Al-Basit — القيامة 75:1 – النازعات 79:46
المحتويات
- القيامة 75:1
- القيامة 75:2
- القيامة 75:5
- القيامة 75:8
- القيامة 75:11
- القيامة 75:12
- القيامة 75:13
- القيامة 75:14
- القيامة 75:15
- القيامة 75:16
- القيامة 75:19
- القيامة 75:23
- القيامة 75:24
- القيامة 75:26
- القيامة 75:28
- القيامة 75:29
- القيامة 75:30
- القيامة 75:31
- القيامة 75:34
- الإنسان 76:1
- الإنسان 76:3
- الإنسان 76:8
- الإنسان 76:11
- الإنسان 76:20
- الإنسان 76:23
- المرسلات 77:1
- المرسلات 77:2
- المرسلات 77:5
- المرسلات 77:6
- المرسلات 77:9
- المرسلات 77:20
- المرسلات 77:25
- المرسلات 77:33
- المرسلات 77:35
- المرسلات 77:36
- المرسلات 77:41
- النبأ 78:1
- النبأ 78:2
- النبأ 78:3
- النبأ 78:4
- النبأ 78:5
- النبأ 78:6
- النبأ 78:7
- النبأ 78:8
- النبأ 78:9
- النبأ 78:10
- النبأ 78:11
- النبأ 78:12
- النبأ 78:13
- النبأ 78:14
- النبأ 78:15
- النبأ 78:16
- النبأ 78:17
- النبأ 78:18
- النبأ 78:19
- النبأ 78:20
- النبأ 78:21
- النبأ 78:23
- النبأ 78:24
- النبأ 78:25
- النبأ 78:27
- النبأ 78:29
- النبأ 78:30
- النبأ 78:31
- النبأ 78:35
- النبأ 78:36
- النبأ 78:37
- النبأ 78:38
- النبأ 78:40
- النازعات 79:1
- النازعات 79:2
- النازعات 79:3
- النازعات 79:4
- النازعات 79:5
- النازعات 79:7
- النازعات 79:8
- النازعات 79:9
- النازعات 79:10
- النازعات 79:11
- النازعات 79:12
- النازعات 79:13
- النازعات 79:15
- النازعات 79:18
- النازعات 79:19
- النازعات 79:20
- النازعات 79:21
- النازعات 79:22
- النازعات 79:24
- النازعات 79:25
- النازعات 79:26
- النازعات 79:27
- النازعات 79:29
- النازعات 79:30
- النازعات 79:31
- النازعات 79:34
- النازعات 79:35
- النازعات 79:36
- النازعات 79:37
- النازعات 79:38
- النازعات 79:39
- النازعات 79:40
- النازعات 79:42
- النازعات 79:43
- النازعات 79:44
- النازعات 79:45
- النازعات 79:46
القيامة 75:1
﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ (1)﴾ لا اختلاف بين المفسرين [[حكى الإجماع كل من السمرقندي في "بحر العلوم" 3/ 425، وابن الجوزي في "زاد المسير" 8/ 132، والقرطبي في "الجامع لأحكام القرآن" 19/ 90، والخازن في "لباب التأويل" 4/ 332. كما نقل الإجماع الشوكاني في "فتح القدير" 5/ 335، وذكر الطبري في "تفسيره" 29/ 174 إجماع "الحجة" على أن معنى الآية: أقسم. وهناك من خالف الإجماع بالقول إن (لا) لنفي القسم، وهذا قول أبي مسلم، ورجحه الفخر الرازي في "التفسير الكبير" 30/ 215، والزمخشري في "الكشاف" 4/ 163، والألوسي في "روح المعاني" 29/ 135. وقد استبعد الواحدي هذا القول، ولم يلق له اعتبارًا لضعفه، ولمخالفته للحجة من جمهور المفسرين. كما رده أيضًا أبو حيان في "البحر المحيط" 8/ 375، واستبعده الشنقيطي في كتابه: "دفع إيهام الاضطراب" 325، و"الملحق بأضواء البيان" 10. كما أن للضحاك أيضًا قولًا في معنى: (لا أقسم) قال: إن الله لا يقسم بشيء من خلقه، ولكنه استفتاح يستفتح به كلامه. وقد ضعف ابن كثير هذا القول الذي لا يقوم على دليل، ولا ينهض بحجة. انظر: "تفسير القرآن العظيم" 4/ 319 في تفسير سورة الواقعة، الآية: 75. وبذكر المخالف للإجماع يتبين منهج الإمام الواحدي في حكاية الإجماع كما بينته وقررته سابقًا في سورة الحاقة. وقد قال د. محمد الخضيري في == رسالته للماجستير: "الإجماع في التفسير" 501: القول بالإجماع في هذه الآية، وإن كان له حظ من النظر، للأدلة، أمر يصعب الجزم به، لوجود المخالف. نقلته بتصرف قلت: وهذا القول منه عن حكايته الإجماع، وهل هو إجماع أو لا، وذلك على اعتبارات وضوابط ذكرها، وليس إلى المنهج الذي سار عليه الإمام الواحدي في حكايته للإجماع، والله أعلم.
وأما أهل المعاني فقال بذلك أبو عبيدة في "مجاز القرآن" 2/ 277، والزجاج في "معاني القرآن وإعرابه" 5/ 251.]] وأهل المعاني أن المراد: أقسم بيوم القيامة. وكذلك ما بعده، وقد ذكرنا فيما تقدم [[كما جاء في سورة الواقعة: 75، وسورة القلم: 17، وسورة الحاقة: 38.]] من مثل هذا وجهين:
أحدهما: أن (لا) صلة [[أي: حرف زائد، والقول بأن (لا) صلة من اصطلاح الكوفيين. انظر. "نحو القراء الكوفيين" 341.]]. والثاني: أن تكون ردًّا لكلام قد سبق. وكلا الوجهين هاهنا جائز، وإن وقع (لا) في أول السورة؛ لأن القرآن قوله كالسورة الواحدة، لاتصال بعضه ببعض، فمجازه مجاز الكلام الواحد، والذي يدل عليه: ذلك أنه قد يذكر الشيء في سورة، فيجيء جوابه في سورة أخرى، كقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ (6)﴾ [الحجر: 6]، جاء جوابه في سورة أخرى، وهو قوله: ﴿مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ (2)﴾ [القلم: 2].
وإذا كان الأمر على هذا جاز أن تكون (لا) صلة لقوله: ﴿لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ﴾ [الحديد: 29]، و ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾ [آل عمران: 159]. هذا قول أبى إسحاق [["معاني القرآن وإعرابه" 5/ 251، نقل عنه الواحدي بتصرف، وأكثر تفصيلًا.]] وأبى علي [["الحجة" 6/ 343، 344 بتصرف.]].
وقال الفراء: ولا يبتدأ بجحد [[يراد به النفي، ولفظ الجحد من مصطلحات الكوفيين. "نحو القراء الكوفيين" 345.]]، ثم يجعله صلة [[حرف زائد.]] يراد به الطرح، ولو جاز هذا لما عرف خبر فيه جحد من خبر لا جحد فيه، ولكن القرآن جاء بالرد على الذين أنكروا البعث، والجنة، والنار، فجاء الإقسام عليهم فالرد في كثير من الكلام المبتدأ منه، وغير المبتدأ، كقولك في الكلام: لا والله لا أفعل ذلك، جعلوا (لا)، وإن رأيتها مبتدأة ردًّا لكلام قد سبق كان مضى، فلو ألقيت (لا) مما ينوى به الجواب لم يكن بين [اليمين التي تكون جوابًا و] [[ما بين المعقوفين ساقط من النسختين، وما أثبته فمن "معاني القرآن" للفراء 3/ 207، ولا يستقيم الكلام بدونه.]] اليمين التي تستأنف فرق، ألا ترى أنك تقول مبتدئًا: والله إن الرسول لحق، فإذا قلت: لا والله إن الرسول لحق، فكأنك أكذبت قومًا أنكروا، فهذا وجه (لا) مع الإقسام في كل موضع ترى فيه (لا) مبتدأ بها، وهو كثير في الكلام [[نحو ما جاء في سور: الواقعة 75، والقلم: 17، والحاقة: 38.]] [["معاني القرآن" 3/ 207 بيسير من التصرف.]].
ويدل على أن المعنى إثبات القسم قراءة من قرأ: (لأقسم) يجعلها (لامًا) دخلت على: (أقسم) [وهي] [[في كلا النسختين: هو.]] قراءة الحسن [[انظر: "الحجة" 6/ 345، و"المحتسب" 2/ 341، و"المبسوط" 388، و"حجة القراءات" 735 ، و"الكشف" 2/ 349، و"معاني القرآن" للفراء 3/ 207.
وقراءة: (لأقسم) قراءة سبعية صحيحة قرأ بها ابن كثير بخلف عن البزي، كما قرأ بها قنبل.
انظر المراجع السابقة عدا "المحتسب"، وانظر: كتاب السبعة: 661، و"البدور == الزاهرة" 329. وقرأ الباقون: (لا أقسم). انظر: المراجع السابقة]].
والثانية: متفقة على: (لا أقسم) [[لا خلاف بين القراء في إثبات الألف في الموضع الثاني، وهو: (ولا أقسم بالنفس).
انظر المراجع السابقة.]]. قال الحسن: أقسم بالأولى، ولم يقسم بالثانية [[لم أعثر على نصه فيما بين يدي من كنبه، وقد ورد في "جامع البيان" 29/ 173، و"النكت والعيون" 6/ 151، و"المحرر الوجيز" 5/ 402، و"زاد المسير" 8/ 133، و"البحر المحيط" 8/ 384، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 477، و"فتح القدير" 5/ 335. وانظر: "تفسير الحسن البصري"، تح: د. محمد عبد الرحيم: 2: 377.]].
واختار أبو عبيد قراءة العامة، قال: لأنها لو كانت على قسم [[في (ع): قسيم.]] مستأنفة للزم أن تلحق النون، فتكون (لأقسمن)؛ لأن العرب لا تقول: لأفعل كذا إذا أرادوا الإيجاب في المستقبل، وإنما يقولون: لأفعلن [[لم أعثر على مصدر لقوله، وانظر: "الأمالي الشجرية" 1/ 369.]]. وهذا الذي قاله أبو عبيد (هو في أكثر الأمر يكون على ما ذكر، ويجوز إدخال اللام من غير النون. حكى ذلك سيبويه، وأجازه [[انظر: "كتاب سيبويه" 3: 104/ 105]].
وكما لم تلحق (النون) مع (اللام) في هذه القراءة، كذلك يجوز أن لا تلحق (اللام) مع (النون) كما قال الشاعر [[هو: عامر بن الطفيل، وهو من أشهر فرسان العرب بأسًا وشدة ونجدة.]]: وَقتيلِ مُرَّةَ اثْأَرَنَّ فَإنَّهُ ... فِرْغٌ وإنَّ أَخاهُمُ لَمْ يقصد [[ورد البيت في "ديوانه" 56: دار بيروت. وفي "مغني اللبيب" 2/ 387 برواية: (وإن أخاكم لم يُثأرِ) منسوبًا، و"الحجة" 6/ 344 برواية: (وإن أخاهم لم يثأر). انظر: "الأمالي الشجرية" لابن الشجري 1/ 369 بمثل رواية المغني: 2/ 221 برواية: (وإن أخاهم لم يثأر)، و"الكشف عن وجوه القراءات السبع" 2/ 349 (لم يثأر)، و"الدر المصون" 6/ 425 برواية: (وإن أخاكم لم يثأر). ومعناه: يقول: إنه سيثأر بقتيل مرة، ويريد به أخاه حنظلة الذي قتله المريون، وفرغ: أي هدر لم يثأر له، ولم يقصد: لم يقتل. انظر: "ديوانه" 56، و"الأمالي الشجرية" 1/ 369.]]) [[ما بين القوسين نقله الواحدي عن أبي علي في "الحجة" 6/ 344 بتصرف يسير.]]
وقال الفراء في هذه القراءة: هو صواب؛ لأن العرب تقول: لأحلف بالله ليكونن كذا، يجعلونها (لامًا)، بغير معنى (لا) [["معاني القرآن" 3/ 207 بنصه.]].
قال ابن عباس: يريد أقسم بالقيامة [["النكت والعيون" 6/ 105.]]. وهو قول الجميع [[قال بذلك سعيد بن جبير كما في "جامع البيان" 29/ 173، و"تفسير سعيد بن جبير" 361.]].
قال الكلبي: كان أهل الجاهلية إذا أراد أحدهم أن يقسم قال: (لا أقسم) [[لم أعثر على مصدر لقوله.]].
القيامة 75:2
قوله تعالى: ﴿وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ (2)﴾ هذا على قول الحسن: نفي. كما ذكرنا عنه، وعلى قول الآخرين معناه: أقسم، واختلفوا في النفس اللوامة، فقال ابن عباس في رواية عطاء: إن كل نفس تلومها نفسها يوم القيامة، يلوم المحسن نفسه أن لا يكون ازداد إحسانا، ويلوم المسيء نفسه أن لا يكون رجع من إساءته [[ورد معنى قوله في "بحر العلوم" 3/ 425، و"التفسير الكبير" 30/ 215.]]. وهو اختيار الفراء، قال: ليس من نفس برة، ولا فاجرة، إلا وهي تلوم نفسها، من كانت عملت خيرًا قالت: هل ازددت، وإن كانت عملت سوءًا [[في كلا النسختين: سوء.]] قالت: ليتني لم أفعل [["معاني القرآن الكريم" 3/ 208 بنصه.]].
وقال الحسن: هي النفس المؤمنة [[قوله النفس المؤمنة: بياض في (ع).]]، وإن المؤمن والله ما تراه إلا يلوم نفسه على كل حالاته [[قوله: إلا يلوم إلى حالاته: بياض (ع).]]، يستقصرها في كل ما يفعل، فيندم ويلوم نفسه [[قوله: فيندم ويلوم نفسه: بياض (ع).]]، وإن الفاجر يمضي قدمًا لا يعاتب نفسه [[قوله: لا يعاتب نفسه: بياض (ع).]] [[ورد معنى قوله في "الكشف والبيان" 13: 3/ ب، و"معالم التنزيل" 4/ 421، و"زاد المسير" 8/ 133، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 477، و"الدر المنثور" 8/ 343 وعزاه إلى عبد بن حميد، وابن أبي الدنيا في محاسبة النفس. وانظر: "تفسير الحسن البصري" تح: د. محمد عبد الرحيم: 2/ 377.]].
وقال مقاتل [["الكشف والبيان" 13: 3/ ب، و"معالم التنزيل" 4/ 421، و"الجامع لأحكام القرآن" 19/ 91، و"لباب التأويل" 4/ 333، و"فتح القدير" 5/ 335.]]، وقتادة [[بمعناه في "البحر المحيط" 8/ 384.]] [[في (أ): قتادة ومقاتل.]] هي: النفس الكافرة تلوم نفسها في الآخرة على ما فرطت في أمر الله.
وأما معنى القسم بالنفس اللوامة، فروى سعيد بن جبير عن ابن عباس، قال: يقسم ربك بما شاء من خلقه [[لم أعثر على مصدر لقوله.]].
وجواب القسم في قوله: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ﴾ إلى قوله: ﴿قَادِرِينَ﴾.
وقال [[في (أ): قال.]] أبو جعفر النحاس: جواب القسم محذوف، على تقدير: (لتبعثن) [["الجامع لأحكام القرآن" 19/ 91.]].
يدل عليه: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ (3) بَلَى﴾. (قال) [[ساقطة من (أ).]] ابن عباس يريد: أبا جهل، أيحسب [[بياض في (ع).]] أن لن يبعث [["تفسير مقاتل" 217/ ب، و"الوسيط" 4/ 391.]]. وقال مقاتل: يعني عدي ابن ربيعة الثقفي، كفر بالبعث [["الكشف والبيان" 13: 4/ أ، و"زاد المسير" 8/ 134، وهو عدي بن ربيعة بن أبي سلمة حليف بني زهرة ختن الأخنس بن شريق الثقفي. ذكر ذلك ابن الجوزي من النسخة الأزهرية. انظر: "زاد المسير" المرجع السابق.]].
قال الله تعالى: ﴿بَلَى﴾ [[﴿بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ (4)﴾.]] أي: بلى نجمعها قادرين. فقوله: (قادرين) حال، والعامل فيها مضمر، يدل عليه: (أن لن نجمع عظامه بلى) على تقدير: بلى نجمعها، ونقوى عليها قادرين. وهذا قول جميع النحويين [[انظر: "كتاب سيبويه" 1/ 346، و"معاني القرآن" للأخفش 2/ 270، و"معاني القرآن وإعرابه" الزجاج 5/ 251.]].
قال الفراء: وقول الناس: بلى نقدر، فلما صرف [[في (أ): قصرت.]] إلى (قادرين) نصب خطأ؛ لأن الفعل لا ينصب بتحويله من يفعل إلى فاعل، ألا ترى أنك تقول: أتقوم إلينا، فإن حولتها إلى فاعل قلت: أقائم أنت إلينا، وكان خطأ أن تقول: (قائمًا)، فأما قول الفرزدق:
علي قَسم لا أشْتِمُ الدهْرَ مُسْلِمًا ... ولا خارجًا من فِيَّ زُورُ كلامِ [[ورد قوله في "ديوانه" 3/ 212: دار صادر، و"كتاب سيبويه" 1/ 346، كتاب: "شرح أبيات سيبويه" للنحاس 1/ 346، و"الكامل" 1/ 155 و 464، و"الخزانة" 1/ 108، 2/ 270، و"إيضاح الوقف والابتداء" لابن الأنباري 2/ 957 جميعها برواية: عليّ حِلْفَةٍ (بدلاً من عليّ قسم) عدا الإيضاح.]]
فإنما نصبت (خارجًا) لأنه أراد: عاهدت ربي لا شاتمًا أحدًا، ولا خارجًا من فيّ زور كلام، فقوله: (لا أشتم) في موضع نصب [[ورد قوله في "معاني القرآن" 3/ 208 بيسير من التصرف.]].
قوله تعالى: ﴿عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ﴾ قال ابن عباس: أن نجعل يده كخف البعير، أو كظلف الخنزير [["تفسير عبد الرزاق" 2/ 333، و"جامع البيان" 29/ 175 من غير ذكر أو كظلف خنزير، وبمعناه في "بحر العلوم" 3/ 425.]].
وقال مقاتل [["تفسير مقاتل" 217/ ب.]]، والكلبي [[لم أعثر على مصدر لقوله.]]: أن نجعل أصابعه ملتزقة مثل الكف، فيكون كخف البعير لا ينتفع به ما كان حيًّا. وهذا قول قتادة [["تفسير عبد الرزاق" 2/ 333 مختصرًا، و"جامع البيان" 29/ 176، و"النكت والعيون" 6/ 152 وعبارته فيهما: (بلى قادرين على أن نجعل كفه التي يأكل بها ويعمل، حافر حمار أو خف بعير. فلا يأكل إلا بفيه ولا يعمل بيده شيئًا).]] (وعكرمة) [[بمعناه في "جامع البيان" 29/ 175، و"الدر المنثور" 8/ 343، وعزاه إلى عبد بن حميد.]] [[ساقط من (أ).]]، والحسن [[بمعناه في "جامع البيان" 29/ 175، و"الجامع لأحكام القرآن" 19/ 92 - 93،
وانظر: "تفسير الحسن البصري" تح: محمد عبد الرحيم 2/ 378.]]، قالوا: نجعلها كحافر الدابة (فهذا قول أهل التفسير) [[ساقطة من (أ).]].
وشرحه أبو علي (الفارسي) [[ساقطة من (أ).]] فقال: بلى قادرين على أن نسوي بنانه أي نجعلها مع كفه كصفيحة مستوية، لا شقوق فيها، كخف البعير فيعدم الارتفاق بالأعمال اللطيفة كالكتابة، والخياطة (والْخَرْز) [[الخرز: خياطة الأدَم. وكلُّ كُتْبَةٍ من الأدم: خُرْزَة -على التشبيه بذلك- يعني كل ثقبة وخيطها. والخراز صانع ذلك، وحرفته الْخِرازة. "لسان العرب" 5/ 344 (خرز).]] [[ساقط من (أ).]] ونحو ذلك من لطيف الأعمال التي يستعان عليها بالأصابع [[لم أعثر علي مصدر لقوله، وقد ورد من غير عزو في "التفسير الكبير" 30/ 218.]].
قال أحمد بن يحيى: ومن أيمانهم: لا والذي شقهن خمسًا من واحدة [[لم أعثر على مصدر لقوله.]]؛ يريدون الأصابع من الكف.
وقال المبرد: أي يجعلها على هيئة واحدة، فيكون على خلاف ما تقول العرب: وما يستوي في الراحتين الأصابع [[لم أعثر على مصدر لقوله.
وقد ورد عن الأحوص بنحو ذلك قال:
وقد ثبتت في الصدر منها مودة ... كما ثبتت بالراحتين الأصابع
"شعر الأحوص بن محمد الأنصاري" تح: د. إبراهيم السامرائي: 117.]]
ولأهل المعاني قول آخر، قال أبو إسحاق: والذي هو أشكل بجمع العظام. بلى نجمعها، قادرين على تسوية بنانه على ما كانت، وإن قل عظامها وصغرت وبلغ منها البلى [["معاني القرآن وإعرابه" 5/ 251 بنصه.]].
وذكر أبو علي هذا القول، فقال: أي: يردها كما كانت [[لم أعثر على مصدر لقوله.]].
وشرح ابن قتيبة هذا القول فقال: هذا رد من الله عليهم، وذلك أنهم ظنوا أن الله لا ينشر الموتى، ولا يقدر على جمع العظام البالية فقال: (بلى) فاعلموا أنا نقدر على أن نعيد السُّلاميات على صغرها ونؤلف بينها حتى يستوي البنان، ومن قدر على هذا فهو على جمع الكبار (العظام) [[ساقطة من (أ)]] أقدر [["تأويل مشكل القرآن" 346 بيسير من التصرف.]].
القيامة 75:5
قوله تعالى: ﴿بَلْ يُرِيدُ الْإِنْسَانُ﴾ يعني الكافر. ﴿لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ﴾ قال ابن عباس في رواية سعيد بن جبير: سوف أتوب [[تفسير الإمام مجاهد: 686، و"جامع البيان" 29/ 177 بمعناه، و"بحر العلوم" 3/ 425، و"الدر المنثور" 8/ 344 وعزاه إلى عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم والبيهقي في شعب الإيمان، وانظر: "المستدرك" 2/ 509: كتاب:== التفسير تفسير سورة القيامة، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي، وقد وردت هذه الرواية: أيضًا عن سعيد بن جبير في "تأويل مشكل القرآن" 346، و"جامع البيان". مرجع سابق، و"الكشف والبيان" 13: 4/ ب، و"معالم التنزيل" 4/ 421، و"زاد المسير" 8/ 134، و"التفسير الكبير" 30/ 218، و"الجامع لأحكام لقرآن" 19/ 93، و"لباب التأويل" 4/ 334.]].
وقال في رواية عطاء [[لم أعثر على مصدر لقوله]] (والكلبي) [["تأويل مشكل القرآن" 346، و"بحر العلوم" 3/ 425.]] [[ساقطة من (أ).]] يقدم الذنب، ويؤخر التوبة، ونحوه قال مقاتل [["تفسير مقاتل" 217/ ب.]]
وقال مجاهد: راكبًا رأسه إلى المعاصي [["جامع البيان" 29/ 177، و"الكشف والبيان" ج 13: 4/ ب، و"معالم التنزيل" 4/ 421، و"المحرر الوجيز" 5/ 402.]].
وقال قتادة [[لم أعثر على مصدر لقوله.]] (وعكرمة [["جامع البيان" 29/ 177، و"الكشف والبيان" 13: 4/ ب، و"معالم التنزيل" 4/ 421، و"المحرر الوجيز" 5/: 402.]]) [[ساقطة من (أ).]]: قدمًا (قدمًا) [[ساقطة من (أ).]] في معاصي الله، لا ينزع عن فجوره.
وهذه الأقوال معناها واحد، أي (يسوف التوبة، ويقدم الأعمال السيئة) [[ما بين القوسين نقله عن الزجاج بنصه من "معاني القرآن وإعرابه" 5/ 252. وسبب التسويف وتقديم عمل السوء لأنه مال عن الحق. قاله ابن قتيبة: "تأويل مشكل القرآن" 347.]].
ومعنى (يفجر): يعصي ويخالف. ومنه الدعاء: (ونَتْرُكُ من يَفْجرك) [[أورده السيوطي في "الدر المنثور" 8/ 695 في آخره بعد سورة الناس، وهو في فضائل ابن الضريس، وقيام الليل لابن نصر، و"غريب الحديث" لابن الجرزي 2/ 177، و"الفائق" 3/ 90 (فجر)، و"النهاية في غريب الحديث والأثر" 1/ 3. ومعناه: أي يعطيك ويخالفك. "النهاية في غريب الحديث والأثر" 1/ 3، 144.]].
و (أمامه)، أي: فيما يستقبل. والمعنى: يريد أن يعصي ويكفر أبدًا ما عاش. قال الأنباري: يريد أن يفجر ما امتد عمره، وليس في نيته أن يرتد عن ذنب يرتكبه [["الوسيط" 4/ 391، و"فتح القدير" 5/ 336.]]. (وهذا معنى ما ذكره المفسرون) [[ساقطة من (أ).]].
وقال المؤرج: فجر: إذا ركب رأسه غير مكترث [[انظر قوله في (فجر): "تهذيب اللغة" 11/ 50، و"لسان العرب" 5/ 47.]].
ومعنى ﴿لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ﴾ ليمضي أمامه راكب رأسه.
وفي الآية قول آخر: يكذب بما [[في (أ): بها.]] أمامه من البعث والحساب. وهو قول ابن زيد [["جامع البيان" 29/ 178، و"الكشف والبيان" 13/ 4/ ب، و"النكت والعيون" 6/ 152 بمعناه، و"معالم التنزيل" 4/ 422، و"القرطبي" 19/ 93، و"ابن كثير" 4/ 478.]]، واختيار أبي إسحاق [["معاني القرآن وإعرابه" 5/ 252.]]، وابن قتيبة [["تأويل مشكل القرآن" 347.]].
قال أبو إسحاق: ﴿لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ﴾ ليكفر، ويكذب بما قدامه (من البعث، قال) [[ساقطة من (أ).]]: ودليل ذلك قوله: ﴿يَسْأَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ (6)﴾ [[قوله في "معاني القرآن وإعرابه" 5/ 252 بتصرف.]].
وقال ابن قتيبة: والفجور هاهنا بمعنى التكذيب بيوم القيامة، ومن كذب بحق فقد كذب، والكاذب المكذب، والفاسق فاجر؛ لأنه مائل عن الحق، قال: وهذا وجه حسن؛ لأن الفجور اعتراض بين كلامين من أسباب يوم القيامة، أولهما: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ (3)﴾، والآخر: ﴿يَسْأَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ (6)﴾. وكأنه قال: أيحسب الإنسان أن لن نجمع عظامه يوم القيامة، بلى نقدر على أن نجمع ما صغر منها، ونؤلف بينه، ﴿بَلْ يُرِيدُ الْإِنْسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ (5)﴾، أي: ليكذب [[في (أ): يكذب.]] بيوم القيامة، أي (متى) [[ساقطة من (أ).]] يكون ذلك تكذيبًا به [["تأويل مشكل القرآن" 347 بتصرف.]].
قال الله تعالى: ﴿فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ (7)﴾ وقرئ: (برَق) بفتح الراء [[قرأ بذلك: نافع، وأبو جعفر، وعاصم في رواية أبان، وقرأ الباقون: (بَرِق) بكسر الراء. انظر: "القراءات وعلل النحويين" 2/ 730، و"الحجة" 6/ 345، و"إتحاف القراءات" 736، و"كتاب التبصرة" 715، و"تحبير التيسير" 194، و"إتحاف فضلاء البشر" 428.]].
وقال الفراء: (برق) بفتح الراء من البريق، أي شخص، ومن قرأ (برَق) فمعناه [[في (أ): ومعناه.]]: فزع، وتحير، وأنشد قول طَرَفة: فنفسك فَانْعَ ولا تَنْعَني ... وداو [[في كلا النسختين: وداوي.]] الكُلُومَ ولا تَبْرَق) [["ديوانه" 70، و"جامع البيان" 29/ 178، و"النكت والعيون" 6/ 153، و"زاد المسير" 8/ 135 "الجامع لأحكام القرآن" 19/ 94، وشرح أبيات "معاني القرآن" 252 ش: 566. موضع الشاهد: (تبرق) (برق) بفتح الراء: فزع. ومضى البيت يقول: لا تفزع من هول الجراح التي بك، (برق): فتح عينيه من الفزع، وبرق بصره أيضًا كذلك، أما برق فمعناه تحير. شرح "معاني القرآن" مرجع سابق.]]
يقول: لا تفزع من هذه الجراح التي بي [["معاني القرآن" 3/ 209 بيسير من التصرف.]]. ونحوه قال الزجاج [["معاني القرآن وإعرابه" 5/ 252.]] ، وقال أبو عمرو بن العلاء [[ورد قوله في "جامع البيان" 29/ 178، و"الكشف والبيان" 13/ 5/ أ، و"الجامع لأحكام القرآن" 19/ 94، و"فتح القدير" 5/ 336.]]: برق إذا حار.
وقال أبو الحسن الأخفش: المكسور أكثر في كلامهم، والمفتوحة لغة [[لم أعثر على نص قوله في المعاني، وإنما ورد في "الحجة" 6/ 345، و"التفسير الكبير" 30/ 219.]]، وأنشد (أبو عبيدة) [["مجاز القرآن" 2/ 277.]] [[ساقطة من (أ).]]:
لما أتاني ابن [[في (أ): أبو.]] صبيح راغبًا ... أعطيته عيسًا منها فبرق [[البيت للكلابي، وقد ورد عند أبي عبيدة على النحو الآتي:
لما أتاني ابن صبيح راغبًا ... أعطيته عيسًا صهابًا فبرق
كما ورد في "جامع البيان" 29/ 179، و"الكشف والبيان" 13/ 5 / ب، و"النكت والعيون" 6/ 153، و"الجامع لأحكام القرآن" 19/ 94.]] وقال الزجاجي: (برق) بصر فلان، يبرق برقًا (إذا) [[ساقطة من (أ).]] تحير، والأصل فيه أن يكثر الإنسان من النظر إلى لمعان البرق، فيؤثر ذلك في ناظره، ثم يستعمل ذلك في كل حيرة، وإن لم يكن هناك نظر إلى البرق كما يقال: قمر بصره، إذا فسد من النظر إلى القمر، ثم استعير في الحيرة، وكذلك يفكر الرجل في أمره، أي تحير ودهش. وأصله من قولهم: بعلت المرأة، إذا فاجأها زوجها فنظرت إليه وتحيرت، وكذلك: ذهب إذا نظر إلى الذاهب الكثير، فجاز، كل ذلك بين في معنى الحيرة، والأصل لغيرها [["التفسير الكبير" 30/ 219، ونسبه إلى الزجاج، غير أني لم أجده عند الزجاج، فلعله تصحيف، والمراد به الزجاجي، كما هو في الأصل عند الواحدي، ولم أعثر على مصدر قول الزجاجي فيما بين يدي من مراجعه.]].
قال قتادة: برق البصر: شخص البصر [["جامع البيان" 29/ 180، و"الكشف والبيان" 13: 5/ أ، و"معالم التنزيل" 4/ 422، و"الدر المنثور" 8/ 344 وعزاه إلى عبد الرزاق -ولم أجده عنده-، وعبد ابن حميد، وابن المنذر.]].
وقول مقاتل: وذلك لما يرى من العجائب التي يكذب بها فيبرق بصره، ولا يكاد يطرق [["تفسير مقاتل" 217/ ب، و"الكشف والبيان" 13/ 5/ أ، و"معالم التنزيل" 4/ 422.]].
وقال عطاء: يريد عند الموت [[انظر: "الجامع لأحكام القرآن" 19/ 94، و"فتح القدير" 5/ 337 وهو مروي عن مجاهد وغيره في كلا المرجعين.]].
وقال الكلبي: ذلك عند رؤية جهنم تبرق أبصار الكفار [["معالم التنزيل" 4/ 422.]].
القيامة 75:8
قوله تعالى: ﴿وَخَسَفَ الْقَمَرُ (8)﴾. أي ذهب ضوءه. قاله ابن عباس [[لم أعثر على مصدر لقوله.]]، والجماعة [[وهو قول: قتادة، والحسن. انظر: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 333، و"جامع البيان" 29/ 180، و"تفسير الحسن البصري" 379.
وإلى هذا القول ذهب: أبو عبيدة، والفراء، والسمرقندي، والزجاج، والماوردي. وانظر: "مجاز القرآن" 2/ 277، و"معاني القرآن" 3/ 209، و"بحر العلوم" 3/ 426، و"معاني القرآن وإعرابه" 5/ 252. "النكت والعيون" 6/ 153.
وإليه ذهب البغوي، والقرطبي، والخازن، وابن كثير.
انظر: "معالم التنزيل" 4/ 422، و"الجامع لأحكام القرآن" 19/ 95، و"لباب التأويل" 4/ 334، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 478. والخسف في اللغة: أجل يدل على غموض وغُؤُور، وإليه يرجع فروع الكلام. "معجم مقاييس اللغة" 2/ 180 (خسف).]].
﴿وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ (9)﴾ كالبعيرين القرينين. قاله مقاتل [["تفسير مقاتل" 218/ أبمعناه، وعبارته: كالبقرتين المقرونتين.]].
وقال الكلبي: كالثورين العقيرين [[العقيرين: العقر عند العرب: كَسْف عرقوب البعير، ثم جعل النحر عقرًا؛ لأن العَقْر سبب لنحره "تهذيب اللغة" 1/ 215: مادة: (عقر)، وقد ورد في "بحر العلوم" كالثورين المقرنين - من غير عزو: 3/ 426.]] [[لم أعثر على مصدر لقوله، وبنحوه قال ابن مسعود، قال: جمعا كالبعيرين القرينين. "زاد المسير" 8/ 135.]].
وقال الفراء [["معاني القرآن" 3/ 209.]]، والزجاج [["معانى القرآن وإعرابه" 5/ 252]]: أي جُمِعَا في ذهاب نُورِهما.
وقال الفراء: وإنما قال (جُمع) ولم يقل: جمعت لهذا؛ لأن المعنى: جمع بينهما [["معاني القرآن وإعرابه" 5/ 252 بنصه.]].
وقال الكلبي [[بياض في (ع).]]: المعنى: جُمع النوران، أو الضياءان [[لم أعثر على مصدر لقوله.]].
وقال أبو عبيدة: لتذكير القمر [["مجاز القرآن" 2/ 277 بنصه.]]. يعني أن القمر شارك الشمس في المجمع" فلما شاركها مذكر، كان القول فيه جُمَع.
ولم يرتض الفراء هذا القول، وقال: قيل لمن قال هذا: كيف تقولون: الشمس جُمَع والقمر؟ فقالوا: جُمِعت، ورجعوا عن ذلك القول [["معاني القرآن" 3/ 210 بيسير من التصرف.]].
قوله: ﴿يَقُولُ الْإِنْسَانُ﴾، يعني: المكذب بيوم القيامة.
﴿أَيْنَ الْمَفَرُّ﴾ أي الفرار. قال الأخفش [["معاني القرآن" 2/ 720 - 721 نقله عنه بالمعنى.]]، (وأبو إسحاق [["معاني القرآن" 5/ 252 نقله عنه بالمعنى.]] [[ساقطة من (أ).]]: عند جميع أهل العربية أن المصدر من فعل، يفعل، مفتوح العين، وقراءة العامة: (الْمَفَر) بفتح الفاء [[لم أجد قراءة العامة في الكتب التي تعني بذكر القراءات المتواترة. وإنما وجدتها في كتب التفسير: "جامع البيان" 29/ 180، و"بحر العلوم" 3/ 426، و"الكشف والبيان" 13: 5/ ب، و"زاد المسير" 8/ 135، و"البحر المحيط" 8/ 386.]]، فيكون معناه الفرار.
والمفسرون يقولون في تفسيره: المهرب، والملجأ [[وهو قول الثعلبي في "الكشف والبيان" 13/ 5/ ب، وزاد الواحدي لفظة: (الملجأ)، والمارودي في "النكت والعيون" 6/ 153.]]، فيكون ذلك على قراءة من قرأ: (المفِر) بكسر الفاء [[قرأ بذلك: ابن عباس، وعكرمة، وأيوب السختياني، والحسن، وآخرون.
انظر: "المحتسب" لابن جني: 2/ 341، و"إتحاف فضلاء البشر" للبنا: 428، و"بحر العلوم" 3/ 426.
وهذه القراءة شاذة، لعدم صحة سندها ، ولعدم ذكرها في كتب القراءات، ووجودها ضمن الشواذ في كتب الشواذ، ولقراءة الحسن البصري، وهو مما اشتهر عنه الشاذ، والله أعلم.]]؛ لأن المكسور العين من هذا الباب معناه: الموضع.
قال الفراء - (فيما حكى عنه ابن السكيت) [[ما بين القوسين ساقطة من (أ).]] -: ما كان على (فعل)، (يفعل)، فالْمَفْعَل منه إذا أردت الاسم مكسورًا، وإذا أردت المصدر فهو (المفعل) بفتح العين، المدِبُّ، والمدَبُّ، والمفِر، والمفَر.
(وقال في المعاني: هما لغتان: المفِر، والمفَرُّ) [[ما بين القوسين ساقط من (أ).]]، وما كان (يفعِل) منه مكسور العين مثل: يفِر، ويدِب، ويصِحُّ، فالعرب تقول: مَفِر، ومَفَر، (ومَدَب، ومَدِب، ومَصَح، ومَصِح، فعلى هذا: المفِر، والمفَر) [[ما بين القوسين ساقط من (أ).]] كلاهما للموضع [["معاني القرآن" 3/ 210 بتصرف.]].
القيامة 75:11
قال الله تعالى: ﴿كَلَّا لَا وَزَرَ (11)﴾ قال الليث: الوزر: جبل حصين يلجأ إليه القوم فيمنعهم يقال: مَا حصن ولا وزر [[لم أعثر على مصدر لقوله، وقد جاء في "الصحاح" الوَزَر: الملجأ، وأصل الوزر: الجبل المنيع، وكل معقل وزر: 2/ 845: مادة: (وزر)، وانظر: "لسان العرب" 5/ 282: مادة: (وزر).]]. قال العجاج: وَعَهْدَ عُثمانَ وعَهْدَ عُمَر ... وعَهْدَ إخوانٍ هُمُ كانُوا وَزَر [["ديوانه" 6 تح: عزة حسن، برواية: وعهدًا من عمر. ومعنى الوزر: الملجأ.]]
وقال أبو عبيدة: (الوزر) الجبل، (لا وزر) لا جبل، وأنشد [[البيت لابن الذئبة.]]:
لَعَمْرُكَ ما لِلْفَتَى مِنْ وَزَرْ ... مِنَ الموتِ يلحقه والْكِبَرْ [[وقد ورد في "المجاز" (ينجيه) بدلًا من: (يلحقه) 2/ 277.]] [[ما بين القوسين من قول أبي عبيدة في "مجاز القرآن" 2/ 277 بتصرف يسير.]]
قال المبرد [["التفسير الكبير" 30/ 221.]] والزجاج [["معاني القرآن وإعرابه" 5/ 252.]]: أجل الوزر: الجبل المنيع، يقال لكل ما التجأت إليه وتحصنت به: وزر، وأنشد (المبرد) [[انظر: "الكامل" 2/ 614، و"المقتضب" 4/ 397.]] [[ساقطة من (أ).]] لكعب [[في (ع): قول كعب.]] بن مالك، في النبي [[في (ع): للنبي.]] -ﷺ- [[في (أ): قوله تعالى، وهو خطأ.]]:
الناس ألْبٌ علَيْنا فيكَ لَيْسَ لَنا ... إلا السُّيوفَ وَأطْرافَ القَنَا وَزَرُ [[وقد ورد البيت أيضًا غير منسوب في: "كتاب سيبويه" 2/ 336، و"شرح أبيات سيبويه" للنحاس 148: ش: 524، و"الإنصاف" 2/ 276 ش: 164، و"المفصل" 2/ 79 منسوب، و"التفسير الكبير" 30/ 221 برواية (ألت) بدلا من (ألب).
ومعنى البيت: ألب: أي مجتمعون متألبون قد تضافروا على خصومتنا، وإرادة النيل منا، الوزر: بفتع الواو والزاي جميعًا: الحصن والملجأ، وأصل معناه: الجبل - حاشية "الإنصاف" 1/ 276.]]
والمعنى: لا شيء يعتصم به من أمر الله. قال عطاء عن ابن عباس: لا جبل يوم القيامة يستندون إليه [[لم أعثر على مصدر لقوله.]].
وقال الكلبي: لا جبل، ولا [شجر] [[في كلا النسختين: حمر، ولا معنى له، وقد ورد لفظة الشجر في "بحر العلوم" 3/ 426 من غير عزو.]] يواريه من النار [[لم أعثر على مصدر لقوله.]].
وجميع المفسرين يقولون: لا جبل، ولا حصن، ولا ملجأ من الله [[قال بذلك: ابن عباس، ومُطرف بن الشخير، والحسن، ومجاهد، وأبو قلابة، وقتادة، وسعيد بن جبير، والضحاك، وابن زيد، والسدي. وابن مسعود ومقاتل. انظر: "تفسير مقاتل" 218/ أ، و "تفسير عبد الرزاق" 2/ 333، و"جامع البيان" 29/ 181 - 282، و"بحر العلوم" 3/ 426، و"الكشف والبيان" 13: 5/ ب، و"معالم التنزيل" 4/ 422، و"النكت والعيون" 6/ 154. وممن قال بذلك أيضًا: أبو عبيدة في "غريب القرآن" 142، واليزيدي في "غريب القرآن" 401، وابن قتيبة في "تفسير غريب القرآن" 499، والسجستاني في "نزهة القلوب" 468، مكي بن أبي طالب في "العمدة في غريب القرآن" 325، والخزرجي في "نص الصباح" 2/ 748 كما ذهب إليه الطبري: "جامع البيان" 29/ 181، والسمرقندي في "بحر العلوم" 3/ 426، والماوردي في "النكت والعيون" 6/ 154، وقد رواه البخاري معلقًا: 3/ 318: كتاب التفسير 75، ولم أجد من خالف هذا القول من جميع المفسرين.]].
قال الحسن: كانت العرب تغير بعضها على بعض، فكان الرجلان يكونان في ماشيتهما، ولا يشعران حتى يأتيهما الخيل، فيقول الرجل لصاحبه: الوزر، الوزر، الجبل، الجبل [["جامع البيان" 29/ 182، و"الدر المنثور" 8/ 345، وعزاه إلى عبد بن حميد، وابن المنذر. وانظر: "تفسير الحسن البصري" 2/ 379.]].
القيامة 75:12
قوله تعالى: ﴿إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ (12)﴾ قال ابن عباس: يريد المصير [[لم أعثر على مصدر لقوله.]].
يعني أن كل أحد يرجع إليه، وأمره يصير إليه، كما قال: ﴿إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى (8)﴾ [العلق: 8]، ﴿وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (28)﴾ [آل عمران: 28]، وقال: ﴿أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ (53)﴾ [الشورى: 53]، وقال مقاتل: يقول: ﴿إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ (12)﴾ [القيامة: 12] [[في كلا النسختين: المنتهى، وهو خطأ.]] لا يجد عنها مرحلًا [["تفسير مقاتل" 218/ أ، و"الكشف والبيان" 13: 6/ أ.]].
القيامة 75:13
قوله تعالى: ﴿يُنَبَّأُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ (13)﴾ اختلفوا في معنى هذا التقديم والتأخير، فذهب قوم إلى أن التقديم هو لما عمله في حياته، أيَّ عمل كان من طاعة أو معصية، والتأخير لما آخره بعد موته من سنة صالحة أو سيئة يقتدى بها بعده. وهو قول ابن عباس [["جامع البيان" 29/ 183 بمعناه، و"الكشف والبيان" 13: 6/ أ، و"النكت والعيون" 6/ 154، و"معالم التنزيل" 4/ 422، و"زاد المسير" 8/ 136، و"الجامع لأحكام القرآن" 19/ 97، و"التفسير الكبير" 30/ 222، و"لباب التأويل" 4/ 334.]]، وابن مسعود [[المراجع السابقة عدا "لباب التأويل".]]، ومقاتل [["تفسير مقاتل" 218/ أ.]]، والكلبي.
وقال زيد بن أسلم: بما قدَّم من أحواله لنفسه، وما تأخر خلفه للورثة [["الكشاف والبيان" 13/ 6/ أ، و"معالم التنزيل" 4/ 422، و"المحرر الوجيز" 5/ 404، و"زاد المسير" 8/ 136، و"الجامع لأحكام القرآن" 19/ 97، و"البحر المحيط" 8/ 386.]].
ومنهم من جعلهما جميعًا في حال حياته. وهو قول إبراهيم [["جامع البيان" 29/ 184، و"الدر المنثور" 8/ 346، وعزاه إلى ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد.]]، ومجاهد [["جامع البيان" 29/ 184، و"الكشف والبيان" 13/ 6/ أ، و"النكت والعيون" 6/ 154، و"معالم التنزيل" 4/ 422، و"زاد المسير" 8/ 136، و"التفسير الكبير" 30/ 221، و"الجامع لأحكام القرآن" 19/ 97، و"البحر المحيط" 8/ 386.]] قالا: ﴿بِما قَدَّم﴾ أي بأقل عمله في أول عمره، وبما أخر، بما عمل في آخر عمله. وهو قول عطاء، ونحو هذا قال قتادة [["الكشف والبيان" 13/ 6/ أ، و"معالم التنزيل" 4/ 422.]] في التقديم والتأخير، إلا أنه قال: (ما قدم) من عمل من طاعة الله، (وما أخر) ما ضيع من حق الله، وقصر فيه فلم يعمله.
وقال ابن زيد: بما قدم من عمل من خير أو شر، وما أخر من طاعة فلم يعمل بها [[المرجعان السابقان، و"جامع البيان" 29/ 184، و"النكت والعيون" 6/ 154.]]. ونظير هذه الآية قوله: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ (5)﴾ [الانفطار: 5].
القيامة 75:14
وقوله تعالى: ﴿بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ (14)﴾ أي شاهد. يعني: أن جوارحه تشهد عليه بما عمل، فهو شاهد على نفسه شهادة جوارحه. وهذا قول ابن عباس [["جامع البيان" 29/ 284.]]، وعطاء [["جامع البيان" 29/ 185، و"الكشف والبيان" 13: 6/ ب، و"النكت والعيون" 6/ 154، و"لباب التأويل" 4/ 334، و"الدر المنثور" 8/ 347 وعزاه إلى ابن المنذر، وابن أبي حاتم.]]، والكلبي [["الكشف والبيان" 13/ 6/ ب، و"معالم التنزيل" 4/ 423.]]، ومقاتل [[المرجعان السابقان.]]، وسعيد بن جبير [["تفسير مقاتل" 218/ أ، وانظر السابق، وانظر: "التفسير الكبير" 30/ 222.]]، ومجاهد [[لم أعثر على مصدر لقوله.]]، وقتادة [[لم أعثر على مصدر لقوله. وانظر: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 334، و"جامع البيان" 29/ 185، و"ابن كثير" 4/ 478.]]، والجميع [[وإلي هذا ذهب أيضا ابن قتيبة. انظر: "تفسير غريب القرآن" 500، وذكر الطبري وغيره قولًا آخر في معنى: (بصيرة) قال: معناه بصير بعيوب الناس غافل عن عيب نفسه فيما يستحقه لها وعليها من ثواب وعقاب. وهذا قول الحسن، وقتادة. انظر: "جامع البيان" 29/ 185، و"النكت والعيون" 6/ 154، و"الجامع لأحكام القرآن" 19/ 99. كما ذكر القرطبي قولًا ثالثًا، قال: وقيل: المراد بالبصيرة: الكاتبان اللذان يكتبان ما يكون فيه من خير وشر. قاله ابن عباس. "الجامع لأحكام القرآن" 19/ 98، وانظر: "المحرر الوجيز" 5/ 404، وبهذين القولين يتبين أن ليس الجميع قال بما ذكره الواحدي، وإن كان القول الثالث يدخل ضمن شهادة الجوارح والنفس عليه، وهذا من منهج الواحدي في تقريره للإجماع أو العزو إلى المفسرين أو الجميع، فما خالف الجمع فإنه لا يعتبره مخالفًا بل قول منفرد لا يؤثر على الإجماع، والله أعلم.]]، (وهذا كقوله: ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ﴾ [النور: 24]، وقوله: ﴿وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ﴾ [يس: 65]، وقوله: ﴿عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ﴾ [فصلت: 20]. فأعلم الله أن هذه الجوارح شواهد على الإنسان) [[ما بين القوسين نقله بتصرف عن الزجاج، انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 5/ 252 - 253.]].
قال الفراء: يقول على الإنسان من نفسه بصيرة -يعني- رقباء يشهدون عليه بعمله: اليدان، والرجلان، والعينان، والذكر [["معاني القرآن" 3/ 311 بنصه.]].
فأمَّا تأنيث (البصيرة) فيجوز أن يكون؛ لأن المراد بالإنسان -هاهنا - الجوارح؛ لأنها شاهدة على نفس الإنسان، كأنه قيل: بل الجوارح على نفس الإنسان بصيرة.
وقال أبو عبيدة: جاءت هذه الهاء في صفة الذكر، كما جاءت: رجل راوية، وعلامة، وطاغية [["مجاز القرآن" 2/ 277 بزيادة: رجل.]].
وقال الأخفش: جعله هو البصيرة، كما تقول للرجل: أنْتَ حُجَّةٌ عَلى نَفْسِكَ [[بياض في (ع).]] [["معاني القرآن" 2/ 721 بنصه.]].
وقد أخبر الله -تعالى- في الآية الأولى أن الإنسان يخبر يوم القيامة بأعماله، ثم ذكر في هذه الآية أنه شاهد على نفسه بما عمل، ويكون هذا من صفة الكفار، فإنهم ينكرون ما عملوا، فيختم الله على أفواههم، وتنطق جوارحهم.
القيامة 75:15
قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ (15)﴾ جمع معذرة، يقال: معذرة، ومعاذر، ومعاذير.
قال المفسرون: يعني لو اعتذر. وهو قول ابن عباس [["تفسير عبد الرزاق" 2/ 334، و"جامع البيان" 29/ 185، و"زاد المسير" 8/ 136 حكاه عن الأكثرون، و"الدر المنثور" 8/ 347 وعزاه إلى ابن المنذر.]]، وقتادة [["جامع البيان" 29/ 186، و"النكت والعيون" 6/ 155 بمعناه، و"معالم التنزيل" 4/ 423، و"زاد المسير" 8/ 136 حكاه عن الأكثرين، و"الجامع لأحكام القرآن" 19/ 99، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 478 بمعناه، و"الدر المنثور" 8/ 347 وعزاه إلى عبد الرزاق -ولم أجد عنده-، وعبد حميد، وابن المنذر، و"فتح القدير" 5/ 338.]]، ومجاهد [[المراجع السابقة عدا النكت، والدر. انظر كشف البيان: 13: 7/ أ.]]، ومقاتل [["تفسير مقاتل" 218/ أ، و"الكشف والبيان" 13: 7/ أبمعناه، و"زاد المسير" 8/ 136 حكاه عن الأكثرين، و"الجامع لأحكام القرآن" 19/ 99، و"فتح القدير" 5/ 338.]] وسعيد بن جبير [[المراجع السابقة، و"الدر المنثور" 8/ 347 وعزاه إلى ابن أبي شيبة، وانظر: "تفسير سعيد بن جبير" 362.]] قالوا: لو اعتذر وجادل عنها، فعليه من يكذب عذره، وأدلى بعذر وحجة لم ينفعه ذلك؛ لأن جسده عليه شاهد.
قال الفراء: أي وإن اعتذر فعليه من يكذب عذره [["معاني القرآن" 3/ 211 بنصه.]].
وقال الزجاج: ولو أدلى بكل حجة عنده [["معاني القرآن وإعرابه" 5/ 253 بنصه.]].
وقال (الضحاك) [["جامع البيان" 29/ 186، و"الكشف والبيان" 13: 7/ أ، و"المحرر الوجيز" 5/ 404 بمعناه، و"زاد المسير" 8/ 136، و"الجامع لأحكام القرآن" 19/ 99.]] [[ساقطة من (أ).]]، والسدي [["الكشف والبيان" 13: 7/ أ، بمعناه، و"المحرر الوجيز" 5/ 404، و"زاد المسير" 8/ 136، و"الجامع لأحكام القرآن" 19/ 99، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 478، وانظر: "تفسير السدي" 468.]]: يعني لو أرخى الستور.
وذكر الفراء والزجاج والمبرد [[في (أ): بهذا.]] هذا القول، قال الفراء: جاء في التفسير: ولو أرخى ستوره [["معاني القرآن" 3/ 211 بنصه.]].
وقال الزجاج: المَعاذير: السُّتُور، واحِدُها: مِعْذار [["معاني القرآن وإعرابه" 5/ 253 بنصه]].
وقال المبرد هي: لغة يمانية [[لم أعثر عليه في "الكامل" ولا "المقتضب"، وقد ورد عنه منسوبًا إليه في "التفسير الكبير" 30/ 222، و"فتح القدير" 5/ 338.]].
والمعنى على هذا القول: أنه وإن أُسبل الستر لتخفى ما يعمل فإن نفسه شاهد عليه.
القيامة 75:16
قوله: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (16)﴾.
قال سعيد بن جبير عن ابن عباس: كان رسول الله -ﷺ- يعالج من التنزيل شدة [[قوله: التنزيل شدة: بياض في (ع).]]، وكان يشتد عليه حفظه، وكان إذا نزل عليه الوحي يحرك لسانه وشفتيه قبل فراغ جبريل من قراءة الوحي، مخافة ألا يحفظه [[في (ع): يحفظ.]]، فأنزل الله: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ﴾ يعني بالقراءة [[أخرج هذا الأثر البخاري في "الجامع الصحيح" 3/ 318: ح: 4927، 4928، 4929 بمعناه كتاب: التفسير: باب (75) سورة القيامة، ومسلم في "صحيحه" 1/ 330: ح: 147، 148: كتاب: الصلاة باب: الاستماع للقراءة، وأبو داود الطيالسي في "مسنده" 10/ 342: ح 2628، والإمام أحمد في "المسند" 1/ 343، والترمذي في "سننه" 5/ 430: ح 3329: كتاب: تفسير القرآن باب 721 ومن سورة القيامة. وقال: هذا حديث حسن صحيح، والنسائي في "سننه" 2/ 487: ح 934: كتاب الافتتاح باب 37 جامع ما جاء في القرآن، والطبراني في "المعجم الكبير" 11/ 458: ح: 12297، كما ورد في الأثر عن ابن عباس في "جامع البيان" 29/ 187 بمعناه، و"النكت والعيون" 6/ 155، و"معالم التنزيل" 4/ 423 ، و"زاد المسير" 8/ 137، و"الجامع لأحكام القرآن" 19/ 104، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 479، و"الدر المنثور" 8/ 348 وعزاه إلى عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن الأنباري في المصاحف، والطبراني وابن مردويه، وأبي نعيم، و"لباب القول" للسيوطي 225، وانظر: "دلائل النبوة" للبيهقي 7/ 56.]].
﴿لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ أي بالقرآن، كما قال: ﴿وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ﴾ [طه: 114]. والمعنى لتعجل بأخذه. ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ﴾، أي نجمعه في صدرك، وقراءته [[بياض في (ع).]] عليك؛ (قاله الكلبي) [[قراءته: كررت في نسخة: (ع).]] [[لم أعثر على مصدر لقوله، وقد ورد مثله في "الوسيط" غير منسوب 4/ 392.]].
وقال عطاء: (أي) [[ما بين القوسين ساقط من (أ).]] إن جبريل يستعيده عليك [[ساقطة من (أ).]].
وقال مقاتل (وقرآنه): يعني: ونقرئكه حتى تحفظه [[لم أعثر على مصدر لقوله.]].
قال الزجاج: إن علينا أن نقرئكه فلا تنسى [["تفسير مقاتل" 218/ أ.]]. كما قال: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى (6)﴾ [الأعلى: 6]. وعلى هذا معنى قوله: (قرآنه) أي وقراءتك إياه بأن نقرئكه، والقارئ هو النبي -ﷺ-، وعلى القول الأول: القارئ هو جبريل. وهذا الذي ذكرنا في قوله: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ﴾ هو قول مقاتل [["معاني القرآن وإعرابه" 5/ 253 برواية: (نقريك) بدلًا من: (نقريكه).]]، (ومجاهد [["تفسير مقاتل" 218/ أ.]]، وقتادة [[لم أعثر على مصدر لقوله.]]، وعطاء [[لم أعثر على مصدر لقوله.]]) [[ما بين القوسين ساقط من (أ).]]، والجميع [[قال بذلك أيضًا سيد بن جبير، والشعبى، وابن زيد، والضحاك. انظر: "جامع البيان" 29/ 187 - 188. وبه قال الفراء، والزجاج، وعزاه ابن عطية إلى كثير من == المفسرين، وقال به أيضًا ابن كثير. انظر: "معاني القرآن" 3/ 211، و"معاني القرآن وإعرابه" 5/ 253، و"المحرر الوجيز" 5/ 404، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 479. وقال آخرون: بل السبب الذي من أجله قيل له ذلك: أنه كان يكثر تلاوة القرآن مخافة نسيانه، فقيل له: لا تحرك به لسانك لتعجل به، إن علينا أن نجمعه لك، ونقرئكه، فلا تنسى. وهو قول ابن عباس، ومجاهد، والحسن، وقتادة، والضحاك. انظر: "جامع البيان" 29/ 188، و"المحرر الوجيز" 5/ 404.
وقال آخرون -وهو قول الشعبي- كان رسول الله -ﷺ- لحرصه على أداء الرسالة والاجتهاد في ذات الله تعالى، ربما أراد النطق ببعض ما أوحى إليه قبل كمال إيراد الوحي، فأمر ألا يعجل بالقرآن من قبل أن يقضي إليه وحيه. انظر: "المحرر" 5/ 404.]].
قال قتادة في قوله: (جمعه وقرآنه) حفظه [[غير مقروءة في نسخة: (ع).]]، وعلى هذا معنى القرآن: الجمع؛ من قولهم: ما قرأت الناقة سلا [[السلا: الجلدة الرقيقة التي يكون فيها الولد، يكون ذلك في الدواب والإبل وفي الناس: المشيمة، والمعنى ما حملت ملقوحًا. "النهاية في غريب الحديث والأثر" 2/ 396.]] قط، أي: ما جمعت.
(وقد ذكرنا ذلك عند تفسير القُرء [[[البقرة: 228] وما جاء في معنى (القروء) جمع قرء، وجمعه القليل أقرؤ، وأقراء، والكثير: قروء، وهذا الحرف من الأضداد؛ لأن أصل القرء اسم للوقت، والقروء الأوقات، واحدها قرء. وقال قوم: أصل القرء: الجمع، يقال: ما قرأت الناقة سلا قط، أي ما جمعت في رحمها ولدًا قط.]]) [[ما بين القوسين ساقط من (أ).]].
قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ﴾. قال ابن عباس: فإذا قرأه جبريل [["الوسيط" 4/ 393.]] ومقاتل: فإذا تلوناه عليك بجبريل [["تفسير مقاتل" 218/ أ.]]. ﴿فَاتَّبِعْ [[بياض في (ع).]] قُرْآنَهُ﴾. قال: يعني: فاتبع ما فيه كما نقرئكه [["تفسير مقاتل" 218/ أ، وقد ورد بمعناه في "الوسيط" ع: 393 من غير عزو.]]. ونحو هذا قال قتادة: يقول: فاتبع حلاله وحرامه [["تفسير عبد الرزاق" 2/ 334، و"جامع البيان" 29/ 190، و"المحرر الوجيز" 5/ 405، و"زاد المسير" 8/ 137، و"الدر المنثور" 8/ 348 وعزاه إلى عبد بن حميد، وابن المنذر.]]. وأجود من هذا أن يكون المعنى: فاتبع قرآنه، أي: اقرأه إذا فرغ جبريل من قراءته. وهذا أولى؛ لأنه أمر أن يدع القراءة [[بياض في (ع).]]، ويستمع من جبريل، حتى إذا فرغ جبريل قرأه، وليس هذا موضع الأمر باتباع ما فيه من الحلال والحرام.
وهذا معنى قول ابن عباس في رواية سعيد بن جبير قال: يقول: إنا أنزلناه فاتبع له، فكان النبي -ﷺ- إذا نزل عليه جبريل بعد هذا أطرق، فإذا ذهب فرأه كما وعده الله [[الأثر أخرجه البخاري 3/ 318: ح: 4929 كتاب: التفسير باب 75 سورة القيامة، ومسلم 1/ 330: ح: 147 - 148: "كتاب الصلاة" باب الاستماع للقراءة، كما أخرجه أبو داود الطيالسي في "مسنده" 10/ 342: ح 2628، والنسائي في "سننه" 2/ 487: ح: 934: كتاب: الافتتاح باب: 37 جامع ما جاء في القرآن.]]. وقال [[أي ابن عباس.]] أيضًا: فاتبع قرآنه، واستمع له، وأنصت، قال: فإذا أتاه جبريل استمع، فإذا انطلق جبريل قرأه [[سبق تخريجه.]]. وعلى هذا أتبع قراءة [[في (أ): قرة.]] جبريل بالاتباع [[قوله: جبريل بالاتباع: بياض في (ع).]]. وعلى القول الأول: أتبع قراءته بقراءتك.
وذكر أبو علي في "المسائل الحلبية" هذه الآية فقال: (قوله تعالى: ﴿لَا تُحَرك بِهِ لِسَانَكَ﴾، إنا سنحفظه عليك. وهذا في المعنى مثل قوله: ﴿وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ﴾ [طه: 114]، وليس المراد بقوله: ﴿جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾ القرآن الذي هو اسم التنزيل، وإنما أضمر [في قوله: ﴿لَا تُحَرِك بِهِ لِسَانَكَ﴾، وإن لم يجر له ذكر لدلالة الحال عليه، كما أضمر] [[ساقط من النسختين، وأثبته من المسائل الحلبية لاكتمال واتضاح المعنى بوجوده.]] في قوله: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (1)﴾ [القدر: 1]، وإن كان أول سورة، ولم يجر له ذكر، وإذا كان الذكر المضاف إليه المصدر في قوله: (وقرآنه) راجعًا إلى التنزيل ثبت أن المصدر ليس عبارة عنه؛ لأن الشيء لا يضاف إلى نفسه، ألا ترى أنك لا تقول: رجلُ زيدٍ، وأنت تعني بـ: (رجل) زيدًا [[في كلا النسختين: زيد.]] نفسه، وإنما أضيف المصدر إلى المفعول هاهنا: المعنى: جمعنا إياه، وقراءتنا إياه. وكذلك التقدير في قوله: ﴿فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾، ومجاز الآية على قول أبي عبيدة: جمعه وتأليف بعضه إلى بعض [["مجاز القرآن" 2/ 278، وذكر بيت عمرو بن كلثوم.]]، من قوله: (ما قرأت هذه الناقة سلا قط، أي [[في (أ): أن.]] إني لم تضم، ولم تجمع. وبيت عمرو بن كلثوم:
لم تَقْرَأ جَنِينا [[البيت كاملاً:
ذِراعَيْ عَيْطَلٍ أدْماءَ بِكْرٍ ... هِجانِ اللَّوْنِ لم تَقْرأْ جَنِينا
ورد البيت في "شعر عمرو بن كلثوم" إعداد: طلال حرب: 25، "شرح المعلقات السبع" للزوزني 169، و"شرح المعلقات العشر" للشنقيطي 139، و"مجاز القرآن" 2/ 278، و"المحرر الوجيز" 5/ 404، و"روح المعاني" 29/ 142. == ومعنى البيت: العيطل: الطويلة العنق من النوق. الأدماء: البيضاء منها، والأدمة البياض في الإبل. البكر: الناقة التي حملت بطنًا واحداً، الهجان: الأبيض الخالص البياض. لم تقرأ جنينًا، أي: لم تضم في رحمها ولدًا. شرح المعلقات السبع. مرجع سابق، انظر: "ديوانه" 25 والذي ورد في ديوانه برواية:
ذِرَاعَا عِيْطَلٍ أدْمَاءَ بكرٍ ... تَرَبَّعَتِ الأجَارعَ والْمُتُونَا
أما ما روي عنه في شرح المعلقات وغيرها ووضح ذلك في ديوانه، فهي رواية:
ذراعي عيطل أدماء بكر ... هجان اللون لم تقرأ جنينا]] وإنما حسن ذكر الجمع والقرآن؛ لأن المجى عام، والقرآن أخص منه، فإنك تقول: جمعت الناس والمال. ولا تقول: قرأت الناس، بمعنى جمعت، فإذا دخل القرآن الاختصاص الذي ليس في الجمع حسن التكرير، كما أنك لو قلت: أعلمت زيدا وأنذرته، حسن؛ لاختصاص الإنذار بمعنى التخويف المتعري منه: (أعْلَمْت) وإذا استجيز استعمال لفظين مختلفين بمعنى واحد، نحو (أقوى) و (أفقر)، فهذا النحو الذي يختص فيه إحدى الكلمتين، بمعنى ليس في الأخرى [[في (أ): الأخرا.]] أجدر أن يستحسن) [[ما بين القوسين من "المسائل الحلبية" باختصار: 290 - 293.]].
القيامة 75:19
قوله: ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ (19)﴾، قال عطاء عن ابن عباس: ثم إن علينا تفسير ذلك [[لم أعثر على مصدر لقوله.]]، وقال مقاتل: علينا أن نبين لك حلاله وحرامه [["تفسير مقاتل" 218/ أ.]]. وأجود من هذا، ما روي عن ابن عباس ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ (19)﴾: بلسانك [["جامع البيان" 29/ 191، و"النكت والعيون" 6/ 156، و"معالم التنزيل" 4/ 423، و"زاد المسير" 8/ 137، و"الدر المنثور" 8/ 348.]].
أي علينا أن [نحفظه] عليك حتى تبين للناس بتلاوتك وقراءتك عليهم.
وهذا أولى من بيان الحلال والحرام؛ لأن بيان ذلك (كان) [[في كلا النسختين: نحفظ، وما أثبته من "الوسيط"، وبه تستقيم العبارة]] يحصل للنبي -ﷺ- عند قراءة جبريل، واستماعه منه، وما كان يتأخر البيان عن ذلك الوقت. وقد ذكر الكلبي المراد بهذا البيان، بيان ما أُجملَ [[ساقطة من (أ).]] في القرآن من الصلاة والزكاة [[في (أ): احتمل.]]، فقال: ثم نزل عدد الصلوات الخمس قبل خروج النبي -ﷺ- من مكة إلى المدينة بسنة للظهر أربعًا، وكذلك العصر والعشاء، والمغرب ثلاثًا [[بياض في (ع).]]، والفجر ركعتين، وذكر أيضًا تفصيل الزكاة من المواشي والنقود.
والبيان [[لم أعثر على مصدر لقوله.]] يجوز أن يكون مطاوعًا من أن الشيء بين إذا ظهر، ويجوز أن يكون اسمًا من التبيين، فقام مقام المصدر كالأداء والسراج.
وذكر أبو إسحاق معنى آخر فقال: أي [[في (أ): أن.]] علينا أن ننزله قرآنًا عربيًّا غير ذي عوج، فيه بيان للناس [["معاني القرآن وإعرابه" 5/ 235 بنصه.]].
قوله: ﴿كَلَّا﴾ قال عطاء عن ابن عباس: أي: لا يؤمن أبو جهل بتفسير ذلك [["الجامع لأحكام القرآن" 19/ 105.]]، يعني بتفسير القرآن وبيانه.
وقال مقاتل: كلا لا يصلون، ولا يزكون [["تفسير مقاتل" 218/ أ.]].
﴿بَلْ تُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ (20) (وَتَذَرُونَ) الْآخِرَةَ [[ساقطة من (ع).]]﴾ (يعني كفار مكة يحبون الدنيا ويعملون بها ويذرون العمل للآخرة فيؤثرون الدنيا عليها. ونحو هذا قال الكلبي قال: (وتذرون الآخرة) أي الجنة [[لم أعثر على مصدر لقوله.]] [[ما بين القوسين ساقط من (أ).]].
(وقرئ: تحبون وتذرون) [[ما بين القوسين ساقط من (أ).]]، بالياء والتاء [[قرأ ابن كثير، وابن عامر، وأبو عمرو، ويعقوب، (بل تحبون)، (وتذرون) بالتاء جميعًا. وقرأ الباقون بالياء جميعًا. انظر: "الحجة" 6/ 345 - 346، و"المبسوط" 388، و"حجة القراءات" 736، و"البدور الزاهرة" 330.]].
قال الفراء: والقرآن يأتي على أن يخاطب المنزل عليهم أحيانًا، وحينًا يُجعلون كالغيب، كقوله: ﴿حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ﴾ [يونس: 22] [["معاني القرآن" 3/ 211 - 212 بنصه.]].
وقال أبو علي: الياء على ما تقدم من ذكر الإنسان. والمراد بالإنسان الكثرة، وليس المراد به واحداً، إنما المراد الكثرة والعموم؛ لقوله: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا (19)﴾ [المعارج: 19] ثم قال: ﴿إِلَّا الْمُصَلِّينَ (22)﴾ [المعارج: 22]، فـ (الياء) حسن لتقدم [[في (ع): للتقدم.]] ذكر الإنسان: والمعنى: هم يحبون ويذرون، والتاء على: قُلْ لهم: بل تحبون وتذرون [["الحجة" 6/ 346 بتصرف يسير.]].
وذكرنا تفسير: (العاجلة) عند قوله: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ﴾ [[[الإسراء: 18] وقد جاء في تفسير الآية: (قال المفسرون: أي الدنيا، والعاجلة نقيض الآجلة، وهي الدنيا عجلت، وكانت قبل الآخرة).]].
قوله: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ﴾ يعني: يوم القيامة، وقد سبق ذكره في مواطن [[في (ع): مواضع.]] من هذه السورة [[انظر الآيتين: 10، 12 من هذه السورة.]].
(وقوله) [[ساقطة من (أ).]]: ﴿نَّاضِرَةٌ﴾ قال الليث: نَضَر اللوْنُ، والشجر، والورق، يَنْضُر نَضْرة [["تهذيب اللغة" 12/ 9: مادة: (نضر).]].
والنضرة: النعمة، والناضر [[في (ع): الناظر.]]: الناعم الغض؛ الحسن من كل شيء، ومنه يقال: اللون [[في (أ): للون.]] إذا كان مشرقًا ناضرًا [[في (ع): ناظر.]]، فيقال: أخضر ناضر [[في (ع): ناظر.]]، وكذلك في جميع الألوان. ومعناه الذي له بريق من صفائه، وكذلك يقال: شجر ناضر، وروض ناضر [[انظر مادة: (نضر) في "لسان العرب" 5/ 212، و"القاموس المحيط" للفيروزأبادي: 2/ 143.]].
(وأنشد أبو عبيدة [[لم أجده في "المجاز".]] لجرير) [[ما بين القوسين ساقط من (أ).]] قال: طَرِب الحمام بذي الأراك وهاجني ... [لازلت] [[في (أ): لا راك، وبياض في (ع)، وأثبت الصواب من ديوان جرير.]] في غَلَلٍ وأَيْك ناضرٍ [[في (ع): ناظر.]] [["ديوانه" 236: دار بيروت برواية: (فهاجني)، و (لا زِلتَ).
الغَلَلُ: ما تَغَلَّل من الماء الجاري بين الشجر. والأيك: الشجر الملتف. انظر شرح "ديوانه" 304: دار الأندلس.]]
(قال شَمِر: سمعت) [[ما بين القوسين ساقط من (أ).]] ابن الأعرابي يقول: (نَضره اللهُ، فَنَضَرَ يَنْضُر، ونَضِر ينْضُر، ومنه قوله -ﷺ-: "نَضَّرَ الله امرأ [[في (ع): عبدًا.]] سمع مقالتي" [[الحديث أخرجه: أبو داود في "سننه" 2/ 315: باب فضل نشر العلم، ونص الحديث كما هو عنده: (نضر الله امرأً سمع منا حديثًا فحفظه حتى يبلغه. فرب حامل حقه إلى من هو أفقه منه، ورب حامل فقه ليس بفقيه)، والدارمي 1/ 80 ح: 233، 234: المقدمة، والإمام أحمد 1/ 437، 3/ 225، 4/ 80، 82، وابن ماجه 1/ 49 ح: 243 - 244 - 246: المقدمة: باب من بلغ علمًا 21، 2/ 188 ح: 3091 - 3092: في المناسك: باب الخطبة يوم النحر، والترمذي 5/ 33 - 34 ح: 2656 كتاب العلم باب ما جاء في الحديث عن تبليغ السماع 7، وقال عنه: حديث حسن، وانظر: "مجمع الزوائد" للهيثمي: 1/ 137 - 138: باب في سماع الحديث وتبليغه: وقال: رواه الطبراني في "الكبير" 2/ 127: ح: 1543 - 1544، ورجاله موثقون إلا أني لم أر من ذكر محمد بن نصر شيخ الطبراني في الأوسط والحديث صحيح عند الألباني، انظر: "صحيح ابن ماجه" 1/ 44 - 45 ح 187: باب 18، و"سلسلة الأحاديث الصحيحة" 1/ 145 ح 404.]] الحديث. أكثر الرواة رووا بالتخفيف [[وجدت في المراجع السابقة عن مراجع الحديث رواية (نَضَّر) بالتشديد، أما "المسند"، و (سنن الدارمي) ، و (الزوائد) فإنه لم تشكل فيها الأحاديث.]]، وروي عن الأصمعي فيه التشديد. وأنشد شمر قوله جرير في لغة من روى بالتخفيف: والْوَجْهُ لا حَسَنًا ولا مَنْضُورا [[في (ع): منظورً.]] [[تمام البيت:
وكأنما بَصقَ الْجَرَادُ بِليتِهَا ... فالوجه لا حسنًا ولا منضورا
وقد ورد في "ديوانه" 225: ط: دار بيروت؛ وفي مادة: (نضر) في "تهذيب اللغة" 12/ 8 - 9، و"لسان العرب" 5/ 213. ومعنى ليتها: صفحة عنقها. "ديوانه".]]
ومنضور (لا) [[ساقطة من (أ).]] يكون إلا من نضره بالتخفيف. (روى ثعلب عن) [[ما بين القوسين ساقطة من (أ).]] ابن الأعرابي: (نَضَر وجْهُه ونَضِر، ونَضُر، وأنْضَر، ونَضَرَهُ) [[ما بين القوسين ساقط من (أ)، وكتبت في نسخة: (ع) كلها بالظاء.]]: نضره الله بالتخفيف، (وأنضره، ونضره) [[ما بين القوسين ساقط من (أ).]] [[ما بين القوسين المزدوجين نقله الإمام الواحدي عن الأزهري بتصرف. انظر مادة: (نضر) "تهذيب اللغة" 12/ 8 - 9، و"لسان العرب" 5/ 213.]] قال ابن عباس: ناضرة [[في (أ): ناضر.]]: ناعمة [[لم أعثر على مصدر لقوله.]]
(وقال الكلبي: حسنة، بهجة، يعرف فيها النعمة [[لم أعثر على مصدر لقوله.]] [[ما بين القوسين ساقط من (أ).]].
وقال مقاتل: يعني الحسن والبياض ويعلوها [[في (أ): يعلوها.]] النور [["تفسير مقاتل" 218/ ب، و"الكشف والبيان" 13: 7/ ب، و"معالم التنزيل" 4/ 424.]].
وألفاظهم مختلفة في تفسير (الناضرة)، ومعناها واحد.
قالوا [[أي المفسرون، وممن قال بذلك: ابن زيد، ومجاهد، والسدي، وابن عباس، وعكرمة. انظر: "جامع البيان" 29/ 191، و"الكشف والبيان" 13: 7/ ب، و"معالم التنزيل" 4/ 424، و"النكت والعيون" 6/ 156، و "الدر المنثور" 8/ 349.]]: مسرورة، ناعمة، مضيئة، مشرقة، (مسفرة) [[ساقط من (أ).]]، بهجة؛ (كل هذا من ألفاظهم) [[ساقط من (أ).]].
(وقال أبو إسحاق: نُضِّرَت بنعيم الجنة، كما قال: ﴿تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ (24)﴾ [المطففين: 24] [["معاني القرآن وإعرابه" 5/ 253 مختصرًا.]] [[ما بين القوسين ساقط من (أ).]]
القيامة 75:23
قوله: ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (23)﴾. ذكرنا معاني النظر في سورة البقرة [[سورة البقرة: 55.]].
قال ابن عباس في رواية عطاء: يريد إلى الله ناظرة [["الكشف والبيان" 13: 7/ ب، و"زاد المسير" 8/ 138، و"لباب التأويل" 4/ 335، و"الدر المنثور" 8/ 350 بمعناه وعزاه إلى ابن مردويه، وانظر: "شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة" للالكائي 3/ 463.]].
وقال الكلبي: تنظر إلى الله يومئذ لا تحجب عنه [["الوسيط" 4/ 394.]].
وقال مقاتل: تنظر إلى ربها معاينة [["تفسير مقاتل" 218/ أ.]].
(وقال: عكرمة [["جامع البيان" 29/ 192، و"الكشف والبيان" 13: 7/ ب، و"زاد المسير" 8/ 138، و"الجامع لأحكام القرآن" 19/ 106، و"الدر المنثور" 8/ 349 وعزاه == إلى ابن المنذر، والآجري، واللالكائي، والبيهقي. "شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة" لللالكائي 3/ 464.]]، وإسماعيل بن أبي خالد: تنظر إلى ربها نظرًا [[ورد قوله في "جامع البيان" 29/ 192، و"الكشف والبيان" 13: 7/ ب.]] [[ما بين القوسين ساقط من (أ).]]. وقال الحسن: تنظر إلى الخالق، وحُقَّ لها أن تنظر، (وهي تنظر إلى الخالق) [[ورد قوله في المرجعين السابقين، و"تفسير الإمام مجاهد" 687، و"معالم التنزيل" 4/ 424، و"المحرر الوجيز" 5/ 405، و"زاد المسير" 8/ 138، و"لباب التأويل" 4/ 335، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 480، و"الدر المنثور" 8/ 350، وانظر: "تفسير الحسن البصري" 2/ 381.]] [[ما بين القوسين ساقط من (أ).]]. (وقال أبو إسحاق: نُضِّرت بنعيم الجنة، والنظر إلى ربها) [[ورد قوله في "معاني القرآن وإعرابه" 5/ 253.]] [[ما بين القوسين ساقط من (أ).]].
وروي عن مجاهد، وأبي صالح [[أبو صالح: هو: باذام، ويقال: باذان أبو صالح الكلبي، مولى أم هانئ بنت أبي طالب، روى عن ابن عباس، وعكرمة، وهو تابعي، وعامة ما يرويه تفسير ضعيف يدلس. انظر كتاب: الضعفاء والمتروكين للنسائي 61: ت: 74، كتاب: المجروحين لابن حبان 1/ 185، و"تهذيب الكمال" 4/ 6: ت: 636، و"تقريب التهذيب" 1/ 93: ت: 2.]] أنهما فسرا النظر في هذه الآية بالانتظار [[قال ابن كثير: ومن تأول ذلك -أي الرؤية إلى الله- بأن المراد بـ: (إلى) مفرد الآلاء وهي النعم، كما قال مجاهد: ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (23)﴾ قال: تنتظر الثواب من ربها، وكذا قال أبو صالح، فقد أبعد هذا الناظر النجعة، وأبطل فيما ذهب إليه، وأين هو من قوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (15)﴾، قال الشافعي -رحمه الله-: ما حجب الفجار إلا وقد علم أن الأبرار يرونه عز وجل ثم قد تواترت الأخبار عن == رسول الله -ﷺ- بما دل عليه سياق الآية الكريمة، وهي قوله تعالى: ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (23)﴾. "تفسير القرآن العظيم" 4/ 480.
كما بين ابن الجوزي عند عرضه أنواع التأويل الباطل من أنه يستحيل تأويل النظر في قوله تعالى: ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (23)﴾ بانتظار الثواب، قال: فإنه أضاف النظر إلى الوجوه بالنظرة التي لا يحصل إلا مع حضور ما يتنعم به، لا مع التنغيص بانتظاره، ويستحيل مع هذا التركيب تأويل النظر بغير الرؤيا، وإن كان النظر بمعنى الانتظار في قوله تعالى: ﴿انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ﴾ [الحديد: 13]، وقوله: ﴿فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ﴾ [النمل: 35]. "مختصر الصواعق المرسلة" 1/ 14 - 15.]].
قال مجاهد: تنتظر من ربها ما أمر لها به [["جامع البيان" 29/ 192، و"الكشف والبيان" 13: 8/ أ، و"النكت والعيون" 6/ 156، و"لباب التأويل" 4/ 335، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 380.]].
وقال أبو صالح: تنتظر الثواب من ربها [[المراجع السابقة عدا "الكشف والبيان"، و"النكت والعيون".]].
قال الأزهري -وهو الحكم في اللغة-: من قال: إن معنى قوله: ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (23)﴾ من الانتظار، فقد أخطأ؛ لأن العرب لا تقول: نظرت إلى الشيء بمعنى [[في (أ): معنى.]]: انتظرته، إنما تقول: نظرت فلانًا، أي انتظرته (كما) [[ساقطة من (أ).]] قال الحطيئة:
وقد نظرتكم أبناء صادرة [["ديوانه" 106: دار صادر، برواية:
وقد نظرتكم عشاء صادرة ... للخمس طال حبسي وتنساسي]]
فإذا قلت: نظرتُ إلى الشيء، فلا يكون إلا بالعين، وإذا قلت: نظرتُ في أمر كذا احتمل أن يكون تفكرًا فيه، وتدبرًا بالقلب [["تهذيب اللغة" 4/ 371 بتصرف يسير.]]. هذا كلامه.
ويشهد لصحة أن (النظر) [[غير مقروء في (ع).]] الوارد في التنزيل بمعنى الانتظار كثير، ولم يوصل في موضع بـ (إلى) كقوله: ﴿انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ﴾ [الحديد: 13]، وقوله: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ﴾ [الأعراف: 53] (هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله (والملائكة) [[ما بين القوسين ساقط من (ع).]]} [الأنعام: 158].
(والوجه) إذا وصف بالنظر، وعدي بـ (إلى) [[في (أ): عدي إلى.]] لم يحتمل غير الرؤية [[قال شارح الطحاوية: وإضافة النظر إلى الوجه الذي هو محله في هذه الآية وتعديته بأداة (إلى) الصريحة في نظر العين، وإخلاء الكلام من قرينة تدل على خلافه حقيقة موضوعة صريحة في أن الله أراد بذلك نظر العين التي في الوجه إلى الرب -جل جلاله-. انتهى كلامه. كما عد هذه الآية ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (23)﴾ من أظهر الأدلة على رؤية الله سبحانه وتعالى. انظر: "شرح العقيدة الطحاوية" 146 - 148.]]، وإن شق على من أنكر ذلك، والنظر يكون بمعنى نظر القلب، كما يقال: انظر إلى الله ثم إليك. على معنى: إنما أتوقع فضل الله. ثم فضلك، وإنما يجوز هذا إذا لم يسند إلى الوجه، فإذا أسند إلى الوجه لم يحتمل نظر القلب، ولا الانتظار، وإذا بطل المعنيان في هذه الآية لم يبق لنفاة الرؤية عليها كلام، والسنة الصحيحة في الأخبار المأثورة يعضد قول من فسر النظر في هذه الآية بالرؤية [[ومن الأحاديث في ذلك: ما أخرجه مسلم في "صحيحه" 1/ 163: ح 297: كتاب الإيمان: باب إثبات رؤية المؤمنين في الآخرة ربهم سبحانه وتعالى، والحديث عن صهيب عن النبي -ﷺ- قال: (إذا دخل أهل الجنة، قال: يقول الله تبارك وتعالى: تريدون شيئاً أزيدكم، فيقولون: ألم تبيض وجوهنا؟ ألم تدخلنا الجنة وتنجنا من النار؟ قال: فيكشف الحجاب، فما أعطوا شيئًا أحب إليهم من النظر إلى ربهم عز وجل". وانظر: == "سنن الترمذي" 1/ 687: ح: 2552: كتاب صفة الجنة: باب 16، ومن الأحاديث: عن جرير قال: كنا جلوسًا عند النبي -ﷺ- إذ نظر إلى القمر ليلة البدر، قال: سترون ربكم كم ترون هذا القمر، لا تضامون في رؤيته، فإن استطعتم ألا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس، وصلاة قبل غروب الشمس فافعلوا). أخرجه البخاري في "الجامع الصحيح" 4/ 390: ح: 7434: كتاب التوحيد: باب قول الله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (22) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (23)﴾. ومن الأحاديث أيضًا انظر: "الجامع الصحيح" للبخاري، المرجع السابق، و"صحيح مسلم" 1/ 64 - 166 كتاب الإيمان: باب معرفة طريق الرؤية، و"سنن أبي داود" 2/ 584: كتاب السنة باب في الرؤية، و"المسند" للإمام أحمد 2/ 275 - 293 - 368، و"سنن الترمذي" 4/ 688 - 689: ح: 2554: كتاب صفة الجنة: باب 17، وغيرها من الأحاديث، ولولا خشية الإطالة لأوردنا الأحاديث بطرقها وألفاظها من الصحاح، والحسان، والمسانيد، والسنن، وهذا بحمد الله مجمع عليه بين الصحابة والتابعين، وسلف هذه الأمة، كما هو متفق عليه بين أئمة الإسلام، وهداة الأنام. قاله في "تفسير القرآن العظيم" 4/ 480.]].
وسنذكرها في مسند التفسير [[وهو أحد مؤلفاته في التفسير، وقد نص عليه الإمام الواحدي مع كتب أخرى في هذا المجال في مقدمة "تفسير الوسيط". مقدمة "الوسيط" 1/ 6، ومقدمة هذا التفسير.]] إن شاء الله.
القيامة 75:24
قوله تعالى: ﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ (24)﴾ (قال ابن عباس [[لم أعثر على مصدر لقوله.]] و) المفسرون [[منهم الحسن، وقتادة، وابن زيد، والسدي، والكلبي. انظر: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 334، و"جامع البيان" 29/ 193، و"النكت والعيون" 6/ 157.]]: كالحة، عابسة، (كاشفة)، كئيبة، مصفرة، (متغيرة) [[الكلمات بين الأقواس ساقطة من (أ).]] اللون، كريهة، مقطبة [[مقطبة: قطب بين عينيه جمع، وقطب وجهه تقطيبًا: عبس. "مختار الصحاح" للرازي: 541. قطب.]]؛ كل هذا من ألفاظهم.
وذكرنا تفسير البسور عند قوله: ﴿عَبَسَ وَبَسَرَ﴾، وإنما كانت بهذه الصفة لأنها قد أيقنت أن العذاب نازل [[في (أ): نائل.]] بها، (وهو) [[ساقط من (أ).]] قوله تعالى: ﴿تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ (25)﴾ قال (أبو عبيدة) [[في كلا النسختين: أبو عبيد، ولعله سهو عن التاء المربوطة، إذ القول ورد عن أبي عبيدة في "المجاز"، ووجدت أيضًا نسبة القول إلى عبيدة في "الكشف والبيان" 13/ 8/ ب، و"التفسير الكبير" 30/ 230، و"البحر المحيط" 8/ 389، و"تهذيب اللغة" 9/ 116 مادة: (فقر).]]: الفاقرة: الداهية، وهو الوسم الذي يفقر به على الأنف [["مجاز القرآن" 2/ 278 ولم يذكر (به)، وقد ورد المعنى عنه، كما هو عند الواحدي في "تهذيب اللغة". المرجع السابق.]].
قال الأصمعي: (الفقر، أي: يُحَزُّ أنف العبير حتى يخلص إلى العظم أو قريب منه، ثم يُكوى عليه جرير [[جرير: الجَرير: حَبْل من أدم نحو الزمام، ويطلق على غيره من الحبال المضفورة. انظر: "النهاية في غريب الحديث" 1/ 259.]] يُذَلَّل بذلك الصعب، ومنه قيل: عملت به الفاقرة [[انظر: "مجمع الأمثال" للميداني: 2/ 372 رقم: 2540، ويراد به: أي عَمِلَ به عملاً كسر فقاره]] [[ما بين القوسين نقله الواحدي عن الأزهري في "تهذيب اللغة" 9/ 116 مادة: (فقر)، وانظر (اللسان) 5/ 62: مادة: (فقر).]]. وقال الليث: الفاقرة: داهية تكسر الظهر [["تهذيب اللغة": الموضع السابق.]].
قال المبرد: وترى أن أصلها من الفقرة، والفقارة، وهما واحدها، وجمعها فقار، وفقر، وكأن فاقرة داهية تقطع الظهر [["التفسير الكبير" 30/ 230.]].
وقال ابن قتيبة: يقال: فَقَرْتُ الرجل [[يقال ذلك إذا كسرت فقاره "تفسير غريب القرآن" لابن قتيبة: 500.]]، كما يقال: رأستُه [[وذلك إذا ضربت رأسه. المرجع السابق.]]، وَبَطنته [[أي إذا ضربت بطنه. المرجع السابق.]]، فهو مفقور، وفَقِرٌ، وفقير [["تفسير غريب القرآن" 500.]].
قال ابن عباس: تستيقن أن يفعل بها عظيم [[لم أعثر على مصدر لقوله، وقد ورد بمثله من غير عزو في "الوسيط" 4/ 394.]].
وقال مجاهد: داهية [["جامع البيان" 29/ 194، و"الكشف والبيان" 13: 8/ ب، و"النكت والعيون" 6/ 157، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 480.]]. وقال مقاتل: تعلم الوجوه المتغيرة أن يفعل بها شر [["تفسير مقاتل" 218/ ب.]]. وهو قول قتادة في تفسير الفاقرة، قال: الشر [["جامع البيان" 29/ 194، و"الكشف والبيان" 13: 8/ ب، و"النكت والعيون" 6/ 157، و"الجامع لأحكام القرآن" 19/ 108، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 480، و"فتح القدير" 5/ 339.]]. [[ما بين القوسين ساقط من (أ).]] وفسر ابن زيد [[في (أ): (ابن قتيبة) بدلًا من (ابن زيد)، والصحيح ما جاء في نسخة: ع، إذ لم يرد القول عن ابن قتيبة، وإنما ورد عن ابن زيد كما دلت عليه المراجع، ولم أجده عند ابن قتيبة لا في الغريب، ولا في المشكل.]] ذلك بدخول النار، فقال: تعلم أنها ستدخل النار [["جامع البيان" 29/ 194، و"الكشف والبيان" 13: 7/ ب، و"النكت والعيون" 6/ 157، و"زاد المسير" 8/ 138، و"الجامع لأحكام القرآن" 19/ 108، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 480، و"فتح القدير" 5/ 339.]]. وفسرها الكلبيُّ بالحجاب، فقال: تعلم أن يفعل بها منكرة من العذاب، وهي أن تحجب عن رؤية ربها فلا تنظر إليه [[ورد مختصرًا عنه في "معالم التنزيل" 4/ 424، و"زاد المسير" 8/ 138، و"التفسير الكبير" 30/ 230.]].
القيامة 75:26
قال الله تعالى: ﴿كَلَّا﴾ قال أبو إسحاق: هو ردع وتنبيه [["معاني القرآن وإعرابه" 5/ 254.]].
وقال مقاتل: (كلا) أي لا يؤمن الكافر بما ذكر من أمر القيامة [["تفسير مقاتل" 218/ ب، و"الرازي" 30/ 230، وانظر: "زاد المسير" 8/ 139.]]. ثم استأنف فقال: ﴿إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ﴾، وهي جمع ترقوة، يعني: بلغت النفس أو الروح، أخبر عما لم يجر له ذكر لعلم المخاطب بذلك، كقوله تعالى: ﴿حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾ [ص: 32]، (قاله المبرد [[لم أعثر على مصدر لقوله.]]، وغيره [[قال بذلك: الثعلبي في "لكشف والبيان" 13: 8/ ب، وإليه ذهب البغوي في "معالم التنزيل" 4/ 424، والزمخشري في "الكشاف" 4/ 166، وابن الجوزي في "زاد المسير" 8/ 139، والفخر الرازي في "التفسير الكبير" 30/ 230، والقرطبي في "الجامع لأحكام القرآن" 19/ 109، والخازن في "لباب التأويل" 4/ 336.]] [[ما بين القوسين ساقط من (أ).]]، وكلهم [[قال بذلك: الفراء في "معاني القرآن" 3/ 212، والزجاج في "معاني القرآن وإعرابه" 5/ 254، والطبري، وعزاه إلى ابن زيد في "جامع البيان" 29/ 194، والثعلبي في "الكشف والبيان" 13: 8/ ب، وانظر أيضًا المراجع السابقة.]] قالوا: بلغت النفس التراقي. وهي جمع ترقوة، مثل عرقوة.
قال الليث: وهي عظم وصل بين ثغرة النحر والعاتق من الجانبين [["تهذيب اللغة" 9/ 54: مادة: (ترق).]]، ويكنى ببلوغ النفس التراقي عن الإشفاء على الموت، ومنه قول دُرَيْدِ بنِ الصِّمَّة: ورب عظيمة دافعت عنها ... وقد بلغت نفوسهم التراقي [[ورد البيت في "الكشف والبيان" 13: 8/ ب، و"التفسير الكبير" 30/ 230، و"الجامع لأحكام القرآن" 19/ 109، و"البحر المحيط" 8/ 382، و"روح المعاني" 29/ 146، ولم أعثر عليه في ديوانه.]]
قال مقاتل: يعني بلغت النفس الحلقوم [["تفسير مقاتل" 218/ ب.]].
(وقال الزجاج: ذكرهم الله صُعُوبة أول أيام الآخرة عند بلوغ النفس التَّرْقوة [["معاني القرآن وإعرابه" 5/ 254 بنصه، وفيه: (بصعوبة) بدلاً من: (صعوبة).]]) [[ما بين القوسين ساقط من (أ).]].
وقال الفراء: يقول إذا بلغت نفس الرجل عند الموت تراقيه، وقال من حوله: (من راق) [["معاني القرآن" 3/ 212 بنصه.]]، وهو قوله: ﴿وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ (27)﴾، (راق) [[ساقطة من (أ).]]: يجوز أن يكون من الرقية، يقال: رقاه يرقيه (رقية [[الرُّقْيَة: العُوذة التي يُرْقَى بها صاحب الآفة كالحمى، والصرع، وغير ذلك من الآفات. "النهاية في غريب الحديث والأثر" 2/ 254: مادة: (رقى).]]) [[ساقط من (أ).]] إذا عوذه [[في (ع): عوذة.]] بما يشفيه كما يقال: (بسم الله أرقيك) [[نص الحديث كما في "صحيح مسلم" أن جبريل أتى النبي -ﷺ- فقال: يا محمد اشتكيت؟ فقال: "نعم"، قال: باسم الله أرقيك، من كل شيء يؤذيك، من شر كل نفس، أو عين حاسد الله يشفيك باسم الله أرقيك. 4/ 1718 - 1719: ح: 40: كتاب السلام: باب الطب والمرض والرقى كما أخرج: الإمام أحمد في "المسند" 3/ 28 - 56 - 58 - 75 - 151، 6/ 332 ، وابن ماجه في "سننه" 2/ 284: == ح: 3568 - 3573: أبواب الطب: باب 37، و36، والترمذي في "سننه" 3/ 294: ح: 972: كتاب الجنائز: باب 4.]].
ويجوز أن يكون من رقى يرقي رقيًّا [[الرقي: الصعود والارتفاع، يقال: رَقِيَ يَرْقَى رُقِيًّا، ورقَّى: شُدِّدَ للتعدية إلى المفعول. "النهاية في غريب الحديث والأثر" 2/ 256: مادة: (رقى).]]، ومنه قوله: ﴿وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ﴾ [الإسراء: 93]، وكلا القولين قد ذكر في التفسير. قال أبو قلابة: هل من طبيب شاف [["جامع البيان" 29/ 194، و"النكت والعيون" 6/ 157، و"المحرر الوجيز" 5/ 406، و"زاد المسير" 8/ 139 بمعناه، "الجامع لأحكام القرآن" 19/ 109، و"البحر المحيط" 8/ 389، و"الدر المنثور" 8/ 361 وعزاه إلى عبد بن حميد، وابن المنذر.]]؟.
وقال الكلبي: هل من طبيب يرقي [[لم أعثر على مصدر لقوله.]]؟ (وهو قول الضحاك [["جامع البيان" 29/ 195، و"المحرر الوجيز" 5/ 406، و"زاد المسير" 8/ 139، و"البحر المحيط" 8/ 389، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 481، و"الدر المنثور" 8/ 361 وعزاه إلى سعيد بن منصور، وابن المنذر.]]، وعكرمة [[ورد بمعناه في "جامع البيان" 29/ 194، و"زاد المسير" 8/ 139، و"الجامع لأحكام القرآن" 19/ 109، و"البحر المحيط" 8/ 389، و"الدر المنثور" 8/ 361.]]) [[ما بين القوسين ساقط من (أ).]].
وقائل هذا القول من حول ذلك الإنسان أشفى [[في (أ): أشفا.]] على الموت، ومعنى هذا الاستفهام: يجوز أن يكون استفهامًا عن الذي يُرقى؛ كأنهم طلبوا له الرقية والشفاء. وهو معنى قول قتادة: التسموا له الأطباء، فلم يغنوا عنه من قضاء الله شيئًا [["جامع البيان" 29/ 195، و"الكشف والبيان" 13: 8/ ب، و"معالم التنزيل" 4/ 424، و"فتح القدير" 5/ 341.]]. ويجوز أن يكون معناه الإنكار؛ لأن يكون له راقٍ يرقيه. قال أبو إسحاق: أي من يشفي من هذه الحالة، يقوله القائل عند البأس، أي من يقدر أن يَرْقِيَ من الموت [["معاني القرآن وإعرابه" 5/ 254 بنحوه.]]. القول الثاني: قال ابن عباس في رواية عطاء: يريد: وقال ملك الموت: من يرقي هذه النفس الكافرة، كرهتها الملائكة أن يصعدوا بها إلى السماء، حتى يقول ملك الموت: يا فلان: اصعد بها [["التفسير الكبير" 30/ 231.]].
قال الكلبي: يحضر العبد عند الموت سبعة أملاك من ملائكة الرحمة، وسبعة أملاك من ملائكة العذاب مع ملك الموت، فإذا بلغت نفس العبد التراقي نظر بعضهم إلى بعض أيهم يرقى بروحه إلى السماء فهو قوله: (وقيل من راق) [[المرجع السابق.]].
وهذا قول مقاتل [["معالم التنزيل" 4/ 424، و"المحرر الوجيز" 5/ 406، و"زاد المسير" 8/ 139، ولم أعثر على قوله في "تفسيره".]]، وسليمان التيمي [[انظر قوله في "معالم التنزيل" 4/ 424، و"المحرر الوجيز" 5/ 406، و"البحر المحيط" 8/ 389.]]، (ورواية أبي الجوزاء عن ابن عباس) [[ما بين القوسين ساقط من (أ). وانظر هذه الرواية في: "جامع البيان" 29/ 195، و"الكشف والبيان" 13: 9/ أ، و"النكت والعيون" 6/ 158، و "زاد المسير" == 8/ 139، و"الجامع لأحكام القرآن" 19/ 110، و"البحر المحيط" 8/ 389، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 481، و"الدر المنثور" 8/ 361 وعزاه إلى ابن أبي الدنيا في ذكر الموت، وابن المنذر، وابن أبي حاتم.]].
وذكرنا قديمًا [[لم أتوصل إلى موضعه من "التفسير البسيط".]]: أن إظهار (النون) عند حروف [[في (أ): حرف.]] الفم [[حروف الفم المراد بها: اثنا عشر حرفًا: التاء، والثاء، والدال، والظاء، والذال، والطاء، والصاد، والضاد، والسين، والزاي، والراء، واللام. انظر: "المدخل" 500.]] لحن غير جائز، فلا يجوز إظهار نون (من) في قوله: (مَنْ راقٍ).
وروى حفص عن عاصم: إظهار (النون)، و [[في (أ): (في) بدلًا من الواو.]] (اللام) في قوله: (من راق)، و (بل ران [["الحجة" 6/ 346، وانظر كتاب (السبعة) 661، و"حجة القراءات" 737، و"الكشف عن وجوه القراءات السبع" 2/ 55 - 56 من سورة الكهف، و"المبسوط" 97. وقرأ الباقون بالإدغام؛ لقرب النون من الراء. المراجع السابقة.]]) [[وكان حفص يقف على النون واللام وقفة خفيفة في وصله، ليبين إظهار اللام والنون؛ لأنهما ينقلبان في الوصل راء، فتصير مدغمة في الراء بعدها، ويذهب لفظ اللام والنون. انظر: "الكشف" 2/ 55، و"المبسوط" 97.]].
قال أبو علي الفارسي: ولا أعرف وجه ذلك [["الحجة" 6/ 346.]].
وسمعت شيخنا أبا الحسن الضرير النحوي -رحمه الله- يقول: إنما أظهر النون؛ لأنه خاف الالتباس تتابع المرق؛ لأنه يقال له: مراق، وأظهر اللام؛ لأنه خاف الالتباس بتثنية (بر) بمعنى الأرض الفضاء، وهذا ضعيف؛ لأن كسرة القاف في (من راق)، وفتحة النون في (بل ران) مع الإدغام يمنعان هذا الالتباس عند الوصل، والوجه أن يقال: قصد الوقف على (من)، و (بل) فأظهرهما، ثم ابتدأ بما بعدهما، وهذا غير مرضي من القراء) [[قراءة القطع، وكذا قراءة بلا وقف بينهما، كلاهما قراءة صحيحة، وهي سنة متبعة، فلا عبرة لما ذكره أبو الحسن الضرير.]].
القيامة 75:28
وقوله: ﴿وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ (28)﴾. قال (ابن عباس [["المحرر الوجيز" 5/ 406 مختصرًا.]] و) [[ما بين القوسين: ساقط من (أ).]] المفسرون [[وإليه ذهب الثعلبي في "الكشف والبيان" 13: 9/ أ، قال: (وظن، وأيقن)، وبه قال الماوردي في "النكت والعيون" 6/ 158، والبغوي في "معالم التنزيل" 4/ 424، وابن عطية في "المحرر الوجيز" 5/ 406، وابن الجوزي في "زاد المسير" 8/ 139، وحكاه الفخر عن المفسرين في "التفسير الكبير" 30/ 231، والقرطبي في "الجامع لأحكام القرآن" 19/ 110، والخازن في "لباب التأويل" 4/ 337.]]: علم، وأيقن الميت الذي بلغت روحه تراقيه [[في (أ): التراقي.]]، أن الفراق من الدنيا.
وقال مجاهد: أيقن أنه في آخر يوم من الدنيا، وأول يوم من الآخرة [[لم أعثر على مصدر لقوله.]].
القيامة 75:29
﴿وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ (29)﴾. قال ابن عباس (في رواية عطاء) [[ما بين القوسين ساقط من (أ).]]: يريد شدة الموت، بشدة الآخرة [[ورد بمعناه، وبطرق غير طريق عطاء في "جامع البيان" 29/ 195 - 196، == و"الكشف والبيان" 13: 9/ ب، و"النكت والعيون" 6/ 158، و"معالم التنزيل" 4/ 424، و"المحرر الوجيز" 5/ 406، و"زاد المسير" 8/ 139، و"الجامع لأحكام القرآن" 19/ 110، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 481.]].
وهو قول الكلبي [[لم أعثر على مصدر لقوله.]]، ومقاتل [["تفسير مقاتل" 218/ ب، و"زاد المسير" 8/ 129.]]، (وقتادة [[ورد مختصرًا في "تفسير عبد الرزاق" 2/ 334، و"جامع البيان" 29/ 196، وبمعناه في "الكشف والبيان" 13/ 5/ ب، و"معالم التنزيل" 4/ 424، و"زاد المسير" 8/ 140.]]) [[ساقطة من (أ).]]، وسعيد بن جبير [[بمعناه في "الكشف والبيان" 13: 9/ ب، ومختصرًا في "معالم التنزيل" 4/ 424.]]، (والسدي [[بمعناه في "معالم التنزيل" 4/ 424.]] [[ساقطة من (أ).]] قالوا: معناه: تتابعت عليه الشدائد: شدة بعد مفارقة الوطن من الدنيا والأهل، وشدة القدوم على ربه، فالتقت آخر شدة الدنيا بأول شدة الآخرة [[وهذا المعنى من المفسرين جاء من لفظ: الْمُسَاوَقَة، أي: المتابعة، كأن بعضها يسوق بعضًا. انظر: "المجموع المغيث في غريبي القرآن والحديث" لأبي موسى الأصفهاني 2/ 152.]]) [[ما بين القوسين ساقط من (أ).]].
(قال أهل اللغة: قيل للأمر الشديد: ساق؛ لأن الإنسان إذا دهمته شدة شمر لها عن) [[ما بين القوسين ساقط من (أ).]] ساقيه، ثم قيل للأمر الشديد: ساق. ومنه قول [[في (أ): قوله. ولم يذكر دريدًا.]] دريد: كَمِيشُ الإزار خارجٌ نِصفُ ساقِهِ [[وعجزه:
صَبُورٌ على العَزَّاءِ طَلاع أنْجُدٍ
وقد ورد أيضًا في ديوان دريد بن الصمة: 49 يرثي عبد الله أخاه وقتله بنو عبس، و"لسان العرب" 10/ 168، و"الأصمعيات" 108. ومعناه: الكميش: الماضي العزوم السريع في أموره. العزاء: الشدة. طلاع أنجد: ركاب لصعاب الأمور، أو هو السامي لمعالي الأمور. الأنجد: جمع نجد، وهو ما ارتفع وغلظ من الأرض، أو الطريق في الجبل. انظر: "الأصمعيات" 108، و"ديوانه" 49، حاشية.]]
أراد: أنه: مشمر جاد، ولم يرد خروج الساق بعينها) [[ما بين القوسين نقله الواحدي عن الأزهري بنصه من "تهذيب اللغة" 9/ 233: سوق، وانظر مادة: (سوق) في "لسان العرب" 10/ 168، و"المخصص" لابن سيده: 1/ 2/ 53: مادة (الساق)، و"النهاية في غريب الحديث والأثر" 2/ 422.]].
وهذا القول اختيار المبرد [["الكامل" 3/ 1147.]]، وأبي عبيدة [["مجاز القرآن" 2/ 278.]].
قال المبرد في هذه الآية أي: الشدة بالشدة، تقول العرب: قامت الحرب على ساق [[لم أعثر على مصدر لقوله.]]. أي اشتدت، وأنشد للجعدي:
أخُو الْحَرْبِ إنْ عَضَّتِ الْحَرْبُ عَضَّها ... وَإنْ شَمَّرَتْ عنْ سَاقِها الْحَرْبُ شَمَّرا [[ورد في ديوان حاتم الطائي: 82، و"الكامل" 3/ 1147: منسوبًا إلى حاتم الطائي، ولم أجده في ديوان الجعدي، كما ورد الشطر الثاني في ديوان جرير: 185: دار بيروت: أما شطره الأول فهو:
ألا رُبَّ سامي الطرف من آل زمان]] [[ما بين القوسين نقلاً عن "الكامل" 3/ 1147 بيسير من التصرف.]] وقال الشعبي: هما ساقاه عند الموت [["جامع البيان" 29/ 197، و"معالم التنزيل" 4/ 425، و"المحرر الوجيز" 5/ 406، و"زاد المسير" 8/ 140، و"الجامع" 19/ 110، و"البحر المحيط" 8/ 390.]]. ونحو ذلك روى شعبة عن قتادة قال: أما رأيته إذا حضر يضرب برجله على الأخرى [["جامع البيان" 29/ 198، و"الكشف والبيان" 13: 9/ ب؛ بمعناه في "المحرر الوجيز" 5/ 406، و"الجامع لأحكام القرآن" 19/ 110، و"البحر المحيط" 8/ 390، و"الدر المنثور" 8/ 362 وعزاه إلى ابن المنذر.]].
وروى السدي عن أبي مالك قال: ساقاه التفتا عند الموت [["جامع البيان" 29/ 197، بمعناه في "المحرر الوجيز" 5/ 406، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 481، و"الدر المنثور" 8/ 362 وعزاه إلى عبد بن حميد.]].
وفي الآية قول ثالث:
قال الحسن: هما ساقاه إذا لُفَّتا [[في (أ): ألقيا.]] في الكفن [["جامع البيان" 29/ 197، و"الكشف والبيان" 13/ 9/ ب، و"معالم التنزيل" 4/ 425، و"المحرر الوجيز" 5/ 406، و"التفسير الكبير" 30/ 232، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 481، وفي "الدر" 8/ 362 معزوًّا إلى ابن المنذر، وانظر: "تفسير الحسن البصري" 2/ 382.]]: وهو قول سعيد بن المسيب [[ورد قوله في "الكشف والبيان" 13: 9/ ب، و"المحرر الوجيز" 5/ 406، و"زاد المسير" 8/ 139، و"التفسير الكبير" 30/ 332.]].
وقال زيد بن أسلم: يعني ساق الكفن بساق الميت [["الكشف والبيان" 13: 9/ ب، وذكر أنه يزيد بن أسلم، وهو تصحيف.]].
القيامة 75:30
قوله تعالى: ﴿إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ (30)﴾. قال ابن عباس: مرجع العباد [[لم أعثر على مصدر لقوله، وقد ورد بمثله في "الوسيط" من غير عزو: 4/ 395.]].
وقال مقاتل: إلى الله المنتهى يساقون إليه ليس عنه مرحل [["تفسير مقاتل" 218/ ب.]].
القيامة 75:31
قوله: ﴿فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى (31)﴾ قال ابن عباس [["الجامع لأحكام القرآن" 19/ 111.]] والمفسرون [[قال بذلك: مقاتل في "تفسيره" 218/ ب، والزجاج في "معاني القرآن وإعرابه" 5/ 254، والسمرقندي في "بحر العلوم" 3/ 347، والثعلبي في "الكشف والبيان" 10: 13/ أ، والماوردي في "النكت والعيون" 6/ 158، والبغوي في "معالم التنزيل" 4/ 425، كما حكاه ابن الجوزي عن المفسرين في "زاد المسير" 8/ 140، والقرطبي في "الجامع لأحكام القرآن" 19/ 111.]]: يعني: أبو جهل.
قال الكلبي: يقول: لم [يصدق] [[في كلا النسختين: أصدق، ولا تستقيم العبارة بذلك، فأثبت ما يقيم المعنى.]] أبو جهل بالرسالة، ﴿وَلَا صَلَّى﴾ يعني: ولم يسلم [["النكت والعيون" 6/ 158 بمعناه]].
قال مقاتل: [لم يصدق] [[وردت في كلا النسختين: صدق، وأثبت لم، وبإضافة الياء لتستقيم العبارة.]] بالقرآن، ولا (صلَّى) لله صلاة [["تفسير مقاتل" 218/ ب.]].
قال أبو عبيدة [["مجاز القرآن" 2/ 278 بنحوه.]]، والمبرد [[لم أعثر على مصدر لقوله.]]: أي لم يصدق، ولم يصل. كقوله: ﴿فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ (11)﴾ [البلد: 11]، أي: فلم يقتحم.
وكذلك ما روي في الحديث: (أرأيت من لا أكل ولا شرب ولا اسْتَهَلَّ) [[الحديث أخرجه مسلم 3/ 1310 ح: 36 - 37 - 38: كتاب القسامة: باب صحة == الإقرار بالقتل، وتمكين ولي القتيل من القصاص، ونص الحديث: أن أبا هريرة قال: اقتتلت امرأتان من هذيل فرمت إحداهما الأخرى بحجر فقتلتها وما في بطنها، فاختصموا إلى رسول الله -ﷺ-، فقضى رسول الله -ﷺ- أن دية جنينها غرة عبد، أو وليدة، وقضى بدية المرأة على عاقلتها. وورثها ولدها ومن معهم فقال: حمل ابن النابغة الهذلي: يا رسول الله: كيف أغرم من لا شرب، ولا أكل، ولا نطق، ولا استهلّ، فمثل ذلك يُطَل؟، فقال رسول الله -ﷺ-: "إنما هذا من إخوان الكهان"، من أجل سجعه الذي سجع. ومعنى (استهلّ)، أي: ولا صاح عند الولادة ليعرف به أنه مات بعد أن كان، ومعنى (يطل) أي يهدر، ولا يطالب بديته حيًّا.
كما أخرجه: أبو داود في "سننه" 2/ 542 - 543: كتاب الديات: باب دية الجنين، والدارمي 2/ 641 ح: 2293، والإمام أحمد في "المسند" 2/ 274، 438، 498، 535، 4/ 245، 246، 249، 5/ 327، وابن ماجه في "سننه" 2/ 103: ح: 2671: أبواب الديات: باب دية الجنين، والترمذي في "سننه" 4/ 23 - 24: ح: 141: كتاب الديات: باب 15 ما جاء في دية الجنين، والنسائي في "سننه" 8/ 418 - 419: ح: 4833: كتاب القسامة: باب 39 - 40.]]. والأصل في هذا أن (لا) حرف نفي، ينفي الماضي، كما ينفي المستقبل، أنشد أبو عبيدة لطرفة:
وأيُّ خَمِيسٍ لا أَفَأْنَا نِهَابَه [[لم أعثر عليه في ديوانه، وقد ورد في "مجاز القرآن" 2/ 278 برواية: (خيس) بدلًا من (خميس)، وعجز البيت:
وأسيافُنا يَقْطِرنَ مِنْ كَبْشِهِ دَمَا
كما ورد غير منسوب في: "تأويل مشكل القرآن" 548، و"أمالي ابن الشجري" 2/ 228، و"البحر المحيط" 8/ 390 برواية (جميس) غير منسوب، و"الكامل" 2/ 1044 منسوب. الخميس الجيش. أفأنا: رددنا. انظر: "تأويل مشكل القرآن"، و"الكامل"؛ مرجعان سابقان.]]
بمعنى: لَمْ نُفَأْ، وذكرنا الكلام في هذا في قوله: ﴿مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ﴾ [البقرة: 102] عند حكاية كلام أبي بكر بن السَّرَّاج [[ابن السراج: بياض في (أ).]] [[ومما جاء في كلامه الذي بين فيه أن (لا) حرف نفي، ينفي المستقبل؛ قال: (الأفعال جنس واحد، فكان يجب أن يكون على بناء واحد، لكنها غيرت بتغيير الأزمنة، وقسمت بتقاسيمها، لما كان ذلك في الإيضاح أبلغ، فخص كل قسم من ذلك بمثال، لا يقع واحد منها في موضع الآخر إلا أن يضم إليه حرف يكون دليلًا على ما أريد به، فيصير الحرف كأنه يقوم مقام البناء المراد، إذا كان يدل عليه كما يدل البناء نحو: والله لا فعلت، فقولك: فعلت، فعل ماض وقع في موضع مستقبل، فلما كانت قبلها (لا) علم أنه يراد به الاستقبال؛ لأن (لا) إنما يكون نفيًا لما يستقبل، فلما كانت نفيًا للمستقبل، ووقع بعدها ماض، علمت أنه يراد به الاستقبال.]].
قوله: ﴿وَلَكِنْ كَذَّبَ﴾، أي: بالقرآن. ﴿وَتَوَلَّى﴾ عن الإيمان. ﴿ثُمَّ ذَهَبَ إِلَى أَهْلِهِ﴾ رجع إليهم. ﴿يَتَمَطَّى﴾: يتبختر ويختال في مشيته، (قاله ابن عباس [["النكت والعيون" 6/ 159 بنحوه، و"تفسيرالقرآن العظيم" 4/ 481، و"الدر المنثور" 8/ 363 عزاه إلى بن أبي حاتم.]] والمفسرون [[قال بذلك: قتادة، وزيد بن أسلم، ومجاهد. انظر: "تفسير عبد الرزاق" 3/ 334 - 335، و"جامع البيان" 29/ 199، و"الدر المنثور" 8/ 363.]] [[ما بين القوسين ساقط من (أ).]].
وقال مقاتل [["تفسير مقاتل" 218/ ب.]]، وزيد بن أسلم [["جامع البيان" 29/ 199، و"النكت والعيون" 6/ 159، و"المحرر الوجيز" 5/ 407.]]: هو مشية بني مخزوم [[بنو مخزوم: بطن من لؤي بن غالب بن قريش، ينتسب إليهم خالد بن الوليد، وأبو جهل -عدو رسول الله -ﷺ- ، وسعيد بن المسيب. انظر: "نهاية الأرب" 371.]].
وفي (يتمطى) قولان: أحدهما: أنه (من المَطْو، وهو المد. ومنه حديث أبي بكر -رضي الله عنه- أنه مرَّ ببلال، وقد مُطِىَ في الشمس) [[لم أعثر على مصدر لقوله.]]، أي: مد. وكل شيء مددته فقد مَطَوْتَه، ويتمطى معناه يتمدد) [[ما بين القوسين نقله الواحدي عن "تهذيب اللغة" 14/ 43 (مطو)، وانظر (مطا): "الصحاح" 6/ 2494، و"لسان العرب" 15/ 284.]]. وقال الفراء [["معاني القرآن" 3/ 212 واللفظ له.]]، والزجاج [["معاني القرآن وإعرابه" 5/ 254.]]: هو من الْمَطَا، وهو الظهر، فيلوي ظهره تبخترًا.
القول [الثاني] [[في النسختين: الثالث، ولعله سهو.]]: أنه من المط، وهو المد أيضًا، والْمُطَيْطَاء [[في (ع): المطيطيا.]]: التبختر ومد اليدين في المشي، والْمَطِيطَة: الماء الخاثر في أصل الحوض؛ لأنه يتمطط، أي: يتمدد. وهذا قول أبي عبيدة [["مجاز القرآن" 2/ 278، وعبارته: جاء يمشي الْمُطيطا، وهو أن يلقي بيديه ويتكفأ.]]، وابن قتيبة [["تفسير غريب القرآن" 501.]] في هذه الآية.
قال ابن قتيبة: وأصله (يتمطط) فقلبت (التاء) فيه (ياء) كما قيل: يَتَظَنَّى، ويَتَقَصَّى، قال: وأصل (الطاء) في هذا كله (قال) يقال: مططت ومددت [[المرجع السابق بتصرف.]].
القيامة 75:34
قوله تعالى: ﴿أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى (34)﴾ قال جماعة المفسرين [[قال بذلك مقاتل في "تفسيره" 218/ ب، وقتادة في: "تفسير عبد الرزاق" 3/ 335، و"جامع البيان" 29/ 200، وإليه ذهب: ابن قتيبة في "تفسير غريب القرآن" 501،== والثعلبي في "الكشف والبيان" 13: 10/ ب، وانظر: "معالم التنزيل" 4/ 425، و"الجامع لأحكام القرآن" 19/ 112، و"لباب التأويل" 4/ 337.]]: هذا تهديد من الله لأبي جهل، ووعيد. وقد ذكرنا تفسير هذه الكلمة بمعنى: الوعيد، في سورة محمد -ﷺ-. [[سورة محمد: 2، ومما جاء في تفسيرها: قال الواحدي: (ومعنى: أولى، أي وعيد لهم، من قولهم في التهديد: أولى لك وليك وقاربك ما يكره. وقال آخرون: أي وليهم المكروه. وقال غيرهم: أولى يقولها الرجل لآخر يحسره على ما فاته، ويقول له: يا محروم أي شيء فاتك. وقال صاحب النظم: أولى مأخوذ من الويل).]] والمعنى: (وَلِيَك المكروه يا أبا جهل) [[نقله عن الزجاج بنص العبارة. انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 5/ 254.]].
قال قتادة [[ورد معنى قوله في "تفسير عبد الرزاق" 2/ 335، و"جامع البيان" 29/ 200، و"الكشف والبيان" 13: 11/ أ، وانظر أيضًا قوله: في "معالم التزيل" 4/ 425، و"التفسير الكبير" 30/ 233، و"الجامع لأحكام القرآن" 19/ 113، و"لباب التأويل" 4/ 337، و"تفسير القرآن العظيم" 4/ 482.]]، (والكلبي [["النكت والعيون" 6/ 159 بمعناه، و"التفسير الكبير" 30/ 233.]] [[ساقطة من (أ).]]، ومقاتل [["تفسير مقاتل" 218/ ب، المرجعان السابقان.]]: أخذ رسول الله بيد أبي جهل، ثم قال: أولى لك فأولى، ثم أولى لك فأولى، فقال أبو جهل: بأي شيء تهددني [[في (أ): توعدني.]]؟ لا تستطيع أنت وربك أن تفعلا بي شيئًا، وإني لأعز أهل الوادي، ثم انسل ذاهبًا، فأنزل الله كما قال له رسول الله -ﷺ-. ونحو ذلك قال سعيد بن جبير عن ابن عباس: أن رسول الله -ﷺ- قالها لأبي جهل، ثم أنزلها الله [["تفسير القرآن العظيم" 4/ 482، وانظر: "مجمع الزوائد" 7/ 132، وقال: رواه الطبراني: [11/ 458: ح: 12298]، ورجاله ثقات.]].
قوله تعالى: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ﴾ [[لم أعثر على من قال بذلك، ولعله عني بهم جماعة المفسرين السابق ذكرهم في الآية السابقة. وانظر السمرقندي في "بحر العلوم" 3/ 396، وقال القرطبي: إن الخطاب لابن آدم: "الجامع لأحكام القرآن" 19/ 114.]] قالوا [[في (أ): سدا.]]: يعني أبا جهل. ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى [[أبو عبيدة، هكذا ورد في كلا النسختين، والصواب أنه أبو عبيد كما في "التهذيب".]]﴾ هملاً، مهملاً، لا يؤمر، ولا ينهى، ولا يوعظ في الدنيا، ولا يحاسب بعمله في الآخرة. (والسدى معناه في اللغة: المهمل، يقال: أسدَيْت إبلي إسداءً أهملتها، والاسم: السُّدَى .. ذكر ذلك (أبو عبيد) [[ما بين القوسين ساقط من (أ).]]، (عن أبي زيد) [[ما بين القوسين نقله الواحدي عن الأزهري. "تهذيب اللغة" 13/ 40 (سدا).]]، والأشبه بالمعنى في ﴿سُدًى﴾، أي: مهملًا لا يبعث. يدل عليه قوله في الدلالة على البعث: ﴿أَلَمْ يَكُ﴾، أي: هذا الإنسان. ﴿نُطْفَةً﴾، أي: ماءً قليلاً، يعني في ابتداء خلقه. ﴿مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى﴾ أي تصب في الرحم، وذكر الكلام في ﴿مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى﴾ عند قوله: ﴿مِنْ نُطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى (46)﴾ [النجم: 46]، وقوله [[بياض في (ع).]]: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ (58)﴾ [الواقعة: 58]. وفي (يُمنى) قراءتان [[قرأ ابن كثير، ونافع، وعاصم في رواية أبي بكر، وحمزة، والكسائي: (مِنْ مني تمنى) على أن الضمير: للنطفة. وقرأ حفص، ويعقوب، وهشام بخلف عنه: بالياء (من مني يمنى) جعل الضمير عائدا على (مني) انظر كتاب السبعة: 662 ، و"الحجة" 6/ 346، و"الكشف عن وجوه القراءات السبع" 2/ 351، و"حجة القراءات" 737، و"المبسوط" 388، (المهذب) 2/ 314.]]: التاء، والياء، (فالتاء للنطفة على تقدير: ألم تك نطفة، يمنى من المني. والياء) [[ما بين القوسين ساقط من (أ).]] للمني، كأنه: من مني يمنى، أي يقدر خلق الإنسان منه.
﴿ثُمَّ كَانَ﴾ الإنسان ﴿عَلَقَةً﴾ بعد النطفة. ﴿فَخَلَقَ﴾ يعني: فنفخ فيه الروح، وسوّى خلقه. قاله ابن عباس [["التفسير الكبير" 30/ 234.]]، ومقاتل [["تفسير مقاتل" 218/ ب، وانظر المرجع السابق.]]. ﴿فَجَعَلَ مِنْهُ﴾ من الإنسان بعد ما سواه خلقًا سويًّا، خلق من مائه أولادًا (له) [[ساقطة من (ع).]]؛ ذكورًا، وإناثًا. وهو قوله: ﴿الزَّوْجَيْنِ﴾ يعني: الصنفين. ثم فسرهما فقال: ﴿الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى﴾.
(قوله) [[ساقطة من (ع).]]: ﴿أَلَيْسَ ذَلِكَ﴾ الذي فعل هذا. ﴿بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾، وهذا تقدير لهم أن [[في (أ): أي.]] من قدر على الابتداء قدر على البعث بعد الموت، وذلك إشارة إلى الفاعل المضمر في قوله: ﴿فَخَلَقَ فَسَوَّى﴾ وهو الله تعالى، وكان النبي -ﷺ- إذا قرأ هذه الآية قال: "سبحانك اللهم فبلى" [[الحديث أخرجه: أبو داود 1/ 225 - 226: كتاب الصلاة: باب الدعاء في الصلاة، وباب مقدار الركوع والسجود من طريق أبي هريرة -رضي الله عنه- وغيره، والإمام أحمد في "المسند" 2/ 249، والحاكم 2/ 510 في التفسير، سورة القيامة، وقال عنه: هذا حديث صحيح الإسناد، ووافقه الذهبي؛ وأورده الهيثمي في "مجمع الزوائد" 7/ 132، وقال: رواه أبو داود وغيره، ورواه أحمد وفيه رجلان لم أعرفهما. قال ابن حجر: رواية عن إسماعيل عند الحاكم يزيد بن عياض متروك، ولكن أخرجه أحمد، وأبو داود، والترمذي من طريق سفيان بن عيينة عن إسماعيل، عن رجل، عن أبي هريرة، واختلف فيه على إسماعيل على أوجه == أخرى ذكرتها في حاشية الأطراف. انظر: "الكاف الشاف في تخريج أحاديث الكشاف" 180، ملحق بـ"الكشاف" 4. والحديث ضعفه الألباني. انظر: "ضعيف سنن أبي داود" 86 - 87: ح: 188 - 887، و"ضعيف الجامع الصغير وزيادته" 1/ 238: ح: 5796.]].
وقال ابن عباس: إذا قرأت هذه السورة (فقلت) [[ساقطة من (أ).]]: ﴿أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى (40)﴾ [فقل] [[في كلا النسختين: فقال، ولا يستقيم المعنى بهما.]]: اللهم ربنا فبلى [[أخرجه الثعلبي في "الكشف والبيان" 12: 11/ ب، وابن كثير في "تفسيره"، وساق إسناده: 4/ 482، وعزاه إلى ابن أبي حاتم، وزاد السيوطي في "الدر المنثور" 8/ 364: ابن المنذر.]]. (والله أعلم بالصواب) [[ما بين القوسين ساقط من (ع).]].
الإنسان 76:1
﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ﴾ [[كلمة (الإنسان) ساقط من (ع).]] قال ابن عباس [["المحرر الوجيز" 5/ 408.]]، (ومقاتل) [["تفسير مقاتل" 218/ ب.]] [[ساقط من (أ).]]، والمفسرون [[قال بذلك: ابن قتيبة في "تأويل مشكل القرآن" 538، وابن الأنباري في: كتابه "إيضاح الوقف والابتداء" 2/ 959، الطبري في "جامع البيان" 29/ 202، والسمرقندي في "بحر العلوم" 3/ 429. وإليه ذهب البغوي في "معالم التنزيل" 4/ 426، وابن عطية في "المحرر الوجيز" 5/ 408. وحكى الفخر ألفاظ المفسرين على هذا القول: 30/ 235، وساق الشوكاني قول الواحدي عن المفسرين في (فتح القدير) 5/ 344.]]: قد أتى، وهو قول أهل المعاني [[قال بذلك: الفراء في: (معاني القرآن) 3/ 213، وأبو عبيدة في "مجاز القرآن" 2/ 279، والزجاج في "معاني القرآن وإعرابه" 5/ 257، والثعلبي في "الكشف والبيان" 13: 12/ أ.]] أيضًا.
قال الأخفش: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ﴾، و ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ أي قد أتاك، كما تقول: هل رأيت صنيع فلان، وقد علمت أنه قد رآه [[لم أعثر على مصدر لقوله.]].
وقال المبرد: (هل) معناه في هذا الموضع: (قد) [["المقتضب" 1/ 298.]]، وكذلك قوله: ﴿وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ﴾ [ص: 21]، وحُكي عن سيبويه: أن (هل) قد تكون لغير الاستفهام [[انظر: "كتاب سيبويه" 3/ 189، وانظر أيضًا "المحرر الوجيز" 5/ 408، "الجامع لأحكام القرآن" 19/ 116، (فتح القدير) 5/ 344.]].
وقال الكسائي: (هل) تأتي استفهامًا، وهو بابها، وتأتي جحدًا [[أي: نفيًا.]]، (وتأتي بمعنى: قد) [[ورد قوله في "الجامع لأحكام القرآن" 19/ 116.]] [[ما بين القوسين ساقطة من (أ).]].
(وقال الفراء: معناه: قد أتى، قال (وهل): قد تكون جحدًا) [[ما بين القوسين ساقطة من (أ).]]، وتكون خبرًا، فهذا من الخبر؛ لأنك تقول: هل وعظتك، هل أعطيتك، تقرره بأنك قد أعطيته، ووعظته، قال: والجحد أن تقول: وهل يقدر أحد على مثل هذا [["معاني القرآن" 3/ 213 بتصرف يسير.]].
وقال أبو إسحاق: (هل) ليست باستفهام [["معاني القرآن وإعرابه" 5/ 257، لم يرد عن أبي إسحاق ما ذكره الواحدي، وإنما ورد خلافه، وعبارته كالآتي. قال: ومعنى: "هل أتى" قد أتى على الإنسان، أي ألم يأت على الإنسان حين من الدهر".]]. ويحقق ذلك قول أبي بكر الصديق -أرضاه الله- قال لما سمع هذه الآية: [ليت] [[في كلا النسختين: ليست، ولا تستقيم العبارة بهذا اللفظ، ولعله خطأ من الناسخ، أو تصحيف.]] المدة التي أتت على آدم، ولم يكن شيئًا مذكورًا، تمت على ذلك، وكان لا يلد، ولا يُبتلى أولاده [["الجامع لأحكام القرآن" 19/ 118.]].
وهذا الذي ذكره عن الصديق يروى ذلك عن عمر [["الكشف والبيان" 13/ 12/ أ، "الجامع لأحكام القرآن" 19/ 118، "الدر المنثور" 8/ 366 وعزاه إلى ابن المبارك، وأبي عبيد في فضائله، وعبد بن حميد، وابن المنذر.]]، وابن مسعود [["الكشف والبيان" 13/ 12/ أ، "الدر المنثور" 8/ 366 وعزاه إلى ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن المنذر.]]، (ومراده) [[ساقطة من (أ).]] أن (هل) لو كان استفهامًا ما قال من قال: ليت ذلك تم؛ لأن الاستفهام إنما يجاب بـ (لا) أو (نعم)، وهذا الكلام، إنما يحسن إذا كان المراد بـ (هل) الخبر لا الاستفهام [[(هل): من الحروف الهوامل؛ لأنها لا تختص بأحد القبيلين، ولها موضعان: أحدهما: أن تكون استفهامًا عن حقيقة الخبر، وجوابها: نعم، أو لا، قال تعالى: ﴿فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ﴾ [الأعراف: 44]. والثاني: أن تكون بمعنى: (قد)، وذلك نحو قوله تعالى: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ﴾ [الإنسان: 1]، كتاب معاني الحروف للرُّمَاني: 102.]].
وقوله: ﴿عَلَى الْإِنْسَانِ﴾ قال جماعة من المفسرين [[قال بذلك: قتادة، وسفيان الثوري، والسدي، وعكرمة، ومقاتل. انظر: "تفسير مقاتل" 218/ ب، "تفسير عبد الرزاق" 2/ 336، "جامع البيان" 29/ 202، "النكت والعيون" 6/ 161، "الجامع لأحكام القرآن" 19/ 117. وبه قال == السمرقندي في "بحر العلوم" 3/ 429، والثعلبي في "الكشف والبيان" 13: 12/ أ، وعزاه الماوردي إلى (جميع المفسرين) 6/ 162، وإليه أيضًا ذهب البغوي في "معالم التنزيل" 4/ 426، وحكاه ابن الجوزي عن الجمهور في "زاد المسير" 8/ 142.
قال ابن تيمية: وقوله: "الإنسان" هو اسم جنس يتناول جميع الناس، ولم يدخل فيه آدم الذي خلق من طين، فإن المقصود بهذه الآية بيان الدليل على الخالق تعالى، والاستدلال إنما يكون بمقدمات يعلمها المستدل، والمقصود بيان دلالة الناس وهدايتهم، وهم كلهم يعلمون أن الناس يخلقون من العلق".
(مجموع فتاوى شيخ الإسلام أحمد بن تيمية) 16/ 260 - 261.]]: يريد آدم عليه السلام.
﴿حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ﴾ يعني أربعين سنة كان ملقى قبل أن ينفخ فيه الروح. هذا قول الكلبي [[لم أعثر على مصدر لقوله. وقد ورد بنحوه في (الوسيط) 4/ 398.]].
وقال عطاء، عن ابن عباس: يريد بـ (الحين) أن آدم أقام حين خلق من طين أربعين سنة [[قوله: أربعين سنة: مكرر في (ع).]] من صلصال، وأربعين سنة من حمأ [[حمأ: طين أسود منتن. المفردات في غريب القرآن 133.]] مسنون [[مسنون: أي: مَصْبوب، يقال: سننت الشيء سنًا إذا صببتَهُ صبًا سهلاً، ويقال: "مسنون" أي: متغير الرائحة.
"نزهة القلوب" للسجستاني: 403.]]، فتم خلقه بعد عشرين ومائة سنة [["النكت والعيون" 6/ 162، "التفسير الكبير" 30/ 235، "الجامع لأحكام القرآن" 19/ 117.]]. وزاد ابن مسعود فقال: أقام من تراب أربعين سنة، ثم ذكر مثل قول ابن عباس، فقال: فتم خلقه بعد ستين ومائة سنة [["الجامع لأحكام القرآن" 19/ 117.]].
وقوله: ﴿لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا﴾ قال ابن عباس: لا في السماء، ولا في الأرض [[المرجع السابق.]].
قال الفراء: يريد كان شيئًا، ولم يكن مذكورًا، وذلك من حين أن خلقه الله إلى أن نفخ فيه الروح [[(معاني القرآن للفراء) 3/ 213 بنصه.]]. ونحو هذا قال الزجاج، قال: ويجوز أن يعني به جميع الناس [["معاني القرآن وإعرابه" 5/ 257 بنصه.]].
والمعنى: أنهم كانوا نطفًا [[النُّطْفة: الماء الصافي قلّ أو كثُر. انظر مادة: (نطف) في (مقاييس اللغة) لابن فارس: 5/ 440، (مختار الصحاح) 666.]]، ثم علقًا [[العَلَق: الدم الجامد، وفي الصحاح: الدم الغليظ. انظر مادة: (علق) في (مقاييس اللغة) 4/ 125، (مختار الصحاح) 450.]]، ثم مضغًا [[مضغ: الميم، والضاد، والغين: أجل صحيح، وهو المضغ للطعام، والمضغة: قطعة لحم؛ لأنها كالقطعة التي تؤخذ فتمضغ. انظر مادة: (مضغ) في (مقاييس اللغة) 5/ 330، مختار الصحاح: 626.]]، إلى أن صاروا شيئاً مذكورًا.
قوله تعالى: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ﴾ يعني ولد آدم من نطفة. ﴿أَمْشَاجٍ﴾ يعني المشج في اللغة: "الخلط، يقال: مشج (يمشج) [[ساقط من (أ).]] مشجًا إذا خلط، والأمشاج: الأخلاط.
قال ابن الأعرابي: واحدها: مَشْج، ومَشَج، وأنشد (قول الشماخ) [[ساقط من (أ).]]: طَوَتْ أحْشاءَ مُرْتِجَةٍ لِوَقْتٍ ... على مَشَجٍ سُلالتُه مَهِينُ [[ديوانه: 328. وانظر (مشج) في: "لسان العرب" 2/ 367، "الكامل" 2/ 1017، "البحر المحيط" 8/ 392. ومعناه: طوت: ضمت، أحشاء: أراد رحمها، مرتجة: حامل، لوقت: أي لوقت الولادة، مشج: أخلاط، والمراد هنا: النطفة التي اختلط فيها ماء الحمار بماء الأتان. سلالته: ماؤه، مهين: ضعيف. والمعنى: أطبقت هذه الأتان رحمها إلى وقت الولادة على النطفة، فلا تمكن الحمار منها، فهي تهرب منه أشد ما يكون، فناقة الشماخ تشبه هذه الأتان في: الإسراء للتوجه إلى الممدوح. ديوانه: 328.]]
وأنشد أيضًا:
فَهُنَّ يَقْذِفْنَ مِنَ الأمْشاجِ ... مِثْلَ بُرُودِ اليُمْنَةِ الحجاج [[ورد البيت غير منسوب في: "لسان العرب" 2/ 367، برواية: "نزول" بدلاً من: "برود".]]
قال: والمشج: شيئان مخلوطان [[ما بين القوسين نقله عن الأزهري من "تهذيب اللغة" 10/ 551 (مشج). وانظر المعنى اللغوي لـ (مشج) في: "اللسان" 2/ 367، "تاج العروس" 2/ 100 - 101.]].
وقال [أبو عبيدة [["مجاز القرآن" 2/ 279.]]] [[في (أ) أبو عبيد، وبياض في (ع)، والصواب "أبو عبيدة" فقوله في "مجاز القرآن".]]، والفراء [["معاني القرآن" 3/ 214.]]: الأمشاج: الأخلاط، ويقال للشيء إذا خُلط: مَشيج، كقولك: خليط، وممشوج (كقولك) [[ما بين القوسين ساقط من (أ).]] مخلوط، وأنشد [[أي أبو عبيدة، إذ لم يرد عن الفراء ذكر بيت القصيد.]] للهذلي [[في (ع): وأنشد قول الهذلي.]] [[البيت عند أبي عبيدة منسوب لأبي ذؤيب الهذلي: "مجاز القرآن" 2/ 279، وكذا == عند الطبري في: "جامع البيان" 29/ 203، ونسب إلى الشماخ في: "الكامل" 2/ 1016، والصواب أنه لـ: زهير بن حرام الهذلي من قصيدته في: "ديوان الهذليين" 3/ 104، "شرح أشعار الهذليين" 2/ 619، وقد بين ذلك محقق ديوان الشماخ: 434.]]، فقال: كأنّ الرِّيش والفُوقَيْن منه ... خِلاف النَّصْل سِيطَ به مَشِيجُ [[وورد البيت أيضًا في: "الصحاح" 1/ 341 (مشج)، "اللسان" 2/ 368، "الدر المنثور" 8/ 367 برواية:
كأن النصل والفوقين منها ... خلال الريش سِيطَ به مَشيج
وفي "البحر المحيط" 8/ 392 برواية: كأن النّصل خلاف الريش. وفي "الكامل" 2/ 1016 برواية:
كأنَّ الْمَتْنَ والشرخين منه ... خلاف النّصل سَيط به مَشيج
كما ورد في: ديوان الشماخ: كأن المتن والشرخين منه: 434.]]
يصف السهم: بأنه قد نفذ في الرمية، فالتطخ ريشه وفوقاه بدم يسير، ووصف (النطفة) وهي واحدة بالأمشاج، وهي جمع، كوصف: البُرمة [[البرمة: هي الحجارة التي توضع تحت القدر، ويقال لها الأثافي أيضًا. "غريب الحديث" لابن الجوزي: 1/ 11.]] بالأعشار في قولهم: بُرمة أعشارٌ، أي قطع متكسرة، وثوب أخلاق، وأرض سباسب [[سباسب: أي القفار، واحدها سَبْسَبٌ، والسَّبْسب: الأرض القَفْر البعيدة، مستوية وغير مستوية، وغليظة وغير غليظة، لا ماء بها ، ولا أنيس. "لسان العرب" 1/ 460 مادة: (سبسب).]] [[عد الكرماني هذا القول من غرائب التفسير 2/ 286. وانظر: "فتح القدير" 5/ 345.]].
ومعنى أمشاج: أخلاط في قول جميع أهل اللغة [[انظر (مشج) في: "تهذيب اللغة" 10/ 551، "مقاييس اللغة" 5/ 326، "الصحاح" == 1/ 341، "لسان العرب" 2/ 367، "تاج العروس" 2/ 101، "المعجم الوسيط" 1/ 207.]]، (والمفسرين) [[وهو قول عكرمة، وابن عباس، والربيع بن أنس، ومجاهد، والحسن، ومقاتل. انظر: "تفسير مقاتل" 219/ أ، "جامع البيان" 29/ 203 - 204، "الكشف والبيان" 13: 12/ أ - ب، "النكت والعيون" 6/ 162، معالم التنزيل: 4/ 426، "المحرر الوجيز" 5/ 408، "زاد المسير" 8/ 142 حاشية: 2 من النسخة الأزهرية، "تفسير القرآن العظيم" 4/ 483. وقال به اليزيدي في: "غريب القرآن" 404، وابن قتيبة في: تفسير "غريب القرآن" 502، ومكي بن أبي طالب في: العمدة في: "غريب القرآن" 327، و"تفسير المشكل" لمكي بن أبي طالب: 367، الخزرجي في: نفس "الصباح" 2/ 651، أبو حيان في: "تحفة الأريب" 280. وقال بذلك أيضًا: الطبري، والسمرقندي، والثعلبي. انظر: "جامع البيان" 29/ 203، "بحر العلوم" 3/ 430، "الكشف والبيان" 13: 12/ أ.]] [[ساقط من (أ).]].
واختلفوا في كيفية اختلاط نطفة الرجل، ومعنى ذلك الاختلاط.
فالأكثرون (على) [[ساقطة من (أ).]] أنه اختلاط نطفة الرجل بنطفة المرأة، وهو قول ابن عباس [["الكشف والبيان" 13: 12/ أ، معالم التنزيل: 4/ 426، "زاد المسير" 8/ 142 حاشية: 2، "التفسير الكبير" 30/ 236، "الجامع لأحكام القرآن" 19/ 119، "تفسير القرآن العظيم" 4/ 483.]] في رواية عطاء، (والكلبي) [[لم أعثر على مصدر لقوله.]] [[ساقط من (أ).]]، ومقاتل [["تفسير مقاتل" 219/ أ.]]، (وعكرمة) [["جامع البيان" 29/ 203، "زاد المسير" 8/ 142 حاشية: 2، "تفسير القرآن العظيم" 4/ 483.]] [[ساقط من (أ). وزاد في نسخة (أ) وغيرهما، ويعني: الكلبي، وعكرمة، فإن نسخة ع لم تذكرهما. وممن قال بذلك أيضًا: الحسن، ومجاهد، والربيع ..]]. قالوا: هو اختلاط ماء الرجل، وهو أبيض غليظ، بماء المرأة، وهو أصفر رقيق، فيختلطان، ويخلق الولد منهما، فما كان من عَصب، وعظم، وقوة، فمن نطفة الرجل، وما كان من لحم ودم وشعر، فمن مَاءِ المرأة.
وقال مجاهد: هي ألوان النطفة، نطفة الرجل بيضاء، وحمراء، ونطفة المرأة خضراء، وحمراء [["جامع البيان" 29/ 205، "الكشف والبيان" 13/ 12/ ب، "التفسير الكبير" 30/ 236، "الجامع لأحكام القرآن" 19/ 119، "الدر المنثور" 8/ 368 وعزاه إلى عبد بن حميد، وابن المنذر.]]، وهو قول الكلبي [["الكشف والبيان" 13/ 12/ ب، "معالم التنزيل" 4/ 427، "زاد المسير" 8/ 142.]]، (ورواية الوالبي عن ابن عباس [[المراجع السابقة إضافة إلى "جامع البيان" 29/ 204، وصحيفة علي بن طلحة، عن ابن عباس في: "تفسير القرآن الكريم"؛ تحقيق راشد الرجال: 510.]]) [[ما بين القوسين ساقطة من (أ).]].
وقال عبد الله: أمشاجها عروقها [[المراجع السابقة، عدا الكشف والبيان، وصحيفة ابن عباس. وانظر: "جامع البيان" 29/ 205، "التفسير الكبير" 30/ 236، "تفسير القرآن العظيم" 4/ 483، "الدر المنثور" 8/ 367 وعزاه إلى سعيد بن منصور، وابن أبي حاتم.]]. يعني: العروق التي تكون في النطفة. وقال الحسن: يعني من نطفة مشجت بدم، وهو دم الحيضة، وذلك [[في (أ): ولذلك.]] أن المرأة إذا تلقت ماء الرجل، وحبلت أمسك حيضها، فاختلطت النطفة بالدم [["الكشف والبيان" 13/ 12 ب، "التفسير الكبير" 30/ 263، "الدر المنثور" 8/ 368، وعزاه إلى عبد بن حميد، وابن المنذر. وانظر: "تفسير الحسن البصري" 2/ 383.]].
وقال قتادة: الأمشاج إذا اختلط الماء والدم، ثم كان علقة، ثم كان مضغة [["تفسير عبد الرزاق" 2/ 336، "جامع البيان" 29/ 204، "الدر المنثور" 8/ 368 وعزاه إلى ابن المنذر.]].
ونحو هذا روى (سماك) [[ساقطة من (أ).]] عن عكرمة [["جامع البيان" 29/ 204، "معالم التنزيل" 4/ 427.]]، واختاره الزجاج فقال: أمشاج: أخلاط من مني ودم، ثم ينقل من حال إلى حال [["معاني القرآن وإعرابه" 5/ 257 بنصه.]].
وقال أهل المعاني: إن الله جعل في النطفة أخلاطًا من الطبائع التي تكون في الإنسان من الحرارة، والبرودة، واليبوسة، والرطوبة، ثم عدلها [[انظر: "لسان العرب" 2/ 367 (مشج)، وعزاه الكرماني إلى ابن عيسى، واعتبر هذا القول من عجائب التأويل. انظر: "غرائب التفسير" 2/ 1286.]].
والتقدير: من نطفة ذات أمشاج، فحذف المضاف، وتم الكلام [[وعند بعضهم حسن. قاله الأشموني. انظر: "منار الهدى" 411، وقد علل السجاوندي الوقف على "أمشاج" بقوله: لأنه منكر. ثم قال: ولو وصل صار "نبتليه" صفة له، وإنما هو حال الضمير المنصوب في: "جعلناه" تقديره: فجعلناه سميعًا بصيرًا مبتلين له. فيوقف على "أمشاج" لتبين هذا المعنى. "علل الوقوف" 3/ 1070.]].
ثم قال: (قوله تعالى) [[ساقطة من (ع).]]: ﴿نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾
قال مقاتل: فجعلناه بعد النطفة سميعًا بصيرًا لنبتليه بالعمل [["تفسير مقاتل" 219/ أ، "بحر العلوم" 3/ 430، "النكت والعيون" 6/ 163.]].
وقال الفراء: المعنى: جعلناه سميعًا بصيرًا لنبتليه، فهي مقدمة معناها التأخير، المعنى: خلقناه، وجعلناه سميعًا بصيرًا لنبتليه [["معاني القرآن" 3/ 214 بيسير من التصرف. وقد رد هذا المعنى ابن جرير فقال: "ولا وجه عندي لما قال يصح، وذلك أن الابتلاء إنما هو بصحة الآلات، وسلامة العقل من الآفات، وإن عدم السمع والبصر". "جامع البيان" 29/ 206، كما رده النحاس بمعنى ما ذكره ابن جرير. انظر: "القطع والائتناف" 2/ 775.]]. (ونحو هذا قال الزجاج [["معاني القرآن وإعرابه" 5/ 257.]]، وابن قتيبة [[تفسير غريب القرآن: 502.]] [[ما بين القوسين ساقط من (أ).]].
وقال آخرون: (نبتليه) متصل المعنى بما قبله، كأنه قيل: خلقناه من نطفة أمشاج لنبتليه، لنختبره في الاعتبار بهذه الأحوال في خلقه، فيكون (نبتليه) في موضع الحال، أي خلقناه مبتلين إياه [[وهو قول ابن أبي حاتم، وإليه ذهب أيضًا النحاس. انظر: "القطع والإتناف" 2/ 775، و"منار الهدى" للأشموني 412.]].
ثم ذكر أنه أعطاه ما يصح معه الابتلاء، وهو السمع والبصر، فقال: فجعلناه سميعًا بصيرًا. (وهذا قول صاحب النظم) [[لم أعثر على مصدر لقوله.]] [[ما بين القوسين ساقط من (أ).]].
الإنسان 76:3
قوله تعالى: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ﴾ قال ابن عباس: يريد بيّنا له سبل الهدى [[لم أعثر على مصدر لقوله، وقد ورد بمثله عن عطاء في الوسيط: 4/ 398.]].
وقال الفراء: هديناه السبيل، وإلى السبيل، كل ذلك جائز، يقول عرفناه السبيل [["معاني القرآن" 3/ 214 بيسير من التصرف.]].
وقوله تعالى: ﴿إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾ قال ابن عباس: يريد إما موحّدًا طائعًا لله، و (إمّا) مشركًا بالله [[غير واضحة في (ع).]] في علم الله [[لم أعثر على مصدر لقوله.]].
قال الفراء: و (إمَّا) هاهنا تكون جزاء، أي إن شكروا [[في (ع). اشكروا.]] أو كفروا [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 214 بيسير من التصرف.]].
ومعنى الآية: إن الله تعالى ذكر أنه بين سبيل التوحيد، ودل عليه بنصب الأدلة، وبعث الرسل، شكر الإنسان فآمن، أو كفر فجحد.
ومعنى: (هدينا) هاهنا: بيَّنَّا ، وليس معناه خلقنا الهداية، ألا ترى [[في (أ): ترا.]] أنه ذكر السبيل فقال: {هديناه السبيل [[في (ع). للسبيل.]] (أي: أريناه ذلك، ثم إن وفقه للسلوك سلك فآمن، وإن خذله كفر [[وهذا المعنى للهداية هو المرتبة الثانية من مراتب الهدى الأربعة، والتي أولها: الهدى العام، وثانيها: هدى البيان والدلالة -وهو ما جاء بيانه-، وثالثها: هداية == التوفيق والإلهام، ورابعها: الهداية إلى الجنة والنار يوم القيامة. انظرت "شفاء العليل" لابن قيم الجوزية: 117.]].
وفي الآية قول آخر: قال مقاتل: يعني بينا له سبيل الهدي، وسبيل الضلالة، إما أن يكون موحدًا فيما بيّن له، أو كافرًا فلا يوحده [["تفسير مقاتل" 219/ ب.]].
وقال مجاهد: (إنا هديناه السبيل) قال: الشقاء والسعادة [["جامع البيان" 29/ 206، "النكت والعيون" 6/ 164، "الجامع لأحكام القرآن" 19/ 120. وانظر مجموع "فتاوى ابن تيمية" 16/ 143، وعزاه إلى ابن أبي حاتم. والهداية بقول مجاهد -هي هداية التوفيق والإلهام، وهي المرتبة الثالثة من مراتب الهدى، وهذه المرتبة تستلزم أمرين:
أحدهما: فعل الرب، وهو الهدى. والثاني: فعل العبد، وهو الاهتداء، وهو أثر فعله الله تعالى، فهو الهادي، والعبد المهتدي. قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ﴾ [الإسراء: 97]، ولا سبيل إلى وجود الأثر إلا بمؤثره التام، فإن لم يحصل فعله لم يحصل فعل العبد، ولهذا قال تعالى: ﴿إِنْ تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ﴾ [النحل: 37]. "شفاء العليل" 141.]].
والمعنى على هذا: بينا له سبيل الحق، والباطل، وعرفناه طريق الخير والشر، كقوله: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [[سورة البلد: 10.]]
قال الفراء: و (إما) (أنْ) [[ساقط من (ع).]] تكون على: (إما) التي في قوله: ﴿إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ﴾ [[سورة التوبة: 106. قال تعالى: ﴿وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾.]] فكأنه قال: خلقناه شقيًا، أو سعيدًا [["معاني القرآن" 3/ 214 بنصه.]].
وقال الزجاج: معناه: هديناه الطريق إما الشِقْوة، وإما السَّعادة [["معاني القرآن وإعرابه" 5/ 257.]].
والآية حجة على القدرية [[القائلة بأن العبد يخلق فعله، وأن الله لا يخلق أفعال العباد، ورتبوا عليها مسألة الهدى والضلالة، فقالت المعتزلة: الهدى من الله بيان طريق الصواب، والإضلال: تسمية العبد ضالاً، وحكمه تعالى على العبد بالضلال عند خلق العبد الضلال في نفسه، -وهذا مبني على أصلهم الفاسد، أن أفعال العباد مخلوقة لهم-. والصحيح: أن الله سبحانه وتعالى يهدي من يشاء، ويعصم ويعافي فضلاً، ويُضل من يشاء، ويخذل ويبتلي عدلًا، ودليله قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص: 56]. ولو كان الهدى بيان الطريق لما صح هذا النفي عن نبيه؛ لأنه -ﷺ- بين الطريق لمن أحب وأبغض. وقال تعالى: ﴿يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ ولو كان الهدى من الله البيان، وهو عاصم في كل نفس لما صح التقييد بالمشيئة. انظر: "شرح العقيدة الطحاوية" 98. وللاستزادة والتفصيل يراجع كتاب: "المعتزلة في أصولهم الخمسة ورأي أهل السنة فيها"، رسالة ماجستير، إعداد: عبد الله المعتق: 209 - 229.]]؛ لأن الله تعالى ذكر أنه هدى الإنسان (إلى) [[ما بين القوسين ساقط من (ع).]] طرق السعادة، والشقاوة، وانتصب شاكرًا أو كفورًا على القول الأول بإضمار على التقدير [[في (ع): تقدير.]]: إما (كان) [[ساقطة من (أ).]] شاكرًا، وإما جعلناه [[في (أ): جعلاه.]] كفورًا، ودل عليه قوله: هديناه السبيل على هذا المضمر.
ويجوز أن ينتصب على الجار بتقدير: هديناه السبيل شاكرًا أو كفورًا كأنك لم تذكر (إما) وهو قول الأخفش [[لم أعثر على مصدر لقوله.]].
ثم بين ما أعد للكافرين، فقال: ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ سَلَاسِلَ﴾
قال ابن عباس [[لم أعثر على مصدر لقوله.]]، ومقاتل [["تفسير مقاتل" 219/ ب.]]: يريد في جهنم طولها سبعون ذراعًا كقوله: ﴿ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا﴾ [الحاقة: 32] الآية. وتقرأ: (سلاسلًا) بالتنوين [[قرأ نافع، وأبو بكر عن عاصم، والكسائي، وأبو جعفر: "سلاسلاً" منونة.
وقرأ الباقون: "سلاسل" بغير تنوين. انظر كتاب "السبعة" 664، "القراءات وعلل النحويين " فيها: 2/ 733، الحجة: 6/ 348 - 349، "المبسوط" 389، "حجة القراءات" 738 - 739، "الكشف عن وجوه القراءات السبع" 2/ 352 - 354، "إتحاف فضلاء البشر" 428 - 429.]]، وكذلك: (قواريرًا قواريرًا) [[سورة الإنسان: 15 - 16.]].
ومنهم من يصل بغير تنوين، ويقف بالألف [[قرأ نافع، وأبو بكر، والكسائي، وأبو جعفر: "قواريرًا قواريرًا" منونًا كلاهما، وإذا وقفوا وقفوا عليهما بألف.
وقرأ ابن كثير، وخلف: "قواريرًا" منونًا، والوقف بغير ألف، و"قواريرا من فضة" بغير تنوين، والوقف عليه بالألف. وقرأ أبو عمرو، وابن عامر، وحمزة، وحفص: "قواريرَ قواريرَ" بغير تنوين، ووقفوا على الأولى بالألف؛ لأنها رأس آية، ووقفوا على الثانية بغير ألف لأنها ليست برأس آية. ووقف حمزة، ويعقوب: "قوارير" بغير تنوين في جميعها، والوقف بغير ألف عليهما. [المرجع]]].
ولمن نون وصرف وجهان: أحدهما: أن أبا الحسن الأخفش قال: قد سمعنا من العرب [[وهم بنو أسد. انظر: "الإتحاف" 429.]] من يصرف هذا الجنس، ويصرف جميع ما لا ينصرف، وقال: هذا لغة الشعراء؛ (لأنهم اضطروا إليه في الشعر) [[انظر شواهد ذلك من الشعر في: "الحجة" 6/ 348 - 349، "حجة القراءات" 738 - 739.]] [[ساقطة من (أ).]]، فصرفوه، فجرت ألسنتهم على ذلك.
والوجه الثاني: أن هذه الجموع أشبهت الآحاد؛ لأنهم قد قالوا: (صواحبات يوسف) [[نص الحديث كما في الصحيح: ما رواه أبو موسى، قال: مرض النبي -ﷺ- فاشتد مرضه، فقال: مُروا أبا بكر فليُصَلِّ بالناس. فقالت عائشة: إنه رجل رقيق، إذا قام مقامك لم يستطع أن يُصلِّيَ بالناس، قال: مُروا أبا بكر فليُصلِّ بالناس، فعادت. فقال: مُري أبا بكر فليُصل بالناس، فإنكن صواحب يوسف. فأتاه الرسول، فصلى بالناس في حياة النبي -ﷺ-" الحديث. الجامع الصحيح للبخاري: 1/ 224 - 225: ح: 678، 679، 682، كتاب الأذان، باب: 46. كما أخرجه مالك في: "الموطأ" 1/ 155 - 156: ح: 83، كتاب فضل الصلاة في السفر، باب: 24. والإمام أحمد في "المسند" 6/ 210، 224، 229، 270. ومعنى: "إنكن صواحب يوسف" جمع صاحبة، والمراد: أنهن مثلهن في إظهار خلاف ما في الباطن، والخطاب -وإن كان بلفظ الجمع- فالمراد به عائشة فقط. انظر: "الموطأ" 155 - 156 حاشية (أ).]]، فلما جمعوه جمع الآحاد المنصرفة، جعلوها في حكمها [[في (أ): حكها.]]، فصرفوها، وكثير من العرب يقولون: (موالياتٌ) يريدون: الموالي، ومن ترك الصرف فإنه جعله كقوله تعالى: ﴿لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ﴾ [الحج: 40].
وأما إلحاق (الألف) في الوقف فهو كإلحاقها في قوله [[غير مقروءة لسواد في النسخة (أ).]]: (الظنونا) [[الأحزاب: 10.]]، و (الرسولا) [[الأحزاب: 66.]]، و (السبيلا) [[الأحزاب: 67.]] أشبه [[في (ع): شبه.]] ذلك بالإطلاق في القوافي [[والشبه من حيث كانت مثلها في أنها كلام تام نحو: * أقلي اللوم عاذِلَ والعتابا * انظر الحجة: 6/ 351.]] [[ما ذكره المؤلف هنا من القراءات وتوجيهها نقله عن أبي علي من الحجة باختصار شديد: 6/ 348 - 351.]].
وقوله تعالى: ﴿وَأَغْلَالًا﴾ يعني في أيديهم تغل [[الغُلُّ: مختص بما يقيد به، فيجعل الأعضاء وسطه، وجمعه أغلال، وغُل فلان: قُيد به. انظر المفردات في غريب القرآن: 363.]] أعناقهم ﴿وَسَعِيرًا﴾ وقودًا لا تُوصف شدته، قاله ابن عباس [[أعثر على مصدر لقوله، وقد ورد بنحوه في: الوسيط من غير عزو: 4/ 399.]]، ومقاتل [[لم أعثر على مصدر لقوله، والذي ورد عنه في تفسيره: 219/ ب، قال: "وقودًا لا يطفأ".]].
ثم ذكر ما أعد [[في (أ): وأما.]] للشاكرين الموحدين فقال: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ﴾ قال عطاء: هم الذين بروا الآباء، والأمهات، والأبناء، مع اليقين والمعرفة بالله [[لم أعثر على مصدر لقوله.]].
وقال مقاتل: يعني المطيعين (لله) [[ساقطة من (أ).]] في التوحيد [["تفسير مقاتل" 219/ ب، "النكت والعيون" 6/ 164 مختصرًا. قال الخازن: الأبرار: واحدهم: بار، وبر، وأصله التوسع، فمعنى البر: المتوسع في الطاعة. لباب التأويل: 4/ 338 - 339. وعن ابن عاشور: الأبرار جمع: بَر -بفتح الباء-، وجمع بار أيضًا، والبار، أو البَرّ: المكثر من البِر- بكسر الباء- وهو فعل الخير. التحرير والتنوير: 29/ 379.]].
وقوله تعالى: ﴿يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ﴾ يعني: (من إناء فيه الشراب) [[ما بين القوسين نقله عن الزجاج. انظر معاني القرآن وإعرابه: 5/ 258.]]، ولهذا قال ابن عباس: يريد الخمرة [["التفسير الكبير" 30/ 240، الجامع لأحكام القرآن: 19/ 123.]]. وقال مقاتل: يعني الخمر [["تفسير مقاتل" 219/ ب، "التفسير الكبير" 30/ 240.]]. ﴿كَانَ مِزَاجُهَا﴾ ما يمازجها، ومنه: مزاج البدن، وهو ما يمازجه من الصفراء، والسوداء، والحرارة، والبرودة [[مَزَج الشَّراب: خلطه بغيره، ومِزاج الشراب: ما يُمزج به، ومِزاج البدن ما رُكب عليه من الطبائع. انظر: "الصحاح" 1/ 341: مادة: (مزج).]].
وقوله: ﴿كَافُورًا﴾ قال عطاء [[ورد عن عطاء من قوله: معالم التنزيل: 4/ 427، "زاد المسير" 8/ 144. عن ابن عباس من غير ذكر الطريق إليه في: "الجامع لأحكام القرآن" 19/ 123، و"لباب التأويل" 4/ 239.]]، والكلبي [[ورد عن الكلبي من قوله: معالم التنزيل: 4/ 427، "زاد المسير" 8/ 144، "البحر المحيط" 8/ 395.]] عن ابن عباس: هو اسم عين ماءٍ في الجنة يقال: هو عين الكافور [[في (أ): الكافون. ومعنى الكافور: هو أخلاط تجمع من الطيب تُركب من كافور الطلع. انظر: "لسان العرب" 5/ 149 مادة: (كفر).]].
والمعنى: أن ذلك الشراب يمازجه ماء هذه العين التي تسمى كافورًا.
وقال آخرون: يعني الكافور الذي له رائحة طيبة. وهو قول مقاتل [[ورد بمعناه في: معالم التنزيل: 4/ 427، ولم أعثر عليه في تفسيره.]]، ومجاهد [[المصدر السابق.]].
وعلى هذا له معنيان:
أحدهما: أن يمازجه ريح الكافور، فيكون طيب الريح.
والآخر: أن يمازجه عين الكافور، ولا يكون في ذلك ضرر لأهل الجنة، لا يمسهم الضرر فيما يأكلون ويشربون. (ذكرهما الزجاج) [["معاني القرآن وإعرابه" 5/ 258 بتصرف.]] [[ما بين القوسين ساقط من (أ).]].
وقال مقاتل: ليس ككافور الدنيا؛ ولكن الله سمى ما عنده بما عندكم حتى يهدي له القلوب [["تفسير مقاتل" 219/ ب، وبمعناه في: "معالم التنزيل" 4/ 427، "الجامع لأحكام القرآن" 19/ 124، "فتح القدير" 5/ 346.]].
ويدل على صحة القول الأول قوله: (عينًا).
قال الفراء: إن شئت جعلتها متابعة للكافور كالمفسرة، وإن شئت نصبتها على القطع [[يعبر عن الحال بالقطع عند الكوفيين. انظر: "نحو القراء الكوفيين" 349.]] من (الهاء) في: (مزاجها) [[غير واضحة في (ع).]] [["معاني القرآن" 3/ 215 بنصه.]].
وهذا على أن يجعل (العين) حالاً للكأس؛ لأن ضميرها معرفة، ويكون التقدير: كان مزاج الكأس، وهي [[في (أ): هي.]] عين كافورًا، وهذا يوجب أن تكون العين الكأس، وليس المعنى على هذا.
وقال الأخفش: وإن شئت نصبت على وجه المدح، كما يذكر لك الرجل، فتقول: العاقل اللبيب، أي ذكرتم العاقل اللبيب، فتجعل النصب هاهنا على أعْني: [عينًا] [[في كلا النسختين: هاهنا، والمثبت من كتاب الأخفش: "معاني القرآن" 2/ 722.]].
وقال أبو إسحاق: الأجود أن يكون المعنى من عين [["معاني القرآن وإعرابه" 5/ 258 بنصه.]].
وقوله تعالى: ﴿يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ﴾ قال الفراء: (يشرب بها) وَيشْرَبها سواء، المعنى: كأن [[في (ع): وكان.]] يشرب بها، يريد ينقع بها، ويروى بها [["معاني القرآن" 3/ 215 بيسير من التصرف.]].
قال ابن عباس: يشرب بها أولياء الله [[معالم التنزيل: 4/ 428، "لباب التأويل" 4/ 339.]].
وقال مقاتل: يشربها المقربون، وهم الصديقون، والشهداء صِرفًا، وتمزج لسائر أهل الجنة الخمر، واللبن، والعسل [["النكت والعيون" 6/ 165 بنحوه، والذي ورد عنه في تفسيره: 219/ ب قال: "عباد الله يعني أولياء الله، يمزجون ذلك الخمر مزجًا".]].
وقوله تعالى: ﴿يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا﴾ قال الكلبي: يقول: يفجرون تلك العيون الكافور في الجنة حيث يريدون؛ كما يفجر الرجل النهر يكون له في الدنيا -هاهنا- وهاهنا حيث يريد [[لم أعثر على مصدر لقوله.]].
وذكرنا معنى التفجير عند قوله: ﴿فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ﴾ [[سورة الإسراء: 91، وعند تعرضه للآية أحال إلى سورة البقرة في بيان معنى التفجير، [البقرة: 60]، ومما جاء في تفسيرها: قال: "وأصل الفجر في اللغة: الشق، وسمي فجر النهار لانصداعه، أو لشقه ظلمة الليل، ويقال: انفجر الصبح إذا سال ضوؤه في سواد الليل كانفجار الماء في النهر، ويقال: فَجَرَ وأفجَرَ ينبوعًا من ماء، أي: شقه وأخرجه، قال الليث: والمَفْجَر: الموضع الذي يُفْجَر منه".]] الآية.
ثم نعتهم فقال: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾ قال صاحب النظم: (كان) في قوله: ﴿كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا﴾ زائدة لا يحتاج إليها، والعرب تزيدها في أضعاف الكلام، ولا معنى لها، كما قال:
وَجِيرانٍ لنا كانوا كرامِ [[البيت للفرزدق من قصيدة يمدح فيها هشام بن عبد الملك، وصدر البيت:
فَكَيْفَ إذا رأيت ديارَ قوْمي
ورد البيت في ديوانه: 2/ 290 ط دار صادر.]]
قال: وكما يزيدون [كان] [[ساقطة من النسختين، وأثبت ما يستقيم به المعنى.]] وليس لها معنى، يحذفونها من مواضع يحتاجون إليها كقوله: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾ (والمعنى: كانوا يوفون بالنذر) [[ما بين القوسين ساقط من (أ).]]، لأن هذا إخبار عما كانوا عليه في الدنيا [[لم أعثر على مصدر لقوله، وقد قال بقوله أبو علي في: "المسائل البصريات" 2/ 875.]].
وهذا قول الفراء، قال: هذه من صفاتهم في الدنيا كأن فيها إضمار (كانوا) [["معاني القرآن" 3/ 316 بيسير من التصرف.]].
ونحو هذا قال مقاتل، فقال: كانوا في الدنيا يوفون بالنذر [[بمعناه في: "تفسير مقاتل" 219/ ب، وعبارته "قال: يعني من نذر لله نذرا فقضى الله حاجته، فيوفي لله بما قد نذره".]].
ومعنى ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾ قال قتادة: بطاعة الله، والصلاة [[في (ع): الصلوات.]]، والحج [["تفسير عبد الرزاق" 2/ 336، "جامع البيان" 29/ 208، وبنحوه في: "الكشف والبيان" 13/ 14/ أ، "زاد المسير" 8/ 145 بمعناه، "القرطبي" 19/ 125.]].
وعلى هذا معنى النذر: ما أوجبه الله [عليهم] [[في كلا النسختين: عنهم، ولا تستقيم العبارة بذلك، والأوفق للسياق لفظ: عليهم. والله أعلم.]]. النذر معناه: الإيجاب [[قال الليث: النَّذْر: النَّحْب، وهو ما ينذره الإنسان فيجعله على نفسه نحبًا واجبًا، ومنه قولك: نذرت على نفسي، أي أوجبت. انظر مادة: (نذر) في: تهذيب اللغة: 14/ 420،"لسان العرب" 5/ 200، وأيضًا "مقاييس اللغة" 5/ 414.]].
وقال الكلبي: يتممون العهود [["النكت والعيون" 6/ 166 بمعناه، "التفسير الكبير" 3/ 242، "الجامع لأحكام القرآن" 19/ 125، "فتح القدير" 5/ 347.]].
وقال مجاهد [["الكشف والبيان" 13: 14/ أ، "زاد المسير" 8/ 145، "الجامع لأحكام القرآن" 19/ 125 بنحوه.]]، وعكرمة [[المراجع السابقة.]]: يعني: إذا نذروا في طاعة الله وثوابه.
وقوله تعالى: ﴿وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا﴾ قال أبو عبيدة [[مجاز القرآن: 2/ 279، وعبارته: "فاشيًا".]]، وغيره [[قال بذلك: ابن عباس، ومقاتل، وإليه ذهب الأخفش. انظر: "تفسير مقاتل" 219/ ب، "النكت والعيون" 6/ 166، معالم التنزيل: 4/ 428، "الجامع لأحكام القرآن" 19/ 126.]]: فاشيًا منتشرًا.
وقال الزجاج: بالغًا أقصى المبالغ [[معاني القرآن وإعرابه: 5/ 258 بنحوه]].
وقال الفراء: ممتدًا قال: والعرب تقول: استطار الصَّدع في القارورة، واستطال، ولا يقال في الحائط [["معاني القرآن" 3/ 216 بإضافة عبارة: "ولا يقال في الحائط".]].
وقال ابن قتيبة: يقال: استطار الحريق إذا انتشر، واستطار الصبح إذا انتشر ضوؤه [["تفسير غريب القرآن" 502 بيسير من التصرف.]].
وأنشدوا [[وممن أنشد قول الأعشى: "جامع البيان" 29/ 209، "الكشف والبيان" 13/ 14/ أ، "النكت والعيون" 6/ 166. وبه قال أيضا: "المحرر الوجيز" 5/ 410، "زاد المسير" 8/ 145، "الجامع لأحكام القرآن" 19/ 126، "ابن كثير" 4/ 484.]] للأعشى:
فَبَانَتْ وقَدْ أَسْأرتْ في الفؤاد ... صَدْعًا على نأيها مسْتطيرا [[ديوانه: 89 برواية: (وقد أورثت) بدلًا من: (أسأرت)، و (يخالط عثَّارها) بدلاً من: (على نأيها مستطيرا)، وليس فيه موطن الشاهد، وله في شعر يمدح فيه هوذة بن علي الحنفي، وليس فيه موضع شاهد أيضًا:
بانَتْ وقدْ أسْأرَتْ في النَّفْسِ حاجَتَها ... بَعْدَ ائتلاف وخَيْرُ الوُدِّ ما نَفَعا]] قال الكلبي: قد علن شره، وفشا، وعم [[لم أعثر على مصدر لقوله.]].
وقال عطاء: استطار خوفه في أهل السموات وأهل الأرض في أولياء الله، وفي أعدائه [[لم أعثر على مصدر لقوله.]].
وقال مقاتل: يعني كان شره فاشيًا في السموات، فانشقت وتناثرت الكواكب، وفزعت الملائكة، وكورت الشمس، والقمر في الأرض، فنسفت الجبال، وغارت المياه، وتكسر كل شىء على (وجه) [[ساقط من (ع).]] الأرض من جبل، وبناء، ففشا شر يوم القيامة فيهما [["تفسير مقاتل" 219/ ب، "معالم التنزيل" 4/ 428، "زاد المسير" 8/ 145، "الجامع لأحكام القرآن" 19/ 126، "فتح القدير" 5/ 347.]].
قال ابن عباس في هذه الآية: نزلت في علي بن أبي طالب، وفاطمة رضي الله عنهما كانا نذرا نذرًا في مرض الحسين، فوفوا لله عَزَّ وَجَلَّ بما نذروا له [["التفسير الكبير" 30/ 243 - 244.]].
الإنسان 76:8
قوله تعالى: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا﴾
قال الكلبي: على شهوته. وقال مقاتل: على حب الطعام [["النكت والعيون" 6/ 166.]].
قال الزجاج: هذه (الهاء) تعود على الطعام، المعنى: يطعمون الطعام أشد ما يكون حاجتهم إليه، وصفهم الله بالأثرة على أنفسهم [["تفسير مقاتل" 219/ ب، المرجع السابق، "تفسير القرآن العظيم" 4/ 485.]].
وقوله: ﴿وَأَسِيرًا﴾ قال الحسن: الأسير [["معاني القرآن وإعرابه" 5/ 259 بنحوه.]] من أهل الشرك [[الأسير في اللغة: من الأسر، أصل واحد، وقياس مطرد، وهو: الحبس، وهو الإمساك، من ذلك: الأسير، وكانوا يشدونه بالقِدِّ، وهو الإسار. انظر: "مقاييس اللغة" 1/ 107 (أسر).]].
وهو قول ابن عباس [[بمعناه في: "جامع البيان" 29/ 210، و"النكت والعيون" 6/ 166، و"المحرر الوجيز" 5/ 410، و"زاد المسير" 8/ 146، و"التفسير الكبير" 30/ 245، و"الدر المنثور" 8/ 371 وعزاه إلى: سعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، وابن المنذر، وابن مردويه. وانظر: "تفسير الحسن البصري" 384.]]، وقتادة، قال: كان أسيرهم يومئذ مشركًا، فأخوك المسلم، أخوك أحق أن تطعمه [["تفسير عبد الرزاق" 2/ 377، "التفسير الكبير" 30/ 245، "القرطبي" 19/ 127، "تفسير القرآن العظيم" 4/ 485، "الدر المنثور" 8/ 371 وعزاه إلى ابن المنذر.]].
ونحو هذا قال مقاتل [["تفسير عبد الرزاق" 2/ 336، "جامع البيان" 29/ 210، "الكشف والبيان" 13/ 14/ ب، معالم التنزيل: 4/ 428، "المحرر الوجيز" 5/ 410، "زاد المسير" 8/ 146، "التفسير الكبير" 30/ 245، "الجامع لأحكام القرآن" 19/ 127.]] في الأسير: إنه من المشركين؛ إلا أنه قام ثم نسخ طعام الأسير [[وممن قال بنسخ إطعام الأسير من المشركين بآية السيف: هبة الله بن سلامة؛ قال: "ويطعمون الطعام على حبه مسكينًا ويتيمًا" هذا محكم في أهل القبلة، "وأسيرًا" "هذا منسوخ بآية السيف، وهو من غير أهل القبلة، وهم المشركون". الناسخ والمنسوخ: 191. وقد وضح محقق كتاب الناسخ والمنسوخ: لهبة الله أن مراد المؤلف بالمنسوخ في الآية هو عدم قتل الأسير الكافر، أما إطعامه فلا خلاف في أنه محكم. وممن قال بنسخ الآية أيضًا بآية السيف: ابن البارزي في: ناسخ القرآن ومنسوخه: 56. وقد رد دعوى النسخ ابن الجزري في "نواسخ القرآن" 250، == وبين أن الأسير يقتل، ولا يفادى، وأما إطعامه فقال: ففيه ثواب بالإجماع والآية محمولة على التطوع بالإطعام، فأما القرض فلا يجوز صرفه إلى الكفار.]].
قال أهل العلم [[قال بذلك الجصاص في: "أحكام القرآن" 3/ 471، وابن العربي في: "أحكام القرآن" 4/ 1898، والقرطبي في: "الجامع لأحكام القرآن" 19/ 127. قال الإمام النووي في "المجموع": "ولا يجوز دفع شيء من الزكوات إلى كافرة سواء زكاة فطر وزكاة المال، وهذا لا خلاف فيه عندنا" 6/ 228.]]: هذه الآية تدل على أن إطعام الأسرى [[في (ع): الأسارى]]، وإن كانوا من غير أهل ملتنا حسن يرجى ثوابه، فأما فريضة الكفارات، (والزكوات) [[ساقطة من (أ).]]، فلا يجوز وضعها في فقراء المشركين، وأسراهم.
وفي الأسير قولان (آخران) [[ساقطة من (أ).]]:
أحدهما: أن المسجون من أهل القبلة، وهو قول مجاهد [["جامع البيان" 19/ 210، "الكشف والبيان" 13: 14/ ب، "النكت والعيون" 6/ 166، معالم التنزيل: 4/ 428، " المحرر الوجيز" 5/ 410، "زاد المسير" 8/ 146، "الجامع لأحكام القرآن" 19/ 127.]]، وعطاء [[المراجع السابقة عدا: "النكت والعيون"، وانظر أيضًا: "الدر المنثور" 8/ 371 وعزاه إلى ابن أبي شيبة.]]، وسعيد بن جبير [[المراجع السابقة.]]، وروي ذلك مرفوعًا من طريق أبي (سعيد) [[ساقط من (ع).]] الخدري أن النبي -ﷺ- قال في قوله: ﴿مِسْكِينًا﴾: فقيرًا، ﴿وَيَتِيمًا﴾ لا أب له، ﴿وَأَسِيرًا﴾ قال: المملوك والمسجون [[ورد الحديث في: "حلية الأولياء" 5/ 105، وقال عنه أبو نعيم: غريب من حديث عمرو، تفرد به عباد عن عمه. كما ورد في: "التفسير الكبير" 3/ 245، "الدر المنثور" 8/ 371 وعزاه إلى ابن مردويه، وأبو نعيم.]].
القول الثاني: أن المراد بالأسير: المرأة، وهن أسرى [[في (أ): أسروا.]] عند الأزواج، يدل عليه الحديث: "اتقوا الله في النساء فإنهن عندكم عوان" [[الحديث أخرجه ابن ماجه 1/ 341 ح 1856 من طريق سليمان بن عمرو بن الأحوص عن أبيه: أبواب النكاح: حق المرأة على الزواج. كما أخرجه الترمذي 3/ 458، ح: 1163، كتاب الرضاع: باب 11، وقال عنه أيضًا: حديث حسن صحيح، كما أخرجه أيضًا في كتاب التفسير: 5/ 274: ح: 3087: باب 10، وقال عنه أيضًا: حديث حسن صحيح. وقد حسنه الألباني. انظر: "صحيح سنن ابن ماجه" 1/ 311، ح: 1501، باب 3.
عوان: جمع عانية، والعاني: الأسير. انظر: "تحفة الأحوذي" المباركفوري: 4/ 273: كتاب الرضاع: باب 11.]]، وهو قول الثمالي [["المحرر الوجيز" 5/ 411، "زاد المسير" 8/ 146، "الجامع" للقرطبي 19/ 127.]].
قال ابن عباس في رواية عطاء: وذلك أن عليًا رضي الله عنه أجر نفسه يسقي نخلًا بشيء من شعير ليلة حتى أصبح، فلما أصبح [[في (أ): الصبح.]] وقبض الشعير طحن ثلاثة، فجعلوا منه شيئًا ليأكلوه، يقال له: الخَزيرَة [[الخزيرة: لحم يقطع صغارًا، ويصب عليه ماء كثير، فإذا نضج ذُرَّ عليه الدقيق، فإن لم يكن فيها لحم فهي عصيدة، وقيل: هي حسًا من دقيق ودَسم، وقيل: إذا كان من دقيق فهي حَريرة، وإذا كان من نُخالة فهو خزيرة. انظر: "النهاية في غريب الحديث والأثر" 2/ 28 باب الخاء مع الزاي.]]، فلما تم نضاجه [[في (ع): إنضاجه. وكذا التي في السطر التالي.]] أتى مسكين، فأخرجوا إليه الطعام، ثم عملا الثلث الثاني، فلما تم نضاجه أتى يتيم، (فسأل، فأطعموه) [[ما بين القوسين ساقط من (أ).]]، (فأخرجوا له الطعام) [[ما بين القوسين ساقط من (ع).]]، ثم عملا الثلث الباقي، فلما تم نضاجه [[في (ع): إنضاجه.]] أتى أسير من المشركين، فسأله، فأطعموه، وطووا يومهم ذلك [[وردت الرواية مطولة في: "الكشف والبيان" 13: من ورقة: 16 إلى ورقة 19 عند تفسيره لقوله: "يوفون بالنذر ويخافون يومًا كان شره مستطيرًا"، وانظر معالم التنزيل: 4/ 428، وذكرت أيضًا مطولة بمعناها في: الكشاف: 5/ 169، وفي "التفسير الكبير" 30/ 244، وفي الجامع لأحكام القرآن: 19/ 131 - 132. وقد رد القرطبي هذه الرواية وأمثالها مما روي عن علي وفاطمة -رضي الله عنهما-، ووصفها بأنها من أحاديث السجون التي يعمد أصحابها إلى السهر بكتابة مثل هذه الروايات، وهم في سجونهم، كما بين أن الروايات المطولة بزيادات وأشعار عن علي وفاطمة -رضي الله عنهما- فيها ما يبين كذبها وبطلانها. وقد ذكرت أيضًا في: أسباب النزول: 378، وقد أوردها الماوردي عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿جَنَّةً وَحَرِيرًا﴾. "النكت والعيون" 6/ 168. وقال ابن حجر: رواه الثعلبي من رواية القاسم بن بهرام، عن ليث بن أبي سليم، عن مجاهد، عن ابن عباس، ومن رواية الكلبي عن أبي صالح، عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾ الآية. فذكر تمامه، وزاد في أثنائه أشعارًا لعلي وفاطمة. قال الحكيم الترمذي: ومن الأحاديث التي تنكرها القلوب، حديث رووه عن مجاهد، عن ابن عباس، فذكره بشعره، ثم قال: هذا حديث مزوق مفتعل، لا يروج إلا على أحمق جاهل. ورواه ابن الجوزي في: الموضوعات من طريق أبي عبد الله السمرقندي، عن محمد بن كثير، عن الأصبغ بن نباتة، ثم قال: وهذا لا شك في وضعه. انظر: "الكافي الشاف" 180. كما فند هذه الرواية بالحجة والبرهان محققا "الوسيط" 4/ 401.]].
قول تعالي: ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ﴾ قال مجاهد: أما إنهم لم يتكلموا به، ولكن علمه الله من قلوبهم، فأثنى به عليهم ليرغب فيه راغب [["جامع البيان" 29/ 211، "الكشف والبيان" 13/ 14/ ب، "النكت والعيون" 6/ 167، "معالم التنزيل" 4/ 428، "زاد المسير" 8/ 146، "البحر المحيط" 8/ 395.]].
وقال الكلبي: لم يتكلم أهل هذه الصدقة، ولكن عرف (الله) [[ساقطة من (أ).]] نياتهم، فأظهر فعالهم [[لم أعثر على مصدر لقوله.]].
وقال عطاء عن ابن عباس: إن الله تعالى أثنى عليهم بما علم من نياتهم، فذكر ما أتوا به؛ ولأن اليتيم والمسكين [[في (ع) اليتيم والمسكين.]] والأسير لم يكن عندهم جزاء، ولا مكافأة، ولا شكر، ولكن الله تعالى قبل اليسير الذي فعلوه، وشكره، وعلم من نياتهم أنهم فعلوا ذلك خوفًا من الله عز وجل، ورجاء ثوابه [[لم أعثر على مصدر لقوله.]].
وقال الأخفش في قوله: (شكورًا): إن شئت جعلته (جماعة الشُّكْر، مثل: برد وبرود، وإن شئت جعلته) [[ما بين القوسين ساقطة من (أ).]] مصدرًا واحدًا في معنى جمع [[في (ع): جميع.]]، مثل: القعود [[في (ع): العقود.]]، والخروج [["معاني القرآن" 2/ 722 بتصرف.]]، (ونحو هذا قال في: (الكفور) في قوله: ﴿فَأَبَى الظَّالِمُونَ إِلَّا كُفُورًا﴾ [الإسراء: 99]) [[ما بين القوسين لم يرد عند الأخفش في معانيه. المرجع السابق.]].
قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا﴾ قال الكلبي [[بمعناه في: "الكشف والبيان" 13/ 15/ أ، ومعالم التنزيل: 4/ 429.]]، ومقاتل [[بمعناه في: "تفسير مقاتل" 220/ أ، "الكشف والبيان" 13/ 15/ أ.]]: تعبس [[في (أ): تعبيس.]] الوجوه من هول ذلك اليوم وشدته، فلا تنبسط.
قال ابن قتيبة: جعل (عبوسًا) من صفة ذلك اليوم، والمعنى: أن الوجوه تعبس في ذلك اليوم، كما يقال: يوم عاصف، أي ذو عصوف [["تفسير غريب القرآن" 502 بيسير من التصرف.]]. كذلك المعنى -هاهنا- ذو [[في (أ): ذوا.]] عبوس [[قال ابن منظور: عَبَس يَعْبِس عَبْسًا، وعَبس: قطب ما بين عينيه، ويوم عابس وعَبُوس: شديد. انظر: "لسان العرب" 6/ 128: مادة: (عبس). وقال ابن فارس: عبس: أصل يدل على تكرُّه في شيء، وأصل العَبَس: ما يبس على هُلْب الذنب من بَعر وغيره، وهو من الإبل كالوَذج من الشاء، ثم اشتق من هذا: اليوم العَبوس، وهو الشديد الكريه، واشتق منه عبس الرجل يعبس عبوسًا، وهو عابس الوجه: غضبان. انظر: "مقاييس اللغة" 4/ 210 - 212 مادة: (عبس).]] فيه.
وقوله: ﴿قَمْطَرِيرًا﴾ قال مجاهد: تقبض الوجوه بالشرور [["الكشف والبيان" 13/ 15/ أ.]]. ونحو هذا قال مقاتل [[بمعناه في "تفسير مقاتل" 220/ أ، "الكشف والبيان" 13/ 15/ أ، "معالم التنزيل" 4/ 429، "زاد المسير" 8/ 146.]]، وقتادة [[المراجع السابقة عدا "زاد المسير"، وانظر: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 337.]]: تقبض الجباه، وما بين العينين من شدته، (وهو قول ابن عباس [["جامع البيان" 29/ 211 - 212.]] في رواية عَنْتَرَة) [[ما بين القوسين ساقطة من (أ).]].
قال أبو إسحاق: جاء في التفسير أن (قمطريرًا) معناه: تُعَبّسُ الوجوه، فيجمع ما بين العينين، قال: وهذا سائغ في اللغة، يقال: اقمطرت الناقة إذا رفعتْ ذنبها، وجَمَعَتْ قَطْريها، ورَمَت بأنْفها [["معاني القرآن وإعرابه" 5/ 259 بنصه.]]، يعني أن معنى اقمطر في اللغة: جمع [[ورد عن أبي عبيدة بنحو من ذلك، فقد جاء عنه في: "الصحاح" المُقْمَطِرُّ: المجتمع. 2/ 797: (قمطر).]].
وقال أبو عبيد: رجل قمطرير: منقبض ما بين العينين، وقد اقمطرّ [["تهذيب اللغة" 9/ 408: (قمطر).]].
وقال الكلبي: قمطريرًا يعني: شديدًا [["الكشف والبيان" 13/ 15/ أ، "البغوي" 4/ 429، "المحرر الوجيز" 5/ 411.]].
وهو قول (الفراء [["معاني القرآن" 3/ 216.]]، وأبي عبيدة [["مجاز القرآن" 2/ 279.]]، والمبرد [["التفسر الكبير" 3/ 247.]]، وابن قتيبة) [["تفسير غريب القرآن" 502.]] [[ما بين القوسين ورد بدلًا عنه في نسخة (أ) وهو قول جماعة.]]، قالوا: يوم قمطرير، وقماطر، إذا كان صعبًا شديدًا أشد ما يكون من الأيام، وأطوله في النبلاء. وهذا معنى، والتفسير هو الأول.
الإنسان 76:11
قوله تعالى: ﴿فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا﴾ قال مقاتل: يعني الْحُسن، والبياض، والنور في الوجوه، وسرورًا لا انقطاع له، ولا يصفه واصف [[بمعناه في: "تفسير مقاتل" 220/ أ، وقد ورد بمثله مختصرًا في: "الوسيط" 4/ 402 من غير عزو.]].
قاله الكلبي [[لم أعثر على مصدر لقوله.]]. ومعنى (النضرة) قد مر عند قوله: ﴿ناضرة﴾ [القيامة: 22].
﴿وَلَقَّاهُمْ﴾ من قوله: ﴿وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً﴾ [[سورة الفرقان: 75. وقد جاء في تفسيرها: "وقوله: ﴿وَيُلَقَّوْنَ﴾ قرئ بالتشديد والتخفيف، فمن شدد فحجته قوله: ﴿وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً﴾، ومن خفف فحجته قوله: ﴿فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ وقال الفراء: التخفيف أعجب إلى؛ لأن القراءة لو كانت على التشديد كانت بـ"الياء"؛ لأنك تقول: فلان يُتلقّى بالسّلام والخير. وهذا الذي قاله ينتقض بقوله: "ولقاهم نضرة" لأنه يعتبر الباء على أنه قال: وكل صواب يُلقَّوْنه، وُيلَقَّوْن به".]] وقد مر.
﴿وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا﴾ أي في الدنيا على طاعة الله واجتناب معاصيه، ومقاساة الشدائد. ﴿جَنَّةً﴾ فيها قصور الدر والياقوت.
﴿وَحَرِيرًا﴾ يعني لباس أهل الجنة الذي لا يصفه الواصفون. (قاله ابن عباس) [[لم أعثر على مصدر لقوله، وورد بمثله مختصرًا في "الوسيط" من غير عزو 4/ 402.]] [[ما بين القوسين ساقط من ع.]].
قوله تعالى: ﴿مُتَّكِئِينَ فِيهَا﴾ قال الأخفش [["معاني القرآن" 2/ 723.]]، والزجاج [[معاني القرآن وإعرابه: 5/ 259.]]: نصب متكئين على الحال، المعنى: وجزاهم [جنة] [[ساقطة من نسخة: أ، وفراغ في نسخة: ع، والمثبت من معاني القرآن وإعرابه للزجاج، ومن معاني القرآن للأخفش. المرجعان السابقان ..]] في حال اتكائهم، كما تقول: جزاهم ذلك قيامًا.
قال الأخفش: وقد يكون على المدح [["معاني القرآن" 2/ 723.]].
و ﴿مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ﴾ مفسر في سورة الكهف [[سورة الكهف: 31. قال الإمام الواحدي عند تفسير قوله تعالى: ﴿مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ﴾ الاتكاء: التحامل على الشيء نحو: التوكؤ، ومنه قوله تعالى: ﴿هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا﴾ [طه: 18] والأرائك: جمع أريكة، وهو سرير حجلة قال ابن عباس، ومجاهد: الأرائك: السرر في الحجال، وهي من ذهب مكللة بالدر والياقوت".
والحِجال: هي الحَجَلة، والجمع: حَجَل، وحِجال: هو بيت كالقُبة يستر بالثياب. انظر: "لسان العرب" 11/ 144: مادة: (حجل).]].
وقوله تعالى: ﴿لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلَا زَمْهَرِيرًا﴾ قال ابن عباس: لا يجدون الحر والبرد [[لم أعثر على مصدر لقوله، وقد ورد مثل قوله في: "الوسيط" من غير عزو: 4/ 402.]].
وقال الكلبي: لا يرون شمسًا كشمس أهل الدنيا؛ ولا بردًا يحرق كما يحرق النار [[لم أعثر على مصدر لقوله.]].
قال مقاتل: يعني (شمسًا) [[ساقطة من (أ).]] يؤذيهم حرها ، ولا زمهريرًا يؤذيهم برده، لأنهما يؤذيان في الدنيا [["تفسير مقاتل" 220/ ب، "معالم التنزيل" 4/ 429.]]. وهو قول ابن مسعود [["الجامع لأحكام القرآن" 19/ 136.]]، ومجاهد [["جامع البيان" 29/ 214، "الدر المنثور" 8/ 373 وعزاه إلى عبد بن حميد، وابن المنذر.]]، (ومقاتل بن حيان) [[لم أعثر على مصدر لقوله، وبمعناه ورد في: "الجامع لأحكام القرآن" 19/ 136. وهو: مقاتل بن حيان بن النبطيِّ، أبو بِسْطام البَلْخي الخراز؛ مولى بكر بن وائل، روى عن الحسن البصري، والربيع بن أنس، وروى عنه إبراهيم بن أدهم، صدوق، فاضل، مات قبل الخمسين بأرض الهند، روى له الجماعة سوى البخاري. انظر: "الطبقات الكبرى" 7/ 374، "تهذيب الكمال" 28/ 430: ت: 6160، "تقريب التهذيب" 2/ 272: ت: 1346.]] [[ما بين القوسين ساقط من (أ).]]، وقتادة [["جامع البيان" 29/ 214 بنحوه، "الدر المنثور" 8/ 372 - 373 وعزاه إلى عبد بن حميد.]]، والجميع [[وممن قال بذلك: عكرمة، انظر: "النكت والعيون" 6/ 169، "الدر المنثور" 8/ 373 وعزاه إلى عبد بن حميد، وابن المنذر. وبه قال أيضًا: الطبري في: "جامع البيان" 29/ 213، السجستاني في: "نزهة القلوب" 257، مكي بن أبي طالب في: العمدة في "غريب القرآن" 327. وإليه ذهب أصحاب الكتب الآتية: معالم التنزيل: 4/ 429، "المحرر الوجيز" 5/ 411، زاد المسير: 8/ 147، "لباب التأويل" 4/ 340. وذكر قولًا آخر مخالفًا -وهو بعيد-، قيل: إن الزمهرير اسم القمر بالنبطية، قاله ثعلب، وقيل: هي بلغة حميرية انظر: "النكت والعيون" 6/ 169، "زاد المسير" 8/ 147، "الجامع لأحكام القرآن" 19/ 136، "نفس الصباح" 2/ 752. وجاء تفصيل معنى الزمهرير بالقمر: "هو كناية عن الفناء؛ لأن الفناء لا يوجد إلا مع تعاقب الشمس والقمر، واختلاف ليلهما ونهارهما، وفي حسابهما علامة على انقضاء الآجال، ونفاذ الأعمار، فوصف تعالى حالهم في == الحياة الباقية في الجنة أنهم لا يرون فيها فناء، وكنى عن الفناء بالشمس والقمر لما تقدم آنفًا". نفس الصباح: 2/ 752. من هذا: يتبين لي أن ما قرره الإمام الواحدي من أن الجميع ذهب إلى القول إن زمهريرًا شدة البرد هو الصواب، وما وجد من مخالف، فقوله ضعيف، وبعيد، لا يعتد به.]] قالوا: الزمهرير: البرد الشديد. (ونحو ذلك قال أهل العربية) [[ما بين القوسين ساقطة من (أ).]]، قال الليث: الزمهرير: شِدة البرد، قد ازمهر البرد ازمهرارًا، فهو مزمهر [[تهذيب اللغة: 6/ 524: مادة: (زمهر؛ بزيادة: مزمهر).]].
وقال المبرد: (هو إفراط البرد، وأنشد [[في (ع). أنشدوا.]] للأعشى [[في (ع). لأعشى.]]:
مُبتَلَّةُ الخَلْق مثلُ المهاة ... لم تَرَ شمسًا ولا زَمْهَريرا [[ديوانه: 86 ط دار صادر، تهذيب اللغة: 14/ 292: مادة: (زمهر)، "لسان العرب" 4/ 330: مادة: (زمهر) "تاج العروس" 3/ 343: مادة: (زمهر)، وجاء في: اللسان والتاج رواية: من القاصرات سُجُوفَ الحِجال.]] [[لم أعثر على مصدر لقول المبرد.]]
قوله تعالى: ﴿وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلَالُهَا﴾ ذكر الأخفش [["معاني القرآن" 2/ 723.]]، والفراء [["معاني القرآن" 3/ 216.]]، والكسائي [["التفسير الكبير" 30/ 248.]]، (والزجاج) [[معاني القرآن وإعرابه: 5/ 259.]] [[ساقطة من (أ).]] في نصب (ودانية) وجهين:
أحدهما: الحال بالعطف على قوله (متكئين) كما تقول: في الدارة عبيد الله متكئًا. ومرسله عليه الحجال؛ لأنه حين قال عليهم رجع إلى ذكرهم. الوجه الثاني: أن تكون (دانية) نعتًا للجنة.
المعنى: وجزاهم جنة دانية، وعلى هذا هي صفة لموصوف محذوف، كأنه قيل: وجزاهم بما صبروا جنة وحريرًا، وجنة دانية عليهم ظلالها.
قال أبو الفتح: الوجه أن يكون قوله: (ودانية) منصوبة على الحال، معطوفة على قوله: (متكئين)، وهذا هو القول الذي لا ضرورة فيه [["سر صناعة الإعراب" 1/ 184 بيسير من التصرف.]].
قال (مقاتل) [[ما بين القوسين جاء بدلًا منه في (أ): يقال.]]: يعني: شجرها قربت منهم، فإن كان الرجل قائمًا تطاولت الشجرة، وإن كان جالسًا، أو متكئًا انخفضت ولانت لهم [[بمعناه في: "تفسير مقاتل" 220/ ب.]]، فذلك قوله: ﴿وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلًا﴾. قال ابن عباس: إذا همّ أن يتناول [[بياض في (ع).]] من ثمارها تذللت إليه حتى يتناول منها ما يريد [["زاد المسير" 8/ 147، "الجامع لأحكام القرآن" 19/ 137.]].
وقال البراء بن عازب: ذللت لهم فيها يتناولون فيها كيف شاؤوا [["التفسير الكبير" 30/ 248، "الدر المنثور" 8/ 374 وعزاه إلى الفريابي، وسعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، وهناد بن السري، وعبد بن حميد، وعبد الله بن أحمد في "زوائد الزهد"، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، والبيهقي في "البعث". وانظر: "المستدرك" 2/ 511، كتاب التفسير: تفسير سورة المدثر، وصححه، وسكت عنه الذهبي.]].
وقال مجاهد: من أكل قائمًا لم يؤذه، ومن أكل جالسًا لم يؤذه، ومن أكل مضطجعًا لم يؤذه [[بمعناه في: "المحرر الوجيز" 5/ 412، و"الجامع لأحكام القرآن" 19/ 137.]].
والمعنى: قريب منهم مذللة [[في (أ): مدا لله.]] لهم، كيف شاؤوا كقوله تعالى: ﴿قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ﴾، ومعنى تذليل القطوف تسهيل تناوله، (وأهل المدينة يقولون: ذُلَّل النخلُ أي: [سوى] [[في كلا النسختين: سو، والمثبت من "تفسير غريب القرآن" 503.]] عذوقُه) [[ما بين القوسين نقله عن ابن قتيبة. المرجع السابق.]]، وأخرجها من السعف حتى يسهل تناوله [[من قوله: ومعنى تذليل القطوف، إلى: حتى يسهل تناوله. انظر: "لسان العرب" 11/ 258 (ذلل).]]. وقال ابن قتيبة: معنى (وذللت) أدنيت منهم، من قوله: حائط ذليل إذا كانت قصير السَّمْك [["تفسير غريب القرآن" 503 بنصه.]].
قوله تعالى: ﴿قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ﴾ [[في كلا النسختين: قوارير.]] قال ابن عباس: يريد أن فضة الجنة يُرى ظاهرها من باطنها [[ورد بمعناه في: "الكشف والبيان" 12: 20/ أ، "الدر المنثور" 8/ 375 وعزاه إلى ابن المنذر، وسعيد بن منصور، وعبد الرزاق، ولم أجده في تفسيره، وانظر كتاب "البعث والنشور" للبيهقي: 201، رقم: 312.]].
وقال الكلبي: (إن) [[ساقطة من (أ).]] الله تعالى جعل قوارير أهل الجنة من فضة، فاجتمع لها بياض الفضة، وصفاء القوارير [[لم أعثر على مصدر لقوله، وقد ورد مثله من غير عزو في: "الوسيط" 4/ 403.]].
(وقال الشعبي: صفاؤها صفاء القوارير، وهي من فضة [["النكت والعيون" 6/ 170، "الدر المنثور" 8/ 375 وعزاه إلى عبد بن حميد.]]، ونحو هذا قال مجاهد [["جامع البيان" 29/ 215، 217.]]، ومقاتل [["تفسير مقاتل" 222/ أ.]]، وقتادة [["تفسير عبد الرزاق" 2/ 337، "جامع البيان" 29/ 215، وبمعناه في: "الدر المنثور" 8/ 375 وعزاه إلى ابن المنذر.]]، والجميع) [[قال به الحسن، انظر: "جامع البيان" 29/ 215 - 216، وعزاه صاحب "كشف البيان" إلى المفسرين: 13: 20/ أ، وحكاه أيضًا عن المفسرين البغوي في: "معالم التنزيل" 4/ 430، وبه قال أيضًا الفراء في "معاني القرآن" 3/ 217.]] [[ما بين القوسين ساقطة من (أ).]].
قال أبو إسحاق: القوارير التي في الدنيا من الرمل، فأعلم الله (عز وجل) [[ساقطة من (ع).]] أن فضل تلك القوارير أن أصلها من فضة؛ يُرى من خارجها ما في باطنها [["معاني القرآن وإعرابه" 5/ 260 بيسير من التصرف.]].
قال ابن قتيبة: (إن كل ما في الجنة من آلاتها، وسرُرها [[في (أ): سرورها.]] وفُرُشها، وأكوابها مخالف لما في الدنيا من صنعة العباد.
قال ابن عباس: ليس في الدنيا شيء مما في الجنة إلا الأسماء، والأكواب في الدنيا قد تكون من فضة، وتكون من قوارير، فأعلمنا الله أن هناك أكوابًا لها بياض الفضة، وصفاء القوارير [[جاء عنه مختصرًا في: "جامع البيان" 29/ 215، "بحر العلوم" 3/ 432، "زاد المسير" 8/ 148.]].
قال [[أي ابن قتيبة.]] وهذا على التشبيه، أراد قوارير كأنها من فضة كما تقول: أتانا بشراب من نور، أي كأنه [[في (ع) من، وهي زيادة على النص الأصلي لابن قتيبة، ولا يصلح الكلام بإثباتها.]] نور، وهذا كقوله: ﴿كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ﴾ [الرحمن: 58]، أي لهن لون المرجان في صفاء الياقوت [[من قوله: وهذا كقوله: كأنهن الياقوت إلى آخر الكلام نسبه ابن قتيبة في: تأويل مشكل القرآن: 81 إلى قتادة.]] [[ما بين القوسين من قول ابن قتيبة في "تأويل مشكل القرآن" 80 - 81 بتصرف يسير.]].
وهذا الذي ذكره ابن قتيبة غير ما ذكره المفسرون؛ لأنهم جعلوها من فضة صافية، وهو يقول. هي قوارير كأنها من فضة (صافية) [[ما بين القوسين ساقطة من (ع).]] لصفاء نورها [[في (ع): لونها.]].
وقوله: ﴿قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا﴾ على قدْرِ رِيِّهِم، لا يزيد ولا ينقص من الري، ليكون ألذَّ لشربهم [[في (أ): من شربهم.]]. (هذا معنى قول جماعة من المفسرين [[منهم: الحسن، وسعيد، ومجاهد، وقتادة، وابن زيد، والكلبي، ومقاتل. انظر: "تفسير مقاتل" 222/ أ، "جامع البيان" 29/ 217، "النكت والعيون" 6/ 170.]] [[ما بين القوسين ساقطة من (أ).]].
وقال الفراء: يقول قدروها على رِي أحدهم لا فضل فيه، ولا عجز عن ريه، وهو ألذ الشراب [["معاني القرآن" 3/ 217.]].
وقال الزجاج: جعلوا الإناء على قدر ما يحتاجون إليه وُيرِيدُونَه [["معاني القرآن وإعرابه" 5/ 260 بتصرف يسير.]].
وقال أبو عبيدة: يكون التقدير: الذين يسقونهم يقدرونها، ثم يسقون [[لم أعثر على مصدر لقوله.]]، يعني: (أن الضمير في [(قدروها)] [[في كلا النسختين: قدروا، والمثبت من "الحجة" 6/ 353.]] للملائكة، وللخدم، وللخُزَّان.
ومن قرأ (قُدِّرُوها) [[في (ع): قدروهم.]] بضم القاف [[قرأ بذلك: الشعبي، وقتادة، وابن أبزى، وعلي، والجحدري، وابن عباس، وعبيد بن عمير، وابن سيرين، وأبو عبد الرحمن. انظر: "جامع البيان" 29/ 217، "المحرر الوجيز" 5/ 412، "زاد المسير" 8/ 148، "الجامع لأحكام القرآن" 19/ 139، "البحر المحيط" 8/ 397. وهي قراءة شاذة لعدم صحة سندها؛ ولعدم ذكرها في كتب المتواتر من القراءات، كما حكم عليها الشوكاني بأنها شاذة في: "فتح القدير" 5/ 350.]]، اجتمع في قراءته: القلب، والحذف، أما القلب، فإنه أراد: قدرت الأكواب التي يسقى بها، فقلب التقدير إلى الذين يسقون كما قال:
لا تحسبَنَّ دراهمًا سَرِقْتَها ... تمحو مخازيك التي بعُمانِ [[البيت للفرزدق من أبيات يهجو بها جديلة بن سعيد بن قبيصة الأزدي. انظر: ديوانه: 2/ 868. ورد البيت في: ديوانه برواية: "دراهمًا أعطيتها"، وانظر: "لسان العرب" 10/ 156: مادة: (سرق).]]
وإنما سرقته الدراهم، لا هو يسرقها، وقد قال: سرقتها، ومثله ما حكاه أبو زيد: إذا طلعت الجَوْزاء [انتصب] [[ما بين المعقوفين ساقط من النسختين، والمثبت من مصدر القول.]] في العود الحِرْباء [[كتاب "النوادر في اللغة" لأبي زيد: 409.]] [[الحِرباء: قيل هي دُويبة نحو العظاءة، أو أكبر، يستقبل الشمس برأسه، ويكون معها كيف دارت، يقال إنما يفعل ذلك ليقي جسده برأسه، ويتلون ألوانًا بحر الشمس. == انظر: "لسان العرب" 1/ 307: مادة: (حرب)، وذكر هذا المثل في: "المحرر الوجيز" 5/ 412.]].
والقلب كثير في الكلام، وأما الحذف فإن المعنى يكون: قُدِّروا عليها، فلما حذف الحرف وصل الفعل) [[ما بين القوسين نقله الواحدي عن أبي علي من الحجة: 6/ 353 - 354 بتصرف.]]، والكناية للأكواب، وتقدير اللفظ: قدر المُسقيُّون على الأكواب.
والمعنى: قدرت الأكواب عليهم، أي على ريهم، فحذف وقلب، (وهذه قراءة الشعبي) [[ورد قوله في: "جامع البيان" 29/ 217، "الكشف والبيان" 13: 120/ أ، "المحرر الوجيز" 5/ 412، "الدر المنثور" 8/ 374 وعزاه إلى عبد بن حميد.]] [[ما بين القوسين ساقطة من (أ).]].
وقال القرظي في قوله: (قدروها تقديرًا) كانت كما يشتهون [[لم أعثر على مصدر لقوله، وقد ورد بمثله في: "الوسيط" 4/ 403 معزوًا إلى القرطبي، ولعله تصحيف، والمراد به القرظي، والله أعلم.]].
وهذا يحتمل أنه أراد: كانت الأكواب كما يشتهون في أنها تسع لريهم (كما ذكر المفسرون) [[ما بين القوسين ساقطة من (أ).]].
ويحتمل أنه أراد: أنها كانت قدر [[في (أ): قد.]] مُلء [[في (أ): ميل.]] الكف، لم تعظم فيثقل حملها، فكانت كما يشتهون. وهذا قول الربيع [[بمعناه في: "المحرر الوجيز" 5/ 412، "التفسير الكبير" 30/ 250، "تفسير القرآن العظيم" 4/ 486.]].
﴿كَانَ مِزَاجُهَا زَنْجَبِيلًا﴾ قال أبو إسحاق: والعرب تصف لهم طعم الزنجبيل، وهو مستطاب عندهم (جدًا) [[ساقطة من (أ).]].
وأنشد للأعشى:
كأنَّ القَرُنْفُلَ والزنجبيل ... بَاتا بفيْهَا وأرْيًا مَشُورا [[ورد البيت في: ديوانه: 85 ط. دار صادر برواية: كأن جنيًا من الزنجبيل خالط فاها]] [["معاني القرآن وإعرابه" 5/ 260 بيسير من التصرف.]]
قال ابن عباس: وكل ما ذكر الله في القرآن مما في الجنة وسماه، ليس له مثل في الدنيا ، ولكن الله تعالى سماه بالاسم الذي يُعرف [[معالم التنزيل: 4/ 430، "التفسير الكبير" 30/ 250.]].
قال مقاتل: لا يُشبه زنجبيل الدنيا [[معالم التنزيل: 4/ 430، فتح القدير: 5/ 351، وبمعناه في: "تفسير مقاتل" 222/ أ، قال: يعني كأنما قد مزج فيه الزنجبيل.]]. (وتفسير هذا كتفسير قوله: ﴿كان مزاجها كافورًا﴾) [[ما بين القوسين ساقط من (أ).]].
قوله تعالى: ﴿عَيْنًا﴾ يجوز أن يكون بدلًا من قوله: (زنجبيلاً).
والمعنى: كان مزاجها: (عينًا)، وتلك العين لها طعم الزنجبيل.
ويجوز أن يكون المعنى: ويسقون عينًا. (ذكر ذلك الفراء [["معاني القرآن" 3/ 217، وعبارته: "ذكر أن الزنجبيل هو العنب، وأن الزنجبيل اسم لها".]]، و) [[ما بين القوسين ساقط من (أ).]] الزجاج [["معاني القرآن وإعرابه" 5/ 260 - 261.]].
وقوله: ﴿تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا﴾. قال عكرمة [["النكت والعيون" 6/ 171، وعبارته: "أنه اسم لها، قاله عكرمة"، وبمعناه في: "تفسير القرآن العظيم" 4/ 487.]]، (والكلبي) [[لم أعثر على مصدر لقوله، وقد ورد بمثله في: "الوسيط" 4/ 403 من غير عزو.]] [[ساقطة من (أ).]]: يعني يمزج الخمر بالزنجبيل، والزنجبيل من عين، تسمى تلك العين: سلسبيلاً.
وعلى هذا: (سلسبيل: اسم تلك العين، وصرف لأنها رأس آية) [[ما بين القوسين نقله عن الزجاج في: "معاني القرآن وإعرابه" 5/ 261.]]، وصار كقوله: (الظنونا) [[سورة الأحزاب: 15.]]، و (السبيلا) [[سورة الأحزاب: 67.]]، وقد مر في هذه السورة [[انظر الآية 4 من هذه السورة]].
قال ابن الأعرابي: لم أسمع السلسبيل إلا في القرآن [[انظر مادة (سلسل) في: تهذيب اللغة: 13/ 156، "لسان العرب" 11/ 344.]]، فعلى هذا لا يعرف له اشتقاق.
وقال قتادة في قوله: (سلسبيلا) سلسة [[في (أ): سلسلة.]] لهم، يصرفونها حيث شاؤوا [["تفسير عبد الرزاق" 2/ 338، "جامع البيان" 29/ 218، "النكت والعيون" 6/ 171، معالم التنزيل: 4/ 430، "الجامع لأحكام القرآن" 19/ 141 بنحوه. وبمعناه في: "تفسير القرآن العظيم" 4/ 487، "الدر المنثور" 8/ 376 برواية: سلسلة، وعزاه إلى عبد بن حميد.]].
وقال مجاهد: سلسة السلسبيل: حديدة الجرية [[المراجع السابقة "عدا النكت والعيون"، وانظر: "زاد المسير" 8/ 149.]]، وهو معنى قول أبي العالية [["معالم التنزيل" 4/ 430، زاد المسير: 8/ 149 "حاشية، الجامع لأحكام القرآن" 19/ 141. وانظر تفسير أبي العالية من أول سورة الإسراء إلى آخر القرآن: "نورة الورثان" 2/ 621، رسالة ماجستير غير منشورة]]، والمقاتلين [[في (أ): المقاتلان.]]، قالوا: إنها تسيل عليهم في الطريق، وفي منازلهم [[ورد بمعناه في: "تفسير مقاتل بن سليمان": 222/ ب، قال: "لأنه تسيل من جنة عدن، فتمر على كل جنة، ثم ترجع لهم الجنة كلها". وانظر: "بحر العلوم" 3/ 432 عن أحدهما، "النكت والعيون" 6/ 171 عن أحدهما دون تعيين، معالم التنزيل: 4/ 430 عن ابن حيان، "الجامع لأحكام القرآن" 19/ 141 عن ابن حيان.]].
وقال يمان: معنى سلسبيل: طيبة الطعم والمذاق [[لم أعثر على مصدر لقوله.]].
قال أبو إسحاق: سلسبيل صفة لما كان [[في (أ): لملَّكان.]] في غاية السلاسة، فكأن العين والله أعلم سميت بصفتها [["معاني القرآن وإعرابه" 5/ 261 بنصه.]]. فهذه ثلاثة أقوال:
أحدها: أن سلسبيل اسم العين، ولا اشتقاق له، وكان الأصل لا يجري للتأنيث، والتعريف، ولكن أجري [[غير مقروء في (ع).]] للتوفيق بين رؤوس الآي؛ ولأن أصل السماء كلها الإجراء، (وقد ذكرنا هذا) [[ما بين القوسين ساقط من (أ).]].
الثاني: أن معناه سلسلة السبيل.
والثالث: أنها سلسلة يتسلسل في الحلق.
وعلى هذين القولين: سلسبيل صفة سميت بها العين، واختار ابن الأنباري القول الثالث، وقال: الصواب في سلسبيل أنه صفة للماء لسلسه [[في (أ): السلسة.]] وسهولة مدخله في الحلق، يقال: شراب سَلْس، وسِلْسَال، وسَلْسَبيل، إذا كان كذلك؛ إلا أنه قال: سلسبيل صفة للماء، وليس باسم العين، فقال: وغير منكر أن يقول تسمى، ثم يذكر الوصف يؤدي عن الاسم، واحتج على هذا بإجراء [[بياض في (ع).]] سلسبيل قال وإنما أجري؛ لأنه وصف للماء، ولو كان اسمًا للعين لكان الغالب عليه ألا يجري [[في (أ): ألا تجرا.]] [["زاد المسير" 8/ 149 نقله عنه باختصار، وكلامه ينتهي -عنده- إلى قوله: سلسال وسلسبيل.]].
وذكر ابن عباس في قوله: (سلسبيلا) قال: تنسل في حلوقهم انسلالًا [["النكت والعيون" 6/ 171.]].
قوله تعالى: ﴿وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ﴾ تقدم تفسيره في سورة الواقعة [[سورة الواقعة: 17، وجاء في تفسيرها: "قال أبو عبيدة: لا يهرمون، ولا يتغيرون. وقال ابن عباس: لا يموتون. وعلى هذا هو من الخلود الذي هو البقاء بلا موت. وقال بعضهم: لا يكبرون، ولا يهرمون، ولا يتغيرون. والمراد بالولد: أن الغلمان، وهم وإن لم يولدوا ، ولم يحصلوا عن ولادة، أطلق عليهم هذا الاسم لأن العرب تسمي الغلمان ولدانًا".]].
قوله تعالى: ﴿لُؤْلُؤًا مَنْثُورًا﴾ قال عطاء: يريد في بياض اللؤلؤ، وحسنه، واللؤلؤ: إذا نثر من الخيط على البساط كان أحسن منه [[بياض في: ع.]] منظومًا [["معالم التنزيل" 4/ 430، فتح القدير: 5/ 351.]].
وقال الكلبي: أبيض ما يكون اللؤلؤ إذا انتثر [[لم أعثر على مصدر لقوله، وقد ورد بمعناه من غير عزو في: الوسيط: 4/ 404.]]. هذا قولهما.
والأحسن في تشبيههم باللؤلؤ المنثور أن يقال: إنما شبهوا باللؤلؤ المنثور لانتشارهم في الخدمة، فلو كانوا صفًا لشبهوا باللؤلؤ المنظوم، ألا ترى أن الله عَزَّ وَجَلَّ قال: ﴿وَيَطُوفُ عَلَيهِم﴾، فإذا كانوا يطوفون كانوا نثرًا.
(وهذا الذي ذكرنا معنى قول قتادة [["تفسير عبد الرزاق" 2/ 338،"جامع البيان" 29/ 221، "بحر العلوم" 3/ 432، وبمعناه في: "النكت والعيون" 6/ 171، "الدر المنثور" 8/ 376 مختصرًا عنه، وعزاه إلى عبد بن حميد.]]، وسفيان [[ورد معنى قوله في: "جامع البيان" 29/ 221، و"النكت والعيون" 6/ 171.]]، قالا: من كثرتهم وحسنهم) [[ما بين القوسين ساقط من (أ).]].
الإنسان 76:20
قوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا﴾ ذكر الفراء فيه قولين: أحدهما: أن المعنى: وإذا رأيت ما ثَمَّ، وصلح إضمار (ما) كما قال: ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾ [الأنعام: 94] يريد ما بينكم.
والثاني: يريد إذا نظرت ثم، أي: إذا رميت ببصرك (هاهنا) [[ساقطة مز: (أ).]] [["معاني القرآن" 3/ 218 مختصرًا.]]
قال أبو إسحاق: لا يجوز إضمار (ما)؛ لأن (ما) موصولة بقوله: (ثم)، ولا يجوز إسقاط الموصول، وترك الصلة، ولكن (رأيت) تتعدى في المعنى إلى (ثم)؛ لأن المعنى: إذا رميت ببصرك ثَمَّ [["معاني القرآن وإعرابه" 5/ 261 بتصرف.]]. ومعنى: (ثم) هناك، يعني في الجنة.
﴿رَأَيْتَ نَعِيمًا﴾ لا يوصف.
﴿وَمُلْكًا كَبِيرًا﴾ قال ابن عباس: لا يقدر واصف يصف حسنه، ولا طيبه [[لم أعثر على مصدر لقوله.]].
وقال الكلبي: هو أن يأتي الرسول من عند الله بكرامة من الكسوة، والطعام [[بياض في (ع).]]، والشراب، والتحف إلى ولي الله، وهو في منازله، فيستأذن عليه، فذلك الملك العظيم [[بمعناه في: "معالم التنزيل" 4/ 430،"الجامع لأحكام القرآن" 19/ 142.]].
وقال مقاتل: لا يدخل عليه رسول رب العزة من الملائكة المقربين المطهرين إلا بإذنه [["تفسير مقاتل" 221/ ب، وقد ورد قوله في: "معالم التنزيل" 4/ 430، "الجامع لأحكام القرآن" 19/ 142.]]. وهو قول مجاهد [["الدر المنثور" 8: 76 وعزاه إلى عبد بن حميد، وابن جرير، والبيهقي، والذي ورد عنه عند الطبري (قال: تسليم الملائكة) "جامع البيان" 29/ 221.]]، وسفيان [[ورد قوله في: "جامع البيان" 29/ 221، "المحرر الوجيز" 5/ 413، "الدر المنثور" 8/ 376 وعزاه إلى ابن جرير.]]، (والسدي) [["فتح القدير" 5/ 351.]] [[ساقطة من (أ).]]. قالوا: هو استئذان الملائكة عليهم. وروى عكرمة عن ابن عباس أنه ذكر مركبهم، ثم تلا [[في (أ): تلى.]]: ﴿وَمُلْكًا كَبِيرًا﴾. [["الدر المنثور" 8/ 376 وعزاه إلى البيهقي في "البعث" 237: رقم 401. وانظر: "المستدرك" 2/ 511 التفسير: سورة هل أتى، وقال عنه: صحيح، ووافقه الذهبي.]]
قوله تعالى: ﴿عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُنْدُسٍ﴾ قال الفراء: من نصب (عاليهم) [[قرأ بفتح الياء في "عالِيَهم" على أنه حال: ابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر، وعاصم، والكسائي. انظر: "الحجة" 6/ 354، "حجة القراءات" 740، "الكشف عن وجوه القراءات السبع" 2/ 354، "النشر" 2/ 396.]] جعله كالصفة، نحو: فوقهم [[بمعنى: فوقهم ثياب سندس. انظر: "معاني القرآن" 3/ 218.]]، والعرب تقول: قومك داخل الدار فينصبون داخل؛ لأنه محل [[محل: مصطلح كوفي يقابله عند البصريين: الظرف. انظر: "نحو القراء الكوفيين" 347.]]، فـ (عاليهم) من ذلك [["معاني القرآن" 3/ 218 - 219 بتصرف يسير.]].
وقال أبو إسحاق: وهذا لا نعرفه في الظروف [[أي أن نصب (عاليهم) على الظرف، وهو مما لا يعرف في الظروف. انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 5/ 262.]]، ولو كان ظرفًا لم يجز إسكان (الياء)، ولكن نصبه على الحال من شيئين: أحدهما: على (الهاء)، و (الميم) في: (عاليهم)، المعنى: يطوف على الأبرار ولدان مخلدون عاليًا الأبرارَ ثياب سندس؛ لأنه قد وصف أحوالهم في الجنة، فيكون المعنى: يطوف عليهم في هذه الحال هؤلاء، ويجوز أن يكون حالاً من (الولدان). المعنى: إذا رأيتهم حسبتهم لؤلؤًا منثورًا في حال علو الثياب إياهم [["معاني القرآن وإعرابه" ونقل الواحدي العبارة بنصها من كلام طويل.]].
وقال أبو علي الفارسي: من نصب ﴿عَالِيَهُمْ﴾ احتمل النصب أمرين: أحدهما: أن يكون حالاً، والعامل فيه أحد شيئين: إما: (لَقَّاهُمْ) من قوله: ﴿وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً﴾، وإما ﴿وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا﴾، ومثل قوله: ﴿عَالِيهُم﴾ في كونه حالًا قوله: ﴿مُتَّكِئِينَ فِيهَا﴾، و ﴿ثِيَابُ سُنْدُسٍ﴾ مرتفعة باسم الفاعل قال: وقد أجيز أن يكون ظرفًا؛ لأنه لما كان (عالِ) بمعنى فوق [[في (ع): كان، وهي زيادة من الناسخ لا داعي لها.]] أجري مجراه في هذا، وهذا الوجه أبين، وهو أن (عال) صفة جُعل ظرفًا، كما كان قوله: ﴿وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ﴾ [[سورة الأنفال: 42.]] كذلك، وكما قالوا: هو ناحيةً من الدار.
ومن قرأ: (عَالِيهِم) فأسكن الياء [[قرأ بذلك: نافع، وحمزة، وأبو جعفر. انظر: "الحجة" 6/ 354، "حجة القراءات" 739، "الكشف عن وجوه القراءات السبع" 2/ 354، "النشر" 2/ 396، "إتحاف فضلاء البشر" 429.]] في موضع رفع الابتداء، و ﴿ثِيَابُ سُنْدُسٍ﴾ خبره، ويكون اسمه في وضع الجماعة، كما أن الخبر جماعة، وفاعل قد يراد (به) [[ساقطة من (أ).]] الكثرة كما قال:
ألا إنَّ جيراني العشيّةَ رائِح ... دَعَتْهُم دواع من هوًى ومنادِحُ [[البيت غير منسوب في: "المحتسب" 2/ 154، "الهمع" 2/ 182 ط. دار المعرفة، وأصل منادح: مناديح؛ لأنه جمع مندوحة.]]
وفي التنزيل: ﴿مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِرًا تَهْجُرُونَ﴾ [المؤمنون: 67]، ﴿وقطع دابر القوم﴾ [[في (أ): ويقطع. سورة الأنعام: 45.]] كأنه أفرد حيث جعل بمنزلة المصدر، وقد قالوا: الجامِل والباقر [[الجامل: اسم للجمع، كالباقر والكالب، ورجل جامِل: ذو جمل. انظر: "لسان العرب" 11/ 125 (جمل). وقال الأزهري: "الباقر: جماعة البقر مع راعيها، وكذلك الجامل: جماعة الجمال مع راعيها" تهذيب اللغة: 9/ 137 (بقر).]]، يراد بهما الكثرة قال: ويجوز في قياس قول أبي الحسن في إعمال اسم الفاعل عمل الفعل، وإن لم يعتمد على شيء أن يكون (ثياب سندس) مرتفعة بعالِيَهُم ارتفاع الفاعل، وأفْرَدت عاليًا؛ لأنه فعل متقدم، قال أبو علي: (عالِيَهُم) وإن كان مضافًا إلى الضمير، فهو في تقدير الانفصال والتنوين؛ لأنه مما لم يمض، فهو بمنزلة: زيدٌ ضاربُ أخيك غدًا، فهذا ابتداءُ بالنكرة؛ إلا أنه قد اختص [[بياض في (ع).]] بالإضافة، وإن كانت الإضافة في تقدير الانفصال [["الحجة" 6/ 354 - 356 نقله الإمام الواحدي عن أبي علي باختصار.]].
قوله تعالى: (خضر) (قرئ خفضًا ورفعًا [[قرأ بالكسر: ابن كثير، وعاصم في رواية أبي بكر، وحمزة، والكسائي. وقرأ بالرفع: أبو جعفر، وأبو عمرو، وابن عامر، ويعقوب. انظر كتاب "السبعة" 664، "القراءات وعلل النحويين فيها" 2/ 734، "الحجة" 6/ 356، "حجة القراءات" 740، "الكشف" 2/ 355، "المبسوط" 390.]]. [[في (ع): رفعًا وخفضًا.]]، فمن رفع فلأنها صفة مجموعة لموصوف مجموع، وهو قوله: ﴿ثِيَابُ سُنْدُسٍ﴾ فأتبع الخضر الذي هو جمع مرفوع، الجمع المرفوع الذي هو ثياب، ومن خفض أجرى الخضر، وهو جمع على السندس؛ لأنه يراد به الجنس، وأجاز أبو الحسن جمع وصف ما يراد به الجنس بالجمع فقال: يقول: أهلك الناسَ الدينارُ الصّفر، والدرهم البيض [[في (أ): الأبيض.]]، على استقباح له، ومما يدل على فتحه أن العرب تجيء الجمع الذي هو في لفظ الواحد، فيجرونه مجرى [[بياض في (ع).]] الواحد، وذلك قولهم: حصى أبيض، وفي التنزيل: ﴿مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ﴾ [يس: 80]، و ﴿أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ﴾ [القمر: 20]، فإذا كانوا قد أفردوا صفات هذه الضرب من الجمع، فالواحد الذي في معنى الجمع أولى أن تفرد صفته) [[ما بين القوسين نقله عن أبي علي في: "الحجة" 6/ 356 - 357 مختصرًا.]].
وقوله تعالى: ﴿وَإِسْتَبْرَقٌ﴾ فيه الجر والرفع [[قرأ بالجر في: "إستبرق" أبو جعفر، وأبو عمرو، وابن عامر، ويعقوب، وحمزة، والكسائي، وخلف. وقرأ بالرفع: ابن كثير، وأبو بكر عن عاصم، ونافع، وحفص عن عاصم. انظر كتاب "السبعة" 665، القراءات وعلل النحويين فيها: 2/ 734، الحجة: 6/ 356، "حجة القراءات" 740، "الكشف" 2/ 355، "المبسوط" 390.]] أيضًا، فالجر من حيث كان جنسًا أضيف إليه الثياب، (كما أضيف إلى سندس، فكأن المعني ثيابهم، فأضاف الثياب) [[ما بين القوسين ساقطة من (أ).]] إلى الجنس، كما تقول: ثياب خزٍّ [[الخَزُّ: ويراد به ثياب تنسج من صوف وإبريسم. انظر: "لسان العرب" 5/ 345 (خزز).]] وكتانٍ [[الكَتان: بالفتح: معروف، عربي سمي بذلك لأنه يُخَيَّس ويلقى بعضه على بعض حتى يكتن. "لسان العرب" 13/ 355 (كتن).]]، فتضيفهما إلى الجنسين، ودل على ذلك قوله: ﴿وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ﴾ [الكهف: 31]، (ومن رفع إستبرق) [[ما بين القوسين ساقطة من (أ).]] أراد العطف على الثياب، كأنه ثياب سندس، وثياب إستبرق، فحذف المضاف [["الحجة" 6/ 356 - 359 مختصرًا.]].
وهذه الآية مفسرة في سورة الكهف [[سورة الكهف: 31: ومما جاء في تفسيرها: قال الواحدي: "قوله: "يحلون فيها من أساور من ذهب" أساور جمع أسورة، وأسورة جمع سوار، يقال: سوار في اليد بالكسر، وقال أبو زيد: هو: سِوار المرأة، وسَوار المرأة، وأسورة لجماعتها، وهما قلبان يكونان في يدها. "من سندس واستبرق" هما نوعان من الحرير. وقال بعضهم: السندس ما دقَّ من الديباج، والإستبرق: ما غلظ منه" ا. هـ]] إلى قوله: ﴿وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا﴾. قال الكلبي: شراب أهل الجنة طاهر كله [[لم أعثر على مصدر لقوله.]].
قال الفراء: يقول هو طهور ليس بنجس كما [كان] [[في كلا النسختين: كانت، وهكذا ذكرت أيضًا في حاشية معاني القرآن، وقال المحقق: "إنه تحريف"، وأثبت كان.]] في الدنيا [مذكورًا] [[في كلا النسختين: "مذكورة" والمثبت من معاني القرآن.]] بالنجاسة [["معاني القرآن" 3/ 219 بنصه.]]، وعلى هذا: الطهور مبالغة من الطاهر.
والمعنى: أن ذلك الشراب طاهر ليس كخمر الدنيا.
وقال مقاتل: هو عين ماء على باب الجنة تنبع [[بياض في (ع).]] من ساق العرش من شجرة، من شرب منها نزع الله ما كان في قلبه من غش، وغل، وحسد، وما كان في جوفه من [[قوله: (وما كان في جوفه من) بياض في (ع).]] قذر، وأذى [["تفسير مقاتل" 222/ أ، "معالم التنزيل" 4/ 431، "التفسير الكبير" 30/ 254، "الجامع لأحكام القرآن" 19/ 145، "فتح القدير" 5/ 352.]].
وقال أبو قلابة [["تفسير عبد الرزاق" 2/ 338 بنحوه، "جامع البيان" 29/ 223 بنحوه، وبمعناه في: "معالم التنزيل" 4/ 430 - 431، "والمحرر الوجيز" 5/ 414، "زاد المسير" 8/ 150، "التفسير الكبير" 3/ 254، وبمعناه في: "الجامع لأحكام القرآن" 19/ 145، "الدر المنثور" 8/ 377 وعزاه إلى ابن المنذر، و"فتح القدير" 5/ 352.]]، وإبراهيم [[ورد معنى قوله في: "معالم التنزيل" 4/ 430 - 431، "المحرر الوجيز" 5/ 414، "الجامع لأحكام القرآن" 19/ 145، "فتح القدير" 5/ 352.]]: يؤتون بالطعام والشراب، فإذا كان في آخر ذلك، أوتوا بالشراب الطاهر، فيشربون، فتضمر بذلك بطونهم، ويفيض عرق من جلودهم مثل ريح المسك. وعلى قول هؤلاء: المراد بالطهور المطهر؛ لأنه يطهرهم مما ذكروا.
فقال: .. [[بياض في (ع)، ولا يوجد له ذكر في (أ).]] ﴿إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً﴾ أن يقال لهم: إن هذا، يعني [[قوله: إن هذا يعني: بياض في (ع).]] ما وصف من نعيم الجنة، كان لكم جزاء بأعمالكم.
﴿وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا﴾ قال ابن عباس: يريد أني قبلت اليسير من أعمالكم [[قول: اليسير من أعمالكم: بياض في (ع).]]، وشكرتكم عليه، وأثبتكم أفضل الثواب وأعظمه [[بياض في (ع). وانظر بمعناه في: "التفسير الكبير" 30/ 255.]].
الإنسان 76:23
قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنْزِيلًا (23)﴾ قال الكلبي: السورة، والآية، والآيتين لم تنزل جملة واحدة كما نزل سائر الكتب [[لم أعثر على مصدر لقوله.]]، وهذا معنى قول مقاتل [["تفسير مقاتل" 222/ ب، ولقد ورد عن ابن عباس معنى ذلك، قال: أنزل القرآن متفرقًا؛ آية بعد آية، ولم ينزل جملة واحدة. "معالم التنزيل" 4/ 431.]].
﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ﴾ [[قوله تعالى: لحكم ربك: بياض في (ع).]] مفسر في مواضع [[من هذه المواضع: سورة الطور: 48، سورة القلم: 48. ومما جاء في تفسير قوله: "فاصبر لحكم ربك" من سورة القلم: 48: "أي اصبر على الأذى لقضاء ربك الذي هو آت".]].
﴿وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ﴾ يعني: من مشركي مكة.
﴿آثِمًا﴾ يعني: عتبة بن ربيعة، قال للنبي -ﷺ-: ارجع عن هذا [[في (أ): هذه.]] الأمر، وأزوجك ولدي، فإني من أجمل قريش ولدًا [[قال بذلك مقاتل، انظر: "معالم التنزيل" 4/ 431، "الجامع لأحكام القرآن" 19/ 147، "الوسيط" 4/ 406 مختصرًا جدًا.]].
وقوله: ﴿أَوْ كَفُورًا﴾ يعني الوليد بن المغيرة، قال: وأنا [[في (أ): فأنا.]] أعطيك من المال حتى ترضى، فإني من أكثرهم [[في (أ): أكثريهم.]] مالاً، (قاله الكلبي [[لم أعثر على مصدر لقوله.]]، ومقاتل) [["تفسير مقاتل" 222/ ب، "معالم التنزيل" 4/ 431، "الجامع لأحكام القرآن" 19/ 147، ورد عنه مختصرًا في كليهما.]] [[ما بين القوسين ساقط من (أ).]].
قال الفراء: (أو) هاهنا بمنزلة (لا)، وأنشد [[البيت لمالك بن عمرو القُضاعي، أو مالك بن حُريم، أو ابن رعك الغساني، أو الخنساء. انظر شرح أبيات "معاني القرآن" 221، وعزاه المبرد إلى مالك بن عمرو في: "الكامل" 2/ 86، والأمالي لأبي علي القالي: 2/ 123 وعزاه إلى مالك بن حريم في مقتل أخيه سماك، ولم أجده في ديوان الخنساء.]]، فقال: لا وَجْدُ ثَكْلى كما وَجِدْتُ ولا ... وَجْدُ عَجُوز أضلها رُبَعُ
أوْ وَجْدُ شيخ أضَلَّ ناقَتَه ... يَوْمَ توافي الحَجيجُ فاندفعوا [[ورد البيتان في: شرح أبيات "معاني الفراء" 221، "الكامل" 2/ 86، "جامع البيان" 29/ 224، "الكشف والبيان" 13/ 21/ ب، الأضداد: لابن الأنباري: 282، "المذكر والمؤنث" لابن الأنباري: 2/ 79، وورد البيت الأول منسوبًا إلى ابن رعلاء الغساني، ط/ 2، "إيضاح الوقف والابتداء" 1/ 442، الأمالي: 2/ 123، وكلها برواية "عجول" بدلًا من: "عجوز". موضع الشاهد: "أو وجد شيخ"، أراد: ولا وجد شيخ، فقد ذكر بعض النحويين أن "أو" تأتي بمعنى: "لا". انظر شرح أبيات "معاني القرآن" 221.]]
أراد ولا وجد شيخ (أضل ناقته) [[ما بين القوسين ساقط من (ع).]] قال [[أي الفراء.]] وقد يجوز في العربية: لا تطيعن [[في (أ): يطعن.]] منهم من أثم، أو كفر، فيكون المعنى في: (أو) قريبًا من معنى (الواو) كقولك للرجل: لأعطينك سألت، أو سكتَّ، معناه: لأعطينك على كل حال [["معاني القرآن" 3/ 219 - 220 بتصرف.]]. هذا كلامه، وعلى هذا يتجه قول قتادة: إن أبا جهل قال: لئن رأيت محمدًا يصلي لأطأن على عنقه، فأنزل الله: ﴿وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا﴾ [["تفسير عبد الرزاق" 2/ 339، "جامع البيان" 29/ 224، "الكشف والبيان" 13: 21/ ب، "معالم التنزيل" 4/ 431، "الدر المنثور" 8/ 378 وعزاه إلى عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر.]] يعني أبا جهل.
وقال الزجاج: (أو) هاهنا أوكد من (الواو)؛ لأنك إذا قلت: لا تطع زيدًا وعمرًا [[في (ع): عمروًا.]]، فأطاع أحدهما كان غير عاصٍ؛ لأنه أمره [[بياض في (ع).]] أن لا يطيع الاثنين، فإذا قال: ولا تطع آثمًا أو كفورًا [[بياض في (ع).]]، دلت (أو) على كل واحد منهما أهل أن يعصى، كما أنك [[بياض في (ع).]] إذا قلت: لا تخالف الحسن أو ابن سيرين، فقد قلت: هذان [[قوله: فقد قلت هذان: بياض في (ع).]] أهل أن يُتَّبَعا، وكل واحد منهما أهل أن يتبع، وقد ذكرنا [[بياض في (ع).]] هذا مستقصى عند قوله: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ﴾ [البقرة: 19] [["معاني القرآن وإعرابه" 5/ 263. وقد خالف البصريون ما ذهب إليه الكوفيون كالفراء والزجاج من أن "أو" لا تكون بمعنى الواو، ولا بمعنى: "بل" بخلاف الكوفيين الذين استدلوا على صحة معنى "أو" "واو"، أو بمعنى: "بل" بهذه الآية، "أو كفورًا"، وقد رد البصريون هذا الاستدلال بقولهم: وأما قول الله تعالى: "ولا تطع منهم آثمًا أو كفورًا" فلا حجة لهم فيه؛ لأن "أو" فيها للإباحة، أي قد أبحتك كل واحد منهما كيف شئت، كما تقول في الأمر: جالس الحسن وابن سيرين، أي قد أبحتك مجالسة كل واحد منهما كيف شئت، والمنع بمنزلة الإباحة، فكما أنه لا يمتنع من شيء أبحته له، فكذلك لا يُقدم على شيء نهيته عنه. انظر: "الإنصاف" في مسائل الخلاف بين النحويين البصريين والكوفيين: لأبي البركات الأنباري: 2/ 479 - 483. وانظر كتاب "حروف المعاني" للزجاجي: 50 - 51. من هذا التحقيق يتبين أن الإمام الواحدي لا يعتنق مذهبًا كوفيًا أو بصريًا؛ بل إنه يؤيد ما يراه صوابًا من أحد المذهبين، والله أعلم.]].
قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ﴾ أي اذكره بالتوحيد في الصلاة.
﴿بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ يعني صلاة الفجر، والظهر، والعصر. قاله عطاء [[لم أعثر على مصدر لقوله، وقد ورد في: "الوسيط" بنحوه من غير عزو: 4/ 406.]]، (والكلبي) [[لم أعثر على مصدر لقوله.]] [[ما بين القوسين ساقطة من (أ).]]، ومقاتل [["تفسير مقاتل" 222/ ب، قال: إذا صليت صلاة الغداة، وهو بكرة وأصيلًا إذا أمسيت وصليت صلاة المغرب.]].
﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ﴾ يعني فصلِّ له المغرب، والعشاء.
﴿وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا﴾ قال مقاتل: يعني التطوع، يقول: وصل لله طويلًا [[بمعناه في: "تفسير مقاتل" 222/ ب، وفي "الوسيط" من غير عزو: 4/ 406.]]، يعني التطوع بعد المكتوبة، (وهو قول الكلبي [[لم أعثر على مصدر لقوله.]]) [[ما بين القوسين ساقط من (ع).]].
وقال عطاء: يريد أن صلاة الليل فريضة عليك يا محمد [[لم أعثر على مصدر لقوله.]].
والقول هو الأول؛ لأنه كان لا يجب عليه أن يصلي جميع الليل.
ثم ذكر كفار مكة، فقال: (قوله تعالى) [[ما بين القوسين ساقط من (ع).]]: ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلًا (27)﴾.
قال ابن عباس [[لم أعثر على مصدر لقوله. وقد ورد بمثله في: "الوسيط" 4/ 406 من غير عزو.]]، (والكلبي [[لم أعثر على مصدر لقوله.]] [[ما بين القوسين ساقط من (أ).]]، ومقاتل [["تفسير مقاتل" 222/ ب.]]: أمامهم، كقوله: ﴿مِنْ وَرَائِهِمْ جَهَنَّمُ﴾ [الجاثية: 10] ﴿وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ﴾ [الكهف: 79].
﴿يَوْمًا ثَقِيلًا﴾ عسيرًا، شديدًا، كما قال: ﴿ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأعراف: 187].
(ومعنى) [[ساقطة من (أ).]]: ﴿وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ﴾ أي يتركونه، فلا يؤمنون به، ولا يعلمون، ولا يهتمون لوقوعه، فقد تركوه من كل وجه.
ثم ذكر دلالة قدرته، فقال: ﴿نَحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ﴾ قال ابن عباس: خلقهم [["جامع البيان" 29/ 226، "الكشف والبيان" 13: 22/ أ، "النكت والعيون" 6/ 173، "زاد المسير" 8/ 151، "الجامع لأحكام القرآن" 19/ 149، "تفسير القرآن العظيم" 4/ 488، "الدر المنثور" 8/ 378.]]، وهو قول مقاتل [["تفسير مقاتل" 223/ أ، المراجع السابقة عدا جامع البيان، والنكت والعيون، وانظر: "معالم التنزيل" 4/ 431.]]، ومجاهد [[المراجع السابقة جميعها.]]، (وقتادة [[المراجع السابقة إضافة إلى "تفسير عبد الرزاق" 2/ 339، "الدر المنثور" 8/ 379 وعزاه إلى عبد بن حميد، وابن المنذر.]]، والفراء [["معاني القرآن" 3/ 220.]]، والزجاج [["معاني القرآن وإعرابه" 5/ 263 بمثله، وأضاف قائلاً: جاء في التفسير أيضًا: مفاصِلُهُم.]]) [[ما بين القوسين ساقط من (أ).]].
قال الفراء: الأسر: الخَلْق، يقال: لقد أسِر هذا الرجل أحسنَ الأسر، كقوله: أحسن الخلق [["معاني القرآن" 3/ 220 بيسير من التصرف.]].
وقال أبو عبيدة: أسرهم: شدة الخَلْق، يقال: فرس شديد الأسر، وأنشد لبشر (بن أبي خازم) [[ما بين القوسين ساقط من (أ).]]، (فقال) [[ساقط من (ع).]]:
شديد الأسر يحمل أريحيًا ... أخا ثقة إذا الحدثان نابا [[ورد البيت في: "منتهى الطلب من أشعار العرب" لابن ميمون: 1/ 156.]]
قال: وكل شيء شددته من غَبيطٍ [[غبيط: هو المركب، قال الأزهري: ويقبب بشجار ويكون للحرائر. انظر: "تهذيب اللغة" 8/ 62 (غبط)، "لسان العرب" 7/ 361 (غبط).]]، أو قتبٍ [[القِتْب: والقَتَب: إكاف البعير، والقِتْب: بالكسر: جميع أداة السانية من أعلافها، وحبالها، والجمع أقتاب انظر: "لسان العرب" 1/ 660 - 661: مادة: (قتب).]]، فهو مأسور [["مجاز القرآن" 2/ 280 إلا أنه لم يذكر بيت الشعر.]].
وقال المبرد: (الأسر: القوى كلها، وأصله عند العرب: القِدُّ [[القِدُّ: السير الذي يُقّدُّ من الجلد غير مدبوغ. انظر مادة: (قد) في: "معجم مقاييس اللغة" 5/ 6، "لسان العرب" 3/ 344.]] الذي يشد به الأقتاب، ويقال للقتب: المأسور، ومنه قول الشاعر:
واسْتَدْفَأ الكَلْبُ بالمأسُورِ ذِي الذِّئْبِ [[الشطر الأول منه:
فَأيُّ حَيٍّ إذا هَبَّتْ شَآميَّةً
وقد ورد في الكامل 2/ 964 غير منسوب. ومعنى المأسور: القتب.]]) [[ما بين القوسين من قول المبرد، نقله عنه الإمام الواحدي بتصرف.]]
يقول من شدة البرد استدفأ الكلب بالقتب.
وقال الليث: الأسر: قوة المفاصل، والأوصال، وشد الله أسره (فلان) [[ساقطة من (أ).]] أي قوة [[في (أ): قوته.]] (فلان) [[ساقطة من (أ).]]، وكل شيئين جمع طرفاهما [[في (ع). صرفاهما.]]، فشد [[بياض في (ع).]] أحدهما بالآخر فقد أسر [[لم أعثر على قول الليث في: "التهذيب".]].
(وذكرنا هذا مستقيم عند ذكر الأسارى [[راجع تفسير سورة البقرة: 85.]]) [[ما بين القوسين ساقط من (أ).]].
وقال الحسن (في هذه الآية) [[ما بين القوسين بياض في (أ).]] يعني: أوصالهم بعضها إلى بعض بالعروق والعصب [[العَصَب: عصب الإنسان والدابة، والأعصاب: أطناب المفاصل تلائم بينها وتشدها. "لسان العرب" 1/ 602: مادة: (عصب).]] [["الكشف والبيان" 13/ 22/ أ، "معالم التنزيل" 4/ 431، "زاد المسير" 8/ 151، "الجامع لأحكام القرآن" 19/ 149.]].
وهو (معنى) [[ساقطة من (أ).]] قول من قال: هي المفاصل [[وهو قول أبي هريرة كما في: "جامع البيان" 29/ 226، والحسن والربيع أيضًا. انظر: "الكشف والبيان" 13/ 22/ أ، "الدر المنثور" 8/ 378 وعزاه إلى عبد بن حميد. وانظر: "تفسير الحسن" 2/ 386.]].
وروي عن مجاهد: أنه قال في تفسير الأسر: الشَّرَج [["الكشف والبيان" 13/ 22/ أ، "معالم التنزيل" 4/ 431، "الجامع لأحكام القرآن" 19/ 149.]]: (يعني موضعي مَصَرَّتَي البول والغائط، إذا خرج الأذى تقَبَّضَتا [[بياض في (ع).]]) [[ما بين القوسين من قول ابن الأعرابي بنصه. انظر مادة: (أسر) في: "تهذيب اللغة" 13/ 61، "لسان العرب" 4/ 19.]].
وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا شِئْنَا بَدَّلْنَا أَمْثَالَهُمْ تَبْدِيلًا﴾ أي إذا شئنا أهلكناهم، وأتينا بأشباههم، فجعلناهم بدلاً منهم [[قوله: بدلًا منهم. بياض في (ع).]].
وهذا كقوله: ﴿عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ﴾. [الواقعة: 61]
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ﴾ مفسرة في سورة المزمل [[سورة المزمل: 19.]].
﴿وَمَا تَشَاءُونَ﴾ أي الطاعة، والاستقامة اتخاذ السبيل المذكور في قوله: ﴿فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا﴾ [الإنسان: 29].
﴿إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ قال ابن عباس: يريد شيئًا من الخير إلا أن يشاء الله ذلك [[بياض في (ع).]] لكم [[لم أعثر على مصدر لقوله.]].
وقال أبو إسحاق: أي لستم تشاؤون إلا بمشيئة الله [["معاني القرآن وإعرابه" 5/ 264 بنصه.]].
قوله (تعالى) [[ساقطة من (ع).]]: ﴿يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ﴾ (قال عطاء) [[ساقطة من (أ).]]: يعني من صدّق نبيه أدخله جنته [["الوسيط" 4/ 406.]].
وقال مقاتل: يعني في دينه الإسلام [[لم أعثر على مصدر لقوله.]].
﴿وَالظَّالِمِينَ﴾ يعني المشركين من كفار مكة.
قال أبو إسحاق: نصب (الظالمين)؛ لأن قبله منصوبًا. المعنى: يدخل من يشاء في رحمته، ويعذبُ الظالمين، ويكون (أعدَّ لهم عذابًا أليمًا)، تفسيرًا لهذا المضمر قال: والاختيار في الظالمين: النصب [[وهي قراءة عامة القراء. انظر: "بحر العلوم" 3/ 433.]]، وإن كان الرفع جائزًا [[وقرأ: عبد الله بن الزبير، وأبان بن عثمان، وأبو العالية، وأبو الجوزاء، وابن أبي عبلة: بالوا، أي: "والظالمون أعد". انظر: "المحتسب" لابن جني: 2/ 244، "الكشف والبيان" 13: 22/ ب، "زاد المسير" 8/ 151. وهي قراءة شاذة لعدم صحة سندها؛ ولعدم ذكرها في كتب القراءات المتواترة، ولقراءة من اشتهر بقراءة الشواذ كـ: أبان بن عثمان، وابن أبي عبلة. وعليه لا تكون القراءة بالرفع جائزة، وإن كانت جائزة في العربية عند النحويين.]]؛ لأن الاختيار عند النحويين أن تقول: أعطيت زيدًا، وعمرًا [[في (ع): عمروًا.]] أعددت له بِرًا، فيختارون النصب على معنى: وبَرَرْتُ عمرًا [[في (ع): عمروا.]]، (أو أبَرُّ عمرًا) [[ما بين القوسين ساقط من (أ)، وقد ورد في (ع): عمروًا، فأثبت عمرًا ليوافق ما قبله من الأمثلة]].
وأما قوله في: ﴿حم عسق﴾ ﴿يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ وَالظَّالِمُونَ﴾ [[في (أ): الظالمين، وغير مقروءة في (ع).]] [الشورى:8] فإنما [[في (أ): فإنها.]] ارتفع؛ لأنه لم يذكر بعده فعل يقع عليه، فينصبه في المعنى، ولم يجز أن يعطف على المنصوب قبله، وارتفع بالابتداء، وهاهنا قوله: ﴿أَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا﴾ يدل على: ويعذب، فجاز أن ينتصب [["معاني القرآن وإعرابه" 5/ 264 بتصرف.]].
المرسلات 77:1
﴿وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا (1)﴾ ذكر في هذه الآية ثلاثة أقوال:
أحدها: أن المراد بـ"المرسلات" الرياح، وهو قول مجاهد [["تفسير الإمام مجاهد" 691، "جامع البيان" 29/ 229، "الكشف والبيان" ج 13/ 22/ ب، "معالم التنزيل" 4/ 432 بمعناه، "المحرر الوجيز" 5/ 416، "زاد المسير" 8/ 153، "تفسير القرآن العظيم" 489، "الدر المنثور" 8/ 382.]]، وقتادة [["تفسير عبد الرزاق" 2/ 340. وانظر المراجع السابقة. وعزا صاحب الدر قول قتادة إلى عبد بن حميد.]]، (وابن مسعود [[المراجع السابقة عدا "تفسير عبد الرزاق". وانظر: "بحر العلوم" 3/ 434، وعزا تخريج قوله -أيضًا- صاحب "الدر المنثور" إلى عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم.]]، وابن عباس [[المراجع السابقة.]] في رواية العوفي) [[ما بين القوسين ساقط من: (أ).]]، ويدل [[في (ع): يدل من غير واو.]] على صحة هذا القول: قوله: ﴿ويرسل الرياح﴾ [الأعراف: 57]، ﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ﴾ [الحجر: 22]، فالله يرسلها، وهي مرسلات.
القول الثاني: إن معنى "المرسلات" هاهنا الملائكة، وهو قول مقاتل [["تفسير مقاتل" 223/ أ، "بحر العلوم" 3/ 434، "الكشف والبيان" 13/ 22/ ب، "معالم التنزيل" 4/ 432، "المحرر الوجيز" 5/ 416، "زاد المسير" 8/ 153.]]، (ومسروق [[ورد قوله في "جامع البيان" 29/ 229، "تفسير القرآن العظيم" 4/ 489، "الدر المنثور" 8/ 382.]]، وأبي صالح) [[ما بين القوسين ساقط من: (أ).]] عن أبي هريرة [["النكت والعيون" 6/ 175، "زاد المسير" 8/ 153، "الجامع لأحكام القرآن" 19/ 152، "تفسير القرآن العظيم" 4/ 489، "الدر المنثور" 8/ 381 وعزا تخريجه لابن أبي حاتم. وانظر: "المستدرك" 2/ 511: كتاب التفسير: تفسير سورة المرسلات. وقال الحاكم: حديث صحيح من طريق أبي صالح، ووافقه الذهبي.]]، وابن عباس [["الدر المنثور" 8/ 382، وعزا تخريجه إلى ابن المنذر.]] في رواية الكلبي.
القول الثالث: قال ابن عباس [["الجامع لأحكام القرآن" 19/ 152، "البحر المحيط" 8/ 403.]]: (في رواية عطاء) [[ما بين القوسين ساقط من: (أ).]]: يريد الأنبياء.
وقوله: ﴿عُرْفاً﴾ هو ذكر فيه قولان:
أحدهما: متتابعة، وهو قول من قال في "المرسلات" إنها الرياح [[وذهب إليه أيضًا بريدة. "جامع البيان" 29/ 229.]].
قال الزجاج: أرسلت كعرف الفرس [["معاني القرآن وإعرابه" 5/ 265 بنصه.]].
وقال الفراء: تتابعت كعرف الفرس، والعرب تقول: تركت الناس إلى فلان عرفاً واحداً، إذا توجهوا إليه فأكثروا [["معاني القرآن" 3/ 221 بنصه.]].
والعرف على هذا اسم أقيم مقام الحال؛ لأن المعنى: والرياح التي أرسلت [[بياض في (ع).]] متتابعة.
ويجوز أن يكون بمعنى المصدر. وهو قول المبرد، قال: عرفاً [[في (أ): عرفنا.]] اتباعاً [[لم أعثر على مصدر لقوله.]].-والمعنى فيهما واحد-.
القول الثاني: و"العرف" أنه بمعنى المعروف، كقوله: ﴿وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ﴾ [[في (أ): بالمعروف.]] [الأعراف: 199] وقد مر، وهو قول من قال في "المرسلات " إنها الملائكة.
قال مقاتل [["تفسير مقاتل" 223/ أ.]] (والكلبي [[لم أعثر على مصدر لقوله.]]) [[ما بين القوسين ساقط من: (أ).]]: أرسلوا بالمعروف [[بياض في (ع).]] من أمر الله ونهيه.
وقال عطاء عن ابن عباس: يريد [[بياض في (ع).]] الأنبياء أرسلوا بلا إله إلا الله [[لم أعثر على مصدر لقوله. وقد ذكر قوله في سورة الأعراف آية: 199 كما مر.]].
المرسلات 77:2
قوله تعالى: ﴿فَالْعَاصِفَاتِ عَصْفًا﴾ قال المفسرون [[قال بذلك: علي بن أبي طالب، وابن مسعود، ومجاهد، وأبو صالح، وقتادة انظر: "جامع البيان" 29/ 230، "الكشف والبيان" ج 13/ 22/ ب، "معالم التنزيل" 4/ 432. وحكاه ابن الجوزي عن المفسرين في "زاد المسير" 8/ 154، وبين القرطبي في أنه لا اختلاف في أنها الرياح "الجامع لأحكام القرآن" 19/ 153، كما عزاه الخازن إلى المفسرين في "لباب التأويل" 4/ 344.
وانظر: "الدر المنثور" 8/ 381 - 382 وعزا تخريجه إلى ابن المنذر، وعبد بن حميد، والبيهقي في الشعب. وانظر: "المستدرك" أخرجه عن علي 2/ 511 كتاب التفسير: تفسير سورة المرسلات، وصححه، ووافقه الذهبي.]]: يعني الرياح الشديدة الهبوب. وقال مسروق: يعني الملائكة [["الدر المنثور" 8/ 382 وعزا تخريجه إلى ابن جرير، ولم أجده عنده.]].
قال أبو إسحاق: من قال: الملائكة، فالمعنى: أنها تعصف بروح الكافر [["معاني القرآن وإعرابه" 5/ 265 بنحوه.]].
يقال: عصف بالشيء: إذا أباده وأهلكه، ومنه قول الأعشى:
تُعْصِف بالدَّارعِ [[في (أ): الدارع.]] والحاسِرِ [[صدر البيت:
يَجْمَعُ خَضْراءَ لها سَوْرَةٌ
وقد ورد البيت في "ديوانه" 96 من قصيدة يهجو بها علقمة بن علاثة، ويمدح عامر ابن الطفيل.
والمراد بـ"خضراء" كتيبة سوداء لما عليها من الحديد. "ديوانه" 96 في الحاشية.]] [[انظر: "تهذيب اللغة" 2/ 42 (عصف).]]
قوله (تعالى) [[ساقط من: ع.= ومما جاء في تفسيرها: .. وذكر أهل المعاني في القَسَم وجهين:
أحدهما: أن القسم بالله عَزَّ وَجَلَّ على تقدير: ورب الصافات، كقوله: ﴿والعَصْرِ﴾، ﴿وَالشَّمْسَ﴾، ﴿وَالَّليْلِ﴾، إلا أنه حذف لما في العلم من أن التعظيم بالقسم بالله.
والثاني: أن هذا على ظاهر ما أقسم به؛ لأنه ينبئ عن تعظيمه بما فيه من العبرة الدالة على ربه".]]: ﴿وَالنَّاشِرَاتِ﴾ استئناف قسم آخر، لذلك كانت بـ "الواو"، وقد ذكرنا هذا في أول سورة ﴿وَالصَّافَّاتِ﴾ [الصافات: 1].
ومعنى الناشرات: الرياح التي تأتي بالمطر. وهو قول الحسن [["الكشف والبيان" 13/ 23/ أ، "معالم التنزيل" 4/ 432، "البحر المحيط" 8/ 404.]]، وابن مسعود [["جامع البيان" 29/ 231، "النكت والعيون" 6/ 176 بنحوه، "زاد المسير" 8/ 154. وعزاه ابن الجوزي إلى جمهور المفسرين، "الجامع لأحكام القرآن" 19/ 153، "البحر المحيط" 8/ 404، "الدر المنثور" 8/ 381.]]، (ومجاهد) [["تفسير الإمام مجاهد" 691، "جامع البيان" 29/ 231، "الجامع لأحكام القرآن" 19/ 153، "البحر المحيط" 8/ 404، "الدر المنثور" 8/ 382.]] [[ما بين القوسين ساقط من: (أ).]]، وقتادة [["تفسير عبد الرزاق" 2/ 340.]].
يدل على هذا قوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ [الأعراف: 57]. يعني أنها تنشر السحاب نشرًا، وهو ضد الطي.
وقال مقاتل: يعني الملائكة ينشرون كتب بني آدم، وصحائف أعمالهم [[بمعناه في "تفسير مقاتل" 223/ أ، و"الكشف والبيان" 13/ 23/ أ، و"معالم التنزيل" 4/ 432.]]، (وهو قول مسروق [[لم أعثر على مصدر لقوله.]]، وعطاء، عن ابن عباس [[لم أعثر على مصدر لقوله.]]) [[ما بين القوسين ساقط من: (أ).]].
وقال أبو صالح: يعني المطر [["جامع البيان" 29/ 231، "النكت والعيون" 6/ 176، "المحرر الوجيز" 5/ 417، "الجامع لأحكام القرآن" 19/ 153، "الدر المنثور" 8/ 382، وعزا تخريجه إلى عبد بن حميد، وأبي الشيخ في "العظمة"، وابن المنذر.]].
وعلى هذا القول: النشر بمعنى الإحياء من قولهم: نشر الله الميت بمعنى أنشره، والمطر [[بياض في (ع).]] يحيى الأرض، فالأمطار ناشرة وناشرات [[النشر لغة: الرائحة الطيبة، والنَّشْر أيضًا: الكلام إذا يبس، ثم أصابه مطر في دُبر الصيف فاخضر، وقد نَشَرت الأرض، فهي ناشرة إذا أنبتت ذلك.
والنَّشَر -بالتحريك-: المُنتشر، ونَشَرَ الميت، يَنْشُرُ نُشُورًا أي عاش بعد الموت، وأنشرهم الله أي أحياهم، واكتسى البازي ريشًا نَشَرًا أي منتشرًا واسعًا طويلاً. ونشرت الكتاب خلاف طويته.
انظر: مادة (نشر) في "مقاييس اللغة" 5/ 430، "تهذيب اللغة" 11/ 338، "الصحاح" 2/ 827، "تاج العروس" 3/ 565.]].
قوله: ﴿فَالْفَارِقَاتِ فَرْقًا﴾ الأكثرون [[ممن قال بذلك: ابن عباس، وأبو صالح، ومجاهد، والضحاك، وابن مسعود. انظر: "جامع البيان" 29/ 232، "الكشف والبيان" ج 13/ 23/ أ، "النكت والعيون" 6/ 176، "معالم التنزيل" 4/ 432، "المحرر الوجيز" 5/ 417، وحكاه ابن الجوزي عن الأكثرين في "زاد المسير" 8/ 154، "الجامع لأحكام القرآن" 19/ 153.]] على أنها الملائكة تأتي بما، يفرق بين الحق والباطل، والحلال والحرام، وهو قول مقاتل [[الذي ورد عنه في "تفسيره": القرآن فرق بين الحق والباطل 223/ أ، وورد بمثله في "الوسيط" من غير عزو.]]، (والكلبي [[لم أعثر على مصدر لقوله.]]) [[ساقط من: (أ).]].
وقال مجاهد: هي الريح، وعلى هذا "فالفارقات" الرياح التي تفرق بين السحاب فتبدده [["النكت والعيون" 6/ 176، "معالم التنزيل" 4/ 432، "زاد المسير" 8/ 154، "الجامع لأحكام القرآن" 19/ 153، "البحر المحيط": 8/ 404.]].
وقال قتادة: هي آيُ القرآن فرقت بين الحق والباطل، والحلال والحرام [["جامع البيان" 29/ 232، "معالم التنزيل" 4/ 432، "المحرر الوجيز" 5/ 417، "زاد المسير" 8/ 154، "الجامع لأحكام القرآن" 19/ 153، "البحر المحيط" 8/ 404، "الدر المنثور" 8/ 382 وعزا تخريجه إلى عبد ابن حميد، وابن المنذر.]]، (وهو قول الحسن [[المراجع السابقة عدا "الدر المنثور" وانظر أيضًا: "الكشف والبيان" 13/ 23/ أ، "تفسير الحسن البصري" 2/ 386.]]) [[ما بين القوسين ساقط من: (أ).]]، (وقال أبو إسحاق: يجوز أن يعني به الرسل [["معاني القرآن وإعرابه" 5/ 265 بتصرف.]]) [[ما بين القوسين ساقط من: (أ).]].
المرسلات 77:5
قوله تعالى: ﴿فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْرًا﴾ هي الملائكة في قول الجميع [[قال بذلك: ابن عباس، وقتادة، وسفيان الثوري، وابن مسعود، ومسروق، والربيع بن أنس، والسدي. == انظر: "جامع البيان" 29/ 232، "تفسير القرآن العظيم" 4/ 489، وعزاه الماوردي إلى الكلبي في "النكت والعيون" 6/ 177، وبه قال السمرقندي في "بحر العلوم" 3/ 434، والثعلبي في "الكشف والبيان" ج 13/ 23/ أ.
وحكي عن جمهور المفسرين في "المحرر الوجيز" 5/ 417، "زاد المسير" 8/ 154، "الجامع لأحكام القرآن" 19/ 154، "البحر المحيط" 8/ 404.
وهناك قولان آخران مخالفان لما ذكر الجمهور:
أحدهما: المراد: الرسل يلقون إلى أممهم مما أنزل إليهم. قاله قطرب.
والآخر: أنها النفوس تلقي في الأجساد ما تريد من الأعمال.
انظر: "النكت والعيون" 6/ 177، "البحر المحيط" 8/ 404.
قلت: ما ذكر من القولين المخالفين للجمهور لم يعتد بهما الإمام الواحدي، ولم ينظر إليهما، واعتبر قول الجمهور والغالبية هو قول بالإجماع، وهذا ما قررناه سالفاً، والله أعلم.]].
قال مقاتل: تلقي بالروح [[لم أعثر على مصدر لقوله.]].
وقال قتادة: تلقي بالقرآن [["تفسير عبد الرزاق" 2/ 340، "جامع البيان" 29/ 232.]].
وقال الكلبي: تلقي الذكر إلى الأنبياء [["النكت والعيون" 6/ 177 بمعناه.]].
وبعض المفسرين يخص الآية بجبريل [[منهم مقاتل في رواية له. انظر: "تفسير مقاتل" 223/ أ، "المحرر الوجيز" 5/ 417.]]، وعلى هذا يجوز أن يسمى باسم الجماعة. وذكرنا ذلك في قوله: ﴿فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا﴾ [[ومما جاء في سبب تسمية جبريل عليه السلام بالجمع: قال الواحدي: "وذكر بلفظ الجمع إشارة إلى أنه كبير الملائكة، وهو لا يخلو من أعوان وجنود له من الملائكة يعرجون بعروجه، وينزلون بنزوله".]] [الصافات: 3].
المرسلات 77:6
قوله تعالى: ﴿عُذْرًا أَوْ نُذْرًا﴾ قال قتادة: عذرًا من الله، ونذرًا منه إلى خلقه [["تفسير عبد الرزاق" 2/ 340، "جامع البيان" 29/ 233، "الجامع لأحكام القرآن" 19/ 154، "الدر المنثور" 8/ 382 وعزا تخريجه إلى عبد بن حميد، وابن المنذر.]]، ونحو هذا قالت الجماعة [[منهم الفراء: "معاني القرآن" 3/ 222، والطبري "جامع البيان" 29/ 232، والسمرقندي "بحر العلوم" 3/ 434، والماوردي "النكت والعيون" 6/ 177.]].
وفيهما القراءتان: التثقيل، والتخفيف [[قرأ ابن كثير، ونافع، وعاصم في رواية أبي بكر، وابن عامر، وأبو جعفر، ويعقوب "عُذْراً" خفيفة، "أو نُذُراً" مثقلة.
وقرأ: أبو عمرو، وحمزة، والكسائي، وحفص عن عاصم، وخلف: "عُذْراً أو نُذْراً" بالتخفيف جميعاً.
انظر: "كتاب السبعة" (666)، "القراءات وعلل النحويين فيها" 2/ 737، "الحجة" 6/ 362، "الكشف" 2/ 357، "المبسوط" (391)، "البدور الزاهرة" (332).]].
قال الفراء: وهو مصدر مثقلاً كان أو مخففًا، والمعنى: إعذارًا، وإنذارًا [["معاني القرآن وإعرابه" 3/ 222 بتصرف.]].
واختار أبو عبيد التخفيف، وقال: لأنهما في موضع المصدرين إنما هما: الإعذار، والإنذار، وليسا بجمع فيثقلا [[لم أعثر على مصدر لقوله.]].
وقال أبو إسحاق: معناهما: المصدر -والتثقيل [[أي: "عُذُراً أو نُذُراً".]]، والتخفيف [[أي: "عُذْراً أو نُذراً".]] بمعنى واحد-، ونصبه على ضربين:
أحدهما: مفعول على البدل من قوله: ﴿ذِكْرًا﴾ [المرسلات: 5].
والثاني: على المفعول له، فيكون "الملقيات ذكراً" للإعذار والإنذار [["معاني القرآن وإعرابه" 5/ 266 بتصرف يسير.]].
وقال (أبو الحسن) [[ساقط من: (أ).]] الأخفش: "عذراً أو نذراً" أي إعذاراً أو إنذاراً، وقد خففتا [[في (أ): خففتا.]] جميعاً، وهما لغتان [[نقلاً عن "الحجة" 6/ 363.]].
قال أبو علي الفارسي: العذر، والعذير [[بياض في (ع).]]، والنذر، والنذير، مثل: النكر والنكير، وهما جميعاً مصدران، ويجوز التخفيف فيهما على حد التخفيف [[بياض في (ع).]] في العُنق، والأُذُن -قال-: ويجوز في قولهم من [ضَمَّ] [[في كلا النسختين: يقل، ولا تستقيم العبارة بها، والصواب ما أثبته من مصدره، وهو "الحجة" 6/ 363.]] أن يكون "عُذُراً" جمع عاذر، كشارف وشُرُف، وكذلك "النُّذُر" يجوز أن يكون جمع نذير، كقوله تعالى: ﴿هَذَا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الْأُولَى﴾ [النجم: 56]، ويكون "عذراً أو نذراً" على هذا القول حالاً من الإلقاء، كأنهم يُلْقُون الذكر في حال العذر، والنذر.
وذكر أيضًا وجهاً آخر في انتصاب "عذراً أو نذراً" وهو أن يكون مفعول الذكر كأنه قيل: فالملقيات أن يذكر عُذْراً أو نُذْراً [["الحجة" 6/ 362 - 363 باختصار.]]، وهو غير ما ذكر أبو إسحاق، فقد حصل أربعة أقوال: وجهان لأبي إسحاق، ووجهان لأبي علي، واختار المبرد أن يكون انتصابه على الحال؛ لأنه قال: هما جمعان، الواحد: عذيراً ونذيراً [[انظر: "فتح القدير" 5/ 356.]]، (وأنشد [[أي: أبو علي الفارسي.]] [لحاتم الطائي] [[بياض في (أ)، وعند أبي علي في "الحجة" لحاتم فأثبته، وهو حاتم بن عبد الله بن سعد بن الحشرج الطائي القحطاني. انظر: ديوانه: 6.]]:
أماويَّ قَدْ طالَ التَّجَنُّبُ والهَجْرُ ... وقدْ عَذَرَتْني في طِلابكُمُ العُذْرُ [[ديوان حاتم الطائي: 42 برواية: "من" بدلاً من: "في".]]
فالعذر في هذا البيت جماعة لمكان لحاق علامة التأنيث) [[ما بين القوسين نقلاً عن "الحجة" 6/ 363.]].
ومن أول السورة إلى هاهنا أقسام ذكرها الله تعالى على قوله: ﴿إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَوَاقِعٌ﴾ وهذا جواب القسم.
قال مقاتل: إنما توعدون من أمر الساعة لكائن [["تفسير مقاتل" 223/ أ.]].
وقال الكلبي: إنما توعدون من الخير والشر لواقع بكم [["التفسير الكبير" 30/ 269 بنحوه.]].
ثم ذكر متى يقع فقال: ﴿فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ﴾ قال ابن عباس: يريد ذهاب ضوئها [[أعثر على مصدر لقوله.]].
وقال مقاتل: حولت من الضوء إلى السواد [["تفسير مقاتل" 223/ أ.]]. وقال المبرد: أي مُحي ضوؤها [[لم أعثر على مصدر لقوله.]].
وقد ذكرنا تفسير الطمس عند قوله: ﴿اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ﴾ [[وقد أحال الإمام الواحدي إلى سورة النساء: 47 لتناوله معنى الطمس. وهي ساقطة من النسخ التي بين يدي.]] [يونس: 88].
المرسلات 77:9
﴿وَإِذَا السَّمَاءُ فُرِجَتْ﴾ قال أبو إسحاق: معناه: شقت [["معاني القرآن وإعرابه" 5/ 266 بنصه.]].
والفرج: الشق، يقال: فرجه الله فانفرج، وكل مشقوق فرج [[انظر المعنى اللغوي تحت مادة (فرج) في كل من "مقاييس اللغة" 4/ 498، "تهذيب اللغة" 11/ 44، وراجع أيضًا: "المجموع المغيث في غريبي القرآن والحديث" لعبد الكريم الغرباوي 2/ 602، و"المفردات في غريب القرآن" (375).]].
وقال ابن قتيبة: فتحت [["تفسير غريب القرآن" (505).]]، ويدل على هذا قوله: ﴿وَفُتِحَتِ السَّمَاءُ﴾ [النبأ: 19].
﴿وَإِذَا الْجِبَالُ نُسِفَتْ﴾ قلعت من مكانها فذهبت عن وجه الأرض، كقوله: ﴿يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا﴾ [طه: 105].
قال الزجاج: إذا [ذهبت] [[في (أ): هبت، والمثبت من "معاني القرآن وإعرابه".]] بها كلها بسرعة [["معاني القرآن وإعرابه" 5/ 266 بنحوه.]].
وقال المبرد: "نسفت" قلعت من مواضعها، وأنشد [للمُمَزَّق العَبْدي [[الممزَّق العبدي: هو من نكرة، واسمه شاس بن نَهار بن أسود، وهو جاهلي قديم من شعراء البحرين.
"طبقات فحول الشعراء" 1/ 274، "الشعر والشعراء" (252).]]] [[ورد في نسخة: أ: وأنشد لذي الرمة، والصواب ما أثبتناه، فقد نسب في الصمعيات للمزق العبدي، وكذا في اللسان.]]: وقد تَخِذَتْ رِجْلي إلى جَنْتِ غَرْزِها ... نَسِيفًا كأفْحُوصِ القَطَاةِ المطَرَّقِ [[ورد البيت في "الأصمعيات" 165 برواية: "لدى" بدلاً من: "إلى". "تهذيب اللغة" 13/ 6 (نسف) برواية: "لدي" بدلاً من: "إلى"، "لسان العرب" 7/ 63 (فحص) 9/ 329 (نسف) 10/ 223 (طرق)، وانظر: "التكملة" للفارسي (346).]]
قال: يعني: ما سعت برجليه من وبرها [[لم أعثر على مصدر لقوله.]].
قوله تعالى: ﴿وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ﴾، قال الفراء [["معاني القرآن" 3/ 222 - 223.]]، والزجاج [["معاني القرآن وإعرابه" 5/ 266.]]، وأبو علي [["الحجة" 6/ 364.]]: الهمزة في "أقتت" بدل من الواو، وكل "واو" انضمت، وكانت ضمتها لازمة، فإنها تبدل على الاطراد همزة أولاً [ثانية] [[في (أ): ثالثة، والمثبت من "الحجة".]] من ذلك: أن تقول: صَلّي القومُ أُحدانا، وهذا [أُجوه] [[في (أ): أوجه، والمثبت من "معاني القرآن" للفراء 3/ 223، وانظر: "الوسيط" 4/ 408.]] حسان، وأدْؤر في جمع دار، والهمزة أصلها واو، وذلك لأن ضمة الواو ثقيلة [[فكأنما اجتمعت فيه واوان، فقلبت إحداهما همزة تخفيفاً. "التبصرة والتذكرة" 2/ 813.]]، كما كان كسر الياء ثقيلاً، وأما قوله: ﴿وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ [البقرة: 237] فلا يجوز فيه البدل؛ لأن الضمة لا تلزم [[لأن ضمة التقاء الساكنين لا تثبت ولا يعتد بها. انظر: "التبصرة والتذكرة" لأبي محمد الصيمري 2/ 814]]، ألا ترى أنه لا يسوغ في نحو قولك: هذا عدوٌّ أن تبدل، والدليل على أن همزة "أقتت" مبدلة، وأن [أصل] [[في (أ): أصله، ولا تستقيم العبارة بالضمير.]] الكلمة من الوقت، ويدل عليه قراءة أبي عمرو: "وُقِّتَتْ" بالواو على الأصل [[انظر: "الحجة" 6/ 364، "كتاب التبصرة" 718، " البدور الزاهرة" 332. والباقون: أُقتت بألف.]]
قال مجاهد في قوله: "أقتت": وعدت وأجلت [["جامع البيان" 29/ 233، "النكت والعيون" 6/ 177، "الدر المنثور" 8/ 383، وعزا تخريجه إلى عبد بن حميد.]]. قال أبو إسحاق: أي جعل لها وقتاً [["معاني القرآن وإعرابه" 5/ 266 بنصه.]].
وفيه قول آخر، قال الكلبي [[لم أعثر على مصدر لقوله.]]، ومقاتل [[لم أعثر على مصدر لقوله.]]: جمعت ليشهدوا على أممهم بالبلاغ إليهم. وهو اختيار الفراء [["معاني القرآن" 3/ 223.]]، وابن قتيبة. قال: جمعت لوقتها يوم القيامة [["تفسير غريب القرآن" 506، والعبارة عبارة الفراء، أما ابن قتيبة فقد قال: "جمعت لوقت، وهو يوم القيامة".]].
وهذا القول أليق بظاهر التفسير؛ (وذلك أن جواب "إذا" في هذه الآية محذوف على تقدير: فإذا النجوم طمست، وإذا، وإذا، وإذا، كان كذا وكذا، والذي يليق بهذا أن يكون المعنى: وإذا الرسل [[في أ: الرجل، والصواب ما أثبتناه لاستقامة المعنى به.]] جعل لها وقت؛ لأن ذلك التوقيت قد سبق من الله، وجمع ما ذكر من الطمس، والفرج، والنسف، إنما يقع في القيامة، فلذلك هذا التوقيت وجب أن يكون واقعاً فيه؛ وقد جمعهم للميقات المعلوم، وما ذكرنا من إضمار الجواب هو قول الأخفش) [[لم أعثر على مصدر لقوله، وما بين القوسين هو من قول الأخفش.]].
ثم ذكر أن الرسل كانوا قد ضرب لهم الأجل لجمعهم فقال: ﴿لِأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ (12)﴾
أي أخرت [[التأجل لغة: الأجل: مدة الشيء، والآجل والآجلَةُ: ضد العاجلة "الصحاح" 4/ 1621، (أجل).]]. قال الفراء: يعجب العباد من ذلك اليوم [["معاني القرآن" 3/ 223 بنصه.]].
ثم بين فقال: ﴿لِيَوْمِ الْفَصْلِ (13)﴾
قال ابن عباس: يوم يفصل الرحمن بين العباد [["معالم التنزيل" 4/ 433، "التفسير الكبير" 30/ 270، "لباب التأويل" 4/ 344]]، وهذا كقوله: ﴿إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ مِيقَاتُهُمْ أَجْمَعِينَ (40)﴾ [الدخان: 40].
ثم عظم ذلك اليوم، وهوّل منه، فقال: قوله تعالى: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الْفَصْلِ (14)﴾.
قال مقاتل: هذا تعظيم لشدته [["تفسير مقاتل" 223/ ب.]].
وقال الكلبي: يقول: وما علمك بيوم الفصل [[لم أعثر على مصدر لقوله.]].
ثم ذكر حال المكذبين الذين كذبوا بذلك اليوم فقال: {وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ} [[الويل: ذكر بعض المفسرين أن ويل واد في جهنم فيه ألوان العذاب. انظر: "الجامع لأحكام القرآن" 19/ 156.]]
ثم أخبر بما فعل بالكفار من الأمم الخالية فقال: ﴿أَلَمْ نُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ (16)﴾
قال مقاتل: يعني بالعذاب في الدنيا حين كذبوا رسلهم [["تفسير مقاتل" 223/ ب بمعناه، انظر: "الوسيط" 4/ 408.]].
قوله تعالى: ﴿ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الْآخِرِينَ﴾ -قال [[أي: مقاتل.]] -: يعني كفار مكة حين كذبوا محمداً -ﷺ-. [[لم أعثر على مصدر لقوله، وقد ورد بمثله في "الوسيط" 4/ 408 من غير عزو.]]
قال الفراء [["معاني القرآن" 3/ 223.]]، والزجاج [["معاني القرآن وإعرابه" 5/ 267.]]: هو رفع على الاستئناف، على معنى: سنفعل ذلك، ويتبع الأول الآخر، ويدل على الاستئناف قراءة عبد الله: "سنتبعهم" [[وردت قراءة ابن مسعود في "الكشف والبيان" 13/ 23/ ب، "زاد المسير" 8/ 156، "الجامع لأحكام القرآن" 19/ 157، وهي قراءة شاذة لعدم صحة سندها ، ولعدم ورودها في كتب التواتر، وهي من باب التفسير والله أعلم.]] فهذا تحقيق للرفع.
وقال أبو علي: الجزم في: "نُتْبِعْهُم" [[قرأ بذلك: الأعرج، وهي قراءة شاذة لعدم صحة سندها ، ولوردها في "المحتسب" لابن جني 2/ 346، قال أبو الفتح بن جني: يحتمل جزمه أمرين:
أحدهما: أن يكون أراد معنى قراءة الجماعة: "نتبِعُهُمْ" بالرفع، فأسكن العين استثقالا لتوالي الحركات. == والأخر: أن يكون جزماً فيعطفه على قوله: "نهلك" فيجري مجرى قولك: ألم تزرني ثم أعطك؟ كقولك: فأعطاك ألم أحسن إليك ثم أُوال ذلك عليك.]] على الإشراك في "ألم" ليس بالوجه، ألا ترى أن الإهلاك فيما مضى، والإتباع للآخرين لم يقع مع الأول، فإذا كان كذلك لم يحسن الإشراك في الجزم، ولكن على الاستئناف [[وهو ما تحمله قراءة الجمهور.]] [أو] [[في (أ): أبو، والمثبت من مصدر الكلام، وهو "الحجة" 6/ 364.]] على [أن] [[أن ساقطة من: أ، والمثبت من "الحجة"، وبه يستقيم المعنى، وينتظم الكلام.]] يجعل خبر مبتدأ محذوف -قال- ويجوز الإسكان فيه للتخفيف لا للجزم [["الحجة" 6/ 364 بتصرف.]]، كما روي في بيت امرئ القيس:
فاليوم أشرب غيرَ مُسْتَحْقِبٍ [[عجز البيت: إثماً من الله ولا واغِلِ
والبيت في "ديوانه" (149)، ط. دار صادر برواية: فاليوم أُسقى غير مستحقب. والمستحقب: المكتسب للإثم الحامل له، الواغل: الذي يدخل على القوم وهم يشربون من غير أن يدعى. (ديوانه).]]
وقد تقدم القول فيه [[لم أستطع التوصل إلى الموضع المشار إليه.]].
ثم زاد تخويفاً لأهل مكة فقال: قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ﴾.
أي: (مثل ما فعلنا بمن تقدم من الأمم، وموضع الكاف: نصب) [[ما بين القوسين نقله عن الزجاج بتقديم وتأخير في الكلام. انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 5/ 267.]].
ثم ذكر بدو خلقهم لئلا يكذبوا بالبعث فقال:
المرسلات 77:20
قوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ (20)﴾ وهذا كقوله: ﴿ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ (8)﴾ ﴿فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (21)﴾ [[ومما جاء في "تفسير من ماء مهين": "أي ماء ضعيف، وهو النطفة".]] [السجدة: 8] ، وهذا مذكور في سورة المؤمنين [[سورة المؤمنون: 12 - 13/ ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ (12) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ﴾ ومما جاء في تفسير قوله: ﴿فِي قَرَارٍ مَكِينٍ﴾: "القرار: يعني مستقر، مكين: أي مطمئن غير مضطرب، يقال: مكين بيّن المكانة. قال ابن عباس، والمفسرون في قوله: "مكين": يريد الرحم، مكن فيه بأن هيئ لاستقراره فيه، إلى بلوغ أمده الذي جعل له".]].
﴿إِلَى قَدَرٍ مَعْلُومٍ (22)﴾ يعني مدة الحامل، ومنتهى الحمل.
﴿فَقَدَرْنَا﴾ قال الكلبي: يعني خلقه، كيف يكون قصيراً، وطويلاً، وذكراً، وأنثى [["الوسيط" 4/ 408.]].
وفيه قراءتان: التخفيف، والتشديد [[قرأ: أبو جعفر، ونافع، والكسائي: "فقدَّرنا" بالتشديد، وقرأ الباقون: "فقَدَرْنا" بالتخفيف.
انظر: "كتاب السبعة" 666، "الحجة" 6/ 365، "حجة القراءات" 743، "المبسوط" 391، "الكشف" 2/ 358، "النشر في القراءات العشر" 2/ 397.]].
قال الفراء: والمعنى فيهما واحد؛ لأن العرب تقول: قُدِر عليه الموت، والرزق، وقدِّر بالتشديد، وجه من احتج للتخفيف بقوله: ﴿فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ﴾ [المرسلات: 23] لا يلزم؛ لأن العرب تجمع بين اللغتين، قال الله تعالى: ﴿فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ﴾ [الطارق: 17]، وقال الأعشى: وأنْكَرَتنْي وما كانَ الذي نَكِرَتْ [[عجز البيت: مِنَ الحوادثِ إلا الشَّيْبَ والصَّلَعا ..
وموضع الشاهد: يقال: أنكرت الرجل إذا كنت من معرفته في شك، ونكرته إذا لم تعرفه. وقال معمر بن المثنى: نَكِرْته وأنْكَرْته بمعنى واحد.
انظر: "ديوانه" 105 ط. دار صادر، "مجالس العلماء" للزجاجي 235، "الخصائص" 3/ 31، "المحتسب" 2/ 289، شرح أبيات "معاني القرآن" 207؛ ش: 467.]] [["معاني القرآن" 3/ 223 - 224 بتصرف يسير.]]
قال أبو علي: ويجوز أن يكون: "نعم المقدرون" فجاء على حذف الزوائد، نحو: دلو الدالي [[هو من بيت للعجاج، وقد ورد في ديوانه: 59: تح عزة حسن، "لسان العرب" 14/ 265 (دلا) من قوله:
يَجْفِلُ عن جَمَّاتِهِ دَلْوَ الدَّال ... غَيَايةً غَثراء مِنْ أجْنٍ طال
يريد المُدلي، والطالي: الذي عليه الطلاوة تعلوه فتستره.]]، وأجواز ليل غاضْ [[أي: مغضٍ، وهذا من بيت لرؤبة:
يخرجن من أجْواز ليل غاضِ ... نَضْوَ قداحِ النابلِ النواضي
كأنما ينضحن بالخضخاض
والخضخاض: القطران، يريد أنها عرقت من شدة السير فاسودت جلودها، وليلة غاضية: شديدة الظلمة، ونار غاضية: عظيمة مُضيئة. انظر: "لسان العرب" 15/ 128، (غضا).]] [[لم أعثر على مصدر لقوله.]]. وذكرنا ذلك في قوله: ﴿الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ﴾ [[ومما جاء في تفسير الآية:
"فإن قيل: كيف قال: لواقح وهي ملقحة؟ والجواب: ما ذهب إليه أبو عبيدة: أن لواقح هاهنا بمعنى ملاقح، جمع ملقحة، فحذفت الميم منه، ورُدت إلى الأصل == نحو: قول رؤبة: * يخرجن من أزواج ليل غاض * يريد: مغض، وقد قال العرب: أبقل النبت، فهو بأقل، يجعلون بأقل بدلاً من مبقل، ففي هذا دليل على تعيين لا قح عن ملقح، وإلى قريب من هذا ذهب الفراء، فقال: إنه يجوز فاعل لمفعل، كما جاز لمفعول، نحو: ماء دافق، وسر كاتم، وليل نائم، وكما قيل المبروز بمعنى المبرز في قوله: الناطق المبروز والمختوم
بمعنى أن هذه الأشياء لم يرد البناء على الفعل، واختار أبو علي -أيضًا- قول أبي عبيدة، فقال: لواقح بمعنى ملاقح على حذف الزيادة.]] [الحجر:22].
ثم بين لهم صنعه ليعتبروا فيوحدوه، فقال:
المرسلات 77:25
قوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا﴾ معنى الكفت في اللغة: الضم، والجمع، يقال: كَفَتُّ الشيء: أي ضممته فانكفت، أي انضم، ومنه قول أوس:
كِرامٌ حين تَنْكَفِتُ الأفاعي ... إلى أجحارهنَّ من الصَّقيعِ [[ورد البيت في كتاب "سيبويه" 3/ 577، وقد استشهد به على جواز جمع جحر على أجحار جمع قلة، أما الجحرة فهي جمع كثرة له، ولم ينسبه، "المقتضب" 2/ 197، "المخصص" 8/ 85 المجلد الثاني، "الجامع لأحكام القرآن" 19/ 159 غير منسوب، ولم أعثر عليه في ديوانه.
ومعنى البيت: انكفت القوم إلى منازلهم: انقلبوا، وهي هنا بمعنى تنقبض، الصقيع: الذي يسقط من السماء بالثلج، ويعني: أنهم كرام إذا أجدب الزمان ، واشتد البرد. "المقتضب" 2/ 197 (حاشية).]]
أي ينضم، قال أبو عبيدة: كفاتًا: أوعية، يقال للنِّحْي: كِفْتٌ، كِفت، وكفيت [["مجاز القرآن" 2/ 281 بتصرف يسير.]]؛ لأنه يحوي اللبن ويضمه، ويقال أيضًا: جِرابٌ كَفِيتٌ وكِفتٌ إذا كان لا يضيِّع شيئًا مما يجعل فيه، ويقال للقدر أيضًا: كِفْتٌ، ومنه المثل: كِفْتٌ إلى وئيَّةٍ [["مجمع الأمثال": للميداني: 3/ 37، الكِفْتُ: القِدْر الصغيرة، والوئِيَّة: الكبيرة، == والكفت من الكفت وهو الضم، سمي به؛ لأنه يكفت ما يلقى فيه، والوئيَّة من الوَأي، وهو الضخم، يقال: فرس وأي إذا كان ضخماً، والأنثى وأية وآة.
يضرب للرجل يحملك البَلِيَّة ... ثم يزيدك إليها أخرى صغيرة]].
وقال: كفت وكفت إذا ضم شيئاً إلى شيء، ومنه الحديث: " [و] [[في (أ): أو، والمثبت مثل ما جاء في الأحاديث.]] اكفتوا صبيانكم" [[الحديث أخرجه:
أبو داود في "سننه" 2/ 333 باب في إيكاء الآنية، عن جابر بن عبيد الله -رفعه- قال: "واكفتوا صبيانكم عند العشاء"، وقال مسدد: عند المساء، فإن للجن انتشاراً وخَطْفة.
والإمام أحمد في "المسند" 3/ 388.
وقد أورد البخاري بمعنى هذا الحديث؛ قال: "وأكفئوا صبيانكم"، "الجامع الصحيح" 2/ 446 ح 3316: كتاب بدء الخلق: باب إذا وقع الذباب في شراب أحدكم ... وخمس من الدواب فواسق .. 16.]]، وانْكَفَت الثوب إذا انضم وتقلص [[انظر (كفت) في "تهذيب اللغة" 10/ 146، "مقاييس اللغة" 5/ 190، "الصحاح" 1/ 263، "لسان العرب" 2/ 79، وجميعها لم تذكر بيت أويس.]].
قال ابن عباس: يريد مساكن وقبورًا [[لم أعثر على مصدر لقوله.]].
وقال مقاتل: تكفت الأحياء فيسكنون ظهرها، وتكفت الأموات في بطنها [["تفسير مقاتل" 223/ ب بمعناه.]].
وقال مجاهد: تكفت الميت، فلا يرى منه شيء، والحي إذا أوى إلى بيته [["الدر المنثور" 8/ 384 وعزاه إلى عبد بن حميد، وابن المنذر.]].
وقال قتادة: تكفتهم أحياء فوقها على ظهرها، و"أمواتاً" إذا قبروا فيها [["تفسير عبد الرزاق" 2/ 240، "جامع البيان" 29/ 237 بنحوه، "النكت والعيون" 6/ 179 بنحوه.]]. وهذا قول جماعة المفسرين [[منهم: الشعبي أيضًا. انظر: "جامع البيان" 29/ 237، "بحر العلوم" 3/ 436، "النكت والعيون" 6/ 179. وبه قال الزجاج في "معاني القرآن وإعرابه" 5/ 267.]].
قال الفراء: تكفتهم أحياء على ظهرها في دورهم ومنازلهم، وتكفتهم أمواتاً إذا قبروا فيها، في بطنها، أي تحفظهم وتحوزهم [[في "معاني القرآن" تحرزهم 3/ 224.]]، -قال-: ونصبك [[في (أ): صمك.]] الأحياء والأموات بوقوع الكفات عليه، كأنك قلت: ألم نجعل الأرض كفاتَ أحياءٍ وأمواتٍ، فإذا نونت نصبت، كما يقرأ: ﴿أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (14) يَتِيمًا﴾. [البلد: 14، 15] [["معاني القرآن" 3/ 224 بتصرف، وما ذهب إليه الفراء رجحه الطبري في "جامع البيان" 29/ 238.]].
وقال أبو علي: (إن كان الكفات مصدر الكفت، كما أن الكتاب مصدر الكتب، فقد انتصب (أحياء) به، كما انتصب بقوله: (أو إطعام) (يتيمًا) -قال-: وقد قيل: إن الكفات جمع الكافتة، فأحياء على هذا منتصب بالجمع كقوله: غُفُرٌ ذَنْبُهُمُ غَيرُ فُجُرْ [[البيت لطرفة بن العبد، وصدره: ثم زادوا أنّهُمْ في قومهم.
ومعناه: غفر ذنبهم: أي يغفرون ذنب المذنب. غير فجر: أي ولا يفتخرون لرصانتهم. "ديوانه" 55.]]) [[ما بين القوسين من قول أبي علي، ولم أعثر على مصدر لقوله.]] وقال الكلبي: يريد على ظهرها منازلهم، وعيشهم، وفي بطنها قبورهم [[لم أعثر على مصدر لقوله.]].
قوله تعالى ﴿شَامِخَاتٍ﴾ أي عاليات، وكل عال فهو شامخ، شمخ يشمخ شموخاً، ويقال للمتكبر: شمخ بأنفه، وجبل شامخ، وجبال شامخة، وشامخات، وشوامخ، أي طوال عالية في السماء مرتفعات، وكل هذا من ألفاظ المفسرين [[قال قتادة: يعني جبال، وعن ابن عباس: جبالاً مشرفات. انظر: "جامع البيان" 29/ 238، وإلى القول: عاليات مرتفعات ذهب البغوي: "معالم التنزيل" 4/ 434، وابن عطية: "المحرر الوجيز" 5/ 419، وابن الجوزي: "زاد المسير" 8/ 157، والفخر الرازي: "التفسير الكبير" 3/ 274، والقرطبي: "الجامع لأحكام القرآن" 19/ 160، والخازن "لباب التأويل" 4/ 344.]]، وأهل المعاني [[ذهب إليه: الزجاج في "معاني القرآن وإعرابه" 5/ 267.
قال ابن فارس: شمخ: أجل صحيح يدل على تعظم وارتفاع، يقال: جبل شامخ: أي عالٍ، وشمخ فلان بأنفه: إذا تعظم في نفسه. انظر: (شمخ) في "مقاييس اللغة" 3/ 212، "تهذيب اللغة" 7/ 96، "لسان العرب" 3/ 30.]].
قوله تعالى: ﴿وَأَسْقَيْنَاكُمْ مَاءً فُرَاتًا﴾ تقدم تفسيره عند قوله: ﴿فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ﴾ [[في (أ): وردت: أسقيناكم، والآية من سورة الحجر: 22، ومما جاء في تفسيرها: "ومعنى: "فأسقيناكموه": العرب تقول لكل ما كان من بطون الأنعام، أو من السماء، أو نهر يجري: أسقيت، أي جعلته شرباً له، وجعلت له منها مسْقى، فإذا كانت السقيا لشفته قالوا: سقاه، ولم يقولوا: أسقاه، وقال أبو علي: يقول: سَقَيْتُه حتى رُوي، وأسقيته نهراً جعلته شِرْباً له، وقوله: "فأسقيناكموه" أي جعلناه سقياً لكم".]].
وقوله: ﴿هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ﴾ [[ومعنى قوله: "فراتاً": الفرات: أعذب المياه، وقد فرت الماء يفرت فروتة: إذا == عذب، فهو فرات.
والفرات لغة: الماء العذْب، يقال: ماء فُرات، ومياه فُرات. انظر: "مختار الصحاح" 494، "المصباح المنير" 2/ 558.]] [الفرقان: 53].
قال مقاتل: وهذا كله أعجب من البعث [["معالم التنزيل" 4/ 434، ولم أعثر في تفسيره على هذا القول، أو نحوه.]]. قال الله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ أي بالبعث.
ثم ذكر ما يقال لهم في الآخرة، فقال: ﴿انْطَلِقُوا إِلَى مَا كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾.
قال الكلبي: يقول لهم الخزنة: انطلقوا إلى ما كنتم به تكذبون في الدنيا [[لم أعثر على مصدر لقوله.]].
ثم ذكر ما أمروا بالانطلاق إليه، فقال: قوله تعالى: ﴿انْطَلِقُوا إِلَى ظِلٍّ ذِي ثَلَاثِ شُعَبٍ﴾
قال المفسرون [[يعني به ابن قتيبة.]]: (إن الشمس تدنو [[في (أ): تدنوا.]] يوم القيامة من رؤوس [[في (أ): روش.]] الخلائق، وليس عليهم يومئذ لباس، ولا لهم كنان [[كنان: أي الغطاء، والجمع: أكنة، مثل: اغطية. "المصباح المنير" 2/ 657.]]، فتلفحهم الشمس، وتسْفَعُهُم، وتأخذ بأنفاسهم، [ومد] [[في (أ): ود، وما أثبته من المصدر الأصلي للقول، وهو "تأويل مشكل القرآن" لابن قتيبة 319 لاستقامة المعنى، إذ لا يتحقق للمعنى فهم لو أثبت: ود.]] ذلك اليوم وكربه، ثم ينجي الله برحمته من يشاء إلى ظل من ظلِّه، وهناك يقولون: ﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ﴾ [الطور: 27]، ويقول للمكذبين: {انْطَلِقُوا إِلَى مَا كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ} [المرسلات: 29] من عذاب الله وعقابه، انطلقوا من ذلك إلى ظل من دخان نار جهنم قد سطع، ثم افترق ثلاث فرق، وكذلك شأن الدخان العظيم إذا ارتفع أن يتشعب، فيكونون [[في (أ): فيكونوا، وما أثبته من "تأويل مشكل القرآن".]] فيه إلى أن يفرغ من الحساب، كما يكون أولياء الله في ظل عرشه) [[ما بين القوسين نقله عن ابن قتيبة من "تأويل مشكل القرآن" 319 - 320 بشيء من الاختصار، وحكاه الفخر عن المفسرين: "التفسير الكبير" 30/ 275.
وعن قتادة في معنى الآية: قال: هو كقوله: ﴿نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا﴾، والسرادق: دخان النار، فأحاط بهم سرادقها، ثم تفرق فكان ثلاث شعب، فقال: انطلقوا إلى ظل ذي ثلاث شعب: شعبة هاهنا، وشعبة هاهنا، وشعبة هاهنا. "جامع البيان" 29/ 239.
وعن مجاهد قال: إن الشعبة تكون فوقه، والشعبة عن يمينه، والشعبة عن شماله، فتحيط به. "النكت والعيون" 6/ 179.
وعن الضحاك: أن الشعب الثلاث: الضريع، والزقوم، والغسلين. المرجع السابق، "الجامع لأحكام القرآن" 19/ 161.
وعن الماوردي: أن الثلاث الشعب: اللهب، والشرر، والدخان. "النكت والعيون" 6/ 179.]].
ثم وصف ذلك الظل فقال:
﴿لَا ظَلِيلٍ﴾ [[﴿لَا ظَلِيلٍ وَلَا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ﴾.]] (أي لا يظلُّكم من حَرِّ هذا اليوم؛ بل يدنيكم من لهب النار إلى ما هو أشد عليكم من حر الشمس) [[ما بين القوسين نقله بنصه من "تأويل مشكل القرآن" 319 - 320.]].
"ولا يغني" عنكم "من اللهب" أي لا يدفع عنكم من حره شيئاً [[في (أ): كما يدفع عنكم حره شيئًا، والكلام مكرر لا فائدة فيه.]]؛ كما يدفع الظل الحر.
قال الكلبي: يريد: لا يرد لهب جهنم عنكم [["الوسيط" 4/ 409.]].
(والمعنى: أنهم إذا استظلوا بذلك الظل لم يدفع عنهم حر اللهب، وهذا مثل قوله: ﴿وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ (43) لَا بَارِدٍ وَلَا كَرِيمٍ﴾) [[ما بين القوسين نقله بتصرف عن ابن قتيبة "تأويل مشكل القرآن" 319 - 320.]] [الواقعة: 43 - 44].
ثم وصف النار فقال: ﴿إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ﴾ (يقال: شررة، وشرر، وشرار، وهو: ما تطاير من النار متبدداً في كلِّ جهة، وأصله من: شررت الثوب إذا أظهرته، وبسطته للشمس، والشر ينبسط متبددًا، وأنشد [[لم ينسب البيت في "التهذيب" 11/ 272 (الشر)، ولا في "اللسان" 4/ 401 (الشر).]]:
تنزو إذا شجها المزاج ... كما طار شرار يطيره اللهب [[لم يذكر في المرجعين السابقين.]]
أو كَشَرارِ العَلاةِ يضربها ... القَيْنُ على كلِّ وِجهَةٍ تَثِبُ) [[ما بين القوسين نقله عن الأزهري. انظر: "تهذيب اللغة" 11/ 272 (الشر). وأيضًا انظر مادة الشر في كل من: "مقاييس اللغة" 3/ 180، "الصحاح" 2/ 695، "لسان العرب" 4/ 401.]]
يصف الشرر. في قوله: ﴿كَالْقَصْرِ﴾ قولان:
أحدهما: أنه القصر من البناء.
قال عطاء عن ابن عباس: يريد القصور العظام [["التفسير الكبير" 30/ 276.]].
وقال الكلبي: شبه الشرار من النار بالقصر من قصور الأعراب التي تكون على المياه [[لم أعثر على مصدر لقوله.]].
قال ابن عباس: يعني الحصون والمدائن [[لم أعثر على مصدر لقوله.]]، ونحو هذا روي عن ابن عباس، قال: كالقصر العظيم [["جامع البيان" 29/ 239، "الكشف والبيان" 13/ 24/ ب، "الدر المنثور" 8/ 384 وعزاه إلى ابن المنذر، وابن أبي حاتم، وجميعها من طريق علي بن أبي صالح الوالبي.]]، وهو اختيار الفراء [["معاني القرآن" 3/ 224، قال: يريد القصر من قصور مياه العرب.]]، وابن قتيبة [["تفسير غريب القرآن" 507، وانظر أيضًا: "تأويل مشكل القرآن" 320.]]. وذكرنا تفسير القصر عند قوله: ﴿وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا﴾ [الفرقان: 10] [[ومما جاء في تفسير قوله: ﴿وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا﴾ أي بيوتًا مبنية مشيدة، ومعنى القصر في اللغة: الحبس، وسمي هذا المبنى قصرًا؛ لأن من فيه مقصور عن أن يوصل إليه، وكل شيء محوط على شيء فهو قصر.]]
القول الثاني: في "القصر" أنها جمع قصْرة -ساكنة الصاد- مثل: جمْرة، وجمْر، وتمْرة، وتمْر [[قرأ: الحسن بسكون الصاد. انظر: "المحتسب" 2/ 346، وهي قراءة شاذة لعدم صحة سندها ، ولعدم ذكرها في كتب القراءات المتواترة، ورويت عن الحسن، وهو ممن اشتهر عنه بالقراءة الشاذة، وقد وردت هذه القراءة في كتب الشواذ.]].
قال المبرد: يقال للواحدة من جزل الحطب الغليظ: قصرة، والجمع: قصر [[لم أعثر على مصدر لقوله.]].
قال الحسن: هو الجزل من الخشب [["جامع البيان" 29/ 240، "الدر المنثور" 4/ 386، وانظر: "تفسير الحسن البصري" 2/ 387.]].
وقال عبد الرحمن بن [عابس [[في (أ): عباس، والصواب: عابس، وهو ما ورد في "جامع البيان" 29/ 240، و"الجامع الصحيح" للبخاري 3/ 319: ح 4932، وقد ورد في "معالم التنزيل" عبد الرحمن بن عباس، وهو تصحيف كما أسلفت بيانه.]]] [[عبد الرحمن بن عابس بن ربيعة النخعي الكوفي، روى عن عبد الله بن عباس، ثقة، روى له الجماعة سوى الترمذي.
انظر: "التاريخ الكبير" 5/ 327 ت 1038، "الإكمال" 6/ 17، "تهذيب التهذيب" 6/ 201.]]: سألت ابن عباس عن "القصر" فقال: خشب كنا ندخره للشتاء نقطعه، كنا نسميه القصر [[ورد قوله بمعناه في "تفسير عبد الرزاق" 2/ 341، "جامع البيان" 29/ 240، "الكشف والبيان" 13/ 24/ ب، "النكت والعيون" 6/ 180، "المحرر الوجيز" 5/ 420، "التفسير الكبير" 30/ 276، "الجامع لأحكام القرآن" 19/ 161، "لباب التأويل" 4/ 345، "الدر المنثور" 8/ 385.
وانظر: "الجامع الصحيح" للبخاري 3/ 319 - 320 ح 4932 - 4933: "كتاب التفسير" باب: 2، 3.
وقال القرطبي عن قول ابن عباس بأنه أصح ما قيل في تفسير الآية. "الجامع لأحكام القرآن" 19/ 163.]].
وهو قول سعيد بن جبير [["الكشف والبيان" 13/ 24/ ب، "معالم التنزيل" 4/ 434، "الجامع لأحكام القرآن" 19/ 161 - 162. وانظر: "تفسير سعيد بن جبير" 365.]]، ومقاتل [[لم أعثر على مصدر لقوله.]]، إلا أنهم قالوا: هي أصول النخل، والشجر العظام.
ولعل هذا التفسير على قراءة من قرأ بفتح "الصاد" [[وقد قرأ بذلك: ابن عباس، وسعيد بن جبير: "كالقِصَر" بكسر القاف، وفتح الصاد، وعنهما أيضًا: "كالقَصَر" القاف والصاد مفتوحتان. انظر: "المحتسب" 2/ 346.
وهي قراءة شاذة لعدم صحة السند، ويقال فيها ما قيل بقراءة تسكين الصاد.]] على أن الزجاج قال في "التسكين" القصر: جمع قصرة، وهو الغليظ من الشجر [["معاني القرآن وإعرابه" 5/ 268.
والذي يرجحه الطبري أنه القصر من القصور؛ لدلالة قوله: "كأنه جمالات صفر" على صحته، والعرب تشبه الإبل بالقصور المبنية. "جامع البيان" 29/ 241.]].
المرسلات 77:33
قوله عز وجل: ﴿كَأَنَّهُ جِمَالَتٌ صُفْرٌ﴾ يعني: كان ذلك الشرر.
قال ابن قتيبة: ووقع تشبيه الشرر بـ[القصر] [[في (1): بالصقر، وأثبت ما جاء في مصدر القول، وهو "تفسير غريب القرآن" 320.]] في مقاديره، ثم شبهه في لونه بالجمالات الصُّفر [["تفسير غريب القرآن" 320.]].
(والجمالات: جمع جِمَال كما يقال: رجالٌ ورجالات، وبُيُوتٌ، وبيوتاتٌ، ومن قرأ "جمالة" [[قرأ على التوحيد: حمزة، والكسائي، وحفص عن عاصم، وخلف: وذلك بكسر الجيم، وحذف الألف التي بعد اللام.
وقرأ الباقون، وهم: ابن كثير، ونافع، وأبو بكر عن عاصم، وأبو عمر، وابن عامر، ويعقوب، وأبو جعفر: "جِمالات" بألف، وكسر الجيم.
انظر: "الحجة" 6/ 365، "الكشف" 2/ 358، كتاب "التبصرة" 718، "تحبير التيسير" 196، "المهذب" 2/ 318.]]، فهي جمع: جَمَل، كما قالوا: حجر، وحجارة، وَذَكر وذِكارة) [[ما بين القوسين نقله عن الزجاج باختصار، انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 5/ 268.]].
هذا قول الفراء [["معاني القرآن" 3/ 225 بتصرف.]]، والمبرد [[لم أعثر على مصدر لقوله.]]، وزاد أبو علي فقال: "جمال": جمع بالألف، والتاء، على صحيح البناء، كما جمع على تكسيره في قولهم: "جمائل"، وأما جمالة، فإن التاء لحقت جمالاً لتأنيث الجمع، كما لحقت في: فحْل وفِحالة، وذَكر وذِكارة، ومثل لحاق "الهاء" في فِعالة لحاقها في [فُعوله] [[في (أ): فعول، والمثبت ما جاء في مصدر القول، وهو "الحجة".]] نحو: عمومة، وخيوطة [[خيوطه: خيط مثل فحولة، زادوا الهاء لتأنيث الجمع. "لسان العرب" 7/ 298 (خيط).]] [["الحجة" 6/ 365 - 366 نقله عنه باختصار.]].
وقوله: ﴿صُفْرٌ﴾
قال ابن عباس: يريد الإبل السود، يقال له: أورق، وأصفر [[لم أعثر على مصدر لقوله.]].
قال الكلبي: الصفر: السود [[لم أعثر على مصدر لقوله.]]، [[قوله: ويقال: له أورق، وأصفر، قال الكلبي: الصفر السود. وهو كلام مكرر من الناسخ.]]، وهو قول مقاتل [["تفسير مقاتل" 224/ أ.]]، وقتادة [["تفسير عبد الرزاق" 2/ 341، "جامع البيان" 29/ 241، والعبارة عنده فيها: نوق سود.]].
قال الفراء: الصفر: سُود الإبل، ألا ترى أسوَدَ من الإبل إلا وهو مشربٌ صفرة، لذلك سمت العرب سودَ الإبل: صفراً، كما سمّوا أبيض الظباء أُدْماً لما يعلوها من الكدرة في بياضها [["معاني القرآن" 3/ 225 بتصرف يسير.]].
ونحو هذا قال الزجاج [["معاني القرآن وإعرابه" 5/ 268.]]، وغيره [[كأبي عبيدة في "مجاز القرآن" 2/ 281، وابن قتيبة في "تفسير غريب القرآن" 507، وابن الأنباري في كتاب "الأضداد" (160).
وإليه ذهب البغوي في "معالم التنزيل" 4/ 435، وابن عطية في "المحرر الوجيز" 5/ 420، وساق ابن الجوزي قول الفراء في "زاد المسير" 8/ 159، والقرطبي في "الجامع لأحكام القرآن" 19/ 162.]]، وأنشدوا [[البيت للاعشى.]]:
تِلْكَ خَيْلي منها وتِلْكَ ركابي
هُنَّ صُفْرٌ أولادُها كَالزَّبيبِ [[ورد البيت في "ديوانه" 27 ط دار صادر، برواية: "منها" بدلاً من: "منه"، وفي (صفر) في "تهذيب اللغة" 12/ 170، "الصحاح" 2/ 714، "لسان العرب" 4/ 460.
وورد في "تفسير غريب القرآن" (507)، "الكشف والبيان" 13/ 25/ ب، "النكت والعيون" 6/ 18، "المحرر الوجيز" 5/ 420، وسائر المراجع السابقة، وكلها برواية: "خيلي منه" بدلاً من "منها".
ويراد: "صفر" أي: سود. ديوانه.]]
أي: سود.
قال ابن قتيبة: والشرر إذا تطاير فسقط وفيه بقية من لون النار أشْبه شيء بالإبل السود لما يشوبها من الصفرة [["تأويل مشكل القرآن" (321) بنصه.]].
المرسلات 77:35
قال: ﴿هَذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ﴾، قال الكلبي: هذا في بعض مواطن يوم القيامة لا يتكلمون، ويتكلمون في ساعة أخرى [[لم أعثر على مصدر لقوله.]] [[يقصد بذلك قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ﴾ الآية: 65 من سورة يس.]].
وروى قتادة أن رجلاً جاء إلى عكرمة، فقال: أرأيت قول الله: ﴿هَذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ﴾، ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾ [الزمر: 31]، فقال: إنها مواقف، فأما موقف منها فتكلموا، واختصموا، ثم ختم الله على أفواههم فتكلمت أيديهم، وأرجلهم، فحينئذ لا ينطقون [[بمعناه في "زاد المسير" 8/ 159.]].
وقال مقاتل: هذا في بعض المواطن حين يختم الله على أفواههم مقدار أربعين سنة [[لم أعثر على مصدر لقوله.]]، ونحو هذا ذكر الفراء [["معاني القرآن" 3/ 226 بمعناه.]]، والزجاج [["معاني القرآن وإعرابه" 5/ 268، وعبارته: "يوم القيامة له مواطن ومواقيت، فهذا من المواقيت التي لا يتكلمون فيها".]].
قال الفراء: وأراد بقوله: "يوم لا ينطقون" تلك الساعة، وذلك القدر من الوقت الذي لا ينطقون فيه، كما تقول: أتيتك يوم يقدمُ فلان، والمعنى: ساعة يقدم، وليس باليوم كله؛ لأن القدوم إنما يكون في ساعة يسيرة، ولو كان يوماً كله، لما جاز إضافته إلى الفعل لسرعة انقضاء القدوم، فإنه لا يمتد يوماً كله، وإنما استجازت العرب ذلك لأنهم يريدون: آتيك إذا قدم فلان، وإذا يقدم [فإذاً] [[في (أ): وإذًا مكرر، والصواب: أيضًا، فإذًا كما هو في "معاني القرآن".]] يطلبان الفعل، فلما كان اليوم والليل، وجميع المواقيت في معناهما أضيفت إلى فعل، ويفعَل [["معاني القرآن" 3/ 226 نقله عنه بتصرف.]].
وقال أهل المعاني: معنى قوله: "لا ينطقون" أي بما فيه لهم حجة، ومن نطق بما لا يفيد، فكأنه لم ينطق، وهذا كما تقول لمن تكلم بما لا يفيد: تكلمت ولم تتكلم [[انظر: "التفسير الكبير" 30/ 279، ورد بمعنى هذا القول عنده من غير عزو.]]. يدل على صحة هذا المعنى ما روي عن بعضهم [[بهذا المعنى روي عن الحسن. انظر: المرجع السابق.]]: أنه قال: وأي حجة لهم يقيمونها، أم بأي عذر يعتذرون، وقد أعرضوا عن [مُنعمهم] [[غير واضحة في (أ)، وقد رسمت هكذا منعهم.]]، وجحدوا ربوبيته.
المرسلات 77:36
قوله تعالى: ﴿وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ﴾ قال الفراء: [رويت] [[في (أ): ويت، والمثبت من "معاني القرآن" للفراء 3/ 226.]]: بالفاء أن يكون نسقاً على ما قبلها، واختير ذلك؛ لأن الآيات بالنون، ولو قيل: فيعتذروا لم يوافق الآيات، وقد قال الله: ﴿لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا﴾ [فاطر: 36] بالنصب، وكلٌّ صواب، ومثله: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ﴾ [البقرة: 245، الحديد 11] بالنصب، والرفع [["معاني القرآن" 3/ 226 بتصرف يسير.]].
والعرب تستحب وفاق الفواصل كما تستحب وفاق القوافي، والقرآن نزل على ما تستحب العرب [[في (أ): العرب، وهي لفظ مكرر لا معنى لزيادتها.]] من موافقة المقاطع، ألا ترى أنه قال: ﴿إِلَى شَيْءٍ نُكُرٍ﴾ [القمر: 6]، فثقل في "اقتربت" لأن آياتها مثقلة.
وقال في موضع آخر: ﴿وَعَذَّبْنَاهَا عَذَابًا نُكْرًا﴾ [الطلاق: 8]، فاجتمع القراء [[لم يجتمع القراء -على ما ذكره-، وإنما كان هناك اختلاف، قال أبو علي: (اختلفوا في التخفيف والتثقيل من قوله: "نكراً" [الكهف: 74]، فقرأ ابن كثير، وحمزة، وأبو عمرو، والكسائي: "نُكْراً" خفيفة في كل القرآن إلا قوله: ﴿إِلَى شَيْءٍ نُكُرٍ﴾ [القمر: 6]، وخفف ابن كثير أيضًا: "إلى شيء نكْر".
وقرأ ابن عامر، وعاصم في رواية أبي بكر في كل القرآن: "نُكْراً".
و"نُكُر" مثقل.
حفص عن عاصم: "نُكْراً" خفيفة.
واختلف عن نافع، فروى إسماعيل بن جعفر: "نُكْراً"، خفيفاً في كل القرآن إلا قوله: "إلى شيء نُكُر" فإنه مثقل.
وروى ابن جماز، وقالون، والمسيبي، وأبو بكر بن أبي أويس، وورش عن نافع: "نُكْراً" مثقل في كل القرآن.
نصر، عن الأصمعي، عن نافع: "نُكُراً" مثقل).
ثم بين أن ذلك كله جائز. "الحجة" 5/ 159.]] على تثقيل الأول، وتخفيف الثاني ليوافق كل منهما ما قبله. وقال: ﴿الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ﴾ [الرحمن: 5] وقال في موضع آخر: ﴿عَطَاءً حِسَابًا﴾ [النبأ: 36]، وهو كثير.
وأما رفع يعتذرون بالعطف على "يؤذن" أي ليس يؤذن، ولا يعتذرون، هذا لم يؤذن لهم لم يعتذروا.
قوله تعالى: ﴿هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ﴾ أي القضاء والفصل بين أهل الجنة والنار، وأهل الحق والباطل.
﴿جَمَعْنَاكُمْ﴾ يعني مكذبي هذه الأمة.
﴿وَالْأَوَّلِينَ﴾ يعني الذين كذبوا سائر النبيين.
قوله: ﴿فَإِنْ كَانَ لَكُمْ كَيْدٌ فَكِيدُونِ﴾ قال عطاء: يريد: كنتم في الدنيا تحاربون محمداً -ﷺ-، وتحاربونني، فاليوم حَاربون [[لم أعثر على مصدر لقوله.]].
وقال الكلبي: يقول: إن استطعتم أن تصنعوا شيئاً فاصنعوا [[لم أعثر على مصدر لقوله.]].
وقال مقاتل: يقول: فإن كان لكم حيلة فاحتالوا لأنفسكم [[بمعناه في "تفسير مقاتل" 224/ أ، قال: "إن كان لكم مكر فامكروا"، "معالم التنزيل" 4/ 435، "فتح القدير" 5/ 360.]].
ثم ذكر المؤمنين فقال:
المرسلات 77:41
﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ﴾ قال عطاء: يريد المهاجرين والأنصار، والتابعين بإحسان [[لم أعثر على مصدر لقوله.]].
وقال الكلبي [["التفسير الكبير" 30/ 282 بنحوه.]]، ومقاتل [[المرجع السابق، وورد بمعناه في "تفسير مقاتل" 224/ أ، قال: يعني به الموحدين.]]: إن المتقين للشرك بالله.
﴿فِي ظِلَالٍ﴾ يعني: ظلال الشجر، وظلال [أكنان [[غير مقروءة في (أ)، وما أثبته من "الوسيط" 4/ 410.]]] [[أكنان: الكِنُّ، والكِنَّةُ، والكنانُ: وقاء كل شيء وستره، والكِنُّ: البيت أيضًا، والجمع: أكنان، وأكِنَّةٌ، الكِن: ما يرد الحر والبرد من الأبنية والمساكن.
انظر: "لسان العرب" 13/ 360 (كنن)، المفردات في "غريب القرآن" 442.]] القصور.
ثم قال لكفار مكة:
﴿كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلًا﴾ يريد في الدنيا إلى منتهى آجالهم.
﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لَا يَرْكَعُونَ﴾ إذا أمروا بالصلوات الخمس لا يصلون مع محمد -ﷺ-. [[قال ابن الجوزي -في هذا المعنى-: "هو الأصح". "زاد المسير" 8/ 159.= وهناك من قال: إنهم يدعون إلى السجود يوم القيامة. المرجع السابق.]] قوله تعالى: ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾.
قال مقاتل [["تفسير مقاتل" 224/ أمختصرًا.]]، وغيره [[قال بذلك: السمرقندي في "بحر العلوم" 3/ 437.
وإليه ذهب ابن الجوزي في "زاد المسير" 8/ 159، والقرطبي في "الجامع لأحكام القرآن" 19/ 167.]]: يقول: إن لم يصدقوا بهذا القرآن، فبأي كتاب بعد هذا القرآن يصدقون، ولا كتاب بعد القرآن كقوله: ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ﴾ [الجاثية: 6].
وقال أبو إسحاق: أي بأي حديث يؤمنون بعد القرآن الذي أتاهم فيه البيان، وهو معجز دليل على الإسلام [["معاني القرآن وإعرابه" 5/ 269 بتصرف.]]؟
النبأ 78:1
﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ﴾ قال أبو إسحاق: أصله: (عَنْ ما)، وأدغمت النون في الميم؛ لأن الميم تشرك [النون في] [[ساقطة من النسخة، والمثبت من مصدر القول، وبه تستقيم العبارة.]] الغُنَّة [[الغنة: صوت هوائي يخرج من الخيشوم، لا عمل للسان فيه، والغنة: صفة مركبة في جسم حرف النون، وجسم حرف الميم مطلقًا. "حق التلاوة لحسني شيخ عثمان": 107.]] في الأنف [["معاني القرآن وإعرابه" 5/ 271 بتصرف يسير.]].
وقال صاحب النظم: أصله: (عما)، وهم إذا وضعوا (ما) في الاستفهام حذفوا ألفها تفرقة بينها وبين أن يكون اسماً مثل قولهم: (فيم)، و (بم)، و (لم)، و (علام)، و (حتام) [["التفسير الكبير" 31/ 3، وعزاه الفخر إلى الجرجاني، ويراد به صاحب النظم، وانظر: "كتاب سيبويه" 4/ 164.]].
وقال غيره: حذفت الألف لاتصالها بحرف الجر حتى صار كجزء منه لتنبئ عن شدة الاتصال مع تخفيف الكلام بحذف حرف الاعتلال [[لم أعثر على مصدر القول، ولا على قائله، وانظر: "مغني اللبيب" لابن هشام 2/ 135.]].
قال مقاتل: ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ﴾ استفهام [["تفسير مقاتل" 224/ أ.]]، وذلك أن كفار مكة قالوا: ما يخبركم هذا الرجل، وما جاء به، فأنزل الله: ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ﴾.
وقال الحسن: لما بعث النبي -ﷺ- جعلوا يتساءلون بينهم، فنزلت: ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ﴾ [["جامع البيان" 30/ 1، "الدر المنثور" 8/ 390 وعزاه إلى عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن مردويه. وانظر: "تفسير الحسن البصري" 2/ 387، "لباب النقول في أسباب النزول" للسيوطى 226.]].
قال المفسرون [[حكاه ابن الجوزي عن المفسرين "زاد المسير" 8/ 161، ونقل الشوكاني عن الواحدي قول المفسرين في "فتح القدير" 5/ 362 - 363.]]: إنهم اختلفوا واختصموا في أمر محمد -ﷺ-، ولما جاء به، فجعلوا يتساءلون عما جاء به، فأنزل الله تعالى: (عم يتساءلون عن النبأ العظيم).
قال أبو إسحاق: اللفظ [لفظ] [[في (أ): لفظه، والمثبت من مصدر القول: "معانى القرآن وإعرابه".]] الاستفهام، والمعنى تفخيم القصة، كما تقول: أي شيء زيدٌ [["معاني القرآن وإعرابه" 5/ 271 بنصه.]].
ثم بين فقال: ﴿عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ﴾ المعنى: يتساءلون عن النبأ العظيم، وفي انتظام الاثنين وجوه:
أحدها: (أن الكلام تم عند قوله: (يتساءلون) ثم قال: (عن النبأ العظيم)، ويكون التقدير: يتساءلون عن النبأ العظيم إلا أنه حذف يتساءلون لدلالة يتساءلون في الآية الأولى عليه. وهذا قول البصريين، واختيار أبي حاتم [[تقدمت ترجمته في سورة النساء.]].
وعند الكوفيين: أن الآية الثانية متصلة بالأولى على تقدير: لأي شيء يتساءلون عن النبأ العظيم، و (عم) كأنها في المعنى: لأي شيء) [[ما بين القوسين نقله الإمام الواحدي عن النحاس من كتابه "القطع والائتناف" 2/ 780 بتصرف.]]، وهذا قول الفراء [["معاني القرآن" 3/ 227.]].
وقال صاحب النظم: قوله: ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ﴾ استفهام وسؤال يقتضي جواباً من غير السائل المستفهم.
النبأ 78:2
ثم قال: ﴿عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ﴾ فكان الجواب والسؤال من وجهة واحدة -قال- ويحتمل أيضًا أن يكون معنى قوله: ﴿عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ﴾ استفهاماً على تأويل: عن النبأ العظيم الذي هم فيه مختلفون؛ إلا أنه اقتصر على ما قبله من الاستفهام إذ هو متصل به، وكالترجمة والبيان كما ترى في قوله: ﴿أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ [المؤمنون: 82]، بكسر الألف من غير استفهام، وهو موضع الاستفهام؛ لأن، إنكارهم بما كان للبعث، ولكنه لما ظهر الاستفهام في أول الكلام اقتصر عليه [[لم أعثر على مصدر لقوله.]].
ومعنى: (النبأ العظيم) القرآن في قول جميع المفسرين، وهو قول الكلبي [[لم أعثر على مصدر لقوله.]]، ومقاتل [["تفسير مقاتل" 224/ ب.]]، ومجاهد [["تفسير الإمام مجاهد" 694، "جامع البيان" 30/ 2، " الكشف والبيان" ج: 13/ 25/ أ، "النكت والعيون" 6/ 182، "معالم التنزيل" 4/ 436 وعزاه إلى مجاهد والأكثرين من المفسرين، "المحرر الوجيز" 5/ 423، "زاد المسير" 8/ 161، "تفسير القرآن العظيم" 4/ 492، "الدر المنثور" 8/ 390 وعزاه إلى عبد بن حميد، وابن المنذر، وعبد الرزاق، ولم أجده عنده.]]، وقتادة [["تفسير عبد الرزاق" 2/ 342، "المحرر الوجيز" 5/ 423، "زاد المسير" 8/ 161.]]، وسفيان [[لم أعثر على مصدر لقوله.]].
وقال أهل المعاني: النبأ العظيم: الخبر العظيم الشأن؛ وذلك أنه ينبئ عن التوحيد، وصفة الإله، وتصديق رسوله، والخبر عما يجوز، وعما لا يجوز، وعن البعث، والنشور، والنفخ في الصور، وقيام الناس من القبور [[لم أعثر على مصدر لقوله]].
وروي عن قتادة [["جامع البيان" 30/ 2، "النكت والعيون" 6/ 182، "معالم التنزيل" 4/ 436، "المحرر الوجيز" 5/ 423، "زاد المسير" 8/ 161، "الجامع لأحكام القرآن" 19/ 168، "تفسير القرآن العظيم" 4/ 492.]]، وابن زيد [[بمعناه في "جامع البيان" 30/ 2، "النكت والعيون" 6/ 182، وبمثله في "تفسير القرآن العظيم" 4/ 492.]] في (النبأ العظيم) أنه البعث، وهذا كقوله: ﴿قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ﴾ [ص: 67] الآية.
النبأ 78:3
قوله تعالى: ﴿الَّذِي هُمْ فِيهِ مُخْتَلِفُونَ﴾ فمن مصدق به ومكذب [[وهو قول قتادة، ومجاهد. انظر: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 342، "جامع البيان" 30/ 2، "الدر المنثور" 8/ 390.]]، وعلى هذا يجب أن يكون هذا الاختلاف بين الكافرين والمؤمنين؛ لأن المؤمنين صدقوا، والكافرين كذبوا.
وإن كان الاختلاف بين الكافرين في القرآن، فيكون معناه: أن بعضهم جعله سحرًا، وبعضهم قالوا: إنه أساطير [[الأساطير: هي الأباطيل، والأساطير: أحاديث لا نظام لها، واحدتها: إسطار، وإسطارة بالكسر، وأُسطير، وأُسطيرة، وأُسطور، وأسطورة. "لسان العرب" 4/ 63: (سطر).]] الأولين، وبعضهم جعله. كَهانة [[الكهانة: الكاهن: الذي يتعاطى الخبر عن الكائنات في مستقبل الزمان، ويدعي معرفة الأسرار، وحرفته: الكهانة. "لسان العرب" 13/ 362 (كهن).]]، على ما ذكرنا في قوله: ﴿الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ﴾ [[ومما جاء في تفسيرها: (ذكر أهل اللغة في واحد عضين قولين: أحدهما: أن واحدها عضه، وأصلها عضوه من عضيت الشيء إذا مزقته، وكل قطعة عِضة، والتعضية التجزئة والتفريق. قال ابن عباس في قوله: (جعلوا القرآن عضين) يريد جزؤوه أجزاء، فقالوا: سحر، وقالوا: أساطير الأولين، وقالوا: مفترى.
القول الثاني: إنها عضه، وأصلها: عضهه، فاستثقلوا الجمع بين هاتين، فقالوا: عضه، وهي من العضه بمعنى الكذب".]] [الحجر: 91].
قال مقاتل: (فأوعد الله من كذب بالقرآن، فقال:
النبأ 78:4
قوله تعالى: ﴿كَلَّا سَيَعْلَمُونَ (4) ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ﴾ وعيد على أثر وعيد) [[ما بين القوسين من قول مقاتل. "تفسير مقاتل" 224/ ب.]]، ونحو هذا قال عطاء [[لم أعثر على مصدر لقوله.]]، والكلبي [[لم أعثر على مصدر لقوله.]]، أن الآيتين وعيد للمشركين على معنى: سيعلمون عاقبة تكذيبهم حين تنكشف الأمور.
(والقراء على (الياء) في (سيعلمون) في الآيتين [[قرأ بذلك: نافع، وابن كثير، وأبو عمرو، وعاصم، وحمزة، والكسائي. انظر: "الحجة" 6/ 367، "القراءات وعلل النحويين فيها" 2/ 741. وانظر: "بحر العلوم" 3/ 438،"الكشف والبيان" ج: 13/ 26/ أ، "المحرر الوجيز" 5/ 423، "تفسير أبي العالية" 2/ 624، تح الورثان.]].
وروي بالتاء عن ابن عامر [[قرأ ابن عامر وحده بالتاء في الآيتين. انظر: "الحجة" 6/ 367، "القراءات وعلل النحويين فيها" 2/ 741. وانظر: "زاد المسير" 8/ 162، "فتح القدير" 5/ 363.]]، والوجه (بالياء)؛ لأن ما تقدم من قولهم: (هم فيه مختلفون) على لفظ الغيبة، و (التاء) على قل لهم ستعلمون) [[ما بين القوسين نقله عن أبي علي في "الحجة" 6/ 367 بتصرف.]].
وقال الضحاك: الآية الأولى للكفار، والثانية للمؤمنين [["جامع البيان" 30/ 3، "الكشف والبيان" ج: 13/ 26/ أ، "للنكت والعيون" 6/ 183، "معالم التنزيل" 4/ 436، "المحرر الوجيز" 5/ 423 - 424، "الجامع لأحكام القرآن" 19/ 169، "الدر المنثور" 8/ 390، وانظر: "القطع والائتناف" 2/ 780.]].
أي سيعلم الكفار عاقبة تكذيبهم، وسيعلم المؤمنون عاقبة تصديقهم، والقول هو الأول؛ لأن المراد بالتكرير تأكيد التهديد.
ومعنى (كلا) للنفي؛ لاختلافهم، لا اختلاف فيه.
قال الكلبي: هو رد على الذين كذبوا [[لم أعثر على مصدر لقوله.]].
وقال عطاء: يريد الذين لا يؤمنون [[لم أعثر على مصدر لقوله.]].
ثم ذكر صنعه ليعرفوا توحيده، فقال:
النبأ 78:5
قوله تعالى: ﴿كَلَّا سَيَعْلَمُونَ (4) ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ﴾ وعيد على أثر وعيد) [[ما بين القوسين من قول مقاتل. "تفسير مقاتل" 224/ ب.]]، ونحو هذا قال عطاء [[لم أعثر على مصدر لقوله.]]، والكلبي [[لم أعثر على مصدر لقوله.]]، أن الآيتين وعيد للمشركين على معنى: سيعلمون عاقبة تكذيبهم حين تنكشف الأمور.
(والقراء على (الياء) في (سيعلمون) في الآيتين [[قرأ بذلك: نافع، وابن كثير، وأبو عمرو، وعاصم، وحمزة، والكسائي. انظر: "الحجة" 6/ 367، "القراءات وعلل النحويين فيها" 2/ 741. وانظر: "بحر العلوم" 3/ 438،"الكشف والبيان" ج: 13/ 26/ أ، "المحرر الوجيز" 5/ 423، "تفسير أبي العالية" 2/ 624، تح الورثان.]].
وروي بالتاء عن ابن عامر [[قرأ ابن عامر وحده بالتاء في الآيتين. انظر: "الحجة" 6/ 367، "القراءات وعلل النحويين فيها" 2/ 741. وانظر: "زاد المسير" 8/ 162، "فتح القدير" 5/ 363.]]، والوجه (بالياء)؛ لأن ما تقدم من قولهم: (هم فيه مختلفون) على لفظ الغيبة، و (التاء) على قل لهم ستعلمون) [[ما بين القوسين نقله عن أبي علي في "الحجة" 6/ 367 بتصرف.]].
وقال الضحاك: الآية الأولى للكفار، والثانية للمؤمنين [["جامع البيان" 30/ 3، "الكشف والبيان" ج: 13/ 26/ أ، "للنكت والعيون" 6/ 183، "معالم التنزيل" 4/ 436، "المحرر الوجيز" 5/ 423 - 424، "الجامع لأحكام القرآن" 19/ 169، "الدر المنثور" 8/ 390، وانظر: "القطع والائتناف" 2/ 780.]].
أي سيعلم الكفار عاقبة تكذيبهم، وسيعلم المؤمنون عاقبة تصديقهم، والقول هو الأول؛ لأن المراد بالتكرير تأكيد التهديد.
ومعنى (كلا) للنفي؛ لاختلافهم، لا اختلاف فيه.
قال الكلبي: هو رد على الذين كذبوا [[لم أعثر على مصدر لقوله.]].
وقال عطاء: يريد الذين لا يؤمنون [[لم أعثر على مصدر لقوله.]].
ثم ذكر صنعه ليعرفوا توحيده، فقال:
النبأ 78:6
قوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا﴾ أي فراشاً، وبساطاً، ووطاء [[وطأ: وطئ الأرض، ونحوها، يطأ، ووطُؤ الموضع، صار وطيئاً. انظر: مختار "الصحاح" 727 (وطأ). وطئته برجلي، أطؤه وطأ: علوته. انظر: "المصباح المنير" 2/ 829 (وطئ).]].
(والمعنى: ذللناها للخلق حتى سكنوها، وساروا في مناكبها) [[ما بين القوسين نقله عن الزجاج. انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 5/ 272.]].
النبأ 78:7
﴿وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا﴾ أي للأرض حتى لا تميد بأهلها.
النبأ 78:8
﴿وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا﴾ (أصنافاً: ذكراناً وإناثاً، وقيل: ألواناً) [[ما بين القوسين نقله عن الزجاج. المرجع السابق. وقد أورد الثعلبي بنحوه، قال: "أصنافاً: ذكوراً وإناثاً". "الكشف" ج: 13/ 26/ أ.]].
النبأ 78:9
﴿وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا﴾ قال الليث: السبات: النوم، شبهُ غَشْية، يقال: سُبّت المريض، فهو مَسبوت [["تهذيب اللغة" 2/ 387 (سبت). وانظر: "التفسير الكبير" 31/ 7.]].
قال مقاتل: سباتاً لكل ذي عين، والنائم مسبوت لا يعقل، كأنه ميت [["تفسير مقاتل" 224/ ب.]]، وهذا قول أبي عبيدة [["مجاز القرآن" 2/ 282، وعبارته: (ليس بمرت رجل مسبوت فيه روح).]]، والمبرد [[لم أعثر على مصدر لقوله.]]، جعلا في معنى السبات الغشية التي تغشى الإنسان شبه الموت، وليس بموت؛ لأنه لم تفارقه الروح.
قال المبرد: أي جعلنا نومكم يَخرجون منه إلى انتباه، تقول العرب: رجل مسبوت، إذا كان النوم يغالبه، وهو يدافعه، ولا يزال النوم يغلبه وينتبه [[لم أعثر على مصدر لقوله.]].
وقال ابن الأعرابي: في قوله: (سباتاً) أي قطعاً، والسَّبت: القطع، كأنه إذا نام فقد إنقطع عن الناس [["تهذيب اللغة" 12/ 386 (سبت)، وانظر: "لسان العرب" 2/ 37 (سبت).]].
وقال أبو إسحاق: السُّباتُ: أن ينقطع عن الحركة، والروح في بدنه، أي جعلنا نومكم راحة لكم [["معاني القرآن وإعرابه" 5/ 272 بنصه.]].
واختار هذا القول ابن قتيبة، قال: معناه: جعلنا النوم راحة لأبدانكم، ومنه قيل: يوم السبت يوم الراحة، قيل لبني إسرائيل: استريحوا في هذا اليوم، فلا تعملوا شيئاً [["تأويل مشكل القرآن" 79 - 80 نقله عنه مختصرًا، وانظر: "تفسير غريب القرآن" 508.]].
وأنكر ذلك ابن الأنباري، وقال: لا يقال للراحة سبات، ولا يقال: سبت بمعنى استراح، ومعنى الآية: وجعلنا نومكم قطعاً لأعماركم؛ لأن أصل السبت القطع [["تهذيب اللغة" 12/ 386 - 387 (سبت)، وانظر: "الجامع لأحكام القرآن" 19/ 169.
وما مضى من الأقوال تتناول المعنى اللغوي، فالسبت لغة يطلق على: السبت: من الأيام، وأيضًا برهة من الدهر، والسبت: القطع، والسُّبات: من النوم شبه الغشية، والمسبوت: الميت، والمغشي عليه، والسُّبات: النوم، وأصله الراحة. انظر: "تهذيب اللغة" المرجع السابق، "لسان العرب" 2/ 37 - 39 (سبت).]].
النبأ 78:10
﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا﴾ قال عطاء: يريد لتسكنوا فيه، وتأووا إليه [[لم أعثر على مصدر لقوله.]]، ونحو هذا قال مقاتل: يعني سكن، كقوله: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: 187] [[لم أعثر على مصدر لقوله.]].
قال أبو إسحاق: أي يسكنون فيه، وهو مشتمل [عليكم] [[في (أ): عليه والمثبت من المعاني.]].
وقال أهل المعاني: إنما سمي الليل لباساً لأنه يلبس كل شيء بظلمته [["معاني القرآن وإعرابه" 5/ 272 بتصرف يسير.]].
ستر اللباس من الثوب، ومنه قول ذي الرمة:
فلمَّا لبسْن الليلَ أو حينَ نصَّبتْ ... له مِنْ خذا آذانها وَهْوَ جانِحُ [[ورد البيت في "ديوانه" 2/ 897، "جامع البيان" 30/ 3.
ومعناه: لبسن الليل: أي دخلن فيه، وقوله: أو حين نصبت له من خذا آذانها: يريد نصبت آذانها لبرد الليل، كانت قد خفضتها، كانت منكبات الرؤوس، ثم رفعت رؤوسها، ونصبت آذانها في ذا الوقت. حين جنح الليل، أي: دنا، والخذا الاسترخاء. "ديوانه" 897 - 898.]]
فجعل الليل يلبس، وإذا لبس فهو لباس، واللباس ساتر، وكذا الليل ساتر بظلمته كل شيء [[لم أعثر على مصدر لقولهم، وقد أورد الطبري معنى قول أهل المعاني. انظر: "جامع البيان" 30/ 3.]].
النبأ 78:11
﴿وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا﴾ يقال: عاش يعيش عيشاً، ومعاشاً، ومعيشة، وعيشة، ومعنى المعاش: المطعم والمشرب، وما يكون به الحياة، وكل شيء يعاش به فهو معاش [["تهذيب اللغة" 3/ 59 (عيش)، وانظر: "لسان العرب" 6/ 321 (عيش).]].
ومعنى المعاش -هاهنا- المنصرف للعيش، ولهذا قال سفيان: مبتغى [[لم أعثر على مصدر لقوله.]].
وقال عطاء: يريد يبتغون فيه من فضل الله ربكم، وما قسم لكم فيه من رزقه [[لم أعثر على مصدر لقوله. وقد وردت في "الوسيط" برواية عطاء عن ابن عباس:]].
وقال مقاتل: يعني لطلب المعيشة [[ورد بمعناه في "تفسير مقاتل" 224/ ب.]].
والمعنى: مكناكم في النهار للتصرف في المعاش، ولابد من تقدير حذف المضاف؛ لأن المعنى: وجعلنا النهار مبتغى معاش، أو طلب معاش.
النبأ 78:12
﴿وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا﴾ يريد سبع سموات غلظ كل واحدة مسيرة خمس مائة عام.
النبأ 78:13
قوله تعالى: ﴿سِرَاجًا وَهَّاجًا﴾ قال أبو عبيدة [["مجاز القرآن" 2/ 282.]]، والمبرد [[لم أعثر على مصدر لقوله.]]: الوهاج: الوقاد، وهو الذي له وهج، يعني بها الشمس، ويقال لحر الشمس والنار: وهج [[قال الليث: الوَهج: حر النار والشمس من بعيد، وقد توهجت النار ووهجت. "تهذيب اللغة" 6/ 354 (وهج)، وانظر: "لسان العرب" 2/ 401 (وهج).]].
قال الفراء: وهجت تهج وهجاً، ووهجاً، ووهجاناً [[لم أعثر على مصدر لقوله.]].
قال ابن عباس: وقاداً [[لم أعثر على مصدر لقوله.]].
وقال الكلبي عنه: مضيئاً [["جامع البيان" 30/ 4، "زاد المسير" 8/ 162.]].
وجمع بينهما مقاتل فقال: جعل فيهما نوراً وحراً [["تفسير مقاتل" 224/ ب بمعناه، "معالم التنزيل" 4/ 437، "فتح القدير" 5/ 364.]].
وقال مجاهد [["تفسير الإمام مجاهد" 694، "جامع البيان" 30/ 4 بنحوه، "النكت والعيون" 6/ 184، "الدر المنثور" 8/ 391 وعزاه إلى الفريابي، وعبد بن حميد، وابن المنذر.]]، وقتادة [[لم أعثر على مصدر لقوله.]]: متلألئاً.
(والوهج: يجمع النور والحر، ويقال للجَوْهر إذا تلألأ: توَهَّج) [[ما بين القوسين نقله عن "تهذيب اللغة" 6/ 354 (وهج)، وانظر: "لسان العرب" 2/ 401 (وهج).]] ومنه قول الشاعر يصف النَّوْر:
نوارها متباهج يتوهج [[لم أجد من نسب البيت لقائل معين فيما اطلعت عليه من المصادر، وقد ورد تحت (بهج) في "تهذيب اللغة" 6/ 64، "لسان العرب" 2/ 216، "تاج العروس" 2/ 10، وجممعها برواية "نواره" بدلاً من "نوارها". وانظر: "التفسير الكبير" 31/ 9.]]
النبأ 78:14
قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجًا﴾ قال مجاهد [["تفسير الإمام مجاهد" 694، "جامع البيان" 30/ 5، "الكشف والبيان" == 13/ 260 أ، "معالم التنزيل" 4/ 437، "زاد المسير" 8/ 163، "التفسير الكبير" 9/ 31، "الجامع لأحكام القرآن" 19/ 170، "تفسير القرآن العظيم" 4/ 493، "الدر المنثور" 8/ 391 وعزاه إلى عبد بن حميد، وابن المنذر، والفريابي، "فتح القدير" 5/ 364.]]، ومقاتل [["تفسير مقاتل" 225/ ب، وانظر: المراجع السابقة عدا تفسير مجاهد، و"جامع البيان"، و"الجامع لأحكام القرآن".]]، وقتادة [[المراجع السابقة جميعها، وانظر: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 342، وعزاه صاحب الدر للخرائطي في مكارم الأخلاق.]]: يعني الرياح.
قال الأزهري: سميت الرياح مُعْصِرات: إذا كانت ذوات أعاصير، واحدها: إعصار [["تهذيب اللغة" 2/ 15 (عصر)، نقله عنه بتصرف.]].
و (من) على هذا القول قامت مقام (الباء) كأنه قال: وأنزلناها بالمعصرات [[وبه قال الثعلبي في "الكشف والبيان" 13/ 26 أ. وضعف هذا القول ابن منظور في "لسان العرب" 4/ 578: (عصر).]].
[وقال] [[في (أ): وقاله.]] عطاء [[لم أعثر على مصدر لقوله.]]، ومقاتل [[ورد معنى قوله في "تفسير مقاتل" 225/ أ، كما ورد قوله في "الكشف والبيان" 13/ 26/ أ، "معالم التنزيل" 4/ 437، "زاد المسير" 8/ 163، "التفسير الكبير" 31/ 9، "تفسير القرآن العظيم" 4/ 493، "فتح القدير" 5/ 364.]]:
إن (تلك) [[في (أ): ذلك.]] ريح تجلب المطر.
وقال أبو العالية [[المراجع السابقة بالإضافة إلى "المحرر الوجيز" 5/ 424، "الجامع لأحكام القرآن" 19/ 170، "البحر المحيط" 8/ 411، "تفسير أبي العالية" 2/ 625؛ رسالة ماجستير غير منشورة، تح: الورثان.]]، والربيع [[المراجع السابقة بالإضافة إلى: "جامع البيان" 30/ 5، "النكت والعيون" 6/ 184.]]: هي السحاب.
واختلفوا في معنى تسمية السحاب، ووصفها بالمعصرات.
قال الفراء: السحابة المعصر التي تتحلب بالمطر، ولما تجتمع، مثل الجارية المعصر، قد كادت تحيض، ولما تَحِضْ [[لم أعثر على قوله في "معاني القرآن"، ولكن وجدته في "تهذيب اللغة" 2/ 16: (عصر)، و"لسان العرب" 4/ 578 (عصر).]].
قال الأزهري: وأهل اللغة في الجارية المعصر على خلاف ما [ذكره الفراء] [[ما بين المعقوفين ساقط من: أ، وأثبت ما رأيته أنه يستقيم به المعنى وينتظم الكلام، وقد بين الأزهري في "تهذيب اللغة" 2/ 17، (عصر) أن أهل اللغة على خلاف، وما قاله الفراء في معنى "المعصر" ففهم أن الساقط من الكلام ما أثبته. والله أعلم.]].
قال أبو عبيد عن أصحابه: إذا أدركت الجارية فهي معصر، وأنشد [[الرجز لمنظور بن مرثد الأسدي، ونسبه في "الدر" لأبي النجم العجلي 6/ 462، ولم أجده في ديوان أبي النجم.]]:
قَدْ أعْصَرَتْ أوْ قَدْ دَنا إعْصَارُها [[تمام الرجز:
جارية بسفوان دارها
تمشي الهوينى مائلاً خمارها
معصرة أو قد دنا إعصارها
وقد ورد في "تهذيب اللغة" 2/ 17 (عصر)، "لسان العرب" 4/ 576.]] وقال الكسائي: المعصر التي قد راهقت العشرين [["تهذيب اللغة" 2/ 17، (عصر) ..]].
وقال ابن الأعرابي: المعْصِر: ساعةَ تطمُث؛ لأنها تُحبس في البيت يجعل لها عَصراً، قال: وكل حِصن يتحصَن به فهو عَصَر [[المرجع السابق.]].
وقال غير الفراء: إنما قيل للسحابة معصر تشبيهاً بالجارية المعصر لانعصار دم حيضتها، ونزول ماء تريبتها للجماع، يقال: اعتصرت الجارية إذا بلغت هذه الحالة [[المرجع السابق.]].
وقال أبو إسحاق: المعصرات: السحائب؛ لأنها تعصر الماء.
وقيل: معصرات كما يقال: أجزَّ [[أجز، وجزَّ الزرع: حان أن يزرع. "لسان العرب" 5/ 321 (جز).
وفي مختار "الصحاح" جَزَّ البُرَّ، والنَّخْل، والصوف من باب ردَّ، و"المجز": بالكسر ما يجز به، وهذا زمن "الجزاز" بفتح الجيم وكسره، أي زمن الحصاد، وصرام النخل، و"أجز" البُرُّ، والنَّخل، والغنم: حان له أن يُجَزَّ. 102 - 103.]] الزرع أي صار إلى أن يجز، وكذلك صار المطر إلى أن يمطر فيعصر [["معاني القرآن وإعرابه" 5/ 272 بتصرف يسير.]].
وقال المبرد: من قال في المعصرات إنها السحاب فمعناه: أنها ممسكات الماء من العصر، وهو الملجأ الذي يمنع اللاجئ إليه، وكذلك العصر، والمعتصر [[بمعناه في "الجامع لأحكام القرآن" 19/ 171.]].
وقال المازني [[تقدمت ترجمته في سورة البقرة.]]: أعصرت السحابة إذا ارتفع لها غبار شديد، وهو الإعصار [[لم أعثر على مصدر لقوله.]].
وعلى هذا: يجوز أن تكون المعصرات ذوات الأعاصير من السحاب.
واختار الأزهري أن تكون المعصرات في هذه الآية بمعنى السحاب. قال: وهو أشبه بما أراد الله عَزَّ وَجَلَّ؛ لأن الأعاصير من الرياح ليست من رياح المطر، وقد وصف الله المعصرات بالماء الثجاج [["تهذيب اللغة" 3/ 16 (عصر) نقله عنه بتصرف يسير، وانظر: "لسان العرب" 4/ 578 (عصر).]].
وقال البعيثُ [[تقدمت ترجمته في سورة القلم.]] في المعصرات، فجعلها سحائب ذوات مطر:
وذي أُشُر كأقحوان تشوفُه ... ذهابُ الصبا والمعصرات الدوالح [[ورد البيت في (عصر) في "تهذيب اللغة" 2/ 16، "لسان العرب" 4/ 578.]]
والدوالح: من نعت السحاب، لا من نعت الرياح، وهي التي أثقلها الماء [[هذا البيان لمعنى البيت من قول الأزهري، وتتمته: (قال: وهي التي أثقلها الماء، فهي تَدْلَح أي تمشي مشي المثقل، والذهاب: الأمطار. "تهذيب اللغة" 3/ 16 - 17.]]) [[ما بين القوسين نقله عن "تهذيب اللغة". المرجع السابق.]].
وقوله: ﴿ثَجَّاجًا﴾ الثج: شدة الانصباب، يقال: مطر ثجاج، ودم ثجاج أي: صباب [[انظر: مادة (ثج) في "مقاييس اللغة" 1/ 367، "لسان العرب" 2/ 221.]].
قال الأزهري: يقال: ثججته الماء، وأثججته فثج يثج، وقد ثججته أثج، وثَجَّ الماء ثجاً، ومطر ثجوج إذا انصب، وماء ثجاج شديد الانصباب، وقد ثبت أن الثج يكون لازماً بمعنى الانصباب، ويكون واقعًا بمعنى انصب [["تهذيب اللغة" 10/ 472 (ثج).]].
والثجاج في هذه الآية: المتدفق المنصب. قاله قتادة [["تفسير عبد الرزاق" 2/ 342، "جامع البيان" 30/ 6، "زاد المسير" 8/ 163 هامش النسخة الأزهرية، وبمعناه في "معالم التنزيل" 4/ 437، "التفسير الكبير" 31/ 10، "تفسير القرآن العظيم" 4/ 493.]]، ومقاتل [["التفسير الكبير" 31/ 10، "زاد المسير" 8/ 163.]].
وقال أبو إسحاق: معنى ثجاج: صَبَّاب [["معاني القرآن وإعرابه" 5/ 272 بنصه]]، وعلى هذا هو من الثج الواقع، كأنه يثج نفسه، أي يصب.
النبأ 78:15
قوله تعالى: ﴿لِنُخْرِجَ بِهِ﴾، بذلك الماء.
﴿حَبًّا﴾، يعني: ما يأكله الناس من الحبوب.
﴿وَنَبَاتًا﴾، مما تنبته الأرض مما يأكله الأنعام.
النبأ 78:16
﴿وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا﴾، قال أبو عبيدة: ملتفة من الشجر، ليس بينها خلال [["مجاز القرآن" 2/ 282 بنصه.]].
قال الأخفش [["معاني القرآن" 2/ 727، قال: وواحدها: اللُّفُّ.]]، والكسائي [["التفسير الكبير" 31/ 10، "الجامع لأحكام القرآن" 19/ 172، "فتح القدير" 5/ 365.]]: واحدها: (لِفٌّ) بالكسر، وزاد الكسائي: (لُفٌ) بالضم.
وأنكر أبو العباس الكسر، وقال: لم يسمع شجرة (لَفٌّ)، ولكن واحدها: (لَفَّاء)، وجمعها (لُفٌّ)، وجمع (لُفّ) (أَلْفاف) [["تهذيب اللغة" 15/ 333 (لف).
والصواب في واحد (الألفاف) أن الألفاف جمع لَفّ، أو لفيف، وذلك أن أهل التأويل مجمعون على أن معناه: ملتفة، واللفاء هي الغليظة، وليس الالتفاف من الغلظ في شيء إلا أن يوجه إلى أنه غلظ الالتفاف، فيكون ذلك حينذ وجهاً. قاله الطبري: "جامع البيان" 30/ 7.]].
قال المفسرون: يعني: بساتين ملتفة النبات والشجر [[وإلى معنى هذا القول ذهب: ابن عباس، وقتادة، وسفيان الثوري، وابن زيد، قالوا: ملتفة بعضها ببعض. انظر: "جامع البيان" 30/ 7. وبه قال: الزجاج في "معاني القرآن وإعرابه" 5/ 272، والبغوي في "معالم التنزيل" 4/ 437، وابن عطية في "المحرر الوجيز" 5/ 425، وابن الجوزي في "زاد المسير" 8/ 163، والقرطبي في "الجامع لأحكام القرآن": 19/ 172.]].
قال أبو إسحاق: أعلم الله عَزَّ وَجَلَّ بما خلق أنه قادر على البعث فقال:
النبأ 78:17
قوله تعالى: ﴿إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتًا﴾ [[إلى الآية ينتهي قول أبي إسحاق "معاني القرآن وإعرابه" 5/ 272.]] يعني يوم القضاء بين الخلق كان ميقاتاً.
قال عطاء: يريد ميقاتاً للأنبياء والمرسلين [[لم أعثر على مصدر لقوله.]].
وقال غيره: يعني لما وعد من الثواب والعقاب [[قال بذلك: الماوردي في "النكت والعيون" 6/ 185 في أحد الوجهين.
وانظر هذا القول في "معالم التنزيل" 4/ 437، "زاد المسير" 8/ 163، "التفسير الكبير" 31/ 11، "الجامع لأحكام القرآن" 19/ 173.]].
النبأ 78:18
قوله تعالى: ﴿فَتَأْتُونَ أَفْوَاجً﴾ قال مجاهد [[بمعناه في "تفسير الإمام مجاهد" 694، "جامع البيان" 30/ 8.]]، ومقاتل [[لم أعثر على مصدر لقوله، وقد ورد في "الوسيط" 4/ 413 بمثل قوله من غير عزو.]]: زمراً زمرًا من كل مكان للحساب.
وقال عطاء: كل نبي يأتي معه أمَّته [[ورد قوله في "التفسير الكبير" 31/ 11.]].
النبأ 78:19
﴿وَفُتِحَتِ السَّمَاءُ﴾: لنزول الملائكة.
﴿فَكَانَتْ أَبْوَابًا﴾: والآية من باب حذف المضاف؛ لأن التقدير: وكانت ذات أبواب.
النبأ 78:20
﴿وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ﴾: عن أماكنها.
﴿فَكَانَتْ سَرَابًا﴾: أي هباء منبثاً لعين الناظر، كالسراب بعد شدتها وصلابتها [[جاء بنحوه عن الطبري في "جامع البيان" 30/ 8.]].
النبأ 78:21
قوله تعالى: ﴿إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا﴾ قال الأزهري: المرصاد: المكان الذي يرصد الراصد فيه العدو نحو (المضمار) الموضع الذي يضمر فيه الخيل [["تهذيب اللغة" 12/ 137 (رصد).
وقال ابن فارس: (رصد: أصل واحد، وهو التهيُّؤ لِرقبة شيء على مَسْلكه، ثم يحمل على ما يشاكله، يقال: أرصدت له كذا، أي هيأته له، كأنك جعلته على مَرصده، رصدته، أرصده، أي ترقبته، وأرصدت له، أي أعددت، والمرصد: موقع الرَّصد، والرَّصد: القوم يرصدون، والرصد: الفِعل).
"مقاييس اللغة" 2/ 400 (رصد).]].
وقال المبرد: مَرصاداً محلاً يرصد، أي هو معد لهم [[بمعناه ورد في "زاد المسير" 8/ 164.]].
والمرصاد -على هذا- المكان والمحل الذي يرصد به، أي هو معد لهم، وجهنم مرصاد يرصد به خزنتها الكفار.
قال أبو إسحاق: يَرْصُدُ أهل الكفر، ومن حق عليه العذاب [["معاني القرآن وإعرابه" 5/ 273 بنصه.]]، وهو قول الحسن قال: يرصدهم والله [[لم أعثر على مصدر لقوله.]].
وعلى هذا يجوز أن يكون المرصاد مفعالاً من الرصد، وهو الترقب.
بمعنى: ذلك يكثر منه، والمفعال من أبنية المبالغة، كالمعطار، والمعمار، وهو لمن دام منه الفعل) [[ما بين القوسين انظر فيه: كتاب ما تلحن فيه العامة لأبي الحسن علي بن حمزة الكسائي: 124.]].
ثم بين أنها مرصاد لمن، فقال: ﴿لِلطَّاغِينَ﴾ قال ابن عباس [["زاد المسير" 8/ 164.]]، ومقاتل [[بمعناه في "تفسير مقاتل" 225/ ب، "الكشف والبيان" ج: 13/ 27/ ب.]]: يريد للمشركين الضالين.
وقوله: ﴿مَآبًا﴾ بدل من قوله: (مرصاداً).
النبأ 78:23
قوله تعالى: ﴿لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا﴾
وقرأ حمزة (لبثين فيها) [[وقرأ الباقون: (لابثين) بألف، وحجتهم: مجيء المصدر على (اللُّبْث) يدل على أنه من باب: شرب يشرب، ولقِم يلقَم، فهو: شارب، ولا قم. وليس من باب: فرق يفرق، ولو كان منه لكان المصدر مفتوح العين، فلما سكّن وقيل: اللُّبْث.= وجب أن يكون اسم الفاعل (فاعلاً) لما كان اللُّبْث كاللقم.
انظر: "الحجة" 6/ 369، "حجة القراءات" 746، "الكشف" 2/ 359، "تحبير التيسير" 196، "المهذب" 2/ 32.]]، .......
وهما بمعنى واحد [[لبث: أصل يدل على تَمكُّث، يقال: لَبِثَ بالمكان أقام، واللَّبْث واللباث: الْمُكْثُ. وقد لَبِث يَلْبثُ لَبْثاً -على غير قياس-، فهو لابِثٌ، ولَبِثٌ. انظر (لبث) في "مقاييس اللغة" 5/ 228، "الصحاح" 1/ 291.]]، يقال: لابث، ولبث، مثل: طامِع، وطَمِعَ، وفارَه، وفره، وهو كثير. قاله الفراء [["معاني القرآن" 3/ 228.]]، والزجاج [["معاني القرآن وإعرابه" 5/ 273، وعبارته: (وَلَبثين: يقال: لبث الرجل، فهو لابث، ويقال: هو لبث بمكان كذا، أي صار اللبث شأنه).]].
وقوله: ﴿أَحْقَابًا﴾ (واحدها: حُقُب، وهو ثمانون سنة -عند أهل اللغة-، والحقب: السنون، واحدها: حِقْبة، وهي زمان من الدهر لا وقت له) [[ما بين القوسين نقله عن الأزهري من "تهذيب اللغة" 4/ 73 (حقب)، وقد تضمن قولي الليث والكسائي. وانظر أيضًا المعنى اللغوي في (حقب) في "مقاييس اللغة" 2/ 89، "الصحاح" 1/ 114، "لسان العرب" 1/ 326.]]، ومنه قول متمم [[تقدمت ترجمته في سورة يوسف.]]:
وكنَّا كَنَدْمانَيْ جّذِيمَةَ حِقْبَةً ... من الدَّهْرِ حتَّى قيلَ أنْ يَتَصّدَّعا [[ورد البيت في "المفضليات": تح: شاكر: 535 برواية: (لن يتصدعا)، ديوان "المفضليات" للضبي (535) برواية: (لن يتصدعا)، "جامع البيان" 30/ 10.]].
وذكرنا تفسير الحقب عند قوله: ﴿أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا﴾ [الكهف: 60].
قال عطاء عن ابن عباس [["جامع البيان" 30/ 11 مختصرًا جداً، "التفسير الكبير" 31/ 14، "الجامع لأحكام القرآن" 19/ 176، "الدر المنثور" 8/ 395 مختصرًا.]]، ومقاتل في قوله: (حقباً): الحقب الواحد بضع وثمانون سنة، والسنة: ثلاث مائة يوم وستون يوماً، اليوم: ألف سنة من أيام الدنيا [["التفسير الكبير" 31/ 14.]].
وروي عن علي أنه سأل هلالاً الهجري: ما تعدون الحقب فيكم؟ قال: نجده في كتاب الله مائة سنة، والسنة: اثنا عشر شهراً، والشهر: ثلاثون يوماً، واليوم: ألف سنة [["زوائد الزهد" لابن المبارك 90 ح: 318، "تفسير عبد الرزاق" 2/ 342 بنحوه، وبرواية: ثمانون بدلاً من مائة، "جامع البيان" 30/ 11، بمثل رواية "تفسير عبد الرزاق"، "الكشف والبيان" 13/ 28/ أ، "معالم التنزيل" 4/ 438 مختصرًا، "المحرر الوجيز" 5/ 426، "التفسير الكبير" 31/ 14، "تفسير القرآن العظيم" 4/ 494 برواية: ثمانون سنة، وكذا في "الدر المنثور" 8/ 395 وعزاه إلى الفريابي، وهناد، وعبد بن حميد، وابن المنذر، و"فتح القدير" 5/ 367.]].
وقال قتادة: الحقب ثمانون سنة من سني الآخرة [["تفسير عبد الرزاق" 2/ 342، "جامع البيان" 30/ 11، "الدر المنثور" 8/ 394 وعزاه إلى عبد بن حميد، وابن المنذر.]].
وقال الحسن: الأحقاب لا يدري أحد ما هي، ولكن الحقب الواحد سبعون ألف سنة، اليوم منها كألف سنة مما تعدون [["الكشف والبيان" ج 13/ 28/ ب، "جامع البيان" 30/ 11 - 12، "النكت والعيون" 6/ 186 مختصرًا، "المحرر الوجيز" 5/ 426 مختصرًا، "التفسير الكبير" 31/ 14، "الجامع لأحكام القرآن" 19/ 176، "تفسير القرآن العظيم" 4/ 494 مختصرًا، "الدر المنثور" 8/ 394 وعزاه إلى عبد حميد، وانظر: "تفسير الحسن البصري" 2/ 389.]].
ونحو هذا قال الفراء [["معاني القرآن" 3/ 228 مختصرًا.]]، والزجاج [["معاني القرآن وإعرابه" 5/ 273.]] في الحقب: (أنه ثمانون سنة، كل يوم منها مقدار ألف سنة من سني الدنيا.
فإن قيل: الأحقاب وإن طالت، فإنها إلى انتهاء، وقد أخبر الله تعالى أنهم خالدون في النار؟ قيل: ليس في الأحقاب ما يدل على غاية، وإنما يدل على الغاية التوقيت، كقولك: خمسة أحقاب، أو عشرة أحقاب، فالمعنى: أنهم يلبثون فيها أحقاباً، كلما مضى حقب تبعه حقب آخر) [[ما بين القوسين: من قول الفراء، وقد ذكره الأزهري في "تهذيب اللغة" 4/ 73، وذكر أيضًا في حاشية "معاني القرآن" 3/ 228، وانظر أيضًا "لسان العرب" 1/ 326 (حقب).]].
وهذا معنى قول الحسن: لم يجعل الله لأهل النار مدة؛ بل قال: (أحقاباً)، فوالله ما هو إلا أنه إذا مضى حقب دخل آخر، كذلك إلى الأبد [["الكشف والبيان" ج 13/ 28/ أ - ب.]].
وقال أبو إسحاق: المعنى أنهم يلبثون أحقاباً لا يذوقون في الأحقاب برداً، ولا شراباً، وهم خالدون فيها أبداً، كما قال الله تعالى [[أي في قوله تعالى: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [التوبة: 68]، وقد استشهد الزجاج بهذه الآية على قوله.]] [["معاني القرآن وإعرابه" 5/ 273.]].
وعلى هذا: الأحقاب توقيت لنوع من العذاب، وهو [مدمهم] [[غير مقروءة في (أ)، ولعلها [منهم].]] البرد، والشراب، لا لمقدار اللبث [[قال القرطبي -بعد عرضه للأقوال في معنى الأحقاب وتحديده- "هذه الأقوال متعارضة، والتحديد في الآية للخلود يحتاج إلى توقيف يقطع العذر، وليس ذلك بثابت عن النبي -ﷺ-، وإنما المعنى -والله أعلم- أي لابثين فيها أزماناً ودهوراً كلما مضى زمن يعقبه زمن، ودهر يعقبه دهر، هكذا أبد الآبدين من غير انقطاع" "الجامع لأحكام القرآن" 19/ 177. وهذا معنى قول الحسن. كما ذهب الشوكاني أيضًا إلى أن المقصود بالآية التأبيد لا التقييد. "فتح القدير" 5/ 366.]].
وقال الأزهري: والقول ما قاله الزجاج، وهو بين لا ثواب فيه [[لم أعثر على مصدر لقوله.]].
النبأ 78:24
قوله تعالى: ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا (24)﴾ يجوز أن يكون الضمير في قوله: (فيها) لجهنم [[وعليه يكون الكلام مستأنفاً مبتدأ. انظر: "التفسير الكبير" 31/ 15.]].
ويجوز أن يكون للأحقاب [[عن الكرماني: عود الضمير إلى الأحقاب من غريب التفسير. "غرائب التفسير" 2/ 1297.]] على ما قاله أبو إسحاق [["معاني القرآن وإعرابه" 5/ 273.]].
وأما (البرد) فقال عطاء عن ابن عباس: يريد النوم، و (لا شراباً) يريد الماء [["معالم التنزيل" 4/ 483 مختصرًا، "الجامع لأحكام القرآن" 19/ 178.]].
وقال مقاتل: لا يذوقون في جهنم برداً ينفعهم من حرها ، ولا شراباً ينفعهم من عطشها [[وبمعناه في "تفسير مقاتل" 225/ ب، "معالم التنزيل" 4/ 438، "زاد المسير" 8/ 165.]].
وذكر الكلبي القولين في البرد [[لم أعثر على مصدر لقوله.]].
قال الفراء: وإن النوم ليبرد صاحبه، وإن العطشان لينام فيبرد بالنوم [["معاني القرآن" 3/ 228 بنصه.]]، وهو قول أبي عبيدة [["مجاز القرآن" 2/ 282.]]، والمبرد [["التفسير الكبير" 31/ 15.]] في البرد: إنه النوم في هذه الآية، وأنشد [[امرؤ القيس.]]:
بردت مَراشِفُها عليَّ فصدني ... عنها وعن رشفاتها البرد [[ورد البيت في "النكت والعيون" 6/ 187 برواية: تقبيلها بدلاً من: رشفاتها. "التفسير الكبير" 31/ 15، "الجامع لأحكام القرآن" 19/ 187 برواية تقبيلها بدلاً من: رشفاتها. ولم أعثر عليه في ديوانه.]]
يعني النوم.
قال المبرد: ومن أمثال العرب: يمنع البرد البرد [[انظر: "الكشف والبيان" ج: 13/ 29/ أ.]]، أي أصابني من البرد ما يمنعني النوم [["التفسير الكبير" 31/ 15.]]، وأنشد للعَرْجي [[العَرْجي هو: عبد الله بن عمر بن عمرو بن عثمان بن عفان، وكان ينزل بموضع قِبل الطائف يقال له: العرج، فنسب إليه، وهو أشعر بني أمية، حبسه محمد بن هشام، فمات في حبسه. انظر: "ديوانه" (7)، "خزانة الأدب" 1/ 98، "الشعر والشعراء" 381، العرجي وشعر الغزل في العصر الأموي: لوليم نقولا (103)، "الأغاني" 1/ 147.]]: فإن شِئْتِ حرَّمْتُ النِّساءَ سواكُمُ ... وإنْ شِئْتِ لم نطعمْ نُقاحاً ولا بَرْدا [[ورد البيت في "ديوانه" 109 برواية: أحرمت، وأطعم. وانظر: "تهذيب اللغة" 14، 15 (برد)، "لسان العرب" 3/ 85.]]
قال [[أي الزهري.]]: النقاخ: الماء العذب، والبرد: النوم [["تهذيب اللغة" المرجع السابق.]].
وجعل أبو إسحاق البرد برد كل شيء له راحة، فقال: لا يذوقون فيها برد ريح، ولا ظل، ولا نوم [["معاني القرآن وإعرابه" 5/ 273 بتصرف يسير.
والقول: إن البرد هو النوم قد رده النحاس، قال: لأن البرد ليس باسم من أسماء النوم، وإنما يحتال فيه، فيقال للنوم برد؛ لأنه يهدئ العطش، ثم قال: والواجب أن يحمل تفسير كتاب الله عَزَّ وَجَلَّ على الظاهر والمعروف من المعاني، إلا أن يقع دليل على غير ذلك. ثم قال في معنى الآية: أي لا يذوقون فيها بردًا يبرد عنهم السعير. "إعراب القرآن" 5/ 131 - 132.]].
النبأ 78:25
قوله تعالى: ﴿إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا﴾ معنى تفسيره في سورة ص [[سورة ص: 57، قال تعالى: ﴿هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ﴾. ومما جاء في تفسير الحميم، والغساق -من هذه السورة-: (قال مقاتل: حميم: يعني الحار الذي قد انتهى حره، و"غساقاً" يعني البارد الذي قد انتهى برده، ينطلق بهم من الحر إلى البرد، فتتقطع جلودهم، ويحرق البارد كما يحرق الحار. وقال مجاهد: هو الذي لا يستطيعونه من برده. وقال ابن عباس: هو الزمهرير برده، يحرق كما يحرق النار. وقال الفراء: الغساق هو بارد يحرق حراق الحميم، وقال الزجاج نحواً منه. وذكر الأزهري أن الغاسق: البارد. وهناك تفسير ثانٍ لمعنى (غساق)، وهو أنه المنتن. قال به ابن بريدة، والليث. وقول ثالث في (الغساق) أنه ما سال من جلود أهل النار، والموافق للغة، يقال: غسقت عينه إذا انصبت، الغساق: الإنصاب).]]، والاستثناء من غير الجنس [[أي أنه استثناء منقطع، وهذا في قول من جعل البرد: النوم. انظر: "البيان في == غريب إعراب القرآن" لابن الأنباري 2/ 490.]].
قوله تعالى: ﴿جَزَاءً وِفَاقًا﴾ قال مقاتل: يقول وافق عذاب النار الشرك؛ لأنهما عظيمان، فلا ذنب أعظم من الشرك، ولا عذاب أعظم من النار [[ورد معنى قوله في "تفسير مقاتل" 225/ ب، "الكشف والبيان" 13/ 29/ أ، "معالم التنزيل" 4/ 439، "الجامع لأحكام القرآن" 19/ 179.]]. وهذا معنى قول مجاهد: وافق الجزاء العمل [[تفسير الإمام مجاهد 695، "جامع البيان" 30/ 15.]].
قال الزجاج: أي جُوزوا جزاء وفق أعمالهم [["معاني القرآن وإعرابه" 5/ 274 نقله عنه بإضافة (جزاء).]].
قال الأخفش: يقول: وافق أعمالهم وفاقاً، كما تقول: قاتل قتالاً [["معاني القرآن" 2/ 727 بمعناه.]].
وعلى هذا: (وفاقاً) ينتصب انتصاباً [[أي أن (وفاقاً) مصدر فعله مضمر، أي فوافق عملهم وفاقاً. انظر: "غرائب التفسير" 2/ 1297.]]، ويجوز أن يكون نعتاً لقوله: (جزاء)، ويكون معنى (وفاقاً) موافقاً.
ثم أخبر عنهم فقال:
النبأ 78:27
﴿إِنَّهُمْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ حِسَابًا﴾ لا يخافون أن يحاسبوا. قاله مقاتل [["تفسير مقاتل" 225/ ب، "التفسير الكبير" 31/ 17.]]، والمفسرون [[قال بذلك: قتادة، ومجاهد. انظر: "جامع البيان" 30/ 16، "النكت والعيون" 6/ 187، "الدر المنثور" 8/ 397. وحكى القول عن المفسرين ابن الجوزي في "زاد المسير" 8/ 165. وبه قال الثعلبي في "الكشف والبيان" ج 13/ 29/ أ، والبغوي في "معالم التنزيل" 4/ 439، وعزاه ابن عطية إلى أبي عبيدة في "المحرر الوجيز" 5/ 427.]].
وقال الزجاج: معناه لا يؤمنون بالبعث، ولا بأنهم محاسبون فيرجون ثواب حسناتهم [["معاني القرآن وإعرابه" 5/ 274 بيسير جداً من التصرف.]].
﴿وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾ قال ابن عباس: بما جاءت به الأنبياء [[لم أعثر على مصدر لقوله. وقد ورد في "الوسيط" بمثله من غير عزو 4/ 415.]].
﴿كِذَّابًا﴾ (تكذيباً، وفعال من مصادر التفعيل، وأنشد الزجاج:
لقد طال ما ريَّثْتِني عن صحابتي ... وعن حِوج قَضَّاؤُها من شِفائيا [[البيت لبعض بني كلاب. وقد ورد تحت مادة (قضى) في "لسان العرب" 15/ 188، و"تاج العروس" 19/ 299، وكلاهما برواية (ما لبثتني). وفي "جامع البيان" 30/ 16، "الكشف والبيان" ج 13/ 29/ أ، "البحر المحيط" 8/ 414، "روح المعاني" 30/ 16، وجميعها برواية (ما ثبطتني).]]
من قضيت قضاء) [[ما بين القوسين من قول الزجاج. انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 5/ 274 بتصرف.]].
وقال الفراء: هي لغة فصيحة يمانية [[يعني قراءة: (كذاباً) بالتشديد، وقد أجمع القراء على قراءة (كِذَّاباً) بتشديد الذال. انظر: "القراءات وعلل النحويين فيها" 2/ 742، "جامع البيان" 30/ 16.]]، وكل فعَّلتُ فمصدره في لغتهم: فِعَّال، نحو: خرَّقت القميص خِرَّاقاً، وقال لي أعرابي منهم [[أي من اليمن.]]: على المروة [[المروة: جبل بمكة مائل إلى الحمرة. "معجم البلدان" 5/ 116.]] يستفتيني الحلق أحب [إليك] [[في (أ): إلى، والمثبت من "معاني القرآن" 3/ 229.]] أم القصَّار [["معاني القرآن" 3/ 229 بنصه.]].
النبأ 78:29
قوله: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ﴾ قال أبو إسحاق: (كل) منصوب بفعل مضمرٍ تفسيره: (أحصيناه)، المعنى: وأحصيناه كل شيء [["معاني القرآن وإعرابه" 5/ 274 نقله عنه باختصار.]].
قوله: ﴿كِتَابًا﴾ (توكيد ل: (أحصيناه)؛ لأن معنى أحصيناه، وكتبناه واحد فيما يحصل ويثبت، فالمعنى: كتبناه كتابًا) [[ما بين القوسين من قول الزجاج نقله الواحدي بنصه انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 5/ 274 أي أنه منصوب على المصدر في قوله: (أحصيناه) مصدر أثبتناه وكتبناه، كأنه قيل: وكل شيء كتبنا كتاباً.
انظر: "جامع البيان" 30/ 17. وقيل: إنه منتصب على الحال؛ أي مكتوباً. انظر: "فتح القدير" 5/ 367، "روح المعاني" 30/ 17.]].
قال المفسرون [[حكاه من المفسرين أيضًا: ابن الجوزي في "زاد المسير" 8/ 166، وإليه ذهب البغوي في "معالم التنزيل" 4/ 439.]]: وكل شيء من الأعمال بيناه في اللوح المحفوظ، كقوله: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾ [يس: 12].
النبأ 78:30
قوله: ﴿فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَابًا﴾، أي فيقال لهم: ذوقوا جزاء ما كنتم تعملون، فلن نزيدكم إلا عذاباً.
قال الضحاك: هي أشد آية سمعها أهل النار، كلما استغاثوا من نوع العذاب أغيثوا بأشد منه [[لم أعثر على مصدر لقوله.]].
النبأ 78:31
قوله تعالى: ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا﴾ قال ابن عباس: يعني: الذين لم يجعلوا لله شريكاً [[لم أعثر على مصدر لقوله.]]، والمفاز: مصدر كالفوز، والمعنى: أن لهم فوزاً بالنجاة، ونجاة من النار، وهو معنى قول المفسرين [[قال بذلك: قتادة، ومجاهد. انظر: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 343، "جامع البيان" 30/ 17، "النكت والعيون" 6/ 188، "زاد المسير" 8/ 166، "تفسير القرآن == العظيم" 4/ 495، "الدر المنثور" 8/ 398، "تفسير الإمام مجاهد" 696، وبه قال الطبري في "جامع البيان" 30/ 17. وإلى هذا القول ذهب أيضًا: القرطبي في "الجامع لأحكام القرآن" 19/ 181، الخازن في "لباب التأويل" 4/ 348. وأصل الفاء، والواو، والزاي: كلمتان متضادتان، فالأولى: النجاة، والآخرة: الهلكة. انظر: "مقاييس اللغة" 4/ 459.]].
ثم فسر ذلك الفوز فقال: ﴿حَدَائِقَ وَأَعْنَابًا﴾ يعني أشجار الجنة وثمارها. ﴿وَكَوَاعِبَ﴾ جمع كاعب [[الكاعب هي: الجارية التي كَعَب ثدياها، وكعَّب بالتشديد، والتخفيف، والجمع: الكواعب. انظر (كعب) في "تهذيب اللغة" 1/ 325، "لسان العرب" 1/ 719.]]، وهي النواهد [[الناهد: نهد الثدي ينهد نُهودًا -بالضم-: إذا كعب وارتفع، يقال: نهد الثدي إذا ارتفع عن الصدر، وصار له حجم. "تاج العروس" 2/ 519 (نهد).]].
قال مجاهد [[لم أعثر على مصدر لقوله.]]، ومقاتل [[لم أعثر على مصدر لقوله. وقد قال بمثله ابن عباس كما في "جامع البيان" 30/ 18.]]: يعني: النواهد.
وقال الكلبي: المفلكات [[فَلَّك ثديُ الجارية تفليكًا، وتفلَّك: استدار. انظر: (ذلك) في "الصحاح" 4/ 1604، "لسان العرب" 10/ 478.]]، وهن اللواتي تكعبت ثديهن، وتفلكت [[لم أعثر على مصدر لقوله.]].
ومعنى تفسير الأتراب في سورة ص [[سورة -ﷺ- 52. قال تعالى: (وعندهم قاصرات الطرف أتراب) ومما جاء في تفسير أتراب قوله: (أتراب: جمع ترب، وهو اللِّدة. قال أبو عبيدة: أتراب: أسنانهن واحدة، قال ابن عباس، والمفسرون: (أتراب): مستويات على سن واحد، وميلاد واحد، بنات ثلاث وثلاثين. وقال مجاهد: أتراب: أمثال. وقال النحويون: أي هن في غاية الشباب والحسن).]].
﴿وَكَأْسًا دِهَاقًا﴾ قال الليث: أدهقت الكأس إذا ملأتها جداً [[ذكر الأزهري معنى هذا القول من غير نسبة قال: (وقال غيره: أدهقت الكأس إلى أضبارها، أي ملأتها إلى أعاليها. وعبارة الليث: أدهقتها: شددت ملأها، قال: والدَّهْدقة: دوران البضع الكثير في القدر إذا غلت، تراها تعلو مرة وتسفل أخرى). "تهذيب اللغة" 5/ 394 (دهق).]]، وكأس دهاق: ممتلئة [["تهذيب اللغة" المرجع السابق. وقال ابن فارس: (الدال، والهاء، والقاف: يدل على امتلاء في مجيء وذهاب، واضطراب، يقال: أدهقت الكأس ملأتُها). "مقاييس اللغة": 2/ 307 (دهق). وانظر: "النهاية في غريب الحديث والأثر" 2/ 145 (دهق).]].
وكذلك قال الكسائي [[بمعناه في "التفسير الكبير" 31/ 21، وعبارته: ممتلئة.]]، والمبرد [[المرجع السابق، وبنفس العبارة أيضًا.]]، قالوا: هي الملأى تطفح، وليس فيها فضل مخلى، وأنشد المبرد قوله:
ألا اسقني صرفاً سقاك الساقي ... من مائها بكأسة ماء الدهاق [[ورد البيت غير منسوب في "فتح القدير" 5/ 369. ولم أعثر على مصدر لقول المبرد فيما بين يدي من كتبه.]]
[وقال] [[ساقطة من: أ، وقد أثبت ما رأيت فيه استقامة المعنى.]] ابن عباس: الدهاق: الملأى المترعة التي إذا زدتها فاضت [[ورد قوله مختصرًا في "جامع البيان" 30/ 19، "زاد المسير" 8/ 166، "الجامع لأحكام القرآن" 19/ 181، "لباب التأويل" 4/ 348، "الدر المنثور" 8/ 398، "روح المعاني" 30/ 18. وانظر: "صحيح البخاري" 2/ 431، كتاب بدء الخلق: باب: 8، و"تفسير ابن عباس" للحميدي: 2/ 963. وانظر: "كتاب البعث" 207، رقم: 322.]].
قال [[في (أ): ابن، والصواب حذفها؛ لأن الرواية وردت بنصها عند الطبري: 30/ 18 عن مسلم، وليس ابن مسلم، وكذا في "الوسيط" 4/ 415.]] مسلم [[هو: مسلم بن نَسْطاس، روى عن عبيدة السلماني، وأبي البختري، وروى عنه يحيى بن ميسرة، نا عبد الرحمن، قال: سمعت أبي يقول: أرى أنهما واحد، وكان البخاري قد فرقهما. انظر: كتاب "الجرح والتعديل" 8/ 197 ت 861، كتاب " التاريخ الكبير" 7/ 274: ت: 1159.]]: دعا ابن عباس غلاماً له، فقال: اسقنا دهاقاً، قال: فجاء الغلام بها ملأى، فقال ابن عباس: هذا الدهاق [["جامع البيان" 30/ 18، "التفسير الكبير" 31/ 21، "البعث" 207 ح 323.]].
قال عكرمة: وربما سمعت ابن عباس يقول: اسقنا، وأدهق لنا [["التفسير الكبير" 31/ 21، "تفسير ابن عباس" 2/ 964. وانظر: "المستدرك" 2/ 512 "كتاب التفسير". وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي.]]. وقال آخرون [[منهم سعيد بن جبير، وابن عباس، ومجاهد، وعطية، والعباس بن عبد المطلب، وإبراهيم النخعي، وأبو هريرة، وعكرمة، والضحاك. انظر: "جامع البيان" 30/ 19، "بحر العلوم" 3/ 440، "الكشف والبيان" ج 2913/ ب، "زاد المسير" 8/ 166، "التفسير الكبير" 31/ 21، "الجامع لأحكام القرآن" 19/ 181، "الدر المنثور" 8/ 398.]]: هي المتتابعة.
وأهل اللغة على القول الأول، وأصل القول الثاني من قول العرب: (ادَّهقت الحجارة ادِّهاقاً، وهو شدةٌ تلازمها، ودخول بعضها في بعض) [[ما بين القوسين نقله عن "تهذيب اللغة" 5/ 394 (دهق)، وهو من قول الليث، وانظر: "لسان العرب" 10/ 106 - 107 (دهق).]]. والمتتابع كالمتداخل.
عكرمة في قوله: (وكأساً دهاقاً) قال: هي الصافية [["جامع البيان" 30/ 19، "التفسير الكبير" 31/ 21، "تفسير القرآن العظيم" == 4/ 496، "الدر المنثور" 8/ 399، "روح المعاني" 30/ 18.]].
والدهاق على هذا القول يجوز أن يكون جمع (دَهَقٍ، وهو خشبتان يغمز بها ويعصر) [[نقله عن "تهذيب اللغة" 5/ 394 (دهق)، وهو قول الليث، والعبارة عنه: قال: الدّهق: خشبان يُغْمزُ بهما الساق. وانظر: "لسان العرب" 10/ 106 (دهق).]].
والمراد بـ (الكأس) الخمر.
قال الضحاك: كل كأس في القرآن فهو خمر [["التفسير الكبير" 31/ 18.]]، ويكون التقدير: وخمراً ذات دهاق، أي عصرت وصفيت بها فقال:
النبأ 78:35
قوله تعالى: ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا كِذَّابًا﴾ قال مقاتل: يعني في الجنة إذا شربوها [[لم أعثر على مصدر لقوله.]].
﴿لَغْوًا﴾ باطلاً من الكلام [[قال بذلك: قتادة. انظر: "جامع البيان" 30/ 20، "تفسير عبد الرزاق" 2/ 243.]].
﴿وَلَا كِذَّابًا﴾ لا يكذب بعضهم بعضاً [[قال بذلك: سعيد بن جبير. انظر: "النكت والعيون" 6/ 189.]].
قال ابن عباس: وذلك أن أهل الدنيا إذا شربوا الخمر تكلموا بالباطل، وأهل الجنة إذا شربوا لم يتغير عقلهم، ولم يتكلموا عليها بشيء يكرهه [[لم أعثر على مصدر لقوله.]].
وذكرنا آنفاً تفسير (الكذاب) [[راجع آية: 28 من هذه السورة.]].
وروي عن الكسائي التخفيف في هذه الآية [[انظر: "السبعة في القراءات" لابن مجاهد 669، "القراءات وعلل النحويين فيها" 2/ 742، "الحجة" 6/ 369، "المبسوط" 393، "حجة القراءات" 746، "كتاب التبصرة" 719. وقرأ الباقون بالتشديد. انظر المراجع السابقة.]].
قال الفراء: لأن (كذاباً) في هذه الآية ليس بمقيد بفعل يوجب تشديده، كما في قوله: ﴿وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كِذَّابًا﴾ [النبأ: 28]، وكذبوا يقيد الكذاب بالمصدر، والتخفيف -هاهنا- حسن، والمعنى: لا يكذب بعضهم بعضاً [["معاني القرآن" 3/ 229 بتصرف.]].
ونحو هذا قال أبو عبيدة [[في (أ): أبو عبيد، والأظهر أنه أبو عبيدة، وقد ورد قوله في المجاز بنحو مما أورده الواحدي. انظر: "مجاز القرآن" 2/ 283.]] في الكذاب، مخفف أنه مصدر المكاذبة، وأنشد للأعشى:
فصَدَّقْتُها وكَذَّبْتُها والمرء ينفعُه كِذابُهْ [[لم أعثر عليه في ديوانه، وقد ورد البيت بالإضافة إلى المجاز في "المخصص" 14/ 128، "لسان العرب" 10/ 193 (صدق)، "جامع البيان" 30/ 20، "الكشف والبيان" ج 13/ 30/ أ، "النكت والعيون" 6/ 188، "المحرر الوجيز" 5/ 428، "زاد المسير" 8/ 166، "الجامع لأحكام القرآن" 19/ 179، "البحر المحيط" 8/ 414، "إعراب القرآن" للنحاس 5/ 133، "الكامل" 2/ 747، "الدر المصون" 6/ 466، "شرح المفصل" لابن يعيش 6/ 44، "روح المعاني" 30/ 16، "القراءات وعلل النحويين فيها" 2/ 743، "معاني القرآن وإعرابه" 5/ 174.]]
وهو قول الأخفش، قال: هو مثل قولك: قاتل قِتالاً [["معاني القرآن" 2/ 727، وعبارته: وعلى هذا القياس تقول: قاتل قيتالاً، وهو من كلام العرب.]].
وقال أبو علي الفارسي: (كِذّابًا) مصدر كذب، كالكتاب في مصدر كتب [["الحجة" 6/ 370 بتصرف يسير.]].
النبأ 78:36
قوله تعالى: ﴿جَزَاءً مِنْ رَبِّك﴾ قال الزجاج: المعنى: جازاهم بذلك جزاء، وكذلك (عطاء)؛ لأن معنى جازاهم وأعطاهم واحد [["معاني القرآن وإعرابه" 5/ 275 بتصرف يسير.]].
قوله تعالى: ﴿حِسَابًا﴾ قال أبو عبيدة: كافياً، يقال: أعطاني ما أحسبني، أي ما كفاني [["مجاز القرآن" 2/ 283 بنصه.]].
قال ابن قتيبة: (عطاء حِساباً) أي كثيرًا، وأحسبت فلاناً، أي أكثرت له. قال الشاعر:
ونُقْفي وليدَ الحيِّ إن كان جائعاً ... ونُحْسِبُه إن كان ليس بجائع [[ورد البيت منسوبًا إلى امرأة من بني قشير في شعراء بني قشير في الجاهلية والإِسلام: القسم الثاني (254) رقم (192)، و"مقاييس اللغة" 2/ 60 (حسب)، "تفسير غريب القرآن" 17، "سمط اللآلي" 899. وورد غير منسوب في "الصحاح" 1/ 110 (حسب)، "لسان العرب" 1/ 312 (حسب)، و15/ 197 (قفا)، "الأمالي" للقالي: 2/ 262، "التفسير الكبير" 31/ 23، "الجامع لأحكام القرآن" 19/ 182، "فتح القدير" 5/ 369. ومعنى البيت: أي نعطيه حتى يقول حسبي، وقولها: نُقفيه: أي نؤثره بالقفيَّة، ويقال لها: القفاوة أيضًا، وهي ما يؤثر به الضيف والصَّبيّ. انظر: "شعراء بني قشير" المرجع السابق.]]
قال: ونرى أن أصل هذا أن تقول: حسبي، حسبي [["تفسير غريب القرآن" 510 بتصرف يسير.]].
وقال الزجاج: (حِساباً) معناه: ما يكفيهم، أي فيه كل ما يشتهون، فقال: أحْسَبَني كذا وكذا، بمعنى كفاني [["معاني القرآن وإعرابه" 5/ 275 بتصرف يسير.]].
وهذا معنى قول قتادة: (عطاء حساباً) عطاء كبيرًا [["تفسير عبد الرزاق" 2/ 343، "جامع البيان" 30/ 21، "الدر المنثور" 8/ 399 وعزاه إلى ابن المنذر، وعبد بن حميد.]].
وقال الكلبي: يعني حاسبتهم بالحسنة واحدة، وجزاؤها كبير [[لم أعثر على مصدر لقوله.]].
وقال مجاهد: حساباً بأعمالهم [["تفسير عبد الرزاق" 2/ 343، "جامع البيان" 30/ 21، بمعناه في "الجامع لأحكام القرآن" 19/ 183، "فتح القدير" 5/ 369، "الدر المنثور" 399 بمعناه، وعزاه إلى الفريابي، وعبد بن حميد، وابن المنذر.]]. ونحو هذا قال مقاتل [[لم أعثر على مصدر لقوله.]].
وعلى قول هؤلاء هو من الحساب الذي بمعنى العد.
قال صاحب النظم: قد اختُلف في قوله: (حساباً) على وجهين:
أحدهما: أن يكون بمعنى كافياً مأخوذ من قولهم: أحسبني الشيء، أي كفاني، وحسبي هو، ومنه قوله:
فما حللت به ضمني قائـ ... ـلاً جميلاً وأعطى حسابا [[غير مقروء في (أ)، ولم أعثر على مصدر له أو لقائله.]]
أي أعطاني ما كفاني.
والوجه الآخر: أن يكون قوله: (حساباً) مأخوذاً من حسبت الشيء إذا عددته، وقدرته، فيكون بمعنى: (عطاء حساباً)، أي بقدر ما وجب لك فيما وعده من الإضعاف؛ لأنه عز وجلَّ قدر الجزاء على ثلاثة أوجه: وجه منها على عشرة أضعاف [[نحو ما جاء في قوله تعالى: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام: 160].]]، ووجه على سبع مائة ضعف [[نحو ما جاء في قوله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة: 261].]]، ووجه على ما لا مقدار له، كما قال: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: 10] [["التفسير الكبير" 23/ 31 من غير نسبة. وقد جاء في "مقاييس اللغة" أن الحاء، والسين، والباء: أصول أربعة: فالأول: العد، والثاني: الكفاية، والثالث: الحسبان، وهو جمع حُسبانة، وهي الوسادة الصغيرة، والأصل الرابع: الأحسب: الذي ابيضت جِلدته من داء، ففسدت شعرته كانه أبرص. 2/ 59 - 61 (حسب). وانظر أيضًا: "تهذيب اللغة" 4/ 328، "لسان العرب" 1/ 310 (حسب).]].
النبأ 78:37
قوله تعالى: ﴿رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الرَّحْمَنِ﴾ فيه ثلاثة أوجه من القراءة: (الرفع في: (ربّ السموات)، و (الرحمن) [[قرأ بذلك ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو. انظر: "الحجة" 6/ 370،"حجة القراءات" 747، "كتاب التبصرة" 719، " إتحاف فضلاء البشر" 431.]]، والخفض فيهما [[قرأ بذلك: ابن عامر، وعاصم. انظر: المراجع السابقة.]]، والخفض في الأول، والرفع في الثاني [[قرأ بذلك: حمزة، والكسائي. انظر: المراجع السابقة.]]، فمن رفع قطع الأول من الخبر الذي قبله في قولك: (من ربك) فابتدأه، وجعل: (الرحمن) خبره، ثم استأنف: (لا يملكون منه).
ومن خفضهما أتبع الاسمين الجر الذي قبلهما، ومن خفض الأول دون الثاني أتبع الأول الجر الذي قبله، واستأنف بقوله: ﴿الرَّحْمَنِ﴾، وجعل قوله: ﴿لَا يَمْلِكُونَ مِنْهُ﴾ في موضع خبر، فقال: ﴿الرَّحْمَنِ﴾ [[ما بين القوسين نقله عن أبي علي الفارسي في "الحجة" 6/ 370.]].
ومعني: ﴿لَا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَابًا﴾ قال مقاتل: يقول: لا يقدر الخلق على أن يكلموا الرب إلا بإذنه [[ورد معناه في "تفسير مقاتل" 226/ ب، كما ورد قوله في "معالم التنزيل" 4/ 440، "زاد المسير" 8/ 167.]].
وهذا كقوله: ﴿لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [هود: 105]. وهذا كقوله: عام في كل أحد إلا من استثني في قوله: ﴿لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [هود: 105]) [[ما بين القوسين نقله بمعناه عن أبي علي الفارسي. انظر: "الحجة" 6/ 370.]].
وقال عطاء عن ابن عباس: يريد: لا يخاطب المشركون، والمؤمنون يشفعون ويخاطبون، فيقبل الله ذلك منهم [["التفسير الكبير" 31/ 23، "البحر المحيط" 8/ 415.]]، وهذا يوجب أن قوله: (لا يملكون منه خطاباً) للكفار [[والقول: إن الذين لا يملكون منه خطاباً أنهم الكفار، قد خطأه ابن تيمية؛ بل اعتبره قول مبتدع، قال: (إنه قول مبتدع، وهو خطأ محض؛ لأنه لم يذكر في قوله: (لا يملكون منه خطاباً) استثناء، فإن أحداً لا يملك من الله خطاباً مطلقاً؛ إذ المخلوق لا يملك شيئاً يشارك فيه الخالق، ولكن الله إذا أذن لهم شفعوا من غير أن يكون ذلك مملوكاً لهم، وكذلك قوله: (لا يملكون منه خطاباً)، وهذا قول السلف، وجمهور المفسرين، وهو الصحيح). وذكر أيضًا جواباً آخر، فليراجع في ذلك كله: "مجموع الفتاوى" 14/ 397 - 398.]].
ومعنى: (لا يملكون) من الله أن يخاطبوه؛ لأنه لم يأذن لهم، يدل على هذا قوله:
النبأ 78:38
قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ﴾ وانتصب قوله: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ﴾ بالظرف، والعامل فيه قوله: (يملكون) [[انظر: "الدر المصون" 6/ 468.]].
اختلفوا في الروح المذكور -هاهنا-، فروى مجاهد عن ابن عباس: أن النبي -ﷺ- قال: "هو جند من جند الله؛ ليسوا بملائكة، لهم رؤوس وأيد، وأرجل، يأكلون الطعام، ثم قرأ: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا﴾ فقال: هؤلاء جند، وهؤلاء جند" [[وردت هذه الرواية في "الكشف والبيان" 13/ 30/ ب، "زاد المسير" 8/ 167 مختصرًا، "تفسير القرآن العظيم" 4/ 496 بمعناه، "الدر المنثور" 8/ 399 وعزاه إلى ابن أبي حاتم، وأبي الشيخ في العظمة، وابن مردويه، "روح المعاني" 30/ 20، وقد أوردها الماوردي عند تفسيره لآية سورة القدر ﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا﴾ 6/ 313.]].
وهذا قول مجاهد [["تفسير عبد الرزاق" 2/ 344، "الجامع لأحكام القرآن" 19/ 185، "تفسير القرآن العظيم" 4/ 496، "الدر المنثور" 8/ 399 وعزاه إلى عبد بن حميد، وابن المنذر، وأبي الشيخ في العظمة، "روح المعاني" 30/ 20.]]، وأبي صالح [[المراجع السابقة عدا "تفسير عبد الرزاق". وانظر: "الأسماء والصفات" للبيهقي 2/ 105 باب ما جاء في تفسير الروح، كتاب "الزهد والرقائق" لابن المبارك (464) ح 1316.]]، وقتادة، قال: هم خلق على صور بني آدم، كالناس، وليسوا بالناس [[بمعناه ورد في "تفسير عبد الرزاق" 2/ 343، "جامع البيان" 30/ 23، "بحر العلوم" 3/ 441، "النكت والعيون" 6/ 190، "معالم التنزيل" 4/ 440، "فتح القدير" 5/ 370. وذهب أيضًا مجاهد، وأبو صالح إلى هذا القول. انظر المراجع السابقة عدا "النكت والعيون". وانظر: "الكشف والبيان" 3113/ أ، "زاد المسير" 8/ 167.]].
وقال عطاء عن ابن عباس: الروح ملك من الملائكة، ما خلق الله مخلوقاً بعد العرش أعظم منه، فإذا كان يوم القيامة قام هو وحده صفاً، وقامت الملائكة كلهم صفاً واحداً، فيكون عظم خلقه مثل صفوفهم [["النكت والعيون" 6/ 190 مختصرًا، "معالم التنزيل" 4/ 440، "زاد المسير" 8/ 168، "تفسير القرآن العظيم" 4/ 496 مختصرًا.]].
قال الشعبي: هو جبريل عليه السلام [["جامع البيان" 30/ 22، "معالم التنزيل" 4/ 440، "تفسير القرآن العظيم" 4/ 496.]].
وقال الحسن: الروح: بنو آدم [[المراجع السابقة بالإضافة إلى "زاد المسير" 8/ 168، وانظر: "تفسير الحسن البصري" 2/ 392.
قال ابن كثير: (وتوقف ابن جرير، فلم يقطع بواحد من هذه الأقوال كلها، والأشبه عنده -والله أعلم- أنهم بنو آدم". "تفسير القرآن العظيم" 4/ 497، وانظر: "جامع البيان" 30/ 23 - 24.]]. وعلى هذا معناه ذوو الروح.
وقوله: ﴿صَفًّا﴾ يجوز أن يكون المعنى: أن الروح على الاختلاف الذي ذكرنا، وجميع الملائكة يقومون صفاً واحداً.
والصف في الأول مصدر، فينبني عن الواحد، والجمع كالعدل والزور، وظاهر قول المفسرين [[قال بذلك الحسن، والشعبي. انظر: "جامع البيان" 30/ 24، "النكت والعيون" 6/ 190، "زاد المسير" 8/ 168.]] أنهم يقومون صفين: الروح صف، والملائكة صف.
وقال ابن قتيبة: صفوفاً، ويقال ليوم العيد: يوم الصف [["تفسير غريب القرآن" 511 بنصه.]].
وقوله: ﴿لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ﴾ الظاهر أن هذا من صفة الملائكة الذين يقومون صفاً.
والمعنى: أنهم لا يتكلمون إلا بإذن الله، فمن أذن له الرحمن وقال: ﴿صَوَابًا﴾ تكلم.
ومعنى الصواب: شهادة أن لا إله إلا الله في قول ابن عباس [["جامع البيان" 30/ 24، "النكت والعيون" 6/ 190، "الجامع لأحكام القرآن" 19/ 185، "الدر المنثور" 8/ 401، "الأسماء والصفات" 1/ 186.]].
والمفسرون قالوا: هو التوحيد، ونفي الشرك، وتنزيه الله عزَّ وجلَّ عن كل فرية [[حكى هذا القول ابن الجوزي عن أكثر المفسرين. انظر: "زاد المسير" 8/ 168.]].
والصواب هو السداد من الفعل والقول [[وعن ابن فارس: (الصواب أجل صحيح يدل على نزول شيء واستقراره قراره، من ذلك الصواب في القول والفعل، كأنه أمر نازل مستقر قراره، وهو خلاف الخطأ). "مقاييس اللغة" 3/ 317 (صوب).]]، يقال: فعل صواباً، وقال صواباً، وهو اسم من أصاب يصيب إصابة، كالجواب من أجاب يجيب إجابة [[ورد من قوله: والصواب إلى: يجيب إجابة: في "الجامع لأحكام القرآن" 19/ 186 من غير عزو.]].
ويجوز أن يكون الاستثناء من جميع الخلق على قول من قال: لا يملكون منه خطاباً للخلق كلهم، فاستثنى من ملك منهم الخطاب، وهو الذي يتكلم بإذنه، وقال في الدنيا صواباً، أي شهد بالتوحيد، وهم المؤمنون.
وقال مقاتل: لا يتكلمون بالشفاعة، يعني الملائكة [[لم أعثر على مصدر لقوله.]].
﴿إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا﴾ أي حقاً، وهو التوحيد، وهذا معنى قول ابن عباس، يريد: يشفعون لمن قال: لا إله إلا الله، وهذا قول بعيد، واللفظ لا يدل على هذا المعنى إلا باستكراه.
قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُّ﴾ أي الكائن الواقع، يعني يوم القيامة.
ويجوز أن يكون المعنى أن الشكوك زائلة في ذلك اليوم، وكل من يرتاب فيه عرف باطله، وأن ذلك اليوم الحق، فهو اليوم الحق عند كل أحد، وهذا معنى قول عطاء [[لم أعثر على مصدر لقوله.]].
ثم حض العباد على الطاعة:
قوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ مَآبًا﴾ أي مرجعاً بالطاعة، أي فمن شاء رجع إلى الله بطاعته قبل ذلك اليوم، والظاهر أن فعل المشيئة مسند إلى (من).
وقال عطاء عن ابن عباس: فمن شاء الله أن يهديه ﴿اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ مَآبًا﴾ [[بنحوه في "التفسير الكبير" 31/ 26.]]
ثم خوف كفار مكة فقال:
قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْذَرْنَاكُمْ عَذَابًا قَرِيبًا﴾ يعني العذاب في الآخرة، وكل ما هو آت فهو قريب، ويدل على أن المراد عذاب الآخرة فقال:
النبأ 78:40
قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ﴾ يجوز أن يكون: ينظر إلى ما قدمت، فحذف (إلى). قاله الأخفش [["معاني القرآن" 2/ 727 بنصه، وقد حكاه الأخفش عن بعضهم.]].
والظاهر أن (المرء) عام في كل أحد؛ لأن كل أحد يرى ذلك اليوم ما كسب، وقدم وأخر من خير وشر مثبتاً عليه في صحيفته.
وقال عطاء: هو أبي بن خلف، وعقبة بن أبي معيط [[ذكر في "الجامع لأحكام القرآن" 19/ 186 من غير نسبة، وكذا في "فتح القدير" 5/ 370.]].
وقال الحسن: هو المرء المؤمن [["جامع البيان" 30/ 25، "التفسير الكبير" 31/ 27، "الجامع لأحكام القرآن" 19/ 186، "الدر المنثور" 8/ 401 وعزاه إلى ابن المنذر، "القطع والائتناف" 2/ 785، "فتح القدير" 5/ 370، "روح المعاني" 30/ 22. وانظر: "تفسير الحسن البصري" 2/ 392.]]. يرى عمله، فيرجو ثواب الله على صالح عمله، ويخاف العقاب على سوء عمله، وأما الكافر فإنه يقول: ﴿يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا﴾.
قال جماعة المفسرين [[ممن قال بمعنى هذه الرواية من غير تمنيه أن يكون خنزيراً: أبو هريرة، وعبد الله بن عمرو، ومجاهد، والحسن، وعن أحد المقاتلين. انظر: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 344، "جامع البيان" 30/ 26، "الكشف والبيان" ج 13، 31/ ب، "معالم التنزيل" 4/ 440، "فتح القدير" 5/ 371، "تفسير الحسن البصري" 2/ 392، "روح المعاني" 30/ 22. وبنحوه هذه الرواية وردت عن أحد المقاتلين في "معالم التنزيل" 4/ 440.]]: وذلك أن الله تعالى يحشر الدواب، والبهائم، والوحش، فيقتص لبعضها من بعض، ثم يقال لها: كوني تراباً، فيتمنى الكافر عند ذلك أنه كان تراباً، وكان واحداً من الوحش: خنزيراً، أو ما كان فلا يحاسب بعمله، ويصير تراباً.
قال أبو إسحاق: وقيل إن معنى: (يا ليتني كنت تراباً): أي ليتني لم أبعث [["معاني القرآن وإعرابه" 5/ 276 بنصه.]].
النازعات 79:1
﴿وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا﴾ أكثر المفسرين على أن هذا قسم بملك الموت، وأعوانه من الملائكة الذين ينزعون أرواح الكفار عن أبدانهم [[ورجحه ابن كثير: "تفسير القرآن العظيم" 4/ 497.]]، وهو قول علي [[ورد قوله مختصرًا في "الكشف والبيان" ج 13: 33/ ب، "زاد المسير" 8/ 169، "الجامع لأحكام القرآن" 19/ 188، "الدر المنثور" 8/ 403 وعزاه إلى سعيد بن منصور، وابن المنذر.]] رضي الله عنه، (ومسروق [[ورد معنى قوله في المراجع السابقة، بالإضافة إلى: "جامع البيان" 30/ 27، "النكت والعيون" 6/ 192، "التفسير الكبير" 31/ 169،"تفسير القرآن العظيم" 4/ 497.]]، ومقاتل [[ورد معنى قوله في "بحر العلوم" 3/ 443، "النكت والعيون" 6/ 192، "معالم التنزيل" 4/ 441.]]، وأبي صالح [["الكشف والبيان" ج 13: 33/ ب، "تفسير القرآن العظيم" 4/ 497، "الدر المنثور" 8/ 404.]]، وعطية عن ابن عباس [[المراجع السابقة عدا "الدر المنثور"، كما ورد معنى قوله أيضًا في "المحرر الوجيز" 5/ 430، "زاد المسير" 8/ 169، "التفسير الكبير" 31/ 28، "الجامع لأحكام القرآن" 19/ 188.
قال ابن تيمية أيضًا: "وأما (النازعات غرقًا) فهي الملائكة القابضة للأرواح". "مجموع الفتاوى" 13/ 320.]]) [[ما بين القوسين ساقط من: أ، وقد كتب بدلًا منه لفظ: وغيره.]].
قال الفراء: ذكر [[في (أ): وذكر.]] أنها الملائكة، وأن النَّزعَ نزعُ الأنفس من صُدور [[بياض في (ع).]] الكفار، وهو كقولك: والنازعاتِ إغراقًا، كما يغرق النازعُ في القوس [["معاني القرآن" 3/ 230 بنصه.]]، هذا كلامه.
ومعنى إغراق النازع: أن ينتزع في القوس، فيبلغ بها غاية [[بياض في (ع).]] المد حتى ينتهي إلى النصل [[انظر مادة: (غرق) في "تهذيب اللغة" 16 "المستدرك" 133، "مقاييس اللغة" 4/ 418، "لسان العرب" 10/ 284.]].
قال الأزهري: والغَرْقُ اسم أقيم مُقام المصدر الحقيقي من أغْرَقْت [["تهذيب اللغة" 16: "المستدرك" 135 مادة: (غرق)، والغرق في الأصل: دخول الماء في سمّي الأنف حتى تمتلئ منافذه، فيهلك. المراجع السابقة.]].
(قال ابن مسعود: هي النفس [[ورد قوله مطولًا في "الكشف والبيان" ج 13: 33/ ب.]]، و) [[ما بين القوسين ساقط من: (أ).]] قال [بهذا] [[ما بين المعقوفين ساقط من النسختين، وأثبته لاستقامة المعنى به، والله أعلم.]] قتادة [["تفسير عبد الرزاق" 2/ 345.]]، والسدي [[ورد معنى قوله في "جامع البيان" 30/ 28، "الكشف والبيان" ج 13: 33/ ب، "النكت والعيون" 6/ 192، "معالم التنزيل" 4/ 441، "المحرر الوجيز" 5/ 430، "زاد المسير" 8/ 169، "الجامع لأحكام القرآن" 19/ 188، "الدر المنثور" 8/ 404.]]، (وعطية عن ابن عباس [[ورد معنى قوله في "تفسير القرآن العظيم" 4/ 497.]]) [[ما بين القوسين ساقط من: (أ).]].
والنازعات على هذا القول من قول (فلان ينزع نزعا إذا كان في سياق الموت) [[ما بين القوسين نقله عن "تهذيب اللغة" 2/ 142 مادة: (نزع).]]، والأنفس نازعات عند السياق.
ومعنى "غرقًا" على هذا: أي نزعًا شديدًا أبلغ ما يكون، وأشده من اغراق النازع في القوس.
وقال الحسن: يريد النجوم تنزع -هاهنا،- وتغرق -هاهنا- [["جامع البيان" 30/ 28، وبمعناه في "النكت والعيون" 6/ 192، "معالم التنزيل" 4/ 441، "المحرر الوجيز" 5/ 430، "زاد المسير" 8/ 169، "الجامع لأحكام القرآن" 19/ 188، "تفسير القرآن العظيم" 4/ 497، "تفسير الحسن البصري" 2/ 393.]]. (وهو قول الأخفش [[بمعناه في "الكشف والبيان" ج 13: 33/ ب، "المحرر الوجيز" 5/ 430، "زاد المسير" 8/ 169، "الجامع لأحكام القرآن" 9/ 189.]]، وأبي عبيدة [["مجاز القرآن" 2/ 284، وعبارته: "النجوم تنزع: تطلع ثم تغيب فيه".]]) [[ما بين القوسين ساقط من: (أ).]].
ومعنى النازعات على هذا القول: أنها النجوم تنزع من أفق علي أفق، أي تذهب، من قولهم: (نزع إليه، أي ذهب نزوعًا، ويجوز أن يكون من قولهم) [[ما بين القوسين ساقط من: (أ).]]: نزعت الخيل، إذا جرت.
قال الليث: يقال [[في (أ): عا.]] للخيل إذا جرت [[قال الليث في (أ) وهو كلام مكرر.]]: لقد نزعت سننًا، وأنشد:
والخيلُ تنزع قُبَّا في أعِنَّتِها ... كالطير تَنْجُو [[في (أ): تنجوا.]] مِنَ الشُّؤْبُوبِ [[في (أ): الشربوب.]] ذي البَرَدِ [[البيت من قصيدة للنابغة التي أولها:
يا دار مية بالعلياء فالسند ... أقوت وطال عليها سالف الأمد
ديوانه: 34، دار بيروت، برواية: تمزع غربًا.
ومعنى البيت: تمزع: تمر مرًا سريعًا. غربًا: حدة ونشاط. الشؤبوب: الرقعة من المطر. يقول: ويهب الخيل التي هي في سرعتها كالطير التي تخاف أذى البرد فهي شديدة الطيران. انظر: ديوانه: 34.]]
ومعنى الغرق: أنها تغرق فتغيب، وهي تطلع من أفق فتجري حتى تغيب في أفق آخر، ولعل الغرق في لغة الفرق، فإن فعلًا يأتي في مصادر هذا الباب في اللازم، نحو: لبث، وحبط عمله حبطًا [[لم أعثر على مصدر لقوله.]].
وقال [[في (أ): قال.]] عطاء [["جامع البيان" 30/ 28، "الكشف والبيان" ج 13: 33/ ب، "النكت والعيون" 6/ 192، "معالم التنزيل" 4/ 441، "زاد المسير" 8/ 170، "الجامع لأحكام القرآن" 19/ 189، "تفسير القرآن العظيم" 4/ 497، "فتح القدير" 5/ 372.]]، وعكرمة [["الكشف والبيان" ج 13: 33/ ب، "معالم التنزيل" 4/ 441، "زاد المسير" 8/ 170، "الجامع لأحكام القرآن" 19/ 189، "فتح القدير" 5/ 372.]]: هي القِسِيّ. على هذا القول: النازعات: ذوات النزع فيها، وهي التي تنزع أوتارها، ويكون هذا من اللابن، والتامر. وغرقًا بمعنى إغراقًا، أي تنزع فتغرق فيها إغراقًا.
وقال مجاهد: هي الموت، يعني شدائده [[في (أ): شدائد.]] التي تنزع الأرواح نزعًا شديدًا [[المراجع السابقة عدا "الكشف والبيان"، وانظر أيضًا: "جامع البيان" 30/ 27، "تفسير القرآن العظيم" 4/ 497، "الدر المنثور" 8/ 405، "فتح القدير" 5/ 372، والعبارة عنه في جميع المراجع السابقة: "الموت ينزع النفوس".
وما مضى من الأقوال رأى ابن جرير أن الآية تعمها جميعها. "جامع البيان" 30/ 27.]].
النازعات 79:2
قوله: ﴿وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطًا﴾
قال ابن عباس [[بمعناه في "الجامع لأحكام القرآن" 19/ 189.]]، ومقاتل [[بمعناه في "زاد المسير" 8/ 170.]]: هم الملائكة ينشطون [[في (أ): ينطشون.]] روح الكافر من قدميه إلى حلقه نشطًا بالكرب، والغم، كما تنشط الصوف من سفود [[السَّفُّود، والسُّفُّود بالتشديد: حديدة ذات شُعَبٍ معقَّفة: معروف يشوى به اللحم، وجمعه: سفافيد.
انظر: "لسان العرب" 3/ 218 مادة: (سفد).]] الحديد.
(وهذا النشط، وهو الجذب، يقال: نَشَطْتُ الدّلوَ أنشِطُها، وأنشُطها نَشْطًا: نزعتها) [[ما بين القوسين نقله عن "تهذيب اللغة" 11/ 314 مادة: (نشط)، وهو قول الأزهري.]].
[وهذا قول الل] [[ما بين المعقوفين ساقط من: أ، وغير مقروء في ع، ولعلها: وهذا قول الليث.]].
وروي عن ابن عباس (أيضًا) [[ساقط من: (أ).]] أنه قال: الناشطات الملائكة [[بياض في (ع).]] تنشط نفس المؤمن فتقبضها [["الكشف والبيان" ج 13: 32/ أ، "النكت والعيون" 6/ 193 بنحوه، وبمعناه في "معالم التنزيل" 4/ 441، "المحرر الوجيز" 5/ 431، "زاد المسير" 8/ 170 ، "الجامع لأحكام القرآن" 19/ 189.]].
واختاره الفراء، فقال: هي الملائكة تنشط نفس المؤمن فتقبضها، وتنزع نفس الكافر [["معاني القرآن" 3/ 130 نقله عنه بالمعنى، وعبارته: "أنها تقبض نفس المؤمن كما ينشط العقال من البعير".]].
وإنما اختار ذلك لما بين النشط والنزع من الفرق في الشدة واللين، فالنزع: جذب بشدة ، والنشط برفق ولين [[والذي يشهد له السياق أن كلا من النازعات، والناشطات هم الملائكة، ودلالة السياق هو أنهما وصفان متقابلان، الأول: نزع بشدة، والآخر: نشاط بخفة، فيكون النزع غرقًا لأرواح الكفار، والنشط بخفة لأرواح المؤمنين.
نقلًا باختصار عن: "أضواء البيان" للشنقيطي: 9/ 22 - 23.]].
قال أبو زيد: نشطت الدلو من البئر نشطًا، وهو جَذْبُكَ الدَّلْوَ من البئر بغير قامة [["تهذيب اللغة" 11/ 315 مادة: (نشط) بنحوه.]].
(فالناشطات: الملائكة تنشط أرواح المؤمنين، كما تنشط الدلو من البئر) [[ما بين القوسين نقله بنحوه عن الأزهري في "تهذيب اللغة"، وهو من قول أبي إسحاق كما هو مذكور، ولم أجده عنه في معانيه. انظر: "تهذيب اللغة" 11/ 315 مادة: (نشط).]].
وقال مجاهد: هي الموت، يعني شدائده [["جامع البيان" 30/ 28، "الكشف والبيان" ج 13/ 34 أ، هو الموت ينشط نفس الإنسان، "النكت والعيون" 6/ 193، "معالم التنزيل" 4/ 442، "المحرر الوجيز" 5/ 430 بمعناه، "زاد المسير" 8/ 170، "الجامع لأحكام القرآن" 19/ 190، "الدر المنثور" 8/ 405 وعزاه إلى عبد بن حميد، وأبي الشيخ في العظمة، "فتح القدير" 5/ 372.]]، كما ذكرنا في الآية الأولى.
وقال الحسن: هي النجوم [["تفسير عبد الرزاق" 2/ 245، "فتح القدير" 5/ 372.]]، وهو اختيار أبي عبيدة [["مجاز القرآن" 2/ 284.]].
(والمعنى أنها تنشط من أفق إلى أفق، أي تذهب، يقال: حمار ناشط من بلد إلى بلد، والهموم تنشط بصاحبها.
قال [أبو عبيدة: الهميان] [[ما بين المعقوفين ساقط من: (أ).]] بن قحافة [[هو: أبو عبيدة، الهميان بن قحافة. من بني عوافة بن سعد بن زيد مناة من تميم، راجز إسلامي، عاش بالدولة الأموية. انظر: "المؤتلف والمختلف في أسماء الشعراء" للآمدي (197).]]:
أمست هُمومي تَنشِطُ المناشِطا ... الشَّامَ بي طوْرًا وطورًا واسِطا [[ورد البيت في "تهذيب اللغة" 11/ 314 مادة: (نشط)، "لسان العرب" مادة: (نشط)، "جامع البيان" 30/ 29، "الكشف والبيان" ج 13: 34/ أ، "النكت والعيون" 6/ 193، "زاد المسير" 8/ 170، "الجامع لأحكام القرآن" 19/ 190، "روح المعاني" 30/ 240.]]
أي تذهب بي) [[ما بين القوسين من قول أبي عبيدة، نقله عنه الواحدي بتصرف. انظر: "مجاز القرآن" 2/ 284.]].
وقال عكرمة [["جامع البيان" 30/ 29، "الكشف والبيان" ج 13: 34/ أ، "النكت والعيون" 6/ 193، "فتح القدير" 5/ 372.]]، وعطاء [["فتح القدير" 5/ 372.]]: هي الأوهاق [[الأوهاق: جمع وَهَق، وقد يسكن، وهو حبل كالطَّوَل تُشَدُّ به الإبل والخيل لئلا تّنِدّ "النهاية في غريب الحديث والأثر" 5/ 233.
وقال الليث: الوَهَق: ألحبل المُغار يُرمى في أنشوطة، فيؤخذ به الدابة، والإنسان. "تهذيب اللغة" 6/ 344 مادة: (وهق).]]، وعلى هذا هي من النشط الذي هو الجذب.
النازعات 79:3
قوله: ﴿وَالسَّابِحَاتِ سَبْحًا﴾، قال علي [["زاد المسير" 8/ 171 بمعناه، وعبارته: "أنها الملائكة تسبح بأرواح المؤمنين"، ومثله ورد في "الجامع لأحكام القرآن" 19/ 191.]]، ومقاتل [[بمعناه في "تفسير مقاتل" 226/ ب.]]، (ومسروق [[لم أعثر على مصدر لقوله.]]) [[ما بين القوسين ساقط من: (أ).]]، وابن عباس [[لم أعثر على مصدر لقوله. وقد ورد بمعنى هذه الرواية عن الكلبي في "الجامع لأحكام القرآن" 19/ 191.]] (في رواية الكلبي) [[ما بين القوسين ساقط من: (أ).]]: هم الذين يقبضون أرواح المؤمنين؛ يسلونها سلًا رفيقًا، ثم يدعونها حتى تستريح رويدًا [[من قوله: هم الذين يقبضون إلى حتى يستريح رويدًا وردت في "معالم التنزيل" 4/ 442 من غير نسبة لأحد.]].
والمعنى على هذا: والسابحات بالأرواح سبحًا، أي يجعلونها [[في (ع): يجلونها.]] على السَّبح [[السَّبْح: المَرُّ السريع في الماء، وفي الهواء، يقال: سَبَح سَبْحًا وسِباحة، واستعير لِمرِّ النجوم في الفلك، ولجري الفرس، ولسرعة الذهاب في العمل. انظر: "المفردات في غريب القرآن" 221.]] تنزعها، والسابح بالشيء في الماء يرفق به لئلا يغرق ذلك الشيء، ولئلا يتعب هو في سبحه، فجعل الملائكة الذين يقبضون روح المؤمن برفق سابحات بها.
قال (أبو صالح [["الكشف والبيان" ج 13: 34/ ب، "معالم التنزيل" 4/ 442، "زاد المسير" 8/ 171، "الجامع لأحكام القرآن" 19/ 191، "الدر المنثور" 8/ 404 وعزاه إلى عبد بن حميد، وابن المنذر.]]، و) [[ما بين القوسين ساقط من: (أ).]] مجاهد [[المراجع السابقة. وانظر أيضًا: "جامع البيان" 30/ 30، "فتح القدير" 5/ 372 - 373، وعزاه صاحب الدر إلى أبي الشيخ.]]: هم الملائكة ينزلون من السماء مسرعين.
وهو اختيار الفراء، قال: جعل نزولها من السماء كالسباحة، والعرب تقول للفرس الجواد: إنه لسابح [["معاني القرآن" 3/ 230، وقد زاد الفراء في معانيه عبارة: مرَّ يتمطّى. ذكر ذلك تفسيرًا لقول العرب للفرس الجواد: إنه لسابح.
ومعنى: مطَّه: أي مده، أي مد في السير. مختار "الصحاح" 627 مادة: (مطي).]]، ومنه قول امرئ القيس:
مِسَحٍّ إذا ما السّابحاتُ على الونى ... أثَرْنَ الغُبارَ بالكديدِ المُرَكَّلِ [[ديوانه: 53، ط. دار صادر.
ومعنى البيت: سح يسح: قد يكون بمعنى صب يصب، وقد يكون بمعنى انصب ينصب، فالمعنى أنه يصب الجري والعدو صبًا بعد صب. السابح من الخيل: الذي يمد يديه في عده شبه بالسابح في الماء، الونى: الفتور .. والفعل ونى يني ونيًا وونى. الكديد: الأرض الصلبة المطمئنة. المركل: من الركل، وهو الدفع بالرجل، والضرب بها.
ومعنى البيت: أن الخيل يجيء يجري بعد جري إذا قلت الخيل السوابح، وأعيت وأثارت الغبار في مثل هذا الموضع. "ديوانه" 53 - 54.]]
وقال الحسن [["الجامع لأحكام القرآن" 19/ 191، "الدر المنثور" 8: 405 وعزاه إلى ابن المنذر، "فتح القدير" 5: 373، "تفسير الحسن البصري" 2: 393.]]، وأبو عبيدة [["مجاز القرآن" 2/ 284.]] هي: النجوم تسبح في الفلك كما قال تعالى: ﴿وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ [يس: 40]. قال عطاء هي: السفن تسبح في الماء [["جامع البيان" 30/ 30، "الكشف والبيان" ج 13: 34/ ب، "النكت والعيون" 6/ 193، "معالم التنزيل" 4/ 442، "المحرر الوجيز" 5/ 431، "زاد المسير" 8/ 171، "الجامع لأحكام القرآن" 19/ 191.]].
وروى عن ابن عباس: أن السابحات أرواح المؤمنين تسبح شوقًا إلى لقاء الله، وشوقًا إلى رحمته حين تخرج [[ورد معنى قوله في "الجامع لأحكام القرآن" 19/ 191، "الدر المنثور" 8/ 404 وعزاه إلى جويبر في تفسيره.]]، وقد عاينوا السرور فهي تسبح مستعجلة.
النازعات 79:4
قوله تعالى: ﴿فَالسَّابِقَاتِ سَبْقًا﴾ قال مسروق [["الكشف والبيان" ج 13: 34/ ب، "النكت والعيون" 6/ 193، "زاد المسير" 8/ 171، "الجامع لأحكام القرآن" 19/ 191، "تفسير القرآن العظيم" 4/ 497، "فتح القدير" 5/ 373.]]، (ومقاتل [["تفسير مقاتل" 226/ ب، "معالم التنزيل" 4/ 442، "الجامع لأحكام القرآن" 19/ 191، "فتح القدير" 5/ 373.]]، والكلبي [[لم أعثر على مصدر لقوله.]]) [[ما بين القوسين ساقط من: أ]]: هم الملائكة.
قال مجاهد [[ورد قوله في "الكشف والبيان" ج 13: 34/ ب، ومعناه في "معالم التنزيل" 4/ 442، "التفسير الكبير" 31/ 29، "الجامع لأحكام القرآن" 19/ 191، "فتح القدير" 5/ 373.]] (وأبو روق [[المراجع السابقة، وانظر أيضًا: "زاد المسير" 8/ 171.]]) [[ما بين القوسين ساقط من: (أ).]]: سبقت ابن آدم بالخير، والعمل الصالح، والإيمان، والتصديق.
قال مجاهد [["زاد المسير" 8/ 171.]]، [و] [[زيادة يقتضيها السياق.]] (مقاتل بن حيان [["الكشف والبيان" ج 13: 34/ ب، "معالم التنزيل" 4/ 442، "الجامع لأحكام القرآن" 19/ 191، "فتح القدير" 5/ 373.]]) [[ما بين القوسين ساقط من: (أ).]] تسبق بأرواح المؤمنين إلى الجنة.
قال الفراء [["معاني القرآن" 3/ 230 والعبارة للفراء.]]، والزجاج [["معاني القرآن وإعرابه" 5/ 278.]]: الملائكة تسبق الشياطين بالوحي إلى الأنبياء [إذ] [[في كلا النسختين: إذا، والمثبت ما جاء في "معاني" الفراء 3/ 330.]] كانت الشياطين تسترق السمع.
(وقال الحسن [["الجامع لأحكام القرآن" 19/ 191، "فتح القدير" 5/ 373، "تفسير الحسن البصري" 2/ 394.]]، وأبو عبيدة [["مجاز القرآن" 2/ 284.]]: هي النجوم تسبق بعضها بعضًا في السير) [[ما بين القوسين ساقط من: (أ).]].
وقال ابن مسعود [["الكشف والبيان" ج 13: 34/ ب، "معالم التنزيل" 4/ 442، "زاد المسير" 8/ 171، "الجامع لأحكام القرآن" 19/ 191.]]، وابن عباس [[لم أعثر على مصدر لقوله.]] (في رواية عطاء) [[ما بين القوسين ساقط من: (أ).]]: نفس المؤمن تسبق إلى الملائكة الذين يقبضونها [[في (أ): يقبضون.]]، تبادر الخروج شوقًا إلى كرامة الله. (وقال عطاء هي: الخيل [["جامع البيان" 30/ 30، "الكشف والبيان" ج 13: 35/ ب، "النكت والعيون" 6/ 194، "معالم التنزيل" 4/ 442، "المحرر الوجيز" 5/ 431، "زاد المسير" 8/ 171، "الجامع لأحكام القرآن" 19/ 191، "تفسير القرآن العظيم" 4/ 498، "الدر المنثور" 8/ 405 وعزاه إلى عبد بن حميد، وابن المنذر.]]) [[ما بين القوسين ساقط من: (أ).]].
وذكر صاحب النظم: أن هذه الآية ذكرت بـ: "الفاء"، والتي قبلها بـ: "الواو"؛ لأنها أقسام مستأنفة، وهذه مسببة من التي قبلها، كأنه قيل: واللاتي سبحن فسبقن، كما تقول: قام فذهب، [أوجبت] [[في (أ): أو ألفا، وفي نسخة ع: أوجب، ولعلها أوجبت. وعند الشوكاني: فهذا يوجب أن يكون القيام سببًا للذهاب.]] الفاء أن القيام كان سببًا للذهاب، ولو قلت: قام وذهب لم يجعل القيام سببًا للذهاب [[ورد نحو ذلك في "فتح القدير" 5/ 373.]].
النازعات 79:5
قوله تعالى: ﴿فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا (5)﴾ أجمعوا على أنهم الملائكة [[قال بذلك: قتادة، وابن عباس، وعبد الرحمن بن سابط، وعطاء، وعلي، ومجاهد، وأبو صالح، والحسن، والربيع ابن أنس، والسدي. انظر: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 345، "جامع البيان" 3/ 31، "معالم التنزيل" 4/ 442، "زاد المسير" 8/ 171، "تفسير القرآن العظيم" 4/ 498.
وحكى الماوردي هذا القول عن جمهور المفسرين: "النكت والعيون" 6/ 194، وقال ابن عطية: "فلا أحفظ خلافا أنها الملائكة". "المحرر الوجيز" 5/ 431، وحكى الإجماع الفخر الرازي في "التفسير الكبير" 31/ 29، ونقل القرطبي عن القشيري الإجماع، "الجامع لأحكام القرآن" 19/ 192.
وقد ذكر الفخر الرازي رأيًا له -بعيدًا-، وهو أنها الأرواح، وأنها قد تدبر أمر == الإنسان في المنامات، وهو قول لا يعول عليه -كما ترى-، والذي يشهد له النص أنها الملائكة: قوله تعالى: ﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ (4)﴾، ووصف الله سبحانه الملائكة بقوله: ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾. نقلاً عن "أضواء البيان" 9/ 24.
وعليه فحكاية الإجماع صحيحة من الواحدي، ونقرر بذلك ما أسلفنا ذكره من منهجه في حكايته الإجماع. والله أعلم]].
قال مقاتل: يعني جبريل، وميكال، وإسرافيل، وملك الموت يدبرون أمر الله في الأرض، وهم المقسمات أمرًا [[بياض في (ع).]]، [["تفسير مقاتل" 227/ أ، "التفسير الكبير" 31/ 29.]]. (أو نحو هذا) [[ما بين القوسين ساقط من: (أ).]].
وقال [[في (ع): قال.]] عبد الرحمن بن سابط [[عبد الرحمن بن سابط الجمحي؛ تابعي، ذو مراسيل عن أبي بكر، وعمر، فقيه، ثقة. مات سنة 117 هـ.
انظر: كتاب الثقات: 5/ 92، "تهذيب الكمال" 17/ 123: ت: 3822 ، "الكاشف" 2/ 146 ت: 3239.]] -وزاد بيانًا- فقال: أما جبريل فوكل [[في (أ): موكل.]] بالرياح، والجنود، وأما ميكائل فوكل [[في (أ): موكل.]] بالقطر والنبات، وأما ملك الموت فوكل [[في (أ): موكل.]] بقبض الأنفس، وأما إسرافيل فهو يتنزل بالأمر عليهم [[بمعناه في "معالم التنزيل" 4/ 442، "زاد المسير" 8/ 171 - 172، "الجامع لأحكام القرآن" 19/ 192، "الدر المنثور" 8/ 405 وعزاه إلى عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في شعب الإيمان، "فتح القدير" 5/ 373.]].
وقال عطاء عن ابن عباس: يريد الملائكة وكلوا بأمور عرفهم الله العمل بها، والوقوف عليها، بعضهم لبني آدم يحفظون، ويكتبون، وبعضهم وكلوا بالأمطار والنبات والخسف، والمسخ، والرياح والسحاب [[ورد قريب من معنى هذه الرواية، من طريق أبي المتوكل الناجي، عن ابن عباس في "الدر المنثور" 8/ 405 وعزاه إلى ابن أبي الدنيا في ذكر الموت، وبمثله في "التفسير الكبير" 31/ 29 من غير نسبة. وانظر روايته مختصرة في "الوسيط" 4/ 418.]].
وقول صاحب النظم غير مطرد في هذه الآية؛ لأنه يبعد أن يجعل السبق سببًا للتدبير؛ مع أن السابقات ليست الملائكة في قول كثير من المفسرين.
وقد أحكمنا الكلام في هذا في أول سورة الصافات [[سورة الصافات: 1 - 3: ﴿وَالصَّافَّاتِ صَفًّا (1) فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا (2) فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا﴾. ومما جاء في تفسيرها، قال الواحدي: "وأما هذه الشفاعات هاهنا - وفي سورة الذاريات، والمرسلات، فـ"الفاء" في العطف تؤذن أن الثاني بعد الأول؛ بخلاف الواو، فإنه لا يدل على المبدوء به، و"الفاء" يدل كقولك: دخلت الكوفة فالبصرة.
فـ"الفاء" -هاهنا- تؤذن أن دخول الكوفة كان قبل دخول البصرة، وفي هذه الآية يدل على أن الله -تعالى- ذكر القسم أولًا بـ: "الصافات"، ثم بـ: "الزاجرات"، ثم بـ: "التاليات".
وذكر صاحب النظم أن "الفاء" -هاهنا- وما قبله سبب له، كما تقول: قام فمر، واضطجع فنام. فالقيام سبب للمرور، والاضطجاع سبب للنوم.
وتأويل الآية: والتي تصف صفًا، فتزجر زجرًا، فالصف سبب الزجر، والزجر سبب التلاوة. == قال: ويدل على هذا قوله: "والمرسلات عرفًا فالعاصفات عصفًا"، ثم استأنف قسما آخر منقطعًا مما قبله غير منسوق عليه بالواو، فقال: "والناشرات نشرًا". وهذه الواو واو قسم".]].
وقال أهل المعاني: إنما أقسم الله بهذه الأشياء للتنبيه على موقع العبرة؛ إذ القسم يدل على عظم شأن المقسم به [[لم أعثر على مصدر لقوله.]].
وأما جواب هذه الأقسام، فقال الفراء: هي مما ترك جوابه لمعرفة السامعين [[أي أن جواب القسم مضمر محذوف.]]، وكأنه لو ظهر كان: لتبعثُنَّ، ولتحاسبُنَّ، ويدلك على ذلك قولهم: ﴿أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا نَخِرَةً﴾ [النازعات: 11]، أي: أنبعث إذا صرنا عظامًا (نخرة) [[ما بين القوسين ساقط من: (أ).]]، [["معاني القرآن" 3/ 331.]].
ونحو هذا قال الزجاج سواء [["معاني القرآن وإعرابه" 5/ 278.
وهذا القول اختاره أيضًا أبو حيان في "البحر المحيط" 8/ 420، وضعف ما سواه من الأقوال في جواب القسم، ومن أراد الاستزادة في ذلك فليراجع ذلك في مواضعه من النكت العيون، "الجامع لأحكام القرآن"، "معاني القرآن" للأخفش، وغيرهم.]].
وقال مقاتل: أقسم الله بهؤلاء الملائكة أن النفختين كائنتان، بينهما أربعون سنة [[ورد بمعناه في "تفسير مقاتل" 227/ أ، ويعتبر قوله قولًا آخر لجواب القسم، ويعني به أن اللام التي تلقى بها القسم محذوفة من قوله: "يوم ترجف الراجفة" أي ليوم كذا تتبعها الرادفة، ولم تدخل نون التوكيد؛ لأنه قد فصل بين اللام المقدرة والفعل. قاله أبو حيان في "البحر المحيط" 8/ 420.]]، فذلك قوله: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ (6)﴾.
(وهذا قول الأخفش [["معاني القرآن" 3/ 728.]]) [[ما بين القوسين ساقط من: (أ).]]، ويكون التقدير على هذا [[في (ع): لهذا.]]: النفختين في الصور نفختين، ودل على هذا المحذوف ذكر "الراجفة" و"الرادفة"، (وهما) [[ما بين القوسين ساقط من: (أ).]] النفختان.
قال ابن عباس (في رواية عطاء [[لم أعثر على مصدر لقوله. وقد ورد بمثله في "الوسيط" 4/ 419 من غير عزو.]]، والكلبي [[لم أعثر على مصدر لقوله.]]، ومقاتل [["تفسير مقاتل" 227/ أ.]]) [[ما بين القوسين ساقط من: (أ).]] هي النفخة الأولى التي يموت فيها جميع الخلائق.
قال مقاتل: وإنما سميت الراجفة؛ لأنها تميت الخلق كلهم. كقوله: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾ [الأعراف: 78]، يعني الموت [["تفسير مقاتل" 227/ أ.]] -هذا كلامه-.
وذكرنا في مواضع [[نحو ما جاء في سورة الأعراف: 78، 91، 155، وسورة العنكبوت: 37، وسورة المزمل: 14، وقد جاء في تفسير قوله: "يوم ترجف الأرض والجبال" المزمل: 14: أي تزلزل وتتحرك أغلظ حركة. راجع سورة المزمل: 14.]] أن الرجفة معناه الحركة، كقوله: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ﴾ [المزمل: 14].
والراجفة -هَاهنا- ليست من الحركة فقط، ولكنها من قولهم: رَجَفَ الرعد يَرجُفُ رَجْفًا ورَجِيفًا، وذلك تَرَددُ [[في (ع): ترد.]] هدهدَتِهِ [[هدهدته: الهدَّة: صوت شديد تسمعه من سقوط ركن، وناحية جبل، والهادُّ: صوت يسمعه أهل السواحل يأتيهم من قبل البحر له دويّ في الأرض، وربما كانت له الزلزلة، ودويُّه هَدِيدُه.
انظر: "تهذيب اللغة" 5/ 353 مادة: (هدد)، "الصحاح" 2/ 555 - 556 مادة: (هدد).
"تقول العرب: رعدت السماء، فإذا زاد صوتها قيل: ارتجست، فإذا زاد قيل: أرْزمت ودوَّت، فإذا زاد واشتد قيل: قصفت وقعقعت، فإذا بلغ النهاية قيل: جلجلت وهَدْهَدت". "فقه اللغة" للثعالبي: 298.]] في السحاب [[في (ع): الساب.]]. ذكره الليث [["تهذيب اللغة" 11/ 43 مادة: (رجف). وقد ذكره الأزهري من غير أن يعزوه إلى الليث.
وانظر: "لسان العرب" 9/ 113.]].
فالراجفة [[في (ع): فالرجفة.]]: صيحة عظيمة فيها تردد، واضطراب كالرعد إذا تمحص.
أنشد ابن السكيت (قول الشاعر [[هو النابغة الذبياني.]] يصف الغيث) [[ما بين القوسين ساقط من: (أ).]]:
إذا رجَفَتْ فيها رحى [[في أ، وع: رحا.]] مُرْجَحَنَّةٌ ... تَبَعَّجَ ثجّاجًا غزير الحَوَافلِ [[ديوان النابغة الذبياني: 92، ط المؤسسة العربية للنشر، وهو برواية: "تبعق ثجاج غريرُ".]] قال: الرجف: الرعد، والرحى [[في أ، وع: رحا.]]: معظم [[في (ع): المعظم.]] السحاب [[لم أعثر على مصدر لقوله.]].
وقال [[في (أ): وقول.]] مجاهد: يعني: تتزلزل الأرض والجبال [[بمعناه ورد في "جامع البيان" 30/ 32، "الكشف والبيان" ج 13: 35/ أ، "النكت والعيون" 6/ 195، "معالم التنزيل" 4/ 442، "الدر المنثور" 8/ 406 وعزاه إلى عبد بن حميد، والبيهقي في البعث.]].
وانتصب "يومًا" بإضمار اذكر [[ويجوز أن يكون ظرفًا لما دلَّ عليه راجفة أو خاشعة، أي يخاف يوم ترجف. انظر: إملاء ما من به الرحمن: 2/ 280، التبيان في "إعراب القرآن" للعكبري السابق: 2/ 1269.]].
وقال أبو إسحاق: "يوم" منصوب على معنى قوله: يومئذ واجفة يوم ترجف الراجفة، يعني أن التقدير: تجف القلوب [[في (أ): القلب.]] يوم ترجف الراجفة [["معاني القرآن وإعرابه" 5/ 278 بتصرف.]].
النازعات 79:7
وقوله تعالى: ﴿تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ﴾ قالوا [[منهم: ابن عباس، والحسن، والضحاك. وحكاه الشوكاني عن جمهور المفسرين.
انظر: "جامع البيان" 30/ 31 - 32، "تفسير القرآن العظيم" 4/ 498، "فتح القدير" 5/ 373.]]: يعني: النفخة الثانية [[بياض في (ع).]] التي فيها البعث، ردفت [[رَدِفَه -بالكسر-: أي تبعه، يقال: كان نزل بهم أمر فرَدِف لهم آخر أعظم منه، وأرِدَفَه أمر: لغة في رَدفَه، مثل: تبعه وأتبعه.= انظر: "الصحاح" 4/ 364 مادة: (ردف).
وقال أبو البقاء أيوب: الرَّدْف كل شيء تبع شيئاً فهو ردفه.
"الكليات" 2/ 367: فصل الراء.]] النفخة الأولى.
قال أبو عبيدة [["مجاز القرآن" 2/ 84، وعبارته: كل شيء بعد شيء يردفه فهو الرادفة، الصيحة الثانية.]]، والمبرد [[لم أعثر على مصدر لقوله.]]: والرادفة: كل شيء جاء بعد شيء، يقال: أردفه، أي جاء بعده.
وقال مجاهد: أراد بالرادفة انشقاق [[في (أ): اشتقاق.]] السماء يأتي بعد الزلزلة [[ورد بمعناه في "معالم التنزيل" 4/ 442، و"الجامع لأحكام القرآن" 19/ 193.]].
النازعات 79:8
(قوله) [[ما بين القوسين ساقط من: (ع).]]: ﴿قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ﴾ (أي مضطربة خافقة، يقال: وَجَف قلبُه يجِف وجِيفًا إذا اضطرب، ومنه: إيجاف الدابة، وهو حملها على السير الشديد) [[ما بين القوسين هو المعنى اللغوي للفظ واجفة. انظر فيه مادة: (وجف) في "تهذيب اللغة" 11/ 213، "الصحاح" 4/ 1437، "تاج العروس" 6/ 264.]].
وللمفسرين عبارات كثيرة في تفسير الراجفة، ومعناها واحد. قالوا: خائفة [[قاله: ابن عباس، وقتادة، وابن زيد. انظر: "جامع البيان" 30/ 33، وعزاه القرطبي إلى عامة المفسرين: "الجامع لأحكام القرآن" 19/ 194.]]، وجلة [[قال بذلك: مجاهد، وابن عباس. انظر: "الكشف والبيان" ج 13: 35/ ب، "معالم التنزيل" 4/ 443، "الجامع لأحكام القرآن" 19/ 194.]]، زائلة عن أماكنها [[قال بذلك: الضحاك، والسدي. انظر: المراجع السابقة، وانظر أيضًا: "ررح المعاني" 30/ 26.]]، .......
قلقة [[قاله المؤرج في "الجامع لأحكام القرآن" 19/ 194.]]، مستوفزة، مرتكضة [[قاله قطرب في "الكشف والبيان" ج 13: 35/ ب.]]، شديدة الاضطراب [[بياض في (ع).]] [[قال بذلك الزجاج في "معاني القرآن وإعرابه" 5/ 278.]]، غير ساكنة؛ وذلك لما عاينت من أهوال القيامة.
النازعات 79:9
(قوله) [[ما بين القوسين ساقط من: (ع).]]: ﴿أَبْصَارُهَا خَاشِعَةٌ﴾. أي ذليلة. قاله الكلبي [[لم أعثر على مصدر لقوله.]]، ومقاتل [["تفسير مقاتل" 227/ أ.]]، وذلك عند معاينة النار كقوله: ﴿خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾ [الشورى: 45]. والمعنى: أبصار أصحابها، فحذف المضاف لأنه لم يرد إبصار القلوب.
قال ابن عباس: يريد أبصار من مات على غير الإسلام [[لم أعثر على مصدر لقوله. وورد عن عطاء بمثل روايته. انظر: "زاد المسير" 8/ 172.]]، ويدل على ما قال ابن عباس أنه قال [[أي الله سبحانه وتعالى.]] ﴿قُلُوبٌ﴾ [النازعات:8]، ولم يقل القلوب، ويدل على هذا أيضًا أنه ذكر منكري البعث.
النازعات 79:10
قوله تعالى: ﴿يَقُولُونَ أَإِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ﴾ قال الكلبي: يعنون في الخلق الجديد إلى الدنيا بعد الموت [[لم أعثر على مصدر لقوله.]].
والمعنى: أنرد إلى أول خلقنا وابتداء أمرنا فنصير أحياء كما كنا؟ وهذا قول جميع أهل اللغة [[قال الليث: الحافرة: العودة في الشيء حتى يُردَّ آخره على أوله.
"تهذيب اللغة" 5/ 18 مادة: (حفر)، وانظر: "مقاييس اللغة" 2/ 85، "الصحاح" 2/ 635، "لسان العرب" 4/ 205، وجميعها في مادة: (حفر).]] والمعاني.
قال أبو إسحاق [[لعله يريد به الثعلبي، فقد ورد بنحو هذا القول عنه في "الكشف والبيان" ج 13: 36/ ب.]]، (وأبو عبيدة [["مجاز القرآن" 2/ 284.]]) [[ما بين القوسين ساقط من: (ع).]]، والفراء [["معاني القرآن" 3/ 232.]]، والزجاج [["معاني القرآن وإعرابه" 5/ 278.]]: يقال: رجع فإن في حافرته، وعلى حافرته، أي: رجع من حيث جاء، وأتيت فلانًا ثم رجعت على حافرتي، أي رجعت من حيث جئت.
والحافرة عند العرب: اسم أول [[بياض في (ع).]] الشيء، وابتداء الأمر [[بياض في (ع).]].
(قال ابن السكيت: يقال: التقى القوم فاقتتلوا عند الحافرة، أي عند أول ما التقوا.
قال الله تعالى: ﴿أَإِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ﴾ أي في أول أمرنا، -قال- وأنشدني ابن الأعرابي:
أحافرةً على صَلَعٍ وشَيْبِ ... معَاذَ اللهِ مِنْ سَفَهٍ وعَارِ [[ورد البيت غير منسوب في "إصلاح المنطق" لابن السكيت: 295.
وانظر مادة: (حفر) في "تهذيب اللغة" 5/ 18، "الصحاح" 2/ 635، "لسان= العرب" 2/ 205، وفي "جامع البيان" 30/ 33، "الكشف والبيان" ج 13: 36/ أ، "النكت والعيون" 6/ 195 برواية: معاذ الله من جهل وطيش، "زاد المسير" 8/ 173، "الجامع لأحكام القرآن" 19/ 195.]] كأنه قال: أأرجع في صباي، وأمري الأول بعد أن صلعت وشبت [[إلى قوله: بعد أن صلعت وشبت ينتهي قول ابن السكيت. انظر: "إصلاح المنطق" 295.]]؟
وفي الحديث: (أن هذا الأمر لا يترك على حاله حتى يرد على حافرته) [[ورد الأثر في "النهاية في غريب الحديث والأثر" 1/ 406، كما ورد تحت مادة: (حفر) في "تهذيب اللغة" 5/ 18، "لسان العرب" 2/ 205.]]، أي على أول تأسيسه. وأصل هذا من قول العرب: النقد عند الحافرة [[انظر أيضًا هذا المعنى في "النهاية في غريب الحديث والأثر" 1/ 406.]].
قال أبو العباس: هذه كلمة كانوا يتكلمون بها عند السَّبْق. والحافرة: الأرض المحفورة. يقال [[في (ع): يقول.]]: أول [[أقل: هكذا وردت في "تهذيب اللغة" 5/ 18 مادة: (حفر).]] ما يقع حافر الفرس عند السبق على الحافرة فقد وَجَبَ النَّقدُ. -يعني في الرهبان- أي كما يَسْبقُ تقولُ هاتِ النَّقدَ) [[ما بين القوسين أي من قوله: قال ابن السكيت .. إلى: كما يسبق تقول هات النقد نقله الإمام الواحدي عن الأزهري من "تهذيب اللغة" 5/ 17 - 18 مادة: (حفر).]].
هذا هو الأصل، ثم صار مثلًا لابتداء الشيء، وأوله، وأصله ابتداء السبق -كما ذكرنا- وللمفسرين قول آخر في الحافرة: قال ابن عباس في رواية عطاء: يريد الأرض [[لم أعثر على مصدر لقوله.]]. وهو قول مقاتل، قال: يقولون أننا لراجعون نمشي على أقدامنا بعد الموت [[لم أعثر على مصدر لقوله وقد ورد عن مجاهد بمثل قوليهما. انظر: "جامع البيان" 30/ 34، وكذا ابن عيسى في "النكت والعيون" 6/ 195.]]!.
والمعنى: أنرد إلى ظهر الأرض أحياءً نمشي عليها؟
(والحافرة، على هذا القول، من الأرض، سميت حافرة يعني محفورة؛ لأن قبورهم تحفر فيها. (قاله الفراء) [[ما بين القوسين ساقط من: (أ).]]. قال: وهذا كقوله: ﴿مَاءٍ دَافِقٍ﴾ أي مدفوق [[في (أ): مدوق.]]) [[ما بين القوسين نقله عن الفراء بتصرف. انظر: "معاني القرآن" 3/ 232، وقد حكاه الفراء عن بعضهم.]].
النازعات 79:11
(وقوله) [[ما بين القوسين ساقط من: (أ).]]: ﴿أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا نَخِرَةً﴾، (وقرئ: ناخرة [[في (ع): نخرة.]]، [[قرأ بذلك حمزة، والكسائي، وأبو بكر، وحجتهم في ذلك رؤوس الآيات بالألف؛ نحو: الحاضرة، والرادفة، والراجفة، والساهرة، فالألف أشبه بمجيء التنزيل، وبرؤوس الآيات.
وقرأ الباقون: "عظامًا نخرة" بغير ألف، وحجتهم: أن ما كان صفة منتظر لم يكن فهو بالألف، وما كان وقع فهو بغير ألف.
نقلاً عن: "حجة القراءات" 748. وانظر أيضًا: "كتاب السبعة" 670، "الحجة" 6/ 371، "الكشف" عن وجوه القراءات: 2/ 361، الوافي 377.]]، يقال: نخر العظم يَنْخَر فهو نخِر، مثل: عَفِنَ يعْفَنُ فهو عَفِن، وذلك إذا بلي) [[ما بين القوسين لعله نقله عن الزجاج بتصرف. انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 5/ 278 - 279.]].
ويقال نخرت الخشبة نَخَرًا، إذا بليت فاسترخت، وإذا مسستها تفتّت، وكذلك العظم الناخر النخر، قال ذلك الليث [["تهذيب اللغة" 7/ 346 بيسير من التصرف.]].
(وقال أبو عبيدة: ناخرة ونخرة: بالية [["مجاز القرآن" 2/ 284 بمعناه.]]) [[ما بين القوسين ساقط من: (أ).]]. وقال الأخفش: هما جميعاً لغتان أيهما قرأت فحسن [[ورد قوله في "زاد المسير" 8/ 173، "التفسير الكبير" 31/ 37.]].
قال الفراء: الناخر [[في (ع): الناخرة.]]، والنخرة، سواء في المعنى بمنزلة الطامع، والطمع، والباخل والبخل [["معاني القرآن" 3/ 231 - 232 مختصرًا.]].
واختار [أبو عبيد] [[في كلا النسختين: أبو عبيدة، وأثبت اسم أبي عبيد؛ لأنه قد ورد في نص العبارة المذكورة في "التفسير الكبير" 31/ 37، وفي "الجامع لأحكام القرآن" 19/ 196، عن أبي عبيد، وهو الصواب، ولم أجد في المجاز لأبي عبيدة هذا القول.]] نخرة، [قال] [[ساقطة من النسختين، والمثبت من "التفسير الكبير"، فقد نقله الفخر بنصه عن الواحدي، وأثبته لاستقامة المعنى به: 31/ 37.]]: ونظرنا في الآثار التي فيها ذكر العظام التي قد نخرت، وجدناها كلها العظام النخرة، ولم يسمع في شيء منها الناخرة، -قال-: وكان أبو عمرو يقول: إنما يكون الناخرة التي تنخر بعد ولم [[في (أ): لم.]] تفعل [[المراجع السابقة، وقد ورد قول أبي عمرو بن العلاء أيضًا في "المحرر الوجيز" 5/ 432، "فتح القدير" 5/ 375.]].
وقال الفراء [["معاني القرآن" 3/ 231.]]، والزجاج [["معاني القرآن وإعرابه" 5/ 279.]]: ناخرة أجود [[بياض في (ع).]] الوجهين لشبه أواخر الآي بعضها ببعض، نحو الحافرة، والساهرة -قالا [[أي الفراء والزجاج.]] -: والناخرة تأويل آخر، وهي العظام الفارغة التي يصير فيها من هبوب الريح كالنخير [[في (أ): كالنخر.]]، [[المرجعان السابقان.]].
وعلى هذا: الناخرة من النخير بمعنى: الصوت كنخير النائم، والمخنوق، لا من النخر الذي هو البلى [[الناخرة: العظام المجوفة التي تمرُّ فيه الرياح فتنخر.
مادة نخر في "تهذيب اللغة" 7/ 345، وانظر أيضًا: "الصحاح" 2/ 825، "لسان العرب" 5/ 199.]].
وأكثر المفسرين [[قال بذلك ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، والسدي، وحكاه ابن عطية عن أكثر المفسرين. انظر: "جامع البيان" 30/ 35، "النكت والعيون" 6/ 195، "المحرر الوجيز" 5/ 432، "تفسير القرآن العظيم" 4/ 498.]] على القول الأول، قالوا: يعني بالنية، (وهو قول الضحاك [["الدر المنثور" 8/ 408 وعزاه إلى عبد بن حميد.]]، ومقاتل [["تفسير مقاتل" 227/ أ.]]) [[ما بين القوسين ساقط من: (أ).]].
وذكر الكلبي القولين جميعًا [[أحد القولين له في "النكت والعيون" 6/ 195، قال: "خالية: مجوفة تدخلها الرياح فتنخر". وهو بمعنى القول الثاني.]]، [فقال] [[في كلا النسختين: فقالوا. ولا يستقيم المعنى إلا بما أثبت. والله أعلم.]]: (نخرة) بالية تتحات. بلي، وناخرة: صيته، وذلك أن الريح (كالنخير، وعلى هذا: الناخرة من النخير، بمعنى) [[ما بين القوسين ساقط من: (ع).]] إذا دخل العظم الذي قد نخر طرفاه سمعت لها نخيرًا.
ومعنى الآيتين: أنهم أنكروا البعث فقالوا: أنرد أحياءً إذا متنا وبليت عظامنا؟.
النازعات 79:12
وقالوا: ﴿قَالُوا تِلْكَ إِذًا كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ﴾. قال القرظي: قالوا: إن رددنا بعد الموت لنخسرن [[ورد قوله في "النكت والعيون" 6/ 196، "الجامع لأحكام القرآن" 19/ 196، "لباب النقول في أسباب النزول" للسيوطي (226) وعزاه إلى سعيد بن منصور.]].
وقال مقاتل: قالوا: إن بعثنا بعد الموت أحياء أصابنا من الخسران ما يقول محمد [[بمعناه في "تفسير مقاتل" 227/ أ.]].
قال أبو إسحاق: والمعنى أهلها خاسرون [["معاني القرآن وإعرابه" 5/ 279.]]. يعني أن الخاسرة جرت صفة للنكرة، والمعنى لأهلها، كما تقول: تجارة رابحة، أي يربح فيها صاحبها، وكرة خاسرة: يخسر فيها صاحبها.
النازعات 79:13
(ثم أعلم الله تعالى سهولة البعث عليه فقال) [[ما بين القوسين نقله عن الزجاج، انظر: المرجع السابق.]]: ﴿فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ﴾ قال المفسرون [[قال بذلك: مجاهد، وابن زيد، والربيع بن أنس، وابن عباس.
انظر: "جامع البيان" 30/ 35، "النكت والعيون" 6/ 196، "الجامع لأحكام القرآن" 19/ 196. وحكى هذا القول عن المفسرين الفخر في "التفسير الكبير" 31/ 38، كما ذهب إلى هذا القول: البغوي في "معالم التنزيل" 4/ 443، وابن عطية في "المحرر الوجيز" 5/ 432، الخازن في "لباب التأويل" 4/ 351.]]: يعني النفخة الأخيرة، صيحة واحدة من إسرافيل يسمعونها وهم في بطون الأرض أموات فيحيون، فذلك قوله: ﴿فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ﴾.
يعني وجه الأرض، وظهرها. في قول جميع أهل اللغة، (وأكثر المفسرين) [[ما بين القوسين ساقط من: (أ).]].
قال أبو عبيدة [["مجاز القرآن" 2/ 285، وعبارته: "الساهرة: الفلاة ووجه الأرض".]]، والليث [["تهذيب اللغة" 6/ 121 مادة: (سهر)، قال: "الساهرة: وجه الأرض العريضة "البسيط". وانظر: "لسان العرب" 4/ 383 مادة: (سهر).]]، (وغيرهما من أهل اللغة [[قال بذلك الزجاج في "معاني القرآن وإعرابه" 5/ 279، وهو قول ابن قتيبة أيضًا في "تفسير غريب القرآن" 513.]]) [[ما بين القوسين ساقط من: (أ).]]: الساهرة وجه الأرض، وأنشدوا [[لم ينشدوا البيت جميعهم، وإنما الذي ذكره هو الليث في "تهذيب اللغة" 9/ 146 مادة: (سدف). والبيت لأبي كبير الهذلي.]]:
يَرْتَدّون ساهِرةً كأنَّ جميمها ... وعميمها أشداق ليل مظلم [[ورد البيت في "تهذيب اللغة" 6/ 12 مادة: (سهر)، "الصحاح" 2/ 691 مادة: (سهر)، "لسان العرب" 4/ 383 مادة: (سهر)، و9: 146 مادة: (سدف)، "البحر المحيط" 8/ 417، وجميعها برواية: "يرْتَدْن"، و"أسداف"، وفي التهذيب: == "جحيمها".
ومعنى جميمها: الجميم: النبت الكثير، وكا ما اجتمع وكثر عميم.
"لسان العرب" 12/ 107 مادة: (جمم).
العميم: الطويل من الرجال والنبات. المرجع السابق: 12/ 425 مادة: (عمم). السدف: ظلمة الليل، وقيل: هو بَعْدَ الجنح، والجمع: أسداف. المرجع السابق: 9/ 146 مادة: (سدف).]] وهو قول ابن عباس [[ورد قوله في "جامع البيان" 3/ 36، "الكشف والبيان" ج 13: 39/ ب، "النكت والعيون" 6/ 196، "زاد المسير" 8/ 173، "الجامع لأحكام القرآن" 19/ 197. وانظر قوله في "لسان العرب" 4/ 383 مادة: (سهر).]]، ومقاتل [[لم أعثر على مصدر لقوله.]]، (والشعبي [["الدر المنثور" 8/ 408 وعزاه إلى عبد بن حميد.]]) [[ما بين القوسين ساقط من: (أ).]]، وسعيد (بن جبير [["تفسير القرآن العظيم" 4/ 498، "الدر المنثور" 8/ 408.]]، وعكرمة [[المرجعان السابقان، بالإضافة إلى "جامع البيان" 30/ 37، "النكت والعيون" 6/ 196، "زاد المسير" 8/ 173.]]، والحسن [["جامع البيان" 30/ 37، "تفسير القرآن العظيم" 4/ 498، "الدر المنثور" 8/ 408 وعزاه إلى عبد بن حميد بمعناه، وانظر: تفسير الحسن البصري: 2/ 395.]]، وأبي صالح [["تفسير القرآن العظيم " 4/ 498.]]) [[ما بين القوسين ساقط من: (أ).]]، وأنشد (ابن عباس قول أمية) [[ما بين القوسين ساقط من: (أ).]]:
وفيهما لحمُ ساهرةٍ وبَحْرٍ ... وما [[في (ع): مما.]] فاهوا به لَهُمُ مقيمُ [[ورد البيت في شرح ديوانه: 68.= "لسان العرب" 4/ 383 مادة: (سهر)، "جامع البيان" 30/ 36، "النكت والعيون" 6/ 196، "الكشف والبيان" ج 13: 36/ أ، "الجامع لأحكام القرآن" 19/ 198، "معاني القرآن" للفراء: 3/ 231، "البحر المحيط" 8/ 417، "الدر المنثور" 8/ 408 وعزاه إلى عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم.
وانظر: فضائل القرآن ومعالمه وآدابه: لأبي عيد القاسم بن سلام: 2/ 173 برواية: "وفيها لحم"، "روح المعاني" 30/ 28، "مجاز القرآن" لأبي عبيدة: 2/ 285، كتاب "إيضاح الوقف والابتداء" 1/ 69، الساهرة: الأرض، ومقيم: ثابت. انظر: شرح ديوانه.]] قالوا جميعًا: أراد بالساهرة: الأرض، وفوق الأرض، وظهر الأرض، ووجه الأرض. كل هذا من ألفاظهم [[وهناك أقوال أخرى لمعنى الساهرة، ذكرها الطبري في "جامع البيان" 30/ 37 - 38، والماوردي في "النكت والعيون" 6/ 196 - 197، وابن الجوزي في "زاد المسير" 8/ 173 - 174، وابن كثير في "تفسير القرآن العظيم" 4/ 498، وقال
عنها ابن كثير: وهذه الأقوال كلها غريبة، والصحيح أنها الأرض، ووجهها الأعلى. "تفسير القرآن العظيم" 4/ 498.]].
قال الفراء: كأنها سميت بذلك؛ لأن فيها نوم الحيوان وسهرهم [["معاني القرآن" 3/ 232 بيسير من التصرف.]].
وقال غيره [[في (أ): غيرهم.]] (من أهل المعاني [[منهم الزجاج في "معاني القرآن وإعرابه" 5/ 279، وهو أيضًا قول أبي عبيدة في "مجاز القرآن" 2/ 285، كما ذكره القرطبي معزوًا إلى العرب بمثل ما أورده الواحدي. انظر: "الجامع لأحكام القرآن" 19/ 197.]]) [[ما بين القوسين ساقط من: (أ).]]: العرب تسمى وجه الأرض من الفلاة ساهرة، أي ذات سهر؛ لأنه يسهر فيها خوفًا منها.
النازعات 79:15
قال تعالى: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى﴾.
قال مقاتل: قد جاءك يا محمد حديث موسى. [[لم أعثر على مصدر لقوله. وعنى بقوله هذا أن "هل" بمعنى: "قد".]] هذا كقوله: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ﴾ [الإنسان: 1]، وقد مر [[راجع سورة الدهر: 1.]].
وقال الكلبي: ولم يكن أتاه حديث موسى بعد في القرآن ثم أتاه إذ ناداه ربه [[لم أعثر على مصدر لقوله.]].
قال ابن عباس: كلمه ربه [[لم أعثر على مصدر لقوله.]] -وباقي الآية [[وهو قوله تعالى: ﴿إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى﴾.]] مفسر في [أول] [[ساقط من: (أ).]] سورة طه [[سورة طه: 12، 43. ومما جاء في تفسيرها: "قال: وقوله تعالى: ﴿إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ﴾ أي المطهر، المقدس: المبارك، وقوله: "طوى" هو اسم الوادي، وهو قول جميع المفسرين.
وقوله تعالى: ﴿اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى﴾ أي جاوز القدر في العصيان، وذلك أنه خرج من معصيته إلى فاحش تجاوز به معاصي الناس.
وقال أهل المعاني: وفي الآية محذوف؛ لأن المعنى: اذهب إلى فرعون فادعه إلى توحيد الله إنه طغى؛ لأنه أمِر بالذهاب إليه، وأن يدعوه إلى التوحيد".]] -.
وقال مقاتل: دعاه ربه فقال: يا موسى اذهب إلى فرعون إنه طغى [["تفسير مقاتل" 227/ ب بمعناه]]. قال مقاتل [[لم أعثر على مصدر لقوله.]]، ومجاهد [[لم أعثر على مصدر لقوله.]]: عصى الله.
وقال عطاء: عصى على بني إسرائيل [[لم أعثر على مصدر لقوله. وقد ورد بمثله في "التفسير الكبير" من غير عزو 31/ 40.]]. وقال [[في (أ): فقال.]] الكلبي: علا، وتكبر، وكفر بالله [[لم أعثر على مصدر لقوله. وقد ورد بمثله من غير عزو في "معالم التنزيل" 4/ 444.]].
النازعات 79:18
فقال: ﴿فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى﴾.
أي تتطهر من الشرك، ومنه قوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا﴾ [الشمس: 9] [[في (ع): زكيها.]]، وقوله: ﴿أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً﴾ [[في (أ): زاكية.]] [الكهف: 74].
والمبتدأ محذوف [في] [[ساقط من: أ.]] اللفظ مراد في المعنى. التقدير: هل لك إلى ذلك حاجة أو إربة [[إربة: الإربة: الحاجة، والجمع: المآرب. انظر مادة: (أرب) في مختار "الصحاح" 13، "المصباح المنير" 1/ 16.]].
قال:
فَهَلْ لكُمُ فيها إليَّ فإنني ... بصيرٌ بما أعيى [[في (أ): أعي.]] النِّطاسي حِذْيَما [[ورد البيت في ديوانه: 111 ط دار صادر برواية: "طبيب بما أعيى"، "الخصائص" لابن جني: 2/ 453، "المفصل" 3/ 25، "الخزانة" 2/ 232. ومعنى قوله: "فهل لكم فيما إلى: هل لكم علم وبصيرة فيما يرجع نفعه وفائدته إلى، ثم أعرض عن مشاورتهم وقال: إنني أعلم وأعرف بحالي منكم، فإنني بصير بما يعيي النطاسي ابن حذيم -وهو رجل من تيم الرباب- وكان متطببًا عالمًا. "ديوانه" (111).]] وفيه قراءتان: التشديد [[قرأ بذلك: أبو جعفر، وابن كثير، ونافع، ويعقوب: "إلى أن تزَّكَّى" مشددة الزاي. انظر: "القراءات وعلل النحويين فيها" 2/ 745، "الحجة" 6/ 374، "المبسوط" 395، "حجة القراءات" (749)، "كتاب التبصرة" (720).]] على إدغام "تاء" الفعل (في الزاي لتقاربهما. والتخفيف [[قرأ عاصم، وأبو عمرو، وابن عامر، وحمزة، والكسائي: "تزكى" خفيفة. انظر: المراجع السابقة.]] على حذف "تاء" الفعل) [[ما بين القوسين ساقط من: (أ).]]. قال ابن عباس في قوله: "تزكى": تشهد أن لا إله إلا الله [["معالم التنزيل" 4/ 444، "الدر المنثور" 8/ 410، وانظر: "الأسماء والصفات" 1/ 183.]].
وقال مقاتل: توحد الله [["تفسير مقاتل" 227/ ب.]]. وقال الكلبي: تعمل خيرًا [["النكت والعيون" 6/ 197.]].
النازعات 79:19
﴿وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ﴾ [[فائدة: دلت الآية على أن معرفة الله مقدمة على طاعته؛ لأنه ذكر الهداية، وجعل الخشية مؤخرة عنها، ومفرعة عليها. قاله الفخر في "التفسير الكبير" 31/ 41.]].
قال ابن عباس [[لم أعثر على مصدر لقوله. وقد ورد بنحو من قوله من غير عزو في "زاد المسير" 8/ 174، "لباب التأويل" 4/ 351.]]، ومقاتل [[بمعناه في "تفسير مقاتل" 227/ ب.]]: وأدعوك إلى عبادة ربك.
﴿فَتَخْشَى﴾ فتسلم من خشية الله، وتوحد الله.
وقال أهل المعاني: فتخشى عقابه، ويكون المعنى: تؤدي ما يلزمك [[بياض في (ع).]] من فرضه خشية عقابه [[لم أعثر على مصدر لقولهم، وقد قال بنحوه الطبري في "جامع البيان" 30/ 39.]].
النازعات 79:20
﴿فَأَرَاهُ الْآيَةَ الْكُبْرَى (20)﴾ قال عطاء: يعني العصا [[لم أعثر على مصدر لقوله.]].
وقال الكلبي [["التفسير الكبير" 31/ 42.]]، ومقاتل [[المرجع السابق، "تفسير مقاتل" 227/ ب.]]: هي اليد، وكانت أعظم، وأعجب آية من العصا.
وقال مجاهد: هي اليد، والعصا [["تفسير الإمام مجاهد" (703)، "جامع البيان" 30/ 40، "المحرر الوجيز" 5/ 433، وحكاه ابن الجوزي عن جمهور المفسرين في "زاد المسير" 8/ 174، "الدر المنثور" 8/ 409 وعزاه إلى الفريابي، وعبد بن حميد، وابن المنذر.]].
النازعات 79:21
﴿فَكَذَّبَ﴾ بالآية أنها من الله. ﴿وَعَصَى﴾ الله، ونبيه فلم يطعهما.
النازعات 79:22
﴿ثُمَّ أَدْبَرَ﴾ أعرض عن الحق، والإيمان [[وهذا قول مجاهد. انظر: "المحرر الوجيز" 5/ 433.]]. ﴿يَسْعَى﴾ يعمل بالفساد في الأرض [[وهو قول مجاهد. انظر: تفسير الإمام مجاهد: 703، وإليه ذهب الطبري في "جامع البيان" 30/ 40، والثعلبي في "الكشف والبيان" ج 13: 37 / ب.]]. وهو قوله تعالى: ﴿فَحَشَرَ فَنَادَى﴾ فجمع قومه، وجنوده فنادى
النازعات 79:24
قال مقاتل: (لما اجتمعوا قام عدو الله فرعون على سريره. ﴿فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ أي لا رب فوقكم) [[ما بين القوسين من قول مقاتل، وقد ورد بمعناه في "تفسير مقاتل" 227/ ب.]].
وقال عطاء: كان قد صنع لهم أصنامًا صغارًا، فقال لهم: اعبدوها وأنا ربكم ورب أصنامكم [["الجامع لأحكام القرآن" 19/ 200.]].
النازعات 79:25
قوله تعالى: ﴿فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى﴾ قال أبو إسحاق: "نكال" مصدر مؤكدة لأن معنى [[في (أ): معناه.]] "أخذه الله": نكَّلَ الله به نكال الآخرة [["معاني القرآن وإعرابه" 5/ 280 بنصه.]]. (ونحو هذا) [[في النسخة: أ: ورد لفظ: "كما" بدلاً من: ونحو هذا، ويستقيم المعنى بإثبات أحدهما.]] قال المبرد: أخذه في موضع نكله [["المحرر الوجيز" 5/ 434، والعبارة عنه: "قال: نكال: نصب على المصدر، والعامل فيه على رأي أبي العباس المبرد فعل مضمر من لفظ "نكال". وانظر أيضًا قوله في "البحر المحيط" 8/ 222، وانظر: "التفسير الكبير" 31/ 43 من غير عزو.]].
وكما قال: ﴿إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ [هود: 102] إنما هو الإهلاك والتنكيل، كما تقول: ادعه تركًا شديدًا؛ لأن أدعه وأترك سواء.
وأنشد [[نسب إنشاده لسيبويه ابن منظور في "لسان العرب" 15/ 18 مادة: (طوى).]]:
وقد تَطَوَّيْتُ انطواء الحِضبِ [[في (أ): الحطب.]] [[ورد البيت غير منسوب في "لسان العرب" 15/ 18 مادة: (طوى). ويراد بالحضب ضرب من الحيات. المرجع السابق.]]
لأن تطويت وانطويت سواء.
وقال الفراء: يريد أخذه الله أخذًا نكالًا للآخرة والأولى [["معاني القرآن" 3/ 233 بيسير من التصرف.]].
وذكر المفسرون في هذه الآية قولين:
أحدهما: أن الآخرة، والأولى صفة لكلمتي فرعون، أحدهما قوله: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص: 38]، والآخرة [[في (ع): الآخر.]] قوله: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ [النازعات: 24]-قالوا-: وكان بينهما أربعون سنة.
وهذا قول (مجاهد [["تفسير الإمام مجاهد" (703)، "جامع البيان" 30/ 41 - 42، "زاد المسير" 8/ 175، "الدر المنثور" 8/ 409 وعزاه إلى الفريابي، وعبد بن حميد، وابن المنذر.]]، والشعبي [[المراجع السابقة عدا تفسير مجاهد، وانظر: أيضًا: "التفسير الكبير" 31/ 44، "روح المعاني" 30/ 30.]]، وسعيد بن جبير [["التفسير الكبير" 31/ 44.]]، ومقاتل [["تفسير مقاتل" 227/ ب، "زاد المسير" 8/ 175،"التفسير الكبير" 31/ 44.]]، ورواية عطاء والكلبي عن ابن عباس [[وردت الرواية عنه من غير ذكر الطريق في "كنز العمال" 2/ 12: ح: 2936، "المحرر الوجيز" 5/ 434، "زاد المسير" 8/ 175، "الدر المنثور" 8/ 410، وبالطريقين في "التفسير الكبير" 31/ 44، ومن طريق أبي الضحى عن ابن عباس في "تفسير الإمام مجاهد" (703).]]) [[ما بين القوسين من: ع، وقد كتب في نسخة: أبدلاً منه: وهذا قول جماعة. وممن قال بذلك أيضًا: الضحاك، وابن زيد، وخيثمة، وعكرمة.
انظر: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 346، "جامع البيان" 30/ 42، "النكت والعيون" 6/ 198، "زاد المسير" 8/ 175، "الدر المنثور" 8/ 410.]]. وقال الحسن [["معالم التنزيل" 4/ 444 بمعناه، "التفسير الكبير" 31/ 44، "زاد المسير" 8/ 175، "الدر المنثور" 8/ 409 وعزاه إلى عبد بن حميد، وابن المنذر. وانظر: "تفسير الحسن البصري" 2/ 395.]]، وقتادة [[المراجع السابقة. وانظر أيضًا: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 347.]]: (نكال [[في (أ): تلك.]] الآخرة والأولى): أغرقه [[في (أ): غرقه.]] في الدنيا، وعذبه في الآخرة.
وتفسير نكال قد تقدم في سورة البقرة [[سورة البقرة: 66. قال تعالى: ﴿فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾
ومما جاء في تفسير "نكالًا" قال: "والنكال اسم لما جعلته نكالًا لغيره إذا رآه خاف أن يعمل عمله، وأصل هذا من قولهم: نكل عن الأمر ينكل نكولًا إذا جبن عنه، يقال: نكَّلت بفلان إذا عاقبته في شيء أتاه عقوبة تُنَكِّل غيره عن ارتكاب مثله، أي: تمنع وترد. والنَّكْل: القيد؛ لأنه يمنع الجري، والنِّكْل: حديث اللجام".]].
النازعات 79:26
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ الذي فعل [[في (أ): يعمل.]] فرعون حين كذب، وعصى. ﴿لَعِبْرَةً﴾ يريد فكرة، وعظة. ﴿لِمَنْ يَخْشَى﴾ الله.
ثم خاطب منكري البعث فقال:
النازعات 79:27
﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ﴾ قال مقاتل: يعني بعثًا بعد الموت [[لم أعثر على مصدر لقوله.]].
والمعنى: أخَلْقُكُم بعد الموت أشد أم السماء؟ أي عندكم وفي تقديركم، وهما عند الله واحد، والذي قدر على خلق السماء قادر على بعثكم بعد الموت وإعادتكم. كما قال: ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ [يس: 81]. الآية.
وكقوله -أيضًا-: ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ﴾ [غافر: 57].
وليس معنى الآية: أنتم أحكم صنعة أم السماء!، وهذا قول الكلبي [[لم أعثر على مصدر لقوله.]]، وهو بعيد، وتم الكلام عند قوله: "السماء" على قول الكسائي، والفراء، والزجاج.
قال الكسائي: "أأنتم أشد خلقًا أم السماء"، ثم قال بعد: "بناها [[في (ع): بنيها.]] " [[ورد معنى قوله في "التفسير الكبير" 31/ 45، "فتح القدير" 5/ 378.]].
قال الفراء [[في (ع): الزجاج، وهي كلمة وضعت سهوًا في غير موضعها.]]: أأنتم يا أهل مكة أشد خلقًا أم السماء، ثم وصف السماء، فقال: بناها. [["معاني القرآن" 3/ 233 بتصرف.]].
وقال الزجاج: أأنتم أشد خلقًا، أم السماء أشد خلقًا، ثم بين كيف خلقها، فقال: بناها [[في (ع): بنيها.]] "رفع سمكها" [["معاني القرآن وإعرابه" 5/ 280 بنحوه.]].
(وعند أبي حاتم الوقف على قوله: "بناها" [["الإيضاح" لابن الأنباري: 2/ 965، "القطع والائتناف" للنحاس: 2/ 787.
وانظر: "المكتفى في الوقف والابتداء" للداني (607).
والسبب في الوقف على قوله: "بناها" لإتباع خبر خبرًا بلا عطف.
انظر: "علل الوقوف" للسجاوندي: 3/ 1090.]]؛ لأنه قال: من صلة السماء. المعنى التي بناها) [[ما بين القوسين نقله بنحوه عن الزجاج. انظر: "معاني القرآن وإعرابه" 5/ 280.]].
والقول هو الأول، والسماء ليس مِمَّا يوصل [[فيكون المعنى على ذلك: أأنتم أشد خلقًا أم السماء أشد خلقًا. انظر: "زاد المسير" 8/ 175.]].
ومعنى ﴿سَمْكَهَا﴾ قال المفسرون: سقفها [[وممن ذهب إلى هذا القول: البغوي في "معالم التنزيل" 4/ 444، والقرطبي في "الجامع لأحكام القرآن" 19/ 201.
وقد اختلفت ألفاظ المفسرين في معنى "سمكها"، قال قتادة في قوله: "رفع سمكها فسواها" رفع بناءها، فسواها، وعن مجاهد: رفع بناءها بغير عمد، وعن ابن عباس: يقول بنيانها. انظر في ذلك كله: "جامع البيان" 30/ 43.
وقال الليث: والسَّمَاك: ما سمعت به حائطًا أو سقفًا، والسقف يسمى سَمْكًا، والسماء مسموكة، أي مرفوعة كالسَّمْك.
"تهذيب اللغة" 10/ 84 مادة: (سمك).
وما مضى من الأقوال يتبين من خلالها معنى واحد لـ"سمكها"، وهو البناء المرفوع، وهو السقف. والله أعلم.]]. ﴿فَسَوَّاهَا﴾ بلا شقوق [[في (ع): سقوف.]]، ولا فطور.
النازعات 79:29
﴿وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا﴾ قال المفسرون: أظلم [[قال بذلك قتادة، وابن عباس، ومجاهد، وابن زيد، والضحاك، وعكرمة.
انظر: "تفسير عبد الرزاق" 2/ 347، "جامع البيان" 30/ 44، وقاله أبو عبيدة في "مجاز القرآن" 2/ 285، وابن قتيبة في "تفسير غريب القرآن" 513، واليزيدي في "غريب القرآن" (412)، والطبري في "جامع البيان" 30/ 43، ومكي بن أبي طالب في "العمدة في غريب القرآن": 334، والماوردي في "النكت والعيون" 6/ 198. وإليه ذهب البغوي في "معالم التنزيل" 4/ 445، وابن عطية في "المحرر الوجيز" 5/ 434، وابن الجوزي في "زاد المسير" 8/ 175، والقرطبي في "الجامع لأحكام القرآن" 19/ 202، والخازن في "لباب التأويل" 4/ 451، وابن كثير في "تفسير القرآن العظيم" 4/ 500.]].
(أي جعله [[بياض في (ع).]] مظلمًا، يقال أغطش الليل، وأغطشه الله، والغطش الظلمة، والأغطش شبه الأعمش) [[ما بين القوسين بيان للمعنى اللغوي لقوله: "أغطش". انظر في ذلك مادة: (غطش) في "تهذيب اللغة" 16، "المستدرك" 161، "لسان العرب" 6/ 324.]].
﴿وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا﴾ قالوا: وأبرز نهارها، وضوءها، وشمسها [[هذه من ألفاظ المفسرين، قال قتادة: أنور ضحاها. "تفسير عبد الرزاق" 2/ 347. وعن مجاهد: نورها، وعن الضحاك: نهارها، وعن ابن زيد: ضوء النهار. انظر: "جامع البيان" 30/ 44.
وعن ابن عباس: أن أخرج ضحاها: الشمس. "النكت والعيون" 6/ 199.
وانظر أيضًا في ذلك: "معالم التنزيل" 4/ 445، "زاد المسير" 8/ 176، "الجامع لأحكام القرآن" 19/ 203.]].
وأضاف الليل، والضحى إلى السماء الآن) [[ما بين القوسين ساقط من: (أ).]] الظلمة، والنور كلاهما ينزل من السماء.
النازعات 79:30
﴿وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا﴾، (أي: أبسطها، يقال دحوت أدحو دحوًا، ودَحَيْت أدحي دحيَّا [[الدحو: البسْطُ، دَحا الأرض يَدْحوها دَحْوًا: بسطها. "لسان العرب" 14/ 251 مادة: (دحا).
وفي "النهاية" الدَّحْو: البسط، والمَدْحوات: الأرضون، يقال: دَحا يدْحو، ويَدْحى: أي بسط ووسع 2/ 101.]]، وفي حديث علي -رضي الله عنه-: اللهم داحي المدحيات [["النهاية في غريب الحديث والأثر" 2/ 101، "التفسير الكبير" 31/ 48، "الدر المنثور" 8/ 412 وعزاه إلى أبي الشيخ في "العظمة"، مرفوعًا من طريق علي بمعنى رواية الواحدي.= والذي وجدته عند أبي الشيخ من طريق البزار مرفوعًا من حديث علي: تبارك رافعها ومدبرها، ثم رمى ببصره -ﷺ- إلى الأرض، فقال: تبارك داحيها وخالقها). العظمة: 195: ح: 562.
وأورد هذه الرواية الهيثمي من طريق عليًا مرفوعة أيضًا مطولة، وقال: رواه البزار، وفيه من لم أعرفهم. "مجمع الزوائد" 7/ 328.
وقد ضعف محقق العظمة هذه الرواية بناء على كلام الهيثمي رحمه الله.]]، يعني باسط الأرضين السبع وموسعها، وهي المدحوات -بالواو- أيضًا) [[ما بين القوسين نقله الواحدي عن "تهذيب اللغة" 5/ 190 مادة: (دحا) بتصرف. وانظر: "لسان العرب" 14/ 251 مادة: (دحا).]].
وذكرنا الكلام في رتبة [[في الأصل: تربة وهو تصحيف.]] خلق السماء والأرض عند قوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ﴾ [فصلت: 11] في أول حم السجدة [[ومما جاء في تفسير قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ (11)﴾: الإشكال بينها وبين آية النازعات.
قال: وقع عد البعض إشكال بين قوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ﴾، وبين قوله: ﴿وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا﴾ فقالوا: هذه الآية تدل على أنه خلق الأرض قبل السماء؛ لأنه ذكر خلق الأرض، ثم قال بعد ما فرغ من ذكر خلق الأرض: "ثم استوى إلى السماء"، وقال في موضع آخر: ﴿أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا (27) رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا﴾ ﴿وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا﴾
فدلت هذه الآية على أنه خلق الأرض بعد السماء، فادعوا التناقض.
ثم رد عليهم بأجوبة، منها:
1 - أن الله تعالى قال: ﴿وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا﴾ ولم يقل خلقها، وابتدأها، أو أنشأها، فابتداء خلق الأرض كان قبل خلق السموات، ثم خلق السموات، ثم دحا بعد ذلك الأرض، أي بسطها ومدها، فقد كانت ربوة مجتمعة. وهذا قول ابن قتيبة.
2 - أن خلق الله -على ما ذكر الله في سورة فصلت، وقوله: "والأرض بعد ذلك" == معناه: والأرض مع ذلك، وهذا جار في كلام العرب، وإقامة بعض الصفات مقام بعضها الآخر سائر مشهور.
3 - أنه يجوز أن يكون تأويل قوله: "بعد ذلك" بمعنى قبل، ويجري مجرى حروف الأضداد، وشاهده قوله: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ﴾ قال بعضهم: معناه: من قبل الذكر؛ لأن الذكر هو القرآن.
ثم ينهي الواحدي القول في هذه المسألة بقول ابن عباس: أولاً هو خلق السماء قبل أن يخلق الأرض، ثم دحا الأرض بعد ما خلق السماء.
ثم يقول ابن الأنباري: الذي أختاره هو: أن خلق الأرض قبل خلق السماء؛ لأن ظاهر القرآن عليه أدل عليه، والحجج له أوضح.
ثم ذكر قول السدي في بيان كيف أنشأ السبع السموات -قال-: قال السدي: في قوله: "ثم استوى إلى السماء وهي دخان" قبل ذلك الدخان من نفس الماء حين تنفس، خلقها سماء واحدة، ثم فتقها، فجعلها سبعاً في يومين: في الخميس والجمعة.
انظر: "الوسيط" ج 4: 238/ ب، 239/ أ.]].
وقال أبو عبيدة: (دحاها)، و (طحاها): بسطها، يقال: دحوت، ودحيت [["مجاز القرآن" 2/ 285 بيسير من التصرف، ولم ينشد أبو عبيدة بيت الشعر الذي عزاه إليه الواحدي.]].
وأنشد قول زيد بن عمرو [[في (أ): عمر.]] بن نفيل:
دحاها فلما رآها استوت ... على الماء أرسى عليها الجبال [[ورد البيت في "التفسير الكبير" 31/ 48، "النكت والعيون" 6/ 199، "الجامع لأحكام القرآن" 19/ 207، "البحر المحيط" 8/ 418، "روح المعاني" 30/ 32، وكلها -عدا "التفسير الكبير"- برواية:
دَحاها فلما استوت شدَّها ... بأيد وأرسى عليها الجبالا]]
النازعات 79:31
قوله تعالى: ﴿أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا﴾ قال ابن عباس: يريد فجرّ البحار والأنهار، والعيون، وجميع الماء [["الوسيط" 4/ 421.]].
﴿وَمَرْعَاهَا﴾ مما يأكل الناس والأنعام.
قال عبد الله بن مسلم: انظر كيف دل بشيئين على جميع ما أخرجه من الأرض: قوتًا ومتاعًا للأنام من العُشب، والشجر، والحب، والثمر، والعصف [[العَصْف، والعَصْفَة، والعَصِفة، والعُصافة: ما كان على ساق الزرع من الورق الذي يبس، فيتفتت.
انظر: "لسان العرب" 9/ 247 مادة: (عصف).]]، والحطب، واللباس، والنار، والملح؛ لأن النار من العيدان، والملح من الماء [["تأويل مشكل القرآن" 5 بنصه.]]. ينبئك أنه أراد ذلك.
النازعات 79:34
قال تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى﴾
قال ابن عباس: يريد النفخة الثانية [["المحرر الوجيز" 5/ 434، "الجامع لأحكام القرآن" 19/ 204، "البحر المحيط" 8/ 423.]]. -وهو قول مقاتل [[لم أعثر على مصدر لقوله.]] - التي فيها البعث.
وقال الكلبي: الطامة: الساعة؛ طمت على كل شيء، فليس فوقها شيء [[لم أعثر على مصدر لقوله. وورد بمثله من غير عزو في "لباب التأويل" 4/ 352.]].
قال المبرد: "الطامة" عند العرب: الداهية التي [[في (أ): الذي.]] لا تستطاع، أخذت -فيما أحسب- من قولهم: طمَّ الفرسُ طميمًا إذا استفرغ جهده في الجري، و"طم الماء" إذا ملأ النهر كله [["التفسير الكبير" 31/ 50، "الجامع لأحكام القرآن" 19/ 204، "فتح القدير" 5/ 379.]].
قال الليث: الطَّمُّ: طَمُّ البئر بالتراب، وهو الكَبْس، وطم السيل الرَّكيَّة [[الرَّكيَّة: البئر، والجمع: ركايا. "المصباح المنير" 1/ 282 مادة: (ركا).]]: إذا دفنها حتى يسوِّيَها، ويقال للشيء الذي يكثر حتى يعلو: قد طم، والطامة: الحادثة التي تطم على ما سواها [[قوله: والطامة: الحادثة التي تطم على ما سواها: لم يرد في "تهذيب اللغة".]]، ومن ثم قيل: فوق كل طامَّة طامَّة [["تهذيب اللغة" 13/ 306 مادة: (طم).]].
قال الفراء: هي القيامة تطم على ما سواها، ومن ثم يقال: تَطِمّ وتَطُمّ: لغتان [["معاني القرآن" 3/ 243 بيسير من التصرف، وقد نقله الواحدي عن الأزهري من "تهذيب اللغة" 13/ 306 مادة: (طم).]].
قال الزجاج: هي الصيحة التي تطم كل شيء [["معاني القرآن وإعرابه" 5/ 281، وقد نقل قوله أيضًا عن "تهذيب اللغة". المرجع السابق. ونص عبارة الزجاج في معانيه: "إذا جاءت الصيحة التي تطم كل شيء، الصيحة التي يقع معها البعث والحساب والعقاب والعذاب والرحمة".]].
وقوله [[في (أ): قوله.]]: ﴿يَوْمَ يَتَذَكَّرُ﴾ أي جاءت الطامة.
النازعات 79:35
﴿يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ مَا سَعَى﴾ أي ما عمل من خير وشر في الدنيا.
وقال [[في (ع): قال.]] الكلبي: هو الكافر [[لم أعثر على مصدر لقوله. وورد بمثله من غير عزو في "الجامع لأحكام القرآن" 19/ 205.]]. (وقال عطاء: يريد أبا جهل [[لم أعثر على مصدر لقوله.]]) [[ما بين القوسين ساقط من: (أ).]].
النازعات 79:36
قوله تعالى: ﴿وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرَى﴾ قال مقاتل: تكشفت عنها الغطاء، فينظر إليها الخلق [[ورد قوله بمعناه في تفسيره: 228/ أ، كما ورد قوله في "معالم التنزيل" 4/ 445، "زاد المسير" 8/ 117.]].
وقال الكلبي: يراها كل ذي بصر [[لم أعثر على مصدر لقوله.]].
وذكر عن ابن عباس (في رواية عطاء) [[ما بين القوسين ساقط من: (أ).]] ما يدل على أن المراد بقوله: "لمن يرى" الكفار دون المسلمين [[لم أعثر على مصدر لقوله.]]، واللفظ يحتمل ذلك؛ لأنه قال: "لمن يرى" [[في (ع): يراها.]] أي برزت لمن يراها من هو أهل لها، وجواب قوله: "فإذا جاءت الطامة" محذوف على تقدير: إذا جاءت الطامة دخل أهل النار النار، وأهل الجنة الجنة، ودل على هذا المحذوف ذكر مأوى [[في (أ): روى.]] الفريقين من بعد، ولهذا كان يقول مالك بن مِغْول [[في (ع): مععول.]] [[مالك بن مِغْوَل البَجَليُّ، أبو عبد الله الكوفي، ابن عاصم بن غَربة بن حُرثة بن == جريج بن بجيلة، روى عن نافع مولى ابن عمر، روى عنه سفيان الثوري وغيره، ثقة. مات سنة 157 هـ روى له الجماعة.
انظر: "التاريخ الكبير" 7/ 314: ت: 1339، كتاب "الثقات" لابن حبان: 7/ 462، "تهذيب الكمال" 27/ 158: ت: 5753.]] في تفسير "الطامة الكبرى" (قال) [[ما بين القوسين ساقط من: (أ).]]: إنها إذا سيق أهل الجنة إلى الجنة، وأهل النار إلى النار. وهو قول القاسم [[في (ع): القاسم.]] بن الوليد [[القاسم بن الوليد الهمدانيُّ ثم الخِبْذعِيُّ، روى عن الشعبي، والباقر، وعنه ابنه الوليد، وأبو نعيم. ثقة. توفي سنة 141 هـ.
انظر: كتاب "التاريخ الكبير" 7/ 167: ت: 747، "تهذيب الكمال" 23/ 456 ت: 4833، "الكاشف" 2/ 339: ت: 4607.]] [[لم أعثر على مصدر لقوله.]].
النازعات 79:37
قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ طَغَى (37) وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ يعني الكافر.
قال مقاتل [["تفسير مقاتل" 228/ أ.]]، والكلبي [[لم أعثر على مصدر لقوله. وبمثل روايته ورد من غير عزو في "التفسير الكبير" 31/ 52.]]: نزلت في النضر وأبيه الحرث.
النازعات 79:38
قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ طَغَى (37) وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ يعني الكافر.
قال مقاتل [["تفسير مقاتل" 228/ أ.]]، والكلبي [[لم أعثر على مصدر لقوله. وبمثل روايته ورد من غير عزو في "التفسير الكبير" 31/ 52.]]: نزلت في النضر وأبيه الحرث.
النازعات 79:39
﴿فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ (أي المأوى [[المأوى: كل مكان يأوي إليه شيء ليلاً أو نهارًا، وقد أوى فلان إلى منزله، يأوي أويًا. "الصحاح" 6/ 2274 مادة: (أوا)، وانظر: "لسان العرب" 14/ 52 مادة: (أوا).]] تأويه) [[ما بين القوسين ساقط من: (أ).]]، (قال الكلبي هي: المأوى) [[ما بين القوسين ساقط من: (أ).]] لمن كان بهذه الصفة [[لم أعثر على مصدر لقوله.]].
النازعات 79:40
﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ﴾ تقدم تفسيره في سورة الرحمن [[سورة الرحمن: 46: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾.
ومما جاء في تفسيرها: أنه يجوز أن تكون مصدرًا، وموضعًا، فإن جعلته موضعًا كان المعنى: مقامه بين يدي ربه للحساب، أي المقام الذي يقفه فيه ربه.
وإن جعلته مصدرًا جاز فيه وجهان:
قيامه لربه، يدل عليه قوله: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [المطففين: 6].
والآخر: قيام ربه عليه، أي إشرافه واطلاعه عليه بالعلم، ويدل عليه قوله: ﴿أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ﴾ [الرعد: 33] الآية.
والمفسرون على القول الأول في المقام، قال ابن عباس: يريد مقامه بين يدي ربه خاف ذلك المقام، فترك المعصية والشهوة. وقال مجاهد: إذا هم بمعصية فذكر مقام الله عليه في الدنيا فتركها، وعلى هذا المقام مصدر.]].
﴿وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى﴾ قال عطاء [[لم أعثر على مصدر لقوله.]]، والكلبي [[لم أعثر على مصدر لقوله. وقد ورد بمثل قوله من غير عزو عند تفسير قوله: ﴿فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ في "النكت والعيون" 6/ 200، و"التفسير الكبير" 31/ 35، "الجامع لأحكام القرآن" 19/ 206.]]، (ومقاتل [["تفسير مقاتل" 228/ أ.]]) [[ما بين القوسين ساقط من: (أ).]]: نزلت في مصعب بن عمير.
والمعنى نهى نفسه عن المحارم التي يشتهيها، وعما كان يهوى في الجاهلية.
وقال مقاتل: هو أن الرجل يهم بالمعصية فيذكر مقامه على الله للحساب فيتركها [[ورد بنحو قوله في "معالم التنزيل" 4/ 445، "زاد المسير" 8/ 177.]]، فذلك قوله: ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى أي مأواه ومصيره.
قال ابن عباس: يريد مأوى مصعب بن عمير نزلت فيه [[ورد بمعنى هذه الرواية عن ابن عباس في "الجامع لأحكام القرآن" 19/ 206، وذكر في أحدها عنه أنها نزلت في رجلين: أبي جهل بن هشام، ومصعب بن عمير العبدري. والأخرى من رواية طويلة أنها نزلت في مصعب بن عمير، وأخيه عامر بن عمير.]].
ثم هي لمن بعده ممن كان بهذه الصفة.
قال الفراء: يريد مأوى من وصفناه بما وصفناه به من خوف ربه، ونهى نفسه عن هواها [["معاني القرآن" 3/ 234 بيسير من التصرف.]].
النازعات 79:42
﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا﴾، مفسر في آخر سورة الأعراف [[في (أ): الأنعام، وهو خطأ.]] [[سورة الأعراف: 187: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا﴾
ومما جاء في تفسيرها: "يسألونك" قال ابن عباس: إن قومًا من اليهود قالوا: يا محمد أخبرنا عن الساعة متى تكون إن كنت نبيًا؟ وقال الحسن وقتادة: هم قريش، قالت لمحمد -ﷺ-: متى الساعة؟
"عن الساعة" قال ابن عباس: يريد التي لا بعدها ساعة.
وقال الزجاج: هاهنا الساعة التي يموت فيها الخلق.
وقوله: "أيان" معناها الاستفهام عن الوقت الذي لم يجيء، وهو سؤال عن السؤال على جهة الظرف للفعل.
وقوله تعالى: "مرساها" المرسى: مفعل من الإرساء، وهو الإثبات، يقال: ولا الشيء يرسو إذا ثبت، وأرساه غيره، قال الله: "والجبال أرساها".
ومعنى: "أيان مرساها" متى يقع إثباتها، قال بعضهم: مرساها: قيامها، وهو معنى وليس بتفسير، وقال الزجاج: متى وقوعها، وقال ابن قتيبة: متى ثبوتها.]] -أي متى وقوعها، وقيامها.
النازعات 79:43
﴿فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا﴾ قال عطاء: يريد لم أطلعك على علمها [[بياض في (ع).]] [[لم أعثر على مصدر لقوله.]].
وقال الكلبي: يقول ما أنت وذاك أن تذكرها [[لم أعثر على مصدر لقوله.]].
والمعنى لست في شيء من ذكرها [[في (أ): ذكراها؟]] وعلمها، أي لا تعلمها.
و ﴿فِيمَ﴾ استفهام بمعنى الجحد [[أي النفي.]].
النازعات 79:44
﴿إِلَى رَبِّكَ مُنْتَهَاهَا﴾.
قال أبو إسحاق: أي منتهى علمها [["معاني القرآن وإعرابه" 5/ 281 بنصه.]]. (وهو معنى قول المفسرين [[قاله ابن عباس. انظر: "الدر المنثور" 8/ 413 وعزاه إلى ابن أبي حاتم، وابن مردويه بسند ضعيف.
ومن قال بمعنى ما قاله أبو إسحاق: الطبري في "جامع البيان" 30/ 49، والثعلبي في "الكشف والبيان" ج 13: 39/ أ، والماوردي في "النكت والعيون" 6/ 201، وانظر أيضًا: "معالم التنزيل" 4/ 445، "زاد المسير" 8/ 178، "التفسير الكبير" 31/ 53، "الجامع لأحكام القرآن" 19/ 207، "لباب التأويل" 4/ 352.]]) [[ما بين القوسين ساقط من: (أ).]].
قال ابن عباس: يريد علم ذلك عندي [[لم أعثر على مصدر لقوله.]].
النازعات 79:45
﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا﴾، قال الزجاج: أي إنما أنت [[فقوله: إنما أنت: بياض في (ع).]] في حال إنذار من يخشاها [[وهذا معنى لقراءة من قرأ: "منذرٌ" بالتنوين، وقد قرأ بذلك: أبو جعفر، وأبو عمرو على الأصل، وقرأ الباقون "منذرُ" من غير تنوين؛ لأجل التخفيف.
انظر: "القراءات وعلل النحوين فيها" 2/ 746، "الحجة" 6/ 375، "المبسوط" 395، "النشر" 2/ 398، "إتحاف فضلاء البشر" (433)، "المهذب" 2/ 322.]]، وتنذر أيضًا فيما يستقبل من يخشاها، ومفعل وفاعِلٌ إذا كان كل واحد منهما لما يستقبل، وللحال نونته؛ لأنه يكون بدلاً من الفعل، والفعل لا يكون إلا نكرة، وقد يجوز حذف التنوين علي الاستخفاف. والمعنى: معنى ثبوته [[يعني ثبوت التنوين. "معاني القرآن وإعرابه" 5/ 282.]]، فإذا كان لما مضى فهو غير منون ألبتة تقول: أنت منذر زيدًا، أي أنت أنذرت زيدًا [[المرجع السابق بيسير من التصرف.]].
وقال الفراء: التنوين، وتركه كلٌ صواب، كقوله: ﴿بَالِغُ أَمْرِهِ﴾ [الطلاق: 3]، (وبالغٌ أمره. ﴿مُوهِنُ كَيْدِ﴾ [الأنفال: 18]) [[ما بين القوسين ساقط من: (أ).]]، (ومُوهِنُ كيدِ) [["معاني القرآن" 3/ 243 بتصرف.]].
وقال أبو علي الفارسي: وجه التنوين، أن اسم الفاعل للحال، ويدل على ذلك قوله: ﴿قُلْ إِنَّمَا أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ﴾ [الأنبياء: 45]، ومن أضاف استخف الحذف، فحذف التنوين، كقوله: ﴿عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ﴾ [الأحقاف: 24]، ونحو ذلك بما جاء على لفظ الإضافة، والمراد به الانفصال، -قال- ويجوز أن تكون الإضافة للمضي، نحو: ضارب زيدًا أمس؛ لأنه قد فعل الإنذار [["الحجة" 6/ 375 بتصرف.]].
قال الكلبي: إنما أنت مخوف من يخاف قيامها [[لم أعثر على مصدر لقوله. وورد بمثله من غير عزو في "زاد المسير" 8/ 178.]].
والمعنى: إنما ينفع إنذارك من يخافها؛ لأنه كان منذرًا للكافة، ولكن لمن كان إنذاره من يخشاها لا ينفع، [[في (أ): زيادة: كان، وهي لفظة زائدة لا يستقيم الكلام بإثباتها.]] كأنه لم تنذره، وهذا كقوله: ﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ﴾ [فاطر: 18].
قال مقاتل: "إنما أنت منذر من يخشاها" فصدق بها [[لم أعثر على مصدر لقوله.]].
النازعات 79:46
﴿كَأَنَّهُمْ﴾ يعني كفار قريش.
﴿يَوْمَ يَرَوْنَهَا﴾ يعاينون القيامة. ﴿لَمْ يَلْبَثُوا﴾ في الدنيا.
﴿إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا﴾ قال الكلبي: يقول لم يمكثوا في قبورهم، ولا في الدنيا إلا قدر آخر نهار أو أوله [[لم أعثر على مصدر لقوله. وقد ورد معنى قوله من غير نسبة في "الوسيط" 4/ 421.]].
وهذا كقوله: ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ﴾ [الأحقاف: 35] [[في (أ): عشية أو ضحى.]]. (وقوله: ﴿أَوْ ضُحَاهَا﴾.
قال عطاء عن ابن عباس: الهاء، والألف صلة للكلام، تريد: لم يلبثوا إلا عشية أو ضحى) [[ما بين القوسين ساقط من: (أ). ولم أعثر على مصدر له.]].
-وقد مر بيانه [[وقد جاء في تفسير آية الأحقاف: 35: "قوله: "كأنهم يوم يرون ما يوعدون" أي من العذاب في الآخرة، "لم يلبثوا إلا ساعة من نهار"، قال الكلبي: لم يمكثوا في القبور إلا ساعة، وقال مقاتل: لم يلبثوا في الدنيا إلا ساعة من نهار.= والمعنى: أنهم إذا عاينوا العذاب صار طول لبثهم في الدنيا والبرزخ كأنه ساعة من النهار، وكأنه لم يكن لهول ما عاينوا؛ ولأن الشيء إذا مضى كأنه لم يكن وإن كان طويلاً.]].
وذكر الفراء [["معاني القرآن" 3/ 243.]]، والزجاج [["معاني القرآن وإعرابه" 5/ 282.]]، كلامًا دل على أن المراد بإضافة الضحى إلى العشية إضافتها إلى يوم العشية؛ لأنه للعشية ضحى، وإنما يكون ليوم تلك العشية، كأنه قيل: إلا عشية أو ضحى يومها، والعرب تقول: آتيك العشية أو غداتها.-على ما ذكرنا-
ومعنى الآية: أن ما أنكروه سيرونه حتى كأنهم لم يزالوا فيه، وكأنهم لم يلبثوا في الدنيا [[بياض في (ع).]] إلا ساعة ثم مضت كأنها لم تكن.