذُو النُّهْيِةِ الذي يُنْتَهَى إلى رأيه وعقله، قال: وهذا أحسن أيضًا) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 359.]].
وهذا معنى قول اللحياني في اشتقاق النهيه.
وقال أبو علي: (لا يخلو النُّهَى من أن يكون مصدرًا كالهدى، أو جمعًا كالظلم. وقوله تعالى: ﴿لِأُولِي النُّهَى﴾ يقوي أنه جمع لإضافة الجمع إليه، وإن كان المصدر يجوز أن يكون مفردًا في موضع الجمع؛ لأنه لا يثنى ولا يجمع، والنُّهى معناه في اللغة: الثبات والحبس، ومنه النهى والتنهية للمكان الذي ينتهي إليه الماء فيستنقع فيه لشغله ولمنعه بارتفاع ما حوله من أن يسيح فيذهب على وجه الأرض) [[لم أهتد إليه.]]. هذا كلامه. وقد رجع القولان في اشتقاق النُّهية إلى قول واحد، وهو الحبس، والنُّهية هي التي تنهي وتحبس عن المقابح [[انظر: "تهذيب اللغة" (نهى) 4/ 3680، "القاموس المحيط" (نهاه) ص 1341، "الصحاح" (نهى) 6/ 2517، "لسان العرب" (نهى) 8/ 4564، "المفردات في غريب القرآن" (نهى) ص 507.]].
قال ابن عباس في رواية عطاء: (﴿لَآيَاتٍ لِأُولِي النُّهَى﴾ يريد العبرة لذوي العقول) [["الدر المنثور" 4/ 539، "روح المعاني" 16/ 207، وذكره الطبري في "تفسيره" 16/ 175 بدون نسبة.]]. يريد للذين يتناهون بعقولهم عن معاصي الله. ونحو هذا قال الضحاك [["الكشف والبيان" 3/ 19/ أ، "معالم التنزيل" 5/ 278، "روح المعاني" 16/ 207.]].
وقال في رواية الوالبي: (لذوي التقى) [["الكشف والبيان" 3/ 19 أ، "الدر المنثور" 4/ 539.]].
وقال قتادة: (لذوي الورع) [["الكشف والبيان" 3/ 19 أ، "معالم التنزيل" 5/ 278، "الدر المنثور" 4/ 539.]]. وهذا معنى وليس بتفسير، وذلك أن ذا العقل يكون ورعًا تقيًا، ليس أن النهي تكون بمعنى الورع والتقى. وقال أهل المعاني: (إنما اختص أولو النهى؛ لأنهم أهل الفكر والاعتبار والتدبر والاتعاظ) [[ذكره الفراء في "معاني القرآن" 2/ 181 والزجاج في "معاني القرآن" 3/ 359.]].
طه 20:55
قوله تعالى: ﴿مِنْهَا﴾ أي: من الأرض، وجرى ذكرها عند قوله: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا﴾ [طه: 53]، ﴿خَلَقْنَاكُمْ﴾ يعني خلق آدم من الأرض والبشر كلهم منه [[ويشهد لهذا قوله سبحانه ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آل عمران: 59].]].
﴿وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ﴾ أي: بعد الموت ﴿وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾ يريد عند البعث، يعني كما أخرجكم أولًا عند خلق آدم من الأرض. قال الزجاج: (لأن إخراجهم وهم تراب بمنزلة خلق آدم من تراب، فكأنه قال -والله أعلم-: ومنها نخلقكم تارة أخرى) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 360.]]. ومضى الكلام في تارة عند قوله: ﴿أَمْ أَمِنْتُمْ أَنْ يُعِيدَكُمْ فِيهِ تَارَةً أُخْرَى﴾ [الإسراء: 69].
طه 20:56
وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرَيْنَاهُ﴾ يعني فرعون ﴿آيَاتِنَا كُلَّهَا﴾ يعني الآيات التسع ومضى تفصيلها [[عند قوله سبحانه وتعالي: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ فَاسْأَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِذْ جَاءَهُمْ فَقَالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا مُوسَى مَسْحُورًا﴾ [الإسراء: 101].]]. ﴿فَكَذَّبَ﴾ نسب جميع ذلك إلى الكذب، أو نسب موسى إلى الكذب ﴿وَأَبَى﴾ وأمتنع أن يقبل التوحيد، ونَسَب موسى إلى السحر.
طه 20:57
وهو قوله تعالى: ﴿قَالَ أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا﴾ يعني: مصر ﴿بِسِحْرِكَ يَا مُوسَى﴾ تريد أن تغلب على ديارنا بسحرك، فتمتلكها وتخرجنا منها.
طه 20:58
﴿فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ﴾ فلنقابلن ما جئتنا به من السحر بسحر مثله ﴿فَاجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِدًا﴾ الموعد في اللغة: يجوز أن يكون اسمًا للوعد فيكون مصدرًا، ويجوز أن يكون اسمًا لمكان الوعد [[انظر: "تهذيب اللغة" (وعد) 4/ 3915، "القاموس المحيط" (وعده) 1/ 326، "الصحاح" (وعد) 2/ 551، "لسان العرب" (وعد) 8/ 4871، "المفردات في غريب القرآن" (وعد) ص 526.]]. كقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ﴾ [الحجر: 43]. فالموعد هاهنا ينبغي أن يكون مكانًا؛ لأن جهنم مكان، ويجوز أن يكون الموعد اسمًا لزمان الوعد، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ﴾ [هود:81]، والذي في هذه الآية هو المصدر: اجعل بيننا وبينك وعدًا، ويدل على هذا قوله: ﴿لَا نُخْلِفُهُ﴾ أي: لا نخلف ذلك الوعد، والإخلاف: أن يعد العدة فلا ينجزها.
وقوله تعالى: ﴿مَكَانًا سُوًى﴾ ينتصب على الظرف للوعد [["الحجة للقراء السبعة" 5/ 224، "إملاء ما من به الرحمن" 1/ 122، "إعراب القرآن" للنحاس3/ 42، "البحر المحيط" 6/ 253]]، وعند البصريين لا يجوز أن يكون ظرفًا للوعد الظاهر في الآية ويتعلق به؛ لأنه قد وصف بالجملة التي هي ﴿لَا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلَا أَنْتَ﴾ وإذا وصف لم يجز أن يتعلق به بعد الوصف له شيء منه؛ لأنه لا يوصف الاسم قبل تمامه، وكذلك لا يعطف عليه ولا يؤكد ولا يخبر عنه، والوصف والعطف والتوكيد والخبر كل هذا يؤذن بتمام الاسم، فلا يجوز أن يتعلق بالاسم بعد هذه الأشياء شيء، مثال ذلك أنك لا تقول: هذا ضارب ظريف زيدًا على أن ينصب زيدًا بضارب؛ لأنك وصفت الضارب فلا يتعلق به بعد الوصف شيء، وكذلك لا يجوز المعطي عمرًا زيدًا، على أن ينصب زيدًا بالمعطي؛ لأنك قد أخبرت عنه، ولا يجوز مررت بالضارب وعمرو زيدًا، ولا مررت بالضارب نفسه زيدًا؛ لأنك لا تؤكد ولا تعطف على الاسم وقد نفيت منه بقيه، وكذلك البدل لا يجوز أن يبدل من الاسم قبل تمامه كقولك: مررت بالضارب أخيك زيدًا، على أن تبدل الأخ من الضارب، وقد جاء في الشعر شيء من هذا كقول بشر بن أبي خازم [[البيت لبشر بن أبي خازم.
انظر: "الحجة للقراء السبعة" 5/ 225، "المقرب" لابن عصفور 1/ 124، "المقاصد النحوية" 3/ 560، "شرح شاهد الألفية" للعيني 3/ 560، "لسان العرب" (فقد) 6/ 3444، "مجمع البيان" 7/ 25.]]:
إِذَا فاقِدٌ خَطْباءَ فَرْخَين رَجَّعَتْ ... ذَكَرتُ سُلَيمَى في الخَلِيطِ المُباين
أعمل فاقدا بعد وصفه بخطباء. وهذا الذي جاء منه في الشعر يحمل النحويون مثله على إضمار فعل آخر مثل الذي ظهر، كأنه قال بعد قوله خطباء: فقدت فرخين، ودل عليه فاقد، كذلك قوله تعالى: ﴿مَكَانًا﴾ لا يجوز على ما ذكرنا أن يتعلق بموعد، ولكنه يتعلق بمحذوف يدل عليه الظاهر، كأنه قيل: عدنا مكانا سوى، ويجوز أن يتعلق بالموعد المذكور في الآية؛ لأنه ظرف والظرف [[في (ص): (والمظروف).]] يتجوز فيه ما لا يتجوز في غيره، ألا ترى أن الظروف تقع مواقع لا يقعها غيرها [["الحجة للقراء السبعة" 5/ 226.]].
ومما جاء مثل هذا في التنزيل قوله تعالى: ﴿لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الْإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ﴾ [غافر: 10]، فالظرف الذي هو (إذ) يتعلق بالمقت الأول؛ لأن المعنى: لمقت الله إياكم إذ تدعون إلى الإيمان فتكفرون أكبر من مقتكم أنفسكم الآن، فقوله: ﴿إِذْ تُدْعَوْنَ﴾ يتعلق بالمقت الأول، وقد وقع بعد الاختلاف عنه بقوله أكبر من مقتكم الآن، وهذا يحمل على أحد الوجهين الذين ذكرناهما من تقدير الحذف، كأنه قيل: مقتكم إذ تدعون، أو على أنه ظرف يتجوز فيه.
قال أبو علي الفارسي: (ولم نعلم في التنزيل مجيء [[في نسخة (س): (جيء).]] شيء من هذا إلا في الظرف) [["الحجة للقراء السبعة" 5/ 226.]]. ويجوز أن يكون الموعد في هذه الآية اسمًا لزمان الوعد، كقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا﴾ [الكهف: 59]، فيكون مجيء الموعد اسمًا للزمان، كقولهم: كان هذا مقدم الحاج، ومبعث الجيوش، ومضرب الشُّوْل [[الشُّوْل من النوق: التي قد أتى عليها سبعة أشهر من يوم نتاجها، فلم يبق في ضروعها إلا شَول من اللبن، أي: بقية وأما الناقة الشائل بغير هاء: فهي التي ضربها الفحل فشالت بذنبها، أي: رفعته تري الفحل أنها لا قح، وذلك آية لقاحها.
انظر: "تهذيب اللغة" (شال) 2/ 1811، "مقاييس اللغة" (شول) 3/ 230، "القاموس المحيط" (شالت) (1021)، "الصحاح" (شول) 5/ 1742، "لسان العرب" (شول) 4/ 2363.]] أي: وقت قدومهم ووقت بعثهم، ووقت ضربها، وأنشد أبو الحسن [[البيت لعمرو بن أبي ربيعة.
انظر: "ديوانه" ص 323، "الحجة للقراء السبعة" 5/ 228.]]:
كُلَّمَا قُلْتُ: غَدًا مَوعِدنا ... غَضِبَتْ هِنْدٌ وَقالَت بَعْدَ غَدْ
والموعد في هذا البيت اسم للزمان، والكلام في انتصاب مكانًا على هذا الوجه يكون كما ذكرنا في الوجه الأول في موعد؛ لأن التقدير: اجعل بيننا وبينك وقت وعد، أو زمان وعد لا نخلفه نحن ولا أنت في مكان سوى. والذي يختاره أبو علي في وجه نصب ﴿مَكَانًا﴾: (أن يكون مفعولًا ثانيًا لجعلت بمنزلة قوله: ﴿جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ﴾ [الحجر: 91]، وقوله: ﴿وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا﴾ [الزخرف: 19]، في أنه انتصب على أنه مفعول ثان لجعلت) [["الحجة للقراء السبعة" 5/ 228.]]. وعلى هذا يجب أن يكون الموعد اسمًا للمكان، ويجوز أن يكون بدلًا منه. وأما معنى (سوى) قال الزجاج: (﴿مكانا سوى﴾ ويقرأ: سُوى بالضم [[قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، والكسائي: (مكانا سِوى) بكسر السين. وقرأ ابن عامر، وعاصم، وحمزة: (مكانا سُوى) بضم السين.
انظر: "السبعة" ص 418، "الحجة للقراء السبعة" 5/ 223، "المبسوط في القراءات" ص 248، "التبصرة" 259.]]. ومعناه: مَنْصفًا أي مكانًا يكون النَّصفَ فيما بيننا وبينك، وقد جاء في اللغة سواء ممدود مفتوح بهذا المعنى تقول: هذا مكان سواء، أي متوسط بين المكانين) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 360.]].
وقال أبو عبيدة: (مكان سُوى وسِوى بضم أوله وبكسر، مثل: طُوى وطِوى وهو المكان المنصف فيما بين القريتين) [["مجاز القرآن" لأبي عبيدة 2/ 20.]]، وأنشد لموسى بن جابر الحنفي [[البيت لموسى بن جابر الحنفي.
انظر: "مجاز القرآن" لأبي عبيدة 2/ 20، "جامع البيان" 16/ 134، "النكت والعيون" 3/ 408، "المحرر الوجيز" 10/ 43، "الحجة للقراء السبعة" 5/ 224، "الخزانة" 1/ 146، "الأغاني" 10/ 107، "لسان العرب" (سوى) 4/ 2163.]]:
وإِنَّ أَبانا كانَ حَلَّ بِبَلدَةٍ ... سِوى بين قَيْسٍ عَيْلاَنَ والفِزْرِ
فسِوى مثل: بِلى، وقِرى، ومِعى، ورِيي، وقِمع، وضِلع، وقِطع. وسُوى بالضم مثل: ضُحى وسُدى وهُدى ومثل: صُرَد وحُطَم ونحو ذلك. وقال أبو علي: (سِوى فِعَلْ من التسوية، فكأن المعنى: يستوي مسافته على الفريقين فتكون مسافة كل فريق إليه كمسافة الفريق الآخر، وهذا ما يقل في الصفات ومثله: قوم عِدىً، [وأما فُعَلْ فهو في الصفات أكثر من فِعَل نحو: دَليلٍ خُنَعْ] [[ما بين المعقوفين ساقط من الأصل، ومثبت في بقية النسخ.]]، ومالٍ لُبَدْ، ورَجلٍ حُطَمٍ) [["الحجة للقراء السبعة" 5/ 224.]]. هذا كلام أهل اللغة في هذا الحرف [["معاني القرآن" للفراء 2/ 181، "معاني القرآن" للزجاج 3/ 360 ن "الحجة للقراء السبعة" 5/ 224، "تهذيب اللغة" (سوى) 2/ 1795، "تفسير غريب القرآن" لابن قتيبة ص 279.]].
فأما قول المفسرين فقال قتادة: (نصفا) [["تفسير القرآن" للصنعاني 2/ 16، "جامع البيان" 16/ 176، "الدر المنثور" 4/ 540.]].
وقال مقاتل: (عدلا بيننا وبينك) [["الكشف والبيان" 3/ 19 ب، "معالم التنزيل" 5/ 279، "تفسير مقاتل" ص 3.]]. ونحوه قول السدي [["جامع البيان" 16/ 176، "بحر العلوم" 2/ 236، "النكت والعيون" 3/ 408، "الدر المنثور" 4/ 540.]].
وقال مجاهد: (منصفا بيننا وبينك) [["جامع البيان" 16/ 176، "تفسير كتاب الله العزيز" 3/ 42، "بحر العلوم" 2/ 346، "معالم التنزيل" 5/ 279، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 212.]].
وقال ابن مسلم: (وسطًا بين القريتين) [["الكشف والبيان" 3/ 19 ب، "بحر العلوم" 2/ 346، "النكت والعيون" 3/ 408، "معالم التنزيل" 5/ 279، "زاد المسير" 5/ 205.]]. وهذه الأقوال بمعنى واحد.
وقال ابن زيد: (مكانًا مستويًا يتبين الناس ما بيننا فيه) [["جامع البيان" 16/ 176، "النكت والعيون" 3/ 408، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 212، "الدر المنثور" 4/ 540.]]. وعلى هذا التسوية من صفة المكان، لا من صفة المسافة إليه، كأنه قيل: مكانًا لا يحجز الناظر إليه من [[في (س): (شيء من الخفاء).]] انخفاض وارتفاع. وقيل (مكانا سوى) أي: تستوي حالنا في الرضا به [["التفسير الكبير" 22/ 72، "روح المعاني" 16/ 217.]].
وقال الكلبي: ((سوى) يعني سوى هذا المكان) [["الكشف والبيان" 3/ 19 ب، "معالم التنزيل" 5/ 279، "القرطبي" 11/ 212.]]. يعني الذي كان فرعون فيه وقت خطابه موسى. و (سوى) على هذا القول يكون بمعنى: غير، ويحتاج إلى تقدير محذوف.
وقال عطاء عن ابن عباس: ((مكانا سوى) يريد موضعًا معروفاً) [[ذكرت نحوه كتب التفسير بدون نسبة.
انظر: "ابن كثير" 3/ 173، "الفتوحات الإلهية" 3/ 97، "روح المعاني" 16/ 217.]].
وهذا القول يشبه معنى قول ابن زيد. والقول ما عليه الجمهور. ومعنى الآية: اجعل بيننا وبينك موعدًا لنجيء بسحر مثل الذي جئت به، فننظر أينا يغلب صاحبه.
طه 20:59
قوله تعالى: ﴿قَالَ﴾ أي: موسى: ﴿مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ﴾ [إن جعلت الموعد اسمًا لزمان الوعد رفعت اليوم على خبر الابتداء، من حيث كان الثاني هو الأوّل كما ذكرنا في البيت الذي أنشده أبو الحسن] [[ما بين المعقوفين مكرر في نسخة (س).]]، وإن جعلت الموعد بمعنى الوعد، فقال أبو إسحاق: (المعنى وقت موعدكم يوم الزينة) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 360.]].
وقال أبو علي: (اليوم ظرف أشبه فيه، فجعله الأوّل لما كان فيه، وأخرج من أن يكون ظرفًا ويدل على هذا قوله: ﴿وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى﴾ ألا ترى أن قوله: ﴿وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ﴾ ليس من الظروف في شيء، فلولا أن اليوم في قوله: ﴿مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ﴾ قد خرج من أن يكون ظرفًا لم يعطف عليه ما لا يكون ظرفًا) [["الحجة للقراء السبعة" 5/ 227.]].
ومن قرأ: يومَ الزينة بالنصب [[قرا الحسن، والمطوعي: (يومَ الزينة) بنصب يوم.
انظر: "الحجة للقراء السبعة" 5/ 227، "القراءات الشاذة" للقاضي ص 67.]]، فقال أبو إسحاق: (يوم منصوب على الظرف، المعنى: يقع يوم الزينة) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 360.]].
قال أبو علي: (وعلى هذه القراءة يضمر قوله: ﴿وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى﴾ ما يكون مبنيًا عليه، كأنه قيل: موعدكم يقع يوم الزينة، وموعدكم أن يحشر الناس ضحى. وإن عطفت وأن يحشر على الزينة لم يحتج إلى إضمار، ويكون المعنى: موعدكم يوم الزينة ويوم حشر الناس) [["الحجة للقراء السبعة" 5/ 227.]].
واختلفوا في ﴿يَوْمُ الزِّينَةِ﴾ فقال الأكثرون: (كان ذلك يوم عيد لهم يتزينون فيه) هذا قول مجاهد، وقتادة، ومقاتل، وابن جريج، والسدي، وابن زيد، ومحمد بن إسحاق، والكلبي [["تفسير القرآن" للصنعاني 2/ 16، "جامع البيان" 16/ 177، "الكشف والبيان" 3/ 19 ب، "النكت والعيون" 3/ 409، "معالم التنزيل" 5/ 279، "زاد المسير" 5/ 205، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 173، "الدر المنثور" 4/ 540، "تفسير مقاتل" 3 ب.]].
قال الكلبي: (ويقال: يوم سوق كانت تكون لهم يتزينون فيها) [[ذكره القرطبي في "تفسيره" 11/ 213، ونسبة لسعيد بن المسيب، وذكره ابن كثير في "تفسيره" 3/ 174، والسيوطي في "الدر المنثور" 4/ 540، ونسباه لسعيد بن جبير.]].
وقال سعيد بن جبير: (كان ذلك يوم عاشورا) [["الكشف والبيان" 3/ 19 ب، "بحر العلوم" 2/ 346، "معالم التنزيل" 5/ 279، "زاد المسير" 5/ 294، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 213.]].
وقوله تعالى: ﴿وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى﴾ يعني ضحى ذلك اليوم، ويريد بالناس: أهل مصر.
قال الكلبي: (يقول: يحشرون إلى العيد ضحى فينظرون إلى أمري وأمرك) [[ذكرت كتب التفسير نحوه بدون نسبة.
انظر: "جامع البيان" 16/ 177، "معالم التنزيل" 5/ 279، "النكت والعيون" 3/ 409، "زاد المسير" 5/ 294، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 173، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 213.]].
وقال الفراء: (يقول: إذا رأيت الناس يحشرون من كل ناحية ضحى فذلك الموعد) [["معاني القرآن" للفراء 2/ 182.]]. ولم يرد أن الناس يحشرون ليجتمعوا لأمر موسى، ولكن جرت عادتهم بحشر الناس [[في (ص): (النا)، وهو تصحيف.]] في ذلك اليوم لعيد كان لهم، أو سوق على ما ذكر في التفسير [["تفسير القرآن" للصنعاني 2/ 16، "جامع البيان" 16/ 177، "الكشف والبيان" 3/ 19 ب، "النكت والعيون" 3/ 409، "معالم التنزيل" 5/ 279، "زاد المسير" 5/ 294، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 173، "الدر المنثور" 4/ 540.]]. فواعده موسى ذلك اليوم ذلك الوقت. قال الفراء: (وموضع ﴿أَنْ﴾ رفع يرد على اليوم، وخفض يرد على الزينة، ويكون التقدير: يوم الزينة والحشر) [["معاني القرآن" للفراء 2/ 182.]]. ونحو هذا قال أبو إسحاق: (موضع ﴿أَنْ﴾ رفع، المعنى: موعدكم حشر الناس ضحى، وتأويله: إذا رأيتم الناس قد حشروا ضحى. قال: ويجوز أن يكون في موضع خفض عطفاً على الزينة، المعنى: موعدكم يوم الزينة ويوم حشر الناس ضحى) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 360.]].
قال الليث: (الضحو ارتفاع النهار، والضحى فوق ذلك) [["تهذيب اللغة" (ضحا) 3/ 2094.]].
وقال أبو الهيثم: (الضُّحَى على فُعَل: حين تطلع الشمس فيصفوا ضؤها، والضَحاء بالفتح والمد: إذا ارتفع النهار) [["تهذيب اللغة" (ضحا) 3/ 2094.]].
طه 20:60
قوله تعالى: ﴿فَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ﴾ يجوز أن أن يكون المعنى: تولى فرعون ذلك الأمر، أي: تولاه بنفسه [["روح المعاني" 16/ 220.]]. ويجوز أن يكون المعنى: فرجع إلى أهله وانقلب لاستعداد مكائده، وهو قول الكلبي [[ذكرته كتب التفسير بدون نسبة.
انظر: "زاد المسير" 5/ 295، "ابن كثير" 3/ 174، "البحر المحيط" 6/ 154.]].
وقال مقاتل ابن سليمان: (﴿فَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ﴾ أعرض من الحق، وعما يلزمه من الطاعة) [["تفسير مقاتل" 3 ب، "زاد المسير" 5/ 595.]].
وقوله تعالى: ﴿فَجَمَعَ كَيْدَهُ﴾ أي: مكره وحيله، وذلك جمعه سحرته ﴿ثُمَّ أَتَى﴾ أي: حضر الموعد.
طه 20:61
﴿قَالَ لَهُمْ مُوسَى﴾ أي: للسحرة الذين جمعهم فرعون ليغلبوا موسى، وهم المعنيون بقوله: ﴿فَجَمَعَ كَيْدَهُ﴾ ﴿وَيْلَكُمْ﴾ قال أبو إسحاق: (منصوب على ألزمهم الله ويلَا. قال: ويجوز أن يكون منصوبًا على النداء، كما قال: ﴿يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا﴾ [يس: 52]) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 360.]]. ﴿لَا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ﴾ قال ابن عباس: (لا تشركوا مع الله أحدًا) [["زاد المسير" 5/ 206.]].
وقال آخرون: (لا تقولوا اليد والعصا ليستا آيتين من قبل الله فإنكم عند هذا القول تكذبون على الله) [["تفسير مقاتل" 3 ب.]]. ﴿فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ﴾ ويقرأ: فيُسحتكم بضم الياء [[قرأ ابن كثير، ونافع، وعاصم في رواية أبي بكر، وأبو عمرو، وابن عمر: ﴿فَيُسْحِتَكُمْ﴾ بفتح الياء. وقرأ عاصم في رواية حفص، وحمزة، والكسائي: ﴿فَيُسْحِتَكُمْ﴾ بضم الياء.
انظر: "السبعة" ص 419، "الحجة للقراء السبعة" 5/ 228، "النشر" 2/ 220.]].
يقال: سَحَته وأَسْحته إذا استأصله وأهلكه [["معاني القرآن" للفراء 2/ 182، "معاني القرآن" للزجاج 3/ 361، "المفردات في غريب القرآن" (سحت) ص 235، "لسان العرب" (سحت) 4/ 1949.]]، قاله أبو عبيدة، والأخفش، والفراء، والزجاج، وجميع أهل اللغة [["مجاز القرآن" لأبي عبيدة 2/ 21، "معاني القرآن" للفراء 2/ 182، "معاني القرآن" للزجاج 3/ 361.]]، وأنشدوا للفرزدق [[البيت للفرزدق من قصيدة يهجو فيها جريرًا، ويفخر بمآثر قومه.
السُّحت: ما خبث من المكاسب وحرم، وأَسْحَت الرجل: استأصل ما عنده.
مُجْلِف: الذي أتى عليه الدهر فأذهب ماله.
انظر: "ديوانه" ص 386، "جامع البيان" 16/ 178، "مجاز القرآن" لأبي عبيدة 2/ 21، "الحجة للقراء السبعة" 5/ 229، "شرح المفضليات" ص 396، "الخزانة" 2/ 347، "لسان العرب" (جلف) 2/ 660.]]:
وعَضُّ زَمانٍ يا بنَ مَرْوانَ لم يَدَع ... مِنَ المالِ إِلا مُسْحَتًا أو مُجَلَّف
قال ابن عباس في رواية الوالبي: (﴿فَيُسْحِتَكُمْ﴾: فيهلككم) [["جامع البيان" 16/ 178.]]. وهو قول مجاهد، ومقاتل، والكلبي [["الكشف والبيان" 3/ 19 ب، "معالم التنزيل" 5/ 280، "تفسير مقاتل" 3 ب.]].
وقال قتادة، وأبان بن تغلب [[أبان بن تغلب الربيعي، أبو سعد الكوفي، روى عن: أبي إسحاق السيعي، والحكم بن عتيبة، وفضيل بن عمر، وروى عنه: موسى بن عقبه، وشعبة، وحماد ابن زيد، وابن عيينة وغيرهم، وثقه أهل العلم، وهو من أهل الصدق في الروايات، ومن النساك الثقات، عرف بالفصاحة والبيان.
انظر: "الجرح والتعديل" 2/ 296، "الكاشف" 1/ 74، "ميزان الاعتدال" 1/ 5، "تهذيب التهذيب" 10/ 81.]]: (فيستأصلكم) [["تفسير القرآن" الصنعاني 2/ 17، "جامع البيان" 16/ 178، "الكشف والبيان" 3/ 19 ب، "معالم التزيل" 5/ 280.]]. وقال في رواية عطاء: (فيجهدكم بعذاب) [[ذكر نحوه الثعلبي في "الكشف والبيان" 3/ 19 ب، وابن عطية في "المحرر الوجيز" 10/ 46.]].
قال الليث: (يقال: سحتناهم بلغنا مجهودهم في المشقة عليهم. قال: وأسحتناهم لغة) [["تهذيب اللغة" (سحت) 2/ 1637.]].
قال أهل المعاني: (السَّحت في اللغة معناه: استقصى الحلق، يقال: سَحَت الشَّعر إذا استقصى حَلقه، وسَحَت الحالق إذا استأصل، وأَسْحَت الخاتن في ختان الصبي إذا استأصله) [[انظر (سحت): "تهذيب اللغة" 2/ 1637، "مقاييس اللغة" 3/ 143، "القاموس المحيط" 1/ 153، "الصحاح" 1/ 252، "لسان العرب" 4/ 1949.]]. والمعنى: إن العذاب إذا أتى من قبل الله أخذهم عن آخرهم.
وقوله تعالى: ﴿وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى﴾ قال ابن عباس: (خيب [[في (ص): (خسر).]] من ادعى مع الله إلهًا آخر) [["المحرر الوجيز" 10/ 46، "لباب التأوبل" 4/ 273.]]. وقال قتادة: (خسر من كذب على الله ونسب إليه باطلًا) [[ذكرت كتب التفسير نحوه بدون نسبة.
انظر: "بحر العلوم" 2/ 346، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 215، "لباب التأويل" 4/ 273، "مجمع البيان" 7/ 30، "فتح القدير" 3/ 533.]].
طه 20:62
قوله تعالى: ﴿فَتَنَازَعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ﴾ قال ابن عباس: (يريد فتشاوروا بينهم) [[ذكرته كتب التفسير بدون نسبة.
انظر: "معالم التنزيل" 9/ 280، "زاد المسير" 5/ 296، "الجامع لأحكام القرآن" == القرآن" 11/ 215، "التفسير الكبير" 22/ 73، "روح المعاني" 16/ 220.]].
وقال آخرون: (تناظروا فيما بينهم) [["معالم التنزيل" 5/ 280، "التفسير الكبير" 22/ 73، "روح المعاني" 16/ 220.]]. يعني السحرة، والتشاور في الأمر كالتناظر فيه، وذلك أن السحرة تنازعوا فيما أمرهم به فرعون من معارضة موسى، وتشاوروا بينهم سراً من فرعون وقومه وذلك قوله: ﴿وَأَسَرُّوا النَّجْوَى﴾ قال قتادة: (قالوا: إن كان ساحرًا فإنا سنغلبه، وإن كان من السماء كما يزعم فله أمر) [["جامع البيان" 16/ 178، "النكت والعيون" 3/ 410، "زاد المسير" 5/ 207، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 215.]].
وقال محمد بن كعب: (قال بعضهم لبعض: لو كان هذا سحرًا لعرفناه، كما أن الكاتب إذا كتب عرف الذي يعرف الكتاب بما كتب) [[ذكرت نحوه كتب التفسير بدون نسبة.
انظر: "معالم التنزيل" 5/ 280، "مجمع البيان" 7/ 30، "روح المعاني" 16/ 221، "فتح القدير" 3/ 533.]].
وقال الكلبي: (تكلم السحرة فيما بينهم سرًا من فرعون فقالوا: إن غلبنا موسى اتبعناه) [["النكت والعيون" 3/ 410، "معالم التنزيل" 5/ 280، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 215.]]. وهذا القول اختيار الفراء، والزجاج [["معاني القرآن" للفراء 2/ 183، "معاني القرآن" للزجاج 3/ 361.]].
وقال محمد بن إسحاق: (لما قال موسى: ﴿وَيْلَكُمْ لَا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ الآية، تراد السحرة بينهم، وقال بعضهم لبعض: ما هذا بقول [[في (ص). (يقال).]] ساحر، ثم قالوا وأسر بعضهم إلى بعض يتناجون: ﴿إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ﴾ [["جامع البيان" 16/ 178، "معالم التنزيل" 5/ 280، "روح المعاني" 16/ 221.]].
[وهو قول السدي في: ﴿وَأَسَرُّوا النَّجْوَى﴾ قال: (أسروا دون موسى.
طه 20:63
بقولهم: ﴿إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ﴾)] [[ما بين المعقوفين ساقط من الأصل ومن نسخة (ص).]] [["جامع البيان" 16/ 178، "النكت والعيون" 3/ 410، "زاد المسير" 5/ 297، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 215.]].
[وعلى قول السدي، وابن يسار نجواهم: ﴿إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ﴾] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ص).]] إلى قوله: ﴿من استعلى﴾. وعلى قول الآخرين نجواهم ما ذكروا.
وقال أبو علي الفارسي: (التنازع إنما هو في أمر موسى وهارون هل هما ساحران؟ على ما ظنوه من أمرهما. وقد تقدم من قولهم ما نسبوهما فيه إلى السحر وهو قولهم: ﴿أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا بِسِحْرِكَ يَا مُوسَى﴾ [طه: 57] [["الحجة للقراء السبعة" 5/ 230.]].
قوله تعالى: ﴿قَالُوا﴾ أي: السحرة قال بعضهم لبعض: ﴿إِنْ هَذَانِ﴾ يعنون موسى وهارون ﴿لَسَاحِرَانِ﴾.
واختلفوا في وجه ارتفاع ﴿هَذَانِ﴾ بعد قوله: ﴿إِنْ﴾ بعد اجتماعهم على أن هذا لغة حارثية، وذلك أن بالحارث بن كعب [[بالحارث بن كعب: ينسب إليه فخذ من القحطانية، وهم بنو الحارث بن كعب من مذحج.
انظر: "نهاية الأرب" 2/ 203، "معجم قبائل العرب" 1/ 102.]]، وخثعما [[خثعم: قبيلة تنسب إلى خثعم بن أنمار بن أراش بن عمرو بن الغوث بن نبت بن ملكان بن زيد بن كهلان، وخثعم: جبل قيل أن هذه القبيلة سميت بذلك لنزولها إياه وتعاقدها عليه، وقيل: سموا بذلك من الخثعمة وهي: أن يدخل كل واحد من الرجلين إصبعه في منخر ناقته ينجو به ثم يتعاقدا، وقيل غير ذلك.= انظر: "جمهرة أنساب العرب" ص 387، "الأنساب" 2/ 326، "تهذيب الأسماء واللغات" 2/ 289، "التعريف في الأنساب" ص 187، "المنتخب في ذكر أنساب قبائل العرب" ص 503.]]، وزبيدًا [[زبيدًا: قبيلة قديمة من مذحج، أصلهم من اليمن، نزلوا الكوفة، وتنسب إلى زبيد واسمه: منبه بن صعب، وهو زبيد الأكبر، وإليه ترجع قبائل زبيد، ومن ولد منبه بن ربيعة، وهو زبيد الأصغر، وقيل لهم زبيد: لأن منبهًا الأصغر قال: من يزبدني رقده؟ فأجابه أعمامه كلهم من زبيد الأكبر، فقيل لهم جميعًا: زبيد. وقيل نسبة إلى موضع في اليمن.
انظر: "الأنساب" للسمعاني 3/ 135، "معجم البلدان" 3/ 131.]]، وقبائل من اليمن يجعلون ألف الاثنين في الرفع والنصب والخفض على لفظ واحد، يقولون: أتاني الزيدان، ورأيت الزيدان، ومررت بالزيدان، وذلك أنهم يقلبون كل ياء ساكنة انفتح ما قبلها ألفا، فعاملوا ياء التثنية أيضًا هذه المعاملة، كما قال قائلهم [[البيت لهوبر الحارثي. هابي التراب: ما اختلط منه بالرماد.
انظر: "الكشف والبيان" 3/ 20 أ، "المحرر الوجيز" 11/ 85، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 217، "سر صناعة الإعراب" 2/ 704، "جمهرة اللغة" ص 707، "خزانة الأدب" 7/ 453، "شرح المفصل" 3/ 128، "تاج العروس" (هبا) 10/ 405، "لسان العرب" (صرع) 4/ 2433.]]:
تَزَوَّدَ مِنَا بَيْنَ أُذْنَاهُ ضَرْبَةً ... دَعَتْهُ إلى هابِي التُّرَابِ عَقِيمِ
فقال أذناه وهو خفض؛ لأن النون مفتوحة والياء بعد ساكنة، فقلبت الياء ألفاً وأنشدوا أيضًا على هذه اللغة [[البيت للمتلمس من قصيدة يعاتب فيها خاله الحارث اليثسكري. الشُّجَاع: الحية الذكر. المَسَاغ: المدخل. صَمَّم: عض ونيب فلم يرسل ما عض.
انظر: "ديوانه" ص 34، "الأصمعيات" ص 246، "الشعر والشعراء" ص 80، "خزانة الأدب" 7/ 487، "معاني القرآن" للفراء 2/ 184، "معاني القرآن" == للزجاج 3/ 362، "المؤتلف والمختلف" ص 71، "الحيوان" 4/ 263، "لسان العرب" (صمم) 4/ 2500.]]: فَأَطْرَقَ إِطْراقَ الشُّجَاعِ وَلَو يَرَى ... مَسَاغًا لِنَابَاه الشُّجَاعُ لَصَّمَمَا
وقول آخر [[البيت لرجل من بني الحارث ولم يذكر اسمه.
قَلوص: القَلوص بفتح القاف الناقة الفتية. طَاروا: نفروا مسرعين، وارتفعوا على إبلهم. انظر: "الكشف والبيان" 20/ 20 ب، "بحر العلوم" 2/ 347، "الإنصاف" ص 18، "تأويل مشكل القرآن" ص 50، "الخصائص" 2/ 269، "التصريح على التوضيح" 1/ 65، "همع الهوامع" 1/ 39، "شرح المفصل" 7/ 68.]]:
أَي قَلُوصٍ رَاكِب تَرَاهَا ... طَارُوا عَلاَهُنَّ مطْر عَلاَهَا
وهذه ليست ياء التثنية، ولكن لما كانت اللام قبل الياء في عليها مفتوحة قلبوها ألفًا، وحكى هذه اللغة جميع النحويين [["معاني القرآن" للفراء 2/ 184، "معاني القرآن" للزجاج 3/ 363، "الحجة للقراء السبعة" 5/ 230، "إعراب القرآن" للنحاس 2/ 344، "الإنصاف" ص 18 "التصريح على التوضيح" 1/ 65، "همع الهوامع" 1/ 39، "شرح المفصل" 8/ 68.]].
وحكى أبو إسحاق عن النحويين القدماء قولين أحدهما: (أن هنا هاء مضمرة، المعنى: إنه هذان لساحران، وهذه الهاء كناية عن الأمر والشأن فحذفت، و ﴿هَذَانِ﴾ ابتداء وخبره ﴿لَسَاحِرَانِ﴾. القول الثاني: أن معنى ﴿إِنْ﴾ نعم) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 363.]]، وينشدون [[البيت لعبيد الله بن قيس الرقيات.
انظر: "ديوانه" ص 66، "تأويل مشكل القرآن" لابن قتيبة ص 50، "معاني القرآن" للزجاج 3/ 363، "إعراب القرآن" للنحاس 2/ 345، "سر صناعة الإعراب" == 2/ 492، "خزانة الأدب" 11/ 213، "شرح أبيات سيبويه" 2/ 375، "الخصائص" 2/ 269، "لسان العرب" (أنى) 1/ 156.]]: وَيَقُلْنَ شَيْبٌ قَدْ عَلاَكَ ... وَقَدْ كَبِرْتَ فَقلْتُ إِنَّه
هذا الذي ذكرنا حكاية القولين.
فأما معنى نعم هاهنا فقال أبو علي: (معنى نعم هاهنا وإن لم يتقدم سؤال يكون نعم جوابًا له، كما تقدم في قوله: ﴿فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ﴾ [الأعراف: 44] فقد تقدم: (أجئتنا لتخرجنا من أرضنا) إلى قوله: ﴿بِسِحْرٍ مِثْلِهِ﴾ [طه:57، 58] فيكون نعم منصرفًا إلى تصديق أنفسهم فيما ادعون من السحر، و ﴿إِنْ﴾ بمنزلة: نعم [["الحجة للقراء السبعة" 5/ 230.]]. وقد قال سيبويه: (نعم عدة وتصديق) [["الكتاب" 1/ 475، "الحجة للقراء السبعة" 5/ 230.]]. هذا كلامه [["الحجة للقراء السبعة" 5/ 230، "أعراب القرآن" للنحاس 2/ 343.]].
وعلى هذين القولين أدخلت اللام على خبر المبتدأ وكان من حقها أن تدخل على المبتدأ دون خبره، وهذا قول النحويون فيه: أنه يجوز في الشعر على الضرورة [["معاني القرآن" للفراء 2/ 184، "معاني القرآن" للزجاج 3/ 363، "الحجة للقراء السبعة" 5/ 230.]]. وأنشدوا في ذلك [[لم أهتد إلى قائله. وذكرته كتب اللغة بدون نسبة.
انظر: "خزانة الأدب" 10/ 323، "سر صناعة الإعراب" 1/ 378، "معاني القرآن" للزجاج 3/ 263، "شرح التصريح" 1/ 174، "المقاصد النحوية" 1/ 556، "شرح ابن عقيل" 1/ 237، "فوائد القلائد" ص 81، "شرح الأشموني" 1/ 100، "لسان العرب" (شهرب) 4/ 2352.]]: خالِي لأَنْتَ وَمَنْ جَرِيرٌ خَالُهُ ... يَنَلِ العُلاءَ ويَكْرُمِ الأَخوَالا
وأنشدوا أيضًا [[هذا صدر بيت من الرجز ينسب إلى رؤية بن العجاج وعجزه:
تَرْضى مِنَ اللحْمِ بِعظْمِ الرَقَبة
الحُلَيْس: تصغير حلس وهو كساء رقيق يوضع تحت البرذعة، وأصل هذه كنية الأتنان.
الشَّهْرَبَه: العجوز الكبيرة انظر: "ديوان رؤبة" ص 170، "شرح التصريح" 1/ 174، "شرح المفصل" 3/ 130، "الإغفال فيما أغفله الزجاج من المعاني" ص 1105، "معاني القرآن" للزجاج 3/ 363، "الخزانة" 3/ 130، "أوضح المسالك" 1/ 210، "المقاصد النحوية" 1/ 535، "لسان العرب" (شهرب) 4/ 2352.]]:
أُمُّ الحُلَيْسِ لَعَجُوزٌ شَهْرَبَهْ
ويقبح حمل كتاب الله على لغة لا تجوز في السعة ومختار الكلام. قال ابن الأنباري: (أنكر الكسائي والفراء هذا [["معاني القرآن" للفراء 2/ 184.]]؛ لأن المبتدأ لا يحال بينه وبين خبره باللام، لا يقال: عبد الله لقائم؛ لأنّ اللام تحجز بين الحرفين، ومنع الذي بعدها من تقريب الذي قبلها) [[ذكر نحوه الفراء في "المعاني" 2/ 184، والعكبري في "إملاء ما من به الرحمن" 1/ 123، والثعلبي في "الكشف والبيان" 3/ 20 ب، ومكي في "الكشف" 2/ 100]].
وقال أبو إسحاق: (هذا أجود ما سمعنا إن ﴿أَن﴾ بمعنى: نعم، واللام وقعت موقعها المعنى: نعم هذان لهما ساحران. قال: وعرضت هذا القول على محمد بن يزيد، وعلى إسماعيل بن إسحاق بن حماد بن زيد [[إسماعيل بن إسحاق بن حماد بن زيد القاضي، روى عن: عبد الله بن مسلمة القعقبي، وإسماعيل بن أبي أويس، وعمرو بن مرزوق، وحجاج بن المنهال وغيرهم كثير، وثقه العلماء وأثنوا عيه، اشتهر بصدقه وصلاحه، ولي القضاء ببغداد، توفي -رحمه الله- سنة 283 هـ.
انظر: "الجرح والتعديل" 2/ 158، "كتاب الثقات" 8/ 105.]] فقبلاه، وذكر أنه أجود ما سمعاه) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 363.]].
قال أبو علي: (ما ذكره أبو إسحاق من التقدير تأويل غير مرضي، وذلك أن هذه اللام للتأكيد، ويقبح أن يذكر التأكيد ويحذف نفس المؤكد، ألا ترى أن إظهار المؤكد وترك إضماره وحذفه أولى من أن يحذف ويذكر ما يؤكده، ولو كان المبتدأ محذوفًا من الآية كما ذهب إليه أبو إسحاق لم يحتج معه إلى التأكيد باللام، ويدلك على أن هذا ليس بالوجه أن النحويين أنشدوا [[سبق ذكر البيت وعزوه.]]:
أُمُّ الحُلَيْسِ لَعَجُوزٌ شَهْربَه
وحملوا هذا على الضرورة، وعلى أنه أدخل اللام على خبر المبتدأ، وكان من حقها أن تدخل على المبتدأ، فلو كان ما ذكره وجهًا في الآية لكان النحويون لا يحملون هذا الكلام على الضرورة، ويقدرون فيه ما قدر من أنه دخل على مبتدأ محذوف، ولا يحملونه على الاضطرار إذا وجدوا له مصرفاً قريبًا إلى الاختيار والسعة، فحملهم ذلك على الضرورة دلالة على أنهم تجنبوا ما ذكر من التقدير؛ لأنه أذهب في باب الفتح والضرورة مما حملوه عليه) [["الإغفال فيما أغفله الزجاج من المعاني" ص 1013.]].
وقال الفراء: (الوجه في هذه المسألة أن تقول وجدت الألف من هذا دعامة وليست بلام فعل، فلما ثنيت زدت عليها نونًا ثم تركت الألف ثابتة على حالها لا تزول في كل حال، كما قالت العرب: (الذي) ثم زادوا نونًا تدل على الجماع فقالوا: (الذين) في رفعهم ونصبهم وخفضهم، كذلك تركوا (هذان) بالألف في رفعه ونصبه وخفضه) [["معاني القرآن" للفراء 2/ 184.]].
وحرر صاحب النظم هذا القول فقال: (هذا اسم منهوك؛ لأنه على حرفين أحدهما: حرف علة وهو الألف وهاء للتنبيه، وليس من الاسم فلما ثني واحتيج إلى ألف التثنية لم يوصل إليهما لسكون الألف الأصلية، واحتيج إلى حذف أحدهما فقالوا: إن حذفنا الألف الأصلية بقي الاسم على حرف واحد، وإن أسقطنا ألف التثنية كان في النون منها عوض ودلالة على معنى التثنية، فحذفوا ألف التثنية، فلما كانت الألف الباقية هي ألف الاسم واحتاجوا إلى إعراب التثنية لم يغيروا الألف عن صورتها؛ لأن الإعراب واختلافه في التثنية والجمع إنما يقع على الحرف الذي هو علامة التثنية والجمع، فتركوها على حالها في النصب والخفض، وعلى هذا القول الألف في هذان التي كانت في هذا ليس الذي جلبتها التثنية) [[ذكر نحوه مختصرًا بلا نسبة الفارسي في "الحجة للقراء السبعة" 5/ 231.]].
قال أبو علي: (لو كان الأمر على ما زعم لم تقلب هذا الألف في تثنيته فقط [[في (ص): (قط).]]، كما أن الألف التي في هذا لا تنقلب على حال، وفي كون هذه الألف مرة ياء ومرة ألفًا دلالة على أنه كسائر التثنية، ويدل على أن هذا الألف للتثنية أن التي كانت في الواحد قد حذفت، كما حذفت الياء من الذي والتي إذا قلت: اللذان واللتان واللذين واللتين، فالياء كانت في الاسم قد حذفت وجيء بالتي للتثنية، كذلك تحذف من قولهم: هذا، ألفه، وتلحق التي تكون علمًا للتثنية، ومن ثم انقلبت مرة ياء ومرة ألفًا، والتي تثبت لا يتعاوره القلب، ولا تزول عن أن تكون ألفًا) [["الحجة للقراء السبعة" 5/ 231.]]. هذا كلامه.
وهذه الأقوال هي التي قالها المتقدمون من النحويين، ولم يسلم من هذه الأقوال على الاعتبار إلا قول من يقول: إنها لغة بلحارث. وقد قال ابن عباس في قوله: ﴿إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ﴾: (هي لغة بلحارث بن كعب) ذكره عطاء عنه [[ذكرته كتب التفسير بدون نسبة.
انظر: "جامع البيان" 16/ 180، "معالم التنزيل" 5/ 281، "النكت والعيون" 3/ 411، "زاد المسير" 5/ 297، "الكشاف" 2/ 543، "البحر المحيط" 6/ 255، "إرشاد العقل السليم" 6/ 25.]].
وقال أبو إسحاق في ارتضاء هذا المذهب في هذه الآية: (حق الألف أن تدل على الاثنين وكان حقها ألّا تتغير كما لم تتغير ألف رحى وعصى، ولكن نقلها إلى الياء في النصب والخفض أبين وأفضل بين المرفوع والمنصوب والمجرور) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 364.]].
وقال الفراء في ارتضاء المذهب: (العرب جعلوا الواو تابعة للضمة والياء متابعة للكسرة نحو قولهم: مسلمون ومسلمين، فلما رأوا الياء من الاثنين لم يمكنهم كسر ما قبلها وثبت مفتوحًا تركوا الألف تتبعه فقالوا: رجلان في كل حال. وقد اجتمعت العرب على إثبات الألف في: كلا الرجلين في النصب والخفض وهما اثنان) [["معاني القرآن" للفراء 2/ 184.]].
وحكى ابن الأنباري قولًا آخر للفراء وهو: (أن الألف في هذان شبهت بالألف في: تفعلان ويفعلان، فلما كانت تلك الألف لا تتغير في تثنية الفعل لم يغيروا هذه الألف في شبه الاسم) [[ذكره نحوه الثعلبي في "الكشف والبيان" بلا نسبة 3/ 20 ب، والقرطبي في "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 219.]]. وذكر علي بن عيسى النحوي [[علي بن عيسى بن علي أبو الحسن النحوي، المعروف بالرماني، تقدمت ترجمته.]] قولًا آخر فقال: (إنما جاز ﴿إِنْ هَذَانِ﴾ لضعف عمل ﴿إِنً﴾ وذلك أنها تعمل بالشبه للفعل وليست بأصل في العمل، ألا ترى أنها لما خففت لم تعمل، فلما ضعف عملها لم تعمل في هذان) [[ذكره الألوسي في "روح المعاني" 16/ 223.]].
هذا الذي ذكرنا كله وجه قراءة العامة. وقرا أبو عمرو: إن هذين بالياء [[قرأ نافع، وابن كثير، وابن عامر، وحمزة، والكسائي، وعاصم: (إن هذان لساحران). وقرا أبو عمرو البصري: (إن هذين لساحران). انظر: "السبعة" ص 419، "الحجة" 5/ 229، "التبصرة" ص 260، "النشر" 2/ 321.]]. بخلاف المصحف، واحتجاجه في ذلك أنه روي: أنه غلط من الكتاب، وإن في الكتاب غلطًا ستقيمه العرب بألسنتها. يروي ذلك عن عثمان، وعائشة -رضي الله عنهما- [["الكشف والبيان" 3/ 20 ب، "معالم التنزيل" 5/ 280، "المحرر الوجيز" 10/ 297، "زاد المسير" 5/ 297، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 216، "البحر المحيط" 6/ 255، "الإتقان" 1/ 182.
وقد رد العلماء هذا الأثر المروي عن عائشة وعثمان -رضي الله عنهما- من جهة إسناده ومتنه، فلا يصح الاحتجاج به على رد القراءة المتواترة الثابتة عن النبي -ﷺ-. قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- في "الفتاوى" 2/ 252: وقد زعم قوم أن قراءة من قرأ: ﴿إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ﴾ لحن وأن عثمان -رضي الله عنه- قال: إن في المصحف == المصحف لحنًا ستقيمه العرب بألسنتها. وهذا خبر باطل لا يصح.
وقال في "تفسيره" 5/ 209: ومن زعم أن الكتاب غلط فهو الغالط غلطًا منكرًا، فإن المصحف منقول بالتواتر وقد كتبت عدة مصاحف وكلها مكتوبة بالألف فكيف يتصور في هذا غلط.
وقال الألوسي في "روح المعاني" 16/ 224: والذي أجنح إليه تضعيف جميع ما ورد مما فيه طعن بالمتواتر، ولم يقبل تأويلاً ينشرح له الصدر ويقبله الذوق، وإن صححه من صححه، والطعن في الرواية أهون بكثير من الطعن بالأئمة الذين تلقوا القرآن الذي وصل إلينا بالتواتر عن النبي -ﷺ- ولم يألوا جهدًا في إتقانه وحفظه. وقال الدكتور عبد الحي الفرماوي في كتابه "رسم المصحف" ص 131 بعد أن ضعف هذه الرواية: وقد ذكر بعض العلماء هذه الرواية في كتبهم بحسن قصد من غير تحر ولا دقة فاتخذها أعداء الإسلام من المارقين والمستشرقين للطعن في الإسلام وفي القرآن، لتوهين فقه المسلمين بكتاب ربهم - .. ثم قال-: ويجاب عن تصحيح السيوطي: بأن هذه الرواية على فرض صحتها، فهي رواية آحادية لا يثبت بها قرآن، وهي معارضة للقطعي الثابت بالتواتر فهي باطلة مردودة، فإن من قواعد المحدثين أن مما يدرك به وضع الخبر ما يؤخذ من حال المروي كأن يكون مناقضًا لنص القرآن أو السنة أو الإجماع أو صريح العقل، حيث لا يقبل شيء من ذلك التأويل أو لم يحتمل سقوط شيء منه يزول به المحذور، وهذه الرواية مخالفة للمتواتر القطعي الذي تلقته الأمة بالقبول فيها باطلة لا محالة.
انظر: "معاني القرآن" للفراء 1/ 106، "جامع البيان" 16/ 180، "الجامع لأحكام القرآن" 6/ 14، "دقائق التفسير" 5/ 202، "الإتقان" 1/ 182، "مناهل العرفان" 1/ 186، "رسم المصحف بين المؤيدين والمعارضين" ص 131.]].
وهذه القراءة هي قراءة عيسى بن عمر [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 361، "إعراب القرآن" للنحاس 2/ 343، "البحر المحيط" 6/ 255، "التفسير الكبير" 22/ 74.]].
قال أبو إسحاق: (ولا أجيزها؛ لأنها خلاف المصحف، ولا أجيز مخالفته؛ لأن إتباعه سنة) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 364.]].
وقرا ابن كثير وحفص عن عاصم: إنْ هذان بتخفيف ﴿إِنْ﴾ [[قرأ ابن كثير، وحفص عن عاصم: (إنْ هذان) بتخفيف (إنّ). وقرا نافع، وابن عامر، وحمزة، والكسائي، وعاصم في رواية أبي بكر: (إنَّ هذان) بتشديد (إنّ). وكذلك قرأ أبو عمرو: بتشديد (إنّ).
انظر: "السبعة" ص 419، "الحجة للقراء السبعة" 5/ 229، "التبصرة" ص 260، "المبسوط في القراءات" ص 249.]]، على معنى ما هذان إلا ساحران كقوله: ﴿وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ [الشعراء: 186]، وإن إذا خفف كان الوجه أن يرفع الاسم بعدها، وإذا كان كذلك رفع هذان بعدها، وأدى مع ذلك خط المصحف.
قال أبو إسحاق: (أستحسن هذه القراءة، وفيها إمامان عاصم والخليل، وكان يقرا بهذه القراءة، والإجماع أنه لم يكن أحد بالنحو أعلم من الخليل؛ ولأن هذه القراءة توافق قراءة أبي في المعنى، وإن خالفه اللفظ) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 364.]]. وقراءته: إن ذان إلا ساحران [["الكشف والبيان" 3/ 20 ب، "بحر العلوم" 2/ 348، "النكت والعيون" 3/ 410، "الكشاف" 2/ 542، "التفسير الكبير" 22/ 75.]].
وقال الأخفش: (﴿إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ﴾ خفيفة في معنى ثقيلة، وهي لغة لقوم يرفعون بها، وإن ثقلت فهي لغة لبني الحارث بن كعب الاثنين في كل موضع) [["معاني القرآن" للأخفش 2/ 629.]]. هذا كلامه.
وقد بأن أن القراءة الصحيحة في هذه الآية قراءة العامة، وقراءهَ من خفف ﴿أَن﴾ على التعليل [[وقوله المؤلف -رحمه الله-: (وقد بأن أن القراءة الصحيحة) لا يفهم منه أن == القراءة الأخرى قراءة ضعيفه؛ لأنها قد ثبتت القراءة بها وصحت عن الرسول -ﷺ- كما وصلت إلينا بالتواتر، فلا يجوز ترجيح قراءة على أخرى؛ لأنها كلها ثابتة متواترة عن النبي -ﷺ- والقراءة سنة متبعة. أما عن توجيه القراءة فما ذكره المؤلف -رحمه الله- هو قول جمهور العلماء من المفسرين.
قال أبو حيان في "البحر المحيط" 6/ 255: والذي نختاره في تخريج هذه القراءة بأنها جاءت على لغة بعض العرب من إجراء المثنى بالألف دائمًا، وهي لغة كنانة ولبني الحارث بن كعب وخثعم وزبيد وأهل تلك الناحية.
انظر: "معاني القرآن" للفراء 2/ 184، "معاني القرآن" للزجاج 3/ 364، "إعراب القرآن" للنحاس 2/ 347، "التفسير الكبير" 22/ 75، "روح المعاني" 16/ 223، "الفتاوى" لابن تيمية 2/ 252.]].
وقوله تعالى: ﴿وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى﴾ قال عكرمة: (يذهبا بخياركم) [["الكشف والبيان" 3/ 20 ب، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 175.]].
وقال الحسن، وأبو صالح: (بأشرافكم) [["جامع البيان" 16/ 182، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 175، "الدر المنثور" 4/ 541.]].
وعن أبي صالح: (بسراة الناس) [["تفسير القرآن العظيم" 3/ 162، "تفسير سفيان الثوري" ص 1954.]].
وقال مجاهد: (أولوا العقل والشرف والأسنان) [["جامع البيان" 16/ 186، "النكت والعيون" 3/ 411، زاد المسير" 5/ 300، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 174، "الدر المنثور" 4/ 541.]]. وهذه الأقوال معناها واحد، هو معنى قول ابن عباس في رواية الوالبي: (أمثلكم) [["زاد المسير" 5/ 208.]].
قال الزجاج: (معناه بجماعتكم الأشراف. قال: والعرب تقول للرجل الفاضل: هذا طَرِيقَة قَومِه، ونَظِيرة قَومِه، ونَظُورَة قَومِه، للرجل الفاضل، وإنما تأويله: هذا (الذي) [[كذا في نسخة (س) وهو أصوب، وكذا هي في معاني الزجاج، وفي غيرها (الفتى).]] ينبغي أن يجعله قومه قدوة، ويسلكوا طريقته، وينظروا إليه ويتبعوه) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 364.]].
وقال الفراء: (العرب تقول للقوم: هؤلاء طَريقة قومهم، وطرائق قومهم لأشرافهم [[في نسخة (س): (أشرافهم).]]، ويقولون للواحد أيضًا: طَريقة قومه ونَظُورة قومه
ونَظيرة قومه، ويقولون للجمع بالتوحيد، والجميع يعني طريقه، وطرائق، قال: ومن ذلك قوله: ﴿طَرَائِقَ قِدَدًا﴾ [الجن: 11]) [["معاني القرآن" للفراء 2/ 185.]]. وجعل الزجاج الآية من باب حذف المضاف، فقال: (المعنى عندي: يذهبا بأهل طريقتكم المثلى، قال: وكذلك قول العرب: هذا طريقة قومه، معناه هذا صاحب طَريقة قومه) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 365.]]. هذا كلامه. وليس يحتاج إلى تقدير المضاف على ما ذكره الفراء، فإن الطريقة اسم للأفاضل على معنى أنهم الذين يقتدى بهم ويتبع آثارهم، كما تسلك الطريقة، فتقدير المضاف تكلف. و (المثلي) تأنيث الأمثل، والأمثل معناه في اللغة: الأفضل، يقال: فلان أَمْثَل قومه أي: أفضلهم، وهم الأماثل [[انظر: "تهذيب اللغة" (مثل) 4/ 3342، "القاموس المحيط" (المثل) 4/ 48، " مقاييس اللغة" (مثل) 5/ 297، "المعجم الوسيط" (الأمثل) 2/ 854، "لسان العرب" (مثل) 7/ 4134، "المفردات في غريب القرآن" (مثل) ص 463.]].
ومنه قول الشاعر [[لم أهتد لقائله. وذكره نحوه: "تاج العروس" (نصف) 6/ 256، ونسبة لابن == العربي، وكذلك ابن منظور في "لسان العرب" (نصف) 7/ 4443 بلفظ:
وإن أتوك فقالوا إنها نصف ... فإن أطيب نصفها الذي غبرا]]: وَإِنْ أَتَوكَ فَقالوا إِنَّها نصَفٌ ... فَإِنَ أَمْثَل نِصْفَها الذِي ذَهَبا
أي: أشقهما وأفضلهما.
قال الأخفش والكسائي: (يقال: قد مَثَلَ يَمْثُلُ مُثُولًا، أي: صار فاضلًا) [[ذكر نحوه الأزهري في "تهذيب اللغة" (مثل) 4/ 3343.]].
واختلف لم قيل للأفضل أَمْثَل؟ فقال بعضهم: معنى الأمثل: الأشبه بالحق، ثم صار اسمًا للأفضل [["القاموس المحيط" (المثل) 1056، "لسان العرب" (مثل) 7/ 4134، "المفردات في غريب القرآن" (مثل) ص 462.]]. وقيل: معنى الأمثل في اللغة: الأظهر، من قولهم: مَثَلَ الشيء يَمْثُلُ مُثُولًا: إذا قام وانتصب فظهر للعيون [[انظر: "الصحاح" (مثل) 7/ 4134، "مقاييس اللغة" (مثل) 5/ 297، "المعجم الوسيط" (مثل) 2/ 853، "لسان العرب" (مثل) 7/ 4134، "المفردات في غريب القرآن" (مثل) ص 462.]]. قال لبيد [[البيت للبيد بن ربيعة.
أصدرناهما في وارد: الصادر والوارد الطريق، يقال: طريق صادر أي: أنه يصدر بأهله عن الماء، أو طريق وارد يرد بهم. وَهْم: واسع ضخم. والصُوَى: أعلام من حجارة منصوبة في الفيافي المجهولة يستدل بها على طرقها، واحدتها صُوة.
انظر: "ديوان لبيد بن ربيعة" ص 143،"تهذيب اللغة" (صدر) 2/ 1987، "لسان العرب" (صدر) 4/ 2411.]]:
ثمَّ أَصدَرْناهُما في وارِدٍ ... صادِرٍ وَهْمٍ صُواه قَدْ مَثَلْ
أي: انتصب وظهر، ولما كان الفاضل الشريف ظاهرًا من القوم بفضله وشرفه قيل له: الأمثل. ومعنى الآية ما روى الشعبي عن علي -رضي الله عنه- أنه قال: (﴿وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى﴾ يصرفا وجوه الناس إليهما) [["جامع البيان" 16/ 183، "الكشف والبيان" 3/ 20 ب، "معالم التنزيل" 5/ 282، "زاد المسير" 5/ 300، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 174.]].
والمعنى: أن يغلبا بسحرهما، فتمثل إليهما السادة والأشراف منكم. وقال قتادة: (طريقتكم المثلى يومئذ بنو إسرائيل كانوا أكثر القوم عددا وأموالًا، فقالوا: إنما يريد أن يذهبا بهما لأنفسهم) [["تفسير القرآن" للصنعاني 2/ 18، "جامع البيان" 16/ 183، "الكشف والبيان" 3/ 20/ ب، "النكت والعيون" 3/ 411، "معالم التنزيل" 5/ 282.]]. فجعل قتادة هؤلاء الأفاضل من بني إسرائيل. وهذا قول ابن عباس في رواية الوالبي: (هم بنو إسرائيل) [["جامع البيان" 16/ 182، "روح المعاني" 16/ 224.]]. هذا الذي ذكرنا قول المفسرين، وأهل التأويل، وعلى هذا مقاتل، والكلبي [["الكشف والبيان" 3/ 20، "تفسير مقاتل" 4 أ.]].
وقال ابن زيد: (ويذهبا بالطريقة التي أنتم عليها في السيرة) [["جامع البيان" 16/ 183، "النكت والعيون" 3/ 412، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 175، "الدر المنثور" 4/ 541.]]. وهذا القول اختيار أبي عبيدة، والكسائي، قال أبو عبيدة: (﴿بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى﴾ [بسنتكم ودينكم وما أنتم عليه) [["مجاز القرآن" لأبي عبيدة 2/ 23.]].
وقال الكسائي: (﴿بِطَرِيقَتِكُمُ﴾ يعني سنتكم وهداكم وسمتكم) [["الكشف والبيان" 3/ 20 ب.]].
و (المثلى)] [[ما بين المعقوفين ساقط من الأصل ومن نسخة (ص).]] نعت للطريقة. ولا إشكال على هذا القول، و (المثلى) تأنيث الأمثل، بمعنى: الأفضل، وبمعنى: الأظهر [["معاني القرآن" للفراء 2/ 185، "معاني القرآن" للزجاج 3/ 364.]].
طه 20:64
قوله تعالى: ﴿فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ﴾ قال الفراء: (الإجماع: الأحكام والعزيمة على الشيء، تقول: أجمعت الخروج، وعلى الخروج، مثل: أزمعت، وأنشد [[لم أهتد إلى قائله. وذكرته كتب التفسير واللغة بلا نسبة.
انظر: "جامع البيان" 16/ 183، "النكت والعيون" 3/ 412، "الجامع لأحكام القرآن" 12/ 121، "معاني القرآن" للفراء 2/ 158، "وضح البرهان في مشكلات القرآن" 2/ 64، "تهذيب اللغة" (جمع) 1/ 652، "لسان العرب" (جمع) 2/ 681، "نوادر أبي زيد" ص 133، "إصلاح المنطق" ص 263.]]:
يا لَيْتَ شِعْرِي والمُنَى لا تَنْفَع ... هَلْ أَغْدُون يَومًا وأَمْرِي مُجْمَعُ
يريد قد أحكم وعزم عليه) [["معاني القرآن" للفراء 2/ 185.]].
وقال أبو إسحاق: (معناه: ليكن عزمكم كلكم على الكيد مُجْمَعًا لا تختلفوا) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 365.]]. ومضى الكلام معنى الإجماع عند قوله: ﴿فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ﴾ [يونس: 71]. وقرا أبو عمرو: فاجْمَعوا [[قرأ: نافع، وابن كثير، وابن عامر، وحمزة، والكسائي وعاصم: (فَأجْمِعوا) بقطع الألف وكسر الميم. وقرا أبو عمرو البصري: (فَاجمَعوا) بوصل الألف وفتح الميم.
انظر: "السبعة" ص 419، "الحجة للقراء السبعة" ص 232، "المبسوط في القراءات" ص 249، "التبصرة" ص 260.]]، موصولًا من الجمع، وحجته قوله: ﴿فَجَمَعَ كَيْدَهُ﴾ [طه: 60].
قال الفراء: (معناه: فلا تَدعوا من كيدكم شيئًا إلا جئتم به) [["معاني القرآن" للفراء 2/ 185.]].
وقال الزجاج: (جيئوا بكل ما تقدرون عليه، ولا تبقوا منه شيئًا) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 365.]]. واختار الأخفش هذه القراءة وقال: (إنما يقولون بالقطع إذا قالوا: أجمعنا على كذا وكذا، فأما إذا قالوا: أجمعوا أمركم، وأجمعوا شركأكم، فلا يقولون إلا بالوصل. والقطع أكثر القراءة، ولعله لغة في جمع؛ لأنّ داب فَعَلت وأَفْعلت كثير) [[ذكر نحوه "معاني القرآن" للأخفش 2/ 571، "الحجة للقراء السبعة" 5/ 232.]].
قال أبو علي: (يشبه أن يكون ذلك على لغتين، كما ظنه أبو الحسن، كقول الشاعر) [["الحجة للقراء السبعة" 5/ 232.]] [[البيت لذي الإصبع العدواني.
مَعْشَر: المعشر الجمع ولا واحد له من لفظه، ومعشر الرجل أهله. طُرًّا: جمعًا. انظر: "الحجة للقراء السبعة" 5/ 233، "شرح المفصل" 1/ 30، "لسان العرب" (عشر) 5/ 1295، "مجمع البيان" 7/ 29.]]:
وأَنْتُمُ مَعْشَرٌ زيدٌ عَلَى مِائَةٍ ... فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ طُرًّا فَكِيْدُوني
وقال الهذلي [[البيت لأبي ذؤيب الهذلي يصف حُمرًا.
الجَزْع، ونُبَاع، وأُولاَت ذِى العَرجَاء: أسماء أماكن. والنَّهَب المُجْمَع: إبل القوم التي أغار عليها اللصوص، وكانت متفرقة في مراعيها فجمعوها من كل ناحية حتى اجتمعت لهم ثم طردوها وساقوها.
انظر: "شرح أشعار الهذليين" 1/ 17، "المفصليات" ص 423، "الجامع لأحكام == القرآن" 11/ 220، "تهذيب اللغة" (جمع) 1/ 652، "لسان العرب" (جمع) 2/ 678.]]: فَكَأَنَّهَما بالجِزْعِ بَيْنَ نُبَايعٍ ... وَأَولاَتِ ذِي العَرْجَاءِ نَهْبٌ مُجْمَعُ
أي: مجموع، وهذا فيما يتواصى به السحرة من جمع كيدهم، وما يستظهرون به من المبالغة في سحرهم.
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا﴾ قال أبو عبيدة: (الصف: موضع الجمع، ويسمى المصلّى: الصف، يقال: هل أتيت الصف اليوم؟ أي: المصلّى الذي يصلى فيه. قال: وقد يكون على المصدر، كما تقول: جاءوني صفًا أي: مصطفين) [["مجاز القرآن" لأبي عبيدة 2/ 23.]].
وذكر أبو إسحاق الوجهين فقال: (معناه: ثم ائتوا الموضع الذي تجتمعون فيه لعيدكم وصلاتكم، يقال: أتيت صَفا بمعنى أتيت المصَلّى، قال: ويجوز أن يكون ﴿ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا﴾ أي: مصطفين مجتمعين ليكون أنظم [[قوله: (ليكون أنظم)، ساقط من نسخة (س).]] لأموركم وأشد لهيئتكم) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 365.]].
والمفسرون يقولون في قوله: ﴿ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا﴾: (جميعًا)، قاله مقاتل، والكلبي، وابن عباس في رواية عطاء [["الكشف والبيان" 3/ 21 أ، "معالم التنزيل" 5/ 283، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 221، "تفسير مقاتل" 4 أ.]]. وهو بمعنى: مصطفين ﴿وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلَى﴾ قال ابن عباس: (يريد قد سعد اليوم من غلب) [["زاد المسير" 5/ 301، وذكره الطبري في "تفسيره" 16/ 184 بدون نسبة.]].
قال الليث: (ويقال لكل من قهر أمرًا أو علاه: اعتلا، واستعلاه واستعلى عليه) [["تهذيب اللغة" (علا) 3/ 2536.]].
وقال الزجاج: ((استعلى) أي: علا بالغلبة) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 365.]].
طه 20:65
قوله تعالى: ﴿قَالُوا يَا مُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى﴾ قال الفراء: (المعنى: اختر أحد هذين الأمرين) [["معاني القرآن" للفراء 2/ 185.]]. والمراد بالإلقاء هاهنا: إلقاء العصا على الأرض، وكانت السحرة معهم عصي، وكان موسى قد ألقى عصاه يوم دخل على فرعون، كما قال الله تعالى: ﴿فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ﴾ [[وردت في سورة [الأعراف: 107]، وفي سورة [الشعراء: 32].]]، ولما أراد السحرة معارضته قالوا له هذا القول.
طه 20:66
فقال موسى: ﴿بَلْ أَلْقُوا﴾ أمرهم بالإلقاء أولًا، لتكون معجزته أظهر إذا ألقوا هم بم معهم، ثم يلقي هو عصاه فتبتلع كل ذلك على ما ذكر [[ويشهد لذلك قوله سبحانه: ﴿فَأَلْقَى مُوسَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ﴾ [الشعراء: 45].]].
وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ﴾ في الكلام محذوف تقديره: فألقوا فإذا حبالهم.
[قال أبو إسحاق: (وترك هاهنا؛ لأنه قد جاء في موضع آخر: ﴿فَأَلْقَوْا حِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ﴾ [الشعراء: 44] [[ما بين المعقوفين ساقط من نسخة (س).]]] [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 365.]].
قال ابن عباس في رواية عطاء: (كان عدد السحرة سبعين ألف رجل، ومع كل رجل عصا وحبل غليظ مثل حبال السفن) [[ذكرته كتب التفسير بدون نسبة.
انظر: "جامع البيان" 16/ 184، "النكت والعيون" 3/ 413، "المحرر الوجيز" 10/ 52، "الكشاف" 2/ 543.]].
وقال عكرمة، وابن جريج: (كانوا تسع مائة) [["جامع البيان" 16/ 185، "النكت والعيون" 3/ 413، "التفسير الكبير" 22/ 83.]].
وقال محمد بن إسحاق: (كانوا خمسة عشر ألفًا) [["جامع البيان" 16/ 185، وذكره ابن عطية في "المحرر الوجيز" 10/ 52 بدون نسبة.
وقال الألوسي في "روح المعاني" 16/ 225 بعد ذكر هذه الأقوال: ولا يخفى حال الأخبار في ذلك، والقلب لا يميل إلى المبالغة والله تعالى أعلم.
وقال الشنقطي في "أضواء البيان" 4/ 438 بعد ذكر هذه الأقوال: وهذه الأقوال من الإسرائيليات.]].
وقوله تعالى: ﴿يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾ يقال خُيل على الرجل تخييلا: إذا أدخل عليه التهمة والشبهة، وأصل هذا الحرف: من الشَبَه والاشتباه الذي ينافي الحق والحقيقة، ومنه الخَيَال الذي يشبه الشيء وليس منه كخَيال الإنسان في المرآة، وخَياله في النوم، وأَخَال الشيء إذا اشتبه وأشكل فهو مخيل [[انظر: "تهذيب اللغة" (خال) 1/ 966، "القاموس المحيط" (خال) ص 996، "الصحاح" (خيل) 4/ 1692، "لسان العرب" (خيل) 3/ 1304.]]، ومنه قول الشاعر [[لم أهتد إلى قائله. وذكر في كتب اللغة بلا نسبة.
انظر: "تهذيب اللغة" (خال) 1/ 968، "لسان العرب" (خيل) 3/ 1304.]]:
والصَّدْقُ أَبْلَجُ لا يُخَيلُ سَبِيلُهُ ... والصَّدقُ يَعْرِفُهُ ذَوُو الأَلبَابِ
ومعنى هذه الآية كمعنى قوله: ﴿سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ﴾ [الأعراف: 116] وذكر الكلام فيه. وموضع (أن) من قوله: ﴿أَنَّها تَسْعَى﴾ رفع على معنى يخيل إليه سعيها [["معاني القرآن" للفراء 2/ 186، "معاني القرآن" للزجاج 3/ 366، "إعراب القرآن" للنحاس 2/ 348.]].
قال الكلبي: (خُيل إلى موسى أن الأرض حيات كلها، وأنها تسعي على بطنها) [["الجامع لأحكام القرآن" 11/ 222.
اختلف العلماء هل للسحر حقيقة أم لا؟ فقال الشنقيطي في "أضواء البيان" 4/ 437: والتحقيق الذي عليه جماهير العلماء من المسلمين: أن السحر منه ما هو أمر له حقيقة لا مطلق تخيل لا حقيقة له، ومنه ما هو تخيل لا حقيقة له.
انظر: "الجامع لأحكام القرآن" 2/ 44، "التفسير الكبير" 3/ 213، "أحكام السحر والسحرة" للرازي ص 110، "السحر" للدكتور مسفر الدميني ص 25، "السحر بين الحقيقة والخيال" للدكتور أحمد الحمد ص 37.]]. وكثير من الكلام اللائق بهذه الآيات قد مضى في سورة الأعراف [[وردت قصة موسى عليه السلام مع فرعون في سورة الأعراف (103 - 162).]].
طه 20:67
قوله تعالى: ﴿فَأَوْجَسَ﴾ قال الفراء: (أحس [[في (س): (أجس).]] ووجد) [["معاني القرآن" للفراء 2/ 182.]].
وقال الزجاج: (أضمر) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 61.]]. وقال في موضع آخر: (وقع في نفسه الخوف) [["معاني القرآن" للزجاج 5/ 553.]]. وقد ذكرناه مستقصى في سورة هود [[عند قوله سبحانه: ﴿وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ﴾ [هود: 3].]].
وقوله تعالى: ﴿خِيفَةً مُوسَى﴾ أي: خوفًا، وأصلها: خوفه فانقلبت الواو ياء لانكسار الخاء [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 367، "إعراب القرآن" للنحاس 2/ 349.]]. وإنما خاف موسى؛ لأن سحرهم كان من جنس ما أراهم في العصا، فخاف أن يلتبس على الناس أمره، ولا يؤمنوا به. هذا معنى قول الكلبي، ومقاتل [["الكشف والبيان" 3/ 21 أ، "معالم التنزيل" 5/ 283، "البحر المحيط" 6/ 260، "التفسير الكبير" 22/ 84، "تفسير مقاتل" 4 أ.]].
وقيل: (كان خوف طباع، لكثرة ما يخيل له من الحيات العظام)، وهذا معنى قول محمد بن إسحاق [["بحر العلوم" 2/ 349، وذكرته كتب التفسير بدون نسبة.
انظر: "النكت والعيون" 3/ 413، "معالم التنزيل" 5/ 283، "المحرر الوجيز" 10/ 54، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 222.]].
طه 20:68
فقال الله تعالى: ﴿لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى﴾ قال ابن عباس: (يريد أنت الغالب) [[ذكرته كتب التفسير بدون نسبة.
انظر: "معالم التنزيل" 5/ 284، "زاد المسير" 5/ 305، "القرطبي" 11/ 223.]]. والمعنى: أنت الأعلى عليهم بالظفر والغلبة.
طه 20:69
﴿وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ﴾ يعني العصا ﴿تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا﴾ قال الزجاج: (القراءة بالجزم [[قرأ نافع، وأبو عمرو، وابن كثير، وحمزة، والكسائي، وعاصم في رواية أبي بكر: (تَلقَّفْ مَا صَنعوا) بتشديد القاف وجزم الفاء. وقرأ عاصم في رواية حفص: (تَلْقَفُ مَا صَنعوا) بتخفيف القاف ورفع الفاء. وقرأ ابن عامر الشامي: (تَلْقَّفُ مَا صَنعوا) بتشديد القاف ورفع الفاء.
انظر: "السبعة" ص 420، "الحجة للقراء السبعة" 5/ 235، "المبسوط في القراءات" ص 249، "النشر" 2/ 321.]]، جواب الأمر، ويجوز الرفع على معنى الحال، كأنه قال: ألقها تلقفه) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 367.]]، هذا كلامه.
وشرحه أبو علي فقال: (وجه قراءة من قرأ: ﴿تَلْقَفُ﴾ بالرفع، وهي قراءة ابن عامر: أنه في موضع الحال، والحال يجوز أن يكون من الفاعل المُلْقِي، ويجوز أن يكون من المفعول المُلْقَى، فإن جعلته من الفاعل المُلْقِي جعلته المُتلَقَّفَ، وإن كان التَّلَقُفُ في الحقيقة للعصا، ووجه جعل المُتَلَقَّف أن التَّلَقُفُ في الحقيقة للعصا، ووجه جعل المُتَلَقَّف أن التَّلَقُف بإلقائه كان فجاز أن ينسب إليه، والفعل كثيرًا يضاف إلى المسبب، ويجوز أن يكون الحال من المفعول، وجعلت تَلْقَفْ حالًا، وإن لم تتلقف بعد، كما جاء في التنزيل: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة: 95] وكما أجاز النحويون: مررتُ برجلٍ معه صقر صائدًا به غدًا، وهذا النحو من الحال كثير في التنزيل وغيره) [["الحجة للقراء السبعة" 5/ 236.]].
وقال: (﴿تَلْقَفْ﴾ على التأنيث، حملًا للكلام على المعنى؛ لأنه المراد بما في يمينه العصا. ومن قرأ: تلقفْ بالجزم، فعلى أن يكون جوابًا، كأنه: إن تُلْقِهِ تَلَقَّفْ، ويجوز أن يكون تَلْقَفْ خطابًا لموسى، كما ذكر في قراءة من رفع يجوز أن يكون حالًا للفاعل) [["الحجة للقراء السبعة" 5/ 236.]]. وذكرنا معنى التلقف في سورة الأعراف مستقصى [[عند قوله سبحانه: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ﴾ [الأعراف: 117].]].
وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ﴾ أي: الذي صنعوه كيد ساحر. وقرئ: كيد سحر [[قرأ نافع، وابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر، وعاصم: ﴿كَيْدُ سَاحِرٍ﴾ بالألف.= وقرأ حمزة، والكسائي: (كيد سحر) بغير ألف.
انظر: "السبعة" ص 421، "الحجة للقراء السبعة" 5/ 237، "حجة القراءات" ص 458، "الغاية في القراءات" ص 323.]]. وساحر أقوى؛ لأنّ الكيد للساحر في الحقيقة وليس للسحر، ومن قرأ: كيد سحر، أضاف الكيد إلى السحر على التوسع، وأراد كيد ذي سحر، فيكون المعنى مثل كيد ساحر، ويجوز أن يكون معنى كيد سحر: كيد من سحر كما قالوا: قميص حرير، وجبة وَشْي، ذكر ذلك ابن الأنباري [[ذكر بلا نسبة في "الكشاف" 2/ 545، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 224، "التفسير الكبير" 22/ 85، "البحر المحيط" 6/ 260.]]. والمعنى: الذي صنعوه تخيل سحر لا حقيقة له.
[وقوله: ﴿وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى﴾ قال ابن عباس: (ولا يسعد الساحر حيث ما كان) [["معالم التنزيل" 5/ 284، "زاد المسير" 5/ 306.]].
وروى جندب بن عبد الله البجلي [[جندب بن عبد الله بن سفيان البجلي، ينسب إلى جده، أحد أصحاب النبي -ﷺ- روى عن النبي -ﷺ- روى عنه الحسن، وابن سيرين، وأخرج له الجماعة، توفي -رضي الله عنه- سنة 64 هـ.
انظر: "الاستيعاب" 1/ 219، "أسد الغابة" 1/ 303، "الإصابة" 1/ 249، "تهذيب التهذيب" 2/ 118، "سير أعلام النبلاء" للذهبي 3/ 174، "الكاشف" 1/ 132.]]: أن رسول الله -ﷺ- قال: "إذا أخذتم الساحر فاقتلوه، ثم قرأ: ﴿وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى﴾ قال: لا يأمن حيث وجد" [[أورده ابن كثير في "تفسيره" 3/ 175، وقال: وقد روى أصله الترمذي موقوفًا ومرفوعًا. وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 2/ 541، وعزاه لابن أبي حاتم وابن مردويه، وذكره ابن الجوزي في "زاد المسير" 5/ 210، والقرطبي في "الجامع لأحكام القرآن" 2/ 48، والشوكاني في "نيل الأوطار" باب: ما جاء في حد السحر 7/ 632، والألوسي في "روح المعاني" 16/ 230. == وأخرج الترمذي في جامعه نحوه في كتاب الحدود، باب: ما جاء في حد السحر 4/ 60، والحاكم في "المستدرك" 4/ 360، وصححه ووافقه الذهبي، وذكره ابن حزم في "المحلى" 11/ 396، وابن حجر في "فتح الباري" 10/ 236، والذهبي في "الكبائر" ص 46.]].
قال أبو إسحاق: (معناه حيث كان الساحر يجب أن يقتل. قال: وكذلك مذهب أهل الفقه في السحرة) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 367.]]. ونحوه هذا المعنى ذكر الفراء] [["معاني القرآن" للفراء 2/ 186.
اختلف العلماء في حكم السحر والساحر، والصحيح -والله أعلم- أن السحر نوعان منه ما هو كفر، ومنه ما لا يبلغ درجة الكفر، فإن كان الساحر استعمل السحر الذي هو كفر فإنه يقتل كفرًا، وأما إن كان الساحر عمل السحر الذي لا يبلغ الكفر فهو محل خلاف بين العلماء، والراجح -والله أعلم- أنه لا يقتل.
انظر: "الجامع لأحكام القرآن" 2/ 48، "أحكام القرآن" للجصاص 1/ 61، "أحكام القرآن" لابن العربي 1/ 31، "المبسوط" للسرخسي 10/ 208، "الزواجر" 2/ 104، "المغني" لابن قدامة 8/ 151.]] [[ما بين المعقوفين ساقط من الأصل ومن نسخة (ص).]].
طه 20:70
وقوله تعالى: ﴿فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا﴾ ففعل ما أمر به موسى، ﴿فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا﴾ وترك ذكره؛ لأنه ذكر في سورة الأعراف [[عند قوله سبحانه: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ﴾ [الأعراف: 117].]]، والشعراء [[عند قوله سبحانه: ﴿فَأَلْقَى مُوسَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ﴾ [الشعراء: 45].]] أنه ألقى عصاه، فتلقفت ما صنعوا، وما يقع من الكلام في تفسير هذه الآية قد سبق في سورة الأعراف [[سورة الأعراف الآيات: (117 - 120).]].
طه 20:71
قوله تعالى: ﴿قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ﴾ الكلام في هذا، ووجه اختلاف القراء في ﴿آمَنْتُمْ﴾ [[قرأ ابن كثير، وحفص عن عاصم، وورش عن نافع: (آمنتم) على لفظ الخبر. وقرأ أبو عمرو، وابن عامر، ونافع: (آمنتم) بهمزة ممدودة. وقرأ حمزة، والكسائي، وأبو بكر عن عاصم: (أآمنتم) بهمزتين الثانية ممدودة انظر: "السبعة" ص 421، "الحجة للقراء السبعة" 5/ 238، "حجة القراءات" ص 458.]]. قد تقدم في سورة الأعراف [[عند قوله سبحانه: ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ آمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ﴾ [الأعراف: 123] الآية.]]. بوصل الباء إذا كان باللهِ تعالى، وإذا كان بغيره وصل باللام، كذا جاء في التنزيل [["الكشاف" 2/ 546، "البحر المحيط" 6/ 261، "روح المعاني" 16/ 231.]]، مثل قوله: ﴿فَمَا آمَنَ لِمُوسَى﴾ [يونس: 83]، ﴿وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ﴾ [الإسراء: 90]، ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا﴾ [يوسف: 17]، ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ﴾ [العنكبوت: 26]؛ لأنه يراد به مجرد التصديق، وقد قال في سورة الأعراف: ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ آمَنْتُمْ بِهِ﴾ [الأعراف: 123]، فهما بمعنى واحد.
قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ﴾ قال ابن عباس: (يريد معلمكم) [["زاد المسير" 5/ 207.]]. وقال: (ولذلك يقول أهل مكة: جئت [[في (ص) (حيث)، وهو تصحيف.]] من عند كبيري، [وحتى أستأذن كبيري) [["الكشاف" 2/ 545، "مجاز القرآن" لأبي عبيدة 2/ 23.]].
وقال الكسائي: (الصبي بالحجاز إذا جاء من عند معلمه قال: جئت من عند كبيري) [["زاد المسير" 5/ 207، "فتح القدير" 3/ 537.]]] [[ما بين المعقوفين ساقط من الأصل ومن نسخة (ص).]].
وقال محمد بن إسحاق: (إنه لعظيم السحار) [["جامع البيان" 16/ 188 "فتح القدير" 3/ 537.]].
والكبير في اللغة: الرئيس [[انظر: "تهذيب اللغة" (كبر) ص 3090، "القاموس المحيط" (كبر) ص 468، "لسان العرب" (كبر) 6/ 3807.]]، ومنه قوله تعالى: ﴿قَالَ كَبِيرُهُمْ﴾ [يوسف: 80]، يعني رئيسهم الذي هو أعلمهم، ولم يرد الكبير في السن، ولهذا يقال للمعلم: الكبير.
قال أهل المعاني: جعل نسبتهم إلى اتباع رئيسهم بالسجود علة لصرف الناس عن اتباع موسى.
وقوله تعالى: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ قال المبرد: (المعنى على جذوع النخل، وإنما وقعت في ومعانيها الوعاء، كقولك: زيد في الدار، والمتاع في الوعاء؛ لأنّ الجذع جعل كأنه قد حل فيه، فصار الجذع له مكانًا كالبيت) [[ذكره مختصرًا في "المقتضب" 2/ 318.]]. كما قال الأسدي [[لم أهتد إليه.]]:
تَداركت شَمْاسًا ويَحْيى وخالدِا ... وقَد نصبت فَوقَ الجُذُوع قُبُورهَا
أي: جعلت الجذوع لهم مكان القبور، ونحو هذا قال أبو عبيدة، والفراء، والزجاج [["مجاز القرآن" لأبي عبيدة 2/ 123، "معاني القرآن" للفراء 2/ 186، "معاني القرآن" للزجاج 3/ 368.]] وأنشدوا [[اختلف في نسبة هذا البيت، فنسب لسويد بن أبي كأهل.
انظر: "الأزهية" ص 278، "شرح شواهد المغني" 1/ 479، "الكشف والبيان" 3/ 21 "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 224، "السان العرب" (شمس) 4/ 2324.== ونسب البيت لامرأة من العرب. انظر: "الخصائص" 2/ 313، "شرح المفصل" 8/ 21، "لسان العرب" (فيا) 10/ 373.
وورد بلا نسبة في: "جامع البيان" 16/ 118، "البحر المحيط" 2/ 261، "مجاز القرآن" لأبي عبيدة 2/ 24، "معاني القرآن" 3/ 368، "المقتضب" 2/ 319، "أدب الكاتب" ص 506.]]: وَهُم صَلَبُوا العَبدِيَّ في جِذْعِ نَخْلَةِ ... فَلا عَطَستْ شَيْبَانُ إِلاَ بِأجْدَعا
ولما كانت الجذوع تضمهم كما يضم الوعا ما فيه قيل: ﴿فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾، وهذا كقوله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ﴾ [الطور: 38]، أي: عليه. ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ﴾ أيها السحرة ﴿أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا﴾ لكم ﴿وَأَبْقَى﴾ وأدوم أنا على إيمانكم، أو رب موسى على ترككم الإيمان به.
طه 20:72
قوله تعالى: ﴿قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ﴾ أي: لن نفضلك ولن نختارك ﴿عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ﴾ قال ابن عباس: (يريد من اليقين والعلم) [["الجامع لأحكام القرآن" 11/ 225.]]. وقال مقاتل: (يعني اليد والعصا) [["الكشف والبيان" 3/ 21 ب، "معالم التنزيل" 5/ 285، "تفسير مقاتل" 4 ب.]].
وقال عكرمة: (هو أنهم حيث خروا سجدًا أراهم الله في سجودهم منازلهم في الجنة التي إليها يصيرون) [["النكت والعيون" 3/ 414، "الكشاف" 2/ 545، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 225، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 176، "الدر المنثور" 4/ 542، "أضواء البيان" 4/ 472، وقال: والظاهر أن ذلك من نوع الإسرائيليات.]]. ونحو هذا قال القاسم بن أبي بزة [[القاسم بن نافع بن أبي بزة، واسم أبي بزة: يسار، وقيل نافع، مولى عبد الله بن السائب بن صيفي المخزومي المكي، ويكنى القاسم بأبي عبد الله، وأصله من همدان، تابعي ثقة، روى عن: أبي الطفيل، وأبي معبد، ومجاهد، وسعيد بن == جبير. وروى عنه: عمرو بن دينار، وعبد الملك بن أبي سليمان، وابن جريج وغيرهم كثير، توفي -رحمه الله- سنة 124 هـ بمكة. انظر: "الجرح والتعديل" 7/ 122، "طبقات ابن سعد" 5/ 479، "الثقات" لابن حبان 7/ 330، "شذرات الذهب" 1/ 162، "تهذيب التهذيب" 89/ 278.]]: (ما رفعوا رؤوسهم حتى رأوا الجنة والنار، ورأوا ثواب أهلها عند ذلك قالوا: ﴿لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ﴾) [["الكشف والبيان" 3/ 21 ب، "معالم التنزيل" 5/ 285، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 176، "الدر المنثور" 4/ 542.]].
وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِي فَطَرَنَا﴾ ذكر الفراء والزجاج فيه وجهين أحدهما: (لن نؤثرك على الله والذي خلقنا. والثاني: أنه قسم) [["معاني القرآن" 2/ 187، "معاني القرآن" للزجاج 3/ 368.]].
﴿فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ﴾ قال ابن عباس وجميع المفسرين: (فاصنع ما أنت صانع) [["جامع البيان" 16/ 189، "الكشف والبيان" 3/ 22 أ، "النكت والعيون" 3/ 415، "معالم التنزيل" 5/ 285، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 226.]]. ﴿إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ قال ابن عباس: (يريد إنما سلطانك وملكك في هذه الدنيا، فأما في الآخرة فليس لك فيها حظ ولا سلطان) [[ذكرته كتب التفسير بدون نسبة.
انظر: "جامع البيان" 16/ 189، "معالم التنزيل" 5/ 285، "النكت والعيون" 3/ 415، "زاد المسير" 5/ 307، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 176.]].
طه 20:73
قوله تعالى: ﴿إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا﴾ قال ابن عباس: (الشرك الذي كنا فيه) [[ذكرت نحوه كتب التفسير بدون نسبة.
انظر: "بحر العلوم" 2/ 350، "زاد المسير" 5/ 307، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 226، "مجمع البيان" 7/ 35.]]. ﴿وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ﴾ روي: (أن فرعون كان يكره الناس على تعلم السحر) [["جامع البيان" 16/ 189، "الكثف والبيان" 3/ 22أ، "بحر العلوم" 2/ 350، "معالم التنزيل" 5/ 285، "المحرر الوجيز" 7/ 58، "زاد المسير" 5/ 307.]].
وروي: (أنه أكرههم على معارضة موسى بالسحر) [["المحرر الوجيز" 3/ 58، "الكشاف" 2/ 546، "زاد المسير" 5/ 308، "التفسير الكبير" 22/ 89، "روح المعاني" 16/ 233.]]. والقولان مرويان في التفسير.
﴿وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ قال ابن عباس: (يريد ثواب الله خير وأبقى) [["الجامع لأحكام القرآن" 11/ 226.]]. فعلى هذا المضاف محذوف.
وقال أبو إسحاق: (أي الله خير لنا منك وأبقى عذابًا) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 369.]]. وهذا جواب قوله: ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى﴾ [طه: 71] وهذا معنى قول محمد بن إسحاق: (والله خير منك [ثوابًا وأبقى عقابًا) [["جامع البيان" 16/ 190، "معالم التنزيل" 5/ 285، "ابن كثير" 3/ 176.]].
وقال محمد بن كعب: (والله خير منك إن أطيع، وأبقى عذابًا منك] [[ما بين المعقوفين ساقط من الأصل ومن نسخة (ص).]] إن عصي) [[المراجع السابقة، "الدر المنثور" 4/ 542، "فتح القدير" 3/ 538.]].
طه 20:74
قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا﴾ هذا ابتداء كلام من الله تعالى وانتهى الإخبار عن السحرة [["بحر العلوم" 2/ 350، "معالم التنزيل" 5/ 286، "المحرر الوجيز" 10/ 59، "الكشاف" 2/ 546.]].
وقيل: (هذا أيضًا إخبار عنهم أنهم قالوه) [["معالم التنزيل" 5/ 286، "المحرر الوجيز" 10/ 59، "الكشاف" 2/ 546، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 226، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 177.]].
والكناية في قوله: ﴿إِنَّهُ﴾ الأمر والشأن، أي: بأن الأمر والشأن هذا، وهو أن المجرم يدخل النار، والمؤمن يدخل الجنة، ويجوز أن يكون هاء الإضمار على شريطة التفسير، وبينا ذلك في سورة يوسف [90].
ومعنى ﴿مُجْرِمًا﴾ قال ابن عباس في رواية الضحاك: (المجرم الكافر) [[ذكرته كتب التفسير بدون نسبة.
انظر: "جامع البيان" 16/ 190، "بحر العلوم" 2/ 350، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 227، "مجمع البيان" 7/ 35، "البحر المحيط" 6/ 262.]].
وقال في رواية عطاء: (يريد أجرم، وفعل مثل ما فعل فرعون) [["مجمع البيان" 7/ 35.]]. ﴿فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى﴾ قال: (يريد لا يموت فيستريح، ولا يحيي فيفتر عنه العذاب) [[ذكرت كتب التفسير نحوه بدون نسبة.
انظر: "بحر العلوم" 2/ 350، "زاد المسير" 5/ 309، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 227، "مجمع البيان" 7/ 35، "البحر المحيط" 6/ 262، "فتح التقدير" 5/ 538.]].
قال الكلبي: (ولا يحيي فيها حياة تنفعه) [[ذكرت كتب التفسير نحوه بدون نسبة.
انظر: "زاد المسير" 5/ 309، "البحر المحيط" 6/ 262، "فتح القدير" 5/ 538. ويشهد لذلك قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ﴾ [فاطر: 36]]].
وروى أبو نضرة [[المنذر بن مالك بن قطعة العبدي، العوفي، البصري، من الطبقة الوسطى، من علماء التابعين، وثقه عدد من العلماء، وشهدوا له بالصلاح والتقوى. توفي -رحمه الله- سنة 108 هـ انظر: "تهذيب التهذيب" 10/ 302، "سير أعلام النبلاء" 4/ 129، "تقريب التهذيب" 2/ 275.]] عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله -ﷺ-: "إن أهل النار الذين لا يريد الله إخراجهم تُميتهم النار إماتة حتى يصيروا فحمًا، ثم يخرجون ضبائر [[الضبائر: جماعات الناس، يقال: رأيتهم ضبائر أي: جماعات.
انظر: "تهذيب اللغة" (ضبر) 3/ 2087، "مقاييس اللغة" (ضبر) ص386، "الصحاح" (ضبر) 2/ 718، "لسان العرب" (ضبر) 4/ 2547.]] فيلقون على أنهار الجنة، فيرش عليهم من أنهار الجنة، حتى ينبتوا كما تنبت الحبة في حميل السيل) [[حميل السيل: ما حمله السيل من الغثاء والطين، وكل محمول فهو حميل.
انظر: "تهذيب اللغة" (حمل) 1/ 925، "الصحاح" (حمل) 4/ 1678، "القاموس المحيط" (حمله) (987)، "لسان العرب" (حمل) 2/ 1001.]] [[أخرجه النسائي في "سننه" كتاب التطبيق، باب: موضع السجود 2/ 163، والترمذي في صفة جهنم، باب: (10) 4/ 615، وقال: هذا حديث حسن صحيح. وابن ماجة في الرقاق، باب: ما يخرج الله من النار برحمته 2/ 238، وأورده في "الدر المنثور" 2/ 542، وزاد نسبته لابن مردويه عن أبي سعيد.]].
قال المبرد: (تأويل قوله: ﴿لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى﴾ لا يموت ميتة مريحة، ولا يحيى حياة ممتعة، وهو يألم كما يألم الحي ليفهم ذلك، ويبلغ بهم حالة الموتى في المكروه، إلا أنه لا يبلغ الحالة التي يبطل فيها عن الفهم، والعرب تقول: فلان لا حي ولا ميت، إذا كان غير منتفع بحياته، وكذلك يقولون لمن يكلم ولم يبلغ حاجته: تكلمت ولم تتكلم، أي: لم تبلغ) [[ذكر نحوه "المحرر الوجيز" 10/ 59، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 89، "البحر المحيط" 6/ 262.
ويشهد له قوله سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ﴾ [فاطر: 36].]]. كما قال ابن مرداس [[عباس بن مرداس بن أبي عامر السلمي، أبو الهيثم، الصحابي، تقدم.]] [[البيت لعباس بن مرداس.
ذا تدرأ: أي: ذو هجوم لا يتوقى ولا يهاب ففيه قوة على دفع أعدائه.
انظر: "ديوانه" ص 84، "الشعر والشعراء" 2/ 752، "شرح التصريح" 2/ 119، "شرح شواهد المغني" 2/ 925، "المقاصد النحوية" 4/ 69، "همع الهوامع" 2/ 120، "لسان العرب" (درأ) 3/ 1347.]]:
وقَدْ كُنْتُ في الحَرْبِ ذا تُدْرَاءٍ ... فَلَمْ أُعْطَ شَيْئًا ولَمْ أُمْنَعِ
لأنه عندما أعطيه يقصر عن حقه، بأنّه قد وصل إليه القليل لم يمنع. وأنشد ابن الأنباري في مثل هذا المعنى لعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود [[ذكرته كتب التفسير واللغة بلا نسبة.
انظر: "النكت والعيون" 3/ 415، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 227، "أضواء البيان" 4/ 478، "لسان العرب" (طعم) 8/ 165.]]:
أَلاَ مَا لِنَفْسٍ لا تَمُوُت فَيَنْقَضِي ... شَقاهَا ولا تَحْيَا حَياةً لَهَا طَعْمُ
طه 20:75
قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا﴾ قال ابن عباس: (مصدقًا) [[ذكرته كتب التفسير بلا نسبة.
انظر: "بحر العلوم" 2/ 350، "لباب التأويل" 4/ 276، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 226، "مجمع البيان" 7/ 35، "مدارك التنزيل" 2/ 1016.]]. ﴿قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ﴾ [قال: (يريد قد أدى الفرائض) [[ذكرته كتب التفسير بلا نسبة. == انظر: "جامع البيان" 16/ 190، "زاد المسير" 5/ 309 ذكره منسوب لابن عباس، "لباب التأويل" 4/ 276، "مجمع البيان" 7/ 35، "روح المعاني" 16/ 240.]]. فهذا من صفة النكرة التي هي الحال] [[ما بين المعقوفين ساقط من الأصل ومن نسخة (ص).]]، ﴿فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى﴾ قال: (قصرت دونها الصفة) [[ذكر نحوه بدون نسبة "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 227، "فتح القدير" 5/ 539.]].
قال ابن عباس فيما روى عنه سعيد بن جبير: (لله عباد ولدوا في الإسلام ونشؤا في أعمال البر، لم يخالطوا المعاصي وأهلها حتى ماتوا على ذلك، إذا كان يوم القيامة نادى المنادي: أين من أتى ربه مؤمنًا فاضلًا قد عمل الصالحات بصدق النية، فعرف القوم صفتهم، فقالوا: لبيك دعوتنا، قال: فإن الله يقول: ﴿فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى (75) جَنَّاتُ عَدْنٍ﴾ الآية، وعقد لهم لواء فاتبع القوم لواءهم حتى دخلوا الجنة) [[لم أقف عليه.]].
والآية دليل على أن الأمور بخواتيمها وأن الإيمان بالموافاة لقوله: ﴿وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا﴾ ودليل على أن الدرجات إنما تستحق بالأعمال الصالحة، وقد يدخل الجنة من لا ينال الدرجات العلى.
وهذا معنى قوله-عليه السلام-: "تدخلون الجنة برحمة الله وتقسمون الدرجات بأعمالكم" [[أخرج البخاري نحوه في "صحيحه" كتاب الرقائق، باب: القصد والمداومة على العمل 5/ 2373، ومسلم في "صحيحه" كتاب صفات المنافقين وأحكامهم، باب: لن يدخل الجنة أحد بعمله بل برحمة الله تعالى 4/ 2169، وابن ماجة كتاب الزهد، باب: التوفي على العمل 2/ 1405، والإمام أحمد في "مسنده"2/ 222، والدارمي في "سننه" كتاب الرقائق، باب: لن ينجي أحدكم عمله 2/ 215.]].
طه 20:76
قوله تعالى: ﴿وَذَلِكَ جَزَاءُ مَنْ تَزَكَّى﴾ قال عطاء عن ابن عباس: (من قال لا إله إلا الله) [["الكشاف" 2/ 546، "التفسير الكبير" 22/ 91، "روح المعاني" 16/ 235.]]. ونحو ذلك قال الكلبي [["الكشف والبيان" 3/ 22 أ، "معالم التنزيل" 5/ 286.]].
ومعنى ﴿تَزَكَّى﴾ تطهير من الذنوب بالطاعة بدلًا من التدنس بالمعاصي. وقصد أن يكون زاكيا في الخير.
طه 20:77
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي﴾ سر بهم ليلًا من أرض مصر ﴿فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ﴾ أي: اجعل لهم طريقًا في البحر بالضرب بالعصا حتى ينفلق لهم البحر عن طريق [["جامع البيان" 16/ 191، "تفسير كتاب الله العزيز" 3/ 45، "معالم التنزيل" 5/ 286.]]. فعدي الضرب إلى الطريق لما دخله هذا المعنى، وهو أنه أريد بضرب الطريق جعل الطريق بالضرب.
وقوله تعالى: ﴿يَبَسًا﴾ قال الليث: (طريق يبس: لا نداوة فيه ولا بلل) [["تهذيب اللغة" (يبس) 4/ 3973.]]. وقال أبو عبيدة: (يَبَسْ وَيبْس بمعنى: يَابس) [["مجاز القرآن" لأبي عبيدة 2/ 24.]]، وأنشد لعلقمة بن عبدة [[البيت لعلقمة بن عبدة التميمي.
خَشْخَش: الخشخاش الجماعة عليهم سلاح ودروع. واليَبَس: بالفتح اليابس، وهو نقيض الرطوبة.
انظر: "ديوانه" ص 107، "مجاز القرآن" لأبي عبيدة 2/ 24، "الاقتضاب" ص 460، "لسان العرب" (خشخش) 2/ 1164.]]: تَخَشْخَشُ أَبْدَانُ الحَدِيْدِ عَلَيهِمُ ... كَمَا خَشْخَشَتْ يَبْسَ الحَصَاد جَنُوُب
وقال الأزهري: (يقال للأرض إذا يَبِسَت: يَبَس، وللبقول والحطب يَبِس [["تهذيب اللغة" (يبس) 4/ 3973.]]، وأنشد [[البيت لذي الرمة.
والخلصاء: مكان. وعنت به: أنبتته نباتًا حسنًا. واليبس: ما يبس من العشب والبقول التي تتناثر إذا يبست. والهجير: يبيس الحمض الذي كسرته الماشية. وهجر: ترك. انظر: "ديوان ذي الرمه" ص 305، "تهذيب اللغة" (يبس) 4/ 3973، "لسان العرب" (هجر) 8/ 4616.]]:
ولَمْ يَبْقَ بالخَلْصاءِ مِما عَنَتْ بِه ... مِنَ الرُّطَبِ إلا يَبْسُهَا وهَجِيرُها
وقال أبو إسحاق: (يقال: يَبَسَ الشيء يَبَسًا ويُبْسًا ويَيْسًا ثلاث لغات في المصدر، وطريقًا يَبَسًا نعت بالمصدر والمعنى: طريق ذا يَبَسٍ) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 369.]]. قال مجاهد: (يَبَسًا يابِسًا) [["جامع البيان" 16/ 143، "الدر المنثور" 4/ 543.]]. وذلك أن الله تعالى أيبس لهم ذلك الطريق حتى لم يكن فيه ماء ولا طين.
وقوله تعالى: ﴿لَا تَخَافُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَى﴾ قال ابن عباس وجميع المفسرين: (لا تخاف [أن يدركك فرعون، ولا أحد من خلفك، ولا تخشى البحر) [["جامع البيان" 16/ 191، "الكشف والبيان" 3/ 22 أ، "تفسير كتاب الله العزيز" 3/ 45، "النكت والعيون" 16/ 191، "معالم التنزيل" 5/ 286.]].
وقال سيبويه: (﴿لَا تَخَافُ دَرَكًا﴾] [[ما بين المعقوفين ساقط من نسخة (ص).]] رفعه على وجهين أحدهما: على الحال، كقولك: غير خائف ولا خاش، كلما قال: ﴿وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ [المدثر: 6]، أي مستكثرًا، قال: ويكون على قطع وابتداء أي: أنت لا تخاف) [[ذكره الرازي في "التفسير الكبير" 22/ 92، وذكر نحوه الفارسي في "الحجة للقراء السبعة" 5/ 239، والعكبري في "إملاء ما من به الرحمن" 1/ 125.]].
وقرأ حمزة: لا تخف جزمًا [[قرأ نافع، وابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر، والكسائي، وعاصم: (لا تخافُ دركا) رفعًا بألف. وقرأ حمزة: (لا تخفْ دركا) جزمًا بغير ألف.
انظر: "السبعة" ص 421، "الحجة للقراء السبعة" 5/ 239، "الغاية في القراءات" ص 323، "النشر" 2/ 321.]]. وله وجهان: أحدهما ما ذكره الزجاج وهو: (أنه نهي عن أن يخاف، معناه: ولا تخف أن يدرككم [[في نسخة (ص) يدكك.]] فرعون) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 370.]]. والثاني: ما ذكره أبو علي وهو: (أنه جعله جواب الشرط على معنى إن تضرب لا تخف دركًا ممن خلفك) [["الحجة للقراء السبعة" 5/ 239.]].
قال أبان بن تغلب [[هو الجريري، له كتاب في غريب القرآن توفي سنة (141 هـ)]] وأبو عبيد: (لو كان لا يخف لكان لا يخشى) [[أورد نحوه الزجاج في "معاني القرآن" 3/ 370 بلا نسبة، والزمخشري في "الكشاف" 2/ 547، والقرطبي في "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 228.]].
وهذا لا يلزم حمزة لوجوه أحدها: ما ذكره الفراء وغيره: (أنه نوى بقوله: (ولا تخشى) الاستئناف) [["معاني القرآن" للفراء 2/ 187، "إملاء ما من به الرحمن" 1/ 125.]]. كما قال الله تعالى: ﴿يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ﴾ [آل عمران: 111]، فاستأنف بثم، ويكون المعنى: لا تخف العدو وراءك على النهي، أو على الجواب وأنت لا تخشى الغرق أمامك. وذكر [[في (ص): (وذلك)، وهو تصحيف.]] الفراء وجهًا آخر قال: (ولو نوى حمزة بقوله: (ولا تخشى) الجزم، وإن كانت فيه الياء كان صوابًا، كما قال [[لم أهتد إلى قائله. وذكرته كتب التفسير واللغة بلا نسبة.
الجَنَى: الرطب والعسل، وكل ثمر فهو جنى، والإجتناء أخذك إياه.
انظر: "جامع البيان" 16/ 192، "معاني القرآن" للفراء 2/ 187، "تهذيب اللغة" (جنى) 1/ 674، "لسان العرب" (جنى) 2/ 707.]]:
هُزَّي إِلَيْكِ الجِذْعَ يُجْنِيْكِ الجَنَى
[وقال آخر [[ينسب هذا البيت لأبي عمرو بن العلاء، يخاطب به الفرزدق عندما جاء إليه معتذرًا من أجل هجو بلغه عنه.
انظر: "الحجة للقراء السبعة" 5/ 240، "معاني القرآن" للفراء 2/ 188، "إعراب القرآن" للنحاس 2/ 352، "الإنصاف" 19، "خزانة الأدب" 8/ 359، "سر صناعة الإعراب" 2/ 360، "معجم الأدباء" 11/ 158، "شرح شواهد الشافية" ص 406، "شرح المفصل" 10/ 104.]]:
هَجَوْتَ زَبَّانَ ثمَّ جِئْتَ مُعْتَذِرًا ... مِنْ هَجْمِ زَبَّانَ لَمْ تَهْجُو وَلَمْ تَدَعِ] [[ما بين المعقوفين ساقط من نسخة (س).]]
وقال آخر [[البيت لقيس بن زهير العبسي.
تنمي: تبلغ. لبون: اللبون من الشاة والإبل ذات اللبن.
انظر: "الحجة للقراء السبعة" 5/ 240 "الكتاب" 1/ 32، "الخزانة" 3/ 534، "الخصائص" 1/ 333، "الأغاني" 17/ 131، "شرح شواهد الشافعية" ص 408، "معاني القرآن" للفراء 2/ 188، "إعراب القرآن" للنحاس 2/ 352، "سر صناعة الإعراب" 1/ 78، "المحتسب" 1/ 67.]]: أَلَمْ يَأتِيْكَ والأَنْبَاءُ تَنْمَي ... بِمَا لاَقَتْ لَبُونُ بَنِي زِيَاد
فأثبت الياء [[في (س): (الثاني)، وهو تصحيف.]] في موضع جزم، ولسكونها جاز ذلك) [["معاني القرآن" للفراء 2/ 188.]].
قال أبو علي: (وهذا لا يحمل على ما ذكره الفراء؛ لأن ذلك إنما يجيء في ضرورة الشعر كقوله [[هذا عجز بيت لعبد يغوث بن وقاص الحارثي، وصدره:
وتضحك مني شيخة عبشمية
انظر: "سر صناعة الإعراب" 1/ 76، "الحجة" 5/ 239، "ذيل الأمالي" ص 134، "خزانة الأدب" 2/ 201، "الأغاني" 16/ 258، "شرح شواهد المغني" 2/ 675، "المحتسب" 1/ 65، "شرح المفصل" 5/ 97، "لسان العرب" (شمس) 2/ 1926.]]:
كَأَنْ لَمْ تَرَ قَبْلِي أَسِيرًا يَمَانِيَا
ولكن تقدر أنه حذف الألف المنقلبة عن اللام للجزم، تم أشبعت الفتحة؛ لأنها فاصلة، فأثبت الألف عن إشباع الفتحة [ومثل هذا مما يثبت في الفاصلة قوله: ﴿فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا﴾ [الأحزاب: 67]، وقد جاء إشباع هذه الفتحة] [[ما بين المعقوفين ساقط من نسخة (ص).]] في كلامهم) [["الحجة للقراء السبعة" 5/ 240.]]، قال [[اليت لابن هرمة يرثي ابنه. والغوائل: نوازل الدهر. بمنتزاح: ببعد عنه.
انظر: "ديوان ابن هرمة" 92، "الحجة للقراء السبعة" 5/ 240، "المحتسب" 1/ 166، "المسائل الحلبيات" 112، "الأشباه والنظائر" 2/ 30، "سر صناعة الإعراب" 1/ 25، "الخصائص" 2/ 316، "شرح شواهد الشافية" ص 25، "الإنصاف" 1/ 25، "خزانة الأدب" 7/ 557، "لسان العرب" (نزح) 14/ 104.]]:
فَأَنْتَ مِنْ الغَوائِلِ حِينَ تُرْمَى ... ومِن ذَمَّ الرِّجَالِ بِمُنْتَزَاحِ وقال أبو الفتح الموصلي: (العرب قد تشبع الفتحة فيتولد بعدها ألف؛ لأن الألف في الحقيقة فتحة مشبعة، أنشد سيبويه [[البيت ينسب لرجل من قيس عيلان. الوفضة: خريطة يحمل فيها الراعي أداته وزاده. والزناد: ما تقدح به النار.
انظر: "الكتاب" 1/ 171، "المحتسب" 2/ 78، "سر صناعة الإعراب" 1/ 23، "شرح شواهد المغني" 2/ 798، "خزانة الأدب" 7/ 74، "شرح المفصل" 4/ 97، "الأشباه والنظائر" 2/ 36، "لسان العرب" (بين) 1/ 561.]]:
فَبَيْنَا نَحْنُ نَرقُبُه أَتَانَا ... عُلِّقَ وَفْضَةٍ وَزِنادَ راعِي
أراد: بين نحن نرقبه، فأشبع الفتحة فحدثت بعدها ألف، قال: ومثل هذا يفعلون في الضمة فتتولد الواو، وفي الكسرة فتتولد الياء) [["سر صناعة الإعراب" 1/ 23.]]. والدَّرَك اسم من الإدراك يوضع موضع المصدر [[انظر: "تهذيب اللغة" (درك) 2/ 1176، "لسان العرب" (درك) 3/ 1363، "المعجم الوسيط" (الدرك) 1/ 281.]].
قال الليث: (الدَّرَك: إدراك الحاجة يقال: بكر ففيه درك) [["تهذيب اللغة" (درك) 2/ 1176، "لسان العرب" (درك) 3/ 1363.]].
وقال شمر: قال أبو عدنان: (يقال: أدركوا ماء الرُّكَيَّةَ [[الرُكَية: بئر تحفر، وهي جنس للركية وهي البئر.
انظر: "تهذيب اللغة" (ركا) 2/ 1455، "لسان العرب" (ركا) 3/ 1722، "المعجم الوسيط" (الركية) 1/ 371.]] إِدْراكًا ودَرَكًا) [["تهذيب اللغة" (درك) 2/ 1176.]].
قال الأخفش: (ومعنى الآية: اضرب لهم طريقًا لا تخاف فيه دركا، وحذف فيه كما تقول: زيد أكرمت أي: أكرمته، وكما قال: {وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا} [البقرة: 48] أي: لا تجزي فيه) [["معاني القرآن" للأخفش 2/ 632.]].
طه 20:78
قوله تعالى: ﴿فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ﴾ أي: لحقهم كقوله. ﴿فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ﴾ [الأعراف: 175] وقوله: ﴿فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ﴾ [الصافات: 10]، والباء في ﴿بِجُنُودِهِ﴾ في موضع حال من الفاعل على معنى ومعه جنوده، كما يقال: ركب بسلاحه، وخرج بثيابه، وهذا اللحاق إنما كان أن أول مقدمة فرعون قرب من ساقة قوم موسى وهم يعبرون البحر، أو يحمل على الإشراف على اللحاق والقرب منه [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 370، "الحجة للقراء السبعة" 5/ 241.]]. ويجوز أن كون اتبع مطاوع تبع كقوله: ﴿وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ لَعْنَةً﴾ [هود: 99]، وقوله تعالى: ﴿وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً﴾ [القصص: 42]، والباء على هذا تكون زائدة، كما يزاد في كثير من المفعولات نحو [[هذا جزء من عجز بيت ينسب إلى الراعي النميري وتمامة:
هُنْ الحَرائِرُ لا رَبَاتُ أَحْمِرة ... سُودُ المحَاجِر لا يَقْرأْنَ بالسُّوَرِ
انظر: "ديوانه" 122، "الحجة للقراء السبعة" 5/ 241، "أدب الكاتب" 521، "مجاز القرآن" لأبي عبيدة 1/ 4، "خزانة الأدب" 9/ 107، "المخصص" 14/ 70، "مجالس ثعلب" ص 365، "شرح أبيات المغني" 1/ 128، "لسان العرب" (سود) 4/ 2141.]]:
لاَ يَقْرأَنَ بالسُّورِ
وروي عن أبي عمرو أنه قرأ: فأتبعهم موصولة [[قرأ عبيد عن هارون عن أبي عمرو (فأتبعهم فرعون) موصولة.
انظر: "الحجة للقراء السبعة" 5/ 240.]]. وعلى هذا الباء للتعدية؛ لأن اتبع بمعنى تبع كما يقال: شوى واشتوى، وحفى واحتفى، وفدى وافتدى والمعنى: لحق جنوده بهم [["الحجة للقراء السبعة" 5/ 241، "إملاء ما من به الرحمن" 1/ 125.]]. قال أبو إسحاق: (وجائز أن يكون معهم على هذا اللفظ، وجائز أن لا يكون، إلا أنه قد كان معهم) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 370.]].
وقوله تعالى: ﴿فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ﴾ قال ابن عباس: (يريد: الغرق) [[ذكره كتب التفسير بدون نسبة. انظر: "جامع البيان" 16/ 191، "تفسير كتاب الله العزيز" 3/ 45، "النكت والعيون" 3/ 416، "معالم التنزيل" 5/ 287 "زاد المسير" 5/ 316.]].
وقال أبو إسحاق: فغشيهم من البحر ما غَرَّقَهم) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 370.]].
وشرح ابن الأنباري هذا فقال: (يسأل فيقال: ما الفائدة في قوله: ﴿مَا غَشِيَهُمْ﴾؟ فيقال: المعنى غشيهم من اليم البعض الذي غشيهم [لأنه لم يغشهم كل مائه، بل الذي غشيهم] [[ما بين المعقوفين ساقط من الأصل ومن نسخه: (ص)]] بعضه فقال الله تعالى: ﴿مَا غَشِيَهُمْ﴾ ليدل على أن الذي غرقهم بعض الماء وأنهم لم يغرقوا بجميعه) [[ذكره ابن الجوزي في "زاد المسير" 5/ 311، وأورد نحوه بلا نسبة الزمخشري في "الكشاف" 2/ 547، "البحر المحيط" 6/ 264.]]. هذا كلامه. وأجود منه ما ذكره محمد بن يزيد الثمالي وهو أنه قال: (معناه: غشيهم من اليم ما عرفتم أنه غشيهم) [[ذكر نحوه في "الكامل" 1/ 44.]]. كما قال أبو النجم [[هذا الرجز لأبي النجم.
انظر: "الخزانة" 1/ 439، "الأغاني" 9/ 75، "الكشاف" 4/ 59، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 178، "المصنف" 1/ 10، "الخصائص" 3/ 337.]]: أَنا أَبُو النَّجْمِ وشِعْرِي شِعْرِي
أي: شعري ما قد عرفتم.
وقال سيبويه: (من كلام العرب: إن فعلت كذا وكذا فأنت أنت، أي: أنت كما تعرف، ويقولون: الناس ناس، أي: هم كما قد عرفتم) [[لم أقف عليه.]].
ومعنى ﴿غَشِيَهُمْ﴾ علاهم وسترهم.
طه 20:79
﴿وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ﴾ حيث دعاهم إلى عبادته (وما هدى) ما هداهم إلى مراشدهم، وهذا تكذيب له إذا قال: ﴿مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾ [غافر: 29].
وقال ابن عباس: (يريد ما أرشد نفسه) [["الجامع لأحكام القرآن" 11/ 229، وذكره بدون نسبة "بحر العلوم" 3/ 350، "معالم التنزيل" 5/ 287.]]. وعلى هذا معنى (ما هدى) ما هدى نفسه. والمعنى: أنه أهلك نفسه وقومه بضلاله ودعائهم إلى الضلالة حتى أوردهم مواقع الهلكة.
طه 20:80
قال ابن عباس: (ثم ذكر الله تعالى منته على بني إسرائيل فقال: ﴿بَنِي إِسْرَائِيلَ قَدْ أَنْجَيْنَاكُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ﴾ يعني فرعون أغرقه بمرآى منهم) [[ذكرت كتب التفسير نحوه بدون نسبة. انظر: "معالم التنزيل" 5/ 287، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 178، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 223، "إرشاد العقل السليم" 6/ 23، "روح المعاني" 16/ 238.]].
﴿وَوَاعَدْنَاكُمْ جَانِبَ الطُّورِ الْأَيْمَنَ﴾ وذلك أن الله تعالى وعد موسى بعد أن أغرق فرعون التأني جانب الطور الأيمن، فيؤتيه التوراة فيها بيان ما يحتاجون إليه، وقد ذكرنا هذا المعنى عند قوله: {وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً} [البقرة: 51]. واختلف القراء في: واعدنا ووعدنا [[قوله: (ووعدنا) ساقط من نسخة (ص).]] [[قرأ نافع، وابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر، وعاصم: (وواعدناكم) بالنون. وقرا أبو عمرو البصري: (ووعدناكم) بغير ألف. وقرأ حمزة والكسائي: (وواعتكم) بالتاء.
انظر: "السبعة" 422، "الحجة للقراء السبعة" 5/ 241، "حجة القراءات" 460، "الغاية في القراءات" 323، "المبسوط في القراءات" 249.]].
وزعم أبو الحسن الأخفش أن: (واعدنا لغة في وعدنا) [["الحجة للقراء السبعة" 5/ 242.]]. وإذا كان كذلك، فمن قرأ بالألف لم يدل اللفظ على أن الفعل من الاثنين، كما أن استحر واستقر ونحو ذلك من بناء استفعل، لا يدل على استدعاء الفعل، والقراءة بوعد أحسن؛ لأنّ واعد هاهنا بمعنى وعد، ويعلم من وعد أنه فعل واحد لا محالة، وليس واعد كذلك فالأخذ بالأبين أولى [["الحجة للقراء السبعة" 5/ 242.]]. وهذا الذي ذكرنا زيادة في توجيه القراءتين لم نذكرها في سورة البقرة [[عند قوله سبحانه في سورة البقرة الآية رقم (51): ﴿وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ﴾.]]. وهذا الوعد إنما كان لموسى، ولكن خوطبوا به؛ لأن الوعد كان لأجلهم [["الكشاف" 2/ 547، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 230، "البحر المحيط" 6/ 265، "التفسير الكبير" 22/ 95.]]. والمعنى: واعدناكم إتيان جانب الطور فحذف المضاف، والمراد بالأيمن الجانب الذي على يمين موسى [["القرطبي" 11/ 230، "البحر المحيط" 6/ 265، "التفسير الكبير" 22/ 96.]]، وقد مر [[عند قوله سبحانه في سورة مريم الآية رقم (52): ﴿وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾.]].
وقيل في التفسير: (وعدهم الله جانب الجبل ليسمعوا كلام الله -عز وجل- لموسى بحضرتهم هناك) [["إعراب القرآن" للنحاس 2/ 353.]].
طه 20:81
قوله تعالى: ﴿كُلُوا﴾ أي: وقلنا لهم كلوا ﴿مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ وهذا أمر يقتضي التعديد بالنعم ﴿وَلَا تَطْغَوْا فِيهِ﴾ قال ابن عباس في رواية الوالبي: (يقول لا تظلموا) [["جامع البيان" 16/ 144، "الكشف والبيان" 3/ 22 ب، "معالم التنزيل" 5/ 287، "البحر المحيط" 6/ 265.]].
وقال مقاتل: (ولا تعصوا) [["تفسير مقاتل" 5 أ.]]. والمعنى لا تبطروا فيما أنعمت عليكم فتظالموا. وهذا المعنى قول من قال: (لا تتقووا بنعمي على معاصي) [["الكشف والبيان" 3/ 22 ب، "النكت والعيون" 3/ 416، "معالم التنزيل" 5/ 287.]].
وقال الكلبي: (لا تجحدوا نعمة الله فيما رزقكم منه فتكونوا طاغين) [["الكشف والبيان" 3/ 22 ب، "معالم التنزيل" 5/ 287، "البحر المحيط" 6/ 265.]].
وقال مقاتل: (لا تتعدوا ما حد الله لكم في المن والسلوى فتتجاوزوا قدر ما يكفيكم وتدخروا، فمتى ادخرتم منهما شيئًا فأنتم في ذلك طاغون) [["تفسير مقاتل" 5/ أ، وذكر نحوه: "بحر العلوم" 2/ 351، "النكت والعيون" 3/ 416، "معالم التنزيل" 5/ 287.]].
وقوله تعالى: ﴿فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي﴾ أي: يجب، قاله قتادة وغيره [[المروي في كتب التفسير عن قتادة: ينزل عليكم غضبي. انظر: "تفسير القرآن للصنعاني" 2/ 17، "جامع البيان" 16/ 193.]].
وقرئ: ﴿فَيَحِلَّ﴾ ﴿وَمَنْ يَحْلِلْ﴾ بالكسر والضم [[قرأ نافع، وابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر، وحمزة، وعاصم: (فيحِل .. ومن يحلِل) بالكسر في الحاء من (فيحِل) واللام الأولى من (يحلِل)، وقرأ الكسائي: (فيحُل عليكم) بضم الحاء، (ومن يحلُل عليه) بضم اللام.
انظر: "السبعة" ص 442، "الحجة" 5/ 243، "التبصرة" 260، "النشر" 2/ 321.]].
قال الفراء: (والكسر أحب إلي من الضم؛ لأن الضم من الحلول بمعنى الوقوع، ويحل: يجب، وجاء التفسير بالوجوب لا بالوقوع) [["معاني القرآن" للفراء 2/ 188.]].
وقال الزجاج: (﴿فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ﴾ معناه فيجب عليكم، ومن قرأ: بالضم، فمعناه التنزيل) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 370.]]. هذا كلامه، ومعنى القراءتين قريب من السواء؛ لأن من قرأ بالكسر فمعناه: من حَل الشيء يَحِل حَلا وحَلال إذا حُلت عنه عقدة التحريم، وزال عنه الحظر والحجر والمنع، فمعنى يحل عليكم: ينزل بكم وينالكم بعدما كان ذا حظر وحجر ومنع عنكم، ومن فسر يحل يجب، فهو معنى وليس بتفسير، وذلك أنهم ما لم يطغوا كان العذاب ممنوعًا محظورًا عليهم، فإذا طغوا ارتفع ذلك الحظر فحل العذاب لهم، ومعنى غضب الله: عذابه إياهم [[الغضب صفة من صفات الله سبحانه، نثبتها له سبحانه كما أثبتها لنفسه من غير تحريف ولا تعطيل ولا تشبيه، وتأويلها العذاب لا يصح؛ لأنه مخالف لظاهر اللفظ وإجماع السلف، وليس عليه دليل.
انظر: "شرح العقيدة الطحاوية" 2/ 684، "العقيدة الواسطية" 23.]]، ويقوي هذه القراءة قوله: ﴿وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾ [هود: 39]، أي: ينزل به بعد أن لم يكن، وقوله: {أم أردتم أن يحل عليكم غضب من ربكم) [طه: 86]، ولم يختلفوا في كسر هذين، ومن قرأ بالضم فوجهه: أن الغضب لما كان يتبعه العقوبة والعذاب جعله بمنزلة العذاب فقال: يَحُل أي: ينزل. فجعله بمنزلة قوله: حَلَّ بالمكان يَحُلَّ. هذا معنى قول أبي علي وبعض كلامه [["الحجة للقراء السبعة" 5/ 243.]].
وقوله تعالى: (فقد هوى) يقال: هَوَى يَهْوِي هَوِيًا: إذا سقط من علو إلى أسفل، وهَوَتْ العُقَابُ تَهْوِى هُوِيًا: إذا سقطت على صيد، وهَوَى يَهْوِي هَوِيًا: إذا وقع مَهْواه، وهَوَى فُلان: إذا مات، قال النابغة [[البيت للنابغة الذبياني. الشماتة: فرح العدو. وقيل: الفرح ببلية تنزل بمن تعاديه. انظر: "تهذيب اللغة" (هوى) 4/ 3813، "لسان العرب" (هوا) 8/ 4726.]]:
وقال الشامتون هوى زياد ... لكل منية سبب مبين
وهَوَى: إذا هلك. ومنه قول كعب بن سعد [[تقدمت ترجمته في سورة البقرة.]] [[هذا صدر بيت لكعب بن سعد الغنوي يرثي أخاه. وعجز البيت:
ومَاذَا يُودي الليلُ حِينَ يَؤُوبُ
انظر: "تهذيب اللغة" (هوى) 4/ 3813، "الصحاح" (هوى (6/ 39، "لسان العرب" (هوا) 15/ 169، "الأمالي" للقالي 2/ 150، "التكملة" للصنعاني (هوى) 6/ 540.]]:
هَوَتْ أمُّه ما يَبْعَثُ الصُّبُح غادِيَا
أي: هلكت أمه. هذا معاني (هوى) في اللغة [[انظر: "تهذيب اللغة" (هوى) 4/ 3813، "مقاييس اللغة" (هوى) 6/ 15، "القاموس المحيط" (الهواء) 4/ 404، "الصحاح" (هوى) 6/ 2537 "لسان العرب" (هوا) 8/ 4726.]]. فأما التفسير فقيل: (هلك) [["تفسير مقاتل" 5 أ.]]. وقيل: (صار إلى الهاوية، بمعنى تردى فيها) [["جامع البيان" 16/ 194، "بحر العلوم" 2/ 351، "معالم التنزيل" 5/ 288.]].
قال ابن عباس في رواية الوالبي: (يقول: فقد شقي) [["جامع البيان" 16/ 194، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 178، "الدر المنثور" 4/ 544.]].
قوله تعالى: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ﴾ قال ابن عباس في رواية الوالبي وعطاء: (تاب من الشرك) [["جامع البيان" 16/ 194، "معالم التنزيل" 5/ 288، "زاد المسير" 5/ 312، "الدر المنثور" 4/ 544.]]. ﴿وَآمَنَ﴾: وحد الله وصدقه ﴿وَعَمِلَ صَالِحًا﴾: أدى فرائض الله، وعمل صالحًا فيما بينه وبين الله ﴿ثُمَّ اهْتَدَى﴾ قال في رواية عطاء: (علم أن ذلك بتوفيق من الله له) [["معالم التنزيل" 3/ 227، "زاد المسير" 5/ 214.]].
وقال في رواية الوالبي: (لم يشكك) [["جامع البيان" 16/ 194، "النكت والعيون" 3/ 416، "زاد المسير"، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 231، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 79، "الدر المنثور" 4/ 544.]].
وقال في رواية أبي صالح: (علم أن له ثوابًا بهذا) [["زاد المسير" 5/ 312، "الدر المنثور" 4/ 544.]]، هذا قول سفيان، والكلبي، والشعبي، ومقاتل [["جامع البيان" 16/ 195، "الكشف والبيان" 3/ 23 أ، "بحر العلوم" 2/ 351، "النكت والعيون" 3/ 417، "معالم التنزيل" 5/ 288، "تفسير مقاتل" 5 ب.]]. واختيار الزجاج؛ لأنه يقول: (ثم أقام على إيمانه) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 370.]].
وقال عطاء بن يسار: (ثم أصاب بقوله وعمله السنة) [[ذكرت كتب التفسير نحوه بدون نسبة. انظر: "النكت والعيون" 3/ 417، "زاد المسير" 5/ 312، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 179، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 233، "لباب التأويل" 4/ 276.]]. وهذا نحو قول سعيد بن جبير: (لزم السنة والجماعة) [["معالم التنزيل" 5/ 288، "زاد المسير" 5/ 312، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 231، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 179، "الدر المنثور" 4/ 544.]].
وقال فضيل الناجي [[فضيل الناجي. ذكره ابن حجر في "التهذيب" وقال: مجهول، وعنه حفص بن حميد القمي.
انظر: "تهذيب التهذيب" 8/ 270، "تهذيب الكمال" 23/ 311، "تقريب التهذيب" 2/ 114.]]: (اتبع السنة) [["الكشف والبيان" 3/ 23 أ.]].
وقال زيد بن أسلم: (علم علما يحسن به عمله. قال: يقول: ﴿اهْتَدَى﴾ كيف يعمل) [["الكشف والبيان" 3/ 23 أ، "معالم التنزيل" 5/ 288، "زاد المسير" 5/ 312.]]. ونحو هذا قال ابنه: (أصاب العمل بالعلم) [["جامع البيان" 16/ 195، "النكت والعيون" 3/ 417، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 231.]].
طه 20:83
قوله تعالى: ﴿وَمَا أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يَا مُوسَى﴾، قال المفسرون: (كانت المواعدة أن يوافي موسى وجماعة من وجوه قومه، فسار موسى بهم، ثم عجل من بينهم شوقا إلى ربه، وخلف السبعين يلحقون به على أثره) [["جامع البيان" 16/ 195، "الكشف والبيان" 3/ 23 أ، "بحر العلوم" 2/ 351، "معالم التنزيل" 5/ 288، "زاد المسير" 5/ 312.]]. فقال الله تعالى: ﴿وَمَا أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يَا مُوسَى﴾ قال ابن عباس في رواية عطاء: (يريد رقة من الله -عز وجل-) [["الجامع لأحكام القرآن" 16/ 233.]]. يعني رحمة؛ كأنه يقول: إنما سأله الله -عز وجل- عن سبب عجلته رحمة عليه، ومحبة له وإلا فكان هو عالمًا بذلك.
طه 20:84
فقال موسى: ﴿هُمْ أُولَاءِ عَلَى أَثَرِي﴾ وذكرنا معنى أولاء عند قول: ﴿هَا أَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ﴾ [آل عمران: 119]، ﴿وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى﴾ قال الكلبي: (لتزداد رضا) [[ذكرته كتب التفسير بدون نسبة. انظر: "بحر العلوم" 2/ 351، "الكشف والبيان" 3/ 23 أ، "معالم التنزيل" 5/ 288، "زاد المسير" 5/ 313.]].
طه 20:85
قوله تعالى: ﴿قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ﴾ قال أبو إسحاق: (أي ألقيناهم في فتنة ومحنة من بعدك) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 271.]].
وقال ابن الأنباري: (صيرناهم مفتونين أشقياء بعبادة العجل لما سبق لهم في حكمنا من بعد انطلاقك من بينهم) [[ذكره الشوكاني في "فتح القدير"، وقال ابن سعدي في "تفسيره" 5/ 180: ابتليناهم اختبرناهم فلم يصبرا وحين وصلت إليهم المحنة كفروا.]].
﴿وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ﴾ قال ابن عباس: (يريد أن الضلالة كانت على يدي السامري) [[ذكرت كتب التفسير نحوه بدون نسبة. انظر: "المحرر الوجيز" 10/ 7، "معالم التزيل" 5/ 288، "النكت والعيون" 3/ 418، "زاد المسير" 5/ 213، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 233.]]. يعني أنه كان سبب إضلالهم حين دعاهم إلى الضلالة، كما قال الكلبي: (فهم السامري إلى عبادة العجل) [[ذكرت كتب التفسير نحوه بدون نسبة. انظر: "معالم التنزيل" 5/ 289، "روح المعاني" 16/ 244، "روح البيان" 5/ 414.]].
قال سعيد بن جبير عن ابن عباس: (كان السامري من أهل باجرمى [[بَاجَرْمَى: بفتح الجيم، وسكون الراء، وميم وألف مقصورة: قرية من أعمال البليخ قرب الرقة من أرض الجزيرة.
انظر: "معجم البلدان" 1/ 313.]] وقع بأرض مصر، فدخل في بني إسرائيل، وكان من قوم يعبدون البقر، وكان حب عبادة البقر في نفسه، وكان قد أظهر الإسلام مع بني إسرائيل وفي نفسه ما في نفسه) [["بحر العلوم" 2/ 352، "الجامع لأحكام القرآن" 16/ 233، "الدر المنثور" 4/ 545، "التفسير الكبير" 22/ 101.]].
وقال في رواية عطاء: (كان السامري رجلًا من القبط، جارًا لموسى آمن به وصدقه وخرج معه فابتلي) [["الجامع لأحكام القرآن" 16/ 234، "التفسير الكبير" 22/ 101، "روح المعاني" 16/ 244.]].
وقال أبو إسحاق: (الأكثر في التفسير: أنه كان عظيمًا من عظماء بني إسرائيل من قبيلة تعرف بالسَّامِرَة [[في (ص): (السامري).]] وهم إلى هذه الغاية في الشام تعرف بالسامريين) [["تفسير كتاب الله العزيز" 3/ 47، "الكشاف" 2/ 549، "الجامع لأحكام القرآن" 16/ 234، "معاني القرآن" للزجاج 3/ 371، "التفسير الكبير" 22/ 101.]].
وروي عن راشد بن سعد [[راشد بن سعد المقرائي، ويقال: الحيراني الحمصي، تابعي ثقة، كان من أثبت أهل الشام، شهد صفين مع معاوية -رضي الله عنه-، روى عن: ثوبان، وسعد بن أبي وقاص، وأبي الدرداء، وعمرو بن العاص وغيرهم، وروى عنه: صفوان بن عمرو، ومعاوية بن صالح، وعلي بن أبي طلحة، وغيرهم كثير، توفي -رحمه الله- سنة 113 هـ. == انظر: "الجرح والتعديل" 3/ 483، "الكاشف" 1/ 299، "ميزان الاعتدال" 2/ 35، "تهذيب التهذيب" 3/ 195.]] أنه قال: (قال الله لموسى: إن قومك اتخذوا من بعدك عجلًا جسدًا له خوار. قال: يا رب فمن جعل فيه الروح؟ قال: أنا. قال: فأنت أضللتهم يا رب؟ قال: يا موسى إني رأيت ذلك في قلوبهم فيسرته لهم) [["الدر المنثور" 4/ 545، "روح المعاني" 16/ 247.]]. ومعنى هذا أنهم كانوا يعتقدون التشبيه حين قالوا لموسى: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ [الأعراف: 138]، فجزاهم الله بذلك الاعتقاد أن فتنهم بالعجل، فهذا معنى قوله: رأيت ذلك في قلوبهم فيسرته لهم.
وقال عطاء عن ابن عباس: (قال موسى: يا رب هذا السامري أخرج لهم عجلًا من حليهم، فمن جعل له الجسد والخوار [[الخَوار: صوت الثور، وما اشتد من صوت البقرة والعجل، تقول: خَار يَخُور خَوارا.
انظر: "تهذيب اللغة" (خار) 1/ 959، "القاموس المحيط" (الخوار) 2/ 25، "الصحاح" (خور) 2/ 651، "لسان العرب" (خور) 3/ 1285.]]؟ قال الله تعالى: أنا. قال موسى: وعزتك، وجلالك، وارتفاعك، وعلو سلطانك ما أضلهم غيرك. قال: صدقت يا حكيم الحكماء) [["الجامع لأحكام القرآن" 16/ 235، "الدر المنثور" 4/ 544، "روح المعاني" 16/ 247. ولعل هذه من الروايات الإسرائيلية التي رويت في هذا الباب.]].
طه 20:86
قوله تعالى: ﴿فَرَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا﴾ سبق الكلام في هذا في سورة الأعراف [[عند قوله سبحانه في سورة الأعراف الآية رقم: (150): ﴿وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا﴾.]]. ﴿قَالَ يَا قَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا﴾ صدقًا لإيتاء الكتاب [["النكت والعيون" 3/ 418، "معالم التنزيل" 5/ 289، "الكشاف" 2/ 549، "زاد المسير" 5/ 313، "روح المعاني" 16/ 244.]]. ﴿أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ﴾ مدة مفارقتي إياكم [["الكشف والبيان" 3/ 23 أ، "بحر العلوم" 2/ 351، "النكت والعيون" 3/ 418، "معالم التنزيل" 5/ 289، "زاد المسير" 5/ 313.]] ﴿أَمْ أَرَدْتُمْ أَنْ يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ بعبادتكم العجل، وتلخيص المعنى: أم أردتم أن تصنعوا صنعًا يكون سبب غضب ربكم؛ لأن أحدًا لا يتطلب غضب ربه، ولكن قد يأتي سبب ذلك ﴿فَأَخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي﴾ ما وعدتموني من حسن الخلافة بعدي، هذا في قوله: ﴿بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي﴾ [الأعراف: 150].
وقال مجاهد: (﴿فَأَخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي﴾ قال عهدي) [["زاد المسير" 5/ 313، "التفسير الكبير" 22/ 202، "تفسير مجاهد" 464.]]. يعني ما عهد إليهم موسى وأوصاهم به من الإقامة على طاعة الله. وقيل في التفسير: (﴿فَأَخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي﴾ أي: تركتم السير على أثري) [["جامع البيان" 16/ 196، "تفسير كتاب الله العزيز" 3/ 46، "الجامع لأحكام القرآن" 16/ 234.]]. وهذا إنما يصح لو روي أن موسى وعدهم ذلك، ولم نر في شيء من الروايات أن موسى وعد قومه: أن يسيروا على أثره.
وقال ابن الأنباري: (﴿فَأَخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي﴾ أي: نسبتموه إلى الخلاف) [[ذكر نحوه بلا نسبة القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 234، والرازي في "التفسير الكبير" 22/ 102.]]. يعني وعده بالرجوع إليهم.
طه 20:87
قوله تعالى: ﴿قَالُوا مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا﴾ قال قتادة: (بطاقتنا) [["تفسير القرآن" للصنعاني 2/ 17، "جامع البيان" 16/ 197، "النكت والعيون" 3/ 418، "زاد المسير" 5/ 313، "الدر المنثور" 4/ 547.]]. وقال مقاتل: (ونحن نملك أمرنا) [["الكشف والبيان" 3/ 23 أ، "تفسير مقاتل" 5 ب.]]. وهذا معنى قول ابن عباس في رواية الوالبي يقول: (بأمرنا) [["جامع البيان" 16/ 197، "الدر المنثور" 4/ 547، "فتح القدير" 3/ 544.]].
وقال مجاهد: (بأمر نملكه) [["جامع البيان" 16/ 197، "الدر المنثور" 4/ 547.]].
قال الفراء: (في التفسير إنا لم نملك الصواب وإنما أخطأنا) [["معاني القرآن" للفراء 2/ 189.]].
وحكى الزجاج أيضًا: (﴿مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ﴾ بأن ملكنا الصواب) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 371.]]. ومعنى هذا أنهم أقروا على أنفسهم بالخطأ، وقالوا: إنا لم نملك أمرنا حتى وقعنا بالذي وقعنا فيه من الفتنة، وهذا التفسير لا يطرد عليه نظم الآية، ولا يبقى معه معنى كقراءة من قرأ: بِمُلْكِنَا بالضم [[قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر: (بمِلْكِنَا) بكسر الميم. وقرأ نافع، وعاصم: (بِمَلْكِنَا) بفتح الميم. وقرأ حمزة، والكسائي: (بِمُلْكِنَا) بضم الميم.
انظر: "السبعة" 422، "الحجة" 5/ 244، "التبصرة" 261، "النشر" 2/ 321.]]. ولكان يجب أن يقولوا: فأخرج لنا عجلًا جسدًا، ولكن الصحيح ما ذكره بعض أهل التفسير: (أن هذا من قول المؤمنين الذين لم يعبدوا العجل) [["النكت والعيون" 3/ 418، "زاد المسير" 5/ 314، "التفسير الكبير" 22/ 102، "أضواء البيان" 4/ 494.]]. ولعل هذا أصح؛ لأن العتاب جرى معهم في سوء خلافتهم من ترك الإنكار على عبدة العجل، فقالوا له: ما أخلفنا موعدك الذي وعدناك من حسن الخلافة، ونحن نملك شيئًا من أمرنا، أو نطيق ردهم عن عظم ما ارتكبوا؛ لأنا كنا مغلوبين لقلتنا وكثرتهم، وكذا جاء في رواية: (إن الذين لم يعبدوا العجل كانوا اثني عشر ألفا وافتتن الباقون بالعجل وكانوا جميعًا ستمائة ألف) [["الكشف والبيان" 3/ 23 أ، "معالم التنزيل" 5/ 288، "الكشاف" 2/ 549، "الجامع لأحكام القرآن" 16/ 234.]].
وأكثر القراء: بِمِلْكِنَا بالكسر [[قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر: (بِمِلْكِنَا) بكسر الميم.
انظر: "السبعة" ص 422، "الحجة للقراء السبعة" 5/ 244، "المبسوط في القراءات" 250، "حجة القراءات" 471.]]. والتقدير: بملكنا أمرنا، فأضيف المصدر إلى الفاعل وحذف المفعول، كما أنه قد يضاف إلى المفعول، ويحذف الفاعل في نحو: ﴿دُعَاءِ الْخَيْرِ﴾ [فصلت: 49]، ﴿بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ﴾ [ص: 24]، ومن قرأ: بِمِلكنا فهو المصدر الحقيقي يقال: مَلَكْتُ الشيء أَمْلِكُه مَلْكًا، والمِلْكُ ما مُلِكَ مثل: الطَّحْن والطِّحْن، والسَّقي والسِّقي، وقد وضع الاسم موضع المصدر، كما قال [[هذا عجز بيت للقطامي من قصيدة يمدح فيها زفر بن الحارث الكلابي، وصدر البيت:
أَكُفْرأَ بَعَدَ رَدِّ الموْتِ عِنِّي
الرتاع: الإبل الراعية. يقول: لا أكفر معروفك بعد أن أطلقتني من الأسر، وأعطيتني مائة من الإبل الرتاع. انظر: "ديوانه" ص 37، "تذكرة النحاة" ص 456، "خزانة الأدب" 8/ 136، "الشعر والشعراء" 2/ 723، "الحجة للقراء السبعة" 5/ 245، "الخصائص" 2/ 221، "شرح المفصل" 1/ 20، "همع الهوامع" 1/ 188، "لسان العرب" (عطا) 5/ 3001.]]:
وَبَعْدَ عَطائِكَ المِائَةَ الرَّتَاعَا أعمل الاسم إعمال المصدر [["الحجة للقراء السبعة" 5/ 245.]].
ومن قرأ: بِمُلكنا بضم الميم فمعناه بقدرتنا وسلطاننا، يعني لم نقدر على ردهم، وأنكر أبو عبيد هذه القراءة [[لعل الإنكار للمعنى وليس للقراءة، فالقراءة ثابتة بالتواتر فلا يجوز إنكارها.]]، فقال: (المُلْك إنما هو من السلطان والعزة، وأي مُلْك كان لبني إسرائيل يومئذ، وإنما كانوا بمصر مستضعفين) [["غريب الحديث" لأبي عيدة 3/ 136، "جامع البيان" 16/ 198، "الحجة للقراء السبعة" 5/ 245.]]. كما قال الله تعالى: ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ﴾ [الأعراف: 137] وقال: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ﴾ [القصص: 5]. فليس الأمر كما ذهب إليه؛ لأنه ليس معنى الملك هاهنا: السلطان الشديد والكبرياء، وإنما معناه: القدرة فقط [["الحجة للقراء السبعة" 5/ 245.]]. وأصل الملك راجع إلى معنى واحد ذكرناه عند قوله: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة: 4].
على أن أبا الحسن الأخفش حكى: (أن الملك مصدر في المالك) [["الحجة للقراء السبعة" 5/ 245.]]. وحكى الفراء: (مَالِي مُلْك أي: شيء أَمْلِكُه) [["معاني الفراء" للفراء 2/ 189.]]. وعلى هذا معنى الوجوه كلها واحد [[قال ابن جرير الطبري "تفسيره" 16/ 199: وكل هذا الأقوال الثلاثة في ذلك متقاربات المعنى؛ لأن من لم يملك نفسه لغلبة هواه على ما أمر فإنه لا يمتنع في اللغة أن يقول فعل فلان هذا الأمر وهو لا يملك نفسه وفعله وهو لا يضبطها، == وفعله لا يطيق تركه وإذا كان ذلك كذلك فسواء بأي القراءات الثلاث قرأ ذلك القاري.]].
ثم ذكروا قصة إتخاذ العجل فقالوا: ﴿وَلَكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَارًا مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ﴾ أي: أثقالاً وأحمالًا [["تفسير القرآن" للصنعاني 2/ 18، "الكشف والبيان" 3/ 23، "جامع البيان" 16/ 199، "تفسير كتاب الله العزيز" 3/ 47، "النكت والعيون" 3/ 418.]]. قال قتادة: (كانت حليا تعوروها [[العارية والعارة: ما تداولوه بينهم، وقد أعاره الشيء وأعاره منه، والمعاورة والتعاور: شبه المداولة والتداول في الشيء يكون بين اثنين، واستعار الشيء واستعاره منه: طلب منه أن يعيره إياه.
انظر: "تهذيب اللغة" (عار) 3/ 2273، "القاموس المحيط" (العور) 2/ 97، "لسان العرب" (عور) 5/ 3165، "مختار الصحاح" (عور) ص 462.]] من آل فرعون فساروا وهي معهم) [["تفسير القرآن" للصنعاني 2/ 18، "جامع البيان" 16/ 199.]].
وقال مجاهد: (أوزارًا من زينة الحلي الذي استعاروه من آل فرعون وهي الأثقال) [["جامع البيان" 16/ 199، "النكت والعيون" 3/ 418، "تفسير كتاب الله العزيز" 3/ 47.]]. وهذا قول ابن عباس، والسدي، وابن زيد [["جامع البيان" 16/ 199، "النكت والعيون" 3/ 418.]]. والأكثرين: أن (الأوزار) هي الأحمال، و ﴿زِينَةِ الْقَوْمِ﴾ حلي آل فرعون استعارة بنو إسرائيل قبل خروجهم من مصر فبقي في أيديهم، وكان موسى قد أمرهم بذلك [["جامع البيان" 16/ 199، "الكشف والبيان" 3/ 23 ب، "تفسير كتاب الله العزيز" 3/ 47، "النكت والعيون" 3/ 418، "معالم التنزيل" 5/ 289.]].
وقال الزجاج: (يعنون بالأوزار: حليا كانوا أخذوها من آل فرعون، حين قذفهم البحر فألقاهم على الساحل، فأخذوا الذهب والفضة وسميت أوزارًا. قال: وسميت أوزارًا؛ لأن معناها الآثام) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 372.]]. ونحو هذا ذكر الفراء [["معاني القرآن" للفراء 2/ 189.]]. وعلى هذا المراد بزينة القوم: ما كان معهم حين أغرقوا من مصوغات الذهب والفضة للمناطق وزينة الدواب، وغير ذلك فسميت أوزارًا، بأن معناها أثام لم يحل لهم أخذها [["معالم التنزيل" 5/ 289.]]. وعلى هذا القول يجوز أن يكون المراد بالأوزار الأحمال؛ لأن الوزر في اللغة: الحمل [[انظر: "تهذيب اللغة" (وزر) 4/ 3883، "القاموس المحيط" (الوزر) 2/ 154، "الصحاح" (وزر) 2/ 845، "لسان العرب" (وزر) 8/ 4823.]].
وقرئ: بالتشديد وضم الحاء [[قرأ ابن كثير، ونافع، وابن عامر، وحفص عن عاصم: (حُمِّلنا) بضم الحاء وتشديد الميم، وقرأ عاصم في رواية أبي بكر، وأبو عمرو، وحمزة، والكسائي: (حَمَلنا) بفتح الحاء وتخفيف الميم. انظر: "السبعة" ص 423، "الحجة للقراء السبعة" 5/ 246، "حجة القراءات" ص 462، "المبسوط في القراءات" ص 250.]]. المعنى: جعلونا نحمل، وحُمِلْنا على ذلك وأُردنا له وكلفنا حمله، ومن قرأ: حَمَلْنا أراد أنهم فعلوا ذلك. قال أبو عبيد: (وهو الاختيار؛ لأنّ التفسير قد جاء أنهم حملوا معهم ما كان في أيديهم من حلي آل فرعون) [["تفسير القرآن" للصنعانى 2/ 17.]].
وقوله تعالى: ﴿فَقَذَفْنَاهَا﴾ أي: طرحناها، واختلفوا أين طرحوها؟ وكيف فعلوا؟ فقال قتادة: (لما مضت ثلاثون يومًا ولم يرجع موسى قال السامري: هذه العقوبة التي أصابتكم بتخلف موسى عن الوقت الذي وقته لرجوعه إليكم، إنما أصابتكم بالحلي التي معكم، فاجمعوها حتى يجيء موسى فنقضي منه فجمعت ودفعت إليه) [["جامع البيان" 16/ 199، "النكت والعيون" 3/ 418، "الجامع لأحكام القرآن" 16/ 236.]]. وعلى هذا معنى ﴿فَقَذَفْنَاهَا﴾ ألقيناها إليه، وهذا قول قتادة قال: (فقذفوها إليه) [["تفسير القرآن" للصنعاني 2/ 17.]].
وقال ابن عباس في رواية سعيد بن جبير: (قال لهم هارون: إنكم تحملتم أوزارًا من زينة آل فرعون فتطهروا منها، فإنها نجسة، وأوقد لهم ناراً وقال: اقذفوا ما كان معكم من ذلك فيها. قالوا: نعم فجعلوا يأتون بما كان معهم من تلك الحلي فيقذفونها فيه، حتى استلب الحلي فيها) [["بحر العلوم" 2/ 352، "معالم التنزيل" 5/ 289، "الدر المنثور" 4/ 546.]]. وعلى هذا معنى ﴿فَقَذَفْنَاهَا﴾ ألقيناها في النار. ونحو هذا ذكر الزجاج [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 372.]].
وقال السدي: (قال هارون لهم: إن الحلي غنيمة ولا تحل لكم الغنيمة فاحفروا لهذا الحلي حفرة فاطرحوه فيها) [["جامع البيان" 16/ 200، "معالم التنزيل" 5/ 289، "روح المعاني" 16/ 247.]]. وعلى هذا المعنى فقذفناها في الحفرة.
قوله تعالى: ﴿فَكَذَلِكَ﴾ أي: فكما ألقيت (ألقى السامري) قال ابن عباس في رواية عطاء: (يريد ألقى الحلي -وهو الذهب- في النار) [[ذكرته كتب التفسير بدون نسبة. انظر: "جامع البيان" 16/ 199، "المحرر الوجيز" 10/ 76، "معالم التنزيل" 5/ 290 منسوب لابن عباس، "زاد المسير" 5/ 315، "الكشاف" 2/ 550، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 180.]].
وهذا اختيار الزجاج والفراء، قالا: (وكذلك فعل السامري؛ أي: ألقى حليًا كان معه في النار) [["معاني القرآن" للفراء 2/ 189، "معاني القرآن" للزجاج 3/ 372.]]. وعلى هذا دل كلام مجاهد؛ لأنه يقول: (فلذلك صنع السامري) [["جامع البيان" 16/ 200، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 235، "تفسير مجاهد" 465.]]. أي: فعل كما فعلنا. وقال آخرون: (وكذلك ألقى السامري يعني: ما كان معه من تربة حافر فرس جبريل) [["جامع البيان" 16/ 199، "تفسير كتاب الله العزيز" 3/ 47، "بحر العلوم" 2/ 352، "معالم التنزيل" 5/ 290، "الجامع لأحكام القرآن" 16/ 235.]].
قال قتادة: (وقد كان صر في عمامته قبضة من أثر فرس جبريل يوم جاوز ببني إسرائيل فقذفها فيها) [["جامع البيان" 16/ 199، "معالم التنزيل" 5/ 290، وذكر نحوه الصنعاني في "تفسير القرآن" 2/ 17.]]. فهذا معنى قول ابن عباس في رواية السدي عن أبي مالك عنه [["جامع البيان" 16/ 200، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 180، "الدر المنثور" 4/ 545.]]. وعلى هذا معنى ﴿أَلْقَى﴾ ألقى القبضة التي كانت معه من التراب. ولعل الأقرب هذا القول [[قال ابن عطية 10/ 72: وروي -وهو الأصح الأكثر-: (أنه ألقى الناس الحلي في حفرة أو نحوها وألقى هو عليه القبضة فتجسد العجل، وهذا وجه فتنة الله تعالى لهم، وعلى هذا انخرقت للسامري عادة، وأما على أن يصوغه فلم تنخرق له عادة وإنما فتنوا حينئذٍ بخواره فقط، وذلك الصوت قد تولد في الأجرام بالصنعة).]]؛ لأن الله تعالى أتبعه.
طه 20:88
بقوله: ﴿فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا﴾ قال سعيد بن جبير عن ابن عباس: (لما أسبكت الحلي في النار أقبل السامري إلى النار، فقال لهارون: يا نبي الله ألقي ما في يدي؟ قال: نعم، ولا يظن هارون إلا أنه لبعض ما جاء به غيره من تلك الحلي والأمتعة، فقذفه فيها، وقال: كن عجلًا جسدًا له خوار، فكان للبلاء والفتنة) [["بحر العلوم" 2/ 352، "الجامع لأحكام القرآن" 16/ 235، "الدر المنثور" 4/ 547، "روح المعاني" 16/ 247.]].
وقال السدي عن أبي مالك عن ابن عباس: (قال لهم هارون: اجمعوا هذا الحلي حتى يجيء موسى فيقضي فيه، قال: فجمع ثم أذيب، فلما ألقى السامري القبضة تحول عجلًا جسدًا له خوار) [["النكت والعيون" 3/ 419.]].
وقال علي بن أبي طالب: (لما تعجل موسى إلى ربه، عمد السامري فجمع ما قدر عليه من حلي نساء بني إسرائيل، فضربه عجلًا ثم ألقى القبضة في جوفه فإذا هو عجل جسد له خوار) [["بحر العلوم" 2/ 152، "الدر المنثور" 4/ 545.]].
وقال قتادة: (ضربها صورة بقرة، وقذف فيها القبضة فأخرج لهم عجلًا جسدًا له خوار، فجعل يخور خوار البقرة) [["جامع البيان" 16/ 200، "النكت والعيون" 3/ 419، وذكر نحوه الصنعاني في "تفسير القرآن" 2/ 17.]].
وقال ابن عباس في رواية عطاء: (﴿فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا﴾ يريد لحماً ودمًا ﴿لَهُ خُوَارٌ﴾ كما يخور الحي من العجول) [["بحر العلوم" 2/ 152، "الجامع لأحكام القرآن" 16/ 235.]]. وذكر في التفسير وحكاه الزجاج [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 372.]]. وهو قول ابن عباس في رواية عكرمة: (أن هارون مر بالسامري وهو يصنع العجل، فقال له: ما تصنع؟ قال: اصنع ما ينفع ولا يضر. وقال: ادع. فقال: اللهم أعطه ما يسأل كما يجب. فسأل الله أن جعل للعجل خوار) [["الكشف والبيان" 3/ 23 ب، "معالم التنزيل" 5/ 289، "الجامع لأحكام القرآن" 16/ 235، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 180، "الدر المنثور" 4/ 546.]].
وقال الحسن: (صور بقرة صاغها من الحلي الذي كان معهم ثم ألقى عليها من أثر فرس جبريل فانقلبت حيوانًا يخور) [["النكت والعيون" 3/ 419.]].
وقال مجاهد: (خواره حفيف الريح إذا دخلت جوفه) [["تفسير كتاب الله العزيز" 3/ 48، "بحر العلوم" 2/ 352، "النكت والعيون" 3/ 419، "الجامع لأحكام القرآن" 16/ 235.]].
قال أبو إسحاق: (الذي قاله مجاهد من أن الخوار حفيف الريح، فيه أسوغ إلى القبول؛ لأنه شيء ممكن، والتفسير الآخر من: أنه خار، ممكن في محنة الله) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 372.]].
وقوله تعالى: ﴿فَقَالُوا هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى﴾ أكثر أهل التفسير: (فقال السامري هذا إلهكم [وإله موسى) [["جامع البيان" 16/ 201 "زاد المسير" 5/ 315، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 236، "روح المعاني" 16/ 248.]].
وروي عن علي -رضي الله عنه-: (فقال لهم السامري: هذا إلهكم)] [[ما بين المعقوفين ساقط من نسخة (س).]] [[ذكرت كتب التفسير نحوه بدون نسبة. انظر: "النكت والعيون" 2/ 412، "زاد المسير" 5/ 315 "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 236، "لباب التأويل" 4/ 277، "إرشاد العقل السليم" 6/ 36.]].
وقال قتادة: (فقال عدو الله: هذا إلهكم) [["المحرر الوجيز" 11/ 99، "زاد المسير" 5/ 315، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 236، روح المعانى 16/ 248.]].
والمفسرون يقولون: فقال: هذا إلهكم. وفي التنزيل: ﴿فَقَالُوا﴾ فيحتمل أن المعنى: وقال السامري ومن تابعه ممن افتتن بالعجل.
قال سعيد بن جبير عن ابن عباس: (عكفوا عليه وأحبوه حبًّا لم يحبوه شيئًا قط) [["تفسير القرآن العظيم" 3/ 167.]].
وقوله تعالى: ﴿فَنَسِيَ﴾ روي السدي عن أبي مالك عن ابن عباس في قوله: ﴿فَنَسِيَ﴾ قال: (إن موسى ذهب يطلب ربه فضل ولم يعلم مكانه) [["جامع البيان" 16/ 201 "تفسير القرآن" 3/ 180، وذكره "معالم التنزيل" 5/ 290 بدون نسبة، وكذلك "المحرر الوجيز" 1/ 78.]]. ونحو هذا قال في رواية عطاء: (أي ضل وأخطأ الطريق) [["زاد المسير" 5/ 315، "البحر المحيط" 6/ 269، "روح المعاني" 16/ 248، وذكره "معالم التنزيل" 3/ 228 بدون نسبة، وكذلك "القرطبي"11/ 236.]].
وروى سماك بن حرب عنه قال: (نسي موسى أن يذكر لكم أن هذا إلهه وإلهكم) [["القرطبي" 11/ 236، "ابن كثير" 3/ 180، وذكره نحوه "الدر المنثور" 4/ 547.]]. ونحو هذا روى عكرمة عنه [["بحر العلوم" 2/ 352، "زاد المسير" 5/ 315، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 180، "أضواء البيان" 4/ 497.]].
وقال السدي: (﴿فَنَسِيَ﴾ يقول: ترك موسى إلهه هاهنا وذهب يطلبه) [["جامع البيان" 16/ 201 وذكره "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 236 بدون نسبة.]].
وقال قتادة: (يقول: إن موسى إنما طلب هذا، ولكنه نسيه وخالفه في طريق آخر) [["جامع البيان" 16/ 201 "بحر العلوم" 2/ 352، "النكت والعيون" 3/ 419، "زاد المسير" 5/ 315، "البحر المحيط" 6/ 269.]]. وعلى هذا قوله: ﴿فَنَسِيَ﴾ إخبار عن السامري [أنه قال ذلك.
وقال ابن عباس في رواية سعيد بن جبير: (﴿فَنَسِيَ﴾ أي: ترك ما كان عليه من الإسلام) [["جامع البيان" 16/ 201 "النكت والعيون" 3/ 419، "زاد المسير" 5/ 315، "ابن كثير" 3/ 180، "البحر المحيط" 6/ 269، "أضواء البيان" 4/ 497.]]. يعني السامري] [[ما بين المعقوفين ساقط من الأصل ومن نسخة (ص).]]، وعلى هذا القول قوله: ﴿فَنَسِيَ﴾ كلام الله تعالى في وصف السامري أنه نسي، أي: ترك ما كان عليه من الإيمان؛ لأنه نافق لما عبر البحر [[قال ابن جرير في الطبري -رحمه الله- في "تفسيره" 16/ 201: (والذي هو أولى بتأويل ذلك القول الذي ذكرناه عن هؤلاء وهو أن ذلك خبر من الله عز ذكره عن السامري أنه وصف موسى بأنه نسي ربه، وأن ربه الذي ذهب يريده هو العجل الذي أخرجه السامري، لإجماع الحجة من أهل التأويل عيه وأنه عقيب ذكر موسى، وهو أن يكون خبرًا من السامري عنه بذلك أشبه من غيره).]]، فعيرهم الله بصنيعهم، وقال موبخًا لهم:
طه 20:89
﴿أَفَلَا يَرَوْنَ﴾ قال المبرد: (أفلا يعلمون؛ لأن رأيت على ضربين: على رؤية القلب، وعلى رؤية العين، وما كان من رؤية القلب فالمراد به العلم) [[ذكره نحوه في "المقتضب" 2/ 31.]].
وقوله تعالى: ﴿أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا﴾ قال أبو إسحاق: (الاختيار الرفع ويكون المعنى: أنه لا يرجع، كما قال: ﴿أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيهِمْ﴾ [الأعراف: 148]، قال: ويجوز أن لا يرجع ينتصب بأن) [["معانى القرآن" للزجاج 3/ 373]].
قال المبرد: (﴿أَنَّ﴾ هاهنا مخففة من الثقيلة والمعنى: أنه لا يرجع، كقوله: ﴿عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ﴾ [المزمل: 20]، ولا يكون بعد العلم إلا ثقيلة، ومخففة من الثقيلة، وتخفف إذا جئت بالعوض نحو: السنن وسوف، نحو: علمت أن سيذهبون، وأن سوف يذهبون، وعلى [[في (ص): (ومن).]] هذا قولنا: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله خففت الأولى من الثقيلة؛ لأنك جئت بالعوض وهو لا وشددت الثانية؛ لأنه الإيجاب [["المقتضب" 3/ 7.]].
وهذا الفصل مستقصى عند قوله: ﴿وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ [المائدة: 71]، ومعنى ﴿أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا﴾ لا يكلمهم ولا يرد لهم جوابًا، كما قال في هذا المعنى: ﴿أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ﴾ [الأعراف: 148].
وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا﴾ توبيخ لهم إذا عبدوا من لا يملك ضرًا من ترك عبادته، ولا ينفع من عبده، وتركوا عبادة من يملكها.
طه 20:90
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِنْ قَبْلُ﴾ أي: من قبل أن يأتي موسى، وذلك أنه لما رأى ما وقعوا فيه قال لهم: ﴿يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ﴾ قال عطاء عن ابن عباس: (ضللتم به) [[ذكره القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 236 بدون نسبة.]]. وقيل: (ابتليتم به) [["جامع البيان" 16/ 202، "الكشف والبيان" 3/ 23 ب، "المحرر الوجيز" 10/ 78، "زاد المسير" 5/ 315، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 236.]]. ﴿وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ﴾ لا العجل ﴿فَاتَّبِعُونِي﴾ في عبادته ﴿وَأَطِيعُوا أَمْرِي﴾ ولا أمر السامري، فعصوه.
طه 20:91
وقالوا: ﴿لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ﴾ لن نزال مقيمين على عبادة العجل [["جامع البيان" 16/ 202، "معالم التنزيل" 5/ 290، "زاد المسير" 5/ 316. "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 237.]]. ﴿حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى﴾ فلما رجع موسى.
طه 20:92
﴿قَالَ يَا هَارُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا﴾ أي: افتتنوا في دينهم. وقال الكلبي: (كفروا وأخطأوا الطريق) [[ذكره في "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 237 بدون نسبة.]]
طه 20:93
﴿أَلَّا تَتَّبِعَنِ﴾ لا زائدة [[قال ابن عطية في "المحرر الوجيز" 10/ 80: (ذهب حذاق النحاة إلى أنها مؤكدة وأن في الكلام فعلًا مقدرًا كأنه قال ما منعك ذلك أو حضك أو نحو هذا على أن لا تتبعن وما قبل وما بعد يدل على هذا ويقتضيه). وقال الزركشي في "البرهان" 3/ 90: (وقيل ليست بزائدة من وجهين:
1 - أن التقدير ما دعاك إلى ألا تتبعني؛ لأن الصارف عن الشيء داع إلى تركه فيشتركان في كونهما من أسباب عدم الفعل.
2 - إن التقدير: ما منعك من ألا تتبعني، وهذا أقرب مما قبله؛ لأن فيه إبقاء المنع على أصله، وعدم زيادتها أولى؛ لأن حذف حرف الجر مع أنه كثير لا تصل إلى المجاز، والزيادة في درجتها. قالوا: وفائدة زيادتها تأكيد الإثبات، فإن وضع ﴿لَا﴾ نفي ما دخلت عليه فهي معارضة للإثبات ولا يخفى أن حصول الحكم مع المعارض أثبت مما إذا لم يعترضه المعارض أو أسقط معنى ما كان من شأنه أن يسقط). وانظر: "النبأ العظيم" الدكتور محمد عبد الله دراز 130 - 136.]] أي: ما منعك من اتباعي واللحوق بي، وترك المقام بين أظهرهم ليرغبهم خروجك من بينهم [["جامع البيان" 16/ 202، "الكشف والبيان" 3/ 23 ب، "معالم التنزيل" 5/ 291.]]. وقيل: (من اتباعي في الإنكار عليهم) [["زاد المسير" 5/ 316، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 238.]].
﴿أفَعَصَيْتَ أَمْرِي﴾ هو قال ابن عباس: (يريد أن مقامك بينهم وقد عبدوا غير الله عصيان منك) [["الجامع لأحكام القرآن" 11/ 237.]]. وعلى هذا إنما عذله على المقام فيما بينهم وقد كفروا، ثم أخذ برأس أخيه غضبًا منه عليه. الكلبي: (أخذ شعره بيمينه ولحيته بشماله) [[ذكرته كتب التفسير بدون نسبة. انظر: "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 237، "التفسير الكبير" 22/ 109، "روح المعاني" 16/ 251.]]. ولم يذكر هاهنا أخذه لذكره في سورة أخرى [[عند قوله سبحانه: ﴿وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ﴾ [الأعراف: 150] الآية.]]؛ ولأن قوله: ﴿لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي﴾ يدل على الأخذ، فلما أخذ موسى ذلك منه.
طه 20:94
﴿قَالَ ابْنَ أُمَّ﴾ أضافه إلى الأم دون الأب ترقيقًا واستعطافًا، هذا معنى قول الكلبي [["الكشف والبيان" 3/ 23 ب، "المحرر الوجيز" 10/ 81، "روح المعاني" 16/ 25 وقال: (فإن الجمهور على أنهما كان شقيقين).]].
وقال أبو إسحاق: (وقيل في هارون إنه لم يكن أخا موسى لأبيه وكان أخاه لأمه) [[ذكر هذا القول "الكشف والبيان" 3/ 23 ب، ولم أجده بهذا اللفظ عند الزجاج، والذي ورد في "معاني القرآن" للزجاج 3/ 373 قوله: وقد قيل في هارون إنه لم يكن أخا موسى لأمه.
وقال ابن عطية في "المحرر الوجيز" 10/ 81: وقالت فرقة لم يكن هارون أخا موسى إلا من أمه، وهذا ضعيف.]]. وقرئ: (يابن أم) بالكسر والفتح [[قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وحفص عن عاصم: (يابن أمَّ) بفتح الميم، وقرأ ابن عامر، وحمزة، والكسائي، وعاصم في رواية أبي بكر: (يابن أمِّ) بكسر الميم. انظر: "السبعة" 423، "الحجة للقراء السبعة" 5/ 248، "العنوان في القراءات" ص 130.]]. وذكرنا الوجه في سورة الأعراف [[عند قوله سبحانه في سورهَ الأعراف الآية رقم (150): ﴿قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلَا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْدَاءَ وَلَا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾.]].
وقوله تعالى: ﴿لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي﴾ أراد ولا شعر رأسي. فإن قيل: الأخذ باللحية يؤدي إلى الاستخفاف بمن فعل به، فلم فعل ذلك موسى؟ والجواب: أن العادة في ذلك الزمان لم تكن كهذه العادة بل كان يجري ذلك مجرى القبض على اليد، والأشياء تختلف حكمها بحسب العادة فيها [["الجامع لأحكام القرآن" 11/ 239.]]، وقيل: (إنه أجراه مجرى نفسه إذا غضب في القبض على لحيته؛ لأنه لم يكن يتهم عليه كما لا يتهم على نفسه) [["إعراب القرآن" للنحاس 3/ 55.]].
قال ابن الأنباري: (وقع في نفس موسى أن هارون [[في (ص): (أن موسى)، وهو تصحيف.]] عصى الله بترك اتباعه، فأخذ بلحيته ورأسه غضبًا لله، وتأديبًا لهارون) [[ذكره ابن الجوزي بلا نسبة في "زاد المسير" 5/ 317.]].
وقوله تعالى: ﴿إِنِّي خَشِيتُ﴾ قال ابن عباس: (يريد إن أنا أتيتك) [[ذكرت كتب التفسير نحوه بدون نسبة انظر: "معالم التنزيل" 5/ 291، "زاد المسير" 5/ 317، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 239، "روح المعاني" 16/ 251.]] بمعنى: إن فارقتهم واتبعتك ﴿أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ قال ابن عباس: (يريد [[قوله: (يريد)، ساقط من نسخة (س).]]: جماعتهم) [[ذكرته كتب التفسير بدون نسبة. انظر: "جامع البيان" 16/ 203، "معالم التنزيل" 5/ 291، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 239، "لباب التأويل" 4/ 278.]]. وذلك أنه لو لحق بموسى لصاروا أحزابًا: حزب يسيرون معه، وحزب يتخلفون عنه مع الإيمان والإنكار على عبدة العجل، وحزب مع السامري، فلا يؤمن أن يصيروا في الخلاف إلى تسافك، فاعتذر بما مثله يقبل؛ لأنه وجه من وجوه الرأي [["جامع البيان" 16/ 204، "الكشف والبيان" 3/ 23 ب، "القرطبي" 11/ 239.]].
وقوله تعالى: ﴿وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي﴾ يعني: ولم تحفظ وصيتي حين قلت لك: اخلفني في قومي [["جامع البيان" 16/ 204، "معالم التنزيل" 5/ 291، "القرطبي" 11/ 239.]].
وقال ابن جريج في قوله: (ألا تتبعني) أي: في شدة الزجر لهم عن الكفر بالله وعبادة غير الله) [[ذكرته كتب التفسير نحوه بدون نسبة انظر: "النكت والعيون" 3/ 420، "زاد المسير" 5/ 317، "القرطبي" 11/ 237، "لباب التأويل" 4/ 278.]].
وقال في قوله: ﴿خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾: (خشيت من العنف بهم أن يتفرقوا أحزابًا فيقتل بعضهم بعضًا) [[ذكرته كتب التفسير بدون نسبة. انظر: "معالم التنزيل" 5/ 291، "زاد المسير" 5/ 317، "القرطبي" 11/ 239.]]. فلما اعتذر هارون بهذا العذر.
طه 20:95
قال موسى للسامري: ﴿فَمَا خَطْبُكَ يَا سَامِرِيُّ﴾ قال ابن عباس: (يريد ما قصتك) [[ذكره "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 239 بدون نسبة.]].
قال المفسرون: (ما شأنك الذي دعاك إلى ما صنعت) [["جامع البيان" 16/ 204، "الكشف والبيان" 3/ 24 أ، "بحر العلوم" 2/ 353، "معالم التنزيل" 5/ 291، "المحرر الوجيز" 10/ 82.]]. وأصل الخطب: الجليل من الأمر، كأنه قيل له: ما هذا الأمر العظيم الذي صنعت [[انظر: "تهذيب اللغة" (خطب) 1/ 1052، "القاموس المحيط" (الخطب) 1/ 62، "لسان العرب" (خطب) 2/ 1194، "المفردات في غريب القرآن" (خطب) 150.]]. وقال الزجاج: (ما أمرك الذي تخاطب به) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 374.]].