Lafzullah

Al-Basit — طه 20:96 – الأنبياء 21:112

المؤلف / المصدر: Al-Basit

المحتويات
  1. طه 20:96
  2. طه 20:97
  3. طه 20:98
  4. طه 20:99
  5. طه 20:100
  6. طه 20:101
  7. طه 20:102
  8. طه 20:103
  9. طه 20:104
  10. طه 20:105
  11. طه 20:106
  12. طه 20:107
  13. طه 20:108
  14. طه 20:109
  15. طه 20:110
  16. طه 20:111
  17. طه 20:112
  18. طه 20:113
  19. طه 20:114
  20. طه 20:115
  21. طه 20:117
  22. طه 20:118
  23. طه 20:119
  24. طه 20:120
  25. طه 20:121
  26. طه 20:122
  27. طه 20:123
  28. طه 20:124
  29. طه 20:125
  30. طه 20:126
  31. طه 20:127
  32. طه 20:128
  33. طه 20:129
  34. طه 20:130
  35. طه 20:131
  36. طه 20:132
  37. طه 20:133
  38. طه 20:134
  39. طه 20:135
  40. الأنبياء 21:1
  41. الأنبياء 21:2
  42. الأنبياء 21:3
  43. الأنبياء 21:4
  44. الأنبياء 21:5
  45. الأنبياء 21:6
  46. الأنبياء 21:7
  47. الأنبياء 21:8
  48. الأنبياء 21:9
  49. الأنبياء 21:10
  50. الأنبياء 21:11
  51. الأنبياء 21:12
  52. الأنبياء 21:13
  53. الأنبياء 21:14
  54. الأنبياء 21:15
  55. الأنبياء 21:16
  56. الأنبياء 21:17
  57. الأنبياء 21:18
  58. الأنبياء 21:19
  59. الأنبياء 21:20
  60. الأنبياء 21:21
  61. الأنبياء 21:22
  62. الأنبياء 21:23
  63. الأنبياء 21:24
  64. الأنبياء 21:26
  65. الأنبياء 21:27
  66. الأنبياء 21:28
  67. الأنبياء 21:29
  68. الأنبياء 21:30
  69. الأنبياء 21:31
  70. الأنبياء 21:32
  71. الأنبياء 21:33
  72. الأنبياء 21:34
  73. الأنبياء 21:35
  74. الأنبياء 21:36
  75. الأنبياء 21:37
  76. الأنبياء 21:38
  77. الأنبياء 21:39
  78. الأنبياء 21:40
  79. الأنبياء 21:41
  80. الأنبياء 21:42
  81. الأنبياء 21:43
  82. الأنبياء 21:44
  83. الأنبياء 21:45
  84. الأنبياء 21:46
  85. الأنبياء 21:47
  86. الأنبياء 21:48
  87. الأنبياء 21:49
  88. الأنبياء 21:50
  89. الأنبياء 21:51
  90. الأنبياء 21:52
  91. الأنبياء 21:53
  92. الأنبياء 21:54
  93. الأنبياء 21:55
  94. الأنبياء 21:56
  95. الأنبياء 21:57
  96. الأنبياء 21:58
  97. الأنبياء 21:59
  98. الأنبياء 21:60
  99. الأنبياء 21:61
  100. الأنبياء 21:62
  101. الأنبياء 21:64
  102. الأنبياء 21:65
  103. الأنبياء 21:66
  104. الأنبياء 21:67
  105. الأنبياء 21:68
  106. الأنبياء 21:69
  107. الأنبياء 21:70
  108. الأنبياء 21:71
  109. الأنبياء 21:72
  110. الأنبياء 21:73
  111. الأنبياء 21:74
  112. الأنبياء 21:75
  113. الأنبياء 21:76
  114. الأنبياء 21:77
  115. الأنبياء 21:78
  116. الأنبياء 21:79
  117. الأنبياء 21:80
  118. الأنبياء 21:81
  119. الأنبياء 21:82
  120. الأنبياء 21:83
  121. الأنبياء 21:84
  122. الأنبياء 21:85
  123. الأنبياء 21:86
  124. الأنبياء 21:87
  125. الأنبياء 21:88
  126. الأنبياء 21:89
  127. الأنبياء 21:91
  128. الأنبياء 21:92
  129. الأنبياء 21:93
  130. الأنبياء 21:94
  131. الأنبياء 21:95
  132. الأنبياء 21:96
  133. الأنبياء 21:97
  134. الأنبياء 21:98
  135. الأنبياء 21:99
  136. الأنبياء 21:100
  137. الأنبياء 21:101
  138. الأنبياء 21:102
  139. الأنبياء 21:103
  140. الأنبياء 21:104
  141. الأنبياء 21:105
  142. الأنبياء 21:106
  143. الأنبياء 21:107
  144. الأنبياء 21:108
  145. الأنبياء 21:109
  146. الأنبياء 21:111
  147. الأنبياء 21:112

طه 20:96

قوله تعالى: ﴿قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ﴾ يقال: بصر الرجل إذا صار عليمًا بالشيء [[انظر: "تهذيب اللغة" (بصر) 1/ 341، "مقاييس اللغة" (بصر) 1/ 253، "الصحاح" (بصر) 2/ 591، "مختار الصحاح" ص 54، "المصباح المنير" 1/ 50.]]. قال أبو عبيدة: (علمت ما لم تعلموا) [[مجاز القرآن" لأبي عبيدة 2/ 26.]]. وقال ابن عباس: (عرفت مالم تعرفوا) [[ذكرته كتب التفسير بدون نسبة. انظر: "الكشف والبيان" 3/ 24 أ، "معالم التنزيل" 5/ 291، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 239، "التفسير الكبير" 22/ 113.]]. وقرئ: ﴿يَبْصُرُوا﴾ بالياء والتاء [[قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر، وعاصم: (يبصروا) بالياء. وقرأ حمزة، والكسائي: (تبصروا) بالتاء. انظر: "السبعة" 424، "الحجة للقراء السبعة" 5/ 249، "التبصرة" 261، "النشر" 2/ 322.]]. من قرأ بالياء فالمعنى: بصرت بما لم يبصر به بنو إسرائيل، ومن قرأ بالتاء: صرف الخطاب إلى الجميع. قال له موسى: وما الذي أبصرت دون بني إسرائيل؟ قال: ﴿فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ﴾ قال ابن عباس وجميع المفسرين: (يريد أثر فرس جبريل) [["تفسير القرآن" للصنعاني 2/ 17، "جامع البيان" 16/ 205، "الكشف والبيان" 3/ 24 أ، "تفسير كتاب الله العزيز" 3/ 49.]]. قال أبو إسحاق: (كان رأى فرس جبريل، فقبض قبضة من تراب حافر الفرس) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 374.]]. وروى السدي عن أبي عمارة [[قيس أبو عمارة الفارسي مولى الأنصار، وقيل: مولى سودة بنت سعد مولاة بني == ساعدة من الأنصار، روى عن: عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن حزم، وروى عنه: إسماعيل بن أبي أويس، وخالد بن مخلد، ومعن بن عيسى، وثقة العلماء وأثنوا عليه، وروى له ابن ماجه وغيره، توفي -رحمه الله- سنة 160 هـ. انظر: "الجرح والتعديل" 7/ 106، "الثقات" 9/ 15، "تهذيب التهذيب" 8/ 406، "الكاشف" 2/ 403، "تهذيب الكمال" 24/ 89.]] عن علي -رضي الله عنه- قال: (إن جبريل لما نزل ليصعد بموسى إلى السماء أبصره السامري من بين الناس، فقبض قبضة من أثر الفرس) [["الجامع لأحكام القرآن" 11/ 239، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 181 وقال: غريب. "التفسير الكبير" 22/ 110، "روح المعاني" 16/ 253.]]. وعلى هذا معنى ﴿بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ﴾ أي: رأيت ما لم تروه. وقال الكلبي: (قال السامري: رأيت جبريل على الفرس، وحي الحياة بلقاء أنثى، خطوها مد البصر، فألقي في نفسي أن أقبض من أثرها، فما لقيته على شيء إلا صار له روح ولحم ودم، فحين رأيت قومك سألوك أن تجعل لهم إلهًا [[ويشهد لهذا قوله سبحانه: ﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ [الأعراف: 138].]]، حدثت لي نفسي بذلك ﴿فَنَبَذْتُهَا﴾) [[ذكره الصنعاني مختصرًا في "تفسير القرآن" 2/ 17، وذكره "القرطبي" 11/ 239 بدون نسبة، وأورد نحوه ابن كثير 3/ 182. وقد ورد في حديث الفتون عن ابن عباس ما يخالف ذلك فقد قال: (اجتمع ما كان في الحفرة من متاع أو حلية أو نحاس أو حديد فصار عجلًا أجوف ليس فيه روح له خوار، ثم قال ابن عباس: والله ما كان له صوت قط إنما كانت الريح تدخل دبره فتخرج من فيه، وكان ذلك الصوت من ذلك). انظر: "مجمع الزوائد" كتاب التفسير - سورة طه 7/ 64.]]. وعلى هذا معنى: ﴿بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ﴾ أي: علمت ما لم تعلم بنو إسرائيل من أخذ تراب حافر فرس جبريل. وقال الكلبي بإسناده عن ابن عباس: (لما أمر فرعون بذبح ولدان بني إسرائيل كانت المرأة تلد فتطرح ولدها حيث لا يشعر به أصحاب فرعون، فيأخذ الولدان الملائكة، فيربوهم حتى يترعرعوا ويختلطوا بالناس، فكان السامري ممن أخذه جبريل، فغذاه فلما رآه على فرسه عرفه، فقبض القبضة من تحت حافر فرسه) [[ذكر نحوه "جامع البيان" 16/ 205، وكذلك "بحر العلوم" 2/ 352، وأورده "النكت والعيون" 3/ 423 بدون نسبة، وكذلك "معالم التنزيل" 5/ 292، وابن عطية في "المحرر الوجيز" 11/ 101 وقال: (هذا ضعيف). "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 240، والرازي في "التفسير الكبير" 22/ 111 وقال: (والذي ذكروه من أن جبريل -عليه السلام- هو الذي رباه فبعيد). ولعل هذا القول من الروايات الإسرائيلية التي ذكرت في هذا الباب.]]. وقوله: إنها إذا جعلت في موات حي، فذلك قوله: ﴿بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ﴾ أي: من أثر فرسه يعني من حيث وضع عليه حافره ﴿فَنَبَذْتُهَا﴾ وألقيتها في صورة العجل ﴿وَكَذَلِكَ﴾ وكما حدثتك يا موسى ﴿سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي﴾ زينت لي نفسي من أخذ القبضة وإلقائها في صورة العجل.

طه 20:97

قوله تعالى: ﴿قَالَ فَاذْهَبْ﴾ روي في التفسير: (أن موسى -عليه السلام- همَّ بقتل السامري، فنهاه الله عن ذلك وقال: لا تفعل، فإنه سخي) [[السخاوة والسخاء: الجود، والسخي: الجواد. انظر: "تهذيب اللعة" (سخا) 7/ 487، "القاموس المحيط" (السخي) 4/ 341، "لسان العرب" (سخا) 9/ 208، "مختار الصحاح" (سخا) 291.]] [["الكشف والبيان" 3/ 24 أ، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 241، "روح المعاني" 16/ 256. وهذا القول من الروايات الإسرائيلية التي ذكرها أهل التفسير في هذه الآية.]]. فقال له موسى: ﴿فَاذْهَبْ﴾ أي: من بيننا ﴿فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ أَنْ تَقُولَ لَا مِسَاسَ﴾ قال ابن عباس: (لك [[قوله: (لك)، ساقط من نسخة (ص).]] ولولدك) [["معالم التنزيل" 5/ 292، "روح المعاني" 16/ 256.]]. والمساس: فِعال من المساسة ومعنى لا مساس: لا يمس بعضنا بعضًا [[انظر: "تهذيب اللغة" (مس) 4/ 339، "مقاييس اللغة" (مس) 5/ 271، "لسان العرب" (مسس) 7/ 4201، "المفردات في غريب القرآن" (مسس) ص 467.]]. قال الكلبي: (يقول: لا يخالط أحداً ولا يخالطك) [[ذكرته كتب التفسير بدون نسبة. انظر: "جامع البيان" 16/ 206، "الكشف والبيان" 3/ 24 أ، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 240.]]. وأمر موسى بني إسرائيل أن لا يخالطوه ولا يؤاكلوه ولا يقربوه [["جامع البيان" 16/ 206، "الكشف والبيان" 3/ 24 أ، "النكت والعيون" 3/ 424، "معالم التنزيل" 35/ 292.]]. وقال أبو إسحاق: (التأويل: أن موسى حرم [[قوله: (حرم)، ساقط من نسخة (ص).]] مخالطة السامري، والمعنى: أنك في الدنيا لا تخالط جزاء لفعلك) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 473.]]. وعلى هذا كأن موسى صيره مهجورًا، وأمر قومه بمجانبته، وأن لا يخالطوه ولا يؤاكلوه ولا يبايعوه، هذا معنى ما ذكر في هذه الآية [["جامع البيان" 16/ 206، "الكشف والبيان" 3/ 24 أ، "المحرر الوجيز" 10/ 84، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 240.]]. غير أن اللفظ لا يدل على هذا؛ لأنه إذا هجر لم يقل: لا مساس إنما يقال له ذلك [[قال الرازي -رحمه الله- في "تفسيره" 22/ 113: وهذا الإعتراض ضعيف؛ لأن الرجل إذا بقي طريدًا فريدًا فإذا قيل له كيف حالك؟ فله أن يقول: لا مساس. أي: == لا يماسني أحد ولا أماس أحدًا، المعنى: إني أجعلك يا سامري في المطرودين بحيث لو أردت أن تخبر غيرك عن حالك لم تقل إلا أنه لا مساس، وهذا الوجه أحسن وأقرب إلى نظم الكلام.]]. على أن ابن الأنباري ذكر في هذا وجهين أحدهما: (أن السامري ألهم هذا القول، وأجبر عليه إذلالا له وتصغيرًا لشأنه. والثاني: (أن الفعل نسب إلى السامري وهو في المعنى لغيره. وتلخيصه: فاذهب فإن لك في الحياة أن يقال لك: لا مساس فنسب إليه قول غيره تحقيقًا للزوم الفعل وبقائه) [[ورد نحوه بلا نسبة في "زاد المسير" 5/ 319، "البحر المحيط" 6/ 275، "روح المعاني" 16/ 256.]]، هذا كلامه. والصحيح ما ذكر في التفسير من وجه آخر: أنه جعل يهيم في البرية مع الوحوش والسباع لا يمس أحدًا ولا يمسه أحد، عاقبه الله بذلك) [["النكت والعيون" 3/ 423، "معالم التنزيل" 5/ 292، "زاد المسير" 5/ 319، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 41.]]. وكان إذا لقى أحدًا يقول: لا مساس أي: لا تقربني ولا تمسني، وصار ذلك عقوبة له ولولده حتى أن بقاياهم اليوم يقولون ذلك [["جامع البيان" 16/ 206، "الكشف والبيان" 3/ 24، "تفسير كتاب الله العزيز" 3/ 49. "زاد المسير" 5/ 319. قول المؤلف -رحمه الله-: (إن بقاياهم اليوم يقولون ذلك) قول يحتاج إلى دليل فليس في ظاهر الآية دليل على هذا القول. وقد قال سبحانه في سورة النجم: ﴿أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾.]]. وذكر: (أنه إن مس واحدًا من غيرهم أحدًا منهم حمَّ كلاهما في الوقت) [["الكشف والبيان" 3/ 24 أ، "معالم التنزيل" 5/ 292، "الكشاف" 2/ 551 "زاد المسير" 5/ 319، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 241.]]. وهذا معنى ما ذكره قتادة في قوله: ﴿لَا مِسَاسَ﴾ قال: (عقوبة لهم) [["تفسير القرآن" للصنعاني 2/ 18، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 242، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 183، "الدر المنثور" 4/ 548.]]. ومعنى: أن ذلك في الحياة أي: أنك ما دمت حيًّا تعاقب بهذه العقوبة فإذا صرت إلى الآخرة جوزيت بما تستحق، وهو قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا﴾ قال ابن عباس: (يريد موعد القيامة) [[ذكره القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 242 بدون نسبة.]]. والموعد هاهنا هصدر يعني أن لك وعدًا لعذابك ﴿لَنْ تُخْلَفَهُ﴾ وقرئ: بفتح اللام [[قرأ نافع، وعاصم، وأبو عمرو، وحمزة، والكسائي: (لن تخلَفه) بفتح اللام. وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو: (لن تخلِفه) بكسر اللام. انظر: "السبعة" ص 424، "الحجة" 5/ 249، "حجة القراءات" ص 463، "التبصرة" ص 261.]]، فمن كسر اللام كان المعنى: لن تخلف ذلك الوعد أي: ستأتيه ولا مذهب لك عنه، ومن فتح اللام كان المعنى: لن تخلف ذلك الوعد أي: سيأتيك به الله ولن يتأخر عنك. قال أبو إسحاق: (أي يكافئك الله على ما فعلت في القيامة والله لا يخلف الميعاد. ومن قرأ: ﴿لَنْ تُخْلَفَهُ﴾ فالمعنى: أنك تبعث وتوافي القيامة لا تقدر على غير ذلك) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 375.]]. وقوله تعالى: ﴿وَانْظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا﴾ قال ابن عباس: (يريد الذي طفقت تعبده وظللت عليه مقيمًا) [["جامع البيان" 16/ 207، "زاد المسير" 5/ 319، "فتح القدير" 3/ 549.]]. وظلْتَ أصله. ظلَلت. قال الزجاج: (ولكن اللام حذفت لثقل التضعيف والكسر) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 375.]]. والعرب تفعل ذلك كثيرًا، قال ابن مغراء [[أوس بن مغراء من بني ربيعة بن قريع بن عوف بن كعب بن سعد، شاعر اشتهر في الجاهلية، وعاش زمنًا في الإسلام، له شعر في الهجاء والمدح. انظر: "الشعر والشعراء" ص 457، "سمط اللآلي" ص 795، "الأغاني" 5/ 12، "الأعلام" 2/ 31.]] [[البيت لأوس بن مغراء السعدي. انظر: "تهذيب اللغة" (مس) 4/ 339، "لسان العرب" (مسس) 17/ 4201.]]: مَسْنَا السَّمَاءَ فَنِلْنَاهَا وطَالَهُمُ ... حَتَى رأَوا أُحُدًا يَمْشِي وَثَهْلانَا فحذفوا أحد السينين من مسسنا استثقالا للجمع بينهما ومثله كثير. وقوله تعالى: ﴿لَنُحَرِّقَنَّهُ﴾ قال ابن عباس في رواية الوالبي: (يقول بالنار) [["جامع البيان" 16/ 208، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 182، "الدر المنثور" 4/ 549، "روح المعاني" 16/ 257.]]. وروي عنه: (فحرقه بالنار ثم ذراه في البحر) [[في (ص): (في اليم).]] [["جامع البيان" 16/ 208، "الكشف والبيان" 3/ 24 أ، "الدر المنثور" 4/ 549، "روح المعاني" 16/ 258.]]. وقال الكلبي: (أحرق العجل بالنار، ثم دق، ثم ذري في البحر) [[ذكرت كتب التفسير نحوه بدون نسبة. انظر. "جامع البيان" 16/ 153، "معالم التنزيل" 5/ 293، "زاد المسير" 5/ 319، "القرطبي" 11/ 242، "التفسير الكبير" 22/ 113.]]. وهو النسف. وقال السدي: (أخذ موسى العجل فذبحه، فسأل منه دمًا كما يسيل من العجل إذا ذبح، ثم حرقه بالمبرد، ثم ذراه في اليم) [["الكشف والبيان" 3/ 24 أ، "القرطبي" 11/ 242، وذكر نحوه "جامع البيان" 16/ 208، "تفسير كتاب الله العزيز" 3/ 50.]]. وهذا على معنى حرق عظامه بالمبرد، كما قال الكلبي: (ثم دق). وهذا على قراءة من قرأ: لَنُحْرِقَنَّه وليست قراءته في مشهور القراءة [[قرأ علي بن أبي طالب -رضي الله عنه-: ﴿لَنُحَرِّقَنَّهُ﴾ بفتح النون وضم الراء. وقرأ الحسن: ﴿لَنُحَرِّقَنَّهُ﴾ بضم النون وسكون الحاء وكسر الراء. انظر: "جامع البيان" 16/ 258، "المحتسب" 2/ 58، "إعراب القرآن" للنحاس 3/ 57، "غريب القرآن" لابن قتيبة 281، "غريب القرآن" لابن الملقن 249.]]. والصحيح: أن ذلك العجل صار لحمًا ودمًا، وإذا كان كذلك فالحرق بالمبرد فيه بعيد. وفي حرف عبد الله: لنذبحنه ثم لنحرقنه [["جامع البيان" 16/ 208، "الكشف والبيان" 3/ 24/ أ، "بحر العلوم" 2/ 353، "المحرر الوجيز" 10/ 87، "الكشف" 2/ 552.]]. وروى عطاء عن ابن عباس: (فبرد بالمبارد ثم ألقي في البحر) [[ذكر نحوه السيوطي في "الدر المنثور" 4/ 549 وعزاه لابن أبي حاتم.]]. وهذا يحمل على برد عظامه، إلا على قول مجاهد فإنه لم يجعله لحمًا ودمًا، وحينئذ برد العجل بالمبرد وهو من الذهب. والدليل على أن المبرد كان للعظام قول ابن مسلم في قوله: ﴿لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا﴾ (أي: لنطيرن تلك البرادة والرماد في البحر) [[ذكرت كتب التفسير نحوه بدون نسبة. انظر: "جامع البيان" 16/ 208، "بحر العلوم" 2/ 353، "معالم التنزيل" 5/ 293، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 143. "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 243.]]. والرماد يكون لما أحرق بالنار. ومعنى النسف: نقض الشيء لتذهب به الريح، وهو: التذرية [[انظر: "تهذيب اللغة" (نسف) 4/ 3561، "القاموس المحيط" (نسف) 3/ 199.= "الصحاح" (نسف) 4/ 1431، "لسان العرب" (نسف) 7/ 4411، "المفردات في غريب القرآن" (نسف) 490.]].

طه 20:98

قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ هذا أيضًا إخبار عن موسى أنه قال لقومه. والمعنى: إلهكم الذي يستحق العبادة الله لا العجل ﴿وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ تامًا لم يضق علمه عنه، فلا يخفى عليه شيء والتقدير: وسح كل شيء علمه، ثم نقل الفعل عن العلم ونصب على اقفسير، وهي لفظة عجيبة في الفصاحة.

طه 20:99

﴿كَذَلِكَ﴾ كما قصصنا عليك نبأ موسى وقومه ﴿نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْرًا﴾ قال ابن عباس: (يريد القرآن) [[ذكرت كتب التفسير نحوه بدون نسبة. انظر: "جامع البيان" 16/ 209، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 244.]]. ثم أوعد على الإعراض عنه وترك الإيمان به

طه 20:100

فقال: ﴿مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وِزْرًا﴾ قال مجاهد: (إثمًا) [["جامع البيان" 16/ 209، "تفسير كتاب الله العزيز" 3/ 50، "البحر المحيط" 6/ 278، "الدر المنثور" 4/ 549.]]. قال أهل المعاني: (إثمًا عظيمًا) [["القرطبي" 11/ 244، "البحر المحيط" 6/ 278، "روح المعاني" 16/ 259.]]. لأن الوزر معناه: الحمل الثقيل [[انظر: "تهذيب اللغة" (وزر) 4/ 3883، "القاموس المحيط" (الوزر) 2/ 154، "الصحاح" (وزر) 2/ 845، "لسان العرب" (وزر) 8/ 4823.]]

طه 20:101

﴿خَالِدِينَ فِيهِ﴾ أي: في عذابه عذاب ذلك الوزر ﴿وَسَاءَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِمْلًا﴾ قال الوالبي عن ابن عباس: (يقول: بئس ما حملوا) [["جامع البيان" 16/ 209، " الدر المنثور" 4/ 549،"فتح القدير" 3/ 385.]]. [وقال عطاء عنه: (يريد: بئس يوم القيامة ﴿حِمْلًا﴾ يريد: سوء العذاب) [[ذكرت كتب التفسير نحوه بدون نسبة. انظر: "جامع البيان" 16/ 209، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 244، "فتح القدير" 3/ 385.]]. وقال الكلبي: (بئس ما حملوا] [[ما بين المعقوفين مكرر في نسخة (س).]] على أنفسهم من المآثم كفرا بالقرآن) [["معالم التنزيل" 5/ 293، "مجمع البيان" 7/ 47، "البحر المحيط" 6/ 278.]]. قال أبو إسحاق: (المعنى. بئس الوزر لهم حملاً يوم القيامة، وحملاً منصوب على التمييز) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 376.]].

طه 20:102

قوله تعالى ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ﴾ وقرأ أبو عمرو (ننفخ) بالنون، والوجه قراءة العامة [[قرأ نافع، وابن كثير، وابن عامر، وحمزة والكسائي، وعاصم: (ينفح) بالياء، وقرأ أبو عمرو البصري: (تنفخ) بالنون. انظر: "السبعة" ص 424، "الحجة للقراء السبعة" 5/ 250، "حجة القراءات" ص 463،"التبصرة" 261.]] لقوله: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ﴾ [[وردت هذه الآية في سور متعددة: في الكهف: (99)، ويس: (51)، والزمر (68)، وق: (20).]]، وقوله: ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجًا﴾ [النبأ: 18]، ولأن النفخ يكون من المَلَك الموكل بالصور بأمر الله، فالأجود أن يقرأ على غير تسمية الفاعل، ووجه قراءة أبي عمرو: أنه على معنى إضافة الأمر بالنفخ إلى الله تعالى، ويقوي ذلك ما عطف عليه من قوله: ﴿وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا﴾ يقال: زَرِقَت عينه، تَزْرَقُ، زَرَقًا، وزُرْقَةً، وازْرَاقَّت، ازرِقَاقًا [[انظر: "تهذيب اللغة" (زرق) 2/ 1525، "القاموس المحيط" (الزرق) 3/ 240،== "الصحاح" (زرق) 4/ 1489، "لسان العرب" (زرق) 3/ 1827.]]. قال ابن عباس: (يريد: بالمجرمين الذين اتخذوا مع الله إلهًا) [[ذكر نحوه ابن الجوزي في "زاد المسير" 5/ 321 بدون نسبة.]]. قال: (يريد: زرق العيون سود الوجوه) [["روح المعاني" 16/ 260، وذكره البغوي في "تفسيره" 5/ 294 بدون نسبة.]]. وإلى هذا ذهب جماعة من المفسرين: (أن معنى الزرق هاهنا أن في عيونهم زرقًا، وهي الخضرة في سواد العين) [["الكشف والبيان" 3/ 24 ب، "بحر العلوم" 2/ 354، "عالم التنزيل" 5/ 294، "فتح القدير" 3/ 551.]]. كعين السَّنَّوْرُ [[السَّنَّوْرُ: الهر، مشتق منه، وجمعه السَّنَانيِر. انظر: "لسان العرب" (سنر) 4/ 2117، "المعجم الوسيط" (السنور) 1/ 454.]] والعرب تتشاءم بالزرت وتذمه [[قال الزمخشري في "تفسيره" 2/ 553: إن الزرقة أبغض شيء من ألوان العيون إلى العرب؛ لأن الروم أعداؤهم وهم زرق العيون، ولذلك قالوا في صفة العدو: أسود الكبد، أصهب السيال، أزرك العين.]]. والمعنى في هذا: تشويه الخلق بسواد الوجوه وزرقة العيون. وقال الكلبي: (زرقا: عميا) [["زاد المسير" 5/ 321، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 244، "التفسير الكبير" 22/ 114، وذكرته بعض كتب التفسير بدون نسبة. انظر: "جامع البيان" 16/ 210، "بحر العلوم" 2/ 354، "النكت والعيون" 3/ 424.]]. وذكره الفراء وابن الأعرابي، والزجاج [["معاني القرآن" للفراء 2/ 191، "معاني القرآن" للزجاج 3/ 376، "تهذيب اللغة" (زرق) 2/ 1525.]]، قال الزجاج: (يخرجون من قبورهم بصراء ويعمون في المحشر. قال: وإنما قيل للعمى: زرق؛ لأن السواد يزرق إذا ذهب نواظرهم) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 367.]]، هذا كلامه، ولم يكشف عن المعنى. وذكر ابن قتيبة فقال: (أي بيض العيون من العمى قد ذهب الناظر والسواد) [["تفسير غريب القرآن" لابن قتيبة ص 282.]]. وهذا كلامه كما قال؛ لأن العرب تسمى كل أبيض صافي البياض: أزرق، ويقال للمياه الصافية: زرق، قال زهير [[البيت لزهير بن أبي سلمى. زرقاء: الزرقة: شدة الصفاء، يقال: ما أزرق إذا اشتد صفاؤه. جِمَامَة: الجمام جمع جم الماء، وجمته وهو: ما اجتمع منه في البئر والحوض وغيرهما. وضع العصي: كناية عن الإقامة. الحاضر المتخيم: الحاضر النازل على الماء والمتخيم المقيم، وأصله من تخيم إذا نصب الخيمة. انظر: "ديوان زهير" ص 78، "المحرر الوجيز" 10/ 91، "البحر المحيط" 6/ 279، "شرح القصائد العشر" للتبريزي ص 133، "شرح المعلقات السبع" للزوزني ص 141، "تهذيب اللغة" (زرق) 2/ 1525، "لسان العرب" (زرق) 3/ 18027.]]: فلَمَّا وَرَدْنَ المَاءَ زُرْقًا جِمَامهُ ... وَضَعْنَ عِصيّ الحَاضِر المتَخَيَمِ ويقال للأسنة: زرق لصفاء لونها [[انظر: "تهذيب اللغة" (زرق) 2/ 1525، "القاموس المحيط" (الزرق) 3/ 240، "لسان العرب" (زرق) 3/ 1827.]]. وهذا التفسير يوافق قوله: ﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا﴾ [الإسراء: 97]، وحكى الفراء، والزجاج في تفسير ﴿زُرْقًا﴾: (عطاشا) [["معاني القرآن" للفراء 2/ 191، "معاني القرآن" للزجاج 3/ 376.]]. ورواه أيضًا أبو العباس عن ابن الأعرابي [["تهذيب اللغة" (زرق) 2/ 1525.]]. قال أبو إسحاق: (ومن قال: عطاشا فجيد أيضًا؛ لأنهم من شدة العطش يتغير سواد أعينهم، حتى يزرق) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 376.]]. وهذا الذي ذكره صحيح؛ لأن العطش يؤثر في العين، ومن مات عطشا ظهر ذلك في سواد عينيه، ويشهد لهذا التفسير قوله تعالى: ﴿وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا﴾ [مريم: 86]. وحكى ثعلب عن ابن الأعرابي في تفسير ﴿زُرْقًا﴾: (طامعين فيما لا ينالونه) [["تهذيب اللغة" (زرق) 2/ 1525.]]. ووجه هذا التفسير: أن من يتطلع إلى شيء وطال به انتظاره يقول: قد ابيضت عيني بطول انتظاري [[ويشهد لهذا قوله تعالى في سورة يوسف الآية رقم (84): ﴿وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ﴾.]].

طه 20:103

قوله تعالى: ﴿يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ﴾. قال ابن عباس والمفسرون: (يتسارون بينهم) [["جامع البيان" 16/ 211، "تفسير كتاب الله العزيز" 3/ 51، "النكت والعيون" 3/ 425، "معالم التنزيل" 5/ 294، "المحرر الوجيز" 10/ 92.]]، وذكرنا معنى هذا الحرف عند قوله: ﴿وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾ [الإسراء: 110]. ﴿إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا عَشْرًا﴾ وذلك لهول ما عاينوا نسوا مقدار مدة لبثهم في الدنيا، فيقولون هذا القول [["جامع البيان" 16/ 211، "تفسير كتاب الله العزيز" 3/ 51، "معالم التنزيل" 5/ 294، "زاد المسير" 5/ 321، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 245.]]. وقيل: (يذهب عنهم طول لبثهم في الدنيا فيقولون هذا القول) [["جامع البيان" 16/ 211، "الكشف والبيان" 3/ 24 ب، "زاد المسير" 5/ 321.]]. وقيل: (يذهب عنهم طول لبثهم في قبورهم لشدة ما يرون من أحوالهم التي دهمتهم فكأنهم كانوا نيامًا فانتبهوا) [["الكشف والبيان" 3/ 24 ب، "النكت والعيون" 3/ 425، "معالم التنزيل" 5/ 294، "زاد المسير" 5/ 321.]]. وقال عطاء عن ابن عباس: (﴿إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا عَشْرًا﴾ يريد من النفخة الأولى إلى الثانية، وذلك أنه يكف العذاب عنهم بين النفختين، فإذا كانت النفخة الثانية بعثوا) [["زاد المسير" 5/ 321، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 245، وذكره البغوي في "تفسيره" 5/ 294 بدون نسبة.]]. وذلك قوله: ﴿يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا﴾ [يس: 52].

طه 20:104

قال الله تعالى: ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ﴾ أي: بالنجوى بينهم ﴿إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً﴾ هو قال ابن عباس في رواية عطاء: (أعدلهم) [[ذكره السمرقندي في "تفسيره" 5/ 294 بدون نسبة.]]. [وقال الكلبي: (أعدلهم] [[ما بين المعقوفين ساقط من نسخة (س).]] قولاً) [[ذكره البغوي في "تفسيره" 3/ 231 بدون نسبة.]]. وقال السدي: (أمثلهم حالاً) [[ذكرت كتب التفسير نحوه بدون نسبة. انظر: "الكشف والبيان" 3/ 24 ب، "بحر العلوم" 2/ 354، "معالم التنزيل" 5/ 294، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 245.]]. وقال سعيد بن جبير: (أوفاهم عقلاً) [["جامع البيان" 16/ 211، وذكره "بحر العلوم" 2/ 354 بدون نسبة. وكذلك "معالم التنزيل" 5/ 294.]]. وعنه أيضًا: (أعلمهم في نفسه) [["جامع البيان" 16/ 211، "الدر المنثور" 4/ 550.]]. وهو اختيار الزجاج قال: (أعلمهم عند نفسه بما يقول) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 376.]]. وقال الفراء: (أجودهم قولاً في نفسه وعندهم) [["معاني القرآن" للفراء 2/ 161.]]. والمعنى في ﴿أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً﴾ أشبههم طريقة بأهل العقل. وذكرنا الكلام في هذا عند قوله: ﴿بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى﴾ [طه: 63]. ﴿إِنْ لَبِثْتُمْ﴾ أي: في الدنيا، أو في القبور، أو فيما بين النفختين على ما ذكرنا. ﴿إِلَّا يَوْمًا﴾ قال ابن عباس: (وقد لبثوا أربعين سنة؛ لأن ما بين النفختين أربعين سنة) [["زاد المسير" 5/ 321، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 245، "روح المعاني" 16/ 261، وذكره البغوي في "تفسيره" 5/ 294 بدون نسبة.]].

طه 20:105

قوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ﴾ قال ابن عباس: (سأل رجال من ثقيف [[ثقيف: بطن من هوازن من العدنانية، وينسبون إلى ثقيف، وهو: ثقيف بن منبه بن بكر بن هوزان بن قيس بن عيلان بن مضر، وقيل إن اسم ثقيف: قيس. ونزلت هذه القبيلة بالطائف، وانتشرت منها في البلاد. انظر: "نهاية الأرب" ص 198، "الأنساب" 1/ 558، "المنتخب في ذكر أنساب العرب" ص 412.]] رسول الله -ﷺ- فقالوا: كيف تكون الجبال يوم القيامة؟ فأنزل الله هذه الآية) [["بحر العلوم" 2/ 354، "معالم التنزيل" 5/ 264، "المحرر الوجيز" 10/ 92، "زاد المسير" 5/ 322، وذكر نحوه الهواري في "تفسيره" 3/ 52، "لباب النقول في أسباب النزول" ص 146، "جامع النقول في أسباب النزول" ص 216.]]. وقوله تعالى: ﴿يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا﴾ قال الكلبي: (يقلعها قلعًا) [[ذكرته كتب التفسير بدون نسبة. انظر: "جامع البيان" 16/ 211، "بحر العلوم" 2/ 354، "معالم التنزيل" 5/ 294، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 345، "لباب التأويل" 4/ 280.]]. وقال الزجاج: (النسف: التذرية تصير الجبال كالهباء المنثور تذرى تذرية) [["معانى القرآن" للزجاج 3/ 376.]]. وقال المفسرون: (يصيرها الله رملاً يسيل سيلاً ثم يصيرها كالصوف المنفوش تطيرها الرياح هكذا وهكذا) [["النكت والعيون" 3/ 425، "الكشاف" 2/ 553، "زاد المسير" 5/ 322، == "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 245. ويشهد لهذا قوله سبحانه في سورة القارعة الآية رقم: (5): ﴿وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ﴾.]]

طه 20:106

﴿فَيَذَرُهَا﴾ أي: يدع أماكنها من الأرض إذا نسفها (قاعا) قال الفراء: (القَاع: ما انبسط من الأرض، وفيه يكون السَّراب نصف النهار، وجمعه: قِيْعَة، كما قالوا: جَارٌ وجِيْرَة) [["معاني الفراء" 2/ 254.]]. وقال الليث، والأصمعي: (القَاع: أرض واسعة سهلة مطئنة قد انفرجت عنها الجبال والأكام) [["تهذيب اللغة" (قاع) 3/ 2858.]]. وقال: هذه قَاع، وثلث أَقْوَع، وأقْوَاع كثيرة، وتجمع القِيعَة والقِيعَان، وهو: ما استوى من الأرض وما حواليه أرفع منه، وهو مصب المياه، ويصغر: قُوَيْعَةً في قول من أنت، ومن ذكر قال: قُوَيْعٌ، ودلت هذه الواو أن ألفها واوا [[انظر: "تهذيب اللغة" (قاع) 3/ 2858، "مقاييس اللغة" (قوع) 5/ 42، "القاموس المحيط" (قاع) 3/ 77، "الصحاح" (قوع) 3/ 1274، "لسان العرب" (قوع) 6/ 3775، "المفردات في غريب القرآن" (قيع) ص 415.]]. وقال رؤبة [[هذا البيت ينسب لذي الرمة، ولم أقف عليه منسوبًا لرؤبة. الأقول: جمع قاع وهي الأرض المستوية حرة الطين لا رمل فيها ولا حجارة. الشماليل: مكان. أحرار البقل: ما روق منه وحلى، والذكر: ما خشن منه. انظر: "ديوان ذي الرمة" ص 305، "تهذيب اللغة" (قاع) 3/ 2858، "لسان العرب" (قوع) 6/ 3775.]]: وَوَدَّعْن أَقْوَاعَ الشَّمَالِيلِ بَعْدَمَا ... ذَوَى بَقْلُهَا أَحْرَارُهَا وذُكُورُهَا وقوله تعالى: ﴿صَفْصَفًا﴾ قال الفراء: (هو الأملس الذي لا نبات فيه) [["معاني القرآن" للفراء 2/ 191.]]. وقال الزجاج: (المستوي من الأرض) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 377.]]. وقال ابن الأعرابي: (الصفصف: القرعاء) [["تهذيب اللغة" (صف) 2/ 2028.]]. وأنشد شمر [[البيت ينسب لشمر. الدو: الفلاة الواسعة، وداوية: إذا كانت بعيدة الأطراف، مستوية واسعة. مدلهمة: المدلهم الأسود، وادلهم الليل والظلام، وفلاة مدلهمة: لا علامة فيها. غرد: طرب في الصوت والغناء، والتغريد الصوت. حاديها: حدى الإبل وحدابها زجرها وساقها، والحدو سوق الإبل والغناء لها. انظر: "تهذيب اللغة" (صف) 2/ 2528، "لسان العرب" (صفف) 4/ 2462.]]: إِذَا رَكِبْتَ دَاوَّيةً مُدْلَهِمَّةً ... وَغَرَّدَ حَادِيْهَا لَهَا بِالصَّفَاصِفِ قال ابن عباس والمفسرون في قوله: ﴿قَاعًا صَفْصَفًا﴾: (مستويا لا نبات فيه أملس) [["جامع البيان" 16/ 212، "النكت والعيون" 3/ 426، "معالم التنزيل" 5/ 295، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 246.]]. هذا قول مجاهد، والسدي، وابن زيد [["جامع البيان" 16/ 212، "بحر العلوم" 2/ 354، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 246، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 183.]].

طه 20:107

قوله تعالى: ﴿لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا﴾ العِوَج: بكسر العين في الدين، وفي الطرف، وفيما لا ينتصب. والعَوَج: بالفتح في العود [[انظر: "تهذيب اللغة" (عاج) 3/ 2264، "مقاييس اللغة" (عوج) 4/ 179، "القاموس المحيط" (عوج) 1/ 201، "لسان العرب" (عوج) 5/ 3155، "المفردات في غريب القرآن" (عوج) ص 351.]]. وقوله تعالى: ﴿وَلَا أَمْتًا﴾ قال أبو عبيدة: (الأمت: إرتفاع وهبوط، يقال: مَدَّ حَبْلَه حتى ما ترك فيه [أَمَتًا، ومَلأَ سقاءه حتى لم يدع فيه أمتا) [["مجاز القرآن" لأبي عبيدة 2/ 29. ومن قوله (أمتا) ساقط من (س) ينتهي ص 558.]]. وأنشد ليزيد بن شيبة النميري [[يزيد بن مقسم الثقفي، من مواليهم، وضبة أمه، وهو شاعر كبير من أهل الطائف مات أبوه وخلفه صغيرًا فحضنته أمه فنسب إليها، انقطع إلى الوليد بن يزيد فكان لا يفارقه، ولما انتقلت الخلافة إلى هشام أبعده، وبقي في الطائف، يقال: أن له ألف قصيدة اقتسمها شعراء العرب وانتحلتها فدخلت في أشحارها، وكان يتعمد الإتيان بغريب اللغة، مات بالطائف سنة 130 هـ. انظر: "تهذيب الكمال" 32/ 350، "تهذيب التهذيب" 11/ 317، "تقريب التهذيب" 1/ 605.]] [[ورد هذا البيت في "مجاز القرآن" لأبي عبيدة 2/ 30.]]: لَهَا صُوْرَةٌ كَالشَّمْس أَشْرَقَ ضَوؤهَا ... لُبَاخِية هَيْفَاء لَيسَ بِهَا أَمْتُ قال المبرد: (الُبَاخِيَّة الممتلئة الخلق) [[ذكره الأزهري في "تهذيب اللغة" (لبخ) 14/ 423.]]. وقال الليث: (الأَمت: أن يصب في السِّقا ماء فلا يمتلئ فينثني، فذلك الشيء هو الأَمْت. وتقول للقربة إذا امتلأت: لاَ أَمْتَ فيها) [[ذكرته كتب اللغة بدون نسبة. انظر: "تهذيب اللغة" (أمت) 1/ 194، "الصحاح" (أمت) 1/ 241، "لسان العرب" (أمت) 1/ 124.]]. وقال الفراء: (الأَمْتُ موضع النَّبْكُ [[النَّبْك هي: الأرض فيها صعود وهبوط، والجمع نَبَك بالتحريك، وقال الأصمعي: النبك: ما ارتفع من الأرض، وقيل: كل رابية من روابي الرمال كانت مسلكة الرأس ومحددته. انظر. "تهذيب اللغة" (نبك) 4/ 3499، "القاموس المحيط" (النبكة) 3/ 321، "الصحاح" (نبك) 4/ 2612، "لسان العرب" (نبك) 7/ 3428.]] من الأرض وهو ما ارتفع منها، وسمعت العرب يقولون: مَلأَ القِربة مَلأً لا أَمْتَ فيه) [["معاني القرآن" للفراء 2/ 191.]]. وقال ابن الأعرابي: (الأَمْتُ: وَهْدَةٌ بَين نُشُوزٍ) [["تهذيب اللغة" (أمت) 1/ 194.]]. قال ابن عباس في رواية الوالبي: (﴿لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا﴾ يقول: واديا، ﴿وَلَا أَمْتًا﴾ يقول: رابية) [["جامع البيان" 16/ 213، "تفسير كتاب الله العزيز" 3/ 52، "النكت والعيون" 3/ 426، "زاد المسير" 5/ 323، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 246، "الدر المنثور" 4/ 550.]]. وقال قتادة: (﴿لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا﴾ أي: صدعا ﴿وَلَا أَمْتًا﴾ ولا أكمة) [["تفسير القرآن" للصنعاني 2/ 19، "جامع البيان" 16/ 213، "معالم التنزيل" 5/ 295، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 246، "الدر المنثور" 4/ 550.]]. وهذا كقول ابن عباس سواء. وقال الكلبي: (﴿لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا﴾ وهي الأودية ﴿وَلَا أَمْتًا﴾ يعني النَّبَاك) [[ذكره ابن الجوزي في "زاد المسير" 5/ 323 بدون نسبة، وكذلك القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 346.]]. وقال مجاهد: (لا انخفاضا ولا ارتفاعا) [["جامع البيان" 16/ 213، "الكشف والبيان" 3/ 24 ب، "تفسير كتاب الله العزيز" 3/ 52، "معالم التنزيل" 5/ 295، "زاد المسير" 5/ 323.]]. وقال عكرمة عن ابن عباس: (ليس فيها منخفض ولا مرتفع) [["الجامع لأحكام القرآن" 11/ 246، "الدر المنثور" 4/ 550.]]. وقال في رواية بن الأزرق: (الأَمْت: الشيء الشاخص من الأرض) [["الدر المنثور" 4/ 550، وعزاه لأبن الأنباري.]]. وقال في رواية عطاء: (﴿وَلَا أَمْتًا﴾ يريد نتوا) [[ذكرته كتب التفسير بدون نسبة. انظر: "الكشاف" 2/ 553، "البحر المحيط" 6/ 280، "روح المعاني" 16/ 263، "أنوار التنزيل" 4/ 30.]]. وقال السدي: (العوج: الطريق في الجبال، والأمت: الروابي) [[ذكرت كتب التفسير نحوه بدون نسبة. انظر: "معالم التنزيل" 5/ 295، "زاد المسير" 5/ 323، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 246، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 183.]]. فهذه أقوال أهل اللغة والمفسرين في الأَمْت أنه: المرتفع. وروى أبو بكر الهذلي عن الحسن قال: (العوج: ما انخفض من الأرض، والأمت: ما نشز من الروابي) [["معالم التنزيل" 5/ 295. وقال الطبري -رحمه الله- في "جامع البيان" 16/ 213: (أصوب الأقوال في تأويله: ولا ارتفاع ولا انخفاض؛ لأن الانخفاض لم يكن إلا عن ارتفاع، فإذا كان ذلك كذلك فتأويل الكلام لا ترى فيها ميلا عن الاستواء ولا ارتفاعًا ولا انخفاضًا ولكنها مستوية ملساء كما قال جل ثناؤه: ﴿قَاعًا صَفْصَفًا﴾).]].

طه 20:108

قوله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ﴾ قال الفراء: (صوت الداعي للحشر) [["معاني القرآن" للفراء 2/ 192.]]. قال المفسرون: (يتبعون صوت داعي الله تعالى الذي يدعوهم إلى موقف القيامة) [["جامع البيان" 16/ 214، "الكشف والبيان" 3/ 24، "تفسير كتاب الله العزيز" 3/ 52، "معالم التنزيل" 5/ 295.]]. ﴿لَا عِوَجَ لَهُ﴾ قال الفراء: (لا عوج لهم عن الداعي، وجاز أن يقول: ﴿لَهُ﴾؛ لأن المذهب إلى الداعي وصَوته، فهو كما تقول في الكلام: دَعَوتني دَعْوةً لا عوج لك عنها، أي: إني لا أعوج لك ولا عنك) [["معاني القرآن" للفراء 2/ 192.]]. وقال أبو إسحاق: (المعنى لا عِوَج لهم عن دعُائة، لا يقدرون أن لا يَتَّبِعوا) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 377.]]. وهذا معنى قول ابن عباس: (يريد: البعيد والقريب سواء كلهم يتبع الصوت ولا يتعوج عنه) [[ذكره الطبري في "جامع البيان" 16/ 214 بدون نسبة.]]. ﴿وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ﴾ قال الوالبي عنه: (يريد: سكنت) [["جامع البيان" 16/ 214، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 247، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 184.]]. وقال عطاء: (يريد: خضعت وذلت) [[ذكره البغوي في "معالم التنزيل" 5/ 295 بدون نسبة.]]. وهو قول السدي: (ذلت) [[ذكرته كتب التفسير بدون نسبة. انظر: "بحر العلوم" 2/ 355، "عالم التنزيل" 5/ 295، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 247.]]. وهو قوله: ﴿فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا﴾ همس الأقدام أخفى ما يكون من الصوت، وقال أبو عبيدة: (الهمس والرِّكْز واحد وهو: الصوت الخفي. ويقال: همس لي بكذا، أي: أخفاه إلي) [["مجاز القرآن" لأبي عبيدة 2/ 30.]]. وذكر عن ابن عباس أنه تمثل بقول الراجز [[هذا صدر بيت من الرجز ذكرته كتب التفسير واللغة بلا نسبة. وعجزه: إن يصدق الطير تبكي لميسا انظر: "جامع البيان" 16/ 214، "الكشف والبيان" 3/ 25 أ، "النكت والعيون" 3/ 427، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 247، "مجمع البيان" 7/ 49، "روح المعاني" 16/ 164، "معاني القرآن" للفراء 2/ 192، "تهذيب اللغة" (همس) 4/ 3793، "لسان العرب" (همس) 8/ 4700.]]: وَهُنَّ يَمْشِيْنَ بِنَا هَمِيْسَا يعني: صوت أخفاف الإبل في سيرها. وقال أبو الهيثم: (إذا مَضَغَ الرجل الكلام وفُوه مُنضَمُّ قيل: هَمَس يَهْمِس هَمْسا) [["تهذيب اللغة" (همس) 4/ 3793.]]. قال [[لم أهتد إلى قائله، وقد ذكرته كتب التفسي بلا نسبة. وقبله: لقد رأيت عجبًا قد أمسا ... عجائزًا مثل السعالي خمسا انظر: "خزانة الأدب" 7/ 167، "شرح شذور الذهب" 128، "الكتاب" 3/ 284، "المقاصد النحوية" 4/ 357، "أوضح المسالك" 4/ 132، "جمهرة الذهب" ص 841، "شرح المفصل" 4/ 106، "تهذيب اللغة" (همس) 4/ 3793، "تاج العروس" (همس) 4/ 275، "لسان العرب" (همس) 8/ 4700.]]: يَأْكُلْنَ مَا في رَحْلِهِنَّ هَمْسَا والهَمُوسُ من أسماء الأسد؛ لأنه يَهْمِس في الظلمة، أي: يطأ وطأً خفيا [["تهذيب اللغة" (همس) 4/ 3793]]. ومنه قول أبي زبيد [[تقدمت ترجمته في سورة البقرة.]] [[البيت لأبي زبيد الطائي. الدلجة: سير السحر، يقال: أدلج القوم: ساروا من آخر الليل. الدجى: سواد الليل. انظر: "تهذيب اللغة" (همس) 4/ 3793، "لسان العرب" (همس) 1/ 4700.]]: فَيَأتُوان يُدْلِجُون ويَأْتِ يَسرِي ... بَصِيرٌ بِالدُّجَي هَادٍ هَمُوسُ يعني: الأسد. قال ابن عباس في رواية الوالبي في قوله: ﴿إِلَّا هَمْسًا﴾ يقول: (الصوت الخفي) [["جامع البيان" 6/ 215، "النكت والعيون" 3/ 427، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 247، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 184، "الدر المنثور" 4/ 551.]]. وفسر ذلك الصوت في رواية سعيد بن جبير وعطاء فقال: (يريد صوت وقع الأقدام كمشي الإبل) [["جامع البيان" 16/ 215، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 247، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 184، "الدر المنثور" 4/ 551.]]. وهذا قول أكثر المفسرين قالوا: (يعني: صوت ثقل الأقدام إلى الحشر). وهذا قول عكرمة، وسفيان، والحسن والسدي [["تفسير القرآن" للصنعاني 2/ 18، "جامع البيان" 16/ 215، "الكشف والبيان" 3/ 25 أ، "تفسير كتاب الله العزيز" 3/ 53، "زاد المسير" 5/ 323.]]، واختيار الفراء، والزجاج [["معاني القرآن" للفراء 2/ 192، "معاني الزجاج" 3/ 377.]]. وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس ﴿فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا﴾ (يعني: تحريك الشفاه بغير نطق) [["معالم التنزيل" 5/ 295، "زاد المسير" 5/ 323، "الدر المنثور" 4/ 551.]]. وهو قول مجاهد: (الكلام الخفي) [["جامع البيان" 16/ 215، "الكشف والبيان" 3/ 25 أ، "معالم التنزيل" 5/ 295، "زاد المسير" 5/ 323، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 247.]]. قال الليث: (الهمس: حس الصوت في الفم مما لا إشراب له من صوت الصدر، ولا جهارة في المنطق، ولكنه كلام مهموس في الفم كالسر) [["تهذب اللغة" (همس) 4/ 3793.]]. والمعنى على هذا التفسير: سكنت الأصوات ولا يجهر أحد بكلام إلا كالسر في الإشارة بالشفة وتحريك الفم بغير صوت.

طه 20:109

قوله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ﴾ قال الفراء: (﴿مَنْ﴾ في موضع نصب، لا تنفع الشفاعة إلا من أذن له أن يشفع فيه) [["معاني القرآن" للفراء 2/ 192.]] هذا كلامه والمعنى: لا تنفع الشفاعة أحد من الناس إلا من أذن الله أن يشفع له فذلك الذي تنفعه الشفاعة، والكناية في قوله: ﴿لَهُ﴾ تعود إلى ﴿من﴾ وهو المشفوع له المأذون له في شفاعته [["جامع البيان" 16/ 215، "المحرر الوجيز" 11/ 95، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 247.]]. وقوله تعالى: ﴿وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا﴾ يعني قال: لا إله إلا الله. قاله ابن عباس، والكلبي [["معالم التنزيل" 5/ 296، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 247، "روح المعاني" 16/ 265.]]. قال الفراء: (يقال: رضيت لك عملك، ورضيته منك) [["معاني القرآن" للفراء 2/ 192.]]. وهذا يدل على أنه لا حظ في الشفاعة لغير المؤمن، وذكر في الآية وجه آخر وهو: أن المعنى لا تنفع الشفاعة إلا شفاعة من أذن له الرحمن، فعلى هذا من أذن هو الشفيع لا المشفوع له ﴿وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا﴾ إن كان مؤمنا، فإن الكافر لا يؤذن له في الشفاعة، ولا يكون شفيعًا ولا مشفوعًا له، وعلى هذا التأويل الكنايتان تعود إلى الشفيع [["المحرر الوجيز" 10/ 95، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 247.]]. والآية تدل على أن الشفيع إنما يشفع بعد الإذن إذا كان مؤمنا. قال الكلبي: (وذلك أن الأنبياء يشفعون، والملائكة يشفعون، والأباء والأبناء يشفعون) [[لم أقف عليه، ويشهد له ما ثبت في صحيح مسلم من حديث أي سعيد الخدري -رضي الله عنه- مرفوعًا قال: (فيقول الله: شفعت الملائكة، وشفع النبيون، وشفع المؤمنون، ولم يبق إلا أرحم الراحمين فيقبض قبضة من النار فيخرج منها قومًا لم يعملوا خيرًا قط).]]. وقال رسول الله -ﷺ-: "وإن الرجل من أمتي ليشفع بالقبيلة، ويشفع للفئام من الناس، ويشفع للعصبة، والثلاثة وللرجلين وللرجل" [[أخرجه الترمذي في "جامعه"، كتاب صفة القيامة، باب ما جاء في الشفاعة 4/ 541، وقال: هذا حديث حسن. وأخرجه الإمام أحمد 3/ 20. وفي إسناده عطية العوفي، وهو ضعيف مدلس، قال الذهبي في "الميزان" قال أحمد: بلغني أن عطية كان يأتي الكلبي فيأخذ عنه التفسير، وكان يكنيه بأبي سعيد، فيقول: قال أبو سعيد. قلت: يوهم أنه الخدري. وقال النسائي وجماعة: ضعيف.]] [[والشفاعة نوعان: الأول: شفاعة نفاها القرآن وأخبر أنها لا تقبل وهي الشفاعة للكفار والمشركين فقال سبحانه في سورة المدثر الآية (48): ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾. النوع الثاني: شفاعة أثبتها القرآن وهي الشفاعة للمؤمنين الموحدين ولا تحصل إلا بشرطين: الأول: إذن الله للشافع بالشفاعة كما قال سبحانه في سورة البقرة الآية رقم (255): ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ الآية. الثاني: رضاه سبحانه عن المشفوع له بأن يشع له كما قال سبحانه في سورة الأنبياء الآية رقم: (28): ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾. انظر: "العقيدة الطحاوية" ص 252، "فتح المجيد شرح كتاب التوحيد" ص 204.]]. قوله تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾ الكناية راجعة إلى الذين ذكروا في قوله: ﴿يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ﴾ [[سورة طه الآية رقم: (108).]] أي: يعلم ما يصيرون إليه من الثواب والعقاب. ﴿وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ ما قد وقع من أعمالهم. قال ابن عباس: (يريد ما قدموا وما خلفوا) [[ذكرت نحوه كتب التفسير بدون نسبة. انظر: "معالم التنزيل" 5/ 296، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 248، "التفسير الكبير" 22/ 119، "مجمع البيان" 7/ 50.]].

طه 20:110

وقال الكلبي: (﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾ من أمر الآخرة {وَمَا خَلْفَهُمْ} من أمر الدنيا) [[ذكره "جامع البيان" 16/ 215، ونسبة لقتادة، وذكره الهواري في "تفسيره" 3/ 53 بدون نسبة، وكذلك البغوي في "تفسيره" 5/ 296.]]. وقال مجاهد: (﴿مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾ ما مضى من الدنيا ﴿وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ الآخرة) [[ذكرته كتب التفسير بدون نسبة انظر: "التفسير الكبير" 22/ 119، "مجمع البيان" 7/ 50، "روح المعاني" 16/ 265.]]. وقوله تعالى: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ الظاهر أن الكناية في قوله ﴿بِهِ﴾ تعود إلى ﴿مَا﴾ في قوله: ﴿مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ أي: هو يعلم ذلك وهم لا يعلمونه [["جامع البيان" 16/ 215، "معالم التنزيل" 5/ 296، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 248.]]. وعلى هذا كلام ابن عباس حيث قال: (يريد ولا يحيطون بشيء من علمه أي: بما علمه) [[ذكرت نحوه كتب التفسير بدون نسبة انظر: "جامع البيان" 16/ 216، "معالم التنزيل" 5/ 296، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 248، "التفسير الكبير" 22/ 119.]]. ويجوز أن تعود الكناية إلى الله تعالى؛ لأن عباده لا يحيطون به علمًا [["جامع البيان" 16/ 216، "معالم التنزيل" 5/ 296، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 248، "الدر المنثور" 4/ 551.]].

طه 20:111

قوله تعالى: ﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ﴾ قال ابن عباس في رواية الوالبي، وقتادة: (ذلت) [["تفسير القرآن" للصنعاني 2/ 18، "جامع البيان" 16/ 216، "بحر العلوم" 2/ 355، "النكت والعيون" 3/ 427، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 248، "الدر المنثور" 4/ 552.]]. وقال مجاهد، وسفيان: (خشعت) [["جامع البيان" 16/ 216، "النكت والعيون" 3/ 427، "تفسير سفيان الثوري" ص 196.]]. وقال السدي: (استسلمت) [[ذكره الثعلبي في "تفسيره" 3/ 25 بدون نسبة.]]. قال عطاء عن ابن عباس: (خضعت) [["الدر المنثور" 4/ 552، وذكره الثعلبي في "تفسيره" 2/ 52 بدون نسبة، وذكره ابن الملقن في "تفسير غريب القرآن" ص250.]]. قال أبو إسحاق: (معنى ﴿وَعَنَتِ﴾ مهو في اللغة: خضعت، يقال: عَنَا يَعْنُوا إذا خَضعَ، ومنه يقال: أخذت البلاد عَنْوَةً إذا أخذت غَلَبَة، وأُخِذت بِخِضوعٍ من أهلها) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 377.]]. وقال أهل المعاني: (معنى ﴿وَعَنَتِ﴾ خضعت وذلت خضوع الأسير في يد المالك القاهر له، والعاني: الأسير لخضوعه وذله) [[انظر: "تهذيب اللغة" (عنا) 3/ 2580، "مقاييس اللغة" (عني) 4/ 146، "القاموس المحيط" (عنوت) 4/ 267، "الصحاح" (عنا) 6/ 2440، "لسان العرب" (عنت) 5/ 3120، "المفردات في غريب القرآن" (عنت) 349.]]. قال أبو عبيدة: (وكل من ذل واستكان فقد عَنَا، والاسم منه العنوة [[ذكره الأزهري في "تهذيب اللغة" (عنا) 3/ 2585، وورد نحوه مختصرًا في "مجاز القرآن" لأبي عبيدة 2/ 30.]]. وأنشد للقطامي [[البيت لعمر القطامي. انظر: "ديوانه" ص 35، "تهذيب اللغة" (عنا) 3/ 2580، "معجم مقاييس اللغة" (عني) 4/ 146، "لسان العرب" (عنن) 5/ 3139.]]: وَنأَتْ بِحَاجَتِنَا وَرُبَّتَ عَنْوَةٍ ... لَكَ مِن مَوَاعِدِها التي لَمْ تَصْدُقِ أي: رب ذلة وخضوع منك لها لأجل مواعدها. ومن هذا يقال: أخذت الشيء عَنْوَة أي: غلبة بذل المأخوذ منه، ومن صريح التفسِر وعنت. قال: (والعاني الأسير، والعاني العبد) [["مجاز القرآن" 2/ 30، "تهذيب اللغة" (عنا) 3/ 2580.]]. وقال الفراء: (عَنَا يَعْنُوا عَنْوا إذا خضع، وقولهم: أخذت الشيء عَنْوة يكون غلبة، ويكون عن تسليم وطاعة ممن يؤخذ منه الشيء؛ لأنه على طاعة الذليل للعزيز) [["معاني القرآن" للفراء 2/ 192.]]. وأنشد أهل التفسير في ﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ﴾ بمعنى: ذلت وخضعت، قول أمية [[البيت لأمية بن أبي الصلت. انظر: "الكشف والبيان" 3/ 25، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 248.]]: مَلِيكٌ عَلَى عَرْشِ السَّمَاء مُهَيْمِنٌ ... لِعِزَّته تَعْنُو الوجُوهُ وتَسْجُدُ وفسر طلق بن حبيب [[تقدمت ترجمته في سورة الإسراء.]] عَنْو الوجوه في هذه الآية: (بالسجود) [["جامع البيان" 16/ 216، "الكشف والبيان" 3/ 25 أ، "النكت والعيون" 3/ 428، "معالم التنزيل" 5/ 296، "المحرر الوجيز" 10/ 96، "الدر المنثور" 4/ 552.]]. هذا الذي ذكرنا قول أكثر أهل التأويل. وقال الكلبي: (وعملت الوجوه. قال: ويقال نصبت) [["النكت والعيون" 3/ 427، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 248.]]. واختاره الفراء فقال في تفسيره: (يقال: نصبت به، وعملت له) [["معاني القرآن" للفراء 2/ 192.]]. وعلى هذا عَنَت من العَنَا بمعنى التعب، والعَنَا: الحبس في شدة وذل، هذا أصل معناه، ثم قيل لكل تعب: عَنَا، يقال: لقيت من فلان عَنْيَة وعَنَاء أي: تَعَبا، وعَنَّيْتُه أُعَنِّيه تَعْنِية إذا أسرته فحبسته مضيقا عليه في الشدة، وكل حبس طويل عَنية [[انظر: "تهذيب اللغة" (عنا) 3/ 2580، "مقاييس اللغة" (عني) 4/ 146، "القاموس المحيط" (عنوت) 4/ 367، "الصحاح" (عنا) (6/ 2440، "لسان العرب" (عنت) 5/ 3120.]]، ومنه قول الشاعر [[البيت للوليد بن عقبة يخاطب فيه معاوية رضي الله عنهما. السَّدِمُ: الذي يرغب عن فحلته فيحال بينه وبين الافه ويقيد إذا هاج، فيرعى حوالي الدار، وإن سأل جعل له حجام يمنعه عن فتح فمه. الهدير: تردد صوت البعير في حنجرته. الريم: البراح يقال: ما يريم يفع ذلك أي: ما يبرح، وريم المكان: أقام به. انظر: "تهذيب اللغة" (عني) 3/ 2580، "الصحاح" (عنا) 6/ 2441، "لسان العرب" (سدم) 4/ 1976.]]: قَطَعْتَ الدَّهْرَ كَالسَّدِمِ المُعَنَّى ... تُهَدِّرُ في دِمَشْقَ ومَا تَرِيمُ قال ابن قتيبة: (والعاني بمعنى الأسير) [["تفسير غريب القرآن" لابن قتيبة 282.]]. من هذا، فالقولان إذًا يعودان إلى أصل واحد ومعنى واحد؛ لأن نصب الوجوه يعني به: السجود لله تعالى. وقوله تعالى: ﴿وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا﴾ قال ابن عباس: (يريد حْسر من أشرك بالله -عز وجل-) [["معالم التنزيل" 5/ 296، "زاد السير" 5/ 324، "روح المعاني" 16/ 266.]].

طه 20:112

قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ﴾ يجوز أن تكون ﴿مِن﴾ هو للتبعيض فيكون المعنى: شيئًا من الصالحات، ويجوز أن تكون للجنس فيكون المعنى: ومن يعمل الصالحات ﴿وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ جملة في موضع نصب على الحال. وقوله تعالى: ﴿فَلَا يَخَافُ﴾ في موضع جواب الشرط، والمبتدأ محذوف مراد بعد الفاء، المعنى: فهو لا يخاف [["الحجة للقراء السبعة" 5/ 252.]]. وهذا كقوله: ﴿وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ﴾ [المائدة: 95]، ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا﴾ [البقرة: 126]، ﴿فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلَا يَخَافُ﴾ [الجن: 13]. وقرأ ابن كثير: فلا يخف على النهي [[قرأ نافع، وابن عامر، وأبو عمرو، وعاصم، وحمزة، والكسائي: (فلا يخاف) بالألف على الخبر. وقرأ ابن كثير المكي: (فلا يخف) على النهي. انظر: "السبعة" ص 424، "الحجة للقراء السبعة" 5/ 251، "حجة القراءات" ص 464، "المبسوط في القراءات" ص250.]]. وهو حسن؛ لأن المعنى: ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فيأمن؛ لأنه لم يفرط فيما وجب عليه، ونهيه عن الخوف أمر بالأمن، ولفظ الآية في قوله: فلا تخف على النهي، والمراد الخبر بأن المؤمن الصالح لا خوف عليه، وإذا كان كذلك كان معنى القراءتين واحد [["الحجة للقراء السبعة" 5/ 252.]]. وقوله تعالى: ﴿ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا﴾ قال الفراء: (تقول العرب: هضمت لك من حقي أي: تركته) [["معاني القرآن" للفراء 2/ 193.]]. وقال المبرد، والزجاج: (الهضم النقص، يقال: فلان هضمني حقي، أي: نقصني، وكذلك هذا يهضم الطعام أي: ينقص ثقله) [["معاني القرآن" للزجاج 2/ 377.]]. ومنه للدواء هَاضوم؛ لأنه يقع في الطعام الذي كظ فيهضمه، وقيل للخميص البطن: هضم [[انظر: "تهذيب اللغة" (هضم) 4/ 3767، "مقاليس اللغة" (هضم) 6/ 55، "القاموس المحيط" (هضم) 4/ 191، "لسان العرب" (هضم) 8/ 4672، "المفردات في غريب القرآن" (هضم) 543.]]. وقال أبو عبيدة: (﴿وَلَا هَضْمًا﴾ نقيصة [["مجاز القرآن" لأبي عبيدة 2/ 31.]]، وأنشد للبيد [[البيت للبيد بن ربيعة العامري. غَذْمَر: المغذمر الذي يركب الأمور فيأخذ من هذا ويعطي هذا ويدع لهذا من حقه، ويقال للرئيس الذي يسوس عشيرته بما شاء من عدل وظلم: مغذمر. انظر: "ديوانه" ص 179، "مجاز القرآن" لأبي عبيدة 2/ 31، "شرح القصائد العشر" للتبريزي ص 205، "شرح المحلقات السبع" للزوزني ص 250، "تهذيب اللغة" (غذمر) 3/ 2642، "لسان العرب" (غذمر) 6/ 3222.]]: ومُقَسِّمٌ يُعْطِي العَشِيْرَةَ حَقَّهَا ... ومُغَذْمِرٌ لِحُقُوقِهَا هَضَّامُهَا قال ابن عباس في رواية الوالبي: (لا يخاف أن يظلم فيزاد عليه في سيئاته، ولا أن يهضم من حسناته) [["جامع البيان" 16/ 218، "الكشف والبيان" 3/ 25/ ب، "النكت والعيون" 3/ 428، "معالم التنزيل" 5/ 296، "زاد المسير" 5/ 324، " الدر المنثور" 4/ 552.]]. ونحو هذا قال الحسن [["جامع البيان" 16/ 217، "الكشف والبيان" 3/ 25 ب، "تفسير كتاب الله العزيز" 3/ 53، "النكت والعيون" 3/ 428.]]. وقال في رواية عطاء: (لا ينتقص من ثوابه، ولا يحط من حسناته) [[ذكرت نحوه كتب التفسير بدون نسبة. انظر: "جامع البيان" 16/ 218، "المحرر الوجيز" 10/ 97، "النكت والعيون" 3/ 428، "معالم التنزيل" 5/ 297، "زاد المسير" 5/ 324.]]. وأجاد الضحاك في قوله: (لا يخاف ظلما): (لا يؤخذ بذنب لم يعمله {وَلَا هَضْمًا} لم يبطل حسنه عملها) [["الكشف والبيان" 3/ 25 ب، "معالم التنزيل" 5/ 297، "زاد المسير" 5/ 324، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 184.]]. وقال الكلبي: (﴿فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا﴾ يعنىِ ذهابا لعمله كله ﴿وَلَا هَضْمًا﴾ يقول: لا ينتقص من عمله شيء) [[ذكرت نحوه كتب التفسير بدون نسبة انظر: "جامع البيان" 16/ 216، "المحرر الوجيز" 10/ 97، "معالم التنزيل" 5/ 297، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 185، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 249.]].

طه 20:113

قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ﴾ أي: وكما بينا في هذه السورة ﴿أَنْزَلْنَاهُ﴾ أنزلنا هذا الكتاب ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ﴾ أي: بينا فيه ضروب الوعيد وما فيه العقاب. قال قتادة: (يعني: عذابه ووقائعه في الأمم قبلكم) [["جامع البيان" 16/ 218.]]. ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَّقُون﴾ ليكون سببا لاتقائهم الشرك بالاتعاظ من قبلهم. ﴿أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا﴾ قال ابن عباس: (موعظة فينتفعون بها) [[ذكرته كتب التفسير بدون نسبة. انظر: "المحرر الوجيز" 10/ 97، "معالم التنزيل" 5/ 297، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 250، "روح المعاني" 16/ 267.]]. يعني: يحدد لهم القرآن ذكرًا واعتبارًا واتعاظًا فيتذكروا به عقاب الله للأمم المكذبة فيعتبروا ويتفكروا، وهذا معنى قول قتادة في قوله: ﴿ذِكْرًا﴾: (جدا وورعا) [["تفسير القرآن" للصنعاني 2/ 18، "جامع البيان" 16/ 219، "الكشف والبيان" 3/ 25 ب، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 255، "الدر المنثور" 4/ 552.]]. وذكر الفراء قولين هما للكلبي ﴿أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا﴾ يقول: (لو أخذوا به كان القرآن لهم شرفًا بإيمانهم به) [["معاني القرآن" للفراء 2/ 193، وذكرته كتب التفسير بدون نسبة. انظر: "جامع البيان" 16/ 219، "بحر العلوم" 2/ 355، "المحرر الوجيز" 10/ 97.]]. وهذا كقوله: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ﴾ [الزخرف: 44]، ويقال: (﴿أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا﴾ عذابًا أي: يتذكرون حلول العذاب الذي وعدوه) [["معاني القرآن" للفراء 2/ 193، وذكرته كتب التفسير بدون نسبة. انظر: "بحر العلوم" 2/ 355، "المحرر الوجيز" 15/ 97، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 250.]].

طه 20:114

قوله تعالى: ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ﴾ أي: جل عن إلحاد الملحدين، ونزه عما يقول المشركون في صفته [["جامع البيان" 16/ 219، "معالم التنزيل" 5/ 297، "زاد المسير" 5/ 325، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 185.]]. ويجوز أن يكون المعنى: تعالى استحق في المدح صفات لا تساوى؛ لأنه أقدر من كل قادر، وأعلم من كل عالم، وقادر سواه محتاج إليه وهو غني عنه. ﴿الْمَلِكُ الْحَقُّ﴾ قال ابن عباس: (يريد الذي بيده الثواب والعقاب) [[ذكر نحوه الألوسي في "روح المعاني" 16/ 267 بدون نسبة. وكذلك الشوكاني في "فتح القدير" 3/ 389.]]. يعني أنه يملكها. و ﴿الْحَقُّ﴾ معناه: ذو الحق، وقد مر وتقدم الكلام فيه [[عند قوله سبحانه في سورة الأنعام الآية رقم (62): ﴿ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ أَلَا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ﴾.]]. وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ﴾ قال ابن عباس في رواية عطاء وأبي صالح: (كان النبي -ﷺ- يبادر جبريل فيقرأ قبل أن يفرغ جبريل من الوحي، ولا يفرغ جبريل مما يريد من التلاوة حتى يتكلم النبي -ﷺ- بأوله حرصًا منه على ما كان ينزل عليه، وشفقة على القرآن مخافة الإنفلات والنسيان، فنهاه الله عن ذلك) [["الكشف والبيان" 3/ 25 ب، "زاد المسير" 5/ 325، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 250، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 185، "الباب النقول في أسباب النزول" للسيوطي ص 147، "جامع النقول في أسباب النزول" 217، وأخرج نحوه البخاري في "صحيحه"، كتاب التوحيد، باب قوله تعالى: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ﴾ 9/ 187، ومسلم في "صحيحه"، كتاب الصلاة، باب الاستماع للقراءة 1/ 330، والسيوطي في "الدر المنثور" 5/ 552.]]. فقال: ﴿وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ﴾ أي: بقراءته ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ﴾ من قبل أن يفرغ جبريل من تلاوته عليك. وقال المفضل: (من قبل أن يوفى ويتمم) [[ذكرت كتب التفسير نحوه بدون نسبة. انظر: "الكشف والبيان" 3/ 25 ب، "النكت والعيون" 3/ 429، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 250، "التفسير الكبير" 22/ 122.]]. وقال السدي: (كان رسول الله -ﷺ- إذا نزل عليه جبريل بالقرآن أتعب نفسه في حفظه حتى يستوعبه يتخوف أن يصعد جبريل ولم يحفظه فينسى ما علمه، فأنزل الله هذه الآية) [["الدر المنثور" 4/ 552، وعزاه لابن أبي حاتم.]]. قال عطاء عن ابن عباس: (وهذا كقوله: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾) [القيامة: 16] [[ذكرته كتب التفسير بدون نسبة. انظر: "جامع البيان" 16/ 219، "بحر العلوم" 2/ 356، "تفسير كتاب الله العزيز" 3/ 54، "معالم التنزيل" 5/ 297، "المحرر الوجيز" 15/ 98.]]. وهذا قول الكلبي، واختيار الفراء، وابن قتيبة [["معاني القرآن" للفراء 12/ 93، "تفسير غريب القرآن" لابن قتيبة 283.]]. وقال مجاهد، وقتادة: (لا تتله على أحد حتى نبينه لك) [["جامع البيان" 16/ 225، "الكشف والبيان" 3/ 25 ب، "معالم التزيل" 5/ 297، "زاد المسير" 5/ 326، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 250.]]. وعلى هذا نهى عن تلاوة الآية التي تنزل عيه، وإملائه على أصحابه قبل أن يتبين له معناها. وهذا معنى رواية عطية عن ابن عباس قال: (لا تلقه إلى الناس قبل أن يأتيك بيان تأويله) [["جامع البيان" 16/ 220، "الكشف والبيان" 3/ 25 ب.]]. وذكر بعض أهل التفسير أن معنى هذه الآية: (لا تسأل إنزال القرآن من قبل أن يأتيك وحيه) [["النكت والعيون" 2/ 429، "زاد المسير" 5/ 325، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 250.]]. وروى جرير [[جرير بن حازم بن زيد بن عبد الله بن شجاع الأزدي، البصري أحد التابعين وعد من صغارهم، روى عن: الحسن وابن سيرين وقتادة وغيرهم وروى عنه: ابنه وابن المبارك وغيرهما، وثقة أكثر العلماء، توفي -رحمه الله- سنة 175. انظر: "الجرح والتعديل" 2/ 504، "ميزان الاعتدال" 1/ 392، "تهذيب التهذيب" 2/ 69.]] عن الحسن في سبب نزول هذه الآية: (أن رجلاً لطم امرأته، فجاءت إلى النبي -ﷺ- تطلب القصاص فجعل النبي -ﷺ- بينهما القصاص، فأنزل الله هذه الآية، فوقف النبي -ﷺ- حتى نزلت: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ [النساء: 34]) [["بحر العلوم" 356/ 2، "زاد المسير" 5/ 326، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 250، "الدر المنثور" 4/ 553، "لباب النقول في أسباب النزول" 68.]]. ولا تعلق لهذه الآية في القصة التي ذكرها الحسن حتى يقال إنها نازلة فيها، إلا لقوله: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ وذلك أن النبي -ﷺ- حكم بالقصاص، وأبى الله ذلك وأنزل: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ وقد تقدم بيانه [[عند قوله سبحانه في سورة النساء الآية رقم (34): ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ الآية.]]. وأمره في هذه الآية بأن يسأل الله تعالى زيادة علم، والمعنى: علمني ما لا أعلمه [["جامع البيان" 16/ 225، "النكت والعيون" 3/ 429، "معالم التنزيل" 5/ 297، "الكشاف" 2/ 555.]]. وقيل معناه: (زدني علمًا بالقرآن ومعانيه) [["الكشف والبيان" 3/ 25 ب، "النكت والعيون" 3/ 429، "معالم التنزيل" 5/ 297.]]. وهذا موافق للتفسير الأول في الآية.

طه 20:115

قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ﴾ أي: أمرناه وأوصينا إليه. قال الكلبي والسدي: (عهدنا إليه ألا يأكل من الشجرة) [[ذكره "زاد المسير" 5/ 327 بدون نسبة.]]. وقال ابن عباس: (ألا يقرب الشجرة) [["الدر المنثور" 4/ 553، "التفسير الكبير" 22/ 124.]]. ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ قال الكلبي: (من قبل أن يأكل من الشجرة) [[ذكرته كتب التفسير بدون نسبة. انظر: "تفسير كتاب الله العزيز" 3/ 54، "المحرر الوجيز" 10/ 100، "معالم التنزيل" 5/ 297، "لجامع لأحكام القرآن" 11/ 251.]]. وقال غيره: (من قبل هؤلاء الذين فقضوا عهدي وتركوا الإيمان بي) [["جامع البيان" 16/ 220، "الكشف والبيان" 3/ 25 ب، "معالم التنزيل" 5/ 297، "زاد المسير" 5/ 327، وقال ابن عطية -رحمه الله- في "المحرر الوجيز" 10/ 100: (وهذا التأويل ضعيف وذلك أن يكون آدم مثالا للكفار الجاحدين بالله ليس بشيء وآدم إنما عصى بتأويل ففي هذا غضاضة عليه وأما الظاهر في هذه الآية إما أن يكون ابتداء قصص لا تعلق له بما قبله وإما أن يجعل تعلقه أنه لما عهد إلى محمد أن لا يعجل القرآن مثل له بنبي قبله عهد إليه فنسي نحوف لتكون أشد في التحذير وأبلغ في العهد إلى محمد).]]. وهم الذين ذكرهم في قوله: {وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ} [طه: 113] والمعنى: أنهم نقضوا العهد، فإن آدم أيضًا عهدنا إليه ﴿فَنَسِيَ﴾ قال ابن عباس: (فترك عهدي) [["جامع البيان" 16/ 225، "زاد المسير" 5/ 327.]]. وقال مجاهد: (ترك ما أمر به) [["جامع البيان" 16/ 225، "النكت والعيون" 3/ 430، "زاد المسير" 5/ 328، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 251، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 185.]]. وقال السدي: (ترك عهدنا) [[ذكرته كتب التفسير بدون نسبة. انظر: "جامع البيان" 16/ 220، "الكشف والبيان" 3/ 25 ب، "المحرر الوجيز" 10/ 150، "معالم التنزيل" 5/ 297، "زاد المسير" 5/ 328، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 185.]]. وقال أبو إسحاق: (﴿فَنَسِيَ﴾ هاهنا فترك؛ لأن الناسي لا يؤاخذ بنسيانه) [["معاني القرآن للزجاج" 3/ 378.]]. هذا قول الجميع في أن نسي هاهنا: ترك. وحمل ابن زيد النسيان هاهنا على الذي هو ضد الذكر [["جامع البيان" 16/ 221، "الكشف والبيان" 3/ 25 ب، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 251.]]. ولا يصح هذا؛ لأن الناسي لا يؤاخذ بنسيانه، ولأن إبليس حين استغواهما ذكرهما النهي فقال: ﴿مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا﴾ [الأعراف: 20]. وقوله تعالى: ﴿وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾ معنى العزم: عقد القلب على أمر يفعله، وهو توطين النفس على الفعل، هذا معناه في اللغة [[انظر (عزم): "تهذيب اللغة" 3/ 2425، "القاموس المحيط" 4/ 149، "الصحاح" 5/ 1985، "لسان العرب" 5/ 2932، "المفردات في غريب القرآن" 334.]]. قال ابن عباس في رواية عطاء: (يريد صبرًا عن أكل الشجرة) [["الجامع لأحكام القرآن" 11/ 250، "روح المعاني" 16/ 269.]]. والمعنى: أنه لم يصبر على ما وطن عليه نفسه من ترك ما نهي عن أكله، وهو معنى قول الحسن: (صبرًا عما نهي عنه) [["معالم التنزيل" 5/ 297.]]. وقال عطية العوفي: (عن ما حفظنا لما أمر به) [["جامع البيان" 16/ 221، "الكشف والبيان" 3/ 25 ب، "بحر العلوم" 2/ 356، "النكت والعيون" 3/ 430، "معالم التنزيل" 5/ 297، "الدر المنثور" 4/ 554.]]. وقال السدي: (صبرًا على الذنوب) [["بحر العلوم" 2/ 256.]]. وقال عبد الله بن مسلم: (رأيا معزوما عليه) [["تفسير غريب القرآن" لابن قتيبة 283.]]. وقيل: (عقدًا ثابتًا حيث أطاع عدوه إبليس الذي حسده وأبى أن يسجد له) [["زاد المسير" 5/ 328.]].

طه 20:117

قوله تعالى: ﴿فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى﴾ قال ابن عباس في رواية عطاء: (يريد شقاء الدنيا ونصبها) [[ذكرت كتب التفسير نحوه بدون نسبة. انظر: "المحرر الوجيز" 10/ 151، "معالم التنزيل" 5/ 298، "زاد المسير" 5/ 328، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 253.]]. وقال الحسن: (عني به شقاء الدنيا، ألا ترى ابن آدم إلا ناصبا شقيا) [["الجامع لأحكام القرآن" 11/ 253، "الدر المنثور" 4/ 555.]]. وقال سعيد بن جبير: (أهبط إلى آدم ثورا أحمر كان يعتمل عليه، ويمسح العرق عن جبينه، فكان ذلك شقاؤه) [["جامع البيان" 16/ 222، "الكشف والبيان" 3/ 25 ب، "بحر العلوم" 2/ 357، "معالم التنزيل" 5/ 298، "المحرر الوجيز" 10/ 101، "الدر المنثور" 4/ 555.]]. وقال السدي: (الحرث والزرع والعجن والخبر) [["معالم التنزيل" 5/ 298، "زاد المسير" 5/ 328، "الجامع لأحكام القرآن" 1/ 253.]]. وقال زيد بن علي: (فتشقى في كد المعيشة) [[ذكرته كتب التفسير بدون نسبة. انظر: "جامع البيان" 16/ 222، "معالم التنزيل" 5/ 298، "زاد المسير" 5/ 328، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 186.]]. قال الفراء: (ولم يقل: فتشقيا، لأن آدم المخاطب وفي فعله اكتفاء من فعل المرأة) [["معاني القرآن" للفراء 2/ 193.]]. يعني: أن أول الآية خطاب لآدم، وصرف الخطاب في آخرها إلى آدم لوفاق الفواصل، وكان في خطابه اكتفاء عن خطاب حواء كما قال: ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ﴾ اكتفى بالقعيد عن صاحبه.

طه 20:118

قوله تعالى: ﴿إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ﴾ ﴿إِنَّ﴾ في موضع نصب بأن، كما تقول: إن لك مالا [["معاني القرآن" للفراء 2/ 193. "معاني القرآن" للزجاج 3/ 378، "إعراب القرآن" للنحاس 3/ 59.]]. و ﴿أَلَّا تَجُوعَ﴾ بمعنى الشبع، كأنه قيل: إن لك الشبع فيها والاكتساء. قال الكلبي: (من لباس الثور) [[ذكر نحوه الثعلبي في "الكشف والبيان" 3/ 25 ب.]]. قال ابن عباس: (يريد أن لك ما دمت في الجنة ألا تجوع فيها) [[ذكرته كتب التفسير بدون نسبة. انظر: "جامع البيان" 16/ 222، "بحر العلوم" 2/ 357، "معالم التنزيل" 5/ 299، "القرطبي" 11/ 253، "ابن كثير" 3/ 186.]]. (ولا تعرى) يقال: عَرِيَ فلان من ثوبه يَعْرَى عُرْيًا فهو عَارٍ وعُرْيَانٌ، والأنثى عُرْيَانَةٌ وعَرِيَةٌ والمصدر العُرِي وسمي العُرْيَان العُرِي [[فرس عري، أي: لا سرج عليه ولا غيره. يقال: دابة عري، وخيل أعراء، ورجل عريان، وامرأة عريانه إذا عريا من أثوابهما. == انظر: "تهذيب اللغة" (عرا) 3/ 2373، "القاموس المحيط" (العرى) 4/ 361، "الصحاح" (عرا) 6/ 2424، "لسان العرب" (عرا) 5/ 2919.]]. ومنه الحديث: (أن النبي -ﷺ- ركب فرسًا لأبي طلحة عُرْيًا) [[أخرج نحوه البخاري في الجهاد، باب مبادرة الإمام عند الفزع 3/ 1084، ومسلم، في الفضائل، باب في شجاعة النبي وتقدمه في العرب، والترمذي في "جامعه"، في الجهاد، باب ما جاء في الخروج عند الفزع 4/ 171، وابن ماجه في الجهاد باب الخروج في النفير 2/ 996، والإمام أحمد في "مسنده" 2/ 147.]]. قال الأزهري: (والعرب تقول: فَرَس عُرْيٌ. وخَيل أَعْرَاءٌ ولا يقال رَجل عُرْيٌ)] [["تهذيب اللغة" (عرا) 3/ 2373.]] [[من قوله: (أمت وملأ سقاءه ..) ص 523 إلى هنا ساقط من نسخة (ش).]].

طه 20:119

قوله: ﴿وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا﴾ قال أبو إسحاق: ﴿وَأَنَّكَ﴾ في موضع نصب نسقا على قوله: ﴿أَلَّا تَجُوعَ﴾ ويجوز أن تكون في موضع رفع، وإن كان معطوفًا على اسم إن؛ لأن معنى إن زيدًا قائم زيد قائم، فيكون المعنى ذلك أنك لا تظمأ) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 378.]]. يعني كأنه لم يذكر أن في أول الآية الأولى. ومن قرأ: وإنك بالكسر على الاستئناف، وعطف جملة كلام على جملة [[قرأ نافع، وعاصم في رواية أبي بكر: (وإِنك) بكسر الألف، وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر، وحمزة، والكسائي، وحفص عن عاصم: (وأَنك) مفتوحة الألف. انظر: "السبعة" ص 424، "الحجة للقراء السبعة" 5/ 251، "المبسوط في القراءات" ص 251، "حجة القراءات" ص 464.]]. وقوله تعالى: (ولا تضحى) يقال: ضَحَا الرجل إذا برز للشمس فأصابه حرها، ضَحَا، وضُحِيًّا [[انظر: "تهذيب اللغة" (ضحا) 3/ 2093، "مقاييس اللغة" (ضحى) 3/ 291، == "القاموس المحيط" (الضحو) 4/ 354، "الصحاح" (ضحا) 6/ 2456، "لسان العرب" (ضحا) 5/ 2559.]]. وقال النضر: (ضَحَا للشمس يَضْحَى، ضُحُوًّا [["تهذيب اللغة" (ضحا) 3/ 2093.]]. وقال ابن الأعرابي: (ضَحِيْتُ للشمس، وضحَيْتُ، أَضْحَى منهما جميعًا) [["تهذيب اللغة" (ضحا) 3/ 2093، "لسان العرب" (ضحا) 5/ 2559.]]. وحكى شمر: (ضَحِي، يَضْحَى، ضُحِيًا، وضَحَا، يَضْحُو، ضُحُوًّا) [["تهذيب اللغة" (ضحا) 3/ 2093، "لسان العرب" (ضحا) 2559.]]. وأنشد الزجاج [[البيت لعمرو بن أبي ربيعة. انظر: "ديوانه" ص 94، "معاني القرآن" للزجاج 3/ 378، "الأغاني" 1/ 81، "خزانة الأدب" 5/ 315، "المحتسب" 1/ 284، "مغني اللبيب" 1/ 55، "الممتع في التصريف" 1/ 375، "تهذيب اللغة" (ضحا) 3/ 2093، "لسان العرب" (ضحا) 5/ 2559.]]: رَأَتْ رَجُلاً أَمَّا إِذَا الشَّمْسُ عَارَضَتْ ... فَيَضحَى وأَمَّا بِالعَشِّي فَيَخْصَر قال ابن عباس في رواية الضحاك يقول: (لا تعطش فيها كما يعطش أهل الدنيا، ولا يصيبك فيها حر كما يصيب أهل الدنيا) [[ذكر نحوه الطبري 16/ 223 بدون نسبة، وكذلك السيوطي في "الدر" 4/ 555.]]. وقال في رواية عكرمة: (لا تصيبك الشمس) [["جامع البيان" 16/ 223، "الكشف والبيان" 3/ 25 ب، "عالم التنزيل" 5/ 299، "الدر المنثور" 4/ 555.]]. وقال في رواية الوالبي، وعطاء: (لا يصيبك فيها حر ولا عطش) [["جامع البيان" 16/ 223.]]. والمعنى: لا تبرز للشمس فيؤذيك حرها؛ لأنه ليس في الجنة شمس إنما هو ظل ممدود.

طه 20:120

وقوله تعالى: ﴿فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ﴾ كقوله: ﴿فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ﴾ في سورة الأعراف [20] ﴿قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ﴾ قال الكلبي: (على شجرة من أكل منها لم يمت) [[ذكره السمرقندي في "بحر العلوم" 2/ 357 بدون نسبة.]]. (وملك لا يبلى) لا يفنى. قال ابن عباس: (وهذا كقوله: ﴿مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ﴾ [الأعراف: 20]) [[وذكر القول ابن الجوزي في "زاد المسير" 5/ 329، بدون نسبة.]].

طه 20:121

قوله تعالى: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ﴾ قال الكلبي: (بأكله من الشجرة) [[ذكره البغوي في "تفسيره" 5/ 223 بدون نسبة، وكذلك السمرقندي في "تفسيره" 2/ 357.]]. (فغوى) أي: فعل ما لم يكن له فعله [["جامع البيان" 16/ 224، "الكشف والبيان" 3/ 25 ب، "معالم التنزيل" 5/ 229.]]. وقيل: (ظل حيث طلب الخلد والملك بأكل ما نهي عن أكله) [["بحر العلوم" 2/ 357، "عالم التنزيل" 5/ 223.]]. هذان قولان حكاهما المفسرون. وقال ابن الأعرابي: (الغي: الفساد) [["معالم التنزيل" 5/ 229، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 257، "تهذيب اللغة" (غوى) 8/ 218، وذكره الشنقيطي في "أضواء البيان" 4/ 535، وقال: وهذا خلاف الظاهر.]]. وقوله تعالى: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾ أي: فسد عليه عيشه، وقال ابن قتيبة: (الغي ضد الرشد، كما أن المعصية ضد الطاعة) [[قال القرطبي في "تفسيره" 11/ 257: (فغوى) فسد عليه عيشه بنزوله إلى الدنيا، والغي الفساد، وهو تأويل حسن، وهو أولى من تأويل من يقول (غوى) معناه ضل، من الغي الذي هو ضد الرشد.]]. وقد أكل آدم من الشجرة التي نهي عنها باستزلال إبليس وخداعه إياه بالله والقسم إنه لمن الناصحين [[ويشهد لهذا قوله سبحانه في سورة الأعراف الآية رقم (21): ﴿وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ﴾.]]، حين دلاه بغرور ولم يكن ذنبه عن إرصاد وعداوة وإرهاص كذنوب أعداء الله، فنحن نقول: عصى وغوى، كما قال الله في القرآن ولا نقول: آدم عاص وغاوي؛ لأن ذلك لم يكن عن اعتقاد متقدم، ولا نية صحيحة كما تقول لرجل قطع ثوبه وخاطه: قد قطعه وخاطه، ولا تقول: خياط حتى يكون معاودًا لذلك الفعل معروفًا به [[قال أبو بكر بن العربي في "أحكام القرآن" 3/ 1261: "لا يجوز لأحد منا اليوم أن يخبر بذلك عن آدم إلا إذا ذكرناه في أثناء قوله تعالى عنه، أو قول نبيه، فأما أن يتبدئ ذلك من قبل نفسه فليس بجائز في آبائنا الأدنين إلينا، المماثلين لنا، فكيف في أبينا الأقدم الأعظم الأكرم النبي المقدم، الذي عذره الله -عز وجل- وتاب عليه وغفر له). وانظر: "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 255، "التفسير الكبير" 22/ 128، "أضواء البيان" 4/ 538.]].

طه 20:122

وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ﴾ قال ابن عباس: (اصطفاه وتاب عليه) [[ذكره الطبري في "جامع البيان" 16/ 224، بدون نسبة، وكذلك البغوي في "معالم التنزيل" 5/ 300.]]. عاد عليه بالعفو. ﴿هَدَى﴾ قال الكلبي: (هداه بالتوبة) [[ذكر هـ السمرقندي في "بحر العلوم" 2/ 357 بدون نسبة. وكذلك البغوي 5/ 300.]].

طه 20:123

﴿قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا﴾ قال ابن عباس: (يريد آدم وإبليس) [[ذكرته كتب التفسير بدون نسبة. انظر: "جامع البيان" 16/ 224، "بحر العلوم" 2/ 357، "زاد المسير" 5/ 330، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 258. == وقال الشنقيطي في "أضواء البيان" 4/ 539: (الظاهر أن ألف الإثنين في قوله: ﴿اهْبِطَا﴾ راجعة إلى آدم وحواء، خلافًا لمن زعم أنها راجعة إلى إبليس وآدم، والتثنية باعتبار آدم وحواء فقط، والجمع باعتبارهما مع ذريتهما).]]. والآية مفسرة في سورة البقرة [[عند قوله سبحانه في سورة البقرة الآية رقم: (38): ﴿قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾.]]. وقوله تعالى: ﴿فَلَا يَضِلُّ﴾ أي: في الدنيا (ولا يشقى) [في الآخرة. قال ابن عباس: (أجار الله تابع القرآن من أن يضل في الدنيا أو يشقى في الآخرة ثم قرأ: ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى﴾] [[ما بين المعقوفين ساقط من نسخة (ص).]] [["جامع البيان" 16/ 224، "الكشف والبيان" 3/ 26 أ، "بحر العلوم" 2/ 357، "النكت والعيون" 3/ 431، "معالم التنزيل" 5/ 300، "الدر المنثور" 4/ 556.]].

طه 20:124

﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي﴾ قال ابن عباس: (يريد عن موعظتي) [["زاد المسير" 5/ 330.]]. وقال الكلبي: (عن القرآن فلم يؤمن به ولم يتبعه) [["زاد المسير" 5/ 330، وذكره السمرقندي 2/ 357، والبغوي في "معالم التنزيل" 5/ 301 بدون نسبة.]]. ﴿فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾ الضَّنْك أصله في اللغة: الضيق والشدة، وكل ما ضاق فهو ضَنْك يقال: منزل ضَنْك، وعيش ضَنْك، وضَنُك عيشه يَضْنَك ضَنَاكَة وضَنْكًا [[انظر (ضنك) في: "تهذيب اللغة" 3/ 2138، "مقاييس اللغة" 3/ 373، "القاموس المحيط" (الضنك) 4/ 311، "الصحاح" 4/ 1598، "لسان العرب" 5/ 2613، "المفردات في غريب القرآن" 299.]]. وأنشد أبو عبيدة قول عنترة [[البيت لعنترة. == انظر: "ديوانه" 252، "النكت والعيون" 3/ 431، "المحرر الوجيز" 10/ 106، "البحر المحيط" 6/ 286، "مجاز القرآن" لأبي عبيدة 2/ 32، "مختار الشعر الجاهلي" 1/ 288.]]: إِنَّ المَنِيةَ لَو تُمَثَّلُ مُثِّلَتْ ... مِثلي إِذَا نَزَلُوا بِضَنْكِ المَنْزِلِ ومنه قيل للمرأة الضخمة الكثيرة اللحم: ضِنَاك؛ لأن جلدها قد ضاق بلحمها، والضَنَك في الأصل مصدر ثم وصف به، ولذلك قيل معيشة ضَنْكا [["تهذيب اللغة" (ضنك) 3/ 2138.]]. وأكثر ما جاء في التفسير المعيشة الضَنْك: (أنه عذاب القبر) عن النبي -ﷺ-، وعن أبي هريرة، وأبي سعيد الخدري، وابن مسعود [[أخرجه الطبري في "جامع البيان" 16/ 227، والصنعاني في "تفسيره" 2/ 21، والثعلبي في "الكشف والبيان" 3/ 26 أ، والهواري في "تفسيره" 3/ 75، والسمرقندي في "بحر العلوم" 2/ 357، والماوردي في "النكت" 2/ 413، والبغوي في "معالم التنزيل" 5/ 301، والسيوطي في "الدر المنثور" 4/ 557، والحاكم في "المستدرك"، كتاب التفسير- سورة طه 2/ 381 وقال: هذا الحديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، وذكره "مجمع الزوائد" في "كتاب التفسير" سورة طه 7/ 67 وقال: رواه الطبراني، وفيه المسعودي وقد اختلط وبقية رجاله ثقات.]]. وقال الحسن، والكلبي، وابن زيد، وقتادة: (هو عذاب النار، وأكل الزقوم، والغسلين، والضريع) [["جامع البيان" 16/ 226، "الكشف والبيان" 3/ 26 أ، "النكت والعيون" 3/ 431، "معالم التنزيل" 5/ 301 "الكشف" 2/ 558، "الجامع لأحكام القرآن" للقرطبي 11/ 259، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 187، "الدر المنثور" 4/ 558، ولعل المراد ما جاء في الآيات التالية: == الزقوم ورد في قوله سبحانه في سورة الواقعة: ﴿لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ﴾. والغسلين ورد في قوله سبحانه في سورة الحاقة: ﴿وَلَا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ﴾. والضريح ورد في قوله سبحانه في سورة الغاشية: ﴿لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ﴾.]]. وقال ابن عباس في رواية عطاء: (يريد: ضغطة القبر حتى تختلف أضلاعه) [["زاد المسير" 5/ 228، "روح المعاني" 16/ 277. وذكره الطبري في "جامع البيان" 16/ 226 ونسبة لأبي سعيد الخدري، وكذلك البغوي في "تفسيره" 5/ 301.]]. وقال في رواية الوالبي: (الشقي) [["جامع البيان" 16/ 226، "الكشف والبيان" 3/ 26 أ، "معالم التنزيل" 5/ 301، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 187، "الدر المنثور" 4/ 557.]] [[قال الشنقيطي في "أضواء البيان" 4/ 548: (قد جاء عن النبي -ﷺ- من حديث أبي هريرة أن المعيشة الضنك في الآية: عذاب القبر. وبعض طرقه بإسناد جيد كما قاله ابن كثير في تفسير هذه الآية، ولا ينافي ذلك شمول المعيشة الضنك لمعيشته في الدنيا، وطعام الضريع، والزقوم، فتكون معيشته ضنكًا في الدنيا والبرزخ والآخرة، والعياذ بالله تعالى). وانظر: "جامع البيان" 16/ 229، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 259، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 187.]]. وقوله تعالى: ﴿وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ قيل في التفسير: (أعمى البصر) [["جامع البيان" 16/ 229، "الكشف والبيان" 3/ 26 أ، "بحر العلوم" 2/ 358، "النكت والعيون" 3/ 431، "معالم التنزيل" 5/ 301، "المحرر الوجيز" 15/ 107.]]. وقيل: (أعمى الحجة) [["تفسير القرآن" للصنعاني 2/ 20، "جامع البيان" 16/ 165، "الكشف والبيان" 3/ 26 أ، "تفسيركتاب الله العزيز" 3/ 58، "معالم التنزيل" 5/ 301، "الدر المنثور" 4/ 558.]]. قال أبو إسحاق: (وتأويله أنه لا حجة له يهتدي إليها، أن له حجة وأنه يعمى عنها) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 379.]]. وقال غيره: (العمى إذا أطلق كان الظاهر عمى البصر) [[ذكرت نحوه كتب التفسير بدون نسبة. انظر: "المحرر الوجيز" 10/ 107، "البحر المحيط" 6/ 287، "روح المعاني" 16/ 287، "إرشاد العقل السليم" 6/ 48.]]. وعلى هذا يدل ما بعده من.

طه 20:125

قوله: ﴿قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى﴾ عن حجتي ﴿وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا﴾ بها في الدنيا، ولا أدري كيف وجه هذا، ومتى كان الكافر بصيرًا بحجته، ولا حجة له في الدنيا ولا في الآخرة [[قال الطبري -رحمه الله- في "تفسيره" 16/ 229: (والصواب من القول في ذلك عندنا أن الله عز شأنه وجل ثناؤه عم بالخبر عنه بوصفه نفسه بالبصر ولم يخصص منه معنى دون معنى فذلك على ما عمه فإذا كان ذلك كذلك فتأويل الآية: قال رب لم حشرتني أعمى عن حجتي ورؤية الأشياء وقد كنت في الدنيا ذا بصر بذلك كله). وانظر: "المحرر الوجيز" 15/ 158، "البحر المحيط" 6/ 287، "أضواء البيان" 4/ 548. ويشهد لهذا قوله تعالى في سورة بني إسرائيل الآية رقم (97): ﴿وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِهِ وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا﴾.]].

طه 20:126

قوله تعالى: ﴿قَالَ كَذَلِكَ﴾ أي: قال الله مجيبًا لهذا الكافر كذلك الأمر كما ترى. ﴿أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا﴾ تركتها ولم تؤمن بها ﴿وَكَذَلِكَ﴾ وكما تركتها ﴿الْيَوْمَ تُنْسَى﴾ تترك في النار. هذا قول ابن عباس، والكلبي، وأهل التفسير [["تفسير القرآن" للصنعاني 2/ 20، "جامع البيان" 16/ 230، "الكشف والبيان" == 3/ 26 أ، "تفسير كتاب الله العزيز" 3/ 58، "بحر العلوم" 2/ 358، "معالم التنزيل" 5/ 301، "المحرر الوجيز" 10/ 108، "الدر المنثور" 4/ 558.]].

طه 20:127

﴿وَكَذَلِكَ﴾ كما ذكرنا ﴿نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ﴾ قال ابن عباس: (أشرك) [[ذكره الثعلبي في "تفسيره" 16/ 231 بدون نسبة، وذكره "الدر المنثور" 4/ 559 ونسبة لسفيان.]]. ﴿وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآيَاتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى﴾ لا أفظع وأعظم مما ذكر في عذاب القبر، وهذا يدلس على أن المراد بقوله: ﴿مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾ عذاب القبر.

طه 20:128

قوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ﴾ نبين لهم إذا نظروا يعني لكفار مكة ﴿كَمْ أَهْلَكْنَا﴾ قال الفراء: (﴿كَمْ﴾ في موضع نصب بأهلكنا، ومثله من الكلام: أو لم يتبين لكم من يعمل خيرًا يجز به، فجملة الكلام فيها معنى رفع، ومثله أن تقول: قد تبين لي أقام عبد الله أم زيد) [["معاني القرآن" للفراء 2/ 195. قال ابن جرير الطبري في "تفسيره" 16/ 167 بعد أن ذكر قول الفراء: (وليس الذي قال الفراء من ذلك كما قال: لأن كم وإن كانت من حروف الاستفهام فإنها لم تجعل في هذا الموضع للإستفهام بل هي واقعة موقع الأسماء الموصوفة، ومعنى الكلام ما قد ذكر قبل وهو أفلم يتبين لهم كثرة إهلاكنا قبلهم القرون التي يمشون في مساكنهم، أو أفلم تهدهم القرون الهالكة، وقد ذكر أن ذلك في قراءة عبد الله: أفلم يهد لهم من أهلكنا، فكم واقعة موقع من في قراءة عبد الله هي في موضع رفع بقوله: يهد لهم، وهو أظهر وجوهه وأصح معانيه، وإن كان للذي قاله وجه ومذهب على بعد).]]. قال أبو إسحاق: (والمعنى أفلم يتبين لهم الأمر بإهلاك من قبلهم من القرون) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 379.]]. وقوله تعالى: ﴿يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ﴾ يعني: أهل مكة كان يتّجرون ويسيرون في مساكن عاد وثمود، وفيها علامات الإهلاك يقول: فلا يخافون أن يقع بهم مثل ما وقع بالذين رأوا مساكنهم [["جامع البيان" 16/ 231، "معالم التنزيل" 5/ 352، "المحرر الوجيز" 10/ 111، "زاد المسير" 5/ 333، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 260. ويشهد لهذا قوله سبحانه في سورة إبراهيم الآية رقم: (45): ﴿وَسَكَنْتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الْأَمْثَالَ﴾.]].

طه 20:129

وقوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ﴾ أي: في تأخير العذاب عن هؤلاء الكفار إلى يوم القيامة وهو قوله: ﴿وَأَجَلٌ مُسَمًّى﴾ يعني القيامة وهو عطف على الكلمة، وقد أخر عن موضعه والتقدير: ولولا كلمة سبقت من ربك وأجل مسمى لكان لزامًا [["جامع البيان" 16/ 232، "الكشف والبيان" 3/ 26 أ، "بحر العلوم" 2/ 358، "النكت والعيون" 2/ 432، "الدر المنثور" 4/ 559.]]. هذا قول الجميع. وقال مجاهد: [﴿وَأَجَلٌ مُسَمًّى﴾ يعني الدنيا [["جامع البيان" 16/ 232.]]. وعلى هذا الأجل في تركهم عن العذاب، ومن قال: هو القيامة] [[ما بين المعقوفين مكرر في الأصل وفي نسخة (س).]] فهو أجل تعذيبهم، واللِزَام يجوز أن يكون فعالا من الملازمة، ويجوز أن يكون مصدرًا كاللزوم، والمعنى: لكان العذاب لازمًا لهم، فهو مصدر وصف به، وأضمر اسم كان، وهو العذاب لتقدم ذكره وللعلم به [[انظر: "تهذيب اللغة" (لزم) 4/ 3260، "القاموس المحيط" (لزم) 4/ 175، "الصحاح" (لزم) 5/ 2029، "لسان العرب" (لزم) 7/ 4027.]]، والمعنى: لعذبوا في الدنيا ولزمهم العذاب كما لزم القرون الماضية لما كذبوا الرسل، هذا معنى الآية. وقال أبو عبيدة: (اللزام: الفيصل) [["مجاز القرآن" لأبي عبيدة 2/ 32.]]. ونحو هذا روى ثعلب عن ابن الأعرابي: (اللَّزْمُ: فصل الشيء من قوله تعالى: ﴿لَكَانَ لِزَامًا﴾ أي: فيصلاً) [["تهذيب اللغة" (لزم) 4/ 3260.]]. وعلى هذا معنى الآية: لكان العذاب فصلاً بينك وبين قومك، أي: لوقع الفصل بتعذيبهم، وتخبط المفسرون في تفسير اللِّزَام فقالوا: (أخذا وموتًا، وعذاب يوم بدر) [[بدر: هو ماء مشهور بين مكة والمدينة، أسفل وادي الصفراء، بينه وبين المدينة ثمانية وعشرون فرسخًا، وفيه حصلت الموقعة المشهورة بين المسلمين وكفار قريش في رمضان سنة 2 للهجرة، وبدر الآن فيها إمارة متابعة لإمارة المدينة المنورة، وغالب سكانها بنو سالم بن حرب. انظر: "معجم ما استعجم" 1/ 231، "معجم البلدان" 1/ 357، "معجم المعالم الجغرافية" 41، "مراصد الاطلاع" 1/ 170، "قاموس الأمكنة والبقاع" ص 46.]] [["جامع البيان" 16/ 232، "النكت والعيون" 3/ 432، "المحرر الوجيز" 10/ 111، "زاد المسير" 5/ 333، "الدر المنثور" 4/ 559.]]. وكلل ذلك وَهْم لا يصح تفسير اللزام به، وتصحيحه أن يقال: لكان الأخذ أو الموت أو القتل كما وقع ببدر لزامًا، أي: لازما لهم فالذي ذكروا في تفسير اللزام هو تفسير المضمر من اسم كان لا تفسير اللزام [[قال ابن جرير الطبري -رحمه الله- في "تفسيره" 16/ 232: (ولولا كلمة سبقت من ربك يا محمد أن كل من قضى له أجلاً فإنه لا يخترمه قبل بلوغه أجله ﴿وَأَجَلٌ مُسَمًّى﴾ يقول وقت مسمى عند ربك سماه لهم في أم الكتاب وخطه فيه هم بالغوه ومستوفوه لكان لزامًا يقول للازمهم الهلاك عاجلاً). وانظر: "تأويل مشكل القرآن" لابن قتيبة 209، "غريب القرآن" 283، "معاني القرآن" للفراء 2/ 195، "معاني القرآن" للزجاج 3/ 380.]].

طه 20:130

قوله تعالى: ﴿فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ﴾ أمره بالصبر إلى أن يحكم الله، ثم حكم فيهم بالقتل، فنسخ الصبر على ما يسمع من أذاهم [["الكشف والبيان" 3/ 26 أ، "معالم التنزيل" 5/ 302، "زاد المسير" 5/ 333، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 260، "التفسير الكبير" 22/ 123. والذي يظهر لي والله أعلم أنه لا نسخ في هذه الآية، فالآية تأمر النبي -ﷺ- بالصبر على ما كان يفعله كفار قريش وما يقولونه ويتهمونه به، وفي نفس الوقت تتوعد المشركين بعقاب الله الشديد في الآخرة، فلا تعارض بين الأمر بالصبر وقتالهم. انظر: "الناسخ والمنسوخ" للنحاس 251، "نواسخ القرآن" لابن الجوزي 399، "قلائد المرجان في بيان الناسخ والمنسوخ" 140، "ناسخ القرآن العزيز ومنسوخه" 40.]]. ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ صل لله بالحمد له والثناء عليه [["جامع البيان" 16/ 233، "معالم التنزيل" 5/ 302، "زاد المسير" 5/ 333.]]. ﴿قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ﴾ يريد: الفجر ﴿وَقَبْلَ غُرُوبِهَا﴾ يريد: العصر [["تفسير القرآن" للصنعاني 2/ 20، "جامع البيان" 16/ 168، "الكشف والبيان" 3/ 26/ أ، "بحر العلوم" 2/ 358، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 188.]]. ﴿وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ﴾ [[في نسخة (ص): أناء الليل ساعاته.]] ساعاته واحدها إِنْيٌ مثل: نِحْيٍ وأَنْحَاء، وإِنْيً مثل: مِعيً وأَمْعَاء [[انظر: "تهذيب اللغة" (أنى) 1/ 225، "القاموس المحيط" (أنى) 4/ 301، "الصحاح" (أنا) 6/ 2273، "لسان العرب" (أنى) 1/ 167.]]، قال الأعشى [[هذا عجز بيت ينسب لأبي أثيلة المتنخل الهذلي، ولم أقف عليه منسوبًا للأعشى. وصدر البيت: حُلْو وَمْر كَعَطْفِ الاقِدْح مِرَتُهُ انظر: "مجاز القرآن" لأبي عبيدة 1/ 102، "شرح أشعار الهذليين" 3/ 1283، "الشعر والشعراء" 2/ 666، "المنصف" 7/ 107، "كتاب حروف المدود والقصور" 64، "تهذيب اللغة" (أنى) 1/ 225، "لسان العرب" (أنى) 1/ 161، "الصحاح" (أنا) 6/ 2273.]]: بِكُلِّ إِنْيٍ قَضَاهُ اللَّيلُ يَنْتَعِلُ وأنشد بن الأعرابي في الإنى [[لم أقف على قائله. وذكرته كتب اللغة بلا نسبة. انظر: "تهذيب اللغة" (أنى) 1/ 225، "لسان العرب" (أنى) 1/ 161.]]: أَتَمَّتْ حَمْلَهَا في نِصْف شَهر ... وَحَمْلُ الحَامِلاَتِ إِنىً طَويلُ قال ابن عباس: (يريد أول الليل المغرب والعشاء) [["معالم التنزيل" 5/ 302، "زاد المسير" 5/ 230.]]. ﴿فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ﴾ يريد: الظهر. هذا الذي ذكرنا في تفسير هذه الآية من أوقات الصلاة المكتوبة، قول ابن عباس في رواية عطاء، ومذهب مجاهد، وقتادة [["تفسير القرآن" للصنعاني 2/ 20، "جامع البيان" 1/ 2336، "زاد المسير" 5/ 333، "الدر المنثور" 4/ 559.]]. وعلى هذا سمي وقت صلاة الظهر أطراف النهار؛ لأن وقته عند الزوال وهو طرف النصف الأول وطرف النصف الثاني، فجعل الطرفان أطرافًا على مذهبهم في تسمية الإثنين باسم الجمع كقوله: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ وقد مر. وهذا قول الفراء في هذه الآية [["معاني القرآن" للفراء 2/ 195.]]. وقال أبو العباس: (جمع الطرفين؛ لأنه يلزم في كل نهار يعود) [["تهذيب اللغة" (طرف) 3/ 2181.]]. ومن المفسرين من حمل أطراف النهار على: الغدوة والعشية [["جامع البيان" 16/ 233، "تفسير كتاب الله العزيز" 3/ 59.]]. وعلى هذا استفاد من الآية بقوله: ﴿قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا﴾. وقال ابن الأعرابي: (أطراف النهار: ساعاته) [["تهذيب اللغة" (طرف) 3/ 2181.]]. وقوله تعالى: ﴿لَعَلَّكَ تَرْضَى﴾ قال ابن عباس: (يريد: الثواب والمعاد واجبًا من الله لك) [[لم أقف عليه. ويشهد لهذا المعنى قوله سبحانه في سورة الضحى الآية رقم (5): ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾. والحق أن الله تعالى لا يجب عليه شيء لخلقه، وما يعطيهم فهو فضل منه وكرم. قال الألوسي في "روح المعاني" 16/ 283: رجاء أن تنال عنده ما ترضى به نفسك من الثواب، واستدل به على عدم الوجوب على الله تعالى.]] وفيه قراءتان: ضم التاء وفتحها [[قرأ نافع، وابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر، وحمزة، وعا صم في رواية حفص: (لعلك تَرضى) بفتح التاء، وقرأ الكسائي، وعاصم في رواية أبي بكر: (لعلك تُرضى) بضم التاء. انظر: "السبعة" ص 425، "الحجة للقراء السبعة" 5/ 252، "المبسوط في القراءات" ص 251، "التبصرة" ص 261]]. فمن فتح التاء وهو الذي فسره ابن عباس فحجته قوله: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ [الضحى: 5]. ومن ضم التاء فحجته قوله: ﴿وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا﴾ [مريم: 55] ويكون المعنى لعلك ترضى بفعل ما أمرك به من الأفعال التي يرضاها الله، أو ترضى بما تعطاه من الدرجة الرفيعة [["جامع البيان" 16/ 234، "تفسير كتاب الله العزيز" 3/ 6، "بحر العلوم" 2/ 359.]]. واختار أبو عبيد هذه القراءة لاحتمالها معنيين أحدهما: ترضى: تعطى الرضى، والآخر: يرضاك الله، قال: (وتصديقها قوله: ﴿وَكَانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا﴾ [مريم: 55] قال: وليس في الآخرة إلا وجه واحد) [["الحجة للقراء السبعة" 5/ 253، "حجة القراءات" ص 464.]]. هذا كلامه.

طه 20:131

قوله تعالى: ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ﴾ الآية، قال أبو رافع [[أبو رافع، مولى رسول الله -ﷺ-، اشتهر بكنيتته، واسمه على المشهور أسلم، دخل في الإسلام قبل بدر ولم يشهدها، وشهد أحدًا وما بعدها، وروى عن النبي -ﷺ- == وعن بعض الصحابة- رضوان الله عليهم-، توفي -رضي الله عنه- في آخر خلافة عثمان بن عفان وقيل في أول خلافة علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- أجمعين. انظر: "الاستيعاب" 1/ 61، "الإصابة" 1/ 54، "الكاشف" 3/ 294.]]: (نزل رسول الله -ﷺ- ضيف فبعثني إلى يهودي فقال: "قل له إن رسول -ﷺ- يقول: بعني وأسلفني إلى رجب". وأتيته فقلت له ذلك، فقال: والله لا أبيعه ولا أسلفه إلا برهن [[الرهن: ما وضع عند الإنسان مما ينوب مناب ما أخذ منه. يقال: رهنت فلانًا دارًا رهنًا، وارتهنته إذا أخذه رهنًا. انظر: "تهذيب اللغة" (رهن) 2/ 1491، "القاموس المحيط" (رهن) 4/ 230، "الصحاح" (رهن) 5/ 2128، "لسان العرب" (رهن) 3/ 1757.]]. فأتيت رسول الله -ﷺ- وأخبرته، فقال: "والله لو باعني أو أسلفني لقضيته، وإني لأمين في السماء أمين في الأرض، اذهب بدرعي الحديد إليه"، قال: فنزلت هذه الآية) [["جامع البيان" 16/ 235، "الكشف والبيان" 3/ 26 ب، "بحر العلوم" 2/ 359، "النكت والعيون" 3/ 433، "معالم التنزيل" 5/ 303، "الدر المنثور" 4/ 560، "أسباب النزول" للواحدي ص 313، "لباب القول في أسباب النزول" ص 147، "جامع النقول في أسباب النزول" ص 217. وأورده الهيثمي في "مجمع الزوائد" 10/ 126، "كتاب البيوع"، باب البيع إلى أجل. وقال: رواه الطبراني في "الكبير" والبزار وفيه موسى بن عبيدة الربذي وهو ضعيف. وذكره ابن حجر في "الكافي الشاف" ص 109 وقال: (وفيه موسى بن عبيدة وهو متروك). وقال ابن عطية -رحمه الله- في "تفسيره" 10/ 116 بعد ذكر هذا القول: (وهذا معترض أن يكون سببا لأن السورة مكية والقصة المذكورة مدنية في آخر عمر النبي -ﷺ- لأنه مات ودرعه مرهونة بهذه القصة اقي ذكرت، وإنما الظاهر أن الآية متناسقة مع ما قبلها وذلك أن الله تعالى وبخهم على ترك الاعتبار بالأمم السالفة ثم توعدهم بالعذاب المؤجل ثم أمر نبيه بالاحتقار لشأنهم والصبر على أقوالهم والإعراض عن أموالهم وما في أيديهم من الدنيا إذ ذاك منحصر عندهم صائر بهم إلى خزي).]]. وقوله تعالى: ﴿أَزْوَاجًا مِنْهُمْ﴾ قال أبي بن كعب: (أشباها من الكفار) [[ذكرت نحوه كتب التفسير بدون نسبة. انظر: "جامع البيان" 16/ 235، "المحرر الوجيز" 15/ 116، "التفسير الكبير" 22/ 136، "روح المعاني" 16/ 283.]]. يعني أشكالاً من المزاوجة بين الأشياء وهي المشاكلة، وذلك أنهم أشكال في الذهاب عن الصواب. وقد فسرنا هذه الآية في آخر سورة الحجر [[عند قوله سبحانه في سورة الحجر الآية رقم: (88): ﴿لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾.]]. وقال أبي بن كعب في هذه الآية: (فمن لم يتعز بعزة الله تقطعت نفسه حسرات على الدنيا، ومن يتبع بصره ما في أيدي الناس يطل حزنه، ولا يشفى غيظه، ومن لم ير الله عليه نعمة إلا في مطعمه ومشربه نقص علمه وحضر عذابه) [["معالم التنزيل" 3/ 237.]]. وقوله تعالى: ﴿زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ قال ابن عباس، والسدي: (زينة الدنيا) [["تفسير القرآن العظيم" 3/ 189، وذكره الطبري في "تفسيره" 16/ 235 ونسبة لقتادة، وكذلك الماوردي في "النكت والعيون" 3/ 433، والسيوطي في "الدر المنثور" 4/ 560.]]. وقال أهل اللغة: (زهرة الدنيا بهجتها ونضارتها وحسنها، وأصلها من زهرة الشجرة، وهي الأنوار التي تروق عند الرؤية) [[انظر: "تهذيب اللغة" (زهر) 2/ 1569، "مقاييس اللغة" (زهر) 3/ 31، "القاموس المحيط" (الزهرة) 2/ 43، "الصحاح" (زهر) 2/ 674، "لسان العرب" (زهر) 3/ 1877.]]. قال أبو إسحاق: (و ﴿زَهْرَةَ﴾ منصوب بمعنى متعنا؛ لأن معناه جعلنا لهم ما متعناهم به زهرة الحياة الدنيا) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 380.]]. وقوله تعالى: ﴿لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ﴾ قال السدي: (لنبتليهم) [[ذكره السمرقندي في "بحر العلوم" 2/ 359 بدون نسبة، وكذلك القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 262.]]. والمعنى: لنعاملهم معاملة المبتلي المختبر شكرهم بما أنعمنا عليهم. وقال أبو إسحاق: (لنجعل ذلك فتنة لهم) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 381.]]. قال ابن عباس: (ضلالة مني لهم) [["التفسير الكبير" 22/ 136.]]. وعلى هذا معنى لنفتنهم فيه لنضلهم بأن أقلد لهم النعمة فيزيدوا كفرًا وطغيانًا. وهذا تفسير أشبه بحال الكفار وبمعاملة الله معهم. ﴿وَرِزْقُ رَبِّكَ﴾ قال ابن عباس: (يريد: في المعاد) [[ذكرت كتب التفسير نحوه بدون نسبة. انظر: "المحرر الوجيز" 10/ 119، "معالم التنزيل" 5/ 354، "زاد المسير" 5/ 335، "الكشاف" 2/ 560، "الباب التأويل" 4/ 287.]]. وقال السدي وعْيره: (يعني الجنة) [["الدر المنثور" 4/ 560، وذكره السمرقندي في "بحر العلوم" 2/ 359 بدون نسبة.]] ﴿خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ أكبر وأدوم.

طه 20:132

قوله تعالى: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ﴾ روي: (أنه لما نزلت هذه الآية كان رسول الله -ﷺ- يذهب إلى علي وفاطمة كل صباح فيقول: "الصلاة" فكان يفعل ذلك أشهر متوالية) [["الجامع لأحكام القرآن" 11/ 263، "التفسير الكبير" 22/ 7137، "روح المعاني" 16/ 284، "فتح القدير" 3/ 564.]]. ومعنى الأهل هاهنا: قومه ومن كان على دينه [["تفسير كتاب الله العزيز" 3/ 61، "بحر العلوم" 2/ 359، "النكت والعيون" 3/ 434، "معالم التنزيل" 5/ 304، "زاد المسير" 5/ 335]]. وذكرنا هذا عند قوله: ﴿وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ﴾ الآية. ﴿وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾ للاستعانة على الصبر عن محارم الله -عز وجل-؛ لأن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر [[ويشهد لذلك قوله تعالى في سورة العنكبوت الآية رقم (45): ﴿اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾.]]. ﴿لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا﴾ قال ابن مسلم: (لا نسألك رزقا لخلقنا، ولا رزقا لنفسنا) [[ذكرته كتب التفسير من غير نسبة. انظر: "بحر العلوم" 2/ 359، "معالم التزيل" 5/ 304، "زاد المسير" 5/ 336، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 263.]]. ﴿نَحْنُ نَرْزُقُكَ﴾ قال عبد الله بن سلام: (كان النبي -ﷺ- إذا أنزل بأهله ضيق أو قال شدة أمرهم بالصلاة ثم تلا هذه الآية) [["معالم التزيل" 5/ 304، "الدر المنثور" 5/ 561، "التفسير الكبير" 22/ 137، "روح المعاني" 16/ 285، "فتح القدير" 3/ 564.]]. وقوله: ﴿وَالْعَاقِبَةُ﴾ قال ابن عباس، والسدي: (يريد: بالعاقبة الجنة) [["الدر المنثور" 4/ 561، "التفسير الكبير" 22/ 137.]]. وقوله تعالى: ﴿لِلتَّقْوَى﴾ قال الأخفش: (أي لأهل التقوى) [["معاني القرآن" للأخفش 2/ 631.]]. قال ابن عباس: (يريد: الذين صدقوك واتبعوك واتقوني) [["معالم التزيل" 5/ 304.]].

طه 20:133

قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا﴾ يعني المشركين ﴿لَوْلَا يَأْتِينَا بِآيَةٍ مِنْ رَبِّهِ﴾ هلا يأتينا محمد بآية من ربه كما أتى بها الأنبياء نحو الناقة والعصا [["جامع البيان" 16/ 237، "زاد المسير" 5/ 336، "الجامع لأحكام القرآن" == 11/ 264، "فتح القدير" 3/ 564، ويشهد لهذا قوله سبحانه في سورة هود: ﴿وَيَا قَوْمِ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ قَرِيبٌ﴾. وقوله سبحانه في سورة الشعراء: ﴿فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ﴾.]]. قال أبو إسحاق: (وقد أتتهم الآيات ولكنهم طلبوا أن يأتيهم ما يقترحون) [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 381.]]. قال الله: ﴿أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ مَا فِي الصُّحُفِ الْأُولَى﴾ يعني: أو لم تأتيهم بالقرآن ببيان ما في التوراة والإنجيل والكتب المتقدمة، وذلك أعظم آية إذ أخبر أُمِّي بما فيها من غير قراءة كتاب على ما تصدقه أهل الكتب. هذا معنى قول الكلبي وغيره [["الكشف والبيان" 3/ 27، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 195، "التفسير الكبير" 22/ 137.]]. وفيه قول آخر وهو: (أن المعنى أولم تأتهم ببيان ما في الكتب من أنباء الأمم التي أهلكناهم لما سألوا الآيات ثم كفروا بها فماذا يؤمنهم أن يكون حالهم في سؤال الآية كحال أولئك، وإنما أتاهم هذا البيان في القرآن) [["جامع البيان" 16/ 237، "معالم التنزيل" 5/ 304، "زاد المسير" 5/ 336، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 264.]]. وقال بعض أهل التفسير: ﴿بَيِّنَةُ مَا فِي الصُّحُفِ الْأُولَى﴾ ما تقدم من البشارة بمحمد -ﷺ- في الكتب المتقدمة وبيان نعته وصفته) [["بحر العلوم" 2/ 359، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 264، "التفسير الكبير" 22/ 137. كما قال سبحانه في سورة الصف الآية رقم (6): ﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾.]].

طه 20:134

قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ﴾ يعني مشركي مكة ﴿بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ﴾ من قبل بعث محمد ونزول القرآن ﴿لَقَالُوا﴾ يوم القيامة ﴿رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا﴾ هلا أرسلت إلينا رسولا يدعونا إلى طاعتك في ﴿فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ﴾ نعمل بما فيها يعني بما نزل على ذلك الرسول ويأتينا به ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى﴾ في جهنم، وهذا كقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: 15].

طه 20:135

قوله تعالى: ﴿قُلْ﴾ أي: قل لهم يا محمد ﴿كُلٌّ﴾ منا ومنكم ﴿مُتَرَبِّصٌ﴾ مهو نحن نتربص بكم وعدا لنا فيكم، وأنتم تتربصون بنا الدوائر فتستريحوا منا [[ويشهد لهذا قوله تعالى في سورة الطور الآيتان (30، 31): ﴿أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ (30) قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ﴾.]]. ﴿فَتَرَبَّصُوا﴾ أي: فانتظروا. ﴿فَسَتَعْلَمُونَ﴾ إذا جاء أمر الله وقامت القيامة ﴿مَنْ أَصْحَابُ الصِّرَاطِ السَّوِيِّ﴾ قال ابن عباس: (يريد الدين المستقيم) [[ذكرته كتب التفسير بدون نسبة. انظر: "النكت والعيون" 3/ 434، "معالم التنزيل" 5/ 305، "زاد المسير" 5/ 337، "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 265، "تفسير القرآن العظيم" 3/ 190.]]. ﴿مَنِ اهْتَدَى﴾ أي: من الضلالة أنحن أم أنتم.

الأنبياء 21:1

قوله: ﴿اقْتَرَبَ﴾ افتعل من القُرْب [[القرب: نقيض البعد، وهو الدنو. انظر: "تهذيب اللغة" للأزهري 9/ 124 (قرب)، "لسان العرب" لابن منظور 1/ 662، 663، 666 (قرب).]]. يقال: قَرُب الشيء واقترب، كما يقال: كسب واكتسب. قال المبرِّد: هما [[في (ع): (وهما).]] واحد، إلا أن افتعل مؤكد [[لم أجد من ذكره عنه. قال أبو حيان في "البحر المحيط" 6/ 295: (اقترب) افتعل بمعنى الفعل المجرد وهو (قرب)، كما تقول: ارتقب ورقب. وقيل: هو أبلغ من "قرب" للزيادة التي في البناء. ا. هـ. وذكر الزبيدي في "تاج العروس" 4/ 13 (قرب) أن شيخه أبا عبد الله الفاسي نقل عن ابن عرفه: (اقترب) أخص من (قرب) فإنه يدل على المبالغة في القرب. قال الزبيدي: ولعل وجهه أنَّ افتعل يدل على اعتمال ومشقة في تحصيل الفعل، فهو أخص مما يدل على القرب بلا قيد، كما قالوه في نظائره. اهـ. وقال ابن عاشور في "التحرير والتنوير" 8/ 17: والاقتراب مبالغة في القرب، فصيغة الافتعال الموضوعة للمطاوعة مستعملة في تحقق الفعل، أي: اشتد قرب وقوعه بهم.]]. ومعنى الاقتراب هاهنا: قصر [[في (ع): (قصد)، وهو خطأ.]] المدة التي بينهم وبين الحساب [[انظر: "التبيان" للطوسي 7/ 202.]]. وقوله تعالى: ﴿لِلنَّاسِ﴾ قال الكلبي: يعني أهل مكة [[ورد هذا القول في "تنوير المقباس" ص 200، الذي هو من رواية الكلبي. وذكر الزمخشري في "الكشاف" 2/ 561 نحو هذا القول عن ابن عباس ثم قال: هذا من إطلاق اسم الجنس على بعضه للدليل القائم وهو ما يتلوه من صفات المشركين. قال ابن عطية في "المحرر الوجيز" 10/ 122: عام في جميع الناس، وإن كان اليسار إليه في ذلك الوقت كفار قريش، ويدل على ذلك ما بعده من الآيات، وقوله (وهم في غفلة معرضون) يريد الكفار.]]. ﴿حِسَابُهُمْ﴾ قال المفسرون: محاسبة الله إياهم على أعمالهم [[هذا نص كلام الثعلبي في "تفسيره الكشف والبيان" 3/ 27 أ. وأصله عند الطبري في "جامع البيان" 1/ 17: حساب الناس على أعمالهم التي عملوها في دنياهم.]]. وقال عطاء، عن ابن عباس [[في (ع): (عن الكلبي)، وهو خطأ.]]: يريد عذابهم: لأن من نوقش الحساب عذب [[لم أجده من رواية عطاء، عن ابن عباس. وهذه الرواية عن ابن عباس باطلة، وقد تقدم الكلام عنها. وجاء في "تنوير المقباس" من تفسير ابن عباس ص 200: (دنا لأهل مكة ما وعد لهم في الكتاب من العذاب. وهذا التفسير لا يصح عن ابن عباس رضي الله عنهما؛ لأنه مروي عنه من طريق محمد بن مروان السدي، عن الكلبي، عن أبي صالح، وهذا الإسناد من أضعف الأسانيد عن ابن عباس. انظر: "العجاب في بيان الأسباب" لابن حجر (3 ب). وقد نسب هذا القول -يعني أن المراد بالحساب هنا العذاب- إلى الضحاك. وذكره الماروردي في "النكت والعيون" 3/ 435 والقرطبي في "الجامع لأحكام القرآن" 11/ 167.]]. فعلى هذا الحساب: يعني به [[به: زيادة]]: العذاب. وقال الزجاج: المعنى -والله أعلم-: اقترب للناس [[في (ع) زيادة بعد قوله: (للناس).]] وقت حسابهم [["معاني القرآن وإعرابه" للزجاج 3/ 383.]]. وعلى [[في (ع): (فعلى).]] هذا يعني به القيامة كما قال في سورة أخرى: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ﴾ [القمر: 1]. قال أهل المعاني: واقتراب [[في (أ): (واقترب).]] حسابهم يحمل على أحد معنيين: إما لأن كل ما هو آت فهو قريب، وإما أنه قريب بالإضافة إلى ما مضى من الزمان [[ذكر الماوردي (3/ 435)، والزمخشري في "الكشاف" 2/ 561، وابن الجوزي 5/ 339، والرازي في "مفاتيح الغيب" 22/ 139 هذين المعنيين من غير نسبة لأحد. وزاد الرازي القول الثاني بيانًا بقوله: إنَّ المعاملة إذا كانت مؤجلة إلى سنة ثم انقضى منها شهر؛ فإنه لا يقال: اقترب الأجل، أما إذا كان الماضي أكثر من الباقي فإنه يقال: اقترب الأجل، فعلى هذا الوجه قال العلماء: إن فيه دلالة على قرب القيامة، ولهذا الوجه قال النبي -ﷺ- "بعثت أنا والساعة كهاتين" [رواه البخاري في صحيحه (11/ 347) كتاب الرقاق]. وذكر الرازي قولاً ثالثًا: أن معنى اقتراب حسابهم أنه مقترب عند الله تعالى. قال: والدليل عليه قوله تعالى: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ [الحج: 47].]]. وقوله تعالى: ﴿فِي غَفْلَةٍ﴾ قال الكلبي: جهالة [[لم أجده.]]. وقال المفسرون: عما الله فاعل بهم ذلك اليوم [[هذا كلام الطبري في "تفسيره" 1/ 17 مع تصرف يسير.]]. ﴿مُعْرِضُونَ﴾ عن [التأهب] له [[ساقط من (ع).]] [[الطبري 17/ 2، "الكشف والبيان" للثعلبي 3/ 27 أ.]]. وقال عطاء، عن ابن عباس: أعرضوا عمّا جاء به [[في (أ، د): (جاتة)، وفي (ت): (جاءه).]] محمد -ﷺ- [[ذكر هذا القول القرطبي 11/ 267، ولم ينسبه لأحد.]].

الأنبياء 21:2

قوله تعالى: ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ أي: من وعظ بالقرآن على لسان محمد -ﷺ- [[انظر: "الطبري" 2/ 17، و"الكشف والبيان" للثعلبي 3/ 27 ب.]]. ﴿مُحْدَثٍ﴾ أي: با لإنزال، تنزل [[في (أ)، (ت): (ننزل)، بإهمال أوله.]] السورة بعد السورة، والآيةُ بعد الآية [[ذكر هذا القول الطوسي في "التبيان" 7/ 202 ولم ينسبه لأحد.]]. وهذا معنى قول المفسرين: أي في زمن بعد زمن [[ذكر أبو حيان في "البحر" 6/ 296 نحو هذا القول ولم ينسبه لأحد.]]. وقال مقاتل: يحدث الله الأمر بعد الأمر [[ذكره عنه: الثعلبي 3/ 27 ب، والبغوي 5/ 309.]]. ومعنى الإحداث راجع إلى الإنزال وتلاوة جبريل -عليه السلام- على رسول الله -ﷺ- [[قال الطبري 17/ 2: يقول تعالى ذكره: ما يحدث الله من تنزيل شيء من هذا القرآن للناس. وقال أبو العباس أحمد بن تيمية "مجموع الفتاوى" 12/ 522: المحدث في الآية ليس هو المخلوق الذي يقوله الجهمي، ولكنه الذي أنزل جديدًا، فإن الله كان ينزل القرآن شيئًا بعد شيء، فالمنزل أولاً هو قديم بالنسبة إلى المنزل آخرًا. وكك ما تقدم على غيره فهو قديم في لغة العرب.]]. وقوله تعالى: ﴿اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ﴾ قال ابن عباس: يريد يسمعون [[في (ع): (يستمعون).]] القرآن مستهزئين [[ذكره عنه ابن الجوزي 5/ 339. ونحوه في "تنوير المقباس" ص 200.]]. وقال الحسن وقتادة: أي كلما جدد لهم الذكر استمروا على الجهل [[ذكره بنصه عن الحسن وقتادة: الطوسي في "التبيان" 7/ 203، والحاكم الجشمي في "التهذيب" 6/ 136 أ. وذكر هذا القول عن الحسن: الماوردي في "النكت والعيون" 3/ 436، والقرطبي في تفسيره 11/ 268.]].

الأنبياء 21:3

قوله تعالى: ﴿لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ﴾ قال ابن عباس: أي عما يراد بهم [[لم أجده.]]. وقال السدي: عما جاء به محمد -ﷺ- [[لم أجده.]]. وانتصابه على وجهين: أحدهما: إلا استمعوه لاعبين لاهية قلوبهم، لأن قوله: ﴿وَهُمْ يَلْعَبُونَ﴾ في موضع الحال [[فيكون قوله "لاهية" حالا بعد حال من فاعل "استمعوه". وهذا قول الكسائي. انظر: "إعراب القرآن" للنحاس 3/ 63، "البيان في غريب إعراب القرآن" لأبي البركات ابن الأنباري 2/ 157، "إملاء ما من به الرحمن" للعكبري 21/ 130، "الدر المصون" للسمين الحلبي 8/ 130.]]. والثاني: أن يكون منصوبًا بقوله: ﴿وَهُمْ يَلْعَبُونَ﴾ [[فيكون منصوبًا على الحال من الضمير في "يلعبون". انظر ما تقدم من مراجع في الفقرة السابقة.]]. وهذا قول الفراء [["معاني القرآن": 2/ 198.]]، والمبرد، والزجاج [[انظر: "معاني القرآن وإعرابه" للزجاج 3/ 383.]]. وقوله تعالى: ﴿وَأَسَرُّوا النَّجْوَى﴾ تناجوا فيما بينهم يعني المشركين الذين وُصفوا باللهو واللعب. ثم بين من هم فقال: ﴿الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ قال ابن عباس: يريد الذين أشركوا [[مثله في "تنوير المقباس" ص 200.]]. وفي محل ﴿الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ وجوه [[في (ع): (وجوه)، وهو خطأ.]]: أحدها: البدل من الواو في ﴿وَأَسَرُّوا﴾ فيكون في موضع رفع [[وهذا قول سيبويه كما في "الكتاب" 2/ 41. وجود هذا القول الزجاج في "معانيه" 3/ 383، وحسنه ابن جزي الكلبي في "التسهيل" 3/ 47، واستظهره الشنقيطي في "أضواء البيان" 4/ 555.]]. قال المبرد: وهذا كقولك في الكلام: إن الذين في الدار انطلقوا بنو عبد الله. على البدل مما في انطلقوا [[ذكره البغوي 5/ 310، والقرطبي 11/ 269 هذا القول بنصه عن المبرد. ونسب أبو حيان في "البحر المحيط" 6/ 297 للمبرد القول بأن "الذين" بدل، وذكر السمين الحلبي في "الدر المصون" 8/ 132 أن هذا القول معزو للمبرّد.]]. والثاني: أن يكون رفعًا على الذم على معنى: هم الذين ظلموا. أويجوز أن يكون في موضع نصب على معنى: (أعني) [[أعني: زيادة من "معاني القرآن" للزجاج يتضح بها المعنى.]] الذين ظلموا] [[ساقط من (أ)، (ت).]] [[من قوله أن يكون رفعا .. إلى هنا. هذا نص كلام الزجاج في "معاني القرآن وإعرابه" 3/ 383 - 384. وفي رفع "الذين" وجوه أخرى منها. الأول: أن يكون في موضع رفع بـ"أسرّوا" وسيذكره المصنف. الثاني: أن يكون "الذين" مبتدأ، و"أسروا" جملة خبرية قدمت على المبتدأ. وهذا القول حكاه الثعلبي عن الكسائي. الثالث: أن يكون الذين مرفوعًا بفعل مقدر تقديره: يقول الذين كفروا. == وحسن هذا الوجه النحاس وقال: فالدليل على صحة هذا الجواب أن بعده: "هل هذا إلا بشر مثلكم" فهذا الذي قالوه. الرابع: أن يكون خبر مبتدأ محذوف، وتقديره: هم الذين ظلموا. الخامس: أنه مبتدأ، وخبره محذوف تقديره: الذي يقولون ما هذا إلا بشر مثلكم. وفي نصبه وجه آخر سوي ما ذكره الواحدي، وهو نصبه على الذمّ. انظر: "إعراب القرآن" لمكي بن أبي طالب 2/ 477، "البيان في غريب إعراب القرآن" لأبي البركات الأنباري 2/ 158، "الدر المصون" للسمين الحلبي 8/ 32 - 133.]]. ويجوز أن يكون في موضع خفض تبعًا للناس، كأنك قلت [[في (ع): (تقول).]]: اقترب للناس الذين ظلموا [[فيكون "الذين" في موضع جر نعتا "للناس". وهذا قول الفراء. انظر: "معاني القرآن" للفراء 2/ 198، "إعراب القرآن" لابن الأنباري 2/ 158. وقيل: الذين في موضع جر وهو بدل من "الناس". قال أبو حيان: وهو أبعد الأقوال. "البحر المحيط" لأبي حيان 6/ 297.]]. وقد قال قومٌ: ﴿الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ في موضع رفع بأسرّوا، واستعمل الفعل مقدما كما يستعمل مؤخرا. قالوا: وعلامة الجمع ليست بضمير [[في (أ): (لضمير).]]. فيجوز: انطلقوا إخوتك، وانطلقا صاحباك، تشبيها بعلامة التأنيث، نحو: ذهبت جاريتك [[قاله أبو عبيدة، والأخفش، وغيرهما. انظر. "مجاز القرآن" لأبي عبيدة 1/ 101، 2/ 35، "معاني القرآن" للأخفش 2/ 475، 632، "البحر المحيط" لأبي حيان 6/ 297، "الدر المصون" للسمين 8/ 133. وذكر الطوسي "التبيان" 7/ 204 هذا القول ونسبه لقوم كما فعل الواحدي.]]. فجعلوا الألف والواو في التثنية والجمع كهذه التاء التي تقدم لتؤذن بالتأنيث [[انظر: "الكتاب" لسيبويه 2/ 40.]]. قال الأخفش: وهذا على لغة الذين يقولون [[في (ت): (يقولوني)، وهو خطأ.]]: "أكلوني البراغيت"، و"ضربوني [[في (ع): (وضربني)، وهو خطأ.]] قومك" [["معاني القرآن" للأخفش 2/ 475، 632.]]. وقال المبرد: الذي قالوه يجوز، ولكنه بعيد لا يختار في القرآن [[ذكره عن المبرّد: الطوسيُّ في "التبيان" 7/ 204. وذكر أبو حيان في "البحر" 6/ 297 أنه قيل: إنها لغة شاذة. ولم ينص على أحد. وكذا ذكر السمين في "الدر المصون" 8/ 133 أن بعضهم ضعف هذه اللغة. ثم قال أبو حيان: وقيل: والصحيح أنها لغة حسنة، وهي من لغة أزد شنوءه، وخرج عليه قوله: "ثم عموا وصموا كثير منهم" [المائدة: 71].]]. قال صاحب النظم [[تنبيه: ذهب د. جودة المهدي في كتابه "الواحدي ومنهجه في التفسير" ص 141 إلى أن صاحب النظم الذي ينقل عنه الواحدي هو الحسين بن علي بن نصر بن منصور الطوسي؛ لأن الداودي ذكر له في "طبقات المفسرين" 1/ 141 - 142 كتاب نظم القرآن. والصواب خلاف ما قال، وأن صاحب النظم هو الحسن بن يحيى الجرجاني، ولو أن د. المهدي رجع إلى كتاب "تاريخ جرجان" للسهمي لرجح هذا، مع أنه نقل عن ابن قاضي شهبة في كتابه طبقات النحاة قوله -وهو يتناول مصادر تفسير البسيط في ترجمته للواحدي- وكتاب "نظم القرآن" للجرجاني، وليس هو عبد القاهر الجرجاني كما غلط فيه الإمام فخر الدين الرازي إنّما هذا تأليف شخص ذكره حمزة السهمي في "تاريخ جرجان". ومما يدل على أن مؤلف النظم الذي ينقل عنه الواحدي هو الحسن بن يحيى الجرجاني لا الحسن بن علي الطوسي أن الثعلبي -شيخ الواحدي- ذكر الجرجاني وذكر كتابه "النظم"، فقال في مقدمة تفسيره "الكشف والبيان" 1/ 8 أ -وهو يذكر مصادره-: كتاب "النظم" == "النظم": قرأ علينا أبو القاسم الحسن بن محمد بن حبيب بلفظه قال: قرأت على أبي النضر محمد بن محمد بن يوسف بـ"طوس" قال: قرأت على أبي علي الحسن بن يحيى بن نصر الجرجاني". وتقدم أن الجرجاني يروي عنه أبو النضر -كما ذكر ذلك السهمي في "تاريخ جرجان". ويدل على ذلك أيضًا أن ابن الجوزي قال في "زاد المسير" 9/ 165: وقال الحسين -هكذا في المطبوع وهو تصحيف- بن يحيى الجرجاني، ويقال له صاحب النظم.]]: لأنه ليس من مذهب العرب أن يظهروا العدد في الفعل المتقدم للأسماء؛ لأن الفعل إذا تقدم الاسم فليس فيه ضمير، إنما هو فعل ابتدئ وصاحبه بالخيار من بعد في تفسيره بمن شاء وبما شاء، فلذلك خلا من الضمير، ووحد في الصورة. وإذا تقدمت الأسماء فالفعل معطوف عليها؛ لأنه [[(لأنه): ساقطة من (ع).]] ليس لصاحب الكلام أن يزول بالفعل عن الأسماء التي أرصدها للفعل، فإذا كان معطوفا عليها وقد أضمرت الأسماء فيها وبضمنها [[(ويضمنها) مهملة في (ع).]]، فلا بد حينئذ من إظهار العدد فقوله: ﴿وَأَسَرُّوا النَّجْوَى﴾ فعل قد تقدمت الأسماء عليه، وهم الذين ذكرهم في قوله: ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ﴾، وقد تكرر ذكرهم إلى أن قال [[في (أ): (قالوا)، وهو خطأ.]]: ﴿وَأَسَرُّوا﴾ فجاء قول ﴿وَأَسَرُّوا﴾ معطوفا عليها، وصارت الأسماء مضمرة في هذا الفعل. هذا كلامه. وما ذكرنا من الوجوه في إعراب ﴿الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ قول الفراء والزجاج [[(والزجاج) ساقط من (أ).]] والكسائي والمبرد. وقوله تعالى: ﴿هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ ترجمة سرهم، أي: تناجوا بهذا القول فيما بينهم يريدون: أن محمدا بشر آدمي مثلكم، لحم ودم، ليس مثل الملائكة. ﴿أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ قال ابن عباس: يريدون أن الذي جاء به محمد -ﷺ- سحر [[روى الطبري (17/ 3) هذا القول عن ابن زيد.]]. وقال السدي: يقولون إن متابعة محمد -ﷺ- متابعة السحر [[ذكره السيوطي في "الدر المنثور" 5/ 616، وعزاه لابن أبي حاتم في "تفسيره".]]. والمعنى: أتقبلون السحر وأنتم تعلمون أنه سحر [[ذكره الطوسي في "التبيان" 7/ 203، والحاكم الجشمي في "التهذيب" 6/ 136 أهذا القول ولم ينسباه لأحد.]]. فأطلع الله نبيه على ما تناجوا به

الأنبياء 21:4

وقال له: ﴿قَالَ رَبِّي﴾ أي: قل لهم يا محمد ربي ﴿يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ أي لا يخفي عليه شيء مما يقال في السماء والأرض. وقرأ أهل الكوفة [[قرأ حمزة والكسائي وحفص عن عاصم: (قال ربي) بألف على الخبر، وقرأ الباقون بغير ألف (قل) على الأمر. "السبعة" لابن مجاهد 428، "المبسوط" لابن مهران (253)، "التبصرة" لمكي بن أبي طالب 263، "التيسير" لأبي عمرو الداني 154، "النشر" لابن الجزري 2/ 323.]] "قال ربي" على إضافة القول إلى الرسول -ﷺ-. وكذا هو في مصاحفهم [[من قوله: وقرأ أهل .. إلى هنا، هذا كلام أبي علي في "الحجة" 5/ 254 مع اختلاف في بعض العبارات. والقائل وكذا هو في مصاحفهم هو ابن مجاهد كما نقله عنه أبو علي، وهو في "السبعة" ص 428. وانظر أيضًا: "علل القراءات" للأزهري 2/ 453، "إعراب القراءات السبع وعللها" لابن خالويه 2/ 60، "حجة القراءات" لأبي زرعة بن زنجلة ص 465 - 466.]] يعنون: قال محمد: ربي يعلم القول في السماء والأرض. ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ﴾ لما تكلموا به [[في (أ): (أنه)، وهو خطأ.]] ﴿الْعَلِيمُ﴾ بما قولوا وبما في قلوبهم.

الأنبياء 21:5

قوله تعالى: ﴿بَلْ قَالُوا﴾ قال المبرد: "بل" لها موضعان في الكلام يجمعهما [[في (أ): (مجمعهما).]] شيء واحد وهو التنقل من خبر إلى خبر، ومن أمر إلى أمر، وقد يكون الانتقال رغبة عن الأول، إمَّا غلط القائل فاسْتَثْبَتَ [[في (أ)، (ت): (فاستب)، مهملة الآخر.]] وترك الأول وإما نسي فذكر. وقد يكون لما فرغ من خبر انتقل إلى آخر على أن الأول [[في (د)، (ع): (إلى آخر عن الأول).]] مصحح مفروغ منه، والذي يأتي من عند الله [لا يكون] [[ساقط من (ع).]] إلا الانتقال من خبر إلى خبر، وكلاهما محكم [[في "المقتضب" 3/ 305 نحو هذا القول باختصار. وانظر: "حروف المعاني والصفات" للزجاجي ص 29، "الأزهية في علم الحروف" للهروي ص 229 - 230، "رصف المباني في شرح حروف المعاني" للمالقي ص230، "مغني اللبيب" لابن هشام 1/ 130 - 131.]]. قال صاحب النظم: فقوله -عز وجل-: ﴿بَلْ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ﴾ خبر [[في (أ)، (ت): (وخير).]] من الله -عز وجل- معطوف على قوله: ﴿هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ أي أنهم قد قالوهما [[في (أ)، (ت): (قالوا هما)، وهو خطأ.]] جميعًا، إلا أنهم خلطوا من جهة الحَيْرة التي دخلتهم في أمر الرسول -ﷺ- فلم يدروا ما قصته، فقالوا: ﴿بَلِ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ﴾ فأعلم الله -عز وجل- أنهم قالوا هذه الأقوال على حيرة منهم في أمره. وقوله تعالى: ﴿أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ﴾ أي: الذي أتى به النبي [[في (د)، (ع): (الرسول).]] -ﷺ- أضغاث أحلام. قال قتادة: تخاليط [[في (أ): (مخاليط).]] رؤيا رآها في المنام [[ذكره بهذا النص عن قتادة: الطوسي في "التبيان" 7/ 203، والحاكم الجشمي في "التهذيب" 6/ 136 ب، وأخرج عبد الرزاق في "تفسيره" (ج1 ق 2)، والطبري في "تفسيره" 16/ 118 طبعة شاكر عن قتادة - في قوله (قالوا أضغاث أحلام) [يوسف: 44] قال: أخلاط أحلام. وذكر السيوطي في "الدر المنثور" 5/ 617 عن ابن المنذر وابن أبي حاتم أخرجا عن قتادة في قوله "بل قالوا أضغاث أحلام" قال: أي: فعل الأحلام، إنما هي رؤيا رآها.]]. وذكرنا الكلام في أضغاث الأحلام [[في (د): (أضغاث أحلام).]] في سورة يوسف. وقوله تعالى: ﴿بَلِ افْتَرَاهُ﴾ أي: اختلقه وفتعله من نفسه ﴿بَلْ هُوَ شَاعِرٌ﴾. قال أبو إسحاق [[هو أبو إسحاق الزجَّاج.]]: أي أخذوا ينقضون [أقوالهم] [[كشط في (ت).]] بعضها ببعض، فمرة يقولون: هذه أحلام، ومرة يقولون [[(يقولون): ساقط من (أ).]]: هذا شعر، ومرة [[في (د): (ومرة ومرة). تكرار.]]: هذا [[في (أ): (هذه)، وهو خطأ.]] مفترى [["معاني القرآن وإعرابه" للزجاج 3/ 384.]]. وعلى هذا معنى "بل": الإخبار عنهم بنقضهم قولهم في القرآن، وانتقالهم عما قالوه أولا إلى آخر. والمعنى: أنهم قالوا في القرآن قول متحير قد بهره ما سمع؛ فمرة يقول: سحر، ومرة يقول: شعر، ومرة يقول: افتراء، لا يجزم على أمر واحد [[ذكر الطوسي في "التبيان" 7/ 203 - 204 هذا المعنى من غير نسبة لأحد.]]. وقوله تعالى: ﴿فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ﴾ قال ابن عباس: مثل الناقة التي أتى بها صالح، والعصا التي أتى بها موسى [[ذكره الألوسي في "روح المعاني" 17/ 11. وروي الطبري 17/ 4 عن قتادة نحوه.]]. قال أبو إسحاق: فاقترحوا الآيات التي لا يقع معها إمهال إذا كُذّب بها [["معاني القرآن وإعرابه" للزجاج 3/ 384.]]. وفي الآية حذف يدل عليه الكلام، على تقدير: كما أرسل الأولون بالآيات.

الأنبياء 21:6

فقال الله تعالى مجيبا لهم: ﴿مَا آمَنَتْ قَبْلَهُمْ﴾ قبل [[في (د)، (ع): (من).]] مشركي مكة ﴿مِنْ قَرْيَةٍ﴾ يعني أهلها ﴿أَهْلَكْنَاهَا﴾ وصفٌ للنكرة التي هي قرية [[انظر: "المحرر الوجيز" لابن عطية 10/ 126، "إملاء ما من به الرحمن" للعكبري 2/ 130.]]. والمعنى: ما آمنت [[في (أ)، (ت): (ما أتت).]] قرية مهلكة بالآيات المرسلة ﴿أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ﴾ يعني: أنَّ الأمم التي أهلكناها بتكذيبها بالآيات لم يؤمنوا بالآيات لما أتتهم، فكيف يؤمن هؤلاء؟ ووجه الاحتجاج عليهم من هذه الآية هو أن مجيء الآيات لو كان سببًا يؤدي [إلى الإيمان من غير إرادة الله لهم ذلك لكان سببا] [[ساقط من (أ)، (ت).]] إلى إيمان أولئك لا محالة، فلما بطل أن يكون سببا لإيمانهم، بطل أن يكون سببًا لإيمان هؤلاء. وهذا احتجاج على القدرية [[القدرية: هم الذين نفوا القدر، وقد حدثت بدعتهم في أواخر زمن الصحابة، وقيل: إن أول من ابتدعه رجل من أهل البصرة يقال له: سيسويه من أبناء المجوس، وتلقاه عنه معبد الجهني الذي قال: "لا قدر، والأمر أنف"، ولما ابتدع هؤلاء التكذيب بالقدر رده عليهم من بقي من الصحابة -رضي الله عنهم- كابن عمر وابن عباس وغيرهما. وقد تبنَّى المعتزلةُ القول بنفي القدر؛ ولذا سموا أيضًا بالقدرية، وجعلوه من أصول مذهبهم، وأدخلوه تحت ما يسمى عندهم بـ"العدل"، ومن قولهم في هذا: أن العبد هو خالق أفعاله خيرها وشرها بدون سبق قدر، وليس لله في أفعالهم صنع ولا تقدير، وأن الكفر والفسوق والعصيان أفعال قبيحة، والله منزه عن فعل القبيح وأن يضاف إليه شر وظلم وفعل هو كفر ومعصية، فلا تكون فعلا له ولا قدرها. انظر في تفصيل ذلك والردّ عليهم: "الفَرْق بين الفرق" للبغدادي ص 114 - 115، التبصير في الدين لأبي المظفر الاسفراييني ص 37 - 38، والملل والنحل للشهرستاني 1/ 43، 45، "مجموع الفتاوى" لشيخ الإسلام ابن تيمية 7/ 384 - 385، 8/ 258 - 261، "شرح العقيدة الطحاوية" ص 276 فما بعدها، "تاريخ الجهمية والمعتزلة" لجمال الدين القاسمي ص 71 - 73.]] ظاهر [[ظاهر: ساقطة من (د)، (ع).]]، وبيان أن مجيء الآيات لا ينفع مع القضاء السابق بالكفر، كما لم ينفع الأمم السالفة. ويزيد لهذا تأكيدًا ما روى عطاء، عن ابن عباس في قوله: ﴿أَهْلَكْنَاهَا﴾ يريد: كان في [[(في): ساقطة من (أ).]] علمي [[في (أ): (علي)، وهو خطأ.]] هلاكها [[ذكره القرطبي 11/ 271 عن ابن عباس.]]. فعلى هذا معنى ﴿مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا﴾ أردنا إهلاكها بتكذيبها والتقدير الأول في ﴿أَهْلَكْنَاهَا﴾ هو معنى قول الكلبي.

الأنبياء 21:7

قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًا﴾ هذا جواب لقولهم: ﴿هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ [الأنبياء: 3] [[هذا قول الثعلبي في "الكشف والبيان" 3/ 228.]]. يقول الله: لم نرسل قبل محمد إلا رجالا من بني آدم، لا ملائكة. ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ قال الحسن، وقتادة، والكلبي: يعني أهل التوراة والإنجيل [[ذكره عن الحسن وقتادة: الطوسي في "التبيان" 7/ 205، والحاكم الجشمي في "التهذيب" 6/ 137 ب، والماوردي في "النكت والعيون" 3/ 438. ورواه الطبري 17/ 5، عن قتادة. ورواه عبد الرزاق في "تفسيره" 2/ 22 عن الكلبي قال: يعني أهل التوراة.]]. وقال السدي: يعني اليهود والنصارى [[ذكره السيوطي في "الدر المنثور" 5/ 132، وعزاه لابن أبي حاتم. ذكره عند قوله تعالى ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ﴾ [النحل: 43].]]. يقول [[في (ت): (بقوله).]]: سلوهم هل جاءهم إلا رجال [[في (أ): (رجالاً).]] يوحى إليهم. ﴿إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ أن الرسل بشر. وأنكر قوم هذا التفسير، وقالوا: لا يجوز مراجعة اليهود والنصارى في شيء، وقالوا: المراد بأهل الذكر من آمن منهم بمحمد -ﷺ-. وهو قول ابن عباس في رواية عطاء قال: يريد أهل التوراة الذين آمنوا بالنبي -ﷺ- [[روى الطبري 14/ 109 من طريق الضحاك عن ابن عباس قال: يعني أهل الكتب == الماضية، وروي أيضًا 14/ 109 من طريق مجاهد قال: إن محمدًا رسول الله في التوراة والإنجيل.]]. وقال ابن زيد: يعني [[(يعني): ساقطة من (د)، (ع).]]: فاسألوا المؤمنين العالمين من أهل القرآن. قال: وأراد بالذكر هاهنا القرآن [["الكشف والبيان" للثعلبي 3/ 28 أ. ورواه الطبري 17/ 5 مختصرًا. وقد رد ابن عطية -رحمة الله- هذا القول، فقال في "المحرر الوجيز" 10/ 127: الذكر هو كل ما يأتي من تذكير الله عباده، فأهل القرآن أهل ذكر، وأما المحال على سؤالهم في هذه الآية فلا يصح أن يكونوا أهل القرآن في ذلك الوقت: لأنهم كانوا خصومهم. كما استبعده الرازي، فقال في "التفسير الكبير" 22/ 144: وهو بعيدة لأنهم كانوا -يعني المشركين- طاعنين في القرآن وفي الرسول -ﷺ-.]]. وقال أبو إسحاق: هذا السؤال إنما يكون لمن [[في (أ): (ممن)، وهو خطأ.]] كان مؤمنا من أهل الكتاب لأن القبول من أهل الصدق والثقة [["معاني القرآن وإعرابه" للزجاج 3/ 385 وفيه: لأن القول يكون .. وفيه أيضًا أهل الكتب.]]. هذا قول هؤلاء. والوجه القول الأول [[وبه قال الطبري، والبغوي، وابن عطية، والرازي، وابن كثير وغيرهم، واستظهره أبو حيان. قال ابن عطية: وإنما أحيلوا على سؤال أحبار أهل الكتاب من حيث كانوا موافقين لهم على ترك الإيمان بمحمد -ﷺ- فتجيء شهادتهم -بأن الرسل قديمًا من البشر لا مطعن فيها- لازمة لكفار قريش. انظر: "الطبري" 17/ 5، و"معالم التنزيل" 3/ 311، و"المحرر الوجيز" 10/ 127، و"التفسير الكبير" 22/ 144، و"البحر المحيط" 6/ 298، و"تفسير ابن كثير" 3/ 174.]]؛ لأن الله تعالى أمر المشركين بهذا السؤال لا المسلمين وهم إلى تصديق من لم يؤمن بالنبي -ﷺ- من أهل الكتاب أقرب منهم إلى تصديق من آمن. واليهود والنصارى لا ينكرون أن الرسل كانوا بشرا وإن أنكروا نبوة محمد -ﷺ-. وهذا السؤال مختصّ بالكفار [[في (أ)، (ت): (الكفارة)، هو خطأ.]] في هذه المسألة فقط. فأما المسلمون فلا يجوز لهم مراجعة أهل الكتاب في شيء من الدين [[انظر: "التفسير الكبير" للرازي 22/ 144.]]. وهذه الآية بعينها قد مضت في سورة النحل [[في سورة النحل: 43.]].

الأنبياء 21:8

قوله: ﴿وَمَا جَعَلْنَاهُمْ﴾ يعني الرسل ﴿جَسَدًا﴾ قال أبو إسحاق: جسد هو واحد ينبئ [[في (ت): (يثني)، وهو خطأ.]] عن جماعة، أي: وما جعلناهم ذوي أجساد [["معاني القرآن وإعرابه" للزجاج 3/ 385.]]. وعند الفراء أنه بمنزلة المصدر؛ لأنه يقال شيء مجسد، فهو [[في (د)، (ع): (وهو).]] مشتق من فعل فلذلك لم يجمع [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 2/ 199، والطبري 17/ 5.]]. وقوله تعالى: ﴿لَا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ﴾ [قال ابن عباس: يريد: إلا يأكلون [[في (د)، (ع): (يأكلوا).]] الطعام] [[ساقط من (أ).]] [[أخرج ابن أبي حاتم كما في "الدر المنثور" 5/ 617، عن ابن عباس أنه قال: لم نجلهم جسدًا ليس يأكلون الطعام، إنّما جعلناهم جسدًا يأكلون الطعام.]]. ونحو هذا قال الزجاج. قال [[(قال): ساقطة من (ع).]]: وذلك أنهم قالوا: {مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ} [الفرقان: 7] فأُعلموا أن الرسل أجمعين يأكلون الطعام [["معاني القرآن وإعرابه" للزجاج 3/ 385.]]. وروى أبو عمر [[في (ت): (أبو عمرو)، وهو خطأ.]] عن أبوي العباس [[في (د)، (ع): (أبو العباس)، هما ثعلب والمبرد).]] أنهما قالا: العرب [[في (د)، (ع): (زيادة (إن) قبل قوله: (العرب).]] إذا جاءت بجحدين [[في (د)، (ع): (يجحدون)، وهو خطأ.]] في كلام: كان الكلام إثباتًا وإخبارا. قالا: ومعنى الآية: إنما جعلناهم جسدا ليأكلوا [[في (أ): (ليأكلون)، وهو خطأ.]] الطعام. قالا: ومثله من الكلام ما سمعت منك ولا أقبل منك [وإنما سمعت منك لأقبل] [[ساقط من (د)، (ع).]] [[ذكره ابن الجوزي في "زاد المسير" 5/ 341 عن المبرد وثعلب إلى قوله: "الطعام".]]. وقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانُوا خَالِدِينَ﴾ يعني: أنهم يموتون كسائر البشر.

الأنبياء 21:9

قوله تعالى: ﴿ثُمَّ صَدَقْنَاهُمُ الْوَعْدَ﴾ أي: أنجزنا وعدهم الذي وعدناهم بإنجائهم وإهلاك مخالفيهم، وهو قوله: ﴿فَأَنْجَيْنَاهُمْ﴾ أي: من العذاب الذي [وعدناهم أن] [[ساقط من (أ).]] ينزل [[في (أ): (نزل).]] بمن كذَّبهم. ﴿وَمَنْ نَشَاءُ﴾ قال ابن عباس: يعني الذين صدقوهم [[ذكره ابن الجوزي 5/ 341، ولم ينسبه لأحد.]]. {وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ} [[في (أ)، (ت): (المشركين)، وهو خطأ.]] قال: يريد المشركين [[ذكر الطوسي في "التبيان" 7/ 206، والحاكم الجشمي في "التهذيب" 6/ 317 ب هذا القول عن قتادة.]]. وفي هذا تخويف لكفار [[في (د)، (ع): (للكفار).]] مكة، ثم مَنَّ عليه بالقرآن

الأنبياء 21:10

فقال: ﴿لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ﴾ قال ابن عباس: أنزلنا إليكم يا معشر قريش ﴿كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ﴾ قال: يريد فيه شرفكم، كقوله: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ﴾ [الزخرف: 44] [[أخرج البيهقي في "شعب الإيمان" 2/ 232 - 233 عن ابن عباس قال: فيه شرفكم. وذكر السيوطي في "الدر المنثور" 5/ 617، عزاه لعبد بن حميد وابن بردويه وابن حاتم والبيهقي في "شعب الإيمان". وقال ابن الجوزي في "زاد المسير" 5/ 341: قاله أبو صالح، عن ابن عباس وذكره ابن كثير في "تفسيره" 3/ 174 منسوبًا إلى ابن عباس.]]. يريد إنه لشرف. وهذا اختيار الفراء [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 2/ 200.]]، وابن قتيبة. وذلك أنه كتاب عربي بلغة قريش. وقال الحسن: ﴿فِيهِ ذِكْرُكُمْ﴾ أي [[(أي): ساقطة من (أ).]]: ما تحتاجون إليه من أمر دينكم [[ذكره بهذا اللفظ عن الحسن الطوسي في "التبيان" 7/ 206، والحاكم الجشمي في "التهذيب" 6/ 137 ب، والبغوي في "تفسيره" 5/ 311، وابن الجوزي في "زاد المسير" 5/ 341. وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 5/ 617 عن الحسن بلفظ: فيه دينكم، أمسك عليكم دينكم كتابكم. وعزاه لابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم.]]. وقال السدي: ما تعنون به [[في (ت): (يغنون)، وفي (أ): (تعنون).]] من أمر [[أمر: ساقطة من (د)، (ع).]] دنياكم وآخرتكم وما بينكم [[ذكره السيوطي في "الدر المنثور" 5/ 617 بلفظ: فيه ذكر ما تعنون به وأمر أخرتكم ودنياكم وعزاه لابن أبي حاتم في تفسيره.]]. وقال مجاهد: ﴿فِيهِ ذِكْرُكُمْ﴾ حديثكم [["تفسير مجاهد" 1/ 497 ورواه الطبري 17/ 6 - 7. وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 5/ 617 وعزاه لابن أبي شيبة، وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.]]. قال أبو إسحق: يعني [[(يعني): ساقطة من (أ).]] ما تلقونه من رحمة أو عذاب [["معاني القرآن وإعرابه" للزجاج 3/ 385. قال القرطبي 11/ 273 بعد أن ذكر أقوالاً في معنى الآية نحو ما ذكر الواحدي هنا-: وهذه الأقوال بمعنى، والأول- يعني أن المراد بالذكر هنا الشرف- يعمها، إذ هي شرف كلها، والكتاب شرف لنبينا -ﷺ-، لأنه معجزته، وهو شرفٌ لنا إن عملنا بما فيه، دليله قوله -عليه السلام-: "والقرآن حجة لك أو عليك".]]. وقوله تعالى: ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ قال ابن عباس: يريد أفلا تعقلون ما فضلتكم [[في (د)، (ع): (فضلتم).]] به على غيركم؛ أنزلتكم حرمي، وبعثت فيكم نبيي [[ذكره ابن الجوزي 5/ 341 باختصار، ولم ينسبه لأحد.]]. ثم خوفهم بهلاك من كان في مثل حالهم من التكذيب.

الأنبياء 21:11

فقال: ﴿وَكَمْ قَصَمْنَا﴾ قال مجاهد والسدي: أهلكنا [["تفسير مجاهد" 1/ 407 - 408 ورواه الطبري 17/ 7 عن مجاهد، وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 5/ 618 وعزاه لابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم. ولم أجد من ذكره عن السدي.]]. وقال الكلبي: عذبنا. وأصل القصم في اللغة: كسر الشيء ودقة، يقال: قصمته فانقصم [[انظر: "العين" 5/ 7، "مقاييس اللغة" لابن فارس 5/ 92 (قصم).]]. قال الشاعر: كأن لم يلاق المرء عيشًا بنعمة ... إذا نزلت بالمرء قاصمة الظهر [[عجز هذا البيت في "العين" 5/ 70 (قصم) من غير نسبة. وهو بشطريه في "أساس البلاغة" للزمخشري 2/ 259 من غير نسبه أيضًا.]] يعني: داهية شديدة تكسر [[في (أ): (ينكسر)، وهو خطأ.]] الصلب. وقال أبو إسحق: معنى [[معنى: ساقطة من (د)، (ع).]] قصمنا: أهلكنا وأذهبنا، يقال: قصم الله عمر الكافر [[في (أ): (الكافرين).]]، أي: [[أي: ساقطة من (أ).]] أذهبه [["معاني القرآن وإعرابه" للزجاج 3/ 386.]]. وقوله تعالى: ﴿مِنْ قَرْيَةٍ﴾ قال ابن عباس: يريد مدائن كانت باليمن، حَضُوراء [[في (أ)، (د)، (ع): (حصوراء)، بالمهملة، والمثبت من (ت). وحضوراء: بالفتح ثم الضم وسكون الواو ويقال: حضور على وزن فعول-: بلدة باليمن سميت بحضور بن عدي بن مالك، وهو سبأ الأصغر. انظر: "معجم البلدان"، لياقوت 3/ 9296، "معجم ما استعجم" للبكري 1/ 455.]]، وبيت شِبَام [[في (ع)، (د): (شيام)، وشبام: بكسر أوله، اسم مشترك بين عدد من المواضع باليمن. انظر في تفصيل ذلك: "الإكليل" للهمداني ص 48، "معجم البلدان" 5/ 226 - 227، "معجم المدن والقبائل" للمقحفي ص 223 - 225.]]، مدائن كثيرة [[ذكر الزمخشري في "الكشاف" 2/ 564، والرازي في "التفسير الكبير" 22/ 145 وابن جزي الكلبي في "التسهيل" 3/ 49، وأبو حيان في "البحر المحيط" 6/ 300 == واللفظ لابن جزي وابن حيان: عن ابن عباس قال: قرية باليمن يقال لها حضور، وعند أبي حيان: حضوراء. قال الزمخشري: وظاهر الآية على الكثرة، ولعل ابن عباس ذكر حضور بأنها إحدى القرى التي أرادها الله بهذه الآية. وقال ابن جزي: وظاهر اللفظ أنه على العموم؛ لأن (كم) للتكثير، فلا يريد قرية معينة، وقال أبو حيان: وما روي عن ابن عباس .. ، فيحمل على سبيل التمثيل لا على التعيين في القرية؛ لأن كم تقتضي التكثير.]]. وقال الكلبي: هي حصون بني أزد [[في جميع النسخ: (أريد)، والتصويب من تفسير عبد الرزاق، وصفة جزيرة العرب للهمداني (ص 156)، "الدر المنثور"، وغيرها.]]. ﴿كَانَتْ ظَالِمَةً﴾ أي: كافرة، يعني أهلها ﴿وَأَنْشَأْنَا﴾ وأحدثنا وأوجدنا "بعدها" بعد إهلاك أهلها [[رواه عبد الرزاق في "تفسيره" 3/ 22، وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 5/ 618 وعزاه لعبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر.]] ﴿قَوْمًا آخَرِينَ﴾.

الأنبياء 21:12

قوله: ﴿فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا﴾ أي: رأوا عذابنا بحاسة البصر. ويجوز أن يكون المعنى لما ذاقوا عذابنا [[انظر: البغوي 5/ 312، وابن الجوزي 5/ 342، والقرطبي 11/ 274.]]. قال المفسرون: هؤلاء كانوا عربا كذبوا بنبيهم وقتلوه؛ فسلط الله عليهم بُخْتُنَصّر [[بضم الباء والتاء وفتح النون والصاد المشددة قيل هو ابن الملك "نابو بولصر" ملك بابل، فتولى بعد أبيه. وقال الأصمعي: إنما هو"بوختنصر".]] حتى قتلهم وسباهم ونكأ فيهم [[في (أ)، (ت): (ونكأ فيهم)، مهملة.]] [["الكشف والبيان" للثعلبي 3/ 28 أ. وانظر ما تقدم من التعليق على قول ابن عباس.]]. ومعنى البأس هاهنا: القتل بالسيوف. وقوله تعالى: ﴿إِذَا هُمْ مِنْهَا يَرْكُضُونَ﴾ يفرون، وينهزمون، ويهربون من العذاب. هذا قول المفسرين [[كمجاهد والسدي والربيع وغيرهم. انظر: "الطبري" 17/ 8، "الدر المنثور" للسيوطي 5/ 618.]]. وأصل معنى الركض في اللغة: ضرب الرجل مَرْكَلَي [[في جميع النسخ: (من كلي)، والصواب: (مر كلي) كما في "التهذيب" للأزهري 10/ 37، وغيره. قال الجوهري في "الصحاح" 4/ 7112 (ركل): (ومَرَاكل الدابة: حيث يركلها الفارس برجله إذا حركه للركض، وهما مركلان.]] الدابة برجليه. يقال: ركض الفرس، إذا كده [[في (د)، (ع): (أكده).]] بساقيه، فلما كثر هذا على ألسنتهم استعملوه في الدواب، فقالوا: هي تركض، كأن الركض منها، وأصل الركض: الضرب [[الضرب: ساقط من (أ)، (ت).]]. يقال: ركضت المرأة ذيلها عند المشي، إذا ضربنه برجلها، وركض [[في (أ): (فركض).]] البعير كما يقال: رمح ذو الحافر، ومنه قوله: ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ﴾ [ص: 42] أي: اضرب الأرض بها، وقد ركض الرجل إذا فَرَّ وعدا [[هذا الكلام في معنى الركض منقول عن "تهذيب اللغة" للأزهري 10/ 37 - 39 "ركض" مع تصرف وحذف. وانظر: (ركض) في "الصحاح"، للجوهري 3/ 1079 - 1080.]]. والأصمعي يقول: ركضت الدابة [[(الدابة): ساقطة من (أ)، (ت).]]، ولا يقال: ركض هو [[قول الأصمعي في "تهذيب اللغة" 10/ 39 (ركض).]]. وقال شِمْر [[ضبط هذا الاسم محقق "تهذيب اللغة" للأزهري هكذا: شِمْر، بكسر الشين وسكون الميم. وضبط في بعض مصادر ترجمته المطبوعة هكذا: شَمِر، بفح الشين وكسر الميم. وضبط في بعضها: شَمْر.]]: وقد وجدنا في كلامهم: رَكَضَت الدابة في سيرها، وركض الطائر في طيرانه [[قول شمر في "تهذيب اللغة" 10/ 39 مادة (ركض).]]. ومنه قوله: لو كان يُدْرِكُه رَكضُ اليعاقيب [[هذا عجز بيت لسلامة بن جندل السعدي يصف فيه الشباب الذاهب، وصدره: ولى حثيثا وهذا الشيب يطلبه وهو في "ديوانه" ص 91، "المفضليات" ص 119، "الشعر والشعراء" لابن قتيبة ص 166، "مقاييس اللغة" 2/ 29 (حث)، "تهذيب اللغة" للأزهري 1/ 278 (عقب)، المحكم لابن سيده 6/ 434 (ركض)، "لسان العرب" 2/ 622 (عقب). واليعاقيب في البيت قيل: يعني اليعاقيب من الخيل، سميت بذلك تشبيها بيعاقيب الحجل لسرعتها، وقيل: يعني ذكرر الحجل. انظر: "تهذيب اللغة" 1/ 278، "لسان العرب" 1/ 622.]] وقال سيبويه [[(سيبويه): ساقط ميت (أ).]]: ركضت [[هكذا في (ع). وفي باقي النسخ: (ركض)، والمثبت هو الموافق لما في الكتاب.]] الدابة وركضته [["الكتاب" 4/ 58، وفيه: (وركضتها).]]. وقوله تعالى: ﴿إِذَا هُمْ مِنْهَا يَرْكُضُونَ﴾ [يجوز أن يكون المعنى: يركضون دوابهم] [[ساقط من (ت).]]، [ويجوز أن يكون المعنى: يركضون] [[ساقط من (د)، (ع).]] هم بأنفسهم على معنى يفرون كما ذكره المفسرون. وجملة المعنى [[في (د)، (ع): (الأمر).]]: يهربون سراعاً [[انظر: "التبيان" للطوسي 7/ 208.]].

الأنبياء 21:13

قوله تعالى: ﴿لَا تَرْكُضُوا﴾ قال المفسرون: لما أخذتهم السيوف وانهزموا -وكانوا قد خرجوا من مساكنهم لقتال بختنصر فلما انهزموا- مروا على دورهم منهزمين، وديارهم [[(ديارهم): ساقطة من (أ)، (ت).]] بها أهلوهم وذراريهم فلم يلووا [[في (أ)، (ت): (فلوتلوا).]] عليهم فنادتهم الملائكة استهزاء بهم ﴿لَا تَرْكُضُوا﴾ [[ذكر الثعلبي في "الكشف والبيان" 3/ 28 أنحوًا من ذلك. وانظر: "الدر المنثور" 5/ 618 - 619. والأظهر أن الآيات وصف قصة كل قرية، وأنه لم يرد تعيين حضوراء ولا غيرها، فالمعنى على هذا: أن أهل تلك القرى الظالمة لما تيقنوا أن العذاب نازل بهم لا محالة ركضوا فارين، فقيل لهم- على وجه الهزء والتهكم: لا تركضوا هاربين من العذاب وارجعوا إلى ما كنتم فيه من النعمة والسرور والمعيشة والمساكن الطيبة. فاحذروا -أيها المخاطبون- أن تستمروا على تكذيب أشرف الرسل، فيحل بكم كما حل بأولئك. انظر: "المحرر الوجيز" 10/ 130 - 131، "تفسير ابن كثير" 3/ 174، "تفسير ابن سعدي" 3/ 270.]]. [والتقدير في النظم فقيل لهم: لا تركضوا] [[ساقط من (د)، (ع).]]. قال صاحب النظم: ومن عادة العرب إذا ظفر الواحد منهم بواتر له [[بواتر: أي: من أصابه بوتر، والوتر: الجناية التي يجنيها الرحل على غيره من قتل أو نهب أو سبي. "لسان العرب" 5/ 274 (وتر).]] أن يقول له [[(له): ساقطة من (أ)، (ت)]] مثل هذا القول، كما قال الشاعر: هَلَّا سألت جُمَوع كنْدَة ... يوم ولَّوا أين أينا [[في (ت)، (أ): (أبنا)، والصواب ما في (ع)، (ر).]]؟ [[البيت لعبيد بن الأبرص ضمن أبيات يقولها لامرئ القيس، وكان امرؤ القيس قد توعَّد بني أسد إذ قتلوا أباه. وكندة قوم امرئ القيس. والبيت في "ديوان عبيد" ص 142، و"الشعر والشعراء" لابن قتيبة ص 161، و"مشكل القرآن" له أيضًا ص 186، و"معاني القرآن" للفراء 1/ 177.]]. فجاء هذا على تلك العادة التي هي بينهم. وقوله تعالى: ﴿وَارْجِعُوا إِلَى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ﴾ قال الكلبي: خولتم [[خولتم: أي: أعطيتم وملكتم. "الصحاح" للجوهري 4/ 1690 (خول)، "القاموس المحيط" 3/ 372.]] ونعمتم [[في (ت): (تعميم).]] فيه [[انظر: البغوي 5/ 312، ابن الجوزي 5/ 342.]]. وقال ابن عباس: يريد ما كنتم تتنعمون فيه [[انظر: "تنوير المقباس" ص 200.]]. وقال السدي: ﴿إِلَى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ﴾ أن تجبرتم [[لم أجده.]]. وقال ابن قتيبة: أي إلى نعمكم التي أترفتم [["غريب القرآن" لابن قتيبة ص 284. وفيه أي: إلى نعمكم التي أترفتكم.]]. ومضى الكلام في هذا عند قوله: ﴿أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا﴾ [الإسراء: 16]. وقوله تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ﴾ قال قتادة: أي شيئاً من دنياكم، استهزاء بهم [[رواه عبد الرزاق في "تفسيره" 2/ 22، والطبري 17/ 8، وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 5/ 618 وعزاه لعبد الرازق وابن المنذر وابن أبي حاتم.]]. والمعنى على هذا أن الملائكة قالت لهم: ارجعوا إلى نعمكم ومساكنكم لعلكم تسألون [شيئًا] [[كشط في (ت).]] من دنياكم، فإنكم أهل ثروة ونعمة، استهزاء بهم، كما ذكره قتادة. وهذا في الحقيقة توبيخ لهم؛ إذ جهلوا قدر نعمة الله عليهم بنذيب نبيه والإقدام على قتله، فوبختهم الملائكة بهذا ألقول، وذكَّروهم ما كانوا فيه من النعم؛ ليكون ذلك أشد لتحسرهم. وقول قتادة في هذه الآية هو [[في (1): (وهو).]] الصحيح، وذكرت أقوال، وهي بعيدة في المعنى، قال السدي: ﴿لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ﴾ يوم القيامة [[لم أجده.]]. وقال الكلبي: ﴿لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ﴾ عن قتل هذا النبي [[ذكره عنه ابن الجوزي 5/ 342.]]. وقال الحسن: ﴿لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ﴾ أي تعذبون [[لم أجده.]]. وكل هذه الأقوال بعيدة عن معنى هذه الآية. قال أبو [إسحاق] [[ما بين المعقوفين كشط في (ت).]]. ويجوز لعلكم تسألون فتجيبون عما تشاهدون إذا رأيتم ما نزل بمساكنكم وما أترفتم فيه [["معاني القرآن وإعرابه" للزجاج 3/ 386.]].

الأنبياء 21:14

قوله تعالى: ﴿قَالُوا يَا وَيْلَنَا﴾ قال المفسرون: لما رأوا أن الصوت [[في (ت): (الصواب)، وهو خطأ.]] لا يسكت عنهم، وهو قو [ل الملائكة لهم [لا تركضوا] [[ما بين المعقوفين كشط في (ت).]] الآية ولم يروا شخصاً ينادي بذلك الصوت، ورأوا أنهم يُقتلون، عرفوا أنَّ الله تعالى هو سلَّط عليهم عدوهم بقتلهم النبي الذي بعث فيهم، قالوا عند ذلك: (ياويلنا) [[انظر: الثعلبي 3/ 28 أ، البغوي 5/ 312، القرطبي 11/ 274. وما ذكر هنا الله أعلم بصحته.]]. قال قتادة: ما كان هجيراهم [[هجّيراهُم: يعني دأبهم وعادتهم وشأنهم. "الصحاح" 2/ 852 (هجر)، "القاموس المحيط" 2/ 158.]] إلا الويل [[رواه عبد الرزاق في "تفسيره" 2/ 22، والطبري 17/ 9، وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 5/ 618 وعزاه لعبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم.]]. ﴿إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾ قال ابن عباس: لأنفسنا حيث كذبنا رسل ربنا. والمعنى: أنهم اعترفوا بالذنب حين عاينوا العذاب، وقالوا هذا على سبيل التندم حين لم ينفعهم الندم.

الأنبياء 21:15

قال الله تعالى: ﴿فَمَا زَالَتْ تِلْكَ دَعْوَاهُمْ﴾ أي: ما زالت الكلمة [[في (أ)، (ت): (العلّة)، هو خطأ.]] التي هي قولهم: يا ويلنا دعاءهم يدعون بها على أنفسهم. أي: لم يزالوا يردّدونها. قال ابن عباس: ﴿فَمَا زَالَتْ تِلْكَ دَعْوَاهُمْ﴾ يريد: قولهم [[مثله في "تنوير المقباس" ص 200.]]. وهذا الآية كقوله تعالى: ﴿فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا﴾ [الأعراف: 5]. الآية. وقوله تعالى: ﴿حَتَّى جَعَلْنَاهُمْ حَصِيدًا خَامِدِينَ﴾ بالسيوف كما يحصد الزرع بالمنجل [[المنْجَل -كمنبر-: هو حديدة يُحْصد بها الزرع. "الصحاح" 5/ 1826 "نجل"، "القاموس المحيط" 4/ 54.]] [[انظر:"تفسير الطبري" 17/ 9. وهذا القول بناء على أن القرية هنا حضوراء، والأولى عدم تخصيص الحصد بالسيوف بل يحصدون بالعذاب. قال ابن كثير 3/ 174: حتى حصدناهم حصيدًا. قال ابن عطية في المحرر 10/ 130: "حصيدًا" أي: بالعذاب تركوا كالحصيد، و"الحصيد" يشبه بحصيد الزرع بالمنجل، أي: ردّهم الهلاك كذلك.]]. ومضى الكلام في الحصيد عند قوله: ﴿مِنْهَا قَائِمٌ وَحَصِيدٌ﴾ [هود: 100]. وقوله تعالى: ﴿خَامِدِينَ﴾ أي: ميتين، كخمود [[في (أ): (لخمود).]] النار إذا طفئت.

الأنبياء 21:16

قوله: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ﴾ يريد لم خلقهما عبثا وباطلا [[وهذا تفسير قتادة. انظر: "الطبري" 17/ 9، "الدر المنثور للسيوطي" 5/ 619.]]، خلقناهم لأمر وهو ما ذكره ابن عباس فقال [[في (أ)، (ت): (يقال).]]: لأجازي أوليائي، وأعذَّب أعدائي [[ذكر أبو حيان في "البحر المحيط" 6/ 302 هذا القول بمعناه ونسبه للكرماني. قال: إنما خلقناهما لنجازي المحسن والمسيء.]]. وقال غيره: خلقناهم حجة ودلالة على قدرتنا ووحدانيتنا؛ ليعتبروا خلقها ويتفكروا فيها [[في (ت): (يتفكروها فيها)، وهو خطأ.]]، فيعلموا أنَّ العبادة لا تصلح إلا لخالقها [[ذكر ابن الجوزي في "زاد المسير" 5/ 343 ولم ينسبه لأحد. وقال الطبري 17/ 9: (وما خلقنا ..) إلا حجة عليكم أيها الناس، ولتعتبروا بذلك كله. فتعلموا أن الذي دبره وخلقه لا يشبهه شيء، وأنه لا تكون الألوهية إلا له، ولا تصلح العبادة لشيء غيره. فيظهر أن مراد الواحدي بقوله "غيره": هو الطبري.]].

الأنبياء 21:17

قوله تعالى: ﴿لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا﴾ قال ابن عباس في رواية عطاء: يريد النساء [[ذكر البغوي في "معالم التنزيل" 5/ 313، وابن الجوزي في "زاد المسير" 5/ 343 هذه الرواية عن عطاء عن ابن عباس بلفظ: المرأة.]]. وهو قول الحسن، وقتادة، قالا: اللهو بلغة أهل اليمن: المرأة [[قول الحسن رواه ابن أبي حاتم في "تفسيره" كما في "الدر المنثور" 5/ 620. ورواه الطبري 17/ 10 عن الحسن من غير قوله بلغة أهل اليمن. وذكر السيوطي في "الدر المنثور" 5/ 620 عن الحسن أنه قال: النساء. وعزاه لعبد بن حميد وابن المنذر. وأما قول قتادة: فقد رواه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 22، والطبري 17/ 10، وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 5/ 620 وعزاه لابن المنذر وابن أبي حاتم.]]. وقال [[(قال): ساقطة من (أ)، (ت).]] في رواية الكلبي، عن أبي صالح عنه: اللهو: الولد بلغة حضرموت [[روى الفراء في كتابه "معاني القرآن" 2/ 200 هذه الرواية قال: حدثنا حبان، عن الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس، فذكرها. وذكرها البغوي في "معالم التنزيل" 5/ 313 وابن الجوزي 5/ 343.]]. وهو قول السدي [[ذكره السيوطي في "الدر المنثور" 5/ 620 عن السدي، وعزاه لابن أبي حاتم. وذكره البغوي 5/ 313، وابن الجوزي 5/ 343.]]. قال الزجاج وغيره: تأويله في اللغة: أن المرأة لهو الدنيا، وكذلك الولد [[انظر: "معاني القرآن وإعرابه" للزجاج 3/ 386.]]. والمعنى على ذي اللهو أي: الذي يُلهى به. ومعنى اللهو: طلب التزويج [[في جميع النسخ (التزويج)، وفي "لسان العرب" 15/ 259: وطلب اللهو الخلو، أي: طلب الخلو التزويج. وقد يكون صواب العبارة: طلب الترويح عن النفس.]] عن النفس. يقول: لو أردنا أن نتخذ ولداً ذا لهو أو امرأة ذات لهو. ﴿لَاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا﴾. قال المفسرون: من الحور العين [[ذكر السيوطي في "الدر المنثور" 5/ 620 هذا القول من رواية ابن أبي حاتم عن إبراهيم النخعي. وذكره البغوي 5/ 313، وأبو حيان 6/ 302، ولم ينسباه لأحد.]]. وهذا إنكار على من أضاف الصاحبة والولد إلى الله تعالى، واحتجاج عليهم بأنه لو كان جائزا في صفته لم يتخذه بحيث يظهر لهم ويستر ذلك لأن من قدر على ستر النقص لم يظهره، وهذا معنى قوله: ﴿لَاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا﴾ أي: من عندنا بحيث لا تطلعون عليه [[ذكر هذا المعنى: الطوسي في "التبيان" 7/ 209، والجشمي في "التهذيب" 6/ 139 ب، والبغوي 5/ 313، وأبو حيان في "البحر" 6/ 302، ولم ينسبوه لأحد.]]. قال ابن قتيبة في هذه الآية: التفسيران في اللهو متقارنان؛ لأن امرأة الرجل لهوه [[في (د)، (ع): (إن المرأة للرجل لهوه).]]، [وولده لهوه] [[ساقط من (ت).]]، لذلك [[في (أ)، (ت): (ولذلك).]] يقال: امرأة الرجل وولده ريحانتاه، وأصل اللهو: الجماع، كني عنه باللهو [[باللهو: ساقطة من (د)، (ع).]]، كما كني عنه بالسر، ثم قيل للمرأة: لهو؛ لأنها تجامع. قال امرؤ القيس: ألا زعمت بسباسة اليوم أنني ... كبرت وألا يحسن اللهو أمثالي [[البيت أنشده لامرئ القيس ابن قتيبة في "مشكل القرآن" ص 163. وهو في "ديوانه" ص 28، و"مجاز القرآن" لأبي عبيدة 1/ 76 وفيه: وألا يحسن السر أمثالي، == و"معاني القرآن" للقراء 1/ 53 وفيه: وألا يشهد السر، و"خزانة الأدب" 1/ 64. قال البغدادي في "الخزانة" 1/ 64: بسباسة: امرأة من بني أسد، وكبر: شاخ، واللهو مصدر لهوت بالشيء إذا لعبن به. قال في "الصحاح": وقد يكنى باللهو عن الجماع.]] أي: النكاح. وتأويل الآية: أن النصاري لما قالت في المسيح وأمه ما قالت قال الله -عَزَّ وَجَلَّ -: ﴿لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا﴾ صاحبة كما تقولون، لا تخذنا ذلك (من [لدنا] [[(لدنا): موضعها بياض في (ت).]]) عندنا [[(عندنا): ساقطة من (د)، (ع).]]، ولم نتخذه من عندكم [لأنكم تعلمون] [[ساقط من (د)، (ع).]] أنَّ [[(أنَّ): ساقطة من (أ).]] ولد الرجل وزجه يكونان عنده لا عند غيره [["مشكل القرآن" لابن قتيبة ص 613 - 164 مع تصرف يسير.]]. وقوله تعالى: ﴿إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ هو قال المفسرون -ابن عباس [[في (د)، (ع): (وابن عباس).]]، وقتادة، والسدي وغيرهم-: ما كنا فاعلين [[ذكره ابن الجوزي 5/ 344 عن ابن عباس. وقول قتادة رواه عبد الرزاق في "تفسيره" 2/ 22، والطبري 17/ 10. وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 5/ 618 عنه، بلفظ: إن ذلك لا يكون ولا ينبغي. وعزاه لابن المنذر وابن أبي حاتم. وقول السدي ذكره عنه ابن كثير في تفسيره 3/ 175.]]. قال الفراء [[انظر: "معاني القرآن وإعرابه" للفراء 2/ 200.]]، والزجاج [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 3/ 387.]] والمبرد: يجوز أن تكون "إن" [[(إنْ): ساقطة من (ت).]] للنفي هاهنا، كقوله: ﴿إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ﴾ [فاطر: 23] ﴿إِنِ الْكَافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ﴾ [الملك: 20] ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ﴾ [الفرقان: 4] ويكون المعنى تحقيقا لكذبهم في وصف الله تعالى بالولد والصاحبة أي [[في (أ)، (ت): (إنْ)، وهو خطأ.]]: ما فعلنا ذلك [ولم نتخذ صاحبة ولا ولدا. قالوا: ويجوز أن يكون للشرط، أي: إن كنا ممن يفعل ذلك] [[ساقط من (ت).]]، ولسنا ممن يفعله. فيكون ذلك توبيخا لهم هد توبيخ. قال أبو إسحاق: القول الأول قول المفسرين، والقول الثاني قول النحويين، وهم أجمعون يقولون القول الأول، ويستجيدونه؛ لأن "إن" تكون في معنى النفي، إلا أن أكثر ما تأتي مع اللام، تقول: إن كنت [لصالحا، معناه: ما كنت] [[ساقط من (د)، (ع).]] إلا صالحا [["معاني القرآن وإعرابه" للزجاج 3/ 387.]]. وقال الفراء: أشبه الوجهين بمذهب العربية أن تكون "إن" بمعنى [[في (أ): (المعنى).]] الجزاء [["معاني القرآن" للفراء 2/ 200 مع اختلاف يسير.]].

الأنبياء 21:18

قوله: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ﴾ معنى [[(معنى): ساقطة من (ع).]] "بل" [[بل: ساقطة من (أ)، (ت).]] هاهنا: إبطال لكلامهم [ووصفهم الله] [[بياض في (ت).]] بما لا يجوز. يقول: دع ذلك فإنه باطل كذب. ﴿نَقذِفُ بِاَلحقِ﴾ قذف بالشيء [[في (أ): (الشيء).]]، إذا رمى به [[انظر: "تهذيب اللغة" للأزهري 9/ 74 (قذف)، "الصحاح" للجوهري 4/ 1414 (قذف)، "المفردات للراغب" الأصفهاني ص 397.]]. أي: نسلط الحق على باطلهم، [ونلقيه عليه حتى يذهبه. قال أبو إسحق: يعني بالحق القرآن [[قال ابن عطية 10/ 135: الحق عام في القرآن والرسالة والشرع.]]، على باطلهم [[ساقط من (د)، (ع).]]] [["معاني القرآن وإعرابه" للزجاج 3/ 387.]] وهو كذبهم ﴿فَيَدْمَغُهُ﴾ قال الكلبي: فيهلكه [[ذكره الثعلبي 3/ 28 ب، والبغوي 3/ 313، ولم ينسباه لأحد.]]. قال ابن قتيبة: يكسره. وأصل هذا إصابة الدماغ بالضرب وهو مقتل [[في (أ)، (ت): (مقيل)، وهو خطأ.]] [["غريب القرآن" لابن قتيبة ص 285.]]. وحقيقة ما قاله أبو إسحق: ﴿فَيَدْمَغُهُ﴾ فيذهبه [[فيذهبه: ساقطة من (ز).]] ذهاب الصغار والاذلال [["معاني القرآن وإعرابه" للزجاج 3/ 387.]]. ﴿فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ﴾ أي: زائل، ذاهب [[انظر: "تهذيب اللغة" للأزهري 5/ 391 - 392 (زهق)، "لسان العرب" 10/ 147 (زهق).]]. قال ابن عباس: كما يذهب السهم من الرمية. وقال قتادة: هالك [[رواه عبد الرزاق في "تفسيره" 2/ 23، والطبري 17/ 11، وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 5/ 620 وعزاه لعبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.]]. وذكرنا هذا عند قوله: ﴿وَزَهَقَ اَلبَاطِلُ﴾ [الإسراء: 81] والمعنى: إنما [[في (د)، (ع): (إنَّا).]] نبطل كذبهم بما تبين من الحق حتى يضمحل [[يضمحل: أي: ينحل. "القاموس المحيط" 4/ 5.]] ويذهب. ثم أوعدهم على كذبهم فقال: ﴿وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ﴾ قال ابن عباس: يريد واديا في جهنم [[ذكره عنه القرطبي في "تفسيره" 11/ 277. وفي طبعتي "الدر المنثور" 1/ 82 دار المعرفة، 1/ 202 دار الفكر: (أخرج هناد في "الزهد" وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: ويل سيل من صديد في أصل جهنم -وفي لفظ- ويل واد في جهنم .. ". وهو تصحيف في الطبعتين، والصواب: عن أبي عياض. انظر: "الزهد" لهناد 1/ 83، و"تفسير الطبري" 2/ 267 طبعة شاكر، وابن أبي حاتم 1/ 243. وجاءت رواية "ويل واد في جهنم" مرفوعة إلى النبي -ﷺ-، فقد روي الإمام أحمد في "مسنده" 3/ 75 وغيره عن أبي سعيده -رضي الله عنه- مرفوعاً: "ويل واد في جهنم" .. الحديث. قال ابن كثير -رحمه الله- "تفسيره" 1/ 117: وهذا الحديث -بهذا الإسناد مرفوعًا- منكر. والأظهر في هذا أن الويل: الهلاك والدمار، وهي كلمة مشهورة في اللغة. قاله ابن كثير في "تفسيره" 1/ 117.]]، يقول لكم يا معشر الكفار الويل من كذبكم [[العبارة في (د)، (ع): (الويل لكم الويل ممن كذبكم).]] ووصفكم الله [[لفظ الجلالة لم يرد في (د)، (ع).]] بما لا يجوز. قال مجاهد: ﴿مِمَّا تَصِفُونَ﴾ [مما تكذبون، كقوله: ﴿سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ﴾ [الأنعام: 139] [[ذكره الثعلبي في "الكشف والبيان" 3/ 28 ب، ورواه الطبري 17/ 11 من طريق ابن جريج عن مجاهد قال. "سيجزيهم وصفهم" قال: قولهم الكذب في ذلك.]]. وحقيقة تأويله ما ذكره أبو إسحق: أي:] [[ساقط من (أ)، (ت).]] مما تكذبون في وصفكم الله بأنَّ له ولدا [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 387.]]. وقال الحسن في هذه الآية: هي والله [[في (د)، (ع): (لله)، وهو خطأ.]] لكل واصف كذب [[في المطبوع من ابن أبي شيبة 17/ 507: كذوب.]] إلى يوم القيامة [[رواه أبي شيبة في "مصنفه" 13/ 506 - 507، وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 5/ 620 ونسبه لابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في البعث.]]. يعني من وصف كذباً على الله في صفاته وأحكامه [[في (د)، (ع): (وأحكامه).]]، فهو من أهل هذه الآية [[قال الطبري 17/ 11: ﴿وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ﴾ يقول: ولكم الويل من وصفكم ربكم بغير صفته، وقيلكم: إنه اتخذ زوجة وولدا، وفريتكم عليه. ثم قال -بعد أن ذكر قول مجاهد المتقدم وقول من قال "تصفون" تشركون-: وذلك وإن اختلفت به الألفاظ فمعانيه متفقة: لأن من وصف الله بأن له صاحبة فقد كذب في وصفه إياه بذلك وأشرك به ووصفه بغير صفته، غير أن أولى العبارات أن يعبر بها عن معاني القرآن أقربها إلى فهم سامعيه. اهـ.]]. ثم بين أن جميع المخلوقين عبيده.

الأنبياء 21:19

فقال: ﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي [[أي: ليست في (د)، (ع).]]: عبيداً ومِلْكاً [["الكشف والبيان" للثعلبي 3/ 28 ب.]] ﴿وَمَنْ عِنْدَهُ﴾ يعني الملائكة. [قال أبو إسحق: أي هؤلاء الذين ذكرتم أنهم أولاد الله عباد الله] [[ساقط من (أ)، (ت).]] ﴿لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ﴾ [لا يأنفون عن عبادته] [[ساقط من (أ)، (ت).]] ولا يتعظمون عنها [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 387.]]، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ﴾ [الأعراف: 206]. الآية. وقد مرَّ. ﴿وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ﴾ يقال: حَسَر [[كضرب وفرح. "القاموس المحيط" 2/ 8.]] واستَحْسَر، إذا تعب وأعيا. والحسير: المنقطع إعياء وكلالاً [[من قوله يقال .. وإعياء. هذا كلام الزجاج في "معانيه" 3/ 385. ومن قوله الحسير: .. .. إلى آخره. هذا كلام ابن قتيبة في "غريب القرآن" ص 285. وانظر: "تهذيب اللغة" 4/ 287 (حسر)، "تاج العروس" للزبيدي 11/ 13 (حسر).]]. هذا معناه وتفسيره. وهذا قول قتادة، ومقاتل: لا يُعْيون [[قول قتادة رواه عبد الرزاق في "تفسيره" 2/ 23، والطبري 17/ 12. وقول مقاتل في "تفسيره" 2/ 12 ب.]]. وقال السدي: لا ينقطعون من العبادة [[رواه ابن أبي حاتم كما في "الدر المنثور" 5/ 621.]]. وقال مجاهد [[في (د)، (ع): (مقاتل)، وهو خطأ. والصواب مجاهد.]]: لا يحسرون [[رواه الطبري 17/ 12. وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 5/ 620 ونسبه لعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم. وهو في تفسير مجاهد 1/ 408 - 409.]]. وقال ابن قتيبة: لا يعجزون [[في "غريب القرآن" لابن قتيبة ص 285: (لا يعنون).]]. وهذه الأقوال صحيحة متقاربة، ورويت أقوال بعيدة: قال الكلبي، عن ابن عباس: لا يستنكفون [[ذكره الماوردي في "النكت والعيون" 3/ 441 ونسبه للكلبي. ونسبه القرطبي لابن عباس: 11/ 278.]] وقال عطاء عنه: لا يخالفون [[في (ت)، (ز): (يخافون)، وهو خطأ.]] ربوبيتي. وقال الوالبي عنه: لا يرجعون [[رواه الطبري 17/ 12 من طريق الوالبي، وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 5/ 62 ونسبه لابن أبي حاتم. وذكره الثعلبي في "الكشف والبيان" 3/ 28 ب، وقد تكلم العلماء على رواية الوالبي عن ابن عباس، فقال أبو جعفر النحاس في "الناسخ والمنسوخ" ص 75 عن هذا الطريق: وهو صحيح عن ابن عباس، والذي يطعن في إسناده يقول: ابن أبي طلحة لم يسمع من ابن عباس، وإنما أخذ التفسير عن مجاهد وعكرمة. قال أبو جعفر: وها القول لا يجب طعنا؛ لأنه أخذه عن رجلين ئقتين، وهو في نفسه ثقة صدوق. ثم روى النحاس بسنده عن أحمد بن حنبل رحمه الله قال: بمصر كتاب التأويل عن معاوية بن صالح، لو جاء رجل إلى مصر فكتبه ثم انصرف ما كانت رحلته عندي ذهبن باطلا. وقال الذهبي في "ميزان الأعتدال" 3/ 134 - ترجمة علي بن أبي طلحة- روى معاوية بن صالح، عنه، عن ابن عباس تفسيرًا كبيرًا ممتعا. وقال ابن حجر في "العجاب في بيان الأسباب" (ق 3 ب): (وعليُّ صدوق، ولم يلق ابن عباس لكنه إنما حمل عن ثقات أصحابه؛ فلذا كان البخاري وأبو حاتم وغيرهما يعتمدون على هذه النسخة". وقال أيضًا في "تهذيب التهذيب" 7/ 340 - في ترجمة علي-: "ونقل البخاري من تفسيره رواية معاوية بن صالح، عنه، عن ابن عباس شيئًا في التراجم وغيرها ولكنه لم يسميه يقول: قال ابن عباس، أو يذكر عن ابن عباس". وقال السيوطي في "الإتقان" 2/ 532: وقد ورد عن ابن عباس في التفسير ما لا يُحصى كثرة، وفيه روايات وطرت مختلفة، فمن جيدها طريق علي بن أبي طلحة الهاشمي عنه.]]. وقال ابن زيد: لا يملون [[رواه الطبري 17/ 12، وذكره الثعلبي في "الكشف والبيان" 7/ 28 ب.]]. وهذه الأقوال بعيدة من تفسير الاستحسار وأقربها قول ابن زيد.

الأنبياء 21:20

قوله تعالى: ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ﴾ ينزهون الله دائمًا بقولهم سبحان الله ﴿لَا يَفتُرُونَ﴾ لا يضعفون ولا يملون [[في (1): (يملكون)، وهو خطأ.]]. قال الكلبي: التسبيح منهم بمنزلة التبسم من الإنسان. وقال كعب: سهل عليهم التسبيح كسهولة فتح الطرف والتنفس على الإنسان [[رواه الطبري 17/ 12، وأبو الشيخ في "العظمة" 2/ 738 - 739، والبيهقي في "شعب الإيمان" 1/ 1/ 48، وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 5/ 621 وعزاه لابن المنذر وابن أبي حاتم وأبي الشيخ في "العظمة" والبيهقي في "شعب الإيمان".]]. وقال الزجاج: مجرى التسبيح منهم كمجرى النفس منا لا يشغلنا عن النفس شيء، فكذلك [[في (أ): (فلذلك).]] تسبيحهم دائم [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 387، 388.]]. وهذا معنى [[(معنى): ساقطة من (د)، (ع).]] قول المفسرين: إن الملائكة قد ألهموا التسبيح كما يلهمون النفس [[انظر: "الكشف والبيان" للثعلبي 3/ 28 ب.]].

الأنبياء 21:21

ثم عاد إلى توبيخ المشركين فقال: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً﴾ قال المبرد: (أم) هاهنا تقريع وتوبيخ كالألف إلا أنَّ فيها زيادة انتقال عن خبر [[في (ت): (خبر إلى خبر)، وهو خطأ.]] إلى خبر معناه: بل اتخذوا. وهذا معنى "أم" المنقطعة حيث وقعت [[ذكره القرطبي 11/ 278 عن المبرد باختصار. وانظر: "شرح التسهيل" لابن عقيل 2/ 455 - 456، "رصف المباني" للمالقي ص 179 - 180، "مغني اللبيب" لابن هشام 1/ 55 - 56، "الجنى الداني" للمرادي ص 205 - 206.]]. وعنى بالآلهة الأصنام. وقوله تعالى: ﴿مِنَ الْأَرْضِ﴾ لأن أصنامهم كانت من الأرض من أي جنس كانت، من حجارة، أو خشب، أو ذهب، أو فضة. ﴿هُمْ يُنْشِرُونَ﴾ أي: يُحيُون. يقال: أنشر الله الميت فانتشر، أي: أحياه فحيي [[انظر: "تهذيب اللغة" للأزهري 11/ 338 (نشر)، "تاج العروس" 14/ 215 (نشر).]]. وهذا توبيخ لهم على عبادتهم جمادًا من الأرض لا يقدر على شيء. وقال المفضل: لفظ الآية استفهام ومعناه جحد [[ذكره القرطبي 11/ 278.]]. وعلى هذا معنى الآية: لم يتخذوا آلهة تقدر على الإحياء، وإن شئت جعلت هذا الاستفهام الذي معناه الإنكار والجحد واقعاً على الإنشار في المعنى، وإن كان في الظاهر على الاتخاذ على تقدير: أينشر آلهتهم التي اتخذوها؟ أي: ليست لها هذه الصفة، كما تقول: أزيدًا نضرب؟ توقع الاستفهام على زيد، والمراد الاستفهام عن الضرب.

الأنبياء 21:22

ثم ذكر الدلالة على توحيده وأنه لا يجوز أن يكون معه إله سواه فقال: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا﴾ أي: في السماء والأرض، وجرى ذكرهما قبل. ﴿آلِهَةٌ﴾ معبودين يستحقون العبادة. ﴿إلا اللهُ﴾ قال الزجاج: "إلا" صفة في معنى غير، ولذلك ارتفع ما بعدها على لفظ الذي قبلها، وأنشد [[البيت أنشده الزجاج في "معاني القرآن" 3/ 3878 من غير نسبة. وهو منسوب لعمرو بن معدي كرب في: "الكتاب" 2/ 334، "مجاز القرآن" لأبي عبيدة 1/ 131، "البيان التبيين" للجاحظ 1/ 228، الطبري 8/ 527. وهو في ديوان عمرو ص 187، ونسبه الآمدي في "المؤتلف والمختلف" ص 85 لحضرمي بن عامر الأسدي ضمن أبيات قالها. وهو من غير نسبة في: "معاني القرآن" للأخفش 1/ 296، "تهذيب اللغة" للأزهري 15/ 424. قال الشنتمري في "تحصيل عين الذهب" 1/ 371: وهذا على مذهب الجاهلية، وكأنه قاله قبل الإسلام، ويحتمل أنه يريد في مدة الدنيا. اهـ. والفرقدان: نجمان قريبان من القطب يهتدي بهما. انظر الصحاح للجوهري 2/ 519 "فرقد"، "القاموس المحيط" 1/ 323.]]: وكلُّ أخٍ مُفارقُه أخوه ... لَعَمْرُ أبيكَ إلا الفَرْقَدانِ وقال: المعنى: وكل أخ غير الفرقدين مفارقه أخوه [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 388. وهذا قول سيبويه والكسائي وغيرهما. انظر: "الكتاب" 2/ 313 - 332، "إعراب القرآن" للنحاس 3/ 67.]]. وعلى هذا التقدير: آلهة غير الله، فغير الله صفة الآلهة على معني: آلهة هم غير الله كما يزعم المشركون [[وذهب الفراء إلى أن "إلا" هنا بمعنى سوى، وتقديره: لو كان فيهما آلهة سوى الله. انظر: "معاني القرآن" للفراء 2/ 200، "إعراب القرآن" لابن الأنباري 2/ 159.]]. وقال الأخفش [[في "معاني القرآن" للأخفش 1/ 295: ... وقد يكون ﴿إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ﴾ [يونس: 99] رفعا، تجعل (إلا) وما بعده في موضع صفة بمنزلة: غير ... ومثلها ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ فقوله (إلا الله) صفة.]] في هذه الآية: إلا وما بعدها بمنزلة غير، تقول: لو كان فيهما أحد إلا أنت لم أبل [[قال سيبويه في "الكتاب" 4/ 405: وسألته -يعني الخليل- عن قولهم: لم أبل، فقال: هي من باليت، ولكنهم لما أسكنوا اللام حذفوا الألف؛ لأنه لا يلتقي ساكنان.]] [أي غيرك، وكذلك لو أنه إلا أنت لم أبل إلا غيرك، ولو كان إلا أياك لم أبل] [[ساقط من (أ)، (ت).]] كأنك قلت كغيرك. قال أبو علي في "الإيضاح": تقول: جاءني القوم إلا زيدًا، فتنصب الاسم بعد إلا على الاستثناء، ويجوز أن ترفعه إذا جعلت إلا وما بعدها صفة فتقول: جاءني القوم إلا زيد، وعلى هذا قوله: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [["الإيضاح العضدي" لأبي علي الفارسي 1/ 229.]]. فظهر أن قوله: ﴿إلاَّ اللهُ﴾ ليس باستثناء إنما هو صفة للآلهة كما ذكرنا. وقوله تعالى: ﴿لَفَسَدَتَا﴾ أي: لخربنا وبطلتا وهلكتا، وهلك من فيهما لوجود التمانع بين الآلهة [[يشير الواحدي بهذا إلى الدليل المشهور عند المتكلمين الذي يسمونه دليل التمانع، وهو: أنه لو كان للعالم صانعان فعند اختلافهما مثل أن يريد أحدهما تحريك جسم وآخر تسكينه، أو يريد أحدهما إحياءه والآخر إماتته، فإما: أن يحصل مرادهما، أو مراد أحدهما، أولا يحصل مراد واحد منهما. والأول ممتنع؛ لأنه يستلزم الجمع ببن الضدين، والثالث ممتنع، ويستلزم أيضًا عجز كل واحد منهما والعاجز لا يكون إلها، وإذا حصل مراد أحدهما دون الآخر كان هذا هو الإله القادر، والآخر عاجزًا لا يصلح للإلهية. انظر: "الإنصاف" للباقلاني ص 34، "الشامل في أصول الدين" للجويني ص 352، "غاية المراد" للآمدي ص 151 - 152، "منهاج السنة النبوية" لأبي العباس أحمد بن تيمية 3/ 304 - 305، "شرح الطحاوية" ص 78 - 79. لما كان كلام الواحدي هنا قد يفهم منه المقصود بهذه الآية دليل التمانع فإنه ينبغي الإشارة هنا إلى ما نبه عليه شيخ الإسلام ابن تيمية وابن جزي الكلبي وابن أبي العز الحنفي وغير واحد من أهل العلم وهو: أن طوائف من المتكلمين والمفسرين == يظنون أن دليل التمانع الذي تقدم ذكره هو الدليل المذكور في القرآن في قوله "لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا"، وليس الأمر كذلك، فإن هؤلاء -كما يقول ابن أبي العز- في "شرحه" للطحاوية ص 86 - 87: "غفلوا عن مضمون الآية، فإنه سبحانه أخبر أنه لو كان فيهما آلهة غيره، ولم يقل أرباب، وأيضًا فإن هذا إنما هو بعد وجودهما، وأنه لو كان فيهما وهما موجودتان آلهة سواه لفسدتا، وأيضًا فإنه قال: "لفسدتا" ولم يقل: لم يوجدا. ودلت الآية على أنه لا يجوز أن يكون فيهما آلهة متعددة، بل لا يكون الإله إلا واحدًا، وعلى أنه لا يجوز أن يكون هذا الإله الواحد إلا الله سبحانه وتعالى، وأن فساد السموات والأرض يلزم من كون الآلهة فيهما متعددة، ومن كون الإله الواحد غير الله، وأنه لا صلاح لهما إلا بأن يكون الإله فيهما هو الله وحده لا غيره، فلو كان للعالم إلهان معبودان لفسد نظامه، فإن قيامه إنما هو بالعدل وبه قامت السموات والأرض، وأظلم الظلم على الإطلاق الشرك، وأعدل العدل التوحيد". اهـ. ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه "اقتضاء الصراط المستقيم" ص 461: "هذه الآية ليس المقصود بها ما يقوله من يقوله من أهل الكلام من ذكر دليل التمانع على وحدانية الرب تعالى، فإن التمانع يمنع وجود المفعول لا يمنع وجوده بعد فساده". ويقول في كتابه "منهاج السنة النبوية" 3/ 334 - 335 بعد ذكره لدليل التمانع وبيان أنه دليل عقلي صحيح، ثم تنبيه على غلط من ظن أن هذا الدليل هو المقصود من قوله "لو كان فيهما آلهة إلا الله" يقول: والمقصود هنا أن من هذه الآية بيان امتناع الألوهية من جهة الفساد الناشئ من عبادة ما سوى الله تعالى؛ لأنه لا صلاح للخلق إلا بالمعبود المراد لذاته من جهة غاية أفعالهم ونهاية حركاتهم، وما سوى الله لا يصلح، فلو كان فيهما معبود غيره لفسدتا من هذه الجهة، فإنه سبحانه هو المعبود المحبوب لذاته، كما أنه هو الرب الخالق بمشيئته. وهذا معني قول النبي -صلي الله عليه وسلم -: أصدق كلمة قالها الشاعر كلمة لبيد: ألا كل شيء ما خلا الله باطل ... وكل نعيم لا محالة زائل ولهذا قال الله في فاتحة الكتاب: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ وقدم اسم الله على اسم الرب في أولها حيث قال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ فالمعبود هو المقصود المطلوب المحبوب لذاته، وهو الغاية والمعين، وهو البارئ المبدع الخالق، ومنه ابتداء كل شيء، والغايات تحصل بالبدايات، والبدايات بطلب =]]، فلا يجرى أمر العالم على النظام، ويؤدي ذلك . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . إلى هلاك العالم؛ لأن كل أمر صدر عن اثنين فأكثر لا يجري على النظام وهذا كقوله تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ﴾ [الإسراء: 42] الآية. والمعنى: على نفي أن يكون في الأرض أو في السماء آلهة فهم [[(فهم): ساقطة من (ت).]] غير الله وإذا بطل ذلك ثبت أنه لا إله غيره. ثم نزه نفسه عما يصفه به الكافرون من الشريك والولد بقوله: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾.

الأنبياء 21:23

قوله: ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ قال الكلبي: لا يسأل الله عن فعله والناس يسألون عن أعمالهم [[انظر: "تنوير المقباس" ص 201.]]. وقال الضحاك: لا يسأل عما يقضي في خلقه، والخلق مسؤلون [[في (ت): (مسؤل).]] عن أعمالهم [[رواه الطبري 17/ 14. وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 5/ 622 وعزاه لابن أبي حاتم فقط.]]. وقال أبو إسحق: لا يسأل في القيامة عن حكمه في عباده، ويَسْألُ عباده عن أعمالهم إيجاباً للحجة عليهم [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 388.]]. قال المفسرون [[معناه عند الطبري 17/ 14، و"الكشف والبيان" للثعلبى 32/ 8 ب.]]: إن الله تعالى لا يسأل عما يحكم في عباده من إعزاز وإذلال،. وهدى وضلال، وإسعاد وإشقاء؛ لأنه الرب مالك الأعيان، والخلق يُسألون سؤال توبيخ يقال لهم يوم القيامة: لم فعلتم [[في (ت): (لم تعلم).]] كذا وكذا؛ لأنهم العبيد وواجب عليهم امتثال أمر مولاهم، والله تعالى ليس فوقه أحد يقول له لشيء فعله لم فعلته؟. وهذا معنى ما روي عن أبي الأسود الديلي قال: غدوت على عمران ابن حصين يوما من الأيام فقال: أبا الأسود رأيت ما يعمل الناس اليوم ويكدحون فيه أشيء قضي عليهم في قدر قد سبق أو فيما يستقبلون؟ قال: قلت: بل شيء قضى عليهم، ومضى عليهم. قال: فهل يكون ذلك ظلماً؟ قال: ففزعت من ذلك فزعاً شديداً فقلت [[في (ت): (وقلت).]]: إنه ليس شيء إلا خَلْقُ الله وملك يده لا يسأل عما يفعل وهم يسألون فقال: سددك الله ما سألتك إلا لأجرب عقلك [[رواه الإمام أحمد في "مسنده" 4/ 438، ومسلم في "صحيحه" 4/ 2041، والطبري 30/ 211، واللالكائي في "شرح أصول السنة" 3/ 542.]]. وهذا الآية بتفسير المفسرين والصحابة دليل ظاهر على القدرية في مسألة القدر.

الأنبياء 21:24

ولما أبطل الله تعالى أن يكون إله سواه من حيث العقل بقوله: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ أبطل جواز اتخاذ آلهة سواه من حيث الأمر بقوله: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً﴾ وهذا استفهام إنكار وتبكيت كما ذكرنا في قوله: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ﴾ وأعيد هاهنا لأنه أعيد عليهم احتجاج من وجه آخر وهو [[(وهو): ساقط من (د)، (ع).]] قوله: ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ﴾ أي: بينتكم [[في (ت): (بينكم).]] على ما تقولون من جواز اتخاذ إله سواه. ﴿هَذَا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ﴾ [[موضع هذا بياض في (ت).]] يعني القرآن يقول: فيه خبر [[في (ت): (خير).]] من معي على ديني ممن يتبعني إلى يوم القيامة بما لهم من الثواب على الطاعة والعقاب على المعصية. ﴿وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي﴾ من المفسرين من يجعل هذا أيضًا من صفة القرآن يقول: معناه: وخبر من قبلي من الأمم السالفة وما فعل الله بهم في الدنيا وما هو فاعل بهم في الآخرة. وهذا مذهب السدي والكلبي [[ذكره الرازي 22/ 158 عن السدي، ونسبه أيضًا لسعيد بن جُبير وقتادة ومقاتل. ولم أجد من ذكره عن الكلبي وقد روى الطبري 17/ 15 هذا المعنى عن قتادة.]]. وعلى هذا المعنى: أنه لما طالبهم بالبرهان على ما هم عليه من الشرك أمره أن يذكر لهم برهانه على ما هو عليه من التوحيد وهو القرآن الذي فيه ما تحتاج إليه هذه الأمة من الأحكام مع أخبار الأمم السالفة. وقال ابن عباس -في رواية عطاء- في قوله: ﴿وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي﴾: يريد التوراة والإنجيل وما أنزل الله من الكتب [[ذكره البغوي 5/ 314 من رواية عطاء، عن ابن عباس.]]. وهذا القول هو اختيار الزجاج وعبد الله بن مسلم [[هو ابن قتيبة، وقوله في كتابه "غريب القرآن" ص 285.]] وصاحب النظم. والمعنى على هذا القول: ﴿هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ﴾ هذا القرآن وهذه الكتب التي أنزلت قبلي، فانظروا هل في واحد من الكتب أن الله أقر باتخاذ إله [سواه؟ فبطل بهذا البيان جواز اتخاذ معبود] [[ساقط من (أ)، (ت).]] سواه من [[موضع (سواه من) بياض في (ت).]] حيث الأمر بذلك. قال أبو إسحاق: قيل لهم: هاتوا برهانكم بأن رسولاً من الرسل [[في (أ)، (ت): (الرسول)، وهو خطأ.]] أنبأ أمته بأن لهم إلهاً غير الله فهل في ذكر من معي وذكر من قبلي إلا توحيد الله [["معاني القرآن وإعرابه" للزجاج 3/ 389.]]. وقال صاحب النظم: لما قال عز وجل: ﴿هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ﴾، أي: حجتكم على ما تفعلون قال لنبيه -ﷺ- قل لهم: ﴿هَذَا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ﴾ أي القرآن الذي أنزل علي ﴿وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي﴾ أي: ما عند اليهود والنصارى، هل فيه شيء [[شيء: ليست في (د)، (ع).]] أني أذنت لأحد، أو أمرته بأن يتخذ إلهاً دوني؟ وهل في ذلك [[في (أ)، (ت): (ذكر).]] كله إلا أني أنا الله وحدي لا شريك لي؟ فلما توجهت الحجة عليهم ذمهم على جهلهم بمواضع الحق وتركهم للتأمل والتفكر فقال: ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾. ويدل [[في (ع): (يدل).]] على صحة هذا المعنى قوله تعالى بعد هذا: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾

الأنبياء 21:26

قوله: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا﴾ قال ابن عباس: يريد من الملائكة [[مثله في "تنوير المقباس" ص 201.]]. ﴿سُبْحَانَهُ﴾ نزه نفسه عما يقولون ﴿بَلْ عِبَادٌ﴾ بل هم عباد يعني الملائكة. ﴿مُكْرَمُونَ﴾ قال ابن عباس: يريد أكرمتهم واصطفيتهم [[انظر المرجع السابق ص 201.]].

الأنبياء 21:27

﴿لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ﴾ لا يتكلمون إلا بما يأمرهم به ربهم. وقال ابن مسلم: أي لا يقولون حتى يقول ويأمر وينهى، ثم يقولون عنه [["غريب القرآن" لابن قتيبة ص 285.]]. وقال غيره: لا يخرجون بقولهم عن حد ما أمرهم به فقولهم طاعة لربهم.

الأنبياء 21:28

قوله: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾ قال عطاء، عن ابن عباس: يريد الآخرة ﴿وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ يريد الدنيا [[ذكره عنه القرطبي 11/ 281.]]. وعنه أيضًا: أي ما قدموا وأخروا من أعمالهم أي ما عملوا وما هم عاملون [[رواه بنحوه الطبري 17/ 16 من طريق العوفي عن ابن عباس. وذكره الثعلبي في "الكشف والبيان" 3/ 28 ب.]]. وقال السدي على عكس قول عطاء [[لم أجده.]]. ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ قال ابن عباس: لمن قال لا إله إلا الله [[رواه الطبري 17/ 16. وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 5/ 624 وعزاه للطبري وابن أبي حاتم وابن المنذر والبيهقي في البعث.]]. وقال مجاهد: لمن رضي عنه [[رواه الطبري 17/ 17، وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 624 وعزاه لعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.]]. وقال السدي: للمؤمنين. ﴿وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ﴾ أي: خشيتهم منه فأضيف المصدر إلى المفعول ﴿مُشْفِقُونَ﴾ خائفون لا يأمنون مكره. وذكرنا الكلام في هذا أبلغ عند قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ﴾ [[المؤمنون: 57. ولم تتقدم، وستأتي بعد.]].

الأنبياء 21:29

قوله: ﴿وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ﴾ أي: الملائكة ﴿إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ﴾ من دون الله ﴿فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ﴾ قال قتادة: [[رواه عبد الرزاق في "تفسيره" 2/ 23، والطبري 17/ 17، وذكره السيوطي في في "الدر المنثور" 5/ 625 وعزاه لعبد الرزاق وابن المنذر وابن أبي حاتم.]]، والضحاك [[ذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 625 وعزاه لابن أبي حاتم.]]، والسدي، والكلبي: يعني إبليس لعنة الله، لأنه أمر بطاعته ودعا إلى عبادة نفسه [[قال ابن عطية 10/ 140: وهذا ضعيف؛ لأن إبليس لم يرد قط أنه ادعى ربوبية. اهـ. والأظهر أن يقال إنّ السياق في الملائكة، والمعنى على سبيل الفرض أنهم يقولون ذلك، وهم لا يقولونه. انظر: "روح المعاني" للآلوسي 17/ 33.]]. ﴿كَذَلِكَ﴾ كما جزيناهم جهنم ﴿نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾ قال ابن عباس: يريد المشركين.

الأنبياء 21:30

قوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي: أولم يعلموا ﴿أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا﴾ قال أبو عبيدة، والزجاج: السموات لفظ الجمع يراد به الواحد، لذلك قال: ﴿كَانَتَا﴾ لأنه أراد السماء والأرض [[قول أبي عبيدة في كتابه "مجاز القرآن" 2/ 36. وقول الزجاج في كتابه: "معاني القرآن" 2/ 390.]]. وهذا معنى قول الأخفش: جعلهما صنفين كقول العرب: لقاحان سوداوان [[في "معاني القرآن" للأخفش 2/ 634: (سودان).]] وفي كتاب الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا﴾ [فاطر: 41] [["معاني القرآن" للأخفش 2/ 633 - 634. وانظر: "إعراب القرآن" للنحاس 3/ 69، "الدر المصون" 8/ 147.]]. قوله تعالى: ﴿رَتْقًا﴾ الرتق معناه في اللغة: السد. يقال: رتقت الشيء فارتتق، ومنه الرتقاء وهي المنضمة الفرج [[انظر: (رتق) في "تهذيب اللغة" للأزهري (9/ 53 - 54)، "الصحاح" للجوهري 4/ 480، "لسان العرب" 10/ 114.]]. وقوله تعالى: ﴿فَفَتَقْنَاهُمَا﴾ الفتق: الفصل بين الشيئين الذين كانا ملتئمين أحدهما متصل بالآخر، فإذا فرق بينهما فقد فتقا. ويقال: فتق الخياط يفتقها، ومنه يقال: أفتق قرن الشمس، إذا أصاب فتقا من السحاب فبدا منه [[انظر: (فتق) في: "تهذيب اللغة" للأزهري 9/ 62، "الصحاح" للجوهري 4/ 1539 - 1540، "لسان العرب" 10/ 296 - 297.]]. قال أبو إسحاق: وقيل ﴿رَتْقًا﴾ لأن الرتق مصدر، المعنى: كانتا ذواتي رتق [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 390.]]. واختلف المفسرون في تفسير هذه الآية على ثلاثة أوجه: أحدها: ما رواه عطاء، عن ابن عباس قال: يريد أن السماء لم تكن تنزل مطرًا، والأرض لا تنبن نباتًا، ففتق الله -عَزَّ وَجَلَّ- السماء بالمطر والأرض بالنبات [[روى الحاكم في "مستدركه" 2/ 382 والبيهقي في "الأسماء والصفات" ص 43 من طريق طلحة، عن عطاء، عن ابن عباس بنحوه. قال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وتعقبه الذهبي بقوله طلحة واه. وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 5/ 625 وعزاه للفريابي وعبد بن حميد والحاكم والبيهقي في "الأسماء والصفات". وأخرج أبو نعيم في "الحلية" 1/ 320 من طريق عبد الله بن دينار عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رجلا أتاه فسأله عن قوله ﴿السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا﴾ قال: اذهب إلى ذلك الشيخ فاسأله ثم تعال فأخبرني ما قال، فذهب إلى ابن عباس فسأله قال: نعم، كانت السماء رتقاء لا تمطر .... فذكره بنحوه ما هنا. وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 5/ 625 وعزاه لابن أبي حاتم وابن المنذر وأبي نعيم في الحلية. وفي "الدر المنثور" 5/ 625: أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله "كانتا رتقا" قال لا يخرج منهما شيء "ففتقناهما" قال: فتقت السماء بالمطر، وفتقت الأرض بالنبات. فهذه روايات ثلاث عن ابن عباس رضي الله عنهما، يعضد بعضها بعضًا.]]. وهذا قول مجاهد في رواية أبان بن تغلب [[هو أبان بن تغلب، أبو سعد -وقيل: أبو أمية- الربعي، الكوفي، الشيعي، المقرئ. قال ابن عدي: وهو من أهل الصدق في الروايات، وإن كان مذهبه مذهب الشيعة. وقال الذهبي: وهو صدوق في نفسه، عالم كبير، وبدعته خفيفة، لا يتعرض للكبار. وقال ابن حجر: ثقة تكلم فيه للتشيع. توفي سنة 140 هـ، وقيل: 141 هـ. "الكامل" لابن عدي 1/ 380، "تهذيب الكمال" للمزي 2/ 6 - 8، "سير أعلام النبلاء" للذهبي 308 - 309، "تقريب التهذيب" لابن حجر 2/ 30، "غاية النهاية" لابن الجزري 1/ 4. ولم أجد هذه الرواية عن مجاهد من طريق أبان، لكن وجدتها من طريق خصيف، عن مجاهد رواه سفيان الثوري في "تفسيره" (ص 200) عن خصيف.]]، وعطية العوفي، وابن زيد [[رواها الطبري في "تفسيره" 17/ 17. وذكرها الثعلبي في "الكشف والبيان" 3/ 29 أ.]]، واختيار الفراء [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 2/ 201.]] وابن قتيبة [[انظر: "غريب القرآن" لابن قتيبة ص 286.]]. الوجه الثاني: أن المعنى كانتا شيئًا واحدا ملتزقتين، ففصل الله بينهما بالهواء. وهذا قول الحسن، وقتادة [[رواه الطبري 17/ 18 عن الحسن وقتادة، وذكره عهما السيوطي في "الدر المنثور" 5/ 626 وعزاه لابن المنذر وابن أبي حاتم.]]، والضحاك [[ذكره عن الضحاك الثعلبي في "الكشف والبيان" 3/ 29 أ. وروى سفيان الثوري في "تفسيره" ص 200 عن الضحاك قال: كن سبعًا ملتزقات ففتق بعضهن عن بعض. ورواه الطبري 17/ 18 من طريق الضحاك، عن ابن عباس.]]، ورواية عكرمة عن ابن عباس [[روى سفيان في "تفسيره" ص 200 عن أبيه، عن عكرمة، سئل ابن عباس رضي الله عنهما. أيهما كان قبل الليل أو النهار؟ فقرأ "أو لم ير .... " الآية ثم قال: وهل كانن بينهما إلا ظلمة. وكذا رواه أبو الشيخ في "العظمة" 4/ 1368. ورواه عبد الرزاق في "تفسيره" 2/ 23 والطبري 17/ 19 من طريق عكرمة مختصرًا.]]. قال كعب: خلق الله السموات والأرض بعضها على بعض ثم خلق ريحاً توسطتها ففتحها بها [[ذكره الثعلبي في "الكشف والبيان" 3/ 29 أ. وهو من الإسرائيليات.]]. الوجه الثالث: أن المعنى كانت السموات مرتتقة فجعلت سبع سموات، وكذلك الأرضون. وهذا قول أبي صالح [[رواه عنه الطبري 17/ 19، وأبو الشيخ في "العظمة" 3/ 1025، وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 5/ 626 ونسبه لعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وأي الشيخ في العظمة.]]، ومجاهد في رواية ابن أبي نجيج [[رواه الطبري 18/ 18، وأبو الشيخ في "العظمة" 3/ 1026، وذكره السيوطي في "الدر المنثور": 5/ 626 وعزاه لابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبي الشخ في "العظمة".]]، والسدي [[رواه الطبري 17/ 19. وذكره الثعلبي في "الكشف والبيان" 3/ 29 أ.]]، واختيار أبي إسحق، قال: المعنى أن السموات كانت سماء واحدة [[في (أ)، (ت): (واحد).]] مرتتقة، ففتقها الله، فجعلها سبعًا وجعل الأرض سبع أرضين [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 3/ 390.]]. وأكثر الناس على القول الأول، وهو أنهما كانتا منسدتين لا فرج فيهما فصدعهما الله بما يخرج منهما. قال أبو إسحاق: ويدل على هذا التفسير قوله: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 390. وقال الطبري 17/ 19 عن هذا القول أنه أولى الأقوال بالصواب، لدلالة قوله "وجعلنا من الماء كل شيء حي" على ذلك، وأنّه لم يعقب ذلك بوصف الماء بهذه الصفة إلا والذي تقدّمه من ذكر أسبابه. وقال ابن عطية في "المحرر" 10/ 141: وهذا قول حسن، يجمع العبرة وتعديد النعمة واحبيبة بمحسوس بين، ويناسب قوله ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾، فيظهر معنى الآية ويتوجه الاعتبار.]]. أي: وأحيينا بالماء الذي نزله من السماء ﴿كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ يعني أنه سبب لحياة كل شيء، ويدخل فيه الشجر والنبات على التبع، ويكون التقدير: وجعلنا من الماء حياة كل شيء حي. وهذا قول قد حكي [[انظر: "الطبري" 17/ 19 - 20.]]، وتحتمله دلالة الآية. والمفسرون على قول آخر. قال قتادة: كل شيء حي خلق من الماء [[رواه عبد الرزاق في "تفسيره" 2/ 23، والطبري 17/ 20.]]. وقال أبو العالية -في هذه الآية-: يعني النطفة [[رواه البيهقي في "الأسماء والصفات" ص 45، وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 5/ 626 وعزاه لعبد بن حميد وابن أبي حاتم وابن المنذر والبيهقي في "الأسماء والصفات".]]. قال المفسرون [[انظر: "الطبري" 17/ 20، و"الثعلبي" 3/ 29 أ.]] إنَّ كل شيء حي فهو مخلوق من الماء كقوله: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ﴾ [النور: 45]. وعلى هذا لا يتعلق قوله: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ﴾ بما قبله، وهو احتجاج آخر على المشركين. وقوله تعالى: ﴿أَفَلَا يُؤْمِنُونَ﴾ أي: أفلا يصدقون بعد هذا البيان.

الأنبياء 21:31

قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ﴾ ذكرنا تفسير هذه القطعة عند قوله: ﴿وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ في سورة النحل [آية: 15]. وتقدير قوله: ﴿أَنْ تَمِيدَ﴾ كتقدير قوله: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾ [النساء: 176] وقوله: ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا﴾ [البقرة: 282] وذكرنا الخلاف بين النحويين في هذه المسألة [[انظر: "البسيط" عند قوله تعالى: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾. وقد اختلف النحويون في تقدير "أن تميد" ونحوها من الآيات فعند الكوفيين "إنْ" بمعنى لئلا، أو ألَّا، على تقدير: لئلا تميد، لئلا تضلوا. وقال البصريون: المحذوف هاهنا مضاف، على تقدير: مخافة أن تميد أو كراهة أن تميد، وكراهة أن تضلوا. ثم حذف المضاف وأقيم المضاف إلى مقامه، قالوا: و"لا" حرف جاء لمعنى النفي فلا يجوز حذفه، وحذف المضاف أسوغ وأشيع من حذف "لا". انظر: "معاني القرآن" للفراء 1/ 297، "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 511، == 2/ 393، "الإملاء" للعكبري 1/ 205، 2/ 132، "البحر المحيط" 3/ 408 - 409، "مغني اللبيب" لابن هشام 1/ 46، "الجنى الداني في حروف المعاني" للمرادي ص 224 - 225.]]. وقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا فِيهَا﴾ أي: في الرواسي. ﴿فِجَاجاً﴾ قال أبو عبيدة: يعني المسالك [["مجاز القرآن" 2/ 37.]]. وقال أبو إسحق: كل مخترق بين جبلين فهو فج [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 390.]]. وقال الليث: الفج: الطريق الواسع بين الجبلين [[قول الليث في "العين" 6/ 24 "فج" مع اختلاف في آخره [في قبل جبل ونحوه].]]. وقال أبو الهيثم: الفج: طريق في الجبل واسع، يقال: فَجٌّ وأفُجٌّ وفِجَاج [[قول أبي الهيثم في "تهذيب اللغة" للأزهري 10/ 597 - 508 "فَجَّ".]]. والفج في كلام العرب: تفريجك بين الشيئين، يقال: فججت رجلي أفجهما [[في جميع النسخ: (أفجها)، والتصويب من "تهذيب اللغة".]] فجًّا، إذا وسعت بينهما. ومنه قيل للطريق بين جبلين: فج؛ لأنه كأنه فرج بين الجبلين. ويقال: افجج فلان افتجاجا، إذا سلك الفجاج [["تهذيب اللغة" للأزهري 10/ 508 (فجَّ) منسوبًا إلى الأصمعي.]]. وذكر بعض أهل التفسير أن الكناية عن قوله: ﴿فِيهَا فِجَاجًا﴾ عائدة إلى الأرض [[نسبه الرازي في تفسيره 22/ 165 إلى الكلبي، وهو اختيار الطبري فقد قال في تفسيره 17/ 21: وإنما اخترنا القول الآخر، وجعلنا الهاء والألف من ذكر الأرض، لأنها إذا كانت من ذكرها دخل في ذلك السهل والجبل، وذلك أن ذلك == كله من الأرض، وقد جعل الله لخلقه من ذلك كله فجاجا سبلاً، ولا دلالة تدل على أنه عني بذلك فجاج بعض الأرض -التي جعلها لهم سبلا- دون بعض، فالعموم بها أولى. وقال ابن عطية في "المحرر" 10/ 144 عن هذا القول إنه أحسن. واستظهره أبو حيان في "البحر" 6/ 309. ويدل لهذا القول قوله تعالى ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِسَاطًا (19) لِتَسْلُكُوا مِنْهَا سُبُلًا فِجَاجًا﴾ [نوح: 19 - 20].]]. والأولى أن تعود إلى الجبال؛ لما ذكرنا أن الفج في اللغة: الطريق بين الجبلين، وابن عباس أيضًا قال في تفسير هذه الآية: وجعلنا من اجبال طرقًا؛ حتى يهتدوا إلى مقاصدهم في الأسفار للتجارات وغيرها [[ذكره عن ابن عباس ابن الجوزي 5/ 349. وذكره القرطبي 11/ 285 مختصرًا. وذكر الرازي 22/ 164 أوله ثم قال: وهو قول مقاتل، والضحاك، ورواية عطاء عن ابن عباس. وقد روى الطبري 17/ 21 من طريق ابن جريج قال: قال ابن عباس وجعلنا فيها فجاجا سبلا" قال: بين الجبال. وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 5/ 627 وعزاه للطبري وابن المنذر. وهي رواية ضعيفة؛ لأن ابن جريج لم يلق ابن عباس. قال الإمام أحمد: إذا قال ابن جريج: قال فلان وقال فلان وأخبرت جاء بمناكير، وإذا قال: أخبرني وسمعت. فحسبك. "تهذيب التهذيب" 6/ 404.]]. وقوله تعالى: ﴿سُبُلًا﴾ تفسير للفجاج، وبيان له. وفائدته أن الفج في موضوع اللغة يجوز أنه لا [[(لا): ساقطة من (أ).]] يكون طريقاً نافذاً مسلوكاً، فلما ذكر الفجاج بين أنه جعلها سبلاً نافذة مسلوكة.

الأنبياء 21:32

قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا﴾ السقف معناه في اللغة: غماء البيت [[انظر: "تهذيب اللغة" للأزهري 8/ 413 وفيه هذا الكلام منسوبًا إلى الليث، و"الصحاح" للجوهري 4/ 1375، وفي "العين" 5/ 81: سقف: عماد البيت، و"لسان العرب" لابن منظور 9/ 155 (سقف).]]، والسماء للأرض كالسقف للبيت، فجعلت السماء سقفًا وسميت به، قال الله تعالى: ﴿وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ﴾ [الطور: 5] يعني السماء. وقوله تعالى: ﴿مَحْفُوظًا﴾ قال ابن عباس: من الشياطين بالنجوم [[ذكره ابن الجوزي 5/ 349 من رواية أبي صالح عن ابن عباس.]]. وهو قول الكلبي، واختيار الفراء [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 2/ 201.]] ودليل هذا التأويل قوله ﴿وَحَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ﴾ [الحجر: 17]. وذكر أبو إسحاق وجهًا آخر قال: حفظه الله من الوقوع على الأرض إلا بإذنه [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 390.]]. ودليل هذا قوله: ﴿وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ﴾ [الحج: 65]. وزاد غيره: محفوظا من الهدم، ومن أن يلحقها ما يلحق غيرها من السقوف على طول الدهر [[جاء عن قتادة نحو هذا القول، فقد ذكر أبو حيان 6/ 39 عنه أنه قال: حفظ من البلى والتغير على طول الدهر. وقيل إن الحفظ هنا شامل لما تقدم، لدلالة الآيات المتقدمات. قال ابن عطية 10/ 144: والحفظ هاهنا عام في الحفظ من الشياطين. وقوى الرازي 22/ 165 القول بأن المراد الحفظ من الوقوع والسقوط اللذين يجري مثلهما لسائر السقوف؛ لأن حمل الآيات عليه مما يزيد هذه النعمة عظما لأف سبحانه كالمتكفل بحفظه وسقوطه على المكلفين. ومن الآيات الدالة على ذلك قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ﴾ [الروم: 25]، وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا﴾ [فاطر: 41]، وقوله: ﴿وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا﴾ [البقرة: 255]. ومما يقوي هذا القول ويعضده أن الآيات سبقت للدلالة على التوحيد فكان تجريد العناية لبيان نعمة الله على عباده بحفظ هذه السماء من السقوط أولى من بيان حفظها من الشياطين.]]. وقال مجاهد: ﴿سَقْفًا مَحْفُوظًا﴾ مرفوعًا [[رواه الطبري 17/ 22، وأبو الشيخ في "العظمة" 3/ 1038. وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 5/ 627 وعزاه لابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جريج وابن أبي حاتم وابن المنذر وأبي الشيخ.]]. وهذا معنى وليس بتفسير. وذلك أنه مرفوع رفعًا لا يطمع أحد أن يناله بنقض أو يبلغه بحيلة، فرفعه سبب حفظه من أن يبلغه أحد. وقوله تعالى: ﴿وَهُمْ﴾ قال ابن عباس: يريد المشركين [[انظر: "تنوير المقباس" ص 201.]]. ﴿عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ﴾ [[في (د)، (ع): (آياتنا)، وهو خطأ في الآية.]] قال الكلبي وغيره من المفسرين: شمسها وقمرها ونجومها [[انظر: "الطبري" 17/ 22، "تنوير المقباس" ص 201، القرطبي 11/ 285.]]. ﴿مُعْرِضُونَ﴾ لا يتدبرونها، ولا يتفكرون فيها، فيعلموا [[في (ع): (فيعلمون)، وهو خطأ.]] أن خالقها لا شريك له.

الأنبياء 21:33

قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ﴾ إلى قوله: ﴿كُلُّ﴾ يعني الطوالع كلها. ﴿فِي فَلَكٍ﴾ قال الليث: الفلك في الحديث [[في "تهذيب اللغة" 10/ 254: جاء في الحديث أنه دوران السماء. والمراد بالحديث ما رواه أبو عيد في غريب الحديث 4/ 96: أن رجلاً أتى رجلاً وهو جالس عند عبد الله بن مسعود فقال: إني تركت فرسك يدور كأنه في فلك، قال عبد الله للرجل: اذهب فافعل به كذا وكذا.]] دوران [[في (أ): (دور).]] السماء. وهو اسم الدوران خاصة، وأما المُنجمون فيقولون: سبعة أطواق [[جمع طوق، وهو: كل ما استدار بشيء. "تهذيب اللغة" للأزهري 9/ 242 "طوق"، "القاموس المحيط" 3/ 259.]] دون السماء قد رُكِّبت فيها النجوم السبعة، في كل طوق منه [[(منه): ساقطة من (د)، (ع)، وفي (أ): (ومنه)، وفي "تهذيب اللغة" للأزهري 10/ 254 منها.]] نجم، وبعضها أرفع من بعض، يدور فيها بإذن الله [[قول الليث في "تهذيب اللغة" للأزهري 10/ 54 "فلك". وهو في "العين" 5/ 374 "فلك" مع اختلاف يسير، وليس فيه: في الحديث. وما ذكره الليث عن المنجمين لا دليل عليه من كتاب أو سنة صحيحة أو مشاهدة.]]. وروى أبو عبيدة عن الأصمعي: الفلك: قطع من الأرض تستدير وترتفع عما حولها [[في (أ): (حوله).]]، والواحدة فلكة. قال الراعي: إذا جِفْنَ هَوْلَ بُطونِ [[هكذا في (أ)، (ت) والمطبوع من ديوان الراعي بطبعتيه -طبعة راينهرت فايبرت ص 107، وطبعة نوري القيسي وهلال ناجي ص 208. وفي (د)، (ع): (إذا خفن هولا بطول)، وفي المطبوع من "تهذيب اللغة" للأزهري 10/ 254: (بصون).]] البِلادِ ... تَضَمَّنَها فَلَكٌ مُزْهِرُ [[البيت في "ديوانه" ص 208، "تهذيب اللغة" للأزهري 10/ 254. "فلك"، واللسان 10/ 478: (فلك).]] يَقول: إذا خافت الأدغال [[في جميع النسخ: (الإدخال)، والتصويب من "تهذيب اللغة" و"اللسان".]] وبطون الأرض ظهرت الفلك [[رواية أبي عبيد عن الأصمعي في "تهذيب اللغة" 10/ 254.]]. والفلك في كلام العرب: كل شيء مستدير، وجمعه أفلاك، ومنه فَلْكةُ المغزل، وتفلك ثدي الجارية [[انظر: (فلك) في: "الصحاح" 4/ 1604، "لسان العرب" 10/ 478.]]. هذا [[في (ت): (وهذا).]] معنى الفلك في قول أهل اللغة. وأما المفسرون، فقال السدي في قوله: ﴿كُلٌّ فِي فَلَكٍ﴾: كل في مجرى واستداره [[ذكر الماوردي 3/ 445 عن السدي قال: الفلك: السماء.]]. وقال الكلبي: الفلك استدارة السماء، وكل شيء استدار فهو فلك [[ذكر الأزهري في "تهذيب اللغة" 10/ 254، والبغوي 5/ 317 عن الكلبي الشطر الأول منه. وروي عبد الرزاق في "تفسيره" 2/ 24 عن الكلبي الشطر الثاني منه. وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 627 وعزاه لعبد الرزاق وابن المنذر.]]. وعلى هذا المراد بالفلك: السماء، والسماء مستديرة، والنجوم تدور فيها وهذا معنى قول مجاهد: كهيئة حديدة الرحى [[الرَّحى: هي الحجر التي يطحن بها. "لسان العرب" 14/ 312 (رحا).]] [[رواه الطبري 17/ 22، وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 5/ 628 وعزاه لابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم.]]. يريد: أن النجوم تسير وتجري حول القطب [[القُطْب: كوكب بين الجدي والفرقدين. قيل: وهو كوكب صغير أبيض، لا يبرح مكانه أبدًا، والجدي والفرقدان تدور عليه. "الصحاح" للجوهري 1/ 204 (قطب)، "لسان العرب" 1/ 682 (قطب).]] كدوران [[في (ع): (كودان).]] الرحى على حديدته [[في (د)، (ع): (حديدة).]]. وعلى [[في (أ)، (ت): (وهذا) معنى.]] هذا معنى قول أكثرُ المفسرين، قالوا: الفلك مدار النجوم الذي يضمها [[هذا قول الثعلبي 3/ 29 أبنصّه.]]. وقال الحسن: الفلك طاحونة [كهيئة فَلْكة المغزل [[ذكره البخاري تعليقًا في صحيحه (كتاب التفسير- سورة الأنبياء 8/ 435) ووصله ابن حجر في "تغليق التعليق" 4/ 257 فقال: قال ابن عيينة في تفسيره عن عمرو، عن الحسن في قوله "كل في فلك يسبحون" قال: مثل فلكة المغزل تدور.]]. يريد أن الذي يجري فيه النجوم مستدير كاستدارة الطاحونة] [[ما بين المعقوفين ساقط من (أ).]]. وقال ابن زيد: الفلك الذي بين السماء والأرض [من] [[زيادة من الطبري 17/ 23، والدر المنثور.]] مجاري النجوم والشمس والقمر [[رواه الطبري 17/ 23، وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 5/ 627 وعزاه لابن جرير وابن أبي حاتم.]]. وهذا كقول المنجمين، جعلوا الفلك في السماء. وقال أبو عبيدة: الفلك: القطب الذي تدور به النجوم [["مجاز القرآن" لأبي عبيدة 2/ 38.]]. وهذا القول بعيد؛ لأن الله تعالى قال: ﴿وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ فيجب أن يكون الفلك اسمًا لما يتضمن النجوم وتجري فيه، ويكون مدورًا. وقوله تعالى: ﴿يَسْبَحُونَ﴾ أي: يجرون بسرعة كالسابح في الماء، وقد قال في موضع آخر في صفة النجوم: ﴿وَالسَّابِحَاتِ سَبْحًا﴾ [النازعات: 3]، والسبح لا يختص بالجري في الماء فقد يقال للفرس الذي يمد يديه في الجري [[في (أ)، (ت): (البحر)، وما أثبتناه من (د)، (ع) هو الصحيح والموافق لما في "تهذيب اللغة".]]: سابح [["تهذيب اللغة" للأزهري 4/ 338 (سبح)، بتصرف.]]، ومنه قول الأعشى: وَسَابحٍ ذِي مَيْعَةٍ [[في (أ)، (ت): (منعة)، والمثبن من (د)، (ع). وهو الموافق لما في "تهذيب اللغة"، وديوان الأعشى.]] ضَامِر [[هذا عجز البيت، وصدره: كم فيهم من شَطْبَة خَيْفق وهو في "ديوانه" ص 417، وفيه: ضابر، و"تهذيب اللغة" للأزهري 4/ 338 "سبح"، و"اللسان" 2/ 471 (سبح). وهو أحد أبيات قصيدة يفضل فيها عامر بن الطفيل على علقمة بن علاثة في المنافرة التي جرت بينهما. والمعنى: كم فيهم من جواد سابح نشيط سابق. انظر: "لسان العرب" 8/ 345 (ميع)، "القاموس المحيط" 2/ 76، "ديوان الأعشى مع التعليق عليه" ص 417.]] وتَوهَّم بعضهم أن السبح يختص بالسير في الماء، فجعل الفلك موجًا من الماء تسير فيه النجوم لما رأى قوله: ﴿يُسَبحُونَ﴾ [[هذا قول الكلبي، فقد ذكر الرازي 22/ 167 أنه قال: الفلك ماء تجري فيه الكواكب، واحتج بأن السباحة لا تكون إلا في الماء. ثم ردّ عليه بقوله: لا يسلم فإنه يقال في الفرس يمد يديه في الجري: سابح.]]. وحكى الفراء هذا القول في "تفسير الفلك" [[انظر: "معاني القرآن" 2/ 201.]]. ولما وصف النجوم بفعل ما يعقل [[في (ع): (ما تعقل).]] جُمِعَ [[جمع: ساقطة من (ع).]] فعلها جَمْعَ فعل ما يعقل، قال أبو إسحق: قيل ﴿يَسْبَحُونَ﴾ هو كما يقال لما يعقل: لأنَّ هذه الأشياء وصفت بالفعل [[في (ع): (بالعقل).]] كما يوصف ما يعقل، كما قالت العرب -في رواية جميع النحويين-: "أكلوني البراغيث" لما وصفت بالأكل قيل: أكلوني [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 391 مع اختلاف يسير.]]، وأنشد للجعدي: تَمرَّزْتُها والدِّيكُ يدعو صباحَه ... إذا ما بَنوُ نَعَش دَنَوْا فَتَصَوَّبُوا [[البيت أنشده الزجاج في "معاني القرآن" 3/ 391 من غير نسبة، وروايته فيه: شربت بها والديك يدعو صباحه وهو في مجاز القرآن لأبي عبيدة 2/ 38، "لسان العرب" 6/ 355 (نعش) بمثل رواية الواحدي منسوبًا للجعدي. وفي "ديوانه" ص 4 والكتاب لسيبويه 2/ 47 بمثل رواية الزَّجاج. وفي "معاني القرآن" للأخفش 2/ 644: بكرتها والديك .. من غير نسبة. قال السيرافي في "شرح أبيات سيبويه" 1/ 476: تمززتها: شربنها قليلاً قليلاً، وقوله: يدعو صباحه: أي: يدعو في وقت إصباحه، وقوله: دنوا: مالت بنات نعش إلى جانب السماء. اهـ. قال ابن منظور 6/ 355: وبنات نعش: سبعة كواكب.]] وهذا قول أبي عبيدة [[انظر: "مجاز القرآن" لأبي عبيدة 2/ 38.]]، والفراء [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 2/ 201.]]، والمبرد، وجميع أهل اللغة [[كالخليل وسيبويه وغيرهما. انظر "الكتاب" 2/ 47، "إعراب القرآن" للنحاس 3/ 69 - 75، "إعراب القرآن" لابن الأنباري 2/ 16.]]. وذكرنا هذا عند قوله: ﴿رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ﴾ [يوسف: 4].

الأنبياء 21:34

قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ﴾ الخلد: اسم من الخلود، وهو البقاء الدائم [[انظر: (خلد) في "تهذيب اللغة" للأرهري 7/ 277، "الصحاح" للجوهري 2/ 469، "لسان العرب" 3/ 164.]]. يقول: ما خلَّدنا قبلك أحدًا من بني آدم. يعني أن سبيله سبيل من مضى قبله من الرسل ومن بني آدم في الموت. ﴿أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ﴾ موضع الاستفهام قوله: ﴿فَهُمْ﴾، ولكنه قدم إلى أول الكلام، وذكرنا هذا عند قوله: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ﴾ [[الأنبياء: 21. ولم يتقدم البحث عند هذه الآية.]]. والمعنى: إن مت أفهم الخالدون؟ استفهام إنكاري، أي: لا يخلدون، يعني مشركي مكة حين قالوا: نتربص بمحمد ريب المنون. فقيل لهم: إن مات محمد فأنتم أيضًا تموتون [[ذكر ذلك الثعلبي في "الكشف والبيان" 3/ 29 ب، والبغوي 5/ 318. وقيل إن سبب هذه الآية أن بعض المسلمين قال: إن محمدًا لن يموت، وإنما هو مخلد، فأنكر ذلك رسول الله -صلي الله عليه وسلم - ونزلت. وهذا قول مقاتل. وقيل: إن سبب الآية أن كفار مكة طعنوا على النبي -صلي الله عليه وسلم - بأنه بشر، وأنه يأكل الطعام ويموت، فكيف يصح إرساله. فنزلت الآية. وهذه الأقوال لا تعتمد على رواية صحيحة، فالله أعلم. انظر: "المحرر الوجيز" لابن عطية 10/ 145، "تفسير الرازي" 22/ 169، "البحر المحيط" لأبي حيان 6/ 310.]]. وهو [[(وهو): ساقط من (أ).]].

الأنبياء 21:35

قوله تعالى [[(تعالى): زيادة من (أ).]]: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾. والإضافة في ﴿ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ في تقدير الانفصال؛ لأنه لما يستقبل ولكن عاقبن الإضافة التنوين. والمعنى على التنوين كقوله: ﴿غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ﴾ [المائدة: 1]، ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة: 95]. وقد أحكمنا هذا الفصل في سورة النساء عند قوله: ﴿ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ [النساء: 97]. وقوله تعالى: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ قال الوالبي، عن ابن عباس: أي: نبتليكم بالشدة والرخاء، والصحة والسقم، والغنى والفقر، والحلال والحرام، وكلها بلاء [[رواه الطبري 17/ 25، وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 5/ 629 وعزاه لابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم واللالكائي في السنة.]]. وقال ابن زيد: نبلوكم بما تحبون وما تكرهون، لننظر كيف شكركم وصبركم فيما تحبون وفيما تكرهون [[رواه الطبري 17/ 25 بنحوه.]]. وقال الكلبي: ﴿بِالشَّرِّ﴾ بالفقر والبلايا ﴿وَالْخَيْرِ﴾ بالمال والولد. ﴿فِتْنَةً﴾ قال ابن عباس: يريد اختبارًا مني ﴿وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ تردون للجزاء بالأعمال حسنها وسيئها.

الأنبياء 21:36

قوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ قال ابن عباس: يعني المستهزئين. [وهم الذين ذكرناهم في قوله: ﴿إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ﴾ [[الحجر: 95. قال الواحدي في "البسيط": (إنا كفيناك المستهزئين) بك، وهم خمسة نفر من المشركين: الوليد بن المغيرة. والعاص بن وائل وعدي بن قيس والأسود بن المطلب والأسود بن عبد يغوث. سلط الله عليهم جبريل حتى قتل كل واحد منهم أي: بآفة وكفى نبيه شرهم. هذا قول عامة المفسرين. اهـ. والأولى أنها عامة في كل مستهزئ.]]] [[ساقط من (د)، (ع).]]. ﴿إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا﴾ أي: ما يتخذونك إلا مهزوا به، كقوله: ﴿أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا﴾ [البقرة: 67] وقد مرَّ. وقال السدي: نزلت في أبي جهل، مرَّ به النبي -صلي الله عليه وسلم- فضحك، وقال: هذا [[(هذا): ساقطة من (أ)، (ت).]] نبي بني عبد مناف [[بنو عبد مناف بطن من بطون قريش، من العدنانية. وهم بنو عبد مناف -ومناف اسم صنم وأصل اسم عبد مناف المغيرة- بن قصي بن كلاب بن مرة. ومن أفخاد بني عبد مناف: بنو هاشم وبنو المطلب وبنو عبد شمس وبنو نوفل. وكان بنو هاشم وبنو عبد شمس متقاسمين رئاسة بني عبد مناف. انظر: "نسب قريش" للمصعب الزبيري ص 14 - 15، "البداية والنهاية" 2/ 254 - 255، "نهاية الأرب في معرفة أنساب العرب" للقلقشندي ص 311، "معجم قبائل العرب" لكحالة 2/ 735.]] [[رواه ابن أبي حاتم كما في "الدر المنثور" 5/ 630. وهي رواية ضعيفة، لأنها مرسلة، فلا يعتمد كونها سببًا لنزول هذه الآية. وقال الألوسي 17/ 48: وأنا أرى أن القلب لا يثلج لكون هذا سببا للنزول. اهـ. قال ابن عطية 10/ 148: وظاهر الآية أن كفار مكة وعظماءهم يعمهم هذا المعنى من أنهم ينكرون أخذ رسول الله -ﷺ- في أمر آلهتهم، وذكره لهم بفساد.]]. وقوله تعالى: ﴿أَهَذَا الَّذِي يَذْكُرُ﴾ [فيه إضمار القول [[في (د)، (ع): (من القول)، والمعنى: أن فيه إصمار "يقولون"، فيكون المعنى: وإذا رآك الذين كفروا -إن يتخذونك إلا هزوا- يقولون: أهذا ...]]، وهو جواب إذا [[وفي جواب إذا وجه آخر وهو "إن" النافية وما في حيزها في قوله "إن يتخذونك" واستظهره أبو حيان. انظر: "البحر المحيط" 6/ 312. "الدر المصون" 8/ 155.]]. وقوله تعالى: ﴿إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا﴾ كلام معترض بين إذا وجوابه. قال ابن عباس في قوله: ﴿يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ﴾] [[ما بين المعقوفين ساقط من (أ).]]: يعيب أصنامكم. ونحوه قال الكلبي [[ذكر ابن الجوزي 5/ 350 هذا القول من غير نسبة. وانظر. "تنوير المقباس" ص 202.]]. قال الفراء: وأنت قائل للرجل: لئن ذكرتني لتندمنّ. وأنت تريد: بسوء، فيجوز ذلك. وأنشد قول عنترة: لا تذكري فرسي وما أطْعَمْتُهُ ... فيكون جلدك مثل جلد الأجرب [[البيت في "ديوانه" ص 272: لا تذكري مهري ... وفي "معاني القرآن" للفراء 2/ 203: لا تذكري مهري ... جلد الأشهب. وفي "معاني القرآن" للزجاج 3/ 392 من غير نسبة: وفيه: (لونك) في موضع (جلدك). وعند الطبري 17/ 25: لا تذكري مهري ... الأجرب. وهو من قصيدة يقولها لامرأة له تذكر خيله وتلومه في فرس كان يؤثرها. انظر: "شرح ديوان" عنترة للشنتمري ص 272.]] أي: لا تعيبي [[في (أ)، (ت): (تعيين)، وعند الفراء في "معانيه" 2/ 203: لا تعيبين بأثرة مُهري.]] مهري فجعل الذكر عيبًا [["معاني القرآن" للفراء 2/ 203.]]. وقال أبو إسحاق: يقال: فلان يذكر الناس، أي: يغتابهم، ويذكرهم بالعيوب. [ويقال: فلان يذكر الله، أي: يصفه بالعظمة، ويثني عليه] [[ساقط من (ع).]]. وإنّما يحذف مع الذكر ما عقل معناه [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 392.]]. وقال أهل المعاني: الذكر لا يكون بمعنى العيب [[في (أ)، (ت): (اللعب)، وهو خطأ.]] في كلام العرب، وحيث يراد به العيب حذف منه السوء [[في (د)، (ع): (بشر).]]. كما [[(كما): ساقطة من (أ)، (ت).]] قال الزَّجَّاج؛ فلان يذكر الناس أي: يذكر مساوءهم وعيوبهم. وقوله تعالى: ﴿وَهُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمَنِ هُمْ كَافِرُونَ﴾ وذلك أنهم قالوا ما نعرف الرحمن [[قال ابن عطية في "المحرر" 10/ 148: وظاهر الكلام أن "الرحمن" قصد به العبارة عن الله تعالى، كما لو قال: وهم بذكر الله، وهذا التأويل أغرق في ضلالهم وخطئهم. وقال ابن جزي 3/ 55: "وهم كافرون" والجملة في موضع الحال، أي: كيف ينكرون ذمك لآلهتهم وهم يكفرون بالرحمن، فهم أحق بالملامة، وقيل -فذكر سبب النزول- ثم قال: والأولى أغرق في ضلالهم. وقال الشيخ عبد الرحمن السعدي 3/ 279: وفي ذكر اسمه الرحمن هنا بيان لقباحة حالهم، وأنهم كيف قابلوا الرحمن -مسدي النعم كلها، ودافع النقم الذي ما بالعباد من نعمة إلا منه، ولا يدفع السوء إلا هو- بالكفر والشرك. اهـ]]. قال صاحب النظم: "هم" الثانية [[في (ت): (البائنة)، وهو خطأ.]] اختصاص، أي أنَّهم كافرون دون غيرهم، كما تقول في الكلام إذا قيل لك: [إنَّ زيدًا قال لك] [[ساقط من (أ)، (ع).]]: إنك ظالم، فقلت: بل زيدٌ هو ظالم. فهو اختصاص له من بين غيره لهذا الوصف [[ذكر الرازي 23/ 170 هذا المعنى باختصار.]]. وقيل [[انظر: "تفسير الرازي" 23/ 170، "البحر" 6/ 312، "الدر المصون" 8/ 155.]]: إنّه تأكيدٌ للكافرين، فقد [[في (د)، (ع): (وقد).]] وصفهم الله بغاية الجهل حيث هزئوا ممن جحد إلهية [[في (د)، (ع): (الإلهية).]] من [[في (ع): (ممن).]] لا نعمة له [[في (أ)، (ت) زيادة: (وهم يجحدون إلهية من لا نعمة له)، وهي خطأ.]]، وهم يجحدون إلهية مَنْ كُلُّ نعمة فهي منه [[في (أ): (فهي منه ومنه)، وفي (ت): (فهي منه منه).]] [[انظر: القرطبي 11/ 288.]].

الأنبياء 21:37

قوله تعالى: ﴿خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ﴾. اختلف المفسرون في تفسير هذه الآية: فذهب كثيرٌ منهم إلى أن المراد بالإنسان هاهنا: آدم. وقالوا: لما نفخ فيه الروح لم تبلغ رجليه حتى استعجل، وأهوى إلى عنقود من عنب الجنة ليأكل منه، وأراد الوثوب قبل أن تبلغ الروح رجليه عجلان، وأورث أولاده العجلة. وهذا قول عكرمة [[ذكره عنه السيوطي في "الدر المنثور" 5/ 630 وعزاه لسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن المنذر.]]، وسعيد بن جبير [[رواه الطبري: 17/ 26، وذكره السيوطي في "الدر المنثور": 5/ 630 وعزاه لابن جرير وابن أبي حاتم.]]، والسدي [[رواه الطبري 17/ 26.]]، والكلبي [[نسبه للكلبي: الماوردي في "النكت والعيون" 1/ 447.]]. وقال آخرون: معناه: خلق الإنسان من تعجيل في خلق الله إياه، وذلك أن الله تعالى خلق آدم في آخر النهار من يوم الجمعة قبل غروب الشمس، فأسرع في خلقه قبل مغيبها. وهذا مذهب مجاهد، قال؛ خلق الله آدم بعد كل شيء آخر النهار، فلما أحيا الروح رأسه [[في (د) ، (ع): زيادة (ووصلت إلى)، وما في (أ)، (ت). هو الموافق لما في تفسير الثعلبي.]] ولم تبلغ أسفله قال: يا رب استعجل بخلقي قبل غروب الشمس [[تفسير الثعلبي 3/ 29 ب.= وقد رواه الطبري 17/ 26، وذكره السيوطي في "الدر المنثور" وعزاه لابن شيبة وعبد بن حميد وابن جريج وابن أبي حاتم وابن المنذر وأبي الشيخ في "العظمة".]]. وهذا القول اختيار قطرب قال: في قوله: {خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ} أي: من سرعة الأمر في خلقه [[لم أجد هذا القول عن قطرب. وقد ذكر الشريف الرضي في "الأمالي" 1/ 416 عن قطرب أنه أجاب بأن في الكلام قلبا، وأن المعنى: خلق العجل من الإنسان.]]. وقال قتادة: ﴿خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ﴾ قال: خلق عجولًا [[رواه عبد الرزاق في "تفسيره" 2/ 24.]]. وهذا القول اختيار جميع أهل اللغة [[(اللغة): ساقطة من (أ)، (ت).]] والمعاني. والإنسان هاهنا اسم الجنس. قال الفراء: ﴿خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ﴾ كأنك قلت: بنيته وخلقته من العجل [[عند الفراء: العجلة.]] وعلى العجلة [["معاني القرآن" للفراء 2/ 203.]]. وقال الزجاج: خوطبت العرب بما تعقل، والعرب تقول للذي يكثر الشيء: خلقت منه، كما تقول: أنت من لعب [وخلقت من لعب] [[ما بين المعقوفين ساقط من (أ)، (ت).]]، تريد المبالغة بوصفه باللعب، ويدل على هذا المعنى قوله تعالى: ﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا﴾ [الإسراء: 11] [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 392. مع تقديم وتأخير.]]. وقال المبرد: ﴿خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ﴾ أي: من شأنه العجلة [[لم أجد من ذكره عنه.]]. وهذه ثلاثة أقوال عليها أهل التفسير والمعاني. وقال أبو عبيدة: تأويل الآية على القلب، أي: خلق العجل من الإنسان [["مجاز القرآن" لأبي عبيدة 2/ 38، ولفظه: مجازه مجاز: خلق العجل من الإنسان.]]. ولا وجه لحمله على القلب مع ماله على [[في (د)، (ع): (من).]] الاستواء من المعنى المفهوم [[وقد ردّ ذلك أيضًا الإمام الطبري، فقال في "تفسيره" 17/ 27: وفي إجماع أهل التأويل على خلاف هذا القول الكفاية المغنية عن الاستشهاد على فساده بغيره. اهـ.]]. وقال نفطويه: قال بعض الناس: ﴿خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ﴾ أي: من طين، وأنشد [[عجز هذا البيت في "تهذيب اللغة" للأزهري 1/ 469 "عجل"من إنشاد نفطويه، من غير نسبة لأحد. والبيت في "غريب القرآن وتفسيره" لليزيدي ص 255، من غير نسبة، وروايته فيه: النبع في الصخرة الصماء منبته ... والنخل منبته في السهل والعجل و"أمالي المرتضى" 1/ 469 وروايته: والنبع ينبت بين الصخر ضاحية ... والنخل ينبت بين الماء والعجل ثم قال المرتضى 1/ 470: وقد رواه ثعلب، عن ابن الأعرابي، وخالف في شيء من ألفاظه، فرواه: النبع في الصخرة الصماء منبته ... والنخل منبته في السهل والعجل و"اللسان" 11/ 428 "عجل" بمثل رواية ثعلب، عن ابن الأعرابي، وعجزه في "الكشاف" 2/ 573 ثم قال: والله أعلم بصحته. والنغ: شجر تتخذ منه الفسي، وهو من أشجار الجبال، الواحدة منه نبعه. "لسان العرب" 8/ 345 (نبع).]]: والنبع ينبت بين الصخر [[في جميع النسخ: (النخل)، وهو خطأ، والصواب ما أثبتنا.]] ضاحية ... والنخل ينبت بين الماء والعجل قال: وليس عندي في هذا حكايته عمن يرجع إليه. [هذا كلامه] [[بياض في (ت).]] [[قول نفطويه في "تهذيب اللغة" للأزهري 1/ 369 (عجل) وفيه تسميته بابن عرفه.]]. والعجل بمعنى الطين قد حكي من [[في (د)، (ع): (في).]] كلام العرب. رواه أبو عمر، عن أبي العباس [[في (أ)، (ت): (ابن عباس)، وهو خطأ.]]، عن ابن الأعرابي [[ذكر هذه الرواية من هذا الطريق الأزهري في "تهذيب اللغة" 1/ 369 "عجل".]]. [وهو صحيح ولكنه لا يصح تفسير] [[ما بين المعقوفين بياض في (ت).]] هذه الآية به، ولا يليق بالمعنى المراد من الآية. وتأويل الآية: خلق الإنسان عجولًا، ولذلك [[في (أ)، (ت): (وكذلك)، وهو خطأ.]] يستعجل ربه بالعذاب. ومن قال معنى الآية: إن آدم خلق على عجلة - يقول: إنَّ ذلك أورثه وأولاده العجلة، فاستعجلوا [[في (أ)، (ت): (واستعجلوا).]] في كل شيء حتى العذاب. والآية نازلة في أهل مكة حين استعجلوا العذاب. قال ابن عباس -في رواية عطاء-: ﴿خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ﴾ يريد: النَّضْر بن الحارث، وهو الذي قال: ﴿اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ﴾ [الأنفال: 32] الآية [[ذكره ابن الجوزي 5/ 351، والرازي 22/ 171 من رواية عطاء عن ابن عباس. وذكره الزمخشري 2/ 573 منسوبًا إلى ابن عباس. وهذه الرواية عن ابن عباس باطلة كما تقدم، ولذا استظهر الزمخشري والرازي وأبو حيان وغيرهم أن المراد بالإنسان هنا: الجنس. قال الرازي 22/ 171: وهذا القول يعني القول بأن المراد بالإنسان الجنس - أولى؛ لأن الغرض ذم القوم، وذلك لا يحصل إلا إذا حملنا == الإنسان على النوع. وقال أبو حيان 6/ 313: والذي ينبغي أن تحمل الآية عليه هو القول الأول؛ لأنه المناسب لآخرها.]]. وقوله تعالى: ﴿سَأُرِيكُمْ آيَاتِي فَلَا تَسْتَعْجِلُونِ﴾ قال [[يعني ابن عباس.]]: يريد القتل ببدر [[ذكره ابن الجوزي 5/ 352 ونسبه إلى مقاتل. وذكر الرازي 22/ 172 ثلاثة أقوال في الآية: أحدها: أنها هي الهلاك المعجل في الدنيا والعذاب في الآخرة، ولذلك قال: "فلا تستعجلون" أي: أنها ستأتي لا محالة في وقتها. ثانيهما: أنها أدلة التوحيد وصدق الرسول. ثالثهما: أنها آثار القرون الماضية بالشام واليمن. ثم قال الرازي: والأول أقرب إلى النظم. وذكر أبو حيان في "البحر" 6/ 313 الأقوال التي ذكرها الرازي ثم قال: والأول أليق، أي: سيأتي ما يسوؤكم إذا متم على كفركم، كأنه يريد يوم بدر وغيره في الدنيا والآخرة. ا. هـ والأظهر أن المراد بالآيات ما توعدهم الله من العذاب في الدنيا كما قال تعالى ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُهُ بَيَاتًا أَوْ نَهَارًا مَاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ﴾ [يونس: 50] ويدخل فيه ضمنا يوم بدر وغيره. والعذاب في الآخرة كما قال تعالى في ﴿يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ﴾ [العنكبوت: 54] وكما قال تعالى في هذه الآيات بعد ذلك ﴿لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لَا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النَّارَ﴾ الآيات. وقوله ﴿بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ﴾ [القمر: 46].]]. ﴿فَلَا تَسْتَعْجِلُونِ﴾ أي أنه نازل بكم. قال ابن عباس: وهو تهديد ووعيد.

الأنبياء 21:38

﴿وَيَقُولُونَ﴾ يعني المشركين ﴿مَتَى هَذَا الْوَعْدُ﴾ الذي تعدنا أنا نعذب. قال ابن عباس: يريدون [[في (د)، (ع): (يريد)، وما أثبتنا من (أ)، (ت). وهو الصواب.]] وعد القيامة [[ذكره الثعلبي في "الكشف والبيان" 3/ 29 ب، وابن الجوزي 5/ 352، والقرطبي 11/ 289 من غير نسبة. والأظهر أنهم يريدوت كل ما وعدهم به رسول الله -ﷺ- والمؤمنون في الدنيا والآخرة.]] ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ أنا نعذب.

الأنبياء 21:39

فقال الله تعالى: ﴿لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ﴾ العلم هاهنا بمعنى [[بمعنى: ساقطة من (ع).]] المعرفة، فلا يقتضي [[في (ع): (ينقضي)، وفي (د): (بنقفي مهملة).]] مفعولًا [[في (د)، (ع): (معروفا)، وهو خطأ.]] ثانيًا، و ﴿حِينَ﴾ نصب بوقوع العلم عليه، أي: لو عرفوا ذلك الوقت وذلك الحين [[في "يعلم" في هذه الآية ومفعوله ثلاثة أوجه: أحدها: ما ذكره الواحدي هنا، أن "يعلم" عرفانية فهي تتعدي إلى مفعول واحد، ومفعول "يعلم" هو "حين"، فالحين منصوب على أنه مفعول به، وليس منصوبا على الظرفية، ويكون التقدير مثل ما قدره الواحدي أي: لو يعرفون حين وقوع العذاب بهم، ونحو ذلك. ثانيهما: ما ذكره الزمخشري وغيره أن فعل "يعلم" منزل منزلة اللازم، فهو متروك بلا تعدية والغرض منه إثبات الفعل لفاعله، مع قطع النظر عن اعتبار تعلق الفعل بمن وقع عليه، والمعنى: لو كان معهم علم ولم يكونوا جاهلين لما كانوا مستعجلين. فلم يعتبر هنا ودوع العلم على معلومات من اتصف بذلك العلم. وعلى هذا فـ"حين" منصوب بمضمر، أي: حين لا يكفون عن وجوههم النار يعلمون أنهم كانوا على باطل. وثالثهما: ما ذكره أبو حيان: أن مفعول "يعلم" محذوف للدلالة ما قبله أي: لو يعلم الذين كفروا مجيء الموعود الذي سألوا عنه واستعجلوه، و"حين" منصوب بالمفعول الذي هو مجيء. واستظهر أبو حيان هذا الأخير، واستظهر الشنقيطي الأول. انظر: "الكشاف" للزمخشري 2/ 573، "البحر المحيط" لأبي حيان 9/ 313 ، "الدر المصون" للسمين الحلبي 8/ 158 - 159، "أضواء البيان" للشنقيطي 4/ 575 - 576.]]. ﴿لَا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النَّارَ﴾ [قال ابن عباس: يريد ساعة يدخلون النار] [[ما بين المعقوفين ساقط من (د)، (ع).]]. ﴿وَلَا عَنْ ظُهُورِهِمْ﴾ لإحاطتها بهم ﴿وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ يمنعون مما نزل بهم. وجواب "لو" محذوف، على تقدير: لو علموا ذلك ما استعجلوا ولا قالوا متى هذا الوعد. [وقال الزَّجَّاج: وجواب "لو" محذوف، المعنى: لعلموا صدق الوعد؛ لأنهم قالوا ﴿مَتَى هَذَا الْوَعْدُ﴾] [[ما بين المعقوفين ساقط من (أ)، (ت).]] [["معاني القرآن وإعرابه" للزجاج 3/ 392 - 393. قال ابن عطية 10/ 153: حذف جواب "لو" إيجازًا لدلالة الكلام عليه، وأبهم قدر العذاب لأنه أبلغ وأهيب من النص عليه. وقال ابن عاشور في كتابه "التحرير والتنوير" 17/ 70: وحذف جواب "لو" كثير في القرآن، ونكتته تهويل جنسه فتذهب نفس السامع كل مذهب.]]. وجعل الله الساعة موعدهم فقال:

الأنبياء 21:40

قوله: ﴿بَلْ تَأْتِيهِمْ بَغْتَةً﴾ قال ابن عباس: فجأة [[مثله في "تنوير المقباس" ص 202. وذكر الطبري 17/ 29، "الكشف والبيان" للثعلبي 3/ 29 ب، "المحرر الوجيز" لابن عطية 10/ 153.]]. يعني القيامة [[ذكره القرطبي 11/ 290، ثم قال: وقيل: العقوبة، وقيل: النار فلا يتمكنون من حيلة. أهـ. وقال الزمخشري 2/ 573: إلى النار أو إلى الوعد؛ لأنه في معنى النار، وهي التي وعدوها، ... أو إلى الحين لأنه في معنى الساعة. قال أبو حيان في "البحر" 6/ 314: والظاهر أن الضمير عائدٌ إلى الناس.]]. ﴿فَتَبْهَتُهُمْ﴾ قال عطاء، عن ابن عباس: تصيبهم البهتة [[ذكره الثعلبي في "الكشف والبيان" 3/ 30 أعن ابن عباس في قوله "فتبهتهم" قال: تفجؤهم.]]. قال الزَّجَّاج: فتحيّرهم [["معاني القرآن"، للزجاج 3/ 393.]]. يقال: بهته يبهته إذا واجهه بشيء يحيّره [[انظر: "بهت" في "تهذيب اللغة" للأزهري 6/ 421، "الصحاح" للجوهري 1/ 244 "لسان العرب" لابن منظور 2/ 12.]]. وذكرنا الكلام فيه عند قوله: ﴿فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ﴾ [البقرة: 258]. ويقال: بهته: أخذه بغتة [بهتا [[انظر: (بهت) في "تهذيب اللغة" للأزهري 6/ 421، "الصحاح" للجوهري 1/ 244 "لسان العرب" لابن منظور 2/ 12.]]. فعلى هذا معنى ﴿فَتَبْهَتُهُمْ﴾ مهو تأخذهم بغتة] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ع).]]: أي: تفجؤهم. ﴿فَلَا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّهَا﴾ صرفها عنهم ﴿وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾ يمهلون التوبة أو معذرة.

الأنبياء 21:41

ثم عزى نبيه عليه السلام فقال: ﴿وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ﴾ أي: كما استهزأ قومك بك ﴿فَحَاقَ﴾ نزل وأحاط ﴿بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ﴾ من الرسل ﴿مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ أي العذاب الذي استهزأوا به وكذبوا به.

الأنبياء 21:42

قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ﴾ يقال: كلأك [[في (ت): (كلال).]] الله كلاءة أي: حفظك وحرسك [["تهذيب اللغة" 15/ 365 (كلأ) منسوبًا إلى الليث. وهو في كتاب "العين" 5/ 407 مادة (كلأ).]]. قال ابن هرمة: إنَّ سُليمي واللهُ يَكْلَؤهَا [[هذا صدر البيت، وعجزه: ضنَّت بشيء ما كان يرْزؤها وهو في "ديوانه" ص 55 و"مجاز القرآن" لأبي عبيدة 2/ 39، والطبري 17/ 30، و"تهذيب اللغة" للأزهري 10/ 360 (كلأ).]] وقال أبو زيد: اكتلأت من الرجل اكتلاءً، إذا ما احترست منه. ويقال: أكتلأت عيني، إذا حذرت أمرًا فأسهرك [[في "تهذيب اللغة" 10/ 362. فسهرت له.]] فلم تنم [["تهذيب اللغة" للأزهري 10/ 361 - 362 (كلأ) نقلاً عن أبي زيد.]]. وقال المبرد: أكتلأت بهذه الدار إذا تحصَّنت بها وجعلتها تحفظك. قال ابن عباس: يريد من يمنعكم [[ذكره البغوي 5/ 325 منسوبًا إلى ابن عباس. وقد روى الطبري 17/ 29 عن ابن عباس قال: يحرسكم.]] ﴿بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مِنَ الرَّحْمَنِ﴾. وقال الكلبي: ﴿مِنَ الرَّحْمَنِ﴾ من عذاب الرحمن [[ذكر هذا القول الرازي 22/ 174، والقرطبي 11/ 29، والسمين الحلبي في "الدر المصون" 8/ 160 من غير نسبة لأحد.]]. قال أبو إسحاق: معناه: من يحفظكم من بأس الرحمن [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 293.]]. كما قال: ﴿فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ﴾ [هود: 63] أي: عذاب الله، كما قال في موضع آخر: ﴿فَمَنْ يَنْصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ﴾ [غافر: 29]. ونحو هذا قال الفراء [[انظر: "معاني القرآن" 2/ 204.]]. والمعنى: من يحفظكم مما يريد الرحمن إحلاله بكم من عقوبات الدنيا والآخرة. وهو استفهام إنكار، أي: لا أحد يفعل ذلك [[وعلى هذا يكون المعنى: لا كالئ لكم يحفظكم من عذاب الله البتة إلا الله تعالى؛ أي: فكيف تعبدون غيره؟. وقال أبو حيان في "البحر" 6/ 314: هو استفهام وتوبيخ. فعلى هذا يكون توجه إليهم بالتقريع والتوبيخ: كيف يصرفون حقوق الذي يحفظهم بالليل والنهار إلى ما لا ينفع ولا يضر.]]. وقال مجاهد في هذه الآية: من يدفع عنكم بالليل والنهار إلا الرحمن [[رواه سفيان الثوري في "تفسيره" ص 201 عن مجاهد دون قوله إلا الرحمن. وفي "الدر المنثور" 5/ 632: وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد .. قال: يحفظكم.]]. وليس هذا بالوجه [[وحكى الشنقيطي في "أضواء البيان" 4/ 478 القولين، واستظهر قول من قال: "من الرحمن" أي: من عذابه وبأسه قال: ونظيره من القرآن ﴿فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ﴾ [هود: 63]. وقال أبو العباس ابن تيمية في "الفتاوى" 27/ 441، 35/ 372: "قل من يكلؤكم بالليل والنهار من الرحمن" بدلًا عن الرحمن. وهذا أصح القولين كقوله تعالى ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَلَائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ﴾ [الزخرف: 60] أي: لجعلنا بدلاً منكم كما قاله عامة المفسرين، ومنه قول الشاعر: فليت لنا من ماء زمزم شربة ... مبردة باتت على طهيان أي بدلاً من ماء زمزم. اهـ. واقتصر ابن كثير في "تفسيره" 3/ 179 على هذا القول ولم يحك غيره واستشهد له يقول الراجز: جارية لم تلبس المرققا ... ولم تذق من البقول الفستقا أي لم تذق بدل البقول الفستق. اهـ.]]. وقوله تعالى: ﴿بَلْ هُمْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ﴾ قال ابن عباس: يريد القرآن [[ذكره القرطبي 11/ 291 من غير نسبة.]]. وقال غيره: عن مواعظ ربهم [[قاله الطبري 17/ 30. وقد جمع البغوي 5/ 320 القولين، فقال: عن القرآن ومواعظ الله.]]. ﴿مُعْرِضُونَ﴾ أي لا يعتبرون.

الأنبياء 21:43

قوله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ﴾ أي: تجيرهم وتحفظهم، وقوله تعالى: ﴿مِنْ دُونِنَا﴾ مؤخّر معناه التقديم، أي: آلهة من دوننا تمنعهم، وتم الكلام. ثم وصف اَلهتهم بالضعف فقال: ﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنْفُسِهِمْ﴾ [أي: فكيف تنصرهم؟. قاله ابن عباس [[ذكره أبو حيان في "البحر" 6/ 314 عن ابن عباس. وكذلك السمين الحلبي في "الدر المصون" 8/ 161. وانظر البغوي 5/ 320، وابن الجوزي 5/ 353، والرازي 22/ 174، والقرطبي 11/ 221 فقد ذكروا هذا القول من غير نسبة وذكروا التقديم والتأخير. ولم يذكره القرطبي.]]. والتقدير: آلهتهم لا يستطيعون نصر أنفسهم] [[ما بين المعقوفين ساقط من (أ)، (ت).]]، فقوله: ﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ﴾ خبر ابتداء محذوف دل عليه ما قبله من ذكر الآلهة، وإذا لم تقدر على منع نفسها عما يراد بها فكيف تقدر على منع عابديها؛ كما ذكره ابن عباس. وقوله تعالى: ﴿وَلَا هُمْ مِنَّا﴾ يعني الكفار [[وقيل الضمير للأصنام. وهو مروي عن قتادة. واستظهر أبو حيان هذا القول، وقال عنه الألوسي إنه الأولى بالمقام. انظر: "زاد المسير" لابن الجوزي 5/ 353، "البحر المحيط" لأبي حيان 6/ 314، "روح المعاني" للآلوسي 17/ 52.]]. ﴿يُصْحَبُونَ﴾ قال الكلبي: يقول: لا يجارون من عذابنا [[مثله في "تنوير المقباس" ص 202.]]. وقال مجاهد: لا ينصرون [[رواه عبد الرزاق في "تفسيره" 2/ 24، والطبري 17/ 30. وذكره الثعلبي في "الكشف والبيان" 3/ 30 أ.]]. قال الفراء: ﴿وَلَا هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ﴾ أي: يجارون، يعني الكفار [["معاني القرآن" للفراء 2/ 202.]]. وقال ابن قتيبة: أي لا يجيرهم منّا أحدٌ؛ لأن المجير صاحب الجار [[في "غريب القرآن": منها، صاحب لجاره.]] [["غريب القرآن" لابن قتيبة ص 286.]]. وعلى هذا معنى الصحبة: الإجارة، وذلك أن من صحب إنسانًا أجاره مما يخاف، تقول العرب: إنَّ لك من فلان صاحبًا، أي: يجيرك [[في (أ)، (ت): (مجيرك)، وما أثبتناه من (د)، (ع) هو الأنسب لما بعده.]] ويمنعك [[هذا كلام الفراء في "معانيه" 2/ 205 مع تصرف يسير.]]. [فلما كانت] [[مطموس في (ت).]] الصحبة تقتضي الإجارة سميت الإجارة به. والعرب تقول: صحبك الله أي: حفظك الله وأجارك، ويقولون للمسافر: في صحبة الله وكلاءته [[انظر: "صحب" في: "تهذيب اللغة" للأزهري 4/ 262، "لسان العرب" 1/ 520، "تاج العروس" للزبيدي 3/ 188.]]. وهذا وجه صحيح، وهو مروي عن ابن عباس أيضًا في رواية العوفي [[رواية العوفي عن ابن عباس يرويها المفسرون -كالطبري وابن أبي حاتم وغيرهم- من طريق محمد بن سعد العوفي، عن أبيه، عن عمه الحسين بن عطية بن سعد العوفي، عن أبيه، عن جده عطية العوفي، عن ابن عباس. وقد بين ضعف هذا الطريق السيوطي في "الإتقان" 2/ 535. وقال العلامة أحمد شاكر في تعليقه على "تفسير الطبري" 1/ 263: وهذا إسناد مسلسل بالضعفاء من أسرة واحدة، إن صح هذا التعبير، وهو معروف عند العلماء بتفسير العوفي.]]، قال: ولا الكفار منا يجارون [[رواه من طريق العوفي عن ابن عباس: الطبري 17/ 31، وابن أبي حاتم (كما في "تغليق التعليق" 4/ 258، وذكر سنده من طريق العوفي). وقد رواه الطبري 17/ 31 من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس، بمثله. وروى الطبري 17/ 30 - 31 وابن أبي حاتم (كما في "الدر المنثور" 5/ 632) من طريق ابن جريج قال: قال ابن عباس. (يصحبون) ينصرون.]]. وهو [[(وهو): ساقط من (د)، (ع).]] معنى قول مجاهد: لا يُنصرون. وقال المازني: أصحبت الرجل أي: منعته، وأنشد للهذلي [[في (أ)، (ت): (الهذلي). ولم يتميز لي من المراد به، فالهذليون الشعراء كثير.]]: يرعى بروض الحَزْنِ من أبِّهِ ... قُرْيَانة [[(قريانة): ساقطة من (أ)، (ت). ومهملة في (ع)، و (د): (قربانة).]] في غاية [[في (أ)، (ت): (غاية). ومهملة في (د)، (ع).]] تُصْحَبُ [[في (أ)، (ع): (بصحب). مهملة وبياض في (ت). والمثبت من (د).]] [[إنشاد المازني لبيت الهذلي في "تهذيب اللغة" للأزهري 4/ 263 "صحب". وهو منسوب للهذلي في: "لسان العرب" 1/ 520 "صحب" ووقع في المطبوع: قربانه في عابه. و"تاج العروس" للزبيدي 3/ 188 (صحب). والبيت أيضًا في "مقاييس اللغة" لابن فارس 1/ 6 (أب) منسوبًا لأبي داود من إنشاد شبيل بن عزرة. وهو في ديوان أبي داود الإيادي ص 296. وهو في كتاب "الذيل والتكملة" للصغاني 10/ 185: (صحب) من غير نسبة. قال محقق كتاب "الذيل والتكملة في الحاشية": وفي حاشية نسخة (ح): (أنشد الأزهري البيت للهذلي، وليس في أشعار هذيل. وقال الدينوري في كتابه النبات -وذكر الأبّ-: وقد أنشد شبيل بن عزرة بيتا مفتعلا نسب إلى أبي داود في وصف حمار وحشي، وأنشد البيت. وهو مفتعل كما قال وليس لأبي داود. اهـ. قال المازني كما في "تهذيب اللغة" 2/ 263: أبُّه: كلؤه. قُريانه: مجاري الماء إلى الرياض، الواحد: قريّ، قال: تصحب: تُمنْع وتحفظ: اهـ.]] قال: تصحب: تمنع وتحفظ. قال: وهو من قول الله تعالى: ﴿وَلَا هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ﴾ أي: يمنعون [[قول المازني في "تهذيب اللغة" للأزهري 4/ 262 - 263، و"لسان العرب" 1/ 520، و"تاج العروس" للزبيدي 3/ 188.]]. وعلى هذا قوله: ﴿يُصْحَبُونَ﴾ مهه من الإصحاب لا من الصحبة. وقال قتادة: لا يصحبون من الله بخير [[رواه الطبري 17/ 30، وابن أبي حاتم كما في "الدر المنثور" 5/ 632.]]. وعلى هذا ليس الصحبة بمعنى الحفظ، والمعنى: لا يصحبهم الله خيرًا، أي: لا يجعل رحمته أو كلاءته صاحبًا لهم، والباء في قوله [[يعني في قول قتادة.]] بخير للتورية.

الأنبياء 21:44

ثم ذكر الله تعالى أن هؤلاء اغتروا بطول الإمهال إذ لم يُعَجَّلوا بالعقوبة، فقال: ﴿بَلْ مَتَّعْنَا هَؤُلَاءِ وَآبَاءَهُمْ﴾ يعني أهل مكة متعهم الله بما أنعم عليهم ﴿حَتَّى طَالَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ﴾ فاغترّوا بذلك، فقال الله تعالى: ﴿أَفَلَا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾. قال ابن عباس: يعني القرية تخرب حتى يكون [العمران] [[زيادة من الطبري يستقيم بها المعنى.]] في ناحية منها. قاله في رواية عكرمة [[رواه الطبري (16/ 494 - 495 شاكر)، من طريق عكرمة، عن ابن عباس. وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 4/ 667 وعزاه لابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم.]]. والمعنى: ألا يرون أنا نخرب القرى بأن ننقص من أطرافها نخرب ما حولها، أفلا [[في (ت): (فلا).]] يخافون أن نفعل ذلك بقريتهم؟ نخربها بموتهم وهلاكهم [[قال ابن كثير رحمه الله في "تفسيره" 3/ 180 عند هذه الآية: اختلف المفسرون في معناه، وأحسن ما فسر به قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُمْ مِنَ الْقُرَى وَصَرَّفْنَا الْآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الأحقاف: 27] والمعنى: أفلا يعتبرون بنصر الله لأوليائه على أعدائه وأهلاكه الأمم المكذبة والقرى الظالمة وإبحائه لعبادة المؤمنين. قال الشنقيطي في "أضواء البيان" 4/ 582: ما ذكره ابن كثير رحمه الله صواب، == واستقراء القرآن العظيم يدل عليه. وعليه فالمعنى: أفلا يرى كفار مكة ومن سار سيرهم في تكذيبك يا نبي الله، والكفر بما جئت به "أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها" أي: بإهلاك الذين كذبوا الرسل كما أهلكنا قوم صالح وقوم لوط وهم يمرّون بديارهم، وكما أهلكنا قوم هود، وجعلنا سبأ أحاديث ومزقناهم كل ممزق كل ذلك بسبب تكذيب الرسل والكفر بما جاؤا به .. فاحذروا من تكذيب نبينا محمد -ﷺ-؛ لئلا ننزل بكم مثل ما أنزلنا بهم.]]. وهذا معنى قول مجاهد وعكرمة، قالا: ننقصها من أطرافها بالموت وقبض الناس [[قول مجاهد رواه سفيان الثوري في "تفسيره" ص 201، وعبد الرزاق في "تفسيره" 1/ 339، والطبري 16/ 496 تحقيق شاكر، وقول عكرمة رواه عبد الرزاق في "تفسيره" 1/ 339، والطبري 16/ 496 تحقيق شاكر.]]. يخوفهم بالهلاك بعد طول الإمهال. وقال الكلبي: نفتح من أطرافها لمحمد [[ذكره عنه الرازي في "تفسيره" 22/ 175.]]. وهو قول السدي [[ذكره عنه السيوطي في "الدر المنثور" 1/ 666 وعزاه لابن أبي حاتم.]]. وقد أحكمنا هذا القول في آخر سورة الرعد [[سورة الرعد: 41.]]. ثم وبخهم فقال: ﴿أَفَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ أي: أفتغلبون محمدًا [[الطبري 17/ 32 مع تصرف يسير.]]؟ وقيل: أفهم الغالبون أم نحن؟ [["الكشف والبيان" للثعلبي 3/ 30 أ.]] بعد أن فتحنا على محمد ما حول مكة. وهذا معنى قول ابن عباس: يريد بل لي الظفر، والغلبة [[هنا يبدأ الخرم في نسخة (ت).]] لأنبيائي، وحزبي هم الغالبون.

الأنبياء 21:45

قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ﴾ الآية. ذكرنا [[ذكر ذلك عند قوله تعالى: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ﴾ [البقرة: 6].]] أن الإنذار يتعدى إلى مفعولين بغير حرف جر كقوله: ﴿فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً﴾ [فصلت: 13] وقوله: ﴿أَنْذَرْنَاكُمْ عَذَابًا﴾ [النبأ: 40]، وفي تعديته بالباء -هاهنا-، قال أبو علي: يجوز أن يكون لمّا دل على التخويف أجرى مجراه، تقول: أنذرته بكذا كما تقول: خوفته بكذا [["الحجَّة" لأبي علي الفارسي 1/ 253.]]. وكذا جاء في التفسير: أخوفكم بالقرآن [[قال الطبري 17/ 32: أخوفكم به بأسي. وذكره البغوي 5/ 321 وابن الجوزي 5/ 354 والقرطبي 11/ 292 من غير نسبة لأحد من المفسرين.]]. والمعنى: أنذرتكم بالوحي الذي يوحيه الله إلى لا [[(لا): ساقطة من (أ).]] من قبل نفسي. وذلك أن الله أمر بإنذارهم، كقوله: ﴿وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ﴾ [الأنعام: 51] ﴿لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا﴾ [يس: 70]، ونحو هذا من أمره بالإنذار. هذا مذهب المفسرين ومعنى قولهم. وقال أبو علي: ويجوز أن يكون الوحي: الموحى، فسمى بالمصدر مثل الخلق والصيد، والموحى [[في "الحجة" 1/ 254: والوحي.]] هو العذاب، فيكون كقوله: ﴿إِنَّا أَنْذَرْنَاكُمْ عَذَابًا قَرِيبًا﴾ [النبأ: 40] [["الحجة" لأبي علي الفارسي 1/ 254.]]. وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعَاءَ إِذَا مَا يُنْذَرُونَ﴾ تمثيل للكفار، يعني: كما أن الصُّم لا يسمعون النداء إذا أنذروا شيئًا كذلك هؤلاء في تركهم الانتفاع بما سمعوا، فالصم: الذين لا يسمعون. قال أبو إسحاق: الصم هاهنا: المعرضون عما يتلى عليهم من ذكر الله، فهم بمنزلة من لا يسمع [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 393.]]. وقال أبو علي: هذا على وجه الذم لهم والتقريع بتركهم سمع ما يجب عليهم استماعه والانتهاء إليه، وقد تقول لمن تُقرّعه بتركه ما تدعوه إليه: ناديتك فلم تسمع. وقرأ ابن عامر: (ولا تُسْمِعُ الصُّمَ) [[بالتاء مضمومة وكسر الميم، و"الصم" نصبًا. وقرأ الباقون: "ولا يسمع" بفتح الياء والميم، "الصم" رفعًا. "السبعة" ص 429، "التبصرة" ص 263، "التيسير" ص 155.]] حمله على ما قبله، والفعل مسندٌ إلى المخاطب فكذلك قوله: (ولا تسمع) مسند إليه، والمعنى: أنهم معاندون، فإذا أسمعتهم لم يعملوا [[في (أ): (يعلموا)، وهو خطأ.]] بما سمعوه، ولم ينقادوا له كما لا يسمع الصم [[في "الحجة": الأصم.]] [["الحجة" لأبي على الفارسي 5/ 255 مع تقديم وتأخير.]]. قال أبو علي: ولو كان كما قال [ابن عامر] [[ساقط من (أ).]] لكان: إذا تنذرهم، فأما ﴿إِذَا مَا يُنْذَرُونَ﴾ فحسن أن يتبع ﴿وَلَا يَسْمَعُ الصُّمُّ﴾ كقراءة العامة [["الحجة" 5/ 255. وليس فيه كقراءة العامة. وانظر: "حجة القراءات" لابن زنجلة ص 467 - 468، "الكشف" لمكي 2/ 110 - 111.]].

الأنبياء 21:46

قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ مَسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِنْ عَذَابِ رَبِّكَ﴾ يقال: نفحت الرائحة تنفح نفحًا ونفوحًا، وله نفحة طيبة ونفحة خبيثة، ونفحت الدابة إذا رمحت برجلها، ونفحه بالسيف إذا تناوله شزرًا [[في (ع): (شررًا). ومعنى تناوله شزرًا: أي: تناوله بالسيف من بعيد ومال بطعنه يمينا أو شمالا فذهب به عن الوجه وأصاب طرفا منه. انظر: "الصحاح" 2/ 697 (شزر)، 1/ 412 (نفح)، "لسان العرب" 4/ 454 - 405 "شزر".]]، ونفحه بالمال نفحًا، وله نفحات من المعروف أي: دفعات [["تهذيب اللغة" للأزهري 5/ 11 - 112 (نفح) منسوبًا إلى الليث، إلا أن فيه (نفح الطيب) بدل (نفحت الرائحة) كما هنا. وهو في "العين" 3/ 249 (نفح) مع اختلاف يسير جدًّا.]]. هذا معنى النفح في اللغة، ثم يقال: نفحة الريح، ونفحة الدم: أول [[في (د): (أوفورة)، وفي (ع): (أي: فورة)، والصواب ما أثبتنا، وهو الموافق لما في "تهذيب اللغة".]] فورة منه [["تهذيب اللغة" للأزهري 5/ 113 (نفح) منسوبًا إلى خالد بن جنبة من رواية شمر عنه. وانظر: (نفح) في "الصحاح" 1/ 412 - 413، "لسان العرب" 2/ 622 - 623.]]. قال أبو إسحاق: أي: مسهم [[في (د)، (ع): (مستهم).]] أدنى شيء من العذاب [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 393.]]. وقال المبرد: النفحة: الدفعة [[في (د)، (ع): (الوقعة).]] من الشيء التي دون معظمه. يقال: نفحه نفحة بالسيف للضربة الخفيفة. وهذا موافق لقول ابن عباس في "تفسيره" ﴿نَفْحَةٌ﴾ قال: طرف [[ذكره عنه الثعلبي في "الكشف والبيان" 3/ 30 أ، والبغوي 5/ 321، وابن == الجوزي 5/ 354، والقرطبي 11/ 293، وأبو حيان في "البحر" 6/ 316.]]. وقال ابن كيسان: قليل [[ذكره عنه الثعلبي 3/ 30 أ، والقرطبي 11/ 293.]]. وقال ابن جريج: نصيب [[ذكره عنه الثعلبي في "الكشف والبيان" 3/ 30 أ، والبغوي 5/ 321، والقرطبي 11/ 293، وأبو حيان في "البحر" 6/ 316.]]. من قولهم: نفحه من ماله إذا أعطاه. وقال غيره: أي الدفعة اليسيرة [[ذكره القرطبي 11/ 293 من غير نسبة لأحد. والأقوال المذكورة في تفسيره "نفحة" لا يعارض بعضها بعضًا فهي اختلاف تنوع لا تضاد.]]. ومعنى الآية: لئن أصابهم طرف من العذاب؛ لأيقنوا [[في (د)، (ع): (لا يعر)، مهملة.]] بالهلاك، ودعوا على أنفسهم بالويل، مع الإقرار بأنهم ظلموا أنفسهم بالشرك وتكذيب محمد -ﷺ-.

الأنبياء 21:47

قوله تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ﴾ القسط معناه في اللغة: العدل [[انظر: (قسط) في "تهذيب اللغة" للأزهري 8/ 388، "الصحاح" للجوهري 3/ 1152، "لسان العرب" لابن منظور 7/ 377.]]. وذكرنا الكلام فيه عند قوله: ﴿أَلَّا تُقْسِطُوا﴾ [النساء: 3]. قال الفراء: ﴿الْقِسْطَ﴾ من صفة الموازين وإن كان موحدًا، وهو كقوله [[عند الفراء 2/ 205: كقولك.]] للقوم: أنتم رضًا وعدل [["معاني القرآن" للفراء 2/ 205.]]. وقال [[في (أ): (قال).]] أبو إسحاق: وقِسْط مثل عدل مصدر يوصف به، تقول: ميزان قسط، وميزانان قسط، وموازين قسط، والمعنى: ذوات قسط [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 394 مع تصرف يسير.]] واختلفوا في ﴿الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ﴾ فقال الحسن: هو ميزان له كفتان ولسان [[ذكره عنه السيوطي في "الدر المنثور" 3/ 418 وعزاه لابن المنذر واللالكائي.]]. وروي أحاديث كثيرة في الميزان الذي يوزن به الأعمال [[ومن هذه الأحاديث ما رواه البخاري في "صحيحه" كتاب: التوحيد - باب "ونضع الموازين القسط ليوم القيامة" 13/ 537 من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -ﷺ-: "كلمتان حبيبتان إلى الرحمن، خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم". وما رواه الحاكم في "مستدركه" 4/ 586 من حديث سلمان -رضي الله عنه-، عن النبي -ﷺ- قال: "يوضع الميزان يوم القيامة، فلو وزن فيه السموات والأرض لو سعت .. " الحديث. وقد صححه الحاكم، ووافقه الذهبي، وصححه الألباني كما في "سلسلة الأحاديث الصحيحة" 2/ 656.]]، وذكرنا الكلام في الموازين عند قوله: ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ﴾ [الأعراف: 8]. وقال مجاهد: هذا مَثَلٌ وإنّما أراد بالميزان العدل [[ذكره الثعلبي في "الكشف والبيان" 3/ 30 أبهذا اللفظ. ورواه عبد الرزاق في "تفسيره" 2/ 28، والطبري 17/ 33.]]. ونحو هذا روى عن قتادة والضحاك [[ذكره عن قتادة والضحاك الرازي 22/ 176، والقرطبي 14/ 293، وأبو حيان في البحر 6/ 316. وذكره عن الضحاك أيضًا: الزجاج في "معاني القرآن" 2/ 319.]]. قال أبو إسحاق: وهذا سائغ في باب اللغة، إلا أنّ الأولى أن يتبع ما جاء بالأسانيد الصحاح [["معاني القرآن" للزجاج 2/ 391 عند قوله تعالى: ﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ﴾ الآية (8) من سورة الأعراف. قال القشيري (كما في تفسير القرطبي == 7/ 165) -معلقًا على قول الزجاج-: وقد أحسن فيما قال إذ لو حمل الميزان على هذا فليحمل الصراط على الدين الحق، والجنة والنار على ما يرد على الأرواح دون الأجساد، والشياطين والجنّ على الأخلاق المذمومة، والملائكة على القوى المحمودة، وقد أجمعت الأمة في الصدر الأول على الأخذ بهذه الظواهر من غير تأويل. وإذا أجمعوا على منع التأويل وجب الأخذ بالظاهر، وصارت هذه الظواهر نصوصا. اهـ.]]. وقوله تعالى: ﴿لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ قال الفراء: في يوم القيامة [["معاني القرآن" للفراء 2/ 205. وحكى أبو حيان هذا القول عن الكوفيين، قال: ووافقهم عليه ابن قتيبة من المتقدّمين، وابن مالك من أصحابنا المتأخرين. اهـ. وعلى هذا فاللام بمعنى "في" فيكون المعنى: ونضع الموازين القسط في يوم القيامة. وفي اللّام وجهان آخران: أحدهما: قال الزمخشري: مثلها: جئتك لخمس ليال خلون من الشهر. فعلى هذه القول تكون اللام للتوقيت بمعنى "عند"، فيكون معنى الآية: ونضع الموازين القسط عند يوم القيامة. ثانيهما: أنها على بابها من التعليل، ولكن على حذف مضاف، أي: لأهل يوم القيامة، أو: لحساب يوم القيامة وبه قال الطبري وابن عطية وغير واحد. انظر: "الطبري" 17/ 33، "المحرر" لابن عطية 10/ 158، "الكشاف" للزمخشري 2/ 574، "البحر المحيط" لأبي حيان 6/ 316، "الدر المصون" للسمين الحلبي 8/ 164 - 165، "التحرير والتنوير" لابن عاشور 17/ 84، "أضواء البيان" للشنقيطي 4/ 585 - 586.]]. ﴿فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا﴾ لا ينقص من إحسان محسن [[في (ع): (مسيء)، وهو خطأ.]]، ولا يزاد في إساءة مسيء. ﴿وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ﴾ قال الزَّجَّاج: وإن كان العمل مثقال حبة [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 394.]]. وقال أبو علي: وإن كان الظلامة مثقال حبة. قال: وهذا حسن لتقدم قوله: ﴿فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا﴾ وإذا [[في "الحجة": فإذا.]] ذكر (تُظلم) فكأنَّه ذكر الظلامة، كقولهم: من كذب كان شرًا له [["الحجة" لأبي علي الفارسي 5/ 256.]]. وقرأ نافع: ﴿وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ﴾ رفعًا [[وقرأ الباقون: "مثقال" نصبًا. "السبعة" ص 429، "التبصرة" ص 263، "التيسير" ص 155.]] على إسناد الفعل إلى المثقال [["الحجة" لأبي علي الفارسي 5/ 256. فمن رفع "مثقال" جعل "كان" تامّة لا تحتاج إلى خبر، وتكون بمعنى: حصل ووجد ووقع. ويكون "مثقال" فاعل لـ"كان" والمعنى: وإن حصل للعبد مثقال .. "علل القراءات" للأزهري 2/ 407، "إعراب القراءات السبع" وعللها 2/ 61 - 62، "الكشف" لمكي 2/ 111.]]. ومثقال الشيء ميزانه من مثله [["تهذيب اللغة" للأزهري 9/ 80 (ثقل).]]، والمعنى: وإن كان قدر مما يزن ﴿حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ﴾. ﴿أَتَيْنَا بِهَا﴾ قال أبو إسحاق: أي: جئنا بها [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 394.]]. يعني أحضرناها للمجازاة بها. ﴿وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ قال ابن عباس: أي عالمين حافظين [[(حافظين): ساقطة من (د)، (ع).]] [[ذكره البغوي 5/ 322. ومثله في "تنوير المقباس" ص 202.]]. والكلام في الباء التي في [[(في): ساقطة من (أ).]] ﴿بِنَا﴾ [[في (د)، (ع): (البناء).]] ذكرناه مستقصى [[انظر: "البسيط" عند قوله تعالى: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾ [النساء: 6]]]. قال الزَّجَّاج: موضع الباء رفع [[قال ابن جني في "سر صناعة الإعراب" 1/ 141: وقوله تعالى: ﴿وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ إنَّما هو: كفى الله، وكفينا .. فالباء وما عملت فيه في موضع مرفوع -رفع- بفعله، كقولك: ما قام من أحد، فالجار والمجرور في موضع مرفوع بفعله.]]. المعنى [[(المعنى): ساقط من (د)، (ع).]]: وكفينا حاسبين. و ﴿حَاسِبِينَ﴾ [[(حاسبين): في هامش (أ).]] منصوب على وجهين: على التمييز، وعلى الحال [[انظر: "إملاء ما من به الرحمن" للعكبري 1/ 168.]]. وقال السدي في قوله: ﴿وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ - قال: محصين [[رواه ابن أبي حاتم كما في "الدر المنثور" 5/ 634.]]. والحَسْبُ في اللغة معناه: العد [["تهذيب اللغة" للأزهري 4/ 329 (حسب).]]. ومن قال: حافظين عالمين؛ فلأن من حسب شيئًا حفظه وعلمه.

الأنبياء 21:48

قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ﴾ قال مجاهد وقادة: يعني التوراة التي تفرق بين الحلال والحرام [[ذكره الماوردي في "النكت والعيون" 3/ 450 عن مجاهد وقتادة لكن وقع عنده: فرق فيها بين الحق والباطل. وذكره ابن الجوزي 5/ 354 عن مجاهد وقتادة بمثل رواية الواحدي هنا. وقد روى سفيان في "تفسيره" ص 201 عن مجاهد قال: فرق بين الحق والضلالة. وروى الطبري 17/ 34 عن مجاهد قال: الكتاب. وفي "تفسير مجاهد" 1/ 411: الفرقان هذا الكتاب. وروى الطبري 17/ 34 عن قتادة قال: التوراة حلالها وحرامها، وما فرق الله بين الحق والباطل.]]. ﴿وَضِيَاءً وَذِكْرًا﴾ من صفة التوراة. قال الفراء: والواو مقحمة كهي في قوله: ﴿إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ (6) وَحِفْظًا﴾ [الصافات: 6، 7] والتقدير: الفرقان ضياء وذكرا [[ليس هذا نصّ كلام الفراء في معانيه 2/ 205، فإنه قال فيه: (3/ 30 ب): (والواو علي هذا التأويل مقحمة زائدة كقوله (إنا زينا ...).]]. ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾. والواو عند البصريين لا يجوز أن تزاد، ولكن هذا كله [[في (د)، (ع): (كلمة)، وهو خطأ.]] من نعوت التوراة: الفرقان [[في (أن): (والفرقان)، وهو خطأ.]] والضياء والذكر، فعطف بعضها على بعض [[هذا مقتبس من كلام الزجاج، فإنّه قال في "معانيه" 3/ 394: وعند البصريين أن الواو لا تزاد ولا تأتي إلا بمعنى العطف. وانظر في هذه المسألة: "سر صناعة الإعراب" 2/ 645، "الإنصاف في مسائل الخلاف" للأنباري 2/ 456 - 462، "مغني اللبيب" لابن هشام 2/ 473 - 474.]]. قال الزَّجَّاج ﴿وَضِيَاءً﴾ -هاهنا- مثل قوله: ﴿فِيهِ هُدًى وَنُورٌ﴾ [المائدة: 46] [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 395.]]. وقال ابن زيد: معنى الفرقان هاهنا: البرهان الذين فرَّق به بين حقه [[عند الماوردي وابن الجوزي: بين حق موسى.]] وباطل فرعون وتلا قوله: ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ﴾ [الأنفال: 41] [[ذكره الماوردي في "النكت والعيون" 3/ 450، وابن الجوزي 3/ 355. لكن ليس عندهما الاستشهاد بالآية. وقد رواه الطبري 17/ 34 بنحوه ثم قال: وهذا القول الذي قاله ابن زيد في ذلك أشبه بظاهر التنزيل؛ وذلك لدخول الواو في الضياء، ولو كان الفرقان هو التوراة -كما قال من قال ذلك- لكان التنزيل: ولقد آتينا موسى وهارون الفرقان ضياء. ثم ذكر الطبري القول الأول الذي حكاه الواحدي عن مجاهد وقتادة، ثم قال: إن ذلك وإن كان الكلام يحتمله فإن الأغلب من معانيه ما قلنا، والواجب أن يوجه معاني كلام الله إلى الأغلب الأشهر من وجوهما المعروفة عند == العرب ما لم يكن بخلاف ذلك ما يجب التسليم له من حجة خبر أو عقل. ونصر ابن القيم في "بدائع الفوائد" 2/ 15 هذا القول وأيَّد آخرون القول بأن الفرقان هنا التوراة. قال ابن كثير 3/ 181: وجامع القول في هذا أن الكتب السماوية مشتملة على التفرقة بين الحق والباطل والهدى والضلال والغي والرشاد والحلال والحرام، وعلى ما يحصل نورًا في القلوب وهداية، وخوفا وإنابة وخشية ... وقال الألوسي 17/ 57 والمراد بالفرقان: التوراة، وكذا الضياء والذكر، والعطف كما في قوله: إلى الملك القرم وابن الهمام ... وليث الكتيبة في المزدحم إلى أن قال: والمعنى: وبالله لقد آتيناهما كتابا جامعًا بين كونه فارقًا بين الحق والباطل، وضياء يستضاء به في ظلمات الجهل والغواية، وذكرًا يتعظ به الناس ويتذكرون. ثم ذكر الألوسي الأقوال الأخرى في معنى الفرقان، ثم قال عن القول الأول -يعني قول مجاهد وقتادة-: وهو اللائق بتناسق النظم الكريم فإنه لتحقيق أمر القرآن المشارك لسائر الكتب الإلهية لا سيما التوراة فيما ذكر من الصفات.]]. وهذا مثل قول السدي في ﴿الْفُرْقَانَ﴾ قال: هو النصر الذي أوتي موسى [[ذكره الثعلي 3/ 30 ب عن ابن زيد، وذكره المارودي 3/ 450 وابن الجوزي 5/ 355 عن الكلبي، وذكره الرازي 22/ 178 عن ابن عباس، ولم أجد من ذكره عن السدي.]]. وعلى هذا قوله "وضياء" يعني التوراة أكبر [[هكذا في جميع النسخ، ولعل الصواب: التي.]] استضاؤوا [[في (أ): (استيضاؤا)، وهو خطأ.]] بها حتى اهتدوا في دينهم، وكأنّه قيل: آتيناهما البرهان والنصر والضياء يعني: الكتاب الذي فيه ضياء، وذكرا للمتقين كي يذكروه ويعملوا بما فيه ويتعظوا بمواعظه. وكثير [[في (د): (وكبير)، وهو خطأ.]] مما يقع من الكلام في هذه الآية قد سبق في قوله: ﴿وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ﴾ [البقرة: 53] الآية.

الأنبياء 21:49

وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ﴾ أي في الدنيا ولم يروه. والمعنى: يخشون ربهم غائبين عن الآخرة وأحكامها [[وقيل المعنى: يخافونه ولم يروه. قاله الجمهور. وقيل المعنى: يخافونه في غيبتهم وخلواتهم وحيث لا يراهم أحد. قاله الزجاج، ورجّحه ابن عطية، وقال عنه الرازي: وهذا هو الأقرب. انظر: "المحرر الوجيز" 10/ 59، ابن الجوزي 5/ 356، الرازي 22/ 179.]]. ﴿وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ﴾ أي: من [[(من): ساقطة من (أ).]] أهوالها وعذابها ﴿مُشْفِقُونَ﴾ خائفون.

الأنبياء 21:50

قوله تعالى: ﴿وَهَذَا ذِكْرٌ﴾ قال أبو إسحاق: المعنى هذا القرآن ذكر لمن تذكر به وعظة لمن اتعظ [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 395 إلى قوله ذكر.]]. ﴿مُبَارَكٌ﴾ تقدم تفسيره في قوله: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ﴾ [الأنعام: 92]. ﴿أَفَأَنْتُمْ﴾ [يا أهل مكة] [[ما بين المعقوفين ساقط من (أ).]] ﴿لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ إياه جاحدون مكذبون.

الأنبياء 21:51

قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ﴾ قال مجاهد: هداه [[رواه سفيان الثوري في "تفسيره" ص 201، 202، والطبري 17/ 16. وذكره السيوطيِ في "الدر المنثور" 6/ 635 بلفظ هديناه. وعزاه لابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم.]] ونحوه قال الزجاج [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 3/ 395.]]، والفراء [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 2/ 206.]]، واعتبرا [[في (أ): (واعتبروا).]] بقوله: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا﴾ [السجدة: 13]. وقوله تعالى: ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ أي من قبل موسى وهارون [[وهذا مروي عن ابن عباس، والضحاك. انظر: "زاد المسير" لابن الجوزي 5/ 357، والرازي 22/ 180. قال السمين الحلبي في "الدر المصون" 8/ 167: وهذا أحسن ما قدر به المضاف إليه.]]. وقال [[في (ع):) قال).]] مجاهد: أي: هديناه صغيرًا [[رواه سفيان الثوري في "تفسيره" ص 201، 202 بلفظ: هداه صغيرا، ورواه الطبري 17/ 36، وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 5/ 635 وعزاه لابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم.]]. وهذا قول المفسرين [[انظر: "الكشف والبيان" للثعلبي 3/ 30 ب.]]، وا ختيار الفراء [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 2/ 206.]] والزَّجَّاج [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 3/ 395.]]، قالوا: آتيناه هداه حَدَثًا. وعلى هذا التقدير: من قبل بلوغه [[ذكره ابن الجوزي 5/ 356 من رواية أبي صالح عن ابن عباس، وحكاه الرازي 22/ 180 عن مقاتل. قال أبو حيان في "البحر" 6/ 320: وأبعد من ذهب إلى أن القدير: من قبل بلوغه، أو من قبل نبوته، .. ، أو من قبل محمد -ﷺ-؛ لأنها محذوفات لا يدل على حذفها دليل، بخلاف: من قبل موسى وهارون، لعدم ذكرهما وقربه.]]. يعني: حين كان في السَّرَب [[السرب (بفتحتين): حفير تحت الأرض، وقيل: بيت تحت الأرض. "لسان العرب" لابن منظور 1/ 466 (سرب). وما ذكره الواحدي هنا هو كلام الفراء في "معانيه" 2/ 206. وهذا القول معتمد على روايات خلاصتها: أن إبراهيم حين ولد خيف عليه من ملك زمانه وكان ذلك الملك قد أخبره منجموه أن ولدًا يقال له إبراهيم يولد في شهر كذا وكذا من سنة كذا وكذا يفارق دين الملك ويكسر الأصنام، فكان الملك يقتل كل غلام يولد في ذلك الشهر من تلك السنة، فجعل في سَرَب، فبقى في ذلك السرب خمسة عشر شهرًا، ثم قال لأمه أخرجيني، فلما خرج من ذلك السرب أراه الله ملكوت السموات والأرض، كما قصه الله في سورة الأنعام. انظر: "الطبري" 11/ 474، 480 - 483. وهذه الرواية لا صحة لها، وليس لها ما يعضدها من كتاب أو سنة صحيحة، بل متلقاة عن بني إسرائيل. قال ابن كثير -رحمه الله- في "تفسيره" 3/ 181: وما يذكر من الأخبار عنه من إدخال أبيه له في السرب -وهو رضيع- وأنه خرج به بعد أيام، فنظر إلى الكوكب والمخلوقات فتبصر فيها وما قصه كثير من المفسيرين وغيرهم، فعامتها أحاديث بني إسرائيل فما وافق منها الحق مما بأيدينا عن المعصوم قبلناه لموافقته الصحيحة وما خالف شيئًا من ذلك رددناه، وما ليس فيه موافقة ولا مخالفة لا نصدقه ولا نكذبه بل نجعله وقفًا، وما كان من هذا الضرب منها فقد رخص في من السلف في روايته، وكثير من ذلك مما لا فائدة ولا حاصل له مما ينتفع به في الدين، ولو كانت فائدته تعود على المكلفين لبينتهُ هذه الشريعة الكاملة.]]، ألهمناه الرشد والهدى حتى عرف الحق من الباطل. ﴿وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ﴾ أي: نعلم [[(نعلم): ساقطة من (د)، (ع).]] أنَّه موضع لإيتاء [[في (أ): (لإتنا)، وهو خطأ.]] الرشد، وأنه يصلح للنبوة [[قال ابن عطية في "المحرر" 10/ 161: وهذا نحو قوله تعالى: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام: 124].]].

الأنبياء 21:52

قوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ﴾ [قال أبو إسحاق: (إذ) في موضع نَصْب. المعنى: آتيناه رشده في ذلك الوقت [[الوقلت: ساقطة من (د).]] [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 395 إلى هنا. وأما قوله "الذي ... " فليس من كلام الزجاج، بل هو تتمة الواحدي. وجوز أبو البقاء العكبري في "الإملاء" 2/ 134 وتبعه السمين الحلبي في "الدر المصون" 8/ 8/ 167 أن يكون (إذ) منصوبًا بـ (رشده) أو (عالمين) أو ينتصب بإضمار أعني أو باضمار اذكر، أي: اذكر وقت. وانظر: "إعراب القرآن" للنحاس 3/ 73، "مشكل إعراب القرآن" لمكي 2/ 480.]] الذي قال لأبيه وقومه] [[ساقط من (ع).]] وهم يعبدون الصنم ﴿مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ﴾ يعني: الأصنام [["الكشف والبيان" للثعلبي 3/ 30 ب وعلى هذا فاللام في قوله (لها عاكفون) بمعنى (على) أي: عاكفون عليها، كقوله تعالى: ﴿لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ﴾ [طه: 91]. وقيل: اللام للعله، أي: عاكفون لأجلها. وقيل: اللام أفادت الاختصاص. وقيل: ضُمِّن (عاكفون) معنى عابدين، فلذلك أتى باللام. واستظهر أبو حيان أن تكون اللام للتعليل. وقال السمين الحلبي: والأولى أن تكون اللام لتعليل، وصلة (عاكفون) محذوفة، أي: عاكفون لأجلها لا لشيء آخر. "الكشاف" للزمخشري 2/ 575، "إملاء ما من به الرحمن" للعكبري 2/ 134، "البحر المحيط" لأبي حيان 6/ 320، "الدر المصون" للسمين الحلبي 8/ 168.]]. والتمثال: اسم للشيء المصنوع مُشَبَّها بخلق من خلق الله. وجمعه: التماثيل. وأصله من مَثَّلْتُ الشيء بالشيء، إذا شَبَّهته به [[عند الأزهري 15/ 98، إذا قدرته به.]]. واسم ذلك المُمَثَّل تمثال [["تهذيب اللغة" للأزهري 15/ 98 (مثل). وانظر: (مثل) في: "الصحاح" 5/ 1816 "لسان العرب" 11/ 613 - 614.]]. وقوله تعالى: ﴿الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ﴾ أي: على عبادتها مقيمون، فأجابوه بأنَّهم وجدوا آباءَهم يعبدونها، فاقتدوا بهم وقلدوهم في عبادتها، فأجابهم إبراهيم بأنَّهُم -في تقليد الآباء- وآباءهم [[في (أ): (آباؤهم)، وفي (د)، (ع): (آباءهم). والعبارة في "الوسيط" 3/ 241: فأجابهم إبراهيم بأنهم فيما فعلوه وآباءهم كانوا في ضلال مبين. وعند ابن الجوزي 5/ 357: فأجابهم بأنهم فيما فعلوا وآباءهم في ضلال مبين.]] كانوا في ضلال مبين بعبادة الأصنام. وهذا الذي ذكرنا معنى

الأنبياء 21:53

قوله: ﴿قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا﴾ إلى قوله: ﴿قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ﴾ يعنون: أجاد أنت فيما تقول محق [[في (د)، (ع): (بحق).]]، أم أنت لاعب مازح؟ وهذا جهل منهم إذ تخيلوا المحق لاعبًا هازلاً، فأجابهم إبراهيم بما يزيل تخيلهم ويدلهم على أن المستحق للعبادة هو الله لا الصنم.

الأنبياء 21:54

قوله: ﴿قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا﴾ إلى قوله: ﴿قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ﴾ يعنون: أجاد أنت فيما تقول محق [[في (د)، (ع): (بحق).]]، أم أنت لاعب مازح؟ وهذا جهل منهم إذ تخيلوا المحق لاعبًا هازلاً، فأجابهم إبراهيم بما يزيل تخيلهم ويدلهم على أن المستحق للعبادة هو الله لا الصنم.

الأنبياء 21:55

قوله: ﴿قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا﴾ إلى قوله: ﴿قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ﴾ يعنون: أجاد أنت فيما تقول محق [[في (د)، (ع): (بحق).]]، أم أنت لاعب مازح؟ وهذا جهل منهم إذ تخيلوا المحق لاعبًا هازلاً، فأجابهم إبراهيم بما يزيل تخيلهم ويدلهم على أن المستحق للعبادة هو الله لا الصنم.

الأنبياء 21:56

وهو قوله تعالى: ﴿قَالَ بَلْ رَبُّكُمْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلَى ذَلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ أي: على أنه ربكم ورب السموات والأرض.

الأنبياء 21:57

قوله تعالى: ﴿وَتَاللهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ﴾ معنى الكيد: ضر الشيء بتدبير عليه [[في "تهذيب اللغة" للأزهري 10/ 327 (كيد). الكيد: التدبير بحق أو باطل. وانظر (كيد) في: "الصحاح" 2/ 533، "لسان العرب" 3/ 383 - 384.]] ﴿بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ﴾ تنطلقوا ذاهبين. قال المفسرون: كان لهم في كل سنة مجمع وعيد، فقالوا لإبراهيم: لو خرجت معنا إلى عيدنا [[في (ع): (دينا)، وهو خطأ.]] أعجبك ديننا [[الثعلبي في "الكشف والبيان" 3/ 30 ب بنصه عن السدي. والله أعلم بصحة ذلك.]]. فقال إبراهيم -سِرًّا من قومه [[في (ع): (قوطه).]] -: ﴿وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ﴾ الآية. هذا قول مجاهد وقتادة قالا: لم يسمع هذا القول من إبراهيم إلا رجل واحد، وهو الذي أفشاه عليه [[ذكره الثعلبي في "الكشف والبيان" 3/ 30 ب عن مجاهد وقتادة بنصه. ورواه الطبري 17/ 37 بنحوه عن مجاهد، وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 636 وعزاه لابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر. وأورده الطبري 17/ 37 بمعناه عن قتادة. وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 637 وعزاه لابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم.]]. وقال الآخرون: لما خرج الناس إلى عيدهم وبقي ضَعْفَى الناس قال إبراهيم: ﴿وَتَاللهِ لَأَكِيدَنَّ﴾ الآية فسمعوها منه [[هذا كلام السدي، ذكره عنه الثعلبي في "الكشف والبيان" 303 ب. ورواه الطبري 17/ 38. ورواه ابن أبي حاتم (كما في "الدر المنثور" 5/ 36/ أ، عن ابن مسعود نحو هذا القول والله أعلم بصحة ذلك.]].

الأنبياء 21:58

قوله تعالى: ﴿فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا﴾ الجَذُّ: القطع والكسر للشيء الصلب. والجُذَاذُ: قطع ما كُسر. الواحدة [[في (أ): (الواحد)، وهو كذلك في "الوسيط" 3/ 242. وما أثبتناه في (د)، (ع) هو الموافق لما في "تهذيب اللغة" للأزهري10/ 470.]]: جُذاذة [["تهذيب اللغة" للأزهري 10/ 469 - 47 (جذذ) منسوبًا إلى الليث. ومن قوله (والجذاذ: قطع .. جذاذة) في "العين" 6/ 11 (جذ). وانظر (جذاذ) في: "الصحاح" 2/ 561، "لسان العرب" 3/ 479.]]. وهو مثل الحُطام والرُّفات والدُّقاق [[الرفات: هو ما بلي فتفتت: "تاج العروس" للزبيدي 4/ 526 (رفث). والدقاق: هو فُتات كل شيء. "القاموس المحيط" 3/ 232.]]. قال أبو إسحاق: وأبنية كل [[في (أ): (كلما).]] ما كسر وقطع على فُعال [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 396.]]. وقرأ الكسائي ﴿جِذَاذًا﴾ [[في (أ): (جذاذ)، وهو خطأ.]] بكسر الجيم [[وقرأ الباقون بضمها. "السبعة" ص 44، "التبصرة" ص 264، "التيسير" ص 155.]]. قال الفراء والزجاج: وهو جمع جذِيذ، مثل: ثَقيل وثِقال، وخَفيف وخِفَاف [["معاني القرآن" للفراء 2/ 206، و"معاني القرآن" للزجاج 3/ 396. وانظر: "علل القراءات" للأزهري 2/ 408، "إعراب القراءات السبع وعللها" لابن خالويه 2/ 63 - 64.]]. والجذيذ بمعنى: المجذوذ، وهو المكسور. ويقال للحنطة المطحونة طحنًا غليظًا: جذيذ. قال المفسرون: لما انطلقوا إلى عيدهم رجع إبراهيم إلى بيت الأصنام، وجعل يكسرهن بفأس في يده، حتى إذا لم يبق إلا الصنم الأكبر علق الفأس في عنقه ثم خرج فذلك قوله: ﴿فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا إِلَّا كَبِيرًا لَهُمْ﴾ [["الكشف والبيان" للثعلبي 3/ 30 ب، 31 أنقلاً عن السدي. وذكره الطبري 17/ 38 عن السدي.]]. قال أبو إسحاق: أي كَسَّر الأصنام إلا أكبرها [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 396.]]. وهذا قول المفسرين [[انظر: "الطبري" 17/ 38 - 39، و"الدر المنثور" 5/ 636 - 637.]]. قال: وجائز أن يكون أكبرها عندهم في تعظيمهم إياه، لا في الخلقة [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 396. قال الرازي 22/ 183 بعد ذكر الأمرين: ويحتمل في الأمرين، يعني في التعظيم والخلقة.]]. وقوله تعالى: ﴿لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ﴾ أي: لكي يرجعوا إلى إبراهيم ودينه وإلى مما يدعوهم إليه بوجوب الحجة عليهم في عبادة ما لا يدفع عن نفسه، ويتنبهوا [[في (د)، (ع): (وبنتبهوا).]] على [[في "الوسيط" 3/ 242: إلى.]] جهلهم وعظيم خطأهم. ويجوز أن يكون المعنى: ﴿لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ﴾ أي ينصرفون من عيدهم، فيرون الأصنام على تلك الصفة فيتبين لهم ضلالتهم [[وقيل الضمير للصنم الكبير، أي: يرجعون إليه فيسألونه فلا يجيبهم، فيظهر لهم أنه لا يقدر على شيء. انظر: "التسهيل" لابن جزي 3/ 59. واستظهر ابن عطية في "المحرر" 10/ 162 أن الضمير لإبراهيم لدخول لعل في الكلام مما يضعف رجوع الضمير للصنم.]].

الأنبياء 21:59

قوله تعالى: ﴿قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا﴾ قال المفسرون: لما رجعوا من عيدهم ونظروا إلى آلهتهم وهم جذاذ قالوا هذا القول مستفهمين عمن صنع ذلك ومنكرين عليه بقولهم: ﴿إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾ أي فعل ما لم يكن له أن يفعل [[الطبري 17/ 39، "الكشف والبيان" للثعلبي 3/ 31 أ. وانظر: "الدر المنثور" 5/ 636 - 637.]]. ويجوز أن يكون (مَن) ابتداء وخبره قوله: ﴿إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾، والمعني: قالوا فاعل [[(فاعل): ساقط من (ع).]] هذا ظالم، فلا يكون في الكلام استفهام [[وتكون (من) موصولة بمعنى الذي.]]. والأول الوجه [[واستظهره السمين الحلبي في "الدر المصون" 8/ 174 فتكون (من) استفهامية == وجملة (إنه لمن الظالمين) استئنافية لا محل لها من الإعراب. وانظر: "الإملاء" للعكبري 2/ 134.]]؛ لأن قول من قال: ﴿سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ﴾ جواب الاستفهام. ولما قالوا هذا قال قائل منهم: أنا سمعت إبراهيم يقول ﴿وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ﴾. وهذا على قول من قال: سمع قول إبراهيم واحد منهم فأفشاه. وعلى القول الآخر: وقال الذين سمعوا، وهم الضَّعْفَى: ﴿سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ﴾. والظاهر هذا القول؛ لإضافة القول إلى جماعة. ومعنى ﴿يَذْكُرُهُمْ﴾ أي: بالعيب [[في (أ): (بالغيب)، وهو خطأ.]]. وقد مر. ﴿يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ﴾ قال أبو إسحاق: يرتفع ﴿إِبْرَاهِيمُ﴾ على وجهين: أحدهما: على معنى: يقال له هو إبراهيم [[و (إبراهيم) على هذا الوجه خبر مبتدأ مضمر. انظر: "الإملاء" 2/ 134، "الدر المصون" 8/ 176.]]، وعلى النداء على معنى: يقال له: يا إبراهيم [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 396. وفي رفع (إبراهيم) وجه ثالث ذكره الزمخشري وابن عطية. قال الزمخشري 2/ 576 - 577 بعد ذكر الوجهين اللذين ذكرهما الواحدي هنا: والصحيح أنه فاعل (يقال)؛ لأن المراد الاسم لا المسمى. وبين ابن عطية في "المحرر" 10/ 164 ذلك بقوله -بعد أن ذكر الوجهين: والوَجْه عندي أنه مفعول ما لم يسم فاعله، على أن تجعل (إبراهيم) غير دال على الشخص، بل تجعل النطق دالاً علي بناء هذه اللفظة، وهذا كما تقول: (زيد وزن فَعْل) أو (زيدٌ ثلاثة أحرف) فلم تدل بوجه على الشخص بل دللت بنطقها على نفس اللفظة. فعلى قول الزمخشري وابن عطية يكون التقدير: يقال له هذا القول وهذا اللفظ، أو يطلق عليه هذا اللفظ، و (إبراهيم) نائب فاعل لـ (يقال). وقد ذكر أبو حيان في "البحر" 6/ 324 قول ابن عطية والزمخشري، وتعقبه بأن هذا مختلف في إجازته بين النحويين، فمنهم من يجيز نصب القول للمفرد مما لا == يكون مقتطعًا من جملة ولا مفردًا معناه معنى الجملة، ولا مصدرًا ولا صفة له بل لمجرد اللفظ نحو: قلت زيدًا، إلى أن قال: ومن النحويين من منع ذلك، وهو الصحيح؛ إذ لا يحفظ من لانهم: "قال فلانٌ زيدا .. وإنما وقع القول في كلام العرب لحكاية الجمل. أهـ وتعقب الألوسي 17/ 64 كلام أبي حيان بقوله (وعندي أن الآية ظاهرة فيما اختاره الزمخشري وابن عطية، ويكفي الظهور مرجحًا في مثل هذه المطالب. وقد ذكر ابن عاشور في "التحرير والتنوير" 17/ 99 - 100 مسلكا يحصل به التخلص من قول المانعين، وهو أن (يقال) مُضمن لمعنى: يُدْعى أو يسمى، فكأنَّ تقدير الآية: سمعنا فتى يذكرهم يُدْعى -أو يُسَمَّى- إبراهيم. قال ابن عاشور: ورفع (إبراهيم) على أنه نائب فاعل (يقال) لأن فعل القول إذا بُني للمجهول كثيرًا ما يُضمن معنى الدعوة أو التسمية، فلذلك حصلت الفائدة من تعديته إلى المفرد البحت، وإن كان شأن فعل القول أن لا يتعدى إلا إلى الجملة أو إلى مفرد أو يسمى إبراهيم، أي: ليس هو من الناس المعروفين. وفي رفع (إبراهيم) وجه آخر ذكره أبو البقاء العكبري في "الإملاء" 2/ 134، والسمين في "الدر المصون" 8/ 176: وهو أن (إبراهيم) مبتدأ محذوف الخبر، أي: يقال له: إبراهيم فاعلٌ ذلك.]].

الأنبياء 21:60

قوله تعالى: ﴿قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا﴾ قال المفسرون: لما رجعوا من عيدهم ونظروا إلى آلهتهم وهم جذاذ قالوا هذا القول مستفهمين عمن صنع ذلك ومنكرين عليه بقولهم: ﴿إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾ أي فعل ما لم يكن له أن يفعل [[الطبري 17/ 39، "الكشف والبيان" للثعلبي 3/ 31 أ. وانظر: "الدر المنثور" 5/ 636 - 637.]]. ويجوز أن يكون (مَن) ابتداء وخبره قوله: ﴿إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾، والمعني: قالوا فاعل [[(فاعل): ساقط من (ع).]] هذا ظالم، فلا يكون في الكلام استفهام [[وتكون (من) موصولة بمعنى الذي.]]. والأول الوجه [[واستظهره السمين الحلبي في "الدر المصون" 8/ 174 فتكون (من) استفهامية == وجملة (إنه لمن الظالمين) استئنافية لا محل لها من الإعراب. وانظر: "الإملاء" للعكبري 2/ 134.]]؛ لأن قول من قال: ﴿سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ﴾ جواب الاستفهام. ولما قالوا هذا قال قائل منهم: أنا سمعت إبراهيم يقول ﴿وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ﴾. وهذا على قول من قال: سمع قول إبراهيم واحد منهم فأفشاه. وعلى القول الآخر: وقال الذين سمعوا، وهم الضَّعْفَى: ﴿سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ﴾. والظاهر هذا القول؛ لإضافة القول إلى جماعة. ومعنى ﴿يَذْكُرُهُمْ﴾ أي: بالعيب [[في (أ): (بالغيب)، وهو خطأ.]]. وقد مر. ﴿يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ﴾ قال أبو إسحاق: يرتفع ﴿إِبْرَاهِيمُ﴾ على وجهين: أحدهما: على معنى: يقال له هو إبراهيم [[و (إبراهيم) على هذا الوجه خبر مبتدأ مضمر. انظر: "الإملاء" 2/ 134، "الدر المصون" 8/ 176.]]، وعلى النداء على معنى: يقال له: يا إبراهيم [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 396. وفي رفع (إبراهيم) وجه ثالث ذكره الزمخشري وابن عطية. قال الزمخشري 2/ 576 - 577 بعد ذكر الوجهين اللذين ذكرهما الواحدي هنا: والصحيح أنه فاعل (يقال)؛ لأن المراد الاسم لا المسمى. وبين ابن عطية في "المحرر" 10/ 164 ذلك بقوله -بعد أن ذكر الوجهين: والوَجْه عندي أنه مفعول ما لم يسم فاعله، على أن تجعل (إبراهيم) غير دال على الشخص، بل تجعل النطق دالاً علي بناء هذه اللفظة، وهذا كما تقول: (زيد وزن فَعْل) أو (زيدٌ ثلاثة أحرف) فلم تدل بوجه على الشخص بل دللت بنطقها على نفس اللفظة. فعلى قول الزمخشري وابن عطية يكون التقدير: يقال له هذا القول وهذا اللفظ، أو يطلق عليه هذا اللفظ، و (إبراهيم) نائب فاعل لـ (يقال). وقد ذكر أبو حيان في "البحر" 6/ 324 قول ابن عطية والزمخشري، وتعقبه بأن هذا مختلف في إجازته بين النحويين، فمنهم من يجيز نصب القول للمفرد مما لا == يكون مقتطعًا من جملة ولا مفردًا معناه معنى الجملة، ولا مصدرًا ولا صفة له بل لمجرد اللفظ نحو: قلت زيدًا، إلى أن قال: ومن النحويين من منع ذلك، وهو الصحيح؛ إذ لا يحفظ من لانهم: "قال فلانٌ زيدا .. وإنما وقع القول في كلام العرب لحكاية الجمل. أهـ وتعقب الألوسي 17/ 64 كلام أبي حيان بقوله (وعندي أن الآية ظاهرة فيما اختاره الزمخشري وابن عطية، ويكفي الظهور مرجحًا في مثل هذه المطالب. وقد ذكر ابن عاشور في "التحرير والتنوير" 17/ 99 - 100 مسلكا يحصل به التخلص من قول المانعين، وهو أن (يقال) مُضمن لمعنى: يُدْعى أو يسمى، فكأنَّ تقدير الآية: سمعنا فتى يذكرهم يُدْعى -أو يُسَمَّى- إبراهيم. قال ابن عاشور: ورفع (إبراهيم) على أنه نائب فاعل (يقال) لأن فعل القول إذا بُني للمجهول كثيرًا ما يُضمن معنى الدعوة أو التسمية، فلذلك حصلت الفائدة من تعديته إلى المفرد البحت، وإن كان شأن فعل القول أن لا يتعدى إلا إلى الجملة أو إلى مفرد أو يسمى إبراهيم، أي: ليس هو من الناس المعروفين. وفي رفع (إبراهيم) وجه آخر ذكره أبو البقاء العكبري في "الإملاء" 2/ 134، والسمين في "الدر المصون" 8/ 176: وهو أن (إبراهيم) مبتدأ محذوف الخبر، أي: يقال له: إبراهيم فاعلٌ ذلك.]].

الأنبياء 21:61

ولما بلغ هذه القصة نمروذ [[في (ع): (نمرود).]] وأشراف قومه ﴿قَالُوا فَأْتُوا بِهِ﴾ أي بالذي يقال له إبراهيم ﴿عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ﴾ أي ظاهرا بمرأى من الناس حتى يروه ﴿لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ﴾ عليه بما قاله فيكون ذلك حجة عليه بما فعل. وهذا قول الحسن وقتادة والسدي، قالوا: كرهوا أن يأخذوه بغير بينة [[رواه عن قتادة: الطبري 17/ 40 وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 617 وعزاه لابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم. ورواه عن السدي: الطبري 17/ 40. وذكره عن الحسن وقتادة والسدي كل من: الماوردي في "النكت والعيون" 3/ 451، والبغوي 5/ 324، والرازي 22/ 184 وزاد نسبته لعطاء وابن عباس. قال الألوسي 17/ 64 عن هذا القول: والترجي -يعني قوله (لعلهم) - أوفق له.]] وقال ابن إسحاق: لعلهم يشهدون عقابه وما يصنع به [[رواه الطبري 17/ 40 عن ابن إسحاق.]]. أي: يحضرون. وذكر الفراء والزجاج القولين جميعًا [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 2/ 206، "معاني القرآن" للزجاج 3/ 396. وقد ذكر الرازي 22/ 184 عن مقاتل والكلبي أنه المراد مجموع الوجهين، فيشهدون عليه بفعله ويشهدون عقابه.]].

الأنبياء 21:62

فلما أتوا به ﴿قَالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ﴾ الآية، أسند فعله إلى كبير الأصنام الذي لم يكسره، واختلفوا في وجه هذا. فالذي عليه المفسرون: أن إبراهيم عليه السلام أراد إقامة الحجة عليهم، فقال: فعل هذا كبيرهم، غضب من أن تعبدوا [[في (أ): (أن تُبد).]] معه هذه الصغار فكسرهن، ورووا عن النبي -ﷺ- أنه قال: "لم يكذب إبراهيم إلا ثلاث كذبات، كلها [[(كلها): ساقطة من (د)، (ع).]] في الله: قوله: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ [الصافات: 89]. وقوله: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ﴾، وقوله لساره (هي أختي) " [[رواه الإمام أحمد في "مسنده" 2/ 403 - 404، والبخاري في صحيحه (كتاب الأنبياء - باب قول الله تعالى ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ 6/ 388 فتح)، ومسلم في صحيحه (كتاب الفضائل، باب من فضائل إبراهيم الخليل 4/ 1840. وأبو داود في "سننه" كتاب الطلاق، باب: في الرجل يقول لامرأته: يا أختي 6/ 296 ، والترمذي في "جامعه" كتاب: التفسير، سورة الأنبياء 9/ 5 - 6 من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-، مع اختلاف بينهم في بعض الألفاظ. وسبب قول إبراهيم لسارة: هي أختي ما رواه الأئمة المتقدم ذكرهم إلا الترمذي -واللفظ للإمام أحمد- وهو بقية الحديث: قال: (ودخل إبراهيم قرية فيها ملك من الملوك أو جبار من الجبابرة، فقيل: دخل إبراهيم الليلة بامرأة. قال: فأرسل إليه الملك أو الجبار من هذه == معك؟ قال: أختي. وعند مسلم: (إن هذا الجبار إن يعلم أنك امرأتي يغلبني عليك، فإن سألك فأخبريه أنك أختي، فإنك أختي في الإسلام، فإني لا أعلم في الأرض مسلما غيري وغيرك).]]. قالوا: وجائز أن يكون الله أذن له في ذلك ليُوبخ [[(أ): (لتوبيخ).]] قومه ويعرفهم خطأهم، كما أذن ليوسف حين أمر مناديه فقال لإخوته: ﴿إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ﴾ [يوسف: 70] [[ووقع في نسخة (د): (إنكم سارفون). وأثبتنا الآية.]]، ولم يكونوا سرقوا شيئًا. هذا مذهب المفسرين في هذه الآية] [[هذا كلام الطبري في "تفسيره" 17/ 41، والثعلبي في "الكشف والبيان" 3/ 31 أ. مع اختلاف في بعض الألفاظ. وصحح البغوي 5/ 325 هذا القول للحديث: (لم يكذب ...).]]. وأما أهل المعاني فإنهم تأولوها على غير هذا الوجه. روي عن [[(عن): ساقطة من (أ).]] الكسائي [[في (د)، (ع) (قال)، وهو خطأ.]] أنه كان يقف عند قوله (بل فعله) ويقول. معناه: فعله من فعله، ثم يبتدئ ﴿كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾ [[ذكر هذا عن الكسائي الثعلبي 3/ 31 أ، والبغوي 5/ 325، وابن الجوزي 5/ 360، وأبو حيان 6/ 325، والقرطبي 11/ 300. قال ابن حجر في "الفتح" 6/ 392 عن قول الكسائي هذا: ولا يخفى تكلفه.]]. وقال ابن قتيبة: جعل إبراهيم النطق شرطًا للفعل فقال: فعله كبيرهم هذا إنْ كانوا ينطقون [["الكشف والبيان" للثعلبي 3/ 31 أبنصه عن ابن قتيبة وهو في "مشكل القرآن" ص 268 مع تقديم وتأخير، وقال الألوسي في "روح المعاني" 17/ 65 عن قول ابن قتيبة: وهو خلاف الظاهر.]]. وقوله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوهُمْ﴾ اعتراض بين الكلامين كما تقول: عليه الدراهم فاسأله إن أقر. والمعنى: إن قدروا على النطق قدروا على الفعل، فأراهم عجزهم عن النطق والفعل. وفي ضمنه: أنا فعلت ذلك [["الكشف والبيان" للثعلبي 3/ 31 أبنصه.]]. وهذا معنى قول الزجاج [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 3/ 397.]]. وقال غيره: هذا الكلام خرج مخرج الخبر، وليس بمعنى الخبر، إنما هو إلزام يدل على ذلك الحال، كأنه قال: بل ما تنكرون أن يكون فعله كبيرهم هذا [[هذا: ليست في (ع).]]. والإلزام قد يكون بلفظ الخبر، والمعنى فيه: من اعتقد عبادتها لزمه أن يثبت لها فعلا. أي: فعله كبيرهم فيما يلزمكم [[ذكره هذا القول الحاكم في "التهذيب" 6/ 151 ب، والطوسي في "التبيان" 7/ 229 - 230، والماوردي في "النكت والعيون" 3/ 452. من غير نسبة لأحد. وذكره بمعناه الزمخشري 2/ 577 قال: ويجوز أن يكون حكاية لما يقول إلى تجويز مذهبهم كأن مثال لهم: ما تنكرون أن يفعله كبيرهم، فإنَّ من حق من يُعبد ويُدعى إلها أن يعبد على هذا وأشد منه. وذكره القرطبي 11/ 300 من غير نسبة. وابن جزي 3/ 60 من غير نسبة. قال: كأنه يقول: إن كان إلها فهو قادر على أن يفعل أو إنه لم يقدر فليس بإله، ولم يقصد الإخبار المحض؛ لأنه كذب.]]. والفراء اختار مذهب المفسرين، وقال: قد أيد الله أنبياءه بأكثر من هذا [["معاني القرآن" للفراء 2/ 207.]]. والذين أحالوا أن يكون هذا كذبًا تأولوه على ما ذكرنا من الوجوه، وقالوا في قوله لساره هي أختي كانت أخته في الدين، وفي قوله: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ أي: مغتم بضلالتكم حتى كأني سقيم، وأما ما روي عن النبي -ﷺ-: أن إبراهيم لم يكذب إلا ثلاث كذبات أراد إلا ثلاث كلمات هن في صورة الكذب في الظاهر، فأطلق عليها اسم الكذب لما أشبهت الكذب في الظاهر، ولم يرد به حقيقة الكذب [[نصَر هذا القول جماعة من العلماء منهم ابن العربي والقرطبي وابن تيمية وابن القيم. فقد ذكر ابن العربي في "أحكام القرآن" 3/ 1264 - 1265 خلاف الناس في ظاهر المقصود به، فذكر أولاً أن منهم من قال: هذا تعريض، وفي المعاريض مندوحة عن الكذب، ثم ذكر أقوالًا أخرى، ثم قال: والأول أصح لأنه عدده على نفسه، فدل على أنه خرج مخرج التعريض، وذلك أنهم كانوا يعبدونهم ويتخذونهم آلهة من دون الله، وهم كما قال إبراهيم لأبيه: ﴿لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾. فقال إبراهيم: بل فعله كبيرهم هذا، ليقولوا إنهم لا ينطقون ولا يفعلون ولا ينفعون ولا يضرون؛ فيقول لهم فلم تعبدونهم؟ فتقوم الحجة عليهم منهم. ولهذا يجوز عند الأئمة فرض الباطل مع الخصم حتى يرجع إلى الحق من ذات نفسه .. " قال القرطبي في "تفسيره" 11/ 300 - بعد ذكره للخلاف: (كان قوله من المعارض، وفي المعاريض مندوحة عن الكذب، أي: سلوهم إن يطقوا فإنهم يصدقون، وإن لم يكونوا ينطقون فليس هو الفاعل. وفي ضمن هذا الكلام اعتراف بأنه هو الفاعل. وهذا هو الصحيح؛ لأنه عدده على نفسه، فدل أنه خرج مخرج التعريض". وقال ابن تيمية في "الفتاوى" 28/ 223: (ولكن تباح عند الحاجة الشرعية (المعاريض) وقد تُسمى كذب؛ لأن الكلام يعني به المتكلم معنى، وذلك المعنى يريد أن يفهمه المخاطب، فإذا لم يكن عل ما يعنيه فهو الكذب المحض، وإن كان على ما يعنيه ولكن ليس على ما يفهمه المخاطب فهذه المعاريض. وهي كذب باعتبار الأفهام، وإن لم تكن كذبًا باعتبار الغاية السائغة ومنه قول النبي -ﷺ-: "لم يكذب .. وهذه الثلاثة معاريض". وقال: ولهذا نفى عنه النبي -ﷺ- الكذب باعتبار القصد والغاية كما ثبت عنه أنه قال: الحرب خدعة. وأنه كان إذا أراد غزوة ورى بغيرها. ومن هذا الباب قول الصديق. هذا هادي يهديني -وفي عزوة بدر قال النبي -ﷺ-: "نحن من ماء". == وقال ابن القيم في تعليقه على "سنن أبي داود" 6/ 296 - 297: وسمى قول إبراهيم هذا كذبًا لأنه تورية. وقد أشكل على الناس تسميتها كذبة، لكون المتكلم إنما أراد اللفظ المعنى الذي قصده، فكيف يكون كذبًا؟ والتحقيق في ذلك: أنها كذبٌ بالنسبة إلى إفهام المخاطب، لا بالنسبة إلى غاية المتكلم، فإن الكلام له نسبتان: نسبة إلى المتكلم، ونسبة إلى المخاطب، فلما أراد الموري أنه يفهم المخاطب خلاف ما قصده بلفظه أطلق الكذب عليه بهذا الاعتبار، وإن كان المتكلم صادقا باعتبار قصده ومراده.]]. وأما ما احتجوا به من قوله: ﴿إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ﴾ تأويله: إنكم لسارقون يوسف، وكانوا قد سرقوه من أبيه حين أخفوه عنه في البئر [[انظر القرطبي 9/ 231.]]. وكل هذا تكلف واحتيال مع ورود الخبر بأن إبراهيم كذب ثلاث كذبات، ويؤيد هذا حديث الشفاعة المروى في الصحيح [[رواه البخاري في "صحيحه" كتاب: الأنبياء 6/ 395.]]: أن الناس إذا جاؤا إلى إبراهيم ليشفع لهم يعتذر بهذه الكذبات.

الأنبياء 21:64

قوله تعالى: ﴿فَرَجَعُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ أي تفكروا بقلوبهم ورجعوا إلى عقولهم فقال بعضهم لبعض ﴿إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ﴾ أي: هذا الرجل في مسألتكم إياه وهذه آلهتكم حاضرة فاسألوها [["تفسير الطبري" 17/ 41، و"الكشف والبيان" للثعلبي 3/ 31 أ.]]. وقيل: أنتم الظالمون بعبادتكم الصغار مع هذا الكبير [["الكشف والبيان" للثعلبي 3/ 31 أ. وقد ذكره ابن الجوزي 5/ 364 عن وهب بن منبه.]]. وقال عطاء عن ابن عباس: يريد: حيث يعُبد [[هكذا في (أ). وفي (د): (حبب يعبد). وفي (ع): (حدث يعبد)، وفي "الوسيط" 3/ 343: حيث عبدتم. ولعل صواب العبارة: حيث تعبدون.]] من لا يتكلم [[ذكره ابن الجوزي 5/ 364 وأبو حيان في "البحر" 6/ 325 منسوبًا إلى ابن عباس == وذكره الرازي 22/ 186 بمعناه من غير نسبة وقال عنه: وهو الأقرب. وذكره القرطبي 11/ 301 بمعناه، واقتصر عليه فقال: أي: بعبادة من لا ينطق بلفظه ولا يملك لنفسه لحظة. وكيف ينفع عابديه ويدفع عنهم البأس من لا يرد عن رأسه الفأس.]]. فعلى هذا معناه: أنتم الظالمون أنفسكم بعبادتكم من يقدر على الكلام، وكأن هذا إقرار منهم على أنفسهم بالكفر واقترابٌ من قبول [[(قبول): ساقطة من (د)، (ع).]] حجة إبراهيم.

الأنبياء 21:65

قوله تعالى: ثم أدركتهم الشقاوة، فعادوا إلى كفرهم وهو قوله تعالى: ﴿ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ﴾ قال الفراء: نُكسوا نكسًا، ونكس المريض نكسا [[لم أجده في كتاب: "معاني القرآن" للفراء 2/ 20 في هذا الموطن، ولا في مظانه من تفسيره.]]. وقال الليث: النكس: قلبك شيئًا على رأسه تنكسه، ونُكس في مرضه نُكسا [["تهذيب اللغة" للأزهري 10/ 70 (نكس) منسوبًا إلى الليث. ونُكْس: ضبطها الزبيدي في "تاج العروس" 16/ 577 الضم والفتح (النكس والنكس) وهو في العين 5/ 314 (نكس) مع اختلاف يسير.]]. وقال شمر: النكس في أشياء، ومعناه يرجع إلى قلب الشيء ورده [[في (د)، (ع): (رده)، وغير واضح في (أ).]] وجعل أعلاه أسفله ومقدمه مؤخره [["تهذيب اللغة" للأزهري 10/ 71 (نكس).]]. قال المبرد: ومنه نُكس المريض إذا خرج عن مرضه ثم عاد إلى مثله. وقال ابن شُمَيل نكست فلانًا في ذلك الأمر، أي رددته فيه بعد ما خرج [[قول ابن شميل في "تهذيب اللغة" للأزهري 10/ 71 (نكس).]]. وهذا هو المعنى بالآية. قال الكلبي: يقول: رجعوا على أمرهم الأول الشرك بالله بعد المعرفة والصدق من قول إبراهيم [[ذكره الماوردي في "النكت والعيون" 3/ 452 معناه من غير نسبة لأحد.]]. وهذا معنى قول السدي: نكسوا [[(نكسوا): ساقطة من (د)، (ع).]] في الكفر [[روى الطبري 17/ 42 عن السدي قال: في الفتنة.]]. ومعنى قول ابن عباس: نكسوا في الفتنة [[رواه الطبري 17/ 42 عن السدي كما تقدم. ولم أجد من ذكره عن ابن عباس.]]. والمعنى: ردوا إلى الكفر بعد أن أقروا على أنفسهم بالظلم كما ينكس الذي يرد إلى أمره الأول بعدما خرج منه. وهذا معنى ما جاء في التفسير: أدركت القوم حيرة [[رواه الطبري 17/ 42 عن قتادة. وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 5/ 637 عن -قتادة وتصحف (حيرة) إلى (غيره) - وعزاه لابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم.]]. أي: أنهم حاروا في الأمر فلم يهتدوا، وعادوا إلى التمادي في كفرهم. وقال الفراء: رجعوا عن قولهم عندما عرفوا من حُجة إبراهيم [["معاني القرآن" للفراء 2/ 207.]]. يعني: أنهم عرفوا حجة إبراهيم فأقروا على أنفسهم بالظلم، ثم رجعوا عن ذلك، وعادوا لكفرهم [[في (د)، (ع): (إلى كفرهم).]] [[تعقب الطبري 17/ 42 هذا القول بعد ذكره عن بعض أهل الحربية -يعني الفراء- فقال: (وأما قول من قال من أهل العربية ما ذكرنا عنه، فقول بعيد عن المفهوم، لأنهم لو كان رجعوا عما عرفوا من حجة إبراهيم ما احتجوا عليه بما هو حجة == له، بل كانوا يقولون له: لا نسألهم، ولكن نسألك فأخبرنا من فعل ذلك، وقد سمعنا أنك فعلت ذلك. ولكن صدقوا القول فقالوا ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءِ يَنْطِقُونَ﴾ وليس هذا رجوعًا عما كانوا عرفوا، بل هو إقرار به.]]. هذا الذي ذكرنا معنى أحد القولين في ﴿ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ﴾ وهو موافق لقول ابن عباس في تفسير ﴿إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ﴾. القول الثاني في ﴿ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ﴾: أنهم طأطؤا رؤوسهم خجلة من إبراهيم حيث ظهرت [[في (ع): (أظهرت)، وهو خطأ.]] حجته. وحكى [[في (أ): (حكى).]] الكلبي أيضًا هذا القول [[ذكره الزمخشري في "الكشاف" 2/ 577، والرازي 22/ 186، والقرطبي 11/ 301، وأبو حيان 6/ 325 من غير نسبة لأحد.]]. واختاره بعض أهل المعاني فقال: نكسوا رؤوسهم خَجْلة. ويقال لمن أطرق: نكس بصره ونكس رأسه. ومنه قول الفرزدق: وإذا الرجال رأوا يَزيدَ رأيتهم ... خُضْعَ الرقاب نَوَاكِس الأْبصَار [[البيت في ديوانه 1/ 304، "الكتاب" 3/ 633، "الكامل" للمبرد 2/ 57 - 58، "تهذيب اللغة" للأزهري 15/ 72 (نكس)، الخزانة للبغدادي 1/ 204، 211. وهو من قصيدة يمدح بها آل المهلب. ويزيد المذكور في البيت هو ابن المهلب بن أبي صفرة، أحد شجعان العرب وكرمائهم، كان واليا على خراسان، ثم صار أمير العراقيين بعد موت الحجاج ، كان جوادًا ممدحًا كثير الغزو والفتوح. توفي مقتولاً في صفر سنة 102 هـ. "العبر" للذهبي 1/ 93، "خزانة الأدب" للبغدادي 1/ 217. وقوله (خضع): (قال البغدادي 1/ 211: (خضع) بضمتين: جمع خضوع، مبالغة خاضع عن الخضوع وهو التطامن والتواضع، .. ويحتمل أن يكون (خُضع) -بضمة فسكون-: جمع أخضع، وهو الذي في خلقه تطامن، وهذا أبلغ من الأول، أي: ترى أعناقهم إذا رأوه كأنها خلقت متطامنة من شدة تذللهم. أهـ.]] يعني: مطرقين مطأطئي الرؤوس. وكذلك من خجل واستحيا أو خزي وافتضح. والقول هو الأول. ولو فعلوا هم ذلك خجلًا لقيل: ثم نكسوا رؤوسهم، فلما قيل: نكسوا على رؤوسهم، على الفعل الذي لم يسم فاعله، ظهر أن المعنى: رُدوا على ما كانوا عليه من أول الأمر. وفيه إثبات للقضاء والقدر، وهو أن الله فعل ذلك بهم للشقاوة التي أدركتهم. وقوله تعالى: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ﴾ فيه إضمار القول، أي: فقالوا لإبراهيم ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءِ يَنْطِقُونَ﴾ [[ذكر أبو حيان 6/ 325، والسمن الحلبي 8/ 179 أن قوله (لقد علمت) جواب قسم محذوف، والقسم وجوابه معمولان لقول مُضْمر، وذلك القول المُضْمر حال من مرفوع (نكسوا)، والتقدير: أي: نكسوا قائلين والله لقد علمت.]]. قال ابن عباس: لقد علمت أن هذه الأصنام لا تتكلم [[تقدم نحو هذا عن ابن عباس في قوله: (فاسألوهم إن كانوا ينطقون).]]. قال الزجاج: اعترفوا بعجز ما يعبدونه عن النطق [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 397.]]. وقال الفراء: العلم بمنزلة اليمين، ولذلك لقي بما يلقى به اليمين، كقوله [[عند الفراء: كقول القائل.]]: والله ما أنت بأخينا. قال: ولو أدخلوا [[عند الفراء: ولو أدخلت العرب.]] (أن) قبل (ما) فقيل: لقد علمت أن ما فيك خير، [كان صوابًا] [[ساقط من (د)، (ع).]] [["معاني القرآن" للفراء 2/ 207 مع تصرف.]]. وذكرنا أن العلم يقع بمنزلة اليمين في قوله: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ﴾ [البقرة: 102] الآية.

الأنبياء 21:66

فلما اتجهت الحجة عليهم بإقرارهم وبَّخهم إبراهيم فقال: ﴿أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ مَا لَا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا﴾. قال السدي: يقول لا يرزقكم ولا يعطيكم شيئاً ﴿وَلَا يَضُرُّكُمْ﴾ قال: يقول إذا لم تعبدوها لم يضركم. وهذا معنى قول الكلبي: لا ينفعكم إن عبدتموه ولا يضركم إن تركتموه [[مثله في تنوير المقباس ص 203.]]. وفي هذا حث على عبادة من يملك النفع بالثواب إذا عبد، والضر بالعقاب إذا لم يعبد، وهو الله تعالى.

الأنبياء 21:67

ثم حقَّرهم وحقَّر معبودهم [[في (د)، (ع): (معبوديهم).]]، فقال: ﴿أُفٍّ لَكُمْ﴾ أي [[(أي): زيادة من (د)، (ع).]] نتنًا لكم [[هذا تفسير الزجاج في "معانيه" 3/ 398. قال الطبري 17/ 42: (أف لكم) أي: قبحا لكم وللآلهة التي تعبدون من دون الله. وقال الزمخشري 2/ 577: (أف) صوت إذ صوت له عُلم أن صحابه متضجر. أضجره ما رأى من ثباتهم على عبادتها بعد انقطاع عذرهم وبعد وضوح الحق وزهوق الباطل، فتأفف بهم.]] ﴿وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ﴾. وذكرنا الكلام في (أف) في سورة سبحان [[انظر: "البسيط" [الإسراء: 23].]]. وقوله تعالى: ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ قال ابن عباس: يريد العقل بعينه [[ذكر هذا المعنى أبو حيان في "البحر" 6/ 326 ولم ينسبه لأحد، حيث قال: ثم نبههم على ما به يدرك حقائق الأشياء، وهو العقل فقال (أفلا تعقلون).]]. يعني: أليس لكم عقل فتعلموا أن هذه الأصنام لا تستحق العبادة؟ فلما لزمتهم الحجة، وعجزوا [[(وعجزوا، غضبوا): ساقطتان من (د)، (ع).]] عن الجواب، غضبوا.

الأنبياء 21:68

فقالوا: ﴿حَرِّقُوهُ﴾ قال الكلبي: قال ملكهم نمروذ: حرقوه بالنار [[حكى هذا القول من غير نسبة لأحد: البغوي 5/ 326، والزمخشري 2/ 578 والرازي 22/ 187، وقال عنه إنه المشهور، والقرطبي 11/ 303.]] ﴿وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ﴾. وقال مجاهد: تلوت هذه الآية على عبد الله بن عمر، فقال [[في (د)، (ع):) قال).]]: هل تدري يا مجاهد [[في (أ): (محمد)، وهو خطأ.]] من أشار بتحريق إبراهيم بالنار؟ قال: قلت: لا. قال: رجل من [أعراب فارس] [[في جميع النسخ: من الأعراب. والتصحيح والزيادة من الطبري، ليستقيم بذلك المعنى.]] قال: قلت: يا أبا عبد الرحمن وهل للفرس من أعراب؟ قال نعم، الكرد، هم أعراب [[في (د)، (ع): (أكراد)، وهو خطأ.]] فارس، فرجل منهم هو الذي أشار بتحريق إبراهيم بالنار [[(بالنار): ساقطة من (ع).]] [[رواه الطبري 17/ 43 قال: حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، قال: ثني محمد بن إسحاق، عن الحسن بن دينار، عن ليث بن أبي سليم، عن مجاهد، قال: تلوت .. فذكره. وإسناد هذا الأثر ضعيف جدًا، لعلل منها: أولاً: ابن حميد: هو محمد بن حميد الرازي، ضعيف "التقريب" 2/ 156. ثانيًا: سلمة: وابن الفضل: صدوق، كثير الخطأ "تقريب" 2/ 318. ثالثًا: محمد بن إسحاق مدلس. رابعًا: ليث بن أبي سليم: ضعيف.]]. وقوله تعالى: ﴿وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ﴾ أي: بتحريق إبراهيم؛ لأنه يعيبها ويطعن عليها، فإذا حرقتموه كان ذلك [[ذلك: في حاشية (ع) .. وعليها علامة التصحيح.]] نصرًا منكم إياها. ﴿إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ﴾ قال ابن إسحاق [[في (د)، (ع): (أبو إسحاق)، وهو تصحيف. والصواب ما في (أ)؛ لأن هذا كلام ابن إسحاق كما سيأتي تخريجه، وليس هذا النص موجودا في "معاني القرآن" للزجاج.]]: إن كنتم ناصريها، أي: لا تنصروها منه إلا بالتحريق بالنار [[رواه الطبري 17/ 43 عن ابن إسحاق.]]. قال ابن عباس: ففعلوا ذلك، وألقوه في الجحيم، ثم نجاه الله منها، ووقاه حرها، وهو:

الأنبياء 21:69

قوله تعالى: ﴿قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا﴾ قال السدي: وكان جبريل هو الذي ناداها [[في (د)، (ع): (ناداه)، وهو خطأ.]] [[ذكره الثعلبي في "الكشف والبيان" 3/ 32 أ. ورواه الطبري 17/ 44، وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 5/ 639 وعزاه لابن جرير وابن أبي حاتم. قال أبو حيان في "البحر" 6/ 328: والظاهر أن القائل (قلنا يا نار) هو الله تعالى. وقال الرازي 22/ 188، وهو قول الأكثرين أن القائل هو الله تعالى، وهو الأليق الأقرب بالظاهر.]]. فقال: ﴿يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا﴾ أي: ذات برد وسلامة. قال ابن عباس: لو لم يتبع بردها (سلامًا) لمات إبراهيم من بردها [["الكشف والبيان" للثعلبي 3/ 31 أ. ورواه الطبري 17/ 44، وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 5/ 640 وعزاه للفريابي وعبد ابن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم. وهذه الرواية عن ابن عباس منقطعة؛ لأنها من رواية السدي عن ابن عباس، والسدي لم يلق ابن عباس. وسيأتي نحوه عن علي -رضي الله عنه-. وهي رواية ضعيفة كما سيأتي تقريره.]]. قال المفسرون: لما انتهى إبراهيم إلى النار أخذت الملائكة بضبعيه [[بضبعيه: أي: بعضديه واحدها: ضبع. انظر: "الصحاح" 3/ 1547 (ضبع).]] فأقعدوه على الأرض، فإذا عينُ ماء عذب وورد أحمر ونرجس، وأنزل الله زربِية [[زَرْبيَّة -بفتح الزاي وقيل: تكسر وتضم أيضًا، وسكون الراء: واحدة زرابي، والزربية: البساط، وقيل: كل ما بسط واتكىء عليه، وقيل: الطنفسَة. انظر: "لسان العرب" 1/ 447) زرب)، "تاج العروس" للزبيدي 3/ 12 (زرب).]] من الجنة فبُسطَت في الجحيم، وما أحرقت النَّار من إبراهيم إلا وثاقه، وبعث الله إليه جبريل مع قميص من حرير الجنة، وقال له: يا إبراهيم إن ربك يقول: أما علمت أن النار لا تضر أحبابي [["الكشف والبيان" للثعلبي 3/ 31 أبتصرف، وهو مجموع من كلام السدي وكعب الأحبار ومحمد بن إسحاق بن يسار. وانظر: "الطبري" 17/ 44 - 45. قال ابن عطية في "المحرر" 10/ 169: وقد أكثر الناس في قصص حرق إبراهيم عليه السلام وذكروا مدة بقائه في النار وصورة بقائه فيها مما رأيت اختصاره هنا لقلة صحته، والصحيح من ذلك أنه ألقي في النار فجعلها الله تعالى عليه بردًا وسلامًا ، فخرج منها سالمًا، فكانت أعظم آية.]]. وقال علي -رضي الله عنه- في قوله: ﴿كُونِي بَرْدًا﴾ قال: بردت حتى كادت تقتل [[عند الطبري: تقتله.]]، فقال: (كوني سلامًا) لا تؤذيه [[رواه سفيان الثوري في "تفسيره" ص 202، والطبري في "تفسيره" 17/ 44 من طريق الأعمش، عن شيخ، عن علي بن أبي طالب. وفي سنده مجهول. وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 6/ 641 وعزاه للفريابي وابن أبي شيبة وابن جرير.]].

الأنبياء 21:70

قوله تعالى: ﴿وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا﴾ يعني التحريق بالنار ﴿فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ﴾ أي: الأخسرين أعمالًا. قال ابن عباس: وهو [[في (د)، (ع): (هو).]] أن الله سلط البعوض على نمروذ وخيله حتى أخذت [[عند القرطبي 11/ 305 والأظهر أنه نقله عن الواحدي: أكلت.]] لحومهم وشربت دماءهم، فرأى عظام أصحابه وخيله تلوح، ووقعت واحدة في دماغه حتى أهلكته [[ذكره القرطبي 11/ 305 منسوبًا إلى ابن عباس. وذكره البغوي 5/ 329، وابن عطية 10/ 170، وابن الجوزي 5/ 368 من غير نسبة لأحد. والأظهر في معنى (الأخسرين أعمالا) ما قاله ابن عطية والزمخشري وابن عاشور: قال ابن عطية 10/ 170: وكانوا في خسارة من كفرهم وغلبته لهم. وقال الزمخشري 2/ 578: فأرادوا أن يكيدوه ويمكروا به، فما كانوا إلا مغلوبين مقهورين. غالبوه بالجدال فغلبه الله ولقنه بالمكبت، وفزعوا إلى القوة والجبروت فَنَصَره وقواه. وقال ابن عاشور 17/ 107: أي: فخابوا خيبة عظيمة، وذلك أن خيبتهم جمع لهم بها سلامة إبراهيم من أثر عقابهم وأن صار ما أعدوه للعقاب آية وتأييدًا لإبراهيم عليه السلام. ذكر الألوسي 17/ 70 نحو قول الزمخشري، ثم ذكر قول ابن عباس من غير نسبة، ثم قال: والمعول عليه التفسير الأول.]]. والمعنى: أنهم كادوه بسوء فانقلب عليهم ذلك.

الأنبياء 21:71

قوله تعالى: ﴿وَنَجَّيْنَاهُ﴾ أي من نمروذ وكيده. ﴿وَلُوطًا﴾ وهو ابن أخ إبراهيم، وكان قد آمن به، وهاجر من أرض العراق إلى أرض الشام، فذلك قوله تعالى: ﴿إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ﴾ أي: بالخصب وكثرة الأشجار والثمار والأنهار، ومنها بعث أكثر الأنبياء [["الكشف والبيان" للثعلبي 3/ 32 ب.]]. وقال أبي بن كعب: سماها مباركة لأنه ما من ماء عذب إلا وينبع أصله من تحت الصخرة التي ببيت المقدس [["الكشف والبيان" للثعلبي 3/ 32 ب. وبنحوه رواه الطبري 17/ 46 من طريق == الحسين بن واقد، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية عن أبي -رضي الله عنه-، وذكر السيوطي في "الدر المنثور" 5/ 642 وعزاه لابن أبي حاتم فقط. وفي سند الطبري أن الحسين بن واقد وهو ضعيف وله أوهام. انظر: "تقريب التهذيب" 1/ 180، 243. والخبر مُتلقى عن أهل الكتاب، والله أعلم. وقال ابن عطية في "المحرر" 10/ 172 لما ذكر هذا الأثر: وهذا ضعيف.]]. ومعنى البركة: ثبوت الخير النامي [[انظر: (برك) في "تهذيب اللغة" للأزهري 10/ 230 - 231، "الصحاح" للجوهري 4/ 1575، "المفردات" للراغب الأصبهاني ص 44.]]. وروى العوفي عن ابن عباس ﴿إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا﴾ قال: هي مكة ونزول إسماعيل بها [[ذكره الثعلبي 3/ 33 أمن رواية العوفي عن ابن عباس. ورواه الطبري 17/ 47 من طريق العوفي عن ابن عباس.]]. والمفسرون كلهم على أنها الشام [[اختاره الطبري 17/ 47، وصوبه الثعلبي 3/ 33 أ.]]. وقوله تعالى: ﴿إِلَى الْأَرْضِ﴾ (إلى) من صلة (نجيناه) [[نجيناه: ساقط من (أ).]] يعني [[في (د)، (ع): (أي.]]: نجيناه ولوطًا فخرجا إلى الأرض [[يريد المؤلف أن قوله (ونجيناه) مُضمن لمعنى أخرجناه بالنجاة، فلما ضُمن معنى أخرج تعدى (ونجيناه) بحرف الجر (إلى). ذكر هذا الوجه أبو حيان 6/ 329، والسمين 8/ 180. وذكر أبو حيان احتمالا آخر وهو أن حرف الجر (إلى) يتعلق بمحذوف في موضح الحال من الضمير في (ونجيناه) أي: ونجيناه منتهيًا إلى الأرض. ولا تضمين في (ونجيناه) على هذا القول. وانظر: "الدر المصون" 8/ 180 - 181.]].

الأنبياء 21:72

قوله تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ﴾ يعني حين سأل ولدًا فقال: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ فاستجاب الله دعاءه، ووهب له إسحاق ولدًا. وقوله تعالى: ﴿وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً﴾ النافلة: اسم على فاعله، ليس له فعل، وهو كالنفل. ومعناه: الزيادة [على الأصل] [[ساقط من (د)، (ع).]] [["تهذيب اللغة" للأزهري 15/ 355 (نفل) بنحوه. وانظر (نفل) في: "الصحاح" للجوهري 5/ 1833، "لسان العرب" لابن منظور 11/ 671 - 672، "بصائر ذوي التمييز" للفيروزآبادي 5/ 109.]]. ذكرنا [[في (د)، (ع): (وذكرنا).]] ذلك عند قوله: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ﴾ [الأنفال: 1] وقوله: ﴿نَافِلَةً لَكَ﴾ [الإسراء: 79]. والنافلة: ولد الولد؛ لأن الأصل كان الولد [فصار ولد الولد] [[ساقط من (أ).]] زيادة على الأصل [["تهذيب اللغة" للأزهري 15/ 356 (نفل) بنصه.]]. قال ابن عباس: نَفَّله يعقوب. يريد: زيادة، زاده يعقوب من إسحاق [[ذكره الثعلي في "الكشف والبيان" 3/ 33 أعن ابن عباس. وقد رواه الطبري 17/ 49 بمعناه عن ابن عباس من طريق العوفي.]]. وهذا قول أبي بن كعب، وقتادة، وابن زيد [[ذكره عنهم الثعلبي 3/ 33 أ. ورواه الطبري 17/ 48 عن قتادة وابن زيد.]]، قالوا: سأل واحدًا فأعطاه الله يعقوب زيادة على ما سأل. فعلى هذا النافلة يعقوب خاصة ومعناها: الزيادة على الأصل. وقال آخرون: معنى النافلة -هاهنا- العطية، وكل عطية تبرع بها معطيها فهي نافلة. وهذا مذهب مجاهد وعطاء في هذه الآية، قالا: معنى النافلة العطية، وإسحاق ويعقوب كانا جميعًا من عطاء الله تعالى [["الكشف والبيان" للثعلبي 3/ 33 أبنصه، عن مجاهد وعطاء. وقد رواه عن مجاهد مختصرًا الطبري في "تفسيره" 17/ 48 وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 5/ 643 وعزاه لابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم. وعن عطاء رواه سفيان الثوري في "تفسيره" ص 202، والطبري 17/ 48.]]. وعلى هذا النافلة لا يختص بيعقوب. والأكثرون على القول الأول وهو اختيار الفراء والزَّجَّاج. [قال الفراء: النافلة: يعقوب خاصة؛ لأنه ولد الولد [["معاني القرآن" للفراء 2/ 207.]]. ونحو هذا قال الزجاج] [[ما بين المعقوفين ساقط من (د)، (ع).]] [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 3/ 398.]]. وقال الأزهري في هذه الآية: وهبنا لإبراهيم إسحاق، وكان كالفرض له، ثم قال: ﴿وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً﴾ فالنافلة يعقوب خاصة؛ لأنه ولد الولد، أي: وهبناه له [[في جميع النسخ: (وهبنا له)، والتصحيح من "تهذيب اللغة" للأزهري.]] زيادة على الفرض له [["تهذيب اللغة" للأزهري 15/ 356 (نفل). وبقية كلامه: وذلك أن إسحاق وهب له بدعائه، وزيد يعقوب تفضلا.]]. وعلى هذا القول الحسن والضحاك [[ذكره الثعلبي في "الكشف والبيان" (3/ 33 أ) عن الحسن والضحاك.]] والكلبي؛ لأنهم قالوا في قوله: ﴿نَافِلَةً﴾: فضلاً. قال الكلبي: وهو ولد الولد [[روى عبد الرزاق في "تفسيره" 2/ 24 عن الكلبي قال: دعى بإسحاق فاستجيب له == وزيد يعقوب. قال ابن جزي الكلبي 3/ 62: واختار بعضهم الوقف على (إسحاق) لبيان المعنى، وهذا ضعيف لأنه معطوف على كل قول.]]. ويصح الوقف [[في (ع): (الولد)، وهو خطأ.]] على إسحاق في هذا القول ثم يبتدئ ﴿وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً﴾ على معنى: وزدناه [[في (أ): (وزيادة)، والصواب ما أثبتناه من (د)، (ع).]] يعقوب نافلة. واختار أبو جعفر النحاس [[هو أحمد بن محمد بن إسماعيل بن يونس، المصري، النحوي، اللغوي، المفسير، الأديب. سمع الحديث، وأخذ عن أصحاب المبرد كالزجاج وغيره. وصنف تصانيف نافعة منها "معاني القرآن"، و"إعراب القرآن"، و"الناسخ والمنسوخ". و"القطع والآئتناف" وغيرها. توفي في ذي الحجة سنة 338 هـ. "طبقات النحويين واللغويين" ص 239، "معجم الأدباء" 4/ 224 - 230، "إنباه الرواة" 1/ 136 - 139، "سير أعلام النبلاء" 15/ 401 - 402، "البداية والنهاية" 11/ 222، "بغية الوعاء" 157، "طبقات المفسرين" للداودي 1/ 68 - 70.]] القول الثاني وقال: الظاهر [[في القطع والائتناف: البين.]] في العربية أن يكون الثاني معطوفًا على الأول، داخلًا فيما دخل فيه من غير إضمار فعل [["القطع والائتناف" للنحاس ص 476. واختار هذا القول ابن عطية لأنه أبين. انظر: "المحرر" 10/ 173. وقال عنه الرازي 22/ 191 إنه أقرب، لأنه تعالى جمع بينهما، ثم ذكر قوله (نافلة) فإذا صلح أن يكون وصفًا لهما فهو أولى. وقال الطبري 17/ 48: النافلة: الفضل من الشيء يصير إلى الرجل من أي: شيء كان كذلك، وكلا ولديه إسحاق ويعقوب كان فضلاً من الله تفضل به على إبراهيم، وهبة منه له. وجائز أن يكون عني به أنه آتاهما إياه جميعًا نافلة منه له، وأن يكون بمعنى أنه آتاه نافلة يعقوب، ولا برهان يدل على أي: ذلك المراد من الكلام، فلا شيء أولى -أن يقال في ذلك- مما قال الله: ووهب الله لإبراهيم إسحاق ويعقوب نافلة.]]. وقوله تعالى: ﴿وَكُلًّا﴾ يعني إبراهيم وإسحاق ويعقوب [["تفسير الطبري" 17/ 49، "الكشف والبيان" للثعلبي 3/ 33 أ. وجزم أبو حيان في "البحر" 6/ 329 أنه (وكلا) يشمل كل من ذكر: إبراهيم ولوط وإسحاق ويعقوب. قال الشنقيطي في "أضواء البيان" 4/ 592: وهو الظاهر. وما قاله أبو حيان واستظهره الشنقيطي ليس بظاهر، بل ما ذكره الواحدي -وهو قول الطبري والثعلبي وجماعة المفسرين- هو الأظهر، لأنه كما قال ابن عاشور 17/ 109: الحديث الأخير فيهم، وأما لوط فإنه ذكر على طريق المعية، وسيخُص بالذكر بعد هذه الآية- انتهى.]] ﴿جَعَلْنَا صَالِحِينَ﴾ أنبياء عاملين بطاعة الله.

الأنبياء 21:73

قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً﴾ سبق الكلام في الأئمة عند قوله: ﴿فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ﴾ [التوبة: 12] والمعنى: جعلناهم رؤساء يقتدى بهم في الخير ﴿يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا﴾ يهدون الناس إلى ديننا بأمرنا إياهم بذلك [[(بذلك) ساقطة من (د)، (ع).]] [["تفسير الطبري" 17/ 49.]]. قال ابن عباس: يدعون إلى عبادة الله [[نحوه في "تنوير المقباس" ص 203.]]. ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ﴾ قال ابن عباس: شرائع النبوة [[ذكره عنه ابن الجوزي 5/ 369، وذكره البغوي 5/ 331 من غير نسبة.]]. ﴿وَإِقَامَ الصَّلَاةِ﴾ قال الزجاج: إنما جاز حذف الهاء من إقامة؛ لأن الإضافة عوض منه، ولا يجوز -عند [[(عند) ليست في (د)، (ع). وكأنها في (أ): (عنده).]] الإفراد [[يعني عدم الإضافة.]] - بغير هاء [[عبارة الزجاج في "معاني القرآن" 3/ 398 هي: (إقام) مفرد قليل في اللغة، == تقول: أقمت إقامة. فأما (إقام الصلاة) فجائز؛ لأن الإضافة عوض من الهاء. أهـ. فأنت ترى أن الزجاج لم يقل: ولا يجوز -عند الإفراد- لغيرها: بل قال عن هذا أنه قليل في اللغة وسيأتي الكلام على هذه المسألة عند قوله تعالى ﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ﴾ [النور: 37] لأن الواحدي بسط الكلام هناك.]]. ﴿وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ﴾ قال ابن عباس: مطيعين [[ذكره بالقرطبي 11/ 305 من غير نسبة لأحد.]].

الأنبياء 21:74

قوله تعالى: ﴿وَلُوطًا آتَيْنَاهُ﴾ انتصب (لوطًا) [[(لوطًا): ساقطة من (د)، (ع).]] بفعل مُضْمر تقديره: وآتينا لوطًا آتيناه. والنصب هاهنا أحسن من الرفع؛ لأن قبل (آتينا) فعل [[هكذا في جميع النسخ: (فعل)، وفي "معاني القرآن" للزجاج 3/ 398: فعلا.]] وهو قوله: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ﴾ وليس كقوله: ﴿سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا﴾ [[النور: 1.]] ويجوز أن يكون منصوبًا على: واذكر لوطًا. وهذا كله قول الفراء والزجاج [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 2/ 207 - 208، و"معاني القرآن" للزجاج 3/ 398 - 399. وانظر: "إعراب القرآن" للنحاس 3/ 75، "مشكل إعراب القرآن" لمكي 2/ 480، " الإملاء للعكبري" 2/ 135.]]. وقوله تعالى: ﴿حُكْمًا﴾ قال ابن عباس: يريد النبوة [[ذكره الماوردي 3/ 455 منسوبًا إلى .. ، وذكره ابن الجوزي منسوبًا إلى ابن عباس، وذكره الزمخشري 2/ 579 من غير نسبة. وقيل المراد بـ (حكماً): (حمة. وقيل: فصل القضاء بين الخصم. قال الشنقيطي 4/ 594 بعد ذكره للأقوال المتقدمة: أصل الحكم: المنع. فمعنى الآيات: أن الله آتاه من النبوة والعلم ما يمنع أقواله وأفعاله من أن يعتريها الخلل.]]. ﴿وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ تَعْمَلُ الْخَبَائِثَ﴾ يعني أهلها، والقرية سدوم [[سَدُوم: بالدال المهملة، وقيل بالذال المعجمة، قرية بالشام، وهي أكبر مدائن قوم لوط. انظر: "معجم البلدان" 5/ 53، "مراصد الاطلاع" 2/ 700.]]، والمراد بالخبائث إتيان الذكور [في قول ابن عباس والمفسرين [[ذكره الماوردي 3/ 455، والقرطبي 11/ 309 من غير نسبة.]]. وجمعها لإضافتها إلى فاعليها، وإن كان إتيان الذكور] [[ما بين المعقوفين ساقط من (أ).]] خصلة واحدة من الخبائث. وقيل: إنه أراد ذلك وسائر ما كانوا يأتونه من المنكرات [[انظر: "الطبري" 17/ 49، "الكشف والبيان" للثعلبي 3/ 33 أ.]]. ثم ذمهم يقول: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَاسِقِينَ﴾.

الأنبياء 21:75

قوله تعالى: ﴿وَأَدْخَلْنَاهُ فِي رَحْمَتِنَا﴾ قال ابن عباس: يريد الجنة [[نحوه في "تنوير المقباس" ص 203. وذكره الزمخشري 2/ 579، والقرطبي 11/ 306 من غير نسبة، وذكر الرازي 22/ 192 عن ابن عباس والضحاك أنهما قالا: الثواب. وهو بمعنى ما هنا.]]. وقال غيره: أدخلناه في رحمتنا بإنجائنا إياه من القوم السوء وهلاكهم [[هذا قول الطبري في "تفسيره" 17/ 49. قال الثشقيطي 4/ 595: (في رحمتنا) شامل لنجاته من عذابهم الذي أصابهم، وشامل لإدخاله إياه في رحمته التي هي الجنة، كما في الحديث الصحيح "تحاجت الجنة والنار" الحديث، وفيه: "فقال للجنة: أنت رحمتي أرحم بك من أشاء من عبادي" أهـ. والحديث الذي أشار إلى الشنقيطي رواه البخاري كتاب: "التفسير" (تفسير سورة ق) 8/ 595 فتح ومسلم كتاب "الجنة وصفة نعيمها وأهلها" 4/ 2186.]]. ﴿إِنَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ يعني من الأنبياء.

الأنبياء 21:76

قوله تعالى: ﴿وَنُوحًا﴾ منصوب على معنى واذكر نوحًا [[(نوحًا) ساقطة من (أ).]] كذلك من ذكر بعده من النبيين في هذه السورة [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 399 مع اختلاف يسير. وفي نصب (نوحًا) وجه آخر: وهو أنه معطوف على (لوطا) فهو مشترك معه في عامله الذي هو (آتينا) المفسر بـ (آتيناه) الظاهر، وكذلك (داود وسليمان)، والتقدير: ونوحا آتيناه حكما، وداود وسليمان آتيناهما حكما. "الإملاء" للعكبري 2/ 135، "الدر المصون" 8/ 84 - 185.]]. ﴿إِذْ نَادَى﴾ دعا ربه ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ من قبل إبراهيم ولوط لأنه كان قبلهما [[قال ابن عاشور في "التحرير والتنوير" 17/ 113: وفائدة ذكر هذه القبلية التنبيه على أن نصر الله أنبياءه سنته المرادة له، تعريضًا بالتهديد للمشركين المعاندين ليتذكروا أنه لم تشذ عن نصر الله رسله شاذة ولا فاذة.]]، دعا على قومه بالهلاك فقال: ﴿رَبِّ لَا تَذَرْ﴾ [نوح: 26] الآية. ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ﴾ يعني من كان معه في سفينته ﴿مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ﴾ قال ابن عباس: يريد الغرق وتكذيب قومه له [[ذكره البغوي 5/ 331، وابن الوزي 5/ 370، والرازي 22/ 193 منسوبًا إلى ابن عباس. وقال الرازي عن هذا القول بعد ذكره لثلاثة أقوال في الكرب أولهما: أنه الغرف وثانيهما: أنه تكذيب قومه له، وثالثهما: أنه مجموع الأمرين وعزاه لابن عباس: وهو الأقرب؛ لأنه عليه السلام كان قد دعاهم إلى الله تعالى مدة طويلة، وكان ينال منهم كل مكروه، وكان الغم يتزايد بسبب ذلك، وعند إعلام الله تعالى إياه أنه يغرقهم وأمره باتخاذ الفلك كان أيضًا على غم وخوف من حيث أنه لم يعلم من الذي يتخلص من الغرق ومن الذي يغرق، فأزال الله عنه الكرب العظيم بأن خلصه من جميع ذلك وخلص جميع من آمن معه. وعلى الوجه الثاني اقتصر ابن كثير -رحمه الله- في "تفسيره" 3/ 185.]].

الأنبياء 21:77

قوله تعالى: ﴿وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ﴾ أن منعناه منهم أن يصلوا إليه بسوء. و (من) في قوله: ﴿مِنَ الْقَوْمِ﴾ [[(من القوم) ساقطة من (د)، (ع).]] من صلة معنى النصر [[وعلى هذا الوجه (نصرناه) ضمن معنى منعناه، وقدره بعضهم بعضمناه أو أنجيناه، ولما ضمن هذا المعنى عدي تعديته، فعدى بـ (من). انظر: "البحر المحيط" لأبي حيان 6/ 330، "الدر المصون" للسمين الحلبي 8/ 184، "أضواء البيان" للشنقيطي 4/ 530. قال ابن عاشور 17/ 113: وهو أبلغ من تعديته بـ (على) لأنه يدل على نصر قوي تحصل به المنعة والحماية فلا يناله العدو بشيء، وأما نصره عليه فلا يدل إلا على المدافعة والمعونة. أهـ.]]. قال المبرد: وكأن تقديره: ونصرناه من مكروه القوم [[ذكره الرازي 22/ 194 عن المبرد.]]. وقال أبو عبيدة (من) بمعنى على [[ذكره عنه الثعلبي في "الكشف والبيان" 3/ 33 أ، ولم أقف عليه في مجال القرآن.]]. والأول الوجه. وقوله تعالى: ﴿فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [قال الكلبي] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ع).]]: يعني الصغير والكبير [[(والكبير) ساقط من (د)، (ع).]]، فلم يبق منهم أحد [[ذكره القرطبي 11/ 306 من غير نسبة لأحد. وانظر: "تفسير ابن كثير" 3/ 185.]].

الأنبياء 21:78

قوله تعالى: ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ﴾ أكثر المفسرين على أن الحرث كان كرمًا قد نبتت عناقيده [[في (د)، (ع): (عنبًا قيده).]]. وهو قول ابن مسعود [[رواه الطبري 17/ 51، والحاكم 2/ 885، والبيهقي في "السنن الكبرى" 10/ 118، وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 5/ 546، وعزاه لابن جرير وابن مردويه والحاكم والبيهقي في "سننه".]]، ومسروق [[رواه سفيان الثوري في "تفسيره" ص 205، وعبد الرزاق في "تفسيره" 2/ 26، == وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 5/ 546، وعزاه لعبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم.]]، ومعمر [[رواه عبد الرزاق في "تفسيره" 2/ 26.]]، وشريح [[رواه الطبري في "تفسيره" 17/ 51، وذكره الثعلبي في "الكشف والبيان" 3/ 33 أ.]]، وابن عباس في رواية عطاء [[ذكره عن ابن عباس: البغوي 5/ 331 من غير نص على أنه من رواية عطاء.]]. وقال قتادة: كان زرعا [[رواه عبد الرزاق في "تفسيره" 2/ 26، والطبري 17/ 50. وذكره الثعلبي في "الكشف والبيان" 3/ 33 أ. قال الطبري 17/ 51: وأولى الأقوال في ذلك بالصواب ما قال الله تبارك وتعالى ﴿إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ﴾ والحرث: إنما هو حرث الأرض. وجائز أن يكون ذلك كان زرعًا، وجائز أن يكون غرسًا، وغير ضائر الجهل بأي ذلك كان.]]. وقوله تعالى: ﴿إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ﴾ أي: رعت ليلًا. في قول جميع المفسرين [[انظر: "الطبري" 17/ 51 - 53، و"الدر المنثور" للسيوطي 5/ 646 - 647.]]. قال ابن السكيت: النَّفْشُ: أن تنتشر [[في (أ): (إذ ينتشر)، وفي (ع): (أو ينشر)، والتصويب من "تهذيب اللغة" و"إصلاح المنطق".]] الغنم بالليل ترعى بلا راعٍ. وقد أنفشها صاحبها، إذا أرسلها بالليل ترعى بلا راعٍ. وهي غنم نُفَّاش [[كرُمَّان. كذا ضبطها الزبيدي في "تاج العروس" 17/ 422 (نفش).]] وَنَفَاش ونَفَش [[بالتحريك كذا ضبطها الجوهري في "الصحاح" 3/ 10 (نفش)، والفيروزآبادي في "القاموس المحيط" 2/ 290 (نفش). وذكر الزبيدي في "تاج العروس" 17/ 422 (نفش) وجهًا آخر وهو: نفَّش، كَسْكَّر.]]. وأنشد: فما لها الليلة من إنفاش [[هذا الشطر من الرجز في "تهذيب اللغة" للأزهري 11/ 377 من إنشاد ابن السكيت في رواية الحرّاني عنه، وقبله: أجرس لها يا ابن أبي كباش والشطر المستشهد به ليس في إصلاح المنطق لابن السكيت (ص 41) وإنما فيه الشطر الأول: أجرس .. لكن ذكر الشطرين أبو البقاء العكبري في كتابه "المشوف المعلم في ترتيب الإصلاح على حروف المعجم" 2/ 783، ونسب الرجز لرجل من بني فقعس، قال: ويقال: هو لمسعود عبد بني الحارث بن حجر الفزاري. والشطر في "التكملة" للصاغاني 3/ 331 منسوبًا لمسعود عبد بني الحارث. وفي "تاج العروس" 17/ 406 (نجش) منسوبًا لأبي محمد الفقعسي، أو مسعود. ومن غير نسبة في: "الصحاح" 3/ 1022 (نفش)، "اللسان" 6/ 36 (جرس)، 6/ 351 (نفش)، 6/ 358 (نفش). وكلام ابن السكيت في "تهذيب اللغة" للأزهري (11 - 376 - 377) (نفش) مع اختلاف في العبارة، وليس في التهذيب: ونفاش ونفش. وهو أيضًا في "إصلاح المنطق" لابن السكيت ص 41.]] وقال الليث. إبلٌ نَافِشَةٌ ونَوَافِشٌ، وهي التي تردد بالليل في المرعى [[في (د)، (ع): (المراعي).]] بلا راعٍ [["العين" 6/ 268 (نفش): (وإبل نوافش): ترددت بالليل في المراعي بلا راعٍ. وفي "مقاييس اللغة" لابن فارس 5/ 461 (نفش): (نفشت الإبل: ترددت وانشرت بلا راع، وفعلها نفش، وإبل نُفَّاش ونوافش.]]. وكانت هذه القصة على ما ذكره المفسرون: أن رجلين [[ذكر ابن عاشور 17/ 119: أن ما ورد في الروايات عن ذكر رجلين، فإنما يحمل على أن الذين حضرا للحصومة هما راعي الغنم وعامل الحرث، وإلا فإن الغنم كانت لجماعة من الناس كما يؤخذ ذلك من قوله تعالى (غنم القوم)، وكذلك كان الحرث شركة بين أناس كما يؤخذ ذلك مما أخرجه ابن جرير من كلام مرة ومجاهد وقتادة، وما ذكره ابن كثير من رواية ابن أبي حاتم عن مسروق .. أهـ. بتصرف.]] دخلا على داود، أحدهما صاحب حرث والآخر صاحب غنم، فقال صاحب الحرث: إن هذا [[(هذا) ساقطة من (ع).]] أنفلتت [[في (أ): (انفتلت)، وفي (د): (انقلبت)، وفي (ع): (انقلب) مهملة. والتصويب من "الكشف والبيان" للثعلبي 3/ 33 أفالنص منقول عنه. وانفلتت: من الانفلات وهو التخلص من الشيء فجأة من غير تمكث. "لسان العرب" لابن منظور 2/ 66 (فلت).]] غنمه ليلاً فوقعت في حرثي ولم [[في (د)، (ع): (فلم).]] تبق منه شيئًا، فقال [[يعني داود عليه السلام.]]: لك رقاب الغنم، فقال سليمان -وهو عنده: أو غير ذلك؟: ينطلق أصاب الكرم [[الكرم: العنب. "الصحاح" للجوهري 5/ 2020 (كرم).]] بالغنم فيصيبوا من ألبانها ومنافعها، ويقوم أصحاب الغنم على الكرم حتى إذا كان كليلة نفشت فيه دفع هؤلاء إلى هؤلاء غنمهم، ودفع هؤلاء إلى هؤلاء كرمهم، فقال داود: القضاء ما قضيت، وحكم بذلك، فهو قوله: ﴿وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ﴾ [["الكشف والبيان" للثعلبي 3/ 33 أ- ب، و"تفسير الطبري" 17/ 51 - 54.]]. قال ابن عباس: يريد لم يغب عني من أمرهم شيئًا. قال الفراء: جمع اثنين فقال (لحكمهم) وهو يريد داود وسليمان؛ لأن الاثنين جمع [[عند الفراء: إذ جمع اثنين.]]، وهو مثل قوله: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ﴾ [[في جميع النسخ: (وإن)، وهو خطأ.]] [النساء: 11] يريد: أخوين [["معاني القرآن" للفراء 2/ 208 مع تصرف في العبارة. وفيه: أخوين فما زاد.]]. وقال غيره: إنما جمع لذكر القوم الذين تحاكموا إليه، والحكم لا ينفك عن تعلقه بالمحكوم له وعليه، ولذلك جمع [[ذكر نحوه الطبري 17/ 51. وبه علل الجمع ابن عطية 10/ 184، والزمخشري 2/ 576 وغيرهما.]]. وقال [[في (د)، (ع): (قال).]] الكلبي: قَوَّم داود الغنم والكرم، فكانت [[في (د)، (ع): (وكانت).]] القيمتان سواء، فدفع الغنم إلى صاحب الكرم. وأمَّا في حكم سليمان فذكر أن القيمتين كانتا [[(كانتا) ساقطة من (د)، (ع).]] مستويتين: قيمة [[(قيمة) ساقطة من (أ).]] ما نالوا من الغنم، وقيمة ما أفسدت الغنم من الكرم [[من قوله: فذكر أن القيمتين .. إلى هنا. هذا كلام الفراء بنصه في "معانيه" 2/ 208.]].

الأنبياء 21:79

قوله تعالى: ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ﴾ أي: القضية [[في (د)، (ع): (القصة).]] والحكومة، فكنَّى عنهما؛ لأنه قد [[(قد) ليست في (د)، (ع).]] سبق ما يدل عليها من ذكر الحكم. [وهذا الحكم] [[ساقط من (أ).]] الذي حكما [[في (أ): (حكمنا)، وهو خطأ.]] به بعضه موافق لشرعنا، وبعضه مخالف. أما الموافق فهو الحكم بالضمان على صحابي الماشية إذا أفسدت بالليل حرثًا، وكذا هو في شرعنا وهو ما رواه الزهريّ، عن حرام بن سعد ابن محيصة [[هو حرام بن سعد بن مُحيصة بن مسعود بن كعب الأنصاري، أبو سعد ويقال: أبو سعيد. روى عن جده محيصة، والبراء وقيل لم يسمع من البراء. وروى عنه == الزهري على اختلاف عليه فيه -توفي بالمدينة سنة 113 هـ. قال الذهبي وابن حجر: ثقة. "طبقات ابن سعد" 5/ 258، "الثقات" لابن حبان 4/ 184، "الكاشف" للذهبي 1/ 211، "تهذيب التهذيب" 2/ 223، "تقريب التهذيب" 1/ 157.]]: أن ناقة للبراء [[في (أ): (البراء).]] بن عازب دخلت حائطًا لبعض الأنصار فأفسدته، فرفع ذلك إلى رسول الله -ﷺ- فقضى على البراء بن عازب بما أفسدته الناقة، وقال: "على أصحاب الماشية حفظها بالليل، وعلى أصحاب الحوائط [[في (د)، (ع): (الحائط).]] حفظ حيطانهم وزروعهم بالنهار" [[هذا الحديث -بهذا اللفظ- ذكره الثعلبي في "الكشف والبيان" 3/ 33 ب من رواية الزهري، عن حرام بن محيصة. وهذا الحديث رواه جماعة من أصحاب الزهري، عنه، عن حرام بن محيصة، مرسلا: ومن طريق الإمام مالك رواه الإمام أحمد في "مسنده" 5/ 435، والبيهقي في "سننه" 8/ 341، والبغوي في "تفسيره" 5/ 332. ورواه ابن ماجة في "سننه" (أبواب الأحكام -الحكم فيما أفسدت المواشي بالليل 2/ 42 عن طريق الليث، عن الزهري، عن حرام، بنحوه مرسلاً. ورواه الطبري 17/ 53 من طريق ابن إسحاق، عن الزهري، عن حرام، بنحوه مرسلا. ورواه الإمام أحمد في "مسنده" 5/ 436، والبيهقي في "سننه" 8/ 342 من طريق سفيان ابن عيينة، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب وحرام بن محيصة، بنحوه مرسلاً. قال ابن عبد البر في "التمهيد" 11/ 81 - 82: هكذا رواه جميع رواة الموطأ -فيما علمت- مرسلا، وكذلك رواه أصحاب ابن شهاب مرسلا إلا أن ابن عيينة رواه عن الزهري عن سعيد ابن المسيب وحرام بن محيصة. ثم قال: هذا الحديث -وإن كان مرسلاً- فهو حديث مشهور، أرسله الأئمة، وحدث به الثقات، واستعمله فقهاء الحجاز، وتلقوه بالقبول، وجرى في المدينة به العمل، وقد زعم الشافعي أنه تتبع مراسيل سعيد بن المسيب فألفاها صحاحًا وأكثر الفقهاء -يحتجون بها. أهـ. لكن قد رواه بعض أصحاب الزهري، عنه. موصولاً: == فرواه ابن أبي شيبة في "مصنفه" 14/ 221 وابن ماجة في "سننه" (أبواب الأحكام) الحكم فيما أفسدت المواشي بالليل 2/ 42، والبيهقي في "سننه" 8/ 341 من طريق سفيان، عن عبد الله بن عيسى، عن الزهري، عن حرام بن محيصة، عن البراء قال: أن ناقة لآل البراء أفسدت .. ، فذكره بنحوه. - ورواه الإمام أحمد في "مسنده" 4/ 295، والبيهقي في "سننه" 8/ 341 من طريق محمد بن مصعب وأبو داود في "سننه" كتاب: البيوع، باب: المواشي تفسد زرع قوم 9/ 483، والبيهقي في "سننه" 8/ 341 من طريق الفريابي، والبيهقي في "سننه" 8/ 341 من طريق أيوب بن سويد، كلهم -يعني ابن مصعب والفريابي وابن سويد- عن الأوزاعي، عن الزهري، عن حرام بنحوه. وقد خالف هؤلاء الثلاثة أبو المغيرة -من أصحاب الأوزاعي- فرواه عن الأوزاعي، عن الزهري، عن حرام، مرسلا. لم يذكر البراء. لكن المقدم رواية الثلاثة؛ لأنهم جماعة وأبو المغيرة فرد. قاله الألباني. -ورواه عبد الرزاق في "مصنفه" 10/ 82 عن معمر، عن الزهري، عن ابن محيصة، عن أبيه، أن ناقة للبراء. فذكر نحوه. وقد رواه من طريق عبد الرزاق - بزيادة أبيه- الإمام أحمد في "مسنده" 5/ 436،، أبو داود في "سننه" كتاب: البيوع، باب: المواشي تفسد زرع قوم 9/ 483، والبيهقي في "سننه" 8/ 342 والواحدي في "تفسيره الوسيط" 3/ 246. قال البيهقي في "السنن" 8/ 341 بعد ذكره لهذه الرواية: وقد خالفه -يعني عبد الرزاق- وهيب وأبو مسعود الزجاج عن معمر، فلم يقولا: عن أبيه. وقد ذهب الألباني إلى تصحيح رواية الأوزاعي وابن عيسى الموصولة، وقال في سلسلة الأحاديث الصحيحة (مج 1/ ق 3/ ص 81) -بعد ذكره لرواية عبد الرزاق وكلام أهل العلم فيها: لكن قد وصله الأوزاعي بذكر البراء فيه- في أرجح الروايتين عنه. وقد تابعه عبد الله بن عيسى عن الزهري عن حرام بن محيصة، عن البراء .. وعبد الله بن عيسى وابن عبد الرحمن بن أبي ليلى -وهو ثقة محتج به في الصحيحين- فهي متابعة قوية للأوزاعي على وصله، فصح بذلك الحديث، ولا يضره إرسال من أرسله؛ لأن زيادة الشاقة مقبولة، فكيف إذا كانا ثقتين؟ وقد قال الحاكم عقب رواية الأوزاعي: صحح الإسناد، على خلاف فيه بين معمر والأوزاعي. ووافقه الذهبي. أهـ]]. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . وروي عن الشعبي: أن شاة دخلت على حائك [[الحائك: هو الذي ينسج الثياب. انظر: "الصحاح" للجوهري 4/ 1582 (حوك).]] فأفسدت عليه غزله، فاختصموا إلى شريح، فقال شريح: إن كان نهارًا فلا ضمان على صاحبها، وإن كان ليلاً ضَمِن. ثم قرأ هذه الآية [[رواه عبد الرزاق في "المصنف" 10/ 82، وابن أبي شيبة في "مصنفه" 9/ 436، والطبري في "تفسيره" 17/ 52، وابن حزم في "المحلى" 11/ 5.]]. وأما الذي يخالف شرعنا: هو [[في (أ): (وهو).]] أن الحكم في شرعنا ضمان ما أفسدت الماشية بالقيمة أو المثل، لا تسليم الماشية ولا تسليم منافعها [[انظر: "أحكام القرآن" للجصاص 3/ 223، "الجامع لأحكام القرآن" للقرطبي 11/ 314.]]. ويتعلق من يقول: إن كل مجتهد مصيب [[وهو قول جمهور المتكلمين من الأشاعرة: كالأشعري وأبي بكر الباقلاني وأبي إسحاق الاسفراييني وابن فورك وغيرهم، ومن المعتزلة: كأبي الهذيل وأبي علي ؤأبي هاشم وأتباعهم. انظر: "الفصول في أحكام الأصول" للجصاص 4/ 307، "العدة في أصول الفقه" لأبي يعلى 5/ 1553، "المحصول" للرازي جـ 2/ ق 3/ ص 47 - 48، "نهاية السول" للأسنوي 4/ 560.]] بهذه الآية، ويقول: إن الله تعالى أثنى على كل واحد منهما بقوله: ﴿وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾. ومن قال: المصيب واحد [[وهو قول كافة الفقهاء، وينسب إلى بعض الأئمة الأربعة. انظر: "الفصول" للجصاص 4/ 328، "التمهيد في أصول الفقه" للكلوذاني الحنبلي 4/ 316 - 317، "المحصول" للرازي جـ 2/ ق 3/ ص 49، "نهاية السول" للأسنوي 4/ 560.]] يقول -في هذه الآية: إن الله تعالى خص سليمان بتفهيم القضية [[في (د)، (ع): (القصة).]]؛ فدل أن الثاني على غير الصواب، ولو كان على الصواب لم يكن لتخصيص سليمان فائدة؛ لأن الأول أيضًا قد فهم صوابًا على قول من يقول كل مجتهد مصيب، وقوله [[في (أ): (بقوله).]] ﴿وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ ثناء عليهما بالحكم والعلم في غير هذه القضية وداود كان [[(كان) ليست في (د)، (ع).]] قد أوتي حكمًا وعلمًا وإن لم يصب في هذه المسألة، والذي يدل على هذا أنه قال: ﴿حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ فذكر [[(فذكر) ساقطة من (د)، (ع).]] بلفظ التنكير، ولو أراد الثناء عليهما في هذه المسألة بالحكم والعلم لقال: وكلا آتينا حكمها وعلمها. وقوله تعالى: ﴿وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ﴾ قال وهب: كان داود يمر بالجبال مسبحًا وهي تجاوبه بالتسبيح، وكذلك الطير [["الكشف والبيان" للثعلبي 3/ 33 ب عن وهب بنصه. وقد روى أبو الشيخ في العظمة 5/ 1703 عن وهب قال: أمر الله الجبال والطير أن تسبح مع داود إذا سبح.]]. وهذا كقوله: ﴿يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ﴾ [سبأ: 10] وقال سليمان بن حيان: كان داود إذا وجد فترة أمر الجبال فسبحت والطير [[(والطير) في (د)، (ع) وليست في (أ).]] حتى يشتاق [[رواه أبو الشيخ في "العظمة" 5/ 1706 من طريق الفريابي، عنه. لكن المطبوع من العظمة: سليم بن حيان، وهو تصحيف. وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 5/ 650 عن سليمان بن حيان، ونسبه للفريابي.]]. وهذا أشبه بالآية؛ لأن الله تعالى قال: ﴿وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ﴾ وتسخيرها أن تطيعه إذا أمرها بالتسبيح [[الأشبه -والله أعلم- بالآية الأول، وهي أنها كانت تجاوبه الجبال الصم والطير البهم إذا سبح وأثنى على الله، وذلك لأمرين: ==الأول: دلالة قوله تعالى في سورة أخرى (يا جبال أوبي معه والطير) والتأويب: الترجيع. الثاني: القرينة التي في الآية وهي (مع) حيث قال (وسخرنا مع) ولو كن كما قال الواحدي لكان: وسخرنا لداود الجبال، مثل ما قال في حق سليمان بعد ذلك (ولسليمان الريح). وانظر ما قاله ابن عاشور 17/ 120.]]. وتقدير الآية: وسخرنا [[في (أ): (وسخرت).]] الجبال يُسبحن مع داود. وقوله تعالى: ﴿وَالطَّيْرَ﴾ قال أبو إسحاق: نصبه من وجهين: أحدهما: على معنى: وسخرنا الطير، والآخر: على معنى: يسبحن مع الطير [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 400. ويكون نصبه على الوجه الأول على أنه معطوف على (الجبال) ونصبه على الوجه الآخر على أنه مفعول معه. انظر: "إعراب القرآن" للأنباري 2/ 163، "البحر المحيط" لأبي حيان 6/ 331، "الدر المصون" 8/ 185.]]. وقوله تعالى: ﴿وَكُنَّا فَاعِلِينَ﴾ قال ابن عباس: يريد ما فعل بهم [[انظر: "تنوير المقباس" ص 203. قال الشنقيطي 4/ 673: والظاهر أن قوله (وكنا فاعلين) مؤكد لقوله (وسخرنا مع داود الجبال يُسبحن والطير) والموجب لهذا التأكيد أن تسخير الجبال وتسبيحها أمر عجب وخارق للعادة مظنة لأن يكذب به الكفرة الجهلة. وقال الألوسي 17/ 76: (وكنا فاعلين) تذييل لما قبله، أي: من شأننا أن نفعل أمثاله، فليس ذلك ببدع منا وإن كان ذلك بديعًا عندكم. وذهب الزجاج والزمخشري إلى أن (فاعلين) هنا بمعنى قادرين فقال الزجاج 3/ 400 أي: وكنا نقدر على ما نريده. وقال الزمخشري 2/ 580: أي: قادرين على أن نفعل هذا وإن كان عجبا عندكم. وتعقب الشنقيطي 4/ 763 هذا القول، وذكر أنه ظاهر السقوط، وعلل ذلك بقوله: لأن تأويل (وكنا فاعلين) بمعنى كنا قادرين بعيد، ولا دليل عليه.]]. يعني: من التفهيم، وإيتائنا الحكم، والتسخير.

الأنبياء 21:80

قوله تعالى: ﴿وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ﴾ اللَّبُوس [[(اللبوس) ساقطة من (د)، (ع).]]: الدرع. فكل [[في (د)، (ع): (فهو كل).]] شيء لبسته فهو لَبُوس، قال الشاعر [[هو بيهس الفزاري، وكان سابع سبعة إخوة، فأغار عليهم أناسٌ من بني أشجع، وهم في أبلهم، فقتلوا منهم ستة، وبقي منهم بيهس، وإنما تركوه لأنه كان يُحمق، فتركوه احتقارا له، ثم إنه مر يومًا بنسوة من قومه يصلحن امرأة منهن يردن أن يهدينها لبعض من قتل إخوته، فكشف عن دبره، وغطى رأسه، فقلن: ويحك، أي: شيء تصنع؟ فقال: ألبس لكل حالة لبُوسها ... إما نعيمها وإما بُوسها و"الخبر في الفاخر" للمفضل بن سلمة ص 62 - 63، "لسان العرب" 6/ 202 - 203 (لبس). والبيت أيضًا في: "إصلاح المنطق" لابن السكيت ص 333 من غير نسبة لأحد، "شرح أبيات سيبويه" للسيرافي 2/ 393، "تاج العروس" للزبيدي 16/ 466 (لبس).]]: الْبَسْ لكلِّ حالة لَبُوسَها هذا أصله. وهو فعول بمعنى: مفعول، كالركوب والحلوب ثم جعلت [[في (د)، (ع): (جعل).]] اسمًا للدرع؛ لأنها تُلْبَس [[انظر (لبس) في "تهذيب اللغة" للأزهري 12/ 443، "الصحاح" للجوهري 3/ 974، "لسان العرب" لابن منظور 6/ 202 - 203.]]. قال قتادة: أول من صنع الدروع داود، وإنما كانت صفائح، فهو أول من سردها [[سردها بتخفيف الراء وتشديدها: نسجها بإدخال الحلق بعضها في بعض وثقبها. انظر: "الصحاح" للجوهري 2/ 487، (سرد) "لسان العرب" لابن منظور 3/ 211 (سرد)، "تاج العروس" للزبيدي 8/ 186 - 187 (سرد).]] وحلَّقها [[ذكره الثعلي في "الكشف والبيان" 33/ 3 ب، بهذا اللفظ. وقد رواه عبد == الرزاق في "تفسيره" 2/ 27، والطبري 17/ 55 من قوله (كانت صفائح).]]. فجمعت الخفة [[في (أ): (الحلقة)، وهو خطأ.]] والتحصين [[قوله: فجمعت الخفة والتحصين. هذا كلام الزجاج في "معانيه" 3/ 400.]]. وقوله تعالى: ﴿لِتُحْصِنَكُمْ﴾ أي: ليحرزكم [[الطبري 17/ 55، و"الكشف والبيان" للثعلبي 3/ 33 ب.]] وقال ابن عباس: ليمنعكم [["تنوير المقباس" ص 203.]]. يعني اللبوس وقال الزجاج: ويجوز ليحصنكم الله [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 400.]]. [قال أبو علي] [[ساقط من (ع).]]: ويجوز [[في (د): (فيجوز).]] أن يكون داود، ويجوز أن يكون التعليم يدل عليه علمناه [[في (د)، (ع): (ما علمناه)، وهو خطأ.]]. ومن قرأ بالنون [[في (د)، (ع): (بالتنوين). وهو خطأ.]] [[قرأ أبو بكر عن عاصم: (لتحصنكم) بالنون، وقرأ ابن عامر، وحفص عن عاصم: (لتحصنكم) بالتاء، وقرأ الباقون بالياء. "السبعة" ص 430، "التبصرة" ص 264، "التيسير" ص 155.]] فلتقدم قوله: ﴿وَعَلَّمْنَاهُ﴾، ومن قرأ (بالتاء) حمله على المعنى؛ لأن اللبوس الدرع [["الحجة" لأبي علي الفارسي 5/ 258 مع تقديم وتأخير. وانظر: "علل القراءات" للأزهري 2/ 408 - 409، "حجة القراءات" لابن زنجلة ص 469، "الكشف" لمكي 2/ 112.]]. وقوله تعالى: ﴿مِنْ بَأْسِكُمْ﴾ أي من حربكم [["الكشف والبيان" للثعلبي 3/ 33 ب.]]. وقال السدي: من وقع السلاح فيكم [[ذكره السيوطي في "الدر المنثور" 5/ 650.]]. ووقع السلاح حرب. وقال ابن عباس: من السيف والسهم والرمح [[ذكره الماوردي في "النكت والعيون" 3/ 460، والقرطبي 11/ 320 عن ابن عباس بلفظ: من سلاحكم. وانظر: "تنوير المقباس" ص 203.]]. وعلى هذا التقدير: من آلة بأسكم. فحذف المضاف. وقوله تعالى: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ﴾ يريد فهل أنتم يا معشر أهل [[في (د)، (ع): (يا معشر قريش).]] مكة ﴿شَاكِرُونَ﴾ يعني بطاعة الرسول وتصديقه.

الأنبياء 21:81

قوله تعالى: ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ﴾ قال أبو إسحاق: الريح نسق على الجبال. المعنى: وسخرنا لسليمان الريح [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 400 مع اختلاف بعض الألفاظ. ويجوز أن ينصب (الريح) بفعل مقدر. انظر: "إعراب القرآن" للنحاس 3/ 67، "الإملاء" للعكبري 2/ 135 - 136، "الدر المصون" 8/ 187.]]. وقوله تعالى: ﴿عَاصِفَةً﴾ أي شديدة الهبوب [[الطبري 17/ 55، و"الكشف والبيان" للثعلبي 3/ 34 ب.]]. قال ابن عباس: إن أمر الريح أن تعصف عصفت وإذا أراد أن ترخي أرخت. وذلك قوله في سورة ص ﴿رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ﴾ [ص: 36] والمعنى: أنها كانت تشتد [[تشتد: ساقطة من (ع).]] إذا أراد، وتلين إذا أراد [[هذا أحد الوجوه في التوفيق بين قوله تعالى في آية الأنبياء واصفًا الريح المسخرة لسليمان بأنها (عاصفة) وفي سورة ص (رخاء). وعلى ذلك فالريح تكون عاصفة تارة ورخاء تارة بحسب اختلاف مقصد سليمان منها. وهناك وجهان آخران في == التوفيق بين الآيتين: أحدهما: أن هذه الريح المسخرة لسليمان قد جمعت أمرين: فهي رخاءٌ في نفسها أي: رخية طيبة كالنسيم، وعاصفة في عملها كما قال تعالى: ﴿غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ﴾ [سبأ: 12]، مع طاعتها لسليمان وهبوبها على حسب ما يريد، فهي آية إلى آية، ومعجزة إلى معجزة. ذكره الزمخشري 2/ 580. الثاني: قال بعضهم: إن العاصفة هي في القفول على عادة البشر والدواب في الإسراع إلى الوطن ولذلك قال ﴿عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا﴾ وهي الشام مسكن سليمان، والرخاء في البدأة ﴿حَيْثُ أَصَابَ﴾ [ص: 36] أي: حيث يقصد؛ لأن ذلك وقت تأن وتدبير وتقلب رأي. ذكره ابن عطية 10/ 186. وانظر: "البحر المحيط" 6/ 332.]]. ﴿تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا﴾ قال ابن عباس: يريد أرض الشام. وقال الكلبي: يعني فلسطين بارك الله فيها بالماء والشجر والنخل. وينا هذا عند قوله: ﴿بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: 71]. قال الفراء: كانت تجري بسليمان إلى كل موضع، ثم تعود به من يومه إلى منزله، فذلك قوله: ﴿تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا﴾ [["معاني القرآن" للفراء 2/ 209. وهذا من أخبار بني إسرائيل، فالله أعلم بصحته. قال أبو حيان في "البحر" 6/ 333: وقد أكثر الأخباريون في ملك سليمان، ولا ينبغي أن يعتمد إلا على ما قصه الله في كتابه وفي حديث رسول الله -ﷺ-. أهـ يعني ما صح من حديثه -ﷺ-.]]. وقوله تعالى: ﴿وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ﴾ [قال [[إلى قوله (قال) ينتهي الخرم من نسخة شستربتي، ويبدأ الموجود من قوله: ابن عباس.]] ابن عباس: يريد بكل شيء فعلنا. وقال أهل المعاني] [[ما بين المعتقوفين ساقط من (د)، (ع).]]: وكنا بكل شيء علمناه عالمين بصحة التدبير فيه وعلمنا أن ما [[(ما) ساقطة من (د)، (ع).]] يعطى سليمان من تسخير الريح وغيره يدعوه إلى الخضوع لربه [[ذكره البغوي 5/ 335 بنصه، ولم ينسبه لأحد.]].

الأنبياء 21:82

قوله تعالى: ﴿وَمِنَ الشَّيَاطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ﴾ قال أبو إسحاق: يجوز أن يكون موضع (من) نصبًا نسقًا [[عند الزجاج في معانيه: عطفًا.]] على الريح، ويجوز أن يكون رفعا بالابتداء، ويكون (له) الخبر [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 401. وانظر: "إعراب القرآن" للنحاس 3/ 76، "الإملاء" للعكبري 2/ 136، "الدر المصون" 8/ 188.]]. والغوص: الدخول تحت الماء [["تهذيب اللغة" للأزهري 8/ 158 (غوص) نقلاً عن الليث. وانظر: "الصحاح" للجوهري 3/ 1047 (غوص).]]. أي: يدخلون تحت الماء له وبأمره، فيستخرجون له الجواهر من البحر [[من قوله: أي .. إلى هنا: منقول عن الثعلبي 3/ 34 أ.]]. ﴿وَيَعْمَلُونَ عَمَلًا دُونَ ذَلِكَ﴾ أي سوى الغوص من البناء وغيره من الأعمال [[قال تعالى: ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ﴾ [سبأ: 13].]]. قاله الكلبي [[انظر: "تنوير المقباس" ص 204.]]، والفراء [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 2/ 206.]]، والزجاج [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 3/ 401.]]. قال الكلبي: كان الرجل في زمان سليمان يأتيه، فيسأله أن يبعث معه شيطانًا فيعمل له، فيبعث معه شيطانًا. وقوله تعالى: ﴿وَكُنَّا لَهُمْ حَافِظِينَ﴾ قال أبو إسحاق: كان أن الله يحفظهم من أن يفسدوا ما عملوا [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 401.]]. ونحو هذا قال الفراء [["معاني القرآن" للفراء 2/ 209.]]. وشال الكلبي: ﴿وَكُنَّا لَهُمْ حَافِظِينَ﴾ من أن يهيجوا [[غير واضحة في (أ)، (ت). ومعنى يهيجوا: يثيروا لمشقة أو ضرر. "لسان العرب" لابن منظور 2/ 394 (هيج)، "تاج العروس" للزبيدي 6/ 286 - 287 (هيج).]] أحدًا في زمانه [[ذكره الرازي 22/ 202 عن الكلبي، وذكره الفراء في "معانيه" 2/ 209 من غير نسبة لأحد.]]. وقيل: ﴿وَكُنَّا لَهُمْ حَافِظِينَ﴾ حتى لا يخرجوا من أمره [[هذا قول الثعلبي في "الكشف والبيان" 343 أ. وكل ما ذكر داخل في الحفظ، وقد قال تعالى في آية أخرى: ﴿وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ﴾ [سبأ: 12] وقال ﴿وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ﴾ [ص: 38]. وبالجملة فالله حافظهم أن يزيغوا عن أمره، أو يبدلوا أو يغيروا، أو يوجد منهم فسادٌ في الجملة فيما هم مسخرون فيه. قاله الزمخشري 2/ 581.]].

الأنبياء 21:83

قوله تعالى: هوَ ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ﴾ قال ابن عباس: دعا ربه [[ذكره البغوي 5/ 337، وابن الجوزي 5/ 374 من غير نسبة لأحد.]]. ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ﴾ وأصابني الجهد ﴿وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ أكثرهم رحمه. وهذا تعريض منه بمسالة الرحمة إذ أثنى عليه بأنه [[في (أ): (فإنه).]] الأرحم وسكت. وقال أهل العلم: لم يكن هذا جزعًا من أيوب؛ لأن الله تعالى قال: ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا﴾ ولكن هذا دعاء منه لله تعالى ألا ترى أن الله تعالى قال: ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ﴾ [[قال الثعلبي في "الكشف والبيان" 3/ 39 ب: (سمعت أستاذنا أبا القاسم بن حبيب -رحمه الله- يقول: حضرتُ مجلسًا غاصًّا بالفقهاء والأدباء في دار سلطان فسئلت عن هذه الآية بعد إجماعهم على أن قول أيوب (مسني الضر) شكاية، وقد قال الله تعالى (إنا وجدناه صابرا) فقلت: ليس هذا بشكاية، وإنما هو دعاء بيانه قوله (فاستجبنا له) والإجابة تعتقب الدعاء لا الاشتكاء، فاستحسنوه وارتضوه. أهـ.]]. وروي عن ربيعة بن كلثوم [[هو ربيعة بن كلثوم بن جبر البصري، روى عن أبيه والحسن البصري وغيرهما. قال الذهبي: ثقة وقال ابن حجر: صدوق يهم. "الكاشف" للذهبي 1/ 307، "تهذب التهذيب" 3/ 263، "تقريب التهذيب" 1/ 248.]] أنه قال: دخلنا على الحسن [[هو البصري.]] وهو يشتكي ضرسه وهو يقول: مسني الضر وأنت أرحم الراحمين، اقتدى بأيوب عليه السلام في دعائه ليستجاب له كما استجيب لأيوب [[لم أجده.]]. على أن الجزع إنما هو الشكوى إلى الخلق، فأما من اشتكى إلى الله تعالي ما حل به فليس يسمى جازعًا؛ لأنه مثاب على ذلك إذا كان إلى الله، والجازع مذموم، وقول يعقوب عليه السلام ﴿أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾ [يوسف: 86] لا يحمل على الجزع. وهذا معنى ما قال سفيان بن عيينة [[ذكره ابن الجوزي 5/ 374.]] في هذه الآية: من شكا إلى الله لم يعد ذلك بشكوى ولا جزع، ألم تسمع قوله: ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾ قال وكذلك من شكا إلى الناس وهو في شكواه راض بقضاء الله لم يكن ذلك جزعًا ألم تسمع قول النبي -ﷺ-: "أجدني مغمومًا وأجدني مكروبًا" [[هذا طرف من حديث طويل رواه الطبراني في "المعجم الكبير" 3/ 129 عن الحسين بن علي -رضي الله عنه- وفيه أن جبريل عليه السلام قال للنبي -ﷺ- كيف تجدك؟ فقال النبي -ﷺ-: "أجدني يا جبريل مغمومًا، وأجدني يا جبريل مكروبًا". قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" 9/ 35: رواه الطبراني، وفيه عبد الله بن ميمون القداح وهو ذاهب الحديث.]]، وقوله: "بل أنا وارأساه" [[رواه البخاري في "صحيحه" كتاب: المرضى، باب: ما رخص للمريض أن يقول: إني وجع، أو وارأساه، أو اشتد بي الجوع 10/ 123 من طريق القاسم بن محمد قال: قالت عائشة: وارأساه. الحديث وفيه: فقال النبي -ﷺ-: "بل أنا وارأساه". ورواه الإمام أحمد في "مسنده" 6/ 228، وابن ماجة في "سننه" الجنائز، باب: ما جاء في غسل الرجل امرأته وغسل المرأة زوجها 1/ 270 من طريق آخر عن عائشة رضي الله عنها قالت: رجع رسول الله -ﷺ- ذات يوم من جنازة بالبقيع وأنا أجد صداعًا في رأسي، وأنا أقول: وارأساه! قال: "بل أنا وارأساه" الحديث. قال البوصيري في "الزوائد" 1/ 475: إسناد رجاله ثقات، ورواه البخاري من وجه آخر عن عائشة مختصرًا.]]. وليس في مثل هذا شكوى من الله، ولا قلة رضا بقضائه، بل رغبة فيه.

الأنبياء 21:84

قوله تعالى: ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ﴾ قال ابن عباس يريد الأوجاع [[ذكر الرازي 22/ 10 والقرطبي 11/ 326 القول بأن الله رد على أيوب أهله بأعيانهم ومثلهم معهم. ونسباه إلى جماعة منهم الكلبي. وروى عبد الرزاق في "تفسيره" 2/ 27 عن الكلبي قال: آتاه الله أهله في الدنيا، ومثلهم معهم في الآخرة.]]. ﴿وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ﴾ قال: إن الله تعالى رد إليه أهله ومثلهم معهم [[رواه الطبري 17/ 72 من طريق العوفي.]]. والمراد بالأهل: الأولاد [["الكشف والبيان" للثعلبي 3/ 40 أ.]]. قال الكلبي: كانت امرأته ولدت له سبع بنات وسبعة بنين، وكانوا هلكوا في بلاء أيوب، فنشروا له، وولدت له امرأته مثلهم سبعة بنين وسبع بنات [[ذكر الفراء مثل هذا النص -مع اختلاف يسير- في "معانيه" 2/ 209 وصدره بقوله: وذُكر. وذكر ابن الجوزي في "زاد المسير" 5/ 378 - 379 مثله وعزاه إلى أبي صالح عن ابن عباس، ومعلوم أن هذه الرواية في الغالب من طريق الكلبي.]]. وهذا قول ابن مسعود، وقتادة، وكعب، [والحسن، قالوا [[ذكره الثعلبي في "الكشف والبيان" 3/ 40 أعن ابن مسعود وقتادة وكعب، ثم ذكر عن الحسن نحوه. ورواه عن ابن مسعود الطبري في "تفسيره" 17/ 72، والطبراني في "الكبير" 9/ 254، وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 5/ 654، 655 وعزاه لابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر والطبراني. وهو من رواية الضحاك عن ابن مسعود، والضحاك لم يلق ابن مسعود، فهي رواية منقطعة ولذا قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" 7/ 67: وإسناد منقطع. ورواه الطبري 17/ 73 عن الحسن وقتادة وروى عبد الرزاق 2/ 27 عن الحسن قال: آتاه الله أهله في الدنيا ومثلهم معهم من نسلهم. وقد وردت رواية عن الحسن أخرجها ابن عساكر وابن المنذر (كما في "الدر المنثور" 5/ 654 - 655) أنه قال: (وآتيناه أهله) في الدنيا (ومثلهم معهم) في الآخرة.]]: أير الله له أولاده] [[ما بين المعقوفين كشط في (أ).]] وأوُتي مثلهم في الدنيا. وقال عكرمة: إن الله خيره، فاختار إحياء أهله في الآخرة، ومثلهم [[في (د)، (ع): (وأوتي مثلهم)، والصواب ما في (ت).]] في الدنيا، وأوتي على ما اختار، وذلك أنه قال: يكونون لي في الآخرة، وأوتى مثلهم [[في (ت): (مثلهم معهم)، والصواب ما في (د)، (ع).]] في الدنيا [[رواه الطبري 17/ 72 بنحوه، وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 5/ 656 وعزاه لابن جرير.]]. وهذا [[في (د)، (ع): (وذلك).]] قول مجاهد في رواية ليث [[رواية ليث عن مجاهد رواها الطبري 17/ 72 - 73.]]. والقول الأول هو الظاهر. وقوله تعالى: ﴿رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا﴾ قال الفراء: فعلنا ذلك رحمة من عندنا [["معاني القرآن" للفراء 2/ 209.]]. ﴿وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ﴾ قال ابن عباس: موعظة للمطيعين [[انظر البغوي 5/ 347، وابن الجوزي 5/ 379. قال القرطبي 11/ 327: أي: وتذكيرًا للعباد؛ لأنهم إذا ذكروا بلاء أيوب وصبره عليه ومحنته له -وهو أفضل أهل زمانه- وطنوا أنفسهم على الصبر على شدائد الدنيا نحو ما فعل أيوب، فيكون هذا تنبيهًا لم على إدامة العبادة واحتمال الضرر. وقال ابن كثير 3/ 190: أي: وجعلناه في ذلك قدوة لئلا يظن أهل البلاء إنما فعلنا بهم ذلك لهوانهم علينا، وليتأسوا به في الصبر على مقدورات الله وابتلائه لعباده بما يشاء وله الحكمة البالغة في ذلك.]]. قال محمد بن كعب: أيما مؤمن أصابه بلاءً فليذكر ما أصاب أيوب، وليقل إنه قد أصاب من هو خير مني أعظم من هذا [[رواه الطبري 17/ 73، وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 5/ 656 وعزاه لابن جرير.]].

الأنبياء 21:85

قوله تعالى: ﴿وَذَا الْكِفْلِ﴾ قال ابن عباس -في رواية عطاء [[(عطاء) ساقط من (أ)، (ت).]]: إن نبيا من أنبياء بني إسرائيل أوحى الله إليه: أني أريد قبض روحك، فأعرض ملكك علي بني إسرائيل، فمن يكفل لك أنه يصلي بالليل لا يفتر، ويصوم بالنهار لا يفطر، ويقضي بين الناس، ولا يغضب، فادفع ملكك إليه. ففعل ذلك، فقام شاب، فقال: أنا أتكفل لك بهذا. فتكفل ووفى به، فشكر الله تبارك وتعالى له، ونبأه [[في (أ، د): (مناه). وفي (ع): (مناه) مهملة. والتصويب من الوسيط والرازي وابن الجوزي.]] [[ذكره الرازي 22/ 210 - 211 منسوبًا إلى ابن عباس في رواية، وذكره البغوي في "تفسيره" 5/ 348 وابن الجوزي 5/ 380 ونسباه إلى عطاء. وقد روى ابن أبي حاتم كما في تفسير ابن كثير 3/ 190 - 191 من طريق أبي بكر بن عياش، عن الأعمش عن ابن عباس: كان قاض في بني إسرائيل، فاحتضره الموت، فقال: من يقوم مقامي على أن لا يغضب، فذكر نحو القصة. قال ابن كثير 3/ 191: وهكذا روى عن عبد الله بن الحارث ومحمد بن قيس وأبي حجيرة الأكبر وغيرهم من السلف والله أعلم. وفي "الدر المنثور" 5/ 663: وأخرج ابن سعيد النقاش في كتاب القضاة عن ابن عباس، فذكر نحو هذه القصة.]]. وهذا قول مجاهد، وقتادة. وقال أبو موسى الأشعري: لم يكن نبيًّا، ولكنه كفل بصلاة رجل كان يصلي كل يوم مائة صلاة فتوفي [[وقع في المطبوع من الطبري 17/ 75: فوفى.]]، وكفل بصلاته؛ لذلك سمي ذا الكفل [[رواه عبد الرزاق في "تفسيره" 2/ 27 عن معمر، عن قتادة قال: قال أبو موسى الأشعري، فذكره. ومن طريق عبد الرزاق رواه الطبري في "تفسيره" 17/ 75. ورواه الطبري 75/ 17 من وجه آخر عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة عن أبي موسى الأشعري، فذكره. وهذا رواية منقطعة؛ لأن قتادة لم يلق أبا موسى الأشعري -رضي الله عنه- وقد رواه موصولا ابن أبي حاتم في "تفسيره" كما في "تفسير ابن كثير" 3/ 191 من طريق أبي الجماهر، أخبرنا سعيد بن بشير، حدثنا قتادة، عن كنانة بن الأخنس قال: سمعت أبا موس الأشعري فذكره بنحوه. وفي سندها سعيد بن بشير الأزدي ضعفه الإمام أحمد وابن معين وابن المديني والنسائي وأبو داود وقال فيه ابن نمير: منكر الحديث، ليس بشيء، ليس بقوي الحديث، يروي عن قتادة المنكرات. وقال الساجي: حدث عن قتادة بمناكير. وقال ابن حبان: كان ردئ الحفظ، فاحش الخطأ، يرويَ عن قتادة مالا يتابع == عليه. انظر: "تهذيب التهذيب" لابن حجر 4/ 8 - 10. وبالجملة فهذه الرواية عن أبي موسى ضعيفة. والله أعلم. والأثر ذكره السيوطي في "الدر المنثور" 5/ 664 وعزاه لعبد الرزاق وعبد بن حميد وابن أبي حاتم وابن جرير وابن المنذر. قال أبو حيان في "البحر" 6/ 334: وقيل في تسميته ذا الكفل أقوال مضطربة لا تصح.]]. قال الحسن: ذو الكفل نبي اسمه ذو الكفل [[ذكره الماوردي في "النكت والعيون" 3/ 464، وابن الجوزي في "زاد المسير" 5/ 379، والقرطبى 11/ 328. قال ابن كثير 3/ 190: وأما ذو الكفل فالظاهر من السياق أنه ما قرن مع الأنبياء إلا وهو نبي.]]. وقوله تعالى: ﴿كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ قال ابن عباس: يريد على طاعة الله، وعن معاصي الله [[ذكره ابن الجوزي 5/ 380 ولم ينسبه لأحد.]].

الأنبياء 21:86

قوله تعالى: ﴿وَأَدْخَلْنَاهُمْ فِي رَحْمَتِنَا﴾ قال: يريد ما أنعم به [[(به) ليست في (د)، (ع).]] عليهم من النبوة، وما صيرهم إليه في الجنة من الثواب [[ذكره البغوي 5/ 349 ولم ينسبه لأحد.]]. وقال أهل المعاني: أدخلناهم في رحمتنا يقتضي أنه قد غمرتهم الرحمة، وليس كذلك رحمناهم [[ذكره هذا المعنى: الطوسي في "التبيان" 7/ 242، والحاكم الجشمي في "التهذيب" 6/ 57 أ- ب) ولم ينسباه لأحد.]].

الأنبياء 21:87

قوله تعالى: ﴿وَذَا النُّونِ﴾ أي: واذكر ذا النون. وهو يونس بن متى [[متى: بفتح الميم، وتشديد المثناه، مقصور. وهو اسم أبيه -على الصحيح- كما ورد ذلك في حديث ابن عباس، انظر: "فتح الباري" 8/ 451.]] سماه الله تعالى ذا النون لما حبسه في بطن النون، وهو الحوت كما قال في موضع آخر: ﴿وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ﴾ [القلم: 48]. وقوله تعالى: ﴿إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا﴾ قال الضحاك: مغاضبًا لقومه [[ذكره الثعلبي في "الكشف والبيان" 3/ 41 أ. ورواه الطبري 17/ 76، وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 5/ 665 وعزاه لابن أبي شيبة وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم.]]. وهو قول ابن عباس في رواية العوفي، قال: إن شعيا [[هو شعيا بن أمصيا، وقيل: ابن آموس. أحد أنبياء بني إسرائيل بعد داود وسليمان، وكان قبل زكريا ويحيى، وهو ممن بشر بعيسى ومحمد عليهما السلام، قتله بنو إسرائيل لما وعظهم وذكرهم بالله. تاريخ الطبري 1/ 532 - 537، "الكامل" لابن الأثير 1/ 143 - 145، "البداية والنهاية" لابن كثير 2/ 32 - 33، "دائرة المعارف الإسلامية" 13/ 316.]] النبي والملك الذي كان في وقته وذلك القوم أرادوا أن يبعثوه إلى ملك كان قد غزا بني إسرائيل وسبى الكثير منهم ليكلمه حتى يرسل معه بني إسرائيل، فقال [[في (ت): (فقالوا)، وهو خطأ.]] يونس لشعيا: هل أمرك الله بإخراجي؟ قال: لا. قال: فهل سماني لك؟ قال: لا، قال: فهاهنا غيري أنبياء. فألحوا عليه، فخرج مغاضبا للنبي -ﷺ- وللملك ولقومه، فأتى بحر الروم فكان من قصته ما كان [[ذكره الثعلبي في "الكشف والبيان" 3/ 41 أمن رواية العوفي عن ابن عباس. وقد رواه الطبري 17/ 76 مختصرًا جدًا قال: غضب على قومه.]]. وعلى هذا عوقب بتركه ما أمره به شعيا وقومه لأن الله تعالى قال فيه: ﴿فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ﴾ والمليم: الذي أتى ما يلام عليه. وقال آخرون: إنه ذهب مغاضبا لربه. وهذا قول ابن عباس في رواية عطاء [[ذكره عن ابن عباس الرازي 22/ 214، والقرطبي 11/ 329، وأبو حيان في "البحر" 6/ 335.]]، وابن مسعود، وسعيد بن جبير. قال ابن عباس: لما وعد قومه العذاب، وخرج من بينهم، ورُفع عنهم العذاب بعد ما أظلهم على ما ذكر في القصة، فلما بلغ ذلك يونس أبق من ربه إلى الفلك المشحون. وروى مسروق عن عبد الله في قوله: ﴿إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا﴾ قال: عبد أبق من ربه [[رواه الطبراني في "المعجم الكبير" 9/ 255 من طريق مسروق، عن عبد الله قال: عبد أبق من سيده. الهيثمي في "مجمع الزوائد" 7/ 68: وفيه يحيى الحماني وهو ضعيف.]]. وقال سعيد بن جبير: ذهب مغاضبًا لربه [[رواه عنه الثوري في "تفسيره" ص 204، والطبري 17/ 77.]]. ونحو هذا قال الحسن [[رواه الطبري 17/ 77.]]. وإلى هذه الطريقة مال ابن قتيبة، فإنه يقول في هذه الآية: يستوحش كثير [[كثير: ساقط من (أ)، (ت).]] من الناس من أن يُلحقوا بالأنبياء ذنوبًا، ويحملهم التنزيه لهم على مخالفة كتاب الله، واستكراه التأويل، وعلى أن يلتمسوا لألفاظه المخارج البعيدة بالحيل الضعيفة، [روي في الحديث: أنه] [[ما بين المعقوفين كشط في (أ).]] ليس من نبي إلا [[إلا: ساقطة من (ت).]] وقد أخطأ وهمّ بخطيئة غير يحيى بن زكريا [[روى الإمام أحمد في "مسنده" 1/ 254، وأبو يعلى في "مسنده" 4/ 418 عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله -ﷺ-: "ما من أحد من ولد آدم إلا وقد أخطأ أو هم ليس يحيى بن زكريا". قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" 8/ 209: وفيه علي بن زيد ضعفه الجمهور، وقد وثق، وبقية رجال أحمد رجال الصحيح. وقال ابن كثير في "تفسيره" 3/ 114 بعد ذكره للحديث عن ابن عباس: وهذا أيضًا ضعيف؛ لأن علي بن زيد بن جدعان له منكرات كثيرة.]]. ولذلك قال [[هذا أحد وجهين في قائل هذه المقالة، والوجه الثاني أن قائل هذا هي امرأة العزيز حيث قال تعالى: ﴿قَالَتِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (51) ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ (52) وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي﴾ [يوسف: 51 - 53]. قال أبو العباس بن تيمية في "الفتاوى" 10/ 298: وقوله ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي ...﴾ الآية من كلام امرأة العزيز، كما يدل القرآن على ذلك دلالة بينة، لا يرتاب فيها من تدبر القرآن. ثم ساق الآيات ثم قال: فهذا كله كلام امرأة العزيز، ويوسف إذ ذاك في السجن، لم يحضر بعد إلى الملك، ولا سمع كلامه ولا رآه. ثم ذكر قول من قال إن هذا من كلام يوسف وتعقبه بقوله: وهذا قول في غاية الفساد، ولا دليل عليه، بل الأدلة تدل على نقيضه. وقال ابن كثير في "تفسيره" 2/ 481، وهذا القول -يعين أن هذا من كلام امرأة العزيز- هو الأشهر والأليق والأنسب بسياق القصة ومعاني الكلام .. لأن سياق الكلام كله من كلام امرأة العزيز بحضرة الملك، ولم يكن يوسف عليه السلام عندهم، بل بعد ذلك أحضره الملك. واستظهر هذا القول أيضًا أبو حيان في "البحر" 5/ 317 هذا القول، ثم ذكر قول من قال إن هذا من كلام يوسف، وتعقبه بقوله: ومن ذهب إلى أن قوله (ليعلم) إلى آخره من كلام يوسف يحتاج إلى تكلف ربط بينه وبين ما قبله، ولا دليل يدل على أنه من قول يوسف.]] يوسف عليه السلام: ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ [يوسف: 53] يريد: ما أضمره وحدث به نفسه [عند حدوث الشهوة. فإن كان ذو النون] [[ما بين المعقوفين كشط في (أ).]] قد غاضب قومه فبأي ذنب [[في (أ): (من غير ذنب).]] عوقب بالتقدم الحوت والحبس [[بعد قوله: (والحبس) يبدأ السقط في نسخة (أ).]] في الظلمات؟ وما الأمر الذي ألام فيه؟ فنعاه [[في (ت): (فعناه).]] الله عليه إذ يقول ﴿فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ﴾ والمليم الذي أجرم جرمًا استوجب به اللوم. ولم أخرجه من أولي العزم من الرسل حين يقول لنبيه: ﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ﴾ [القلم: 48]؟ وإن كان مغاضبًا لقومه [[(لقومه) ساقطة من (ت).]] فإن كان غضبه قبل أن يؤمنوا فإنما غضب على من يستحق في المدة أن يغضب [[العبارة في "مشكل القرآن" لابن قتيبة ص 405: (فإن كان نبي الله -ﷺ- ذهب مغاضبًا على قومه قبل أن يؤمنوا، فإنما راغم من استحق -في الله- أن يراغم، وهجر من وجب أن يهجر، واعتزل من علم أن قد حقت عليه كلمة العذاب.]]. وإن كان الغضب عليهم بعد أن آمنوا فكيف يجوز أن يغضب على قومه حين آمنوا؟ وبه بعث، وإليه دعى. ولكن [[في "المشكل" لابن قتيبة ص 407: (فكأن).]] نبي الله عليه السلام لمّا أخبرهم [[في (د)، (ع): (خبرهم).]] عن الله أنه مُنزل العذاب عليهم لأجل، ثم بلغه بعد مضى الأجل أنه لم يأتهم ما وعدهم، خشي أن ينسب إلى الكذب، ويعيّر به، وُيحقق عليه، لا سيما ولم تكن قرية آمنت عند حضور العذاب فنفعها إيمانها غير قومه، فدخلته [[في (ت): (فأخذته)، وما أثبتناه هو الموافق لما في "مشكل ابن قتيبة" ص 407.]] الأنفة والحمية، وكان مغيظًا بطول ما عاناه من تكذيبهم وهُزئهم وأذاهم واستخفافهم بأمر الله، مشتهيًا لأن ينزل بأس الله بهم. هذا إلى ضيق صدره وقلة صبره على ما صبر على مثله أولو العزم من الرسل. وقد روي في الحديث [[روى الطبري في "تفسيره" 17/ 77 والحاكم في "مستدركه" 2/ 584 - 585 عن وهب بن منبه اليماني قال: إن يونس بن متى كان عبدًا صالحًا، وكان في خلقه ضيق، فلما حملت عليه أثقال النبوة -وهلا أحمال لا يحملها إلا قليل- تفسخ تحتها تفسخ الربع تحت الحمل، فقذفها تحت يديه، وخرج هاربًا منها، يقول الله == لنبيه -ﷺ- ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف: 35] ﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ﴾ [القلم: 48]. وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 7/ 124 وعزاه لابن جرير وابن أبي حاتم. والرواية كما ترى عن وهب بن منبه فهي من أخبار بني إسرائيل، وليس لها ما يعضدها من كتاب أو سنة صحيحة، فالله أعلم بصحتها.]]: أنه كان ضيق الصدر، فلما حُمِّل أعباء النبوة تفسخ تحتها تفسخ الربع [[الرُّبع: هو الفَصيل يُنتج في الربيع، وهو أول النتاج. "الصحاح" للجوهري 3/ 1212 (ربع)، "لسان العرب" لابن منظور 8/ 105 (ربع).]] تحت الحمل الثقيل. فمضى على وجهه مُضي الآبق [[الآبق: هو الهارب من العبيد من غير خوف ولا كد عمل، أو استخفى ثم ذهب. "لسان العرب" 10/ 3 (أبق)، "القاموس المحيط" 3/ 208.]] الناد [[موضع (الناد) بياض في (د)، (ع). والناد: الشارد. "القاموس المحيط" 1/ 341.]] لقول [[هكذا في جميع النسخ، وفي "المشكل" لابن قتيبة ص 408: (يقول).]] الله تعالى: ﴿وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (139) إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾ [الصافات: 139، 140] انتهى كلامه [["مشكل القرآن" لابن قتيبة ص 402 - 408 بتصرف.]]. وأكثر أهل المعاني اختاروا قول ابن عباس في رواية العوفي. قال الأخفش: إنه قد أذنب بتركه قومه، وإنما غاضب بعض الملوك، ولم يغاضب ربه، كان [[في (د)، (ع): (وكان).]] أعلم بالله من ذلك [["معاني القرآن" للأخفش 2/ 635.]]. وأما وجه قول [[في (ت): (وجه قوله).]] ابن عباس في رواية عطاء، فإنه من الصغائر التي يُجوّزها كثير من الناس على ما ذكره ابن قتيبة، وليس قول من قال مغاضبًا لربه على ظاهره ومعناه: مغاضبًا لأمر ربه وهو رفعه العذاب عنهم وكان يشتهي وقوعه بهم. وأما قول ابن عباس وابن مسعود: عبد [[(عبد) زيادة من (د)، (ع).]] آبق من ربه، أي: من أمر ربه حين أُمر أن يعود إليهم بعد رفع العذاب عنهم فلم يعد، وركب البحر. ويدُل على صحة ما ذكرنا ما روي عن ابن عباس في قصته: أنه لمّا خرج من بطن الحوت أنبت الله له شجرة من يقطين [[يقطين: هو كل شجر لا يقوم على ساق، نحو الدباء والقرع والبطخ، "لسان العرب" لابن منظور 13/ 345 (قطن).]]، فكان [[في (د)، (ع): (وكان).]] يستظل بورقها حتى قوي بعض القوة، فمضى يومًا إلى شط البحر، ثم رجع إلى تلك الشجرة، فوجدها قد جفت، فبكى حزنًا عليها، فأوحى الله إليه: أتحزن على شجرة أنبتها لك، وقد أردت أن أهلك أكثر من مائة ألف من عبادي، إذهب إلى قومك [[رواه ابن أبي شيبة في "مصنفه" 13/ 578 - 579 من طريق عبد الله بن مسلم عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، بنحوه. وعبد الله بن مسلم وابن هرمز المكي ضعيف كما قال الحافظ بن حجر في "التقريب" 1/ 323. لكن روى ابن أبي شيبة 11/ 542 عن ابن مسعود نحو هذا. قال ابن حجر في "الفتح" 6/ 452: وإسناده صحيح أهـ. ويظهر أنه من أخبار بني إسرائيل. والله أعلم.]]. وهذا يدل على أنه اشتهى نزول عذاب الله بقومه، وكره دفعه عنهم، وأن ركوبه البحر كان معصية لله [[في (ت): (الله)، وهو خطأ.]] بترك أمره، إذ أمره أن يعود إليهم. فأما أن يقال إنه غاضب ربه، فهم عظيم، ولا يجوز القول بذلك في الأنبياء. وروي وجه آخر من التأويل في قوله: ﴿إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا﴾ وهو أن معنى المغاضبة هاهنا: الأنفة؛ لأن الآنف من الشيء يغضب، فتُسمى الأنفة غضبًا، والغضب أنفة؛ إذ [[في "المشكل" ص 406: (إذا).]] كان كل واحد سببًا [[في "المشكل" ص 406: (بسبب).]] من الآخر، فمعنى ﴿ذَهَبَ مُغَاضِبًا﴾ ذهب [[في (ت): (وذهب).]] أنفًا من ظهور خلف وعده وقال: والله لا أرجع إليهم كذابًا أبدًا، وعدتهم العذاب في يوم ما فلم يأت. وهذا الوجه اختيار ابن قتيبة [["مشكل القرآن" لابن قتيبة ص 406. قال القرطبي في "تفسيره" 11/ 331 بعد حكايته لهذا القول، وأنه من قولهم غضب إذا أنف: وهذا فيه نظر، فإنه يقال لصاحب هذا القول: إن تلك المغاضبة -وإن كانت من الأنفة- فالأنفة لابد أن يخالطها الغضب، وذلك الغضب -وإن دق- على من كان؟ وأنت تقول لهم يغضب على ربه ولا على قومه. أهـ]]. وفي رواية أبي صالح: أن ملكًا من ملوك بني إسرائيل كان أمره بالمسير [[في (د)، (ع): (بالمصير).]] إلى ننوى [[نينوى: بكسر أوله وسكون ثنانية وفتح النون والواو، قرية بالموصل. انظر: "معجم البلدان" 8/ 368، "مراصد الاطلاع" 3/ 1414.]] ليدعو أهلها، بأمر شعيا النبي فأنف أن يكون ذهابه إليهم بأمر أحد غير الله، فخرج مغاضبًا للملك، فعاقبه الله [[لفظ الجلالة ليس في (ت) في الموضعين.]] بالتقام الحوت، فلما قذفه الحوت بعثه الله [[لفظ الجلالة ليس في (ت) في الموضعين.]] إلى قومه، فدعاهم، وأقام بينهم حتى آمنوا [[ذكر رواية أبي صالح: ابن قتيبة في "مشكل القرآن" ص 409 بهذا النص.]]. وعلى هذا مغاضبته كانت قبل رسالته. ولكن الصحيح الذي تواترت به الرواية أن [[في (ت): (أو).]] هذه المغاضبة [[في (د)، (ع): (المعصية).]] كانت بعد إرسال الله إياه إلى قومه ورفع العذاب عنهم بعد ما أظلهم. ووجه المغاضبة ما ذكرنا، وهو أنه كره رفع العذاب عنهم وأنف من أن يُجربوا عليه كذبًا؛ فأبق إلى الفلك المشحون. وقوله تعالى: ﴿فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ فيه قولان: أحدهما: ظن أن لن نقضي عليه العقوبة. وهذا قول مجاهد، وقتادة، والضحاك، والكلبي، ورواية عطية عن ابن عباس [[ذكره الثعلبي في "الكشف والبيان" 3/ 41 ب عن مجاهد، وقتادة، والضحاك، والعوفي عن ابن عباس. وعن مجاهد رواه الطبري 17/ 78 والبيهقي في "الأسماء والصفات" ص 654، وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 5/ 665 وعزاه لابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن المنذر وابن أبي حاتم والبيهقي في الأسماء والصفات. وعن قتادة والكلبي: رواه عبد الرزاق في "تفسيره" 2/ 27، والطبري في "تفسيره" 17/ 78. وقول الضحاك رواه الطبري في "تفسيره" 17/ 78، وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 5/ 665 - 666 وعزاه لابن جرير وابن أبي حاتم. ورواية عطية عن ابن عباس رواها الطبري في "تفسيره" 17/ 78، والبيهقي في الأسماء والصفات ص 653 وذكرها السيوطي في "الدر المنثور" 5/ 666 وعزاه لابن جرير والبيهقي في الأسماء والصفات.]]. قال ابن عباس: أراد الظن بعينه. يعني [[(يعني) ساقطة من (ت).]]: ليس الظن-هاهنا- بمعنى العلم، بل هو بمعنى الحسبان. واختار الفراء والزجاج هذا القول. قال الفراء: ظن أن لن نقدر عليه من العقوبة ما قدرنا [["معاني القرآن" للفراء 2/ 209.]]. وقال الزجاج: ونَقْدر بمعنى: نُقَدِّر [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 402 وفيه: ويقْدر بمعنى: يُقدِّر.]]. ويقال: قدَّر الله الشيء وقَدَرَهُ، أي: قضاه. والقَدْر يكون بمعنى التقدير، ويدل عليه قوله: ومُفْرهَةٍ عَنْسٍ قَدَرْتُ لساقها ... فَخَرَّت كما تتَّايَع [[في (ت): (سايغ)، وفي (د)، (ع): (تتابع). والمثبت من "تهذيب اللغة"، و"اللسان" وغيرهما.]] الرّيحُ بالقَفْلِ [[البيت لأبي ذؤيب الهذلي. وهو في "ديوان الهذليين" 1/ 38 وروايته فيه: لرجلها في موضع (لساقها)، و (تتابع) في موضع تتابع، و"لسان العرب" 8/ 38 (تبع)، 11/ 561 (قفل). والشطر الأخير في "تهذيب اللغة" للأزهري 3/ 145 (تاع)، 9/ 160 (قفل). قال الأزهري في "تهذيب اللغة" 3/ 145: (يقال: اتايعتت الريح بورق الشجر إذا ذهبت به. وأصله: تتايعت به. وقال أبو ذؤيب يذكر عقره ناقته، وأنها كاست على رأسها فخرت) - ثم ذكر شطر البيت ثم قال: (والقفل: ما يبس من الشجر). وبين السكري في "شرح ديوان الهذليين" 1/ 39 معنى هذا البيت على رواية -تتابع- فقال: قوله (ومفرهة): (يعني ناقة تأتي بأولاده فواره، و (عنس): (شديدة)، (قدرت لرجلها): (أي: هيأت وضربت رجلها فخرت لما عرقبتها، (كما تتابع الريح بالقفل): (القفل: النبات اليابس)، و (تتابع): (تتابع. يقول: خرت هذه الناقة حين ضربت رجلها كما تمر الريح باليبس فيتبع بعضه بعضًا. أهـ]] ويدل على صحة هذا قراءة عمر بن عبد العزيز والزهري (فظن أن لن نُقَدِّر عليه) [بالتشديد [[بنون مضمومة وفتح القاف وكسر الدال. وذكر هذه القراءة عنهما: الثعلبي في "الكشف والبيان" 3/ 41 ب، البغوي 5/ 35، الرازي 22/ 215، القرطبي 11/ 332. وذكرها عن الزهري وحده: ابن الجوزي 5/ 382، أبو حيان 6/ 335، السمين الحلبي 8/ 191.]]، وقرأ عبيد بن عمير وقتادة (فظن أن لن يُقَدَّر عليه)] [[ساقط من (ت).]] بضم الياء والتشديد [[ذكر هذه القراءة عنهما الثعلبي 3/ 41 ب، القرطبي 11/ 332، وذكرها عن عبيد ابن عمير وحده: الرازي 22/ 215.]]، وقرئ قوله [[(قوله) زيادة من (د)، (ع).]] ﴿نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ﴾ [الواقعة: 60] وقوله: ﴿وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى﴾ [الأعلى: 3] بالوجهين من التخفيف والتشديد [[قرأ ابن كثير: (نحن قدرنا) بتخفيف الدال، وقرأ الباقون: (قدرنا) بتشديدها. "السبعة" ص 623، "التبصرة" ص 344، "التيسير" ص 207. وقرأ الكسائي: (والذي قدر) بتخفيف الدال، وقرأ الباقون: (قدر) بتشديدها. "السبعة" ص 680، "التبصرة" ص 377، "التيسير" ص 221.]]. القول الثاني: فظن أن لن يضيق عليه الحبس. وهذا معنى قول ابن عباس [في رواية عطاء ومنصور. قال] [[ما بين المعقوفين ساقط من (د)، (ع).]] في رواية عطاء: أن لن نعاقبه [[ذكره الثعلبي في "الكشف والبيان" 3/ 41 ب عن عطاء وكثير من العلماء.]]. وقال في رواية منصور: يعني [[(يعني) زيادة من (د)، (ع).]] البلاء الذي أصابه [[رواه الطبري 17/ 79 من رواية منصور، عنه. وهي رواية منقطعة فإن منصور بن المعتمر لم يدرك ابن عباس، وفيها ضعف من جهة محمد الرازي شيخ الطبري، لأنه ضعيف. انظر: "تقريب التهذيب" 2/ 156.]]. وهذا الوجه اختيار أبي الهيثم وابن قتيبة. قال أبو الهيثم: المعنى: فظن أن لن يضيّق عليه، من قوله عز وجل {وَمَن ﴿قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ﴾ [الطلاق: 7] أي: من ضيق عليه [[في (ت): (يعني: نضيق عليه)، وما أثبتناه من (د)، (ع). وهو الموافق لما في "تهذيب اللغة" 9/ 20.]] [وكذلك قوله: ﴿وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ﴾ [الفجر: 16] بمعنى: ضيّق عليه] [[ما بين المعقوفين ساقط من (ت).]]. وقدر [[(قد) ليست في (د)، (ع).]] ضيّق الله على يونس أشد تضييق ضيقه على معذب في الدنيا؛ لأنه سجنه في بطن الحوت [[قول أبي الهيثم في "تهذيب اللغة" للأزهري 9/ 20 (قدر).]]. وقال ابن قتيبة: ﴿فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ أي: لن نضيّق عليه، وأنا نخليه ونمهله، والعرب تقول: فلان مقدّر [[في "المشكل" مقدر .. في (ع): (يقدر)، وفي (د): (يقدر) غير منقوط الأول، وفي (ت): (مغيزر) وقد أثبتنا ما في "المشكل"؛ لأنه الموافق لما بعد: ومُقتر.]] عليه في الرزق ومقتر عليه، بمعنى واحد، أي: مضيق عليه. عاقب الله يونس عن حميته وأنفته [[في (ت): (وأبقته). وهو خطأ.]] وإباقته [[في (ت): (وإباقه). وما أثبتنا من (د)، (ع). وهو الموافق لما في "المشكل".]] [[في (ت) زيادة: (وأبقته بعد، وإباقته)، وهو تكرار من الناسخ، وليست في نسختي (د)، (ع)، ولا في "المشكل".]] وكراهته العفو عن قومه وقبول إنابتهم بالحبس له والتضييق عليه في بطن الحوت [["مشكل القرآن" لابن قتيبة ص 408 - 409 بتصرف.]]. وروى عوف، عن الحسن، أنه [[(أنه) بياض في (ت).]] قال: معناه: فظن أنه يعجز ربه فلا نقدر عليه [[ذكره الثعلبي في "الكشف والبيان" 3/ 41 ب من رواية عوف عن الحسن. ورواه الطبري في "تفسيره" 17/ 79 من رواية عوف، عن سعيد بن أبي الحسن.]]. وهذا التأويل بعيد، ولا يجوز مثله على الأنبياء [[قال الطبري 17/ 79 عن هذا القول: ووصفه -يعني يونس- بأنه ظن أن ربه يعجز عما أراد به ولا يقدر عليه، وصف له بأنه جهل قدرة الله، وذلك وصف له بالكفر وغير جائز لأحد وصفه بذلك. وقال القرطبي 11/ 331: وهذا قول مردود مرغوب عنه؛ لأنه كفر. ثم ذكر أن المهدوي حكاه عن سعيد بن جبير أو الثعلبي عن الحسن. ثم ذكر رواية أخرى عن الحسن أنه قال: هو من قوله تعالى ﴿اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ﴾ [الرعد: 26] أي: يضيق، ثم قال القرطبي: وهذا الأشبه بقول سعيد والحسن.]]. قال أبو الهيثم: من اعتقد أن يونس ظن أن لن يقدر الله عليه فهو كافر؛ لأن يونس رسول، لا يجوز ذلك الظن عليه [[قول أبي الهيثم في "تهذيب اللغة" للأزهري 9/ 20 (قدر) مع حذف.]]. وقال الأزهري: قوله (أن لن نقدر عليه) لا يجوز أن يكون من القدرة؛ لأن من ظن هذا فقد كفر، والظن شك، والشك في قدرة الله كفر، وقد عصم الله أنبياءه عن مثل ما ذهب إليه هذا المتأول، ولا يتأول مثله إلا جاهل بكلام العرب ولغاتها [["تهذيب اللغة" للأزهري 9/ 21.]]. وقد ذهب الأخفش إلى مثل ما روي عن الحسن، فقال: فظن أن يفوتنا [[ذكره عن الأخفش: أبو بكر بن الأنباري في كتابه "إيضاح الوقف والابتداء" 2/ ص 777، والأزهري في "تهذيب اللغة" 9/ 20.]]. فقال أبو حاتم: لم يدر الأخفش ما معنى (نقدر) وذهب إلى القدرة ولو علم أن معنى (نقدر) نضيق لم يخبط هذا الخبط، ولم يكن عالمًا بكلام العرب، وكان عالمًا بقياس النحو [[قول أبي حاتم في "تهذيب اللغة" للأزهري 9/ 20 (قدر).]]. وروي عن ابن زيد أنه قال: هذا إستيفاه [[في (ت، د): (استنفاه)، وفي (ع): (اسعاه)، غير منقوطة.]] [[ذكره بهذا اللفظ عن ابن زيد: النحاس في "القطع والائتناف" ص 479 في إحدى النسخ. وقد رواه الطبري في "تفسيره" 17/ 79 بلفظ: استفهام، وذكره الثعلبي في "الكشف والبيان" 3/ 41 ب، بمثل رواية الطبري.]]. أي استفهام على معنى: أفظن. وهذا الوجه بعيدٌ أيضا؛ لأنه لا [[في (د)، (ع): (لم).]] يحذف حرف الاستفهام إلا في ضرورة الشعر سيما إذا لم يتبعه ما يدل عليه [[هذا كلام النحاس في كتابه "القطع والائتناف" ص 479، وقال الطبري 17/ 79 - 80: وأما ما قاله ابن زيد، فإنه قول لو كان في الكلام دليل على أنه استفهام حسن، ولكنه لا دلالة فيه على أن ذلك كذلك، والعرب لا تحذف من الكلام شيئًا لهم إليه حاجة إلا وقد أبقت دليلًا على أنه مراد في الكلام.]]. وقوله تعالى: ﴿فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ﴾ يعني: ظلمة الليل، وظلمة البحر، وظلمة بطن الحوت. قاله ابن عباس [[رواه الطبري 17/ 80.]] وجميع المفسرين [[انظر: "الطبري" 17/ 80، و"الكشف والبيان" للثعلي 3/ 42 أ، وابن كثير 3/ 192، و"الدر المنثور" للسيوطي 5/ 666.]]. وروي عن سالم بن أبي الجعد أنه قال: ظلمة جوف الحوت، ثم ظلمة جوف الحوت الآخر [[في (ت): (الأخرى).]] الذي ابتلعه، ثم ظلمة البحر [[ذكره عن ابن أبي الجعد -بهذا اللفظ- الثعلبي في "الكشف والبيان" 3/ 42 أ. وقد رواه ابن أبي شيبة في "مصنفه" 11/ 543 - 544 مختصرًا عنه قال: حوت في حوت، وظلمة البحر. ورواه الطبري 17/ 80 عنه قال: أوحى الله إلى الحوت ألا تضر له لحمًا ولا عظمًا، ثم ابتلع الحوت حوت آخر (فنادى في الظلمات) ظلمة الحوت، ثم حوت، ثم ظلمة البحر. والقول بأن الحوت ابتلعه حوت آخر قول الله أعلم بصحته، وهو من الإسرائيليات.]]. قال الفراء: يقال: ظلمة البحر، وبطن الحوت ومعاؤها الذي كان فيه يونس فتلك الظلمات [[في (ت): (الكلمات)، وهو خطأ.]] [["معاني القرآن" للفراء 2/ 209. قال ابن عطية 10/ 197: ويصح أن يعبر بالظلمات عن جوف الحوت الأول كما قال (في غيابات الجب) وكل جهاته ظلمة فجمعه سائغ. وقال الزمخشري 2/ 851: أي: في الظلمة الشديدة المتكاتفة في بطن الحوت كقوله ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ﴾ [البقرة: 17] وقال أبو حيان 6/ 335: وجمع الظلمات لشدة تكاتفها، فكأنها ظلمة مع ظلمة.]]. وقوله تعالى: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ قال محمد بن قيس [[هو محمد بن قيس المدني، قاص عمر بن عبد العزيز، أبو إبراهيم، ويقال: أبو عثمان، ويقال: أبو أيوب، مولى معاوية بن أبي سفيان. روى عن أبي هريرة وجابر وعمر بن عبد العزيز وغيرهم. وعنه ابن أبي ذئب والليث بن سعد وأبو معشر وغيرهم. وكان ثقة عالمًا كثير الحديث. توفي بالمدينة أيام الوليد بن يزيد سنة 125 هـ أو 126 هـ. "طبقات ابن سعد" (القسم المتمم) ص 325، "الكاشف" للذهبي 3/ 91، "تهذيب التهذيب" 9/ 414.]]: ﴿إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ حين عصيتك، وما صنعت من شيء. فلم أعبد غيرك [[ذكره بهذا الثعلبي في "الكشف والبيان" 3/ 42 أ. وقد رواه الطبري 17/ 81 من طريق أبي معشر قال: قال محمد بن قيس: قوله (لا إله إلا أنت سبحانك) ما صنعت من شيء فلم أعبد غيرك (إني كنت من الظالمين) حين عصيتك.]]. وهذا معنى قوله: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ﴾ [[قال أبو العباس أحمد بن تيمية: فإن يونس عليه السلام ذهب مغاضبا، وقال تعالى ﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ﴾ وقال تعالى ﴿فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ﴾ ففعل ما يلام عليه، فكان المناسب لحاله أن يبدأ بالثناء على ربه، والاعتراف بأنه لا إله إلا هو، فهو الذي يستحق أن يعبد دون غيره فلا يطاع الهوى، فإن اتباع الهوى يضعف عبادة الله وحده، وذو النون شهد ما حصل من التقصير في حق الإلهية بما حصل من المغاضبة ففي ذلك من المعارضة في الفعل لحب شيء آخر ما يوجب تجريد محبته لله وتألهه له وأن يقول (لا إله إلا أنت) وهذا الكلام يتضمن براءة ما سوى الله من الإلهية سواء صدر ذلك عن هوى النفس أو طاعة الخلق أو غير ذلك فإن قول العبد: لا إله إلا أنت يمحو أن يتخذ إلهه هواه. فكمل يونس صلوات الله عليه تحقيق إلهيته لله، ومحو الهوى الذي يتخذ إلها من دونه، لم يبق له صلوات الله عليه وسلامه عند تحقيق قوله (لا إله إلا أنت) إرادة تزاحكم إلهية الحق، بل كان مخلصًا لله الذين إذ كان من أفضل عباد الله المخلصين. وقوله ﴿سُبْحَانَكَ﴾، يتضمن تعظيمه وتنزيهه عن الظلم وغيره من النقائص، والمقام يقتضي تنزيهه عن الظلم والعقوبة بغير ذنب، يقول: أنت مقدس ومنزه عن ظلمي وعقوبتي بغير ذنب، بل أنا الظالم الذي ظلمت نفسي. انتهى كلامه رحمه ملخصا مع تصرف. انظر: "الفتاوى" 10/ 248 - 287.]]. وروى محمد بن سعد [[هو محمد بن سعد بن أبي وقاص، أبو القاسم، القرشي، الزهري، المدني. روى عن أبيه وعثمان وطائفة. وكان ثقة عالماً. قام على الحجاج مع ابن الأشعث، فأسر يوم دعي الجماجم، فقتله الحجاج سنة 82 هـ. "طبقات ابن سعد" 5/ 167، 6/ 221، "سير أعلام النبلاء" 4/ 348، "تهذيب التهذيب" 9/ 183.]]، عن أبيه، أن رسول الله -ﷺ- قال: "دعاء ذي النون [[في (أ)، (ت): (قال ذو النون).]] في بطن الحوت ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ لم يدع بها رجل مسلم في شيء قط إلا استجيب له" [[رواه الترمذي في جامعه كتاب: الدعوات، باب: 85/ 9/ 479 تحفة، والنسائي في "عمل اليوم والليلة" ص 416، والحاكم في "مستدركه" 1/ 505، والطبراني في الدعاء 2/ 838. ورواه الإمام أحمد في "مسنده" 1/ 170، وأبو يعلى في "مسنده" 2/ 110 - 111 وفي أوله قصة، كلهم من طريق محمد بن سعد، عن أبيه، به. قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" 7/ 68 رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح غير إبراهيم بن محمد بن سعد بن أبي وقاص وهو ثقة. والحديث صححه الحاكم ووافقه الذهبي، وصححه العلامة أحمد شاكر في تعليقه عن المسند 3/ 35 وصححه الألباني كما في "صحيح الجامع" 1/ 637.]]. وقال الحسن وقتاده: هذا القول من يونس اعتراف بذنبه، وتوبة من خطيئة، تاب إلى ربه في بطن الحوت وراجع نفسه، فقال: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [[ذكر الزمخشري 2/ 582 عن الحسن قال: ما نجاه الله إلا بإقراره على نفسه بالظلم.]].

الأنبياء 21:88

قوله تعالى: ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ﴾ أي: أجبنا دعاءه ﴿وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ﴾ قال ابن عباس: يريد من تلك الظلمات [[ذكره البغوي 5/ 352 من غير نسبة وانظر: "تنوير المقباس" ص 204. قال أبو حيان 6/ 335. والغم ما كان ناله حين التقمه الحوت ومدة بقائه في بطنه.]]. ﴿وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ قال: وكذلك أفعل بأوليائي. وروي مرفوعًا [[رواه الطبري 17/ 82 من حديث سعد بن أبي وقاص. وفي سنده علي بن زيد بن جدعان وقد ضعف. انظر: "التقريب" 2/ 37.]]: أن قوله: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ شرط الله لمن دعاه بها أن يجيبه كما أجاب يونس، وينجيه كما أنجاه. ﴿وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ أي [[(أي): ساقطة من (أ).]]: كما أنجينا ذا النون. وروي عن عاصم أنه قرأ: (نجي) مشددة [[في (أ): (مشدد).]] الجيم [[قرأ عاصم في رواية أبي بكر، وابن عامر: (نجي) بنون واحدة ومشددة الجيم، وقرأ الباقون بنونين مخففا. "السبعة" ص 430، "المبسوط" ص 254، "التبصرة" ص 264، "التيسير" ص 155، "النشر" 2/ 324.]]. وخط المصحف بنون واحدة. قال الفراء [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 2/ 209.]]، والزجاج [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 3/ 403.]]، وابن مجاهد [[انظر "السبعة" لابن مجاهد.]]: لأن النون الثانية [[موضع (ثانية) بياض في (ت).]] تخفى مع الجيم وهي ساكنة، فلا تظهر على اللسان، فلما خفيت حذفت من الخط، وهي في اللفظ ثابتة. وقال أبو علي: إنما حذفت النون من الخط كراهية لاجتماع صورتين متفقتين، وقد كرهوا ذلك في الخط في غير هذا الموضع، وذلك أنهم كتبوا نحو: الدنيا والعليا بالألف، ولولا الياء التي قبل الألف لكتبوها بالياء كما كتبوا نحو: نهمى وحبلى، وأخرى ونحو ذلك بالياء، فلما كرهوا الجمع بين صورتين متفقتين في هذا النحو كذلك كرهوه في (ننجي) فحذف [[في "الحجة": (فحذفوا).]] النون الساكنة [["الحجة" لأبي علي الفارسي 5/ 260.]]. وأما قراءة عاصم فقد حكم عليها الزجاج [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 3/ 403.]] والفراء [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 3/ 210.]] وجميع النحويين بالغلط عليها وأنها لحن [[قال السمين الحلبي في "الدر المصون" 8/ 193: وهذه القراءة متواترة، ولا التفات على من طعن علي قارئها، وإن كان أبو علي قال: هي لحن. وهذه جرأة منه قد سبقه إليها أبو إسحاق الزجاج.]]. ثم ذكر الفراء لها وجهًا فقال: أضمر المصدر في (بني) فنوى به الرفع، ونصب المؤمنين، فيكون كقولك ضرب الضرب زيدًا؛ ثم تكني عن أنْضرب فتقول: ضُرب زيدًا، وكذلك [[في (أ): (وكذا).]] نُجي النجاء زيدًا [["معاني القرآن" للفراء 2/ 210.]]. وممن صوّب هذه القراءة واختارها أبو عبيد، فقال [[اختيار أبي عبيد وقوله في "إعراب القرآن" للنحاس 3/ 78، "الكشف" لمكي بن أبي طالب 2/ 112 - 113، القرطبي 11/ 335. وبعضه في "مشكل القرآن" لابن قتيبة ص 55، "إعراب القراءات السبع" لابن خالويه 2/ 67، "حجة القراءات" لابن زنجلة ص 469 - 470، "البحر المحيط" لأبي حيان 6/ 335.]]: وإنما [[في (د)، (ع): (إنما).]] قرأها عاصم كذلك اتباعًا للخط، وله مخرجان في العربية: أحدهما: أن يريد (نُنَجّي) [[في (أ)، (ت): (ننج).]] مشددة لقوله: ﴿وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ﴾ ثم تدغم النون الثانية في الجيم [[سيأتي بيان ضعف هذا التوجيه.]]. والمخرج الثاني: ذكره [[يعني ذكره أبو عبيد.]]، وهو ما ذكر الفراء، وذكره ابن قتيبة أيضًا وأنشد [[في "مشكل القرآن" لابن قتيبة ص 55: (وأنشدني بعض النحويين. ثم ساق البيت. وقد نسب البغدادي في "خزانة الأدب" 1/ 163 هذا البيت لجرير، وتبعه في ذلك الشنقيطي في "الدرر اللوامع" 1/ 44. والبيت بلا نسبة في "الحجة" للفارسي 5/ 260، و"الخائص" لابن جني 1/ 379، وأمالي ابن الشجري 2/ 215، و"همع الهوامع" للسيوطي 1/ 162. قال البغدادي في "الخزانة" 1/ 163: قفيرة -بتقديم القاف والفاء والراء المهملة: اسم أم الفرذدق، والجرو -مثلث الجيم- ولد السباع. وهذا البيت من قصيدة لجرير يهجو بها الفرزدق مطلعها: أقلي اللوم عاذل والعتابا ... وقولي إن أصبت: لقد أصابا ولم أجد هذا البيت في ديوانه المطبوع.]]: ولو ولدت قُفَيْره جَرْوَ كَلْبٍ ... لَسُبَّ بذلك الجرْوِ الكلابا [["مشكل القرآن" لابن قتيبة ص 55 - 56.]] نصب الكلاب على إضمار المصدر [[ذكر الواحدي وجهين في توجيه هذه القراءة، وهناك وجهان آخران: الوجه الأول: وهو أصح الأقوال -ما ذكره أبو جعفر النحاس في "إعراب القرآن" 3/ 78 قال: ولم أسمع في هذا -يعني توجيه هذه القراءة- أحسن شيء سمعته من علي بن سليمان -يعني الأخفش الأصغر- قال: الأصل (ننجي) فحذف إحدى النونين لاجتماعهما، كما يحذف إحدى التائين لاجتماعهما نحو قول الله: ﴿وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: 103] الأصل: تتفرقوا. قال النحاس: والدليل على صحة ما قال أن عاصمًا يقرأ (نجي) بإسكان الياء، ولو كان على ما تأوله من ذكرناه -بعد الوجهين الذين ذكرهما- لكان مفتوحًا. انتهى كلامه. وعلى هذا الوجه خرج أبو الفتح عثمان بن جني هذه القراءة فقال في كتابه "الخصائص" 1/ 398: وأما قراءة من قرأ: ﴿وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ فليس على إقامة المصدر مقام الفاعل ونصب المفعول الصريح، لأنه عندنا على حذف إحدى نوني (ننجي) كما حذف ما بعد == حرف المضارعة في قوله سبحانه (تذكرون) أي: تتذكرون، ويشهد أيضًا لذلك سكون لام (نجي) ولو كان ماضيا لانفتحت اللام إلا في الضرورة. وجود هذا الوجه أبو شامة المقدسي في "إبراز المعاني" ص 601 وقال أيضًا: وهو وجه سديد غريب لا تعسف فيه، ويشهد له أيضًا حذف إحدى النونين من (تحاجوني)، و (تبشروني) و (تأمروني). واستظهره أيضًا ابن هشام في "أوضح المسالك" 3/ 350، وحسنه السمين الحلبي في "الدر المصون" 8/ 191 واستشهد له. لكن مكي بن أبي طالب ضعف هذا الوجه في كتاب مشكل "إعراب القرآن" 2/ 483، وتبعه أبو البقاء العكبري في "الإملاء" 2/ 136 قالا- واللفظ للعكبري: وهذا ضعيف لوجهين: أن النون الثانية أصل وهي فاء الكلمة فيبعد حذفها، والثاني: أن حركتها غير حركة النون الأولى فلا يستقل الجمع بينهما. وقد رد السمين الحلبي في "الدر" 8/ 192 على أبي البقاء فقال: أما كون الثانية أصلاً فلا أثر له في منع الحذف، ألا ترى أن النحويين اختلفوا في إقامة واستقامة أي: الألفين المحذوفة؟ مع أن الأولى هي أصل لأنها عين الكلمة. وأما اختلاف الحركة فلا أثر أيضًا؛ لأن الاستثقال باتحاد لفظ الحرفين على أي: حركة كانا. أهـ. الوجه الثاني: أن (نجي) فعل ماض مسند لضمير المصدر، فضمير المصدر أقيم مقام الفاعل، و (المؤمنين) منصرب بإضمار فعل مقدر، وليس منصوبا بنجي والتقدير: وكذلك نجي هو -أي: النجاء- ننجي المؤمنين. ذكر أبو حيان 6/ 335، والسمين الحلبي 8/ 193 هذا الوجه.]]. وأما تسكين الياء من (نُجّيْ) على قراءة عاصم فقال ابن الأنباري: سكنت الياء من (نجي) وهو فعل ماض؛ لأن جماعة من العرب يستثقلون تحريك الياء فيقولون: بقي فلان، ورضي فلان. وإلى هذا ذهب الحسن فقرأ [[قراءة الحسن في: "الشواذ" لابن خالويه ص 17، القرطبي 3/ 369، "البحر المحيط" 2/ 337، "الدر المصون" 2/ 637.]]: (وذروا ما بقيْ من الربا)، قال الشاعر: ليت شِعْري إذا القيامةُ قامَتْ ... وَدُعِي بالحسابِ أين المصيرا [[في (أ)، (ت)، (ع): (المصير)، والمثبت من (د) وبقية المصادر.]] [[هذا البيت أنشده ابن الأنباري في "شرحه للقصائد السبع الطوال الجاهليات" == ص 295، ولم ينسبه لأحد. وهو من غير نسبة في: "إيضاح الشعر" لأبي علي الفارسي 2/ 314، "أمالي ابن الشجري" 1/ 36، القرطبي 11/ 335. قال القرطبي: سكن الياء في (دعي) استثقالا لتحريكها وقبلها كسره.]] قال: وقال الفراء [[لم أجد قول الفراء.]]: وقوم [[(وقوم): ساقطة من (أ)، (ت). وهؤلاء القوم هم طي كما سيأتي.]] من العرب يكرهون تحريك الياء فيجعلونها ألفاً فيقولون في بقي: بقا [[في (أ)، (ت): (بقي، نعي).]]،، وفي نعي [[في (أ)، (ت): (بقي، نعي).]]: نعا. وأنشد [[البيت لزيد الخيل، وهو في ديوانه ص 62، و"النوادر" لأبي زيد ص 279، والطبري 11/ 69. قال أبو زيد: يقول ما أخشى ما بقي قيسي يسوق إبلا؛ لأني أغير عليهم. أهـ والتصعلك: الفقر. "الصحاح" للجوهري 4/ 1596 (صعلك). والشاهد من البيت قوله: مما بقا. إذ أصله: ما بقي، فقلبت الياء ألفا.]]: لعمرك ما أخشى التصعلك ما بقا ... على الأرض قيسيّ يسوق الأباعرا وأنشد أيضًا [[هذان الشطران لزيد الخيل أيضًا، وقد روت المصادر -على خلاف بينها في بعض الألفاظ- هذا الشعر هكذا: أفي كل عام مأتم تبعثونه ... على محمر عود أثيب ومارُضا تجدون خمشا بعد خمش كأنَّه ... على فَاجعَ من خير قومكم نُعا والبيتان في: ديوان زيد الخيل ص 55، "النوادر" لأبي زيد ص 302 - 303، و"شرح أبيات سيبويه" للسيرافي 1/ 121، و"خزانة الأدب" للبغدادي 9/ 494. والبيت الأول في "الكتاب" لسيبويه 1/ 129، "الشعر والشعراء" لابن قتيبة ص 176، "لسان العرب" 12/ 4 (أتم). وهما من قصدة قالها زيد مجيبًا لكعب بن زهير، وكان زيد قد أخذ فرسًا لكعب، فقال كعب: == لقد نال زيد الخيل مالَ أخيكُمُ ... فأصبح زيدٌ بعد فَقْر قد اقتنى فقال زيد: أفي كل ... قال البغدادي في "الخزانة" 9/ 494 - 495: قوله (أفي كل عام). إلخ استفهام توبيخي، و (المأتم) مهموز، وهو الجماعة من النساء -يجتمعن لحزن أو فرح، والمراد به هنا الحزن. وقال أبو زيد ص 303: (المحمرَ: الفرس يشبه الحمار، .. و (العود): (المسن): أثيب: أعطى ثوابه. وقال السيرافي 1/ 121: المحمر: البرذون، وقيل هو السكيت الذي لا خير منه من الخيل. يريد أنهم يجمعون نساء ليبكين على هذا المحمر .. والفاجع: الهالك الذي يؤذي أهله فقده .. و (رضا) و (نعا) أصلهما (رضي ونعي) فقلبت الياء فيها ألفا، وهذه لغة طائية. أهـ]]: أفي كلِّ عَامٍ مَأتَمٌ تُحْدِثُونَه ... على فَاجِعٍ من خير قومِكم [[في (أ)، (ت): (قومك).]] نُعَا [[في (ت): (ناعيا).]] قال: وشبيه هذا إسكانهم الياء المنكسر ما قبلها في النصب كقول رؤبة: كأن أيْدِيهنَ بالقاعِ القَرِق [[في (أ): (القرف).]] [[هذا الرجز لرؤبة، وبعده: أيدي جوار يتعاطين الورق. وهو في "ديوانه" (ص 179)، و"الكامل" للمبرد 2/ 320، و"العمدة" لابن رشيق 2/ 193، و"أمالي ابن الشجري" 1/ 105، و"خزانة الأدب" 8/ 347. وغير منسوب في "مقاييس اللغة" لابن فارس 5/ 75 (قرق)، و"الخصائص" ابن جني 1/ 306، و"أمالي المرتضى" 1/ 561، و"لسان العرب" 10/ 321 (قرق)، و"همع الهوامع" للسيوطي 1/ 53. والشاهد فيه إسكان الياء من (أيديهن) والقياس فتحها. قال ابن الشجري في "أماليه" 1/ 105: ضمير (أيديهن) للإبل، والقاع: المكان المستوي، والقرق- بفتح القاف الأولى وكسر الراء: الأملس، و (جوار) -بفتح الجيم: جمع جارية،== ويتعاطين أي: يناول بعضهن بعضًا. والورق: الدراهم وفي التنزيل ﴿فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ﴾ [الكهف: 19]. أهـ وقال المرتضى في "أماليه" 1/ 561: شبه حذف منا سمهن له بحذف جوار يلعبن بدراهم، وخص الجواري لأنهن أخف يدا من النساء.]] وهذا وجه قول من أجاز هذه القراءة. والذين لم يجيزوها أبطلوا هذا، قال الزجاج: لا يجوز ضرب زيدا. تريد: ضرب الضرب؛ لأنك إذا قلت: ضرب زيد، فقد علم أن [[عند الزجاج: أنه.]] الذي ضُرِبَهُ ضَرْبٌ، فلا فائدة من إضماره وإقامته مقام [[عند الزجاج: مع الفاعل.]] الفاعل [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 403.]]. وقال أبو علي: قول من قال إنه يسند الفعل إلى المصدر ويضمره لأن الفعل دل عليه فذلك مما يجوز في ضرورة الشعر والبيت الذي أنشد [[في (د)، (ع): (أنشدوا)، والمثبت من باقي النسخ هو الموافق لما في الحجة.]]: ولو ولدت قفيره ... لا يكون حجة في هذه القراءة [["الحجة" لأبي علي الفارسي 5/ 260.]]. وأما ما ذكره أبو عبيد [[في (د)، (ع): (أبو علي)، وهو خطأ.]] أنه (ننجي) من التنجيه فادغم النون في الجيم [هذا لا وجه له؛ لأنه لا يجوز إدغام النون في الجيم] [[ساقط من (د)، (ع).]] سيما والنون متحركة والجيم مشددة بالتضعيف [[وضعفه أيضًا النحاس في "إعراب القرآن" 3/ 78، وقال عنه ابن خالويه في "إعراب القراءات السبع وعللها" 2/ 67 إنه غلط، وضعفه جدًّا السمين الحلبي في "الدر المصون" 8/ 193.]]. وحمل أبو علي وجه هذه القراءة على أن الراوي عن [[في (ع): (من).]] عاصم غلط في [[في (أ): (لي).]] روايته وأن الغلط جاءه [[في (أ): (جاءه).]] من جهة الراوي لا من جهة عاصم، فقال إن عاصمًا ينبغي أن يكون قرأ (ننجي المؤمنين) بنونين وأخفى [[في (أ)، (ت): (واخفاء).]] الثانية؛ لأن هذه النون [[في (أ)، (ت): (النونين).]] تخفى مع حروف الفم وتبيينها لحن، فلما أخفى عاصم ظن السامع أنه إدغام، فالتبس على السامع الإخفاء بالإدغام من حيث كان كل [[(كل): ساقطة من (أ)، (ت).]] واحد غير مبين [[هذه دعوى لا دليل عليها، فإنه الراوي عن عاصم هو أبو بكر بن عياش، وهو إمام ضابط القراءة حتى قال ابن مجاهد في "السبعة" (ص 71) - في سياق كلامه عن سبب عدم غلبة قراءة عاصم على أهل الكوفة: وإلى قراءه عاصم صار بعض أهل الكوفة، وليست بالغالبة عليهم؛ لأن أضبط من أخذ عن عاصم أبو بكر بن عياش -فيما يقال- لأنه تعلمها منه تعلما: خمسا خمسا. وكان أهل الكوفة لا يأتمون في قراءة عاصم بأحد ممن يثبتونه في القراءة عليه إلا بأبي بكر بن عياش، وكان أبو بكر لا يكاد يمكن من نفسه من أرادها منه، فقلت بالكوفة من أجل ذلك وقل من يحسنها. أهـ. ثم إن هذه القراءة هي الموافقة لرسم المصحف ولذلك اختارها أبو عبيد، وقد بين العلماء وجهها من العربية. فلا مجال بعد ذلك للطعن فيها وتغليط رواته، لا سيما وقد قرأ بها ابن عامر أيضًا كما تقدم تخريج القراءه، ولم ينفرد بها أبو بكر، أفيقال أيضًا إن ابن عامر أو الرواة عنه غلطوا فظنوا أنه إدغام فالتبس عليهم الإخفاء بالإدغام؟!.]] ويدل على هذا إسكانه الياء من (نجي) والفعل إذا كان مبنيًّا للمفعول به وكان ماضيًا لم يسكن آخره فإسكان الياء يدل على أنه قد قرأ (ننجي) كما روى حفص عنه [[انظر ما تقدم بيان سبب إسكان الباء.]]، ومما يمنع أن يظن ذلك به نصب قوله (المؤمنين) ولو كان على ما لم يسم فاعله لوجب أن يرتفع لأن الفعل إذا بني للمفعول ينبغي أن يسند إليه كما يسند المبني للفاعل إليه [["الحجة" للفارسي 5/ 259 - 260 مع تصرف.]].

الأنبياء 21:89

قوله تعالى: ﴿وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا﴾ قال ابن عباس: يريد وحيدا بلا ولد [[في "تنوير المقباس" ص 204: وحيدا بلا معين.]]. وهذا كقوله: ﴿مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا (5) يَرِثُنِي﴾ [مريم: 5 - 6]، الآية. وقوله تعالى: ﴿وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ﴾ قال ابن عباس: أفضل الوارثين. وقال المفسرون: رد الأمر إلى الله [[الطبري 17/ 83، و"الكشف والبيان" للثعلبي 3/ 42 ب.]]. ومعنى هذا: إنه أثنى على الله بأنه الباقي بعد فناء خلقه، وأنه أفضل من بقي حيًّا بعد ميت، وأن الخلق كلهم يموتون ويبقى هو، هذا معنى قولهم رد الأمر إلى الله [[ويحتمل أن يكون معنى قول المفسرين. رد الأمر إلى الله، ما قاله الزمخشري 2/ 582، وابن جزي 3/ 67، وأبو حيان 6/ 636: ثم رد أمره إلى الله مستسلمًا، فقال (وأنت خير الوارثين) أي: إن لم ترزقني من يرثني، فلا أبالي فإنك خير وارث. وقد اعترض على هذا الوجه وأنه لا يناسب مقام الدعاء فإن من آداب الداعي أن يدعو بجد واجتهاد وتصميم منه. وذكر الألوسي 17/ 87 احتمال أن يكون معنى رد الأمر إلى الله من قبيل: ارزقني إن شئت، ولكن المقصود منه إظهار الرضا والاعتماد على الله -عزّ وجلّ- ولو لم يجب دعاءه. == والأقرب أن معنى قوله ﴿وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ﴾ ما قاله ابن كثير -رحمه الله- في "تفسيره" 3/ 193: دعاء وثناء مناسب للمسألة. وبينه ابن عاشور في "التحرير والتنوير" 17/ 135 بقوله: وجملة (وأنت خير الوارثين) ثناء لتمهيد الإجابة، أي: أنت الوارث الحق فاقض علي من صفتك العالية شيئًا، وقد شاع في الكتاب والسنة ذكر صفة من صفات الله عند سؤاله إعطاء ما هو من جنسها، كما قال أيوب (وأنت أرحم الراحمين)، ودل ذكر ذلك على أنه سأل الولد لأجل أن يرثه كما في آية سورة مريم ﴿يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ﴾.]].

الأنبياء 21:91

قوله تعالى ﴿وَالَّتِي﴾: يعني مريم بنت عمران. ﴿وَالَّتِي﴾ في محل النصب بالعطف على ما قبلها [[أو ينتصب بإضمار اذكر. وانظر: "معاني القرآن" للزجاج 3/ 403، "إعراب القرآن" للنحاس 3/ 78، "مشكل إعراب القرآن" لمكي 2/ 481، "الدر المصون" 8/ 194.]]. ﴿أَحْصَنَتْ﴾ أحرزت ومنعت عن الفساد. ﴿فَرْجَهَا﴾ ذكر الفراء والزجاج أنه يعني: جيبها [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 3/ 403.]]. قال الفراء: ذكر المفسرون أنه جيب درعها [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 2/ 210.]]. وهذا محتمل؛ لأن الفرج معناه في اللغة: كل فرجة بين شيئين، ولذلك [[في (ت): (وكذلك).]] يقال [لما بين قوائم الدابة: الفروج. ومنه قوله: تَسُدُّ به فرجها من دبر [[هذا عجز بيت لامرئ القيس، وصدره: لها ذنبٌ مثل "ذيل العروس" وهو في "ديوانه" ص 164، "تهذيب اللغة" للأزهري 11/ 45 (فرج)، "مقاييس اللغة" لابن فارس 4/ 499، (فرج) "لسان العرب" 2/ 342 (فرج)، "تاج العروس" للزبيدي 6/ 143 (فرج). وهذا البيت من قصيدة قالها امرؤ القيس بعد قتله لثعلبة بن مالك، ويصف فرسه التي ركبها عند قتاله له ..]]. أراد ما بين] [[ما بين المعقوفين ساقط من (أ)، (ت).]] فخذيها ورجليها [[من قوله كل في جه إلى هنا في "تهذيب اللغة" للأزهري 11/ 44 - 45 (فرج) منسوبًا إلى الليث- وهو في "العين" 6/ 109 (فرج) إلى قوله فهو فرج. وانظر المراجع اللغوية المتقدمة في تخريج البيت.]]. وموضع جيب درع المرأة مشقوق فهو فرج. وهذا أبلغ في الثناء عليها من أن يجعل فرجها بمعنى الفرج المعروف للنساء؛ لأنها إذا منعت حبيب يرعها فهي لنفسها أمنع وأشد إحصانًا. وقد قيل: ﴿أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا﴾ حفظت فرج نفسها [[نسب ابن عطية في "تفسيره" 10/ 201 هذا القول إلى الجمهور. وقال الطبري 17/ 84: والذي هو أولى القولين -عندنا بتأويل ذلك- قول من قال: أحصنت فرجها من الفاحشة؛ لأن ذلك هو الأغلب من معنييه عليه، والأظهر في ظاهر الكلام. وقال ابن عطية 10/ 201: وهو ظاهر القرآن. وقال عن القول الأول إنَّه ضعيف. وما اختاره الطبري وابن عطية ذهب إليه أبو العباس بن تيمية في "الفتاوى" 17/ 262، واستظهره أبو حيان في "البحر" 6/ 336 واستشهد عليه بقولها ﴿وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا﴾ [مريم: 20].]]. وقوله تعالى: ﴿فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا﴾ قال المفسرون: أمرنا جبريل حتى نفخ في درعها [["الكشف والبيان" للثعلبي 3/ 43 أ. بنصه.]]. وعلى هذا المراد: فنفخنا في درعها. فحذف المضاف [[يرد هذا قوله تعالى في سورة التحريم: ﴿وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا﴾. قال أبو العباس بن تيمية -رحمه الله- في "الفتاوى" 17/ 262: وقد ذكر المفسرون أن جبريل نفخ في حبيب درعها، والجيب هو الطوق الذي في العنق .. ، وذكر أبو الفرج وغيره قولين: هل كانت النفخة في حبيب الدرع أو في الفرج؟ فإن من قال بالأول قال: في فرج درعها، وأن من قال: هو مخرج الولد قال الهاء كناية عن غير مذكور، لأنه إنما نفخ في درعها لا في فرجها، وهذا ليس بشيء، بل هو عدول عن صريح القرآن. وهذا النقل إن كان ثابتًا لم يناقض القرآن، وإن لم يكن ثابتاً لم يلتفت إليه، فإن من نقل أن جبريل نفخ في جيب الدرع فمراده أنه -عليه السلام- لم == يكشف بدنها ... ، فنفخ في جيب الدرع فوصلت النفخة إلى فرجها. والمقصود إنما هو النفخ في الفرج كما أخبر الله في آيتين، وإلا فإن النفخ في الثوب فقط من غير وصول النفخ إلى الفرج مخالف للقرآن، مع أنه لا تأثير له في حصول الولد، ولم يقل ذلك أحد من أئمة المسلمين، ولا نقله أحد عن عالم معروف من السلف. أهـ.]] ويجوز أن يكون المراد في نفسها. والمعنى: وأجرينا [[في (د)، (ع): (فأجرينا).]] فيها روح المسيح كما تجري الربح بالنفخ، وذلك أن الله تعالى أجرى فيها روح عيسى بنفخ جبريل، وأحدث بذلك النفخ المسيح في رحمها [[هذا قول الثعلبي 3/ 43 أ. وذكره الماوردي في "النكت والعيون" 3/ 469 مختصرًا، وابن الجوزي 5/ 385 من غير نسبة.]]. وقوله تعالى: ﴿مِنْ رُوحِنَا﴾ يريد من روح عيسى. وأضاف الروح إليه إضافة الملك على معنى التشريف والتخصيص [[وفيه وجه آخر ذكره الزمخشري 2/ 583 وأبو العباس بن تيمية في "الفتاوى" 17/ 263. وأبو حيان في "البحر" 6/ 336 والألوسي في "روح المعاني" 17/ 88 وهو أن الروح هنا جبريل كما قال تعالى ﴿فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا﴾ [مريم: 17]. قال أبو العباس ابن تيمية: فقوله ﴿فَنَفَخْنَا فِيهَا﴾ أو ﴿فِيهِ مِنْ رُوحِنَا﴾ أي: من هذا الروح الذي هو جبريل، وعيسى روح من هذا الروح، فهو روح من الله بهذا الاعتبار، و (من) لابتداء الغاية. وقال: ولهذا قيل في المسيح ﴿وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ باعتبار هذا النفخ.]]. وقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ قال الفراء، والزجاج، والكسائي: وحد الآية بعد ذكرهما جميعًا لمّا كان شأنهما واحدًا، وكانت الآية فيهما آية واحدة، وهي ولادة من غير فحل [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 2/ 210، و"معاني القرآن" للزجاج 3/ 404. وقال السمين الحلبي 8/ 195 - بعد ذكره لهذا الوجه: أو نقول: إنه حذف من الأول لدلالة الثاني أو بالعكس، أي: وجعلنا ابن مريم آية، وأمه كذلك. وهو نظير الحذف في قوله تعالى ﴿وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ﴾ [التوبة: 62].]]. وهذا معنى قول ابن عباس في هذه الآية وذلك أنه لم يكن امرأة وَلَدْت بلا رجل، ولا رجل وُلِدَ بلا ذكر غير عيسى وأمه. هذا كلامه [[انظر: "تنوير المقباس" ص 204.]]. والمعني: أن الآية فيهما واحدة وهي كون عيسى من غير أب وولادة أمه من غير ذكر. ومعنى كونهما آية للعالمين ما ظهر فيهما من التي دلت على قدرة الله.

الأنبياء 21:92

قوله تعالى ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ﴾ قال ابن عباس: يريد دينكم [[رواه الطبري 17/ 85 وإسناده حسن، وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 5/ 672 وعزاه لابن جرير وابن أبي حاتم.]]. وهو قول الحسن [[ذكره عنه الطوسي في "التبيان" 7/ 245.]]، ومجاهد [[رواه الطبري 17/ 85.]]، وجميع المفسرين [[انظر: "ابن كثير" 3/ 194، و"الدر المنثور" للسيوطي 5/ 672.]]. وقال الكلبي: ملتكم [[في "الدر المنثور" 5/ 672. وأخرج عبد بن حميد عن الكلبي قال: لسانكم لسان واحد.]]. ومضى الكلام في معاني الأمة. وقال ابن قتيبة: الأمة: الدين. ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ﴾ [الزخرف: 22] أي: على دين. وقال النابغة: وهَلْ يَأثَمَنْ ذُو أُمَّةٍ وَهُوَ طَائِعُ؟ [[هذا عجز بيت للنابغة، وصدره: حَلفْتُ فلم أترك لنفسك ريبة وهو في "ديوانه" ص 35، و"مشكل القرآن" لابن قتيبة ص 446، و"معاني القرآن" للأخفش 1/ 419، و"تهذيب اللغة" للأزهري 15/ 635 (أم)، و"الصحاح" للجوهري 5/ 1864 (أمم)، و"لسان العرب" 12/ 24 (أمم).]] أي: ذو دين. والأصل أنه يقال للقوم يجتمعون على دين واحد: أمه، فتقام الأمة مقام الدين [["غريب القرآن" لابن قتيبة ص 446.]]. قوله تعالى: ﴿أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ قال ابن عباس: يريد دينًا واحدًا [[رواه الطبري 17/ 85 بسند حسن، وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 5/ 672 وعزاه لابن جرير وابن أبي حاتم.]]. قال الفراء وأبو عبيد: نصب ﴿أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ على القطع، لمجيء النكرة بعد تمام الكلام [["معاني القرآن" للفراء 2/ 210. ولم أجد من ذكره عن أبي عبيد. ومعنى القطع: الحال. وفي نصب (أمة) وجه آخر وهو البدل من (هذه). انظر: "إعراب القرآن" للنحاس 3/ 79، "البحر المحيط" 6/ 337، "الدر المصون" 8/ 195.]]. والمعنى: أن هذه الشريعة التي بيّنتها لكم في كتابكم دينًا واحدًا. قال الحسن: بيّن لهم ما يتقون وما يأتون [[ذكره عنه ابن كثير في "تفسيره" 3/ 194.]]. ثم قال: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ إبطالًا لما سواها من الأديان [[قوله: (إبطالا ..) هذا قول الثعلبي في "تفسيره" 3/ 43 أ.]]. وعند الزجاج (أمة) نصب على الحال والمعنى: أن هذه أمتكم في حال اجتماعها على الحق، فإذا افترقت فليس من خالف الحق داخلًا فيها [[في (أ)، (ت): (فيه)، وما في (د)، (ع) هو الموافق لما في "المعاني" للزجاج.]]. هذا كلامه [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 403.]]. والمعني: هذه أمتكم ما دامت واحدة واجتمعتم عليها، فإذا خالفتم [[في (أ): (خالفهم)، وهو خطأ.]] فليس من خالف [الحق من] [[ما بين المعقوفين ساقط من (أ)، (ت).]] حملة أهل الدين الحق [[من قوله: (فإذا خالفتم. إلى هنا)، هذا معنى قول الزجاج 3/ 403.]]، ومثله في الكلام أن تقول: فلا صديقي عفيفا، أي: ما دام عفيفا، وما بقي على العفة، فإذا خالف العفة لم يكن صديقك. وقوله تعالى: ﴿وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾ قال ابن عباس: فاطيعون [[مثله في "تنوير المقباس" ص 204.]]. أي: لا دين سوى ديني، ولا رب غيري. وفي هذا حث على الاجتماع، وتجنب الاختلاف [[والمقصود أن الله تعالى بعد أن ذكر الأنبياء المتقدمين قال مخاطبًا الناس كافة: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ يعني أن دينكم دين جميع الأنبياء ورسل الله- الذين هم أمتكم وأئمتكم الذين بهم تأتمون وبهديهم تقتدون فقد كانوا على ملة واحدة ودين واحد وطريقة واحدة لا اختلاف فيها وأصول العقائد كما قال الله تعالى ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: 19] وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (51) وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ﴾ [المؤمنون: 52] وكما قال رسول الله -ﷺ-: "نحن معاشر الأنبياء أولاد علات ديننا واحد" [رواه البخاري في "صحيحه"- كتاب الأنبياء 6/ 478]. فالدين== واحد والرب واحد ولهذا قال: ﴿وأَنَا رَبُّكُمُ﴾. فإن كان الرب واحدًا والدين واحدًا -وهو عبادة الله وحده- كان الواجب عليكم القيام بهذه العبادة ولهذا قال ﴿فَاعْبُدُونِ﴾ وكان اللائق هو الاجتماع على هذا الأمر وعدم التفرق. انظر: "التسهيل" لابن جزي 3/ 68، و"البحر المحيط" لأبي حيان 6/ 337، وابن كثير 3/ 194، و"تيسير الكريم المنان" لابن سعدي 3/ 398.]]. ولما حث المؤمنين على الاجتماع ذم غيرهم من المشركين واليهود والنصارى بالاختلاف فقال:

الأنبياء 21:93

قوله تعالى: ﴿وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ﴾ قال ابن عباس: يريد المشركين اتخذوا من دونه آلهة [[في (د)، (ع): (إلهًا).]]. هذا كلامه في رواية عطاء. والصحيح أن هذا إخبار عن جميع مخالفي شريعة محمد -ﷺ- يقول: اختلفوا في الدين فصاروا فيه فرقًا وأحزابًا. ويجوز أن يكون هذا الاختلاف راجعا إلى اختلاف أهل كل ملة كاختلاف اليهود فيما بينهم واختلاف النصارى وهذا هو الظاهر. ويجوز أن يرجع إلى مخالفتهم دين الحق. وعلى هذا معنى ﴿أَمْرَهُمْ﴾ أي: الأمر الذي شرع لهم ودعوا إليه. والمعنى الأول من قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ﴾ [الأنعام: 159] والمعنى الثاني من قراءة من قرأ: (فارقوا دينهم) [[قرأ حمزة، والكسائي: (فارقوا) بالألف مخففًا. وقرأ الباقون: (وفرقوا) بغير ألف مشددًا. "السبعة" ص 274، "التبصرة" ص 200، "التيسير" ص 108.]]. قال الكلبي: يقول فرقوا دينهم فيما بينهم يلعن بعضهم بعضًا، ويتبرأ بعضهم من بعض، كل فرقة يرون أنهم على الحق [[ذكره البغوي 5/ 353 عن الكلبي إلى قوله: من بعض. وذكر الماوردي 3/ 470 عن الكلبي قال: تفرقوا.]]. والتقطع في هذه الآية واقع بمنزلة التقطيع. قال أبو عبيدة والزجاج: أي اختلفوا وتفرقوا؛ لأن تقطعهم أمرهم بينهم تفرقة [[انظر: "مجاز القرآن" لأبي عبيدة 2/ 42، "ومعاني القرآن" للزجاج 3/ 404.]]. قال الأزهري [[في (أ)، (ت): (الزهري)، وهو تصحيف.]]: ويجوز أن يكون قوله: ﴿وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ﴾ أي: تفرقوا في أمرهم [ونَصَبَ أمرهم] [[ما بين المعقوفين ساقط من (د)، (ع).]] بحذف (في) قال: وهذا القول أصوب [[هذا النص عن الأزهري ليس موجودًا في المطبوع من "تهذيب اللغة" 1/ 187 - 196 (قطع)، فلعله سقط من المطبوع، أو من النسخة الخطية المعتمد عليها في الطباعة. وهو موجود بهذا النص في "لسان العرب" لابن منظور 8/ 276 (قطع) منسوبًا إلى الأزهري. وهو عند القرطبي 11/ 339 عز الأزهري إلى قوله: بحذف (في).]]. وعلى هذا التقطع [[في (ع): (القطع).]] لازم [[وعلى الوجه الأول يكون (أمرهم) منتصبًا على أنه مفعول به، وعدى (تقطعوا) لأنه بمعنى: قطعوا. انظر: "الإملاء" للعكبري 2/ 136 - 137، "الدر المصون" 8/ 196.]]. ثم أخبر-عزّ وجلّ- أن مرجع جميع أهل الأديان إليه، وأنه مُجازٍ جميعهم فقال: ﴿كُلٌّ إِلَيْنَا رَاجِعُونَ﴾ قال ابن عباس: يريد الذين عبدوا غيري، والذين وحدوني وأطاعوني. وقال أهل المعاني: كل إلينا راجعون أي: إلى حكمنا في الوقت الذي لا يقدر على الحكم سوانا. كما يقال رجع أمرهم إلى القاضي أي: إلى حكمه [[ذكر هذا القول: الطوسي في "التبيان" 7/ 246، والحاكم الجشمي في "التهذيب" 3/ 160 أ، والقرطبي في "تفسيره" 11/ 339 من غير نسبة لأحد. والذي يظهر أن قول أهل المعاني صادرٌ بسبب التأويل. والصواب أن المعنى: ﴿كُلٌّ إِلَيْنَا رَاجِعُونَ﴾ أي: صائرون إليه سبحانه يوم القيامة، فيحكم بينهم في ذلك اليوم ويجازى جميعهم إن خيرًا فخير وإن شرًا فشر كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ [آل عمران: 55]. انظر: "تفسير الطبري" 17/ 85، "تفسير ابن كثير" 3/ 194.]].

الأنبياء 21:94

قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ﴾ قال صاحب النظم: (من) هاهنا للتبعيض. أي: ومن يعمل شيئًا من الصالحات. أي من أداء الفرائض، وغيرها من صلة الرحم، ونصر المظلوم، ومعونة الضعيف، ونحو ذلك من أعمال البر. ﴿وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ قال ابن عباس: وهو مصدق بمحمد -ﷺ- وبما جاء به [[انظر: "التبيان" للطوسي 7/ 246، "التهذيب" للحاكم الجشمي 6/ 160 أ.]]. ﴿فَلَا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ﴾ أي لا جحود لعمله [[في (أ): (لعلمه)، وهو خطأ.]]. يعني: أنه يقبل ويشكر بالثواب عليه ولا يبطل [[انظر: "الطبري" 17/ 86، "الكشف والبيان" للثعلبي 3/ 43 أ.]]. والكُفْران والكُفُور والكُفْر مصادر مثل الشُّكْران والشُّكُور والشُّكْرُ [[الطبري 17/ 86، و"معاني القرآن" للزجاج 3/ 404. وانظر: "الصحاح" للجوهري 2/ 807 (كفر)، و"لسان العرب" لابن منظور 5/ 144 (كفر).]]. قال ابن مسلم: أي: لا يُجْحد ما عمل [["غريب القرآن" لابن قتيبة ص 288.]]. وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّا لَهُ كَاتِبُونَ﴾ قال صاحب النظم: الهاء كناية للسعي على معنى: وإنا كاتبون لسعيه. وهذا وهم. الهاء كناية لـ (من) في قوله (فمن يعمل) والمعني [[ذكر أبو البقاء العكبري 2/ 137 الوجهين في عود الضمير من غير نسبة، وقدم ما قاله صاحب النظم ثم قال: وقيل: يعود على (من). وعلى ما ذكر صاحب النظم اقتصر الزمخشري 2/ 582، والرازي 22/ 220، والسمين الحلبي 8/ 197 وغيرهم من المفسرين. لكن الألوسي 17/ 90 ذكر القولين ثم تعقب القول الثاني -الذي اختاره الواحدي- بقوله: وليس بشيء.]]: وإنا كاتبون لمن يعمل عمله. ولو كان على ما قال لقيل: وإنا وإياه كاتبون؛ لأنه يقال: كتب عمله، ولا يقال: كتب لعمله، ولكن يقال: كتب له عمله [[في (د)، (ع): (يقال: له كتب عمله).]]. والمعنى: نأمر الحفظة بأن يكتبوا لذلك العامل ما عمل من الخير لنجازيه به.

الأنبياء 21:95

قوله تعالى: ﴿وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ﴾ هذه آية كثرت فيها الأقوال وتقسمت فيها الخواطر والآراء ولم يقع لها شرح شاف، ولا بيان لتفسيرها كاف. والذي يدل عليه [[في (د)، (ع): (عليها).]] ظاهر اللفظ- وبه قال كثير من المفسرين: أن الحرام هاهنا بمعنى الواجب. قال قتادة [[(قتادة): ساقط من (د)، (ع).]]، عن ابن عباس [: معناه: واجب عليها ألا ترجع إلى دنياها إذا هلكت [[ذكر الأزهري في "تهذيب اللغة" 5/ 48 من رواية قتادة، عن ابن عباس، .. وهو منقطع. وقد رواه ابن المنذر وابن أبي حاتم كما في "الدر المنثور" 5/ 673 عن قتادة.]]. وروى عكرمة، عن ابن عباس] [[ما بين المعقوفين ساقط من (أ).]]: أنه قرأ (وَحِرْمٌ) قال: وجب [[رواه الأزهري في "تهذيب اللغة" 5/ 48 بسنده، عن عكرمة، عن ابن عباس، به. وقد نسب السيوطي في "الدر المنثور" 5/ 672 إلى سعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس أنه كان يقرأ (وحرم على قرية) قال: وجب على قرية .. وقد طالعت تفسير سعيد بن منصور (ل 155 أ) فوجدته رواه من طريق عكرمة، عن ابن عباس، وفيه ذكر القراءة دون التفسير. ورواه الطبري 17/ 86 من طريق عكرمة وسعيد بن جبير، عن ابن عباس، فأما رواية عكرمة ففيها ذكر القراءة والتفسير لكن ليس فيه (حرم) بمعنى وجب، وأما رواية سعيد بن جبير ففيه ذكر القراءة عن ابن عباس دون التفسير، ثم تفسير سعيد بن جبير نفسه لحرم بمعنى: حرم. لكن ذكر ابن كثير -وهو يعتمد كثيرًا على تفسير ابن أبي حاتم- في "تفسيره" 3/ 194 عن ابن عباس أنه قال: وجب. فلعل هذا التفسير وقع في رواية ابن أبي حاتم أو غيره ممن ذكر السيوطي دون رواية سعيد بن منصور والطبري. وذى النحاس في "إعراب القرآن" 3/ 79 من رواية ابن عيينة. وهشيم وغيرهما، عن داود بن أبي هند، عن عكرمة، عن ابن عباس في قوله (وحرام) قال: وجب.]] قال الزجاج: وجاء أيضًا عن ابن عباس أنه قال: حتم عليهم لا يرجعون [[عند الزجاج: ألا يرجعوا.]] إلى دنياهم. قال: وجاء في "التفسير" (حِرْمٌ) في معنى: حتم [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 404.]]. وعن سعيد بن جبير: أنه قرأ (وحِرْمٌ على قرية) فسئل عنها فقال: عزم عليها [["تهذيب اللغة" للأزهري 5/ 48 وفيه: وقال أبو معاذ النحوي .. قال: وحدثت عن سعيد بن جبير، فذكره. وقد رواه الطبرى 17/ 86 من طريق أبي المعلى يحيى بن ميمون، عن سعيد بن == جبير، عن ابن عباس أنه قرأ (وحرم على قرية) قال -يعني أبا المعلى- فقلت لسعيد: أي: شيء حرم؟ قال: عزم.]]. والذين قانوا إن حرامًا -هاهنا- بمعنى: واجب أنشدوا [[ابن قتيبة في "غريب القرآن" ص 288.]] قول الخنساء: وإن [[عند ابن قتيبة ص 288: (فإن).]] حراماً لا أرى الدَّهْر باكيًا ... على شَجْوِهِ إلا بكْيت على عَمْرو [[البيت أنشده ابن قتيبة في "غريب القرآن" ص 288 من غير نسبة لأحد. ونسبه الثعلبي في "الكشف والبيان" 3/ 43 أللخنساء بمثل رواية الواحدي هنا. ونسبه لها أيضًا القرطبي 11/ 340 لكن عنده: على صخر. وهو عند أبي حيان في "البحر المحيط" 6/ 338 - 339، والسمين الحلبي في "الدر المصون" 8/ 198 - 199 منسوبًا للخنساء لكن روايته: حرامٌ علي لا أري الدهر باكيًا ... على شجوه إلا بكيت على صَخْر ولم أجد هذا البيت في ديوانها.]] أي: واجب. ونحو هذا قال عطاء، عن ابن عباس، في قوله: ﴿وَحَرَامٌ﴾ قال: يريد حتماً مني [[ذكر ابن الجوزي 5/ 387 هذا القول عن عطاء.]]. وقال الكلبي: يقول: وجب على أهل قرية (أهلكناها) يريد عذبناها ﴿أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾ إلى الدنيا أبدًا. قال: يعني أهل مكة من أهل القرى، لا يرجعون إلى يوم القيامة. هذا الذي ذكرنا قول واحد في هذه الآية، ومعناه: إن الله تعالى كتب على من أهلك أن يبقى في البرزخ إلى يوم القيامة، وأن لا يرجع إلى الدنيا عزمًا منه ذلك حتماً. وفي [[في (ت): (في).]] هذا تخويف لكفار مكة بأنهم إن عذبوا وأهلكوا لم يرجعوا إلى الدنيا كغيرهم من الأمم المهلكة. وإلى هذا أشار الكلبي فيما حكينا عنه. وهذا التفسير موافق لظاهر اللفظ؛ إلا أن حراماً بمعنى: وجب نادر، وهو مقبول من أهل التفسير، ولم يحتج في هذا القول إلى تقدير محذوف أو حكم على حرف بزيادة [[في (أ)، (ت): (بزيادة).]]. القول الثاني: أن معنى الآية: ﴿وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾. أي: أهلكناهم بالاستئصال والاصطلام؛ لأنهم إنما لا يرجعون للاستئصال الواقع بهم والإبادة لهم. وخبر المبتدأ على هذا محذوف، تقديره: وحرام على قرية أهلكناها بالاستئصال بقاؤهم أو حياتهم. ونحو ذلك مما يكون في الكلام دلالة عليه. وهذا القول ذكره أبو علي [["الحجة" لأبي علي الفارسي 3/ 382، وانظر 5/ 261.]]. وإلى نحو هذا [من التقدير -الذي ذكره أبو علي-] [[ما بين المعقوفين ساقط من (أ).]] ذهب الزجاج وقطرب [[لم أجد من ذكره عن قطرب.]] في معنى هذه الآية. قال الزجاج: لما ذكر الله تعالى أنه لا يضيع عمل عامل من المؤمنين في قوله: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ﴾ الآية، ذكر في هذه الآية أنه قد حرم قبول أعمال الكفار. والمعنى: حرام على قرية أهلكناها أن يُتقبل منهم عملٌ؛ لأنهم لا يرجعون، أي: لا يتوبون كما قال -عزّ وجلّ-: {خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ} [البقرة: 7] فأعلم أنهم لا يتوبون أبدًا، وكذلك ﴿أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾ معناه: قد علم منهم أنهم لا يتوبون. هذا كلامه [[ليس هذا كلامه بنصه، بل فيه زيادة وتصرف وحذف. انظر: "معاني القرآن" للزجاج 3/ 405.]]. ونحتاج في هذا إلى شرح، وهو أن نقول: معنى هذا القول: وحرام على قرية حكمنا عليها بالهلاك -لعلمنا بأنهم لا يرجعون عن كفرهم- أن قبل منهم طاعة أو نثيبهم على عمل. فنحتاج إلى تقدير لام في (أنهم) كما قدر أبو علي باء وإلى إضمار خبر المبتدأ كما أضمره هو. وذكر [[يعني الزجاج، وليس عند الزجاج الاحتجاج بهذه الآية بل فيه قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ﴾ انظر: "المعاني" 3/ 405.]] قوله: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ احتجاجًا بأن قوله: ﴿أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾ معناه: لا يرجعون من الشرك لحكم الله عليهم [بذلك كما قال] [[ما بين المعقوفين بياض في (ت).]] ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ الآية، واحتج على أن الله لا يقبل عمل كافر بقوله: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ﴾ [محمد:1] وهذا الذي ذهب إليه أبو إسحاق معنى قول [قتادة [[ذكره عنه السيوطي في "الدر المنثور" 5/ 673 وعزاه لابن أبي حاتم وابن المنذر. وانظر: "تفسير ابن كثير" 3/ 194.]]. هذا كله إذا جعلت] [[ما بين المعقوفين بياض في (ت).]] (لا) في قوله: ﴿لَا يَرْجِعُونَ﴾ غير زائدة [[وفي الآية وجه آخر حسن تكون فيه (لا) غير زائدة، و (حرام) على بابها. وهو أن الله -عز وجل- قال في الآيات التي قبل هذه الآية ﴿وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ كُلٌّ إِلَيْنَا رَاجِعُونَ (93) فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ وَإِنَّا لَهُ كَاتِبُونَ﴾ فبين-عز وجل- أن الخلق راجعون إليه وأنه لا كفران لسعي أحد. ثم== قال بعد ذلك: ﴿وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ﴾ أي: ممتنع على أي: قرية أهلكها الله انتفاء الرجوع إلى الآخرة، فإذا امتنع الانتفاء وجب الرجوع، والمعنى: أنهم يجب رجوعهم إلى الحياة في الدار الآخرة، ويكون الفرض إبطال قول من ينكر البعث. انظر: "تفسير الرازي" 22/ 121، "البحر المحيط" 6/ 338، "الدر المصون" 8/ 199. وقد أشار ابن عطية في "المحرر" 10/ 204 إلى هذا المعنى بقوله: ويتجه في الآية معنى ضمنه وعيد بين، وذلك أنه ذكر من عمل صالحًا وهو مؤمن، ثم عاد إلى ذكر الكفرة الذين من كفرهم ومعتقدهم أنهم لا يحشرون إلى رب، ولا يرجعون إلى معاد؛ فهم يظنون بذلك أنه لا عقاب ينالهم، فجاءت الآية مكذبة لظن هؤلاء، أي: ممتنع على الكفرة المهلكين أنهم لا يرجعون، بل هم راجعون إلى عقاب الله وأليم عذابه. فتكون (لا) على بابها، والحرام على بابه، وكذلك الحرام، فتأمله) أهـ.]]. فإن جعلت (لا) زائدة، وهو قول ابن جريج، وأبي عبيد [[ذكر النحاس في "إعراب القرآن" 3/ 80 هذا القول عن أبي عبيد ولم يرضه، حيث قال: (وأما قول أبي عبيد: إن (لا) زائدة فقد رده عليه جماعة؛ لأنها لا تزاد في مثل هذ الموضع، ولا فيما يقع فيه إشكال). وذكر هذا القول عن أبي عبيد أيضًا: القرطبي 11/ 340، وأبو حيان 6/ 338.]]، وابن قتيبة [["مشكل القرآن" لابن قتيبة ص 245، وانظر: "غريب القرآن" له ص 288. قال الطبري 17/ 78: وقد زعم بعضهم أنها في هذا الموضع صلة فإن معنى الكلام: وحرام على قرية أهلكناها أن يرجعوا. وأهل التأويل الذين ذكرناهم -يعني ابن عباس وسعيد بن جبير وعكرمة- كانوا أعلم بمعنى ذلك منه.]]، وكثير من أهل التفسير والمعاني، فالمعنى: حرام على قرية مهلكة رجوعهم إلى الدنيا كما قال: ﴿فَلَا يَسْتَطِيعُونَ [تَوْصِيَةً وَلَا إِلَى أَهْلِهِمْ] [[بياض في (ت).]] يَرْجِعُونَ﴾ [يس: 50]، و (أن) في موضع رفع بأنّه خبر المبتدأ الذي هو حرام، و (لا) زائدة [[من قوله: (فالمعنى: حرام .. إلى هنا) هذا كلام أبي علي في "الحجة" 3/ 261 مع اختلاف يسير.]] لزيادتها في مواضع ذكرناها أنها صلة فيها. ومعنى هذا القول كمعني القول الأول في هذه الآية. وذكر على تقدير زيادة (لا) قول آخر، وهو: أن المعنى: وحرام على قرية حكمنا بهلاكها للشقاء الذي كتبنا عليها أن يرجعوا عن الشرك ويؤمنوا [[ذكر الرازي 22/ 221، وأبو حيان 6/ 339 عن مجاهد والحسن قالا: لا يرجعون عن الشرك.]]. ومعنى حرام على الأقوال كلها -غير القول الأول- أنهم يمنعون عن ذلك كما يمنعون من الأشياء المحرمة في الشرع، وليس كحظر الشريعة الذي إن شاء المحظور عليه ركبه وإن شاء تركه، وكان الأمر فيه موقوفاً على اختياره [[انظر: "المحرر" لابن عطية 10/ 204.]]. والحرام بمعنى المنع قد ورد في التنزيل في مواضع كقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [الأعراف: 50] أي: منعهم منهما، وقوله تعالى: ﴿وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ﴾ [القصص: 12] يعني تحريم منع، وهذا كما تقول: حرمت عليّ لقاءك أي: منعتني من ذلك [[في (أ): (مالك).]]، ولم يرد تحريم شرع. وقرئ [[في (أ)، (ت): (وقرأ).]] (وحرْمٌ) [[قرأ حمزة، والكسائي، وعاصم في رواية أبي بكر: (وحرم) بكسر الحاء وإسكان الراء من غير ألف. وقرأ الباقون: (وحرم) بالألف. "السبعة" ص 431، "التبصرة" ص 264، "التيسير" ص 155.]] وهو بمعنى حرام في قول جميع أهل اللغة كما يقال حل [[في (أ)، (ت): (حال)، وهو خطأ.]] وحلال [[انظر: "معاني القرآن" للزجاج 3/ 404، "علل القراءات" للأزهري 2/ 412، "إعراب القراءات السبع وعللها" لابن خالويه 2/ 68.]].

الأنبياء 21:96

قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ﴾ معنى (حتى) هاهنا كمعنى (حتى) في قوله: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ﴾ [[يوسف: 110. ويعني المؤلف أن (حتى) هنا للغاية. وفيها وجه آخر، وهو أنها ابتدائية. واستظهره ابن عطية 10/ 205، وانظر: "الدر المصون" 8/ 202.]]. وقرئ [[في (أ)، (ت): (قرأ).]] (فتحت) مخففاً ومشددًا [[قرأ ابن عامر: (فتحت) مشددة التاء، وقرأ الباقون: (فتحت) خفيفة. "السبعة" ص 431، "التبصرة" ص 193، "التيسير" ص 102.]]. فمن خفف -وهي القراءة المعروفة [[في (أ): (المعرفة).]] - فلأن الفعل في الظاهر مسند إلى هذين الاسمين، ولم يحمل ذلك على الكثرة حتى تشدد بمنزلة ﴿مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوَابُ﴾ [ص: 50] ولأن المعنى على حذف المضاف لأن التقدير: فتح سد يأجوج ومأجوج، فحذف المضاف وأدخلت علامة التأنيث لما حذف المضاف [[هنا ينتهي الموجود من نسخة (ت).]]؛ لأن يأجوج ومأجوج مؤنثان [[في (د)، (ع): (مؤنثتان).]] بمنزلة القبيلتين. ومن قرأ بالتشديد شدد لكثرة القبيلتين المسماتين بهذين الاسمين وعددهما كثير [[انظر: "الحجة" للفارسي 5/ 262، "علل القراءات" للازهري 2/ 415، "حجة القراءات" لابن زنجلة ص 470.]]. ومعنى فتحهما: إخراجهما عن السد الذي جعلا وراءه وكأنهما قيدا بذلك السد، وإذا ارتفع السد انفتحا. وتقدم الكلام في يأجوج ومأجوج في سورة الكهف [آية: 94]. وقوله تعالى: ﴿وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ﴾ معني الحدب في اللغة: الحُدور في صبب، والجمع: حِدَاب [["تهذيب اللغة" للأزهري 4/ 429 (حدب) منسوبًا إلى الليث.]]. ومنه قيل: حدبة الظهر. وقال الفراء [["معاني القرآن" للفراء 2/ 211.]] والزجاج [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 405.]]: الحدب كل أكمة من الأرض مرتفعة. وقوله تعالى: ﴿يَنْسِلُونَ﴾ النسلان: مشية الذئب إذا أسرع [["تهذيب اللغة" للأزهري 12/ 428 (نسل) منسوبًا إلى الليث.]]. والماشي ينسل، إذا أسرع. يقال: نسل في العدو يَنْسِلُ ويَنْسُلُ -بالكسر والضم- نسولاً [[هكذا في جميع النسخ. ولم تذكر المصادر اللغوية التي اطلعت عليها هذا التصريف. وإنما ذكرت: نَسْلًا ونَسَلًا ونَسَلانًا.]] ونسلانًا] [[انظر (نسل) في: "تهذيب اللغة" للأزهري 12/ 428، "الصحاح" للجوهري 5/ 1830، "لسان العرب" لابن منظور 11/ 660 - 661، "القاموس المحيط" 4/ 57.]]. ذكر ذلك الكسائي وغيره وأنشدوا قول الجعدي [[هذا عجز بيت، وصدره: عَسَلان الذئب أمْسى قَارباً وقد أنشده للجعدي .. أبو عيدة في "مجاز القرآن" 2/ 42. وهو في "ديوانه" ص 90. وهو منسوب للبيد في: "الكامل" للمبرد 1/ 369، و"الجمهرة" لابن دريد 3/ 32. ومن غير نسبة في: الطبري 17/ 91، و"تهذيب اللغة" للأزهري 12/ 428، و"لسان العرب" 11/ 661 (نسل).]]: بَرَد الليلُ عليه فَنَسَل واختلفوا في المعنيين بقوله: ﴿وَهُمْ﴾ فأكثر المفسرين على أن (هم) كناية عن يأجوج ومأجوج وهو قول ابن مسعود [[ذكره الثعلبي في "الكشف والبيان" 3/ 43 ب. وقد رواه الطبري 17/ 90، والحاكم في "مستدركه" 4/ 496 ضمن أثر طويل. وقال: صحيح على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي، وصحح إسناده أحمد شاكر في تعليقه على الطبري 3/ 297.]]. والمعنى: وهم من كل نشز [[في (أ): (بشر)، وهو خطأ. والنَّشَز -بفتح الشين وإسكانها: المكان المرتفع. "الصحاح" للجوهري 3/ 899 (نشز).]] من الأرض يسرحون، يعني أنهم يتفرقون في الأرض فلا يرى أكمة [[الأكمة: التل وكل موضع يكون أشد ارتفاعًا مما حول. "القاموس المحيط" 4/ 75.]] إلا وقوم منهم يهبطون منها مسرعين. وقال آخرون [[ذكر هذا القول الثعلبي 433 ب، ولم ينسبه لأحد.]]: ﴿وَهُمْ﴾ يعني الخلق كلهم يحشرون إلى أرض [[في (أ): (الأرض).]] الموقف فهم يسرعون من كل وجه كما قال ابن عباس في رواية عطاء: ﴿وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ﴾ يريد من كل وجه يخرجون [[انظر: "تنوير المقباس" ص 204.]]. وهذا قول مجاهد [[رواه الطبري 17/ 90، وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 5/ 673 وعزاه لعبد بن حميد والطبري.]]، وكان يقرأ (وهم من كل جدث ينسلون) اعتبارًا بقوله ﴿فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ﴾ [[يس: 51. وقد ذكر قراءة مجاهد والتعليل الئعلبي في "الكشف والببان" 3/ 43 ب. انظر: "الشواذ" لابن خالويه ص 93، المحتسب لابن جني 2/ 66، "تعليل القراءات الشاذة" للعكبري ص 261.]] والظاهر هو الأول [[وصوبه الطبري 17/ 90، وصححه ابن الجوزي 5/ 389، واستظهره أبو حيان في "البحر" 6/ 339.]].

الأنبياء 21:97

قوله تعالى: ﴿وَاقْتَرَبَ﴾ اختلفوا في هذه الواو: فقال الفراء: الواو مقحمة زائدة، المعنى: حتى إذا فتحت اقترب، ودخول الواو هاهنا بمنزلة قوله: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾ [الزمر: 73]، ومثله ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (103) وَنَادَيْنَاهُ﴾ [الصافات: 103، 104]، ومعناه: ناديناه، وأنشد قول أمرىء القيس [[البيت أنشده الفراء في "معاني القرآن" 2/ 21 وروايته: ذي قفاف. وهو في ديوان امرئ القيس ص 15 من معلقته، ورواية شطره الثاني: بنا بطن ذي ركام عقنقل و"شرح القصائد السبع الطوال" لابن الأنباري ص 54 مثل رواية الفراء، و"تهذيب اللغة" للأزهري 11/ 148 (جئز) وفيه: ذي حقاف، و"لسان العرب" 5/ 326 (جوز) وفيه: ذي قفاف، قال: ويروى ذي حقاف. قال البطليوسي في "الاقتضاب" 3/ 217: ومعى (أجزنا): (قطعنا وخلفنا، وساحة الحي: فناؤه، و (انتحى) اعترض. والحقف: الكثيب من الرمل يعوج وينثني، وبطنه: ما انخفض وغمض، و (ركامه): (ما تراكم منه بعضه فوق بعض، والعقنقل: ما تعقد منه ودخل بعضه في بعض. اهـ. وانظر: "شرح السبع الطوال" لابن الأنباري ص 54 - 55، "شرح القصائد العشر" للتبريزي ص 86.]]: فلمَّا أجَزْنَا ساَحَة الحيّ وانْتَحَى ... بنا بَطْن خَبْتٍ ذي حقاف عَقنْقَلِ قال: يريد: انتحى [["معاني القرآن" للفراء 2/ 211 دون قوله: الواو زائدة مقحمة. وقد قال بزيادة الواو في هذه المواطن الكوفيون، ومنع من زيادتها جمهور البصريين. قال ابن جني في "سر صناعة الإعراب" 2/ 646 بعد ذكره لقول الكوفيين في إجازة أ، تكون الواو زائدة: فأما أصحابنا -يعني البصريين- فيدفعون هذا التأويل البتة، ولا يجيزون زيادة هذه الواو، ويرون أن أجوبة هذه الأشياء محذوفة للعلم بها والاعتياد في مثلها. == وقال في 2/ 649: وذهب أصحابنا إلى أن حذف الجواب في هذه الأشياء أبلغ في المعنى من إظهاره. وذكر ابن جني الجواب عن الآيتين اللتين استشهد بهما الفراء فقال 2/ 646 - 647 عن قوله ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (103) وَنَادَيْنَاهُ﴾: وتأويل ذلك عندنا على معنى: فلما أسلما وتله للجبين، وناديناه أن يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا أدرك ثوابنا ونال المنزلة الرفيعة عندنا .. وكذلك قوله -عز وجل-: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا﴾ تقديره: صادفوا الثواب الذي وعدوه. أهـ. وأما البيت الذي استشهد به الفراء فقد قال أبو عبيدة كما في "شرح القصائد السبع" لابن الأنباري ص 55: (وانتحى): (نسق على (أجزنا) وجواب فلما أجزنا: (هصرت بفودي رأسها). أهـ. وانظر أيضًا: "الكتاب" لسيبويه 3/ 103، "الإنصاف في مسائل الخلاف" للأنباري 2/ 456 - 462، "شرح المفصل" لابن يعيش 9/ 150، "رصف المباني" للمالقي ص 487 - 488، "الجنى الداني" للمرادي ص 164 - 166، "مغني اللبيب" لابن هشام 2/ 417.]]. ونحو هذا قال الكسائي [[ذكر النحاس في "إعراب القرآن" 3/ 80، والقرطبي 11/ 342 عن الكسائي أن الواو في هذه الآية زائدة.]] قال: والعرب تدخل الواو في جواب (حتى إذا) [[في (أ): (إذ).]] و (لما) و (حين) و (ساعة) و (يوم) و (الواو) [[في (أ): (الواو).]] و (الفاء) و (ثم)، ومعناها الطرح فتقول: لما فعلت كذا وحين فعلت كذا، وأقبل [[في (أ): (قيل).]] يفعل أو ثم أقبل، والمراد أقبل يفعل، ومعنى (ثم) والواو الطرح. قال أبو إسحاق: والواو عند البصريين لا يجوز أن تدخل ويكون معناها الطرح، وجواب (حتى إذا) [مضمر في الآية] [[ساقط من (أ). وفي (أ) عوضا منه: (أنتم).]] لأن قوله: {يَا وَيْلَنَا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ} هاهنا قول محذوف، المعنى: حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج واقترب الوعد الحق قالوا يا ويلنا. وخروج يأجوج ومأجوج من أعلام الساعة [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 405، والثعلبي 433 ب. وحسّن النحاس في "إعراب القرآن" 3/ 81 قول الزجاج في تقدير جواب إذا. وحكى أبو حيان 6/ 339 تقدير الزجاج ثم قال: أو تقديره: فحينئذ يبعثون. وفي جواب (إذا) وجه آخر -سيذكره المصنف عن الكسائي- وهو ﴿فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، قال الزمخشري 2/ 584، واختاره ابن عطية 10/ 205 وحكا أبو حيان 6/ 339، والسمين الحلبي 8/ 202 عن الحوفي.]]. ﴿الْوَعْدُ الْحَقُّ﴾ قال ابن عباس: يريد القيامة [[الثعلبي 3/ 43 ب، البغوي 5/ 355، القرطبي 11/ 342 من غير نسبة.]]. قال الكسائي [[ذكر النحاس في"إعراب القرآن" 3/ 81 عن الكسائي أنه أجاز أن يكون جواب "إذا" "فإذا شاخصة".]]: ويجوز أن يكون واقترب عطفاً على "إذا فتحت" ويكون قوله: ﴿فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ﴾ جواباً لهما لـ ﴿حَتَّى إِذَا﴾ ولقوله ﴿وَاقْتَرَبَ﴾. قوله تعالى: ﴿فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ﴾ قال الفرَّاء [[(الفراء): ساقطة من (ز).]]: تكون "هي" عمادًا [[العماد عند الكوفيين هو ما اصطلح عليه البصريون بقولهم: ضمير الفصل. قال ابن عقيل في "شرح التسهيل" لابن مالك 1/ 119: وسموه بذلك لأنه يعتمد عليه في الفائدة، إذ يتبين به أن الثاني ليس بتابع للأول. وانظر: "همع الهوامع" للسيوطي 1/ 68.]] يصلح في موضعها "هو" فتكون كقوله: ﴿إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ﴾ [النمل: 9] ومثله ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ﴾ [الحج: 46] فجاز [[في (د)، (ع): (فجاءت)، وفي المطبوع من الفراء: فجاء.]] التأنيث؛ لأن الأبصار مؤنثة والتذكير للعماد. قال: وسمعت بعض العرب يقول: كان مرة وهو ينفع الناس أحسابهم. فجعل "هو" عمادًا. قال: وأنشدني بعضهم [[البيت أنشده الفراء في "معانيه" 2/ 212 ونسبه لبعضهم، وأنشده أيضًا 1/ 52 مع بيتين قبله عن بعض العرب، والبيتان قبله هما: فأبلغ أبا يحيى إذا ما لقيته ... على العيس في آباطها عرق يبس بأن السلامي الذي بضرية ... أمير الحمى قد باع حقي بني عبس بثوب ودينار ..... والبيتان من غير نسبة في: الطبري 2/ 313، 17/ 93، "البحر المحيط" 6/ 340، "الدر المصون" 8/ 250.]]: بِثَوْبٍ ودِينارٍ وشاةٍ ودرهمٍ ... فَهَلْ هو مَرْفُوعٌ بما هاهنا رأسُ [أراد فهل يرفع [[في (ع): (يرتفع).]] رأس بما هاهنا فجعل هو عمادا] [[قوله: أراد .. عمادا. هذا من كلام الواحدي وليس من كلام الفرّاء.]] قال: وإنْ شئت جعلت "هي" للأبصار كنيت عنها، ثم أظهرت الأبصار لتفسيرها [[عند الفراء: لتفسرها.]] كما قال الشاعر [[البيت أنشده الفراء في "معانيه" 2/ 212 من غير نسبة. وهو من غير نسبة: الطبري 17/ 92، "المحرر الوجيز" 10/ 208، القرطبي 11/ 342، "البحر المحيط" 6/ 340، "الدر المصون" 8/ 205. ونسبه الأصبهاني في "الأغاني" 1/ 442، 16/ 234 لمالك بن كعب والد كعب بن مالك الصحابي المشهور أحد الثلاثة الذين تيب عليهم، ورواية "الأغاني": "خليلتي" مكان ظعينتي. قال الأصفهاني 16/ 234 عن مالك بن أبي كعب: وهو شاعر وله خبرٌ، وذكر في حرب الأوس والخزرج. والظَّعينة: هي المرأة في الهودج، هذا هو الأصل، ثم كثر ذلك حتى قيل للمرأة بلا هودج ظعينة. انظر: "لسان العرب" 13/ 271 (ظعن).]]: لعمرُ أبيها لا تقول ظعينتي .... ألا فَرَّعَنِّي مالك بن أبي كعب فذكر الظعينة وقد كنَّى عنها. انتهى كلامه [["معاني القرآن" للفراء 2/ 212.]]. وعلى هذا إضمار على شريطة التفسير [[قال نور الدين الجامي في شرحه لكافية ابن الحاجب 1/ 351: الشريطة والشرط واحد، وإضافتها إلى التفسير بيانية، أي: أضمر عامله على شرط وهو تفسيره.]] [أضمر الأبصار، ثم فسرها بقوله: ﴿أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [[وهذا قول الزمخشري. انظر: "الكشاف" 2/ 584.]] وقد ذكرنا معنى الإضمار على شريطة التفسير] [[ساقط من (ع).]] وبيَّنا هذه المسألة عند قوله: ﴿فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ﴾ [يوسف: 77] من كلام أبي علي [[انظر: "البسيط" سورة يوسف: 77.]]. وقال المبرِّد -في هذه الآية-: قال سيبويه؛ إذا كان الخبر عن مذكر فحق الاضمار أن يكون بعلامة التذكير نحو قوله: ﴿إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا﴾ [طه: 74] وكذلك: ﴿وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا﴾ [الجن: 3] تقديره: إن الأمر هذا، وإذا كان الخبر عن مؤنث يصلح أن يكون الإضمار بعلامة التأنيث ويكون تقديره: القصة نحو قولك: إنها أمَةُ الله خارجة، وإنَّها دارك خير من دار زيد، أي القصة كذا، ولو قلت: إنّه دارك، أي: إن الأمر، كان جيدًا بالغا، وإنما مِلْت إلى الضمير الذي يدل على القصة ليُنْبئْ عن أنَّك تريد أنْ يذكر مؤنثًا [[انظر: "المقتضب" 2/ 144 - 145، "الكتاب" 1/ 69 - 71، 2/ 72، "شرح المفضل" لابن يعيش 3/ 116، "ارتشاف الضرب" لأبي حيان 1/ 486 - 487، "شرح التسهيل" لابن عقيل 1/ 116.]]. وهذا قول ثالث في هذه الكناية. وقد يكون التقدير في الآية: فإذا القصة شاخصة أبصار الذين كفروا [[فتكون "هي" ضمير القصة و"شاخصة" خبر مقدم، و"أبصار" مبتدأ مؤخر. وقال السمين الحلبي 8/ 204 عن هذا الوجه إنه الأجود. وذكر الثعلبي 3/ 144 وجهًا آخر، وهو أنَّ تمام الكلام عند قوله "هي" على معنى: فإذا هي بارزة واقفة، يعني من قربها كأنها حاضرة، ثم ابتدأ: "شاخصة أبصار الذين كفروا" علي تقديم الخبر على الابتداء. قال أبو حيان 6/ 340: وهذا وجه متكلّف، متنافر التركيب.]]، أي: القصة أنَّ أبصارهم عند ذلك تشخص كقوله: ﴿لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ﴾ [إبراهيم: 42] وقد مر. قال الكلبي: شخصت أبصار الكفار فلا تكاد تطرف من شدة ذلك اليوم وهوله [[ذكره البغوي 5/ 355 عن الكلبي.]]. وقوله تعالى: ﴿يَا وَيْلَنَا﴾ أي: قالوا يا ويلنا "قد كنا في غفلة من هذا" قال ابن عباس: يريد في الدنيا كنا في عماية عما يراد منا ﴿بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ﴾ أنفسنا بتكذيب محمد -ﷺ- واتخاذ الآلهة.

الأنبياء 21:98

قوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ﴾ يعني الأوثان. والخطاب لأهل مكة ﴿حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ قال الليث: الحصب: الحطب الذي يلقى [[(يلقى): ساقطة من (أ).]] في تَنُّور أو في [[(في): ساقطة من (د)، (ع).]] وَقُود [[قوله الليث في "تهذيب اللغة" للأزهري 4/ 260 (حصب). وهو في "العين" 3/ 123 (حصب) مع اختلاف يسير جدًا.]]. وقال الفراء: ذكر أن الحصب في لغة اليمن: الحطب. وقال: والحصب في لغة أهل نجد ما رميت به في النار [["معاني القرآن" للفراء 2/ 212.]]. وقال الزَّجَّاج: كل ما يرمى به في جهنم حصب [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 406.]]. والأصل في هذا ما ذكره ابن قتيبة: ﴿حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾: ما ألقي فيها. وأصله [[في "غريب القرآن" لابن قتيبة ص 288: وأصله من الحصباء، وهي الحصى. يقال: حصبت.]] من قولهم: حَصَبْتُ فلانًا، إذا، رميته أحصبه [["أحصبه" مقحمة من كلام الأزهري في "تهذيب اللغة" 4/ 260، وليس من كلام ابن قتيبة.]] حصْبًا -بتسكين الصاد- وما رميت به: حصَب، بفتح الصاد. كما لَقول: نفضت الشجر نفضًا [والنفض بفتح الفاء اسم ما نفضت] [[ما بين المعقوفين عند ابن قتيبة ص 2388: وما وقع من ثمرها، نفض. وعند الأزهري 4/ 260: والمنفوض نفض.]] [["غريب القرآن" لابن قتيبة ص 288 مع حذف وزيادة وتصرّف.]]. ونحو هذا قال الأزهري سواء [[انظر: "تهذيب اللغة" للأزهري 4/ 260 "حصب".]]. قال ابن عباس في قوله: ﴿حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ [[(حصب): ساقطة من (د)، (ع).]] يريد وقودها [["الكشف والبيان" للثعلبي 3/ 44 أ. وقد رواه الطبري 17/ 94 بإسناد حسن عن ابن عباس قال: ﴿حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ شجر جهنم.]]. وقال مجاهد، وقتادة، وعكرمة: حطبها [["الكشف والبيان" للثعلبي 3/ 44 أعن مجاهد وقتادة وعكرمة. == وعن مجاهد رواه الطبري 17/ 94، وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 5/ 680 وعزاه لعبد بن حميد وابن جرير. وعن قتادة رواه عبد الرزاق في "تفسيره" 2/ 30 والطبري 17/ 94. وعن عكرمة رواه سفيان الثوري في "تفسيره" ص 205، والطبري في "تفسيره" 17/ 94. وذكره البخاري في "صحيحه" كتاب التفسير، سورة الأنبياء 8/ 435 معلقا، ووصله ابن حجر في "تغليق التعليق" 3/ 508 من رواية ابن أبي حاتم في تفسيره من طريق سفيان الثوري. وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 5/ 680 عن عكرمة، وعزاه لعبد بن حميد وابن جرير.]]. وقال الضحاك: يرمون بهم في النار كما يرمى بالحصباء [["الكشف والبيان" للثعلبي 3/ 144 أعن الضحاك بنصّه. ورواه الطبري 17/ 94 بنحوه، وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 5/ 680 وعزاه لابن جرير وابن أبي حاتم.]]. وقوله تعالى: ﴿أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾ قال ابن عباس: يريد فيها داخلون [[قال عبد الرزاق في "تفسيره" 2/ 11: أنبأنا ابن عيينة، عن عمرو بن دينار قال: أخبرني من سمع ابن عباس يخاصم نافع بن الأزرق، فقال ابن عباس: الورود: الدخول. وقال نافع: لا. قال: فقرأ ابن عباس: (أنكم وما تعبدون من دون الله حصبُ جهنم أنتم لها واردون) وليس في هذه الرواية تسمية من سمع ابن عباس. وقد رواه الطبري 17/ 111، والمروزي في "زوائد الزهد" ص 499 من طريق آخر عن مجاهد قال: كنت عند ابن عباس، فجاءه رجل يقال له أبو راشد، وهو نافع بن الأزرق، فقال له: يا ابن عباس أرأيت قول الله ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا ..﴾ الآية. قال: أما أنا وأنت يا أبا راشد فسنردها، فانظر هل تصدر عنها أم لا. ورواه هناد في "الزهد" 1/ 164 قال: ثنا الحارثي، عن ليث، عن مجاهد قال: سأل نافع ابن الأزرق ابن عباس عن قوله "وإن منكم إلا واردها" .. فقال ابن عباس: أما أنا وأنت يا ابن الأزرق فسندخلها، فانظر هل يخرجنا الله منها أم لا. وقال السيوطي في "الدر المنثور" 5/ 535. وأخرج عبد الرزاق، وسعيد بن == منصور، وهنّاد، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في البعث عن مجاهد قال: خاصم نافع بن الأزرق ابن عباس، فقال ابن عباس: الورود الدخول .. ثم ساق مثل رواية عبد الرزاق.]].

الأنبياء 21:99

قوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ﴾ يعني الأصنام آلهة كما يزعم الكفار. ﴿مَا وَرَدُوهَا﴾ يحتمل أن يكون المعنى: ما ورد عابدوها النار. ويحتمل أن يقال: ما وردهم [[في (د)، (ع): (ودوهم). ولعل الصواب: وردوها.]] أي: الأصنام النار. والأولى أن يقال: ﴿مَا وَرَدُوهَا﴾ يعني العابدين والمعبودين لقوله: ﴿وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ يعني العابد والمعبود.

الأنبياء 21:100

قوله تعالى: ﴿لَهُمْ فِيهَا﴾ في جهنم ﴿زَفِيرٌ﴾. ﴿وَهُمْ فِيهَا لَا يَسْمَعُونَ﴾ قال ابن مسعود -في هذه الآية- "إذا بقي في النار من يخلد فيها جعلوا في توابيت [[(توابيت): جمع تابوت، وهو: الصندوق. "لسان العرب" لابن منظور 2/ 17 (تبت).]] من نار، ثم جعلت التَّوابيت في توابيت أخرى، ثم جعلت التوابيت في توابيت أخرى؛ فلا يسمعون شيئا ولا يرى أحد منهم [[(منهم): ساقطة من (د)، (ع).]] أن في النار أحدًا [[في (ع): (أحدٌ). وهو خطأ.]] يعذب غيره [[رواه الطبري 17/ 95، والبيهقي في "البعث والنشور" ص 314 من طريق المسعودي، عن يونس بن خباب، عن ابن مسعود، بنحوه. وفي سنده علتان: الأولى: المسعودي وهو عبد الرحمن بن عبد الله. وقد اختلط قبل موته- انظر: "تقريب التهذيب" 1/ 487. والثانية: يونس بن خباب صدوق يخطىء، ولم يسمع من ابن مسعود. انظر: "تقريب التهذيب" 2/ 3784. == ورواه الطبراني في "المعجم الكبير" 9/ 255 من طريق يحيي الحماني، عن قيس بن الربيع، عن يونس بن خباب، عمن حدثه، عن عبد الله بن مسعود فذكره بنحوه. وفيه علتان: الأولى: ما ذكره الهيثمي في "مجمع الزوائد" 7/ 69 بقوله: وفيه يحيى الحماني، وهو ضعيف. والثانية: جهالة الراوي عن ابن مسعود. وقد رواه ابن أبي حاتم كما في "تفسير ابن كثير" 3/ 197 من طريق المسعودي، عن أبيه، قال: قال ابن مسعود، فذكره بنحوه باختصار. وهو منقطع. فالأثر لا يصح عن ابن مسعود -رضي الله عنه-. وقد ذكره السيوطي في "الدر المنثور" 5/ 681 وعزاه لعبد بن حميد وابن جرير وابن أبي حاتم وابن أبي الدنيا في صفة النار، والطبراني والبيهقي في البعث.]].

الأنبياء 21:101

قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى﴾ الآية، قال الكلبي: أتى رسول الله -ﷺ- قريشًا، وهم في المسجد مجتمعون، وحول الكعبة ثلاثمائة وستون صنمًا، فتلا عليهم: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ الآيات الثلاث، فشق ذلك عليهم، فأتاهم عبد الله بن الزبعري السهمي، فرآهم قد ظهر ذلك منهم، فقال: مالي أراكم بحال لم أركم [[في (أ): (أراكم).]] عليها قبل أن أفارقكم؟ فقالوا: إنَّ محمدًا يزعم أنَّا وما نعبد في النار، فقال ابن الزبعري: والذي جعلها بيته لو كنت هاهنا لخصمته. وقالوا: وهل لك أن نرسل إليه [[في (أ): (الله). وهو خطأ.]] فتكلمه [[فتكلمه: ساقطة من (د)، (ع). وهي في (أ): (فيكلمه)، والصواب ما أثبتنا.]]؟ قال: نعم. وكان رسول الله -ﷺ- إذا بعثت [[في (أ)، (ع): (بعث).]] إليه قريش أتاهم رجاء أن يسلموا، فبعثوا إليه، فأتاهم، فقال ابن الزبعرى: أرأيت يا محمد ما قلت لقومك آنفاً أخاصٌ أم عام؟ قال: بل عام، من عبد شيئًا من دون الله فهو وما يعبد في النار. قال: قد خصمتك ورب الكعبة [أليست اليهود تعبد عزيرًا، والنصارى تعبد المسيح، وبنو مليح [[بنو مليح: بطن هن خزاعة، من القحطانية. وهم بنو مليح بن عمرو بن عامر بن لحي. انظر: "جمهرة أنساب العرب" لابن حزم ص 238، "معجم قبائل العرب" لكحالة 3/ 1138.]] يعبدون الملائكة؟] [[ما بين المعقوفين ساقط من (أ).]] فان كانوا هم ومعبودوهم في النار فما آلهتنا خير من معبوديهم [[في (أ): (معبودهم).]]، فسكت النبي -ﷺ- رجاء أن يأتيه جبريل، ولم يجبهم ساعة، فأنزل الله هذه الآية [[ذكره عن الكلبي: هودُ بن محكّم الهواري. والكلبي متهم بالكذب فلا يعتمد عليه في رواية. قال ابن عطية 1/ 213. ولا مرية أنها مع نزولها في خصوص مقصود تتناول كل من سعد في الآخرة.]]. وروى أن النبي -ﷺ- قال لابن الزبعرى: بل هم يعبدون الشياطين، هي التي أمرتهم بذلك. وأنزل الله هذه الآية [[روى الطبري 17/ 97 عن محمد بن حميد قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، فذكره مرفوعًا بنحوه. وإسناده لا يصح لضعف شيخ الطبري محمد بن حميد، ولإرساله.]]. وأراد بقوله: ﴿سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى﴾ عزيرًا، وعيسى، والملائكة. وهذا قول يروى عن ابن عباس [[روى الطبري 17/ 96 من طريق عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس. وفيه عطاء بن السائب قد اختلط في آخره. لكن يشهد له رواه البزار في "مسنده" كما في "كشف الأستار" 3/ 59 عنه بلفظ: عيسى بن مريم -عليه السلام- ومن كان معه. قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" 7/ 68: رواه == البزار، وفيه شرحبيل بن سعد مولى الأنصار وثقه ابن معين وضعفه الجمهور، وبقية رجاله ثقات.]]. وهو قول مجاهد، وسعيد ابن جبير، وأبي صالح، والضحاك [[روى الطبري في "تفسيره" 17/ 69 - 97 هذا القول عن مجاهد وسعيد وأبي صالح والضحاك.]]، والسدي. وقال آخرون: هذه الآية مستأنفة ليست ترجع بمعناها إلى ما قبلها، وهي عامة في كل من سبقت لهم [[في (أ): (له).]] من الله السعادة. وهذا مذهب أمير المؤمنين علي -رضي الله عنه- روي أنه قال: أنا منهم، وأبو بكر، وعمر، وعثمان، وطلحة، والزبير، وسعد [[هو سعد بن أبي وقاص.]]، وسعيد [[هو سعيد بن زيد بن عمرو بن نُفيل، العدوي، القرشي. أحد العشرة المشهود لهم بالجنة، ومن السابقين الأولين، شهد المشاهد مع رسول الله -ﷺ-، وشهد حصار دمشق وفتحها، فولاه عليها أبو عبيدة بن الجراح. توفي بالعقيق سنة 50 هـ وقيل: 51 هـ وحمل إلى المدنية. "الاستيعاب" 2/ 614، "سير أعلام النبلاء" 1/ 124، "الإصابة" 2/ 44.]]، وعبد الرحمن بن عوف [[قال الزيلعي في "تخريج أحاديث الكشاف" 2/ 372 - 374: رواه ابن أبي حاتم، والثعلبي، وابن مردويه في تفاسيرهم، من حديث محمد بن الحسن بن أبي يزيد الهمداني، ثنا ليث -وتصحف في المطبوع إلى ليس- بن أبي سليم، عن ابن عم النعمان بن بشير- وفي المطبوع من "الدر المنثور" 5/ 681: عن النعمان بن بشير، وهو خطأ- وكان من سمار علي قال: تلا علي .. ثم قال الزلعي بعد سياقه للأثر: انتهى بلفظ الثعلبي لم يذكر فيه سعدًا، ولفظ ابن أبي حاتم: وعبد الرحمن بن عوف أو قال: سعد، شك فيه. ورواه ابن عدي في الكامل عن داود بن علية الحارثي، عن ليث بن أبي سليم، == به، فذكره، ولم يذكر سعدًا كالثعلبي. أهـ كلام الزيلعي. وفي النسخة الموجودة عندي من "تفسير الثعلبي" 3/ 44 ب ذكر سعدًا في الأثر، فلعله سقط من نسخته التي اعتمد عليه. والأثر عند ابن عدي في "الكامل" 3/ 986. وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 5/ 682 وعزاه لابن أبي حاتم وابن عدي وابن مردويه. وهذا الأثر عن علي -رضي الله عنه- فيه علتان: الأولى: ضعف ليث بن أبي سليم، والثانية: جهالة ابن عم النعمان بن بشير. وقد روى ابن أبي شيبة في مصنفه 12/ 51 - 52، والطبري في "تفسيره" 17/ 96، وابن أبي حاتم في "تفسيره" كما في "تفسير ابن كثير" 3/ 198 عن محمد بن حاطب قال: سمعت عليًّا يخطب، فقرأ هذه الآية "إن الذين سبقت .. قال عثمان -رضي الله عنه- منهم". ولفظ ابن أبي حاتم: عثمان وأصحابه. وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 5/ 681 - 682 وعزاه لابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير. وإسناده صحيح.]]. وهذا اختيار أكثر [[أكثر: ساقطة من (د)، (ع).]] أهل المعاني. قالوا: وقوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ﴾ أراد أوثان قريش، ولو كان عزير وعيسى والملائكة داخلًا تحت الكلام لقيل: ومن تعبدون، ولأن الخطاب [[في (د)، (ع): (الكلام).]] لمشركي مكة وهم كانوا أصحاب أوثان والإشارة بقوله: ﴿لَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ﴾ إلى تلك الأصنام التي وقف عليها رسول الله -ﷺ- وكانت حول الكعبة. وقوله لآبن الزبعري هي عامة يعني في ما عبد من دون الله من غير العقلاء، وسكوته عند إلزامه إياه حديث عزير وعيسى إنما كان لإرادة أن يكون الجواب من الله إنْ صح أنه سكت. ومعنى قوله: ﴿سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى﴾ قال ابن عباس وعكرمة: يريد الرحمة [[ذكر ابن الجوزي في "زاد المسير" 5/ 393 عن ابن عباس وعكرمة أنهما قالا: الجنة.]]. وقال ابن زيد: السعادة من الله لأهلها [[رواه الطبري 17/ 98، وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 5/ 681 وعزاه لابن مردويه وابن جرير وابن أبي حاتم.]]. وروي عن ابن عباس: الحسنى الجنة [[ذكره عنه ابن الجوزي كما تقدم. وانظر: "تنوير المقباس" ص 205. وشهد لهذا قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: 26]. والمعاني في تفسير "الحسنى" متقاربة.]]. وقد سبق من الله للمؤمنين الوعد بها.

الأنبياء 21:102

قوله تعالى: ﴿لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا﴾ أي: حسها وحركة تلهّبها. والحَسِيسُ والحِسُّ: الحركة [["تهذيب اللغة" للأزهري (حسن) بنصّه.]]. وقال الليث: الحِسُّ والحسيس تسمعه من الشيء يمر منك قريبًا ولا تراه، وأنشد في صفة باز [[قول الليث وإنشاده في "تهذيب اللغة" للأزهري 3/ 408 - 409 (حس). وهو في كتاب "العين" 3/ 16 (حس)، ولم ينسب البيت لأحد. والبيت من غير نسبة أيضًا في "لسان العرب" 2/ 428 (جنح)، 6/ 50 (حسس)، "تاج العروس" للزبيدي 6/ 350 "جنح"، 15/ 4536 (حسس).]]: ترى الطير العتاق يظلن منه ... جنوحا إن سمعن له حسيسا [[قول الليث وإنشاده في "تهذيب اللغة" للأزهري 3/ 408 - 409 (حس). وهو في كتاب "العين" 3/ 16 (حس)، ولم ينسب البيت لأحد. == والبيت من غير نسبة أيضًا في "لسان العرب" 2/ 428 (جنح)، 6/ 50 "حسس"، "تاج العروس" للزبيدي 6/ 350 (جنح)، 15/ 4536 (حسس).]] وقال أبو عبيدة: الحسيس والحس والجَرْس واحد، وهو الصوت الخفي الذي لا [[لا: ساقطة من (أ).]] يحس [[في "مجاز القرآن" 2/ 42: أي: صوتها، والحس والحسيس واحد. لكن قال البخاري في "صحيحه" 8/ 435 (فتح) في أول تفسير سورة الأنبياء: .. وقال غيره: .. الحسيس والحس والجرس والهمس واحد. وهو الصوت الخفي. قال ابن حجر في "فتح الباري" 8/ 436 شارحًا لقول البخاري "وقال غيره": كذا لهم -يريد ابن حجر لرواة الصحيح- وللنسفي -وهو أحد رواه الصحيح- "وقال معمر"، ومعمر هذا بالسكون هو أبو عبيدة معمر بن المثنى اللغوي، وقد أكثر البخاري نقل كلامه، فتارة يصرّح باسمه وتارة يبهمه.]]. وقال ابن عباس: لا يسمعون حسيسها كما يسمع أهلها حسيسها من مسيرة خمسمائة عام. والظاهر أن هذا مطلق لا يسمعون حسيسها أبداً. وقال بعض المفسرين: يعني إذا نزلوا منازلهم من الجنة [[قال الطبري والثعلبي. انظر: "الطبري" 17/ 98 و"الكشف والبيان" للثعلبي 3/ 44 ب.]]. وعلى هذا كأنهم قبل دخول الجنة يسمعون حسّ النار. ﴿وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خَالِدُونَ﴾ قال ابن عباس: يريد في الجنة. ومعنى الشهوة والاشتهاء ذكرنا فيما تقدم [[انظر: "البسيط" عند قوله تعالي: ﴿إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ﴾ [الأعراف: 81].]].

الأنبياء 21:103

قوله تعالى: ﴿لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ﴾ قال سعيد بن جبير، والضحاك، والكلبي، والثوري [[ذكره الثعلبي في "الكشف والبيان" 3/ 44 ب عن ابن جبير والضحاك. ورواه الطبري في "تفسيره" 17/ 98، وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 5/ 682، وعزاه لعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم. ورواه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 30 عن الكلبي.]]: إطباق جهنم [على أهلها الفزع الأكبر] [[ما بين المعقوفين ساقط من (د)، (ع).]]. وقال الحسن: هو أن يؤمر [[عند الطبري والثعلبي: حين يؤمر.]] بالعبد إلى النار [["الكشف والبيان" للثعلبي 3/ 44 ب. ورواه الطبري 17/ 99، وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 5/ 682 وعزاه لابن جرير وابن أبي حاتم.]]. وقال ابن جريج: هو ذبح الموت بين الفريقين [[رواه الطبري 17/ 99. وانظر: "الكشف والبيان" للثعلبي 3/ 44 ب.]]. وقال ابن عباس: هو النفخة الأخيرة [["الكشف والبيان" للثعلبي 3/ 44 ب. ورواه الطبري 17/ 99 من رواية العوفي، وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 5/ 682 وعزاه لابن جرير وابن أبي حاتم. واختار الطبري هذا القول وقال: وذلك أن من لم يحزنه ذلك الفزع الأكبر وأمن منه، فهو مما بعده أحرى أن لا يفزع، وأن من أفزعه ذلك فغير مأمون عليه الفزع مما بعده. واستدل الثعلبي في "الكشف" 3/ 44 ب لهذا القول بقوله ﴿وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ ..﴾ [النمل: 87]. وقال ابن الجوزي 5/ 594: ويدل على صحة هذا الوجه قوله تعالى: ﴿وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ﴾. وذهب ابن عطية -رحمه الله- إلى أن الفزع الأكبر عام من غير تخصيص بشيء، فقال في المحرر 10/ 212: والفزع الأكبر عام في كل هول يكون في يوم القيامة، فكأن يوم القيامة بجملته هو الفزع الأكبر، وإن خُصِّص شيء من ذلك فيجب أن == يقصد الأعظم هو له. ثم ذكر ابن عطية الأقوال المخصصة لذلك الفزع، ثم قال: وهذا -يعني قول من قال: هو وقت النفخة الآخرة- وما قبله أشبه أن يكون فيها الفزع؛ لأنها وقت لرجم الظنون وتعرّض الحوادث، فأما وقت ذبح الموت ووقوع طبق جهنّم فوقت قد حصل فيه أهل الجنّة في الجنّة، فذلك فزع بين أنه لا يصيب أحدًا من أهل الجنة فضلًا عن الأنبياء، اللهم إلا أن يريد: لا يحزنهم الشيء الذي هو عند أهل النار فزعٌ أكبر، فأمّا إن كان فزعًا للجميع فلا بدّ مما قلنا من أنه قبل دخول الجنة. أهـ.]]. وهذا [[(وهذا). ساقطة من (أ).]] كمما قال في رواية عطاء، يريد البعث. يعني أنهم لا يحزنون للبعث كما يحزن غيرهم ممن يعلم أنه يصير إلى النار. قوله تعالى ﴿وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ﴾: تستقبلهم ملائكة الرحمة. قال ابن عباس: وذلك عند خروجهم من القبور [[ذكره القرطبي 11/ 346 وأبو حيان في البحر 6/ 342 عن ابن عباس. وذكره ابن كثير 3/ 199 مقتصرًا عليه من غير نسبة. وقيل إنّ هذا التلقي قبل دخول الجنة رواه الطبري 17/ 99 عن ابن زيد، فالملائكة تستقبلهم على أبواب الجنة، يهنئونهم يقولون "هذا ...)]]. ومعنى التلقي: التعرض [[في (أ): (التعريض).]] للقاء الشيء، والمُسْتَقْبِلُ متعرض للقاء مُستَقْبَلَه [[انظر (لقا) في "تهذيب اللغة" 9/ 298، "الصحاح" 6/ 2484، "لسان العرب" 15/ 256.]]. ﴿هَذَا يَوْمُكُمُ﴾ أي يقولون لهم [[(لهم): زيادة من (أ).]] (هذا [[(هذا): ساقطة من (أ).]] يومكم الذي كنتم توعدون) أي: توعدونه في الدنيا.

الأنبياء 21:104

قوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ﴾ أي: لا يحزنهم الفزع الأكبر يوم نطوي السَّماء. وهذا يدل على أنَّ المراد بالفزع الأكبر البعث؛ لأنّه يقع في ذلك اليوم. وقال أبو علي: ﴿يَوْمَ نَطْوِي﴾ يكون في انتصابه وجهان: أحدهما: أن يكون بدلًا من الهاء المحذوفة من الصلة، ألا ترى أن المعنى: هذا يومكم الذي كنتم [[كنتم: ساقطة من (د)، (ع).]] توعدونه. والآخر: أن يكون منتصبًا بـ"نعيده" [["الحجة" لأبي علي الفارسي 5/ 263. وجوز أبو حيان 6/ 342، وتبعه السمين الحلبي 8/ 208 أن يكون "يوم" منصوبًا بـ"لا يحزنهم" و"تتلقاهم"، أو يكون منصوبًا بإضمار أذكر أو أعني.]]. وقوله تعالى: ﴿كَطَيِّ السِّجِلِّ﴾ اختلفوا في معنى ﴿السِّجِلِّ﴾: فقال ابن عباس -في رواية عطاء-: يريد ملَكًا يقال له السجل [[في (أ): (سجل).]]، وهو الذي يطوي كتب بني آدم إذا رفعت إليه [[ذكره عن ابن عباس: الرازي 22/ 228، والقرطبي 11/ 347، وأبو حيان 6/ 343. ورواية عطاء عن ابن عباس هذه باطلة، وقد تقدم الكلام فيها.]]. وهذا قول السدي، قال: السجل: ملك موكل بالصحف، فإذا مات الإنْسان دُفع كتابه إلى السجل [[في جميع النسخ: (سجل)، والتصحيح من تفسير ابن كثير "الدر المنثور".]] فطواه ورفعه إلى يوم القيامة [[رواه عن السدي بهذا اللفظ ابن أبي حاتم كما في "تفسير ابن كثير" 3/ 200، و"الدر المنثور" 5/ 683. ورواه سفيان الثوري في "تفسيره" ص 206، والطبري 17/ 100 عن السدي مختصرًا، بلفظ: (السجل) ملك.]]. وهذا القول مروي عن ابن عمر أيضًا [[رواه الطبري 17/ 99، وابن أبي حاتم كما في "تفسير ابن كثير" 3/ 200، و"الدر المنثور" للسيوطي 5/ 683 من طريق يحيى بن يمان، قال: حدثنا أبو الوفاء الأشجعي، عن أبيه، عن ابن عمر قال: السجل ملك، فإذا صعد بالاستغفار قال: اكتبها نورًا.]]. وقال [[يعني ابن عباس.]] في رواية أبي الجوزاء، وعكرمة: السجل كاتب كان لرسول الله -ﷺ- [[رواه أبو داود في "سننه" (كتاب الخراج والإمارة والفيء- باب اتخاذ الكاتب 8/ 154، والنسائي في التفسير 2/ 74، والطبري في تفسيره 17/ 100، وابن أبي حاتم في تفسيره (كما في "تفسير ابن كثير" 3/ 200، والبيهقي في "سننه" 10/ 126 كلهم من طريق يزيد بن كعب. عن عمرو بن مالك، عن أبي الجوزاء، عن ابن عباس، به. وفي سنده يزيد بن كعب وهو العوذي قال الذهبي في "الميزان" 4/ 348: لا يدري من ذا أصلًا. وقال ابن حجر في التقريب 2/ 370: مجهول. وعمرو بن مالك وهو النكري قال عنه ابن حجر في "التقريب" 2/ 426: صدوق له أوهام. وقد تابع يزيد بن كعب يحيى بن عمرو بن مالك فرواه عن أبيه، عن أبي الجوزاء، عن ابن عباس به. ورواه من هذا الوجه الطبراني في "المعجم الكبير" 12/ 170، وابن عدي في "الكامل" 7/ 2662، والبيهقي في "سننه" 10/ 126. لكن قال ابن كثير في "البداية والنهاية" 5/ 348 - بعد ذكره لهذه المتابعة-: ويحيى هذا ضعيف جدًّا، فلا يصلح للمتابعة. وذكر ابن كثير في "تفسيره" 3/ 200 وفي "البداية والنهاية" 5/ 348 عن ابن عمر شاهدًا لهذا الأثر رواه الخطب البغدادي في "تاريخه" 8/ 175 من حديث حمدان ابن سعيد، عن عبد الله بن نمير، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع عن ابن عمر == قال: كان للنبي-ﷺ- كاتب يقال له سجل، فأنزل الله ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ﴾. ثم قال ابن كثير في "تفسيره": وهذا منكر جدًّا من حديث نافع عن ابن عمر لا يصح أصلًا، وكذلك ما تقدم عن ابن عباس -من رواية أبي داود وغيره- لا يصح أيضًا، وقد صرح جماعة من الحفاظ بوضعه -وإن كان في سنن أبي داود- منهم شيخنا الحافظ الكبير أبو الحجاج المزي. وقال في "البداية والنهاية" 5/ 347: وعرضت هذا الحديث -يعني حديث ابن عباس- على شيخنا الحافظ الكبير أبي الحجاج المزي فأنكره جدًا، وأخبرته أن شيخنا العلامة أبا العباس بن تيمية كان يقول: هو حديث موضوع وإن كان في سنن أبي داود، فقال شيخنا المزي: وأنا أقوله. وقال ابن القيم في تعليقه على ("سنن أبي داود" 8/ 154 حاشية عون المعبود): (سمعت شيخنا أبا العباس بن تيمية يقول: هذا الحديث موضوع، ولا يعرف لرسول الله -ﷺ- كاتبٌ اسمه السجل قط. أهـ. أما رواية عكرمة عن ابن عباس فقد ذكرها الثعلبي في "الكشف والبيان" 3/ 45 أ.]]. قال أستاذنا أبو إسحاق [[هو أبو إسحاق، أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبي، النيسابوري. صاحب التفسير الكبير المسمى بـ"الكشف والبيان".]] -رحمه الله-: هذا قول غير قوي؛ لأن كُتّاب رسول الله -ﷺ- كانوا معروفين، ليس [[في (د)، (ع): (ولم).]] يعرف فيهم من يسمى بهذا الاسم [["الكشف والبيان" للثعلبي 3/ 45 أإلى قوله: معروفين. ولم أجد في "تفسيره" قوله. وليس .. وأصل الكلام للطبري -رحمه الله- في "تفسيره" 17/ 100. قال ابن كثير في تفسيره 3/ 200: وقد تصدى الإمام أبو جعفر بن جرير للإنكار على هذا الحديث ورده أتم رد، قال: لا يعرف في الصحابة أحد اسمه السجل، وكتاب النبي -ﷺ- معورفون، وليس فيهم أحد اسمه السجل. وصدق رحمه الله في ذلك، وهو من أقوى الأدلة على نكارة هذا الحديث.]]. قال الزجاج: وقيل: السجل بلغة الحبش الرَّجُل [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 406.]]. وعلى هذه الأقوال لا يعرف السجل اشتقاق. وقال مجاهد: السجل: الصحيفة التي فيها الكتاب. يعني المكتوب [[رواه الفريابي في "تفسيره" (كما في "تغليق التعليق" 4/ 259)، والطبري 17/ 100 عن مجاهد مختصرًا، بلفظ: السجل: الصحيفة. وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 5/ 684 وعزاه لعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وهو في "تفسير مجاهد" 1/ 417 بمثل رواية الفريابي وغيره.]]. وهذا اختيار [[في (د)، (ع): (واختار هذا).]] الفراء [[انظر: "معاني القرآن" للفراء 2/ 213.]] وابن قتيبة [[انظر: "غريب القرآن" لابن قتيبة (ص 288).]]، وهو الذي يعرفه أهل اللغة من معنى السجل [[هذا قول الطبري في "تفسيره" 17/ 100.]]. وهو قول الكلبي في روايته عن ابن عباس [[في (أ): (في رواية ابن عباس)، وهو خطأ.]] [[لم أجده من رواية الكلبي عن ابن عباس، وروى الطبري 17/ 100 هذا القول عن ابن عباس من رواية علي بن أبي طلحة الوالبي، والعوفي. قال ابن كثير في "تفسيره" 3/ 200: والصحيح عن ابن عباس أن السجل هي الصحيفة. قاله علي بن أبي طلحة والعوفي عنه، ونص على ذلك مجاهد وقتادة وغير واحد. واختاره ابن جرير؛ لأنه المعروف في اللغة، فعلى هذا يكون معنى الكلام: يوم نطوي السماء كطي السجل للكتاب، أي: على الكتاب بمعنى المكتوب، كقوله ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾ [الصافات: 103] أي: على الجبين، وله نظائر في اللغة.]]. وقال قتادة: كطي الصحيفة فيها الكتب [[ذكره عنه ابن كثير 3/ 200.]]. وأصله في المساجلة، والمساجلة مأخوذ [[في المطبوع من "تهذيب اللغة" 10/ 587، و"اللسان" 11/ 325: مأخوذة. == وأشار محقق "تهذيب اللغة" في الحاشية أنَّ في الأصل: "مأخوذ".]] من السِّجل، وهو الدلو مَتْلأى ماء. والرجلان يستقيان بالسجل فيكون لكل واحد منهما سجل. هذا هو الأصل، ثم قيل لكل أمر بين اثنين يكون [[(يكون): ساقطة من (ع).]] لهذا مرَّة ولهذا [[في (أ): (ولذلك).]] مرة: هو بينهما سجال: ومساجلة، ومنه قول اللهبي [[هو الفضل بن العباس بن عتبة بن أبي لهب، القرشي. يقال له الذهبي نسبة إلى أبي لهب. شاعر من فصحاء بني هاشم، كان معاصرًا للأحوص والفرزدق، وله معهما أخبار. ومدح عبد الملك بن مروان، وهو أول هاشمي يمدح أمويًّا. توفي في خلافة الوليد ابن عبد الملك. "معجم الشعراء" للمرزباني 178، "المؤتلف" للآمدي ص 35، "الأعلام" للزركلي 5/ 150.]]: من يساجلني يساجلْ ماجدًا ... يملأ الدلو إلى عَقْدَ الكَرَبْ [[في (أ): (الكذب)، وهو خطأ.]] [[البيت للهبي يقوله مفتخرا، وهو منسوب له في: "مجاز القرآن" لأبي عبيدة 2/ 229، "والمعاني الكبير" لابن قتيبة 2/ 795، و"معاني القرآن" للزجاج 3/ 71، والطبري 12/ 94، و"الكامل" للمبرد 1/ 110، و"تهذيب اللغة" للأزهري 10/ 586 "سجل"، و"لسان العرب" 11/ 326 (سجل). والكرب: هو الحبل الذي يشد على الدلو. "لسان العرب" لابن منظور 1/ 714 "كرب". والكلام الذي ذكره الواحدي هنا مع البيت منقولٌ من مواضع متفرقة من "تهذيب اللغة" للأزهري 10/ 584 - 588 "سجل". وانظر: "الكشف والبيان" للثعلبي 3/ 45 أ.]]. ثم قيل للمكاتبة: مساجلة؛ لأنَّ المبتدئ يكتب مرة والمجيب أخرى، ولما قيل للكاتبة مساجلة قيل للكتاب: سِجل، وسَجَّل أي: كتب السجل. هذه أربعة أقوال في السجل. وعلى الأقوال الثلاثة المتقدمة [[يعني أن السجل ملك، أو كتاب النبي -ﷺ-، أو الرجل بلغة الحبشة.]] قوله: ﴿كَطَيِّ السِّجِلِّ﴾ المصدر مضاف إلى الفاعل، والمراد بالكتاب وبالكتب علي اختلاف القراءتين [[قرأ حمزة، والكسائي، وحفص عن عاصم: "للكُتُب" على الجمع والكاف والتاء مضمومتان وقرأ الباقون "للكتاب" على التوحيد. "السبعة" ص 431، "التَّبْصرة" ص 264، "التيسير" ص 155.]]: الصحائف كما تقول: كطي زيد الكتب، ومن أفرد فإنه واحد يراد به الكثرة. وتكود اللام [[اللام: ساقطة من (أ).]] في (للكتاب) زائدة كالتي في: ﴿رَدِفَ لَكُم﴾ [النمل: 72]. هذا كلام أبي علي [["الحجة" لأبي علي الفارسي 5/ 264. وانظر: "حجّة القراءات" لابن زنجلة ص470 - 471، 2/ 114 - 115.]]. وعلى القول الرابع [[يعني أن السجل: الصحيفة.]] المصدر مضاف إلى المفعول، والفاعل [[(والفاعل): ساقط من (د)، (ع).]] محذوف عن [[في "الحجة" 5/ 264: من.]] اللفظ كقوله: ﴿بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ﴾ [ص: 24] والتقدير: كطي الطاوي السجل، فحذف الطاوي وأضيف المصدر إلى المفعول، كما أن المعنى في سؤال نعجتك: بسؤاله نعجتك. وقوله تعالى: ﴿لِلْكُتُبِ﴾ أي: لدرج [[درج الكتاب: طيه وداخله. "تاج العروس" للزبيدي 5/ 556 (درج).]] الكتب، فحذف المضاف، والمراد بالكتب والكتاب: المكتوب. هذا كله قول أبي علي [["الحجة" لأبي علي الفارسي 5/ 264 مع تصرف.]]. وقال المبرد: يجوز أن يكون الكتاب بدلاً من السجل، كأنه قيل: كطي الكتاب [[في (د)، (ع): (السجل)، وهو خطأ.]]، واللام مؤكدة. هذا كلامه [[لم أجده.]]. ويجوز تقدير آخر وهو أن [[(أنّ): ساقطة من (د)، (ع).]] السجل يكون بمنزلة الفاعل لما كان بانطوائه ينطوي المكتوب فيه، جعل كأنه يطوي الكتاب. وتم الكلام [[في (أ): (الكتاب)، وهو خطأ.]]، ثم قال: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾ [[هذا قول الفراء 2/ 213، والطبري 17/ 101، والزجاج 2/ 406. والمعنى أن الكلام انقطع عند قوله "للكتب" ثم ابتدأ الخبر عما الله فاعل بخلقه يومئذٍ، فقال: كما بدأنا أول خلق نعيده. وقيل: إن الله تعالى لما قال "وتتلقاهم الملائكة .. " الآية، عقبه بقوله "يوم نطوي السماء .. " فوصف اليوم بذلك، ثم وصفه بوصف آخر فقال "كما بدأنا أول خلق نعيده". انظر: "الرازي" 22/ 228.]] وفيه ثلاثة أقوال: أحدها: كما بدأناهم في بطون أمهاتهم [[في (أ): (أمهاتكم).]] حفاة عراة غُرلاً [[(غرلا): جمع أغرل، وهو الأقلف الذي لم يختن. الفائق في "غريب الحديث" للزمخشري 1/ 137، "غريب الحديث" لابن الجوزي 2/ 154.]]، كذلك نعيدهم يوم القيامة. روى سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: قام فينا رسول الله -ﷺ- خطيبًا [[(خطيبًا): ساقطة من (أ).]] بموعظة [[(بموعظة): ساقطة من (د)، (ع).]]، فقال: "إنَّكم مَحشورون حفاة عراة كما بدأكم [[هكذا في جمغ النسخ. وفي مصادر التخريج: بدأنا.]] أول خلق نعيده" [[رواه الإمام أحمد في "مسنده" 3/ 351 تحقيق شاكر، والبخاري في "صحيحه" كتاب التفسير -تفسير سورة الأنبياء 8/ 437، ومسلم في "صحيحه" 41/ 2194 من طريق سعيد بن جبير، عن ابن عباس بألفاظ مقاربة.]] ونحو هذا روت عائشة عن رسول الله -ﷺ- [[رواه الطبري في "تفسيره" 17/ 102، وصححه القرطبي 11/ 348.]]. القول الثاني: ما ذكره الفراء والزجاج، قال الفراء: ثم استأنف فقال: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾ أي: نعيد الخلق كما بدأناهم [["معاني القرآن" للفراء 2/ 213.]]. وقال الزجاج: نبعث الخلق كما ابتدأناه، أي: قدرتنا على الابتداء [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 406. وفيه: كما ابتدأناهم.]]. وقال أبو علي: المعنى نعيد الخلق إعادة كابتدائه، أي كابتداء الخلق والخلق هاهنا اسم الحدث لا الذي يراد به المخلوق [["الحجة" لأبي علي الفارسي 5/ 263. مع اختلاف يسير.]]. القول الثالث: ما روي عن ابن عباس أنه قال: نهلك كل شيء كما كان أول مرة [[رواه الطبرى في "تفسيره" 17/ 102 من رواية العوفي، عنه.]]. وهذا معنى قوله في رواية عطاء. وعلى هذا المعنى: كما بدأنا أول خلق نعيده إلى الفناء والهلاك. وعلى هذا ليس الكلام بمستأنف بل هو متصل بالأول يقول: نطوي السماء ثم نعيده [[في (أ): (ونعيده).]] إلى الفناء. قال ابن عباس: كما بدأ خلقها ثم يذهب فلا يكون شيء. وقوله تعالى: ﴿وَعْدًا عَلَيْنَا﴾ قال الزجاج: منصوب على المصدر؛ لأن قوله: ﴿نُعِيدُهُ﴾ بمعنى وعدنا هذا وعدا [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 406. وانظر: "البحر المحيط" 6/ 344، "الدر المصون" 8/ 213.]]. وقوله تعالى: ﴿إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ قال ابن عباس: يريد الفعل بعينه. ومعنى هذا ما ذكره الزجاج: أي قادرين على فعل ما نشاء [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 407.]]. وقال الآخرون [[هذا قول الطبري 17/ 102، والثعلبي في "الكشف والبيان" 3/ 45 ب.]]: يعني البدء والإعادة. والمعنى إنا كنا فاعلين [[عند الطبري 17/ 102: إنا كنا فاعلي.]] ما وعدناكم من ذلك والموعود هو الإعادة.

الأنبياء 21:105

قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ﴾ الزبور: جميع [[في (د)، (ع): (جمع)، وهو خطأ.]] الكتب المنزلة من السماء، والمراد بالذكر أم الكتاب الذي عند الله. هذا قول سعيد بن جبير، ومجاهد، وابن زيد [[ذكره الثعلبي في "الكشف والبيان" 3/ 45 ب عن ابن جبير ومجاهد وابن زيد. ورواه عن سعيد بن جبير سفيان في "تفسيره" ص 206، وسعيد بن منصور في "تفسيره" ل 155 أ، وهناد في "الزهد" 1/ 123، والطبري في "تفسيره" 17/ 103، وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 5/ 685 وعزاه لهناد وعبد بن حميد وابن جرير. ورواه عن مجاهد الطبري 17/ 103، وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 5/ 685 وعزاه لعبد بن حميد وابن جرير. ورواه عن ابن زيد الطبري 17/ 103.]]، واختيار أبي إسحاق، قال: الزبور جميع الكتب: التوراة والإنجيل والقرآن [[في المطبوع من المعاني: الفرقان.]]، زبور لأنّ الزبور والكتاب في معنى واحد، يقال: زبرت وكتبت، والمعنى: ولقد كتبنا في الكتب من بعد ذكرنا في السماء [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 407.]]. قال ابن عباس في رواية الكلبي، والضحاك، والسدي: الذكر: التوراة، والزبور: الكتب المنزلة بعد التوراة [[ذكره الثعلبي في "الكشف والبيان" 3/ 45 ب عن ابن عباس والضحاك. ورواه الطبري في "تفسيره" 17/ 103 عن ابن عباس من طريق العوفي. ورواه عن الضحاك أيضًا 17/ 103. ورواه عبد الرزاق في تفسيره 2/ 30 عن الكلبي.]]. وقال في رواية عطاء: يريد زبور داود من بعد التوراة. وهذا قول عامر الشعبي [[رواه ابن أبي شيبة في "مصنفه" 10/ 555، والطبري في "تفسيره" 17/ 103، والحاكم في "مستدركه" 2/ 587، وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 5/ 686 وعزاه لابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم.]]. والمختار قول سعيد لأنَّه الأجمع [[وهو اختيار الطبري في "تفسيره" 17/ 104، وما نقله الواحدي بعد ذلك من قوله: وتأويل الكلام. هو كلام الطبري رحمه الله.]]، وتأويل الكلام: لقد حكمنا فأثبتنا حكمنا في الكتب من بعد أم الكتاب. ﴿أَنَّ الْأَرْضَ﴾ يعني أرض الجنة. قاله ابن عباس -في رواية عطاء- ومجاهد والسدي، وأبو صالحِ، وأبو العالية، وسعيد بن جبير، وابن زيد [[رواه الطبري في "تفسيره" 17/ 104 من طريق مجاهد عن ابن عباس، وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 5/ 687 وعزاه للفريابي وابن جرير وابن أبي حاتم. == وروى الطبري 17/ 104 - 105 هذا القول عن سعيد بن جبير وأبي العالية ومجاهد وابن زيد. وذكر ابن كثير في "تفسيره" 3/ 201 هذا القول عن أبي العالية ومجاهد وسعيد بن جبير والسدي وأبي صالح وغيرهم.]]، واحتجوا بقوله: ﴿وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ﴾ [الزمر: 74] الآية، {يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ} قالوا: المؤمنون العاملون بطاعة الله [[انظر: "الطبري" 17/ 104 - 105، و"تفسير ابن كثير" 3/ 201، و"الدر المنثور" 5/ 686 - 687.]]. وروي عن ابن عباس أنه قال: يعني الدنيا تصير للمؤمنين من هذه الأمة، وهذا حكم من الله -عَزَّ وَجَلَّ- بإظهار الدين وقهر الكافرين [[ذكره الثعلبي في "الكشف والبيان" 3/ 45 ب عن ابن عباس بهذا النّصّ. وقد ذكر الشنقيطي -رحمه الله- في "أضواء البيان" 4/ 693 أن القولين كليهما حق داخل في الآية ويشهد لكل منهما قرآن. واستشهد للأول -أنها أرض الجنة- ما استشهد به الواحدي، واستشهد للثاني بآيات منها قوله تعالى "وأورثكم أرضهم وديارهم وأموالهم وأرضًا" [الأحزاب: 27]، وقوله تعالى ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ [النور: 55] وغيرها من الآيات.]].

الأنبياء 21:106

قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي هَذَا﴾ يعني القرآن في قول الجميع [[انظر "الطبري" 17/ 105، الثعلبي 3/ 45 ب. وقيل: الإشارة في قوله ﴿إِنَّ فِي هَذَا﴾ أي: المذكور في هذه السورة من الأخبار والوعد والوعيد والمواعظ البالغة. انظر "القرطبي" 11/ 349، "البحر المحيط" 6/ 344.]]. ﴿لَبَلَاغًا﴾ لكفاية. يقال: في هذا الشيء بلاغٌ وبُلْغةٌ وتَبَلُّغ [[في (د)، (ع): (تبليغ).]]، أي: كفاية [["تهذيب اللغة" للأزهري 8/ 139 "بلغ" منسوبًا إلى الليث.]]. والبلوغ: الوصول، والبلاغ: سبب الوصول، وهو ما يوصل به إلى الشيء كبلاغ المسافر [[انظر: "الصحاح" 4/ 1316 "بلغ"، "لسان العرب" 8/ 419، "القاموس المحيط" 3/ 103.]]. والمعنى: أن من اتبع القرآن وعمل به كان القرآن بلاغه إلى الجنة [[انظر: "الطبري" 17/ 105، "الكشف والبيان " للثعلبي 3/ 45 ب.]]. قوله تعالى: ﴿لِقَوْمٍ عَابِدِينَ﴾ قال ابن عباس: مطيعين [[ذكره القرطبي 11/ 349 عن ابن عباس، وذكره الماوردي 3/ 475 من غير نسبة. وقد روى الطبري 17/ 106 من طريق ابن أبي طلحة، عن ابن عباس قال: عالمين. وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 5/ 686 وزاد نسبته لابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم.]]. وقال كعب: هم أمة محمد -ﷺ- الذين يصلون الصلوات الخمس ويصومون شهر رمضان سماهم الله سبحانه وتعالى عابدين [[ذكره بهذا اللفظ عن كعب: الثعلبيُ في "الكشف والبيان" 3/ 45 ب. وقد رواه الطبري 17/ 105 - 106 عنه بنحوه مفرَّقَا. قال ابن كثير -رحمه الله- في "تفسيره" 3/ 201: "لقوم عابدين" وهم الذين عبدوا الله بما شرعه وأحجه ورضيه، وآثروا طاعة الله على طاعة الشيطان وشهوات أنفسهم.]]. وذكر [[في (د)، (ع): (وذكرهم)، وهو خطأ.]] بعضهم: البلاغ في هذه الآية بمعني التبليغ، على معنى: إنّ في القرآن تبليغًا من الله إلى خلقه، فلا يبقى لأحد بعده عذر. وهذا بعيد؛ لتخصيص العابدين بالذكر، ولأنه قال "بلاغًا لقوم" فوجب أن يكون البلاغ لهم، ولو كان بمعنى التبليغ لم يوصل باللام.

الأنبياء 21:107

قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ قال ابن عباس: في رواية عطاء: يريد للبر والفاجر؛ لأن كل نبي غير محمد -ﷺ- إذا كُذِّب أهلك الله من كذَّبه، ومحمد أُخر من كذّبه إلى موت أو قيامة، والذي صدقه عُجلت له الرحمة في الدنيا والآخرة. وقال في رواية سعيد بن جبير: تمت الرحمة لمن آمن به [[به: ساقطة من (د)، (ع).]]، ومن [[في (د)، (ع): (ولمن)، وهو خطأ.]] لم يؤمن عوفي مما أصاب الأمم قبلنا من المسخ [[المسخ: تحويل خلق إلى صورة أخرى. "لسان العرب" 3/ 55 (مسخ).]] والخسف والقذف [[رواه الطبري 17/ 106، وابن أبي حاتم (كما في "تفسير ابن كثير" 3/ 202) من طريق المسعودي، عن سعيد بن المرزبان البقال، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، بنحوه. ورواه الطبري في "المعجم الكبير" 12/ 23 من طريق أيوب بن سويد، عن المسعودي، عن حبيب بن أبي ثابت، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، بنحوه. قال الهيثمي في "مجمع الزوائد" 7/ 69: رواه الطبراني، وفيه: أيوب بن سويد، وهو ضعيف جدًّا وقد وثقه ابن حبان بشروط فيمن يروى عنه وقال: إنه كثير الخطأ، والمسعودي قد اختلط. وقد ذكر هذا الأثر عن ابن عباس السيوطي في "الدر المنثور" 5/ 687 وعزاه لابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه والطبراني والبيهقي في "الدلائل".]]. وقال الكلبي: يعني الجن والإنس. وقال ابن زيد: يعني المؤمنين خاصة [["الكشف والبيان" للثعلبي 3/ 45 ب. ورواه الطبري 17/ 106 بنحوه واختار الطبري 17/ 106 العموم. فإن قيل: الكفار لم يرحموا به، فالجواب من وجهين: الأول: ما ذكره الطبري 17/ 106 - وجاءت به الرواية عن ابن عباس- وهو أنه دفع به عنهم عاجل البلاء الذي كان ينزل بالأمم المكذبه. الثاني: ما ذكره غير واحد منهم ابن جزي في التسهيل 3/ 72، والألوسي في روح المعاني 17/ 104 واستظهره، والشنقيطي في "أضواء البيان" 4/ 694 واستظهره، واللفظ له: أنه ما أرسل هذا النبي الكريم صوات الله وسلامه عليه إلى الخلائق إلا رحمة لهم؛ لأنه جاءهم بما يسعدهم وينالون به كل خير من خيري الدنيا والآخرة إن اتبعوه، ومن خالف ولم يتبع فهو الذي ضيع على نفسه نصيبه من تل الرحمة == العظمى ... ويوضح ذلك قوله ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ﴾ [إبراهيم: 28].]].

الأنبياء 21:108

قوله تعالى: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ قال الكلبي: يعني مخلصون العبادة [[ذكره ابن الجوزي في "زاد المسير" 5/ 399 ونسبه إلى ابن عباس.]]. ومعناه: فهل أنتم مسلمون [[فيكون "مسلمون" بمعنى مستسلمون أو مذعنون أو منقادون. انظر: "الطبري" 17/ 107، وابن كثير 3/ 202.]] لهذا [[في (ع): (بهذا).]] الوحي [[(الوحي): ساقطة من (أ).]] الذي يوحى [[في (د)، (ع): (أوحي).]] إليَّ من إخلاص الإلهية والتوحيد لله. والمراد بهذا الاستفهام الأمر [[نسبه ابن الجوزي في "زاد المسير" 5/ 399 إلى أهل المعاني.]]، كقوله: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [[هود: 14. ووقع في (أ)، (د): (هل أنتم مسلمون)، وهو خطأ.]]. وقد مرَّ.

الأنبياء 21:109

قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ قال ابن عباس: يريد فإن لم يسلموا ﴿فَقُلْ آذَنْتُكُمْ﴾ قال: يريد للحرب ﴿عَلَى سَوَاءٍ﴾ يريد على بيان [[القرطبي 11/ 350 من غير نسبة لأحد. وانظر الماوردي 3/ 476.]]. والمعنى: أعلمتكم أنّي حرب لكم إعلامًا ظاهرًا، أستوي أنا وأنتم في العلم به، فاستوينا في العلم [[انظر: "غريب القرآن" لابن قتيبة ص 289.]]. وقال أبو إسحاق: أعلمتكم بما يوحى إلى لتستووا في الإيمان به [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 408.]]. ومعنى هذا على سواء. وقد مرَّ. وقال أبو علي الفارسي: سواء تحتمل ضربين: أحدهما: أن يكون صفة لمصدر محذوف، التقدير: آذنتكم إيذانا على سواء، كقوله: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ﴾ [البقرة: 181] التقدير: كتابة كما كتب، فحذف المصدر. ومعنى إيذانا على سواء: إعلامًا نستوي في علمه لا أستبد أنا به [[في (أ): (لا استيدابانه)، وفي (د)، (ع): (لا ستيذانابه)، ولعل الصواب ما أثبتناه.]] دونكم؛ لتتأهبوا لما يراد منكم. والثاني: أن يكون حالاً. فإذا جعلته حالاً أمكن فيه ثلاثة أضرب: أحدها: أن يكون حالاً من الفاعل [[يعني الرسول -ﷺ-.]]. والآخر: أن يكون حالاً من المفعول به [[يعني المخاطبين، وهم الكفار.]]. والثالث: أن يكون منهما جميعًا، على قياس ما جاء في قول عنترة: متى ما نلتقي فردين ترجف ... روادف إليتيك وتستطارا [[البيت في "ديوانه" ص 234، وفيه: روانف. و"تهذيب اللغة" للأزهري 14/ 14 (طار)، و"أمالي ابن الشجري" 11/ 16، و"المخصص" لابن سيده 2/ 44، و"لسان العرب" 4/ 513 "طير". وفي جميع ما مضى: روانف. وهو من قصيدة قالها عنترة يهجو بها عمارة بن زياد العبسي أحد سادة عبس، وكان يحسد عنترة ويقول لقومه: إنكم أكثرتم ذكره، والله لوددت أني لقيته خاليًا حتى أعلمكم أنه عبد، قال الشنتمري في شرحه لديوان عنترة ص 234: قوله: نلتقي فردين: أي: منفردين أنا وأنت .. ، والروانف: جوانب الإليتين وأعلاها وإجدتها رانفة. ومعنى ترجف: تضطرب جزعًا وجبنا، وتستطار: تكاد تطير، والألف في تستطار ضمير الروانف لأنهما في معني رانفين، ويجوز أن تكون ضمير الإليتين. اهـ. وانظر "الخزانة للبغدادي" 3/ 377. والشاهد فيه: نصب "فردين" على الحال من ضميره النهاعل والمفعول في "نلتقي".]] [[انظر: "مشكل إعراب القرآن" لمكي 2/ 483 - 484، "إعراب القرآن" للأنباري == 2/ 166 - 167، "الدر المصون" 8/ 216.]]

الأنبياء 21:111

وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَدْرِي﴾ ما أدري ﴿أَقَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ مَا تُوعَدُونَ﴾ قال ابن عباس: يريد أجل القيامة لا يدريه أحد لا نبي ولا ملك [[ذكره القرطبي 11/ 350 عن ابن عباس. ثم قال القرطبي: وقيل: آذنتم بالحرب، ولكن لا أدري متى يؤذن لي في محاربتكم.]]. ﴿وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ﴾ قال الزجاج: ما أدرى لعل ما آذنتكم به ﴿فِتْنَةٌ لَكُمْ﴾ أي: اختبار [["معاني القرآن" للزجاج 3/ 408.]]. يعني: ما أخبرهم [[في (أ): (اختبرهم).]] به من أنه لا يدري وقت عذابهم وهو القيامة، وكأنه قيل: لعل تأخير العذاب عنكم اختبار لكم ليرى كيف صنيعكم. وهذا معنى قول سعيد ابن جبير والأكثرين: أن الفتنة هاهنا بمعنى الاختبار [[لم أجد من ذكره عن سعيد، وقد ذكره الطوسي في "التبيان" 7/ 253، والجشمي في "التهذيب" 6/ 164 ب ولم ينسباه لأحد.]]. وقال ابن عباس -في رواية عطاء-: لعله هلاككم [[في (د)، (ع): (هلاكهم).]]. يعني: أنهم يزدادون طغيانًا وتماديًا في الشر بتأخير العقوبة عنهم [[ذكره الماوردي 3/ 477 من غير نسبة لأحد.]]. وقوله تعالى: ﴿وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾ أي: تتمتعون إلى [[في (د)، (ع): (في)، وهو خطأ.]] إنقضاء آجالكم.

الأنبياء 21:112

قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ﴾ قال قتادة: كانت الأنبياء يقولون ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق. فأمر الله نبيه -ﷺ- أن يقول: ﴿رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ﴾ [[رواه ابن أبي حاتم كما في "الدر المنثور" 9/ 685.]]. فعلى هذا معنى ﴿بِالْحَقِّ﴾ أي: بعذاب كفار قومي الذي هو حق نازل بهم. ويدل على هذا ما روي أن النبي -ﷺ- كان إذا شهد قتالاً قال: رب احكم بالحق [[رواه عبد الرزاق في "تفسيره" 2/ 30، والطبري 17/ 108 عن قتادة مرسلاً. وهو ضعيف لإرساله، ومراسيل قتادة من أوهى المراسيل. وذكره السيوطي في "الدر المنثور" 5/ 689، وعزاه لعبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر عن قتادة، به مرسلا.]]. قال الكلبي: فحكم عليهم بالقتل [[في جميع النسخ: (القتل)، والمثبت من "الوسيط" 3/ 255.]] يوم [بدر، ويوم] [[ما بين المعقوفين ساقط من (أ).]] أحد، ويوم الأحزاب، ويوم خيبر، ويوم الخندق. فدل على أن المسئول بقوله: ﴿احْكُمْ بِالْحَقِّ﴾ عذاب قومه، والمعنى على هذا القول: افصل بيني وبين المشركين بما يظهر به الحق للجميع. وقال أبو عبيدة: معناه: رب احكم بحكمك [الحق] [[زيادة من "الكشف والبيان" للثعلبي 3/ 46 أ.]]، فأقيم الحق [[في (أ): (بالحق)، هو خطأ.]] مقامه؛ لأن حكمه لا يكون إلا حقًّا [[لم أجده في المطبوع من "مجاز القرآن". وهو عند القرطبي 11/ 351 منسوبًا إلى أبي عبيدة. وذكره الطبري 17/ 108 هذا القول وصدّره بقوله: وقد زعم بعضهم أن معنى .. فذكره، ثم قال الطبري: ولذلك وجه، غير أن الذي قلناه -يعني القول الأول الذي ذكره الواحدي، وهو أن معخى الحق هنا عذاب قومه- أوضح وأشبه بما قاله أهل التأويل، فلذلك اخترناه.]]. وقال أهل المعاني: هذا الدعاء مما تُعبّد النبي -ﷺ- أن يقوله، ويدعو به، وإن كان الله لا يفعل غيره، لما في ذلك من التضرع [[في (د)، (ع): (النضر)، وهو خطأ.]]، والعبودية كقوله [[في (أ): (لقوله).]]: ﴿رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ﴾ [آل عمران: 194] والله منجز وعده، وإن لم يسأل ذلك، وقوله: ﴿فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ﴾ [غافر: 7، 8] الآيتان [[ذكره هذا المعنى باختصار الطوسي في "التبيان" 7/ 253 ولم ينسبه لأحد.]]. وقرأ حفص [[قرأ حفص عن عاصم: (قال) بألف، وقرأ الباقون: (قُل) بغير ألف. "السبعة" ص 431، "التبصرة" ص 264، "التيسير" ص 156.]] ﴿رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ﴾ يعني قال الرسول ذلك [[أي: إخبار عن الله عز وجل عن نبيه -ﷺ- فهي مسألة سألها ربه، وقراءة الباقين: (قل) على الأمر، أي: قل يا محمد: يا رب احكم بالحق فهو تعلم من الله لنبيّه أن يسأله الحكم بالحق. "علل القراءات" الأزهري 2/ 417، "حجة القراءات" لابن زنجلة ص 471.]]. وقوله تعالى: ﴿وَرَبُّنَا الرَّحْمَنُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ قال ابن عباس: يريد من تكذيبهم النبي وخلافكم إياه، واتخاذكم الحجارة أربابًا. وقال غيره [[هذا قول الطبري في "تفسيره" 17/ 109.]]: على ما تكذبون في قوله ﴿هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ [الأنبياء: 3] وقولكم: ﴿اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا﴾ [الأنبياء: 26]. والمعنى ﴿عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ من كذبكم وباطلكم. والوصف بمعنى الكذب -على الوجه الذي ذكرنا- قد ذكر في مواضع من التنزيل كقوله: ﴿سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ﴾ [الأنعام: 139]، وقوله: {وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ} [الأنبياء: 18]، وقوله سبحانه وتعالى: ﴿مَا تَصِفُونَ﴾ وقرئ (تصفون) بالتاء والياء [[قرأ ابن عامر في رواية ابن ذكوان: (يصفون) بالياء على الغيبة. وقرأ الباقون: (تصفون) بالتاء على الخطاب. "السبعة" ص 432، "النشر" 2/ 325.]]. فمن قرأ بالتاء ففي الآية إضمار، أي: وقيل للمشركين: وربنا الرحمن المستعان على ما تصفون. ومن قرأ بالياء فهو [[(فهو): ساقطة من (د)، (ع).]] إخبار عن الكفار [[انظر: "الحجة" للفارسي 5/ 265، "علل القراءات" للأزهري 2/ 417.]].