Lafzullah

Al-Durr Al-Manthur — البقرة 2:42 – البقرة 2:126

المؤلف / المصدر: Al-Durr Al-Manthur

المحتويات
  1. البقرة 2:42
  2. البقرة 2:43
  3. البقرة 2:44
  4. البقرة 2:45
  5. البقرة 2:46
  6. البقرة 2:47
  7. البقرة 2:48
  8. البقرة 2:49
  9. البقرة 2:50
  10. البقرة 2:51
  11. البقرة 2:52
  12. البقرة 2:53
  13. البقرة 2:54
  14. البقرة 2:55
  15. البقرة 2:56
  16. البقرة 2:57
  17. البقرة 2:58
  18. البقرة 2:59
  19. البقرة 2:60
  20. البقرة 2:61
  21. البقرة 2:62
  22. البقرة 2:63
  23. البقرة 2:65
  24. البقرة 2:66
  25. البقرة 2:67
  26. البقرة 2:68
  27. البقرة 2:69
  28. البقرة 2:70
  29. البقرة 2:71
  30. البقرة 2:72
  31. البقرة 2:73
  32. البقرة 2:74
  33. البقرة 2:75
  34. البقرة 2:76
  35. البقرة 2:77
  36. البقرة 2:78
  37. البقرة 2:79
  38. البقرة 2:80
  39. البقرة 2:81
  40. البقرة 2:82
  41. البقرة 2:83
  42. البقرة 2:84
  43. البقرة 2:85
  44. البقرة 2:86
  45. البقرة 2:87
  46. البقرة 2:88
  47. البقرة 2:89
  48. البقرة 2:90
  49. البقرة 2:91
  50. البقرة 2:93
  51. البقرة 2:94
  52. البقرة 2:95
  53. البقرة 2:96
  54. البقرة 2:97
  55. البقرة 2:98
  56. البقرة 2:99
  57. البقرة 2:100
  58. البقرة 2:101
  59. البقرة 2:102
  60. البقرة 2:103
  61. البقرة 2:104
  62. البقرة 2:105
  63. البقرة 2:106
  64. البقرة 2:108
  65. البقرة 2:109
  66. البقرة 2:110
  67. البقرة 2:111
  68. البقرة 2:112
  69. البقرة 2:113
  70. البقرة 2:114
  71. البقرة 2:115
  72. البقرة 2:116
  73. البقرة 2:117
  74. البقرة 2:118
  75. البقرة 2:119
  76. البقرة 2:120
  77. البقرة 2:121
  78. البقرة 2:124
  79. البقرة 2:125
  80. البقرة 2:126

البقرة 2:42

(p-٣٣٧)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا بَنِي إسْرائِيلَ﴾ الآياتِ. أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: إسْرائِيلُ يَعْقُوبُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: إسْرائِيلُ هو يَعْقُوبُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ أبِي مِجْلَزٍ قالَ: كانَ يَعْقُوبُ رَجُلًا بَطِيشًا فَلَقِيَ مَلَكًا فَعالَجَهُ فَصَرَعَهُ المَلَكُ فَضَرَبَهُ عَلى فَخِذَيْهِ فَلَمّا رَأى يَعْقُوبُ ما صَنَعَ بِهِ بَطَشَ بِهِ فَقالَ: ما أنا بِتارِكِكَ حَتّى تُسَمِّيَنِي اسْمًا، فَسَمّاهُ إسْرائِيلَ، قالَ أبُو مِجْلَزٍ: ألا تَرى أنَّهُ مِن أسْماءِ المَلائِكَةِ إسْرائِيلُ وجِبْرِيلُ ومِيكائِيلُ وإسْرافِيلُ. وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانَتِ الأنْبِياءُ مِن بَنِي إسْرائِيلَ إلّا عَشَرَةً: نُوحٌ وهُودٌ وصالِحٌ ولُوطٌ وشُعَيْبٌ وإبْراهِيمُ وإسْماعِيلُ وإسْحاقُ ومُحَمَّدٌ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، ولَمْ يَكُنْ مِنَ الأنْبِياءِ مَن لَهُ اسْمانِ إلّا إسْرائِيلُ وعِيسى؛ فَإسْرائِيلُ يَعْقُوبُ وعِيسى المَسِيحُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّ إسْرائِيلَ ومِيكائِيلَ وجِبْرِيلَ وإسْرافِيلَ كَقَوْلِكَ: عَبْدُ اللَّهِ. (p-٣٣٨)وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الحارِثِ البَصَرِيِّ قالَ: إيلَ اللَّهُ بِالعِبْرانِيَّةِ. وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿يا بَنِي إسْرائِيلَ﴾ قالَ: لِلْأحْبارِ مِنَ اليَهُودِ ﴿اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾ أيْ بَلائِي عِنْدَكم وعِنْدَ آبائِكم لِما كانَ نَجّاهم بِهِ مِن فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ ﴿وأوْفُوا بِعَهْدِي﴾ الَّذِي أخَذْتُ في أعْناقِكم لِلنَّبِيِّ ﷺ إذا جاءَكم ﴿أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ أُنْجِزْ لَكم ما وعَدْتُكم عَلَيْهِ بِتَصْدِيقِهِ واتِّباعِهِ بِوَضْعِ ما كانَ عَلَيْكم مِنَ الإصْرِ والأغْلالِ ﴿وإيّايَ فارْهَبُونِ﴾ أنْ أُنْزِلَ بِكم ما أنْزَلْتُ بِمَن كانَ قَبْلَكم مِن آبائِكم مِنَ النَّقِماتِ ﴿وآمِنُوا بِما أنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِما مَعَكم ولا تَكُونُوا أوَّلَ كافِرٍ بِهِ﴾ وعِنْدَكم فِيهِ مِنَ العِلْمِ ما لَيْسَ عِنْدَ غَيْرِكم ﴿وتَكْتُمُوا الحَقَّ وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أيْ: لا تَكْتُمُوا ما عِنْدَكم مِنَ المَعْرِفَةِ بِرَسُولِي وبِما جاءَ بِهِ وأنْتُمْ تَجِدُونَهُ عِنْدَكم فِيما تَعْلَمُونَ مِنَ الكُتُبِ الَّتِي بِأيْدِيكم. (p-٣٣٩)وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وأوْفُوا بِعَهْدِي﴾ يَقُولُ: ما أمَرْتُكم بِهِ مِن طاعَتِي ونَهَيْتُكم عَنْهُ مِن مَعْصِيَتِي في النَّبِيِّ ﷺ وغَيْرِهِ ﴿أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ يَقُولُ: أرْضَ عَنْكم وأُدْخِلْكُمُ الجَنَّةَ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وأوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ قالَ: هو المِيثاقُ الَّذِي أخَذَ عَلَيْهِمْ في سُورَةِ ”المائِدَةِ“ ﴿ولَقَدْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ [المائدة: ١٢] الآيَةَ [ المائِدَةِ: ١٢] . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وأوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ قالَ: العَهْدُ الَّذِي أخَذَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وأعْطاهُمُ الآيَةُ الَّتِي في سُورَةِ المائِدَةِ ﴿ولَقَدْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ [المائدة: ١٢] إلى قَوْلِهِ ﴿ولأُدْخِلَنَّكم جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾ [المائدة: ١٢] . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿وأوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ قالَ: أوْفُوا لِي بِما افْتَرَضْتُ عَلَيْكُمْ، أُوفِ لَكم بِما رَأيْتُ الوَعْدَ لَكم بِهِ عَلى نَفْسِي. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وأبُو الشَّيْخِ في “ العَظَمَةِ “ عَنِ الضَّحّاكِ في قَوْلِهِ: (p-٣٤٠)﴿وأوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ قالَ: أوْفُوا بِطاعَتِي أُوفِ لَكم بِالجَنَّةِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أبِي العالِيَةِ في قَوْلِهِ: ﴿وإيّايَ فارْهَبُونِ﴾ قالَ: فاخْشَوْنِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وآمِنُوا بِما أنْزَلْتُ﴾ قالَ: القُرْآنُ ﴿مُصَدِّقًا لِما مَعَكُمْ﴾ قالَ: التَّوْراةُ والإنْجِيلُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولا تَكُونُوا أوَّلَ كافِرٍ بِهِ﴾ قالَ: بِالقُرْآنِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أبِي العالِيَةِ في الآيَةِ قالَ: يَقُولُ: يا مَعْشَرَ أهْلِ الكِتابِ، آمِنُوا بِما أنْزَلْتُ عَلى مُحَمَّدٍ (مُصَدِّقًا لِما مَعَكُمْ) لِأنَّهم يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهم في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ ﴿ولا تَكُونُوا أوَّلَ كافِرٍ بِهِ﴾ يَقُولُ: لا تَكُونُوا أوَّلَ مَن كَفَرَ بِمُحَمَّدٍ ﴿ولا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَنًا﴾ يَقُولُ: لا تَأْخُذُوا عَلَيْهِ أجْرًا، قالَ: وهو مَكْتُوبٌ عِنْدَهم في الكِتابِ الأوَّلِ: يا ابْنَ آدَمَ عَلِّمْ مَجّانًا كَما عُلِّمْتَ مَجّانًا. (p-٣٤١)وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْ أبِي العالِيَةِ في قَوْلِهِ: ﴿ولا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَنًا قَلِيلا﴾ قالَ: لا تَأْخُذْ عَلى ما عَلَّمْتَ أجْرًا فَإنَّما أجْرُ العُلَماءِ والحُكَماءِ والحُلَماءِ عَلى اللَّهِ، وهم يَجِدُونَهُ عِنْدَهم: يا ابْنَ آدَمَ عَلِّمْ مَجّانًا كَما عُلِّمْتَ مَجّانًا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولا تَلْبِسُوا الحَقَّ بِالباطِلِ﴾ قالَ: لا تَخْلِطُوا الصِّدْقَ بِالكَذِبِ ﴿وتَكْتُمُوا الحَقَّ وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ قالَ: لا تَكْتُمُوا الحَقَّ وأنْتُمْ قَدْ عَلِمْتُمْ أنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿ولا تَلْبِسُوا الحَقَّ بِالباطِلِ﴾ قالَ: لا تَلْبِسُوا اليَهُودِيَّةَ والنَّصْرانِيَّةَ بِالإسْلامِ وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ أنَّ دِينَ اللَّهِ الإسْلامُ، وأنَّ اليَهُودِيَّةَ والنَّصْرانِيَّةَ بِدْعَةٌ لَيْسَتْ مِنَ اللَّهِ ﴿وتَكْتُمُونَ الحَقَّ وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: ٧١] قالَ: كَتَمُوا مُحَمَّدًا وهم يَعْلَمُونَ أنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ ﴿يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهم في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ يَأْمُرُهم بِالمَعْرُوفِ ويَنْهاهم عَنِ المُنْكَرِ ويُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ ويُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الخَبائِثَ﴾ [الأعراف: ١٥٧] . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أبِي زَيْدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولا تَلْبِسُوا الحَقَّ بِالباطِلِ﴾ قالَ: الحَقُّ التَّوْراةُ الَّتِي أنْزَلَ اللَّهُ، والباطِلُ: الَّذِي كَتَبُوهُ بِأيْدِيهِمْ. (p-٣٤٢)وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ السُّدِّيِّ، في قَوْلِهِ: ﴿وتَكْتُمُوا الحَقَّ﴾ قالَ: هو مُحَمَّدٌ ﷺ . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وارْكَعُوا﴾ قالَ: صَلُّوا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُقاتِلٍ في قَوْلِهِ: ﴿وارْكَعُوا مَعَ الرّاكِعِينَ﴾ قالَ: أمَرَهم أنْ يَرْكَعُوا مَعَ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ يَقُولُ: كُونُوا مِنهم ومَعَهم.

البقرة 2:43

(p-٣٣٧)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا بَنِي إسْرائِيلَ﴾ الآياتِ. أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: إسْرائِيلُ يَعْقُوبُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: إسْرائِيلُ هو يَعْقُوبُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ أبِي مِجْلَزٍ قالَ: كانَ يَعْقُوبُ رَجُلًا بَطِيشًا فَلَقِيَ مَلَكًا فَعالَجَهُ فَصَرَعَهُ المَلَكُ فَضَرَبَهُ عَلى فَخِذَيْهِ فَلَمّا رَأى يَعْقُوبُ ما صَنَعَ بِهِ بَطَشَ بِهِ فَقالَ: ما أنا بِتارِكِكَ حَتّى تُسَمِّيَنِي اسْمًا، فَسَمّاهُ إسْرائِيلَ، قالَ أبُو مِجْلَزٍ: ألا تَرى أنَّهُ مِن أسْماءِ المَلائِكَةِ إسْرائِيلُ وجِبْرِيلُ ومِيكائِيلُ وإسْرافِيلُ. وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانَتِ الأنْبِياءُ مِن بَنِي إسْرائِيلَ إلّا عَشَرَةً: نُوحٌ وهُودٌ وصالِحٌ ولُوطٌ وشُعَيْبٌ وإبْراهِيمُ وإسْماعِيلُ وإسْحاقُ ومُحَمَّدٌ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، ولَمْ يَكُنْ مِنَ الأنْبِياءِ مَن لَهُ اسْمانِ إلّا إسْرائِيلُ وعِيسى؛ فَإسْرائِيلُ يَعْقُوبُ وعِيسى المَسِيحُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّ إسْرائِيلَ ومِيكائِيلَ وجِبْرِيلَ وإسْرافِيلَ كَقَوْلِكَ: عَبْدُ اللَّهِ. (p-٣٣٨)وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الحارِثِ البَصَرِيِّ قالَ: إيلَ اللَّهُ بِالعِبْرانِيَّةِ. وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿يا بَنِي إسْرائِيلَ﴾ قالَ: لِلْأحْبارِ مِنَ اليَهُودِ ﴿اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾ أيْ بَلائِي عِنْدَكم وعِنْدَ آبائِكم لِما كانَ نَجّاهم بِهِ مِن فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ ﴿وأوْفُوا بِعَهْدِي﴾ الَّذِي أخَذْتُ في أعْناقِكم لِلنَّبِيِّ ﷺ إذا جاءَكم ﴿أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ أُنْجِزْ لَكم ما وعَدْتُكم عَلَيْهِ بِتَصْدِيقِهِ واتِّباعِهِ بِوَضْعِ ما كانَ عَلَيْكم مِنَ الإصْرِ والأغْلالِ ﴿وإيّايَ فارْهَبُونِ﴾ أنْ أُنْزِلَ بِكم ما أنْزَلْتُ بِمَن كانَ قَبْلَكم مِن آبائِكم مِنَ النَّقِماتِ ﴿وآمِنُوا بِما أنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِما مَعَكم ولا تَكُونُوا أوَّلَ كافِرٍ بِهِ﴾ وعِنْدَكم فِيهِ مِنَ العِلْمِ ما لَيْسَ عِنْدَ غَيْرِكم ﴿وتَكْتُمُوا الحَقَّ وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أيْ: لا تَكْتُمُوا ما عِنْدَكم مِنَ المَعْرِفَةِ بِرَسُولِي وبِما جاءَ بِهِ وأنْتُمْ تَجِدُونَهُ عِنْدَكم فِيما تَعْلَمُونَ مِنَ الكُتُبِ الَّتِي بِأيْدِيكم. (p-٣٣٩)وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وأوْفُوا بِعَهْدِي﴾ يَقُولُ: ما أمَرْتُكم بِهِ مِن طاعَتِي ونَهَيْتُكم عَنْهُ مِن مَعْصِيَتِي في النَّبِيِّ ﷺ وغَيْرِهِ ﴿أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ يَقُولُ: أرْضَ عَنْكم وأُدْخِلْكُمُ الجَنَّةَ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وأوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ قالَ: هو المِيثاقُ الَّذِي أخَذَ عَلَيْهِمْ في سُورَةِ ”المائِدَةِ“ ﴿ولَقَدْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ [المائدة: ١٢] الآيَةَ [ المائِدَةِ: ١٢] . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وأوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ قالَ: العَهْدُ الَّذِي أخَذَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وأعْطاهُمُ الآيَةُ الَّتِي في سُورَةِ المائِدَةِ ﴿ولَقَدْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ [المائدة: ١٢] إلى قَوْلِهِ ﴿ولأُدْخِلَنَّكم جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾ [المائدة: ١٢] . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿وأوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ قالَ: أوْفُوا لِي بِما افْتَرَضْتُ عَلَيْكُمْ، أُوفِ لَكم بِما رَأيْتُ الوَعْدَ لَكم بِهِ عَلى نَفْسِي. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وأبُو الشَّيْخِ في “ العَظَمَةِ “ عَنِ الضَّحّاكِ في قَوْلِهِ: (p-٣٤٠)﴿وأوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ قالَ: أوْفُوا بِطاعَتِي أُوفِ لَكم بِالجَنَّةِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أبِي العالِيَةِ في قَوْلِهِ: ﴿وإيّايَ فارْهَبُونِ﴾ قالَ: فاخْشَوْنِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وآمِنُوا بِما أنْزَلْتُ﴾ قالَ: القُرْآنُ ﴿مُصَدِّقًا لِما مَعَكُمْ﴾ قالَ: التَّوْراةُ والإنْجِيلُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولا تَكُونُوا أوَّلَ كافِرٍ بِهِ﴾ قالَ: بِالقُرْآنِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أبِي العالِيَةِ في الآيَةِ قالَ: يَقُولُ: يا مَعْشَرَ أهْلِ الكِتابِ، آمِنُوا بِما أنْزَلْتُ عَلى مُحَمَّدٍ (مُصَدِّقًا لِما مَعَكُمْ) لِأنَّهم يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهم في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ ﴿ولا تَكُونُوا أوَّلَ كافِرٍ بِهِ﴾ يَقُولُ: لا تَكُونُوا أوَّلَ مَن كَفَرَ بِمُحَمَّدٍ ﴿ولا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَنًا﴾ يَقُولُ: لا تَأْخُذُوا عَلَيْهِ أجْرًا، قالَ: وهو مَكْتُوبٌ عِنْدَهم في الكِتابِ الأوَّلِ: يا ابْنَ آدَمَ عَلِّمْ مَجّانًا كَما عُلِّمْتَ مَجّانًا. (p-٣٤١)وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْ أبِي العالِيَةِ في قَوْلِهِ: ﴿ولا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَنًا قَلِيلا﴾ قالَ: لا تَأْخُذْ عَلى ما عَلَّمْتَ أجْرًا فَإنَّما أجْرُ العُلَماءِ والحُكَماءِ والحُلَماءِ عَلى اللَّهِ، وهم يَجِدُونَهُ عِنْدَهم: يا ابْنَ آدَمَ عَلِّمْ مَجّانًا كَما عُلِّمْتَ مَجّانًا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولا تَلْبِسُوا الحَقَّ بِالباطِلِ﴾ قالَ: لا تَخْلِطُوا الصِّدْقَ بِالكَذِبِ ﴿وتَكْتُمُوا الحَقَّ وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ قالَ: لا تَكْتُمُوا الحَقَّ وأنْتُمْ قَدْ عَلِمْتُمْ أنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿ولا تَلْبِسُوا الحَقَّ بِالباطِلِ﴾ قالَ: لا تَلْبِسُوا اليَهُودِيَّةَ والنَّصْرانِيَّةَ بِالإسْلامِ وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ أنَّ دِينَ اللَّهِ الإسْلامُ، وأنَّ اليَهُودِيَّةَ والنَّصْرانِيَّةَ بِدْعَةٌ لَيْسَتْ مِنَ اللَّهِ ﴿وتَكْتُمُونَ الحَقَّ وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: ٧١] قالَ: كَتَمُوا مُحَمَّدًا وهم يَعْلَمُونَ أنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ ﴿يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهم في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ يَأْمُرُهم بِالمَعْرُوفِ ويَنْهاهم عَنِ المُنْكَرِ ويُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ ويُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الخَبائِثَ﴾ [الأعراف: ١٥٧] . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أبِي زَيْدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولا تَلْبِسُوا الحَقَّ بِالباطِلِ﴾ قالَ: الحَقُّ التَّوْراةُ الَّتِي أنْزَلَ اللَّهُ، والباطِلُ: الَّذِي كَتَبُوهُ بِأيْدِيهِمْ. (p-٣٤٢)وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ السُّدِّيِّ، في قَوْلِهِ: ﴿وتَكْتُمُوا الحَقَّ﴾ قالَ: هو مُحَمَّدٌ ﷺ . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وارْكَعُوا﴾ قالَ: صَلُّوا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُقاتِلٍ في قَوْلِهِ: ﴿وارْكَعُوا مَعَ الرّاكِعِينَ﴾ قالَ: أمَرَهم أنْ يَرْكَعُوا مَعَ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ يَقُولُ: كُونُوا مِنهم ومَعَهم.

البقرة 2:44

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أتَأْمُرُونَ النّاسَ بِالبِرِّ﴾ الآيَةَ. أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿أتَأْمُرُونَ النّاسَ بِالبِرِّ وتَنْسَوْنَ أنْفُسَكُمْ﴾ قالَ: أُولَئِكَ أهْلُ الكِتابِ كانُوا يَأْمُرُونَ النّاسَ بِالبِرِّ ويَنْسَوْنَ أنْفُسَهم وهم يَتْلُونَ الكِتابَ ولا يَنْتَفِعُونَ بِما فِيهِ. وأخْرَجَ الثَّعْلَبِيُّ والواحِدِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في يَهُودِ أهْلِ المَدِينَةِ؛ كانَ الرَّجُلُ مِنهم يَقُولُ لِصِهْرِهِ ولِذَوِي قَرابَتِهِ ولِمَن بَيْنَهُ وبَيْنَهم رِضاعٌ مِنَ المُسْلِمِينَ: اثْبُتْ عَلى الدِّينِ الَّذِي أنْتَ عَلَيْهِ وما يَأْمُرُكَ بِهِ هَذا الرَّجُلُ - يَعْنُونَ مُحَمَّدًا ﷺ - فَإنَّ أمْرَهُ حَقٌّ وكانُوا يَأْمُرُونَ النّاسَ بِذَلِكَ ولا يَفْعَلُونَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿أتَأْمُرُونَ النّاسَ بِالبِرِّ﴾ قالَ: (p-٣٤٣)بِالدُّخُولِ في دِينِ مُحَمَّدٍ ﴿وأنْتُمْ تَتْلُونَ﴾ يَقُولُونَ: تَدْرُسُونَ الكِتابَ بِذَلِكَ ﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ تَفْهَمُونَ، فَنَهاهم عَنْ هَذا الخُلُقِ القَبِيحِ. وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في الآيَةِ قالَ: تَنْهَوْنَ النّاسَ عَنِ الكُفْرِ بِما عِنْدَكم مِنَ النُّبُوَّةِ والعَهْدِ مِنَ التَّوْراةِ، وأنْتُمْ تَكْفُرُونَ بِما فِيها مِن عَهْدِي إلَيْكم في تَصْدِيقِ رَسُولِي. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، والبَيْهَقِيُّ في “ الأسْماءِ والصِّفاتِ “ عَنْ أبِي قِلابَةَ في الآيَةِ قالَ: قالَ أبُو الدَّرْداءِ: لا يَفْقَهُ الرَّجُلُ كُلَّ الفِقْهِ حَتّى يَمْقُتَ النّاسَ في ذاتِ اللَّهِ، ثُمَّ يَرْجِعُ إلى نَفْسِهِ فَيَكُونَ لَها أشَدَّ مَقْتًا. وأخْرَجَ وكِيعٌ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأحْمَدُ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والبَزّارُ، وابْنُ أبِي داوُدَ في “ البَعْثِ “، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ حِبّانَ، وأبُو نُعَيْمٍ في “ الحِلْيَةِ “، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في ”شُعَبِ الإيمانِ“ عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «رَأيْتُ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي رِجالًا تُقْرَضُ شِفاهُهم بِمَقارِيضَ مِن نارٍ، كُلَّما قُرِضَتْ رَجَعَتْ فَقُلْتُ لِجِبْرِيلَ: مِن هَؤُلاءِ؟ قالَ: هَؤُلاءِ خُطَباءُ مِن أُمَّتِكَ، كانُوا يَأْمُرُونَ النّاسَ بِالبَرِّ ويَنْسَوْنَ أنْفُسَهُمْ، وهم يَتْلُونَ الكِتابَ أفَلا (p-٣٤٤)يَعْقِلُونَ» . وأخْرَجَ أحْمَدُ، والبُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ عَنْ أُسامَةَ بْنِ زَيْدٍ قالَ: «سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: يُجاءُ بِالرَّجُلِ يَوْمَ القِيامَةِ فَيُلْقى في النّارِ فَتَنْدَلِقُ بِهِ أقْتابُهُ فَيَدُورُ بِها كَما يَدُورُ الحِمارُ بِرَحاهُ، فَيُطِيفُ بِهِ أهْلُ النّارِ فَيَقُولُونَ: يا فُلانُ ما لَكَ؟ ما أصابَكَ؟ ألَمْ تَكُنْ تَأْمُرُ بِالمَعْرُوفِ وتَنْهى عَنِ المُنْكَرِ ؟ فَيَقُولُ: كُنْتُ آمُرُكم بِالمَعْرُوفِ ولا آتِيهِ، وأنْهاكم عَنِ المُنْكَرِ وآتِيهِ» . وأخْرَجَ الخَطِيبُ في ”اقْتِضاءِ العِلْمِ بِالعَمَلِ“، وابْنُ النَّجّارِ في ”تارِيخِ بَغْدادَ“، عَنْ جابِرٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «اطَّلَعَ قَوْمٌ مِن أهْلِ الجَنَّةِ عَلى قَوْمٍ مِن أهْلِ النّارِ فَقالُوا: بِمَ دَخَلْتُمُ النّارَ، وإنَّما دَخَلْنا الجَنَّةَ بِتَعْلِيمِكُمْ؟ قالُوا: إنّا كُنّا نَأْمُرُكم ولا نَفْعَلُ» . (p-٣٤٥)وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ والخَطِيبُ في (اقْتِضاءِ العِلْمِ بِالعَمَلِ)، وابْنُ عَساكِرَ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ، عَنِ الوَلِيدِ بْنِ عُقْبَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إنْ أُناسًا مِن أهْلِ الجَنَّةِ يَتَطَلَّعُونَ إلى أُناسٍ مِن أهْلِ النّارِ فَيَقُولُونَ: بِمَ دَخَلْتُمُ النّارَ؟ فَواللَّهِ ما دَخَلْنا الجَنَّةَ إلّا بِتَعَلُّمِنا مِنكُمْ! فَيَقُولُونَ: إنّا كُنّا نَقُولُ ولا نَفْعَلُ» . وأخْرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ في “ زَوائِدِ الزُّهْدِ “ عَنِ الوَلِيدِ بْنِ عُقْبَةَ أنَّهُ خَطَبَ النّاسَ فَقالَ في خُطْبَتِهِ: لَيَدْخُلَنَّ أُمَراءُ النّارَ ويَدْخُلُ مَن أطاعَهُمُ الجَنَّةَ، فَيَقُولُونَ لَهم وهم في النّارِ: كَيْفَ دَخَلْتُمُ النّارَ وإنَّما دَخَلْنا الجَنَّةَ بِطاعَتِكُمْ؟ فَيَقُولُونَ لَهم: إنّا كُنّا نَأْمُرُكم بِأشْياءَ نُخالِفُ إلى غَيْرِها. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنِ الشَّعْبِيِّ قالَ: يُشْرِفُ قَوْمٌ في الجَنَّةِ عَلى قَوْمٍ في النّارِ فَيَقُولُونَ: ما لَكَمَ في النّارِ، وإنَّما كُنّا نَعْمَلُ بِما تَعْلَمُونَ؟، قالُوا: كُنّا نُعَلِّمُكم ولا نَعْمَلُ بِهِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُبارَكِ في “ الزُّهْدِ “ عَنِ الشَّعْبِيِّ قالَ: يَطَّلِعُ قَوْمٌ مِن أهْلِ الجَنَّةِ (p-٣٤٦)إلى قَوْمٍ في النّارِ فَيَقُولُونَ: ما أدْخَلَكُمُ النّارَ وإنَّما دَخَلْنا الجَنَّةَ بِفَضْلِ تَأْدِيبِكم وتَعْلِيمِكُمْ؟ قالُوا: إنّا كُنّا نَأْمُرُ بِالخَيْرِ ولا نَفْعَلُهُ. وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ والخَطِيبُ في الِاقْتِضاءِ والأصْبِهانِيُّ في ”التَّرْغِيبِ“ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ عَنْ جُنْدُبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَثَلُ العالِمِ الَّذِي يُعَلِّمُ النّاسَ الخَيْرَ ولا يَعْمَلُ بِهِ كَمَثَلِ السِّراجِ يُضِيءُ لِلنّاسِ ويَحْرِقُ نَفْسَهُ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ في “ زَوائِدِ الزُّهْدِ “ عَنْ جُنْدُبٍ البَجَلِيِّ قالَ: إنَّ مَثَلَ الَّذِي يَعِظُ النّاسَ ويَنْسى نَفْسَهُ كَمِثْلِ المِصْباحِ، يُضِيءُ لِغَيْرِهِ ويَحْرِقُ نَفْسَهُ. وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ والخَطِيبُ في “ الِاقْتِضاءِ “ عَنْ أبِي بَرْزَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَثَلُ الَّذِي يُعَلِّمُ النّاسَ ويَنْسى نَفْسَهُ كَمَثَلِ الفَتِيلَةِ تُضِيءُ لِلنّاسِ وتَحْرِقُ نَفْسَها» . وأخْرَجَ ابْنُ قانِعٍ في ”مُعْجَمِهِ“ والخَطِيبُ في “ الِاقْتِضاءِ “ عَنْ سُلَيْكٍ (p-٣٤٧)قالَ: «سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: إذا عَلِمَ العالِمُ ولَمْ يَعْمَلْ كانَ كالمِصْباحِ يُضِيءُ لِلنّاسِ ويَحْرِقُ نَفْسَهُ» . وأخْرَجَ الأصْبِهانِيُّ في ”التَّرْغِيبِ“ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنْ أبِي أُمامَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «يُجاءُ بِالعالِمِ السَّوْءِ يَوْمَ القِيامَةِ فَيُقْذَفُ في جَهَنَّمَ، فَيَدُورُ بِقُصْبِهِ - قُلْتُ: ما قُصْبُهُ؟ قالَ: أمْعاؤُهُ - كَما يَدُورُ الحِمارُ بِالرَّحى، فَيُقالُ: يا ويْلَهْ بِمَ لَقِيتَ هَذا، وإنَّما اهْتَدَيْنا بِكَ؟ قالَ: كُنْتُ أُخالِفُكم إلى ما أنْهاكم عَنْهُ» . وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَن دَعا النّاسَ إلى قَوْلٍ أوْ عَمَلٍ ولَمْ يَعْمَلْ هو بِهِ لَمْ يَزَلْ في ظِلِّ سَخَطِ اللَّهِ حَتّى يَكُفَّ أوْ يَعْمَلَ ما قالَ أوْ دَعا إلَيْهِ» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في ”شُعَبِ الإيمانِ“، وابْنُ عَساكِرَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أنَّهُ جاءَهُ رَجُلٌ فَقالَ: يا ابْنَ عَبّاسٍ إنِّي أُرِيدُ أنْ آمُرَ بِالمَعْرُوفِ وأنْهى عَنِ المُنْكَرِ، قالَ: أوَبَلَغْتَ ذَلِكَ؟ قالَ: أرْجُو، قالَ: فَإنْ لَمْ تَخْشَ أنْ تَفْتَضِحَ بِثَلاثَةِ أحْرُفٍ في كِتابِ اللَّهِ فافْعَلْ، قالَ: وما هُنَّ؟ قالَ: قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿أتَأْمُرُونَ النّاسَ بِالبِرِّ وتَنْسَوْنَ أنْفُسَكُمْ﴾ أحْكَمْتَ هَذِهِ الآيَةَ؟ قالَ: لا، قالَ: فالحَرْفُ الثّانِي؟ قالَ: قَوْلُهُ تَعالى ﴿لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: ٢] ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: ٣] (p-٣٤٨)أحْكَمْتَ هَذِهِ الآيَةَ؟ قالَ: لا، قالَ: فالحَرْفُ الثّالِثُ؟ قالَ: قَوْلُ العَبْدِ الصّالِحِ شُعَيْبٍ: ﴿وما أُرِيدُ أنْ أُخالِفَكم إلى ما أنْهاكم عَنْهُ﴾ [هود: ٨٨] [ هُودٍ: ٨٨] أحْكَمْتَ هَذِهِ الآيَةَ؟ قالَ: لا، قالَ: فابْدَأْ بِنَفْسِكَ. وأخْرَجَ ابْنُ المُبارَكِ في “ الزُّهْدِ “، والبَيْهَقِيُّ في ”شُعَبِ الإيمانِ“ عَنِ الشَّعْبِيِّ قالَ: ما خَطَبَ خَطِيبٌ في الدُّنْيا إلّا سَيَعْرِضُ اللَّهُ عَلَيْهِ خُطْبَتَهُ ما أرادَ بِها. وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأحْمَدُ في “ الزُّهْدِ “ عَنْ أبِي الدَّرْداءِ قالَ: ويْلٌ لِلَّذِي لا يَعْلَمُ مَرَّةً ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَعَلَّمَهُ، ووَيْلٌ لِلَّذِي يَعْلَمُ ولا يَعْمَلُ سَبْعَ مَرّاتٍ. وأخْرَجَ أحْمَدُ في “ الزُّهْدِ “ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قالَ: ويْلٌ لِلَّذِي لا يَعْلَمُ ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَعَلَّمَهُ، ووَيْلٌ لِمَن يَعْلَمُ ولا يَعْمَلُ سَبْعَ مَرّاتٍ.

البقرة 2:45

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ﴾ . أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿واسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ والصَّلاةِ﴾ (p-٣٤٩)قالَ: إنَّهُما مَعُونَتانِ مِنَ اللَّهِ فاسْتَعِينُوا بِهِما. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا في ”كِتابِ العَزاءِ“، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: الصَّبْرُ اعْتِرافُ العَبْدِ لِلَّهِ بِما أصابَ مِنهُ واحْتِسابُهُ عِنْدَ اللَّهِ رَجاءَ ثَوابِهِ وقَدْ يَجْزَعُ الرَّجُلُ وهو مُتَجَلِّدٌ لا يُرى مِنهُ إلّا الصَّبْرُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ قالَ: الصَّبْرُ صَبْرانِ: صَبْرٌ عِنْدَ المُصِيبَةِ حَسَنٌ وأحْسَنُ مِنهُ الصَّبْرُ عَنْ مَحارِمِ اللَّهِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ قالَ: الصَّبْرُ بابَيْنِ الصَّبْرُ لِلَّهِ فِيما أحَبَّ وإنْ ثَقُلَ عَلى الأنْفُسِ والأبْدانِ، والصَّبْرُ لِلَّهِ عَمّا كَرِهَ وإنْ نازَعَتْ إلَيْهِ الأهْواءُ، فَمَن كانَ هَكَذا فَهو مِنَ الصّابِرِينَ الَّذِينَ يُسَلَّمُ عَلَيْهِمْ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا في ”كِتابِ الصَّبْرِ“، وأبُو الشَّيْخِ في ”الثَّوابِ“ والدَّيْلَمِيُّ في ”مُسْنَدِ الفِرْدَوْسِ“، عَنْ عَلِيٍّ، قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «الصَّبْرُ ثَلاثَةٌ؛ فَصَبْرٌ عَلى المُصِيبَةِ وصَبْرٌ عَلى الطّاعَةِ وصَبْرٌ عَلى المَعْصِيَةِ» . (p-٣٥٠)وأخْرَجَ أحْمَدُ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ في ”مُسْنَدِهِ“، والتِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في ”شُعَبِ الإيمانِ“ وفي “ الأسْماءِ والصِّفاتِ “ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «كُنْتُ رَدِيفَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: يا غُلامُ ألا أُعَلِّمُكَ كَلِماتٍ يَنْفَعُكَ اللَّهُ بِهِنَّ؟ قُلْتُ: بَلى، قالَ: احْفَظِ اللَّهَ يَحْفَظْكَ احْفَظِ اللَّهَ تَجِدْهُ أمامَكَ، تَعَرَّفْ إلى اللَّهِ في الرَّخاءِ يَعْرِفْكَ في الشِّدَّةِ، واعْلَمْ أنَّ ما أصابَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَكَ، وأنَّ ما أخْطَأكَ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَكَ، وإنَّ الخَلائِقَ لَوِ اجْتَمَعُوا عَلى أنْ يُعْطُوكَ شَيْئًا لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أنْ يُعْطِيَكَهُ لَمْ يَقْدِرُوا عَلى ذَلِكَ أوْ أنْ يَصْرِفُوا عَنْكَ شَيْئًا أرادَ اللَّهُ أنْ يُعْطِيَكَهُ لَمْ يَقْدِرُوا عَلى ذَلِكَ، وأنْ قَدْ جَفَّ القَلَمُ بِما هو كائِنٌ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، فَإذا سَألْتَ فَسَألِ اللَّهَ، وإذا اسْتَعَنْتَ فاسْتَعِنْ بِاللَّهِ، وإذا اعْتَصَمْتَ فاعْتَصِمْ بِاللَّهِ، واعْمَلْ لِلَّهِ بِالشُّكْرِ في اليَقِينِ، واعْلَمْ أنَّ الصَّبْرَ عَلى ما تَكْرَهُ خَيْرٌ كَثِيرٌ، وأنَّ النَّصْرَ مَعَ الصَّبْرِ وأنَّ الفَرَجَ مَعَ الكَرْبِ وأنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا» . وأخْرَجَ الدّارَقُطْنِيُّ في ”الأفْرادِ“، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، والأصْبِهانِيُّ في ”التَّرْغِيبِ“ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السّاعِدِيِّ، «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبّاسٍ: يا غُلامُ ألا أُعَلِّمُكَ كَلِماتٍ تَنْتَفِعُ بِهِنَّ؟ قالَ: بَلى يا رَسُولَ (p-٣٥١)اللَّهِ، قالَ: احْفَظِ اللَّهَ يَحْفَظْكَ احْفَظِ اللَّهَ تَجِدْهُ أمامَكَ، تَعَرَّفْ إلى اللَّهِ في الرَّخاءِ يَعْرِفْكَ في الشِّدَّةِ، إذا سَألْتَ فاسْألِ اللَّهَ، وإذا اسْتَعَنْتَ فاسْتَعِنْ بِاللَّهِ، جَفَّ القَلَمُ بِما هو كائِنٌ، ولَوْ جَهَدَ العِبادُ أنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَكْتُبْهُ اللَّهُ لَكَ لَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِ، ولَوْ جَهَدَ العِبادُ أنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَكْتُبْهُ اللَّهُ عَلَيْكَ لَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِ فَإنِ اسْتَطَعْتَ أنْ تَعْمَلَ لِلَّهِ بِالصِّدْقِ في اليَقِينِ فافْعَلْ، فَإنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَإنَّ في الصَّبْرِ عَلى ما تَكْرَهُ خَيْرًا كَثِيرًا، واعْلَمْ أنَّ النَّصْرَ مَعَ الصَّبْرِ، وإنَّ الفَرَجَ مَعَ الكَرْبِ، وأنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْرًا» . وأخْرَجَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ في ”نَوادِرِ الأُصُولِ“ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «كُنْتُ ذاتَ يَوْمٍ رَدِيفَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قالَ: ألا أُعَلِّمُكَ خِصالًا يَنْفَعُكَ اللَّهُ بِهِنَّ؟ قُلْتُ: بَلى، قالَ: عَلَيْكَ بِالعِلْمِ فَإنَّ العِلْمَ خَلِيلُ المُؤْمِنِ، والحِلْمَ وزِيرُهُ، والعَقْلَ دَلِيلُهُ، والعَمَلَ قَيِّمُهُ والرِّفْقَ أبُوهُ، واللِّينَ أخُوهُ، والصَّبْرَ أمِيرُ جُنُودِهِ» . وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في ”شُعَبِ الإيمانِ“ والخَرائِطِيُّ في ”كِتابِ الشُّكْرِ“ عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «الإيمانُ نِصْفانِ، فَنِصْفٌ في الصَّبْرِ ونِصْفٌ في الشُّكْرِ» . (p-٣٥٢)وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «الصَّبْرُ نِصْفُ الإيمانِ واليَقِينُ الإيمانُ كُلُّهُ» . وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والطَّبَرانِيُّ، والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مَوْقُوفًا مِثْلَهُ، وقالَ البَيْهَقِيُّ: إنَّهُ المَحْفُوظُ. وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ قالَ: الإيمانُ عَلى أرْبَعِ دَعائِمَ، عَلى الصَّبْرِ والعَدْلِ واليَقِينِ والجِهادِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: قِيلَ يا رَسُولَ اللَّهِ، أيُّ الإيمانِ أفْضَلُ؟ قالَ: الصَّبْرُ والسَّماحَةُ، قِيلَ: فَأيُّ المُؤْمِنِينَ أكْمَلُ إيمانًا قالَ: أحْسَنُهم خُلُقًا. وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ اللَّيْثِيِّ عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قالَ: «بَيْنَما أنا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إذْ جاءَهُ رَجُلٌ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، ما الإيمانُ؟ قالَ: الصَّبْرُ والسَّماحَةُ. قالَ: فَأيُّ الإسْلامِ أفْضَلُ؟ قالَ: مَن سَلِمَ المُسْلِمُونَ مِن لِسانِهِ ويَدِهِ. قالَ: فَأيُّ الهِجْرَةِ أفْضَلُ؟ قالَ: مَن هَجَرَ السُّوءَ، قالَ: فَأيُّ الجِهادِ أفْضَلُ ؟ قالَ: مَن أُهَرِقَ دَمُهُ وعُقِرَ جَوادُهُ، قالَ: (p-٣٥٣)فَأيُّ الصَّدَقَةِ أفْضَلُ؟ قالَ: جُهْدُ المُقِلِّ، قالَ: فَأيُّ الصَّلاةِ أفْضَلُ؟ قالَ: طُولُ القُنُوتِ» . وأخْرَجَ أحْمَدُ، والبَيْهَقِيُّ عَنْ عُبادَةَ بْنِ الصّامِتِ قالَ: «قالَ رَجُلٌ: يا رَسُولَ اللَّهِ أيُّ العَمَلِ أفْضَلُ؟ قالَ: الصَّبْرُ والسَّماحَةُ، قالَ: أُرِيدُ أفْضَلَ مِن ذَلِكَ، قالَ: لا تَتَّهِمُ اللَّهَ في شَيْءٍ مِن قَضائِهِ» . وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ عَنِ الحَسَنِ قالَ: الإيمانُ الصَّبْرُ والسَّماحَةُ، الصَّبْرُ عَنْ مَحارِمِ اللَّهِ وأداءِ فَرائِضِ اللَّهِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ في كِتابِ الإيمانِ، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ عَلِيٍّ، قالَ: الصَّبْرُ مِنَ الإيمانِ بِمَنزِلَةِ الرَّأْسِ مِنَ الجَسَدِ، إذا قُطِعَ الرَّأْسُ نَتِنَ باقِي الجَسَدِ، ولا إيمانَ لِمَن لا صَبْرَ لَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا، والبَيْهَقِيُّ عَنِ الحَسَنِ، «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: أدْخِلْ نَفْسَكَ في هُمُومِ الدُّنْيا، واخْرُجْ مِنها بِالصَّبْرِ، ولْيَرُدَّكَ عَنِ النّاسِ ما تَعْلَمُ مِن نَفْسِكَ» . وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ عَنِ البَراءِ بْنِ عازِبٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَن قَضى (p-٣٥٤)نَهْمَتَهُ في الدُّنْيا حِيلَ بَيْنَهُ وبَيْنَ شَهْوَتِهِ في الآخِرَةِ، ومَن مَدَّ عَيْنَيْهِ إلى زِينَةِ المُتْرَفِينَ كانَ مَهِينًا في مَلَكُوتِ السَّماءِ، ومَن صَبَرَ عَلى القُوتِ الشَّدِيدِ أسْكَنَهُ اللَّهُ الفِرْدَوْسَ حَيْثُ شاءَ» . وأخْرَجَ أحْمَدُ، ومُسْلِمٌ، والتِّرْمِذِيُّ، وابْنُ ماجَهْ، والبَيْهَقِيُّ واللَّفْظُ لَهُ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قالَ: «قَدْ أفْلَحَ مَن أسْلَمَ وكانَ رِزْقُهُ كَفافًا وصَبَرَ عَلى ذَلِكَ» . وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ عَنْ أبِي الحُوَيْرِثِ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «طُوبى لِمَن رَزَقَهُ اللَّهُ الكَفافَ وصَبَرَ عَلَيْهِ» . وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ عَنْ عَسْعَسَ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَدَ رَجُلًا فَسَألَ عَنْهُ، فَجاءَ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي أرَدْتُ أنْ آتِيَ هَذا الجَبَلَ فَأخْلُوَ فِيهِ وأتَعَبَّدَ. فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: لَصَبْرُ أحَدِكم ساعَةً عَلى ما يَكْرَهُ في بَعْضِ مَواطِنِ الإسْلامِ خَيْرٌ مِن عِبادَتِهِ خالِيًا أرْبَعِينَ سَنَةً» . وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ مِن طَرِيقِ عَسْعَسَ بْنِ سَلامَةَ عَنْ أبِي حاضِرٍ الأسَدِيِّ «أنَّ (p-٣٥٥)رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَدَ رَجُلًا فَسَألَ عَنْهُ فَقِيلَ: إنَّهُ قَدْ تَفَرَّدَ يَتَعَبَّدُ، فَبَعَثَ إلَيْهِ فَأُتِيَ بِهِ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ألا إنَّ مَوْطِنًا مِن مَواطِنِ المُسْلِمِينَ أفْضَلُ مِن عِبادَةِ الرَّجُلِ وحْدَهُ سِتِّينَ سَنَةً، قالَها ثَلاثًا» . وأخْرَجَ البُخارِيُّ في ”الأدَبِ“، والتِّرْمِذِيُّ، وابْنُ ماجَهْ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «المُسْلِمُ الَّذِي يُخالِطُ النّاسَ ويَصْبِرُ عَلى أذاهُمْ، خَيْرٌ مِنَ المُسْلِمِ الَّذِي لا يُخالِطُ النّاسَ ولا يَصْبِرُ عَلى أذاهم» . وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أيُّكم يَسُرُّهُ أنْ يَقِيَهُ اللَّهُ مِن فَيْحِ جَهَنَّمَ؟ ثُمَّ قالَ: ألا إنَّ عَمَلَ الجَنَّةِ خَزْنٌ بِرَبْوَةٍ- ثَلاثًا- ألا إنَّ عَمَلَ النَّهارِ سَهْلٌ بِشَهْوَةٍ- ثَلاثًا- والسَّعِيدُ مَن وُقِيَ الفِتَنَ ومَنِ ابْتُلِيَ فَصَبَرَ، فَيا لَها، ثُمَّ يا لَها» . وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ وضَعَّفَهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «ما صَبَرَ أهْلُ بَيْتٍ عَلى جَهْدٍ ثَلاثًا إلّا أتاهُمُ اللَّهُ بِرِزْقٍ» . وأخْرَجَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ في ”نَوادِرِ الأُصُولِ“ مِن حَدِيثِ ابْنِ (p-٣٥٦)عُمَرَ، مِثْلَهُ. وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ مِن وجْهٍ آخَرَ ضَعِيفٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَن جاعَ أوِ احْتاجَ فَكَتَمَهُ النّاسَ، كانَ حَقًّا عَلى اللَّهِ أنْ يَرْزُقَهُ رِزْقَ سَنَةٍ مِن حَلالٍ» . وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: ما مِن مُؤْمِنٍ تَقِيٍّ يَحْبِسُ اللَّهُ عَنْهُ الدُّنْيا ثَلاثَةَ أيّامٍ، وهو في ذَلِكَ راضٍ عَنِ اللَّهِ، مِن غَيْرِ جَزِعٍ، إلّا وجَبَتْ لَهُ الجَنَّةُ. وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ عَنْ شُرَيْحٍ قالَ: إنِّي لَأُصابُ بِالمُصِيبَةِ فَأحْمَدُ اللَّهَ عَلَيْها أرْبَعَ مَرّاتٍ: أحْمَدُهُ إذْ لَمْ تَكُنْ أعْظَمَ مِمّا هِيَ، وأحْمَدُهُ إذْ رَزَقَنِي الصَّبْرَ عَلَيْها، وأحْمَدُهُ إذْ وفَّقَنِي لِلِاسْتِرْجاعِ لِما أرْجُو فِيهِ مِنَ الثَّوابِ، وأحْمَدُهُ إذْ لَمْ يَجْعَلْها في دِينِي. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا، والبَيْهَقِيُّ عَنِ الحَسَنِ قالَ: «خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذاتَ يَوْمٍ فَقالَ: هَلْ مِنكم مَن يُرِيدُ أنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ عِلْمًا بِغَيْرِ تَعَلُّمٍ وهُدًى بِغَيْرِ هِدايَةٍ؟ هَلْ مِنكم مَن يُرِيدُ أنْ يُذْهِبَ اللَّهُ عَنْهُ العَمى ويَجْعَلَهُ بَصِيرًا، ألا إنَّهُ مَن زَهِدَ الدُّنْيا وقَصُرَ أمَلُهُ فِيها أعْطاهُ اللَّهُ عِلْمًا بِغَيْرِ تَعَلُّمٍ (p-٣٥٧)وهُدًى بِغَيْرِ هِدايَةٍ ألا إنَّهُ سَيَكُونُ بَعْدَكم قَوْمٌ لا يَسْتَقِيمُ لَهُمُ المُلْكُ إلّا بِالقَتْلِ والتَّجَبُّرِ، ولا الغِنى إلّا بِالبُخْلِ والفَخْرِ، ولا المَحَبَّةُ إلّا بِالِاسْتِخْرامِ في الدِّينِ واتِّباعِ الهَوى، ألا فَمَن أدْرَكَ ذَلِكَ الزَّمانَ مِنكم فَصَبَرَ لِلْفَقْرِ وهو يَقْدِرُ عَلى الغِنى وصَبَرَ لِلْبَغْضاءِ وهو يَقْدِرُ عَلى المَحَبَّةِ، وصَبَرَ عَلى الذُّلِّ وهو يَقْدِرُ عَلى العِزِّ، لا يُرِيدُ بِذَلِكَ إلّا وجْهَ اللَّهِ، أعْطاهُ ثَوابَ خَمْسِينَ صِدِّيقًا» . وأخْرَجَ أحْمَدُ في “ الزُّهْدِ “، والبَيْهَقِيُّ عَنِ الحَسَنِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أفْضَلُ الإيمانِ الصَّبْرُ والسَّماحَةُ» . وأخْرَجَ مالِكٌ، وأحْمَدُ، والبُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وأبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ، والبَيْهَقِيُّ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ، أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «إنَّهُ مَن يَسْتَعِفَّ يُعِفَّهُ اللَّهُ، ومَن يَسْتَغْنِ يُغْنِهِ اللَّهُ، ومَن يَتَصَبَّرْ يُصَبِّرْهُ اللَّهُ، ولَمْ تُعْطَوْا عَطاءً خَيْرًا وأوْسَعَ مِنَ الصَّبْرِ» . (p-٣٥٨)وأخْرَجَ أحْمَدُ في “ الزُّهْدِ “ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ قالَ: وجَدْنا خَيْرَ عَيْشِنا الصَّبْرَ. وأخْرَجَ أبُو نُعَيْمٍ في “ الحِلْيَةِ “ عَنْ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرانَ قالَ: ما نالَ رَجُلٌ مِن جَسِيمِ الخَيْرِ – نَبِيٌّ ولا غَيْرُهُ - إلّا بِالصَّبْرِ. * * قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والصَّلاةِ﴾ . أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أبِي العالِيَةِ في قَوْلِهِ: ﴿واسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ والصَّلاةِ﴾ قالَ: عَلى مَرْضاةِ اللَّهِ، واعْلَمُوا أنَّهُما مِن طاعَةِ اللَّهِ. وأخْرَجَ أحْمَدُ وأبُو داوُدَ، وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ حُذَيْفَةَ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذا حَزَبَهُ أمْرٌ فَزِعَ إلى الصَّلاةِ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا، وابْنُ عَساكِرَ عَنْ أبِي الدَّرْداءِ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذا كانَتْ لَيْلَةُ رِيحٍ كانَ مَفْزَعُهُ إلى المَسْجِدِ حَتّى تَسْكُنَ، وإذا حَدَثَ في السَّماءِ حَدَثٌ مِن كُسُوفِ شَمْسٍ أوْ قَمَرٍ كانَ مَفْزَعُهُ إلى الصَّلاةِ حَتّى يَنْجَلِيَ» . (p-٣٥٩)وأخْرَجَ أحْمَدُ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ حِبّانَ عَنْ صُهَيْبٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «كانُوا - يَعْنِي الأنْبِياءَ - يَفْزَعُونَ إذا فَزِعُوا إلى الصَّلاةِ» . وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والحاكِمُ، والبَيْهَقِيُّ في ”شُعَبِ الإيمانِ“ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أنَّهُ كانَ في مَسِيرٍ لَهُ فَنُعِيَ إلَيْهِ ابْنٌ لَهُ فَنَزَلَ فَصَلّى رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ اسْتَرْجَعَ وقالَ: فَعَلْنا كَما أمَرَنا اللَّهُ فَقالَ: ﴿واسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ والصَّلاةِ﴾ . وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والبَيْهَقِيُّ في ”الشُّعَبِ“ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أنَّهُ نُعِيَ إلَيْهِ أخُوهُ قُثَمُ وهو في مَسِيرٍ فاسْتَرْجَعَ، ثُمَّ تَنَحّى عَنِ الطَّرِيقِ فَصَلّى رَكْعَتَيْنِ أطالَ فِيهِما الجُلُوسَ، ثُمَّ قامَ يَمْشِي إلى راحِلَتِهِ وهو يَقُولُ: ﴿واسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ والصَّلاةِ وإنَّها لَكَبِيرَةٌ إلا عَلى الخاشِعِينَ﴾ . وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في ”شُعَبِ الإيمانِ“ عَنْ عُبادَةَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عُبادَةَ بْنِ الصّامِتِ قالَ: لَمّا حَضَرَتْ عُبادَةَ الوَفاةُ قالَ: أُحَرِّجُ عَلى إنْسانٍ مِنكم يَبْكِي، فَإذا خَرَجَتْ نَفْسِي فَتَوَضَّئُوا وأحْسِنُوا الوُضُوءَ، ثُمَّ لْيَدْخُلْ كُلُّ إنْسانٍ مِنكم مَسْجِدًا فَيُصَلِّيَ، ثُمَّ يَسْتَغْفِرَ لِعُبادَةَ ولِنَفْسِهِ، فَإنَّ اللَّهَ تَبارَكَ وتَعالى قالَ: (p-٣٦٠)﴿واسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ والصَّلاةِ﴾ ثُمَّ أسْرِعُوا بِي إلى حُفْرَتِي. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ في ”المُصَنَّفِ“، والبَيْهَقِيُّ مِن طَرِيقِ مَعْمَرٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ حَمِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ عَنْ أُمِّهِ أُمِّ كُلْثُومٍ بِنْتِ عُقْبَةَ وكانَتْ مِنَ المُهاجِراتِ الأُوَلِ في قَوْلِهِ: ﴿واسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ والصَّلاةِ﴾ قالَتْ: غُشِيَ عَلى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ غَشْيَةً فَظَنُّوا أنَّهُ أفاضَ نَفْسُهُ فِيها، فَخَرَجَتِ امْرَأتُهُ أُمُّ كُلْثُومٍ إلى المَسْجِدِ تَسْتَعِينُ بِما أُمِرَتْ بِهِ مِنَ الصَّبْرِ والصَّلاةِ، فَلَمّا أفاقَ قالَ: أغُشِيَ عَلَيَّ آنِفًا؟ قالُوا: نَعَمْ، قالَ: صَدَقْتُمْ إنَّهُ جاءَنِي مَلِكانِ فَقالا لِي: انْطَلِقْ نُحاكِمْكَ إلى العَزِيزِ الأمِينِ، فَقالَ مَلَكٌ أخَرُ: ارْجِعا فَإنَّ هَذا مِمَّنْ كُتِبَتْ لَهُ السَّعادَةُ وهم في بُطُونِ أُمَّهاتِهِمْ، ويَسْتَمْتِعُ بِهِ بَنُوهُ ما شاءَ اللَّهُ. فَعاشَ بَعْدَ ذَلِكَ شَهْرًا ثُمَّ ماتَ. وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في ”الشُّعَبِ“ عَنْ مُقاتِلِ بْنِ حَيّانَ في قَوْلِهِ: ﴿واسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ والصَّلاةِ﴾ يَقُولُ: اسْتَعِينُوا عَلى طَلَبِ الآخِرَةِ بِالصَّبْرِ عَلى الفَرائِضِ والصَّلاةِ، فَحافَظُوا عَلَيْها وعَلى مَواقِيتِها وتِلاوَةِ القُرْآنِ فِيها ورُكُوعِها وسُجُودِها وتَكْبِيرِها والتَّشَهُّدِ فِيها والصَّلاةِ عَلى النَّبِيِّ ﷺ، وإكْمالِ طُهُورِها، فَذَلِكَ إقامَتُها وإتْمامُها. * * قَوْلُهُ تَعالى ﴿وإنَّها لَكَبِيرَةٌ إلا عَلى الخاشِعِينَ﴾ يَقُولُ: (p-٣٦١)صَرْفُكَ عَنْ بَيْتِ المَقْدِسِ إلى الكَعْبَةِ، كَبُرَ ذَلِكَ عَلى المُنافِقِينَ واليَهُودِ ﴿إلا عَلى الخاشِعِينَ﴾ يَعْنِي المُتَواضِعِينَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الضَّحّاكِ في قَوْلِهِ: ﴿وإنَّها لَكَبِيرَةٌ﴾ قالَ: لَثَقِيلَةٌ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وإنَّها لَكَبِيرَةٌ﴾ قالَ: قالَ المُشْرِكُونَ واللَّهِ يا مُحَمَّدُ إنَّكَ لَتَدْعُونا إلى أمْرٍ كَبِيرٍ، قالَ: إلى الصَّلاةِ والإيمانِ بِاللَّهِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إلا عَلى الخاشِعِينَ﴾ قالَ: المُصَدِّقِينَ بِما أنْزَلَ اللَّهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿إلا عَلى الخاشِعِينَ﴾ قالَ: المُؤْمِنِينَ حَقًّا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أبِي العالِيَةِ في قَوْلِهِ: ﴿إلا عَلى الخاشِعِينَ﴾ قالَ: الخائِفِينَ.

البقرة 2:46

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أنَّهم مُلاقُو رَبِّهِمْ﴾ الآيَةَ. أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: كُلُّ ظَنٍّ في (p-٣٦٢)القُرْآنِ فَهو يَقِينٌ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ قالَ: ما كانَ مِن ظَنِّ الآخِرَةِ فَهو عِلْمٌ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أبِي العالِيَةِ في قَوْلِهِ: ﴿وأنَّهم إلَيْهِ راجِعُونَ﴾ قالَ: يَسْتَيْقِنُونَ أنَّهم يَرْجِعُونَ إلَيْهِ يَوْمَ القِيامَةِ.

البقرة 2:47

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا بَنِي إسْرائِيلَ﴾ الآيَةَ. أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ، أنَّهُ كانَ إذا تَلا: ﴿اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾ قالَ: مَضى القَوْمُ وإنَّما يَعْنِي بِهِ أنْتُمْ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ سُفْيانَ بْنِ عُيَيْنَةَ في قَوْلِهِ: ﴿اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾ قالَ: أيادِيَ اللَّهِ عَلَيْكم وأيّامَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿يا بَنِي إسْرائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾ قالَ: نِعْمَةُ اللَّهِ الَّتِي أنْعَمَ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ فِيما سَمّى وفِيما سِوى ذَلِكَ فَجَّرَ لَهُمُ الحَجَرَ، وأنْزَلَ عَلَيْهِمُ المَنَّ والسَّلْوى، وأنْجاهم مِن عُبُودِيَّةِ آلِ فِرْعَوْنَ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وأنِّي فَضَّلْتُكم عَلى العالَمِينَ﴾ (p-٣٦٣)قالَ: فُضِّلُوا عَلى العالَمِ الَّذِي كانُوا فِيهِ، ولِكُلِّ زَمانٍ عالَمٌ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وأنِّي فَضَّلْتُكم عَلى العالَمِينَ﴾ قالَ: عَلى مَن هم بَيْنَ ظَهْرَيْهِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أبِي العالِيَةِ في قَوْلِهِ: ﴿وأنِّي فَضَّلْتُكم عَلى العالَمِينَ﴾ قالَ: بِما أُعْطُوا مِنَ المُلْكِ والرُّسُلِ والكُتُبِ عَلى مَن كانَ في ذَلِكَ الزَّمانِ، فَإنَّ لِكُلِّ زَمانٍ عالَمًا.

البقرة 2:48

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واتَّقُوا يَوْمًا﴾ الآيَةَ. أخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «قَرَأْتُ عَلى أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: ﴿(واتَّقُوا يَوْمًا لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٌ شَيْئًا)﴾ بِالتّاءِ (ولا تُقْبَلُ مِنها شَفاعَةٌ) قالَ أُبَيٌّ: أقْرَأنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”(لا تَجْزِي)“ بِالتّاءِ (ولا تُقْبَلُ مِنها شَفاعَةٌ) بِالتّاءِ ﴿ولا يُؤْخَذُ مِنها عَدْلٌ﴾ بِالياءِ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾ (p-٣٦٤)قالَ: لا تُغْنِي نَفْسٌ مُؤْمِنَةٌ عَنْ نَفْسٍ كافِرَةٍ مِنَ المَنفَعَةِ شَيْئًا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ قَيْسٍ المُلائِيِّ عَنْ رَجُلٍ مَن بَنِي أُمَيَّةَ مِن أهْلِ الشّامِ أحْسَنَ الثَّناءِ عَلَيْهِ، قالَ: «قِيلَ: يا رَسُولَ اللَّهِ ما العَدْلُ؟ قالَ: العَدْلُ الفِدْيَةُ» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولا يُؤْخَذُ مِنها عَدْلٌ﴾ قالَ: بَدَلٌ؛ البَدَلُ الفِدْيَةُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي داوُدَ في ”المَصاحِفِ“ عَنِ الأعْمَشِ قالَ: في قِراءَتِنا قَبْلَ الخَمْسِينَ مِنَ البَقَرَةِ مَكانَ ”لا يُقْبَلُ مِنها شَفاعَةٌ“ ”لا يُؤْخَذُ“

البقرة 2:49

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذْ نَجَّيْناكم مِن آلِ فِرْعَوْنَ﴾ الآيَةَ. أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَتِ الكَهَنَةُ لِفِرْعَوْنَ: إنَّهُ يُولَدُ في هَذا العامِ مَوْلُودٌ يَذْهَبُ بِمُلْكِكَ، فَجَعَلَ فِرْعَوْنُ عَلى كُلِّ ألْفِ امْرَأةٍ مِائَةَ رَجُلٍ، وعَلى كُلِّ مِائَةٍ عَشْرًا وعَلى كُلِّ عَشْرٍ رَجُلًا، فَقالَ: انْظُرُوا كُلَّ امْرَأةٍ حامِلٍ في المَدِينَةِ، فَإذا وضَعَتْ حَمْلَها فَإنْ كانَ ذَكَرًا فاذْبَحُوهُ، وإنْ كانَ أُنْثى فَخَلُّوا (p-٣٦٥)عَنْها وذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿يُذَبِّحُونَ أبْناءَكم ويَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ﴾ الآيَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي العالِيَةِ في قَوْلِهِ: ﴿يَسُومُونَكم سُوءَ العَذابِ﴾ الآيَةَ، قالَ: إنَّ فِرْعَوْنَ مَلَكَهم أرْبَعَمِائَةِ سَنَةٍ فَقالَ لَهُ الكَهَنَةُ: سَيُولَدُ العامَ بِمِصْرَ غُلامٌ يَكُونُ هَلاكُكَ عَلى يَدَيْهِ، فَبَعَثَ في أهْلِ مِصْرَ نِساءً قَوابِلَ، فَإذا ولَدَتِ امْرَأةٌ غُلامًا أُتِيَ بِهِ فِرْعَوْنُ فَقَتَلَهُ، ويَسْتَحْيِي الجَوارِيَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿بَلاءٌ مِن رَبِّكم عَظِيمٌ﴾ يَقُولُ: نِعْمَةٌ. وأخْرَجَ وكِيعٌ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وفِي ذَلِكم بَلاءٌ مِن رَبِّكم عَظِيمٌ﴾ قالَ: نِعْمَةٌ مِن رَبِّكم عَظِيمَةٌ.

البقرة 2:50

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذْ فَرَقْنا بِكُمُ البَحْرَ﴾ الآيَةَ. أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وإذْ فَرَقْنا بِكُمُ البَحْرَ فَأنْجَيْناكم وأغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ﴾ قالَ: إي واللَّهِ، أفَرَقَ البَحْرَ بِهِمْ حَتّى صارَ طَرِيقًا يَبَسا يَمْشُونَ فِيهِ، فَأنْجاهم وأغْرَقَ آلَ فِرْعَوْنَ عَدُوَّهُمْ؛ نِعَمٌ مِنَ اللَّهِ، يُعَرِّفُهم لِكَيْما (p-٣٦٦)يَشْكُرُوا ويَعْرِفُوا حَقَّهُ. وأخْرَجَ أحْمَدُ، والبُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، والنَّسائِيُّ، والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ المَدِينَةَ فَرَأى اليَهُودَ يَصُومُونَ يَوْمَ عاشُوراءَ، فَقالَ: ما هَذا اليَوْمَ الَّذِي تَصُومُونَ؟ قالُوا: هَذا يَوْمٌ صالِحٌ نَجّى اللَّهُ فِيهِ بَنِي إسْرائِيلَ مِن عَدُوِّهُمْ، فَصامَهُ مُوسى، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: نَحْنُ أحَقُّ بِمُوسى مِنكم. فَصامَهُ وأمَرَ بِصِيامِهِ» . وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، وأبُو نُعَيْمٍ في “ الحِلْيَةِ “ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، أنَّ هِرَقْلَ كَتَبَ إلى مُعاوِيَةَ وقالَ: إنْ كانَ بَقِيَ فِيهِمْ شَيْءٌ مِنَ النُّبُوَّةِ فَسَيُخْبِرُنِي عَمّا أسْألُهم عَنْهُ، قالَ: وكَتَبَ إلَيْهِ يَسْألُهُ عَنِ المَجَرَّةِ وعَنِ القَوْسِ وعَنِ البُقْعَةِ الَّتِي لَمْ تُصِبْها الشَّمْسُ إلّا ساعَةً واحِدَةً. قالَ: فَلَمّا أتى مُعاوِيَةَ الكِتابُ والرَّسُولُ، قالَ: إنَّ هَذا شَيْءٌ مَلَّ كُنْتُ أُؤْبَهُ لَهُ أنْ أُسْألَ عَنْهُ إلى يَوْمِي هَذا، مَن لِهَذا؟ قالُوا: ابْنُ عَبّاسٍ، فَطَوى مُعاوِيَةُ كِتابَ هِرَقْلَ فَبَعَثَ بِهِ إلى ابْنِ عَبّاسٍ فَكَتَبَ إلَيْهِ: إنَّ القَوْسَ أمانٌ لِأهْلِ الأرْضِ مِنَ الغَرَقِ، والمَجَرَّةَ بابُ السَّماءِ الَّذِي تُشَقُّ مِنهُ، وأمّا البُقْعَةُ الَّتِي لَمْ تُصِبْها الشَّمْسُ إلّا ساعَةً مِن نَهارٍ، فالبَحْرُ الَّذِي أُفْرِجَ عَنْ بَنِي إسْرائِيلَ. (p-٣٦٧)وأخْرَجَ أبُو يَعْلى، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنْ أنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «فُلِقَ البَحْرُ لِبَنِي إسْرائِيلَ يَوْمَ عاشُوراءَ» .

البقرة 2:51

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذْ واعَدْنا مُوسى أرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ . أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أبِي العالِيَةِ في قَوْلِهِ: ﴿وإذْ واعَدْنا مُوسى أرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾ قالَ: ذا القِعْدَةِ وعَشْرًا مِن ذِي الحِجَّةِ، وذَلِكَ حِينَ خَلَّفَ مُوسى أصْحابَهُ، واسْتَخْلَفَ عَلَيْهِمْ هارُونَ، فَمَكَثَ عَلى الطَّوْرِ أرْبَعِينَ لَيْلَةً، وأُنْزِلَ عَلَيْهِ التَّوْراةُ في اللَّوْحِ فَقَرَّبَهُ الرَّبُّ نَجِيًّا، وكَلَّمَهُ وسَمِعَ صَرِيفَ القَلَمِ، وبَلَغَنا أنَّهُ لَمْ يَحْدُثْ حَدَثًا في الأرْبَعِينَ لَيْلَةً حَتّى هَبَطَ مِنَ الطُّورِ. * * قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ العِجْلَ﴾ . أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ قالَ: اسْمُ عِجْلِ بَنِي إسْرائِيلَ الَّذِي عَبَدُوهُ يَهْبُوثُ.

البقرة 2:52

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ عَفَوْنا عَنْكُمْ﴾ الآيَةَ. (p-٣٦٨)أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أبِي العالِيَةِ في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ عَفَوْنا عَنْكم مِن بَعْدِ ذَلِكَ﴾ يَعْنِي: مِن بَعْدِ ما اتَّخَذْتُمُ العِجْلَ.

البقرة 2:53

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ والفُرْقانَ﴾ . أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وإذْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ والفُرْقانَ﴾ قالَ: الكِتابُ هو الفُرْقانُ، فَرَقَ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الفُرْقانُ جِماعُ اسْمِ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ والزَّبُورِ والفُرْقانِ.

البقرة 2:54

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ﴾ الآيَةَ. أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: أمَرَ مُوسى قَوْمَهُ- عَنْ أمْرِ رَبِّهِ- أنْ يَقْتُلُوا أنْفُسَهُمْ، واحْتَبى الَّذِينَ عَكَفُوا عَلى العِجْلِ فَجَلَسُوا، وقامَ الَّذِينَ لَمْ يَعْكُفُوا عَلى العِجْلِ، فَأخَذُوا الخَناجِرَ بِأيْدِيهِمْ، وأصابَتْهم ظُلْمَةٌ شَدِيدَةٌ، فَجَعَلَ يَقْتُلُ بَعْضُهم بَعْضًا، فانْجَلَتِ الظُّلْمَةُ عَنْهم وقَدْ أجْلَوْا عَنْ سَبْعِينَ (p-٣٦٩)ألْفَ قَتِيلٍ، كُلُّ مَن قُتِلَ مِنهم كانَتْ لَهُ تَوْبَةٌ، وكُلُّ مَن بَقِيَ كانَتْ لَهُ تَوْبَةٌ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عَلِيٍّ، قالَ: قالُوا لِمُوسى: ما تَوْبَتُنا؟ قالَ: يَقْتُلُ بَعْضُكم بَعْضًا. فَأخَذُوا السَّكاكِينَ، فَجَعَلَ الرَّجُلُ يَقْتُلُ أخاهُ وأباهُ وابْنَهُ - لا يُبالِي مَن قَتَلَ - حَتّى قُتِلَ مِنهم سَبْعُونَ ألْفًا، فَأوْحى اللَّهُ إلى مُوسى: مُرْهم فَلْيَرْفَعُوا أيْدِيَهم وقَدْ غُفِرَ لِمَن قُتِلَ وتِيبَ عَلى مَن بَقِيَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّكم ظَلَمْتُمْ أنْفُسَكُمْ﴾ الآيَةَ، قالَ: أمَرَ القَوْمَ بِشَدِيدٍ مِنَ البَلاءِ، فَقامُوا يَتَناحَرُونَ بِالشِّفارِ، ويَقْتُلُ بَعْضُهم بَعْضًا، حَتّى بَلَغَ اللَّهُ نِقْمَتَهُ فِيهِمْ وعُقُوبَتَهُ، فَلَمّا بَلَغَ ذَلِكَ سَقَطَتِ الشِّفارُ مِن أيْدِيهِمْ وأُمْسِكَ عَنْهُمُ القَتْلُ، فَجَعَلَهُ اللَّهُ لِلْحَيِّ مِنهم تَوْبَةً، ولِلْمَقْتُولِ شَهادَةً. وأخْرَجَ أحْمَدُ في “ الزُّهْدِ “، وابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ قالَ: لَمّا أُمِرَتْ بَنُو إسْرائِيلَ بِقَتْلِ أنْفُسِها، بَرَزُوا ومَعَهم مُوسى، فاضْطَرَبُوا بِالسُّيُوفِ، وتَطاعَنُوا (p-٣٧٠)بِالخَناجِرِ، ومُوسى رافِعٌ يَدَيْهِ، حَتّى إذا أفْنَوْا بَعْضَهم قالُوا: يا نَبِيَّ اللَّهِ، ادْعُ لَنا. وأخَذُوا بِعَضُدَيْهِ، فَلَمْ يَزَلْ أمْرُهم عَلى ذَلِكَ حَتّى إذْ قَبِلَ اللَّهُ تَوْبَتَهم قَبَضَ أيْدِيَهم بَعْضَهم عَنْ بَعْضٍ، فَألْقَوُا السِّلاحَ وحَزِنَ مُوسى وبَنُو إسْرائِيلَ لِلَّذِي كانَ مِنَ القَتْلِ فِيهِمْ، فَأوْحى اللَّهُ إلى مُوسى: ما يُحْزِنُكَ؟ أمّا مَن قُتِلَ مِنكم فَحَيٌّ عِنْدِي يُرْزَقُ، وأمّا مَن بَقِيَ فَقَدْ قَبِلْتُ تَوْبَتَهُ، فَسُرَّ بِذَلِكَ مُوسى وبَنُو إسْرائِيلَ. وأخْرَجَ الطَّسْتِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ نافِعَ بْنَ الأزْرَقِ قالَ لَهُ: أخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿إلى بارِئِكُمْ﴾ قالَ: خالِقِكُمْ، قالَ: وهَلْ تَعْرِفُ العَرَبُ ذَلِكَ ؟ قالَ: نَعَمْ، أما سَمِعْتَ قَوْلَ تُبَّعٍ: ؎شَهِدْتُ عَلى أحْمَدَ أنَّهُ رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ بارِي النَّسَمْ وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي العالِيَةِ في قَوْلِهِ: ﴿إلى بارِئِكُمْ﴾ قالَ: خالِقِكم. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: كانَ أمْرُ مُوسى قَوْمَهُ عَنْ أمْرِ رَبِّهِ أنْ يَقْتُلَ بَعْضُهم بَعْضًا بِالخَناجِرِ، فَفَعَلُوا فَتابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ.

البقرة 2:55

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذْ قُلْتُمْ يا مُوسى﴾ الآيَتَيْنِ. أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: (p-٣٧١)﴿حَتّى نَرى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ قالَ: عَلانِيَةً. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أنَسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وإذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى نَرى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ قالَ: هُمُ السَّبْعُونَ الَّذِي اخْتارَهم مُوسى ﴿فَأخَذَتْكُمُ الصّاعِقَةُ﴾ قالَ: ماتُوا ﴿ثُمَّ بَعَثْناكم مِن بَعْدِ مَوْتِكُمْ﴾ فَبُعِثُوا مِن بَعْدِ المَوْتِ لِيَسْتَوْفُوا آجالَهم. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ في الآيَةِ قالَ: عُوقِبَ القَوْمُ فَأماتَهُمُ اللَّهُ عُقُوبَةً، ثُمَّ بَعَثَهم إلى بَقِيَّةِ آجالِهِمْ لِيَسْتَوْفُوها. وأخْرَجَ الطَّسْتِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ نافِعَ بْنَ الأزْرَقِ قالَ لَهُ: أخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿فَأخَذَتْكُمُ الصّاعِقَةُ﴾ قالَ: العَذابُ وأصِلُهُ المَوْتُ، قالَ: وهَلْ تَعْرِفُ العَرَبُ ذَلِكَ ؟ قالَ: نَعَمْ، أما سَمِعْتَ رَبِيعَةَ وهو يَقُولُ: ؎وقَدْ كُنْتُ أخْشى عَلَيْكَ الحُتُوفَ وقَدْ كُنْتُ آمَنُكَ الصّاعِقَةْ.

البقرة 2:56

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذْ قُلْتُمْ يا مُوسى﴾ الآيَتَيْنِ. أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: (p-٣٧١)﴿حَتّى نَرى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ قالَ: عَلانِيَةً. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أنَسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وإذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى نَرى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ قالَ: هُمُ السَّبْعُونَ الَّذِي اخْتارَهم مُوسى ﴿فَأخَذَتْكُمُ الصّاعِقَةُ﴾ قالَ: ماتُوا ﴿ثُمَّ بَعَثْناكم مِن بَعْدِ مَوْتِكُمْ﴾ فَبُعِثُوا مِن بَعْدِ المَوْتِ لِيَسْتَوْفُوا آجالَهم. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ في الآيَةِ قالَ: عُوقِبَ القَوْمُ فَأماتَهُمُ اللَّهُ عُقُوبَةً، ثُمَّ بَعَثَهم إلى بَقِيَّةِ آجالِهِمْ لِيَسْتَوْفُوها. وأخْرَجَ الطَّسْتِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ نافِعَ بْنَ الأزْرَقِ قالَ لَهُ: أخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿فَأخَذَتْكُمُ الصّاعِقَةُ﴾ قالَ: العَذابُ وأصِلُهُ المَوْتُ، قالَ: وهَلْ تَعْرِفُ العَرَبُ ذَلِكَ ؟ قالَ: نَعَمْ، أما سَمِعْتَ رَبِيعَةَ وهو يَقُولُ: ؎وقَدْ كُنْتُ أخْشى عَلَيْكَ الحُتُوفَ وقَدْ كُنْتُ آمَنُكَ الصّاعِقَةْ.

البقرة 2:57

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وظَلَّلْنا عَلَيْكُمُ الغَمامَ﴾ الآَيَةَ. أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وظَلَّلْنا عَلَيْكُمُ الغَمامَ﴾ . (p-٣٧٢)قالَ: غَمامٌ أبْرَدُ مِن هَذا وأطْيَبُ، وهو الَّذِي يَأْتِي اللَّهُ فِيهِ يَوْمَ القِيامَةِ وهو الَّذِي جاءَتْ فِيهِ المَلائِكَةُ يَوْمَ بَدْرٍ وكانَ مَعَهم في التِّيهِ. وأخْرَجَ وكِيعٌ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وظَلَّلْنا عَلَيْكُمُ الغَمامَ﴾ قالَ: لَيْسَ بِالسَّحابِ هو الغَمامُ الَّذِي يَأْتِي اللَّهُ فِيهِ يَوْمَ القِيامَةِ ولَمْ يَكُنْ إلّا لَهم. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْ قَتادَةَ ﴿وظَلَّلْنا عَلَيْكُمُ الغَمامَ﴾ قالَ: هو السَّحابُ الأبْيَضُ الَّذِي لا ماءَ فِيهِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ أبِي مِجْلَزٍ في قَوْلِهِ: ﴿وظَلَّلْنا عَلَيْكُمُ الغَمامَ﴾ قالَ: ظُلِّلَ عَلَيْهِمْ في التِّيهِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وظَلَّلْنا عَلَيْكُمُ الغَمامَ﴾ الآيَةَ، قالَ: كانَ هَذا في البَرِّيَّةِ ظَلَّلَ عَلَيْهِمُ الغَمامَ مِنَ الشَّمْسِ وأطْعَمَهُمُ المَنَّ والسَّلْوى حِينَ بَرَزُوا إلى البَرِّيَّةِ، فَكانَ المَنُّ يَسْقُطُ عَلَيْهِمْ في مَحَلَّتِهِمْ سُقُوطَ الثَّلْجِ، أشَدَّ بَياضًا مِنَ اللَّبَنِ وأحْلى مِنَ العَسَلِ يَسْقُطُ (p-٣٧٣)عَلَيْهِمْ مِن طُلُوعِ الفَجْرِ إلى طُلُوعِ الشَّمْسِ فَيَأْخُذُ الرَّجُلُ قَدْرَ ما يَكْفِيهِ يَوْمَهُ ذَلِكَ فَإنْ تَعَدّى فَسَدَ وما يَبْقى عِنْدَهُ، حَتّى إذا كانَ يَوْمُ سادِسِهِ يَوْمُ جُمْعَتِهِ، أخَذَ ما يَكْفِيهِ لِيَوْمِ سادِسِهِ ويَوْمِ سابِعِهِ فَبَقِيَ عِنْدَهُ؛ لِأنَّهُ إذا كانَ يَوْمُ عِيدٍ لا يَشْخَصُ فِيهِ لِأمْرِ مَعِيشَتِهِ ولا لِطَلَبِ شَيْءٍ، وهَذا كُلُّهُ في البَرِّيَّةِ. أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: المَنُّ شَيْءٌ أنْزَلَهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِثْلُ الطَّلِّ شِبْهُ الرُّبِّ الغَلِيظِ والسَّلْوى طَيْرٌ أكْبَرُ مِنَ العُصْفُورِ. وأخْرَجَ وكِيعٌ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: المَنُّ صَمْغَةٌ، والسَّلْوى طائِرٌ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ قالَ: قالُوا يا مُوسى كَيْفَ لَنا بِماءٍ هَهُنا، أيْنَ الطَّعامُ؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ المَنَّ فَكانَ يَسْقُطُ (p-٣٧٤)عَلى شَجَرَةِ الزَّنْجَبِيلِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ وهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ، أنَّهُ سُئِلَ: ما المَنُّ؟ قالَ: خُبْزُ الرُّقاقِ مِثْلُ الذُّرَةِ أوْ مِثْلُ النَّقِيِّ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أنَسٍ قالَ المَنُّ شَرابٌ كانَ يَنْزِلُ عَلَيْهِمْ مِثْلَ العَسَلِ، فَيَمْزُجُونَهُ بِالماءِ ثُمَّ يَشْرَبُونَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانَ المَنُّ يَنْزِلُ عَلَيْهِمْ بِاللَّيْلِ عَلى الأشْجارِ فَيَغْدُونَ إلَيْهِ فَيَأْكُلُونَ مِنهُ ما شاءُوا ﴿والسَّلْوى﴾ طائِرٌ شَبِيهٌ بِالسُّمانى كانُوا يَأْكُلُونَ مِنهُ ما شاءُوا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: المَنُّ الَّذِي يَسْقُطُ مِنَ السَّماءِ عَلى الشَّجَرِ فَتَأْكُلُهُ النّاسُ والسَّلْوى هو السُّمانى. (p-٣٧٥)وأخْرَجَ أحْمَدُ، والبُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ ماجَهْ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ قالَ: قالَ النَّبِيُّ ﷺ «الكَمْأةُ مِنَ المَنِّ وماؤُها شِفاءٌ لِلْعَيْنِ» . وأخْرَجَ أحْمَدُ، والتِّرْمِذِيُّ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ، مِثْلَهُ. وأخْرَجَ النَّسائِيُّ مِن حَدِيثِ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وأبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ، وابْنِ عَبّاسٍ، مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وناسٍ مِنَ الصَّحابَةِ: والسَّلْوى طائِرٌ يُشْبِهُ السُّمانى. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: السَّلْوى هو السُّمانى. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وأبُو الشَّيْخِ عَنِ الضَّحّاكِ، أنَّهُ كانَ يَقُولُ: السُّمانى هي السَّلْوى. (p-٣٧٦)وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ قالَ: كانَتِ السَّلْوى طَيْرًا إلى الحُمْرَةِ، تَحْشُرُها عَلَيْهِمُ الرِّيحُ الجَنُوبُ، فَكانَ الرَّجُلُ مِنهم يَذْبَحُ مِنها قَدْرَ ما يَكْفِيهِ يَوْمَهُ ذَلِكَ، فَإذا تَعَدّى فَسَدَ ولَمْ يَبْقَ عِنْدَهُ، حَتّى إذا كانَ يَوْمُ سادِسِهِ يَوْمُ جُمْعَتُهُ، أخَذَ ما يَكْفِيهِ لِيَوْمِ سادِسِهِ ويَوْمِ سابِعِهِ. وأخْرَجَ سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ وهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ قالَ: سَألَتْ بَنُو إسْرائِيلَ مُوسى اللَّحْمَ، فَقالَ اللَّهُ: لَأُطْعِمَنَّهم مِن أقَلِّ لَحْمٍ يُعْلَمُ في الأرْضِ، فَأرْسَلَ عَلَيْهِمْ رِيحًا فَأذْرَتْ عِنْدَ مَساكِنِهِمُ السَّلْوى - وهو السُّمانى - مِيلًا في مِيلٍ قَيْدَ رُمْحٍ في السَّماءِ، فَخَبَّئُوا لِلْغَدِ فَنَتَنَ اللَّحْمُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ وهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ، أنَّهُ سُئِلَ عَنِ السَّلْوى، فَقالَ: طَيْرٌ سَمِينٌ مِثْلُ الحَمامِ، وكانَ يَأْتِيهِمْ فَيَأْخُذُونَ مِنهُ مِن سَبْتٍ إلى سَبْتٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وما ظَلَمُونا﴾ قالَ: نَحْنُ أعَزُّ مِن أنْ نُظْلَمَ. (p-٣٧٧)وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولَكِنْ كانُوا أنْفُسَهم يَظْلِمُونَ﴾ قالَ: يَضُرُّونَ.

البقرة 2:58

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذْ قُلْنا ادْخُلُوا﴾ الآيَةَ. أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿ادْخُلُوا هَذِهِ القَرْيَةَ﴾ قالَ: بَيْتَ المَقْدِسِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ زَيْدٍ قالَ: هي أرِيحا، قَرْيَةٌ مِن بَيْتِ المَقْدِسِ. وأخْرَجَ وكِيعٌ والفِرْيابِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وادْخُلُوا البابَ﴾ قالَ: بابٌ ضَيِّقٌ ﴿سُجَّدًا﴾ قالَ: رُكَّعًا ﴿وقُولُوا حِطَّةٌ﴾ قالَ: مَغْفِرَةٌ. قالَ: فَدَخَلُوا مِن قِبَلِ أسِتاهِهِمْ وقالُوا: حِنْطَةٌ –اسْتِهْزاءً- قالَ: فَذَلِكَ قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ﴾ [البقرة: ٥٩] . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وادْخُلُوا البابَ سُجَّدًا﴾ قالَ: هو أحَدُ أبْوابِ بَيْتِ المَقْدِسِ وهو يُدْعى بابَ حِطَّةٍ. (p-٣٧٨)وأخْرَجَ وكِيعٌ والفِرْيابِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ في ”الكَبِيرِ“، وأبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: قِيلَ لَهم: ﴿ادْخُلُوا البابَ سُجَّدًا﴾ [النساء: ١٥٤] فَدَخَلُوا مُقْنِعِي رُؤُوسِهِمْ ﴿وقُولُوا حِطَّةٌ﴾ فَقالُوا: حِنْطَةٌ، حَبَّةٌ حَمْراءُ فِيها شَعِيرَةٌ. فَذَلِكَ قَوْلُهُ ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [البقرة: ٥٩] . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ، وأبُو الشَّيْخِ والحاكِمُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهم قالُوا: هِطى سمقاثا أزبة مزبا، فَهي بِالعَرَبِيَّةِ: حَبَّةُ حِنْطَةٍ حَمْراءُ مَثْقُوبَةٌ فِيها شَعِيرَةٌ سَوْداءُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وقُولُوا حِطَّةٌ﴾ قالَ قُولُوا: هَذا الأمْرُ حَقٌّ، كَما قِيلَ لَكم. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ والحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿وقُولُوا حِطَّةٌ﴾ أيِ: احْطُطْ عَنّا خَطايانا. (p-٣٧٩)وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عِكْرِمَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وادْخُلُوا البابَ سُجَّدًا﴾ قالَ: طَأْطِئُوا رُءُوسَكم ﴿وقُولُوا حِطَّةٌ﴾ قالَ: قُولُوا: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ. وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في “ الأسْماءِ والصِّفاتِ “ مِن طَرِيقِ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وقُولُوا حِطَّةٌ﴾ قالَ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانَ البابُ قِبَلَ القِبْلَةِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: بابُ حِطَّةٍ مِن بابِ بَيْتِ المَقْدِسِ، أمَرَ مُوسى قَوْمَهُ أنْ يَدْخُلُوا ويَقُولُوا: حِطَّةٌ وطُؤْطِئَ لَهُمُ البابُ لِيَخْفِضُوا رُءُوسَهم فَلَمّا سَجَدُوا قالُوا: حِنْطَةٌ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وادْخُلُوا البابَ سُجَّدًا﴾ قالَ: كُنّا نَتَحَدَّثُ أنَّهُ بابٌ مِن أبْوابِ بَيْتِ المَقْدِسِ ﴿وقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكم خَطاياكم وسَنَزِيدُ المُحْسِنِينَ﴾ قالَ: مَن كانَ خاطِئًا غُفِرَتْ لَهُ خَطِيئَتُهُ ومَن كانَ مُحْسِنًا زادَهُ اللَّهُ إحْسانًا ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ﴾ [البقرة: ٥٩] قالَ: بَيَّنَ لَهم أمْرًا عَلِمُوهُ فَخالَفُوهُ إلى غَيْرِهِ جُرْأةً عَلى اللَّهِ وعُتُوًّا. (p-٣٨٠)وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وسَنَزِيدُ المُحْسِنِينَ﴾ قالَ: مَن كانَ مِنكم مُحْسِنًا زِيدَ في إحْسانِهِ، ومَن كانَ مُخْطِئًا نَغْفِرْ لَهُ خَطِيئَتَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وأحْمَدُ، والبُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «قِيلَ لِبَنِي إسْرائِيلَ، ادْخُلُوا البابَ سُجَّدًا وقُولُوا: حِطَّةٌ فَبَدَّلُوا فَدَخَلُوا يَزْحَفُونَ عَلى أسْتاهِهِمْ، وقالُوا: حَبَّةٌ في شَعْرَةٍ» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وأبِي هُرَيْرَةَ قالا: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «دَخَلُوا البابَ الَّذِي أُمِرُوا أنْ يَدْخُلُوا فِيهِ سُجَّدًا، يَزْحَفُونَ عَلى أسْتاهِهِمْ وهم يَقُولُونَ: حِنْطَةٌ في شَعِيرَةٍ» . وأخْرَجَ أبُو داوُدَ، والضِّياءُ المَقْدِسِيُّ في ”المُخْتارَةِ“ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: «قالَ اللَّهُ لِبَنِي إسْرائِيلَ ﴿وادْخُلُوا البابَ سُجَّدًا وقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكم خَطاياكُمْ﴾ [البقرة»: ٥٨] . (p-٣٨١)وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنْ أبِي سَعِيدٍ قالَ: «سِرْنا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَتّى إذا كانَ مِن آخِرِ اللَّيْلِ أجَزْنا في ثَنِيَّةٍ يُقالُ لَها: ذاتُ الحَنْظَلِ. فَقالَ: ما مَثَلُ هَذِهِ الثَّنِيَّةِ اللَّيْلَةَ إلّا كَمَثَلِ البابِ الَّذِي قالَ اللَّهُ لِبَنِي إسْرائِيلَ: ﴿وادْخُلُوا البابَ سُجَّدًا وقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكم خَطاياكُمْ﴾ [البقرة»: ٥٨] . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ قالَ: إنَّما مَثَلُنا في هَذِهِ الأُمَّةِ كَسَفِينَةِ نُوحٍ وكَبابِ حِطَّةٍ في بَنِي إسْرائِيلَ.

البقرة 2:59

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأنْزَلْنا﴾ الآيَةَ. أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كُلُّ شَيْءٍ في كِتابِ اللَّهِ مِنَ الرِّجْزِ يَعْنِي بِهِ العَذابَ. وأخْرَجَ أحْمَدُ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، ومُسْلِمٌ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ مالِكٍ، وأُسامَةَ بْنِ زَيْدٍ، وخُزَيْمَةَ بْنِ ثابِتٍ قالُوا: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إنَّ هَذا الطّاعُونَ رِجْزٌ وبَقِيَّةُ عَذابٍ عُذِّبَ بِهِ أُناسٌ مِن قَبْلِكُمْ، فَإذا كانَ بِأرْضٍ وأنْتُمْ بِها فَلا تَخْرُجُوا مِنها، وإذا بَلَغَكم أنَّهُ بِأرْضٍ فَلا تَدْخُلُوها» . (p-٣٨٢)وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أبِي العالِيَةِ في الآيَةِ قالَ: الرِّجْزُ الغَضَبُ.

البقرة 2:60

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذِ اسْتَسْقى مُوسى لِقَوْمِهِ﴾ الآيَةَ. أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وإذِ اسْتَسْقى مُوسى لِقَوْمِهِ﴾ الآيَةَ، قالَ: ذَلِكَ في التِّيهِ ضَرَبَ لَهم مُوسى الحَجَرَ فَصارَ فِيهِ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْنًا مِن ماءٍ، لِكُلِّ سِبْطٍ مِنهم عَيْنٌ يَشْرَبُونَ مِنها. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وإذِ اسْتَسْقى مُوسى لِقَوْمِهِ﴾ الآيَةَ. قالَ: كانَ هَذا في البَرِّيَّةِ حَيْثُ خَشُوا الظَّمَأ، اسْتَسْقى مُوسى، فَأُمِرَ بِحَجَرٍ أنْ يَضْرِبَهُ بِعَصاهُ، وكانَ حَجَرًا طُورانِيًّا مِنَ الطُّورِ يَحْمِلُونَهُ مَعَهُمْ، حَتّى إذا نَزَلُوا ضَرَبَهُ مُوسى بِعَصاهُ﴿فانْفَجَرَتْ مِنهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهُمْ﴾ قالَ: لِكُلِّ سِبْطٍ مِنهم عَيْنٌ مَعْلُومَةٌ يَسْتَفِيدُ ماءَها. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: انْفَجَرَ لَهُمُ الحَجَرُ (p-٣٨٣)بِضَرْبَةِ مُوسى اثْنَتَيْ عَشْرَةَ عَيْنًا، كُلُّ ذَلِكَ كانَ في تِيهِهِمْ حِينَ تاهُوا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ جُوَيْبِرٍ أنَّهُ سُئِلَ في قَوْلِهِ: ﴿قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهُمْ﴾ قالَ: كانَ مُوسى يَضَعُ الحَجَرَ ويَقُومُ مِن كُلِّ سِبْطٍ رَجُلٌ ويَضْرِبُ مُوسى الحَجَرَ فَيَنْفَجِرُ مِنهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْنًا، فَيَنْتَضِحُ مِن كُلِّ عَيْنٍ عَلى رَجُلٍ، فَيَدْعُو ذَلِكَ الرَّجُلُ سِبْطَهُ إلى تِلْكَ العَيْنِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولا تَعْثَوْا في الأرْضِ﴾ قالَ: لا تَسْعَوْا في الأرْضِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أبِي العالِيَةِ في قَوْلِهِ: ﴿ولا تَعْثَوْا في الأرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ قالَ: لا تَسْعَوْا في الأرْضِ فَسادًا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي مالِكٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولا تَعْثَوْا﴾ قالَ: يَعْنِي ولا تَمْشُوا بِالمَعاصِي. (p-٣٨٤)وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿ولا تَعْثَوْا في الأرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ قالَ: لا تَسِيرُوا في الأرْضِ مُفْسِدِينَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: اسْتَسْقى مُوسى لِقَوْمِهِ فَقالَ: اشْرَبُوا يا حَمِيرُ: فَقالَ اللَّهُ تَعالى لَهُ: لاتُسَمِّ عِبادِي حَمِيرًا.

البقرة 2:61

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نَصْبِرَ عَلى طَعامٍ واحِدٍ﴾ الآيَةَ. أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وإذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نَصْبِرَ عَلى طَعامٍ واحِدٍ﴾ قالَ: المَنُّ والسَّلْوى اسْتَبْدَلُوا بِهِ البَقْلَ وما ذُكِرَ مَعَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ قالَ: مَلُّوا طَعامَهم في البَرِّيَّةِ، وذَكَرُوا عَيْشَهُمُ الَّذِي كانُوا فِيهِ قَبْلَ ذَلِكَ، فَقالُوا: ﴿ادْعُ لَنا رَبَّكَ﴾ [البقرة: ٦٨] الآيَةَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طُرُقٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وفُومِها﴾ قالَ: الخُبْزُ، وفي لَفْظٍ: البُرُّ، وفي لَفْظٍ: الحِنْطَةُ، بِلِسانِ بَنِي هاشِمٍ. (p-٣٨٥)وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ في ”الكَبِيرِ“ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ نافِعَ بْنَ الأزْرَقِ قالَ لَهُ: أخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وفُومِها﴾ قالَ: الحِنْطَةُ. قالَ: وهَلْ تَعْرِفُ العَرَبُ ذَلِكَ ؟ قالَ: نَعَمْ أما سَمِعْتَ أُحَيْحَةَ بْنَ الجُلاحِ وهو يَقُولُ: ؎قَدْ كُنْتُ أغْنى النّاسِ شَخْصًا واحِدًا ورَدَ المَدِينَةَ عَنْ زِراعَةِ فُومِ وأخْرَجَ وكِيعٌ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ وعَطاءٍ في قَوْلِهِ: ﴿وفُومِها﴾ قالا: الخُبْزُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الحَسَنِ وأبِي مالِكٍ في قَوْلِهِ: ﴿وفُومِها﴾ قالا: الحِنْطَةُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن وجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الفُومُ الثُّومُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أنَسٍ قالَ: الفُومُ الثُّومُ - وفي بَعْضِ القِراءَةِ (وثُومُها) . وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ أبِي داوُدَ في ”المَصاحِفِ“، وابْنُ المُنْذِرِ (p-٣٨٦)عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: أنَّهُ قَرَأ (وثُومُها) . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي داوُدَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قِراءَتِي قِراءَةُ زَيْدٍ، وأنا آخِذٌ بِبِضْعَةَ عَشَرَ حَرْفًا مِن قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ، هَذا أحَدُها ﴿مِن بَقْلِها وقِثّائِها وفُومِها﴾ . وأخْرَجَ الطَّسْتِيُّ في ”مَسائِلِهِ“ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ نافِعَ بْنَ الأزْرَقِ قالَ لَهُ: أخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وفُومِها﴾ قالَ: الفُومُ الحِنْطَةُ، قالَ: وهَلْ تَعْرِفُ العَرَبُ ذَلِكَ ؟ قالَ: نَعَمْ، أما سَمِعْتَ أبا مِحْجَنٍ الثَّقَفِيَّ وهو يَقُولُ: ؎قَدْ كُنْتُ أحْسَبُنِي كَأغْنى واحِدٍ ∗∗∗ قَدِمَ المَدِينَةَ عَنْ زِراعَةِ فُومِ قالَ: يا ابْنَ الأزْرَقِ، ومَن قَرَأها عَلى قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ فَهو المُنْتِنُ، قالَ أُمَيَّةُ بْنُ أبِي الصَّلْتِ: ؎كانَتْ مَنازِلُهم إذْ ذاكَ ظاهِرَةً ∗∗∗ فِيها الفَرادِيسُ والفُومانُ والبَصَلُ وقالَ أُمَيَّةَ بْنُ الصَّلْتِ أيْضًا: ؎أنْفِي الدِّياسَ مِنَ الفُومِ الصَّحِيحِ كَما ∗∗∗ أنْفِي مِنَ الأرْضِ صَوْبَ الوابِلِ البَرَدِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿أتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هو أدْنى﴾ . (p-٣٨٧)قالَ: أرْدَأُ. وأخْرَجَ سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿اهْبِطُوا مِصْرًا﴾ قالَ: مِصْرًّا مِنَ الأمْصارِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿اهْبِطُوا مِصْرًا﴾ يَقُولُ: مِصْرًا مِنَ الأمْصارِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أبِي العالِيَةِ في قَوْلِهِ: ﴿اهْبِطُوا مِصْرًا﴾ قالَ: يَعْنِي بِهِ مِصْرَ فِرْعَوْنَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي داوُدَ، وابْنُ الأنْبارِيِّ في ”المَصاحِفِ“ عَنِ الأعْمَشِ أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ (اهْبِطُوا مِصْرَ) بِلا تَنْوِينٍ ويَقُولُ: هي مِصْرُ الَّتِي عَلَيْها صالِحُ بْنُ عَلِيٍّ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ والمَسْكَنَةُ﴾ قالَ: هم أصْحابُ الجِزْيَةِ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ والحَسَنِ: ﴿وضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ والمَسْكَنَةُ﴾ قالَ: يُعْطُونَ الجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وهم صاغِرُونَ. (p-٣٨٨)وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أبِي العالِيَةِ في قَوْلِهِ: ﴿والمَسْكَنَةُ﴾ قالَ: الفاقَةُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الضَّحّاكِ في قَوْلِهِ: ﴿وباءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾ قالَ: اسْتَحَقُّوا الغَضَبَ مِنَ اللَّهِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وباءُوا﴾ قالَ: انْقَلَبُوا. * * قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ﴾ . أخْرَجَ أبُو داوُدَ الطَّيالِسِيُّ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: كانَتْ بَنُو إسْرائِيلَ في اليَوْمِ تَقْتُلُ ثَلاثَمِائَةِ نَبِيٍّ ثُمَّ يُقِيمُونَ سُوقَ بَقْلِهِمْ في آخِرِ النَّهارِ. وأخْرَجَ أحْمَدُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «أشَدُّ النّاسِ عَذابًا يَوْمَ القِيامَةِ رَجُلٌ قَتَلَهُ نَبِيٌّ أوْ قَتَلَ نَبِيًّا، وإمامُ ضَلالَةٍ ومُمَثِّلٌ مِنَ المُمَثِّلِينَ» . وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ وتَعَقَّبَهُ الذَّهَبِيُّ عَنْ أبِي ذَرٍّ قالَ: «جاءَ أعْرابِيٌّ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: يا نَبِيءَ اللَّهِ، قالَ: لَسْتُ بِنَبِيءِ اللَّهِ ولَكِنِّي نَبِيُّ اللَّهِ» . قالَ الذَّهَبِيُّ: مُنْكَرٌ لَمْ يَصِحَّ. وأخْرَجَ ابْنُ عَدِيٍّ عَنْ حُمْرانَ بْنِ أعْيَنَ، «أنَّ رَجُلًا مِن أهْلِ البادِيَةِ أتى النَّبِيَّ ﷺ فَقالَ: السَّلامُ عَلَيْكَ يا نَبِيءَ اللَّهِ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: لَسْتُ (p-٣٨٩)بِنَبِيءِ اللَّهِ ولَكِنَّنِي نَبِيُّ اللَّهِ» . وأخْرَجَ الحاكِمُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ «ما هَمَزَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ولا أبُو بَكْرٍ ولا عُمَرُ ولا الخُلَفاءُ وإنَّما الهَمْزُ بِدْعَةٌ ابْتَدَعُوها مِن بَعْدِهِمْ» .

البقرة 2:62

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ الآيَةَ. أخْرَجَ ابْنُ أبِي عُمَرَ العَدَنِيُّ في ”مُسْنَدِهِ“، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ سَلْمانَ قالَ: «سَألْتُ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ أهْلِ دِينٍ كُنْتُ مَعَهم فَذَكَرَ مِن صَلاتِهِمْ وعِبادَتِهِمْ، فَنَزَلَتْ ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا والَّذِينَ هادُوا﴾ الآيَةَ» . وأخْرَجَ الواحِدِيُّ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: «لَمّا قَصَّ سَلْمانُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قِصَّةَ أصْحابِهِ قالَ: هم في النّارِ. قالَ سَلْمانُ: فَأظْلَمَتْ عَلَيَّ الأرْضُ فَنَزَلَتْ: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا والَّذِينَ هادُوا﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿يَحْزَنُونَ﴾ قالَ: فَكَأنَّما كُشِفَ عَنِّي جَبَلٌ» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ واللَّفْظُ لَهُ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ «فِي قَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا والَّذِينَ هادُوا﴾ الآيَةَ، قالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في أصْحابِ سَلْمانَ الفارِسِيِّ، وكانَ سَلْمانُ رَجُلًا مِن جُنْدَيْسابُورَ، وكانَ مِن أشْرافِهِمْ وكانَ ابْنُ (p-٣٩٠)المَلِكِ صَدِيقًا لَهُ مُؤاخِيًا، لا يَقْضِي واحِدٌ مِنهُما أمْرًا دُونَ صاحِبِهِ، وكانا يَرْكَبانِ إلى الصَّيْدِ جَمِيعًا، فَبَيْنَما هُما في الصَّيْدِ، إذْ رُفِعَ لَهُما بَيْتٌ مِن عَباءَةٍ فَأتَياهُ، فَإذا هُما فِيهِ بِرَجُلٍ بَيْنَ يَدَيْهِ مُصْحَفٌ يَقْرَأُ فِيهِ، وهو يَبْكِي، فَسَألاهُ: ما هَذا؟ فَقالَ: الَّذِي يُرِيدُ أنْ يَعْلَمَ هَذا لا يَقِفُ مَوْقِفَكُما، فَإنْ كُنْتُما تُرِيدانِ أنْ تَعْلَما ما فِيهِ فانْزِلا حَتّى أُعَلِّمَكُما. فَنَزَلا إلَيْهِ، فَقالَ لَهُما: هَذا كِتابٌ جاءَ مِن عِنْدِ اللَّهِ، أمَرَ فِيهِ بِطاعَتِهِ ونَهى عَنْ مَعْصِيَتِهِ فِيهِ: ألّا تَسْرِقَ ولا تَزْنِيَ ولا تَأْخُذَ أمْوالَ النّاسِ بِالباطِلِ، فَقَصَّ عَلَيْهِما ما فِيهِ وهو الإنْجِيلُ الَّذِي أنْزَلَ اللَّهُ عَلى عِيسى، فَوَقَعَ في قُلُوبِهِما وتابَعاهُ فَأسْلَما، وقالَ لَهُما: إنَّ ذَبِيحَةَ قَوْمِكُما عَلَيْكُما حَرامٌ فَلَمْ يَزالا مَعَهُ كَذَلِكَ يَتَعَلَّمانِ مِنهُ حَتّى كانَ عِيدٌ لِلْمَلِكِ، فَجَمَعَ طَعامًا، ثُمَّ جَمَعَ النّاسَ والأشْرافَ، وأرْسَلَ إلى ابْنِ المَلِكِ فَدَعاهُ إلى صَنِيعِهِ لِيَأْكُلَ مَعَ النّاسِ، فَأبى الفَتى، وقالَ: إنِّي عَنْكَ مَشْغُولٌ فَكُلْ أنْتَ وأصْحابُكَ، فَلَمّا أكْثَرَ عَلَيْهِ مِنَ الرُّسُلِ أخْبَرَهم أنَّهُ لا يَأْكُلُ مِن طَعامِهِمْ، فَبَعَثَ المَلِكُ إلى ابْنِهِ، ودَعاهُ وقالَ: ما أمْرُكَ هَذا؟ قالَ: إنّا لا نَأْكُلُ مِن ذَبائِحِكُمْ، إنَّكم كُفّارٌ لَيْسَ تَحِلُّ ذَبائِحُكُمْ، فَقالَ لَهُ المَلِكُ: مَن أمَرَكَ بِهَذا؟ فَأخْبَرَهُ أنَّ الرّاهِبَ أمَرَهُ بِذَلِكَ، فَدَعا الرّاهِبَ فَقالَ: ماذا يَقُولُ ابْنِي؟ قالَ: صَدَقَ ابْنُكَ، قالَ لَهُ: لَوْلا أنَّ الدَّمَ فِينا عَظِيمٌ لَقَتَلْتُكَ، ولَكِنِ اخْرُجْ مِن أرْضِنا، فَأجَّلَهُ أجَلًا، فَقالَ سَلْمانُ: فَقُمْنا نَبْكِي عَلَيْهِ، فَقالَ لَهُما: إنْ كُنْتُما (p-٣٩١)صادِقَيْنِ فَأنا في بَيْعَةٍ في المَوْصِلِ مَعَ سِتِّينَ رَجُلًا، نَعْبُدُ اللَّهَ فائْتُوَنا فِيها. فَخَرَجَ الرّاهِبُ وبَقِيَ سَلْمانُ وابْنُ المَلِكِ، فَجَعَلَ سَلْمانُ يَقُولُ لِابْنِ المَلِكِ: انْطَلِقْ بِنا، وابْنُ المَلِكِ يَقُولُ: نَعَمْ، وجَعَلَ ابْنُ المَلِكِ يَبِيعُ مَتاعَهُ، يُرِيدُ الجَهازَ، فَلَمّا أبْطَأ عَلى سَلْمانَ خَرَجَ سَلْمانُ حَتّى أتاهُمْ، فَنَزَلَ عَلى صاحِبِهِ وهو رَبُّ البَيْعَةِ، فَكانَ أهْلُ تِلْكَ البَيْعَةِ أفْضَلَ مَرْتَبَةً مِنَ الرُّهْبانِ، فَكانَ سَلْمانُ مَعَهُ يَجْتَهِدُ في العِبادَةِ ويُتْعِبُ نَفْسَهُ، فَقالَ لَهُ سَلْمانُ: أرَأيْتَ الَّذِي تَأْمُرُنِي بِهِ، هو أفْضَلُ أوِ الَّذِي أصْنَعُ؟ قالَ: بَلِ الَّذِي تَصْنَعُ، قالَ: فَخَلِّ عَنِّي، ثُمَّ إنَّ صاحِبَ البَيْعَةِ دَعاهُ، فَقالَ: أتَعْلَمُ أنَّ هَذِهِ البَيْعَةَ لِي وأنا أحَقُّ النّاسِ بِها، ولَوْ شِئْتُ أنْ أُخْرِجَ هَؤُلاءِ مِنها لَفَعَلْتُ، ولَكِنِّي رَجُلٌ أضْعُفُ عَنْ عِبادَةِ هَؤُلاءِ، وأنا أُرِيدُ أنْ أتَحَوَّلَ مِن هَذِهِ البَيْعَةِ إلى بَيْعَةٍ أُخْرى، هم أهْوَنُ عِبادَةً مِن هَؤُلاءِ، فَإنْ شِئْتَ أنْ تُقِيمَ هاهُنا فَأقِمْ، وإنْ شِئْتَ أنْ تَنْطَلِقَ مَعِي فانْطَلِقْ، فَقالَ لَهُ سَلْمانُ: أيُّ البَيْعَتَيْنِ أفْضَلُ أهْلًا؟ قالَ: هَذِهِ، قالَ سَلْمانُ: فَأنا أكُونُ في هَذِهِ. فَأقامَ (p-٣٩٢)سَلْمانُ بِها وأوْصى صاحِبَ البَيْعَةِ بِسَلْمانَ، يَتَعَبَّدُ مَعَهُمْ، ثُمَّ إنَّ الشَّيْخَ العالِمَ أرادَ أنْ يَأْتِيَ بَيْتَ المَقْدِسِ، فَدَعا سَلْمانَ فَقالَ: إنِّي أُرِيدُ أنْ آتِيَ بَيْتَ المَقْدِسِ، فَإنْ شِئْتَ أنْ تَنْطَلِقَ مَعِي فانْطَلِقْ وإنْ شِئْتَ أنْ تُقِيمَ فَأقِمْ، قالَ لَهُ سَلْمانُ: أيُّهُما أفْضَلُ، أنْطَلِقُ مَعَكَ أوْ أُقِيمُ؟ قالَ: لا بَلْ تَنْطَلِقُ مَعِي، فانْطَلَقَ مَعَهُ، فَمَرُّوا بِمَقْعَدٍ عَلى ظَهْرِ الطَّرِيقِ مُلْقًى، فَلَمّا رَآهُما نادى: يا سَيِّدَ الرُّهْبانِ ارْحَمْنِي رَحِمَكَ اللَّهُ. فَلَمْ يُكَلِّمْهُ ولَمْ يَنْظُرْ إلَيْهِ، وانْطَلَقا حَتّى أتَيا بَيْتَ المَقْدِسِ وقالَ الشَّيْخُ لِسَلْمانَ: اخْرُجْ فاطْلُبِ العِلْمَ فَإنَّهُ يَحْضُرُ هَذا المَسْجِدَ عُلَماءُ الأرْضِ، فَخَرَجَ سَلْمانُ يَسْمَعُ مِنهُمْ، فَرَجَعَ يَوْمًا حَزِينًا فَقالَ لَهُ الشَّيْخُ: ما لَكَ يا سَلْمانُ؟ قالَ: أرى الخَيْرَ كُلَّهُ قَدْ ذَهَبَ بِهِ مَن كانَ قَبْلَنا مِنَ الأنْبِياءِ أتْباعِهِمْ، فَقالَ لَهُ الشَّيْخُ: يا سَلْمانُ لا تَحْزَنْ فَإنَّهُ قَدْ بَقِيَ نَبِيٌّ لَيْسَ مِن نَبِيٍّ بِأفْضَلَ تَبَعًا مِنهُ، وهَذا زَمانُهُ الَّذِي يَخْرُجُ فِيهِ ولا أُرانِي أُدْرِكُهُ وأمّا أنْتَ فَشابٌّ، فَلَعَلَّكَ أنْ تُدْرِكَهُ وهو يَخْرُجُ في أرْضِ العَرَبِ، فَإنْ أدْرَكْتَهُ فَآمِن بِهِ واتَّبِعْهُ، قالَ لَهُ سَلْمانُ: فَأخْبِرْنِي عَنْ عَلامَتِهِ بِشَيْءٍ، قالَ: نَعَمْ، وهو مَخْتُومٌ في ظَهْرِهِ بِخاتَمِ النُّبُوَّةِ، وهو يَأْكُلُ الهَدِيَّةَ ولا يَأْكُلُ الصَّدَقَةَ. ثُمَّ رَجَعا حَتّى بَلَغا مَكانَ المُقْعَدِ، فَناداهُما فَقالَ: يا سَيِّدَ الرُّهْبانِ، ارْحَمْنِي رَحِمَكَ اللَّهُ. فَعَطَفَ إلَيْهِ (p-٣٩٣)حِمارَهُ، فَأخَذَ بِيَدِهِ فَرَفَعَهُ فَضَرَبَ بِهِ الأرْضَ ودَعا لَهُ، وقالَ: قُمْ بِإذْنِ اللَّهِ، فَقامَ صَحِيحًا يَشْتَدُّ، فَجَعَلَ سَلْمانُ يَتَعَجَّبُ وهو يَنْظُرُ إلَيْهِ ويَشْتَدُّ، وسارَ الرّاهِبُ فَتَغَيَّبَ عَنْ سَلْمانَ، ولا يَعْلَمُ سَلْمانُ، ثُمَّ إنَّ سَلْمانَ فَزِعَ بِطَلَبِ الرّاهِبِ فَلَقِيَهُ رَجُلانِ مِنَ العَرَبِ مِن كَلْبٍ فَسَألَهُما: هَلْ رَأيْتُما الرّاهِبَ؟ فَأناخَ أحَدُهُما راحِلَتَهُ، قالَ: نِعْمَ راعِي الصِّرْمَةِ هَذا! فَحَمَلَهُ فانْطَلَقَ بِهِ إلى المَدِينَةِ، قالَ سَلْمانُ: فَأصابَنِي مِنَ الحُزْنِ شَيْءٌ لَمْ يُصِبْنِي مَثَلُهُ قَطُّ، فاشْتَرَتْهُ امْرَأةٌ مِن جُهَيْنَةَ، فَكانَ يَرْعى عَلَيْها هو وغُلامٌ لَها يَتَراوَحانِ الغَنَمَ هَذا يَوْمًا وهَذا يَوْمًا، وكانَ سَلْمانُ يَجْمَعُ الدَّراهِمَ يَنْتَظِرُ خُرُوجَ مُحَمَّدٍ ﷺ، فَبَيْنَما هو يَوْمًا يَرْعى إذْ أتاهُ صاحِبُهُ الَّذِي يَعْقُبُهُ فَقالَ لَهُ: أشَعَرْتَ أنَّهُ قَدْ قَدِمَ المَدِينَةَ اليَوْمَ رَجُلٌ يَزْعُمُ أنَّهُ نَبِيٌّ؟ فَقالَ لَهُ سَلْمانُ: أقِمْ في الغَنَمِ حَتّى آتِيَكَ، فَهَبَطَ سَلْمانُ إلى المَدِينَةِ، فَنَظَرَ إلى النَّبِيِّ ﷺ ودارَ حَوْلَهُ، فَلَمّا رَآهُ النَّبِيُّ ﷺ عَرَفَ ما يُرِيدُ، فَأرْسَلَ ثَوْبَهُ حَتّى خَرَجَ خاتَمُهُ، فَلَمّا رَآهُ أتاهُ وكَلَّمَهُ، ثُمَّ انْطَلَقَ فاشْتَرى بِدِينارٍ؛ بِبَعْضِهِ شاةً فَشَواها، وبِبَعْضِهِ خُبْزًا، ثُمَّ أتاهُ بِهِ فَقالَ: ما هَذا؟ قالَ سَلْمانُ: هَذِهِ صَدَقَةٌ، قالَ: لا حاجَةَ لِي بِها، فَأخْرِجْها فَلْيَأْكُلْها المُسْلِمُونَ. ثُمَّ انْطَلَقَ فاشْتَرى بِدِينارٍ آخَرَ خُبْزًا ولَحْمًا، ثُمَّ أتى بِهِ النَّبِيَّ ﷺ فَقالَ: ما هَذا؟ قالَ: هَذِهِ هَدِيَّةٌ، قالَ: (p-٣٩٤)فاقْعُدْ فَكُلْ. فَقَعَدَ فَأكَلا مِنها جَمِيعًا، فَبَيْنَما هو يُحَدِّثُهُ، إذْ ذَكَرَ أصْحابَهُ فَأخْبَرَهُ خَبَرَهُمْ، فَقالَ: كانُوا يُصَلُّونَ ويَصُومُونَ ويُؤْمِنُونَ بِكَ، ويَشْهَدُونَ أنَّكَ سَتَبْعَثُ نَبِيًّا. فَلَمّا فَرَغَ سَلْمانُ مِن ثَنائِهِ عَلَيْهِمْ، قالَ لَهُ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ: يا سَلْمانُ هم مِن أهْلِ النّارِ فاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلى سَلْمانَ وقَدْ كانَ قالَ لَهُ سَلْمانُ: لَوْ أدْرَكُوكَ صَدَّقُوكَ واتَّبَعُوكَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا والَّذِينَ هادُوا والنَّصارى والصّابِئِينَ مَن آمَنَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ﴾ [البقرة»: ٦٢] . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: «سَألَ سَلْمانُ الفارِسِيُّ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ أُولَئِكَ النَّصارى، وما رَأى مِن أعْمالِهِمْ، قالَ: لَمْ يَمُوتُوا عَلى الإسْلامِ، قالَ سَلْمانُ: فَأظْلَمَتْ عَلَيَّ الأرْضُ وذَكَرْتُ اجْتِهادَهم. فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا والَّذِينَ هادُوا﴾ فَدَعا سَلْمانُ فَقالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في أصْحابِكَ. ثُمَّ قالَ: مَن ماتَ عَلى دِينِ عِيسى قَبْلَ أنْ يَسْمَعَ بِي، فَهو عَلى خَيْرٍ، ومَن سَمِعَ بِي ولَمْ يُؤْمِن فَقَدْ هَلَكَ» . وأخْرَجَ أبُو داوُدَ في ”النّاسِخِ والمَنسُوخِ“، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا والَّذِينَ هادُوا﴾ الآيَةَ، قالَ: فَأنْزَلَ اللَّهُ بَعْدَ هَذا ﴿ومَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنهُ وهو في الآخِرَةِ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ [آل عمران: ٨٥] [ آلِ عِمْرانَ: ٨٥] . (p-٣٩٥)وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُجَيٍّ، عَنْ عَلِيٍّ، قالَ: إنَّما سُمِّيَتِ اليَهُودَ لِأنَّهم قالُوا: ﴿إنّا هُدْنا إلَيْكَ﴾ [الأعراف: ١٥٦] [ الأعْرافِ: ١٥٦] . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قالَ: نَحْنُ أعْلَمُ مِن حَيْثُ تَسَمَّتِ اليَهُودُ بِاليَهُودِيَّةِ، مِن كَلِمَةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿إنّا هُدْنا إلَيْكَ﴾ [الأعراف: ١٥٦] ولِمَ تَسَمَّتِ النَّصارى بِالنَّصْرانِيَّةِ، مِن كَلِمَةِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿كُونُوا أنْصارَ اللَّهِ﴾ [الصف: ١٤] [ الصَّفِّ: ١٤] . وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: نَحْنُ أعْلَمُ النّاسِ مِن أيْنَ تَسَمَّتِ اليَهُودُ بِاليَهُودِيَّةِ، والنَّصارى بِالنَّصْرانِيَّةِ، إنَّما تَسَمَّتِ اليَهُودُ بِاليَهُودِيَّةِ بِكَلِمَةٍ قالَها مُوسى: ﴿إنّا هُدْنا إلَيْكَ﴾ [الأعراف: ١٥٦] فَلَمّا ماتَ قالُوا: هَذِهِ الكَلِمَةُ كانَتْ تُعْجِبُهُ فَتَسَمَّوْا بِاليَهُودِ، وإنَّما تَسَمَّتِ النَّصارى بِالنَّصْرانِيَّةِ لِكَلِمَةٍ قالَها عِيسى: ﴿مَن أنْصارِي إلى اللَّهِ قالَ الحَوارِيُّونَ نَحْنُ أنْصارُ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٥٢] [ آلِ عِمْرانَ: ٥٢] فَتَسَمَّوْا بِالنَّصْرانِيَّةِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ قالَ: إنَّما سُمُّوا نَصارى بِقَرْيَةٍ يُقالُ لَها: ناصِرَةُ. (p-٣٩٦)يَنْزِلُها عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ فَهو اسْمٌ تُسَمَّوْا بِهِ، ولَمْ يُؤْمَرُوا بِهِ. وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ في ”طَبَقاتِهِ“، وابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: إنَّما سُمِّيَتِ النَّصارى لِأنَّ قَرْيَةَ عِيسى كانَتْ تُسَمّى ناصِرَةَ. وأخْرَجَ وكِيعٌ وعَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: الصّابِئُونَ قَوْمٌ بَيْنَ اليَهُودِ والمَجُوسِ والنَّصارى لَيْسَ لَهم دِينٌ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: الصّابِئُونَ لَيْسُوا بِيَهُودَ ولا نَصارى، هم قَوْمٌ مِنَ المُشْرِكِينَ لا كِتابَ لَهم. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: سُئِلَ ابْنُ عَبّاسٍ عَنِ الصّابِئِينَ فَقالَ: هم قَوْمٌ بَيْنَ اليَهُودِ والنَّصارى والمَجُوسِ، لا تَحِلُّ ذَبائِحُهم ولا مُناكَحَتُهم. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: الصّابِئُونَ مَنزِلَةٌ بَيْنَ النَّصْرانِيَّةِ والمَجُوسِيَّةِ، ولَفْظُ ابْنِ أبِي حاتِمٍ: مَنزِلَةٌ بَيْنَ اليَهُودِ والنَّصارى. (p-٣٩٧)وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: ذَهَبَتِ الصّابِئُونَ إلى اليَهُودِ فَقالُوا: ما أمْرُكُمْ؟ قالُوا: نَبِيُّنا مُوسى جاءَنا بِكَذا وكَذا، ونَهانا عَنْ كَذا وكَذا، وهَذِهِ التَّوْراةُ فَمَن تابَعَنا دَخَلَ الجَنَّةَ، ثُمَّ أتَوُا النَّصارى فَقالُوا في عِيسى ما قالَتِ اليَهُودُ في مُوسى وقالُوا: هَذا الإنْجِيلَ فَمَن تابَعَنا دَخَلَ الجَنَّةَ. فَقالَتِ الصّابِئُونَ: هَؤُلاءِ يَقُولُونَ: نَحْنُ ومَنِ اتَّبَعْنا في الجَنَّةِ واليَهُودُ يَقُولُونَ: نَحْنُ ومَنِ اتَّبَعْنا في الجَنَّةِ، فَمَن بِهِ نَدِينُ؟ فَسَمّاهُمُ اللَّهُ الصّابِئِينَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي العالِيَةِ قالَ: الصّابِئُونَ فِرْقَةٌ مِن أهْلِ الكِتابِ يَقْرَءُونَ الزَّبُورَ. وأخْرَجَ وكِيعٌ عَنِ السُّدِّيِّ قالَ: الصّابِئُونَ طائِفَةٌ مِن أهْلِ الكِتابِ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ قالَ: الصّابِئُونَ قَوْمٌ يَعْبُدُونَ المَلائِكَةَ، ويُصَلُّونَ إلى غَيْرِ القِبْلَةِ ويَقْرَءُونَ الزَّبُورَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ وهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ قالَ: الصّابِئُ: الَّذِي يَعْرِفُ اللَّهَ وحْدَهُ، ولَيْسَتْ لَهُ شَرِيعَةٌ يَعْمَلُ بِها، ولَمْ يُحْدِثْ كُفْرًا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي الزِّنادِ قالَ: الصّابِئُونَ قَوْمٌ مِمّا يَلِي العِراقَ، وهم (p-٣٩٨)بِكُوثى يُؤْمِنُونَ بِالنَّبِيِّينَ كُلِّهِمْ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: يَقُولُونَ: الصّابِئُونَ. وما الصّابِئُونَ! الصّابِئُونَ. ويَقُولُونَ: الخاطُونَ وما الخاطُونَ! الخاطِئُونَ.

البقرة 2:63

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذْ أخَذْنا مِيثاقَكُمْ﴾ الآيَتَيْنِ. أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وإذْ أخَذْنا مِيثاقَكم ورَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ﴾ فَقالَ: جَبَلٌ نَزَلُوا بِأصْلِهِ فَرَفَعَ فَوْقَهُمْ، فَقالَ: لَتَأْخُذُنَّ أمْرِي أوْ لِأرْمِيَنَّكم. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الطُّورُ الجَبَلُ الَّذِي أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ التَّوْراةُ وكانَ بَنُو إسْرائِيلَ أسْفَلَ مِنهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الطَّوْرُ ما أنْبَتَ مِنَ الجِبالِ، وما لَمْ يُنْبِتْ فَلَيْسَ بِطُورٍ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي (p-٣٩٩)حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: الطُّورُ الجَبَلُ بِالسُّرْيانِيَّةِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الضَّحّاكِ قالَ: النَّبَطُ يُسَمُّونَ الجَبَلَ الطُّورَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿خُذُوا ما آتَيْناكم بِقُوَّةٍ﴾ قالَ: بِجِدٍّ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي العالِيَةِ: ﴿واذْكُرُوا ما فِيهِ﴾ يَقُولُ: اقْرَءُوا ما في التَّوْراةِ واعْمَلُوا بِهِ. وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ، وابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿لَعَلَّكم تَتَّقُونَ﴾ قالَ: لَعَلَّكم تَنْزِعُونَ عَمّا أنْتُمْ عَلَيْهِ.

البقرة 2:65

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنكُمْ﴾ الآيَتَيْنِ. أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿ولَقَدْ عَلِمْتُمُ﴾ قالَ: عَرَفْتُمْ وهَذا تَحْذِيرٌ لَهم مِنَ المَعْصِيَةِ يَقُولُ: احْذَرُوا أنْ يُصِيبَكم ما أصابَ أصْحابَ السَّبْتِ إذْ عَصَوْنِي ﴿اعْتَدَوْا﴾ يَقُولُ: اجْتَرَءُوا ﴿فِي السَّبْتِ﴾ بِصَيْدِ السَّمَكِ ﴿فَقُلْنا لَهم كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ﴾ فَمَسَخَهُمُ اللَّهُ قِرَدَةً بِمَعْصِيَتِهِمْ ولَمْ يَعِشْ مَسْخٌ فَوْقَ ثَلاثَةِ أيّامٍ، ولَمْ يَأْكُلْ ولَمْ يَشْرَبْ ولَمْ يَنْسِلْ. (p-٤٠٠)وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: إنَّما كانَ الَّذِينَ اعْتَدَوْا في السَّبْتِ فَجُعِلُوا قِرَدَةً فَواقًا ثُمَّ هَلَكُوا، ما كانَ لِلْمَسْخِ نَسْلٌ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ مِن وجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: القِرَدَةُ والخَنازِيرُ مِن نَسْلِ الَّذِينَ مُسِخُوا. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ الحَسَنِ قالَ: انْقَطَعَ ذَلِكَ النَّسْلُ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَقُلْنا لَهم كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ﴾ قالَ: مُسِخَتْ قُلُوبُهم ولِمَ يُمْسَخُوا قِرَدَةً، وإنَّما هو مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ لَهم مَثَلَ الحِمارِ يَحْمِلُ أسْفارًا. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ في الآيَةِ قالَ: أُحِلَّتْ لَهُمُ الحِيتانُ، وحُرِّمَتْ عَلَيْهِمْ يَوْمَ السَّبْتِ لِيَعْلَمَ مَن يُطِيعُهُ مِمَّنْ يَعْصِيهِ فَكانَ القَوْمُ فِيهِمْ ثَلاثَةَ أصْنافٍ؛ وأمّا صِنْفٌ فَأمْسَكَ ونَهى عَنِ المَعْصِيَةِ، وأمّا صِنْفٌ فَأمْسَكَ عَنْ حُرْمَةِ اللَّهِ، وأمّا صِنْفٌ فانْتَهَكَ المَعْصِيَةَ ومَرَنَ عَلى المَعْصِيَةِ فَلَمّا أبَوْا إلّا عُتُوًّا عَمّا نَهاهُمُ اللَّهُ عَنْهُ ﴿قُلْنا لَهم كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ﴾ [الأعراف: ١٦٦] وصارَ القَوْمُ قِرَدَةً تَعاوى لَها أذْنابٌ بَعْدَما كانُوا رِجالًا ونِساءً. (p-٤٠١)وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: شَبابُ القَوْمِ قِرَدَةٌ والمَشْيَخَةُ صارُوا خَنازِيرَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿خاسِئِينَ﴾ [الأعراف: ١٦٦] قالَ: ذَلِيلِينَ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿خاسِئِينَ﴾ [الأعراف: ١٦٦] قالَ: صاغِرِينَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ، مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿فَجَعَلْناها نَكالا لِما بَيْنَ يَدَيْها﴾ مِنَ القُرى. ﴿وما خَلْفَها﴾ مِنَ القُرى ﴿ومَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾ الَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ إلى يَوْمِ القِيامَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿فَجَعَلْناها﴾ يَعْنِي الحِيتانَ ﴿نَكالا لِما بَيْنَ يَدَيْها وما خَلْفَها﴾ مِنَ الذُّنُوبِ الَّتِي عَمِلُوا قَبْلُ وبَعْدُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿فَجَعَلْناها﴾ قالَ: فَجَعَلْنا تِلْكَ العُقُوبَةَ وهي المَسْخَةُ ﴿نَكالا﴾ عُقُوبَةً ﴿لِما بَيْنَ يَدَيْها﴾ يَقُولُ: لِيَحْذَرَ مَن بَعْدَهم عُقُوبَتِي ﴿وما خَلْفَها﴾ يَقُولُ: لِلَّذِينِ بَقُوا مَعَهُمْ، (p-٤٠٢)﴿ومَوْعِظَةً﴾ تَذْكِرَةً وعِبْرَةً ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾ . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ سُفْيانَ في قَوْلِهِ: ﴿نَكالا لِما بَيْنَ يَدَيْها وما خَلْفَها﴾ قالَ: مِنَ الذُّنُوبِ ﴿ومَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾ قالَ: لِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلامُ.

البقرة 2:66

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنكُمْ﴾ الآيَتَيْنِ. أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿ولَقَدْ عَلِمْتُمُ﴾ قالَ: عَرَفْتُمْ وهَذا تَحْذِيرٌ لَهم مِنَ المَعْصِيَةِ يَقُولُ: احْذَرُوا أنْ يُصِيبَكم ما أصابَ أصْحابَ السَّبْتِ إذْ عَصَوْنِي ﴿اعْتَدَوْا﴾ يَقُولُ: اجْتَرَءُوا ﴿فِي السَّبْتِ﴾ بِصَيْدِ السَّمَكِ ﴿فَقُلْنا لَهم كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ﴾ فَمَسَخَهُمُ اللَّهُ قِرَدَةً بِمَعْصِيَتِهِمْ ولَمْ يَعِشْ مَسْخٌ فَوْقَ ثَلاثَةِ أيّامٍ، ولَمْ يَأْكُلْ ولَمْ يَشْرَبْ ولَمْ يَنْسِلْ. (p-٤٠٠)وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: إنَّما كانَ الَّذِينَ اعْتَدَوْا في السَّبْتِ فَجُعِلُوا قِرَدَةً فَواقًا ثُمَّ هَلَكُوا، ما كانَ لِلْمَسْخِ نَسْلٌ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ مِن وجْهٍ آخَرَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: القِرَدَةُ والخَنازِيرُ مِن نَسْلِ الَّذِينَ مُسِخُوا. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ الحَسَنِ قالَ: انْقَطَعَ ذَلِكَ النَّسْلُ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَقُلْنا لَهم كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ﴾ قالَ: مُسِخَتْ قُلُوبُهم ولِمَ يُمْسَخُوا قِرَدَةً، وإنَّما هو مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ لَهم مَثَلَ الحِمارِ يَحْمِلُ أسْفارًا. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ في الآيَةِ قالَ: أُحِلَّتْ لَهُمُ الحِيتانُ، وحُرِّمَتْ عَلَيْهِمْ يَوْمَ السَّبْتِ لِيَعْلَمَ مَن يُطِيعُهُ مِمَّنْ يَعْصِيهِ فَكانَ القَوْمُ فِيهِمْ ثَلاثَةَ أصْنافٍ؛ وأمّا صِنْفٌ فَأمْسَكَ ونَهى عَنِ المَعْصِيَةِ، وأمّا صِنْفٌ فَأمْسَكَ عَنْ حُرْمَةِ اللَّهِ، وأمّا صِنْفٌ فانْتَهَكَ المَعْصِيَةَ ومَرَنَ عَلى المَعْصِيَةِ فَلَمّا أبَوْا إلّا عُتُوًّا عَمّا نَهاهُمُ اللَّهُ عَنْهُ ﴿قُلْنا لَهم كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ﴾ [الأعراف: ١٦٦] وصارَ القَوْمُ قِرَدَةً تَعاوى لَها أذْنابٌ بَعْدَما كانُوا رِجالًا ونِساءً. (p-٤٠١)وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: شَبابُ القَوْمِ قِرَدَةٌ والمَشْيَخَةُ صارُوا خَنازِيرَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿خاسِئِينَ﴾ [الأعراف: ١٦٦] قالَ: ذَلِيلِينَ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿خاسِئِينَ﴾ [الأعراف: ١٦٦] قالَ: صاغِرِينَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ، مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿فَجَعَلْناها نَكالا لِما بَيْنَ يَدَيْها﴾ مِنَ القُرى. ﴿وما خَلْفَها﴾ مِنَ القُرى ﴿ومَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾ الَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ إلى يَوْمِ القِيامَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿فَجَعَلْناها﴾ يَعْنِي الحِيتانَ ﴿نَكالا لِما بَيْنَ يَدَيْها وما خَلْفَها﴾ مِنَ الذُّنُوبِ الَّتِي عَمِلُوا قَبْلُ وبَعْدُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿فَجَعَلْناها﴾ قالَ: فَجَعَلْنا تِلْكَ العُقُوبَةَ وهي المَسْخَةُ ﴿نَكالا﴾ عُقُوبَةً ﴿لِما بَيْنَ يَدَيْها﴾ يَقُولُ: لِيَحْذَرَ مَن بَعْدَهم عُقُوبَتِي ﴿وما خَلْفَها﴾ يَقُولُ: لِلَّذِينِ بَقُوا مَعَهُمْ، (p-٤٠٢)﴿ومَوْعِظَةً﴾ تَذْكِرَةً وعِبْرَةً ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾ . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ سُفْيانَ في قَوْلِهِ: ﴿نَكالا لِما بَيْنَ يَدَيْها وما خَلْفَها﴾ قالَ: مِنَ الذُّنُوبِ ﴿ومَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾ قالَ: لِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلامُ.

البقرة 2:67

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ﴾ الآيَةَ. أخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا في كِتابِ ”مَن عاشَ بَعْدَ المَوْتِ“ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانَتْ مَدِينَتانِ في بَنِي إسْرائِيلَ، إحْداهُما حَصِينَةٌ ولَها أبْوابٌ، والأُخْرى خَرِبَةٌ، فَكانَ أهْلُ المَدِينَةِ الحَصِينَةِ إذا أمْسَوْا أغْلَقُوا أبْوابَها، فَإذا أصْبَحُوا قامُوا عَلى سُورِ المَدِينَةِ، فَنَظَرُوا هَلْ حَدَثَ فِيما حَوْلَها حادِثٌ فَأصْبَحُوا يَوْمًا فَإذا شَيْخٌ قَتِيلٌ مَطْرُوحٌ بِأصْلِ مَدِينَتِهِمْ، فَأقْبَلَ أهْلُ المَدِينَةِ الخَرِبَةِ، فَقالُوا: قَتَلْتُمْ صاحِبَنا، وابْنُ أخٍ لَهُ شابٌّ يَبْكِي عِنْدَهُ ويَقُولُ: قَتَلْتُمْ عَمِّي، وقالُوا: واللَّهِ ما فَتَحْنا مَدِينَتَنا مُنْذُ أغْلَقْناها وما نَدَيْنا مِن دَمِ صاحِبِكم هَذا بِشَيْءٍ. فَأتَوْا مُوسى فَأوْحى اللَّهُ إلى مُوسى: ﴿إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكم أنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿فَذَبَحُوها وما كادُوا يَفْعَلُونَ﴾ [البقرة: ٧١]، قالَ: وكانَ في بَنِي إسْرائِيلَ غُلامٌ شابٌّ يَبِيعُ في حانُوتٍ لَهُ، وكانَ لَهُ أبٌ شَيْخٌ كَبِيرٌ، فَأقْبَلَ رَجُلٌ مِن بَلَدٍ آخَرَ يَطْلُبُ سِلْعَةً لَهُ عِنْدَهُ، فَأعْطاهُ بِها (p-٤٠٣)ثَمَنًا فانْطَلَقَ مَعَهُ لِيَفْتَحَ حانُوتَهُ فَيُعْطِيَهُ الَّذِي طَلَبَ، والمِفْتاحُ مَعَ أبِيهِ، فَإذا أبُوهُ نائِمٌ في ظِلِّ الحانُوتِ، فَقالَ: أيْقِظْهُ، قالَ ابْنُهُ: إنَّهُ نائِمٌ وأنا أكْرَهُ أنْ أُرَوِّعَهُ مِن نَوْمِهِ، فانْصَرَفا فَأعْطاهُ ضِعْفَ ما أعْطاهُ عَلى أنْ يُوقِظَهُ، فَأبى فَذَهَبَ طالِبُ السِّلْعَةِ، فاسْتَيْقَظَ الشَّيْخُ فَقالَ لَهُ ابْنُهُ: يا أبَتِ واللَّهِ يا أبَهْ لَقَدْ جاءَ هَهُنا رَجُلٌ يَطْلُبُ سِلْعَةَ كَذا، فَأعْطى بِها مِنَ الثَّمَنِ كَذا وكَذا، فَكَرِهْتُ أنْ أُرَوِّعَكَ مِن نَوْمِكَ. فَلامَهُ الشَّيْخُ، فَعَوَّضَهُ اللَّهُ مِن بِرِّهِ بِوالِدِهِ أنْ نَتَجَتْ مَن بَقَرِهِ تِلْكَ البَقَرَةُ الَّتِي يَطْلُبُها بَنُو إسْرائِيلَ فَأتَوْهُ فَقالُوا لَهُ: بِعْناها فَقالَ: لا. قالُوا: إذَنْ نَأْخُذُها مِنكَ، فَأتَوْا مُوسى فَقالَ: اذْهَبُوا فَأرْضُوهُ مِن سِلْعَتِهِ، قالُوا: حُكْمُكَ؟ قالَ: حُكْمِي أنْ تَضَعُوا البَقَرَةَ في كِفَّةِ المِيزانِ، وتَضَعُوا ذَهَبًا صامِتًا في الكِفَّةِ الأُخْرى، فَإذا مالَ الذَّهَبُ أخَذْتُهُ، فَفَعَلُوا وأقْبَلُوا بِالبَقَرَةِ حَتّى انْتَهَوْا بِها إلى قَبْرِ الشَّيْخِ، واجْتَمَعَ أهْلُ المَدِينَتَيْنِ فَذَبَحُوها فَضُرِبَ بِبِضْعَةٍ مِن لَحْمِها القَبْرُ فَقامَ الشَّيْخُ يَنْفُضُ رَأْسَهُ يَقُولُ: قَتَلَنِي ابْنُ أخِي؛ طالَ عَلَيْهِ عُمُرِي، (p-٤٠٤)وأرادَ أخْذَ مالِي وماتَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في ”سُنَنِهِ“ عَنْ عَبِيدَةَ السَّلْمانِيِّ قالَ: كانَ رَجُلٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ عَقِيمًا لا يُولَدُ لَهُ وكانَ لَهُ مالٌ كَثِيرٌ، وكانَ ابْنُ أخِيهِ وارِثَهُ، فَقَتَلَهُ ثُمَّ احْتَمَلَهُ لَيْلًا فَوَضَعَهُ عَلى بابِ رَجُلٍ مِنهُمْ، ثُمَّ أصْبَحَ يَدَّعِيهِ عَلَيْهِمْ، حَتّى تَسَلَّحُوا ورَكِبَ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ، فَقالَ ذَوُو الرَّأْيِ مِنهم: عَلامَ يَقْتُلُ بَعْضُكم بَعْضًا وهَذا رَسُولُ اللَّهِ فِيكُمْ؟! فَأتَوْا مُوسى فَذَكَرُوا ذَلِكَ لَهُ، فَقالَ: ﴿إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكم أنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قالُوا أتَتَّخِذُنا هُزُوًا قالَ أعُوذُ بِاللَّهِ أنْ أكُونَ مِنَ الجاهِلِينَ﴾ قالَ: فَلَوْ لَمْ يَعْتَرِضُوا لَأجْزَأتْ عَنْهم أدْنى بَقَرَةٍ، ولَكِنَّهم شَدَّدُوا فَشُدِّدَ عَلَيْهِمْ حَتّى انْتَهَوْا إلى البَقَرَةِ الَّتِي أُمِرُوا بِذَبْحِها فَوَجَدُوها عِنْدَ رَجُلٍ لَيْسَ لَهُ بَقَرَةٌ غَيْرُها، فَقالَ: واللَّهِ لا أنْقُصُها مِن مِلْءِ جِلْدِها ذَهَبًا. فَذَبَحُوها فَضَرَبُوهُ بِبَعْضِها، فَقامَ فَقالُوا: مَن قَتَلَكَ؟ فَقالَ: هَذا. لِابْنِ أخِيهِ، ثُمَّ مالَ مَيِّتًا فَلَمْ يُعْطَ مِن مالِهِ شَيْئًا ولَمْ يُورَّثْ قاتِلٌ بَعْدُ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ عَنْ عَبِيدَةَ قالَ: أوَّلُ ما قُضِيَ أنَّهُ لا يَرِثُ القاتِلُ في (p-٤٠٥)صاحِبِ بَنِي إسْرائِيلَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ قالَ: أوَّلُ ما مُنِعَ القاتِلُ المِيراثَ لِمَكانِ صاحِبِ البَقَرَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: إنَّ شَيْخًا مِن بَنِي إسْرائِيلَ عَلى عَهْدِ مُوسى كانَ مُكْثِرًا مِنَ المالِ، وكانَ بَنُو أخِيهِ فُقَراءَ لا مالَ لَهُمْ، وكانَ الشَّيْخُ لا ولَدَ لَهُ، وبَنُو أخِيهِ ورَثَتَهُ، فَقالُوا: لَيْتَ عَمَّنا قَدْ ماتَ فَوَرِثْنا مالَهُ. وإنَّهُ لَمّا تَطاوَلَ عَلَيْهِمْ ألّا يَمُوتَ أتاهُمُ الشَّيْطانُ فَقالَ: هَلْ لَكم إلى أنْ تَقْتُلُوا عَمَّكم فَتَرِثُوا مالَهُ، وتُغَرِّمُوا أهْلَ المَدِينَةِ الَّتِي لَسْتُمْ بِها دِيَتَهُ. وذَلِكَ أنَّهُما كانَتا مَدِينَتَيْنِ، كانُوا في إحْداهُما، وكانَ القَتِيلُ إذا قُتِلَ فَطُرِحَ بَيْنَ المَدِينَتَيْنِ قِيسَ ما بَيْنَ القَتِيلِ والقَرْيَتَيْنِ، فَأيُّهُما كانَتْ أقْرَبَ إلَيْهِ غُرِّمَتِ الدِّيَةَ، وإنَّهم لَمّا سَوَّلَ لَهُمُ الشَّيْطانُ ذَلِكَ عَمَدُوا إلَيْهِ فَقَتَلُوهُ، ثُمَّ طَرَحُوهُ عَلى بابِ المَدِينَةِ الَّتِي لَيْسُوا بِها، فَلَمّا أصْبَحَ أهْلُ المَدِينَةِ جاءَ بَنُو أخِي الشَّيْخِ فَقالُوا: عَمُّنا قُتِلَ عَلى بابِ مَدِينَتِكُمْ، فَواللَّهِ (p-٤٠٦)لَتَغْرَمُنَّ لَنا دِيَتَهُ، قالَ أهْلُ المَدِينَةِ نُقْسِمُ بِاللَّهِ ما قَتَلْناهُ ولا عَلِمْنا قاتِلًا ولا فَتَحْنا بابَ مَدِينَتِنا مُنْذُ أُغْلِقَ حَتّى أصْبَحْنا. فَعَمَدُوا إلى مُوسى فَجاءَ جِبْرِيلُ فَقالَ: قُلْ لَهم: إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكم أنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً فَتَضْرِبُوهُ بِبَعْضِها. وأخْرَجَ سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: كانَ لِبَنِي إسْرائِيلَ مَسْجِدٌ لَهُ اثْنا عَشَرَ بابًا، لِكُلِّ سِبْطٍ مِنهم بابٌ يَدْخُلُونَ مِنهُ ويَخْرُجُونَ، فَوُجِدَ قَتِيلٌ عَلى بابِ سِبْطٍ مِنَ الأسْباطِ قُتِلَ عَلى بابِ سِبْطٍ وجُرَّ إلى بابِ سِبْطٍ آخَرَ فاخْتَصَمَ فِيهِ أهْلُ السِّبْطَيْنِ، فَقالَ هَؤُلاءِ: أنْتُمْ قَتَلْتُمْ هَذا، وقالَ الآخَرُونَ: بَلْ أنْتُمْ قَتَلْتُمُوهُ ثُمَّ جَرَرْتُمُوهُ إلَيْنا، فاخْتَصَمُوا إلى مُوسى فَقالَ: ﴿إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكم أنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ الآيَةَ، ﴿قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ﴾ قالَ: ﴿إنَّهُ يَقُولُ إنَّها بَقَرَةٌ لا فارِضٌ ولا بِكْرٌ عَوانٌ بَيْنَ ذَلِكَ﴾ قالَ: فَذَهَبُوا يَطْلُبُونَها، فَكَأنَّها تَعَذَّرَتْ عَلَيْهِمْ، فَرَجَعُوا إلى مُوسى فَقالُوا: ﴿قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما لَوْنُها قالَ إنَّهُ يَقُولُ إنَّها بَقَرَةٌ صَفْراءُ فاقِعٌ لَوْنُها تَسُرُّ النّاظِرِينَ﴾ قالَ: فَذَهَبُوا يَطْلُبُونَها، فَكَأنَّها تَعَذَّرَتْ عَلَيْهِمْ، فَقالُوا: ﴿ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هي إنَّ البَقَرَ تَشابَهَ عَلَيْنا وإنّا إنْ شاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ﴾ [البقرة: ٧٠] ولَوْلا أنَّهم قالُوا: إنْ شاءَ اللَّهُ ما وجَدُوها ﴿قالَ إنَّهُ يَقُولُ إنَّها بَقَرَةٌ لا ذَلُولٌ﴾ [البقرة: ٧١] الآيَةَ. وإنَّما كانَتِ البَقَرَةُ يَوْمَئِذٍ بِثَلاثَةِ دَنانِيرَ، ولَوْ (p-٤٠٧)أنَّهم أخَذُوا أدْنى بَقَرِهِمْ فَذَبَحُوها كَفَتْهُمْ، ولَكِنَّهم شَدَّدُوا فَشَدَّدَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، فَذَهَبُوا يَطْلُبُونَها، فَيَجِدُونَ هَذِهِ الصِّفَةَ عِنْدَ رَجُلٍ، فَقالُوا: تَبِيعُنا هَذِهِ البَقَرَةَ؟ قالَ: أبِيعُها، قالُوا: بِكَمْ تَبِيعُها؟ قالَ: بِمِائَةِ دِينارٍ، فَقالُوا: إنَّها بَقَرَةٌ بِثَلاثَةِ دَنانِيرَ. فَأبَوْا أنْ يَأْخُذُوها، فَرَجَعُوا إلى مُوسى فَقالُوا: وجَدْناها عِنْدَ رَجُلٍ فَقالَ: لا أنْقُصُكم مِن مِائَةِ دِينارٍ. وإنَّما هي بَقَرَةٌ بِثَلاثَةِ دَنانِيرَ. قالَ: هو أعْلَمُ هو صاحِبُها إنْ شاءَ باعَ وإنْ شاءَ لَمْ يَبِعْ. فَرَجَعُوا إلى الرَّجُلِ فَقالُوا: قَدْ أخَذْناها بِمِائَةِ دِينارٍ، فَقالَ: لا أنْقُصُها عَنْ مِائَتَيْ دِينارٍ، فَقالُوا سُبْحانَ اللَّهِ، ألَيْسَ قَدْ بِعْتَنا بِمِائَةِ دِينارٍ ورَضِيتَ؟ فَقَدْ أخَذْناها، قالَ: لَيْسَ أنْقُصُها مِن مِائَتَيْ دِينارٍ، فَتَرَكُوها ورَجَعُوا إلى مُوسى، فَقالُوا لَهُ: أعْطاناها بِمِائَةِ دِينارٍ، فَلَمّا رَجَعْنا إلَيْهِ قالَ: لا أنْقُصُها مِن مِائَتَيْ دِينارٍ، قالَ: هو أعْلَمُ، إنْ شاءَ باعَها وإنْ شاءَ لَمْ يَبِعْها. فَعادُوا إلَيْهِ فَقالُوا: قَدْ أخَذْناها بِمِائَتَيْ دِينارٍ، فَقالَ: لا أنْقُصُها مِن أرْبَعِمِائَةِ دِينارٍ، قالُوا: قَدْ كُنْتَ أعْطَيْتَناها بِمِائَتَيْ دِينارٍ فَقَدْ أخَذْناها فَقالَ: لَيْسَ أنْقُصُها مِن أرْبَعِمِائَةِ دِينارٍ. فَتَرَكُوها وعادُوا إلى مُوسى، فَقالُوا: قَدْ أعْطَيْناهُ (p-٤٠٨)مِائَتَيْ دِينارٍ فَأبى أنْ يَأْخُذَها وقالَ: لا أنْقُصُها مِن أرْبَعِمِائَةِ دِينارٍ، فَقالَ: هو أعْلَمُ هو صاحِبُها إنْ شاءَ باعَ وإنْ شاءَ لَمْ يَبِعْ. فَرَجَعُوا إلَيْهِ فَقالُوا: قَدْ أخَذْناها بِأرْبَعِمِائَةِ دِينارٍ فَقالَ: لا أنْقُصُها مِن ثَمانِمِائَةِ دِينارٍ، فَلَمْ يَزالُوا يَعُودُونَ إلى مُوسى ويَعُودُونَ إلَيْهِ، فَكُلَّما عادُوا إلَيْهِ أضْعَفَ عَلَيْهِ الثَّمَنَ، حَتّى قالَ: لَيْسَ أبِيعُها إلّا بِمِلْءٍ مَسْكَها، فَأخَذُوها فَذَبَحُوها فَقالَ: اضْرِبُوهُ بِبَعْضِها. فَضَرَبُوهُ بِفَخِذِها، فَعاشَ فَقالَ: قَتَلَنِي فُلانٌ، فَإذا هو رَجُلٌ كانَ لَهُ عَمٌّ وكانَ لِعَمِّهِ مالٌ كَثِيرٌ. وكانَ لَهُ ابْنَةٌ فَقالَ: أقْتُلُ عَمِّي هَذا فَأرِثُ مالَهُ، وأتَزَوَّجُ ابْنَتَهُ، فَقَتَلَ عَمَّهُ فَلَمْ يَرِثْ شَيْئًا، ولَمْ يَرِثْ قاتِلٌ مُنْذُ ذَلِكَ شَيْئًا. قالَ مُوسى: إنَّ لِهَذِهِ البَقَرَةِ لَشَأْنًا، ادْعُوا إلَيَّ صاحِبَها، فَدَعَوْهُ فَقالَ: أخْبِرْنِي عَنْ هَذِهِ البَقَرَةِ وعَنْ شَأْنِها، قالَ: نَعَمْ، كُنْتُ رَجُلًا أبِيعُ في السُّوقِ وأشْتَرِي، فَسامَنِي رَجُلٌ بِبِضاعَةٍ عِنْدِي فَبِعْتُهُ إيّاها، وكُنْتُ قَدْ أشْرَفْتُ مِنها عَلى فَضْلٍ كَبِيرٍ، فَذَهَبْتُ لِآتِيَهُ بِما قَدْ بِعْتُهُ، فَوَجَدْتُ المِفْتاحَ تَحْتَ رَأْسِ والِدَتِي فَكَرِهْتُ أنْ أُوقِظَها مِن نَوْمِها ورَجَعْتُ إلى الرَّجُلِ فَقُلْتُ: لَيْسَ بَيْنِي وبَيْنَكَ بَيْعٌ. (p-٤٠٩)فَذَهَبَ ثُمَّ رَجَعْتُ فَنُتِجَتْ لِي هَذِهِ البَقَرَةُ فَألْقى اللَّهُ عَلَيْها مِنِّي مَحَبَّةً، فَلَمْ يَكُنْ عِنْدِي شَيْءٌ أحَبُّ إلَيَّ مِنها، فَقِيلَ لَهُ إنَّما أصَبْتَ هَذا بِبِرِّ والِدَتِكَ.

البقرة 2:68

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ﴾ الآيَةَ. أخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا في كِتابِ ”مَن عاشَ بَعْدَ المَوْتِ“ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانَتْ مَدِينَتانِ في بَنِي إسْرائِيلَ، إحْداهُما حَصِينَةٌ ولَها أبْوابٌ، والأُخْرى خَرِبَةٌ، فَكانَ أهْلُ المَدِينَةِ الحَصِينَةِ إذا أمْسَوْا أغْلَقُوا أبْوابَها، فَإذا أصْبَحُوا قامُوا عَلى سُورِ المَدِينَةِ، فَنَظَرُوا هَلْ حَدَثَ فِيما حَوْلَها حادِثٌ فَأصْبَحُوا يَوْمًا فَإذا شَيْخٌ قَتِيلٌ مَطْرُوحٌ بِأصْلِ مَدِينَتِهِمْ، فَأقْبَلَ أهْلُ المَدِينَةِ الخَرِبَةِ، فَقالُوا: قَتَلْتُمْ صاحِبَنا، وابْنُ أخٍ لَهُ شابٌّ يَبْكِي عِنْدَهُ ويَقُولُ: قَتَلْتُمْ عَمِّي، وقالُوا: واللَّهِ ما فَتَحْنا مَدِينَتَنا مُنْذُ أغْلَقْناها وما نَدَيْنا مِن دَمِ صاحِبِكم هَذا بِشَيْءٍ. فَأتَوْا مُوسى فَأوْحى اللَّهُ إلى مُوسى: ﴿إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكم أنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿فَذَبَحُوها وما كادُوا يَفْعَلُونَ﴾ [البقرة: ٧١]، قالَ: وكانَ في بَنِي إسْرائِيلَ غُلامٌ شابٌّ يَبِيعُ في حانُوتٍ لَهُ، وكانَ لَهُ أبٌ شَيْخٌ كَبِيرٌ، فَأقْبَلَ رَجُلٌ مِن بَلَدٍ آخَرَ يَطْلُبُ سِلْعَةً لَهُ عِنْدَهُ، فَأعْطاهُ بِها (p-٤٠٣)ثَمَنًا فانْطَلَقَ مَعَهُ لِيَفْتَحَ حانُوتَهُ فَيُعْطِيَهُ الَّذِي طَلَبَ، والمِفْتاحُ مَعَ أبِيهِ، فَإذا أبُوهُ نائِمٌ في ظِلِّ الحانُوتِ، فَقالَ: أيْقِظْهُ، قالَ ابْنُهُ: إنَّهُ نائِمٌ وأنا أكْرَهُ أنْ أُرَوِّعَهُ مِن نَوْمِهِ، فانْصَرَفا فَأعْطاهُ ضِعْفَ ما أعْطاهُ عَلى أنْ يُوقِظَهُ، فَأبى فَذَهَبَ طالِبُ السِّلْعَةِ، فاسْتَيْقَظَ الشَّيْخُ فَقالَ لَهُ ابْنُهُ: يا أبَتِ واللَّهِ يا أبَهْ لَقَدْ جاءَ هَهُنا رَجُلٌ يَطْلُبُ سِلْعَةَ كَذا، فَأعْطى بِها مِنَ الثَّمَنِ كَذا وكَذا، فَكَرِهْتُ أنْ أُرَوِّعَكَ مِن نَوْمِكَ. فَلامَهُ الشَّيْخُ، فَعَوَّضَهُ اللَّهُ مِن بِرِّهِ بِوالِدِهِ أنْ نَتَجَتْ مَن بَقَرِهِ تِلْكَ البَقَرَةُ الَّتِي يَطْلُبُها بَنُو إسْرائِيلَ فَأتَوْهُ فَقالُوا لَهُ: بِعْناها فَقالَ: لا. قالُوا: إذَنْ نَأْخُذُها مِنكَ، فَأتَوْا مُوسى فَقالَ: اذْهَبُوا فَأرْضُوهُ مِن سِلْعَتِهِ، قالُوا: حُكْمُكَ؟ قالَ: حُكْمِي أنْ تَضَعُوا البَقَرَةَ في كِفَّةِ المِيزانِ، وتَضَعُوا ذَهَبًا صامِتًا في الكِفَّةِ الأُخْرى، فَإذا مالَ الذَّهَبُ أخَذْتُهُ، فَفَعَلُوا وأقْبَلُوا بِالبَقَرَةِ حَتّى انْتَهَوْا بِها إلى قَبْرِ الشَّيْخِ، واجْتَمَعَ أهْلُ المَدِينَتَيْنِ فَذَبَحُوها فَضُرِبَ بِبِضْعَةٍ مِن لَحْمِها القَبْرُ فَقامَ الشَّيْخُ يَنْفُضُ رَأْسَهُ يَقُولُ: قَتَلَنِي ابْنُ أخِي؛ طالَ عَلَيْهِ عُمُرِي، (p-٤٠٤)وأرادَ أخْذَ مالِي وماتَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في ”سُنَنِهِ“ عَنْ عَبِيدَةَ السَّلْمانِيِّ قالَ: كانَ رَجُلٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ عَقِيمًا لا يُولَدُ لَهُ وكانَ لَهُ مالٌ كَثِيرٌ، وكانَ ابْنُ أخِيهِ وارِثَهُ، فَقَتَلَهُ ثُمَّ احْتَمَلَهُ لَيْلًا فَوَضَعَهُ عَلى بابِ رَجُلٍ مِنهُمْ، ثُمَّ أصْبَحَ يَدَّعِيهِ عَلَيْهِمْ، حَتّى تَسَلَّحُوا ورَكِبَ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ، فَقالَ ذَوُو الرَّأْيِ مِنهم: عَلامَ يَقْتُلُ بَعْضُكم بَعْضًا وهَذا رَسُولُ اللَّهِ فِيكُمْ؟! فَأتَوْا مُوسى فَذَكَرُوا ذَلِكَ لَهُ، فَقالَ: ﴿إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكم أنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قالُوا أتَتَّخِذُنا هُزُوًا قالَ أعُوذُ بِاللَّهِ أنْ أكُونَ مِنَ الجاهِلِينَ﴾ قالَ: فَلَوْ لَمْ يَعْتَرِضُوا لَأجْزَأتْ عَنْهم أدْنى بَقَرَةٍ، ولَكِنَّهم شَدَّدُوا فَشُدِّدَ عَلَيْهِمْ حَتّى انْتَهَوْا إلى البَقَرَةِ الَّتِي أُمِرُوا بِذَبْحِها فَوَجَدُوها عِنْدَ رَجُلٍ لَيْسَ لَهُ بَقَرَةٌ غَيْرُها، فَقالَ: واللَّهِ لا أنْقُصُها مِن مِلْءِ جِلْدِها ذَهَبًا. فَذَبَحُوها فَضَرَبُوهُ بِبَعْضِها، فَقامَ فَقالُوا: مَن قَتَلَكَ؟ فَقالَ: هَذا. لِابْنِ أخِيهِ، ثُمَّ مالَ مَيِّتًا فَلَمْ يُعْطَ مِن مالِهِ شَيْئًا ولَمْ يُورَّثْ قاتِلٌ بَعْدُ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ عَنْ عَبِيدَةَ قالَ: أوَّلُ ما قُضِيَ أنَّهُ لا يَرِثُ القاتِلُ في (p-٤٠٥)صاحِبِ بَنِي إسْرائِيلَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ قالَ: أوَّلُ ما مُنِعَ القاتِلُ المِيراثَ لِمَكانِ صاحِبِ البَقَرَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: إنَّ شَيْخًا مِن بَنِي إسْرائِيلَ عَلى عَهْدِ مُوسى كانَ مُكْثِرًا مِنَ المالِ، وكانَ بَنُو أخِيهِ فُقَراءَ لا مالَ لَهُمْ، وكانَ الشَّيْخُ لا ولَدَ لَهُ، وبَنُو أخِيهِ ورَثَتَهُ، فَقالُوا: لَيْتَ عَمَّنا قَدْ ماتَ فَوَرِثْنا مالَهُ. وإنَّهُ لَمّا تَطاوَلَ عَلَيْهِمْ ألّا يَمُوتَ أتاهُمُ الشَّيْطانُ فَقالَ: هَلْ لَكم إلى أنْ تَقْتُلُوا عَمَّكم فَتَرِثُوا مالَهُ، وتُغَرِّمُوا أهْلَ المَدِينَةِ الَّتِي لَسْتُمْ بِها دِيَتَهُ. وذَلِكَ أنَّهُما كانَتا مَدِينَتَيْنِ، كانُوا في إحْداهُما، وكانَ القَتِيلُ إذا قُتِلَ فَطُرِحَ بَيْنَ المَدِينَتَيْنِ قِيسَ ما بَيْنَ القَتِيلِ والقَرْيَتَيْنِ، فَأيُّهُما كانَتْ أقْرَبَ إلَيْهِ غُرِّمَتِ الدِّيَةَ، وإنَّهم لَمّا سَوَّلَ لَهُمُ الشَّيْطانُ ذَلِكَ عَمَدُوا إلَيْهِ فَقَتَلُوهُ، ثُمَّ طَرَحُوهُ عَلى بابِ المَدِينَةِ الَّتِي لَيْسُوا بِها، فَلَمّا أصْبَحَ أهْلُ المَدِينَةِ جاءَ بَنُو أخِي الشَّيْخِ فَقالُوا: عَمُّنا قُتِلَ عَلى بابِ مَدِينَتِكُمْ، فَواللَّهِ (p-٤٠٦)لَتَغْرَمُنَّ لَنا دِيَتَهُ، قالَ أهْلُ المَدِينَةِ نُقْسِمُ بِاللَّهِ ما قَتَلْناهُ ولا عَلِمْنا قاتِلًا ولا فَتَحْنا بابَ مَدِينَتِنا مُنْذُ أُغْلِقَ حَتّى أصْبَحْنا. فَعَمَدُوا إلى مُوسى فَجاءَ جِبْرِيلُ فَقالَ: قُلْ لَهم: إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكم أنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً فَتَضْرِبُوهُ بِبَعْضِها. وأخْرَجَ سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: كانَ لِبَنِي إسْرائِيلَ مَسْجِدٌ لَهُ اثْنا عَشَرَ بابًا، لِكُلِّ سِبْطٍ مِنهم بابٌ يَدْخُلُونَ مِنهُ ويَخْرُجُونَ، فَوُجِدَ قَتِيلٌ عَلى بابِ سِبْطٍ مِنَ الأسْباطِ قُتِلَ عَلى بابِ سِبْطٍ وجُرَّ إلى بابِ سِبْطٍ آخَرَ فاخْتَصَمَ فِيهِ أهْلُ السِّبْطَيْنِ، فَقالَ هَؤُلاءِ: أنْتُمْ قَتَلْتُمْ هَذا، وقالَ الآخَرُونَ: بَلْ أنْتُمْ قَتَلْتُمُوهُ ثُمَّ جَرَرْتُمُوهُ إلَيْنا، فاخْتَصَمُوا إلى مُوسى فَقالَ: ﴿إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكم أنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ الآيَةَ، ﴿قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ﴾ قالَ: ﴿إنَّهُ يَقُولُ إنَّها بَقَرَةٌ لا فارِضٌ ولا بِكْرٌ عَوانٌ بَيْنَ ذَلِكَ﴾ قالَ: فَذَهَبُوا يَطْلُبُونَها، فَكَأنَّها تَعَذَّرَتْ عَلَيْهِمْ، فَرَجَعُوا إلى مُوسى فَقالُوا: ﴿قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما لَوْنُها قالَ إنَّهُ يَقُولُ إنَّها بَقَرَةٌ صَفْراءُ فاقِعٌ لَوْنُها تَسُرُّ النّاظِرِينَ﴾ قالَ: فَذَهَبُوا يَطْلُبُونَها، فَكَأنَّها تَعَذَّرَتْ عَلَيْهِمْ، فَقالُوا: ﴿ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هي إنَّ البَقَرَ تَشابَهَ عَلَيْنا وإنّا إنْ شاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ﴾ [البقرة: ٧٠] ولَوْلا أنَّهم قالُوا: إنْ شاءَ اللَّهُ ما وجَدُوها ﴿قالَ إنَّهُ يَقُولُ إنَّها بَقَرَةٌ لا ذَلُولٌ﴾ [البقرة: ٧١] الآيَةَ. وإنَّما كانَتِ البَقَرَةُ يَوْمَئِذٍ بِثَلاثَةِ دَنانِيرَ، ولَوْ (p-٤٠٧)أنَّهم أخَذُوا أدْنى بَقَرِهِمْ فَذَبَحُوها كَفَتْهُمْ، ولَكِنَّهم شَدَّدُوا فَشَدَّدَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، فَذَهَبُوا يَطْلُبُونَها، فَيَجِدُونَ هَذِهِ الصِّفَةَ عِنْدَ رَجُلٍ، فَقالُوا: تَبِيعُنا هَذِهِ البَقَرَةَ؟ قالَ: أبِيعُها، قالُوا: بِكَمْ تَبِيعُها؟ قالَ: بِمِائَةِ دِينارٍ، فَقالُوا: إنَّها بَقَرَةٌ بِثَلاثَةِ دَنانِيرَ. فَأبَوْا أنْ يَأْخُذُوها، فَرَجَعُوا إلى مُوسى فَقالُوا: وجَدْناها عِنْدَ رَجُلٍ فَقالَ: لا أنْقُصُكم مِن مِائَةِ دِينارٍ. وإنَّما هي بَقَرَةٌ بِثَلاثَةِ دَنانِيرَ. قالَ: هو أعْلَمُ هو صاحِبُها إنْ شاءَ باعَ وإنْ شاءَ لَمْ يَبِعْ. فَرَجَعُوا إلى الرَّجُلِ فَقالُوا: قَدْ أخَذْناها بِمِائَةِ دِينارٍ، فَقالَ: لا أنْقُصُها عَنْ مِائَتَيْ دِينارٍ، فَقالُوا سُبْحانَ اللَّهِ، ألَيْسَ قَدْ بِعْتَنا بِمِائَةِ دِينارٍ ورَضِيتَ؟ فَقَدْ أخَذْناها، قالَ: لَيْسَ أنْقُصُها مِن مِائَتَيْ دِينارٍ، فَتَرَكُوها ورَجَعُوا إلى مُوسى، فَقالُوا لَهُ: أعْطاناها بِمِائَةِ دِينارٍ، فَلَمّا رَجَعْنا إلَيْهِ قالَ: لا أنْقُصُها مِن مِائَتَيْ دِينارٍ، قالَ: هو أعْلَمُ، إنْ شاءَ باعَها وإنْ شاءَ لَمْ يَبِعْها. فَعادُوا إلَيْهِ فَقالُوا: قَدْ أخَذْناها بِمِائَتَيْ دِينارٍ، فَقالَ: لا أنْقُصُها مِن أرْبَعِمِائَةِ دِينارٍ، قالُوا: قَدْ كُنْتَ أعْطَيْتَناها بِمِائَتَيْ دِينارٍ فَقَدْ أخَذْناها فَقالَ: لَيْسَ أنْقُصُها مِن أرْبَعِمِائَةِ دِينارٍ. فَتَرَكُوها وعادُوا إلى مُوسى، فَقالُوا: قَدْ أعْطَيْناهُ (p-٤٠٨)مِائَتَيْ دِينارٍ فَأبى أنْ يَأْخُذَها وقالَ: لا أنْقُصُها مِن أرْبَعِمِائَةِ دِينارٍ، فَقالَ: هو أعْلَمُ هو صاحِبُها إنْ شاءَ باعَ وإنْ شاءَ لَمْ يَبِعْ. فَرَجَعُوا إلَيْهِ فَقالُوا: قَدْ أخَذْناها بِأرْبَعِمِائَةِ دِينارٍ فَقالَ: لا أنْقُصُها مِن ثَمانِمِائَةِ دِينارٍ، فَلَمْ يَزالُوا يَعُودُونَ إلى مُوسى ويَعُودُونَ إلَيْهِ، فَكُلَّما عادُوا إلَيْهِ أضْعَفَ عَلَيْهِ الثَّمَنَ، حَتّى قالَ: لَيْسَ أبِيعُها إلّا بِمِلْءٍ مَسْكَها، فَأخَذُوها فَذَبَحُوها فَقالَ: اضْرِبُوهُ بِبَعْضِها. فَضَرَبُوهُ بِفَخِذِها، فَعاشَ فَقالَ: قَتَلَنِي فُلانٌ، فَإذا هو رَجُلٌ كانَ لَهُ عَمٌّ وكانَ لِعَمِّهِ مالٌ كَثِيرٌ. وكانَ لَهُ ابْنَةٌ فَقالَ: أقْتُلُ عَمِّي هَذا فَأرِثُ مالَهُ، وأتَزَوَّجُ ابْنَتَهُ، فَقَتَلَ عَمَّهُ فَلَمْ يَرِثْ شَيْئًا، ولَمْ يَرِثْ قاتِلٌ مُنْذُ ذَلِكَ شَيْئًا. قالَ مُوسى: إنَّ لِهَذِهِ البَقَرَةِ لَشَأْنًا، ادْعُوا إلَيَّ صاحِبَها، فَدَعَوْهُ فَقالَ: أخْبِرْنِي عَنْ هَذِهِ البَقَرَةِ وعَنْ شَأْنِها، قالَ: نَعَمْ، كُنْتُ رَجُلًا أبِيعُ في السُّوقِ وأشْتَرِي، فَسامَنِي رَجُلٌ بِبِضاعَةٍ عِنْدِي فَبِعْتُهُ إيّاها، وكُنْتُ قَدْ أشْرَفْتُ مِنها عَلى فَضْلٍ كَبِيرٍ، فَذَهَبْتُ لِآتِيَهُ بِما قَدْ بِعْتُهُ، فَوَجَدْتُ المِفْتاحَ تَحْتَ رَأْسِ والِدَتِي فَكَرِهْتُ أنْ أُوقِظَها مِن نَوْمِها ورَجَعْتُ إلى الرَّجُلِ فَقُلْتُ: لَيْسَ بَيْنِي وبَيْنَكَ بَيْعٌ. (p-٤٠٩)فَذَهَبَ ثُمَّ رَجَعْتُ فَنُتِجَتْ لِي هَذِهِ البَقَرَةُ فَألْقى اللَّهُ عَلَيْها مِنِّي مَحَبَّةً، فَلَمْ يَكُنْ عِنْدِي شَيْءٌ أحَبُّ إلَيَّ مِنها، فَقِيلَ لَهُ إنَّما أصَبْتَ هَذا بِبِرِّ والِدَتِكَ.

البقرة 2:69

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ﴾ الآيَةَ. أخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا في كِتابِ ”مَن عاشَ بَعْدَ المَوْتِ“ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانَتْ مَدِينَتانِ في بَنِي إسْرائِيلَ، إحْداهُما حَصِينَةٌ ولَها أبْوابٌ، والأُخْرى خَرِبَةٌ، فَكانَ أهْلُ المَدِينَةِ الحَصِينَةِ إذا أمْسَوْا أغْلَقُوا أبْوابَها، فَإذا أصْبَحُوا قامُوا عَلى سُورِ المَدِينَةِ، فَنَظَرُوا هَلْ حَدَثَ فِيما حَوْلَها حادِثٌ فَأصْبَحُوا يَوْمًا فَإذا شَيْخٌ قَتِيلٌ مَطْرُوحٌ بِأصْلِ مَدِينَتِهِمْ، فَأقْبَلَ أهْلُ المَدِينَةِ الخَرِبَةِ، فَقالُوا: قَتَلْتُمْ صاحِبَنا، وابْنُ أخٍ لَهُ شابٌّ يَبْكِي عِنْدَهُ ويَقُولُ: قَتَلْتُمْ عَمِّي، وقالُوا: واللَّهِ ما فَتَحْنا مَدِينَتَنا مُنْذُ أغْلَقْناها وما نَدَيْنا مِن دَمِ صاحِبِكم هَذا بِشَيْءٍ. فَأتَوْا مُوسى فَأوْحى اللَّهُ إلى مُوسى: ﴿إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكم أنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿فَذَبَحُوها وما كادُوا يَفْعَلُونَ﴾ [البقرة: ٧١]، قالَ: وكانَ في بَنِي إسْرائِيلَ غُلامٌ شابٌّ يَبِيعُ في حانُوتٍ لَهُ، وكانَ لَهُ أبٌ شَيْخٌ كَبِيرٌ، فَأقْبَلَ رَجُلٌ مِن بَلَدٍ آخَرَ يَطْلُبُ سِلْعَةً لَهُ عِنْدَهُ، فَأعْطاهُ بِها (p-٤٠٣)ثَمَنًا فانْطَلَقَ مَعَهُ لِيَفْتَحَ حانُوتَهُ فَيُعْطِيَهُ الَّذِي طَلَبَ، والمِفْتاحُ مَعَ أبِيهِ، فَإذا أبُوهُ نائِمٌ في ظِلِّ الحانُوتِ، فَقالَ: أيْقِظْهُ، قالَ ابْنُهُ: إنَّهُ نائِمٌ وأنا أكْرَهُ أنْ أُرَوِّعَهُ مِن نَوْمِهِ، فانْصَرَفا فَأعْطاهُ ضِعْفَ ما أعْطاهُ عَلى أنْ يُوقِظَهُ، فَأبى فَذَهَبَ طالِبُ السِّلْعَةِ، فاسْتَيْقَظَ الشَّيْخُ فَقالَ لَهُ ابْنُهُ: يا أبَتِ واللَّهِ يا أبَهْ لَقَدْ جاءَ هَهُنا رَجُلٌ يَطْلُبُ سِلْعَةَ كَذا، فَأعْطى بِها مِنَ الثَّمَنِ كَذا وكَذا، فَكَرِهْتُ أنْ أُرَوِّعَكَ مِن نَوْمِكَ. فَلامَهُ الشَّيْخُ، فَعَوَّضَهُ اللَّهُ مِن بِرِّهِ بِوالِدِهِ أنْ نَتَجَتْ مَن بَقَرِهِ تِلْكَ البَقَرَةُ الَّتِي يَطْلُبُها بَنُو إسْرائِيلَ فَأتَوْهُ فَقالُوا لَهُ: بِعْناها فَقالَ: لا. قالُوا: إذَنْ نَأْخُذُها مِنكَ، فَأتَوْا مُوسى فَقالَ: اذْهَبُوا فَأرْضُوهُ مِن سِلْعَتِهِ، قالُوا: حُكْمُكَ؟ قالَ: حُكْمِي أنْ تَضَعُوا البَقَرَةَ في كِفَّةِ المِيزانِ، وتَضَعُوا ذَهَبًا صامِتًا في الكِفَّةِ الأُخْرى، فَإذا مالَ الذَّهَبُ أخَذْتُهُ، فَفَعَلُوا وأقْبَلُوا بِالبَقَرَةِ حَتّى انْتَهَوْا بِها إلى قَبْرِ الشَّيْخِ، واجْتَمَعَ أهْلُ المَدِينَتَيْنِ فَذَبَحُوها فَضُرِبَ بِبِضْعَةٍ مِن لَحْمِها القَبْرُ فَقامَ الشَّيْخُ يَنْفُضُ رَأْسَهُ يَقُولُ: قَتَلَنِي ابْنُ أخِي؛ طالَ عَلَيْهِ عُمُرِي، (p-٤٠٤)وأرادَ أخْذَ مالِي وماتَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في ”سُنَنِهِ“ عَنْ عَبِيدَةَ السَّلْمانِيِّ قالَ: كانَ رَجُلٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ عَقِيمًا لا يُولَدُ لَهُ وكانَ لَهُ مالٌ كَثِيرٌ، وكانَ ابْنُ أخِيهِ وارِثَهُ، فَقَتَلَهُ ثُمَّ احْتَمَلَهُ لَيْلًا فَوَضَعَهُ عَلى بابِ رَجُلٍ مِنهُمْ، ثُمَّ أصْبَحَ يَدَّعِيهِ عَلَيْهِمْ، حَتّى تَسَلَّحُوا ورَكِبَ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ، فَقالَ ذَوُو الرَّأْيِ مِنهم: عَلامَ يَقْتُلُ بَعْضُكم بَعْضًا وهَذا رَسُولُ اللَّهِ فِيكُمْ؟! فَأتَوْا مُوسى فَذَكَرُوا ذَلِكَ لَهُ، فَقالَ: ﴿إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكم أنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قالُوا أتَتَّخِذُنا هُزُوًا قالَ أعُوذُ بِاللَّهِ أنْ أكُونَ مِنَ الجاهِلِينَ﴾ قالَ: فَلَوْ لَمْ يَعْتَرِضُوا لَأجْزَأتْ عَنْهم أدْنى بَقَرَةٍ، ولَكِنَّهم شَدَّدُوا فَشُدِّدَ عَلَيْهِمْ حَتّى انْتَهَوْا إلى البَقَرَةِ الَّتِي أُمِرُوا بِذَبْحِها فَوَجَدُوها عِنْدَ رَجُلٍ لَيْسَ لَهُ بَقَرَةٌ غَيْرُها، فَقالَ: واللَّهِ لا أنْقُصُها مِن مِلْءِ جِلْدِها ذَهَبًا. فَذَبَحُوها فَضَرَبُوهُ بِبَعْضِها، فَقامَ فَقالُوا: مَن قَتَلَكَ؟ فَقالَ: هَذا. لِابْنِ أخِيهِ، ثُمَّ مالَ مَيِّتًا فَلَمْ يُعْطَ مِن مالِهِ شَيْئًا ولَمْ يُورَّثْ قاتِلٌ بَعْدُ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ عَنْ عَبِيدَةَ قالَ: أوَّلُ ما قُضِيَ أنَّهُ لا يَرِثُ القاتِلُ في (p-٤٠٥)صاحِبِ بَنِي إسْرائِيلَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ قالَ: أوَّلُ ما مُنِعَ القاتِلُ المِيراثَ لِمَكانِ صاحِبِ البَقَرَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: إنَّ شَيْخًا مِن بَنِي إسْرائِيلَ عَلى عَهْدِ مُوسى كانَ مُكْثِرًا مِنَ المالِ، وكانَ بَنُو أخِيهِ فُقَراءَ لا مالَ لَهُمْ، وكانَ الشَّيْخُ لا ولَدَ لَهُ، وبَنُو أخِيهِ ورَثَتَهُ، فَقالُوا: لَيْتَ عَمَّنا قَدْ ماتَ فَوَرِثْنا مالَهُ. وإنَّهُ لَمّا تَطاوَلَ عَلَيْهِمْ ألّا يَمُوتَ أتاهُمُ الشَّيْطانُ فَقالَ: هَلْ لَكم إلى أنْ تَقْتُلُوا عَمَّكم فَتَرِثُوا مالَهُ، وتُغَرِّمُوا أهْلَ المَدِينَةِ الَّتِي لَسْتُمْ بِها دِيَتَهُ. وذَلِكَ أنَّهُما كانَتا مَدِينَتَيْنِ، كانُوا في إحْداهُما، وكانَ القَتِيلُ إذا قُتِلَ فَطُرِحَ بَيْنَ المَدِينَتَيْنِ قِيسَ ما بَيْنَ القَتِيلِ والقَرْيَتَيْنِ، فَأيُّهُما كانَتْ أقْرَبَ إلَيْهِ غُرِّمَتِ الدِّيَةَ، وإنَّهم لَمّا سَوَّلَ لَهُمُ الشَّيْطانُ ذَلِكَ عَمَدُوا إلَيْهِ فَقَتَلُوهُ، ثُمَّ طَرَحُوهُ عَلى بابِ المَدِينَةِ الَّتِي لَيْسُوا بِها، فَلَمّا أصْبَحَ أهْلُ المَدِينَةِ جاءَ بَنُو أخِي الشَّيْخِ فَقالُوا: عَمُّنا قُتِلَ عَلى بابِ مَدِينَتِكُمْ، فَواللَّهِ (p-٤٠٦)لَتَغْرَمُنَّ لَنا دِيَتَهُ، قالَ أهْلُ المَدِينَةِ نُقْسِمُ بِاللَّهِ ما قَتَلْناهُ ولا عَلِمْنا قاتِلًا ولا فَتَحْنا بابَ مَدِينَتِنا مُنْذُ أُغْلِقَ حَتّى أصْبَحْنا. فَعَمَدُوا إلى مُوسى فَجاءَ جِبْرِيلُ فَقالَ: قُلْ لَهم: إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكم أنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً فَتَضْرِبُوهُ بِبَعْضِها. وأخْرَجَ سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: كانَ لِبَنِي إسْرائِيلَ مَسْجِدٌ لَهُ اثْنا عَشَرَ بابًا، لِكُلِّ سِبْطٍ مِنهم بابٌ يَدْخُلُونَ مِنهُ ويَخْرُجُونَ، فَوُجِدَ قَتِيلٌ عَلى بابِ سِبْطٍ مِنَ الأسْباطِ قُتِلَ عَلى بابِ سِبْطٍ وجُرَّ إلى بابِ سِبْطٍ آخَرَ فاخْتَصَمَ فِيهِ أهْلُ السِّبْطَيْنِ، فَقالَ هَؤُلاءِ: أنْتُمْ قَتَلْتُمْ هَذا، وقالَ الآخَرُونَ: بَلْ أنْتُمْ قَتَلْتُمُوهُ ثُمَّ جَرَرْتُمُوهُ إلَيْنا، فاخْتَصَمُوا إلى مُوسى فَقالَ: ﴿إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكم أنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ الآيَةَ، ﴿قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هِيَ﴾ قالَ: ﴿إنَّهُ يَقُولُ إنَّها بَقَرَةٌ لا فارِضٌ ولا بِكْرٌ عَوانٌ بَيْنَ ذَلِكَ﴾ قالَ: فَذَهَبُوا يَطْلُبُونَها، فَكَأنَّها تَعَذَّرَتْ عَلَيْهِمْ، فَرَجَعُوا إلى مُوسى فَقالُوا: ﴿قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما لَوْنُها قالَ إنَّهُ يَقُولُ إنَّها بَقَرَةٌ صَفْراءُ فاقِعٌ لَوْنُها تَسُرُّ النّاظِرِينَ﴾ قالَ: فَذَهَبُوا يَطْلُبُونَها، فَكَأنَّها تَعَذَّرَتْ عَلَيْهِمْ، فَقالُوا: ﴿ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا ما هي إنَّ البَقَرَ تَشابَهَ عَلَيْنا وإنّا إنْ شاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ﴾ [البقرة: ٧٠] ولَوْلا أنَّهم قالُوا: إنْ شاءَ اللَّهُ ما وجَدُوها ﴿قالَ إنَّهُ يَقُولُ إنَّها بَقَرَةٌ لا ذَلُولٌ﴾ [البقرة: ٧١] الآيَةَ. وإنَّما كانَتِ البَقَرَةُ يَوْمَئِذٍ بِثَلاثَةِ دَنانِيرَ، ولَوْ (p-٤٠٧)أنَّهم أخَذُوا أدْنى بَقَرِهِمْ فَذَبَحُوها كَفَتْهُمْ، ولَكِنَّهم شَدَّدُوا فَشَدَّدَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، فَذَهَبُوا يَطْلُبُونَها، فَيَجِدُونَ هَذِهِ الصِّفَةَ عِنْدَ رَجُلٍ، فَقالُوا: تَبِيعُنا هَذِهِ البَقَرَةَ؟ قالَ: أبِيعُها، قالُوا: بِكَمْ تَبِيعُها؟ قالَ: بِمِائَةِ دِينارٍ، فَقالُوا: إنَّها بَقَرَةٌ بِثَلاثَةِ دَنانِيرَ. فَأبَوْا أنْ يَأْخُذُوها، فَرَجَعُوا إلى مُوسى فَقالُوا: وجَدْناها عِنْدَ رَجُلٍ فَقالَ: لا أنْقُصُكم مِن مِائَةِ دِينارٍ. وإنَّما هي بَقَرَةٌ بِثَلاثَةِ دَنانِيرَ. قالَ: هو أعْلَمُ هو صاحِبُها إنْ شاءَ باعَ وإنْ شاءَ لَمْ يَبِعْ. فَرَجَعُوا إلى الرَّجُلِ فَقالُوا: قَدْ أخَذْناها بِمِائَةِ دِينارٍ، فَقالَ: لا أنْقُصُها عَنْ مِائَتَيْ دِينارٍ، فَقالُوا سُبْحانَ اللَّهِ، ألَيْسَ قَدْ بِعْتَنا بِمِائَةِ دِينارٍ ورَضِيتَ؟ فَقَدْ أخَذْناها، قالَ: لَيْسَ أنْقُصُها مِن مِائَتَيْ دِينارٍ، فَتَرَكُوها ورَجَعُوا إلى مُوسى، فَقالُوا لَهُ: أعْطاناها بِمِائَةِ دِينارٍ، فَلَمّا رَجَعْنا إلَيْهِ قالَ: لا أنْقُصُها مِن مِائَتَيْ دِينارٍ، قالَ: هو أعْلَمُ، إنْ شاءَ باعَها وإنْ شاءَ لَمْ يَبِعْها. فَعادُوا إلَيْهِ فَقالُوا: قَدْ أخَذْناها بِمِائَتَيْ دِينارٍ، فَقالَ: لا أنْقُصُها مِن أرْبَعِمِائَةِ دِينارٍ، قالُوا: قَدْ كُنْتَ أعْطَيْتَناها بِمِائَتَيْ دِينارٍ فَقَدْ أخَذْناها فَقالَ: لَيْسَ أنْقُصُها مِن أرْبَعِمِائَةِ دِينارٍ. فَتَرَكُوها وعادُوا إلى مُوسى، فَقالُوا: قَدْ أعْطَيْناهُ (p-٤٠٨)مِائَتَيْ دِينارٍ فَأبى أنْ يَأْخُذَها وقالَ: لا أنْقُصُها مِن أرْبَعِمِائَةِ دِينارٍ، فَقالَ: هو أعْلَمُ هو صاحِبُها إنْ شاءَ باعَ وإنْ شاءَ لَمْ يَبِعْ. فَرَجَعُوا إلَيْهِ فَقالُوا: قَدْ أخَذْناها بِأرْبَعِمِائَةِ دِينارٍ فَقالَ: لا أنْقُصُها مِن ثَمانِمِائَةِ دِينارٍ، فَلَمْ يَزالُوا يَعُودُونَ إلى مُوسى ويَعُودُونَ إلَيْهِ، فَكُلَّما عادُوا إلَيْهِ أضْعَفَ عَلَيْهِ الثَّمَنَ، حَتّى قالَ: لَيْسَ أبِيعُها إلّا بِمِلْءٍ مَسْكَها، فَأخَذُوها فَذَبَحُوها فَقالَ: اضْرِبُوهُ بِبَعْضِها. فَضَرَبُوهُ بِفَخِذِها، فَعاشَ فَقالَ: قَتَلَنِي فُلانٌ، فَإذا هو رَجُلٌ كانَ لَهُ عَمٌّ وكانَ لِعَمِّهِ مالٌ كَثِيرٌ. وكانَ لَهُ ابْنَةٌ فَقالَ: أقْتُلُ عَمِّي هَذا فَأرِثُ مالَهُ، وأتَزَوَّجُ ابْنَتَهُ، فَقَتَلَ عَمَّهُ فَلَمْ يَرِثْ شَيْئًا، ولَمْ يَرِثْ قاتِلٌ مُنْذُ ذَلِكَ شَيْئًا. قالَ مُوسى: إنَّ لِهَذِهِ البَقَرَةِ لَشَأْنًا، ادْعُوا إلَيَّ صاحِبَها، فَدَعَوْهُ فَقالَ: أخْبِرْنِي عَنْ هَذِهِ البَقَرَةِ وعَنْ شَأْنِها، قالَ: نَعَمْ، كُنْتُ رَجُلًا أبِيعُ في السُّوقِ وأشْتَرِي، فَسامَنِي رَجُلٌ بِبِضاعَةٍ عِنْدِي فَبِعْتُهُ إيّاها، وكُنْتُ قَدْ أشْرَفْتُ مِنها عَلى فَضْلٍ كَبِيرٍ، فَذَهَبْتُ لِآتِيَهُ بِما قَدْ بِعْتُهُ، فَوَجَدْتُ المِفْتاحَ تَحْتَ رَأْسِ والِدَتِي فَكَرِهْتُ أنْ أُوقِظَها مِن نَوْمِها ورَجَعْتُ إلى الرَّجُلِ فَقُلْتُ: لَيْسَ بَيْنِي وبَيْنَكَ بَيْعٌ. (p-٤٠٩)فَذَهَبَ ثُمَّ رَجَعْتُ فَنُتِجَتْ لِي هَذِهِ البَقَرَةُ فَألْقى اللَّهُ عَلَيْها مِنِّي مَحَبَّةً، فَلَمْ يَكُنْ عِنْدِي شَيْءٌ أحَبُّ إلَيَّ مِنها، فَقِيلَ لَهُ إنَّما أصَبْتَ هَذا بِبِرِّ والِدَتِكَ.

البقرة 2:70

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا﴾ الآياتِ. أخْرَجَ البَزّارُ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «إنَّ بَنِي إسْرائِيلَ لَوْ أخَذُوا أدْنى بَقَرَةٍ لَأجْزَأهم ذَلِكَ أوْ لَأجْزَأتْ عَنْهم» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَوْلا أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ قالُوا ﴿وإنّا إنْ شاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ﴾ ما أُعْطُوا أبَدًا، ولَوْ أنَّهُمُ اعْتَرَضُوا بَقَرَةً مِنَ البَقَرِ فَذَبَحُوها لَأجْزَأتْ عَنْهم ولَكِنَّهم شَدَّدُوا فَشَدَّدَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ» . وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ عِكْرِمَةَ يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «لَوْ أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ أخَذُوا أدْنى بَقَرَةٍ فَذَبَحُوها، أجْزَأتْ عَنْهم ولَكِنَّهم شَدَّدُوا، ولَوْلا أنَّهم قالُوا: ﴿وإنّا إنْ شاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ﴾ ما وجَدُوها» . (p-٤١٠)وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إنَّما أُمِرُوا بِأدْنى بَقَرَةٍ، ولَكِنَّهم لَمّا شَدَّدُوا عَلى أنْفُسِهِمْ شَدَّدَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، ولَوْ لَمْ يَسْتَثْنُوا ما بُيِّنَتْ لَهم آخِرَ الأبَدِ» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ قالَ: «ذُكِرَ لَنا أنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ كانَ يَقُولُ: إنَّما أُمِرَ القَوْمُ بِأدْنى بَقَرَةٍ ولَكِنَّهم لَمّا شَدَّدُوا عَلى أنْفُسِهِمْ شُدِّدَ عَلَيْهِمْ، والَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَوْ لَمْ يَسْتَثْنُوا ما بُيِّنَتْ لَهم» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: لَوْ أخَذُوا أدْنى بَقَرَةٍ فَذَبَحُوها لَأجْزَأتْ عَنْهُمْ، ولَكِنَّهم شَدَّدُوا وتَعَنَّتُوا مُوسى، فَشَدَّدَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿لا فارِضٌ ولا بِكْرٌ عَوانٌ بَيْنَ ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٦٨] قالَ: الفارِضُ الهَرِمَةُ والبِكْرُ الصَّغِيرَةُ والعَوانُ النَّصَفُ. وأخْرَجَ الطَّسْتِيُّ في مَسائِلِهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ نافِعَ بْنَ الأزْرَقِ قالَ لَهُ: أخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿لا فارِضٌ﴾ [البقرة: ٦٨] قالَ: الكَبِيرَةُ الهَرِمَةُ. (p-٤١١)قالَ: وهَلْ تَعْرِفُ العَرَبُ ذَلِكَ ؟ قالَ: نَعَمْ أما سَمِعْتَ الشّاعِرَ وهو يَقُولُ: ؎لَعَمْرِي لَقَدْ أعْطَيْتَ ضَيْفَكَ فارِضًا تُساقُ إلَيْهِ ما تَقُومُ عَلى رِجْلِ قالَ: أخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ ﴿صَفْراءُ فاقِعٌ لَوْنُها﴾ [البقرة: ٦٩] الفاقِعُ الصّافِي اللَّوْنِ مِنَ الصُّفْرَةِ قالَ: وهَلْ تَعْرِفُ العَرَبُ ذَلِكَ ؟ قالَ: نَعَمْ أما سَمِعْتَ لَبِيدَ بْنَ رَبِيعَةَ وهو يَقُولُ: ؎سُدُمًا قَلِيلًا عَهْدُهُ بِأنِيسِهِ ∗∗∗ مِن بَيْنِ أصْفَرَ فاقِعٍ ودِفانِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: الفارِضُ الكَبِيرَةُ، والبِكْرُ الصَّغِيرَةُ، والعَوانُ النَّصَفُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، أنَّهُ كانَ يَسْتَحِبُّ أنْ يَسْكُتَ عَلى ﴿بِكْرٌ﴾ [البقرة: ٦٨] ثُمَّ يَقُولُ: ﴿عَوانٌ بَيْنَ ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٦٨] . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿عَوانٌ بَيْنَ ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٦٨] (p-٤١٢)قالَ: بَيْنَ الصَّغِيرَةِ والكَبِيرَةِ وهي أقْوى ما يَكُونُ وأحْسَنُهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿صَفْراءُ فاقِعٌ لَوْنُها﴾ [البقرة: ٦٩] قالَ: شَدِيدَةُ الصُّفْرَةِ تَكادُ مِن صُفْرَتِها تَبْيَضُّ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ في قَوْلِهِ: ﴿صَفْراءُ﴾ [البقرة: ٦٩] قالَ: صَفْراءُ الظِّلْفِ ﴿فاقِعٌ لَوْنُها﴾ [البقرة: ٦٩] قالَ: صافِي. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ: ﴿فاقِعٌ لَوْنُها﴾ [البقرة: ٦٩] قالَ: صافٍ لَوْنُها ﴿تَسُرُّ النّاظِرِينَ﴾ [البقرة: ٦٩] قالَ: تُعْجِبُ النّاظِرِينَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ والخَطِيبُ والدَّيْلَمِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: مَن لَبِسَ نَعْلًا صَفْراءَ لَمْ يَزَلْ في سُرُورٍ ما دامَ لابِسَها وذَلِكَ قَوْلُهُ ﴿صَفْراءُ فاقِعٌ لَوْنُها تَسُرُّ النّاظِرِينَ﴾ [البقرة: ٦٩] . وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿صَفْراءُ فاقِعٌ لَوْنُها﴾ [البقرة: ٦٩] قالَ: سَوْداءُ شَدِيدَةُ السَّوادِ. (p-٤١٣)وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عِكْرِمَةَ، أنَّهُ قَرَأ (إنَّ الباقِرَ تَشابَهَ عَلَيْنا) . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ يَحْيى بْنِ يَعْمَرَ، أنَّهُ قَرَأ: (إنَّ الباقِرَ تَشابَهَ عَلَيْنا)، وقالَ: الباقِرُ أكْثَرُ مِنَ البَقَرِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي داوُدَ في ”المَصاحِفِ“ عَنِ الأعْمَشِ قالَ: في قِراءَتِنا (إنَّ البَقَرَ مُتَشابِهٌ عَلَيْنا) . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أبِي العالِيَةِ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّها بَقَرَةٌ لا ذَلُولٌ﴾ أيْ لَمْ يُذِلَّها العَمَلُ ﴿تُثِيرُ الأرْضَ﴾ يَعْنِي لَيْسَتْ بِذَلُولٍ فَتُثِيرَ الأرْضَ ﴿ولا تَسْقِي الحَرْثَ﴾ يَقُولُ: ولا تَعْمَلُ في الحَرْثِ ﴿مُسَلَّمَةٌ﴾ قالَ: مِنَ العُيُوبِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّها بَقَرَةٌ لا ذَلُولٌ﴾ يَقُولُ: لَيْسَتْ بِذَلُولٍ فَتَفْعَلَ ذَلِكَ ﴿مُسَلَّمَةٌ﴾ قالَ: مِنَ الشَّيَةِ قالَ ﴿لا شِيَةَ فِيها﴾ قالَ: لا بَياضَ ولا سَوادَ. (p-٤١٤)وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿مُسَلَّمَةٌ﴾ قالَ: لا عَوارَ فِيها. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عَطِيَّةَ ﴿لا شِيَةَ فِيها﴾ قالَ: لَوْنُها واحِدٌ لَيْسَ فِيها لَوْنٌ سِوى لَوْنِها. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿لا ذَلُولٌ﴾ يَعْنِي: صَعْبَةٌ يَقُولُ: لَمْ يُذِلَّها العَمَلُ ﴿مُسَلَّمَةٌ﴾ قالَ: مِنَ العُيُوبِ ﴿لا شِيَةَ فِيها﴾ قالَ: لا بَياضَ فِيها ﴿قالُوا الآنَ جِئْتَ بِالحَقِّ﴾ قالُوا: الآنَ بَيَّنْتَ لَنا ﴿فَذَبَحُوها وما كادُوا يَفْعَلُونَ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَذَبَحُوها وما كادُوا يَفْعَلُونَ﴾ لِغَلاءِ ثَمَنِها. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أنَّ أصْحابَ بَقَرَةِ بَنِي إسْرائِيلَ طَلَبُوها أرْبَعِينَ سَنَةً، حَتّى وجَدُوها عِنْدَ رَجُلٍ في بَقْرٍ لَهُ وكانَتْ بَقَرَةً تُعْجِبُهُ (p-٤١٥)فَجَعَلُوا يُعْطُونَهُ بِها فَيَأْبى، حَتّى أعْطَوْهُ مِلْءَ مَسْكِها دَنانِيرَ فَذَبَحُوها فَضَرَبُوهُ بِعُضْوٍ مِنها، فَقامَ تَشْخَبُ أوْداجُهُ دَمًا فَقالُوا لَهُ: مَن قَتَلَكَ قالَ: قَتَلَنِي فُلانٌ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عَطاءٍ قالَ: الذَّبْحُ والنَّحْرُ في البَقَرِ سَواءٌ لِأنَّ اللَّهَ يَقُولُ ﴿فَذَبَحُوها﴾ . وأخْرَجَ وكِيعٌ وعَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: كانَ لِبَنِي إسْرائِيلَ الذَّبْحُ، وأنْتُمْ لَكُمُ النَّحْرُ. ثُمَّ قَرَأ ﴿فَذَبَحُوها﴾، ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وانْحَرْ﴾ [الكوثر: ٢] [ الكَوْثَرِ: ٢] .

البقرة 2:71

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالُوا ادْعُ لَنا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنا﴾ الآياتِ. أخْرَجَ البَزّارُ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «إنَّ بَنِي إسْرائِيلَ لَوْ أخَذُوا أدْنى بَقَرَةٍ لَأجْزَأهم ذَلِكَ أوْ لَأجْزَأتْ عَنْهم» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَوْلا أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ قالُوا ﴿وإنّا إنْ شاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ﴾ ما أُعْطُوا أبَدًا، ولَوْ أنَّهُمُ اعْتَرَضُوا بَقَرَةً مِنَ البَقَرِ فَذَبَحُوها لَأجْزَأتْ عَنْهم ولَكِنَّهم شَدَّدُوا فَشَدَّدَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ» . وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ عِكْرِمَةَ يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «لَوْ أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ أخَذُوا أدْنى بَقَرَةٍ فَذَبَحُوها، أجْزَأتْ عَنْهم ولَكِنَّهم شَدَّدُوا، ولَوْلا أنَّهم قالُوا: ﴿وإنّا إنْ شاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ﴾ ما وجَدُوها» . (p-٤١٠)وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إنَّما أُمِرُوا بِأدْنى بَقَرَةٍ، ولَكِنَّهم لَمّا شَدَّدُوا عَلى أنْفُسِهِمْ شَدَّدَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، ولَوْ لَمْ يَسْتَثْنُوا ما بُيِّنَتْ لَهم آخِرَ الأبَدِ» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ قالَ: «ذُكِرَ لَنا أنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ كانَ يَقُولُ: إنَّما أُمِرَ القَوْمُ بِأدْنى بَقَرَةٍ ولَكِنَّهم لَمّا شَدَّدُوا عَلى أنْفُسِهِمْ شُدِّدَ عَلَيْهِمْ، والَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَوْ لَمْ يَسْتَثْنُوا ما بُيِّنَتْ لَهم» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: لَوْ أخَذُوا أدْنى بَقَرَةٍ فَذَبَحُوها لَأجْزَأتْ عَنْهُمْ، ولَكِنَّهم شَدَّدُوا وتَعَنَّتُوا مُوسى، فَشَدَّدَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿لا فارِضٌ ولا بِكْرٌ عَوانٌ بَيْنَ ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٦٨] قالَ: الفارِضُ الهَرِمَةُ والبِكْرُ الصَّغِيرَةُ والعَوانُ النَّصَفُ. وأخْرَجَ الطَّسْتِيُّ في مَسائِلِهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ نافِعَ بْنَ الأزْرَقِ قالَ لَهُ: أخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿لا فارِضٌ﴾ [البقرة: ٦٨] قالَ: الكَبِيرَةُ الهَرِمَةُ. (p-٤١١)قالَ: وهَلْ تَعْرِفُ العَرَبُ ذَلِكَ ؟ قالَ: نَعَمْ أما سَمِعْتَ الشّاعِرَ وهو يَقُولُ: ؎لَعَمْرِي لَقَدْ أعْطَيْتَ ضَيْفَكَ فارِضًا تُساقُ إلَيْهِ ما تَقُومُ عَلى رِجْلِ قالَ: أخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ ﴿صَفْراءُ فاقِعٌ لَوْنُها﴾ [البقرة: ٦٩] الفاقِعُ الصّافِي اللَّوْنِ مِنَ الصُّفْرَةِ قالَ: وهَلْ تَعْرِفُ العَرَبُ ذَلِكَ ؟ قالَ: نَعَمْ أما سَمِعْتَ لَبِيدَ بْنَ رَبِيعَةَ وهو يَقُولُ: ؎سُدُمًا قَلِيلًا عَهْدُهُ بِأنِيسِهِ ∗∗∗ مِن بَيْنِ أصْفَرَ فاقِعٍ ودِفانِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: الفارِضُ الكَبِيرَةُ، والبِكْرُ الصَّغِيرَةُ، والعَوانُ النَّصَفُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، أنَّهُ كانَ يَسْتَحِبُّ أنْ يَسْكُتَ عَلى ﴿بِكْرٌ﴾ [البقرة: ٦٨] ثُمَّ يَقُولُ: ﴿عَوانٌ بَيْنَ ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٦٨] . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿عَوانٌ بَيْنَ ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٦٨] (p-٤١٢)قالَ: بَيْنَ الصَّغِيرَةِ والكَبِيرَةِ وهي أقْوى ما يَكُونُ وأحْسَنُهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿صَفْراءُ فاقِعٌ لَوْنُها﴾ [البقرة: ٦٩] قالَ: شَدِيدَةُ الصُّفْرَةِ تَكادُ مِن صُفْرَتِها تَبْيَضُّ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ في قَوْلِهِ: ﴿صَفْراءُ﴾ [البقرة: ٦٩] قالَ: صَفْراءُ الظِّلْفِ ﴿فاقِعٌ لَوْنُها﴾ [البقرة: ٦٩] قالَ: صافِي. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ: ﴿فاقِعٌ لَوْنُها﴾ [البقرة: ٦٩] قالَ: صافٍ لَوْنُها ﴿تَسُرُّ النّاظِرِينَ﴾ [البقرة: ٦٩] قالَ: تُعْجِبُ النّاظِرِينَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ والخَطِيبُ والدَّيْلَمِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: مَن لَبِسَ نَعْلًا صَفْراءَ لَمْ يَزَلْ في سُرُورٍ ما دامَ لابِسَها وذَلِكَ قَوْلُهُ ﴿صَفْراءُ فاقِعٌ لَوْنُها تَسُرُّ النّاظِرِينَ﴾ [البقرة: ٦٩] . وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿صَفْراءُ فاقِعٌ لَوْنُها﴾ [البقرة: ٦٩] قالَ: سَوْداءُ شَدِيدَةُ السَّوادِ. (p-٤١٣)وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عِكْرِمَةَ، أنَّهُ قَرَأ (إنَّ الباقِرَ تَشابَهَ عَلَيْنا) . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ يَحْيى بْنِ يَعْمَرَ، أنَّهُ قَرَأ: (إنَّ الباقِرَ تَشابَهَ عَلَيْنا)، وقالَ: الباقِرُ أكْثَرُ مِنَ البَقَرِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي داوُدَ في ”المَصاحِفِ“ عَنِ الأعْمَشِ قالَ: في قِراءَتِنا (إنَّ البَقَرَ مُتَشابِهٌ عَلَيْنا) . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أبِي العالِيَةِ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّها بَقَرَةٌ لا ذَلُولٌ﴾ أيْ لَمْ يُذِلَّها العَمَلُ ﴿تُثِيرُ الأرْضَ﴾ يَعْنِي لَيْسَتْ بِذَلُولٍ فَتُثِيرَ الأرْضَ ﴿ولا تَسْقِي الحَرْثَ﴾ يَقُولُ: ولا تَعْمَلُ في الحَرْثِ ﴿مُسَلَّمَةٌ﴾ قالَ: مِنَ العُيُوبِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّها بَقَرَةٌ لا ذَلُولٌ﴾ يَقُولُ: لَيْسَتْ بِذَلُولٍ فَتَفْعَلَ ذَلِكَ ﴿مُسَلَّمَةٌ﴾ قالَ: مِنَ الشَّيَةِ قالَ ﴿لا شِيَةَ فِيها﴾ قالَ: لا بَياضَ ولا سَوادَ. (p-٤١٤)وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿مُسَلَّمَةٌ﴾ قالَ: لا عَوارَ فِيها. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عَطِيَّةَ ﴿لا شِيَةَ فِيها﴾ قالَ: لَوْنُها واحِدٌ لَيْسَ فِيها لَوْنٌ سِوى لَوْنِها. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿لا ذَلُولٌ﴾ يَعْنِي: صَعْبَةٌ يَقُولُ: لَمْ يُذِلَّها العَمَلُ ﴿مُسَلَّمَةٌ﴾ قالَ: مِنَ العُيُوبِ ﴿لا شِيَةَ فِيها﴾ قالَ: لا بَياضَ فِيها ﴿قالُوا الآنَ جِئْتَ بِالحَقِّ﴾ قالُوا: الآنَ بَيَّنْتَ لَنا ﴿فَذَبَحُوها وما كادُوا يَفْعَلُونَ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَذَبَحُوها وما كادُوا يَفْعَلُونَ﴾ لِغَلاءِ ثَمَنِها. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أنَّ أصْحابَ بَقَرَةِ بَنِي إسْرائِيلَ طَلَبُوها أرْبَعِينَ سَنَةً، حَتّى وجَدُوها عِنْدَ رَجُلٍ في بَقْرٍ لَهُ وكانَتْ بَقَرَةً تُعْجِبُهُ (p-٤١٥)فَجَعَلُوا يُعْطُونَهُ بِها فَيَأْبى، حَتّى أعْطَوْهُ مِلْءَ مَسْكِها دَنانِيرَ فَذَبَحُوها فَضَرَبُوهُ بِعُضْوٍ مِنها، فَقامَ تَشْخَبُ أوْداجُهُ دَمًا فَقالُوا لَهُ: مَن قَتَلَكَ قالَ: قَتَلَنِي فُلانٌ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عَطاءٍ قالَ: الذَّبْحُ والنَّحْرُ في البَقَرِ سَواءٌ لِأنَّ اللَّهَ يَقُولُ ﴿فَذَبَحُوها﴾ . وأخْرَجَ وكِيعٌ وعَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: كانَ لِبَنِي إسْرائِيلَ الذَّبْحُ، وأنْتُمْ لَكُمُ النَّحْرُ. ثُمَّ قَرَأ ﴿فَذَبَحُوها﴾، ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وانْحَرْ﴾ [الكوثر: ٢] [ الكَوْثَرِ: ٢] .

البقرة 2:72

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فادّارَأْتُمْ فِيها﴾ . أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وإذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فادّارَأْتُمْ فِيها﴾ قالَ: اخْتَلَفْتُمْ فِيها ﴿واللَّهُ مُخْرِجٌ ما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ قالَ: ما تُغَيِّبُونَ. * * قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللَّهُ مُخْرِجٌ ما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ . أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في ”شُعَبِ الإيمانِ“ عَنِ المُسَيَّبِ بْنِ رافِعٍ (p-٤١٦)قالَ: ما عَمِلَ رَجُلٌ حَسَنَةً في سَبْعَةِ أبْياتٍ إلّا أظْهَرَها اللَّهُ، وما عَمِلَ رِجْلٌ سَيِّئَةً في سَبْعَةِ أبْياتٍ إلّا أظْهَرَها اللَّهُ، وتَصْدِيقُ ذَلِكَ كِتابُ اللَّهِ ﴿واللَّهُ مُخْرِجٌ ما كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ . وأخْرَجَ أحْمَدُ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَوْ أنَّ رَجُلًا عَمِلَ عَمَلًا في صَخْرَةٍ صَمّاءَ لا بابَ لَها ولا كُوَّةَ، لَخَرَجَ عَمَلُهُ إلى النّاسِ كائِنًا ما كانَ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأحْمَدُ، والبَيْهَقِيُّ عَنْ عُثْمانَ بْنِ عَفّانَ قالَ: مَن عَمِلَ عَمَلًا كَساهُ اللَّهُ رِداءَهُ إنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ وإنْ شَرًّا فَشَرٌّ. وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ مِن وجْهٍ آخَرَ عَنْ عُثْمانَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَن كانَتْ لَهُ سَرِيرَةٌ صالِحَةٌ أوْ سَيِّئَةٌ أظْهَرَ اللَّهُ عَلَيْهِ مِنها رِداءً يُعْرَفُ بِهِ» . قالَ البَيْهَقِيُّ: المَوْقُوفُ أصَحُّ. (p-٤١٧)وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، والبَيْهَقِيُّ وضَعَّفَهُ، عَنْ أنَسٍ قالَ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأصْحابِهِ: مَنِ المُؤْمِنُ؟ قالُوا: اللَّهُ رَسُولُهُ أعْلَمُ. قالَ: المُؤْمِنُ الَّذِي لا يَمُوتُ حَتّى يَمْلَأ اللَّهُ مَسامِعَهُ مِمّا يُحِبُّ، ولَوْ أنَّ عَبْدًا اتَّقى اللَّهَ في جَوْفِ بَيْتٍ إلى سَبْعِينَ بَيْتًا، عَلى كُلِّ بَيْتٍ بابٌ مِن حَدِيدٍ، لَألْبَسَهُ اللَّهُ رِداءَ عَمَلِهِ حَتّى يَتَحَدَّثَ بِهِ النّاسُ ويَزِيدُونَ.، قالُوا: وكَيْفَ يَزِيدُونَ يا رَسُولَ اللَّهِ؟ قالَ: لِأنَّ التَّقِيَّ لَوْ يَسْتَطِيعُ أنْ يَزِيدَ في بِرِّهِ لَزادَ، ثُمَّ قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: مَنِ الكافِرُ؟ قالُوا: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ، قالَ: الكافِرُ الَّذِي لا يَمُوتُ حَتّى يَمْلَأ اللَّهُ مَسامِعَهُ مِمّا يَكْرَهُ، ولَوْ أنَّ فاجِرًا فَجَرَ في جَوْفِ بَيْتٍ إلى سَبْعِينَ بَيْتًا عَلى كُلِّ بَيْتٍ بابٌ مِن حَدِيدٍ لَألْبَسَهُ اللَّهُ رِداءَ عَمَلِهِ حَتّى يَتَحَدَّثَ بِهِ النّاسُ ويَزِيدُونَ. قالُوا: وكَيْفَ يَزِيدُونَ يا رَسُولَ اللَّهِ؟ قالَ: لِأنَّ الفاجِرَ لَوْ يَسْتَطِيعُ أنْ يَزِيدَ في فُجُورِهِ لَزادَ» . وأخْرَجَ ابْنُ عَدِيٍّ عَنْ أنَسٍ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «إنَّ اللَّهَ مُرْدٍ كُلَّ امْرِئٍ رِداءَ عَمَلِهِ» . وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ عَنْ ثابِتٍ قالَ: كانَ يُقالُ: لَوْ أنَّ ابْنَ آدَمَ عَمِلَ بِالخَيْرِ في سَبْعِينَ بَيْتًا لَكَساهُ اللَّهُ تَعالى رِداءَ عَمَلِهِ حَتّى يُعْرَفَ بِهِ. (p-٤١٨)وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا، والبَيْهَقِيُّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ قالَ: النّاسُ يَعْمَلُونَ أعْمالَهم مِن تَحْتِ كَنَفِ اللَّهِ، فَإذا أرادَ اللَّهُ بِعَبْدٍ فَضِيحَةً أخْرَجَهُ مِن تَحْتِ كَنَفِهِ فَبَدَتْ عَوْرَتُهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا، والبَيْهَقِيُّ عَنْ أبِي إدْرِيسَ الخَوْلانِيِّ رَفَعَهُ قالَ: لا يَهْتِكُ اللَّهُ عَبْدًا وفِيهِ مِثْقالُ حَبَّةٍ مِن خَيْرٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنْ إبْراهِيمَ قالَ: لَوْ أنَّ عَبْدًا اكْتَتَمَ بِالعِبادَةِ كَما يَكْتَتِمُ بِالفُجُورِ لَأظْهَرَ اللَّهُ ذَلِكَ مِنهُ.

البقرة 2:73

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَقُلْنا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِها﴾ . أخْرَجَ وكِيعٌ، والفِرْيابِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَقُلْنا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِها﴾ قالَ: ضُرِبَ بِالعَظْمِ الَّذِي يَلِي الغُضْرُوفَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ قَتادَةَ قالَ: ذُكِرَ لَنا أنَّهم ضَرَبُوهُ بِفَخْذِها، فَلَمّا فَعَلُوا أحْياهُ اللَّهُ حَتّى أنْبَأهم بِقاتِلِهِ الَّذِي قَتَلَهُ، وتَكَلَّمَ ثُمَّ ماتَ. (p-٤١٩)وأخْرَجَ وكِيعٌ، وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عِكْرِمَةَ في الآيَةِ قالَ: ضَرَبُوهُ بِفَخِذِها فَحَيِيَ فَما زادَ عَلى أنْ قالَ: قَتَلَنِي فُلانٌ ثُمَّ عادَ فَماتَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ في الآيَةِ قالَ: ضَرَبَ بِفَخِذِ البَقَرَةِ فَقامَ حَيًّا فَقالَ: قَتَلَنِي فُلانٌ، ثُمَّ عادَ في مِيتَتِهِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ السُّدِّيِّ قالَ: ضُرِبَ بِالبَضْعَةِ الَّتِي بَيْنَ الكَتِفَيْنِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أبِي العالِيَةِ قالَ: أمَرَهم أنْ يَأْخُذُوا عَظْمًا فَيَضْرِبُوا بِهِ القَتِيلَ فَفَعَلُوا، فَرَجَعَ إلَيْهِ رُوحُهُ، فَسَمّى لَهم قاتِلَهُ، ثُمَّ عادَ مَيِّتًا كَما كانَ. * * قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ المَوْتى﴾ الآيَةَ. أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وأبُو الشَّيْخِ في “ العَظَمَةِ “ عَنْ وهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ قالَ: إنَّ فَتًى مِن بَنِي إسْرائِيلَ كانَ بَرًّا بِوالِدَتِهِ وكانَ يَقُومُ ثُلْثَ اللَّيْلِ يُصَلِّي (p-٤٢٠)ويَجْلِسُ عِنْدَ رَأْسِ والِدَتِهِ ثُلُثَ اللَّيْلِ فَيُذَكِّرُها بِالتَّسْبِيحِ والتَّهْلِيلِ والتَّكْبِيرِ والتَّحْمِيدِ، ويَقُولُ: يا أُمَّهْ إنْ كُنْتِ ضَعُفْتِ عَنْ قِيامِ اللَّيْلِ فَكَبِّرِي اللَّهَ وسَبِّحِيهِ وهَلِّلِيهِ، فَكانَ ذَلِكَ عَمَلَهُما الدَّهْرَ كُلَّهُ، فَإذا أصْبَحَ أتى الجَبَلَ فاحْتَطَبَ عَلى ظَهْرِهِ، فَيَأْتِي بِهِ السُّوقَ فَيَبِيعُهُ بِما شاءَ اللَّهُ أنْ يَبِيعَهُ فَيَتَصَدَّقُ بِثُلُثِهِ ويُبْقِي لِعِبادَتِهِ ثُلُثًا، ويُعْطِي الثُّلُثَ أُمَّهُ، وكانَتْ أُمُّهُ تَأْكُلُ النِّصْفَ وتَتَصَدَّقُ بِالنِّصْفِ، فَكانَ ذَلِكَ عَمَلَهُما الدَّهْرَ كُلَّهُ، فَلَمّا طالَ عَلَيْها قالَتْ: يا بُنَيَّ، اعْلَمْ أنِّي قَدْ ورِثْتُ مِن أبِيكَ بَقَرَةً، وخَتَمْتُ عُنُقَها، وتَرَكْتُها في البَقَرِ عَلى اسْمِ إلَهِ إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ. قالَتْ: وسَأُبَيِّنُ لَكَ ما لَوْنُها وهَيْئَتُها، فَإذا أتَيْتَ البَقَرَ فادْعُها بِاسْمِ إلَهِ إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ فَإنَّها تَفْعَلُ كَما وعَدَتْنِي. وقالَتْ: عَلامَتُها أنَّها لَيْسَتْ بِهَرِمَةٍ ولا الفَتِيَّةِ غَيْرَ أنَّها بَيْنَهُما، وهي صَفْراءُ فاقِعٌ لَوْنُها تَسُرُّ النّاظِرِينَ، إذا نَظَرْتَ إلى جِلْدِها يُخَيَّلُ إلَيْكَ أنَّ شُعاعَ الشَّمْسِ يَخْرُجُ مِن جِلْدِها، ولَيْسَتْ بِالذَّلُولِ ولا (p-٤٢١)صَعْبَةً تُثِيرُ الأرْضَ ولا تَسْقِي الحَرْثَ، مُسَلَّمَةٌ لا شِيَةَ فِيها، ولَوْنُها واحِدٌ، فَإذا رَأيْتَها فَخُذْ بِعُنُقِها؛ فَإنَّها تَتْبَعُكَ بِإذْنِ إلَهِ إسْرائِيلَ. فانْطَلَقَ الفَتى وحَفِظَ وصِيَّةَ والِدَتِهِ، وسارَ في البَرِّيَّةِ يَوْمَيْنِ أوْ ثَلاثًا، حَتّى إذا كانَ صَبِيحَةَ ذَلِكَ اليَوْمِ انْصَرَفَ فَصاحَ بِها فَقالَ: بِإلَهِ إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ إلّا ما أتَيْتِنِي فَأقْبَلَتِ البَقَرَةُ عَلَيْهِ، وتَرَكَتِ الرّاعِيَ فَقامَتْ بَيْنَ يَدَيِ الفَتى، فَأخَذَ بِعُنُقِها فَتَكَلَّمَتِ البَقَرَةُ وقالَتْ: يا أيُّها الفَتى البَرُّ بِوالِدَتِهِ ارْكَبْنِي، فَإنَّهُ أهْوَنُ عَلَيْكَ، قالَ الفَتى: لَمْ تَأْمُرْنِي والِدَتِي أنْ أرْكَبَ عَلَيْكِ ولَكِنَّها أمَرَتْنِي أنْ أسُوقَكِ سَوْقًا، فَأُحِبُّ أنْ أبْلُغَ قَوْلَها، فَقالَتْ: بِإلَهِ إسْرائِيلَ لَوْ رَكِبْتَنِي ما كُنْتَ لِتَقْدِرَ عَلَيَّ، فانْطَلِقْ يا أيُّها الفَتى البَرُّ بِوالِدَتِهِ، لَوْ أنَّكَ أمَرْتَ هَذا الجَبَلَ أنْ يَنْقَلِعَ لَكَ مِن أصْلِهِ، لانْقَلَعَ؛ لِبِرِّكَ بِوالِدَتِكَ ولِطاعَتِكَ إلَهَكَ. فانْطَلَقَ حَتّى إذا كانَ عَلى مَسِيرَةِ يَوْمٍ مِن مَنزِلِهِ اسْتَقْبَلَهُ عَدُوُّ اللَّهِ إبْلِيسُ، فَتَمَثَّلَ لَهُ عَلى صُورَةِ راعٍ مِن رُعاةِ البَقَرِ، فَقالَ: يا أيُّها الفَتى، مِن أيْنَ جِئْتَ بِهَذِهِ البَقَرَةِ؟ ألا تَرْكَبُها فَإنِّي أراكَ قَدْ أعْيَيْتَ أظُنُّكَ لا تَمْلِكُ مِنَ الدُّنْيا مالًا غَيْرَ هَذِهِ البَقَرَةِ، فَإنِّي أُعْطِيكَ الأجْرَ، يَنْفَعُكَ ولا يَضُرُّها (p-٤٢٢)فَإنِّي رَجُلٌ مِن رُعاةِ البَقَرِ اشْتَقْتُ إلى أهْلِي، فَأخَذْتُ ثَوْرًا مِن ثِيرانِي، فَحَمَلْتُ عَلَيْهِ طَعامِي وزادِي، حَتّى إذا بَلَغَتْ شَطْرَ الطَّرِيقِ أخَذَنِي وجَعُ بَطْنِي، فَذَهَبْتُ لِأقْضِيَ حاجَتِي، فَعَدا وسَطَ الجَبَلِ وتَرَكَنِي، وأنا أطْلُبُهُ ولَسْتُ أقْدِرُ عَلَيْهِ، فَأنا أخْشى عَلى نَفْسِي الهَلَكَةَ ولَيْسَ مَعِي زادٌ ولا ماءٌ فَإنْ رَأيْتَ أنْ تَحْمِلَنِي عَلى بَقَرَتِكَ فَتُبَلِّغَنِي مَراعِيَّ وتُنَجِّيَنِي مِنَ المَوْتِ وأُعْطِيَكَ أجْرَها بَقَرَتَيْنِ، قالَ الفَتى: إنَّ بَنِي آدَمَ لَيْسَ بِالَّذِي يَقْتُلُهُمُ اليَقِينُ ويُهْلِكُهم أبَقُهُمْ، فَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ مِنكَ اليَقِينَ لَبَلَّغَكَ بِغَيْرِ زادٍ ولا ماءٍ، ولَسْتُ بِراكِبٍ أمْرًا لِمَ أُومَرْ بِهِ، إنَّما أنا عَبْدٌ مَأْمُورٌ، ولَوْ عَلِمَ سَيِّدِي أنِّي أعْصِيهِ في هَذِهِ البَقَرَةِ لَأهْلَكَنِي وعاقَبَنِي عُقُوبَةً شَدِيدَةً، وما أنا بِمُؤْثِرٍ هَواكَ عَلى هَوى سَيِّدِي، فانْطَلِقْ يا أيُّها الرَّجُلُ بِسَلامٍ، فَقالَ لَهُ إبْلِيسُ: أُعْطِيكَ بِكُلِّ خُطْوَةٍ تَخْطُوها إلى مَنزِلِي دِرْهَمًا، فَذَلِكَ مالٌ عَظِيمٌ، وتَفْدِي نَفْسِي مِنَ المَوْتِ في هَذِهِ البَقَرَةِ، فَقالَ الفَتى: إنَّ سَيِّدِي لَهُ ذَهَبُ الأرْضِ وفِضَّتُها، فَإنْ أعْطَيْتَنِي شَيْئًا مِنها عَلِمَ أنَّهُ مِن مالِهِ، ولَكِنْ أعْطِنِي مِن ذَهَبِ السَّماءِ وفِضَّتِها، فَأقُولُ: إنَّهُ لَيْسَ هَذا مِن مالِكَ. (p-٤٢٣)فَقالَ إبْلِيسُ: وهَلْ في السَّماءِ ذَهَبٌ أوْ فِضَّةٌ؟ أوْ هَلْ يَقْدِرُ أحَدٌ عَلى هَذا؟ قالَ الفَتى: أوَهَلْ يَسْتَطِيعُ العَبْدُ بِما لَمْ يَأْمُرْهُ بِهِ سَيِّدَهُ كَما لا تَسْتَطِيعُ أنْتَ ذَهَبَ السَّماءِ وفِضَّتَها، قالَ لَهُ إبْلِيسُ: أراكَ أعْجَزَ العَبِيدِ في أمْرِكَ. قالَ لَهُ الفَتى: إنَّ العاجِزَ مَن عَصى رَبَّهُ، قالَ لَهُ إبْلِيسُ: ما لِي لا أرى مَعَكَ زادًا ولا ماءً؟ قالَ الفَتى: زادِي التَّقْوى وطَعامِي الحَشِيشُ، وشَرابِي مِن عُيُونِ الجِبالِ. قالَ إبْلِيسُ: ألا آمُرُكَ بِأمْرٍ يُرْشِدُكَ؟ قالَ الفَتى: مُرْ بِهِ نَفْسَكَ فَإنِّي عَلى رَشادٍ إنْ شاءَ اللَّهُ، قالَ لَهُ إبْلِيسُ: ما أراكَ تَقْبَلُ نَصِيحَةً. قالَ لَهُ الفَتى: النّاصِحُ لِنَفْسِهِ مَن أطاعَ سَيِّدَهُ وأدّى الحَقَّ الَّذِي عَلَيْهِ، فَإنْ كُنْتَ شَيْطانًا، فَأعُوذُ بِاللَّهِ مِنكَ، وإنْ كُنْتَ آدَمِيًّا، فاخْرُجْ فَلا حاجَةَ لِي في صِحابَتِكَ، فَجَمَدَ إبْلِيسُ عِنْدَ ذَلِكَ ثَلاثَ ساعاتٍ مَكانَهُ، ولَوْ رَكِبَها لَهُ إبْلِيسُ ما كانَ الفَتى يَقْدِرُ عَلَيْها، ولَكِنَّ اللَّهَ حَبَسَهُ عَنْها، فَبَيْنَما الفَتى يَمْشِي، إذْ طارَ طائِرٌ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ، فاخْتَلَسَ البَقَرَةَ ودَعاها الفَتى وقالَ: بِإلَهِ إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ إلّا ما آتَيْتِنِي فَأقْبَلَتِ البَقَرَةُ إلَيْهِ، وقامَتْ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَقالَتْ: يا أيُّها الفَتى ألَمْ تَرَ إلى ذَلِكَ الطّائِرِ الَّذِي طارَ مِن بَيْنِ يَدَيْكَ، فَإنَّهُ إبْلِيسُ عَدُوُّ اللَّهِ، اخْتَلَسَنِي، فَلَمّا نادَيْتَنِي بِإلَهِ إسْرائِيلَ، جاءَ مَلَكٌ مِنَ المَلائِكَةِ فانْتَزَعَنِي مِنهُ، فَرَدَّنِي إلَيْكَ، لِبِرِّكَ (p-٤٢٤)بِوالِدَتِكَ وطاعَتِكَ إلَهَكَ، فانْطَلِقْ فَلَسْتُ بِبارِحَتِكَ حَتّى تَأْتِيَ أهْلَكَ، إنْ شاءَ اللَّهُ، قالَ: فَدَخَلَ الفَتى إلى أُمِّهِ يُخْبِرُها الخَبَرَ فَقالَتْ: يا بُنَيَّ إنِّي أراكَ تَحْطِبُ عَلى ظَهْرِكَ بِاللَّيْلِ والنَّهارِ فَتَشْخَصُ، فاذْهَبْ بِهَذِهِ البَقَرَةِ، فَبِعْها وخُذْ ثَمَنَها فَتَقَوَّ بِهِ، ووَدِّعْ بِهِ نَفْسَكَ، قالَ الفَتى: بِكَمْ أبِيعُها؟ قالَتْ: بِثَلاثَةِ دَنانِيرَ عَلى رِضًا مِنِّي، فانْطَلَقَ الفَتى إلى السُّوقِ فَبَعَثَ اللَّهُ إلَيْهِ مَلَكًا مِنَ المَلائِكَةِ لِيُرِيَ خَلْقَهُ قُدْرَتَهُ فَقالَ لِلْفَتى: بِكَمْ تَبِيعُ هَذِهِ البَقَرَةَ أيُّها الفَتى؟ فَقالَ: أبِيعُها بِثَلاثَةِ دَنانِيرَ عَلى رِضًا مِن والِدَتِي، قالَ: لَكَ سِتَّةُ دَنانِيرَ ولا تَسْتَأْمِرْ والِدَتَكَ، فَقالَ: لَوْ أعْطَيْتِنِي زِنَتَها لَمْ أبِعْها حَتّى أسْتَأْمِرَها فَخَرَجَ الفَتى فَأخْبَرَ والِدَتَهُ الخَبَرَ فَقالَتْ: بِعْها بِسِتَّةِ دَنانِيرَ عَلى رِضًا مِنِّي، فانْطَلَقَ الفَتى وأتاهُ المَلَكُ فَقالَ: ما فَعَلْتَ؟ فَقالَ: أبِيعُها بِسِتَّةِ دَنانِيرَ عَلى رِضًا مِن والِدَتِي، قالَ: فَخُذِ اثْنَيْ عَشَرَ دِينارًا ولا تَسْتَأْمِرْها، قالَ: لا. (p-٤٢٥)فانْطَلَقَ الفَتى إلى أُمِّهِ فَقالَتْ: يا بُنَيَّ إنَّ الَّذِي يَأْتِيكَ مَلَكٌ مِنَ المَلائِكَةِ في صُورَةِ آدَمِيٍّ، فَإذا أتاكَ فَقُلْ لَهُ: إنَّ والِدَتِي تَقْرَأُ عَلَيْكَ السَّلامَ وتَقُولُ: بِكَمْ تَأْمُرُنِي أنَّ أبِيعَ هَذِهِ البَقَرَةَ، قالَ لَهُ المَلِكُ: يا أيُّها الفَتى يَشْتَرِي بَقَرَتَكَ هَذِهِ مُوسى بْنُ عِمْرانَ لِقَتِيلٍ يُقْتَلُ مِن بَنِي إسْرائِيلَ ولَهُ مالٌ كَثِيرٌ، ولَمْ يَتْرُكْ أبُوهُ ولَدًا غَيْرَهُ، ولَهُ أخٌ لَهُ بَنُونَ كَثِيرُونَ فَيَقُولُونَ: كَيْفَ لَنا أنْ نَقْتُلَ هَذا الغُلامَ ونَأْخُذَ مالَهُ؟ فَدَعَوُا الغُلامَ إلى مَنزِلِهِمْ، فَقَتَلُوهُ فَطَرَحُوهُ إلى جانِبِ دارِهِمْ، فَأصْبَحَ أهْلُ الدّارِ فَأخْرَجُوا الغُلامَ إلى بابِ الدّارِ، وجاءَ بَنُو عَمِّ الغُلامِ فَأخَذُوا أهْلَ الدّارِ، فانْطَلَقُوا بِهِمْ إلى مُوسى فَلَمْ يَدْرِ مُوسى كَيْفَ يَحْكُمُ بَيْنَهم مِن أجْلِ أنَّ أهْلَ الدّارِ بُرَآءُ مِنَ الغُلامِ، فَشَقَّ ذَلِكَ عَلى مُوسى فَدَعا رَبَّهُ فَأوْحى اللَّهُ إلَيْهِ: أنْ خُذْ بَقَرَةً صَفْراءَ فاقِعًا لَوْنُها فاذْبَحْها، ثُمَّ اضْرِبِ الغُلامَ بِبَعْضِها، فَعَمَدُوا إلى بَقَرَةِ الفَتى فاشْتَرَوْها عَلى أنْ يَمْلُؤُوا جِلْدَها دَنانِيرَ، ثُمَّ ذَبَحُوها ثُمَّ ضَرَبُوا الغُلامَ بِبَعْضِها فَقامَ يُخْبِرُهُمْ، فَقالَ: إنَّ بَنِي عَمِّي قَتَلُونِي، وأهْلَ الدّارِ مِنِّي بُرَآءُ فَأخَذَهم مُوسى فَقالُوا: يا مُوسى أتَتَّخِذُنا هَزُّوا، قَدْ قُتِلَ ابْنُ عَمِّنا مَظْلُومًا. قَدْ عَلِمُوا أنْ سَيَفْتَضِحُوا، فَعَمَدُوا إلى جِلْدِ البَقَرَةِ، فَمَلَئُوهُ دَنانِيرَ ثُمَّ دَفَعُوهُ إلى الفَتى فَعَمَدَ الفَتى إلى الثُّلُثَيْنِ فَتَصَدَّقَ عَلى (p-٤٢٦)فَقُرّاءِ بَنِي إسْرائِيلَ وتَقَوّى بِالثُّلُثِ و﴿كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ المَوْتى ويُرِيكم آياتِهِ لَعَلَّكم تَعْقِلُونَ﴾ .

البقرة 2:74

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكم مِن بَعْدِ ذَلِكَ﴾ الآيَةَ. أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكم مِن بَعْدِ ذَلِكَ﴾ قالَ: مِن بَعْدِ ما أراهُمُ اللَّهُ مِن إحْياءِ المَوْتى، ومِن بَعْدِ ما أراهم مِن أمْرِ القَتِيلِ ﴿فَهِيَ كالحِجارَةِ أوْ أشَدُّ قَسْوَةً﴾ ثُمَّ عَذَرَ اللَّهُ الحِجارَةَ ولَمْ يَعْذِرْ شَقِيَّ ابْنِ آدَمَ فَقالَ: ﴿وإنَّ مِنَ الحِجارَةِ لَما يَتَفَجَّرُ مِنهُ الأنْهارُ وإنَّ مِنها لَما يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنهُ الماءُ وإنَّ مِنها لَما يَهْبِطُ مِن خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وإنَّ مِنَ الحِجارَةِ﴾ الآيَةَ، أيْ إنَّ مِنَ الحِجارَةِ لَألْيَنَ مِن قُلُوبِكم مِمّا تُدْعَوْنَ إلَيْهِ مِنَ الحَقِّ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: كُلُّ حَجَرٍ يَتَفَجَّرُ مِنهُ (p-٤٢٧)الماءُ أوْ يَشَّقَّقُ عَنْ ماءٍ، أوْ يَتَرَدّى مِن رَأْسِ جَبَلٍ فَمِن خَشْيَةِ اللَّهِ، نَزَلَ بِذَلِكَ القُرْآنُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وإنَّ مِنها لَما يَهْبِطُ مِن خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ قالَ: إنَّ الحَجَرَ لَيَقَعُ عَلى الأرْضِ ولَوِ اجْتَمَعَ عَلَيْهِ فِئامٌ مِنَ النّاسِ ما اسْتَطاعُوهُ وإنَّهُ لَيَهْبِطُ مِن خَشْيَةِ اللَّهِ.

البقرة 2:75

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَتَطْمَعُونَ أنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ﴾ الآيَةَ. أخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: ثُمَّ قالَ اللَّهُ لِنَبِيِّهِ ومَن مَعَهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ يُؤَيِّسُهم مِنهم: ﴿أفَتَطْمَعُونَ أنْ يُؤْمِنُوا لَكم وقَدْ كانَ فَرِيقٌ مِنهم يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ﴾ ولَيْسَ قَوْلُهُ: ﴿يَسْمَعُونَ﴾ التَّوْراةَ كُلُّهم قَدْ سَمِعَها، ولَكِنَّهُمُ الَّذِينَ سَألُوا مُوسى رُؤْيَةَ رَبِّهِمْ فَأخَذَتْهُمُ الصّاعِقَةُ فِيها. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿أفَتَطْمَعُونَ أنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ﴾ الآيَةَ، قالَ: هُمُ اليَهُودُ، كانُوا يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِن بَعْدِ ما سَمِعُوهُ ورَعَوْهُ. (p-٤٢٨)وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿أفَتَطْمَعُونَ أنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ﴾ الآيَةَ، قالَ: فالَّذِينَ يُحَرِّفُونَهُ والَّذِينَ يَكْتُبُونَهُ هُمُ العُلَماءُ مِنهُمْ، والَّذِينَ نَبَذُوا كِتابَ اللَّهِ وراءَ ظُهُورِهِمْ هَؤُلاءِ كُلُّهم يَهُودُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ﴾ قالَ: هي التَّوْراةُ حَرَّفُوها.

البقرة 2:76

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ الآيَةَ. أخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ، وابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وإذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنّا﴾ أيْ: بِصاحِبِكم رَسُولِ اللَّهِ، ولَكِنَّهُ إلَيْكم خاصَّةً، وإذا خَلا بَعْضُهم إلى بَعْضٍ قالُوا: لا تُحَدِّثُوا العَرَبَ بِهَذا، فَإنَّكم قَدْ كُنْتُمْ تَسْتَفْتِحُونَ بِهِ عَلَيْكُمْ، فَكانَ مِنهم ﴿لِيُحاجُّوكم بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾ أيْ يُقِرُّونَ بِأنَّهُ نَبِيٌّ، وقَدْ عَلِمْتُمْ أنَّهُ قَدْ أخَذَ عَلَيْكُمُ المِيثاقَ بِاتِّباعِهِ وهو يُخْبِرُهم أنَّهُ النَّبِيُّ الَّذِي كُنّا نَنْتَظِرُ ونَجِدُ في كِتابِنا، اجْحَدُوهُ ولا تُقِرُّوا لَهم بِهِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وإذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ الآيَةَ. (p-٤٢٩)قالَ: هَذِهِ الآيَةُ في المُنافِقِينَ مِنَ اليَهُودِ، وقَوْلُهُ ﴿بِما فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ يَعْنِي بِما أكْرَمَكُمُ اللَّهُ بِهِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: «قامَ النَّبِيُّ ﷺ يَوْمَ قُرَيْظَةَ تَحْتَ حُصُونِهِمْ، فَقالَ: يا إخْوانَ القِرَدَةِ والخَنازِيرِ، ويا عَبَدَةَ الطّاغُوتِ، فَقالُوا: مَن أخْبَرَ هَذا الأمْرَ مُحَمَّدًا؟ ما خَرَجَ هَذا الأمْرُ إلّا مِنكم ﴿أتُحَدِّثُونَهم بِما فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ بِما حَكَمَ اللَّهُ لِيَكُونَ لَهم حُجَّةً عَلَيْكم» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لا يَدْخُلَنَّ عَلَيْنا قَصَبَةَ المَدِينَةِ إلّا مُؤْمِنٌ، فَقالَ: رُؤَساءُ اليَهُودِ: اذْهَبُوا فَقُولُوا: آمَنّا. واكْفُرُوا إذا رَجَعْتُمْ إلَيْنا. فَكانُوا يَأْتُونَ المَدِينَةَ بِالبُكَرِ، ويَرْجِعُونَ إلَيْهِمْ بَعْدَ العَصْرِ، وهو قَوْلُهُ ﴿وقالَتْ طائِفَةٌ مِن أهْلِ الكِتابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا وجْهَ النَّهارِ واكْفُرُوا آخِرَهُ﴾ [آل عمران: ٧٢] [ آلِ عِمْرانَ: ٧٢] وكانُوا يَقُولُونَ: إذا دَخَلُوا المَدِينَةَ: نَحْنُ مُسْلِمُونَ. لِيَعْلَمُوا خَبَرَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وأمْرَهُ، فَكانَ المُؤْمِنُونَ يَظُنُّونَ أنَّهم مُؤْمِنُونَ فَيَقُولُونَ لَهم: ألَيْسَ قَدْ قالَ اللَّهُ لَكم في التَّوْراةِ كَذا وكَذا؟ فَيَقُولُونَ: بَلى، فَإذا رَجَعُوا إلى قَوْمِهِمْ قالُوا ﴿أتُحَدِّثُونَهم بِما فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ الآيَةَ» . (p-٤٣٠)وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ قالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في ناسٍ مِنَ اليَهُودِ، آمَنُوا ثُمَّ نافَقُوا فَكانُوا يُحَدِّثُونَ المُؤْمِنِينَ مِنَ العَرَبِ بِما عُذِّبُوا بِهِ، فَقالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ ﴿أتُحَدِّثُونَهم بِما فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ مِنَ العَذابِ لِيَقُولُوا: نَحْنُ أحَبُّ إلى اللَّهِ مِنكم وأكْرَمُ عَلى اللَّهِ مِنكم. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عِكْرِمَةَ، «أنَّ امْرَأةً مِنَ اليَهُودِ أصابَتْ فاحِشَةً، فَجاءُوا إلى النَّبِيِّ ﷺ يَبْتَغُونَ مِنهُ الحُكْمَ؛ رَجاءَ الرُّخْصَةِ، فَدَعا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عالِمَهم وهو ابْنُ صُورِيا فَقالَ لَهُ: احْكُمْ، قالَ: فَجَبَهُوهُ، والتَّجْبِيهُ يَحْمِلُونَهُ عَلى حِمارٍ، ويَجْعَلُونَ وجْهَهُ إلى ذَنَبِ الحِمارِ، فَقالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أبِحُكْمِ اللَّهِ حَكَمْتَ؟ قالَ: لا، ولَكِنَّ نِساءَنا كُنَّ حِسانًا، فَأسْرَعَ فِيهِنَّ رِجالُنا فَغَيَّرْنا الحُكْمَ وفِيهِ أُنْزِلَتْ ﴿وإذا خَلا بَعْضُهم إلى بَعْضٍ﴾ الآيَةَ» . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وإذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنّا﴾ قالُوا: هُمُ اليَهُودُ وكانُوا إذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا: آمَنّا. فَصانَعُوهم بِذَلِكَ لِيَرْضَوْا عَنْهُمْ، وإذا خَلا بَعْضُهم إلى بَعْضٍ نَهى بَعْضُهم بَعْضًا أنْ يُحَدِّثُوا بِما فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، وبَيَّنَ لَهم في كِتابِهِ مِن أمْرِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ (p-٤٣١)والسَّلامُ ونَعْتِهِ ونُبُوَّتِهِ وقالُوا: إنَّكم إذا فَعَلْتُمْ ذَلِكَ احْتَجُّوا عَلَيْكم بِذَلِكَ عِنْدَ رَبِّكم أفَلا تَعْقِلُونَ ! ﴿أوَلا يَعْلَمُونَ أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وما يُعْلِنُونَ﴾ . قالَ: ما يُعْلِنُونَ مَن أمَرَهم وكَلامِهِمْ إذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا وما يُسِرُّونَ إذا خَلا بَعْضُهم إلى بَعْضٍ، مِن كُفْرِهِمْ بِمُحَمَّدٍ ﷺ وتَكْذِيبِهِمْ بِهِ، وهم يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهم. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أبِي العالِيَةِ في قَوْلِهِ: ﴿أوَلا يَعْلَمُونَ أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ﴾ يَعْنِي مِن كُفْرِهِمْ بِمُحَمَّدٍ وتَكْذِيبِهِمْ بِهِ ﴿وما يُعْلِنُونَ﴾ حِينَ قالُوا لِلْمُؤْمِنِينَ: آمَنّا.

البقرة 2:77

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ الآيَةَ. أخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ، وابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وإذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنّا﴾ أيْ: بِصاحِبِكم رَسُولِ اللَّهِ، ولَكِنَّهُ إلَيْكم خاصَّةً، وإذا خَلا بَعْضُهم إلى بَعْضٍ قالُوا: لا تُحَدِّثُوا العَرَبَ بِهَذا، فَإنَّكم قَدْ كُنْتُمْ تَسْتَفْتِحُونَ بِهِ عَلَيْكُمْ، فَكانَ مِنهم ﴿لِيُحاجُّوكم بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾ أيْ يُقِرُّونَ بِأنَّهُ نَبِيٌّ، وقَدْ عَلِمْتُمْ أنَّهُ قَدْ أخَذَ عَلَيْكُمُ المِيثاقَ بِاتِّباعِهِ وهو يُخْبِرُهم أنَّهُ النَّبِيُّ الَّذِي كُنّا نَنْتَظِرُ ونَجِدُ في كِتابِنا، اجْحَدُوهُ ولا تُقِرُّوا لَهم بِهِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وإذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ الآيَةَ. (p-٤٢٩)قالَ: هَذِهِ الآيَةُ في المُنافِقِينَ مِنَ اليَهُودِ، وقَوْلُهُ ﴿بِما فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ يَعْنِي بِما أكْرَمَكُمُ اللَّهُ بِهِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: «قامَ النَّبِيُّ ﷺ يَوْمَ قُرَيْظَةَ تَحْتَ حُصُونِهِمْ، فَقالَ: يا إخْوانَ القِرَدَةِ والخَنازِيرِ، ويا عَبَدَةَ الطّاغُوتِ، فَقالُوا: مَن أخْبَرَ هَذا الأمْرَ مُحَمَّدًا؟ ما خَرَجَ هَذا الأمْرُ إلّا مِنكم ﴿أتُحَدِّثُونَهم بِما فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ بِما حَكَمَ اللَّهُ لِيَكُونَ لَهم حُجَّةً عَلَيْكم» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لا يَدْخُلَنَّ عَلَيْنا قَصَبَةَ المَدِينَةِ إلّا مُؤْمِنٌ، فَقالَ: رُؤَساءُ اليَهُودِ: اذْهَبُوا فَقُولُوا: آمَنّا. واكْفُرُوا إذا رَجَعْتُمْ إلَيْنا. فَكانُوا يَأْتُونَ المَدِينَةَ بِالبُكَرِ، ويَرْجِعُونَ إلَيْهِمْ بَعْدَ العَصْرِ، وهو قَوْلُهُ ﴿وقالَتْ طائِفَةٌ مِن أهْلِ الكِتابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا وجْهَ النَّهارِ واكْفُرُوا آخِرَهُ﴾ [آل عمران: ٧٢] [ آلِ عِمْرانَ: ٧٢] وكانُوا يَقُولُونَ: إذا دَخَلُوا المَدِينَةَ: نَحْنُ مُسْلِمُونَ. لِيَعْلَمُوا خَبَرَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وأمْرَهُ، فَكانَ المُؤْمِنُونَ يَظُنُّونَ أنَّهم مُؤْمِنُونَ فَيَقُولُونَ لَهم: ألَيْسَ قَدْ قالَ اللَّهُ لَكم في التَّوْراةِ كَذا وكَذا؟ فَيَقُولُونَ: بَلى، فَإذا رَجَعُوا إلى قَوْمِهِمْ قالُوا ﴿أتُحَدِّثُونَهم بِما فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ الآيَةَ» . (p-٤٣٠)وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ قالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في ناسٍ مِنَ اليَهُودِ، آمَنُوا ثُمَّ نافَقُوا فَكانُوا يُحَدِّثُونَ المُؤْمِنِينَ مِنَ العَرَبِ بِما عُذِّبُوا بِهِ، فَقالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ ﴿أتُحَدِّثُونَهم بِما فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ مِنَ العَذابِ لِيَقُولُوا: نَحْنُ أحَبُّ إلى اللَّهِ مِنكم وأكْرَمُ عَلى اللَّهِ مِنكم. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عِكْرِمَةَ، «أنَّ امْرَأةً مِنَ اليَهُودِ أصابَتْ فاحِشَةً، فَجاءُوا إلى النَّبِيِّ ﷺ يَبْتَغُونَ مِنهُ الحُكْمَ؛ رَجاءَ الرُّخْصَةِ، فَدَعا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عالِمَهم وهو ابْنُ صُورِيا فَقالَ لَهُ: احْكُمْ، قالَ: فَجَبَهُوهُ، والتَّجْبِيهُ يَحْمِلُونَهُ عَلى حِمارٍ، ويَجْعَلُونَ وجْهَهُ إلى ذَنَبِ الحِمارِ، فَقالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أبِحُكْمِ اللَّهِ حَكَمْتَ؟ قالَ: لا، ولَكِنَّ نِساءَنا كُنَّ حِسانًا، فَأسْرَعَ فِيهِنَّ رِجالُنا فَغَيَّرْنا الحُكْمَ وفِيهِ أُنْزِلَتْ ﴿وإذا خَلا بَعْضُهم إلى بَعْضٍ﴾ الآيَةَ» . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وإذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنّا﴾ قالُوا: هُمُ اليَهُودُ وكانُوا إذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا: آمَنّا. فَصانَعُوهم بِذَلِكَ لِيَرْضَوْا عَنْهُمْ، وإذا خَلا بَعْضُهم إلى بَعْضٍ نَهى بَعْضُهم بَعْضًا أنْ يُحَدِّثُوا بِما فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، وبَيَّنَ لَهم في كِتابِهِ مِن أمْرِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ (p-٤٣١)والسَّلامُ ونَعْتِهِ ونُبُوَّتِهِ وقالُوا: إنَّكم إذا فَعَلْتُمْ ذَلِكَ احْتَجُّوا عَلَيْكم بِذَلِكَ عِنْدَ رَبِّكم أفَلا تَعْقِلُونَ ! ﴿أوَلا يَعْلَمُونَ أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وما يُعْلِنُونَ﴾ . قالَ: ما يُعْلِنُونَ مَن أمَرَهم وكَلامِهِمْ إذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا وما يُسِرُّونَ إذا خَلا بَعْضُهم إلى بَعْضٍ، مِن كُفْرِهِمْ بِمُحَمَّدٍ ﷺ وتَكْذِيبِهِمْ بِهِ، وهم يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهم. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أبِي العالِيَةِ في قَوْلِهِ: ﴿أوَلا يَعْلَمُونَ أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ﴾ يَعْنِي مِن كُفْرِهِمْ بِمُحَمَّدٍ وتَكْذِيبِهِمْ بِهِ ﴿وما يُعْلِنُونَ﴾ حِينَ قالُوا لِلْمُؤْمِنِينَ: آمَنّا.

البقرة 2:78

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومِنهم أُمِّيُّونَ﴾ الآيَةَ. أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الأُمِّيُّونَ قَوْمٌ لَمْ يُصَدِّقُوا رَسُولًا أرْسَلَهُ اللَّهُ، ولا كِتابًا أنْزَلَهُ، فَكَتَبُوا كِتابًا بِأيْدِيهِمْ ثُمَّ قالُوا لِقَوْمٍ سَفِلَةٍ جُهّالٍ: هَذا مِن عِنْدِ اللَّهِ، وقالَ: قَدْ أخْبَرَهم أنَّهم يَكْتُبُونَ بِأيْدِيهِمْ ثُمَّ سَمّاهم أُمِّيِّينَ لِجُحُودِهِمْ كُتُبَ اللَّهِ ورُسُلَهُ. (p-٤٣٢)وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ إبْراهِيمَ النَّخَعِيِّ في قَوْلِهِ: ﴿ومِنهم أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الكِتابَ﴾ قالَ: مِنهم مَن لا يُحْسِنُ أنْ يَكْتُبَ. وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ، وابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ومِنهم أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الكِتابَ﴾ قالَ: لا يَدْرُونَ ما فِيهِ ﴿وإنْ هم إلا يَظُنُّونَ﴾ وهم يَجْحَدُونَ نُبُوَّتَكَ بِالظَّنِّ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ومِنهم أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الكِتابَ﴾ قالَ: ناسٌ مِن يَهُودَ لَمْ يَكُونُوا يَعْلَمُونَ مِنَ الكِتابِ شَيْئًا، وكانُوا يَتَكَلَّمُونَ بِالظَّنِّ بِغَيْرِ ما في كِتابِ اللَّهِ، ويَقُولُونَ: هو مِنَ الكِتابِ أمانِيُّ يَتَمَنَّوْنَها. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إلا أمانِيَّ﴾ قالَ: إلّا أحادِيثَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إلا أمانِيَّ﴾ قالَ: إلّا قَوْلًا يَقُولُونَ بِأفْواهِهِمْ كَذِبًا. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿إلا أمانِيَّ﴾ . (p-٤٣٣)قالَ: إلّا كَذِبًا ﴿وإنْ هم إلا يَظُنُّونَ﴾ قالَ: إلّا يَكْذِبُونَ.

البقرة 2:79

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ﴾ الآيَةَ. أخْرَجَ وكِيعٌ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الكِتابَ بِأيْدِيهِمْ﴾ قالَ: نَزَلَتْ في أهْلِ الكِتابِ. وأخْرَجَ أحْمَدُ، وهَنّادُ بْنُ السَّرِيِّ في ”الزُّهْدِ“، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والتِّرْمِذِيُّ، وابْنُ أبِي الدُّنْيا في (صِفَةِ النّارِ)، وأبُو يَعْلى، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ حِبّانَ في ”صَحِيحِهِ“، والحاكِمُ في ”المُسْتَدْرَكِ“ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في “ البَعْثِ “ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قالَ: «ويْلٌ وادٍ في جَهَنَّمَ يَهْوِي فِيهِ الكافِرُ أرْبَعِينَ خَرِيفًا قَبْلَ أنْ يَبْلُغَ قَعْرَهُ» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عُثْمانَ بْنِ عَفّانَ، «عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في قَوْلِهِ: ﴿فَوَيْلٌ لَهم مِمّا كَتَبَتْ أيْدِيهِمْ﴾ قالَ: الوَيْلُ جَبَلٌ في النّارِ. وهو الَّذِي أُنْزِلَ في اليَهُودِ، لِأنَّهم حَرَّفُوا التَّوْراةَ؛ زادُوا فِيها ما أحَبُّوا، ومَحَوْا مِنها ما كانُوا يَكْرَهُونَ، ومَحْوًا اسْمَ مُحَمَّدٍ ﷺ مِنَ التَّوْراةِ» . (p-٤٣٤)وأخْرَجَ البَزّارُ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنْ سَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إنَّ في النّارِ حَجَرًا يُقالُ لَهُ: ويْلٌ. يَصْعَدُ عَلَيْهِ العُرَفاءُ ويَنْزِلُونَ فِيهِ» . وأخْرَجَ الحَرْبِيُّ في ”فَوائِدِهِ“ «عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: قالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ويْحَكِ يا عائِشَةُ. فَجَزِعْتُ مِنها، فَقالَ لِي: يا حُمَيْراءُ إنَّ ويْحَكِ أوْ ويْكِ رَحْمَةٌ، فَلا تَجْزَعِي مِنها، ولَكِنِ اجْزَعِي مِنَ الوَيْلِ» . وأخْرَجَ أبُو نُعَيْمٍ في ”دَلائِلِ النُّبُوَّةِ“ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ قالَ: الوَيْحُ والوَيْلُ بابانِ، فَأمّا الوَيْحُ فَبابُ رَحْمَةٍ، وأمّا الوَيْلُ فَبابُ عَذابٍ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والطَّبَرانِيُّ، والبَيْهَقِيُّ في “ البَعْثِ “ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: ويْلٌ وادٍ في جَهَنَّمَ، يَسِيلُ فِيهِ صَدِيدُ أهْلِ النّارِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ النُّعْمانِ بْنِ بَشِيرٍ قالَ: الوَيْلُ وادٍ مِن فَيْحٍ في جَهَنَّمَ. (p-٤٣٥)وأخْرَجَ ابْنُ المُبارَكِ في “ الزُّهْدِ “، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في “ البَعْثِ “ عَنْ عَطاءِ بْنِ يَسارٍ قالَ: ويْلٌ وادٍ في جَهَنَّمَ، لَوْ سُيِّرَتْ فِيهِ الجِبالُ لانْماعَتْ مِن شِدَّةِ حَرِّهِ. وأخْرَجَ هَنّادٌ في “ الزُّهْدِ “، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عِياضٍ قالَ: ويْلٌ سَيْلٌ مِن صَدِيدٍ في أصْلِ جَهَنَّمَ، وفي لَفْظٍ: ويْلٌ وادٍ في جَهَنَّمَ يَسِيلُ فِيهِ صَدِيدُهم. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عُمَرَ مَوْلى غُفْرَةَ قالَ: إذا سَمِعْتَ اللَّهَ يَقُولُ: ويْلٌ فَهي النّارُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الكِتابَ﴾ الآيَةَ، قالَ: هم أحْبارُ اليَهُودِ وجَدُوا صِفَةَ النَّبِيِّ ﷺ مَكْتُوبَةً في التَّوْراةِ أكْحَلَ أعْيَنَ رَبْعَةً، جَعْدَ الشَّعْرِ حَسَنَ الوَجْهِ، فَلَمّا وجَدُوهُ في التَّوْراةِ مَحَوْهُ حَسَدًا وبَغْيًا، فَأتاهم نَفَرٌ مِن قُرَيْشٍ فَقالُوا: تَجِدُونَ في التَّوْراةِ (p-٤٣٦)نَبِيًّا أُمِّيًّا؟ فَقالُوا: نَعَمْ نَجِدُهُ طَوِيلًا أزْرَقَ سَبْطَ الشَّعْرِ فَأنْكَرَتْ قُرَيْشٌ وقالُوا: لَيْسَ هَذا مِنّا. وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في “ الدَّلائِلِ “ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «وصَفَ اللَّهُ مُحَمَّدًا ﷺ في التَّوْراةِ، فَلَمّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَسَدَهُ أحْبارُ اليَهُودِ فَغَيَّرُوا صِفَتَهُ في كِتابِهِمْ وقالُوا: لا نَجِدُ نَعَتَهُ عِنْدَنا وقالُوا لِلسَّفَلَةِ: لَيْسَ هَذا نَعْتَ النَّبِيِّ الَّذِي يُحَرِّمُ كَذا وكَذا كَما كَتَبُوهُ وغَيَّرُوا، ونَعْتُ هَذا كَذا كَما وُصِفَ. فَلَبَسُوا عَلى النّاسِ، وإنَّما فَعَلُوا ذَلِكَ لِأنَّ الأحْبارَ كانَتْ لَهم مَأْكَلَةٌ يُطْعِمُهم إيّاها السَّفِلَةُ لِقِيامِهِمْ عَلى التَّوْراةِ، فَخافُوا أنْ تُؤْمِنَ السَّفِلَةُ فَتَنْقَطِعُ تِلْكَ المَأْكَلَةُ» . وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ في ”المُصَنَّفِ“، والبُخارِيُّ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في ”شُعَبِ الإيمانِ“ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: يا مَعْشَرَ المُسْلِمِينَ، كَيْفَ تَسْألُونَ أهْلَ الكِتابِ عَنْ شَيْءٍ وكِتابُكُمُ الَّذِي أنْزَلَ اللَّهُ عَلى نَبِيِّهِ أحْدَثُ أخْبارِ اللَّهِ تَعْرِفُونَهُ غَضًّا مَحْضًا لَمْ يُشَبْ، وقَدْ حَدَّثَكُمُ اللَّهُ أنَّ أهْلَ الكِتابِ قَدْ بَدَّلُوا كِتابَ اللَّهِ وغَيَّرُوهُ وكَتَبُوا بِأيْدِيهِمُ الكِتابَ، وقالُوا: هو مِن عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ (p-٤٣٧)ثَمَنًا قَلِيلًا، أفَلا يَنْهاكم ما جاءَكم مِنَ العِلْمِ عَنْ مَسائِلِهِمْ، ولا واللَّهِ ما رَأيْنا مِنهم أحَدًا قَطُّ سَألَكم عَنِ الَّذِي أُنْزِلُ إلَيْكم. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ في الآيَةِ قالَ: كانَ ناسٌ مِنَ اليَهُودِ يَكْتُبُونَ كِتابًا، مِن عِنْدِهِمْ ويَبِيعُونَهُ مِنَ العَرَبِ، ويُحَدِّثُونَهم أنَّهُ مِن عِنْدِ اللَّهِ فَيَأْخُذُونَ ثَمَنًا قَلِيلًا. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ في الآيَةِ قالَ: كانَ ناسٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ كَتَبُوا كِتابًا بِأيْدِيهِمْ لِيَتَأكَّلُوا النّاسَ، فَقالُوا: هَذا مِن عِنْدِ اللَّهِ وما هي مِن عِنْدِ اللَّهِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلا﴾ قالَ: عَرَضًا مِن عَرَضِ الدُّنْيا ﴿فَوَيْلٌ لَهُمْ﴾ (p-٤٣٨)قالَ: فالعَذابُ عَلَيْهِمْ مِنَ الَّذِي كَتَبُوا بِأيْدِيهِمْ مِن ذَلِكَ الكَذِبِ ﴿ووَيْلٌ لَهم مِمّا يَكْسِبُونَ﴾ يَقُولُ: مِمّا يَأْكُلُونَ بِهِ النّاسَ السَّفِلَةَ وغَيْرَهم. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ أبِي داوُدَ في ”المَصاحِفِ“، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ إبْراهِيمَ النَّخَعِيِّ، أنَّهُ كَرِهَ كِتابَةَ المَصاحِفِ بِالأجْرِ، وتَلا هَذِهِ الآيَةَ ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الكِتابَ بِأيْدِيهِمْ﴾ الآيَةَ. وأخْرَجَ وكِيعٌ عَنِ الأعْمَشِ، أنَّهُ كَرِهَ أنْ يُكْتَبَ المَصاحِفُ بِالأجْرِ، وتَأوَّلَ هَذِهِ الآيَةَ ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الكِتابَ بِأيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذا مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ . وأخْرَجَ وكِيعٌ، وابْنُ أبِي داوُدَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ أنَّهُ يَكْرَهُ شِراءَ المَصاحِفِ وبَيْعَها. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وأبُو عُبَيْدٍ، وابْنُ أبِي داوُدَ عَنْ أبِي الضُّحى قالَ: (p-٤٣٩)سَألْتُ ثَلاثَةً مِن أهْلِ الكُوفَةِ عَنْ شِراءِ المَصاحِفِ؛ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ يَزِيدَ الخَطْمِيَّ ومَسْرُوقَ بْنَ الأجْدَعِ وشُرَيْحًا، فَكُلُّهم قالَ: لا تَأْخُذْ لِكِتابِ اللَّهِ ثَمَنًا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي داوُدَ مِن طَرِيقِ قَتادَةَ عَنْ زُرارَةَ عَنْ مُطَرِّفٍ قالَ: شَهِدْتُ فَتْحَ تُسْتَرَ مَعَ الأشْعَرِيِّ، فَأصَبْنا دانْيالَ بِالسُّوسِ، وأصَبْنا مَعَهُ رَيْطَتَيْنِ مِن كَتّانٍ، وأصَبْنا مَعَهُ رَبْعَةً فِيها كِتابُ اللَّهِ، وكانَ أوَّلَ مَن وقَعَ عَلَيْهِ رَجُلٌ مِن بَلْعَنْبَرِ يُقالُ لَهُ: حُرْقُوصٌ فَأعْطاهُ الأشْعَرِيُّ الرَّيْطَتَيْنِ وأعْطاهُ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ، وكانَ مَعَنا أجِيرٌ نَصْرانِيٌّ يُسَمّى نَعِيمًا، فَقالَ: بِيعُونِي هَذِهِ الرَّبْعَةَ بِما فِيها فَقالُوا: إنْ لَمْ يَكُنْ فِيها ذَهَبٌ أوْ فِضَّةٌ أوْ كِتابُ اللَّهِ. قالَ: فَإنَّ الَّذِي فِيها كِتابُ اللَّهِ. فَكَرِهُوا أنْ يَبِيعُوهُ الكِتابَ، فَبِعْناهُ الرَّبْعَةَ (p-٤٤٠)بِدِرْهَمَيْنِ، ووَهَبْنا لَهُ الكِتابَ، قالَ قَتادَةُ: فَمِن ثَمَّ كُرِهَ بَيْعُ المَصاحِفِ، لِأنَّ الأشْعَرِيَّ وأصْحابَهُ كَرِهُوا بَيْعَ ذَلِكَ الكِتابِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي داوُدَ مِن طَرِيقِ قَتادَةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ والحَسَنِ: أنَّهُما كَرِها بَيْعَ المَصاحِفِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي داوُدَ عَنْ حَمّادِ بْنِ أبِي سُلَيْمانَ، أنَّهُ سُئِلَ عَنْ بَيْعِ المَصاحِفِ، فَقالَ: إنَّ إبْراهِيمَ يَكْرَهُ بَيْعَها وشِراءَها. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي داوُدَ عَنْ سالِمٍ قالَ: كانَ ابْنُ عُمَرَ إذا أتى عَلى الَّذِي يَبِيعُ المَصاحِفَ قالَ: بِئْسَ التِّجارَةُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي داوُدَ عَنْ عُبادَةَ بْنِ نُسَيٍّ، أنَّ عُمَرَ كانَ يَقُولُ: لا تَبِيعُوا المَصاحِفَ ولا تَشْتَرُوها. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي داوُدَ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ وإبْراهِيمَ، أنَّ عُمَرَ كانَ يَكْرَهُ بَيْعَ المَصاحِفِ وشِراءَها. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي داوُدَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: أنَّهُ كَرِهَ بَيْعَ المَصاحِفِ وشِراءَها. (p-٤٤١)وأخْرَجَ ابْنُ أبِي داوُدَ مِن طَرِيقِ نافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: ودِدْتُ أنَّ الأيْدِيَ تُقْطَعُ عَلى بَيْعِ المَصاحِفِ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ أبِي داوُدَ مِن طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: ودِدْتُ أنِّي رَأيْتُ الأيْدِيَ تُقْطَعُ عَلى بَيْعِ المَصاحِفِ وشِرائِها. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي داوُدَ عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: سَمِعْتُ سالِمَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: بِئْسَ التِّجارَةُ المَصاحِفُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي داوُدَ، عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ: أنَّهُ كَرِهَ بَيْعَ المَصاحِفِ وشِراءَها. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ أبِي داوُدَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ العُقَيْلِيِّ: أنَّهُ (p-٤٤٢)كانَ يَكْرَهُ بَيْعَ المَصاحِفِ. قالَ: وكانَ أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يُشَدِّدُونَ في بَيْعِ المَصاحِفِ، ويَرَوْنَهُ عَظِيمًا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي داوُدَ عَنِ ابْنِ شِهابٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ: أنَّهُ كَرِهَ بَيْعَ المَصاحِفِ كَراهِيَةً شَدِيدَةً وكانَ يَقُولُ: أعِنْ أخاكَ بِالكِتابِ أوْ هَبْ لَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي داوُدَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ قالَ: كانَتِ المَصاحِفُ لا تُباعُ وكانَ الرَّجُلُ يَأْتِي بِوَرَقِهِ عِنْدَ المِنبَرِ، فَيَقُولُ: مَنِ الرَّجُلُ يَحْتَسِبُ فَيَكْتُبُ لِي؟ ثُمَّ يَأْتِي الآخَرُ فَيَكْتُبُ حَتّى يُتِمَّ المُصْحَفَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي داوُدَ عَنْ مَسْرُوقٍ، وعَلْقَمَةَ، وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ الأنْصارِيِّ وشُرَيْحٍ وعُبَيْدَةَ، أنَّهم كَرِهُوا بَيْعَ المَصاحِفِ وشِراءَها، وقالُوا: لا نَأْخُذُ لِكِتابِ اللَّهِ ثَمَنًا. (p-٤٤٣)وأخْرَجَ ابْنُ أبِي داوُدَ عَنْ إبْراهِيمَ عَنْ أصْحابِهِ قالَ: كانُوا يَكْرَهُونَ بَيْعَ المَصاحِفِ وشِراءَها. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي داوُدَ عَنْ أبِي العالِيَةِ، أنَّهُ كانَ يَكْرَهُ بَيْعَ المَصاحِفِ، وقالَ: ودِدْتُ أنَّ الَّذِينَ يَبِيعُونَ المَصاحِفَ ضُرِبُوا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي داوُدَ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ قالَ: كانُوا يَكْرَهُونَ بَيْعَ المَصاحِفِ وكِتابَتَها بِالأجْرِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي داوُدَ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قالَ: قالَ عَطاءٌ: لَمْ يَكُنْ مَن مَضى يَبِيعُونَ المَصاحِفَ، إنَّما حَدَثَ ذَلِكَ الآنَ، وإنَّما يَجْلِسُونَ بِمَصاحِفِهِمْ في الحِجْرِ فَيَقُولُ أحَدُهم لِلرَّجُلِ إذا كانَ كاتِبًا وهو يَطُوفُ: يا فُلانُ إذا فَرَغْتَ تَعالَ فاكْتُبْ لِي، قالَ: فَيَكْتُبُ الصُّفَحَ وما كانَ مِن ذَلِكَ حَتّى يَفْرُغَ مِن مُصْحَفِهِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي داوُدَ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ قالَ: كانَ في أوَّلِ الزَّمانِ يَجْتَمِعُونَ فَيَكْتُبُونَ المَصاحِفَ، ثُمَّ إنَّهُمُ اسْتَأْجَرُوا العُبّادَ فَكَتَبُوها لَهُمْ، ثُمَّ إنَّ العُبّادَ بَعْدُ كَتَبُوها فَباعُوها، وأوَّلَ مَن باعَها العُبّادُ. (p-٤٤٤)وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ، وابْنُ أبِي داوُدَ عَنْ عِمْرانَ بْنِ جَرِيرٍ قالَ: سَألْتُ أبا مِجْلَزٍ عَنْ بَيْعِ المَصاحِفِ قالَ: إنَّما بِيعَتْ في زَمَنِ مُعاوِيَةَ فَلا تَبِعْها. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي داوُدَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ قالَ: كِتابُ اللَّهِ أعَزُّ مِن أنْ يُباعَ. وأخْرَجَ ابْنُ سَعِيدٍ عَنْ حَنْظَلَةَ قالَ: كُنْتُ أمْشِي مَعَ طاوُسٍ فَمَرَّ بِقَوْمٍ يَبِيعُونَ المَصاحِفَ فاسْتَرْجَعَ. ذِكْرُ مَن رَخَّصَ في بَيْعِها وشِرائِها. أخْرَجَ ابْنُ أبِي داوُدَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ سُئِلَ عَنْ بَيْعِ المَصاحِفِ فَقالَ: لا بَأْسَ إنَّما يَأْخُذُونَ أُجُورَ أيْدِيهِمْ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي داوُدَ عَنِ ابْنِ الحَنَفِيَّةِ أنَّهُ سُئِلَ عَنْ بَيْعِ المَصاحِفِ قالَ: لا بَأْسَ إنَّما يَبِيعُ الوَرَقَ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وأبُو عُبَيْدٍ، وابْنُ أبِي داوُدَ عَنِ الشَّعْبِيِّ قالَ: لا بَأْسَ بِبَيْعِ المَصاحِفِ، إنَّهم لا يَبِيعُونَ كِتابَ اللَّهِ إنَّما يَبِيعُونَ الوَرَقَ وعَمَلَ (p-٤٤٥)أيْدِيهِمْ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي داوُدَ عَنْ جَعْفَرٍ عَنْ أبِيهِ قالَ: لا بَأْسَ بِشِراءِ المَصاحِفِ وأنْ يُعْطى الأجْرُ عَلى كِتابَتِها. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وأبُو عُبَيْدٍ، وابْنُ أبِي داوُدَ عَنْ مَطَرٍ الوَرّاقِ، أنَّهُ سُئِلَ عَنْ بَيْعِ المَصاحِفِ، فَقالَ: كانَ خَيْرا أوْ حَبْرا هَذا الأُمَّةِ لا يَرَيانِ بِبَيْعِها بَأْسًا الحَسَنُ والشَّعْبِيُّ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي داوُدَ عَنْ حُمَيْدٍ، أنَّ الحَسَنَ كانَ يَكْرَهُ بَيْعَ المَصاحِفِ، فَلَمْ يَزَلْ بِهِ مَطَرٌ الوَرّاقُ حَتّى رَخَّصَ فِيهِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي داوُدَ مِن طُرُقٍ عَنِ الحَسَنِ قالَ: لا بَأْسَ بِبَيْعِ المَصاحِفِ ونَقْطِها بِالأجْرِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي داوُدَ عَنِ الحَكَمِ: أنَّهُ كانَ لا يَرى بَأْسًا بِشِراءِ المَصاحِفِ وبَيْعِها. (p-٤٤٦)وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ، وابْنُ أبِي داوُدَ عَنْ أبِي شِهابٍ مُوسى بْنِ نافِعٍ قالَ: قالَ لِي سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: هَلْ لَكَ في مُصْحَفٍ عِنْدِي قَدْ كَفَيْتُكَ عَرْضَهُ فَتَشْتَرِيَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وأبُو عُبَيْدٍ، وابْنُ أبِي داوُدَ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: اشْتَرِ المَصاحِفَ ولا تَبِعْها. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي داوُدَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: رَخَّصَ في شِراءِ المَصاحِفِ، وكَرَّهَ في بَيْعِها، قالَ ابْنُ أبِي داوُدَ: كَذا قالَ رَخَّصَ كَأنَّهُ صارَ مُسْنَدًا. وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ، وابْنُ أبِي داوُدَ، عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ في بَيْعِ المَصاحِفِ قالَ: ابْتِعْها ولا تَبِعْها. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي داوُدَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، مِثْلَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، مِثْلَهُ.

البقرة 2:80

(p-٤٤٧)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالُوا لَنْ تَمَسَّنا النّارُ﴾ الآيَةَ. أخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ والواحِدِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ يَهُودَ كانُوا يَقُولُونَ: مُدَّةُ الدُّنْيا سَبْعَةُ آلافِ سَنَةٍ، وإنَّما نُعَذَّبُ لِكُلِّ ألْفِ سَنَةٍ مِن أيّامِ الدُّنْيا يَوْمًا واحِدًا في النّارِ، وإنَّما هي سَبْعَةُ أيّامٍ مَعْدُوداتٍ، ثُمَّ يَنْقَطِعُ العَذابُ. فَأنْزَلَ اللَّهُ في ذَلِكَ ﴿وقالُوا لَنْ تَمَسَّنا النّارُ﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿هم فِيها خالِدُونَ﴾ [البقرة: ٨١] . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ مُجاهِدٍ، مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ والواحِدِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: وجَدَ أهْلُ الكِتابِ مَسِيرَةَ ما بَيْنَ طَرَفَيْ جَهَنَّمَ مَسِيرَةَ أرْبَعِينَ، فَقالُوا: لَنْ يُعَذَّبَ أهْلُ النّارِ إلّا قَدْرَ أرْبَعِينَ، فَإذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ أُلْجِمُوا في النّارِ، فَسارُوا فِيها حَتّى انْتَهَوْا إلى سَقَرَ، وفِيها شَجَرَةُ الزَّقُّومِ، إلى آخِرِ يَوْمٍ مِنَ الأيّامِ المَعْدُودَةِ، فَقالَ لَهُ خَزَنَةُ النّارِ: يا أعْداءَ اللَّهِ زَعَمْتُمْ أنَّكم لَنْ تُعَذَّبُوا في النّارِ إلّا أيّامًا مَعْدُودَةً، فَقَدِ انْقَضى العَدَدُ وبَقِيَ الأبَدُ فَيَأْخُذُونَ في الصُّعُودِ يُرْهَقُونَ عَلى (p-٤٤٨)وُجُوهِهِمْ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أنَّ اليَهُودَ قالُوا: لَنْ تَمَسَّنا النّارُ إلّا أرْبَعِينَ لَيْلَةً مُدَّةَ عِبادَةِ العِجْلِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: «اجْتَمَعَتْ يَهُودُ يَوْمًا فَخاصَمُوا النَّبِيَّ ﷺ فَقالُوا: ﴿لَنْ تَمَسَّنا النّارُ إلا أيّامًا مَعْدُودَةً﴾ وسَمَّوْا أرْبَعِينَ يَوْمًا- ثُمَّ يَخْلُفُنا فِيها ناسٌ. وأشارُوا إلى النَّبِيِّ ﷺ وأصْحابِهِ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ورَدَّ يَدَهُ عَلى رُؤُوسِهِمْ: كَذَبْتُمْ بَلْ أنْتُمْ خالِدُونَ مُخَلَّدُونَ فِيها، لا نَخْلُفُكم فِيها إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى أبَدًا. فَفِيهِمْ أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿وقالُوا لَنْ تَمَسَّنا النّارُ إلا أيّامًا مَعْدُودَةً﴾ يَعْنُونَ أرْبَعِينَ لَيْلَةً» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ لِلْيَهُودِ: أنْشُدُكم بِاللَّهِ وبِالتَّوْراةِ الَّتِي أنْزَلَها اللَّهُ عَلى مُوسى يَوْمَ طُورِ سَيْناءَ مَن أهْلُ (p-٤٤٩)النّارِ الَّذِينَ أنْزَلَهُمُ اللَّهُ في التَّوْراةِ؟ قالُوا: إنَّ رَبِّهِمْ غَضِبَ عَلَيْهِمْ غَضْبَةً فَنَمْكُثُ في النّارِ أرْبَعِينَ لَيْلَةً، ثُمَّ نَخْرُجُ فَتُخَلِّفُونَنا فِيها، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: كَذَبْتُمْ واللَّهِ لا نَخْلُفُكم فِيها أبَدًا. فَنَزَلَ القُرْآنُ تَصْدِيقًا لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ وتَكْذِيبًا لَهم ﴿وقالُوا لَنْ تَمَسَّنا النّارُ إلا أيّامًا مَعْدُودَةً﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿هم فِيها خالِدُونَ﴾ [البقرة»: ٨١] . وأخْرَجَ أحْمَدُ، والبُخارِيُّ والدّارِمِيُّ والنَّسائِيُّ، والبَيْهَقِيُّ في “ الدَّلائِلِ “ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «لَمّا افْتُتِحَتْ خَيْبَرُ أُهْدِيَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ شاةٌ فِيها سُمٌّ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: اجْمَعُوا لِي مَن كانَ هَهُنا مِنَ اليَهُودِ. فَقالَ لَهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: مَن أبُوكُمْ؟ قالَ: فُلانٌ، قالَ: كَذَبْتُمْ، بَلْ أبُوكم فُلانٌ. قالُوا: صَدَقْتَ وبَرَرْتَ. ثُمَّ قالَ لَهم: هَلْ أنْتُمْ صادِقِيَّ عَنْ شَيْءٍ إنْ سَألْتُكم عَنْهُ قالُوا: نَعَمْ يا أبا القاسِمِ وإنْ كَذَبْناكَ عَرَفْتَ كَذِبَنا كَما عَرَفْتَهُ في أبِينا، فَقالَ لَهم: مَن أهْلُ النّارِ؟ قالُوا: نَكُونُ فِيها يَسِيرًا، ثُمَّ تَخْلُفُونَنا فِيها، فَقالَ لَهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: اخْسَئُوا - واللَّهِ - (p-٤٥٠)لا نَخْلُفُكم فِيها أبَدًا» . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿قُلْ أتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا﴾ أيْ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ بِذَلِكَ أنَّهُ كَما تَقُولُونَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: لَمّا قالَتِ اليَهُودُ ما قالَتْ، قالَ اللَّهُ لِمُحَمَّدٍ ﴿قُلْ أتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا﴾ يَقُولُ: أدَّخَرْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا، يَقُولُ: أقُلْتُمْ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ. لَمْ تُشْرِكُوا ولَمْ تَكْفُرُوا بِهِ، فَإنْ كُنْتُمْ قُلْتُمُوها فارْجُوا بِها، وإنْ كُنْتُمْ لَمْ تَقُولُوها فَلِمَ تَقُولُونَ عَلى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ ؟ وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿قُلْ أتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا﴾ قالَ: بِفِراكم وبِزَعْمِكم أنَّ النّارَ لَيْسَ تَمَسُّكم إلّا أيّامًا مَعْدُودَةً يَقُولُ: إنْ كُنْتُمُ اتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا بِذَلِكَ ﴿فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أمْ تَقُولُونَ عَلى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ قالَ: قالَ القَوْمُ الكَذِبَ والباطِلَ وقالُوا عَلَيْهِ ما لا يَعْلَمُونَ.

البقرة 2:81

(p-٤٥١)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَلى مَن كَسَبَ سَيِّئَةً﴾ الآيَتَيْنِ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿بَلى مَن كَسَبَ سَيِّئَةً﴾ قالَ: الشِّرْكُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ مُجاهِدٍ، وعِكْرِمَةَ وقَتادَةَ، مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وأحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾ قالَ: أحاطَ بِهِ شِرْكُهُ. وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿بَلى مَن كَسَبَ سَيِّئَةً﴾ أيْ مَن عَمِلَ مِثْلِ أعْمالِكم وكَفَرَ بِمِثْلِ ما كَفَرْتُمْ بِهِ، حَتّى يُحِيطَ كُفْرُهُ بِما لَهُ مِن حَسَنَةٍ ﴿فَأُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ أيْ مَن آمَنَ بِما كَفَرْتُمْ بِهِ، وعَمِلَ بِما تَرَكْتُمْ مِن دِينِهِ، فَلَهُمُ الجَنَّةُ خالِدِينَ فِيها، يُخْبِرُهم أنَّ الثَّوابَ بِالخَيْرِ والشَّرِّ مُقِيمٌ عَلى أهْلِهِ أبَدًا، لا انْقِطاعَ لَهُ أبَدًا. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وأحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾ قالَ: هي الكَبِيرَةُ المُوجِبَةُ لِأهْلِها النّارَ. (p-٤٥٢)وأخْرَجَ وكِيعٌ، وابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ سُئِلَ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿وأحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾ ما الخَطِيئَةُ؟ قالَ: اقْرَءُوا القُرْآنَ، فَكُلُّ آيَةٍ وعَدَ اللَّهُ عَلَيْها النّارَ فَهي الخَطِيئَةُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وأحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾ قالَ: الذُّنُوبُ تُحِيطُ بِالقُلُوبِ، فَكُلَّما عَمِلَ ذَنْبًا ارْتَفَعَتْ حَتّى تَغْشى القَلْبَ، حَتّى يَكُونَ هَكَذا، وقَبَضَ كَفَّهُ ثُمَّ قالَ: هو الرّانُ، قالَ: والخَطِيئَةُ كُلُّ ذَنْبٍ وعَدَ اللَّهُ عَلَيْهِ النّارَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ خُيَثْمٍ في قَوْلِهِ: ﴿وأحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾ قالَ: هو الَّذِي يَمُوتُ عَلى خَطِيئَتِهِ قَبْلَ أنْ يَتُوبَ. وأخْرَجَ وكِيعٌ، وابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الأعْمَشِ في قَوْلِهِ: ﴿وأحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾ قالَ: ماتَ بِذَنْبِهِ.

البقرة 2:82

(p-٤٥١)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَلى مَن كَسَبَ سَيِّئَةً﴾ الآيَتَيْنِ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿بَلى مَن كَسَبَ سَيِّئَةً﴾ قالَ: الشِّرْكُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ مُجاهِدٍ، وعِكْرِمَةَ وقَتادَةَ، مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وأحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾ قالَ: أحاطَ بِهِ شِرْكُهُ. وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿بَلى مَن كَسَبَ سَيِّئَةً﴾ أيْ مَن عَمِلَ مِثْلِ أعْمالِكم وكَفَرَ بِمِثْلِ ما كَفَرْتُمْ بِهِ، حَتّى يُحِيطَ كُفْرُهُ بِما لَهُ مِن حَسَنَةٍ ﴿فَأُولَئِكَ أصْحابُ النّارِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ ﴿والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ أيْ مَن آمَنَ بِما كَفَرْتُمْ بِهِ، وعَمِلَ بِما تَرَكْتُمْ مِن دِينِهِ، فَلَهُمُ الجَنَّةُ خالِدِينَ فِيها، يُخْبِرُهم أنَّ الثَّوابَ بِالخَيْرِ والشَّرِّ مُقِيمٌ عَلى أهْلِهِ أبَدًا، لا انْقِطاعَ لَهُ أبَدًا. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وأحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾ قالَ: هي الكَبِيرَةُ المُوجِبَةُ لِأهْلِها النّارَ. (p-٤٥٢)وأخْرَجَ وكِيعٌ، وابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ سُئِلَ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿وأحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾ ما الخَطِيئَةُ؟ قالَ: اقْرَءُوا القُرْآنَ، فَكُلُّ آيَةٍ وعَدَ اللَّهُ عَلَيْها النّارَ فَهي الخَطِيئَةُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وأحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾ قالَ: الذُّنُوبُ تُحِيطُ بِالقُلُوبِ، فَكُلَّما عَمِلَ ذَنْبًا ارْتَفَعَتْ حَتّى تَغْشى القَلْبَ، حَتّى يَكُونَ هَكَذا، وقَبَضَ كَفَّهُ ثُمَّ قالَ: هو الرّانُ، قالَ: والخَطِيئَةُ كُلُّ ذَنْبٍ وعَدَ اللَّهُ عَلَيْهِ النّارَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ خُيَثْمٍ في قَوْلِهِ: ﴿وأحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾ قالَ: هو الَّذِي يَمُوتُ عَلى خَطِيئَتِهِ قَبْلَ أنْ يَتُوبَ. وأخْرَجَ وكِيعٌ، وابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الأعْمَشِ في قَوْلِهِ: ﴿وأحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾ قالَ: ماتَ بِذَنْبِهِ.

البقرة 2:83

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذْ أخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ الآيَةَ. (p-٤٥٣)أخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ ﴿وإذْ أخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ أيْ مِيثاقَكم. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أبِي العالِيَةِ في قَوْلِهِ: ﴿وإذْ أخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ الآيَةَ، قالَ: أخَذَ مَواثِيقَهم أنْ يُخْلِصُوا لَهُ، وأنْ لا يَعْبُدُوا غَيْرَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وإذْ أخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ قالَ: مِيثاقٌ أخَذَهُ اللَّهُ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ، فاسْمَعُوا عَلى ما أُخِذَ مِيثاقُ القَوْمِ ﴿لا تَعْبُدُونَ إلا اللَّهَ وبِالوالِدَيْنِ إحْسانًا﴾ الآيَةَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ عِيسى بْنِ عُمَرَ قالَ: قالَ الأعْمَشُ: نَحْنُ نَقْرَأُ ”لا يَعْبُدُونَ إلّا اللَّهَ“ بِالياءِ لِأنّا نَقْرَأُ آخِرَ الآيَةِ ﴿ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ﴾ [الدخان: ١٤] وأنْتُمْ تَقْرَءُونَ ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ﴾ فاقْرَءُوها ﴿لا تَعْبُدُونَ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وقُولُوا لِلنّاسِ حُسْنًا﴾ قالَ: أمَرَهم أنْ يَأْمُرُوا بِلا إلَهَ إلّا اللَّهُ مَن لَمْ يَقُلْها. (p-٤٥٤)وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وقُولُوا لِلنّاسِ حُسْنًا﴾ قالَ: الأمْرُ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيُ عَنِ المُنْكَرِ. وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في ”شُعَبِ الإيمانِ“ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ في قَوْلِهِ: ﴿وقُولُوا لِلنّاسِ حُسْنًا﴾ قالَ: يَعْنِي النّاسَ كُلَّهم. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عَطاءٍ وأبِي جَعْفَرٍ في قَوْلِهِ: ﴿وقُولُوا لِلنّاسِ حُسْنًا﴾ قالا: لِلنّاسِ كُلِّهِمْ. وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ سُلَيْمانَ أنَّ زَيْدَ بْنَ ثابِتٍ كانَ يَقْرَأُ ﴿وقُولُوا لِلنّاسِ حُسْنًا﴾ وكانَ ابْنُ مَسْعُودٍ يَقْرَأُ (وقُولُوا لِلنّاسِ حَسَنًا) . وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ﴾ أيْ تَرَكْتُمْ ذَلِكَ كُلَّهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ﴾ قالَ: أعْرَضْتُمْ عَنْ طاعَتِي ﴿إلا قَلِيلا مِنكُمْ﴾ وهُمُ الَّذِينَ اخْتَرْتُهم لِطاعَتِي.

البقرة 2:84

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذْ أخَذْنا مِيثاقَكُمْ﴾ الآياتِ. (p-٤٥٥)أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ عاصِمٍ، أنَّهُ قَرَأ ﴿لا تَسْفِكُونَ دِماءَكُمْ﴾ بِنَصْبِ التّاءِ وكَسْرِ الفاءِ ورَفْعِ الكافِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ طَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ أنَّهُ قَرَأها (تَسْفُكُونَ) بِرَفْعِ الفاءِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أبِي العالِيَةِ في قَوْلِهِ: ﴿وإذْ أخَذْنا مِيثاقَكم لا تَسْفِكُونَ دِماءَكُمْ﴾ يَقُولُ: لا يَقْتُلُ بَعْضُكم بَعْضًا ﴿ولا تُخْرِجُونَ أنْفُسَكم مِن دِيارِكُمْ﴾ يَقُولُ: لا يُخْرِجُ بَعْضُكم بَعْضًا مِنَ الدِّيارِ، ﴿ثُمَّ أقْرَرْتُمْ﴾ بِهَذا المِيثاقِ ﴿وأنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾، يَقُولُ: وأنْتُمْ شُهُودٌ. وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ أقْرَرْتُمْ وأنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾ أنَّ هَذا حَقٌّ مِن مِيثاقِي عَلَيْكم ﴿ثُمَّ أنْتُمْ هَؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أنْفُسَكُمْ﴾ أيْ: أهْلُ الشِّرْكِ حَتّى يَسْفِكُوا دِماءَهم مَعَهم ﴿وتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنكم مِن دِيارِهِمْ﴾ قالَ: يُخْرِجُونَهم مِن دِيارِهِمْ مَعَهم ﴿تَظاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالإثْمِ والعُدْوانِ﴾ فَكانُوا إذا كانَ بَيْنَ الأوْسِ والخَزْرَجِ حَرْبٌ خَرَجَتْ بَنُو قَيْنُقاعَ مَعَ الخَزْرَجِ وخَرَجَتِ النَّضِيرُ وقُرَيْظَةُ مَعَ (p-٤٥٦)الأوْسِ، وظاهَرَ كُلُّ واحِدٍ مِنَ الفَرِيقَيْنِ حُلَفاءَهُ عَلى إخْوانِهِ، حَتّى تَسافَكُوا دِماءَهُمْ، فَإذا وضَعَتِ الحَرْبُ أوْزارَها افْتَدَوْا أسْراهم تَصْدِيقًا لِما في التَّوْراةِ ﴿وإنْ يَأْتُوكم أُسارى تُفادُوهُمْ﴾ وقَدْ عَرَفْتُمْ أنَّ ذَلِكَ عَلَيْكم في دِينِكم ﴿وهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ﴾ في كِتابِكم ﴿إخْراجُهُمْ﴾ ﴿أفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الكِتابِ وتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ أتُفادُونَهم مُؤْمِنِينَ بِذَلِكَ وتُخْرِجُونَهم كُفْرًا بِذَلِكَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أبِي العالِيَةِ أنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَلامٍ مَرَّ عَلى رَأْسِ الجالُوتِ بِالكُوفَةِ، وهو يُفادِي مِنَ النِّساءِ مَن لَمْ يَقَعْ عَلَيْهِ العَرَبُ، ولا يُفادِي مَن وقَعَ عَلَيْهِ العَرَبُ، فَقالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ: أما إنَّهُ مَكْتُوبٌ عِنْدَكَ في كِتابِكَ أنْ فادُوهُنَّ كُلَّهُنَّ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ عَنْ إبْراهِيمَ النَّخَعِيِّ، أنَّهُ قَرَأ ﴿وإنْ يَأْتُوكم أُسارى تُفادُوهُمْ﴾ (p-٤٥٧)وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قَرَأ ﴿أُسارى تُفادُوهُمْ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي داوُدَ في ”المَصاحِفِ“ عَنِ الأعْمَشِ قالَ: في قِراءَتِنا ”وإنْ يُؤْخَذُوا تَفْدُوهم“ . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ قالَ: يَكُونُ أوَّلُ الآيَةِ عامًّا وآخِرُها خاصًّا وقَرَأ هَذِهِ الآيَةَ ﴿ويَوْمَ القِيامَةِ يُرَدُّونَ إلى أشَدِّ العَذابِ وما اللَّهُ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الحَياةَ الدُّنْيا بِالآخِرَةِ﴾ قالَ: اسْتَحَبُّوا قَلِيلَ الدُّنْيا عَلى كَثِيرِ الآخِرَةِ.

البقرة 2:85

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذْ أخَذْنا مِيثاقَكُمْ﴾ الآياتِ. (p-٤٥٥)أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ عاصِمٍ، أنَّهُ قَرَأ ﴿لا تَسْفِكُونَ دِماءَكُمْ﴾ بِنَصْبِ التّاءِ وكَسْرِ الفاءِ ورَفْعِ الكافِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ طَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ أنَّهُ قَرَأها (تَسْفُكُونَ) بِرَفْعِ الفاءِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أبِي العالِيَةِ في قَوْلِهِ: ﴿وإذْ أخَذْنا مِيثاقَكم لا تَسْفِكُونَ دِماءَكُمْ﴾ يَقُولُ: لا يَقْتُلُ بَعْضُكم بَعْضًا ﴿ولا تُخْرِجُونَ أنْفُسَكم مِن دِيارِكُمْ﴾ يَقُولُ: لا يُخْرِجُ بَعْضُكم بَعْضًا مِنَ الدِّيارِ، ﴿ثُمَّ أقْرَرْتُمْ﴾ بِهَذا المِيثاقِ ﴿وأنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾، يَقُولُ: وأنْتُمْ شُهُودٌ. وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ أقْرَرْتُمْ وأنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾ أنَّ هَذا حَقٌّ مِن مِيثاقِي عَلَيْكم ﴿ثُمَّ أنْتُمْ هَؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أنْفُسَكُمْ﴾ أيْ: أهْلُ الشِّرْكِ حَتّى يَسْفِكُوا دِماءَهم مَعَهم ﴿وتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنكم مِن دِيارِهِمْ﴾ قالَ: يُخْرِجُونَهم مِن دِيارِهِمْ مَعَهم ﴿تَظاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالإثْمِ والعُدْوانِ﴾ فَكانُوا إذا كانَ بَيْنَ الأوْسِ والخَزْرَجِ حَرْبٌ خَرَجَتْ بَنُو قَيْنُقاعَ مَعَ الخَزْرَجِ وخَرَجَتِ النَّضِيرُ وقُرَيْظَةُ مَعَ (p-٤٥٦)الأوْسِ، وظاهَرَ كُلُّ واحِدٍ مِنَ الفَرِيقَيْنِ حُلَفاءَهُ عَلى إخْوانِهِ، حَتّى تَسافَكُوا دِماءَهُمْ، فَإذا وضَعَتِ الحَرْبُ أوْزارَها افْتَدَوْا أسْراهم تَصْدِيقًا لِما في التَّوْراةِ ﴿وإنْ يَأْتُوكم أُسارى تُفادُوهُمْ﴾ وقَدْ عَرَفْتُمْ أنَّ ذَلِكَ عَلَيْكم في دِينِكم ﴿وهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ﴾ في كِتابِكم ﴿إخْراجُهُمْ﴾ ﴿أفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الكِتابِ وتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ أتُفادُونَهم مُؤْمِنِينَ بِذَلِكَ وتُخْرِجُونَهم كُفْرًا بِذَلِكَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أبِي العالِيَةِ أنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَلامٍ مَرَّ عَلى رَأْسِ الجالُوتِ بِالكُوفَةِ، وهو يُفادِي مِنَ النِّساءِ مَن لَمْ يَقَعْ عَلَيْهِ العَرَبُ، ولا يُفادِي مَن وقَعَ عَلَيْهِ العَرَبُ، فَقالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ: أما إنَّهُ مَكْتُوبٌ عِنْدَكَ في كِتابِكَ أنْ فادُوهُنَّ كُلَّهُنَّ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ عَنْ إبْراهِيمَ النَّخَعِيِّ، أنَّهُ قَرَأ ﴿وإنْ يَأْتُوكم أُسارى تُفادُوهُمْ﴾ (p-٤٥٧)وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قَرَأ ﴿أُسارى تُفادُوهُمْ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي داوُدَ في ”المَصاحِفِ“ عَنِ الأعْمَشِ قالَ: في قِراءَتِنا ”وإنْ يُؤْخَذُوا تَفْدُوهم“ . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ قالَ: يَكُونُ أوَّلُ الآيَةِ عامًّا وآخِرُها خاصًّا وقَرَأ هَذِهِ الآيَةَ ﴿ويَوْمَ القِيامَةِ يُرَدُّونَ إلى أشَدِّ العَذابِ وما اللَّهُ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الحَياةَ الدُّنْيا بِالآخِرَةِ﴾ قالَ: اسْتَحَبُّوا قَلِيلَ الدُّنْيا عَلى كَثِيرِ الآخِرَةِ.

البقرة 2:86

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذْ أخَذْنا مِيثاقَكُمْ﴾ الآياتِ. (p-٤٥٥)أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ عاصِمٍ، أنَّهُ قَرَأ ﴿لا تَسْفِكُونَ دِماءَكُمْ﴾ بِنَصْبِ التّاءِ وكَسْرِ الفاءِ ورَفْعِ الكافِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ طَلْحَةَ بْنِ مُصَرِّفٍ أنَّهُ قَرَأها (تَسْفُكُونَ) بِرَفْعِ الفاءِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أبِي العالِيَةِ في قَوْلِهِ: ﴿وإذْ أخَذْنا مِيثاقَكم لا تَسْفِكُونَ دِماءَكُمْ﴾ يَقُولُ: لا يَقْتُلُ بَعْضُكم بَعْضًا ﴿ولا تُخْرِجُونَ أنْفُسَكم مِن دِيارِكُمْ﴾ يَقُولُ: لا يُخْرِجُ بَعْضُكم بَعْضًا مِنَ الدِّيارِ، ﴿ثُمَّ أقْرَرْتُمْ﴾ بِهَذا المِيثاقِ ﴿وأنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾، يَقُولُ: وأنْتُمْ شُهُودٌ. وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ أقْرَرْتُمْ وأنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾ أنَّ هَذا حَقٌّ مِن مِيثاقِي عَلَيْكم ﴿ثُمَّ أنْتُمْ هَؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أنْفُسَكُمْ﴾ أيْ: أهْلُ الشِّرْكِ حَتّى يَسْفِكُوا دِماءَهم مَعَهم ﴿وتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنكم مِن دِيارِهِمْ﴾ قالَ: يُخْرِجُونَهم مِن دِيارِهِمْ مَعَهم ﴿تَظاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالإثْمِ والعُدْوانِ﴾ فَكانُوا إذا كانَ بَيْنَ الأوْسِ والخَزْرَجِ حَرْبٌ خَرَجَتْ بَنُو قَيْنُقاعَ مَعَ الخَزْرَجِ وخَرَجَتِ النَّضِيرُ وقُرَيْظَةُ مَعَ (p-٤٥٦)الأوْسِ، وظاهَرَ كُلُّ واحِدٍ مِنَ الفَرِيقَيْنِ حُلَفاءَهُ عَلى إخْوانِهِ، حَتّى تَسافَكُوا دِماءَهُمْ، فَإذا وضَعَتِ الحَرْبُ أوْزارَها افْتَدَوْا أسْراهم تَصْدِيقًا لِما في التَّوْراةِ ﴿وإنْ يَأْتُوكم أُسارى تُفادُوهُمْ﴾ وقَدْ عَرَفْتُمْ أنَّ ذَلِكَ عَلَيْكم في دِينِكم ﴿وهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ﴾ في كِتابِكم ﴿إخْراجُهُمْ﴾ ﴿أفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الكِتابِ وتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ أتُفادُونَهم مُؤْمِنِينَ بِذَلِكَ وتُخْرِجُونَهم كُفْرًا بِذَلِكَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أبِي العالِيَةِ أنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَلامٍ مَرَّ عَلى رَأْسِ الجالُوتِ بِالكُوفَةِ، وهو يُفادِي مِنَ النِّساءِ مَن لَمْ يَقَعْ عَلَيْهِ العَرَبُ، ولا يُفادِي مَن وقَعَ عَلَيْهِ العَرَبُ، فَقالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ: أما إنَّهُ مَكْتُوبٌ عِنْدَكَ في كِتابِكَ أنْ فادُوهُنَّ كُلَّهُنَّ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ عَنْ إبْراهِيمَ النَّخَعِيِّ، أنَّهُ قَرَأ ﴿وإنْ يَأْتُوكم أُسارى تُفادُوهُمْ﴾ (p-٤٥٧)وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قَرَأ ﴿أُسارى تُفادُوهُمْ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي داوُدَ في ”المَصاحِفِ“ عَنِ الأعْمَشِ قالَ: في قِراءَتِنا ”وإنْ يُؤْخَذُوا تَفْدُوهم“ . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ قالَ: يَكُونُ أوَّلُ الآيَةِ عامًّا وآخِرُها خاصًّا وقَرَأ هَذِهِ الآيَةَ ﴿ويَوْمَ القِيامَةِ يُرَدُّونَ إلى أشَدِّ العَذابِ وما اللَّهُ بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الحَياةَ الدُّنْيا بِالآخِرَةِ﴾ قالَ: اسْتَحَبُّوا قَلِيلَ الدُّنْيا عَلى كَثِيرِ الآخِرَةِ.

البقرة 2:87

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ وقَفَّيْنا مِن بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ﴾ . أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ زِيادِ بْنِ أبِي مَرْيَمَ في قَوْلِهِ: ﴿آتَيْنا﴾ قالَ: أعْطَيْنا. أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي مالِكٍ في قَوْلِهِ: ﴿وقَفَّيْنا﴾ . يَعْنِي أتْبَعْنا. (p-٤٥٨)وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ مِن طَرِيقِ جُوَبِيرٍ، عَنِ الضَّحّاكِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ﴾ يَعْنِي بِهِ التَّوْراةَ جُمْلَةً واحِدَةً مُفَصَّلَةً مُحْكَمَةً ﴿وقَفَّيْنا مِن بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ﴾ يَعْنِي رَسُولًا يُدْعى أشْمُوِيلَ بْنَ بابِلَ، ورَسُولًا يُدْعى مِنشائِيلَ، ورَسُولًا يُدْعى شَعِيا بْنَ أمْضِيا ورَسُولًا يُدْعى حِزْقِيلَ ورَسُولًا يُدْعى أرْمِيا بْنَ حَلْقِيا وهو الخَضِرُ، ورَسُولًا يُدْعى داوُدَ بْنَ إيشا وهو أبُو سُلَيْمانَ، ورَسُولًا يُدْعى المَسِيحَ عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ، فَهَؤُلاءِ الرُّسُلُ ابْتَعَثَهُمُ اللَّهُ وانْتَخَبَهم لِلْأُمَّةِ بَعْدَ مُوسى بْنِ عِمْرانَ وأخَذَ عَلَيْهِمْ مِيثاقًا غَلِيظًا أنْ يُؤَدُّوا إلى أُمَمِهِمْ صِفَةَ مُحَمَّدٍ ﷺ وصِفَةَ أُمَّتِهِ. * * قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وآتَيْنا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ البَيِّناتِ﴾ . أخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وآتَيْنا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ البَيِّناتِ﴾ قالَ: هي الآياتُ الَّتِي وضَعَ عَلى يَدَيْهِ مِن إحْياءِ المَوْتى، وخَلْقِهِ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ، وإبْراءِ الأسْقامِ، والخَبَرِ (p-٤٥٩)بِكَثِيرٍ مِنَ الغُيُوبِ وما رَدَّ عَلَيْهِمْ مِنَ التَّوْراةِ مَعَ الإنْجِيلِ الَّذِي أحْدَثَ اللَّهُ إلَيْهِ. * * قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأيَّدْناهُ بِرُوحِ القُدُسِ﴾ . أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وأيَّدْناهُ﴾ قالَ: قَوَّيْناهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: رُوحُ القُدُسِ، الِاسْمُ الَّذِي كانَ عِيسى يُحْيِي بِهِ المَوْتى. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: القُدْسُ اللَّهُ تَعالى. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أنَسٍ قالَ: القُدْسُ هو الرَّبُّ تَعالى. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: القُدْسُ الطُّهْرُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ قالَ: القُدْسُ البَرَكَةُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ إسْماعِيلَ بْنِ أبِي خالِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وأيَّدْناهُ بِرُوحِ القُدُسِ﴾ (p-٤٦٠)قالَ: أعانَهُ جِبْرِيلُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: رُوحُ القُدُسِ جِبْرِيلُ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ في “ العَظَمَةِ “، عَنْ جابِرٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «رُوحُ القُدُسِ جِبْرِيلُ» . وأخْرَجَ ابْنُ سَعِيدٍ، وأحْمَدُ، والبُخارِيُّ وأبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ عَنْ عائِشَةَ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وضَعَ لِحَسّانَ مِنبَرًا في المَسْجِدِ، فَكانَ يُنافِحُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: اللَّهُمَّ أيِّدْ حَسّانَ بِرُوحِ القُدُسِ، كَما نافَحَ عَنْ نَبِيِّهِ» . وأخْرَجَ ابْنُ حِبّانَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «إنَّ رُوحَ القُدُسِ نَفَثَ في رُوعِي: إنَّ نَفْسًا لَنْ تَمُوتَ حَتّى تَسْتَكْمِلَ رِزْقَها فاتَّقُوا اللَّهَ وأجْمِلُوا في الطَّلَبِ» . وأخْرَجَ الزُّبَيْرُ بْنُ بَكّارٍ في ”أخْبارِ المَدِينَةِ“ عَنِ الحَسَنِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَن كَلَّمَهُ رُوحُ القُدُسِ لَمْ يُؤْذَنْ لِلْأرْضِ أنْ تَأْكُلَ مِن لَحْمِهِ» . * * قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وفَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾ . (p-٤٦١)أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ في قَوْلِهِ: ﴿وفَرِيقًا﴾ يَعْنِي طائِفَةً.

البقرة 2:88

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالُوا قُلُوبُنا غُلْفٌ﴾ . أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: إنَّما سُمِّيَ القَلْبُ لِتَقَلُّبِهِ. وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ في ”الأوْسَطِ“ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ (قُلُوبُنا غُلُفٌ) مُثَقَّلَةٌ، كَيْفَ تَتَعَلَّمُ؟ وإنَّما قُلُوبُنا غُلُفٌ لِلْحِكْمَةِ. أيْ أوْعِيَةٌ لِلْحِكْمَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وقالُوا قُلُوبُنا غُلْفٌ﴾ قالَ: مَمْلُوءَةٌ عِلْمًا لا تَحْتاجُ إلى عِلْمِ مُحَمَّدٍ ﷺ ولا غَيْرِهِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عَطِيَّةَ في قَوْلِهِ: ﴿وقالُوا قُلُوبُنا غُلْفٌ﴾ قالَ: أوْعِيَةٌ لِلْعِلْمِ. (p-٤٦٢)وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿قُلُوبُنا غُلْفٌ﴾ قالَ: في غِطاءٍ. . وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ، وابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿قُلُوبُنا غُلْفٌ﴾ . أيْ: في أكِنَّةٍ. . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿قُلُوبُنا غُلْفٌ﴾ قالَ: هي القُلُوبُ المَطْبُوعُ عَلَيْها. وأخْرَجَ وكِيعٌ عَنْ عِكْرِمَةَ في قَوْلِهِ: ﴿قُلُوبُنا غُلْفٌ﴾ قالَ: عَلَيْها طابَعٌ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ: ﴿وقالُوا قُلُوبُنا غُلْفٌ﴾ عَلَيْها غِشاوَةٌ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وقالُوا قُلُوبُنا غُلْفٌ﴾ قالَ: قالُوا لا تَفْقَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ أبِي الدُّنْيا في كِتابِ ”الإخْلاصِ“، وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ حُذَيْفَةَ قالَ: القُلُوبُ أرْبَعَةٌ، قَلْبٌ أغْلَفُ، فَذَلِكَ قَلْبُ الكافِرِ، وقَلْبٌ (p-٤٦٣)مُصْفَحٌ فَذَلِكَ قَلْبُ المُنافِقِ، وقَلْبٌ أجْرَدُ فِيهِ مِثْلُ السِّراجِ، فَذَلِكَ قَلْبُ المُؤْمِنِ، وقَلْبٌ فِيهِ إيمانٌ ونِفاقٌ، فَمَثَلُ الإيمانِ كَمَثَلِ شَجَرَةٍ يُمِدُّها ماءٌ طَيِّبٌ، ومَثَلُ النِّفاقِ كَمَثَلِ قُرْحَةٍ يُمِدُّها القَيْحُ والدَّمُ، فَأيُّ المادَّتَيْنِ غَلَبَتْ صاحِبَتَها أهْلَكَتْهُ. وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ حُذَيْفَةَ قالَ: تُعْرَضُ فِتْنَةٌ عَلى القُلُوبِ، فَأيُّ قَلْبٍ أنْكَرَها نُكِتَتْ في قَلْبِهِ نُكْتَةٌ بَيْضاءُ، وأيُّ قَلْبٍ لَمْ يُنْكِرْها نُكِتَتْ في قَلْبِهِ نُكْتَةٌ سَوْداءُ، ثُمَّ تُعْرَضُ فِتْنَةٌ أُخْرى عَلى القُلُوبِ، فَإنْ أنْكَرَها القَلْبُ الَّذِي أنْكَرَها نُكِتَتْ في قَلْبِهِ نُكْتَةٌ بَيْضاءُ، وإنْ لَمْ يُنْكِرْها نُكِتَتْ في قَلْبِهِ نُكْتَةٌ سَوْداءُ، ثُمَّ تُعْرَضُ فِتْنَةٌ أُخْرى، فَإنْ أنْكَرَها ذَلِكَ القَلْبُ اشْتَدَّ وابْيَضَّ وصَفا، ولَمْ تَضُرَّهُ فِتْنَةٌ أبَدًا، وإنْ لَمْ يُنْكِرْها في المَرَّتَيْنِ الأُولَيَيْنِ اسْوَدَّ وارْبَدَّ ونَكَسَ فَلا يَعْرِفُ حَقًّا ولا يُنْكِرُ مُنْكَرًا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ في كِتابِ ”الإيمانِ“، والبَيْهَقِيُّ في ”شُعَبِ الإيمانِ“، (p-٤٦٤)عَنْ عَلِيٍّ قالَ: إنَّ الإيمانَ يَبْدُو لُمْظَةً بَيْضاءَ في القَلْبِ، فَكُلَّما ازْدادَ الإيمانُ عِظَمًا ازْدادَ ذَلِكَ البَياضُ، فَإذا اسْتُكْمِلَ الإيمانُ ابْيَضَّ القَلْبُ كُلُّهُ وإنَّ النِّفاقَ يَبْدُو لُمْظَةً سَوْداءَ في القَلْبِ، فَكُلَّما ازْدادَ النِّفاقُ عِظَمًا ازْدادَ ذَلِكَ السَّوادُ، فَإذا اسْتُكْمِلَ النِّفاقُ اسْوَدَّ القَلْبُ كُلُّهُ، وايْمُ اللَّهِ لَوْ شَقَقْتُمْ عَلى قَلْبِ مُؤْمِنٍ لَوَجَدْتُمُوهُ أبْيَضَ، ولَوْ شَقَقْتُمْ عَنْ قَلْبِ مُنافِقٍ لَوَجَدْتُمُوهُ أسْوَدَ. وأخْرَجَ أحْمَدُ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ عَنْ أبِي سَعِيدٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «القُلُوبُ أرْبَعَةٌ، قَلْبٌ أجْرَدُ فِيهِ مِثْلُ السِّراجِ يُزْهِرُ، وقَلْبٌ أغْلَفُ مَرْبُوطٌ عَلى غِلافِهِ، وقَلْبٌ مَنكُوسٌ، وقَلْبٌ مُصْفَحٌ، وأمّا القَلْبُ الأجْرَدُ فَقَلْبُ المُؤْمِنِ، سِراجُهُ فِيهِ نُورُهُ، وأمّا القَلْبُ الأغْلَفُ فَقَلْبُ الكافِرِ، وأمّا القَلْبُ المَنكُوسُ فَقَلْبُ المُنافِقِ، عَرَفَ ثُمَّ أنْكَرَ، وأمّا القَلْبُ المُصْفَحُ فَقَلْبٌ فِيهِ إيمانٌ ونِفاقٌ ومَثَلُ (p-٤٦٥)الإيمانِ كَمَثَلِ البَقْلَةِ يُمِدُّها الماءُ الطَّيِّبُ، ومَثَلُ النِّفاقِ كَمَثَلِ القُرْحَةِ يُمِدُّها القَيْحُ والدَّمُ، فَأيُّ المِدَّتَيْنِ غَلَبَتْ عَلى الأُخْرى غَلَبَتْ عَلَيْهِ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَلْمانَ الفارِسِيِّ مَوْقُوفًا مِثْلَهُ سَواءً. * * قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَقَلِيلا ما يُؤْمِنُونَ﴾ . أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿فَقَلِيلا ما يُؤْمِنُونَ﴾ قالَ: لا يُؤْمَنُ مِنهم إلّا قَلِيلٌ.

البقرة 2:89

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَمّا جاءَهم كِتابٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ﴾ . أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿ولَمّا جاءَهم كِتابٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ قالَ: هو القُرْآنُ ﴿مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ﴾ قالَ: مِنَ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ. * * قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكانُوا مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ﴾ الآيَةَ. أخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو نُعَيْمٍ، والبَيْهَقِيُّ كِلاهُما في “ الدَّلائِلِ “ مِن طَرِيقِ عاصِمِ بْنِ عُمَرَ بْنِ قَتادَةَ الأنْصارِيِّ، حَدَّثَنِي (p-٤٦٦)أشْياخٌ مِنّا قالُوا: لَمْ يَكُنْ أحَدٌ مِنَ العَرَبِ أعْلَمَ بِشَأْنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنّا، كانَ مَعَنا يَهُودُ وكانُوا أهْلَ كِتابٍ وكُنّا أصْحابَ وثَنٍ، وكُنّا إذا بَلَغْنا مِنهم ما يَكْرَهُونَ قالُوا: إنَّ نَبِيًّا يُبْعَثُ الآنَ قَدْ أظَلَّ زَمانُهُ نَتَّبِعُهُ فَنَقْتُلُكم مَعَهُ قَتْلَ عادٍ وارْمِ، فَلَمّا بَعَثَ اللَّهُ رَسُولَهُ اتَّبَعْناهُ وكَفَرُوا بِهِ، فَفِينا - واللَّهِ - وفِيهِمْ أنْزَلَ اللَّهُ ﴿وكانُوا مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلى الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الآيَةَ كُلَّها. وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في “ الدَّلائِلِ “ مِن طَرِيقِ السُّدِّيِّ عَنْ أبِي مالِكٍ وعَنْ أبِي صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وعَنْ مُرَّةَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وناسٍ مِنَ الصَّحابَةِ في الآيَةِ قالَ: كانَتِ العَرَبُ تَمُرُّ بِاليَهُودِ فَيُؤْذُونَهُمْ، وكانُوا يَجِدُونَ مُحَمَّدًا في التَّوْراةِ، فَيَسْألُونَ اللَّهَ أنْ يَبْعَثَهُ نَبِيًّا فَيُقاتِلُونَ مَعَهُ العَرَبَ، فَلَمّا جاءَهم مُحَمَّدٌ كَفَرُوا بِهِ حِينَ لَمْ يَكُنْ مِن بَنِي إسْرائِيلَ. وأخْرَجَ أبُو نُعَيْمٍ في “ الدَّلائِلِ “ مِن طَرِيقِ عَطاءٍ والضَّحّاكِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانَتْ يَهُودُ بَنِي قُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ مِن قَبْلِ أنْ يُبْعَثَ مُحَمَّدٌ ﷺ يَسْتَفْتِحُونَ، يَدْعُونَ اللَّهَ عَلى الَّذِينَ كَفَرُوا ويَقُولُونَ: اللَّهُمَّ إنّا نَسْتَنْصِرُكَ بِحَقِّ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ إلّا نَصَرْتَنا عَلَيْهِمْ. فَيُنْصَرُونَ ﴿فَلَمّا جاءَهم ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾ يُرِيدُ مُحَمَّدًا، ولَمْ يَشُكُّوا فِيهِ، كَفَرُوا بِهِ (p-٤٦٧)وأخْرَجَ أبُو نُعَيْمٍ في “ الدَّلائِلِ “ مِن طَرِيقِ الكَلْبِيِّ عَنْ أبِي صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانَ يَهُودُ أهْلِ المَدِينَةِ قَبْلَ قُدُومِ النَّبِيِّ ﷺ إذا قاتَلُوا مَن يَلِيهِمْ مِن مُشْرِكِي العَرَبِ، مِن أسَدٍ وغَطَفانَ وجُهَيْنَةَ وعُذْرَةَ، يَسْتَفْتِحُونَ عَلَيْهِمْ، ويَسْتَنْصِرُونَ، يَدْعُونَ عَلَيْهِمْ بِاسْمِ نَبِيِّ اللَّهِ فَيَقُولُونَ: اللَّهُمَّ رَبَّنا انْصُرْنا عَلَيْهِمْ بِاسْمِ نَبِيِّكَ وبِكِتابِكَ الَّذِي تُنْزِلُ عَلَيْهِ، الَّذِي وعَدْتَنا أنَّكَ باعِثُهُ في آخِرِ الزَّمانِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو نُعَيْمٍ عَنْ قَتادَةَ قالَ: كانَتِ اليَهُودُ تَسْتَفْتِحُ بِمُحَمَّدٍ عَلى كُفّارِ العَرَبِ يَقُولُونَ: اللَّهُمَّ ابْعَثِ النَّبِيَّ الَّذِي نَجِدُهُ في التَّوْراةِ يُعَذِّبُهم ويَقْتُلُهم. فَلَمّا بَعَثَ اللَّهُ مُحَمَّدًا كَفَرُوا بِهِ حِينَ رَأوْهُ بُعِثَ مِن غَيْرِهِمْ حَسَدًا لِلْعَرَبِ، وهم يَعْلَمُونَ أنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ. وأخْرَجَ الحاكِمُ، والبَيْهَقِيُّ في “ الدَّلائِلِ “ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانَتْ يَهُودُ خَيْبَرَ تُقاتِلُ غَطَفانَ، فَكُلَّما التَقَوْا هُزِمَتْ يَهُودُ، فَعاذَتْ بِهَذا الدُّعاءِ: اللَّهُمَّ إنّا نَسْألُكَ بِحَقِّ مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي وعَدْتَنا أنَّ تَخَرُّجَهُ لَنا في آخِرِ الزَّمانِ إلّا نَصَرْتَنا عَلَيْهِمْ. وكانُوا إذا التَقَوْا دَعَوْا بِهَذا الدُّعاءِ فَهَزَمُوا غَطَفانَ، فَلَمّا بُعِثَ النَّبِيُّ ﷺ كَفَرُوا بِهِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿وكانُوا مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلى الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ (p-٤٦٨)يَعْنِي وقَدْ كانُوا يَسْتَفْتِحُونَ بِكَ يا مُحَمَّدُ. إلى قَوْلِهِ: ﴿فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلى الكافِرِينَ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو نُعَيْمٍ في “ الدَّلائِلِ “ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أنَّ يَهُودَ كانُوا يَسْتَفْتِحُونَ عَلى الأوْسِ والخَزْرَجِ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَبْلَ مَبْعَثِهِ فَلَمّا بَعَثَهُ اللَّهُ مِنَ العَرَبِ كَفَرُوا بِهِ وجَحَدُوا ما كانُوا يَقُولُونَ فِيهِ، فَقالَ لَهم مُعاذُ بْنُ جَبَلٍ وبِشْرُ بْنُ البَراءِ، وداوُدُ بْنُ سَلَمَةَ: يا مَعْشَرَ يَهُودَ اتَّقُوا اللَّهَ وأسْلِمُوا، فَقَدْ كُنْتُمْ تَسْتَفْتِحُونَ عَلَيْنا بِمُحَمَّدٍ ونَحْنُ أهْلُ شِرْكٍ، وتُخْبِرُونا بِأنَّهُ مَبْعُوثٌ وتَصِفُونَهُ بِصِفَتِهِ، فَقالَ سَلّامُ بْنُ مِشْكَمٍ أحَدُ بَنِي النَّضِيرِ: ما جاءَنا بِشَيْءٍ نَعْرِفُهُ وما هو بِالَّذِي كُنّا نَذْكُرُ لَكُمْ، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿ولَمّا جاءَهم كِتابٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ الآيَةَ. وأخْرَجَ أحْمَدُ، وابْنُ قانِعٍ، والطَّبَرانِيُّ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وأبُو نُعَيْمٍ والبَيْهَقِيُّ كِلاهُما في “ الدَّلائِلِ “ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ سَلامَةَ بْنِ وقْشٍ- وكانَ مِن أهْلِ بَدْرٍ قالَ: كانَ لَنا جارٌ يَهُودِيٌّ في بَنِي عَبْدِ الأشْهَلِ، فَخَرَجَ عَلَيْنا يَوْمًا مِن بَيْتِهِ قَبْلَ مَبْعَثِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِيَسِيرٍ حَتّى وقَفَ عَلى مَجْلِسِ بَنِي الأشْهَلِ (p-٤٦٩)قالَ سَلَمَةُ: وأنا يَوْمَئِذٍ أحْدَثُ مَن فِيهِ سِنًّا، عَلَيَّ بُرْدَةٌ مُضْطَجِعًا فِيها بِفَناءِ أهْلِي- فَذَكَرَ البَعْثَ والقِيامَةَ والحِسابَ والمِيزانَ والجَنَّةَ والنّارَ. قالَ: ذَلِكَ لِأهْلِ شِرْكٍ أصْحابِ أوْثانٍ، لا يَرَوْنَ أنَّ بَعْثًا كائِنًا بَعْدَ المَوْتِ، فَقالُوا لَهُ: ويْحَكَ يا فُلانُ، تَرى هَذا كائِنًا أنَّ النّاسَ يُبْعَثُونَ بَعْدَ مَوْتِهِمْ إلى دارٍ فِيها جَنَّةٌ ونارٌ، يُجْزَوْنَ فِيها بِأعْمالِهِمْ! فَقالَ: نَعَمْ والَّذِي يُحْلَفُ بِهِ، يَوَدُّ أنَّ لَهُ بِحَظِّهِ مِن تِلْكَ النّارِ أعْظَمَ تَنُّورٍ في الدُّنْيا يَحْمُونَهُ، ثُمَّ يُدْخِلُونَهُ إيّاهُ فَيُطَيِّنُونَهُ عَلَيْهِ، وأنْ يَنْجُوَ مِن تِلْكَ النّارِ غَدًا، قالُوا لَهُ: ويْحَكَ وما آيَةُ ذَلِكَ؟ قالَ: نَبِيٌّ يُبْعَثُ مِن نَحْوِ هَذِهِ البِلادِ. وأشارَ بِيَدِهِ نَحْوَ مَكَّةَ واليَمَنِ، قالُوا: ومَتى نَراهُ؟ قالَ: فَنَظَرَ إلَيَّ وأنا مِن أحْدَثِهِمْ سِنًّا-: إنْ يَسْتَنْفِذْ هَذا الغُلامُ عُمْرَهُ يُدْرِكْهُ. قالَ سَلَمَةُ: فَواللَّهِ ما ذَهَبَ اللَّيْلُ والنَّهارُ حَتّى بَعَثَ اللَّهُ رَسُولَهُ ﷺ وهو بَيْنَ أظْهُرِنا، فَآمَنّا بِهِ، وكَفَرَ بِهِ بَغْيًا وحَسَدًا. فَقُلْنا: ويْلَكَ يا فُلانُ، ألَسْتَ بِالَّذِي قُلْتَ لَنا؟ قالَ: بَلى ولَيْسَ بِهِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿وكانُوا مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلى الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يَقُولُ يَسْتَنْصِرُونَ بِخُرُوجِ مُحَمَّدٍ عَلى مُشْرِكِي العَرَبِ. يَعْنِي (p-٤٧٠)بِذَلِكَ أهْلَ الكِتابِ، فَلَمّا بَعَثَ اللَّهُ مُحَمَّدًا ورَأوْهُ مِن غَيْرِهِمْ كَفَرُوا بِهِ وحَسَدُوهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا جاءَهم ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾ قالَ: نَزَلَتْ في اليَهُودِ عَرَفُوا مُحَمَّدًا أنَّهُ نَبِيٌّ وكَفَرُوا بِهِ.

البقرة 2:90

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِئْسَما اشْتَرَوْا﴾ الآيَةَ. أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿بِئْسَما اشْتَرَوْا بِهِ أنْفُسَهُمْ﴾ الآيَةَ، قالَ: هُمُ اليَهُودُ كَفَرُوا بِما أنْزَلَ اللَّهُ وبِمُحَمَّدٍ ﷺ بَغْيًا وحَسَدًا لِلْعَرَبِ ﴿فَباءُوا بِغَضَبٍ عَلى غَضَبٍ﴾ قالَ: غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مَرَّتَيْنِ؛ بِكُفْرِهِمْ بِالإنْجِيلِ وبِعِيسى، وبِكُفْرِهِمْ بِالقُرْآنِ وبِمُحَمَّدٍ. وأخْرَجَ الطَّسْتِيُّ في ”مَسائِلِهِ“ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ نافِعَ بْنَ الأزْرَقِ قالَ لَهُ: أخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿بِئْسَما اشْتَرَوْا بِهِ أنْفُسَهُمْ﴾ قالَ: بِئْسَ ما باعُوا بِهِ أنْفُسَهُمْ، حَيْثُ باعُوا نَصِيبَهم مِنَ الآخِرَةِ بِطَمَعٍ يَسِيرٍ مِنَ الدُّنْيا، قالَ: وهَلْ تَعْرِفُ العَرَبُ ذَلِكَ؟ قالَ: نَعَمْ أما سَمِعْتَ الشّاعِرَ وهو يَقُولُ:(p-٤٧١) ؎يُعْطى بِها ثَمَنًا فَيَمْنَعُها ويَقُولُ صاحِبُها ألا تَشْرِي. وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿بَغْيًا أنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ﴾ أيْ: إنَّ اللَّهَ جَعَلَهُ مِن غَيْرِهِمْ ﴿فَباءُوا بِغَضَبٍ﴾ بِكَفْرِهِمْ بِهَذا النَّبِيِّ ﴿عَلى غَضَبٍ﴾ كانَ عَلَيْهِمْ فِيما ضَيَّعُوهُ مِنَ التَّوْراةِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عِكْرِمَةَ ﴿فَباءُوا بِغَضَبٍ عَلى غَضَبٍ﴾ قالَ: كُفْرُهم بِعِيسى وكُفْرُهم بِمُحَمَّدٍ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ ﴿فَباءُوا بِغَضَبٍ﴾ اليَهُودُ، غَضَبٌ بِما كانَ مِن تَبْدِيلِهِمُ التَّوْراةَ قَبْلَ خُرُوجِ النَّبِيِّ ﷺ ﴿عَلى غَضَبٍ﴾ جُحُودُهُمُ النَّبِيَّ ﷺ وكُفْرُهم بِما جاءَ بِهِ.

البقرة 2:91

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَكْفُرُونَ بِما وراءَهُ﴾ . أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أبِي العالِيَةِ في قَوْلِهِ: ﴿ويَكْفُرُونَ بِما وراءَهُ﴾ قالَ: بِما بَعْدَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿ويَكْفُرُونَ بِما وراءَهُ﴾ قالَ: القُرْآنُ.

البقرة 2:93

(p-٤٧٢)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأُشْرِبُوا في قُلُوبِهِمُ العِجْلَ﴾ أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وأُشْرِبُوا في قُلُوبِهِمُ العِجْلَ﴾ قالَ: أُشْرِبُوا حُبَّهُ، حَتّى خَلَصَ ذَلِكَ إلى قُلُوبِهِمْ.

البقرة 2:94

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ إنْ كانَتْ لَكُمُ الدّارُ الآخِرَةُ﴾ الآيَتَيْنِ. أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أبِي العالِيَةِ قالَ: قالُوا: ﴿لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ إلا مَن كانَ هُودًا أوْ نَصارى﴾ [البقرة: ١١١] [ البَقَرَةِ: ١١١] وقالُوا ﴿نَحْنُ أبْناءُ اللَّهِ وأحِبّاؤُهُ﴾ [المائدة: ١٨] [ المائِدَةِ: ١٨] فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿قُلْ إنْ كانَتْ لَكُمُ الدّارُ الآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خالِصَةً مِن دُونِ النّاسِ فَتَمَنَّوُا المَوْتَ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ فَلَمْ يَفْعَلُوا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ، مِثْلَهُ. وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في “ الدَّلائِلِ “ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في هَذِهِ الآيَةِ قالَ: قُلْ لَهم يا مُحَمَّدُ ﴿إنْ كانَتْ لَكُمُ الدّارُ الآخِرَةُ﴾ يَعْنِي الجَنَّةَ كَما زَعَمْتُمْ ﴿خالِصَةً مِن دُونِ النّاسِ﴾ يَعْنِي المُؤْمِنِينَ ﴿فَتَمَنَّوُا المَوْتَ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ أنَّها لَكم خالِصَةً مِن دُونِ المُؤْنِينَ، فَقالَ لَهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إنْ كُنْتُمْ في مَقالَتِكم صادِقِينَ قُولُوا: اللَّهُمَّ أمِتْنا. فَوالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لا (p-٤٧٣)يَقُولُها رَجُلٌ مِنكم إلّا غَصَّ بِرِيقِهِ فَماتَ مَكانَهُ، فَأبَوْا أنْ يَفْعَلُوا، وكَرِهُوا ما قالَ لَهُمْ، فَنَزَلَ ﴿ولَنْ يَتَمَنَّوْهُ أبَدًا بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ﴾ [البقرة»: ٩٥] يَعْنِي: عَمِلَتْهُ أيْدِيهِمْ ﴿واللَّهُ عَلِيمٌ بِالظّالِمِينَ﴾ أنَّهم لَنْ يَتَمَنَّوْهُ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: عِنْدَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ: واللَّهِ لا يَتَمَنَّوْنَهُ أبَدًا. وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَتَمَنَّوُا المَوْتَ﴾ أيِ ادْعُوا بِالمَوْتِ عَلى أيِّ الفَرِيقَيْنِ أكْذَبُ. فَأبَوْا ذَلِكَ، ولَوْ تَمَنَّوْهُ يَوْمَ قالَ ذَلِكَ، ما بَقِيَ عَلى وجْهِ الأرْضِ يَهُودِيٌّ إلّا ماتَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنْ كانَتْ لَكُمُ الدّارُ الآخِرَةُ﴾ يَعْنِي الجَنَّةَ ﴿خالِصَةً﴾ خاصَّةً ﴿فَتَمَنَّوُا المَوْتَ﴾ فاسْألُوا المَوْتَ ﴿ولَنْ يَتَمَنَّوْهُ أبَدًا﴾ لِأنَّهم يَعْلَمُونَ أنَّهم كاذِبُونَ ﴿بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ﴾ قالَ: أسْلَفَتْ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو نُعَيْمٍ في “ الدَّلائِلِ “ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: لَوْ تَمَنّى اليَهُودُ المَوْتَ لَماتُوا. (p-٤٧٤)وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: لَوْ تَمَنَّوُا المَوْتَ لَشَرِقَ أحَدُهم بَرِيقِهِ. وأخْرَجَ أحْمَدُ، والبُخارِيُّ، والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قالَ: «لَوْ أنَّ اليَهُودَ تَمَنَّوُا المَوْتَ لَماتُوا ولَرَأوْا مَقاعِدَهم مِنَ النّارِ» .

البقرة 2:95

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ إنْ كانَتْ لَكُمُ الدّارُ الآخِرَةُ﴾ الآيَتَيْنِ. أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أبِي العالِيَةِ قالَ: قالُوا: ﴿لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ إلا مَن كانَ هُودًا أوْ نَصارى﴾ [البقرة: ١١١] [ البَقَرَةِ: ١١١] وقالُوا ﴿نَحْنُ أبْناءُ اللَّهِ وأحِبّاؤُهُ﴾ [المائدة: ١٨] [ المائِدَةِ: ١٨] فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿قُلْ إنْ كانَتْ لَكُمُ الدّارُ الآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خالِصَةً مِن دُونِ النّاسِ فَتَمَنَّوُا المَوْتَ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ فَلَمْ يَفْعَلُوا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ، مِثْلَهُ. وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في “ الدَّلائِلِ “ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في هَذِهِ الآيَةِ قالَ: قُلْ لَهم يا مُحَمَّدُ ﴿إنْ كانَتْ لَكُمُ الدّارُ الآخِرَةُ﴾ يَعْنِي الجَنَّةَ كَما زَعَمْتُمْ ﴿خالِصَةً مِن دُونِ النّاسِ﴾ يَعْنِي المُؤْمِنِينَ ﴿فَتَمَنَّوُا المَوْتَ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ أنَّها لَكم خالِصَةً مِن دُونِ المُؤْنِينَ، فَقالَ لَهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إنْ كُنْتُمْ في مَقالَتِكم صادِقِينَ قُولُوا: اللَّهُمَّ أمِتْنا. فَوالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لا (p-٤٧٣)يَقُولُها رَجُلٌ مِنكم إلّا غَصَّ بِرِيقِهِ فَماتَ مَكانَهُ، فَأبَوْا أنْ يَفْعَلُوا، وكَرِهُوا ما قالَ لَهُمْ، فَنَزَلَ ﴿ولَنْ يَتَمَنَّوْهُ أبَدًا بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ﴾ [البقرة»: ٩٥] يَعْنِي: عَمِلَتْهُ أيْدِيهِمْ ﴿واللَّهُ عَلِيمٌ بِالظّالِمِينَ﴾ أنَّهم لَنْ يَتَمَنَّوْهُ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: عِنْدَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ: واللَّهِ لا يَتَمَنَّوْنَهُ أبَدًا. وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَتَمَنَّوُا المَوْتَ﴾ أيِ ادْعُوا بِالمَوْتِ عَلى أيِّ الفَرِيقَيْنِ أكْذَبُ. فَأبَوْا ذَلِكَ، ولَوْ تَمَنَّوْهُ يَوْمَ قالَ ذَلِكَ، ما بَقِيَ عَلى وجْهِ الأرْضِ يَهُودِيٌّ إلّا ماتَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنْ كانَتْ لَكُمُ الدّارُ الآخِرَةُ﴾ يَعْنِي الجَنَّةَ ﴿خالِصَةً﴾ خاصَّةً ﴿فَتَمَنَّوُا المَوْتَ﴾ فاسْألُوا المَوْتَ ﴿ولَنْ يَتَمَنَّوْهُ أبَدًا﴾ لِأنَّهم يَعْلَمُونَ أنَّهم كاذِبُونَ ﴿بِما قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ﴾ قالَ: أسْلَفَتْ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو نُعَيْمٍ في “ الدَّلائِلِ “ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: لَوْ تَمَنّى اليَهُودُ المَوْتَ لَماتُوا. (p-٤٧٤)وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: لَوْ تَمَنَّوُا المَوْتَ لَشَرِقَ أحَدُهم بَرِيقِهِ. وأخْرَجَ أحْمَدُ، والبُخارِيُّ، والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قالَ: «لَوْ أنَّ اليَهُودَ تَمَنَّوُا المَوْتَ لَماتُوا ولَرَأوْا مَقاعِدَهم مِنَ النّارِ» .

البقرة 2:96

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَتَجِدَنَّهم أحْرَصَ النّاسِ﴾ الآيَةَ. أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولَتَجِدَنَّهم أحْرَصَ النّاسِ عَلى حَياةٍ﴾ قالَ: اليَهُودُ ﴿ومِنَ الَّذِينَ أشْرَكُوا﴾ قالَ: الأعاجِمُ. وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولَتَجِدَنَّهم أحْرَصَ النّاسِ عَلى حَياةٍ﴾ يَعْنِي اليَهُودَ ﴿ومِنَ الَّذِينَ أشْرَكُوا﴾ وذَلِكَ أنَّ المُشْرِكَ لا يَرْجُو بَعْثًا بَعْدَ المَوْتِ فَهو يُحِبُّ طُولَ الحَياةِ، وأنَّ اليَهُودِيَّ قَدْ عَرَفَ ما لَهُ في الآخِرَةِ مِنَ الخِزْيِ بِما ضَيَّعَ ما عِنْدَهُ مِنَ (p-٤٧٥)العِلْمِ ﴿وما هو بِمُزَحْزِحِهِ﴾ قالَ: بِمُنَجِّيهِ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والحاكِمُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿يَوَدُّ أحَدُهم لَوْ يُعَمَّرُ ألْفَ سَنَةٍ﴾ قالَ: هو قَوْلُ الأعاجِمِ إذا عَطَسَ أحَدُهم زِهْ هَزارْ سال يَعْنِي: ألْفَ سَنَةٍ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وما هو بِمُزَحْزِحِهِ﴾ قالَ: هُمُ الَّذِينَ عادَوْا جِبْرِيلَ.

البقرة 2:97

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ مَن كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ﴾ الآيَتَيْنِ. أخْرَجَ الطَّيالِسِيُّ والفِرْيابِيُّ، وأحْمَدُ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ، وأبُو نُعَيْمٍ، والبَيْهَقِيُّ كِلاهُما في “ الدَّلائِلِ “ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «حَضَرَتْ عِصابَةٌ مِنَ اليَهُودِ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ فَقالُوا: يا أبا القاسِمِ، حَدِّثْنا عَنْ خِلالٍ نَسْألُكَ عَنْهُنَّ لا يَعْلَمُهُنَّ إلّا نَبِيٌّ، قالَ: سَلُونِي عَمّا شِئْتُمْ، ولَكِنِ اجْعَلُوا لِي ذِمَّةَ اللَّهِ، وما أخَذَ يَعْقُوبُ عَلى نَبِيِّهِ، لَئِنْ أنا حَدَّثْتُكم شَيْئًا فَعَرَفْتُمُوهُ لَتُتابِعُنِّي. قالُوا: فَذَلِكَ لَكَ، قالُوا: أرْبَعُ خِلالٍ نَسْألُكَ عَنْها، أخْبِرْنا أيُّ (p-٤٧٦)طَعامٍ حَرَّمَ إسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ مِن قَبْلِ أنْ تُنَزَّلَ التَّوْراةُ؟ وأخْبِرْنا كَيْفَ ماءُ الرَّجُلِ مِن ماءِ المَرْأةِ؟ وكَيْفَ الأُنْثى مِنهُ والذَّكَرُ؟ وأخْبِرْنا كَيْفَ هَذا النَّبِيُّ الأُمِّيُّ في النَّوْمِ؟ ومَن ولِيُّهُ مِنَ المَلائِكَةِ؟ فَأخَذَ عَلَيْهِمْ عَهْدَ اللَّهِ لَئِنْ أخْبَرْتُكم لَتُتابِعُنِّي، فَأعْطَوْهُ ما شاءَ مِن عَهْدٍ ومِيثاقٍ، قالَ: فَأنْشُدُكم بِالَّذِي أنْزَلَ التَّوْراةَ عَلى مُوسى هَلْ تَعْلَمُونَ أنَّ إسْرائِيلَ مَرِضَ مَرَضًا طالَ سَقَمُهُ فَنَذَرَ نَذْرًا لَئِنْ عافاهُ اللَّهُ مِن سَقَمِهِ، لَيُحَرِّمَنَّ أحَبَّ الشَّرابِ إلَيْهِ، وأحَبَّ الطَّعامِ إلَيْهِ، وكانَ أحَبَّ الطَّعامِ إلَيْهِ لُحْمانُ الإبِلِ وأحَبَّ الشَّرابِ إلَيْهِ ألْبانُها؟ فَقالُوا: اللَّهُمَّ نَعَمْ، فَقالَ: اللَّهُمَّ اشْهَدْ، قالَ: أنْشُدُكم بِاللَّهِ الَّذِي لا إلَهَ إلّا هو هَلْ تَعْلَمُونَ أنَّ ماءَ الرَّجُلِ أبْيَضُ غَلِيظٌ، وأنَّ ماءَ المَرْأةِ أصْفَرُ رَقِيقٌ، فَأيُّهُما عَلا كانَ لَهُ الوَلَدُ والشَّبَهُ بِإذْنِ اللَّهِ، إنْ عَلا ماءُ الرَّجُلِ كانَ ذَكَرًا بِإذْنِ اللَّهِ، وإنْ عَلا ماءُ المَرْأةِ كانَ أُنْثى بِإذْنِ اللَّهِ؟ قالُوا: اللَّهُمَّ نَعَمْ، قالَ: اللَّهُمَّ اشْهَدْ. قالَ: فَأنْشُدُكم بِالَّذِي أنْزَلَ التَّوْراةَ عَلى مُوسى، هَلْ تَعْلَمُونَ أنَّ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ هَذا تَنامُ عَيْناهُ، ولا يَنامُ قَلْبُهُ؟ قالُوا: نَعَمْ، قالَ: اللَّهُمَّ اشْهَدْ عَلَيْهِمْ، قالُوا: أنْتَ الآنَ فَحَدِّثْنا مَن ولِيُّكَ مِنَ المَلائِكَةِ؟ فَعِنْدَها نُتابِعُكَ أوْ نُفارِقُكَ. قالَ: ولِيِّي جِبْرِيلُ ولَمْ يَبْعَثِ اللَّهُ نَبِيًّا قَطُّ إلّا وهو ولِيُّهُ، قالُوا: فَعِنْدَها نُفارِقُكَ لَوْ كانَ ولِيُّكَ سِواهُ مِنَ (p-٤٧٧)المَلائِكَةِ لاتَّبَعْناكَ وصَدَّقْناكَ، قالَ: فَما يَمْنَعُكم أنْ تُصَدِّقُوهُ؟ قالُوا: هو عَدُوُّنا، فَعِنْدَ ذَلِكَ أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿مَن كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿كَأنَّهم لا يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٠١] فَعِنْدَ ذَلِكَ باءُوا بِغَضَبٍ عَلى غَضَبٍ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ في ”المُصَنَّفِ“ وإسْحاقُ بْنُ راهَوَيْهِ في ”مُسْنَدِهِ“، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ قالَ: «نَزَلَ عُمَرُ بِالرَّوْحاءِ، فَرَأى ناسًا يَبْتَدِرُونَ أحْجارًا، فَقالَ: ما هَذا؟ فَقالُوا: يَقُولُونَ: إنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلّى إلى هَذِهِ الأحْجارِ. فَقالَ: سُبْحانَ اللَّهِ، ما كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلّا راكِبًا، مَرَّ بِوادٍ فَحَضَرَتِ الصَّلاةُ فَصَلّى. ثُمَّ حَدَّثَ فَقالَ: إنِّي كُنْتُ أغْشى اليَهُودَ يَوْمَ دِراسَتِهِمْ، فَقالُوا: ما مِن أصْحابِكَ أحَدٌ أكْرَمُ عَلَيْنا مِنكَ لِأنَّكَ تَأْتِينا. قُلْتُ: وما ذاكَ إلّا أنِّي أعْجَبُ مِن كُتُبِ اللَّهِ كَيْفَ يُصَدِّقُ بَعْضُها بَعْضًا! كَيْفَ تُصَدِّقُ التَّوْراةُ الفُرْقانَ والفُرْقانُ التَّوْراةَ! فَمَرَّ بِيَ النَّبِيُّ ﷺ يَوْمًا وأنا أُكَلِّمُهُمْ، (p-٤٧٨)فَقُلْتُ: أنْشُدُكم بِاللَّهِ وما تَقْرَءُونَ مِن كِتابِهِ، أتَعْلَمُونَ أنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ؟ قالُوا: نَعَمْ، فَقُلْتُ: هَلَكْتُمْ واللَّهِ تَعْلَمُونَ أنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ ثُمَّ لا تَتَّبِعُونَهُ! فَقالُوا: لَمْ نَهْلِكْ ولَكِنْ سَألْناهُ مَن يَأْتِيهِ بِنُبُوَّتِهِ، فَقالَ: عَدُوُّنا جِبْرِيلُ لِأنَّهُ يَنْزِلُ بِالغِلْظَةِ والشِّدَّةِ والحَرْبِ والهَلاكِ ونَحْوِ هَذا. فَقُلْتُ: فَمَن سِلْمُكم مِنَ المَلائِكَةِ؟ فَقالُوا: مِيكائِيلُ يَنْزِلُ بِالقَطْرِ والرَّحْمَةِ وكَذا. قُلْتُ: وكَيْفَ مَنزِلَتُهُما مِن رَبِّهِما؟ فَقالُوا: أحَدُهُما عَنْ يَمِينِهِ والآخَرُ مِنَ الجانِبِ الآخَرِ. قُلْتُ: فَإنَّهُ لا يَحِلُّ لِجِبْرِيلَ أنْ يُعادِيَ مِيكائِيلَ، ولا يَحِلُّ لِمِيكائِيلَ أنْ يُسالِمَ عَدُوَّ جِبْرِيلَ، وإنِّي أشْهَدُ أنَّهُما ورَبَّهُما سِلْمٌ لِمَن سالَمُوا، وحَرْبٌ لِمَن حارَبُوا. ثُمَّ أتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ وأنا أُرِيدُ أنْ أُخْبِرَهُ فَلَمّا لَقِيتُهُ قالَ: ألا أُخْبِرُكَ بِآياتٍ أُنْزِلَتْ عَلَيَّ؟ قُلْتُ: بَلى يا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَرَأ ﴿مَن كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ﴾ حَتّى بَلَغَ ﴿لِلْكافِرِينَ﴾ [البقرة: ٩٨] قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، واللَّهِ ما قُمْتُ مِن عِنْدِ اليَهُودِ إلّا إلَيْكَ لِأُخْبِرَكَ بِما قالُوا لِي، وقُلْتُ لَهُمْ، فَوَجَدْتُ اللَّهَ قَدْ سَبَقَنِي»، صَحِيحُ الإسْنادِ، ولَكِنَّ الشَّعْبِيَّ لَمْ يُدْرِكْ عُمَرَ. وأخْرَجَ سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: «كانَ عُمَرُ يَأْتِي يَهُودَ يُكَلِّمُهُمْ، فَقالُوا: إنَّهُ لَيْسَ مِن أصْحابِكَ أحَدٌ أكْثَرَ إتْيانًا إلَيْنا مِنكَ، فَأخْبِرْنا مَن صاحِبُ صاحِبِكَ الَّذِي يَأْتِيهِ بِالوَحْيِ؟ فَقالَ: جِبْرِيلُ، قالُوا: ذاكَ عَدُوُّنا مِنَ المَلائِكَةِ، ولَوْ أنَّ صاحِبَهُ صاحِبُ صاحِبِنا لاتَّبَعْناهُ. فَقالَ عُمَرُ: ومَن صاحِبُ صاحِبِكُمْ؟ (p-٤٧٩)قالُوا: مِيكائِيلُ، قالَ: وما هُما؟ قالُوا: أمّا جِبْرِيلُ فَيَنْزِلُ بِالعَذابِ والنِّقْمَةِ، وأمّا مِيكائِيلُ فَيَنْزِلُ بِالغَيْثِ والرَّحْمَةِ، وأحَدُهُما عَدُوٌّ لِصاحِبِهِ، فَقالَ عُمَرُ، وما مَنزِلَتُهُما؟ قالُوا: هُما مِن أقْرَبِ المَلائِكَةِ مِنهُ، أحَدُهُما عَنْ يَمِينِهِ وكِلْتا يَدَيْهِ يَمِينٌ، والآخَرُ عَنِ الشِّقِّ الآخَرِ، فَقالَ عُمَرُ: لَئِنْ كانا كَما تَقُولُونَ، ما هُما بِعَدُوَّيْنِ. ثُمَّ خَرَجَ مِن عِنْدِهِمْ فَمَرَّ بِالنَّبِيِّ ﷺ فَدَعاهُ، فَقَرَأ عَلَيْهِ ﴿مَن كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ﴾ الآيَةَ، فَقالَ عُمَرُ: والَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ إنَّهُ الَّذِي خاصَمْتُهم بِهِ آنِفًا» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ قالَ: «ذُكِرَ لَنا أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ انْطَلَقَ ذاتَ يَوْمٍ إلى اليَهُودِ، فَلَمّا أبْصَرُوهُ رَحَّبُوا بِهِ، فَقالَ عُمَرُ: أما واللَّهِ ما جِئْتُ لِحُبِّكم ولا لِلرَّغْبَةِ فِيكُمْ، ولَكِنْ جِئْتُ لِأسْمَعَ مِنكم. وسَألُوهُ فَقالُوا: مَن صاحِبُ صاحِبِكُمْ؟ فَقالَ لَهم: جِبْرِيلُ. قالُوا: ذاكَ عَدُوُّنا مِنَ المَلائِكَةِ يُطْلِعُ مُحَمَّدًا عَلى سِرِّنا، وإذا جاءَ جاءَ بِالحَرْبِ والسَّنَةِ، ولَكِنَّ صاحِبَنا مِيكائِيلُ، وإذا جاءَ جاءَ بِالخِصْبِ والسِّلْمِ، فَتَوَجَّهَ نَحْوَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِيُحَدِّثَهُ حَدِيثَهُمْ، فَوَجَدَهُ قَدْ أُنْزِلَ عَلَيْهِ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿قُلْ مَن كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ﴾ الآيَةَ» . (p-٤٨٠)وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ السُّدِّيِّ قالَ: «لَمّا كانَ لِعُمَرَ أرْضٌ بِأعْلى المَدِينَةِ فَكانَ يَأْتِيها، وكانَ مَمَرُّهُ عَلى مِدْراسِ اليَهُودِ، وكانَ كُلَّما مَرَّ دَخَلَ عَلَيْهِمْ فَسَمِعَ مِنهُمْ، وإنَّهُ دَخَلَ عَلَيْهِمْ ذاتَ يَوْمٍ فَقالَ لَهم: أنْشُدُكم بِالرَّحْمَنِ الَّذِي أنْزَلَ التَّوْراةَ عَلى مُوسى بِطُورِ سَيْناءَ، أتَجِدُونَ مُحَمَّدًا عِنْدَكُمْ؟ قالُوا: نَعَمْ، إنّا نَجَدَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَنا، ولَكِنَّ صاحِبَهُ مِنَ المَلائِكَةِ الَّذِي يَأْتِيهِ بِالوَحْيِ جِبْرِيلُ، وجِبْرِيلُ عَدُوُّنا وهو صاحِبُ كُلِّ عَذابٍ وقِتالٍ وخَسْفٍ، ولَوْ كانَ ولَيُّهُ مِيكائِيلَ لَآمَنّا بِهِ، فَإنَّ مِيكائِيلَ صاحِبُ كُلِّ رَحْمَةٍ وكُلِّ غَيْثٍ، قالَ عُمَرُ: فَأيْنَ مَكانُ جِبْرِيلَ مِنَ اللَّهِ؟ قالُوا: جِبْرِيلُ عَنْ يَمِينِهِ ومِيكائِيلُ عَنْ يَسارِهِ، قالَ عُمَرُ: فَأُشْهِدُكم أنَّ الَّذِي هو عَدُوٌّ لِلَّذِي عَنْ يَمِينِهِ عَدُوٌّ لِلَّذِي هو عَنْ يَسارِهِ، والَّذِي هو عَدُوٌّ لِلَّذِي هو عَنْ يَسارِهِ عَدُوٌّ لِلَّذِي هو عَنْ يَمِينِهِ، وإنَّهُ مَن كانَ عَدُوَّهُما فَإنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ، ثُمَّ رَجَعَ عُمَرُ لِيُخْبِرَ النَّبِيَّ ﷺ، فَوَجَدَ جِبْرِيلَ قَدْ سَبَقَهُ بِالوَحْيِ، فَدَعاهُ النَّبِيُّ ﷺ فَقَرَأ عَلَيْهِ ﴿قُلْ مَن كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ﴾ الآيَةَ، فَقالَ عُمَرُ: والَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ لَقَدْ جِئْتُ وما أُرِيدُ إلّا أنْ أُخْبِرَكَ» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أبِي لَيْلى، أنَّ يَهُودِيًّا لَقِيَ عُمَرَ فَقالَ: إنَّ جِبْرِيلَ الَّذِي يَذْكُرُ صاحِبُكم عَدُوٌّ لَنا، فَقالَ عُمَرُ: مَن كانَ عَدُوًّا لِلَّهِ ومَلائِكَتِهِ ورُسُلِهِ وجِبْرِيلَ ومِيكالَ فَإنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكافِرِينَ (p-٤٨١)قالَ: فَنَزَلَتْ عَلى لِسانِ عُمَرَ. وقَدْ نَقَلَ ابْنُ جَرِيرٍ الإجْماعَ عَلى أنَّ سَبَبَ نُزُولِ الآيَةِ ذَلِكَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأحْمَدُ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والبُخارِيُّ والنَّسائِيُّ، وأبُو يَعْلى، وابْنُ حِبّانَ، والبَيْهَقِيُّ في “ الدَّلائِلِ “ عَنْ أنَسٍ قالَ: «سَمِعَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ بِمَقْدَمِ النَّبِيِّ ﷺ وهو بِأرْضٍ يُخْتَرَفُ، فَأتى النَّبِيَّ ﷺ فَقالَ: إنِّي سائِلُكَ عَنْ ثَلاثٍ لا يَعْلَمُهُنَّ إلّا نَبِيٌّ؛ ما أوَّلُ أشْراطِ السّاعَةِ؟ وما أوَّلُ طَعامِ أهْلِ الجَنَّةِ؟ وما يَنْزِعُ الوَلَدَ إلى أبِيهِ أوْ أُمِّهِ؟ قالَ: أخْبَرَنِي جِبْرِيلُ بِهِنَّ آنِفًا. قالَ: جِبْرِيلُ؟ قالَ: نَعَمْ. قالَ: ذاكَ عَدُوُّ اليَهُودِ مِنَ المَلائِكَةِ، فَقَرَأ هَذِهِ الآيَةَ ﴿مَن كانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإنَّهُ نَزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ﴾ قالَ: أمّا أوَّلُ أشْراطِ السّاعَةِ فَنارٌ تَخْرُجُ مِنَ المَشْرِقِ فَتَحْشُرُ النّاسَ إلى المَغْرِبِ، وأمّا أوَّلُ ما يَأْكُلُ أهْلُ الجَنَّةِ فَزِيادَةُ كَبِدِ حُوتٍ، وأمّا ما يَنْزِعُ الوَلَدَ إلى أبِيهِ وأُمِّهِ، فَإذا سَبَقَ ماءُ الرَّجُلِ ماءَ المَرْأةِ نَزَعَ إلَيْهِ الوَلَدُ، وإذا سَبَقَ ماءُ المَرْأةِ ماءَ الرَّجُلِ نَزَعَ إلَيْها. قالَ: أشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وأنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَإنَّهُ نَزَّلَهُ عَلى قَلْبِكَ بِإذْنِ اللَّهِ﴾ (p-٤٨٢)يَقُولُ: فَإنَّ جِبْرِيلَ نَزَّلَ القُرْآنَ بِأمْرِ اللَّهِ يَشْدُدُ بِهِ فُؤادَكَ ويَرْبِطُ بِهِ عَلى قَلْبِكَ ﴿مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ يَقُولُ: لِما قَبْلَهُ مِنَ الكُتُبِ الَّتِي أنْزَلَها والآياتِ والرُّسُلِ الَّذِينَ بَعَثَهُمُ اللَّهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ . قالَ: مِنَ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ ﴿وهُدًى وبُشْرى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ قالَ: جَعَلَ اللَّهُ هَذا القُرْآنَ هُدًى وبُشْرى لِلْمُؤْمِنِينَ؛ لِأنَّ المُؤْمِنَ إذا سَمِعَ القُرْآنَ حَفِظَهُ ووَعاهُ وانْتَفَعَ بِهِ واطْمَأنَّ إلَيْهِ، وصَدَّقَ بِمَوْعُودِ اللَّهِ الَّذِي وعَدَهُ فِيهِ، وكانَ عَلى يَقِينٍ مِن ذَلِكَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ مِن طَرِيقِ عُبَيْدِ اللَّهِ العَتَكِيِّ، عَنْ رَجُلٍ مِن قُرَيْشٍ قالَ: «سَألَ النَّبِيُّ ﷺ اليَهُودَ، فَقالَ: أسْألُكم بِكِتابِكُمُ الَّذِي تَقْرَءُونَ هَلْ تَجِدُونَهُ قَدْ بَشَّرَ بِي عِيسى أنْ يَأْتِيَكم رَسُولٌ اسْمُهُ أحْمَدُ؟ فَقالُوا: اللَّهُمَّ وجَدْناكَ في كِتابِنا، ولَكِنّا كَرِهْناكَ؛ لِأنَّكَ تَسْتَحِلُّ الأمْوالَ وتُهَرِيقُ الدِّماءَ فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿مَن كانَ عَدُوًّا لِلَّهِ ومَلائِكَتِهِ ورُسُلِهِ﴾ [البقرة: ٩٨] الآيَةَ» .

البقرة 2:98

قَوْلُهُ تَعالى ﴿وجِبْرِيلَ ومِيكالَ﴾ . (p-٤٨٣)أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: جِبْرِيلُ كَقَوْلِكَ: عَبْدُ اللَّهِ. جَبْرُ: عَبْدُ، وإيلُ: اللَّهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في ”شُعَبِ الإيمانِ“ والخَطِيبُ في ”المُتَّفِقِ والمُفْتَرِقِ“ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: جِبْرِيلُ عَبْدُ اللَّهِ ومِيكائِيلُ عُبَيْدُ اللَّهِ وكُلُّ اسْمٍ فِيهِ إيلُ فَهو مُعَبَّدٌ لِلَّهِ. وأخْرَجَ الدَّيْلَمِيُّ عَنْ أبِي أُمامَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «اسْمُ جِبْرِيلَ عَبْدُ اللَّهِ واسْمُ إسْرافِيلَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو الشَّيْخِ في “ العَظَمَةِ “ عَنْ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ قالَ: اسْمُ جِبْرِيلَ عَبْدُ اللَّهِ واسْمُ مِيكائِيلَ عُبَيْدُ اللَّهِ واسْمُ إسْرافِيلَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ، وكُلُّ شَيْءٍ راجِعٍ إلى إيلَ فَهو مُعَبَّدٌ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: جِبْرِيلُ اسْمُهُ عَبْدُ اللَّهِ ومِيكائِيلُ اسْمُهُ (p-٤٨٤)عُبَيْدُ اللَّهِ قالَ: والإلُّ اللَّهُ، وذَلِكَ قَوْلُهُ ﴿لا يَرْقُبُونَ في مُؤْمِنٍ إلا ولا ذِمَّةً﴾ [التوبة: ١٠] [ التَّوْبَةِ: ١٠ ] قالَ: لا يَرْقُبُونَ اللَّهَ. وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ يَحْيى بْنِ يَعْمَرَ أنَّهُ كانَ يَقْرَؤُها جَبْرَئِلَّ ويَقُولُ: جَبْرُ هو عَبْدٌ، وإلُّ هو اللَّهُ. وأخْرَجَ وكِيعٌ عَنْ عَلْقَمَةَ أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ مُثَقَّلَةً جَبْرَيِلَّ ومِيكائِلَّ. وأخْرَجَ وكِيعٌ، وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: جَبْرُ عَبْدٌ، وإيلُ اللَّهُ، ومِيكُ عَبْدٌ وإيلُ اللَّهُ، وإسْرافُ عَبْدٌ وإيلُ اللَّهُ. وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، وأبُو الشَّيْخِ في “ العَظَمَةِ “، والبَيْهَقِيُّ في ”شُعَبِ الإيمانِ“ بِسَنَدٍ حَسَنٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «بَيْنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ومَعَهُ جِبْرِيلُ يُناجِيهِ إذِ انْشَقَّ أُفُقُ السَّماءِ، فَأقْبَلَ جِبْرِيلُ يَتَضاءَلُ، ويَدْخُلُ بَعْضُهُ في بَعْضٍ، ويَدْنُو مِنَ الأرْضِ، فَإذا مَلَكٌ قَدْ مَثَلَ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: يا مُحَمَّدُ إنَّ رَبَّكَ يُقْرِئُكَ السَّلامَ، ويُخَيِّرُكَ بَيْنَ أنْ تَكُونَ نَبِيًّا مَلِكًا وبَيْنَ أنْ تَكُونَ نَبِيًّا عَبْدًا. قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:، فَأشارَ جِبْرِيلُ إلَيَّ بِيَدِهِ أنَّ تَواضَعْ، فَعَرَفْتُ أنَّهُ لِي ناصِحٌ، فَقُلْتُ: عَبْدٌ نَبِيٌّ، فَعَرَجَ ذَلِكَ المَلَكُ إلى السَّماءِ، فَقُلْتُ: يا جِبْرِيلُ، قَدْ كُنْتُ أرَدْتُ أنْ أسْألَكَ عَنْ هَذا فَرَأيْتُ مِن حالِكَ ما شَغَلَنِي عَنِ المَسْألَةِ، فَمَن هَذا يا جِبْرِيلُ؟ قالَ: هَذا إسْرافِيلُ خَلَقَهُ اللَّهُ يَوْمَ خَلَقَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ (p-٤٨٥)صافًّا قَدَمَيْهِ لا يَرْفَعُ طَرْفَهُ بَيْنَهُ وبَيْنَ الرَّبِّ سَبْعُونَ نُورًا، ما مِنها نُورٌ يَدْنُو مِنهُ إلّا احْتَرَقَ، بَيْنَ يَدَيْهِ اللَّوْحُ المَحْفُوظُ، فَإذا أذِنَ اللَّهُ في شَيْءٍ في السَّماءِ أوْ في الأرْضِ، ارْتَفَعَ ذَلِكَ اللَّوْحُ، فَضَرَبَ جَبْهَتَهُ؛ فَيَنْظُرُ فِيهِ، فَإنْ كانَ مِن عَمَلِي أمَرَنِي بِهِ، وإنْ كانَ مِن عَمَلِ مِيكائِيلَ أمَرَهُ بِهِ، وإنْ كانَ مِن عَمَلِ مَلَكِ المَوْتِ أمَرَهُ بِهِ، قُلْتُ: يا جِبْرِيلُ عَلى أيِّ شَيْءٍ أنْتَ؟ قالَ: عَلى الرِّياحِ والجُنُودِ. قُلْتُ: عَلى أيِّ شَيْءِ مِيكائِيلُ؟ قالَ: عَلى النَّباتِ والقَطْرِ. قُلْتُ: عَلى أيِّ شَيْءٍ مَلَكُ المَوْتِ؟ قالَ: عَلى قَبْضِ الأنْفُسِ، وما ظَنَنْتُ أنَّهُ هَبَطَ إلّا بِقِيامِ السّاعَةِ، وما ذاكَ الَّذِي رَأيْتَ مِنِّي إلّا خَوْفًا مِن قِيامِ السّاعَةِ» . وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «ألا أُخْبِرُكم بِأفْضَلِ المَلائِكَةِ، جِبْرِيلُ، وأفْضَلُ النَّبِيِّينَ آدَمُ، وأفْضَلُ الأيّامِ يَوْمُ الجُمُعَةِ، وأفْضَلُ الشُّهُورِ شَهْرُ رَمَضانَ، وأفْضَلُ اللَّيالِي لَيْلَةُ القَدْرِ، وأفْضَلُ النِّساءِ مَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرانَ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ في “ العَظَمَةِ “ عَنْ عَبْدِ العَزِيزِ بْنِ عُمَيْرٍ قالَ: اسْمُ جِبْرِيلَ في المَلائِكَةِ خادِمُ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ. وأخْرَجَ أبُو نُعَيْمٍ في “ الحِلْيَةِ “ عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: قالَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ: إنَّ (p-٤٨٦)رَبِّي عَزَّ وجَلَّ لَيَبْعَثُنِي عَلى الشَّيْءِ لِأُمْضِيَهُ فَأجِدُ الكَوْنَ قَدْ سَبَقَنِي إلَيْهِ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْ مُوسى بْنِ أبِي عائِشَةَ قالَ: بَلَغَنِي أنَّ جِبْرِيلَ إمامُ أهْلِ السَّماءِ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ قالَ: جِبْرِيلُ عَلى رِيحِ الجَنُوبِ. وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في ”شُعَبِ الإيمانِ“ عَنْ ثابِتٍ قالَ: بَلَغَنا أنَّ اللَّهَ تَعالى وكَّلَ جِبْرِيلَ بِحَوائِجِ النّاسِ، فَإذا دَعا المُؤْمِنُ، قالَ: يا جِبْرِيلُ احْبِسْ حاجَتَهُ، فَإنِّي أُحِبُّ دُعاءَهُ، وإذا دَعا الكافِرُ قالَ: يا جِبْرِيلُ اقْضِ حاجَتَهُ فَإنِّي أُبْغِضُ دُعاءَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ مِن طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدٍ قالَ: إنَّ جِبْرِيلَ مُوَكَّلٌ بِالحَوائِجِ، فَإذا سَألَ المُؤْمِنُ رَبَّهُ، قالَ: احْبِسِ احْبِسْ. حُبًّا لِدُعائِهِ أنْ يَزْدادَ، وإذا سَألَ الكافِرُ، قالَ: أعْطِهِ أعْطِهِ. بُغْضًا لِدُعائِهِ. وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ والصّابُونِيُّ في ”المِائَتَيْنِ“، عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «إنَّ جِبْرِيلَ مُوَكَّلٌ بِحاجاتِ العِبادِ، فَإذا دَعا المُؤْمِنُ قالَ: (p-٤٨٧)يا جِبْرِيلُ احْبِسْ حاجَةَ عَبْدِي، فَإنِّي أُحِبُّهُ، وأُحِبُّ صَوْتَهُ، وإذا دَعا الكافِرُ قالَ: يا جِبْرِيلُ اقْضِ حاجَةَ عَبْدِي، فَإنِّي أُبْغِضُهُ وأُبْغِضُ صَوْتَهُ» . وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ في “ العَظَمَةِ “ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: لِجِبْرِيلَ: ودِدْتُ أنِّي رَأيْتُكَ في صُورَتِكَ قالَ: وتُحِبُّ ذَلِكَ؟ قالَ: نَعَمْ، قالَ: مَوْعِدُكَ كَذا وكَذا مِنَ اللَّيْلِ بَقِيعَ الغَرْقَدِ. فَلَقِيَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَوْعِدَهُ، فَنَشَرَ جَناحًا مِن أجْنِحَتِهِ، فَسُدَّ أُفُقَ السَّماءِ حَتّى ما يُرى مِنَ السَّماءِ شَيْءٌ» . وأخْرَجَ أحْمَدُ، وأبُو الشَّيْخِ عَنْ عائِشَةَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «رَأيْتُ جِبْرِيلَ مُنْهَبِطًا، قَدْ مَلَأ ما بَيْنَ الخافِقَيْنِ، عَلَيْهِ ثِيابُ سُنْدُسٍ، مُعَلَّقٌ بِها اللُّؤْلُؤُ والياقُوتُ» . وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْ شُرَيْحِ بْنِ عُبَيْدٍ، «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمّا صَعِدَ إلى السَّماءِ رَأى جِبْرِيلَ في خِلْقَتِهِ، مَنظُومَ أجْنِحَتِهِ بِالزَّبَرْجَدِ واللُّؤْلُؤِ والياقُوتِ، قالَ: فَخُيِّلَ إلَيَّ أنَّ ما بَيْنَ عَيْنَيْهِ قَدْ سَدَّ الأُفُقَ، وكُنْتُ أراهُ قَبْلَ ذَلِكَ عَلى صُوَرٍ مُخْتَلِفَةٍ، وأكْثَرُ ما كُنْتُ أراهُ عَلى صُورَةِ دِحْيَةَ الكَلْبِيِّ، وكُنْتُ أحْيانًا أراهُ كَما يَرى الرَّجُلُ صاحِبَهُ مِن وراءِ الغِرْبالِ» . (p-٤٨٨)وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ حُذَيْفَةَ وقَتادَةَ، دَخَلَ حَدِيثُ بَعْضِهِمْ في بَعْضٍ: لِجِبْرِيلَ جَناحانِ وعَلَيْهِ وِشاحٌ مِن دَرٍّ مَنظُومٍ، وهو بَرّاقُ الثَّنايا، أجْلى الجَبِينِ ورَأْسُهُ حُبُكٌ حُبُكٌ مِثْلُ المَرْجانِ وهو اللُّؤْلُؤُ، كَأنَّهُ الثَّلْجُ وقَدَماهُ إلى الخُضْرَةِ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «ما بَيْنَ مَنكِبَيْ جِبْرِيلَ مَسِيرَةُ خَمْسِمِائَةِ عامٍ لِلطّائِرِ المُسْرِعِ الطَّيَرانَ» . وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْ وهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ، أنَّهُ سُئِلَ عَنْ خَلْقِ جِبْرِيلَ، فَذَكَرَ أنَّ ما بَيْنَ مَنكِبَيْهِ مِن ذِي إلى ذِي خَفْقُ الطَّيْرِ سَبْعَمِائَةِ عامٍ. وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، والبَيْهَقِيُّ في “ الدَّلائِلِ “ عَنْ عَمّارِ بْنِ أبِي عَمّارٍ، «أنَّ حَمْزَةَ بْنَ عَبْدِ المُطَّلِبِ قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، أرِنِي جِبْرِيلَ عَلى صُورَتِهِ، قالَ إنَّكَ لا تَسْتَطِيعُ أنْ تَراهُ، قالَ: بَلى فَأرِنِيهِ، قالَ: فاقْعُدْ، فَقَعَدَ فَنَزَلَ جِبْرِيلُ عَلى خَشَبَةٍ كانَتِ الكَعْبَةُ يُلْقِي المُشْرِكُونَ عَلَيْها ثِيابَهم إذا طافُوا، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: ارْفَعْ طَرْفَكَ، فانْظُرْ. فَرَفَعَ طَرْفَهُ فَرَأى قَدَمَيْهِ مِثْلَ الزَّبَرْجَدِ (p-٤٨٩)الأخْضَرِ فَخَرَّ مَغْشِيًّا عَلَيْهِ» . وأخْرَجَ ابْنُ المُبارَكِ في “ الزُّهْدِ “ عَنِ ابْنِ شِهابٍ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سَألَ جِبْرِيلَ أنْ يَتَرَيا لَهُ في صُورَتِهِ، فَقالَ جِبْرِيلُ: إنَّكَ لَنْ تُطِيقَ ذَلِكَ، قالَ: إنِّي أُحِبُّ أنْ تَفْعَلَ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى المُصَلّى في لَيْلَةٍ مُقْمِرَةٍ، فَأتاهُ جِبْرِيلُ في صُورَتِهِ فَغُشِيَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حِينَ رَآهُ، ثُمَّ أفاقَ وجِبْرِيلُ مُسْنِدُهُ وواضِعٌ إحْدى يَدَيْهِ عَلى صَدْرِهِ، والأُخْرى بَيْنَ كَتِفَيْهِ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ما كُنْتُ أرى أنَّ شَيْئًا مِنَ الخَلْقِ هَكَذا. فَقالَ جِبْرِيلُ: فَكَيْفَ لَوْ رَأيْتَ إسْرافِيلَ؟ إنَّ لَهُ لاثْنَيْ عَشَرَ جَناحًا، مِنها جَناحٌ في المَشْرِقِ وجَناحٌ في المَغْرِبِ، وإنَّ العَرْشَ عَلى كاهِلِهِ، وإنَّهُ لَيَتَضاءَلُ أحْيانًا لِعَظَمَةِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ حَتّى يَصِيرَ مِثْلَ الوَصْعِ، حَتّى ما يَحْمِلُ عَرْشَهُ إلّا عَظَمَتُهُ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي داوُدَ في ”المَصاحِفِ“ عَنْ أبِي جَعْفَرٍ قالَ: كانَ أبُو بَكْرٍ يَسْمَعُ مُناجاةَ جِبْرِيلَ لِلنَّبِيِّ ﷺ ولا يَراهُ. وأخْرَجَ الحاكِمُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «قالَ لِي النَّبِيُّ ﷺ لَمّا رَأيْتُ جِبْرِيلَ لَمْ يَرَهُ خَلْقٌ إلّا عَمِيَ إلّا أنْ يَكُونَ نَبِيًّا، ولَكِنْ أنْ يُجْعَلَ ذَلِكَ في آخِرِ عُمُرِكَ» . (p-٤٩٠)وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْ أبِي سَعِيدٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قالَ: «إنَّ في الجَنَّةِ لَنَهْرًا ما يَدْخُلُهُ جِبْرِيلُ مِن دَخْلَةٍ فَيَخْرُجَ فَيَنْتَفِضَ، إلّا خَلَقَ اللَّهُ مِن كُلِّ قَطْرَةٍ تَقْطُرُ مِنهُ مَلَكًا» . وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْ أبِي العَلاءِ بْنِ هارُونَ قالَ: لِجِبْرِيلَ في كُلِّ يَوْمٍ اغْتِماسَةٌ في نَهَرِ الكَوْثَرِ، ثُمَّ يَنْتَفِضُ فَكُلُّ قَطْرَةٍ يُخْلَقُ مِنها مَلَكٌ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: إنَّ جِبْرِيلَ لَيَأْتِينِي كَما يَأْتِي الرَّجُلُ صاحِبَهُ في ثِيابٍ بِيضٍ مَكْفُوفَةٍ بِاللُّؤْلُؤِ والياقُوتِ، رَأْسُهُ كالحُبُكِ وشَعْرُهُ كالمَرْجانِ، ولَوْنُهُ كالثَّلْجِ أجْلى الجَبِينِ، بَرّاقُ الثَّنايا، عَلَيْهِ وِشاحانِ مِن دُرٍّ مَنظُومٍ، وجَناحاهُ أخْضَرانِ، ورِجْلاهُ مَغْمُوسَتانِ في الخُضْرَةِ، وصُورَتُهُ الَّتِي صُوِّرَ عَلَيْها تَمْلَأُ ما بَيْنَ الأُفُقَيْنِ، وقَدْ قالَ ﷺ: أشْتَهِي أنْ أراكَ في صُورَتِكَ يا رُوحَ اللَّهِ. فَتَحَوَّلَ لَهُ فِيها فَسَدَّ ما بَيْنَ الأُفُقَيْنِ» . وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنْ أنَسٍ قالَ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِجِبْرِيلَ: هَلْ تَرى رَبَّكَ؟ قالَ: إنَّ بَيْنِي وبَيْنَهُ لَسَبْعِينَ حِجابًا مِن نارٍ أوْ نُورٍ (p-٤٩١)لَوْ رَأيْتُ أدْناهُ لاحْتَرَقْتُ» . وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ في “ الحِلْيَةِ “ بِسَنَدٍ واهٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، «أنَّ رَجُلًا مِنَ اليَهُودِ أتى النَّبِيَّ ﷺ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ هَلِ احْتَجَبَ اللَّهُ مِن خَلْقِهِ بِشَيْءٍ غَيْرِ السَّماواتِ؟ قالَ: نَعَمْ بَيْنَهُ وبَيْنَ المَلائِكَةِ الَّذِينَ حَوْلَ العَرْشِ سَبْعُونَ حِجابًا مِن نُورٍ، وسَبْعُونَ حِجابًا مِن نارٍ، وسَبْعُونَ حِجابًا مِن ظُلْمَةٍ، وسَبْعُونَ حِجابًا مِن رَفارِفِ الإسْتَبْرَقِ، وسَبْعُونَ حِجابًا مِن رَفارِفِ السُّنْدُسِ وسَبْعُونَ حِجابًا مِن دُرٍّ أبْيَضَ، وسَبْعُونَ حِجابًا مِن دُرٍّ أخْضَرَ، وسَبْعُونَ حِجابًا مِن دُرٍّ أحْمَرَ، وسَبْعُونَ حِجابًا مِن دُرٍّ أصْفَرَ، وسَبْعُونَ حِجابًا مِن دُرٍّ أخْضَرَ، وسَبْعُونَ حِجابًا مِن ضِياءٍ، وسَبْعُونَ حِجابًا مِن ثَلْجٍ، وسَبْعُونَ حِجابًا مِن ماءٍ، وسَبْعُونَ حِجابًا مِن بَرَدٍ، وسَبْعُونَ حِجابًا مِن عَظَمَةِ اللَّهِ الَّتِي لا تُوصَفُ. قالَ: فَأخْبِرْنِي عَنْ مَلَكِ اللَّهِ الَّذِي يَلِيهِ. فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: إنَّ المَلَكَ الَّذِي يَلِيهِ إسْرافِيلُ، ثُمَّ جِبْرِيلُ، ثُمَّ مِيكائِيلُ، ثُمَّ مَلَكُ المَوْتِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ» . وأخْرَجَ أحْمَدُ في “ الزُّهْدِ “ عَنْ أبِي عِمْرانَ الجَوْنِيِّ أنَّهُ بَلَغَهُ «أنَّ جِبْرِيلَ أتى النَّبِيَّ ﷺ وهو يَبْكِي، فَقالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: وما يُبْكِيكَ؟ قالَ: وما لِي لا أبْكِي، فَواللَّهِ ما جَفَّتْ لِي عَيْنٌ مُنْذُ خَلَقَ اللَّهُ النّارَ، مَخافَةَ أنْ أعْصِيَهُ (p-٤٩٢)فَيَقْذِفَنِي فِيها» . وأخْرَجَ أحْمَدُ في “ الزُّهْدِ “ عَنْ رَباحٍ قالَ: حُدِّثْتُ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ لِجِبْرِيلَ: لَمْ تَأْتِنِي إلّا وأنْتَ صارٌّ بَيْنَ عَيْنَيْكَ. قالَ: إنِّي لَمْ أضْحَكْ مُنْذُ خُلِقَتِ النّارُ» . وأخْرَجَ أحْمَدُ في ”مُسْنَدِهِ“، وأبُو الشَّيْخِ عَنْ أنَسٍ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ لِجِبْرِيلَ: ما لِي لَمْ أرَ مِيكائِيلَ ضاحِكًا قَطُّ؟ قالَ: ما ضَحِكَ مِيكائِيلُ مُنْذُ خُلِقَتِ النّارُ» . وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْ عَبْدِ العَزِيزِ بْنِ أبِي رَوّادٍ قالَ: نَظَرَ اللَّهُ إلى جِبْرِيلَ ومِيكائِيلَ وهُما يَبْكِيانِ فَقالَ اللَّهُ: ما يُبْكِيكُما وقَدْ عَلِمْتُما أنِّي لا أجُورُ؟ فَقالا: يا رَبِّ إنّا لا نَأْمَنُ مَكْرَكَ، قالَ: هَكَذا فافْعَلا فَإنَّهُ لا يَأْمَنُ مَكْرِي إلّا كُلُّ خاسِرٍ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ مِن طَرِيقِ اللَّيْثِ عَنْ خالِدٍ عَنْ سَعِيدٍ قالَ: بَلَغَنا أنَّ إسْرافِيلَ مُؤَذِّنُ أهْلِ السَّماءِ، فَيُؤَذِّنُ لِاثْنَتَيْ عَشْرَةَ ساعَةً مِنَ النَّهارِ، ولِاثْنَتَيْ (p-٤٩٣)عَشْرَةَ ساعَةً مِنَ اللَّيْلِ، لِكُلِّ ساعَةٍ تَأْذِينٌ يَسْمَعُ تَأْذِينَهُ مَن في السَّماواتِ السَّبْعِ ومَن في الأرَضِينَ السَّبْعِ إلّا الجِنَّ والإنْسَ، ثُمَّ يَتَقَدَّمُ بِهِمْ عَظِيمُ المَلائِكَةِ فَيُصَلِّي بِهِمْ، قالَ: وبَلَغَنا أنَّ مِيكائِيلَ يَؤُمُّ المَلائِكَةَ في البَيْتِ المَعْمُورِ. وأخْرَجَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ زَيْدِ بْنِ رُفَيْعٍ قالَ: «دَخَلَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ جِبْرِيلُ ومِيكائِيلُ وهو يَسْتاكُ، فَناوَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ جِبْرِيلَ السِّواكَ، فَقالَ جِبْرِيلُ: كَبِّرْ، قالَ التِّرْمِذِيُّ: ناوِلْ مِيكائِيلَ فَإنَّهُ أكْبَرُ» . وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْ عِكْرِمَةَ بْنِ خالِدٍ «أنَّ رَجُلًا قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، أيُّ الخَلْقِ أكْرَمُ عَلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ؟ قالَ: لا أدْرِي. فَجاءَهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ فَقالَ: يا جِبْرِيلُ أيُّ الخَلْقِ أكْرَمُ عَلى اللَّهِ؟ قالَ: لا أدْرِي. فَعَرَجَ جِبْرِيلُ ثُمَّ هَبَطَ فَقالَ: أكْرَمُ الخَلْقِ عَلى اللَّهِ جِبْرِيلُ ومِيكائِيلُ وإسْرافِيلُ ومَلَكُ المَوْتِ؛ فَأمّا جِبْرِيلُ فَصاحِبُ الحَرْبِ وصاحِبُ المُرْسَلِينَ، وأمّا مِيكائِيلُ فَصاحِبُ كُلِّ قَطْرَةٍ تَسْقُطُ وكُلِّ ورَقَةٍ تَنْبُتُ وكُلِّ ورَقَةٍ تَسْقُطُ، وأمّا مَلَكُ المَوْتِ فَهو مُوَكَّلٌ بِقَبْضِ كُلِّ رُوحِ عَبْدٍ في بَرٍّ أوْ بَحْرٍ، وأمّا إسْرافِيلُ فَأمِينُ اللَّهِ بَيْنَهُ وبَيْنَهم» . وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أقْرَبُ الخَلْقِ إلى اللَّهِ جِبْرِيلُ ومِيكائِيلُ وإسْرافِيلُ وهم مِنهُ مَسِيرَةَ خَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ (p-٤٩٤)جِبْرِيلُ عَنْ يَمِينِهِ ومِيكائِيلُ عَنْ يَسارِهِ وإسْرافِيلُ بَيْنَهُما» . وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْ خالِدِ بْنِ أبِي عِمْرانَ قالَ: جِبْرِيلُ أمِينُ اللَّهِ إلى رُسُلِهِ، ومِيكائِيلُ يَتَلَقّى الكُتُبَ الَّتِي تُرْفَعُ مِن أعْمالِ النّاسِ وإسْرافِيلُ كَمَنزِلَةِ الحاجِبِ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وأحْمَدُ، وابْنُ أبِي داوُدَ في ”المَصاحِفِ“، وأبُو الشَّيْخِ في العَظَمَةِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في “ البَعْثِ “ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إسْرافِيلُ صاحِبُ الصُّورِ وجِبْرِيلُ عَنْ يَمِينِهِ ومِيكائِيلُ عَنْ يَسارِهِ وهَمَزَهُما» . وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْ وهْبٍ قالَ: إنَّ أدْنى المَلائِكَةِ مِنَ اللَّهِ جِبْرِيلُ، ثُمَّ مِيكائِيلُ، فَإذا ذَكَرَ عَبْدًا بِأحْسَنِ عَمَلِهِ، قالَ: فُلانُ بْنُ فُلانٍ عَمِلَ كَذا وكَذا مِن طاعَتِي، صَلَواتِي عَلَيْهِ. ثُمَّ سَألَ مِيكائِيلُ جِبْرِيلَ: ما أحْدَثَ رَبُّنا؟ فَيَقُولُ: فُلانُ بْنُ فُلانٍ ذُكِرَ بِأحْسَنِ عَمَلِهِ، فَصَلّى عَلَيْهِ، صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ، ثُمَّ سَألَ (p-٤٩٥)مِيكائِيلَ مَن يَراهُ مِن أهْلِ السَّماءِ فَيَقُولُ: ماذا أحْدَثَ رَبُّنا؟ فَيَقُولُ: ذَكَرَ فُلانَ بْنَ فُلانٍ بِأحْسَنِ عَمَلِهِ، فَصَلّى عَلَيْهِ صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِ. فَلا يَزالُ يَقَعُ مِنَ سَماءٍ إلى سَماءٍ حَتّى يَقَعَ إلى الأرْضِ، وإذا ذَكَرَ عَبْدًا بِأسْوَأِ عَمَلِهِ، قالَ: عَبْدِي فُلانُ بْنُ فُلانٍ عَمِلَ كَذا وكَذا مِن مَعْصِيَتِي، فَلَعْنَتِي عَلَيْهِ، ثُمَّ سَألَ مِيكائِيلُ جِبْرِيلَ: ماذا أحْدَثَ رَبُّنا؟ فَيَقُولُ: ذَكَرَ فُلانَ بْنَ فُلانٍ بِأسْوَأِ عَمَلِهِ، فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ، فَلا يَزالُ يَقَعُ مِن سَماءٍ إلى سَماءٍ حَتّى يَقَعَ إلى الأرْضِ. وأخْرَجَ الحاكِمُ عَنْ أبِي سَعِيدٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «وزِيرايَ مِنَ السَّماءِ جِبْرِيلُ ومِيكائِيلُ، ومِن أهْلِ الأرْضِ أبُو بَكْرٍ وعُمَرُ» . وأخْرَجَ البَزّارُ، والطَّبَرانِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إنَّ اللَّهَ أيَّدَنِي بِأرْبَعَةِ وُزَراءَ؛ اثْنَيْنِ مِن أهْلِ السَّماءِ: جِبْرِيلُ ومِيكائِيلُ، واثْنَيْنِ مِن أهْلِ الأرْضِ: أبُو بَكْرٍ وعُمَرُ» . وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «إنَّ في السَّماءِ مَلَكَيْنِ أحَدُهُما يَأْمُرُ بِالشَّدَّةِ والآخَرُ يَأْمُرُ بِاللِّينِ، وكُلٌّ مُصِيبٌ- جِبْرِيلُ ومِيكائِيلُ - ونَبِيّانِ أحَدُهُما يَأْمُرُ بِاللِّينِ والآخَرُ يَأْمُرُ بِالشَّدِّهِ، وكُلٌّ مُصِيبٌ- وذَكَرَ (p-٤٩٦)إبْراهِيمَ ونُوحًا- ولِي صاحِبانِ أحَدُهُما يَأْمُرُ بِاللِّينِ والآخَرُ يَأْمُرُ بِالشَّدِّهِ، وكُلٌّ مُصِيبٌ- وذَكَرَ أبا بَكْرٍ وعُمَرَ» . وأخْرَجَ البَزّارُ، والطَّبَرانِيُّ في ”الأوْسَطِ“، والبَيْهَقِيُّ في “ الأسْماءِ والصِّفاتِ “ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قالَ: «جاءَ فِئامٌ مِنَ النّاسِ إلى النَّبِيِّ ﷺ فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، زَعَمَ أبُو بَكْرٍ أنَّ الحَسَناتِ مِنَ اللَّهِ والسَّيِّئاتِ مِنَ العِبادِ، وقالَ عُمَرُ: الحَسَناتُ والسَّيِّئاتُ مِنَ اللَّهِ، فَتابَعَ هَذا قَوْمٌ، وتابَعَ هَذا قَوْمٌ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: لَأقْضِيَنَّ بَيْنَكُما بِقَضاءِ إسْرافِيلَ بَيْنَ جِبْرِيلَ ومِيكائِيلَ؛ إنَّ مِيكائِيلَ قالَ بِقَوْلِ أبِي بَكْرٍ وقالَ جِبْرِيلُ بِقَوْلِ عَمَرَ، فَقالَ جِبْرِيلُ لِمِيكائِيلَ: إنّا مَتى نَخْتَلِفْ أهْلَ السَّماءِ يَخْتَلِفْ أهْلُ الأرْضِ، فَلْنَتَحاكَمْ إلى إسْرافِيلَ فَتَحاكَما إلَيْهِ، فَقَضى بَيْنَهُما بِحَقِيقَةِ القَدَرِ؛ خَيْرِهِ وشَرِّهِ، وحُلْوِهِ ومُرِّهِ، كُلُّهُ مِنَ اللَّهِ. ثُمَّ قالَ: يا أبا بَكْرٍ، إنَّ اللَّهَ لَوْ أرادَ أنْ لا يُعْصى لَمْ يَخْلُقْ إبْلِيسَ. فَقالَ أبُو بَكْرٍ: صَدَقَ اللَّهُ ورَسُولُهُ» . (p-٤٩٧)وأخْرَجَ الحاكِمُ عَنْ أبِي المَلِيحِ، عَنْ أبِيهِ، «أنَّهُ صَلّى مَعَ النَّبِيِّ ﷺ رَكْعَتَيِ الفَجْرِ، فَصَلّى النَّبِيُّ ﷺ رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ، قالَ: فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: اللَّهُمَّ رَبَّ جِبْرِيلَ ومِيكائِيلَ وإسْرافِيلَ ومُحَمَّدٍ، أعُوذُ بِكَ مِنَ النّارِ. ثَلاثَ مَرّاتٍ» . وأخْرَجَ أحْمَدُ في “ الزُّهْدِ “ عَنْ عائِشَةَ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ أُغْمِيَ عَلَيْهِ ورَأْسُهُ في حَجْرِها، فَجَعَلَتْ تَمْسَحُ وجْهَهُ وتَدْعُو لَهُ بِالشِّفاءِ، فَلَمّا أفاقَ قالَ: لا بَلْ أسْألُ اللَّهَ الرَّفِيقَ الأعْلى، مَعَ جِبْرِيلَ ومِيكائِيلَ وإسْرافِيلَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ» .

البقرة 2:99

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ أنْزَلْنا إلَيْكَ آياتٍ بَيِّناتٍ﴾ الآياتِ. أخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «قالَ ابْنُ صُورِيا لِلنَّبِيِّ ﷺ: يا مُحَمَّدُ، ما جِئْتَنا بِشَيْءٍ نَعْرِفُهُ، ما أنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ مِن آيَةٍ بَيِّنَةٍ. فَأنْزَلَ اللَّهُ في ذَلِكَ: ﴿ولَقَدْ أنْزَلْنا إلَيْكَ آياتٍ بَيِّناتٍ وما يَكْفُرُ بِها إلا الفاسِقُونَ﴾ وقالَ مالِكُ بْنُ الصَّيْفِ: حِينَ بُعِثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وذَكَّرَهم ما أُخِذَ عَلَيْهِمْ مِنَ المِيثاقِ وما عُهِدَ إلَيْهِمْ في مُحَمَّدٍ: واللَّهِ ما عُهِدَ إلَيْنا في مُحَمَّدٍ ولا أخَذَ عَلَيْنا مِيثاقًا. فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿أوَكُلَّما عاهَدُوا عَهْدًا﴾ الآيَةَ» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ مِن طَرِيقِ الضَّحّاكِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ أنْزَلْنا إلَيْكَ آياتٍ بَيِّناتٍ﴾ (p-٤٩٨)يَقُولُ: فَأنْتَ تَتْلُوهُ عَلَيْهِمْ وتُخْبِرُهم بِهِ غُدْوَةً وعَشِيَّةً وبَيْنَ ذَلِكَ، وأنْتَ عِنْدَهم أُمِّيٌّ لَمْ تَقْرَأْ كِتابًا، وأنْتَ تُخْبِرُهم بِما في أيْدِيهِمْ عَلى وجْهِهِ، فَفي ذَلِكَ عِبْرَةٌ لَهم وبَيانٌ وحُجَّةٌ عَلَيْهِمْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿نَبَذَهُ﴾ قالَ: نَقَضَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ في قَوْلِهِ: ﴿نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنهُمْ﴾ قالَ: لَمْ يَكُنْ في الأرْضِ عَهْدٌ يُعاهِدُونَ عَلَيْهِ إلّا نَقَضُوهُ، ويُعاهِدُونَ اليَوْمَ ويَنْقُضُونَ غَدًا. قالَ: وفي قِراءَةِ عَبْدِ اللَّهِ: (نَقَضَهُ فَرِيقٌ مِنهُمْ) . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿ولَمّا جاءَهم رَسُولٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ﴾ الآيَةَ، قالَ: ولَمّا جاءَهم مُحَمَّدٌ ﷺ عارَضُوهُ بِالتَّوْراةِ، فاتَّفَقَتِ التَّوْراةُ والقُرْآنُ، فَنَبَذُوا التَّوْراةَ وأخَذُوا بِكِتابِ آصَفَ وسِحْرِ هارُوتَ ومارُوتَ، كَأنَّهم لا يَعْلَمُونَ ما في التَّوْراةِ مِنَ الأمْرِ بِاتِّباعِ مُحَمَّدٍ ﷺ وتَصْدِيقِهِ.

البقرة 2:100

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ أنْزَلْنا إلَيْكَ آياتٍ بَيِّناتٍ﴾ الآياتِ. أخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «قالَ ابْنُ صُورِيا لِلنَّبِيِّ ﷺ: يا مُحَمَّدُ، ما جِئْتَنا بِشَيْءٍ نَعْرِفُهُ، ما أنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ مِن آيَةٍ بَيِّنَةٍ. فَأنْزَلَ اللَّهُ في ذَلِكَ: ﴿ولَقَدْ أنْزَلْنا إلَيْكَ آياتٍ بَيِّناتٍ وما يَكْفُرُ بِها إلا الفاسِقُونَ﴾ وقالَ مالِكُ بْنُ الصَّيْفِ: حِينَ بُعِثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وذَكَّرَهم ما أُخِذَ عَلَيْهِمْ مِنَ المِيثاقِ وما عُهِدَ إلَيْهِمْ في مُحَمَّدٍ: واللَّهِ ما عُهِدَ إلَيْنا في مُحَمَّدٍ ولا أخَذَ عَلَيْنا مِيثاقًا. فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿أوَكُلَّما عاهَدُوا عَهْدًا﴾ الآيَةَ» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ مِن طَرِيقِ الضَّحّاكِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ أنْزَلْنا إلَيْكَ آياتٍ بَيِّناتٍ﴾ (p-٤٩٨)يَقُولُ: فَأنْتَ تَتْلُوهُ عَلَيْهِمْ وتُخْبِرُهم بِهِ غُدْوَةً وعَشِيَّةً وبَيْنَ ذَلِكَ، وأنْتَ عِنْدَهم أُمِّيٌّ لَمْ تَقْرَأْ كِتابًا، وأنْتَ تُخْبِرُهم بِما في أيْدِيهِمْ عَلى وجْهِهِ، فَفي ذَلِكَ عِبْرَةٌ لَهم وبَيانٌ وحُجَّةٌ عَلَيْهِمْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿نَبَذَهُ﴾ قالَ: نَقَضَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ في قَوْلِهِ: ﴿نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنهُمْ﴾ قالَ: لَمْ يَكُنْ في الأرْضِ عَهْدٌ يُعاهِدُونَ عَلَيْهِ إلّا نَقَضُوهُ، ويُعاهِدُونَ اليَوْمَ ويَنْقُضُونَ غَدًا. قالَ: وفي قِراءَةِ عَبْدِ اللَّهِ: (نَقَضَهُ فَرِيقٌ مِنهُمْ) . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿ولَمّا جاءَهم رَسُولٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ﴾ الآيَةَ، قالَ: ولَمّا جاءَهم مُحَمَّدٌ ﷺ عارَضُوهُ بِالتَّوْراةِ، فاتَّفَقَتِ التَّوْراةُ والقُرْآنُ، فَنَبَذُوا التَّوْراةَ وأخَذُوا بِكِتابِ آصَفَ وسِحْرِ هارُوتَ ومارُوتَ، كَأنَّهم لا يَعْلَمُونَ ما في التَّوْراةِ مِنَ الأمْرِ بِاتِّباعِ مُحَمَّدٍ ﷺ وتَصْدِيقِهِ.

البقرة 2:101

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ أنْزَلْنا إلَيْكَ آياتٍ بَيِّناتٍ﴾ الآياتِ. أخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «قالَ ابْنُ صُورِيا لِلنَّبِيِّ ﷺ: يا مُحَمَّدُ، ما جِئْتَنا بِشَيْءٍ نَعْرِفُهُ، ما أنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ مِن آيَةٍ بَيِّنَةٍ. فَأنْزَلَ اللَّهُ في ذَلِكَ: ﴿ولَقَدْ أنْزَلْنا إلَيْكَ آياتٍ بَيِّناتٍ وما يَكْفُرُ بِها إلا الفاسِقُونَ﴾ وقالَ مالِكُ بْنُ الصَّيْفِ: حِينَ بُعِثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وذَكَّرَهم ما أُخِذَ عَلَيْهِمْ مِنَ المِيثاقِ وما عُهِدَ إلَيْهِمْ في مُحَمَّدٍ: واللَّهِ ما عُهِدَ إلَيْنا في مُحَمَّدٍ ولا أخَذَ عَلَيْنا مِيثاقًا. فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿أوَكُلَّما عاهَدُوا عَهْدًا﴾ الآيَةَ» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ مِن طَرِيقِ الضَّحّاكِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ أنْزَلْنا إلَيْكَ آياتٍ بَيِّناتٍ﴾ (p-٤٩٨)يَقُولُ: فَأنْتَ تَتْلُوهُ عَلَيْهِمْ وتُخْبِرُهم بِهِ غُدْوَةً وعَشِيَّةً وبَيْنَ ذَلِكَ، وأنْتَ عِنْدَهم أُمِّيٌّ لَمْ تَقْرَأْ كِتابًا، وأنْتَ تُخْبِرُهم بِما في أيْدِيهِمْ عَلى وجْهِهِ، فَفي ذَلِكَ عِبْرَةٌ لَهم وبَيانٌ وحُجَّةٌ عَلَيْهِمْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿نَبَذَهُ﴾ قالَ: نَقَضَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ في قَوْلِهِ: ﴿نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنهُمْ﴾ قالَ: لَمْ يَكُنْ في الأرْضِ عَهْدٌ يُعاهِدُونَ عَلَيْهِ إلّا نَقَضُوهُ، ويُعاهِدُونَ اليَوْمَ ويَنْقُضُونَ غَدًا. قالَ: وفي قِراءَةِ عَبْدِ اللَّهِ: (نَقَضَهُ فَرِيقٌ مِنهُمْ) . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿ولَمّا جاءَهم رَسُولٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ﴾ الآيَةَ، قالَ: ولَمّا جاءَهم مُحَمَّدٌ ﷺ عارَضُوهُ بِالتَّوْراةِ، فاتَّفَقَتِ التَّوْراةُ والقُرْآنُ، فَنَبَذُوا التَّوْراةَ وأخَذُوا بِكِتابِ آصَفَ وسِحْرِ هارُوتَ ومارُوتَ، كَأنَّهم لا يَعْلَمُونَ ما في التَّوْراةِ مِنَ الأمْرِ بِاتِّباعِ مُحَمَّدٍ ﷺ وتَصْدِيقِهِ.

البقرة 2:102

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واتَّبَعُوا ما تَتْلُو الشَّياطِينُ﴾ الآيَةَ. (p-٤٩٩)أخْرَجَ سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: إنَّ الشَّياطِينَ كانُوا يَسْتَرِقُونَ السَّمْعَ مِنَ السَّماءِ، فَإذا سَمِعَ أحَدُهم بِكَلِمَةِ حَقٍّ كَذَبَ مَعَها ألْفَ كَذْبَةٍ، فَأُشْرِبَتْها قُلُوبُ النّاسِ، واتَّخَذُوها دَواوِينَ، فَأطْلَعَ اللَّهُ عَلى ذَلِكَ سُلَيْمانَ بْنَ داوُدَ، فَأخَذَها فَدَفَنَها تَحْتَ الكُرْسِيِّ، فَلَمّا ماتَ سُلَيْمانُ قامَ شَيْطانٌ بِالطَّرِيقِ فَقالَ: ألا أدُلُّكم عَلى كَنْزِ سُلَيْمانَ الَّذِي لا كَنْزَ لِأحَدٍ مِثْلُ كَنْزِهِ المُمَنَّعِ؟ قالُوا: نَعَمْ. فَأخْرَجُوهُ، فَإذا هو سِحْرٌ فَتَناسَخَتْها الأُمَمُ وأنْزَلَ اللَّهُ عُذْرَ سُلَيْمانَ فِيما قالُوا مِنَ السِّحْرِ فَقالَ: ﴿واتَّبَعُوا ما تَتْلُو الشَّياطِينُ عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ﴾ الآيَةَ. وأخْرَجَ النَّسائِيُّ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانَ آصَفُ كاتِبَ سُلَيْمانَ، وكانَ يَعْلَمُ الِاسْمَ الأعْظَمَ، وكانَ يَكْتُبُ كُلَّ شَيْءٍ بِأمْرِ سُلَيْمانَ، ويَدْفِنُهُ تَحْتَ كُرْسِيِّهِ، فَلَمّا ماتَ سُلَيْمانُ أخْرَجَتْهُ الشَّياطِينُ، فَكَتَبُوا بَيْنَ كُلِّ سَطْرَيْنِ سِحْرًا وكُفْرًا، وقالُوا: هَذا الَّذِي كانَ سُلَيْمانُ يَعْمَلُ بِها. فَأكْفَرَهُ جُهّالُ النّاسِ، وسَبُّوهُ، ووَقَفَ عُلَماؤُهُمْ، فَلَمْ يَزَلْ جُهّالُهم يَسُبُّونَهُ حَتّى أنْزَلَ اللَّهُ عَلى مُحَمَّدٍ: ﴿واتَّبَعُوا ما تَتْلُو الشَّياطِينُ﴾ الآيَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: لَمّا ذَهَبَ مُلْكُ سُلَيْمانَ ارْتَدَّ فِئامٌ مِنَ (p-٥٠٠)الجِنِّ والإنْسِ واتَّبَعُوا الشَّهَواتِ، فَلَمّا رَجَعَ إلى سُلَيْمانَ مُلْكُهُ، وقامَ النّاسُ عَلى الدِّينِ، ظَهَرَ عَلى كُتُبِهِمْ فَدَفَنَها تَحْتَ كُرْسِيِّهِ، وتُوُفِّيَ حِدْثانَ ذَلِكَ، فَظَهَرَ الجِنُّ والإنْسُ عَلى الكُتُبِ بَعْدَ وفاةِ سُلَيْمانَ، وقالُوا: هَذا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ نَزَلَ عَلى سُلَيْمانَ أخْفاهُ مِنّا. فَأخَذُوهُ فَجَعَلُوهُ دِينًا، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿واتَّبَعُوا ما تَتْلُو الشَّياطِينُ﴾ أيِ الشَّهَواتِ الَّتِي كانَتِ الشَّياطِينُ تَتْلُو، وهي المَعازِفُ واللَّعِبُ وكُلُّ شَيْءٍ يَصُدُّ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانَ سُلَيْمانُ إذا أرادَ أنْ يَدْخُلَ الخَلاءَ أوْ يَأْتِيَ شَيْئًا مِن شَأْنِهِ، أعْطى الجَرادَةَ- وهي امْرَأتُهُ- خاتَمَهُ فَلَمّا أرادَ اللَّهُ أنْ يَبْتَلِيَ سُلَيْمانَ بِالَّذِي ابْتَلاهُ بِهِ أعْطى الجَرادَةَ ذاتَ يَوْمٍ خاتَمَهُ فَجاءَ الشَّيْطانُ في صُورَةِ سُلَيْمانَ فَقالَ لَها: هاتِي خاتَمِي. فَأخَذَهُ فَلَبِسَهُ، فَلَمّا لَبِسَهُ دانَتْ لَهُ الشَّياطِينُ والجِنُّ والإنْسُ فَجاءَها سُلَيْمانُ فَقالَ: هاتِي خاتَمِي. فَقالَتْ: كَذَبْتَ لَسْتَ سُلَيْمانَ. فَعَرَفَ أنَّهُ بَلاءٌ ابْتُلِيَ بِهِ، فانْطَلَقَتِ الشَّياطِينُ فَكَتَبَتْ في تِلْكَ الأيّامِ كُتُبًا فِيها سِحْرٌ وكُفْرٌ، ثُمَّ دَفَنُوها تَحْتَ كُرْسِيِّ سُلَيْمانَ، ثُمَّ أخْرَجُوها فَقَرَءُوها عَلى النّاسِ، وقالُوا: إنَّما كانَ سُلَيْمانُ يَغْلِبُ النّاسَ بِهَذِهِ الكُتُبِ، فَبَرِئَ النّاسُ مِن سُلَيْمانَ وأكْفَرُوهُ، حَتّى بَعَثَ اللَّهُ مُحَمَّدًا ﷺ وأنْزَلَ عَلَيْهِ ﴿وما كَفَرَ سُلَيْمانُ ولَكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا﴾ . (p-٥٠١)وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ قالَ: قالَ اليَهُودُ: انْظُرُوا إلى مُحَمَّدٍ، يَخْلِطُ الحَقَّ بِالباطِلِ، يَذْكُرُ سُلَيْمانَ مَعَ الأنْبِياءِ، إنَّما كانَ ساحِرًا يَرْكَبُ الرِّيحَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿واتَّبَعُوا ما تَتْلُو الشَّياطِينُ﴾ الآيَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أبِي العالِيَةِ قالَ: «إنَّ اليَهُودَ سَألُوا النَّبِيَّ ﷺ زَمانًا عَنْ أُمُورٍ مِنَ التَّوْراةِ، لا يَسْألُونَهُ عَنْ شَيْءٍ مِن ذَلِكَ إلّا أنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ ما سَألُوا عَنْهُ، فَيَخْصِمُهُمْ، فَلَمّا رَأوْا ذَلِكَ قالُوا: هَذا أعْلَمُ بِما أُنْزِلَ عَلَيْنا مِنّا، وإنَّهم سَألُوهُ عَنِ السِّحْرِ وخاصَمُوهُ بِهِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿واتَّبَعُوا ما تَتْلُو الشَّياطِينُ﴾ الآيَةَ، وأنَّ الشَّياطِينَ عَمَدُوا إلى كِتابٍ فَكَتَبُوا فِيهِ السِّحْرَ والكِهانَةَ وما شاءَ اللَّهُ مِن ذَلِكَ، فَدَفَنُوهُ تَحْتَ مَجْلِسِ سُلَيْمانَ، وكانَ سُلَيْمانُ لا يَعْلَمُ الغَيْبَ، فَلَمّا فارَقَ سُلَيْمانُ الدُّنْيا اسْتَخْرَجُوا ذَلِكَ السِّحْرَ، وخَدَعُوا بِهِ النّاسَ، وقالُوا: هَذا عِلْمٌ كانَ سُلَيْمانُ يَكْتُمُهُ، ويَحْسُدُ النّاسَ عَلَيْهِ فَأخْبَرَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ بِهَذا الحَدِيثِ، فَرَجَعُوا مِن عِنْدِهِ وقَدْ حَزِنُوا وأدْحَضَ اللَّهُ حُجَّتَهم» . (p-٥٠٢)وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ عَنْ خُصَيْفٍ قالَ: كانَ لِسُلَيْمانَ إذا نَبَتَتِ الشَّجَرَةُ قالَ: لِأيِّ داءٍ أنْتَ؟ فَتَقُولُ: لِكَذا وكَذا. فَلَمّا نَبَتَتِ شَجَرَةُ الخُرْنُوبَةِ قالَ: لِأيِّ شَيْءٍ أنْتَ؟ قالَتْ: لِمَسْجِدِكَ أُخَرِّبُهُ، فَلَمْ يَلْبَثْ أنْ تُوُفِّيَ، فَكَتَبَ الشَّياطِينُ كِتابًا، فَجَعَلُوهُ في مُصَلًّى سُلَيْمانَ، فَقالُوا: نَحْنُ نَدُلُّكم عَلى ما كانَ سُلَيْمانُ يُداوِي بِهِ، فانْطَلَقُوا فاسْتَخْرَجُوا ذَلِكَ الكِتابَ، فَإذا فِيهِ سِحْرٌ ورُقًى فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿واتَّبَعُوا ما تَتْلُو الشَّياطِينُ﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿وما أُنْزِلَ عَلى المَلَكَيْنِ﴾ وذُكِرَ أنَّها في قِراءَةِ أُبَيٍّ (وما يُتْلى عَلى المَلَكَيْنِ) ﴿بِبابِلَ هارُوتَ ومارُوتَ وما يُعَلِّمانِ مِن أحَدٍ حَتّى يَقُولا إنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ﴾ سَبْعَ مِرارٍ فَإنْ أبى إلّا أنْ يَكْفُرَ عَلَّماهُ، فَيَخْرُجُ مِنهُ نُورٌ حَتّى يَسْطَعَ في السَّماءِ، قالَ: المَعْرِفَةُ الَّتِي كانَ يَعْرِفُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ أبِي مِجْلَزٍ قالَ: أخَذَ سُلَيْمانُ مِن كُلِّ دابَّةٍ عَهْدًا، فَإذا أُصِيبَ رَجُلٌ فَسَألَ بِذَلِكَ العَهْدِ، خُلِّيَ عَنْهُ، فَزادَ النّاسُ السَّجْعَ والسِّحْرَ، وقالُوا: هَذا كانَ يَعْمَلُ بِهِ سُلَيْمانُ، فَقالَ اللَّهُ: ﴿وما كَفَرَ سُلَيْمانُ﴾ الآيَةَ. (p-٥٠٣)وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وما تَتْلُو﴾ [يونس: ٦١] قالَ: ما تَتَّبِعُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عَطاءٍ في قَوْلِهِ: ﴿ما تَتْلُو الشَّياطِينُ﴾ قالَ: نُراهُ ما تُحَدِّثُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ في قَوْلِهِ: ﴿عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ﴾ يَقُولُ: في مُلْكِ سُلَيْمانَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وما كَفَرَ سُلَيْمانُ﴾ يَقُولُ: ما كانَ عَنْ مَشُورَتِهِ ولا رِضًا مِنهُ، ولَكِنَّهُ شَيْءٌ افْتَعَلَتْهُ الشَّياطِينُ دُونَهُ ﴿يُعَلِّمُونَ النّاسَ السِّحْرَ وما أُنْزِلَ عَلى المَلَكَيْنِ﴾ فالسِّحْرُ سِحْرانِ، سِحْرٌ تُعَلِّمُهُ الشَّياطِينُ وسِحْرٌ يُعَلِّمُهُ هارُوتُ ومارُوتُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿وما أُنْزِلَ عَلى المَلَكَيْنِ﴾ قالَ: هَذا سِحْرٌ خاصَمُوهُ بِهِ؛ فَإنَّ كَلامَ المَلائِكَةِ فِيما بَيْنَهم إذا عَلِمَتْهُ الإنْسُ فَصُنِعَ وعُمِلَ بِهِ كانَ سِحْرًا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: أمّا السِّحْرُ فَإنَّما تُعَلِّمُهُ الشَّياطِينُ، وأمّا الَّذِي يُعَلِّمُهُ المَلَكانِ فالتَّفْرِيقُ بَيْنَ المَرْءِ وزَوْجِهِ. (p-٥٠٤)وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وما أُنْزِلَ عَلى المَلَكَيْنِ﴾ قالَ: التَّفْرِيقُ بَيْنَ المَرْءِ وزَوْجِهِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وما أُنْزِلَ عَلى المَلَكَيْنِ﴾ قالَ: لَمْ يُنْزِلِ اللَّهُ السِّحْرَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عَلِيٍّ في الآيَةِ قالَ: هُما مَلَكانِ مِن مَلائِكَةِ السَّماءِ. وأخْرَجَهُ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ مِن وجْهٍ آخَرَ عَنْهُ مَرْفُوعًا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أبْزى، أنَّهُ كانَ يَقْرَؤُها (وما أُنْزِلَ عَلى المَلِكَيْنِ داوُدَ وسُلَيْمانَ) . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الضَّحّاكِ، أنَّهُ قَرَأ (وما أُنْزِلَ عَلى المَلِكَيْنِ) وقالَ: هُما عِلْجانِ مِن أهْلِ بابِلَ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ في ”تارِيخِهِ“، وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿وما أُنْزِلَ عَلى المَلَكَيْنِ﴾ (p-٥٠٥)يَعْنِي جِبْرِيلَ ومِيكائِيلَ ﴿بِبابِلَ هارُوتَ ومارُوتَ﴾ يَعْلَمانِ النّاسَ السِّحْرَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عَطِيَّةَ ﴿وما أُنْزِلَ عَلى المَلَكَيْنِ﴾ قالَ: ما أُنْزِلَ عَلى جِبْرِيلَ ومِيكائِيلَ السِّحْرُ. * * قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِبابِلَ﴾ . أخْرَجَ أبُو داوُدَ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في ”سُنَنِهِ“، عَنْ عَلِيٍّ قالَ: «إنَّ حَبِيبِي ﷺ نَهانِي أنْ أُصَلِّيَ بِأرْضِ بابِلَ فَإنَّها مَلْعُونَةٌ» . وأخْرَجَ الدِّينَوَرِيُّ في ”المُجالَسَةِ“، وابْنُ عَساكِرَ مِن طَرِيقِ نُعَيْمِ بْنِ سالِمٍ - وهو مُتَّهَمٌ - عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ قالَ: لَمّا حَشَرَ اللَّهُ الخَلائِقَ إلى بابِلَ بَعَثَ إلَيْهِمْ رِيحًا شَرْقِيَّةً وغَرْبِيَّةً وقِبْلِيَّةً وبَحْرِيَّةً، فَجَمَعَتْهم إلى بابِلَ، فاجْتَمَعُوا يَوْمَئِذٍ يَنْظُرُونَ لِما حُشِرُوا لَهُ، إذْ نادى مُنادٍ: مَن جَعَلَ المَغْرِبَ عَنْ يَمِينِهِ والمَشْرِقَ عَنْ يَسارِهِ، واقْتَصَدَ إلى البَيْتِ الحَرامِ بِوَجْهِهِ، فَلَهُ كَلامُ أهْلِ السَّماءِ، فَقامَ يَعْرُبُ بْنُ قَحْطانَ فَقِيلَ لَهُ: يا يَعْرُبُ بْنَ قَحْطانَ بْنِ هُودٍ، أنْتَ هو. فَكانَ أوَّلَ مَن تَكَلَّمَ بِالعَرَبِيَّةِ، فَلَمْ يَزَلِ المُنادِي يُنادِي: مَن فَعَلَ كَذا وكَذا فَلَهُ كَذا وكَذا، حَتّى افْتَرَقُوا عَلى اثْنَيْنِ وسَبْعِينَ لِسانًا، وانْقَطَعَ الصَّوْتُ، وتَبَلْبَلَتِ الألْسُنُ فَسُمِّيَتْ بابِلَ، وكانَ اللِّسانُ يَوْمَئِذٍ بابِلِيًّا، وهَبَطَتْ مَلائِكَةُ الخَيْرِ والشَّرِّ، ومَلائِكَةُ الحَياءِ والإيمانِ (p-٥٠٦)ومَلائِكَةُ الصِّحَّةِ والشِّفاءِ، ومَلائِكَةُ الغِنى، ومَلائِكَةُ الشَّرَفِ، ومَلائِكَةُ المُرُوءَةِ، ومَلائِكَةُ الجَفاءِ، ومَلائِكَةُ الجَهْلِ، ومَلائِكَةُ السَّيْفِ، ومَلائِكَةُ البَأْسِ، حَتّى انْتَهَوْا إلى العِراقِ، فَقالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: افْتَرِقُوا، فَقالَ مَلَكُ الإيمانِ: أنا أسْكُنُ المَدِينَةَ ومَكَّةَ، فَقالَ مَلَكُ الحَياءِ: أنا مَعَكَ، وقالَ مَلَكُ الشِّفاءِ: أنا أسْكُنُ البادِيَةَ، فَقالَ مَلَكُ الصِّحَّةِ: وأنا مَعَكَ، وقالَ مَلَكُ الجَفاءِ: وأنا أسْكُنُ المَغْرِبَ، فَقالَ مَلَكُ الجَهْلِ: وأنا مَعَكَ، وقالَ مَلَكُ السَّيْفِ: أنا أسْكُنُ الشّامَ، فَقالَ مَلَكُ البَأْسِ: وأنا مَعَكَ، وقالَ مَلَكُ الغِنى: أنا أُقِيمُ هَهُنا، فَقالَ مَلَكُ المُرُوءَةِ: أنا مَعَكَ، فَقالَ مَلَكُ الشَّرَفِ: وأنا مَعَكُما، فاجْتَمَعَ مَلَكُ الغِنى والمُرُوءَةِ والشَّرَفِ بِالعِراقِ. وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ بِسَنَدٍ فِيهِ مَجاهِيلُ عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها قالَتْ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ خَلَقَ أرْبَعَةَ أشْياءَ، وأرْدَفَها أرْبَعَةَ أشْياءَ؛ خَلَقَ الجَدْبَ وأرْدَفَهُ الزُّهْدَ وأسْكَنَهُ الحِجازَ، وخَلَقَ العِفَّةَ وأرْدَفَها الغَفْلَةَ وأسْكَنَها اليَمَنَ، وخَلَقَ الرِّزْقَ وأرْدَفَهُ الطّاعُونَ وأسْكَنَهُ الشّامَ، وخَلَقَ الفُجُورَ وأرْدَفَهُ الدِّرْهَمَ وأسْكَنَهُ العِراقَ» . وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ عَنْ سُلَيْمانَ بْنِ يَسارَ قالَ: كَتَبَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ إلى كَعْبِ الأحْبارِ: أنِ اخْتَرْ لِي المَنازِلَ، فَكَتَبَ إلَيْهِ: يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ إنَّهُ بَلَغَنا أنَّ (p-٥٠٧)الأشْياءَ اجْتَمَعَتْ، فَقالَ السَّخاءُ: أُرِيدُ اليَمَنَ، فَقالَ حُسْنُ الخُلُقِ: أنا مَعَكَ، وقالَ الجَفاءُ: أُرِيدُ الحِجازَ، فَقالَ الفَقْرُ: أنا مَعَكَ، قالَ البَأْسُ: أُرِيدُ الشّامَ، فَقالَ السَّيْفُ: أنا مَعَكَ، وقالَ العِلْمُ: أُرِيدُ العِراقَ، فَقالَ العَقْلُ: أنا مَعَكَ، وقالَ الغِنى: أُرِيدُ مِصْرَ، فَقالَ الذُّلُّ: أنا مَعَكَ، فاخْتَرْ لِنَفْسِكَ يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ. فَلَمّا ورَدَ الكِتابُ عَلى عُمَرَ قالَ: العِراقُ إذَنْ، فالعِراقُ إذَنْ. وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ عَنْ حَكِيمِ بْنِ جابِرٍ قالَ: أُخْبِرْتُ أنَّ الإسْلامَ قالَ: أنا لاحِقٌ بِأرْضِ الشّامِ، قالَ المَوْتُ: وأنا مَعَكَ، قالَ المُلْكُ: وأنا لاحِقٌ بِأرْضِ العِراقِ، قالَ القَتْلُ: وأنا مَعَكَ، قالَ الجُوعُ: وأنا لاحِقٌ بِأرْضِ المَغْرِبِ، قالَتِ الصِّحَّةُ: وأنا مَعَكَ. وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ عَنْ دَغْفَلٍ قالَ: قالَ المالُ: أنا أسْكُنُ العِراقَ، فَقالَ الغَدْرُ: أنا أسْكُنُ مَعَكَ، وقالَتِ الطّاعَةَ: أنا أسْكُنُ الشّامَ، فَقالَ الجَفاءُ: أنا أُسْكِنُ مَعَكَ، وقالَتِ المُرُوءَةُ: أنا أسْكُنُ الحِجازَ، فَقالَ: وأنا أسْكُنُ مَعَكَ. * * قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هارُوتَ ومارُوتَ﴾ . قَدْ تَقَدَّمَ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ في قِصَّةِ آدَمَ وبَقِيَتْ آثارٌ أُخَرُ. (p-٥٠٨)أخْرَجَ سُنَيْدٌ، وابْنُ جَرِيرٍ والخَطِيبُ في ”تارِيخِهِ“ عَنْ نافِعٍ قالَ: «سافَرْتُ مَعَ ابْنِ عُمَرَ، فَلَمّا كانَ مِن آخِرِ اللَّيْلِ قالَ: يا نافِعُ انْظُرْ هَلْ طَلَعَتِ الحَمْراءُ؟ قُلْتُ: لا. مَرَّتَيْنِ أوْ ثَلاثًا، ثُمَّ قُلْتُ: قَدْ طَلَعَتْ، قالَ: لا مَرْحَبًا بِها ولا أهْلًا، قُلْتُ: سُبْحانَ اللَّهِ، نَجْمٌ مُسَخَّرٌ سامِعٌ مُطِيعٌ. قالَ: ما قُلْتُ لَكَ إلّا ما سَمِعْتُ مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قالَ: إنَّ المَلائِكَةَ قالَتْ: يا رَبِّ كَيْفَ صَبْرُكَ عَلى بَنِي آدَمَ في الخَطايا والذُّنُوبِ! قالَ: إنِّي ابْتَلَيْتُهم وعافَيْتُكم. قالُوا: لَوْ كُنّا مَكانَهم ما عَصَيْناكَ، قالَ: فاخْتارُوا مَلَكَيْنِ مِنكُمْ، فَلَمْ يَأْلُوا جُهْدًا أنْ يَخْتارُوا، فاخْتارُوا هارُوتَ ومارُوتَ، فَنَزَلا فَألْقى اللَّهُ عَلَيْهِمُ الشَّبَقَ، قُلْتُ: وما الشَّبَقُ؟ قالَ: الشَّهْوَةُ، فَجاءَتِ امْرَأةٌ يُقالُ لَها: الزُّهْرَةُ فَوَقَعَتْ في قُلُوبِهِما، فَجَعَلَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما يُخْفِي عَنْ صاحِبِهِ ما في نَفْسِهِ، ثُمَّ قالَ أحَدُهُما لِلْآخَرِ: هَلْ وقَعَ في نَفْسِكَ ما وقَعَ في قَلْبِي؟ قالَ: نَعَمْ، فَطَلَباها لِأنْفُسِهِما فَقالَتْ: لا أُمَكِّنُكُما حَتّى تُعَلِّمانِي الِاسْمَ الَّذِي تَعْرُجانِ بِهِ إلى السَّماءِ وتَهْبِطانِ. فَأبَيا ثُمَّ سَألاها أيْضًا فَأبَتْ فَفَعَلا، فَلَمّا اسْتُطِيرَتْ طَمَسَها اللَّهُ كَوْكَبًا وقَطَعَ أجْنِحَتَها ثُمَّ سَألا التَّوْبَةَ مِن رَبِّهِما، فَخَيَّرَهُما فَقالَ: إنْ شِئْتُما رَدَدْتُكُما إلى ما (p-٥٠٩)كُنْتُما عَلَيْهِ، فَإذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ عَذَّبْتُكُما، وإنْ شِئْتُما عَذَّبْتُكُما في الدُّنْيا، فَإذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ رَدَدْتُكُما إلى ما كُنْتُما عَلَيْهِ، فَقالَ أحَدُهُما لِصاحِبِهِ: إنَّ عَذابَ الدُّنْيا يَنْقَطِعُ ويَزُولُ. فاخْتارا عَذابَ الدُّنْيا عَلى عَذابِ الآخِرَةِ، فَأوْحى اللَّهُ إلَيْهِما: أنِ ائْتِيا بابِلَ، فانْطَلَقا إلى بابِلَ، فَخُسِفَ بِهِما فَهُما مَنكُوسانِ بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ، مُعَذَّبانِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ» . وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: كُنْتُ مَعَ ابْنِ عُمَرَ في سَفَرٍ فَقالَ لِي: ارْمُقِ الكَوْكَبَةَ، فَإذا طَلَعَتْ أيْقِظْنِي، فَلَمّا طَلَعَتْ أيْقَظْتُهُ فاسْتَوى جالِسًا، فَجَعَلَ يَنْظُرُ إلَيْها ويَسُبُّها سَبًّا شَدِيدًا، فَقُلْتُ: يَرْحَمُكَ اللَّهُ أبا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، نَجْمٌ ساطِعٌ مُطِيعٌ ما لَهُ تَسُبُّهُ! فَقالَ: ها إنَّ هَذِهِ كانَتْ بَغِيًّا في بَنِي إسْرائِيلَ فَلَقِيَ المَلِكانِ مِنها ما لَقِيا. وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في ”شُعَبِ الإيمانِ“ مِن طَرِيقِ مُوسى بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ مُوسى بْنِ عُقْبَةَ عَنْ سالِمٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أشْرَفَتِ المَلائِكَةُ (p-٥١٠)عَلى الدُّنْيا فَرَأتْ بَنِي آدَمَ يَعْصُونَ فَقالَتْ: يا رَبِّ ما أجْهَلَ هَؤُلاءِ، ما أقَلَّ مَعْرِفَةَ هَؤُلاءِ بِعَظَمَتِكَ! فَقالَ اللَّهُ: لَوْ كُنْتُمْ في مِسْلاخِهِمْ لَعَصَيْتُمُونِي. قالُوا: كَيْفَ يَكُونُ هَذا، ونَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ ونُقَدِّسُ لَكَ! قالَ: فاخْتارُوا مِنكم مَلَكَيْنِ. فاخْتارُوا هارُوتَ ومارُوتَ، ثُمَّ أُهْبِطا إلى الأرْضِ، ورُكِّبَتْ فِيهِما شَهَواتُ بَنِي آدَمَ، ومُثِّلَتْ لَهُما امْرَأةٌ، فَما عُصِما حَتّى واقَعا المَعْصِيَةَ، فَقالَ اللَّهُ: اخْتارا عَذابَ الدُّنْيا أوْ عَذابَ الآخِرَةِ. فَنَظَرَ أحَدُهُما إلى صاحِبِهِ قالَ: ما تَقُولُ؟ فاخْتَرْ. قالَ: أقُولُ: إنَّ عَذابَ الدُّنْيا يَنْقَطِعُ وإنَّ عَذابَ الآخِرَةِ لا يَنْقَطِعُ، فاخْتارا عَذابَ الدُّنْيا، فَهُما اللَّذانِ ذَكَرَ اللَّهُ في كِتابِهِ ﴿وما أُنْزِلَ عَلى المَلَكَيْنِ﴾ الآيَةَ» . وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي الدُّنْيا في كِتابِ (العُقُوباتِ)، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في ”شُعَبِ الإيمانِ“ مِن طَرِيقِ الثَّوْرِيِّ عَنْ مُوسى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ سالِمٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنْ كَعْبٍ قالَ: ذَكَرَتِ المَلائِكَةُ أعْمالَ بَنِي آدَمَ وما يَأْتُونَ مِنَ الذُّنُوبِ، فَقِيلَ: لَوْ كُنْتُمْ مَكانَهم لَأتَيْتُمْ مِثْلَ ما يَأْتُونَ، فاخْتارُوا مِنكُمُ اثْنَيْنِ، فاخْتارُوا هارُوتَ ومارُوتَ، فَقِيلَ لَهُما: إنِّي أُرْسِلُ إلى بَنِي آدَمَ رُسُلًا، فَلَيْسَ بَيْنِي وبَيْنَكُما رَسُولٌ، انْزِلا لا تُشْرِكا بِي شَيْئًا، ولا تَزْنِيا ولا تَشْرَبا الخَمْرَ. قالَ (p-٥١١)كَعْبٌ: فَواللَّهِ ما أمْسَيا مِن يَوْمِهِما الَّذِي أُهْبِطا فِيهِ حَتّى اسْتَكْمَلا جَمِيعَ ما نُهِيا عَنْهُ. وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ، مِن طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أنَّهُ كانَ يَقُولُ: أطَلَعَتِ الحَمْراءُ بَعْدُ؟ فَإذا رَآها قالَ: لا مَرْحَبًا، ثُمَّ قالَ: إنَّ مَلَكَيْنِ مِنَ المَلائِكَةِ هارُوتَ ومارُوتَ سَألا اللَّهَ أنْ يَهْبِطا إلى الأرْضِ، فَأُهْبِطا إلى الأرْضِ، فَكانا يَقْضِيانِ بَيْنَ النّاسِ، فَإذا أمْسَيا تَكَلَّمًا بِكَلِماتٍ، فَعَرَجا بِها إلى السَّماءِ، فَقُيِّضَ لَهُما امْرَأةٌ مِن أحْسَنِ النّاسِ، وألْقَيَتْ عَلَيْهِما الشَّهْوَةُ، فَجَعَلا يُؤَخِّرانِها، وأُلْقِيَتْ في أنْفُسِهِما فَلَمْ يَزالا يَفْعَلانِ، حَتّى وعَدَتْهُما مِيعادًا فَأتَتْهُما لِلْمِيعادِ، فَقالَتْ: كَلِّمانِي الكَلِمَةَ الَّتِي تَعْرُجانِ بِها. فَعَلَّماها الكَلِمَةَ، فَتَكَلَّمَتْ بِها، فَعَرَجَتْ إلى السَّماءِ، فَمُسِخَتْ فَجُعِلَتْ كَما تَرَوْنَ، فَلَمّا أمْسَيا تَكَلَّما بِالكَلِمَةِ، فَلَمْ يَعْرُجا فَبُعِثَ إلَيْهِما: إنْ شِئْتُما فَعَذابُ الآخِرَةِ وإنْ شِئْتُما فَعَذابُ الدُّنْيا إلى أنْ تَقُومَ السّاعَةُ، عَلى أنْ تَلْقَيا اللَّهَ، فَإنْ شاءَ عَذَّبَكُما، وإنْ شاءَ رَحِمَكُما. فَنَظَرَ أحَدُهُما إلى صاحِبِهِ، فَقالَ أحَدُهُما لِصاحِبِهِ: بَلْ نَخْتارُ عَذابَ الدُّنْيا ألْفَ ألْفِ ضِعْفٍ. فَهُما يُعَذَّبانِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ. (p-٥١٢)وأخْرَجَ إسْحاقُ بْنُ راهَوَيْهِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي الدُّنْيا في (العُقُوباتِ)، وابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو الشَّيْخِ في ”العَظَمَةِ“، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ قالَ: إنَّ هَذِهِ الزُّهْرَةَ تُسَمِّيها العَرَبُ الزُّهْرَةَ والعَجَمُ أناهِيذَ، وكانَ المَلَكانِ يَحْكُمانِ بَيْنَ النّاسِ، فَأتَتْهُما، فَأرادَها كُلُّ واحِدٍ مِنهُما عَنْ غَيْرِ عِلْمِ صاحِبِهِ، فَقالَ أحَدُهُما: يا أخِي، إنَّ في نَفْسِي بَعْضَ الأمْرِ أُرِيدُ أنْ أذْكُرَهُ لَكَ. قالَ: اذْكُرْهُ لَعَلَّ الَّذِي في نَفَسِي مِثْلُ الَّذِي في نَفْسِكَ. فاتَّفَقا عَلى أمْرٍ في ذَلِكَ، فَقالَتْ لَهُما المَرْأةُ: ألا تُخْبِرانِي بِما تَصْعَدانِ بِهِ إلى السَّماءِ، وبِما تَهْبِطانِ بِهِ إلى الأرْضِ؟ فَقالا: بِاسْمِ اللَّهِ الأعْظَمِ. قالَتْ: ما أنا بِمُؤاتِيَتِكُما حَتّى تُعَلِّمانِيهِ، فَقالَ أحَدُهُما لِصاحِبِهِ: عَلِّمْها إيّاهُ، فَقالَ: كَيْفَ لَنا بِشِدَّةِ عَذابِ اللَّهِ؟ قالَ الآخَرُ: إنّا نَرْجُو سِعَةَ رَحْمَةِ اللَّهِ. فَعَلَّمَها إيّاهُ، فَتَكَلَّمَتْ بِهِ فَطارَتْ إلى السَّماءِ، فَفَزِعَ مَلَكٌ في السَّماءِ لِصُعُودِها فَطَأْطَأ رَأْسَهُ فَلَمْ يَجْلِسْ بَعْدُ ومَسَخَها اللَّهُ فَكانَتْ كَوْكَبًا. (p-٥١٣)وأخْرَجَ ابْنُ رَهْوَيْهِ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَعَنَ اللَّهُ الزُّهْرَةَ فَإنَّها هي الَّتِي فَتَنَتِ المَلَكَيْنِ هارُوتَ ومارُوتَ» . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانَتِ الزُّهْرَةُ امْرَأةً يُقالُ لَها في قَوْمِها: بِيذُخْتْ. . وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: إنَّ المَرْأةَ الَّتِي فُتِنَ بِها المَلَكانِ مُسِخَتْ فَهي هَذِهِ الكَواكِبُ الحَمْراءُ. يَعْنِي الزُّهْرَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: كُنْتُ نازِلًا عِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ في سَفَرٍ، فَلَمّا كانَ ذاتَ لَيْلَةٍ قالَ لِغُلامِهِ: انْظُرْ طَلَعَتِ الحَمْراءُ؟ لا مَرْحَبًا بِها ولا أهْلًا، ولا حَيّاها اللَّهُ، هي صاحِبَةُ المَلَكَيْنِ، قالَتِ المَلائِكَةُ: رَبِّ كَيْفَ تَدَعُ عُصاةَ بَنِي آدَمَ وهم يَسْفِكُونَ الدَّمَ الحَرامَ، ويَنْتَهِكُونَ مَحارِمَكَ، ويُفْسِدُونَ في الأرْضِ. قالَ: إنِّي قَدِ ابْتَلَيْتُهم فَلَعَلَّ إنِ ابْتَلَيْتُكم بِمِثْلِ الَّذِي ابْتَلَيْتُهم بِهِ، (p-٥١٤)فَعَلْتُمْ كالَّذِي يَفْعَلُونَ، قالُوا: لا، قالَ: فاخْتارُوا مِن خِيارِكُمُ اثْنَيْنِ. فاخْتارُوا هارُوتَ ومارُوتَ، فَقالَ لَهُما: إنِّي مُهْبِطُكُما إلى الأرْضِ، وعاهِدٌ إلَيْكُما: ألّا تُشْرِكا، ولا تَزْنِيا، ولا تَخُونا، فَأُهْبِطا إلى الأرْضِ، وأُلْقِيَ عَلَيْهِما الشَّبَقُ، وأُهْبِطَتْ لَهُما الزُّهْرَةُ في أحْسَنِ صُورَةِ امْرَأةٍ، فَتَعَرَّضَتْ لَهُما؛ فَأراداها عَنْ نَفْسِها، فَقالَتْ: إنِّي عَلى دِينٍ لا يَصْلُحُ لِأحَدٍ أنْ يَأْتِيَنِي إلّا مَن كانَ عَلى مِثْلِهِ، قالا: وما دِينُكَ؟ قالَتِ: المَجُوسِيَّةُ. قالا: الشِّرْكُ! هَذا شَيْءٌ لا نَقْرَبُهُ. فَمَكَثَتْ عَنْهُما ما شاءَ اللَّهُ، ثُمَّ تَعَرَّضَتْ لَهُما، فَأراداها عَنْ نَفْسِها، فَقالَتْ: ما شِئْتُما، غَيْرَ أنَّ لِي زَوْجًا، وأنا أكْرَهُ أنْ يَطَّلِعَ عَلى هَذا مِنِّي فَأفْتَضِحَ، فَإنْ أقْرَرْتُما لِي بِدِينِي، وشَرَطْتُما أنْ تَصْعَدا بِي إلى السَّماءِ فَعَلْتُ. فَأقَرّا لَها بِدِينِها وأتَياها فِيما يَرَيانِ، ثُمَّ صَعِدا بِها إلى السَّماءِ فَلَمّا انْتَهَيا إلى السَّماءِ اخْتُطِفَتْ مِنهُما، وقُطِعَتْ أجْنِحَتُهُما، فَوَقَعا خائِفَيْنِ نادِمَيْنِ يَبْكِيانِ، وفي الأرْضِ نَبِيٌّ يَدْعُو بَيْنَ الجُمْعَتَيْنِ، فَإذا كانَ يَوْمُ الجُمُعَةِ أُجِيبَ، فَقالا: لَوْ أتَيْنا فُلانًا فَسَألْناهُ يَطْلُبُ لَنا التَّوْبَةَ، فَأتَياهُ فَقالَ: رَحِمَكُما اللَّهُ، كَيْفَ يَطْلُبُ أهْلُ الأرْضِ لِأهْلِ السَّماءِ. قالا: إنّا ابْتُلِينا. قالَ: ائْتِيانِي يَوْمَ الجُمُعَةِ. فَأتَياهُ فَقالَ: ما أجَبْتُ فِيكُما بِشَيْءٍ، ائْتِيانِي في الجُمْعَةِ الثّانِيَةِ. فَأتَياهُ، فَقالَ: اخْتارا، فَقَدْ خُيِّرْتُما؛ إنْ أحْبَبْتُما مُعافاةَ الدُّنْيا وعَذابَ الآخِرَةِ، وإنْ أحْبَبْتُما فَعَذابُ الدُّنْيا وأنْتُما يَوْمَ القِيامَةِ عَلى حُكْمِ اللَّهِ. فَقالَ أحَدُهُما: الدُّنْيا لَمْ يَمْضِ مِنها إلّا القَلِيلُ. (p-٥١٥)وقالَ الآخَرُ: ويْحَكَ، إنِّي قَدْ أطَعْتُكَ في الأوَّلِ فَأطِعْنِي الآنَ، إنَّ عَذابًا يَفْنى لَيْسَ كَعَذابٍ يَبْقى، قالَ: إنَّنا يَوْمَ القِيامَةِ عَلى حُكْمِ اللَّهِ، فَأخافُ أنْ يُعَذِّبَنا. قالَ: لا إنِّي أرْجُو إنْ عَلِمَ اللَّهُ أنّا قَدِ اخْتَرْنا عَذابَ الدُّنْيا مَخافَةَ عَذابِ الآخِرَةِ؛ لا يَجْمَعُهُما عَلَيْنا، قالَ فاخْتارا عَذابَ الدُّنْيا فَجَعَلا في بَكَراتٍ مِن حَدِيدٍ في قَلِيبٍ مَمْلُوءَةٍ مِن نارٍ، أعالِيهِما أسافِلُهُما. قالَ ابْنُ كَثِيرٍ: إسْنادُهُ جَيِّدٌ، وهو أثْبَتُ وأصَحُّ إسْنادًا مِن رِوايَةِ مُعاوِيَةَ بْنِ صالِحٍ، عَنْ نافِعٍ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ في ”شُعَبِ الإيمانِ“ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: لَمّا وقَعَ النّاسُ مِن بَنِي آدَمَ فِيما وقَعُوا فِيهِ مِنَ المَعاصِي والكُفْرِ بِاللَّهِ- قالَتِ المَلائِكَةُ في السَّماءِ: رَبِّ، هَذا العالَمُ الَّذِي إنَّما خَلَقْتَهم لِعِبادَتِكَ وطاعَتِكَ، وقَدْ وقَعُوا فِيما وقَعُوا فِيهِ ورَكِبُوا الكُفْرَ وقَتْلَ النَّفْسِ وأكْلَ مالِ الحَرامِ، والزِّنا، والسَّرِقَةَ، وشُرْبَ الخَمْرِ، فَجَعَلُوا يَدْعُونَ عَلَيْهِمْ ولا يَعْذُرْنَهُمْ، فَقِيلَ: إنَّهم في غَيْبٍ. فَلَمْ يَعْذِرُوهُمْ، فَقِيلَ لَهُمُ: اخْتارُوا مِنكُمْ، مِن أفْضَلِكم مَلَكَيْنِ آمُرُهُما وأنْهاهُما. فاخْتارُوا هارُوتَ ومارُوتَ فَأُهْبِطا إلى الأرْضِ، وجَعَلَ لَهُما شَهَواتِ بَنِي آدَمَ، وأمَرَهُما أنْ يَعْبُداهُ (p-٥١٦)ولا يُشْرِكا بِهِ شَيْئًا، ونَهاهُما عَنْ قَتْلِ النَّفْسِ الحَرامِ، وأكْلِ مالِ الحَرامِ، وعَنِ الزِّنا وشُرْبِ الخَمْرِ، فَلَبِثا في الأرْضِ زَمانًا يَحْكُمانِ بَيْنَ النّاسِ بِالحَقِّ، وذَلِكَ في زَمانِ إدْرِيسَ، وفي ذَلِكَ الزَّمانِ امْرَأةٌ حُسْنُها في النِّساءِ كَحُسْنِ الزُّهْرَةِ في سائِرِ الكَواكِبِ، وأنَّهُما أتَيا عَلَيْها، فَخَضَعا لَها في القَوْلِ، وأراداها عَنْ نَفْسِها، فَأبَتْ إلّا أنْ يَكُونا عَلى أمْرِها ودِينِها فَسَألاها عَنْ دِينِها، فَأخْرَجَتْ لَهُما صَنَمًا، فَقالَتْ: هَذا أعْبُدُهُ، فَقالا: لا حاجَةَ لَنا في عِبادَةِ هَذا. فَذَهَبا فَغَبَرا ما شاءَ اللَّهُ، ثُمَّ أتَيا عَلَيْها، فَأراداها عَنْ نَفْسِها، فَفَعَلَتْ مِثْلَ ذَلِكَ، فَذَهَبا، ثُمَّ أتَيا فَأراداها عَنْ نَفْسِها، فَلَمّا رَأتْ أنَّهُما أبَيا أنْ يَعْبُدا الصَّنَمَ، قالَتْ لَهُما: اخْتارا أحَدَ الخِلالِ الثَّلاثِ، إمّا أنْ تَعْبُدا هَذا الصَّنَمَ وإمّا أنْ تَقْتُلا هَذا النَّفْسَ، وإمّا أنْ تَشْرَبا هَذا الخَمْرَ. فَقالا: كُلُّ هَذا لا يَنْبَغِي وأهْوَنُ الثَّلاثَةِ شُرْبُ الخَمْرِ، فَشَرِبا الخَمْرَ، فَأخَذَتْ مِنهُما فَواقَعا المَرْأةَ، فَخَشِيا أنْ يُخْبِرَ الإنْسانُ عَنْهُما فَقَتَلاهُ. فَلَمّا ذَهَبَ عَنْهُما السُّكْرُ، وعَلِما ما وقَعا فِيهِ مِنَ الخَطِيئَةِ، أرادا أنْ يَصْعَدا إلى السَّماءِ فَلَمْ يَسْتَطِيعا، وحِيلَ بَيْنَهُما وبَيْنَ ذَلِكَ، وكُشِفَ الغِطاءُ فِيما بَيْنَهُما وبَيْنَ أهْلِ السَّماءِ، فَنَظَرَتِ المَلائِكَةُ إلى ما وقَعا فِيهِ، فَعَجِبُوا كُلَّ العَجَبِ، وعَرَفُوا أنَّهُ مَن كانَ في غَيْبٍ فَهو أقَلُّ خَشْيَةً، فَجَعَلُوا بَعْدَ ذَلِكَ يَسْتَغْفِرُونَ لِمَن في الأرْضِ، فَنَزَلَ في ذَلِكَ: (p-٥١٧)﴿والمَلائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ ويَسْتَغْفِرُونَ لِمَن في الأرْضِ﴾ [الشورى: ٥] [ الشُّورى: ٥]، فَقِيلَ لَهُما: اخْتارا عَذابَ الدُّنْيا أوْ عَذابَ الآخِرَةِ فَقالا: أمّا عَذابُ الدُّنْيا فَإنَّهُ يَنْقَطِعُ ويَذْهَبُ وأمّا عَذابُ الآخِرَةِ فَلا انْقِطاعَ لَهُ. فاخْتارا عَذابَ الدُّنْيا، فَجَعَلا بِبابِلَ فَهُما يُعَذَّبانِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: إنَّ أهْلَ سَماءِ الدُّنْيا أشْرَفُوا عَلى أهْلِ الأرْضِ، فَرَأوْهم يَعْمَلُونَ بِالمَعاصِي فَقالُوا: يا رَبِّ، أهْلُ الأرْضِ يَعْمَلُونَ بِالمَعاصِي. فَقالَ اللَّهُ: أنْتُمْ مَعِي، وهم غَيْبٌ عَنِّي. فَقِيلَ لَهُمُ: اخْتارُوا مِنكم ثَلاثَةً: فاخْتارُوا مِنهم ثَلاثَةً عَلى أنْ يَهْبِطُوا إلى الأرْضِ يَحْكُمُوا بَيْنَ أهْلِ الأرْضِ، وجُعِلَ فِيهِمْ شَهْوَةُ الآدَمِيِّينَ، فَأُمِرُوا ألّا يَشْرَبُوا خَمْرًا، ولا يَقْتُلُونَ نَفْسًا، ولا يَزْنُوا ولا يَسْجُدُوا لِوَثَنٍ، فاسْتَقالَ مِنهم واحِدٌ، فَأُقِيلَ، فَأُهْبِطَ اثْنانِ إلى الأرْضِ، فَأتَتْهُما امْرَأةٌ مِن أحْسَنِ النّاسِ يُقالُ لَها: أناهِيذْ. فَهَوِياها جَمِيعًا، ثُمَّ أتَيا مَنزِلَها، فاجْتَمَعا عِنْدَها فَأراداها، فَقالَتْ لَهُما: لا حَتّى تَشْرَبا خَمْرِي، وتَقْتُلا ابْنَ جارِي، وتَسْجُدا لِوَثَنِي. فَقالا: لا نَسْجُدُ. ثُمَّ شَرِبا مِنَ الخَمْرِ، ثُمَّ قَتَلا، ثُمَّ سَجَدا. فَأشْرَفَ أهْلُ السَّماءِ عَلَيْهِما، وقالَتْ لَهُما: أخْبَرانِي بِالكَلِمَةِ الَّتِي إذا قُلْتُماها طِرْتُما. فَأخْبَراها فَطارَتْ فَمُسِخَتْ جَمْرَةً وهي هَذِهِ (p-٥١٨)الزُّهْرَةُ وأمّا هُما، فَأرْسَلَ إلَيْهِما سُلَيْمانُ بْنُ داوُدَ فَخَيَّرَهُما بَيْنَ عَذابِ الدُّنْيا وعَذابِ الآخِرَةِ، فاخْتارا عَذابَ الدُّنْيا فَهُما مَناطانِ بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ مِن طَرِيقِ أبِي عُثْمانَ النَّهْدِيِّ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وابْنِ عَبّاسٍ قالا: لَمّا كَثُرَ بَنُو آدَمَ وعَصَوْا، دَعَتِ المَلائِكَةُ عَلَيْهِمْ والأرْضُ والجِبالُ: رَبَّنا لا تُمْهِلْهُمْ، فَأوْحى اللَّهُ إلى المَلائِكَةِ: أنِّي أزَلْتُ الشَّهْوَةَ والشَّيْطانَ مِن قُلُوبِكُمْ، ولَوْ تَرَكْتُكم لَفَعَلْتُمْ أيْضًا، قالَ: فَحَدَّثُوا أنْفُسَهم أنْ لَوِ ابْتُلُوا اعْتَصَمُوا. فَأوْحى اللَّهُ إلَيْهِمْ: أنِ اخْتارُوا مَلَكَيْنِ مِن أفْضَلِكُمْ، فاخْتارُوا هارُوتَ ومارُوتَ فَأُهْبِطا إلى الأرْضِ، وأُنْزِلَتِ الزُّهْرَةُ إلَيْهِما في صُورَةِ امْرَأةٍ مِن أهْلِ فارِسَ، يُسَمُّونَها بِيذُخْتْ، قالَ: فَوَقَعا بِالخَطِيئَةِ، فَكانَتِ المَلائِكَةُ يَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا، فَلَمّا وقَعا بِالخَطِيئَةِ اسْتَغْفِرُوا لِمَن في الأرْضِ، فَخُيِّرا بَيْنَ عَذابِ الدُّنْيا وعَذابِ الآخِرَةِ، فاخْتارا عَذابَ الدُّنْيا. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ مِن طَرِيقِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ في هَذِهِ الآيَةِ، كانا مَلَكَيْنِ مِنَ المَلائِكَةِ فَأُهْبِطا لِيَحْكُما بَيْنَ النّاسِ، وذَلِكَ أنَّ المَلائِكَةَ سَخِرُوا مِن أحْكامِ بَنِيآدَمَ فَحاكَمَتْ إلَيْهِما امْرَأةٌ، فَخافا لَها، ثُمَّ ذَهَبا يَصْعَدانِ، فَحِيلَ بَيْنَهُما وبَيْنَ (p-٥١٩)ذَلِكَ، وخُيِّرا بَيْنَ عَذابِ الدُّنْيا وعَذابِ الآخِرَةِ فاخْتارا عَذابَ الدُّنْيا. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ عَنْ خُصَيْفٍ قالَ: كُنْتُ مَعَ مُجاهِدٍ فَمَرَّ بِنا رَجُلٌ مِن قُرَيْشٍ، فَقالَ لَهُ مُجاهِدٌ: حَدِّثْنا ما سَمِعْتَ مِن أبِيكَ. قالَ: حَدَّثَنِي أبِي أنَّ المَلائِكَةَ حِينَ جَعَلُوا يَنْظُرُونَ إلى أعْمالِ بَنِي آدَمَ وما يَرْكَبُونَ مِنَ المَعاصِي الخَبِيثَةِ، ولَيْسَ يَسْتُرُ النّاسَ مِنَ المَلائِكَةِ شَيْءٌ فَجَعَلَ بَعْضُهم يَقُولُ لِبَعْضٍ: انْظُرُوا إلى بَنِي آدَمَ كَيْفَ يَعْمَلُونَ كَذا وكَذا! ما أجْرَأهم عَلى اللَّهِ يَعِيبُونَهم بِذَلِكَ، فَقالَ اللَّهُ لَهم: لَقَدْ سَمِعْتُ الَّذِي تَقُولُونَ في بَنِي آدَمَ، فاخْتارُوا مِنكم مَلَكَيْنِ أُهْبِطُهُما إلى الأرْضِ وأجْعَلْ فِيهِما شَهْوَةَ بَنِي آدَمَ، فاخْتارُوا هارُوتَ ومارُوتَ فَقالُوا: يا رَبِّ لَيْسَ فِينا مِثْلُهُما، فَأُهْبِطا إلى الأرْضِ وجُعِلَتْ فِيهِما شَهْوَةُ بَنِي آدَمَ، ومُثِّلَتْ لَهُما الزُّهْرَةُ في صُورَةِ امْرَأةٍ، فَلَمّا نَظَرا إلَيْها لَمْ يَتَمالَكا أنَّ تَناوَلا مِنها ما اللَّهُ أعْلَمُ بِهِ، وأخَذَتِ الشَّهْوَةُ بِأسْماعِهِما وأبْصارِهِما، فَلَمّا أرادا أنْ يَطِيرا إلى السَّماءِ لَمْ يَسْتَطِيعا، فَأتاهُما مَلَكٌ فَقالَ: إنَّكُما قَدْ فَعَلْتُما ما فَعَلْتُما، فاخْتارا عَذابَ الدُّنْيا أوْ عَذابَ الآخِرَةِ، فَقالَ أحَدُهُما لِلْآخَرِ: ماذا تَرى؟ قالَ: أرى أنْ أُعَذَّبَ في الدُّنْيا، ثُمَّ أُعَذَّبَ، أحَبُّ إلَيَّ مِن أنْ أُعَذَّبَ ساعَةً واحِدَةً في الآخِرَةِ. فَهُما مُعَلَّقانِ مُنَكَّسانِ في السَّلاسِلِ وجُعِلا فِتْنَةً. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: إنَّ اللَّهَ أفْرَجَ السَّماءَ لِمَلائِكَتِهِ يَنْظُرُونَ إلى أعْمالِ بَنِي آدَمَ، فَلَمّا أبْصَرُوهم يَعْمَلُونَ بِالخَطايا قالُوا: يا رَبِّ هَؤُلاءِ بَنُو (p-٥٢٠)آدَمَ الَّذِي خَلَقْتَ بِيَدِكَ وأسْجَدْتَ لَهُ مَلائِكَتَكَ وعَلَّمْتَهُ أسْماءَ كُلِّ شَيْءٍ يَعْمَلُونَ بِالخَطايا، قالَ: أما إنَّكم لَوْ كُنْتُمْ مَكانَهم لَعَمِلْتُمْ مِثْلَ أعْمالِهِمْ، قالُوا: سُبْحانَكَ ما كانَ يَنْبَغِي لَنا فَأُمِرُوا أنْ يَخْتارُوا مَن يَهْبِطُ إلى الأرْضِ، فاخْتارُوا هارُوتَ ومارُوتَ فَأُهْبِطا إلى الأرْضِ وأُحِلَّ لَهُما ما فِيها مِن شَيْءٍ، غَيْرَ أنَّهُما لا يُشْرِكا بِاللَّهِ شَيْئًا، ولا يَسْرِقا، ولا يَزْنِيا، ولا يَشْرَبا الخَمْرَ، ولا يَقْتُلا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلّا بِالحَقِّ. فَعَرَضَ لَهُما امْرَأةٌ قَدْ قُسِمَ لَها نِصْفُ الحُسْنِ، يُقالُ لَها بِيذَخْتْ فَلَمّا أبْصَراها أراداها قالَتْ: لا إلّا أنْ تُشْرِكا بِاللَّهِ وتَشْرَبا الخَمْرَ وتَقْتُلا النَّفْسَ، وتَسْجُدا لِهَذا الصَّنَمِ، فَقالا: ما كُنّا نُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا فَقالَ أحَدُهُما لِلْآخَرِ: ارْجِعْ إلَيْها. فَقالَتْ: لا إلّا أنَّ تَشْرَبا الخَمْرَ. فَشَرِبا حَتّى ثَمِلا، فَدَخَلَ عَلَيْهِما سائِلٌ فَقَتَلاهُ، فَلَمّا وقَعا فِيما وقَعا فِيهِ، أفْرَجَ اللَّهُ السَّماءَ لِمَلائِكَتِهِ فَقالُوا: سُبْحانَكَ، أنْتَ أعْلَمُ، فَأوْحى اللَّهُ إلى سُلَيْمانَ بْنِ داوُدَ أنْ يُخَيِّرَهُما بَيْنَ عَذابِ الدُّنْيا وعَذابِ الآخِرَةِ، فاخْتارا عَذابَ الدُّنْيا فَكُبِّلا مِن أكْعُبِهِما إلى أعْناقِهِما بِمِثْلِ أعْناقِ البُخْتِ وجُعِلا بِبابِلَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا في ”ذَمِّ الدُّنْيا“، والبَيْهَقِيُّ في ”شُعَبِ الإيمانِ“ عَنْ (p-٥٢١)أبِي الدَّرْداءِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «احْذَرُوا الدُّنْيا فَإنَّها أسْحَرُ مِن هارُوتَ ومارُوتَ» . وأخْرَجَ الخَطِيبُ في ”رُواةِ مالِكٍ“ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «قالَ أخِي عِيسى: مُعاشِرَ الحَوارِيِّينَ احْذَرُوا الدُّنْيا، لا تَسْحَرْكُمْ، هي واللَّهِ أشَدُّ سِحْرًا مِن هارُوتَ ومارُوتَ، واعْلَمُوا أنَّ الدُّنْيا مُدْبِرَةٌ والآخِرَةَ مُقْبِلَةٌ، وأنَّ لِكُلِّ واحِدَةٍ مِنهُما بَنِينَ، فَكُونُوا مِن أبْناءِ الآخِرَةِ دُونَ بَنِي الدُّنْيا فَإنَّ اليَوْمَ عَمَلٌ ولا حِسابَ، وغَدًا الحِسابُ ولا عَمَلَ» . وأخْرَجَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ في ”نَوادِرِ الأُصُولِ“ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُسْرٍ المازِنِيِّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «اتَّقُوا الدُّنْيا فَوالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إنَّها لَأسْحَرُ مِن هارُوتَ ومارُوتَ» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الرَّبِيعِ قالَ: لَمّا وقَعَ النّاسُ مِن بَعْدِ آدَمَ فِيما وقَعُوا فِيهِ مِنَ المَعاصِي والكُفْرِ بِاللَّهِ، قالَتِ المَلائِكَةُ في السَّماءِ: أيْ رَبِّ هَذا العالَمِ إنَّما خَلَقْتَهم لِعِبادَتِكَ وطاعَتِكَ، وقَدْ رَكِبُوا الكُفْرَ وقَتْلَ النَّفْسِ الحَرامِ وأكْلَ المالِ (p-٥٢٢)الحَرامِ، والسَّرِقَةَ، والزِّنا، وشُرْبَ الخَمْرِ، فَجَعَلُوا يَدْعُونَ عَلَيْهِمْ ولا يَعْذِرُونَهُمْ، فَقِيلَ لَهم: إنَّهم في غَيْبٍ. فَلَمْ يَعْذِرُوهُمْ، فَقِيلَ لَهُمُ: اخْتارُوا مِنكم مَلَكَيْنِ آمُرُهُما بِأمْرِي، وأنْهاهُما عَنْ مَعْصِيَتِي، فاخْتارُوا هارُوتَ ومارُوتَ، فَأُهْبِطا إلى الأرْضِ، وجُعِلَ بِهِما شَهَواتُ بَنِي آدَمَ، وأُمِرا أنْ يَعْبُدا اللَّهَ ولا يُشْرِكا بِهِ شَيْئًا، ونُهِيا عَنْ قَتْلِ النَّفْسِ الحَرامِ، وأكْلِ المالِ الحَرامِ، والسَّرِقَةِ، والزِّنا، وشُرْبِ الخَمْرِ، فَلَبِثا عَلى ذَلِكَ في الأرْضِ زَمانًا يَحْكُمانِ بَيْنَ النّاسِ بِالحَقِّ، وذَلِكَ في زَمانِ إدْرِيسَ، وفي ذَلِكَ الزَّمانِ امْرَأةٌ حُسْنُها في سائِرِ النّاسِ كَحُسْنِ الزُّهْرَةِ في سائِرِ الكَواكِبِ، وأنَّها أتَتْ عَلَيْهِما فَخَضَعا لَها بِالقَوْلِ، وأراداها عَلى نَفْسِها وأنَّها أبَتْ إلّا أنْ يَكُونا عَلى أمْرِها ودِينِها، وأنَّهُما سَألاها عَنْ دِينِها الَّذِي هي عَلَيْهِ، فَأخْرَجَتْ لَهُما صَنَمًا فَقالَتْ: هَذا أعْبُدُهُ، فَقالا: لا حاجَةَ لَنا في عِبادَةِ هَذا، فَذَهَبا فَصَبَرا ما شاءَ اللَّهُ، ثُمَّ أتَيا عَلَيْها فَخَضَعا لَها بِالقَوْلِ، وأراداها عَلى نَفْسِها، فَقالَتْ: لا إلّا أنْ تَكُونا عَلى ما أنا عَلَيْهِ، فَقالا: لا حاجَةَ لَنا في عِبادَةِ هَذا، فَلَمّا رَأتْ أنَّهُما قَدْ أبَيا أنْ يَعْبُدا الصَّنَمَ، قالَتْ لَهُما: اخْتارا إحْدى الخِلالِ الثَّلاثِ، إمّا أنْ تَعْبُدا الصَّنَمَ، أوْ تَقْتُلا النَّفْسَ، أوْ تَشْرَبا الخَمْرَ. فَقالا: كُلُّ هَذا لا يَنْبَغِي، وأهْوَنُ الثَّلاثَهِ (p-٥٢٣)شُرْبُ الخَمْرِ، فَسَقَتْهُما الخَمْرَ، حَتّى إذا أخَذَتِ الخَمْرُ فِيهِما وقَعا بِها، فَمَرَّ بِهِما إنْسانٌ وهُما في ذَلِكَ، فَخَشِيا أنْ يُفْشِيَ عَلَيْهِما فَقَتَلاهُ، فَلَمّا أنْ ذَهَبَ عَنْهُما السُّكْرُ، عَرَفا ما قَدْ وقَعا فِيهِ مِنَ الخَطِيئَةِ، وأرادا أنْ يَصْعَدا إلى السَّماءِ فَلَمْ يَسْتَطِيعا، وكُشِفَ الغِطاءُ فِيما بَيْنَهُما وبَيْنَ أهْلِ السَّماءِ، فَنَظَرَتِ المَلائِكَةُ إلى ما قَدْ وقَعا فِيهِ مِنَ الذُّنُوبِ وعَرَفُوا أنَّهُ مَن كانَ في غَيْبٍ فَهو أقَلُّ خَشْيَةً، فَجَعَلُوا بَعْدَ ذَلِكَ يَسْتَغْفِرُونَ لِمَن في الأرْضِ، فَلَمّا وقَعا فِيما وقَعا فِيهِ مِنَ الخَطِيئَةِ قِيلَ لَهُما: اخْتارا عَذابَ الدُّنْيا أوْ عَذابَ الآخِرَةِ، فَقالا: أمّا عَذابُ الدُّنْيا فَيَنْقَطِعُ ويَذْهَبُ، وأمّا عَذابُ الآخِرَةِ فَلا انْقِطاعَ لَهُ. فاخْتارا عَذابَ الدُّنْيا فَجُعِلا بِبابِلَ فَهُما يُعَذَّبانِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: إنَّ هارُوتَ ومارُوتَ أُهْبِطا إلى الأرْضِ، فَإذا أتاهُما الآتِي يُرِيدُ السِّحْرَ نَهَياهُ أشَدَّ النَّهْيِ وقالا لَهُ: ( ﴿إنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ﴾ )، وذَلِكَ أنَّهُما عَلِما الخَيْرَ والشَّرَّ والكُفْرَ والإيمانَ فَعَرَفا أنَّ السِّحْرَ مِنَ الكُفْرِ، فَإذا أبى عَلَيْهِما أمَراهُ أنْ يَأْتِيَ مَكانَ كَذا وكَذا، فَإذا أتاهُ عايَنَ الشَّيْطانَ فَعَلَّمَهُ، فَإذا تَعَلَّمَهُ خَرَجَ مِنهُ النُّورُ فَنَظَرَ إلَيْهِ ساطِعًا في (p-٥٢٤)السَّماءِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ في ”سُنَنِهِ“ عَنْ عائِشَةَ أنَّها قالَتْ: قَدِمَتْ عَلَيَّ امْرَأةٌ مِن أهْلِ دُومَةِ الجَنْدَلِ تَبْتَغِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ مَوْتِهِ حَداثَةَ ذَلِكَ، تَسْألُهُ عَنْ شَيْءٍ دَخَلَتْ فِيهِ مِن أمْرِ السِّحْرِ ولَمْ تَعْمَلْ بِهِ، قالَتْ: كانَ لِي زَوْجٌ فَغابَ عَنِّي، فَدَخَلَتْ عَلَيَّ عَجُوزٌ، فَشَكَوْتُ إلَيْها فَقالَتْ: إنْ فَعَلْتِ ما آمُرُكِ، فَأجْعَلُهُ يَأْتِيكِ، فَلَمّا كانَ اللَّيْلُ جاءَتْنِي بِكَلْبَيْنِ أسْوَدَيْنِ، فَرَكِبَتْ أحَدَهُما ورَكِبْتُ الآخَرَ فَلَمْ يَكُنْ كَشَيْءٍ حَتّى وقَفْنا بِبابِلَ، فَإذا أنا بَرْجَلَيْنِ مُعَلَّقَيْنِ بِأرْجُلِهِما، فَقالا: ما جاءَ بِكِ؟ فَقُلْتُ: أتَعَلَّمُ السِّحْرَ، فَقالا: إنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرِي وارْجِعِي، فَأبَيْتُ وقُلْتُ: لا، قالا: فاذْهَبِي إلى ذَلِكَ التَّنُّورِ فَبُولِي فِيهِ. فَذَهَبْتُ فَفَزِعْتُ ولَمْ أفْعَلْ، فَرَجَعْتُ إلَيْهِما، فَقالا: فَعَلْتِ ؟ فَقُلْتُ: نَعَمْ، فَقالا: هَلْ رَأيْتِ شَيْئًا ؟ قُلْتُ: لَمْ أرَ شَيْئًا، فَقالا: لَمْ تَفْعَلِي، ارْجِعِي إلى بَلَدِكِ ولا تَكْفُرِي، فَأبَيْتُ، فَقالا: اذْهَبِي إلى ذَلِكَ التَّنُّورِ فَبُولِي فِيهِ، ثُمَّ ائْتِي فَذَهَبْتُ فاقْشَعَرَّ (p-٥٢٥)جِلْدِي وخِفْتُ ثُمَّ رَجَعْتُ إلَيْهِما فَقُلْتُ: قَدْ فَعَلْتُ، فَقالا: ما رَأيْتِ؟ فَقُلْتُ: لَمْ أرَ شَيْئًا، فَقالا: كَذَبْتِ لَمْ تَفْعَلِي، ارْجِعِي إلى بِلادِكِ ولا تَكْفُرِي، فَإنَّكِ عَلى رَأْسِ أمْرِكِ. فَأبَيْتُ، فَقالا: اذْهَبِي إلى ذَلِكَ التَّنُّورِ فَبُولِي فِيهِ. وذَهَبْتُ فَبُلْتُ فِيهِ، فَرَأيْتُ فارِسًا مُقَنَّعًا بِحَدِيدٍ خَرَجَ مِنِّي حَتّى ذَهَبَ في السَّماءِ، وغابَ عَنِّي حَتّى ما أراهُ، وجِئْتُهُما فَقُلْتُ: قَدْ فَعَلْتُ. فَقالا: فَما رَأيْتِ؟ فَقُلْتُ: رَأيْتُ فارِسًا مُقَنَّعًا خَرَجَ مِنِّي، فَذَهَبَ في السَّماءِ حَتّى ما أراهُ، قالا: صَدَقْتِ، ذاكَ إيمانُكِ خَرَجَ مِنكِ، اذْهَبِي، فَقُلْتُ لِلْمَرْأةِ: واللَّهِ ما أعْلَمُ شَيْئًا وما قالا لِي شَيْئًا، فَقالَتْ: بَلى لَمْ تُرِيدِي شَيْئًا إلّا كانَ، خُذِي هَذا القَمْحَ فابْذُرِي. فَبَذَرْتُ وقُلْتُ: أطْلِعِي فَأطْلَعْتُ، قُلْتُ أحْقِلِي، فَأحْقَلَتْ، ثُمَّ قُلْتُ: أفْرِكِي، فَأفْرَكَتْ ثُمَّ قُلْتُ: أيْبِسِي، فَأيْبَسَتْ، ثُمَّ قُلْتُ: اطْحَنِي، فَأطْحَنَتْ، ثُمَّ قُلْتُ اخْبِزِي فَأخْبَزَتْ، فَلَمّا رَأيْتُ أنِّي لا أُرِيدُ شَيْئًا إلّا كانَ، سَقَطَ في يَدِي ونَدِمْتُ، واللَّهِ يا أُمَّ المُؤْمِنِينَ ما فَعَلْتُ شَيْئًا ولا أفْعَلُهُ أبَدًا. فَسَألَتْ أصْحابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وهم يَوْمَئِذٍ مُتَوافِرُونَ، فَما دَرَوْا ما يَقُولُونَ لَها، وكُلُّهم خافَ أنْ يُفْتِيَها بِما لا يَعْلَمُهُ، إلّا أنَّهُ قَدْ قالَ لَها ابْنُ عَبّاسٍ أوْ بَعْضُ مَن كانَ عِنْدَهُ لَوْ كانَ أبَواكِ حَيَّيْنِ أوْ أحَدُهُما لَكانا يَكْفِيانِكِ. (p-٥٢٦)وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ مِن طَرِيقِ الأوْزاعِيِّ عَنْ هارُونَ بْنِ رِئابٍ قالَ: دَخَلْتُ عَلى عَبْدِ المَلِكِ بْنِ مَرْوانَ وعِنْدَهُ رَجُلٌ قَدْ ثُنِيَتْ لَهُ وِسادَةٌ وهو مُتَّكِئٌ عَلَيْها، فَقالُوا: هَذا قَدْ لَقِيَ هارُوتَ ومارُوتَ، فَقُلْتُ: هَذا ؟! قالُوا: نَعَمْ، فَقُلْتُ حَدِّثْنا يَرْحَمُكَ اللَّهُ، فَأنْشَأ يُحَدِّثُنا فَلَمْ يَتَمالَكْ مِنَ الدُّمُوعِ، فَقالَ: كُنْتُ غُلامًا حَدَثًا ولَمْ أُدْرِكْ أبِي، وكانَتْ أُمِّي تُعْطِينِي مِنَ المالِ حاجَتِي، فَأُنْفِقُهُ وأُفْسِدُهُ وأُبَذِّرُهُ، ولا تَسْألُنِي أُمِّي عَنْهُ، فَلَمّا طالَ ذَلِكَ وكَبِرْتُ أحْبَبْتُ أنْ أعْلَمَ مِن أيْنَ لِأُمِّي هَذِهِ الأمْوالُ، فَقُلْتُ لَها يَوْمًا: مِن أيْنَ لَكِ هَذِهِ الأمْوالُ؟ فَقالَتْ: يا بُنَيَّ، كُلْ وتَنَعَّمْ ولا تَسْألْ عَنْهُ، فَهو خَيْرٌ لَكَ. فَلَمْ أزَلْ أسْألُها وأُلِحُّ عَلَيْها، فَأدْخَلَتْنِي بَيْتًا فِيهِ أمْوالٌ كَثِيرَةٌ فَقالَتْ: يا بُنَيَّ هَذا كُلُّهُ لَكَ، فَكُلْ وتَنَعَّمْ ولا تَسْألُ عَنْهُ، فَقُلْتُ: لا بُدَّ أنْ أعْلَمَ مِن أيْنَ هَذا، قالَ: فَقالَتْ: يا بُنَيَّ كُلْ وتَنَعَّمْ ولا تَسْألْ فَهو خَيْرٌ لَكَ، قالَ: فَألْحَحْتُ عَلَيْها، فَقالَتْ: إنَّ أباكَ كانَ ساحِرًا، وجَمَعَ هَذِهِ الأمْوالَ مِنَ السِّحْرِ، قالَ: فَأكَلْتُ ما أكَلْتُ (p-٥٢٧)ومَضى ما مَضى ثُمَّ تَفَكَّرْتُ فَقُلْتُ: يُوشِكُ أنْ يَذْهَبَ هَذا المالُ ويَفْنى، فَيَنْبَغِي أنْ أتَعَلَّمَ السِّحْرَ، فَأجْمَعَ كَما جَمَعَ أبِي، فَقُلْتُ لِأُمِّي: مَن كانَ خاصَّةَ أبِي وصَدِيقَهُ مِن أهْلِ الأرْضِ؟ قالَتْ: فُلانٌ. لِرَجُلٍ في كُورَةٍ أُخْرى، فَتَجَهَّزْتُ فَأتَيْتُهُ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَقالَ: مَنِ الرَّجُلُ؟ قُلْتُ: فُلانُ بْنُ فُلانٍ صَدِيقِكَ، قالَ: نَعَمْ، مَرْحَبًا، ما جاءَ بِكَ، فَقَدْ تَرَكَ أبُوكَ مِنَ المالِ ما لا تَحْتاجُ إلى أحَدٍ؟ قالَ: فَقُلْتُ: جِئْتُ لِأتَعَلَّمَ السِّحْرَ، قالَ: يا بُنَيَّ لا تُرِيدُهُ، لا خَيْرَ فِيهِ، قُلْتُ: لا بُدَّ مِن أنْ أتَعَلَّمَهُ، قالَ: فَناشَدَنِي وألَحَّ عَلَيَّ ألّا تُرِيدَهُ، فَقُلْتُ: لا بُدَّ مِن أنْ أتَعَلَّمَهُ. قالَ: أمّا إذا أبَيْتَ فاذْهَبْ، فَإذا كانَ يَوْمُ كَذا وكَذا فَوافِنِي هَهُنا، قالَ: فَفَعَلْتُ فَوافَيْتُهُ. قالَ: فَأخَذَ يُناشِدُنِي اللَّهَ ويَنْهانِي ويَقُولُ: لا تُرِيدُ السِّحْرَ، لا خَيْرَ فِيهِ، فَأبَيْتُ عَلَيْهِ، فَلَمّا رَآنِي قَدْ أبَيْتُ قالَ: فَإنِّي أُدْخِلُكَ مَوْضِعًا، فَإيّاكَ أنْ تَذْكُرَ اللَّهَ فِيهِ، قالَ: (p-٥٢٨)فَأدْخَلَنِي في سِرْبٍ تَحْتَ الأرْضِ، قالَ: فَجَعَلْتُ أدْخُلُ ثَلاثَمِائَةٍ وكَذا مَرْقاةً، ولا أُنْكِرُ مِن ضَوْءِ النَّهارِ شَيْئًا. قالَ: فَلَمّا بَلَغْتُ أسْفَلَهُ إذا أنا بِهارُوتَ ومارُوتَ مُعَلَّقانِ بِالسَّلاسِلِ في الهُوِيِّ. قالَ: فَإذا أعْيُنُهُما كالتِّرَسَةِ ورُءُوسُهُما- ذَكَرَ شَيْئًا لا أحْفَظُهُ- ولَهُما أجْنِحَةٌ، فَلَمّا نَظَرْتُ إلَيْهِما قُلْتُ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ. قالَ: فَضَرَبا بِأجْنِحَتِهِما ضَرْبًا شَدِيدًا، وصاحا صِياحًا شَدِيدًا ساعَةً ثُمَّ سَكَتا، ثُمَّ قُلْتُ أيْضًا: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ. فَفَعَلا مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ قُلْتُ الثّالِثَةَ: فَفَعَلا مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ سَكَتا وسَكَتُّ، فَنَظَرا إلَيَّ فَقالا لِي: آدَمِيٌّ ؟ فَقُلْتُ: نَعَمْ، قالَ: قُلْتُ: ما بالُكُما حِينَ ذَكَرْتُ اللَّهَ فَعَلْتُما ما فَعَلْتُما ؟ قالا: لِأنَّ ذَلِكَ اسْمٌ لَمْ نَسْمَعْهُ مِن حِينِ خَرَجْنا مِن تَحْتِ العَرْشِ. قالا: مِن أُمَّةِ مَن؟ قُلْتُ: مِن أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ . قالا: أوَقَدْ بُعِثَ؟ قُلْتُ: نَعَمْ. قالا: اجْتَمَعَ النّاسُ عَلى رَجُلٍ واحِدٍ أوْ هم مُخْتَلِفُونَ؟ قُلْتُ: قَدِ اجْتَمَعُوا عَلى (p-٥٢٩)رَجُلٍ واحِدٍ، قالَ: فَساءَهُما ذَلِكَ، فَقالا: كَيْفَ ذاتُ بَيْنِهِمْ؟ قُلْتُ: سَيِّئٌ، فَسَرَّهُما ذَلِكَ، فَقالا: هَلْ بَلَغَ البُنْيانُ بُحَيْرَةَ الطَّبَرِيَّةِ؟ قُلْتُ: لا، فَساءَهُما ذَلِكَ، فَسَكَتا، فَقُلْتُ لَهُما: ما بالُكُما حِينَ أخْبَرْتُكُما بِاجْتِماعِ النّاسِ عَلى رَجُلٍ واحِدٍ ساءَكُما ذَلِكَ؟ فَقالا: إنَّ السّاعَةَ لَمْ تَقْرُبْ ما دامَ النّاسُ عَلى رَجُلٍ واحِدٍ. قُلْتُ: فَما بالُكُما سَرَّكُما حِينَ أخْبَرْتُكُما بِفَسادِ ذاتِ البَيْنِ؟ قالا: لِأنّا رَجَوْنا اقْتِرابَ السّاعَةِ. قالَ: قُلْتُ: فَما بالُكُما ساءَكُما حِينَ ذَكَرْتُ أنَّ البُنْيانَ لَمْ يَبْلُغْ بُحَيْرَةَ الطَّبَرِيَّةِ قالا: لِأنَّ السّاعَةَ لا تَقُومُ أبَدًا حَتّى يَبْلُغَ البُنْيانُ بُحَيْرَةَ الطَّبَرِيَّةِ، قالَ: قُلْتُ لَهُما: أوْصِيانِي، قالا: إنْ قَدَرْتَ ألّا تَنامَ فافْعَلْ، فَإنَّ الأمْرَ جِدٌّ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: وأمّا شَأْنُ هارُوتَ ومارُوتَ فَإنَّ المَلائِكَةَ عَجِبَتْ مِن ظُلْمِ بَنِي آدَمَ وقَدْ جاءَتْهُمُ الرُّسُلُ والكُتُبُ والبَيِّناتُ، فَقالَ لَهم رَبُّهُمُ: اخْتارُوا مِنكم مَلَكَيْنِ أُنْزِلُهُما يَحْكُمانِ في الأرْضِ بَيْنَ بَنِي آدَمَ. فاخْتارُوا- فَلَمْ يَأْلُوا- هارُوتَ ومارُوتَ، فَقالَ لَهُما حِينَ أنْزَلَهُما: أعَجِبْتُما مِن بَنِي آدَمَ ومِن ظُلْمِهِمْ ومَعْصِيَتِهِمْ؟ وإنَّما تَأْتِيهِمُ الرُّسُلُ والكُتُبُ مِن وراءَ وراءَ، وأنْتُما لَيْسَ بَيْنِي وبَيْنَكُما رَسُولٌ، فافْعَلا كَذا وكَذا، (p-٥٣٠)ودَعا كَذا وكَذا. فَأمَرَهُما بِأمْرٍ ونَهاهُما، ثُمَّ نَزَلا عَلى ذَلِكَ لَيْسَ أحَدٌ أطْوَعَ لِلَّهِ مِنهُما، فَحَكَما فَعَدَلا، فَكانا يَحْكُمانِ النَّهارَ بَيْنَ بَنِي آدَمَ، فَإذا أمْسَيا عَرَجا، وكانا مَعَ المَلائِكَةِ، ويَنْزِلانِ حِينَ يُصْبِحانِ فَيَحْكُمانِ فَيَعْدِلانِ، حَتّى أُنْزِلَتْ عَلَيْهِما الزُّهْرَةُ في أحْسَنِ صُورَةِ امْرَأةٍ تُخاصِمُ فَقَضَيا عَلَيْها، فَلَمّا قامَتْ وجَدَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما في نَفْسِهِ، فَقالَ أحَدُهُما لِصاحِبِهِ: وجَدْتَ مِثْلَ ما وجَدْتُ؟ قالَ: نَعَمْ، فَبَعَثا إلَيْها أنِ ائْتِينا نَقْضِ لَكِ. فَلَمّا رَجَعَتْ، قالا لَها – وقَضَيا لَها-: ائْتِينا. فَأتَتْهُما، فَكَشَفا لَها عَنْ عَوْرَتِهِما، وإنَّما كانَتْ شَهْوَتُهُما في أنْفُسِهِما، ولَمْ يَكُونا كَبَنِي آدَمَ في شَهْوَةِ النِّساءِ ولَذَّتِها، فَلَمّا بَلَغا ذَلِكَ واسْتَحَلّاهُ وافْتَتَنا، طارَتِ الزُّهْرَةُ فَرَجَعَتْ حَيْثُ كانَتْ، فَلَمّا أمْسَيا عَرَجا فَزُجِرا، فَلَمْ يُؤْذَنْ لَهُما، ولَمْ تَحْمِلْهُما أجْنِحَتُهُما، فاسْتَغاثا بِرَجُلٍ مِن بَنِي آدَمَ، فَأتَياهُ فَقالا: ادْعُ لَنا رَبَّكَ، فَقالَ: كَيْفَ يَشْفَعُ أهْلُ الأرْضِ لِأهْلِ السَّماءِ؟ قالا: سَمِعْنا رَبَّكَ يَذْكُرُكَ بِخَيْرٍ في السَّماءِ، فَوَعَدَهُما يَوْمًا وعْدًا يَدْعُو لَهُما، (p-٥٣١)فَدَعا لَهُما فاسْتُجِيبَ لَهُ، فَخُيِّرا بَيْنَ عَذابِ الدُّنْيا وعَذابِ الآخِرَةِ، فَنَظَرَ أحَدُهُما إلى صاحِبِهِ فَقالا: نَعْلَمُ أنَّ أفْواجَ عَذابِ اللَّهِ في الآخِرَةِ كَذا وكَذا في الخُلْدِ، نَعَمْ، ومَعَ الدُّنْيا سَبْعَ مَرّاتٍ مِثْلَها. فَأُمِرا أنْ يَنْزِلا بِبابِلَ، فَثَمَّ عَذابُهُما وزَعَمَ أنَّهُما مُعَلَّقانِ في الحَدِيدِ مَطْوِيّانِ، يَصْطَفِقانِ بِأجْنِحَتِهِما. وأخْرَجَ الزُّبَيْرُ بْنُ بَكّارٍ في ”المُوَفَّقِيّاتِ“، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، والدَّيْلَمِيُّ، عَنْ عَلِيٍّ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ سُئِلَ عَنِ المُسُوخِ فَقالَ: هم ثَلاثَةَ عَشَرَ، الفِيلُ والدُّبُّ والخِنْزِيرُ والقِرْدُ والجِرِّيثُ والضَّبُّ والوَطْواطُ والعَقْرَبُ والدُّعْمُوصُ والعَنْكَبُوتُ والأرْنَبُ وسُهَيْلٌ والزُّهْرَةُ. فَقِيلَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، وما سَبَبُ مَسْخِهِنَّ؟ قالَ: أمّا الفِيلُ فَكانَ رَجُلًا جَبّارًا (p-٥٣٢)لُوطِيًّا لا يَدَعُ رَطْبًا ولا يابِسًا، وأمّا الدُّبُّ فَكانَ مُؤَنَّثًا يَدْعُو الرِّجالَ إلى نَفْسِهِ، وأمّا الخِنْزِيرُ فَكانَ مِنَ النَّصارى الَّذِينَ سَألُوا المائِدَةَ، فَلَمّا نَزَلَتْ كَفَرُوا، وأمّا القِرْدُ فَيَهُودُ اعْتَدَوْا في السَّبْتِ، وأمّا الجِرِّيثُ فَكانَ دَيُّوثًا يَدْعُو الرِّجالَ إلى حَلِيلَتِهِ، وأمّا الضَّبُّ فَكانَ أعْرابِيًّا يَسْرِقُ الحاجَّ بِمِحْجَنِهِ، وأمّا الوَطْواطُ فَكانَ رَجُلًا يَسْرِقُ الثِّمارَ مِن رُءُوسِ النَّخْلِ، وأمّا العَقْرَبُ فَكانَ لا يَسْلَمُ أحَدٌ مِن لِسانِهِ، وأمّا الدُّعْمُوصُ فَكانَ نَمّامًا يُفَرِّقُ بَيْنَ الأحِبَّةِ، وأمّا العَنْكَبُوتُ فامْرَأةٌ سَحَرَتْ زَوْجَها، وأمّا الأرْنَبُ فامْرَأةٌ كانَتْ لا تَطْهُرُ مِن حَيْضٍ، وأمّا سُهَيْلٌ فَكانَ عَشّارًا بِاليَمَنِ، وأمّا الزُّهْرَةُ فَكانَتْ بِنْتًا لِبَعْضِ مُلُوكِ بَنِي إسْرائِيلَ افْتَتَنَ بِها هارُوتُ ومارُوتُ» . وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ في ”الأوْسَطِ“ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ قالَ: «جاءَ جِبْرِيلُ إلى النَّبِيِّ ﷺ في حِينٍ غَيْرِ حِينِهِ الَّذِي كانَ يَأْتِيهِ فِيهِ، فَقامَ إلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: يا جِبْرِيلُ، ما لِي أراكَ مُتَغَيِّرَ اللَّوْنِ؟ فَقالَ: ما جِئْتُكَ حَتّى أمَرَ اللَّهُ بِمَفاتِيحِ النّارِ. فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: يا جِبْرِيلُ صِفْ لِي النّارَ، وانَعْتْ لِي جَهَنَّمَ. فَقالَ جِبْرِيلُ: إنَّ اللَّهَ تَبارَكَ وتَعالى أمَرَ بِجَهَنَّمَ فَأُوقِدَ عَلَيْها (p-٥٣٣)ألْفَ عامٍ حَتّى ابْيَضَّتْ ثُمَّ أمَرَ فَأُوقِدَ عَلَيْها ألْفَ عامٍ حَتّى احْمَرَّتْ، ثُمَّ أمَرَ فَأُوقِدَ عَلَيْها ألْفَ عامٍ حَتّى اسْوَدَّتْ، فَهي سَوْداءُ مُظْلِمَةٌ، لا يُضِيءُ شَرَرُها، ولا يُطْفَأُ لَهَبُها، والَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ لَوْ أنَّ قَدْرَ ثُقْبِ إبْرَةٍ فُتِحَ مِن جَهَنَّمَ لَماتَ مَن في الأرْضِ كُلُّهم جَمِيعًا مِن حَرِّهِ، والَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ لَوْ أنَّ ثَوْبًا مِن ثِيابِ الكُفّارِ عُلِّقَ بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ لَماتَ مَن في الأرْضِ جَمِيعًا مِن حَرِّهِ، والَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ لَوْ أنَّ خازِنًا مِن خَزَنَةِ جَهَنَّمَ بَرَزَ إلى أهْلِ الدُّنْيا فَنَظَرُوا إلَيْهِ لَماتَ مَن في الأرْضِ كُلُّهم مِن قُبْحِ وجْهِهِ، ومِن نَتْنِ رِيحِهِ، والَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ لَوْ أنَّ حَلْقَةً مِن حِلَقِ سِلْسِلَةِ أهْلِ النّارِ الَّتِي نَعَتِ اللَّهُ في كِتابِهِ وُضِعَتْ عَلى جِبالِ الدُّنْيا لارْفَضَّتْ وما تَقارَّتْ حَتّى تَنْتَهِيَ إلى الأرْضِ السُّفْلى، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: حَسْبِي يا جِبْرِيلُ. فَنَظَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى جِبْرِيلَ وهو يَبْكِي، فَقالَ: تَبْكِي يا جِبْرِيلُ وأنْتَ مِنَ اللَّهِ (p-٥٣٤)بِالمَكانِ الَّذِي أنْتَ فِيهِ؟ فَقالَ: وما لِي لا أبْكِي؟ أنا أحَقُّ بِالبُكاءِ، لَعَلِّي أكُونُ في عِلْمِ اللَّهِ عَلى غَيْرِ الحالِ الَّتِي أنا عَلَيْها، وما أدْرِي لَعَلِّي أُبْتَلى بِما ابْتُلِيَ بِهِ إبْلِيسُ، فَقَدْ كانَ مِنَ المَلائِكَةِ، وما أدْرِي لَعَلِّي أُبْتَلى بِما ابْتُلِيَ بِهِ هارُوتُ ومارُوتُ. فَبَكى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وبَكى جِبْرِيلُ، فَما زالا يَبْكِيانِ حَتّى نُودِيا أنْ: يا جِبْرِيلُ ويا مُحَمَّدُ إنَّ اللَّهَ قَدْ أمَّنَكُما أنْ تَعْصِياهُ» . * * قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما يُعَلِّمانِ مِن أحَدٍ حَتّى يَقُولا إنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ﴾ . أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الحُسَيْنِ وقَتادَةَ قالا: كانا يُعَلِّمانِ السِّحْرَ، فَأُخِذَ عَلَيْهِما ألّا يُعَلِّما أحَدٌ حَتّى يَقُولا: ﴿إنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ﴾ قالَ: بَلاءٌ. * * قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا تَكْفُرْ﴾ . أخْرَجَ البَزّارُ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قالَ: مَن أتى كاهِنًا أوْ ساحِرًا فَصَدَّقَهُ بِما يَقُولُ، فَقَدْ كَفَرَ بِما أُنْزِلَ عَلى مُحَمَّدٍ. (p-٥٣٥)وأخْرَجَ البَزّارُ عَنْ عِمْرانَ بْنِ حُصَيْنِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَيْسَ مِنّا مَن تَطَيَّرَ أوْ تُطُيِّرَ لَهُ، أوْ تَكَهَّنَ أوْ تُكُهِّنَ لَهُ، أوْ سَحَرَ أوْ سُحِرَ لَهُ، ومَن عَقَدَ عُقْدَةً ومَن أتى كاهِنًا فَصَدَّقَهُ بِما يَقُولُ فَقَدْ كَفَرَ بِما أُنْزِلَ عَلى مُحَمَّدٍ» . وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ عَنْ صَفْوانَ بْنِ سُلَيْمٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَن تَعَلَّمَ شَيْئًا مِنَ السِّحْرِ قَلِيلًا أوْ كَثِيرًا كانَ آخِرَ عَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ» . * * قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنهُما﴾ الآيَةَ. أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنهُما ما يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ المَرْءِ وزَوْجِهِ﴾ قالَ: يُؤَخِّذُونَ أحَدَهُما عَنْ صاحِبِهِ، ويُبَغِّضُونَ أحَدَهُما إلى صاحِبِهِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ سُفْيانَ في قَوْلِهِ: ﴿إلا بِإذْنِ اللَّهِ﴾ قالَ: بِقَضاءِ اللَّهِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ عَلِمُوا﴾ قالَ: لَقَدْ عَلِمَ أهْلُ الكِتابِ فِيما يَقْرَءُونَ مِن كِتابِ اللَّهِ، وفِيما عُهِدَ (p-٥٣٦)لَهم أنَّ السّاحِرَ لا خَلاقَ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ القِيامَةِ. وأخْرَجَ مُسْلِمٌ، عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «إنَّ الشَّيْطانَ يَضَعُ عَرْشَهُ عَلى الماءِ، ثُمَّ يَبْعَثُ سَراياهُ في النّاسِ فَأقْرَبُهم عِنْدَهُ مَنزِلَةً أعْظَمُهم عِنْدَهُ فِتْنَةً فَيَقُولُ: ما زِلْتُ بِفُلانٍ حَتّى تَرَكْتُهُ وهو يَقُولُ كَذا وكَذا، فَيَقُولُ إبْلِيسُ: لا واللَّهِ ما صَنَعْتَ شَيْئًا. ويَجِيءُ أحَدُهم فَيَقُولُ: ما تَرَكْتُهُ حَتّى فَرَّقْتُ بَيْنَهُ وبَيْنَ أهْلِهِ. فَيُقَرِّبُهُ ويُدْنِيهِ ويَلْتَزِمُهُ ويَقُولُ: نِعْمَ أنْتَ» . وأخْرَجَ أبُو الفَرَجِ الأصْبِهانِيُّ في ”الأغانِي“ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينارٍ قالَ: قالَ الحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ لِذَرِيحٍ أبِي قَيْسٍ: أحَلَّ لَكَ أنْ فَرَّقْتَ بَيْنَ قَيْسٍ ولُبْنى؟ أما سَمِعْتَ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ يَقُولُ: ما أُبالِي أفَرَّقْتُ بَيْنَ الرَّجُلِ وامْرَأتِهِ أوْ مَشَيْتُ إلَيْهِما بِالسَّيْفِ؟ وأخْرَجَ ابْنُ ماجَهْ عَنْ أبِي رُهْمٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مِن أفْضَلِ الشَّفاعَةِ أنْ يُشَفَّعَ بَيْنَ اثْنَيْنِ في النِّكاحِ» . (p-٥٣٧)وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ما لَهُ في الآخِرَةِ مِن خَلاقٍ﴾ قالَ: قِوامٌ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ما لَهُ في الآخِرَةِ مِن خَلاقٍ﴾ قالَ: مِن نَصِيبٍ. وأخْرَجَ الطَّسْتِيُّ في ”مَسائِلِهِ“ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ نافِعَ بْنَ الأزْرَقِ قالَ لَهُ: أخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ما لَهُ في الآخِرَةِ مِن خَلاقٍ﴾ قالَ: نَصِيبٍ. قالَ: وهَلْ تَعْرِفُ العَرَبُ ذَلِكَ ؟ قالَ: نَعَمْ، أما سَمِعْتَ أُمَيَّةَ بْنَ أبِي الصَّلْتِ وهو يَقُولُ: ؎يَدْعُونَ بِالوَيْلِ فِيها لا خَلاقَ لَهم إلّا سَرابِيلُ مِن قِطْرٍ وأغْلالُ وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ ﴿ما لَهُ في الآخِرَةِ مِن خَلاقٍ﴾ قالَ: مِن نَصِيبٍ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الحَسَنِ: ﴿ما لَهُ في الآخِرَةِ مِن خَلاقٍ﴾ قالَ: لَيْسَ لَهُ دِينٌ. * * قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَبِئْسَ ما شَرَوْا﴾ الآيَةَ. (p-٥٣٨)أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿ولَبِئْسَ ما شَرَوْا﴾ قالَ: باعُوا.

البقرة 2:103

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَوْ أنَّهم آمَنُوا﴾ الآيَةَ. أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كُلُّ شَيْءٍ في القُرْآنِ ”لَوْ“ فَإنَّهُ لا يَكُونُ أبَدًا. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿لَمَثُوبَةٌ﴾ قالَ: ثَوابٌ.

البقرة 2:104

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا راعِنا﴾ الآيَةَ. أخْرَجَ ابْنُ المُبارَكِ في “ الزُّهْدِ “ وأبُو عُبَيْدٍ في ”فَضائِلِهِ“ وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ في ”سُنَنِهِ“ وأحْمَدُ في “ الزُّهْدِ “، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو نُعَيْمٍ في “ الحِلْيَةِ “، والبَيْهَقِيُّ في ”شُعَبِ الإيمانِ“ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، أنَّ رَجُلًا أتاهُ فَقالَ: اعْهَدْ إلَيَّ، فَقالَ: إذا سَمِعْتَ اللَّهَ يَقُولُ: ”يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا“ فَأوْعِها سَمْعَكَ فَإنَّهُ خَيْرٌ يَأْمُرُ بِهِ، أوْ شَرٌّ يَنْهى عَنْهُ. (p-٥٣٩)وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو نُعَيْمٍ في “ الحِلْيَةِ “ عَنْ خَيْثَمَةَ قالَ: ما تَقْرَءُونَ في القُرْآنِ ”يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا“ فَإنَّهُ في التَّوْراةِ يا أيُّها المَساكِينُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وأبُو الشَّيْخِ عَنْ خَيْثَمَةَ قالَ: ما كانَ في القُرْآنِ ”يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا“ فَإنَّهُ في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ يا أيُّها المَساكِينُ. وأخْرَجَ أبُو نُعَيْمٍ في “ الدَّلائِلِ “ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: ﴿راعِنا﴾ بِلِسانِ اليَهُودِ السَّبُّ القَبِيحُ، فَكانَ اليَهُودُ يَقُولُونَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ سِرًّا، فَلَمّا سَمِعُوا أصْحابَهُ يَقُولُونَ أعْلَنُوا بِها، فَكانُوا يَقُولُونَ ذَلِكَ ويَضْحَكُونَ فِيما بَيْنَهُمْ، فَأنْزَلَ اللَّهُ الآيَةَ. وأخْرَجَ أبُو نُعَيْمٍ في “ الدَّلائِلِ “ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: ﴿لا تَقُولُوا راعِنا﴾ وذَلِكَ أنَّها سُبَّةٌ بِلُغَةِ اليَهُودِ، فَقالَ تَعالى ﴿وقُولُوا انْظُرْنا﴾ يُرِيدُ اسْمَعْنا فَقالَ المُؤْمِنُونَ بَعْدَها: مَن سَمِعْتُمُوهُ يَقُولُها فاضْرِبُوا عُنُقَهُ. فانْتَهَتِ اليَهُودُ بَعْدَ ذَلِكَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: (p-٥٤٠)﴿لا تَقُولُوا راعِنا﴾ قالَ: كانُوا يَقُولُونَ لِلنَّبِيِّ ﷺ: أرْعِنا سَمْعَكَ. وإنَّما (راعِنا) كَقَوْلِكَ: أعْطِنا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ السُّدِّيِّ قالَ: «كانَ رَجُلانِ مِنَ اليَهُودِ؛ مالِكُ بْنُ الصَّيْفِ ورِفاعَةُ بْنُ زَيْدٍ، إذا لَقِيا النَّبِيَّ ﷺ قالا لَهُ وهُما يُكَلِّمانِهِ: راعِنا سَمْعَكَ واسْمَعْ غَيْرَ مَسْمَعٍ. فَظَنَّ المُسْلِمُونَ أنَّ هَذا شَيْءٌ كانَ أهْلُ الكِتابِ يُعَظِّمُونَ بِهِ أنْبِياءَهُمْ، فَقالُوا لِلنَّبِيِّ ﷺ ذَلِكَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا راعِنا﴾ الآيَةَ» . وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي صَخْرٍ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذا أدْبَرَ ناداهُ مَن كانَتْ لَهُ حاجَةٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ فَقالُوا: أرْعِنا سَمْعَكَ، فَأعْظَمَ اللَّهُ رَسُولَهُ أنْ يُقالَ لَهُ ذَلِكَ، وأمَرَهم أنْ يَقُولُوا: انْظُرْنا لِيُعَزِّرُوا رَسُولَهُ ويُوَقِّرُوهُ» . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو نُعَيْمٍ في “ الدَّلائِلِ “ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿لا تَقُولُوا راعِنا﴾ قالَ: قُولًا كانَتِ اليَهُودُ تَقُولُهُ اسْتِهْزاءً، فَكَرِهَهُ اللَّهُ لِلْمُؤْمِنِينَ أنْ يَقُولُوا كَقَوْلِهِمْ. (p-٥٤١)وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو نُعَيْمٍ في “ الدَّلائِلِ “ عَنْ عَطِيَّةَ في قَوْلِهِ: ﴿لا تَقُولُوا راعِنا﴾ قالَ: كانَ أُناسٌ مِنَ اليَهُودِ يَقُولُونَ: راعِنا سَمْعَكَ حَتّى قالَها أُناسٌ مِنَ المُسْلِمِينَ فَكَرِهَ اللَّهُ لَهم ما قالَتِ اليَهُودُ. وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ، وابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿لا تَقُولُوا راعِنا﴾ أيْ أرْعِنا سَمْعَكَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿لا تَقُولُوا راعِنا﴾ قالَ: خِلافًا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿لا تَقُولُوا راعِنا﴾ قالَ: لا تَقُولُوا اسْمَعْ مِنّا ونَسْمَعُ مِنكَ ﴿وقُولُوا انْظُرْنا﴾ أفْهِمْنا بَيِّنْ لَنا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أبِي العالِيَةِ قالَ: إنَّ مُشْرِكِي العَرَبِ كانُوا يَقُولُونَ إذا حَدَّثَ بَعْضُهم بَعْضًا يَقُولُ أحَدُهم لِصاحِبِهِ: أرْعِنِي سَمْعَكَ، فَنُهُوا عَنْ ذَلِكَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ والنَّحّاسُ في ”ناسِخِهِ“ عَنْ عَطاءٍ في قَوْلِهِ: ﴿لا تَقُولُوا راعِنا﴾ قالَ: كانَتْ لُغَةً في الأنْصارِ في الجاهِلِيَّةِ؛ (p-٥٤٢)فَنَهاهُمُ اللَّهُ أنْ يَقُولُوها وقالَ: قُولُوا: ﴿انْظُرْنا واسْمَعُوا﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قَرَأ: (راعِنًا) وقالَ: الرّاعِنُ مِنَ القَوْلِ السُّخْرِيُّ مِنهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿واسْمَعُوا﴾ قالَ: اسْمَعُوا ما يُقالُ لَكم. وأخْرَجَ أبُو نُعَيْمٍ في “ الحِلْيَةِ “ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «ما أنْزَلَ اللَّهُ آيَةً فِيها ”يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا“ إلّا وعَلِيٌّ رَأْسُها وأمِيرُها»، قالَ أبُو نُعَيْمٍ: لَمْ نَكْتُبْهُ مَرْفُوعًا إلّا مِن حَدِيثِ ابْنِ أبِي خَيْثَمَةَ، والنّاسُ رَأوْهُ مَوْقُوفًا.

البقرة 2:105

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشاءُ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ: ﴿واللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشاءُ﴾ قالَ: القُرْآنُ والإسْلامُ.

البقرة 2:106

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما نَنْسَخْ مِن آيَةٍ أوْ نُنْسِها﴾ الآيَةَ. أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ في ”الكُنى“، وابْنُ عَدِيٍّ، وابْنُ عَساكِرَ (p-٥٤٣)عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانَ مِمّا يَنْزِلُ عَلى النَّبِيِّ ﷺ الوَحْيُ بِاللَّيْلِ، ويَنْساهُ بِالنَّهارِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿ما نَنْسَخْ مِن آيَةٍ أوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنها أوْ مِثْلِها﴾ . وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: «قَرَأ رَجُلانِ مِنَ الأنْصارِ سُورَةً أقْرَأهُما رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وكانا يَقْرَآنِ بِها، فَقاما يَقْرَآنِ ذاتَ لَيْلَةٍ يُصَلِّيانِ، فَلَمْ يَقْدِرا مِنها عَلى حَرْفٍ، فَأصْبَحا غادِيَيْنِ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: إنَّها مِمّا نُسِخَ أوْ نُسِيَ، فالهُوا عَنْها» . فَكانَ الزُّهْرِيُّ يَقْرَؤُها: ﴿ما نَنْسَخْ مِن آيَةٍ أوْ نُنْسِها﴾ بِضَمِّ النُّونِ خَفِيفَةً. وأخْرَجَ البُخارِيُّ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ الأنْبارِيِّ في كِتابِ ”المَصاحِفِ“، والحاكِمُ، والبَيْهَقِيُّ في “ الدَّلائِلِ “ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ عُمَرُ: أقْرَؤُنا أُبَيٌّ وأقْضانا عَلِيٌّ، وإنّا لَنَدَعُ شَيْئًا مِن قِراءَةِ أُبَيٍّ، وذَلِكَ أنَّ أُبَيًّا يَقُولُ: لا أدَعُ شَيْئًا سَمِعْتُهُ مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وقَدْ قالَ اللَّهُ (ما نَنْسَخْ مِن آيَةٍ أوْ نَنْسَأْها) . وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وأبُو داوُدَ في ”ناسِخِهِ“، وابْنُهُ في ”المَصاحِفِ“، والنَّسائِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ (p-٥٤٤)وصَحَّحَهُ عَنْ سَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ أنَّهُ قَرَأ (ما نَنْسَخْ مِن آيَةٍ أوْ تَنْساها) فَقِيلَ لَهُ: إنَّ سَعِيدَ بْنَ المُسَيَّبِ يَقْرَأُ ﴿نُنْسِها﴾ فَقالَ سَعْدٌ: إنَّ القُرْآنَ لَمْ يَنْزِلْ عَلى المُسَيَّبِ ولا عَلى آلِ المُسَيَّبِ. قالَ اللَّهُ: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى﴾ [الأعلى: ٦] [ الأعْلى: ٦]، ﴿واذْكُرْ رَبَّكَ إذا نَسِيتَ﴾ [الكهف: ٢٤] [ الكَهْفِ: ٢٤] . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في “ الأسْماءِ والصِّفاتِ “ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: (ما نَنْسَخْ مِن آيَةٍ أوْ نَنْساها) يَقُولُ: ما نُبَدِّلْ مِن آيَةٍ أوْ نَتْرُكْها لا نُبَدِّلْها ﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنها أوْ مِثْلِها﴾ يَقُولُ: خَيْرٍ لَكم لَكم في المَنفَعَةِ وأرْفَقَ بِكم. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: خَطَبَنا عُمَرُ فَقالَ: يَقُولُ اللَّهُ تَعالى (ما نَنْسَخْ مِن آيَةٍ أوْ نَنْسَأْها) أيْ نُؤَخِّرْها. وأخْرَجَ ابْنُ الأنْبارِيِّ عَنْ مُجاهِدٍ أنَّهُ قَرَأ (أوْ نَنْسَأْها) . (p-٥٤٥)وأخْرَجَ أبُو داوُدَ في “ ناسِخِهِ “ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ في قِراءَةِ أُبَيٍّ (ما نَنْسَخْ مِن آيَةٍ أوْ نُنْسِكَ) . وأخْرَجَ آدَمُ بْنُ أبِي إياسٍ وأبُو داوُدَ في “ ناسِخِهِ “، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في “ الأسْماءِ والصِّفاتِ “ عَنْ مُجاهِدٍ عَنْ أصْحابِ ابْنِ مَسْعُودٍ في قَوْلِهِ: ﴿ما نَنْسَخْ مِن آيَةٍ﴾ قالَ: نُثْبِتْ خَطَّها ونُبَدِّلْ حُكْمَها (أوْ نَنَسَأْها) قالَ: نُؤَخِّرْها عِنْدَنا. وأخْرَجَ آدَمُ، وابْنُ جَرِيرٍ، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ في قَوْلِهِ: (ما نَنْسَخْ مِن آيَةٍ أوْ نَنْساها) يَقُولُ: أوْ نَتْرُكْها نَرْفَعُها مِن عِنْدِهِمْ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ الضَّحّاكِ قالَ: في قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ (ما نُنْسِكَ مِن آيَةٍ أوْ نَنْسَخْها) . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وأبُو داوُدَ في “ ناسِخِهِ “، وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ قالَ: كانَتِ الآيَةُ تَنْسَخُ الآيَةَ، وكانَ نَبِيُّ اللَّهِ يَقْرَأُ الآيَةَ والسُّورَةَ وما شاءَ اللَّهُ مِنَ السُّورَةِ ثُمَّ تُرْفَعُ فَيُنَسِّيها اللَّهُ نَبِيَّهُ، فَقالَ اللَّهُ يَقُصُّ عَلى نَبِيِّهِ ﴿ما نَنْسَخْ مِن آيَةٍ أوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنها أوْ مِثْلِها﴾ يَقُولُ: فِيها تَخْفِيفٌ فِيها رُخْصَةٌ فِيها أمْرٌ فِيها نَهْيٌ. (p-٥٤٦)وأخْرَجَ أبُو داوُدَ في “ ناسِخِهِ “ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: (ما نَنْسَخْ مِن آيَةٍ أوْ نَنْسَأْها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنها أوْ مِثْلِها ألَمْ تَعْلَمْ أنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) . ثُمَّ قالَ: ﴿وإذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ﴾ [النحل: ١٠١] [ النَّحْلِ: ١٠١] وقالَ: ﴿يَمْحُو اللَّهُ ما يَشاءُ ويُثْبِتُ﴾ [الرعد: ٣٩] [ الرَّعْدِ: ٣٩] . وأخْرَجَ أبُو داوُدَ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ أبِي العالِيَةِ قالَ: يَقُولُونَ: (ما نَنْسَخْ مِن آيَةٍ أوْ نَنْساها) كانَ اللَّهُ أنْزَلَ أُمُورًا مِنَ القُرْآنِ ثُمَّ رَفَعَها، فَقالَ: ﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنها أوْ مِثْلِها﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿أوْ نُنْسِها﴾ قالَ: إنَّ نَبِيَّكم ﷺ أُقْرِئَ قُرْآنًا ثُمَّ أُنْسِيَهُ فَلَمْ يَكُنْ شَيْئًا، ومِنَ القُرْآنِ ما قَدْ نُسِخَ وأنْتُمْ تَقْرَءُونَهُ. وأخْرَجَ أبُو داوُدَ في “ ناسِخِهِ “، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ الأنْبارِيِّ في ”المَصاحِفِ“ وأبُو ذَرٍّ الهَرَوِيُّ في ”فَضائِلِهِ“ عَنْ أبِي أُمامَةَ بْنِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ «أنَّ رَجُلًا كانَتْ مَعَهُ سُورَةٌ فَقامَ مِنَ اللَّيْلِ فَقامَ بِها فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَيْها، وقامَ آخَرُ يَقْرَأُ بِها فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَيْها، وقامَ آخَرُ فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَيْها، فَأصْبَحُوا فَأتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فاجْتَمَعُوا عِنْدَهُ فَأخْبَرُوهُ، فَقالَ: إنَّها نُسِخَتِ البارِحَةَ» . وأخْرَجَ أبُو داوُدَ في “ ناسِخِهِ “، والبَيْهَقِيُّ في “ الدَّلائِلِ “ (p-٥٤٧)مِن وجْهٍ آخَرَ، عَنْ أبِي أُمامَةَ «أنَّ رَهْطًا مِنَ الأنْصارِ مِن أصْحابِ النَّبِيِّ ﷺ أخْبَرُوهُ أنَّ رَجُلًا قامَ مِن جَوْفِ اللَّيْلِ يُرِيدُ أنْ يَفْتَتِحَ سُورَةً كانَ قَدْ وعاها، فَلَمْ يَقْدِرْ مِنها عَلى شَيْءٍ إلّا ﷽، ووَقَعَ ذَلِكَ لِناسٍ مِن أصْحابِهِ، فَأصْبَحُوا فَسَألُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنِ السُّورَةِ، فَسَكَتَ ساعَةً لَمْ يَرْجِعْ إلَيْهِمْ شَيْئًا، ثُمَّ قالَ: نُسِخَتِ البارِحَةَ. فَنُسِخَتْ مِن صُدُورِهِمْ ومِن كُلِّ شَيْءٍ كانَتْ فِيهِ» . وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، وأحْمَدُ، والبُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وأبُو داوُدَ في “ ناسِخِهِ “، وابْنُ الضُّرَيْسِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ حِبّانَ، والبَيْهَقِيُّ في “ الدَّلائِلِ “ عَنْ أنَسٍ قالَ: أنْزَلَ اللَّهُ في الَّذِينَ قُتِلُوا بِبِئْرِ مَعُونَةَ قُرْآنًا قَرَأْناهُ حَتّى نُسِخَ بَعْدُ: (أنْ بَلِّغُوا قَوْمَنا أنّا قَدْ لَقِينا رَبَّنا فَرَضِيَ عَنّا وأرْضانا) . وأخْرَجَ مُسْلِمٌ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ في “ الحِلْيَةِ “، والبَيْهَقِيُّ في “ الدَّلائِلِ “ عَنْ أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ قالَ: كُنّا نَقْرَأُ سُورَةً نُشَبِّهُها في الطُّولِ والشِّدَّةِ بِـ ”بَراءَةَ“ فَأُنْسِيتُها غَيْرَ أنِّي حَفِظْتُ مِنها: (لَوْ كانَ لِابْنِ آدَمَ وادِيانِ مِن مالٍ لابْتَغى وادِيًا ثالِثًا ولا يَمْلَأُ جَوْفَهُ إلّا التُّرابُ)، وكُنّا نَقْرَأُ سُورَةً نُشَبِّهُها (p-٥٤٨)بِإحْدى المُسَبِّحاتِ، أوَّلُها: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ﴾ [الصف: ١] فَأُنْسِيناها غَيْرَ أنِّي حَفِظْتُ مِنها: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: ٢] فَتُكْتَبُ شَهادَةً في أعْناقِكم فَتُسْألُونَ عَنْها يَوْمَ القِيامَةِ) . وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ في ”فَضائِلِهِ“، وابْنُ الضُّرَيْسِ عَنْ أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةٌ شَدِيدَةٌ نَحْوَ ”بَراءَةَ“ في الشِّدَّةِ ثُمَّ رُفِعَتْ وحُفِظَ مِنها: (إنَّ اللَّهَ سَيُؤَيِّدُ الدِّينَ بِأقْوامٍ لا خَلاقَ لَهُمْ) . ولَفْظُ ابْنِ الضُّرَيْسِ: (لِيُؤَيِّدَنَّ اللَّهُ هَذا الدِّينَ بِرِجالٍ ما لَهم في الآخِرَةِ مِن خَلاقٍ، ولَوْ أنَّ لِابْنِ آدَمَ وادِيَيْنِ مِن مالٍ لَتَمَنّى وادِيًا ثالِثًا، ولا يَمْلَأُ جَوْفَ ابْنِ آدَمَ إلّا التُّرابُ، إلّا مَن تابَ فَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِ واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) . وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ، وأحْمَدُ، والطَّبَرانِيُّ في ”الأوْسَطِ“، والبَيْهَقِيُّ في ”شُعَبِ الإيمانِ“ عَنْ أبِي واقِدٍ اللِّيثِيِّ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذا أُوحِيَ إلَيْهِ أتَيْناهُ فَعَلَّمَنا مِمّا أُوحِيَ إلَيْهِ. قالَ: فَجِئْتُهُ ذاتَ يَوْمٍ فَقالَ: إنَّ اللَّهَ يَقُولُ: (إنّا أنْزَلْنا المالَ لِإقامِ الصَّلاةِ وإيتاءِ الزَّكاةِ، ولَوْ أنَّ لِابْنِ آدَمَ وادِيًا لَأحَبَّ أنْ يَكُونَ إلَيْهِ (p-٥٤٩)الثّانِي، ولَوْ كانَ لَهُ الثّانِي لَأحَبَّ أنْ يَكُونَ إلَيْهِما الثّالِثُ، ولا يَمْلَأُ جَوْفَ ابْنِ آدَمَ إلّا التُّرابُ، ويَتُوبُ اللَّهُ عَلى مَن تابَ») . وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ، وأحْمَدُ، وأبُو يَعْلى، والطَّبَرانِيُّ عَنْ زَيْدِ بْنِ أرْقَمَ قالَ: «كُنّا نَقْرَأُ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: (لَوْ كانَ لِابْنِ آدَمَ وادِيانِ مِن ذَهَبٍ وفِضَّةٍ لابْتَغى الثّالِثَ، ولا يَمْلَأُ بَطْنَ ابْنِ آدَمَ إلّا التُّرابُ، ويَتُوبُ اللَّهُ عَلى مَن تابَ») . وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ، وأحْمَدُ، عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: «كُنّا نَقْرَأُ: (لَوْ أنَّ لِابْنِ آدَمَ مِلْءَ وادٍ مالًا لَأحَبَّ إلَيْهِ مَثَلَهُ، ولا يَمْلَأُ جَوْفَ ابْنِ آدَمَ إلّا التُّرابُ، ويَتُوبُ اللَّهُ عَلى مَن تابَ») . وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ، والبُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «لَوْ أنَّ لِابْنِ آدَمَ مَلْءَ وادٍ مالًا لَأحَبَّ أنَّ لَهُ إلَيْهِ مِثْلَهُ، ولا يَمْلَأُ عَيْنَ ابْنِ آدَمَ إلّا التُّرابُ، ويَتُوبُ اللَّهُ عَلى مَن تابَ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: فَلا (p-٥٥٠)أدْرِي أمِنَ القُرْآنِ هو أمْ لا» . وأخْرَجَ البَزّارُ، وابْنُ الضُّرَيْسِ، عَنْ بُرَيْدَةَ «سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقْرَأُ في الصَّلاةِ: (لَوْ أنَّ لِابْنِ آدَمَ وادِيًا مِن ذَهَبٍ لابْتَغى إلَيْهِ ثانِيًا، ولَوْ أُعْطِيَ ثانِيًا لابْتَغى ثالِثًا، ولا يَمْلَأُ جَوْفَ ابْنِ آدَمَ إلّا التُّرابُ، ويَتُوبُ اللَّهُ عَلى مَن تابَ» . وأخْرَجَ ابْنُ الأنْبارِيِّ عَنْ زِرٍّ قالَ: في قِراءَةِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: (ابْنُ آدَمَ لَوْ أُعْطِي وادِيًا مِن مالٍ لالتَمَسَ ثانِيًا، ولَوْ أُعْطِي وادِيَيْنِ مِن مالٍ لالتَمَسَ ثالِثًا، ولا يَمْلَأُ جَوْفَ ابْنِ آدَمَ إلّا التُّرابُ، ويَتُوبُ اللَّهُ عَلى مَن تابَ) . وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «كُنّا نَقْرَأُ: (لا تَرْغَبُوا عَنْ آبائِكم فَإنَّهُ كُفْرٌ بِكم وإنَّ كُفْرًا بِكم أنْ تَرْغَبُوا عَنْ آبائِكُمْ») . وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وأحْمَدُ، وابْنُ حِبّانَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ قالَ: إنَّ اللَّهَ بَعَثَ مُحَمَّدًا بِالحَقِّ، وأنْزَلَ مَعَهُ الكِتابَ، فَكانَ فِيما أنْزَلَ عَلَيْهِ آيَةُ الرَّجْمِ، فَرَجَمَ ورَجَمْنا بَعْدَهُ، ثُمَّ قالَ: قَدْ كُنّا نَقْرَأُ: (ولا تَرْغَبُوا عَنْ آبائِكم فَإنَّهُ كُفْرٌ بِكم أنْ تَرْغَبُوا عَنْ آبائِكُمْ) . (p-٥٥١)وأخْرَجَ الطَّيالِسِيُّ وأبُو عُبَيْدٍ، والطَّبَرانِيُّ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ، قالَ: «كُنّا نَقْرَأُ فِيما نَقْرَأُ: (لا تَرْغَبُوا عَنْ آبائِكم فَإنَّهُ كُفْرٌ بِكُمْ) ثُمَّ قالَ لِزَيْدِ بْنِ ثابِتٍ: أكَذَلِكَ يا زَيْدُ؟ قالَ: نَعَمْ» . وأخْرَجَ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ في ”التَّمْهِيدِ“ مِن طَرِيقِ عَدِيِّ بْنِ عَدِيِّ بْنِ عَمِيرَةَ بْنِ فَرْوَةَ، عَنْ أبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ عَمِيرَةَ بْنِ فَرْوَةَ، أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ قالَ لِأُبَيٍّ: أوَلَيِسَ كُنّا نَقْرَأُ فِيما نَقْرَأُ مِن كِتابِ اللَّهِ: (إنَّ انْتِفاءَكم مِن آبائِكم كُفْرٌ بِكُمْ)، فَقالَ: بَلى، ثُمَّ قالَ: أوَلَيِسَ كُنّا نَقْرَأُ: «(الوَلَدُ لِلْفِراشِ ولِلْعاهِرِ الحَجَرُ»)، فِيما فَقَدْنا مِن كِتابِ اللَّهِ فَقالَ أُبَيٌّ: بَلى. وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ، عَنِ المِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ قالَ: قالَ عُمَرُ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ: ألَمْ تَجِدْ فِيما أُنْزِلَ عَلَيْنا: (أنْ جاهِدُوا كَما جاهَدْتُمْ أوَّلَ مَرَّةٍ)، فَإنّا لا نَجِدُها؟ قالَ: أُسْقِطَتْ فِيما أُسْقِطَ مِنَ القُرْآنِ. وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ، وابْنُ الضُّرَيْسِ، وابْنُ الأنْبارِيِّ في ”المَصاحِفِ“ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: لا يَقُولَنَّ أحَدُكم: قَدْ أخَذْتُ القُرْآنَ كُلَّهُ. ما يُدْرِيهِ ما كُلُّهُ؟ قَدْ ذَهَبَ (p-٥٥٢)مِنهُ قُرْآنٌ كَثِيرٌ، ولَكِنْ لِيَقُلْ: قَدْ أخَذْتُ ما ظَهَرَ مِنهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ في ”المُصَنَّفِ“، وابْنُ الأنْبارِيِّ، والبَيْهَقِيُّ في “ الدَّلائِلِ “ عَنْ عَبِيدَةَ السَّلْمانِيِّ قالَ: القِراءَةُ الَّتِي عُرِضَتْ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في العامِ الَّذِي قُبِضَ فِيهِ هَذِهِ القِراءَةُ الَّتِي يَقْرَؤُها النّاسُ الَّتِي جَمَعَ عُثْمانُ النّاسَ عَلَيْها. وأخْرَجَ ابْنُ الأنْبارِيِّ، وابْنُ أشْتَةَ في ”المَصاحِفِ“ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ قالَ: «كانَ جِبْرِيلُ يُعارِضُ النَّبِيَّ ﷺ كُلَّ سَنَةٍ في شَهْرِ رَمَضانَ، فَلَمّا كانَ العامُ الَّذِي قُبِضَ فِيهِ عارَضَهُ مَرَّتَيْنِ، فَيَرَوْنَ أنْ تَكُونَ قِراءَتُنا هَذِهِ عَلى العَرْضَةِ الأخِيرَةِ» . وأخْرَجَ ابْنُ الأنْبارِيِّ عَنْ أبِي ظَبْيانَ قالَ: «قالَ لَنا ابْنُ عَبّاسٍ: أيَّ القِراءَتَيْنِ تَعُدُّونَ أوَّلَ؟ قُلْنا: قِراءَةَ عَبْدِ اللَّهِ، وقِراءَتُنا هي الأخِيرَةُ، فَقالَ: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ يَعْرِضُ عَلَيْهِ جِبْرِيلَ القُرْآنَ كُلَّ سَنَةٍ مَرَّةً في شَهْرِ رَمَضانَ، وإنَّهُ عَرَضَهُ عَلَيْهِ في آخِرِ سَنَةٍ مَرَّتَيْنِ، فَشَهِدَ مِنهُ عَبْدُ اللَّهِ ما نُسِخَ وما بُدِّلَ» . وأخْرَجَ ابْنُ الأنْبارِيِّ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: «قالَ لَنا ابْنُ عَبّاسٍ: أيَّ القُرْآنِ (p-٥٥٣)تَعُدُّونَ أوَّلَ؟ قُلْنا: قِراءَةَ عَبْدِ اللَّهِ.، قالَ: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ: كانَ يَعْرِضُ القُرْآنَ عَلى جِبْرِيلَ كُلَّ سَنَةٍ مَرَّةً، وإنَّهُ عَرَضَهُ عَلَيْهِ في آخِرِ سَنَةٍ مَرَّتَيْنِ، فَقِراءَةُ عَبْدِ اللَّهِ آخِرُهُنَّ» . وأخْرَجَ ابْنُ الأنْبارِيِّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: «كانَ جِبْرِيلُ يُعارِضُ النَّبِيَّ ﷺ بِالقُرْآنِ في كُلِّ سَنَةٍ مَرَّةً، وإنَّهُ عارَضَهُ بِالقُرْآنِ في آخِرِ سَنَةٍ مَرَّتَيْنِ، فَأخَذْتُهُ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ ذَلِكَ العامَ» . وأخْرَجَ ابْنُ الأنْبارِيِّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: لَوْ أعْلَمُ أحَدًا أحْدَثَ بِالعَرْضَةِ الأخِيرَةِ مِنِّي لَرَحَلْتُ إلَيْهِ. وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ سَمُرَةَ قالَ: «عُرِضَ القُرْآنُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ثَلاثَ عَرَضاتٍ فَيَقُولُونَ: إنَّ قِراءَتَنا هَذِهِ هي العَرْضَةُ الأخِيرَةُ» . وأخْرَجَ أبُو جَعْفَرٍ النَّحّاسُ في “ ناسِخِهِ “ عَنْ أبِي البَخْتَرِيِّ قالَ: دَخَلَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ المَسْجِدَ فَإذا رَجُلٌ يُخَوِّفُ فَقالَ: ما هَذا؟ فَقالُوا: رَجُلٌ يُذَكِّرُ النّاسَ، فَقالَ: لَيْسَ بِرَجُلٍ يُذَكِّرُ النّاسَ ولَكِنَّهُ يَقُولُ: أنا فُلانُ بْنُ فُلانٍ، فاعْرِفُونِي. فَأرْسَلَ إلَيْهِ فَقالَ: أتَعْرِفُ النّاسِخَ مِنَ المَنسُوخِ؟ فَقالَ: لا، قالَ: فاخْرُجْ مِن مَسْجِدِنا ولا تُذَكِّرْ فِيهِ. (p-٥٥٤)وأخْرَجَ أبُو داوُدَ والنَّحّاسُ، كِلاهُما في ”النّاسِخِ والمَنسُوخِ“، والبَيْهَقِيُّ في ”سُنَنِهِ“ عَنْ أبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ قالَ: مَرَّ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِرَجُلٍ يَقُصُّ فَقالَ: أعَرَفْتَ النّاسِخَ مِنَ المَنسُوخِ؟ قالَ: لا، قالَ: هَلَكْتَ وأهْلَكْتَ. وأخْرَجَ النَّحّاسُ، والطَّبَرانِيُّ عَنِ الضَّحّاكِ بْنِ مُزاحِمٍ قالَ: مَرَّ ابْنُ عَبّاسٍ بِقاصٍّ يَقُصُّ فَرَكَلَهُ بِرِجْلِهِ، وقالَ: أتَدْرِي النّاسِخَ مِنَ المَنسُوخِ؟ قالَ: لا. قالَ: هَلَكْتَ وأهْلَكْتَ. وأخْرَجَ الدّارِمِيُّ في ”مُسْنَدِهِ“ والنَّحّاسُ عَنْ حُذَيْفَةَ قالَ: إنَّما يُفْتِي النّاسَ أحَدُ ثَلاثَةٍ؛ رَجُلٌ يَعْلَمُ ناسِخَ القُرْآنِ مِن مَنسُوخِهِ، وذَلِكَ عُمَرُ ورَجُلٌ قاضٍ لا يَجِدُ مِنَ القَضاءِ بُدًّا، ورَجُلٌ أحْمَقُ مُتَكَلِّفٌ. فَلَسْتُ بِالرَّجُلَيْنِ الماضِيَيْنِ، فَأكْرَهُ أنْ أكُونَ الثّالِثَ.

البقرة 2:108

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ تُرِيدُونَ أنْ تَسْألُوا رَسُولَكُمْ﴾ الآياتِ. أخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «قالَ رافِعُ بْنُ حُرَيْمِلَةَ ووَهْبُ بْنُ زَيْدٍ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: يا مُحَمَّدُ ائْتِنا بِكِتابٍ تُنَزِّلُهُ عَلَيْنا مِنَ السَّماءِ نَقْرَؤُهُ، أوْ فَجِّرْ لَنا أنْهارًا نَتَّبِعْكَ ونُصَدِّقْكَ فَأنْزَلَ اللَّهُ في ذَلِكَ: ﴿أمْ تُرِيدُونَ أنْ تَسْألُوا رَسُولَكُمْ﴾ (p-٥٥٥)إلى قَوْلِهِ ﴿سَواءَ السَّبِيلِ﴾ وكانَ حُيَيُّ بْنُ أخَطَبَ وأبُو ياسِرِ بْنُ أخَطَبَ مِن أشَدِّ يَهُودَ حَسَدًا لِلْعَرَبِ إذْ خَصَّهُمُ اللَّهُ بِرَسُولِهِ، وكانا جاهِدَيْنِ في رَدِّ النّاسِ عَنِ الإسْلامِ ما اسْتَطاعا، فَأنْزَلَ اللَّهُ فِيهِما: ﴿ودَّ كَثِيرٌ مِن أهْلِ الكِتابِ﴾ الآيَةَ» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي العالِيَةِ قالَ: «قالَ رَجُلٌ: يا رَسُولَ اللَّهِ، لَوْ كانَتْ كَفّاراتُنا كَكَفّاراتِ بَنِي إسْرائِيلَ؟ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ما أعْطاكُمُ اللَّهُ خَيْرٌ، كانَتْ بَنُو إسْرائِيلَ إذا أصابَ أحَدُهُمُ الخَطِيئَةَ وجَدَها مَكْتُوبَةً عَلى بابِهِ وكَفّارَتَها، فَإنْ كَفَّرَها كانَتْ لَهُ خِزْيًا في الدُّنْيا، وإنْ لَمْ يُكَفِّرْها كانَتْ لَهُ خِزْيًا في الآخِرَةِ، وقَدْ أعْطاكُمُ اللَّهُ خَيْرًا مِن ذَلِكَ، قالَ: ﴿ومَن يَعْمَلْ سُوءًا أوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ﴾ [النساء: ١١٠] الآيَةَ [ النِّساءِ: ١١٠] والصَّلَواتُ الخَمْسُ، والجُمْعَةُ إلى الجُمْعَةِ كَفّاراتٌ لِما بَيْنَهُنَّ. فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿أمْ تُرِيدُونَ أنْ تَسْألُوا رَسُولَكُمْ﴾ الآيَةَ» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ قالَ: سَألَتِ العَرَبُ مُحَمَّدًا ﷺ أنَّ يَأْتِيَهم بِاللَّهِ فَيَرَوْهُ جَهْرَةً، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ. (p-٥٥٦)وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿أمْ تُرِيدُونَ أنْ تَسْألُوا رَسُولَكم كَما سُئِلَ مُوسى مِن قَبْلُ﴾ قالَ: ما كانَ سُئِلَ مُوسى أنْ قِيلَ لَهُ: (أرِنا اللَّهَ جَهْرَةً) [ النِّساءِ: ١٥٣] . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: سَألَتْ قُرَيْشْ مُحَمَّدًا ﷺ أنْ يَجْعَلَ لَهُمُ الصَّفا ذَهَبًا، فَقالَ: نَعَمْ، وهو لَكم كالمائِدَةِ لِبَنِي إسْرائِيلَ إنْ كَفَرْتُمْ. فَأبَوْا ورَجَعُوا،، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿أمْ تُرِيدُونَ أنْ تَسْألُوا رَسُولَكم كَما سُئِلَ مُوسى مِن قَبْلُ﴾ أنْ يُرِيَهُمُ اللَّهُ جَهْرَةً. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أبِي العالِيَةِ في قَوْلِهِ: ﴿ومَن يَتَبَدَّلِ الكُفْرَ بِالإيمانِ﴾ يَقُولُ: يَتَبَدَّلُ الشِّدَّةَ بِالرَّخاءِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ﴾ قالَ: عَدَلَ عَنِ السَّبِيلِ. وأخْرَجَ أبُو داوُدَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في “ الدَّلائِلِ “ عَنْ كَعْبِ بْنِ مالِكٍ قالَ: «كانَ المُشْرِكُونَ واليَهُودُ مِن أهْلِ المَدِينَةِ حِينَ قَدِمَ (p-٥٥٧)رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وأصْحابَهُ أشَدَّ الأذى، فَأمَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ والمُسْلِمِينَ بِالصَّبْرِ عَلى ذَلِكَ، والعَفْوِ عَنْهُمْ، فَفِيهِمْ أنْزَلَ اللَّهُ ﴿ولَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِن قَبْلِكم ومِنَ الَّذِينَ أشْرَكُوا أذًى كَثِيرًا﴾ [آل عمران: ١٨٦] الآيَةَ [ آلِ عِمْرانَ: ١٨٦]، وفِيهِمْ أنْزَلَ اللَّهُ ﴿ودَّ كَثِيرٌ مِن أهْلِ الكِتابِ لَوْ يَرُدُّونَكم مِن بَعْدِ إيمانِكم كُفّارًا حَسَدًا﴾ الآيَةَ» . وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ، والبَيْهَقِيُّ في “ الدَّلائِلِ “ عَنْ أُسامَةَ بْنِ زَيْدٍ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وأصْحابُهُ يَعْفُونَ عَنِ المُشْرِكِينَ وأهْلِ الكِتابِ كَما أمَرَهُمُ اللَّهُ ويَصْبِرُونَ عَلى الأذى، قالَ اللَّهُ ﴿ولَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِن قَبْلِكم ومِنَ الَّذِينَ أشْرَكُوا أذًى كَثِيرًا﴾ [آل عمران: ١٨٦] وقالَ: ﴿ودَّ كَثِيرٌ مِن أهْلِ الكِتابِ لَوْ يَرُدُّونَكم مِن بَعْدِ إيمانِكم كُفّارًا حَسَدًا مِن عِنْدِ أنْفُسِهِمْ مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الحَقُّ فاعْفُوا واصْفَحُوا حَتّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأمْرِهِ﴾ وكانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَتَأوَّلُ في العَفْوِ ما أمَرَهُ اللَّهُ بِهِ حَتّى أذِنَ اللَّهُ فِيهِمْ بِقَتْلٍ، فَقَتَلَ اللَّهُ بِهِ مَن قَتَلَ مِن صَنادِيدِ قُرَيْشٍ» . وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ وقَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿ودَّ كَثِيرٌ مِن أهْلِ الكِتابِ﴾ قالا: كَعْبُ بْنُ الأشْرَفِ. (p-٥٥٨)وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أنَسٍ في قَوْلِهِ: ﴿حَسَدًا مِن عِنْدِ أنْفُسِهِمْ﴾ قالَ: مِن قِبَلِ أنْفُسِهِمْ ﴿مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الحَقُّ﴾ يَقُولُ: تَبَيَّنَ لَهم أنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الحَقُّ﴾ قالَ: مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهم أنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهم في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ، نَعْتَهُ وأمْرَهُ ونُبُوَّتَهُ، ومِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهم أنَّ الإسْلامَ دِينُ اللَّهِ الَّذِي جاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ ﷺ ﴿فاعْفُوا واصْفَحُوا﴾ قالَ: أمَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ أنْ يَعْفُوَ عَنْهم ويَصْفَحَ حَتّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأمْرِهِ فَأنْزَلَ اللَّهُ في ”بَراءَةَ“ وأمَرَهُ فَقالَ: ﴿قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [التوبة: ٢٩] الآيَةَ [ التَّوْبَةِ: ٢٩]، فَنَسَخَتْها هَذِهِ الآيَةُ، وأمَرَهُ اللَّهُ فِيها بِقِتالِ أهْلِ الكِتابِ حَتّى يُسْلِمُوا أوْ يُقِرُّوا بِالجِزْيَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في “ الدَّلائِلِ “ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فاعْفُوا واصْفَحُوا﴾ وقَوْلِهِ ﴿وأعْرِضْ عَنِ المُشْرِكِينَ﴾ [الحجر: ٩٤] [ الحِجْرِ: ٩٤] . ونَحْوِ هَذا في العَفْوِ عَنِ المُشْرِكِينَ. قالَ: نُسِخَ ذَلِكَ كُلُّهُ بُقُولِهِ: ﴿قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [التوبة: ٢٩] الآيَةَ [ التَّوْبَةِ: ٢٩] وقَوْلِهِ: ﴿فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] [ التَّوْبَةِ: ٥] . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ والنَّحّاسُ في ”ناسِخِهِ“ عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: (p-٥٥٩)﴿فاعْفُوا واصْفَحُوا﴾ قالَ: هي مَنسُوخَةٌ نَسَخَتْها: ﴿قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ولا بِاليَوْمِ الآخِرِ﴾ [التوبة: ٢٩] . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ في قَوْلِهِ: ﴿وما تُقَدِّمُوا لأنْفُسِكم مِن خَيْرٍ﴾ يَعْنِي مِنَ الأعْمالِ مِنَ الخَيْرِ في الدُّنْيا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي العالِيَةِ في قَوْلِهِ: ﴿تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ قالَ: تَجِدُوا ثَوابَهُ.

البقرة 2:109

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ تُرِيدُونَ أنْ تَسْألُوا رَسُولَكُمْ﴾ الآياتِ. أخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «قالَ رافِعُ بْنُ حُرَيْمِلَةَ ووَهْبُ بْنُ زَيْدٍ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: يا مُحَمَّدُ ائْتِنا بِكِتابٍ تُنَزِّلُهُ عَلَيْنا مِنَ السَّماءِ نَقْرَؤُهُ، أوْ فَجِّرْ لَنا أنْهارًا نَتَّبِعْكَ ونُصَدِّقْكَ فَأنْزَلَ اللَّهُ في ذَلِكَ: ﴿أمْ تُرِيدُونَ أنْ تَسْألُوا رَسُولَكُمْ﴾ (p-٥٥٥)إلى قَوْلِهِ ﴿سَواءَ السَّبِيلِ﴾ وكانَ حُيَيُّ بْنُ أخَطَبَ وأبُو ياسِرِ بْنُ أخَطَبَ مِن أشَدِّ يَهُودَ حَسَدًا لِلْعَرَبِ إذْ خَصَّهُمُ اللَّهُ بِرَسُولِهِ، وكانا جاهِدَيْنِ في رَدِّ النّاسِ عَنِ الإسْلامِ ما اسْتَطاعا، فَأنْزَلَ اللَّهُ فِيهِما: ﴿ودَّ كَثِيرٌ مِن أهْلِ الكِتابِ﴾ الآيَةَ» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي العالِيَةِ قالَ: «قالَ رَجُلٌ: يا رَسُولَ اللَّهِ، لَوْ كانَتْ كَفّاراتُنا كَكَفّاراتِ بَنِي إسْرائِيلَ؟ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ما أعْطاكُمُ اللَّهُ خَيْرٌ، كانَتْ بَنُو إسْرائِيلَ إذا أصابَ أحَدُهُمُ الخَطِيئَةَ وجَدَها مَكْتُوبَةً عَلى بابِهِ وكَفّارَتَها، فَإنْ كَفَّرَها كانَتْ لَهُ خِزْيًا في الدُّنْيا، وإنْ لَمْ يُكَفِّرْها كانَتْ لَهُ خِزْيًا في الآخِرَةِ، وقَدْ أعْطاكُمُ اللَّهُ خَيْرًا مِن ذَلِكَ، قالَ: ﴿ومَن يَعْمَلْ سُوءًا أوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ﴾ [النساء: ١١٠] الآيَةَ [ النِّساءِ: ١١٠] والصَّلَواتُ الخَمْسُ، والجُمْعَةُ إلى الجُمْعَةِ كَفّاراتٌ لِما بَيْنَهُنَّ. فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿أمْ تُرِيدُونَ أنْ تَسْألُوا رَسُولَكُمْ﴾ الآيَةَ» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ قالَ: سَألَتِ العَرَبُ مُحَمَّدًا ﷺ أنَّ يَأْتِيَهم بِاللَّهِ فَيَرَوْهُ جَهْرَةً، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ. (p-٥٥٦)وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿أمْ تُرِيدُونَ أنْ تَسْألُوا رَسُولَكم كَما سُئِلَ مُوسى مِن قَبْلُ﴾ قالَ: ما كانَ سُئِلَ مُوسى أنْ قِيلَ لَهُ: (أرِنا اللَّهَ جَهْرَةً) [ النِّساءِ: ١٥٣] . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: سَألَتْ قُرَيْشْ مُحَمَّدًا ﷺ أنْ يَجْعَلَ لَهُمُ الصَّفا ذَهَبًا، فَقالَ: نَعَمْ، وهو لَكم كالمائِدَةِ لِبَنِي إسْرائِيلَ إنْ كَفَرْتُمْ. فَأبَوْا ورَجَعُوا،، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿أمْ تُرِيدُونَ أنْ تَسْألُوا رَسُولَكم كَما سُئِلَ مُوسى مِن قَبْلُ﴾ أنْ يُرِيَهُمُ اللَّهُ جَهْرَةً. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أبِي العالِيَةِ في قَوْلِهِ: ﴿ومَن يَتَبَدَّلِ الكُفْرَ بِالإيمانِ﴾ يَقُولُ: يَتَبَدَّلُ الشِّدَّةَ بِالرَّخاءِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ﴾ قالَ: عَدَلَ عَنِ السَّبِيلِ. وأخْرَجَ أبُو داوُدَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في “ الدَّلائِلِ “ عَنْ كَعْبِ بْنِ مالِكٍ قالَ: «كانَ المُشْرِكُونَ واليَهُودُ مِن أهْلِ المَدِينَةِ حِينَ قَدِمَ (p-٥٥٧)رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وأصْحابَهُ أشَدَّ الأذى، فَأمَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ والمُسْلِمِينَ بِالصَّبْرِ عَلى ذَلِكَ، والعَفْوِ عَنْهُمْ، فَفِيهِمْ أنْزَلَ اللَّهُ ﴿ولَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِن قَبْلِكم ومِنَ الَّذِينَ أشْرَكُوا أذًى كَثِيرًا﴾ [آل عمران: ١٨٦] الآيَةَ [ آلِ عِمْرانَ: ١٨٦]، وفِيهِمْ أنْزَلَ اللَّهُ ﴿ودَّ كَثِيرٌ مِن أهْلِ الكِتابِ لَوْ يَرُدُّونَكم مِن بَعْدِ إيمانِكم كُفّارًا حَسَدًا﴾ الآيَةَ» . وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ، والبَيْهَقِيُّ في “ الدَّلائِلِ “ عَنْ أُسامَةَ بْنِ زَيْدٍ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وأصْحابُهُ يَعْفُونَ عَنِ المُشْرِكِينَ وأهْلِ الكِتابِ كَما أمَرَهُمُ اللَّهُ ويَصْبِرُونَ عَلى الأذى، قالَ اللَّهُ ﴿ولَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِن قَبْلِكم ومِنَ الَّذِينَ أشْرَكُوا أذًى كَثِيرًا﴾ [آل عمران: ١٨٦] وقالَ: ﴿ودَّ كَثِيرٌ مِن أهْلِ الكِتابِ لَوْ يَرُدُّونَكم مِن بَعْدِ إيمانِكم كُفّارًا حَسَدًا مِن عِنْدِ أنْفُسِهِمْ مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الحَقُّ فاعْفُوا واصْفَحُوا حَتّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأمْرِهِ﴾ وكانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَتَأوَّلُ في العَفْوِ ما أمَرَهُ اللَّهُ بِهِ حَتّى أذِنَ اللَّهُ فِيهِمْ بِقَتْلٍ، فَقَتَلَ اللَّهُ بِهِ مَن قَتَلَ مِن صَنادِيدِ قُرَيْشٍ» . وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ وقَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿ودَّ كَثِيرٌ مِن أهْلِ الكِتابِ﴾ قالا: كَعْبُ بْنُ الأشْرَفِ. (p-٥٥٨)وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أنَسٍ في قَوْلِهِ: ﴿حَسَدًا مِن عِنْدِ أنْفُسِهِمْ﴾ قالَ: مِن قِبَلِ أنْفُسِهِمْ ﴿مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الحَقُّ﴾ يَقُولُ: تَبَيَّنَ لَهم أنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الحَقُّ﴾ قالَ: مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهم أنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهم في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ، نَعْتَهُ وأمْرَهُ ونُبُوَّتَهُ، ومِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهم أنَّ الإسْلامَ دِينُ اللَّهِ الَّذِي جاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ ﷺ ﴿فاعْفُوا واصْفَحُوا﴾ قالَ: أمَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ أنْ يَعْفُوَ عَنْهم ويَصْفَحَ حَتّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأمْرِهِ فَأنْزَلَ اللَّهُ في ”بَراءَةَ“ وأمَرَهُ فَقالَ: ﴿قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [التوبة: ٢٩] الآيَةَ [ التَّوْبَةِ: ٢٩]، فَنَسَخَتْها هَذِهِ الآيَةُ، وأمَرَهُ اللَّهُ فِيها بِقِتالِ أهْلِ الكِتابِ حَتّى يُسْلِمُوا أوْ يُقِرُّوا بِالجِزْيَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في “ الدَّلائِلِ “ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فاعْفُوا واصْفَحُوا﴾ وقَوْلِهِ ﴿وأعْرِضْ عَنِ المُشْرِكِينَ﴾ [الحجر: ٩٤] [ الحِجْرِ: ٩٤] . ونَحْوِ هَذا في العَفْوِ عَنِ المُشْرِكِينَ. قالَ: نُسِخَ ذَلِكَ كُلُّهُ بُقُولِهِ: ﴿قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [التوبة: ٢٩] الآيَةَ [ التَّوْبَةِ: ٢٩] وقَوْلِهِ: ﴿فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] [ التَّوْبَةِ: ٥] . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ والنَّحّاسُ في ”ناسِخِهِ“ عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: (p-٥٥٩)﴿فاعْفُوا واصْفَحُوا﴾ قالَ: هي مَنسُوخَةٌ نَسَخَتْها: ﴿قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ولا بِاليَوْمِ الآخِرِ﴾ [التوبة: ٢٩] . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ في قَوْلِهِ: ﴿وما تُقَدِّمُوا لأنْفُسِكم مِن خَيْرٍ﴾ يَعْنِي مِنَ الأعْمالِ مِنَ الخَيْرِ في الدُّنْيا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي العالِيَةِ في قَوْلِهِ: ﴿تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ قالَ: تَجِدُوا ثَوابَهُ.

البقرة 2:110

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ تُرِيدُونَ أنْ تَسْألُوا رَسُولَكُمْ﴾ الآياتِ. أخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «قالَ رافِعُ بْنُ حُرَيْمِلَةَ ووَهْبُ بْنُ زَيْدٍ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: يا مُحَمَّدُ ائْتِنا بِكِتابٍ تُنَزِّلُهُ عَلَيْنا مِنَ السَّماءِ نَقْرَؤُهُ، أوْ فَجِّرْ لَنا أنْهارًا نَتَّبِعْكَ ونُصَدِّقْكَ فَأنْزَلَ اللَّهُ في ذَلِكَ: ﴿أمْ تُرِيدُونَ أنْ تَسْألُوا رَسُولَكُمْ﴾ (p-٥٥٥)إلى قَوْلِهِ ﴿سَواءَ السَّبِيلِ﴾ وكانَ حُيَيُّ بْنُ أخَطَبَ وأبُو ياسِرِ بْنُ أخَطَبَ مِن أشَدِّ يَهُودَ حَسَدًا لِلْعَرَبِ إذْ خَصَّهُمُ اللَّهُ بِرَسُولِهِ، وكانا جاهِدَيْنِ في رَدِّ النّاسِ عَنِ الإسْلامِ ما اسْتَطاعا، فَأنْزَلَ اللَّهُ فِيهِما: ﴿ودَّ كَثِيرٌ مِن أهْلِ الكِتابِ﴾ الآيَةَ» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي العالِيَةِ قالَ: «قالَ رَجُلٌ: يا رَسُولَ اللَّهِ، لَوْ كانَتْ كَفّاراتُنا كَكَفّاراتِ بَنِي إسْرائِيلَ؟ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ما أعْطاكُمُ اللَّهُ خَيْرٌ، كانَتْ بَنُو إسْرائِيلَ إذا أصابَ أحَدُهُمُ الخَطِيئَةَ وجَدَها مَكْتُوبَةً عَلى بابِهِ وكَفّارَتَها، فَإنْ كَفَّرَها كانَتْ لَهُ خِزْيًا في الدُّنْيا، وإنْ لَمْ يُكَفِّرْها كانَتْ لَهُ خِزْيًا في الآخِرَةِ، وقَدْ أعْطاكُمُ اللَّهُ خَيْرًا مِن ذَلِكَ، قالَ: ﴿ومَن يَعْمَلْ سُوءًا أوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ﴾ [النساء: ١١٠] الآيَةَ [ النِّساءِ: ١١٠] والصَّلَواتُ الخَمْسُ، والجُمْعَةُ إلى الجُمْعَةِ كَفّاراتٌ لِما بَيْنَهُنَّ. فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿أمْ تُرِيدُونَ أنْ تَسْألُوا رَسُولَكُمْ﴾ الآيَةَ» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ قالَ: سَألَتِ العَرَبُ مُحَمَّدًا ﷺ أنَّ يَأْتِيَهم بِاللَّهِ فَيَرَوْهُ جَهْرَةً، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ. (p-٥٥٦)وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿أمْ تُرِيدُونَ أنْ تَسْألُوا رَسُولَكم كَما سُئِلَ مُوسى مِن قَبْلُ﴾ قالَ: ما كانَ سُئِلَ مُوسى أنْ قِيلَ لَهُ: (أرِنا اللَّهَ جَهْرَةً) [ النِّساءِ: ١٥٣] . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: سَألَتْ قُرَيْشْ مُحَمَّدًا ﷺ أنْ يَجْعَلَ لَهُمُ الصَّفا ذَهَبًا، فَقالَ: نَعَمْ، وهو لَكم كالمائِدَةِ لِبَنِي إسْرائِيلَ إنْ كَفَرْتُمْ. فَأبَوْا ورَجَعُوا،، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿أمْ تُرِيدُونَ أنْ تَسْألُوا رَسُولَكم كَما سُئِلَ مُوسى مِن قَبْلُ﴾ أنْ يُرِيَهُمُ اللَّهُ جَهْرَةً. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أبِي العالِيَةِ في قَوْلِهِ: ﴿ومَن يَتَبَدَّلِ الكُفْرَ بِالإيمانِ﴾ يَقُولُ: يَتَبَدَّلُ الشِّدَّةَ بِالرَّخاءِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ﴾ قالَ: عَدَلَ عَنِ السَّبِيلِ. وأخْرَجَ أبُو داوُدَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في “ الدَّلائِلِ “ عَنْ كَعْبِ بْنِ مالِكٍ قالَ: «كانَ المُشْرِكُونَ واليَهُودُ مِن أهْلِ المَدِينَةِ حِينَ قَدِمَ (p-٥٥٧)رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وأصْحابَهُ أشَدَّ الأذى، فَأمَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ والمُسْلِمِينَ بِالصَّبْرِ عَلى ذَلِكَ، والعَفْوِ عَنْهُمْ، فَفِيهِمْ أنْزَلَ اللَّهُ ﴿ولَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِن قَبْلِكم ومِنَ الَّذِينَ أشْرَكُوا أذًى كَثِيرًا﴾ [آل عمران: ١٨٦] الآيَةَ [ آلِ عِمْرانَ: ١٨٦]، وفِيهِمْ أنْزَلَ اللَّهُ ﴿ودَّ كَثِيرٌ مِن أهْلِ الكِتابِ لَوْ يَرُدُّونَكم مِن بَعْدِ إيمانِكم كُفّارًا حَسَدًا﴾ الآيَةَ» . وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ، والبَيْهَقِيُّ في “ الدَّلائِلِ “ عَنْ أُسامَةَ بْنِ زَيْدٍ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وأصْحابُهُ يَعْفُونَ عَنِ المُشْرِكِينَ وأهْلِ الكِتابِ كَما أمَرَهُمُ اللَّهُ ويَصْبِرُونَ عَلى الأذى، قالَ اللَّهُ ﴿ولَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِن قَبْلِكم ومِنَ الَّذِينَ أشْرَكُوا أذًى كَثِيرًا﴾ [آل عمران: ١٨٦] وقالَ: ﴿ودَّ كَثِيرٌ مِن أهْلِ الكِتابِ لَوْ يَرُدُّونَكم مِن بَعْدِ إيمانِكم كُفّارًا حَسَدًا مِن عِنْدِ أنْفُسِهِمْ مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الحَقُّ فاعْفُوا واصْفَحُوا حَتّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأمْرِهِ﴾ وكانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَتَأوَّلُ في العَفْوِ ما أمَرَهُ اللَّهُ بِهِ حَتّى أذِنَ اللَّهُ فِيهِمْ بِقَتْلٍ، فَقَتَلَ اللَّهُ بِهِ مَن قَتَلَ مِن صَنادِيدِ قُرَيْشٍ» . وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ وقَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿ودَّ كَثِيرٌ مِن أهْلِ الكِتابِ﴾ قالا: كَعْبُ بْنُ الأشْرَفِ. (p-٥٥٨)وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أنَسٍ في قَوْلِهِ: ﴿حَسَدًا مِن عِنْدِ أنْفُسِهِمْ﴾ قالَ: مِن قِبَلِ أنْفُسِهِمْ ﴿مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الحَقُّ﴾ يَقُولُ: تَبَيَّنَ لَهم أنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الحَقُّ﴾ قالَ: مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهم أنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهم في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ، نَعْتَهُ وأمْرَهُ ونُبُوَّتَهُ، ومِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهم أنَّ الإسْلامَ دِينُ اللَّهِ الَّذِي جاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ ﷺ ﴿فاعْفُوا واصْفَحُوا﴾ قالَ: أمَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ أنْ يَعْفُوَ عَنْهم ويَصْفَحَ حَتّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأمْرِهِ فَأنْزَلَ اللَّهُ في ”بَراءَةَ“ وأمَرَهُ فَقالَ: ﴿قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [التوبة: ٢٩] الآيَةَ [ التَّوْبَةِ: ٢٩]، فَنَسَخَتْها هَذِهِ الآيَةُ، وأمَرَهُ اللَّهُ فِيها بِقِتالِ أهْلِ الكِتابِ حَتّى يُسْلِمُوا أوْ يُقِرُّوا بِالجِزْيَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في “ الدَّلائِلِ “ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فاعْفُوا واصْفَحُوا﴾ وقَوْلِهِ ﴿وأعْرِضْ عَنِ المُشْرِكِينَ﴾ [الحجر: ٩٤] [ الحِجْرِ: ٩٤] . ونَحْوِ هَذا في العَفْوِ عَنِ المُشْرِكِينَ. قالَ: نُسِخَ ذَلِكَ كُلُّهُ بُقُولِهِ: ﴿قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [التوبة: ٢٩] الآيَةَ [ التَّوْبَةِ: ٢٩] وقَوْلِهِ: ﴿فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] [ التَّوْبَةِ: ٥] . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ والنَّحّاسُ في ”ناسِخِهِ“ عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: (p-٥٥٩)﴿فاعْفُوا واصْفَحُوا﴾ قالَ: هي مَنسُوخَةٌ نَسَخَتْها: ﴿قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ولا بِاليَوْمِ الآخِرِ﴾ [التوبة: ٢٩] . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ في قَوْلِهِ: ﴿وما تُقَدِّمُوا لأنْفُسِكم مِن خَيْرٍ﴾ يَعْنِي مِنَ الأعْمالِ مِنَ الخَيْرِ في الدُّنْيا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي العالِيَةِ في قَوْلِهِ: ﴿تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ قالَ: تَجِدُوا ثَوابَهُ.

البقرة 2:111

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالُوا لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ﴾ الآيَتَيْنِ. أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي العالِيَةِ في قَوْلِهِ: ﴿وقالُوا لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ إلا مَن كانَ هُودًا أوْ نَصارى﴾ قالَ: قالَتِ اليَهُودُ: لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ إلّا مَن كانَ يَهُودِيًّا. وقالَتِ النَّصارى: لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ إلّا مَن كانَ نَصْرانِيًّا ﴿تِلْكَ أمانِيُّهُمْ﴾ قالَ: أمانِيُّ يَتَمَنَّوْنَها عَلى اللَّهِ بِغَيْرِ الحَقِّ، ﴿قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ﴾ يَعْنِي حُجَّتَكم ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ بِما تَقُولُونَ أنَّها كَما تَقُولُونَ ﴿بَلى مَن أسْلَمَ وجْهَهُ لِلَّهِ﴾ يَقُولُ: أخْلَصَ لِلَّهِ. (p-٥٦٠)وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ ﴿مَن أسْلَمَ وجْهَهُ لِلَّهِ﴾ قالَ: أخْلَصَ دِينَهُ.

البقرة 2:112

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالُوا لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ﴾ الآيَتَيْنِ. أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي العالِيَةِ في قَوْلِهِ: ﴿وقالُوا لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ إلا مَن كانَ هُودًا أوْ نَصارى﴾ قالَ: قالَتِ اليَهُودُ: لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ إلّا مَن كانَ يَهُودِيًّا. وقالَتِ النَّصارى: لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ إلّا مَن كانَ نَصْرانِيًّا ﴿تِلْكَ أمانِيُّهُمْ﴾ قالَ: أمانِيُّ يَتَمَنَّوْنَها عَلى اللَّهِ بِغَيْرِ الحَقِّ، ﴿قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ﴾ يَعْنِي حُجَّتَكم ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ بِما تَقُولُونَ أنَّها كَما تَقُولُونَ ﴿بَلى مَن أسْلَمَ وجْهَهُ لِلَّهِ﴾ يَقُولُ: أخْلَصَ لِلَّهِ. (p-٥٦٠)وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ ﴿مَن أسْلَمَ وجْهَهُ لِلَّهِ﴾ قالَ: أخْلَصَ دِينَهُ.

البقرة 2:113

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالَتِ اليَهُودُ لَيْسَتِ النَّصارى عَلى شَيْءٍ﴾ الآيَةَ. أخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: لَمّا قَدِمَ أهْلُ نَجْرانَ مِنَ النَّصارى عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أتَتْهم أحْبارُ يَهُودَ، فَتَنازَعُوا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ رافِعُ بْنُ حُرَيْمَلَةَ: ما أنْتُمْ عَلى شَيْءٍ. وكَفَرَ بِعِيسى والإنْجِيلِ، فَقالَ رَجُلٌ مِن أهْلِ نَجْرانَ لِلْيَهُودِ: ما أنْتُمْ عَلى شَيْءٍ وجَحَدَ نُبُوَّةَ مُوسى وكَفَرَ بِالتَّوْراةِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ في ذَلِكَ: ﴿وقالَتِ اليَهُودُ لَيْسَتِ النَّصارى عَلى شَيْءٍ وقالَتِ النَّصارى لَيْسَتِ اليَهُودُ عَلى شَيْءٍ وهم يَتْلُونَ الكِتابَ﴾ أيْ: كُلٌّ يَتْلُو في كِتابِهِ تَصْدِيقَ ما كَفَرَ بِهِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي العالِيَةِ في قَوْلِهِ: ﴿وقالَتِ اليَهُودُ لَيْسَتِ النَّصارى عَلى شَيْءٍ﴾ الآيَةَ، قالَ: هَؤُلاءِ أهْلُ الكِتابِ الَّذِينَ كانُوا عَلى عَهْدِ (p-٥٦١)رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وقالَتِ اليَهُودُ لَيْسَتِ النَّصارى عَلى شَيْءٍ﴾ قالَ: بَلى، قَدْ كانَتْ أوائِلُ النَّصارى عَلى شَيْءٍ ولَكِنَّهُمُ ابْتَدَعُوا وتَفَرَّقُوا، ﴿وقالَتِ النَّصارى لَيْسَتِ اليَهُودُ عَلى شَيْءٍ﴾ قالَ: بَلى، قَدْ كانَتْ أوائِلُ اليَهُودِ عَلى شَيْءٍ، لَكِنَّهُمُ ابْتَدَعُوا وتَفَرَّقُوا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قالَ: قُلْتُ لِعَطاءٍ: مَن هَؤُلاءِ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ؟ قالَ: أُمَمٌ كانَتْ قَبْلَ اليَهُودِ والنَّصارى. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿كَذَلِكَ قالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ قالَ: هُمُ العَرَبُ، قالُوا: لَيْسَ مُحَمَّدٌ عَلى شَيْءٍ.

البقرة 2:114

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَساجِدَ اللَّهِ﴾ الآيَتَيْنِ. أخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أنَّ قُرَيْشًا مَنَعُوا النَّبِيَّ ﷺ الصَّلاةَ عِنْدَ الكَعْبَةِ في المَسْجِدِ الحَرامِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَساجِدَ اللَّهِ﴾ الآيَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَساجِدَ اللَّهِ﴾ (p-٥٦٢)قالَ: هُمُ النَّصارى. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَساجِدَ اللَّهِ أنْ يُذْكَرَ فِيها اسْمُهُ﴾ قالَ: هُمُ النَّصارى وكانُوا يَطْرَحُونَ في بَيْتِ المَقْدِسِ الأذى، ويَمْنَعُونَ النّاسَ أنْ يُصَلُّوا فِيهِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَساجِدَ اللَّهِ﴾ الآيَةَ، قالَ: هُمُ الرُّومُ، كانُوا ظاهَرُوا بُخْتَنَصَّرَ عَلى خَرابِ بَيْتِ المَقْدِسِ، وفي قَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ ما كانَ لَهم أنْ يَدْخُلُوها إلا خائِفِينَ﴾ قالَ: فَلَيْسَ في الأرْضِ رُومِيٌّ يَدْخِلُهُ اليَوْمَ إلّا وهو خائِفٌ أنْ تُضْرَبَ عُنُقُهُ أوْ قَدْ أُخِيفَ بِأداءِ الجِزْيَةِ فَهو يُؤَدِّيها، وفي قَوْلِهِ: ﴿لَهم في الدُّنْيا خِزْيٌ﴾ قالَ: أمّا خِزْيُهم في الدُّنْيا فَإنَّهُ إذا قامَ المَهْدِيُّ وفُتِحَتِ القُسْطَنْطِينِيَّةُ قَتَلَهُمْ، فَذَلِكَ الخِزْيُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ في الآيَةِ قالَ: أُولَئِكَ أعْداءُ اللَّهِ الرُّومُ، حَمَلَهم بُغْضُ اليَهُودِ عَلى أنْ أعانُوا بُخْتَنَصَّرَ البابِلِيَّ المَجُوسِيَّ عَلى تَخْرِيبِ بَيْتِ المَقْدِسِ. (p-٥٦٣)وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ كَعْبٍ قالَ: إنَّ النَّصارى لَمّا ظَهَرُوا عَلى بَيْتِ المَقْدِسِ حَرَّقُوهُ، فَلَمّا بَعَثَ اللَّهُ مُحَمَّدًا أنْزَلَ عَلَيْهِ ﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَساجِدَ اللَّهِ أنْ يُذْكَرَ فِيها اسْمُهُ وسَعى في خَرابِها﴾ الآيَةَ، فَلَيْسَ في الأرْضِ نَصْرانِيٌّ يَدْخُلُ بَيْتَ المَقْدِسِ إلّا خائِفًا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ في الآيَةِ قالَ: هَؤُلاءِ المُشْرِكُونَ حِينَ صَدُّوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنِ البَيْتِ يَوْمَ الحُدَيْبِيَّةِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنْ أبِي صالِحٍ قالَ: لَيْسَ لِلْمُشْرِكِينَ أنْ يَدْخُلُوا المَسْجِدَ إلّا خائِفِينَ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿لَهم في الدُّنْيا خِزْيٌ﴾ قالَ: يُعْطُونَ الجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وهم صاغِرُونَ. وأخْرَجَ أحْمَدُ، والبُخارِيُّ في ”تارِيخِهِ“ عَنْ بُسْرِ بْنِ أرْطاةَ قالَ «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدْعُو: اللَّهُمَّ أحْسِنْ عاقِبَتَنا في الأُمُورِ كُلِّها وأجِرْنا مِن خِزْيِ الدُّنْيا ومِن عَذابِ الآخِرَةِ» .

البقرة 2:115

(p-٥٦٤)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولِلَّهِ المَشْرِقُ والمَغْرِبُ﴾ الآيَةَ. أخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ في ”النّاسِخِ والمَنسُوخِ“، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ في ”سُنَنِهِ“ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «أوَّلُ ما نُسِخَ لَنا مِنَ القُرْآنِ- فِيما ذُكِرَ لَنا واللَّهُ أعْلَمُ - شَأْنُ القِبْلَةِ، قالَ اللَّهُ تَعالى ﴿ولِلَّهِ المَشْرِقُ والمَغْرِبُ فَأيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وجْهُ اللَّهِ﴾ فاسْتَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَصَلّى نَحْوَ بَيْتِ المَقْدِسِ وتَرَكَ البَيْتَ العَتِيقَ، ثُمَّ صَرَفَهُ اللَّهُ تَعالى إلى البَيْتِ العَتِيقِ ونَسَخَها، فَقالَ ﴿ومِن حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وجْهَكَ﴾ [البقرة: ١٤٩] الآيَةَ [ البَقَرَةِ»: ١٤٩، ١٥٠] . وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ «عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وناسٍ مِنَ الصَّحابَةِ في قَوْلِهِ: ﴿ولِلَّهِ المَشْرِقُ والمَغْرِبُ فَأيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وجْهُ اللَّهِ﴾ قالَ: كانَ النّاسُ يُصَلُّونَ قِبَلَ بَيْتِ المَقْدِسِ، فَلَمّا قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ المَدِينَةَ عَلى رَأْسِ ثَمانِيَةَ عَشَرَ شَهْرًا مِن مُهاجَرِهِ، وكانَ إذا صَلّى رَفَعَ رَأْسَهُ إلى السَّماءِ فَنَظَرَ ما يُؤْمَرُ بِهِ فَنَسَخَتْها قِبَلَ الكَعْبَةِ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، ومُسْلِمٌ، والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ والنَّحّاسُ في “ ناسِخِهِ “، والطَّبَرانِيُّ، والبَيْهَقِيُّ في ”سُنَنِهِ“ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: «كانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي عَلى راحِلَتِهِ تَطَوُّعًا أيْنَما تَوَجَّهَتْ بِهِ. ثُمَّ قَرَأ ابْنُ عُمَرَ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿فَأيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وجْهُ اللَّهِ﴾ وقالَ ابْنُ عُمَرَ: في هَذا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ» . (p-٥٦٥)وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ والدّارَقُطْنِيُّ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: أُنْزِلَتْ ﴿فَأيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وجْهُ اللَّهِ﴾ أنْ تُصَلِّيَ حَيْثُما تَوَجَّهَتْ بِكَ راحِلَتُكَ في التَّطَوُّعِ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: «رَأيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ في غَزْوَةِ أنْمارَ يُصَلِّي عَلى راحِلَتِهِ مُتَوَجِّهًا قِبَلَ المَشْرِقِ تَطَوُّعًا» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، والبُخارِيُّ، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ يُصَلِّي عَلى راحِلَتِهِ قِبَلَ المَشْرِقِ - فَإذا أرادَ أنْ يُصَلِّيَ المَكْتُوبَةَ نَزَلَ واسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ وصَلّى» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وأبُو داوُدَ، والبَيْهَقِيُّ عَنْ أنَسٍ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ إذا سافَرَ وأرادَ أنْ يَتَطَوَّعَ بِالصَّلاةِ اسْتَقْبَلَ بِناقَتِهِ القِبْلَةَ وكَبَّرَ ثُمَّ صَلّى حَيْثُ تَوَجَّهَتِ النّاقَةُ» . وأخْرَجَ أبُو داوُدَ والطَّيالِسِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والتِّرْمِذِيُّ وضَعَّفَهُ، وابْنُ ماجَهْ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ والعُقَيْلِيُّ وضَعَّفَهُ والدّارَقُطْنِيُّ، وأبُو نُعَيْمٍ (p-٥٦٦)فِي “ الحِلْيَةِ “، والبَيْهَقِيُّ في ”سُنَنِهِ“ عَنْ عامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ قالَ: «كُنّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في لَيْلَةٍ سَوْداءَ مُظْلِمَةٍ، فَنَزَلْنا مَنزِلًا فَجَعَلَ الرَّجُلُ يَأْخُذُ الأحْجارَ فَيَعْمَلُ مَسْجِدًا فَيُصَلِّي فِيهِ، فَلَمّا أنْ أصْبَحْنا إذا نَحْنُ قَدْ صَلَّيْنا عَلى غَيْرِ القِبْلَةِ، فَقُلْنا: يا رَسُولَ اللَّهِ لَقَدْ صَلَّيْنا لَيْلَتَنا هَذِهِ لِغَيْرِ القِبْلَةِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿ولِلَّهِ المَشْرِقُ والمَغْرِبُ﴾ الآيَةَ، فَقالَ: مَضَتْ صَلاتُكم» . وأخْرَجَ الدّارَقُطْنِيُّ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: «بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَرِيَّةً كَنْتُ فِيها، فَأصابَتْنا ظُلْمَةٌ فَلَمْ نَعْرِفِ القِبْلَةَ، فَقالَتْ طائِفَةٌ مِنّا: القِبْلَةُ هَهُنا قِبَلَ الشَّمالِ. فَصَلَّوْا وخَطُّوا خَطًّا، وقالَ بَعْضُنا: القِبْلَةُ هَهُنا قِبَلَ الجَنُوبِ. فَصَلَّوْا وخَطُّوا خَطًّا، فَلَمّا أصْبَحُوا وطَلَعَتِ الشَّمْسُ أصْبَحَتْ تِلْكَ الخُطُوطُ لِغَيْرِ القِبْلَةِ، فَلَمّا قَفَلْنا مِن سَفَرِنا سَألْنا النَّبِيَّ ﷺ فَسَكَتَ، وأنْزَلَ اللَّهُ ﴿ولِلَّهِ المَشْرِقُ والمَغْرِبُ﴾ الآيَةَ» . وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ عَطاءٍ، «أنَّ قَوْمًا عُمِّيَتْ عَلَيْهِمُ القِبْلَةُ فَصَلّى كُلُّ إنْسانٍ مِنهم إلى ناحِيَةٍ، ثُمَّ أتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرُوا ذَلِكَ لَهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿فَأيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة»: ١١٥] . (p-٥٦٧)وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعَثَ سَرِيَّةً، فَأصابَتْهم ضَبابَةٌ فَلَمْ يَهْتَدُوا إلى القَبْلِهِ، فَصَلَّوْا لِغَيْرِ القِبْلَةِ، ثُمَّ اسْتَبانَ لَهم بَعْدَما طَلَعَتِ الشَّمْسُ أنَّهم صَلَّوْا لِغَيْرِ القِبْلَةِ، فَلَمّا جاءُوا إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَدَّثُوهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿ولِلَّهِ المَشْرِقُ والمَغْرِبُ﴾ الآيَةَ» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ قَتادَةَ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: إنَّ أخًا لَكم قَدْ ماتَ - يَعْنِي النَّجاشِيَّ - فَصَلُّوا عَلَيْهِ. قالُوا: نُصَلِّي عَلى رَجُلٍ لَيْسَ بِمُسْلِمٍ ؟ فَنَزَلَتْ: ﴿وإنَّ مِن أهْلِ الكِتابِ لَمَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٩٩] الآيَةَ [ آلِ عِمْرانَ: ١٩٩]، قالُوا: فَإنَّهُ كانَ لا يُصَلِّي إلى القِبْلَةِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿ولِلَّهِ المَشْرِقُ والمَغْرِبُ﴾ الآيَةَ» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: لَمّا نَزَلَتِ ﴿ادْعُونِي أسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠] [ غافِرٍ: ٦٠] قالُوا: إلى أيْنَ. فَنَزَلَتْ ﴿فَأيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وجْهُ اللَّهِ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿فَأيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وجْهُ اللَّهِ﴾ قالَ: قِبْلَةُ اللَّهِ أيْنَما تَوَجَّهْتَ شَرْقًا أوْ غَرْبًا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والتِّرْمِذِيُّ، والبَيْهَقِيُّ في ”سُنَنِهِ“ عَنْ مُجاهِدٍ ﴿فَثَمَّ وجْهُ اللَّهِ﴾ قالَ: قِبْلَةُ اللَّهِ، فَأيْنَما كُنْتُمْ في شَرْقٍ أوْ غَرْبٍ (p-٥٦٨)فاسْتَقْبِلُوها. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والتِّرْمِذِيُّ عَنْ قَتادَةَ في هَذِهِ الآيَةِ قالَ: هي مَنسُوخَةٌ نَسَخَها قَوْلُهُ: ﴿فَوَلِّ وجْهَكَ شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ [البقرة: ١٤٩] [ البَقَرَةِ: ١٤٤] أيْ تِلْقاءَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، والتِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ، وابْنُ ماجَهْ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «ما بَيْنَ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ قِبْلَةٌ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ والدّارَقُطْنِيُّ، والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، والبَيْهَقِيُّ عَنْ عُمَرَ قالَ: ما بَيْنَ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ قِبْلَةٌ إذا تَوَجَّهْتَ قِبَلَ البَيْتِ.

البقرة 2:116

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ ولَدًا﴾ . أخْرَجَ البُخارِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: قالَ اللَّهُ تَعالى: «كَذَّبَنِي (p-٥٦٩)ابْنُ آدَمَ ولَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ، وشَتَمَنِي ولَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ، فَأمّا تَكْذِيبُهُ إيّايَ فَيَزْعُمُ أنِّي لا أقْدِرُ أنْ أُعِيدَهُ كَما كانَ، وأمّا شَتْمُهُ إيّايَ فَقَوْلُهُ: لِي ولَدٌ فَسُبْحانِي أنْ أتَّخِذَ صاحِبَةً أوْ ولَدًا» . وأخْرَجَ البُخارِيُّ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في “ الأسْماءِ والصِّفاتِ “ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «يَقُولُ اللَّهُ: كَذَّبَنِي ابْنُ آدَمَ ولَمْ يَنْبَغِ لَهُ أنْ يُكَذِّبَنِي، وشَتَمَنِي ولَمْ يَنْبَغِ لَهُ أنْ يَشْتُمَنِي، فَأمّا تَكْذِيبُهُ إيّايَ فَقَوْلُهُ: لَنْ يُعِيدَنِي كَما بَدَأنِي، ولَيْسَ أوَّلُ الخَلْقِ بِأهْوَنَ عَلَيَّ مِن إعادَتِهِ، وأمّا شَتْمُهُ إيّايَ فَقَوْلُهُ: اتَّخَذَ اللَّهُ ولَدًا. وأنا اللَّهُ الأحَدُ الصَّمَدُ لَمْ يَلِدْ ولَمْ يُولَدْ ولَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أحَدٌ» . وأخْرَجَ أحْمَدُ، والبُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ عَنْ أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قالَ: «لا أحَدَ أصْبَرُ عَلى أذًى يَسْمَعُهُ مِنَ اللَّهِ، أنَّهم يَجْعَلُونَ لَهُ ولَدًا، ويُشْرِكُونَ بِهِ وهو يَرْزُقُهم ويُعافِيهِمْ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ غالِبِ بْنِ عَجْرَدٍ قالَ: حَدَّثَنِي رَجُلٌ مِن أهْلِ الشّامِ قالَ: بَلَغَنِي أنَّ اللَّهَ لَمّا خَلَقَ الأرْضَ وخَلَقَ ما فِيها مِنَ الشَّجَرِ، لَمْ يَكُنْ في الأرْضِ شَجَرَةٌ يَأْتِيها بَنُو آدَمَ إلّا أصابُوا مِنها (p-٥٧٠)مَنفَعَةً، حَتّى تَكَلَّمَ فَجَرَةُ بَنِي آدَمَ بِتِلْكَ الكَلِمَةِ العَظِيمَةِ قَوْلِهِمْ: ﴿اتَّخَذَ اللَّهُ ولَدًا﴾ . فَلَمّا تَكَلَّمُوا بِها اقْشَعَرَّتِ الأرْضُ وشاكَ الشَّجَرُ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وقالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ ولَدًا سُبْحانَهُ﴾ قالَ: إذا قالُوا عَلَيْهِ البُهْتانَ سَبَّحَ نَفْسَهُ. * * قَوْلُهُ تَعالى: ﴿سُبْحانَهُ﴾ . أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ والمَحامِلِيُّ في ”أمالِيهِ“ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ”سُبْحانَ اللَّهِ“ قالَ: تَنْزِيهُ اللَّهِ نَفْسَهُ عَنِ السُّوءِ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والبَيْهَقِيُّ في “ الأسْماءِ والصِّفاتِ “ عَنْ مُوسى بْنِ طَلْحَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ «أنَّهُ سُئِلَ عَنِ التَّسْبِيحِ؛ أنْ يَقُولَ الإنْسانُ: سُبْحانَ اللَّهِ. قالَ: بَراءَةُ اللَّهِ مِنَ السُّوءِ. وفي لَفْظٍ: إنْزاهُهُ عَنِ السُّوءِ» . مُرْسَلٌ. وأخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ والدَّيْلَمِيُّ، والخَطِيبُ في ”الكِفايَةِ“ مِن طَرِيقٍ (p-٥٧١)أُخْرى مَوْصُولًا عَنْ مُوسى بْنِ طَلْحَهَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ أبِيهِ قالَ: «قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، قَوْلُ اللَّهِ: ”سُبْحانَ اللَّهِ“ ؟ قالَ: تَنْزِيهُ اللَّهِ مِنَ السُّوءِ» . وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ مِن طَرِيقِ طَلْحَةَ بْنِ يَحْيى بْنِ طَلْحَةَ عَنْ أبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ قالَ: «سَألْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ تَفْسِيرِ ”سُبْحانَ اللَّهِ“ قالَ: هو تَنْزِيهُ اللَّهِ مِن كُلِّ سُوءٍ» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ مِن طَرِيقِ سُفْيانَ الثَّوْرِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مَوْهِبٍ، أنَّهُ سَمِعَ طَلْحَةَ قالَ: «سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ ”سُبْحانَ اللَّهِ“ قالَ: تَنْزِيهُ اللَّهِ عَنْ كُلِّ سُوءٍ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرانَ، أنَّهُ سُئِلَ عَنْ ”سُبْحانَ اللَّهِ“ فَقالَ: اسْمٌ يُعَظَّمُ اللَّهُ بِهِ ويُحاشى عَنِ السُّوءِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أنَّ ابْنَ الكِوّاءِ سَألَ عَلِيًّا (p-٥٧٢)عَنْ قَوْلِهِ: ”سُبْحانَ اللَّهِ“ فَقالَ عَلِيٌّ: كَلِمَةٌ رَضِيَها اللَّهُ لِنَفْسِهِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ قالَ: ”سُبْحانَ اللَّهِ“ اسْمٌ لا يَسْتَطِيعُ النّاسُ أنْ يَنْتَحِلُوهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ يَزِيدَ بْنِ الأصَمِّ قالَ: جاءَ رَجُلٌ إلى ابْنِ عَبّاسٍ، فَقالَ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ نَعْرِفُها أنَّهُ لا إلَهَ غَيْرُهُ، والحَمْدُ لِلَّهِ نَعْرِفُها أنَّ النِّعْمَةَ كُلَّها مِنهُ وهو المَحْمُودُ عَلَيْها، واللَّهُ أكْبَرُ نَعْرِفُها أنَّهُ لا شَيْءَ أكْبَرُ مِنهُ، فَما سُبْحانَ اللَّهِ؟ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وما تُنْكِرُ مِنها؟ هي كَلِمَةٌ رَضِيَها اللَّهُ لِنَفْسِهِ، وأمَرَ بِها مَلائِكَتَهُ، وفَزِعَ إلَيْها الأخْيارُ مِن خَلْقِهِ. * * قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ﴾ . أخْرَجَ أحْمَدُ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وأبُو يَعْلى، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والنَّحّاسُ في “ ناسِخِهِ “، وابْنُ حِبّانَ، والطَّبَرانِيُّ في ”الأوْسَطِ“ وأبُو نَصْرٍ السِّجْزِيُّ في ”الإبانَةِ“، وأبُو نُعَيْمٍ في “ الحِلْيَةِ “ والضِّياءُ في ”المُخْتارَةِ“ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قالَ: «كُلُّ حَرْفٍ في القُرْآنِ يُذْكَرُ فِيهِ القُنُوتُ فَهو الطّاعَةُ» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: (p-٥٧٣)﴿قانِتُونَ﴾ قالَ: مُطِيعُونَ. وأخْرَجَ الطَّسْتِيُّ في ”مَسائِلِهِ“ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أنَّ نافِعَ بْنَ الأزْرَقِ سَألَهُ عَنْ قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ﴾ قالَ: مُقِرُّونَ، قالَ: وهَلْ تَعْرِفُ العَرَبُ ذَلِكَ ؟ قالَ: نَعَمْ، أما سَمِعْتَ قَوْلَ عَدِيِّ بْنِ زَيْدٍ: ؎قانِتًا لِلَّهِ يَرْجُو عَفْوَهُ يَوْمَ لا يُكْفَرُ عَبْدٌ ما ادَّخَرْ وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عِكْرِمَةَ ﴿كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ﴾ قالَ: مُقِرُّونَ بِالعُبُودِيَّةِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ ﴿كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ﴾ أيْ: مُطِيعٌ مُقِرٌّ بِأنَّ اللَّهَ رَبُّهُ وخالِقُهُ.

البقرة 2:117

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَدِيعُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ . أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي العالِيَةِ: ﴿بَدِيعُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ يَقُولُ: ابْتَدَعَ خَلْقَهُما ولَمْ يَشْرَكْهُ في خَلْقِهِما أحَدٌ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ السُّدِّيِّ في الآيَةِ قالَ: ابْتَدَعَهُما فَخَلَقَهُما ولَمْ يُخْلَقْ قَبْلَهُما شَيْءٌ يَتَمَثَّلُ بِهِ. (p-٥٧٤)وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنِ ابْنِ سابِطٍ «أنَّ داعِيًا دَعا في عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ فَقالَ: اللَّهُمَّ إنِّي أسْألُكَ بِاسْمِكَ الَّذِي لا إلَهَ إلّا أنْتَ، الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ، بَدِيعُ السَّماواتِ والأرْضِ، وإذا أرَدْتَ أمْرًا فَإنَّما تَقُولُ لَهُ: كُنْ فَيَكُونُ. فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: لَقَدْ كِدْتَ أنْ تَدْعُوَ بِاسْمِهِ الأعْظَمِ» .

البقرة 2:118

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ الآيَةَ. أخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «قالَ نافِعُ بْنُ حُرَيْمَلَةَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: يا مُحَمَّدُ إنْ كُنْتَ رَسُولًا مِنَ اللَّهِ كَما تَقُولُ فَقُلْ لِلَّهِ فَلْيُكَلِّمْنا حَتّى نَسْمَعَ كَلامَهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ في ذَلِكَ: ﴿وقالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ لَوْلا يُكَلِّمُنا اللَّهُ﴾ الآيَةَ» . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وقالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ قالَ: هم كُفّارُ العَرَبِ ﴿لَوْلا يُكَلِّمُنا اللَّهُ﴾ قالا: هَلّا يُكَلِّمُنا ﴿كَذَلِكَ قالَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ يَعْنِي اليَهُودَ والنَّصارى وغَيْرَهم ﴿تَشابَهَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ يَعْنِي العَرَبَ اليَهُودَ والنَّصارى وغَيْرَهم. (p-٥٧٥)وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وقالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ لَوْلا يُكَلِّمُنا اللَّهُ﴾ قالَ: النَّصارى تَقُولُهُ، والَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ يَهُودُ.

البقرة 2:119

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا أرْسَلْناكَ بِالحَقِّ﴾ الآيَةَ. أخْرَجَ وكِيعٌ وسُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ وعَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَيْتَ شِعْرِي ما فَعَلَ أبَوايَ. فَنَزَلَ ﴿إنّا أرْسَلْناكَ بِالحَقِّ بَشِيرًا ونَذِيرًا ولا تُسْألُ عَنْ أصْحابِ الجَحِيمِ﴾ فَما ذَكَرَهُما حَتّى تَوَفّاهُ اللَّهُ» . قُلْتُ: هَذا مُرْسَلٌ ضَعِيفُ الإسْنادِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ داوُدَ بْنِ أبِي عاصِمٍ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ ذاتَ يَوْمٍ: أيْنَ أبَوايَ؟ فَنَزَلَتْ» . قُلْتُ: والآخَرُ مُعْضَلُ الإسْنادِ ضَعِيفٌ لا تَقُومُ بِهِ ولا بِالَّذِي قَبْلَهُ حُجَّةٌ. (p-٥٧٦)وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ الأعْرَجِ أنَّهُ قَرَأ ﴿ولا تُسْألُ عَنْ أصْحابِ الجَحِيمِ﴾ أيْ: أنْتَ يا مُحَمَّدُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي مالِكٍ قالَ: الجَحِيمُ ما عَظُمَ مِنَ النّارِ.

البقرة 2:120

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَنْ تَرْضى﴾ الآيَةَ. أخْرَجَ الثَّعْلَبِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: إنَّ يَهُودَ المَدِينَةِ ونَصارى نَجْرانَ كانُوا يَرْجُونَ أنْ يُصَلِّيَ النَّبِيُّ ﷺ إلى قِبْلَتِهِمْ، فَلَمّا صَرَفَ اللَّهُ القِبْلَةَ إلى الكَعْبَةِ شَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ وأيِسُوا مِنهُ أنْ يُوافِقَهم عَلى دِينِهِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿ولَنْ تَرْضى عَنْكَ اليَهُودُ ولا النَّصارى﴾ الآيَةَ.

البقرة 2:121

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ﴾ . أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ﴾ قالَ: اليَهُودُ والنَّصارى. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ﴾ قالَ: يُحِلُّونَ حَلالَهُ ويُحَرِّمُونَ حَرامَهُ، ولا يُحَرِّفُونَهُ عَنْ مَواضِعِهِ. (p-٥٧٧)وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والهَرَوِيُّ في ”فَضائِلِهِ“ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ﴾ قالَ: يَتَّبِعُونَهُ حَقَّ اتِّباعِهِ. ثُمَّ قَرَأ: ﴿والقَمَرِ إذا تَلاها﴾ [الشمس: ٢] [ الشَّمْسِ: ٢] يَقُولُ: اتَّبَعَها. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ في قَوْلِهِ: ﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ﴾ قالَ: إذا مَرَّ بِذِكْرِ الجَنَّةِ سَألَ اللَّهَ الجَنَّةَ، وإذا مَرَّ بِذِكْرِ النّارِ تَعَوَّذَ بِاللَّهِ مِنَ النّارِ. وأخْرَجَ الخَطِيبُ في كِتابِ ”الرُّواةِ عَنْ مالِكٍ“ بِسَنَدٍ فِيهِ مَجاهِيلُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، «عَنِ النَّبِيِّ ﷺ في قَوْلِهِ: ﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ﴾ قالَ: يَتَّبِعُونَهُ حَقَّ اتِّباعِهِ» . وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ جَرِيرٍ مِن طُرُقٍ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في قَوْلِهِ: ﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ﴾: أنْ يُحِلَّ حَلالَهُ ويُحَرِّمَ حَرامَهُ، ويَقْرَأهُ كَما أنْزَلَ اللَّهُ (p-٥٧٨)ولا يُحَرِّفَ الكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ، ولا يَتَأوَّلَ مِنهُ شَيْئًا غَيْرَ تَأْوِيلِهِ. وفي لَفْظٍ قالَ: يَتَّبِعُونَهُ حَقَّ اتِّباعِهِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ في قَوْلِهِ: ﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ﴾ قالَ: يَتَكَلَّمُونَ بِهِ كَما أُنْزِلَ ولا يَكْتُمُونَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ قالَ: مِنهم أصْحابُ مُحَمَّدٍ الَّذِينَ آمَنُوا بِآياتِ اللَّهِ، وصَدَّقُوا بِها، قالَ: وذُكِرَ لَنا أنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ كانَ يَقُولُ: واللَّهِ إنَّ حَقَّ تِلاوَتِهِ أنْ يُحِلَّ حَلالَهُ ويُحَرِّمَ حَرامَهُ ويَقْرَأهُ كَما أنْزَلَهُ اللَّهُ، ولا يُحَرَّفَ عَنْ مَواضِعِهِ، قالَ: وحُدِّثْنا أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: لَقَدْ مَضى بَنُو إسْرائِيلَ وما يَعْنِي بِما تَسْمَعُونَ غَيْرَكم. وأخْرَجَ وكِيعٌ، وابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ﴾ قالَ: يَعْمَلُونَ بِمُحْكَمِهِ، ويُؤْمِنُونَ بِمُتَشابِهِهِ، ويَكِلُونَ ما أشْكَلَ عَلَيْهِمْ إلى (p-٥٧٩)عالَمِهِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ مُجاهِدٍ ﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ﴾ قالَ: يَتَّبِعُونَهُ حَقَّ اتِّباعِهِ.

البقرة 2:124

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذِ ابْتَلى إبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ فَأتَمَّهُنَّ﴾ . أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ في ”سُنَنِهِ“ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وإذِ ابْتَلى إبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ﴾ قالَ: ابْتَلاهُ اللَّهُ بِالطَّهارَةِ، خَمْسٌ في الرَّأْسِ، وخَمْسٌ في الجَسَدِ، في الرَّأْسِ قَصُّ الشّارِبِ والمَضْمَضَةُ والِاسْتِنْشاقُ والسِّواكُ وفَرْقُ الرَّأْسِ، وفي الجَسَدِ تَقْلِيمُ الأظْفارِ، وحَلْقُ العانَةِ، والخِتانُ، ونَتْفُ الإبِطِ، وغَسْلُ مَكانِ الغائِطِ والبَوْلِ بِالماءِ. وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الكَلِماتُ الَّتِي ابْتُلِيَ بِهِنَّ إبْراهِيمُ فَأتْمَهُنَّ؛ فِراقُ قَوْمِهِ في اللَّهِ حِينَ أُمِرَ بِمُفارَقَتِهِمْ، ومُحاجَّتُهُ نَمْرُودَ في اللَّهِ حِينَ وقَفَهُ عَلى ما وقَفَهُ عَلَيْهِ مِن خَطَرِ الأمْرِ الَّذِي فِيهِ (p-٥٨٠)خِلافَهُمْ، وصَبْرُهُ عَلى قَذْفِهِمْ إيّاهُ في النّارِ لِيَحْرُقُوهُ في اللَّهِ، والهِجْرَةُ بَعْدَ ذَلِكَ مِن وطَنِهِ وبِلادِهِ حِينَ أمَرَهُ بِالخُرُوجِ عَنْهُمْ، وما أمَرَهُ بِهِ مِنَ الضِّيافَةِ والصَّبْرِ عَلَيْها، وما ابْتُلِيَ بِهِ مِن ذَبْحِ ولَدِهِ، فَلَمّا مَضى عَلى ذَلِكَ كُلِّهِ وأخْلَصَهُ البَلاءُ قالَ اللَّهُ لَهُ: ﴿أسْلِمْ قالَ أسْلَمْتُ لِرَبِّ العالَمِينَ﴾ [البقرة: ١٣١] [ البَقَرَةِ: ١٣١] . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الكَلِماتُ الَّتِي ابْتُلِيَ بِها إبْراهِيمُ عَشْرٌ؛ سِتٌّ في الإنْسانِ وأرْبَعٌ في المَشاعِرِ، فَأمّا الَّتِي في الإنْسانِ فَحَلْقُ العانَةِ ونَتْفُ الإبْطِ أوِ الخِتانُ - وتَقْلِيمُ الأظْفارِ، وقَصُّ الشّارِبِ، والسِّواكُ وغُسْلُ يَوْمِ الجُمُعَةِ، والأرْبَعَةُ الَّتِي في المَشاعِرِ؛ الطَّوافُ بِالبَيْتِ، والسَّعْيُ بَيْنَ الصَّفا والمَرْوَةِ، ورَمْيُ الجِمارِ، والإفاضَةُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ، وابْنُ (p-٥٨١)مَرْدُوَيْهِ، وابْنُ عَساكِرَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: ما ابْتُلِيَ أحَدٌ بِهَذا الدِّينِ فَقامَ بِهِ كُلِّهِ إلّا إبْراهِيمُ قالَ: ﴿وإذِ ابْتَلى إبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ فَأتَمَّهُنَّ﴾ قِيلَ: ما الكَلِماتُ؟ قالَ: سِهامُ الإسْلامِ ثَلاثُونَ سَهْمًا، عَشْرٌ في ”بَراءَةَ“ (التّائِبُونَ العابِدُونَ) [ التَّوْبَةِ: ١١٢] إلى آخِرِ الآيَةِ، وعَشْرٌ في أوَّلِ سُورَةِ ”قَدْ أفْلَحَ“، و”سَألَ سائِلٌ“؛ (والَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ) [ المَعارِجِ: ٢٦] الآياتِ، وعَشْرٌ في ”الأحْزابِ“ (إنَّ المُسْلِمِينَ والمُسْلِماتِ) [ الأحْزابِ: ٣٥] إلى آخِرِ الآيَةِ، فَأتَمَّهُنَّ كُلَّهُنَّ فَكَتَبَ لَهُ بَراءَةً، قالَ تَعالى:﴿وإبْراهِيمَ الَّذِي وفّى﴾ [النجم: ٣٧] [ النَّجْمِ: ٣٧] . وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والحاكِمُ، مِن طُرُقٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿وإذِ ابْتَلى إبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ﴾ قالَ: مِنهُنَّ مَناسِكُ الحَجِّ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الكَلِماتُ: ﴿إنِّي جاعِلُكَ لِلنّاسِ إمامًا﴾، ﴿وإذْ يَرْفَعُ إبْراهِيمُ القَواعِدَ﴾ [البقرة: ١٢٧] والآياتُ في شَأْنِ المَناسِكِ، والمَقامُ الَّذِي جُعِلَ لِإبْراهِيمَ، والرِّزْقُ الَّذِي رُزِقَ ساكِنُو البَيْتِ، وبَعْثُ (p-٥٨٢)مُحَمَّدٍ في ذُرِّيَّتِهِما. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وإذِ ابْتَلى إبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ﴾ قالَ: ابْتُلِيَ بِالآياتِ الَّتِي بَعْدَها. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ: ﴿وإذِ ابْتَلى إبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ﴾ قالَ: مِنهُنَّ الخِتانُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ قالَ: ابْتَلاهُ بِالكَوْكَبِ فَرَضِيَ عَنْهُ وابْتَلاهُ بِالقَمَرِ فَرَضِيَ عَنْهُ، وابْتَلاهُ بِالشَّمْسِ فَرَضِيَ عَنْهُ، وابْتَلاهُ بِالهِجْرَةِ فَرَضِيَ عَنْهُ، وابْتَلاهُ بِالخِتانِ فَرَضِيَ عَنْهُ، وابْتَلاهُ بِابْنِهِ فَرَضِيَ عَنْهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَأتَمَّهُنَّ﴾ قالَ: فَأدّاهُنَّ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عَطاءٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مِن فِطْرَةِ إبْراهِيمَ السِّواكُ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: مِن فِطْرَةِ إبْراهِيمَ غَسْلُ الذَّكَرِ (p-٥٨٣)والبَراجِمِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ في ”المُصَنَّفِ“ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: سِتٌّ مِن فِطْرَةِ إبْراهِيمَ؛ قَصُّ الشّارِبِ، والسِّواكُ والفَرْقُ وقَصُّ الأظْفارِ، والِاسْتِنْجاءُ، وحَلْقُ العانَةِ. قالَ: ثَلاثَةٌ في الرَّأْسِ وثَلاثَةٌ في الجَسَدِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأحْمَدُ، والبُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وأبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ ماجَهْ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «الفِطْرَةُ خَمْسٌ أوْ خَمْسٌ مِنَ الفِطْرَةِ، الخِتانُ، والِاسْتِحْدادُ، وقَصُّ الشّارِبِ، وتَقْلِيمُ الأظْفارِ، ونَتْفُ الإبْطِ» . وأخْرَجَ البُخارِيُّ، والنَّسائِيُّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «مِنَ الفِطْرَةِ حَلْقُ العانَةِ، وتَقْلِيمُ الأظْفارِ، وقَصُّ الشّارِبِ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، ومُسْلِمٌ وأبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ ماجَهْ، عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «عَشْرٌ مِنَ الفِطْرَةِ، قَصُّ الشّارِبِ، وإعْفاءُ اللِّحْيَةِ، والسِّواكُ، والِاسْتِنْشاقُ بِالماءِ، وقَصُّ الأظْفارِ، وغَسْلُ (p-٥٨٤)البَراجِمِ، ونَتْفُ الآباطِ، وحَلْقُ العانَةِ، وانْتِفاضُ الماءِ. يَعْنِي الِاسْتِنْجاءَ بِالماءِ. قالَ مُصْعَبٌ: نَسِيتُ العاشِرَةَ إلّا أنْ تَكُونَ المَضْمَضَةَ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأحْمَدُ وأبُو داوُدَ، وابْنُ ماجَهْ، عَنْ عَمّارِ بْنِ ياسِرٍ، أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «مِنَ الفِطْرَةِ المَضْمَضَةُ، والِاسْتِنْشاقُ والسِّواكُ وقَصُّ الشّارِبِ، وتَقْلِيمُ الأظْفارِ، ونَتْفُ الإبْطِ والِاسْتِحْدادُ، وغَسْلُ البَراجِمِ، والِانْتِضاحُ والِاخْتِتانُ» . وأخْرَجَ البَزّارُ، والطَّبَرانِيُّ عَنْ أبِي الدَّرْداءِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «الطَّهاراتُ أرْبَعٌ؛ قَصُّ الشّارِبِ، وحَلْقُ العانَةِ، وتَقْلِيمُ الأظْفارِ، والسِّواكُ» . وأخْرَجَ مُسْلِمٌ وأبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ ماجَهْ عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ قالَ: «وقَّتَ لَنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في قَصِّ الشّارِبِ وتَقْلِيمِ الأظْفارِ وحَلْقِ (p-٥٨٥)العانَةِ ونَتْفِ الإبْطِ، ألّا تَتْرُكَ أكْثَرَ مِن أرْبَعِينَ يَوْمًا» . وأخْرَجَ أحْمَدُ، والبَيْهَقِيُّ في ”شُعَبِ الإيمانِ“ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قِيلَ لِلنَّبِيِّ ﷺ: «لَقَدْ أبْطَأ عَنْكَ جِبْرِيلُ، فَقالَ: ولِمَ لا يُبْطِئُ عَنِّي وأنْتُمْ حَوْلِي لا تَسْتَنُّونَ، ولا تُقَلِّمُونَ أظْفارَكُمْ، ولا تَقُصُّونَ شَوارِبَكُمْ، ولا تُنَقُّونَ بَراجِمَكم» . وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «كانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقُصُّ أوْ يَأْخُذُ مِن شارِبِهِ، قالَ: وكانَ خَلِيلُ الرَّحْمَنِ إبْراهِيمُ يَفْعَلُهُ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأحْمَدُ، والتِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ، والنَّسائِيُّ عَنْ زَيْدِ بْنِ أرْقَمَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «مَن لَمْ يَأْخُذْ مِن شارِبِهِ فَلَيْسَ مِنّا» . (p-٥٨٦)وأخْرَجَ مالِكٌ، والبُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وأبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «خالِفُوا المُشْرِكِينَ وفِّرُوا اللِّحى وأحْفُوا الشَّوارِبَ» . وأخْرَجَ البَزّارُ عَنْ أنَسٍ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: خالِفُوا المَجُوسَ جُزُّوا الشَّوارِبَ وأعْفُوا اللِّحى» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ قالَ: «جاءَ رَجُلٌ مِنَ المَجُوسِ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وقَدْ حَلَقَ لِحْيَتَهُ وأطالَ شارِبَهُ فَقالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: ما هَذا؟ قالَ: هَذا في دِينِنا. قالَ: ولَكِنْ في دِينِنا أنْ نَجُزَّ الشّارِبَ وأنْ نُعْفِيَ اللِّحْيَةَ» . وأخْرَجَ البَزّارُ عَنْ عائِشَةَ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أبْصَرَ رَجُلًا وشارِبُهُ طَوِيلٌ فَقالَ: ائْتُونِي بِمِقَصٍّ وسِواكٍ. فَجَعَلَ السِّواكَ عَلى طَرَفِهِ ثُمَّ أخَذَ ما جاوَزَ» . (p-٥٨٧)وأخْرَجَ البَزّارُ، والطَّبَرانِيُّ في ”الأوْسَطِ“، والبَيْهَقِيُّ في ”شُعَبِ الإيمانِ“ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ يُقَلِّمُ أظْفارَهُ ويَقُصُّ شارِبَهُ يَوْمَ الجُمُعَةِ قَبْلَ أنْ يَخْرُجَ إلى الصَّلاةِ» . وأخْرَجَ ابْنُ عَدِيٍّ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنْ أنَسٍ قالَ: «وقَّتَ لَنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنْ يَحْلِقَ الرَّجُلُ عانَتَهُ كُلَّ أرْبَعِينَ يَوْمًا، وأنْ يَنْتِفَ إبْطَهُ كُلَّما طَلَعَ، ولا يَدَعُ شارِبَيْهِ يَطُولانِ، وأنْ يُقَلِّمَ أظْفارَهُ مِنَ الجُمُعَةِ إلى الجُمْعَةِ» . وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ، عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «قُصُّوا أظافِيرَكم فَإنَّ الشَّيْطانَ يَجْرِي ما بَيْنَ اللَّحْمِ والظُّفُرِ» . وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنْ وابِصَةَ بْنِ مَعْبَدٍ قالَ: «سَألْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ حَتّى سَألْتُهُ عَنِ الوَسَخِ الَّذِي يَكُونُ في الأظْفارِ فَقالَ: دَعْ ما يُرِيبُكَ إلى ما لا يُرِيبُكَ» . (p-٥٨٨)وأخْرَجَ البَزّارُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «ما لِي لا إيهَمُ ورُفْغُ أحَدِكم بَيْنَ أُنْمُلَتِهِ وظُفُرِهِ» . وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في ”شُعَبِ الإيمانِ“ عَنْ قَيْسِ بْنِ حازِمٍ قالَ: «صَلّى النَّبِيُّ ﷺ صَلاةً فَأوْهَمَ فِيها فَسُئِلَ فَقالَ: ما لِي لا أُوهِمُ ورُفْغُ أحَدِكم بَيْنَ ظُفْرِهِ وأُنْمُلَتِهِ» . وأخْرَجَ ابْنُ ماجَهْ، والطَّبَرانِيُّ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ، عَنْ أبِي أُمامَةَ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: تَسَوَّكُوا فَإنَّ السِّواكَ مَطْهَرَةٌ لِلْفَمِ مَرْضاةٌ لِلرَّبِّ، ما جاءَنِي جِبْرِيلُ إلّا أوْصانِي بِالسِّواكِ حَتّى خَشِيتُ أنْ يُفْرَضَ عَلَيَّ وعَلى أُمَّتِي، ولَوْلا أنِّي أخافُ أنْ أشُقَّ عَلى أُمَّتِي لَفَرَضْتُهُ لَهُمْ، وإنِّي لَأسْتاكُ حَتّى لَقَدْ (p-٥٨٩)خَشِيتُ أنْ أُحْفِيَ مَقادِمَ فَمِي» . وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: السِّواكَ مَطْهَرَةٌ لِلْفَمِ مَرْضاةٌ لِلرَّبِّ ومِجْلاةٌ لِلْبَصَرِ» . وأخْرَجَ ابْنُ عَدِيٍّ، والبَيْهَقِيُّ في ”شُعَبِ الإيمانِ“ وضَعَفَّهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «عَلَيْكم بِالسِّواكِ فَإنَّهُ مَطْهَرَةٌ لِلْفَمِ، مَرْضاةٌ لِلرَّبِّ، مَفْرَحَةٌ لِلْمَلائِكَةِ، يَزِيدُ في الحَسَناتِ، وهو مِنَ السُّنَّةِ، يَجْلُو البَصَرَ، ويُذْهِبُ الحَفْرَ، ويَشُدُّ اللَّثَةَ، ويُذْهِبُ البَلْغَمَ، ويُطَيِّبُ الفَمَ» . وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وأبُو داوُدَ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ ماجَهْ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَوْلا أنْ أشُقَّ عَلى أُمَّتِي لَأمَرْتُهم بِالسِّواكِ عِنْدَ كُلِّ صَلاةٍ» . وأخْرَجَ أحْمَدُ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَوْلا أنْ أشُقَّ عَلى أُمَّتِي لَأمَرْتُهم عِنْدَ كُلِّ صَلاةٍ بِوُضُوءٍ، ومَعَ كُلِّ وُضُوءٍ (p-٥٩٠)بِسِواكٍ» . وأخْرَجَ البَزّارُ وأبُو يَعْلى، والطَّبَرانِيُّ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ، عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: «ما زالَ النَّبِيُّ ﷺ يَذْكُرُ السِّواكَ حَتّى خَشِينا أنْ يَنْزِلَ فِيهِ قُرْآنٌ» . وأخْرَجَ أحْمَدُ والحارِثُ بْنُ أبِي أُسامَةَ والبَزّارُ، وأبُو يَعْلى، وابْنُ خُزَيْمَةَ والدّارَقُطْنِيُّ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وأبُو نُعَيْمٍ في ”كِتابِ السِّواكِ“، والبَيْهَقِيُّ في ”شُعَبِ الإيمانِ“ عَنْ عائِشَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «فَضْلُ الصَّلاةِ بِسِواكٍ عَلى الصَّلاةِ بِغَيْرِ سِواكٍ سَبْعُونَ ضِعْفًا» . وأخْرَجَ البَزّارُ، والبَيْهَقِيُّ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ عَنْ عائِشَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «رَكْعَتانِ بِسِواكٍ أفْضَلُ مِن سَبْعِينَ رَكْعَةً بِغَيْرِ سِواكٍ» . وأخْرَجَ أحْمَدُ، وأبُو يَعْلى بِسَنَدٍ جَيِّدٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «لَقَدْ أُمِرْتْ بِالسِّواكِ حَتّى ظَنَنْتُ أنَّهُ يَنْزِلُ عَلَيَّ بِهِ قُرْآنٌ أوْ وحْيٌ» . (p-٥٩١)وأخْرَجَ أحْمَدُ، وأبُو يَعْلى، والطَّبَرانِيُّ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ لا يَنامُ إلّا والسِّواكُ عِنْدَهُ، فَإذا اسْتَيْقَظَ بَدَأ بِالسِّواكِ» . وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قالَتْ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «ما زالَ جِبْرِيلُ يُوصِينِي بِالسِّواكِ حَتّى خِفْتُ عَلى أضْراسِي» . وأخْرَجَ البَزّارُ، والتِّرْمِذِيُّ الحَكِيمُ في ”نَوادِرِ الأُصُولِ“ عَنْ مَلِيحِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الخَطْمِيِّ عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «خَمْسٌ مِن سُنَنِ المُرْسَلِينَ؛ الحَياءُ والحِلْمُ والحِجامَةُ والسِّواكُ والتَّعَطُّرُ» . وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ في ”الأوْسَطِ“ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لا يَنامُ لَيْلَةً ولا يَنْتَبِهُ إلّا اسْتَنَّ» . وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ خالِدٍ الجُهَنِيِّ قالَ: «ما كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَخْرُجُ مِن بَيْتِهِ لِشَيْءٍ مِنَ الصَّلَواتِ حَتّى يَسْتاكَ» . (p-٥٩٢)وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وأبُو داوُدَ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ، عَنْ عائِشَةَ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ لا يَرْقُدُ مِن لَيْلٍ ولا نَهارٍ فَيَسْتَيْقِظُ إلّا تَسَوَّكَ قَبْلَ أنْ يَتَوَضَّأ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، ومُسْلِمٌ وأبُو داوُدَ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ ماجَهْ «عَنْ عائِشَةَ، أنَّها سُئِلَتْ بِأيِّ شَيْءٍ كانَ النَّبِيُّ ﷺ يَبْدَأُ إذا دَخَلَ بَيْتَهُ؟ قالَتْ: كانَ إذا دَخَلَ يَبْدَأُ بِالسِّواكِ» . وأخْرَجَ ابْنُ ماجَهْ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ قالَ: إنَّ أفْواهَكم طُرُقٌ لِلْقُرْآنِ فَطَيَّبُوها بِالسِّواكِ، وأخْرَجَهُ أبُو نُعَيْمٍ في كِتابِ ”السِّواكِ“ عَنْ عَلِيٍّ مَرْفُوعًا. وأخْرَجَ ابْنُ السُّنِّيِّ، وأبُو نُعَيْمٍ مَعًا في (الطِّبِّ النَّبَوِيِّ) عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إنَّ السِّواكَ لَيَزِيدُ الرَّجُلَ فَصاحَةً» . وأخْرَجَ ابْنُ السُّنِّيِّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ قالَ: قِراءَةُ القُرْآنِ والسِّواكُ يَذْهَبُ بِالبَلْغَمِ. (p-٥٩٣)وأخْرَجَ أبُو نُعَيْمٍ في ”مَعْرِفَةِ الصَّحابَةِ“ عَنْ مَيْمُونَةَ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ما نامَ لَيْلَةً حَتّى اسْتَنَّ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ في ”المُصَنَّفِ“، وأبُو نُعَيْمٍ في كِتابِ ”السِّواكِ“ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ مِن طَرِيقِ أبِي عَتِيقٍ، «عَنْ جابِرٍ، أنَّهُ كانَ يَسْتاكُ إذا أخَذَ مَضْجَعَهُ وإذا قامَ مِنَ اللَّيْلِ، وإذا خَرَجَ إلى الصَّلاةِ. فَقُلْتُ لَهُ: لَقَدْ شَقَقْتَ عَلى نَفْسِكَ، فَقالَ: إنَّ أُسامَةَ أخْبَرَنِي أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ يَسْتاكُ هَذا السِّواكَ» . وأخْرَجَ أبُو نُعَيْمٍ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَوْلا أنْ أشُقَّ عَلى أُمَّتِي لَأمَرْتُهم أنْ يَسْتاكُوا بِالأسْحارِ» . وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ في ”الأوْسَطِ“ بِسَنَدٍ حَسَنٍ، عَنْ عَلِيٍّ، قالَ: رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَوْلا أنْ أشُقَّ عَلى أُمَّتِي لَأمَرْتُهم بِالسِّواكِ مَعَ كُلِّ وُضُوءٍ» . وأخْرَجَ الشّافِعِيُّ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأحْمَدُ، والنَّسائِيُّ، وأبُو يَعْلى وابْنُ (p-٥٩٤)خُزَيْمَةَ، وابْنُ حِبّانَ، والحاكِمُ، والبَيْهَقِيُّ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «السِّواكَ مَطْهَرَةٌ لِلْفَمِ مَرْضاةٌ لِلرَّبِّ» . وأخْرَجَ أحْمَدُ، والطَّبَرانِيُّ في ”الأوْسَطِ“ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «عَلَيْكم بِالسِّواكِ فَإنَّهُ مَطْيَبَةٌ لِلْفَمِ مَرْضاةٌ لِلرَّبِّ تَبارَكَ وتَعالى» . وأخْرَجَ أحْمَدُ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنْ قُثَمَ أوْ تَمّامِ بْنِ عَبّاسٍ قالَ: «أتَيْنا النَّبِيَّ ﷺ فَقالَ: ما لَكم تَأْتُونِي قُلْحًا لا تَسَوَّكُونَ؟ لَوْلا أنْ أشُقَّ عَلى أُمَّتِي لَفَرَضْتُ عَلَيْهِمُ السِّواكَ كَما فَرَضْتُ عَلَيْهِمُ الوُضُوءَ» . وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، عَنْ جابِرٍ قالَ: «كانَ السِّواكُ مِن أُذُنِ النَّبِيِّ ﷺ مَوْضِعَ القَلَمِ مَن أُذُنِ الكاتِبِ» . (p-٥٩٥)وأخْرَجَ العُقَيْلِيُّ في ”الضُّعَفاءِ“، وأبُو نُعَيْمٍ في ”السِّواكِ“ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: «كانَ النَّبِيُّ ﷺ إذا سافَرَ حَمَلَ السِّواكَ والمُشْطَ والمُكْحُلَةَ والقارُورَةَ والمِرْآةَ» . وأخْرَجَ أبُو نُعَيْمٍ بِسَنَدٍ واهٍ عَنْ رافِعِ بْنِ خَدِيجٍ مَرْفُوعًا: «السِّواكُ واجِبٌ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «لَقَدْ كُنّا نُؤْمَرُ بِالسِّواكِ حَتّى ظَنَنّا أنَّهُ سَيُنَزَّلُ فِيهِ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنْ حَسّانَ بْنِ عَطِيَّةَ مَرْفُوعًا: «الوُضُوءُ شَطْرُ الإيمانِ، والسِّواكُ شَطْرُ الوُضُوءِ، ولَوْلا أنْ أشُقَّ عَلى أُمَّتِي لَأمَرْتُهم بِالسِّواكِ عِنْدَ كُلِّ صَلاةٍ، رَكْعَتانِ يَسْتاكُ بِهِما العَبْدُ أفْضَلُ مِن سَبْعِينَ رَكْعَةً لا يَسْتاكُ فِيها» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنْ سُلَيْمانَ بْنِ سَعْدٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «اسْتاكُوا وتَنَظَّفُوا وأوْتِرُوا، فَإنَّ اللَّهَ وِتْرٌ يُحِبُّ الوِتْرَ» . وأخْرَجَ ابْنُ عَدِيٍّ عَنْ أنَسٍ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ أمَرَ بِتَعاهُدِ البَراجِمِ عِنْدَ الوُضُوءِ؛ (p-٥٩٦)لِأنَّ الوَسَخَ إلَيْها سَرِيعٌ» . وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ الحَكِيمُ في ”نَوادِرِ الأُصُولِ“ بِسَنَدٍ فِيهِ مَجْهُولٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُسْرٍ رَفَعَهُ، «قُصُّوا أظْفارَكُمْ، وادْفِنُوا قُلاماتِكم ونَقُّوا بِراجِمَكم» . وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وأبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ في ”الشَّمائِلِ“، والنَّسائِيُّ، وابْنُ ماجَهْ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «كانَ أهْلُ الكِتابِ يَسْدِلُونَ أشْعارَهُمْ، وكانَ المُشْرِكُونَ يَفْرُقُونَ رُءُوسَهُمْ، وكانَ النَّبِيُّ ﷺ يُعْجِبُهُ مُوافَقَةُ أهْلِ الكِتابِ فِيما لَمْ يُؤْمَرْ بِهِ، فَسَدَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ناصِيَتَهُ ثُمَّ فَرَقَ بَعْدُ» . وأخْرَجَ ابْنُ ماجَهْ، والبَيْهَقِيُّ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ إذا اطَّلى ولِيَ عانَتَهُ بِيَدِهِ» . وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ جِدًّا عَنْ أنَسٍ، «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ لا يَتَنَوَّرُ، وكانَ إذا كَثُرَ شَعَرُهُ حَلَقَهُ» . وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ عَنْ شَدّادِ بْنِ أوْسٍ رَفَعَهُ: «الخِتانُ سُنَّةٌ لِلرِّجالِ مَكْرُمَةٌ (p-٥٩٧)لِلنِّساءِ» . وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ في ”مُسْنَدِ الشّامِيِّينَ“، وأبُو الشَّيْخِ في كِتابِ ”العَقِيقَةِ“، والبَيْهَقِيُّ مِن حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ، مِثْلَهُ. وأخْرَجَ أبُو داوُدَ عَنْ عُيَثْمِ بْنِ كُلَيْبٍ عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدِّهِ، «أنَّهُ جاءَ إلى النَّبِيِّ ﷺ فَقالَ: فَقَدْ أسْلَمْتُ - فَقالَ لَهُ: ألْقِ عَنْكَ شَعَرَ الكُفْرِ. يَقُولُ: احْلِقْ. قالَ: وأخْبَرَنِي آخَرُ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: لِآخَرَ مَعَهُ: ألْقِ عَنْكَ شَعَرَ الكَفْرُ واخْتَتِنْ» . وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «مَن أسْلَمَ فَلْيَخْتَتِنْ» . وأخْرَجَ أحْمَدُ، والطَّبَرانِيُّ عَنْ عُثْمانَ بْنِ أبِي العاصِي أنَّهُ دُعِيَ إلى خِتانٍ فَقالَ: ما كُنّا نَأْتِي الخِتانَ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ولا نُدْعى لَهُ. وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ في ”الأوْسَطِ“ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: سَبْعٌ مِنَ السُّنَّةِ في الصَّبِيِّ؛ يَوْمَ السّابِعِ يُسَمّى، ويُخْتَنُ ويُماطُ عَنْهُ الأذى، ويُعَقُّ عَنْهُ، ويُحْلَقُ رَأْسُهُ ويُلَطَّخُ مِن عَقِيقَتِهِ، ويُتَصَدَّقُ بِوَزْنِ شَعْرِ رَأْسِهِ ذَهَبًا أوْ فِضَّةً (p-٥٩٨)وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ في ”كِتابِ العَقِيقَةِ“، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ جابِرٍ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ عَقَّ عَنِ الحَسَنِ والحُسَيْنِ وخَتَنَهُما لِسَبْعَةِ أيّامٍ» . وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ عَنْ مُوسى بْنِ عُلَيِّ بْنِ رَباحٍ عَنْ أبِيهِ، إنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ خَتَنَ إسْحاقَ لِسَبْعَةِ أيّامٍ وخَتَنَ إسْماعِيلَ عِنْدَ بُلُوغِهِ. وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ عَنْ حُيَيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: بَلَغَنِي أنَّ إسْماعِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ اخْتَتَنَ وهو ابْنُ ثَلاثَ عَشَرَ سَنَةً. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ في ”العَقِيقَةِ“ مِن طَرِيقِ مُوسى بْنِ عُلَيِّ بْنِ رَباحٍ، عَنْ أبِيهِ، أنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ أُمِرَ أنْ يَخْتَتِنَ وهو حِينَئِذٍ ابْنُ ثَمانِينَ سَنَةً، فَعَجَّلَ واخْتَتَنَ بِالقَدُومِ، فاشْتَدَّ عَلَيْهِ الوَجَعُ فَدَعا رَبَّهُ، فَأوْحى إلَيْهِ: إنَّكَ عَجِلْتَ قَبْلَ أنْ نَأْمُرَكَ بِآلَتِهِ قالَ: يا رَبِّ كَرِهْتُ أنْ أُؤَخِّرَ أمْرَكَ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «اخْتَتَنَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ وهو ابْنُ ثَمانِينَ سَنَةً بِالقَدُومِ» . وأخْرَجَ ابْنُ عَدِيٍّ، والبَيْهَقِيُّ في ”شُعَبِ الإيمانِ“ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ (p-٥٩٩)النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «كانَ إبْراهِيمُ أوَّلَ مَنِ اخْتَتَنَ وهو ابْنُ عِشْرِينَ ومِائَةِ سَنَةٍ، واخْتَتَنَ بِالقَدُومِ ثُمَّ عاشَ بَعْدَ ذَلِكَ ثَمانِينَ سَنَةً» . وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، والحاكِمُ، والبَيْهَقِيُّ وصَحَّحاهُ مِن طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: اخْتَتَنَ إبْراهِيمُ خَلِيلُ اللَّهِ وهو ابْنُ عِشْرِينَ ومِائَةِ سَنَةٍ بِالقَدُومِ، ثُمَّ عاشَ بَعْدَ ذَلِكَ ثَمانِينَ سَنَةً، قالَ سَعِيدٌ: وكانَ إبْراهِيمُ أوَّلَ مَنِ اخْتَتَنَ وأوَّلَ مَن رَأى الشَّيْبَ، فَقالَ: يا رَبِّ ما هَذا؟ فَقالَ: وقارٌ يا إبْراهِيمُ، قالَ: رَبِّ زِدْنِي وقارًا، وأوَّلَ مَن أضافَ الضَّيْفَ وأوَّلَ مَن جَزَّ شارِبَهُ، وأوَّلَ مَن قَصَّ أظافِيرَهُ، وأوَّلَ مَنِ اسْتَحَدَّ. وأخْرَجَ ابْنُ عَدِيٍّ، والبَيْهَقِيُّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «إنَّ إبْراهِيمَ أوَّلُ مَنِ أضافَ الضَّيْفَ وأوَّلُ مَن قَصَّ الشّارِبَ، وأوَّلُ مَن رَأى الشَّيْبَ، وأوَّلُ مَن قَصَّ الأظافِيرَ، وأوَّلُ مَنِ اخْتَتَنَ بِقَدُومِهِ» . وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: كانَتْ هاجَرُ لِسارَةَ فَأعْطَتْ هاجَرَ إبْراهِيمَ فاسْتَبَقَ إسْماعِيلُ وإسْحاقُ، فَسَبَقَهُ إسْماعِيلُ فَقَعَدَ في حِجْرِ إبْراهِيمَ، قالَتْ: سارَةُ: واللَّهِ لَأغِيرَنَّ مِنها ثَلاثَةَ أشْرافٍ. فَخَشِيَ إبْراهِيمُ أنْ تَجْدَعَها (p-٦٠٠)أوْ تَخْرِمَ أُذُنَيْها فَقالَ لَها: هَلْ لَكِ أنْ تَفْعَلِي شَيْئًا وتَبَرِّي يَمِينَكِ؟ تَثْقُبِينَ أُذُنَيْها وتَخْفِضِينَها. فَكانَ أوَّلَ الخِفاضِ هَذا. وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ عَنْ سُفْيانَ بْنِ عُيَيْنَةَ قالَ: شَكا إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ إلى رَبِّهِ ما يَلْقى مِن رَداءَةِ خُلُقِ سارَةَ، فَأوْحى اللَّهُ إلَيْهِ: يا إبْراهِيمُ البَسْها عَلى ما كانَ فِيها ما لَمْ تَجِدْ عَلَيْها خِزْيَةً في دِينِها. وأخْرَجَ وكِيعٌ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: كانَ إبْراهِيمُ أوَّلَ مَن تَسَرْوَلَ، وأوَّلَ مَن فَرَقَ وأوَّلَ مَنِ اسْتَحَدَّ، وأوَّلَ مَنِ اخْتَتَنَ، وأوَّلَ مَن قَرى الضَّيْفَ، وأوَّلَ مَن شابَ. وأخْرَجَ وكِيعٌ عَنْ واصِلٍ مَوْلى أبِي عُيَيْنَةَ قالَ: أوْحى اللَّهُ إلى إبْراهِيمَ: يا إبْراهِيمُ إنَّكَ أكْرَمُ أهْلِ الأرْضِ عَلَيَّ، فَإذا سَجَدْتَ فَلا تُرِي الأرْضَ عَوْرَتَكَ، قالَ: فاتَّخَذَ سَراوِيلَ. وأخْرَجَ الحاكِمُ عَنْ أبِي أُمامَةَ قالَ: طَلَعَتْ كَفٌّ مِنَ السَّماءِ بَيْنَ أُصْبُعَيْنِ مِن أصابِعِها شَعَرَةٌ بَيْضاءُ، فَجَعَلَتْ تَدْنُو مِن رَأْسِ إبْراهِيمَ ثُمَّ تَدْنُو، فَألْقَتْها في رَأْسِهِ (p-٦٠١)وقالَتِ: اشْعِلْ وقارًا، ثُمَّ أوْحى اللَّهُ إلَيْهِ أنْ تَطَهَّرَ، وكانَ أوَّلَ مَن شابَ واخْتَتَنَ، وأنْزَلَ اللَّهُ عَلى إبْراهِيمَ مِمّا أنْزَلَ عَلى مُحَمَّدٍ ﴿التّائِبُونَ العابِدُونَ الحامِدُونَ﴾ [التوبة: ١١٢] إلى قَوْلِهِ ﴿وبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة: ١١٢] [ التَّوْبَةِ: ١١٢] و﴿قَدْ أفْلَحَ المُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون: ١] إلى قَوْلِهِ ﴿هم فِيها خالِدُونَ﴾ [المؤمنون: ١١] [ المُؤْمِنُونَ: ١ - ١١] و﴿إنَّ المُسْلِمِينَ والمُسْلِماتِ﴾ [الأحزاب: ٣٥] [ الأحْزابِ: ٣٥] الآيَةَ، والَّتِي في سَألَ ﴿الَّذِينَ هم عَلى صَلاتِهِمْ دائِمُونَ﴾ [المعارج: ٢٣] إلى قَوْلِهِ: ﴿قائِمُونَ﴾ [المعارج: ٣٣] [ المَعارِجِ: ٢٣ - ٣٣] فَلَمْ يَفِ بِهَذِهِ السِّهامِ إلّا إبْراهِيمُ ومُحَمَّدٌ ﷺ . وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ في ”الطَّبَقاتِ“ عَنْ سَلْمانَ قالَ: سَألَ إبْراهِيمُ رَبَّهُ خَيْرًا فَأصْبَحَ ثُلْثا رَأْسِهِ أبْيَضَ فَقالَ: ما هَذا؟ فَقِيلَ لَهُ: عِبْرَةٌ في الدُّنْيا ونُورٌ في الآخِرَةِ. وأخْرَجَ أحْمَدُ في “ الزُّهْدِ “ عَنْ سَلْمانَ الفارِسِيِّ قالَ: أوى إبْراهِيمُ إلى فِراشِهِ فَسَألَ اللَّهَ أنْ يُؤْتِيَهُ خَيْرًا، فَأصْبَحَ وقَدْ شابَ ثُلُثا رَأْسِهِ فَساءَهُ ذَلِكَ. فَقِيلَ لَهُ: لا يَسُوءَنَّكَ فَإنَّهُ عِبْرَةٌ في الدُّنْيا ونُورٌ لَكَ في الآخِرَةِ، وكانَ أوَّلَ شَيْبٍ كانَ. وأخْرَجَ الدَّيْلَمِيُّ عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أوَّلُ مَن خَضَّبَ (p-٦٠٢)بِالحِنّاءِ والكَتَمِ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ» . وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وأبُو داوُدَ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ ماجَهْ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ النَّبِيُّ ﷺ: «إنَّ اليَهُودَ والنَّصارى لا يَصْبُغُونَ فَخالَفُوهم» . وأخْرَجَ أبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ النَّسائِيُّ، وابْنُ ماجَهْ عَنْ أبِي ذَرٍّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إنَّ أحْسَنَ ما غَيَّرْتُمْ بِهِ الشَّيْبَ الحِنّاءُ والكَتَمُ» . وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «غَيِّرُوا الشَّيْبَ ولا تَشَبَّهُوا بِاليَهُودِ» . وأخْرَجَ البَزّارُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «لا تَشَبَّهُوا بِالأعاجِمِ غَيِّرُوا اللِّحى» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ في ”المُصَنَّفِ“ والبَزّارُ عَنْ سَعْدٍ عَنْ إبْراهِيمَ عَنْ أبِيهِ قالَ: أوَّلُ مَن خَطَبَ عَلى المِنبَرِ إبْراهِيمُ خَلِيلُ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلامُ. (p-٦٠٣)وأخْرَجَ البَزّارُ، والطَّبَرانِيُّ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ، عَنْ مُعاذِ بْنِ جَبَلٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إنْ أتَّخِذِ المِنبَرَ فَقَدِ اتَّخَذَهُ أبِي إبْراهِيمُ، وإنْ أتَّخِذِ العَصا فَقَدِ اتَّخَذَها أبِي إبْراهِيمُ» . وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ، عَنْ جابِرٍ قالَ: أوَّلُ مَن قاتَلَ في سَبِيلِ اللَّهِ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ حِينَ أُسِرَ لُوطٌ واسْتَأْسَرَتْهُ الرُّومُ فَغَزا إبْراهِيمُ حَتّى اسْتَنْقَذَهُ مِنَ الرُّومِ. وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ عَنْ حَسّانَ بْنِ عَطِيَّةَ قالَ: أوَّلُ مَن رَتَّبَ العَسْكَرَ في الحَرْبِ مَيْمَنَةً ومَيْسَرَةً وقَلْبًا إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا سارَ لِقِتالِ الَّذِينَ أسَرُوا لُوطًا عَلَيْهِ السَّلامُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أبِي يَزِيدَ عَنْ رَجُلٍ قَدْ سَمّاهُ قالَ: أوَّلُ مَن عَقَدَ الألْوِيَةَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ؛ بَلَغَهُ أنَّ قَوْمًا أغارُوا عَلى لُوطٍ فَسَبَوْهُ، فَعَقَدَ لِواءً وسارَ إلَيْهِمْ بِعَبِيدِهِ ومَوالِيهِ حَتّى أدْرَكَهم فاسْتَنْقَذَهُ وأهْلَهُ. (p-٦٠٤)وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا في كِتابِ ”الرَّمْيِ“ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: أوَّلُ مَن عَمِلَ القِسِيَّ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا، والبَيْهَقِيُّ في ”شُعَبِ الإيمانِ“ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «كانَ أوَّلَ مَن ضَيَّفَ الضَّيْفَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ» . وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، وابْنُ أبِي الدُّنْيا، وأبُو نُعَيْمٍ في “ الحِلْيَةِ “، والبَيْهَقِيُّ في ”شُعَبِ الإيمانِ“ عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: كانَ إبْراهِيمُ خَلِيلُ الرَّحْمَنِ يُكَنّى أبا الضَّيْفانِ وكانَ لِقَصْرِهِ أرْبَعَةُ أبْوابٍ لِكَيْ لا يَفُوتَهُ أحَدٌ. وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ عَنْ عَطاءٍ قالَ: كانَ إبْراهِيمُ خَلِيلُ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلامُ إذا أرادَ أنْ يَتَغَدّى طَلَبَ مَن يَتَغَدّى مَعَهُ إلى مِيلٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا في كِتابِ ”الإخْوانِ“ والخَطِيبُ في ”تارِيخِهِ“ والدَّيْلَمِيُّ في ”مُسْنَدِ الفِرْدَوْسِ“ والغَسُولِيُّ في ”جُزْئِهِ“ المَشْهُورِ، واللَّفْظُ لَهُ، عَنْ تَمِيمٍ الدّارِيِّ، «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سُئِلَ عَنْ مُعانَقَةِ الرَّجُلِ الرَّجُلَ إذا لَقِيَهُ قالَ: كانَتْ تَحِيَّةَ الأُمَمِ، وفي لَفْظٍ: كانَتْ تَحِيَّةَ أهْلِ الإيمانِ وخالِصَ (p-٦٠٥)وِدِّهِمْ، وإنَّ أوَّلَ مَن عانَقَ خَلِيلُ الرَّحْمَنِ، فَإنَّهُ خَرَجَ يَوْمًا يَرْتادُ لِماشِيَتِهِ في جَبَلٍ مِن جِبالِ بَيْتِ المَقْدِسِ، إذْ سَمِعَ صَوْتَ مُقَدِّسٍ يُقَدِّسُ اللَّهَ تَعالى فَذَهِلَ عَمّا كانَ يَطْلُبُ، فَقَصَدَ قَصْدَ الصَّوْتِ، فَإذا هو بِشَيْخٍ طُولُهُ ثَمانِيَةَ عَشَرَ ذِراعًا، أهْلَبَ يُوَحِّدُ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ فَقالَ لَهُ إبْراهِيمُ: يا شَيْخُ مَن رَبُّكَ؟ قالَ: الَّذِي في السَّماءِ، قالَ: مَن رَبُّ الأرْضِ؟ قالَ: الَّذِي في السَّماءِ، قالَ: فِيها رَبٌّ غَيْرُهُ؟ قالَ: ما فِيها رَبٌّ غَيْرُهُ؟ لا إلَهَ إلّا هو وحْدَهُ، قالَ إبْراهِيمُ: فَأيْنَ قِبْلَتُكَ؟ قالَ: إلى الكَعْبَةِ، فَسَألَهُ عَنْ طَعامِهِ، فَقالَ: أجْمَعُ مِن هَذِهِ الثَّمَرَ في الصَّيْفِ، فَآكُلُهُ في الشِّتاءِ، قالَ: هَلْ بَقِيَ مَعَكَ أحَدٌ مِن قَوْمِكَ؟ قالَ: لا، قالَ: أيْنَ مَنزِلُكَ؟ قالَ: تِلْكَ المَغارَةُ، قالَ: اعْبُرْ بِنا إلى بَيْتِكَ، قالَ: بَيْنِي وبَيْنَها وادٍ لا يُخاضُ، قالَ: فَكَيْفَ تَعْبُرُهُ؟ فَقالَ: أمْشِي عَلَيْهِ ذاهِبًا، وأمْشِي عَلَيْهِ عائِيًا، قالَ: انْطَلِقْ بِنا، فَلَعَلَّ الَّذِي ذَلَّلَهُ لَكَ يُذَلِّلُهُ لِي. فانْطَلَقا حَتّى انْتَهَيا، فَمَشَيا جَمِيعًا عَلَيْهِ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما يَعْجَبُ مِن صاحِبِهِ فَلَمّا دَخَلا المَغارَةَ، فَإذا بِقِبْلَتِهِ قِبْلَةُ إبْراهِيمَ، قالَ لَهُ إبْراهِيمُ: أيُّ يَوْمٍ خَلَقَ اللَّهُ أشَدُّ؟ قالَ الشَّيْخُ: ذَلِكَ اليَوْمُ الَّذِي يَضَعُ كُرْسِيَّهُ لِلْحِسابِ، يَوْمَ تُسَعَّرُ جَهَنَّمُ لا يَبْقى مَلَكٌ مُقَرَّبٌ، ولا نَبِيٌّ مُرْسَلٌ إلّا خَرَّ، تُهِمُّهُ نَفْسُهُ، قالَ لَهُ إبْراهِيمُ: ادْعُ اللَّهَ يا شَيْخُ أنْ يَؤُمِّنِّي وإيّاكَ مِن هَوْلِ ذَلِكَ اليَوْمِ، قالَ الشَّيْخُ: وما (p-٦٠٦)تَصْنَعُ بِدُعائِي، ولِي في السَّماءِ دَعْوَةٌ مَحْبُوسَةٌ مُنْذُ ثَلاثِ سِنِينَ؟ قالَ إبْراهِيمُ: ألا أُخْبِرُكَ ما حَبَسَ دُعاءَكَ؟ قالَ: بَلى، قالَ: إنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ إذا أحَبَّ عَبْدًا احْتَبَسَ مَسْألَتَهُ يُحِبُّ صَوْتَهُ، ثُمَّ جَعَلَ لَهُ عَلى كُلِّ مَسْألَةٍ ذُخْرًا لا يَخْطِرُ عَلى قَلْبِ بَشَرٍ، وإذا أبْغَضَ اللَّهُ عَبْدًا عَجَّلَ لَهُ حاجَتَهُ أوْ ألْقى الإياسَ في صَدْرِهِ، لِيَقْبِضَ صَوْتَهُ، فَما دَعَوْتُكَ الَّتِي هي في السَّماءِ مَحْبُوسَةٌ؟ قالَ: مَرَّ بِي هَهُنا شابٌّ في رَأْسِهِ ذُؤابَةٌ مُنْذُ ثَلاثِ سِنِينَ، ومَعَهُ غَنَمٌ. قُلْتُ: لِمَن هَذِهِ؟ قالَ: لِخَلِيلِ اللَّهِ إبْراهِيمَ، قُلْتُ: اللَّهُمَّ إنْ كانَ لَكَ في الأرْضِ خَلِيلٌ فَأرِنِيهِ قَبْلَ خُرُوجِي مِنَ الدُّنْيا. قالَ لَهُ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ: قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكَ. ثُمَّ اعْتَنَقا فَيَوْمَئِذٍ كانَ أصْلُ المُعانَقَةِ، وكانَ قَبْلَ ذَلِكَ السُّجُودُ، هَذا لِهَذا، وهَذا لِهَذا ثُمَّ جاءَ الصِّفاحُ مَعَ الإسْلامِ، فَلَمْ يُسْجَدْ ولَمْ يُعانَقْ ولَنْ تَفْتَرِقَ الأصابِعُ حَتّى يُغْفَرَ لِكُلِّ مُصافِحٍ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأحْمَدُ في “ الزُّهْدِ “ وأبُو نُعَيْمٍ في “ الحِلْيَةِ “ عَنْ كَعْبٍ قالَ: قالَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ: إنَّنِي لَيَحْزُنُنِي ألّا أرى أحَدًا في الأرْضِ يَعْبُدُكَ غَيْرِي. فَأنْزَلَ اللَّهُ إلَيْهِ مَلائِكَةً يُصَلُّونَ مَعَهُ ويَكُونُونَ (p-٦٠٧)مَعَهُ. وأخْرَجَ أحْمَدُ، وأبُو نُعَيْمٍ عَنْ نَوْفٍ البِكالِيِّ قالَ: قالَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ: يا رَبِّ إنَّهُ لَيْسَ في الأرْضِ أحَدٌ يَعْبُدُكَ، غَيْرِي فَأنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ ثَلاثَةَ آلافِ مَلَكٍ فَأمَّهم ثَلاثَةَ أيّامٍ. وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ عَنِ الكَلْبِيِّ قالَ: إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ أوَّلُ مَنِ أضافَ الضَّيْفَ وأوَّلُ مَن ثَرَدَ الثَّرِيدَ وأوَّلُ مَن رَأى الشَّيْبَ، وكانَ قَدْ وُسِّعَ عَلَيْهِ في المالِ والخَدَمِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنِ السُّدِّيِّ قالَ: أوَّلُ مَن ثَرَدَ الثَّرِيدَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ. وأخْرَجَ الدَّيْلَمِيُّ عَنْ نُبَيْطِ بْنِ شَرِيطٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أوَّلُ مَنِ اتَّخَذَ الخُبْزَ المُبَلْقَسَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ» . وأخْرَجَ أحْمَدُ في “ الزُّهْدِ “ عَنْ مُطَرِّفٍ قالَ: أوَّلُ مَن راغَمَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ حِينَ راغَمَ قَوْمَهُ إلى اللَّهِ بِالدُّعاءِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ في ”المُصَنَّفِ“ واللَّفْظُ لَهُ، والبُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ (p-٦٠٨)، والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ «قامَ فِينا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: أوَّلُ الخَلائِقِ يُلْقى بِثَوْبٍ - يَعْنِي يَوْمَ القِيامَةِ - إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: يُحْشَرُ النّاسُ عُراةً حُفاةً فَأوَّلُ مَن يُلْقى بِثَوْبٍ إبْراهِيمُ. وأخْرَجَ أبُو نُعَيْمٍ في “ الحِلْيَةِ “ عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ قالَ: يُحْشَرُ النّاسُ عُراةً حُفاةً فَيَقُولُ اللَّهُ: ألا أرى خَلِيلِي عُرْيانًا! فَيُكْسى إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ ثَوْبًا أبْيَضَ، فَهو أوَّلُ مَن يُكْسى. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأحْمَدُ في “ الزُّهْدِ “ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الحارِثِ قالَ: أوَّلُ مَن يُكْسى يَوْمَ القِيامَةِ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ قِبْطِيَّتَيْنِ، ثُمَّ يُكْسى النَّبِيُّ ﷺ حُلَّةَ الحِبَرَةِ وهو عَلى يَمِينِ العَرْشِ. (p-٦٠٩)وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وأبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ عَنْ أنَسٍ قالَ: «جاءَ رَجُلٌ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: يا خَيْرَ البَرِيَّةِ، قالَ: ذاكَ إبْراهِيمُ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنْ أبِي صالِحٍ قالَ: انْطَلَقَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ يَمْتارُ، فَلَمْ يَقْدِرْ عَلى الطَّعامِ، فَمَرَّ بِسَهْلَةٍ حَمْراءَ فَأخَذَ مِنها ثُمَّ رَجَعَ إلى أهْلِهِ، فَقالُوا: ما هَذا؟ قالَ: حِنْطَةٌ حَمْراءُ فَفَتَحُوها فَوَجَدُوها حِنْطَةً حَمْراءَ، فَكانَ إذا زُرِعَ مِنها شَيْءٌ خَرَجَ سُنْبُلُهُ مِن أصْلِها إلى فَرْعِها حَبًّا مُتَراكِبًا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأحْمَدُ في “ الزُّهْدِ “، وأبُو نُعَيْمٍ في “ الحِلْيَةِ “ عَنْ سَلْمانَ الفارِسِيِّ قالَ: أُرْسِلَ عَلى إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ أسَدانِ مُجَوَّعانِ فَلَحِساهُ وسَجَدا لَهُ. وأخْرَجَ أحْمَدُ، ومُسْلِمٌ وأبُو داوُدَ، والنَّسائِيُّ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «أرْسَلَ إلَيَّ رَبِّي أنْ أقْرَأ القُرْآنَ عَلى حَرْفٍ، فَرَدَدْتُ عَلَيْهِ: يا رَبِّ، هَوِّنْ عَلى أُمَّتِي، فَرَدَّ عَلَيَّ الثّانِيَةَ، أنِ اقْرَأْ عَلى (p-٦١٠)حَرْفَيْنِ. فَرَدَدْتُ: يا رَبِّ هَوِّنْ عَلى أُمَّتِي، فَرَدَّ عَلَيَّ الثّالِثَةَ أنِ اقْرَأْ عَلى سَبْعَةِ أحْرُفٍ، ولَكَ بِكُلِّ رَدَّةٍ رُدِدْتَها مَسْألَةٌ تَسْألُنِيها، فَقُلْتُ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِأُمَّتِي، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِأُمَّتِي، وأخَّرْتُ الثّالِثَةَ إلى يَوْمٍ يَرْغَبُ إلَيَّ فِيهِ الخَلائِقُ حَتّى إبْراهِيمُ» . وأخْرَجَ أحْمَدُ في “ الزُّهْدِ “، وأبُو نُعَيْمٍ في “ الحِلْيَةِ “ عَنْ كَعْبٍ قالَ: كانَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ يَقْرِي الضَّيْفَ ويَرْحَمُ المِسْكِينَ وابْنَ السَّبِيلِ، فَأبْطَأتْ عَلَيْهِ الأضْيافُ حَتّى اسْتَرابَ بِذَلِكَ، فَخَرَجَ إلى الطَّرِيقِ يَطْلُبُ، فَجَلَسَ مَلَكُ المَوْتِ عَلَيْهِ السَّلامُ في صُورَةِ رَجُلٍ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِ، فَرَدَّ عَلَيْهِ السَّلامَ، ثُمَّ سَألَهُ: مَن أنْتَ؟ قالَ: أنا ابْنُ السَّبِيلِ. قالَ: إنَّما قَعَدْتُ هَهُنا لِمِثْلِكَ، فَأخَذَ بِيَدِهِ فَقالَ لَهُ: انْطَلِقْ. فَذَهَبَ إلى مَنزِلِهِ فَلَمّا رَآهُ إسْحاقُ عَرَفَهُ فَبَكى إسْحاقُ، فَلَمّا رَأتْ سارَةُ إسْحاقَ يَبْكِي بَكَتْ لِبُكائِهِ، فَلَمّا رَأى إبْراهِيمُ سارَةَ تَبْكِي بَكى لِبُكائِها، فَلَمّا رَأى مَلَكُ المَوْتِ إبْراهِيمَ يَبْكِي بَكى لِبُكائِهِ، ثُمَّ (p-٦١١)صَعِدَ مَلَكُ المَوْتِ، فَلَمّا ارْتَقى غَضِبَ إبْراهِيمُ فَقالَ: بَكَيْتُمْ في وجْهِ ضَيْفِي حَتّى ذَهَبَ. فَقالَ إسْحاقُ: لا تَلُمْنِي يا أبَتِ فَإنِّي رَأيْتُ مَلَكَ المَوْتِ مَعَكَ، ولا أرى أجَلَكَ إلّا قَدْ حَضَرَ، فَأرِثْ في أهْلِكَ -أيْ أوْصِهِ- وكانَ لِإبْراهِيمَ بَيْتٌ يَتَعَبَّدُ فِيهِ، فَإذا خَرَجَ أغْلَقَهُ لا يَدْخُلُهُ غَيْرُهُ، فَجاءَ إبْراهِيمُ فَفَتَحَ بَيْتَهُ الَّذِي يَتَعَبَّدُ فِيهِ، فَإذا هو بِرَجُلٍ جالِسٍ، فَقالَ إبْراهِيمُ: مَن أدْخَلَكَ؟ بِإذْنِ مَن دَخَلْتَ؟ قالَ: بِإذْنِ رَبِّ البَيْتِ. قالَ: رَبُّ البَيْتِ أحَقُّ بِهِ. ثُمَّ تَنَحّى في ناحِيَةِ البَيْتِ فَصَلّى ودَعا كَما كانَ يَصْنَعُ، وصَعِدَ مَلَكُ المَوْتِ فَقِيلَ لَهُ: ما رَأيْتَ؟ قالَ: يا رَبِّ جِئْتُكَ مِن عِنْدِ عَبْدٍ لَيْسَ في الأرْضِ بَعْدَهُ خَيْرٌ، قِيلَ لَهُ: ما رَأيْتَ مِنهُ؟ قالَ: ما تَرَكَ خَلْقًا مِن خَلْقِكَ إلّا قَدْ دَعا لَهُ بِخَيْرٍ في دِينِهِ وفي مَعِيشَتِهِ. ثُمَّ مَكَثَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ ما شاءَ اللَّهُ، ثُمَّ جاءَ فَفَتَحَ بابَهُ فَإذا هو بِرَجُلٍ جالِسٍ قالَ لَهُ: مَن أنْتَ؟ قالَ: أنا مَلَكُ المَوْتِ، قالَ إبْراهِيمُ: إنْ كُنْتَ صادِقًا فَأرِنِي آيَةً أعْرِفُ أنَّكَ مَلَكُ المَوْتِ. قالَ: أعْرِضْ بِوَجْهِكَ يا إبْراهِيمُ. (p-٦١٢)قالَ: ثُمَّ أقْبَلَ فَأراهُ الصُّورَةَ الَّتِي يَقْبِضُ فِيها المُؤْمِنِينَ فَرَأى شَيْئًا مِنَ النُّورِ والبَهاءِ لا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ، ثُمَّ قالَ: أعْرِضْ بِوَجْهِكَ، ثُمَّ قالَ: انْظُرْ. فَأراهُ الصُّورَةَ الَّتِي يَقْبِضُ فِيها الكُفّارَ والفُجّارَ، فَرَعَبَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ رُعْبًا، حَتّى ألْصَقَ بَطْنَهُ بِالأرْضِ، وكادَتْ نَفْسُ إبْراهِيمَ تَخْرُجُ، فَقالَ: أعْرِفُ، فانْظُرِ الَّذِي أُمِرْتَ بِهِ فامْضِ لَهُ، فَصَعِدَ مَلَكُ المَوْتِ فَقِيلَ لَهُ: تَلْطُفْ بِإبْراهِيمَ. فَأتاهُ وهو في عِنَبٍ لَهُ وهو في صُورَةِ شَيْخٍ كَبِيرٍ لَمْ يَبْقَ مِنهُ شَيْءٌ، فَلَمّا رَآهُ إبْراهِيمُ رَحِمَهُ، فَأخَذَ مِكْتَلًا ثُمَّ دَخَلَ عِنَبَهُ، فَقَطَفَ مِنَ العِنَبِ في مِكْتَلِهِ، ثُمَّ جاءَ فَوَضَعَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَقالَ: كُلْ، فَجَعَلَ يَضَعُ، ويُرِيهِ أنْ يَأْكُلَ ويَمُجُّهُ عَلى لِحْيَتِهِ وعَلى صَدْرِهِ، فَعَجِبَ إبْراهِيمُ فَقالَ: ما أبْقَتِ السِّنُّ مِنكَ شَيْئًا، كَمْ أتى لَكَ؟ فَحَسَبَ مُدَّةَ إبْراهِيمَ، فَقالَ: أتى لِي كَذا وكَذا، فَقالَ إبْراهِيمُ: قَدْ أتى لِي هَذا، إنَّما أنْتَظِرُ أنْ أكُونَ مَثَلَكَ، اللَّهُمَّ اقْبِضْنِي إلَيْكَ. فَطابَتْ نَفْسُ إبْراهِيمَ عَلى نَفْسِهِ، وقَبَضَ مَلَكُ المَوْتِ نَفْسَهُ تِلْكَ الحالَ. (p-٦١٣)وأخْرَجَ الحاكِمُ عَنِ الواقِدِيِّ قالَ: وُلِدَ إبْراهِيمُ عَلى رَأْسِ ألْفَيْ سَنَةٍ مِن خَلْقِ آدَمَ. وأخْرَجَ الدَّيْلَمِيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «وُلِدَ إبْراهِيمُ الخَلِيلُ في أوَّلِ يَوْمٍ مِن ذِي الحِجَّةِ» . وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: وُلِدَ إبْراهِيمُ بِغُوطَةِ دِمَشْقَ في قَرْيَةٍ يُقالُ لَها: بَرْزَةُ. مِن جَبَلٍ يُقالُ لَهُ: قاسِيُونُ. وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في ”شُعَبِ الإيمانِ“ عَنْ أبِي السَّكَنِ الهَجَرِيِّ قالَ: ماتَ خَلِيلُ اللَّهِ فَجْأةً، وماتَ داوُدُ فَجْأةً، وماتَ سُلَيْمانُ بْنُ داوُدَ فَجْأةً، والصّالِحُونَ، وهو تَخْفِيفٌ عَلى المُؤْمِنِ، وتَشْدِيدٌ عَلى الكافِرِ. وأخْرَجَ عَنْ. . . . . . . . أنَّ مَلَكَ المَوْتِ جاءَ إلى إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ لِيَقْبِضِ رُوحِهِ فَقالَ إبْراهِيمُ: يا مَلَكَ المَوْتِ، هَلْ رَأيْتَ خَلِيلًا يَقْبِضُ رُوحَ (p-٦١٤)خَلِيلِهِ؟ فَعَرَجَ مَلَكُ المَوْتِ إلى رَبِّهِ، فَقالَ: قُلْ لَهُ: هَلْ رَأيْتَ خَلِيلًا يَكْرَهُ لِقاءَ خَلِيلِهِ؟ فَرَجَعَ فَقالَ: فاقْبِضْ رُوحِي السّاعَةَ. وأخْرَجَ أبُو نُعَيْمٍ في “ الحِلْيَةِ “ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: كانَ اللَّهُ يَبْعَثُ مَلَكَ المَوْتِ إلى الأنْبِياءِ عِيانًا، فَبَعَثَهُ إلى إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ لِيَقْبِضَهُ، فَدَخَلَ دارَ إبْراهِيمَ في صُورَةِ رَجُلٍ شابٍّ جَمِيلٍ، وكانَ إبْراهِيمُ غَيُورًا فَلَمّا دَخَلَ عَلَيْهِ حَمَلَتْهُ الغَيْرَةُ عَلى أنْ قالَ لَهُ: يا عَبْدَ اللَّهِ ما أدْخَلَكَ دارِي؟ قالَ: أدْخَلَنِيها رَبُّها، فَعَرَفَ إبْراهِيمُ أنَّ هَذا الأمْرَ حَدَثٌ. قالَ يا إبْراهِيمُ: إنِّي أمَرْتُ بِقَبْضِ رُوحِكَ، قالَ: أمْهِلْنِي يا مَلَكَ المَوْتِ حَتّى يَدْخُلَ إسْحاقُ فَأمْهَلَهُ فَلَمّا دَخَلَ إسْحاقُ قامَ إلَيْهِ فاعْتَنَقَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما صاحَبَهُ، فَرَقَّ لَهُما مَلَكُ المَوْتِ فَرَجَعَ إلى رَبِّهِ، فَقالَ: يا رَبِّ رَأيْتُ خَلِيلَكَ جَزِعٌ مِنَ المَوْتِ، قالَ: يا مَلَكَ المَوْتِ فائْتِ خَلِيلِي في مَنامِهِ فاقْبِضْهُ فَأتاهُ في مَنامِهِ فَقَبَضَهُ. وأخْرَجَ أحْمَدُ في “ الزُّهْدِ “ والمَرْوَزِيُّ في ”الجَنائِزِ“ عَنْ أبِي مُلَيْكَةَ أنَّ إبْراهِيمَ لَمّا لَقِيَ رَبَّهُ قِيلَ لَهُ: كَيْفَ وجَدْتَ المَوْتَ؟ قالَ: وجَدْتُ نَفْسِي (p-٦١٥)كَأنَّما تُنْزَعُ بِالسُّلّاءِ، قِيلَ لَهُ: قَدْ يِسِّرَ عَلَيْكَ المَوْتُ. وأخْرَجَ أحْمَدُ، وابْنُ أبِي الدُّنْيا في العَزاءِ، وابْنُ أبِي داوُدَ في “ البَعْثِ “، وابْنُ حِبّانَ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ في “ البَعْثِ “ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أوْلادَ المُؤْمِنِينَ في جَبَلٍ في الجَنَّةِ، يَكْفُلُهم إبْراهِيمُ وسارَةُ عَلَيْهِما السَّلامُ، حَتّى يَرُدَّهم إلى آبائِهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ» . وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ عَنْ مَكْحُولٍ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «إنَّ ذَرارِيَّ المُؤْمِنِينَ في عَصافِيرَ خُضْرٍ في شَجَرٍ في الجَنَّةِ يَكْفُلُهم أبُوهم إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ» . * * قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ إنِّي جاعِلُكَ لِلنّاسِ إمامًا﴾ الآيَةَ. أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿قالَ إنِّي جاعِلُكَ لِلنّاسِ إمامًا﴾ يُقْتَدى بِدِينِكَ وهَدْيِكَ وسُنَّتِكَ ﴿قالَ ومِن ذُرِّيَّتِي﴾ إمامًا لِغَيْرِ ذُرِّيَّتِي، (p-٦١٦)﴿قالَ لا يَنالُ عَهْدِي الظّالِمِينَ﴾ أنْ يُقْتَدى بِدِينِهِمْ وهَدْيِهِمْ وسُنَّتِهِمُ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ قالَ: هَذا عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ القِيامَةِ، لا يَنالُ عَهْدُهُ ظالِمًا، فَأمّا في الدُّنْيا فَقَدْ نالُوا عَهْدَهُ فَوارَثُوا بِهِ المُسْلِمِينَ وغازُوهم وناكَحُوهُمْ، فَلَمّا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ قَصَرَ اللَّهُ عَهْدَهُ وكَرامَتَهُ عَلى أوْلِيائِهِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الرَّبِيعِ في قَوْلِهِ: ﴿إنِّي جاعِلُكَ لِلنّاسِ إمامًا﴾ يُؤْتَمُّ بِهِ ويُقْتَدى بِهِ. قالَ إبْراهِيمُ ﴿ومِن ذُرِّيَّتِي﴾ فاجْعَلْ مَن يُؤْتَمَّ بِهِ ويُقْتَدى بِهِ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ اللَّهُ لِإبْراهِيمَ ﴿إنِّي جاعِلُكَ لِلنّاسِ إمامًا قالَ ومِن ذُرِّيَّتِي﴾ فَأبى أنْ يَفْعَلَ، ثُمَّ قالَ ﴿لا يَنالُ عَهْدِي الظّالِمِينَ﴾ . وأخْرَجَ وكِيعٌ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿لا يَنالُ عَهْدِي الظّالِمِينَ﴾ قالَ: لا أجْعَلُ إمامًا ظالِمًا يُقْتَدى بِهِ. (p-٦١٧)وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿لا يَنالُ عَهْدِي الظّالِمِينَ﴾ قالَ: لا أجْعَلُ إمامًا ظالِمًا يُقْتَدى بِهِ. وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في الآيَةِ قالَ: يُخْبِرُهُ أنَّهُ كائِنٌ في ذُرِّيَّتِهِ ظالِمٌ لا يَنالُ عَهْدَهُ ولا يَنْبَغِي لَهُ أنْ يُوَلِّيَهُ شَيْئًا مِن أمْرِهِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿لا يَنالُ عَهْدِي الظّالِمِينَ﴾ قالَ: لَيْسَ لِظالِمٍ عَلَيْكَ عَهْدٌ في مَعْصِيَةِ اللَّهِ أنْ تُطِيعَهُ. وأخْرَجَ وكِيعٌ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ «عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ في قَوْلِهِ: ﴿لا يَنالُ عَهْدِي الظّالِمِينَ﴾ قالَ: لا طاعَةَ إلّا في المَعْرُوفِ» . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ عِمْرانَ بْنِ حُصَيْنِ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «لا طاعَةَ لِمَخْلُوقٍ في مَعْصِيَةِ اللَّهِ» . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ إبْراهِيمَ قالَ: لا طاعَةَ مُفْتَرَضَةً إلّا لِنَبِيٍّ.

البقرة 2:125

(p-٦١٨)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذْ جَعَلْنا البَيْتَ مَثابَةً لِلنّاسِ وأمْنًا﴾ . أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ في قَوْلِهِ: ﴿وإذْ جَعَلْنا البَيْتَ﴾ قالَ: الكَعْبَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿مَثابَةً لِلنّاسِ وأمْنًا﴾ قالَ: يَثُوبُونَ إلَيْهِ ثُمَّ يَرْجِعُونَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿مَثابَةً لِلنّاسِ﴾ قالَ: لا يَقْضُونَ مِنهُ وطَرًا، يَأْتُونَهُ ثُمَّ يَرْجِعُونَ إلى أهْلِيهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ إلَيْهِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عَطاءٍ في قَوْلِهِ ﴿وإذْ جَعَلْنا البَيْتَ مَثابَةً لِلنّاسِ وأمْنًا﴾ قالَ: يَثُوبُونَ إلَيْهِ مِن كُلِّ مَكانٍ. وأخْرَجَ سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ وعَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، والبَيْهَقِيُّ في ”شُعَبِ الإيمانِ“ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿مَثابَةً لِلنّاسِ﴾ قالَ: يَثُوبُونَ إلَيْهِ، لا يَقْضُونَ مِنهُ وطَرًا أبَدًا، يَحُجُّونَ ثُمَّ يَعُودُونَ ﴿وأمْنًا﴾ قالَ: تَحْرِيمُهُ لا يَخافُ مَن دَخَلَهُ. (p-٦١٩)وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وأمْنًا﴾ قالَ: أمْنًا لِلنّاسِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أبِي العالِيَةِ في قَوْلِهِ: ﴿وأمْنًا﴾ قالَ: أمْنًا مِنَ العَدُوِّ أنْ يَحْمِلَ فِيهِ السِّلاحَ، وقَدْ كانُوا في الجاهِلِيَّةِ يُتَخَطَّفُ النّاسُ مِن حَوْلِهِمْ وهم آمِنُونَ. * * قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واتَّخِذُوا مِن مَقامِ إبْراهِيمَ مُصَلًّى﴾ . أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ أبِي إسْحاقَ أنَّ أصْحابَ عَبْدِ اللَّهِ كانُوا يَقْرَءُونَ: ﴿واتَّخِذُوا مِن مَقامِ إبْراهِيمَ مُصَلًّى﴾ قالَ: أمَرَهم أنْ يَتَّخِذُوا. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ أبِي سُلَيْمانَ قالَ: سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ قَرَأها ﴿واتَّخِذُوا مِن مَقامِ إبْراهِيمَ مُصَلًّى﴾ بِخَفْضِ الخاءِ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وأحْمَدُ والعَدَنِيُّ والدّارِمِيُّ، والبُخارِيُّ، والتِّرْمِذِيُّ والنَّسائِيُّ، وابْنُ ماجَهْ، وابْنُ أبِي داوُدَ في ”المَصاحِفِ“، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ في “ الحِلْيَةِ “ والطَّحاوِيُّ، وابْنُ حِبّانَ والدّارَقُطْنِيُّ في ”الأفْرادِ“، والبَيْهَقِيُّ في ”سُنَنِهِ“ عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ قالَ: (p-٦٢٠)«قالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ: وافَقْتُ رَبِّي في ثَلاثٍ أوْ وافَقَنِي رَبِّي في ثَلاثٍ، قالَ: قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ لَوِ اتَّخَذْتَ مِن مَقامِ إبْراهِيمَ مُصَلًّى فَنَزَلَتْ ﴿واتَّخِذُوا مِن مَقامِ إبْراهِيمَ مُصَلًّى﴾ وقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ نِساءَكَ يَدْخُلُ عَلَيْهِنَّ البَرُّ والفاجِرُ، فَلَوْ أمَرْتَهُنَّ أنْ يَحْتَجِبْنَ؟ فَنَزَلَتْ آيَةُ الحِجابِ، واجْتَمَعَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ نِساؤُهُ في الغَيْرَةِ فَقُلْتُ لَهُنَّ ﴿عَسى رَبُّهُ إنْ طَلَّقَكُنَّ أنْ يُبْدِلَهُ أزْواجًا خَيْرًا مِنكُنَّ﴾ [التحريم: ٥] [ التَّحْرِيمِ: ٥ ] فَنَزَلَتْ كَذَلِكَ» . وأخْرَجَ مُسْلِمٌ، وابْنُ أبِي داوُدَ في ”المَصاحِفِ“، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: قالَ عُمَرُ: وافَقْتُ رَبِّي في ثَلاثٍ؛ في الحِجابِ وفي أُسارى بَدْرٍ، وفي مَقامِ إبْراهِيمَ. وأخْرَجَ مُسْلِمٌ، وابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو نُعَيْمٍ في “ الحِلْيَةِ “، والبَيْهَقِيُّ في ”سُنَنِهِ“، عَنْ جابِرٍ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَمَلَ ثَلاثَةَ أشْواطٍ، ومَشى أرْبَعًا، حَتّى إذا فَرَغَ عَمَدَ إلى مَقامِ إبْراهِيمَ، فَصَلّى خَلْفَهُ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ قَرَأ ﴿واتَّخِذُوا مِن مَقامِ إبْراهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة»: ١٢٥] . (p-٦٢١)وأخْرَجَ ابْنُ ماجَهْ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنْ جابِرٍ قالَ: «لَمّا وقَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ عِنْدَ مَقامِ إبْراهِيمَ، قالَ لَهُ عُمَرُ: يا رَسُولَ اللَّهِ هَذا مَقامُ إبْراهِيمَ الَّذِي قالَ اللَّهُ ﴿واتَّخِذُوا مِن مَقامِ إبْراهِيمَ مُصَلًّى﴾ قالَ: نَعَمْ» . وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، والخَطِيبُ في ”تارِيخِهِ“ عَنِ ابْنِ عُمَرَ «أنَّ عُمَرَ قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ لَوِ اتَّخَذْنا مِن مَقامِ إبْراهِيمَ مُصَلًّى فَنَزَلَتْ ﴿واتَّخِذُوا مِن مَقامِ إبْراهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة»: ١٢٥] . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والتِّرْمِذِيُّ عَنْ أنَسٍ «أنَّ عُمَرَ قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ لَوْ صَلَّيْنا خَلْفَ المَقامِ؟ فَنَزَلَتْ ﴿واتَّخِذُوا مِن مَقامِ إبْراهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة»: ١٢٥] . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي داوُدَ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: «كانَ المَقامُ إلى لَزَقِ البَيْتِ فَقالَ (p-٦٢٢)عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ: يا رَسُولَ اللَّهِ لَوْ نَحَّيْتَهُ إلى البَيْتِ لِيُصَلِّيَ إلَيْهِ النّاسُ؟ فَفَعَلَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿واتَّخِذُوا مِن مَقامِ إبْراهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة»: ١٢٥] . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي داوُدَ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: «قالَ عُمَرُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، لَوْ صَلَّيْنا خَلْفَ المَقامِ؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿واتَّخِذُوا مِن مَقامِ إبْراهِيمَ مُصَلًّى﴾ فَكانَ المَقامُ عِنْدَ البَيْتِ، فَحَوَّلَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى مَوْضِعِهِ هَذا، قالَ مُجاهِدٌ: وقَدْ كانَ عُمَرُ يَرى الرَّأْيَ فَيَنْزِلُ بِهِ القُرْآنُ» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ مِن طَرِيقِ عُمَرَ بْنِ مَيْمُونٍ، «عَنْ عُمَرَ أنَّهُ مَرَّ بِمَقامِ إبْراهِيمَ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، ألَيْسَ نَقُومُ مَقامَ إبْراهِيمَ خَلِيلِ رَبِّنا؟ قالَ: بَلى، قالَ: أفَلا نَتَّخِذُهُ مُصَلًّى؟ فَلَمْ يَلْبَثْ إلّا يَسِيرًا حَتّى نَزَلَتْ ﴿واتَّخِذُوا مِن مَقامِ إبْراهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة»: ١٢٥] . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ في ”مُسْنَدِهِ“ والدّارَقُطْنِيُّ في ”الأفْرادِ“ عَنْ أبِي مَيْسَرَةَ قالَ: «قالَ عُمَرُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، هَذا مَقامُ خَلِيلِ رَبِّنا، أفَلا نَتَّخِذُهُ مُصَلًّى؟ فَنَزَلَتْ: ﴿واتَّخِذُوا مِن مَقامِ إبْراهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة»: ١٢٥] . (p-٦٢٣)وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: أمّا مَقامُ إبْراهِيمَ الَّذِي ذَكَرَ هَهُنا فَمَقامُ إبْراهِيمَ هَذا الَّذِي في المَسْجِدِ، ومَقامُ إبْراهِيمَ بَعْدُ كَثِيرٌ، مَقامُ إبْراهِيمَ الحَجُّ كُلُّهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: مَقامُ إبْراهِيمَ الحَرَمُ كُلُّهُ. وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: أُلْقِيَ المَقامُ مِنَ السَّماءِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، والأزْرَقِيُّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: إنَّ المَقامَ ياقُوتَةٌ مِن ياقُوتِ الجَنَّةِ، مُحِيَ نُورُهُ، ولَوْلا ذَلِكَ لَأضاءَ ما بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ، والرُّكْنُ مِثْلُ ذَلِكَ. وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ، وابْنُ حِبّانَ، والحاكِمُ، والبَيْهَقِيُّ في “ الدَّلائِلِ “ عَنِ ابْنِ عَمْرٍو قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «الرُّكْنَ والمَقامُ ياقُوتَتانِ مِن يَواقِيتِ (p-٦٢٤)الجَنَّةِ، طَمَسَ اللَّهُ نُورَهُما، ولَوْلا ذَلِكَ لَأضاءَتا ما بَيْنَ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ» . وأخْرَجَ الحاكِمُ عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «الرُّكْنُ والمَقامُ ياقُوتَتانِ مِن يَواقِيتِ الجَنَّةِ» . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: الحِجْرُ مَقامً إبْراهِيمَ، لَيَّنَهُ اللَّهُ لَهُ فَجَعَلَهُ رَحْمَةً، وكانَ يَقُومُ عَلَيْهِ ويُناوِلُهُ إسْماعِيلُ الحِجارَةَ. وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في ”شُعَبِ الإيمانِ“ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إنَّ الرُّكْنَ والمَقامَ مِن ياقُوتِ الجَنَّةِ، ولَوْلا ما مَسَّهُما مِن خَطايا بَنِي آدَمَ لَأضاءا ما بَيْنَ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ، وما مَسَّهُما مِن ذِي عاهَةٍ ولا سَقِيمٍ إلّا شُفِيَ» . (p-٦٢٥)وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَفَعَهُ: «لَوْلا ما مَسَّهُ مِن أنْجاسِ الجاهِلِيَّةِ ما مَسَّهُ ذُو عاهَةٍ إلّا شُفِيَ، وما عَلى وجْهِ الأرْضِ شَيْءٌ مِنَ الجَنَّةِ غَيْرُهُ» . وأخْرَجَ الجَنَدِيُّ في ”فَضائِلِ مَكَّةَ“ عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ قالَ: الرُّكْنُ والمَقامُ حَجَرانِ مِن حِجارَةِ الجَنَّةِ. وأخْرَجَ الأزْرَقِيُّ في ”تارِيخِ مَكَّةَ“، والجَنَدِيُّ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: يَأْتِي الحَجَرُ والمَقامُ يَوْمَ القِيامَةِ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما مِثْلُ أُحُدٍ، لَهُما عَيْنانِ وشَفَتانِ يُنادِيانِ بِأعْلى أصْواتِهِما يَشْهَدانِ لِمَن وافاهُما بِالوَفاءِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ، أنَّهُ رَأى قَوْمًا يَمْسَحُونَ المَقامَ فَقالَ: لَمْ تُؤْمَرُوا بِهَذا إنَّما أُمِرْتُمْ بِالصَّلاةِ عِنْدَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والأزْرَقِيُّ عَنْ قَتادَةَ ﴿واتَّخِذُوا مِن مَقامِ إبْراهِيمَ مُصَلًّى﴾ قالَ: إنَّما أُمِرُوا أنَّ يُصَلُّوا عِنْدَهُ، ولَمْ يُؤْمَرُوا بِمَسْحِهِ، ولَقَدْ تَكَلَّفَتْ هَذِهِ الأُمَّةُ شَيْئًا ما تَكَلَّفَتْهُ الأُمَمُ (p-٦٢٦)قَبْلَها، وقَدْ ذَكَرَ لَنا بَعْضُ مَن رَأى أثَرَ عَقِبِهِ وأصابِعِهِ فَما زالَتْ هَذِهِ الأُمَّةُ تَمْسَحُهُ حَتّى اخْلَوْلَقَ وانْماحَ. وأخْرَجَ الأزْرَقِيُّ عَنْ نَوْفَلِ بْنِ مُعاوِيَةَ الدِّيلِيِّ قالَ: رَأيْتُ المَقامَ في عَهْدِ عَبْدَ المُطَّلِبِ مِثْلَ المَهاةِ، قالَ أبُو مُحَمَّدٍ الخُزاعِيُّ: المَهاةُ خَرَزَةٌ بَيْضاءُ. وأخْرَجَ الأزْرَقِيُّ «عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قالَ: سَألْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَلامٍ عَنِ الأثَرِ الَّذِي في المَقامِ فَقالَ: كانَتِ الحِجارَةُ عَلى ما هي عَلَيْهِ اليَوْمُ، إلّا أنَّ اللَّهَ أرادَ أنْ يَجْعَلَ المَقامَ آيَةً مِن آياتِهِ، فَلَمّا أمَرَ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ أنْ يُؤْذِّنَ في النّاسِ بِالحَجِّ قامَ عَلى المَقامِ، وارْتَفَعَ المَقامُ حَتّى صارَ أطْوَلَ الجِبالِ، وأشْرَفَ عَلى ما تَحْتَهُ، فَقالَ: يا أيُّها النّاسُ أجِيبُوا رَبَّكم. فَأجابَهُ النّاسُ فَقالُوا: لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ. فَكانَ أثَرُهُ فِيهِ لِما أرادَ اللَّهُ، فَكانَ يَنْظُرُ عَنْ يَمِينِهِ وعَنْ شِمالِهِ: أجِيبُوا رَبَّكم. فَلَمّا فَرَغَ أمَرَ بِالمَقامِ فَوَضَعَهُ قَبْلَهُ، فَكانَ يُصَلِّي إلَيْهِ مُسْتَقْبِلَ البابِ، فَهو قِبْلَةٌ إلى ما شاءَ اللَّهُ، ثُمَّ كانَ إسْماعِيلُ بَعْدُ يُصَلِّي إلَيْهِ إلى بابِ الكَعْبَةِ، ثُمَّ كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَأُمِرَ أنْ يُصَلِّيَ إلى بَيْتِ المَقْدِسِ فَصَلّى إلَيْهِ قَبْلَ أنْ (p-٦٢٧)يُهاجِرَ وبَعْدَما هاجَرَ، ثُمَّ أحَبَّ اللَّهُ أنْ يَصْرِفَهُ إلى قِبْلَتِهِ الَّتِي رَضِيَ لِنَفْسِهِ ولِأنْبِيائِهِ، فَصَلّى إلى المِيزابِ وهو بِالمَدِينَةِ، ثُمَّ قَدِمَ مَكَّةَ فَكانَ يُصَلِّي إلى المَقامِ ما كانَ بِمَكَّةَ» . وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿واتَّخِذُوا مِن مَقامِ إبْراهِيمَ مُصَلًّى﴾ قالَ: مُدَّعًى. وأخْرَجَ الأزْرَقِيُّ عَنْ كَثِيرِ بْنِ أبِي كَثِيرِ بْنِ المُطَّلِبِ بْنِ أبِي وداعَةَ السَّهْمِيِّ عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قالَ: كانَتِ السُّيُولُ تَدْخُلُ المَسْجِدَ الحَرامَ مِن بابِ بَنِي شَيْبَةَ الكَبِيرِ قَبْلَ أنْ يَرْدِمَ عُمَرُ الرَّدْمَ الأعْلى، فَكانَتِ السُّيُولُ رُبَّما دَفَعَتِ المَقامَ عَنْ مَوْضِعِهِ، ورُبَّما نَحَّتْهُ إلى وجْهِ الكَعْبَةِ، حَتّى جاءَ سَيْلُ أُمِّ نَهْشَلٍ في خِلافَةِ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ، فاحْتَمَلَ المَقامَ مِن مَوْضِعِهِ هَذا فَذَهَبَ بِهِ حَتّى وُجِدَ بِأسْفَلِ مَكَّةَ، فَأُتِيَ بِهِ فَرُبِطَ إلى أسْتارِ الكَعْبَةِ، وكُتِبَ في ذَلِكَ إلى عُمَرَ، فَأقْبَلَ فَزِعًا في شَهْرِ رَمَضانَ، وقَدْ غَبى مَوْضِعُهُ وعَفاهُ السَّيْلُ، فَدَعا عُمَرُ بِالنّاسِ فَقالَ: أنْشُدُ اللَّهَ عَبْدًا عِنْدَهُ عِلْمٌ في هَذا المَقامِ، فَقالَ المُطَّلِبُ بْنُ أبِي وداعَةَ: أنا يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ (p-٦٢٨)عِنْدِي ذَلِكَ، قَدْ كُنْتُ أخْشى عَلَيْهِ هَذا فَأخَذْتُ قَدْرَهُ مِن مَوْضِعِهِ إلى الرُّكْنِ، ومِن مَوْضِعِهِ إلى بابِ الحِجْرِ، ومِن مَوْضِعِهِ إلى زَمْزَمَ بِمِقاطٍ، وهو عِنْدِي في البَيْتِ، فَقالَ لَهُ عُمَرُ: فاجْلِسْ عِنْدِي وأرْسِلْ إلَيْهِ. فَجَلَسَ عِنْدَهُ وأرْسَلَ فَأُتِيَ بِها فَمَدَّها فَوَجَدَها مُسْتَوِيَةً إلى مَوْضِعِهِ هَذا، فَسَألَ النّاسَ وشاوَرَهُمْ، فَقالُوا: نَعَمْ، هَذا مَوْضِعُهُ، فَلَمّا اسْتَثْبَتَ ذَلِكَ عُمَرُ وحَقَّ عِنْدَهُ أمَرَ بِهِ، فَأُعْلِمَ بِبِناءٍ رَبَّضَهُ تَحْتَ المَقامِ، ثُمَّ حَوَّلَهُ، فَهو في مَكانِهِ هَذا إلى اليَوْمِ. وأخْرَجَ الأزْرَقِيُّ مِن طَرِيقِ سُفْيانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أبِي الأشْرَسِ قالَ: كانَ سَيْلُ أُمِّ نَهْشَلٍ قَبْلَ أنْ يَعْمَلَ عُمَرُ الرَّدْمَ بِأعْلى مَكَّةَ، فاحْتَمَلَ المَقامَ مِن مَكانِهِ، فَلَمْ يُدْرَ أيْنَ مَوْضِعُهُ، فَلَمّا قَدِمَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ سَألَ: مَن يَعْلَمُ مَوْضِعَهُ، فَقالَ عَبْدُ المُطَّلِبِ بْنُ أبِي وداعَةَ: أنا يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ، قَدْ كُنْتُ قَدَّرْتُهُ وذَرَعْتُهُ بِمِقاطٍ وتَخَوَّفْتُ عَلَيْهِ هَذا، مِنَ الحَجَرِ إلَيْهِ، ومِنَ الرُّكْنِ إلَيْهِ، ومِن وجْهِ الكَعْبَةِ، فَقالَ: ائْتِ بِهِ، فَجاءَ بِهِ فَوَضَعَهُ في مَوْضِعِهِ هَذا وعَمِلَ عُمَرُ الرَّدْمَ. (p-٦٢٩)عِنْدَ ذَلِكَ قالَ سُفْيانُ: فَذَلِكَ الَّذِي حَدَّثَنا هِشامُ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ أبِيهِ أنَّ المَقامَ كانَ عِنْدَ سُقْعِ البَيْتِ، فَأمّا مَوْضِعُهُ الَّذِي هو مَوْضِعُهُ فَمَوْضِعُهُ الآنَ، وأمّا ما يَقُولُ النّاسُ: إنَّهُ كانَ هُنالِكَ مَوْضِعُهُ، فَلا. وأخْرَجَ الأزْرَقِيُّ عَنِ ابْنِ أبِي مُلَيْكَةَ قالَ: مَوْضِعُ المَقامِ هو هَذا الَّذِي بِهِ اليَوْمَ، هو مَوْضِعُهُ في الجاهِلِيَّةِ، وفي عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ وأبِي بَكْرٍ وعُمَرَ، إلّا أنَّ السَّيْلَ ذَهَبَ بِهِ في خِلافَةِ عُمَرَ، فَجُعِلَ في وجْهِ الكَعْبَةِ، حَتّى قَدِمَ عُمَرُ فَرَدَّهُ بِمَحْضَرِ النّاسِ. وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في ”سُنَنِهِ“ عَنْ عائِشَةَ، «أنَّ المَقامَ كانَ في زَمَنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ زَمانِ أبِي بَكْرٍ مُلْتَصِقًا بِالبَيْتِ، ثُمَّ أخَّرَهُ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ» . وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ عَنْ مُجاهِدٍ، قالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ: مَن لَهُ عِلْمٌ بِمَوْضِعِ المَقامِ حَيْثُ كانَ؟ فَقالَ أبُو وداعَةَ بْنُ ضُبَيْرَةَ السَّهْمِيُّ: عِنْدِي يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ، قَدَّرْتُهُ إلى البابِ وقَدَّرْتُهُ إلى رُكْنِ الحِجْرِ وقَدَّرْتُهُ إلى الرُّكْنِ الأسْوَدِ، (p-٦٣٠)وقَدَّرْتُهُ إلى زَمْزَمَ فَقالَ عُمَرُ: هاتِهِ، فَأخَذَهُ عُمَرُ فَرَدَّهُ إلى مَوْضِعِهِ اليَوْمَ لِلْمِقْدارِ الَّذِي جاءَ بِهِ أبُو وداعَةَ. وأخْرَجَ الجَنَدِيُّ، وابْنُ النَّجّارِ، عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَن طافَ بِالبَيْتِ سَبْعًا وصَلّى خَلْفَ المَقامِ رَكْعَتَيْنِ وشَرِبَ مِن ماءِ زَمْزَمَ غَفَرَ اللَّهُ لَهُ ذُنُوبَهُ كُلَّها بالِغَةً ما بَلَغَتْ» . وأخْرَجَ الأزْرَقِيُّ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إذا خَرَجَ المَرْءُ يُرِيدُ الطَّوافَ بِالبَيْتِ أقْبَلَ يَخُوضُ الرَّحْمَةَ فَإذا دَخَلَتْهُ غَمَرَتْهُ، ثُمَّ لا يَرْفَعُ قَدَمًا ولا يَضَعُ قَدَمًا إلّا كَتَبَ اللَّهُ لَهُ بِكُلِّ قِدَمٍ خَمْسَمِائَةِ حَسَنَةٍ، وحَطِّ عَنْهُ خَمْسَمِائَةِ سَيِّئَةٍ ورُفِعَتْ لَهُ خَمْسُمِائَةِ دَرَجَةٍ، فَإذا فَرَغَ مِن طَوافِهِ فَأتى مَقامَ إبْراهِيمَ فَصَلّى رَكْعَتَيْنِ دَبْرَ المَقامِ خَرَجَ مِن ذُنُوبِهِ كَيَوْمٍ ولَدَتْهُ أُمُّهُ، وكُتِبَ لَهُ أجْرُ عِتْقِ عَشْرِ رِقابٍ مِن ولَدِ إسْماعِيلَ، واسْتَقْبَلَهُ مَلَكٌ عَلى الرُّكْنِ فَقالَ لَهُ: اسْتَأْنِفِ العَمَلَ فِيما بَقِيَ، فَقَدْ كُفِيتَ ما مَضى وشَفَعَ في سَبْعِينَ مِن أهْلِ بَيْتِهِ» . (p-٦٣١)وأخْرَجَ أبُو داوُدَ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمّا دَخَلَ مَكَّةَ طافَ بِالبَيْتِ، وصَلّى رَكْعَتَيْنِ خَلْفَ المَقامِ، يَعْنِي يَوْمَ الفَتْحِ» . وأخْرَجَ البُخارِيُّ وأبُو داوُدَ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ ماجَهْ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي أوْفى، «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ اعْتَمَرَ، فَطافَ بِالبَيْتِ وصَلّى خَلْفَ المَقامِ رَكْعَتَيْنِ» . وأخْرَجَ الأزْرَقِيُّ عَنْ طَلْقِ بْنِ حَبِيبٍ قالَ: كُنّا جُلُوسًا مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العاصِ في الحِجْرِ إذْ قَلَصَ الظِّلُّ وقامَتِ المَجالِسُ، إذْ نَحْنُ بِبَرِيقِ أيْمٍ طالِعٍ مِن هَذا البابِ - يَعْنِي بابَ بَنِي شَيْبَةَ، والأيْمُ الحَيَّةُ الذَّكَرُ - فاشْرَأبَّتْ لَهُ أعْيُنُ النّاسِ، فَطافَ بِالبَيْتِ سَبْعًا، وصَلّى رَكْعَتَيْنِ وراءَ المَقامِ، فَقُمْنا إلَيْهِ فَقُلْنا: أيُّها المُعْتَمِرُ، قَدْ قَضى اللَّهُ نُسُكَكَ، وإنَّ بِأرْضِنا عَبِيدًا وسُفَهاءَ وإنَّما نَخْشى عَلَيْكَ مِنهم. فَكَوَّمَ بِرَأْسِهِ كَوْمَةً بَطْحاءَ فَوَضَعَ ذَنَبَهُ عَلَيْها، فَسَما في السَّماءِ حَتّى ما نَراهُ. وأخْرَجَ الأزْرَقِيُّ عَنْ أبِي الطُّفَيْلِ قالَ: كانَتِ امْرَأةٌ مِنَ الجِنِّ في الجاهِلِيَّةِ تَسْكُنُ ذا طَوًى، وكانَ لَها ابْنٌ ولَمْ يَكُنْ لَها ولَدٌ غَيْرُهُ، فَكانَتْ تُحِبُّهُ حُبًّا (p-٦٣٢)شَدِيدًا، وكانَ شَرِيفًا في قَوْمِهِ فَتَزَوَّجَ وأتى زَوْجَتَهُ، فَلَمّا كانَ يَوْمُ سابِعِهِ قالَ لِأُمِّهِ: يا أُمَّهْ، إنِّي أُحِبُّ أنْ أطُوفَ بِالكَعْبَةِ سَبْعًا نَهارًا، قالَتْ لَهُ أُمُّهُ: أيْ بُنَيَّ، إنِّي أخافُ عَلَيْكَ سُفَهاءَ قُرَيْشٍ. فَقالَ: أرْجُو السَّلامَةَ. فَأذِنَتْ لَهُ فَوَلّى في صُورَةِ جانٍّ، فَمَضى نَحْوَ الطَّوافِ، فَطافَ بِالبَيْتِ سَبْعًا، وصَلّى خَلْفَ المَقامِ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ أقْبَلَ مُنْقَلِبًا، فَعَرَضَ لَهُ شابٌّ مِن بَنِي سَهْمٍ فَقَتَلَهُ فَثارَتْ بِمَكَّةَ غُبْرَةٌ حَتّى لَمْ تُبْصَرْ لَها الجِبالُ، قالَ أبُو الطُّفَيْلِ: وبَلَغَنا أنَّهُ إنَّما تَثُورُ تِلْكَ الغَبْرَةُ عِنْدَ مَوْتِ عَظِيمٍ مِنَ الجِنِّ، قالَ: فَأصْبَحَ مِن بَنِي سَهْمٍ عَلى فُرُشِهِمْ مَوْتى كَثِيرٌ مِن قَتْلِ الجِنِّ، فَكانَ فِيهِمْ سَبْعُونَ شَيْخًا أصْلَعَ سِوى الشَّبابِ. وأخْرَجَ الأزْرَقِيُّ عَنِ الحَسَنِ البَصَرِيِّ قالَ: ما أعْلَمُ بَلَدًا يُصَلّى فِيها حَيْثُ أمَرَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ نَبِيَّهُ ﷺ إلّا بِمَكَّةَ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿واتَّخِذُوا مِن مَقامِ إبْراهِيمَ مُصَلًّى﴾ قالَ: ويُقالُ: يُسْتَجابُ الدُّعاءُ بِمَكَّةَ في خَمْسَةَ عَشَرَ (p-٦٣٣)مَوْضِعًا عِنْدَ المُلْتَزَمِ، وتَحْتَ المِيزابِ، وعِنْدَ الرُّكْنِ اليَمانِيِّ وعَلى الصَّفا وعَلى المَرْوَةِ، وبَيْنَ الصَّفا والمَرْوَةِ، وبَيْنَ الرُّكْنِ والمَقامِ، وفي جَوْفِ الكَعْبَةِ، وبِمِنًى، وبِجَمْعٍ، وبِعَرَفاتٍ، وعِنْدَ الجَمَراتِ الثَّلاثِ. * * قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وعَهِدْنا إلى إبْراهِيمَ﴾ الآيَةَ. أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عَطاءٍ في قَوْلِهِ: ﴿وعَهِدْنا إلى إبْراهِيمَ﴾ قالَ: أمَرْناهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿أنْ طَهِّرا بَيْتِيَ لِلطّائِفِينَ﴾ قالَ: مِنَ الأوْثانِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ في قَوْلِهِ: ﴿أنْ طَهِّرا بَيْتِيَ﴾ قالا: مِنَ الأوْثانِ والرَّيْبِ وقَوْلِ الزُّورِ والرِّجْسِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿أنْ طَهِّرا بَيْتِيَ﴾ قالَ: مِن عِبادَةِ الأوْثانِ والشِّرْكِ وقَوْلِ الزُّورِ، وفي قَوْلِهِ: ﴿والرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ قالَ: هم أهْلُ الصَّلاةِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: إذا كانَ قائِمًا فَهو مِنَ الطّائِفِينَ (p-٦٣٤)وإذا كانَ جالِسًا فَهو مِنَ العاكِفِينَ، وإذا كانَ مُصَلِّيًا فَهو مِنَ الرُّكَّعِ السُّجُودِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ سُوَيْدِ بْنِ غَفَلَةَ قالَ: مَن قَعَدَ في المَسْجِدِ وهو طاهِرٌ فَهو عاكِفٌ حَتّى يَخْرُجَ مِنهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ ثابِتٍ قالَ: قُلْتُ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَيْرٍ: ما أُرانِي إلّا مُكَلِّمَ الأمِيرِ أنِ امْنَعِ الَّذِينَ يَنامُونَ في المَسْجِدِ الحَرامِ فَإنَّهم يُجْنِبُونَ ويُحْدِثُونَ، قالَ: لا تَفْعَلْ فَإنَّ ابْنَ عُمَرَ سُئِلَ عَنْهم فَقالَ: هُمُ العاكِفُونَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنْ أبِي بَكْرِ بْنُ أبِي مُوسى قالَ: سُئِلَ ابْنُ عَبّاسٍ عَنِ الطَّوافِ أفْضَلُ أمِ الصَّلاةُ؟ فَقالَ: أمّا أهْلُ مَكَّةَ فالصَّلاةُ وأمّا أهْلُ الأمْصارِ فالطَّوافُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: الطَّوافُ لِلْغُرَباءِ أحَبُّ إلَيَّ مِنَ الصَّلاةِ. (p-٦٣٥)وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: الصَّلاةُ لِأهْلِ مَكَّةَ أفْضَلُ والطَّوافُ لِأهْلِ العِراقِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنْ حَجّاجٍ قالَ: سَألْتُ عَطاءً قالَ: أمّا أنْتُمْ فالطَّوافُ، وأمّا أهْلُ مَكَّةَ فالصَّلاةُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: الطَّوافُ أفْضَلُ مِن عُمْرَةٍ بَعْدَ الحَجِّ، وفي لَفْظٍ: طَوافُكَ بِالبَيْتِ أحَبُّ إلَيَّ مِنَ الخُرُوجِ إلى العُمْرَةِ.

البقرة 2:126

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذْ قالَ إبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذا بَلَدًا آمِنًا﴾ . أخْرَجَ أحْمَدُ، ومُسْلِمٌ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إنَّ إبْراهِيمَ حَرَّمَ مَكَّةَ، وإنِّي حَرَّمْتُ المَدِينَةَ ما بَيْنَ لابَتَيْها، فَلا يُصادُ صَيْدُها، ولا يُقْطَعُ عِضاهُها» . وأخْرَجَ مُسْلِمٌ، وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ رافِعِ بْنِ خَدِيجٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (p-٦٣٦)«إنَّ إبْراهِيمَ حَرَّمَ مَكَّةَ وإنِّي أُحَرِّمُ ما بَيْنَ لابَتَيْها» . وأخْرَجَ أحْمَدُ عَنْ أبِي قَتادَةَ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تَوَضَّأ، ثُمَّ صَلّى بِأرْضِ سَعْدٍ بِأصْلِ الحَرَّةِ عِنْدَ بُيُوتِ السُّقْيا، ثُمَّ قالَ: اللَّهُمَّ إنَّ إبْراهِيمَ خَلِيلَكَ وعَبْدَكَ ونَبِيَّكَ دَعاكَ لِأهْلِ مَكَّةَ، وأنا مُحَمَّدٌ عَبْدُكَ ورَسُولُكَ أدْعُوكَ لِأهْلِ المَدِينَةِ مِثْلَ ما دَعاكَ إبْراهِيمُ لِمَكَّةَ، أدْعُوكَ أنْ تُبارِكَ لَهم في صاعِهِمْ ومُدِّهِمْ وثِمارِهِمُ، اللَّهُمَّ حَبِّبْ إلَيْنا المَدِينَةَ كَما حَبَّبْتَ إلَيْنا مَكَّةَ، واجْعَلْ ما بِها مِن وباءٍ بِخُمٍّ، اللَّهُمَّ إنِّي حَرَّمْتُ ما بَيْنَ لا بَتَيْها كَما حَرَّمْتَ عَلى لِسانِ إبْراهِيمَ الحَرَمَ» . وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ عَنْ أنَسٍ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أشْرَفَ عَلى المَدِينَةِ فَقالَ: اللَّهُمَّ إنِّي أُحَرِّمُ ما بَيْنَ جَبَلَيْها مِثْلَ ما حَرَّمَ بِهِ إبْراهِيمُ مَكَّةَ، اللَّهُمَّ بارِكْ لَهم في مُدِّهِمْ وصاعِهِمْ» . وأخْرَجَ مُسْلِمٌ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: اللَّهُمَّ إنَّ إبْراهِيمَ (p-٦٣٧)عَبْدُكَ وخَلِيلُكَ ونَبِيُّكَ، وإنِّي عَبْدُكَ ونَبِيُّكَ وأنَّهُ دَعاكَ لِمَكَّةَ وإنِّي أدْعُوكَ لِلْمَدِينَةِ بِمِثْلِ ما دَعاكَ بِهِ لِمَكَّةَ ومَثَلِهِ مَعَهُ» . وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ في ”الأوْسَطِ“ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «اللَّهُمَّ إنَّ إبْراهِيمَ عَبَدَكَ وخَلِيلَكَ دَعاكَ لِأهْلِ مَكَّةَ بِالبَرَكَةِ، وأنا مُحَمَّدٌ عَبْدُكَ ورَسُولُكَ، وإنِّي أدْعُوكَ لِأهْلِ المَدِينَةِ أنْ تُبارِكَ لَهم في صاعِهِمْ ومُدِّهِمْ مِثْلَ ما بارَكْتَ لِأهْلِ مَكَّةَ، واجْعَلْ مَعَ البَرَكَةِ بَرَكَتَيْنِ» . وأخْرَجَ أحْمَدُ، والبُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عاصِمٍ المازِنِيِّ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «إنَّ إبْراهِيمَ حَرَّمَ مَكَّةَ، ودَعا لَها، وحَرَّمْتُ المَدِينَةَ كَما حَرَّمَ إبْراهِيمُ مَكَّةَ، ودَعَوْتُ لَها في مُدِّها وصاعِها مِثْلَ ما دَعا إبْراهِيمُ لِمَكَّةَ» . وأخْرَجَ البُخارِيُّ، والجَنَدِيُّ في ”فَضائِلِ مَكَّةَ“ عَنْ عائِشَةَ، «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: اللَّهُمَّ إنَّ إبْراهِيمَ عَبْدَكَ ونَبِيَّكَ دَعاكَ لِأهْلِ مَكَّةَ، وأنا أدْعُوكَ لِأهْلِ المَدِينَةِ بِمِثْلِ ما دَعاكَ إبْراهِيمُ لِأهْلِ مَكَّةَ» . وأخْرَجَ أحْمَدُ، والبُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (p-٦٣٨)«اللَّهُمَّ اجْعَلْ بِالمَدِينَةِ ضِعْفَيْ ما بِمَكَّةَ مِنَ البَرَكَةِ» . وأخْرَجَ الأزْرَقِيُّ في ”تارِيخِ مَكَّةَ“ والجَنَدِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الأسْوَدِ، أنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ هو أوَّلُ مَن نَصَبَ أنْصابَ الحَرَمِ، أشارَ لَهُ جِبْرِيلُ إلى مَواضِعِها. وأخْرَجَ الجَنَدِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: إنَّ في السَّماءِ لَحَرَمًا عَلى قَدْرِ حَرَمِ مَكَّةَ. وأخْرَجَ الأزْرَقِيُّ، والطَّبَرانِيُّ، والبَيْهَقِيُّ في ”شُعَبِ الإيمانِ“ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «سِتَّةٌ لَعْنَتُهم وكُلُّ نَبِيٍّ مُجابٌ، الزّائِدُ في كِتابِ اللَّهِ، والمُكَذِّبُ بِقَدَرِ اللَّهِ، والمُتَسَلِّطُ بِالجَبَرُوتِ لِيُذِلَّ مَن أعَزَّ اللَّهُ ويُعِزَّ مَن أذَلَّ اللَّهُ، والتّارِكُ لِسُنَّتِي والمُسْتَحِلُّ مِن عِتْرَتِي ما حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ، والمُسْتَحِلُّ لِحَرَمِ اللَّهِ» . وأخْرَجَ البُخارِيُّ تَعْلِيقًا، وابْنُ ماجَهْ عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ شَيْبَةَ قالَتْ: «سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَخْطُبُ عامَ الفَتْحِ فَقالَ: يا أيُّها النّاسُ، إنَّ اللَّهَ تَعالى حَرَّمَ مَكَّةَ يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ، وهي حَرامٌ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، ولا يُعْضَدُ شَجَرُها ولا (p-٦٣٩)يُنَفَّرُ صَيْدُها، ولا يَأْخُذُ لُقْطَتَها إلّا مُنْشِدٌ. فَقالَ العَبّاسُ: إلّا الإذْخِرَ فَإنَّهُ لِلْبُيُوتِ والقُبُورِ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إلّا الإذْخِرَ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، والبُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وأبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ، والأزْرَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ: إنَّ هَذا البَلَدَ حَرَّمَهُ اللَّهُ يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ والشَّمْسَ والقَمَرَ، ووَضَعَ هَذَيْنِ الأخْشَبَيْنِ فَهو حَرامٌ بِحُرْمَةِ اللَّهِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، وإنَّهُ لَمْ يَحِلَّ القِتالُ فِيهِ لِأحَدٍ قَبْلِي، ولا يَحِلُّ لِأحَدٍ بَعْدِي، ولَمْ يَحِلَّ لِي إلّا ساعَةً مِن نَهارٍ، فَهو حَرامٌ بِحُرْمَةِ اللَّهِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ لا يُخْتَلى خَلاها، ولا يُعْضَدُ شَجَرُها، ولا يُنَفَّرُ صَيْدُها ولا يَلْتَقِطُ لُقْطَتَها إلّا مَن عَرَّفَها. فَقالَ العَبّاسُ: إلّا الإذْخِرَ، فَإنَّهُ لِقَيْنِهِمْ وبُيُوتِهِمْ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إلّا الإذْخِرَ» . وأخْرَجَ أحْمَدُ، والبُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وأبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ ماجَهْ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «لَمّا فَتَحَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مَكَّةَ قامَ فِيهِمْ، فَحَمِدَ اللَّهَ وأثْنى عَلَيْهِ ثُمَّ قالَ: إنَّ اللَّهَ حَبَسَ عَنْ مَكَّةَ الفِيلَ، وسَلَّطَ عَلَيْهِ رَسُولَهُ والمُؤْمِنِينَ، وإنَّما أُحِلَّتْ لِي ساعَةً مِنَ النَّهارِ، ثُمَّ هي حَرامٌ إلى يَوْمِ (p-٦٤٠)القِيامَةِ لا يُعْضَدُ شَجَرُها ولا يُنَفَّرُ صَيْدُها ولا تَحِلُّ لُقْطَتُها إلّا لِمُنْشِدٍ، ومَن قُتِلَ لَهُ قَتِيلٌ فَهو بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ؛ إمّا أنْ يَفْدِيَ وإمّا أنْ يَقْتُلَ. فَقامَ رَجُلٌ مِن أهْلِ اليَمَنِ يُقالُ لَهُ: أبُو شاهٍ. فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، اكْتُبُوا لِي. فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: اكْتُبُوا لِأبِي شاهٍ، فَقالَ العَبّاسُ: يا رَسُولَ اللَّهِ إلّا الإذْخِرَ فَإنَّهُ لِقُبُورِنا وبُيُوتِنا: فَقالَ: إلّا الإذْخِرَ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَكَّةُ حَرَمٌ حَرَّمَها اللَّهُ، لا يَحِلُّ بَيْعُ رِباعِها ولا إجارَةُ بُيُوتِها» . وأخْرَجَ الأزْرَقِيُّ في ”تارِيخِ مَكَّةَ“ عَنِ الزُّهْرِيِّ في قَوْلِهِ: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذا البَلَدَ آمِنًا﴾ [إبراهيم: ٣٥] قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إنَّ النّاسَ لَمْ يُحَرِّمُوا مَكَّةَ، ولَكِنَّ اللَّهَ حَرَّمَها فَهي حَرامٌ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، وإنَّ مِن أعْتى النّاسِ عَلى اللَّهِ رَجُلٌ قَتَلَ في الحَرَمِ، ورَجُلٌ قَتَلَ غَيْرَ قاتِلِهِ، ورَجُلٌ أخَذَ بِذُحُولِ الجاهِلِيَّةِ» . وأخْرَجَ الأزْرَقِيُّ عَنْ قَتادَةَ قالَ: ذُكِرَ لَنا أنَّ الحَرَمَ حُرِّمَ بِحِيالِهِ إلى العَرْشِ. وأخْرَجَ الأزْرَقِيُّ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: إنَّ هَذا الحَرَمَ حَرَمٌ مَناهُ مِنَ السَّماواتِ (p-٦٤١)السَّبْعِ والأرَضِينَ السَّبْعِ، وإنَّ هَذا رابِعُ أرْبَعَةَ عَشَرَ بَيْتًا، في كُلِّ سَماءٍ بَيْتٌ، وفي كُلِّ أرْضٍ بَيْتٌ، ولَوْ وقَعْنَ وقَعْنَ بَعْضُهُنَّ عَلى بَعْضٍ. وأخْرَجَ الأزْرَقِيُّ عَنِ الحَسَنِ قالَ: البَيْتُ بِحِذاءِ البَيْتِ المَعْمُورِ، وما بَيْنَهُما بِحِذائِهِ إلى السَّماءِ السّابِعَةِ، وما أسْفَلَ مِنهُ بِحِذائِهِ إلى الأرْضِ السّابِعَةِ- حَرامٌ كُلٌّهٌ. وأخْرَجَ الأزْرَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «البَيْتُ المَعْمُورُ الَّذِي في السَّماءِ يُقالُ لَهُ: الصُّراخُ. وهو عَلى بِناءِ الكَعْبَةِ، يَعْمُرُهُ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعُونَ ألْفَ مَلَكٍ لَمْ تَزُرْهُ قَطُّ، وأنَّ لِلسَّماءِ السّابِعَةِ لَحَرَمًا عَلى مَنا حَرَمِ مَكَّةَ» . وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، والأزْرَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «أوَّلُ مَن نَصَبَ أنْصابَ الحَرَمِ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ، يُرِيهِ ذَلِكَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَلَمّا كانَ يَوْمُ الفَتْحِ بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ تَمِيمَ بْنِ أسَدٍ الخُزاعِيَّ فَجَدَّدَ ما رَثَّ مِنها» . وأخْرَجَ الأزْرَقِيُّ عَنْ حُسَيْنِ بْنِ القاسِمِ قالَ: سَمِعْتُ بَعْضَ أهْلِ العِلْمِ يَقُولُ: إنَّهُ لَمّا خافَ آدَمُ عَلى نَفْسِهِ مِنَ الشَّيْطانِ اسْتَعاذَ بِاللَّهِ، فَأرْسَلَ اللَّهُ مَلائِكَةً حَفُّوا بِمَكَّةَ مِن كُلِّ جانِبٍ، ووَقَفُوا حَوالَيْها. قالَ: فَحَرَّمَ اللَّهُ الحَرَمَ مِن حَيْثُ (p-٦٤٢)كانَتِ المَلائِكَةُ وقَفَتْ. قالَ: ولَمّا قالَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ: رَبَّنا أرِنا مَناسِكَنا. نَزَلَ إلَيْهِ جِبْرِيلُ فَذَهَبَ بِهِ، فَأراهُ المَناسِكَ ووَقَفَهُ عَلى حُدُودِ الحَرَمِ، فَكانَ إبْراهِيمُ يَرْضِمُ الحِجارَةَ، ويَنْصِبُ الأعْلامَ، ويَحْثِي عَلَيْها التُّرابَ، فَكانَ جِبْرِيلُ يَقِفُهُ عَلى الحُدُودِ، قالَ: وسَمِعْتُ أنَّ غَنَمَ إسْماعِيلَ كانَتْ تَرْعى في الحَرَمِ ولا تُجاوِزُهُ ولا تَخْرُجُ مِنهُ، فَإذا بَلَغَتْ مُنْتَهاهُ مِن ناحِيَةٍ مِن نَواحِيهِ رَجَعَتْ صابَّةً في الحَرَمِ. وأخْرَجَ الأزْرَقِيُّ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ قالَ: «إنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ نَصَبَ أنْصابَ الحَرَمِ يُرِيهِ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ، ثُمَّ لَمْ تُحَرَّكْ حَتّى كانَ قُصَيٌّ فَجَدَّدَها، ثُمَّ لَمْ تُحَرَّكْ حَتّى كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَبَعَثَ عامَ الفَتْحِ تَمِيمَ بْنَ أسَدٍ الخُزاعِيَّ فَجَدَّدَها» . وأخْرَجَ البَزّارُ، والطَّبَرانِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الأسْوَدِ بْنِ خَلَفٍ عَنْ أبِيهِ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ أمَرَهُ أنْ يُجَدِّدَ أنْصابَ الحَرَمِ» . وأخْرَجَ الأزْرَقِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العاصِي أنَّهُ قالَ: أيُّها النّاسُ إنَّ هَذا البَيْتَ لاقٍ رَبَّهُ فَسائِلُهُ عَنْكُمْ، ألا فانْظُرُوا فِيما هو سائِلُكم عَنْهُ مِن أمْرِهِ، (p-٦٤٣)ألا واذْكُرُوا إذْ كانَ ساكِنُهُ لا يَسْفِكُونَ فِيهِ دِماءً ولا يَمْشُونَ فِيهِ بِالنَّمِيمَةِ. وأخْرَجَ البَزّارُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَرَّ بِنَفَرٍ مِن قُرَيْشٍ وهم جُلُوسٌ بِفَناءِ الكَعْبَةِ، فَقالَ: انْظُرُوا ما تَعْمَلُونَ فِيها؛ فَإنَّها مَسْؤُولَةٌ عَنْكم فَتُخْبِرُ عَنْ أعْمالِكُمْ، واذْكُرُوا أنَّ ساكِنَها مَن لا يَأْكُلُ الرِّبا، ولا يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ» . وأخْرَجَ الأزْرَقِيُّ عَنْ أبِي نَجِيحٍ قالَ: لَمْ تَكُنْ كِبارُ الحِيتانِ تَأْكُلُ صِغارَها في الحَرَمِ زَمَنَ الغَرَقِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا في ”ذَمِّ المَلاهِي“ عَنْ جُوَيْرِيَةَ بْنِ أسْماءَ عَنْ عَمِّهِ قالَ: حَجَجْتُ مَعَ قَوْمٍ فَنَزَلْنا مَنزِلًا ومَعَنا امْرَأةٌ، فَنامَتْ فانْتَبَهَتْ وحَيَّةٌ مُنْطَوِيَةٌ عَلَيْها، جَمَعَتْ رَأْسَها مَعَ ذَنْبِها بَيْنَ ثَدْيَيْها، فَهالَنا ذَلِكَ وارْتَحَلْنا، فَلَمْ (p-٦٤٤)تَزَلْ مُنْطَوِيَةً عَلَيْها لا تَضُرُّها شَيْئًا حَتّى دَخَلْنا أنْصابَ الحَرَمِ، فانْسابَتْ، فَدَخَلْنا مَكَّةَ فَقَضَيْنا نُسُكَنا وانْصَرَفْنا، حَتّى إذا كُنّا بِالمَكانِ الَّذِي تَطَوَّقَتْ عَلَيْها فِيهِ الحَيَّةُ، وهو المَنزِلُ الَّذِي نَزَلْنا فَنامَتْ، فاسْتَيْقَظَتْ والحَيَّةُ مُنْطَوِيَةٌ عَلَيْها ثُمَّ صَفَّرَتِ الحَيَّةُ، فَإذا بِالوادِي يَسِيلُ عَلَيْنا حَيّاتٍ فَنَهَشَتْها، حَتّى بَقِيَتْ عِظامًا، فَقُلْتُ لِجارِيَةٍ كانَتْ مَعَها: ويْحَكِ أخْبِرِينا عَنْ هَذِهِ المَرْأةِ. قالَ: بَغَتْ ثَلاثَ مَرّاتٍ، كُلُّ مَرَّةٍ تَلِدُ ولَدًا فَإذا وضَعَتْهُ سَجَرَتِ التَّنُّورَ ثُمَّ ألْقَتْهُ فِيهِ. وأخْرَجَ الأزْرَقِيُّ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: مَن أخْرَجَ مُسْلِمًا مُنْ ظِلِّهِ في حَرَمِ اللَّهِ مِن غَيْرِ ضَرُورَةٍ أخْرَجَهُ اللَّهُ مِن ظِلِّ عَرْشِهِ يَوْمَ القِيامَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ والأزْرَقِيُّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ قالَ: إنْ كانَتِ الأمَةُ مِن بَنِي إسْرائِيلَ لَتَقْدَمُ مَكَّةَ، فَإذا بَلَغَتْ ذا طُوًى خَلَعَتْ نِعالَها تَعْظِيمًا لِلْحَرَمِ. وأخْرَجَ أبُو نُعَيْمٍ في “ الحِلْيَةِ “ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: كانَ يَحُجُّ مِن بَنِي إسْرائِيلَ مِائَةُ ألْفٍ، فَإذا بَلَغُوا أنْصابَ الحَرَمِ خَلَعُوا نِعالَهُمْ، ثُمَّ دَخَلُوا الحَرَمَ (p-٦٤٥)حُفاةً. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: كانَتِ الأنْبِياءُ إذا أتَتْ عِلْمَ الحَرَمِ نَزَعُوا نِعالَهم. وأخْرَجَ الأزْرَقِيُّ، وابْنُ عَساكِرَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: حَجَّ الحَوارِيُّونَ فَلَمّا دَخَلُوا الحَرَمَ مَشَوْا تَعْظِيمًا لِلْحَرَمِ. وأخْرَجَ الأزْرَقِيُّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سابِطٍ قالَ: «لَمّا أرادَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنْ يَنْطَلِقَ إلى المَدِينَةِ اسْتَلَمَ الحَجَرَ، وقامَ وسَطَ المَسْجِدِ والتَفَتَ إلى البَيْتِ فَقالَ: إنِّي لَأعْلَمُ ما وضَعَ اللَّهُ في الأرْضِ بَيْتًا أحَبَّ إلَيْهِ مِنكَ، وما في الأرْضِ بَلَدٌ أحَبُّ إلَيْهِ مِنكَ، وما خَرَجْتُ عَنْكَ رَغْبَةً ولَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا هم أخْرَجُونِي» . وأخْرَجَ الأزْرَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَمّا أُخْرِجَ مِن مَكَّةَ: أما واللَّهِ إنِّي لَأخْرُجُ وإنِّي لَأعْلَمُ أنَّكِ أحَبُّ البِلادِ إلى اللَّهِ، وأكْرَمُها عَلى اللَّهِ، ولَوْلا أنَّ أهْلَكِ أخْرَجُونِي مِنكِ ما خَرَجْتُ» . (p-٦٤٦)وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ، والحاكِمُ وصَحَّحاهُ، والبَيْهَقِيُّ في ”الشُّعَبِ“ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِمَكَّةَ: ما أطْيَبَكِ وأحَبَّكِ إلَيَّ، ولَوْلا أنَّ قَوْمَكِ أخْرَجُونِي ما سَكَنْتُ غَيْرَكِ» . وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، وأحْمَدُ، والتِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ ماجَهْ، والأزْرَقِيُّ، والجَنَدِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ الحَمْراءِ قالَ: «رَأيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وهو عَلى ناقَتِهِ واقِفٌ بِالحَزْوَرَةِ يَقُولُ لِمَكَّةَ: واللَّهِ إنَّكِ لَخَيْرُ أرْضِ اللَّهِ وأحَبُّ أرْضِ اللَّهِ إلى اللَّهِ، ولَوْلا أنِّي أُخْرِجْتُ مِنكِ ما خَرَجْتُ» . وأخْرَجَ الأزْرَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانَ بِمَكَّةَ حَيٌّ يُقالُ لَهُمُ: العَمالِيقُ فَكانُوا في عِزٍّ وثَرْوَةٍ وكَثْرَةٍ، فَكانَتْ لَهم أمْوالٌ كَثِيرَةٌ مَن خَيْلٍ وإبِلٍ وماشِيَةٍ، فَكانَتْ تَرْعى مَكَّةَ وما حَوْلَها مِن مَرٍّ ونَعْمانَ وما حَوْلَ ذَلِكَ، فَكانَتْ (p-٦٤٧)الحُرُفُ عَلَيْهِمْ مُظِلَّةً والأرْبِعَةُ مُغْدِقَةٌ والأوْدِيَةُ نِجالٌ، والعِضاهُ مُلْتَفَّةٌ، والأرْضُ مُبْقِلَةٌ، فَكانُوا في عَيْشٍ رَخِيٍّ، فَلَمْ يَزَلْ بِهِمُ البَغْيُ والإسْرافُ عَلى أنْفُسِهِمْ بِالظُّلْمِ وإظْهارِ المَعاصِي والِاضْطِهادِ لِمَن قارَبَهم حَتّى سَلَبَهُمُ اللَّهَ ذَلِكَ، فَنَقَصَهم بِحَبْسِ المَطَرِ عَنْهُمْ، وتَسْلِيطِ الجَدْبِ عَلَيْهِمْ، وكانُوا يُكْرُونَ بِمَكَّةَ الظِّلَّ، ويَبِيعُونَ الماءَ، فَأخْرَجَهُمُ اللَّهُ مِن مَكَّةَ بِالذَّرِّ سَلَّطَهُ عَلَيْهِمْ حَتّى خَرَجُوا مِنَ الحَرَمِ، فَكانُوا حَوْلَهُ، ثُمَّ ساقَهُمُ اللَّهُ بِالجَدْبِ يَضَعُ الغَيْثَ أمامَهُمْ، ويَسُوقُهم بِالجَدْبِ حَتّى ألْحَقَهم بِمَساقِطِ رُءُوسِ آبائِهِمْ، وكانُوا قَوْمًا غُرَباءَ مِن حِمْيَرَ، فَلَمّا دَخَلُوا بِلادَ اليَمَنِ تَفَرَّقُوا وهَلَكُوا، فَأبْدَلَ اللَّهُ الحَرَمَ بَعْدَهم جُرْهُمَ، فَكانُوا سُكّانَهُ حَتّى بَغَوْا فِيهِ واسْتَخَفُّوا بِحَقِّهِ، فَأهْلَكَهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنِ ابْنِ سابِطٍ قالَ: كانَ النّاسُ إذا كانَ المَوْسِمُ بِالجاهِلِيَّةِ خَرَجُوا فَلَمْ يَبْقَ أحَدٌ بِمَكَّةَ، وأنَّهُ تَخَلَّفَ رَجُلٌ سارِقٌ فَعَمَدَ إلى قِطْعَةٍ مِن ذَهَبٍ فَوَضَعَها ثُمَّ دَخَلَ لِيَأْخُذَ أيْضًا، فَلَمّا أدْخَلَ رَأْسَهُ صَرَّهُ البَيْتُ (p-٦٤٨)فَوَجَدُوا رَأْسَهُ في البَيْتِ واسْتَهُ خارِجَهُ، فَألْقَوْهُ لِلْكِلابِ وأصْلَحُوا البَيْتَ. وأخْرَجَ الأزْرَقِيُّ، والطَّبَرانِيُّ عَنْ حُوَيْطِبِ بْنِ عَبْدِ العُزّى قالَ: كُنّا جُلُوسًا بِفَناءِ الكَعْبَةِ في الجاهِلِيَّةِ، فَجاءَتِ امْرَأةٌ إلى البَيْتِ تَعُوذُ بِهِ مِن زَوْجِها، فَجاءَ زَوْجُها فَمَدَّ يَدَهُ إلَيْها فَيَبِسَتْ يَدُهُ فَلَقَدْ رَأيْتُهُ في الإسْلامِ وإنَّهُ لَأشَلُّ. وأخْرَجَ الأزْرَقِيُّ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قالَ: الحَطِيمُ ما بَيْنَ الرُّكْنِ والمَقامِ وزَمْزَمَ والحَجَرِ، وكانَ إسافُ ونائِلَةُ رَجُلٌ وامْرَأةٌ دَخَلا الكَعْبَةَ فَقَبَّلَها فِيها فَمُسِخا حَجَرَيْنِ، فَأُخْرِجا مِنَ الكَعْبَةِ، فَنُصِبَ أحَدُهُما في مَكانِ زَمْزَمَ، ونُصِبَ الآخَرُ في وجْهِ الكَعْبَةِ، لِيَعْتَبِرَ بِهِما النّاسُ، ويَزْدَجِرُوا عَنْ مِثْلِ ما ارْتَكَبا فَسُمِّيَ هَذا المَوْضِعُ الحَطِيمَ، لِأنَّ النّاسَ كانُوا يَحْطِمُونَ هُنالِكَ بِالأيْمانِ، ويُسْتَجابُ فِيهِ الدُّعاءُ عَلى الظّالِمِ لِلْمَظْلُومِ، فَقَلَّ مَن دَعا هُنالِكَ عَلى ظالِمٍ إلّا هَلَكَ، وقَلَّ مَن حَلَفَ هُنالِكَ آثِمًا إلّا عُجِّلَتْ عَلَيْهِ العُقُوبَةُ، وكانَ ذَلِكَ يَحْجِزُ بَيْنَ النّاسِ عَنِ الظُّلْمِ ويَتَهَيَّبُ النّاسُ الأيْمانَ هُنالِكَ، فَلَمْ يَزَلْ ذَلِكَ كَذَلِكَ حَتّى جاءَ اللَّهُ (p-٦٤٩)بِالإسْلامِ، فَأخَّرَ اللَّهُ ذَلِكَ لِما أرادَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ. وأخْرَجَ الأزْرَقِيُّ عَنْ أيُّوبَ بْنِ مُوسى، أنَّ امْرَأةً كانَتْ في الجاهِلِيَّةِ مَعَها ابْنُ عَمٍّ لَها صَغِيرٌ تَكْسِبُ عَلَيْهِ، فَقالَتْ لَهُ: يا بُنَيَّ إنِّي أغِيبُ عَنْكَ، وإنِّي أخافُ عَلَيْكَ أنْ ظَلَمَكَ ظالِمٌ، فَإنْ جاءَكَ ظالِمٌ بَعْدِي، فَإنَّ لِلَّهِ بِمَكَّةَ بَيْتًا لا يُشْبِهُهُ شَيْءٌ مِنَ البُيُوتِ ولا يُقارِبُهُ مُفْسِدٌ، وعَلَيْهِ ثِيابٌ، فَإنْ ظَلَمَكَ ظالِمٌ يَوْمًا فَعُذْ بِهِ فَإنَّ لَهُ رَبًّا يَسْمَعُكَ، قالَ: فَجاءَهُ رَجُلٌ فَذَهَبَ بِهِ فاسْتَرَقَّهُ، فَلَمّا رَأى الغُلامُ البَيْتَ عَرَفَ الصِّفَةَ، فَنَزَلَ يَشْتَدُّ حَتّى تَعَلَّقَ بِالبَيْتِ، وجاءَ سَيِّدُهُ فَمَدَّ يَدَهُ إلَيْهِ لِيَأْخُذَهُ فَيَبِسَتْ يَدُهُ، فَمَدَّ الأُخْرى فَيَبِسَتْ، فاسْتَفْتى في الجاهِلِيَّةِ فَأُفْتِيَ لِيَنْحَرَ عَنْ كُلِّ واحِدَةٍ مِن يَدَيْهِ بَدَنَةً، فَفَعَلَ فانْطَلَقَتْ لَهُ يَداهُ وتَرَكَ الغُلامَ وخَلّى سَبِيلَهُ. وأخْرَجَ الأزْرَقِيُّ عَنْ عَبْدِ المَطْلَبِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الحارِثِ قالَ: غَدا رَجُلٌ مِن بَنِي كِنانَةَ مِن هُذَيْلٍ في الجاهِلِيَّةِ عَلى ابْنِ عَمٍّ لَهُ فَظَلَمَهُ واضْطَهَدَهُ، فَناشَدَهُ بِاللَّهِ والرَّحِمِ فَأبى إلّا ظُلْمَهُ فَلَحِقَ بِالحَرَمِ فَقالَ: اللَّهُمَّ إنِّي أدْعُوكَ دُعاءَ جاهِدٍ مُضْطَرٍّ عَلى فُلانٍ ابْنِ عَمِّي لَتَرْمِيَنَّهُ بِداءٍ لا دَواءَ لَهُ. قالَ: ثُمَّ انْصَرَفَ فَيَجِدُ ابْنَ عَمِّهِ قَدْ (p-٦٥٠)رُمِيَ في بَطْنِهِ، فَصارَ مِثْلَ الزِّقِّ فَما زالَ يَنْتَفِخُ حَتّى انْشَقَّ. قالَ عَبْدُ المُطَّلِبِ: فَحَدَّثْتُ هَذا الحَدِيثَ ابْنَ عَبّاسٍ فَقالَ: رَأيْتُ رَجُلًا دَعا عَلى ابْنِ عَمٍّ لَهُ بِالعَمى، فَرَأيْتُهُ يُقادُ أعْمى. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، والبَيْهَقِيُّ في ”شُعَبِ الإيمانِ“ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ أنَّهُ قالَ: يا أهْلَ مَكَّةَ، اتَّقُوا اللَّهَ في حَرَمِكم هَذا، أتَدْرُونَ مَن كانَ ساكِنَ حَرَمِكم هَذا مِن قَبْلِكُمْ؟ كانَ فِيهِ بَنُو فُلانٍ فَأحَلُّوا حُرْمَتَهُ فَهَلَكُوا، وبَنُو فُلانٍ فَأحَلُّوا حُرْمَتَهُ فَهَلَكُوا، حَتّى عَدَّ ما شاءَ اللَّهُ، ثُمَّ قالَ: واللَّهِ لَأنْ أعْمَلَ عَشْرَ خَطايا بِغَيْرِهِ أحَبُّ إلَيَّ مِن أنْ أعْمَلَ واحِدَةً بِمَكَّةَ. وأخْرَجَ الجَنَدِيُّ، عَنْ طاوُسٍ قالَ: إنَّ أهْلَ الجاهِلِيَّةِ لَمْ يَكُونُوا يُصِيبُونَ في الحَرَمِ شَيْئًا إلّا عُجِّلَ لَهم ويُوشِكُ أنْ يَرْجِعَ الأمْرُ إلى ذَلِكَ. وأخْرَجَ الأزْرَقِيُّ، والجَنَدِيُّ، وابْنُ خُزَيْمَةَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ أنَّهُ قالَ لِقُرَيْشٍ: إنَّهُ كانَ وُلاةَ هَذا البَيْتِ قَبْلَكم طَسْمٌ، فاسْتَخَفُّوا بِحَقِّهِ واسْتَحَلُّوا حُرْمَتَهُ فَأهْلَكَهُمُ اللَّهُ، ثُمَّ ولِيَ بَعْدَهم جُرْهُمُ فاسْتَخْفُّوا بِحَقِّهِ، واسْتَحَلُّوا حُرْمَتَهُ، فَأهْلَكَهُمُ اللَّهُ فَلا تَهاوَنُوا بِهِ وعَظِّمُوا حُرْمَتَهُ. (p-٦٥١)وأخْرَجَ الأزْرَقِيُّ، والجَنَدِيُّ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ قالَ: لَأنْ أُخْطِئَ سَبْعِينَ خَطِيئَةً بِرُكْبَةَ أحَبُّ إلَيَّ مِن أنْ أُخْطِئَ خَطِيئَةً واحِدَةً بِمَكَّةَ. وأخْرَجَ الجَنَدِيُّ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: تُضَعَّفُ بِمَكَّةَ السَّيِّئاتُ كَما تُضَعَّفُ الحَسَناتُ. وأخْرَجَ الأزْرَقِيُّ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قالَ: بَلَغَنِي أنَّ الخَطِيئَةَ بِمَكَّةَ مِائَةُ خَطِيئَةٍ والحَسَنَةَ عَلى نَحْوِ ذَلِكَ. وأخْرَجَ أبُو بَكْرٍ الواسِطِيُّ في فَضائِلِ بَيْتِ المَقْدِسِ عَنْ عائِشَةَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «إنَّ مَكَّةَ بَلَدٌ عَظَّمَهُ اللَّهُ وعَظَّمَ حُرْمَتَهُ، خَلَقَ مَكَّةَ وحَفَّها بِالمَلائِكَةِ قَبْلَ أنْ يَخْلُقَ شَيْئًا مِنَ الأرْضِ يَوْمَئِذٍ كُلِّها بِألْفِ عامٍ، ووَصَلَها بِالمَدِينَةِ، ووَصَلَ المَدِينَةَ بِبَيْتِ المَقْدِسِ، ثُمَّ خَلَقَ الأرْضَ كُلَّها بَعْدَ ألْفِ عامٍ خَلْقًا واحِدًا» . * * قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وارْزُقْ أهْلَهُ مِنَ الثَّمَراتِ﴾ الآيَةَ. (p-٦٥٢)أخْرَجَ الأزْرَقِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ المُنْكَدِرِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «لَمّا وضَعَ اللَّهُ الحَرَمَ نَقَلَ لَهُ الطّائِفَ مِن فِلَسْطِينَ» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ الطّائِفِيِّ قالَ: بَلَغَنِي أنَّهُ لَمّا دَعا إبْراهِيمُ لِلْحَرَمِ ﴿وارْزُقْ أهْلَهُ مِنَ الثَّمَراتِ﴾ نَقَلَ اللَّهُ الطّائِفَ مِن فِلَسْطِينَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، والأزْرَقِيُّ عَنِ الزُّهْرِيِّ قالَ: إنَّ اللَّهَ نَقَلَ قَرْيَةً مِن قُرى الشّامِ فَوَضَعَها بِالطّائِفِ لِدَعْوَةِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ. وأخْرَجَ الأزْرَقِيُّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ السّائِبِ بْنِ يَسارٍ قالَ: سَمِعْتُ بَعْضَ ولَدِ نافِعِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ وغَيْرَهُ، يَذْكُرُونَ أنَّهم سَمِعُوا: أنَّهُ لَمّا دَعا إبْراهِيمُ لِمَكَّةَ أنْ يَرْزُقَ أهْلَهُ مِنَ الثَّمَراتِ نَقَلَ اللَّهُ أرْضَ الطّائِفِ مِنَ الشّامِ فَوَضَعَها هُنالِكَ رِزْقًا لِلْحَرَمِ. وأخْرَجَ الأزْرَقِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ قالَ: دَعا إبْراهِيمُ لِلْمُؤْمِنِينَ وتَرَكَ الكُفّارَ لَمْ يَدْعُ لَهم بِشَيْءٍ فَقالَ اللَّهُ تَعالى ﴿ومَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلا ثُمَّ أضْطَرُّهُ إلى عَذابِ النّارِ وبِئْسَ المَصِيرُ﴾ . وأخْرَجَ سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وارْزُقْ أهْلَهُ مِنَ الثَّمَراتِ مَن آمَنَ﴾ (p-٦٥٣)قالَ: اسْتَرْزَقَ إبْراهِيمُ لِمَن آمَنَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ. قالَ اللَّهُ: ومَن كَفَرَ فَأنا أرْزُقُهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿مَن آمَنَ مِنهم بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ﴾ قالَ: كانَ إبْراهِيمُ احْتَجَرَها عَلى المُؤْمِنِينَ دُونَ النّاسِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿ومَن كَفَرَ﴾ أيْضًا فَأنا أُرْزَقُهم كَما أرْزُقُ المُؤْمِنِينَ، أخْلُقُ خَلْقًا لا أرْزُقُهُمْ؟ أُمَتِّعُهم قَلِيلًا ثُمَّ أضْطَرُّهم إلى عَذابِ النّارِ ثُمَّ قَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ ﴿كُلا نُمِدُّ هَؤُلاءِ﴾ [الإسراء: ٢٠] الآيَةَ [ الإسْراءِ: ٢٠ ] . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي العالِيَةِ قالَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ في قَوْلِهِ: ﴿ومَن كَفَرَ﴾: إنَّ هَذا مِن قَوْلِ الرَّبِّ جَلَّ وعَلا قالَ: ﴿ومَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلا﴾ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هَذا مِن قَوْلِ إبْراهِيمَ يَسْألُ رَبَّهُ أنَّ مَن كَفَرَ فَأُمَتِّعْهُ قَلِيلًا. قُلْتُ: كانَ ابْنُ عَبّاسٍ يَقْرَأُ: (فَأُمَتِّعْهُ) بِلَفْظِ الأمْرِ. فَلِذَلِكَ قالَ: هو مِن قَوْلِ إبْراهِيمَ.