Al-Durr Al-Manthur — البقرة 2:127 – البقرة 2:184
المحتويات
- البقرة 2:127
- البقرة 2:128
- البقرة 2:129
- البقرة 2:130
- البقرة 2:132
- البقرة 2:133
- البقرة 2:134
- البقرة 2:135
- البقرة 2:136
- البقرة 2:137
- البقرة 2:138
- البقرة 2:139
- البقرة 2:140
- البقرة 2:141
- البقرة 2:142
- البقرة 2:143
- البقرة 2:144
- البقرة 2:145
- البقرة 2:146
- البقرة 2:147
- البقرة 2:148
- البقرة 2:150
- البقرة 2:151
- البقرة 2:152
- البقرة 2:153
- البقرة 2:154
- البقرة 2:155
- البقرة 2:156
- البقرة 2:157
- البقرة 2:158
- البقرة 2:159
- البقرة 2:160
- البقرة 2:161
- البقرة 2:162
- البقرة 2:163
- البقرة 2:164
- البقرة 2:165
- البقرة 2:166
- البقرة 2:167
- البقرة 2:168
- البقرة 2:169
- البقرة 2:170
- البقرة 2:171
- البقرة 2:172
- البقرة 2:173
- البقرة 2:174
- البقرة 2:175
- البقرة 2:176
- البقرة 2:177
- البقرة 2:178
- البقرة 2:179
- البقرة 2:180
- البقرة 2:181
- البقرة 2:182
- البقرة 2:183
- البقرة 2:184
البقرة 2:127
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذْ يَرْفَعُ إبْراهِيمُ﴾ الآيَةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: القَواعِدُ أساسُ البَيْتِ.
(p-٦٥٤)وأخْرَجَ أحْمَدُ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والبُخارِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والجَنَدِيُّ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، والحاكِمُ، والبَيْهَقِيُّ في “ الدَّلائِلِ “ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أنَّهُ قالَ: سَلُونِي يا مَعْشَرَ الشَّبابِ، فَإنِّي قَدْ أوْشَكْتُ أنْ أذْهَبَ مِن بَيْنِ أظْهُرِكم. فَأكْثَرَ النّاسُ مَسْألَتَهُ فَقالَ لَهُ رَجُلٌ: أصْلَحَكَ اللَّهُ أرَأيْتَ المَقامَ؟ أهُوَ كَما نَتَحَدَّثُ؟ قالَ: وما كُنْتَ تَتَحَدَّثُ؟ قالَ: كُنّا نَقُولُ: أنْ إبْراهِيمَ حِينَ جاءَ عَرَضَتْ عَلَيْهِ امْرَأةُ إسْماعِيلَ النُّزُولَ، فَأبى أنْ يَنْزِلَ فَجاءَتْ بِهَذا الحَجَرِ، فَقالَ: لَيْسَ كَذَلِكَ، فَقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: «إنَّ أوَّلَ ما اتَّخَذَ النِّساءُ المَناطِقُ مِن قِبَلِ أُمِّ إسْماعِيلَ، اتَّخَذَتْ مِنطَقًا لِتُعَفِّيَ أثَرَها عَلى سارَةَ، ثُمَّ جاءَ بِها إبْراهِيمُ وبِابْنِها إسْماعِيلَ وهي تُرْضِعُهُ حَتّى وضَعَهُما عِنْدَ البَيْتِ، عِنْدَ دَوْحَةٍ فَوْقَ زَمْزَمَ في أعْلى المَسْجِدِ، ولَيْسَ بِمَكَّةَ يَوْمَئِذٍ أحَدٌ، ولَيْسَ بِها ماءٌ فَوَضَعَهُما هُنالِكَ، ووَضَعَ عِنْدَهُما جِرابًا فِيهِ تَمْرٌ، وسِقاءٌ فِيهِ ماءٌ، ثُمَّ قَفّى إبْراهِيمُ مُنْطَلِقًا، فَتَبِعَتْهُ أُمُّ إسْماعِيلَ فَقالَتْ: يا إبْراهِيمُ أيْنَ تَذْهَبُ وتَتْرُكُنا بِهَذا الوادِي الَّذِي لَيْسَ فِيهِ إنْسٌ ولا شَيْءٌ؟ فَقالَتْ لَهُ ذَلِكَ مِرارًا، وجَعَلَ لا يَلْتَفِتُ إلَيْها، قالَتْ لَهُ: آللَّهُ أمَرَكَ بِهَذا؟ قالَ: نَعَمْ، قالَتْ: إذَنٌ لا يُضَيِّعُنا. ثُمَّ رَجَعَتْ، فانْطَلَقَ إبْراهِيمُ حَتّى (p-٦٥٥)إذا كانَ عِنْدَ الثَّنِيَّةِ حَيْثُ لا يَرَوْنَهُ، اسْتَقْبَلَ بِوَجْهِهِ البَيْتَ، ثُمَّ دَعا بِهَؤُلاءِ الدَّعَواتِ ورَفَعَ يَدَيْهِ قالَ: ﴿رَبَّنا إنِّي أسْكَنْتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ المُحَرَّمِ رَبَّنا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فاجْعَلْ أفْئِدَةً مِنَ النّاسِ تَهْوِي إلَيْهِمْ وارْزُقْهم مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهم يَشْكُرُونَ﴾ [إبراهيم: ٣٧] [ إبْراهِيمَ: ٣٧ ] وجَعَلَتْ أُمُّ إسْماعِيلَ تُرْضِعُ إسْماعِيلَ، وتَشْرَبُ مِن ذَلِكَ الماءِ، حَتّى إذا نَفِدَ ما في السِّقاءِ عَطِشَتْ، وعَطِشَ ابْنُها، وجَعَلَتْ تَنْظُرُ إلَيْهِ يَتَلَوّى- أوْ قالَ: يَتَلَبَّطُ- فانْطَلَقَتْ كَراهِيَةَ أنْ تَنْظُرَ إلَيْهِ، فَوَجَدَتِ الصَّفا أقْرَبَ جَبَلٍ في الأرْضِ يَلِيها فَقامَتْ عَلَيْهِ، ثُمَّ اسْتَقْبَلَتِ الوادِي تَنْظُرُ هَلْ تَرى أحَدًا فَلَمْ تَرَ أحَدًا، فَهَبَطَتْ مِنَ الصَّفا حَتّى إذا بَلَغَتِ الوادِي رَفَعَتْ طَرَفَ دِرْعِها، ثُمَّ سَعَتْ سَعْيَ الإنْسانِ المَجْهُودِ، حَتّى جاوَزَتِ الوادِيَ، ثُمَّ أتَتِ المَرْوَةَ فَقامَتْ عَلَيْها ونَظَرَتْ هَلْ تَرى أحَدًا فَلَمْ تَرَ أحَدًا، فَفَعَلَتْ ذَلِكَ سَبْعَ مَرّاتٍ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: قالَ النَّبِيُّ ﷺ فَلِذَلِكَ سَعى النّاسُ بَيْنَهُما. فَلَمّا أشْرَفَتْ عَلى المَرْوَةَ سَمِعَتْ صَوْتًا فَقالَتْ: صَهٍ. تُرِيدُ نَفْسَها ثُمَّ تَسَمَّعَتْ، فَسَمِعَتْ أيْضًا فَقالَتْ: قَدِ أسْمَعْتَ إنْ كانَ عِنْدَكَ غَواثٌ - فَإذا هي بِالمَلَكِ عِنْدَ مَوْضِعِ زَمْزَمَ، فَبَحَثَ بِعَقِبِهِ - أوْ قالَ بِجَناحِهِ - حَتّى ظَهَرَ الماءُ فَجَعَلَتْ تُحَوِّضُهُ وتَقُولُ بِيَدِها هَكَذا، وجَعَلَتْ تَغْرِفُ مِنَ الماءِ في سِقائِها وهي (p-٦٥٦)تَفُورُ بَعْدَما تَغْرِفُ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: قالَ النَّبِيُّ ﷺ يَرْحَمُ اللَّهُ أُمَّ إسْماعِيلَ، لَوْ تَرَكْتَ زَمْزَمَ - أوْ قالَ - لَوْ لَمْ تَغْرِفْ مِنَ الماءِ لَكانَتْ زَمْزَمُ عَيْنًا مَعِينًا. فَشَرِبَتْ وأرْضَعَتْ ولَدَها، فَقالَ لَها المَلَكُ: لا تَخافَيِ الضَّيْعَةَ فَإنَّ هَهُنا بَيْتًا لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ يَبْنِيهِ هَذا الغُلامُ وأبُوهُ، وإنَّ اللَّهَ لا يُضَيِّعُ أهْلَهُ، وكانَ البَيْتُ مُرْتَفِعًا مِنَ الأرْضِ كالرّابِيَةِ، تَأْتِيهِ السُّيُولُ، فَتَأْخُذُ عَنْ يَمِينِهِ وعَنْ شِمالِهِ، فَكانَتْ كَذَلِكَ حَتّى مَرَّتْ بِهِمْ رُفْقَةٌ مِن جُرْهُمَ، أوْ أهْلُ بَيْتٍ مِن جُرْهُمَ مُقْبِلِينَ مِن طَرِيقِ كَداءٍ، فَنَزَلُوا في أسْفَلِ مَكَّةَ، فَرَأوْا طائِرًا عائِفًا فَقالُوا: إنَّ هَذا الطّائِرَ لَيَدُورُ عَلى الماءِ لِعَهْدِنا بِهَذا الوادِي وما فِيهِ ماءٌ، فَأرْسَلُوا جَرِيًّا أوْ جَرِيَّيْنِ فَإذا هم بِالماءِ، فَرَجَعُوا فَأخْبَرُوهم بِالماءِ فَأقْبَلُوا. قالَ: وأُمُّ إسْماعِيلَ عِنْدَ الماءِ. فَقالُوا: أتَأْذَنِينَ لَنا أنْ نَنْزِلَ عِنْدَكِ؟ قالَتْ: نَعَمْ، ولَكِنْ لا حَقَّ لَكم في الماءِ. قالُوا: نَعَمْ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: قالَ النَّبِيُّ ﷺ: فَألْفى ذَلِكَ أُمَّ إسْماعِيلَ وهي تُحِبُّ الأُنْسَ. فَنَزَلُوا وأرْسَلُوا إلى أهْلِيهِمْ، فَنَزَلُوا مَعَهُمْ، حَتّى إذا كانَ بِها أهْلُ أبْياتٍ مِنهُمْ، وشَبَّ الغُلامُ وتَعَلَّمَ العَرَبِيَّةَ مِنهُمْ، وأنْفَسَهم وأعْجَبَهم حِينَ شَبَّ، فَلَمّا أدْرَكَ زَوَّجُوهُ امْرَأةً (p-٦٥٧)مِنهُمْ، وماتَتْ أُمُّ إسْماعِيلَ فَجاءَ إبْراهِيمُ بَعْدَما تَزَوَّجَ إسْماعِيلُ يُطالِعُ تَرِكَتَهُ، فَلَمْ يَجِدْ إسْماعِيلَ، فَسَألَ زَوْجَتَهُ عَنْهُ، فَقالَتْ: خَرَجَ يَبْتَغِي لَنا. ثُمَّ سَألَها عَنْ عَيْشِهِمْ وهَيْئَتِهِمْ، فَقالَتْ: نَحْنُ بِشَرٍّ، نَحْنُ في ضِيقٍ وشِدَّةٍ. وشَكَتْ إلَيْهِ قالَ: إذا جاءَ زَوْجُكِ، فاقْرَئِي عَلَيْهِ السَّلامَ وقُولِي لَهُ يُغَيِّرُ عَتَبَةَ بابِهِ.
فَلَمّا جاءَ إسْماعِيلُ كَأنَّهُ آنَسَ شَيْئًا، فَقالَ: هَلْ جاءَكم مِن أحَدٍ؟ قالَتْ: نَعَمْ، جاءَنا شَيْخٌ كَذا وكَذا، فَسَألَنا عَنْكَ فَأخْبَرْتُهُ، وسَألَنِي كَيْفَ عَيْشُنا فَأخْبَرْتُهُ أنّا في جَهْدٍ وشِدَّةٍ، قالَ: فَهَلْ أوْصاكِ بِشَيْءٍ؟ قالَتْ: نَعَمْ أمَرَنِي أنْ أقْرَأ عَلَيْكَ السَّلامَ، ويَقُولُ: غَيِّرْ عَتَبَةَ بابِكَ. قالَ: ذاكَ أبِي، وأمَرَنِي أنْ أُفارِقَكِ فالحَقِي بِأهْلِكِ، فَطَلَّقَها وتَزَوَّجَ مِنهم أُخْرى.
فَلَبِثَ عَنْهم إبْراهِيمُ ما شاءَ اللَّهُ، ثُمَّ أتاهم بَعْدَ ذَلِكَ، فَلَمْ يَجِدْهُ، فَدَخَلَ عَلى امْرَأتِهِ فَسَألَها عَنْهُ فَقالَتْ: خَرَجَ يَبْتَغِي لَنا. قالَ: كَيْفَ أنْتُمْ؟ وسَألَها عَنْ عَيْشِهِمْ وهَيْئَتِهِمْ، فَقالَتْ: نَحْنُ بِخَيْرٍ وسَعَةٍ. وأثْنَتْ عَلى اللَّهِ، فَقالَ: ما طَعامُكُمْ؟ قالَتِ: اللَّحْمُ. قالَ: فَما شَرابُكُمْ؟ قالَتِ: الماءُ. قالَ: اللَّهُمَّ بارِكْ لَهم في اللَّحْمِ والماءِ.
قالَ النَّبِيُّ ﷺ: ولَمْ يَكُنْ لَهم يَوْمَئِذٍ حَبٌّ، ولَوْ كانَ لَهم حَبٌّ لَدَعا لَهم فِيهِ.
قالَ: فَهُما لا يَخْلُو عَلَيْهِما أحَدٌ بِغَيْرِ مَكَّةَ إلّا لَمْ يُوافِقاهُ. قالَ: فَإذا جاءَ زَوْجُكِ فاقْرَئِي عَلَيْهِ السَّلامَ، ومُرِيهِ يُثَبِّتُ عَتَبَةَ بابِهِ. فَلَمّا جاءَ إسْماعِيلُ قالَ: (p-٦٥٨)هَلْ أتاكم مِن أحَدٍ؟ قالَتْ: نَعَمْ، أتانا شَيْخٌ حَسَنُ الهَيْئَةِ -وأثْنَتْ عَلَيْهِ- فَسَألَنِي عَنْكَ فَأخْبَرْتُهُ، وسَألَنِي كَيْفَ عَيْشُنا فَأخْبَرْتُهُ أنّا بِخَيْرٍ، قالَ: أما أوْصاكِ بِشَيْءٍ؟ قالَتْ: نَعَمْ، هو يَقْرَأُ عَلَيْكَ السَّلامَ، ويَأْمُرُكَ أنْ تُثَبِّتَ عَتَبَةَ بابِكَ. قالَ: ذاكَ أبِي وأنْتِ العَتَبَةُ، وأمَرَنِي أنْ أُمْسِكَكِ.
ثُمَّ لَبِثَ عَنْهم ما شاءَ اللَّهُ، ثُمَّ جاءَ بَعْدَ ذَلِكَ وإسْماعِيلُ يَبْرِي نَبْلًا تَحْتَ دَوْحَةٍ قَرِيبًا مِن زَمْزَمَ، فَما رَآهُ قامَ إلَيْهِ، فَصَنَعا كَما يَصْنَعُ الوَلَدُ بِالوالِدِ، والوالِدُ بِالوَلَدِ ثُمَّ قالَ: يا إسْماعِيلُ إنَّ اللَّهَ أمَرَنِي بِأمْرٍ، قالَ: فاصْنَعْ ما أمَرَكَ، قالَ: وتُعِينُنِي ؟ قالَ: وأُعِينُكَ، قالَ: فَإنَّ اللَّهَ يَأْمُرُنِي أنْ أبْنِيَ هَهُنا بَيْتًا. وأشارَ إلى أكَمَةٍ مُرْتَفِعَةٍ عَلى ما حَوْلَها. قالَ: فَعِنْدَ ذَلِكَ رَفَعَ القَواعِدَ مِنَ البَيْتِ، فَجَعَلَ إسْماعِيلُ يَأْتِي بِالحِجارَةِ وإبْراهِيمُ يَبْنِي، حَتّى إذا ارْتَفَعَ البِناءُ، جاءَ بِهَذا الحَجْرِ، فَوَضَعَهُ لَهُ، فَقامَ عَلَيْهِ وهو يَبْنِي وإسْماعِيلُ يُناوِلُهُ الحِجارَةَ وهُما يَقُولانِ: ﴿رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنّا إنَّكَ أنْتَ السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ [البقرة»: ١٢٧]
قالَ مَعْمَرٌ: وسَمِعْتُ رَجُلًا يَقُولُ: كانَ إبْراهِيمُ يَأْتِيهِمْ عَلى البُراقِ. قالَ مَعْمَرٌ: وسَمِعْتُ رَجُلًا يَذْكُرُ أنَّهُما حِينَ التَقَيا بَكَيا حَتّى أجابَتْهُما الطَّيْرُ.
وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ في ”الطَّبَقاتِ“ عَنْ أبِي جَهْمِ بْنِ حُذَيْفَةَ بْنِ غانِمٍ قالَ: أوْحى اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ إلى إبْراهِيمَ يَأْمُرُهُ بِالمَسِيرِ إلى بَلَدِهِ الحَرامِ، فَرَكِبَ إبْراهِيمُ (p-٦٥٩)البُراقَ وجَعَلَ إسْماعِيلَ أمامَهُ وهو ابْنُ سِتِّينَ، وهاجَرُ خَلْفَهُ، ومَعَهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ يَدُلُّهُ عَلى مَوْضِعِ البَيْتِ، حَتّى قَدِمَ بِهِ مَكَّةَ، فَأنْزَلَ إسْماعِيلَ وأمَّهُ إلى جانِبِ البَيْتِ، ثُمَّ انْصَرَفَ إبْراهِيمُ إلى الشّامِ، ثُمَّ أوْحى اللَّهُ إلى إبْراهِيمَ أنْ يَبْنِيَ البَيْتَ، وهو يَوْمَئِذٍ ابْنُ مِائَةٍ سَنَةٍ، وإسْماعِيلُ يَوْمَئِذٍ ابْنُ ثَلاثِينَ فَبَناهُ مَعَهُ، وتُوُفِّيَ إسْماعِيلُ بَعْدَ أبِيهِ، فَدُفِنَ داخِلَ الحِجْرِ مِمّا يَلِي الكَعْبَةَ مَعَ أُمِّهِ هاجَرَ، ووَلِيَ نابِتُ بْنُ إسْماعِيلَ البَيْتَ بَعْدَ أبِيهِ مَعَ أخْوالِهِ جُرْهُمَ.
وأخْرَجَ الدَّيْلَمِيُّ عَنْ عَلِيٍّ «عَنِ النَّبِيِّ ﷺ في قَوْلِهِ: ﴿وإذْ يَرْفَعُ إبْراهِيمُ القَواعِدَ مِنَ البَيْتِ﴾ الآيَةَ، قالَ جاءَتْ سَحابَةٌ عَلى تَرْبِيعِ البَيْتِ لَها رَأْسٌ يَتَكَلَّمُ: ارْتِفاعُ البَيْتِ عَلى تَرْبِيعِي. فَرَفَعاهُ عَلى تَرْبِيعِهِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وإسْحاقُ بْنُ راهَوَيْهِ في ”مُسْنَدِهِ“، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ والحارِثُ بْنُ أبِي أُسامَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والأزْرَقِيُّ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ في “ الدَّلائِلِ “ مِن طَرِيقِ خالِدِ بْنِ عَرْعَرَةَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ (p-٦٦٠)أبِي طالِبٍ، أنَّ رَجُلًا قالَ لَهُ: ألا تُخْبِرُنِي عَنِ البَيْتِ أهُوَ أوَّلُ بَيْتٍ وُضِعَ في الأرْضِ؟ قالَ: لا ولَكِنَّهُ أوَّلُ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنّاسِ فِيهِ البَرَكَةُ والهُدى ومَقامُ إبْراهِيمَ، ومَن دَخَلَهُ كانَ آمِنًا. ثُمَّ حَدَّثَ أنَّ إبْراهِيمَ لَمّا أُمِرَ بِبِناءِ البَيْتِ ضاقَ بِهِ ذَرْعًا، فَلَمْ يَدْرِ كَيْفَ يَبْنِيهِ، فَأرْسَلَ اللَّهُ إلَيْهِ السَّكِينَةَ - وهي رِيحٌ خَجُوجٌ ولَها رَأْسانِ - فَتَطَوَّقَتْ لَهُ عَلى مَوْضِعِ البَيْتِ كالحَجَفَةِ، وأُمِرَ إبْراهِيمُ أنْ يَبْنِيَ حَيْثُ تَسْتَقِرُّ السَّكِينَةُ، فَبَنى إبْراهِيمُ، فَلَمّا بَلَغَ مَوْضِعَ الحَجَرِ قالَ لِإسْماعِيلَ: اذْهَبْ فالتَمِسْ لِي حَجَرًا أضَعُهُ هَهُنا، فَذَهَبَ إسْماعِيلُ يَطُوفُ في الجِبالِ، فَنَزَلَ جِبْرِيلُ بِالحَجَرِ فَوَضَعَهُ، فَجاءَ إسْماعِيلُ فَقالَ: مِن أيْنَ هَذا الحَجَرُ؟ قالَ: جاءَ بِهِ مَن لَمْ يَتَّكِلْ عَلى بِنائِي ولا بِنائِكَ، فَلَبِثَ ما شاءَ اللَّهُ أنْ يَلْبَثَ ثُمَّ انْهَدَمَ، فَبَنَتْهُ العَمالِقَةُ، ثُمَّ انْهَدَمَ، فَبَنَتْهُ جُرْهُمُ، ثُمَّ انْهَدَمَ فَبَنَتْهُ قُرَيْشٌ، فَلَمّا أرادُوا أنْ يَضَعُوا الحَجَرَ تَشاحُّوا في وضْعِهِ، فَقالُوا: أوَّلُ مَن يَخْرُجُ مِن هَذا البابِ فَهو يَضَعُهُ. فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِن قِبَلِ بابِ بَنِي شَيْبَةَ فَأمَرَ بِثَوْبٍ فَبُسِطَ فَأخَذَ الحَجَرَ فَوَضَعَهُ في وسَطِهِ، وأمَرَ مِن كُلِّ فَخِذٍ مِن أفْخاذِ قُرَيْشٍ رَجُلًا يَأْخُذُ بِناحِيَةِ الثَّوْبِ، فَرَفَعُوهُ فَأخَذَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِيَدِهِ فَوَضَعَهُ في مَوْضِعِهِ.
(p-٦٦١)وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والأزْرَقِيُّ، والحاكِمُ مِن طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ، عَنْ عَلِيٍّ، قالَ: أقْبَلَ إبْراهِيمُ عَلى إرْمِينِيَّةَ ومَعَهُ السَّكِينَةُ تَدُلُّ عَلى مَوْضِعِ البَيْتِ، كَما تَتَبَوَّأُ العَنْكَبُوتُ بَيْتَها، فَحَفَرَ مِن تَحْتِ السَّكِينَةِ، فَأبْدى عَنْ قَواعِدِ البَيْتِ ما يُحَرِّكُ القاعِدَةَ مِنها دُونَ ثَلاثِينَ رِجْلًا، قُلْتُ: يا أبا مُحَمَّدٍ فَإنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿وإذْ يَرْفَعُ إبْراهِيمُ القَواعِدَ مِنَ البَيْتِ﴾ قالَ: كانَ ذَلِكَ بَعْدُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿يَرْفَعُ إبْراهِيمُ القَواعِدَ﴾ قالَ: القَواعِدُ الَّتِي كانَتْ قَواعِدَ البَيْتِ قَبْلَ ذَلِكَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والجَنَدِيُّ، عَنْ عَطاءٍ قالَ: قالَ آدَمُ: أيْ رَبِّ، ما لِي لا أسْمَعُ أصْواتَ المَلائِكَةِ؟ قالَ: لِخَطِيئَتِكَ ولَكِنِ اهْبِطْ إلى الأرْضِ فابْنِ لِي بَيْتًا، ثُمَّ احْفُفْ بِهِ كَما رَأيْتَ المَلائِكَةَ تَحُفُّ بِبَيْتَيِ الَّذِي في السَّماءِ، فَزَعَمَ النّاسُ أنَّهُ بَناهُ مِن خَمْسَةِ أجْبُلٍ، مِن حِراءَ ولُبْنانَ وطُورِ زَيْتا (p-٦٦٢)وطُورِ سَيْناءَ والجُودِيِّ، فَكانَ هَذا بِناءَ آدَمَ حَتّى بَناهُ إبْراهِيمُ بَعْدُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العاصِي قالَ: لَمّا أهْبَطَ اللَّهُ آدَمَ مِنَ الجَنَّةِ قالَ: إنِّي مَهْبِطٌ مَعَكَ بَيْتًا يُطافُ حَوْلَهُ كَما يُطافُ حَوْلَ عَرْشِي، ويُصَلّى عِنْدَهُ كَما يُصَلّى عِنْدَ عَرْشِي. فَلَمّا كانَ زَمَنُ الطُّوفانِ رَفَعَهُ اللَّهُ إلَيْهِ، فَكانَتِ الأنْبِياءُ يَحُجُّونَهُ ولا يَعْلَمُونَ مَكانَهُ، حَتّى بَوَّأهُ اللَّهُ بَعْدُ لِإبْراهِيمَ وأعْلَمَهُ مَكانَهُ، فَبَناهُ مِن خَمْسَةِ أجْبُلٍ؛ حِراءَ ولُبْنانَ وثَبِيرٍ وجَبَلِ الطُّورِ، وجَبَلِ الخَمْرِ؛ وهو جَبَلٌ بِبَيْتِ المَقْدِسِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو الشَّيْخِ في “ العَظَمَةِ “ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: وُضِعَ البَيْتُ عَلى أرْكانِ الماءِ، عَلى أرْبَعَةِ أرْكانٍ، قَبْلَ أنْ تُخْلَقَ الدُّنْيا بِألْفَيْ عامٍ، ثُمَّ دُحِيَتِ الأرْضُ مِن تَحْتِ البَيْتِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، والأزْرَقِيُّ في ”تارِيخِ مَكَّةَ“ والجَنَدِيُّ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: خَلَقَ اللَّهُ مَوْضِعَ البَيْتِ الحَرامِ مِن قَبْلِ أنْ يَخْلُقَ شَيْئًا مِنَ الأرْضِ بِألْفَيْ سَنَةٍ، وأرْكانُهُ في الأرْضِ السّابِعَةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عَلْباءَ بْنِ أحْمَرَ أنَّ ذا القَرْنَيْنِ قَدِمَ مَكَّةَ فَوَجَدَ إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ يَبْنِيانِ قَواعِدَ البَيْتِ مِن خَمْسَةِ أجْبُلٍ فَقالَ: ما لَكُما (p-٦٦٣)ولِأرْضِي؟ فَقالا: نَحْنُ عَبْدانِ مَأْمُورانِ أُمِرْنا بِبِناءِ هَذِهِ الكَعْبَةِ. قالَ: فَهاتا بِالبَيِّنَةِ عَلى ما تَدَّعِيانِ، فَقامَ خَمْسَةُ أكْبُشٍ فَقُلْنَ: نَحْنُ نَشْهَدُ أنَّ إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ عَبْدانِ مَأْمُورانِ، أُمِرا بِبِناءِ هَذِهِ الكَعْبَةِ. فَقالَ: قَدْ رَضِيتُ وسَلَّمْتُ. ثُمَّ مَضى.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ قالَ: ذُكِرَ لَنا أنَّ الحَرَمَ حَرَمٌ بِحِيالِهِ إلى العَرْشِ، وذُكِرَ لَنا أنَّ البَيْتَ هَبَطَ مَعَ آدَمَ حِينَ هَبَطَ، قالَ اللَّهُ لَهُ: أُهْبِطُ مَعَكَ بَيْتِي يُطافُ حَوْلَهُ كَما يُطافُ حَوْلَ عَرْشِي. فَطافَ آدَمُ حَوْلَهُ ومَن كانَ بَعْدَهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ، حَتّى إذا كانَ زَمَنُ الطُّوفانِ حِينَ أغْرَقَ اللَّهُ قَوْمَ نُوحٍ رَفَعَهُ وطَهَّرَهُ، فَلَمْ تُصِبْهُ عُقُوبَةُ أهْلِ الأرْضِ، فَتَتَبَّعَ مِنهُ آدَمُ أثَرًا فَبَناهُ عَلى أساسٍ قَدِيمٍ كانَ قَبْلَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: بُنِيَ البَيْتُ مِن أرْبَعَةِ أجْبُلٍ، مِن حِراءَ وطُورِ زَيْتا وطُورِ سَيْناءَ ولُبْنانَ.
وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في “ الدَّلائِلِ “ عَنِ السُّدِّيِّ قالَ: خَرَجَ آدَمُ مِنَ الجَنَّةِ ومَعَهُ حَجَرٌ في يَدِهِ ووَرَقٌ في الكَفِّ الآخَرِ، فَبَثَّ الوَرَقَ في الهِنْدِ، فَمِنهُ ما تَرَوْنَ مِنَ الطِّيبِ، وأمّا الحَجَرُ فَكانَ ياقُوتَةً بَيْضاءَ يُسْتَضاءُ بِها، فَلَمّا بَنى إبْراهِيمُ البَيْتَ فَبَلَغَ مَوْضِعَ الحَجَرِ قالَ لِإسْماعِيلَ: ائْتِنِي بِحَجَرٍ أضَعُهُ هَهُنا، فَأتاهُ بِحَجَرٍ مِنَ الجَبَلِ فَقالَ: غَيْرَ هَذا، فَرَدَّهُ مِرارًا لا يَرْضى ما يَأْتِيهِ بِهِ، فَذَهَبَ مَرَّةً، وجاءَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ (p-٦٦٤)السَّلامُ بِحَجَرٍ مِنَ الهِنْدِ الَّذِي خَرَجَ بِهِ آدَمُ مِنَ الجَنَّةِ، فَوَضَعَهُ، فَلَمّا جاءَ إسْماعِيلُ قالَ: مَن جاءَكَ بِهَذا؟ قالَ: مَن هو أنْشَطُ مِنكَ.
وأخْرَجَ الثَّعْلَبِيُّ قالَ: سَمِعْتُ أبا القاسِمِ الحَسَنَ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ حَبِيبٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ أبا بَكْرٍ مُحَمَّدَ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ أحْمَدَ القَطّانَ البَلْخِيَّ -وكانَ عالِمًا بِالقُرْآنِ- يَقُولُ: كانَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ يَتَكَلَّمُ بِالسُّرْيانِيَّةِ، وإسْماعِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ يَتَكَلَّمُ بِالعَرَبِيَّةِ، وكُلُّ واحِدٍ مِنهُما يَعْرِفُ ما يَقُولُ صاحِبُهُ ولا يُمْكِنُهُ التَّفَوُّهُ بِهِ، فَكانَ إبْراهِيمُ يَقُولُ لِإسْماعِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ: هَلْ لِي كَبِيبًا - يَعْنِي ناوِلْنِي حَجَرًا - ويَقُولُ لَهُ إسْماعِيلُ: هاكِ الحَجَرَ فَخُذْهُ، قالَ: فَبَقِيَ مَوْضِعُ حَجَرٍ، فَذَهَبَ إسْماعِيلُ يَبْغِيهِ، فَجاءَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِحَجَرٍ مِنَ السَّماءِ فَأتى إسْماعِيلُ وقَدْ رَكَّبَ إبْراهِيمُ الحَجَرَ في مَوْضِعِهِ، فَقالَ: يا أبَهْ مَن أتاكَ بِهَذا في مَوْضِعِهِ؟ قالَ: أتانِي بِهِ مَن لَمْ يَتَّكِلْ عَلى بِنائِكَ. فَأتَمّا البَيْتَ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وإذْ يَرْفَعُ إبْراهِيمُ القَواعِدَ مِنَ البَيْتِ وإسْماعِيلُ﴾ .
وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ شِهابٍ قالَ: «لَمّا بَلَغَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الحُلُمَ أجْمَرَتِ امْرَأةٌ الكَعْبَةَ، فَطارَتْ شَرارَةٌ مِن مِجْمَرَتِها في ثِيابِ الكَعْبَةِ، فاحْتَرَقَتْ فَهَدَمُوها، حَتّى إذا بَنَوْها فَبَلَغُوا مَوْضِعَ الرُّكْنِ اخْتَصَمَتْ قُرَيْشٌ في الرُّكْنِ، أيُّ القَبائِلِ تَلِي رَفْعَهُ؛ فَقالُوا: تَعالَوْا نُحَكِّمْ أوَّلَ مَن يَطْلُعُ عَلَيْنا، فَطَلَعَ عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وهو غُلامٌ، عَلَيْهِ وِشاحٌ نَمِرَةٌ، فَحَكَّمُوهُ فَأمَرَ بِالرُّكْنِ، فَوُضِعَ في ثَوْبٍ، ثُمَّ (p-٦٦٥)أخْرَجَ سَيِّدَ كُلِّ قَبِيلَةٍ فَأعْطاهُ ناحِيَةً مِنَ الثَّوْبِ، ثُمَّ ارْتَقى هو فَرَفَعُوا إلَيْهِ الرُّكْنَ فَكانَ هو يَضَعُهُ، ثُمَّ طَفِقَ لا يَزْدادُ عَلى السِّنِّ إلّا رِضًا، حَتّى دَعَوْهُ الأمِينَ قَبْلَ أنْ يَنْزِلَ عَلَيْهِ الوَحْيُ، فَطَفِقُوا لا يَنْحَرُونَ جَزُورًا إلّا التَمَسُوهُ فَيَدْعُو لَهم فِيها» .
وأخْرَجَ أبُو الوَلِيدِ الأزْرَقِيُّ في ”تارِيخِ مَكَّةَ“ عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ قالَ: قالَ كَعْبُ الأحْبارِ: كانَتِ الكَعْبَةُ غُثاءً عَلى الماءِ قَبْلَ أنْ يَخْلُقَ اللَّهُ السَّماواتِ والأرْضَ بِأرْبَعِينَ سَنَةً ومِنها دُحِيَتِ الأرْضُ.
وأخْرَجَ الأزْرَقِيُّ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: خَلَقَ اللَّهُ هَذا البَيْتَ قَبْلَ أنْ يَخْلُقَ شَيْئًا مِنَ الأرَضِينَ.
وأخْرَجَ الأزْرَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: لَمّا كانَ العَرْشُ عَلى الماءِ قَبْلَ أنْ يَخْلُقَ اللَّهُ السَّماواتِ والأرْضَ، بَعَثَ اللَّهُ تَعالى رِيحًا هَفّافَةً فَصَفَقَتِ الرِّيحُ الماءَ، فَأبْرَزَتْ عَنْ حَشَفَةٍ في مَوْضِعِ البَيْتِ كَأنَّها قُبَّةٌ، فَدَحا اللَّهُ الأرْضَ مِن تَحْتِها، فَمادَتْ ثُمَّ مادَتْ، فَأوْتَدَها اللَّهُ بِالجِبالِ، فَكانَ أوَّلَ جَبَلٍ وُضِعَ فِيهِ أبُو قُبَيْسٍ؛ فَلِذَلِكَ سُمِّيَتْ أُمَّ القُرى.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانَ البَيْتُ عَلى أرْبَعَةِ أرْكانٍ في (p-٦٦٦)الماءِ قَبْلَ أنْ تُخْلَقَ السَّماواتُ والأرْضُ، فَدُحِيَتِ الأرْضُ مِن تَحْتِهِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: دُحِيَتِ الأرْضُ مِن تَحْتِ الكَعْبَةِ.
وأخْرَجَ الأزْرَقِيُّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنِ، أنَّ رَجُلًا سَألَهُ: ما بَدْءُ هَذا الطَّوافِ بِهَذا البَيْتِ؟ لِمَ كانَ وأنّى كانَ وحَيْثُ كانَ؟ فَقالَ: بَدْءُ هَذا الطَّوافِ بِهَذا البَيْتِ، فَإنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ لِلْمَلائِكَةِ ﴿إنِّي جاعِلٌ في الأرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: ٣٠] فَقالَتِ المَلائِكَةُ: أيْ رَبِّ، أخَلِيفَةٌ مِن غَيْرِنا مِمَّنْ يُفْسِدُ فِيها ويَسْفِكُ الدِّماءَ ويَتَحاسَدُونَ ويَتَباغَضُونَ ويَتَباغَوْنَ؟ أيْ رَبِّ، اجْعَلْ ذَلِكَ الخَلِيفَةَ مِنّا، فَنَحْنُ لا نُفْسِدُ فِيها، ولا نَسْفِكُ الدِّماءَ، ولا نَتَباغَضُ، ولا نَتَحاسَدُ، ولا نُتَباغى، ونَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ ونُقَدِّسُ لَكَ ونُطِيعُكَ ولا نَعْصِيكَ، قالَ اللَّهُ تَعالى ﴿إنِّي أعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٣٠] [ البَقَرَةِ: ٣٠ ] قالَ: فَظَنَّتِ المَلائِكَةُ أنَّ ما قالُوا رَدٌّ عَلى رَبِّهِمْ عَزَّ وجَلَّ وأنَّهُ قَدْ غَضِبَ عَلَيْهِمْ مِن قَوْلِهِمْ، فَلاذُوا بِالعَرْشِ، ورَفَعُوا رُءُوسَهُمْ، وأشارُوا بِالأصابِعِ يَتَضَرَّعُونَ ويَبْكُونَ، إشْفاقًا لِغَضَبِهِ، فَطافُوا بِالعَرْشِ ثَلاثَ ساعاتٍ، فَنَظَرَ اللَّهُ إلَيْهِمْ، فَنَزَلَتِ الرَّحْمَةُ عَلَيْهِمْ، فَوَضَعَ اللَّهُ سُبْحانَهُ تَحْتَ العَرْشِ بَيْتًا عَلى أرْبَعِ أساطِينَ مِن زَبَرْجَدٍ، وغَشّاهُنَّ بِياقُوتَةٍ حَمْراءَ، وسَمّى البَيْتَ الضُّراحَ ثُمَّ قالَ اللَّهُ لِلْمَلائِكَةِ: طُوفُوا بِهَذا البَيْتِ ودَعُوا العَرْشَ. فَطافَتِ (p-٦٦٧)المَلائِكَةُ بِالبَيْتِ وتَرَكُوا العَرْشَ، فَصارَ أهْوَنَ عَلَيْهِمْ وهو البَيْتُ المَعْمُورُ الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّهُ، يَدْخُلُهُ كُلَّ يَوْمٍ ولَيْلَةٍ سَبْعُونَ ألْفَ مَلِكٍ لا يَعُودُونَ فِيهِ أبَدًا، ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعالى بَعَثَ مَلائِكَتَهُ فَقالَ: ابْنُوا لِي بَيْتًا في الأرْضِ بِمِثالِهِ وقَدْرِهِ. فَأمَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ مَن في الأرْضِ مِن خَلْقِهِ أنْ يَطُوفُوا بِهَذا البَيْتِ كَما يَطُوفُ أهْلُ السَّماءِ بِالبَيْتِ المَعْمُورِ.
وأخْرَجَ الأزْرَقِيُّ عَنْ لَيْثِ بْنِ مُعاذٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «هَذا البَيْتُ خامِسُ خَمْسَةَ عَشَرَ بَيْتًا؛ سَبْعَةٌ مِنها في السَّماءِ، وسَبْعَةٌ مِنها إلى تُخُومِ الأرْضِ السُّفْلى، وأعْلاها الَّذِي يَلِي العَرْشَ؛ البَيْتُ المَعْمُورُ لِكُلِّ بَيْتٍ مِنها حَرَمٌ كَحَرَمٍ هَذا البَيْتِ، لَوْ سَقَطَ مِنها بَيْتٌ لَسَقَطَ بَعْضُها عَلى بَعْضٍ إلى تُخُومِ الأرْضِ السُّفْلى، ولِكُلِّ بَيْتٍ مِن أهْلِ السَّماءِ ومَن أهْلِ الأرْضِ مَن يَعْمُرُهُ كَما يُعْمَرُ هَذا البَيْتُ» .
وأخْرَجَ الأزْرَقِيُّ عَنْ عَمْرِو بْنِ يَسارٍ المَكِّيِّ قالَ: بَلَغَنِي أنَّ اللَّهَ إذا أرادَ أنْ يَبْعَثَ مَلَكًا مِنَ المَلائِكَةِ لِبَعْضِ أُمُورِهِ في الأرْضِ، اسْتَأْذَنَهُ ذَلِكَ المَلَكُ في الطَّوافِ بِبَيْتِهِ، فَهَبَطَ المَلَكُ مُهِلًّا.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، والأزْرَقِيُّ عَنْ وهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ، قالَ: لَمّا تابَ اللَّهُ عَلى (p-٦٦٨)آدَمَ أمَرَهُ أنْ يَسِيرَ إلى مَكَّةَ فَطَوى لَهُ المَفاوِزَ والأرْضَ فَصارَ كُلُّ مَفازَةٍ يَمُرُّ بِها خَطْوَةً، وقَبَضَ لَهُ ما كانَ فِيها مِن مَخاضٍ أوْ بَحْرٍ فَجَعَلَهُ لَهُ خُطْوَةً، فَلَمْ يَضَعْ قَدَمَهُ في شَيْءٍ مِنَ الأرْضِ، إلّا صارَ عُمْرانًا وبَرَكَةً حَتّى انْتَهى إلى مَكَّةَ، وكانَ قَبْلَ ذَلِكَ قَدِ اشْتَدَّ بُكاؤُهُ وحُزْنُهُ، لِما كانَ بِهِ مِن عِظَمِ المُصِيبَةِ، حَتّى إنْ كانَتِ المَلائِكَةُ لَتَبْكِي لِبُكائِهِ وتَحْزَنُ لِحُزْنِهِ، فَعَزّاهُ اللَّهُ بِخَيْمَةٍ مِن خِيامِ الجَنَّةِ، وضَعَها لَهُ بِمَكَّةَ في مَوْضِعِ الكَعْبَةِ قَبْلَ أنْ تَكُونَ الكَعْبَةُ، وتِلْكَ الخَيْمَةُ ياقُوتَةٌ حَمْراءُ مِن يَواقِيتِ الجَنَّةِ، فِيها ثَلاثَةُ قَنادِيلَ مِن ذَهَبٍ، فِيها نُورٌ يَلْتَهِبُ مِن نُورِ الجَنَّةِ، ونَزَلَ مَعَها يَوْمَئِذٍ الرُّكْنُ وهو يَوْمَئِذٍ ياقُوتَةٌ بَيْضاءُ مِن رَبَضِ الجَنَّةِ، وكانَ كُرْسِيًّا لِآدَمَ يَجْلِسُ عَلَيْهِ، فَلَمّا صارَ آدَمُ بِمَكَّةَ حَرَسَهُ اللَّهُ وحَرَسَ لَهُ تِلْكَ الخَيْمَةَ بِالمَلائِكَةِ، كانُوا يَحْرُسُونَها ويَذُودُونَ عَنْها سُكّانَ الأرْضِ، وساكِنُها يَوْمَئِذٍ الجِنُّ والشَّياطِينُ، ولا يَنْبَغِي لَهم أنْ يَنْظُرُوا إلى شَيْءٍ مِنَ الجَنَّةِ؛ لِأنَّهُ مَن نَظَرَ إلى شَيْءٍ مِنَ الجَنَّةِ وجَبَتْ لَهُ، والأرْضُ يَوْمَئِذٍ طاهِرَةٌ نَقِيَّةٌ طَيِّبَةٌ لَمْ تُنَجَّسْ ولَمْ يُسْفَكْ فِيها الدَّمُ، ولَمْ يُعْمَلْ فِيها بِالخَطايا، فَلِذَلِكَ جَعَلَها اللَّهُ مَسْكَنَ المَلائِكَةَ وجَعَلَهم فِيها كَما كانُوا في السَّماءِ ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ والنَّهارَ لا يَفْتُرُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٠] .
وكانَ وُقُوفُهم عَلى أعْلامِ الحَرَمِ صَفًّا واحِدًا مُسْتَدِيرِينَ بِالحَرَمِ كُلِّهِ، الحِلُّ مِن خَلْفِهِمْ والحَرَمُ كُلُّهُ مِن أمامِهِمْ، (p-٦٦٩)ولا يَجُوزُهم جِنِّيٌّ ولا شَيْطانٌ ومِن أجْلِ مُقامِ المَلائِكَةِ حُرِّمَ الحَرَمُ حَتّى اليَوْمِ، ووُضِعَتْ أعْلامُهُ حَيْثُ كانَ مُقامُ المَلائِكَةِ وحَرَّمَ اللَّهُ عَلى حَوّاءَ دُخُولَ الحَرَمِ والنَّظَرَ إلى خَيْمَةِ آدَمَ؛ مِن أجْلِ خَطِيئَتِها الَّتِي أخْطَأتْ في الجَنَّةِ، فَلَمْ تَنْظُرْ إلى شَيْءٍ مِن ذَلِكَ حَتّى قُبِضَتْ، وإنَّ آدَمَ إذا أرادَ لِقاءَها لَيْلَةً، لِيُلِمَّ بِها لِلْوَلَدِ خَرَجَ مِنَ الحَرَمِ كُلِّهِ حَتّى يَلْقاها، فَلَمْ تَزَلْ خَيْمَةُ آدَمَ مَكانَها حَتّى قَبَضَ اللَّهُ آدَمَ، ورَفَعَها إلَيْهِ، وبَنى بَنُو آدَمَ بِها مِن بَعْدِها مَكانَها بَيْتًا بِالطِّينِ والحِجارَةِ، فَلَمْ يَزَلْ مَعْمُورًا يَعْمُرُونَهُ ومَن بَعْدَهم حَتّى كانَ زَمَنُ نُوحٍ فَنَسَفَهُ الغَرَقُ وخَفِيَ مَكانُهُ، فَلَمّا بَعَثَ اللَّهُ إبْراهِيمَ خَلِيلَهُ طَلَبَ الأساسَ الأوَّلَ الَّذِي وُضِعَ بَنُو آدَمَ في مَوْضِعِ الخَيْمَةِ، فَلَمْ يَزَلْ يَحْفِرُ حَتّى وصَلَ إلى القَواعِدِ الَّتِي وضَعَ بَنُو آدَمَ في مَوْضِعِ الخَيْمَةِ، فَلَمّا وصَلَ إلَيْها ظَلَّلَ اللَّهُ لَهُ مَكانَ البَيْتِ بِغَمامَةٍ فَكانَتْ حِفافَ البَيْتِ الأوَّلِ، ثُمَّ لَمْ تَزَلْ راكِدَةً عَلى حِفافِهِ تُظِلُّ إبْراهِيمَ وتَهْدِيهِ مَكانَ القَواعِدِ حَتّى رَفَعَ القَواعِدَ قامَةً، ثُمَّ انْكَشَفَتِ الغَمامَةُ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ ﴿وإذْ بَوَّأْنا لإبْراهِيمَ مَكانَ البَيْتِ﴾ [الحج: ٢٦] [ الحَجِّ: ٢٦ ] لِلْغَمامَةِ الَّتِي رَكَدَتْ عَلى الحِفافِ لِتَهْدِيَهُ مَكانَ القَواعِدِ، فَلَمْ يَزَلْ بِحَمْدِ اللَّهِ مُذْ رَفَعَهُ اللَّهُ مَعْمُورًا. قالَ وهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: وقَرَأْتُ في كِتابٍ مِن كُتُبِ الأُوَلِ ذُكِرَ فِيهِ أمْرُ الكَعْبَةِ فَوُجِدَ فِيهِ: أنْ (p-٦٧٠)لَيْسَ مِن مَلَكٍ بَعَثَهُ اللَّهُ إلى الأرْضِ إلّا أمَرَهُ بِزِيارَةِ البَيْتِ، فَيَنْقَضُّ مِن عِنْدِ العَرْشِ مُحْرِمًا مُلَبِّيًا حَتّى يَسْتَلِمَ الحَجَرَ، ثُمَّ يَطُوفُ سَبْعًا بِالبَيْتِ ويُصَلِّي في جَوْفِهِ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ يَصْعَدُ.
وأخْرَجَ الجَنَدِيُّ في ”فَضائِلِ مَكَّةَ“ عَنْ وهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ قالَ: ما بَعَثَ اللَّهُ مَلَكًا قَطُّ ولا سَحابَةً فَيَمُرُّ حَيْثُ بُعِثَ حَتّى يَطُوفَ بِالبَيْتِ، ثُمَّ يَمْضِي حَيْثُ أُمِرَ.
وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في “ الدَّلائِلِ “ عَنِ ابْنِ عَمْرٍو قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «بَعَثَ اللَّهُ جِبْرِيلَ إلى آدَمَ وحَوّاءَ، فَقالَ لَهُما: ابْنِيا لِي بَيْتًا، فَخَطَّ لَهُما جِبْرِيلُ، فَجَعَلَ آدَمُ يَحْفِرُ وحَوّاءُ تَنْقُلُ حَتّى أجابَهُ الماءُ، نُودِيَ مِن تَحْتِهِ: حَسْبُكَ يا آدَمُ. فَلَمّا بَنَياهُ أوْحى اللَّهُ إلَيْهِ: أنْ يَطُوفَ بِهِ، وقِيلَ لَهُ: أنْتَ أوَّلُ النّاسِ، وهَذا أوَّلُ بَيْتٍ. ثُمَّ تَناسَخَتِ القُرُونُ حَتّى حَجَّةُ نُوحٌ ثُمَّ تَناسَخَتِ القُرُونُ حَتّى رَفَعَ إبْراهِيمُ القَواعِدَ مِنهُ» .
وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ، والأزْرَقِيُّ، والبَيْهَقِيُّ في “ الدَّلائِلِ “ عَنْ عُرْوَةَ قالَ: ما مِن نَبِيٍّ إلّا وقَدْ حَجَّ البَيْتَ، إلّا ما كانَ مِن هُودٍ وصالِحٍ، ولَقَدْ حَجَّهُ نُوحٌ، فَلَمّا كانَ في الأرْضِ ما كانَ مِنَ الغَرَقِ، أصابَ البَيْتَ ما أصابَ الأرْضَ، وكانَ البَيْتُ رَبْوَةً حَمْراءَ، فَبَعَثَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ هُودًا، فَتَشاغَلَ بِأمْرِ قَوْمِهِ حَتّى قَبَضَهُ اللَّهُ (p-٦٧١)إلَيْهِ، فَلَمْ يَحُجَّهُ حَتّى ماتَ، فَلَمّا بَوَّأهُ اللَّهُ لِإبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ حَجَّهُ ثُمَّ لَمْ يَبْقَ نَبِيٌّ بَعْدَهُ إلّا حَجَّهُ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ في “ الزُّهْدِ “ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: حَجُّ البَيْتَ سَبْعُونَ نَبِيًّا، مِنهم مُوسى بْنُ عِمْرانَ، عَلَيْهِ عَباءَتانِ قَطَوانِيَّتانِ، ومِنهم يُونُسُ، يَقُولُ: لَبَّيْكَ كاشِفَ الكَرْبِ.
وأخْرَجَ الأزْرَقِيُّ، وأبُو الشَّيْخِ في “ العَظَمَةِ “، وابْنُ عَساكِرَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: لَمّا أهْبَطَ اللَّهُ آدَمَ إلى الأرْضِ مِنَ الجَنَّةِ، كانَ رَأْسُهُ في السَّماءِ ورِجْلاهُ في الأرْضِ، وهو مِثْلُ الفُلْكِ مِن رِعْدَتِهِ فَطَأْطَأ اللَّهُ مِنهُ إلى سِتِّينَ ذِراعًا، فَقالَ: يا رَبِّ ما لِي لا أسْمَعُ أصْواتَ المَلائِكَةِ ولا حِسَّهُمْ؟ قالَ: خَطِيئَتُكَ يا آدَمُ، ولَكِنِ اذْهَبْ فابْنِ لِي بَيْتًا فَطُفْ بِهِ، واذْكُرْنِي حَوْلَهُ كَنَحْوِ ما رَأيْتَ المَلائِكَةَ تَصْنَعُ حَوْلَ عَرْشِي. فَأقْبَلَ آدَمُ يَتَخَطّى فَطُوِيَتْ لَهُ الأرْضُ، وقَبَضَ اللَّهُ لَهُ المَفاوِزَ، فَصارَتْ كُلُّ مَفازَةٍ يَمُرُّ بِها خُطْوَةً، وقَبَضَ اللَّهُ ما كانَ فِيها مِن مَخاضٍ أوْ بَحْرٍ، فَجَعَلَهُ لَهُ خُطْوَةً، ولَمْ يَقَعْ قَدَمُهُ في شَيْءٍ مِنَ الأرْضِ إلّا صارَ عُمْرانًا وبِرْكَةً، حَتّى (p-٦٧٢)انْتَهى إلى مَكَّةَ فَبَنى البَيْتَ الحَرامَ، وإنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ ضَرَبَ بِجَناحِهِ الأرْضَ، فَأبْرَزَ عَنْ أُسٍّ ثابِتٍ عَلى الأرْضِ السّابِعَةِ، فَقَذَفَتْ فِيهِ المَلائِكَةُ الصَّخْرَ، ما يُطِيقُ الصَّخْرَةَ مِنها ثَلاثُونَ رَجُلًا، وإنَّهُ بَناهُ مِن خَمْسَةِ أجْبُلٍ، مِن لُبْنانَ، وطُورِ زَيْتا، وطُورِ سَيْناءَ، والجُودِيِّ، وحِراءَ، حَتّى اسْتَوى عَلى وجْهِ الأرْضِ، فَكانَ أوَّلَ مَن أسَّسَ البَيْتَ وصَلّى فِيهِ وطافَ آدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ، حَتّى بَعَثَ اللَّهُ الطُّوفانَ، فَكانَ غَضَبًا ورِجْسًا، فَحَيْثُما انْتَهى الطُّوفانُ ذَهَبَ رِيحُ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، ولَمْ يَقْرَبِ الطُّوفانُ أرْضَ السِّنْدِ والهِنْدِ فَدَرَسَ مَوْضِعُ البَيْتِ في الطُّوفانِ، حَتّى بَعَثَ اللَّهُ إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ عَلَيْهِما السَّلامُ، فَرَفَعا قَواعِدَهُ وأعْلامَهُ، ثُمَّ بَنَتْهُ قُرَيْشٌ بَعْدَ ذَلِكَ، وهو بِحِذاءِ البَيْتِ المَعْمُورِ، لَوْ سَقَطَ ما سَقَطَ إلّا عَلَيْهِ.
وأخْرَجَ الأزْرَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: لَمّا أهْبَطَ اللَّهُ آدَمَ إلى الأرْضِ أهْبَطَهُ إلى مَوْضِعِ البَيْتِ الحَرامِ، وهو مِثْلُ الفُلْكِ مِن رِعْدَتِهِ، ثُمَّ أنْزَلَ عَلَيْهِ الحَجَرَ الأسْوَدَ وهو يَتَلَأْلَأُ مِن شِدَّةِ بَياضِهِ، فَأخَذَهُ آدَمُ فَضَمَّهُ إلَيْهِ أُنْسًا بِهِ، ثُمَّ نَزَّلَ عَلَيْهِ العَصا فَقِيلَ لَهُ: تَخَطَّ يا آدَمُ فَتَخَطّى، فَإذا هو بِأرْضِ الهِنْدِ والسِّنْدِ فَمَكَثَ بِذَلِكَ ما شاءَ اللَّهُ، ثُمَّ اسْتَوْحَشَ إلى الرُّكْنِ، فَقِيلَ لَهُ: احْجُجْ.
(p-٦٧٣)فَحَجَّ فَلَقِيَتْهُ المَلائِكَةُ فَقالُوا: بَرَّ حَجُّكَ يا آدَمُ، ولَقَدْ حَجَجْنا هَذا البَيْتَ قَبْلَكَ بِألْفَيْ عامٍ.
وأخْرَجَ الأزْرَقِيُّ عَنْ أبانٍ، أنَّ البَيْتَ أُهْبِطَ ياقُوتَةً واحِدَةً أوْ دُرَّةً واحِدَةً.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانَ البَيْتُ مِن ياقُوتَةٍ حَمْراءَ ويَقُولُونَ: مِن زُمُرُّدَةٍ خَضْراءَ.
وأخْرَجَ الأزْرَقِيُّ عَنْ عَطاءِ بْنِ أبِي رَباحٍ قالَ: لَمّا بَنى ابْنُ الزُّبَيْرِ الكَعْبَةَ أمَرَ العُمّالَ أنْ يَبْلُغُوا في الأرْضِ، فَبَلَغُوا صَخْرًا أمْثالَ الإبِلِ الخَلِفِ، قالَ زَيْدٌ: فاحْفُرُوا، فَلَمّا زادُوا بَلَغُوا هَواءً مِن نارٍ يَلْقاهُمْ، فَقالَ: ما لَكم ؟ قالُوا: لَسْنا نَسْتَطِيعُ أنْ نَزِيدَ؛ رَأْيَنا أمْرًا عَظِيمًا، فَقالَ لَهُمُ: ابْنُوا عَلَيْهِ، قالَ عَطاءٌ: يَرَوْنَ أنَّ ذَلِكَ الصَّخْرَ مِمّا بَنى آدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ.
وأخْرَجَ الأزْرَقِيُّ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي زِيادٍ قالَ: لَمّا أهْبَطَ اللَّهُ آدَمَ مِنَ الجَنَّةِ قالَ: يا آدَمُ ابْنِ لِي بَيْتًا بِحِذاءٍ بَيْتِي الَّذِي في السَّماءِ تَتَعَبَّدُ فِيهِ أنْتَ ووَلَدُكَ كَما يَتَعَبَّدُ مَلائِكَتِي حَوْلَ عَرْشِي. فَهَبَطَتْ عَلَيْهِ المَلائِكَةُ فَحَفَرَ حَتّى بَلَغَ الأرْضَ السّابِعَةَ، فَقَذَفَتْ فِيهِ المَلائِكَةُ الصَّخْرَ حَتّى أشْرَفَ عَلى وجْهِ الأرْضِ، (p-٦٧٤)وهَبَطَ آدَمُ بِياقُوتَةٍ حَمْراءَ مُجَوَّفَةٍ لَها أرْبَعَةُ أرْكانٍ بِيضٍ، فَوَضَعَها عَلى الأساسِ فَلَمْ تَزَلِ الياقُوتَةُ كَذَلِكَ حَتّى كانَ زَمَنُ الغَرَقِ فَرَفَعَها اللَّهُ.
وأخْرَجَ الأزْرَقِيُّ عَنْ عُثْمانَ بْنِ ساجٍ قالَ: حُدِّثْتُ أنَّ ”آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ خَرَجَ حَتّى قَدِمَ مَكَّةَ، فَبَنى البَيْتَ، فَلَمّا فَرَغَ مِن بِنائِهِ، قالَ: أيْ رَبِّ، إنَّ لِكُلِّ أجِيرٍ أجْرًا، وإنَّ لِي أجْرًا، قالَ: نَعَمْ، فَسَلْنِي، قالَ: أيْ رَبِّ، تَرُدُّنِي مِن حَيْثُ أخْرَجْتَنِي، قالَ: نَعَمْ، ذَلِكَ لَكَ، قالَ: أيْ رَبِّ، ومَن خَرَجَ إلى هَذا البَيْتِ مِن ذُرِّيَّتِي يُقِرُّ عَلى نَفْسِهِ بِمِثْلِ الَّذِي قَرَرْتُ بِهِ مِن ذُنُوبِي، أنْ تَغْفِرَ لَهُ. قالَ: نَعَمْ، ذَلِكَ لَكَ“ .
وأخْرَجَ الأزْرَقِيُّ وأبُو الشَّيْخِ في ”العَظَمَةِ“، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ المُنْكَدِرِ، قالَ: كانَ أوَّلُ شَيْءٍ عَمِلَهُ آدَمُ حِينَ أُهْبِطَ مِنَ السَّماءِ، طافَ بِالبَيْتِ، فَلَقِيَتْهُ المَلائِكَةُ، فَقالُوا: بَرَّ نُسُكُكَ يا آدَمُ، طُفْنا بِهَذا البَيْتِ قَبْلَكَ بِألْفَيْ سَنَةٍ ”.
وأخْرَجَ الأزْرَقِيُّ عَنْ عُثْمانَ بْنِ ساجٍ قالَ: أخْبَرَنِي سَعِيدٌ أنَّ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ حَجَّ عَلى رِجْلَيْهِ سَبْعِينَ حِجَّةً ماشِيًا، وأنَّ المَلائِكَةَ لَقِيَتْهُ بِالمَأْزِمَيْنِ فَقالُوا: بَرَّ حَجُّكَ يا آدَمُ، أما إنّا قَدْ حَجَجْنا قَبْلَكَ بِألْفَيْ عامٍ.
(p-٦٧٥)وأخْرَجَ الأزْرَقِيُّ عَنْ مُقاتِلٍ يَرْفَعُ الحَدِيثَ إلى النَّبِيِّ ﷺ، «أنَّ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: أيْ رَبِّ إنِّي أعْرِفُ شِقْوَتِي لا أرى شَيْئًا مِن نُورِكَ يُعْبَدُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ البَيْتَ المَعْمُورَ عَلى عَرْضِ البَيْتِ، ومَوْضِعُهُ مِن ياقُوتِ الجَنَّةِ، ولَكِنَّ طُولَهُ ما بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ، وأمَرَهُ أنْ يَطُوفَ بِهِ، فَأذْهِبْ عَنْهُ الهَمَّ الَّذِي كانَ قَبْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ رُفِعَ عَلى عَهْدِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ» .
وأخْرَجَ الأزْرَقِيُّ مِن طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ مُجاهِدٍ، قالَ: بَلَغَنِي أنَّهُ لَمّا خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ والأرْضَ كانَ أوَّلَ شَيْءٍ وضَعَهُ فِيها البَيْتُ الحَرامُ، وهو يَوْمَئِذٍ ياقُوتَةٌ حَمْراءُ جَوْفاءُ لَها بابانِ: أحَدُهُما شَرْقِيٌّ، والآخَرُ غَرْبِيٌّ، فَجَعَلَهُ مُسْتَقْبِلَ البَيْتِ المَعْمُورِ، فَلَمّا كانَ زَمَنُ الغَرَقِ رُفِعَ في دِيباجَتَيْنِ، فَهو فِيهِما إلى يَوْمِ القِيامَةِ، واسْتَوْدَعَ اللَّهُ الرُّكْنَ أبا قُبَيْسٍ. قالَ: وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ:“ كانَ ذَهَبًا فَرُفِعَ في زَمانِ الغَرَقِ. قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ، قالَ جُوَيْبِرٌ: كانَ بِمَكَّةَ البَيْتُ المَعْمُورُ، فَرُفِعَ زَمانَ الغَرَقِ، فَهو في السَّماءِ. ”.
(p-٦٧٦)وأخْرَجَ الأزْرَقِيُّ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ قالَ: بَلَغَنِي أنَّ البَيْتَ وُضِعَ لِآدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ يَطُوفُ بِهِ، ويَعْبُدُ اللَّهَ عِنْدَهُ، وأنَّ نُوحًا قَدْ حَجَّهُ، وجاءَهُ، وعَظَّمَهُ قَبْلَ الغَرَقِ، فَلَمّا أصابَ الأرْضَ مِنَ الغَرَقِ، حِينَ أهْلَكَ اللَّهُ قَوْمَ نُوحٍ، أصابَ البَيْتَ ما أصابَ الأرْضَ مِنَ الغَرَقِ، فَكانَ رَبْوَةً حَمْراءَ، مَعْرُوفٌ مَكانُها، فَبَعَثَ اللَّهُ هُودًا إلى عادٍ، فَتَشاغَلَ بِأمْرِ قَوْمِهِ، حَتّى هَلَكَ ولَمْ يَحُجَّهُ، ثُمَّ بَعَثَ اللَّهُ صالِحًا إلى ثَمُودَ، فَتَشاغَلَ حَتّى هَلَكَ، ولَمْ يَحُجَّهُ، ثُمَّ بَوَّأهُ اللَّهُ لِإبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَحَجَّهُ، وعُلِّمَ مَناسِكَهُ، ودَعا إلى زِيارَتِهِ، ثُمَّ لَمْ يَبْعَثِ اللَّهُ نَبِيًّا بَعْدَ إبْراهِيمَ إلّا حَجَّهُ“ .
أخْرَجَ الأزْرَقِيُّ عَنْ أبِي قِلابَةَ، قالَ ”قالَ اللَّهُ لِآدَمَ: إنِّي مُهْبِطٌ مَعَكَ بَيْتِي، يُطافُ حَوْلَهُ، كَما يُطافُ حَوْلَ عَرْشِي، ويُصَلّى عِنْدَهُ، كَما يُصَلّى عِنْدَ عَرْشِي، فَلَمْ يَزَلْ حَتّى كانَ زَمَنُ الطُّوفانِ، فَرُفِعَ، حَتّى بُوِّئَ لِإبْراهِيمَ مَكانُهُ، فَبَناهُ مِن خَمْسَةِ أجْبُلٍ مِن حِراءَ، وثَبِيرَ، ولُبْنانَ، والطُّورِ، والجَبَلِ الأحْمَرِ“ .
وأخْرَجَ الجَنَدِيُّ عَنْ مَعْمَرٍ قالَ: إنَّ سَفِينَةَ نُوحٍ طافَتْ بِالبَيْتِ سَبْعًا، حَتّى إذا أغْرَقَ اللَّهُ قَوْمَ نُوحٍ رَفَعَهُ وبَقِيَ أساسُهُ، فَبَوَّأهُ اللَّهُ لِإبْراهِيمَ فَبَناهُ بَعْدَ ذَلِكَ، وذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذْ يَرْفَعُ إبْراهِيمُ القَواعِدَ مِنَ البَيْتِ وإسْماعِيلُ﴾ واسْتَوْدَعَ الرُّكْنَ أبا قُبَيْسٍ حَتّى إذا كانَ بِناءُ إبْراهِيمَ نادى أبُو قُبَيْسٍ إبْراهِيمَ فَقالَ: يا إبْراهِيمُ هَذا الرُّكْنُ، فَحَفَرَ عَنْهُ فَجَعَلَهُ في البَيْتِ حِينَ بَناهُ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ.
(p-٦٧٧)وأخْرَجَ الأصْبِهانِيُّ في ”تَرْغِيبِهِ“، وابْنُ عَساكِرَ عَنْ أنَسٍ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: أوْحى اللَّهُ إلى آدَمَ أنْ يا آدَمُ، حُجَّ هَذا البَيْتَ قَبْلَ أنْ يَحْدُثَ بِكَ حَدَثٌ قالَ: وما يَحْدُثُ عَلَيَّ يا رَبِّ؟ قالَ: ما لا تَدْرِي وهو المَوْتُ. قالَ: وما المَوْتُ؟ قالَ: سَوْفَ تَذُوقُ. قالَ: ومَن أسْتَخْلِفُ في أهْلِي؟ قالَ: اعْرِضْ ذَلِكَ عَلى السَّماواتِ والأرْضِ والجِبالِ، فَعَرَضَ عَلى السَّماواتِ فَأبَتْ، وعَرَضَ عَلى الأرْضِ فَأبَتْ، وعَرَضَ عَلى الجِبالِ فَأبَتْ، وقَبِلَهُ ابْنُهُ قاتِلُ أخِيهِ، فَخَرَجَ آدَمُ مِن أرْضِ الهِنْدِ حاجًّا، فَما نَزَلَ مَنزِلًا أكَلَ فِيهِ وشَرِبَ إلّا صارَ عُمْرانًا بَعْدَهُ وقُرًى حَتّى قَدِمَ مَكَّةَ فاسْتَقْبَلَتْهُ المَلائِكَةُ بِالبَطْحاءِ فَقالُوا: السَّلامُ عَلَيْكَ يا آدَمُ، بَرَّ حَجُّكَ، أما إنّا قَدْ حَجَجْنا هَذا البَيْتَ قَبْلَكَ بِألْفَيْ عامٍ، قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: والبَيْتُ يَوْمَئِذٍ ياقُوتَةٌ حَمْراءُ جَوْفاءُ لَها بابانِ، مَن يَطُوفُ يَرى مَن في جَوْفِ البَيْتِ، ومَن في جَوْفِ البَيْتِ يَرى مَن يَطُوفُ، فَقَضى آدَمُ نُسُكَهُ فَأوْحى اللَّهُ إلَيْهِ: يا آدَمُ قَضَيْتَ نُسُكَكَ؟ قالَ: نَعَمْ يا رَبِّ. قالَ: فَسَلْ حاجَتَكَ تُعْطَ. قالَ: حاجَتِي أنْ تَغْفِرَ لِي ذَنْبِي وذَنْبَ ولَدِي. قالَ: أمّا ذَنْبُكَ يا آدَمُ فَقَدْ غَفَرْناهُ حِينَ وقَعْتَ بِذَنْبِكَ، وأمّا ذَنْبُ ولَدِكَ فَمَن عَرَفَنِي وآمَنَ بِي وصَدَّقَ رُسُلِي وكِتابِي غَفَرْنا لَهُ ذَنْبَهُ» .
وأخْرَجَ ابْنُ خُزَيْمَةَ، وأبُو الشَّيْخِ في “ العَظَمَةِ “ والدَّيْلَمِيُّ (p-٦٧٨)عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «إنَّ آدَمَ أتى هَذا البَيْتَ ألْفَ أتْيَةٍ لَمْ يَرْكَبْ قَطُّ فِيهِنَّ، مِنَ الهِنْدِ عَلى رِجْلَيْهِ، مِن ذَلِكَ ثَلاثُمِائَةِ حَجَّةٍ وسَبْعُمِائَةِ عُمْرَةٍ، وأوَّلُ حَجَّةٍ حَجَّها آدَمُ وهو واقِفٌ بِعَرَفاتٍ أتاهُ جِبْرِيلُ، فَقالَ: يا آدَمُ بَرَّ نُسُكُكَ أما إنّا قَدْ طُفْنا بِهَذا البَيْتِ قَبْلَ أنْ تُخْلَقَ بِخَمْسِينَ ألْفَ سَنَةٍ» .
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: أوَّلُ مَن طافَ بِالبَيْتِ المَلائِكَةُ، وإنَّ ما بَيْنَ الحَجَرِ إلى الرُّكْنِ اليَمانِيِّ لَقُبُورٌ مِن قُبُورِ الأنْبِياءِ، كانَ النَّبِيُّ إذا آذاهُ قَوْمُهُ خَرَجَ مِن بَيْنِ أظْهُرِهِمْ فَعَبَدَ اللَّهَ فِيها حَتّى يَمُوتَ.
وأخْرَجَ الأزْرَقِيُّ، والبَيْهَقِيُّ في ”شُعَبِ الإيمانِ“ عَنْ وهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ، أنَّ آدَمَ لَمّا هَبَطَ إلى الأرْضِ اسْتَوْحَشَ فِيها لِما رَأى مِن سَعَتِها، ولَمْ يَرَ فِيها أحَدًا غَيْرَهُ، فَقالَ: يا رَبِّ ! أما لِأرْضِكَ هَذِهِ عامِرٌ يُسَبِّحُكَ فِيها، ويُقَدِّسُ لَكَ غَيْرِي ؟ قالَ اللَّهُ: إنِّي سَأجْعَلُ فِيها مِن ذُرِّيَّتِكَ مَن يُسَبِّحُ بِحَمْدِي، ويُقَدِّسُ لِي، وسَأجْعَلُ فِيها بُيُوتًا، تُرْفَعُ لِذِكْرِي، فَيُسَبِّحُنِي فِيها خَلْقِي، وسَأُبَوِّؤُكَ فِيها بَيْتًا أخْتارُهُ لِنَفْسِي، وأخْتَصُّهُ بِكَرامَتِي، وأُوثِرُهُ عَلى بُيُوتِ الأرْضِ كُلِّها بِاسْمِي، وأُسَمِّيهِ بَيْتِي، وأنْظِمُهُ بِعَظَمَتِي، وأجُوزُهُ بِحُرْمَتِي، وأجْعَلُهُ أحَقَّ البُيُوتِ كُلِّها وأوْلاها (p-٦٧٩)بِذِكْرِي، وأضَعُهُ في البُقْعَةِ المُبارَكَةُ الَّتِي اخْتَرْتُ لِنَفْسِي، فَإنِّي اخْتَرْتُ مَكانَهُ يَوْمَ خَلَقْتُ السَّماواتِ والأرْضَ، وقَبْلَ ذَلِكَ قَدْ كانَ بُغْيَتِي، فَهو صَفْوَتِي مِنَ البُيُوتِ، ولَسْتُ أُسْكِنُهُ، ولَيْسَ يَنْبَغِي لِي أنْ أُسْكِنَ البُيُوتَ، ولا يَنْبَغِي لَها أنْ تَحْمِلَنِي، أجْعَلُ ذَلِكَ البَيْتَ لَكَ، ولِمَن بَعْدَكَ حَرَمًا وأمْنًا، أُحَرِّمُ بِحُرْمَتِهِ ما فَوْقَهُ، وما تَحْتَهُ، وما حَوْلَهُ، فَمَن حَرَّمَهُ بِحُرْمَتِي فَقَدْ عَظَّمَ حُرْمَتِي، ومَن أحَلَّهُ فَقَدْ أباحَ حُرْمَتِي، مَن أمَّنَ أهْلَهُ فَقَدِ اسْتَوْجَبَ بِذَلِكَ أمانِي، ومَن أخافَهم فَقَدْ أخْفَرَنِي في ذِمَّتِي، ومَن عَظَّمَ شَأْنَهُ فَقَدْ عَظُمَ في عَيْنِي، ومَن تَهاوَنَ بِهِ صَغُرَ عِنْدِي، ولِكُلِّ مَلِكٍ حِيازَةٌ، وبَطْنُ مَكَّةَ حَوْزَتِي الَّتِي حُزْتُ لِنَفْسِي دُونَ خَلْقِي، فَأنا اللَّهُ ذُو بَكَّةَ، أهْلُها خَفْرَتِي، وجِيرانُ بَيْتِي، وعُمّارُها وزُوّارُها وفْدِي وأضْيافِي في كَنَفِي وضَمانِي وذِمَّتِي وجِوارِي، أجْعَلُهُ أوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنّاسِ، وأُعَمِّرُهُ بِأهْلِ السَّماءِ، وأهْلِ الأرْضِ، يَأْتُونَهُ أفْواجًا شُعْثًا غُبْرًا، عَلى كُلِّ ضامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ، يَعُجُّونَ بِالتَّكْبِيرِ عَجِيجًا، ويَرُجُّونَ بِالتَّلْبِيَةِ رَجِيجًا، فَمَنِ اعْتَمَرَهُ لا يُرِيدُ غَيْرِي فَقَدْ زارَنِي وضافَنِي ووَفَدَ إلَيَّ، ونَزَلَ بِي، فَحُقَّ لِي أنْ أُتْحِفَهُ بِكَرامَتِي، وحَقُّ الكَرِيمِ أنْ يُكْرِمَ وفْدَهُ وأضْيافَهُ وزُوّارَهُ، وأنْ يُسْعِفَ كُلَّ واحِدٍ مِنهم بِحاجَتِهِ، تَعْمُرُهُ يا آدَمُ ما كُنْتَ حَيًّا، ثُمَّ يَعْمُرُهُ مِن بَعْدِكَ الأُمَمُ والقُرُونُ والأنْبِياءُ، أُمَّةً بَعْدَ أُمَّةٍ، وقَرْنًا بَعْدَ قَرْنٍ، ونَبِيًّا بَعْدَ نَبِيٍّ، حَتّى يَنْتَهِيَ ذَلِكَ إلى نَبِيٍّ مِن ولَدِكَ يُقالُ لَهُ: مُحَمَّدٌ، وهو (p-٦٨٠)خاتَمُ النَّبِيِّينَ، فَأجْعَلُهُ مِن عُمّارِهِ وسُكّانِهِ وحُماتِهِ ووُلاتِهِ وحُجّابِهِ وسُقاتِهِ، يَكُونُ أمِينِي عَلَيْهِ ما كانَ حَيًّا، فَإذا انْقَلَبَ إلَيَّ وجَدَنِي قَدِ ادَّخَرْتُ لَهُ مِن أجْرِهِ ونَصِيبِهِ ما يَتَمَكَّنُ بِهِ لِلْقُرْبَةِ إلَيَّ والوَسِيلَةِ عِنْدِي، وأفْضَلِ المَنازِلِ في دارِ المُقامَةِ، واجْعَلُ اسْمَ ذَلِكَ البَيْتِ وذِكْرَهُ وشَرَفَهُ، ومَجْدَهُ، وثَناءَهُ، ومَكْرُمَتَهُ لِنَبِيٍّ مِن ولَدِكِ، يَكُونُ قُبَيْلَ هَذا النَّبِيِّ وهو أبُوهُ يُقالُ لَهُ: إبْراهِيمُ. أرْفَعُ لَهُ قَواعِدَهُ، وأقْضِي عَلى يَدَيْهِ عِمارَتَهُ، وأُنِيطُ لَهُ سِقايَتَهُ، وأُرِيهِ حِلَّهُ، وحَرَمَهُ، ومَواقِفَهُ، وأُعْلِمُهُ مَشاعِرَهُ ومَناسِكَهُ، وأجْعَلُهُ أُمَّةً واحِدًا، قانِتًا قائِمًا بِأمْرِي، داعِيًا إلى سَبِيلِي، وأجْتَبِيهِ، وأهْدِيهِ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ، أبْتَلِيهِ فَيَصْبِرُ، وأُعافِيهِ فَيَشْكُرُ، وآمُرُهُ فَيَفْعَلُ، ويَنْذِرُ لِي فَيَفِي، ويَعِدُنِي فَيُنْجِزُ، أسْتَجِيبُ لَهُ دَعْوَتَهُ في ولَدِهِ وذُرِّيَّتِهِ مِن بَعْدِهِ، وأُشَفِّعُهُ فِيهِمْ، فَأجْعَلُهم أهْلَ ذَلِكَ البَيْتِ، ووُلاتَهُ، وحُماتَهُ، وخُدّامَهُ وخُزّانَهُ، وحُجّابَهُ، حَتّى يَبْتَدِعُوا ويُغَيِّرُوا ويُبَدِّلُوا. فَإذا فَعَلُوا ذَلِكَ فَأنا أقْدَرُ القادِرِينَ عَلى أنْ أسْتَبْدِلَ مَن أشاءُ بِمَن أشاءُ، وأجْعَلُ إبْراهِيمَ إمامَ أهْلِ ذَلِكَ البَيْتِ، وأهْلَ تِلْكَ الشَّرِيعَةِ، يَأْتَمُّ بِهِ مَن حَضَرَ تِلْكَ المَواطِنَ مِن جَمِيعِ الإنْسِ والجِنِّ يَطَئُونَ فِيها آثارَهُ، ويَتَّبِعُونَ فِيها سُنَّتَهُ، ويَقْتَدُونَ فِيها بِهَدْيِهِ، فَمَن فَعَلَ ذَلِكَ مِنهم أوْفى بِنَذْرِهِ، واسْتَكْمَلَ نُسُكَهُ، وأصابَ بُغْيَتَهُ، ومَن لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ مِنهم ضَيَّعَ نُسُكَهُ، وأخْطَأ بُغْيَتَهُ، ولَمْ يُوفِ بِنَذْرِهِ، فَمَن سَألَ عَنِّي يَوْمَئِذٍ في تِلْكَ المَواطِنِ، أيْنَ أنا ؟ فَأنا مَعَ الشُّعْثِ الغُبْرِ المُوفِينَ بِنُذُورِهِمْ، المُسْتَكْمِلِينَ (p-٦٨١)مَناسِكَهُمْ، المُتَبَتِّلِينَ إلى رَبِّهِمُ، الَّذِي يَعْلَمُ ما يُبْدُونَ، وما يَكْتُمُونَ.
وأخْرَجَهُ الجَنَدِيُّ عَنْ عِكْرِمَةَ، ووَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ، رَفَعاهُ إلى ابْنِ عَبّاسٍ بِمِثْلِهِ سَواءً.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، والبَيْهَقِيُّ في ”شُعَبِ الإيمانِ“ عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «كانَ مَوْضِعُ البَيْتِ في زَمَنِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ شِبْرًا أوْ أكْثَرَ عَلَمًا، فَكانَتِ المَلائِكَةُ تَحُجُّ إلَيْهِ قَبْلَ آدَمَ، ثُمَّ حَجَّ فاسْتَقْبَلَتْهُ المَلائِكَةُ، قالُوا: يا آدَمُ، مِن أيْنَ جِئْتَ؟ قالَ: حَجَجْتُ البَيْتَ. فَقالُوا: قَدْ حَجَّتْهُ المَلائِكَةُ قَبْلَكَ بِألْفَيْ عامٍ» .
وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ عَنْ عَطاءٍ قالَ: أُهْبِطَ آدَمُ بِالهِنْدِ فَقالَ: يا رَبِّ ما لِي لا أسْمَعُ صَوْتَ المَلائِكَةِ كَما كُنْتُ أسْمَعُها في الجَنَّةِ؟ فَقالَ لَهُ: بِخَطِيئَتِكَ يا آدَمُ، فانْطَلِقْ فابْنِ لِي بَيْتًا فَتَطَوَّفْ بِهِ كَما رَأيْتَهم يَتَطَوَّفُونَ، فانْطَلَقَ حَتّى أتى مَكَّةَ، فَبَنى البَيْتَ، فَكانَ مَوْضِعُ قَدَمَيْ آدَمَ قُرًى وأنْهارًا وعِمارَةً، وما بَيْنَ خُطاهُ مَفاوِزَ، فَحَجَّ آدَمُ البَيْتَ مِنَ الهِنْدِ أرْبَعِينَ سَنَةً.
وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ عَنْ وهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ قالَ: ”لَمّا تابَ اللَّهُ عَلى آدَمَ، وأمَرَهُ أنْ يَسِيرَ إلى مَكَّةَ، فَطَوى لَهُ الأرْضَ حَتّى انْتَهى إلى مَكَّةَ، فَلَقِيَتْهُ المَلائِكَةُ (p-٦٨٢)بِالأبْطَحِ فَرَحَّبَتْ بِهِ، وقالَتْ لَهُ: يا آدَمُ ! إنّا لَنَنْتَظِرُكَ، بَرَّ حَجُّكَ، أما إنّا قَدْ حَجَجْنا هَذا البَيْتَ قَبْلَكَ بِألْفَيْ عامٍ، وأمَرَ اللَّهُ جِبْرِيلَ فَعَلَّمَهُ المَناسِكَ والمَشاعِرَ كُلَّها، وانْطَلَقَ بِهِ حَتّى أوْقَفَهُ في عَرَفاتٍ، والمُزْدَلِفَةِ، وبِمِنًى، وعَلى الجِمارِ، وأنْزَلَ عَلَيْهِ الصَّلاةَ والزَّكاةَ والصَّوْمَ والِاغْتِسالَ مِنَ الجَنابَةِ“، وكانَ البَيْتُ عَلى عَهْدِ آدَمَ ياقُوتَةً حَمْراءَ تَلْتَهِبُ نُورًا، مِن ياقُوتِ الجَنَّةِ، لَها بابانِ شَرْقِيٌّ وغَرْبِيٌّ مِن ذَهَبٍ مِن تِبْرِ الجَنَّةِ، وكانَ فِيها ثَلاثُ قَنادِيلَ مِن تِبْرِ الجَنَّةِ، فِيها نُورٌ يَلْتَهِبُ، بابُها مَنظُومٌ بِنُجُومٍ مِن ياقُوتٍ أبْيَضَ، والرُّكْنُ يَوْمَئِذٍ نَجْمٌ مِن نُجُومِها ياقُوتَةٌ بَيْضاءُ، فَلَمْ يَزَلْ عَلى ذَلِكَ حَتّى كانَ في زَمانِ نُوحٍ، وكانَ الغَرَقُ، فَرُفِعَ مِنَ الغَرَقِ فَوُضِعَ تَحْتَ العَرْشِ، ومَكَثَتِ الأرْضُ خَرابًا ألْفَيْ سَنَةٍ، فَلَمْ يَزَلْ عَلى ذَلِكَ حَتّى كانَ إبْراهِيمُ، فَأمَرَهُ أنْ يَبْنِي بَيْتَهُ، فَجاءَتِ السَّكِينَةُ كَأنَّها سَحابَةٌ فِيها رَأْسٌ تَتَكَلَّمُ، لَها وجْهٌ كَوَجْهِ الإنْسانِ، فَقالَتْ: يا إبْراهِيمُ، خُذْ قَدْرَ ظِلِّي فابْنِ عَلَيْهِ لا تَزِدْ شَيْئًا، ولا تَنْقُصْ. فَأخَذَ إبْراهِيمُ قَدْرَ ظِلِّها ثُمَّ بَنى هو وإسْماعِيلُ البَيْتَ، ولَمْ يَجْعَلْ لَهُ سَقْفًا فَكانَ النّاسُ يُلْقُونَ فِيهِ الحَلْيَ والمَتاعَ، حَتّى إذا كادَ أنْ يَمْتَلِئَ اتَّعَدَ لَهُ خَمْسُ نَفَرٍ لِيَسْرِقُوا ما فِيهِ، فَقامَ كُلُّ واحِدٍ عَلى زاوِيَةٍ، واقْتَحَمَ الخامِسُ، فَسَقَطَ عَلى رَأْسِهِ فَهَلَكَ، وبَعَثَ اللَّهُ عِنْدَ ذَلِكَ حَيَّةً بَيْضاءَ، سَوْداءَ الرَّأْسِ والذَّنَبِ فَحَرَسَتِ البَيْتَ خَمْسَمِائَةِ عامٍ، لا يَقْرَبُهُ أحَدٌ إلّا أهْلَكَتْهُ، فَلَمْ يَزَلْ كَذَلِكَ حَتّى بَنَتْهُ قُرَيْشٌ ”.
(p-٦٨٣)وأخْرَجَ الأزْرَقِيُّ، والبَيْهَقِيُّ عَنْ عَطاءٍ، أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، سَألَ كَعْبًا، فَقالَ: أخْبِرْنِي عَنْ هَذا البَيْتِ، ما كانَ أمْرُهُ ؟ فَقالَ:“ إنَّ هَذا البَيْتَ أنْزَلَهُ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ ياقُوتَةً مُجَوَّفَةً مَعَ آدَمَ، فَقالَ: يا آدَمُ ! إنَّ هَذا بَيْتِي فَطُفْ حَوْلَهُ وصَلِّ حَوْلَهُ كَما رَأيْتَ مَلائِكَتِي تَطُوفُ حَوْلَ عَرْشِي وتُصَلِّي، ونَزَلَتْ مَعَهُ المَلائِكَةُ فَرَفَعُوا قَواعِدَهُ مِن حِجارَةٍ ثُمَّ وُضِعَ البَيْتُ عَلى القَواعِدِ، فَلَمّا أغْرَقَ اللَّهُ قَوْمَ نُوحٍ رَفَعَهُ اللَّهُ إلى السَّماءِ وبَقِيَتْ قَواعِدُهُ ”.
وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ مِن طَرِيقِ عَطاءِ بْنِ أبِي رَباحٍ عَنْ كَعْبِ الأحْبارِ قالَ: شَكَتِ الكَعْبَةُ إلى رَبِّها وبَكَتْ إلَيْهِ، فَقالَتْ: أيْ رَبِّ، قَلَّ زُوّارِي وجَفانِي النّاسُ، فَقالَ اللَّهُ لَها: إنِّي مُحْدَثٌ لَكِ إنْجِيلًا وجاعِلٌ لَكِ زُوّارًا يَحِنُّونَ إلَيْكِ حَنِينَ الحَمامَةِ إلى بَيْضاتِها.
وأخْرَجَ الأزْرَقِيُّ، والبَيْهَقِيُّ مِن طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سابِطٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ ضَمْرَةَ السَّلُولِيِّ قالَ: ما بَيْنَ المَقامِ إلى الرُّكْنِ إلى بِئْرِ زَمْزَمَ إلى الحِجْرِ قَبْرُ سَبْعَةٍ وسَبْعِينَ نَبِيًّا جاءُوا حاجِّينَ فَماتُوا فَقُبِرُوا هُنالِكَ.
وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: أقْبَلَ تُبَّعٌ يُرِيدُ الكَعْبَةَ حَتّى إذا كانَ (p-٦٨٤)بِكُراعِ الغَمِيمِ بَعَثَ اللَّهُ عَلَيْهِ رِيحًا لا يَكادُ القائِمُ يَقُومُ إلّا عَصَفَتْهُ، وذَهَبَ القائِمُ لِيَقْعُدَ فَيَصْرَعُ، وقامَتْ عَلَيْهِمْ ولَقُوا مِنها عَناءً، ودَعا تُبَّعٌ حَبْرَيْهِ فَسَألَهُما: ما هَذا الَّذِي بُعِثَ عَلَيَّ؟ قالا: أوَتُؤَمِّنُنا؟ قالَ: أنْتُمْ آمِنُونَ، قالا: فَإنَّكَ تُرِيدُ بَيْتًا يَمْنَعُهُ اللَّهُ مِمَّنْ أرادَهُ، قالَ: فَما يُذْهِبُ هَذا عَنِّي؟ قالا: تَجَرَّدُ في ثَوْبَيْنِ، ثُمَّ تَقُولُ: لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ. ثُمَّ تَدْخُلُ فَتَطُوفُ بِذَلِكَ البَيْتِ ولا تُهَيِّجُ أحَدًا مِن أهْلِهِ، قالَ: فَإنْ أجْمَعْتُ عَلى هَذا ذَهَبَتْ هَذِهِ الرِّيحُ عَنِّي؟ قالا: نَعَمْ، فَتَجَرَّدَ ثُمَّ لَبّى، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: فَأدْبَرَتِ الرِّيحُ كَقِطَعِ اللَّيْلِ المُظْلِمِ.
وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: لَمّا نَظَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى الكَعْبَةِ قالَ: مَرْحَبًا بِكَ مِن بَيْتٍ ما أعْظَمَكَ وأعْظَمَ حُرْمَتَكَ، ولَلْمُؤْمِنُ أعْظَمُ عِنْدَ اللَّهِ حُرْمَةً مِنكَ.
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ في“ الأوْسَطِ ”عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدِّهِ «عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ نَظَرَ إلى الكَعْبَةِ فَقالَ: لَقَدْ شَرَّفَكِ اللَّهُ وكَرَّمَكِ وعَظَّمَكِ (p-٦٨٥)والمُؤْمِنُ أعْظَمُ حُرْمَةً مِنكِ» .
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ في“ الأوْسَطِ ”، عَنْ جابِرٍ قالَ: «لَمّا افْتَتَحَ النَّبِيُّ ﷺ مَكَّةَ اسْتَقْبَلَها بِوَجْهِهِ، وقالَ: أنْتِ حَرامٌ ما أعْظَمَ حُرْمَتَكِ وأطْيَبَ رِيحَكِ! وأعْظَمُ حُرْمَةً عِنْدَ اللَّهِ مِنكِ المُؤْمِنُ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، والأزْرَقِيُّ عَنْ مَكْحُولٍ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمّا رَأى البَيْتَ حِينَ دَخَلَ مَكَّةَ، رَفَعَ يَدَيْهِ وقالَ: اللَّهُمَّ زِدْ هَذا البَيْتَ تَشْرِيفًا وتَعْظِيمًا وتَكْرِيمًا ومَهابَةً، وزِدْ مَن شَرَّفَهُ وكَرَّمَهُ مِمَّنْ حَجَّهُ واعْتَمَرَهُ تَشْرِيفًا وتَعْظِيمًا وتَكْرِيمًا وبِرًّا» .
وأخْرَجَ الشّافِعِيُّ في“ الأُمِّ ”عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ إذا رَأى البَيْتَ رَفَعَ يَدَيْهِ وقالَ: اللَّهُمَّ زِدْ هَذا البَيْتَ تَشْرِيفًا وتَكْرِيمًا وتَعْظِيمًا ومَهابَةً، وزِدْ مَن شَرَّفَهُ وكَرَّمَهُ مِمَّنْ حَجَّهُ أوِ اعْتَمَرَهُ تَشْرِيفًا وتَكْرِيمًا وتَعْظِيمًا وبِرًّا» .
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ في“ الأوْسَطِ ”، عَنْ جابِرٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إنَّ لِلْكَعْبَةِ لِسانًا وشَفَتَيْنِ، وقَدِ اشْتَكَتْ فَقالَتْ: يا رَبِّ، قَلَّ عُوّادِي، وقَلَّ زُوّارِي، فَأوْحى اللَّهُ: إنِّي خالِقٌ بَشَرًا خُشَّعًا سُجَّدًا يَحِنُّونَ إلَيْكِ كَما تَحِنُّ (p-٦٨٦)الحَمامَةَ إلى بَيْضِها» .
وأخْرَجَ الأزْرَقِيُّ، عَنْ جابِرٍ الجَزَرِيِّ قالَ: جَلَسَ كَعْبُ الأحْبارِ أوْ سَلْمانُ الفارِسِيُّ بِفِناءِ البَيْتِ فَقالَ: شَكَتِ الكَعْبَةُ إلى رَبِّها ما نُصِبَ حَوْلَها مِنَ الأصْنامِ وما اسْتَقْسَمَ بِهِ مِنَ الأزْلامِ، فَأوْحى اللَّهُ إلَيْها: إنِّي مُنْزِلٌ نُورًا وخالِقٌ بَشَرًا يَحِنُّونَ إلَيْكِ حَنِينَ الحَمامِ إلى بَيْضِهِ، ويَدِفُونَ إلَيْكِ دَفِيفَ النُّسُورِ، فَقالَ لَهُ قائِلٌ: وهَلْ لَها لِسانٌ؟ قالَ: نَعَمْ وأُذُنانِ وشَفَتانِ.
وأخْرَجَ الأزْرَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أنَّ جِبْرِيلَ وقَفَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وعَلَيْهِ عِصابَةٌ خَضْراءُ قَدْ عَلاها الغُبارُ، فَقالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ما هَذا الغُبارُ الَّذِي أرى عَلى عِصابَتِكَ؟ قالَ: إنِّي زُرْتُ البَيْتَ فازْدَحَمَتِ المَلائِكَةُ عَلى الرُّكْنِ، فَهَذا الغُبارُ الَّذِي تَرى مِمّا تُثِيرُ بِأجْنِحَتِها.
وأخْرَجَ الأزْرَقِيُّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: حَجَّ آدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ فَقَضى المَناسِكَ، فَلَمّا حَجَّ، قالَ: يا رَبِّ، إنَّ لِكُلِّ عامِلٍ أجْرًا، قالَ اللَّهُ تَعالى: أمّا أنْتَ يا آدَمُ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكَ، وأمّا ذُرِّيَّتُكَ فَمَن جاءَ مِنهم هَذا البَيْتَ، (p-٦٨٧)فَباءَ بِذَنَبِهِ غَفَرْتُ لَهُ. فَحَجَّ آدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ، فاسْتَقْبَلَتْهُ المَلائِكَةُ بِالرَّدْمِ، فَقالَتْ: بَرَّ حَجُّكَ يا آدَمُ، قَدْ حَجَجْنا هَذا البَيْتَ قَبْلَكَ بِألْفَيْ عامٍ، قالَ: فَما كُنْتُمْ تَقُولُونَ حَوْلَهُ ؟ قالُوا: كُنّا نَقُولُ: سُبْحانَ اللَّهِ، والحَمْدُ لِلَّهِ، ولا إلَهَ إلّا اللَّهُ، واللَّهُ أكْبَرُ. قالَ: فَكانَ آدَمُ إذا طافَ يَقُولُ هَؤُلاءِ الكَلِماتِ، فَكانَ طَوافُ آدَمَ سَبْعَةَ أسابِيعَ بِاللَّيْلِ، وخَمْسَةَ أسابِيعَ بِالنَّهارِ“ .
وأخْرَجَ الأزْرَقِيُّ، والجَنَدِيُّ، وابْنُ عَساكِرَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: ”حَجَّ آدَمُ فَطافَ بِالبَيْتِ سَبْعًا، فَلَقِيَتْهُ المَلائِكَةُ في الطَّوافِ، فَقالُوا: بَرَّ حَجُّكَ يا آدَمُ، أما إنّا قَدْ حَجَجْنا هَذا البَيْتَ قَبْلَكَ بِألْفَيْ عامٍ. قالَ: فَما كُنْتُمْ تَقُولُونَ في الطَّوافِ ؟ قالُوا: كُنّا نَقُولُ: سُبْحانَ اللَّهِ، والحَمْدُ لِلَّهِ، ولا إلَهَ إلّا اللَّهُ، واللَّهُ أكْبَرُ. قالَ آدَمُ: فَزِيدُوا فِيها، ولا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ. فَزادَتِ المَلائِكَةُ فِيها ذَلِكَ، ثُمَّ حَجَّ إبْراهِيمُ بَعْدَ بِنائِهِ البَيْتَ، فَلَقِيَتْهُ المَلائِكَةُ في الطَّوافِ فَسَلَّمُوا عَلَيْهِ، فَقالَ لَهم: ماذا كُنْتُمْ تَقُولُونَ في طَوافِكم ؟ قالُوا: كُنّا نَقُولُ قَبْلَ أبِيكَ آدَمَ: سُبْحانَ اللَّهِ، والحَمْدُ لِلَّهِ، ولا إلَهَ إلّا اللَّهُ، واللَّهُ أكْبَرُ. فَأعْلَمْناهُ ذَلِكَ، فَقالَ: زِيدُوا: ولا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ. فَقالَ إبْراهِيمُ: زِيدُوا فِيها: العَلِيِّ العَظِيمِ، فَقالَتِ المَلائِكَةُ (p-٦٨٨)ذَلِكَ.
وأخْرَجَ الجَنَدِيُّ والدَّيْلَمِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:“ «كانَ البَيْتُ قَبْلَ هُبُوطِ آدَمَ ياقُوَتَةً مِن يَواقِيتِ الجَنَّةِ، وكانَ لَهُ بابانِ مِن زُمُرُّدٍ أخْضَرَ، بابٌ شَرْقِيٌّ وبابٌ غَرْبِيٌّ، وفِيهِ قَنادِيلُ مِنَ الجَنَّةِ، والبَيْتُ المَعْمُورِ الَّذِي في السَّماءِ يَدْخُلُهُ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعُونَ ألْفَ مَلَكٍ لا يَعُودُونَ فِيهِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، حِذاءَ الكَعْبَةِ الحَرامِ، وإنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ لَمّا أهْبَطَ آدَمَ إلى مَوْضِعِ الكَعْبَةِ وهو مِثْلُ الفُلْكِ مِن شِدَّةِ رَعْدَتِهِ، وأنْزَلَ عَلَيْهُ الحَجَرَ الأسْوَدَ وهو يَتَلَأْلَأُ كَأنَّهُ لُؤْلُؤَةٌ بَيْضاءُ، فَأخَذَهُ آدَمُ فَضَمَّهُ إلَيْهِ اسْتِئْناسًا، ثُمَّ أخَذَ اللَّهُ مِن بَنِي آدَمَ مِيثاقَهُمْ، فَجَعَلَهُ في الحَجَرِ الأسْوَدِ، ثُمَّ أنْزَلَ عَلى آدَمَ العَصا، ثُمَّ قالَ: يا آدَمُ تَخَطَّ، فَتَخَطّى فَإذا هو بِأرْضِ الهِنْدِ، فَمَكَثَ هُنالِكَ ما شاءَ اللَّهُ، ثُمَّ اسْتَوْحَشَ إلى البَيْتِ، فَقِيلَ لَهُ: احْجُجْ يا آدَمُ، فَأقْبَلَ يَتَخَطّى، فَصارَ كُلُّ مَوْضِعِ قَدَمٍ قَرْيَةً، وما بَيْنَ ذَلِكَ مَفازَةً، حَتّى قَدِمَ مَكَّةَ، فَلَقِيَتْهُ المَلائِكَةُ، فَقالُوا: بَرَّ حَجُّكَ يا آدَمُ، لَقَدْ حَجَجْنا هَذا البَيْتَ قَبْلَكَ بِألْفَيْ عامٍ. قالَ: فَما كُنْتُمْ تَقُولُونَ حَوْلَهُ ؟ قالُوا: كُنّا نَقُولُ: سُبْحانَ اللَّهِ، والحَمْدُ لِلَّهِ، ولا إلَهَ إلّا اللَّهُ، واللَّهُ أكْبَرُ. فَكانَ آدَمُ إذا طافَ بِالبَيْتِ قالَ هَؤُلاءِ الكَلِماتِ، وكانَ آدَمُ يَطُوفُ سَبْعَةَ أسابِيعَ بِاللَّيْلِ، وخَمْسَةَ أسابِيعَ بِالنَّهارِ، فَقالَ آدَمُ: يا رَبِّ، اجْعَلْ لِهَذا البَيْتِ عُمّارًا يَعْمُرُونَهُ مِن ذُرِّيَّتِي. فَأوْحى اللَّهُ تَعالى: إنِّي (p-٦٨٩)مُعَمِّرُهُ نَبِيًّا مِن ذُرِّيَّتِكَ اسْمُهُ إبْراهِيمُ، أتَّخِذُهُ خَلِيلًا، أقْضِي عَلى يَدَيْهِ عِمارَتَهُ، وأُنِيطُ لَهُ سِقايَتَهُ، وأُرِيهِ حِلَّهُ وحَرَمَهُ ومَواقِفَهُ، وأُعَلِّمُهُ مَشاعِرَهُ، ومَناسِكَهُ. وقالَ النَّبِيُّ ﷺ: إنَّ آدَمَ سَألَ رَبَّهُ فَقالَ: يا رَبِّ أسْألُكَ مَن حَجَّ هَذا البَيْتَ مِن ذُرِّيَّتِي لا يُشْرِكُ بِكَ شَيْئًا أنْ تُلْحِقَهُ بِي في الجَنَّةِ. فَقالَ اللَّهُ تَعالى: يا آدَمُ مَن ماتَ في الحَرَمِ لا يُشْرِكُ بِي شَيْئًا بَعَثْتُهُ آمِنًا يَوْمَ القِيامَةِ ”» .
وأخْرَجَ الجَنَدِيُّ عَنْ مُجاهِدٍ، أنَّ آدَمَ طافَ بِالبَيْتِ فَلَقِيَتْهُ المَلائِكَةُ فَصافَحَتْهُ وسَلَّمَتْ عَلَيْهِ وقالَتْ: بَرَّ حَجُّكَ يا آدَمُ، طُفْ بِهَذا البَيْتِ فَإنّا قَدْ طُفْناهُ قَبْلَكَ بِألْفَيْ عامٍ، قالَ لَهم آدَمُ: فَما كُنْتُمْ تَقُولُونَ في طَوافِكُمْ؟ قالُوا: كُنّا نَقُولُ: سُبْحانَ اللَّهِ والحَمْدُ لِلَّهِ ولا إلَهَ إلّا اللَّهُ واللَّهُ أكْبَرُ، قالَآدَمُ: وأنا أزْيَدُ فِيها: ولا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ.
وأخْرَجَ الأزْرَقِيُّ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: كانَ“ مَوْضِعُ الكَعْبَةِ قَدْ خَفِيَ ودَرَسَ في زَمانِ الغَرَقِ فِيما بَيْنَ نُوحٍ وإبْراهِيمَ عَلَيْهِما السَّلامُ، وكانَ مَوْضِعُهُ أكَمَةً حَمْراءَ مَدَرَةً لا تَعْلُوها السُّيُولُ غَيْرَ أنَّ النّاسَ يَعْلَمُونَ أنَّ مَوْضِعَ البَيْتِ فِيما هُنالِكَ، ولا يَثْبُتُ مَوْضِعُهُ، وكانَ يَأْتِيَهُ المَظْلُومُ والمُتَعَوِّذُ مِن أقْطارِ الأرْضِ، ويَدْعُو عِنْدَهُ المَكْرُوبُ، فَقَلَّ مَن دَعا هُنالِكَ إلّا اسْتُجِيبَ لَهُ، فَكانَ النّاسُ يَحُجُّونَ إلى مَوْضِعِ البَيْتِ حَتّى بَوَّأ اللَّهُ مَكانَهُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، لَمّا أرادَ مِن عِمارَةِ بَيْتِهِ، وإظْهارِ دِينِهِ وشَرائِعِهِ، فَلَمْ يَزَلْ مُنْذُ أهْبَطَ اللَّهُ آدَمَ إلى الأرْضِ مُعَظَّمًا مُحَرَّمًا بَيْتُهُ، تَتَناسَخُهُ الأُمَمُ والمِلَلُ أُمَّةٌ بَعْدَ أُمَّةٍ، ومِلَّةٌ بَعْدَ مِلَّةٍ ”. (p-٦٩٠)قالَ:“ وقَدْ كانَتِ المَلائِكَةُ تَحُجُّهُ قَبْلَ ذَلِكَ.
وأخْرَجَ الأزْرَقِيُّ عَنْ عُثْمانَ بْنَ ساجٍ قالَ: بَلَغَنا - واللَّهُ أعْلَمُ - أنَّ ”إبْراهِيمَ خَلِيلَ اللَّهِ عُرِجَ بِهِ إلى السَّماءِ، فَنَظَرَ إلى الأرْضِ مَشارِقِها ومَغارِبِها، فاخْتارَ مَوْضِعَ الكَعْبَةِ، فَقالَتْ لَهُ المَلائِكَةُ: يا خَلِيلَ اللَّهِ ! اخْتَرْتَ حَرَمَ اللَّهِ تَعالى في الأرْضِ. فَبَناهُ مِن حِجارَةِ سَبْعَةَ أجْبُلٍ، ويَقُولُونَ: خَمْسَةٍ. فَكانَتِ المَلائِكَةُ تَأْتِي بِالحِجارَةِ إلى إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن تِلْكَ الجِبالِ“ .
وأخْرَجَ الأزْرَقِيُّ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: أقْبَلَ إبْراهِيمُ والسَّكِينَةُ، والصُّرَدُ، والمُلْكُ مِنَ الشّامِ، فَقالَتِ السَّكِينَةُ: يا إبْراهِيمُ، رَبِّضْ عَلَيَّ البَيْتَ، فَلِذَلِكَ لا يَطُوفُ بِالبَيْتِ مَلِكٌ مِن جَبابِرَةِ المُلُوكِ، ولا أعْرابِيٌّ نافِرٌ إلّا وعَلَيْهِ السَّكِينَةُ والوَقارُ ”.
وأخْرَجَ الأزْرَقِيُّ عَنْ بِشْرِ بْنِ عاصِمٍ قالَ: أقْبَلَ إبْراهِيمُ مِن أرْمِينِيَّةَ، مَعَهُ السَّكِينَةُ والمُلْكُ والصُّرَدُ دَلِيلًا يَتَبَوَّأُ البَيْتَ كَما تَتَبَوَّأُ العَنْكَبُوتُ بَيْتَها، فَرَفَعَ (p-٦٩١)صَخْرَةً فَما رَفَعَها عَنْهُ إلّا ثَلاثُونَ رَجُلًا، فَقالَتِ السَّكِينَةُ: ابْنِ عَلَيَّ، فَلِذَلِكَ لا يَدْخُلُهُ أعْرابِيٌّ نافِرٌ ولا جَبّارٌ إلّا رَأيْتَ عَلَيْهِ السَّكِينَةَ.
وأخْرَجَ الأزْرَقِيُّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ قالَ: أقْبَلَ إبْراهِيمُ، والمُلْكُ، والسَّكِينَةُ، والصُّرَدُ دَلِيلًا حَتّى تَبَوَّأ البَيْتَ، كَما تَبَوَّأُ العَنْكَبُوتُ بَيْتَها، فَحَفَرَ، ما بَرَزَ عَنْ أُسِّها أمْثالَ خَلِفِ الإبِلِ، لا يُحَرِّكُ الصَّخْرَةَ إلّا ثَلاثُونَ رَجُلًا، قالَ: ثُمَّ قالَ اللَّهُ لِإبْراهِيمَ: قُمْ فابْنِ لِي بَيْتًا. قالَ: يا رَبِّ ! وأيْنَ ؟ قالَ: سَنُرِيكَ. فَبَعَثَ اللَّهُ سَحابَةً فِيها رَأْسٌ يُكَلِّمُ إبْراهِيمَ، فَقالَ: يا إبْراهِيمُ، إنَّ رَبَّكَ يَأْمُرُكَ أنْ تَخُطَّ قَدْرَ هَذِهِ السَّحابَةِ. فَجَعَلَ يَنْظُرُ إلَيْها، ويَأْخُذُ قَدْرَها، فَقالَ لَهُ الرَّأْسُ: أقَدْ فَعَلْتَ ؟ قالَ: نَعَمْ، قالَ: فارْتَفَعَتِ السَّحابَةُ، فَأُبْرِزَ عَنْ أُسٍّ ثابِتٍ مِنَ الأرْضِ، فَبَناهُ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ“ .
وأخْرَجَ الأزْرَقِيُّ عَنْ قَتادَةٍ في قَوْلِهِ: ﴿وإذْ يَرْفَعُ إبْراهِيمُ القَواعِدَ مِنَ البَيْتِ﴾ قالَ: ذُكِرَ لَنا أنَّهُ بَناهُ مِن خَمْسَةِ أجْبُلٍ، مِن طُورِ سِيناءَ وطُورِ زَيْتا ولُبْنانَ والجُودِيِّ وحِراءَ وذُكِرَ لَنا أنَّ قَواعِدَهُ مِن حِراءَ.
وأخْرَجَ الأزْرَقِيُّ عَنِ الشَّعْبِيِّ قالَ: لَمّا أُمِرَ إبْراهِيمُ بِأنْ يَبْنِيَ البَيْتَ (p-٦٩٢)وانْتَهى إلى مَوْضِعِ الحَجَرِ قالَ لِإسْماعِيلَ: ائْتِنِي بِحَجَرٍ لِيَكُونَ عَلَمًا لِلنّاسِ يَبْتَدِئُونَ مِنهُ الطَّوافَ. فَأتاهُ بِحَجَرٍ، فَلَمْ يَرْضَهُ، فَأُتِيَ إبْراهِيمُ بِهَذا الحَجَرِ ثُمَّ قالَ: أتانِي بِهِ مَن لَمْ يَكِلْنِي إلى حَجَرِكَ.
وأخْرَجَ الأزْرَقِيُّ والطَّبَرانِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو أنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ هو الَّذِي نَزَلَ عَلَيْهِ بِالحَجَرِ مِنَ الجَنَّةِ، وأنَّهُ وصَعَهُ حَيْثُ رَأيْتُمْ، وأنَّكم لَنْ تَزالُوا بِخَيْرٍ ما دامَ بَيْنَ ظَهْرانَيْكم فَتَمَسَّكُوا بِهِ ما اسْتَطَعْتُمْ، فَإنَّهُ يُوشِكُ أنْ يَجِيءَ فَيَرْجِعَ بِهِ إلى حَيْثُ جاءَ بِهِ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ، والتِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ، وابْنُ خُزَيْمَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: نَزَلَ الحَجَرُ الأسْوَدُ مِنَ الجَنَّةِ، وهو أشَدُّ بَياضًا مِنَ اللَّبَنِ فَسَوَّدَتْهُ خَطايا بَنِي آدَمَ» .
وأخْرَجَ البَزّارُ عَنْ أنَسٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قالَ: «الحَجَرُ الأسْوَدُ مِن حِجارَةِ الجَنَّةِ» .
وأخْرَجَ الأزْرَقِيُّ، والجَنَدِيُّ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: الرُّكْنُ مِنَ الجَنَّةِ، ولَوْ لَمْ (p-٦٩٣)يَكُنْ مِنَ الجَنَّةِ لَفَنِيَ.
وأخْرَجَ الأزْرَقِيُّ، والجَنَدِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «لَوْلا ما طُبِعَ عَلى الرُّكْنِ مِن أنْجاسِ الجاهِلِيَّةِ وأرْجاسِها وأيْدِي الظَّلَمَةِ والأثَمَةِ، لاسْتُشْفِيَ بِهِ مِن كُلِّ عاهَةٍ، ولَأُلْفاهُ اليَوْمَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَهُ اللَّهُ، وإنَّما غَيَّرَهُ اللَّهُ بِالسَّوادِ لِئَلّا يَنْظُرَ أهْلُ الدُّنْيا إلى زِينَةِ الجَنَّةِ، وإنَّهُ لَياقُوتَةٌ بَيْضاءُ مِن ياقُوتِ الجَنَّةِ، فَوَضَعَهُ اللَّهُ لِآدَمَ حِينَ أنْزَلَهُ في مَوْضِعِ الكَعْبَةِ قَبْلَ أنْ تَكُونَ الكَعْبَةُ، والأرْضُ يَوْمَئِذٍ طاهِرَةٌ، لَمْ يُعْمَلْ فِيها بِشَيْءٍ مِنَ المَعاصِي، ولَيْسَ لَها أهْلٌ يُنَجِّسُونَها، ووَضَعَ لَهُ صَفًّا مِنَ المَلائِكَةِ عَلى أطْرافِ الحَرَمِ يَحْرُسُونَهُ مِن جانِّ الأرْضِ، وسُكّانُها يَوْمَئِذٍ الجِنُّ، ولَيْسَ يَنْبَغِي لَهم أنْ يَنْظُرُوا إلَيْهِ، لِأنَّهُ مِنَ الجَنَّةِ، ومَن نَظَرَ إلى الجَنَّةِ دَخَلَها، فَهم عَلى أطْرافِ الحَرَمِ حَيْثُ أعْلامُهُ اليَوْمَ مُحْدِقُونَ بِهِ مِن كُلِّ جانِبٍ بَيْنَهُ وبَيْنَ الحَرَمِ» .
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ في “ العَظَمَةِ “ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: إنَّ البَيْتَ الَّذِي بَوَّأهُ اللَّهُ لِآدَمَ كانَ مِن ياقُوتَةٍ حَمْراءَ لَها بابانِ، أحَدُهُما شَرْقِيٌّ والآخَرُ غَرْبِيٌّ، فَكانَ فِيها قَنادِيلُ مِن نُورِ الجَنَّةِ، آنِيَتُها الذَّهَبُ مَنظُومَةٌ بِنُجُومٍ مِن ياقُوتٍ أبْيَضَ، والرُّكْنُ يَوْمَئِذٍ نَجْمٌ مِن نُجُومِهِ ووَضَعَ لَها صَفًّا مِنَ المَلائِكَةِ (p-٦٩٤)عَلى أطْرافِ الحَرَمِ فَهُمُ اليَوْمَ يَذُبُّونَ عَنْهُ، لِأنَّهُ شَيْءٌ مِنَ الجَنَّةِ لا يَنْبَغِي أنْ يَنْظُرَ إلَيْهِ إلّا مَن وجَبَتْ لَهُ الجَنَّةُ، ومَن نَظَرَ إلَيْها دَخَلَها، وإنَّما سُمِّيَ الحَرَمُ لِأنَّهم لا يُجاوِزُونَهُ، وإنَّ اللَّهَ وضَعَ البَيْتَ لِآدَمَ حَيْثُ وضَعَهُ، والأرْضُ يَوْمَئِذٍ طاهِرَةٌ لَمْ يُعْمَلْ عَلَيْها شَيْءٌ مِنَ المَعاصِي، ولَيْسَ لَها أهْلٌ يُنَجِّسُونَها، وكانَ سُكّانُها الجِنَّ» .
وأخْرَجَ الجَنَدِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الحَجَرُ الأسْوَدُ يَمِينُ اللَّهِ في الأرْضِ، فَمَن لَمْ يُدْرِكْ بَيْعَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فاسْتَلَمَ الحَجَرَ فَقَدْ بايَعَ اللَّهَ ورَسُولَهُ.
وأخْرَجَ الأزْرَقِيُّ، والجَنَدِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: إنَّ هَذا الرُّكْنَ الأسْوَدَ يَمِينُ اللَّهِ في الأرْضِ يُصافِحُ بِهِ عِبادَهُ.
وأخْرَجَ الأزْرَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: لَيْسَ في الأرْضِ مِنَ الجَنَّةِ إلّا الرُّكْنُ الأسْوَدُ والمَقامُ فَإنَّهُما جَوْهَرَتانِ مِن جَوْهَرِ الجَنَّةِ، ولَوْلا ما مَسَّهُما مِن أهْلِ الشِّرْكِ ما مَسَّهُما ذُو عاهَةٍ إلّا شَفاهُ اللَّهُ.
وأخْرَجَ الأزْرَقِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العاصِي قالَ: نَزَلَ الرُّكْنُ وإنَّهُ لَأشَدُّ بَياضًا مِنَ الفِضَّةِ، ولَوْلا ما مَسَّهُ مِن أنْجاسِ الجاهِلِيَّةِ وأرْجاسِهِمْ ما مَسَّهُ ذُو عاهَةٍ إلّا بَرِئَ.
(p-٦٩٥)وأخْرَجَ الأزْرَقِيُّ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أكْثِرُوا اسْتِلامَ هَذا الحَجَرِ فَإنَّكم تُوشِكُونَ أنْ تَفْقِدُوهُ، بَيْنَما النّاسُ يَطُوفُونَ بِهِ ذاتَ لَيْلَةٍ إذْ أصْبَحُوا وقَدْ فَقَدُوهُ، إنَّ اللَّهَ لا يُنْزِلُ شَيْئًا مِنَ الجَنَّةِ إلّا أعادَهُ فِيها قَبْلَ يَوْمِ القِيامَةِ» .
وأخْرَجَ الأزْرَقِيُّ عَنْ يُوسُفَ بْنِ ماهَكَ قالَ: إنَّ اللَّهَ جَعَلَ الرُّكْنَ عِيدَ أهْلِ هَذِهِ القِبْلَةِ كَما كانَتِ المائِدَةُ عِيدًا لِبَنِي إسْرائِيلَ، وإنَّكم لَنْ تَزالُوا بِخَيْرٍ ما دامَ بَيْنَ ظَهْرانَيْكم وإنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ وضَعَهُ في مَكانِهِ.
وأخْرَجَ الأزْرَقِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العاصِي قالَ: إنَّ اللَّهَ يَرْفَعُ القُرْآنَ مِن صُدُورِ الرِّجالِ، والحَجَرَ الأسْوَدَ قَبْلَ يَوْمِ القِيامَةِ.
وأخْرَجَ الأزْرَقِيُّ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: كَيْفَ بِكم إذا أُسْرِيَ بِالقُرْآنِ فَرُفِعَ مِن صُدُورِكُمْ، ونُسِخَ مِن قُلُوبِكُمْ، ورُفِعَ الرُّكْنُ.
وأخْرَجَ الأزْرَقِيُّ عَنْ عُثْمانَ بْنِ ساجٍ قالَ: «بَلَغَنِي عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: أوَّلُ ما يُرْفَعُ الرُّكْنُ، والقُرْآنُ ورُؤْيا النَّبِيِّ في المَنامِ» .
(p-٦٩٦)وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، والطَّبَرانِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قالَ: حُجُّوا هَذا البَيْتَ واسْتَلَمُوا هَذا الحَجَرَ، فَواللَّهِ لَيَرْفَعَنَّ أوْ لَيُصِيبَهُ أمْرٌ مِنَ السَّماءِ، إنْ كانا لَحَجَرَيْنِ أُهْبِطا مِنَ الجَنَّةِ، فَرُفِعَ أحَدُهُما وسَيُرْفَعُ الآخَرُ، وإنْ لَمْ يَكُنْ كَما قُلْتُ، فَمَن مَرَّ عَلى قَبْرِي فَلْيَقُلْ: هَذا قَبْرُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو الكَذّابِ.
وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ في ”شُعَبِ الإيمانِ“ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: «اسْتَقْبَلَ النَّبِيُّ ﷺ الحَجَرَ فاسْتَلَمَهُ، ثُمَّ وضَعَ شَفَتَيْهِ عَلَيْهِ يَبْكِي طَوِيلًا، فالتَفَتَ فَإذا بِعُمَرَ يَبْكِي، فَقالَ: يا عُمَرُ هَهُنا تُسْكَبُ العَبَراتُ» .
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: الحَجَرُ الأسْوَدُ مِن حِجارَةِ الجَنَّةِ، وما في الأرْضِ مِنَ الجَنَّةِ غَيْرُهُ، وكانَ أبْيَضَ كالمَها، ولَوْلا ما مَسَّهُ مِن رِجْسِ الجاهِلِيَّةِ، ما مَسَّهُ ذُو عاهَةٍ إلّا بَرِئَ» .
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ عَنِ ابْنِ عَمْرٍو قالَ: نَزَلَ الرُّكْنُ الأسْوَدُ مِنَ السَّماءِ؛ فَوُضِعَ عَلى أبِي قُبَيْسٍ، كَأنَّهُ مَهاةٌ بَيْضاءُ، فَمَكَثَ أرْبَعِينَ سَنَةً، ثُمَّ وُضِعَ عَلى قَواعِدِ إبْراهِيمَ.
وأخْرَجَ الأزْرَقِيُّ عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: الرُّكْنُ ياقُوتَةٌ مِن يَواقِيتِ الجَنَّةِ، وإلى الجَنَّةِ (p-٦٩٧)مَصِيرُهُ، قالَ: وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَوْلا ما مَسَّهُ مِن أيْدِي الجاهِلِيَّةِ لَأبْرَأ الأكْمَهَ والأبْرَصَ.
وأخْرَجَ الأزْرَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: أنْزَلَ اللَّهُ الرُّكْنَ والمَقامَ مَعَ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَيْلَةَ نَزَلَ بَيْنَ الرُّكْنِ والمَقامِ، فَلَمّا أصْبَحَ رَأى الرُّكْنَ والمَقامَ فَعَرَفَهُما فَضَمَّهُما إلَيْهِ وأنِسَ بِهِما.
وأخْرَجَ الأزْرَقِيُّ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «الحَجَرُ الأسْوَدُ نَزَلَ بِهِ مَلَكٌ مِنَ السَّماءِ» .
وأخْرَجَ الأزْرَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: أنْزَلَ اللَّهُ الرُّكْنَ الأسْوَدَ مِنَ الجَنَّةِ، وهو يَتَلَأْلَأُ تَلَأْلُؤًا مِن شِدَّةِ بَياضِهِ، فَأخَذَهُ آدَمُ فَضَمَّهُ إلَيْهِ أُنْسًا بِهِ.
وأخْرَجَ الأزْرَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَ آدَمُ مِنَ الجَنَّةِ ومَعَهُ الحَجَرُ الأسْوَدُ مُتَأبِّطَهُ، وهو ياقُوتَةٌ مِن يَواقِيتِ الجَنَّةِ، ولَوْلا أنَّ اللَّهَ طَمَسَ ضَوْءَهُ ما اسْتَطاعَ أحَدٌ أنْ يَنْظُرَ إلَيْهِ، ونَزَلَ بِالباسِنَةِ ونَخْلَةِ العَجْوَةِ، قالَ أبُو مُحَمَّدٍ الخُزاعِيُّ: (p-٦٩٨)الباسِنَةُ آلاتُ الصُّنّاعِ.
وأخْرَجَ الأزْرَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ سَألَ كَعْبًا عَنِ الحَجَرِ فَقالَ: مَرْوَةٌ مِن مَرْوِ الجَنَّةِ.
وأخْرَجَ الأزْرَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: لَوْلا أنَّ الحَجَرَ تَمَسُّهُ الحائِضُ وهي لا تَشْعُرُ، والجُنُبُ وهو لا يَشْعُرُ، ما مَسَّهُ أجْذَمُ ولا أبْرَصَ إلّا بَرِئَ.
وأخْرَجَ الأزْرَقِيُّ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ قالَ: كانَ الحَجَرُ الأسْوَدُ أبْيَضَ كاللَّبَنِ، وكانَ طُولُهُ كَعَظْمِ الذِّراعِ، وما اسْوَدَّ إلّا مِنَ المُشْرِكِينَ، كانُوا يَمْسَحُونَهُ، ولَوْلا ذَلِكَ ما مَسَّهُ ذُو عاهَةٍ إلّا بَرِئَ.
وأخْرَجَ الأزْرَقِيُّ عَنْ عُثْمانَ بْنِ ساجٍ قالَ: أخْبَرَنِي ابْنُ نُبَيْهٍ الحَجَبِيُّ عَنْ أُمِّهِ، أنَّها حَدَّثَتْهُ، أنَّ أباها حَدَّثَها: أنَّهُ رَأى الحَجَرَ قَبْلَ الحَرِيقِ وهو أبْيَضُ يَتَراءى الإنْسانُ فِيهِ وجْهَهُ. قالَ عُثْمانُ: وأخْبَرَنِي زُهَيْرٌ: أنَّهُ بَلَغَهُ أنَّ الحَجَرَ مِن (p-٦٩٩)رَضْراضِ ياقُوتِ الجَنَّةِ، وكانَ أبْيَضَ يَتَلَأْلَأُ، فَسَوَّدَهُ أرْجاسُ المُشْرِكِينَ، وسَيَعُودُ إلى ما كانَ عَلَيْهِ. وهو يَوْمَ القِيامَةِ مِثْلُ أبِي قُبَيْسٍ في العَظْمِ، لَهُ عَيْنانِ ولِسانٌ وشَفَتانِ يَشْهَدُ لِمَنِ اسْتَلَمَهُ بِحَقٍّ، ويَشْهَدُ عَلى مَنِ اسْتَلَمَهُ بِغَيْرِ حَقٍّ.
وأخْرَجَ ابْنُ خُزَيْمَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «الحَجَرُ الأسْوَدُ ياقُوتَةٌ بَيْضاءُ مِن يَواقِيتِ الجَنَّةِ، وإنَّما سَوَّدَتْهُ خَطايا المُشْرِكِينَ، يُبْعَثُ يَوْمَ القِيامَةِ مِثْلَ أُحُدٍ يَشْهَدُ لِمَنِ اسْتَلَمَهُ وقَبَّلَهُ مِن أهْلِ الدُّنْيا» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ، والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ، وابْنُ ماجَهْ، وابْنُ خُزَيْمَةَ، وابْنُ حِبّانَ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في ”شُعَبِ الإيمانِ“ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «إنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ الرُّكْنَ الأسْوَدَ لَهُ عَيْنانِ يُبْصِرُ بِهِما، ولِسانٌ يَنْطِقُ بِهِ يَشْهَدُ لِمَنِ اسْتَلَمَهُ بِحَقٍّ» .
وأخْرَجَ الأزْرَقِيُّ عَنْ سَلْمانَ الفارِسِيِّ قالَ: الرُّكْنُ مِن حِجارَةِ الجَنَّةِ، أما (p-٧٠٠)والَّذِي نَفْسُ سَلْمانَ بِيَدِهِ لَيَجِيئَنَّ يَوْمَ القِيامَةِ لَهُ عَيْنانِ ولِسانٌ وشَفَتانِ، يَشْهَدُ لِمَنِ اسْتَلَمَهُ بِالحَقِّ.
وأخْرَجَ الأزْرَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الرُّكْنُ يَمِينُ اللَّهِ في الأرْضِ يُصافِحُ بِها خَلْقَهُ، والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، ما مِنِ امْرِئٍ مُسْلِمٍ يَسْألُ اللَّهَ عِنْدَهُ شَيْئًا إلّا أعْطاهُ إيّاهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ ماجَهْ «عَنْ عَطاءِ بْنِ أبِي رَباحٍ، أنَّهُ سُئِلَ عَنِ الرُّكْنِ الأسْوَدِ فَقالَ: حَدَّثَنِي أبُو هُرَيْرَةَ أنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: مَن فاوَضَهُ فَإنَّما يُفاوِضُ يَدَ الرَّحْمَنِ» .
وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ في ”شُعَبِ الإيمانِ“ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إنَّ لِهَذا الحَجَرِ لِسانًا وشَفَتَيْنِ يَشْهَدُ لِمَنِ اسْتَلَمَهُ يَوْمَ القِيامَةِ بِحَقٍّ» .
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ في ”الأوْسَطِ“، وابْنُ خُزَيْمَةَ، والحاكِمُ، والبَيْهَقِيُّ في “ الأسْماءِ والصِّفاتِ “ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «يَأْتِي الرُّكْنُ يَوْمَ القِيامَةِ أعْظَمَ مِن أبِي قُبَيْسٍ، لَهُ لِسانٌ وشَفَتانِ، يَتَكَلَّمُ عَمَّنِ [ اسْتَلَمَهُ ] (p-٧٠١)بِالنِّيَّةِ، وهو يَمِينُ اللَّهِ الَّتِي يُصافِحُ بِها خَلَقَهُ ”» .
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ في“ الأوْسَطِ ”عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أشْهِدُوا هَذا الحَجَرَ خَيْرًا؛ فَإنَّهُ يَوْمَ القِيامَةِ شافِعٌ مُشَفَّعٌ لَهُ لِسانٌ وشَفَتانِ يَشْهَدُ لِمَنِ اسْتَلَمَهُ» .
وأخْرَجَ الجَنَدِيُّ مِن طَرِيقِ عَطاءِ بْنِ السّائِبِ، عَنِ ابْنِ سابِطٍ قالَ: بَيْنَ الرُّكْنِ والمَقامِ وزَمْزَمَ قَبْرُ تِسْعَةٍ وتِسْعِينَ نَبِيًّا، وإنَّ قَبْرَ هُودٍ وشُعَيْبٍ وصالِحٍ وإسْماعِيلَ في تِلْكَ البُقْعَةِ.
وأخْرَجَ الأزْرَقِيُّ مِن طَرِيقِ عَطاءِ بْنِ السّائِبِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سابِطٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «كانَ النَّبِيُّ مِنَ الأنْبِياءِ إذْ هَلَكَتْ أُمَّتُهُ لَحِقَ بِمَكَّةَ فَيَتَعَبَّدُ فِيها النَّبِيُّ ومَن مَعَهُ حَتّى يَمُوتَ، فَماتَ بِها نُوحٌ وهُودٌ وصالِحٌ وشُعَيْبٌ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، وقُبُورُهم بَيْنَ زَمْزَمَ والحَجَرِ» .
وأخْرَجَ الأزْرَقِيُّ، والجَنَدِيُّ مِن طَرِيقِ عَطاءِ بْنِ السّائِبِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ (p-٧٠٢)بْنِ سابِطٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَكَّةُ لا يَسْكُنُها سافِكُ دَمٍ، ولا تاجِرٌ بِرِبًا ولا مَشّاءٌ بِنَمِيمَةٍ. قالَ: ودُحِيَتِ الأرْضُ مِن مَكَّةَ، وكانَتِ المَلائِكَةُ تَطُوفُ بِالبَيْتِ، وهي أوَّلُ مَن طافَ بِهِ، وهي الأرْضُ الَّتِي قالَ اللَّهُ ﴿إنِّي جاعِلٌ في الأرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: ٣٠] [ البَقَرَةِ: ٣٠ ] وكانَ النَّبِيُّ مِنَ الأنْبِياءِ إذا هَلَكَ قَوْمُهُ فَنَجا هو والصّالِحُونَ مَعَهُ، أتاها بِمَن مَعَهُ فَيَعْبُدُونَ اللَّهَ حَتّى يَمُوتُوا فِيها، وإنَّ قَبْرَ نُوحٍ وهُودٍ وشُعَيْبٍ وصالِحٍ بَيْنَ زَمْزَمَ والرُّكْنِ والمَقامِ» .
وأخْرَجَ الأزْرَقِيُّ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: حَجَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى جَمَلٍ أحْمَرَ فَمَرَّ بِالرَّوْحاءِ عَلَيْهِ عَباءَتانِ قَطَوانِيَّتانِ مُتَّزِرٌ بِإحْداهُما مُرْتَدٍ بِالأُخْرى فَطافَ بِالبَيْتِ، ثُمَّ طافَ بَيْنَ الصَّفا والمَرْوَةِ، فَبَيْنَما هو يَطُوفُ ويُلَبِّي بَيْنَ الصَّفا والمَرْوَةِ إذْ سَمِعَ صَوْتًا مِنَ السَّماءِ وهو يَقُولُ: لَبَّيْكَ عَبْدِي أنا مَعَكَ فَخَرَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ ساجِدًا.
وأخْرَجَ الأزْرَقِيُّ عَنْ مُقاتِلٍ قالَ: في المَسْجِدِ الحَرامِ بَيْنَ زَمْزَمَ قَبْرُ سَبْعِينَ نَبِيًّا؛ مِنهم هُودٌ وصالِحٌ وإسْماعِيلُ وقَبْرُ آدَمَ وإبْراهِيمَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ (p-٧٠٣)ويُوسُفَ في بَيْتِ المَقْدِسِ.
وأخْرَجَ الأزْرَقِيُّ، والجَنَدِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: النَّظَرُ إلى الكَعْبَةِ مَخْضُ الإيمانِ.
وأخْرَجَ الأزْرَقِيُّ، والجَنَدِيُّ عَنِ ابْنِ المُسَيَّبِ قالَ: مَن نَظَرَ إلى الكَعْبَةِ إيمانًا وتَصْدِيقًا خَرَجَ مِنَ الخَطايا كَيَوْمِ ولَدَتْهُ أُمُّهُ.
وأخْرَجَ الأزْرَقِيُّ، والجَنَدِيُّ مِن طَرِيقِ زُهَيْرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أبِي السّائِبِ المَدَنِيِّ قالَ: مَن نَظَرَ إلى الكَعْبَةِ إيمانًا وتَصْدِيقًا تَحاتَّتْ عَنْهُ ذُنُوبُهُ كَما يَتَحاتُّ الوَرَقُ مِنَ الشَّجَرِ، قالَ: والجالِسُ في المَسْجِدِ يَنْظُرُ إلى البَيْتِ، لا يَطُوفُ بِهِ ولا يُصَلِّي، أفْضَلُ مِنَ المُصَلِّي في بَيْتِهِ لا يَنْظُرُ إلى البَيْتِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، والأزْرَقِيُّ والجَنَدِيُّ، والبَيْهَقِيُّ في“ شُعَبِ الإيمانِ ”عَنْ عَطاءٍ قالَ: النَّظَرُ إلى البَيْتِ عِبادَةٌ والنّاظِرُ إلى البَيْتِ بِمَنزِلَةِ القائِمِ الصّائِمِ المُخْبِتِ المُجاهِدِ في سَبِيلِ اللَّهِ.
وأخْرَجَ الجَنَدِيُّ عَنْ عَطاءٍ قالَ: إنَّ نَظْرَةً إلى هَذا البَيْتِ في غَيْرِ طَوافٍ ولا صَلاةٍ تَعْدِلُ عِبادَةَ سَنَةٍ قِيامَها ورُكُوعَها وسُجُودَها.
(p-٧٠٤)وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، والجَنَدِيُّ، عَنْ طاوُسٍ قالَ: النَّظَرُ إلى هَذا البَيْتِ أفْضَلُ مِن عِبادَةِ الصّائِمِ القائِمِ الدّائِمِ المُجاهِدِ في سَبِيلِ اللَّهِ.
وأخْرَجَ الأزْرَقِيُّ، والجَنَدِيُّ، وابْنُ عَدِيٍّ، والبَيْهَقِيُّ في“ شُعَبِ الإيمانِ ”وضَعَّفَهُ، والأصْبِهانِيُّ في“ التَّرْغِيبِ ”عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إنَّ لِلَّهِ في كُلِّ يَوْمٍ ولَيْلَةٍ عِشْرِينَ ومِائَةَ رَحْمَةٍ تَنْزِلُ عَلى هَذا البَيْتِ؛ سِتُّونَ لِلطّائِفِينَ وأرْبَعُونَ لِلْمُصَلِّينَ وعِشْرُونَ لِلنّاظِرِينَ» .
وأخْرَجَ الأزْرَقِيُّ عَنْ إبْراهِيمَ النَّخَعِيِّ قالَ: النّاظِرُ إلى الكَعْبَةِ كالمُجْتَهِدِ في العِبادَةِ في غَيْرِها مِنَ البِلادِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، والأزْرَقِيُّ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: النَّظَرُ إلى الكَعْبَةِ عِبادَةٌ.
وأخْرَجَ الجَنَدِيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: أكْثَرُوا الطَّوافَ بِالبَيْتِ قَبْلَ أنْ يُرْفَعَ ويَنْسى النّاسُ مَكانَهُ.
وأخْرَجَ البَزّارُ في“ مُسْنَدِهِ ”، وابْنُ خُزَيْمَةَ، وابْنُ حِبّانَ، والطَّبَرانِيُّ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «اسْتَمْتِعُوا بِهَذا البَيْتِ فَقَدْ هُدِمَ مَرَّتَيْنِ، ويُرْفَعُ في الثّالِثَةِ» .
(p-٧٠٥)وأخْرَجَ الجَنَدِيُّ عَنِ الزُّهْرِيِّ قالَ: إذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ يَرْفَعُ اللَّهُ الكَعْبَةَ البَيْتَ الحَرامَ إلى بَيْتِ المَقْدِسِ، فَمَرَّ بِقَبْرِ النَّبِيِّ ﷺ بِالمَدِينَةِ، فَتَقُولُ: السَّلامُ عَلَيْكَ يا رَسُولَ اللَّهِ ورَحْمَةُ اللَّهِ وبَرَكاتُهُ، فَيَقُولُ ﷺ: وعَلَيْكِ السَّلامُ يا كَعْبَةَ اللَّهِ، ما حالُ أُمَّتِي؟ فَتَقُولُ: يا مُحَمَّدُ أمّا مَن وفَدَ إلَيَّ مِن أُمَّتِكَ فَأنا القائِمُ بِشَأْنِهِ، وأمّا مَن لَمْ يَفِدْ مِن أُمَّتِكَ فَأنْتَ القائِمُ بِشَأْنِهِ.
وأخْرَجَ أبُو بَكْرٍ الواسِطِيُّ في“ فَضائِلِ بَيْتِ المَقْدِسِ ”عَنْ خالِدِ بْنِ مَعْدانَ قالَ: لا تَقُومُ السّاعَةُ حَتّى تُزَفَّ الكَعْبَةُ إلى الصَّخْرَةِ زَفَّ العَرُوسِ، فَيَتَعَلَّقُ بِها جَمِيعُ مَن حَجَّ واعْتَمَرَ، فَإذا رَأتْها الصَّخْرَةُ قالَتْ لَها: مَرْحَبًا بِالزّائِرَةِ والمَزُورَةِ إلَيْها.
وأخْرَجَ الواسِطِيُّ عَنْ كَعْبٍ قالَ: لا تَقُومُ السّاعَةُ حَتّى يُزَفَّ البَيْتُ الحَرامُ إلى بَيْتِ المَقْدِسِ، فَيَنْقادانِ إلى الجَنَّةِ، وفِيهِما أهْلُهُما والعَرْضُ والحِسابُ بِبَيْتِ المَقْدِسِ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ والأصْبِهانِيُّ في“ التَّرْغِيبِ ”والدَّيْلَمِيُّ، عَنْ جابِرٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ زُفَّتِ الكَعْبَةُ البَيْتُ الحَرامُ إلى (p-٧٠٦)قَبْرِي، فَيَقُولُ: السَّلامُ عَلَيْكَ يا مُحَمَّدُ، فَأقُولُ: وعَلَيْكَ السَّلامُ يا بَيْتَ اللَّهِ، ما صَنَعَ بِكَ أُمَّتِي بَعْدِي؟ فَتَقُولُ: يا مُحَمَّدُ، مَن أتانِي فَأنا أكْفِيهِ وأكُونُ لَهُ شَفِيعًا، ومَن لَمْ يَأْتِنِي فَأنْتَ تَكْفِيهِ وتَكُونُ لَهُ شَفِيعًا» .
وأخْرَجَ الأزْرَقِيُّ عَنْ أبِي إسْحاقَ قالَ: بَنى إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ البَيْتَ، وجَعَلَ طُولَهُ في السَّماءِ تِسْعَةَ أذْرُعٍ وعَرْضَهُ في الأرْضِ اثْنَيْنِ وثَلاثِينَ ذِراعًا، مِنَ الرُّكْنِ الأسْوَدِ إلى الرُّكْنِ الشّامِيِّ الَّذِي عِنْدَ الحِجْرِ مِن وجْهِهِ، وجَعَلَ عَرْضَ ما بَيْنَ الرُّكْنِ الشّامِيِّ إلى الرُّكْنِ الغَرْبِيِّ الَّذِي فِيهِ الحِجْرُ اثْنَيْنِ وعِشْرِينَ ذِراعًا، وجَعَلَ طُولَ ظَهْرِها مِنَ الرُّكْنِ الغَرْبِيِّ إلى الرُّكْنِ اليَمانِيِّ أحَدًا وثَلاثِينَ ذِراعًا. وجَعَلَ عَرْضَ شِقِّها اليَمانِيِّ مِنَ الرُّكْنِ الأسْوَدِ إلى الرُّكْنِ اليَمانِيِّ عِشْرِينَ ذِراعًا، قالَ: فَلِذَلِكَ سُمِّيَتِ الكَعْبَةُ لِأنَّها عَلى خِلْقَةِ الكَعْبِ.
قالَ: وكَذَلِكَ بُنْيانُ أساسِ آدَمَ وجَعَلَ بابَها بِالأرْضِ غَيْرَ مُبَوَّبٍ (p-٧٠٧)حَتّى كانَ تُبَّعُ ابْنُ أسْعَدَ الحِمْيَرِيُّ وهو الَّذِي جَعَلَ لَها بابًا وجَعَلَ لَها غَلَقًا فارِسِيًّا، وكَساها كِسْوَةً تامَّةً، ونَحَرَ عِنْدَها، وجَعَلَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ الحِجْرَ إلى جَنْبِ البَيْتِ عَرِيشًا مِن أراكٍ تَقْتَحِمُهُ العَنْزُ فَكانَ زَرْبًا لِغَنَمِ إسْماعِيلَ، وحَفَرَ إبْراهِيمُ جُبًّا في بَطْنِ البَيْتِ عَلى يَمِينِ مَن دَخَلَهُ يَكُونُ خِزانَةً لِلْبَيْتِ، يُلْقى فِيهِ ما يُهْدى لِلْكَعْبَةِ، وكانَ اللَّهُ اسْتَوْدَعَ الرُّكْنَ أبا قُبَيْسٍ حِينَ أغْرَقَ اللَّهُ الأرْضَ زَمَنَ نُوحٍ وقالَ: إذا رَأيْتَ خَلِيلِي يَبْنِي بَيْتِي فَأخْرِجْهُ لَهُ، فَجاءَ بِهِ جِبْرِيلُ فَوَضَعَهُ في مَكانِهِ، وبَنى عَلَيْهِ إبْراهِيمُ وهو حِينَئِذٍ يَتَلَأْلَأُ نُورًا مِن شِدَّةِ بَياضِهِ، وكانَ نُورُهُ يُضِيءُ إلى مُنْتَهى أنْصافِ الحَرَمِ مِن كُلِّ ناحِيَةٍ، قالَ: وإنَّما شِدَّةُ سَوادِهِ لِأنَّهُ أصابَهُ الحَرِيقُ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ في الجاهِلِيَّةِ والإسْلامِ.
وأخْرَجَ مالِكٌ والشّافِعِيُّ، والبُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، والنَّسائِيُّ عَنْ عائِشَةَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «ألَمْ تَرَيْ إلى قَوْمِكِ حِينَ بَنَوُا الكَعْبَةَ أقْصَرُوا عَنْ قَواعِدِ إبْراهِيمَ فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ ألا تَرُدُّها عَلى قَواعِدِ إبْراهِيمَ قالَ: لَوْلا حِدْثانُ قَوْمِكِ بِالكُفْرِ. فَقالَ ابْنُ عُمَرَ: ما أرى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تَرَكَ (p-٧٠٨)اسْتِلامَ الرُّكْنَيْنِ اللَّذَيْنِ يَلِيانِ الحَجَرَ إلّا أنَّ البَيْتَ لَمْ يُتَمَّمْ عَلى قَواعِدِ إبْراهِيمَ» .
وأخْرَجَ الأزْرَقِيُّ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قالَ: كانَ ابْنُ الزُّبَيْرِ بَنى الكَعْبَةَ مِنَ الذَّرْعِ عَلى ما بَناها إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ، قالَ: وهي مُكَعَّبَةٌ عَلى خِلْقَةِ الكَعْبِ، ولِذَلِكَ سُمِّيَتِ الكَعْبَةَ. قالَ: ولَمْ يَكُنْ إبْراهِيمُ سَقَفَ الكَعْبَةَ ولا بَناها بِمَدَرٍ وإنَّما رَضَمَها رَضْمًا.
وأخْرَجَ الأزْرَقِيُّ عَنِ ابْنِ المُرْتَفِعِ قالَ: كُنّا مَعَ ابْنِ الزُّبَيْرِ في الحِجْرِ، فَأوَّلُ حَجَرٍ مِنَ المَنجَنِيقِ وقَعَ في الكَعْبَةِ سَمِعْنا لَها أنِينًا كَأنِينِ المَرِيضِ: آهٍ آهٍ.
وأخْرَجَ الجَنَدِيُّ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: رَأيْتُ الكَعْبَةَ في النَّوْمِ وهي تُكَلِّمُ النَّبِيَّ ﷺ وهي تَقُولُ: لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ أُمَّتُكَ يا مُحَمَّدُ عَنِ المَعاصِي لَأنْتَفِضَنَّ حَتّى يَصِيرَ كُلُّ حَجَرِ مِنِّي في مَكانٍ.
(p-٧٠٩)وأخْرَجَ الجَنَدِيُّ عَنْ وُهَيْبِ بْنِ الوَرْدِ قالَ: كُنْتُ أطُوفُ أنا وسُفْيانُ بْنُ سَعِيدٍ الثَّوْرِيُّ لَيْلًا فانْقَلَبَ سُفْيانُ وبَقِيتُ في الطَّوافِ، فَدَخَلْتُ الحِجْرَ فَصَلَّيْتُ تَحْتَ المِيزابِ، فَبَيْنا أنا ساجِدٌ إذْ سَمِعْتُ كَلامًا بَيْنَ أسْتارِ الكَعْبَةِ والحِجارَةِ وهو يَقُولُ: يا جِبْرِيلُ أشْكُو إلى اللَّهِ ثُمَّ إلَيْكِ ما يَفْعَلُ هَؤُلاءِ الطّائِفُونَ حَوْلِي، مِن تَفَكُّهِهِمْ في الحَدِيثِ ولَغَطِهِمْ وشُؤْمِهِمْ، قالَ وُهَيْبٌ: فَأوَّلْتُ أنَّ البَيْتَ يَشْكُو إلى جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ.
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنّا إنَّكَ أنْتَ السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾
أخْرَجَ الدّارَقُطْنِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ «كانَ النَّبِيُّ ﷺ إذا أفْطَرَ قالَ: اللَّهُمَّ لَكَ صُمْنا، وعَلى رِزْقِكَ أفْطَرْنا، فَتَقَبَّلْ مِنّا إنَّكَ أنْتَ السَّمِيعُ العَلِيمُ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي داوُدَ في“ المَصاحِفِ " عَنِ الأعْمَشِ، أنَّهُ قَرَأ (وإذْ يَرْفَعُ إبْراهِيمُ القَواعِدَ مِنَ البَيْتِ وإسْماعِيلُ يَقُولانِ: رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنّا) .
البقرة 2:128
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿رَبَّنا واجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ ومِن ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ﴾ .
أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عَبْدِ الكَرِيمِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿رَبَّنا واجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ﴾ قالَ: مُخْلِصَيْنِ.
(p-٧١٠)وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَلّامِ بْنِ أبِي مُطِيعٍ في هَذِهِ الآيَةِ قالَ: كانا مُسْلِمَيْنِ ولَكِنْ سَألاهُ الثَّباتَ.
أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿ومِن ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ﴾ يَعْنِيانِ العَرَبَ.
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأرِنا مَناسِكَنا﴾ .
أخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والأزْرَقِيُّ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: قالَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ: رَبِّ أرِنا مَناسِكَنا، فَأتاهُ جِبْرِيلُ فَأتى بِهِ البَيْتَ فَقالَ: ارْفَعِ القَواعِدَ، فَرَفَعَ القَواعِدَ وأتَمَّ البُنْيانَ، ثُمَّ أخَذَ بِيَدِهِ فَأخْرَجَهُ فانْطَلَقَ بِهِ إلى الصَّفا قالَ: هَذا مِن شَعائِرِ اللَّهِ. ثُمَّ انْطَلَقَ بِهِ إلى المَرْوَةَ، فَقالَ: وهَذا مِن شَعائِرِ اللَّهِ، ثُمَّ انْطَلَقَ بِهِ نَحْوَ مِنًى، فَلَمّا كانَ مِنَ العَقَبَةِ إذا (p-٧١١)إبْلِيسُ قائِمٌ عِنْدَ الشَّجَرَةِ فَقالَ: كَبِّرْ وارْمِهِ، فَكَبَّرَ ورَماهُ، ثُمَّ انْطَلَقَ إبْلِيسُ فَقامَ عِنْدَ الجَمْرَةِ الوُسْطى، فَلَمّا حاذى بِهِ جِبْرِيلُ وإبْراهِيمُ قالَ لَهُ: كَبِّرْ وارْمِهِ، فَكَبَّرَ ورَمى، فَذَهَبَ إبْلِيسُ، حَتّى أتى الجَمْرَةَ القُصْوى فَقالَ لَهُ جِبْرِيلُ: كَبِّرْ وارْمِهِ، فَكَبَّرَ ورَمى، فَذَهَبَ إبْلِيسُ وكانَ الخَبِيثُ أرادَ أنْ يُدْخِلَ في الحَجِّ شَيْئًا، فَلَمْ يَسْتَطِعْ فَأخَذَ بِيَدِ إبْراهِيمَ حَتّى أتى بِهِ المَشْعَرَ الحَرامَ فَقالَ: هَذا المَشْعَرُ الحَرامُ ثُمَّ ذَهَبَ حَتّى أتى بِهِ عَرَفاتٍ قالَ: قَدْ عَرَفْتَ ما أرَيْتُكَ؟ قالَها ثَلاثًا، قالَ: نَعَمْ، قالَ: فَأذِّنْ في النّاسِ بِالحَجِّ، قالَ: وكَيْفَ أُؤَذِّنُ؟ قالَ: قُلْ: يا أيُّها النّاسُ أجِيبُوا رَبَّكم. ثَلاثَ مِرارٍ، فَأجابَ العِبادُ: لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ رَبَّنا لَبَّيْكَ. فَمَن أجابَ إبْراهِيمَ يَوْمَئِذٍ مِنَ الخَلْقِ فَهو حاجٌّ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ مِن طَرِيقِ ابْنِ المُسَيَّبِ، عَنْ عَلِيٍّ، قالَ: لَمّا فَرَغَ إبْراهِيمُ مِن بِناءِ البَيْتِ، قالَ: قَدْ فَعَلْتُ أيْ رَبِّ، فَأرِنا مَناسِكَنا، أبْرِزْها لَنا، عَلِّمْناها. فَبَعَثَ اللَّهُ جِبْرِيلَ فَحَجَّ بِهِ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ والأزْرَقِيُّ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: حَجَّ إبْراهِيمُ (p-٧١٢)وإسْماعِيلُ وهُما ماشِيانِ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانَ المَقامُ في أصْلِ الكَعْبَةِ، فَقامَ عَلَيْهِ إبْراهِيمُ، فَتَفَرَّجَتْ عَنْهُ هَذِهِ الجِبالُ؛ أبُو قُبَيْسٍ وضَواحِيهِ إلى ما بَيْنَهُ وبَيْنَ عَرَفاتٍ، فَأُرِيَ مَناسِكَهُ حَتّى انْتَهى إلَيْهِ، فَقِيلَ: عَرَفْتَ؟ قالَ: نَعَمْ، فَسُمِّيَتْ عَرَفاتٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنْ أبِي مِجْلَزٍ في قَوْلِهِ: ﴿وإذْ يَرْفَعُ إبْراهِيمُ القَواعِدَ مِنَ البَيْتِ وإسْماعِيلُ﴾ [البقرة: ١٢٧] قالَ: لَمّا فَرَغَ إبْراهِيمُ مِنَ البَيْتِ جاءَهُ جِبْرِيلُ أراهُ الطَّوافَ بِالبَيْتِ والصَّفا والمَرْوَةِ، ثُمَّ انْطَلَقا إلى العَقَبَةِ فَعَرَضَ لَهُما الشَّيْطانُ فَأخَذَ جِبْرِيلُ سَبْعَ حَصَياتٍ وأعْطى إبْراهِيمَ سَبْعَ حَصَياتٍ، فَرَمى وكَبَّرَ وقالَ لِإبْراهِيمَ: ارْمِ وكَبِّرْ. مَعَ كُلِّ رَمْيَةٍ حَتّى أفَلَ الشَّيْطانُ، ثُمَّ انْطَلَقا إلى الجَمْرَةِ الوُسْطى، فَعَرَضَ لَهُما الشَّيْطانُ فَأخَذَ جِبْرِيلُ سَبْعَ (p-٧١٣)حَصَياتٍ وأعْطى إبْراهِيمُ سَبْعَ حَصَياتٍ، فَرَمَيا وكَبَّرًا مَعَ كُلِّ رَمْيَةٍ حَتّى أفَلَ الشَّيْطانُ، ثُمَّ أتَيا الجَمْرَةَ القُصْوى فَعَرَضَ لَهُما الشَّيْطانُ، فَأخَذَ جِبْرِيلُ سَبْعَ حَصَياتٍ، وأعْطى إبْراهِيمَ سَبْعَ حَصَياتٍ وقالَ: ارْمِ وكَبِّرْ، فَرَمَيا وكَبَّرا مَعَ كُلِّ رَمْيَةٍ حَتّى أفَلَ، ثُمَّ أتى بِهِ إلى مِنًى فَقالَ: هَهُنا يَحْلِقُ النّاسُ رُءُوسَهم. ثُمَّ أتى بِهِ جَمْعًا فَقالَ: هَهُنا يَجْمَعُ النّاسُ الصَّلاةَ. ثُمَّ أتى بِهِ عَرَفاتٍ فَقالَ: عَرَفْتَ.، قالَ: نَعَمْ، فَمِن ثَمَّ سُمِّيَتْ عَرَفاتٍ.
وأخْرَجَ الأزْرَقِيُّ عَنْ زُهَيْرِ بْنِ مُحَمَّدٍ قالَ: ”لَمّا فَرَغَ إبْراهِيمُ مِنَ البَيْتِ الحَرامِ، قالَ: أيْ رَبِّ، قَدْ فَعَلْتُ، فَأرِنا مَناسِكَنا. فَبَعَثَ اللَّهُ إلَيْهِ جِبْرِيلَ، فَحَجَّ بِهِ، حَتّى إذا جاءَ يَوْمُ النَّحْرِ، عَرَضَ لَهُ إبْلِيسُ، فَقالَ: احْصِبْ، فَحَصَبَ سَبْعَ حَصَياتٍ، ثُمَّ الغَدُ، ثُمَّ اليَوْمُ الثّالِثُ، فَمَلَأ ما بَيْنَ الجَبَلَيْنِ، ثُمَّ عَلا عَلى ثَبِيرٍ، فَقالَ: يا عِبادَ اللَّهِ، أجِيبُوا رَبَّكم. فَسَمِعَ دَعْوَتَهُ مَن بَيْنَ الأبْحُرِ مِمَّنْ في قَلْبِهِ مِثْقالُ ذَرَّةٍ مِن إيمانٍ، قالُوا: لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ. قالَ: ولَمْ يَزَلْ عَلى وجْهِ الأرْضِ (p-٧١٤)سَبْعَةٌ المُسْلِمُوَنَ فَصاعِدًا، لَوْلا ذَلِكَ لَأُهْلِكَتِ الأرْضُ ومَن عَلَيْها“ . قالَ: وأوَّلُ مَن أجابَ إبْراهِيمُ حِينَ أذِنَ بِالحَجِّ أهْلُ اليَمَنِ.
وأخْرَجَ الأزْرَقِيُّ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وأرِنا مَناسِكَنا﴾ قالَ: مَذابِحَنا.
وأخْرَجَ الجَنَدِيُّ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: قالَ اللَّهُ لِإبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ: قُمْ فابْنِ لِي بَيْتًا، قالَ: أيْ رَبِّ أيْنَ؟ قالَ: سَأُخْبِرُكَ. فَبَعَثَ اللَّهُ إلَيْهِ سَحابَةً لَها رَأْسٌ فَقالَتْ: يا إبْراهِيمُ إنَّ رَبَّكَ يَأْمُرُكَ أنْ تَخُطَّ قَدْرَ هَذِهِ السَّحابَةِ، قالَ: فَجَعَلَ إبْراهِيمُ يَنْظُرُ إلى السَّحابَةِ ويَخُطُّ، فَقالَ الرَّأْسُ: قَدْ فَعَلْتَ؟ قالَ: نَعَمْ، فارْتَفَعَتِ السَّحابَةُ فَحَفَرَ إبْراهِيمُ فَأبْرَزَ عَنْ أساسٍ نابِتٍ مِنَ الأرْضِ، فَبَنى إبْراهِيمُ، فَلَمّا فَرَغَ قالَ: أيْ رَبِّ قَدْ فَعَلْتُ فَأرِنا مَناسِكَنا، فَبَعَثَ اللَّهُ إلَيْهِ جِبْرِيلَ يَحُجُّ بِهِ، حَتّى إذا جاءَ يَوْمُ النَّحْرِ عَرَضَ لَهُ إبْلِيسُ، فَقالَ لَهُ جِبْرِيلُ: احْصِبْ، فَحَصَبَ بِسَبْعِ حَصَياتٍ، ثُمَّ الغَدُ ثُمَّ اليَوْمُ الرّابِعُ، ثُمَّ قالَ: أعْلُ ثَبِيرًا، فَعَلا ثَبِيرًا، فَقالَ: أيْ عِبادَ اللَّهِ، أُجِيبُوا، أيْ عِبادَ اللَّهِ أطِيعُوا اللَّهَ. فَسَمِعَ دَعْوَتَهُ ما (p-٧١٥)بَيْنَ الأبْحُرِ مِمَّنْ في قَلْبِهِ مِثْقالُ ذَرَّةٍ مِنَ الإيمانِ، فَقالُوا: لَبَّيْكَ أطَعْناكَ اللَّهُمَّ أطَعْناكَ. وهي الَّتِي أتى اللَّهُ إبْراهِيمَ في المَناسِكِ: لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ. ولَمْ يَزَلْ عَلى الأرْضِ سَبْعَةٌ مُسْلِمُونَ فَصاعِدًا، لَوْلا ذَلِكَ هَلَكَتِ الأرْضُ ومَن عَلَيْها.
وأخْرَجَ ابْنُ خُزَيْمَةَ، والطَّبَرانِيُّ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ في ”شُعَبِ الإيمانِ“ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَفَعَهُ قالَ: لَمّا أتى إبْراهِيمُ خَلِيلُ اللَّهِ المَناسِكَ عَرَضَ لَهُ الشَّيْطانُ عِنْدَ جَمْرَةِ العَقَبَةِ فَرَماهُ بِسَبْعِ حَصَياتٍ حَتّى ساخَ في الأرْضِ، ثُمَّ عَرَضَ لَهُ عِنْدَ الجَمْرَةِ الثّانِيَةِ فَرَماهُ بِسَبْعِ حَصَياتٍ حَتّى ساخَ في الأرْضِ، ثُمَّ عَرَضَ لَهُ عِنْدَ الجَمْرَةِ الثّالِثَةِ فَرَماهُ بِسَبْعِ حَصَياتٍ حَتّى ساخَ في الأرْضِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الشَّيْطانُ تَرْجُمُونَ ومِلَّةَ أبِيكم إبْراهِيمَ تَتَّبِعُونَ.
وأخْرَجَ الطَّيالِسِيُّ، وأحْمَدُ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في ”شُعَبِ الإيمانِ“ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: إنَّ إبْراهِيمَ لَمّا رَأى المَناسِكَ عَرَضَ لَهُ الشَّيْطانُ عِنْدَ المَسْعى، فَسابَقَهُ إبْراهِيمُ فَسَبَقَهُ إبْراهِيمُ، ثُمَّ انْطَلَقَ بِهِ جِبْرِيلُ حَتّى أراهُ مِنًى فَقالَ: هَذا مُناخُ النّاسِ. فَلَمّا انْتَهى إلى جَمْرَةِ العَقَبَةِ فَعَرَضَ لَهُ الشَّيْطانُ، (p-٧١٦)فَرَماهُ بِسَبْعِ حَصَياتٍ حَتّى ذَهَبَ، ثُمَّ أتى بِهِ جَمْرَةَ الوُسْطى، فَعَرَضَ لَهُ الشَّيْطانُ فَرَماهُ بِسَبْعِ حَصَياتٍ حَتّى ذَهَبَ، ثُمَّ أتى بِهِ جَمْرَةَ القُصْوى، فَعَرَضَ لَهُ الشَّيْطانُ فَرَماهُ بِسَبْعِ حَصَياتٍ حَتّى ذَهَبَ، فَأتى بِهِ جَمْعًا فَقالَ: هَذا المَشْعَرُ، ثُمَّ أتى بِهِ عَرَفَةَ فَقالَ: هَذِهِ عَرَفَةُ. فَقالَ لَهُ جِبْرِيلُ: أعَرَفْتَ؟ قالَ: نَعَمْ، ولِذَلِكَ سُمِّيَتْ عَرَفَةَ. أتَدْرِي كَيْفَ كانَتِ التَّلْبِيَةُ ؟ إنَّ إبْراهِيمَ لَمّا أُمِرَ أنْ يُؤَذِّنَ في النّاسِ بِالحَجِّ أُمِرَتِ الجِبالُ فَخَفَضَتْ رُءُوسَها ورُفِعَتْ لَهُ القُرى فَأذَّنَ في النّاسِ بِالحَجِّ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وأرِنا مَناسِكَنا﴾ قالَ: أراهُما اللَّهُ مَناسِكَهُما، المَوْقِفَ بِعَرَفاتٍ والإفاضَةَ مِن جَمْعٍ ورَمْيَ الجِمارِ، والطَّوافَ بِالبَيْتِ، والسَّعْيَ بَيْنَ الصَّفا والمَرْوَةِ.
البقرة 2:129
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿رَبَّنا وابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولا مِنهُمْ﴾ الآيَةَ.
أخْرَجَ أحْمَدُ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في “ الدَّلائِلِ “ عَنِ العِرْباضِ بْنِ سارِيَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إنِّي عِنْدَ اللَّهِ في أُمِّ الكِتابِ لَخاتَمُ النَّبِيِّينَ، وإنَّ آدَمَ لَمُنْجَدِلٌ في طِينَتِهِ (p-٧١٧)وسَأُنْبِئُكم بِأوَّلِ ذَلِكَ دَعْوَةُ أبِي إبْراهِيمَ وبِشارَةُ عِيسى بِي، ورُؤْيا أُمِّي الَّتِي رَأتْ، وكَذَلِكَ أُمَّهاتُ النَّبِيِّينَ يَرَيْنَ» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ، وابْنُ سَعْدٍ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ «عَنْ أبِي أُمامَةَ قالَ: قُلْتُ يا رَسُولَ اللَّهِ، ما كانَ بَدْءُ أمْرِكَ؟ قالَ: دَعْوَةُ أبِي إبْراهِيمَ وبُشْرى عِيسى، ورَأتْ أُمِّي أنَّهُ يَخْرُجُ مِنها نُورٌ أضاءَتْ لَهُ قُصُورُ الشّامِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ في ”طَبَقاتِهِ“، وابْنُ عَساكِرَ مِن طَرِيقٍ جُوَيْبِرٍ عَنِ الضَّحّاكِ، «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: أنا دَعْوَةُ إبْراهِيمَ، قالَ: وهو يَرْفَعُ القَواعِدَ مِنَ البَيْتِ ﴿رَبَّنا وابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولا مِنهُمْ﴾ حَتّى أتَمَّ الآيَةَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي العالِيَةِ في قَوْلِهِ: ﴿رَبَّنا وابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولا مِنهُمْ﴾ يَعْنِي أُمَّةَ مُحَمَّدٍ، فَقِيلَ لَهُ: قَدِ اسْتُجِيبَ لَكَ وهو كائِنٌ في آخِرِ الزَّمانِ.
(p-٧١٨)وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿وابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولا مِنهُمْ﴾ قالَ: هو مُحَمَّدٌ ﷺ .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿ويُعَلِّمُهُمُ الكِتابَ﴾ قالَ: القُرْآنَ. (والحِكْمَةَ) قالَ: السُّنَّةَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿ويُعَلِّمُهُمُ الكِتابَ والحِكْمَةَ﴾ قالَ: الحِكْمَةُ السُّنَّةُ، قالَ: فَفَعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ بِهِمْ؛ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنهم يَعْرِفُونَ اسْمَهُ ونَسَبَهُ، يُخْرِجُهم مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ، ويَهْدِيهِمْ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ.
وأخْرَجَ أبُو داوُدَ في ”مَراسِيلِهِ“ عَنْ مَكْحُولٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «آتانِي اللَّهُ القُرْآنَ ومِنَ الحِكْمَةِ مَثِّلِيهِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ في قَوْلِهِ: ”يُزَكِّيهِمْ“ قالَ: يُطَهِّرُهم مِنَ الشِّرْكِ ويُخَلِّصُهم مِنهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي العالِيَةِ في قَوْلِهِ: ﴿العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ قالَ: عَزِيزٌ في نِقْمَتِهِ إذا انْتَقَمَ، حَكِيمٌ في أمْرِهِ.
البقرة 2:130
(p-٧١٩)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَن يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إبْراهِيمَ﴾ الآيَةَ.
أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي العالِيَةِ في قَوْلِهِ: ﴿ومَن يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إبْراهِيمَ﴾ قالَ: رَغِبَتِ اليَهُودُ والنَّصارى عَنْ مِلَّتِهِ، واتَّخَذُوا اليَهُودِيَّةَ والنَّصْرانِيَّةَ بِدْعَةً لَيْسَتْ مِنَ اللَّهِ، وتَرَكُوا مِلَّةَ إبْراهِيمَ الإسْلامَ، وبِذَلِكَ بَعَثَ اللَّهُ نَبِيَّهُ مُحَمَّدًا ﷺ بِمِلَّةِ إبْراهِيمَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ قَتادَةَ مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ في قَوْلِهِ: ﴿إلا مَن سَفِهَ نَفْسَهُ﴾ قالَ: إلّا مَن أخْطَأ حَظَّهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي مالِكٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدِ اصْطَفَيْناهُ﴾ قالَ: اخْتَرْناهُ.
البقرة 2:132
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ووَصّى بِها﴾ الآيَةَ.
أخْرَجَ ابْنُ أبِي داوُدَ في ”المَصاحِفِ“ عَنْ أسِيدِ بْنِ يَزِيدَ قالَ: في مُصْحَفِ عُثْمانَ ﴿ووَصّى﴾ بِغَيْرِ ألِفٍ.
(p-٧٢٠)وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ووَصّى بِها إبْراهِيمُ بَنِيهِ﴾ قالَ: وصّاهم بِالإسْلامِ ووَصّى يَعْقُوبُ بَنِيهِ بِمِثْلِ ذَلِكَ.
وأخْرَجَ الثَّعْلَبِيُّ عَنْ فُضَيْلِ بْنِ عِياضٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَلا تَمُوتُنَّ إلا وأنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ أيْ مُحْسِنُونَ بِرَبِّكُمُ الظَّنَّ.
وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ عَنِ الكَلْبِيِّ قالَ: وُلِدَ لِإبْراهِيمَ إسْماعِيلُ وهو أكْبَرُ ولَدِهِ وأُمُّهُ هاجَرُ وهي قِبْطِيَّةٌ وإسْحاقُ وأُمُّهُ سارَةُ ومَدَنُ ومَدْيَنُ ويَقْشانُ وزِمْرانُ وأشْبَقُ وشَوْحٌ، وأُمُّهم قَنْطُوراءُ مِنَ العَرَبِ العارِبَةِ، فَأمّا يَقْشانُ فَلَحِقَ بَنُوهُ بِمَكَّةَ وأقامَ مَدْيَنُ بِأرْضِ مَدْيَنَ فَسُمِّيَتْ بِهِ، ومَضى سائِرُهم في البِلادِ وقالُوا لِإبْراهِيمَ: يا أبانا أنْزَلْتَ إسْماعِيلَ وإسْحاقَ مَعَكَ، وأمَرْتَنا أنْ نَنْزِلَ أرْضَ الغُرْبَةِ والوَحْشَةِ قالَ: بِذَلِكَ أُمِرْتُ، فَعَلَّمَهُمُ اسْمًا مِن أسْماءِ اللَّهِ فَكانُوا يَسْتَسْقُونَ بِهِ ويَسْتَنْصِرُونَ.
البقرة 2:133
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ﴾ الآيَةَ.
(p-٧٢١)أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي العالِيَةِ في قَوْلِهِ: ﴿أمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ﴾ يَعْنِي أهْلَ الكِتابِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿أمْ كُنْتُمْ شُهَداءَ إذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ المَوْتُ﴾ الآيَةَ، قالَ: يَقُولُ: لَمْ تَشْهَدِ اليَهُودُ ولا النَّصارى ولا أحَدٌ مِنَ النّاسِ يَعْقُوبَ إذْ أخَذَ عَلى بَنِيهِ المِيثاقَ- إذْ حَضَرَهُ المَوْتُ- ألّا يَعْبُدُوا إلّا إيّاهُ، فَأقَرُّوا بِذَلِكَ وشَهِدَ عَلَيْهِمْ أنْ قَدْ أقَرُّوا بِعِبادَتِهِمْ وأنَّهم مُسْلِمُونَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أنَّهُ كانَ يَقُولُ: الجَدُّ أبٌ. ويَتْلُو ﴿قالُوا نَعْبُدُ إلَهَكَ وإلَهَ آبائِكَ إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ وإسْحاقَ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أبِي زَيْدٍ في الآيَةِ قالَ: يُقالُ بَدَأ بِإسْماعِيلَ لِأنَّهُ أكْبَرُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي العالِيَةِ في الآيَةِ قالَ: سَمّى العَمَّ أبًا.
(p-٧٢٢)وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ قالَ: الخالُ والِدٌ العَمُّ والِدٌ وتَلا: ﴿قالُوا نَعْبُدُ إلَهَكَ وإلَهَ آبائِكَ﴾ الآيَةَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ (نَعْبُدُ إلَهَكَ وإلَهَ أبِيكَ) عَلى مَعْنى الواحِدِ.
البقرة 2:134
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ﴾ الآيَةَ.
أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي العالِيَةِ في قَوْلِهِ: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ﴾ قالَ: يَعْنِي إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ والأسْباطِ.
البقرة 2:135
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالُوا كُونُوا هُودًا﴾ الآيَةَ.
أخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «قالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صُورِيا الأعْوَرُ لِلنَّبِيِّ ﷺ ما الهُدى إلّا ما نَحْنُ عَلَيْهِ، فاتَّبِعْنا يا مُحَمَّدُ تَهْتَدِ. وقالَتِ النَّصارى مِثْلَ ذَلِكَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ: ﴿وقالُوا كُونُوا هُودًا أوْ نَصارى تَهْتَدُوا﴾ الآيَةَ» .
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿حَنِيفًا﴾ .
أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿حَنِيفًا﴾ قالَ: حاجًّا.
(p-٧٢٣)وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ قالَ: الحَنِيفُ المُسْتَقِيمُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿حَنِيفًا﴾ قالَ: مُتَّبِعًا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ خُصَيْفٍ قالَ: الحَنِيفُ المُخْلِصُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي قِلابَةَ قالَ: الحَنِيفُ الَّذِي يُؤْمِنُ بِالرُّسُلِ كُلِّهِمْ مِن أوَّلِهِمْ إلى آخِرِهِمْ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ السُّدِّيِّ قالَ: ما كانَ في القُرْآنِ حَنِيفًا: مُسْلِمًا، وما كانَ في القُرْآنِ حُنَفاءَ مُسْلِمِينَ: حُجّاجًا.
وأخْرَجَ أحْمَدُ عَنْ أبِي أُمامَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «بُعِثْتُ بِالحَنِيفِيَّةِ السَّمْحَةِ» .
(p-٧٢٤)وأخْرَجَ أحْمَدُ، والبُخارِيُّ في (الأدَبِ المُفْرَدِ)، وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «قِيلَ: يا رَسُولَ اللَّهِ أيُّ الأدْيانِ أحَبُّ إلى اللَّهِ؟ قالَ: الحَنِيفِيَّةُ السَّمْحَةُ» .
وأخْرَجَ أُبَيٌّ النَّرْسِيُّ في ”الغَرائِبِ“، والحاكِمُ في ”تارِيخِهِ“ وأبُو مُوسى المَدِينِيُّ في ”الصَّحابَةِ“، وابْنُ عَساكِرَ عَنْ سَعْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مالِكٍ الخُزاعِيِّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أحَبُّ الدِّينِ إلى اللَّهِ الحَنِيفِيَّةُ السَّمْحَةُ» .
البقرة 2:136
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُولُوا آمَنّا بِاللَّهِ﴾ الآيَةَ.
أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مَعْقِلِ بْنِ يَسارٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «آمِنُوا بِالتَّوْراةِ والزَّبُورِ، والإنْجِيلِ، ولْيَسَعْكُمُ القُرْآنُ» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ، ومُسْلِمٌ وأبُو داوُدَ، والنَّسائِيُّ، والبَيْهَقِيُّ في ”سُنَنِهِ“ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقْرَأُ في رَكْعَتَيِ الفَجْرِ في الأُولى مِنهُما الآيَةَ الَّتِي في البَقَرَةِ: ﴿قُولُوا آمَنّا بِاللَّهِ وما أُنْزِلَ إلَيْنا﴾ الآيَةَ كُلَّها وفي الآخِرَةِ: ﴿آمَنّا بِاللَّهِ واشْهَدْ بِأنّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ٥٢] [ آلِ عِمْرانَ»: ٥٢] .
(p-٧٢٥)وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «أكْثَرُ ما كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقْرَأُ في رَكْعَتَيِ الفَجْرِ ﴿قُولُوا آمَنّا بِاللَّهِ وما أُنْزِلَ إلَيْنا وما أُنْزِلَ إلى إبْراهِيمَ﴾ الآيَةَ، وفي الثّانِيَةِ: ﴿قُلْ يا أهْلَ الكِتابِ تَعالَوْا إلى كَلِمَةٍ﴾ [آل عمران: ٦٤] الآيَةَ [ آلِ عِمْرانَ»: ٦٤] .
وأخْرَجَ وكِيعٌ عَنِ الضَّحّاكِ قالَ: عَلِّمُوا نِساءَكم وأوْلادَكم وخَدَمَكم أسْماءَ الأنْبِياءِ المُسَمَّيْنَ في الكِتابِ، لِيُؤْمِنُوا بِهِمْ، فَإنَّ اللَّهَ أمَرَ بِذَلِكَ فَقالَ: ﴿قُولُوا آمَنّا بِاللَّهِ وما أُنْزِلَ إلَيْنا﴾ إلى قَوْلِهِ ﴿ونَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الأسْباطُ بَنُو يَعْقُوبَ، كانُوا اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا، كُلُّ واحِدٍ مِنهم ولَدَ سِبْطًا أُمَّةً مِنَ النّاسِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ قالَ: الأسْباطُ بَنُو يَعْقُوبَ: يُوسُفُ وبِنْيامِينُ ورُوبِيلُ ويَهُوذا وشَمْعُونُ ولاوِي ودانُ وقَهاثُ وكُوذُ وبالِيُونُ.
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، وأبُو نُعَيْمٍ، وابْنُ عَساكِرَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدٍ الثُّمالِيِّ أنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «لَوْ حَلَفْتُ لَبَرَرْتُ، إنَّهُ لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ قَبْلَ الرَّعِيلِ (p-٧٢٦)الأوَّلِ مِن أُمَّتِي إلّا بِضْعَةَ عَشَرَ إنْسانًا إبْراهِيمُ وإسْماعِيلُ وإسْحاقُ ويَعْقُوبُ والأسْباطُ ومُوسى وعِيسى ومَرْيَمُ» .
البقرة 2:137
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنْ آمَنُوا﴾ الآيَةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في “ الأسْماءِ والصِّفاتِ “ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: لا تَقُولُوا ﴿فَإنْ آمَنُوا بِمِثْلِ ما آمَنتُمْ بِهِ﴾ فَإنَّ اللَّهَ لا مِثْلَ لَهُ ولَكِنْ قُولُوا: (فَإنْ آمَنُوا بِالَّذِي آمَنتُمْ بِهِ) .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي داوُدَ في ”المَصاحِفِ“ والخَطِيبُ في ”تارِيخِهِ“ عَنْ أبِي جَمْرَةَ قالَ: كانَ ابْنُ عَبّاسٍ يَقْرَأُ: ”فَإنْ آمَنُوا بِالَّذِي آمَنتُمْ بِهِ“ .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي العالِيَةِ في قَوْلِهِ: ﴿فَإنَّما هم في شِقاقٍ﴾ قالَ: فِراقٍ.
وأخْرَجَ الحاكِمُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «كُنْتُ قاعِدًا إذْ أقْبَلَ عُثْمانُ فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: يا عُثْمانُ تُقْتَلُ وأنْتَ تَقْرَأُ سُورَةَ ”البَقَرَةِ“ فَتَقَعُ قَطْرَةٌ مِن دَمِكَ عَلى: (p-٧٢٧)﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة»: ١٣٧] قالَ الذَّهَبِيُّ في ”مُخْتَصَرِ المُسْتَدْرَكِ“: هَذا كَذِبٌ بَحْتٌ، وفي إسْنادِهِ أحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الحَمِيدِ الجُعْفِيُّ وهو المُتَّهَمُ بِهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي داوُدَ في ”المَصاحِفِ“ وأبُو القاسِمِ بْنُ بِشْرانَ في ”أمالِيهِ“، وأبُو نُعَيْمٍ في ”المَعْرِفَةِ“، وابْنُ عَساكِرَ عَنْ أبِي سَعِيدٍ مَوْلى بَنِي أسَدٍ قالَ: لَمّا دَخَلَ المِصْرِيُّونَ عَلى عُثْمانَ والمُصْحَفُ بَيْنَ يَدَيْهِ فَضَرَبُوهُ بِالسَّيْفِ عَلى يَدَيْهِ فَجَرى الدَّمُ عَلى ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وهو السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ فَمَدَّ يَدَهُ وقالَ: واللَّهِ إنَّها لَأوَّلُ يَدٍ خَطَّتِ المُفَصَّلَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ نافِعِ بْنِ أبِي نُعَيْمٍ قالَ: أرْسَلَ إلَيَّ بَعْضُ الخُلَفاءِ بِمُصْحَفِ عُثْمانَ بْنِ عَفّانَ فَقُلْتُ لَهُ: إنَّ النّاسَ يَقُولُونَ: إنَّ مُصْحَفَهُ كانَ في حِجْرِهِ حِينَ قُتِلَ فَوَقَعَ الدَّمُ عَلى: ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وهو السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ فَقالَ نافِعٌ: بَصُرَتْ عَيْنِي بِالدَّمِ عَلى هَذِهِ الآيَةِ وقَدْ قَدُمَ.
(p-٧٢٨)وأخْرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ في “ زَوائِدِ الزُّهْدِ “ عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ أرْطاةَ العَدَوِيَّةِ قالَتْ: خَرَجْتُ مَعَ عائِشَةَ سَنَةَ قُتِلَ عُثْمانُ إلى مَكَّةَ، فَمَرَرْنا بِالمَدِينَةِ ورَأيْنا المُصْحَفَ الَّذِي قُتِلَ عُثْمانُ وهو في حِجْرِهِ، وكانَتْ أوَّلُ قَطْرَةٍ قَطَرَتْ مِن دَمِهِ عَلى هَذِهِ الآيَةِ: ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وهو السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ قالَتْ عَمْرَةُ: فَما ماتَ مِنهم رَجُلٌ سَوِيًّا.
البقرة 2:138
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ﴾ الآيَةَ.
أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ﴾ قالَ: دِينَ اللَّهِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ﴾ قالَ: فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النّاسَ عَلَيْها.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ والضِّياءُ في ”المُخْتارَةِ“ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «إنَّ بَنِي إسْرائِيلَ قالُوا: يا مُوسى هَلْ يَصْبُغُ رَبُّكَ؟ فَقالَ: اتَّقَوُا اللَّهَ، فَناداهُ رَبُّهُ: يا مُوسى سَألُوكَ هَلْ يَصْبُغُ رَبُّكُ. فَقُلْ: نَعَمْ: أنا أصْبُغُ الألْوانَ الأحْمَرَ والأبْيَضَ والأسْوَدَ، والألْوانُ كُلُّها مِن صِبْغَتِي. وأنْزَلَ اللَّهُ (p-٧٢٩)عَلى نَبِيِّهِ ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ ومَن أحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً﴾ [البقرة»: ١٣٨] .
وأخْرَجَهُ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ في “ العَظَمَةِ “ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مَوْقُوفًا.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ قَتادَةَ قالَ: إنَّ اليَهُودَ تَصْبُغُ أبْناءَها يَهُودَ، وإنَّ النَّصارى تَصْبُغُ أبْناءَها نَصارى، وإنَّ صِبْغَةَ اللَّهِ الإسْلامُ، ولا صِبْغَةَ أحْسَنُ مِن صِبْغَةِ اللَّهِ الإسْلامِ ولا أطْهَرُ وهو دِينُ اللَّهِ الَّذِي بَعَثَ بِهِ نُوحًا ومَن كانَ بَعْدَهُ مِنَ الأنْبِياءِ.
وأخْرَجَ ابْنُ النَّجّارِ في ”تارِيخِ بَغْدادَ“ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ ومَن أحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً﴾ قالَ: البَياضَ.
البقرة 2:139
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ أتُحاجُّونَنا في اللَّهِ﴾ الآياتِ.
أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿أتُحاجُّونَنا في اللَّهِ﴾ قالَ: أتُخاصِمُونَنا.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿أتُحاجُّونَنا﴾ أتُجادِلُونَنا.
(p-٧٣٠)وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ﴾ قالَ: في قَوْلِ يَهُودَ لِإبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ ومَن ذُكِرَ مَعَهُما: أنَّهم كانُوا يَهُودَ أوْ نَصارى. فَيَقُولُ اللَّهُ لَهم: لا تَكْتُمُوا مِنِّي شَهادَةً إنْ كانَتْ عِنْدَكُمْ، وقَدْ عَلِمَ اللَّهُ أنَّهم كاذِبُونَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهادَةً﴾ الآيَةَ، قالَ: أُولَئِكَ أهْلُ الكِتابِ كَتَمُوا الإسْلامَ وهم يَعْلَمُونَ أنَّهُ دِينُ اللَّهِ، واتَّخَذُوا اليَهُودِيَّةَ والنَّصْرانِيَّةَ وكَتَمُوا مُحَمَّدًا وهم يَعْلَمُونَ أنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ﴾ قالَ: كانَ عِنْدَ القَوْمِ مِنَ اللَّهِ شَهادَةٌ أنَّ أنْبِياءَهُ بُرَآءُ مِنَ اليَهُودِيَّةِ والنَّصْرانِيَّةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ والرَّبِيعِ في قَوْلِهِ: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ﴾ قالا: يَعْنِي إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ والأسْباطَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنْ أبِي المَلِيحِ قالَ: الأُمَّةُ ما بَيْنَ الأرْبَعِينَ إلى المِائَةِ فَصاعِدًا.
البقرة 2:140
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ أتُحاجُّونَنا في اللَّهِ﴾ الآياتِ.
أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿أتُحاجُّونَنا في اللَّهِ﴾ قالَ: أتُخاصِمُونَنا.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿أتُحاجُّونَنا﴾ أتُجادِلُونَنا.
(p-٧٣٠)وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ﴾ قالَ: في قَوْلِ يَهُودَ لِإبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ ومَن ذُكِرَ مَعَهُما: أنَّهم كانُوا يَهُودَ أوْ نَصارى. فَيَقُولُ اللَّهُ لَهم: لا تَكْتُمُوا مِنِّي شَهادَةً إنْ كانَتْ عِنْدَكُمْ، وقَدْ عَلِمَ اللَّهُ أنَّهم كاذِبُونَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهادَةً﴾ الآيَةَ، قالَ: أُولَئِكَ أهْلُ الكِتابِ كَتَمُوا الإسْلامَ وهم يَعْلَمُونَ أنَّهُ دِينُ اللَّهِ، واتَّخَذُوا اليَهُودِيَّةَ والنَّصْرانِيَّةَ وكَتَمُوا مُحَمَّدًا وهم يَعْلَمُونَ أنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ﴾ قالَ: كانَ عِنْدَ القَوْمِ مِنَ اللَّهِ شَهادَةٌ أنَّ أنْبِياءَهُ بُرَآءُ مِنَ اليَهُودِيَّةِ والنَّصْرانِيَّةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ والرَّبِيعِ في قَوْلِهِ: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ﴾ قالا: يَعْنِي إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ والأسْباطَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنْ أبِي المَلِيحِ قالَ: الأُمَّةُ ما بَيْنَ الأرْبَعِينَ إلى المِائَةِ فَصاعِدًا.
البقرة 2:141
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ أتُحاجُّونَنا في اللَّهِ﴾ الآياتِ.
أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿أتُحاجُّونَنا في اللَّهِ﴾ قالَ: أتُخاصِمُونَنا.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿أتُحاجُّونَنا﴾ أتُجادِلُونَنا.
(p-٧٣٠)وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ﴾ قالَ: في قَوْلِ يَهُودَ لِإبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ ومَن ذُكِرَ مَعَهُما: أنَّهم كانُوا يَهُودَ أوْ نَصارى. فَيَقُولُ اللَّهُ لَهم: لا تَكْتُمُوا مِنِّي شَهادَةً إنْ كانَتْ عِنْدَكُمْ، وقَدْ عَلِمَ اللَّهُ أنَّهم كاذِبُونَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهادَةً﴾ الآيَةَ، قالَ: أُولَئِكَ أهْلُ الكِتابِ كَتَمُوا الإسْلامَ وهم يَعْلَمُونَ أنَّهُ دِينُ اللَّهِ، واتَّخَذُوا اليَهُودِيَّةَ والنَّصْرانِيَّةَ وكَتَمُوا مُحَمَّدًا وهم يَعْلَمُونَ أنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ﴾ قالَ: كانَ عِنْدَ القَوْمِ مِنَ اللَّهِ شَهادَةٌ أنَّ أنْبِياءَهُ بُرَآءُ مِنَ اليَهُودِيَّةِ والنَّصْرانِيَّةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ والرَّبِيعِ في قَوْلِهِ: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ﴾ قالا: يَعْنِي إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ والأسْباطَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنْ أبِي المَلِيحِ قالَ: الأُمَّةُ ما بَيْنَ الأرْبَعِينَ إلى المِائَةِ فَصاعِدًا.
البقرة 2:142
(p-٥)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهاءُ﴾ الآيَةَ.
أخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والبُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، وأبُو داوُدَ في «ناسِخِهِ»، والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ حِبّانَ، والبَيْهَقِيُّ في ”سُنَنِهِ“، عَنِ البَراءِ بْنِ عازِبٍ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ أوَّلَ ما قَدِمَ المَدِينَةَ نَزَلَ عَلى أخْوالِهِ مِنَ الأنْصارِ، وأنَّهُ صَلّى إلى بَيْتِ المَقْدِسِ سِتَّةَ عَشَرَ أوْ سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا، وكانَ يُعْجِبُهُ أنْ تَكُونَ قِبْلَتُهُ قِبَلَ البَيْتِ، وأنَّهُ أوَّلُ صَلاةٍ صَلّاها صَلاةُ العَصْرِ وصَلّى مَعَهُ قَوْمٌ، فَخَرَجَ رَجُلٌ مِمَّنْ كانَ صَلّى مَعَهُ فَمَرَّ عَلى أهْلِ المَسْجِدِ وهم راكِعُونَ، فَقالَ: أشْهَدُ بِاللَّهِ لَقَدْ صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ قِبَلَ الكَعْبَةِ فَدارُوا كَما هم قِبَلَ البَيْتِ. وكانَتِ اليَهُودُ قَدْ أعْجَبَهم إذْ كانَ يُصَلِّي قِبَلَ بَيْتِ المَقْدِسِ، وأهْلُ الكِتابِ، فَلَمّا ولّى وجْهَهُ قِبَلَ البَيْتِ أنْكَرُوا ذَلِكَ، وكانَ الَّذِي ماتَ عَلى القِبْلَةِ قَبْلَ أنْ تُحَوَّلَ قِبَلَ البَيْتِ رِجالًا وقُتِلُوا فَلَمْ نَدْرِ ما نَقُولُ فِيهِمْ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إيمانَكم إنَّ اللَّهَ بِالنّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة»: ١٤٣] .
وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ البَراءِ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي نَحْوَ بَيْتِ المَقْدِسِ، ويُكْثِرُ النَّظَرَ إلى السَّماءِ يَنْتَظِرُ أمْرَ (p-٦)اللَّهِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وجْهِكَ في السَّماءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها فَوَلِّ وجْهَكَ شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ [البقرة: ١٤٤] . فَقالَ رِجالٌ مِنَ المُسْلِمِينَ: ودِدْنا لَوْ عَلِمْنا مَن ماتَ مِنّا قَبْلَ أنْ نُصْرَفَ إلى القِبْلَةِ، وكَيْفَ بِصَلاتِنا نَحْوَ بَيْتِ المَقْدِسِ؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إيمانَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤٣] . وقالَ السُّفَهاءُ مِنَ النّاسِ -وهم أهْلُ الكِتابِ-: ما ولّاهم عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهاءُ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ» .
وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والدّارَقُطْنِيُّ، والبَيْهَقِيُّ، عَنِ البَراءِ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَدْ صَلّى نَحْوَ بَيْتِ المَقْدِسِ سِتَّةَ عَشَرَ أوْ سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا، وكانَ يُحِبُّ أنْ يُصَلِّيَ نَحْوَ الكَعْبَةِ، فَكانَ يَرْفَعُ رَأْسَهُ إلى السَّماءِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وجْهِكَ في السَّماءِ﴾ [البقرة: ١٤٤] الآيَةَ، فَوُجِّهَ نَحْوَ الكَعْبَةِ، وقالَ السُّفَهاءُ مِنَ النّاسِ -وهُمُ اليَهُودُ-: ما ولّاهم عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها ؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿قُلْ لِلَّهِ المَشْرِقُ والمَغْرِبُ يَهْدِي مَن يَشاءُ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [البقرة»: ١٤٢] .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والنَّحّاسُ في «ناسِخِهِ»، والبَيْهَقِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «إنَّ أوَّلَ ما نُسِخَ في القُرْآنِ القِبْلَةُ، وذَلِكَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمّا هاجَرَ إلى المَدِينَةِ وكانَ أكْثَرَ أهْلِها اليَهُودُ، أمَرَهُ اللَّهُ أنْ يَسْتَقْبِلَ بَيْتَ المَقْدِسِ، فَفَرِحَتِ اليَهُودُ، فاسْتَقْبَلَها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِضْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا، وكانَ (p-٧)رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُحِبُّ قِبْلَةَ إبْراهِيمَ، وكانَ يَدْعُو اللَّهَ ويَنْظُرُ إلى السَّماءِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وجْهِكَ في السَّماءِ﴾ [البقرة: ١٤٤] إلى قَوْلِهِ: ﴿فَوَلُّوا وُجُوهَكم شَطْرَهُ﴾ [البقرة: ١٤٤] يَعْنِي نَحْوَهُ، فارْتابَ مِن ذَلِكَ اليَهُودُ وقالُوا: ما ولّاهم عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها ؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿قُلْ لِلَّهِ المَشْرِقُ والمَغْرِبُ﴾ وقالَ: ﴿فَأيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة»: ١١٥] .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأبُو داوُدَ في «ناسِخِهِ»، والنَّحّاسُ، والبَيْهَقِيُّ في ”سُنَنِهِ“، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ يُصَلِّي وهو بِمَكَّةَ نَحْوَ بَيْتِ المَقْدِسِ، والكَعْبَةُ بَيْنَ يَدَيْهِ، وبَعْدَما تَحَوَّلَ إلى المَدِينَةِ سِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا، ثُمَّ صَرَفَهُ اللَّهُ إلى الكَعْبَةِ» .
وأخْرَجَ أبُو داوُدَ في «ناسِخِهِ» عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: أوَّلُ ما نُسِخَ مِنَ القُرْآنِ القِبْلَةُ؛ وذَلِكَ أنَّ مُحَمَّدًا كانَ يَسْتَقْبِلُ صَخْرَةَ بَيْتِ المَقْدِسِ وهي قِبْلَةُ اليَهُودِ، فاسْتَقْبَلَها سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا؛ لِيُؤْمِنُوا بِهِ ولِيَتَّبِعُوهُ، ولِيَدَعُوا بِذَلِكَ الأُمِّيِّينَ مِنَ العَرَبِ، فَقالَ اللَّهُ: ﴿ولِلَّهِ المَشْرِقُ والمَغْرِبُ فَأيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وجْهُ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٥] وقالَ: ﴿قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وجْهِكَ﴾ [البقرة: ١٤٤] الآيَةَ.
وأخْرَجَهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عِكْرِمَةَ مُرْسَلًا.
وأخْرَجَ أبُو داوُدَ في «ناسِخِهِ» عَنْ أبِي العالِيَةِ، «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَظَرَ نَحْوَ (p-٨)بَيْتِ المَقْدِسِ فَقالَ لِجِبْرِيلَ: ”ودِدْتُ أنَّ اللَّهَ صَرَفَنِي عَنْ قِبْلَةِ اليَهُودِ إلى غَيْرِها“ . فَقالَ لَهُ جِبْرِيلُ: إنَّما أنا عَبْدٌ مِثْلُكَ، ولا أمْلِكُ لَكَ شَيْئًا إلّا ما أُمِرْتُ، فادْعُ رَبَّكَ وسَلْهُ. فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُدِيمُ النَّظَرَ إلى السَّماءِ رَجاءَ أنْ يَأْتِيَهُ جِبْرِيلُ بِالَّذِي سَألَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وجْهِكَ في السَّماءِ﴾ [البقرة: ١٤٤] . يَقُولُ: إنَّكَ تُدِيمُ النَّظَرَ إلى السَّماءِ لِلَّذِي سَألْتَ، ﴿فَوَلِّ وجْهَكَ شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ [البقرة: ١٤٤] . يَقُولُ: فَحَوِّلْ وجْهَكَ في الصَّلاةِ نَحْوَ المَسْجِدِ الحَرامِ ﴿وحَيْثُ ما كُنْتُمْ﴾ [البقرة: ١٤٤] يَعْنِي مِنَ الأرْضِ ﴿فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤٤] في الصَّلاةِ ﴿شَطْرَهُ﴾ [البقرة: ١٤٤]: نَحْوَ الكَعْبَةِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في «الدَّلائِلِ» عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «صُرِفَتِ القِبْلَةُ عَنِ الشّامِ إلى الكَعْبَةِ في رَجَبٍ عَلى رَأْسِ سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا مِن مَقْدَمِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ المَدِينَةَ، فَأتى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رِفاعَةُ بْنُ قَيْسٍ، وقَرْدَمُ بْنُ عَمْرٍو، وكَعْبُ بْنُ الأشْرَفِ، ونافِعُ بْنُ نافِعٍ، والحَجّاجُ بْنُ عَمْرٍو؛ حَلِيفُ كَعْبِ بْنِ الأشْرَفِ، والرَّبِيعُ بْنُ أبِي الحُقَيْقِ، وكِنانَةُ بْنُ أبِي الحُقَيْقِ، فَقالُوا لَهُ: يا مُحَمَّدُ، ما ولّاكَ عَنْ قِبْلَتِكَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها وأنْتَ تَزْعُمُ أنَّكَ عَلى مِلَّةِ إبْراهِيمَ ودِينِهِ؟ ارْجِعْ إلى قِبْلَتِكَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها نَتَّبِعْكَ ونُصَدِّقْكَ. وإنَّما يُرِيدُونَ فِتْنَتَهُ عَنْ دِينِهِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهاءُ مِنَ النّاسِ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿إلا لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ﴾ [البقرة: ١٤٣] . أيِ: ابْتِلاءً واخْتِبارًا، ﴿وإنْ كانَتْ لَكَبِيرَةً إلا عَلى الَّذِينَ هَدى اللَّهُ﴾ [البقرة: ١٤٣] أيِ: الَّذِينَ ثَبَّتَ اللَّهُ، ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إيمانَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤٣] . يَقُولُ: (p-٩)صَلاتَكم بِالقِبْلَةِ الأُولى، وتَصْدِيقَكم نَبِيَّكُمْ، واتِّباعَكم إيّاهُ إلى القِبْلَةِ الآخِرَةِ، أيْ لَيُعْطِيَنَّكم أجْرَهُما جَمِيعًا، ﴿إنَّ اللَّهَ بِالنّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٤٣] إلى قَوْلِهِ: ﴿فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ﴾ [البقرة»: ١٤٧] .
وأخْرَجَ وكِيعٌ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وأبُو داوُدَ في «ناسِخِهِ»، والنَّسائِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ البَراءِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهاءُ مِنَ النّاسِ﴾ . قالَ: اليَهُودُ.
وأخْرَجَ أبُو داوُدَ في «ناسِخِهِ» مِن طَرِيقِ مُجاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: أوَّلُ آيَةٍ نُسِخَتْ مِنَ القُرْآنِ القِبْلَةُ، ثُمَّ الصِّيامُ الأوَّلُ.
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «صَلّى النَّبِيُّ ﷺ ومَن مَعَهُ نَحْوَ بَيْتِ المَقْدِسِ سِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا، ثُمَّ حُوِّلَتِ القِبْلَةُ بَعْدُ» .
وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في «الدَّلائِلِ» عَنِ الزُّهْرِيِّ قالَ: «صُرِفَتِ القِبْلَةُ نَحْوَ المَسْجِدِ الحَرامِ في رَجَبٍ عَلى رَأْسِ سِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا مِن مَخْرَجِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِن مَكَّةَ، وكانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُقَلِّبُ وجْهَهُ في السَّماءِ وهو يُصَلِّي نَحْوَ بَيْتِ المَقْدِسِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ حِينَ وجَّهَهُ إلى البَيْتِ الحَرامِ: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهاءُ مِنَ النّاسِ﴾ وما (p-١٠)بَعْدَها مِنَ الآياتِ، فَأنْشَأتِ اليَهُودُ تَقُولُ: قَدِ اشْتاقَ الرَّجُلُ إلى بَلَدِهِ وبَيْتِ أبِيهِ، وما لَهم حَتّى تَرَكُوا قِبْلَتَهم؛ يُصَلُّونَ مَرَّةً وجْهًا ومَرَّةً وجْهًا آخَرَ؟ وقالَ رِجالٌ مِنَ الصَّحابَةِ: فَكَيْفَ بِمَن ماتَ مِنّا وهو يُصَلِّي قِبَلَ بَيْتِ المَقْدِسِ؟ وفَرِحَ المُشْرِكُونَ وقالُوا: إنَّ مُحَمَّدًا قَدِ التَبَسَ عَلَيْهِ أمْرُهُ، ويُوشِكُ أنْ يَكُونَ عَلى دِينِكم. فَأنْزَلَ اللَّهُ في ذَلِكَ هَؤُلاءِ الآياتِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ السُّدِّيِّ قالَ: لَمّا وُجِّهَ النَّبِيُّ ﷺ قِبَلَ المَسْجِدِ الحَرامِ اخْتَلَفَ النّاسُ فِيها فَكانُوا أصْنافًا؛ فَقالَ المُنافِقُونَ: ما بالُهم كانُوا عَلى قِبْلَةٍ زَمانًا ثُمَّ تَرَكُوها وتَوَجَّهُوا غَيْرَها؟ وقالَ المُسْلِمُونَ: لَيْتَ شِعْرَنا عَنْ إخْوانِنا الَّذِينَ ماتُوا وهم يُصَلُّونَ قِبَلَ بَيْتِ المَقْدِسِ، هَلْ تَقَبَّلَ اللَّهُ مِنّا ومِنهم أمْ لا؟ وقالَتِ اليَهُودُ: إنَّ مُحَمَّدًا اشْتاقَ إلى بَلَدِ أبِيهِ ومَوْلِدِهِ، ولَوْ ثَبَتَ عَلى قِبْلَتِنا لَكُنّا نَرْجُو أنْ نَكُونَ يَكُونُ هو صاحِبَنا الَّذِي نَنْتَظِرُ. وقالَ المُشْرِكُونَ مِن أهْلِ مَكَّةَ: تَحَيَّرَ عَلى مُحَمَّدٍ دِينُهُ فَتَوَجَّهَ بِقِبْلَتِهِ إلَيْكُمْ، وعَلِمَ أنَّكم كُنْتُمْ أهْدى مِنهُ، ويُوشِكُ أنْ يَدْخُلَ في دِينِكم. فَأنْزَلَ اللَّهُ في المُنافِقِينَ: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهاءُ مِنَ النّاسِ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿إلا عَلى الَّذِينَ هَدى اللَّهُ﴾ [البقرة: ١٤٣] . وأنْزَلَ في الآخَرِينَ الآياتِ بَعْدَها.
وأخْرَجَ مالِكٌ، وأبُو داوُدَ في «ناسِخِهِ»، وابْنُ جَرِيرٍ، والبَيْهَقِيُّ في «الدَّلائِلِ»، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَلّى بَعْدَ أنْ قَدِمَ المَدِينَةَ (p-١١)سِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا نَحْوَ بَيْتِ المَقْدِسِ، ثُمَّ تَحَوَّلَتِ القِبْلَةُ إلى الكَعْبَةِ قَبْلَ بَدْرٍ بِشَهْرَيْنِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ عَدِيٍّ، والبَيْهَقِيُّ في «السُّنَنِ» و«الدَّلائِلِ»، مِن طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ قالَ: سَمِعْتُ سَعْدَ بْنَ أبِي وقّاصٍ يَقُولُ: «صَلّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ ما قَدِمَ المَدِينَةَ سِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا نَحْوَ بَيْتِ المَقْدِسِ، ثُمَّ حُوِّلَ بَعْدَ ذَلِكَ قِبَلَ المَسْجِدِ الحَرامِ قَبْلَ بَدْرٍ بِشَهْرَيْنِ» .
وأخْرَجَ أبُو داوُدَ في «ناسِخِهِ» عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ، «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلّى نَحْوَ بَيْتِ المَقْدِسِ مِن شَهْرِ رَبِيعٍ الأوَّلِ إلى جُمادى الآخِرَةِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ، «أنَّ الأنْصارَ صَلَّتِ القِبْلَةَ الأوْلى قَبْلَ قُدُومِ النَّبِيِّ ﷺ المَدِينَةَ بِثَلاثِ حِجَجٍ، وأنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلّى القِبْلَةَ الأوْلى بَعْدَ قُدُومِهِ المَدِينَةَ سِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُعاذِ بْنِ جَبَلٍ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَدِمَ المَدِينَةَ فَصَلّى نَحْوَ بَيْتِ المَقْدِسِ ثَلاثَةَ عَشَرَ شَهْرًا» .
وأخْرَجَ البَزّارُ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ أنَسٍ قالَ: «صَلّى النَّبِيُّ ﷺ نَحْوَ بَيْتِ (p-١٢)المَقْدِسِ» تِسْعَةَ أشْهُرٍ أوْ عَشْرَةَ أشْهُرٍ، فَبَيْنَما هو قائِمٌ يُصَلِّي الظُّهْرَ بِالمَدِينَةِ وقَدْ صَلّى رَكْعَتَيْنِ نَحْوَ بَيْتِ المَقْدِسِ، انْصَرَفَ بِوَجْهِهِ إلى الكَعْبَةِ. فَقالَ السُّفَهاءُ: ﴿ما ولاهم عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها﴾ .
وأخْرَجَ البُخارِيُّ عَنْ أنَسٍ قالَ: لَمْ يَبْقَ مِمَّنْ صَلّى القِبْلَتَيْنِ غَيْرِي.
وأخْرَجَ أبُو داوُدَ في «ناسِخِهِ»، وأبُو يَعْلى، والبَيْهَقِيُّ في ”سُنَنِهِ“ عَنْ أنَسٍ، «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ وأصْحابَهُ كانُوا يُصَلُّونَ نَحْوَ بَيْتِ المَقْدِسِ، فَلَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿فَوَلِّ وجْهَكَ شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ [البقرة: ١٤٤] مَرَّ رَجُلٌ مِن بَنِي سَلِمَةَ، فَناداهم وهم رُكُوعٌ في صَلاةِ الفَجْرِ نَحْوَ بَيْتِ المَقْدِسِ: ألا إنَّ القِبْلَةَ قَدْ حُوِّلَتْ إلى الكَعْبَةِ. مَرَّتَيْنِ، فَمالُوا كَما هم رُكُوعٌ إلى الكَعْبَةِ» .
وأخْرَجَ مالِكٌ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والبُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، وأبُو داوُدَ في «ناسِخِهِ»، والنَّسائِيُّ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: «بَيْنَما النّاسُ بِقُباءٍ في صَلاةِ الصُّبْحِ إذْ جاءَهم آتٍ فَقالَ: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ أُنْزِلَ عَلَيْهِ اللَّيْلَةَ قُرْآنٌ، وقَدْ أُمِرَ أنْ يَسْتَقْبِلَ الكَعْبَةَ، فاسْتَقْبِلُوها. وكانَتْ وُجُوهُهم إلى الشّامِ، فاسْتَدارُوا إلى الكَعْبَةِ» .
(p-١٣)وأخْرَجَ الزُّبَيْرُ بْنُ بَكّارٍ في أخْبارِ المَدِينَةِ، عَنْ عُثْمانَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذا قامَ يُصَلِّي انْتَظَرَ أمْرَ اللَّهِ في القِبْلَةِ، وكانَ يَفْعَلُ أشْياءَ لَمْ يُؤْمَرْ بِها ولَمْ يُنْهَ عَنْها مِن فِعْلِ أهْلِ الكِتابِ، فَبَيْنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي الظُّهْرَ في مَسْجِدِهِ قَدْ صَلّى رَكْعَتَيْنِ إذْ نَزَلَ عَلَيْهِ جِبْرِيلُ، فَأشارَ لَهُ أنْ صَلِّ إلى البَيْتِ، وصَلّى جِبْرِيلُ إلى البَيْتِ، وأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وجْهِكَ في السَّماءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها فَوَلِّ وجْهَكَ شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرامِ وحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكم شَطْرَهُ وإنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ لَيَعْلَمُونَ أنَّهُ الحَقُّ مِن رَبِّهِمْ وما اللَّهُ بِغافِلٍ عَمّا يَعْمَلُونَ﴾ [البقرة: ١٤٤] قالَ: فَقالَ المُنافِقُونَ: حَنَّ مُحَمَّدٌ إلى أرْضِهِ وقَوْمِهِ، وقالَ المُشْرِكُونَ: أرادَ مُحَمَّدٌ أنْ يَجْعَلَنا لَهُ قِبْلَةً ويَجْعَلَنا لَهُ وسِيلَةً، وعَرَفَ أنَّ دِينَنا أهْدى مِن دِينِهِ. وقالَتِ اليَهُودُ لِلْمُؤْمِنِينَ: ما صَرَفَكم إلى مَكَّةَ وتَرَّكَكُمُ القِبْلَةَ؛ قِبْلَةَ مُوسى ويَعْقُوبَ والأنْبِياءِ؟ واللَّهِ إنْ أنْتُمْ إلّا تُفْتَنُونَ. وقالَ المُؤْمِنُونَ: لَقَدْ ذَهَبَ مِنّا قَوْمٌ ماتُوا ما نَدْرِي أكُنّا نَحْنُ وهَمَ عَلى قِبْلَةٍ أوْ لا. قالَ: فَأنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ في ذَلِكَ: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهاءُ مِنَ النّاسِ ما ولاهم عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ بِالنّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة»: ١٤٣] .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ قَتادَةَ قالَ: «كانَتِ القِبْلَةُ فِيها بَلاءٌ وتَمْحِيصٌ؛ صَلَّتِ الأنْصارُ نَحْوَ بَيْتِ المَقْدِسِ حَوْلَيْنِ قَبْلَ قُدُومِ النَّبِيِّ ﷺ، (p-١٤)وصَلّى نَبِيُّ اللَّهِ بَعْدَ قُدُومِهِ المَدِينَةَ نَحْوَ بَيْتِ المَقْدِسِ سِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا، ثُمَّ وجَّهَهُ اللَّهُ بَعْدَ ذَلِكَ إلى الكَعْبَةِ؛ البَيْتِ الحَرامِ. فَقالَ في ذَلِكَ قائِلُونَ مِنَ النّاسِ: ﴿ما ولاهم عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها﴾ لَقَدِ اشْتاقَ الرَّجُلُ إلى مَوْلِدِهِ. قالَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿قُلْ لِلَّهِ المَشْرِقُ والمَغْرِبُ يَهْدِي مَن يَشاءُ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ وقالَ أُناسٌ مِنَ النّاسٍ: لَقَدْ صُرِفَتِ القِبْلَةُ إلى البَيْتِ الحَرامِ، فَكَيْفَ أعْمالُنا الَّتِي كُنّا عَمِلْنا في القِبْلَةِ الأُولى؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إيمانَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤٣] وقَدْ يَبْتَلِي اللَّهُ عِبادَهُ بِما شاءَ مِن أمْرِهِ الأمْرَ بَعْدَ الأمْرِ؛ لِيَعْلَمَ مَن يُطِيعُهُ مِمَّنْ يَعْصِيهِ، وكُلُّ ذَلِكَ مَقْبُولٌ في دَرَجَةِ الإيمانِ بِاللَّهِ والإخْلاصِ والتَّسْلِيمِ لِقَضاءِ اللَّهِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنْ عُمارَةَ بْنِ أوْسٍ الأنْصارِيِّ قالَ: صَلَّيْنا إحْدى صَلاةِ العِشاءِ، فَقامَ رَجُلٌ عَلى بابِ المَسْجِدِ ونَحْنُ في الصَّلاةِ فَنادى: إنَّ الصَّلاةَ قَدْ وجَبَتْ نَحْوَ الكَعْبَةِ. فَحَوَّلَ أوْ تَحَرَّفَ إمامُنا نَحْوَ الكَعْبَةِ والرِّجالُ والنِّساءُ والصِّبْيانُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، والبَزّارُ، عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ قالَ: «جاءَنا مُنادِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: إنَّ القِبْلَةَ قَدْ حُوِّلَتْ إلى بَيْتِ اللَّهِ الحَرامِ. وقَدْ صَلّى الإمامُ (p-١٥)رَكْعَتَيْنِ، فاسْتَدارُوا فَصَلَّوُا الرَّكْعَتَيْنِ الباقِيَتَيْنِ نَحْوَ الكَعْبَةِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَحْشٍ، قالَ: «صَلَّيْتُ القِبْلَتَيْنِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَصُرِفَتِ القِبْلَةُ إلى البَيْتِ ونَحْنُ في صَلاةِ الظُّهْرِ، فاسْتَدارَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِنا فاسْتَدَرْنا مَعَهُ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أبِي العالِيَةِ في قَوْلِهِ: ﴿يَهْدِي مَن يَشاءُ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ قالَ: يَهْدِيهِمْ إلى المَخْرَجِ مِنَ الشُّبَهاتِ والضَّلالاتِ والفِتَنِ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ، والبَيْهَقِيُّ في ”سُنَنِهِ“ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «”إنَّهم – يَعْنِي: أهْلَ الكِتابِ - لا يَحْسُدُونا عَلى شَيْءٍ كَما يَحْسُدُونا عَلى الجُمُعَةِ الَّتِي هَدانا اللَّهُ لَها وضَلُّوا عَنْها، وعَلى القِبْلَةِ الَّتِي هَدانا اللَّهُ لَها وضَلُّوا عَنْها، وعَلى قَوْلِنا خَلْفَ الإمامِ: آمِينَ“» .
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، عَنْ عُثْمانَ بْنِ حُنَيْفٍ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَبْلَ أنْ يَقْدَمَ مِن مَكَّةَ يَدْعُو النّاسَ إلى الإيمانِ بِاللَّهِ وتَصْدِيقٍ بِهِ قَوْلًا وعَمَلًا، والقِبْلَةُ إلى بَيْتِ المَقْدِسِ. فَلَمّا هاجَرَ إلَيْنا نَزَلَتِ الفَرائِضُ، ونَسَخَتِ المَدِينَةُ مَكَّةَ والقَوْلَ فِيها، ونَسَخَ البَيْتُ الحَرامُ بَيْتَ المَقْدِسِ، فَصارَ الإيمانُ قَوْلًا وعَمَلًا» .
(p-١٦)وأخْرَجَ البَزّارُ، والطَّبَرانِيُّ، عَنْ عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ قالَ: «كُنّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حِينَ قَدِمَ المَدِينَةَ فَصَلّى نَحْوَ بَيْتِ المَقْدِسِ سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا، ثُمَّ حُوِّلَتْ إلى الكَعْبَةِ» .
البقرة 2:143
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا﴾ الآيَةَ.
أخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وأحْمَدُ، والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ وصَحَّحَهُ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ حِبّانَ، والإسْماعِيلِيُّ في «صَحِيحِهِ»، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ، «عَنِ النَّبِيِّ ﷺ في قَوْلِهِ: ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا﴾ قالَ: عَدْلًا» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، «عَنِ النَّبِيِّ ﷺ في قَوْلِهِ: ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا﴾ قالَ: عَدْلًا» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا﴾ يَقُولُ: جَعَلْناكم أُمَّةً عَدْلًا.
(p-١٧)وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، عَنِ القاسِمِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قالَ: قالَ رَجُلٌ لِابْنِ عُمَرَ: مَن أنْتُمْ؟ قالَ: ما تَقُولُونَ؟ قالَ: نَقُولُ إنَّكم سِبْطٌ، وتَقُولُ إنَّكم وسَطٌ. فَقالَ: سُبْحانَ اللَّهِ ! إنَّما السِّبْطُ في بَنِي إسْرائِيلَ، والأُمَّةُ الوَسَطُ أُمَّةُ مُحَمَّدٍ جَمِيعًا.
وأخْرَجَ أحْمَدُ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والبُخارِيُّ، والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في «الأسْماءِ والصِّفاتِ»، عَنْ أبِي سَعِيدٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «”يُدْعى نُوحٌ يَوْمَ القِيامَةِ فَيُقالُ لَهُ: هَلْ بَلَّغْتَ؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ. فَيُدْعى قَوْمُهُ، فَيُقالُ لَهم: هَلْ بَلَّغَكُمْ؟ فَيَقُولُونَ: ما أتانا مِن نَذِيرٍ، وما أتانا مِن أحَدٍ، فَيُقالُ لِنُوحٍ: مَن يَشْهَدُ لَكَ؟ فَيَقُولُ: مُحَمَّدٌ وأُمَّتُهُ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا﴾ قالَ: والوَسَطُ العَدْلُ، فَتُدْعَوْنَ فَتَشْهَدُونَ لَهُ بِالبَلاغِ، وأشْهَدُ عَلَيْكُمْ“» .
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وأحْمَدُ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ ماجَهْ، والبَيْهَقِيُّ في «الشُّعَبِ»، عَنْ أبِي سَعِيدٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «”يَجِيءُ النَّبِيُّ يَوْمَ القِيامَةِ ومَعَهُ الرَّجُلُ، والنَّبِيُّ ومَعَهُ الرَّجُلانِ، وأكْثَرُ مِن ذَلِكَ، فَيُدْعى قَوْمُهُ فَيُقالُ (p-١٨)لَهم: هَلْ بَلَّغَكم هَذا ؟ فَيَقُولُونَ: لا. فَيُقالُ لَهُ: هَلْ بَلَّغْتَ قَوْمَكَ ؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ. فَيُقالُ لَهُ: مَن يَشْهَدُ لَكَ ؟ فَيَقُولُ: مُحَمَّدٌ وأُمَّتُهُ. فَيُدْعى مُحَمَّدٌ وأُمَّتُهُ، فَيُقالُ لَهم: هَلْ بَلَّغَ هَذا قَوْمَهُ ؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ. فَيُقالُ: وما عِلْمُكم ؟ فَيَقُولُونَ: جاءَنا نَبِيُّنا فَأخْبَرَنا أنَّ الرُّسُلَ قَدْ بَلَّغُوا، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا﴾ قالَ: عَدْلًا ﴿لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلى النّاسِ ويَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكم شَهِيدًا﴾ [البقرة»: ١٤٣] .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «“أنا وأُمَّتِي يَوْمَ القِيامَةِ عَلى كُومٍ مُشَرَّفِينَ عَلى الخَلائِقِ، وما مِنَ النّاسِ أحَدٌ إلّا ودَّ أنَّهُ مِنّا، وما مِن نَبِيٍّ كَذَّبَهُ قَوْمُهُ إلّا ونَحْنُ نَشْهَدُ أنَّهُ بَلَّغَ رِسالَةَ رَبِّهِ”» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أبِي سَعِيدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلى النّاسِ﴾: بِأنَّ الرُّسُلَ قَدْ بَلَّغُوا، ﴿ويَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكم شَهِيدًا﴾ بِما عَمِلْتُمْ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، عَنْ جابِرٍ قالَ: «شَهِدَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ جِنازَةً في بَنِي سَلِمَةَ، وكُنْتُ إلى جانِبِهِ، فَقالَ بَعْضُهم: واللَّهِ يا رَسُولَ اللَّهِ لَنِعْمَ المَرْءُ كانَ؛ لَقَدْ كانَ عَفِيفًا مُسْلِمًا، وكانَ. وأثْنَوْا عَلَيْهِ خَيْرًا، فَقالَ (p-١٩)رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:“أنْتَ الَّذِي تَقُولُ ؟”فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، ذاكَ الَّذِي بَدا لَنا، واللَّهُ أعْلَمُ بِالسَّرائِرِ. فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:“وجَبَتْ”. قالَ: وكُنّا مَعَهُ في جِنازَةِ رَجُلٍ مِن بَنِي حارِثَةَ أوْ مِن بَنِي عَبْدِ الأشْهَلِ، فَقالَ رَجُلٌ: بِئْسَ المَرْءُ ما عَلِمْنا، إنْ كانَ لَفَظًّا غَلِيظًا، إنْ كانَ. فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:“أنْتَ الَّذِي تَقُولُ ؟”فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، اللَّهُ أعْلَمُ بِالسَّرائِرِ، فَأمّا الَّذِي بَدا لَنا مِنهُ فَذاكَ. فَقالَ:“وجَبَتْ”. ثُمَّ تَلا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلى النّاسِ﴾ [البقرة»: ١٤٣] .
وأخْرَجَ الطَّيالِسِيُّ، وأحْمَدُ، والبُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، والنَّسائِيُّ، والحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ في «نَوادِرِ الأُصُولِ» عَنْ أنَسٍ قالَ: «مَرُّوا بِجِنازَةٍ، فَأُثْنِيَ عَلَيْها خَيْرًا، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ:“وجَبَتْ، وجَبَتْ، وجَبَتْ”. ومُرَّ بِجِنازَةٍ فَأُثْنِيَ عَلَيْها شَرًّا. فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ:“وجَبَتْ، وجَبَتْ، وجَبَتْ”. فَسَألَهُ عُمَرُ فَقالَ:“مَن أثْنَيْتُمْ عَلَيْهِ خَيْرًا وجَبَتْ لَهُ الجَنَّةُ، ومَن أثْنَيْتُمْ عَلَيْهِ شَرًّا وجَبَتْ لَهُ النّارُ، أنْتُمْ شُهَداءُ اللَّهِ في الأرْضِ، أنْتُمْ شُهَداءُ اللَّهِ في الأرْضِ، أنْتُمْ شُهَداءُ اللَّهِ في الأرْضِ”. زادَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ: ثُمَّ تَلا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلى النّاسِ﴾ [البقرة»: ١٤٣] .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأحْمَدُ، والبُخارِيُّ، والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ، عَنْ عُمَرَ، «أنَّهُ مَرَّتْ بِهِ جِنازَةٌ فَأُثْنِيَ عَلى صاحِبِها خَيْرًا. فَقالَ: وجَبَتْ وجَبَتْ. ثُمَّ مُرَّ بِأُخْرى فَأثْنِيَ عَلَيْها شَرًّا، فَقالَ عُمَرُ: وجَبَتْ، فَقالَ أبُو الأسْوَدِ: وما وجَبَتْ ؟ قالَ: قُلْتُ كَما قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:“أيُّما مُسْلِمٍ شَهِدَ لَهُ أرْبَعَةٌ بِخَيْرٍ أدْخَلَهُ اللَّهُ الجَنَّةَ”. فَقُلْنا: وثَلاثَةٌ ؟ فَقالَ:“وثَلاثَةٌ”. فَقُلْنا: واثْنانِ ؟ فَقالَ:“واثْنانِ”. ثُمَّ لَمْ نَسْألْهُ عَنِ الواحِدِ» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ، وابْنُ ماجَهْ، والطَّبَرانِيُّ، والبَغَوِيُّ، والحاكِمُ في «الكُنى»، والدّارَقُطْنِيُّ في «الأفْرادِ»، والحاكِمُ في «المُسْتَدْرَكِ»، والبَيْهَقِيُّ في“سُنَنِهِ”عَنْ أبِي زُهَيْرٍ الثَّقَفِيِّ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِالنَّباوَةِ يَقُولُ: «“يُوشِكُ أنْ تَعْلَمُوا خِيارَكم مِن شِرارِكُمْ”. قالُوا: بِمَ يا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قالَ:“بِالثَّناءِ الحَسَنِ والثَّناءِ السَّيِّئِ، أنْتُمْ شُهَداءُ اللَّهِ في الأرْضِ”» . (p-٢١)وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «أُتِيَ النَّبِيُّ ﷺ بِجِنازَةٍ يُصَلِّي عَلَيْها، فَقالَ النّاسُ: نِعْمَ الرَّجُلُ. فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ:“وجَبَتْ”، وأُتِيَ بِجِنازَةٍ أُخْرى فَقالَ النّاسُ: بِئْسَ الرَّجُلُ. فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ:“وجَبَتْ”. قالَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: ما قَوْلُكَ؟ فَقالَ:“قالَ تَعالى: ﴿لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلى النّاسِ﴾ ”» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ، وأبُو يَعْلى، وابْنُ حِبّانَ، والحاكِمُ، وأبُو نُعَيْمٍ في «الحِلْيَةِ»، والبَيْهَقِيُّ في «شُعَبِ الإيمانِ»، والضِّياءُ في «المُخْتارَةِ»، عَنْ أنَسٍ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «“ما مِن مُسْلِمٍ يَمُوتُ فَتَشْهَدُ لَهُ أرْبَعَةٌ مِن أهْلِ أبْياتِ جِيرانِهِ الأدْنَيْنَ أنَّهم لا يَعْلَمُونَ مِنهُ إلّا خَيْرًا، إلّا قالَ اللَّهُ: قَدْ قَبِلْتُ شَهادَتَكم فِيهِ، وغَفَرْتُ لَهُ ما لا تَعْلَمُونَ”» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وهَنّادٌ، وابْنُ جَرِيرٍ، والطَّبَرانِيُّ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الأكْوَعِ قالَ: «مُرَّ عَلى النَّبِيِّ ﷺ بِجِنازَةِ رَجُلٍ مِنَ الأنْصارِ، فَأُثْنِيَ عَلَيْها خَيْرًا، فَقالَ:“وجَبَتْ”، ثُمَّ مُرَّ عَلَيْهِ بِجِنازَةٍ أُخْرى، فَأُثْنِيَ عَلَيْها دُونَ ذَلِكَ، فَقالَ:“وجَبَتْ”. فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، وما وجَبَتْ ؟ قالَ:“المَلائِكَةُ شُهُودُ اللَّهِ في السَّماءِ، وأنْتُمْ شُهُودُ اللَّهِ في الأرْضِ”» . (p-٢٢)وأخْرَجَ الخَطِيبُ في «تارِيخِهِ» عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «“ما مِن مُسْلِمٍ يَمُوتُ، فَيَشْهَدُ لَهُ رَجُلانِ مِن جِيرانِهِ الأدْنَيْنَ فَيَقُولانِ: اللَّهُمَّ لا نَعْلَمُ إلّا خَيْرًا. إلّا قالَ اللَّهُ لِلْمَلائِكَةِ: اشْهَدُوا أنِّي قَدْ قَبِلْتُ شَهادَتَهُما، وغَفَرْتُ ما لا يَعْلَمانِ”» .
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ كَعْبٍ قالَ: أُعْطِيَتْ هَذِهِ الأُمَّةُ ثَلاثَ خِصالٍ لَمْ يُعْطَها إلّا الأنْبِياءُ، كانَ النَّبِيُّ يُقالُ لَهُ: بَلِّغْ ولا حَرَجَ، وأنْتَ شَهِيدٌ عَلى قَوْمِكَ، وادْعُ أُجِبْكَ، وقالَ لِهَذِهِ الأُمَّةِ: ﴿وما جَعَلَ عَلَيْكم في الدِّينِ مِن حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨]، وقالَ: ﴿لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلى النّاسِ﴾، وقالَ: ﴿ادْعُونِي أسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠] .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ، أنَّ الأُمَمَ يَقُولُونَ يَوْمَ القِيامَةِ: واللَّهِ لَقَدْ كادَتْ هَذِهِ الأُمَّةُ أنْ يَكُونُوا أنْبِياءَ كُلُّهم لِما يَرَوْنَ اللَّهَ أعْطاهم.
وأخْرَجَ ابْنُ المُبارَكِ في «الزُّهْدِ»، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ حِبّانَ بْنِ أبِي جَبَلَةَ بِسَنَدِهِ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قالَ: «“إذا جَمَعَ اللَّهُ عِبادَهُ يَوْمَ القِيامَةِ كانَ أوَّلَ مَن يُدْعى إسْرافِيلُ، فَيَقُولُ لَهُ رَبُّهُ: ما فَعَلْتَ في عَهْدِي، هَلْ بَلَّغْتَ عَهْدِي؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ يا رَبِّ، قَدْ بَلَّغْتُهُ جِبْرِيلَ. فَيُدْعى جِبْرِيلُ، فَيُقالُ: هَلْ بَلَّغَكَ إسْرافِيلُ عَهْدِي ؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ. فَيُخَلّى عَنْ إسْرافِيلَ، ويَقُولُ لِجِبْرِيلَ: هَلْ بَلَّغْتَ عَهْدِي ؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ، قَدْ بَلَّغْتُ الرُّسُلَ، فَتُدْعى الرُّسُلُ، فَيُقالُ لَهم: هَلْ بَلَّغَكم جِبْرِيلُ عَهْدِي ؟ (p-٢٣)فَيَقُولُونَ: نَعَمْ، فَيُخَلّى عَنْ جِبْرِيلَ. ثُمَّ يُقالُ لِلرُّسُلِ: هَلْ بَلَّغْتُمْ عَهْدِي؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ، بَلَّغْناهُ الأُمَمَ. فَتُدْعى الأُمَمُ، فَيُقالُ لَهم: هَلْ بَلَّغَتْكُمُ الرُّسُلُ عَهْدِي ؟ فَمِنهُمُ المُكَذِّبُ، ومِنهُمُ المُصَدِّقُ، فَتَقُولُ الرُّسُلُ: إنَّ لَنا عَلَيْهِمْ شُهَداءَ. فَيَقُولُ: مَن ؟ فَيَقُولُونَ: أُمَّةُ مُحَمَّدٍ ﷺ . فَتُدْعى أُمَّةُ مُحَمَّدٍ، فَيُقالُ لَهم: أتَشْهَدُونَ أنَّ الرُّسُلَ قَدْ بَلَّغَتِ الأُمَمَ ؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ. فَتَقُولُ الأُمَمُ: يا رَبَّنا، كَيْفَ يَشْهَدُ عَلَيْنا مَن لَمْ يُدْرِكْنا ؟ فَيَقُولُ اللَّهُ: كَيْفَ تَشْهَدُونَ عَلَيْهِمْ ولَمْ تُدْرِكُوهم ؟ فَيَقُولُونَ: يا رَبَّنا، أرْسَلْتَ إلَيْنا رَسُولًا، وأنْزَلْتَ عَلَيْنا كِتابًا، وقَصَصْتَ عَلَيْنا فِيهِ أنْ قَدْ بَلَّغُوا، فَنَشْهَدُ بِما عَهِدْتَ إلَيْنا، فَيَقُولُ الرَّبُّ: صَدَقُوا، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا﴾ والوَسَطُ العَدْلُ، ﴿لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلى النّاسِ ويَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكم شَهِيدًا﴾ [البقرة»: ١٤٣] .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ أبِي العالِيَةِ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ في الآيَةِ قالَ: لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلى النّاسِ يَوْمَ القِيامَةِ، كانُوا شُهَداءَ عَلى قَوْمِ نُوحٍ، وعَلى قَوْمِ هُودٍ، وعَلى قَوْمِ صالِحٍ، وعَلى قَوْمِ شُعَيْبٍ، وغَيْرِهِمْ، أنَّ رُسُلَهم بَلَّغَتْهُمْ، وأنَّهم كَذَّبُوا رُسُلَهم، قالَ أبُو العالِيَةِ: وهي في قِراءَةِ أُبَيٍّ: ( لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلى النّاسِ يَوْمَ القِيامَةِ ) . (p-٢٤)وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عَطاءٍ في قَوْلِهِ: ﴿ويَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكم شَهِيدًا﴾ قالَ: يَشْهَدُ أنَّهم قَدْ آمَنُوا بِالحَقِّ إذْ جاءَهُمْ، وقَبِلُوهُ، وصَدَّقُوا بِهِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ قالَ: يَأْتِي النَّبِيُّ يَوْمَ القِيامَةِ بِأُمَّتِهِ لَيْسَ مَعَهُ أحَدٌ؛ فَتَشْهَدُ لَهُ أُمَّةُ مُحَمَّدٍ أنَّهُ قَدْ بَلَّغَهم.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: يُقالُ: يا نُوحُ قَدْ بَلَّغْتَ ؟ قالَ: نَعَمْ يا رَبِّ. قالَ: فَمَن يَشْهَدُ لَكَ؟ قالَ: رَبِّ، أحْمَدُ وأُمَّتُهُ، قالَ: فَكُلَّما دُعِيَ نَبِيٌّ وكَذَّبَهُ قَوْمُهُ شَهِدَتْ لَهُ هَذِهِ الأُمَّةُ بِالبَلاغِ، فَإذا سُئِلَ عَنْ هَذِهِ الأُمَّةِ لَمْ يُسْألْ عَنْها إلّا نَبِيُّها.
وأخْرَجَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ في «نَوادِرِ الأُصُولِ» عَنْ حِبّانَ بْنِ أبِي جَبَلَةَ قالَ: بَلَغَنِي أنَّهُ يُرْفَعُ لِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ عَلى كَوْمٍ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ تَعالى تَشْهَدُ لِلرُّسُلِ عَلى أُمَمِها بِالبَلاغِ، فَإنَّما يَشْهَدُ مِنهم يَوْمَئِذٍ مَن لَمْ يَكُنْ في قَلْبِهِ إحْنَةٌ عَلى أخِيهِ المُسْلِمِ.
وأخْرَجَ مُسْلِمٌ، وأبُو داوُدَ، والحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ، عَنْ أبِي الدَّرْداءِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «”لا يَكُونُ اللَّعّانُونَ شُهَداءَ ولا شُفَعاءَ يَوْمَ القِيامَةِ“» .
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما جَعَلْنا القِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها﴾ الآيَةَ.
أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ عَطاءٍ في قَوْلِهِ: ﴿وما جَعَلْنا القِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها﴾ (p-٢٥)قالَ:
يَعْنِي بَيْتَ المَقْدِسِ، ﴿إلا لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ﴾ قالَ: يَبْتَلِيهِمْ لِيَعْلَمَ مَن يُسْلِمُ لِأمْرِهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في ”سُنَنِهِ“ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إلا لِنَعْلَمَ﴾ قالَ: إلّا لِنُمَيِّزَ أهْلَ اليَقِينِ مِن أهْلِ الشَّكِّ، ﴿وإنْ كانَتْ لَكَبِيرَةً﴾ يَعْنِي تَحْوِيلَها عَلى أهْلِ الشَّكِّ والرَّيْبِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قالَ: بَلَغَنِي أنَّ ناسًا مِمَّنْ أسْلَمَ رَجَعُوا فَقالُوا مَرَّةً هاهُنا ومَرَّةً هاهُنا.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وإنْ كانَتْ لَكَبِيرَةً﴾ يَقُولُ: ما أمَرَ بِهِ مِنَ التَّحَوُّلِ إلى الكَعْبَةِ مِن بَيْتِ المَقْدِسِ.
وأخْرَجَ وكِيعٌ، والفِرْيابِيُّ، والطَّيالِسِيُّ، وأحْمَدُ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والتِّرْمِذِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ حِبّانَ، والطَّبَرانِيُّ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «لَمّا وُجِّهَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى القِبْلَةِ قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، فَكَيْفَ بِالَّذِينِ ماتُوا وهم يُصَلُّونَ إلى بَيْتِ المَقْدِسِ ؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إيمانَكُمْ﴾ [البقرة»: ١٤٣] . (p-٢٦)وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ البَراءِ بْنِ عازِبٍ في قَوْلِهِ: ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إيمانَكُمْ﴾ قالَ: صَلاتَكم نَحْوَ بَيْتِ المَقْدِسِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إيمانَكُمْ﴾ يَقُولُ: صَلاتَكُمُ الَّتِي صَلَّيْتُمْ مِن قَبْلِ أنْ تَكُونَ القِبْلَةُ، وكانَ المُؤْمِنُونَ قَدْ أشْفَقُوا عَلى مَن صَلّى مِنهم ألّا يُقْبَلَ صَلاتُهم.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ في قَوْلِهِ: ”رَءُوفٌ“ قالَ: يَرْأفُ بِكم.
البقرة 2:144
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وجْهِكَ في السَّماءِ﴾ .
أخْرَجَ ابْنُ ماجَهْ، عَنِ البَراءِ قالَ: «صَلَّيْنا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ نَحْوَ بَيْتِ المَقْدِسِ ثَمانِيَةَ عَشَرَ شَهْرًا، وصُرِفَتِ القِبْلَةُ إلى الكَعْبَةِ بَعْدَ دُخُولِهِ المَدِينَةَ بِشَهْرَيْنِ، وكانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذا صَلّى إلى بَيْتِ المَقْدِسِ أكْثَرَ تَقَلُّبَ وجْهِهِ في السَّماءِ، وعَلِمَ اللَّهُ مِن قَلْبِ نَبِيِّهِ أنَّهُ يَهْوى الكَعْبَةَ، فَصَعِدَ جِبْرِيلُ، فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُتْبِعُهُ بَصَرَهَ وهو يَصْعَدُ بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ، يَنْظُرُ ما يَأْتِيهِ بِهِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وجْهِكَ في السَّماءِ﴾ الآيَةَ. فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”يا جِبْرِيلُ، (p-٢٧)كَيْفَ حالُنا في صِلاتِنا إلى بَيْتِ المَقْدِسِ ؟“ فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إيمانَكُمْ﴾ [البقرة»: ١٤٣] .
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ عَنْ مُعاذِ بْنِ جَبَلٍ قالَ: «صَلّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ أنْ قَدِمَ المَدِينَةَ إلى بَيْتِ المَقْدِسِ سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا، ثُمَّ أنْزَلَ اللَّهُ آيَةً أمَرَهُ فِيها بِالتَّحَوُّلِ إلى الكَعْبَةِ فَقالَ: ﴿قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وجْهِكَ في السَّماءِ﴾ الآيَةَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «كانَ النَّبِيُّ ﷺ إذا سَلَّمَ مِن صِلاتِهِ إلى بَيْتِ المَقْدِسِ رَفَعَ رَأْسَهُ إلى السَّماءِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وجْهِكَ﴾ الآيَةَ» .
وأخْرَجَ النَّسائِيُّ، والبَزّارُ، وابْنُ المُنْذِرِ، والطَّبَرانِيُّ، عَنْ أبِي سَعِيدِ بْنِ المُعَلّى قالَ: «كُنّا نَغْدُو إلى المَسْجِدِ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَنَمُرُّ عَلى المَسْجِدِ، فَنُصَلِّي فِيهِ، فَمَرَرْنا يَوْمًا ورَسُولُ اللَّهِ ﷺ قاعِدٌ عَلى المِنبَرِ، فَقُلْتُ: لَقَدْ حَدَثَ أمْرٌ، فَجَلَسْتُ، فَقَرَأ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هَذِهِ الآيَةَ: ”﴿قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وجْهِكَ في السَّماءِ﴾“ حَتّى فَرَغَ مِنَ الآيَةِ، فَقُلْتُ لِصاحِبِي: تَعالَ نَرْكَعُ رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ أنْ يَنْزِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَنَكُونَ أوَّلَ مَن صَلّى. فَتَوارَيْنا فَصَلَّيْناهُما، ثُمَّ نَزَلَ (p-٢٨)رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَصَلّى لِلنّاسِ الظُّهْرَ يَوْمَئِذٍ إلى الكَعْبَةِ» .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وجْهِكَ في السَّماءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها﴾ قالَ: هو يَوْمَئِذٍ يُصَلِّي نَحْوَ بَيْتِ المَقْدِسِ، وكانَ يَهْوى قِبْلَةً نَحْوَ البَيْتِ الحَرامِ، فَوَلّاهُ اللَّهُ قِبْلَةً كانَ يَهْواها ويَرْضاها، ﴿فَوَلِّ وجْهَكَ شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ قالَ: تِلْقاءَ المَسْجِدِ الحَرامِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: قالَتِ اليَهُودُ: يُخالِفُنا مُحَمَّدٌ ويَتَّبِعُ قِبْلَتَنا ! فَكانَ يَدْعُو اللَّهَ ويَسْتَفْرِضُ القِبْلَةَ، فَنَزَلَتْ: ﴿قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وجْهِكَ في السَّماءِ﴾ الآيَةَ. فانْقَطَعَ قَوْلُ يَهُودَ حِينَ وُجِّهَ إلى الكَعْبَةِ، وحَوَّلَ الرِّجالَ مَكانَ النِّساءِ، والنِّساءَ مَكانَ الرِّجالِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وأحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ في «مُسْنَدِهِ»، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ في «الكَبِيرِ»، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو في قَوْلِهِ: ﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها﴾ قالَ: قِبْلَةَ إبْراهِيمَ نَحْوَ المِيزابِ. (p-٢٩)وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وأبُو داوُدَ في «ناسِخِهِ»، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ البَراءِ في قَوْلِهِ: ﴿فَوَلِّ وجْهَكَ شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ قالَ: قِبَلَهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والدِّينَوَرِيُّ في «المُجالَسَةِ»، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ في ”سُنَنِهِ“، عَنْ عَلِيٍّ في قَوْلِهِ: ﴿فَوَلِّ وجْهَكَ شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ قالَ: شَطْرَهُ قِبَلَهُ.
وأخْرَجَ أبُو داوُدَ في «ناسِخِهِ»، وابْنُ جَرِيرٍ، والبَيْهَقِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: شَطْرَهُ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ آدَمُ، والدِّينَوَرِيُّ في «المُجالَسَةِ»، والبَيْهَقِيُّ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿شَطْرَهُ﴾: يَعْنِي نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ وكِيعٌ، وسُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، والدِّينَوَرِيُّ، عَنْ أبِي العالِيَةِ في قَوْلِهِ: ﴿شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ قالَ: تِلْقاءَهُ. (p-٣٠)وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ رُفَيْعٍ قالَ: ﴿شَطْرَهُ﴾ تِلْقاءَهُ بِلِسانِ الحَبَشِ.
وأخْرَجَ أبُو بَكْرِ بْنُ أبِي داوُدَ في «المَصاحِفِ»، عَنْ أبِي رَزِينٍ قالَ: في قِراءَةِ عَبْدِ اللَّهِ: ( وحَيْثُما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكم قِبَلَهُ ) .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: البَيْتُ كُلُّهُ قِبْلَةٌ، وقِبْلَةُ البَيْتِ البابُ.
وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في ”سُنَنِهِ“، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مَرْفُوعًا: «”البَيْتُ قِبْلَةٌ لِأهْلِ المَسْجِدِ، والمَسْجِدُ قِبْلَةٌ لِأهْلِ الحَرَمِ، والحَرَمُ قِبْلَةٌ لِأهْلِ الأرْضِ في مَشارِقِها ومَغارِبِها مِن أُمَّتِي“» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿وإنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ قالَ: أُنْزِلُ ذَلِكَ في اليَهُودِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وإنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ لَيَعْلَمُونَ أنَّهُ الحَقُّ مِن رَبِّهِمْ﴾ قالَ: يَعْنِي بِذَلِكَ القِبْلَةَ.
وأخْرَجَ أبُو داوُدَ في «ناسِخِهِ»، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ أبِي العالِيَةِ في قَوْلِهِ: ﴿وإنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ لَيَعْلَمُونَ أنَّهُ الحَقُّ مِن رَبِّهِمْ﴾ يَقُولُ: لَيَعْلَمُونَ أنَّ الكَعْبَةَ (p-٣١)كانَتْ قِبْلَةَ إبْراهِيمَ والأنْبِياءِ، ولَكِنَّهم تَرَكُوها عَمْدًا، ﴿وإنَّ فَرِيقًا مِنهم لَيَكْتُمُونَ الحَقَّ﴾ [البقرة: ١٤٦] يَقُولُ: يَكْتُمُونَ صِفَةَ مُحَمَّدٍ وأمْرَ القِبْلَةِ.
البقرة 2:145
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَئِنْ أتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ الآيَةَ.
أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿وما بَعْضُهم بِتابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ﴾ يَقُولُ: ما اليَهُودُ بِتابِعِي قِبْلَةِ النَّصارى، ولا النَّصارى بِتابِعِي قِبْلَةِ اليَهُودِ.
البقرة 2:146
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ﴾ الآيَةَ.
أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ﴾ قالَ: اليَهُودُ والنَّصارى، ﴿يَعْرِفُونَهُ﴾ قالَ: يَعْرِفُونَ رَسُولَ اللَّهِ في كِتابِهِمْ كَما يَعْرِفُونَ أبْناءَهم.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أبْناءَهُمْ﴾ قالَ: يَعْرِفُونَ أنَّ البَيْتَ الحَرامَ هو القِبْلَةُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ الرَّبِيعِ في قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أبْناءَهُمْ﴾ قالَ: يَعْرِفُونَ أنَّ البَيْتَ الحَرامَ هو القِبْلَةُ الَّتِي أُمِرُوا بِها، ﴿وإنَّ فَرِيقًا مِنهم لَيَكْتُمُونَ الحَقَّ﴾ يَعْنِي القِبْلَةَ. (p-٣٢)وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وإنَّ فَرِيقًا مِنهُمْ﴾ قالَ: أهْلُ الكِتابِ، ﴿لَيَكْتُمُونَ الحَقَّ وهم يَعْلَمُونَ﴾ قالَ: يَكْتُمُونَ مُحَمَّدًا، وهم يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهم في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ في قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يَعْرِفُونَهُ﴾ قالَ: زَعَمُوا أنَّ بَعْضَ أهْلِ المَدِينَةِ مِن أهْلِ الكِتابِ مِمَّنْ أسْلَمَ قالَ: واللَّهِ لَنَحْنُ أعْرَفُ بِهِ مِنّا بِأبْنائِنا؛ مِن أجْلِ الصِّفَةِ والنَّعْتِ الَّذِي نَجِدُهُ في كِتابِنا، وأمّا أبْناؤُنا فَلا نَدْرِي ما أحْدَثَ النِّساءُ.
وأخْرَجَ الثَّعْلَبِيُّ مِن طَرِيقِ السُّدِّيِّ الصَّغِيرِ، عَنِ الكَلْبِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «لَمّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ المَدِينَةَ، قالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ: قَدْ أنْزَلَ اللَّهُ عَلى نَبِيِّهِ: ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أبْناءَهُمْ﴾ فَكَيْفَ يا عَبْدَ اللَّهِ هَذِهِ المَعْرِفَةُ ؟ فَقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ: يا عُمَرُ لَقَدْ عَرَفْتُهُ حِينَ رَأيْتُهُ كَما أعْرِفُ ابْنِي إذا رَأيْتُهُ مَعَ الصِّبْيانِ، وأنا أشَدُّ مَعْرِفَةً بِمُحَمَّدٍ مِنِّي بِابْنِي. فَقالَ عُمَرُ: كَيْفَ ذَلِكَ ؟ قالَ: أشْهَدُ أنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ حَقٌّ مِنَ اللَّهِ، وقَدْ نَعَتَهُ اللَّهُ في كِتابِنا، ولا أدْرِي ما تَصْنَعُ النِّساءُ. فَقالَ لَهُ عُمَرُ: وفَّقَكَ اللَّهُ يا ابْنَ سَلامٍ» .
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، عَنْ سَلْمانَ الفارِسِيِّ قالَ: خَرَجْتُ أبْتَغِي الدِّينَ، فَوَقَعْتُ في الرُّهْبانِ؛ بَقايا أهْلِ الكِتابِ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ (p-٣٣)أبْناءَهُمْ﴾ فَكانُوا يَقُولُونَ: هَذا زَمانُ نَبِيٍّ قَدْ أظَلَّ، يَخْرُجُ مِن أرْضِ العَرَبِ، لَهُ عَلاماتٌ؛ مِن ذَلِكَ شَأْمَةٌ مُدَوَّرَةٌ بَيْنَ كَتِفَيْهِ خاتَمُ النُّبُوَّةِ.
البقرة 2:147
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الحَقُّ مِن رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ﴾ .
أخْرَجَ أبُو داوُدَ في «ناسِخِهِ»، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ أبِي العالِيَةِ قالَ: قالَ اللَّهُ تَعالى لِنَبِيِّهِ ﷺ: ﴿الحَقُّ مِن رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ﴾ يَقُولُ: لا تَكُونُنَّ في شَكٍّ يا مُحَمَّدُ أنَّ الكَعْبَةَ هي قِبْلَتُكَ، وكانَتْ قِبْلَةَ الأنْبِياءِ قَبْلَكَ.
البقرة 2:148
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولِكُلٍّ وِجْهَةٌ هو مُوَلِّيها﴾ .
أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولِكُلٍّ وِجْهَةٌ هو مُوَلِّيها﴾: يَعْنِي بِذَلِكَ أهْلَ الأدْيانِ، يَقُولُ: لِكُلٍّ قِبْلَةٌ يَرْضَوْنَها، ووَجْهُ اللَّهِ حَيْثُ تَوَجَّهَ المُؤْمِنُونَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قَرَأ: (ولِكُلِّ وِجْهَةٍ هو مُوَلِّيها) مُضافٌ قالَ: مُواجِهُها، قالَ: صَلُّوا نَحْوَ بَيْتِ المَقْدِسِ مَرَّةً، ونَحْوَ الكَعْبَةِ مَرَّةً.
وأخْرَجَ أبُو داوُدَ في «ناسِخِهِ» عَنْ قَتادَةَ: ﴿ولِكُلٍّ وِجْهَةٌ هو مُوَلِّيها﴾ قالَ: هي صَلاتُهم إلى بَيْتِ المَقْدِسِ، وصَلاتُهم إلى الكَعْبَةِ. (p-٣٤)وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي داوُدَ في «المَصاحِفِ» عَنْ مَنصُورٍ قالَ: نَحْنُ نَقْرَؤُها: (ولِكُلٍّ جَعَلْنا قِبْلَةً يَرْضَوْنَها) .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولِكُلٍّ وِجْهَةٌ هو مُوَلِّيها﴾ قالَ: لِكُلِّ صاحِبِ مِلَّةٍ قِبْلَةٌ، وهو مُسْتَقْبِلُها.
وأخْرَجَ أبُو داوُدَ في «ناسِخِهِ» عَنْ أبِي العالِيَةِ ﴿ولِكُلٍّ وِجْهَةٌ هو مُوَلِّيها﴾ قالَ: لِلْيَهُودِ وِجْهَةٌ هو مُوَلِّيها، ولِلنَّصارى وِجِهَةٌ هو مُوَلِّيها، فَهَداكُمُ اللَّهُ أنْتُمْ أيَّتُها الأُمَّةُ القِبْلَةَ الَّتِي هي القِبْلَةُ.
وأخْرَجَ ابْنُ الأنْبارِيِّ في «المَصاحِفِ»، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ: (ولِكُلٍّ وِجْهَةٌ هو مُوَلّاها) .
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاسْتَبِقُوا الخَيْراتِ﴾ الآيَةَ.
أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿فاسْتَبِقُوا الخَيْراتِ﴾ يَقُولُ: لا تُغْلَبُنَّ عَلى قِبْلَتِكم.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ زَيْدٍ في قَوْلِهِ: ﴿فاسْتَبِقُوا الخَيْراتِ﴾ قالَ: الأعْمالُ الصّالِحَةُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أبِي العالِيَةِ في قَوْلِهِ: ﴿فاسْتَبِقُوا الخَيْراتِ﴾ (p-٣٥)يَقُولُ: فَسارِعُوا في الخَيْراتِ، ﴿أيْنَ ما تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا﴾ قالَ: يَوْمَ القِيامَةِ.
وأخْرَجَ البُخارِيُّ، والنَّسائِيُّ، والبَيْهَقِيُّ في ”سُنَنِهِ“، عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «”مَن صَلّى صَلاتَنا، واسْتَقْبَلَ قِبْلَتَنا، وأكَلَ ذَبِيحَتَنا فَذَلِكَ المُسْلِمُ، لَهُ ذِمَّةُ اللَّهِ وذِمَّةُ رَسُولِهِ، فَلا تُخْفِرُوا اللَّهَ في ذِمَّتِهِ“» .
البقرة 2:150
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِئَلا يَكُونَ لِلنّاسِ عَلَيْكم حُجَّةٌ﴾ الآيَةَ.
أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ مِن طَرِيقِ السُّدِّيِّ، عَنْ أبِي صالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وعَنْ مُرَّةَ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وناسٍ مِنَ الصَّحابَةِ قالُوا: «لَمّا صُرِفَ النَّبِيُّ ﷺ نَحْوَ الكَعْبَةِ بَعْدَ صَلاتِهِ إلى بَيْتِ المَقْدِسِ قالَ المُشْرِكُونَ مِن أهْلِ مَكَّةَ: تَحَيَّرَ عَلى مُحَمَّدٍ دِينُهُ، فَتَوَجَّهَ بِقِبْلَتِهِ إلَيْكُمْ، وعَلِمَ أنَّكم أهْدى مِنهُ سَبِيلًا، ويُوشِكُ أنْ يَدْخُلَ في دِينِكم. فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿لِئَلا يَكُونَ لِلنّاسِ عَلَيْكم حُجَّةٌ إلا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنهم فَلا تَخْشَوْهم واخْشَوْنِي﴾ [البقرة»: ١٥٠] .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿لِئَلا يَكُونَ لِلنّاسِ عَلَيْكم حُجَّةٌ﴾ قالَ: يَعْنِي بِذَلِكَ أهْلَ الكِتابِ، قالُوا حِينَ صُرِفَ نَبِيُّ (p-٣٦)اللَّهِ إلى الكَعْبَةِ البَيْتِ الحَرامِ: اشْتاقَ الرَّجُلُ إلى بَيْتِ أبِيهِ ودِينِ قَوْمِهِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿لِئَلا يَكُونَ لِلنّاسِ عَلَيْكم حُجَّةٌ﴾ قالَ: حُجَّتُهم قَوْلُهم: قَدْ راجَعْتَ قِبْلَتَنا.
وأخْرَجَ أبُو داوُدَ في «ناسِخِهِ»، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ قَتادَةَ، ومُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿إلا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنهُمْ﴾ قالا: هم مُشْرِكُو العَرَبِ، قالُوا حِينَ صُرِفَتِ القِبْلَةُ إلى الكَعْبَةِ: قَدْ رَجَعَ إلى قِبْلَتِكُمْ، فَيُوشِكُ أنْ يَرْجِعَ إلى دِينِكم.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿إلا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنهُمْ﴾ قالَ: الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنهم مُشْرِكُو قُرَيْشٍ، إنَّهم سَيَحْتَجُّونَ بِذَلِكَ عَلَيْكُمْ، واحْتَجُّوا عَلى نَبِيِّ اللَّهِ ﷺ بِانْصِرافِهِ إلى البَيْتِ الحَرامِ، وقالُوا: سَيَرْجِعُ مُحَمَّدٌ إلى دِينِنا كَما رَجَعَ إلى قِبْلَتِنا. فَأنْزَلَ اللَّهُ في ذَلِكَ كُلِّهِ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ والصَّلاةِ إنَّ اللَّهَ مَعَ الصّابِرِينَ﴾ [البقرة: ١٥٣] .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أبِي العالِيَةِ في قَوْلِهِ: ﴿لِئَلا يَكُونَ لِلنّاسِ عَلَيْكم حُجَّةٌ﴾ قالَ: يَعْنِي بِذَلِكَ أهْلَ الكِتابِ، ﴿إلا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنهُمْ﴾ يَعْنِي مُشْرِكِي قُرَيْشٍ.
البقرة 2:151
(p-٣٧)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَما أرْسَلْنا﴾ الآيَةَ
أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أبِي العالِيَةِ في قَوْلِهِ: ﴿كَما أرْسَلْنا فِيكم رَسُولا مِنكُمْ﴾: يَعْنِي مُحَمَّدًا ﷺ .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿كَما أرْسَلْنا فِيكم رَسُولا مِنكُمْ﴾ يَقُولُ: كَما فَعَلْتُ فاذْكُرُونِي.
البقرة 2:152
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاذْكُرُونِي أذْكُرْكُمْ﴾ الآيَةَ.
أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ في قَوْلِهِ: ﴿فاذْكُرُونِي أذْكُرْكُمْ﴾ قالَ: اذْكُرُونِي بِطاعَتِي أذْكُرْكم بِمَغْفِرَتِي.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، والدَّيْلَمِيُّ مِن طَرِيقِ جُوَيْبِرٍ، عَنِ الضَّحّاكِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «”﴿فاذْكُرُونِي أذْكُرْكُمْ﴾ يَقُولُ: اذْكُرُونِي يا مَعاشِرَ العِبادِ بِطاعَتِي، أذْكُرْكم بِمَغْفِرَتِي“» .
وأخْرَجَ ابْنُ لالٍ، والدَّيْلَمِيُّ، وابْنُ عَساكِرَ، عَنْ أبِي هِنْدٍ الدّارِيِّ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: «”قالَ اللَّهُ: اذْكُرُونِي بِطاعَتِي، أذْكُرْكم بِمِغْفِرَتِي، فَمَن ذَكَرَنِي وهو مُطِيعٌ فَحَقٌّ عَلَيَّ أنْ أذْكُرَهُ بِمِغْفِرَتِي، ومَن ذَكَرَنِي وهو لِي عاصٍ، فَحَقٌّ (p-٣٨)عَلَيَّ أنْ أذْكُرَهُ بِمَقْتٍ“» .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ: ﴿فاذْكُرُونِي أذْكُرْكُمْ﴾ قالَ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يَقُولُ اللَّهُ: ذِكْرِي لَكم خَيْرٌ مِن ذِكْرِكم لِي.
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ في «الأوْسَطِ»، وأبُو نُعَيْمٍ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: «”يَقُولُ اللَّهُ: يا ابْنَ آدَمَ، إنَّكَ إذا ما ذَكَرْتَنِي شَكَرْتَنِي، وإذا ما نَسِيتَنِي كَفَرْتَنِي“» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في «شُعَبِ الإيمانِ»، عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ، أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: يا رَبِّ، أخْبِرْنِي كَيْفَ أشْكُرُكَ؟ قالَ: تَذْكُرُنِي ولا تَنْسانِي، فَإذا ذَكَرْتَنِي فَقَدْ شَكَرْتَنِي، وإذا نَسِيتَنِي فَقَدْ كَفَرْتَنِي.
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في «شُعَبِ الإيمانِ»، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «”مَن أعْطى أرْبَعًا أُعْطِيَ أرْبَعًا، وتَفْسِيرُ ذَلِكَ في كِتابِ اللَّهِ؛ مَن أعْطى الذِّكْرَ ذَكَرَهُ اللَّهُ؛ لِأنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿فاذْكُرُونِي أذْكُرْكُمْ﴾ . ومَن أعْطى الدُّعاءَ أُعْطِيَ الإجابَةَ؛ لِأنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿ادْعُونِي أسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠] . ومَن أعْطى الشُّكْرَ أُعْطِيَ الزِّيادَةَ؛ لِأنَّ اللَّهَ يَقُولُ: (p-٣٩)﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم: ٧] . ومَن أعْطى الِاسْتِغْفارَ أُعْطِيَ المَغْفِرَةَ؛ لِأنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكم إنَّهُ كانَ غَفّارًا﴾ [نوح»: ١٠] .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاذْكُرُونِي أذْكُرْكُمْ﴾ قالَ: لَيْسَ مِن عَبْدٍ يَذْكُرُ اللَّهَ إلّا ذَكَرَهُ اللَّهُ؛ لا يَذْكُرُهُ مُؤْمِنٌ إلّا ذَكَرَهُ بِرَحْمَةٍ، ولا يَذْكُرُهُ كافِرٌ إلّا ذَكَرَهُ بِعَذابٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ في «المُصَنَّفِ»، وأحْمَدُ في «الزُّهْدِ»، والبَيْهَقِيُّ في «شُعَبِ الإيمانِ»، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: أوْحى اللَّهُ إلى داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ: قُلْ لِلظَّلَمَةِ لا يَذْكُرُونِي؛ فَإنَّ حَقًّا عَلَيَّ أنْ أذْكُرَ مَن ذَكَرَنِي، وإنَّ ذِكْرِي إيّاهم أنْ ألْعَنَهم.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أنَّهُ قِيلَ لَهُ: أرَأيْتَ قاتِلَ النَّفْسِ، وشارِبَ الخَمْرِ، والسّارِقَ، والزّانِيَ، يَذْكُرُ اللَّهَ، وقَدْ قالَ اللَّهُ: ﴿فاذْكُرُونِي أذْكُرْكُمْ﴾ قالَ: إذا ذَكَرَ اللَّهَ هَذا ذَكَرَهُ اللَّهُ بِلَعْنَتِهِ حَتّى يَسْكُتَ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والبَيْهَقِيُّ في «شُعَبِ الإيمانِ»، عَنْ خالِدِ بْنِ أبِي عِمْرانَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «“مَن أطاعَ اللَّهَ فَقَدْ ذَكَرَ اللَّهَ، (p-٤٠)وإنْ قَلَّتْ صَلاتُهُ وصِيامُهُ وتِلاوَتُهُ لِلْقُرْآنِ، ومَن عَصى اللَّهَ فَقَدْ نَسِيَ اللَّهَ وإنْ كَثُرَتْ صَلاتُهُ وصِيامُهُ وتِلاوَتُهُ لِلْقُرْآنِ”» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ، والبُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ ماجَهْ، والبَيْهَقِيُّ في «شُعَبِ الإيمانِ»، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «“يَقُولُ اللَّهُ: أنا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي، وأنا مَعَهُ إذا ذَكَرَنِي، فَإنْ ذَكَرَنِي في نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ في نَفْسِي، وإنْ ذَكَرَنِي في مَلَأٍ ذَكَرْتُهُ في مَلَأٍ خَيْرٍ مِنهُمْ، وإنْ تَقَرَّبَ إلَيَّ شِبْرًا تَقَرَّبْتُ إلَيْهِ ذِراعًا، وإنْ تَقَرَّبَ إلَيَّ ذِراعًا تَقَرَّبْتُ إلَيْهِ باعًا، وإنْ أتانِي يَمْشِي أتَيْتُهُ هَرْوَلَةً”» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ، والبَيْهَقِيُّ في «الأسْماءِ والصِّفاتِ»، عَنْ أنَسٍ، أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «“قالَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: يا ابْنَ آدَمَ، إنْ ذَكَرْتَنِي في نَفْسِكَ ذَكَرْتُكَ في نَفْسِي، وإنْ ذَكَرْتَنِي في مَلَأٍ ذَكَرْتُكَ في مَلَأٍ مِنَ المَلائِكَةِ - أوْ قالَ: في مَلَأٍ خَيْرٍ مِنهُمْ- وإنْ دَنَوْتَ مِنِّي شِبْرًا دَنَوْتُ مِنكَ ذِراعًا، وإنْ دَنَوْتَ مِنِّي ذِراعًا دَنَوْتُ مِنكَ باعًا، وإنْ أتَيْتَنِي تَمْشِي أتَيْتُكَ هَرْوَلَةً”» . (p-٤١)وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، عَنْ مُعاذِ بْنِ جَبَلٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «“قالَ اللَّهُ جَلَّ ذِكْرُهُ: لا يَذْكُرُنِي أحَدٌ في نَفْسِهِ إلّا ذَكَرْتُهُ في مَلَأٍ مِنَ مَلائِكَتِي، ولا يَذْكُرُنِي في مَلَأٍ إلّا ذَكَرْتُهُ في الرَّفِيقِ الأعْلى”» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا في «الذِّكْرِ»، والبَزّارُ، والبَيْهَقِيُّ في «شُعَبِ الإيمانِ»، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «“قالَ اللَّهُ: يا ابْنَ آدَمَ، إنْ ذَكَرْتَنِي خالِيًا ذَكَرْتُكَ خالِيًا، وإنْ ذَكَرْتَنِي في مَلَأٍ ذَكَرْتُكَ في مَلَأٍ خَيْرٍ مِنَ الَّذِينَ تَذْكُرُنِي فِيهِمْ وأكْثَرَ”» .
وأخْرَجَ ابْنُ ماجَهْ، وابْنُ حِبّانَ، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «“إنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ يَقُولُ: أنا مَعَ عَبْدِي إذا هو ذَكَرَنِي وتَحَرَّكَتْ بِي شَفَتاهُ”» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأحْمَدُ، والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ، وابْنُ ماجَهْ، وابْنُ حِبّانَ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُسْرٍ، «أنَّ رَجُلًا قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّ شَرائِعَ الإسْلامِ قَدْ كَثُرَتْ عَلَيَّ، فَأخْبِرْنِي بِشَيْءٍ أتَثَبَّتُ بِهِ. قالَ:“لا يَزالُ لِسانُكَ رَطْبًا مِن ذِكْرِ اللَّهِ”» . (p-٤٢)وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا، والبَزّارُ، وابْنُ حِبّانَ، والطَّبَرانِيُّ، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ مالِكِ بْنِ يَخامِرَ، «أنَّ مُعاذَ بْنَ جَبَلٍ قالَ لَهم: إنَّ آخِرَ كَلامٍ فارَقْتُ عَلَيْهِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أنْ قُلْتُ: أيُّ الأعْمالِ أحَبُّ إلى اللَّهِ ؟ قالَ:“أنْ تَمُوتَ ولِسانُكَ رَطْبٌ مِن ذِكْرِ اللَّهِ”» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا، عَنْ أبِي المُخارِقِ قالَ: قالَ النَّبِيُّ ﷺ: «“مَرَرْتُ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي بِرَجُلٍ مُغَيَّبٍ في نُورِ العَرْشِ، قُلْتُ: مَن هَذا؛ أمَلَكٌ ؟ قِيلَ: لا، قُلْتُ: نَبِيٌّ ؟ قِيلَ: لا. قُلْتُ: مَن هو ؟ قالَ: هَذا رَجُلٌ كانَ في الدُّنْيا لِسانُهُ رَطْبٌ مِن ذِكْرِ اللَّهِ، وقَلْبُهُ مُعَلَّقٌ بِالمَساجِدِ، ولَمْ يَسْتَسِبَّ لِوالِدَيْهِ”» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأحْمَدُ في «الزُّهْدِ»، وابْنُ أبِي الدُّنْيا، عَنْ سالِمِ بْنِ أبِي الجَعْدِ، قالَ: قِيلَ لِأبِي الدَّرْداءِ: إنَّ الرَّجُلَ أعْتَقَ مِائَةَ نَسَمَةٍ. قالَ: إنَّ مِائَةَ نَسَمَةٍ مِن مالِ رَجُلٍ لَكَثِيرٌ، وأفْضَلُ مِن ذَلِكَ إيمانٌ مَلْزُومٌ بِاللَّيْلِ والنَّهارِ، وألّا يَزالَ لِسانُ أحَدِكم رَطْبًا مِن ذِكْرِ اللَّهِ. (p-٤٣)وأخْرَجَ أحْمَدُ، والتِّرْمِذِيُّ، وابْنُ ماجَهْ، وابْنُ أبِي الدُّنْيا، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ أبِي الدَّرْداءِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «“ألا أُنَبِّئُكم بِخَيْرِ أعْمالِكُمْ، وأزْكاها عِنْدَ مَلِيكِكُمْ، وأرْفَعِها في دَرَجاتِكُمْ، وخَيْرٍ لَكم مِن إنْفاقِ الذَّهَبِ والوَرِقِ، وخَيْرٍ لَكم مِن أنْ تَلْقَوْا عَدُوَّكم فَتَضْرِبُوا أعْناقَهم ويَضْرِبُوا أعْناقَكُمْ؟”قالُوا: بَلى. قالَ:“ذِكْرُ اللَّهِ”» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ كانَ يَقُولُ: «“إنَّ لِكُلِّ شَيْءٍ سِقالَةً، وإنَّ سِقالَةَ القُلُوبِ ذِكْرُ اللَّهِ، وما مِن شَيْءٍ أنْجى مِن عَذابِ اللَّهِ مِن ذِكْرِ اللَّهِ”. قالُوا: ولا الجِهادُ في سَبِيلِ اللَّهِ ؟ قالَ:“ولَوْ أنْ يَضْرِبَ بِسَيْفِهِ حَتّى يَنْقَطِعَ”» .
وأخْرَجَ البَزّارُ، والطَّبَرانِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «“مَن عَجَزَ مِنكم عَنِ اللَّيْلِ أنْ يُكابِدَهُ، وبَخِلَ بِالمالِ أنْ يُنْفِقَهُ، وجَبُنَ عَنِ العَدُوِّ أنْ يُجاهِدَهُ، فَلْيُكْثِرْ ذِكْرَ اللَّهِ”» . (p-٤٤)وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ في «الأوْسَطِ»، عَنْ جابِرٍ رَفَعَهُ إلى النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «“ما عَمِلَ آدَمِيٌّ عَمَلًا أنْجى لَهُ مِنَ العَذابِ مِن ذِكْرِ اللَّهِ”. قِيلَ: ولا الجِهادُ في سَبِيلِ اللَّهِ ؟ قالَ:“ولا الجِهادُ في سَبِيلِ اللَّهِ، إلّا أنْ يَضْرِبَ بِسَيْفِهِ حَتّى يَنْقَطِعَ”» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا في كِتابِ «الشُّكْرِ»، والطَّبَرانِيُّ، والبَيْهَقِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «“أرْبَعٌ مَن أُعْطِيَهُنَّ فَقَدْ أُعْطِيَ خَيْرَ الدُّنْيا والآخِرَةِ؛ قَلْبٌ شاكِرٌ، ولِسانٌ ذاكِرٌ، وبَدَنٌ عَلى البَلاءِ صابِرٌ، وزَوْجَةٌ لا تَبْغِيهِ خَوْنًا في نَفْسِها ومالِهِ”» .
وأخْرَجَ ابْنُ حِبّانَ، عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ، أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «“لَيَذْكُرَنَّ اللَّهَ أقْوامٌ في الدُّنْيا عَلى الفُرُشِ المُمَهَّدَةِ، يُدْخِلُهُمُ اللَّهُ الدَّرَجاتِ العُلا”» .
وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ أبِي مُوسى قالَ: قالَ النَّبِيُّ ﷺ: «“مَثَلَ الَّذِي يَذْكُرُ رَبَّهُ والَّذِي لا يَذْكُرُ رَبَّهُ مَثَلُ الحَيِّ والمَيِّتِ”» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا، عَنْ أبِي ذَرٍّ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «“ما مِن يَوْمٍ ولَيْلَةٍ إلّا ولِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ فِيهِ صَدَقَةٌ يَمُنُّ بِها عَلى مَن يَشاءُ مِن عِبادِهِ، وما مَنَّ اللَّهُ عَلى عَبْدٍ (p-٤٥)بِأفْضَلَ مِن أنْ يُلْهِمَهُ ذِكْرَهُ”» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنْ خالِدِ بْنِ مَعْدانَ قالَ: إنَّ اللَّهَ يَتَصَدَّقُ كُلَّ يَوْمٍ بِصَدَقَةٍ، فَما تَصَدَّقَ عَلى عَبْدِهِ بِشَيْءٍ أفْضَلَ مِن ذِكْرِهِ.
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، عَنْ أبِي مُوسى قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «“لَوْ أنَّ رَجُلًا في حِجْرِهِ دَراهِمُ يَقْسِمُها وآخَرَ يَذْكُرُ اللَّهَ، لَكانَ الذّاكِرُ لِلَّهِ أفْضَلَ”» .
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ مُعاذِ بْنِ جَبَلٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «“لَيْسَ يَتَحَسَّرُ أهْلُ الجَنَّةِ إلّا عَلى ساعَةٍ مَرَّتْ بِهِمْ لَمْ يَذْكُرُوا اللَّهَ تَعالى فِيها”» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ عائِشَةَ، أنَّها سَمِعَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «“ما مِن ساعَةٍ تَمُرُّ بِابْنِ آدَمَ لَمْ يَذْكُرِ اللَّهَ تَعالى فِيها إلّا تَحَسَّرَ عَلَيْها يَوْمَ القِيامَةِ”» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأحْمَدُ، ومُسْلِمٌ، والتِّرْمِذِيُّ، وابْنُ ماجَهْ (p-٤٦)والبَيْهَقِيُّ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، وأبِي سَعِيدٍ، أنَّهُما شَهِدا عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ قالَ: «“لا يَقْعُدُ قَوْمٌ يَذْكُرُونَ اللَّهَ إلّا حَفَّتْهُمُ المَلائِكَةُ، وغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ، ونَزَلَتْ عَلَيْهِمُ السَّكِينَةُ، وذَكَرَهُمُ اللَّهُ فِيمَن عِنْدَهُ”» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، وأبِي سَعِيدٍ، قالا: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «“إنَّ لِأهْلِ ذِكْرِ اللَّهِ أرْبَعًا؛ تَنْزِلُ عَلَيْهِمُ السِّكِّينَةُ، وتَغْشاهُمُ الرَّحْمَةُ، وتَحُفُّ بِهِمُ المَلائِكَةُ، ويَذْكُرُهُمُ الرَّبُّ في مَلَأٍ عِنْدَهُ”» .
وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ، عَنْ أبِي الدَّرْداءِ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «“إنَّ اللَّهَ يَقُولُ: أنا مَعَ عَبْدِي إذا هو ذَكَرَنِي وتَحَرَّكَتْ بِي شَفَتاهُ”» .
وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ، عَنْ أنَسٍ مَرْفُوعًا، «“قالَ اللَّهُ: عَبْدِي، أنا عِنْدَ ظَنِّكَ بِي، وأنا مَعَكَ إذا ذَكَرْتَنِي”» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ في «المُصَنَّفِ»، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: ذِكْرُ اللَّهِ بِالغَداةِ والعَشِيِّ أعْظَمُ مِن حَطْمِ السُّيُوفِ في سَبِيلِ اللَّهِ وإعْطاءِ المالِ سَحًّا“ . (p-٤٧)وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنْ مُعاذِ بْنِ جَبَلٍ قالَ: لَوْ أنَّ رَجُلَيْنِ أحَدُهُما يَحْمِلُ عَلى الجِيادِ في سَبِيلِ اللَّهِ والآخَرُ يَذْكُرُ اللَّهَ، لَكانَ الذّاكِرُ أعْظَمَ وأفْضَلَ أجْرًا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأحْمَدُ في «الزُّهْدِ»، عَنْ سَلْمانَ الفارِسِيِّ قالَ: لَوْ باتَ رَجُلٌ يُعْطِي القِيانَ البِيضَ - ولَفْظُ أحْمَدَ: يُطاعِنُ الأقْرانَ - وباتَ آخَرُ يَقْرَأُ القُرْآنَ أوْ يَذْكُرُ اللَّهَ، لَرَأيْتُ أنَّ ذاكِرَ اللَّهِ أفْضَلُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنِ ابْنِ عَمْرٍو قالَ: لَوْ أنَّ رَجُلَيْنِ أقْبَلَ أحَدُهُما مِنَ المَشْرِقِ، والآخَرُ مِنَ المَغْرِبِ، مَعَ أحَدِهِما ذَهَبٌ لا يَضَعُ مِنهُ شَيْئًا إلّا في حَقٍّ، والآخَرُ يَذْكُرُ اللَّهَ، حَتّى يَلْتَقِيا في طَرِيقٍ، كانَ الَّذِي يَذْكُرُ اللَّهَ أفْضَلَهُما.
وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، والبَيْهَقِيُّ في «الأسْماءِ والصِّفاتِ»، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «”إنَّ لِلَّهِ مَلائِكَةً يَطُوفُونَ في الطُّرُقِ يَلْتَمِسُونَ أهْلَ الذِّكْرِ، فَإذا وجَدُوا قَوْمًا يَذْكُرُونَ اللَّهَ تَنادَوْا: هَلُمُّوا إلى حاجَتِكم. فَيَحُفُّونَهم بِأجْنِحَتِهِمْ إلى السَّماءِ، فَإذا تَفَرَّقُوا عَرَجُوا وصَعِدُوا إلى السَّماءِ، فَيَسْألُهم رَبُّهُمْ، وهو أعْلَمُ: مِن أيْنَ جِئْتُمْ ؟ فَيَقُولُونَ: جِئْنا مِن عِنْدِ عِبادٍ لَكَ في الأرْضِ يُسَبِّحُونَكَ ويُكَبِّرُونَكَ ويُهَلِّلُونَكَ ويَحْمَدُونَكَ. فَيَقُولُ: هَلْ رَأوْنِي؟ فَيَقُولُونَ: لا. فَيَقُولُ: كَيْفَ لَوْ رَأوْنِي؟ فَيَقُولُونَ: لَوْ رَأوْكَ كانُوا أشَدَّ لَكَ عِبادَةً، وأشَدَّ لَكَ تَمْجِيدًا، وأكْثَرَ لَكَ تَسْبِيحًا. (p-٤٨)فَيَقُولُ: فَما يَسْألُونَ ؟ فَيَقُولُونَ: يَسْألُونَكَ الجَنَّةَ. فَيَقُولُ: وهَلْ رَأوْها ؟ فَيَقُولُونَ: لا. فَيَقُولُ: فَكَيْفَ لَوْ رَأوْها ؟ فَيَقُولُونَ: لَوْ أنَّهم رَأوْها كانُوا أشَدَّ عَلَيْها حِرْصًا، وأشَدَّ لَها طَلَبًا، وأعْظَمَ فِيها رَغْبَةً. قالَ: فَمِمَّ يَتَعَوَّذُونَ ؟ فَيَقُولُونَ: يَتَعَوَّذُونَ مِنَ النّارِ. فَيَقُولُ: وهَلْ رَأوْها؟ فَيَقُولُونَ: لا. فَيَقُولُ: فَكَيْفَ لَوْ رَأوْها ؟ فَيَقُولُونَ: لَوْ أنَّهم رَأوْها كانُوا أشَدَّ مِنها فِرارًا، وأشَدَّ لَها مَخافَةً. فَيَقُولُ: أُشْهِدُكم أنِّي قَدْ غَفَرْتُ لَهم. فَيَقُولُ مَلَكٌ مِنَ المَلائِكَةِ: فِيهِمْ فُلانٌ لَيْسَ مِنهم، إنَّما جاءَ لِحاجَةٍ. قالَ: هُمُ القَوْمُ لا يَشْقى بِهِمْ جَلِيسُهُمْ“» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأحْمَدُ، ومُسْلِمٌ، والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ، عَنْ مُعاوِيَةَ، «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَرَجَ عَلى حَلْقَةٍ مِن أصْحابِهِ، فَقالَ: ”ما أجْلَسَكم ؟“ قالُوا: جَلَسْنا نَذْكُرُ اللَّهَ، ونَحْمَدُهُ عَلى ما هَدانا لِلْإسْلامِ، ومَنَّ بِهِ عَلَيْنا. قالَ: ”آللَّهِ، ما أجْلَسَكم إلّا ذَلِكَ ؟“ قالُوا: آللَّهِ ما أجْلَسَنا إلّا ذَلِكَ. قالَ: أما إنِّي لَمْ أسْتَحْلِفْكم تُهْمَةً لَكُمْ، ولَكِنْ أتانِي جِبْرِيلُ، فَأخْبَرَنِي أنَّ اللَّهَ يُباهِي بِكُمُ المَلائِكَةَ”» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ، وأبُو يَعْلى، وابْنُ حِبّانَ، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ، أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «“يَقُولُ اللَّهُ يَوْمَ القِيامَةِ: سَيَعْلَمُ أهْلُ الجَمْعِ اليَوْمَ مَن أهْلُ الكَرَمِ”. فَقِيلَ: ومَن أهْلُ الكَرَمِ يا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قالَ:“أهْلُ (p-٤٩)مَجالِسِ الذِّكْرِ”» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ، عَنْ أنَسٍ قالَ: «كانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَواحَةَ إذا لَقِيَ الرَّجُلَ مِن أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قالَ: تَعالَ نُؤْمِنُ بِرَبِّنا ساعَةً. فَقالَ ذاتَ يَوْمٍ لِرَجُلٍ، فَغَضِبَ الرَّجُلُ، فَجاءَ إلى النَّبِيِّ ﷺ، فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، ألا تَرى إلى ابْنِ رَواحَةَ يَرْغَبُ عَنْ إيمانِكَ إلى إيمانِ ساعَةٍ ؟ فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ:“يَرْحَمُ اللَّهُ ابْنَ رَواحَةَ؛ إنَّهُ يُحِبُّ المَجالِسَ الَّتِي تَتَباهى بِها المَلائِكَةُ”» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ، والبَزّارُ، وأبُو يَعْلى، والطَّبَرانِيُّ، عَنْ أنَسٍ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قالَ: «“ما مِن قَوْمٍ اجْتَمَعُوا يَذْكُرُونَ اللَّهَ، لا يُرِيدُونَ بِذَلِكَ إلّا وجْهَهُ، إلّا ناداهم مُنادٍ مِنَ السَّماءِ: أنْ قُومُوا مَغْفُورًا لَكم، قَدْ بُدِّلَتْ سَيِّئاتُكم حَسَناتٍ”» .
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ عَنْ سَهْلِ ابْنِ الحَنْظَلِيَّةِ، قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «“ما جَلَسَ قَوْمٌ مَجْلِسًا يَذْكُرُونَ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ فِيهِ فَيَقُومُونَ حَتّى يُقالَ لَهم: قُومُوا قَدْ غَفَرَ اللَّهُ لَكُمْ، وبُدِّلَتْ سَيِّئاتُكم حَسَناتٍ”» . (p-٥٠)وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «“ما مِن قَوْمٍ اجْتَمَعُوا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إلّا ناداهم مُنادٍ في السَّماءِ: قُومُوا مَغْفُورًا لَكم، قَدْ بُدِّلَتْ سَيِّئاتُكم حَسَناتٍ. وما مِن قَوْمٍ اجْتَمَعُوا في مَجْلِسٍ، فَتَفَرَّقُوا ولَمْ يَذْكُرُوا اللَّهَ إلّا كانَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً يَوْمَ القِيامَةِ”» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ، عَنْ مُعاذِ بْنِ جَبَلٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «“ما عَمِلَ آدَمِيٌّ عَمَلًا قَطُّ أنْجى لَهُ مِن عَذابِ القَبْرِ مِن ذِكْرِ اللَّهِ”» . وقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «“ألا أُخْبِرُكم بِخَيْرِ أعْمالِكُمْ، وأزْكاها عِنْدَ مَلِيكِكُمْ، وأرْفَعِها في دَرَجاتِكُمْ، وخَيْرٍ لَكم مِن تَعاطِي الذَّهَبِ والفِضَّةِ، ومِن أنْ تَلْقَوْا عَدُوَّكم فَتَضْرِبُوا أعْناقَهم ويَضْرِبُوا أعْناقَكُمْ؟”قالُوا: بَلى يا رَسُولَ اللَّهِ. قالَ:“ذِكْرُ اللَّهِ”» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ عَنْ مُعاذِ بْنِ جَبَلٍ، أنَّهُ «سَألَ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ أفْضَلِ الإيمانِ ؟ قالَ:“أنْ تُحِبَّ لِلَّهِ، وتُبْغِضَ لِلَّهِ، وتُعْمِلَ لِسانَكَ في ذِكْرِ اللَّهِ”. قالَ: وماذا يا رَسُولَ اللَّهِ؟ قالَ:“وأنْ تُحِبَّ لِلنّاسِ ما تُحِبُّ لِنَفْسِكَ، وتَكْرَهَ لَهم ما تَكْرَهُ لِنَفْسِكَ، وأنْ تَقُولَ خَيْرًا أوْ تَصْمُتَ”» . (p-٥١)وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ في زَوائِدِ «الزُّهْدِ»، عَنْ أبِي بَرْزَةَ الأسْلَمِيِّ، قالَ: لَوْ أنَّ رَجُلًا في حِجْرِهِ دَنانِيرُ يُعْطِيها، وآخَرَ ذاكِرٌ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ، لَكانَ الذّاكِرُ أفْضَلَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ، عَنْ أبِي الدَّرْداءِ، قالَ: اذْكُرِ اللَّهَ عِنْدَ كُلِّ حُجَيْرَةٍ وشُجَيْرَةٍ ومُدَيْرَةٍ، واذْكُرْهُ في سَرّائِكَ يَذْكُرْكَ في ضَرّائِكَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأحْمَدُ في «الزُّهْدِ»، عَنْ أبِي الدَّرْداءِ، قالَ: إنَّ الَّذِينَ لا تَزالُ ألْسِنَتُهم رَطْبَةً بِذِكْرِ اللَّهِ تَبارَكَ وتَعالى يَدْخُلُ أحَدُهُمُ الجَنَّةَ وهو يَضْحَكُ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ في «الزُّهْدِ»، عَنْ أبِي الدَّرْداءِ، قالَ: لَأنْ أُكَبِّرَ مِائَةَ تَكْبِيرَةٍ أحَبُّ إلَيَّ مِن أنْ أتَصَدَّقَ بِمِائَةِ دِينارٍ.
وأخْرَجَ عَبْدُ اللَّهِ ابْنُهُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قالَ: ما اجْتَمَعَ مَلَأٌ يَذْكُرُونَ اللَّهَ إلّا ذَكَرَهُمُ اللَّهُ في مَلَأٍ أعَزَّ مِنهُ وأكْرَمَ، وما تَفَرَّقَ قَوْمٌ لَمْ يَذْكُرُوا اللَّهَ في مَجْلِسِهِمْ إلّا كانَ حَسْرَةً عَلَيْهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ. (p-٥٢)وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنْ عُمَرَ قالَ: التَّكْبِيرَةُ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيا وما فِيها.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنْ مُعاذِ بْنِ جَبَلٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «“ما عَمِلَ ابْنُ آدَمَ عَمَلًا أنْجى لَهُ مِنَ النّارِ مِن ذِكْرِ اللَّهِ”. قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، ولا الجِهادُ في سَبِيلِ اللَّهِ ؟ قالَ:“ولا الجِهادُ في سَبِيلِ اللَّهِ، تَضْرِبُ بِسَيْفِكَ حَتّى يَنْقَطِعَ، ثُمَّ تَضْرِبُ بِسَيْفِكَ حَتّى يَنْقَطِعَ، ثُمَّ تَضْرِبُ بِسَيْفِكَ حَتّى يَنْقَطِعَ”» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنْ مُعاذِ بْنِ جَبَلٍ، قالَ: لَأنْ أذْكُرَ اللَّهَ مِن غَدْوَةٍ حَتّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ أحَبُّ إلَيَّ مِن أنْ أحْمِلَ عَلى الجِيادِ في سَبِيلِ اللَّهِ مِن غَدْوَةٍ حَتّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنْ عُبادَةَ بْنِ الصّامِتِ قالَ: لَأنْ أكُونَ في قَوْمٍ يَذْكُرُونَ اللَّهَ مِن حِينِ يُصَلُّونَ الغَداةَ إلى حِينِ تَطْلُعُ الشَّمْسُ، أحَبُّ إلَيَّ مِن أنْ أكُونَ عَلى مُتُونِ الخَيْلِ أُجاهِدُ في سَبِيلِ اللَّهِ إلى أنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ، ولَأنْ أكُونَ في قَوْمٍ يَذْكُرُونَ اللَّهَ مِن حِينِ يُصَلُّونَ العَصْرَ حَتّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ، أحَبُّ إلَيَّ مِن أنْ أكُونَ عَلى مُتُونِ الخَيْلِ أُجاهِدُ في سَبِيلِ اللَّهِ حَتّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنْ سَلْمانَ قالَ: إذا كانَ العَبْدُ يَحْمَدُ اللَّهَ في السَّرّاءِ، ويَحْمَدُهُ في الرَّخاءِ، فَأصابَهُ ضُرٌّ فَدَعا اللَّهَ قالَتِ المَلائِكَةُ: صَوْتٌ مَعْرُوفٌ مِنِ (p-٥٣)امْرِئٍ ضَعِيفٍ. فَيَشْفَعُونَ لَهُ، فَإذا كانَ العَبْدُ لا يَذْكُرُ اللَّهَ في السَّرّاءِ، ولا يَحْمَدُهُ في الرَّخاءِ، فَأصابَهُ ضُرٌّ فَدَعا اللَّهَ قالَتِ المَلائِكَةُ: صَوْتٌ مُنْكَرٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنْ أبِي جَعْفَرٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «“أشَدُّ الأعْمالِ ثَلاثَةٌ؛ ذِكْرُ اللَّهِ عَلى كُلِّ حالٍ، والإنْصافُ مِن نَفْسِكَ، والمُواساةُ في المالِ”» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: إنَّ أهْلَ السَّماءِ لَيَرَوْنَ بُيُوتَ أهْلِ الذِّكْرِ تُضِيءُ لَهم كَما تُضِيءُ الكَواكِبُ لِأهْلِ الأرْضِ.
وأخْرَجَ البَزّارُ، عَنْ أنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «“إنَّ لِلَّهِ سَيّارَةً مِنَ المَلائِكَةِ يَطْلُبُونَ حِلَقَ الذِّكْرِ، فَإذا أتَوْا عَلَيْهِمْ حَفُّوا بِهِمْ، ثُمَّ بَعَثُوا رائِدَهم إلى السَّماءِ إلى رَبِّ العِزَّةِ تَبارَكَ وتَعالى فَيَقُولُونَ: رَبَّنا، أتَيْنا عَلى عِبادٍ مِن عِبادِكَ يُعَظِّمُونَ آلاءَكَ، ويَتْلُونَ كِتابَكَ، ويُصَلُّونَ عَلى نَبِيِّكَ مُحَمَّدٍ ﷺ، ويَسْألُونَكَ لِآخِرَتِهِمْ ودُنْياهم، فَيَقُولُ تَبارَكَ وتَعالى: غَشُّوهم بِرَحْمَتِي، فَهُمُ الجُلَساءُ لا يَشْقى بِهِمْ جَلِيسُهم» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ، عَنِ ابْنِ عَمْرٍو قالَ: «قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، ما غَنِيمَةُ مَجالِسِ (p-٥٤)الذِّكْرِ؟ قالَ: ”غَنِيمَةُ مَجالِسِ الذِّكْرِ الجَنَّةُ“» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا، والبَزّارُ، وأبُو يَعْلى، والطَّبَرانِيُّ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ في «الدَّعَواتِ»، عَنْ جابِرٍ قالَ: «خَرَجَ عَلَيْنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: ”يا أيُّها النّاسُ، إنْ لِلَّهِ سَرايا مِنَ المَلائِكَةِ، تَحُلُّ وتَقِفُ عَلى مَجالِسِ الذِّكْرِ، فارْتَعُوا في رِياضِ الجَنَّةِ“ . قالُوا: وأيْنَ رِياضُ الجَنَّةِ ؟ قالَ: ”مَجالِسُ الذِّكْرِ، فاغْدُوا ورُوحُوا في ذِكْرِ اللَّهِ، وذَكِّرُوهُ أنْفُسَكُمْ، مَن كانَ يُحِبُّ أنْ يَعْلَمَ مَنزِلَتَهُ عِنْدَ اللَّهِ فَلْيَنْظُرْ كَيْفَ مَنزِلَةُ اللَّهِ عِنْدَهُ، فَإنَّ اللَّهَ يُنْزِلُ العَبْدَ مِنهُ حَيْثُ أنْزَلَهُ مِن نَفْسِهِ“» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ، والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ، عَنْ أنَسٍ، أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «”إذا مَرَرْتُمْ بِرِياضِ الجَنَّةِ فارْتَعُوا“ . قالُوا: وما رِياضُ الجَنَّةِ ؟ قالَ: ”حِلَقُ الذِّكْرِ“» .
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ عَنْ عَمْرِو بْنِ عَبَسَةَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «”عَنْ يَمِينِ الرَّحْمَنِ -وكِلْتا يَدَيْهِ يَمِينٌ - رِجالٌ لَيْسُوا بِأنْبِياءَ ولا شُهَداءَ، يَغْشى بَياضُ وُجُوهِهِمْ نَظَرَ النّاظِرِينَ، يَغْبِطُهُمُ النَّبِيُّونَ والشُّهَداءُ بِمَقْعَدِهِمْ وقُرْبِهِمْ مِنَ اللَّهِ“» . (p-٥٥)قِيلَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، مَن هم ؟ قالَ: ”هم جُمّاعٌ مِن نَوازِعِ القَبائِلِ، يَجْتَمِعُونَ عَلى ذِكْرِ اللَّهِ تَعالى، فَيَنْتَقُونَ أطايِبَ الكَلامِ، كَما يَنْتَقِي آكِلُ التَّمْرِ أطايِبَهُ“ .
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، عَنْ أبِي الدَّرْداءِ، قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «”لَيَبْعَثَنَّ اللَّهُ أقْوامًا يَوْمَ القِيامَةِ، في وُجُوهِهِمُ النُّورُ، عَلى مَنابِرِ اللُّؤْلُؤِ، يَغْبِطُهُمُ النّاسُ، لَيْسُوا بِأنْبِياءَ ولا شُهَداءَ“ . فَقالَ أعْرابِيٌّ: يا رَسُولَ اللَّهِ، حَلِّهِمْ لَنا نَعْرِفْهم. قالَ: ”هُمُ المُتَحابُّونَ في اللَّهِ، مِن قَبائِلَ شَتّى وبِلادٍ شَتّى، يَجْتَمِعُونَ عَلى ذِكْرِ اللَّهِ يَذْكُرُونَهُ“» .
وأخْرَجَ الخَرائِطِيُّ في «الشُّكْرِ» عَنْ خُلَيْدٍ العَصَرِيِّ قالَ: إنَّ لِكُلِّ بَيْتٍ زِينَةً، وزِينَةُ المَساجِدِ الرِّجالُ عَلى ذِكْرِ اللَّهِ.
وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في «الدَّعَواتِ» عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ لَهم: «”أتُحِبُّونَ أيُّها النّاسُ أنْ تَجْتَهِدُوا في الدُّعاءِ ؟“ قالُوا: نَعَمْ. قالَ: ”قُولُوا: اللَّهُمَّ أعِنّا عَلى ذِكْرِكَ وشُكْرِكَ وحُسْنِ عِبادَتِكَ“» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ في «الزُّهْدِ»، عَنْ عَمْرِو بْنِ قَيْسٍ قالَ: أوْحى اللَّهُ إلى داوُدَ إنَّكَ إنْ ذَكَرْتَنِي ذَكَرْتُكَ، وإنْ نَسِيتَنِي تَرَكْتُكَ، واحْذَرْ أنْ أجِدَكَ عَلى حالٍ لا أنْظُرُ إلَيْكَ فِيهِ. (p-٥٦)وأخْرَجَ عَبْدُ اللَّهِ ابْنُهُ في «زَوائِدِهِ»، عَنْ مُعاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ، عَنْ أبِيهِ أنَّهُ قالَ لَهُ: يا بُنَيَّ، إذا كُنْتَ في قَوْمٍ يَذْكُرُونَ اللَّهَ، فَبَدَتْ لَكَ حاجَةٌ، فَسَلِّمْ عَلَيْهِمْ حِينَ تَقُومُ؛ فَإنَّكَ لا تَزالُ لَهم شَرِيكًا ما دامُوا جُلُوسًا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنْ أبِي جَعْفَرٍ قالَ: ما مِن شَيْءٍ أحَبُّ إلى اللَّهِ مِنَ الذِّكْرِ والشُّكْرِ.
قَوْلُهُ تَعالى ﴿واشْكُرُوا لِي ولا تَكْفُرُونِ﴾ .
أخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا في كِتابِ «الشُّكْرِ»، والبَيْهَقِيُّ في «شُعَبِ الإيمانِ»، عَنِ مُحَمَّدِ بْنِ المُنْكَدِرِ قالَ: «كانَ مِن دُعاءِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: ”اللَّهُمَّ أعِنِّي عَلى ذِكْرِكَ وشُكْرِكَ وحُسْنِ عِبادَتِكَ“» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ، وأبُو داوُدَ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ أبِي الدُّنْيا، والبَيْهَقِيُّ في «شُعَبِ الإيمانِ»، عَنْ مُعاذٍ قالَ: قالَ لِيَ النَّبِيُّ ﷺ: «”إنِّي لَأُحِبُّكَ، لا تَدَعَنَّ أنْ تَقُولَ في دُبُرِ كُلِّ صَلاةٍ: اللَّهُمَّ أعِنِّي عَلى ذِكْرِكَ وشُكْرِكَ وحُسْنِ عِبادَتِكَ“» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ في «الزُّهْدِ»، وابْنُ أبِي الدُّنْيا، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ أبِي الجَلْدِ قالَ: قَرَأْتُ في مُساءَلَةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، أنَّهُ قالَ: يا رَبِّ، كَيْفَ لِي أنْ أشْكُرَكَ (p-٥٧)وأصْغَرُ نِعْمَةٍ وضَعْتَها عِنْدِي مِن نِعَمِكَ لا يُجازِي بِها عَمَلِي كُلُّهُ؟ فَأتاهُ الوَحْيُ: أنْ يا مُوسى، الآنَ شَكَرْتَنِي.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ سُلَيْمانَ التَّيْمِيِّ قالَ: إنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ أنْعَمَ عَلى العِبادِ عَلى قَدْرِهِ، وكَلَّفَهُمُ الشُّكْرَ عَلى قَدْرِهِمْ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا، عَنْ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ مَرْوانَ قالَ: ما قالَ عَبْدٌ كَلِمَةً أحَبَّ إلَيْهِ وأبْلَغَ في الشُّكْرِ عِنْدَهُ مِن أنْ يَقُولَ: الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أنْعَمَ عَلَيْنا وهَدانا لِلْإسْلامِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا، والبَيْهَقِيُّ، عَنِ الأصْبَغِ بْنِ نُباتَةَ قالَ: كانَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إذا دَخَلَ الخَلاءَ قالَ: بِسْمِ اللَّهِ الحافِظِ مِنَ المُودِي، وإذا خَرَجَ مَسَحَ بِيَدِهِ عَلى بَطْنِهِ، ثُمَّ قالَ: يا لَها مِن نِعْمَةٍ، لَوْ يَعْلَمُ العِبادُ شُكْرَها.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا عَنِ الحَسَنِ قالَ: إنَّ اللَّهَ لَيَمْنَعُ بِالنِّعْمَةَ ما شاءَ، فَإذا لَمْ يَشْكُرْ عَلَيْها قَلَبَها عَذابًا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا، والخَرائِطِيُّ، كِلاهُما في كِتابِ «الشُّكْرِ»، (p-٥٨)والحاكِمُ، والبَيْهَقِيُّ في «شُعَبِ الإيمانِ» عَنْ عائِشَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، قالَ: «”ما أنْعَمَ اللَّهُ عَلى عَبْدٍ مِن نِعْمَةٍ، فَعَلِمَ أنَّها مِن عِنْدِ اللَّهِ إلّا كَتَبَ اللَّهُ لَهُ شُكْرَها قَبْلَ أنْ يَحْمَدَهُ، وما عَلِمَ اللَّهُ مِن عَبْدٍ نَدامَةً عَلى ذَنْبٍ إلّا غَفَرَ اللَّهُ لَهُ ذَلِكَ قَبْلَ أنْ يَسْتَغْفِرَهُ، وإنَّ الرَّجُلَ لَيَشْتَرِي الثَّوْبَ بِالدِّينارِ فَيَلْبَسُهُ فَيَحْمَدُ اللَّهَ، فَما يَبْلُغُ رُكْبَتَيْهِ حَتّى يُغْفَرَ لَهُ“» .
وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في «الشَّعْبِ» عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: مَن قالَ حِينَ يُصْبِحُ: الحَمْدُ لِلَّهِ عَلى حُسْنِ المَساءِ، والحَمْدُ لِلَّهِ عَلى حُسْنِ المَبِيتِ، والحَمْدُ لِلَّهِ عَلى حُسْنِ الصَّباحِ. فَقَدْ أدّى شُكْرَ لَيْلَتِهِ ويَوْمِهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ أبِي الدُّنْيا، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ قالَ: قالَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ: يا رَبِّ، ما الشُّكْرُ الَّذِي يَنْبَغِي لَكَ؟ قالَ: لا يَزالُ لِسانُكَ رَطْبًا مِن ذِكْرِي. قالَ: فَإنّا نَكُونُ مِنَ الحالِ عَلى حالٍ نُجِلُّكَ أنْ نَذْكُرَكَ عَلَيْها. قالَ: ما هي ؟ قالَ: الغائِطُ، وإهْراقَةُ الماءِ مِنَ الجَنابَةِ، وعَلى غَيْرِ وُضُوءٍ. قالَ: كَلّا. قالَ: يا رَبِّ، كَيْفَ أقُولُ ؟ قالَ: تَقُولُ سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وبِحَمْدِكَ، لا إلَهَ إلّا أنْتَ، فَجَنِّبْنِي الأذى، سُبْحانَكَ وبِحَمْدِكَ، لا إلَهَ إلّا أنْتَ، فَقِنِي مِنَ الأذى (p-٥٩)وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ إسْحاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي طَلْحَةَ، «أنَّ رَجُلًا كانَ يَأْتِي النَّبِيَّ ﷺ، فَيُسَلِّمُ عَلَيْهِ، فَيَقُولُ النَّبِيُّ ﷺ: ”كَيْفَ أصْبَحْتَ؟“ فَيَقُولُ الرَّجُلُ: أحْمَدُ إلَيْكَ اللَّهَ، وأحْمَدُ اللَّهَ إلَيْكَ. فَكانَ النَّبِيُّ ﷺ يَدْعُو لَهُ، فَجاءَ يَوْمًا، فَقالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: ”كَيْفَ أنْتَ يا فُلانُ؟“ قالَ: بِخَيْرٍ إنْ شَكَرْتُ. فَسَكَتَ النَّبِيُّ ﷺ، فَقالَ الرَّجُلُ: يا نَبِيَّ اللَّهِ، كُنْتَ تَسْألُنِي وتَدْعُو لِي، وإنَّكَ سَألْتَنِي اليَوْمَ فَلَمْ تَدْعُ لِي. فَقالَ: ”إنِّي كُنْتُ أسْألُكَ فَتَشْكُرُ اللَّهَ، وإنِّي سَألْتُكَ اليَوْمَ فَشَكَكْتَ في الشُّكْرِ“» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا عَنْ أبِي قِلابَةَ قالَ: لا تَضُرُّكم دُنْيا إذا شَكَرْتُمُوها.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا عَنْ أبِي بَكْرٍ الصَّدِيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أنَّهُ كانَ يَقُولُ في دُعائِهِ: أسْألُكَ تَمامَ النِّعْمَةِ في الأشْياءِ كُلِّها، والشُّكْرَ لَكَ عَلَيْها حَتّى تَرْضى وبَعْدَ الرِّضا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ أبِي حازِمٍ، أنَّ رَجُلًا قالَ لَهُ: ما شُكْرُ العَيْنَيْنِ ؟ قالَ: إنْ رَأيْتَ بِهِما خَيْرًا أعْلَنْتَهُ، وإنْ رَأيْتَ بِهِما شَرًّا سَتَرْتَهُ. قالَ: فَما شُكْرُ الأُذُنَيْنِ ؟ قالَ: إنْ سَمِعْتَ بِهِما خَيْرًا وعَيْتَهُ، وإنْ سَمِعْتَ بِهِما شَرًّا أخْفَيْتَهُ، قالَ: فَما شُكْرُ اليَدَيْنِ ؟ قالَ: لا تَأْخُذْ بِهِما ما لَيْسَ لَهُما، ولا تَمْنَعْ حَقًّا لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ هو فِيهِما. قالَ: فَما شُكْرُ البَطْنِ ؟ قالَ: أنْ يَكُونَ أسْفَلُهُ طَعامًا، وأعْلاهُ (p-٦٠)عِلْمًا، قالَ: فَما شُكْرُ الفَرْجِ؟ قالَ: كَما قالَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿إلا عَلى أزْواجِهِمْ أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهُمْ﴾ [المؤمنون: ٦] إلى قَوْلِهِ: ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ العادُونَ﴾ [المؤمنون: ٧] قالَ: فَما شُكْرُ الرِّجْلَيْنِ ؟ قالَ: إنْ رَأيْتَ حَيًّا غَبَطْتَهُ اسْتَعْمَلْتَ عَمَلَهُ بِهِما، وإنْ رَأيْتَ مَيِّتًا مَقَتَّهُ كَفَفْتَهُما عَنْ عَمَلِهِ، وأنْتَ شاكِرٌ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ. فَأمّا مَن شَكَرَ بِلِسانِهِ، ولَمْ يَشْكُرْ بِجَمِيعِ أعْضائِهِ، فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ رَجُلٍ لَهُ كِساءٌ، فَأخَذَ بِطَرَفِهِ ولَمْ يَلْبَسْهُ، فَلَمْ يَنْفَعْهُ ذَلِكَ مِنَ الحَرِّ والبَرْدِ والثَّلْجِ والمَطَرِ.
وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في «الشُّعَبِ» عَنْ عَلِيِّ بْنِ المَدِينِيِّ قالَ: قِيلَ لِسُفْيانَ بْنِ عُيَيْنَةَ: ما حَدُّ الزُّهْدِ؟ قالَ: أنْ تَكُونَ شاكِرًا في الرَّخاءِ، صابِرًا في البَلاءِ، فَإذا كانَ كَذَلِكَ فَهو زاهِدٌ. قِيلَ لِسُفْيانَ: ما الشُّكْرُ ؟ قالَ: أنْ تَجْتَنِبَ ما نَهى اللَّهُ عَنْهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ قالَ: قَيِّدُوا نِعَمَ اللَّهِ بِالشُّكْرِ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وشُكْرُ اللَّهِ تَرْكُ المَعْصِيَةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ لُوطٍ الأنْصارِيِّ قالَ: كانَ يُقالُ: الشُّكْرُ تَرْكُ المَعْصِيَةِ.
(p-٦١)وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا، عَنْ مَخْلَدِ بْنِ حُسَيْنٍ قالَ: كانَ يُقالُ: الشُّكْرُ تَرْكُ المَعاصِي.
وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ عَنِ الجُنَيْدِ قالَ: قالَ السَّرِيُّ يَوْمًا: ما الشُّكْرُ؟ فَقُلْتُ لَهُ: الشُّكْرُ عِنْدِي ألّا يُسْتَعانَ عَلى المَعاصِي بِشَيْءٍ مِن نِعَمِهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ سُفْيانَ بْنِ عُيَيْنَةَ قالَ: قِيلَ لِلزُّهْرِيِّ: ما الزّاهِدُ ؟ قالَ: مَن لَمْ يَغْلِبِ الحَرامُ صَبْرَهُ، ولَمْ يَمْنَعِ الحَلالُ شُكْرَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ قالَ: الشُّكْرُ يَأْخُذُ بِجِرْمِ الحَمْدِ وأصْلِهِ وفَرْعِهِ، فَلْيَنْظُرْ في نِعَمٍ مِنَ اللَّهِ في بَدَنِهِ وسَمْعِهِ وبَصَرِهِ ويَدَيْهِ ورِجْلَيْهِ وغَيْرِ ذَلِكَ، لَيْسَ مِن هَذا شَيْءٌ إلّا وفِيهِ نِعْمَةٌ مِنَ اللَّهِ، حَقٌّ عَلى العَبْدِ أنْ يَعْمَلَ بِالنِّعَمِ اللّاتِي هي في يَدَيْهِ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ في طاعَتِهِ، ونِعَمٍ أُخْرى في الرِّزْقِ، وحَقٌّ عَلَيْهِ أنْ يَعْمَلَ لِلَّهِ فِيما أنْعَمَ بِهِ عَلَيْهِ مِنَ الرِّزْقِ في طاعَتِهِ، فَمَن عَمِلَ بِهَذا كانَ أخَذَ بِجِرْمِ الشُّكْرِ وأصْلِهِ وفَرْعِهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ عامِرٍ قالَ: الشُّكْرُ نِصْفُ الإيمانِ، والصَّبْرُ نِصْفُ الإيمانِ، واليَقِينُ الإيمانُ كُلُّهُ. (p-٦٢)وقالَ البَيْهَقِيُّ: أنْبَأنا أبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ قالَ: سُئِلَ الأُسْتاذُ أبُو سَهْلٍ مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمانَ الصُّعْلُوكِيُّ عَنِ الشُّكْرِ والصَّبْرِ؛ أيُّهُما أفْضَلُ؟ فَقالَ: هُما في مَحَلِّ الِاسْتِواءِ، فالشُّكْرُ وظِيفَةُ السَّرّاءِ، والصَّبْرُ فَرِيضَةُ الضَّرّاءِ.
وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ، وابْنُ ماجَهْ، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «”لِلطّاعِمِ الشّاكِرِ مِنَ الأجْرِ مِثْلُ ما لِلصّائِمِ الصّابِرِ“» .
وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ، عَنْ أبِي الدَّرْداءِ قالَ: مَن لَمْ يَعْرِفْ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ إلّا في مَطْعَمِهِ ومَشْرَبِهِ فَقَدْ قَلَّ عِلْمُهُ وحَضَرَ عَذابُهُ.
وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ، عَنِ الفُضَيْلِ بْنِ عِياضٍ قالَ: عَلَيْكم بِالشُّكْرِ؛ فَإنَّهُ قَلَّ قَوْمٌ كانَتْ عَلَيْهِمْ مِنَ اللَّهِ نِعْمَةٌ فَزالَتْ عَنْهم ثُمَّ عادَتْ إلَيْهِمْ.
وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ، عَنْ عُمارَةَ بْنِ حَمْزَةَ قالَ: إذا وصَلَتْ إلَيْكم أطْرافُ النِّعَمِ فَلا تُنَفِّرُوا أقْصاها بِقِلَّةِ الشُّكْرِ.
وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ، عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «”مَن نَظَرَ في الدِّينِ إلى مَن فَوْقَهُ، وفي الدُّنْيا إلى مَن تَحْتَهُ، كَتَبَهُ اللَّهُ صابِرًا شاكِرًا، ومَن نَظَرَ في الدِّينِ إلى (p-٦٣)مَن تَحْتَهُ، ونَظَرَ في الدُّنْيا إلى مَن فَوْقَهُ، لَمْ يَكْتُبْهُ اللَّهُ صابِرًا ولا شاكِرًا“» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «”خَصْلَتانِ مَن كانَتا فِيهِ كَتَبَهُ اللَّهُ صابِرًا شاكِرًا، ومَن لَمْ يَكُونا فِيهِ لَمْ يَكْتُبْهُ اللَّهُ صابِرًا ولا شاكِرًا؛ مَن نَظَرَ في دِينِهِ إلى مَن فَوْقَهُ، فاقْتَدى بِهِ، ومَن نَظَرَ في دُنْياهُ إلى مَن هو دُونَهُ، فَحَمِدَ اللَّهَ عَلى ما فَضَّلَهُ بِهِ عَلَيْهِ، كَتَبَهُ اللَّهُ صابِرًا شاكِرًا، ومَن نَظَرَ في دِينِهِ إلى مَن هو دُونَهُ، ونَظَرَ في دُنْياهُ إلى مَن هو فَوْقَهُ، فَأسِفَ عَلى ما فاتَهُ، لَمْ يَكْتُبْهُ اللَّهُ صابِرًا ولا شاكِرًا» .
وأخْرَجَ مُسْلِمٌ، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ صُهَيْبٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «“عَجَبًا لِأمْرِ المُؤْمِنِ، إنَّ أمْرَ المُؤْمِنِ كُلَّهُ خَيْرٌ؛ إنْ أصابَتْهُ سَرّاءُ فَشَكَرَ كانَ خَيْرًا لَهُ، وإنْ أصابَتْهُ ضَرّاءُ فَصَبَرَ كانَ خَيْرًا لَهُ”» .
وأخْرَجَ النَّسائِيُّ، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ سَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «“عَجِبْتُ لِلْمُؤْمِنِ، إنْ أُعْطِيَ قالَ: الحَمْدُ لِلَّهِ. فَشَكَرَ، وإنِ ابْتُلِيَ قالَ: الحَمْدُ لِلَّهِ. فَصَبَرَ، فالمُؤْمِنُ يُؤْجَرُ عَلى كُلِّ حالٍ، حَتّى اللُّقْمَةَ يَرْفَعُها إلى فِيهِ”» .
وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ وضَعَّفَهُ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «“مَن (p-٦٤)كانَتْ فِيهِ ثَلاثٌ أدْخَلَهُ اللَّهُ في رَحْمَتِهِ، وأراهُ مَحَبَّتَهُ، وكانَ في كَنَفِهِ؛ مَن إذا أُعْطِيَ شَكَرَ، وإذا قَدَرَ غَفَرَ، وإذا غَضِبَ فَتَرَ”» .
وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ وضَعَّفَهُ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «“ثَلاثٌ مَن كُنَّ فِيهِ آواهُ اللَّهُ في كَنَفِهِ، وسَتَرَ عَلَيْهِ بِرَحْمَتِهِ، وأدْخَلَهُ في مَحَبَّتِهِ”. قِيلَ: وما هُنَّ يا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قالَ:“مَن إذا أُعْطِيَ شَكَرَ، وإذا قَدَرَ غَفَرَ، وإذا غَضِبَ فَتَرَ”» .
وأخْرَجَ أبُو داوُدَ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ أبِي الدُّنْيا في «الشُّكْرِ»، والفِرْيابِيُّ في «الذِّكْرِ»، والمَعْمَرِيُّ في «عَمَلِ اليَوْمِ واللَّيْلَةِ»، والطَّبَرانِيُّ في «الدُّعاءِ»، وابْنُ حِبّانَ، والبَيْهَقِيُّ، والمُسْتَغْفِرِيُّ، كِلاهُما في «الدَّعَواتِ»، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ غَنّامٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «“مَن قالَ حِينَ يُصْبِحُ: اللَّهُمَّ ما أصْبَحَ بِي مِن نِعْمَةٍ أوْ بِأحَدٍ مِن خَلْقِكَ فَمِنكَ وحْدَكَ لا شَرِيكَ لَكَ، فَلَكَ الحَمْدُ ولَكَ الشُّكْرُ. فَقَدْ أدّى شُكْرَ يَوْمِهِ، ومَن قالَ مِثْلَ ذَلِكَ حِينَ يُمْسِي فَقَدْ أدّى شُكْرَ لَيْلَتِهِ”» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا، عَنِ السَّرِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، أنَّهُ كانَ عَلى الطّائِفِ، فَأصابَهم مَطَرٌ، فَخَطَبَ النّاسَ فَقالَ: يا أيُّها النّاسُ، احْمَدُوا اللَّهَ عَلى ما وضَعَ (p-٦٥)لَكم مِن رِزْقِهِ؛ فَإنَّهُ بَلَغَنِي عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «“إذا أنْعَمَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ عَلى عَبْدٍ بِنِعْمَةٍ، فَحَمِدَهُ عِنْدَها فَقَدْ أدّى شُكْرَها”» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا، والخَرائِطِيُّ، كِلاهُما في كِتابِ «الشُّكْرِ»، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «“مَن رَأى صاحِبَ بَلاءٍ فَقالَ: الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي عافانِي مِمّا ابْتَلاكَ بِهِ، وفَضَّلَنِي عَلَيْكَ وعَلى جَمِيعِ خَلْقِهِ تَفْضِيلًا. فَقَدْ أدّى شُكْرَ النِّعْمَةِ”» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا، عَنْ كَعْبٍ قالَ: ما أنْعَمَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ عَلى عَبْدٍ نِعْمَةً في الدُّنْيا، فَشَكَرَها لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وتَواضَعَ بِها لِلَّهِ، إلّا أعْطاهُ نَفْعَها في الدُّنْيا، ورَفَعَ لَهُ بِها دَرَجَةً في الآخِرَةِ، وما أنْعَمَ اللَّهُ عَلى عَبْدٍ مِن نِعْمَةٍ في الدُّنْيا، فَلَمْ يَشْكُرْها لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ، ولَمْ يَتَواضَعْ بِها لِلَّهِ، إلّا مَنَعَهُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ نَفْعَها في الدُّنْيا، وفَتَحَ لَهُ طَبَقًا مِنَ النّارِ، فَعَذَّبَهُ إنْ شاءَ، أوْ تَجاوَزَ عَنْهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا، عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها قالَتْ: ما مِن عَبْدٍ يَشْرَبُ مِن ماءِ القَراحِ فَيَدْخُلُ بِغَيْرِ أذًى، ويَخْرُجُ بِغَيْرِ أذًى، إلّا وجَبَ عَلَيْهِ الشُّكْرُ. (p-٦٦)وأخْرَجَ أبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ، وابْنُ ماجَهْ، وابْنُ أبِي الدُّنْيا، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، عَنْ أبِي بَكْرَةَ، «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ إذا جاءَهُ أمْرٌ يَسُرُّهُ خَرَّ ساجِدًا لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ شُكْرًا لِلَّهِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ لَهُ: «“إنِّي لَقِيتُ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَبَشَّرَنِي، وقالَ: إنَّ اللَّهَ يَقُولُ لَكَ: مَن صَلّى عَلَيْكَ صَلَّيْتُ عَلَيْهِ، ومَن سَلَّمَ عَلَيْكَ سَلَّمْتُ عَلَيْهِ. فَسَجَدْتُ لِلَّهِ شُكْرًا”» .
وأخْرَجَ الخَرائِطِيُّ في «الشُّكْرِ»، عَنْ جابِرٍ، «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ إذا رَأى صاحِبَ بَلاءٍ خَرَّ ساجِدًا» .
وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، والخَرائِطِيُّ في «الشُّكْرِ»، عَنْ شَدّادِ بْنِ أوْسٍ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «“إذا كَنَزَ النّاسُ الذَّهَبَ والفِضَّةَ فاكْنِزُوا هَؤُلاءِ الكَلِماتِ؛ اللَّهُمَّ إنِّي أسْألُكَ الثَّباتَ في الأمْرِ، والعَزِيمَةَ عَلى الرُّشْدِ، وأسْألُكَ شُكْرَ نِعْمَتِكَ، وأسْألُكَ حُسْنَ عِبادَتِكَ، وأسْألُكَ قَلْبًا سَلِيمًا، ولِسانًا صادِقًا، وأسْألُكَ مِن خَيْرِ ما تَعْلَمُ، وأعُوذُ بِكَ مِن شَرِّ ما تَعْلَمُ، وأسْتَغْفِرُكَ لِما تَعْلَمُ، إنَّكَ أنْتَ عَلّامُ الغُيُوبِ”» .
وأخْرَجَ الخَرائِطِيُّ، عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: (p-٦٧)«“أفْضَلُ الذِّكْرِ لا إلّا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وأفْضَلُ الشُّكْرِ الحَمْدُ لِلَّهِ”» .
وأخْرَجَ الخَرائِطِيُّ، والبَيْهَقِيُّ في «الدَّعَواتِ»، عَنْ مَنصُورِ ابْنِ صَفِيَّةَ قالَ: «مَرَّ النَّبِيُّ ﷺ بِرَجُلٍ وهو يَقُولُ: الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانِي لِلْإسْلامِ، وجَعَلَنِي مِن أُمَّةِ مُحَمَّدٍ. فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:“لَقَدْ شَكَرْتَ عَظِيمًا"» .
وأخْرَجَ الخَرائِطِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ قالَ: يا هَؤُلاءِ، احْفَظُوا اثْنَتَيْنِ؛ شُكْرَ النِّعْمَةِ، وإخْلاصَ الإيمانِ.
وأخْرَجَ الخَرائِطِيُّ عَنْ أبِي عُمَرَ الشَّيْبانِيِّ قالَ: قالَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ يَوْمَ الطُّورِ: يا رَبِّ، إنْ أنا صَلَّيْتُ فَمِن قِبَلِكَ، وإنْ أنا تَصَدَّقْتُ فَمِن قِبَلِكَ، وإنْ أنا بَلَّغْتُ رِسالاتِكَ فَمِن قِبَلِكَ، فَكَيْفَ أشْكُرُكَ؟ قالَ: يا مُوسى، الآنَ شَكَرْتَنِي.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا، والخَرائِطِيُ، والبَيْهَقِيُّ في «شُعَبِ الإيمانِ»، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قُرْطٍ الأزْدِيِّ، وكانَ مِن أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قالَ: إنَّما تَثْبُتُ النِّعْمَةُ بِشُكْرِ المُنْعَمِ عَلَيْهِ لِلْمُنْعِمِ.
وأخْرَجَ الخَرائِطِيُّ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: اشْكُرِ المُنْعِمَ عَلَيْكَ؛ فَإنَّهُ لا نَفادَ لِلنِّعَمِ إذا شُكِرَتْ، ولا (p-٦٨)بَقاءَ لَها إذا كُفِرَتْ، والشُّكْرُ زِيادَةٌ في النِّعَمِ، وأمانٌ مِنَ الغِيَرِ.
وأخْرَجَ الخَرائِطِيُّ، عَنْ خالِدٍ الرَّبَعِيِّ قالَ: كانَ يُقالُ: إنَّ مِن أجْدَرِ الأعْمالِ أنْ تُعَجَّلَ عُقُوبَتُهُ؛ الأمانَةُ تُخانُ، والرَّحِمُ يُقْطَعُ، والإحْسانُ يُكْفَرُ.
وأخْرَجَ الخَرائِطِيُّ عَنْ كَعْبِ الأحْبارِ قالَ: شَرُّ الحَدِيثِ التَّجْدِيفُ. قالَ أبُو عُبَيْدٍ: قالَ الأصْمَعِيُّ: التَّجْدِيفُ هو الكُفْرُ بِالنِّعَمِ. وقالَ الأُمَوِيُّ: هو اسْتِقْلالُ ما أعْطاهُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ.
البقرة 2:153
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ﴾ الآيَةَ.
أخْرَجَ الحاكِمُ، والبَيْهَقِيُّ في «الدَّلائِلِ»، عَنْ إبْراهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ قالَ: غُشِيَ عَلى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ في وجَعِهِ غَشْيَةً ظَنُّوا أنَّهُ قَدْ فاضَتْ نَفْسُهُ فِيها حَتّى قامُوا مِن عِنْدِهِ، وجَلَّلُوهُ ثَوْبًا، وخَرَجَتْ أُمُّ كُلْثُومٍ بِنْتُ عُقْبَةَ امْرَأتُهُ إلى المَسْجِدِ تَسْتَعِينُ بِما أُمِرَتْ بِهِ مِنَ الصَّبْرِ والصَّلاةِ، فَلَبِثُوا ساعَةً وهو في غَشْيَتِهِ، ثُمَّ أفاقَ.
البقرة 2:154
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَقُولُوا لِمَن يُقْتَلُ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ الآيَةَ.
أخْرَجَ ابْنُ مِندَهْ في «المَعْرِفَةِ» مِن طَرِيقِ السُّدِّيِّ الصَّغِيرِ، عَنِ الكَلْبِيِّ، عَنْ أبِي صالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قُتِلَ تَمِيمُ بْنُ الحُمامِ بِبَدْرٍ، وفِيهِ وفي غَيْرِهِ نَزَلَتْ: ﴿ولا تَقُولُوا لِمَن يُقْتَلُ في سَبِيلِ اللَّهِ أمْواتٌ﴾ الآيَةَ. (p-٦٩)وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ في قَوْلِهِ: ﴿لِمَن يُقْتَلُ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ قالَ: في طاعَةِ اللَّهِ في قِتالِ المُشْرِكِينَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في «شُعَبِ الإيمانِ»، عَنْ أبِي العالِيَةِ في قَوْلِهِ: ﴿ولا تَقُولُوا لِمَن يُقْتَلُ في سَبِيلِ اللَّهِ أمْواتٌ بَلْ أحْياءٌ﴾ قالَ: يَقُولُ: هم أحْياءٌ في صُوَرِ طَيْرٍ خُضْرٍ يَطِيرُونَ في الجَنَّةِ حَيْثُ شاءُوا، ويَأْكُلُونَ مِن حَيْثُ شاءُوا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ في «المُصَنَّفِ»، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تَقُولُوا لِمَن يُقْتَلُ في سَبِيلِ اللَّهِ أمْواتٌ﴾ الآيَةَ، قالَ: أرْواحُ الشُّهَداءِ طَيْرٌ بِيضٌ فَقاقِيعُ في الجَنَّةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، والبَيْهَقِيُّ في «البَعْثِ والنُّشُورِ»، عَنْ كَعْبٍ، قالَ: جَنَّةُ المَأْوى فِيها طَيْرٌ خُضْرٌ، تَرْتَقِي فِيها أرْواحُ الشُّهَداءِ في أجْوافِ طَيْرٍ خُضْرٍ، وأوْلادُ المُسْلِمِينَ الَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الحِنْثَ عَصافِيرُ مِن عَصافِيرِ (p-٧٠)الجَنَّةِ، تَرْعى وتَسْرَحُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتادَةَ قالَ: بَلَغَنا أنَّ أرْواحَ الشُّهَداءِ في صُوَرِ طَيْرٍ بِيضٍ تَأْكُلُ مِن ثِمارِ الجَنَّةِ.
وقالَ الكَلْبِيُّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: «”فِي صُوَرِ طَيْرٍ بِيضٍ، تَأْوِي إلى قَنادِيلَ مُعَلَّقَةٍ تَحْتَ العَرْشِ“» .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ قَتادَةَ: ﴿ولا تَقُولُوا لِمَن يُقْتَلُ في سَبِيلِ اللَّهِ أمْواتٌ بَلْ أحْياءٌ ولَكِنْ لا تَشْعُرُونَ﴾ قالَ: ذُكِرَ لَنا أنَّ أرْواحَ الشُّهَداءِ تَعارَفُ في طَيْرٍ بِيضٍ تَأْكُلُ مِن ثِمارِ الجَنَّةِ، وأنَّ مَساكِنَهُمُ السِّدْرَةُ، وأنَّ اللَّهَ أعْطى المُجاهِدَ ثَلاثَ خِصالٍ مِنَ الخَيْرِ؛ مَن قُتِلَ في سَبِيلِ اللَّهِ حَيًّا مَرْزُوقًا، ومَن غَلَبَ آتاهُ اللَّهُ أجَرَهُ عَظِيمًا، ومَن ماتَ رَزَقَهُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿بَلْ أحْياءٌ﴾ قالَ: كانَ يَقُولُ: يُرْزَقُونَ مِن ثَمَرِ الجَنَّةِ، ويَجِدُونَ رِيحَها، ولَيْسُوا فِيها.
وأخْرَجَ مالِكٌ، وأحْمَدُ، والتِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ ماجَهْ، عَنْ كَعْبِ بْنِ مالِكٍ، أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «”إنَّ أرْواحَ الشُّهَداءِ في أجْوافِ طَيْرٍ خُضْرٍ تَعْلُقُ مِن ثَمَرِ الجَنَّةِ، أوْ شَجَرِ الجَنَّةِ“» . (p-٧١)وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ في «المُصَنَّفِ» عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مالِكٍ قالَ: قالَ النَّبِيُّ ﷺ: «”أرْواحُ الشُّهَداءِ في صُوَرِ طَيْرٍ خُضْرٍ مُعَلَّقَةٍ في قَنادِيلِ الجَنَّةِ حَتّى يَرْجِعَها اللَّهُ يَوْمَ القِيامَةِ“» .
وأخْرَجَ النَّسائِيُّ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «”يُؤْتى بِالرَّجُلِ مِن أهْلِ الجَنَّةِ، فَيَقُولُ اللَّهُ لَهُ: يا ابْنَ آدَمَ، كَيْفَ وجَدْتَ مَنزِلَتَكَ ؟ فَيَقُولُ: أيْ رَبِّ، خَيْرَ مَنزِلٍ. فَيَقُولُ: سَلْ وتَمَنَّهْ. فَيَقُولُ: وما أسْألُكَ وأتَمَنّى ؟ أسْألُكَ أنْ تَرُدَّنِي إلى الدُّنْيا، فَأُقْتَلَ في سَبِيلِكَ عَشْرَ مَرّاتٍ. لِما يَرى مِن فَضْلِ الشَّهادَةِ“» .
البقرة 2:155
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَنَبْلُوَنَّكم بِشَيْءٍ مِنَ الخَوْفِ والجُوعِ﴾ .
أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ، والبَيْهَقِيُّ في «شُعَبِ الإيمانِ»، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولَنَبْلُوَنَّكُمْ﴾ الآيَةَ، قالَ: أخْبَرَ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ أنَّ الدُّنْيا دارُ بَلاءٍ، وأنَّهُ مُبْتَلِيهِمْ فِيها، وأمَرَهم بِالصَّبْرِ، وبَشَّرَهُمْ، فَقالَ: ﴿وبَشِّرِ الصّابِرِينَ﴾ وأخْبَرَ أنَّ المُؤْمِنَ إذا سَلَّمَ لِأمْرِ اللَّهِ، ورَجَّعَ واسْتَرْجَعَ عِنْدَ المُصِيبَةِ، كَتَبَ اللَّهُ لَهُ ثَلاثَ خِصالٍ مِنَ الخَيْرِ؛ الصَّلاةُ مِنَ اللَّهِ، والرَّحْمَةُ، وتَحْقِيقُ سَبِيلِ الهُدى.
وقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «”مَنِ اسْتَرْجَعَ عِنْدَ (p-٧٢)المُصِيبَةِ جَبَرَ اللَّهُ مُصِيبَتَهُ، وأحْسَنَ عُقْباهُ، وجَعَلَ لَهُ خَلَفًا صالِحًا يَرْضاهُ“» .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ عَطاءٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولَنَبْلُوَنَّكم بِشَيْءٍ مِنَ الخَوْفِ والجُوعِ﴾ قالَ: هم أصْحابُ مُحَمَّدٍ ﷺ .
وأخْرَجَ سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في «شُعَبِ الإيمانِ»، عَنْ جُوَيْبِرٍ قالَ: كَتَبَ رَجُلٌ إلى الضَّحّاكِ يَسْألُهُ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿إنّا لِلَّهِ وإنّا إلَيْهِ راجِعُونَ﴾؛ أخاصَّةٌ هي أمْ عامَّةٌ؟ فَقالَ: هي لِمَن أخَذَ بِالتَّقْوى، وأدّى الفَرائِضَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولَنَبْلُوَنَّكُمْ﴾ قالَ: ولَنَبْتَلِيَنَّكم. يَعْنِي المُؤْمِنِينَ، ﴿وبَشِّرِ الصّابِرِينَ﴾ قالَ: عَلى أمْرِ اللَّهِ في المَصائِبِ. يَعْنِي: بَشِّرْهم بِالجَنَّةِ، ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ﴾ يَعْنِي: عَلى مَن صَبَرَ عَلى أمْرِ اللَّهِ عِنْدَ المُصِيبَةِ، ﴿صَلَواتٌ﴾ يَعْنِي: مَغْفِرَةً مِن رَبِّهِمْ ﴿ورَحْمَةٌ﴾ يَعْنِي: رَحْمَةٌ لَهُمْ، وأمَنَةٌ مِنَ العَذابِ، ﴿وأُولَئِكَ هُمُ المُهْتَدُونَ﴾ يَعْنِي: مِنَ المُهْتَدِينَ بِالِاسْتِرْجاعِ عِنْدَ المُصِيبَةِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ رَجاءِ (p-٧٣)ابْنِ حَيْوَةَ في قَوْلِهِ: ﴿ونَقْصٍ مِنَ الثَّمَراتِ﴾ [الأعراف: ١٣٠] . قالَ: يَأْتِي عَلى النّاسِ زَمانٌ لا تَحْمِلُ النَّخْلَةُ فِيهِ إلّا تَمْرَةً.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، مِن طَرِيقِ رَجاءِ بْنِ حَيْوَةَ، عَنْ كَعْبٍ، مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ النَّبِيُّ ﷺ: «”أُعْطِيَتْ أُمَّتِي شَيْئًا لَمْ يُعْطَهُ أحَدٌ مِنَ الأُمَمِ؛ أنْ يَقُولُوا عِنْدَ المُصِيبَةِ:“إنّا لِلَّهِ وإنّا إلَيْهِ راجِعُونَ» ”.
وأخْرَجَ وكِيعٌ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، والبَيْهَقِيُّ في «شُعَبِ الإيمانِ»، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: لَقَدْ أُعْطِيَتْ هَذِهِ الأُمَّةُ عِنْدَ المُصِيبَةِ شَيْئًا لَمْ يُعْطَهُ الأنْبِياءُ قَبْلَهُمْ، ولَوْ أُعْطِيَها الأنْبِياءُ لَأُعْطِيَها يَعْقُوبُ إذْ يَقُولُ: ﴿يا أسَفى عَلى يُوسُفَ﴾ [يوسف: ٨٤]؛ ﴿إنّا لِلَّهِ وإنّا إلَيْهِ راجِعُونَ﴾ ولَفْظُ البَيْهَقِيِّ قالَ: لَمْ يُعْطَ أحَدٌ مِنَ الأُمَمِ الِاسْتِرْجاعَ غَيْرَ هَذِهِ الأُمَّةِ، أما سَمِعْتَ قَوْلَ يَعْقُوبَ: ﴿يا أسَفى عَلى يُوسُفَ﴾ [يوسف: ٨٤] ؟ .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ قَتادَةَ: ﴿الَّذِينَ إذا أصابَتْهم مُصِيبَةٌ قالُوا إنّا لِلَّهِ وإنّا إلَيْهِ راجِعُونَ﴾ ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِن رَبِّهِمْ ورَحْمَةٌ وأُولَئِكَ هُمُ المُهْتَدُونَ﴾ قالَ: مَنِ اسْتَطاعَ أنْ يَسْتَوْجِبَ لِلَّهِ في مُصِيبَتِهِ ثَلاثًا؛ الصَّلاةَ والرَّحْمَةَ والهُدى فَلْيَفْعَلْ، ولا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ؛ فَإنَّهُ مَنِ اسْتَوْجَبَ عَلى اللَّهِ حَقًّا بِحَقٍّ أحَقَّهُ اللَّهُ لَهُ، ووَجَدَ اللَّهَ وفِيًّا.
وأخْرَجَ وكِيعٌ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي الدُّنْيا في كِتابِ «العَزاءِ»، وابْنُ المُنْذِرِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ في «شُعَبِ الإيمانِ»، عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ قالَ: نِعْمَ العَدْلانِ، ونَعِمَ العِلاوَةُ: ﴿الَّذِينَ إذا أصابَتْهم مُصِيبَةٌ قالُوا إنّا لِلَّهِ وإنّا إلَيْهِ راجِعُونَ﴾ ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِن رَبِّهِمْ ورَحْمَةٌ﴾ نِعْمَ العَدْلانِ، ﴿وأُولَئِكَ هُمُ المُهْتَدُونَ﴾ نِعْمَ العِلاوَةُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا، والبَيْهَقِيُّ، مِن طَرِيقِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قالَ: أرْبَعٌ مَن كُنَّ فِيهِ بَنى اللَّهُ لَهُ بَيْتًا في الجَنَّةِ؛ مَن كانَ عِصْمَةُ أمْرِهِ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وإذا أصابَتْهُ مُصِيبَةٌ قالَ: إنّا لِلَّهِ وإنّا إلَيْهِ راجِعُونَ. وإذا أُعْطِيَ شَيْئًا قالَ: الحَمْدُ لِلَّهِ. وإذا أذْنَبَ ذَنْبًا قالَ: أسْتَغْفِرُ اللَّهَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا في «العَزاءِ»، عَنْ عَلِيٍّ، قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «“مَن صَبَرَ عَلى المُصِيبَةِ حَتّى يَرُدَّها بِحُسْنِ عَزائِها، كَتَبَ اللَّهُ لَهُ ثَلاثَمِائَةِ دَرَجَةٍ، ما بَيْنَ الدَّرَجَةِ إلى الدَّرَجَةِ كَما بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ”» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا في «العَزاءِ»، عَنْ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ قالَ: سَألْتُ رَبِيعَةَ بْنَ أبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ: ما مُنْتَهى الصَّبْرِ ؟ قالَ: يَكُونُ يَوْمَ تُصِيبُهُ المُصِيبَةُ (p-٧٥)مِثْلَهُ قَبْلَ أنْ تُصِيبَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا في كِتابِ «الِاعْتِبارِ»، عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ، أنَّ سُلَيْمانَ بْنَ عَبْدِ المَلِكِ قالَ لَهُ عِنْدَ مَوْتِ ابْنِهِ: أيَصْبِرُ المُؤْمِنُ حَتّى لا يَجِدَ لِمُصِيبَتِهِ ألَمًا؟ قالَ: يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ، لا يَسْتَوِي عِنْدَكَ ما تُحِبُّ وما تَكْرَهُ، ولَكِنَّ الصَّبْرَ مِعْوَلُ المُؤْمِنِ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ، وابْنُ ماجَهْ، والبَيْهَقِيُّ في «شُعَبِ الإيمانِ»، عَنِ الحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «“ما مِن مُسْلِمٍ يُصابُ بِمُصِيبَةٍ، فَيَذْكُرُها وإنْ طالَ عَهْدُها، فَيُحْدِثُ لِذَلِكَ اسْتِرْجاعًا، إلّا جَدَّدَ اللَّهُ لَهُ عِنْدَ ذَلِكَ، فَأعْطاهُ مِثْلَ أجْرِها يَوْمَ أُصِيبَ”» .
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، والعُقَيْلِيُّ في «الضُّعَفاءِ»، مِن حَدِيثِ عائِشَةَ، مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ، عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «“ما مِن نِعْمَةٍ وإنْ تَقادَمَ عَهْدُها، فَيُجَدِّدُ لَها العَبْدُ الحَمْدَ، إلّا جَدَّدَ اللَّهُ لَهُ ثَوابَها، وما مِن مُصِيبَةٍ، وإنْ تَقادَمَ عَهْدُها، فَيُجَدِّدُ لَها العَبْدُ الِاسْتِرْجاعَ، إلّا جَدَّدَ اللَّهُ لَهُ ثَوابَها وأجْرَها”» . (p-٧٦)وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا في «العَزاءِ»، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ رَفَعَهُ: «“مَنِ اسْتَرْجَعَ بَعْدَ أرْبَعِينَ سَنَةً، أعْطاهُ اللَّهُ ثَوابَ مُصِيبَتِهِ يَوْمَ أُصِيبَها”» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا، عَنْ كَعْبٍ قالَ: ما مِن رَجُلٍ تُصِيبُهُ مُصِيبَةٌ، فَيَذْكُرُها بَعْدَ أرْبَعِينَ سَنَةً، فَيَسْتَرْجِعُ، إلّا أجْرى اللَّهُ لَهُ أجَرَها تِلْكَ السّاعَةَ كَما أنَّهُ لَوِ اسْتَرْجَعَ يَوْمَ أُصِيبَ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ، والبَيْهَقِيُّ في «شُعَبِ الإيمانِ»، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قالَتْ: «أتانِي أبُو سَلَمَةَ يَوْمًا مِن عِنْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: لَقَدْ سَمِعْتُ مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَوْلًا سُرِرْتُ بِهِ، قالَ:“لا يُصِيبُ أحَدًا مِنَ المُسْلِمِينَ مُصِيبَةٌ، فَيَسْتَرْجِعُ عِنْدَ مُصِيبَتِهِ، ثُمَّ يَقُولُ: اللَّهُمَّ أْجُرْنِي في مُصِيبَتِي، وأخْلِفْ لِي خَيْرًا مِنها. إلّا فُعِلَ ذَلِكَ بِهِ”. قالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: فَحَفِظْتُ ذَلِكَ مِنهُ، فَلَمّا تُوُفِّيَ أبُو سَلَمَةَ اسْتَرْجَعْتُ فَقُلْتُ: اللَّهُمَّ أْجُرْنِي في مُصِيبَتِي، وأخْلِفْ لِي خَيْرًا مِنها. ثُمَّ رَجَعْتُ إلى نَفْسِي، وقُلْتُ مِن أيْنَ لِي خَيْرٌ مِن أبِي سَلَمَةَ ؟ فَأبْدَلَنِي اللَّهُ بِأبِي سَلَمَةَ خَيْرًا مِنهُ؛ رَسُولَ اللَّهِ» ﷺ .
وأخْرَجَ مُسْلِمٌ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «“ما مِن عَبْدٍ تُصِيبُهُ مُصِيبَةٌ فَيَقُولُ: إنّا لِلَّهِ وإنّا إلَيْهِ راجِعُونَ، اللَّهُمَّ أْجُرْنِي في مُصِيبَتِي، وأخْلِفْ لِي خَيْرًا مِنها. إلّا أجَرَهُ اللَّهُ في مُصِيبَتِهِ، وأخْلَفَ لَهُ خَيْرًا مِنها”. قالَتْ: (p-٧٧)فَلَمّا تُوُفِّيَ أبُو سَلَمَةَ قُلْتُ كَما أمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَأخْلَفَ اللَّهُ لِي خَيْرًا مِنهُ؛ رَسُولَ اللَّهِ» ﷺ .
وأخْرَجَ أحْمَدُ، والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ، والبَيْهَقِيُّ في «شُعَبِ الإيمانِ»، عَنْ أبِي مُوسى قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «“إذا ماتَ ولَدُ العَبْدِ قالَ اللَّهُ لِمَلائِكَتِهِ: قَبَضْتُمْ ولَدَ عَبْدِي ؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ. فَيَقُولُ: قَبَضْتُمْ ثَمَرَةَ فُؤادِهِ ؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ. فَيَقُولُ: ماذا قالَ عَبْدِي ؟ فَيَقُولُونَ: حَمِدَكَ واسْتَرْجَعَ. فَيَقُولُ اللَّهُ: ابْنُوا لِعَبْدِي بَيْتًا في الجَنَّةِ، وسَمُّوهُ بَيْتَ الحَمْدِ”» .
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «“إنَّ لِلْمَوْتِ فَزَعًا، فَإذا أتى أحَدَكم وفاةُ أخِيهِ فَلْيَقُلْ: إنّا لِلَّهِ وإنّا إلَيْهِ راجِعُونَ، وإنّا إلى رَبِّنا لَمُنْقَلِبُونَ”» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا في «العَزاءِ»، عَنْ أبِي بَكْرِ بْنِ أبِي مَرْيَمَ: سَمِعْتُ أشْياخَنا يَقُولُونَ: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «“إنَّ أهْلَ المُصِيبَةِ لَتَنْزِلُ بِهِمْ فَيَجْزَعُونَ وتَسُوءُ رِعَتُهُمْ، فَيَمُرُّ بِها مارٌّ مِنَ النّاسِ فَيَقُولُ: إنّا لِلَّهِ وإنّا إلَيْهِ راجِعُونَ. فَيَكُونُ فِيها أعْظَمَ أجْرًا مِن أهْلِها”» .
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ، عَنْ أبِي أُمامَةَ قالَ: «انْقَطَعَ قِبالُ النَّبِيِّ ﷺ (p-٧٨)فاسْتَرْجَعَ، فَقالُوا: مُصِيبَةٌ يا رَسُولَ اللَّهِ ؟ فَقالَ:“ما أصابَ المُؤْمِنَ مِمّا يَكْرَهُ فَهو مُصِيبَةٌ”» .
وأخْرَجَ البَزّارُ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ، والبَيْهَقِيُّ في «شُعَبِ الإيمانِ»، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «“إذا انْقَطَعَ شِسْعُ أحَدِكم فَلْيَسْتَرْجِعْ فَإنَّها مِنَ المَصائِبِ”» .
وأخْرَجَ البَزّارُ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ، عَنْ شَدّادِ بْنِ أوْسٍ مَرْفُوعًا، مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا في «العَزاءِ»، عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ رَفَعَهُ قالَ: «“مَنِ انْقَطَعَ شِسْعُهُ فَلْيَقُلْ: إنّا لِلَّهِ وإنّا إلَيْهِ راجِعُونَ. فَإنَّها مُصِيبَةٌ”» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ أبِي الدُّنْيا، عَنْ عَوْنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: كانَ ابْنُ مَسْعُودٍ يَمْشِي فانْقَطَعَ شِسْعُهُ، فاسْتَرْجَعَ، فَقِيلَ: تَسْتَرْجِعُ عَلى مِثْلِ هَذا ! قالَ: مُصِيبَةٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وهَنّادٌ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ في «زَوائِدِ الزُّهْدِ»، وابْنُ المُنْذِرِ، والبَيْهَقِيُّ في «شُعَبِ الإيمانِ» عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ، أنَّهُ انْقَطَعَ شِسْعُهُ فَقالَ: إنّا لِلَّهِ وإنّا إلَيْهِ (p-٧٩)راجِعُونَ. فَقِيلَ لَهُ: مالَكَ؟ فَقالَ: انْقَطَعَ شِسْعِي، فَساءَنِي، وما ساءَكَ فَهو لَكَ مُصِيبَةٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا في «الأمَلِ»، والدَّيْلَمِيُّ، عَنْ أنَسٍ، «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَأى رَجُلًا اتَّخَذَ قِبالًا مِن حَدِيدٍ، فَقالَ:“أمّا أنْتَ أطَلْتَ الأمَلَ، إنَّ أحَدَكم إذا انْقَطَعَ شِسْعُهُ، فَقالَ: إنّا لِلَّهِ وإنّا إلَيْهِ راجِعُونَ. كانَ عَلَيْهِ مِن رَبِّهِ الصَّلاةُ والهُدى والرَّحْمَةُ، وذَلِكَ خَيْرٌ لَهُ مِنَ الدُّنْيا”» .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي الدُّنْيا في «العَزاءِ»، عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: «طُفِئَ سِراجُ النَّبِيِّ ﷺ فَقالَ:“إنّا لِلَّهِ وإنّا إلَيْهِ راجِعُونَ”. فَقِيلَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، أمُصِيبَةٌ هي ؟ قالَ:“نَعَمْ، وكُلُّ ما يُؤْذِي المُؤْمِنَ فَهو مُصِيبَةٌ لَهُ وأجْرٌ”» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا، عَنْ عَبْدِ العَزِيزِ بْنِ أبِي رَوّادٍ قالَ: «بَلَغَنِي أنَّ المِصْباحَ طُفِئَ، فاسْتَرْجَعَ النَّبِيُّ ﷺ، قالَ:“كُلُّ ما ساءَكَ مُصِيبَةٌ”» .
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، وسَمُّوَيْهِ في «فَوائِدِهِ»، عَنْ أبِي أُمامَةَ قالَ: «خَرَجْنا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فانْقَطَعَ شِسْعُ النَّبِيِّ ﷺ، فَقالَ:“إنّا لِلَّهِ وإنّا إلَيْهِ راجِعُونَ”. فَقالَ لَهُ رَجُلٌ: هَذا الشِّسْعُ ! فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:“إنَّها مُصِيبَةٌ”» .
وأخْرَجَ ابْنُ السُّنِّيِّ في «عَمَلِ يَوْمٍ ولَيْلَةٍ»، عَنْ أبِي إدْرِيسَ الخَوْلانِيِّ قالَ: «بَيْنا النَّبِيُّ ﷺ يَمْشِي هو وأصْحابُهُ إذِ انْقَطَعَ شِسْعُهُ، فَقالَ:“إنّا لِلَّهِ وإنّا إلَيْهِ (p-٨٠)راجِعُونَ”. قالُوا: أوَمُصِيبَةٌ هي ؟ قالَ:“نَعَمْ، كُلُّ شَيْءٍ ساءَ المُؤْمِنَ فَهو مُصِيبَةٌ”» .
وأخْرَجَ الدَّيْلَمِيُّ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: «أقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَمْشِي هو وأصْحابُهُ وقَدْ لَدَغَتْهُ شَوْكَةٌ في إبْهامِهِ، فَجَعَلَ يَسْتَرْجِعُ مِنها ويَمْسَحُها، فَلَمّا سَمِعْتُ اسْتِرْجاعَهُ دَنَوْتُ مِنهُ، فَنَظَرْتُ، فَإذا أثَرٌ حَقِيرٌ، فَضَحِكْتُ، فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، بِأبِي أنْتَ وأُمِّي، أكُلُّ هَذا الِاسْتِرْجاعِ مِن أجْلِ هَذِهِ الشَّوْكَةِ ؟ فَتَبَسَّمَ، ثُمَّ ضَرَبَ عَلى مَنكِبِي، فَقالَ:“يا عائِشَةُ، إنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ إذا أرادَ أنْ يَجْعَلَ الصَّغِيرَ كَبِيرًا جَعَلَهُ، وإذا أرادَ أنْ يَجْعَلَ الكَبِيرَ صَغِيرًا جَعَلَهُ”» .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنِ الحَسَنِ قالَ: إذا فاتَتْكَ صَلاةٌ في جَماعَةٍ، فاسْتَرْجِعْ فَإنَّها مُصِيبَةٌ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ سَوّارِ بْنِ داوُدَ، أنَّ سَعِيدَ بْنَ المُسَيِّبِ جاءَ وقَدْ فاتَتْهُ الصَّلاةُ في الجَماعَةِ، فاسْتَرْجَعَ حَتّى سُمِعَ صَوْتُهُ خارِجًا مِنَ المَسْجِدِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ في «المُصَنَّفِ»، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنِ الحَسَنِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «“الصَّبْرُ عِنْدَ الصَّدْمَةِ الأُولى، والعَبْرَةُ لا يَمْلِكُها ابْنُ آدَمَ؛ صَبابَةُ المَرْءِ إلى أخِيهِ”» .
وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، عَنْ خَيْثَمَةَ قالَ: لَمّا جاءَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ نَعْيُ أخِيهِ عُتْبَةَ (p-٨١)دَمَعَتْ عَيْناهُ، فَقالَ: إنَّ هَذِهِ رَحْمَةٌ جَعَلَها اللَّهُ، لا يَمْلِكُها ابْنُ آدَمَ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والبُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، وأبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ، عَنْ أنَسٍ، «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَأى امْرَأةً تَبْكِي عَلى صَبِيٍّ لَها، فَقالَ لَها:“اتَّقِي اللَّهَ واصْبِرِي”. فَقالَتْ: وما تُبالِي أنْتَ بِمُصِيبَتِي ! فَلَمّا ذَهَبَ قِيلَ لَها: إنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ. فَأخَذَها مِثْلُ المَوْتِ، فَأتَتْ بابَهُ، فَلَمْ تَجِدْ عَلَيْهِ بَوّابِينَ، فَقالَتْ: لَمْ أعْرِفْكَ يا رَسُولَ اللَّهِ. فَقالَ:“إنَّما الصَّبْرُ عِنْدَ أوَّلِ صَدْمَةٍ”» .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والتِّرْمِذِيُّ، وابْنُ ماجَهْ، والبَيْهَقِيُّ في «شُعَبِ الإيمانِ»، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «“أيُّما مُسْلِمَيْنَ مَضى لَهُما ثَلاثَةٌ مِن أوْلادِهِما لَمْ يَبْلُغُوا حِنْثا، كانُوا لَهُما حِصْنًا حَصِينًا مِنَ النّارِ”. قالَ أبُو ذَرٍّ: مَضى لِيَ اثْنانِ يا رَسُولَ اللَّهِ قالَ:“واثْنانِ”. قالَ أبُو المُنْذِرِ سَيِّدُ القَرَأةِ: مَضى لِي واحِدٌ يا رَسُولَ اللَّهِ. قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:“وواحِدٌ، وذَلِكَ في الصَّدْمَةِ الأُولى”» .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ كُرَيْبِ بْنِ حَسّانٍ قالَ: «تُوُفِّيَ رَجُلٌ مِنّا، فَوَجَدَ بِهِ أبُوهُ أشَدَّ الوَجْدِ، فَقالَ لَهُ رَجُلٌ مِن أصْحابِ النَّبِيِّ ﷺ يُقالُ لَهُ حَوْشَبٌ: ألا (p-٨٢)أُحَدِّثُكم بِمِثْلِها شَهِدْتُها مِنَ النَّبِيِّ ﷺ؛ كانَ رَجُلٌ يَأْتِي النَّبِيَّ ﷺ ومَعَهُ ابْنٌ لَهُ، تُوُفِّيَ، فَوَجَدَ بِهِ أبُوهُ أشَدَّ الوَجْدِ، قالَ النَّبِيُّ ﷺ:“ما فَعَلَ فُلانٌ؟”. قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، تُوُفِّيَ ابْنُهُ الَّذِي كانَ يَخْتَلِفُ مَعَهُ إلَيْكَ. فَلَقِيَهُ النَّبِيُّ ﷺ فَقالَ:“يا فُلانُ، أيَسُرُّكَ أنَّ ابْنَكَ عِنْدَكَ كَأجْرى الغِلْمانِ جَرْيًا ؟ يا فُلانُ، أيَسُرُّكَ أنَّ ابْنَكَ عِنْدَكَ كَأنْشَطِ الغِلْمانِ نَشاطًا ؟ يا فُلانُ، أيَسُرُّكَ أنَّ ابْنَكَ عِنْدَكَ كَأجْوَدِ الكُهُولِ كَهْلًا، أوْ يُقالُ لَكَ: ادْخُلِ الجَنَّةَ ثَوابَ ما أُخِذَ مِنكَ؟”» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والنَّسائِيُّ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ في «شُعَبِ الإيمانِ»، عَنْ مُعاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ، عَنْ أبِيهِ قالَ: «كانَ رَجُلٌ يَخْتَلِفُ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ومَعَهُ بُنَيٌّ لَهُ، فَقالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذاتَ يَوْمٍ:“أتُحِبُّهُ ؟”قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، أحَبَّكَ اللَّهُ كَما أُحِبُّهُ. فَفَقَدَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَقالَ:“ما فَعَلَ ابْنُ فُلانٍ ؟”قالُوا: ماتَ، قالَ: فَلَقِيَهُ النَّبِيُّ ﷺ، فَقالَ:“أما تُحِبُّ أنْ لا تَأْتِيَ بابًا مِن أبْوابِ الجَنَّةِ تَسْتَفْتِحُهُ إلّا جاءَ يَسْعى حَتّى يَفْتَحَهُ لَكَ؟”قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، ألَهُ وحْدَهُ أمْ لِكُلِّنا ؟ قالَ:“بَلْ لِكُلِّكُمْ”» .
وأخْرَجَ البُخارِيُّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «“قالَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ما لِعَبْدِي المُؤْمِنِ عِنْدِي جَزاءٌ إذا قَبَضْتُ صَفِيَّهُ مِن أهْلِ الدُّنْيا ثُمَّ (p-٨٣)احْتَسَبَهُ، إلّا الجَنَّةُ”» .
وأخْرَجَ مالِكٌ في «المُوَطَّأِ»، والبَيْهَقِيُّ في «شُعَبِ الإيمانِ»، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «“ما يَزالُ المُؤْمِنُ يُصابُ في ولَدِهِ وحامَّتِهِ حَتّى يَلْقى اللَّهَ ولَيْسَتْ لَهُ خَطِيئَةٌ”» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ، والطَّبَرانِيُّ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عامِرٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «“مَن أُثْكِلَ ثَلاثَةً مِن صُلْبِهِ، فاحْتَسَبَهم عَلى اللَّهِ، وجَبَتْ لَهُ الجَنَّةُ”» .
وأخْرَجَ البَزّارُ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، عَنْ بُرَيْدَةَ قالَ: «كُنْتُ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ، فَبَلَغَهُ أنَّ امْرَأةً مِنَ الأنْصارِ ماتَ ابْنٌ لَها، فَجَزِعَتْ عَلَيْهِ، فَقامَ النَّبِيُّ ﷺ ومَعَهُ أصْحابُهُ، فَلَمّا دَخَلَ عَلَيْها، قالَ:“أما إنَّهُ قَدْ بَلَغَنِي أنَّكِ جَزِعْتِ”. فَقالَتْ: ما لِي لا أجْزَعُ وأنا رَقُوبٌ لا يَعِيشُ لِي ولَدٌ. فَقالَ:“إنَّما الرَّقُوبُ الَّتِي يَعِيشُ ولَدُها، إنَّهُ لا يَمُوتُ لِامْرَأةٍ مُسْلِمَةٍ ثَلاثَةٌ مِنَ الوَلَدِ فَتَحْتَسِبُهُمْ، إلّا وجَبَتْ لَها الجَنَّةُ”. فَقالَ عُمَرُ: واثْنِينِ ؟ قالَ:“واثْنِينِ”» .
وأخْرَجَ مالِكٌ في «المُوَطَّأِ»، عَنْ أبِي النَّضْرٍ السَّلَمِيِّ، أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «“لا يَمُوتُ لِأحَدٍ مِنَ المُسْلِمِينَ ثَلاثَةٌ مِنَ الوَلَدِ فَيَحْتَسِبُهُمْ، إلّا كانُوا لَهُ جُنَّةً (p-٨٤)مِنَ النّارِ”. فَقالَتِ امْرَأةٌ: أوِ اثْنانِ ؟ قالَ:“أوِ اثْنانِ”» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ، والبَيْهَقِيُّ في «شُعَبِ الإيمانِ»، عَنْ جابِرٍ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «“مَن ماتَ لَهُ ثَلاثَةٌ مِنَ الوَلَدِ فاحْتَسَبَهُمْ، دَخَلَ الجَنَّةَ”. قُلْنا: يا رَسُولَ اللَّهِ، واثْنانِ؟ قالَ:“واثْنانِ”» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا في «العَزاءِ» عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «“مَنِ احْتَسَبَ ثَلاثَةً مِن صُلْبِهِ دَخَلَ الجَنَّةَ”. فَقالَتِ امْرَأةٌ: واثْنَيْنِ؟ قالَ:“واثْنَيْنِ”» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ، عَنْ مُعاذِ بْنِ جَبَلٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «“ما مِن مُسْلِمَيْنَ يُتَوَفّى لَهُما ثَلاثَةٌ إلّا أدْخَلَهُما اللَّهُ الجَنَّةَ بِفَضْلِ رَحْمَتِهِ إيّاهُمْ”. فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، أوِ اثْنانِ ؟ قالَ:“أوِ اثْنانِ”. قالُوا: أوْ واحِدٌ ؟ قالَ:“أوْ واحِدٌ”. ثُمَّ قالَ:“والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، إنَّ السَّقْطَ لَيَجُرُّ أُمَّهُ بِسَرَرِهِ إلى الجَنَّةِ إذا احْتَسَبَتْهُ”» .
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، عَنْ جابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «“مَن دَفَنَ ثَلاثَةً فَصَبَرَ عَلَيْهِمْ واحْتَسَبَ، وجَبَتْ لَهُ الجَنَّةُ”. فَقالَتْ أُمُّ أيْمَنَ: واثْنَيْنِ ؟ قالَ: (p-٨٥)واثْنَيْنِ. قالَتْ: وواحِدٌ ؟ فَسَكَتَ، ثُمَّ قالَ:“وواحِدٌ”» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ، وابْنُ قانِعٍ في «مُعْجَمِ الصَّحابَةِ»، وابْنُ مَندَهْ في «المَعْرِفَةِ»، عَنْ حَوْشَبٍ الحِمْيَرِيِّ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «“مَن ماتَ لَهُ ولَدٌ فَصَبَرَ واحْتَسَبَ، قِيلَ لَهُ: ادْخُلِ الجَنَّةَ بِفَضْلِ ما أخَذْنا مِنكَ”» .
وأخْرَجَ النَّسائِيُّ، وابْنُ حِبّانَ، والطَّبَرانِيُّ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ في «شُعَبِ الإيمانِ» عَنْ أبِي سَلْمى قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «“بَخٍ بَخٍ لِخَمْسٍ ما أثْقَلَهُنَّ في المِيزانِ؛ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، واللَّهُ أكْبَرُ، وسُبْحانَ اللَّهِ، والحَمْدُ لِلَّهِ، والوَلَدُ الصّالِحُ يُتَوَفّى لِلْمُؤْمِنِ فَيَحْتَسِبُهُ”» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا في «العَزاءِ»، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ أنَسٍ قالَ: «تُوُفِّيَ ابْنٌ لِعُثْمانَ بْنِ مَظْعُونٍ، فاشْتَدَّ حُزْنُهُ عَلَيْهِ، فَقالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ:“إنَّ لِلْجَنَّةِ ثَمانِيَةَ أبْوابٍ، ولِلنّارِ سَبْعَةَ أبْوابٍ، أفَما يَسُرُّكَ أنْ لا تَأْتِيَ بابًا مِنها إلّا وجَدْتَ ابْنَكَ إلى جَنْبِكَ، آخِذًا بِحُجْزَتِكَ، يَشْفَعُ لَكَ إلى رَبِّكَ ؟”قالَ: بَلى. قالَ المُسْلِمُونَ: (p-٨٦)يا رَسُولَ اللَّهِ، ولَنا في أفْراطِنا ما لِعُثْمانَ؟ قالَ:“نَعَمْ، لِمَن صَبَرَ مِنكم واحْتَسَبَ”» .
وأخْرَجَ النَّسائِيُّ، عَنِ ابْنِ عَمْرٍو قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «“إنَّ اللَّهَ لا يَرْضى لِعَبْدِهِ المُؤْمِنِ إذا ذَهَبَ بِصَفِيِّهِ مِن أهْلِ الأرْضِ فَصَبَرَ واحْتَسَبَ، بِثَوابٍ دُونَ الجَنَّةِ”» .
وأخْرَجَ أبُو نُعَيْمٍ في «الحِلْيَةِ»، عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «“قَسَمَ اللَّهُ العَقْلَ عَلى ثَلاثَةِ أجْزاءٍ، فَمَن كُنَّ فِيهِ فَهو العاقِلُ، ومَن لَمْ يَكُنَّ فِيهِ فَلا عَقْلَ لَهُ؛ حُسْنُ المَعْرِفَةِ بِاللَّهِ، وحُسْنُ الطّاعَةِ لِلَّهِ، وحُسْنُ الصَّبْرِ لِلَّهِ"» .
وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، عَنْ مُطَرِّفِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشِّخِّيرِ، أنَّهُ ماتَ ابْنُهُ عَبْدُ اللَّهِ، فَخَرَجَ وهو مُتَرَجِّلٌ في ثِيابٍ حَسَنَةٍ، فَقِيلَ لَهُ في ذَلِكَ، فَقالَ: قَدْ وعَدَنِي اللَّهُ عَلى مُصِيبَتِي ثَلاثَ خِصالٍ، كُلُّ خَصْلَةٍ مِنها أحَبُّ إلَيَّ مِنَ الدُّنْيا كُلِّها؛ قالَ اللَّهُ: ﴿الَّذِينَ إذا أصابَتْهم مُصِيبَةٌ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿المُهْتَدُونَ﴾ أفَأسْتَكِينُ لَها بَعْدَ هَذا ؟!
البقرة 2:156
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَنَبْلُوَنَّكم بِشَيْءٍ مِنَ الخَوْفِ والجُوعِ﴾ .
أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ، والبَيْهَقِيُّ في «شُعَبِ الإيمانِ»، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولَنَبْلُوَنَّكُمْ﴾ الآيَةَ، قالَ: أخْبَرَ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ أنَّ الدُّنْيا دارُ بَلاءٍ، وأنَّهُ مُبْتَلِيهِمْ فِيها، وأمَرَهم بِالصَّبْرِ، وبَشَّرَهُمْ، فَقالَ: ﴿وبَشِّرِ الصّابِرِينَ﴾ وأخْبَرَ أنَّ المُؤْمِنَ إذا سَلَّمَ لِأمْرِ اللَّهِ، ورَجَّعَ واسْتَرْجَعَ عِنْدَ المُصِيبَةِ، كَتَبَ اللَّهُ لَهُ ثَلاثَ خِصالٍ مِنَ الخَيْرِ؛ الصَّلاةُ مِنَ اللَّهِ، والرَّحْمَةُ، وتَحْقِيقُ سَبِيلِ الهُدى.
وقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «”مَنِ اسْتَرْجَعَ عِنْدَ (p-٧٢)المُصِيبَةِ جَبَرَ اللَّهُ مُصِيبَتَهُ، وأحْسَنَ عُقْباهُ، وجَعَلَ لَهُ خَلَفًا صالِحًا يَرْضاهُ“» .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ عَطاءٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولَنَبْلُوَنَّكم بِشَيْءٍ مِنَ الخَوْفِ والجُوعِ﴾ قالَ: هم أصْحابُ مُحَمَّدٍ ﷺ .
وأخْرَجَ سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في «شُعَبِ الإيمانِ»، عَنْ جُوَيْبِرٍ قالَ: كَتَبَ رَجُلٌ إلى الضَّحّاكِ يَسْألُهُ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿إنّا لِلَّهِ وإنّا إلَيْهِ راجِعُونَ﴾؛ أخاصَّةٌ هي أمْ عامَّةٌ؟ فَقالَ: هي لِمَن أخَذَ بِالتَّقْوى، وأدّى الفَرائِضَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولَنَبْلُوَنَّكُمْ﴾ قالَ: ولَنَبْتَلِيَنَّكم. يَعْنِي المُؤْمِنِينَ، ﴿وبَشِّرِ الصّابِرِينَ﴾ قالَ: عَلى أمْرِ اللَّهِ في المَصائِبِ. يَعْنِي: بَشِّرْهم بِالجَنَّةِ، ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ﴾ يَعْنِي: عَلى مَن صَبَرَ عَلى أمْرِ اللَّهِ عِنْدَ المُصِيبَةِ، ﴿صَلَواتٌ﴾ يَعْنِي: مَغْفِرَةً مِن رَبِّهِمْ ﴿ورَحْمَةٌ﴾ يَعْنِي: رَحْمَةٌ لَهُمْ، وأمَنَةٌ مِنَ العَذابِ، ﴿وأُولَئِكَ هُمُ المُهْتَدُونَ﴾ يَعْنِي: مِنَ المُهْتَدِينَ بِالِاسْتِرْجاعِ عِنْدَ المُصِيبَةِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ رَجاءِ (p-٧٣)ابْنِ حَيْوَةَ في قَوْلِهِ: ﴿ونَقْصٍ مِنَ الثَّمَراتِ﴾ [الأعراف: ١٣٠] . قالَ: يَأْتِي عَلى النّاسِ زَمانٌ لا تَحْمِلُ النَّخْلَةُ فِيهِ إلّا تَمْرَةً.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، مِن طَرِيقِ رَجاءِ بْنِ حَيْوَةَ، عَنْ كَعْبٍ، مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ النَّبِيُّ ﷺ: «”أُعْطِيَتْ أُمَّتِي شَيْئًا لَمْ يُعْطَهُ أحَدٌ مِنَ الأُمَمِ؛ أنْ يَقُولُوا عِنْدَ المُصِيبَةِ:“إنّا لِلَّهِ وإنّا إلَيْهِ راجِعُونَ» ”.
وأخْرَجَ وكِيعٌ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، والبَيْهَقِيُّ في «شُعَبِ الإيمانِ»، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: لَقَدْ أُعْطِيَتْ هَذِهِ الأُمَّةُ عِنْدَ المُصِيبَةِ شَيْئًا لَمْ يُعْطَهُ الأنْبِياءُ قَبْلَهُمْ، ولَوْ أُعْطِيَها الأنْبِياءُ لَأُعْطِيَها يَعْقُوبُ إذْ يَقُولُ: ﴿يا أسَفى عَلى يُوسُفَ﴾ [يوسف: ٨٤]؛ ﴿إنّا لِلَّهِ وإنّا إلَيْهِ راجِعُونَ﴾ ولَفْظُ البَيْهَقِيِّ قالَ: لَمْ يُعْطَ أحَدٌ مِنَ الأُمَمِ الِاسْتِرْجاعَ غَيْرَ هَذِهِ الأُمَّةِ، أما سَمِعْتَ قَوْلَ يَعْقُوبَ: ﴿يا أسَفى عَلى يُوسُفَ﴾ [يوسف: ٨٤] ؟ .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ قَتادَةَ: ﴿الَّذِينَ إذا أصابَتْهم مُصِيبَةٌ قالُوا إنّا لِلَّهِ وإنّا إلَيْهِ راجِعُونَ﴾ ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِن رَبِّهِمْ ورَحْمَةٌ وأُولَئِكَ هُمُ المُهْتَدُونَ﴾ قالَ: مَنِ اسْتَطاعَ أنْ يَسْتَوْجِبَ لِلَّهِ في مُصِيبَتِهِ ثَلاثًا؛ الصَّلاةَ والرَّحْمَةَ والهُدى فَلْيَفْعَلْ، ولا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ؛ فَإنَّهُ مَنِ اسْتَوْجَبَ عَلى اللَّهِ حَقًّا بِحَقٍّ أحَقَّهُ اللَّهُ لَهُ، ووَجَدَ اللَّهَ وفِيًّا.
وأخْرَجَ وكِيعٌ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي الدُّنْيا في كِتابِ «العَزاءِ»، وابْنُ المُنْذِرِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ في «شُعَبِ الإيمانِ»، عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ قالَ: نِعْمَ العَدْلانِ، ونَعِمَ العِلاوَةُ: ﴿الَّذِينَ إذا أصابَتْهم مُصِيبَةٌ قالُوا إنّا لِلَّهِ وإنّا إلَيْهِ راجِعُونَ﴾ ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِن رَبِّهِمْ ورَحْمَةٌ﴾ نِعْمَ العَدْلانِ، ﴿وأُولَئِكَ هُمُ المُهْتَدُونَ﴾ نِعْمَ العِلاوَةُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا، والبَيْهَقِيُّ، مِن طَرِيقِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قالَ: أرْبَعٌ مَن كُنَّ فِيهِ بَنى اللَّهُ لَهُ بَيْتًا في الجَنَّةِ؛ مَن كانَ عِصْمَةُ أمْرِهِ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وإذا أصابَتْهُ مُصِيبَةٌ قالَ: إنّا لِلَّهِ وإنّا إلَيْهِ راجِعُونَ. وإذا أُعْطِيَ شَيْئًا قالَ: الحَمْدُ لِلَّهِ. وإذا أذْنَبَ ذَنْبًا قالَ: أسْتَغْفِرُ اللَّهَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا في «العَزاءِ»، عَنْ عَلِيٍّ، قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «“مَن صَبَرَ عَلى المُصِيبَةِ حَتّى يَرُدَّها بِحُسْنِ عَزائِها، كَتَبَ اللَّهُ لَهُ ثَلاثَمِائَةِ دَرَجَةٍ، ما بَيْنَ الدَّرَجَةِ إلى الدَّرَجَةِ كَما بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ”» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا في «العَزاءِ»، عَنْ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ قالَ: سَألْتُ رَبِيعَةَ بْنَ أبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ: ما مُنْتَهى الصَّبْرِ ؟ قالَ: يَكُونُ يَوْمَ تُصِيبُهُ المُصِيبَةُ (p-٧٥)مِثْلَهُ قَبْلَ أنْ تُصِيبَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا في كِتابِ «الِاعْتِبارِ»، عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ، أنَّ سُلَيْمانَ بْنَ عَبْدِ المَلِكِ قالَ لَهُ عِنْدَ مَوْتِ ابْنِهِ: أيَصْبِرُ المُؤْمِنُ حَتّى لا يَجِدَ لِمُصِيبَتِهِ ألَمًا؟ قالَ: يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ، لا يَسْتَوِي عِنْدَكَ ما تُحِبُّ وما تَكْرَهُ، ولَكِنَّ الصَّبْرَ مِعْوَلُ المُؤْمِنِ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ، وابْنُ ماجَهْ، والبَيْهَقِيُّ في «شُعَبِ الإيمانِ»، عَنِ الحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «“ما مِن مُسْلِمٍ يُصابُ بِمُصِيبَةٍ، فَيَذْكُرُها وإنْ طالَ عَهْدُها، فَيُحْدِثُ لِذَلِكَ اسْتِرْجاعًا، إلّا جَدَّدَ اللَّهُ لَهُ عِنْدَ ذَلِكَ، فَأعْطاهُ مِثْلَ أجْرِها يَوْمَ أُصِيبَ”» .
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، والعُقَيْلِيُّ في «الضُّعَفاءِ»، مِن حَدِيثِ عائِشَةَ، مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ، عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «“ما مِن نِعْمَةٍ وإنْ تَقادَمَ عَهْدُها، فَيُجَدِّدُ لَها العَبْدُ الحَمْدَ، إلّا جَدَّدَ اللَّهُ لَهُ ثَوابَها، وما مِن مُصِيبَةٍ، وإنْ تَقادَمَ عَهْدُها، فَيُجَدِّدُ لَها العَبْدُ الِاسْتِرْجاعَ، إلّا جَدَّدَ اللَّهُ لَهُ ثَوابَها وأجْرَها”» . (p-٧٦)وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا في «العَزاءِ»، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ رَفَعَهُ: «“مَنِ اسْتَرْجَعَ بَعْدَ أرْبَعِينَ سَنَةً، أعْطاهُ اللَّهُ ثَوابَ مُصِيبَتِهِ يَوْمَ أُصِيبَها”» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا، عَنْ كَعْبٍ قالَ: ما مِن رَجُلٍ تُصِيبُهُ مُصِيبَةٌ، فَيَذْكُرُها بَعْدَ أرْبَعِينَ سَنَةً، فَيَسْتَرْجِعُ، إلّا أجْرى اللَّهُ لَهُ أجَرَها تِلْكَ السّاعَةَ كَما أنَّهُ لَوِ اسْتَرْجَعَ يَوْمَ أُصِيبَ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ، والبَيْهَقِيُّ في «شُعَبِ الإيمانِ»، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قالَتْ: «أتانِي أبُو سَلَمَةَ يَوْمًا مِن عِنْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: لَقَدْ سَمِعْتُ مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَوْلًا سُرِرْتُ بِهِ، قالَ:“لا يُصِيبُ أحَدًا مِنَ المُسْلِمِينَ مُصِيبَةٌ، فَيَسْتَرْجِعُ عِنْدَ مُصِيبَتِهِ، ثُمَّ يَقُولُ: اللَّهُمَّ أْجُرْنِي في مُصِيبَتِي، وأخْلِفْ لِي خَيْرًا مِنها. إلّا فُعِلَ ذَلِكَ بِهِ”. قالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: فَحَفِظْتُ ذَلِكَ مِنهُ، فَلَمّا تُوُفِّيَ أبُو سَلَمَةَ اسْتَرْجَعْتُ فَقُلْتُ: اللَّهُمَّ أْجُرْنِي في مُصِيبَتِي، وأخْلِفْ لِي خَيْرًا مِنها. ثُمَّ رَجَعْتُ إلى نَفْسِي، وقُلْتُ مِن أيْنَ لِي خَيْرٌ مِن أبِي سَلَمَةَ ؟ فَأبْدَلَنِي اللَّهُ بِأبِي سَلَمَةَ خَيْرًا مِنهُ؛ رَسُولَ اللَّهِ» ﷺ .
وأخْرَجَ مُسْلِمٌ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «“ما مِن عَبْدٍ تُصِيبُهُ مُصِيبَةٌ فَيَقُولُ: إنّا لِلَّهِ وإنّا إلَيْهِ راجِعُونَ، اللَّهُمَّ أْجُرْنِي في مُصِيبَتِي، وأخْلِفْ لِي خَيْرًا مِنها. إلّا أجَرَهُ اللَّهُ في مُصِيبَتِهِ، وأخْلَفَ لَهُ خَيْرًا مِنها”. قالَتْ: (p-٧٧)فَلَمّا تُوُفِّيَ أبُو سَلَمَةَ قُلْتُ كَما أمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَأخْلَفَ اللَّهُ لِي خَيْرًا مِنهُ؛ رَسُولَ اللَّهِ» ﷺ .
وأخْرَجَ أحْمَدُ، والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ، والبَيْهَقِيُّ في «شُعَبِ الإيمانِ»، عَنْ أبِي مُوسى قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «“إذا ماتَ ولَدُ العَبْدِ قالَ اللَّهُ لِمَلائِكَتِهِ: قَبَضْتُمْ ولَدَ عَبْدِي ؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ. فَيَقُولُ: قَبَضْتُمْ ثَمَرَةَ فُؤادِهِ ؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ. فَيَقُولُ: ماذا قالَ عَبْدِي ؟ فَيَقُولُونَ: حَمِدَكَ واسْتَرْجَعَ. فَيَقُولُ اللَّهُ: ابْنُوا لِعَبْدِي بَيْتًا في الجَنَّةِ، وسَمُّوهُ بَيْتَ الحَمْدِ”» .
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «“إنَّ لِلْمَوْتِ فَزَعًا، فَإذا أتى أحَدَكم وفاةُ أخِيهِ فَلْيَقُلْ: إنّا لِلَّهِ وإنّا إلَيْهِ راجِعُونَ، وإنّا إلى رَبِّنا لَمُنْقَلِبُونَ”» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا في «العَزاءِ»، عَنْ أبِي بَكْرِ بْنِ أبِي مَرْيَمَ: سَمِعْتُ أشْياخَنا يَقُولُونَ: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «“إنَّ أهْلَ المُصِيبَةِ لَتَنْزِلُ بِهِمْ فَيَجْزَعُونَ وتَسُوءُ رِعَتُهُمْ، فَيَمُرُّ بِها مارٌّ مِنَ النّاسِ فَيَقُولُ: إنّا لِلَّهِ وإنّا إلَيْهِ راجِعُونَ. فَيَكُونُ فِيها أعْظَمَ أجْرًا مِن أهْلِها”» .
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ، عَنْ أبِي أُمامَةَ قالَ: «انْقَطَعَ قِبالُ النَّبِيِّ ﷺ (p-٧٨)فاسْتَرْجَعَ، فَقالُوا: مُصِيبَةٌ يا رَسُولَ اللَّهِ ؟ فَقالَ:“ما أصابَ المُؤْمِنَ مِمّا يَكْرَهُ فَهو مُصِيبَةٌ”» .
وأخْرَجَ البَزّارُ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ، والبَيْهَقِيُّ في «شُعَبِ الإيمانِ»، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «“إذا انْقَطَعَ شِسْعُ أحَدِكم فَلْيَسْتَرْجِعْ فَإنَّها مِنَ المَصائِبِ”» .
وأخْرَجَ البَزّارُ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ، عَنْ شَدّادِ بْنِ أوْسٍ مَرْفُوعًا، مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا في «العَزاءِ»، عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ رَفَعَهُ قالَ: «“مَنِ انْقَطَعَ شِسْعُهُ فَلْيَقُلْ: إنّا لِلَّهِ وإنّا إلَيْهِ راجِعُونَ. فَإنَّها مُصِيبَةٌ”» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ أبِي الدُّنْيا، عَنْ عَوْنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: كانَ ابْنُ مَسْعُودٍ يَمْشِي فانْقَطَعَ شِسْعُهُ، فاسْتَرْجَعَ، فَقِيلَ: تَسْتَرْجِعُ عَلى مِثْلِ هَذا ! قالَ: مُصِيبَةٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وهَنّادٌ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ في «زَوائِدِ الزُّهْدِ»، وابْنُ المُنْذِرِ، والبَيْهَقِيُّ في «شُعَبِ الإيمانِ» عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ، أنَّهُ انْقَطَعَ شِسْعُهُ فَقالَ: إنّا لِلَّهِ وإنّا إلَيْهِ (p-٧٩)راجِعُونَ. فَقِيلَ لَهُ: مالَكَ؟ فَقالَ: انْقَطَعَ شِسْعِي، فَساءَنِي، وما ساءَكَ فَهو لَكَ مُصِيبَةٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا في «الأمَلِ»، والدَّيْلَمِيُّ، عَنْ أنَسٍ، «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَأى رَجُلًا اتَّخَذَ قِبالًا مِن حَدِيدٍ، فَقالَ:“أمّا أنْتَ أطَلْتَ الأمَلَ، إنَّ أحَدَكم إذا انْقَطَعَ شِسْعُهُ، فَقالَ: إنّا لِلَّهِ وإنّا إلَيْهِ راجِعُونَ. كانَ عَلَيْهِ مِن رَبِّهِ الصَّلاةُ والهُدى والرَّحْمَةُ، وذَلِكَ خَيْرٌ لَهُ مِنَ الدُّنْيا”» .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي الدُّنْيا في «العَزاءِ»، عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: «طُفِئَ سِراجُ النَّبِيِّ ﷺ فَقالَ:“إنّا لِلَّهِ وإنّا إلَيْهِ راجِعُونَ”. فَقِيلَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، أمُصِيبَةٌ هي ؟ قالَ:“نَعَمْ، وكُلُّ ما يُؤْذِي المُؤْمِنَ فَهو مُصِيبَةٌ لَهُ وأجْرٌ”» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا، عَنْ عَبْدِ العَزِيزِ بْنِ أبِي رَوّادٍ قالَ: «بَلَغَنِي أنَّ المِصْباحَ طُفِئَ، فاسْتَرْجَعَ النَّبِيُّ ﷺ، قالَ:“كُلُّ ما ساءَكَ مُصِيبَةٌ”» .
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، وسَمُّوَيْهِ في «فَوائِدِهِ»، عَنْ أبِي أُمامَةَ قالَ: «خَرَجْنا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فانْقَطَعَ شِسْعُ النَّبِيِّ ﷺ، فَقالَ:“إنّا لِلَّهِ وإنّا إلَيْهِ راجِعُونَ”. فَقالَ لَهُ رَجُلٌ: هَذا الشِّسْعُ ! فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:“إنَّها مُصِيبَةٌ”» .
وأخْرَجَ ابْنُ السُّنِّيِّ في «عَمَلِ يَوْمٍ ولَيْلَةٍ»، عَنْ أبِي إدْرِيسَ الخَوْلانِيِّ قالَ: «بَيْنا النَّبِيُّ ﷺ يَمْشِي هو وأصْحابُهُ إذِ انْقَطَعَ شِسْعُهُ، فَقالَ:“إنّا لِلَّهِ وإنّا إلَيْهِ (p-٨٠)راجِعُونَ”. قالُوا: أوَمُصِيبَةٌ هي ؟ قالَ:“نَعَمْ، كُلُّ شَيْءٍ ساءَ المُؤْمِنَ فَهو مُصِيبَةٌ”» .
وأخْرَجَ الدَّيْلَمِيُّ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: «أقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَمْشِي هو وأصْحابُهُ وقَدْ لَدَغَتْهُ شَوْكَةٌ في إبْهامِهِ، فَجَعَلَ يَسْتَرْجِعُ مِنها ويَمْسَحُها، فَلَمّا سَمِعْتُ اسْتِرْجاعَهُ دَنَوْتُ مِنهُ، فَنَظَرْتُ، فَإذا أثَرٌ حَقِيرٌ، فَضَحِكْتُ، فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، بِأبِي أنْتَ وأُمِّي، أكُلُّ هَذا الِاسْتِرْجاعِ مِن أجْلِ هَذِهِ الشَّوْكَةِ ؟ فَتَبَسَّمَ، ثُمَّ ضَرَبَ عَلى مَنكِبِي، فَقالَ:“يا عائِشَةُ، إنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ إذا أرادَ أنْ يَجْعَلَ الصَّغِيرَ كَبِيرًا جَعَلَهُ، وإذا أرادَ أنْ يَجْعَلَ الكَبِيرَ صَغِيرًا جَعَلَهُ”» .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنِ الحَسَنِ قالَ: إذا فاتَتْكَ صَلاةٌ في جَماعَةٍ، فاسْتَرْجِعْ فَإنَّها مُصِيبَةٌ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ سَوّارِ بْنِ داوُدَ، أنَّ سَعِيدَ بْنَ المُسَيِّبِ جاءَ وقَدْ فاتَتْهُ الصَّلاةُ في الجَماعَةِ، فاسْتَرْجَعَ حَتّى سُمِعَ صَوْتُهُ خارِجًا مِنَ المَسْجِدِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ في «المُصَنَّفِ»، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنِ الحَسَنِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «“الصَّبْرُ عِنْدَ الصَّدْمَةِ الأُولى، والعَبْرَةُ لا يَمْلِكُها ابْنُ آدَمَ؛ صَبابَةُ المَرْءِ إلى أخِيهِ”» .
وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، عَنْ خَيْثَمَةَ قالَ: لَمّا جاءَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ نَعْيُ أخِيهِ عُتْبَةَ (p-٨١)دَمَعَتْ عَيْناهُ، فَقالَ: إنَّ هَذِهِ رَحْمَةٌ جَعَلَها اللَّهُ، لا يَمْلِكُها ابْنُ آدَمَ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والبُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، وأبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ، عَنْ أنَسٍ، «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَأى امْرَأةً تَبْكِي عَلى صَبِيٍّ لَها، فَقالَ لَها:“اتَّقِي اللَّهَ واصْبِرِي”. فَقالَتْ: وما تُبالِي أنْتَ بِمُصِيبَتِي ! فَلَمّا ذَهَبَ قِيلَ لَها: إنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ. فَأخَذَها مِثْلُ المَوْتِ، فَأتَتْ بابَهُ، فَلَمْ تَجِدْ عَلَيْهِ بَوّابِينَ، فَقالَتْ: لَمْ أعْرِفْكَ يا رَسُولَ اللَّهِ. فَقالَ:“إنَّما الصَّبْرُ عِنْدَ أوَّلِ صَدْمَةٍ”» .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والتِّرْمِذِيُّ، وابْنُ ماجَهْ، والبَيْهَقِيُّ في «شُعَبِ الإيمانِ»، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «“أيُّما مُسْلِمَيْنَ مَضى لَهُما ثَلاثَةٌ مِن أوْلادِهِما لَمْ يَبْلُغُوا حِنْثا، كانُوا لَهُما حِصْنًا حَصِينًا مِنَ النّارِ”. قالَ أبُو ذَرٍّ: مَضى لِيَ اثْنانِ يا رَسُولَ اللَّهِ قالَ:“واثْنانِ”. قالَ أبُو المُنْذِرِ سَيِّدُ القَرَأةِ: مَضى لِي واحِدٌ يا رَسُولَ اللَّهِ. قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:“وواحِدٌ، وذَلِكَ في الصَّدْمَةِ الأُولى”» .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ كُرَيْبِ بْنِ حَسّانٍ قالَ: «تُوُفِّيَ رَجُلٌ مِنّا، فَوَجَدَ بِهِ أبُوهُ أشَدَّ الوَجْدِ، فَقالَ لَهُ رَجُلٌ مِن أصْحابِ النَّبِيِّ ﷺ يُقالُ لَهُ حَوْشَبٌ: ألا (p-٨٢)أُحَدِّثُكم بِمِثْلِها شَهِدْتُها مِنَ النَّبِيِّ ﷺ؛ كانَ رَجُلٌ يَأْتِي النَّبِيَّ ﷺ ومَعَهُ ابْنٌ لَهُ، تُوُفِّيَ، فَوَجَدَ بِهِ أبُوهُ أشَدَّ الوَجْدِ، قالَ النَّبِيُّ ﷺ:“ما فَعَلَ فُلانٌ؟”. قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، تُوُفِّيَ ابْنُهُ الَّذِي كانَ يَخْتَلِفُ مَعَهُ إلَيْكَ. فَلَقِيَهُ النَّبِيُّ ﷺ فَقالَ:“يا فُلانُ، أيَسُرُّكَ أنَّ ابْنَكَ عِنْدَكَ كَأجْرى الغِلْمانِ جَرْيًا ؟ يا فُلانُ، أيَسُرُّكَ أنَّ ابْنَكَ عِنْدَكَ كَأنْشَطِ الغِلْمانِ نَشاطًا ؟ يا فُلانُ، أيَسُرُّكَ أنَّ ابْنَكَ عِنْدَكَ كَأجْوَدِ الكُهُولِ كَهْلًا، أوْ يُقالُ لَكَ: ادْخُلِ الجَنَّةَ ثَوابَ ما أُخِذَ مِنكَ؟”» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والنَّسائِيُّ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ في «شُعَبِ الإيمانِ»، عَنْ مُعاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ، عَنْ أبِيهِ قالَ: «كانَ رَجُلٌ يَخْتَلِفُ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ومَعَهُ بُنَيٌّ لَهُ، فَقالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذاتَ يَوْمٍ:“أتُحِبُّهُ ؟”قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، أحَبَّكَ اللَّهُ كَما أُحِبُّهُ. فَفَقَدَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَقالَ:“ما فَعَلَ ابْنُ فُلانٍ ؟”قالُوا: ماتَ، قالَ: فَلَقِيَهُ النَّبِيُّ ﷺ، فَقالَ:“أما تُحِبُّ أنْ لا تَأْتِيَ بابًا مِن أبْوابِ الجَنَّةِ تَسْتَفْتِحُهُ إلّا جاءَ يَسْعى حَتّى يَفْتَحَهُ لَكَ؟”قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، ألَهُ وحْدَهُ أمْ لِكُلِّنا ؟ قالَ:“بَلْ لِكُلِّكُمْ”» .
وأخْرَجَ البُخارِيُّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «“قالَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ما لِعَبْدِي المُؤْمِنِ عِنْدِي جَزاءٌ إذا قَبَضْتُ صَفِيَّهُ مِن أهْلِ الدُّنْيا ثُمَّ (p-٨٣)احْتَسَبَهُ، إلّا الجَنَّةُ”» .
وأخْرَجَ مالِكٌ في «المُوَطَّأِ»، والبَيْهَقِيُّ في «شُعَبِ الإيمانِ»، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «“ما يَزالُ المُؤْمِنُ يُصابُ في ولَدِهِ وحامَّتِهِ حَتّى يَلْقى اللَّهَ ولَيْسَتْ لَهُ خَطِيئَةٌ”» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ، والطَّبَرانِيُّ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عامِرٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «“مَن أُثْكِلَ ثَلاثَةً مِن صُلْبِهِ، فاحْتَسَبَهم عَلى اللَّهِ، وجَبَتْ لَهُ الجَنَّةُ”» .
وأخْرَجَ البَزّارُ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، عَنْ بُرَيْدَةَ قالَ: «كُنْتُ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ، فَبَلَغَهُ أنَّ امْرَأةً مِنَ الأنْصارِ ماتَ ابْنٌ لَها، فَجَزِعَتْ عَلَيْهِ، فَقامَ النَّبِيُّ ﷺ ومَعَهُ أصْحابُهُ، فَلَمّا دَخَلَ عَلَيْها، قالَ:“أما إنَّهُ قَدْ بَلَغَنِي أنَّكِ جَزِعْتِ”. فَقالَتْ: ما لِي لا أجْزَعُ وأنا رَقُوبٌ لا يَعِيشُ لِي ولَدٌ. فَقالَ:“إنَّما الرَّقُوبُ الَّتِي يَعِيشُ ولَدُها، إنَّهُ لا يَمُوتُ لِامْرَأةٍ مُسْلِمَةٍ ثَلاثَةٌ مِنَ الوَلَدِ فَتَحْتَسِبُهُمْ، إلّا وجَبَتْ لَها الجَنَّةُ”. فَقالَ عُمَرُ: واثْنِينِ ؟ قالَ:“واثْنِينِ”» .
وأخْرَجَ مالِكٌ في «المُوَطَّأِ»، عَنْ أبِي النَّضْرٍ السَّلَمِيِّ، أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «“لا يَمُوتُ لِأحَدٍ مِنَ المُسْلِمِينَ ثَلاثَةٌ مِنَ الوَلَدِ فَيَحْتَسِبُهُمْ، إلّا كانُوا لَهُ جُنَّةً (p-٨٤)مِنَ النّارِ”. فَقالَتِ امْرَأةٌ: أوِ اثْنانِ ؟ قالَ:“أوِ اثْنانِ”» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ، والبَيْهَقِيُّ في «شُعَبِ الإيمانِ»، عَنْ جابِرٍ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «“مَن ماتَ لَهُ ثَلاثَةٌ مِنَ الوَلَدِ فاحْتَسَبَهُمْ، دَخَلَ الجَنَّةَ”. قُلْنا: يا رَسُولَ اللَّهِ، واثْنانِ؟ قالَ:“واثْنانِ”» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا في «العَزاءِ» عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «“مَنِ احْتَسَبَ ثَلاثَةً مِن صُلْبِهِ دَخَلَ الجَنَّةَ”. فَقالَتِ امْرَأةٌ: واثْنَيْنِ؟ قالَ:“واثْنَيْنِ”» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ، عَنْ مُعاذِ بْنِ جَبَلٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «“ما مِن مُسْلِمَيْنَ يُتَوَفّى لَهُما ثَلاثَةٌ إلّا أدْخَلَهُما اللَّهُ الجَنَّةَ بِفَضْلِ رَحْمَتِهِ إيّاهُمْ”. فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، أوِ اثْنانِ ؟ قالَ:“أوِ اثْنانِ”. قالُوا: أوْ واحِدٌ ؟ قالَ:“أوْ واحِدٌ”. ثُمَّ قالَ:“والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، إنَّ السَّقْطَ لَيَجُرُّ أُمَّهُ بِسَرَرِهِ إلى الجَنَّةِ إذا احْتَسَبَتْهُ”» .
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، عَنْ جابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «“مَن دَفَنَ ثَلاثَةً فَصَبَرَ عَلَيْهِمْ واحْتَسَبَ، وجَبَتْ لَهُ الجَنَّةُ”. فَقالَتْ أُمُّ أيْمَنَ: واثْنَيْنِ ؟ قالَ: (p-٨٥)واثْنَيْنِ. قالَتْ: وواحِدٌ ؟ فَسَكَتَ، ثُمَّ قالَ:“وواحِدٌ”» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ، وابْنُ قانِعٍ في «مُعْجَمِ الصَّحابَةِ»، وابْنُ مَندَهْ في «المَعْرِفَةِ»، عَنْ حَوْشَبٍ الحِمْيَرِيِّ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «“مَن ماتَ لَهُ ولَدٌ فَصَبَرَ واحْتَسَبَ، قِيلَ لَهُ: ادْخُلِ الجَنَّةَ بِفَضْلِ ما أخَذْنا مِنكَ”» .
وأخْرَجَ النَّسائِيُّ، وابْنُ حِبّانَ، والطَّبَرانِيُّ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ في «شُعَبِ الإيمانِ» عَنْ أبِي سَلْمى قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «“بَخٍ بَخٍ لِخَمْسٍ ما أثْقَلَهُنَّ في المِيزانِ؛ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، واللَّهُ أكْبَرُ، وسُبْحانَ اللَّهِ، والحَمْدُ لِلَّهِ، والوَلَدُ الصّالِحُ يُتَوَفّى لِلْمُؤْمِنِ فَيَحْتَسِبُهُ”» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا في «العَزاءِ»، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ أنَسٍ قالَ: «تُوُفِّيَ ابْنٌ لِعُثْمانَ بْنِ مَظْعُونٍ، فاشْتَدَّ حُزْنُهُ عَلَيْهِ، فَقالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ:“إنَّ لِلْجَنَّةِ ثَمانِيَةَ أبْوابٍ، ولِلنّارِ سَبْعَةَ أبْوابٍ، أفَما يَسُرُّكَ أنْ لا تَأْتِيَ بابًا مِنها إلّا وجَدْتَ ابْنَكَ إلى جَنْبِكَ، آخِذًا بِحُجْزَتِكَ، يَشْفَعُ لَكَ إلى رَبِّكَ ؟”قالَ: بَلى. قالَ المُسْلِمُونَ: (p-٨٦)يا رَسُولَ اللَّهِ، ولَنا في أفْراطِنا ما لِعُثْمانَ؟ قالَ:“نَعَمْ، لِمَن صَبَرَ مِنكم واحْتَسَبَ”» .
وأخْرَجَ النَّسائِيُّ، عَنِ ابْنِ عَمْرٍو قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «“إنَّ اللَّهَ لا يَرْضى لِعَبْدِهِ المُؤْمِنِ إذا ذَهَبَ بِصَفِيِّهِ مِن أهْلِ الأرْضِ فَصَبَرَ واحْتَسَبَ، بِثَوابٍ دُونَ الجَنَّةِ”» .
وأخْرَجَ أبُو نُعَيْمٍ في «الحِلْيَةِ»، عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «“قَسَمَ اللَّهُ العَقْلَ عَلى ثَلاثَةِ أجْزاءٍ، فَمَن كُنَّ فِيهِ فَهو العاقِلُ، ومَن لَمْ يَكُنَّ فِيهِ فَلا عَقْلَ لَهُ؛ حُسْنُ المَعْرِفَةِ بِاللَّهِ، وحُسْنُ الطّاعَةِ لِلَّهِ، وحُسْنُ الصَّبْرِ لِلَّهِ"» .
وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، عَنْ مُطَرِّفِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشِّخِّيرِ، أنَّهُ ماتَ ابْنُهُ عَبْدُ اللَّهِ، فَخَرَجَ وهو مُتَرَجِّلٌ في ثِيابٍ حَسَنَةٍ، فَقِيلَ لَهُ في ذَلِكَ، فَقالَ: قَدْ وعَدَنِي اللَّهُ عَلى مُصِيبَتِي ثَلاثَ خِصالٍ، كُلُّ خَصْلَةٍ مِنها أحَبُّ إلَيَّ مِنَ الدُّنْيا كُلِّها؛ قالَ اللَّهُ: ﴿الَّذِينَ إذا أصابَتْهم مُصِيبَةٌ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿المُهْتَدُونَ﴾ أفَأسْتَكِينُ لَها بَعْدَ هَذا ؟!
البقرة 2:157
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَنَبْلُوَنَّكم بِشَيْءٍ مِنَ الخَوْفِ والجُوعِ﴾ .
أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ، والبَيْهَقِيُّ في «شُعَبِ الإيمانِ»، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولَنَبْلُوَنَّكُمْ﴾ الآيَةَ، قالَ: أخْبَرَ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ أنَّ الدُّنْيا دارُ بَلاءٍ، وأنَّهُ مُبْتَلِيهِمْ فِيها، وأمَرَهم بِالصَّبْرِ، وبَشَّرَهُمْ، فَقالَ: ﴿وبَشِّرِ الصّابِرِينَ﴾ وأخْبَرَ أنَّ المُؤْمِنَ إذا سَلَّمَ لِأمْرِ اللَّهِ، ورَجَّعَ واسْتَرْجَعَ عِنْدَ المُصِيبَةِ، كَتَبَ اللَّهُ لَهُ ثَلاثَ خِصالٍ مِنَ الخَيْرِ؛ الصَّلاةُ مِنَ اللَّهِ، والرَّحْمَةُ، وتَحْقِيقُ سَبِيلِ الهُدى.
وقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «”مَنِ اسْتَرْجَعَ عِنْدَ (p-٧٢)المُصِيبَةِ جَبَرَ اللَّهُ مُصِيبَتَهُ، وأحْسَنَ عُقْباهُ، وجَعَلَ لَهُ خَلَفًا صالِحًا يَرْضاهُ“» .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ عَطاءٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولَنَبْلُوَنَّكم بِشَيْءٍ مِنَ الخَوْفِ والجُوعِ﴾ قالَ: هم أصْحابُ مُحَمَّدٍ ﷺ .
وأخْرَجَ سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في «شُعَبِ الإيمانِ»، عَنْ جُوَيْبِرٍ قالَ: كَتَبَ رَجُلٌ إلى الضَّحّاكِ يَسْألُهُ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿إنّا لِلَّهِ وإنّا إلَيْهِ راجِعُونَ﴾؛ أخاصَّةٌ هي أمْ عامَّةٌ؟ فَقالَ: هي لِمَن أخَذَ بِالتَّقْوى، وأدّى الفَرائِضَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولَنَبْلُوَنَّكُمْ﴾ قالَ: ولَنَبْتَلِيَنَّكم. يَعْنِي المُؤْمِنِينَ، ﴿وبَشِّرِ الصّابِرِينَ﴾ قالَ: عَلى أمْرِ اللَّهِ في المَصائِبِ. يَعْنِي: بَشِّرْهم بِالجَنَّةِ، ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ﴾ يَعْنِي: عَلى مَن صَبَرَ عَلى أمْرِ اللَّهِ عِنْدَ المُصِيبَةِ، ﴿صَلَواتٌ﴾ يَعْنِي: مَغْفِرَةً مِن رَبِّهِمْ ﴿ورَحْمَةٌ﴾ يَعْنِي: رَحْمَةٌ لَهُمْ، وأمَنَةٌ مِنَ العَذابِ، ﴿وأُولَئِكَ هُمُ المُهْتَدُونَ﴾ يَعْنِي: مِنَ المُهْتَدِينَ بِالِاسْتِرْجاعِ عِنْدَ المُصِيبَةِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ رَجاءِ (p-٧٣)ابْنِ حَيْوَةَ في قَوْلِهِ: ﴿ونَقْصٍ مِنَ الثَّمَراتِ﴾ [الأعراف: ١٣٠] . قالَ: يَأْتِي عَلى النّاسِ زَمانٌ لا تَحْمِلُ النَّخْلَةُ فِيهِ إلّا تَمْرَةً.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، مِن طَرِيقِ رَجاءِ بْنِ حَيْوَةَ، عَنْ كَعْبٍ، مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ النَّبِيُّ ﷺ: «”أُعْطِيَتْ أُمَّتِي شَيْئًا لَمْ يُعْطَهُ أحَدٌ مِنَ الأُمَمِ؛ أنْ يَقُولُوا عِنْدَ المُصِيبَةِ:“إنّا لِلَّهِ وإنّا إلَيْهِ راجِعُونَ» ”.
وأخْرَجَ وكِيعٌ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، والبَيْهَقِيُّ في «شُعَبِ الإيمانِ»، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: لَقَدْ أُعْطِيَتْ هَذِهِ الأُمَّةُ عِنْدَ المُصِيبَةِ شَيْئًا لَمْ يُعْطَهُ الأنْبِياءُ قَبْلَهُمْ، ولَوْ أُعْطِيَها الأنْبِياءُ لَأُعْطِيَها يَعْقُوبُ إذْ يَقُولُ: ﴿يا أسَفى عَلى يُوسُفَ﴾ [يوسف: ٨٤]؛ ﴿إنّا لِلَّهِ وإنّا إلَيْهِ راجِعُونَ﴾ ولَفْظُ البَيْهَقِيِّ قالَ: لَمْ يُعْطَ أحَدٌ مِنَ الأُمَمِ الِاسْتِرْجاعَ غَيْرَ هَذِهِ الأُمَّةِ، أما سَمِعْتَ قَوْلَ يَعْقُوبَ: ﴿يا أسَفى عَلى يُوسُفَ﴾ [يوسف: ٨٤] ؟ .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ قَتادَةَ: ﴿الَّذِينَ إذا أصابَتْهم مُصِيبَةٌ قالُوا إنّا لِلَّهِ وإنّا إلَيْهِ راجِعُونَ﴾ ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِن رَبِّهِمْ ورَحْمَةٌ وأُولَئِكَ هُمُ المُهْتَدُونَ﴾ قالَ: مَنِ اسْتَطاعَ أنْ يَسْتَوْجِبَ لِلَّهِ في مُصِيبَتِهِ ثَلاثًا؛ الصَّلاةَ والرَّحْمَةَ والهُدى فَلْيَفْعَلْ، ولا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ؛ فَإنَّهُ مَنِ اسْتَوْجَبَ عَلى اللَّهِ حَقًّا بِحَقٍّ أحَقَّهُ اللَّهُ لَهُ، ووَجَدَ اللَّهَ وفِيًّا.
وأخْرَجَ وكِيعٌ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي الدُّنْيا في كِتابِ «العَزاءِ»، وابْنُ المُنْذِرِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ في «شُعَبِ الإيمانِ»، عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ قالَ: نِعْمَ العَدْلانِ، ونَعِمَ العِلاوَةُ: ﴿الَّذِينَ إذا أصابَتْهم مُصِيبَةٌ قالُوا إنّا لِلَّهِ وإنّا إلَيْهِ راجِعُونَ﴾ ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِن رَبِّهِمْ ورَحْمَةٌ﴾ نِعْمَ العَدْلانِ، ﴿وأُولَئِكَ هُمُ المُهْتَدُونَ﴾ نِعْمَ العِلاوَةُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا، والبَيْهَقِيُّ، مِن طَرِيقِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قالَ: أرْبَعٌ مَن كُنَّ فِيهِ بَنى اللَّهُ لَهُ بَيْتًا في الجَنَّةِ؛ مَن كانَ عِصْمَةُ أمْرِهِ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وإذا أصابَتْهُ مُصِيبَةٌ قالَ: إنّا لِلَّهِ وإنّا إلَيْهِ راجِعُونَ. وإذا أُعْطِيَ شَيْئًا قالَ: الحَمْدُ لِلَّهِ. وإذا أذْنَبَ ذَنْبًا قالَ: أسْتَغْفِرُ اللَّهَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا في «العَزاءِ»، عَنْ عَلِيٍّ، قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «“مَن صَبَرَ عَلى المُصِيبَةِ حَتّى يَرُدَّها بِحُسْنِ عَزائِها، كَتَبَ اللَّهُ لَهُ ثَلاثَمِائَةِ دَرَجَةٍ، ما بَيْنَ الدَّرَجَةِ إلى الدَّرَجَةِ كَما بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ”» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا في «العَزاءِ»، عَنْ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ قالَ: سَألْتُ رَبِيعَةَ بْنَ أبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ: ما مُنْتَهى الصَّبْرِ ؟ قالَ: يَكُونُ يَوْمَ تُصِيبُهُ المُصِيبَةُ (p-٧٥)مِثْلَهُ قَبْلَ أنْ تُصِيبَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا في كِتابِ «الِاعْتِبارِ»، عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ، أنَّ سُلَيْمانَ بْنَ عَبْدِ المَلِكِ قالَ لَهُ عِنْدَ مَوْتِ ابْنِهِ: أيَصْبِرُ المُؤْمِنُ حَتّى لا يَجِدَ لِمُصِيبَتِهِ ألَمًا؟ قالَ: يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ، لا يَسْتَوِي عِنْدَكَ ما تُحِبُّ وما تَكْرَهُ، ولَكِنَّ الصَّبْرَ مِعْوَلُ المُؤْمِنِ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ، وابْنُ ماجَهْ، والبَيْهَقِيُّ في «شُعَبِ الإيمانِ»، عَنِ الحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «“ما مِن مُسْلِمٍ يُصابُ بِمُصِيبَةٍ، فَيَذْكُرُها وإنْ طالَ عَهْدُها، فَيُحْدِثُ لِذَلِكَ اسْتِرْجاعًا، إلّا جَدَّدَ اللَّهُ لَهُ عِنْدَ ذَلِكَ، فَأعْطاهُ مِثْلَ أجْرِها يَوْمَ أُصِيبَ”» .
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، والعُقَيْلِيُّ في «الضُّعَفاءِ»، مِن حَدِيثِ عائِشَةَ، مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ، عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «“ما مِن نِعْمَةٍ وإنْ تَقادَمَ عَهْدُها، فَيُجَدِّدُ لَها العَبْدُ الحَمْدَ، إلّا جَدَّدَ اللَّهُ لَهُ ثَوابَها، وما مِن مُصِيبَةٍ، وإنْ تَقادَمَ عَهْدُها، فَيُجَدِّدُ لَها العَبْدُ الِاسْتِرْجاعَ، إلّا جَدَّدَ اللَّهُ لَهُ ثَوابَها وأجْرَها”» . (p-٧٦)وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا في «العَزاءِ»، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ رَفَعَهُ: «“مَنِ اسْتَرْجَعَ بَعْدَ أرْبَعِينَ سَنَةً، أعْطاهُ اللَّهُ ثَوابَ مُصِيبَتِهِ يَوْمَ أُصِيبَها”» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا، عَنْ كَعْبٍ قالَ: ما مِن رَجُلٍ تُصِيبُهُ مُصِيبَةٌ، فَيَذْكُرُها بَعْدَ أرْبَعِينَ سَنَةً، فَيَسْتَرْجِعُ، إلّا أجْرى اللَّهُ لَهُ أجَرَها تِلْكَ السّاعَةَ كَما أنَّهُ لَوِ اسْتَرْجَعَ يَوْمَ أُصِيبَ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ، والبَيْهَقِيُّ في «شُعَبِ الإيمانِ»، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قالَتْ: «أتانِي أبُو سَلَمَةَ يَوْمًا مِن عِنْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: لَقَدْ سَمِعْتُ مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَوْلًا سُرِرْتُ بِهِ، قالَ:“لا يُصِيبُ أحَدًا مِنَ المُسْلِمِينَ مُصِيبَةٌ، فَيَسْتَرْجِعُ عِنْدَ مُصِيبَتِهِ، ثُمَّ يَقُولُ: اللَّهُمَّ أْجُرْنِي في مُصِيبَتِي، وأخْلِفْ لِي خَيْرًا مِنها. إلّا فُعِلَ ذَلِكَ بِهِ”. قالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: فَحَفِظْتُ ذَلِكَ مِنهُ، فَلَمّا تُوُفِّيَ أبُو سَلَمَةَ اسْتَرْجَعْتُ فَقُلْتُ: اللَّهُمَّ أْجُرْنِي في مُصِيبَتِي، وأخْلِفْ لِي خَيْرًا مِنها. ثُمَّ رَجَعْتُ إلى نَفْسِي، وقُلْتُ مِن أيْنَ لِي خَيْرٌ مِن أبِي سَلَمَةَ ؟ فَأبْدَلَنِي اللَّهُ بِأبِي سَلَمَةَ خَيْرًا مِنهُ؛ رَسُولَ اللَّهِ» ﷺ .
وأخْرَجَ مُسْلِمٌ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «“ما مِن عَبْدٍ تُصِيبُهُ مُصِيبَةٌ فَيَقُولُ: إنّا لِلَّهِ وإنّا إلَيْهِ راجِعُونَ، اللَّهُمَّ أْجُرْنِي في مُصِيبَتِي، وأخْلِفْ لِي خَيْرًا مِنها. إلّا أجَرَهُ اللَّهُ في مُصِيبَتِهِ، وأخْلَفَ لَهُ خَيْرًا مِنها”. قالَتْ: (p-٧٧)فَلَمّا تُوُفِّيَ أبُو سَلَمَةَ قُلْتُ كَما أمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَأخْلَفَ اللَّهُ لِي خَيْرًا مِنهُ؛ رَسُولَ اللَّهِ» ﷺ .
وأخْرَجَ أحْمَدُ، والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ، والبَيْهَقِيُّ في «شُعَبِ الإيمانِ»، عَنْ أبِي مُوسى قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «“إذا ماتَ ولَدُ العَبْدِ قالَ اللَّهُ لِمَلائِكَتِهِ: قَبَضْتُمْ ولَدَ عَبْدِي ؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ. فَيَقُولُ: قَبَضْتُمْ ثَمَرَةَ فُؤادِهِ ؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ. فَيَقُولُ: ماذا قالَ عَبْدِي ؟ فَيَقُولُونَ: حَمِدَكَ واسْتَرْجَعَ. فَيَقُولُ اللَّهُ: ابْنُوا لِعَبْدِي بَيْتًا في الجَنَّةِ، وسَمُّوهُ بَيْتَ الحَمْدِ”» .
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «“إنَّ لِلْمَوْتِ فَزَعًا، فَإذا أتى أحَدَكم وفاةُ أخِيهِ فَلْيَقُلْ: إنّا لِلَّهِ وإنّا إلَيْهِ راجِعُونَ، وإنّا إلى رَبِّنا لَمُنْقَلِبُونَ”» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا في «العَزاءِ»، عَنْ أبِي بَكْرِ بْنِ أبِي مَرْيَمَ: سَمِعْتُ أشْياخَنا يَقُولُونَ: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «“إنَّ أهْلَ المُصِيبَةِ لَتَنْزِلُ بِهِمْ فَيَجْزَعُونَ وتَسُوءُ رِعَتُهُمْ، فَيَمُرُّ بِها مارٌّ مِنَ النّاسِ فَيَقُولُ: إنّا لِلَّهِ وإنّا إلَيْهِ راجِعُونَ. فَيَكُونُ فِيها أعْظَمَ أجْرًا مِن أهْلِها”» .
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ، عَنْ أبِي أُمامَةَ قالَ: «انْقَطَعَ قِبالُ النَّبِيِّ ﷺ (p-٧٨)فاسْتَرْجَعَ، فَقالُوا: مُصِيبَةٌ يا رَسُولَ اللَّهِ ؟ فَقالَ:“ما أصابَ المُؤْمِنَ مِمّا يَكْرَهُ فَهو مُصِيبَةٌ”» .
وأخْرَجَ البَزّارُ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ، والبَيْهَقِيُّ في «شُعَبِ الإيمانِ»، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «“إذا انْقَطَعَ شِسْعُ أحَدِكم فَلْيَسْتَرْجِعْ فَإنَّها مِنَ المَصائِبِ”» .
وأخْرَجَ البَزّارُ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ، عَنْ شَدّادِ بْنِ أوْسٍ مَرْفُوعًا، مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا في «العَزاءِ»، عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ رَفَعَهُ قالَ: «“مَنِ انْقَطَعَ شِسْعُهُ فَلْيَقُلْ: إنّا لِلَّهِ وإنّا إلَيْهِ راجِعُونَ. فَإنَّها مُصِيبَةٌ”» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ أبِي الدُّنْيا، عَنْ عَوْنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: كانَ ابْنُ مَسْعُودٍ يَمْشِي فانْقَطَعَ شِسْعُهُ، فاسْتَرْجَعَ، فَقِيلَ: تَسْتَرْجِعُ عَلى مِثْلِ هَذا ! قالَ: مُصِيبَةٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وهَنّادٌ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ في «زَوائِدِ الزُّهْدِ»، وابْنُ المُنْذِرِ، والبَيْهَقِيُّ في «شُعَبِ الإيمانِ» عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ، أنَّهُ انْقَطَعَ شِسْعُهُ فَقالَ: إنّا لِلَّهِ وإنّا إلَيْهِ (p-٧٩)راجِعُونَ. فَقِيلَ لَهُ: مالَكَ؟ فَقالَ: انْقَطَعَ شِسْعِي، فَساءَنِي، وما ساءَكَ فَهو لَكَ مُصِيبَةٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا في «الأمَلِ»، والدَّيْلَمِيُّ، عَنْ أنَسٍ، «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَأى رَجُلًا اتَّخَذَ قِبالًا مِن حَدِيدٍ، فَقالَ:“أمّا أنْتَ أطَلْتَ الأمَلَ، إنَّ أحَدَكم إذا انْقَطَعَ شِسْعُهُ، فَقالَ: إنّا لِلَّهِ وإنّا إلَيْهِ راجِعُونَ. كانَ عَلَيْهِ مِن رَبِّهِ الصَّلاةُ والهُدى والرَّحْمَةُ، وذَلِكَ خَيْرٌ لَهُ مِنَ الدُّنْيا”» .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي الدُّنْيا في «العَزاءِ»، عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: «طُفِئَ سِراجُ النَّبِيِّ ﷺ فَقالَ:“إنّا لِلَّهِ وإنّا إلَيْهِ راجِعُونَ”. فَقِيلَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، أمُصِيبَةٌ هي ؟ قالَ:“نَعَمْ، وكُلُّ ما يُؤْذِي المُؤْمِنَ فَهو مُصِيبَةٌ لَهُ وأجْرٌ”» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا، عَنْ عَبْدِ العَزِيزِ بْنِ أبِي رَوّادٍ قالَ: «بَلَغَنِي أنَّ المِصْباحَ طُفِئَ، فاسْتَرْجَعَ النَّبِيُّ ﷺ، قالَ:“كُلُّ ما ساءَكَ مُصِيبَةٌ”» .
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، وسَمُّوَيْهِ في «فَوائِدِهِ»، عَنْ أبِي أُمامَةَ قالَ: «خَرَجْنا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فانْقَطَعَ شِسْعُ النَّبِيِّ ﷺ، فَقالَ:“إنّا لِلَّهِ وإنّا إلَيْهِ راجِعُونَ”. فَقالَ لَهُ رَجُلٌ: هَذا الشِّسْعُ ! فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:“إنَّها مُصِيبَةٌ”» .
وأخْرَجَ ابْنُ السُّنِّيِّ في «عَمَلِ يَوْمٍ ولَيْلَةٍ»، عَنْ أبِي إدْرِيسَ الخَوْلانِيِّ قالَ: «بَيْنا النَّبِيُّ ﷺ يَمْشِي هو وأصْحابُهُ إذِ انْقَطَعَ شِسْعُهُ، فَقالَ:“إنّا لِلَّهِ وإنّا إلَيْهِ (p-٨٠)راجِعُونَ”. قالُوا: أوَمُصِيبَةٌ هي ؟ قالَ:“نَعَمْ، كُلُّ شَيْءٍ ساءَ المُؤْمِنَ فَهو مُصِيبَةٌ”» .
وأخْرَجَ الدَّيْلَمِيُّ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: «أقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَمْشِي هو وأصْحابُهُ وقَدْ لَدَغَتْهُ شَوْكَةٌ في إبْهامِهِ، فَجَعَلَ يَسْتَرْجِعُ مِنها ويَمْسَحُها، فَلَمّا سَمِعْتُ اسْتِرْجاعَهُ دَنَوْتُ مِنهُ، فَنَظَرْتُ، فَإذا أثَرٌ حَقِيرٌ، فَضَحِكْتُ، فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، بِأبِي أنْتَ وأُمِّي، أكُلُّ هَذا الِاسْتِرْجاعِ مِن أجْلِ هَذِهِ الشَّوْكَةِ ؟ فَتَبَسَّمَ، ثُمَّ ضَرَبَ عَلى مَنكِبِي، فَقالَ:“يا عائِشَةُ، إنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ إذا أرادَ أنْ يَجْعَلَ الصَّغِيرَ كَبِيرًا جَعَلَهُ، وإذا أرادَ أنْ يَجْعَلَ الكَبِيرَ صَغِيرًا جَعَلَهُ”» .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنِ الحَسَنِ قالَ: إذا فاتَتْكَ صَلاةٌ في جَماعَةٍ، فاسْتَرْجِعْ فَإنَّها مُصِيبَةٌ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ سَوّارِ بْنِ داوُدَ، أنَّ سَعِيدَ بْنَ المُسَيِّبِ جاءَ وقَدْ فاتَتْهُ الصَّلاةُ في الجَماعَةِ، فاسْتَرْجَعَ حَتّى سُمِعَ صَوْتُهُ خارِجًا مِنَ المَسْجِدِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ في «المُصَنَّفِ»، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنِ الحَسَنِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «“الصَّبْرُ عِنْدَ الصَّدْمَةِ الأُولى، والعَبْرَةُ لا يَمْلِكُها ابْنُ آدَمَ؛ صَبابَةُ المَرْءِ إلى أخِيهِ”» .
وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، عَنْ خَيْثَمَةَ قالَ: لَمّا جاءَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ نَعْيُ أخِيهِ عُتْبَةَ (p-٨١)دَمَعَتْ عَيْناهُ، فَقالَ: إنَّ هَذِهِ رَحْمَةٌ جَعَلَها اللَّهُ، لا يَمْلِكُها ابْنُ آدَمَ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والبُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، وأبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ، عَنْ أنَسٍ، «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَأى امْرَأةً تَبْكِي عَلى صَبِيٍّ لَها، فَقالَ لَها:“اتَّقِي اللَّهَ واصْبِرِي”. فَقالَتْ: وما تُبالِي أنْتَ بِمُصِيبَتِي ! فَلَمّا ذَهَبَ قِيلَ لَها: إنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ. فَأخَذَها مِثْلُ المَوْتِ، فَأتَتْ بابَهُ، فَلَمْ تَجِدْ عَلَيْهِ بَوّابِينَ، فَقالَتْ: لَمْ أعْرِفْكَ يا رَسُولَ اللَّهِ. فَقالَ:“إنَّما الصَّبْرُ عِنْدَ أوَّلِ صَدْمَةٍ”» .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والتِّرْمِذِيُّ، وابْنُ ماجَهْ، والبَيْهَقِيُّ في «شُعَبِ الإيمانِ»، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «“أيُّما مُسْلِمَيْنَ مَضى لَهُما ثَلاثَةٌ مِن أوْلادِهِما لَمْ يَبْلُغُوا حِنْثا، كانُوا لَهُما حِصْنًا حَصِينًا مِنَ النّارِ”. قالَ أبُو ذَرٍّ: مَضى لِيَ اثْنانِ يا رَسُولَ اللَّهِ قالَ:“واثْنانِ”. قالَ أبُو المُنْذِرِ سَيِّدُ القَرَأةِ: مَضى لِي واحِدٌ يا رَسُولَ اللَّهِ. قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:“وواحِدٌ، وذَلِكَ في الصَّدْمَةِ الأُولى”» .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ كُرَيْبِ بْنِ حَسّانٍ قالَ: «تُوُفِّيَ رَجُلٌ مِنّا، فَوَجَدَ بِهِ أبُوهُ أشَدَّ الوَجْدِ، فَقالَ لَهُ رَجُلٌ مِن أصْحابِ النَّبِيِّ ﷺ يُقالُ لَهُ حَوْشَبٌ: ألا (p-٨٢)أُحَدِّثُكم بِمِثْلِها شَهِدْتُها مِنَ النَّبِيِّ ﷺ؛ كانَ رَجُلٌ يَأْتِي النَّبِيَّ ﷺ ومَعَهُ ابْنٌ لَهُ، تُوُفِّيَ، فَوَجَدَ بِهِ أبُوهُ أشَدَّ الوَجْدِ، قالَ النَّبِيُّ ﷺ:“ما فَعَلَ فُلانٌ؟”. قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، تُوُفِّيَ ابْنُهُ الَّذِي كانَ يَخْتَلِفُ مَعَهُ إلَيْكَ. فَلَقِيَهُ النَّبِيُّ ﷺ فَقالَ:“يا فُلانُ، أيَسُرُّكَ أنَّ ابْنَكَ عِنْدَكَ كَأجْرى الغِلْمانِ جَرْيًا ؟ يا فُلانُ، أيَسُرُّكَ أنَّ ابْنَكَ عِنْدَكَ كَأنْشَطِ الغِلْمانِ نَشاطًا ؟ يا فُلانُ، أيَسُرُّكَ أنَّ ابْنَكَ عِنْدَكَ كَأجْوَدِ الكُهُولِ كَهْلًا، أوْ يُقالُ لَكَ: ادْخُلِ الجَنَّةَ ثَوابَ ما أُخِذَ مِنكَ؟”» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والنَّسائِيُّ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ في «شُعَبِ الإيمانِ»، عَنْ مُعاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ، عَنْ أبِيهِ قالَ: «كانَ رَجُلٌ يَخْتَلِفُ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ومَعَهُ بُنَيٌّ لَهُ، فَقالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذاتَ يَوْمٍ:“أتُحِبُّهُ ؟”قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، أحَبَّكَ اللَّهُ كَما أُحِبُّهُ. فَفَقَدَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَقالَ:“ما فَعَلَ ابْنُ فُلانٍ ؟”قالُوا: ماتَ، قالَ: فَلَقِيَهُ النَّبِيُّ ﷺ، فَقالَ:“أما تُحِبُّ أنْ لا تَأْتِيَ بابًا مِن أبْوابِ الجَنَّةِ تَسْتَفْتِحُهُ إلّا جاءَ يَسْعى حَتّى يَفْتَحَهُ لَكَ؟”قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، ألَهُ وحْدَهُ أمْ لِكُلِّنا ؟ قالَ:“بَلْ لِكُلِّكُمْ”» .
وأخْرَجَ البُخارِيُّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «“قالَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ما لِعَبْدِي المُؤْمِنِ عِنْدِي جَزاءٌ إذا قَبَضْتُ صَفِيَّهُ مِن أهْلِ الدُّنْيا ثُمَّ (p-٨٣)احْتَسَبَهُ، إلّا الجَنَّةُ”» .
وأخْرَجَ مالِكٌ في «المُوَطَّأِ»، والبَيْهَقِيُّ في «شُعَبِ الإيمانِ»، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «“ما يَزالُ المُؤْمِنُ يُصابُ في ولَدِهِ وحامَّتِهِ حَتّى يَلْقى اللَّهَ ولَيْسَتْ لَهُ خَطِيئَةٌ”» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ، والطَّبَرانِيُّ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عامِرٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «“مَن أُثْكِلَ ثَلاثَةً مِن صُلْبِهِ، فاحْتَسَبَهم عَلى اللَّهِ، وجَبَتْ لَهُ الجَنَّةُ”» .
وأخْرَجَ البَزّارُ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، عَنْ بُرَيْدَةَ قالَ: «كُنْتُ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ، فَبَلَغَهُ أنَّ امْرَأةً مِنَ الأنْصارِ ماتَ ابْنٌ لَها، فَجَزِعَتْ عَلَيْهِ، فَقامَ النَّبِيُّ ﷺ ومَعَهُ أصْحابُهُ، فَلَمّا دَخَلَ عَلَيْها، قالَ:“أما إنَّهُ قَدْ بَلَغَنِي أنَّكِ جَزِعْتِ”. فَقالَتْ: ما لِي لا أجْزَعُ وأنا رَقُوبٌ لا يَعِيشُ لِي ولَدٌ. فَقالَ:“إنَّما الرَّقُوبُ الَّتِي يَعِيشُ ولَدُها، إنَّهُ لا يَمُوتُ لِامْرَأةٍ مُسْلِمَةٍ ثَلاثَةٌ مِنَ الوَلَدِ فَتَحْتَسِبُهُمْ، إلّا وجَبَتْ لَها الجَنَّةُ”. فَقالَ عُمَرُ: واثْنِينِ ؟ قالَ:“واثْنِينِ”» .
وأخْرَجَ مالِكٌ في «المُوَطَّأِ»، عَنْ أبِي النَّضْرٍ السَّلَمِيِّ، أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «“لا يَمُوتُ لِأحَدٍ مِنَ المُسْلِمِينَ ثَلاثَةٌ مِنَ الوَلَدِ فَيَحْتَسِبُهُمْ، إلّا كانُوا لَهُ جُنَّةً (p-٨٤)مِنَ النّارِ”. فَقالَتِ امْرَأةٌ: أوِ اثْنانِ ؟ قالَ:“أوِ اثْنانِ”» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ، والبَيْهَقِيُّ في «شُعَبِ الإيمانِ»، عَنْ جابِرٍ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «“مَن ماتَ لَهُ ثَلاثَةٌ مِنَ الوَلَدِ فاحْتَسَبَهُمْ، دَخَلَ الجَنَّةَ”. قُلْنا: يا رَسُولَ اللَّهِ، واثْنانِ؟ قالَ:“واثْنانِ”» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا في «العَزاءِ» عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «“مَنِ احْتَسَبَ ثَلاثَةً مِن صُلْبِهِ دَخَلَ الجَنَّةَ”. فَقالَتِ امْرَأةٌ: واثْنَيْنِ؟ قالَ:“واثْنَيْنِ”» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ، عَنْ مُعاذِ بْنِ جَبَلٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «“ما مِن مُسْلِمَيْنَ يُتَوَفّى لَهُما ثَلاثَةٌ إلّا أدْخَلَهُما اللَّهُ الجَنَّةَ بِفَضْلِ رَحْمَتِهِ إيّاهُمْ”. فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، أوِ اثْنانِ ؟ قالَ:“أوِ اثْنانِ”. قالُوا: أوْ واحِدٌ ؟ قالَ:“أوْ واحِدٌ”. ثُمَّ قالَ:“والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، إنَّ السَّقْطَ لَيَجُرُّ أُمَّهُ بِسَرَرِهِ إلى الجَنَّةِ إذا احْتَسَبَتْهُ”» .
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، عَنْ جابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «“مَن دَفَنَ ثَلاثَةً فَصَبَرَ عَلَيْهِمْ واحْتَسَبَ، وجَبَتْ لَهُ الجَنَّةُ”. فَقالَتْ أُمُّ أيْمَنَ: واثْنَيْنِ ؟ قالَ: (p-٨٥)واثْنَيْنِ. قالَتْ: وواحِدٌ ؟ فَسَكَتَ، ثُمَّ قالَ:“وواحِدٌ”» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ، وابْنُ قانِعٍ في «مُعْجَمِ الصَّحابَةِ»، وابْنُ مَندَهْ في «المَعْرِفَةِ»، عَنْ حَوْشَبٍ الحِمْيَرِيِّ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «“مَن ماتَ لَهُ ولَدٌ فَصَبَرَ واحْتَسَبَ، قِيلَ لَهُ: ادْخُلِ الجَنَّةَ بِفَضْلِ ما أخَذْنا مِنكَ”» .
وأخْرَجَ النَّسائِيُّ، وابْنُ حِبّانَ، والطَّبَرانِيُّ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ في «شُعَبِ الإيمانِ» عَنْ أبِي سَلْمى قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «“بَخٍ بَخٍ لِخَمْسٍ ما أثْقَلَهُنَّ في المِيزانِ؛ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، واللَّهُ أكْبَرُ، وسُبْحانَ اللَّهِ، والحَمْدُ لِلَّهِ، والوَلَدُ الصّالِحُ يُتَوَفّى لِلْمُؤْمِنِ فَيَحْتَسِبُهُ”» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا في «العَزاءِ»، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ أنَسٍ قالَ: «تُوُفِّيَ ابْنٌ لِعُثْمانَ بْنِ مَظْعُونٍ، فاشْتَدَّ حُزْنُهُ عَلَيْهِ، فَقالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ:“إنَّ لِلْجَنَّةِ ثَمانِيَةَ أبْوابٍ، ولِلنّارِ سَبْعَةَ أبْوابٍ، أفَما يَسُرُّكَ أنْ لا تَأْتِيَ بابًا مِنها إلّا وجَدْتَ ابْنَكَ إلى جَنْبِكَ، آخِذًا بِحُجْزَتِكَ، يَشْفَعُ لَكَ إلى رَبِّكَ ؟”قالَ: بَلى. قالَ المُسْلِمُونَ: (p-٨٦)يا رَسُولَ اللَّهِ، ولَنا في أفْراطِنا ما لِعُثْمانَ؟ قالَ:“نَعَمْ، لِمَن صَبَرَ مِنكم واحْتَسَبَ”» .
وأخْرَجَ النَّسائِيُّ، عَنِ ابْنِ عَمْرٍو قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «“إنَّ اللَّهَ لا يَرْضى لِعَبْدِهِ المُؤْمِنِ إذا ذَهَبَ بِصَفِيِّهِ مِن أهْلِ الأرْضِ فَصَبَرَ واحْتَسَبَ، بِثَوابٍ دُونَ الجَنَّةِ”» .
وأخْرَجَ أبُو نُعَيْمٍ في «الحِلْيَةِ»، عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «“قَسَمَ اللَّهُ العَقْلَ عَلى ثَلاثَةِ أجْزاءٍ، فَمَن كُنَّ فِيهِ فَهو العاقِلُ، ومَن لَمْ يَكُنَّ فِيهِ فَلا عَقْلَ لَهُ؛ حُسْنُ المَعْرِفَةِ بِاللَّهِ، وحُسْنُ الطّاعَةِ لِلَّهِ، وحُسْنُ الصَّبْرِ لِلَّهِ"» .
وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، عَنْ مُطَرِّفِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشِّخِّيرِ، أنَّهُ ماتَ ابْنُهُ عَبْدُ اللَّهِ، فَخَرَجَ وهو مُتَرَجِّلٌ في ثِيابٍ حَسَنَةٍ، فَقِيلَ لَهُ في ذَلِكَ، فَقالَ: قَدْ وعَدَنِي اللَّهُ عَلى مُصِيبَتِي ثَلاثَ خِصالٍ، كُلُّ خَصْلَةٍ مِنها أحَبُّ إلَيَّ مِنَ الدُّنْيا كُلِّها؛ قالَ اللَّهُ: ﴿الَّذِينَ إذا أصابَتْهم مُصِيبَةٌ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿المُهْتَدُونَ﴾ أفَأسْتَكِينُ لَها بَعْدَ هَذا ؟!
البقرة 2:158
(p-٨٧)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الصَّفا والمَرْوَةَ مِن شَعائِرِ اللَّهِ﴾ الآيَةَ
أخْرَجَ مالِكٌ في «المُوَطَّأِ»، وأحْمَدُ، والبُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، وأبُو داوُدَ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ ماجَهْ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي داوُدَ، وابْنُ الأنْبارِيِّ في «المَصاحِفِ» مَعًا، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في «السُّنَنِ»، عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها، «أنَّ عُرْوَةَ قالَ لَها: أرَأيْتِ قَوْلَ اللَّهِ تَعالى: ﴿إنَّ الصَّفا والمَرْوَةَ مِن شَعائِرِ اللَّهِ فَمَن حَجَّ البَيْتَ أوِ اعْتَمَرَ فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أنْ يَطَّوَّفَ بِهِما﴾ فَما أرى عَلى أحَدٍ جُناحًا ألّا يَطَّوَّفَ بِهِما. فَقالَتْ عائِشَةُ: بِئْسَما قُلْتَ يا ابْنَ أُخْتِي، إنَّها لَوْ كانَتْ عَلى ما أوَّلْتَها كانَتْ: فَلا جُناحَ عَلَيْهِ ألّا يَطَّوَّفَ بِهِما. ولَكِنَّها إنَّما نَزَلَتْ أنَّ الأنْصارَ قَبْلَ أنْ يُسْلِمُوا كانُوا يُهِلُّونَ لِمَناةَ الطّاغِيَةِ الَّتِي كانُوا يَعْبُدُونَها، وكانَ مَن أهَلَّ لَها يَتَحَرَّجُ أنْ يَطُوفَ بِالصَّفا والمَرْوَةِ، فَسَألُوا عَنْ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنّا كُنّا نَتَحَرَّجُ أنْ نَطُوفَ بِالصَّفا والمَرْوَةِ في الجاهِلِيَّةِ. فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿إنَّ الصَّفا والمَرْوَةَ مِن شَعائِرِ اللَّهِ﴾ الآيَةَ، قالَتْ عائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها: ثُمَّ قَدْ سَنَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الطَّوافَ بِهِما، فَلَيْسَ لِأحَدٍ أنْ يَدَعَ الطَّوافَ بِهِما» .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والبُخارِيُّ، والتِّرْمِذِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي داوُدَ في «المَصاحِفِ»، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ السَّكَنِ، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ أنَسٍ، أنَّهُ سُئِلَ (p-٨٨)عَنِ الصَّفا والمَرْوَةِ، قالَ: كُنّا نَرى أنَّهُما مِن أمْرِ الجاهِلِيَّةِ، فَلَمّا جاءَ الإسْلامُ أمْسَكْنا عَنْهُما، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إنَّ الصَّفا والمَرْوَةَ مِن شَعائِرِ اللَّهِ﴾ .
وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: «نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في الأنْصارِ؛ كانُوا في الجاهِلِيَّةِ إذا أحْرَمُوا لا يَحِلُّ لَهم أنْ يَطُوفُوا بَيْنَ الصَّفا والمَرْوَةِ، فَلَمّا قَدِمْنا ذَكَرُوا ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿إنَّ الصَّفا والمَرْوَةَ مِن شَعائِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة»: ١٥٨] .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي داوُدَ في «المَصاحِفِ»، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «كانَتِ الشَّياطِينُ في الجاهِلِيَّةِ تَعْزِفُ اللَّيْلَ أجْمَعَ بَيْنَ الصَّفا والمَرْوَةِ، وكانَتْ فِيهِما آلِهَةٌ لَهم أصْنامٌ، فَلَمّا جاءَ الإسْلامُ قالَ المُسْلِمُونَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، لا نَطُوفُ بَيْنَ الصَّفا والمَرْوَةِ؛ فَإنَّهُ شَيْءٌ كُنّا نَصْنَعُهُ في الجاهِلِيَّةِ. فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿فَمَن حَجَّ البَيْتَ أوِ اعْتَمَرَ فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أنْ يَطَّوَّفَ بِهِما﴾ يَقُولُ: لَيْسَ عَلَيْهِ إثْمٌ، ولَكِنْ لَهُ أجْرٌ» .
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ في «الأوْسَطِ»، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَتِ الأنْصارُ: إنَّ السَّعْيَ بَيْنَ الصَّفا والمَرْوَةِ مِن أمْرِ الجاهِلِيَّةِ. فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿إنَّ الصَّفا والمَرْوَةَ مِن شَعائِرِ اللَّهِ﴾ الآيَةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ حُبَشِيٍّ قالَ: سَألْتُ ابْنَ عُمَرَ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿إنَّ الصَّفا والمَرْوَةَ﴾ الآيَةَ. فَقالَ: انْطَلِقْ إلى ابْنِ عَبّاسٍ فاسْألْهُ؛ فَإنَّهُ أعْلَمُ مَن بَقِيَ بِما أُنْزِلَ عَلى مُحَمَّدٍ. فَأتَيْتُهُ فَسَألْتُهُ، فَقالَ: إنَّهُ كانَ عِنْدَهُما أصْنامٌ، فَلَمّا أسْلَمُوا أمْسَكُوا عَنِ الطَّوافِ بَيْنَهُما حَتّى أُنْزِلَتْ: ﴿إنَّ الصَّفا والمَرْوَةَ﴾ الآيَةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ الصَّفا والمَرْوَةَ مِن شَعائِرِ اللَّهِ﴾: وذَلِكَ أنَّ ناسًا تَحَرَّجُوا أنْ يَطَّوَّفُوا بَيْنَ الصَّفا والمَرْوَةِ، فَأخْبَرَ اللَّهُ أنَّهُما مِن شَعائِرِهِ، والطَّوافُ بَيْنَهُما أحَبُّ إلَيْهِ، فَمَضَتِ السُّنَّةُ بِالطَّوافِ بَيْنَهُما.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ عامِرٍ الشَّعْبِيِّ قالَ: «كانَ وثَنٌ بِالصَّفا يُدْعى إسافًا، ووَثَنٌ بِالمَرْوَةِ يُدْعى نائِلَةَ، فَكانَ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ إذا طافُوا بِالبَيْتِ يَسْعَوْنَ بَيْنَهُما، ويَمْسَحُونَ الوَثَنَيْنِ، فَلَمّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّ الصَّفا والمَرْوَةَ إنَّما كانَ يُطافُ بِهِما مِن أجْلِ الوَثَنَيْنِ، ولَيْسَ الطَّوافُ بِهِما مِنَ الشَّعائِرِ. فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿إنَّ الصَّفا والمَرْوَةَ﴾ الآيَةَ، فَذُكِّرَ الصَّفا مِن أجْلِ الوَثَنِ الَّذِي كانَ (p-٩٠)عَلَيْهِ، وأُنِّثَ المَرْوَةُ مِن أجْلِ الوَثَنِ الَّذِي كانَ عَلَيْهِ مُؤَنَّثًا» .
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: «قالَتِ الأنْصارُ: إنَّما السَّعْيُ بَيْنَ هَذَيْنَ الحَجَرَيْنِ مِن أمْرِ أهْلِ الجاهِلِيَّةِ. فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿إنَّ الصَّفا والمَرْوَةَ مِن شَعائِرِ اللَّهِ﴾ . قالَ: مِنَ الخَيْرِ الَّذِي أخْبَرْتُكم عَنْهُ، فَلَمْ يُحَرِّجْ مَن لَمْ يَطُفْ بِهِما، ومَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهو خَيْرٌ لَهُ، فَتَطَوَّعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَكانَتْ مِنَ السُّنَنِ»، فَكانَ عَطاءٌ يَقُولُ: يُبْدِلُ مَكانَهُ سُبْعَيْنِ بِالكَعْبَةِ إنْ شاءَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ قَتادَةَ قالَ: كانَ ناسٌ مِن أهْلِ تِهامَةَ في الجاهِلِيَّةِ لا يَطُوفُونَ بَيْنَ الصَّفا والمَرْوَةِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿إنَّ الصَّفا والمَرْوَةَ مِن شَعائِرِ اللَّهِ﴾ وكانَ مِن سُنَّةِ إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ الطَّوافُ بَيْنَهُما.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، ومُسْلِمٌ، والتِّرْمِذِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في ”سُنَنِهِ“ مِن طَرِيقِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: «كانَ رِجالٌ مِنَ الأنْصارِ مِمَّنْ كانَ يُهِلُّ لِمَناةَ في الجاهِلِيَّةِ -ومَناةُ صَنَمٌ بَيْنَ مَكَّةَ والمَدِينَةِ - قالُوا: يا نَبِيَّ اللَّهِ، إنّا كُنّا لا نَطُوفُ بَيْنَ الصَّفا والمَرْوَةِ تَعْظِيمًا لِمَناةَ، فَهَلْ عَلَيْنا مِن (p-٩١)حَرَجٍ أنْ نَطُوفَ بِهِما؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿إنَّ الصَّفا والمَرْوَةَ مِن شَعائِرِ اللَّهِ﴾ الآيَةَ. قالَ عُرْوَةُ: فَقُلْتُ لِعائِشَةَ: ما أُبالِي ألّا أطُوفَ بَيْنَ الصَّفا والمَرْوَةِ. قالَ اللَّهُ: ﴿فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أنْ يَطَّوَّفَ بِهِما﴾ فَقالَتْ: يا ابْنَ أُخْتِي، ألا تَرى أنَّهُ يَقُولُ: ﴿إنَّ الصَّفا والمَرْوَةَ مِن شَعائِرِ اللَّهِ﴾ . قالَ الزُّهْرِيُّ: فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِأبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الحارِثِ بْنِ هِشامٍ، فَقالَ: هَذا العِلْمُ. قالَ أبُو بَكْرٍ: ولَقَدْ سَمِعْتُ رِجالًا مِن أهْلِ العِلْمِ يَقُولُونَ: لَمّا أنْزَلَ اللَّهُ الطَّوافَ بِالبَيْتِ ولَمْ يُنْزِلِ الطَّوافَ بَيْنَ الصَّفا والمَرْوَةِ، قِيلَ لِلنَّبِيِّ ﷺ: إنّا كُنّا نَطُوفُ في الجاهِلِيَّةِ بَيْنَ الصَّفا والمَرْوَةِ، وإنَّ اللَّهَ قَدْ ذَكَرَ الطَّوافَ بِالبَيْتِ ولَمْ يَذْكُرِ الطَّوافَ بَيْنَ الصَّفا والمَرْوَةِ، فَهَلْ عَلَيْنا مِن حَرَجٍ ألّا نَطُوفَ بِهِما ؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿إنَّ الصَّفا والمَرْوَةَ مِن شَعائِرِ اللَّهِ﴾ الآيَةَ كُلَّها. قالَ أبُو بَكْرٍ: فَأسْمَعُ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في الفَرِيقَيْنِ كِلَيْهِما؛ في مَن طافَ، وفي مَن لَمْ يَطُفْ» .
وأخْرَجَ وكِيعٌ، وعَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، ومُسْلِمٌ، وابْنُ ماجَهْ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: لَعَمْرِي ما أتَمَّ اللَّهُ حَجَّ مَن لَمْ يَسْعَ بَيْنَ الصَّفا والمَرْوَةِ ولا عُمْرَتَهُ؛ لِأنَّ اللَّهَ قالَ: ﴿إنَّ الصَّفا والمَرْوَةَ مِن شَعائِرِ اللَّهِ﴾ .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، ومُسْلِمٌ، عَنْ أنَسٍ قالَ: كانَتِ الأنْصارُ يَكْرَهُونَ أنْ يَطُوفُوا بَيْنَ الصَّفا والمَرْوَةِ حَتّى نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿إنَّ الصَّفا والمَرْوَةَ مِن شَعائِرِ اللَّهِ﴾ فالطَّوافُ بَيْنَهُما تَطَوُّعٌ.
وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ في «فَضائِلِهِ»، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي داوُدَ في «المَصاحِفِ»، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ الأنْبارِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ: (فَلا جُناحَ عَلَيْهِ ألّا يَطَّوَّفَ بِهِما ) .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ عَطاءٍ قالَ: في مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ (فَلا جُناحَ عَلَيْهِ ألّا يَطَّوَّفَ بِهِما ) .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي داوُدَ في «المَصاحِفِ»، عَنْ حَمّادٍ قالَ: وجَدْتُ في مُصْحَفِ أُبَيٍّ: (فَلا جُناحَ عَلَيْهِ ألّا يَطَّوَّفَ بِهِما ) .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي داوُدَ عَنْ مُجاهِدٍ، أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ: (فَلا جُناحَ عَلَيْهِ ألّا يَطَّوَّفَ بِهِما ) .
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ في «الأوْسَطِ»، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أنَّهُ قَرَأ: ﴿فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أنْ يَطَّوَّفَ﴾ مُثَقَّلَةً، فَمَن تَرَكَ فَلا بَأْسَ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أنَّهُ أتاهُ رَجُلٌ (p-٩٣)فَقالَ: أبْدَأُ بِالصَّفا قَبْلَ المَرْوَةِ، أوْ أبْدَأُ بِالصَّفا قَبْلَ المَرْوَةِ؟ وأُصَلِّي قَبْلَ أنْ أطُوفَ أوْ أطُوفُ قَبْلُ؟ وأحْلِقُ قَبْلَ أنْ أذْبَحَ أوْ أذْبَحُ قَبْلَ أنْ أحْلِقَ؟ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: خُذُوا ذَلِكَ مِن كِتابِ اللَّهِ، فَإنَّهُ أجْدَرُ أنْ يُحْفَظَ؛ قالَ اللَّهُ: ﴿إنَّ الصَّفا والمَرْوَةَ مِن شَعائِرِ اللَّهِ﴾ فالصَّفا قَبْلَ المَرْوَةِ، وقالَ: ﴿ولا تَحْلِقُوا رُءُوسَكم حَتّى يَبْلُغَ الهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٦] فالذَّبْحُ قَبْلَ الحَلْقِ، وقالَ: ﴿وطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطّائِفِينَ والقائِمِينَ والرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [الحج: ٢٦] فالطَّوافُ قَبْلَ الصَّلاةِ.
وأخْرَجَ وكِيعٌ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: قُلْتُ لِابْنِ عَبّاسٍ لِمَ بُدِئَ بِالصَّفا قَبْلَ المَرْوَةِ؟ قالَ: لِأنَّ اللَّهَ قالَ: ﴿إنَّ الصَّفا والمَرْوَةَ مِن شَعائِرِ اللَّهِ﴾ .
وأخْرَجَ مُسْلِمٌ، والتِّرْمِذِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، والبَيْهَقِيُّ في ”سُنَنِهِ“، عَنْ جابِرٍ قالَ: «لَمّا دَنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنَ الصَّفا في حَجَّتِهِ قالَ: ”﴿إنَّ الصَّفا والمَرْوَةَ مِن شَعائِرِ اللَّهِ﴾، ابْدَءُوا بِما بَدَأ اللَّهُ بِهِ“ . فَبَدَأ بِالصَّفا فَرَقِيَ عَلَيْهِ» .
وأخْرَجَ الشّافِعِيُّ، وابْنُ سَعْدٍ، وأحْمَدُ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ قانِعٍ، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ حَبِيبَةَ بِنْتِ أبِي تِجْراةَ قالَتْ: «رَأيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَطُوفُ بَيْنَ الصَّفا والمَرْوَةِ، والنّاسُ بَيْنَ يَدَيْهِ وهو وراءَهُمْ، وهو يَسْعى حَتّى أرى رُكْبَتَيْهِ مِن شِدَّةِ السَّعْيِ، يَدُورُ بِهِ إزارُهُ وهو يَقُولُ: ”اسْعَوْا، فَإنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ كَتَبَ عَلَيْكُمُ السَّعْيَ“» . (p-٩٤)وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عامَ حَجَّ عَنِ الرَّمَلِ، فَقالَ: ”إنَّ اللَّهَ كَتَبَ عَلَيْكُمُ السَّعْيَ فاسْعَوْا“» .
وأخْرَجَ وكِيعٌ، عَنْ أبِي الطُّفَيْلِ عامِرِ بْنِ واثِلَةَ قالَ: سَألْتُ ابْنَ عَبّاسٍ عَنِ السَّعْيِ بَيْنَ الصَّفا والمَرْوَةِ، فَقالَ: فَعَلَهُ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ.
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ أبِي الطُّفَيْلِ قالَ: قُلْتُ لِابْنِ عَبّاسٍ: «يَزْعُمُ قَوْمُكَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سَعى بَيْنَ الصَّفا والمَرْوَةِ، وأنَّ ذَلِكَ سُنَّةٌ. قالَ: صَدَقُوا، إنَّ إبْراهِيمَ لَمّا أُمِرَ بِالمَناسِكِ اعْتَرَضَ عَلَيْهِ الشَّيْطانُ عِنْدَ المَسْعى، فَسابَقَهُ، فَسَبَقَهُ إبْراهِيمُ» .
وأخْرَجَ الحاكِمُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أنَّهُ رَآهم يَطُوفُونَ بَيْنَ الصَّفا والمَرْوَةِ فَقالَ: هَذا مِمّا أوْرَثَتْكم أُمُّ إسْماعِيلَ.
وأخْرَجَ الخَطِيبُ في «تالِي التَّلْخِيصِ» عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: أقْبَلَ إبْراهِيمُ ومَعَهُ هاجَرُ وإسْماعِيلُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، فَوَضَعَهم عِنْدَ البَيْتِ، فَقالَتْ: آللَّهُ أمَرَكَ (p-٩٥)بِهَذا ؟ قالَ: نَعَمْ، قالَ: فَعَطِشَ الصَّبِيُّ، فَنَظَرَتْ فَإذا أقْرَبُ الجِبالِ إلَيْها الصَّفا، فَسَعَتْ، فَرَقَتْ عَلَيْهِ، فَنَظَرَتْ فَلَمْ تَرَ شَيْئًا، ثُمَّ نَظَرَتْ فَإذا أقْرَبُ الجِبالِ إلَيْها المَرْوَةُ، فَنَظَرَتْ فَلَمْ تَرَ شَيْئًا، قالَ: فَهي أوَّلُ مَن سَعى بَيْنَ الصَّفا والمَرْوَةِ، ثُمَّ أقْبَلَتْ فَسَمِعَتْ حَفِيفًا أمامَها، قالَتْ: قَدْ أسْمَعَ، فَإنْ يَكُنْ عِنْدَكَ غِياثٌ فَهَلُمَّ، فَإذا جِبْرِيلُ أمامَها يَرْكُضُ زَمْزَمَ بِعَقِبِهِ، فَنَبَعَ الماءُ، فَجاءَتْ بِشَنٍّ لَها تَقْرِشُ فِيهِ الماءَ، فَقالَ لَها: تَخافِينَ العَطَشَ؟ هَذا بَلَدُ ضِيفانِ اللَّهِ، لا يَخافُونَ العَطَشَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ، والحاكِمُ وصَحَّحاهُ، والبَيْهَقِيُّ في «شُعَبِ الإيمانِ»، عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «”إنَّما جُعِلَ الطَّوافُ بِالبَيْتِ، والسَّعْيُ بَيْنَ الصَّفا والمَرْوَةِ، ورَمْيُ الجِمارِ، لِإقامَةِ ذِكْرِ اللَّهِ لا لِغَيْرِهِ“» .
وأخْرَجَ الأزْرَقِيُّ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: السُّنَّةُ في الطَّوافِ بَيْنَ الصَّفا والمَرْوَةِ أنْ يَنْزِلَ مِنَ الصَّفا، ثُمَّ يَمْشِي حَتّى يَأْتِيَ بَطْنَ المَسِيلِ، فَإذا جاءَهُ سَعى حَتّى يَظْهَرَ (p-٩٦)مِنهُ، ثُمَّ يَمْشِيَ حَتّى يَأْتِيَ المَرْوَةَ.
وأخْرَجَ الأزْرَقِيُّ مِن طَرِيقِ مَسْرُوقٍ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، أنَّهُ خَرَجَ إلى الصَّفا، فَقامَ إلى صَدْعٍ فِيهِ فَلَبّى، فَقُلْتُ لَهُ: إنَّ ناسًا يَنْهَوْنَ عَنِ الإهْلالِ هاهُنا. قالَ: ولَكِنِّي آمُرُكَ بِهِ، هَلْ تَدْرِي ما الإهْلالُ ؟ إنَّما هي اسْتِجابَةُ مُوسى لِرَبِّهِ، فَلَمّا أتى الوادِيَ رَمَلَ، وقالَ: رَبِّ اغْفِرْ وارْحَمْ، إنَّكَ أنْتَ الأعَزُّ الأكْرَمُ.
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، والبَيْهَقِيُّ في ”سُنَنِهِ“، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، أنَّهُ قامَ عَلى الصَّدْعِ الَّذِي في الصَّفا وقالَ: هَذا، والَّذِي لا إلَهَ غَيْرُهُ، مَقامُ الَّذِي أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ سُورَةُ ”البَقَرَةِ“ .
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَن تَطَوَّعَ خَيْرًا﴾ .
أخْرَجَ ابْنُ أبِي داوُدَ في «المَصاحِفِ»، عَنِ الأعْمَشِ قالَ: في قِراءَةِ عَبْدِ اللَّهِ ”ومَن تَطَوَّعَ بِخَيْرٍ“ .
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أنَّهُ كانَ يَدْعُو عَلى الصَّفا والمَرْوَةِ؛ يُكَبِّرُ ثَلاثًا سَبْعَ مَرّاتٍ، ثُمَّ يَقُولُ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ ولَهُ الحَمْدُ، وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، ولا نَعْبُدُ إلّا إيّاهُ، مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ولَوْ كَرِهَ الكافِرُونَ. وكانَ يَدْعُو بِدُعاءٍ كَثِيرٍ حَتّى يُبَطِّئَنا وإنّا لَشَبابٌ، فَكانَ (p-٩٧)مِن دُعائِهِ: اللَّهُمَّ اعْصِمْنِي بِدِينِكَ، وطَواعِيَتِكَ، وطَواعِيَةِ رَسُولِكَ، اللَّهُمَّ جَنِّبْنِي حُدُودَكَ، اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِمَّنْ يُحِبُّكَ، ويُحِبُّ مَلائِكَتَكَ، ويُحِبُّ رُسُلَكَ، ويُحِبُّ عِبادَكَ الصّالِحِينَ، اللَّهُمَّ حَبِّبْنِي إلَيْكَ، وإلى مَلائِكَتِكَ، وإلى رُسُلِكَ، وإلى عِبادِكَ الصّالِحِينَ، اللَّهُمَّ يَسِّرْنِي لِلْيُسْرى، وجَنِّبْنِي العُسْرى، واغْفِرْ لِي في الآخِرَةِ والأُولى، واجْعَلْنِي مِنَ الأئِمَّةِ المُتَّقِينَ، ومِن ورَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ، واغْفِرْ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ، اللَّهُمَّ إنَّكَ قُلْتَ: ﴿ادْعُونِي أسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠]، وإنَّكَ لا تُخْلِفُ المِيعادَ، اللَّهُمَّ إذْ هَدَيْتَنِي لِلْإسْلامِ فَلا تَنْزِعْهُ مِنِّي، ولا تَنْزِعْنِي مِنهُ، حَتّى تَوَفّانِي عَلى الإسْلامِ وقَدْ رَضِيتَ عَنِّي، اللَّهُمَّ لا تُقَدِّمْنِي لِلْعَذابِ، ولا تُؤَخِّرْنِي لِسَيِّئِ الفِتَنِ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ قالَ: مَن قَدِمَ مِنكم حاجًّا فَلْيَبْدَأْ بِالبَيْتِ، فَلْيَطُفْ بِهِ سَبْعًا، ثُمَّ لْيُصَلِّ رَكْعَتَيْنِ عِنْدَ مَقامِ إبْراهِيمَ، ثُمَّ لْيَأْتِ الصَّفا، فَلْيَقُمْ عَلَيْهِ مُسْتَقْبِلَ الكَعْبَةِ، ثُمَّ لْيُكَبِّرْ سَبْعًا؛ بَيْنَ كُلِّ تَكْبِيرَتَيْنِ حَمْدُ اللَّهِ، وثَناءٌ عَلَيْهِ، والصَّلاةُ عَلى النَّبِيِّ ﷺ، ويَسْألُهُ لِنَفْسِهِ، وعَلى المَرْوَةَ مِثْلُ ذَلِكَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ في «المُصَنَّفِ»، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: تُرْفَعُ الأيْدِي في سَبْعَةِ مَواطِنَ؛ إذا قامَ إلى الصَّلاةِ، وإذا رَأى البَيْتَ، وعَلى الصَّفا والمَرْوَةِ، وفي (p-٩٨)عَرَفاتٍ، وفي جَمْعٍ، وعِنْدَ الجِمارِ.
وأخْرَجَ الشّافِعِيُّ في «الأُمِّ» عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «”تُرْفَعُ الأيْدِي في الصَّلاةِ، وإذا رَأى البَيْتَ، وعَلى الصَّفا والمَرْوَةِ، وعَشِيَّةَ عَرَفَةَ، وبِجَمْعٍ، وعِنْدَ الجَمْرَتَيْنِ، وعَلى المَيِّتِ“» .
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنَّ اللَّهَ شاكِرٌ عَلِيمٌ﴾ .
أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ قالَ: لا شَيْءَ أشْكَرُ مِنَ اللَّهِ، ولا أجْزى لِخَيْرٍ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ.
البقرة 2:159
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أنْزَلْنا﴾ الآيَةَ.
أخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: سَألَ مُعاذُ بْنُ جَبَلٍ أخُو بَنِي سَلِمَةَ، وسَعْدُ بْنُ مُعاذٍ أخُو بَنِي الأشْهَلِ، وخارِجَةُ بْنُ زَيْدٍ أخُو بالحارِثِ بْنِ الخَزْرَجِ - نَفَرًا مِن أحْبارِ يَهُودَ عَنْ بَعْضِ ما في التَّوْراةِ، فَكَتَمُوهم إيّاهُ، وأبَوْا أنْ يُخْبِرُوهم، فَأنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ: ﴿إنَّ (p-٩٩)الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أنْزَلْنا مِنَ البَيِّناتِ والهُدى﴾ الآيَةَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أنْزَلْنا مِنَ البَيِّناتِ والهُدى﴾ قالَ: هم أهْلُ الكِتابِ.
وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أنْزَلْنا مِنَ البَيِّناتِ والهُدى﴾ الآيَةَ. قالَ: أُولَئِكَ أهْلُ الكِتابِ، كَتَمُوا الإسْلامَ وهو دِينُ اللَّهِ، وكَتَمُوا مُحَمَّدًا وهم يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهم في التَّوْراةِ والإنْحِيلِ، ﴿ويَلْعَنُهُمُ اللاعِنُونَ﴾ قالَ: مِن مَلائِكَةِ اللَّهِ المُؤْمِنِينَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أبِي العالِيَةِ في الآيَةِ قالَ: هم أهْلُ الكِتابِ، كَتَمُوا مُحَمَّدًا ونَعْتَهُ وهم يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ، حَسَدًا وبَغْيًا.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ السُّدِّيِّ في الآيَةِ قالَ: زَعَمُوا أنَّ رَجُلًا مِنَ اليَهُودِ كانَ لَهُ صَدِيقٌ مِنَ الأنْصارِ يُقالُ لَهُ: ثَعْلَبَةُ بْنُ عَنَمَةَ. قالَ لَهُ: هَلْ تَجِدُونَ مُحَمَّدًا عِنْدَكُمْ؟ قالَ: لا. قالَ: مُحَمَّدٌ: البَيِّناتُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ عَطاءٍ في قَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ ويَلْعَنُهُمُ (p-١٠٠)اللاعِنُونَ﴾ قالَ: الجِنُّ والإنْسُ وكُلُّ دابَّةٍ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ويَلْعَنُهُمُ اللاعِنُونَ﴾
قالَ: إذا أجْدَبَتِ البَهائِمُ دَعَتْ عَلى فُجّارِ بَنِي آدَمَ، فَقالَتْ: يُحْبَسُ عَنّا الغَيْثُ بِذُنُوبِهِمْ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ويَلْعَنُهُمُ اللاعِنُونَ﴾ قالَ: إنَّ البَهائِمَ إذا اشْتَدَّتْ عَلَيْهِمُ السَّنَةُ قالَتْ: هَذا مِن أجْلِ عُصاةِ بَنِي آدَمَ، لَعَنَ اللَّهُ عُصاةَ بَنِي آدَمَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو نُعَيْمٍ في «الحِلْيَةِ»، والبَيْهَقِيُّ في «شُعَبِ الإيمانِ»، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ويَلْعَنُهُمُ اللاعِنُونَ﴾ قالَ: دَوابُّ الأرْضِ؛ العَقارِبُ والخَنافِسُ، يَقُولُونَ: إنَّما مُنِعْنا القَطْرَ بِذُنُوبِهِمْ. فَيَلْعَنُونَهم.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ في قَوْلِهِ: ﴿ويَلْعَنُهُمُ اللاعِنُونَ﴾ قالَ: يَلْعَنُهم كُلُّ شَيْءٍ حَتّى الخَنافِسُ والعَقارِبُ، يَقُولُونَ: مُنِعْنا القَطْرَ بِذُنُوبِ بَنِي آدَمَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ أبِي جَعْفَرٍ في قَوْلِهِ: ﴿ويَلْعَنُهُمُ اللاعِنُونَ﴾ قالَ: كُلُّ شَيْءٍ حَتّى الخُنْفُساءُ.
(p-١٠١)وأخْرَجَ ابْنُ ماجَهْ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ البَراءِ بْنِ عازِبٍ قالَ: «كُنّا في جِنازَةٍ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فَقالَ: ”إنَّ الكافِرَ يُضْرَبُ ضَرْبَةً بَيْنَ عَيْنَيْهِ، فَيَسْمَعُهُ كُلُّ دابَّةٍ غَيْرُ الثَّقَلَيْنِ، فَتَلْعَنُهُ كُلُّ دابَّةٍ سَمِعَتْ صَوْتَهُ، فَذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ: ﴿ويَلْعَنُهُمُ اللاعِنُونَ﴾ يَعْنِي: دَوابُّ الأرْضِ“» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿ويَلْعَنُهُمُ اللاعِنُونَ﴾ قالَ: قالَ البَراءُ بْنُ عازِبٍ: إنَّ الكافِرَ إذا وُضِعَ في قَبْرِهِ أتَتْهُ دابَّةٌ كَأنَّ عَيْنَيْها قِدْرانِ مِن نُحاسٍ، مَعَها عَمُودٌ مِن حَدِيدٍ، فَتَضْرِبُهُ ضَرْبَةً بَيْنَ كَتِفَيْهِ فَيَصِيحُ، لا يَسْمَعُ أحَدٌ صَوْتَهُ إلّا لَعَنَهَ، ولا يَبْقى شَيْءٌ إلّا سَمِعَ صَوْتَهُ، إلّا الثَّقَلَيْنِ؛ الجِنَّ والإنْسَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ الضَّحّاكِ في قَوْلِهِ: ﴿ويَلْعَنُهُمُ اللاعِنُونَ﴾ قالَ: الكافِرُ إذا وُضِعَ في حُفْرَتِهِ ضُرِبَ ضَرْبَةً بِمِطْرَقٍ، فَيَصِيحُ صَيْحَةً يَسْمَعُ صَوْتَهُ كُلُّ شَيْءٍ إلّا الثَّقَلَيْنِ؛ الجِنَّ والإنْسَ، فَلا يَسْمَعُ صَيْحَتَهَ شَيْءٌ إلّا لَعَنَهُ.
وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في «شُعَبِ الإيمانِ»، عَنْ عَبْدِ الوَهّابِ بْنِ عَطاءٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ﴾ الآيَةَ، قالَ: سَمِعْتُ الكَلْبِيَّ يَقُولُ: هُمُ اليَهُودُ، قالَ: (p-١٠٢)ومَن لَعَنَ شَيْئًا لَيْسَ هو بِأهْلٍ، رَجَعَتِ اللَّعْنَةُ عَلى يَهُودِيٍّ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ويَلْعَنُهُمُ اللاعِنُونَ﴾ .
وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في «شُعَبِ الإيمانِ» مِن طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ مَرْوانَ: أخْبَرَنِي الكَلْبِيُّ، عَنْ أبِي صالِحٍ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في هَذِهِ الآيَةِ، قالَ: هو الرَّجُلُ يَلْعَنُ صاحِبَهُ في أمْرٍ يَرى أنْ قَدْ أتى إلَيْهِ، فَتَرْتَفِعُ اللَّعْنَةُ في السَّماءِ سَرِيعًا، فَلا تَجِدُ صاحِبَها الَّتِي قِيلَتْ لَهُ أهْلًا، فَتَرْجِعُ إلى الَّذِي تَكَلَّمَ بِها، فَلا تَجِدُ لَها أهْلًا، فَتَنْطَلِقُ فَتَقَعُ عَلى اليَهُودِ، فَهو قَوْلُهُ: ﴿ويَلْعَنُهُمُ اللاعِنُونَ﴾ فَمَن تابَ مِنهُمُ ارْتَفَعَتْ عَنْهُمُ اللَّعْنَةُ، فَكانَتْ في مَن بَقِيَ مِنَ اليَهُودِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿إلا الَّذِينَ تابُوا﴾ [البقرة: ١٦٠] الآيَةَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والتِّرْمِذِيُّ، وابْنُ ماجَهْ، والحاكِمُ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «”مَن سُئِلَ عَنْ عِلْمٍ عِنْدَهُ فَكَتَمَهُ، ألْجَمَهُ اللَّهُ بِلِجامٍ مِن نارٍ يَوْمَ القِيامَةِ“» .
وأخْرَجَ ابْنُ ماجَهْ، عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «”مَن سُئِلَ عَنْ عِلْمٍ فَكَتَمَهُ، أُلْجِمَ يَوْمَ القِيامَةِ بِلِجامٍ مِن نارٍ“» .
(p-١٠٣)وأخْرَجَ ابْنُ ماجَهْ، والمُرْهِبِي في «فَضْلِ العِلْمِ»، عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «”مَن كَتَمَ عِلْمًا مِمّا يَنْفَعُ اللَّهُ بِهِ النّاسَ في أمْرِ الدِّينِ، ألْجَمَهُ اللَّهُ يَوْمَ القِيامَةِ بِلِجامٍ مِن نارٍ“» . وأخْرَجَ ابْنُ ماجَهْ، عَنْ جابِرٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «”إذا لَعَنَ آخِرُ هَذِهِ الأُمَّةِ أوَّلَها فَمَن كَتَمَ حَدِيثًا فَقَدْ كَتَمَ ما أنْزَلَ اللَّهُ“» .
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «”أيُّما عَبْدٍ آتاهُ اللَّهُ عِلْمًا فَكَتَمَهُ، لَقِيَ اللَّهَ يَوْمَ القِيامَةِ مُلْجَمًا بِلِجامٍ مِن نارٍ“» .
وأخْرَجَ أبُو يَعْلى، والطَّبَرانِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «”مَن سُئِلَ عَنْ عِلْمٍ فَكَتَمَهُ، جاءَ يَوْمَ القِيامَةِ مُلْجَمًا بِلِجامٍ مِن نارٍ“» .
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ مِن حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ، وابْنِ عَمْرٍو مِثْلَهُ. (p-١٠٤)وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ في «الأوْسَطِ»، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «”مَثَلُ الَّذِي يَتَعَلَّمُ العِلْمَ ثُمَّ لا يُحَدِّثُ بِهِ، كَمَثَلِ الَّذِي يَكْنِزُ الكَنْزَ فَلا يُنْفِقُ مِنهُ“» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأحْمَدُ في «الزُّهْدِ»، عَنْ سَلْمانَ قالَ: عِلْمٌ لا يُقالُ بِهِ كَكَنْزٍ لا يُنْفَقُ مِنهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والبُخارِيُّ، وابْنُ ماجَهْ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: لَوْلا آيَةٌ في كِتابِ اللَّهِ ما حَدَّثْتُ أحَدًا بِشَيْءٍ أبَدًا، ثُمَّ تَلا هَذِهِ الآيَةَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أنْزَلْنا مِنَ البَيِّناتِ والهُدى﴾ الآيَةَ.
وأخْرَجَ أبُو داوُدَ في «ناسِخِهِ»، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أنْزَلْنا مِنَ البَيِّناتِ والهُدى﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿اللاعِنُونَ﴾ ثُمَّ اسْتَثْنى فَقالَ: ﴿إلا الَّذِينَ تابُوا وأصْلَحُوا وبَيَّنُوا﴾ [البقرة: ١٦٠] الآيَةَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ عَطاءٍ: ﴿إلا الَّذِينَ تابُوا وأصْلَحُوا﴾ [البقرة: ١٦٠] قالَ: ذَلِكَ كَفّارَةٌ لَهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ قَتادَةَ: ﴿إلا الَّذِينَ تابُوا وأصْلَحُوا﴾ [البقرة: ١٦٠] قالَ: أصْلَحُوا ما بَيْنَهم وبَيْنَ اللَّهِ، ﴿وبَيَّنُوا﴾ [البقرة: ١٦٠] الَّذِي جاءَهم (p-١٠٥)مِنَ اللَّهِ ولَمْ يَكْتُمُوا ولَمْ يَجْحَدُوا بِهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ في قَوْلِهِ: ﴿أتُوبُ عَلَيْهِمْ﴾ [البقرة: ١٦٠] يَعْنِي أتَجاوَزُ عَنْهم.
البقرة 2:160
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأنا التَّوّابُ﴾ .
أخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو نُعَيْمٍ في «الحِلْيَةِ»، عَنْ أبِي زُرْعَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ جَرِيرٍ قالَ: إنَّ أوَّلَ شَيْءٍ كُتِبَ: أنا التَّوّابُ، أتُوبُ عَلى مَن تابَ.
البقرة 2:161
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الآيَتَيْنِ
أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أبِي العالِيَةِ قالَ: إنَّ الكافِرَ يُوقَفُ يَوْمَ القِيامَةِ، فَيَلْعَنُهُ اللَّهُ، ثُمَّ تَلْعَنُهُ المَلائِكَةُ، ثُمَّ يَلْعَنُهُ النّاسُ أجْمَعُونَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ والمَلائِكَةِ والنّاسِ أجْمَعِينَ﴾ قالَ: يَعْنِي بِالنّاسِ أجْمَعِينَ: المُؤْمِنِينَ.
(p-١٠٦)وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ السُّدِّيِّ في الآيَةِ قالَ: لا يَتَلاعَنُ اثْنانِ مُؤْمِنانِ، ولا كافِرانِ فَيَقُولُ أحَدُهُما: لَعَنَ اللَّهُ الظّالِمَ. إلّا رَجَعَتْ تِلْكَ اللَّعْنَةُ عَلى الكافِرِ؛ لِأنَّهُ ظالِمٌ، فَكُلُّ أحَدٍ مِنَ الخَلْقِ يَلْعَنُهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ جَرِيرِ بْنِ حازِمٍ قالَ: سَمِعْتُ الحَسَنَ يَقْرَؤُها: ( أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ والمَلائِكَةِ والنّاسِ أجْمَعُونَ ) .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ أبِي العالِيَةِ في قَوْلِهِ: ﴿خالِدِينَ فِيها﴾ يَقُولُ: خالِدِينَ في جَهَنَّمَ في اللَّعْنَةِ. وفي قَوْلِهِ: ﴿ولا هم يُنْظَرُونَ﴾ يَقُولُ: لا يُنْظَرُونَ فَيَعْتَذِرُونَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولا هم يُنْظَرُونَ﴾ قالَ: لا يُؤَخَّرُونَ.
البقرة 2:162
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الآيَتَيْنِ
أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أبِي العالِيَةِ قالَ: إنَّ الكافِرَ يُوقَفُ يَوْمَ القِيامَةِ، فَيَلْعَنُهُ اللَّهُ، ثُمَّ تَلْعَنُهُ المَلائِكَةُ، ثُمَّ يَلْعَنُهُ النّاسُ أجْمَعُونَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ والمَلائِكَةِ والنّاسِ أجْمَعِينَ﴾ قالَ: يَعْنِي بِالنّاسِ أجْمَعِينَ: المُؤْمِنِينَ.
(p-١٠٦)وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ السُّدِّيِّ في الآيَةِ قالَ: لا يَتَلاعَنُ اثْنانِ مُؤْمِنانِ، ولا كافِرانِ فَيَقُولُ أحَدُهُما: لَعَنَ اللَّهُ الظّالِمَ. إلّا رَجَعَتْ تِلْكَ اللَّعْنَةُ عَلى الكافِرِ؛ لِأنَّهُ ظالِمٌ، فَكُلُّ أحَدٍ مِنَ الخَلْقِ يَلْعَنُهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ جَرِيرِ بْنِ حازِمٍ قالَ: سَمِعْتُ الحَسَنَ يَقْرَؤُها: ( أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ والمَلائِكَةِ والنّاسِ أجْمَعُونَ ) .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ أبِي العالِيَةِ في قَوْلِهِ: ﴿خالِدِينَ فِيها﴾ يَقُولُ: خالِدِينَ في جَهَنَّمَ في اللَّعْنَةِ. وفي قَوْلِهِ: ﴿ولا هم يُنْظَرُونَ﴾ يَقُولُ: لا يُنْظَرُونَ فَيَعْتَذِرُونَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولا هم يُنْظَرُونَ﴾ قالَ: لا يُؤَخَّرُونَ.
البقرة 2:163
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ﴾ الآيَةَ.
أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأحْمَدُ، والدّارِمِيُّ، وأبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ، وابْنُ ماجَهْ، وأبُو مُسْلِمٍ الكَجِّيُّ في «السُّنَنِ»، وابْنُ الضُّرَيْسِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في «شُعَبِ الإيمانِ»، عَنْ أسْماءَ بِنْتِ يَزِيدَ بْنِ السَّكَنِ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ قالَ: «”اسْمُ اللَّهِ الأعْظَمُ في هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ: ﴿وإلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ لا إلَهَ (p-١٠٧)إلا هو الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ و: ﴿الم﴾ [آل عمران: ١] ﴿اللَّهُ لا إلَهَ إلا هو الحَيُّ القَيُّومُ﴾ [آل عمران»: ٢] .
وأخْرَجَ الدَّيْلَمِيُّ، عَنْ أنَسٍ، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «“لَيْسَ شَيْءٌ أشَدَّ عَلى مَرَدَةِ الجِنِّ مِن هَؤُلاءِ الآياتِ الَّتِي في سُورَةِ البَقَرَةِ: ﴿وإلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ﴾ الآيَتَيْنِ”» .
وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ، عَنْ إبْراهِيمَ بْنِ وثِيمَةَ قالَ: الآياتُ الَّتِي يَدْفَعُ اللَّهُ بِهِنَّ مِنَ اللَّمَمِ، مَن لَزِمَهُنَّ في كُلِّ يَوْمٍ ذَهَبَ عَنْهُ ما يَجِدُ: ﴿وإلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ﴾ الآيَةَ. وآيَةُ الكُرْسِيِّ، وخاتِمَةُ“البَقَرَةِ”، و﴿إنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ﴾ [الأعراف: ٥٤] إلى ﴿المُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف: ٥٦]، وآخِرُ“الحَشْرِ" . بَلَغَنا أنَّهُنَّ مَكْتُوباتٌ في زَوايا العَرْشِ. وكانَ يَقُولُ: اكْتُبُوهُنَّ لِصِبْيانِكم مِنَ الفَزَعِ واللَّمَمِ.
البقرة 2:164
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ .
أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «قالَتْ قُرَيْشٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ: ادْعُ اللَّهَ أنْ يَجْعَلَ لَنا الصَّفا ذَهَبًا نَتَقَوّى بِهِ عَلى عَدُوِّنا. فَأوْحى اللَّهُ إلَيْهِ: إنِّي مُعْطِيهِمْ، فَأجْعَلُ لَهُمُ الصَّفا ذَهَبًا، ولَكِنْ إنْ كَفَرُوا بَعْدَ ذَلِكَ عَذَّبْتُهم عَذابًا لا (p-١٠٨)أُعَذِّبُهُ أحَدًا مِنَ العالَمِينَ. فَقالَ: ”رَبِّ، دَعْنِي وقَوْمِي، فَأدْعُوهم يَوْمًا بِيَوْمٍ“ . فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿إنَّ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ واخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ والفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي في البَحْرِ﴾ . وكَيْفَ يَسْألُونَكَ الصَّفا وهم يَرَوْنَ مِنَ الآياتِ ما هو أعْظَمُ مِنَ الصَّفا» ! .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: «سَألَتْ قُرَيْشٌ اليَهُودَ، فَقالُوا: حَدِّثُونا عَمّا جاءَكم بِهِ مُوسى مِنَ الآياتِ، فَحَدَّثُوهم بِالعَصا، وبِيَدِهِ البَيْضاءِ لِلنّاظِرِينَ، وسَألُوا النَّصارى عَمّا جاءَهم بِهِ عِيسى مِنَ الآياتِ، فَأخْبَرُوهم أنَّهُ كانَ يُبْرِئُ الأكْمَهَ والأبْرَصَ، ويُحْيِيَ المَوْتى بِإذْنِ اللَّهِ. فَقالَتْ قُرَيْشٌ عِنْدَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ: ادْعُ اللَّهَ أنْ يَجْعَلَ لَنا الصَّفا ذَهَبًا؛ فَنَزْدادَ بِهِ يَقِينًا، ونَتَقَوّى بِهِ عَلى عَدُوِّنا. فَسَألَ النَّبِيُّ ﷺ رَبَّهُ، فَأوْحى اللَّهُ إلَيْهِ: إنِّي مُعْطِيهِمْ ذَلِكَ، ولَكِنْ إنْ كَذَّبُوا بَعْدُ عَذَّبْتُهم عَذابًا لَمْ أُعَذِّبْهُ أحَدًا مِنَ العالَمِينَ. فَقالَ: ”ذَرْنِي وقَوْمِي، فَأدْعُوهم يَوْمًا بِيَوْمٍ“، فَأنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ: ﴿إنَّ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ الآيَةَ. فَخَلْقُ السَّماواتِ والأرْضِ واخْتِلافُ اللَّيْلِ والنَّهارِ، أعْظَمُ مِن أنْ أجْعَلَ الصَّفا ذَهَبًا» .
وأخْرَجَ وكِيعٌ، والفِرْيابِيُّ، وآدَمُ بْنُ أبِي إياسٍ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ في «العَظَمَةِ»، والبَيْهَقِيُّ (p-١٠٩)فِي «شُعَبِ الإيمانِ»، عَنْ أبِي الضُّحى قالَ: لَمّا نَزَلَتْ: ﴿وإلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ﴾ [البقرة: ١٦٣] عَجِبَ المُشْرِكُونَ وقالُوا: إنَّ مُحَمَّدًا يَقُولُ: وإلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ فَلْيَأْتِنا بِآيَةٍ إنْ كانَ مِنَ الصّادِقِينَ. فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿إنَّ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ الآيَةَ. يَقُولُ: إنَّ في هَذِهِ الآياتِ: ﴿لآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ عَطاءٍ قالَ: «نَزَلَ عَلى النَّبِيِّ ﷺ بِالمَدِينَةِ: ﴿وإلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ لا إلَهَ إلا هو الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ١٦٣] فَقالَ كُفّارُ قُرَيْشٍ بِمَكَّةَ: كَيْفَ يَسَعُ النّاسَ إلَهٌ واحِدٌ؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿إنَّ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ فَبِهَذا يَعْلَمُونَ أنَّهُ إلَهٌ واحِدٌ، وأنَّهُ إلَهُ كُلِّ شَيْءٍ وخالِقُ كُلِّ شَيْءٍ» .
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ﴾
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ في «العَظَمَةِ»، عَنْ سَلْمانَ قالَ: اللَّيْلُ مُوَكَّلٌ بِهِ مَلَكٌ يُقالُ لَهُ: شَراهِيلُ. فَإذا حانَ وقْتُ اللَّيْلِ أخَذَ خَرَزَةً سَوْداءَ، فَدَلّاها مِن قِبَلِ المَغْرِبِ، فَإذا نَظَرَتْ إلَيْها الشَّمْسُ وجَبَتْ في أسْرَعِ مِن طَرْفَةِ عَيْنٍ، وقَدْ أُمِرَتِ الشَّمْسُ ألّا تَغْرُبَ حَتّى تَرى الخَرَزَةَ، فَإذا غَرَبَتْ جاءَ اللَّيْلُ، فَلا تَزالُ الخَرَزَةُ مُعَلَّقَةً حَتّى يَجِيءَ مَلَكٌ آخَرُ يُقالُ لَهُ: هَراهِيلُ. بِخَرَزَةٍ بَيْضاءَ، فَيُعَلِّقُها مِن قِبَلِ المَطْلِعِ، فَإذا رَآها شَراهِيلُ مَدَّ إلَيْهِ خَرَزَتَهُ، وتَرى الشَّمْسُ الخَرَزَةَ البَيْضاءَ فَتَطْلُعُ، وقَدْ أُمِرَتْ ألّا (p-١١٠)تَطْلُعَ حَتّى تَراها، فَإذا طَلَعَتْ جاءَ النَّهارُ.
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي في البَحْرِ﴾ .
أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أبِي مالِكٍ في قَوْلِهِ: ﴿والفُلْكِ﴾ قالَ: السَّفِينَةِ.
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وبَثَّ فِيها مِن كُلِّ دابَّةٍ﴾ .
أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿وبَثَّ فِيها مِن كُلِّ دابَّةٍ﴾ قالَ: بَثَّ: خَلَقَ.
وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ، عَنْ جابِرٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «”أقِلُّوا الخُرُوجَ إذا هَدَأتِ الرِّجْلُ، إنَّ اللَّهَ يَبُثُّ مِن خَلْقِهِ بِاللَّيْلِ ما شاءَ“» .
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وتَصْرِيفِ الرِّياحِ﴾ .
أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وتَصْرِيفِ الرِّياحِ﴾ قالَ: إذا شاءَ جَعَلَها رَحْمَةً، لَواقِحَ لِلسَّحابِ ونَشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ، وإذا شاءَ جَعَلَها عَذابًا، رِيحًا عَقِيمًا لا تُلْقِحُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قالَ: كُلُّ شَيْءٍ في القُرْآنِ مِنَ الرِّياحِ (p-١١١)فَهِيَ رَحْمَةٌ، وكُلُّ شَيْءٍ في القُرْآنِ مِنَ الرِّيحِ فَهو عَذابٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ في «شُعَبِ الإيمانِ»، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قالَ: لا تَسُبُّوا الرِّيحَ؛ فَإنَّها مِن نَفَسِ الرَّحْمَنِ، قَوْلُهُ: ﴿وتَصْرِيفِ الرِّياحِ والسَّحابِ المُسَخَّرِ﴾ ولَكِنْ قُولُوا: اللَّهُمَّ إنّا نَسْألُكَ مِن خَيْرِ هَذِهِ الرِّيحِ وخَيْرِ ما فِيها وخَيْرِ ما أُرْسِلَتْ بِهِ، ونَعُوذُ بِكَ مِن شَرِّها وشَرِّ ما أُرْسِلَتْ بِهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدّادِ بْنِ الهادِ قالَ: الرِّيحُ مِن رُوحِ اللَّهِ، فَإذا رَأيْتُمُوها فاسْألُوا مِن خَيْرِها وتَعَوَّذُوا بِاللَّهِ مِن شَرِّها.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عَبْدَةَ، عَنْ أبِيها قالَ: إنَّ مِنَ الرِّياحِ رَحْمَةً، ومِنها رِياحُ عَذابٍ، فَإذا سَمِعْتُمُ الرِّياحَ فَقُولُوا: اللَّهُمَّ اجْعَلْها رِياحَ رَحْمَةٍ ولا تَجْعَلْها رِياحَ عَذابٍ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ في «العَظَمَةِ»، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الماءُ والرِّيحُ جُنْدانِ مِن جُنُودِ اللَّهِ، والرِّيحُ جُنْدُ اللَّهِ الأعْظَمُ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: الرِّيحُ لَها جَناحانِ وذَنَبٌ.
وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ، وابْنُ أبِي الدُّنْيا في كِتابِ «المَطَرِ»، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ في «العَظَمَةِ»، عَنِ ابْنِ عَمْرٍو قالَ: الرِّياحُ ثَمانٌ؛ أرْبَعٌ مِنها (p-١١٢)رَحْمَةٌ، وأرْبَعٌ عَذابٌ؛ فَأمّا الرَّحْمَةُ؛ فالنّاشِراتُ، والمُبَشِّراتُ، والمُرْسَلاتُ، والذّارِياتُ، وأمّا العَذابُ؛ فالعَقِيمُ، والصَّرْصَرُ، وهُما في البَرِّ، والعاصِفِ، والقاصِفِ، وهُما في البَحْرِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الرِّياحُ ثَمانٌ؛ أرْبَعٌ رَحْمَةٌ، وأرْبَعٌ عَذابٌ، الرَّحْمَةُ؛ المُنْتَشِراتُ والمُبَشِّراتُ والمُرْسَلاتُ والرَّخاءُ، والعَذابُ؛ العاصِفُ والقاصِفُ، وهُما في البَحْرِ، والعَقِيمُ والصَّرْصَرُ وهُما في البَرِّ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ عِيسى بْنِ أبِي عِيسى الخَيّاطِ قالَ: بَلَغَنا أنَّ الرِّياحَ سَبْعٌ؛ الصَّبا والدَّبُورُ والجَنُوبُ والشَّمالُ والنَّكْباءُ والخَرُوقُ ورِيحُ القائِمِ، فَأمّا الصَّبا فَتَجِيءُ مِنَ المَشْرِقِ، وأمّا الدَّبُورُ فَتَجِيءُ مِنَ المَغْرِبِ، وأمّا الجَنُوبُ فَتَجِيءُ عَنْ يَسارِ القِبْلَةِ، وأمّا الشَّمالُ فَتَجِيءُ عَنْ يَمِينِ القِبْلَةِ، وأمّا النَّكْباءُ فَبَيْنَ الصَّبا والجَنُوبِ، وأمّا الخَرُوقُ فَبَيْنَ الشَّمالِ والدَّبُورِ، وأمّا رِيحُ القائِمِ فَأنْفاسُ الخَلْقِ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ الحَسَنِ قالَ: جُعِلَتِ الرِّياحُ عَلى الكَعْبَةِ، فَإذا أرَدْتَ أنْ تَعْلَمَ ذَلِكَ فَأسْنِدْ ظَهْرَكَ إلى بابِ الكَعْبَةِ؛ فَإنَّ الشَّمالَ عَنْ شِمالِكَ، وهي مِمّا يَلِي الحِجْرَ، والجَنُوبَ عَنْ يَمِينِكَ، وهو مِمّا يَلِي الحَجَرَ الأسْوَدَ، والصَّبا (p-١١٣)مُقابِلُكَ، وهي مُسْتَقْبِلُ بابِ الكَعْبَةِ، والدَّبُورُ مِن دُبُرِ الكَعْبَةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ حُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ الجُعْفِيِّ قالَ: سَألْتُ إسْرائِيلَ بْنَ يُونُسَ: عَنْ أيِّ شَيْءٍ سُمِّيَتِ الرِّيحُ؟ قالَ: عَلى القِبْلَةِ؛ شَمالُهُ الشَّمالُ، وجَنُوبُهُ الجَنُوبُ، والصَّبا: ما جاءَ مِن قِبَلِ وجْهِها، والدَّبُورُ: ما جاءَ مِن خَلْفِها.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ ضَمْرَةَ بْنِ حَبِيبٍ قالَ: الدَّبُورُ الرِّيحُ الغَرْبِيَّةُ، والقَبُولُ الشَّرْقِيَّةُ، والشَّمالُ الجَنُوبِيَّةُ، واليَمانُ القِبْلِيَّةُ، والنَّكْباءُ تَأْتِي مِنَ الجَوانِبِ الأرْبَعِ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الشَّمالُ: ما بَيْنَ الجَدْيِ ومَطْلِعِ الشَّمْسِ، والجَنُوبُ: ما بَيْنَ مَطْلِعِ الشَّمْسِ وسُهَيْلٍ، والصَّبا: ما بَيْنَ مَغْرِبِ الشَّمْسِ إلى الجَدْيِ، والدَّبُورُ: ما بَيْنَ مَغْرِبِ الشَّمْسِ إلى سُهَيْلٍ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «”الجَنُوبُ مِن رِيحِ الجَنَّةِ“» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا في كِتابِ «السَّحابِ»، وابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو الشَّيْخِ في (p-١١٤)«العَظَمَةِ»، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «”رِيحُ الجَنُوبِ مِنَ الجَنَّةِ، وهي مِنَ اللَّواقِحِ، وفِيها مَنافِعُ لِلنّاسِ، والشَّمالُ مِنَ النّارِ، تَخْرُجُ فَتَمُرُّ بِالجَنَّةِ، فَتُصِيبُها نَفْحَةٌ مِنَ الجَنَّةِ، فَبَرْدُها مِن ذَلِكَ“» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وإسْحاقُ بْنُ راهُوَيْهِ، في «مُسْنَدَيْهِما»، والبُخارِيُّ في «تارِيخِهِ»، والبَزّارُ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ أبِي ذَرٍّ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «”إنَّ اللَّهَ خَلَقَ في الجَنَّةِ رِيحًا بَعْدَ الرِّيحِ بِسَبْعِ سِنِينَ، مِن دُونِها بابٌ مُغْلَقٌ، وإنَّما يَأْتِيكُمُ الرِّيحُ مِن خَلَلِ ذَلِكَ البابِ، ولَوْ فُتِحَ ذَلِكَ البابُ لَأذْرَتْ ما بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ، وهي عِنْدَ اللَّهِ الأزْيَبُ، وعِنْدَكُمُ الجَنُوبُ“» .
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الجَنُوبُ سَيِّدَةُ الأرْواحِ، واسْمُها عِنْدَ اللَّهِ الأزْيَبُ، ومِن دُونِها سَبْعَةُ أبْوابٍ، وإنَّما يَأْتِيكم مِنها ما يَأْتِيكم مِن خَلَلِها، ولَوْ فُتِحَ مِنها بابٌ واحِدٌ لَأذْرَتْ ما بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: ما راحَتْ جَنُوبٌ قَطُّ إلّا سالَ وادٍ مِن ماءٍ، رَأيْتُمُوهُ أوْ لَمْ تَرَوْهُ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَيْسِ بْنِ عُبادَةَ قالَ: الشَّمالُ مِلْحُ الأرْضِ، ولَوْلا (p-١١٥)الشَّمالُ لا تُنْبِتُ الأرْضُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ في «زَوائِدِ الزُّهْدِ»، وأبُو الشَّيْخِ في «العَظَمَةِ»، عَنْ كَعْبٍ قالَ: لَوِ احْتُبِسَتِ الرِّيحُ عَنِ النّاسِ ثَلاثَةَ أيّامٍ لَأنْتَنَ ما بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ المُبارَكِ قالَ: إنَّ لِلرِّيحِ جَناحًا، وإنَّ القَمَرَ يَأْوِي إلى غِلافٍ مِنَ الماءِ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ عُثْمانَ الأعْرَجِ قالَ: إنَّ مَساكِنَ الرِّياحِ تَحْتَ أجْنِحَةِ الكَرُوبِيِّينَ حَمَلَةِ العَرْشِ، فَتَهِيجُ فَتَقَعُ بِعَجَلَةِ الشَّمْسِ، فَتُعِينُ المَلائِكَةَ عَلى جَرِّها، ثُمَّ تَهِيجُ مِن عَجَلَةِ الشَّمْسِ، فَتَقَعُ في البَحْرِ، ثُمَّ تَهِيجُ في البَحْرِ، فَتَقَعُ بِرُءُوسِ الجِبالِ، ثُمَّ تَهِيجُ مِن رُءُوسِ الجِبالِ، فَتَقَعُ في البَرِّ، فَأمّا الشَّمالُ فَإنَّها تَمُرُّ بِجَنَّةِ عَدْنٍ، فَتَأْخُذُ مِن عَرْفِ طِيبِها، ثُمَّ تَأْتِي الشَّمالُ حَدُّها مِن كُرْسِيِّ بَناتِ نَعْشٍ إلى مَغْرِبِ الشَّمْسِ، وتَأْتِي الدَّبُورُ حَدُّها مِن مَغْرِبِ الشَّمْسِ إلى مَطْلِعِ سُهَيْلٍ، وتَأْتِي الجَنُوبُ حَدُّها مِن مَطْلِعِ سُهَيْلٍ إلى مَطْلِعِ الشَّمْسِ، وتَأْتِي الصَّبا حَدُّها مِن مَطْلِعِ الشَّمْسِ إلى كُرْسِيِّ بَناتِ نَعْشٍ، فَلا تَدْخُلُ هَذِهِ في حَّدِ هَذِهِ، ولا هَذِهِ في (p-١١٦)حَدِّ هَذِهِ.
وأخْرَجَ الشّافِعِيُّ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأحْمَدُ، وأبُو داوُدَ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ ماجَهْ، والبَيْهَقِيُّ في ”سُنَنِهِ“، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «أخَذَتِ النّاسَ رِيحٌ بِطَرِيقِ مَكَّةَ وعُمَرُ حاجٌّ، فاشْتَدَّتْ، فَقالَ عُمَرُ لِمَن حَوْلَهُ: ما بَلَغَكم في الرِّيحِ؟ فَقُلْتُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ”الرِّيحُ مِن رَوْحِ اللَّهِ، تَأْتِي بِالرَّحْمَةِ وبِالعَذابِ، فَلا تَسُبُّوها، وسَلُوا اللَّهَ مِن خَيْرِها، وعُوذُوا بِاللَّهِ مِن شَرِّها“» .
وأخْرَجَ الشّافِعِيُّ، عَنْ صَفْوانَ بْنِ سُلَيْمٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «”لا تَسُبُّوا الرِّيحَ، وعُوذُوا بِاللَّهِ مِن شَرِّها“» .
وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في «شُعَبِ الإيمانِ»، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، «أنَّ رَجُلًا لَعَنَ الرِّيحَ، فَقالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: ”لا تَلْعَنِ الرِّيحَ، فَإنَّها مَأْمُورَةٌ، وإنَّهُ مَن لَعَنَ شَيْئًا لَيْسَ لَهُ بِأهْلٍ رَجَعَتِ اللَّعْنَةُ عَلَيْهِ“» .
وأخْرَجَ الشّافِعِيُّ، وأبُو الشَّيْخِ، والبَيْهَقِيُّ في «المَعْرِفَةِ»، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «ما هَبَّتْ رِيحٌ قَطُّ إلّا جَثا النَّبِيُّ ﷺ عَلى رُكْبَتَيْهِ وقالَ: ”اللَّهُمَّ اجْعَلْها رَحْمَةً ولا تَجْعَلْها عَذابًا، اللَّهُمَّ اجْعَلْها رِياحًا ولا تَجْعَلْها رِيحًا“» .
قالَ ابْنُ (p-١١٧)عَبّاسٍ: واللَّهِ، إنَّ تَفْسِيرَ ذَلِكَ في كِتابِ اللَّهِ: ﴿فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا﴾ [فصلت: ١٦]، و﴿أرْسَلْنا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ العَقِيمَ﴾ [الذاريات: ٤١]، وقالَ: ﴿وأرْسَلْنا الرِّياحَ لَواقِحَ﴾ [الحجر: ٢٢] . وأرْسَلَنا الرِّياحَ مُبَشِّراتٍ.
وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ في «زَوائِدِ المُسْنَدِ»، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «”لا تَسُبُّوا الرِّيحَ، فَإنَّها مِن رَوْحِ اللَّهِ تَعالى، وسَلُوا اللَّهَ خَيْرَها وخَيْرَ ما فِيها وخَيْرَ ما أُرْسِلَتْ بِهِ، وتَعَوَّذُوا بِاللَّهِ مِن شَرِّها وشَرِّ ما فِيها وشَرِّ ما أُرْسِلَتْ بِهِ“» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: هاجَتْ رِيحٌ فَسَبُّوها، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لا تَسُبُّوها؛ فَإنَّها تَجِيءُ بِالرَّحْمَةِ، وتَجِيءُ بِالعَذابِ، ولَكِنْ قُولُوا: اللَّهُمَّ اجْعَلْها رَحْمَةً، ولا تَجْعَلْها عَذابًا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أنَّهُ كانَ إذا عَصَفَتِ الرِّيحُ فَدارَتْ يَقُولُ: شُدُّوا التَّكْبِيرَ، فَإنَّها مُذْهِبَةٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أبِي لَيْلى قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «”لا تَسُبُّوا اللَّيْلَ والنَّهارَ، ولا الشَّمْسَ، ولا القَمَرَ، ولا الرِّيحَ؛ فَإنَّها تُبْعَثُ (p-١١٨)عَذابًا عَلى قَوْمٍ، ورَحْمَةً عَلى آخَرِينَ“» .
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والسَّحابِ المُسَخَّرِ بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ﴾ .
أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ في «العَظَمَةِ»، والبَيْهَقِيُّ في «الأسْماءِ والصِّفاتِ»، وابْنُ عَساكِرَ، عَنْ مُعاذِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خُبَيْبٍ الجُهَنِيِّ قالَ: رَأيْتُ ابْنَ عَبّاسٍ سَألَ تُبَيْعَ ابْنَ امْرَأةِ كَعْبٍ: هَلْ سَمِعْتَ كَعْبًا يَقُولُ في السَّحابِ شَيْئًا؟ قالَ: نَعَمْ، سَمِعْتُهُ يَقُولُ: إنَّ السَّحابَ غِرْبالُ المَطَرِ، لَوْلا السَّحابُ حِينَ يَنْزِلُ الماءُ مِنَ السَّماءِ لَأفْسَدَ ما يَقَعُ عَلَيْهِ مِنَ الأرْضِ. قالَ: وسَمِعْتُ كَعْبًا يَذْكُرُ أنَّ الأرْضَ تُنْبِتُ العامَ نَباتًا، وتُنْبِتُ عامًا قابِلًا غَيْرَهُ. وسَمِعْتُهُ يَقُولُ: إنَّ البَذْرَ يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ مَعَ المَطَرِ، فَيَخْرُجُ في الأرْضِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: صَدَقْتَ، وأنا قَدْ سَمِعْتُ ذَلِكَ مِن كَعْبٍ.
أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ في «العَظَمَةِ»، عَنْ عَطاءٍ قالَ: السَّحابُ يَخْرُجُ مِنَ الأرْضِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ خالِدِ بْنِ مَعْدانَ قالَ: إنَّ في الجَنَّةِ شَجَرَةً تُثْمِرُ السَّحابَ، فالسَّوْداءُ مِنها الثَّمَرَةُ الَّتِي نَضِجَتِ الَّتِي تَحْمِلُ المَطَرَ، والبَيْضاءُ الثَّمَرَةُ الَّتِي لَمْ تَنْضَجْ لا تَحْمِلُ المَطَرَ.
(p-١١٩)وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: السَّحابُ الأسْوَدُ فِيهِ المَطَرُ، والأبْيَضُ فِيهِ النَّدى، وهو الَّذِي يُنْضِجُ الثِّمارَ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ أبِي المُثَنّى أنَّ الأرْضَ قالَتْ: رَبِّ ارْوِنِي مِنَ الماءِ، ولا تُنْزِلْهُ عَلَيَّ مُنْهَمِرًا كَما أنْزَلْتَهُ عَلَيَّ يَوْمَ الطُّوفانِ. قالَ: سَأجْعَلُ لَكِ السَّحابَ غِرْبالًا.
وأخْرَجَ أحْمَدُ، وابْنُ أبِي الدُّنْيا في كِتابِ «المَطَرِ»، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ الغِفارِيِّ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «”يُنْشِئُ اللَّهُ السَّحابَ، فَيَنْطِقُ أحْسَنَ المَنطِقِ، ويَضْحَكُ أحْسَنَ الضَّحِكِ“» .
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ عائِشَةَ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «”إذا أنْشَأتْ بَحْرِيَّةً ثُمَّ تَشامَتْ فَتِلْكَ عَيْنٌ أوْ عامٌ غَدِيقَةٌ“» . يَعْنِي: مَطَرًا كَثِيرًا.
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ في «الأوْسَطِ»، عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: أشَدُّ خَلْقِ رَبِّكَ عَشَرَةٌ؛ الجِبالُ، والحَدِيدُ يَنْحِتُ الجِبالَ، والنّارُ تَأْكُلُ الحَدِيدَ، والماءُ يُطْفِئُ (p-١٢٠)النّارَ، والسَّحابُ المُسَخَّرُ بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ يَحْمِلُ الماءَ، والرِّيحُ تُقِلُّ السَّحابَ، والإنْسانُ يَتَّقِي الرِّيحَ بِيَدِهِ، ويَذْهَبُ فِيها لِحاجَتِهِ، والسُّكْرُ يَغْلِبُ الإنْسانَ، والنَّوْمُ يَغْلِبُ السُّكْرَ، والهَمُّ يَمْنَعُ النَّوْمَ، فَأشَدُّ خَلْقِ رَبِّكَ الهَمُّ.
أخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ الحَسَنِ، أنَّهُ كانَ إذا نَظَرَ إلى السَّحابِ قالَ: فِيهِ واللَّهِ رِزْقُكُمْ، ولَكِنَّكم تُحْرَمُونَهُ بِذُنُوبِكم.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأبُو داوُدَ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ ماجَهْ، عَنْ عائِشَةَ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ إذا رَأى سَحابًا مُقْبِلًا مِن أُفُقٍ مِنَ الآفاقِ، تَرَكَ ما هو فِيهِ، وإنْ كانَ في صَلاةٍ، حَتّى يَسْتَقْبِلَهُ، فَيَقُولُ: ”اللَّهُمَّ إنّا نَعُوذُ بِكَ مِن شَرِّ ما أُرْسِلَ بِهِ“ فَإنْ أمْطَرَ قالَ: ”اللَّهُمَّ سَيْبًا نافِعًا“ . مَرَّتَيْنِ أوْ ثَلاثًا، وإنْ كَشَفَهُ اللَّهُ ولَمْ يُمْطِرْ حَمِدَ اللَّهَ عَلى ذَلِكَ» .
البقرة 2:165
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ الآياتِ.
أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ومِنَ النّاسِ (p-١٢١)مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أنْدادًا يُحِبُّونَهم كَحُبِّ اللَّهِ﴾ قالَ: مُباهاةً ومُضادَّةً لِلْحَقِّ بِالأنْدادِ، ﴿والَّذِينَ آمَنُوا أشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ قالَ: مِنَ الكُفّارِ لِآلِهَتِهِمْ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ زَيْدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أنْدادًا﴾ . قالَ: هَؤُلاءِ المُشْرِكُونَ، أنْدادُهم آلِهَتُهُمُ الَّتِي عَبَدُوا مَعَ اللَّهِ، يُحِبُّونَهم كَما يُحِبُّ الَّذِينَ آمَنُوا اللَّهَ، ﴿والَّذِينَ آمَنُوا أشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ مِن حُبِّهِمْ هم لِآلِهَتِهِمْ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ السُّدِّيِّ في الآيَةِ قالَ: الأنْدادُ مِنَ الرِّجالِ، يُطِيعُونَهم كَما يُطِيعُونَ اللَّهَ، إذا أمَرُوهم أطاعُوهم وعَصَوُا اللَّهَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ: ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أنْدادًا﴾ أيْ شُرَكاءَ، ﴿يُحِبُّونَهم كَحُبِّ اللَّهِ﴾ أيْ: يُحِبُّونَ آلِهَتَهم كَحُبِّ المُؤْمِنِينَ اللَّهَ، ﴿والَّذِينَ آمَنُوا أشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ قالَ: مِنَ الكُفّارِ لِآلِهَتِهِمْ، أيْ: لِأوْثانِهِمْ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿يُحِبُّونَهم كَحُبِّ اللَّهِ﴾ قالَ: يُحِبُّونَ أوْثانَهم كَحُبِّ اللَّهِ، ﴿والَّذِينَ آمَنُوا أشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ مِنَ الكُفّارِ لِأوْثانِهِمْ.
(p-١٢٢)وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ الرَّبِيعِ في قَوْلِهِ: ( ولَوْ تَرى الَّذِينَ ظَلَمُوا ) قالَ: ولَوْ تَرى يا مُحَمَّدُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ، فاتَّخَذُوا مِن دُونِي أنْدادًا يُحِبُّونَهم كَحُبِّكم إيّايَ، حِينَ يُعايِنُونَ عَذابِي يَوْمَ القِيامَةِ الَّذِي أعْدَدْتُ لَهُمْ، لَعَلِمْتُمْ أنَّ القُوَّةَ كُلَّها لِي دُونَ الأنْدادِ والآلِهَةِ، وأنَّ الأنْدادَ والآلِهَةَ لا تُغْنِي عَنْهم هُنالِكَ شَيْئًا، ولا تَدْفَعُ عَنْهم عَذابًا أحْلَلْتُ بِهِمْ، وأيْقَنْتُمْ أنِّي شَدِيدٌ عَذابِي لِمَن كَفَرَ بِي، وادَّعى مَعِي إلَهًا غَيْرِي.
وأخْرَجَ أبُو نُعَيْمٍ في «الحِلْيَةِ»، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ قالَ: كانَ في خاتَمِ أبِي: القُوَّةُ لِلَّهِ جَمِيعًا.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿إذْ تَبَرَّأ الَّذِينَ اتُّبِعُوا﴾ قالَ: هُمُ الجَبابِرَةُ والقادَةُ والرُّءُوسُ في الشَّرِّ والشِّرْكِ، ﴿مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا﴾ وهُمُ الأتْباعُ والضُّعَفاءُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿إذْ تَبَرَّأ الَّذِينَ اتُّبِعُوا﴾ قالَ: هُمُ الشَّياطِينُ تَبَرَّءُوا مِنَ الإنْسِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأسْبابُ﴾ قالَ: المَوَدَّةُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأسْبابُ﴾ قالَ: المَنازِلُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأسْبابُ﴾ قالَ: الأرْحامُ.
وأخْرَجَ وكِيعٌ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو نُعَيْمٍ في «الحِلْيَةِ»، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأسْبابُ﴾ قالَ: الأوْصالُ الَّتِي كانَتْ بَيْنَهم في الدُّنْيا والمَوَدَّةُ. (p-١٢٤)وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ أبِي صالِحٍ في قَوْلِهِ: ﴿وتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأسْبابُ﴾ قالَ: الأعْمالُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ الرَّبِيعِ: ﴿وتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأسْبابُ﴾ قالَ: أسْبابُ المَنازِلِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ قَتادَةَ: ﴿وتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأسْبابُ﴾ قالَ: أسْبابُ النَّدامَةِ يَوْمَ القِيامَةِ، والأسْبابُ المُواصَلَةُ الَّتِي كانَتْ بَيْنَهم في الدُّنْيا يَتَواصَلُونَ بِها، ويَتَحابُّونَ بِها، فَصارَتْ عَداوَةً يَوْمَ القِيامَةِ، يَلْعَنُ بَعْضُهم بَعْضًا.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ قَتادَةَ: ﴿وقالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أنَّ لَنا كَرَّةً﴾ قالَ: رَجْعَةً إلى الدُّنْيا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أبِي العالِيَةِ في قَوْلِهِ: ﴿كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أعْمالَهم حَسَراتٍ عَلَيْهِمْ﴾: يَقُولُ: صارَتْ أعْمالُهُمُ الخَبِيثَةُ حَسْرَةً عَلَيْهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وما هم بِخارِجِينَ مِنَ النّارِ﴾ (p-١٢٥)قالَ: أُولَئِكَ أهْلُها الَّذِينَ هم أهْلُها.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ الأوْزاعِيِّ قالَ: سَمِعْتُ ثابِتَ بْنَ مَعْبَدٍ قالَ: ما زالَ أهْلُ النّارِ يَأْمُلُونَ الخُرُوجَ مِنها حَتّى نَزَلَتْ: ﴿وما هم بِخارِجِينَ مِنَ النّارِ﴾ .
البقرة 2:166
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ الآياتِ.
أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ومِنَ النّاسِ (p-١٢١)مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أنْدادًا يُحِبُّونَهم كَحُبِّ اللَّهِ﴾ قالَ: مُباهاةً ومُضادَّةً لِلْحَقِّ بِالأنْدادِ، ﴿والَّذِينَ آمَنُوا أشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ قالَ: مِنَ الكُفّارِ لِآلِهَتِهِمْ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ زَيْدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أنْدادًا﴾ . قالَ: هَؤُلاءِ المُشْرِكُونَ، أنْدادُهم آلِهَتُهُمُ الَّتِي عَبَدُوا مَعَ اللَّهِ، يُحِبُّونَهم كَما يُحِبُّ الَّذِينَ آمَنُوا اللَّهَ، ﴿والَّذِينَ آمَنُوا أشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ مِن حُبِّهِمْ هم لِآلِهَتِهِمْ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ السُّدِّيِّ في الآيَةِ قالَ: الأنْدادُ مِنَ الرِّجالِ، يُطِيعُونَهم كَما يُطِيعُونَ اللَّهَ، إذا أمَرُوهم أطاعُوهم وعَصَوُا اللَّهَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ: ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أنْدادًا﴾ أيْ شُرَكاءَ، ﴿يُحِبُّونَهم كَحُبِّ اللَّهِ﴾ أيْ: يُحِبُّونَ آلِهَتَهم كَحُبِّ المُؤْمِنِينَ اللَّهَ، ﴿والَّذِينَ آمَنُوا أشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ قالَ: مِنَ الكُفّارِ لِآلِهَتِهِمْ، أيْ: لِأوْثانِهِمْ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿يُحِبُّونَهم كَحُبِّ اللَّهِ﴾ قالَ: يُحِبُّونَ أوْثانَهم كَحُبِّ اللَّهِ، ﴿والَّذِينَ آمَنُوا أشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ مِنَ الكُفّارِ لِأوْثانِهِمْ.
(p-١٢٢)وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ الرَّبِيعِ في قَوْلِهِ: ( ولَوْ تَرى الَّذِينَ ظَلَمُوا ) قالَ: ولَوْ تَرى يا مُحَمَّدُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ، فاتَّخَذُوا مِن دُونِي أنْدادًا يُحِبُّونَهم كَحُبِّكم إيّايَ، حِينَ يُعايِنُونَ عَذابِي يَوْمَ القِيامَةِ الَّذِي أعْدَدْتُ لَهُمْ، لَعَلِمْتُمْ أنَّ القُوَّةَ كُلَّها لِي دُونَ الأنْدادِ والآلِهَةِ، وأنَّ الأنْدادَ والآلِهَةَ لا تُغْنِي عَنْهم هُنالِكَ شَيْئًا، ولا تَدْفَعُ عَنْهم عَذابًا أحْلَلْتُ بِهِمْ، وأيْقَنْتُمْ أنِّي شَدِيدٌ عَذابِي لِمَن كَفَرَ بِي، وادَّعى مَعِي إلَهًا غَيْرِي.
وأخْرَجَ أبُو نُعَيْمٍ في «الحِلْيَةِ»، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ قالَ: كانَ في خاتَمِ أبِي: القُوَّةُ لِلَّهِ جَمِيعًا.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿إذْ تَبَرَّأ الَّذِينَ اتُّبِعُوا﴾ قالَ: هُمُ الجَبابِرَةُ والقادَةُ والرُّءُوسُ في الشَّرِّ والشِّرْكِ، ﴿مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا﴾ وهُمُ الأتْباعُ والضُّعَفاءُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿إذْ تَبَرَّأ الَّذِينَ اتُّبِعُوا﴾ قالَ: هُمُ الشَّياطِينُ تَبَرَّءُوا مِنَ الإنْسِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأسْبابُ﴾ قالَ: المَوَدَّةُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأسْبابُ﴾ قالَ: المَنازِلُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأسْبابُ﴾ قالَ: الأرْحامُ.
وأخْرَجَ وكِيعٌ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو نُعَيْمٍ في «الحِلْيَةِ»، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأسْبابُ﴾ قالَ: الأوْصالُ الَّتِي كانَتْ بَيْنَهم في الدُّنْيا والمَوَدَّةُ. (p-١٢٤)وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ أبِي صالِحٍ في قَوْلِهِ: ﴿وتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأسْبابُ﴾ قالَ: الأعْمالُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ الرَّبِيعِ: ﴿وتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأسْبابُ﴾ قالَ: أسْبابُ المَنازِلِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ قَتادَةَ: ﴿وتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأسْبابُ﴾ قالَ: أسْبابُ النَّدامَةِ يَوْمَ القِيامَةِ، والأسْبابُ المُواصَلَةُ الَّتِي كانَتْ بَيْنَهم في الدُّنْيا يَتَواصَلُونَ بِها، ويَتَحابُّونَ بِها، فَصارَتْ عَداوَةً يَوْمَ القِيامَةِ، يَلْعَنُ بَعْضُهم بَعْضًا.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ قَتادَةَ: ﴿وقالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أنَّ لَنا كَرَّةً﴾ قالَ: رَجْعَةً إلى الدُّنْيا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أبِي العالِيَةِ في قَوْلِهِ: ﴿كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أعْمالَهم حَسَراتٍ عَلَيْهِمْ﴾: يَقُولُ: صارَتْ أعْمالُهُمُ الخَبِيثَةُ حَسْرَةً عَلَيْهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وما هم بِخارِجِينَ مِنَ النّارِ﴾ (p-١٢٥)قالَ: أُولَئِكَ أهْلُها الَّذِينَ هم أهْلُها.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ الأوْزاعِيِّ قالَ: سَمِعْتُ ثابِتَ بْنَ مَعْبَدٍ قالَ: ما زالَ أهْلُ النّارِ يَأْمُلُونَ الخُرُوجَ مِنها حَتّى نَزَلَتْ: ﴿وما هم بِخارِجِينَ مِنَ النّارِ﴾ .
البقرة 2:167
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ الآياتِ.
أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ومِنَ النّاسِ (p-١٢١)مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أنْدادًا يُحِبُّونَهم كَحُبِّ اللَّهِ﴾ قالَ: مُباهاةً ومُضادَّةً لِلْحَقِّ بِالأنْدادِ، ﴿والَّذِينَ آمَنُوا أشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ قالَ: مِنَ الكُفّارِ لِآلِهَتِهِمْ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ زَيْدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أنْدادًا﴾ . قالَ: هَؤُلاءِ المُشْرِكُونَ، أنْدادُهم آلِهَتُهُمُ الَّتِي عَبَدُوا مَعَ اللَّهِ، يُحِبُّونَهم كَما يُحِبُّ الَّذِينَ آمَنُوا اللَّهَ، ﴿والَّذِينَ آمَنُوا أشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ مِن حُبِّهِمْ هم لِآلِهَتِهِمْ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ السُّدِّيِّ في الآيَةِ قالَ: الأنْدادُ مِنَ الرِّجالِ، يُطِيعُونَهم كَما يُطِيعُونَ اللَّهَ، إذا أمَرُوهم أطاعُوهم وعَصَوُا اللَّهَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ: ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أنْدادًا﴾ أيْ شُرَكاءَ، ﴿يُحِبُّونَهم كَحُبِّ اللَّهِ﴾ أيْ: يُحِبُّونَ آلِهَتَهم كَحُبِّ المُؤْمِنِينَ اللَّهَ، ﴿والَّذِينَ آمَنُوا أشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ قالَ: مِنَ الكُفّارِ لِآلِهَتِهِمْ، أيْ: لِأوْثانِهِمْ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿يُحِبُّونَهم كَحُبِّ اللَّهِ﴾ قالَ: يُحِبُّونَ أوْثانَهم كَحُبِّ اللَّهِ، ﴿والَّذِينَ آمَنُوا أشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ مِنَ الكُفّارِ لِأوْثانِهِمْ.
(p-١٢٢)وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ الرَّبِيعِ في قَوْلِهِ: ( ولَوْ تَرى الَّذِينَ ظَلَمُوا ) قالَ: ولَوْ تَرى يا مُحَمَّدُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ، فاتَّخَذُوا مِن دُونِي أنْدادًا يُحِبُّونَهم كَحُبِّكم إيّايَ، حِينَ يُعايِنُونَ عَذابِي يَوْمَ القِيامَةِ الَّذِي أعْدَدْتُ لَهُمْ، لَعَلِمْتُمْ أنَّ القُوَّةَ كُلَّها لِي دُونَ الأنْدادِ والآلِهَةِ، وأنَّ الأنْدادَ والآلِهَةَ لا تُغْنِي عَنْهم هُنالِكَ شَيْئًا، ولا تَدْفَعُ عَنْهم عَذابًا أحْلَلْتُ بِهِمْ، وأيْقَنْتُمْ أنِّي شَدِيدٌ عَذابِي لِمَن كَفَرَ بِي، وادَّعى مَعِي إلَهًا غَيْرِي.
وأخْرَجَ أبُو نُعَيْمٍ في «الحِلْيَةِ»، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ قالَ: كانَ في خاتَمِ أبِي: القُوَّةُ لِلَّهِ جَمِيعًا.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿إذْ تَبَرَّأ الَّذِينَ اتُّبِعُوا﴾ قالَ: هُمُ الجَبابِرَةُ والقادَةُ والرُّءُوسُ في الشَّرِّ والشِّرْكِ، ﴿مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا﴾ وهُمُ الأتْباعُ والضُّعَفاءُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿إذْ تَبَرَّأ الَّذِينَ اتُّبِعُوا﴾ قالَ: هُمُ الشَّياطِينُ تَبَرَّءُوا مِنَ الإنْسِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأسْبابُ﴾ قالَ: المَوَدَّةُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأسْبابُ﴾ قالَ: المَنازِلُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأسْبابُ﴾ قالَ: الأرْحامُ.
وأخْرَجَ وكِيعٌ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو نُعَيْمٍ في «الحِلْيَةِ»، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأسْبابُ﴾ قالَ: الأوْصالُ الَّتِي كانَتْ بَيْنَهم في الدُّنْيا والمَوَدَّةُ. (p-١٢٤)وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ أبِي صالِحٍ في قَوْلِهِ: ﴿وتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأسْبابُ﴾ قالَ: الأعْمالُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ الرَّبِيعِ: ﴿وتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأسْبابُ﴾ قالَ: أسْبابُ المَنازِلِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ قَتادَةَ: ﴿وتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأسْبابُ﴾ قالَ: أسْبابُ النَّدامَةِ يَوْمَ القِيامَةِ، والأسْبابُ المُواصَلَةُ الَّتِي كانَتْ بَيْنَهم في الدُّنْيا يَتَواصَلُونَ بِها، ويَتَحابُّونَ بِها، فَصارَتْ عَداوَةً يَوْمَ القِيامَةِ، يَلْعَنُ بَعْضُهم بَعْضًا.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ قَتادَةَ: ﴿وقالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أنَّ لَنا كَرَّةً﴾ قالَ: رَجْعَةً إلى الدُّنْيا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أبِي العالِيَةِ في قَوْلِهِ: ﴿كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أعْمالَهم حَسَراتٍ عَلَيْهِمْ﴾: يَقُولُ: صارَتْ أعْمالُهُمُ الخَبِيثَةُ حَسْرَةً عَلَيْهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وما هم بِخارِجِينَ مِنَ النّارِ﴾ (p-١٢٥)قالَ: أُولَئِكَ أهْلُها الَّذِينَ هم أهْلُها.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ الأوْزاعِيِّ قالَ: سَمِعْتُ ثابِتَ بْنَ مَعْبَدٍ قالَ: ما زالَ أهْلُ النّارِ يَأْمُلُونَ الخُرُوجَ مِنها حَتّى نَزَلَتْ: ﴿وما هم بِخارِجِينَ مِنَ النّارِ﴾ .
البقرة 2:168
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها النّاسُ كُلُوا مِمّا في الأرْضِ﴾ الآيَتَيْنِ.
أخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «تُلِيَتْ هَذِهِ الآيَةُ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ: ﴿يا أيُّها النّاسُ كُلُوا مِمّا في الأرْضِ حَلالا طَيِّبًا﴾ فَقامَ سَعْدُ بْنُ أبِي وقّاصٍ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، ادْعُ اللَّهَ أنْ يَجْعَلَنِي مُسْتَجابَ الدَّعْوَةِ. فَقالَ: ”يا سَعْدُ، أطِبْ مَطْعَمَكَ تَكُنْ مُسْتَجابَ الدَّعْوَةِ، والَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، إنَّ الرَّجُلَ لَيَقْذِفُ اللُّقْمَةَ الحَرامَ في جَوْفِهِ، فَما يُتَقَبَّلُ مِنهُ أرْبَعِينَ يَوْمًا، وأيُّما عَبْدٍ نَبَتَ لَحْمُهُ مِنَ السُّحْتِ والرِّبا فالنّارُ أوْلى بِهِ“» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ﴾ قالَ: عَمَلَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: ما خالَفَ القُرْآنَ فَهو مِن خُطُواتِ الشَّيْطانِ. (p-١٢٦)وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ﴾ قالَ: خَطَأهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ: ﴿ولا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ﴾ نَزَغاتِ الشَّيْطانِ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ في قَوْلِهِ: ﴿خُطُواتِ الشَّيْطانِ﴾ قالَ: تَزْيِينَ الشَّيْطانِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ قالَ: كُلُّ مَعْصِيَةٍ لِلَّهِ فَهي مِن خُطُواتِ الشَّيْطانِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: ما كانَ مِن يَمِينٍ أوْ نَذْرٍ في غَضَبٍ، فَهو مِن خُطُواتِ الشَّيْطانِ، وكَفّارَتُهُ كَفّارَةُ يَمِينٍ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، أنَّهُ أُتِيَ بِضَرْعٍ ومِلْحٍ، فَجَعَلَ يَأْكُلُ، فاعْتَزَلَ رَجُلٌ مِنَ القَوْمِ، فَقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: ناوِلُوا صاحِبَكم. فَقالَ: لا أُرِيدُ. فَقالَ: أصائِمٌ أنْتَ؟ قالَ: لا. قالَ: فَما شَأْنُكَ؟ قالَ: حَرَّمْتُ أنْ آكُلَ ضَرْعًا أبَدًا. فَقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: هَذا مِن خُطُواتِ الشَّيْطانِ، فاطْعَمْ وكَفِّرْ عَنْ يَمِينِكَ.
(p-١٢٧)وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ أبِي مِجْلَزٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ﴾ قالَ: النُّذُورُ في المَعاصِي.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ عِيسى بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ قالَ: جاءَ رَجُلٌ إلى الحَسَنِ، فَسَألَهُ وأنا عِنْدَهُ، فَقالَ لَهُ: حَلَفْتُ إنْ لَمْ أفْعَلْ كَذا وكَذا أنْ أحُجَّ حَبْوًا. فَقالَ: هَذا مِن خُطُواتِ الشَّيْطانِ، فَحُجَّ وارْكَبْ، وكَفِّرْ عَنْ يَمِينِكَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ عُثْمانَ بْنِ غِياثٍ قالَ: سَألْتُ جابِرَ بْنَ زَيْدٍ عَنْ رَجُلٍ نَذَرَ أنْ يَجْعَلَ في أنْفِهِ حَلْقَةً مِن ذَهَبٍ، فَقالَ: هي مِن خُطُواتِ الشَّيْطانِ، ولا يَزالُ عاصِيًا لِلَّهِ، فَلْيُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: إنَّما سُمِّيَ الشَّيْطانُ لِأنَّهُ تَشَيْطَنَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّما يَأْمُرُكم بِالسُّوءِ﴾ قالَ: المَعْصِيَةِ، ﴿والفَحْشاءِ﴾ قالَ: الزِّنى. ﴿وأنْ تَقُولُوا عَلى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ قالَ: هو ما كانُوا يُحَرِّمُونَ مِنَ البَحائِرِ والسَّوائِبِ والوَصائِلِ والحَوامِي، ويَزْعُمُونَ أنَّ اللَّهَ حَرَّمَ ذَلِكَ.
البقرة 2:169
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها النّاسُ كُلُوا مِمّا في الأرْضِ﴾ الآيَتَيْنِ.
أخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «تُلِيَتْ هَذِهِ الآيَةُ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ: ﴿يا أيُّها النّاسُ كُلُوا مِمّا في الأرْضِ حَلالا طَيِّبًا﴾ فَقامَ سَعْدُ بْنُ أبِي وقّاصٍ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، ادْعُ اللَّهَ أنْ يَجْعَلَنِي مُسْتَجابَ الدَّعْوَةِ. فَقالَ: ”يا سَعْدُ، أطِبْ مَطْعَمَكَ تَكُنْ مُسْتَجابَ الدَّعْوَةِ، والَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، إنَّ الرَّجُلَ لَيَقْذِفُ اللُّقْمَةَ الحَرامَ في جَوْفِهِ، فَما يُتَقَبَّلُ مِنهُ أرْبَعِينَ يَوْمًا، وأيُّما عَبْدٍ نَبَتَ لَحْمُهُ مِنَ السُّحْتِ والرِّبا فالنّارُ أوْلى بِهِ“» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ﴾ قالَ: عَمَلَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: ما خالَفَ القُرْآنَ فَهو مِن خُطُواتِ الشَّيْطانِ. (p-١٢٦)وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ﴾ قالَ: خَطَأهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ: ﴿ولا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ﴾ نَزَغاتِ الشَّيْطانِ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ في قَوْلِهِ: ﴿خُطُواتِ الشَّيْطانِ﴾ قالَ: تَزْيِينَ الشَّيْطانِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ قالَ: كُلُّ مَعْصِيَةٍ لِلَّهِ فَهي مِن خُطُواتِ الشَّيْطانِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: ما كانَ مِن يَمِينٍ أوْ نَذْرٍ في غَضَبٍ، فَهو مِن خُطُواتِ الشَّيْطانِ، وكَفّارَتُهُ كَفّارَةُ يَمِينٍ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، أنَّهُ أُتِيَ بِضَرْعٍ ومِلْحٍ، فَجَعَلَ يَأْكُلُ، فاعْتَزَلَ رَجُلٌ مِنَ القَوْمِ، فَقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: ناوِلُوا صاحِبَكم. فَقالَ: لا أُرِيدُ. فَقالَ: أصائِمٌ أنْتَ؟ قالَ: لا. قالَ: فَما شَأْنُكَ؟ قالَ: حَرَّمْتُ أنْ آكُلَ ضَرْعًا أبَدًا. فَقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: هَذا مِن خُطُواتِ الشَّيْطانِ، فاطْعَمْ وكَفِّرْ عَنْ يَمِينِكَ.
(p-١٢٧)وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ أبِي مِجْلَزٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولا تَتَّبِعُوا خُطُواتِ الشَّيْطانِ﴾ قالَ: النُّذُورُ في المَعاصِي.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ عِيسى بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ قالَ: جاءَ رَجُلٌ إلى الحَسَنِ، فَسَألَهُ وأنا عِنْدَهُ، فَقالَ لَهُ: حَلَفْتُ إنْ لَمْ أفْعَلْ كَذا وكَذا أنْ أحُجَّ حَبْوًا. فَقالَ: هَذا مِن خُطُواتِ الشَّيْطانِ، فَحُجَّ وارْكَبْ، وكَفِّرْ عَنْ يَمِينِكَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ عُثْمانَ بْنِ غِياثٍ قالَ: سَألْتُ جابِرَ بْنَ زَيْدٍ عَنْ رَجُلٍ نَذَرَ أنْ يَجْعَلَ في أنْفِهِ حَلْقَةً مِن ذَهَبٍ، فَقالَ: هي مِن خُطُواتِ الشَّيْطانِ، ولا يَزالُ عاصِيًا لِلَّهِ، فَلْيُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: إنَّما سُمِّيَ الشَّيْطانُ لِأنَّهُ تَشَيْطَنَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّما يَأْمُرُكم بِالسُّوءِ﴾ قالَ: المَعْصِيَةِ، ﴿والفَحْشاءِ﴾ قالَ: الزِّنى. ﴿وأنْ تَقُولُوا عَلى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾ قالَ: هو ما كانُوا يُحَرِّمُونَ مِنَ البَحائِرِ والسَّوائِبِ والوَصائِلِ والحَوامِي، ويَزْعُمُونَ أنَّ اللَّهَ حَرَّمَ ذَلِكَ.
البقرة 2:170
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا ما أنْزَلَ اللَّهُ﴾ الآيَةَ.
(p-١٢٨)أخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «دَعا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ اليَهُودَ إلى الإسْلامِ، ورَغَّبَهم فِيهِ، وحَذَّرَهم عَذابَ اللَّهِ ونِقْمَتَهُ، فَقالَ لَهُ رافِعُ بْنُ خارِجَةَ ومالِكُ بْنُ عَوْفٍ: بَلْ نَتَّبِعُ يا مُحَمَّدُ ما وجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا، فَهم كانُوا أعْلَمَ وخَيْرًا مِنّا. فَأنْزَلَ اللَّهُ في ذَلِكَ: ﴿وإذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا ما أنْزَلَ اللَّهُ قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما ألْفَيْنا عَلَيْهِ آباءَنا﴾ الآيَةَ» .
وأخْرَجَ الطَّسْتِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أنَّ نافِعَ بْنَ الأزْرَقِ سَألَهُ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿ما ألْفَيْنا﴾ قالَ: يَعْنِي: وجَدْنا. قالَ: وهَلْ تَعْرِفُ العَرَبُ ذَلِكَ؟ قالَ: نَعَمْ، أما سَمِعْتَ قَوْلَ نابِغَةَ بَنِي ذُبْيانَ:
؎فَحَسَّبُوهُ فَألْفَوْهُ كَما زَعَمَتْ تِسْعًا وتِسْعِينَ لَمْ تَنْقُصْ ولَمْ تَزِدِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ الرَّبِيعِ، وقَتادَةَ، في قَوْلِهِ: ﴿ألْفَيْنا﴾ قالا: وجَدْنا.
البقرة 2:171
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ﴾ الآيَةَ.
أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ومَثَلُ الَّذِينَ (p-١٢٩)كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِما لا يَسْمَعُ﴾ قالَ: كَمَثَلِ البَقَرِ والحِمارِ والشّاةِ، وإنْ قُلْتَ لِبَعْضِهِمْ كَلامًا لَمْ يَعْلَمْ ما تَقُولُ، غَيْرَ أنَّهُ يَسْمَعُ صَوْتَكَ، وكَذَلِكَ الكافِرُ، إنْ أمَرْتَهُ بِخَيْرٍ، أوْ نَهَيْتَهُ عَنْ شَرٍّ، أوْ وعَظْتَهُ، لَمْ يَعْقِلْ ما تَقُولُ، غَيْرَ أنَّهُ يَسْمَعُ صَوْتَكَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِما لا يَسْمَعُ﴾ قالَ: هو مِثْلُ الشّاةِ ونَحْوِها.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في الآيَةِ قالَ: مَثَلُ الدّابَّةِ تُنادى فَتَسْمَعُ ولا تَعْقِلُ ما يُقالُ لَها، كَذَلِكَ الكافِرُ يَسْمَعُ الصَّوْتَ ولا يَعْقِلُ.
وأخْرَجَ الطَّسْتِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أنَّ نافِعَ بْنَ الأزْرَقِ قالَ لَهُ: أخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِما لا يَسْمَعُ﴾ قالَ: شَبَّهَ اللَّهُ أصْواتَ المُنافِقِينَ والكُفّارِ بِأصْواتِ البَهْمِ، أيْ: بِأنَّهم لا يَعْقِلُونَ. قالَ: وهَلْ تَعْرِفُ العَرَبُ ذَلِكَ؟ قالَ: نَعَمْ، أما سَمِعْتَ بِشْرَ بْنَ أبِي خازِمٍ وهو يَقُولُ:
؎هَضِيمُ الكَشْحِ لَمْ تُغْمَزْ بِبُؤْسى ولَمْ تَنْعِقْ بِناحِيَةِ الرِّباقِ
(p-١٣٠)وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ﴾ قالَ: الرّاعِي، ﴿بِما لا يَسْمَعُ﴾ قالَ: البَهائِمُ، ﴿إلا دُعاءً ونِداءً﴾ قالَ: كَمَثَلِ البَعِيرِ والشّاةِ، يَسْمَعُ الصَّوْتَ ولا يَعْقِلُ.
وأخْرَجَ وكِيعٌ، عَنْ عِكْرِمَةَ في قَوْلِهِ: ﴿يَنْعِقُ بِما لا يَسْمَعُ إلا دُعاءً ونِداءً﴾ قالَ: مَثَلُ الكافِرِ مَثَلُ البَهِيمَةِ، يَسْمَعُ الصَّوْتَ ولا يَعْقِلُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قالَ: قالَ لِي عَطاءٌ في هَذِهِ الآيَةِ: هُمُ اليَهُودُ الَّذِينَ أنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الكِتابِ﴾ [البقرة: ١٧٤] إلى قَوْلِهِ: ﴿فَما أصْبَرَهم عَلى النّارِ﴾ [البقرة: ١٧٥] .
البقرة 2:172
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِن طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ﴾ .
أخْرَجَ أحْمَدُ، ومُسْلِمٌ، والتِّرْمِذِيُّ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «”إنَّ اللَّهَ طَيِّبٌ، لا يَقْبَلُ إلّا طَيِّبًا، وإنَّ اللَّهَ أمَرَ المُؤْمِنِينَ بِما أمَرَ بِهِ المُرْسَلِينَ، فَقالَ: ﴿يا أيُّها الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّباتِ واعْمَلُوا صالِحًا إنِّي بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ [المؤمنون: ٥١] وقالَ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِن طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ﴾“ ثُمَّ ذَكَرَ ”الرَّجُلَ يُطِيلُ السَّفَرَ، أشْعَثَ أغْبَرَ يَمُدُّ يَدَيْهِ إلى السَّماءِ: يا رَبِّ يا رَبِّ. ومَطْعَمُهُ حَرامٌ، ومَشْرَبُهُ حَرامٌ، ومَلْبَسُهُ حَرامٌ وغُذِّيَ بِالحَرامِ، فَأنّى يُسْتَجابُ لِذَلِكَ؟“» . (p-١٣١)وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: ﴿كُلُوا مِن طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ﴾ قالَ: مِنَ الحَلالِ.
وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ، أنَّهُ قالَ يَوْمًا: إنِّي أكَلْتُ اللَّيْلَةَ حِمَّصًا وعَدَسًا فَنَفَخَنِي، فَقالَ لَهُ بَعْضُ القَوْمِ: يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ، إنَّ اللَّهَ يَقُولُ في كِتابِهِ: ﴿كُلُوا مِن طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ﴾ فَقالَ عُمَرُ: هَيْهاتَ، ذَهَبْتَ بِهِ إلى غَيْرِ مَذْهَبِهِ، إنَّما يُرِيدُ بِهِ طَيِّبَ الكَسْبِ، ولا يُرِيدُ بِهِ طَيِّبَ الطَّعامِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ الضَّحّاكِ في قَوْلِهِ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾ يَقُولُ: صَدَقُوا ﴿كُلُوا مِن طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ﴾ يَعْنِي: اطْعَمُوا مِن حَلالِ الرِّزْقِ الَّذِي أحْلَلْناهُ لَكُمْ، فَطابَ لَكم بِتَحْلِيلِي إيّاهُ لَكم مِمّا كُنْتُمْ تُحَرِّمُونَهُ أنْتُمْ ولَمْ أكُنْ حَرَّمْتُهُ عَلَيْكُمْ، مِنَ المَطاعِمِ والمَشارِبِ، ﴿واشْكُرُوا لِلَّهِ﴾ يَقُولُ: أثْنُوا عَلى اللَّهِ بِما هو أهْلٌ لَهُ عَلى النِّعَمِ الَّتِي رَزَقَكم وطَيَّبَها لَكم.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ أبِي أُمَيَّةَ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِن طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ﴾ قالَ: فَلَمْ يُوجَدْ مِنَ الطَّيِّباتِ شَيْءٌ أحَلُّ ولا أطْيَبُ مِنَ الوَلَدِ ومالِهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأحْمَدُ، ومُسْلِمٌ، عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ (p-١٣٢)ﷺ: «”إنَّ اللَّهَ لَيَرْضى عَنِ العَبْدِ أنْ يَأْكُلَ الأكْلَةَ، أوْ يَشْرَبَ الشَّرْبَةَ، فَيَحْمَدَ اللَّهَ عَلَيْها“» .
البقرة 2:173
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ المَيْتَةَ والدَّمَ﴾ .
أخْرَجَ أحْمَدُ، وابْنُ ماجَهْ، والدّارَقُطْنِيُّ، والحاكِمُ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «”أُحِلَّتْ لَنا مَيْتَتانِ ودَمانِ؛ السَّمَكُ والجَرادُ، والكَبِدُ والطِّحالُ“» .
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما أُهِلَّ بِهِ﴾ الآيَةَ.
أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وما أُهِلَّ بِهِ﴾ قالَ: ذُبِحَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾ يَعْنِي ما أُهِلَّ لِلطَّواغِيتِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ: ﴿وما أُهِلَّ﴾ قالَ: ما ذُبِحَ لِغَيْرِ اللَّهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أبِي العالِيَةِ: ﴿وما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾ يَقُولُ: (p-١٣٣)ما ذُكِرَ عَلَيْهِ اسْمُ غَيْرِ اللَّهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ﴾ يَعْنِي إلى شَيْءٍ مِمّا حُرِّمَ، ﴿غَيْرَ باغٍ ولا عادٍ﴾ يَقُولُ: مَن أكَلَ شَيْئًا مِن هَذِهِ وهو مُضْطَرٌّ فَلا حَرَجَ، ومَن أكَلَهُ وهو غَيْرُ مُضْطَرٍّ فَقَدْ بَغى واعْتَدى.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿غَيْرَ باغٍ﴾ قالَ: في المَيْتَةِ، ﴿ولا عادٍ﴾ قالَ: في الأكْلِ.
وأخْرَجَ سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، وآدَمُ بْنُ أبِي إياسٍ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، والبَيْهَقِيُّ في «المَعْرِفَةِ» وفي «السُّنَنِ»، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿غَيْرَ باغٍ ولا عادٍ﴾ قالَ: غَيْرَ باغٍ عَلى المُسْلِمِينَ، ولا مُتَعَدٍّ عَلَيْهِمْ؛ مَن خَرَجَ يَقْطَعُ الرَّحِمَ، أوْ يَقْطَعُ السَّبِيلَ، أوْ يُفْسِدُ في الأرْضِ، أوْ مُفارِقًا لِلْجَماعَةِ والأئِمَّةِ، أوْ خَرَجَ في مَعْصِيَةِ اللَّهِ، فاضْطُرَّ إلى المَيْتَةِ، لَمْ تَحِلَّ لَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ ولا عادٍ﴾ قالَ: العادِي الَّذِي يَقْطَعُ الطَّرِيقَ لا رُخْصَةَ لَهُ، ﴿فَلا إثْمَ عَلَيْهِ﴾ يَعْنِي في أكْلِهِ حِينَ اضْطُرَّ إلَيْهِ، ﴿إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ﴾ (p-١٣٤)يَعْنِي: لِما أكَلَ مِنَ الحَرامِ، ﴿رَحِيمٌ﴾ بِهِ إذْ أحَلَّ لَهُ الحَرامَ في الِاضْطِرارِ.
وأخْرَجَ وكِيعٌ، عَنْ إبْراهِيمَ، والشَّعْبِيِّ، قالا: إذا اضْطُرَّ إلى المَيْتَةِ أكَلَ مِنها قَدْرَ ما يُقِيمُهُ.
وأخْرَجَ وكِيعٌ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مَسْرُوقٍ قالَ: مَنِ اضْطُرَّ إلى المَيْتَةِ والدَّمِ ولَحْمِ الخِنْزِيرِ، فَتَرَكَهُ تَقَذُّرًا أوْ لَمْ يَأْكُلْ، ولَمْ يَشْرَبْ، ثُمَّ ماتَ، دَخَلَ النّارَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ ولا عادٍ﴾ قالَ: غَيْرَ باغٍ في أكْلِهِ، ولا عادٍ تَتَعَدّى الحَلالَ إلى الحَرامِ، وهو يَجِدُ عَنْهُ بُلْغَةً ومَندُوحَةً.
البقرة 2:174
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أنْزَلَ اللَّهُ﴾ الآيَةَ.
أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الكِتابِ﴾، والَّتِي في ”آلِ عِمْرانَ“: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وأيْمانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلا﴾ [آل عمران: ٧٧] نَزَلَتا جَمِيعًا في يَهُودَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ السُّدِّيِّ في الآيَةِ قالَ: كَتَمُوا اسْمَ مُحَمَّدٍ ﷺ، وأخَذُوا عَلَيْهِ طَمَعًا قَلِيلًا.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ أبِي العالِيَةِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الكِتابِ﴾ قالَ: هم أهْلُ الكِتابِ، كَتَمُوا ما أنْزَلَ اللَّهُ (p-١٣٥)عَلَيْهِمْ في كِتابِهِمْ مِنَ الحَقِّ والهُدى والإسْلامِ وشَأْنِ مُحَمَّدٍ ونَعْتِهِ، ﴿أُولَئِكَ ما يَأْكُلُونَ في بُطُونِهِمْ إلا النّارَ﴾ يَقُولُ: ما أخَذُوا عَلَيْهِ مِنَ الأجْرِ فَهو نارٌ في بُطُونِهِمْ.
وأخْرَجَ الثَّعْلَبِيُّ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: سَألَتِ المُلُوكُ اليَهُودَ قَبْلَ مَبْعَثِ مُحَمَّدٍ ﷺ: ما الَّذِي تَجِدُونَ في التَّوْراةِ؟ قالُوا: إنّا نَجِدُ في التَّوْراةِ أنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ نَبِيًّا مِن بَعْدِ المَسِيحِ يُقالُ لَهُ: مُحَمَّدٌ؛ بِتَحْرِيمِ الزِّنى والخَمْرِ والمَلاهِي وسَفْكِ الدِّماءِ، فَلَمّا بَعَثَ اللَّهُ مُحَمَّدًا ونَزَلَ المَدِينَةَ، قالَتِ المُلُوكُ لِلْيَهُودِ: هَذا الَّذِي تَجِدُونَ في كِتابِكُمْ؟ فَقالَتِ اليَهُودُ طَمَعًا في أمْوالِ المُلُوكِ: لَيْسَ هَذا بِذاكَ النَّبِيِّ، فَأعْطاهُمُ المُلُوكُ الأمْوالَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ إكْذابًا لِلْيَهُودِ.
وأخْرَجَ الثَّعْلَبِيُّ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في رُؤَساءِ اليَهُودِ وعُلَمائِهِمْ، كانُوا يُصِيبُونَ مِن سَفَلَتِهِمُ الهَدايا والفَضْلَ، وكانُوا يَرْجُونَ أنْ يَكُونَ النَّبِيُّ المَبْعُوثُ مِنهُمْ، فَلَمّا بَعَثَ اللَّهُ مُحَمَّدًا ﷺ مِن غَيْرِهِمْ خافُوا ذَهابَ مَأْكَلَتِهِمْ وزَوالَ رِياسَتِهِمْ، فَعَمَدُوا إلى صِفَةِ مُحَمَّدٍ فَغَيَّرُوها، ثُمَّ أخْرَجُوها إلَيْهِمْ، وقالُوا: هَذا نَعْتُ النَّبِيِّ الَّذِي يَخْرُجُ في آخِرِ الزَّمانِ، لا يُشْبِهُ نَعْتَ هَذا النَّبِيِّ. فَإذا نَظَرَتِ السَّفَلَةُ إلى النَّعْتِ المُغَيَّرِ وجَدُوهُ مُخالِفًا لِصِفَةِ مُحَمَّدٍ فَلَمْ يَتَّبِعُوهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الكِتابِ﴾ [البقرة»: ١٧٤] .
البقرة 2:175
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالهُدى﴾ الآيَتَيْنِ.
(p-١٣٦)أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أبِي العالِيَةِ في قَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالهُدى﴾ الآيَةَ. قالَ: اخْتارُوا الضَّلالَةَ عَلى الهُدى، والعَذابَ عَلى المَغْفِرَةِ، ﴿فَما أصْبَرَهم عَلى النّارِ﴾ قالَ: ما أجْرَأهم عَلى عَمَلِ النّارِ.
وأخْرَجَ سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو نُعَيْمٍ في «الحِلْيَةِ»، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَما أصْبَرَهم عَلى النّارِ﴾ قالَ: ما أعْمَلَهم بِأعْمالِ أهْلِ النّارِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿فَما أصْبَرَهم عَلى النّارِ﴾ قالَ: واللَّهِ ما لَهم عَلَيْها مِن صَبْرٍ، ولَكِنْ يَقُولُ: ما أجْرَأهم عَلى النّارِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿فَما أصْبَرَهم عَلى النّارِ﴾ قالَ: ما أجْرَأهم عَلى العَمَلِ الَّذِي يُقَرِّبُهم إلى النّارِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿فَما أصْبَرَهم عَلى النّارِ﴾ قالَ: هَذا عَلى وجْهِ الِاسْتِفْهامِ، يَقُولُ: ما الَّذِي أصْبَرَهم عَلى النّارِ؟ وفي قَوْلِهِ: ﴿وإنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا في الكِتابِ﴾ قالَ: هُمُ اليَهُودُ والنَّصارى ﴿لَفِي شِقاقٍ بَعِيدٍ﴾ قالَ: في عَداوَةٍ بَعِيدَةٍ. (p-١٣٧)وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ أبِي العالِيَةِ قالَ: آيَتانِ ما أشَدَّهُما عَلى مَن يُجادِلُ في القُرْآنِ: ﴿ما يُجادِلُ في آياتِ اللَّهِ إلا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [غافر: ٤]، ﴿وإنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا في الكِتابِ لَفي شِقاقٍ بَعِيدٍ﴾ .
البقرة 2:176
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالهُدى﴾ الآيَتَيْنِ.
(p-١٣٦)أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أبِي العالِيَةِ في قَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالهُدى﴾ الآيَةَ. قالَ: اخْتارُوا الضَّلالَةَ عَلى الهُدى، والعَذابَ عَلى المَغْفِرَةِ، ﴿فَما أصْبَرَهم عَلى النّارِ﴾ قالَ: ما أجْرَأهم عَلى عَمَلِ النّارِ.
وأخْرَجَ سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو نُعَيْمٍ في «الحِلْيَةِ»، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَما أصْبَرَهم عَلى النّارِ﴾ قالَ: ما أعْمَلَهم بِأعْمالِ أهْلِ النّارِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿فَما أصْبَرَهم عَلى النّارِ﴾ قالَ: واللَّهِ ما لَهم عَلَيْها مِن صَبْرٍ، ولَكِنْ يَقُولُ: ما أجْرَأهم عَلى النّارِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿فَما أصْبَرَهم عَلى النّارِ﴾ قالَ: ما أجْرَأهم عَلى العَمَلِ الَّذِي يُقَرِّبُهم إلى النّارِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿فَما أصْبَرَهم عَلى النّارِ﴾ قالَ: هَذا عَلى وجْهِ الِاسْتِفْهامِ، يَقُولُ: ما الَّذِي أصْبَرَهم عَلى النّارِ؟ وفي قَوْلِهِ: ﴿وإنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا في الكِتابِ﴾ قالَ: هُمُ اليَهُودُ والنَّصارى ﴿لَفِي شِقاقٍ بَعِيدٍ﴾ قالَ: في عَداوَةٍ بَعِيدَةٍ. (p-١٣٧)وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ أبِي العالِيَةِ قالَ: آيَتانِ ما أشَدَّهُما عَلى مَن يُجادِلُ في القُرْآنِ: ﴿ما يُجادِلُ في آياتِ اللَّهِ إلا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [غافر: ٤]، ﴿وإنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا في الكِتابِ لَفي شِقاقٍ بَعِيدٍ﴾ .
البقرة 2:177
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَيْسَ البِرَّ أنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكم قِبَلَ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ﴾ .
أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، عَنْ أبِي ذَرٍّ، أنَّهُ «سَألَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنِ الإيمانِ، فَتَلا: ”﴿لَيْسَ البِرَّ أنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ﴾“ حَتّى فَرَغَ مِنها، ثُمَّ سَألَهُ أيْضًا فَتَلاها، ثُمَّ سَألَهُ فَتَلاها، وقالَ: ”وإذا عَمِلْتَ حَسَنَةً أحَبَّها قَلْبُكَ، وإذا عَمِلْتَ سَيِّئَةً أبْغَضَها قَلْبُكَ“» .
وأخْرَجَ إسْحاقُ بْنُ راهُوَيْهِ في «مُسْنَدِهِ»، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنِ القاسِمِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قالَ: «جاءَ رَجُلٌ إلى أبِي ذَرٍّ، فَقالَ: ما الإيمانُ؟ فَتَلا عَلَيْهِ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿لَيْسَ البِرَّ أنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكم قِبَلَ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ﴾ حَتّى فَرَغَ مِنها، فَقالَ الرَّجُلُ: لَيْسَ عَنِ البِرِّ سَألْتُكَ. فَقالَ أبُو ذَرٍّ: جاءَ رَجُلٌ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَسَألَهُ عَمّا سَألْتَنِي، فَقَرَأ عَلَيْهِ هَذِهِ الآيَةَ، فَأبى أنْ يَرْضى كَما أبَيْتَ أنْ تَرْضى، فَقالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”ادْنُ“ . فَدَنا فَقالَ: ”المُؤْمِنُ إذا عَمِلَ الحَسَنَةَ سَرَّتْهُ ورَجا ثَوابَها، وإذا عَمِلَ السَّيِّئَةَ أحْزَنَتْهُ وخافَ عِقابَها“» . (p-١٣٨)وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ راهُوَيْهِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ مُجاهِدٍ «أنَّ أبا ذَرٍّ سَألَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنِ الإيمانِ، فَقَرَأ: ”﴿لَيْسَ البِرَّ أنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكم قِبَلَ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ﴾“ الآيَةَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ راهُوَيْهِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: سُئِلَ الحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ مَقْبَلَهُ مِنَ الشّامِ عَنِ الإيمانِ، فَقَرَأ: ﴿لَيْسَ البِرَّ﴾ الآيَةَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ قَتادَةَ قالَ: كانَتِ اليَهُودُ تُصَلِّي قِبَلَ المَغْرِبِ، والنَّصارى تُصَلِّي قِبَلَ المَشْرِقِ، فَنَزَلَتْ: ﴿لَيْسَ البِرَّ أنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ﴾ الآيَةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿لَيْسَ البِرَّ أنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ﴾: يَعْنِي في الصَّلاةِ. يَقُولُ: لَيْسَ البِرَّ أنْ تُصَلُّوا ولا تَعْمَلُوا، فَهَذا حِينَ تَحَوَّلَ مِن مَكَّةَ إلى المَدِينَةِ، ونَزَلَتِ الفَرائِضُ، وحَدَّ الحُدُودَ، فَأمَرَ اللَّهُ بِالفَرائِضِ والعَمَلِ بِها.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: هَذِهِ الآيَةُ نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ: ﴿لَيْسَ البِرَّ أنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ﴾ يَعْنِي الصَّلاةَ. يَقُولُ: لَيْسَ البَرَّ أنْ تُصَلُّوا، ولَكِنَّ البِرَّ ما ثَبَتَ في القَلْبِ مِن طاعَةِ اللَّهِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿لَيْسَ البِرَّ﴾ الآيَةَ. قالَ: ذُكِرَ لَنا «أنَّ رَجُلًا سَألَ النَّبِيَّ ﷺ عَنِ البِرِّ، فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ، فَدَعا الرَّجُلَ، فَتَلاها عَلَيْهِ. وقَدْ كانَ الرَّجُلُ قَبْلَ الفَرائِضِ إذا شَهِدَ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وأنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ ورَسُولُهُ، ثُمَّ ماتَ عَلى ذَلِكَ يُرْجى لَهُ ويُطْمَعُ لَهُ في خَيْرٍ. فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿لَيْسَ البِرَّ أنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكم قِبَلَ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ﴾، وكانَتِ اليَهُودُ تَوَجَّهَتْ قِبَلَ المَغْرِبِ، والنَّصارى قِبَلَ المَشْرِقِ، ﴿ولَكِنَّ البِرَّ مَن آمَنَ بِاللَّهِ﴾ [البقرة»: ١٧٧] .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أبِي العالِيَةِ قالَ: كانَتِ اليَهُودُ تُصَلِّي قِبَلَ المَغْرِبِ، والنَّصارى قِبَلَ المَشْرِقِ، فَنَزَلَتْ: ﴿لَيْسَ البِرَّ أنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ﴾ الآيَةَ.
وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ في «فَضائِلِهِ»، والثَّعْلَبِيُّ، مِن طَرِيقِ هارُونَ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، أنَّهُما قَرَآ: ( لَيْسَ البَرَّ بِأنْ تَوَلَّوْا ) .
وأخْرَجَ وكِيعٌ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ أبِي مَيْسَرَةَ قالَ: مَن عَمِلَ بِهَذِهِ الآيَةِ فَقَدِ اسْتَكْمَلَ الإيمانَ؛ ﴿لَيْسَ البِرَّ﴾ الآيَةَ.
(p-١٤٠)وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ مُجاهِدٍ: ﴿لَيْسَ البِرَّ أنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكم قِبَلَ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ﴾ ولَكِنَّ البِرَّ ما ثَبَتَ في القُلُوبِ مِن طاعَةِ اللَّهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي داوُدَ في «المَصاحِفِ»، عَنِ الأعْمَشِ قالَ: في قِراءَتِنا مَكانَ ﴿لَيْسَ البِرَّ أنْ تُوَلُّوا﴾ (ولا تَحْسَبَنَّ أنَّ البِرَّ) .
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَكِنَّ البِرَّ مَن آمَنَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ والمَلائِكَةِ والكِتابِ والنَّبِيِّينَ﴾ .
أخْرَجَ أحْمَدُ، ومُسْلِمٌ، وأبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ ماجَهْ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والآجُرِّيُّ في «الشَّرِيعَةِ»، واللّالَكائِيُّ في «السُّنَّةِ»، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في «شُعَبِ الإيمانِ»، عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ، «أنَّهم بَيْنَما هم جُلُوسٌ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ، جاءَهُ رَجُلٌ يَمْشِي، حَسَنَ الشَّعْرِ، عَلَيْهِ ثِيابٌ بَياضٌ، فَنَظَرَ القَوْمُ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ: ما نَعْرِفُ هَذا، وما هَذا بِصاحِبِ سَفَرٍ. ثُمَّ قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، آتِيكَ؟ قالَ: ”نَعَمْ“ . فَجاءَ فَوَضَعَ رُكْبَتَيْهِ عِنْدَ رُكْبَتَيْهِ، ويَدَيْهِ عَلى فَخِذَيْهِ، فَقالَ: ما الإسْلامُ؟ قالَ: ”شَهادَةُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وأنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وتُقِيمُ الصَّلاةَ، وتُؤْتِي الزَّكاةَ، وتَصُومُ رَمَضانَ، وتَحُجُّ البَيْتَ“ . قالَ: فَما الإيمانُ؟ قالَ: ”أنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ ومَلائِكَتِهِ -ولَفْظُ ابْنِ مَرْدُوَيْهِ: أنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ والمَلائِكَةِ والكِتابِ والنَّبِيِّينَ - (p-١٤١)والجَنَّةِ والنّارِ، والبَعْثِ بَعْدَ المَوْتِ، والقَدَرِ كُلِّهِ“ . قالَ: فَما الإحْسانُ؟ قالَ: ”أنْ تَعْمَلَ لِلَّهِ كَأنَّكَ تَراهُ، فَإنْ لَمْ تَكُنْ تَراهُ فَإنَّهُ يَراكَ“ . قالَ: فَمَتى السّاعَةُ؟ قالَ: ”ما المَسْؤُولُ عَنْها بِأعْلَمَ مِنَ السّائِلِ“ . قالَ: فَما أشْراطُها؟ قالَ: ”إذا العُراةُ الحُفاةُ العالَةُ رُعاءُ الشّاءِ تَطاوَلُوا في البُنْيانِ، ووَلَدَتِ الإماءُ أرْبابَهُنَّ“ . ثُمَّ قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”عَلَيَّ الرَّجُلَ“ . فَطَلَبُوهُ فَلَمْ يَرَوْا شَيْئًا، فَمَكَثَ يَوْمَيْنِ أوْ ثَلاثَةً، ثُمَّ قالَ: ”يا ابْنَ الخَطّابِ، أتَدْرِي مَنِ السّائِلُ عَنْ كَذا وكَذا“؟ قالَ: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ. قالَ: ”ذاكَ جِبْرِيلُ جاءَكم لِيُعَلِّمَكم دِينَكُمْ“» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ والبَزّارُ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «جَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَجْلِسًا، فَأتاهُ جِبْرِيلُ، فَجَلَسَ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ واضِعًا كَفَّيْهِ عَلى رُكْبَتَيْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، حَدِّثْنِي عَنِ الإسْلامِ. قالَ: ”الإسْلامُ أنْ تُسْلِمَ وجْهَكَ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وأنْ تَشْهَدَ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، وأنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ ورَسُولُهُ“ . قالَ: فَإذا فَعَلْتُ ذَلِكَ فَقَدْ أسْلَمْتُ؟ قالَ: ”فَإذا فَعَلْتَ فَقَدْ أسْلَمْتَ“ . قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، حَدِّثْنِي عَنِ الإيمانِ. قالَ: ”الإيمانُ أنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ والمَلائِكَةِ والكِتابِ والنَّبِيِّينَ والمَوْتِ والحَياةِ بَعْدَ المَوْتِ، وتُؤْمِنَ بِالجَنَّةِ والنّارِ والحِسابِ والمِيزانِ، وتُؤْمِنَ بِالقَدَرِ كُلِّهِ خَيْرِهِ وشَرِّهِ“ . قالَ: ”فَإذا فَعَلْتُ ذَلِكَ فَقَدْ آمَنتُ؟ قالَ:“فَإذا فَعَلْتَ ذَلِكَ فَقَدْ آمَنتَ”. قالَ: (p-١٤٢)يا رَسُولَ اللَّهِ، حَدِّثْنِي ما الإحْسانُ؟ قالَ:“الإحْسانُ أنْ تَعْمَلَ لِلَّهِ كَأنَّكَ تَراهُ، فَإنْ لا تَراهُ فَإنَّهُ يَراكَ”» .
وأخْرَجَ البَزّارُ، عَنْ أنَسٍ قالَ: «بَيْنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ جالِسًا مَعَ أصْحابِهِ، إذْ جاءَهُ رَجُلٌ عَلَيْهِ ثِيابُ السَّفَرِ، يَتَخَلَّلُ النّاسَ حَتّى جَلَسَ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَوَضَعَ يَدَهُ عَلى رُكْبَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقالَ: يا مُحَمَّدُ، ما الإسْلامُ؟ قالَ:“شَهادَةُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، وأنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ ورَسُولُهُ، وإقامُ الصَّلاةِ، وإيتاءُ الزَّكاةِ، وصَوْمُ شَهْرِ رَمَضانَ، وحَجُّ البَيْتِ إنِ اسْتَطَعْتَ إلَيْهِ سَبِيلًا”. قالَ: فَإذا فَعَلْتُ ذَلِكَ فَأنا مُسْلِمٌ؟ قالَ:“نَعَمْ”. قالَ: صَدَقْتَ. ثُمَّ قالَ: يا مُحَمَّدُ، ما الإيمانُ؟ قالَ:“الإيمانُ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ والمَلائِكَةِ والكِتابِ والنَّبِيِّينَ وبِالمَوْتِ وبِالبَعْثِ وبِالحِسابِ وبِالجَنَّةِ وبِالنّارِ وبِالقَدَرِ كُلِّهِ”. قالَ: فَإذا فَعَلْتُ ذَلِكَ فَأنا مُؤْمِنٌ؟ قالَ:“نَعَمْ”. قالَ: صَدَقْتَ. قالَ: يا مُحَمَّدُ، ما الإحْسانُ؟ قالَ:“أنْ تَخْشى اللَّهَ كَأنَّكَ تَراهُ، فَإنْ لَمْ تَرَهُ فَإنَّهُ يَراكَ”. قالَ: فَإذا فَعَلْتُ ذَلِكَ فَأنا مُحْسِنٌ؟ قالَ:“نَعَمْ”قالَ: صَدَقْتَ. قالَ: يا مُحَمَّدُ، مَتّى السّاعَةُ؟ قالَ:“ما المَسْؤُولُ عَنْها بِأعْلَمَ مِنَ السّائِلِ”. وأدْبَرَ الرَّجُلُ، فَذَهَبَ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:“عَلَيَّ بِالرَّجُلِ”. فاتَّبَعُوهُ يَطْلُبُونَهُ، فَلَمْ يَرَوْا شَيْئًا، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:“ذاكَ جِبْرِيلُ جاءَكم لِيُعَلِّمَكم دِينَكم ”» . (p-١٤٣)وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، وأبِي ذَرٍّ قالا: «إنّا لَجُلُوسٌ ورَسُولُ اللَّهِ ﷺ جالِسٌ في مَجْلِسِهِ مُحْتَبٍ، إذْ أقْبَلَ رَجُلٌ مِن أحْسَنِ النّاسِ وجْهًا، وأطْيَبِ النّاسِ رِيحًا، وأنْقى النّاسِ ثَوْبًا، فَقالَ: يا مُحَمَّدُ، ما الإسْلامُ؟ قالَ:“أنْ تَعْبُدَ اللَّهَ ولا تُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا، وتُقِيمَ الصَّلاةَ، وتُؤْتِيَ الزَّكاةَ، وتَحُجَّ البَيْتَ، وتَصُومَ رَمَضانَ”. قالَ: فَإذا فَعَلْتُ هَذا فَقَدَ أسْلَمْتُ؟ قالَ:“نَعَمْ”. قالَ: صَدَقْتَ. فَقالَ: يا مُحَمَّدُ، أخْبِرْنِي ما الإيمانُ؟ قالَ:“الإيمانُ بِاللَّهِ ومَلائِكَتِهِ والكِتابِ والنَّبِيِّينَ، وتُؤْمِنُ بِالقَدَرِ كُلِّهِ”. قالَ: فَإذا فَعَلْتُ ذَلِكَ فَقَدْ آمَنتُ؟ قالَ:“نَعَمْ”. قالَ: صَدَقْتَ» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ، والنَّسائِيُّ، عَنْ مُعاوِيَةَ بْنِ حَيْدَةَ قالَ: «قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، ما الَّذِي بَعَثَكَ اللَّهُ بِهِ؟ قالَ:“بَعَثَنِي اللَّهُ بِالإسْلامِ”. قُلْتُ: وما الإسْلامُ؟ قالَ:“شَهادَةُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وأنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ ورَسُولُهُ، وتُقِيمُ الصَّلاةَ، وتُؤْتِي الزَّكاةَ”» .
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وآتى المالَ عَلى حُبِّهِ﴾ .
أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ في قَوْلِهِ: ﴿وآتى المالَ﴾ يَعْنِي: أعْطى المالَ، ﴿عَلى حُبِّهِ﴾ يَعْنِي: عَلى حُبِّ المالِ. (p-١٤٤)وأخْرَجَ ابْنُ المُبارَكِ في «الزُّهْدِ»، ووَكِيعٌ، وسُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، وعَبْدُ الرَّزّاقِ، والفِرْيابِيُّ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في“سُنَنِهِ”، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: ﴿وآتى المالَ عَلى حُبِّهِ﴾ قالَ: يُعْطِي وهو صَحِيحٌ شَحِيحٌ يَأْمُلُ العَيْشَ ويَخافُ الفَقْرَ.
وأخْرَجَ الحاكِمُ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مَرْفُوعًا، مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في «شُعَبِ الإيمانِ»، عَنِ المُطَّلِبِ، أنَّهُ قِيلَ: «يا رَسُولَ اللَّهِ، ما ( آتى المالَ عَلى حُبِّهِ ) ؟ فَكُلُّنا نُحِبُّهُ! قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:“تُؤْتِيهِ حِينَ تُؤْتِيهِ ونَفْسُكَ حِينَ تُحَدِّثُكَ بِطُولِ العُمْرِ والفَقْرِ”» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ، والبُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، وأبُو داوُدَ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ حِبّانَ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «“أفْضَلُ الصَّدَقَةِ أنْ تَصَّدَّقَ وأنْتَ صَحِيحٌ تَأمُلُ البَقاءَ وتَخْشى الفَقْرَ، ولا تُمْهِلْ، حَتّى إذا بَلَغَتِ الحُلْقُومَ قُلْتَ: لِفُلانٍ كَذا، لِفُلانٍ كَذا. ألا وقَدْ كانَ لِفُلانٍ”» .
(p-١٤٥)وأخْرَجَ أحْمَدُ، وأبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ، والنَّسائِيُّ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ أبِي الدَّرْداءِ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «“مَثَلُ الَّذِي يُعْتِقُ أوْ يَتَصَدَّقُ عِنْدَ المَوْتِ مَثَلُ الَّذِي يُهْدِي إذا شَبِعَ”» .
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَوِي القُرْبى﴾ .
أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ في قَوْلِهِ: ﴿ذَوِي القُرْبى﴾ يَعْنِي قَرابَتَهُ.
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ في“سُنَنِهِ”، عَنْ أُمِّ كُلْثُومٍ بِنْتِ عُقْبَةَ بْنِ أبِي مُعَيْطٍ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «“أفْضَلُ الصَّدَقَةِ عَلى ذِي الرَّحِمِ الكاشِحِ”» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ، والدّارِمِيُّ، والطَّبَرانِيُّ، عَنْ حَكِيمِ بْنِ حِزامٍ، «أنَّ رَجُلًا سَألَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنِ الصَّدَقاتِ أيُّهُما أفْضَلُ؟ قالَ:“عَلى ذِي الرَّحِمِ الكاشِحِ”» . (p-١٤٦)وأخْرَجَ أحْمَدُ، وأبُو داوُدَ، وابْنُ حِبّانَ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، عَنْ مَيْمُونَةَ أُمِّ المُؤْمِنِينَ قالَتْ: «أعْتَقْتُ جارِيَةً لِي، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ:“أما إنَّكِ لَوْ أعْطَيْتِها بَعْضَ أخْوالِكِ كانَ أعْظَمَ لِأجْرِكِ”» .
وأخْرَجَ الخَطِيبُ في «تالِي التَّلْخِيصِ»، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، «أنَّ مَيْمُونَةَ اسْتَأْذَنَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ في جارِيَةٍ تُعْتِقُها، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:“أعْطِيها أُخْتَكِ تَرْعى عَلَيْها، وصِلِي بِها رَحِمًا، فَإنَّهُ خَيْرٌ لَكِ”» .
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ فاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ، أنَّها قالَتْ: «يا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّ لِي مِثْقالًا مِن ذَهَبٍ. قالَ:“اجْعَلِيهِ في قَرابَتِكِ”» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأحْمَدُ، والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ ماجَهْ، والحاكِمُ، والبَيْهَقِيُّ في“سُنَنِهِ”، عَنْ سَلْمانَ بْنِ عامِرٍ الضَّبِّيِّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «“الصَّدَقَةُ عَلى المِسْكِينِ صَدَقَةٌ، وعَلى ذِي الرَّحِمِ اثْنَتانِ؛ صَدَقَةٌ وصِلَةٌ”» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ، والبُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ ماجَهْ، عَنْ زَيْنَبَ (p-١٤٧)امْرَأةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قالَتْ: «سَألْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ: أيُجْزِئُ عَنِّي مِنَ الصَّدَقَةِ النَّفَقَةُ عَلى زَوْجِي وأيْتامٍ في حِجِرِي؟ قالَ:“لَكِ أجْرانِ؛ أجْرُ الصَّدَقَةِ، وأجْرُ القَرابَةِ”» .
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وابْنَ السَّبِيلِ﴾ .
أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: ابْنُ السَّبِيلِ هو الضَّيْفُ الَّذِي يَنْزِلُ بِالمُسْلِمِينَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: ابْنُ السَّبِيلِ الَّذِي يَمُرُّ عَلَيْكَ وهو مُسافِرٌ.
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والسّائِلِينَ﴾ .
أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ في قَوْلِهِ: ﴿والسّائِلِينَ﴾ قالَ: السّائِلُ الَّذِي يَسْألُكَ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ، وأبُو داوُدَ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «“لِلسّائِلِ حَقٌّ وإنْ جاءَ عَلى فَرَسٍ”» .
(p-١٤٨)وأخْرَجَ ابْنُ عَدِيٍّ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «“أعْطُوا السّائِلَ وإنْ كانَ عَلى فَرَسٍ”» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنْ سالِمِ بْنِ أبِي الجَعْدِ قالَ: قالَ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ: لِلسّائِلِ حَقٌّ وإنْ جاءَ عَلى فَرَسٍ مُطَوَّقٍ بِالفِضَّةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، والتِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ، وابْنُ خُزَيْمَةَ، وابْنُ حِبّانَ، مِن طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ بُجَيْدٍ، «عَنْ جَدَّتِهِ أُمِّ بُجَيْدٍ -وكانَتْ مِمَّنْ بايَعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ- أنَّها قالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّ المِسْكِينَ لَيَقُومُ عَلى بابِي، فَما أجِدُ شَيْئًا أُعْطِيهِ إيّاهُ. فَقالَ لَها:“إنْ لَمْ تَجِدِي إلّا ظِلْفًا مُحْرَقًا فادْفَعِيهِ إلَيْهِ”ولَفْظُ ابْنِ خُزَيْمَةَ:“ولا تَرُدِّي سائِلَكِ، ولَوْ بِظِلْفٍ”» .
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ سَعْدٍ مِن طَرِيقِ عَمْرِو بْنِ مُعاذٍ الأنْصارِيِّ، عَنْ جَدَّتِهِ حَوّاءَ قالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «“رُدُّوا السّائِلَ ولَوْ بِظِلْفٍ مُحْرَقٍ”» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قالَ: كانَ يُقالُ: رُدُّوا (p-١٤٩)السّائِلَ ولَوْ بِمِثْلِ رَأْسِ القَطاةِ.
وأخْرَجَ أبُو نُعَيْمٍ، والثَّعْلَبِيُّ، والدَّيْلَمِيُّ، والخَطِيبُ في «رُواةِ مالِكٍ»، بِسَنَدٍ واهٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا: «“هَدِيَّةُ اللَّهِ لِلْمُؤْمِنِ السّائِلُ عَلى بابِهِ”» .
وأخْرَجَ ابْنُ شاهِينٍ، وابْنُ النَّجّارِ في «تارِيخِهِ»، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «“ألا أدُلُّكم عَلى هَدايا اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ إلى خَلْقِهِ؟”. قُلْنا: بَلى. قالَ:“الفَقِيرُ مِن خَلْقِهِ، هو هَدِيَّةُ اللَّهِ، قَبِلَ ذَلِكَ أوْ تَرَكَ”» .
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وفِي الرِّقابِ﴾ .
أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: ﴿وفِي الرِّقابِ﴾ يَعْنِي: فِكاكَ الرِّقابِ.
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأقامَ الصَّلاةَ وآتى الزَّكاةَ﴾ .
أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ في قَوْلِهِ: ﴿وأقامَ الصَّلاةَ﴾ يَعْنِي: وأتَمَّ الصَّلاةَ المَكْتُوبَةَ، ﴿وآتى الزَّكاةَ﴾ يَعْنِي: الزَّكاةَ المَفْرُوضَةَ.
(p-١٥٠)وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ، وابْنُ ماجَهْ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ عَدِيٍّ، والدّارَقُطْنِيُّ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنْ فاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ قالَتْ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «“فِي المالِ حَقٌّ سِوى الزَّكاةِ”. ثُمَّ قَرَأ:“ ﴿لَيْسَ البِرَّ أنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ﴾ ”الآيَةَ» .
وأخْرَجَ البُخارِيُّ في «تارِيخِهِ»، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ سُئِلَ: «فِي المالِ حَقٌّ بَعْدَ الزَّكاةِ؟ قالَ:“نَعَمْ، تَحْمِلُ عَلى النَّجِيبَةِ”» .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، أنَّهُ سُئِلَ: هَلْ عَلى الرَّجُلِ في مالِهِ حَقٌّ سِوى الزَّكاةِ؟ قالَ: نَعَمْ. وتَلا هَذِهِ الآيَةَ: ﴿وآتى المالَ عَلى حُبِّهِ ذَوِي القُرْبى﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ كُلْثُومٍ قالَ: حَدَّثَنِي أبِي، قالَ: قالَ لِي مُسْلِمُ بْنُ يَسارٍ: إنَّ الصَّلاةَ صَلاتانِ، وإنَّ الزَّكاةَ زَكاتانِ، واللَّهِ إنَّهُ لَفي كِتابِ اللَّهِ، أقْرَأُ عَلَيْكَ بِهِ قُرْآنًا ؟ قُلْتُ لَهُ: اقْرَأْ. قالَ: فَإنَّ اللَّهَ يَقُولُ في كِتابِهِ: ﴿لَيْسَ البِرَّ أنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿وآتى المالَ عَلى حُبِّهِ ذَوِي القُرْبى واليَتامى والمَساكِينَ وابْنَ السَّبِيلِ﴾ فَهَذا وما دُونَهُ تَطَوُّعٌ كُلُّهُ، ﴿وأقامَ الصَّلاةَ﴾ قالَ: الفَرِيضَةِ، ﴿وآتى الزَّكاةَ﴾ فَهاتانِ فَرِيضَتانِ.
* *
(p-١٥١)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إذا عاهَدُوا﴾ .
أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أبِي العالِيَةِ في قَوْلِهِ: ﴿والمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إذا عاهَدُوا﴾ قالَ: فَمَن أعْطى عَهْدَ اللَّهِ ثُمَّ نَقَضَهُ فاللَّهُ يَنْتَقِمُ مِنهُ، ومَن أعْطى ذِمَّةَ النَّبِيِّ ﷺ ثُمَّ غَدَرَ بِها فالنَّبِيُّ ﷺ خَصْمُهُ يَوْمَ القِيامَةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ في قَوْلِهِ: ﴿والمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إذا عاهَدُوا﴾: يَعْنِي: فِيما بَيْنَهم وبَيْنَ النّاسِ.
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والصّابِرِينَ في البَأْساءِ والضَّرّاءِ وحِينَ البَأْسِ﴾ .
أخْرَجَ وكِيعٌ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في الآيَةِ قالَ: البَأْساءُ الفَقْرُ، والضَّرّاءُ السُّقْمُ، وحِينَ البَأْسِ حِينَ القِتالِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ قَتادَةَ قالَ: كُنّا نُحَدِّثُ أنَّ البَأْساءَ البُؤْسُ والفَقْرُ، وأنَّ الضَّرّاءَ السُّقْمُ والوَجَعُ، وحِينَ البَأْسِ عِنْدَ مَواطِنِ القِتالِ.
وأخْرَجَ الطَّسْتِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أنَّ نافِعَ بْنَ الأزْرَقِ سَألَهُ عَنِ ﴿البَأْساءِ والضَّرّاءِ﴾ قالَ: البَأْساءُ الخِصْبُ، والضَّرّاءُ الجَدْبُ. قالَ: وهَلْ تَعْرِفُ العَرَبُ ذَلِكَ؟ قالَ: نَعَمْ، أما سَمِعْتَ قَوْلَ زَيْدِ بْنِ عَمْرٍو: (p-١٥٢)
؎إنَّ الإلَهَ عَزِيزٌ واسِعٌ حَكَمُ بِكَفِّهِ الضُّرُّ والبَأْساءُ والنِّعَمُ
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا﴾ الآيَةَ.
أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ في قَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ﴾: يَعْنِي الَّذِينَ فَعَلُوا ما ذَكَرَ اللَّهُ في هَذِهِ الآيَةِ هُمُ الَّذِينَ صَدَقُوا.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ الرَّبِيعِ في قَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا﴾ قالَ: تَكَلَّمُوا بِكَلامِ الإيمانِ، فَكانَتْ حَقِيقَتُهُ العَمَلَ، صَدَقُوا اللَّهَ. قالَ: وكانَ الحَسَنُ يَقُولُ: هَذا كَلامُ الإيمانِ، وحَقِيقَتُهُ العَمَلُ، فَإنْ لَمْ يَكُنْ مَعَ القَوْلِ عَمَلٌ فَلا شَيْءَ.
وأخْرَجَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ، عَنْ أبِي عامِرٍ الأشْعَرِيِّ قالَ: «قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، ما تَمامُ البِرِّ؟ قالَ:“تَعْمَلُ في السِّرِّ عَمَلَ العَلانِيَةِ"» .
وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ، عَنْ إبْراهِيمَ بْنِ أبِي شَيْبانَ قالَ: سَألْتُ زَيْدَ بْنَ رُفَيْعٍ فَقُلْتُ: يا أبا جَعْفَرٍ، ما تَقُولُ في الخَوارِجِ في تَكْفِيرِهِمُ النّاسَ؟ قالَ: كَذَبُوا، يُقُولُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿لَيْسَ البِرَّ أنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ﴾ الآيَةَ. فَمَن آمَنَ بِهِنَّ فَهو مُؤْمِنٌ، ومَن كَفَرَ بِهِنَّ فَهو كافِرٌ.
البقرة 2:178
(p-١٥٣)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِصاصُ﴾
أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: إنَّ حَيَّيْنِ مِنَ العَرَبِ اقْتَتَلُوا في الجاهِلِيَّةِ قَبْلَ الإسْلامِ بِقَلِيلٍ، فَكانَ بَيْنَهم قَتْلٌ وجِراحاتٌ حَتّى قَتَلُوا العَبِيدَ والنِّساءَ، فَلَمْ يَأْخُذْ بَعْضُهم مِن بَعْضٍ حَتّى أسْلَمُوا، فَكانَ أحَدُ الحَيَّيْنِ يَتَطاوَلُ عَلى الآخَرِ في العُدَّةِ والأمْوالِ، فَحَلَفُوا ألّا يَرْضَوْا حَتّى يُقْتَلَ بِالعَبْدِ مِنّا الحُرُّ مِنهُمْ، وبِالمَرْأةِ مِنّا الرَّجُلُ مِنهُمْ، فَنَزَلَ فِيهِمْ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِصاصُ في القَتْلى الحُرُّ بِالحُرِّ والعَبْدُ بِالعَبْدِ والأُنْثى بِالأُنْثى﴾ وذَلِكَ أنَّهم كانُوا لا يَقْتُلُونَ الرَّجُلَ بِالمَرْأةِ، ولَكِنْ يَقْتُلُونَ الرَّجُلَ بِالرَّجُلِ، والمَرْأةَ بِالمَرْأةِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: ٤٥] فَجَعَلَ الأحْرارَ في القِصاصٍ سَواءً فِيما بَيْنَهم مِنَ العَمْدِ؛ رِجالُهم ونِساؤُهُمْ، وجَعَلَ العَبِيدَ مُسْتَوِينَ فِيما بَيْنَهم مِنَ العَمْدِ؛ رِجالُهم ونِساؤُهم.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في ”سُنَنِهِ“، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانُوا لا يَقْتُلُونَ الرَّجُلَ بِالمَرْأةِ، ولَكِنْ يَقْتُلُونَ الرَّجُلَ بِالرَّجُلِ، والمَرْأةَ بِالمَرْأةِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: ٤٥] فَجَعَلَ الأحْرارَ في القِصاصٍ سَواءً فِيما بَيْنَهم في العَمْدِ؛ رِجالُهم ونِساؤُهُمْ، في النَّفْسِ وما دُونَ النَّفْسِ، وجَعَلَ العَبِيدَ مُسْتَوِينَ في العَمْدِ؛ في النَّفْسِ وما دُونَ النَّفْسِ؛ رِجالُهم (p-١٥٤)ونِساؤُهم.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ قالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في قَبِيلَتَيْنِ مِن قَبائِلِ العَرَبِ اقْتَتَلَتا قِتالَ عُمِّيَّةٍ عَلى عَهْدِ الرَّسُولِ ﷺ، فَقالُوا: نَقْتُلُ بِعَبْدِنا فُلانَ بْنَ فُلانٍ، ونَقْتُلُ بِأمَتِنا فُلانَةَ بِنْتَ فُلانٍ. فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿الحُرُّ بِالحُرِّ والعَبْدُ بِالعَبْدِ والأُنْثى بِالأُنْثى﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنْ أبِي مالِكٍ قالَ: «كانَ بَيْنَ حَيَّيْنِ مِنَ الأنْصارِ قِتالٌ، كانَ لِأحَدِهِما عَلى الآخَرِ الطَّوْلُ، فَكَأنَّهم طَلَبُوا الفَضْلَ، فَجاءَ النَّبِيُّ ﷺ لِيُصْلِحَ بَيْنَهُمْ، فَنَزَلَتِ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿الحُرُّ بِالحُرِّ والعَبْدُ بِالعَبْدِ والأُنْثى بِالأُنْثى﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: فَنَسَخَتْها: ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة»: ٤٥] .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ قَتادَةَ قالَ: لَمْ يَكُنْ لِمَن قَبْلَنا دِيَةٌ، إنَّما هو القَتْلُ أوِ العَفْوُ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في قَوْمٍ كانُوا أكْثَرَ مِن غَيْرِهِمْ، فَكانُوا إذا قُتِلَ مِنَ الكَثِيرِ عَبْدٌ قالُوا: لا نَقْتُلُ بِهِ إلّا حُرًّا. وإذا قُتِلَتْ مِنهُمُ امْرَأةٌ قالُوا: لا نَقْتُلُ بِها إلّا رَجُلًا. فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿الحُرُّ بِالحُرِّ والعَبْدُ بِالعَبْدِ والأُنْثى بِالأُنْثى﴾ . (p-١٥٥)وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وأبُو داوُدَ في «ناسِخِهِ»، وأبُو القاسِمِ الزَّجّاجِيُّ في «أمالِيهِ»، والبَيْهَقِيُّ في ”سُنَنِهِ“، عَنْ قَتادَةَ في الآيَةِ قالَ: كانَ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ فِيهِمْ بَغْيٌ وطاعَةٌ لِلشَّيْطانِ، فَكانَ الحَيُّ مِنهم إذا كانَ فِيهِمْ عَدَدٌ وعُدَّةٌ، فَقُتِلَ لَهم عَبْدٌ قَتَلَهُ عَبْدُ قَوْمٍ آخَرِينَ، فَقالُوا: لَنْ نَقْتُلَ بِهِ إلّا حُرًّا. تَعَزُّزًا وتَفَضُّلًا عَلى غَيْرِهِمْ في أنْفُسِهِمْ، وإذا قُتِلَتْ لَهم أُنْثى قَتَلَتْها امْرَأةٌ، قالُوا: لَنْ نَقْتُلَ بِها إلّا رَجُلًا. فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ يُخْبِرُهم أنَّ العَبْدَ بِالعَبْدِ، والحُرَّ بِالحُرِّ، والأُنْثى بِالأُنْثى، ويَنْهاهم عَنِ البَغْيِ، ثُمَّ أنْزَلَ سُورَةَ ”المائِدَةِ“، فَقالَ: ﴿وكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: ٤٥] الآيَةَ.
وأخْرَجَ النَّحّاسُ في «ناسِخِهِ»، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿الحُرُّ بِالحُرِّ والعَبْدُ بِالعَبْدِ والأُنْثى بِالأُنْثى﴾ . قالَ: نَسَخَتْها: ﴿وكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: ٤٥] .
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَمَن عُفِيَ لَهُ مِن أخِيهِ شَيْءٌ﴾ الآيَةَ.
أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ في ”سُنَنِهِ“، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿فَمَن عُفِيَ لَهُ﴾ قالَ: هو العَمْدُ يَرْضى أهْلُهُ بِالدِّيَةِ، ﴿فاتِّباعٌ بِالمَعْرُوفِ﴾ أُمِرَ بِهِ الطّالِبُ، ﴿وأداءٌ إلَيْهِ بِإحْسانٍ﴾ قالَ: يُؤَدِّي المَطْلُوبَ بِإحْسانٍ، ﴿ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِن رَبِّكم ورَحْمَةٌ﴾ مِمّا كانَ (p-١٥٦)عَلى بَنِي إسْرائِيلَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿فَمَن عُفِيَ لَهُ﴾ يَقُولُ: مَن تُرِكَ لَهُ، ﴿مِن أخِيهِ شَيْءٌ﴾ بَعْدَ أخْذِ الدِّيَةِ بَعْدَ اسْتِحْقاقِ الدَّمِ، وذَلِكَ العَفْوُ، ﴿فاتِّباعٌ بِالمَعْرُوفِ﴾ يَقُولُ: فَعَلى الطّالِبِ اتِّباعٌ بِالمَعْرُوفِ إذا قَبِلَ الدِّيَةَ، ﴿وأداءٌ إلَيْهِ بِإحْسانٍ﴾ مِنَ القاتِلِ في غَيْرِ ضَرُورَةٍ ولا مَعَكٍ – يَعْنِي المُدافِعَةَ - ﴿ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِن رَبِّكم ورَحْمَةٌ﴾ يَقُولُ: رِفْقٌ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، والبُخارِيُّ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والنَّحّاسُ في «ناسِخِهِ»، وابْنُ حِبّانَ، والبَيْهَقِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانَ في بَنِي إسْرائِيلَ القِصاصُ، ولَمْ يَكُنْ فِيهِمُ الدِّيَةُ، فَقالَ اللَّهُ لِهَذِهِ الأُمَّةِ: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِصاصُ في القَتْلى﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿فَمَن عُفِيَ لَهُ مِن أخِيهِ شَيْءٌ﴾ فالعَفْوُ أنْ يَقْبَلَ الدِّيَةَ في العَمْدِ، ﴿فاتِّباعٌ بِالمَعْرُوفِ وأداءٌ إلَيْهِ بِإحْسانٍ﴾ يَتْبَعُ الطّالِبَ بِالمَعْرُوفِ، ويُؤَدِّي إلَيْهِ المَطْلُوبَ بِإحْسانٍ، ﴿ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِن رَبِّكم ورَحْمَةٌ﴾ مِمّا كُتِبَ عَلى مَن كانَ قَبْلَكُمْ، ﴿فَمَنِ اعْتَدى بَعْدَ ذَلِكَ﴾ قَتَلَ بَعْدَ قَبُولِ الدِّيَةِ، ﴿فَلَهُ عَذابٌ ألِيمٌ﴾ .
(p-١٥٧)وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانَتْ بَنُو إسْرائِيلَ إذا قُتِلَ فِيهِمُ القَتِيلُ عَمْدًا، لا يَحِلُّ لَهم إلّا القَوَدُ، وأحَلَّ اللَّهُ الدِّيَةَ لِهَذِهِ الأُمَّةِ، فَأمَرَ هَذا أنَّ يَتْبَعَ بِمَعْرُوفٍ، وأمَرَ هَذا أنْ يُؤَدِّيَ بِإحْسانٍ، ﴿ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِن رَبِّكُمْ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: كانَ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ القِصاصُ في القَتْلى، لَيْسَ بَيْنَهم دِيَةٌ في نَفْسٍ ولا جُرْحٍ، وذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ: ﴿وكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: ٤٥] الآيَةَ، فَخَفَّفَ اللَّهُ عَنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ، فَجَعَلَ عَلَيْهِمُ الدِّيَةَ في النَّفْسِ وفي الجِراحَةِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِن رَبِّكم ورَحْمَةٌ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، والزَّجّاجِيُّ في «أمالِيهِ»، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿ورَحْمَةٌ﴾ قالَ: هي رَحْمَةٌ رَحِمَ بِها اللَّهُ هَذِهِ الأُمَّةَ، أطْعَمَهُمُ الدِّيَةَ وأحَلَّها لَهُمْ، ولَمْ تَحِلَّ لِأحَدٍ قَبْلَهُمْ، فَكانَ أهْلُ التَّوْراةِ إنَّما هو القِصاصُ أوِ العَفْوُ، لَيْسَ بَيْنَهُما أرْشٌ، وكانَ أهْلُ الإنْجِيلِ إنَّما هو عَفْوٌ أُمِرُوا بِهِ، وجَعَلَ اللَّهُ لِهَذِهِ الأُمَّةِ القَتْلَ والعَفْوَ والدِّيَةَ إنْ شاءُوا، أحَلَّها لَهُمْ، ولَمْ يَكُنْ لِأُمَّةٍ قَبْلَهم.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأحْمَدُ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ، (p-١٥٨)عَنِ أبِي شُرَيْحٍ الخُزاعِيِّ، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «”مَن أُصِيبَ بِقَتْلٍ أوْ خَبْلٍ، فَإنَّهُ يَخْتارُ إحْدى ثَلاثٍ؛ إمّا أنْ يَقْتَصَّ، وإمّا أنْ يَعْفُوَ، وإمّا أنْ يَأْخُذَ الدِّيَةَ، فَإنْ أرادَ الرّابِعَةَ فَخُذُوا عَلى يَدَيْهِ، ومَنِ اعْتَدى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ نارُ جَهَنَّمَ خالِدًا فِيها أبَدًا“» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ قَتادَةَ: ﴿فَمَنِ اعْتَدى بَعْدَ ذَلِكَ﴾ قالَ: قَتَلَ بَعْدَ أخْذِهِ الدِّيَةَ، ﴿فَلَهُ عَذابٌ ألِيمٌ﴾ قالَ: فَعَلَيْهِ القَتْلُ، لا تُقْبَلُ مِنهُ الدِّيَةُ. «وذُكِرَ لَنا أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: ”لا أُعافِي رَجُلًا قَتَلَ بَعْدَ أخْذِهِ الدِّيَةَ“» .
وأخْرَجَ سَمُّوَيْهِ في «فَوائِدِهِ»، عَنْ سَمُرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «”لا أُعافِي رَجُلًا قَتَلَ بَعْدَ أخْذِ الدِّيَةِ“» .
وأخْرَجَ وكِيعٌ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿فَمَنِ اعْتَدى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذابٌ ألِيمٌ﴾ قالَ: كانَ الرَّجُلُ في الجاهِلِيَّةِ إذا قَتَلَ قَتِيلًا يَنْضَمُّ إلى قَوْمِهِ، فَيَجِيءُ قَوْمُهُ فَيُصالِحُونَ عَنْهُ بِالدِّيَةِ، فَيَخْرُجُ الفارُّ وقَدْ أمِنَ في (p-١٥٩)نَفْسِهِ، فَيَقْتُلُهُ، ويُرْمى إلَيْهِ بِالدِّيَةِ، فَذَلِكَ الِاعْتِداءُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، في رَجُلٍ قَتَلَ بَعْدَ أخْذِ الدِّيَةِ قالَ: يُقْتَلُ، أما سَمِعْتَ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿فَلَهُ عَذابٌ ألِيمٌ﴾ .
البقرة 2:179
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَكم في القِصاصِ حَياةٌ﴾ الآيَةَ.
أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿ولَكم في القِصاصِ حَياةٌ﴾ قالَ: جَعَلَ اللَّهُ في القِصاصِ حَياةً ونَكالًا وعِظَةً، إذا ذَكَرَهُ الظّالِمُ المُعْتَدِي كَفَّ عَنِ القَتْلِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ قَتادَةَ قالَ: جَعَلَ اللَّهُ هَذا القِصاصَ حَياةً وعِبْرَةً لِأُولِي الألْبابِ، وفِيهِ عِظَةٌ لِأهْلِ الجَهْلِ والسَّفَهِ، كَمْ مِن رَجُلٍ قَدْ هَمَّ بِداهِيَةٍ لَوْلا مَخافَةُ القِصاصِ لَوَقَعَ بِها، ولَكِنَّ اللَّهَ حَجَزَ عِبادَهُ بِها بَعْضَهم عَنْ بَعْضٍ، وما أمَرَ اللَّهُ بِأمْرٍ قَطُّ إلّا وهو أمْرُ صَلاحٍ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، وما نَهى اللَّهُ عَنْ أمْرٍ قَطُّ إلّا وهو أمْرُ فَسادٍ، واللَّهُ أعْلَمُ بِالَّذِي يُصْلِحُ خَلْقَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ السُّدِّيِّ: ﴿فِي القِصاصِ حَياةٌ﴾ قالَ: بَقاءٌ، لا يُقْتَلُ إلّا القاتِلُ بِجِنايَتِهِ. (p-١٦٠)وأخْرَجَ سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولَكم في القِصاصِ حَياةٌ﴾ قالَ: بُقْيا، يُناهِي بَعْضَهم عَنْ بَعْضٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ في قَوْلِهِ: ﴿لَعَلَّكم تَتَّقُونَ﴾ قالَ: لَعَلَّكَ تَتَّقِي أنْ تَقْتُلَهُ فَتُقْتَلَ بِهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولَكم في القِصاصِ حَياةٌ يا أُولِي الألْبابِ﴾: يَعْنِي: مَن كانَ لَهُ لُبٌّ أوْ عَقْلٌ يَذْكُرُ القِصاصَ، فَيَحْجُزُهُ خَوْفُ القِصاصِ عَنِ القَتْلِ، ﴿لَعَلَّكم تَتَّقُونَ﴾ لِكَيْ تَتَّقُوا الدِّماءَ مَخافَةَ القِصاصِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أبِي الجَوْزاءِ، أنَّهُ قَرَأ: (ولِكَمٍّ في القَصَصِ) قالَ: القَصَصُ القُرْآنُ.
وأخْرَجَ آدَمُ، والبَيْهَقِيُّ في ”سُنَنِهِ“، عَنْ أبِي العالِيَةِ: ﴿فَمَنِ اعْتَدى﴾ [البقرة: ١٧٨]: فَقَتَلَ بَعْدَ أخْذِهِ الدِّيَةَ، ﴿ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِن رَبِّكم ورَحْمَةٌ﴾ [البقرة: ١٧٨] يَقُولُ: حِينَ (p-١٦١)أُطْعِمْتُمُ الدِّيَةَ، ولَمْ تَحِلَّ لِأهْلِ التَّوْراةِ، إنَّما هو قِصاصٌ أوْ عَفْوٌ، وكانَ أهْلُ الإنْجِيلِ، إنَّما هو عَفْوٌ لَيْسَ غَيْرُهُ، فَجَعَلَ اللَّهُ لِهَذِهِ الأُمَّةِ القَوَدَ والدِّيَةَ والعَفْوَ، ﴿ولَكم في القِصاصِ حَياةٌ﴾ يَقُولُ: جَعَلَ اللَّهُ القِصاصَ حَياةً، فَكَمْ مِن رَجُلٍ يُرِيدُ أنْ يَقْتُلَ فَيَمْنَعَهُ مِنهُ مَخافَةُ أنْ يُقْتَلَ.
البقرة 2:180
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكم إذا حَضَرَ﴾ .
أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنْ تَرَكَ خَيْرًا﴾ قالَ: مالًا.
أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنْ تَرَكَ خَيْرًا﴾ قالَ: الخَيْرُ المالُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: الخَيْرُ في القُرْآنِ كُلِّهِ المالُ؛ ﴿إنْ تَرَكَ خَيْرًا﴾، ﴿لِحُبِّ الخَيْرِ﴾ [العاديات: ٨] . ﴿أحْبَبْتُ حُبَّ الخَيْرِ﴾ [ص: ٣٢] . ﴿إنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ [النور: ٣٣] .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنْ تَرَكَ خَيْرًا الوَصِيَّةُ﴾ قالَ: مَن لَمْ يَتْرُكْ سِتِّينَ دِينارًا لَمْ يَتْرُكْ خَيْرًا.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، والفِرْيابِيُّ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ، (p-١٦٢)، والبَيْهَقِيُّ في ”سُنَنِهِ“ عَنْ عُرْوَةَ، أنَّ عَلِيَّ بْنَ أبِي طالِبٍ دَخَلَ عَلى مَوْلًى لَهم في المَوْتِ، ولَهُ سَبْعُمِائَةِ دِرْهَمٍ أوْ سِتُّمِائَةِ دِرْهَمٍ، فَقالَ: ألا أُوصِي؟ قالَ: لا، إنَّما قالَ اللَّهُ:﴿إنْ تَرَكَ خَيْرًا﴾، ولَيْسَ لَكَ كَثِيرُ مالٍ، فَدَعْ مالَكَ لِوَرَثَتِكَ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ عائِشَةَ، أنَّ رَجُلًا قالَ لَها: إنِّي أُرِيدُ أنْ أُوصِيَ؟ قالَتْ: كَمْ مالُكَ؟ قالَ: ثَلاثَةُ آلافٍ. قالَتْ: كَمْ عِيالُكَ؟ قالَ: أرْبَعَةٌ. قالَتْ: قالَ اللَّهُ: ﴿إنْ تَرَكَ خَيْرًا﴾ وإنَّ هَذا شَيْءٌ يَسِيرٌ، فاتْرُكْهُ لِعِيالِكَ فَهو أفْضَلُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، والبَيْهَقِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: إذا تَرَكَ المَيِّتُ سَبْعَمِائَةِ دِرْهَمٍ فَلا يُوصِي.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ أبِي مِجْلَزٍ قالَ: الوَصِيَّةُ عَلى مَن تَرَكَ خَيْرًا.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قالَ: جَعَلَ اللَّهُ الوَصِيَّةَ (p-١٦٣)حَقًّا مِمّا قَلَّ مِنهُ أوْ كَثُرَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والبُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «”ما حَقُّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ تَمُرُّ عَلَيْهِ ثَلاثُ لَيالٍ إلّا وصِيَّتُهُ عِنْدَهُ“ . قالَ ابْنُ عُمَرَ: فَما مَرَّتْ عَلَيَّ ثَلاثٌ قَطُّ إلّا ووَصِيَّتِي عِنْدِي» .
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ قَتادَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «”أيُّها النّاسُ، ابْتاعُوا أنْفُسَكم مِن رَبِّكُمْ، ألا إنَّهُ لَيْسَ لِامْرِئٍ شَيْءٌ، ألا لا أعْرِفَنَّ امْرَأً بَخِلَ بِحَقِّ اللَّهِ عَلَيْهِ، حَتّى إذا حَضَرَهُ المَوْتُ أخَذَ يُدَعْدِعُ مالَهُ هاهُنا وهاهُنا“» . ثُمَّ يَقُولُ قَتادَةُ: ويْلَكَ يا ابْنَ آدَمَ، كُنْتَ بَخِيلًا مُمْسِكًا، حَتّى إذا حَضَرَكَ المَوْتُ أخَذْتَ تُدَعْدِعُ مالَكَ وتُفَرِّقُهُ، يا ابْنَ آدَمَ، اتَّقِ اللَّهَ ولا تَجْمَعْ إساءَتَيْنِ في مالِكَ؛ إساءَةً في الحَياةِ، وإساءَةً عِنْدَ المَوْتِ، انْظُرْ إلى قَرابَتِكَ الَّذِينَ يَحْتاجُونَ ولا يَرِثُونَ، فَأوْصِ لَهم مِن مالِكَ بِالمَعْرُوفِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَعْمَرٍ قاضِي البَصْرَةِ قالَ: مَن أوْصى فَسَمّى، أعْطَيْنا مَن سَمّى، وإنْ قالَ: ضَعْها حَيْثُ (p-١٦٤)أمَرَ اللَّهُ أعْطَيْناها قَرابَتَهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنِ ابْنِ المُسَيِّبِ قالَ: مَن أوْصى وسَمّى، أعْطَيْنا مَن سَمّى.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ طاوُسٍ قالَ: مَن أوْصى لِقَوْمٍ وسَمّاهم وتَرَكَ ذَوِي قَرابَتِهِ مُحْتاجِينَ، انْتُزِعَتْ مِنهم ورُدَّتْ عَلى قَرابَتِهِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنِ الحَسَنِ قالَ: إذا أوْصى في غَيْرِ أقارِبِهِ بِالثُّلُثِ، جازَ لَهم ثُلُثُ الثُّلُثِ، ويُرَدُّ عَلى أقارِبِهِ ثُلُثا الثُّلُثِ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وأحْمَدُ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وأبُو داوُدَ في «النّاسِخِ»، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ في ”سُنَنِهِ“ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ قالَ: خَطَبَ ابْنُ عَبّاسٍ فَقَرَأ سُورَةَ ”البَقَرَةِ“، فَبَيَّنَ ما فِيها، حَتّى مَرَّ عَلى هَذِهِ الآيَةِ: ﴿إنْ تَرَكَ خَيْرًا الوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ والأقْرَبِينَ﴾ فَقالَ: نُسِخَتْ هَذِهِ الآيَةُ.
وأخْرَجَ أبُو داوُدَ، والنَّحّاسُ، مَعًا في ”النّاسِخِ“، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي (p-١٦٥)حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿الوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ والأقْرَبِينَ﴾ قالَ: كانَ وُلْدُ الرَّجُلِ يَرِثُونَهُ، ولِلْوالِدَيْنِ والأقْرَبِينَ الوَصِيَّةُ، فَنَسَخَها: ﴿لِلرِّجالِ نَصِيبٌ مِمّا تَرَكَ الوالِدانِ والأقْرَبُونَ﴾ [النساء: ٧] الآيَةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانَ لا يَرِثُ مَعَ الوالِدَيْنِ غَيْرُهُما إلّا وصِيَّةُ الأقْرَبِينَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ آيَةَ المِيراثِ، فَبَيَّنَ مِيراثَ الوالِدَيْنِ، وأقَرَّ وصِيَّةَ الأقْرَبِينَ في ثُلُثِ مالِ المَيِّتِ.
وأخْرَجَ أبُو داوُدَ في ”سُنَنِهِ“ و”ناسِخِهِ“، والبَيْهَقِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنْ تَرَكَ خَيْرًا الوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ والأقْرَبِينَ﴾ قالَ: فَكانَتِ الوَصِيَّةُ كَذَلِكَ حِينَ نَسَخَتْها آيَةُ المِيراثِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في الآيَةِ قالَ: نَسَخَ مَن يَرِثُ، ولَمْ يَنْسَخِ الأقْرَبِينَ الَّذِينَ لا يَرِثُونَ.
وأخْرَجَ وكِيعٌ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والبَيْهَقِيُّ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أنَّهُ سُئِلَ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿الوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ والأقْرَبِينَ﴾ قالَ: نَسَخَتْها آيَةُ المِيراثِ.
(p-١٦٦)وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ قَتادَةَ، عَنْ شُرَيْحٍ في الآيَةِ قالَ: كانَ الرَّجُلُ يُوصِي بِمالِهِ كُلِّهِ حَتّى نَزَلَتْ آيَةُ المِيراثِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في الآيَةِ قالَ: كانَ المِيراثُ لِلْوَلَدِ، والوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ والأقْرَبِينَ، فَهي مَنسُوخَةٌ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ قَتادَةَ في الآيَةِ قالَ: الخَيْرُ المالُ، كانَ يُقالُ: ألْفٌ فَما فَوْقَ ذَلِكَ. فَأُمِرَ أنْ يُوصِيَ لِوالِدَيْهِ وأقْرَبِيهِ، ثُمَّ نَسَخَ الوالِدَيْنِ، وألْحَقَ لِكُلِّ ذِي مِيراثٍ نَصِيبَهُ مِنهُ، ولَيْسَتْ لَهم مِنهُ وصِيَّةٌ، فَصارَتِ الوَصِيَّةُ لِمَن لا يَرِثُ مِن قَرِيبٍ أوْ غَيْرِ قَرِيبٍ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والتِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ ماجَهْ، عَنْ عَمْرِو بْنِ خارِجَةَ، «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَطَبَهم عَلى راحِلَتِهِ فَقالَ: ”إنَّ اللَّهَ قَدْ قَسَمَ لِكُلِّ إنْسانٍ نَصِيبَهُ مِنَ المِيراثِ، فَلا تَجُوزُ لِوارِثٍ وصِيَّةٌ“» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والبَيْهَقِيُّ في ”سُنَنِهِ“، عَنْ أبِي أُمامَةَ الباهِلِيِّ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ في حَجَّةِ الوَداعِ في خُطْبَتِهِ يَقُولُ: «”إنَّ اللَّهَ قَدْ أعْطى كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ، فَلا وصِيَّةَ لِوارِثٍ“» .
(p-١٦٧)وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنِ الحَسَنِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «”لا وصِيَّةَ لِوارِثٍ، إلّا أنْ يُجِيزَهُ الوَرَثَةُ“» .
البقرة 2:181
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَمَن بَدَّلَهُ﴾ الآيَتَيْنِ.
أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَمَن بَدَّلَهُ بَعْدَما سَمِعَهُ فَإنَّما إثْمُهُ عَلى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ﴾: وقَدْ وقَعَ أجْرُ المُوصِي عَلى اللَّهِ، وبَرِئَ مِن إثْمِهِ. وفي قَوْلِهِ: ﴿فَمَن خافَ مِن مُوصٍ جَنَفًا﴾ يَعْنِي: إثْمًا، ﴿فَأصْلَحَ بَيْنَهُمْ﴾ يَقُولُ: إذا أخْطَأ المَيِّتُ في وصِيَّتِهِ أوْ حافَ فِيها، فَلَيْسَ عَلى الأوْلِياءِ حَرَجٌ أنْ يَرُدُّوا خَطَأهُ إلى الصَّوابِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿فَمَن بَدَّلَهُ﴾ قالَ: مَن بَدَّلَ الوَصِيَّةَ بَعْدَ ما سَمِعَها فَإثْمُ ما بَدَّلَ عَلَيْهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: ﴿فَمَن بَدَّلَهُ﴾ يَقُولُ: لِلْأوْصِياءِ مَن بَدَّلَ وصِيَّةَ المَيِّتِ، ﴿بَعْدَما سَمِعَهُ﴾ يَعْنِي مِن بَعْدِ ما سَمِعَ مِنَ المَيِّتِ، فَلَمْ يُمْضِ وصِيَّتَهُ إذا كانَ عَدْلًا ﴿فَإنَّما إثْمُهُ﴾ يَعْنِي إثْمَ ذَلِكَ ﴿عَلى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ﴾ يَعْنِي الوَصِيَّ، وبَرِئَ مِنهُ المَيِّتُ، ﴿إنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ﴾ يَعْنِي لِلْوَصِيَّةِ، ﴿عَلِيمٌ﴾ بِها، ﴿فَمَن خافَ﴾ يَقُولُ: فَمَن عَلِمَ ﴿مِن مُوصٍ﴾ (p-١٦٨)يَعْنِي: مِنَ المَيِّتِ، ﴿جَنَفًا﴾ مَيْلًا، ﴿أوْ إثْمًا﴾ يَعْنِي أوْ خَطَأً، فَلَمْ يَعْدِلْ، ﴿فَأصْلَحَ بَيْنَهُمْ﴾ رَدَّ خَطَأهُ إلى الصَّوابِ، ﴿إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ﴾ لِلْوَصِيِّ حَيْثُ أصْلَحَ بَيْنَ الوَرَثَةِ، ﴿رَحِيمٌ﴾ بِهِ حَيْثُ رَخَّصَ لَهُ في خِلافِ جَوْرِ وصِيَّةِ المَيِّتِ.
وأخْرَجَ الطَّسْتِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أنَّ نافِعَ بْنَ الأزْرَقِ سَألَهُ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿جَنَفًا﴾ قالَ: الجَوْرَ والمَيْلَ في الوَصِيَّةِ. قالَ: وهَلْ تَعْرِفُ العَرَبُ ذَلِكَ؟ قالَ: نَعَمْ أما سَمِعْتَ قَوْلَ عَدِيِّ بْنِ زَيْدٍ:
؎وأُمُّكَ يا نُعْمانُ في أخَواتِها يَأْتِينَ ما يَأْتِينَهُ جَنَفا
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿جَنَفًا أوْ إثْمًا﴾ قالَ: الجَنَفُ الخَطَأُ، والإثْمُ العَمْدُ.
وأخْرَجَ سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿جَنَفًا أوْ إثْمًا﴾ قالَ: خَطَأً أوْ عَمْدًا.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ عَطاءٍ في قَوْلِهِ: ﴿جَنَفًا﴾ قالَ: حَيْفًا.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَمَن خافَ مِن مُوصٍ﴾ الآيَةَ، قالَ: هَذا حِينَ يُحْضَرُ الرَّجُلُ وهو يَمُوتُ، فَإذا أسْرَفَ أمَرُوهُ بِالعَدْلِ، وإذا قَصَّرَ عَنْ حَقٍّ قالُوا: افْعَلْ كَذا وكَذا، وأعْطِ فُلانًا كَذا (p-١٦٩)وكَذا.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿فَمَن خافَ مِن مُوصٍ﴾ الآيَةَ، قالَ: مَن أوْصى بِحَيْفٍ أوْ جارَ في وصِيَّةٍ فَرَدَّها ولِيُّ المَيِّتِ أوْ إمامٌ مِن أئِمَّةِ المُسْلِمِينَ إلى كِتابِ اللَّهِ وإلى سُنَّةِ نَبِيِّهِ، كانَ لَهُ ذَلِكَ.
وأخْرَجَ سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، والبَيْهَقِيُّ في ”سُنَنِهِ“، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الجَنَفُ في الوَصِيَّةِ والإضْرارُ فِيها مِنَ الكَبائِرِ.
وأخْرَجَ أبُو داوُدَ في «مَراسِيلِهِ»، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنْ عائِشَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «”يُرَدُّ مِن صَدَقَةِ الحائِفِ في حَياتِهِ ما يُرَدُّ مِن وصِيَّةِ المُجْنِفِ عِنْدَ مَوْتِهِ“» .
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، عَنِ الثَّوْرِيِّ في قَوْلِهِ: ﴿فَمَن بَدَّلَهُ بَعْدَما سَمِعَهُ﴾ قالَ: بَلَغَنا أنَّ الرَّجُلَ إذا أوْصى لَمْ تُغَيَّرْ وصِيَّتُهُ حَتّى نَزَلَتْ: ﴿فَمَن خافَ مِن مُوصٍ جَنَفًا أوْ إثْمًا فَأصْلَحَ بَيْنَهُمْ﴾ فَرَدَّهُ إلى الحَقِّ.
البقرة 2:182
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَمَن بَدَّلَهُ﴾ الآيَتَيْنِ.
أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَمَن بَدَّلَهُ بَعْدَما سَمِعَهُ فَإنَّما إثْمُهُ عَلى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ﴾: وقَدْ وقَعَ أجْرُ المُوصِي عَلى اللَّهِ، وبَرِئَ مِن إثْمِهِ. وفي قَوْلِهِ: ﴿فَمَن خافَ مِن مُوصٍ جَنَفًا﴾ يَعْنِي: إثْمًا، ﴿فَأصْلَحَ بَيْنَهُمْ﴾ يَقُولُ: إذا أخْطَأ المَيِّتُ في وصِيَّتِهِ أوْ حافَ فِيها، فَلَيْسَ عَلى الأوْلِياءِ حَرَجٌ أنْ يَرُدُّوا خَطَأهُ إلى الصَّوابِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿فَمَن بَدَّلَهُ﴾ قالَ: مَن بَدَّلَ الوَصِيَّةَ بَعْدَ ما سَمِعَها فَإثْمُ ما بَدَّلَ عَلَيْهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: ﴿فَمَن بَدَّلَهُ﴾ يَقُولُ: لِلْأوْصِياءِ مَن بَدَّلَ وصِيَّةَ المَيِّتِ، ﴿بَعْدَما سَمِعَهُ﴾ يَعْنِي مِن بَعْدِ ما سَمِعَ مِنَ المَيِّتِ، فَلَمْ يُمْضِ وصِيَّتَهُ إذا كانَ عَدْلًا ﴿فَإنَّما إثْمُهُ﴾ يَعْنِي إثْمَ ذَلِكَ ﴿عَلى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ﴾ يَعْنِي الوَصِيَّ، وبَرِئَ مِنهُ المَيِّتُ، ﴿إنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ﴾ يَعْنِي لِلْوَصِيَّةِ، ﴿عَلِيمٌ﴾ بِها، ﴿فَمَن خافَ﴾ يَقُولُ: فَمَن عَلِمَ ﴿مِن مُوصٍ﴾ (p-١٦٨)يَعْنِي: مِنَ المَيِّتِ، ﴿جَنَفًا﴾ مَيْلًا، ﴿أوْ إثْمًا﴾ يَعْنِي أوْ خَطَأً، فَلَمْ يَعْدِلْ، ﴿فَأصْلَحَ بَيْنَهُمْ﴾ رَدَّ خَطَأهُ إلى الصَّوابِ، ﴿إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ﴾ لِلْوَصِيِّ حَيْثُ أصْلَحَ بَيْنَ الوَرَثَةِ، ﴿رَحِيمٌ﴾ بِهِ حَيْثُ رَخَّصَ لَهُ في خِلافِ جَوْرِ وصِيَّةِ المَيِّتِ.
وأخْرَجَ الطَّسْتِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أنَّ نافِعَ بْنَ الأزْرَقِ سَألَهُ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿جَنَفًا﴾ قالَ: الجَوْرَ والمَيْلَ في الوَصِيَّةِ. قالَ: وهَلْ تَعْرِفُ العَرَبُ ذَلِكَ؟ قالَ: نَعَمْ أما سَمِعْتَ قَوْلَ عَدِيِّ بْنِ زَيْدٍ:
؎وأُمُّكَ يا نُعْمانُ في أخَواتِها يَأْتِينَ ما يَأْتِينَهُ جَنَفا
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿جَنَفًا أوْ إثْمًا﴾ قالَ: الجَنَفُ الخَطَأُ، والإثْمُ العَمْدُ.
وأخْرَجَ سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿جَنَفًا أوْ إثْمًا﴾ قالَ: خَطَأً أوْ عَمْدًا.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ عَطاءٍ في قَوْلِهِ: ﴿جَنَفًا﴾ قالَ: حَيْفًا.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَمَن خافَ مِن مُوصٍ﴾ الآيَةَ، قالَ: هَذا حِينَ يُحْضَرُ الرَّجُلُ وهو يَمُوتُ، فَإذا أسْرَفَ أمَرُوهُ بِالعَدْلِ، وإذا قَصَّرَ عَنْ حَقٍّ قالُوا: افْعَلْ كَذا وكَذا، وأعْطِ فُلانًا كَذا (p-١٦٩)وكَذا.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿فَمَن خافَ مِن مُوصٍ﴾ الآيَةَ، قالَ: مَن أوْصى بِحَيْفٍ أوْ جارَ في وصِيَّةٍ فَرَدَّها ولِيُّ المَيِّتِ أوْ إمامٌ مِن أئِمَّةِ المُسْلِمِينَ إلى كِتابِ اللَّهِ وإلى سُنَّةِ نَبِيِّهِ، كانَ لَهُ ذَلِكَ.
وأخْرَجَ سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، والبَيْهَقِيُّ في ”سُنَنِهِ“، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الجَنَفُ في الوَصِيَّةِ والإضْرارُ فِيها مِنَ الكَبائِرِ.
وأخْرَجَ أبُو داوُدَ في «مَراسِيلِهِ»، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنْ عائِشَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «”يُرَدُّ مِن صَدَقَةِ الحائِفِ في حَياتِهِ ما يُرَدُّ مِن وصِيَّةِ المُجْنِفِ عِنْدَ مَوْتِهِ“» .
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، عَنِ الثَّوْرِيِّ في قَوْلِهِ: ﴿فَمَن بَدَّلَهُ بَعْدَما سَمِعَهُ﴾ قالَ: بَلَغَنا أنَّ الرَّجُلَ إذا أوْصى لَمْ تُغَيَّرْ وصِيَّتُهُ حَتّى نَزَلَتْ: ﴿فَمَن خافَ مِن مُوصٍ جَنَفًا أوْ إثْمًا فَأصْلَحَ بَيْنَهُمْ﴾ فَرَدَّهُ إلى الحَقِّ.
البقرة 2:183
(p-١٧٠)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ﴾
أخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ، والبَيْهَقِيُّ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «”بُنِيَ الإسْلامُ عَلى خَمْسٍ؛ شَهادَةِ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وأنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وإقامِ الصَّلاةِ، وإيتاءِ الزَّكاةِ، وصَوْمِ رَمَضانَ، والحَجِّ“» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ، وأبُو داوُدَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ في ”سُنَنِهِ“ عَنْ مُعاذِ بْنِ جَبَلٍ قالَ: «أُحِيلَتِ الصَّلاةُ ثَلاثَةَ أحْوالٍ، وأُحِيلَ الصِّيامُ ثَلاثَةَ أحْوالٍ، فَأمّا أحْوالُ الصَّلاةِ، فَإنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَدِمَ المَدِينَةَ فَصَلّى سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا إلى بَيْتِ المَقْدِسِ، ثُمَّ إنَّ اللَّهَ أنْزَلَ عَلَيْهِ: ﴿قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وجْهِكَ في السَّماءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها﴾ [البقرة: ١٤٤] الآيَةَ؛ فَوَجَّهَهُ اللَّهُ إلى مَكَّةَ، هَذا حَوْلٌ. قالَ: وكانُوا يَجْتَمِعُونَ لِلصَّلاةِ، ويُؤْذِنُ بِها بَعْضُهم بَعْضًا، حَتّى نَفَسُوا أوْ كادُوا يَنْقَسُونَ، ثُمَّ إنَّ رَجُلًا مِنَ الأنْصارِ يُقالُ لَهُ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ. أتى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنِّي رَأيْتُ فِيما يَرى النّائِمُ -ولَوْ قُلْتُ: إنِّي لَمْ أكُنْ نائِمًا لَصَدَقْتُ- أنِّي بَيْنا أنا بَيْنَ النّائِمِ واليَقْظانِ إذْ رَأيْتُ شَخْصًا عَلَيْهِ ثَوْبانِ أخْضَرانِ، فاسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ فَقالَ: اللَّهُ أكْبَرُ اللَّهُ أكْبَرُ، أشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ. مَثْنى مَثْنى، حَتّى فَرَغَ الأذانُ، ثُمَّ أمْهَلَ ساعَةً، ثُمَّ قالَ مِثْلَ الَّذِي قالَ، غَيْرَ أنَّهُ يَزِيدُ في ذَلِكَ: قَدْ قامَتِ الصَّلاةُ، قَدْ (p-١٧١)قامَتِ الصَّلاةُ. قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”عَلِّمْها بِلالًا فَلْيُؤَذِّنْ بِها“ . فَكانَ بِلالٌ أوَّلَ مَن أذَّنَ بِها. قالَ: وجاءَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّهُ قَدْ طافَ بِي مِثْلُ الَّذِي طافَ بِهِ، غَيْرَ أنَّهُ سَبَقَنِي. فَهَذانَ حَوْلانِ. قالَ: وكانُوا يَأْتُونَ الصَّلاةَ قَدْ سَبَقَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ بِبَعْضِها، فَكانَ الرَّجُلُ يُشِيرُ إلى الرَّجُلِ: كَمْ صَلّى؟ فَيَقُولُ: واحِدَةً أوِ اثْنَتَيْنِ. فَيُصَلِّيهِما، ثُمَّ يَدْخُلُ مَعَ القَوْمِ صَلاتَهُمْ، فَجاءَ مُعاذٌ فَقالَ: لا أجِدُهُ عَلى حالٍ أبَدًا إلّا كُنْتُ عَلَيْها، ثُمَّ قَضَيْتُ ما سَبَقَنِي. فَجاءَ وقَدْ سَبَقَهُ النَّبِيُّ ﷺ بِبَعْضِها، فَثَبَتَ مَعَهُ، فَلَمّا قَضى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَلاتَهُ قامَ فَقَضى، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”إنَّهُ قَدْ سَنَّ لَكم مُعاذٌ، فَهَكَذا فاصْنَعُوا“، فَهَذِهِ ثَلاثَةُ أحْوالٍ.
وأمّا أحْوالُ الصِّيامِ، فَإنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدِمَ المَدِينَةَ، فَجَعَلَ يَصُومُ مِن كُلِّ شَهْرٍ ثَلاثَةَ أيّامٍ، وصامَ عاشُوراءَ، ثُمَّ إنَّ اللَّهَ فَرَضَ عَلَيْهِ الصِّيامَ، وأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿وعَلى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة: ١٨٤] فَكانَ مَن شاءَ صامَ، ومَن شاءَ أطْعَمَ مِسْكِينًا، فَأجْزَأ ذَلِكَ عَنْهُ، ثُمَّ إنَّ اللَّهَ أنْزَلَ الآيَةَ الأُخْرى: ﴿شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ القُرْآنُ هُدًى لِلنّاسِ﴾ [البقرة: ١٨٥] (p-١٧٢)إلى قَوْلِهِ: ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥] فَأثْبَتَ اللَّهُ صِيامَهُ عَلى المُقِيمِ الصَّحِيحِ، ورَخَّصَ فِيهِ لِلْمَرِيضِ والمُسافِرِ، وثَبَتَ الإطْعامُ لِلْكَبِيرِ الَّذِي لا يَسْتَطِيعُ الصِّيامَ، فَهَذانِ حَوْلانِ.
قالَ: وكانُوا يَأْكُلُونَ ويَشْرَبُونَ ويَأْتُونَ النِّساءَ ما لَمْ يَنامُوا، فَإذا نامُوا امْتَنَعُوا، ثُمَّ إنَّ رَجُلًا مِنَ الأنْصارِ يُقالُ لَهُ: صِرْمَةُ. كانَ يَعْمَلُ صائِمًا حَتّى أمْسى، فَجاءَ إلى أهْلِهِ، فَصَلّى العِشاءَ ثُمَّ نامَ، فَلَمْ يَأْكُلْ ولَمْ يَشْرَبْ حَتّى أصْبَحَ، فَأصْبَحَ صائِمًا، فَرَآهُ النَّبِيُّ ﷺ وقَدْ جَهَدَ جَهْدًا شَدِيدًا، فَقالَ: ”ما لِي أراكَ قَدْ جَهَدْتَ جَهْدًا شَدِيدًا“؟ قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنِّي عَمِلْتُ أمْسِ، فَجِئْتُ حِينَ جِئْتُ فَألْقَيْتُ نَفْسِي فَنِمْتُ، فَأصْبَحْتُ حِينَ أصْبَحْتُ صائِمًا. قالَ: وكانَ عُمَرُ قَدْ أصابَ النِّساءَ بَعْدَ ما نامَ، فَأتى النَّبِيَّ ﷺ، فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿أُحِلَّ لَكم لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إلى نِسائِكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧] إلى قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ أتِمُّوا الصِّيامَ إلى اللَّيْلِ﴾ [البقرة»: ١٨٧] .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿كَما كُتِبَ عَلى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾: يَعْنِي بِذَلِكَ أهْلَ الكِتابِ. (p-١٧٣)وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ قالَ: إنَّ النَّصارى فُرِضَ عَلَيْهِمْ شَهْرُ رَمَضانَ كَما فُرِضَ عَلَيْنا، فَكانُوا رُبَّما صامُوهُ في القَيْظِ، فَحَوَّلُوهُ إلى الفَصْلِ، وضاعَفُوهُ حَتّى صارَ إلى خَمْسِينَ يَوْمًا، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿كَما كُتِبَ عَلى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ قالَ: الَّذِينَ مِن قَبْلِنا هُمُ النَّصارى، كُتِبَ عَلَيْهِمْ رَمَضانُ، وكُتِبَ عَلَيْهِمْ ألّا يَأْكُلُوا ولا يَشْرَبُوا بَعْدَ النَّوْمِ، ولا يَنْكِحُوا النِّساءَ شَهْرَ رَمَضانَ، فاشْتَدَّ عَلى النَّصارى صِيامُ رَمَضانَ، فاجْتَمَعُوا فَجَعَلُوا صِيامًا في الفَصْلِ بَيْنَ الشِّتاءِ والصَّيْفِ، وقالُوا: نَزِيدُ عِشْرِينَ يَوْمًا، نُكَفِّرُ بِها ما صَنَعْنا. فَلَمْ يَزَلِ المُسْلِمُونَ يَصْنَعُونَ كَما تَصْنَعُ النَّصارى، حَتّى كانَ مِن أمْرِ أبِي قَيْسِ بْنِ صِرْمَةَ وعُمَرَ بْنِ الخَطّابِ ما كانَ، فَأحَلَّ اللَّهُ لَهُمُ الأكْلَ والشُّرْبَ والجِماعَ إلى طُلُوعِ الفَجْرِ.
وأخْرَجَ البُخارِيُّ في «تارِيخِهِ»، والنَّحّاسُ في «ناسِخِهِ»، والطَّبَرانِيُّ، عَنْ دَغْفَلِ بْنِ حَنْظَلَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «”كانَ عَلى النَّصارى صَوْمُ شَهْرِ رَمَضانَ، فَمَرِضَ مَلِكُهُمْ، فَقالُوا: لَئِنْ شَفاهُ اللَّهُ لَنَزِيدَنَّ عَشْرًا. ثُمَّ كانَ آخَرُ، فَأكَلَ لَحْمًا فَأُوجِعَ فُوهُ، فَقالُوا: لَئِنْ شَفاهُ اللَّهُ لَنَزِيدَنَّ سَبْعَةً. ثُمَّ كانَ عَلَيْهِمْ مَلِكٌ (p-١٧٤)آخَرُ، فَقالُوا: ما نَدَعُ مِن هَذِهِ الثَّلاثَةِ الأيّامِ شَيْئًا أنْ نُتِمَّها، ونَجْعَلَ صَوْمَنا في الرَّبِيعِ. فَفَعَلَ فَصارَتْ خَمْسِينَ يَوْمًا“» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ الرَّبِيعِ في قَوْلِهِ: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ قالَ: كُتِبَ عَلَيْهِمُ الصِّيامُ مِنَ العَتَمَةِ إلى العَتَمَةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ: ﴿كَما كُتِبَ عَلى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ قالَ: أهْلُ الكِتابِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿لَعَلَّكم تَتَّقُونَ﴾ قالَ: تَتَّقُونَ مِنَ الطَّعامِ والشَّرابِ والنِّساءِ مِثْلَ ما اتَّقَوْا.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عَطاءٍ في قَوْلِهِ: ﴿أيّامًا مَعْدُوداتٍ﴾ [البقرة: ١٨٤] قالَ: كُتِبَ عَلَيْهِمُ الصِّيامُ ثَلاثَةَ أيّامٍ مِن كُلِّ شَهْرٍ – ولَمْ يُسَمَّ الشَّهْرُ- أيّامًا مَعْدُوداتٍ. قالَ: وكانَ هَذا صِيامَ النّاسِ قَبْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ فَرَضَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ شَهْرَ رَمَضانَ. (p-١٧٥)وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، عَنْ أبِي جَعْفَرٍ قالَ: نَسَخَ شَهْرُ رَمَضانَ كُلَّ صَوْمٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُقاتِلٍ: ﴿أيّامًا مَعْدُوداتٍ﴾ [البقرة: ١٨٤] يَعْنِي: أيّامَ رَمَضانَ ثَلاثِينَ يَوْمًا.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ﴾ قالَ: كانَ ثَلاثَةَ أيّامٍ مِن كُلِّ شَهْرٍ، ثُمَّ نُسِخَ بِالَّذِي أنْزَلَ اللَّهُ مِن صِيامِ رَمَضانَ، فَهَذا الصَّوْمُ الأوَّلُ مِنَ العَتَمَةِ، وجَعَلَ اللَّهُ فِيهِ فِدْيَةً طَعامَ مِسْكِينٍ، فَمَن شاءَ مِن مُسافِرٍ أوْ مُقِيمٍ أنْ يُطْعِمَ مِسْكِينًا ويُفْطِرَ، وكانَ ذَلِكَ رُخْصَةً لَهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ في الصَّوْمِ الآخَرِ: ﴿فَعِدَّةٌ مِن أيّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤] ولَمْ يَذْكُرِ اللَّهُ في الصَّوْمِ الآخِرِ ﴿فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة: ١٨٤]، فَنُسِخَتِ الفِدْيَةُ، وثَبَتَ في الصَّوْمِ الآخِرِ: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ اليُسْرَ ولا يُرِيدُ بِكُمُ العُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥] وهو الإفْطارُ في السَّفَرِ، وجَعْلُهُ عِدَّةً مِن أيّامٍ أُخَرَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ قالَ: هو شَهْرُ رَمَضانَ، كَتَبَهُ اللَّهُ عَلى مَن كانَ قَبْلَكُمْ، وقَدْ كانُوا يَصُومُونَ مِن كُلِّ شَهْرٍ ثَلاثَةَ أيّامٍ، ويُصَلُّونَ رَكْعَتَيْنِ بِالغَداةِ، ورَكْعَتَيْنِ بِالعَشِيِّ، حَتّى افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ شَهْرَ رَمَضانَ.
(p-١٧٦)وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الضَّحّاكِ قالَ: كانَ الصَّوْمُ الأوَّلُ صامَهُ نُوحٌ فَمَن دُونَهُ، حَتّى صامَهُ النَّبِيُّ ﷺ وأصْحابُهُ، وكانَ صَوْمُهم مِن كُلِّ شَهْرٍ ثَلاثَةَ أيّامٍ إلى العِشاءِ، وهَكَذا صامَهُ النَّبِيُّ ﷺ وأصْحابُهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «”صِيامُ رَمَضانَ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلى الأُمَمِ قَبْلَكُمْ“» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الحَسَنِ قالَ: لَقَدْ كُتِبَ الصِّيامُ عَلى كُلِّ أُمَّةٍ خَلَتْ، كَما كُتِبَ عَلَيْنا شَهْرًا كامِلًا.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كُتِبَ عَلى النَّصارى الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلَيْكُمْ، وتَصْدِيقُ ذَلِكَ في كِتابِ اللَّهِ: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾، قالَ: فَكانَ أوَّلَ أمْرِ النَّصارى أنْ قَدَّمُوا يَوْمًا، قالُوا: حَتّى لا نُخْطِئَ، ثُمَّ قَدَّمُوا يَوْمًا وأخَّرُوا يَوْمًا، قالُوا: حَتّى لا نُخْطِئَ، ثُمَّ إنَّ آخِرَ أمْرِهِمْ صارُوا إلى أنْ قالُوا: نُقَدِّمُ عَشْرًا ونُؤَخِّرُ عَشْرًا حَتّى لا نُخْطِئَ. فَضَلُّوا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: أُنْزِلَتْ: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ . كُتِبَ عَلَيْهِمْ أنَّ أحَدَهم إذا صَلّى (p-١٧٧)العَتَمَةَ ونامَ، حَرُمَ عَلَيْهِ الطَّعامُ والشَّرابُ والنِّساءُ إلى مِثْلِها.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ في قَوْلِهِ: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾، قالَ: كُتِبَ عَلَيْهِمْ إذا نامَ أحَدُهم قَبْلَ أنْ يَطْعَمَ شَيْئًا لَمْ يَحِلَّ لَهُ أنْ يَطْعَمَ إلى القابِلَةِ، والنِّساءُ عَلَيْهِمْ حَرامٌ لَيْلَةَ الصِّيامِ، وهو عَلَيْهِمْ ثابِتٌ، وقَدْ رُخِّصَ لَكم في ذَلِكَ.
وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: كانَ عاشُوراءَ يُصامُ، فَلَمّا نَزَلَ رَمَضانُ كانَ مَن شاءَ صامَ، ومَن شاءَ أفْطَرَ.
وأخْرَجَ سُنَيْدٌ، وابْنُ عَساكِرَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾، يَعْنِي بِذَلِكَ أهْلَ الكِتابِ، وكانَ كِتابُهُ عَلى أصْحابِ مُحَمَّدٍ ﷺ، أنَّ الرَّجُلَ يَأْكُلُ ويَشْرَبُ ويَنْكِحُ، ما بَيْنَهُ وبَيْنَ أنْ يُصَلِّيَ العَتَمَةَ أوْ يَرْقُدَ، فَإذا صَلّى العَتَمَةَ أوْ رَقَدَ مُنِعَ مِن ذَلِكَ إلى مِثْلِها مِنَ القابِلَةِ، فَنَسَخَتْها هَذِهِ الآيَةُ: ﴿أُحِلَّ لَكم لَيْلَةَ الصِّيامِ﴾ [البقرة: ١٨٧] .
البقرة 2:184
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وعَلى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ﴾ .
(p-١٧٨)أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ قالَ: كانَ ابْنُ عَبّاسٍ يَخْطُبُ، فَقَرَأ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿وعَلى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ﴾ قالَ: قَدْ نُسِخَتْ هَذِهِ الآيَةُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، والنَّحّاسُ في «ناسِخِهِ»، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿وعَلى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ﴾ فَكانَ مَن شاءَ صامَ، ومَن شاءَ أفْطَرَ وأطْعَمَ مِسْكِينًا، ثُمَّ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥] فَنَسَخَتِ الأُولى؛ إلّا الكَبِيرَ الفانِيَ، إنْ شاءَ أطْعَمَ عَنْ كُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا وأفْطَرَ.
وأخْرَجَ أبُو داوُدَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿وعَلى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ﴾ فَكانَ مَن شاءَ مِنهم أنْ يَفْتَدِيَ بِطَعامِ مِسْكِينٍ افْتَدى وتَمَّ لَهُ صَوْمُهُ، فَقالَ: ﴿فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهو خَيْرٌ لَهُ وأنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾، وقالَ: ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥] الآيَةَ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وأبُو داوُدَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في ”سُنَنِهِ“، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في الآيَةِ قالَ: كانَتْ رُخْصَةً لِلشَّيْخِ الكَبِيرِ والعَجُوزِ الكَبِيرَةِ وهُما يُطِيقانِ الصَّوْمَ أنْ يُفْطِرا ويُطْعِما مَكانَ كُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا، ثُمَّ نُسِخَتْ بَعْدَ ذَلِكَ، فَقالَ اللَّهُ: ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥]، وأثْبَتَ لِلشَّيْخِ الكَبِيرِ والعَجُوزِ الكَبِيرَةِ إذا كانا لا (p-١٧٩)يُطِيقانِ الصَّوْمَ أنْ يُفْطِرا ويُطْعِما، ولِلْحُبْلى والمُرْضِعِ إذا خافَتا أفْطَرَتا وأطْعَمَتا مَكانَ كُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا، ولا قَضاءَ عَلَيْهِما.
وأخْرَجَ الدّارِمِيُّ، والبُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، وأبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ خُزَيْمَةَ، وأبُو عَوانَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والنَّحّاسُ، وابْنُ حِبّانَ، والطَّبَرانِيُّ، والحاكِمُ، والبَيْهَقِيُّ في ”سُنَنِهِ“، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الأكْوَعِ قالَ: لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿وعَلى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ﴾ كانَ مَن شاءَ مِنّا صامَ، ومَن شاءَ أنْ يُفْطِرَ ويَفْتَدِيَ فَعَلَ، حَتّى نَزَلَتِ الآيَةُ الَّتِي بَعْدَها فَنَسَخَتْها: ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥] .
وأخْرَجَ ابْنُ حِبّانَ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الأكْوَعِ قالَ: «كُنّا في رَمَضانَ في عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، مَن شاءَ صامَ، ومَن شاءَ أفْطَرَ وافْتَدى بِإطْعامِ مِسْكِينٍ، حَتّى نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة»: ١٨٥] .
وأخْرَجَ البُخارِيُّ، عَنِ ابْنِ أبِي لَيْلى قالَ: حَدَّثَنا أصْحابُ مُحَمَّدٍ ﷺ: (p-١٨٠)نَزَلَ رَمَضانُ فَشَقَّ عَلَيْهِمْ، فَكانَ مَن أطْعَمَ كُلَّ يَوْمٍ مِسْكِينًا تَرَكَ الصَّوْمَ مِمَّنْ يُطِيقُهُ، ورُخِّصَ لَهم في ذَلِكَ، فَنَسَخَتْها: ﴿وأنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ فَأُمِرُوا بِالصَّوْمِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ أبِي لَيْلى، حَدَّثَنا أصْحابُنا: «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمّا قَدِمَ المَدِينَةَ أمَرَهم بِصِيامِ ثَلاثَةِ أيّامٍ مِن كُلِّ شَهْرٍ تَطَوُّعًا مِن غَيْرِ فَرِيضَةٍ، ثُمَّ نَزَلَ صِيامُ رَمَضانَ، وكانُوا قَوْمًا لَمْ يَتَعَوَّدُوا الصِّيامَ، فَكانَ يَشْتَدُّ عَلَيْهِمُ الصَّوْمُ، فَكانَ مَن لَمْ يَصُمْ أطْعَمَ مِسْكِينًا، ثُمَّ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ومَن كانَ مَرِيضًا أوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِن أيّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٥] فَكانَتِ الرُّخْصَةُ لِلْمَرِيضِ والمُسافِرِ، وأُمِرْنا بِالصِّيامِ» .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ عامِرٍ الشَّعْبِيِّ قالَ: لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿وعَلى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ﴾ أفْطَرَ الأغْنِياءُ وأطْعَمُوا وحَصَلَ الصَّوْمُ عَلى الفُقَراءِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥] فَصامَ النّاسُ جَمِيعًا.
وأخْرَجَ وكِيعٌ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنِ ابْنِ أبِي لَيْلى قالَ: دَخَلْتُ عَلى عَطاءِ بْنِ أبِي رَباحٍ في شَهْرِ رَمَضانَ وهو يَأْكُلُ، فَقُلْتُ لَهُ: أتَأْكُلُ؟ قالَ: إنَّ الصَّوْمَ (p-١٨١)أوَّلَ ما نَزَلَ كانَ مَن شاءَ صامَ ومَن شاءَ أفْطَرَ وأطْعَمَ مِسْكِينًا كُلَّ يَوْمٍ، فَلَمّا نَزَلَتْ: ﴿فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهو خَيْرٌ لَهُ﴾ كانَ مَن تَطَوَّعَ أطْعَمَ مِسْكِينَيْنِ، فَلَمّا نَزَلَتْ: ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥] وجَبَ الصَّوْمُ عَلى كُلِّ مُسْلِمٍ إلّا مَرِيضًا أوْ مُسافِرًا أوِ الشَّيْخَ الكَبِيرَ الفانِيَ مِثْلِيَ، فَإنَّهُ يُفْطِرُ ويُطْعِمُ عَنْ كُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا.
وأخْرَجَ وكِيعٌ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ في «المُصَنَّفِ»، والبُخارِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والبَيْهَقِيُّ في ”سُنَنِهِ“، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ: (فِدْيَةٌ طَعامُ مَساكِينَ) وقالَ: هي مَنسُوخَةٌ، نَسَخَتْها الآيَةُ الَّتِي بَعْدَها: ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥] .
وأخْرَجَ وكِيعٌ، وسُفْيانُ، وعَبْدُ الرَّزّاقِ، والفِرْيابِيُّ، والبُخارِيُّ، وأبُو داوُدَ في «ناسِخِهِ»، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ الأنْبارِيِّ في «المَصاحِفِ»، والطَّبَرانِيُّ، والدّارَقُطْنِيُّ، والبَيْهَقِيُّ مِن طُرُقٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ: ”وعَلى الَّذِينَ يُطَوَّقُونَهُ“ مُشَدَّدَةً قالَ: يُكَلَّفُونَهُ ولا يُطِيقُونَهُ. ويَقُولُ: لَيْسَتْ بِمَنسُوخَةٍ، هو الشَّيْخُ الكَبِيرُ الهِمُّ، والعَجُوزُ الكَبِيرَةُ الهِمَّةُ، (p-١٨٢)يُطْعِمُونَ لِكُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا ولا يَقْضُونَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والدّارَقُطْنِيُّ، والحاكِمُ وصَحَّحاهُ، والبَيْهَقِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: (وعَلى الَّذِينَ يُطَوَّقُونَهُ) قالَ: يُكَلَّفُونَهُ، ﴿فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ﴾ واحِدٍ، ﴿فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا﴾ زادَ طَعامَ مِسْكِينٍ آخَرَ، ﴿فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وأنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ قالَ: فَهَذِهِ لَيْسَتْ مَنسُوخَةً، ولا يُرَخَّصُ إلّا لِلْكَبِيرِ الَّذِي لا يُطِيقُ الصَّوْمَ، أوْ مَرِيضٍ يُعْلَمُ أنَّهُ لا يُشْفى.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ عائِشَةَ أنَّها كانَتْ تَقْرَأُ: (يُطَوَّقُونَهُ) .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي داوُدَ في «المَصاحِفِ»، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، أنَّهُ قَرَأ: (وعَلى الَّذِينَ يُطَوَّقُونَهُ) .
وأخْرَجَ وكِيعٌ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ الأنْبارِيِّ، عَنْ عِكْرِمَةَ أنَّهُ كانَ (p-١٨٣)يَقْرَأُ: (وعَلى الَّذِينَ يُطَوَّقُونَهُ) قالَ: يُكَلَّفُونَهُ. وقالَ: لَيْسَ هي مَنسُوخَةً، الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ يَصُومُونَهُ، والَّذِينَ يُطَوَّقُونَهُ عَلَيْهِمُ الفِدْيَةُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ الأنْبارِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قَرَأ: (وعَلى الَّذِينَ يُطَوَّقُونَهُ) قالَ: يَتَجَشَّمُونَهُ، يَتَكَلَّفُونَهُ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وأبُو داوُدَ في «ناسِخِهِ»، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ أنَّهُ كانَ يَقْرَؤُها: (وعَلى الَّذِينَ يُطَيَّقُونَهُ) وقالَ: لَوْ كانَ: ﴿يُطِيقُونَهُ﴾ إذَنْ صامُوا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ: ﴿وعَلى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ﴾ في الشَّيْخِ الكَبِيرِ الَّذِي لا يُطِيقُ الصَّوْمَ، فَرُخِّصَ لَهُ أنْ يُطْعِمَ مَكانَ كُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وأبُو داوُدَ في «ناسِخِهِ»، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والدّارَقُطْنِيُّ، والبَيْهَقِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿وعَلى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ﴾ قالَ: لَيْسَتْ مَنسُوخَةً، هو الشَّيْخُ الكَبِيرُ الَّذِي لا يُطِيقُ الصِّيامَ، يُفْطِرُ ويَتَصَدَّقُ لِكُلِّ يَوْمٍ نِصْفَ صاعٍ مِن بُرٍّ؛ مُدًّا لِطَعامِهِ، ومُدًّا لِإدامِهِ.
(p-١٨٤)وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ في «طَبَقاتِهِ»، عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: هَذِهِ الآيَةُ نَزَلَتْ في مَوْلايَ قَيْسِ بْنِ السّائِبِ: ﴿وعَلى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ﴾ فَأفْطَرَ وأطْعَمَ لِكُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿وعَلى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾ قالَ: مَن لَمْ يُطِقِ الصَّوْمَ إلّا عَلى جَهْدٍ فَلَهُ أنْ يُفْطِرَ ويُطْعِمَ كُلَّ يَوْمٍ مِسْكِينًا، والحامِلُ، والمُرْضِعُ، والشَّيْخُ الكَبِيرُ، والَّذِي سُقْمٌ دائِمٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ في قَوْلِهِ: ﴿وعَلى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾ قالَ: الشَّيْخُ الكَبِيرُ الَّذِي لا يَسْتَطِيعُ الصَّوْمَ، يُفْطِرُ ويُطْعِمُ مَكانَ كُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وأبُو يَعْلى، وابْنُ المُنْذِرِ، والدّارَقُطْنِيُّ، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ، أنَّهُ ضَعُفَ عَنِ الصَّوْمِ عامًا قَبْلَ مَوْتِهِ، فَصَنَعَ جَفْنَةً مِن ثَرِيدٍ، فَدَعا ثَلاثِينَ مِسْكِينًا فَأطْعَمَهم.
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، عَنْ قَتادَةَ، أنَّ أنَسًا ضَعُفَ عَنِ الصَّوْمِ قَبْلَ مَوْتِهِ عامًا، فَأفْطَرَ وأطْعَمَ كُلَّ يَوْمٍ مِسْكِينًا.
(p-١٨٥)وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، والدّارَقُطْنِيُّ وصَحَّحَهُ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أنَّهُ قالَ لِأُمِّ ولَدٍ لَهُ حامِلٍ أوْ مُرْضِعٍ: أنْتِ بِمَنزِلَةِ الَّذِينَ لا يُطِيقُونَ الصِّيامَ، عَلَيْكِ الطَّعامُ، ولا قَضاءَ عَلَيْكِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والدّارَقُطْنِيُّ، عَنْ نافِعٍ قالَ: أرْسَلَتْ إحْدى بَناتِ ابْنِ عُمَرَ إلى ابْنِ عُمَرَ تَسْألُهُ عَنْ صَوْمِ رَمَضانَ وهي حامِلٌ، قالَ: تُفْطِرُ وتُطْعِمُ كُلَّ يَوْمٍ مِسْكِينًا.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: تُفْطِرُ الحامِلُ الَّتِي في شَهْرِها، والمُرْضِعُ الَّتِي تَخافُ عَلى ولَدِها، يُفْطِرانِ ويُطْعِمانِ كُلَّ يَوْمٍ مِسْكِينًا، كُلُّ واحِدَةٍ مِنهُما، ولا قَضاءَ عَلَيْهِما.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ عُثْمانَ بْنِ الأسْوَدِ قالَ: سَألْتُ مُجاهِدًا عَنِ امْرَأتِي، وكانَتْ حامِلًا، وشَقَّ عَلَيْها الصَّوْمُ. فَقالَ: مُرْها فَلْتُفْطِرْ ولْتُطْعِمْ مِسْكِينًا كُلَّ يَوْمٍ، فَإذا أصَحَّتْ فَلْتَقْضِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنِ الحَسَنِ قالَ: المُرْضِعُ إذا خافَتْ أفْطَرَتْ وأطْعَمَتْ، والحامِلُ إذا خافَتْ عَلى نَفْسِها أفْطَرَتْ وقَضَتْ، هي بِمَنزِلَةِ المَرِيضِ.
(p-١٨٦)وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنِ الحَسَنِ قالَ: تُفْطِرانِ وتَقْضِيانِ صِيامًا.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنِ النَّخَعِيِّ قالَ: الحامِلُ والمُرْضِعُ إذا خافَتا أفْطَرَتا وقَضَتا مَكانَ ذَلِكَ صَوْمًا.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ إبْراهِيمَ قالَ: إذا خَشِيَ إنْسانٌ عَلى نَفْسِهِ في رَمَضانَ فَلْيُفْطِرْ.
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿طَعامُ مِسْكِينٍ﴾ .
أخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ قالَ: قَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ سُورَةَ ”البَقَرَةِ“ عَلى المِنبَرِ، فَلَمّا أتى عَلى هَذِهِ الآيَةِ قَرَأ: (طَعامُ مَساكِينَ) .
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ مِن طَرِيقِ طاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ: ﴿فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ﴾ .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ﴾ قالَ: واحِدٍ.
(p-١٨٧)وأخْرَجَ وكِيعٌ، عَنْ عَطاءٍ في قَوْلِهِ: ﴿فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ﴾ قالَ: مُدٌّ بِمُدِّ أهْلِ مَكَّةَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: سَألْتُ طاوُسًا عَنْ أُمِّي، وكانَ أصابَها عُطاشٌ، فَلَمْ تَسْتَطِعْ أنْ تَصُومَ، فَقالَ: تُفْطِرُ وتُطْعِمُ كُلَّ يَوْمٍ مُدًّا مِن بُرٍّ. قُلْتُ: بِأيِّ مُدٍّ؟ قالَ: بِمُدِّ أرْضِكَ.
وأخْرَجَ الدّارَقُطْنِيُّ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: مَن أدْرَكَهُ الكِبَرُ فَلَمْ يَسْتَطِعْ أنْ يَصُومَ رَمَضانَ، فَعَلَيْهِ لِكُلِّ يَوْمٍ مُدٌّ مِن قَمْحٍ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ سُفْيانَ قالَ: ما الصَّدَقاتُ والكَفّاراتُ إلّا بِمُدِّ النَّبِيِّ ﷺ .
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهو خَيْرٌ لَهُ﴾ .
أخْرَجَ وكِيعٌ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا﴾ قالَ: أطْعَمَ المِسْكِينَ صاعًا.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ في قَوْلِهِ: ﴿فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا﴾ قالَ: أطْعَمَ مِسْكِينَيْنِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ طاوُسٍ: ﴿فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا﴾ قالَ: (p-١٨٨)أطْعَمَ مَساكِينَ.
وأخْرَجَ وكِيعٌ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ أنَسٍ، أنَّهُ أفْطَرَ في رَمَضانَ، وكانَ قَدْ كَبِرَ وأطْعَمَ أرْبَعَةَ مَساكِينَ لِكُلِّ يَوْمٍ.
وأخْرَجَ الدّارَقُطْنِيُّ في ”سُنَنِهِ“ مِن طَرِيقِ مُجاهِدٍ قالَ: سَمِعْتُ قَيْسَ بْنَ السّائِبِ يَقُولُ: إنَّ شَهْرَ رَمَضانَ يَفْتَدِيهِ الإنْسانُ أنْ يُطْعِمَ عَنْهُ لِكُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا، فَأطْعِمُوا عَنِّي مِسْكِينَيْنِ.
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكم إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ .
أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ شِهابٍ في قَوْلِهِ: ﴿وأنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ أيْ: أنَّ الصِّيامَ خَيْرٌ لَكم مِنَ الفِدْيَةِ.
وأخْرَجَ مالِكٌ، وأحْمَدُ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، والبُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، وأبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ ماجَهْ، وابْنُ خُزَيْمَةَ، والبَيْهَقِيُّ في «شُعَبِ الإيمانِ»، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «”كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ يُضاعَفُ؛ الحَسَنَةُ عَشَرَةُ أمْثالِها إلى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ، قالَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: إلّا الصَّوْمَ فَإنَّهُ لِي وأنا أجْزِي بِهِ، يَدَعُ طَعامَهُ وشَرابَهُ وشَهْوَتَهُ مِن أجْلِي. لِلصّائِمِ فَرْحَتانِ؛ فَرْحَةٌ عِنْدَ فِطْرِهِ، وفَرْحَةٌ عِنْدَ لِقاءِ رَبِّهِ، ولَخُلُوفُ فَمِ الصّائِمِ أطْيَبُ عِنْدَ (p-١٨٩)اللَّهِ مِن رِيحِ المِسْكِ“» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، ومُسْلِمٌ، والنَّسائِيُّ، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، وأبِي سَعِيدٍ قالا: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «”يَقُولُ اللَّهُ: الصَّوْمُ لِي وأنا أجْزِي بِهِ. لِلصّائِمِ فَرْحَتانِ؛ إذا أفْطَرَ فَرِحَ، وإذا لَقِيَ رَبَّهُ فَجازاهُ فَرِحَ، ولَخُلُوفِ فَمِ الصّائِمِ عِنْدَ اللَّهِ أطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِن رِيحِ المِسْكِ“» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ جابِرٍ، أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «”قالَ رَبُّنا: الصِّيامُ جُنَّةٌ يَسْتَجِنُّ بِها العَبْدُ مِنَ النّارِ، وهو لِي، وأنا أجْزِي بِهِ“» . وسَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «”الصِّيامُ جُنَّةٌ حَصِينَةٌ مِنَ النّارِ“» .
وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ عَنْ أيُّوبَ بْنِ حَسّانَ الواسِطِيِّ قالَ: سَمِعْتُ رَجُلًا يَسْألُ سُفْيانَ بْنَ عُيَيْنَةَ فَقالَ: يا أبا مُحَمَّدٍ، فِيما يَرْوِيهِ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ رَبِّهِ عَزَّ وجَلَّ: «”كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ إلّا الصَّوْمَ فَإنَّهُ لِي، وأنا أجْزِي بِهِ“؟ فَقالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ: هَذا مِن أجْوَدِ الأحادِيثِ وأحْكَمِها، إذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ يُحاسِبُ اللَّهُ عَبْدَهُ، ويُؤَدِّي ما عَلَيْهِ مِنَ المَظالِمِ مِن سائِرِ عَمَلِهِ، حَتّى لا يَبْقى إلّا الصَّوْمُ، فَيَتَحَمَّلُ اللَّهُ ما بَقِيَ (p-١٩٠)عَلَيْهِ مِنَ المَظالِمِ، ويُدْخِلُهُ بِالصَّوْمِ الجَنَّةَ» .
وأخْرَجَ مالِكٌ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأحْمَدُ، والبُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، والنَّسائِيُّ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «”قالَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ إلّا الصِّيامَ، فَإنَّهُ لِي، وأنا أجْزِي بِهِ. والصِّيامُ جُنَّةٌ، وإذا كانَ يَوْمُ صَوْمِ أحَدِكم فَلا يَرْفُثْ ولا يَصْخَبْ، وإنْ سابَّهُ أحَدٌ أوْ قاتَلَهُ فَلْيَقُلْ: إنِّي امْرُؤٌ صائِمٌ. والَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَخُلُوفُ فَمِ الصّائِمِ أطِيبُ عِنْدَ اللَّهِ مِن رِيحِ المِسْكِ، لِلصّائِمِ فَرْحَتانِ يَفْرَحُهُما؛ إذا أفْطَرَ فَرِحَ، وإذا لَقِيَ رَبَّهُ فَرِحَ بِصَوْمِهِ“» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأحْمَدُ، والبُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ خُزَيْمَةَ، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «”لِلْجَنَّةِ ثَمانِيَةُ أبْوابٍ، فِيها بابٌ يُسَمّى الرَّيّانُ، يَدْخُلُ مِنهُ الصّائِمُونَ يَوْمَ القِيامَةِ، لا يَدْخُلُ مَعَهم أحَدٌ غَيْرُهُمْ، يُقالُ: أيْنَ الصّائِمُونَ؟ فَيَدْخُلُونَ مِنهُ، فَإذا دَخَلَ آخِرُهم أُغْلِقَ فَلَمْ يَدْخُلْ مِنهُ أحَدٌ“ . زادَ ابْنُ خُزَيْمَةَ: ”ومَن دَخَلَ مِنهُ شَرِبَ، ومَن شَرِبَ لَمْ يَظْمَأْ أبَدًا“» .
(p-١٩١)وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «”الصِّيامُ لا رِياءَ فِيهِ، قالَ اللَّهُ: هو لِي وأنا أجْزِي بِهِ، يَدَعُ طَعامَهُ وشَرابَهُ مِن أجْلِي“» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، والبُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، وأبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ ماجَهْ، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «”مَن صامَ رَمَضانَ إيمانًا واحْتِسابًا غُفِرَ لَهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِهِ“» .
وأخْرَجَ النَّسائِيُّ، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «”لِلصّائِمِ عِنْدَ إفْطارِهِ دَعْوَةٌ مُسْتَجابَةٌ“» .
وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي أوْفى قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «”نَوْمُ الصّائِمِ عِبادَةٌ، وصَمْتُهُ تَسْبِيحٌ، وعَمَلُهُ مُضاعَفٌ، ودُعاؤُهُ مُسْتَجابٌ، وذَنْبُهُ مَغْفُورٌ“» .
وأخْرَجَ ابْنُ عَدِيٍّ في «الكامِلِ»، وأبُو الحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ أحْمَدَ بْنِ جُمَيْعٍ (p-١٩٢)الغَسّانِيُّ، وأبُو سَعِيدِ بْنُ الأعْرابِيِّ، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «”ما مِن عَبْدٍ أصْبَحَ صائِمًا إلّا فُتِحَتْ لَهُ أبْوابُ السَّماءِ، وسَبَّحَتْ أعْضاؤُهُ، واسْتَغْفَرَ لَهُ أهْلُ السَّماءِ الدُّنْيا إلى أنْ تَوارى بِالحِجابِ، فَإنْ صَلّى رَكْعَةً أوْ رَكْعَتَيْنِ أضاءَتْ لَهُ السَّماواتُ نُورًا، وقُلْنَ أزْواجُهُ مِنَ الحَوَرِ العِينِ: اللَّهُمَّ اقْبِضْهُ إلَيْنا، فَقَدِ اشْتَقْنا إلى رُؤْيَتِهِ. وإنْ هَلَّلَ أوْ سَبَّحَ أوْ كَبَّرَ تَلَقّاهُ سَبْعُونَ ألْفَ مَلَكٍ يَكْتُبُونَ ثَوابَها إلى أنْ تَوارى بِالحِجابِ“» .
وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «”مَن مَنَعَهُ الصِّيامُ مِنَ الطَّعامِ والشَّرابِ يَشْتَهِيهِ، أطْعَمَهُ اللَّهُ مِن ثِمارِ الجَنَّةِ، وسَقاهُ مِن شَرابِها“» .
وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «”إنَّ اللَّهَ أوْحى إلى نَبِيٍّ مِن بَنِي إسْرائِيلَ أنْ أخْبِرْ قَوْمَكَ أنْ لَيْسَ عَبْدٌ يَصُومُ يَوْمًا ابْتِغاءَ وجْهِي إلّا أصْحَحْتُ جِسْمَهُ، وأعْظَمْتُ أجْرَهُ“» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنْ أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ قالَ: بَيْنَما نَحْنُ في البَحْرِ غُزاةً، إذْ مُنادٍ يُنادِي: يا أهْلَ السَّفِينَةِ، قِفُوا نُخْبِرْكم. قالَ أبُو مُوسى: (p-١٩٣)قُلْتُ: ألا تَرى الرِّيحَ لَنا طَيِّبَةً، والشِّراعَ لَنا مَرْفُوعَةً، والسَّفِينَةَ تَجْرِي بِنا في لُجَّةِ البَحْرِ؟ قالَ: أفَلا أُخْبِرُكم بِقَضاءٍ قَضاهُ اللَّهُ عَلى نَفْسِهِ؟ قُلْتُ: بَلى. قالَ: فَإنَّ اللَّهَ قَضى عَلى نَفْسِهِ أيُّما عَبْدٍ عَطَّشَ نَفْسَهُ لِلَّهِ في الدُّنْيا يَوْمًا، فَإنَّ حَقًّا عَلى اللَّهِ أنْ يَرْوِيَهُ يَوْمَ القِيامَةِ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ خُزَيْمَةَ، وابْنُ حِبّانَ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ أبِي أُمامَةَ قالَ: «قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، مُرْنِي بِعَمَلٍ آخُذُهُ عَنْكَ يَنْفَعُنِي اللَّهُ بِهِ. قالَ: ”عَلَيْكَ بِالصَّوْمِ فَإنَّهُ لا مِثْلَ لَهُ“» .
وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي رَباحٍ قالَ: تُوضَعُ المَوائِدُ يَوْمَ القِيامَةِ لِلصّائِمِينَ، فَيَأْكُلُونَ والنّاسُ في الحِسابِ.
وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ، عَنْ كَعْبِ الأحْبارِ قالَ: يُنادِي يَوْمَ القِيامَةِ مُنادٍ: إنَّ كُلَّ حارِثٍ يُعْطى بِحَرْثِهِ ويُزادُ، غَيْرَ أهْلِ القُرْآنِ والصِّيامِ، يُعْطَوْنَ أُجُورَهم بِغَيْرِ حِسابٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «”لِكُلِّ أهْلِ (p-١٩٤)عَمَلٍ بابٌ مِن أبْوابِ الجَنَّةِ، يُدْعَوْنَ مِنهُ بِذَلِكَ العَمَلِ، ولِأهْلِ الصِّيامِ بابٌ يُقالُ لَهُ الرَّيّانُ“» .
وأخْرَجَ مالِكٌ في «المُوَطَّأِ»، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، والبُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، والنَّسائِيُّ، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «”الصِّيامُ جُنَّةٌ“» .
وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ «أنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ كانَ يَقُولُ، يَرْوِي ذَلِكَ عَنْ رَبِّهِ عَزَّ وجَلَّ: ”قالَ رَبُّكُمُ: الصَّوْمُ جُنَّةٌ، يَجْتَنُّ بِها عَبْدِي مِنَ النّارِ“» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «”الصِّيامُ جُنَّةٌ وحِصْنٌ حَصِينَةٌ مِنَ النّارِ“» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ ماجَهْ، وابْنُ خُزَيْمَةَ، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ عُثْمانَ بْنِ أبِي العاصِي الثَّقَفِيِّ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «”الصِّيامُ جُنَّةٌ مِنَ النّارِ، كَجُنَّةِ أحَدِكم مِنَ القِتالِ“» .
(p-١٩٥)وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ خُزَيْمَةَ، والبَيْهَقِيُّ عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «”الصِّيامُ جُنَّةٌ ما لَمْ يَخْرِقْها“» .
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ في «الأوْسَطِ» مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «”الصِّيامُ جُنَّةٌ ما لَمْ يَخْرِقْها“ . قِيلَ: وبِما يَخْرِقُها؟ قالَ: ”بِكَذِبٍ أوْ غِيبَةٍ“» .
وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ رَجُلٍ مِن بَنِي سُلَيْمٍ، «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أخَذَ بِيَدِهِ فَقالَ: ”سُبْحانَ اللَّهِ نِصْفُ المِيزانِ، والحَمْدُ لِلَّهِ تَمْلَأُ المِيزانَ، واللَّهُ أكْبَرُ تَمْلَأُ ما بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ، والوُضُوءُ نِصْفُ الإيمانِ، والصِّيامُ نِصْفُ الصَّبْرِ“» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ ماجَهْ، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «”الصِّيامُ نِصْفُ الصَّبْرِ، وإنَّ لِكُلِّ شَيْءٍ زَكاةً، وزَكاةُ الجَسَدِ الصَّوْمُ“» .
(p-١٩٦)وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، والتِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ ماجَهْ، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ أُمِّ عُمارَةَ بِنْتِ كَعْبٍ، «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَخَلَ عَلَيْها، فَقَرَّبَتْ إلَيْهِ طَعامًا، فَقالَ: ”كُلِي“ . فَقالَتْ: إنِّي صائِمَةٌ. فَقالَ: ”إنَّ الصّائِمَ إذا أُكِلَ عِنْدَهُ صَلَّتْ عَلَيْهِ المَلائِكَةُ حَتّى يَفْرَغُوا أوْ يَقْضُوا“» .
وأخْرُجُ ابْنُ ماجَهْ، والبَيْهَقِيُّ عَنْ بُرَيْدَةَ قالَ: «دَخَلَ بِلالٌ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وهو يَتَغَدّى، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”الغَداءَ يا بِلالُ“ . قالَ: إنِّي صائِمٌ يا رَسُولَ اللَّهِ. فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”نَأْكُلُ رِزْقَنا وفَضْلُ رِزْقِ بِلالٍ في الجَنَّةِ، أشَعَرْتَ يا بِلالُ أنَّ الصّائِمَ تُسَبِّحُ عِظامُهُ، وتَسْتَغْفِرُ لَهُ المَلائِكَةُ ما أُكِلَ عِنْدَهُ“» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قالَ: الصّائِمُ إذا أُكِلَ عِنْدَهُ صَلَّتْ عَلَيْهِ المَلائِكَةُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: الصّائِمُ إذا أُكِلَ عِنْدَهُ سَبَّحَتْ مَفاصِلُهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ خَلِيلٍ، مِثْلَهُ.
(p-١٩٧)وأخْرَجَ أبُو يَعْلى، والطَّبَرانِيُّ، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ قَيْصَرَ، أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «”مَن صامَ يَوْمًا ابْتِغاءَ وجْهِ اللَّهِ، بَعَّدَهُ اللَّهُ مِن جَهَنَّمَ كَبُعْدِ غُرابٍ طارَ وهو فَرْخٌ حَتّى ماتَ هَرِمًا“» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ، والبَزّارُ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ، مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ البَزّارُ، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «”ثَلاثُ دَعَواتٍ مُسْتَجاباتٍ؛ دَعْوَةُ الصّائِمِ، ودَعْوَةُ المُسافِرِ، ودَعْوَةُ المَظْلُومِ“» .
وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ، عَنْ أنَسٍ قالَ: «خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ إلى المَسْجِدِ وفِيهِ فِتْيَةٌ مِن أصْحابِهِ، فَقالَ: ”مَن كانَ عِنْدَهُ طَوْلٌ فَلْيَنْكِحْ، وإلّا فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ، فَإنَّهُ لَهُ وِجاءٌ، ومَحْسَمَةٌ لِلْعِرْقِ“» .
وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ، وابْنُ ماجَهْ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «”فِي الجَنَّةِ بابٌ يُدْعى الرَّيّانَ، يُدْعى لَهُ الصّائِمُونَ، فَمَن كانَ مِنَ الصّائِمِينَ (p-١٩٨)دَخَلَهُ، ومَن دَخَلَهُ لا يَظْمَأُ أبَدًا“» .
وأخْرَجَ ابْنُ ماجَهْ، والحاكِمُ، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «”إنَّ لِلصّائِمِ عِنْدَ فِطْرِهِ لَدَعْوَةً ما تُرَدُّ“» .
وأخْرَجَ البَزّارُ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «”إنَّ لِلصُّوّامِ يَوْمَ القِيامَةِ حَوْضًا ما يَرِدُهُ غَيْرُ الصُّوّامِ“» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا، والبَزّارُ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَعَثَ أبا مُوسى في سَرِيَّةٍ في البَحْرِ، فَبَيْنَما هم كَذَلِكَ قَدْ رَفَعُوا الشِّراعَ في لَيْلَةٍ مُظْلِمَةٍ إذا هاتِفٌ مِن قَوْمِهِمْ يَهْتِفُ: يا أهْلَ السَّفِينَةِ قِفُوا أُخْبِرْكم بِقَضاءٍ قَضاهُ اللَّهُ عَلى نَفْسِهِ، قالَ أبُو مُوسى: أخْبِرْنا إنْ كُنْتَ مُخْبِرًا. قالَ: إنَّ اللَّهَ قَضى عَلى نَفْسِهِ أنَّهُ مَن أعْطَشَ نَفْسَهُ لَهُ في يَوْمٍ صائِفٍ سَقاهُ اللَّهُ يَوْمَ العَطَشِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، والتِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ خُزَيْمَةَ، وابْنُ حِبّانَ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ في «الدَّعَواتِ»، عَنِ الحارِثِ الأشْعَرِيِّ، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «”إنَّ اللَّهَ أمَرَ يَحْيى بْنَ زَكَرِيّا بِخَمْسِ كَلِماتٍ أنْ يَعْمَلَ بِها ويَأْمُرَ بَنِي إسْرائِيلَ أنْ يَعْمَلُوا بِها، وإنَّهُ كادَ أنْ يُبْطِئَ بِها، فَقالَ عِيسى: إنَّ اللَّهَ (p-١٩٩)أمَرَكَ بِخَمْسِ كَلِماتٍ لِتَعْمَلَ بِها وتَأْمُرَ بَنِي إسْرائِيلَ أنْ يَعْمَلُوا بِها، فَإمّا أنْ تَأْمُرَهُمْ، وإمّا أنْ آمُرَهم. فَقالَ يَحْيى: أخْشى إنْ سَبَقْتَنِي بِها أنْ يُخْسَفَ بِي أوْ أُعَذَّبَ. فَجَمَعَ النّاسَ في بَيْتِ المَقْدِسِ، فامْتَلَأ، وقَعَدُوا عَلى الشُّرَفِ، فَقالَ: إنَّ اللَّهَ أمَرَنِي بِخَمْسِ كَلِماتٍ أنْ أعْمَلَ بِهِنَّ، وآمُرَكم أنْ تَعْمَلُوا بِهِنَّ؛ أوَّلُهُنَّ: أنْ تَعْبُدُوا اللَّهَ ولا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا؛ وإنَّ مَثَلَ مَن أشْرَكَ بِاللَّهِ كَمَثَلِ رَجُلٍ اشْتَرى عَبْدًا مِن خالِصِ مالِهِ بِذَهَبٍ أوْ ورِقٍ، فَقالَ: هَذِهِ دارِيِّ، وهَذا عَمَلِي، فاعْمَلْ وأدِّ إلَيَّ. فَكانَ يَعْمَلُ ويُؤَدِّي إلى غَيْرِ سَيِّدِهِ، فَأيُّكم يَرْضى أنْ يَكُونَ عَبْدُهُ كَذَلِكَ؟ وإنَّ اللَّهَ أمَرَكم بِالصَّلاةِ، فَإذا صَلَّيْتُمْ فَلا تَلْتَفِتُوا، فَإنَّ اللَّهَ يَنْصِبُ وجْهَهُ لِوَجْهِ عَبْدِهِ في صِلاتِهِ ما لَمْ يَلْتَفِتْ، وآمُرُكم بِالصِّيامِ؛ فَإنَّ مَثَلَ ذَلِكَ كَمَثَلِ رَجُلٍ في عِصابَةٍ، مَعَهُ صُرَّةٌ فِيها مِسْكٌ، فَكُلُّهم يُعْجِبُهُ رِيحُها، وإنَّ رِيحَ الصّائِمِ أطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِن رِيحِ المِسْكِ، وآمُرُكم بِالصَّدَقَةِ؛ فَإنَّ مَثَلَ ذَلِكَ كَمَثَلِ رَجُلٍ أسَرَهُ العَدُوُّ، فَأوْثَقُوا يَدَهُ إلى عُنُقِهِ، وقَدَّمُوهُ لِيَضْرِبُوا عُنُقَهُ، فَقالَ: أنا أفْدِي نَفْسِي مِنكم بِالقَلِيلِ والكَثِيرِ. فَفَدى نَفْسَهَ مِنهُمْ، وآمُرُكم أنْ تَذْكُرُوا اللَّهَ؛ فَإنَّ مَثَلَ ذَلِكَ كَمَثَلِ رَجُلٍ خَرَجَ العَدُوُّ في أثَرِهِ سِراعًا، حَتّى إذا أتى عَلى حِصْنٍ حَصِينٍ، فَأحْرَزَ نَفْسَهُ مِنهُمْ، كَذَلِكَ العَبْدُ، لا يُحْرِزُ نَفْسَهُ مِنَ الشَّيْطانِ إلّا بِذِكْرِ اللَّهِ“» . (p-٢٠٠)وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ في ”الأوْسَطِ“، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”«اغْزُوا تَغْنَمُوا، وصُومُوا تَصِحُّوا، وسافِرُوا تَسْتَغْنُوا“» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ، وابْنُ أبِي الدُّنْيا في كِتابِ ”الجُوعِ“، والطَّبَرانِيُّ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «”الصِّيامُ والقُرْآنُ يَشْفَعانِ لِلْعَبِدِ يَوْمَ القِيامَةِ؛ يَقُولُ الصِّيامُ: أيْ رَبِّ، مَنَعْتُهِ الطَّعامَ والشَّهْوَةَ، فَشَفِّعْنِي فِيهِ، ويَقُولُ القُرْآنُ: مَنَعْتُهُ النُّوَّمَ بِاللَّيْلِ فَشَفِّعْنِي فِيهِ. قالَ: فَيُشَفَّعانِ“» .
وأخْرَجَ أبُو يَعْلى، والطَّبَرانِيُّ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”«لَوْ أنَّ رَجُلًا صامَ يَوْمًا تَطَوُّعًا، ثُمَّ أُعْطِيَ مِلءَ الأرْضِ ذَهَبًا، لَمْ يَسْتَوْفِ ثَوابَهُ دُونَ يَوْمِ الحِسابِ“» .
وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌّ، والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «”ما مِن عَبْدٍ يَصُومُ يَوْمًا في سَبِيلِ اللَّهِ إلّا باعَدَ اللَّهُ بِذَلِكَ اليَوْمِ وجْهَهُ عَنِ النّارِ سَبْعِينَ خَرِيفًا“» . (p-٢٠١)وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ في ”الأوْسَطِ“ و”الصَّغِيرِ“، عَنْ أبِي الدَّرْداءِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «”مَن صامَ يَوْمًا في سَبِيلِ اللَّهِ جَعَلَ اللَّهُ بَيْنَهُ وبَيْنَ النّارِ خَنْدَقًا كَما بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ“» .
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، عَنْ عَمْرِو بْنِ عَبَسَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «”مَن صامَ يَوْمًا في سَبِيلِ اللَّهِ بَعُدَتْ مِنهُ النّارُ مَسِيرَةَ مِائَةِ عامٍ“» .
وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ ماجَهْ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «”مَن صامَ يَوْمًا في سَبِيلِ اللَّهِ زَحْزَحَ اللَّهُ وجْهَهُ عَنِ النّارِ بِذَلِكَ اليَوْمِ سَبْعِينَ خَرِيفًا“» .
وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ عَنْ أبِي أُمامَةَ، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «”مَن صامَ يَوْمًا في سَبِيلِ اللَّهِ، جَعَلَ اللَّهُ بَيْنَهُ وبَيْنَ النّارِ خَنْدَقًا كَما بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ“» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ، والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ، وابْنُ ماجَهْ، وابْنُ خُزَيْمَةَ، وابْنُ حِبّانَ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «”ثَلاثَةٌ لا تُرَدُّ دَعْوَتُهُمْ؛ الصّائِمُ حَتّى يُفْطِرَ، والإمامُ العادِلُ، ودَعْوَةُ المَظْلُومِ يَرْفَعُها اللَّهُ فَوْقَ الغَمامِ، ويَفْتَحُ لَها أبْوابَ (p-٢٠٢)السَّماءِ، ويَقُولُ الرَّبُّ: وعِزَّتِي لِأنْصُرَنَّكِ ولَوْ بَعْدَ حِينٍ“» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا في كِتابِ ”الجُوعِ“، عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”«الصّائِمُونَ تَنْفَحُ مِن أفْواهِهِمْ رِيحُ المِسْكِ، وتُوضَعُ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ مائِدَةٌ تَحْتَ العَرْشِ، فَيَأْكُلُونَ مِنها والنّاسُ في شِدَّةٍ“» .
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ في ”الأوْسَطِ“، عَنْ أنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «”إنَّ لِلَّهِ مائِدَةً عَلَيْها ما لا عَيْنٌ رَأتْ، ولا أُذُنٌ سَمِعَتْ، ولا خَطَرَ عَلى قَلْبِ بَشَرٍ، لا يَقْعُدُ عَلَيْها إلّا الصّائِمُونَ“» .
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ ابْنُ حَيّانَ في ”الثَّوابِ“، عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”«إذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ يَخْرُجُ الصُّوّامُ مِن قُبُورِهِمْ يُعْرَفُونَ بِرِياحِ صِيامِهِمْ، أفْواهُهم أطْيَبُ مِن رِيحِ المِسْكِ، فَيُلْقَوْنَ بِالمَوائِدِ والأبارِيقِ مُخَتَّمَةً بِالمِسْكِ، فَيُقالُ لَهم: كُلُوا فَقَدْ جُعْتُمْ، واشْرَبُوا فَقَدْ عَطِشْتُمْ، ذَرُوا النّاسَ واسْتَرِيحُوا، فَقَدَ أُعْيِيتُمْ إذِ اسْتَراحَ النّاسُ. فَيَأْكُلُونَ ويَشْرَبُونَ ويَسْتَرِيحُونَ والنّاسُ في عَناءٍ وظَمَأٍ“» . (p-٢٠٣)وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا في كِتابِ ”الأهْوالِ“، عَنْ مُغِيثِ بْنِ سُمَيٍّ قالَ: تَرْكُدُ الشَّمْسُ فَوْقَ رُءُوسِهِمْ عَلى أذْرُعٍ، وتُفْتَحُ أبْوابُ جَهَنَّمَ، فَتَهُبُّ عَلَيْهِمْ رِياحُها وسَمُومُها، وتَخْرُجُ عَلَيْهَمْ نَفَحاتُها، حَتّى تَجْرِيَ الأرْضُ مِن عَرَقِهِمْ أنْتَنَ مِنَ الجِيَفِ، والصّائِمُونَ في ظِلِّ العَرْشِ.
وأخْرَجَ الأصْبَهانِيُّ في ”التَّرْغِيبِ“، مِن طَرِيقِ أحْمَدَ بْنِ أبِي الحَوارِيِّ: أنْبَأنا أبُو سُلَيْمانَ، قالَ: جاءَنِي أبُو عَلِيٍّ الأصَمُّ بِأحْسَنِ حَدِيثٍ سَمِعْتُهُ في الدُّنْيا، قالَ: تُوضَعُ لِلصُّوّامِ مائِدَةٌ يَأْكُلُونَ والنّاسُ في الحِسابِ، فَيَقُولُونَ: يا رَبِّ، نَحْنُ نُحاسَبُ وهَؤُلاءِ يَأْكُلُونَ! فَيَقُولُ: طالَما صامُوا وأفْطَرْتُمْ، وقامُوا ونِمْتُمْ.
وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في ”شُعَبِ الإيمانِ“ عَنْ أبِي مالِكٍ الأشْعَرِيِّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «”إنَّ في الجَنَّةِ غُرْفَةً يُرى ظاهِرُها مِن باطِنِها، وباطِنُها مِن ظاهِرِها، أعَدَّها اللَّهُ لِمَن ألانَ الكَلامَ، وأطْعَمَ الطَّعامَ، وتابَعَ الصِّيامَ، وصَلّى بِاللَّيْلِ والنّاسُ نِيامٌ“» .
وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ، عَنْ نافِعٍ قالَ: قالَ ابْنُ عُمَرَ: كانَ يُقالُ: إنَّ لِكُلٍّ مُؤْمِنٍ دَعْوَةً مُسْتَجابَةً عِنْدَ إفْطارِهِ، إمّا أنْ تُعَجَّلَ لَهُ في دُنْياهُ، أوْ تُدَّخَرَ لَهُ في آخِرَتِهِ، فَكانَ ابْنُ عُمَرَ يَقُولُ عِنْدَ إفْطارِهِ: يا واسِعَ المَغْفِرَةِ، اغْفِرْ لِي.
وأخْرَجَ أحْمَدُ، عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأصْحابِهِ ذاتَ يَوْمٍ: ”«مَن (p-٢٠٤)شَهِدَ مِنكم جِنازَةً؟“ قالَ عُمَرُ: أنا. قالَ: ”مَن عادَ مَرِيضًا؟“ قالَ عُمَرُ: أنا. قالَ: ”مَن تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ؟“ قالَ عُمَرُ: أنا. قالَ: ”مَن أصْبَحَ صائِمًا؟“ قالَ عُمَرُ: أنا. قالَ: ”وجَبَتْ، وجَبَتْ“» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَباحٍ قالَ: خَرَجْنا إلى مُعاوِيَةَ، فَمَرَرْنا بِراهِبٍ، فَقالَ: تُوضَعُ المَوائِدُ، فَأوَّلُ مَن يَأْكُلُ مِنها الصّائِمُونَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ ماجَهْ، وابْنُ خُزَيْمَةَ، والدّارَقُطْنِيُّ، والبَيْهَقِيُّ في ”شُعَبِ الإيمانِ“، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «”مَن أفْطَرَ يَوْمًا مِن رَمَضانَ مِن غَيْرِ رُخْصَةٍ ولا مَرَضٍ، لَمْ يَقْضِهِ عَنْهُ صَوْمُ الدَّهْرِ كُلِّهِ وإنْ صامَهُ“» .
وأخْرَجَ الدّارَقُطْنِيُّ، عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «”مَن أفْطَرَ يَوْمًا مِن رَمَضانَ مِن غَيْرِ عُذْرٍ فَعَلَيْهِ صَوْمُ شَهْرٍ“» .
وأخْرَجَ الدّارَقُطْنِيُّ، عَنْ رَجاءِ بْنِ جَمِيلٍ قالَ: كانَ رَبِيعَةُ بْنُ أبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ يَقُولُ: مَن أفْطَرَ يَوْمًا مِن رَمَضانَ صامَ اثْنَيْ عَشَرَ يَوْمًا؛ لِأنَّ اللَّهَ (p-٢٠٥)رَضِيَ مِن عِبادِهِ شَهْرًا مِنَ اثْنَيْ عَشَرَ شَهْرًا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ قالَ: «جاءَ رَجُلٌ إلى النَّبِيِّ ﷺ فَقالَ: إنِّي أفْطَرْتُ يَوْمًا مِن رَمَضانَ، فَقالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: ”تَصَدَّقْ واسْتَغْفِرِ اللَّهَ، وصُمْ يَوْمًا مَكانَهُ“» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: مَن أفْطَرَ يَوْمًا مِن رَمَضانَ مُتَعَمِّدًا مِن غَيْرِ سَفَرٍ ولا مَرَضٍ، لَمْ يَقْضِهِ أبَدًا وإنْ صامَ الدَّهْرَ كُلَّهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنْ عَلِيٍّ، قالَ: مَن أفْطَرَ يَوْمًا مِن رَمَضانَ مُتَعَمِّدًا، لَمْ يَقْضِهِ أبَدًا طُولَ الدَّهْرِ.