Lafzullah

Al-Durr Al-Manthur — آل عمران 3:134 – آل عمران 3:194

المؤلف / المصدر: Al-Durr Al-Manthur

المحتويات
  1. آل عمران 3:134
  2. آل عمران 3:135
  3. آل عمران 3:136
  4. آل عمران 3:137
  5. آل عمران 3:138
  6. آل عمران 3:139
  7. آل عمران 3:140
  8. آل عمران 3:141
  9. آل عمران 3:142
  10. آل عمران 3:143
  11. آل عمران 3:144
  12. آل عمران 3:145
  13. آل عمران 3:146
  14. آل عمران 3:147
  15. آل عمران 3:148
  16. آل عمران 3:149
  17. آل عمران 3:151
  18. آل عمران 3:152
  19. آل عمران 3:153
  20. آل عمران 3:154
  21. آل عمران 3:155
  22. آل عمران 3:156
  23. آل عمران 3:157
  24. آل عمران 3:158
  25. آل عمران 3:159
  26. آل عمران 3:160
  27. آل عمران 3:161
  28. آل عمران 3:162
  29. آل عمران 3:163
  30. آل عمران 3:164
  31. آل عمران 3:165
  32. آل عمران 3:166
  33. آل عمران 3:167
  34. آل عمران 3:168
  35. آل عمران 3:169
  36. آل عمران 3:170
  37. آل عمران 3:171
  38. آل عمران 3:172
  39. آل عمران 3:173
  40. آل عمران 3:174
  41. آل عمران 3:175
  42. آل عمران 3:176
  43. آل عمران 3:177
  44. آل عمران 3:178
  45. آل عمران 3:179
  46. آل عمران 3:180
  47. آل عمران 3:181
  48. آل عمران 3:182
  49. آل عمران 3:183
  50. آل عمران 3:184
  51. آل عمران 3:185
  52. آل عمران 3:186
  53. آل عمران 3:187
  54. آل عمران 3:188
  55. آل عمران 3:190
  56. آل عمران 3:191
  57. آل عمران 3:192
  58. آل عمران 3:193
  59. آل عمران 3:194

آل عمران 3:134

(p-١)(p-٢)(p-٣)(p-٤)(p-٥)﷽ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وسارِعُوا﴾ الآيَةَ. أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ عَطاءِ بْنِ أبِي رَباحٍ قالَ: «قالَ المُسْلِمُونَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، بَنُو إسْرائِيلَ كانُوا أكْرَمَ عَلى اللَّهِ مِنّا، كانُوا إذا أذْنَبَ أحَدُهم ذَنْبًا أصْبَحَ كَفّارَةُ ذَنْبِهِ مَكْتُوبَةٌ في عَتَبَةِ بابِهِ، اجْدَعْ أنْفَكَ اجْدَعْ أُذُنَكَ، افْعَلْ كَذا وكَذا، فَسَكَتَ، فَنَزَلَتْ هَؤُلاءِ الآياتُ: ﴿وسارِعُوا إلى مَغْفِرَةٍ مِن رَبِّكُمْ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ إذا فَعَلُوا فاحِشَةً أوْ ظَلَمُوا أنْفُسَهم ذَكَرُوا اللَّهَ فاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٣٥] فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: «ألا أُخْبِرُكم بِخَيْرٍ مِن ذَلِكُمْ»؟ ثُمَّ تَلا هَؤُلاءِ الآياتِ عَلَيْهِمْ» . وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ في قَوْلِهِ: ﴿وسارِعُوا إلى مَغْفِرَةٍ مِن رَبِّكُمْ﴾ قالَ: التَّكْبِيرَةُ الأُولى. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ في قَوْلِهِ: ﴿وسارِعُوا﴾ يَقُولُ: سارِعُوا بِالأعْمالِ الصّالِحَةِ ﴿إلى مَغْفِرَةٍ مِن رَبِّكُمْ﴾ قالَ: لِذُنُوبِكم ﴿وجَنَّةٍ عَرْضُها السَّماواتُ والأرْضُ﴾ يَعْنِي: عَرْضُ سَبْعِ سَمَواتٍ وسَبْعِ أرَضِينَ لَوْ لُصِقَ بَعْضُهُنَّ إلى بَعْضٍ فالجَنَّةُ في عَرْضِهِنَّ. (p-٦)وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ مِن طَرِيقِ السُّدِّيِّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في الآيَةِ قالَ: تُقْرَنُ السَّماواتُ السَّبْعُ والأرَضُونَ السَّبْعُ كَما تُقْرَنُ الثِّيابُ بَعْضُها إلى بَعْضٍ، فَذاكَ عَرْضُ الجَنَّةِ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ كُرَيْبٍ قالَ: أرْسَلَنِي ابْنُ عَبّاسٍ إلى رَجُلٍ مِن أهْلِ الكِتابِ أسْألُهُ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿وجَنَّةٍ عَرْضُها السَّماواتُ والأرْضُ﴾ فَأخْرَجَ أسْفارَ مُوسى فَجَعَلَ يَنْظُرُ، قالَ: سَبْعُ سَماواتٍ وسَبْعُ أرَضِينَ تُلْفَقُ كَما تُلْفَقُ الثِّيابُ بَعْضُها إلى بَعْضٍ، هَذا عَرْضُها، وأمّا طُولُها فَلا يَقْدِرُ قَدْرَهُ إلّا اللَّهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ التَّنُوخِيِّ رَسُولِ هِرَقْلَ قالَ: «قَدِمْتُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِكِتابِ هِرَقْلَ وفِيهِ: إنَّكَ كَتَبْتَ تَدْعُونِي إلى جَنَّةٍ عَرْضُها السَّماواتُ والأرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ، فَأيْنَ النّارُ؟ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «سُبْحانَ اللَّهِ، فَأيْنَ اللَّيْلُ إذا جاءَ النَّهارُ»» . وأخْرَجَ البَزّارُ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «جاءَ رَجُلٌ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: أرَأيْتَ قَوْلَهُ: ﴿وجَنَّةٍ عَرْضُها السَّماواتُ والأرْضُ﴾ فَأيْنَ النّارُ؟ قالَ: «أرَأيْتَ اللَّيْلَ إذا لَبِسَ كُلَّ شَيْءٍ فَأيْنَ النَّهارُ»؟ قالَ: حَيْثُ شاءَ اللَّهُ. قالَ: «فَكَذَلِكَ حَيْثُ شاءَ اللَّهُ»» . (p-٧)وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ طارِقِ بْنِ شِهابٍ أنَّ ناسًا مِنَ اليَهُودِ سَألُوا عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ عَنْ: ( جَنَّةٍ عَرْضُها السَّماواتُ والأرْضُ ) فَأيْنَ النّارُ؟ فَقالَ عُمَرُ: إذا جاءَ اللَّيْلُ فَأيْنَ النَّهارُ، وإذا جاءَ النَّهارُ أيْنَ اللَّيْلُ؟ فَقالُوا: لَقَدْ نَزَعْتَ مِثْلَها مِنَ التَّوْراةِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ يَزِيدَ بْنِ الأصَمِّ أنَّ رَجُلًا مِن أهْلِ الكِتابِ قالَ لِابْنِ عَبّاسٍ: تَقُولُونَ: ﴿وجَنَّةٍ عَرْضُها السَّماواتُ والأرْضُ﴾ فَأيْنَ النّارُ؟ فَقالَ لَهُ ابْنُ عَبّاسٍ: إذا جاءَ اللَّيْلُ فَأيْنَ النَّهارُ؟ وإذا جاءَ النَّهارُ فَأيْنَ اللَّيْلُ؟ وأخْرَجَ مُسْلِمٌ، وابْنُ المُنْذِرِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ أنَسٍ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ يَوْمَ بَدْرٍ: ««قُومُوا إلى جَنَّةٍ عَرْضُها السَّماواتُ والأرْضُ» فَقالَ عُمَيْرُ بْنُ الحُمامِ الأنْصارِيُّ: يا رَسُولَ اللَّهِ، جَنَّةٌ عَرْضُها السَّمَواتُ والأرْضُ؟ قالَ: «نَعَمْ» قالَ: بَخٍ بَخٍ، لا واللَّهِ يا رَسُولَ اللَّهِ لا بُدَّ أنْ أكُونَ مِن أهْلِها. قالَ: «فَإنَّكَ مِن أهْلِها» فَأخْرَجَ تُمَيْراتٍ مِن قَرَنِهِ فَجَعَلَ يَأْكُلُ مِنهُنَّ ثُمَّ قالَ: لَئِنْ حَيِيتُ حَتّى آكُلَ تَمْراتِي هَذِهِ إنَّها لَحَياةٌ طَوِيلَةٌ، فَرَمى بِما كانَ مَعَهُ مِنَ التَّمْرِ ثُمَّ قاتَلَهم حَتّى قُتِلَ» . (p-٨)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ في السَّرّاءِ والضَّرّاءِ﴾ الآيَةَ. أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ في السَّرّاءِ والضَّرّاءِ﴾ يَقُولُ: في العُسْرِ واليُسْرِ، ﴿والكاظِمِينَ الغَيْظَ﴾ يَقُولُ: كاظِمُونَ عَلى الغَيْظِ، كَقَوْلِهِ: ﴿وإذا ما غَضِبُوا هم يَغْفِرُونَ﴾ [الشورى: ٣٧] [الشُّورى: ٣٧] يَغْضَبُونَ في الأمْرِ لَوْ وقَعُوا فِيهِ كانَ حَرامًا، فَيَغْفِرُونَ ويَعْفُونَ يَلْتَمِسُونَ وجْهَ اللَّهِ بِذَلِكَ، ﴿والعافِينَ عَنِ النّاسِ﴾ كَقَوْلِهِ: ﴿ولا يَأْتَلِ أُولُو الفَضْلِ مِنكم والسَّعَةِ﴾ [النور: ٢٢] الآيَةَ [النُّورِ: ٢٢]، يَقُولُ: لا تُقْسِمُوا عَلى أنْ لا تُعْطُوهم مِنَ النَّفَقَةِ واعْفُوا واصْفَحُوا. وأخْرَجَ ابْنُ الأنْبارِيِّ في كِتابِ الوَقْفِ والِابْتِداءِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ نافِعَ بْنَ الأزْرَقِ قالَ لَهُ: أخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِ اللَّهِ: ﴿والكاظِمِينَ الغَيْظَ﴾ ما الكاظِمُونَ؟ قالَ: الحابِسُونَ الغَيْظَ. قالَ عَبْدُ المُطَّلِبِ بْنُ هاشِمٍ: ؎فَخَضَضْتُ قَوْمِي واحْتَسَبْتُ قِتالَهم والقَوْمُ مِن خَوْفٍ قِتالَهُمُ كُظُمْ وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي العالِيَةِ في قَوْلِهِ: ﴿والعافِينَ عَنِ النّاسِ﴾ قالَ: عَنِ المَمْلُوكِينَ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُقاتِلِ بْنِ حَيّانَ في قَوْلِهِ: (p-٩)﴿والعافِينَ عَنِ النّاسِ﴾ قالَ: يَغَيَّظُونَ في الأمْرِ فَيَغْفِرُونَ ويَعْفُونَ عَنِ النّاسِ، ومَن فَعَلَ ذَلِكَ فَهو مُحْسِنٌ ﴿واللَّهُ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ﴾ بَلَغَنِي أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ عِنْدَ ذَلِكَ: ««إنَّ هَؤُلاءِ في أُمَّتِي قَلِيلٌ إلّا مَن عَصَمَهُ اللَّهُ، وقَدْ كانُوا كَثِيرًا في الأُمَمِ الَّتِي مَضَتْ»» . وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ في قَوْلِهِ: ﴿والكاظِمِينَ الغَيْظَ﴾ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: ««مَن كَظَمَ غَيْظًا وهو يَقْدِرُ عَلى إنْفاذِهِ مَلَأهُ اللَّهُ أمْنًا وإيمانًا»» . وأخْرَجَ أحْمَدُ والبَيْهَقِيُّ في ”الشُّعَبِ“ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««ما مِن جَرْعَةٍ أحَبَّ إلى اللَّهِ مِن جَرْعَةِ غَيْظٍ يَكْظِمُها عَبْدٌ، ما كَظَمَ عَبْدٌ لِلَّهِ إلّا مَلَأ اللَّهُ جَوْفَهُ إيمانًا»» . وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، مِثْلَهُ. وأخْرَجَ أحْمَدُ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وأبُو داوُدَ والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ والبَيْهَقِيُّ في ”الشُّعَبِ“ عَنْ مُعاذِ بْنِ أنَسٍ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: ««مَن كَظَمَ غَيْظًا وهو قادِرٌ عَلى أنْ يُنْفِذَهُ دَعاهُ اللَّهُ عَلى رُؤُوسِ الخَلائِقِ حَتّى يُخَيِّرَهُ مِن أيِّ الحُورِ (p-١٠)شاءَ»» . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ والبُخارِيُّ ومُسْلِمٌ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: ««لَيْسَ الشَّدِيدُ بِالصُّرَعَةِ، ولَكِنَّ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الغَضَبِ»» . وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ عَنْ عامِرِ بْنِ سَعْدٍ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَرَّ بِناسٍ يَتَجاذَوْنَ مِهْراسًا، فَقالَ: «أتَحْسَبُونَ الشِّدَّةَ في حَمْلِ الحِجارَةِ؟ إنَّما الشِّدَّةُ أنْ يَمْتَلِئَ الرَّجُلُ غَيْظًا ثُمَّ يَغْلِبَهُ»» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الحَسَنِ قالَ: يُقالُ يَوْمَ القِيامَةِ: لِيَقُمْ مَن كانَ لَهُ عَلى اللَّهِ أجْرٌ. فَما يَقُومُ إلّا إنْسانٌ عَفا. وأخْرَجَ الحاكِمُ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: «أنَّ رَسُولَ الهُ ﷺ قالَ: «مَن سَرَّهُ أنْ يُشْرَفَ لَهُ البُنْيانُ، وتُرْفَعَ لَهُ الدَّرَجاتُ فَلْيَعْفُ عَمَّنْ ظَلَمَهُ، ويُعْطِ مَن حَرَمَهُ، ويَصِلُ مَن قَطَعَهُ»» . وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنِ أنَّ جارِيَةً جَعَلَتْ تَسْكُبُ عَلَيْهِ الماءَ (p-١١)يَتَهَيَّأُ لِلصَّلاةِ فَسَقَطَ الإبْرِيقُ مِن يَدِها عَلى وجْهِهِ فَشَجَّهُ، فَرَفَعَ رَأْسَهُ إلَيْها فَقالَتْ: إنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿والكاظِمِينَ الغَيْظَ﴾ قالَ: كَظَمْتُ غَيْظِي. قالَتْ: ﴿والعافِينَ عَنِ النّاسِ﴾ قالَ: قَدْ عَفا اللَّهُ عَنْكِ. قالَتْ: ﴿واللَّهُ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ﴾ قالَ: اذْهَبِي فَأنْتِ حُرَّةٌ. وأخْرَجَ الأصْبِهانِيُّ في التَّرْغِيبِ عَنْ عائِشَةَ سَمِعَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ««وجَبَتْ مَحَبَّةُ اللَّهِ عَلى مَن أُغْضِبَ فَحَلُمَ»» . وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في ”شُعَبِ الإيمانِ“ عَنْ عَمْرِوِ بْنِ عَبَسَةَ «أنَّ رَجُلًا سَألَ النَّبِيَّ ﷺ: ما الإيمانُ؟ فَقالَ: «الصَّبْرُ والسَّماحَةُ وخُلُقٌ حَسَنٌ»» . وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ عَنْ كَعْبِ بْنِ مالِكٍ «أنَّ رَجُلًا مِن بَنِي سَلِمَةَ سَألَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنِ الإسْلامِ فَقالَ: «حُسْنُ الخُلُقِ» ثُمَّ راجَعَهُ الرَّجُلُ فَلَمْ يَزَلْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «حُسْنُ الخُلُقِ» حَتّى بَلَغَ خَمْسَ مَرّاتٍ» . وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ في ”الأوْسَطِ“ والبَيْهَقِيُّ وضَعَّفَهُ، عَنْ جابِرٍ قالَ: «قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، ما الشُّؤْمُ؟ قالَ: «سُوءُ الخُلُقِ»» . وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ في ”الأوْسَطِ“ والبَيْهَقِيُّ في ”الشُّعَبِ“ وضَعَّفَهُ عَنْ (p-١٢)عائِشَةَ مَرْفُوعًا قالَ: ««الشُّؤْمُ سُوءُ الخُلُقِ»» . وأخْرَجَ الخَرائِطِيُّ في ”مَكارِمِ الأخْلاقِ“ عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««إنَّ حُسْنَ الخُلُقِ لَيُذِيبُ الخَطِيئَةَ كَما تُذِيبُ الشَّمْسُ الجَلِيدَ»» . وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ عَنْ أنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: ««الخُلُقُ السُّوءُ يُفْسِدُ الإيمانَ كَما يُفْسِدُ الصَّبْرُ الطَّعامَ»» . قالَ أنَسٌ: وكانَ يُقالُ: إنَّ المُؤْمِنَ أحْسَنُ شَيْءٍ خُلُقًا. وأخْرَجَ ابْنُ عَدِيٍّ والطَّبَرانِيُّ والبَيْهَقِيُّ وضَعَّفَهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: ««حُسْنُ الخُلُقِ يُذِيبُ الخَطايا كَما تُذِيبُ الشَّمْسُ الجَلِيدَ، وإنَّ الخُلُقَ السَّيِّئَ يُفْسِدُ العَمَلَ كَما يُفْسِدُ الخَلُّ العَسَلَ»» . وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ وضَعَّفَهُ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««إنَّ حُسْنَ الخُلُقِ يُذِيبُ الخَطِيئَةَ كَما تُذِيبُ الشَّمْسُ الجَلِيدَ، وإنَّ سُوءَ الخُلُقِ يُفْسِدُ العَمَلَ كَما يُفْسِدُ الصَّبْرُ العَسَلَ»» . وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ وضَعَّفَهُ عَنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ أبِي بُرْدَةَ بْنِ أبِي مُوسى (p-١٣)الأشْعَرِيِّ عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««حُسْنُ الخُلُقِ زِمامٌ مِن رَحْمَةِ اللَّهِ في أنْفِ صاحِبِهِ، والزِّمامُ بِيَدِ المَلَكِ، والمَلَكُ يَجُرُّهُ إلى الخَيْرِ، والخَيْرُ يَجُرُّهُ إلى الجَنَّةِ، وسُوءُ الخُلُقِ زِمامٌ مِن عَذابِ اللَّهِ في أنْفِ صاحِبِهِ، والزِّمامُ بِيَدِ الشَّيْطانِ، والشَّيْطانُ يَجُرُّهُ إلى الشَّرِّ، والشَّرُّ يَجُرُّهُ إلى النّارِ»» . وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ في ”الأوْسَطِ“ والبَيْهَقِيُّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ««واللَّهِ ما حَسَّنَ اللَّهُ خَلْقَ رَجُلٍ ولا خُلُقَهُ فَتَطْعَمُهُ النّارُ»» . وأخْرَجَ الخَرائِطِيُّ، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ جابِرٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««مِن سَعادَةِ ابْنِ آدَمَ حُسْنُ الخُلُقِ، ومِن شِقْوَتِهِ سُوءُ الخُلُقِ»» . وأخْرَجَ الخَرائِطِيُّ والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَمْرٍو قالَ: كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُكْثِرُ الدُّعاءَ، يَقُولُ: ««اللَّهُمَّ إنِّي أسْألُكَ الصِّحَّةَ والعِفَّةَ والأمانَةَ وحُسْنَ الخُلُقِ والرِّضا بِالقَدَرِ»» . وأخْرَجَ أحْمَدُ والبَيْهَقِيُّ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: «كانَ مِن دُعاءِ (p-١٤)النَّبِيِّ ﷺ: «اللَّهُمَّ كَما حَسَّنْتَ خَلْقِي فَأحْسِنْ خُلُقِي»» . وأخْرَجَ الخَرائِطِيُّ والبَيْهَقِيُّ عَنْ أبِي مَسْعُودٍ البَدْرِيِّ قالَ: كانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ: ««اللَّهُمَّ حَسَّنْتَ خَلْقِي فَأحْسِنْ خُلُقِي»» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ والبَزّارُ وأبُو يَعْلى والحاكِمُ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««إنَّكم لا تَسَعُونَ النّاسَ بِأمْوالِكم فَلْيَسَعْهم مِنكم بَسْطُ الوَجْهِ وحُسْنُ الخُلُقِ»» . وأخْرَجَ ابْنُ حِبّانَ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ: أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: ««كَرَمُ المَرْءِ دِينُهُ، ومُرُوءَتُهُ عَقْلُهُ، وحَسَبُهُ خُلُقُهُ»» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ، والحاكِمُ وصَحَّحاهُ، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««أكْمَلُ المُؤْمِنِينَ إيمانًا أحْسَنُهم خُلُقًا»» . وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: ««مَن كانَ (p-١٥)هَيِّنًا قَرِيبًا حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلى النّارِ»» . وأخْرَجَ البُخارِيُّ والبَيْهَقِيُّ في ”الشُّعَبِ“ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «جاءَ رَجُلٌ إلى النَّبِيِّ ﷺ فَقالَ: مُرْنِي ولا تُكْثِرْ فَلَعَلِّي أعْقِلُهُ. فَقالَ: «لا تَغْضَبْ» . فَأعادَ عَلَيْهِ فَقالَ: «لا تَغْضَبْ»» . وأخْرَجَ الحاكِمُ والبَيْهَقِيُّ عَنْ جارِيَةَ بْنِ قُدامَةَ قالَ: «قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، قُلْ لِي قَوْلًا يَنْفَعُنِي وأقْلِلْ لَعَلِّي أعْقِلُهُ. قالَ: «لا تَغْضَبْ»» . وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قالَ: «سَألْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ: ما يُبْعِدُنِي عَنْ غَضَبِ اللَّهِ؟ قالَ: «لا تَغْضَبْ»» . وأخْرَجَ الطَّيالِسِيُّ وأحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ والحاكِمُ والبَيْهَقِيُّ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قالَ: «خَطَبَنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خُطْبَةً إلى مُغَيْرِبانِ الشَّمْسِ، حَفِظَها مَن حَفِظَها، ونَسِيَها مَن نَسِيَها، وأخْبَرَ ما هو كائِنٌ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، حَمِدَ اللَّهَ وأثْنى عَلَيْهِ ثُمَّ قالَ: «أمّا بَعْدُ، فَإنَّ الدُّنْيا خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ، وإنَّ اللَّهَ مُسْتَخْلِفُكم فِيها فَناظِرٌ كَيْفَ تَعْمَلُونَ، ألا فاتَّقُوا الدُّنْيا واتَّقُوا النِّساءَ، ألا إنَّ بَنِي آدَمَ خُلِقُوا عَلى طَبَقاتٍ شَتّى؛ فَمِنهم مَن يُولَدُ مُؤْمِنًا ويَحْيا مُؤْمِنًا ويَمُوتُ مُؤْمِنًا، ومِنهم مَن (p-١٦)يُولَدُ كافِرًا ويَحْيا كافِرًا ويَمُوتُ كافِرًا، ومِنهم مَن يُولَدُ مُؤْمِنًا ويَحْيا مُؤْمِنًا ويَمُوتُ كافِرًا، ومِنهم مَن يُولَدُ كافِرًا ويَحْيا كافِرًا ويَمُوتُ مُؤْمِنًا. ألا إنَّ الغَضَبَ جَمْرَةٌ تَوَقَّدُ في جَوْفِ ابْنِ آدَمَ، ألَمْ تَرَوْا إلى حُمْرَةِ عَيْنَيْهِ وانْتِفاخِ أوْداجِهِ؟ فَإذا وجَدَ أحَدُكم مِن ذَلِكَ شَيْئًا فَلْيَلْزَقْ بِالأرْضِ، ألا إنَّ خَيْرَ الرِّجالِ مَن كانَ بَطِيءَ الغَضَبِ سَرِيعَ الفَيْءِ، وشَرَّ الرِّجالِ مَن كانَ بَطِيءَ الفَيْءِ سَرِيعَ الغَضَبِ، فَإذا كانَ الرَّجُلُ سَرِيعَ الغَضَبِ سَرِيعَ الفَيْءِ فَإنَّها بِها، وإذا كانَ بَطِيءَ الغَضَبِ بَطِيءَ الفَيْءِ فَإنَّها بِها، ألا وإنَّ خَيْرَ التُّجّارِ مَن كانَ حَسَنَ القَضاءِ حَسَنَ الطَّلَبِ، وشَرَّ التُّجّارِ مَن كانَ سَيِّئَ القَضاءِ سَيِّئَ الطَّلَبِ، فَإذا كانَ الرَّجُلُ حَسَنَ القَضاءِ سَيِّئَ الطَّلَبِ فَإنَّها بِها، وإذا كانَ الرَّجُلُ سَيِّئَ القَضاءِ حَسَنَ الطَّلَبِ فَإنَّها بِها، ألا لا يَمْنَعَنَّ رَجُلًا مَهابَةُ النّاسِ أنْ يَقُولَ بِالحَقِّ إذا عَلِمَهُ، ألا إنَّ لِكُلِّ غادِرٍ لِواءً بِقَدْرِ غَدْرَتِهِ يَوْمَ القِيامَةِ، ألا وإنَّ أكْبَرَ الغَدْرِ غَدْرُ أمِيرِ العامَّةِ، ألا وإنَّ أفْضَلَ الجِهادِ مَن قالَ كَلِمَةَ الحَقِّ عِنْدَ سُلْطانٍ جائِرٍ» فَلَمّا كانَ عِنْدَ مُغَيْرِبانِ الشَّمْسِ قالَ: «ألا إنَّ ما بَقِيَ مِنَ الدُّنْيا فِيما مَضى مِنهُ كَمِثْلِ ما بَقِيَ مِن يَوْمِكم هَذا فِيما مَضى»» . وأخْرَجَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ في ”نَوادِرِ الأُصُولِ“ والبَيْهَقِيُّ عَنْ بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قالَ: «قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، أخْبِرْنِي بِوَصِيَّةٍ قَصِيرَةٍ فَألْزَمُها. قالَ: «لا تَغْضَبْ يا مُعاوِيَةُ بْنَ حَيْدَةَ؛ إنَّ الغَضَبَ لَيُفْسِدُ الإيمانَ كَما يُفْسِدُ الصَّبْرُ العَسَلَ»» . وأخْرَجَ الحَكِيمُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««إنَّ الغَضَبَ (p-١٧)مِيسَمٌ مِن نارِ جَهَنَّمَ يَضَعُهُ اللَّهُ عَلى نِياطِ أحَدِهِمْ، ألا تَرى أنَّهُ إذا غَضِبَ احْمَرَّتْ عَيْناهُ وارْبَدَّ وجْهُهُ وانْتَفَخَتْ أوْداجُهُ»» . وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ عَنِ الحَسَنِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««إنَّ الغَضَبَ جَمْرَةٌ في قَلْبِ ابْنِ آدَمَ، ألَمْ تَرَوْا إلى انْتِفاخِ أوْداجِهِ وحُمْرَةِ عَيْنَيْهِ، فَمَن حَسَّ مِن ذَلِكَ شَيْئًا فَإنْ كانَ قائِمًا فَلْيَقْعُدْ، وإنْ كانَ قاعِدًا فَلْيَضْطَجِعْ»» . وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ والبَيْهَقِيُّ عَنِ الحَسَنِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««ما مِن جَرْعَةٍ أحَبَّ إلى اللَّهِ مِن جَرْعَةِ غَيْظٍ كَظَمَها رَجُلٌ أوْ جَرْعَةِ صَبْرٍ عِنْدَ مُصِيبَةٍ، وما قَطْرَةٌ أحَبُّ إلى اللَّهِ مِن قَطْرَةِ دَمْعٍ مِن خَشْيَةِ اللَّهِ، أوْ قَطْرَةِ دَمٍ في سَبِيلِ اللَّهِ»» . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ لِأبِي بَكْرٍ: ««ثَلاثٌ كُلُّهُنَّ حَقٌّ: ما مِن أحَدٍ يُظْلَمُ مَظْلَمَةً فَيَغُضُّ عَنْها إلّا زادَهُ اللَّهُ بِها عِزًّا، وما مِن أحَدٍ يَفْتَحُ بابَ مَسْألَةٍ لِيَزْدادَ بِها كَثْرَةً إلّا زادَهُ اللَّهُ بِها قِلَّةً، وما مِن أحَدٍ يَفْتَحُ بابَ عَطِيَّةٍ أوْ صِلَةٍ إلّا زادَهُ اللَّهُ بِها كَثْرَةً»» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ والبُخارِيُّ ومُسْلِمٌ والتِّرْمِذِيُّ عَنِ ابْنِ عَمْرٍو (p-١٨)قالَ: «لَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فاحِشًا ولا مُتَفَحِّشًا، وكانَ يَقُولُ: «إنَّ مِن خِيارِكم أحاسِنَكم أخْلاقًا»» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ والبَزّارُ، وابْنُ حِبّانَ والبَيْهَقِيُّ في ”الأسْماءِ والصِّفاتِ“ عَنْ أبِي الدَّرْداءِ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: ««مَن أُعْطِيَ حَظَّهُ مِنَ الرِّفْقِ أُعْطِيَ حَظَّهُ مِنَ الخَيْرِ، ومَن حُرِمَ حَظَّهُ مِنَ الرِّفْقِ فَقَدْ حُرِمَ حَظَّهُ مِنَ الخَيْرِ» . وقالَ: «ما مِن شَيْءٍ أثْقَلُ في مِيزانِ المُؤْمِنِ يَوْمَ القِيامَةِ مِن خُلُقٍ حَسَنٍ، وإنَّ اللَّهَ يَبْغَضُ الفاحِشَ البَذِيءَ، وإنَّ صاحِبَ حُسْنِ الخُلُقِ لَيَبْلُغُ بِهِ دَرَجَةَ صاحِبِ الصَّوْمِ والصَّلاةِ»» . وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ، وابْنُ حِبّانَ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ في ”الزُّهْدِ“ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ أكْثَرِ ما يُدْخِلُ النّاسَ الجَنَّةَ فَقالَ: «تَقْوى اللَّهِ وحُسْنُ الخُلُقِ» وسُئِلَ عَنْ أكْثَرِ ما يُدْخِلُ النّاسَ النّارَ فَقالَ: «الأجْوَفانِ: الفَمُ والفَرْجُ»» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««إنَّ مِن أكْمَلِ المُؤْمِنِينَ إيمانًا أحْسَنُهم خُلُقًا وألْطَفُهم بِأهْلِهِ»» . (p-١٩)وأخْرَجَ أحْمَدُ وأبُو داوُدَ، وابْنُ حِبّانَ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ عائِشَةَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ««إنَّ المُؤْمِنَ لَيُدْرِكُ بِحُسْنِ الخُلُقِ دَرَجاتِ القائِمِ اللَّيْلَ الصّائِمِ النَّهارَ»» . وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ في ”الأوْسَطِ“ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««إنَّ اللَّهَ لَيُبَلِّغُ العَبْدَ بِحُسْنِ خُلُقِهِ دَرَجَةَ الصَّوْمِ والصَّلاةِ»» . وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ والخَرائِطِيُّ عَنْ أنَسٍ: أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: ««إنَّ العَبْدَ لَيَبْلُغُ بِحُسْنِ خُلُقِهِ عَظِيمَ دَرَجاتِ الآخِرَةِ، وشُرُفاتِ المَنازِلِ وإنَّهُ لَضَعِيفُ العِبادَةِ، وإنَّهُ لَيَبْلُغُ بِسُوءِ خُلُقِهِ أسْفَلَ دَرَجَةٍ في جَهَنَّمَ»» . وأخْرَجَ أحْمَدُ والطَّبَرانِيُّ والخَرائِطِيُّ عَنِ ابْنِ عَمْرٍو: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ««إنَّ المُسْلِمَ المُسَدَّدَ لَيُدْرِكُ دَرَجَةَ الصَّوّامِ القَوّامِ بِآياتِ اللَّهِ بِحُسْنٍ خُلُقِهِ وكَرَمِ ضَرِيبَتِهِ»» . (p-٢٠)وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا في الصَّمْتِ عَنْ صَفْوانَ بْنِ سُلَيْمٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««ألا أُخْبِرُكم بِأيْسَرِ العِبادَةِ وأهْوَنِها عَلى البَدَنِ؟ الصَّمْتُ وحُسْنُ الخُلُقِ»» . وأخْرَجَ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ المَرْوَزِيُّ في كِتابِ ”الصَّلاةِ“ عَنِ العَلاءِ بْنِ الشِّخِّيرِ «أنَّ رَجُلًا أتى النَّبِيَّ ﷺ مِن قِبَلِ وجْهِهِ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، أيُّ العَمَلِ أفْضَلُ؟ قالَ: «حُسْنُ الخُلُقِ» ثُمَّ أتاهُ عَنْ يَمِينِهِ فَقالَ: أيُّ العَمَلِ أفْضَلُ؟ قالَ: «حُسْنُ الخُلُقِ» . ثُمَّ أتاهُ عَنْ شِمالِهِ فَقالَ: أيُّ العَمَلِ أفْضَلُ؟ قالَ: «حُسْنُ الخُلُقِ» . ثُمَّ أتاهُ مِن بَعْدِهِ - يَعْنِي مِن خَلْفِهِ - فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، أيُّ العَمَلِ أفْضَلُ؟ فالتَفَتَ إلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: «ما لَكَ لا تَفْقَهُ؛ حُسْنُ الخُلُقِ أفْضَلُ، لا تَغْضَبْ إنِ اسْتَطَعْتَ»» . وأخْرَجَ أبُو داوُدَ والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ، وابْنُ ماجَهْ عَنْ أبِي أُمامَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««أنا زَعِيمٌ بِبَيْتٍ في رَبَضِ الجَنَّةِ لِمَن تَرَكَ المِراءَ وإنْ كانَ مُحِقًّا، وبِبَيْتٍ في وسَطِ الجَنَّةِ لِمَن تَرَكَ الكَذِبَ وإنْ كانَ مازِحًا، وبِبَيْتٍ في أعْلى الجَنَّةِ لِمَن حَسُنَ خُلُقُهُ»» . (p-٢١)وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ والخَرائِطِيُّ في ”مَكارِمِ الأخْلاقِ“، عَنْ جابِرٍ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: ««إنَّ مِن أحَبِّكم إلَيَّ وأقْرَبِكم مِنِّي مَجْلِسًا يَوْمَ القِيامَةِ أحْسَنُكم أخْلاقًا»» . وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ عَنْ عَمّارِ بْنِ ياسِرٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««حُسْنُ الخُلُقِ خُلُقُ اللَّهِ الأعْظَمُ»» . وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: ««أوْحى اللَّهُ إلى إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ: يا خَلِيلِي، حَسِّنْ خُلُقَكَ ولَوْ مَعَ الكُفّارِ تَدْخُلْ مَعَ الأبْرارِ؛ فَإنَّ كَلِمَتِي سَبَقَتْ لِمَن حَسُنَ خُلُقُهُ أنْ أُظِلَّهُ تَحْتَ عَرْشِي وأنْ أسْقِيَهُ مِن حَظِيرَةِ قُدْسِي، وأنْ أُدْنِيَهُ مِن جِوارِي»» . وأخْرَجَ أحْمَدُ، وابْنُ حِبّانَ عَنِ ابْنِ عَمْرٍو أنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ««ألا أُخْبِرُكم بِأحَبِّكم إلَيَّ وأقْرَبِكم مِنِّي مَجْلِسًا يَوْمَ القِيامَةِ»؟ قالُوا: نَعَمْ يا رَسُولَ اللَّهِ، قالَ: «أحْسَنُكم خُلُقًا»» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا وأبُو يَعْلى والطَّبَرانِيُّ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ عَنْ أنَسٍ قالَ: «لَقِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أبا ذَرٍّ فَقالَ: «يا أبا ذَرٍّ، ألا أدُلُّكَ عَلى خَصْلَتَيْنِ هُما أخَفُّ (p-٢٢)عَلى الظَّهْرِ وأثْقَلُ في المِيزانِ مِن غَيْرِهِما»؟ قالَ: بَلى يا رَسُولَ اللَّهِ. قالَ: «عَلَيْكَ بِحُسْنِ الخُلُقِ وطُولِ الصَّمْتِ؛ فَوالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ ما عَمِلَ الخَلائِقُ بِمِثْلِها»» . وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ بْنُ حَيّانَ في ”الثَّوابِ“ بِسَنَدٍ واهٍ، عَنْ أبِي ذَرٍّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««يا أبا ذَرٍّ، ألا أدُلُّكَ عَلى أفْضَلِ العِبادَةِ وأخَفِّها عَلى البَدَنِ وأثْقَلِها في المِيزانِ وأهْوَنِها عَلى اللِّسانِ؟ قُلْتُ: بَلى فِداكَ أبِي وأُمِّي. قالَ: عَلَيْكَ بِطُولِ الصَّمْتِ وحُسْنِ الخُلُقِ فَإنَّكَ لَسْتَ بِعامِلٍ بِمِثْلِهِما»» . وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْ أبِي الدَّرْداءِ قالَ: قالَ النَّبِيُّ ﷺ: ««يا أبا الدَّرْداءِ، ألا أُنْبِئُكَ بِأمْرَيْنِ خَفِيفٍ مُؤْنَتُهُما عَظِيمٍ أجْرُهُما، لَمْ تَلْقَ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ بِمِثْلِهِما: طُولُ الصَّمْتِ وحُسْنُ الخُلُقِ»» . وأخْرَجَ البَزّارُ، وابْنُ حِبّانَ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««ألا أُخْبِرُكم بِخِيارِكُمْ»؟ قالُوا: بَلى يا رَسُولَ اللَّهِ، قالَ: «أطْوَلُكم أعْمارًا، وأحْسَنُكم أخْلاقًا»» . وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، وابْنُ حِبّانَ عَنْ أُسامَةَ بْنِ شَرِيكٍ، «أنَّ ناسًا قالُوا: يا (p-٢٣)رَسُولَ اللَّهِ، مَن أحَبُّ عِبادِ اللَّهِ إلى اللَّهِ؟ قالَ: «أحْسَنُهم خُلُقًا»» . أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ حِبّانَ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ عَنْ أُسامَةَ بْنِ شَرِيكٍ قالَ: «قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، ما خَيْرُ ما أُعْطِيَ الإنْسانُ؟ قالَ: «خُلُقٌ حَسَنٌ»» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وأحْمَدُ والطَّبَرانِيُّ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ، عَنْ جابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««إنَّ الفُحْشَ والتَّفَحُّشَ لَيْسا مِنَ الإسْلامِ في شَيْءٍ، وإنَّ أحْسَنَ النّاسِ إسْلامًا أحْسَنُهم خُلُقًا»» . وأخْرَجَ ابْنُ حِبّانَ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والخَرائِطِيُّ في ”مَكارِمِ الأخْلاقِ“ عَنِ ابْنِ عَمْرٍو «أنَّ مُعاذَ بْنَ جَبَلٍ أرادَ سَفَرًا فَقالَ: يا نَبِيَّ اللَّهِ، أوْصِنِي. قالَ: «اعْبُدِ اللَّهَ ولا تُشْرِكْ بِهِ شَيْئًا» . قالَ: يا نَبِيَّ اللَّهِ، زِدْنِي. قالَ: «إذا أسَأْتَ فَأحْسِنْ»، قالَ: يا نَبِيَّ اللَّهِ، زِدْنِي. قالَ: «اسْتَقِمْ ولْيَحْسُنْ خُلُقُكَ»» . وأخْرَجَ أحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ والحاكِمُ وصَحَّحاهُ والخَرائِطِيُّ عَنْ أبِي ذَرٍّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««اتَّقِ اللَّهَ حَيْثُما كُنْتَ وأتْبِعِ السَّيِّئَةَ الحَسَنَةَ تَمْحُها وخالِقِ النّاسَ بِخُلُقٍ حَسَنٍ»» . (p-٢٤)وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ في ”الأوْسَطِ“ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««إنَّ هَذِهِ الأخْلاقَ مِنَ اللَّهِ، فَمَن أرادَ بِهِ خَيْرًا مَنَحَهُ خُلُقًا حَسَنًا، ومَن أرادَ بِهِ سُوءًا مَنَحَهُ خُلُقًا سَيِّئًا»» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وأحْمَدُ، وابْنُ حِبّانَ والطَّبَرانِيُّ عَنْ أبِي ثَعْلَبَةَ الخُشَنِيِّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««إنَّ أحَبَّكم إلَيَّ وأقْرَبَكم مِنِّي في الآخِرَةِ أحاسِنُكم أخْلاقًا، وإنَّ أبْغَضَكم إلَيَّ وأبْعَدَكم مِنِّي في الآخِرَةِ أسْوَأُكم أخْلاقًا، الثَّرْثارُونَ المُتَشَدِّقُونَ المُتَفَيْقِهُونَ»» . وأخْرَجَ البَزّارُ والطَّبَرانِيُّ والخَرائِطِيُّ عَنْ أنَسٍ قالَ: «قالَتْ أُمُّ حَبِيبَةَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، المَرْأةُ يَكُونُ لَها زَوْجانِ ثُمَّ تَمُوتُ فَتَدْخُلُ الجَنَّةَ هي وزَوْجاها لِأيِّهِما تَكُونُ؟ لِلْأوَّلِ أوْ لِلْآخِرِ؟ قالَ: «تُخَيَّرُ فَتَخْتارُ أحْسَنَهُما خُلُقًا كانَ مَعَها في الدُّنْيا يَكُونُ زَوْجَها في الجَنَّةِ، يا أُمَّ حَبِيبَةَ، ذَهَبَ حُسْنُ الخُلُقِ بِخَيْرِ الدُّنْيا والآخِرَةِ»» . (p-٢٥)وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ في ”الصَّغِيرِ“ عَنْ عائِشَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: ««ما مِن شَيْءٍ إلّا لَهُ تَوْبَةٌ إلّا صاحِبُ سُوءِ الخُلُقِ؛ فَإنَّهُ لا يَتُوبُ مِن ذَنْبٍ إلّا عادَ في شَرٍّ مِنهُ»» . وأخْرَجَ أبُو داوُدَ والنَّسائِيُّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ يَدْعُو: «اللَّهُمَّ إنِّي أعُوذُ بِكَ مِنَ الشِّقاقِ والنِّفاقِ وسُوءِ الأخْلاقِ»» . وأخْرَجَ الخَرائِطِيُّ عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: قالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««إنَّكَ امْرُؤٌ قَدْ حَسَّنَ اللَّهُ خُلُقَكَ فَحَسِّنْ خُلُقَكَ»» . وأخْرَجَ أحْمَدُ، والبُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، والتِّرْمِذِيُّ، وابْنُ حِبّانَ، عَنِ ابْنِ عَمْرٍو، والخَرائِطِيُّ، والخَطِيبُ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالا: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««خِيارُكم أحاسِنُكم أخْلاقًا»» . وأخْرَجَ الخَرائِطِيُّ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««لَوْ كانَ حُسْنُ الخُلُقِ رَجُلًا يَمْشِي في النّاسِ لَكانَ رَجُلًا صالِحًا»» . وأخْرَجَ الخَرائِطِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««ثَلاثٌ مَن لَمْ (p-٢٦)يَكُنَّ فِيهِ أوْ واحِدَةٌ مِنهُنَّ فَلا يُعْتَدَّنَّ بِشَيْءٍ مِن عَمَلِهِ: تَقْوى تَحْجِزُهُ عَنْ مَعاصِي اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، أوْ حِلْمٌ يَكُفُّ بِهِ السَّفِيهَ، أوْ خُلُقٌ يَعِيشُ بِهِ في النّاسِ»» . وأخْرَجَ الخَرائِطِيُّ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««اليُمْنُ حُسْنُ الخُلُقِ»» . وأخْرَجَ الخَرائِطِيُّ عَنْ إسْماعِيلَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أبِي وقاصٍ عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««مِن سَعادَةِ ابْنِ آدَمَ حُسْنُ الخُلُقِ»» . وأخْرَجَ القُضاعِيُّ في ”مُسْنَدِ الشِّهابِ“ عَنِ الحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««إنَّ أحْسَنَ الحَسَنِ الخُلُقُ الحَسَنُ»» . وأخْرَجَ الخَرائِطِيُّ عَنِ الفُضَيْلِ بْنِ عِياضٍ قالَ: إذا خالَطْتَ النّاسَ فَخالِطِ الحَسَنَ الخُلُقِ؛ فَإنَّهُ لا يَدْعُو إلّا إلى خَيْرٍ. وأخْرَجَ أحْمَدُ عَنْ عائِشَةَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ لَها: ««إنَّهُ مَن أُعْطِيَ حَظَّهُ مِنَ الرِّفْقِ فَقَدْ أُعْطِيَ حَظَّهُ مِن خَيْرِ الدُّنْيا والآخِرَةِ، ومَن حُرِمَ حَظَّهُ مِنَ الرِّفْقِ فَقَدْ حُرِمَ حَظَّهُ مِنَ الدُّنْيا والآخِرَةِ، وصِلَةُ الرَّحِمِ وحُسْنُ الخُلُقِ وحُسْنُ (p-٢٧)الجِوارِ يُعَمِّرانِ الدِّيارَ، ويَزِيدانِ في الأعْمارِ»» . وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في ”الأسْماءِ والصِّفاتِ“ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: قالَ النَّبِيُّ ﷺ: ««الرِّفْقُ يُمْنٌ، والخُرْقُ شُؤْمٌ، وإذا أرادَ اللَّهُ بِأهْلِ بَيْتٍ خَيْرًا أدْخَلَ عَلَيْهِمْ بابَ الرِّفْقِ، إنَّ الرِّفْقَ لَمْ يَكُنْ في شَيْءٍ قَطُّ إلّا زانَهُ، وإنَّ الخُرْقَ لَمْ يَكُنْ في شَيْءٍ قَطُّ إلّا شانَهُ، وإنَّ الحَياءَ مِنَ الإيمانِ، وإنَّ الإيمانَ في الجَنَّةِ، ولَوْ كانَ الحَياءُ رَجُلًا كانَ رَجُلًا صالِحًا، وإنَّ الفُحْشَ مِنَ الفُجُورِ، وإنَّ الفُجُورَ في النّارِ، ولَوْ كانَ الفُحْشُ رَجُلًا يَمْشِي في النّاسِ لَكانَ رَجُلًا سُوءًا»» . وأخْرَجَ أحْمَدُ في ”الزُّهْدِ“ عَنْ أُمِّ الدَّرْداءِ قالَتْ: باتَ أبُو الدَّرْداءِ لَيْلَةً يُصَلِّي فَجَعَلَ يَبْكِي ويَقُولُ: اللَّهُمَّ أحْسَنْتَ خَلْقِي فَأحْسِنْ خُلُقِي، حَتّى إذا أصْبَحَ فَقُلْتُ: يا أبا الدَّرْداءِ، أما كانَ دُعاؤُكَ مُنْذُ اللَّيْلَةِ إلّا في حُسْنِ الخُلُقِ؟ فَقالَ: يا أُمَّ الدَّرْداءِ، إنَّ العَبْدَ المُسْلِمَ يَحْسُنُ خُلُقُهُ حَتّى يُدْخِلَهُ حُسْنُ خُلُقِهِ الجَنَّةَ، ويَسُوءُ خُلُقُهُ حَتّى يُدْخِلَهُ سُوءُ خُلُقِهِ النّارَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««أكْمَلُ النّاسِ إيمانًا أحْسَنُهم خُلُقًا، وأفْضَلُ المُؤْمِنِينَ إيمانًا أحْسَنُهم خُلُقًا، وخِيارَكم خِيارَكم لِنِسائِهِمْ»» . (p-٢٨)وأخْرَجَ تَمامٌ في ”فَوائِدِهِ“، وابْنُ عَساكِرَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: ««خِيارُ أُمَّتِي خَمْسُمِائَةٍ، والأبْدالُ أرْبَعُونَ، فَلا الخَمْسُمِائَةِ يَنْقُصُونَ، ولا الأرْبَعُونَ يَنْقُصُونَ، وكُلَّما ماتَ بَدَلٌ أدْخَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ مِنَ الخَمْسِمِائَةِ مَكانَهُ، وأدْخَلَ في الأرْبَعِينَ مَكانَهم فَلا الخَمْسُمِائَةِ يَنْقُصُونَ، ولا الأرْبَعُونَ يَنْقُصُونَ» فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، دُلَّنا عَلى أعْمالِ هَؤُلاءِ فَقالَ: «هَؤُلاءِ يَعْفُونَ عَمَّنْ ظَلَمَهُمْ، ويُحْسِنُونَ إلى مَن أساءَ إلَيْهِمْ، ويُواسُونَ مِمّا آتاهُمُ اللَّهُ» قالَ: وتَصْدِيقُ ذَلِكَ في كِتابِ اللَّهِ: ﴿والكاظِمِينَ الغَيْظَ والعافِينَ عَنِ النّاسِ واللَّهُ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران»: ١٣٤] . وأخْرَجَ ابْنُ لالَ والدَّيْلَمِيُّ عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««رَأيْتُ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي قُصُورًا مُسْتَوِيَةً عَلى الجَنَّةِ فَقُلْتُ: يا جِبْرِيلُ، لِمَن هَذا فَقالَ: ﴿والكاظِمِينَ الغَيْظَ والعافِينَ عَنِ النّاسِ واللَّهُ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران»: ١٣٤]» .

آل عمران 3:135

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ إذا فَعَلُوا فاحِشَةً﴾ . أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قَرَأ: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ في السَّرّاءِ والضَّرّاءِ﴾ [آل عمران: ١٣٤] الآيَةَ، ثُمَّ قَرَأ: ﴿والَّذِينَ إذا فَعَلُوا فاحِشَةً﴾ الآيَةَ فَقالَ: إنَّ هَذَيْنِ النَّعْتَيْنِ لَنَعْتُ رَجُلٍ واحِدٍ. (p-٢٩)وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ في الآيَةِ قالَ: هَذانِ ذَنْبانِ، ﴿فَعَلُوا فاحِشَةً﴾ ذَنْبٌ، ﴿وظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ﴾ [سبإ: ١٩] ذَنْبٌ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ جابِرِ بْنِ زَيْدٍ في قَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ إذا فَعَلُوا فاحِشَةً﴾ قالَ: زَنى القَوْمُ ورَبِّ الكَعْبَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿فَعَلُوا فاحِشَةً﴾ قالَ: الزِّنى. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ ذُكِرَ عِنْدَهُ بَنُو إسْرائِيلَ وما فَضَّلَهُمُ اللَّهُ بِهِ فَقالَ: كانَ بَنُو إسْرائِيلَ إذا أذْنَبَ أحَدُهم ذَنْبًا أصْبَحَ وقَدْ كُتِبَتْ كَفّارَتُهُ عَلى أُسْكُفَّةِ بابِهِ، وجُعِلَتْ كَفّارَةُ ذُنُوبِكم قَوْلًا تَقُولُونَهُ تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ فَيَغْفِرُ لَكُمْ، والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَدْ أعْطانا اللَّهُ آيَةً لَهي أحَبُّ إلَيَّ مِنَ الدُّنْيا وما فِيها: ﴿والَّذِينَ إذا فَعَلُوا فاحِشَةً﴾ الآيَةَ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ والطَّبَرانِيُّ (p-٣٠)وابْنُ أبِي الدُّنْيا، وابْنُ المُنْذِرِ والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: إنَّ في كِتابِ اللَّهِ لَآيَتَيْنِ ما أذْنَبَ عَبْدٌ ذَنْبًا فَقَرَأهُما فاسْتَغْفَرَ اللَّهَ إلّا غَفَرَ لَهُ: ﴿والَّذِينَ إذا فَعَلُوا فاحِشَةً﴾ الآيَةَ، وقَوْلَهُ: ﴿ومَن يَعْمَلْ سُوءًا أوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ﴾ [النساء: ١١٠] الآيَةَ [النِّساءِ: ١١٠] . وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ ثابِتٍ البُنانِيِّ قالَ: بَلَغَنِي أنَّ إبْلِيسَ حِينَ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ بَكى: ﴿والَّذِينَ إذا فَعَلُوا فاحِشَةً﴾ الآيَةَ. وأخْرَجَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ عَطّافِ بْنِ خالِدٍ قالَ: بَلَغَنِي أنَّهُ لَمّا نَزَلَ قَوْلُهُ: ﴿ومَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلا اللَّهُ ولَمْ يُصِرُّوا عَلى ما فَعَلُوا﴾ صاحَ إبْلِيسُ بِجُنُودِهِ وحَثى عَلى رَأْسِهِ التُّرابَ ودَعا بِالوَيْلِ والثُّبُورِ حَتّى جاءَتْهُ جُنُودُهُ مِن كُلِّ بَرٍّ وبَحْرٍ، فَقالُوا: ما لَكَ يا سَيِّدَنا؟ قالَ: آيَةٌ نَزَلَتْ في كِتابِ اللَّهِ لا يَضُرُّ بَعْدَها أحَدًا مِن بَنِي آدَمَ ذَنْبٌ. قالُوا: وما هِيَ؟ فَأخْبَرَهم. قالُوا: نَفْتَحُ لَهم بابَ الأهْواءِ فَلا يَتُوبُونَ ولا يَسْتَغْفِرُونَ ولا يَرَوْنَ إلّا أنَّهم عَلى الحَقِّ، فَرَضِيَ مِنهم ذَلِكَ. وأخْرَجَ الطَّيالِسِيُّ وأحْمَدُ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وأبُو داوُدَ والتِّرْمِذِيُّ والنَّسائِيُّ (p-٣١)وابْنُ ماجَهْ، وابْنُ حِبّانَ والدّارَقُطْنِيُّ والبَزّارُ، وأبُو يَعْلى، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ السُّنِّيِّ في ”عَمَلِ اليَوْمِ واللَّيْلَةِ“، والبَيْهَقِيُّ في ”الشُّعَبِ“ عَنْ أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ««ما مِن رَجُلٍ يُذْنِبُ ذَنْبًا ثُمَّ يَقُومُ فَيَذْكُرُ ذَنْبَهُ فَيَتَطَهَّرُ ثُمَّ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ يَسْتَغْفِرُ اللَّهَ مِن ذَنْبِهِ ذَلِكَ إلّا غَفَرَ اللَّهُ لَهُ» ثُمَّ قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ: «﴿والَّذِينَ إذا فَعَلُوا فاحِشَةً أوْ ظَلَمُوا أنْفُسَهم ذَكَرُوا اللَّهَ﴾ [آل عمران»: ١٣٥] إلى آخِرَ الآيَةِ» . وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في ”الشُّعَبِ“ عَنِ الحَسَنِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««ما أذْنَبَ عَبْدٌ ذَنْبًا ثُمَّ تَوَضَّأ فَأحْسَنَ الوُضُوءَ، ثُمَّ خَرَجَ إلى بَرازٍ مِنَ الأرْضِ فَصَلّى فِيهِ رَكْعَتَيْنِ واسْتَغْفَرَ اللَّهَ مِن ذَلِكَ الذَّنْبِ إلّا غَفَرَ اللَّهُ لَهُ»» . وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ عَنْ أبِي الدَّرْداءِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: ««كُلُّ شَيْءٍ يَتَكَلَّمُ بِهِ ابْنُ آدَمَ فَإنَّهُ مَكْتُوبٌ عَلَيْهِ، فَإذا أخْطَأ خَطِيئَةً وأحَبَّ أنْ يَتُوبَ إلى اللَّهِ فَلْيَأْتِ بُقْعَةً رَفِيعَةً فَلْيَمُدَّ يَدَيْهِ إلى اللَّهِ ثُمَّ يَقُولُ: إنِّي أتُوبُ إلَيْكَ فِيها لا أرْجِعُ إلَيْها أبَدًا؛ فَإنَّهُ يُغْفَرُ لَهُ ما لَمْ يَرْجِعْ في عَمَلِهِ ذَلِكَ»» . (p-٣٢)وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في ”الشُّعَبِ“ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ««اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِنَ الَّذِينَ إذا أحْسَنُوا اسْتَبْشَرُوا، وإذا أساءُوا اسْتَغْفَرُوا»» . وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: ««أرْبَعَةٌ في حَدِيقَةٍ قُدْسِيَّةٍ في الجَنَّةِ: المُعْتَصِمُ بِلا إلَهَ إلّا اللَّهُ لا يَشُكُّ فِيها، ومَن إذا عَمِلَ حَسَنَةً سَرَّتْهُ وحَمِدَ اللَّهَ عَلَيْها، ومَن إذا عَمِلَ سَيِّئَةً ساءَتْهُ واسْتَغْفَرَ اللَّهَ مِنها، ومَن إذا أصابَتْهُ مُصِيبَةٌ قالَ: إنّا لِلَّهِ وإنّا إلَيْهِ راجِعُونَ»» . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ والبُخارِيُّ ومُسْلِمٌ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: ««إنَّ رَجُلًا أذْنَبَ ذَنْبًا فَقالَ: رَبِّ، إنِّي أذْنَبْتُ ذَنْبًا فاغْفِرْهُ. فَقالَ اللَّهُ: عَبْدِي عَمِلَ ذَنْبًا فَعَلِمَ أنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ ويَأْخُذُ بِهِ قَدْ غَفَرْتُ لِعَبْدِي. ثُمَّ عَمِلَ ذَنْبًا آخَرَ فَقالَ: رَبِّ، إنِّي عَمِلْتُ ذَنْبًا فاغْفِرْهُ. فَقالَ تَبارَكَ وتَعالى: عَلِمَ عَبْدِي أنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ ويَأْخُذُ بِهِ قَدْ غَفَرْتُ لِعَبْدِي. ثُمَّ عَمِلَ ذَنْبًا آخَرَ فَقالَ: رَبِّ، إنِّي عَمِلْتُ ذَنْبًا فاغْفِرْهُ. فَقالَ اللَّهُ: عَلِمَ عَبْدِي أنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ ويَأْخُذُ بِهِ؛ أُشْهِدُكم أنِّي قَدْ غَفَرْتُ لِعَبْدِي فَلْيَعْمَلْ ما شاءَ»» . وأخْرَجَ أحْمَدُ ومُسْلِمٌ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««لَوْ لَمْ (p-٣٣)تُذْنِبُوا لَجاءَ اللَّهُ بِقَوْمٍ يُذْنِبُونَ كَيْ يَغْفِرَ لَهُمْ»» . وأخْرَجَ أحْمَدُ عَنْ أبِي سَعِيدٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: ««قالَ إبْلِيسُ: يا رَبِّ، - وعِزَّتِكَ - لا أزالُ أُغْوِي بَنِي آدَمَ ما كانَتْ أرْواحُهم في أجْسادِهِمْ، فَقالَ اللَّهُ: وعِزَّتِي لا أزالُ أغْفِرُ لَهم ما اسْتَغْفَرُونِي»» . وأخْرَجَ أبُو يَعْلى عَنْ أبِي بَكْرٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: ««عَلَيْكم بِلا إلَهَ إلّا اللَّهُ والِاسْتِغْفارِ فَأكْثِرُوا مِنهُما؛ فَإنَّ إبْلِيسَ قالَ: أهْلَكْتُ النّاسَ بِالذُّنُوبِ وأهْلَكُونِي بِلا إلَهَ إلّا اللَّهُ والِاسْتِغْفارِ، فَلَمّا رَأيْتُ ذَلِكَ أهْلَكْتُهم بِالأهْواءِ وهم يَحْسَبُونَ أنَّهم مُهْتَدُونَ»» . وأخْرَجَ البَزّارُ والبَيْهَقِيُّ في ”الشُّعَبِ“ عَنْ أنَسٍ قالَ: «جاءَ رَجُلٌ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنِّي أذْنَبْتُ. فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إذا أذْنَبْتَ فاسْتَغْفِرْ رَبَّكَ» . قالَ: فَإنِّي أسْتَغْفِرُ ثُمَّ أعُودُ فَأُذْنِبُ، فَقالَ: «إذا أذْنَبْتَ فاسْتَغْفِرْ رَبَّكَ» ثُمَّ عادَ فَقالَ في الرّابِعَةِ: «اسْتَغْفِرْ رَبَّكَ حَتّى يَكُونَ الشَّيْطانُ هو المَحْسُورَ»» . وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عامِرٍ الجُهَنِيِّ «أنَّ رَجُلًا قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، أحَدُنا يُذْنِبُ؟ قالَ: «يُكْتَبُ عَلَيْهِ» . قالَ: ثُمَّ يَسْتَغْفِرُ مِنهُ ويَتُوبُ؟ قالَ: «يُغْفَرُ لَهُ ويُتابُ عَلَيْهِ» . قالَ: فَيَعُودُ ويُذْنِبُ؟ قالَ: «يُكْتَبُ عَلَيْهِ» . قالَ: ثُمَّ يَسْتَغْفِرُ (p-٣٤)مِنهُ ويَتُوبُ؟ قالَ: «يُغْفَرُ لَهُ ويُتابُ عَلَيْهِ» . قالَ: فَيَعُودُ ويُذْنِبُ؟ قالَ: «يُكْتَبُ عَلَيْهِ» . قالَ: ثُمَّ يَسْتَغْفِرُ مِنهُ ويَتُوبُ؟ قالَ: «يُغْفَرُ لَهُ ويُتابُ عَلَيْهِ، ولا يَمَلُّ اللَّهُ حَتّى تَمَلُّوا»» . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولَمْ يُصِرُّوا عَلى ما فَعَلُوا﴾ قالَ: لَمْ يُقِيمُوا عَلى ذَنْبٍ ﴿وهم يَعْلَمُونَ﴾ أنَّهُ يَغْفِرُ لِمَنِ اسْتَغْفَرَ ويَتُوبُ عَلى مَن تابَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ قالَ: إيّاكم والإصْرارَ؛ فَإنَّما هَلَكَ المُصِرُّونَ الماضُونَ قُدُمًا، لا يَنْهاهم مَخافَةُ اللَّهِ عَنْ حَرامٍ حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، ولا يَتُوبُونَ مِن ذَنْبٍ أصابُوهُ حَتّى أتاهُمُ المَوْتُ وهم عَلى ذَلِكَ. وأخْرَجَ أحْمَدُ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ والبُخارِيُّ في الأدَبِ المُفْرَدِ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ في ”شُعَبِ الإيمانِ“ عَنِ ابْنِ عَمْرٍو عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: ««ارْحَمُوا تُرْحَمُوا، واغْفِرُوا يُغْفَرْ لَكُمْ، ويْلٌ لِأقْماعِ القَوْلِ - يَعْنِي الآذانَ - ويْلٌ لِلْمُصِرِّينَ الَّذِينَ يُصِرُّونَ عَلى ما فَعَلُوا وهم يَعْلَمُونَ»» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا في ”التَّوْبَةِ“، والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كَلُّ (p-٣٥)ذَنْبٍ أصَرَّ عَلَيْهِ العَبْدُ كَبِيرٌ، ولَيْسَ بِكَبِيرٍ ما تابَ مِنهُ العَبْدُ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ قالَ: إتْيانُ الذَّنْبِ عَمْدًا إصْرارٌ حَتّى يَتُوبَ. وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ عَنِ الأوْزاعِيِّ قالَ: الإصْرارُ أنْ يَعْمَلَ الرَّجُلُ الذَّنْبَ فَيَحْتَقِرَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ: ﴿ولَمْ يُصِرُّوا عَلى ما فَعَلُوا﴾ فَيَسْكُتُوا ولا يَسْتَغْفِرُوا، ﴿وهم يَعْلَمُونَ﴾ أنَّهم قَدْ أذْنَبُوا ثُمَّ أقامُوا ولَمْ يَسْتَغْفِرُوا. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وأبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ، وأبُو يَعْلى، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في ”الشُّعَبِ“ عَنْ أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««ما أصَرَّ مَنِ اسْتَغْفَرَ وإنْ عادَ في اليَوْمِ سَبْعِينَ مَرَّةً»» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُقاتِلٍ: ﴿ونِعْمَ أجْرُ العامِلِينَ﴾ قالَ: أجْرُ العامِلِينَ بِطاعَةِ اللَّهِ الجَنَّةُ.

آل عمران 3:136

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ إذا فَعَلُوا فاحِشَةً﴾ . أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قَرَأ: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ في السَّرّاءِ والضَّرّاءِ﴾ [آل عمران: ١٣٤] الآيَةَ، ثُمَّ قَرَأ: ﴿والَّذِينَ إذا فَعَلُوا فاحِشَةً﴾ الآيَةَ فَقالَ: إنَّ هَذَيْنِ النَّعْتَيْنِ لَنَعْتُ رَجُلٍ واحِدٍ. (p-٢٩)وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ في الآيَةِ قالَ: هَذانِ ذَنْبانِ، ﴿فَعَلُوا فاحِشَةً﴾ ذَنْبٌ، ﴿وظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ﴾ [سبإ: ١٩] ذَنْبٌ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ جابِرِ بْنِ زَيْدٍ في قَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ إذا فَعَلُوا فاحِشَةً﴾ قالَ: زَنى القَوْمُ ورَبِّ الكَعْبَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿فَعَلُوا فاحِشَةً﴾ قالَ: الزِّنى. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ ذُكِرَ عِنْدَهُ بَنُو إسْرائِيلَ وما فَضَّلَهُمُ اللَّهُ بِهِ فَقالَ: كانَ بَنُو إسْرائِيلَ إذا أذْنَبَ أحَدُهم ذَنْبًا أصْبَحَ وقَدْ كُتِبَتْ كَفّارَتُهُ عَلى أُسْكُفَّةِ بابِهِ، وجُعِلَتْ كَفّارَةُ ذُنُوبِكم قَوْلًا تَقُولُونَهُ تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ فَيَغْفِرُ لَكُمْ، والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَدْ أعْطانا اللَّهُ آيَةً لَهي أحَبُّ إلَيَّ مِنَ الدُّنْيا وما فِيها: ﴿والَّذِينَ إذا فَعَلُوا فاحِشَةً﴾ الآيَةَ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ والطَّبَرانِيُّ (p-٣٠)وابْنُ أبِي الدُّنْيا، وابْنُ المُنْذِرِ والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: إنَّ في كِتابِ اللَّهِ لَآيَتَيْنِ ما أذْنَبَ عَبْدٌ ذَنْبًا فَقَرَأهُما فاسْتَغْفَرَ اللَّهَ إلّا غَفَرَ لَهُ: ﴿والَّذِينَ إذا فَعَلُوا فاحِشَةً﴾ الآيَةَ، وقَوْلَهُ: ﴿ومَن يَعْمَلْ سُوءًا أوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ﴾ [النساء: ١١٠] الآيَةَ [النِّساءِ: ١١٠] . وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ ثابِتٍ البُنانِيِّ قالَ: بَلَغَنِي أنَّ إبْلِيسَ حِينَ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ بَكى: ﴿والَّذِينَ إذا فَعَلُوا فاحِشَةً﴾ الآيَةَ. وأخْرَجَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ عَطّافِ بْنِ خالِدٍ قالَ: بَلَغَنِي أنَّهُ لَمّا نَزَلَ قَوْلُهُ: ﴿ومَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلا اللَّهُ ولَمْ يُصِرُّوا عَلى ما فَعَلُوا﴾ صاحَ إبْلِيسُ بِجُنُودِهِ وحَثى عَلى رَأْسِهِ التُّرابَ ودَعا بِالوَيْلِ والثُّبُورِ حَتّى جاءَتْهُ جُنُودُهُ مِن كُلِّ بَرٍّ وبَحْرٍ، فَقالُوا: ما لَكَ يا سَيِّدَنا؟ قالَ: آيَةٌ نَزَلَتْ في كِتابِ اللَّهِ لا يَضُرُّ بَعْدَها أحَدًا مِن بَنِي آدَمَ ذَنْبٌ. قالُوا: وما هِيَ؟ فَأخْبَرَهم. قالُوا: نَفْتَحُ لَهم بابَ الأهْواءِ فَلا يَتُوبُونَ ولا يَسْتَغْفِرُونَ ولا يَرَوْنَ إلّا أنَّهم عَلى الحَقِّ، فَرَضِيَ مِنهم ذَلِكَ. وأخْرَجَ الطَّيالِسِيُّ وأحْمَدُ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وأبُو داوُدَ والتِّرْمِذِيُّ والنَّسائِيُّ (p-٣١)وابْنُ ماجَهْ، وابْنُ حِبّانَ والدّارَقُطْنِيُّ والبَزّارُ، وأبُو يَعْلى، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ وابْنُ السُّنِّيِّ في ”عَمَلِ اليَوْمِ واللَّيْلَةِ“، والبَيْهَقِيُّ في ”الشُّعَبِ“ عَنْ أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ««ما مِن رَجُلٍ يُذْنِبُ ذَنْبًا ثُمَّ يَقُومُ فَيَذْكُرُ ذَنْبَهُ فَيَتَطَهَّرُ ثُمَّ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ يَسْتَغْفِرُ اللَّهَ مِن ذَنْبِهِ ذَلِكَ إلّا غَفَرَ اللَّهُ لَهُ» ثُمَّ قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ: «﴿والَّذِينَ إذا فَعَلُوا فاحِشَةً أوْ ظَلَمُوا أنْفُسَهم ذَكَرُوا اللَّهَ﴾ [آل عمران»: ١٣٥] إلى آخِرَ الآيَةِ» . وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في ”الشُّعَبِ“ عَنِ الحَسَنِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««ما أذْنَبَ عَبْدٌ ذَنْبًا ثُمَّ تَوَضَّأ فَأحْسَنَ الوُضُوءَ، ثُمَّ خَرَجَ إلى بَرازٍ مِنَ الأرْضِ فَصَلّى فِيهِ رَكْعَتَيْنِ واسْتَغْفَرَ اللَّهَ مِن ذَلِكَ الذَّنْبِ إلّا غَفَرَ اللَّهُ لَهُ»» . وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ عَنْ أبِي الدَّرْداءِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: ««كُلُّ شَيْءٍ يَتَكَلَّمُ بِهِ ابْنُ آدَمَ فَإنَّهُ مَكْتُوبٌ عَلَيْهِ، فَإذا أخْطَأ خَطِيئَةً وأحَبَّ أنْ يَتُوبَ إلى اللَّهِ فَلْيَأْتِ بُقْعَةً رَفِيعَةً فَلْيَمُدَّ يَدَيْهِ إلى اللَّهِ ثُمَّ يَقُولُ: إنِّي أتُوبُ إلَيْكَ فِيها لا أرْجِعُ إلَيْها أبَدًا؛ فَإنَّهُ يُغْفَرُ لَهُ ما لَمْ يَرْجِعْ في عَمَلِهِ ذَلِكَ»» . (p-٣٢)وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في ”الشُّعَبِ“ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ««اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِنَ الَّذِينَ إذا أحْسَنُوا اسْتَبْشَرُوا، وإذا أساءُوا اسْتَغْفَرُوا»» . وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: ««أرْبَعَةٌ في حَدِيقَةٍ قُدْسِيَّةٍ في الجَنَّةِ: المُعْتَصِمُ بِلا إلَهَ إلّا اللَّهُ لا يَشُكُّ فِيها، ومَن إذا عَمِلَ حَسَنَةً سَرَّتْهُ وحَمِدَ اللَّهَ عَلَيْها، ومَن إذا عَمِلَ سَيِّئَةً ساءَتْهُ واسْتَغْفَرَ اللَّهَ مِنها، ومَن إذا أصابَتْهُ مُصِيبَةٌ قالَ: إنّا لِلَّهِ وإنّا إلَيْهِ راجِعُونَ»» . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ والبُخارِيُّ ومُسْلِمٌ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: ««إنَّ رَجُلًا أذْنَبَ ذَنْبًا فَقالَ: رَبِّ، إنِّي أذْنَبْتُ ذَنْبًا فاغْفِرْهُ. فَقالَ اللَّهُ: عَبْدِي عَمِلَ ذَنْبًا فَعَلِمَ أنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ ويَأْخُذُ بِهِ قَدْ غَفَرْتُ لِعَبْدِي. ثُمَّ عَمِلَ ذَنْبًا آخَرَ فَقالَ: رَبِّ، إنِّي عَمِلْتُ ذَنْبًا فاغْفِرْهُ. فَقالَ تَبارَكَ وتَعالى: عَلِمَ عَبْدِي أنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ ويَأْخُذُ بِهِ قَدْ غَفَرْتُ لِعَبْدِي. ثُمَّ عَمِلَ ذَنْبًا آخَرَ فَقالَ: رَبِّ، إنِّي عَمِلْتُ ذَنْبًا فاغْفِرْهُ. فَقالَ اللَّهُ: عَلِمَ عَبْدِي أنَّ لَهُ رَبًّا يَغْفِرُ الذَّنْبَ ويَأْخُذُ بِهِ؛ أُشْهِدُكم أنِّي قَدْ غَفَرْتُ لِعَبْدِي فَلْيَعْمَلْ ما شاءَ»» . وأخْرَجَ أحْمَدُ ومُسْلِمٌ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««لَوْ لَمْ (p-٣٣)تُذْنِبُوا لَجاءَ اللَّهُ بِقَوْمٍ يُذْنِبُونَ كَيْ يَغْفِرَ لَهُمْ»» . وأخْرَجَ أحْمَدُ عَنْ أبِي سَعِيدٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: ««قالَ إبْلِيسُ: يا رَبِّ، - وعِزَّتِكَ - لا أزالُ أُغْوِي بَنِي آدَمَ ما كانَتْ أرْواحُهم في أجْسادِهِمْ، فَقالَ اللَّهُ: وعِزَّتِي لا أزالُ أغْفِرُ لَهم ما اسْتَغْفَرُونِي»» . وأخْرَجَ أبُو يَعْلى عَنْ أبِي بَكْرٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: ««عَلَيْكم بِلا إلَهَ إلّا اللَّهُ والِاسْتِغْفارِ فَأكْثِرُوا مِنهُما؛ فَإنَّ إبْلِيسَ قالَ: أهْلَكْتُ النّاسَ بِالذُّنُوبِ وأهْلَكُونِي بِلا إلَهَ إلّا اللَّهُ والِاسْتِغْفارِ، فَلَمّا رَأيْتُ ذَلِكَ أهْلَكْتُهم بِالأهْواءِ وهم يَحْسَبُونَ أنَّهم مُهْتَدُونَ»» . وأخْرَجَ البَزّارُ والبَيْهَقِيُّ في ”الشُّعَبِ“ عَنْ أنَسٍ قالَ: «جاءَ رَجُلٌ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنِّي أذْنَبْتُ. فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إذا أذْنَبْتَ فاسْتَغْفِرْ رَبَّكَ» . قالَ: فَإنِّي أسْتَغْفِرُ ثُمَّ أعُودُ فَأُذْنِبُ، فَقالَ: «إذا أذْنَبْتَ فاسْتَغْفِرْ رَبَّكَ» ثُمَّ عادَ فَقالَ في الرّابِعَةِ: «اسْتَغْفِرْ رَبَّكَ حَتّى يَكُونَ الشَّيْطانُ هو المَحْسُورَ»» . وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عامِرٍ الجُهَنِيِّ «أنَّ رَجُلًا قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، أحَدُنا يُذْنِبُ؟ قالَ: «يُكْتَبُ عَلَيْهِ» . قالَ: ثُمَّ يَسْتَغْفِرُ مِنهُ ويَتُوبُ؟ قالَ: «يُغْفَرُ لَهُ ويُتابُ عَلَيْهِ» . قالَ: فَيَعُودُ ويُذْنِبُ؟ قالَ: «يُكْتَبُ عَلَيْهِ» . قالَ: ثُمَّ يَسْتَغْفِرُ (p-٣٤)مِنهُ ويَتُوبُ؟ قالَ: «يُغْفَرُ لَهُ ويُتابُ عَلَيْهِ» . قالَ: فَيَعُودُ ويُذْنِبُ؟ قالَ: «يُكْتَبُ عَلَيْهِ» . قالَ: ثُمَّ يَسْتَغْفِرُ مِنهُ ويَتُوبُ؟ قالَ: «يُغْفَرُ لَهُ ويُتابُ عَلَيْهِ، ولا يَمَلُّ اللَّهُ حَتّى تَمَلُّوا»» . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولَمْ يُصِرُّوا عَلى ما فَعَلُوا﴾ قالَ: لَمْ يُقِيمُوا عَلى ذَنْبٍ ﴿وهم يَعْلَمُونَ﴾ أنَّهُ يَغْفِرُ لِمَنِ اسْتَغْفَرَ ويَتُوبُ عَلى مَن تابَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ قالَ: إيّاكم والإصْرارَ؛ فَإنَّما هَلَكَ المُصِرُّونَ الماضُونَ قُدُمًا، لا يَنْهاهم مَخافَةُ اللَّهِ عَنْ حَرامٍ حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، ولا يَتُوبُونَ مِن ذَنْبٍ أصابُوهُ حَتّى أتاهُمُ المَوْتُ وهم عَلى ذَلِكَ. وأخْرَجَ أحْمَدُ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ والبُخارِيُّ في الأدَبِ المُفْرَدِ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ في ”شُعَبِ الإيمانِ“ عَنِ ابْنِ عَمْرٍو عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: ««ارْحَمُوا تُرْحَمُوا، واغْفِرُوا يُغْفَرْ لَكُمْ، ويْلٌ لِأقْماعِ القَوْلِ - يَعْنِي الآذانَ - ويْلٌ لِلْمُصِرِّينَ الَّذِينَ يُصِرُّونَ عَلى ما فَعَلُوا وهم يَعْلَمُونَ»» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا في ”التَّوْبَةِ“، والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كَلُّ (p-٣٥)ذَنْبٍ أصَرَّ عَلَيْهِ العَبْدُ كَبِيرٌ، ولَيْسَ بِكَبِيرٍ ما تابَ مِنهُ العَبْدُ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ قالَ: إتْيانُ الذَّنْبِ عَمْدًا إصْرارٌ حَتّى يَتُوبَ. وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ عَنِ الأوْزاعِيِّ قالَ: الإصْرارُ أنْ يَعْمَلَ الرَّجُلُ الذَّنْبَ فَيَحْتَقِرَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ: ﴿ولَمْ يُصِرُّوا عَلى ما فَعَلُوا﴾ فَيَسْكُتُوا ولا يَسْتَغْفِرُوا، ﴿وهم يَعْلَمُونَ﴾ أنَّهم قَدْ أذْنَبُوا ثُمَّ أقامُوا ولَمْ يَسْتَغْفِرُوا. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وأبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ، وأبُو يَعْلى، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في ”الشُّعَبِ“ عَنْ أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««ما أصَرَّ مَنِ اسْتَغْفَرَ وإنْ عادَ في اليَوْمِ سَبْعِينَ مَرَّةً»» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُقاتِلٍ: ﴿ونِعْمَ أجْرُ العامِلِينَ﴾ قالَ: أجْرُ العامِلِينَ بِطاعَةِ اللَّهِ الجَنَّةُ.

آل عمران 3:137

(p-٣٦)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ﴾ الآيَةَ. أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي مالِكٍ في قَوْلِهِ: ﴿قَدْ خَلَتْ﴾ يَعْنِي: مَضَتْ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكم سُنَنٌ﴾ يَعْنِي: تَداوُلٌ مِنَ الكُفّارِ والمُؤْمِنِينَ في الخَيْرِ والشَّرِّ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿فانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُكَذِّبِينَ﴾ قالَ: عاقِبَةُ الأوَّلِينَ والأُمَمِ قَبْلَكُمْ، كانَ سُوءُ عاقِبَتِهِمْ مَتَّعَهُمُ اللَّهُ قَلِيلًا، ثُمَّ صارُوا إلى النّارِ.

آل عمران 3:138

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَذا بَيانٌ لِلنّاسِ﴾ الآيَةَ. أخْرَجَ ابْنُ أشْتَةَ في كِتابِ ”المَصاحِفِ“ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: أوَّلُ ما نَزَلَ مِن آلِ عِمْرانَ: ﴿هَذا بَيانٌ لِلنّاسِ وهُدًى ومَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ﴾ ثُمَّ أُنْزِلَتْ بَقِيَّتُها يَوْمَ أُحُدٍ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿هَذا بَيانٌ لِلنّاسِ﴾ قالَ: هَذا القُرْآنُ. (p-٣٧)وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿هَذا بَيانٌ﴾ الآيَةَ. قالَ: هو هَذا القُرْآنُ، جَعَلَهُ اللَّهُ بَيانًا لِلنّاسِ عامَّةً، وهُدًى ومَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ خُصُوصًا. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ في الآيَةِ قالَ: بَيانٌ مِنَ العَمى، وهُدًى مِنَ الضَّلالَةِ، ومَوْعِظَةً مِنَ الجَهْلِ.

آل عمران 3:139

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَهِنُوا﴾ الآيَةَ. أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ قالَ: كَثُرَ في أصْحابِ مُحَمَّدٍ ﷺ القَتْلُ والجِراحُ حَتّى خَلَصَ إلى كُلٍّ امْرِئٍ مِنهُمُ اليَأْسُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ القُرْآنَ فَآسى فِيهِ بَيْنَ المُؤْمِنِينَ بِأحْسَنِ ما آسى بِهِ قَوْمًا كانُوا قَبْلَهم مِنَ الأُمَمِ الماضِيَةِ فَقالَ: ﴿ولا تَهِنُوا ولا تَحْزَنُوا﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ القَتْلُ إلى مَضاجِعِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٥٤] [آلِ عِمْرانَ: ١٥٤] . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ مِن طَرِيقِ العَوْفِيِّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «أقْبَلَ خالِدُ بْنُ الوَلِيدِ يُرِيدُ أنْ يَعْلُوَ عَلَيْهِمُ الجَبَلَ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: «اللَّهُمَّ لا يَعْلُونَ عَلَيْنا» فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿ولا تَهِنُوا ولا تَحْزَنُوا وأنْتُمُ الأعْلَوْنَ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران»: ١٣٩] . (p-٣٨)وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قالَ: «انْهَزَمَ أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في الشِّعْبِ يَوْمَ أُحُدٍ، فَسَألُوا ما فَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ وما فَعَلَ فُلانٌ، فَنَعى بَعْضُهم لِبَعْضٍ، وتَحَدَّثُوا أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قُتِلَ، فَكانُوا في هَمٍّ وحُزْنٍ، فَبَيْنَما هم كَذَلِكَ عَلا خالِدُ بْنُ الوَلِيدِ بِخَيْلِ المُشْرِكِينَ فَوْقَهم عَلى الجَبَلِ، وكانَ عَلى أُحُدٍ مُجَنِّبَتَيِ المُشْرِكِينَ وهم أسْفَلَ مِنَ الشِّعْبِ، فَلَمّا رَأوُا النَّبِيَّ ﷺ فَرِحُوا فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: «اللَّهُمَّ لا قُوَّةَ لَنا إلّا بِكَ، ولَيْسَ أحَدٌ يَعْبُدُكَ بِهَذا البَلَدِ غَيْرَ هَؤُلاءِ النَّفَرِ، فَلا تُهْلِكْهُمْ» وثابَ نَفَرٌ مِنَ المُسْلِمِينَ رُماةٌ، فَصَعِدُوا فَرَمُوا خَيْلَ المُشْرِكِينَ حَتّى هَزَمَهُمُ اللَّهُ وعَلا المُسْلِمُونَ الجَبَلَ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وأنْتُمُ الأعْلَوْنَ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران»: ١٣٩] . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ ﴿ولا تَهِنُوا﴾ قالَ: لا تَضْعُفُوا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الضَّحّاكِ ﴿وأنْتُمُ الأعْلَوْنَ﴾ قالَ: وأنْتُمُ الغالِبُونَ.

آل عمران 3:140

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ يَمْسَسْكم قَرْحٌ﴾ الآيَةَ. أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ مِن طَرِيقِ العَوْفِيِّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿إنْ يَمْسَسْكُمْ﴾ قالَ: إنْ يُصِبْكم. (p-٣٩)وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ عاصِمٍ أنَّهُ قَرَأ: (إنْ يَمْسَسْكم قُرْحٌ فَقَدْ مَسَّ القَوْمَ قُرْحٌ مِثْلُهُ) بِرَفْعِ القافِ فِيهِما. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ ﴿إنْ يَمْسَسْكم قَرْحٌ﴾ قالَ: جِراحٌ وقَتْلٌ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿إنْ يَمْسَسْكم قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ القَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ﴾ قالَ: إنْ يُقْتَلْ مِنكم يَوْمَ أُحُدٍ فَقَدْ قَتَلْتُمْ مِنهم يَوْمَ بَدْرٍ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نامَ المُسْلِمُونَ وبِهِمُ الكُلُومُ - يَعْنِي يَوْمَ أُحُدٍ - قالَ عِكْرِمَةُ: وفِيهِمْ أُنْزِلَتْ: ﴿إنْ يَمْسَسْكم قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ القَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وتِلْكَ الأيّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النّاسِ﴾ وفِيهِمْ أُنْزِلَتْ: ﴿إنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإنَّهم يَأْلَمُونَ كَما تَأْلَمُونَ﴾ [النساء: ١٠٤] [النِّساءِ: ١٠٤] . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ العَوْفِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿وتِلْكَ الأيّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النّاسِ﴾ فَإنَّهُ كانَ يَوْمُ أُحُدٍ بِيَوْمِ بَدْرٍ، قُتِلَ المُؤْمِنُونَ يَوْمَ أُحُدٍ، اتَّخَذَ اللَّهُ مِنهم شُهَداءَ وغَلَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ المُشْرِكِينَ يَوْمَ (p-٤٠)بَدْرٍ فَجَعَلَ لَهُ الدَّوْلَةَ عَلَيْهِمْ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ مِن طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿وتِلْكَ الأيّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النّاسِ﴾ قالَ: فَإنَّهُ أدالَ المُشْرِكِينَ عَلى النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ أُحُدٍ، وبَلَغَنِي أنَّ المُشْرِكِينَ قَتَلُوا مِنَ المُسْلِمِينَ يَوْمَ أُحُدٍ بِضْعَةً وسَبْعِينَ رَجُلًا، عَدَدَ الأُسارى الَّذِينَ أُسِرُوا يَوْمَ بَدْرٍ مِنَ المُشْرِكِينَ، وكانَ عَدَدُ الأُسارى ثَلاثَةً وسَبْعِينَ رَجُلًا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ: ﴿وتِلْكَ الأيّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النّاسِ﴾ قالَ: جَعَلَ اللَّهُ الأيّامَ دُوَلًا، مَرَّةً لِهَؤُلاءِ ومَرَّةً لِهَؤُلاءِ، أدالَ الكُفّارَ يَوْمَ أُحُدٍ مِن أصْحابِ النَّبِيِّ ﷺ . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ في الآيَةِ قالَ: واللَّهِ لَوْلا الدُّوَلُ ما أوْدى المُؤْمِنُونَ، ولَكِنْ قَدْ يُدالُ لِلْكافِرِ مِنَ المُؤْمِنِ ويُبْتَلى المُؤْمِنُ بِالكافِرِ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يُطِيعُهُ مِمَّنْ يَعْصِيهِ ويَعْلَمَ الصّادِقَ مِنَ الكاذِبِ. وأخْرَجَ عَنِ السُّدِّيِّ ﴿وتِلْكَ الأيّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النّاسِ﴾ يَوْمًا لَكم ويَوْمًا عَلَيْكم. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ (p-٤١)﴿وتِلْكَ الأيّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النّاسِ﴾ يَعْنِي الأُمَراءَ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ أبِي جَعْفَرٍ قالَ: إنَّ لِلْحَقِّ دَوْلَةً، وإنَّ لِلْباطِلِ دَوْلَةً مِن دَوْلَةِ الحَقِّ، إنَّ إبْلِيسَ أُمِرَ بِالسُّجُودِ لِآدَمَ فَأُدِيلَ آدَمُ عَلى إبْلِيسٍ، وابْتُلِيَ آدَمُ بِالشَّجَرَةِ فَأكَلَ مِنها، فَأُدِيلَ إبْلِيسُ عَلى آدَمَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ مِن طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿ولِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا ويَتَّخِذَ مِنكم شُهَداءَ﴾ قالَ: إنَّ المُسْلِمِينَ كانُوا يَسْألُونَ رَبَّهم: اللَّهُمَّ رَبَّنا أرِنا يَوْمًا كَيَوْمِ بَدْرٍ، نُقاتِلُ فِيهِ المُشْرِكِينَ ونُبْلِيكَ فِيهِ خَيْرًا، ونَلْتَمِسُ فِيهِ الشَّهادَةَ، فَلَقُوا المُشْرِكِينَ يَوْمَ أُحُدٍ فاتَّخَذَ مِنهم شُهَداءَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ الضَّحّاكِ في الآيَةِ قالَ: كانَ المُسْلِمُونَ يَسْألُونَ رَبَّهم أنْ يُرِيَهم يَوْمًا كَيَوْمِ بَدْرٍ يَبْلُونَ فِيهِ خَيْرًا ويُرْزَقُونَ فِيهِ الشَّهادَةَ، ويُرْزَقُونَ الجَنَّةَ والحَياةَ والرِّزْقَ، فَلَقُوا المُشْرِكِينَ يَوْمَ أُحُدٍ فاتَّخَذَ اللَّهُ مِنهم شُهَداءَ، وهُمُ الَّذِينَ ذَكَرَهُمُ اللَّهُ تَعالى فَقالَ: ﴿ولا تَقُولُوا لِمَن يُقْتَلُ في سَبِيلِ اللَّهِ أمْواتٌ﴾ [البقرة: ١٥٤] الآيَةَ [البَقَرَةِ: ١٥٤] . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ: ﴿ولِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا ويَتَّخِذَ مِنكم شُهَداءَ﴾ قالَ: يُكْرِمُ اللَّهُ أوْلِياءَهُ (p-٤٢)بِالشَّهادَةِ بِأيْدِي عَدُوِّهِمْ ثُمَّ تَصِيرُ حَواصِلُ الأُمُورِ وعَواقِبُها لِأهْلِ طاعَةِ اللَّهِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عُبَيْدَةَ: ﴿ولِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا ويَتَّخِذَ مِنكم شُهَداءَ﴾ يَقُولُ: إلّا يُقْتَلُوا لا يَكُونُوا شُهَداءَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي الضُّحى قالَ: نَزَلَتْ: ﴿ويَتَّخِذَ مِنكم شُهَداءَ﴾ فَقُتِلَ مِنهم يَوْمَئِذٍ سَبْعُونَ، مِنهم أرْبَعَةٌ مِنَ المُهاجِرِينَ: مِنهم حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ، ومُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ أخُو بَنِي عَبْدِ الدّارِ، والشَّمّاسُ بْنُ عُثْمانَ المَخْزُومِيُّ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَحْشٍ الأسَدِيُّ وسائِرُهم مِنَ الأنْصارِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: لَمّا أبْطَأ عَلى النِّساءِ الخَبَرُ خَرَجْنَ يَسْتَخْبِرْنَ فَإذا رَجُلانِ مَقْتُولانِ عَلى دابَّةٍ أوْ عَلى بِعِيرٍ فَقالَتِ امْرَأةٌ مِنَ الأنْصارِ: مَن هَذانِ؟ قالُوا: فُلانٌ وفُلانٌ، أخُوها وزَوْجُها، أوْ زَوْجُها وابْنُها. فَقالَتْ: ما فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ؟ قالُوا: حَيٌّ. قالَتْ: فَلا أُبالِي يَتَّخِذُ اللَّهُ مِن عِبادِهِ الشُّهَداءَ، ونَزَلَ القُرْآنُ عَلى ما قالَتْ: ﴿ويَتَّخِذَ مِنكم شُهَداءَ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿ولِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ قالَ: يَبْتَلِيهِمْ ﴿ويَمْحَقَ الكافِرِينَ﴾ قالَ: يَنْقُصَهم. (p-٤٣)وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، أنَّهُ كانَ إذا تَلا هَذِهِ الآيَةَ قالَ: اللَّهُمَّ مَحِّصْنا ولا تَجْعَلْنا كافِرِينَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ إسْحاقَ: ﴿أمْ حَسِبْتُمْ أنْ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ﴾ وتُصِيبُوا مِن ثَوابِي الكَرامَةَ ﴿ولَمّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنكُمْ﴾ يَقُولُ: ولَمْ أخْتَبِرْكم بِالشِّدَّةِ، وأبْتَلِيَكم بِالمَكارِهِ حَتّى أعْلَمَ صِدْقَ ذَلِكَ مِنكُمْ؛ الإيمانُ بِي والصَّبْرُ عَلى ما أصابَكم فِيَّ.

آل عمران 3:141

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ يَمْسَسْكم قَرْحٌ﴾ الآيَةَ. أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ مِن طَرِيقِ العَوْفِيِّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿إنْ يَمْسَسْكُمْ﴾ قالَ: إنْ يُصِبْكم. (p-٣٩)وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ عاصِمٍ أنَّهُ قَرَأ: (إنْ يَمْسَسْكم قُرْحٌ فَقَدْ مَسَّ القَوْمَ قُرْحٌ مِثْلُهُ) بِرَفْعِ القافِ فِيهِما. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ ﴿إنْ يَمْسَسْكم قَرْحٌ﴾ قالَ: جِراحٌ وقَتْلٌ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿إنْ يَمْسَسْكم قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ القَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ﴾ قالَ: إنْ يُقْتَلْ مِنكم يَوْمَ أُحُدٍ فَقَدْ قَتَلْتُمْ مِنهم يَوْمَ بَدْرٍ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نامَ المُسْلِمُونَ وبِهِمُ الكُلُومُ - يَعْنِي يَوْمَ أُحُدٍ - قالَ عِكْرِمَةُ: وفِيهِمْ أُنْزِلَتْ: ﴿إنْ يَمْسَسْكم قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ القَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وتِلْكَ الأيّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النّاسِ﴾ وفِيهِمْ أُنْزِلَتْ: ﴿إنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإنَّهم يَأْلَمُونَ كَما تَأْلَمُونَ﴾ [النساء: ١٠٤] [النِّساءِ: ١٠٤] . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ العَوْفِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿وتِلْكَ الأيّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النّاسِ﴾ فَإنَّهُ كانَ يَوْمُ أُحُدٍ بِيَوْمِ بَدْرٍ، قُتِلَ المُؤْمِنُونَ يَوْمَ أُحُدٍ، اتَّخَذَ اللَّهُ مِنهم شُهَداءَ وغَلَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ المُشْرِكِينَ يَوْمَ (p-٤٠)بَدْرٍ فَجَعَلَ لَهُ الدَّوْلَةَ عَلَيْهِمْ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ مِن طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿وتِلْكَ الأيّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النّاسِ﴾ قالَ: فَإنَّهُ أدالَ المُشْرِكِينَ عَلى النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ أُحُدٍ، وبَلَغَنِي أنَّ المُشْرِكِينَ قَتَلُوا مِنَ المُسْلِمِينَ يَوْمَ أُحُدٍ بِضْعَةً وسَبْعِينَ رَجُلًا، عَدَدَ الأُسارى الَّذِينَ أُسِرُوا يَوْمَ بَدْرٍ مِنَ المُشْرِكِينَ، وكانَ عَدَدُ الأُسارى ثَلاثَةً وسَبْعِينَ رَجُلًا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ: ﴿وتِلْكَ الأيّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النّاسِ﴾ قالَ: جَعَلَ اللَّهُ الأيّامَ دُوَلًا، مَرَّةً لِهَؤُلاءِ ومَرَّةً لِهَؤُلاءِ، أدالَ الكُفّارَ يَوْمَ أُحُدٍ مِن أصْحابِ النَّبِيِّ ﷺ . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ في الآيَةِ قالَ: واللَّهِ لَوْلا الدُّوَلُ ما أوْدى المُؤْمِنُونَ، ولَكِنْ قَدْ يُدالُ لِلْكافِرِ مِنَ المُؤْمِنِ ويُبْتَلى المُؤْمِنُ بِالكافِرِ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يُطِيعُهُ مِمَّنْ يَعْصِيهِ ويَعْلَمَ الصّادِقَ مِنَ الكاذِبِ. وأخْرَجَ عَنِ السُّدِّيِّ ﴿وتِلْكَ الأيّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النّاسِ﴾ يَوْمًا لَكم ويَوْمًا عَلَيْكم. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ (p-٤١)﴿وتِلْكَ الأيّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النّاسِ﴾ يَعْنِي الأُمَراءَ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ أبِي جَعْفَرٍ قالَ: إنَّ لِلْحَقِّ دَوْلَةً، وإنَّ لِلْباطِلِ دَوْلَةً مِن دَوْلَةِ الحَقِّ، إنَّ إبْلِيسَ أُمِرَ بِالسُّجُودِ لِآدَمَ فَأُدِيلَ آدَمُ عَلى إبْلِيسٍ، وابْتُلِيَ آدَمُ بِالشَّجَرَةِ فَأكَلَ مِنها، فَأُدِيلَ إبْلِيسُ عَلى آدَمَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ مِن طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿ولِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا ويَتَّخِذَ مِنكم شُهَداءَ﴾ قالَ: إنَّ المُسْلِمِينَ كانُوا يَسْألُونَ رَبَّهم: اللَّهُمَّ رَبَّنا أرِنا يَوْمًا كَيَوْمِ بَدْرٍ، نُقاتِلُ فِيهِ المُشْرِكِينَ ونُبْلِيكَ فِيهِ خَيْرًا، ونَلْتَمِسُ فِيهِ الشَّهادَةَ، فَلَقُوا المُشْرِكِينَ يَوْمَ أُحُدٍ فاتَّخَذَ مِنهم شُهَداءَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ الضَّحّاكِ في الآيَةِ قالَ: كانَ المُسْلِمُونَ يَسْألُونَ رَبَّهم أنْ يُرِيَهم يَوْمًا كَيَوْمِ بَدْرٍ يَبْلُونَ فِيهِ خَيْرًا ويُرْزَقُونَ فِيهِ الشَّهادَةَ، ويُرْزَقُونَ الجَنَّةَ والحَياةَ والرِّزْقَ، فَلَقُوا المُشْرِكِينَ يَوْمَ أُحُدٍ فاتَّخَذَ اللَّهُ مِنهم شُهَداءَ، وهُمُ الَّذِينَ ذَكَرَهُمُ اللَّهُ تَعالى فَقالَ: ﴿ولا تَقُولُوا لِمَن يُقْتَلُ في سَبِيلِ اللَّهِ أمْواتٌ﴾ [البقرة: ١٥٤] الآيَةَ [البَقَرَةِ: ١٥٤] . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ: ﴿ولِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا ويَتَّخِذَ مِنكم شُهَداءَ﴾ قالَ: يُكْرِمُ اللَّهُ أوْلِياءَهُ (p-٤٢)بِالشَّهادَةِ بِأيْدِي عَدُوِّهِمْ ثُمَّ تَصِيرُ حَواصِلُ الأُمُورِ وعَواقِبُها لِأهْلِ طاعَةِ اللَّهِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عُبَيْدَةَ: ﴿ولِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا ويَتَّخِذَ مِنكم شُهَداءَ﴾ يَقُولُ: إلّا يُقْتَلُوا لا يَكُونُوا شُهَداءَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي الضُّحى قالَ: نَزَلَتْ: ﴿ويَتَّخِذَ مِنكم شُهَداءَ﴾ فَقُتِلَ مِنهم يَوْمَئِذٍ سَبْعُونَ، مِنهم أرْبَعَةٌ مِنَ المُهاجِرِينَ: مِنهم حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ، ومُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ أخُو بَنِي عَبْدِ الدّارِ، والشَّمّاسُ بْنُ عُثْمانَ المَخْزُومِيُّ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَحْشٍ الأسَدِيُّ وسائِرُهم مِنَ الأنْصارِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: لَمّا أبْطَأ عَلى النِّساءِ الخَبَرُ خَرَجْنَ يَسْتَخْبِرْنَ فَإذا رَجُلانِ مَقْتُولانِ عَلى دابَّةٍ أوْ عَلى بِعِيرٍ فَقالَتِ امْرَأةٌ مِنَ الأنْصارِ: مَن هَذانِ؟ قالُوا: فُلانٌ وفُلانٌ، أخُوها وزَوْجُها، أوْ زَوْجُها وابْنُها. فَقالَتْ: ما فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ؟ قالُوا: حَيٌّ. قالَتْ: فَلا أُبالِي يَتَّخِذُ اللَّهُ مِن عِبادِهِ الشُّهَداءَ، ونَزَلَ القُرْآنُ عَلى ما قالَتْ: ﴿ويَتَّخِذَ مِنكم شُهَداءَ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿ولِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ قالَ: يَبْتَلِيهِمْ ﴿ويَمْحَقَ الكافِرِينَ﴾ قالَ: يَنْقُصَهم. (p-٤٣)وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، أنَّهُ كانَ إذا تَلا هَذِهِ الآيَةَ قالَ: اللَّهُمَّ مَحِّصْنا ولا تَجْعَلْنا كافِرِينَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ إسْحاقَ: ﴿أمْ حَسِبْتُمْ أنْ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ﴾ وتُصِيبُوا مِن ثَوابِي الكَرامَةَ ﴿ولَمّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنكُمْ﴾ يَقُولُ: ولَمْ أخْتَبِرْكم بِالشِّدَّةِ، وأبْتَلِيَكم بِالمَكارِهِ حَتّى أعْلَمَ صِدْقَ ذَلِكَ مِنكُمْ؛ الإيمانُ بِي والصَّبْرُ عَلى ما أصابَكم فِيَّ.

آل عمران 3:142

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ يَمْسَسْكم قَرْحٌ﴾ الآيَةَ. أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ مِن طَرِيقِ العَوْفِيِّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿إنْ يَمْسَسْكُمْ﴾ قالَ: إنْ يُصِبْكم. (p-٣٩)وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ عاصِمٍ أنَّهُ قَرَأ: (إنْ يَمْسَسْكم قُرْحٌ فَقَدْ مَسَّ القَوْمَ قُرْحٌ مِثْلُهُ) بِرَفْعِ القافِ فِيهِما. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ ﴿إنْ يَمْسَسْكم قَرْحٌ﴾ قالَ: جِراحٌ وقَتْلٌ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿إنْ يَمْسَسْكم قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ القَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ﴾ قالَ: إنْ يُقْتَلْ مِنكم يَوْمَ أُحُدٍ فَقَدْ قَتَلْتُمْ مِنهم يَوْمَ بَدْرٍ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نامَ المُسْلِمُونَ وبِهِمُ الكُلُومُ - يَعْنِي يَوْمَ أُحُدٍ - قالَ عِكْرِمَةُ: وفِيهِمْ أُنْزِلَتْ: ﴿إنْ يَمْسَسْكم قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ القَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وتِلْكَ الأيّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النّاسِ﴾ وفِيهِمْ أُنْزِلَتْ: ﴿إنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإنَّهم يَأْلَمُونَ كَما تَأْلَمُونَ﴾ [النساء: ١٠٤] [النِّساءِ: ١٠٤] . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ العَوْفِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿وتِلْكَ الأيّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النّاسِ﴾ فَإنَّهُ كانَ يَوْمُ أُحُدٍ بِيَوْمِ بَدْرٍ، قُتِلَ المُؤْمِنُونَ يَوْمَ أُحُدٍ، اتَّخَذَ اللَّهُ مِنهم شُهَداءَ وغَلَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ المُشْرِكِينَ يَوْمَ (p-٤٠)بَدْرٍ فَجَعَلَ لَهُ الدَّوْلَةَ عَلَيْهِمْ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ مِن طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿وتِلْكَ الأيّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النّاسِ﴾ قالَ: فَإنَّهُ أدالَ المُشْرِكِينَ عَلى النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ أُحُدٍ، وبَلَغَنِي أنَّ المُشْرِكِينَ قَتَلُوا مِنَ المُسْلِمِينَ يَوْمَ أُحُدٍ بِضْعَةً وسَبْعِينَ رَجُلًا، عَدَدَ الأُسارى الَّذِينَ أُسِرُوا يَوْمَ بَدْرٍ مِنَ المُشْرِكِينَ، وكانَ عَدَدُ الأُسارى ثَلاثَةً وسَبْعِينَ رَجُلًا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ: ﴿وتِلْكَ الأيّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النّاسِ﴾ قالَ: جَعَلَ اللَّهُ الأيّامَ دُوَلًا، مَرَّةً لِهَؤُلاءِ ومَرَّةً لِهَؤُلاءِ، أدالَ الكُفّارَ يَوْمَ أُحُدٍ مِن أصْحابِ النَّبِيِّ ﷺ . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ في الآيَةِ قالَ: واللَّهِ لَوْلا الدُّوَلُ ما أوْدى المُؤْمِنُونَ، ولَكِنْ قَدْ يُدالُ لِلْكافِرِ مِنَ المُؤْمِنِ ويُبْتَلى المُؤْمِنُ بِالكافِرِ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يُطِيعُهُ مِمَّنْ يَعْصِيهِ ويَعْلَمَ الصّادِقَ مِنَ الكاذِبِ. وأخْرَجَ عَنِ السُّدِّيِّ ﴿وتِلْكَ الأيّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النّاسِ﴾ يَوْمًا لَكم ويَوْمًا عَلَيْكم. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ (p-٤١)﴿وتِلْكَ الأيّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النّاسِ﴾ يَعْنِي الأُمَراءَ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ أبِي جَعْفَرٍ قالَ: إنَّ لِلْحَقِّ دَوْلَةً، وإنَّ لِلْباطِلِ دَوْلَةً مِن دَوْلَةِ الحَقِّ، إنَّ إبْلِيسَ أُمِرَ بِالسُّجُودِ لِآدَمَ فَأُدِيلَ آدَمُ عَلى إبْلِيسٍ، وابْتُلِيَ آدَمُ بِالشَّجَرَةِ فَأكَلَ مِنها، فَأُدِيلَ إبْلِيسُ عَلى آدَمَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ مِن طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿ولِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا ويَتَّخِذَ مِنكم شُهَداءَ﴾ قالَ: إنَّ المُسْلِمِينَ كانُوا يَسْألُونَ رَبَّهم: اللَّهُمَّ رَبَّنا أرِنا يَوْمًا كَيَوْمِ بَدْرٍ، نُقاتِلُ فِيهِ المُشْرِكِينَ ونُبْلِيكَ فِيهِ خَيْرًا، ونَلْتَمِسُ فِيهِ الشَّهادَةَ، فَلَقُوا المُشْرِكِينَ يَوْمَ أُحُدٍ فاتَّخَذَ مِنهم شُهَداءَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ الضَّحّاكِ في الآيَةِ قالَ: كانَ المُسْلِمُونَ يَسْألُونَ رَبَّهم أنْ يُرِيَهم يَوْمًا كَيَوْمِ بَدْرٍ يَبْلُونَ فِيهِ خَيْرًا ويُرْزَقُونَ فِيهِ الشَّهادَةَ، ويُرْزَقُونَ الجَنَّةَ والحَياةَ والرِّزْقَ، فَلَقُوا المُشْرِكِينَ يَوْمَ أُحُدٍ فاتَّخَذَ اللَّهُ مِنهم شُهَداءَ، وهُمُ الَّذِينَ ذَكَرَهُمُ اللَّهُ تَعالى فَقالَ: ﴿ولا تَقُولُوا لِمَن يُقْتَلُ في سَبِيلِ اللَّهِ أمْواتٌ﴾ [البقرة: ١٥٤] الآيَةَ [البَقَرَةِ: ١٥٤] . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ: ﴿ولِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا ويَتَّخِذَ مِنكم شُهَداءَ﴾ قالَ: يُكْرِمُ اللَّهُ أوْلِياءَهُ (p-٤٢)بِالشَّهادَةِ بِأيْدِي عَدُوِّهِمْ ثُمَّ تَصِيرُ حَواصِلُ الأُمُورِ وعَواقِبُها لِأهْلِ طاعَةِ اللَّهِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عُبَيْدَةَ: ﴿ولِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا ويَتَّخِذَ مِنكم شُهَداءَ﴾ يَقُولُ: إلّا يُقْتَلُوا لا يَكُونُوا شُهَداءَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي الضُّحى قالَ: نَزَلَتْ: ﴿ويَتَّخِذَ مِنكم شُهَداءَ﴾ فَقُتِلَ مِنهم يَوْمَئِذٍ سَبْعُونَ، مِنهم أرْبَعَةٌ مِنَ المُهاجِرِينَ: مِنهم حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ، ومُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ أخُو بَنِي عَبْدِ الدّارِ، والشَّمّاسُ بْنُ عُثْمانَ المَخْزُومِيُّ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَحْشٍ الأسَدِيُّ وسائِرُهم مِنَ الأنْصارِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: لَمّا أبْطَأ عَلى النِّساءِ الخَبَرُ خَرَجْنَ يَسْتَخْبِرْنَ فَإذا رَجُلانِ مَقْتُولانِ عَلى دابَّةٍ أوْ عَلى بِعِيرٍ فَقالَتِ امْرَأةٌ مِنَ الأنْصارِ: مَن هَذانِ؟ قالُوا: فُلانٌ وفُلانٌ، أخُوها وزَوْجُها، أوْ زَوْجُها وابْنُها. فَقالَتْ: ما فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ؟ قالُوا: حَيٌّ. قالَتْ: فَلا أُبالِي يَتَّخِذُ اللَّهُ مِن عِبادِهِ الشُّهَداءَ، ونَزَلَ القُرْآنُ عَلى ما قالَتْ: ﴿ويَتَّخِذَ مِنكم شُهَداءَ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿ولِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ قالَ: يَبْتَلِيهِمْ ﴿ويَمْحَقَ الكافِرِينَ﴾ قالَ: يَنْقُصَهم. (p-٤٣)وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، أنَّهُ كانَ إذا تَلا هَذِهِ الآيَةَ قالَ: اللَّهُمَّ مَحِّصْنا ولا تَجْعَلْنا كافِرِينَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ إسْحاقَ: ﴿أمْ حَسِبْتُمْ أنْ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ﴾ وتُصِيبُوا مِن ثَوابِي الكَرامَةَ ﴿ولَمّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنكُمْ﴾ يَقُولُ: ولَمْ أخْتَبِرْكم بِالشِّدَّةِ، وأبْتَلِيَكم بِالمَكارِهِ حَتّى أعْلَمَ صِدْقَ ذَلِكَ مِنكُمْ؛ الإيمانُ بِي والصَّبْرُ عَلى ما أصابَكم فِيَّ.

آل عمران 3:143

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ كُنْتُمْ﴾ الآيَةَ. أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ العَوْفِيِّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ رِجالًا مِن أصْحابِ النَّبِيِّ ﷺ كانُوا يَقُولُونَ: لَيْتَنا نُقْتَلُ كَما قُتِلَ أصْحابُ بَدْرٍ ونُسْتَشْهَدُ، أوْ لَيْتَ لَنا يَوْمًا كَيَوْمِ بَدْرٍ نُقاتِلُ فِيهِ المُشْرِكِينَ ونُبْلِي فِيهِ خَيْرًا ونَلْتَمِسُ الشَّهادَةَ والجَنَّةَ والحَياةَ والرِّزْقَ، فَأشْهَدَهُمُ اللَّهُ أُحُدًا، فَلَمْ يَلْبَثُوا إلّا مَن شاءَ اللَّهُ مِنهم فَقالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ المَوْتَ مِن قَبْلِ أنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأيْتُمُوهُ وأنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ مُجاهِدٍ في الآيَةِ قالَ: غابَ رِجالٌ عَنْ بَدْرٍ فَكانُوا يَتَمَنَّوْنَ مِثْلَ بَدْرٍ أنْ يَلْقَوْهُ؛ فَيُصِيبُوا مِنَ الأجْرِ والخَيْرِ ما أصابَ أهْلُ بَدْرٍ، فَلَمّا كانَ يَوْمُ أُحُدٍ ولّى مَن ولّى مِنهُمْ، فَعاتَبَهُمُ اللَّهُ عَلى (p-٤٤)ذَلِكَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الرَّبِيعِ وقَتادَةَ قالا: إنَّ أُناسًا مِنَ المُؤْمِنِينَ لَمْ يَشْهَدُوا يَوْمَ بَدْرٍ والَّذِي أعْطاهُمُ اللَّهُ مِنَ الفَضْلِ فَكانُوا يَتَمَنَّوْنَ أنْ يَرَوْا قِتالًا فَيُقاتِلُوا، فَسِيقَ إلَيْهِمُ القِتالُ حَتّى إذا كانَ بِناحِيَةِ المَدِينَةِ يَوْمَ أُحُدٍ فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿ولَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ المَوْتَ﴾ الآيَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الحَسَنِ قالَ: بَلَغَنِي أنَّ رِجالًا مِن أصْحابِ النَّبِيِّ ﷺ كانُوا يَقُولُونَ: لَئِنْ لَقِينا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ لَنَفْعَلَنَّ ولَنَفْعَلَنَّ، فابْتُلُوا بِذَلِكَ، فَلا واللَّهِ ما كُلُّهم صَدَقَ اللَّهَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿ولَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ المَوْتَ﴾ الآيَةَ. وأخْرَجَ عَنِ السُّدِّيِّ قالَ: كانَ ناسٌ مِنَ الصَّحابَةِ لَمْ يَشْهَدُوا بَدْرًا فَلَمّا رَأوْا فَضِيلَةَ أهْلِ بَدْرٍ قالُوا: اللَّهُمَّ إنّا نَسْألُكَ أنْ تُرِيَنا يَوْمًا كَيَوْمِ بَدْرٍ نُبْلِيكَ فِيهِ خَيْرًا، فَرَأوْا أُحُدًا فَقالَ لَهم: ﴿ولَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ المَوْتَ﴾ الآيَةَ.

آل عمران 3:144

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما مُحَمَّدٌ إلا رَسُولٌ﴾ الآيَةَ. أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ كُلَيْبٍ قالَ: «خَطَبَنا عُمَرُ فَكانَ يَقْرَأُ عَلى المِنبَرِ ”آلَ عِمْرانَ“ ويَقُولُ: إنَّها أُحُدِيَّةٌ. ثُمَّ قالَ: تَفَرَّقْنا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ أُحُدٍ فَصَعِدْتُ الجَبَلَ فَسَمِعْتُ يَهُودِيًّا يَقُولُ: قُتِلَ مُحَمَّدٌ، فَقُلْتُ: لا أسْمَعُ أحَدًا (p-٤٥)يَقُولُ: قُتِلَ مُحَمَّدٌ إلّا ضَرَبْتُ عُنُقَهُ، فَنَظَرْتُ فَإذا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ والنّاسُ يَتَراجَعُونَ إلَيْهِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ:﴿وما مُحَمَّدٌ إلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ [آل عمران»: ١٤٤] . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ مِن طَرِيقِ العَوْفِيِّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ اعْتَزَلَ هو وعِصابَةٌ مَعَهُ يَوْمَئِذٍ عَلى أكَمَةٍ، والنّاسُ يَفِرُّونَ ورَجُلٌ قائِمٌ عَلى الطَّرِيقِ يَسْألُهم: ما فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ؟ وجَعَلَ كُلَّما مَرُّوا عَلَيْهِ يَسْألُهم فَيَقُولُونَ: واللَّهِ ما نَدْرِي ما فَعَلَ. فَقالَ: والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَئِنْ كانَ النَّبِيُّ ﷺ قُتِلَ لِنُعْطِيَنَّهم بِأيْدِينا، إنَّهم لَعَشائِرُنا وإخْوانُنا. وقالُوا: لَوْ أنَّ مُحَمَّدًا كانَ حَيًّا لَمْ يُهْزَمْ ولَكِنَّهُ قَدْ قُتِلَ. فَتَرَخَّصُوا في الفِرارِ حِينَئِذٍ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وما مُحَمَّدٌ إلا رَسُولٌ﴾ الآيَةَ كُلَّها» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الرَّبِيعِ في الآيَةِ قالَ: ذَلِكَ يَوْمَ أُحُدٍ حِينَ أصابَهم ما أصابَهم مِنَ القَرْحِ والقَتْلِ، وتَداعَوْا نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ، قالُوا: قَدْ قُتِلَ، وقالَ أُناسٌ مِنهم: لَوْ كانَ نَبِيًّا ما قُتِلَ، وقالَ أُناسٌ مِن عِلْيَةِ أصْحابِ النَّبِيِّ ﷺ: قاتِلُوا عَلى ما قُتِلَ عَلَيْهِ نَبِيُّكم حَتّى يَفْتَحَ اللَّهُ عَلَيْكم أوْ تَلْحَقُوا بِهِ، وذُكِرَ لَنا أنَّ رَجُلًا مِنَ المُهاجِرِينَ مَرَّ عَلى رَجُلٍ مِنَ الأنْصارِ وهو يَتَشَحَّطُ في دَمِهِ فَقالَ: يا فُلانُ، أشْعَرْتَ أنَّ مُحَمَّدًا قَدْ قُتِلَ؟ فَقالَ الأنْصارِيُّ: إنْ كانَ مُحَمَّدٌ (p-٤٦)قَدْ قُتِلَ فَقَدْ بَلَّغَ، فَقاتِلُوا عَنْ دِينِكُمْ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وما مُحَمَّدٌ إلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أفَإنْ ماتَ أوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أعْقابِكُمْ﴾ يَقُولُ: ارْتَدَدْتُمْ كُفّارًا بَعْدَ إيمانِكم. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الضَّحّاكِ قالَ: نادى مُنادٍ يَوْمَ أُحُدٍ حِينَ هُزِمَ أصْحابُ مُحَمَّدٍ ﷺ: ألا إنَّ مُحَمَّدًا قَدْ قُتِلَ فارْجِعُوا إلى دِينِكُمُ الأوَّلِ. فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وما مُحَمَّدٌ إلا رَسُولٌ﴾ الآيَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قالَ: قالَ أهْلُ المَرَضِ والِارْتِيابِ والنِّفاقِ حِينَ فَرَّ النّاسُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: قَدْ قُتِلَ مُحَمَّدٌ فالحَقُوا بِدِينِكُمُ الأوَّلِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ السُّدِّيِّ قالَ: «فَشا في النّاسِ يَوْمَ أُحُدٍ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ قُتِلَ، فَقالَ بَعْضُ أصْحابِ الصَّخْرَةِ: لَيْتَ لَنا رَسُولًا إلى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ فَيَأْخُذَ لَنا أمانًا مِن أبِي سُفْيانَ، يا قَوْمِ إنَّ مُحَمَّدًا قَدْ قُتِلَ فارْجِعُوا إلى قَوْمِكم (p-٤٧)قَبْلَ أنْ يَأْتُوكم فَيَقْتُلُوكم. قالَ أنَسُ بْنُ النَّضْرِ: يا قَوْمِ إنْ كانَ مُحَمَّدٌ قَدْ قُتِلَ فَإنَّ رَبَّ مُحَمَّدٍ لَمْ يُقْتَلْ، فَقاتِلُوا عَلى ما قاتَلَ عَلَيْهِ مُحَمَّدٌ ﷺ، اللَّهُمَّ إنِّي أعْتَذِرُ إلَيْكَ مِمّا يَقُولُ هَؤُلاءِ، وأبْرَأُ إلَيْكَ مِمّا جاءَ بِهِ هَؤُلاءِ، فَشَدَّ بِسَيْفِهِ فَقاتَلَ حَتّى قُتِلَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وما مُحَمَّدٌ إلا رَسُولٌ﴾ الآيَةَ» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ القاسِمِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ رافِعٍ أخِي بَنِي عَدِيِّ بْنِ النَّجّارِ قالَ: انْتَهى أنَسُ بْنُ النَّضْرِ عَمُّ أنِسِ بْنِ مالِكٍ إلى عُمَرَ وطَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ في رِجالٍ مِنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ وقَدْ ألْقَوْا بِأيْدِيهِمْ فَقالَ: ما يُجْلِسُكُمْ؟ قالُوا: قُتِلَ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ. قالَ: فَما تَصْنَعُونَ بِالحَياةِ بَعْدَهُ؟ قُومُوا فَمُوتُوا عَلى ما ماتَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ، واسْتَقْبَلَ القَوْمَ فَقاتَلَ حَتّى قُتِلَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ عَطِيَّةَ العَوْفِيِّ قالَ: لَمّا كانَ يَوْمُ أُحُدٍ وانْهَزَمُوا قالَ بَعْضُ النّاسِ: إنْ كانَ مُحَمَّدٌ قَدْ أُصِيبَ فَأعْطُوهم بِأيْدِيكُمْ، فَإنَّما هم إخْوانُكُمْ، وقالَ بَعْضُهم: إنْ كانَ مُحَمَّدٌ قَدْ أُصِيبَ ألا تَمْضُونَ عَلى ما مَضى عَلَيْهِ نَبِيُّكم حَتّى تَلْحَقُوا بِهِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وما مُحَمَّدٌ إلا رَسُولٌ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿فَآتاهُمُ اللَّهُ ثَوابَ الدُّنْيا﴾ [آل عمران: ١٤٨] . وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ في الطَّبَقاتِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ شُرَحْبِيلَ العَبْدَرِيِّ قالَ: حَمَلَ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ اللِّواءَ يَوْمَ أُحُدٍ فَقُطِعَتْ يَدُهُ اليُمْنى فَأخَذَ اللِّواءَ بِيَدِهِ (p-٤٨)اليُسْرى وهو يَقُولُ: ﴿وما مُحَمَّدٌ إلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أفَإنْ ماتَ أوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أعْقابِكُمْ﴾ ثُمَّ قُطِعَتْ يَدُهُ اليُسْرى فَجَثا عَلى اللِّواءِ وضَمَّهُ بِعَضُدَيْهِ إلى صَدْرِهِ وهو يَقُولُ: ﴿وما مُحَمَّدٌ إلا رَسُولٌ﴾ الآيَةَ، وما نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿وما مُحَمَّدٌ إلا رَسُولٌ﴾ يَوْمَئِذٍ حَتّى نَزَلَتْ بَعْدَ ذَلِكَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ ﴿ومَن يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ﴾ قالَ: يَرْتَدَّ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ والنَّسائِيُّ مِن طَرِيقِ الزُّهْرِيِّ عَنْ أبِي سَلَمَةَ عَنْ عائِشَةَ أنَّ أبا بَكْرٍ أقْبَلَ عَلى فَرَسٍ مِن مَسْكَنِهِ بِالسُّنْحِ حَتّى نَزَلَ فَدَخَلَ المَسْجِدَ، فَلَمْ يُكَلِّمِ النّاسَ حَتّى دَخَلَ عَلى عائِشَةَ فَتَيَمَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وهو مُغَشًّى بِثَوْبِ حِبَرَةٍ فَكَشَفَ عَنْ وجْهِهِ ثُمَّ أكَبَّ عَلَيْهِ وقَبَّلَهُ وبَكى، ثُمَّ قالَ: بِأبِي أنْتَ وأُمِّي، واللَّهِ لا يَجْمَعُ اللَّهُ عَلَيْكَ مَوْتَتَيْنِ، وأمّا المَوْتَةُ الَّتِي كُتِبَتْ عَلَيْكَ فَقَدْ مُتَّها. قالَ الزُّهْرِيُّ: وحَدَّثَنِي أبُو سَلَمَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ أبا بَكْرٍ خَرَجَ وعُمَرُ يُكَلِّمُ النّاسَ فَقالَ: اجْلِسْ يا عُمَرُ، فَأبى عُمَرُ أنْ يَجْلِسَ، فَأقْبَلَ النّاسُ إلَيْهِ وتَرَكُوا عُمَرَ، وقالَ أبُو بَكْرٍ: أمّا بَعْدُ، مَن كانَ يَعْبُدُ مُحَمَّدًا فَإنَّ مُحَمَّدًا قَدْ (p-٤٩)ماتَ، ومَن كانَ يَعْبُدُ اللَّهَ فَإنَّ اللَّهَ حَيٌّ لا يَمُوتُ، قالَ اللَّهُ: ﴿وما مُحَمَّدٌ إلا رَسُولٌ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿الشّاكِرِينَ﴾ قالَ: فَواللَّهِ لَكَأنَّ النّاسَ لَمْ يَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ أنْزَلَ هَذِهِ الآيَةَ حَتّى تَلاها أبُو بَكْرٍ، فَتَلاها النّاسُ مِنهُ كُلُّهُمْ، فَما أسْمَعُ بَشَرًا مِنَ النّاسِ إلّا يَتْلُوها. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «لَمّا تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قامَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ فَقالَ: إنَّ رِجالًا مِنَ المُنافِقِينَ يَزْعُمُونَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تُوُفِّيَ، وإنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ما ماتَ، ولَكِنَّهُ ذَهَبَ إلى رَبِّهِ كَما ذَهَبَ مُوسى بْنُ عِمْرانَ؛ فَقَدْ غابَ عَنْ قَوْمِهِ أرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ رَجَعَ إلَيْهِمْ بَعْدَ أنْ قِيلَ: قَدْ ماتَ، واللَّهِ لَيَرْجِعَنَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كَما رَجَعَ مُوسى، فَلَيُقَطِّعَنَّ أيْدِيَ رِجالٍ وأرْجُلَهم زَعَمُوا أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ماتَ، فَخَرَجَ أبُو بَكْرٍ فَقالَ: عَلى رِسْلِكَ يا عُمَرُ، أنْصِتْ، فَحَمِدَ اللَّهَ وأثْنى عَلَيْهِ ثُمَّ قالَ: أيُّها النّاسُ، إنَّهُ مَن كانَ يَعْبُدُ مُحَمَّدًا فَإنَّ مُحَمَّدًا قَدْ ماتَ، ومَن كانَ يَعْبُدُ اللَّهَ فَإنَّ اللَّهَ حَيٌّ لا يَمُوتُ، ثُمَّ تَلا هَذِهِ الآيَةَ: ﴿وما مُحَمَّدٌ إلا رَسُولٌ﴾ الآيَةَ، فَواللَّهِ لَكَأنَّ النّاسَ لَمْ يَعْلَمُوا أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ حَتّى تَلاها أبُو بَكْرٍ يَوْمَئِذٍ، وأخَذَ النّاسُ عَنْ أبِي بَكْرٍ فَإنَّما هي في أفْواهِهِمْ، قالَ عُمَرُ: فَواللَّهِ ما هو إلّا أنْ سَمِعْتُ أبا بَكْرٍ تَلاها فَعَقِرْتُ حَتّى وقَعْتُ إلى (p-٥٠)الأرْضِ ما تَحْمِلُنِي رِجْلايَ وعَرَفْتُ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ ماتَ» . وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في ”الدَّلائِلِ“ عَنْ عُرْوَةَ قالَ: «لَمّا تُوُفِّيَ النَّبِيُّ ﷺ قامَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ فَتَوَعَّدَ مَن قالَ: قَدْ ماتَ بِالقَتْلِ والقَطْعِ، فَجاءَ أبُو بَكْرٍ فَقامَ إلى جانِبِ المِنبَرِ وقالَ: إنَّ اللَّهَ نَعى نَبِيَّكم إلى نَفْسِهِ وهو حَيٌّ بَيْنَ أظْهُرِكُمْ، ونَعاكم إلى أنْفُسِكم فَهو المَوْتُ حَتّى لا يَبْقى أحَدٌ إلّا اللَّهُ، قالَ اللَّهُ: ﴿وما مُحَمَّدٌ إلا رَسُولٌ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿الشّاكِرِينَ﴾ فَقالَ عُمَرُ: هَذِهِ الآيَةُ في القُرْآنِ؟! واللَّهِ ما عَلِمْتُ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ أُنْزِلَتْ قَبْلَ اليَوْمِ. وقالَ: قالَ اللَّهُ لِمُحَمَّدٍ ﷺ: ﴿إنَّكَ مَيِّتٌ وإنَّهم مَيِّتُونَ﴾ [الزمر: ٣٠] [الزُّمَرِ»: ٣٠] . وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ والبَيْهَقِيُّ مِن طَرِيقِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ قالَ: كُنْتُ أتَأوَّلُ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلى النّاسِ ويَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكم شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣] [البَقَرَةِ: ١٤٣] . فَواللَّهِ إنْ كُنْتُ لَأظُنُّ أنَّهُ سَيَبْقى في أُمَّتِهِ حَتّى يَشْهَدَ عَلَيْها بِآخِرِ أعْمالِها، وأنَّهُ هو الَّذِي حَمَلَنِي عَلى أنْ قُلْتُ ما قُلْتُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ في قَوْلِهِ: ﴿وسَيَجْزِي اللَّهُ الشّاكِرِينَ﴾ قالَ: الثّابِتِينَ عَلى دِينِهِمْ، أبا بَكْرٍ وأصْحابَهُ، فَكانَ عَلِيٌّ يَقُولُ: كانَ أبُو بَكْرٍ أمِيرَ الشّاكِرِينَ. (p-٥١)وأخْرَجَ الحاكِمُ والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنِ الحَسَنِ بْنِ مُحَمَّدٍ بْنِ الحَنَفِيَّةِ قالَ: «قالَ عُمَرُ: دَعْنِي يا رَسُولَ اللَّهِ أنْزِعْ ثَنِيَّتَيْ سُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو فَلا يَقُومُ خَطِيبًا في قَوْمِهِ أبَدًا. فَقالَ: «دَعْها فَلَعَلَّها أنْ تَسُرَّكَ يَوْمًا» فَلَمّا ماتَ النَّبِيُّ ﷺ نَفَرَ أهْلُ مَكَّةَ فَقامَ سُهَيْلٌ عِنْدَ الكَعْبَةِ فَقالَ: «مَن كانَ يَعْبُدُ مُحَمَّدًا فَإنَّ مُحَمَّدًا قَدْ ماتَ، واللَّهُ حَيٌّ لا يَمُوتُ»» . وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ والحاكِمُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ عَلِيًّا كانَ يَقُولُ في حَياةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: إنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿أفَإنْ ماتَ أوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أعْقابِكُمْ﴾ واللَّهِ لا نَنْقَلِبُ عَلى أعْقابِنا بَعْدَ إذْ هَدانا اللَّهُ، واللَّهِ لَئِنْ ماتَ أوْ قُتِلَ لَأُقاتِلَنَّ عَلى ما قاتَلَ عَلَيْهِ حَتّى أمُوتَ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ الزُّهْرِيِّ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿لِيَزْدادُوا إيمانًا مَعَ إيمانِهِمْ﴾ [الفتح: ٤] [الفَتْحِ: ٤] قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، قَدْ عَلِمْنا أنَّ الإيمانَ يَزْدادُ، فَهَلْ يَنْقُصُ؟ قالَ: «إي والَّذِي بَعَثَنِي بِالحَقِّ إنَّهُ لَيَنْقُصُ» قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، فَهَلْ لِذَلِكَ دَلالَةٌ في كِتابِ اللَّهِ؟ قالَ: «نَعَمْ» ثُمَّ تَلا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿وما مُحَمَّدٌ إلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أفَإنْ ماتَ أوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أعْقابِكُمْ﴾ «فالِانْقِلابُ نُقْصانٌ، ولا كُفْرٌ»» . (p-٥٢)وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ إسْحاقَ: ﴿وما كانَ لِنَفْسٍ﴾ الآيَةَ. أيْ: لِمُحَمَّدٍ ﷺ أجَلٌ هو بالِغُهُ. فَإذا أذِنَ اللَّهُ في ذَلِكَ كانَ، ﴿ومَن يُرِدْ ثَوابَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنها﴾ أيْ: مَن كانَ مِنكم يُرِيدُ الدُّنْيا لَيْسَتْ لَهُ رَغْبَةٌ في الآخِرَةِ نُؤْتِهِ ما قُسِمَ لَهُ فِيها مِن رِزْقٍ، ولا حَظَّ لَهُ في الآخِرَةِ ﴿ومَن يُرِدْ ثَوابَ الآخِرَةِ﴾ مِنكم ﴿نُؤْتِهِ مِنها﴾ ما وُعِدَهُ مَعَ ما يَجْرِي عَلَيْهِ مِن رِزْقِهِ في دُنْياهُ، وذَلِكَ جَزاءُ الشّاكِرِينَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ في الآيَةِ قالَ: لا تَمُوتُ نَفْسٌ ولَها في الدُّنْيا عُمْرُ ساعَةٍ إلّا بَلَغَتْهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿وسَنَجْزِي الشّاكِرِينَ﴾ قالَ: يُعْطِي اللَّهُ العَبْدَ بِنِيَّتِهِ الدُّنْيا والآخِرَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنْ إبْراهِيمَ قالَ: قالَ أبُو بَكْرٍ: لَوْ مَنَعُونِي ولَوْ عِقالًا أعْطَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَجاهَدْتُهُمْ، ثُمَّ تَلا: ﴿وما مُحَمَّدٌ إلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أفَإنْ ماتَ أوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أعْقابِكُمْ﴾ . وأخْرَجَ البَغَوِيُّ في مُعْجَمِهِ عَنْ إبْراهِيمَ بْنِ حَنْظَلَةَ عَنْ أبِيهِ أنَّ سالِمًا مَوْلى أبِي حُذَيْفَةَ كانَ مَعَهُ اللِّواءُ يَوْمَ اليَمامَةِ فَقُطِعَتْ يَمِينُهُ، فَأخَذَ اللِّواءَ بِيَسارِهِ، (p-٥٣)فَقُطِعَتْ يَسارُهُ فاعْتَنَقَ اللِّواءَ وهو يَقُولُ: ﴿وما مُحَمَّدٌ إلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أفَإنْ ماتَ أوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أعْقابِكُمْ﴾ الآيَتَيْنِ.

آل عمران 3:145

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما مُحَمَّدٌ إلا رَسُولٌ﴾ الآيَةَ. أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ كُلَيْبٍ قالَ: «خَطَبَنا عُمَرُ فَكانَ يَقْرَأُ عَلى المِنبَرِ ”آلَ عِمْرانَ“ ويَقُولُ: إنَّها أُحُدِيَّةٌ. ثُمَّ قالَ: تَفَرَّقْنا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ أُحُدٍ فَصَعِدْتُ الجَبَلَ فَسَمِعْتُ يَهُودِيًّا يَقُولُ: قُتِلَ مُحَمَّدٌ، فَقُلْتُ: لا أسْمَعُ أحَدًا (p-٤٥)يَقُولُ: قُتِلَ مُحَمَّدٌ إلّا ضَرَبْتُ عُنُقَهُ، فَنَظَرْتُ فَإذا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ والنّاسُ يَتَراجَعُونَ إلَيْهِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ:﴿وما مُحَمَّدٌ إلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ [آل عمران»: ١٤٤] . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ مِن طَرِيقِ العَوْفِيِّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ اعْتَزَلَ هو وعِصابَةٌ مَعَهُ يَوْمَئِذٍ عَلى أكَمَةٍ، والنّاسُ يَفِرُّونَ ورَجُلٌ قائِمٌ عَلى الطَّرِيقِ يَسْألُهم: ما فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ؟ وجَعَلَ كُلَّما مَرُّوا عَلَيْهِ يَسْألُهم فَيَقُولُونَ: واللَّهِ ما نَدْرِي ما فَعَلَ. فَقالَ: والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَئِنْ كانَ النَّبِيُّ ﷺ قُتِلَ لِنُعْطِيَنَّهم بِأيْدِينا، إنَّهم لَعَشائِرُنا وإخْوانُنا. وقالُوا: لَوْ أنَّ مُحَمَّدًا كانَ حَيًّا لَمْ يُهْزَمْ ولَكِنَّهُ قَدْ قُتِلَ. فَتَرَخَّصُوا في الفِرارِ حِينَئِذٍ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وما مُحَمَّدٌ إلا رَسُولٌ﴾ الآيَةَ كُلَّها» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الرَّبِيعِ في الآيَةِ قالَ: ذَلِكَ يَوْمَ أُحُدٍ حِينَ أصابَهم ما أصابَهم مِنَ القَرْحِ والقَتْلِ، وتَداعَوْا نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ، قالُوا: قَدْ قُتِلَ، وقالَ أُناسٌ مِنهم: لَوْ كانَ نَبِيًّا ما قُتِلَ، وقالَ أُناسٌ مِن عِلْيَةِ أصْحابِ النَّبِيِّ ﷺ: قاتِلُوا عَلى ما قُتِلَ عَلَيْهِ نَبِيُّكم حَتّى يَفْتَحَ اللَّهُ عَلَيْكم أوْ تَلْحَقُوا بِهِ، وذُكِرَ لَنا أنَّ رَجُلًا مِنَ المُهاجِرِينَ مَرَّ عَلى رَجُلٍ مِنَ الأنْصارِ وهو يَتَشَحَّطُ في دَمِهِ فَقالَ: يا فُلانُ، أشْعَرْتَ أنَّ مُحَمَّدًا قَدْ قُتِلَ؟ فَقالَ الأنْصارِيُّ: إنْ كانَ مُحَمَّدٌ (p-٤٦)قَدْ قُتِلَ فَقَدْ بَلَّغَ، فَقاتِلُوا عَنْ دِينِكُمْ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وما مُحَمَّدٌ إلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أفَإنْ ماتَ أوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أعْقابِكُمْ﴾ يَقُولُ: ارْتَدَدْتُمْ كُفّارًا بَعْدَ إيمانِكم. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الضَّحّاكِ قالَ: نادى مُنادٍ يَوْمَ أُحُدٍ حِينَ هُزِمَ أصْحابُ مُحَمَّدٍ ﷺ: ألا إنَّ مُحَمَّدًا قَدْ قُتِلَ فارْجِعُوا إلى دِينِكُمُ الأوَّلِ. فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وما مُحَمَّدٌ إلا رَسُولٌ﴾ الآيَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قالَ: قالَ أهْلُ المَرَضِ والِارْتِيابِ والنِّفاقِ حِينَ فَرَّ النّاسُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: قَدْ قُتِلَ مُحَمَّدٌ فالحَقُوا بِدِينِكُمُ الأوَّلِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ السُّدِّيِّ قالَ: «فَشا في النّاسِ يَوْمَ أُحُدٍ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ قُتِلَ، فَقالَ بَعْضُ أصْحابِ الصَّخْرَةِ: لَيْتَ لَنا رَسُولًا إلى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ فَيَأْخُذَ لَنا أمانًا مِن أبِي سُفْيانَ، يا قَوْمِ إنَّ مُحَمَّدًا قَدْ قُتِلَ فارْجِعُوا إلى قَوْمِكم (p-٤٧)قَبْلَ أنْ يَأْتُوكم فَيَقْتُلُوكم. قالَ أنَسُ بْنُ النَّضْرِ: يا قَوْمِ إنْ كانَ مُحَمَّدٌ قَدْ قُتِلَ فَإنَّ رَبَّ مُحَمَّدٍ لَمْ يُقْتَلْ، فَقاتِلُوا عَلى ما قاتَلَ عَلَيْهِ مُحَمَّدٌ ﷺ، اللَّهُمَّ إنِّي أعْتَذِرُ إلَيْكَ مِمّا يَقُولُ هَؤُلاءِ، وأبْرَأُ إلَيْكَ مِمّا جاءَ بِهِ هَؤُلاءِ، فَشَدَّ بِسَيْفِهِ فَقاتَلَ حَتّى قُتِلَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وما مُحَمَّدٌ إلا رَسُولٌ﴾ الآيَةَ» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ القاسِمِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ رافِعٍ أخِي بَنِي عَدِيِّ بْنِ النَّجّارِ قالَ: انْتَهى أنَسُ بْنُ النَّضْرِ عَمُّ أنِسِ بْنِ مالِكٍ إلى عُمَرَ وطَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ في رِجالٍ مِنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ وقَدْ ألْقَوْا بِأيْدِيهِمْ فَقالَ: ما يُجْلِسُكُمْ؟ قالُوا: قُتِلَ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ. قالَ: فَما تَصْنَعُونَ بِالحَياةِ بَعْدَهُ؟ قُومُوا فَمُوتُوا عَلى ما ماتَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ، واسْتَقْبَلَ القَوْمَ فَقاتَلَ حَتّى قُتِلَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ عَطِيَّةَ العَوْفِيِّ قالَ: لَمّا كانَ يَوْمُ أُحُدٍ وانْهَزَمُوا قالَ بَعْضُ النّاسِ: إنْ كانَ مُحَمَّدٌ قَدْ أُصِيبَ فَأعْطُوهم بِأيْدِيكُمْ، فَإنَّما هم إخْوانُكُمْ، وقالَ بَعْضُهم: إنْ كانَ مُحَمَّدٌ قَدْ أُصِيبَ ألا تَمْضُونَ عَلى ما مَضى عَلَيْهِ نَبِيُّكم حَتّى تَلْحَقُوا بِهِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وما مُحَمَّدٌ إلا رَسُولٌ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿فَآتاهُمُ اللَّهُ ثَوابَ الدُّنْيا﴾ [آل عمران: ١٤٨] . وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ في الطَّبَقاتِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ شُرَحْبِيلَ العَبْدَرِيِّ قالَ: حَمَلَ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ اللِّواءَ يَوْمَ أُحُدٍ فَقُطِعَتْ يَدُهُ اليُمْنى فَأخَذَ اللِّواءَ بِيَدِهِ (p-٤٨)اليُسْرى وهو يَقُولُ: ﴿وما مُحَمَّدٌ إلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أفَإنْ ماتَ أوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أعْقابِكُمْ﴾ ثُمَّ قُطِعَتْ يَدُهُ اليُسْرى فَجَثا عَلى اللِّواءِ وضَمَّهُ بِعَضُدَيْهِ إلى صَدْرِهِ وهو يَقُولُ: ﴿وما مُحَمَّدٌ إلا رَسُولٌ﴾ الآيَةَ، وما نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿وما مُحَمَّدٌ إلا رَسُولٌ﴾ يَوْمَئِذٍ حَتّى نَزَلَتْ بَعْدَ ذَلِكَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ ﴿ومَن يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ﴾ قالَ: يَرْتَدَّ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ والنَّسائِيُّ مِن طَرِيقِ الزُّهْرِيِّ عَنْ أبِي سَلَمَةَ عَنْ عائِشَةَ أنَّ أبا بَكْرٍ أقْبَلَ عَلى فَرَسٍ مِن مَسْكَنِهِ بِالسُّنْحِ حَتّى نَزَلَ فَدَخَلَ المَسْجِدَ، فَلَمْ يُكَلِّمِ النّاسَ حَتّى دَخَلَ عَلى عائِشَةَ فَتَيَمَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وهو مُغَشًّى بِثَوْبِ حِبَرَةٍ فَكَشَفَ عَنْ وجْهِهِ ثُمَّ أكَبَّ عَلَيْهِ وقَبَّلَهُ وبَكى، ثُمَّ قالَ: بِأبِي أنْتَ وأُمِّي، واللَّهِ لا يَجْمَعُ اللَّهُ عَلَيْكَ مَوْتَتَيْنِ، وأمّا المَوْتَةُ الَّتِي كُتِبَتْ عَلَيْكَ فَقَدْ مُتَّها. قالَ الزُّهْرِيُّ: وحَدَّثَنِي أبُو سَلَمَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ أبا بَكْرٍ خَرَجَ وعُمَرُ يُكَلِّمُ النّاسَ فَقالَ: اجْلِسْ يا عُمَرُ، فَأبى عُمَرُ أنْ يَجْلِسَ، فَأقْبَلَ النّاسُ إلَيْهِ وتَرَكُوا عُمَرَ، وقالَ أبُو بَكْرٍ: أمّا بَعْدُ، مَن كانَ يَعْبُدُ مُحَمَّدًا فَإنَّ مُحَمَّدًا قَدْ (p-٤٩)ماتَ، ومَن كانَ يَعْبُدُ اللَّهَ فَإنَّ اللَّهَ حَيٌّ لا يَمُوتُ، قالَ اللَّهُ: ﴿وما مُحَمَّدٌ إلا رَسُولٌ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿الشّاكِرِينَ﴾ قالَ: فَواللَّهِ لَكَأنَّ النّاسَ لَمْ يَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ أنْزَلَ هَذِهِ الآيَةَ حَتّى تَلاها أبُو بَكْرٍ، فَتَلاها النّاسُ مِنهُ كُلُّهُمْ، فَما أسْمَعُ بَشَرًا مِنَ النّاسِ إلّا يَتْلُوها. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «لَمّا تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قامَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ فَقالَ: إنَّ رِجالًا مِنَ المُنافِقِينَ يَزْعُمُونَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تُوُفِّيَ، وإنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ما ماتَ، ولَكِنَّهُ ذَهَبَ إلى رَبِّهِ كَما ذَهَبَ مُوسى بْنُ عِمْرانَ؛ فَقَدْ غابَ عَنْ قَوْمِهِ أرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ رَجَعَ إلَيْهِمْ بَعْدَ أنْ قِيلَ: قَدْ ماتَ، واللَّهِ لَيَرْجِعَنَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كَما رَجَعَ مُوسى، فَلَيُقَطِّعَنَّ أيْدِيَ رِجالٍ وأرْجُلَهم زَعَمُوا أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ماتَ، فَخَرَجَ أبُو بَكْرٍ فَقالَ: عَلى رِسْلِكَ يا عُمَرُ، أنْصِتْ، فَحَمِدَ اللَّهَ وأثْنى عَلَيْهِ ثُمَّ قالَ: أيُّها النّاسُ، إنَّهُ مَن كانَ يَعْبُدُ مُحَمَّدًا فَإنَّ مُحَمَّدًا قَدْ ماتَ، ومَن كانَ يَعْبُدُ اللَّهَ فَإنَّ اللَّهَ حَيٌّ لا يَمُوتُ، ثُمَّ تَلا هَذِهِ الآيَةَ: ﴿وما مُحَمَّدٌ إلا رَسُولٌ﴾ الآيَةَ، فَواللَّهِ لَكَأنَّ النّاسَ لَمْ يَعْلَمُوا أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ حَتّى تَلاها أبُو بَكْرٍ يَوْمَئِذٍ، وأخَذَ النّاسُ عَنْ أبِي بَكْرٍ فَإنَّما هي في أفْواهِهِمْ، قالَ عُمَرُ: فَواللَّهِ ما هو إلّا أنْ سَمِعْتُ أبا بَكْرٍ تَلاها فَعَقِرْتُ حَتّى وقَعْتُ إلى (p-٥٠)الأرْضِ ما تَحْمِلُنِي رِجْلايَ وعَرَفْتُ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ ماتَ» . وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في ”الدَّلائِلِ“ عَنْ عُرْوَةَ قالَ: «لَمّا تُوُفِّيَ النَّبِيُّ ﷺ قامَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ فَتَوَعَّدَ مَن قالَ: قَدْ ماتَ بِالقَتْلِ والقَطْعِ، فَجاءَ أبُو بَكْرٍ فَقامَ إلى جانِبِ المِنبَرِ وقالَ: إنَّ اللَّهَ نَعى نَبِيَّكم إلى نَفْسِهِ وهو حَيٌّ بَيْنَ أظْهُرِكُمْ، ونَعاكم إلى أنْفُسِكم فَهو المَوْتُ حَتّى لا يَبْقى أحَدٌ إلّا اللَّهُ، قالَ اللَّهُ: ﴿وما مُحَمَّدٌ إلا رَسُولٌ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿الشّاكِرِينَ﴾ فَقالَ عُمَرُ: هَذِهِ الآيَةُ في القُرْآنِ؟! واللَّهِ ما عَلِمْتُ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ أُنْزِلَتْ قَبْلَ اليَوْمِ. وقالَ: قالَ اللَّهُ لِمُحَمَّدٍ ﷺ: ﴿إنَّكَ مَيِّتٌ وإنَّهم مَيِّتُونَ﴾ [الزمر: ٣٠] [الزُّمَرِ»: ٣٠] . وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ والبَيْهَقِيُّ مِن طَرِيقِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ قالَ: كُنْتُ أتَأوَّلُ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلى النّاسِ ويَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكم شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣] [البَقَرَةِ: ١٤٣] . فَواللَّهِ إنْ كُنْتُ لَأظُنُّ أنَّهُ سَيَبْقى في أُمَّتِهِ حَتّى يَشْهَدَ عَلَيْها بِآخِرِ أعْمالِها، وأنَّهُ هو الَّذِي حَمَلَنِي عَلى أنْ قُلْتُ ما قُلْتُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ في قَوْلِهِ: ﴿وسَيَجْزِي اللَّهُ الشّاكِرِينَ﴾ قالَ: الثّابِتِينَ عَلى دِينِهِمْ، أبا بَكْرٍ وأصْحابَهُ، فَكانَ عَلِيٌّ يَقُولُ: كانَ أبُو بَكْرٍ أمِيرَ الشّاكِرِينَ. (p-٥١)وأخْرَجَ الحاكِمُ والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنِ الحَسَنِ بْنِ مُحَمَّدٍ بْنِ الحَنَفِيَّةِ قالَ: «قالَ عُمَرُ: دَعْنِي يا رَسُولَ اللَّهِ أنْزِعْ ثَنِيَّتَيْ سُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو فَلا يَقُومُ خَطِيبًا في قَوْمِهِ أبَدًا. فَقالَ: «دَعْها فَلَعَلَّها أنْ تَسُرَّكَ يَوْمًا» فَلَمّا ماتَ النَّبِيُّ ﷺ نَفَرَ أهْلُ مَكَّةَ فَقامَ سُهَيْلٌ عِنْدَ الكَعْبَةِ فَقالَ: «مَن كانَ يَعْبُدُ مُحَمَّدًا فَإنَّ مُحَمَّدًا قَدْ ماتَ، واللَّهُ حَيٌّ لا يَمُوتُ»» . وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ والحاكِمُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ عَلِيًّا كانَ يَقُولُ في حَياةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: إنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿أفَإنْ ماتَ أوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أعْقابِكُمْ﴾ واللَّهِ لا نَنْقَلِبُ عَلى أعْقابِنا بَعْدَ إذْ هَدانا اللَّهُ، واللَّهِ لَئِنْ ماتَ أوْ قُتِلَ لَأُقاتِلَنَّ عَلى ما قاتَلَ عَلَيْهِ حَتّى أمُوتَ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ الزُّهْرِيِّ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿لِيَزْدادُوا إيمانًا مَعَ إيمانِهِمْ﴾ [الفتح: ٤] [الفَتْحِ: ٤] قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، قَدْ عَلِمْنا أنَّ الإيمانَ يَزْدادُ، فَهَلْ يَنْقُصُ؟ قالَ: «إي والَّذِي بَعَثَنِي بِالحَقِّ إنَّهُ لَيَنْقُصُ» قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، فَهَلْ لِذَلِكَ دَلالَةٌ في كِتابِ اللَّهِ؟ قالَ: «نَعَمْ» ثُمَّ تَلا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿وما مُحَمَّدٌ إلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أفَإنْ ماتَ أوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أعْقابِكُمْ﴾ «فالِانْقِلابُ نُقْصانٌ، ولا كُفْرٌ»» . (p-٥٢)وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ إسْحاقَ: ﴿وما كانَ لِنَفْسٍ﴾ الآيَةَ. أيْ: لِمُحَمَّدٍ ﷺ أجَلٌ هو بالِغُهُ. فَإذا أذِنَ اللَّهُ في ذَلِكَ كانَ، ﴿ومَن يُرِدْ ثَوابَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنها﴾ أيْ: مَن كانَ مِنكم يُرِيدُ الدُّنْيا لَيْسَتْ لَهُ رَغْبَةٌ في الآخِرَةِ نُؤْتِهِ ما قُسِمَ لَهُ فِيها مِن رِزْقٍ، ولا حَظَّ لَهُ في الآخِرَةِ ﴿ومَن يُرِدْ ثَوابَ الآخِرَةِ﴾ مِنكم ﴿نُؤْتِهِ مِنها﴾ ما وُعِدَهُ مَعَ ما يَجْرِي عَلَيْهِ مِن رِزْقِهِ في دُنْياهُ، وذَلِكَ جَزاءُ الشّاكِرِينَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ في الآيَةِ قالَ: لا تَمُوتُ نَفْسٌ ولَها في الدُّنْيا عُمْرُ ساعَةٍ إلّا بَلَغَتْهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿وسَنَجْزِي الشّاكِرِينَ﴾ قالَ: يُعْطِي اللَّهُ العَبْدَ بِنِيَّتِهِ الدُّنْيا والآخِرَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنْ إبْراهِيمَ قالَ: قالَ أبُو بَكْرٍ: لَوْ مَنَعُونِي ولَوْ عِقالًا أعْطَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَجاهَدْتُهُمْ، ثُمَّ تَلا: ﴿وما مُحَمَّدٌ إلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أفَإنْ ماتَ أوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أعْقابِكُمْ﴾ . وأخْرَجَ البَغَوِيُّ في مُعْجَمِهِ عَنْ إبْراهِيمَ بْنِ حَنْظَلَةَ عَنْ أبِيهِ أنَّ سالِمًا مَوْلى أبِي حُذَيْفَةَ كانَ مَعَهُ اللِّواءُ يَوْمَ اليَمامَةِ فَقُطِعَتْ يَمِينُهُ، فَأخَذَ اللِّواءَ بِيَسارِهِ، (p-٥٣)فَقُطِعَتْ يَسارُهُ فاعْتَنَقَ اللِّواءَ وهو يَقُولُ: ﴿وما مُحَمَّدٌ إلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أفَإنْ ماتَ أوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أعْقابِكُمْ﴾ الآيَتَيْنِ.

آل عمران 3:146

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكَأيِّنْ مِن نَبِيٍّ﴾ الآيَةَ. أخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ مِن طَرِيقِ أبِي عُبَيْدَةَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ قَرَأ: ﴿وكَأيِّنْ مِن نَبِيٍّ قاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ﴾ ويَقُولُ: ألا تَرى أنَّهُ يَقُولُ: ﴿فَما وهَنُوا لِما أصابَهم في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ . وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أنَّهُ كانَ يَقُولُ: ما سَمِعْنا قَطُّ أنَّ نَبِيًّا قُتِلَ في القِتالِ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ الحَسَنِ وإبْراهِيمَ أنَّهُما كانا يَقْرَآنِ: ﴿قاتَلَ مَعَهُ﴾ . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ الضَّحّاكِ أنَّهُ قَرَأ: (وكَأيِّنْ مِن نَبِيٍّ قُتِلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ) بِغَيْرِ ألِفٍ. وأخْرَجَ عَنْ عَطِيَّةَ، مِثْلَهُ. وأخْرَجَ مِن طَرِيقِ زِرٍّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مِثْلَهُ، أنَّهُ كانَ يَقْرَؤُها بِغَيْرِ ألِفٍ. (p-٥٤)وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في قَوْلِهِ: ﴿رِبِّيُّونَ﴾ قالَ: أُلُوفٌ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ عَنِ الضَّحّاكِ في قَوْلِهِ: ﴿رِبِّيُّونَ﴾ قالَ: الرِّبَّةُ الواحِدَةُ ألْفٌ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، مِن طَرِيقِ عَلِيٍّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿رِبِّيُّونَ﴾ يَقُولُ: جُمُوعٌ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿رِبِّيُّونَ﴾ قالَ: فُقَهاءُ عُلَماءُ، قالَ: وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هي الجُمُوعُ الكَثِيرَةُ. وأخْرَجَ ابْنُ الأنْبارِيِّ في ”الوَقْفِ والِابْتِداءِ“ والطِّسْتِيُّ في ”مَسائِلِهِ“ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ نافِعَ بْنَ الأزْرَقِ سَألَهُ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿رِبِّيُّونَ﴾ قالَ: جُمُوعٌ. قالَ: وهَلْ يَعْرِفُ العَرَبُ ذَلِكَ؟ قالَ: نَعَمْ، أما سَمِعْتَ قَوْلَ حَسّانَ: (p-٥٥) ؎وإذا مَعْشَرٌ تَجافَوْا عَنِ القَصْدِ أمَلْنا عَلَيْهِمْ رِيِّبّا وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ مِن طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ﴾ قالَ: عُلَماءُ كَثِيرٌ. وأخْرَجَ مِن طَرِيقِ العَوْفِيِّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: الرِّبِّيُّونَ هُمُ الجُمُوعُ الكَثِيرَةُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ: ﴿رِبِّيُّونَ﴾ قالَ: عُلَماءُ كَثِيرٌ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ قالَ: الرِّبِّيُّونَ الأتْباعُ، والرَّبّانِيُّونَ الوُلاةُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: (وكَأيِّنْ مِن نَبِيٍّ قُتِلَ) الآيَةَ، قالَ: هم قَوْمٌ قُتِلَ نَبِيُّهم فَلَمْ يَضْعُفُوا ولَمْ يَسْتَكِينُوا لِقَتْلِ نَبِيِّهِمْ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿فَما وهَنُوا لِما أصابَهم في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ لِقَتْلِ أنْبِيائِهِمْ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي مالِكٍ ﴿فَما وهَنُوا لِما أصابَهُمْ﴾ يَعْنِي (p-٥٦)فَما عَجَزُوا عَنْ عَدُوِّهِمْ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿فَما وهَنُوا﴾ الآيَةَ، يَقُولُ: فَما عَجَزُوا وما تَضَعْضَعُوا لِقَتْلِ نَبِيِّهِمْ، ﴿وما اسْتَكانُوا﴾ يَقُولُ: ما ارْتَدُّوا عَنْ بَصِيرَتِهِمْ ولا عَنْ دِينِهِمْ أنْ قاتَلُوا عَلى ما قاتَلَ عَلَيْهِ نَبِيُّ اللَّهِ حَتّى لَحِقُوا بِاللَّهِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وما اسْتَكانُوا﴾ قالَ: تَخَشَّعُوا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ السُّدِّيِّ ﴿وما اسْتَكانُوا﴾ يَقُولُ: ما ذَلُّوا. وأخْرَجَ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ ﴿وما اسْتَكانُوا﴾ قالَ: ما اسْتَكانُوا لِعَدُوِّهِمْ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وإسْرافَنا في أمْرِنا﴾ قالَ: خَطايانا. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: (p-٥٧)﴿وإسْرافَنا في أمْرِنا﴾ قالَ: خَطايانا وظُلْمَنا أنْفُسَنا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الضَّحّاكِ في قَوْلِهِ: ﴿وإسْرافَنا في أمْرِنا﴾ يَعْنِي الخَطايا الكِبارَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَآتاهُمُ اللَّهُ ثَوابَ الدُّنْيا﴾ قالَ: النَّصْرَ والغَنِيمَةَ، ﴿وحُسْنَ ثَوابِ الآخِرَةِ﴾ قالَ: رِضْوانَ اللَّهِ ورَحْمَتَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ: ﴿فَآتاهُمُ اللَّهُ ثَوابَ الدُّنْيا﴾ الفَلْجَ والظُّهُورَ والتَّمَكُّنَ والنَّصْرَ عَلى عَدُوِّهِمْ في الدُّنْيا ﴿وحُسْنَ ثَوابِ الآخِرَةِ﴾ هي الجَنَّةُ.

آل عمران 3:147

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكَأيِّنْ مِن نَبِيٍّ﴾ الآيَةَ. أخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ مِن طَرِيقِ أبِي عُبَيْدَةَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ قَرَأ: ﴿وكَأيِّنْ مِن نَبِيٍّ قاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ﴾ ويَقُولُ: ألا تَرى أنَّهُ يَقُولُ: ﴿فَما وهَنُوا لِما أصابَهم في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ . وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أنَّهُ كانَ يَقُولُ: ما سَمِعْنا قَطُّ أنَّ نَبِيًّا قُتِلَ في القِتالِ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ الحَسَنِ وإبْراهِيمَ أنَّهُما كانا يَقْرَآنِ: ﴿قاتَلَ مَعَهُ﴾ . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ الضَّحّاكِ أنَّهُ قَرَأ: (وكَأيِّنْ مِن نَبِيٍّ قُتِلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ) بِغَيْرِ ألِفٍ. وأخْرَجَ عَنْ عَطِيَّةَ، مِثْلَهُ. وأخْرَجَ مِن طَرِيقِ زِرٍّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مِثْلَهُ، أنَّهُ كانَ يَقْرَؤُها بِغَيْرِ ألِفٍ. (p-٥٤)وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في قَوْلِهِ: ﴿رِبِّيُّونَ﴾ قالَ: أُلُوفٌ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ عَنِ الضَّحّاكِ في قَوْلِهِ: ﴿رِبِّيُّونَ﴾ قالَ: الرِّبَّةُ الواحِدَةُ ألْفٌ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، مِن طَرِيقِ عَلِيٍّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿رِبِّيُّونَ﴾ يَقُولُ: جُمُوعٌ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿رِبِّيُّونَ﴾ قالَ: فُقَهاءُ عُلَماءُ، قالَ: وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هي الجُمُوعُ الكَثِيرَةُ. وأخْرَجَ ابْنُ الأنْبارِيِّ في ”الوَقْفِ والِابْتِداءِ“ والطِّسْتِيُّ في ”مَسائِلِهِ“ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ نافِعَ بْنَ الأزْرَقِ سَألَهُ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿رِبِّيُّونَ﴾ قالَ: جُمُوعٌ. قالَ: وهَلْ يَعْرِفُ العَرَبُ ذَلِكَ؟ قالَ: نَعَمْ، أما سَمِعْتَ قَوْلَ حَسّانَ: (p-٥٥) ؎وإذا مَعْشَرٌ تَجافَوْا عَنِ القَصْدِ أمَلْنا عَلَيْهِمْ رِيِّبّا وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ مِن طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ﴾ قالَ: عُلَماءُ كَثِيرٌ. وأخْرَجَ مِن طَرِيقِ العَوْفِيِّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: الرِّبِّيُّونَ هُمُ الجُمُوعُ الكَثِيرَةُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ: ﴿رِبِّيُّونَ﴾ قالَ: عُلَماءُ كَثِيرٌ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ قالَ: الرِّبِّيُّونَ الأتْباعُ، والرَّبّانِيُّونَ الوُلاةُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: (وكَأيِّنْ مِن نَبِيٍّ قُتِلَ) الآيَةَ، قالَ: هم قَوْمٌ قُتِلَ نَبِيُّهم فَلَمْ يَضْعُفُوا ولَمْ يَسْتَكِينُوا لِقَتْلِ نَبِيِّهِمْ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿فَما وهَنُوا لِما أصابَهم في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ لِقَتْلِ أنْبِيائِهِمْ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي مالِكٍ ﴿فَما وهَنُوا لِما أصابَهُمْ﴾ يَعْنِي (p-٥٦)فَما عَجَزُوا عَنْ عَدُوِّهِمْ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿فَما وهَنُوا﴾ الآيَةَ، يَقُولُ: فَما عَجَزُوا وما تَضَعْضَعُوا لِقَتْلِ نَبِيِّهِمْ، ﴿وما اسْتَكانُوا﴾ يَقُولُ: ما ارْتَدُّوا عَنْ بَصِيرَتِهِمْ ولا عَنْ دِينِهِمْ أنْ قاتَلُوا عَلى ما قاتَلَ عَلَيْهِ نَبِيُّ اللَّهِ حَتّى لَحِقُوا بِاللَّهِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وما اسْتَكانُوا﴾ قالَ: تَخَشَّعُوا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ السُّدِّيِّ ﴿وما اسْتَكانُوا﴾ يَقُولُ: ما ذَلُّوا. وأخْرَجَ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ ﴿وما اسْتَكانُوا﴾ قالَ: ما اسْتَكانُوا لِعَدُوِّهِمْ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وإسْرافَنا في أمْرِنا﴾ قالَ: خَطايانا. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: (p-٥٧)﴿وإسْرافَنا في أمْرِنا﴾ قالَ: خَطايانا وظُلْمَنا أنْفُسَنا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الضَّحّاكِ في قَوْلِهِ: ﴿وإسْرافَنا في أمْرِنا﴾ يَعْنِي الخَطايا الكِبارَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَآتاهُمُ اللَّهُ ثَوابَ الدُّنْيا﴾ قالَ: النَّصْرَ والغَنِيمَةَ، ﴿وحُسْنَ ثَوابِ الآخِرَةِ﴾ قالَ: رِضْوانَ اللَّهِ ورَحْمَتَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ: ﴿فَآتاهُمُ اللَّهُ ثَوابَ الدُّنْيا﴾ الفَلْجَ والظُّهُورَ والتَّمَكُّنَ والنَّصْرَ عَلى عَدُوِّهِمْ في الدُّنْيا ﴿وحُسْنَ ثَوابِ الآخِرَةِ﴾ هي الجَنَّةُ.

آل عمران 3:148

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكَأيِّنْ مِن نَبِيٍّ﴾ الآيَةَ. أخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ مِن طَرِيقِ أبِي عُبَيْدَةَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ قَرَأ: ﴿وكَأيِّنْ مِن نَبِيٍّ قاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ﴾ ويَقُولُ: ألا تَرى أنَّهُ يَقُولُ: ﴿فَما وهَنُوا لِما أصابَهم في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ . وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أنَّهُ كانَ يَقُولُ: ما سَمِعْنا قَطُّ أنَّ نَبِيًّا قُتِلَ في القِتالِ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ الحَسَنِ وإبْراهِيمَ أنَّهُما كانا يَقْرَآنِ: ﴿قاتَلَ مَعَهُ﴾ . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ الضَّحّاكِ أنَّهُ قَرَأ: (وكَأيِّنْ مِن نَبِيٍّ قُتِلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ) بِغَيْرِ ألِفٍ. وأخْرَجَ عَنْ عَطِيَّةَ، مِثْلَهُ. وأخْرَجَ مِن طَرِيقِ زِرٍّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مِثْلَهُ، أنَّهُ كانَ يَقْرَؤُها بِغَيْرِ ألِفٍ. (p-٥٤)وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في قَوْلِهِ: ﴿رِبِّيُّونَ﴾ قالَ: أُلُوفٌ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ عَنِ الضَّحّاكِ في قَوْلِهِ: ﴿رِبِّيُّونَ﴾ قالَ: الرِّبَّةُ الواحِدَةُ ألْفٌ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، مِن طَرِيقِ عَلِيٍّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿رِبِّيُّونَ﴾ يَقُولُ: جُمُوعٌ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿رِبِّيُّونَ﴾ قالَ: فُقَهاءُ عُلَماءُ، قالَ: وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هي الجُمُوعُ الكَثِيرَةُ. وأخْرَجَ ابْنُ الأنْبارِيِّ في ”الوَقْفِ والِابْتِداءِ“ والطِّسْتِيُّ في ”مَسائِلِهِ“ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ نافِعَ بْنَ الأزْرَقِ سَألَهُ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿رِبِّيُّونَ﴾ قالَ: جُمُوعٌ. قالَ: وهَلْ يَعْرِفُ العَرَبُ ذَلِكَ؟ قالَ: نَعَمْ، أما سَمِعْتَ قَوْلَ حَسّانَ: (p-٥٥) ؎وإذا مَعْشَرٌ تَجافَوْا عَنِ القَصْدِ أمَلْنا عَلَيْهِمْ رِيِّبّا وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ مِن طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ﴾ قالَ: عُلَماءُ كَثِيرٌ. وأخْرَجَ مِن طَرِيقِ العَوْفِيِّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: الرِّبِّيُّونَ هُمُ الجُمُوعُ الكَثِيرَةُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ: ﴿رِبِّيُّونَ﴾ قالَ: عُلَماءُ كَثِيرٌ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ قالَ: الرِّبِّيُّونَ الأتْباعُ، والرَّبّانِيُّونَ الوُلاةُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: (وكَأيِّنْ مِن نَبِيٍّ قُتِلَ) الآيَةَ، قالَ: هم قَوْمٌ قُتِلَ نَبِيُّهم فَلَمْ يَضْعُفُوا ولَمْ يَسْتَكِينُوا لِقَتْلِ نَبِيِّهِمْ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿فَما وهَنُوا لِما أصابَهم في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ لِقَتْلِ أنْبِيائِهِمْ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي مالِكٍ ﴿فَما وهَنُوا لِما أصابَهُمْ﴾ يَعْنِي (p-٥٦)فَما عَجَزُوا عَنْ عَدُوِّهِمْ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿فَما وهَنُوا﴾ الآيَةَ، يَقُولُ: فَما عَجَزُوا وما تَضَعْضَعُوا لِقَتْلِ نَبِيِّهِمْ، ﴿وما اسْتَكانُوا﴾ يَقُولُ: ما ارْتَدُّوا عَنْ بَصِيرَتِهِمْ ولا عَنْ دِينِهِمْ أنْ قاتَلُوا عَلى ما قاتَلَ عَلَيْهِ نَبِيُّ اللَّهِ حَتّى لَحِقُوا بِاللَّهِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وما اسْتَكانُوا﴾ قالَ: تَخَشَّعُوا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ السُّدِّيِّ ﴿وما اسْتَكانُوا﴾ يَقُولُ: ما ذَلُّوا. وأخْرَجَ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ ﴿وما اسْتَكانُوا﴾ قالَ: ما اسْتَكانُوا لِعَدُوِّهِمْ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وإسْرافَنا في أمْرِنا﴾ قالَ: خَطايانا. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: (p-٥٧)﴿وإسْرافَنا في أمْرِنا﴾ قالَ: خَطايانا وظُلْمَنا أنْفُسَنا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الضَّحّاكِ في قَوْلِهِ: ﴿وإسْرافَنا في أمْرِنا﴾ يَعْنِي الخَطايا الكِبارَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَآتاهُمُ اللَّهُ ثَوابَ الدُّنْيا﴾ قالَ: النَّصْرَ والغَنِيمَةَ، ﴿وحُسْنَ ثَوابِ الآخِرَةِ﴾ قالَ: رِضْوانَ اللَّهِ ورَحْمَتَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ: ﴿فَآتاهُمُ اللَّهُ ثَوابَ الدُّنْيا﴾ الفَلْجَ والظُّهُورَ والتَّمَكُّنَ والنَّصْرَ عَلى عَدُوِّهِمْ في الدُّنْيا ﴿وحُسْنَ ثَوابِ الآخِرَةِ﴾ هي الجَنَّةُ.

آل عمران 3:149

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا﴾ الآيَةَ. أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ في قَوْلِهِ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الآيَةَ، قالَ: لا تَنْتَصِحُوا اليَهُودَ والنَّصارى عَنْ دِينِكم ولا تُصَدِّقُوهم بِشَيْءٍ في (p-٥٨)دِينِكم. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الآيَةَ، يَقُولُ: إنْ تُطِيعُوا أبا سُفْيانَ بْنَ حَرْبٍ يَرُدَّكم كُفّارًا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ، أنَّهُ سُئِلَ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكم عَلى أعْقابِكُمْ﴾ التَّعَرُّبُ؟ فَقالَ عَلِيٌّ: بَلْ هو الزَّرْعُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَمْرٍو قالَ: ألا أُخْبِرُكم بِالمُرْتَدِّ عَلى عَقِبَيْهِ؟ الَّذِي يَأْخُذُ العَطاءَ ويَغْزُو في سَبِيلِ اللَّهِ، ثُمَّ يَدَعُ ذَلِكَ ويَأْخُذُ الأرْضَ بِالجِزْيَةِ والرِّزْقِ؛ فَذَلِكَ الَّذِي يَرْتَدُّ عَلى عَقِبَيْهِ.

آل عمران 3:151

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَنُلْقِي في قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ﴾ الآيَةَ. أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ السُّدِّيِّ قالَ: لَمّا ارْتَحَلَ أبُو سُفْيانَ والمُشْرِكُونَ يَوْمَ أُحُدٍ مُتَوَجِّهِينَ نَحْوَ مَكَّةَ، انْطَلَقَ أبُو سُفْيانَ حَتّى بَلَغَ بَعْضَ الطَّرِيقِ، ثُمَّ إنَّهم نَدِمُوا فَقالُوا: بِئْسَما صَنَعْتُمْ، إنَّكم قَتَلْتُمُوهم حَتّى إذا لَمْ يَبْقَ إلّا الشَّرِيدُ تَرَكْتُمُوهُمْ، (p-٥٩)ارْجِعُوا فاسْتَأْصِلُوهُمْ، فَقَذَفَ اللَّهُ في قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فانْهَزَمُوا، فَلَقُوا أعْرابِيًّا فَجَعَلُوا لَهُ جُعْلًا، فَقالُوا لَهُ: إنْ لَقِيتَ مُحَمَّدًا فَأخْبِرْهم بِما قَدْ جَمَعْنا لَهم. فَأخْبَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ ﷺ، فَطَلَبَهم حَتّى بَلَغَ حَمْراءَ الأسَدِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ في ذَلِكَ، فَذَكَرَ أبا سُفْيانَ حِينَ أرادَ أنْ يَرْجِعَ إلى النَّبِيِّ ﷺ وما قَذَفَ في قَلْبِهِ مِنَ الرُّعْبِ، فَقالَ: ﴿سَنُلْقِي في قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ﴾ الآيَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «فِي هَذِهِ الآيَةِ قالَ: قَذَفَ اللَّهُ في قَلْبِ أبِي سُفْيانَ الرُّعْبَ فَرَجَعَ إلى مَكَّةَ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: «إنَّ أبا سُفْيانَ قَدْ أصابَ مِنكم طَرَفًا، وقَدْ رَجَعَ وقَذَفَ اللَّهُ في قَلْبِهِ الرُّعْبَ»» . وأخْرَجَ مُسْلِمٌ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ: أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: ««نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ عَلى العَدُوِّ»» . وأخْرَجَ أحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في ”سُنَنِهِ“، عَنْ أبِي أُمامَةَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: ««فُضِّلْتُ عَلى الأنْبِياءِ بِأرْبَعٍ: أُرْسِلْتُ إلى النّاسِ كافَّةً، وجُعِلَتْ لِي الأرْضُ كُلُّها ولِأُمَّتِي مَسْجِدًا وطَهُورًا، فَأيْنَما أدْرَكَتْ رَجُلًا مِن أُمَّتِي الصَّلاةُ فَعِنْدَهُ مَسْجِدُهُ وعِنْدَهُ طَهُورُهُ، ونُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ، يَقْذِفُهُ في قُلُوبِ أعْدائِي، وأحَلَّ لَنا (p-٦٠)الغَنائِمَ»» .

آل عمران 3:152

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وعْدَهُ﴾ الآيَةَ. أخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في ”الدَّلائِلِ“ عَنْ عُرْوَةَ قالَ: كانَ اللَّهُ وعَدَهم عَلى الصَّبْرِ والتَّقْوى أنْ يُمِدَّهم بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ المَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ، وكانَ قَدْ فَعَلَ، فَلَمّا عَصَوْا أمْرَ الرَّسُولِ وتَرَكُوا مَصافَّهم وتَرَكَتِ الرُّماةُ عَهْدَ الرَّسُولِ إلَيْهِمْ أنْ لا يَبْرَحُوا مَنازِلَهم وأرادُوا الدُّنْيا، رُفِعَ عَنْهم مَدَدُ المَلائِكَةِ وأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿ولَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وعْدَهُ إذْ تَحُسُّونَهم بِإذْنِهِ﴾ فَصَدَقَ اللَّهُ وعْدَهُ وأراهُمُ الفَتْحَ، فَلَمّا عَصَوْا أعْقَبَهُمُ البَلاءَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «فِي قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وعْدَهُ﴾ الآيَةَ، قالَ: إنَّ أبا سُفْيانَ أقْبَلَ في ثَلاثِ لَيالٍ خَلَوْنَ مِن شَوّالٍ حَتّى نَزَلَ أُحُدًا، وخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَأذَّنَ في النّاسِ فاجْتَمَعُوا، وأمَّرَ عَلى الخَيْلِ الزُّبَيْرَ بْنَ العَوّامِ ومَعَهُ يَوْمَئِذٍ المِقْدادُ بْنُ الأسْوَدِ الكِنْدِيُّ، وأعْطى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ اللِّواءَ رَجُلًا مِن قُرَيْشٍ يُقالُ لَهُ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ، وخَرَجَ حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ بِالحُسَّرِ، وبَعَثَ حَمْزَةَ بَيْنَ يَدَيْهِ، وأقْبَلَ خالِدُ بْنُ الوَلِيدِ عَلى خَيْلِ المُشْرِكِينَ ومَعَهُ عِكْرِمَةُ بْنُ أبِي جَهْلٍ فَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الزُّبَيْرَ وقالَ: «اسْتَقْبِلْ خالِدَ بْنَ الوَلِيدِ فَكُنْ بِإزائِهِ حَتّى أُؤْذِنَكَ» وأمَرَ بِخَيْلٍ أُخْرى فَكانُوا (p-٦١)مِن جانِبٍ آخَرَ فَقالَ: «لا تَبْرَحُوا حَتّى أُؤْذِنَكُمْ» وأقْبَلَ أبُو سُفْيانَ يَحْمِلُ اللّاتَ والعُزّى، فَأرْسَلَ النَّبِيُّ ﷺ إلى الزُّبَيْرِ أنْ يَحْمِلَ فَحَمَلَ عَلى خالِدِ بْنِ الوَلِيدِ فَهَزَمَهُ ومَن مَعَهُ فَقالَ: ﴿ولَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وعْدَهُ إذْ تَحُسُّونَهم بِإذْنِهِ﴾، وأنَّ اللَّهَ وعَدَ المُؤْمِنِينَ أنْ يَنْصُرَهم وأنَّهُ مَعَهُمْ، وإنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعَثَ بَعْضًا مِنَ النّاسِ فَكانُوا مِن ورائِهِمْ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «كُونُوا هَهُنا فَرُدُّوا وجْهَ مَن نَدَّ مِنّا، وكُونُوا حَرَسًا لَنا مِن قِبَلِ ظُهُورِنا»، وإنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمّا هَزَمَ القَوْمَ هو وأصْحابُهُ الَّذِينَ كانُوا جُعِلُوا مِن ورائِهِمْ فَقالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ لَمّا رَأوُا النِّساءَ مُصْعِداتٍ في الجَبَلِ ورَأوُا الغَنائِمَ: انْطَلِقُوا إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأدْرِكُوا الغَنِيمَةَ قَبْلَ أنْ تُسْبَقُوا إلَيْها. وقالَتْ طائِفَةٌ أُخْرى: بَلْ نُطِيعُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَنَثْبُتُ مَكانَنا، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿مِنكم مَن يُرِيدُ الدُّنْيا﴾ لِلَّذِينِ أرادُوا الغَنِيمَةَ ﴿ومِنكم مَن يُرِيدُ الآخِرَةَ﴾ لِلَّذِينِ قالُوا: نُطِيعُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ونَثْبُتُ مَكانَنا، فَأتَوْا مُحَمَّدًا ﷺ فَكانَ فَشَلًا حِينَ تَنازَعُوا بَيْنَهُمْ، يَقُولُ: ﴿وعَصَيْتُمْ مِن بَعْدِ ما أراكم ما تُحِبُّونَ﴾ كانُوا قَدْ رَأوُا الفَتْحَ والغَنِيمَةَ» . وأخْرَجَ أحْمَدُ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ والحاكِمُ (p-٦٢)وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ في ”الدَّلائِلِ“ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «، أنَّهُ قالَ: ما نَصَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ في مَوْطِنٍ كَما نُصِرَ يَوْمَ أُحُدٍ. فَأنْكَرُوا ذَلِكَ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: بَيْنِي وبَيْنَ مَن أنْكَرَ ذَلِكَ كِتابُ اللَّهِ؛ إنَّ اللَّهَ يَقُولُ في يَوْمِ أُحُدٍ: ﴿ولَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وعْدَهُ إذْ تَحُسُّونَهم بِإذْنِهِ﴾ يَقُولُ ابْنُ عَبّاسٍ: والحَسَنِ: القَتْلُ، ﴿حَتّى إذا فَشِلْتُمْ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ عَفا عَنْكم واللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلى المُؤْمِنِينَ﴾ وإنَّما عَنى هَذا الرُّماةَ؛ وذَلِكَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ أقامَهم في مَوْضِعٍ ثُمَّ قالَ: «احْمُوا ظُهُورَنا فَإنْ رَأيْتُمُونا نُقْتَلُ فَلا تَنْصُرُونا، وإنْ رَأيْتُمُونا قَدْ غَنِمْنا فَلا تُشارِكُونا» . فَلَمّا غَنِمَ النَّبِيُّ ﷺ وأباحُوا عَسْكَرَ المُشْرِكِينَ انْكَفَأتِ الرُّماةُ جَمِيعًا فَدَخَلُوا في العَسْكَرِ يَنْتَهِبُونَ والتَفَّتْ صُفُوفُ المُسْلِمِينَ، فَهم هَكَذا - وشَبَّكَ بَيْنَ يَدَيْهِ - والتَبَسُوا، فَلَمّا أخَلَّ الرُّماةُ تِلْكَ الخَلَّةَ الَّتِي كانُوا فِيها، دَخَلَ الخَيْلُ مِن ذَلِكَ المَوْضِعِ عَلى الصَّحابَةِ، فَضَرَبَ بَعْضُهم بَعْضًا والتَبَسُوا، وقُتِلَ مِنَ المُسْلِمِينَ ناسٌ كَثِيرٌ، وقَدْ كانَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وأصْحابِهِ أوَّلُ النَّهارِ حَتّى قُتِلَ مِن أصْحابِ لِواءِ المُشْرِكِينَ سَبْعَةٌ أوْ تِسْعَةٌ، وجالَ المُسْلِمُونَ جَوْلَةً نَحْوَ الجَبَلِ، ولَمْ يَبْلُغُوا حَيْثُ يَقُولُ النّاسُ: الغارَ، إنَّما كانُوا تَحْتَ المِهْراسِ، وصاحَ الشَّيْطانُ: قُتِلَ مُحَمَّدٌ. فَلَمْ يُشَكَّ فِيهِ أنَّهُ حَقٌّ، فَما زِلْنا (p-٦٣)كَذَلِكَ ما نَشُكُّ أنَّهُ قُتِلَ حَتّى طَلَعَ بَيْنَ السَّعْدَيْنِ نَعْرِفُهُ بِتَكَفُّئِهِ إذا مَشى، فَفَرِحْنا حَتّى كَأنَّهُ لَمْ يُصِبْنا ما أصابَنا، فَرَقِيَ نَحْوَنا وهو يَقُولُ: «اشْتَدَّ غَضَبُ اللَّهِ عَلى قَوْمٍ دَمَّوْا وجْهَ نَبِيِّهِمْ» ويَقُولُ مَرَّةً أُخْرى: «اللَّهُمَّ إنَّهُ لَيْسَ لَهم أنْ يَعْلُونا» حَتّى انْتَهى إلَيْنا فَمَكَثَ ساعَةً، فَإذا أبُو سُفْيانَ يَصِيحُ في أسْفَلِ الجَبَلِ: اعْلُ هُبَلُ، اعْلُ هُبَلُ، أيْنَ ابْنُ أبِي كَبْشَةَ؟ أيْنَ ابْنُ أبِي قُحافَةَ؟ أيْنَ ابْنُ الخَطّابِ؟ فَقالَ عُمَرُ: ألا أُجِيبُهُ يا رَسُولَ اللَّهِ؟ قالَ: «بَلى» فَلَمّا قالَ: اعْلُ هُبَلُ، قالَ عُمَرُ: اللَّهُ أعْلى وأجَلُّ، فَعادَ فَقالَ: أيْنَ ابْنُ أبِي كَبْشَةَ؟ أيْنَ ابْنُ أبِي قُحافَةَ؟ فَقالَ عُمَرُ: هَذا رَسُولُ اللَّهِ، وهَذا أبُو بَكْرٍ، وها أنا عُمَرُ، فَقالَ: يَوْمٌ بِيَوْمِ بَدْرٍ، الأيّامُ دُوَلٌ، والحَرْبُ سِجالٌ، فَقالَ عُمَرُ: لا سَواءَ، قَتْلانا في الجَنَّةِ وقَتْلاكم في النّارِ. قالَ: إنَّكم لَتَزْعُمُونَ ذَلِكَ، لَقَدْ خِبْنا إذَنْ وخَسِرْنا، ثُمَّ قالَ أبُو سُفْيانَ: إنَّكم سَتَجِدُونَ في قَتْلاكم مُثْلَةً، ولَمْ يَكُنْ ذَلِكَ عَنْ رَأْيِ سَراتِنا. ثُمَّ أدْرَكَتْهُ حَمِيَّةُ الجاهِلِيَّةِ فَقالَ: أمّا إنَّهُ كانَ ذَلِكَ ولَمْ نَكْرَهْهُ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وأحْمَدُ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: «إنَّ النِّساءَ كُنَّ يَوْمَ أُحُدٍ خَلْفَ المُسْلِمِينَ يُجْهِزْنَ عَلى جَرْحى المُشْرِكِينَ. فَلَوْ حَلَفْتُ يَوْمَئِذٍ رَجَوْتُ أنْ أبَرَّ: إنَّهُ لَيْسَ أحَدٌ مِنّا يُرِيدُ الدُّنْيا، حَتّى أنْزَلَ اللَّهُ: ﴿مِنكم مَن يُرِيدُ الدُّنْيا ومِنكم مَن يُرِيدُ الآخِرَةَ﴾ فَلَمّا خالَفَ أصْحابُ النَّبِيِّ ﷺ وعَصَوْا ما أُمِرُوا بِهِ أُفْرِدَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في تِسْعَةٍ، سَبْعَةٍ مِنَ الأنْصارِ (p-٦٤)ورَجُلَيْنِ مِن قُرَيْشٍ، وهو عاشِرٌ، فَلَمّا رَهِقُوهُ قالَ: «رَحِمَ اللَّهُ رَجُلًا رَدَّهم عَنّا» فَقامَ رَجُلٌ مِنَ الأنْصارِ فَقاتَلَ ساعَةً حَتّى قُتِلَ، فَلَمّا رَهِقُوهُ أيْضًا قالَ: «رَحِمَ اللَّهُ رَجُلًا رَدَّهم عَنّا» فَلَمْ يَزَلْ يَقُولُ ذا حَتّى قُتِلَ السَّبْعَةُ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِصاحِبَيْهِ: «ما أنْصَفْنا أصْحابَنا» فَجاءَ أبُو سُفْيانَ فَقالَ: اعْلُ هُبَلُ. فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «قُولُوا: اللَّهُ أعْلى وأجَلُّ» فَقالُوا: اللَّهُ أعْلى وأجَلُّ، فَقالَ أبُو سُفْيانَ: لَنا العُزّى ولا عُزّى لَكُمْ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «قُولُوا: اللَّهُ مَوْلانا والكافِرُونَ لا مَوْلى لَهُمْ» ثُمَّ قالَ أبُو سُفْيانَ: يَوْمٌ بِيَوْمِ بَدْرٍ، يَوْمٌ لَنا ويَوْمٌ عَلَيْنا، ويَوْمٌ نُساءُ ويَوْمٌ نُسَرُّ، حَنْظَلَةُ بِحَنْظَلَةَ، وفُلانٌ بِفُلانٍ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لا سَواءَ، أمّا قَتْلانا فَأحْياءٌ يُرْزَقُونَ، وقَتْلاكم في النّارِ يُعَذَّبُونَ» قالَ أبُو سُفْيانَ: قَدْ كانَ في القَوْمِ مُثْلَةٌ وإنْ كانَتْ لَعَنْ غَيْرِ مَلَأٍ مِنّا، ما أمَرْتُ ولا نَهَيْتُ ولا أحْبَبْتُ ولا كَرِهْتُ، ولا ساءَنِي ولا سَرَّنِي، قالَ: فَنَظَرُوا فَإذا حَمْزَةُ قَدْ بُقِرَ بَطْنُهُ وأخَذَتْ هِنْدُ كَبِدَهُ فَلاكَتْها فَلَمْ تَسْتَطِعْ أنْ تَأْكُلَها، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أكَلَتْ شَيْئًا»؟ قالُوا: لا، قالَ: «ما كانَ اللَّهُ لِيُدْخِلَ شَيْئًا مِن حَمْزَةَ النّارَ» فَوَضَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَمْزَةَ فَصَلّى عَلَيْهِ، وجِيءَ بِرَجُلٍ مِنَ الأنْصارِ فَوُضِعَ إلى جَنْبِهِ فَصَلّى عَلَيْهِ فَرُفِعَ الأنْصارِيُّ وتُرِكَ حَمْزَةُ، ثُمَّ جِيءَ بِآخَرَ فَوَضَعَهُ إلى جَنْبِ حَمْزَةَ فَصَلّى عَلَيْهِ، ثُمَّ رُفِعَ وتُرِكَ حَمْزَةُ حَتّى (p-٦٥)صَلّى عَلَيْهِ يَوْمَئِذٍ سَبْعُونَ صَلاةً» . وأخْرَجَ أحْمَدُ، والبُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ والبَيْهَقِيُّ في ”الدَّلائِلِ“ عَنِ البَراءِ بْنِ عازِبٍ قالَ: «جَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلى الرُّماةِ يَوْمَ أُحُدٍ - وكانُوا خَمْسِينَ رَجُلًا - عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جُبَيْرٍ، ووَضَعَهم مَوْضِعًا وقالَ: «إنْ رَأيْتُمُونا تَخْطِفُنا الطَّيْرُ فَلا تَبْرَحُوا حَتّى أُرْسِلَ إلَيْكُمْ» فَهَزَمُوهم قالَ: فَأنا - واللَّهِ - رَأيْتُ النِّساءَ يَشْدُدْنَ عَلى الجَبَلِ وقَدْ بَدَتْ أسْوُقُهُنَّ وخَلاخِلُهُنَّ رافِعاتٍ ثِيابَهُنَّ، فَقالَ أصْحابُ عَبْدِ اللَّهِ: الغَنِيمَةَ. أيْ قَوْمُ الغَنِيمَةَ، ظَهَرَ أصْحابُكم فَما تَنْتَظِرُونَ؟ قالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جُبَيْرٍ: أفَنَسِيتُمْ ما قالَ لَكم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ؟ فَقالُوا: إنّا واللَّهِ لَنَأْتِيَنَّ النّاسَ فَلَنُصِيبَنَّ مِنَ الغَنِيمَةِ، فَلَمّا أتَوْهم صُرِفَتْ وُجُوهُهم فَأقْبَلُوا مُنْهَزِمِينَ، فَذَلِكَ الَّذِي يَدْعُوهُمُ الرَّسُولُ في أُخْراهم فَلَمْ يَبْقَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ غَيْرُ اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا، فَأصابُوا مِنّا سَبْعِينَ، وكانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وأصْحابُهُ أصابَ مِنَ المُشْرِكِينَ يَوْمَ بَدْرٍ أرْبَعِينَ ومِائَةً، سَبْعِينَ أسِيرًا وسَبْعِينَ قَتِيلًا، قالَ أبُو سُفْيانَ: أفِي القَوْمِ مُحَمَّدٌ؟ ثَلاثًا. فَنَهاهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنْ يُجِيبُوهُ. ثُمَّ قالَ: أفِي القَوْمِ ابْنُ أبِي قُحافَةَ؟ مَرَّتَيْنِ. أفِي القَوْمِ ابْنُ الخَطّابِ؟ مَرَّتَيْنِ. ثُمَّ أقْبَلَ عَلى أصْحابِهِ فَقالَ: أمّا هَؤُلاءِ فَقَدْ قُتِلُوا وقَدْ كُفِيتُمُوهُمْ، فَما مَلَكَ عُمَرُ نَفْسَهُ أنْ قالَ: كَذَبْتَ - واللَّهِ - يا عَدُوَّ اللَّهِ، إنَّ الَّذِينَ عَدَدْتَ أحْياءٌ كُلُّهُمْ، وقَدْ بَقِيَ لَكَ ما يَسُوءُكَ، قالَ: يَوْمٌ بِيَوْمِ بَدْرٍ والحَرْبُ (p-٦٦)سِجالٌ، إنَّكم سَتَجِدُونَ في القَوْمِ مُثْلَةً لَمْ آمُرْ بِها ولَمْ تَسُؤْنِي، ثُمَّ أخَذَ يَرْتَجِزُ: اعْلُ هُبَلُ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «ألا تُجِيبُونَهُ»؟ قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، ما نَقُولُ؟ قالَ: «قُولُوا: اللَّهُ أعْلى وأجَلُّ» قالَ: إنَّ لَنا العُزّى ولا عُزّى لَكم. قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «ألا تُجِيبُونَهُ»؟ قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، وما نَقُولُ؟ قالَ: «قُولُوا: اللَّهُ مَوْلانا ولا مَوْلى لَكُمْ»» . وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في ”الدَّلائِلِ“ عَنْ جابِرٍ قالَ: «انْهَزَمَ النّاسُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ أُحُدٍ وبَقِيَ مَعَهُ أحَدَ عَشَرَ رَجُلًا مِنَ الأنْصارِ، وطَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ وهو يَصْعَدُ في الجَبَلِ فَلَحِقَهُمُ المُشْرِكُونَ فَقالَ: «ألا أحَدٌ لِهَؤُلاءِ» فَقالَ طَلْحَةُ: أنا يا رَسُولَ اللَّهِ. فَقالَ: «كَما أنْتَ يا طَلْحَةُ» فَقالَ رَجُلٌ مِنَ الأنْصارِ: فَأنا يا رَسُولَ اللَّهِ. فَقاتَلَ عَنْهُ، وصَعِدَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ومَن بَقِيَ مَعَهُ ثُمَّ قُتِلَ الأنْصارِيُّ فَلَحِقُوهُ فَقالَ: «ألا رَجُلٌ لِهَؤُلاءِ»؟ فَقالَ طَلْحَةُ مِثْلَ قَوْلِهِ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِثْلَ قَوْلِهِ، فَقالَ رَجُلٌ مِنَ الأنْصارِ: فَأنا يا رَسُولَ اللَّهِ وأصْحابُهُ يَصْعَدُونَ ثُمَّ قُتِلَ، فَلَحِقُوهُ فَلَمْ يَزَلْ يَقُولُ مِثْلَ قَوْلِهِ الأوَّلِ ويَقُولُ طَلْحَةُ: أنا يا رَسُولَ اللَّهِ، فَيَحْبِسُهُ فَيَسْتَأْذِنُهُ رَجُلٌ مِنَ الأنْصارِ لِلْقِتالِ فَيَأْذَنُ لَهُ فَيُقاتِلُ مِثْلَ مَن كانَ قَبْلَهُ حَتّى لَمْ يَبْقَ مَعَهُ إلّا طَلْحَةُ فَغَشَوْهُما فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَن لِهَؤُلاءِ» فَقالَ طَلْحَةُ: أنا، فَقاتَلَ مِثْلَ قِتالِ جَمِيعِ مَن كانَ قَبْلَهُ وأُصِيبَتْ أنامِلُهُ فَقالَ: حَسِّ، فَقالَ: «لَوْ قُلْتَ: بِسْمِ اللَّهِ أوْ (p-٦٧)ذَكَرْتَ اسْمَ اللَّهِ لَرَفَعَتْكَ المَلائِكَةُ والنّاسُ يَنْظُرُونَ إلَيْكَ في جَوِّ السَّماءِ» ثُمَّ صَعِدَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى أصْحابِهِ وهم مُجْتَمِعُونَ» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ في قَوْلِهِ: ﴿إذْ تَحُسُّونَهم بِإذْنِهِ﴾ قالَ: الحَسُّ: القَتْلُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ مِن طَرِيقِ عَلِيٍّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿إذْ تَحُسُّونَهُمْ﴾ قالَ: تَقْتُلُونَهم. وأخْرَجَ الطِّسْتِيُّ في ”مَسائِلِهِ“ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أنَّ نافِعَ بْنَ الأزْرَقِ سَألَهُ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿إذْ تَحُسُّونَهُمْ﴾ قالَ: تَقْتُلُونَهم. قالَ: وهَلْ تَعْرِفُ العَرَبُ ذَلِكَ قالَ: نَعَمْ، أما سَمِعْتَ قَوْلَ الشّاعِرِ: ؎ومِنّا الَّذِي لاقى بِسَيْفِ مُحَمَّدٍ فَحَسَّ بِهِ الأعْداءَ عُرْضَ العَساكِرِ وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ نافِعَ بْنَ الأزْرَقِ قالَ لَهُ: أخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِ اللَّهِ: ﴿إذْ تَحُسُّونَهم بِإذْنِهِ﴾ قالَ: تَقْتُلُونَهم. قالَ: وهَلْ كانَتِ العَرَبُ تَعْرِفُ ذَلِكَ قَبْلَ أنْ يَنْزِلَ الكِتابُ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ؟ قالَ: نَعَمْ، أما سَمِعْتَ قَوْلَ عُتْبَةَ اللِّيثِيِّ: (p-٦٨) ؎نَحُسُّهم بِالبِيضِ حَتّى كَأنَّما ∗∗∗ نُفَلِّقُ مِنهم بِالجَماجِمِ حَنْظَلا وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿حَتّى إذا فَشِلْتُمْ﴾ قالَ: الفَشَلُ: الجُبْنُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الرَّبِيعِ: ﴿حَتّى إذا فَشِلْتُمْ﴾ يَقُولُ: جَبُنْتُمْ عَنْ عَدُوِّكم: ﴿وتَنازَعْتُمْ في الأمْرِ﴾ يَقُولُ: اخْتَلَفْتُمْ وعَصَيْتُمْ ﴿مِن بَعْدِ ما أراكم ما تُحِبُّونَ﴾ وذَلِكَ يَوْمَ أُحُدٍ، قالَ لَهم: «إنَّكم سَتَظْهَرُونَ فَلا أعْرِفَنَّ ما أصَبْتُمْ مِن غَنائِمِهِمْ شَيْئًا حَتّى تَفْرُغُوا» فَتَرَكُوا أمْرَ النَّبِيِّ ﷺ وعَصَوْا ووَقَعُوا في الغَنائِمِ ونَسُوا عَهْدَهُ الَّذِي عَهِدَهُ إلَيْهِمْ، وخالَفُوا إلى غَيْرِ ما أمَرَهم بِهِ، فانْصَرَفَ عَلَيْهِمْ عَدُّوهم مِن بَعْدِ ما أراهم فِيهِمْ ما يُحِبُّونَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أبْزى في قَوْلِهِ: ﴿حَتّى إذا فَشِلْتُمْ﴾ قالَ: كانَ وضَعَ خَمْسِينَ رَجُلًا مِن أصْحابِهِ عَلَيْهِمْ عَبْدُ اللَّهِ أخُو خَوّاتٍ، فَجَعَلَهم بِإزاءِ خالِدِ بْنِ الوَلِيدِ عَلى خَيْلِ المُشْرِكِينَ فَلَمّا هَزَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ النّاسَ قالَ نِصْفُ أُولَئِكَ: نَذْهَبُ حَتّى (p-٦٩)نَلْحَقَ بِالنّاسِ ولا تَفُوتَنا الغَنائِمُ، وقالَ بَعْضُهم: قَدْ عَهِدَ إلَيْنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنْ لا نَرِيمَ حَتّى يُحْدِثَ إلَيْنا، فَلَمّا رَأى خالِدُ بْنُ الوَلِيدِ رِقَّتَهم حَمَلَ عَلَيْهِمْ فَقاتَلُوا خالِدًا حَتّى ماتُوا رِبْضَةً، فَأنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ: ﴿ولَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وعْدَهُ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿وعَصَيْتُمْ﴾ فَجَعَلَ أُولَئِكَ الَّذِينَ انْصَرَفُوا عُصاةً. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ البَراءِ بْنِ عازِبٍ: ﴿مِن بَعْدِ ما أراكم ما تُحِبُّونَ﴾ الغَنائِمَ وهَزِيمَةَ القَوْمِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ: ﴿مِن بَعْدِ ما أراكم ما تُحِبُّونَ﴾ قالَ: نَصَرَ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ عَلى المُشْرِكِينَ حَتّى رَكِبَ نِساءُ المُشْرِكِينَ عَلى كُلِّ صَعْبٍ وذَلُولٍ، ثُمَّ أُدِيلَ عَلَيْهِمُ المُشْرِكُونَ بِمَعْصِيَتِهِمْ لِلنَّبِيِّ ﷺ . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الضَّحّاكِ قالَ: «إنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ أمَرَ يَوْمَ أُحُدٍ طائِفَةً مِنَ المُسْلِمِينَ فَقالَ: «كُونُوا مَسْلَحَةً لِلنّاسِ» بِمَنزِلَةٍ أمَرَهم أنْ يَثْبُتُوا بِها، وأمَرَهم أنْ لا يَبْرَحُوا مَكانَهم حَتّى يَأْذَنَ لَهُمْ، فَلَمّا لَقِيَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ أُحُدٍ أبا سُفْيانَ ومَن مَعَهُ مِنَ المُشْرِكِينَ هَزَمَهم نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ، فَلَمّا رَأى المَسْلَحَةُ أنَّ اللَّهَ هَزَمَ المُشْرِكِينَ انْطَلَقَ بَعْضُهم يَتَنادَوْنَ: الغَنِيمَةَ الغَنِيمَةَ لا تَفُتْكُمْ، وثَبَتَ (p-٧٠)بَعْضُهم مَكانَهم وقالُوا: لا نَرِيمُ مَوْضِعَنا حَتّى يَأْذَنَ لَنا نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ، فَفي ذَلِكَ نَزَلَ: ﴿مِنكم مَن يُرِيدُ الدُّنْيا ومِنكم مَن يُرِيدُ الآخِرَةَ﴾ فَكانَ ابْنُ مَسْعُودٍ يَقُولُ: ما شَعَرْتُ أنَّ أحَدًا مِن أصْحابِ النَّبِيِّ ﷺ كانَ يُرِيدُ الدُّنْيا وعَرَضَها حَتّى كانَ يَوْمُ أُحُدٍ» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ مِن طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: لَمّا هَزَمَ اللَّهُ المُشْرِكِينَ يَوْمَ أُحُدٍ قالَ الرُّماةُ: أدْرِكُوا النّاسَ ونَبِيَّ اللَّهِ ﷺ لا يَسْبِقُوكم إلى الغَنائِمِ، فَتَكُونُ لَهم دُونَكُمْ، وقالَ بَعْضُهم: لا نَرِيمُ حَتّى يَأْذَنَ لَنا النَّبِيُّ ﷺ، فَنَزَلَتْ: ﴿مِنكم مَن يُرِيدُ الدُّنْيا ومِنكم مَن يُرِيدُ الآخِرَةَ﴾ قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: ما عَلِمْنا أنَّ أحَدًا مِن أصْحابِ النَّبِيِّ ﷺ كانَ يُرِيدُ الدُّنْيا وعَرَضَها حَتّى كانَ يَوْمَئِذٍ. وأخْرَجَ أحْمَدُ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ في ”الأوْسَطِ“ والبَيْهَقِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: ما كُنْتُ أرى أنَّ أحَدًا مِن أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يُرِيدُ الدُّنْيا حَتّى نَزَلَ فِينا يَوْمَ أُحُدٍ: ﴿مِنكم مَن يُرِيدُ الدُّنْيا ومِنكم مَن يُرِيدُ الآخِرَةَ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ صَرَفَكم عَنْهُمْ﴾ قالَ: صَرَفَ القَوْمَ عَنْهم فَقُتِلَ مِنَ المُسْلِمِينَ بِعِدَّةِ مَن أسَرُوا يَوْمَ بَدْرٍ، وقُتِلَ عَمُّ (p-٧١)رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وكُسِرَتْ رُباعِيَّتُهُ، وشُجَّ في وجْهِهِ فَقالُوا: ألَيْسَ كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وعَدَنا النَّصْرَ؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿ولَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وعْدَهُ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ عَفا عَنْكُمْ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ عَفا عَنْكُمْ﴾ قالَ: يَقُولُ اللَّهُ: قَدْ عَفَوْتُ عَنْكم إذْ عَصَيْتُمُونِي أنْ لا أكُونَ اسْتَأْصَلْتُكم. ثُمَّ يَقُولُ الحَسَنُ: هَؤُلاءِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وفي سَبِيلِ اللَّهِ، غِضابٌ لِلَّهِ، يُقاتِلُونَ أعْداءَ اللَّهِ، نُهُوا عَنْ شَيْءٍ فَضَيَّعُوهُ، فَواللَّهِ ما تُرِكُوا حَتّى غُمُّوا بِهَذا الغَمِّ؛ قُتِلَ مِنهم سَبْعُونَ، وقُتِلَ عَمُّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وكُسِرَتْ رُباعِيَّتُهُ، وشُجَّ في وجْهِهِ، فَأفْسَقُ الفاسِقِينَ اليَوْمَ يَتَجَرَّأُ عَلى كُلِّ كَبِيرَةٍ ويَرْكَبُ كُلَّ داهِيَةٍ ويَسْحَبُ عَلَيْها ثِيابَهُ ويَزْعُمُ أنْ لا بَأْسَ عَلَيْهِ فَسَوْفَ يَعْلَمُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ عَفا عَنْكُمْ﴾ قالَ: إذْ لَمْ يَسْتَأْصِلْكم. (p-٧٢)وأخْرَجَ البُخارِيُّ عَنْ عُثْمانَ بْنِ مَوْهَبٍ قالَ: «جاءَ رَجُلٌ إلى ابْنِ عُمَرَ فَقالَ: إنِّي سائِلُكَ عَنْ شَيْءٍ فَحَدِّثْنِي: أنْشُدُكَ بِحُرْمَةِ هَذا البَيْتِ، أتَعْلَمُ أنَّ عُثْمانَ بْنَ عَفّانَ فَرَّ يَوْمَ أُحُدٍ؟ قالَ: نَعَمْ، قالَ: فَتَعْلَمُهُ تَغَيَّبَ عَنْ بَدْرٍ فَلَمْ يَشْهَدْها؟ قالَ: نَعَمْ، قالَ: فَتَعْلَمُ أنَّهُ تَخَلَّفَ عَنْ بَيْعَةِ الرِّضْوانِ فَلَمْ يَشْهَدْها؟ قالَ: نَعَمْ، فَكَبَّرَ، فَقالَ ابْنُ عُمَرَ: تَعالَ لِأُخْبِرَكَ ولِأُبَيِّنَ لَكَ عَمّا سَألْتَنِي عَنْهُ: أمّا فِرارُهُ يَوْمَ أُحُدٍ فَأشْهَدُ أنَّ اللَّهَ عَفا عَنْهُ. وأمّا تَغَيُّبُهُ عَنْ بَدْرٍ فَإنَّهُ كانَ تَحْتَهُ بِنْتُ النَّبِيِّ ﷺ وكانَتْ مَرِيضَةً، فَقالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إنَّ لَكَ أجْرَ رَجُلٍ مِمَّنْ شَهِدَ بَدْرًا وسَهْمَهُ» . وأمّا تَغَيُّبُهُ عَنْ بَيْعَةِ الرِّضْوانِ فَلَوْ كانَ أحَدٌ أعَزَّ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِن عُثْمانَ لَبَعَثَهُ مَكانَهُ، فَبَعَثَ عُثْمانَ فَكانَتْ بَيْعَةُ الرِّضْوانِ بَعْدَما ذَهَبَ عُثْمانُ إلى مَكَّةَ فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ بِيَدِهِ اليُمْنى فَضَرَبَ بِها عَلى يَدِهِ فَقالَ: «هَذِهِ يَدُ عُثْمانَ» اذْهَبْ بِها الآنَ مَعَكَ» .

آل عمران 3:153

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تُصْعِدُونَ﴾ الآيَةَ. أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الحَسَنِ البَصْرِيِّ أنَّهُ قَرَأ: (تَصْعَدُونَ) بِفَتْحِ التّاءِ والعَيْنِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ عاصِمٍ أنَّهُ قَرَأ: ﴿تُصْعِدُونَ﴾ بِرَفْعِ التّاءِ وكَسْرِ العَيْنِ. (p-٧٣)وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ هارُونَ قالَ: في قِراءَةِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ (إذْ تُصْعِدُونَ في الوادِي) . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ مِن طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿إذْ تُصْعِدُونَ﴾ قالَ: أُصْعِدُوا في أُحُدٍ فِرارًا، والرَّسُولُ يَدْعُوهم في أُخْراهم: «إلَيَّ عِبادَ اللَّهِ، ارْجِعُوا إلَيَّ عِبادَ اللَّهِ ارْجِعُوا» . وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ عَطِيَّةَ العَوْفِيِّ قالَ: لَمّا كانَ يَوْمُ أُحُدٍ وانْهَزَمَ النّاسُ صَعِدُوا الجَبَلَ والرَّسُولُ يَدْعُوهم في أُخْراهُمْ، فَقالَ اللَّهُ: ﴿إذْ تُصْعِدُونَ ولا تَلْوُونَ عَلى أحَدٍ والرَّسُولُ يَدْعُوكم في أُخْراكُمْ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ سُئِلَ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿إذْ تُصْعِدُونَ﴾ الآيَةَ، قالَ: فَرُّوا مُنْهَزِمِينَ في شِعْبٍ شَدِيدٍ لا يَلْوُونَ عَلى أحَدٍ، والرَّسُولُ يَدْعُوهم في أُخْراهم: «إلَيَّ عِبادَ اللَّهِ، إلَيَّ عِبادَ اللَّهِ» ولا يَلْوِي عَلَيْهِ أحَدٌ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: (p-٧٤)﴿إذْ تُصْعِدُونَ﴾ الآيَةَ، قالَ: ذاكم يَوْمَ أُحُدٍ أصْعَدُوا في الوادِي فِرارًا، ونَبِيُّ اللَّهِ ﷺ يَدْعُوهم في أُخْراهم: «إلَيَّ عِبادَ اللَّهِ، إلَيَّ عِبادَ اللَّهِ» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ العَوْفِيِّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: «﴿إذْ تُصْعِدُونَ ولا تَلْوُونَ عَلى أحَدٍ والرَّسُولُ يَدْعُوكم في أُخْراكُمْ﴾ فَرَجَعُوا وقالُوا: واللَّهِ لَنَأْتِيَنَّهم ثُمَّ لَنَقْتُلَنَّهُمْ، قَدْ جَرَحُوا مِنّا، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَهْلًا فَإنَّما أصابَكُمُ الَّذِي أصابَكم مِن أجْلِ أنَّكم عَصَيْتُمُونِي» فَبَيْنَما هم كَذَلِكَ إذْ أتاهُمُ القَوْمُ وقَدْ أيِسُوا وقَدِ اخْتَرَطُوا سُيُوفَهم ﴿فَأثابَكم غَمًّا بِغَمٍّ﴾ فَكانَ غَمُّ الهَزِيمَةِ وغَمُّهم حِينَ أتَوْهم ﴿لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلى ما فاتَكُمْ﴾ مِنَ الغَنِيمَةِ و﴿ما أصابَكُمْ﴾ مِنَ القَتْلِ والجِراحَةِ» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ: ﴿فَأثابَكم غَمًّا بِغَمٍّ﴾ قالَ: الغَمُّ الأوَّلُ بِسَبَبِ الهَزِيمَةِ، والثّانِي حِينَ قِيلَ: قُتِلَ مُحَمَّدٌ، وكانَ ذَلِكَ عِنْدَهم أعْظَمَ مِنَ الهَزِيمَةِ. (p-٧٥)وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَأثابَكم غَمًّا بِغَمٍّ﴾ قالَ: فَرَّةً بَعْدَ الفَرَّةِ الأُولى حِينَ سَمِعُوا الصَّوْتَ أنَّ مُحَمَّدًا قَدْ قُتِلَ، فَرَجَعَ الكُفّارُ، فَضَرَبُوهم مُدْبِرِينَ، حَتّى قَتَلُوا مِنهم سَبْعِينَ رَجُلًا، ثُمَّ انْحازُوا إلى النَّبِيِّ ﷺ فَجَعَلُوا يَصْعَدُونَ في الجَبَلِ والرَّسُولُ يَدْعُوهم في أُخْراهم. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ: ﴿فَأثابَكم غَمًّا بِغَمٍّ﴾ قالَ: الغَمُّ الأوَّلُ الجِراحُ والقَتْلُ، والغَمُّ الآخَرُ حِينَ سَمِعُوا أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَدْ قُتِلَ، فَأنْساهُمُ الغَمُّ الآخَرُ ما أصابَهم مِنَ الجِراحِ والقَتْلِ وما كانُوا يَرْجُونَ مِنَ الغَنِيمَةِ، وذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلى ما فاتَكم ولا ما أصابَكُمْ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الرَّبِيعِ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ قالَ: «انْطَلَقَ النَّبِيُّ ﷺ يَوْمَئِذٍ يَدْعُو النّاسَ حَتّى انْتَهى إلى أصْحابِ الصَّخْرَةِ، فَلَمّا رَأوْهُ وضَعَ رَجُلٌ سَهْمًا في قَوْسِهِ، فَأرادَ أنْ يَرْمِيَهُ، فَقالَ: «أنا رَسُولُ اللَّهِ» . فَفَرِحُوا بِذَلِكَ حِينَ وجَدُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حَيًّا، وفَرِحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَ رَأى أنَّ في أصْحابِهِ مَن يَمْتَنِعُ، فَلَمّا اجْتَمَعُوا وفِيهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَ ذَهَبَ عَنْهُمُ الحُزْنُ، فَأقْبَلُوا (p-٧٦)يَذْكُرُونَ الفَتْحَ وما فاتَهم مِنهُ، ويَذْكُرُونَ أصْحابَهُمُ الَّذِينَ قُتِلُوا، فَأقْبَلَ أبُو سُفْيانَ حَتّى أشْرَفَ عَلَيْهِمْ، فَلَمّا نَظَرُوا إلَيْهِ نَسُوا ذَلِكَ الَّذِي كانُوا عَلَيْهِ، وهَمَّهم أبُو سُفْيانَ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَيْسَ لَهم أنْ يَعْلُونا، اللَّهُمَّ إنْ تُقْتُلْ هَذِهِ العِصابَةُ لا تُعْبَدْ» . ثُمَّ نَدَبَ أصْحابَهُ فَرَمَوْهم بِالحِجارَةِ حَتّى أنْزَلُوهم فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَأثابَكم غَمًّا بِغَمٍّ﴾ الغَمُّ الأوَّلُ ما فاتَهم مِنَ الغَنِيمَةِ والفَتْحِ، والغَمُّ الثّانِي إشْرافُ العَدُوِّ عَلَيْهِمْ ﴿لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلى ما فاتَكُمْ﴾ مِنَ الغَنِيمَةِ، ﴿ولا ما أصابَكُمْ﴾ مِنَ القَتْلِ حِينَ تَذْكُرُونَ. فَشَغَلَهم أبُو سُفْيانَ» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: أصابَ النّاسَ حُزْنٌ وغَمٌّ عَلى ما أصابَهم في أصْحابِهِمُ الَّذِينَ قُتِلُوا، فَلَمّا تَوَلَّجُوا في الشِّعْبِ وهم فِلٌّ مُصابُونَ، وقَفَ أبُو سُفْيانَ وأصْحابُهُ بِبابِ الشِّعْبِ، فَظَنَّ المُؤْمِنُونَ أنَّهم سَوْفَ يَمِيلُونَ عَلَيْهِمْ فَيَقْتُلُونَهم أيْضًا، فَأصابَهم حُزْنٌ مِن ذَلِكَ أنْساهم حُزْنَهم في أصْحابِهِمْ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿فَأثابَكم غَمًّا بِغَمٍّ﴾ .

آل عمران 3:154

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ أنْزَلَ عَلَيْكُمْ﴾ الآيَةَ. أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ السُّدِّيِّ، أنَّ المُشْرِكِينَ انْصَرَفُوا يَوْمَ أُحُدٍ بَعْدَ الَّذِي كانَ مِن أمْرِهِمْ وأمْرِ المُسْلِمِينَ، فَواعَدُوا النَّبِيَّ ﷺ بَدْرًا مِن قابِلٍ، فَقالَ لَهم: «نَعَمْ» فَتَخَوَّفَ المُسْلِمُونَ أنْ يَنْزِلُوا المَدِينَةَ، فَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَجُلًا، (p-٧٧)فَقالَ: «انْظُرْ فَإنْ رَأيْتَهم قَدْ قَعَدُوا عَلى أثْقالِهِمْ وجَنَبُوا خُيُولَهُمْ، فَإنَّ القَوْمَ ذاهِبُونَ، وإنْ رَأيْتَهم قَدْ قَعَدُوا عَلى خُيُولِهِمْ وجَنَبُوا عَلى أثْقالِهِمْ فَإنَّ القَوْمَ يَنْزِلُونَ المَدِينَةَ، فاتَّقُوا اللَّهَ واصْبِرُوا» ووَطَّنَهم عَلى القِتالِ، فَلَمّا أبْصَرَهُمُ الرَّسُولُ قَعَدُوا عَلى الأثْقالِ سِراعًا عِجالًا، نادى بِأعْلى صَوْتِهِ بِذَهابِهِمْ، فَلَمّا رَأى المُؤْمِنُونَ ذَلِكَ صَدَّقُوا نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ فَنامُوا وبَقِيَ أُناسٌ مِنَ المُنافِقِينَ يَظُنُّونَ أنَّ القَوْمَ يَأْتُونَهُمْ، فَقالَ اللَّهُ يَذْكُرُ حِينَ أخْبَرَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ: ﴿ثُمَّ أنْزَلَ عَلَيْكم مِن بَعْدِ الغَمِّ أمَنَةً نُعاسًا يَغْشى طائِفَةً مِنكم وطائِفَةٌ قَدْ أهَمَّتْهم أنْفُسُهُمْ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في الآيَةِ قالَ: أمَّنَهُمُ اللَّهُ يَوْمَئِذٍ بِنُعاسٍ غَشّاهم بَعْدَ خَوْفٍ، وإنَّما يَنْعُسُ مَن يَأْمَنُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ، والبَيْهَقِيُّ في ”الدَّلائِلِ“ عَنِ المِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ قالَ: سَألْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ: ﴿ثُمَّ أنْزَلَ عَلَيْكم مِن بَعْدِ الغَمِّ أمَنَةً نُعاسًا﴾ قالَ: أُلْقِيَ عَلَيْنا النُّوَّمُ يَوْمَ أُحُدٍ. (p-٧٨)وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والبُخارِيُّ، والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ حِبّانَ، والطَّبَرانِيُّ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ، والبَيْهَقِيُّ كِلاهُما في ”الدَّلائِلِ“، عَنْ أنَسٍ أنَّ أبا طَلْحَةَ قالَ: غُشِّينا ونَحْنُ في مَصافِّنا يَوْمَ أُحُدٍ، حَدَّثَ أنَّهُ كانَ مِمَّنْ غَشِيَهُ النُّعاسُ يَوْمَئِذٍ قالَ: فَجَعَلَ سَيْفِي يَسْقُطُ مِن يَدِي وآخُذُهُ، ويَسْقُطُ وآخُذُهُ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ أنْزَلَ عَلَيْكم مِن بَعْدِ الغَمِّ أمَنَةً نُعاسًا يَغْشى طائِفَةً مِنكُمْ﴾ والطّائِفَةُ الأُخْرى المُنافِقُونَ، لَيْسَ لَهم هَمٌّ إلّا أنْفُسَهُمْ؛ أجْبَنُ قَوْمٍ وأرْعَبُهُ، وأخْذَلُهُ لِلْحَقِّ، ﴿يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الحَقِّ ظَنَّ الجاهِلِيَّةِ﴾ كَذَّبَهُمْ، إنَّما هم أهْلُ شَكٍّ ورِيبَةٍ في اللَّهِ. وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والتِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ، والطَّبَرانِيُّ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ، والبَيْهَقِيُّ، مَعًا في ”الدَّلائِلِ“ مِن طَرِيقِ ثابِتٍ عَنْ أنَسٍ عَنْ أبِي طَلْحَةَ قالَ: رَفَعْتُ رَأْسِي يَوْمَ أُحُدٍ فَجَعَلْتُ أنْظُرُ وما مِنهم مِن أحَدٍ إلّا وهو يَمِيدُ تَحْتَ حَجَفَتِهِ مِنَ النُّعاسِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ أنْزَلَ عَلَيْكم مِن بَعْدِ الغَمِّ أمَنَةً نُعاسًا﴾ . (p-٧٩)وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ، وابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو الشَّيْخِ، والبَيْهَقِيُّ في ”الدَّلائِلِ“، عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ العَوّامِ قالَ: رَفَعْتُ رَأْسِي يَوْمَ أُحُدٍ فَجَعَلْتُ أنْظُرُ، وما مِنهم أحَدٌ إلّا وهو يَمِيدُ تَحْتَ حَجَفَتِهِ مِنَ النُّعاسِ، وتَلا هَذِهِ الآيَةَ: ﴿ثُمَّ أنْزَلَ عَلَيْكم مِن بَعْدِ الغَمِّ أمَنَةً نُعاسًا﴾ الآيَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ، وابْنُ راهَوَيْهِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ، والبَيْهَقِيُّ في ”الدَّلائِلِ“ عَنِ الزُّبَيْرِ قالَ: لَقَدْ رَأيْتُنِي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حِينَ اشْتَدَّ الخَوْفُ عَلَيْنا أرْسَلَ اللَّهُ عَلَيْنا النَّوْمَ؛ فَما مَنّا مِن رَجُلٍ إلّا ذَقَنُهُ في صَدْرِهِ، فَواللَّهِ إنِّي لَأسْمَعُ قَوْلَ مُعَتِّبِ بْنِ قُشَيْرٍ ما أسْمَعُهُ إلّا كالحُلْمِ: لَوْ كانَ لَنا مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ ما قُتِلْنا ها هُنا. فَحَفِظْتُها مِنهُ، وفي ذَلِكَ أنْزَلَ اللَّهُ: ﴿ثُمَّ أنْزَلَ عَلَيْكم مِن بَعْدِ الغَمِّ أمَنَةً نُعاسًا﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ما قُتِلْنا ها هُنا﴾ لِقَوْلِ مُعَتِّبِ بْنِ قُشَيْرٍ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ إبْراهِيمَ، أنَّهُ قَرَأ في ”آلِ عِمْرانَ“: ”أمَنَةً نُعاسًا تَغْشى“ بِالتّاءِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في الآيَةِ قالَ: النُّعاسُ عِنْدَ القِتالِ أمَنَةٌ مِنَ اللَّهِ، والنُّعاسُ في الصَّلاةِ مِنَ الشَّيْطانِ. (p-٨٠)وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قالَ: إنَّ المُنافِقِينَ قالُوا لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ - وكانَ سَيِّدَ المُنافِقِينَ - في أنْفُسِهِمْ: قُتِلَ اليَوْمَ بَنُو الخَزْرَجِ. فَقالَ: وهَلْ لَنا مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ، أما واللَّهِ لَئِنْ رَجَعْنا إلى المَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأعَزُّ مِنها الأذَلَّ. وقالَ: لَوْ كُنْتُمْ في بُيُوتِكم لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ القَتْلُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ والرَّبِيعِ في قَوْلِهِ: ﴿ظَنَّ الجاهِلِيَّةِ﴾ قالا: ظَنَّ أهْلِ الشِّرْكِ. وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: مُعَتِّبٌ الَّذِي قالَ يَوْمَ أُحُدٍ: لَوْ كانَ لَنا مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ ما قُتِلْنا ها هُنا. فَأنْزَلَ اللَّهُ: في ذَلِكَ مِن قَوْلِهِمْ: ﴿وطائِفَةٌ قَدْ أهَمَّتْهم أنْفُسُهم يَظُنُّونَ بِاللَّهِ﴾ إلى آخِرِ القِصَّةِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الرَّبِيعِ في قَوْلِهِ: ﴿يُخْفُونَ في أنْفُسِهِمْ ما لا يُبْدُونَ لَكَ﴾ كانَ مِمّا أخْفَوْا في أنْفُسِهِمْ أنْ قالُوا: ﴿لَوْ كانَ لَنا مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ ما قُتِلْنا ها هُنا﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ، أنَّهُ سُئِلَ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ فَقالَ: لَمّا قُتِلَ مَن قُتِلَ مِن أصْحابِ مُحَمَّدٍ أتَوْا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ، فَقالُوا لَهُ: ما تَرى؟ فَقالَ: إنّا - واللَّهِ - ما نُؤامَرُ، لَوْ كانَ لَنا مِنَ الأمْرِ شَيْءٌ ما قُتِلْنا ها هُنا. (p-٨١)وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الحَسَنِ، أنَّهُ سُئِلَ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿قُلْ لَوْ كُنْتُمْ في بُيُوتِكم لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ القَتْلُ إلى مَضاجِعِهِمْ﴾ قالَ: كَتَبَ اللَّهُ عَلى المُؤْمِنِينَ أنْ يُقاتِلُوا في سَبِيلِهِ، ولَيْسَ كُلُّ مَن يُقاتِلُ يُقْتَلُ، ولَكِنْ يُقْتَلُ مَن كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِ القَتْلَ.

آل عمران 3:155

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنكُمْ﴾ الآيَةَ. أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ كُلَيْبٍ قالَ: خَطَبَ عُمَرُ يَوْمَ الجُمْعَةِ فَقَرَأ: ”آلَ عِمْرانَ“، وكانَ يُعْجِبُهُ إذا خَطَبَ أنْ يَقْرَأها، فَلَمّا انْتَهى إلى قَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنكم يَوْمَ التَقى الجَمْعانِ﴾ قالَ: لَمّا كانَ يَوْمُ أُحُدٍ هُزِمْنا، فَفَرَرْتُ حَتّى صَعِدْتُ الجَبَلَ، فَلَقَدْ رَأيْتُنِي أنْزُو كَأنَّنِي أرْوى، والنّاسُ يَقُولُونَ: قُتِلَ مُحَمَّدٌ، فَقُلْتُ: لا أجِدُ أحَدًا يَقُولُ: قُتِلَ مُحَمَّدٌ إلّا قَتَلْتُهُ، حَتّى اجْتَمَعْنا عَلى الجَبَلِ فَنَزَلَتْ: ﴿إنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنكم يَوْمَ التَقى الجَمْعانِ﴾ الآيَةُ كُلُّها. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ: ﴿إنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنكم يَوْمَ التَقى الجَمْعانِ﴾ قالَ: هم ثَلاثَةٌ، واحِدٌ مِنَ المُهاجِرِينَ واثْنانِ مِنَ الأنْصارِ. وأخْرَجَ ابْنُ مَندَهْ في ”مَعْرِفَةِ الصَّحابَةِ“، وابْنُ عَساكِرَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في (p-٨٢)قَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنكم يَوْمَ التَقى الجَمْعانِ﴾ الآيَةَ، نَزَلَتْ في عُثْمانَ، ورافِعِ بْنِ المُعَلّى، وخارِجَةَ بْنِ زَيْدٍ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عِكْرِمَةَ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنكم يَوْمَ التَقى الجَمْعانِ﴾ قالَ: نَزَلَتْ في رافِعِ بْنِ المُعَلّى وغَيْرِهِ مِنَ الأنْصارِ، وأبِي حُذَيْفَةَ بْنِ عُتْبَةَ، ورَجُلٍ آخَرَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ عِكْرِمَةَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنكم يَوْمَ التَقى الجَمْعانِ﴾ قالَ: عُثْمانُ، والوَلِيدُ بْنُ عُقْبَةَ، وخارِجَةُ بْنُ زَيْدٍ، ورِفاعَةُ بْنُ مُعَلّى. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: كانَ الَّذِينَ ولَّوُا الدُّبُرَ يَوْمَئِذٍ: عُثْمانَ بْنَ عَفّانَ، وسَعْدَ بْنَ عُثْمانَ، وعُقْبَةَ بْنَ عُثْمانَ -أخَوانِ مِنَ الأنْصارِ- مِن بَنِي زُرَيْقٍ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ إسْحاقَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنكم يَوْمَ التَقى الجَمْعانِ﴾ فُلانٌ، وسَعْدُ بْنُ عُثْمانَ، وعُقْبَةُ بْنُ عُثْمانَ الأنْصارِيّانِ، ثُمَّ الزُّرَقِيّانِ، وقَدْ كانَ النّاسُ انْهَزَمُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَتّى انْتَهى بَعْضُهم إلى (p-٨٣)المُنَقّى دُونَ الأعْوَصِ، وفَّرَ عُقْبَةُ بْنُ عُثْمانَ، وسَعْدُ بْنُ عُثْمانَ حَتّى بَلَغُوا الجَلْعَبَ- جَبَلٌ بِناحِيَةِ المَدِينَةِ مِمّا يَلِي الأغْوَصَ- فَأقامُوا بِهِ ثَلاثًا، ثُمَّ رَجَعُوا إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَزَعَمُوا أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «لَقَدْ ذَهَبْتُمْ فِيها عَرِيضَةً» . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنكم يَوْمَ التَقى الجَمْعانِ﴾ ذَلِكَ يَوْمَ أُحُدٍ؛ ناسٌ مِن أصْحابِ النَّبِيِّ ﷺ تَوَلَّوْا عَنِ القِتالِ وعَنْ نَبِيِّ اللَّهِ يَوْمَئِذٍ، وكانَ ذَلِكَ مِن أمْرِ الشَّيْطانِ وتَخْوِيفِهِ فَأنْزَلَ اللَّهُ ما تَسْمَعُونَ أنَّهُ قَدْ تَجاوَزَ لَهم عَنْ ذَلِكَ، وعَفا عَنْهم. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: «﴿إنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنكُمْ﴾ يَعْنِي: انْصَرَفُوا عَنِ القِتالِ مُنْهَزِمِينَ، ﴿يَوْمَ التَقى الجَمْعانِ﴾ يَوْمَ أُحُدٍ حِينَ التَقى الجَمْعانِ؛ جَمْعُ المُسْلِمِينَ وجَمْعُ المُشْرِكِينَ، فانْهَزَمَ المُسْلِمُونَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وبَقِيَ في ثَمانِيَةَ عَشَرَ رَجُلًا، ﴿إنَّما اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطانُ بِبَعْضِ ما كَسَبُوا﴾ . يَعْنِي: حِينَ تَرَكُوا المَرْكَزَ وعَصَوْا أمْرَ الرَّسُولِ ﷺ حِينَ قالَ لِلرُّماةِ يَوْمَ أُحُدٍ: «لا تَبْرَحُوا مَكانَكُمْ» فَتَرَكَ بَعْضُهُمُ المَرْكَزَ، ﴿ولَقَدْ عَفا اللَّهُ عَنْهُمْ﴾ حِينَ لَمْ يُعاقِبْهم فَيَسْتَأْصِلْهم جَمِيعًا، ﴿أنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٣٥] فَلَمْ يَجْعَلْ لِمَنِ انْهَزَمَ يَوْمَ أُحُدٍ بَعْدَ قِتالِ بَدْرٍ النّارَ كَما جَعَلَ يَوْمَ بَدْرٍ، فَهَذِهِ رُخْصَةٌ بَعْدَ التَّشْدِيدِ» . (p-٨٤)وأخْرَجَ أحْمَدُ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ شَقِيقٍ قالَ: لَقِيَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ الوَلِيدَ بْنَ عُقْبَةَ، فَقالَ لَهُ الوَلِيدُ: ما لِي أراكَ جَفَوْتَ أمِيرَ المُؤْمِنِينَ عُثْمانَ؟ فَقالَ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: أبْلِغْهُ أنِّي لَمْ أفِرَّ يَوْمَ عَيْنَيْنِ. -يَقُولُ: يَوْمَ أُحُدٍ- ولَمْ أتَخَلَّفْ عَنْ بَدْرٍ، ولَمْ أتْرُكْ سُنَّةَ عَمَرَ. فانْطَلَقَ فَخَبَّرَ بِذَلِكَ عُثْمانَ، فَقالَ: أمّا قَوْلُهُ: إنِّي لَمْ أفِرَّ يَوْمَ عَيْنَيْنِ. فَكَيْفَ يُعَيِّرُنِي بِذَلِكَ وقَدْ عَفا اللَّهُ عَنِّي فَقالَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنكم يَوْمَ التَقى الجَمْعانِ إنَّما اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطانُ بِبَعْضِ ما كَسَبُوا ولَقَدْ عَفا اللَّهُ عَنْهُمْ﴾ . وأمّا قَوْلُهُ: إنِّي تَخَلَّفْتُ يَوْمَ بَدْرٍ فَإنِّي كُنْتُ أُمَرِّضُ رُقَيَّةَ بِنْتَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَتّى ماتَتْ، وقَدْ ضَرَبَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِسَهْمٍ، ومَن ضَرَبَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِسَهْمٍ فَقَدْ شَهِدَ. وأمّا قَوْلُهُ: إنِّي لَمْ أتْرُكْ سُنَّةَ عُمَرَ؛ فَإنِّي لا أُطِيقُها ولا هُوَ، فَأتاهُ فَحَدَّثَهُ بِذَلِكَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في ”الشُّعَبِ“، عَنْ رَجاءِ بْنِ أبِي سَلَمَةَ قالَ: الحِلْمُ أرْفَعُ مِنَ العَقْلِ؛ لِأنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ تَسَمّى بِهِ.

آل عمران 3:156

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا﴾ الآياتِ. أخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وقالُوا لإخْوانِهِمْ إذا ضَرَبُوا في الأرْضِ﴾ الآيَةَ. (p-٨٥)قالَ: هَذا قَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ ابْنِ سَلُولَ والمُنافِقِينَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿لا تَكُونُوا كالَّذِينَ كَفَرُوا وقالُوا لإخْوانِهِمْ﴾ الآيَةَ، قالَ: هَؤُلاءِ المُنافِقُونَ أصْحابُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ ﴿إذا ضَرَبُوا في الأرْضِ﴾ وهي التِّجارَةُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿لَوْ كانُوا عِنْدَنا ما ماتُوا وما قُتِلُوا﴾ قالَ: هَذا قَوْلُ الكُفّارِ، إذا ماتَ الرَّجُلُ يَقُولُونَ: لَوْ كانَ عِنْدَنا ما ماتَ. فَلا تَقُولُوا كَما قالَ الكُفّارُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً في قُلُوبِهِمْ﴾ قالَ: يُحْزِنُهم قَوْلُهُمْ، لا يَنْفَعُهم شَيْئًا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ إسْحاقَ ﴿لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً في قُلُوبِهِمْ﴾: لِقِلَّةِ اليَقِينِ بِرَبِّهِمْ، ﴿واللَّهُ يُحْيِي ويُمِيتُ﴾ أيْ: يُعَجِّلُ ما يَشاءُ ويُؤَخِّرُ ما يَشاءُ مِن آجالِهِمْ بِقُدْرَتِهِ، ﴿ولَئِنْ قُتِلْتُمْ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ الآيَةَ. أيْ: إنَّ المَوْتَ كائِنٌ لا بُدَّ مِنهُ، فَمَوْتٌ في سَبِيلِ اللَّهِ أوْ قَتْلٌ خَيْرٌ -لَوْ عَلِمُوا واتَّقَوْا- مِمّا يَجْمَعُونَ مِنَ الدُّنْيا الَّتِي لَها يَتَأخَّرُونَ عَنِ الجِهادِ؛ تَخَوُّفَ المَوْتِ والقَتْلِ لِما جَمَعُوا مِن زَهِيدِ الدُّنْيا زَهادَةً في الآخِرَةِ، ﴿ولَئِنْ (p-٨٦)مُتُّمْ أوْ قُتِلْتُمْ لإلى اللَّهِ تُحْشَرُونَ﴾ أيْ: ذَلِكَ كائِنٌ؛ إذْ إلى اللَّهِ المَرْجِعُ، فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الحَياةُ الدُّنْيا ولا تَغْتَرُّوا بِها، ولْيَكُنِ الجِهادُ وما رَغَّبَكُمُ اللَّهُ فِيهِ مِنهُ آثَرَ عِنْدَكم مِنها. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنِ الأعْمَشِ، أنَّهُ قَرَأ: (مِتُّمْ) و(أئِذا مِتْنا)، كُلُّ شَيْءٍ في القُرْآنِ بِكَسْرِ المِيمِ.

آل عمران 3:157

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا﴾ الآياتِ. أخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وقالُوا لإخْوانِهِمْ إذا ضَرَبُوا في الأرْضِ﴾ الآيَةَ. (p-٨٥)قالَ: هَذا قَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ ابْنِ سَلُولَ والمُنافِقِينَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿لا تَكُونُوا كالَّذِينَ كَفَرُوا وقالُوا لإخْوانِهِمْ﴾ الآيَةَ، قالَ: هَؤُلاءِ المُنافِقُونَ أصْحابُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ ﴿إذا ضَرَبُوا في الأرْضِ﴾ وهي التِّجارَةُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿لَوْ كانُوا عِنْدَنا ما ماتُوا وما قُتِلُوا﴾ قالَ: هَذا قَوْلُ الكُفّارِ، إذا ماتَ الرَّجُلُ يَقُولُونَ: لَوْ كانَ عِنْدَنا ما ماتَ. فَلا تَقُولُوا كَما قالَ الكُفّارُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً في قُلُوبِهِمْ﴾ قالَ: يُحْزِنُهم قَوْلُهُمْ، لا يَنْفَعُهم شَيْئًا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ إسْحاقَ ﴿لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً في قُلُوبِهِمْ﴾: لِقِلَّةِ اليَقِينِ بِرَبِّهِمْ، ﴿واللَّهُ يُحْيِي ويُمِيتُ﴾ أيْ: يُعَجِّلُ ما يَشاءُ ويُؤَخِّرُ ما يَشاءُ مِن آجالِهِمْ بِقُدْرَتِهِ، ﴿ولَئِنْ قُتِلْتُمْ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ الآيَةَ. أيْ: إنَّ المَوْتَ كائِنٌ لا بُدَّ مِنهُ، فَمَوْتٌ في سَبِيلِ اللَّهِ أوْ قَتْلٌ خَيْرٌ -لَوْ عَلِمُوا واتَّقَوْا- مِمّا يَجْمَعُونَ مِنَ الدُّنْيا الَّتِي لَها يَتَأخَّرُونَ عَنِ الجِهادِ؛ تَخَوُّفَ المَوْتِ والقَتْلِ لِما جَمَعُوا مِن زَهِيدِ الدُّنْيا زَهادَةً في الآخِرَةِ، ﴿ولَئِنْ (p-٨٦)مُتُّمْ أوْ قُتِلْتُمْ لإلى اللَّهِ تُحْشَرُونَ﴾ أيْ: ذَلِكَ كائِنٌ؛ إذْ إلى اللَّهِ المَرْجِعُ، فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الحَياةُ الدُّنْيا ولا تَغْتَرُّوا بِها، ولْيَكُنِ الجِهادُ وما رَغَّبَكُمُ اللَّهُ فِيهِ مِنهُ آثَرَ عِنْدَكم مِنها. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنِ الأعْمَشِ، أنَّهُ قَرَأ: (مِتُّمْ) و(أئِذا مِتْنا)، كُلُّ شَيْءٍ في القُرْآنِ بِكَسْرِ المِيمِ.

آل عمران 3:158

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا﴾ الآياتِ. أخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وقالُوا لإخْوانِهِمْ إذا ضَرَبُوا في الأرْضِ﴾ الآيَةَ. (p-٨٥)قالَ: هَذا قَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ ابْنِ سَلُولَ والمُنافِقِينَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿لا تَكُونُوا كالَّذِينَ كَفَرُوا وقالُوا لإخْوانِهِمْ﴾ الآيَةَ، قالَ: هَؤُلاءِ المُنافِقُونَ أصْحابُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ ﴿إذا ضَرَبُوا في الأرْضِ﴾ وهي التِّجارَةُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿لَوْ كانُوا عِنْدَنا ما ماتُوا وما قُتِلُوا﴾ قالَ: هَذا قَوْلُ الكُفّارِ، إذا ماتَ الرَّجُلُ يَقُولُونَ: لَوْ كانَ عِنْدَنا ما ماتَ. فَلا تَقُولُوا كَما قالَ الكُفّارُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً في قُلُوبِهِمْ﴾ قالَ: يُحْزِنُهم قَوْلُهُمْ، لا يَنْفَعُهم شَيْئًا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ إسْحاقَ ﴿لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً في قُلُوبِهِمْ﴾: لِقِلَّةِ اليَقِينِ بِرَبِّهِمْ، ﴿واللَّهُ يُحْيِي ويُمِيتُ﴾ أيْ: يُعَجِّلُ ما يَشاءُ ويُؤَخِّرُ ما يَشاءُ مِن آجالِهِمْ بِقُدْرَتِهِ، ﴿ولَئِنْ قُتِلْتُمْ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ الآيَةَ. أيْ: إنَّ المَوْتَ كائِنٌ لا بُدَّ مِنهُ، فَمَوْتٌ في سَبِيلِ اللَّهِ أوْ قَتْلٌ خَيْرٌ -لَوْ عَلِمُوا واتَّقَوْا- مِمّا يَجْمَعُونَ مِنَ الدُّنْيا الَّتِي لَها يَتَأخَّرُونَ عَنِ الجِهادِ؛ تَخَوُّفَ المَوْتِ والقَتْلِ لِما جَمَعُوا مِن زَهِيدِ الدُّنْيا زَهادَةً في الآخِرَةِ، ﴿ولَئِنْ (p-٨٦)مُتُّمْ أوْ قُتِلْتُمْ لإلى اللَّهِ تُحْشَرُونَ﴾ أيْ: ذَلِكَ كائِنٌ؛ إذْ إلى اللَّهِ المَرْجِعُ، فَلا تَغُرَّنَّكُمُ الحَياةُ الدُّنْيا ولا تَغْتَرُّوا بِها، ولْيَكُنِ الجِهادُ وما رَغَّبَكُمُ اللَّهُ فِيهِ مِنهُ آثَرَ عِنْدَكم مِنها. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنِ الأعْمَشِ، أنَّهُ قَرَأ: (مِتُّمْ) و(أئِذا مِتْنا)، كُلُّ شَيْءٍ في القُرْآنِ بِكَسْرِ المِيمِ.

آل عمران 3:159

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَبِما رَحْمَةٍ﴾ الآيَةَ. أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾ يَقُولُ: فَبِرَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ، ﴿ولَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ القَلْبِ لانْفَضُّوا مِن حَوْلِكَ﴾ إي واللَّهِ لَطَهَّرَهُ اللَّهُ مِنَ الفَظاظَةِ والغِلْظَةِ، وجَعَلَهُ قَرِيبًا رَحِيمًا رَءُوفًا بِالمُؤْمِنِينَ، وذُكِرَ لَنا أنَّ نَعْتَ مُحَمَّدٍ ﷺ في التَّوْراةِ: لَيْسَ بِفَظٍّ ولا غَلِيظٍ، ولا صَخُوبٍ في الأسْواقِ، ولا يُجْزِئُ بِالسَّيِّئَةِ مِثْلَها، ولَكِنْ يَعْفُو ويَصْفَحُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ سُئِلَ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ فَقالَ: هَذا خُلُقُ مُحَمَّدٍ ﷺ نَعَتَهُ اللَّهُ. (p-٨٧)وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ مِن طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿لانْفَضُّوا مِن حَوْلِكَ﴾ قالَ: لانْصَرَفُوا عَنْكَ. وأخْرَجَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ، وابْنُ عَدِيٍّ بِسَنَدٍ فِيهِ مَتْرُوكٌ، عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««إنَّ اللَّهَ أمَرَنِي بِمُداراةِ النّاسِ كَما أمَرَنِي بِإقامَةِ الفَرائِضِ»» . وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في ”سُنَنِهِ“ عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿وشاوِرْهم في الأمْرِ﴾ قالَ: قَدْ عَلِمَ اللَّهُ أنَّهُ ما بِهِ إلَيْهِمْ مِن حاجَةٍ، ولَكِنْ أرادَ أنْ يَسْتَنَّ بِهِ مَن بَعْدَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وشاوِرْهم في الأمْرِ﴾ قالَ: أمَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ أنْ يُشاوِرَ أصْحابَهُ في الأُمُورِ وهو يَأْتِيهِ وحْيُ السَّماءِ؛ لِأنَّهُ أطْيَبُ لِأنْفُسِ القَوْمِ، وإنَّ القَوْمَ إذا شاوَرَ بَعْضُهم بَعْضًا وأرادُوا بِذَلِكَ وجْهَ اللَّهِ عَزَمَ لَهم عَلى رُشْدِهِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الضَّحّاكِ قالَ: ما أمَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ بِالمُشاوَرَةِ إلّا لِما عَلِمَ ما فِيها مِنَ الفَضْلِ والبَرَكَةِ. (p-٨٨)قالَ سُفْيانُ: وبَلَغَنِي أنَّها نِصْفُ العَقْلِ، وكانَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ يُشاوِرُ حَتّى المَرْأةَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الحَسَنِ قالَ: ما شاوَرَ قَوْمٌ قَطُّ إلّا هُدُوا لِأرْشَدِ أُمُورِهِمْ. وأخْرَجَ ابْنُ عَدِيٍّ، والبَيْهَقِيُّ في ”الشُّعَبِ“ بِسَنَدٍ حَسَنٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ: ﴿وشاوِرْهم في الأمْرِ﴾ قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أمّا إنَّ اللَّهَ ورَسُولَهُ لَغَنِيّانِ عَنْها، ولَكِنْ جَعَلَها اللَّهُ رَحْمَةً لِأُمَّتِي، فَمَنِ اسْتَشارَ مِنهم لَمْ يَعْدَمْ رُشْدًا، ومَن تَرَكَها لَمْ يَعْدَمْ غَيًّا»» . وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ في ”الأوْسَطِ“ عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««ما خابَ مَنِ اسْتَخارَ، ولا نَدِمَ مَنِ اسْتَشارَ، ولا عالَ مَنِ اقْتَصَدَ»» . وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ في ”سُنَنِهِ“ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿وشاوِرْهم في الأمْرِ﴾ قالَ: أبُو بَكْرٍ وعُمَرُ. وأخْرَجَ مِن طَرِيقِ الكَلْبِيِّ عَنْ أبِي صالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في أبِي بَكْرٍ وعُمَرَ. وأخْرَجَ أحْمَدُ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ غَنْمٍ، «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ لِأبِي بَكْرٍ (p-٨٩)وعُمَرَ: «لَوِ اجْتَمَعْتُما في مَشُورَةٍ ما خالَفْتُكُما»» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «ما رَأيْتُ أحَدًا مِنَ النّاسِ أكْثَرَ مَشُورَةً لِأصْحابِهِ مِن رَسُولِ اللَّهِ» ﷺ . وأخْرَجَ البَزّارُ والعُقَيْلِيُّ والطَّبَرانِيُّ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ، عَنِ ابْنِ عَمْرٍو قالَ: كَتَبَ أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ إلى عَمْرٍو: «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ يُشاوِرُ في الحَرْبِ فَعَلَيْكَ بِهِ» . وأخْرَجَ الحاكِمُ، عَنْ عَلِيٍّ، قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««لَمْ كُنْتُ مُسْتَخْلِفًا أحَدًا عَنْ غَيْرِ مَشُورَةٍ لاسْتَخْلَفْتُ ابْنَ أُمِّ عَبْدٍ»» . وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، والبُخارِيُّ في ”الأدَبِ“ وابْنُ المُنْذِرِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قَرَأ: (وشاوِرْهم في بَعْضِ الأمْرِ) . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، مِن طَرِيقِ ابْنِ سِيرِينَ، عَنْ عُبَيْدَةَ: ﴿وشاوِرْهم في الأمْرِ﴾ . قالَ: في الحَرْبِ. (p-٩٠)وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿فَإذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ﴾ قالَ: أمَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ ﷺ إذا عَزَمَ عَلى أمْرٍ أنْ يَمْضِيَ فِيهِ ويَسْتَقِيمَ عَلى أمْرِ اللَّهِ، ويَتَوَكَّلَ عَلى اللَّهِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ جابِرِ بْنِ زَيْدٍ، وأبِي نَهِيكٍ، أنَّهُما قَرَآ: (فَإذا عَزَمْتَ يا مُحَمَّدُ عَلى أمْرٍ فَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ) . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنْ عَلِيٍّ، قالَ: «سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ العَزْمِ فَقالَ: «مُشاوَرَةُ أهْلِ الرَّأْيِ ثُمَّ اتِّباعُهُمْ»» . وأخْرَجَ الحاكِمُ عَنِ الحُبابِ بْنِ المُنْذِرِ قالَ: «أشَرْتُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ بَدْرٍ بِخَصْلَتَيْنِ فَقَبِلَهُما مِنِّي، خَرَجْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَعَسْكَرَ خَلَفَ الماءِ، فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، أبِوَحْيٍ فَعَلْتَ أوْ بِرَأْيٍ؟ قالَ: «بِرَأْيٍ يا حُبابُ» قُلْتُ: فَإنَّ الرَّأْيَ أنْ تَجْعَلَ الماءَ خَلْفَكَ؛ فَإنْ لَجَأْتَ لَجَأْتَ إلَيْهِ، فَقَبِلَ ذَلِكَ مِنِّي، قالَ: ونَزَلَ جِبْرِيلُ عَلى النَّبِيِّ ﷺ فَقالَ: أيُّ الأمْرَيْنِ أحَبُّ إلَيْكَ تَكُونُ في دُنْياكَ مَعَ أصْحابِكَ، أوْ تَرِدُ عَلى رَبِّكَ فِيما وعَدَكَ مِن جَنّاتِ النَّعِيمِ، فاسْتَشارَ أصْحابَهُ فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، تَكُونُ مَعَنا أحَبُّ إلَيْنا، وتُخْبِرُنا بِعَوْراتِ عَدُوِّنا، وتَدْعُو اللَّهَ لِيَنْصُرَنا عَلَيْهِمْ وتُخْبِرُنا مِن خَبَرِ السَّماءِ. فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «ما لَكَ لا تَتَكَلَّمُ يا حُبابُ» فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، اخْتَرْ حَيْثُ اخْتارَ لَكَ رَبُّكَ، فَقَبِلَ ذَلِكَ مِنِّي» . قالَ الذَّهَبِيُّ: حَدِيثٌ مُنْكَرٌ. (p-٩١)وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَزَلَ مَنزِلًا يَوْمَ بَدْرٍ فَقالَ الحُبابُ بْنُ المُنْذِرِ: لَيْسَ هَذا بِمَنزِلٍ، انْطَلِقْ بِنا إلى أدْنى ماءٍ إلى القَوْمِ، ثُمَّ نَبْنِي عَلَيْهِ حَوْضًا ونَقْذِفُ فِيهِ الآنِيَةَ فَنَشْرَبَ ونُقاتِلَ ونُغَوِّرَ ما سِواها مِنَ القُلُبِ، فَنَزَلَ جِبْرِيلُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: الرَّأْيُ ما أشارَ بِهِ الحُبابُ بْنُ المُنْذِرِ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «يا حُبابُ، أشَرْتَ بِالرَّأْيِ» فَنَهَضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَفَعَلَ ذَلِكَ» . وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ عَنْ يَحْيى بْنِ سَعِيدٍ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ اسْتَشارَ النّاسَ يَوْمَ بَدْرٍ، فَقامَ الحُبابُ بْنُ المُنْذِرِ فَقالَ: نَحْنُ أهْلُ الحَرْبِ؛ أرى أنْ تُغَوِّرَ المِياهَ إلّا ماءً واحِدًا نَلْقاهم عَلَيْهِ، قالَ: واسْتَشارَهم يَوْمَ قُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ، فَقامَ الحُبابُ بْنُ المُنْذِرِ فَقالَ: أرى أنْ نَنْزِلَ بَيْنَ القُصُورِ، فَنَقْطَعَ خَبَرَ هَؤُلاءِ عَنْ هَؤُلاءِ وخَبَرَ هَؤُلاءِ عَنْ هَؤُلاءِ، فَأخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِقَوْلِهِ» .

آل عمران 3:160

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ﴾ الآيَةَ. أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ إسْحاقَ في الآيَةِ قالَ: أيْ: إنْ يَنْصُرْكَ اللَّهُ فَلا غالِبَ لَكَ مِنَ النّاسِ، لَنْ يَضُرَّكَ خِذْلانُ مَن خَذَلَكَ، وإنْ يَخْذُلْكَ فَلَنْ يَضُرَّكَ النّاسُ. ﴿فَمَن ذا الَّذِي يَنْصُرُكم مِن بَعْدِهِ﴾ أيْ: لا تَتْرُكْ أمْرِي لِلنّاسِ، وارْفُضِ النّاسَ لِأمْرِي، ﴿وعَلى اللَّهِ﴾ لا (p-٩٢)عَلى النّاسِ، ﴿فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ﴾ .

آل عمران 3:161

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يَغُلَّ﴾ الآيَةَ. أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وأبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ مِقْسَمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿وما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يَغُلَّ﴾ في قَطِيفَةٍ حَمْراءَ افْتُقِدَتْ يَوْمَ بَدْرٍ، فَقالَ بَعْضُ النّاسِ: لَعَلَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أخَذَها، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يَغُلَّ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ، مِن طَرِيقِ مُجاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «اتَّهَمَ المُنافِقُونَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِشَيْءٍ فُقِدَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يَغُلَّ﴾ [آل عمران»: ١٦١] . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الأعْمَشِ قالَ: «كانَ ابْنُ مَسْعُودٍ يَقْرَأُ: (وما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يُغَلَّ) فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: بَلى، ويُقْتَلُ، إنَّما كانَتْ في قَطِيفَةٍ قالُوا: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ غَلَّها يَوْمَ بَدْرٍ. فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يَغُلَّ﴾ [آل عمران»: ١٦١] . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿وما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يَغُلَّ﴾ في قَطِيفَةٍ حَمْراءَ فُقِدَتْ يَوْمَ بَدْرٍ مِن (p-٩٣)الغَنِيمَةِ. وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «بَعَثَ النَّبِيُّ ﷺ جَيْشًا فَرُدَّتْ رايَتُهُ، ثُمَّ بَعَثَ فَرُدَّتْ بِغُلُولِ رَأْسِ غَزالَةٍ مِن ذَهَبٍ، فَنَزَلَتْ: ﴿وما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يَغُلَّ﴾ [آل عمران»: ١٦١] . وأخْرَجَ البَزّارُ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿وما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يَغُلَّ﴾ قالَ: ما كانَ لِلنَّبِيِّ أنْ يَتَّهِمَهُ أصْحابُهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والطَّبَرانِيُّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: فُقِدَتْ قَطِيفَةٌ حَمْراءُ يَوْمَ بَدْرٍ مِمّا أُصِيبَ مِنَ المُشْرِكِينَ، فَقالَ بَعْضُ النّاسِ: لَعَلَّ النَّبِيَّ ﷺ أخَذَها، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يَغُلَّ﴾ قالَ: خُصَيْفٌ: فَقُلْتُ لِسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: ﴿وما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يَغُلَّ﴾ يَقُولُ: لِيُخانَ. فَقالَ: لا، بَلْ ﴿يَغُلَّ﴾ فَقَدْ كانَ النَّبِيُّ – واللَّهِ - يُغَلُّ ويُقْتَلُ أيْضًا. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ: ﴿وما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يَغُلَّ﴾ بِنَصْبِ الياءِ ورَفْعِ الغَيْنِ. (p-٩٤)وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ أبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ، وأبِي رَجاءٍ، ومُجاهِدٍ، وعِكْرِمَةَ، مِثْلَهُ. وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَرَأ: «﴿وما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يَغُلَّ﴾ [آل عمران»: ١٦١] بِفَتْحِ الياءِ. وأخْرَجَ ابْنُ مَنِيعٍ في ”مُسْنَدِهِ“ عَنْ أبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ قالَ: قُلْتُ لِابْنِ عَبّاسٍ: إنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ يَقْرَأُ: (وما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يُغَلَّ) يَعْنِي بِفَتْحِ الغَيْنِ. فَقالَ لِي: قَدْ كانَ لَهُ أنْ يُغَلَّ وأنْ يُقْتَلَ، إنَّما هي: ﴿أنْ يَغُلَّ﴾ يَعْنِي بِضَمِّ الغَيْنِ، ما كانَ اللَّهُ لِيَجْعَلَ نَبِيًّا غالًّا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿وما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يَغُلَّ﴾ قالَ: أنْ يَقْسِمَ لِطائِفَةٍ مِنَ المُسْلِمِينَ ويَتْرُكَ طائِفَةً ويَجُورَ في القِسْمَةِ، ولَكِنْ يَقْسِمُ بِالعَدْلِ، ويَأْخُذُ فِيهِ بِأمْرِ اللَّهِ، ويَحْكُمُ فِيهِ بِما أنْزَلَ اللَّهُ. يَقُولُ: ما كانَ اللَّهُ لِيَجْعَلَ نَبِيًّا يَغُلُّ مِن أصْحابِهِ، فَإذا فَعَلَ ذَلِكَ النَّبِيُّ ﷺ اسْتَنُّوا بِهِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، مِن طَرِيقِ سَلَمَةَ بْنِ نُبَيْطٍ، عَنِ الضَّحّاكِ قالَ: «بَعَثَ النَّبِيُّ ﷺ طَلائِعَ، فَغَنِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَسَّمَ بَيْنَ النّاسِ ولَمْ يَقْسِمْ لِلطَّلائِعِ شَيْئًا، فَلَمّا قَدِمَتِ الطَّلائِعُ فَقالُوا: قَسَمَ الفَيْءَ ولَمْ (p-٩٥)يَقْسِمْ لَنا؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يَغُلَّ﴾ [آل عمران»: ١٦١] . وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿وما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يَغُلَّ﴾ قالَ: أنْ يَقْسِمَ لِطائِفَةٍ ولا يَقْسِمَ لِطائِفَةٍ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ ﴿وما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يَغُلَّ﴾ قالَ: أنْ يَخُونَ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قَرَأ: (وما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يُغَلَّ) بِنَصْبِ الغَيْنِ. قالَ: أنْ يُخانَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ قَتادَةَ والرَّبِيعِ: (وما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يُغَلَّ) يَقُولُ: ما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يَغُلَّهُ أصْحابُهُ الَّذِينَ مَعَهُ، وذُكِرَ لَنا أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ عَلى النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ بَدْرٍ، وقَدْ غَلَّ طَوائِفُ مِن أصْحابِهِ. وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ والخَطِيبُ في ”تارِيخِهِ“ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: كانَ ابْنُ عَبّاسٍ يُنْكِرُ عَلى مَن يَقْرَأُ: (وما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يُغَلَّ) ويَقُولَ: كَيْفَ لا يَكُونُ لَهُ أنْ يُغَلَّ وقَدْ كانَ لَهُ أنْ يُقْتَلَ؟ قالَ اللَّهُ:﴿ويَقْتُلُونَ الأنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ [آل عمران: ١١٢] [آلِ عِمْرانَ: ١١٢] . ولَكِنَّ المُنافِقِينَ اتَّهَمُوا النَّبِيَّ ﷺ في شَيْءٍ مِنَ الغَنِيمَةِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يَغُلَّ﴾ . (p-٩٦)وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ في ”المُصَنَّفِ“، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، عَنْ زَيْدِ بْنِ خالِدٍ الجُهَنِيِّ، «أنَّ رَجُلًا تُوُفِّيَ يَوْمَ حُنَيْنٍ فَذَكَرُوا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: «صَلُّوا عَلَيْهِ» فَتَغَيَّرَ وُجُوهُ النّاسِ لِذَلِكَ، فَقالَ: «إنَّ صاحِبَكم غَلَّ في سَبِيلِ اللَّهِ» فَفَتَّشْنا مَتاعَهُ فَوَجَدْنا خَرَزًا مِن خَرَزِ اليَهُودِ لا يُساوِي دِرْهَمَيْنِ» . وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذا أصابَ غَنِيمَةً أمَرَ بِلالًا فَنادى في النّاسِ فَيَجِيئُونَ بِغَنائِمِهِمْ فَيُخَمِّسُهُ ويَقْسِمُهُ، فَجاءَ رَجُلٌ بَعْدَ ذَلِكَ بِزِمامٍ مِن شَعَرٍ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، هَذا فِيما كُنّا أصَبْناهُ مِنَ الغَنِيمَةِ فَقالَ: «أسَمِعْتَ بِلالًا»؟ ثَلاثًا. قالَ: نَعَمْ، قالَ: «فَما مَنَعَكَ أنْ تَجِيءَ بِهِ»؟ قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، فَأعْتَذِرُ. قالَ: «كُنْ أنْتَ تَجِيءُ بِهِ يَوْمَ القِيامَةِ فَلَنْ أقْبَلَهُ عَنْكَ»» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، عَنْ صالِحِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ زائِدَةَ قالَ: دَخَلَ مَسْلَمَةُ أرْضَ الرُّومِ فَأُتِيَ بِرَجُلٍ قَدْ غَلَّ فَسَألَ سالِمًا عَنْهُ، فَقالَ: سَمِعْتُ أبِي يُحَدِّثُ، عَنْ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: ««إذا وجَدْتُمُ الرَّجُلَ قَدْ غَلَّ فَأحْرِقُوا مَتاعَهُ واضْرِبُوهُ» قالَ»: فَوَجَدْنا في مَتاعِهِ مُصْحَفًا فَسُئِلَ سالِمٌ عَنْهُ، فَقالَ: بِعْهُ وتَصَدَّقْ بِثَمَنِهِ. (p-٩٧)وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ في ”المُصَنَّفِ“ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ قالَ: «أخْبَرَنِي مَن سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وهو بِوادِي القُرى، وجاءَهُ رَجُلٌ فَقالَ: اسْتُشْهِدَ مَوْلاكَ فُلانٌ، قالَ: «بَلْ هو الآنَ يُجَرُّ إلى النّارِ في عَباءَةٍ غَلَّ بِها اللَّهَ ورَسُولَهُ»» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: «كانَ عَلى ثَقَلِ النَّبِيِّ ﷺ رَجُلٌ يُقالُ لَهُ كِرْكِرَةُ. فَماتَ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «هُوَ في النّارِ» فَذَهَبُوا يَنْظُرُونَ فَوَجَدُوا عَلَيْهِ عَباءَةً قَدْ غَلَّها» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ قالَ: «قِيلَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، اسْتُشْهِدَ فُلانٌ مَوْلاكَ. قالَ: «كَلّا، إنِّي رَأيْتُ عَلَيْهِ عَباءَةً قَدْ غَلَّها»» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «أهْدى رِفاعَةُ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ غُلامًا فَخَرَجَ بِهِ مَعَهُ إلى خَيْبَرَ، فَنَزَلَ بَيْنَ العَصْرِ والمَغْرِبِ فَأتى الغُلامَ سَهْمٌ غائِرٌ فَقَتَلَهُ، فَقُلْنا: هَنِيئًا لَكَ الجَنَّةُ. فَقالَ: «والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إنَّ شَمْلَتَهُ لَتُحْرَقُ عَلَيْهِ الآنَ في النّارِ؛ غَلَّها مِنَ المُسْلِمِينَ» فَقالَ رَجُلٌ مِنَ الأنْصارِ: يا رَسُولَ اللَّهِ، أصَبْتُ يَوْمَئِذٍ شِراكَيْنِ؟ فَقالَ: «يُقَدُّ مِنكَ مِثْلُهُما مِن نارِ جَهَنَّمَ»» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ سالِمٍ قالَ: كانَ أصْحابُنا يَقُولُونَ: عُقُوبَةُ (p-٩٨)صاحِبِ الغُلُولِ أنْ يُحْرُقَ فُسْطاطُهُ ومَتاعُهُ. وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ عَنْ كَثِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدِّهِ، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: ««لا إسْلالَ ولا غُلُولَ ﴿ومَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِما غَلَّ يَوْمَ القِيامَةِ﴾ [آل عمران»: ١٦١]» . وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ عَنْ مُعاذِ بْنِ جَبَلٍ قالَ: «بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى اليَمَنِ، فَلَمّا سِرْتُ أرْسَلَ في أثَرِي فَرَدَدْتُ فَقالَ: «أتَدْرِي لِمَ بَعَثْتُ إلَيْكَ؟ لا تُصِيبَنَّ شَيْئًا بِغَيْرِ إذْنِي، فَإنَّهُ غُلُولٌ، ﴿ومَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِما غَلَّ يَوْمَ القِيامَةِ﴾ لِهَذا دَعْوَتُكَ فامْضِ لِعَمَلِكَ»» . وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ في ”المُصَنَّفِ“، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ قَتادَةَ قالَ: «ذُكِرَ لَنا أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ إذا غَنِمَ مَغْنَمًا بَعَثَ مُنادِيَهُ يَقُولُ: «ألا لا يَغُلَّنَّ رَجُلٌ مِخْيَطًا فَما فَوْقَهُ، ألا لا أعْرِفَنَّ رَجُلًا يَغُلُّ بَعِيرًا يَأْتِي بِهِ يَوْمَ القِيامَةِ حامِلَهُ عَلى عُنُقِهِ، لَهُ رُغاءٌ، ألا لا أعْرِفَنَّ رَجُلًا يَغُلُّ فَرَسًا يَأْتِي بِهِ يَوْمَ القِيامَةِ حامِلَهُ عَلى عُنُقِهِ لَهُ حَمْحَمَةٌ، ألا لا أعْرِفَنَّ رَجُلًا يَغُلُّ شاةً يَأْتِي بِها يَوْمَ القِيامَةِ حامِلَها عَلى عُنُقِهِ لَها ثُغاءٌ» . فَيَتْبَعُ مِن ذَلِكَ ما شاءَ اللَّهُ أنْ يَتْبَعَ. ذُكِرَ لَنا أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ يَقُولُ: «اجْتَنِبُوا الغُلُولَ؛ فَإنَّهُ عارٌ وشَنارٌ ونارٌ»» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأحْمَدُ، والبُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، وابْنُ جَرِيرٍ، والبَيْهَقِيُّ (p-٩٩)فِي ”الشُّعَبِ“ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «قامَ فِينا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمًا فَذَكَرَ الغُلُولَ، فَعَظَّمَهُ وعَظَّمَ أمْرَهُ، ثُمَّ قالَ: «ألا لا أُلْفِيَنَّ أحَدَكم يَجِيءُ يَوْمَ القِيامَةِ عَلى رَقَبَتِهِ بَعِيرٌ لَهُ رُغاءٌ، يَقُولُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، أغِثْنِي. فَأقُولُ: لا أمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا، قَدْ أبْلَغْتُكَ، لا أُلْفِيَنَّ أحَدَكم يَجِيءُ يَوْمَ القِيامَةِ عَلى رَقَبَتِهِ فُرْسٌ لَها حَمْحَمَةٌ، فَيَقُولُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، أغِثْنِي. فَأقُولُ: لا أمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا، قَدْ أبْلَغْتُكَ. لا أُلْفِيَنَّ أحَدَكم يَجِيءُ يَوْمَ القِيامَةِ عَلى رَقَبَتِهِ رِقاعٌ تَخْفِقُ، فَيَقُولُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، أغِثْنِي. فَأقُولُ: لا أمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا قَدْ أبْلَغْتُكَ، لا أُلْفِيَنَّ أحَدَكم يَجِيءُ يَوْمَ القِيامَةِ عَلى رَقَبَتِهِ صامِتٌ، فَيَقُولُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، أغِثْنِي. فَأقُولُ: لا أمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا قَدْ أبْلَغْتُكَ»» . وأخْرَجَ هَنّادٌ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّ رَجُلًا قالَ لَهُ: أرَأيْتَ قَوْلَ اللَّهِ: ﴿ومَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِما غَلَّ يَوْمَ القِيامَةِ﴾ هَذا يَغُلُّ ألْفَ دِرْهَمٍ، وألْفَيْ دِرْهَمٍ يَأْتِي بِها، أرَأيْتَ مَن يَغُلُّ مِائَةَ بَعِيرٍ ومِائَتَيْ بَعِيرٍ، كَيْفَ يَصْنَعُ بِها؟ قالَ: أرَأيْتَ مَن كانَ ضِرْسُهُ مِثْلَ أُحُدٍ وفَخِذُهُ مِثْلَ ورِقانَ، وساقُهُ (p-١٠٠)مِثْلَ بَيْضاءَ، ومَجْلِسُهُ ما بَيْنَ الرَّبَذَةِ إلى المَدِينَةِ، ألا يَحْمِلَ هَذا؟ وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في ”الشُّعَبِ“ عَنْ بُرَيْدَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««إنَّ الحَجَرَ لَيَزِنُ سَبْعَ خَلِفاتٍ، لَيُلْقى في جَهَنَّمَ فَيَهْوِي فِيها سَبْعِينَ خَرِيفًا، ويُؤْتى بِالغُلُولِ فَيُلْقى مَعَهُ، ثُمَّ يُكَلَّفُ صاحِبُهُ أنْ يَأْتِيَ بِهِ وهو قَوْلُ اللَّهِ: ﴿ومَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِما غَلَّ يَوْمَ القِيامَةِ﴾ [آل عمران»: ١٦١]» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأحْمَدُ، ومُسْلِمٌ، وأبُو داوُدَ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ عَمِيرَةَ الكِنْدِيِّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««يا أيُّها النّاسُ، مَن عَمِلَ مِنكم لَنا في عَمَلٍ، فَكَتَمَنا مِنهُ مِخْيَطًا فَما فَوْقَهُ فَهو غُلٌّ» وفي لَفْظٍ: «فَإنَّهُ غُلُولٌ يَأْتِي بِهِ يَوْمَ القِيامَةِ»» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُنَيْسٍ، «أنَّهُ تَذاكَرَ هو وعُمَرُ يَوْمًا الصَّدَقَةَ فَقالَ: ألَمْ تَسْمَعْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حِينَ ذَكَرَ غُلُولَ الصَّدَقَةِ: «مَن غَلَّ مِنها بَعِيرًا أوْ شاةً فَإنَّهُ يَحْمِلُهُ يَوْمَ القِيامَةِ»؟ قالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُنَيْسٍ: بَلى» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ في قَوْلِهِ: ﴿ومَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِما غَلَّ يَوْمَ القِيامَةِ﴾ (p-١٠١)يَعْنِي يَأْتِ بِما غَلَّ يَوْمَ القِيامَةِ يَحْمِلُهُ عَلى عُنُقِهِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَمْرٍو قالَ: لَوْ كُنْتُ مُسْتَحِلًّا مِنَ الغُلُولِ القَلِيلَ لاسْتَحْلَلْتُ مِنهُ الكَثِيرَ، ما مِن أحَدٍ يَغُلُّ غُلُولًا إلّا كُلِّفَ أنْ يَأْتِيَ بِهِ مِن أسْفَلِ دَرْكِ جَهَنَّمَ. وأخْرَجَ أحْمَدُ، وابْنُ أبِي داوُدَ في ”المَصاحِفِ“، عَنْ خُمَيْرِ بْنِ مالِكٍ قالَ: لَمّا أُمِرَ بِالمَصاحِفِ أنْ تُغَيَّرَ، فَقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: مَنِ اسْتَطاعَ مِنكم أنْ يَغُلَّ مُصْحَفَهُ فَلْيَغُلَّهُ؛ فَإنَّهُ مَن غَلَّ شَيْئًا جاءَ بِهِ يَوْمَ القِيامَةِ، ونِعْمَ الغُلُّ المُصْحَفُ يَأْتِي بِهِ أحَدُكم يَوْمَ القِيامَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ في قَوْلِهِ: ﴿أفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَ اللَّهِ﴾ يَعْنِي رِضا اللَّهِ فَلَمْ يَغْلُلْ مِنَ الغَنِيمَةِ، ﴿كَمَن باءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ﴾ يَعْنِي كَمَنِ اسْتَوْجَبَ سَخَطًا مِنَ اللَّهِ في الغُلُولِ؟ فَلَيْسَ هو بِسَواءٍ. ثُمَّ بَيَّنَ مُسْتَقَرَّهُما فَقالَ لِلَّذِي يَغُلُّ: ﴿ومَأْواهُ جَهَنَّمُ وبِئْسَ المَصِيرُ﴾ يَعْنِي مَصِيرُ أهْلِ الغُلُولِ. ثُمَّ ذَكَرَ مُسْتَقَرَّ مَن لا يَغُلُّ فَقالَ: ﴿لَهم دَرَجاتٌ﴾ [الأنفال: ٤] يَعْنِي: لَهم فَضائِلُ عِنْدَ اللَّهِ ﴿واللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ﴾ يَعْنِي: بَصِيرٌ بِمَن غَلَّ مِنكم (p-١٠٢)ومَن لَمْ يَغُلَّ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الضَّحّاكِ في قَوْلِهِ: ﴿أفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَ اللَّهِ﴾ قالَ: مَن لَمْ يَغُلَّ، ﴿كَمَن باءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ﴾ كَمَن غَلَّ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ: ﴿أفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَ اللَّهِ﴾ قالَ: أمْرَ اللَّهِ في أداءِ الخُمُسِ، ﴿كَمَن باءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ﴾ فاسْتَوْجَبَ سَخَطًا مِنَ اللَّهِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ: ﴿أفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَ اللَّهِ﴾ قالَ: مَن أدّى الخُمُسَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿أفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَ اللَّهِ﴾ يَقُولُ: مَن أخَذَ الحَلالَ خَيْرٌ لَهُ مِمَّنْ أخَذَ الحَرامَ، وهَذا في الغُلُولِ، وفي المَظالِمِ كُلِّها. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ العَوْفِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿هم دَرَجاتٌ عِنْدَ اللَّهِ﴾ يَقُولُ: بِأعْمالِهِمْ. (p-١٠٣)وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿هم دَرَجاتٌ عِنْدَ اللَّهِ﴾ قالَ: هي كَقَوْلِهِ: ﴿لَهم دَرَجاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [الأنفال: ٤] . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿هم دَرَجاتٌ﴾ يَقُولُ: لَهم دَرَجاتٌ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ سُئِلَ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿هم دَرَجاتٌ﴾ قالَ: لِلنّاسِ دَرَجاتٌ بِأعْمالِهِمْ في الخَيْرِ والشَّرِّ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ الضَّحّاكِ: ﴿هم دَرَجاتٌ عِنْدَ اللَّهِ﴾ قالَ: أهْلُ الجَنَّةِ بَعْضُهم فَوْقَ بَعْضٍ؛ فَيَرى الَّذِي فَوْقَ فَضْلَهُ عَلى الَّذِي أسْفَلَ مِنهُ، ولا يَرى الَّذِي أسْفَلَ مِنهُ أنَّهُ فُضِّلَ عَلَيْهِ أحَدٌ.

آل عمران 3:162

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يَغُلَّ﴾ الآيَةَ. أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وأبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ مِقْسَمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿وما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يَغُلَّ﴾ في قَطِيفَةٍ حَمْراءَ افْتُقِدَتْ يَوْمَ بَدْرٍ، فَقالَ بَعْضُ النّاسِ: لَعَلَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أخَذَها، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يَغُلَّ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ، مِن طَرِيقِ مُجاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «اتَّهَمَ المُنافِقُونَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِشَيْءٍ فُقِدَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يَغُلَّ﴾ [آل عمران»: ١٦١] . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الأعْمَشِ قالَ: «كانَ ابْنُ مَسْعُودٍ يَقْرَأُ: (وما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يُغَلَّ) فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: بَلى، ويُقْتَلُ، إنَّما كانَتْ في قَطِيفَةٍ قالُوا: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ غَلَّها يَوْمَ بَدْرٍ. فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يَغُلَّ﴾ [آل عمران»: ١٦١] . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿وما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يَغُلَّ﴾ في قَطِيفَةٍ حَمْراءَ فُقِدَتْ يَوْمَ بَدْرٍ مِن (p-٩٣)الغَنِيمَةِ. وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «بَعَثَ النَّبِيُّ ﷺ جَيْشًا فَرُدَّتْ رايَتُهُ، ثُمَّ بَعَثَ فَرُدَّتْ بِغُلُولِ رَأْسِ غَزالَةٍ مِن ذَهَبٍ، فَنَزَلَتْ: ﴿وما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يَغُلَّ﴾ [آل عمران»: ١٦١] . وأخْرَجَ البَزّارُ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿وما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يَغُلَّ﴾ قالَ: ما كانَ لِلنَّبِيِّ أنْ يَتَّهِمَهُ أصْحابُهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والطَّبَرانِيُّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: فُقِدَتْ قَطِيفَةٌ حَمْراءُ يَوْمَ بَدْرٍ مِمّا أُصِيبَ مِنَ المُشْرِكِينَ، فَقالَ بَعْضُ النّاسِ: لَعَلَّ النَّبِيَّ ﷺ أخَذَها، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يَغُلَّ﴾ قالَ: خُصَيْفٌ: فَقُلْتُ لِسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: ﴿وما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يَغُلَّ﴾ يَقُولُ: لِيُخانَ. فَقالَ: لا، بَلْ ﴿يَغُلَّ﴾ فَقَدْ كانَ النَّبِيُّ – واللَّهِ - يُغَلُّ ويُقْتَلُ أيْضًا. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ: ﴿وما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يَغُلَّ﴾ بِنَصْبِ الياءِ ورَفْعِ الغَيْنِ. (p-٩٤)وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ أبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ، وأبِي رَجاءٍ، ومُجاهِدٍ، وعِكْرِمَةَ، مِثْلَهُ. وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَرَأ: «﴿وما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يَغُلَّ﴾ [آل عمران»: ١٦١] بِفَتْحِ الياءِ. وأخْرَجَ ابْنُ مَنِيعٍ في ”مُسْنَدِهِ“ عَنْ أبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ قالَ: قُلْتُ لِابْنِ عَبّاسٍ: إنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ يَقْرَأُ: (وما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يُغَلَّ) يَعْنِي بِفَتْحِ الغَيْنِ. فَقالَ لِي: قَدْ كانَ لَهُ أنْ يُغَلَّ وأنْ يُقْتَلَ، إنَّما هي: ﴿أنْ يَغُلَّ﴾ يَعْنِي بِضَمِّ الغَيْنِ، ما كانَ اللَّهُ لِيَجْعَلَ نَبِيًّا غالًّا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿وما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يَغُلَّ﴾ قالَ: أنْ يَقْسِمَ لِطائِفَةٍ مِنَ المُسْلِمِينَ ويَتْرُكَ طائِفَةً ويَجُورَ في القِسْمَةِ، ولَكِنْ يَقْسِمُ بِالعَدْلِ، ويَأْخُذُ فِيهِ بِأمْرِ اللَّهِ، ويَحْكُمُ فِيهِ بِما أنْزَلَ اللَّهُ. يَقُولُ: ما كانَ اللَّهُ لِيَجْعَلَ نَبِيًّا يَغُلُّ مِن أصْحابِهِ، فَإذا فَعَلَ ذَلِكَ النَّبِيُّ ﷺ اسْتَنُّوا بِهِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، مِن طَرِيقِ سَلَمَةَ بْنِ نُبَيْطٍ، عَنِ الضَّحّاكِ قالَ: «بَعَثَ النَّبِيُّ ﷺ طَلائِعَ، فَغَنِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَسَّمَ بَيْنَ النّاسِ ولَمْ يَقْسِمْ لِلطَّلائِعِ شَيْئًا، فَلَمّا قَدِمَتِ الطَّلائِعُ فَقالُوا: قَسَمَ الفَيْءَ ولَمْ (p-٩٥)يَقْسِمْ لَنا؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يَغُلَّ﴾ [آل عمران»: ١٦١] . وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿وما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يَغُلَّ﴾ قالَ: أنْ يَقْسِمَ لِطائِفَةٍ ولا يَقْسِمَ لِطائِفَةٍ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ ﴿وما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يَغُلَّ﴾ قالَ: أنْ يَخُونَ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قَرَأ: (وما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يُغَلَّ) بِنَصْبِ الغَيْنِ. قالَ: أنْ يُخانَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ قَتادَةَ والرَّبِيعِ: (وما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يُغَلَّ) يَقُولُ: ما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يَغُلَّهُ أصْحابُهُ الَّذِينَ مَعَهُ، وذُكِرَ لَنا أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ عَلى النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ بَدْرٍ، وقَدْ غَلَّ طَوائِفُ مِن أصْحابِهِ. وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ والخَطِيبُ في ”تارِيخِهِ“ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: كانَ ابْنُ عَبّاسٍ يُنْكِرُ عَلى مَن يَقْرَأُ: (وما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يُغَلَّ) ويَقُولَ: كَيْفَ لا يَكُونُ لَهُ أنْ يُغَلَّ وقَدْ كانَ لَهُ أنْ يُقْتَلَ؟ قالَ اللَّهُ:﴿ويَقْتُلُونَ الأنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ [آل عمران: ١١٢] [آلِ عِمْرانَ: ١١٢] . ولَكِنَّ المُنافِقِينَ اتَّهَمُوا النَّبِيَّ ﷺ في شَيْءٍ مِنَ الغَنِيمَةِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يَغُلَّ﴾ . (p-٩٦)وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ في ”المُصَنَّفِ“، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، عَنْ زَيْدِ بْنِ خالِدٍ الجُهَنِيِّ، «أنَّ رَجُلًا تُوُفِّيَ يَوْمَ حُنَيْنٍ فَذَكَرُوا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: «صَلُّوا عَلَيْهِ» فَتَغَيَّرَ وُجُوهُ النّاسِ لِذَلِكَ، فَقالَ: «إنَّ صاحِبَكم غَلَّ في سَبِيلِ اللَّهِ» فَفَتَّشْنا مَتاعَهُ فَوَجَدْنا خَرَزًا مِن خَرَزِ اليَهُودِ لا يُساوِي دِرْهَمَيْنِ» . وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذا أصابَ غَنِيمَةً أمَرَ بِلالًا فَنادى في النّاسِ فَيَجِيئُونَ بِغَنائِمِهِمْ فَيُخَمِّسُهُ ويَقْسِمُهُ، فَجاءَ رَجُلٌ بَعْدَ ذَلِكَ بِزِمامٍ مِن شَعَرٍ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، هَذا فِيما كُنّا أصَبْناهُ مِنَ الغَنِيمَةِ فَقالَ: «أسَمِعْتَ بِلالًا»؟ ثَلاثًا. قالَ: نَعَمْ، قالَ: «فَما مَنَعَكَ أنْ تَجِيءَ بِهِ»؟ قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، فَأعْتَذِرُ. قالَ: «كُنْ أنْتَ تَجِيءُ بِهِ يَوْمَ القِيامَةِ فَلَنْ أقْبَلَهُ عَنْكَ»» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، عَنْ صالِحِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ زائِدَةَ قالَ: دَخَلَ مَسْلَمَةُ أرْضَ الرُّومِ فَأُتِيَ بِرَجُلٍ قَدْ غَلَّ فَسَألَ سالِمًا عَنْهُ، فَقالَ: سَمِعْتُ أبِي يُحَدِّثُ، عَنْ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: ««إذا وجَدْتُمُ الرَّجُلَ قَدْ غَلَّ فَأحْرِقُوا مَتاعَهُ واضْرِبُوهُ» قالَ»: فَوَجَدْنا في مَتاعِهِ مُصْحَفًا فَسُئِلَ سالِمٌ عَنْهُ، فَقالَ: بِعْهُ وتَصَدَّقْ بِثَمَنِهِ. (p-٩٧)وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ في ”المُصَنَّفِ“ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ قالَ: «أخْبَرَنِي مَن سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وهو بِوادِي القُرى، وجاءَهُ رَجُلٌ فَقالَ: اسْتُشْهِدَ مَوْلاكَ فُلانٌ، قالَ: «بَلْ هو الآنَ يُجَرُّ إلى النّارِ في عَباءَةٍ غَلَّ بِها اللَّهَ ورَسُولَهُ»» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: «كانَ عَلى ثَقَلِ النَّبِيِّ ﷺ رَجُلٌ يُقالُ لَهُ كِرْكِرَةُ. فَماتَ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «هُوَ في النّارِ» فَذَهَبُوا يَنْظُرُونَ فَوَجَدُوا عَلَيْهِ عَباءَةً قَدْ غَلَّها» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ قالَ: «قِيلَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، اسْتُشْهِدَ فُلانٌ مَوْلاكَ. قالَ: «كَلّا، إنِّي رَأيْتُ عَلَيْهِ عَباءَةً قَدْ غَلَّها»» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «أهْدى رِفاعَةُ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ غُلامًا فَخَرَجَ بِهِ مَعَهُ إلى خَيْبَرَ، فَنَزَلَ بَيْنَ العَصْرِ والمَغْرِبِ فَأتى الغُلامَ سَهْمٌ غائِرٌ فَقَتَلَهُ، فَقُلْنا: هَنِيئًا لَكَ الجَنَّةُ. فَقالَ: «والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إنَّ شَمْلَتَهُ لَتُحْرَقُ عَلَيْهِ الآنَ في النّارِ؛ غَلَّها مِنَ المُسْلِمِينَ» فَقالَ رَجُلٌ مِنَ الأنْصارِ: يا رَسُولَ اللَّهِ، أصَبْتُ يَوْمَئِذٍ شِراكَيْنِ؟ فَقالَ: «يُقَدُّ مِنكَ مِثْلُهُما مِن نارِ جَهَنَّمَ»» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ سالِمٍ قالَ: كانَ أصْحابُنا يَقُولُونَ: عُقُوبَةُ (p-٩٨)صاحِبِ الغُلُولِ أنْ يُحْرُقَ فُسْطاطُهُ ومَتاعُهُ. وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ عَنْ كَثِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدِّهِ، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: ««لا إسْلالَ ولا غُلُولَ ﴿ومَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِما غَلَّ يَوْمَ القِيامَةِ﴾ [آل عمران»: ١٦١]» . وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ عَنْ مُعاذِ بْنِ جَبَلٍ قالَ: «بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى اليَمَنِ، فَلَمّا سِرْتُ أرْسَلَ في أثَرِي فَرَدَدْتُ فَقالَ: «أتَدْرِي لِمَ بَعَثْتُ إلَيْكَ؟ لا تُصِيبَنَّ شَيْئًا بِغَيْرِ إذْنِي، فَإنَّهُ غُلُولٌ، ﴿ومَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِما غَلَّ يَوْمَ القِيامَةِ﴾ لِهَذا دَعْوَتُكَ فامْضِ لِعَمَلِكَ»» . وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ في ”المُصَنَّفِ“، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ قَتادَةَ قالَ: «ذُكِرَ لَنا أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ إذا غَنِمَ مَغْنَمًا بَعَثَ مُنادِيَهُ يَقُولُ: «ألا لا يَغُلَّنَّ رَجُلٌ مِخْيَطًا فَما فَوْقَهُ، ألا لا أعْرِفَنَّ رَجُلًا يَغُلُّ بَعِيرًا يَأْتِي بِهِ يَوْمَ القِيامَةِ حامِلَهُ عَلى عُنُقِهِ، لَهُ رُغاءٌ، ألا لا أعْرِفَنَّ رَجُلًا يَغُلُّ فَرَسًا يَأْتِي بِهِ يَوْمَ القِيامَةِ حامِلَهُ عَلى عُنُقِهِ لَهُ حَمْحَمَةٌ، ألا لا أعْرِفَنَّ رَجُلًا يَغُلُّ شاةً يَأْتِي بِها يَوْمَ القِيامَةِ حامِلَها عَلى عُنُقِهِ لَها ثُغاءٌ» . فَيَتْبَعُ مِن ذَلِكَ ما شاءَ اللَّهُ أنْ يَتْبَعَ. ذُكِرَ لَنا أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ يَقُولُ: «اجْتَنِبُوا الغُلُولَ؛ فَإنَّهُ عارٌ وشَنارٌ ونارٌ»» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأحْمَدُ، والبُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، وابْنُ جَرِيرٍ، والبَيْهَقِيُّ (p-٩٩)فِي ”الشُّعَبِ“ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «قامَ فِينا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمًا فَذَكَرَ الغُلُولَ، فَعَظَّمَهُ وعَظَّمَ أمْرَهُ، ثُمَّ قالَ: «ألا لا أُلْفِيَنَّ أحَدَكم يَجِيءُ يَوْمَ القِيامَةِ عَلى رَقَبَتِهِ بَعِيرٌ لَهُ رُغاءٌ، يَقُولُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، أغِثْنِي. فَأقُولُ: لا أمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا، قَدْ أبْلَغْتُكَ، لا أُلْفِيَنَّ أحَدَكم يَجِيءُ يَوْمَ القِيامَةِ عَلى رَقَبَتِهِ فُرْسٌ لَها حَمْحَمَةٌ، فَيَقُولُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، أغِثْنِي. فَأقُولُ: لا أمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا، قَدْ أبْلَغْتُكَ. لا أُلْفِيَنَّ أحَدَكم يَجِيءُ يَوْمَ القِيامَةِ عَلى رَقَبَتِهِ رِقاعٌ تَخْفِقُ، فَيَقُولُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، أغِثْنِي. فَأقُولُ: لا أمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا قَدْ أبْلَغْتُكَ، لا أُلْفِيَنَّ أحَدَكم يَجِيءُ يَوْمَ القِيامَةِ عَلى رَقَبَتِهِ صامِتٌ، فَيَقُولُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، أغِثْنِي. فَأقُولُ: لا أمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا قَدْ أبْلَغْتُكَ»» . وأخْرَجَ هَنّادٌ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّ رَجُلًا قالَ لَهُ: أرَأيْتَ قَوْلَ اللَّهِ: ﴿ومَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِما غَلَّ يَوْمَ القِيامَةِ﴾ هَذا يَغُلُّ ألْفَ دِرْهَمٍ، وألْفَيْ دِرْهَمٍ يَأْتِي بِها، أرَأيْتَ مَن يَغُلُّ مِائَةَ بَعِيرٍ ومِائَتَيْ بَعِيرٍ، كَيْفَ يَصْنَعُ بِها؟ قالَ: أرَأيْتَ مَن كانَ ضِرْسُهُ مِثْلَ أُحُدٍ وفَخِذُهُ مِثْلَ ورِقانَ، وساقُهُ (p-١٠٠)مِثْلَ بَيْضاءَ، ومَجْلِسُهُ ما بَيْنَ الرَّبَذَةِ إلى المَدِينَةِ، ألا يَحْمِلَ هَذا؟ وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في ”الشُّعَبِ“ عَنْ بُرَيْدَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««إنَّ الحَجَرَ لَيَزِنُ سَبْعَ خَلِفاتٍ، لَيُلْقى في جَهَنَّمَ فَيَهْوِي فِيها سَبْعِينَ خَرِيفًا، ويُؤْتى بِالغُلُولِ فَيُلْقى مَعَهُ، ثُمَّ يُكَلَّفُ صاحِبُهُ أنْ يَأْتِيَ بِهِ وهو قَوْلُ اللَّهِ: ﴿ومَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِما غَلَّ يَوْمَ القِيامَةِ﴾ [آل عمران»: ١٦١]» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأحْمَدُ، ومُسْلِمٌ، وأبُو داوُدَ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ عَمِيرَةَ الكِنْدِيِّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««يا أيُّها النّاسُ، مَن عَمِلَ مِنكم لَنا في عَمَلٍ، فَكَتَمَنا مِنهُ مِخْيَطًا فَما فَوْقَهُ فَهو غُلٌّ» وفي لَفْظٍ: «فَإنَّهُ غُلُولٌ يَأْتِي بِهِ يَوْمَ القِيامَةِ»» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُنَيْسٍ، «أنَّهُ تَذاكَرَ هو وعُمَرُ يَوْمًا الصَّدَقَةَ فَقالَ: ألَمْ تَسْمَعْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حِينَ ذَكَرَ غُلُولَ الصَّدَقَةِ: «مَن غَلَّ مِنها بَعِيرًا أوْ شاةً فَإنَّهُ يَحْمِلُهُ يَوْمَ القِيامَةِ»؟ قالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُنَيْسٍ: بَلى» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ في قَوْلِهِ: ﴿ومَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِما غَلَّ يَوْمَ القِيامَةِ﴾ (p-١٠١)يَعْنِي يَأْتِ بِما غَلَّ يَوْمَ القِيامَةِ يَحْمِلُهُ عَلى عُنُقِهِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَمْرٍو قالَ: لَوْ كُنْتُ مُسْتَحِلًّا مِنَ الغُلُولِ القَلِيلَ لاسْتَحْلَلْتُ مِنهُ الكَثِيرَ، ما مِن أحَدٍ يَغُلُّ غُلُولًا إلّا كُلِّفَ أنْ يَأْتِيَ بِهِ مِن أسْفَلِ دَرْكِ جَهَنَّمَ. وأخْرَجَ أحْمَدُ، وابْنُ أبِي داوُدَ في ”المَصاحِفِ“، عَنْ خُمَيْرِ بْنِ مالِكٍ قالَ: لَمّا أُمِرَ بِالمَصاحِفِ أنْ تُغَيَّرَ، فَقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: مَنِ اسْتَطاعَ مِنكم أنْ يَغُلَّ مُصْحَفَهُ فَلْيَغُلَّهُ؛ فَإنَّهُ مَن غَلَّ شَيْئًا جاءَ بِهِ يَوْمَ القِيامَةِ، ونِعْمَ الغُلُّ المُصْحَفُ يَأْتِي بِهِ أحَدُكم يَوْمَ القِيامَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ في قَوْلِهِ: ﴿أفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَ اللَّهِ﴾ يَعْنِي رِضا اللَّهِ فَلَمْ يَغْلُلْ مِنَ الغَنِيمَةِ، ﴿كَمَن باءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ﴾ يَعْنِي كَمَنِ اسْتَوْجَبَ سَخَطًا مِنَ اللَّهِ في الغُلُولِ؟ فَلَيْسَ هو بِسَواءٍ. ثُمَّ بَيَّنَ مُسْتَقَرَّهُما فَقالَ لِلَّذِي يَغُلُّ: ﴿ومَأْواهُ جَهَنَّمُ وبِئْسَ المَصِيرُ﴾ يَعْنِي مَصِيرُ أهْلِ الغُلُولِ. ثُمَّ ذَكَرَ مُسْتَقَرَّ مَن لا يَغُلُّ فَقالَ: ﴿لَهم دَرَجاتٌ﴾ [الأنفال: ٤] يَعْنِي: لَهم فَضائِلُ عِنْدَ اللَّهِ ﴿واللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ﴾ يَعْنِي: بَصِيرٌ بِمَن غَلَّ مِنكم (p-١٠٢)ومَن لَمْ يَغُلَّ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الضَّحّاكِ في قَوْلِهِ: ﴿أفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَ اللَّهِ﴾ قالَ: مَن لَمْ يَغُلَّ، ﴿كَمَن باءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ﴾ كَمَن غَلَّ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ: ﴿أفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَ اللَّهِ﴾ قالَ: أمْرَ اللَّهِ في أداءِ الخُمُسِ، ﴿كَمَن باءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ﴾ فاسْتَوْجَبَ سَخَطًا مِنَ اللَّهِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ: ﴿أفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَ اللَّهِ﴾ قالَ: مَن أدّى الخُمُسَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿أفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَ اللَّهِ﴾ يَقُولُ: مَن أخَذَ الحَلالَ خَيْرٌ لَهُ مِمَّنْ أخَذَ الحَرامَ، وهَذا في الغُلُولِ، وفي المَظالِمِ كُلِّها. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ العَوْفِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿هم دَرَجاتٌ عِنْدَ اللَّهِ﴾ يَقُولُ: بِأعْمالِهِمْ. (p-١٠٣)وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿هم دَرَجاتٌ عِنْدَ اللَّهِ﴾ قالَ: هي كَقَوْلِهِ: ﴿لَهم دَرَجاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [الأنفال: ٤] . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿هم دَرَجاتٌ﴾ يَقُولُ: لَهم دَرَجاتٌ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ سُئِلَ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿هم دَرَجاتٌ﴾ قالَ: لِلنّاسِ دَرَجاتٌ بِأعْمالِهِمْ في الخَيْرِ والشَّرِّ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ الضَّحّاكِ: ﴿هم دَرَجاتٌ عِنْدَ اللَّهِ﴾ قالَ: أهْلُ الجَنَّةِ بَعْضُهم فَوْقَ بَعْضٍ؛ فَيَرى الَّذِي فَوْقَ فَضْلَهُ عَلى الَّذِي أسْفَلَ مِنهُ، ولا يَرى الَّذِي أسْفَلَ مِنهُ أنَّهُ فُضِّلَ عَلَيْهِ أحَدٌ.

آل عمران 3:163

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يَغُلَّ﴾ الآيَةَ. أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وأبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ مِقْسَمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿وما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يَغُلَّ﴾ في قَطِيفَةٍ حَمْراءَ افْتُقِدَتْ يَوْمَ بَدْرٍ، فَقالَ بَعْضُ النّاسِ: لَعَلَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أخَذَها، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يَغُلَّ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ، مِن طَرِيقِ مُجاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «اتَّهَمَ المُنافِقُونَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِشَيْءٍ فُقِدَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يَغُلَّ﴾ [آل عمران»: ١٦١] . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الأعْمَشِ قالَ: «كانَ ابْنُ مَسْعُودٍ يَقْرَأُ: (وما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يُغَلَّ) فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: بَلى، ويُقْتَلُ، إنَّما كانَتْ في قَطِيفَةٍ قالُوا: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ غَلَّها يَوْمَ بَدْرٍ. فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يَغُلَّ﴾ [آل عمران»: ١٦١] . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿وما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يَغُلَّ﴾ في قَطِيفَةٍ حَمْراءَ فُقِدَتْ يَوْمَ بَدْرٍ مِن (p-٩٣)الغَنِيمَةِ. وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «بَعَثَ النَّبِيُّ ﷺ جَيْشًا فَرُدَّتْ رايَتُهُ، ثُمَّ بَعَثَ فَرُدَّتْ بِغُلُولِ رَأْسِ غَزالَةٍ مِن ذَهَبٍ، فَنَزَلَتْ: ﴿وما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يَغُلَّ﴾ [آل عمران»: ١٦١] . وأخْرَجَ البَزّارُ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿وما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يَغُلَّ﴾ قالَ: ما كانَ لِلنَّبِيِّ أنْ يَتَّهِمَهُ أصْحابُهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والطَّبَرانِيُّ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: فُقِدَتْ قَطِيفَةٌ حَمْراءُ يَوْمَ بَدْرٍ مِمّا أُصِيبَ مِنَ المُشْرِكِينَ، فَقالَ بَعْضُ النّاسِ: لَعَلَّ النَّبِيَّ ﷺ أخَذَها، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يَغُلَّ﴾ قالَ: خُصَيْفٌ: فَقُلْتُ لِسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: ﴿وما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يَغُلَّ﴾ يَقُولُ: لِيُخانَ. فَقالَ: لا، بَلْ ﴿يَغُلَّ﴾ فَقَدْ كانَ النَّبِيُّ – واللَّهِ - يُغَلُّ ويُقْتَلُ أيْضًا. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ: ﴿وما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يَغُلَّ﴾ بِنَصْبِ الياءِ ورَفْعِ الغَيْنِ. (p-٩٤)وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ أبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ، وأبِي رَجاءٍ، ومُجاهِدٍ، وعِكْرِمَةَ، مِثْلَهُ. وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَرَأ: «﴿وما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يَغُلَّ﴾ [آل عمران»: ١٦١] بِفَتْحِ الياءِ. وأخْرَجَ ابْنُ مَنِيعٍ في ”مُسْنَدِهِ“ عَنْ أبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ قالَ: قُلْتُ لِابْنِ عَبّاسٍ: إنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ يَقْرَأُ: (وما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يُغَلَّ) يَعْنِي بِفَتْحِ الغَيْنِ. فَقالَ لِي: قَدْ كانَ لَهُ أنْ يُغَلَّ وأنْ يُقْتَلَ، إنَّما هي: ﴿أنْ يَغُلَّ﴾ يَعْنِي بِضَمِّ الغَيْنِ، ما كانَ اللَّهُ لِيَجْعَلَ نَبِيًّا غالًّا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿وما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يَغُلَّ﴾ قالَ: أنْ يَقْسِمَ لِطائِفَةٍ مِنَ المُسْلِمِينَ ويَتْرُكَ طائِفَةً ويَجُورَ في القِسْمَةِ، ولَكِنْ يَقْسِمُ بِالعَدْلِ، ويَأْخُذُ فِيهِ بِأمْرِ اللَّهِ، ويَحْكُمُ فِيهِ بِما أنْزَلَ اللَّهُ. يَقُولُ: ما كانَ اللَّهُ لِيَجْعَلَ نَبِيًّا يَغُلُّ مِن أصْحابِهِ، فَإذا فَعَلَ ذَلِكَ النَّبِيُّ ﷺ اسْتَنُّوا بِهِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، مِن طَرِيقِ سَلَمَةَ بْنِ نُبَيْطٍ، عَنِ الضَّحّاكِ قالَ: «بَعَثَ النَّبِيُّ ﷺ طَلائِعَ، فَغَنِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَسَّمَ بَيْنَ النّاسِ ولَمْ يَقْسِمْ لِلطَّلائِعِ شَيْئًا، فَلَمّا قَدِمَتِ الطَّلائِعُ فَقالُوا: قَسَمَ الفَيْءَ ولَمْ (p-٩٥)يَقْسِمْ لَنا؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يَغُلَّ﴾ [آل عمران»: ١٦١] . وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿وما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يَغُلَّ﴾ قالَ: أنْ يَقْسِمَ لِطائِفَةٍ ولا يَقْسِمَ لِطائِفَةٍ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ ﴿وما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يَغُلَّ﴾ قالَ: أنْ يَخُونَ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قَرَأ: (وما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يُغَلَّ) بِنَصْبِ الغَيْنِ. قالَ: أنْ يُخانَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ قَتادَةَ والرَّبِيعِ: (وما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يُغَلَّ) يَقُولُ: ما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يَغُلَّهُ أصْحابُهُ الَّذِينَ مَعَهُ، وذُكِرَ لَنا أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ عَلى النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ بَدْرٍ، وقَدْ غَلَّ طَوائِفُ مِن أصْحابِهِ. وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ والخَطِيبُ في ”تارِيخِهِ“ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: كانَ ابْنُ عَبّاسٍ يُنْكِرُ عَلى مَن يَقْرَأُ: (وما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يُغَلَّ) ويَقُولَ: كَيْفَ لا يَكُونُ لَهُ أنْ يُغَلَّ وقَدْ كانَ لَهُ أنْ يُقْتَلَ؟ قالَ اللَّهُ:﴿ويَقْتُلُونَ الأنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ [آل عمران: ١١٢] [آلِ عِمْرانَ: ١١٢] . ولَكِنَّ المُنافِقِينَ اتَّهَمُوا النَّبِيَّ ﷺ في شَيْءٍ مِنَ الغَنِيمَةِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وما كانَ لِنَبِيٍّ أنْ يَغُلَّ﴾ . (p-٩٦)وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ في ”المُصَنَّفِ“، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، عَنْ زَيْدِ بْنِ خالِدٍ الجُهَنِيِّ، «أنَّ رَجُلًا تُوُفِّيَ يَوْمَ حُنَيْنٍ فَذَكَرُوا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: «صَلُّوا عَلَيْهِ» فَتَغَيَّرَ وُجُوهُ النّاسِ لِذَلِكَ، فَقالَ: «إنَّ صاحِبَكم غَلَّ في سَبِيلِ اللَّهِ» فَفَتَّشْنا مَتاعَهُ فَوَجَدْنا خَرَزًا مِن خَرَزِ اليَهُودِ لا يُساوِي دِرْهَمَيْنِ» . وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذا أصابَ غَنِيمَةً أمَرَ بِلالًا فَنادى في النّاسِ فَيَجِيئُونَ بِغَنائِمِهِمْ فَيُخَمِّسُهُ ويَقْسِمُهُ، فَجاءَ رَجُلٌ بَعْدَ ذَلِكَ بِزِمامٍ مِن شَعَرٍ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، هَذا فِيما كُنّا أصَبْناهُ مِنَ الغَنِيمَةِ فَقالَ: «أسَمِعْتَ بِلالًا»؟ ثَلاثًا. قالَ: نَعَمْ، قالَ: «فَما مَنَعَكَ أنْ تَجِيءَ بِهِ»؟ قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، فَأعْتَذِرُ. قالَ: «كُنْ أنْتَ تَجِيءُ بِهِ يَوْمَ القِيامَةِ فَلَنْ أقْبَلَهُ عَنْكَ»» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، عَنْ صالِحِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ زائِدَةَ قالَ: دَخَلَ مَسْلَمَةُ أرْضَ الرُّومِ فَأُتِيَ بِرَجُلٍ قَدْ غَلَّ فَسَألَ سالِمًا عَنْهُ، فَقالَ: سَمِعْتُ أبِي يُحَدِّثُ، عَنْ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: ««إذا وجَدْتُمُ الرَّجُلَ قَدْ غَلَّ فَأحْرِقُوا مَتاعَهُ واضْرِبُوهُ» قالَ»: فَوَجَدْنا في مَتاعِهِ مُصْحَفًا فَسُئِلَ سالِمٌ عَنْهُ، فَقالَ: بِعْهُ وتَصَدَّقْ بِثَمَنِهِ. (p-٩٧)وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ في ”المُصَنَّفِ“ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ قالَ: «أخْبَرَنِي مَن سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وهو بِوادِي القُرى، وجاءَهُ رَجُلٌ فَقالَ: اسْتُشْهِدَ مَوْلاكَ فُلانٌ، قالَ: «بَلْ هو الآنَ يُجَرُّ إلى النّارِ في عَباءَةٍ غَلَّ بِها اللَّهَ ورَسُولَهُ»» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: «كانَ عَلى ثَقَلِ النَّبِيِّ ﷺ رَجُلٌ يُقالُ لَهُ كِرْكِرَةُ. فَماتَ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «هُوَ في النّارِ» فَذَهَبُوا يَنْظُرُونَ فَوَجَدُوا عَلَيْهِ عَباءَةً قَدْ غَلَّها» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ قالَ: «قِيلَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، اسْتُشْهِدَ فُلانٌ مَوْلاكَ. قالَ: «كَلّا، إنِّي رَأيْتُ عَلَيْهِ عَباءَةً قَدْ غَلَّها»» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «أهْدى رِفاعَةُ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ غُلامًا فَخَرَجَ بِهِ مَعَهُ إلى خَيْبَرَ، فَنَزَلَ بَيْنَ العَصْرِ والمَغْرِبِ فَأتى الغُلامَ سَهْمٌ غائِرٌ فَقَتَلَهُ، فَقُلْنا: هَنِيئًا لَكَ الجَنَّةُ. فَقالَ: «والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إنَّ شَمْلَتَهُ لَتُحْرَقُ عَلَيْهِ الآنَ في النّارِ؛ غَلَّها مِنَ المُسْلِمِينَ» فَقالَ رَجُلٌ مِنَ الأنْصارِ: يا رَسُولَ اللَّهِ، أصَبْتُ يَوْمَئِذٍ شِراكَيْنِ؟ فَقالَ: «يُقَدُّ مِنكَ مِثْلُهُما مِن نارِ جَهَنَّمَ»» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ سالِمٍ قالَ: كانَ أصْحابُنا يَقُولُونَ: عُقُوبَةُ (p-٩٨)صاحِبِ الغُلُولِ أنْ يُحْرُقَ فُسْطاطُهُ ومَتاعُهُ. وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ عَنْ كَثِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدِّهِ، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: ««لا إسْلالَ ولا غُلُولَ ﴿ومَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِما غَلَّ يَوْمَ القِيامَةِ﴾ [آل عمران»: ١٦١]» . وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ عَنْ مُعاذِ بْنِ جَبَلٍ قالَ: «بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى اليَمَنِ، فَلَمّا سِرْتُ أرْسَلَ في أثَرِي فَرَدَدْتُ فَقالَ: «أتَدْرِي لِمَ بَعَثْتُ إلَيْكَ؟ لا تُصِيبَنَّ شَيْئًا بِغَيْرِ إذْنِي، فَإنَّهُ غُلُولٌ، ﴿ومَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِما غَلَّ يَوْمَ القِيامَةِ﴾ لِهَذا دَعْوَتُكَ فامْضِ لِعَمَلِكَ»» . وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ في ”المُصَنَّفِ“، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ قَتادَةَ قالَ: «ذُكِرَ لَنا أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ إذا غَنِمَ مَغْنَمًا بَعَثَ مُنادِيَهُ يَقُولُ: «ألا لا يَغُلَّنَّ رَجُلٌ مِخْيَطًا فَما فَوْقَهُ، ألا لا أعْرِفَنَّ رَجُلًا يَغُلُّ بَعِيرًا يَأْتِي بِهِ يَوْمَ القِيامَةِ حامِلَهُ عَلى عُنُقِهِ، لَهُ رُغاءٌ، ألا لا أعْرِفَنَّ رَجُلًا يَغُلُّ فَرَسًا يَأْتِي بِهِ يَوْمَ القِيامَةِ حامِلَهُ عَلى عُنُقِهِ لَهُ حَمْحَمَةٌ، ألا لا أعْرِفَنَّ رَجُلًا يَغُلُّ شاةً يَأْتِي بِها يَوْمَ القِيامَةِ حامِلَها عَلى عُنُقِهِ لَها ثُغاءٌ» . فَيَتْبَعُ مِن ذَلِكَ ما شاءَ اللَّهُ أنْ يَتْبَعَ. ذُكِرَ لَنا أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ يَقُولُ: «اجْتَنِبُوا الغُلُولَ؛ فَإنَّهُ عارٌ وشَنارٌ ونارٌ»» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأحْمَدُ، والبُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، وابْنُ جَرِيرٍ، والبَيْهَقِيُّ (p-٩٩)فِي ”الشُّعَبِ“ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «قامَ فِينا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمًا فَذَكَرَ الغُلُولَ، فَعَظَّمَهُ وعَظَّمَ أمْرَهُ، ثُمَّ قالَ: «ألا لا أُلْفِيَنَّ أحَدَكم يَجِيءُ يَوْمَ القِيامَةِ عَلى رَقَبَتِهِ بَعِيرٌ لَهُ رُغاءٌ، يَقُولُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، أغِثْنِي. فَأقُولُ: لا أمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا، قَدْ أبْلَغْتُكَ، لا أُلْفِيَنَّ أحَدَكم يَجِيءُ يَوْمَ القِيامَةِ عَلى رَقَبَتِهِ فُرْسٌ لَها حَمْحَمَةٌ، فَيَقُولُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، أغِثْنِي. فَأقُولُ: لا أمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا، قَدْ أبْلَغْتُكَ. لا أُلْفِيَنَّ أحَدَكم يَجِيءُ يَوْمَ القِيامَةِ عَلى رَقَبَتِهِ رِقاعٌ تَخْفِقُ، فَيَقُولُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، أغِثْنِي. فَأقُولُ: لا أمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا قَدْ أبْلَغْتُكَ، لا أُلْفِيَنَّ أحَدَكم يَجِيءُ يَوْمَ القِيامَةِ عَلى رَقَبَتِهِ صامِتٌ، فَيَقُولُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، أغِثْنِي. فَأقُولُ: لا أمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا قَدْ أبْلَغْتُكَ»» . وأخْرَجَ هَنّادٌ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّ رَجُلًا قالَ لَهُ: أرَأيْتَ قَوْلَ اللَّهِ: ﴿ومَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِما غَلَّ يَوْمَ القِيامَةِ﴾ هَذا يَغُلُّ ألْفَ دِرْهَمٍ، وألْفَيْ دِرْهَمٍ يَأْتِي بِها، أرَأيْتَ مَن يَغُلُّ مِائَةَ بَعِيرٍ ومِائَتَيْ بَعِيرٍ، كَيْفَ يَصْنَعُ بِها؟ قالَ: أرَأيْتَ مَن كانَ ضِرْسُهُ مِثْلَ أُحُدٍ وفَخِذُهُ مِثْلَ ورِقانَ، وساقُهُ (p-١٠٠)مِثْلَ بَيْضاءَ، ومَجْلِسُهُ ما بَيْنَ الرَّبَذَةِ إلى المَدِينَةِ، ألا يَحْمِلَ هَذا؟ وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في ”الشُّعَبِ“ عَنْ بُرَيْدَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««إنَّ الحَجَرَ لَيَزِنُ سَبْعَ خَلِفاتٍ، لَيُلْقى في جَهَنَّمَ فَيَهْوِي فِيها سَبْعِينَ خَرِيفًا، ويُؤْتى بِالغُلُولِ فَيُلْقى مَعَهُ، ثُمَّ يُكَلَّفُ صاحِبُهُ أنْ يَأْتِيَ بِهِ وهو قَوْلُ اللَّهِ: ﴿ومَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِما غَلَّ يَوْمَ القِيامَةِ﴾ [آل عمران»: ١٦١]» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأحْمَدُ، ومُسْلِمٌ، وأبُو داوُدَ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ عَمِيرَةَ الكِنْدِيِّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««يا أيُّها النّاسُ، مَن عَمِلَ مِنكم لَنا في عَمَلٍ، فَكَتَمَنا مِنهُ مِخْيَطًا فَما فَوْقَهُ فَهو غُلٌّ» وفي لَفْظٍ: «فَإنَّهُ غُلُولٌ يَأْتِي بِهِ يَوْمَ القِيامَةِ»» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُنَيْسٍ، «أنَّهُ تَذاكَرَ هو وعُمَرُ يَوْمًا الصَّدَقَةَ فَقالَ: ألَمْ تَسْمَعْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حِينَ ذَكَرَ غُلُولَ الصَّدَقَةِ: «مَن غَلَّ مِنها بَعِيرًا أوْ شاةً فَإنَّهُ يَحْمِلُهُ يَوْمَ القِيامَةِ»؟ قالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُنَيْسٍ: بَلى» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ في قَوْلِهِ: ﴿ومَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِما غَلَّ يَوْمَ القِيامَةِ﴾ (p-١٠١)يَعْنِي يَأْتِ بِما غَلَّ يَوْمَ القِيامَةِ يَحْمِلُهُ عَلى عُنُقِهِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَمْرٍو قالَ: لَوْ كُنْتُ مُسْتَحِلًّا مِنَ الغُلُولِ القَلِيلَ لاسْتَحْلَلْتُ مِنهُ الكَثِيرَ، ما مِن أحَدٍ يَغُلُّ غُلُولًا إلّا كُلِّفَ أنْ يَأْتِيَ بِهِ مِن أسْفَلِ دَرْكِ جَهَنَّمَ. وأخْرَجَ أحْمَدُ، وابْنُ أبِي داوُدَ في ”المَصاحِفِ“، عَنْ خُمَيْرِ بْنِ مالِكٍ قالَ: لَمّا أُمِرَ بِالمَصاحِفِ أنْ تُغَيَّرَ، فَقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: مَنِ اسْتَطاعَ مِنكم أنْ يَغُلَّ مُصْحَفَهُ فَلْيَغُلَّهُ؛ فَإنَّهُ مَن غَلَّ شَيْئًا جاءَ بِهِ يَوْمَ القِيامَةِ، ونِعْمَ الغُلُّ المُصْحَفُ يَأْتِي بِهِ أحَدُكم يَوْمَ القِيامَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ في قَوْلِهِ: ﴿أفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَ اللَّهِ﴾ يَعْنِي رِضا اللَّهِ فَلَمْ يَغْلُلْ مِنَ الغَنِيمَةِ، ﴿كَمَن باءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ﴾ يَعْنِي كَمَنِ اسْتَوْجَبَ سَخَطًا مِنَ اللَّهِ في الغُلُولِ؟ فَلَيْسَ هو بِسَواءٍ. ثُمَّ بَيَّنَ مُسْتَقَرَّهُما فَقالَ لِلَّذِي يَغُلُّ: ﴿ومَأْواهُ جَهَنَّمُ وبِئْسَ المَصِيرُ﴾ يَعْنِي مَصِيرُ أهْلِ الغُلُولِ. ثُمَّ ذَكَرَ مُسْتَقَرَّ مَن لا يَغُلُّ فَقالَ: ﴿لَهم دَرَجاتٌ﴾ [الأنفال: ٤] يَعْنِي: لَهم فَضائِلُ عِنْدَ اللَّهِ ﴿واللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ﴾ يَعْنِي: بَصِيرٌ بِمَن غَلَّ مِنكم (p-١٠٢)ومَن لَمْ يَغُلَّ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الضَّحّاكِ في قَوْلِهِ: ﴿أفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَ اللَّهِ﴾ قالَ: مَن لَمْ يَغُلَّ، ﴿كَمَن باءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ﴾ كَمَن غَلَّ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ: ﴿أفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَ اللَّهِ﴾ قالَ: أمْرَ اللَّهِ في أداءِ الخُمُسِ، ﴿كَمَن باءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ﴾ فاسْتَوْجَبَ سَخَطًا مِنَ اللَّهِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ: ﴿أفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَ اللَّهِ﴾ قالَ: مَن أدّى الخُمُسَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿أفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَ اللَّهِ﴾ يَقُولُ: مَن أخَذَ الحَلالَ خَيْرٌ لَهُ مِمَّنْ أخَذَ الحَرامَ، وهَذا في الغُلُولِ، وفي المَظالِمِ كُلِّها. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ العَوْفِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿هم دَرَجاتٌ عِنْدَ اللَّهِ﴾ يَقُولُ: بِأعْمالِهِمْ. (p-١٠٣)وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿هم دَرَجاتٌ عِنْدَ اللَّهِ﴾ قالَ: هي كَقَوْلِهِ: ﴿لَهم دَرَجاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [الأنفال: ٤] . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿هم دَرَجاتٌ﴾ يَقُولُ: لَهم دَرَجاتٌ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ سُئِلَ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿هم دَرَجاتٌ﴾ قالَ: لِلنّاسِ دَرَجاتٌ بِأعْمالِهِمْ في الخَيْرِ والشَّرِّ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ الضَّحّاكِ: ﴿هم دَرَجاتٌ عِنْدَ اللَّهِ﴾ قالَ: أهْلُ الجَنَّةِ بَعْضُهم فَوْقَ بَعْضٍ؛ فَيَرى الَّذِي فَوْقَ فَضْلَهُ عَلى الَّذِي أسْفَلَ مِنهُ، ولا يَرى الَّذِي أسْفَلَ مِنهُ أنَّهُ فُضِّلَ عَلَيْهِ أحَدٌ.

آل عمران 3:164

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قَدْ مَنَّ اللَّهُ﴾ الآيَةَ. أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في ”شُعَبِ الإيمانِ“، عَنْ عائِشَةَ في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلى المُؤْمِنِينَ إذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولا مِن أنْفُسِهِمْ﴾ قالَتْ: هَذِهِ لِلْعَرَبِ خاصَّةً. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في الآيَةِ قالَ: مَنٌّ مِنَ اللَّهِ عَظِيمٌ مِن غَيْرِ دَعْوَةٍ ولا رَغْبَةٍ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ، جَعَلَهُ اللَّهُ (p-١٠٤)رَحْمَةً لَهُمْ، يُخْرِجُهم مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ، ويَهْدِيهِمْ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ، بَعَثَهُ اللَّهُ إلى قَوْمٍ لا يَعْلَمُونَ فَعَلَّمَهُمْ، وإلى قَوْمٍ لا أدَبَ لَهم فَأدَّبَهم.

آل عمران 3:165

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوَلَمّا أصابَتْكُمْ﴾ الآيَةَ. أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿أوَلَمّا أصابَتْكم مُصِيبَةٌ﴾ الآيَةَ، يَقُولُ: إنَّكم قَدْ أصَبْتُمْ مِنَ المُشْرِكِينَ يَوْمَ بَدْرٍ مِثْلَيْ ما أصابُوا مِنكم يَوْمَ أُحُدٍ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: قَتَلَ المُسْلِمُونَ مِنَ المُشْرِكِينَ يَوْمَ بَدْرٍ سَبْعِينَ، وأسَرُوا سَبْعِينَ، وقَتَلَ المُشْرِكُونَ يَوْمَ أُحُدٍ مِنَ المُسْلِمِينَ سَبْعِينَ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿قَدْ أصَبْتُمْ مِثْلَيْها قُلْتُمْ أنّى هَذا﴾ ونَحْنُ مُسْلِمُونَ نُقاتِلُ غَضَبًا لِلَّهِ، وهَؤُلاءِ مُشْرِكُونَ. ﴿قُلْ هو مِن عِنْدِ أنْفُسِكُمْ﴾ عُقُوبَةً لَكم بِمَعْصِيَتِكُمُ النَّبِيَّ ﷺ حِينَ قالَ ما قالَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ في الآيَةِ قالَ: لَمّا رَأوْا مَن قُتِلَ مِنهم يَوْمَ أُحُدٍ قالُوا: مِن أيْنَ هَذا؟ ما كانَ لِلْكُفّارِ أنْ يَقْتُلُوا مِنّا! فَلَمّا رَأى اللَّهُ ما قالُوا مِن ذَلِكَ، قالَ اللَّهُ: هم بِالأسْرى الَّذِينَ أخَذْتُمْ يَوْمَ بَدْرٍ. فَرَدَّهُمُ اللَّهُ بِذَلِكَ وعَجَّلَ لَهم عُقُوبَةَ ذَلِكَ في الدُّنْيا؛ لِيَسْلَمُوا مِنها في الآخِرَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ، وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ (p-١٠٥)مَرْدُوَيْهِ، عَنْ عَلِيٍّ، قالَ: «جاءَ جِبْرِيلُ إلى النَّبِيِّ ﷺ فَقالَ: يا مُحَمَّدُ، إنَّ اللَّهَ قَدْ كَرِهَ ما صَنَعَ قَوْمُكَ في أخْذِهِمُ الأُسارى، وقَدْ أمَرَكَ أنْ تُخَيِّرَهم بَيْنَ أمْرَيْنِ؛ إمّا أنْ يُقَدَّمُوا فَتُضْرَبَ أعْناقُهُمْ، وبَيْنَ أنْ يَأْخُذُوا الفِداءَ عَلى أنْ يُقْتُلَ مِنهم عِدَّتُهم. فَدَعا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ النّاسَ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُمْ، فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، عَشائِرُنا وإخْوانُنا، نَأْخُذُ فِداءَهم نَتَقَوّى بِهِ عَلى قِتالِ عَدُوِّنا، ويُسْتَشْهَدُ مِنّا بِعِدَّتِهِمْ فَلَيْسَ في ذَلِكَ ما نَكْرَهُ، فَقُتِلَ مِنهم يَوْمَ أُحُدٍ سَبْعُونَ رِجْلًا، عِدَّةُ أُسارى أهْلِ بَدْرٍ» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ، وابْنِ جُرَيْجٍ: «﴿قُلْ هو مِن عِنْدِ أنْفُسِكُمْ﴾: عُقُوبَةً لَكم بِمَعْصِيَتِكُمُ النَّبِيَّ ﷺ حِينَ قالَ: «لا تَتَّبِعُوهُمْ» يَوْمَ أُحُدٍ فاتَّبَعُوهم» . وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ مِن طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: «﴿قُلْتُمْ أنّى هَذا﴾ ونَحْنُ مُسْلِمُونَ نُقاتِلُ غَضَبًا لِلَّهِ، وهَؤُلاءِ مُشْرِكُونَ؟ فَقالَ: ﴿قُلْ هو مِن عِنْدِ أنْفُسِكُمْ﴾ عُقُوبَةً بِمَعْصِيَتِكُمُ النَّبِيَّ ﷺ حِينَ قالَ: «لا تَتَّبِعُوهُمْ»» . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ قَتادَةَ «فِي قَوْلِهِ: ﴿أوَلَمّا أصابَتْكم مُصِيبَةٌ قَدْ أصَبْتُمْ مِثْلَيْها﴾ قالَ: أُصِيبُوا يَوْمَ أُحُدٍ، قُتِلَ مِنهم سَبْعُونَ يَوْمَئِذٍ، وأصابُوا مِثْلَيْها يَوْمَ بَدْرٍ؛ قَتَلُوا مِنَ المُشْرِكِينَ سَبْعِينَ وأسَرُوا سَبْعِينَ، (p-١٠٦)﴿قُلْتُمْ أنّى هَذا قُلْ هو مِن عِنْدِ أنْفُسِكُمْ﴾ ذُكِرَ لَنا أنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ قالَ لِأصْحابِهِ يَوْمَ أُحُدٍ حِينَ قَدِمَ أبُو سُفْيانَ والمُشْرِكُونَ: «إنّا في جَنَّةٍ حَصِينَةٍ - يَعْنِي بِذَلِكَ المَدِينَةَ - فَدَعُوا القَوْمَ يَدْخُلُوا عَلَيْنا نُقاتِلْهُمْ» فَقالَ لَهُ أُناسٌ مِنَ الأنْصارِ: إنّا نَكْرَهُ أنْ نُقْتَلَ في طُرُقِ المَدِينَةِ، وقَدْ كُنّا نَمْتَنِعُ مِنَ الغَزْوِ في الجاهِلِيَّةِ، فَبِالإسْلامِ أحَقُّ أنْ نَمْتَنِعَ فِيهِ، فابْرُزْ بِنا إلى القَوْمِ، فانْطَلَقَ فَلَبِسَ لَأْمَتَهُ، فَتَلاوَمَ القَوْمُ فَقالُوا: عَرَّضَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ بِأمْرٍ وعَرَّضْتُمْ بِغَيْرِهِ، اذْهَبْ يا حَمْزَةُ، فَقُلْ لَهُ: أمْرُنا لِأمْرِكَ تَبَعٌ، فَأتى حَمْزَةُ فَقالَ لَهُ، فَقالَ: «إنَّهُ لَيْسَ لِنَبِيٍّ إذا لَبِسَ لَأْمَتَهُ أنْ يَضَعَها حَتّى يُناجِزَ، وإنَّهُ سَتَكُونُ فِيكم مُصِيبَةٌ» قالُوا: يا نَبِيَّ اللَّهِ، خاصَّةٌ أوْ عامَّةٌ قالَ: «سَتَرَوْنَها»» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ إسْحاقَ في قَوْلِهِ: ﴿ولِيَعْلَمَ المُؤْمِنِينَ﴾ ﴿ولِيَعْلَمَ الَّذِينَ نافَقُوا﴾ فَقالَ: لِيَمِيزَ بَيْنَ المُؤْمِنِينَ والمُنافِقِينَ، ﴿وقِيلَ لَهم تَعالَوْا قاتِلُوا﴾ يَعْنِي عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ وأصْحابَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿أوِ ادْفَعُوا﴾ قالَ: كَثِّرُوا بِأنْفُسِكم وإنْ لَمْ تُقاتِلُوا. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي حازِمٍ قالَ: سَمِعْتُ سَهْلَ بْنَ (p-١٠٧)سَعْدٍ يَقُولُ: لَوْ بِعْتُ دارِي فَلَحِقْتُ بِثَغْرٍ مِن ثُغُورِ المُسْلِمِينَ فَكُنْتُ بَيْنَ المُسْلِمِينَ وبَيْنَ عَدُوِّهِمْ، فَقُلْتُ: كَيْفَ وقَدْ ذَهَبَ بَصَرُكَ؟ قالَ: ألَمْ تَسْمَعْ إلى قَوْلِ اللَّهِ ﴿تَعالَوْا قاتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ أوِ ادْفَعُوا﴾ أُسَوِّدُ مَعَ النّاسِ. فَفَعَلَ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ الضَّحّاكِ في قَوْلِهِ: ﴿أوِ ادْفَعُوا﴾ قالَ: كُونُوا سَوادًا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أبِي عَوْنٍ الأنْصارِيِّ في قَوْلِهِ: ﴿أوِ ادْفَعُوا﴾ قالَ: رابِطُوا. وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ شِهابٍ وغَيْرِهِ قالَ: «خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى أُحُدٍ في ألْفِ رَجُلٍ مِن أصْحابِهِ حَتّى إذا كانُوا بِالشَّوْطِ بَيْنَ أُحُدٍ والمَدِينَةِ، انْخَزَلَ عَنْهم عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ بِثُلُثِ النّاسِ، وقالَ: أطاعَهم وعَصانِي، واللَّهِ ما نَدْرِي عَلامَ نَقْتُلُ أنْفُسَنا هَهُنا؟ فَرَجَعَ بِمَنِ اتَّبَعَهُ مِن أهْلِ النِّفاقِ وأهْلِ الرَّيْبِ، واتَّبَعَهم عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ حَرامٍ مِن بَنِي سَلِمَةَ يَقُولُ: يا قَوْمُ أُذَكِّرُكُمُ اللَّهَ أنْ تَخْذُلُوا نَبِيَّكم وقَوْمَكم عِنْدَما حَضَرَهم عَدُّوهُمْ، قالُوا: لَوْ نَعْلَمُ أنَّكم تُقاتِلُونَ ما أسْلَمْناكُمْ، ولَكِنْ لا نُرى أنْ يَكُونَ (p-١٠٨)قِتالٌ» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿لَوْ نَعْلَمُ قِتالا لاتَّبَعْناكُمْ﴾ قالَ: لَوْ نَعْلَمُ أنا واجِدُونَ مَعَكم مَكانَ قِتالٍ لاتَّبَعْناكم. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عِكْرِمَةَ: ﴿قالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتالا لاتَّبَعْناكُمْ﴾ قالَ: نَزَلَتْ في عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ السُّدِّيِّ قالَ: «خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ أُحُدٍ في ألْفِ رَجُلٍ، وقَدْ وعَدَهُمُ الفَتْحَ إنْ صَبَرُوا، فَلَمّا خَرَجُوا رَجَعَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ في ثَلاثِمِائَةٍ فَتَبِعَهم أبُو جابِرٍ السُّلَمِيُّ يَدْعُوهُمْ، فَلَمّا غَلَبُوهُ وقالُوا لَهُ: ما نَعْلَمُ قِتالًا، ولَئِنْ أطَعْتَنا لَتَرْجِعَنَّ مَعَنا، فَذَكَرَ اللَّهُ، في قَوْلِهِمْ: ولَئِنْ أطَعْتَنا لَتَرْجِعَنَّ: ﴿الَّذِينَ قالُوا لإخْوانِهِمْ وقَعَدُوا لَوْ أطاعُونا ما قُتِلُوا﴾ الآيَةَ» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ قالُوا لإخْوانِهِمْ﴾ الآيَةَ، قالَ: ذُكِرَ لَنا أنَّها نَزَلَتْ في عَدُوِّ اللَّهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبَيٍّ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الرَّبِيعِ: ﴿الَّذِينَ قالُوا لإخْوانِهِمْ وقَعَدُوا﴾ (p-١٠٩)قالَ: نَزَلَتْ في عَدُوِّ اللَّهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ في قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ قالُوا لإخْوانِهِمْ﴾ قالَ: هو عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أبَيٍّ. وأخْرَجَ عَنِ السُّدِّيِّ في الآيَةِ قالَ: هم عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أبَيٍّ وأصْحابُهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ في الآيَةِ قالَ: هو عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أبَيٍّ الَّذِي قَعَدَ، وقالُوا لِإخْوانِهِمُ الَّذِينَ خَرَجُوا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ أُحُدٍ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ إسْحاقَ: ﴿قُلْ فادْرَءُوا عَنْ أنْفُسِكُمُ المَوْتَ﴾ أيْ: إنَّهُ لا بُدَّ مِنَ المَوْتِ، فَإنِ اسْتَطَعْتُمْ أنْ تَدْفَعُوهُ عَنْ أنْفُسِكم فافْعَلُوا؛ وذَلِكَ أنَّهم إنَّما نافَقُوا وتَرَكُوا الجِهادَ في سَبِيلِ اللَّهِ حِرْصًا عَلى البَقاءِ في الدُّنْيا وفِرارًا مِنَ المَوْتِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ شِهابٍ قالَ: إنَّ اللَّهَ أنْزَلَ عَلى نَبِيِّهِ في القَدَرِيَّةِ ﴿الَّذِينَ قالُوا لإخْوانِهِمْ وقَعَدُوا لَوْ أطاعُونا ما قُتِلُوا﴾ . (p-١١٠)وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ في الآيَةِ قالَ: هُمُ الكُفّارُ، يَقُولُونَ لِإخْوانِهِمْ: لَوْ كانُوا عِنْدَنا ما قُتِلُوا. يَحْسَبُونَ أنَّ حُضُورَهم لِلْقِتالِ هو يُقَدِّمُهم إلى الأجَلِ.

آل عمران 3:166

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوَلَمّا أصابَتْكُمْ﴾ الآيَةَ. أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿أوَلَمّا أصابَتْكم مُصِيبَةٌ﴾ الآيَةَ، يَقُولُ: إنَّكم قَدْ أصَبْتُمْ مِنَ المُشْرِكِينَ يَوْمَ بَدْرٍ مِثْلَيْ ما أصابُوا مِنكم يَوْمَ أُحُدٍ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: قَتَلَ المُسْلِمُونَ مِنَ المُشْرِكِينَ يَوْمَ بَدْرٍ سَبْعِينَ، وأسَرُوا سَبْعِينَ، وقَتَلَ المُشْرِكُونَ يَوْمَ أُحُدٍ مِنَ المُسْلِمِينَ سَبْعِينَ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿قَدْ أصَبْتُمْ مِثْلَيْها قُلْتُمْ أنّى هَذا﴾ ونَحْنُ مُسْلِمُونَ نُقاتِلُ غَضَبًا لِلَّهِ، وهَؤُلاءِ مُشْرِكُونَ. ﴿قُلْ هو مِن عِنْدِ أنْفُسِكُمْ﴾ عُقُوبَةً لَكم بِمَعْصِيَتِكُمُ النَّبِيَّ ﷺ حِينَ قالَ ما قالَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ في الآيَةِ قالَ: لَمّا رَأوْا مَن قُتِلَ مِنهم يَوْمَ أُحُدٍ قالُوا: مِن أيْنَ هَذا؟ ما كانَ لِلْكُفّارِ أنْ يَقْتُلُوا مِنّا! فَلَمّا رَأى اللَّهُ ما قالُوا مِن ذَلِكَ، قالَ اللَّهُ: هم بِالأسْرى الَّذِينَ أخَذْتُمْ يَوْمَ بَدْرٍ. فَرَدَّهُمُ اللَّهُ بِذَلِكَ وعَجَّلَ لَهم عُقُوبَةَ ذَلِكَ في الدُّنْيا؛ لِيَسْلَمُوا مِنها في الآخِرَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ، وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ (p-١٠٥)مَرْدُوَيْهِ، عَنْ عَلِيٍّ، قالَ: «جاءَ جِبْرِيلُ إلى النَّبِيِّ ﷺ فَقالَ: يا مُحَمَّدُ، إنَّ اللَّهَ قَدْ كَرِهَ ما صَنَعَ قَوْمُكَ في أخْذِهِمُ الأُسارى، وقَدْ أمَرَكَ أنْ تُخَيِّرَهم بَيْنَ أمْرَيْنِ؛ إمّا أنْ يُقَدَّمُوا فَتُضْرَبَ أعْناقُهُمْ، وبَيْنَ أنْ يَأْخُذُوا الفِداءَ عَلى أنْ يُقْتُلَ مِنهم عِدَّتُهم. فَدَعا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ النّاسَ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُمْ، فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، عَشائِرُنا وإخْوانُنا، نَأْخُذُ فِداءَهم نَتَقَوّى بِهِ عَلى قِتالِ عَدُوِّنا، ويُسْتَشْهَدُ مِنّا بِعِدَّتِهِمْ فَلَيْسَ في ذَلِكَ ما نَكْرَهُ، فَقُتِلَ مِنهم يَوْمَ أُحُدٍ سَبْعُونَ رِجْلًا، عِدَّةُ أُسارى أهْلِ بَدْرٍ» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ، وابْنِ جُرَيْجٍ: «﴿قُلْ هو مِن عِنْدِ أنْفُسِكُمْ﴾: عُقُوبَةً لَكم بِمَعْصِيَتِكُمُ النَّبِيَّ ﷺ حِينَ قالَ: «لا تَتَّبِعُوهُمْ» يَوْمَ أُحُدٍ فاتَّبَعُوهم» . وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ مِن طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: «﴿قُلْتُمْ أنّى هَذا﴾ ونَحْنُ مُسْلِمُونَ نُقاتِلُ غَضَبًا لِلَّهِ، وهَؤُلاءِ مُشْرِكُونَ؟ فَقالَ: ﴿قُلْ هو مِن عِنْدِ أنْفُسِكُمْ﴾ عُقُوبَةً بِمَعْصِيَتِكُمُ النَّبِيَّ ﷺ حِينَ قالَ: «لا تَتَّبِعُوهُمْ»» . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ قَتادَةَ «فِي قَوْلِهِ: ﴿أوَلَمّا أصابَتْكم مُصِيبَةٌ قَدْ أصَبْتُمْ مِثْلَيْها﴾ قالَ: أُصِيبُوا يَوْمَ أُحُدٍ، قُتِلَ مِنهم سَبْعُونَ يَوْمَئِذٍ، وأصابُوا مِثْلَيْها يَوْمَ بَدْرٍ؛ قَتَلُوا مِنَ المُشْرِكِينَ سَبْعِينَ وأسَرُوا سَبْعِينَ، (p-١٠٦)﴿قُلْتُمْ أنّى هَذا قُلْ هو مِن عِنْدِ أنْفُسِكُمْ﴾ ذُكِرَ لَنا أنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ قالَ لِأصْحابِهِ يَوْمَ أُحُدٍ حِينَ قَدِمَ أبُو سُفْيانَ والمُشْرِكُونَ: «إنّا في جَنَّةٍ حَصِينَةٍ - يَعْنِي بِذَلِكَ المَدِينَةَ - فَدَعُوا القَوْمَ يَدْخُلُوا عَلَيْنا نُقاتِلْهُمْ» فَقالَ لَهُ أُناسٌ مِنَ الأنْصارِ: إنّا نَكْرَهُ أنْ نُقْتَلَ في طُرُقِ المَدِينَةِ، وقَدْ كُنّا نَمْتَنِعُ مِنَ الغَزْوِ في الجاهِلِيَّةِ، فَبِالإسْلامِ أحَقُّ أنْ نَمْتَنِعَ فِيهِ، فابْرُزْ بِنا إلى القَوْمِ، فانْطَلَقَ فَلَبِسَ لَأْمَتَهُ، فَتَلاوَمَ القَوْمُ فَقالُوا: عَرَّضَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ بِأمْرٍ وعَرَّضْتُمْ بِغَيْرِهِ، اذْهَبْ يا حَمْزَةُ، فَقُلْ لَهُ: أمْرُنا لِأمْرِكَ تَبَعٌ، فَأتى حَمْزَةُ فَقالَ لَهُ، فَقالَ: «إنَّهُ لَيْسَ لِنَبِيٍّ إذا لَبِسَ لَأْمَتَهُ أنْ يَضَعَها حَتّى يُناجِزَ، وإنَّهُ سَتَكُونُ فِيكم مُصِيبَةٌ» قالُوا: يا نَبِيَّ اللَّهِ، خاصَّةٌ أوْ عامَّةٌ قالَ: «سَتَرَوْنَها»» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ إسْحاقَ في قَوْلِهِ: ﴿ولِيَعْلَمَ المُؤْمِنِينَ﴾ ﴿ولِيَعْلَمَ الَّذِينَ نافَقُوا﴾ فَقالَ: لِيَمِيزَ بَيْنَ المُؤْمِنِينَ والمُنافِقِينَ، ﴿وقِيلَ لَهم تَعالَوْا قاتِلُوا﴾ يَعْنِي عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ وأصْحابَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿أوِ ادْفَعُوا﴾ قالَ: كَثِّرُوا بِأنْفُسِكم وإنْ لَمْ تُقاتِلُوا. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي حازِمٍ قالَ: سَمِعْتُ سَهْلَ بْنَ (p-١٠٧)سَعْدٍ يَقُولُ: لَوْ بِعْتُ دارِي فَلَحِقْتُ بِثَغْرٍ مِن ثُغُورِ المُسْلِمِينَ فَكُنْتُ بَيْنَ المُسْلِمِينَ وبَيْنَ عَدُوِّهِمْ، فَقُلْتُ: كَيْفَ وقَدْ ذَهَبَ بَصَرُكَ؟ قالَ: ألَمْ تَسْمَعْ إلى قَوْلِ اللَّهِ ﴿تَعالَوْا قاتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ أوِ ادْفَعُوا﴾ أُسَوِّدُ مَعَ النّاسِ. فَفَعَلَ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ الضَّحّاكِ في قَوْلِهِ: ﴿أوِ ادْفَعُوا﴾ قالَ: كُونُوا سَوادًا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أبِي عَوْنٍ الأنْصارِيِّ في قَوْلِهِ: ﴿أوِ ادْفَعُوا﴾ قالَ: رابِطُوا. وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ شِهابٍ وغَيْرِهِ قالَ: «خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى أُحُدٍ في ألْفِ رَجُلٍ مِن أصْحابِهِ حَتّى إذا كانُوا بِالشَّوْطِ بَيْنَ أُحُدٍ والمَدِينَةِ، انْخَزَلَ عَنْهم عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ بِثُلُثِ النّاسِ، وقالَ: أطاعَهم وعَصانِي، واللَّهِ ما نَدْرِي عَلامَ نَقْتُلُ أنْفُسَنا هَهُنا؟ فَرَجَعَ بِمَنِ اتَّبَعَهُ مِن أهْلِ النِّفاقِ وأهْلِ الرَّيْبِ، واتَّبَعَهم عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ حَرامٍ مِن بَنِي سَلِمَةَ يَقُولُ: يا قَوْمُ أُذَكِّرُكُمُ اللَّهَ أنْ تَخْذُلُوا نَبِيَّكم وقَوْمَكم عِنْدَما حَضَرَهم عَدُّوهُمْ، قالُوا: لَوْ نَعْلَمُ أنَّكم تُقاتِلُونَ ما أسْلَمْناكُمْ، ولَكِنْ لا نُرى أنْ يَكُونَ (p-١٠٨)قِتالٌ» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿لَوْ نَعْلَمُ قِتالا لاتَّبَعْناكُمْ﴾ قالَ: لَوْ نَعْلَمُ أنا واجِدُونَ مَعَكم مَكانَ قِتالٍ لاتَّبَعْناكم. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عِكْرِمَةَ: ﴿قالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتالا لاتَّبَعْناكُمْ﴾ قالَ: نَزَلَتْ في عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ السُّدِّيِّ قالَ: «خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ أُحُدٍ في ألْفِ رَجُلٍ، وقَدْ وعَدَهُمُ الفَتْحَ إنْ صَبَرُوا، فَلَمّا خَرَجُوا رَجَعَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ في ثَلاثِمِائَةٍ فَتَبِعَهم أبُو جابِرٍ السُّلَمِيُّ يَدْعُوهُمْ، فَلَمّا غَلَبُوهُ وقالُوا لَهُ: ما نَعْلَمُ قِتالًا، ولَئِنْ أطَعْتَنا لَتَرْجِعَنَّ مَعَنا، فَذَكَرَ اللَّهُ، في قَوْلِهِمْ: ولَئِنْ أطَعْتَنا لَتَرْجِعَنَّ: ﴿الَّذِينَ قالُوا لإخْوانِهِمْ وقَعَدُوا لَوْ أطاعُونا ما قُتِلُوا﴾ الآيَةَ» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ قالُوا لإخْوانِهِمْ﴾ الآيَةَ، قالَ: ذُكِرَ لَنا أنَّها نَزَلَتْ في عَدُوِّ اللَّهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبَيٍّ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الرَّبِيعِ: ﴿الَّذِينَ قالُوا لإخْوانِهِمْ وقَعَدُوا﴾ (p-١٠٩)قالَ: نَزَلَتْ في عَدُوِّ اللَّهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ في قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ قالُوا لإخْوانِهِمْ﴾ قالَ: هو عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أبَيٍّ. وأخْرَجَ عَنِ السُّدِّيِّ في الآيَةِ قالَ: هم عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أبَيٍّ وأصْحابُهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ في الآيَةِ قالَ: هو عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أبَيٍّ الَّذِي قَعَدَ، وقالُوا لِإخْوانِهِمُ الَّذِينَ خَرَجُوا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ أُحُدٍ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ إسْحاقَ: ﴿قُلْ فادْرَءُوا عَنْ أنْفُسِكُمُ المَوْتَ﴾ أيْ: إنَّهُ لا بُدَّ مِنَ المَوْتِ، فَإنِ اسْتَطَعْتُمْ أنْ تَدْفَعُوهُ عَنْ أنْفُسِكم فافْعَلُوا؛ وذَلِكَ أنَّهم إنَّما نافَقُوا وتَرَكُوا الجِهادَ في سَبِيلِ اللَّهِ حِرْصًا عَلى البَقاءِ في الدُّنْيا وفِرارًا مِنَ المَوْتِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ شِهابٍ قالَ: إنَّ اللَّهَ أنْزَلَ عَلى نَبِيِّهِ في القَدَرِيَّةِ ﴿الَّذِينَ قالُوا لإخْوانِهِمْ وقَعَدُوا لَوْ أطاعُونا ما قُتِلُوا﴾ . (p-١١٠)وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ في الآيَةِ قالَ: هُمُ الكُفّارُ، يَقُولُونَ لِإخْوانِهِمْ: لَوْ كانُوا عِنْدَنا ما قُتِلُوا. يَحْسَبُونَ أنَّ حُضُورَهم لِلْقِتالِ هو يُقَدِّمُهم إلى الأجَلِ.

آل عمران 3:167

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوَلَمّا أصابَتْكُمْ﴾ الآيَةَ. أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿أوَلَمّا أصابَتْكم مُصِيبَةٌ﴾ الآيَةَ، يَقُولُ: إنَّكم قَدْ أصَبْتُمْ مِنَ المُشْرِكِينَ يَوْمَ بَدْرٍ مِثْلَيْ ما أصابُوا مِنكم يَوْمَ أُحُدٍ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: قَتَلَ المُسْلِمُونَ مِنَ المُشْرِكِينَ يَوْمَ بَدْرٍ سَبْعِينَ، وأسَرُوا سَبْعِينَ، وقَتَلَ المُشْرِكُونَ يَوْمَ أُحُدٍ مِنَ المُسْلِمِينَ سَبْعِينَ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿قَدْ أصَبْتُمْ مِثْلَيْها قُلْتُمْ أنّى هَذا﴾ ونَحْنُ مُسْلِمُونَ نُقاتِلُ غَضَبًا لِلَّهِ، وهَؤُلاءِ مُشْرِكُونَ. ﴿قُلْ هو مِن عِنْدِ أنْفُسِكُمْ﴾ عُقُوبَةً لَكم بِمَعْصِيَتِكُمُ النَّبِيَّ ﷺ حِينَ قالَ ما قالَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ في الآيَةِ قالَ: لَمّا رَأوْا مَن قُتِلَ مِنهم يَوْمَ أُحُدٍ قالُوا: مِن أيْنَ هَذا؟ ما كانَ لِلْكُفّارِ أنْ يَقْتُلُوا مِنّا! فَلَمّا رَأى اللَّهُ ما قالُوا مِن ذَلِكَ، قالَ اللَّهُ: هم بِالأسْرى الَّذِينَ أخَذْتُمْ يَوْمَ بَدْرٍ. فَرَدَّهُمُ اللَّهُ بِذَلِكَ وعَجَّلَ لَهم عُقُوبَةَ ذَلِكَ في الدُّنْيا؛ لِيَسْلَمُوا مِنها في الآخِرَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ، وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ (p-١٠٥)مَرْدُوَيْهِ، عَنْ عَلِيٍّ، قالَ: «جاءَ جِبْرِيلُ إلى النَّبِيِّ ﷺ فَقالَ: يا مُحَمَّدُ، إنَّ اللَّهَ قَدْ كَرِهَ ما صَنَعَ قَوْمُكَ في أخْذِهِمُ الأُسارى، وقَدْ أمَرَكَ أنْ تُخَيِّرَهم بَيْنَ أمْرَيْنِ؛ إمّا أنْ يُقَدَّمُوا فَتُضْرَبَ أعْناقُهُمْ، وبَيْنَ أنْ يَأْخُذُوا الفِداءَ عَلى أنْ يُقْتُلَ مِنهم عِدَّتُهم. فَدَعا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ النّاسَ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُمْ، فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، عَشائِرُنا وإخْوانُنا، نَأْخُذُ فِداءَهم نَتَقَوّى بِهِ عَلى قِتالِ عَدُوِّنا، ويُسْتَشْهَدُ مِنّا بِعِدَّتِهِمْ فَلَيْسَ في ذَلِكَ ما نَكْرَهُ، فَقُتِلَ مِنهم يَوْمَ أُحُدٍ سَبْعُونَ رِجْلًا، عِدَّةُ أُسارى أهْلِ بَدْرٍ» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ، وابْنِ جُرَيْجٍ: «﴿قُلْ هو مِن عِنْدِ أنْفُسِكُمْ﴾: عُقُوبَةً لَكم بِمَعْصِيَتِكُمُ النَّبِيَّ ﷺ حِينَ قالَ: «لا تَتَّبِعُوهُمْ» يَوْمَ أُحُدٍ فاتَّبَعُوهم» . وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ مِن طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: «﴿قُلْتُمْ أنّى هَذا﴾ ونَحْنُ مُسْلِمُونَ نُقاتِلُ غَضَبًا لِلَّهِ، وهَؤُلاءِ مُشْرِكُونَ؟ فَقالَ: ﴿قُلْ هو مِن عِنْدِ أنْفُسِكُمْ﴾ عُقُوبَةً بِمَعْصِيَتِكُمُ النَّبِيَّ ﷺ حِينَ قالَ: «لا تَتَّبِعُوهُمْ»» . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ قَتادَةَ «فِي قَوْلِهِ: ﴿أوَلَمّا أصابَتْكم مُصِيبَةٌ قَدْ أصَبْتُمْ مِثْلَيْها﴾ قالَ: أُصِيبُوا يَوْمَ أُحُدٍ، قُتِلَ مِنهم سَبْعُونَ يَوْمَئِذٍ، وأصابُوا مِثْلَيْها يَوْمَ بَدْرٍ؛ قَتَلُوا مِنَ المُشْرِكِينَ سَبْعِينَ وأسَرُوا سَبْعِينَ، (p-١٠٦)﴿قُلْتُمْ أنّى هَذا قُلْ هو مِن عِنْدِ أنْفُسِكُمْ﴾ ذُكِرَ لَنا أنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ قالَ لِأصْحابِهِ يَوْمَ أُحُدٍ حِينَ قَدِمَ أبُو سُفْيانَ والمُشْرِكُونَ: «إنّا في جَنَّةٍ حَصِينَةٍ - يَعْنِي بِذَلِكَ المَدِينَةَ - فَدَعُوا القَوْمَ يَدْخُلُوا عَلَيْنا نُقاتِلْهُمْ» فَقالَ لَهُ أُناسٌ مِنَ الأنْصارِ: إنّا نَكْرَهُ أنْ نُقْتَلَ في طُرُقِ المَدِينَةِ، وقَدْ كُنّا نَمْتَنِعُ مِنَ الغَزْوِ في الجاهِلِيَّةِ، فَبِالإسْلامِ أحَقُّ أنْ نَمْتَنِعَ فِيهِ، فابْرُزْ بِنا إلى القَوْمِ، فانْطَلَقَ فَلَبِسَ لَأْمَتَهُ، فَتَلاوَمَ القَوْمُ فَقالُوا: عَرَّضَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ بِأمْرٍ وعَرَّضْتُمْ بِغَيْرِهِ، اذْهَبْ يا حَمْزَةُ، فَقُلْ لَهُ: أمْرُنا لِأمْرِكَ تَبَعٌ، فَأتى حَمْزَةُ فَقالَ لَهُ، فَقالَ: «إنَّهُ لَيْسَ لِنَبِيٍّ إذا لَبِسَ لَأْمَتَهُ أنْ يَضَعَها حَتّى يُناجِزَ، وإنَّهُ سَتَكُونُ فِيكم مُصِيبَةٌ» قالُوا: يا نَبِيَّ اللَّهِ، خاصَّةٌ أوْ عامَّةٌ قالَ: «سَتَرَوْنَها»» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ إسْحاقَ في قَوْلِهِ: ﴿ولِيَعْلَمَ المُؤْمِنِينَ﴾ ﴿ولِيَعْلَمَ الَّذِينَ نافَقُوا﴾ فَقالَ: لِيَمِيزَ بَيْنَ المُؤْمِنِينَ والمُنافِقِينَ، ﴿وقِيلَ لَهم تَعالَوْا قاتِلُوا﴾ يَعْنِي عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ وأصْحابَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿أوِ ادْفَعُوا﴾ قالَ: كَثِّرُوا بِأنْفُسِكم وإنْ لَمْ تُقاتِلُوا. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي حازِمٍ قالَ: سَمِعْتُ سَهْلَ بْنَ (p-١٠٧)سَعْدٍ يَقُولُ: لَوْ بِعْتُ دارِي فَلَحِقْتُ بِثَغْرٍ مِن ثُغُورِ المُسْلِمِينَ فَكُنْتُ بَيْنَ المُسْلِمِينَ وبَيْنَ عَدُوِّهِمْ، فَقُلْتُ: كَيْفَ وقَدْ ذَهَبَ بَصَرُكَ؟ قالَ: ألَمْ تَسْمَعْ إلى قَوْلِ اللَّهِ ﴿تَعالَوْا قاتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ أوِ ادْفَعُوا﴾ أُسَوِّدُ مَعَ النّاسِ. فَفَعَلَ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ الضَّحّاكِ في قَوْلِهِ: ﴿أوِ ادْفَعُوا﴾ قالَ: كُونُوا سَوادًا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أبِي عَوْنٍ الأنْصارِيِّ في قَوْلِهِ: ﴿أوِ ادْفَعُوا﴾ قالَ: رابِطُوا. وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ شِهابٍ وغَيْرِهِ قالَ: «خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى أُحُدٍ في ألْفِ رَجُلٍ مِن أصْحابِهِ حَتّى إذا كانُوا بِالشَّوْطِ بَيْنَ أُحُدٍ والمَدِينَةِ، انْخَزَلَ عَنْهم عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ بِثُلُثِ النّاسِ، وقالَ: أطاعَهم وعَصانِي، واللَّهِ ما نَدْرِي عَلامَ نَقْتُلُ أنْفُسَنا هَهُنا؟ فَرَجَعَ بِمَنِ اتَّبَعَهُ مِن أهْلِ النِّفاقِ وأهْلِ الرَّيْبِ، واتَّبَعَهم عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ حَرامٍ مِن بَنِي سَلِمَةَ يَقُولُ: يا قَوْمُ أُذَكِّرُكُمُ اللَّهَ أنْ تَخْذُلُوا نَبِيَّكم وقَوْمَكم عِنْدَما حَضَرَهم عَدُّوهُمْ، قالُوا: لَوْ نَعْلَمُ أنَّكم تُقاتِلُونَ ما أسْلَمْناكُمْ، ولَكِنْ لا نُرى أنْ يَكُونَ (p-١٠٨)قِتالٌ» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿لَوْ نَعْلَمُ قِتالا لاتَّبَعْناكُمْ﴾ قالَ: لَوْ نَعْلَمُ أنا واجِدُونَ مَعَكم مَكانَ قِتالٍ لاتَّبَعْناكم. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عِكْرِمَةَ: ﴿قالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتالا لاتَّبَعْناكُمْ﴾ قالَ: نَزَلَتْ في عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ السُّدِّيِّ قالَ: «خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ أُحُدٍ في ألْفِ رَجُلٍ، وقَدْ وعَدَهُمُ الفَتْحَ إنْ صَبَرُوا، فَلَمّا خَرَجُوا رَجَعَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ في ثَلاثِمِائَةٍ فَتَبِعَهم أبُو جابِرٍ السُّلَمِيُّ يَدْعُوهُمْ، فَلَمّا غَلَبُوهُ وقالُوا لَهُ: ما نَعْلَمُ قِتالًا، ولَئِنْ أطَعْتَنا لَتَرْجِعَنَّ مَعَنا، فَذَكَرَ اللَّهُ، في قَوْلِهِمْ: ولَئِنْ أطَعْتَنا لَتَرْجِعَنَّ: ﴿الَّذِينَ قالُوا لإخْوانِهِمْ وقَعَدُوا لَوْ أطاعُونا ما قُتِلُوا﴾ الآيَةَ» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ قالُوا لإخْوانِهِمْ﴾ الآيَةَ، قالَ: ذُكِرَ لَنا أنَّها نَزَلَتْ في عَدُوِّ اللَّهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبَيٍّ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الرَّبِيعِ: ﴿الَّذِينَ قالُوا لإخْوانِهِمْ وقَعَدُوا﴾ (p-١٠٩)قالَ: نَزَلَتْ في عَدُوِّ اللَّهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ في قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ قالُوا لإخْوانِهِمْ﴾ قالَ: هو عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أبَيٍّ. وأخْرَجَ عَنِ السُّدِّيِّ في الآيَةِ قالَ: هم عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أبَيٍّ وأصْحابُهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ في الآيَةِ قالَ: هو عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أبَيٍّ الَّذِي قَعَدَ، وقالُوا لِإخْوانِهِمُ الَّذِينَ خَرَجُوا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ أُحُدٍ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ إسْحاقَ: ﴿قُلْ فادْرَءُوا عَنْ أنْفُسِكُمُ المَوْتَ﴾ أيْ: إنَّهُ لا بُدَّ مِنَ المَوْتِ، فَإنِ اسْتَطَعْتُمْ أنْ تَدْفَعُوهُ عَنْ أنْفُسِكم فافْعَلُوا؛ وذَلِكَ أنَّهم إنَّما نافَقُوا وتَرَكُوا الجِهادَ في سَبِيلِ اللَّهِ حِرْصًا عَلى البَقاءِ في الدُّنْيا وفِرارًا مِنَ المَوْتِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ شِهابٍ قالَ: إنَّ اللَّهَ أنْزَلَ عَلى نَبِيِّهِ في القَدَرِيَّةِ ﴿الَّذِينَ قالُوا لإخْوانِهِمْ وقَعَدُوا لَوْ أطاعُونا ما قُتِلُوا﴾ . (p-١١٠)وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ في الآيَةِ قالَ: هُمُ الكُفّارُ، يَقُولُونَ لِإخْوانِهِمْ: لَوْ كانُوا عِنْدَنا ما قُتِلُوا. يَحْسَبُونَ أنَّ حُضُورَهم لِلْقِتالِ هو يُقَدِّمُهم إلى الأجَلِ.

آل عمران 3:168

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوَلَمّا أصابَتْكُمْ﴾ الآيَةَ. أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿أوَلَمّا أصابَتْكم مُصِيبَةٌ﴾ الآيَةَ، يَقُولُ: إنَّكم قَدْ أصَبْتُمْ مِنَ المُشْرِكِينَ يَوْمَ بَدْرٍ مِثْلَيْ ما أصابُوا مِنكم يَوْمَ أُحُدٍ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: قَتَلَ المُسْلِمُونَ مِنَ المُشْرِكِينَ يَوْمَ بَدْرٍ سَبْعِينَ، وأسَرُوا سَبْعِينَ، وقَتَلَ المُشْرِكُونَ يَوْمَ أُحُدٍ مِنَ المُسْلِمِينَ سَبْعِينَ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿قَدْ أصَبْتُمْ مِثْلَيْها قُلْتُمْ أنّى هَذا﴾ ونَحْنُ مُسْلِمُونَ نُقاتِلُ غَضَبًا لِلَّهِ، وهَؤُلاءِ مُشْرِكُونَ. ﴿قُلْ هو مِن عِنْدِ أنْفُسِكُمْ﴾ عُقُوبَةً لَكم بِمَعْصِيَتِكُمُ النَّبِيَّ ﷺ حِينَ قالَ ما قالَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ في الآيَةِ قالَ: لَمّا رَأوْا مَن قُتِلَ مِنهم يَوْمَ أُحُدٍ قالُوا: مِن أيْنَ هَذا؟ ما كانَ لِلْكُفّارِ أنْ يَقْتُلُوا مِنّا! فَلَمّا رَأى اللَّهُ ما قالُوا مِن ذَلِكَ، قالَ اللَّهُ: هم بِالأسْرى الَّذِينَ أخَذْتُمْ يَوْمَ بَدْرٍ. فَرَدَّهُمُ اللَّهُ بِذَلِكَ وعَجَّلَ لَهم عُقُوبَةَ ذَلِكَ في الدُّنْيا؛ لِيَسْلَمُوا مِنها في الآخِرَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ، وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ (p-١٠٥)مَرْدُوَيْهِ، عَنْ عَلِيٍّ، قالَ: «جاءَ جِبْرِيلُ إلى النَّبِيِّ ﷺ فَقالَ: يا مُحَمَّدُ، إنَّ اللَّهَ قَدْ كَرِهَ ما صَنَعَ قَوْمُكَ في أخْذِهِمُ الأُسارى، وقَدْ أمَرَكَ أنْ تُخَيِّرَهم بَيْنَ أمْرَيْنِ؛ إمّا أنْ يُقَدَّمُوا فَتُضْرَبَ أعْناقُهُمْ، وبَيْنَ أنْ يَأْخُذُوا الفِداءَ عَلى أنْ يُقْتُلَ مِنهم عِدَّتُهم. فَدَعا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ النّاسَ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُمْ، فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، عَشائِرُنا وإخْوانُنا، نَأْخُذُ فِداءَهم نَتَقَوّى بِهِ عَلى قِتالِ عَدُوِّنا، ويُسْتَشْهَدُ مِنّا بِعِدَّتِهِمْ فَلَيْسَ في ذَلِكَ ما نَكْرَهُ، فَقُتِلَ مِنهم يَوْمَ أُحُدٍ سَبْعُونَ رِجْلًا، عِدَّةُ أُسارى أهْلِ بَدْرٍ» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ، وابْنِ جُرَيْجٍ: «﴿قُلْ هو مِن عِنْدِ أنْفُسِكُمْ﴾: عُقُوبَةً لَكم بِمَعْصِيَتِكُمُ النَّبِيَّ ﷺ حِينَ قالَ: «لا تَتَّبِعُوهُمْ» يَوْمَ أُحُدٍ فاتَّبَعُوهم» . وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ مِن طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: «﴿قُلْتُمْ أنّى هَذا﴾ ونَحْنُ مُسْلِمُونَ نُقاتِلُ غَضَبًا لِلَّهِ، وهَؤُلاءِ مُشْرِكُونَ؟ فَقالَ: ﴿قُلْ هو مِن عِنْدِ أنْفُسِكُمْ﴾ عُقُوبَةً بِمَعْصِيَتِكُمُ النَّبِيَّ ﷺ حِينَ قالَ: «لا تَتَّبِعُوهُمْ»» . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ قَتادَةَ «فِي قَوْلِهِ: ﴿أوَلَمّا أصابَتْكم مُصِيبَةٌ قَدْ أصَبْتُمْ مِثْلَيْها﴾ قالَ: أُصِيبُوا يَوْمَ أُحُدٍ، قُتِلَ مِنهم سَبْعُونَ يَوْمَئِذٍ، وأصابُوا مِثْلَيْها يَوْمَ بَدْرٍ؛ قَتَلُوا مِنَ المُشْرِكِينَ سَبْعِينَ وأسَرُوا سَبْعِينَ، (p-١٠٦)﴿قُلْتُمْ أنّى هَذا قُلْ هو مِن عِنْدِ أنْفُسِكُمْ﴾ ذُكِرَ لَنا أنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ قالَ لِأصْحابِهِ يَوْمَ أُحُدٍ حِينَ قَدِمَ أبُو سُفْيانَ والمُشْرِكُونَ: «إنّا في جَنَّةٍ حَصِينَةٍ - يَعْنِي بِذَلِكَ المَدِينَةَ - فَدَعُوا القَوْمَ يَدْخُلُوا عَلَيْنا نُقاتِلْهُمْ» فَقالَ لَهُ أُناسٌ مِنَ الأنْصارِ: إنّا نَكْرَهُ أنْ نُقْتَلَ في طُرُقِ المَدِينَةِ، وقَدْ كُنّا نَمْتَنِعُ مِنَ الغَزْوِ في الجاهِلِيَّةِ، فَبِالإسْلامِ أحَقُّ أنْ نَمْتَنِعَ فِيهِ، فابْرُزْ بِنا إلى القَوْمِ، فانْطَلَقَ فَلَبِسَ لَأْمَتَهُ، فَتَلاوَمَ القَوْمُ فَقالُوا: عَرَّضَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ بِأمْرٍ وعَرَّضْتُمْ بِغَيْرِهِ، اذْهَبْ يا حَمْزَةُ، فَقُلْ لَهُ: أمْرُنا لِأمْرِكَ تَبَعٌ، فَأتى حَمْزَةُ فَقالَ لَهُ، فَقالَ: «إنَّهُ لَيْسَ لِنَبِيٍّ إذا لَبِسَ لَأْمَتَهُ أنْ يَضَعَها حَتّى يُناجِزَ، وإنَّهُ سَتَكُونُ فِيكم مُصِيبَةٌ» قالُوا: يا نَبِيَّ اللَّهِ، خاصَّةٌ أوْ عامَّةٌ قالَ: «سَتَرَوْنَها»» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ إسْحاقَ في قَوْلِهِ: ﴿ولِيَعْلَمَ المُؤْمِنِينَ﴾ ﴿ولِيَعْلَمَ الَّذِينَ نافَقُوا﴾ فَقالَ: لِيَمِيزَ بَيْنَ المُؤْمِنِينَ والمُنافِقِينَ، ﴿وقِيلَ لَهم تَعالَوْا قاتِلُوا﴾ يَعْنِي عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ وأصْحابَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿أوِ ادْفَعُوا﴾ قالَ: كَثِّرُوا بِأنْفُسِكم وإنْ لَمْ تُقاتِلُوا. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي حازِمٍ قالَ: سَمِعْتُ سَهْلَ بْنَ (p-١٠٧)سَعْدٍ يَقُولُ: لَوْ بِعْتُ دارِي فَلَحِقْتُ بِثَغْرٍ مِن ثُغُورِ المُسْلِمِينَ فَكُنْتُ بَيْنَ المُسْلِمِينَ وبَيْنَ عَدُوِّهِمْ، فَقُلْتُ: كَيْفَ وقَدْ ذَهَبَ بَصَرُكَ؟ قالَ: ألَمْ تَسْمَعْ إلى قَوْلِ اللَّهِ ﴿تَعالَوْا قاتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ أوِ ادْفَعُوا﴾ أُسَوِّدُ مَعَ النّاسِ. فَفَعَلَ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ الضَّحّاكِ في قَوْلِهِ: ﴿أوِ ادْفَعُوا﴾ قالَ: كُونُوا سَوادًا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أبِي عَوْنٍ الأنْصارِيِّ في قَوْلِهِ: ﴿أوِ ادْفَعُوا﴾ قالَ: رابِطُوا. وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ شِهابٍ وغَيْرِهِ قالَ: «خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى أُحُدٍ في ألْفِ رَجُلٍ مِن أصْحابِهِ حَتّى إذا كانُوا بِالشَّوْطِ بَيْنَ أُحُدٍ والمَدِينَةِ، انْخَزَلَ عَنْهم عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ بِثُلُثِ النّاسِ، وقالَ: أطاعَهم وعَصانِي، واللَّهِ ما نَدْرِي عَلامَ نَقْتُلُ أنْفُسَنا هَهُنا؟ فَرَجَعَ بِمَنِ اتَّبَعَهُ مِن أهْلِ النِّفاقِ وأهْلِ الرَّيْبِ، واتَّبَعَهم عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ حَرامٍ مِن بَنِي سَلِمَةَ يَقُولُ: يا قَوْمُ أُذَكِّرُكُمُ اللَّهَ أنْ تَخْذُلُوا نَبِيَّكم وقَوْمَكم عِنْدَما حَضَرَهم عَدُّوهُمْ، قالُوا: لَوْ نَعْلَمُ أنَّكم تُقاتِلُونَ ما أسْلَمْناكُمْ، ولَكِنْ لا نُرى أنْ يَكُونَ (p-١٠٨)قِتالٌ» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿لَوْ نَعْلَمُ قِتالا لاتَّبَعْناكُمْ﴾ قالَ: لَوْ نَعْلَمُ أنا واجِدُونَ مَعَكم مَكانَ قِتالٍ لاتَّبَعْناكم. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عِكْرِمَةَ: ﴿قالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتالا لاتَّبَعْناكُمْ﴾ قالَ: نَزَلَتْ في عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ السُّدِّيِّ قالَ: «خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ أُحُدٍ في ألْفِ رَجُلٍ، وقَدْ وعَدَهُمُ الفَتْحَ إنْ صَبَرُوا، فَلَمّا خَرَجُوا رَجَعَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ في ثَلاثِمِائَةٍ فَتَبِعَهم أبُو جابِرٍ السُّلَمِيُّ يَدْعُوهُمْ، فَلَمّا غَلَبُوهُ وقالُوا لَهُ: ما نَعْلَمُ قِتالًا، ولَئِنْ أطَعْتَنا لَتَرْجِعَنَّ مَعَنا، فَذَكَرَ اللَّهُ، في قَوْلِهِمْ: ولَئِنْ أطَعْتَنا لَتَرْجِعَنَّ: ﴿الَّذِينَ قالُوا لإخْوانِهِمْ وقَعَدُوا لَوْ أطاعُونا ما قُتِلُوا﴾ الآيَةَ» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ قالُوا لإخْوانِهِمْ﴾ الآيَةَ، قالَ: ذُكِرَ لَنا أنَّها نَزَلَتْ في عَدُوِّ اللَّهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبَيٍّ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الرَّبِيعِ: ﴿الَّذِينَ قالُوا لإخْوانِهِمْ وقَعَدُوا﴾ (p-١٠٩)قالَ: نَزَلَتْ في عَدُوِّ اللَّهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ في قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ قالُوا لإخْوانِهِمْ﴾ قالَ: هو عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أبَيٍّ. وأخْرَجَ عَنِ السُّدِّيِّ في الآيَةِ قالَ: هم عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أبَيٍّ وأصْحابُهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ في الآيَةِ قالَ: هو عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أبَيٍّ الَّذِي قَعَدَ، وقالُوا لِإخْوانِهِمُ الَّذِينَ خَرَجُوا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ أُحُدٍ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ إسْحاقَ: ﴿قُلْ فادْرَءُوا عَنْ أنْفُسِكُمُ المَوْتَ﴾ أيْ: إنَّهُ لا بُدَّ مِنَ المَوْتِ، فَإنِ اسْتَطَعْتُمْ أنْ تَدْفَعُوهُ عَنْ أنْفُسِكم فافْعَلُوا؛ وذَلِكَ أنَّهم إنَّما نافَقُوا وتَرَكُوا الجِهادَ في سَبِيلِ اللَّهِ حِرْصًا عَلى البَقاءِ في الدُّنْيا وفِرارًا مِنَ المَوْتِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ شِهابٍ قالَ: إنَّ اللَّهَ أنْزَلَ عَلى نَبِيِّهِ في القَدَرِيَّةِ ﴿الَّذِينَ قالُوا لإخْوانِهِمْ وقَعَدُوا لَوْ أطاعُونا ما قُتِلُوا﴾ . (p-١١٠)وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ في الآيَةِ قالَ: هُمُ الكُفّارُ، يَقُولُونَ لِإخْوانِهِمْ: لَوْ كانُوا عِنْدَنا ما قُتِلُوا. يَحْسَبُونَ أنَّ حُضُورَهم لِلْقِتالِ هو يُقَدِّمُهم إلى الأجَلِ.

آل عمران 3:169

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَحْسَبَنَّ﴾ الآياتِ. أخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في حَمْزَةَ وأصْحابِهِ: ﴿ولا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ أمْواتًا بَلْ أحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ . وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أبِي الضُّحى في قَوْلِهِ: ﴿ولا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ أمْواتًا﴾ قالَ: نَزَلَتْ في قَتْلى أُحُدٍ، اسْتُشْهِدَ مِنهم سَبْعُونَ رَجُلًا: أرْبَعَةٌ مِنَ المُهاجِرِينَ: حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ مِن بَنِي هاشِمٍ، ومُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ مِن بَنِي عَبْدِ الدّارِ، وشَمّاسُ بْنُ عُثْمانَ مِن بَنِي مَخْزُومٍ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَحْشٍ مِن بَنِي أسَدٍ، وسائِرُهم مِنَ الأنْصارِ. (p-١١١)وأخْرَجَ أحْمَدُ وهَنّادٌ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وأبُو داوُدَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ في ”الدَّلائِلِ“، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««لَمّا أُصِيبَ إخْوانُكم بِأُحُدٍ جَعَلَ اللَّهُ أرْواحَهم في أجْوافِ طَيْرٍ خُضْرٍ تَرِدُ أنْهارَ الجَنَّةِ، وتَأْكُلُ مِن ثِمارِها، وتَأْوِي إلى قَنادِيلَ مِن ذَهَبٍ مُعَلَّقَةٍ في ظِلِّ العَرْشِ، فَلَمّا وجَدُوا طِيبَ مَأْكَلِهِمْ ومَشْرَبِهِمْ وحُسْنَ مَقِيلِهِمْ، قالُوا: يا لَيْتَ إخْوانَنا يَعْلَمُونَ ما صَنَعَ اللَّهُ لَنا» وفي لَفْظٍ قالُوا: «مَن يُبَلِّغُ أنّا أحْياءٌ في الجَنَّةِ نُرْزَقُ؛ لِئَلّا يَزْهَدُوا في الجِهادِ ولا يَنْكُلُوا عَنِ الحَرْبِ؟ فَقالَ اللَّهُ: أنا أُبَلِّغُهم عَنْكُمْ» فَأنْزَلَ اللَّهُ هَؤُلاءِ الآياتِ: ﴿ولا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا﴾ الآيَةَ، وما بَعْدَها» . وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ، وابْنُ ماجَهْ، وابْنُ أبِي عاصِمٍ في ”السُّنَّةِ“، وابْنُ خُزَيْمَةَ، والطَّبَرانِيُّ، والحاكِمِ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في ”الدَّلائِلِ“، عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: «لَقِيَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: «يا جابِرُ، ما لِي أراكَ مُنْكَسِرًا»؟ قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، اسْتُشْهِدَ أبِي وتَرَكَ عِيالًا ودَيْنًا. فَقالَ: «ألا أُبَشِّرُكَ بِما لَقِيَ اللَّهُ بِهِ أباكَ»؟ قالَ: بَلى، قالَ: «ما كَلَّمَ اللَّهُ أحَدًا قَطُّ إلّا مِن وراءِ حِجابٍ، وأحْيا أباكَ فَكَلَّمَهُ كِفاحًا، وقالَ: يا عَبْدِي، تَمَنَّ عَلَيَّ أُعْطِكَ قالَ: يا رَبِّ، تُحْيِينِي فَأُقْتَلُ فِيكَ ثانِيَةً. قالَ الرَّبُّ تَعالى: قَدْ سَبَقَ مِنِّي أنَّهم لا يَرْجِعُونَ، قالَ: أيْ رَبِّ، فَأبْلِغْ مَن ورائِي» فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ: (p-١١٢)﴿ولا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ أمْواتًا﴾ الآيَةَ» . وأخْرَجَ الحاكِمُ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِجابِرٍ: ««ألا أُبَشِّرُكَ»؟ قالَ: بَلى، قالَ: «شَعَرْتَ أنَّ اللَّهَ أحْيا أباكَ فَأقْعَدَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَقالَ: تَمَنَّ عَلَيَّ ما شِئْتَ أُعْطِيكَهُ. قالَ: يا رَبِّ، ما عَبَدْتُكَ حَقَّ عِبادَتِكَ، أتَمَنّى أنْ تَرُدَّنِي إلى الدُّنْيا فَأُقْتَلُ مَعَ نَبِيِّكَ مَرَّةً أُخْرى، قالَ: سَبَقَ مِنِّي أنَّكَ إلَيْها لا تَرْجِعُ»» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ قالَ: ذُكِرَ لَنا أنَّ رِجالًا مِن أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قالُوا: يا لَيْتَنا نَعْلَمُ ما فَعَلَ إخْوانُنا الَّذِينَ قُتِلُوا يَوْمَ أُحُدٍ فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿ولا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا﴾ الآيَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الرَّبِيعِ قالَ: ذُكِرَ لَنا عَنْ بَعْضِهِمْ في قَوْلِهِ: ﴿ولا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا﴾ الآيَةَ، قالَ: هم قَتْلى بَدْرٍ وأُحُدٍ، زَعَمُوا أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا قَبَضَ أرْواحَهم وأدْخَلَهُمُ الجَنَّةَ جُعِلَتْ أرْواحُهم في طَيْرٍ خُضْرٍ تَرْعى في الجَنَّةِ وتَأْوِي إلى قَنادِيلَ مِن ذَهَبٍ تَحْتَ العَرْشِ، فَلَمّا رَأوْا ما أعْطاهُمُ اللَّهُ مِنَ الكَرامَةِ قالُوا: لَيْتَ إخْوانَنا الَّذِينَ بَعْدَنا يَعْلَمُونَ ما نَحْنُ فِيهِ، فَإذا شَهِدُوا قِتالًا تَعَجَّلُوا إلى (p-١١٣)ما نَحْنُ فِيهِ. فَقالَ اللَّهُ: إنِّي مُنْزِلٌ عَلى نَبِيِّكم ومُخْبِرٌ إخْوانَكم بِالَّذِي أنْتُمْ فِيهِ. فَفَرِحُوا واسْتَبْشَرُوا وقالُوا: يُخْبِرُ اللَّهُ إخْوانَكم ونَبِيَّكم بِالَّذِي أنْتُمْ فِيهِ، فَإذا شَهِدُوا قِتالًا أتَوْكُمْ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَرِحِينَ﴾ الآيَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ قَيْسِ بْنِ مَخْرَمَةَ قالَ: قالُوا: يا رَبِّ، ألا رَسُولٌ لَنا يُخْبِرُ النَّبِيَّ ﷺ عَنّا بِما أعْطَيْتَنا؟ فَقالَ اللَّهُ تَعالى: أنا رَسُولُكم. فَأمَرَ جِبْرِيلَ أنْ يَأْتِيَ بِهَذِهِ الآيَةِ: ﴿ولا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ أمْواتًا بَلْ أحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ الآيَتَيْنِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الضَّحّاكِ قالَ: لَمّا أُصِيبَ الَّذِينَ أُصِيبُوا يَوْمَ أُحُدٍ لَقُوا رَبَّهم فَأكْرَمَهُمْ، فَأصابُوا الحَياةَ والشَّهادَةَ والرِّزْقَ الطَّيِّبَ، قالُوا: يا لَيْتَ بَيْنَنا وبَيْنَ إخْوانِنا مَن يُبَلِّغُهم أنا لَقِينا رَبَّنا، فَرَضِيَ عَنّا وأرْضانا. فَقالَ اللَّهُ: أنا رَسُولُكم إلى نَبِيِّكم وإخْوانِكم. فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿ولا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ إسْحاقَ بْنِ أبِي طَلْحَةَ، حَدَّثَنِي أنَسُ بْنُ مالِكٍ في أصْحابِ النَّبِيِّ ﷺ الَّذِينَ أرْسَلَهم إلى بِئْرِ مَعُونَةَ قالَ: لا أدْرِي أرْبَعِينَ أوْ سَبْعِينَ، وعَلى ذَلِكَ الماءِ عامِرُ بْنُ الطُّفَيْلِ، فَخَرَجَ أُولَئِكَ النَّفَرُ حَتّى أتَوْا غارًا مُشْرِفًا عَلى الماءِ، فَقَعَدُوا فِيهِ، ثُمَّ قالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: أيُّكم (p-١١٤)يُبَلِّغُ رِسالَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أهْلَ هَذا الماءِ؟ فَقالَ ابْنُ مِلْحانَ الأنْصارِيُّ: أنا. فَخَرَجَ حَتّى أتى حِواءَهم فاحْتَبى أمامَ البُيُوتِ، ثُمَّ قالَ: يا أهْلَ بِئْرِ مَعُونَةَ، إنِّي رَسُولُ رَسُولِ اللَّهِ إلَيْكُمْ، إنِّي أشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وأنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ ورَسُولُهُ، فَآمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ، فَخَرَجَ إلَيْهِ رَجُلٌ مِن كِسْرِ البَيْتِ بِرُمْحٍ، فَضَرَبَ بِهِ في جَنْبِهِ حَتّى خَرَجَ مِنَ الشِّقِّ الآخَرِ، فَقالَ: اللَّهُ أكْبَرُ، فُزْتُ ورَبِّ الكَعْبَةِ، فاتَّبَعُوا أثَرَهُ حَتّى أتَوْا أصْحابَهُ في الغارِ فَقَتَلَهم أجْمَعِينَ عامِرُ بْنُ الطُّفَيْلِ، فَحَدَّثَنِي أنَسٌ أنَّ اللَّهَ أنْزَلَ فِيهِمْ قُرْآنًا: (بَلِّغُوا عَنّا قَوْمَنا أنّا قَدْ لَقِينا رَبَّنا فَرَضِيَ عَنّا ورَضِينا عَنْهُ) . ثُمَّ نُسِخَتْ فَرُفِعَتْ بَعْدَما قَرَأْناهُ زَمانًا، وأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿ولا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ أمْواتًا بَلْ أحْياءٌ﴾ الآيَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ مِن طَرِيقِ طَلْحَةَ بْنِ نافِعٍ، عَنْ أنَسٍ قالَ: لَمّا قُتِلَ حَمْزَةُ وأصْحابُهُ يَوْمَ أُحُدٍ قالُوا: يا لَيْتَ لَنا مُخْبِرًا يُخْبِرُ إخْوانَنا بِالَّذِي صِرْنا إلَيْهِ مِنَ الكَرامَةِ لَنا، فَأوْحى إلَيْهِمْ رَبُّهم: أنا رَسُولُكم إلى إخْوانِكُمْ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿ولا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿لا يُضِيعُ أجْرَ المُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٧١] . (p-١١٥)وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، والطَّبَرانِيُّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: لَمّا أُصِيبَ حَمْزَةُ وأصْحابُهُ بِأُحُدٍ قالُوا: لَيْتَ مَن خَلْفَنا عَلِمُوا ما أعْطانا اللَّهُ مِنَ الثَّوابِ لِيَكُونَ أجْرَأ لَهُمْ! فَقالَ اللَّهُ: أنا أُعْلِمُهم. فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿ولا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا﴾ الآيَةَ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ في ”المُصَنَّفِ“، والفِرْيابِيُّ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وهَنّادٌ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، ومُسْلِمٌ، والتِّرْمِذِيُّ، وابْنُ ماجَهْ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ، والبَيْهَقِيُّ في ”الدَّلائِلِ“، عَنْ مَسْرُوقٍ قالَ: سَألْنا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿ولا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ أمْواتًا﴾ فَقالَ: أما إنّا قَدْ سَألْنا عَنْ ذَلِكَ: أرْواحُهم في جَوْفِ طَيْرٍ خُضْرٍ - ولَفْظُ عَبْدِ الرَّزّاقِ: أرْواحُ الشُّهَداءِ عِنْدَ اللَّهِ كَطَيْرٍ خُضْرٍ- لَها قَنادِيلُ مُعَلَّقَةٌ بِالعَرْشِ، تَسْرَحُ مِنَ الجَنَّةِ حَيْثُ شاءَتْ، ثُمَّ تَأْوِي إلى تِلْكَ القَنادِيلِ، فاطَّلَعَ إلَيْهِمْ رَبُّهُمُ اطِّلاعَةً فَقالَ: هَلْ تَشْتَهُونَ شَيْئًا؟ قالُوا: أيَّ شَيْءٍ نَشْتَهِي ونَحْنُ نَسْرَحُ مِنَ الجَنَّةِ حَيْثُ شِئْنا، فَفَعَلَ ذَلِكَ بِهِمْ ثَلاثَ مَرّاتٍ. فَلَمّا رَأوْا أنَّهم لَمْ يُتْرَكُوا مِن أنْ يُسْألُوا قالُوا: يا رَبِّ، نُرِيدُ أنْ تَرُدَّ أرْواحَنا في أجْسادِنا حَتّى نُقْتَلَ في سَبِيلِكَ مَرَّةً أُخْرى، فَلَمّا رَأى أنْ لَيْسَ لَهم حاجَةٌ تُرِكُوا. (p-١١٦)وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، أنَّهُ قالَ في الثّالِثَةِ حِينَ قالَ لَهم: هَلْ تَشْتَهُونَ مِن شَيْءٍ؟ قالُوا: تُقْرِئُ نَبِيَّنا السَّلامَ، وتُبَلِّغُهُ أنّا قَدْ رَضِينا ورُضِيَ عَنّا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿بَلْ أحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ قالَ: يُرْزَقُونَ مِن ثَمَرِ الجَنَّةِ ويَجِدُونَ رِيحَها ولَيْسُوا فِيها. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ في الآيَةِ قالَ: كُنّا نُحَدَّثُ أنَّ أرْواحَ الشُّهَداءِ تَعارَفُ في طَيْرٍ بِيضٍ تَأْكُلُ مِن ثِمارِ الجَنَّةِ، وأنَّ مَساكِنَهم سِدْرَةُ المُنْتَهى، وأنَّ لِلْمُجاهِدِ في سَبِيلِ اللَّهِ ثَلاثَ خِصالٍ: مَن قُتِلَ في سَبِيلِ اللَّهِ مِنهم صارَ حَيًّا مَرْزُوقًا، ومَن غَلَبَ آتاهُ اللَّهُ أجْرًا عَظِيمًا، ومَن ماتَ رَزَقَهُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي العالِيَةِ في قَوْلِهِ: ﴿بَلْ أحْياءٌ﴾ قالَ: في صُوَرِ طَيْرٍ خُضْرٍ يَطِيرُونَ في الجَنَّةِ حَيْثُ شاءُوا مِنها، يَأْكُلُونَ مِن حَيْثُ شاءُوا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عِكْرِمَةَ في الآيَةِ قالَ: أرْواحُ الشُّهَداءِ في طَيْرٍ بِيضٍ في الجَنَّةِ. (p-١١٧)وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ مِن طَرِيقِ الإفْرِيقِيِّ، عَنِ ابْنِ يَسارٍ السُّلَمِيِّ، أوْ أبِي يَسارٍ قالَ: أرْواحُ الشُّهَداءِ في قِبابٍ بَيْضٍ مِن قِبابِ الجَنَّةِ، في كُلِّ قُبَّةٍ زَوْجَتانِ رِزْقُهم في كُلِّ يَوْمٍ ثَوْرٌ وحُوتٌ، فَأمّا الثَّوْرُ فَفِيهِ طَعْمُ كُلِّ ثَمَرَةٍ في الجَنَّةِ، وأمّا الحُوتُ فَفِيهِ طَعْمُ كُلِّ شَرابٍ في الجَنَّةِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ السُّدِّيِّ أنَّ أرْواحَ الشُّهَداءِ في أجْوافِ طَيْرٍ خُضْرٍ في قَنادِيلَ مِن ذَهَبٍ مُعَلَّقَةٍ بِالعَرْشِ، فَهي تَرْعى بُكْرَةً وعَشِيَّةً في الجَنَّةِ، وتَبِيتُ في القَنادِيلِ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: أرْواحُ الشُّهَداءِ تَجُولُ في أجْوافِ طَيْرٍ خُضْرٍ تَعْلَقُ في ثَمَرِ الجَنَّةِ. وأخْرَجَ هَنّادُ بْنُ السَّرِيِّ في كِتابِ ”الزُّهْدِ“، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: ««إنَّ أرْواحَ الشُّهَداءِ في طَيْرٍ خُضْرٍ تَرْعى في رِياضِ الجَنَّةِ، ثُمَّ يَكُونُ مَأْواها إلى قَنادِيلَ مُعَلَّقَةٍ بِالعَرْشِ، فَيَقُولُ الرَّبُّ: هَلْ تَعْلَمُونَ كَرامَةً أكْرَمَ مِن كَرامَةٍ أُكْرُمْتُكُمُوها؟ فَيَقُولُونَ: لا، إلّا أنّا ودِدْنا أنَّكَ (p-١١٨)أعَدْتَ أرْواحَنا في أجْسادِنا حَتّى نُقاتِلَ فَنُقْتَلَ مَرَّةً أُخْرى في سَبِيلِكَ»» . وأخْرَجَ هَنّادٌ في ”الزُّهْدِ“، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ في ”المُصَنَّفِ“ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قالَ: الشُّهَداءُ في قِبابٍ مِن رِياضٍ بِفَناءِ الجَنَّةِ، يُبْعَثُ إلَيْهِمْ ثَوْرٌ وحُوتٌ فَيَعْتَرِكانِ فَيَلْهُونَ بِهِما، فَإذا احْتاجُوا إلى شَيْءٍ عَقَرَ أحَدُهُما صاحِبَهُ، فَيَأْكُلُونَ مِنهُ فَيَجِدُونَ فِيهِ طَعْمَ كُلِّ شَيْءٍ في الجَنَّةِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأحْمَدُ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ حِبّانَ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ في ”الشُّعَبِ“ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««الشُّهَداءُ عَلى بارِقِ نَهْرٍ بِبابِ الجَنَّةِ في قُبَّةٍ خَضْراءَ، يُخْرَجُ إلَيْهِمْ رِزْقَهم مِنَ الجَنَّةِ غُدْوَةً وعَشِيَّةً»» . وأخْرَجَ هَنّادٌ في ”الزُّهْدِ“ مِن طَرِيقِ ابْنِ إسْحاقَ، عَنْ إسْحاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي فَرْوَةَ قالَ: حَدَّثَنا بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: ««إنَّ الشُّهَداءَ ثَلاثَةٌ؛ فَأدْنى الشُّهَداءِ عِنْدَ اللَّهِ مَنزِلَةً: رَجُلٌ خَرَجَ مَنبُوذًا بِنَفْسِهِ ومالِهِ، لا يُرِيدُ أنْ يُقْتَلَ ولا يَقْتُلَ، أتاهُ سَهْمُ غَرْبٍ فَأصابَهُ، فَأوَّلُ قَطْرَةٍ تَقْطُرُ مِن دَمِهِ يُغْفَرُ لَهُ ما (p-١١٩)تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِهِ، ثُمَّ يُهْبِطُ اللَّهُ جَسَدًا مِنَ السَّماءِ يَجْعَلُ فِيهِ رُوحَهُ، ثُمَّ يُصْعَدُ بِهِ إلى اللَّهِ، فَما يَمُرُّ بِسَماءٍ مِنَ السَّمَواتِ إلّا شَيَّعَتْهُ المَلائِكَةُ، حَتّى يَنْتَهِيَ إلى اللَّهِ، فَإذا انْتُهِيَ بِهِ وقَعَ ساجِدًا، ثُمَّ يُؤْمَرُ بِهِ فَيُكْسى سَبْعِينَ حُلَّةً مِنَ الإسْتَبْرَقِ، ثُمَّ يُقالُ: اذْهَبُوا بِهِ إلى إخْوانِهِ مِنَ الشُّهَداءِ فاجْعَلُوهُ مَعَهُمْ، فَيُؤْتى بِهِ إلَيْهِمْ وهم في قُبَّةٍ خَضْراءَ عِنْدَ بابِ الجَنَّةِ يُخْرَجُ عَلَيْهِمْ غَداؤُهم مِنَ الجَنَّةِ»» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الحَسَنِ قالَ: ما زالَ ابْنُ آدَمَ يَتَحَمَّدُ حَتّى صارَ حَيًّا ما يَمُوتُ، ثُمَّ تَلا هَذِهِ الآيَةَ: ﴿أحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُقاتِلٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ قالَ: بِما هم فِيهِ مِنَ الخَيْرِ والكَرامَةِ والرِّزْقِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ في قَوْلِهِ: ﴿ويَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ﴾ قالَ: لَمّا دَخَلُوا الجَنَّةَ ورَأوْا ما فِيها مِنَ الكَرامَةِ لِلشُّهَداءِ قالُوا: يا لَيْتَ إخْوانَنا الَّذِينَ في الدُّنْيا يَعْلَمُونَ ما صِرْنا فِيهِ مِنَ الكَرامَةِ، فَإذا شَهِدُوا القِتالَ باشَرُوها بِأنْفُسِهِمْ حَتّى يُسْتَشْهَدُوا، فَيُصِيبُونَ ما أصَبْنا مِنَ الخَيْرِ، فَأخْبَرَ النَّبِيَّ ﷺ بِأمْرِهِمْ وما هم فِيهِ مِنَ الكَرامَةِ، وأخْبَرَهم أنِّي قَدْ أنْزَلْتُ عَلى نَبِيِّكم (p-١٢٠)وأخْبَرْتُهُ بِأمْرِكم وما أنْتُمْ فِيهِ مِنَ الكَرامَةِ فاسْتَبْشَرُوا بِذَلِكَ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ويَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِن خَلْفِهِمْ﴾ يَعْنِي: مِن إخْوانِهِمْ مِن أهْلِ الدُّنْيا، أنَّهم سَيَحْرِصُونَ عَلى الجِهادِ ويَلْحَقُونَ بِهِمْ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿ويَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِن خَلْفِهِمْ﴾ قالَ: إنَّ الشَّهِيدَ يُؤْتى بِكِتابٍ فِيهِ مَن يَقْدَمُ عَلَيْهِ مِن إخْوانِهِ وأهْلِهِ، فَيُقالُ: يَقْدَمُ عَلَيْكَ فُلانٌ يَوْمَ كَذا وكَذا، يَقْدَمُ عَلَيْكَ فُلانٌ يَوْمَ كَذا وكَذا، فَيَسْتَبْشِرُ حِينَ يَقْدَمُ عَلَيْهِ كَما يَسْتَبْشِرُ أهْلُ الغائِبِ بِقُدُومِهِ في الدُّنْيا.

آل عمران 3:170

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَحْسَبَنَّ﴾ الآياتِ. أخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في حَمْزَةَ وأصْحابِهِ: ﴿ولا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ أمْواتًا بَلْ أحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ . وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أبِي الضُّحى في قَوْلِهِ: ﴿ولا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ أمْواتًا﴾ قالَ: نَزَلَتْ في قَتْلى أُحُدٍ، اسْتُشْهِدَ مِنهم سَبْعُونَ رَجُلًا: أرْبَعَةٌ مِنَ المُهاجِرِينَ: حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ مِن بَنِي هاشِمٍ، ومُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ مِن بَنِي عَبْدِ الدّارِ، وشَمّاسُ بْنُ عُثْمانَ مِن بَنِي مَخْزُومٍ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَحْشٍ مِن بَنِي أسَدٍ، وسائِرُهم مِنَ الأنْصارِ. (p-١١١)وأخْرَجَ أحْمَدُ وهَنّادٌ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وأبُو داوُدَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ في ”الدَّلائِلِ“، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««لَمّا أُصِيبَ إخْوانُكم بِأُحُدٍ جَعَلَ اللَّهُ أرْواحَهم في أجْوافِ طَيْرٍ خُضْرٍ تَرِدُ أنْهارَ الجَنَّةِ، وتَأْكُلُ مِن ثِمارِها، وتَأْوِي إلى قَنادِيلَ مِن ذَهَبٍ مُعَلَّقَةٍ في ظِلِّ العَرْشِ، فَلَمّا وجَدُوا طِيبَ مَأْكَلِهِمْ ومَشْرَبِهِمْ وحُسْنَ مَقِيلِهِمْ، قالُوا: يا لَيْتَ إخْوانَنا يَعْلَمُونَ ما صَنَعَ اللَّهُ لَنا» وفي لَفْظٍ قالُوا: «مَن يُبَلِّغُ أنّا أحْياءٌ في الجَنَّةِ نُرْزَقُ؛ لِئَلّا يَزْهَدُوا في الجِهادِ ولا يَنْكُلُوا عَنِ الحَرْبِ؟ فَقالَ اللَّهُ: أنا أُبَلِّغُهم عَنْكُمْ» فَأنْزَلَ اللَّهُ هَؤُلاءِ الآياتِ: ﴿ولا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا﴾ الآيَةَ، وما بَعْدَها» . وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ، وابْنُ ماجَهْ، وابْنُ أبِي عاصِمٍ في ”السُّنَّةِ“، وابْنُ خُزَيْمَةَ، والطَّبَرانِيُّ، والحاكِمِ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في ”الدَّلائِلِ“، عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: «لَقِيَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: «يا جابِرُ، ما لِي أراكَ مُنْكَسِرًا»؟ قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، اسْتُشْهِدَ أبِي وتَرَكَ عِيالًا ودَيْنًا. فَقالَ: «ألا أُبَشِّرُكَ بِما لَقِيَ اللَّهُ بِهِ أباكَ»؟ قالَ: بَلى، قالَ: «ما كَلَّمَ اللَّهُ أحَدًا قَطُّ إلّا مِن وراءِ حِجابٍ، وأحْيا أباكَ فَكَلَّمَهُ كِفاحًا، وقالَ: يا عَبْدِي، تَمَنَّ عَلَيَّ أُعْطِكَ قالَ: يا رَبِّ، تُحْيِينِي فَأُقْتَلُ فِيكَ ثانِيَةً. قالَ الرَّبُّ تَعالى: قَدْ سَبَقَ مِنِّي أنَّهم لا يَرْجِعُونَ، قالَ: أيْ رَبِّ، فَأبْلِغْ مَن ورائِي» فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ: (p-١١٢)﴿ولا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ أمْواتًا﴾ الآيَةَ» . وأخْرَجَ الحاكِمُ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِجابِرٍ: ««ألا أُبَشِّرُكَ»؟ قالَ: بَلى، قالَ: «شَعَرْتَ أنَّ اللَّهَ أحْيا أباكَ فَأقْعَدَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَقالَ: تَمَنَّ عَلَيَّ ما شِئْتَ أُعْطِيكَهُ. قالَ: يا رَبِّ، ما عَبَدْتُكَ حَقَّ عِبادَتِكَ، أتَمَنّى أنْ تَرُدَّنِي إلى الدُّنْيا فَأُقْتَلُ مَعَ نَبِيِّكَ مَرَّةً أُخْرى، قالَ: سَبَقَ مِنِّي أنَّكَ إلَيْها لا تَرْجِعُ»» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ قالَ: ذُكِرَ لَنا أنَّ رِجالًا مِن أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قالُوا: يا لَيْتَنا نَعْلَمُ ما فَعَلَ إخْوانُنا الَّذِينَ قُتِلُوا يَوْمَ أُحُدٍ فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿ولا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا﴾ الآيَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الرَّبِيعِ قالَ: ذُكِرَ لَنا عَنْ بَعْضِهِمْ في قَوْلِهِ: ﴿ولا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا﴾ الآيَةَ، قالَ: هم قَتْلى بَدْرٍ وأُحُدٍ، زَعَمُوا أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا قَبَضَ أرْواحَهم وأدْخَلَهُمُ الجَنَّةَ جُعِلَتْ أرْواحُهم في طَيْرٍ خُضْرٍ تَرْعى في الجَنَّةِ وتَأْوِي إلى قَنادِيلَ مِن ذَهَبٍ تَحْتَ العَرْشِ، فَلَمّا رَأوْا ما أعْطاهُمُ اللَّهُ مِنَ الكَرامَةِ قالُوا: لَيْتَ إخْوانَنا الَّذِينَ بَعْدَنا يَعْلَمُونَ ما نَحْنُ فِيهِ، فَإذا شَهِدُوا قِتالًا تَعَجَّلُوا إلى (p-١١٣)ما نَحْنُ فِيهِ. فَقالَ اللَّهُ: إنِّي مُنْزِلٌ عَلى نَبِيِّكم ومُخْبِرٌ إخْوانَكم بِالَّذِي أنْتُمْ فِيهِ. فَفَرِحُوا واسْتَبْشَرُوا وقالُوا: يُخْبِرُ اللَّهُ إخْوانَكم ونَبِيَّكم بِالَّذِي أنْتُمْ فِيهِ، فَإذا شَهِدُوا قِتالًا أتَوْكُمْ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَرِحِينَ﴾ الآيَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ قَيْسِ بْنِ مَخْرَمَةَ قالَ: قالُوا: يا رَبِّ، ألا رَسُولٌ لَنا يُخْبِرُ النَّبِيَّ ﷺ عَنّا بِما أعْطَيْتَنا؟ فَقالَ اللَّهُ تَعالى: أنا رَسُولُكم. فَأمَرَ جِبْرِيلَ أنْ يَأْتِيَ بِهَذِهِ الآيَةِ: ﴿ولا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ أمْواتًا بَلْ أحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ الآيَتَيْنِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الضَّحّاكِ قالَ: لَمّا أُصِيبَ الَّذِينَ أُصِيبُوا يَوْمَ أُحُدٍ لَقُوا رَبَّهم فَأكْرَمَهُمْ، فَأصابُوا الحَياةَ والشَّهادَةَ والرِّزْقَ الطَّيِّبَ، قالُوا: يا لَيْتَ بَيْنَنا وبَيْنَ إخْوانِنا مَن يُبَلِّغُهم أنا لَقِينا رَبَّنا، فَرَضِيَ عَنّا وأرْضانا. فَقالَ اللَّهُ: أنا رَسُولُكم إلى نَبِيِّكم وإخْوانِكم. فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿ولا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ إسْحاقَ بْنِ أبِي طَلْحَةَ، حَدَّثَنِي أنَسُ بْنُ مالِكٍ في أصْحابِ النَّبِيِّ ﷺ الَّذِينَ أرْسَلَهم إلى بِئْرِ مَعُونَةَ قالَ: لا أدْرِي أرْبَعِينَ أوْ سَبْعِينَ، وعَلى ذَلِكَ الماءِ عامِرُ بْنُ الطُّفَيْلِ، فَخَرَجَ أُولَئِكَ النَّفَرُ حَتّى أتَوْا غارًا مُشْرِفًا عَلى الماءِ، فَقَعَدُوا فِيهِ، ثُمَّ قالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: أيُّكم (p-١١٤)يُبَلِّغُ رِسالَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أهْلَ هَذا الماءِ؟ فَقالَ ابْنُ مِلْحانَ الأنْصارِيُّ: أنا. فَخَرَجَ حَتّى أتى حِواءَهم فاحْتَبى أمامَ البُيُوتِ، ثُمَّ قالَ: يا أهْلَ بِئْرِ مَعُونَةَ، إنِّي رَسُولُ رَسُولِ اللَّهِ إلَيْكُمْ، إنِّي أشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وأنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ ورَسُولُهُ، فَآمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ، فَخَرَجَ إلَيْهِ رَجُلٌ مِن كِسْرِ البَيْتِ بِرُمْحٍ، فَضَرَبَ بِهِ في جَنْبِهِ حَتّى خَرَجَ مِنَ الشِّقِّ الآخَرِ، فَقالَ: اللَّهُ أكْبَرُ، فُزْتُ ورَبِّ الكَعْبَةِ، فاتَّبَعُوا أثَرَهُ حَتّى أتَوْا أصْحابَهُ في الغارِ فَقَتَلَهم أجْمَعِينَ عامِرُ بْنُ الطُّفَيْلِ، فَحَدَّثَنِي أنَسٌ أنَّ اللَّهَ أنْزَلَ فِيهِمْ قُرْآنًا: (بَلِّغُوا عَنّا قَوْمَنا أنّا قَدْ لَقِينا رَبَّنا فَرَضِيَ عَنّا ورَضِينا عَنْهُ) . ثُمَّ نُسِخَتْ فَرُفِعَتْ بَعْدَما قَرَأْناهُ زَمانًا، وأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿ولا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ أمْواتًا بَلْ أحْياءٌ﴾ الآيَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ مِن طَرِيقِ طَلْحَةَ بْنِ نافِعٍ، عَنْ أنَسٍ قالَ: لَمّا قُتِلَ حَمْزَةُ وأصْحابُهُ يَوْمَ أُحُدٍ قالُوا: يا لَيْتَ لَنا مُخْبِرًا يُخْبِرُ إخْوانَنا بِالَّذِي صِرْنا إلَيْهِ مِنَ الكَرامَةِ لَنا، فَأوْحى إلَيْهِمْ رَبُّهم: أنا رَسُولُكم إلى إخْوانِكُمْ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿ولا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿لا يُضِيعُ أجْرَ المُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٧١] . (p-١١٥)وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، والطَّبَرانِيُّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: لَمّا أُصِيبَ حَمْزَةُ وأصْحابُهُ بِأُحُدٍ قالُوا: لَيْتَ مَن خَلْفَنا عَلِمُوا ما أعْطانا اللَّهُ مِنَ الثَّوابِ لِيَكُونَ أجْرَأ لَهُمْ! فَقالَ اللَّهُ: أنا أُعْلِمُهم. فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿ولا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا﴾ الآيَةَ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ في ”المُصَنَّفِ“، والفِرْيابِيُّ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وهَنّادٌ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، ومُسْلِمٌ، والتِّرْمِذِيُّ، وابْنُ ماجَهْ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ، والبَيْهَقِيُّ في ”الدَّلائِلِ“، عَنْ مَسْرُوقٍ قالَ: سَألْنا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿ولا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ أمْواتًا﴾ فَقالَ: أما إنّا قَدْ سَألْنا عَنْ ذَلِكَ: أرْواحُهم في جَوْفِ طَيْرٍ خُضْرٍ - ولَفْظُ عَبْدِ الرَّزّاقِ: أرْواحُ الشُّهَداءِ عِنْدَ اللَّهِ كَطَيْرٍ خُضْرٍ- لَها قَنادِيلُ مُعَلَّقَةٌ بِالعَرْشِ، تَسْرَحُ مِنَ الجَنَّةِ حَيْثُ شاءَتْ، ثُمَّ تَأْوِي إلى تِلْكَ القَنادِيلِ، فاطَّلَعَ إلَيْهِمْ رَبُّهُمُ اطِّلاعَةً فَقالَ: هَلْ تَشْتَهُونَ شَيْئًا؟ قالُوا: أيَّ شَيْءٍ نَشْتَهِي ونَحْنُ نَسْرَحُ مِنَ الجَنَّةِ حَيْثُ شِئْنا، فَفَعَلَ ذَلِكَ بِهِمْ ثَلاثَ مَرّاتٍ. فَلَمّا رَأوْا أنَّهم لَمْ يُتْرَكُوا مِن أنْ يُسْألُوا قالُوا: يا رَبِّ، نُرِيدُ أنْ تَرُدَّ أرْواحَنا في أجْسادِنا حَتّى نُقْتَلَ في سَبِيلِكَ مَرَّةً أُخْرى، فَلَمّا رَأى أنْ لَيْسَ لَهم حاجَةٌ تُرِكُوا. (p-١١٦)وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ، أنَّهُ قالَ في الثّالِثَةِ حِينَ قالَ لَهم: هَلْ تَشْتَهُونَ مِن شَيْءٍ؟ قالُوا: تُقْرِئُ نَبِيَّنا السَّلامَ، وتُبَلِّغُهُ أنّا قَدْ رَضِينا ورُضِيَ عَنّا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿بَلْ أحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ قالَ: يُرْزَقُونَ مِن ثَمَرِ الجَنَّةِ ويَجِدُونَ رِيحَها ولَيْسُوا فِيها. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ في الآيَةِ قالَ: كُنّا نُحَدَّثُ أنَّ أرْواحَ الشُّهَداءِ تَعارَفُ في طَيْرٍ بِيضٍ تَأْكُلُ مِن ثِمارِ الجَنَّةِ، وأنَّ مَساكِنَهم سِدْرَةُ المُنْتَهى، وأنَّ لِلْمُجاهِدِ في سَبِيلِ اللَّهِ ثَلاثَ خِصالٍ: مَن قُتِلَ في سَبِيلِ اللَّهِ مِنهم صارَ حَيًّا مَرْزُوقًا، ومَن غَلَبَ آتاهُ اللَّهُ أجْرًا عَظِيمًا، ومَن ماتَ رَزَقَهُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي العالِيَةِ في قَوْلِهِ: ﴿بَلْ أحْياءٌ﴾ قالَ: في صُوَرِ طَيْرٍ خُضْرٍ يَطِيرُونَ في الجَنَّةِ حَيْثُ شاءُوا مِنها، يَأْكُلُونَ مِن حَيْثُ شاءُوا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عِكْرِمَةَ في الآيَةِ قالَ: أرْواحُ الشُّهَداءِ في طَيْرٍ بِيضٍ في الجَنَّةِ. (p-١١٧)وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ مِن طَرِيقِ الإفْرِيقِيِّ، عَنِ ابْنِ يَسارٍ السُّلَمِيِّ، أوْ أبِي يَسارٍ قالَ: أرْواحُ الشُّهَداءِ في قِبابٍ بَيْضٍ مِن قِبابِ الجَنَّةِ، في كُلِّ قُبَّةٍ زَوْجَتانِ رِزْقُهم في كُلِّ يَوْمٍ ثَوْرٌ وحُوتٌ، فَأمّا الثَّوْرُ فَفِيهِ طَعْمُ كُلِّ ثَمَرَةٍ في الجَنَّةِ، وأمّا الحُوتُ فَفِيهِ طَعْمُ كُلِّ شَرابٍ في الجَنَّةِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ السُّدِّيِّ أنَّ أرْواحَ الشُّهَداءِ في أجْوافِ طَيْرٍ خُضْرٍ في قَنادِيلَ مِن ذَهَبٍ مُعَلَّقَةٍ بِالعَرْشِ، فَهي تَرْعى بُكْرَةً وعَشِيَّةً في الجَنَّةِ، وتَبِيتُ في القَنادِيلِ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: أرْواحُ الشُّهَداءِ تَجُولُ في أجْوافِ طَيْرٍ خُضْرٍ تَعْلَقُ في ثَمَرِ الجَنَّةِ. وأخْرَجَ هَنّادُ بْنُ السَّرِيِّ في كِتابِ ”الزُّهْدِ“، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: ««إنَّ أرْواحَ الشُّهَداءِ في طَيْرٍ خُضْرٍ تَرْعى في رِياضِ الجَنَّةِ، ثُمَّ يَكُونُ مَأْواها إلى قَنادِيلَ مُعَلَّقَةٍ بِالعَرْشِ، فَيَقُولُ الرَّبُّ: هَلْ تَعْلَمُونَ كَرامَةً أكْرَمَ مِن كَرامَةٍ أُكْرُمْتُكُمُوها؟ فَيَقُولُونَ: لا، إلّا أنّا ودِدْنا أنَّكَ (p-١١٨)أعَدْتَ أرْواحَنا في أجْسادِنا حَتّى نُقاتِلَ فَنُقْتَلَ مَرَّةً أُخْرى في سَبِيلِكَ»» . وأخْرَجَ هَنّادٌ في ”الزُّهْدِ“، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ في ”المُصَنَّفِ“ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قالَ: الشُّهَداءُ في قِبابٍ مِن رِياضٍ بِفَناءِ الجَنَّةِ، يُبْعَثُ إلَيْهِمْ ثَوْرٌ وحُوتٌ فَيَعْتَرِكانِ فَيَلْهُونَ بِهِما، فَإذا احْتاجُوا إلى شَيْءٍ عَقَرَ أحَدُهُما صاحِبَهُ، فَيَأْكُلُونَ مِنهُ فَيَجِدُونَ فِيهِ طَعْمَ كُلِّ شَيْءٍ في الجَنَّةِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأحْمَدُ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ حِبّانَ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ في ”الشُّعَبِ“ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««الشُّهَداءُ عَلى بارِقِ نَهْرٍ بِبابِ الجَنَّةِ في قُبَّةٍ خَضْراءَ، يُخْرَجُ إلَيْهِمْ رِزْقَهم مِنَ الجَنَّةِ غُدْوَةً وعَشِيَّةً»» . وأخْرَجَ هَنّادٌ في ”الزُّهْدِ“ مِن طَرِيقِ ابْنِ إسْحاقَ، عَنْ إسْحاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي فَرْوَةَ قالَ: حَدَّثَنا بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: ««إنَّ الشُّهَداءَ ثَلاثَةٌ؛ فَأدْنى الشُّهَداءِ عِنْدَ اللَّهِ مَنزِلَةً: رَجُلٌ خَرَجَ مَنبُوذًا بِنَفْسِهِ ومالِهِ، لا يُرِيدُ أنْ يُقْتَلَ ولا يَقْتُلَ، أتاهُ سَهْمُ غَرْبٍ فَأصابَهُ، فَأوَّلُ قَطْرَةٍ تَقْطُرُ مِن دَمِهِ يُغْفَرُ لَهُ ما (p-١١٩)تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِهِ، ثُمَّ يُهْبِطُ اللَّهُ جَسَدًا مِنَ السَّماءِ يَجْعَلُ فِيهِ رُوحَهُ، ثُمَّ يُصْعَدُ بِهِ إلى اللَّهِ، فَما يَمُرُّ بِسَماءٍ مِنَ السَّمَواتِ إلّا شَيَّعَتْهُ المَلائِكَةُ، حَتّى يَنْتَهِيَ إلى اللَّهِ، فَإذا انْتُهِيَ بِهِ وقَعَ ساجِدًا، ثُمَّ يُؤْمَرُ بِهِ فَيُكْسى سَبْعِينَ حُلَّةً مِنَ الإسْتَبْرَقِ، ثُمَّ يُقالُ: اذْهَبُوا بِهِ إلى إخْوانِهِ مِنَ الشُّهَداءِ فاجْعَلُوهُ مَعَهُمْ، فَيُؤْتى بِهِ إلَيْهِمْ وهم في قُبَّةٍ خَضْراءَ عِنْدَ بابِ الجَنَّةِ يُخْرَجُ عَلَيْهِمْ غَداؤُهم مِنَ الجَنَّةِ»» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الحَسَنِ قالَ: ما زالَ ابْنُ آدَمَ يَتَحَمَّدُ حَتّى صارَ حَيًّا ما يَمُوتُ، ثُمَّ تَلا هَذِهِ الآيَةَ: ﴿أحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُقاتِلٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ قالَ: بِما هم فِيهِ مِنَ الخَيْرِ والكَرامَةِ والرِّزْقِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ في قَوْلِهِ: ﴿ويَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ﴾ قالَ: لَمّا دَخَلُوا الجَنَّةَ ورَأوْا ما فِيها مِنَ الكَرامَةِ لِلشُّهَداءِ قالُوا: يا لَيْتَ إخْوانَنا الَّذِينَ في الدُّنْيا يَعْلَمُونَ ما صِرْنا فِيهِ مِنَ الكَرامَةِ، فَإذا شَهِدُوا القِتالَ باشَرُوها بِأنْفُسِهِمْ حَتّى يُسْتَشْهَدُوا، فَيُصِيبُونَ ما أصَبْنا مِنَ الخَيْرِ، فَأخْبَرَ النَّبِيَّ ﷺ بِأمْرِهِمْ وما هم فِيهِ مِنَ الكَرامَةِ، وأخْبَرَهم أنِّي قَدْ أنْزَلْتُ عَلى نَبِيِّكم (p-١٢٠)وأخْبَرْتُهُ بِأمْرِكم وما أنْتُمْ فِيهِ مِنَ الكَرامَةِ فاسْتَبْشَرُوا بِذَلِكَ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ويَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِن خَلْفِهِمْ﴾ يَعْنِي: مِن إخْوانِهِمْ مِن أهْلِ الدُّنْيا، أنَّهم سَيَحْرِصُونَ عَلى الجِهادِ ويَلْحَقُونَ بِهِمْ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿ويَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِن خَلْفِهِمْ﴾ قالَ: إنَّ الشَّهِيدَ يُؤْتى بِكِتابٍ فِيهِ مَن يَقْدَمُ عَلَيْهِ مِن إخْوانِهِ وأهْلِهِ، فَيُقالُ: يَقْدَمُ عَلَيْكَ فُلانٌ يَوْمَ كَذا وكَذا، يَقْدَمُ عَلَيْكَ فُلانٌ يَوْمَ كَذا وكَذا، فَيَسْتَبْشِرُ حِينَ يَقْدَمُ عَلَيْهِ كَما يَسْتَبْشِرُ أهْلُ الغائِبِ بِقُدُومِهِ في الدُّنْيا.

آل عمران 3:171

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وفَضْلٍ﴾ الآيَةَ. أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ في قَوْلِهِ: ﴿يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وفَضْلٍ﴾ الآيَةَ، قالَ: هَذِهِ الآيَةُ جَمَعَتِ المُؤْمِنِينَ كُلَّهم سِوى الشُّهَداءِ، وقَلَّما ذَكَرَ اللَّهُ فَضْلًا ذَكَرَ بِهِ الأنْبِياءَ وثَوابًا أعْطاهم إلّا ذَكَرَ ما أعْطى المُؤْمِنِينَ مِن بَعْدِهِمْ. وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جابِرٍ عَنْ أبِيهِ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: إذا ذُكِرَ أصْحابُ أُحُدٍ: ««واللَّهِ لَوَدِدْتُ أنِّي غُودِرْتُ مَعَ أصْحابِي (p-١٢١)بِنُحْصِ الجَبَلِ»» نُحْصُ الجَبَلِ: أصْلُهُ. وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ، عَنْ جابِرٍ قالَ: «فَقَدَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَمْزَةَ حِينَ فاءَ النّاسُ مِنَ القِتالِ، فَقالَ رَجُلٌ: رَأيْتُهُ عِنْدَ تِلْكَ الشَّجَراتِ وهو يَقُولُ: أنا أسَدُ اللَّهِ وأسَدُ رَسُولِهِ، اللَّهُمَّ أبْرَأُ مِمّا جاءَ بِهِ هَؤُلاءِ؛ أبُو سُفْيانَ وأصْحابُهُ، وأعْتَذِرُ إلَيْكَ مِمّا صَنَعَ هَؤُلاءِ بِانْهِزامِهِمْ، فَجاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ نَحْوَهُ فَلَمّا رَأى جُثَّتَهُ بَكى، ولَمّا رَأى ما مُثِّلَ بِهِ شَهَقَ ثُمَّ قالَ: «ألا كُفِّنَ»؟ فَقامَ رَجُلٌ مِنَ الأنْصارِ فَرَمى بِثَوْبٍ عَلَيْهِ، ثُمَّ قامَ آخَرُ فَرَمى بِثَوْبٍ عَلَيْهِ، ثُمَّ فَقالَ: «يا جابِرُ، هَذا الثَّوْبُ لِأبِيكَ، وهَذا لِعَمِّي» ثُمَّ جِيءَ بِحَمْزَةَ فَصَلّى عَلَيْهِ، ثُمَّ يُجاءُ بِالشُّهَداءِ فَتُوضَعُ إلى جانِبِ حَمْزَةَ فَيُصَلِّي عَلَيْهِمْ، يُرْفَعُ ويُتْرَكُ حَمْزَةُ حَتّى صَلّى عَلى الشُّهَداءِ كُلِّهِمْ، قالَ: فَرَجَعْتُ وأنا مُثْقَلٌ قَدْ تَرَكَ أبِي عَلَيَّ دَيْنًا وعِيالًا، فَلَمّا كانَ عِنْدَ اللَّيْلِ أرْسَلَ إلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: «يا جابِرُ، إنَّ اللَّهَ أحْيا أباكَ وكَلَّمَهُ» قُلْتُ: وكَلَّمَهُ كَلامًا؟ قالَ: «قالَ لَهُ: تَمَنَّ، فَقالَ: أتَمَنّى أنْ تَرُدَّ رُوحِي وتُنْشِئَ خَلْقِي كَما كانَ، وتَرْجِعَنِي إلى نَبِيِّكَ فَأُقاتِلَ في سَبِيلِكَ، فَأُقْتَلُ مَرَّةً أُخْرى، قالَ: إنِّي قَضَيْتُ أنَّهم لا يَرْجِعُونَ»» وقالَ: قالَ ﷺ: ««سَيِّدُ (p-١٢٢)الشُّهَداءِ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ القِيامَةِ حَمْزَةُ»» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، عَنْ أنَسٍ قالَ: كُفِّنَ حَمْزَةُ في نَمِرَةٍ، كانُوا إذا مَدُّوها عَلى رَأْسِهِ خَرَجَتْ رِجْلاهُ، فَأمَرَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ أنْ يَمُدُّوها عَلى رَأْسِهِ ويَجْعَلُوا عَلى رِجْلَيْهِ مِنَ الإذْخِرِ، وقالَ: ««لَوْلا أنْ تَجْزَعَ صَفِيَّةُ لَتَرَكْنا حَمْزَةَ فَلَمْ نَدْفِنْهُ حَتّى يُحْشَرَ مِن بُطُونِ الطَّيْرِ والسِّباعِ»» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنْ كَعْبِ بْنِ مالِكٍ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ يَوْمَ أُحُدٍ: «مَن رَأى مَقْتَلَ حَمْزَةَ»؟ فَقالَ رَجُلٌ: أنا، قالَ: «فانْطَلِقْ فَأرِناهُ» فَخَرَجَ حَتّى وقَفَ عَلى حَمْزَةَ فَرَآهُ قَدْ بُقِرَ بَطْنُهُ، وقَدْ مُثِّلَ بِهِ، فَكَرِهَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنْ يَنْظُرَ إلَيْهِ، ووَقَفَ بَيْنَ ظَهْرانَيِ القَتْلى وقالَ: «أنا شَهِيدٌ عَلى هَؤُلاءِ القَوْمِ، لُفُّوهم في دِمائِهِمْ؛ فَإنَّهُ لَيْسَ جَرِيحٌ يُجْرَحُ إلّا جُرْحُهُ يَوْمَ القِيامَةِ يَدْمى، لَوْنُهُ لَوْنُ الدَّمِ ورِيحُهُ رِيحُ المِسْكِ، قَدِّمُوا أكْثَرَ القَوْمِ قُرْآنًا فاجْعَلُوهُ في اللَّحْدِ»» . وأخْرَجَ النَّسائِيُّ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ سَعْدِ بْنِ أبِي وقاصٍّ «أنَّ رَجُلًا جاءَ إلى الصَّلاةِ والنَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي بِنا، فَقالَ حِينَ انْتَهى إلى الصَّفِّ: اللَّهُمَّ آتِنِي أفْضَلَ ما تُؤْتِي عِبادَكَ الصّالِحِينَ، فَلَمّا قَضى النَّبِيُّ ﷺ الصَّلاةَ قالَ: «مَنِ المُتَكَلِّمُ آنِفًا»؟ فَقالَ: أنا، فَقالَ: «إذَنْ يُعْقَرَ جَوادُكَ وتُسْتَشْهَدَ في سَبِيلِ اللَّهِ»» . (p-١٢٣)وأخْرَجَ أحْمَدُ، ومُسْلِمٌ، والنَّسائِيُّ، والحاكِمُ، عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««يُؤْتى بِالرَّجُلِ مِن أهْلِ الجَنَّةِ فَيَقُولُ اللَّهُ لَهُ: يا ابْنَ آدَمَ، كَيْفَ وجَدْتَ مَنزِلَكَ؟ فَيَقُولُ: أيْ رَبِّ، خَيْرُ مَنزِلٍ. فَيَقُولُ: سَلْ وتَمَنَّهْ. فَيَقُولُ: ما أسْألُكَ وأتَمَنّى؟ أسْألُكَ أنْ تَرُدَّنِي إلى الدُّنْيا، فَأُقْتَلَ في سَبِيلِكَ عَشْرَ مَرّاتٍ؛ لِما رَأى مِن فَضْلِ الشَّهادَةِ» قالَ: «ويُؤْتى بِالرَّجُلِ مِن أهْلِ النّارِ فَيَقُولُ اللَّهُ: يا ابْنَ آدَمَ، كَيْفَ وجَدْتَ مَنزِلَكَ؟ فَيَقُولُ: أيْ رَبِّ، شَرُّ مَنزِلٍ. فَيَقُولُ: فَتَفْتَدِي مِنهُ بِطِلاعِ الأرْضِ ذَهَبًا. فَيَقُولُ: نَعَمْ، فَيَقُولُ: كَذَبْتَ؛ قَدْ سَألْتُكَ دُونَ ذَلِكَ فَلَمْ تَفْعَلْ»» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ والتِّرْمِذِيُّ، وابْنُ ماجَهْ، وابْنُ خُزَيْمَةَ، وابْنُ حِبّانَ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««عُرِضَ عَلَيَّ أوَّلُ ثَلاثَةٍ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ، وأوَّلُ ثَلاثَةٍ يَدْخُلُونَ النّارَ، فَأمّا أوَّلُ ثَلاثَةٍ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ: فالشَّهِيدُ وعَبْدٌ مَمْلُوكٌ أحْسَنَ عِبادَةَ رَبِّهِ ونَصَحَ لِسَيِّدِهِ، وعَفِيفٌ مُتَعَفِّفٌ ذُو عِيالٍ. وأمّا أوَّلُ ثَلاثَةٍ يَدْخُلُونَ النّارَ: فَأمِيرٌ مُسَلَّطٌ، وذُو ثَرْوَةٍ مِن مالٍ لا يُؤَدِّي حَقَّ اللَّهِ في مالِهِ، وفَقِيرٌ فَخُورٌ»» . وأخْرَجَ الحاكِمُ عَنْ سَهْلِ بْنِ أبِي أُمامَةَ بْنِ سَهْلٍ، عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««إنَّ أوَّلَ ما يُهْراقُ مِن دَمِ الشَّهِيدِ يُغْفَرُ لَهُ ذُنُوبُهُ»» . (p-١٢٤)وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ أبِي أيُّوبَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««مَن صَبَرَ حَتّى يُقْتَلَ أوْ يَغْلِبَ لَمْ يُفْتَنْ في قَبْرِهِ»» . وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأحْمَدُ، والبُخارِيُّ عَنْ أنَسٍ، «أنَّ حارِثَةَ بْنَ سُراقَةَ خَرَجَ نَظّارًا فَأتاهُ سَهْمٌ فَقَتَلَهُ، فَقالَتْ أُمُّهُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، قَدْ عَرَفْتَ مَوْضِعَ حارِثَةَ مِنِّي، فَإنْ كانَ في الجَنَّةِ صَبَرْتُ، وإلّا رَأيْتَ ما أصْنَعُ. قالَ: «يا أُمَّ حارِثَةَ، إنَّها لَيْسَتْ بِجَنَّةٍ واحِدَةٍ، ولَكِنَّها جِنانٌ كَثِيرَةٌ، وإنَّ حارِثَةَ لَفي أفْضَلِها» أوْ قالَ: «فِي أعْلى الفِرْدَوْسِ»» . وأخْرَجَ أحْمَدُ، والنَّسائِيُّ عَنْ عُبادَةَ بْنِ الصّامِتِ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: ««ما عَلى الأرْضِ مِن نَفْسٍ تَمُوتُ ولَها عِنْدُ اللَّهِ خَيْرٌ تُحِبُّ أنْ تَرْجِعَ إلَيْكم إلّا القَتِيلُ في سَبِيلِ اللَّهِ؛ فَإنَّهُ يُحِبُّ أنْ يَرْجِعَ فَيُقْتَلَ مَرَّةً أُخْرى»» . وأخْرَجَ أحْمَدُ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والبُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، والتِّرْمِذِيُّ، والبَيْهَقِيُّ في ”الشُّعَبِ“ عَنْ أنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: ««ما مِن أهْلِ الجَنَّةِ أحَدٌ يَسُرُّهُ أنْ يَرْجِعَ إلى الدُّنْيا ولَهُ عَشْرُ أمْثالِها إلّا الشَّهِيدُ؛ فَإنَّهُ ودَّ أنَّهُ لَوْ رُدَّ إلى الدُّنْيا عَشْرَ مَرّاتٍ فاسْتُشْهِدَ لِما يَرى مِن فَضْلِ الشَّهادَةِ»» . (p-١٢٥)وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، وأحْمَدُ، والبَيْهَقِيُّ عَنْ قَيْسٍ الجُذامِيِّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««إنَّ لِلْقَتِيلِ عِنْدَ اللَّهِ سِتَّ خِصالٍ: تُغْفَرُ لَهُ خَطِيئَتُهُ في أوَّلِ دُفْعَةٍ مِن دَمِهِ، ويُجارُ مِن عَذابِ القَبْرِ، ويُحَلّى حُلَّةَ الكَرامَةِ، ويَرى مَقْعَدَهُ مِنَ الجَنَّةِ، ويُؤَمَّنُ مِنَ الفَزَعِ الأكْبَرِ، ويُزَوَّجُ مِنَ الحُورِ العِينِ»» . وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ، وابْنُ ماجَهْ، والبَيْهَقِيُّ، عَنِ المِقْدامِ بْنِ مَعْدِيكَرِبَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قالَ: ««إنَّ لِلشَّهِيدِ عِنْدَ اللَّهِ خِصالًا: يُغْفَرُ لَهُ في أوَّلِ دُفْعَةٍ مِن دَمِهِ، ويَرى مَقْعَدَهُ مِنَ الجَنَّةِ، ويُحَلّى عَلَيْهِ حُلَّةَ الإيمانِ، ويُجارُ مِن عَذابِ القَبْرِ، ويَأْمَنُ يَوْمَ الفَزَعِ الأكْبَرِ، ويُوضَعُ عَلى رَأْسِهِ تاجُ الوَقارِ، الياقُوتَةُ مِنهُ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيا وما فِيها، ويُزَوَّجُ اثْنَتَيْنِ وسَبْعِينَ زَوْجَةً مِنَ الحُورِ العِينِ، ويُشَفَّعُ في سَبْعِينَ إنْسانًا مِن أقارِبِهِ»» . وأخْرَجَ أحْمَدُ، والطَّبَرانِيُّ مِن حَدِيثِ عُبادَةَ بْنِ الصّامِتِ، مِثْلَهُ. وأخْرَجَ البَزّارُ، والبَيْهَقِيُّ، والأصْبِهانِيُّ في ”تَرْغِيبِهِ“ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ، عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««الشُّهَداءُ ثَلاثَةٌ: رَجُلٌ خَرَجَ بِنَفْسِهِ ومالِهِ مُحْتَسِبًا في سَبِيلِ اللَّهِ، يُرِيدُ ألّا يُقْتَلَ ولا يَقْتُلَ ولا يُقاتِلَ، يُكَثِّرُ سَوادَ المُسْلِمِينَ، فَإنْ ماتَ وقُتِلَ غُفِرَتْ لَهُ ذُنُوبُهُ كُلُّها، وأُجِيرَ مِن عَذابِ القَبْرِ، وأُومِنَ مِنَ الفَزَعِ الأكْبَرِ، وزُوِّجَ مِنَ الحُورِ العِينِ، وحُلَّتْ عَلَيْهِ حُلَّةُ الكَرامَةِ، (p-١٢٦)ووُضِعَ عَلى رَأْسِهِ تاجُ الوَقارِ والخُلْدِ، والثّانِي: رَجُلٌ خَرَجَ بِنَفْسِهِ ومالِهِ مُحْتَسِبًا يُرِيدُ أنْ يَقْتُلَ ولا يُقْتَلَ، فَإنْ ماتَ أوْ قُتِلَ كانَتْ رُكْبَتُهُ مَعَ رُكْبَةِ إبْراهِيمَ خَلِيلِ الرَّحْمَنِ، بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ في مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ، والثّالِثُ: رَجُلٌ خَرَجَ بِنَفْسِهِ ومالِهِ مُحْتَسِبًا، يُرِيدُ أنْ يَقْتُلَ ويُقْتَلَ، فَإنْ ماتَ أوْ قُتِلَ جاءَ يَوْمَ القِيامَةِ شاهِرًا سَيْفَهُ واضِعَهُ عَلى عاتِقِهِ والنّاسُ جاثُونَ عَلى الرُّكَبِ، يَقُولُ: ألا أفْسِحُوا لَنا مَرَّتَيْنِ، فَإنّا قَدْ بَذَلْنا دِماءَنا وأمْوالَنا لِلَّهِ» قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ قالُوا ذَلِكَ لِإبْراهِيمَ خَلِيلِ الرَّحْمَنِ أوْ لِنَبِيٍّ مِنَ الأنْبِياءِ لَتَنَحّى لَهم عَنِ الطَّرِيقِ؛ لِما يَرى مِن واجِبِ حَقِّهِمْ، حَتّى يَأْتُوا مَنابِرَ مِن نُورٍ عَنْ يَمِينِ العَرْشِ، فَيَجْلِسُونَ فَيَنْظُرُونَ كَيْفَ يُقْضى بَيْنَ النّاسِ، لا يَجِدُونَ غَمَّ المَوْتِ، ولا يَغْتَمُّونَ في البَرْزَخِ، ولا تُفْزِعُهُمُ الصَّيْحَةُ، ولا يُهِمُّهُمُ الحِسابُ ولا المِيزانُ ولا الصِّراطُ، يَنْظُرُونَ كَيْفَ يُقْضى بَيْنَ النّاسِ، ولا يَسْألُونَ شَيْئًا إلّا أُعْطُوا، ولا يَشْفَعُونَ في شَيْءٍ إلّا شُفِّعُوا فِيهِ، ويُعْطَوْنَ مِنَ الجَنَّةِ ما أحَبُّوا، ويَنْزِلُونَ مِنَ الجَنَّةِ حَيْثُ أحَبُّوا»» . وأخْرَجَ أحْمَدُ والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ حِبّانَ، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ عُتْبَةَ بْنِ عَبْدٍ السَّلَمِيِّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««القَتْلى ثَلاثَةٌ: رَجُلٌ مُؤْمِنٌ جاهَدَ بِنَفْسِهِ ومالِهِ في سَبِيلِ اللَّهِ حَتّى إذا لَقِيَ العَدُوَّ قاتَلَهم حَتّى يُقْتُلَ، فَذاكَ الشَّهِيدُ (p-١٢٧)المُمْتَحَنُ في خَيْمَةِ اللَّهِ تَحْتَ عَرْشِهِ، لا يَفْضُلُهُ النَّبِيُّونَ إلّا بِدَرَجَةِ النُّبُوَّةِ، ورَجُلٌ مُؤْمِنٌ قَرَفَ عَلى نَفْسِهِ مِنَ الذُّنُوبِ والخَطايا، جاهَدَ بِمالِهِ ونَفْسِهِ في سَبِيلِ اللَّهِ حَتّى إذا لَقِيَ العَدُوَّ قاتَلَ حَتّى يُقْتَلَ فَتِلْكَ، مُمَصْمِصَةٌ تَحُطُّ ذُنُوبَهُ وخَطاياهُ، إنَّ السَّيْفَ مَحّاءُ لِلْخَطايا، وأُدْخِلَ مِن أيِّ أبْوابِ الجَنَّةِ شاءَ، فَإنَّ لَها ثَمانِيَةَ أبْوابٍ، ولِجَهَنَّمَ سَبْعَةُ أبْوابٍ، وبَعْضُها أفْضَلُ مِن بَعْضٍ، ورَجُلٌ مُنافِقٌ جاهَدَ بِنَفْسِهِ ومالِهِ، حَتّى إذا لَقِيَ العَدُوَّ قاتَلَ في سَبِيلِ اللَّهِ حَتّى يُقْتَلَ؛ فَإنَّ ذَلِكَ في النّارِ، إنَّ السَّيْفَ لا يَمْحُو النِّفاقَ»» . وأخْرَجَ مُسْلِمٌ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العاصِ: أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: ««يُغْفَرُ لِلشَّهِيدِ كُلُّ ذَنْبٍ إلّا الدَّيْنَ»» . وأخْرَجَ أحْمَدُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَحْشٍ «أنَّ رَجُلًا قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، ما لِي إنْ قُتِلْتُ في سَبِيلِ اللَّهِ؟ قالَ: «الجَنَّةُ» فَلَمّا ولّى قالَ: «إلّا الدَّيْنَ سارَّنِي بِهِ (p-١٢٨)جِبْرِيلُ آنِفًا»» . وأخْرَجَ أحْمَدُ، والنَّسائِيُّ، عَنِ ابْنِ أبِي عَمِيرَةَ: أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: ««ما مِن نَفْسٍ مُسْلِمَةٍ يَقْبِضُها رَبُّها تُحِبُّ أنْ تَرْجِعَ إلَيْكم وأنَّ لَها الدُّنْيا وما فِيها غَيْرُ الشَّهِيدِ» وقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَأنْ أُقْتَلَ في سَبِيلِ اللَّهِ أحَبُّ إلَيَّ مِن أنْ يَكُونَ لِي أهْلُ الوَبَرِ والمَدَرِ»» . وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ ماجَهْ، وابْنُ حِبّانَ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««ما يَجِدُ الشَّهِيدُ مِن مَسِّ القَتْلِ إلّا كَما يَجِدُ أحَدُكم مِن مَسِّ القَرْصَةِ»» . وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ عَنْ أنَسٍ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: ««إذا وقَفَ العِبادُ لِلْحِسابِ جاءَ قَوْمٌ واضِعِي سُيُوفِهِمْ عَلى رِقابِهِمْ تَقْطُرُ دَمًا، فازْدَحَمُوا عَلى بابِ الجَنَّةِ. فَقِيلَ: مَن هَؤُلاءِ؟ قِيلَ: الشُّهَداءُ كانُوا أحْياءً مَرْزُوقِينَ»» . وأخْرَجَ أحْمَدُ، وأبُو يَعْلى، والبَيْهَقِيُّ في ”الأسْماءِ والصِّفاتِ“، عَنْ نُعَيْمِ بْنِ هَمّارٍ، «أنَّ رَجُلًا سَألَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ: أيُّ الشُّهَداءِ أفْضَلُ؟ قالَ: «الَّذِينَ إنْ (p-١٢٩)يَلْقَوْا في الصَّفِّ لا يَلْفِتُوا وُجُوهَهم حَتّى يُقْتَلُوا، أُولَئِكَ يَنْطَلِقُونَ في الغُرَفِ العالِيَةِ مِنَ الجَنَّةِ، ويَضْحَكُ إلَيْهِمْ رَبُّهُمْ، وإذا ضَحِكَ رَبُّكَ إلى عَبْدٍ في الدُّنْيا فَلا حِسابَ عَلَيْهِ»» . وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««أفْضَلُ الجِهادِ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ القِيامَةِ الَّذِينَ يَلْتَقُونَ في الصَّفِّ الأوَّلِ فَلا يَلْفِتُونَ وُجُوهَهم حَتّى يُقْتَلُوا، أُولَئِكَ يَتَلَبَّطُونَ في الغُرَفِ مِنَ الجَنَّةِ، يَضْحَكُ إلَيْهِمْ رَبُّكَ، وإذا ضَحِكَ رَبُّكَ إلى قَوْمٍ فَلا حِسابَ عَلَيْهِمْ»» . وأخْرَجَ ابْنُ ماجَهْ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «ذُكِرَ الشَّهِيدُ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَقالَ: «لا تَجِفُّ الأرْضُ مِن دَمِ الشَّهِيدِ حَتّى تَبْتَدِرَهُ زَوْجَتاهُ كَأنَّهُما ظِئْرانِ أضَلَّتا فَصِيلَهُما في بَراحٍ مِنَ الأرْضِ، وفي يَدِ كُلِّ واحِدَةٍ مِنهُما حُلَّةٌ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيا وما فِيها»» . وأخْرَجَ النَّسائِيُّ عَنْ راشِدِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ رَجُلٍ مِن أصْحابِ النَّبِيِّ ﷺ «أنَّ رَجُلًا قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، ما بالُ المُؤْمِنِينَ يُفْتَنُونَ في قُبُورِهِمْ إلّا الشَّهِيدَ؟ قالَ: «كَفى بِبارِقَةِ السُّيُوفِ عَلى رَأْسِهِ فِتْنَةً»» . (p-١٣٠)وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ أنَسٍ «أنَّ رَجُلًا أسْوَدَ أتى النَّبِيَّ ﷺ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنِّي رَجُلٌ أسْوَدُ مُنْتِنُ الرِّيحِ، قَبِيحُ الوَجْهِ، لا مالَ لِي، فَإنْ أنا قاتَلْتُ هَؤُلاءِ حَتّى أُقْتَلَ فَأيْنَ أنا؟ قالَ: «فِي الجَنَّةِ» فَقاتَلَ حَتّى قُتِلَ، فَأتاهُ النَّبِيُّ ﷺ فَقالَ: «قَدْ بَيَّضَ اللَّهُ وجْهَكَ، وطَيَّبَ رِيحَكَ، وأكْثَرَ مالَكَ» وقالَ لِهَذا أوْ لِغَيْرِهِ: «لَقَدْ رَأيْتُ زَوْجَتَهُ مِنَ الحُورِ العِينِ نازَعَتْهُ جُبَّةً لَهُ صُوفًا، تَدْخُلُ بَيْنَهُ وبَيْنَ جُبَّتِهِ»» . وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَرَّ بِخِباءِ أعْرابِيٍّ وهو في أصْحابِهِ يُرِيدُونَ الغَزْوَ فَرَفَعَ الأعْرابِيُّ ناحِيَةً مِنَ الخِباءِ فَقالَ: مَنِ القَوْمُ؟ فَقِيلَ: رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وأصْحابُهُ يُرِيدُونَ الغَزْوَ، فَسارَ مَعَهُمْ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، إنَّهُ لَمِن مُلُوكِ الجَنَّةِ» فَلَقُوا العَدُوَّ فاسْتُشْهِدَ فَأُخْبِرَ بِذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَأتاهُ فَقَعَدَ عِنْدَ رَأْسِهِ مُسْتَبْشِرًا يَضْحَكُ، ثُمَّ أعْرَضَ عَنْهُ، فَقُلْنا: يا رَسُولَ اللَّهِ، رَأيْناكَ مُسْتَبْشِرًا تَضْحَكُ ثُمَّ أعْرَضْتَ عَنْهُ؟ فَقالَ: «أمّا ما رَأيْتُمْ مِنَ اسْتِبْشارِي فَلِما رَأيْتُ مِن كَرامَةِ رُوحِهِ عَلى اللَّهِ، وأمّا إعْراضِي عَنْهُ فَإنَّ زَوْجَتَهُ مِنَ الحُورِ العِينِ الآنَ عِنْدَ رَأْسِهِ»» . وأخْرَجَ هَنّادٌ في ”الزُّهْدِ“، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والطَّبَرانِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قالَ: إنَّ أوَّلَ قَطْرَةٍ تَقْطُرُ مِن دَمِ الشَّهِيدِ يُغْفَرُ لَهُ بِها ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِهِ، ثُمَّ (p-١٣١)يَبْعَثُ اللَّهُ مَلَكَيْنِ بِرَيْحانٍ مِنَ الجَنَّةِ ورَيْطَةٍ مِنَ الجَنَّةِ، وعَلى أرْجاءِ السَّماءِ مَلائِكَةٌ يَقُولُونَ: سُبْحانَ اللَّهِ! قَدْ جاءَ مِنَ الأرْضِ اليَوْمَ رِيحٌ طَيِّبَةٌ ونَسَمَةُ طَيِّبَةٌ. فَلا يَمُرُّ بِبابٍ إلّا فُتِحَ لَهُ، ولا يَمُرُّ بِمَلَكٍ إلّا صَلّى عَلَيْهِ وشَيَّعَهُ حَتّى يُؤْتى بِهِ إلى الرَّحْمَنِ فَيَسْجُدُ لَهُ قَبْلَ المَلائِكَةِ، وتَسْجُدُ المَلائِكَةُ بَعْدَهُ، ثُمَّ يُؤْمَرُ بِهِ إلى الشُّهَداءِ، فَيَجِدُهم في رِياضٍ خُضْرٍ وقِبابٍ مِن حَرِيرٍ عِنْدَ ثَوْرٍ وحُوتٍ، يَلْعَبانِ لَهم كُلَّ يَوْمٍ لُعْبَةً لَمْ يَلْعَبا بِالأمْسِ مِثْلَها، فَيَظَلُّ الحُوتُ في أنْهارِ الجَنَّةِ، فَإذا أمْسى وكَزَهُ الثَّوْرُ بِقَرْنِهِ فَذَكّاهُ لَهُمْ، فَأكَلُوا مِن لَحْمِهِ فَوَجَدُوا مِن لَحْمِهِ طَعْمَ كُلِّ رائِحَةٍ مِن أنْهارِ الجَنَّةِ، ويَبِيتُ الثَّوْرُ نافِشًا في الجَنَّةِ، فَإذا أصْبَحَ غَدا عَلَيْهِ الحُوتُ فَوَكَزَهُ بِذَنَبِهِ فَأكَلُوا مِن لَحْمِهِ، فَوَجَدُوا في لَحْمِهِ طَعْمَ كُلِّ ثَمَرَةٍ مِن ثِمارِ الجَنَّةِ، يَنْظُرُونَ إلى مَنازِلِهِمْ بُكْرَةً وعَشِيَّةً، يَدْعُونَ اللَّهَ أنْ تَقُومَ السّاعَةُ، وإذا تُوُفَّيَ المُؤْمِنُ بَعَثَ اللَّهُ مَلَكَيْنِ بِرَيْحانٍ مِن رَيْحانِ الجَنَّةِ، وخِرْقَةٍ مِنَ الجَنَّةِ تُقْبَضُ فِيها نَفْسُهُ ويُقالُ: اخْرُجِي أيَّتُها النَّفْسُ المُطْمَئِنَّةُ إلى رَوْحٍ ورَيْحانٍ، ورَبٍّ عَلَيْكِ غَيْرِ غَضْبانَ. فَتَخْرُجُ كَأطْيَبِ رائِحَةٍ وجَدَها أحَدٌ قَطُّ بِأنْفِهِ، وعَلى أرْجاءِ السَّماءِ مَلائِكَةٌ يَقُولُونَ: سُبْحانَ اللَّهِ! قَدْ جاءَ اليَوْمَ مِنَ الأرْضِ رِيحٌ طَيِّبَةٌ ونَسَمَةٌ طَيِّبَةٌ، فَلا يَمُرُّ بِبابٍ إلّا فُتِحَ لَهُ، ولا بِمَلَكٍ إلّا صَلّى عَلَيْهِ وشَيَّعَهُ، حَتّى يُؤْتى بِهِ إلى الرَّحْمَنِ، فَتَسْجُدُ المَلائِكَةُ قَبْلَهُ ويَسْجُدُ بَعْدَهم ثُمَّ يُدْعى بِمِيكائِيلَ فَيَقُولُ: اذْهَبْ بِهَذِهِ النَّفْسِ فاجْعَلْها مَعَ أنْفُسِ المُؤْمِنِينَ حَتّى أسْألَكَ عَنْهم يَوْمَ القِيامَةِ، ويُؤْمَرُ بِهِ إلى قَبْرٍ ويُوَسَّعُ سَبْعِينَ طُولُهُ وسَبْعِينَ عَرْضُهُ، وتُنْبَذُ لَهُ فِيهِ رَيْحانٌ، ويُشَيَّدُ بِالحَرِيرِ، فَإنْ كانَ مَعَهُ (p-١٣٢)شَيْءٌ مِنَ القُرْآنِ كُسِيَ نُورَهُ، وإنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ شَيْءٌ مِنَ القُرْآنِ جُعِلَ لَهُ نُورٌ مِثْلُ الشَّمْسِ، فَمَثَلُهُ كَمِثْلِ العَرُوسِ لا يُوقِظُهُ إلّا أحَبُّ أهْلِهِ إلَيْهِ، وإنَّ الكافِرَ إذا تُوُفِّيَ بَعَثَ اللَّهُ إلَيْهِ مَلَكَيْنِ بِخِرْقَةٍ مِن بِجادٍ أنْتَنَ مِن كُلِّ نَتِنٍ، وأخْشَنَ مِن كُلِّ خَشِنٍ، فَيُقالُ: اخْرُجِي أيَّتُها النَّفْسُ الخَبِيثَةُ، ولَبِئْسَ ما قَدَّمْتِ لِنَفْسِكِ، فَتَخْرُجُ كَأنْتَنِ رائِحَةٍ وجَدَها أحَدٌ قَطُّ، ثُمَّ يُؤْمَرُ بِهِ في قَبْرِهِ فَيُضَيَّقُ عَلَيْهِ حَتّى تَخْتَلِفَ فِيهِ أضْلاعُهُ، ويُرْسَلُ عَلَيْهِ حَيّاتٌ كَأنَّها أعْناقُ البُخْتِ، يَأْكُلْنَ لَحْمَهُ، وتُقَيَّضُ لَهُ مَلائِكَةٌ صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ، لا يَسْمَعُونَ لَهُ صَوْتًا، ولا يَرَوْنَهُ فَيَرْحَمُونَهُ، ولا يَمَلُّونَ إذا ضَرَبُوا، يَدْعُونَ اللَّهَ أنْ يُدِيمَ ذَلِكَ عَلَيْهِ حَتّى يَخْلُصَ إلى النّارِ. وأخْرَجَ الطَّيالِسِيُّ، والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ، والبَيْهَقِيُّ في ”الشُّعَبِ“، عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ««الشُّهَداءُ أرْبَعَةٌ: فَمُؤْمِنٌ جَيِّدُ الإيمانِ، لَقِيَ العَدُوَّ فَصَدَقَ اللَّهَ، فَقاتَلَ حَتّى يُقْتَلَ، فَذَلِكَ الَّذِي يَرْفَعُ النّاسُ إلَيْهِ أعْيُنَهُمْ» ورَفَعَ رَأْسَهُ حَتّى وقَعَتْ قَلَنْسُوَةٌ كانَتْ عَلى رَأْسِهِ أوْ رَأْسِ عُمَرَ. «فَهَذا في الدَّرَجَةِ الأُولى، ورَجُلٌ مُؤْمِنٌ جَيِّدُ الإيمانِ إذا لَقِيَ العَدُوَّ فَكَأنَّما يُضْرَبُ جِلْدُهُ بِشَوْكِ الطَّلْحِ مِنَ الجُبْنِ، أتاهُ سَهْمُ غَرْبٍ فَقَتَلَهُ فَهَذا في (p-١٣٣)الدَّرَجَةِ الثّانِيَةِ، ورَجُلٌ مُؤْمِنٌ خَلَطَ عَمَلًا صالِحًا وآخَرَ سَيِّئًا لَقِيَ العَدُوَّ فَصَدَقَ اللَّهَ فَقُتِلَ فَهَذا في الدَّرَجَةِ الثّالِثَةِ، ورَجُلٌ أسْرَفَ عَلى نَفْسِهِ فَلَقِيَ العَدُوَّ فَقاتَلَ حَتّى قُتِلَ، فَهَذا في الدَّرَجَةِ الرّابِعَةِ»» . وأخْرَجَ أبُو داوُدَ، وابْنُ حِبّانَ، عَنْ أبِي الدَّرْداءِ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ««الشَّهِيدُ يُشَفَّعُ في سَبْعِينَ مِن أهْلِ بَيْتِهِ»» . وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، والبَيْهَقِيُّ في ”البَعْثِ والنُّشُورِ“، عَنْ يَزِيدَ بْنِ شَجَرَةَ أنَّهُ كانَ يَقُولُ: إذا صَفَّ النّاسُ لِلصَّلاةِ وصَفُّوا لِلْقِتالِ فُتِحَتْ أبْوابُ السَّماءِ وأبْوابُ الجَنَّةِ وأبْوابُ النّارِ، وزُيِّنَ الحُورُ العِينُ واطَّلَعْنَ، فَإذا أقْبَلَ الرَّجُلُ قُلْنَ: اللَّهُمَّ انْصُرْهُ، وإذا أدْبَرَ احْتَجَبْنَ عَنْهُ وقُلْنَ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ، فَأنْهِكُوا وُجُوهَ القَوْمِ ولا تُخْزُوا الحُورَ العِينَ، فَإنَّ أوَّلَ قَطْرَةٍ تَقْطُرُ مِن دَمِ أحَدِكم يُكَفَّرُ عَنْهُ كُلُّ شَيْءٍ عَمِلَهُ، ويَنْزِلُ إلَيْهِ زَوْجَتانِ مِنَ الحُورِ العِينِ يَمْسَحانِ التُّرابَ عَنْ وجْهِهِ ويَقُولانِ: قَدْ أنى لَكَ. ويَقُولُ: قَدْ أنى لَكُما. ثُمَّ يُكْسى مِائَةَ حُلَّةٍ لَيْسَ مِن (p-١٣٤)نَسِيجِ بَنِي آدَمَ ولَكِنْ مِن نَبْتِ الجَنَّةِ، لَوْ وُضِعْنَ بَيْنَ أُصْبُعَيْنِ لَوَسِعْنَ، وكانَ يَقُولُ: إنَّ السُّيُوفَ مَفاتِيحُ الجَنَّةِ. وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في ”الشُّعَبِ“ عَنْ أبِي بَكْرٍ مُحَمَّدِ بْنِ أحْمَدَ التَّمِيمِيِّ قالَ: سَمِعْتُ قاسِمَ بْنَ عُثْمانَ الجُوعِيَّ يَقُولُ: رَأيْتُ في الطَّوافِ حَوْلَ البَيْتِ رَجُلًا لا يَزِيدُ عَلى قَوْلِهِ: اللَّهُمَّ قَضَيْتَ حاجَةَ المُحْتاجِينَ وحاجَتِي لَمْ تُقْضَ. فَقُلْتُ لَهُ: ما لَكَ لا تَزِيدُ عَلى هَذا الكَلامِ؟ فَقالَ: أُحَدِّثُكَ. كُنّا سَبْعَةَ رُفَقاءَ مِن بُلْدانٍ شَتّى، غَزَوْنا أرْضَ العَدُوِّ فاسْتُؤْسِرْنا كُلُّنا، فاعْتُزِلَ بِنا لِتُضْرَبَ أعْناقُنا، فَنَظَرْتُ إلى السَّماءِ فَإذا سَبْعَةُ أبْوابٍ مُفَتَّحَةً عَلَيْها سَبْعُ جَوارٍ مِنَ الحُورِ العِينِ، عَلى كُلِّ بابٍ جارِيَةٌ، فَقُدِّمَ رَجُلٌ مِنّا فَضُرِبَتْ عُنُقُهُ فَرَأيْتُ جارِيَةً في يَدِها مَندِيلٌ قَدْ هَبَطَتْ إلى الأرْضِ حَتّى ضُرِبَتْ أعْناقُ سِتَّةٍ وبَقِيتُ أنا وبَقِيَ بابٌ وجارِيَةٌ، فَلَمّا قُدِّمْتُ لِتُضْرَبَ عُنُقِي اسْتَوْهَبَنِي بَعْضُ رِجالِهِ فَوَهَبَنِي لَهُ، فَسَمِعْتُها تَقُولُ: أيُّ شَيْءٍ فاتَكَ يا مَحْرُومُ؟ وأغْلَقَتِ البابَ. وأنا يا أخِي مُتَحَسِّرٌ عَلى ما فاتَنِي، قالَ قاسِمُ بْنُ عُثْمانَ: أراهُ أفْضَلَهُمْ؛ لِأنَّهُ رَأى ما لَمْ يَرَوْا، وتُرِكَ يَعْمَلُ عَلى الشَّوْقِ. وأخْرَجَ أبُو داوُدَ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ في ”الأسْماءِ والصِّفاتِ“ واللَّفْظُ لَهُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: ««عَجِبَ رَبُّنا مِن رَجُلَيْنِ: رَجُلٌ ثارَ عَنْ وِطائِهِ ولِحافِهِ مِن بَيْنِ حِبِّهِ وأهْلِهِ إلى صِلاتِهِ رَغْبَةً فِيما عِنْدِي وشَفَقَةً (p-١٣٥)مِمّا عِنْدِي، ورَجُلٌ غَزا في سَبِيلِ اللَّهِ فانْهَزَمَ أصْحابُهُ، فَعَلِمَ ما عَلَيْهِ في الِانْهِزامِ وما لَهُ في الرُّجُوعِ، فَرَجَعَ حَتّى أُهْرِيقَ دَمُهُ، فَيَقُولُ اللَّهُ لِمَلائِكَتِهِ: انْظُرُوا إلى عَبْدِي رَجَعَ رَغْبَةً فِيما عِنْدِي وشَفَقَةً مِمّا عِنْدِي حَتّى أُهْرِيقَ دَمُهُ»» . وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في ”الأسْماءِ والصِّفاتِ“ عَنْ أبِي الدَّرْداءِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: ««ثَلاثَةٌ يُحِبُّهُمُ اللَّهُ، ويَضْحَكُ إلَيْهِمْ، ويَسْتَبْشِرُ بِهِمْ: الَّذِي إذا انْكَشَفَ فِئَةٌ قاتَلَ وراءَها بِنَفْسِهِ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ، فَإمّا أنْ يُقْتَلَ وإمّا أنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ تَعالى ويَكْفِيَهُ، فَيَقُولُ: انْظُرُوا إلى عَبْدِي كَيْفَ صَبَّرَ لِي نَفْسَهُ، والَّذِي لَهُ امْرَأةٌ حَسْناءُ وفِراشٌ لَيِّنٌ حَسَنٌ، فَيَقُومُ مِنَ اللَّيْلِ فَيَذَرُ شَهْوَتَهُ فَيَذْكُرُنِي ويُناجِينِي، ولَوْ شاءَ رَقَدَ، والَّذِي إذا كانَ في سَفَرٍ وكانَ مَعَهُ رَكْبٌ فَسَهِرُوا ونَصِبُوا، ثُمَّ هَجَعُوا، فَقامَ في السَّحَرِ في سَرّاءَ أوْ ضَرّاءَ»» . وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ أنَسٍ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: ««مَن سَألَ اللَّهَ القَتْلَ في سَبِيلِ اللَّهِ صادِقًا، ثُمَّ ماتَ، أعْطاهُ اللَّهُ أجْرَ شَهِيدٍ»» . وأخْرَجَ أحْمَدُ، ومُسْلِمٌ، وأبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ ماجَهْ، والحاكِمُ، عَنْ سَهْلِ بْنِ أبِي أُمامَةَ بْنِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أنَّ (p-١٣٦)رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: ««مَن سَألَ اللَّهَ الشَّهادَةَ بِصِدْقٍ بَلَّغَهُ اللَّهُ مَنازِلَ الشُّهَداءِ وإنْ ماتَ عَلى فِراشِهِ»» . وأخْرَجَ أحْمَدُ، ومُسْلِمٌ عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««مَن طَلَبَ الشَّهادَةَ صادِقًا أُعْطِيَها ولَوْ لَمْ تُصِبْهُ»» .

آل عمران 3:172

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ﴾ الآياتِ. أخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ، وابْنُ جَرِيرٍ، والبَيْهَقِيُّ في ”الدَّلائِلِ“ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ قالَ: «خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِحَمْراءِ الأسَدِ وقَدْ أجْمَعَ أبُو سُفْيانَ بِالرَّجْعَةِ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وأصْحابِهِ وقالُوا: رَجَعْنا قَبْلَ أنْ نَسْتَأْصِلَهُمْ، لَنَكُرَّنَّ عَلى بَقِيَّتِهِمْ، فَبَلَغَهُ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَرَجَ في أصْحابِهِ يَطْلُبُهُمْ، فَثَنى ذَلِكَ أبا سُفْيانَ وأصْحابَهُ، ومَرَّ رَكْبٌ مِن عَبْدِ القَيْسِ، فَقالَ لَهم أبُو سُفْيانَ: بَلِّغُوا مُحَمَّدًا أنّا قَدْ أجْمَعْنا الرَّجْعَةَ إلى أصْحابِهِ لِنَسْتَأْصِلَهُمْ، فَلَمّا مَرَّ الرَّكْبُ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِحَمْراءِ الأسَدِ أخْبَرُوهُ بِالَّذِي قالَ أبُو سُفْيانَ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ والمُسْلِمُونَ مَعَهُ: «حَسْبُنا اللَّهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ» فَأنْزَلَ اللَّهُ: في ذَلِكَ: ﴿الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ والرَّسُولِ﴾ الآياتِ» . (p-١٣٧)وأخْرَجَ مُوسى بْنُ عُقْبَةَ في ”مَغازِيهِ“، والبَيْهَقِيُّ في ”الدَّلائِلِ“ عَنِ ابْنِ شِهابٍ قالَ: «إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ اسْتَنْفَرَ المُسْلِمِينَ لِمَوْعِدِ أبِي سُفْيانَ بَدْرًا، فاحْتَمَلَ الشَّيْطانُ أوْلِياءَهُ مِنَ النّاسِ فَمَشَوْا في النّاسِ يُخَوِّفُونَهم وقالُوا: قَدْ أُخْبِرْنا أنْ قَدْ جَمَعُوا لَكم مِنَ النّاسِ مِثْلَ اللَّيْلِ يَرْجُونَ أنْ يُواقِعُوكم فَيَنْتَهِبُوكُمْ، فالحَذَرَ الحَذَرَ، فَعَصَمَ اللَّهُ المُسْلِمِينَ مِن تَخْوِيفِ الشَّيْطانِ فاسْتَجابُوا لِلَّهِ ولِلرَّسُولِ وخَرَجُوا بِبَضائِعَ لَهُمْ، وقالُوا: إنْ لَقِينا أبا سُفْيانَ فَهو الَّذِي خَرَجْنا لَهُ، وإنْ لَمْ نَلْقَهُ ابْتَعْنا بَضائِعَنا. فَكانَ بَدْرٌ مَتْجَرًا يُوافى كُلَّ عامٍ، فانْطَلَقُوا حَتّى أتَوْا مَوْسِمَ بَدْرٍ، فَقَضَوْا مِنهُ حاجَتَهُمْ، وأخْلَفَ أبُو سُفْيانَ المَوْعِدَ فَلَمْ يَخْرُجْ هو ولا أصْحابُهُ، ومَرَّ عَلَيْهِمُ ابْنُ حُمامٍ فَقالَ: مَن هَؤُلاءِ؟ قالُوا: رَسُولُ اللَّهِ وأصْحابُهُ يَنْتَظِرُونَ أبا سُفْيانَ ومَن مَعَهُ مِن قُرَيْشٍ. فَقَدِمَ عَلى قُرَيْشٍ فَأخْبَرَهُمْ، فَأُرْعِبَ أبُو سُفْيانَ ورَجَعَ إلى مَكَّةَ، وانْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى المَدِينَةِ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وفَضْلٍ، فَكانَتْ تِلْكَ الغَزْوَةُ تُدْعى غَزْوَةَ جَيْشِ السَّوِيقِ، وكانَتْ في شَعْبانَ سَنَةَ ثَلاثٍ» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، مِن طَرِيقِ العَوْفِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «إنَّ اللَّهَ قَذَفَ في قَلْبِ أبِي سُفْيانَ الرُّعْبَ يَوْمَ أُحُدٍ بَعْدَ الَّذِي كانَ مِنهُ، فَرَجَعَ إلى مَكَّةَ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: «إنَّ أبا سُفْيانَ قَدْ أصابَ مِنكم طَرَفًا، وقَدْ رَجَعَ، وقَذَفَ اللَّهُ في قَلْبِهِ الرُّعْبَ» وكانَتْ وقْعَةُ أُحُدٍ في شَوّالٍ، وكانَ التُّجّارُ يَقْدَمُونَ المَدِينَةَ في ذِي (p-١٣٨)القَعْدَةِ، فَيَنْزِلُونَ بِبَدْرٍ الصُّغْرى في كُلِّ سَنَةٍ مَرَّةً، وإنَّهم قَدِمُوا بَعْدَ وقْعَةِ أُحُدٍ، وكانَ أصابَ المُؤْمِنِينَ القَرْحُ، واشْتَكَوْا ذَلِكَ إلى النَّبِيِّ ﷺ واشْتَدَّ عَلَيْهِمُ الَّذِي أصابَهُمْ، وإنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَدَبَ النّاسَ لِيَنْطَلِقُوا مَعَهُ وقالَ: «إنَّما تَرْتَحِلُونَ الآنَ فَيَأْتُونَ الحَجَّ ولا يَقْدِرُونَ عَلى مِثْلِها حَتّى عامٍ مُقْبِلٍ» فَجاءَ الشَّيْطانُ فَخَوَّفَ أوْلِياءَهُ فَقالَ: إنَّ النّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ، فَأبى عَلِيهِ النّاسُ أنْ يَتْبَعُوهُ، فَقالَ: «إنِّي ذاهِبٌ وإنْ لَمْ يَتْبَعْنِي أحَدٌ» فانْتَدَبَ مَعَهُ أبُو بَكْرٍ، وعُمَرُ، وعَلِيٌّ، وعُثْمانُ، والزُّبَيْرُ، وسَعْدٌ، وطَلْحَةُ، وعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ، وحُذَيْفَةُ بْنُ اليَمانِ، وأبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الجَرّاحِ، في سَبْعِينَ رَجُلًا فَسارُوا في طَلَبِ أبِي سُفْيانَ فَطَلَبُوهُ حَتّى بَلَغُوا الصَّفْراءَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ والرَّسُولِ﴾ الآيَةَ» . وأخْرَجَ النَّسائِيُّ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ، بِسَنَدٍ صَحِيحٍ، مِن طَرِيقِ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «لَمّا رَجَعَ المُشْرِكُونَ عَنْ أُحُدٍ قالُوا: لا مُحَمَّدًا قَتَلْتُمْ ولا الكَواعِبَ أرْدَفْتُمْ، بِئْسَما صَنَعْتُمُ ارْجِعُوا. فَسَمِعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِذَلِكَ فَنَدَبَ المُسْلِمِينَ فانْتَدَبُوا، حَتّى بَلَغَ حَمْراءَ الأسَدِ، أوْ بِئْرَ أبِي عِنَبَةَ- (p-١٣٩)شَكَّ سُفْيانُ- فَقالَ المُشْرِكُونَ: نَرْجِعُ قابِلَ، فَرَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَكانَتْ تُعَدُّ غَزْوَةً، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ والرَّسُولِ﴾ الآيَةَ، وقَدْ كانَ أبُو سُفْيانَ قالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ: مَوْعِدُكَ مَوْسِمُ بَدْرٍ حَيْثُ قَتَلْتُمْ أصْحابَنا، فَأمّا الجَبانُ فَرَجَعَ، وأمّا الشُّجاعُ فَأخَذَ أُهْبَةَ القِتالِ والتِّجارَةِ، فَأتَوْهُ فَلَمْ يَجِدُوا بِهِ أحَدًا وتَسَوَّقُوا، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿فانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وفَضْلٍ﴾ الآيَةَ» . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: «خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى بَدْرٍ الصُّغْرى، وبِهِمُ الكُلُومُ، خَرَجُوا لِمَوْعِدِ أبِي سُفْيانَ، فَمَرَّ بِهِمْ أعْرابِيٌّ ثُمَّ مَرَّ بِأبِي سُفْيانَ وأصْحابِهِ وهو يَقُولُ: ؎ونَفَرَتْ مِن رُفْقَتَيْ مُحَمَّدِ وعَجْوَةٍ مَنثُورَةٍ كالعُنْجُدِ فَتَلْقاهُ أبُو سُفْيانَ فَقالَ: ويْلَكَ ما تَقُولُ؟ فَقالَ: مُحَمَّدٌ وأصْحابُهُ تَرَكْتُهم بِبَدْرٍ الصُّغْرى. فَقالَ أبُو سُفْيانَ: يَقُولُونَ ويَصْدُقُونَ، ونَقُولُ ولا نَصْدُقُ، وأصابَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ شَيْئًا مِنَ الأعْرابِ، وانْقَلَبُوا. قالَ عِكْرِمَةُ: فَفِيهِمْ أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ والرَّسُولِ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿فانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وفَضْلٍ﴾ الآيَةَ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ قالَ: «إنَّ أبا سُفْيانَ وأصْحابَهُ أصابُوا مِنَ (p-١٤٠)المُسْلِمِينَ ما أصابُوا ورَجَعُوا، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إنَّ أبا سُفْيانَ قَدْ رَجَعَ وقَدْ قَذَفَ اللَّهُ في قَلْبِهِ الرُّعْبَ، فَمَن يَنْتَدِبُ في طَلَبِهِ»؟ فَقامَ النَّبِيُّ ﷺ، وأبُو بَكْرٍ، وعُمَرُ، وعُثْمانُ، وعَلِيٌّ، وناسٌ مِن أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَتَبِعُوهُمْ، فَبَلَغَ أبا سُفْيانَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ يَطْلُبُهُ فَلَقِيَ عِيرًا مِنَ التُّجّارِ فَقالَ: رُدُّوا مُحَمَّدًا ولَكم مِنَ الجُعْلِ كَذا وكَذا، وأخْبِرُوهم أنِّي قَدْ جَمَعْتُ لَهم جُمُوعًا وأنِّي راجِعٌ إلَيْهِمْ، فَجاءَ التُّجّارُ فَأخْبَرُوا بِذَلِكَ النَّبِيَّ ﷺ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: «حَسْبُنا اللَّهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ» فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ والرَّسُولِ﴾ الآيَةَ» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قالَ: «أُخْبِرْتُ أنَّ أبا سُفْيانَ لَمّا راحَ هو وأصْحابُهُ يَوْمَ أُحُدٍ مُنْقَلِبِينَ قالَ المُسْلِمُونَ لِلنَّبِيِّ ﷺ: إنَّهم عامِدُونَ إلى المَدِينَةِ يا رَسُولَ اللَّهِ، فَقالَ: «إنْ رَكِبُوا الخَيْلَ وتَرَكُوا الأثْقالَ فَهم عامِدُوها، وإنْ جَلَسُوا عَلى الأثْقالِ وتَرَكُوا الخَيْلَ فَقَدْ أرْعَبَهُمُ اللَّهُ فَلَيْسُوا بِعامِدِيها» فَرَكِبُوا الأثْقالَ، ثُمَّ نَدَبَ ناسًا يَتْبَعُونَهم لِيَرَوْا أنَّ بِهِمْ قُوَّةً فَأتْبَعُوهم لَيْلَتَيْنِ أوْ ثَلاثًا فَنَزَلَتْ: ﴿الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ والرَّسُولِ﴾ الآيَةَ» . وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأحْمَدُ، والبُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، وابْنُ ماجَهْ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في ”الدَّلائِلِ“ عَنْ عائِشَةَ «فِي قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ والرَّسُولِ﴾ الآيَةَ، قالَتْ لِعُرْوَةَ: يا ابْنَ أُخْتِي، كانَ أبَواكَ مِنهم: الزُّبَيْرُ وأبُو بَكْرٍ، لَمّا أصابَ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ (p-١٤١)ما أصابَ يَوْمَ أُحُدٍ انْصَرَفَ عَنْهُ المُشْرِكُونَ، خافَ أنْ يَرْجِعُوا فَقالَ: «مَن يَرْجِعُ في أثَرِهِمْ»؟ فانْتَدَبَ مِنهم سَبْعُونَ رَجُلًا، فِيهِمْ أبُو بَكْرٍ والزُّبَيْرُ، فَخَرَجُوا في آثارِ القَوْمِ فَسَمِعُوا بِهِمْ فانْصَرَفُوا ﴿بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وفَضْلٍ﴾ قالَ: لَمْ يَلْقَوْا عَدُوًّا» . وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ عَساكِرَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِينا؛ ثَمانِيَةَ عَشَرَ رَجُلًا: ﴿الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ والرَّسُولِ﴾ الآيَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: «كانَ يَوْمُ أُحُدٍ السَّبْتَ لِلنِّصْفِ مِن شَوّالٍ، فَلَمّا كانَ الغَدُ مِن يَوْمِ الأحَدِ لِسِتَّ عَشْرَةَ لَيْلَةً مَضَتْ مِن شَوّالٍ أذَّنَ مُؤَذِّنُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في النّاسِ بِطَلَبِ العَدُوِّ، وأذَّنَ مُؤَذِّنُهُ أنْ: لا يَخْرُجَنَّ مَعَنا أحَدٌ إلّا مَن حَضَرَ يَوْمَنا بِالأمْسِ، فَكَلَّمَهُ جابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّ أبِي كانَ خَلَّفَنِي عَلى أخَواتٍ لِي سَبْعٍ، وقالَ: يا بُنَيَّ، إنَّهُ لا يَنْبَغِي لِي ولا لَكَ أنْ نَتْرُكَ هَؤُلاءِ النِّسْوَةَ لا رَجُلَ فِيهِنَّ، ولَسْتُ بِالَّذِي أُوثِرُكَ بِالجِهادِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلى نَفْسِي، فَتَخَلَّفْ عَلى أخَواتِكَ. فَتَخَلَّفْتُ عَلَيْهِنَّ، فَأذِنَ لَهُ (p-١٤٢)رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَخَرَجَ مَعَهُ، وإنَّما خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ تَرْهِيبًا لِلْعَدُوِّ؛ لِيُبَلِّغَهم أنَّهُ خَرَجَ في طَلَبِهِمْ لِيَظُنُّوا بِهِ قُوَّةً، وأنَّ الَّذِي أصابَهم لَمْ يُوهِنْهم مِن عَدُوِّهِمْ» . وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ أبِي السّائِبِ مَوْلى عائِشَةَ بِنْتِ عُثْمانَ، «أنَّ رَجُلًا مِن أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِن بَنِي عَبْدِ الأشْهَلِ، كانَ شَهِدَ أُحُدًا قالَ: شَهِدْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أُحُدًا أنا وأخٌ لِي، فَرَجَعْنا جَرِيحَيْنِ، فَلَمّا أذَّنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالخُرُوجِ في طَلَبِ العَدُوِّ، قُلْتُ لِأخِي أوْ قالَ لِي: تَفُوتُنا غَزْوَةٌ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؟ واللَّهِ ما لَنا مِن دابَّةٍ نَرْكَبُها، وما مَنّا إلّا جَرِيحٌ ثَقِيلٌ. فَخَرَجْنا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وكُنْتُ أيْسَرَ جُرْحًا مِنهُ، فَكُنْتُ إذا غُلِبَ حَمَلْتُهُ عُقْبَةً، ومَشى عُقْبَةً، حَتّى انْتَهَيْنا إلى ما انْتَهى إلَيْهِ المُسْلِمُونَ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتّى انْتَهى إلى حَمْراءِ الأسَدِ، وهي مِنَ المَدِينَةِ عَلى ثَمانِيَةِ أمْيالٍ، فَأقامَ بِها ثَلاثًا، الإثْنَيْنَ والثُّلاثاءَ والأرْبِعاءَ، ثُمَّ رَجَعَ إلى المَدِينَةِ، فَنَزَلَ: ﴿الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ والرَّسُولِ﴾ الآيَةَ» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ إبْراهِيمَ قالَ: كانَ عَبْدُ اللَّهِ مِنَ الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ والرَّسُولِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ في قَوْلِهِ: ﴿مِن بَعْدِ ما أصابَهُمُ القَرْحُ﴾ . (p-١٤٣)قالَ: الجِراحاتُ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ: (مِن بَعْدِ ما أصابَهُمُ القُرْحُ) . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: افْصِلُوا بَيْنَهُما؛ قَوْلَهُ: ﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا مِنهم واتَّقَوْا أجْرٌ عَظِيمٌ﴾ - ﴿الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النّاسُ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ السُّدِّيِّ قالَ: «لَمّا نَدِمَ أبُو سُفْيانَ وأصْحابُهُ عَلى الرُّجُوعِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وأصْحابِهِ وقالُوا: ارْجِعُوا فاسْتَأْصِلُوهُمْ، فَقَذَفَ اللَّهُ في قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَهُزِمُوا، فَلَقُوا أعْرابِيًّا فَجَعَلُوا لَهُ جُعْلًا، فَقالُوا لَهُ: إنْ لَقِيتَ مُحَمَّدًا وأصْحابَهُ فَأخْبِرْهم أنّا قَدْ جَمَعْنا لَهُمْ، فَأخْبَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ ﷺ فَطَلَبَهم حَتّى بَلَغَ حَمْراءَ الأسَدِ، فَلَقُوا الأعْرابِيَّ في الطَّرِيقِ فَأخْبَرَهُمُ الخَبَرَ، فَقالُوا: ﴿حَسْبُنا اللَّهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ﴾ ثُمَّ رَجَعُوا مِن حَمْراءِ الأسَدِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ وفي الأعْرابِيِّ الَّذِي لَقِيَهم: ﴿الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النّاسُ إنَّ النّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكم فاخْشَوْهُمْ﴾ الآيَةَ» . وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ عَنِ ابْنِ أبْزى: ﴿الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النّاسُ﴾ قالَ: أبُو سُفْيانَ، قالَ لِقَوْمٍ: إنْ لَقِيتُمْ أصْحابَ مُحَمَّدٍ، فَأخْبِرُوهم أنّا قَدْ جَمَعْنا لَهم (p-١٤٤)جُمُوعًا، فَأخْبَرُوهم فَقالُوا: ﴿حَسْبُنا اللَّهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ مِن طَرِيقِ العَوْفِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «اسْتَقْبَلَ أبُو سُفْيانَ في مُنْصَرَفِهِ مِن أُحُدٍ عِيرًا وارِدَةً المَدِينَةَ بِبِضاعَةٍ لَهُمْ، وبَيْنَهم وبَيْنَ النَّبِيِّ ﷺ جِبالٌ فَقالَ: إنَّ لَكم عَلَيَّ رِضاكم إنْ أنْتُمْ رَدَدْتُمْ عَنِّي مُحَمَّدًا ومَن مَعَهُ إنْ أنْتُمْ وجَدْتُمُوهُ في طَلَبِي أخْبَرْتُمُوهُ أنِّي قَدْ جَمَعْتُ لَهُ جُمُوعًا كَثِيرَةً، فاسْتَقْبَلَتِ العِيرُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقالُوا لَهُ: يا مُحَمَّدُ، إنّا نُخْبِرُكَ أنَّ أبا سُفْيانَ قَدْ جَمَعَ لَكَ جُمُوعًا كَثِيرَةً، وأنَّهُ مُقْبِلٌ إلى المَدِينَةِ، وإنْ شِئْتَ أنْ تَرْجِعَ فافْعَلْ، فَلَمْ يَزِدْهُ ذَلِكَ ومَن مَعَهُ إلّا يَقِينًا، وقالُوا: ﴿حَسْبُنا اللَّهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ﴾ فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النّاسُ إنَّ النّاسَ قَدْ جَمَعُوا﴾ الآيَةَ» . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ قالَ: «انْطَلَقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وعِصابَةٌ مِن أصْحابِهِ بَعْدَما انْصَرَفَ أبُو سُفْيانَ وأصْحابُهُ مِن أُحُدٍ خَلْفَهُمْ، حَتّى إذا كانُوا بِذِي الحُلَيْفَةِ فَجَعَلَ الأعْرابُ والنّاسُ يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ فَيَقُولُونَ لَهم: هَذا أبُو سُفْيانَ مائِلٌ عَلَيْكم بِالنّاسِ فَقالُوا: ﴿حَسْبُنا اللَّهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ﴾ (p-١٤٥)فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النّاسُ﴾ الآيَةَ» . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أبِي مالِكٍ في قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النّاسُ﴾ الآيَةَ، قالَ: إنَّ أبا سُفْيانَ كانَ أرْسَلَ يَوْمَ أُحُدٍ أوْ يَوْمَ الأحْزابِ إلى قُرَيْشٍ، وغَطَفانَ، وهَوازِنَ، يَسْتَجِيشُهم عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَبَلَغَ ذَلِكَ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ ومَن مَعَهُ، فَقِيلَ: لَوْ ذَهَبَ نَفَرٌ مِنَ المُسْلِمِينَ فَأتَوْكم بِالخَبَرِ، فَذَهَبَ نَفَرٌ حَتّى إذا كانُوا بِالمَكانِ الَّذِي ذُكِرَ لَهم أنَّهم فِيهِ لَمْ يَرَوْا أحَدًا فَرَجَعُوا. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ والخَطِيبُ عَنْ أنَسٍ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ أتى يَوْمَ أُحُدٍ فَقِيلَ لَهُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّ النّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكم فاخْشَوْهم فَقالَ: ﴿حَسْبُنا اللَّهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ﴾ فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النّاسُ﴾ الآيَةَ» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنْ أبِي رافِعٍ، «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ وجَّهَ عَلِيًّا في نَفَرٍ مَعَهُ في طَلَبِ أبِي سُفْيانَ فَلَقِيَهم أعْرابِيٌّ مِن خُزاعَةَ فَقالَ: إنَّ القَوْمَ قَدْ جَمَعُوا لَكم. قالُوا: ﴿وقالُوا حَسْبُنا اللَّهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ﴾ فَنَزَلَتْ فِيهِمْ هَذِهِ الآيَةُ» . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ «فِي قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النّاسُ إنَّ النّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾ قالَ: هَذا أبُو سُفْيانَ قالَ لِمُحَمَّدٍ ﷺ يَوْمَ أُحُدٍ: مَوْعِدُكم بَدْرٌ حَيْثُ قَتَلْتُمْ أصْحابَنا. (p-١٤٦)فَقالَ مُحَمَّدٌ ﷺ: «عَسى» . فانْطَلَقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِمَوْعِدِهِ حَتّى نَزَلَ بَدْرًا فَوافَوُا السُّوقَ فابْتاعُوا، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهم سُوءٌ﴾ وهي غَزْوَةُ بَدْرٍ الصُّغْرى» . وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: «كانَتْ بَدْرٌ مَتْجَرًا في الجاهِلِيَّةِ، وكانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ واعَدَ أبا سُفْيانَ أنْ يَلْقاهُ بِها، فَلَقِيَهم رَجُلٌ فَقالَ لَهم: إنَّ بِهِما جَمْعًا عَظِيمًا مِنَ المُشْرِكِينَ، فَأمّا الجَبانُ فَرَجَعَ، وأمّا الشُّجاعُ فَأخَذَ أُهْبَةَ التِّجارَةِ وأُهْبَةَ القِتالِ، وقالُوا: ﴿وقالُوا حَسْبُنا اللَّهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ﴾ ثُمَّ خَرَجُوا حَتّى جاءُوها فَتَسَوَّقُوا بِها، ولَمْ يَلْقَوْا أحَدًا، فَنَزَلَتْ: ﴿الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النّاسُ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وفَضْلٍ﴾ [آل عمران»: ١٧٤] . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَزادَهم إيمانًا﴾ قالَ: الإيمانُ يَزِيدُ ويَنْقُصُ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في ”الدَّلائِلِ“، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: ﴿حَسْبُنا اللَّهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ﴾ قالَها إبْراهِيمُ حِينَ أُلْقِيَ (p-١٤٧)فِي النّارِ، وقالَها مُحَمَّدٌ حِينَ قالُوا: ﴿إنَّ النّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكم فاخْشَوْهُمْ﴾ - ﴿فَزادَهم إيمانًا وقالُوا حَسْبُنا اللَّهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ﴾ . وأخْرَجَ البُخارِيُّ، وابْنُ المُنْذِرِ، والحاكِمُ، والبَيْهَقِيُّ في ”الأسْماءِ والصِّفاتِ“ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانَ آخِرُ قَوْلِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ حِينَ أُلْقِيَ في النّارِ: ﴿حَسْبُنا اللَّهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ﴾ وقالَ نَبِيُّكم مِثْلَها: ﴿الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النّاسُ إنَّ النّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكم فاخْشَوْهم فَزادَهم إيمانًا وقالُوا حَسْبُنا اللَّهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ﴾ . وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَمْرٍو قالَ: هي الكَلِمَةُ الَّتِي قالَها إبْراهِيمُ حِينَ أُلْقِيَ في النّارِ: ﴿حَسْبُنا اللَّهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ﴾ وهي الكَلِمَةُ الَّتِي قالَها نَبِيُّكم وأصْحابُهُ إذْ قِيلَ لَهم: ﴿إنَّ النّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكم فاخْشَوْهُمْ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««إذا وقَعْتُمْ في الأمْرِ العَظِيمِ فَقُولُوا: حَسْبُنا اللَّهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ»» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا في ”الذِّكْرِ“ عَنْ عائِشَةَ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ إذا اشْتَدَّ غَمُّهُ مَسَحَ بِيَدِهِ عَلى رَأْسِهِ ولِحْيَتِهِ ثُمَّ تَنَفَّسَ الصُّعَداءَ وقالَ: «حَسْبِيَ اللَّهُ (p-١٤٨)ونِعْمَ الوَكِيلُ»» . وأخْرَجَ أبُو نُعَيْمٍ عَنْ شَدّادِ بْنِ أوْسٍ قالَ: قالَ النَّبِيُّ ﷺ: ««حَسْبِيَ اللَّهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ أمانُ كُلِّ خائِفٍ»» . وأخْرَجَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ بُرَيْدَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««مَن قالَ عَشْرَ كَلِماتٍ عِنْدَ دُبُرِ كُلِّ صَلاةٍ وجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُنَّ، مَكْفِيًّا مَجْزِيًّا: خَمْسٌ لِلدُّنْيا، وخَمْسٌ لِلْآخِرَةِ: حَسْبِيَ اللَّهُ لِدِينِي، حَسْبِيَ اللَّهُ لِما أهَمَّنِي، حَسْبِيَ اللَّهُ لِمَن بَغى عَلَيَّ، حَسْبِيَ اللَّهُ لِمَن حَسَدَنِي، حَسْبِيَ اللَّهُ لِمَن كادَنِي بِسُوءٍ، حَسْبِيَ اللَّهُ عِنْدَ المَوْتِ، حَسْبِيَ اللَّهُ عِنْدَ المَسْألَةِ في القَبْرِ، حَسْبِيَ اللَّهُ عِنْدَ المِيزانِ، حَسْبِيَ اللَّهُ عِنْدَ الصِّراطِ، حَسْبِيَ اللَّهُ لا إلَهَ إلّا هو عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وإلَيْهِ أُنِيبُ»» . وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في ”الدَّلائِلِ“ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «فِي قَوْلِهِ: ﴿فانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وفَضْلٍ﴾ قالَ: النَّعْمَةُ أنَّهم سَلِمُوا، والفَضْلُ أنَّ عِيرًا مَرَّتْ وكانَ في أيّامِ المَوْسِمِ فاشْتَراها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَرَبِحَ مالًا فَقَسَمَهُ بَيْنَ أصْحابِهِ» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في الآيَةِ قالَ: الفَضْلُ ما أصابُوا مِنَ التِّجارَةِ والأجْرِ. (p-١٤٩)وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ السُّدِّيِّ قالَ: أعْطى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أصْحابَهُ – يَعْنِي: حِينَ خَرَجَ إلى غَزْوَةِ بَدْرٍ الصُّغْرى بِبَدْرٍ دَراهِمَ ابْتاعُوا بِها مِن مَوْسِمِ بَدْرٍ، فَأصابُوا تِجارَةً، فَذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ: ﴿فانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهم سُوءٌ﴾ قالَ: أمّا النِّعْمَةُ فَهي العافِيَةُ، وأمّا الفَضْلُ فالتِّجارَةُ، والسُّوءُ القَتْلُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، مِن طَرِيقِ العَوْفِيِّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿لَمْ يَمْسَسْهم سُوءٌ﴾ قالَ: لَمْ يُؤْذِهِمْ أحَدٌ. ﴿واتَّبَعُوا رِضْوانَ اللَّهِ﴾ قالَ: أطاعُوا اللَّهَ ورَسُولَهُ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ الأنْبارِيِّ في ”المَصاحِفِ“ وابْنُ أبِي داوُدَ في ”المَصاحِفِ“، مِن طَرِيقِ عَطاءٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ: (إنَّما ذَلِكُمُ الشَّيْطانُ يُخَوِّفُكم أوْلِياءَهُ) . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، مِن طَرِيقِ العَوْفِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿إنَّما ذَلِكُمُ الشَّيْطانُ يُخَوِّفُ أوْلِياءَهُ﴾ يَقُولُ: الشَّيْطانُ يُخَوِّفُ المُؤْمِنِينَ بِأوْلِيائِهِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مُجاهِدٍ: ﴿إنَّما ذَلِكُمُ الشَّيْطانُ يُخَوِّفُ أوْلِياءَهُ﴾ قالَ: يُخَوِّفُ المُؤْمِنِينَ بِالكُفّارِ. (p-١٥٠)وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي مالِكٍ: ﴿يُخَوِّفُ أوْلِياءَهُ﴾ قالَ: يُعَظِّمُ أوْلِياءَهُ في أعْيُنِكم. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ عِكْرِمَةَ في الآيَةِ قالَ: تَفْسِيرُها: يُخَوِّفُكم بِأوْلِيائِهِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ إبْراهِيمَ في الآيَةِ قالَ: يُخَوِّفُ النّاسَ أوْلِياءَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ في الآيَةِ قالَ: إنَّما كانَ ذَلِكَ تَخْوِيفَ الشَّيْطانِ، ولا يَخافُ الشَّيْطانَ إلّا ولِيُّ الشَّيْطانِ.

آل عمران 3:173

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ﴾ الآياتِ. أخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ، وابْنُ جَرِيرٍ، والبَيْهَقِيُّ في ”الدَّلائِلِ“ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ قالَ: «خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِحَمْراءِ الأسَدِ وقَدْ أجْمَعَ أبُو سُفْيانَ بِالرَّجْعَةِ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وأصْحابِهِ وقالُوا: رَجَعْنا قَبْلَ أنْ نَسْتَأْصِلَهُمْ، لَنَكُرَّنَّ عَلى بَقِيَّتِهِمْ، فَبَلَغَهُ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَرَجَ في أصْحابِهِ يَطْلُبُهُمْ، فَثَنى ذَلِكَ أبا سُفْيانَ وأصْحابَهُ، ومَرَّ رَكْبٌ مِن عَبْدِ القَيْسِ، فَقالَ لَهم أبُو سُفْيانَ: بَلِّغُوا مُحَمَّدًا أنّا قَدْ أجْمَعْنا الرَّجْعَةَ إلى أصْحابِهِ لِنَسْتَأْصِلَهُمْ، فَلَمّا مَرَّ الرَّكْبُ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِحَمْراءِ الأسَدِ أخْبَرُوهُ بِالَّذِي قالَ أبُو سُفْيانَ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ والمُسْلِمُونَ مَعَهُ: «حَسْبُنا اللَّهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ» فَأنْزَلَ اللَّهُ: في ذَلِكَ: ﴿الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ والرَّسُولِ﴾ الآياتِ» . (p-١٣٧)وأخْرَجَ مُوسى بْنُ عُقْبَةَ في ”مَغازِيهِ“، والبَيْهَقِيُّ في ”الدَّلائِلِ“ عَنِ ابْنِ شِهابٍ قالَ: «إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ اسْتَنْفَرَ المُسْلِمِينَ لِمَوْعِدِ أبِي سُفْيانَ بَدْرًا، فاحْتَمَلَ الشَّيْطانُ أوْلِياءَهُ مِنَ النّاسِ فَمَشَوْا في النّاسِ يُخَوِّفُونَهم وقالُوا: قَدْ أُخْبِرْنا أنْ قَدْ جَمَعُوا لَكم مِنَ النّاسِ مِثْلَ اللَّيْلِ يَرْجُونَ أنْ يُواقِعُوكم فَيَنْتَهِبُوكُمْ، فالحَذَرَ الحَذَرَ، فَعَصَمَ اللَّهُ المُسْلِمِينَ مِن تَخْوِيفِ الشَّيْطانِ فاسْتَجابُوا لِلَّهِ ولِلرَّسُولِ وخَرَجُوا بِبَضائِعَ لَهُمْ، وقالُوا: إنْ لَقِينا أبا سُفْيانَ فَهو الَّذِي خَرَجْنا لَهُ، وإنْ لَمْ نَلْقَهُ ابْتَعْنا بَضائِعَنا. فَكانَ بَدْرٌ مَتْجَرًا يُوافى كُلَّ عامٍ، فانْطَلَقُوا حَتّى أتَوْا مَوْسِمَ بَدْرٍ، فَقَضَوْا مِنهُ حاجَتَهُمْ، وأخْلَفَ أبُو سُفْيانَ المَوْعِدَ فَلَمْ يَخْرُجْ هو ولا أصْحابُهُ، ومَرَّ عَلَيْهِمُ ابْنُ حُمامٍ فَقالَ: مَن هَؤُلاءِ؟ قالُوا: رَسُولُ اللَّهِ وأصْحابُهُ يَنْتَظِرُونَ أبا سُفْيانَ ومَن مَعَهُ مِن قُرَيْشٍ. فَقَدِمَ عَلى قُرَيْشٍ فَأخْبَرَهُمْ، فَأُرْعِبَ أبُو سُفْيانَ ورَجَعَ إلى مَكَّةَ، وانْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى المَدِينَةِ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وفَضْلٍ، فَكانَتْ تِلْكَ الغَزْوَةُ تُدْعى غَزْوَةَ جَيْشِ السَّوِيقِ، وكانَتْ في شَعْبانَ سَنَةَ ثَلاثٍ» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، مِن طَرِيقِ العَوْفِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «إنَّ اللَّهَ قَذَفَ في قَلْبِ أبِي سُفْيانَ الرُّعْبَ يَوْمَ أُحُدٍ بَعْدَ الَّذِي كانَ مِنهُ، فَرَجَعَ إلى مَكَّةَ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: «إنَّ أبا سُفْيانَ قَدْ أصابَ مِنكم طَرَفًا، وقَدْ رَجَعَ، وقَذَفَ اللَّهُ في قَلْبِهِ الرُّعْبَ» وكانَتْ وقْعَةُ أُحُدٍ في شَوّالٍ، وكانَ التُّجّارُ يَقْدَمُونَ المَدِينَةَ في ذِي (p-١٣٨)القَعْدَةِ، فَيَنْزِلُونَ بِبَدْرٍ الصُّغْرى في كُلِّ سَنَةٍ مَرَّةً، وإنَّهم قَدِمُوا بَعْدَ وقْعَةِ أُحُدٍ، وكانَ أصابَ المُؤْمِنِينَ القَرْحُ، واشْتَكَوْا ذَلِكَ إلى النَّبِيِّ ﷺ واشْتَدَّ عَلَيْهِمُ الَّذِي أصابَهُمْ، وإنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَدَبَ النّاسَ لِيَنْطَلِقُوا مَعَهُ وقالَ: «إنَّما تَرْتَحِلُونَ الآنَ فَيَأْتُونَ الحَجَّ ولا يَقْدِرُونَ عَلى مِثْلِها حَتّى عامٍ مُقْبِلٍ» فَجاءَ الشَّيْطانُ فَخَوَّفَ أوْلِياءَهُ فَقالَ: إنَّ النّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ، فَأبى عَلِيهِ النّاسُ أنْ يَتْبَعُوهُ، فَقالَ: «إنِّي ذاهِبٌ وإنْ لَمْ يَتْبَعْنِي أحَدٌ» فانْتَدَبَ مَعَهُ أبُو بَكْرٍ، وعُمَرُ، وعَلِيٌّ، وعُثْمانُ، والزُّبَيْرُ، وسَعْدٌ، وطَلْحَةُ، وعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ، وحُذَيْفَةُ بْنُ اليَمانِ، وأبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الجَرّاحِ، في سَبْعِينَ رَجُلًا فَسارُوا في طَلَبِ أبِي سُفْيانَ فَطَلَبُوهُ حَتّى بَلَغُوا الصَّفْراءَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ والرَّسُولِ﴾ الآيَةَ» . وأخْرَجَ النَّسائِيُّ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ، بِسَنَدٍ صَحِيحٍ، مِن طَرِيقِ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «لَمّا رَجَعَ المُشْرِكُونَ عَنْ أُحُدٍ قالُوا: لا مُحَمَّدًا قَتَلْتُمْ ولا الكَواعِبَ أرْدَفْتُمْ، بِئْسَما صَنَعْتُمُ ارْجِعُوا. فَسَمِعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِذَلِكَ فَنَدَبَ المُسْلِمِينَ فانْتَدَبُوا، حَتّى بَلَغَ حَمْراءَ الأسَدِ، أوْ بِئْرَ أبِي عِنَبَةَ- (p-١٣٩)شَكَّ سُفْيانُ- فَقالَ المُشْرِكُونَ: نَرْجِعُ قابِلَ، فَرَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَكانَتْ تُعَدُّ غَزْوَةً، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ والرَّسُولِ﴾ الآيَةَ، وقَدْ كانَ أبُو سُفْيانَ قالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ: مَوْعِدُكَ مَوْسِمُ بَدْرٍ حَيْثُ قَتَلْتُمْ أصْحابَنا، فَأمّا الجَبانُ فَرَجَعَ، وأمّا الشُّجاعُ فَأخَذَ أُهْبَةَ القِتالِ والتِّجارَةِ، فَأتَوْهُ فَلَمْ يَجِدُوا بِهِ أحَدًا وتَسَوَّقُوا، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿فانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وفَضْلٍ﴾ الآيَةَ» . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: «خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى بَدْرٍ الصُّغْرى، وبِهِمُ الكُلُومُ، خَرَجُوا لِمَوْعِدِ أبِي سُفْيانَ، فَمَرَّ بِهِمْ أعْرابِيٌّ ثُمَّ مَرَّ بِأبِي سُفْيانَ وأصْحابِهِ وهو يَقُولُ: ؎ونَفَرَتْ مِن رُفْقَتَيْ مُحَمَّدِ وعَجْوَةٍ مَنثُورَةٍ كالعُنْجُدِ فَتَلْقاهُ أبُو سُفْيانَ فَقالَ: ويْلَكَ ما تَقُولُ؟ فَقالَ: مُحَمَّدٌ وأصْحابُهُ تَرَكْتُهم بِبَدْرٍ الصُّغْرى. فَقالَ أبُو سُفْيانَ: يَقُولُونَ ويَصْدُقُونَ، ونَقُولُ ولا نَصْدُقُ، وأصابَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ شَيْئًا مِنَ الأعْرابِ، وانْقَلَبُوا. قالَ عِكْرِمَةُ: فَفِيهِمْ أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ والرَّسُولِ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿فانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وفَضْلٍ﴾ الآيَةَ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ قالَ: «إنَّ أبا سُفْيانَ وأصْحابَهُ أصابُوا مِنَ (p-١٤٠)المُسْلِمِينَ ما أصابُوا ورَجَعُوا، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إنَّ أبا سُفْيانَ قَدْ رَجَعَ وقَدْ قَذَفَ اللَّهُ في قَلْبِهِ الرُّعْبَ، فَمَن يَنْتَدِبُ في طَلَبِهِ»؟ فَقامَ النَّبِيُّ ﷺ، وأبُو بَكْرٍ، وعُمَرُ، وعُثْمانُ، وعَلِيٌّ، وناسٌ مِن أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَتَبِعُوهُمْ، فَبَلَغَ أبا سُفْيانَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ يَطْلُبُهُ فَلَقِيَ عِيرًا مِنَ التُّجّارِ فَقالَ: رُدُّوا مُحَمَّدًا ولَكم مِنَ الجُعْلِ كَذا وكَذا، وأخْبِرُوهم أنِّي قَدْ جَمَعْتُ لَهم جُمُوعًا وأنِّي راجِعٌ إلَيْهِمْ، فَجاءَ التُّجّارُ فَأخْبَرُوا بِذَلِكَ النَّبِيَّ ﷺ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: «حَسْبُنا اللَّهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ» فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ والرَّسُولِ﴾ الآيَةَ» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قالَ: «أُخْبِرْتُ أنَّ أبا سُفْيانَ لَمّا راحَ هو وأصْحابُهُ يَوْمَ أُحُدٍ مُنْقَلِبِينَ قالَ المُسْلِمُونَ لِلنَّبِيِّ ﷺ: إنَّهم عامِدُونَ إلى المَدِينَةِ يا رَسُولَ اللَّهِ، فَقالَ: «إنْ رَكِبُوا الخَيْلَ وتَرَكُوا الأثْقالَ فَهم عامِدُوها، وإنْ جَلَسُوا عَلى الأثْقالِ وتَرَكُوا الخَيْلَ فَقَدْ أرْعَبَهُمُ اللَّهُ فَلَيْسُوا بِعامِدِيها» فَرَكِبُوا الأثْقالَ، ثُمَّ نَدَبَ ناسًا يَتْبَعُونَهم لِيَرَوْا أنَّ بِهِمْ قُوَّةً فَأتْبَعُوهم لَيْلَتَيْنِ أوْ ثَلاثًا فَنَزَلَتْ: ﴿الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ والرَّسُولِ﴾ الآيَةَ» . وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأحْمَدُ، والبُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، وابْنُ ماجَهْ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في ”الدَّلائِلِ“ عَنْ عائِشَةَ «فِي قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ والرَّسُولِ﴾ الآيَةَ، قالَتْ لِعُرْوَةَ: يا ابْنَ أُخْتِي، كانَ أبَواكَ مِنهم: الزُّبَيْرُ وأبُو بَكْرٍ، لَمّا أصابَ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ (p-١٤١)ما أصابَ يَوْمَ أُحُدٍ انْصَرَفَ عَنْهُ المُشْرِكُونَ، خافَ أنْ يَرْجِعُوا فَقالَ: «مَن يَرْجِعُ في أثَرِهِمْ»؟ فانْتَدَبَ مِنهم سَبْعُونَ رَجُلًا، فِيهِمْ أبُو بَكْرٍ والزُّبَيْرُ، فَخَرَجُوا في آثارِ القَوْمِ فَسَمِعُوا بِهِمْ فانْصَرَفُوا ﴿بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وفَضْلٍ﴾ قالَ: لَمْ يَلْقَوْا عَدُوًّا» . وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ عَساكِرَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِينا؛ ثَمانِيَةَ عَشَرَ رَجُلًا: ﴿الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ والرَّسُولِ﴾ الآيَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: «كانَ يَوْمُ أُحُدٍ السَّبْتَ لِلنِّصْفِ مِن شَوّالٍ، فَلَمّا كانَ الغَدُ مِن يَوْمِ الأحَدِ لِسِتَّ عَشْرَةَ لَيْلَةً مَضَتْ مِن شَوّالٍ أذَّنَ مُؤَذِّنُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في النّاسِ بِطَلَبِ العَدُوِّ، وأذَّنَ مُؤَذِّنُهُ أنْ: لا يَخْرُجَنَّ مَعَنا أحَدٌ إلّا مَن حَضَرَ يَوْمَنا بِالأمْسِ، فَكَلَّمَهُ جابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّ أبِي كانَ خَلَّفَنِي عَلى أخَواتٍ لِي سَبْعٍ، وقالَ: يا بُنَيَّ، إنَّهُ لا يَنْبَغِي لِي ولا لَكَ أنْ نَتْرُكَ هَؤُلاءِ النِّسْوَةَ لا رَجُلَ فِيهِنَّ، ولَسْتُ بِالَّذِي أُوثِرُكَ بِالجِهادِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلى نَفْسِي، فَتَخَلَّفْ عَلى أخَواتِكَ. فَتَخَلَّفْتُ عَلَيْهِنَّ، فَأذِنَ لَهُ (p-١٤٢)رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَخَرَجَ مَعَهُ، وإنَّما خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ تَرْهِيبًا لِلْعَدُوِّ؛ لِيُبَلِّغَهم أنَّهُ خَرَجَ في طَلَبِهِمْ لِيَظُنُّوا بِهِ قُوَّةً، وأنَّ الَّذِي أصابَهم لَمْ يُوهِنْهم مِن عَدُوِّهِمْ» . وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ أبِي السّائِبِ مَوْلى عائِشَةَ بِنْتِ عُثْمانَ، «أنَّ رَجُلًا مِن أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِن بَنِي عَبْدِ الأشْهَلِ، كانَ شَهِدَ أُحُدًا قالَ: شَهِدْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أُحُدًا أنا وأخٌ لِي، فَرَجَعْنا جَرِيحَيْنِ، فَلَمّا أذَّنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالخُرُوجِ في طَلَبِ العَدُوِّ، قُلْتُ لِأخِي أوْ قالَ لِي: تَفُوتُنا غَزْوَةٌ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؟ واللَّهِ ما لَنا مِن دابَّةٍ نَرْكَبُها، وما مَنّا إلّا جَرِيحٌ ثَقِيلٌ. فَخَرَجْنا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وكُنْتُ أيْسَرَ جُرْحًا مِنهُ، فَكُنْتُ إذا غُلِبَ حَمَلْتُهُ عُقْبَةً، ومَشى عُقْبَةً، حَتّى انْتَهَيْنا إلى ما انْتَهى إلَيْهِ المُسْلِمُونَ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتّى انْتَهى إلى حَمْراءِ الأسَدِ، وهي مِنَ المَدِينَةِ عَلى ثَمانِيَةِ أمْيالٍ، فَأقامَ بِها ثَلاثًا، الإثْنَيْنَ والثُّلاثاءَ والأرْبِعاءَ، ثُمَّ رَجَعَ إلى المَدِينَةِ، فَنَزَلَ: ﴿الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ والرَّسُولِ﴾ الآيَةَ» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ إبْراهِيمَ قالَ: كانَ عَبْدُ اللَّهِ مِنَ الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ والرَّسُولِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ في قَوْلِهِ: ﴿مِن بَعْدِ ما أصابَهُمُ القَرْحُ﴾ . (p-١٤٣)قالَ: الجِراحاتُ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ: (مِن بَعْدِ ما أصابَهُمُ القُرْحُ) . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: افْصِلُوا بَيْنَهُما؛ قَوْلَهُ: ﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا مِنهم واتَّقَوْا أجْرٌ عَظِيمٌ﴾ - ﴿الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النّاسُ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ السُّدِّيِّ قالَ: «لَمّا نَدِمَ أبُو سُفْيانَ وأصْحابُهُ عَلى الرُّجُوعِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وأصْحابِهِ وقالُوا: ارْجِعُوا فاسْتَأْصِلُوهُمْ، فَقَذَفَ اللَّهُ في قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَهُزِمُوا، فَلَقُوا أعْرابِيًّا فَجَعَلُوا لَهُ جُعْلًا، فَقالُوا لَهُ: إنْ لَقِيتَ مُحَمَّدًا وأصْحابَهُ فَأخْبِرْهم أنّا قَدْ جَمَعْنا لَهُمْ، فَأخْبَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ ﷺ فَطَلَبَهم حَتّى بَلَغَ حَمْراءَ الأسَدِ، فَلَقُوا الأعْرابِيَّ في الطَّرِيقِ فَأخْبَرَهُمُ الخَبَرَ، فَقالُوا: ﴿حَسْبُنا اللَّهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ﴾ ثُمَّ رَجَعُوا مِن حَمْراءِ الأسَدِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ وفي الأعْرابِيِّ الَّذِي لَقِيَهم: ﴿الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النّاسُ إنَّ النّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكم فاخْشَوْهُمْ﴾ الآيَةَ» . وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ عَنِ ابْنِ أبْزى: ﴿الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النّاسُ﴾ قالَ: أبُو سُفْيانَ، قالَ لِقَوْمٍ: إنْ لَقِيتُمْ أصْحابَ مُحَمَّدٍ، فَأخْبِرُوهم أنّا قَدْ جَمَعْنا لَهم (p-١٤٤)جُمُوعًا، فَأخْبَرُوهم فَقالُوا: ﴿حَسْبُنا اللَّهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ مِن طَرِيقِ العَوْفِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «اسْتَقْبَلَ أبُو سُفْيانَ في مُنْصَرَفِهِ مِن أُحُدٍ عِيرًا وارِدَةً المَدِينَةَ بِبِضاعَةٍ لَهُمْ، وبَيْنَهم وبَيْنَ النَّبِيِّ ﷺ جِبالٌ فَقالَ: إنَّ لَكم عَلَيَّ رِضاكم إنْ أنْتُمْ رَدَدْتُمْ عَنِّي مُحَمَّدًا ومَن مَعَهُ إنْ أنْتُمْ وجَدْتُمُوهُ في طَلَبِي أخْبَرْتُمُوهُ أنِّي قَدْ جَمَعْتُ لَهُ جُمُوعًا كَثِيرَةً، فاسْتَقْبَلَتِ العِيرُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقالُوا لَهُ: يا مُحَمَّدُ، إنّا نُخْبِرُكَ أنَّ أبا سُفْيانَ قَدْ جَمَعَ لَكَ جُمُوعًا كَثِيرَةً، وأنَّهُ مُقْبِلٌ إلى المَدِينَةِ، وإنْ شِئْتَ أنْ تَرْجِعَ فافْعَلْ، فَلَمْ يَزِدْهُ ذَلِكَ ومَن مَعَهُ إلّا يَقِينًا، وقالُوا: ﴿حَسْبُنا اللَّهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ﴾ فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النّاسُ إنَّ النّاسَ قَدْ جَمَعُوا﴾ الآيَةَ» . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ قالَ: «انْطَلَقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وعِصابَةٌ مِن أصْحابِهِ بَعْدَما انْصَرَفَ أبُو سُفْيانَ وأصْحابُهُ مِن أُحُدٍ خَلْفَهُمْ، حَتّى إذا كانُوا بِذِي الحُلَيْفَةِ فَجَعَلَ الأعْرابُ والنّاسُ يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ فَيَقُولُونَ لَهم: هَذا أبُو سُفْيانَ مائِلٌ عَلَيْكم بِالنّاسِ فَقالُوا: ﴿حَسْبُنا اللَّهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ﴾ (p-١٤٥)فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النّاسُ﴾ الآيَةَ» . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أبِي مالِكٍ في قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النّاسُ﴾ الآيَةَ، قالَ: إنَّ أبا سُفْيانَ كانَ أرْسَلَ يَوْمَ أُحُدٍ أوْ يَوْمَ الأحْزابِ إلى قُرَيْشٍ، وغَطَفانَ، وهَوازِنَ، يَسْتَجِيشُهم عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَبَلَغَ ذَلِكَ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ ومَن مَعَهُ، فَقِيلَ: لَوْ ذَهَبَ نَفَرٌ مِنَ المُسْلِمِينَ فَأتَوْكم بِالخَبَرِ، فَذَهَبَ نَفَرٌ حَتّى إذا كانُوا بِالمَكانِ الَّذِي ذُكِرَ لَهم أنَّهم فِيهِ لَمْ يَرَوْا أحَدًا فَرَجَعُوا. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ والخَطِيبُ عَنْ أنَسٍ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ أتى يَوْمَ أُحُدٍ فَقِيلَ لَهُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّ النّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكم فاخْشَوْهم فَقالَ: ﴿حَسْبُنا اللَّهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ﴾ فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النّاسُ﴾ الآيَةَ» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنْ أبِي رافِعٍ، «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ وجَّهَ عَلِيًّا في نَفَرٍ مَعَهُ في طَلَبِ أبِي سُفْيانَ فَلَقِيَهم أعْرابِيٌّ مِن خُزاعَةَ فَقالَ: إنَّ القَوْمَ قَدْ جَمَعُوا لَكم. قالُوا: ﴿وقالُوا حَسْبُنا اللَّهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ﴾ فَنَزَلَتْ فِيهِمْ هَذِهِ الآيَةُ» . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ «فِي قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النّاسُ إنَّ النّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾ قالَ: هَذا أبُو سُفْيانَ قالَ لِمُحَمَّدٍ ﷺ يَوْمَ أُحُدٍ: مَوْعِدُكم بَدْرٌ حَيْثُ قَتَلْتُمْ أصْحابَنا. (p-١٤٦)فَقالَ مُحَمَّدٌ ﷺ: «عَسى» . فانْطَلَقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِمَوْعِدِهِ حَتّى نَزَلَ بَدْرًا فَوافَوُا السُّوقَ فابْتاعُوا، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهم سُوءٌ﴾ وهي غَزْوَةُ بَدْرٍ الصُّغْرى» . وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: «كانَتْ بَدْرٌ مَتْجَرًا في الجاهِلِيَّةِ، وكانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ واعَدَ أبا سُفْيانَ أنْ يَلْقاهُ بِها، فَلَقِيَهم رَجُلٌ فَقالَ لَهم: إنَّ بِهِما جَمْعًا عَظِيمًا مِنَ المُشْرِكِينَ، فَأمّا الجَبانُ فَرَجَعَ، وأمّا الشُّجاعُ فَأخَذَ أُهْبَةَ التِّجارَةِ وأُهْبَةَ القِتالِ، وقالُوا: ﴿وقالُوا حَسْبُنا اللَّهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ﴾ ثُمَّ خَرَجُوا حَتّى جاءُوها فَتَسَوَّقُوا بِها، ولَمْ يَلْقَوْا أحَدًا، فَنَزَلَتْ: ﴿الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النّاسُ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وفَضْلٍ﴾ [آل عمران»: ١٧٤] . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَزادَهم إيمانًا﴾ قالَ: الإيمانُ يَزِيدُ ويَنْقُصُ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في ”الدَّلائِلِ“، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: ﴿حَسْبُنا اللَّهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ﴾ قالَها إبْراهِيمُ حِينَ أُلْقِيَ (p-١٤٧)فِي النّارِ، وقالَها مُحَمَّدٌ حِينَ قالُوا: ﴿إنَّ النّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكم فاخْشَوْهُمْ﴾ - ﴿فَزادَهم إيمانًا وقالُوا حَسْبُنا اللَّهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ﴾ . وأخْرَجَ البُخارِيُّ، وابْنُ المُنْذِرِ، والحاكِمُ، والبَيْهَقِيُّ في ”الأسْماءِ والصِّفاتِ“ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانَ آخِرُ قَوْلِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ حِينَ أُلْقِيَ في النّارِ: ﴿حَسْبُنا اللَّهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ﴾ وقالَ نَبِيُّكم مِثْلَها: ﴿الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النّاسُ إنَّ النّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكم فاخْشَوْهم فَزادَهم إيمانًا وقالُوا حَسْبُنا اللَّهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ﴾ . وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَمْرٍو قالَ: هي الكَلِمَةُ الَّتِي قالَها إبْراهِيمُ حِينَ أُلْقِيَ في النّارِ: ﴿حَسْبُنا اللَّهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ﴾ وهي الكَلِمَةُ الَّتِي قالَها نَبِيُّكم وأصْحابُهُ إذْ قِيلَ لَهم: ﴿إنَّ النّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكم فاخْشَوْهُمْ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««إذا وقَعْتُمْ في الأمْرِ العَظِيمِ فَقُولُوا: حَسْبُنا اللَّهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ»» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا في ”الذِّكْرِ“ عَنْ عائِشَةَ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ إذا اشْتَدَّ غَمُّهُ مَسَحَ بِيَدِهِ عَلى رَأْسِهِ ولِحْيَتِهِ ثُمَّ تَنَفَّسَ الصُّعَداءَ وقالَ: «حَسْبِيَ اللَّهُ (p-١٤٨)ونِعْمَ الوَكِيلُ»» . وأخْرَجَ أبُو نُعَيْمٍ عَنْ شَدّادِ بْنِ أوْسٍ قالَ: قالَ النَّبِيُّ ﷺ: ««حَسْبِيَ اللَّهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ أمانُ كُلِّ خائِفٍ»» . وأخْرَجَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ بُرَيْدَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««مَن قالَ عَشْرَ كَلِماتٍ عِنْدَ دُبُرِ كُلِّ صَلاةٍ وجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُنَّ، مَكْفِيًّا مَجْزِيًّا: خَمْسٌ لِلدُّنْيا، وخَمْسٌ لِلْآخِرَةِ: حَسْبِيَ اللَّهُ لِدِينِي، حَسْبِيَ اللَّهُ لِما أهَمَّنِي، حَسْبِيَ اللَّهُ لِمَن بَغى عَلَيَّ، حَسْبِيَ اللَّهُ لِمَن حَسَدَنِي، حَسْبِيَ اللَّهُ لِمَن كادَنِي بِسُوءٍ، حَسْبِيَ اللَّهُ عِنْدَ المَوْتِ، حَسْبِيَ اللَّهُ عِنْدَ المَسْألَةِ في القَبْرِ، حَسْبِيَ اللَّهُ عِنْدَ المِيزانِ، حَسْبِيَ اللَّهُ عِنْدَ الصِّراطِ، حَسْبِيَ اللَّهُ لا إلَهَ إلّا هو عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وإلَيْهِ أُنِيبُ»» . وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في ”الدَّلائِلِ“ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «فِي قَوْلِهِ: ﴿فانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وفَضْلٍ﴾ قالَ: النَّعْمَةُ أنَّهم سَلِمُوا، والفَضْلُ أنَّ عِيرًا مَرَّتْ وكانَ في أيّامِ المَوْسِمِ فاشْتَراها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَرَبِحَ مالًا فَقَسَمَهُ بَيْنَ أصْحابِهِ» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في الآيَةِ قالَ: الفَضْلُ ما أصابُوا مِنَ التِّجارَةِ والأجْرِ. (p-١٤٩)وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ السُّدِّيِّ قالَ: أعْطى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أصْحابَهُ – يَعْنِي: حِينَ خَرَجَ إلى غَزْوَةِ بَدْرٍ الصُّغْرى بِبَدْرٍ دَراهِمَ ابْتاعُوا بِها مِن مَوْسِمِ بَدْرٍ، فَأصابُوا تِجارَةً، فَذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ: ﴿فانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهم سُوءٌ﴾ قالَ: أمّا النِّعْمَةُ فَهي العافِيَةُ، وأمّا الفَضْلُ فالتِّجارَةُ، والسُّوءُ القَتْلُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، مِن طَرِيقِ العَوْفِيِّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿لَمْ يَمْسَسْهم سُوءٌ﴾ قالَ: لَمْ يُؤْذِهِمْ أحَدٌ. ﴿واتَّبَعُوا رِضْوانَ اللَّهِ﴾ قالَ: أطاعُوا اللَّهَ ورَسُولَهُ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ الأنْبارِيِّ في ”المَصاحِفِ“ وابْنُ أبِي داوُدَ في ”المَصاحِفِ“، مِن طَرِيقِ عَطاءٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ: (إنَّما ذَلِكُمُ الشَّيْطانُ يُخَوِّفُكم أوْلِياءَهُ) . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، مِن طَرِيقِ العَوْفِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿إنَّما ذَلِكُمُ الشَّيْطانُ يُخَوِّفُ أوْلِياءَهُ﴾ يَقُولُ: الشَّيْطانُ يُخَوِّفُ المُؤْمِنِينَ بِأوْلِيائِهِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مُجاهِدٍ: ﴿إنَّما ذَلِكُمُ الشَّيْطانُ يُخَوِّفُ أوْلِياءَهُ﴾ قالَ: يُخَوِّفُ المُؤْمِنِينَ بِالكُفّارِ. (p-١٥٠)وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي مالِكٍ: ﴿يُخَوِّفُ أوْلِياءَهُ﴾ قالَ: يُعَظِّمُ أوْلِياءَهُ في أعْيُنِكم. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ عِكْرِمَةَ في الآيَةِ قالَ: تَفْسِيرُها: يُخَوِّفُكم بِأوْلِيائِهِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ إبْراهِيمَ في الآيَةِ قالَ: يُخَوِّفُ النّاسَ أوْلِياءَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ في الآيَةِ قالَ: إنَّما كانَ ذَلِكَ تَخْوِيفَ الشَّيْطانِ، ولا يَخافُ الشَّيْطانَ إلّا ولِيُّ الشَّيْطانِ.

آل عمران 3:174

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ﴾ الآياتِ. أخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ، وابْنُ جَرِيرٍ، والبَيْهَقِيُّ في ”الدَّلائِلِ“ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ قالَ: «خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِحَمْراءِ الأسَدِ وقَدْ أجْمَعَ أبُو سُفْيانَ بِالرَّجْعَةِ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وأصْحابِهِ وقالُوا: رَجَعْنا قَبْلَ أنْ نَسْتَأْصِلَهُمْ، لَنَكُرَّنَّ عَلى بَقِيَّتِهِمْ، فَبَلَغَهُ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَرَجَ في أصْحابِهِ يَطْلُبُهُمْ، فَثَنى ذَلِكَ أبا سُفْيانَ وأصْحابَهُ، ومَرَّ رَكْبٌ مِن عَبْدِ القَيْسِ، فَقالَ لَهم أبُو سُفْيانَ: بَلِّغُوا مُحَمَّدًا أنّا قَدْ أجْمَعْنا الرَّجْعَةَ إلى أصْحابِهِ لِنَسْتَأْصِلَهُمْ، فَلَمّا مَرَّ الرَّكْبُ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِحَمْراءِ الأسَدِ أخْبَرُوهُ بِالَّذِي قالَ أبُو سُفْيانَ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ والمُسْلِمُونَ مَعَهُ: «حَسْبُنا اللَّهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ» فَأنْزَلَ اللَّهُ: في ذَلِكَ: ﴿الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ والرَّسُولِ﴾ الآياتِ» . (p-١٣٧)وأخْرَجَ مُوسى بْنُ عُقْبَةَ في ”مَغازِيهِ“، والبَيْهَقِيُّ في ”الدَّلائِلِ“ عَنِ ابْنِ شِهابٍ قالَ: «إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ اسْتَنْفَرَ المُسْلِمِينَ لِمَوْعِدِ أبِي سُفْيانَ بَدْرًا، فاحْتَمَلَ الشَّيْطانُ أوْلِياءَهُ مِنَ النّاسِ فَمَشَوْا في النّاسِ يُخَوِّفُونَهم وقالُوا: قَدْ أُخْبِرْنا أنْ قَدْ جَمَعُوا لَكم مِنَ النّاسِ مِثْلَ اللَّيْلِ يَرْجُونَ أنْ يُواقِعُوكم فَيَنْتَهِبُوكُمْ، فالحَذَرَ الحَذَرَ، فَعَصَمَ اللَّهُ المُسْلِمِينَ مِن تَخْوِيفِ الشَّيْطانِ فاسْتَجابُوا لِلَّهِ ولِلرَّسُولِ وخَرَجُوا بِبَضائِعَ لَهُمْ، وقالُوا: إنْ لَقِينا أبا سُفْيانَ فَهو الَّذِي خَرَجْنا لَهُ، وإنْ لَمْ نَلْقَهُ ابْتَعْنا بَضائِعَنا. فَكانَ بَدْرٌ مَتْجَرًا يُوافى كُلَّ عامٍ، فانْطَلَقُوا حَتّى أتَوْا مَوْسِمَ بَدْرٍ، فَقَضَوْا مِنهُ حاجَتَهُمْ، وأخْلَفَ أبُو سُفْيانَ المَوْعِدَ فَلَمْ يَخْرُجْ هو ولا أصْحابُهُ، ومَرَّ عَلَيْهِمُ ابْنُ حُمامٍ فَقالَ: مَن هَؤُلاءِ؟ قالُوا: رَسُولُ اللَّهِ وأصْحابُهُ يَنْتَظِرُونَ أبا سُفْيانَ ومَن مَعَهُ مِن قُرَيْشٍ. فَقَدِمَ عَلى قُرَيْشٍ فَأخْبَرَهُمْ، فَأُرْعِبَ أبُو سُفْيانَ ورَجَعَ إلى مَكَّةَ، وانْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى المَدِينَةِ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وفَضْلٍ، فَكانَتْ تِلْكَ الغَزْوَةُ تُدْعى غَزْوَةَ جَيْشِ السَّوِيقِ، وكانَتْ في شَعْبانَ سَنَةَ ثَلاثٍ» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، مِن طَرِيقِ العَوْفِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «إنَّ اللَّهَ قَذَفَ في قَلْبِ أبِي سُفْيانَ الرُّعْبَ يَوْمَ أُحُدٍ بَعْدَ الَّذِي كانَ مِنهُ، فَرَجَعَ إلى مَكَّةَ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: «إنَّ أبا سُفْيانَ قَدْ أصابَ مِنكم طَرَفًا، وقَدْ رَجَعَ، وقَذَفَ اللَّهُ في قَلْبِهِ الرُّعْبَ» وكانَتْ وقْعَةُ أُحُدٍ في شَوّالٍ، وكانَ التُّجّارُ يَقْدَمُونَ المَدِينَةَ في ذِي (p-١٣٨)القَعْدَةِ، فَيَنْزِلُونَ بِبَدْرٍ الصُّغْرى في كُلِّ سَنَةٍ مَرَّةً، وإنَّهم قَدِمُوا بَعْدَ وقْعَةِ أُحُدٍ، وكانَ أصابَ المُؤْمِنِينَ القَرْحُ، واشْتَكَوْا ذَلِكَ إلى النَّبِيِّ ﷺ واشْتَدَّ عَلَيْهِمُ الَّذِي أصابَهُمْ، وإنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَدَبَ النّاسَ لِيَنْطَلِقُوا مَعَهُ وقالَ: «إنَّما تَرْتَحِلُونَ الآنَ فَيَأْتُونَ الحَجَّ ولا يَقْدِرُونَ عَلى مِثْلِها حَتّى عامٍ مُقْبِلٍ» فَجاءَ الشَّيْطانُ فَخَوَّفَ أوْلِياءَهُ فَقالَ: إنَّ النّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ، فَأبى عَلِيهِ النّاسُ أنْ يَتْبَعُوهُ، فَقالَ: «إنِّي ذاهِبٌ وإنْ لَمْ يَتْبَعْنِي أحَدٌ» فانْتَدَبَ مَعَهُ أبُو بَكْرٍ، وعُمَرُ، وعَلِيٌّ، وعُثْمانُ، والزُّبَيْرُ، وسَعْدٌ، وطَلْحَةُ، وعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ، وحُذَيْفَةُ بْنُ اليَمانِ، وأبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الجَرّاحِ، في سَبْعِينَ رَجُلًا فَسارُوا في طَلَبِ أبِي سُفْيانَ فَطَلَبُوهُ حَتّى بَلَغُوا الصَّفْراءَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ والرَّسُولِ﴾ الآيَةَ» . وأخْرَجَ النَّسائِيُّ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ، بِسَنَدٍ صَحِيحٍ، مِن طَرِيقِ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «لَمّا رَجَعَ المُشْرِكُونَ عَنْ أُحُدٍ قالُوا: لا مُحَمَّدًا قَتَلْتُمْ ولا الكَواعِبَ أرْدَفْتُمْ، بِئْسَما صَنَعْتُمُ ارْجِعُوا. فَسَمِعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِذَلِكَ فَنَدَبَ المُسْلِمِينَ فانْتَدَبُوا، حَتّى بَلَغَ حَمْراءَ الأسَدِ، أوْ بِئْرَ أبِي عِنَبَةَ- (p-١٣٩)شَكَّ سُفْيانُ- فَقالَ المُشْرِكُونَ: نَرْجِعُ قابِلَ، فَرَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَكانَتْ تُعَدُّ غَزْوَةً، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ والرَّسُولِ﴾ الآيَةَ، وقَدْ كانَ أبُو سُفْيانَ قالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ: مَوْعِدُكَ مَوْسِمُ بَدْرٍ حَيْثُ قَتَلْتُمْ أصْحابَنا، فَأمّا الجَبانُ فَرَجَعَ، وأمّا الشُّجاعُ فَأخَذَ أُهْبَةَ القِتالِ والتِّجارَةِ، فَأتَوْهُ فَلَمْ يَجِدُوا بِهِ أحَدًا وتَسَوَّقُوا، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿فانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وفَضْلٍ﴾ الآيَةَ» . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: «خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى بَدْرٍ الصُّغْرى، وبِهِمُ الكُلُومُ، خَرَجُوا لِمَوْعِدِ أبِي سُفْيانَ، فَمَرَّ بِهِمْ أعْرابِيٌّ ثُمَّ مَرَّ بِأبِي سُفْيانَ وأصْحابِهِ وهو يَقُولُ: ؎ونَفَرَتْ مِن رُفْقَتَيْ مُحَمَّدِ وعَجْوَةٍ مَنثُورَةٍ كالعُنْجُدِ فَتَلْقاهُ أبُو سُفْيانَ فَقالَ: ويْلَكَ ما تَقُولُ؟ فَقالَ: مُحَمَّدٌ وأصْحابُهُ تَرَكْتُهم بِبَدْرٍ الصُّغْرى. فَقالَ أبُو سُفْيانَ: يَقُولُونَ ويَصْدُقُونَ، ونَقُولُ ولا نَصْدُقُ، وأصابَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ شَيْئًا مِنَ الأعْرابِ، وانْقَلَبُوا. قالَ عِكْرِمَةُ: فَفِيهِمْ أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ والرَّسُولِ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿فانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وفَضْلٍ﴾ الآيَةَ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ قالَ: «إنَّ أبا سُفْيانَ وأصْحابَهُ أصابُوا مِنَ (p-١٤٠)المُسْلِمِينَ ما أصابُوا ورَجَعُوا، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إنَّ أبا سُفْيانَ قَدْ رَجَعَ وقَدْ قَذَفَ اللَّهُ في قَلْبِهِ الرُّعْبَ، فَمَن يَنْتَدِبُ في طَلَبِهِ»؟ فَقامَ النَّبِيُّ ﷺ، وأبُو بَكْرٍ، وعُمَرُ، وعُثْمانُ، وعَلِيٌّ، وناسٌ مِن أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَتَبِعُوهُمْ، فَبَلَغَ أبا سُفْيانَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ يَطْلُبُهُ فَلَقِيَ عِيرًا مِنَ التُّجّارِ فَقالَ: رُدُّوا مُحَمَّدًا ولَكم مِنَ الجُعْلِ كَذا وكَذا، وأخْبِرُوهم أنِّي قَدْ جَمَعْتُ لَهم جُمُوعًا وأنِّي راجِعٌ إلَيْهِمْ، فَجاءَ التُّجّارُ فَأخْبَرُوا بِذَلِكَ النَّبِيَّ ﷺ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: «حَسْبُنا اللَّهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ» فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ والرَّسُولِ﴾ الآيَةَ» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قالَ: «أُخْبِرْتُ أنَّ أبا سُفْيانَ لَمّا راحَ هو وأصْحابُهُ يَوْمَ أُحُدٍ مُنْقَلِبِينَ قالَ المُسْلِمُونَ لِلنَّبِيِّ ﷺ: إنَّهم عامِدُونَ إلى المَدِينَةِ يا رَسُولَ اللَّهِ، فَقالَ: «إنْ رَكِبُوا الخَيْلَ وتَرَكُوا الأثْقالَ فَهم عامِدُوها، وإنْ جَلَسُوا عَلى الأثْقالِ وتَرَكُوا الخَيْلَ فَقَدْ أرْعَبَهُمُ اللَّهُ فَلَيْسُوا بِعامِدِيها» فَرَكِبُوا الأثْقالَ، ثُمَّ نَدَبَ ناسًا يَتْبَعُونَهم لِيَرَوْا أنَّ بِهِمْ قُوَّةً فَأتْبَعُوهم لَيْلَتَيْنِ أوْ ثَلاثًا فَنَزَلَتْ: ﴿الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ والرَّسُولِ﴾ الآيَةَ» . وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأحْمَدُ، والبُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، وابْنُ ماجَهْ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في ”الدَّلائِلِ“ عَنْ عائِشَةَ «فِي قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ والرَّسُولِ﴾ الآيَةَ، قالَتْ لِعُرْوَةَ: يا ابْنَ أُخْتِي، كانَ أبَواكَ مِنهم: الزُّبَيْرُ وأبُو بَكْرٍ، لَمّا أصابَ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ (p-١٤١)ما أصابَ يَوْمَ أُحُدٍ انْصَرَفَ عَنْهُ المُشْرِكُونَ، خافَ أنْ يَرْجِعُوا فَقالَ: «مَن يَرْجِعُ في أثَرِهِمْ»؟ فانْتَدَبَ مِنهم سَبْعُونَ رَجُلًا، فِيهِمْ أبُو بَكْرٍ والزُّبَيْرُ، فَخَرَجُوا في آثارِ القَوْمِ فَسَمِعُوا بِهِمْ فانْصَرَفُوا ﴿بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وفَضْلٍ﴾ قالَ: لَمْ يَلْقَوْا عَدُوًّا» . وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ عَساكِرَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِينا؛ ثَمانِيَةَ عَشَرَ رَجُلًا: ﴿الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ والرَّسُولِ﴾ الآيَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: «كانَ يَوْمُ أُحُدٍ السَّبْتَ لِلنِّصْفِ مِن شَوّالٍ، فَلَمّا كانَ الغَدُ مِن يَوْمِ الأحَدِ لِسِتَّ عَشْرَةَ لَيْلَةً مَضَتْ مِن شَوّالٍ أذَّنَ مُؤَذِّنُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في النّاسِ بِطَلَبِ العَدُوِّ، وأذَّنَ مُؤَذِّنُهُ أنْ: لا يَخْرُجَنَّ مَعَنا أحَدٌ إلّا مَن حَضَرَ يَوْمَنا بِالأمْسِ، فَكَلَّمَهُ جابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّ أبِي كانَ خَلَّفَنِي عَلى أخَواتٍ لِي سَبْعٍ، وقالَ: يا بُنَيَّ، إنَّهُ لا يَنْبَغِي لِي ولا لَكَ أنْ نَتْرُكَ هَؤُلاءِ النِّسْوَةَ لا رَجُلَ فِيهِنَّ، ولَسْتُ بِالَّذِي أُوثِرُكَ بِالجِهادِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلى نَفْسِي، فَتَخَلَّفْ عَلى أخَواتِكَ. فَتَخَلَّفْتُ عَلَيْهِنَّ، فَأذِنَ لَهُ (p-١٤٢)رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَخَرَجَ مَعَهُ، وإنَّما خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ تَرْهِيبًا لِلْعَدُوِّ؛ لِيُبَلِّغَهم أنَّهُ خَرَجَ في طَلَبِهِمْ لِيَظُنُّوا بِهِ قُوَّةً، وأنَّ الَّذِي أصابَهم لَمْ يُوهِنْهم مِن عَدُوِّهِمْ» . وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ أبِي السّائِبِ مَوْلى عائِشَةَ بِنْتِ عُثْمانَ، «أنَّ رَجُلًا مِن أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِن بَنِي عَبْدِ الأشْهَلِ، كانَ شَهِدَ أُحُدًا قالَ: شَهِدْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أُحُدًا أنا وأخٌ لِي، فَرَجَعْنا جَرِيحَيْنِ، فَلَمّا أذَّنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالخُرُوجِ في طَلَبِ العَدُوِّ، قُلْتُ لِأخِي أوْ قالَ لِي: تَفُوتُنا غَزْوَةٌ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؟ واللَّهِ ما لَنا مِن دابَّةٍ نَرْكَبُها، وما مَنّا إلّا جَرِيحٌ ثَقِيلٌ. فَخَرَجْنا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وكُنْتُ أيْسَرَ جُرْحًا مِنهُ، فَكُنْتُ إذا غُلِبَ حَمَلْتُهُ عُقْبَةً، ومَشى عُقْبَةً، حَتّى انْتَهَيْنا إلى ما انْتَهى إلَيْهِ المُسْلِمُونَ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتّى انْتَهى إلى حَمْراءِ الأسَدِ، وهي مِنَ المَدِينَةِ عَلى ثَمانِيَةِ أمْيالٍ، فَأقامَ بِها ثَلاثًا، الإثْنَيْنَ والثُّلاثاءَ والأرْبِعاءَ، ثُمَّ رَجَعَ إلى المَدِينَةِ، فَنَزَلَ: ﴿الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ والرَّسُولِ﴾ الآيَةَ» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ إبْراهِيمَ قالَ: كانَ عَبْدُ اللَّهِ مِنَ الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ والرَّسُولِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ في قَوْلِهِ: ﴿مِن بَعْدِ ما أصابَهُمُ القَرْحُ﴾ . (p-١٤٣)قالَ: الجِراحاتُ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ: (مِن بَعْدِ ما أصابَهُمُ القُرْحُ) . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: افْصِلُوا بَيْنَهُما؛ قَوْلَهُ: ﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا مِنهم واتَّقَوْا أجْرٌ عَظِيمٌ﴾ - ﴿الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النّاسُ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ السُّدِّيِّ قالَ: «لَمّا نَدِمَ أبُو سُفْيانَ وأصْحابُهُ عَلى الرُّجُوعِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وأصْحابِهِ وقالُوا: ارْجِعُوا فاسْتَأْصِلُوهُمْ، فَقَذَفَ اللَّهُ في قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَهُزِمُوا، فَلَقُوا أعْرابِيًّا فَجَعَلُوا لَهُ جُعْلًا، فَقالُوا لَهُ: إنْ لَقِيتَ مُحَمَّدًا وأصْحابَهُ فَأخْبِرْهم أنّا قَدْ جَمَعْنا لَهُمْ، فَأخْبَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ ﷺ فَطَلَبَهم حَتّى بَلَغَ حَمْراءَ الأسَدِ، فَلَقُوا الأعْرابِيَّ في الطَّرِيقِ فَأخْبَرَهُمُ الخَبَرَ، فَقالُوا: ﴿حَسْبُنا اللَّهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ﴾ ثُمَّ رَجَعُوا مِن حَمْراءِ الأسَدِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ وفي الأعْرابِيِّ الَّذِي لَقِيَهم: ﴿الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النّاسُ إنَّ النّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكم فاخْشَوْهُمْ﴾ الآيَةَ» . وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ عَنِ ابْنِ أبْزى: ﴿الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النّاسُ﴾ قالَ: أبُو سُفْيانَ، قالَ لِقَوْمٍ: إنْ لَقِيتُمْ أصْحابَ مُحَمَّدٍ، فَأخْبِرُوهم أنّا قَدْ جَمَعْنا لَهم (p-١٤٤)جُمُوعًا، فَأخْبَرُوهم فَقالُوا: ﴿حَسْبُنا اللَّهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ مِن طَرِيقِ العَوْفِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «اسْتَقْبَلَ أبُو سُفْيانَ في مُنْصَرَفِهِ مِن أُحُدٍ عِيرًا وارِدَةً المَدِينَةَ بِبِضاعَةٍ لَهُمْ، وبَيْنَهم وبَيْنَ النَّبِيِّ ﷺ جِبالٌ فَقالَ: إنَّ لَكم عَلَيَّ رِضاكم إنْ أنْتُمْ رَدَدْتُمْ عَنِّي مُحَمَّدًا ومَن مَعَهُ إنْ أنْتُمْ وجَدْتُمُوهُ في طَلَبِي أخْبَرْتُمُوهُ أنِّي قَدْ جَمَعْتُ لَهُ جُمُوعًا كَثِيرَةً، فاسْتَقْبَلَتِ العِيرُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقالُوا لَهُ: يا مُحَمَّدُ، إنّا نُخْبِرُكَ أنَّ أبا سُفْيانَ قَدْ جَمَعَ لَكَ جُمُوعًا كَثِيرَةً، وأنَّهُ مُقْبِلٌ إلى المَدِينَةِ، وإنْ شِئْتَ أنْ تَرْجِعَ فافْعَلْ، فَلَمْ يَزِدْهُ ذَلِكَ ومَن مَعَهُ إلّا يَقِينًا، وقالُوا: ﴿حَسْبُنا اللَّهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ﴾ فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النّاسُ إنَّ النّاسَ قَدْ جَمَعُوا﴾ الآيَةَ» . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ قالَ: «انْطَلَقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وعِصابَةٌ مِن أصْحابِهِ بَعْدَما انْصَرَفَ أبُو سُفْيانَ وأصْحابُهُ مِن أُحُدٍ خَلْفَهُمْ، حَتّى إذا كانُوا بِذِي الحُلَيْفَةِ فَجَعَلَ الأعْرابُ والنّاسُ يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ فَيَقُولُونَ لَهم: هَذا أبُو سُفْيانَ مائِلٌ عَلَيْكم بِالنّاسِ فَقالُوا: ﴿حَسْبُنا اللَّهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ﴾ (p-١٤٥)فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النّاسُ﴾ الآيَةَ» . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أبِي مالِكٍ في قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النّاسُ﴾ الآيَةَ، قالَ: إنَّ أبا سُفْيانَ كانَ أرْسَلَ يَوْمَ أُحُدٍ أوْ يَوْمَ الأحْزابِ إلى قُرَيْشٍ، وغَطَفانَ، وهَوازِنَ، يَسْتَجِيشُهم عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَبَلَغَ ذَلِكَ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ ومَن مَعَهُ، فَقِيلَ: لَوْ ذَهَبَ نَفَرٌ مِنَ المُسْلِمِينَ فَأتَوْكم بِالخَبَرِ، فَذَهَبَ نَفَرٌ حَتّى إذا كانُوا بِالمَكانِ الَّذِي ذُكِرَ لَهم أنَّهم فِيهِ لَمْ يَرَوْا أحَدًا فَرَجَعُوا. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ والخَطِيبُ عَنْ أنَسٍ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ أتى يَوْمَ أُحُدٍ فَقِيلَ لَهُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّ النّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكم فاخْشَوْهم فَقالَ: ﴿حَسْبُنا اللَّهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ﴾ فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النّاسُ﴾ الآيَةَ» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنْ أبِي رافِعٍ، «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ وجَّهَ عَلِيًّا في نَفَرٍ مَعَهُ في طَلَبِ أبِي سُفْيانَ فَلَقِيَهم أعْرابِيٌّ مِن خُزاعَةَ فَقالَ: إنَّ القَوْمَ قَدْ جَمَعُوا لَكم. قالُوا: ﴿وقالُوا حَسْبُنا اللَّهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ﴾ فَنَزَلَتْ فِيهِمْ هَذِهِ الآيَةُ» . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ «فِي قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النّاسُ إنَّ النّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾ قالَ: هَذا أبُو سُفْيانَ قالَ لِمُحَمَّدٍ ﷺ يَوْمَ أُحُدٍ: مَوْعِدُكم بَدْرٌ حَيْثُ قَتَلْتُمْ أصْحابَنا. (p-١٤٦)فَقالَ مُحَمَّدٌ ﷺ: «عَسى» . فانْطَلَقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِمَوْعِدِهِ حَتّى نَزَلَ بَدْرًا فَوافَوُا السُّوقَ فابْتاعُوا، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهم سُوءٌ﴾ وهي غَزْوَةُ بَدْرٍ الصُّغْرى» . وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: «كانَتْ بَدْرٌ مَتْجَرًا في الجاهِلِيَّةِ، وكانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ واعَدَ أبا سُفْيانَ أنْ يَلْقاهُ بِها، فَلَقِيَهم رَجُلٌ فَقالَ لَهم: إنَّ بِهِما جَمْعًا عَظِيمًا مِنَ المُشْرِكِينَ، فَأمّا الجَبانُ فَرَجَعَ، وأمّا الشُّجاعُ فَأخَذَ أُهْبَةَ التِّجارَةِ وأُهْبَةَ القِتالِ، وقالُوا: ﴿وقالُوا حَسْبُنا اللَّهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ﴾ ثُمَّ خَرَجُوا حَتّى جاءُوها فَتَسَوَّقُوا بِها، ولَمْ يَلْقَوْا أحَدًا، فَنَزَلَتْ: ﴿الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النّاسُ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وفَضْلٍ﴾ [آل عمران»: ١٧٤] . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَزادَهم إيمانًا﴾ قالَ: الإيمانُ يَزِيدُ ويَنْقُصُ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في ”الدَّلائِلِ“، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: ﴿حَسْبُنا اللَّهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ﴾ قالَها إبْراهِيمُ حِينَ أُلْقِيَ (p-١٤٧)فِي النّارِ، وقالَها مُحَمَّدٌ حِينَ قالُوا: ﴿إنَّ النّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكم فاخْشَوْهُمْ﴾ - ﴿فَزادَهم إيمانًا وقالُوا حَسْبُنا اللَّهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ﴾ . وأخْرَجَ البُخارِيُّ، وابْنُ المُنْذِرِ، والحاكِمُ، والبَيْهَقِيُّ في ”الأسْماءِ والصِّفاتِ“ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانَ آخِرُ قَوْلِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ حِينَ أُلْقِيَ في النّارِ: ﴿حَسْبُنا اللَّهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ﴾ وقالَ نَبِيُّكم مِثْلَها: ﴿الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النّاسُ إنَّ النّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكم فاخْشَوْهم فَزادَهم إيمانًا وقالُوا حَسْبُنا اللَّهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ﴾ . وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَمْرٍو قالَ: هي الكَلِمَةُ الَّتِي قالَها إبْراهِيمُ حِينَ أُلْقِيَ في النّارِ: ﴿حَسْبُنا اللَّهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ﴾ وهي الكَلِمَةُ الَّتِي قالَها نَبِيُّكم وأصْحابُهُ إذْ قِيلَ لَهم: ﴿إنَّ النّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكم فاخْشَوْهُمْ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««إذا وقَعْتُمْ في الأمْرِ العَظِيمِ فَقُولُوا: حَسْبُنا اللَّهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ»» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا في ”الذِّكْرِ“ عَنْ عائِشَةَ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ إذا اشْتَدَّ غَمُّهُ مَسَحَ بِيَدِهِ عَلى رَأْسِهِ ولِحْيَتِهِ ثُمَّ تَنَفَّسَ الصُّعَداءَ وقالَ: «حَسْبِيَ اللَّهُ (p-١٤٨)ونِعْمَ الوَكِيلُ»» . وأخْرَجَ أبُو نُعَيْمٍ عَنْ شَدّادِ بْنِ أوْسٍ قالَ: قالَ النَّبِيُّ ﷺ: ««حَسْبِيَ اللَّهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ أمانُ كُلِّ خائِفٍ»» . وأخْرَجَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ بُرَيْدَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««مَن قالَ عَشْرَ كَلِماتٍ عِنْدَ دُبُرِ كُلِّ صَلاةٍ وجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُنَّ، مَكْفِيًّا مَجْزِيًّا: خَمْسٌ لِلدُّنْيا، وخَمْسٌ لِلْآخِرَةِ: حَسْبِيَ اللَّهُ لِدِينِي، حَسْبِيَ اللَّهُ لِما أهَمَّنِي، حَسْبِيَ اللَّهُ لِمَن بَغى عَلَيَّ، حَسْبِيَ اللَّهُ لِمَن حَسَدَنِي، حَسْبِيَ اللَّهُ لِمَن كادَنِي بِسُوءٍ، حَسْبِيَ اللَّهُ عِنْدَ المَوْتِ، حَسْبِيَ اللَّهُ عِنْدَ المَسْألَةِ في القَبْرِ، حَسْبِيَ اللَّهُ عِنْدَ المِيزانِ، حَسْبِيَ اللَّهُ عِنْدَ الصِّراطِ، حَسْبِيَ اللَّهُ لا إلَهَ إلّا هو عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وإلَيْهِ أُنِيبُ»» . وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في ”الدَّلائِلِ“ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «فِي قَوْلِهِ: ﴿فانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وفَضْلٍ﴾ قالَ: النَّعْمَةُ أنَّهم سَلِمُوا، والفَضْلُ أنَّ عِيرًا مَرَّتْ وكانَ في أيّامِ المَوْسِمِ فاشْتَراها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَرَبِحَ مالًا فَقَسَمَهُ بَيْنَ أصْحابِهِ» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في الآيَةِ قالَ: الفَضْلُ ما أصابُوا مِنَ التِّجارَةِ والأجْرِ. (p-١٤٩)وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ السُّدِّيِّ قالَ: أعْطى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أصْحابَهُ – يَعْنِي: حِينَ خَرَجَ إلى غَزْوَةِ بَدْرٍ الصُّغْرى بِبَدْرٍ دَراهِمَ ابْتاعُوا بِها مِن مَوْسِمِ بَدْرٍ، فَأصابُوا تِجارَةً، فَذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ: ﴿فانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهم سُوءٌ﴾ قالَ: أمّا النِّعْمَةُ فَهي العافِيَةُ، وأمّا الفَضْلُ فالتِّجارَةُ، والسُّوءُ القَتْلُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، مِن طَرِيقِ العَوْفِيِّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿لَمْ يَمْسَسْهم سُوءٌ﴾ قالَ: لَمْ يُؤْذِهِمْ أحَدٌ. ﴿واتَّبَعُوا رِضْوانَ اللَّهِ﴾ قالَ: أطاعُوا اللَّهَ ورَسُولَهُ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ الأنْبارِيِّ في ”المَصاحِفِ“ وابْنُ أبِي داوُدَ في ”المَصاحِفِ“، مِن طَرِيقِ عَطاءٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ: (إنَّما ذَلِكُمُ الشَّيْطانُ يُخَوِّفُكم أوْلِياءَهُ) . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، مِن طَرِيقِ العَوْفِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿إنَّما ذَلِكُمُ الشَّيْطانُ يُخَوِّفُ أوْلِياءَهُ﴾ يَقُولُ: الشَّيْطانُ يُخَوِّفُ المُؤْمِنِينَ بِأوْلِيائِهِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مُجاهِدٍ: ﴿إنَّما ذَلِكُمُ الشَّيْطانُ يُخَوِّفُ أوْلِياءَهُ﴾ قالَ: يُخَوِّفُ المُؤْمِنِينَ بِالكُفّارِ. (p-١٥٠)وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي مالِكٍ: ﴿يُخَوِّفُ أوْلِياءَهُ﴾ قالَ: يُعَظِّمُ أوْلِياءَهُ في أعْيُنِكم. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ عِكْرِمَةَ في الآيَةِ قالَ: تَفْسِيرُها: يُخَوِّفُكم بِأوْلِيائِهِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ إبْراهِيمَ في الآيَةِ قالَ: يُخَوِّفُ النّاسَ أوْلِياءَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ في الآيَةِ قالَ: إنَّما كانَ ذَلِكَ تَخْوِيفَ الشَّيْطانِ، ولا يَخافُ الشَّيْطانَ إلّا ولِيُّ الشَّيْطانِ.

آل عمران 3:175

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ﴾ الآياتِ. أخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ، وابْنُ جَرِيرٍ، والبَيْهَقِيُّ في ”الدَّلائِلِ“ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ قالَ: «خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِحَمْراءِ الأسَدِ وقَدْ أجْمَعَ أبُو سُفْيانَ بِالرَّجْعَةِ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وأصْحابِهِ وقالُوا: رَجَعْنا قَبْلَ أنْ نَسْتَأْصِلَهُمْ، لَنَكُرَّنَّ عَلى بَقِيَّتِهِمْ، فَبَلَغَهُ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَرَجَ في أصْحابِهِ يَطْلُبُهُمْ، فَثَنى ذَلِكَ أبا سُفْيانَ وأصْحابَهُ، ومَرَّ رَكْبٌ مِن عَبْدِ القَيْسِ، فَقالَ لَهم أبُو سُفْيانَ: بَلِّغُوا مُحَمَّدًا أنّا قَدْ أجْمَعْنا الرَّجْعَةَ إلى أصْحابِهِ لِنَسْتَأْصِلَهُمْ، فَلَمّا مَرَّ الرَّكْبُ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِحَمْراءِ الأسَدِ أخْبَرُوهُ بِالَّذِي قالَ أبُو سُفْيانَ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ والمُسْلِمُونَ مَعَهُ: «حَسْبُنا اللَّهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ» فَأنْزَلَ اللَّهُ: في ذَلِكَ: ﴿الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ والرَّسُولِ﴾ الآياتِ» . (p-١٣٧)وأخْرَجَ مُوسى بْنُ عُقْبَةَ في ”مَغازِيهِ“، والبَيْهَقِيُّ في ”الدَّلائِلِ“ عَنِ ابْنِ شِهابٍ قالَ: «إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ اسْتَنْفَرَ المُسْلِمِينَ لِمَوْعِدِ أبِي سُفْيانَ بَدْرًا، فاحْتَمَلَ الشَّيْطانُ أوْلِياءَهُ مِنَ النّاسِ فَمَشَوْا في النّاسِ يُخَوِّفُونَهم وقالُوا: قَدْ أُخْبِرْنا أنْ قَدْ جَمَعُوا لَكم مِنَ النّاسِ مِثْلَ اللَّيْلِ يَرْجُونَ أنْ يُواقِعُوكم فَيَنْتَهِبُوكُمْ، فالحَذَرَ الحَذَرَ، فَعَصَمَ اللَّهُ المُسْلِمِينَ مِن تَخْوِيفِ الشَّيْطانِ فاسْتَجابُوا لِلَّهِ ولِلرَّسُولِ وخَرَجُوا بِبَضائِعَ لَهُمْ، وقالُوا: إنْ لَقِينا أبا سُفْيانَ فَهو الَّذِي خَرَجْنا لَهُ، وإنْ لَمْ نَلْقَهُ ابْتَعْنا بَضائِعَنا. فَكانَ بَدْرٌ مَتْجَرًا يُوافى كُلَّ عامٍ، فانْطَلَقُوا حَتّى أتَوْا مَوْسِمَ بَدْرٍ، فَقَضَوْا مِنهُ حاجَتَهُمْ، وأخْلَفَ أبُو سُفْيانَ المَوْعِدَ فَلَمْ يَخْرُجْ هو ولا أصْحابُهُ، ومَرَّ عَلَيْهِمُ ابْنُ حُمامٍ فَقالَ: مَن هَؤُلاءِ؟ قالُوا: رَسُولُ اللَّهِ وأصْحابُهُ يَنْتَظِرُونَ أبا سُفْيانَ ومَن مَعَهُ مِن قُرَيْشٍ. فَقَدِمَ عَلى قُرَيْشٍ فَأخْبَرَهُمْ، فَأُرْعِبَ أبُو سُفْيانَ ورَجَعَ إلى مَكَّةَ، وانْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى المَدِينَةِ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وفَضْلٍ، فَكانَتْ تِلْكَ الغَزْوَةُ تُدْعى غَزْوَةَ جَيْشِ السَّوِيقِ، وكانَتْ في شَعْبانَ سَنَةَ ثَلاثٍ» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، مِن طَرِيقِ العَوْفِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «إنَّ اللَّهَ قَذَفَ في قَلْبِ أبِي سُفْيانَ الرُّعْبَ يَوْمَ أُحُدٍ بَعْدَ الَّذِي كانَ مِنهُ، فَرَجَعَ إلى مَكَّةَ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: «إنَّ أبا سُفْيانَ قَدْ أصابَ مِنكم طَرَفًا، وقَدْ رَجَعَ، وقَذَفَ اللَّهُ في قَلْبِهِ الرُّعْبَ» وكانَتْ وقْعَةُ أُحُدٍ في شَوّالٍ، وكانَ التُّجّارُ يَقْدَمُونَ المَدِينَةَ في ذِي (p-١٣٨)القَعْدَةِ، فَيَنْزِلُونَ بِبَدْرٍ الصُّغْرى في كُلِّ سَنَةٍ مَرَّةً، وإنَّهم قَدِمُوا بَعْدَ وقْعَةِ أُحُدٍ، وكانَ أصابَ المُؤْمِنِينَ القَرْحُ، واشْتَكَوْا ذَلِكَ إلى النَّبِيِّ ﷺ واشْتَدَّ عَلَيْهِمُ الَّذِي أصابَهُمْ، وإنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَدَبَ النّاسَ لِيَنْطَلِقُوا مَعَهُ وقالَ: «إنَّما تَرْتَحِلُونَ الآنَ فَيَأْتُونَ الحَجَّ ولا يَقْدِرُونَ عَلى مِثْلِها حَتّى عامٍ مُقْبِلٍ» فَجاءَ الشَّيْطانُ فَخَوَّفَ أوْلِياءَهُ فَقالَ: إنَّ النّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ، فَأبى عَلِيهِ النّاسُ أنْ يَتْبَعُوهُ، فَقالَ: «إنِّي ذاهِبٌ وإنْ لَمْ يَتْبَعْنِي أحَدٌ» فانْتَدَبَ مَعَهُ أبُو بَكْرٍ، وعُمَرُ، وعَلِيٌّ، وعُثْمانُ، والزُّبَيْرُ، وسَعْدٌ، وطَلْحَةُ، وعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ، وحُذَيْفَةُ بْنُ اليَمانِ، وأبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الجَرّاحِ، في سَبْعِينَ رَجُلًا فَسارُوا في طَلَبِ أبِي سُفْيانَ فَطَلَبُوهُ حَتّى بَلَغُوا الصَّفْراءَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ والرَّسُولِ﴾ الآيَةَ» . وأخْرَجَ النَّسائِيُّ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ، بِسَنَدٍ صَحِيحٍ، مِن طَرِيقِ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «لَمّا رَجَعَ المُشْرِكُونَ عَنْ أُحُدٍ قالُوا: لا مُحَمَّدًا قَتَلْتُمْ ولا الكَواعِبَ أرْدَفْتُمْ، بِئْسَما صَنَعْتُمُ ارْجِعُوا. فَسَمِعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِذَلِكَ فَنَدَبَ المُسْلِمِينَ فانْتَدَبُوا، حَتّى بَلَغَ حَمْراءَ الأسَدِ، أوْ بِئْرَ أبِي عِنَبَةَ- (p-١٣٩)شَكَّ سُفْيانُ- فَقالَ المُشْرِكُونَ: نَرْجِعُ قابِلَ، فَرَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَكانَتْ تُعَدُّ غَزْوَةً، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ والرَّسُولِ﴾ الآيَةَ، وقَدْ كانَ أبُو سُفْيانَ قالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ: مَوْعِدُكَ مَوْسِمُ بَدْرٍ حَيْثُ قَتَلْتُمْ أصْحابَنا، فَأمّا الجَبانُ فَرَجَعَ، وأمّا الشُّجاعُ فَأخَذَ أُهْبَةَ القِتالِ والتِّجارَةِ، فَأتَوْهُ فَلَمْ يَجِدُوا بِهِ أحَدًا وتَسَوَّقُوا، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿فانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وفَضْلٍ﴾ الآيَةَ» . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: «خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى بَدْرٍ الصُّغْرى، وبِهِمُ الكُلُومُ، خَرَجُوا لِمَوْعِدِ أبِي سُفْيانَ، فَمَرَّ بِهِمْ أعْرابِيٌّ ثُمَّ مَرَّ بِأبِي سُفْيانَ وأصْحابِهِ وهو يَقُولُ: ؎ونَفَرَتْ مِن رُفْقَتَيْ مُحَمَّدِ وعَجْوَةٍ مَنثُورَةٍ كالعُنْجُدِ فَتَلْقاهُ أبُو سُفْيانَ فَقالَ: ويْلَكَ ما تَقُولُ؟ فَقالَ: مُحَمَّدٌ وأصْحابُهُ تَرَكْتُهم بِبَدْرٍ الصُّغْرى. فَقالَ أبُو سُفْيانَ: يَقُولُونَ ويَصْدُقُونَ، ونَقُولُ ولا نَصْدُقُ، وأصابَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ شَيْئًا مِنَ الأعْرابِ، وانْقَلَبُوا. قالَ عِكْرِمَةُ: فَفِيهِمْ أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ والرَّسُولِ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿فانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وفَضْلٍ﴾ الآيَةَ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ قالَ: «إنَّ أبا سُفْيانَ وأصْحابَهُ أصابُوا مِنَ (p-١٤٠)المُسْلِمِينَ ما أصابُوا ورَجَعُوا، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إنَّ أبا سُفْيانَ قَدْ رَجَعَ وقَدْ قَذَفَ اللَّهُ في قَلْبِهِ الرُّعْبَ، فَمَن يَنْتَدِبُ في طَلَبِهِ»؟ فَقامَ النَّبِيُّ ﷺ، وأبُو بَكْرٍ، وعُمَرُ، وعُثْمانُ، وعَلِيٌّ، وناسٌ مِن أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَتَبِعُوهُمْ، فَبَلَغَ أبا سُفْيانَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ يَطْلُبُهُ فَلَقِيَ عِيرًا مِنَ التُّجّارِ فَقالَ: رُدُّوا مُحَمَّدًا ولَكم مِنَ الجُعْلِ كَذا وكَذا، وأخْبِرُوهم أنِّي قَدْ جَمَعْتُ لَهم جُمُوعًا وأنِّي راجِعٌ إلَيْهِمْ، فَجاءَ التُّجّارُ فَأخْبَرُوا بِذَلِكَ النَّبِيَّ ﷺ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: «حَسْبُنا اللَّهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ» فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ والرَّسُولِ﴾ الآيَةَ» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قالَ: «أُخْبِرْتُ أنَّ أبا سُفْيانَ لَمّا راحَ هو وأصْحابُهُ يَوْمَ أُحُدٍ مُنْقَلِبِينَ قالَ المُسْلِمُونَ لِلنَّبِيِّ ﷺ: إنَّهم عامِدُونَ إلى المَدِينَةِ يا رَسُولَ اللَّهِ، فَقالَ: «إنْ رَكِبُوا الخَيْلَ وتَرَكُوا الأثْقالَ فَهم عامِدُوها، وإنْ جَلَسُوا عَلى الأثْقالِ وتَرَكُوا الخَيْلَ فَقَدْ أرْعَبَهُمُ اللَّهُ فَلَيْسُوا بِعامِدِيها» فَرَكِبُوا الأثْقالَ، ثُمَّ نَدَبَ ناسًا يَتْبَعُونَهم لِيَرَوْا أنَّ بِهِمْ قُوَّةً فَأتْبَعُوهم لَيْلَتَيْنِ أوْ ثَلاثًا فَنَزَلَتْ: ﴿الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ والرَّسُولِ﴾ الآيَةَ» . وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأحْمَدُ، والبُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، وابْنُ ماجَهْ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في ”الدَّلائِلِ“ عَنْ عائِشَةَ «فِي قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ والرَّسُولِ﴾ الآيَةَ، قالَتْ لِعُرْوَةَ: يا ابْنَ أُخْتِي، كانَ أبَواكَ مِنهم: الزُّبَيْرُ وأبُو بَكْرٍ، لَمّا أصابَ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ (p-١٤١)ما أصابَ يَوْمَ أُحُدٍ انْصَرَفَ عَنْهُ المُشْرِكُونَ، خافَ أنْ يَرْجِعُوا فَقالَ: «مَن يَرْجِعُ في أثَرِهِمْ»؟ فانْتَدَبَ مِنهم سَبْعُونَ رَجُلًا، فِيهِمْ أبُو بَكْرٍ والزُّبَيْرُ، فَخَرَجُوا في آثارِ القَوْمِ فَسَمِعُوا بِهِمْ فانْصَرَفُوا ﴿بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وفَضْلٍ﴾ قالَ: لَمْ يَلْقَوْا عَدُوًّا» . وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ عَساكِرَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِينا؛ ثَمانِيَةَ عَشَرَ رَجُلًا: ﴿الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ والرَّسُولِ﴾ الآيَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: «كانَ يَوْمُ أُحُدٍ السَّبْتَ لِلنِّصْفِ مِن شَوّالٍ، فَلَمّا كانَ الغَدُ مِن يَوْمِ الأحَدِ لِسِتَّ عَشْرَةَ لَيْلَةً مَضَتْ مِن شَوّالٍ أذَّنَ مُؤَذِّنُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في النّاسِ بِطَلَبِ العَدُوِّ، وأذَّنَ مُؤَذِّنُهُ أنْ: لا يَخْرُجَنَّ مَعَنا أحَدٌ إلّا مَن حَضَرَ يَوْمَنا بِالأمْسِ، فَكَلَّمَهُ جابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّ أبِي كانَ خَلَّفَنِي عَلى أخَواتٍ لِي سَبْعٍ، وقالَ: يا بُنَيَّ، إنَّهُ لا يَنْبَغِي لِي ولا لَكَ أنْ نَتْرُكَ هَؤُلاءِ النِّسْوَةَ لا رَجُلَ فِيهِنَّ، ولَسْتُ بِالَّذِي أُوثِرُكَ بِالجِهادِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلى نَفْسِي، فَتَخَلَّفْ عَلى أخَواتِكَ. فَتَخَلَّفْتُ عَلَيْهِنَّ، فَأذِنَ لَهُ (p-١٤٢)رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَخَرَجَ مَعَهُ، وإنَّما خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ تَرْهِيبًا لِلْعَدُوِّ؛ لِيُبَلِّغَهم أنَّهُ خَرَجَ في طَلَبِهِمْ لِيَظُنُّوا بِهِ قُوَّةً، وأنَّ الَّذِي أصابَهم لَمْ يُوهِنْهم مِن عَدُوِّهِمْ» . وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ أبِي السّائِبِ مَوْلى عائِشَةَ بِنْتِ عُثْمانَ، «أنَّ رَجُلًا مِن أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِن بَنِي عَبْدِ الأشْهَلِ، كانَ شَهِدَ أُحُدًا قالَ: شَهِدْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أُحُدًا أنا وأخٌ لِي، فَرَجَعْنا جَرِيحَيْنِ، فَلَمّا أذَّنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالخُرُوجِ في طَلَبِ العَدُوِّ، قُلْتُ لِأخِي أوْ قالَ لِي: تَفُوتُنا غَزْوَةٌ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؟ واللَّهِ ما لَنا مِن دابَّةٍ نَرْكَبُها، وما مَنّا إلّا جَرِيحٌ ثَقِيلٌ. فَخَرَجْنا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وكُنْتُ أيْسَرَ جُرْحًا مِنهُ، فَكُنْتُ إذا غُلِبَ حَمَلْتُهُ عُقْبَةً، ومَشى عُقْبَةً، حَتّى انْتَهَيْنا إلى ما انْتَهى إلَيْهِ المُسْلِمُونَ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتّى انْتَهى إلى حَمْراءِ الأسَدِ، وهي مِنَ المَدِينَةِ عَلى ثَمانِيَةِ أمْيالٍ، فَأقامَ بِها ثَلاثًا، الإثْنَيْنَ والثُّلاثاءَ والأرْبِعاءَ، ثُمَّ رَجَعَ إلى المَدِينَةِ، فَنَزَلَ: ﴿الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ والرَّسُولِ﴾ الآيَةَ» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ إبْراهِيمَ قالَ: كانَ عَبْدُ اللَّهِ مِنَ الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ والرَّسُولِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ في قَوْلِهِ: ﴿مِن بَعْدِ ما أصابَهُمُ القَرْحُ﴾ . (p-١٤٣)قالَ: الجِراحاتُ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ: (مِن بَعْدِ ما أصابَهُمُ القُرْحُ) . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: افْصِلُوا بَيْنَهُما؛ قَوْلَهُ: ﴿لِلَّذِينَ أحْسَنُوا مِنهم واتَّقَوْا أجْرٌ عَظِيمٌ﴾ - ﴿الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النّاسُ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ السُّدِّيِّ قالَ: «لَمّا نَدِمَ أبُو سُفْيانَ وأصْحابُهُ عَلى الرُّجُوعِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وأصْحابِهِ وقالُوا: ارْجِعُوا فاسْتَأْصِلُوهُمْ، فَقَذَفَ اللَّهُ في قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَهُزِمُوا، فَلَقُوا أعْرابِيًّا فَجَعَلُوا لَهُ جُعْلًا، فَقالُوا لَهُ: إنْ لَقِيتَ مُحَمَّدًا وأصْحابَهُ فَأخْبِرْهم أنّا قَدْ جَمَعْنا لَهُمْ، فَأخْبَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ ﷺ فَطَلَبَهم حَتّى بَلَغَ حَمْراءَ الأسَدِ، فَلَقُوا الأعْرابِيَّ في الطَّرِيقِ فَأخْبَرَهُمُ الخَبَرَ، فَقالُوا: ﴿حَسْبُنا اللَّهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ﴾ ثُمَّ رَجَعُوا مِن حَمْراءِ الأسَدِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ وفي الأعْرابِيِّ الَّذِي لَقِيَهم: ﴿الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النّاسُ إنَّ النّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكم فاخْشَوْهُمْ﴾ الآيَةَ» . وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ عَنِ ابْنِ أبْزى: ﴿الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النّاسُ﴾ قالَ: أبُو سُفْيانَ، قالَ لِقَوْمٍ: إنْ لَقِيتُمْ أصْحابَ مُحَمَّدٍ، فَأخْبِرُوهم أنّا قَدْ جَمَعْنا لَهم (p-١٤٤)جُمُوعًا، فَأخْبَرُوهم فَقالُوا: ﴿حَسْبُنا اللَّهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ مِن طَرِيقِ العَوْفِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «اسْتَقْبَلَ أبُو سُفْيانَ في مُنْصَرَفِهِ مِن أُحُدٍ عِيرًا وارِدَةً المَدِينَةَ بِبِضاعَةٍ لَهُمْ، وبَيْنَهم وبَيْنَ النَّبِيِّ ﷺ جِبالٌ فَقالَ: إنَّ لَكم عَلَيَّ رِضاكم إنْ أنْتُمْ رَدَدْتُمْ عَنِّي مُحَمَّدًا ومَن مَعَهُ إنْ أنْتُمْ وجَدْتُمُوهُ في طَلَبِي أخْبَرْتُمُوهُ أنِّي قَدْ جَمَعْتُ لَهُ جُمُوعًا كَثِيرَةً، فاسْتَقْبَلَتِ العِيرُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقالُوا لَهُ: يا مُحَمَّدُ، إنّا نُخْبِرُكَ أنَّ أبا سُفْيانَ قَدْ جَمَعَ لَكَ جُمُوعًا كَثِيرَةً، وأنَّهُ مُقْبِلٌ إلى المَدِينَةِ، وإنْ شِئْتَ أنْ تَرْجِعَ فافْعَلْ، فَلَمْ يَزِدْهُ ذَلِكَ ومَن مَعَهُ إلّا يَقِينًا، وقالُوا: ﴿حَسْبُنا اللَّهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ﴾ فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النّاسُ إنَّ النّاسَ قَدْ جَمَعُوا﴾ الآيَةَ» . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ قالَ: «انْطَلَقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وعِصابَةٌ مِن أصْحابِهِ بَعْدَما انْصَرَفَ أبُو سُفْيانَ وأصْحابُهُ مِن أُحُدٍ خَلْفَهُمْ، حَتّى إذا كانُوا بِذِي الحُلَيْفَةِ فَجَعَلَ الأعْرابُ والنّاسُ يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ فَيَقُولُونَ لَهم: هَذا أبُو سُفْيانَ مائِلٌ عَلَيْكم بِالنّاسِ فَقالُوا: ﴿حَسْبُنا اللَّهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ﴾ (p-١٤٥)فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النّاسُ﴾ الآيَةَ» . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أبِي مالِكٍ في قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النّاسُ﴾ الآيَةَ، قالَ: إنَّ أبا سُفْيانَ كانَ أرْسَلَ يَوْمَ أُحُدٍ أوْ يَوْمَ الأحْزابِ إلى قُرَيْشٍ، وغَطَفانَ، وهَوازِنَ، يَسْتَجِيشُهم عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَبَلَغَ ذَلِكَ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ ومَن مَعَهُ، فَقِيلَ: لَوْ ذَهَبَ نَفَرٌ مِنَ المُسْلِمِينَ فَأتَوْكم بِالخَبَرِ، فَذَهَبَ نَفَرٌ حَتّى إذا كانُوا بِالمَكانِ الَّذِي ذُكِرَ لَهم أنَّهم فِيهِ لَمْ يَرَوْا أحَدًا فَرَجَعُوا. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ والخَطِيبُ عَنْ أنَسٍ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ أتى يَوْمَ أُحُدٍ فَقِيلَ لَهُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّ النّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكم فاخْشَوْهم فَقالَ: ﴿حَسْبُنا اللَّهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ﴾ فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النّاسُ﴾ الآيَةَ» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنْ أبِي رافِعٍ، «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ وجَّهَ عَلِيًّا في نَفَرٍ مَعَهُ في طَلَبِ أبِي سُفْيانَ فَلَقِيَهم أعْرابِيٌّ مِن خُزاعَةَ فَقالَ: إنَّ القَوْمَ قَدْ جَمَعُوا لَكم. قالُوا: ﴿وقالُوا حَسْبُنا اللَّهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ﴾ فَنَزَلَتْ فِيهِمْ هَذِهِ الآيَةُ» . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ «فِي قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النّاسُ إنَّ النّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾ قالَ: هَذا أبُو سُفْيانَ قالَ لِمُحَمَّدٍ ﷺ يَوْمَ أُحُدٍ: مَوْعِدُكم بَدْرٌ حَيْثُ قَتَلْتُمْ أصْحابَنا. (p-١٤٦)فَقالَ مُحَمَّدٌ ﷺ: «عَسى» . فانْطَلَقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِمَوْعِدِهِ حَتّى نَزَلَ بَدْرًا فَوافَوُا السُّوقَ فابْتاعُوا، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهم سُوءٌ﴾ وهي غَزْوَةُ بَدْرٍ الصُّغْرى» . وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: «كانَتْ بَدْرٌ مَتْجَرًا في الجاهِلِيَّةِ، وكانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ واعَدَ أبا سُفْيانَ أنْ يَلْقاهُ بِها، فَلَقِيَهم رَجُلٌ فَقالَ لَهم: إنَّ بِهِما جَمْعًا عَظِيمًا مِنَ المُشْرِكِينَ، فَأمّا الجَبانُ فَرَجَعَ، وأمّا الشُّجاعُ فَأخَذَ أُهْبَةَ التِّجارَةِ وأُهْبَةَ القِتالِ، وقالُوا: ﴿وقالُوا حَسْبُنا اللَّهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ﴾ ثُمَّ خَرَجُوا حَتّى جاءُوها فَتَسَوَّقُوا بِها، ولَمْ يَلْقَوْا أحَدًا، فَنَزَلَتْ: ﴿الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النّاسُ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وفَضْلٍ﴾ [آل عمران»: ١٧٤] . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَزادَهم إيمانًا﴾ قالَ: الإيمانُ يَزِيدُ ويَنْقُصُ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في ”الدَّلائِلِ“، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: ﴿حَسْبُنا اللَّهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ﴾ قالَها إبْراهِيمُ حِينَ أُلْقِيَ (p-١٤٧)فِي النّارِ، وقالَها مُحَمَّدٌ حِينَ قالُوا: ﴿إنَّ النّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكم فاخْشَوْهُمْ﴾ - ﴿فَزادَهم إيمانًا وقالُوا حَسْبُنا اللَّهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ﴾ . وأخْرَجَ البُخارِيُّ، وابْنُ المُنْذِرِ، والحاكِمُ، والبَيْهَقِيُّ في ”الأسْماءِ والصِّفاتِ“ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانَ آخِرُ قَوْلِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ حِينَ أُلْقِيَ في النّارِ: ﴿حَسْبُنا اللَّهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ﴾ وقالَ نَبِيُّكم مِثْلَها: ﴿الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النّاسُ إنَّ النّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكم فاخْشَوْهم فَزادَهم إيمانًا وقالُوا حَسْبُنا اللَّهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ﴾ . وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَمْرٍو قالَ: هي الكَلِمَةُ الَّتِي قالَها إبْراهِيمُ حِينَ أُلْقِيَ في النّارِ: ﴿حَسْبُنا اللَّهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ﴾ وهي الكَلِمَةُ الَّتِي قالَها نَبِيُّكم وأصْحابُهُ إذْ قِيلَ لَهم: ﴿إنَّ النّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكم فاخْشَوْهُمْ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««إذا وقَعْتُمْ في الأمْرِ العَظِيمِ فَقُولُوا: حَسْبُنا اللَّهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ»» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا في ”الذِّكْرِ“ عَنْ عائِشَةَ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ إذا اشْتَدَّ غَمُّهُ مَسَحَ بِيَدِهِ عَلى رَأْسِهِ ولِحْيَتِهِ ثُمَّ تَنَفَّسَ الصُّعَداءَ وقالَ: «حَسْبِيَ اللَّهُ (p-١٤٨)ونِعْمَ الوَكِيلُ»» . وأخْرَجَ أبُو نُعَيْمٍ عَنْ شَدّادِ بْنِ أوْسٍ قالَ: قالَ النَّبِيُّ ﷺ: ««حَسْبِيَ اللَّهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ أمانُ كُلِّ خائِفٍ»» . وأخْرَجَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ بُرَيْدَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««مَن قالَ عَشْرَ كَلِماتٍ عِنْدَ دُبُرِ كُلِّ صَلاةٍ وجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُنَّ، مَكْفِيًّا مَجْزِيًّا: خَمْسٌ لِلدُّنْيا، وخَمْسٌ لِلْآخِرَةِ: حَسْبِيَ اللَّهُ لِدِينِي، حَسْبِيَ اللَّهُ لِما أهَمَّنِي، حَسْبِيَ اللَّهُ لِمَن بَغى عَلَيَّ، حَسْبِيَ اللَّهُ لِمَن حَسَدَنِي، حَسْبِيَ اللَّهُ لِمَن كادَنِي بِسُوءٍ، حَسْبِيَ اللَّهُ عِنْدَ المَوْتِ، حَسْبِيَ اللَّهُ عِنْدَ المَسْألَةِ في القَبْرِ، حَسْبِيَ اللَّهُ عِنْدَ المِيزانِ، حَسْبِيَ اللَّهُ عِنْدَ الصِّراطِ، حَسْبِيَ اللَّهُ لا إلَهَ إلّا هو عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وإلَيْهِ أُنِيبُ»» . وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في ”الدَّلائِلِ“ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «فِي قَوْلِهِ: ﴿فانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وفَضْلٍ﴾ قالَ: النَّعْمَةُ أنَّهم سَلِمُوا، والفَضْلُ أنَّ عِيرًا مَرَّتْ وكانَ في أيّامِ المَوْسِمِ فاشْتَراها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَرَبِحَ مالًا فَقَسَمَهُ بَيْنَ أصْحابِهِ» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في الآيَةِ قالَ: الفَضْلُ ما أصابُوا مِنَ التِّجارَةِ والأجْرِ. (p-١٤٩)وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ السُّدِّيِّ قالَ: أعْطى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أصْحابَهُ – يَعْنِي: حِينَ خَرَجَ إلى غَزْوَةِ بَدْرٍ الصُّغْرى بِبَدْرٍ دَراهِمَ ابْتاعُوا بِها مِن مَوْسِمِ بَدْرٍ، فَأصابُوا تِجارَةً، فَذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ: ﴿فانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهم سُوءٌ﴾ قالَ: أمّا النِّعْمَةُ فَهي العافِيَةُ، وأمّا الفَضْلُ فالتِّجارَةُ، والسُّوءُ القَتْلُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، مِن طَرِيقِ العَوْفِيِّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿لَمْ يَمْسَسْهم سُوءٌ﴾ قالَ: لَمْ يُؤْذِهِمْ أحَدٌ. ﴿واتَّبَعُوا رِضْوانَ اللَّهِ﴾ قالَ: أطاعُوا اللَّهَ ورَسُولَهُ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ الأنْبارِيِّ في ”المَصاحِفِ“ وابْنُ أبِي داوُدَ في ”المَصاحِفِ“، مِن طَرِيقِ عَطاءٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ: (إنَّما ذَلِكُمُ الشَّيْطانُ يُخَوِّفُكم أوْلِياءَهُ) . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، مِن طَرِيقِ العَوْفِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿إنَّما ذَلِكُمُ الشَّيْطانُ يُخَوِّفُ أوْلِياءَهُ﴾ يَقُولُ: الشَّيْطانُ يُخَوِّفُ المُؤْمِنِينَ بِأوْلِيائِهِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مُجاهِدٍ: ﴿إنَّما ذَلِكُمُ الشَّيْطانُ يُخَوِّفُ أوْلِياءَهُ﴾ قالَ: يُخَوِّفُ المُؤْمِنِينَ بِالكُفّارِ. (p-١٥٠)وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي مالِكٍ: ﴿يُخَوِّفُ أوْلِياءَهُ﴾ قالَ: يُعَظِّمُ أوْلِياءَهُ في أعْيُنِكم. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ عِكْرِمَةَ في الآيَةِ قالَ: تَفْسِيرُها: يُخَوِّفُكم بِأوْلِيائِهِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ إبْراهِيمَ في الآيَةِ قالَ: يُخَوِّفُ النّاسَ أوْلِياءَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ في الآيَةِ قالَ: إنَّما كانَ ذَلِكَ تَخْوِيفَ الشَّيْطانِ، ولا يَخافُ الشَّيْطانَ إلّا ولِيُّ الشَّيْطانِ.

آل عمران 3:176

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ﴾ الآيَةَ. أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ في الكُفْرِ﴾ قالَ: هُمُ المُنافِقُونَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ: ﴿ولا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ في الكُفْرِ﴾ قالَ: هُمُ الكُفّارُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ: ﴿إنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الكُفْرَ (p-١٥١)بِالإيمانِ﴾ قالَ: هُمُ المُنافِقُونَ.

آل عمران 3:177

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ﴾ الآيَةَ. أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ في الكُفْرِ﴾ قالَ: هُمُ المُنافِقُونَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ: ﴿ولا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ في الكُفْرِ﴾ قالَ: هُمُ الكُفّارُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ: ﴿إنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الكُفْرَ (p-١٥١)بِالإيمانِ﴾ قالَ: هُمُ المُنافِقُونَ.

آل عمران 3:178

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الآيَةَ. أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وأبُو بَكْرٍ المَرْوَزِيُّ في الجَنائِزِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: ما مِن نَفْسٍ بَرَّةٍ ولا فاجِرَةٍ إلّا والمَوْتُ خَيْرٌ لَها مِنَ الحَياةِ؛ إنْ كانَ بَرًّا فَقَدْ قالَ اللَّهُ: ﴿وما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلأبْرارِ﴾ [آل عمران: ١٩٨] [آلِ عِمْرانَ: ١٩٨] وإنْ كانَ فاجِرًا فَقَدْ قالَ اللَّهُ: ﴿ولا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أنَّما نُمْلِي لَهم خَيْرٌ لأنْفُسِهِمْ إنَّما نُمْلِي لَهم لِيَزْدادُوا إثْمًا﴾ . وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ أبِي الدَّرْداءِ قالَ: ما مِن مُؤْمِنٍ إلّا المَوْتُ خَيْرٌ لَهُ، وما مِن كافِرٍ إلّا المَوْتُ خَيْرٌ لَهُ؛ فَمَن لَمْ يُصَدِّقْنِي فَإنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿وما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلأبْرارِ﴾ [آل عمران: ١٩٨] - ﴿ولا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أنَّما نُمْلِي لَهم خَيْرٌ لأنْفُسِهِمْ إنَّما نُمْلِي لَهم لِيَزْدادُوا إثْمًا ولَهم عَذابٌ مُهِينٌ﴾ . وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ قالَ: المَوْتُ خَيْرٌ لِلْمُؤْمِنِ والكافِرِ، ثُمَّ تَلا هَذِهِ الآيَةَ، ثُمَّ قالَ: إنَّ الكافِرَ ما عاشَ كانَ أشَدَّ (p-١٥٢)لِعَذابِهِ يَوْمَ القِيامَةِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ أبِي بَرْزَةَ قالَ: ما أحَدٌ إلّا والمَوْتُ خَيْرٌ لَهُ مِنَ الحَياةِ؛ فالمُؤْمِنُ يَمُوتُ فَيَسْتَرِيحُ، وأمّا الكافِرُ فَقَدْ قالَ اللَّهُ: ﴿ولا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أنَّما نُمْلِي لَهم خَيْرٌ﴾ الآيَةَ.

آل عمران 3:179

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما كانَ اللَّهُ لِيَذَرَ﴾ الآيَةَ. أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ قالَ: قالُوا: إنْ كانَ مُحَمَّدٌ صادِقًا فَلْيُخْبِرْنا بِمَن يُؤْمِنُ بِهِ مِنّا ومَن يَكْفُرُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿ما كانَ اللَّهُ لِيَذَرَ المُؤْمِنِينَ عَلى ما أنْتُمْ عَلَيْهِ﴾ الآيَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ عَلَيٍّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: يَقُولُ لِلْكُفّارِ: ﴿ما كانَ اللَّهُ لِيَذَرَ المُؤْمِنِينَ عَلى ما أنْتُمْ عَلَيْهِ﴾ مِنَ الكُفْرِ، ﴿حَتّى يَمِيزَ الخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ فَيَمِيزَ أهْلَ السَّعادَةِ مِن أهْلِ الشَّقاوَةِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في الآيَةِ: يَقُولُ لِلْكُفّارِ: لَمْ يَكُنْ لِيَدَعَ المُؤْمِنِينَ عَلى ما أنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ الضَّلالَةِ حَتّى يَمِيزَ الخَبِيثَ مِنَ الطِّيبِ فَيَمِيزَ بَيْنَهم في الجِهادِ والهِجْرَةِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ (p-١٥٣)مُجاهِدٍ في الآيَةِ قالَ: مَيَّزَ بَيْنَهم يَوْمَ أُحُدٍ، المُنافِقَ مِنَ المُؤْمِنِ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ عَنْ مالِكِ بْنِ دِينارٍ أنَّهُ قَرَأ: (حَتّى يُمَيِّزَ الخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ) . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ عاصِمٍ أنَّهُ قَرَأ: ﴿حَتّى يَمِيزَ الخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ مُخَفَّفَةً مَنصُوبَةَ الياءِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكم عَلى الغَيْبِ﴾ قالَ: ولا يُطْلَعُ عَلى الغَيْبِ إلّا رَسُولٌ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِن رُسُلِهِ مَن يَشاءُ﴾ قالَ: يَخْتَصُّهم لِنَفْسِهِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي مالِكٍ: ﴿يَجْتَبِي﴾ قالَ: يَسْتَخْلِصُ.

آل عمران 3:180

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ﴾ الآيَةَ. أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ يَعْنِي بِذَلِكَ أهْلَ الكِتابِ أنَّهم (p-١٥٤)بَخِلُوا بِالكِتابِ أنْ يُبَيِّنُوهُ لِلنّاسِ، ﴿سَيُطَوَّقُونَ ما بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ القِيامَةِ﴾ ألَمْ تَسْمَعْ أنَّهُ قالَ: ﴿يَبْخَلُونَ ويَأْمُرُونَ النّاسَ بِالبُخْلِ﴾ [النساء: ٣٧] [النِّساءِ: ٣٧] يَعْنِي أهْلَ الكِتابِ. يَقُولُ: يَكْتُمُونَ ويَأْمُرُونَ النّاسَ بِالكِتْمانِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ قالَ: هم يَهُودٌ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ: ﴿ولا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ قالَ: بَخِلُوا أنْ يُنْفِقُوها في سَبِيلِ اللَّهِ ولَمْ يُؤَدُّوا زَكاتَها. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ في الآيَةِ قالَ: هم كافِرٌ ومُؤْمِنٌ بَخِلَ أنْ يُنْفِقَ في سَبِيلِ اللَّهِ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««مَن آتاهُ اللَّهُ مالًا فَلَمْ يُؤَدِّ زَكاتَهُ مُثِّلَ لَهُ شُجاعٌ أقْرَعُ، لَهُ زَبِيبَتانِ يُطَوِّقُهُ يَوْمَ القِيامَةِ، فَيَأْخُذُ بِلَهْزِمَتَيْهِ - يَعْنِي شِدْقَيْهِ - فَيَقُولُ: أنا مالُكَ، أنا كَنْزُكَ» ثُمَّ تَلا هَذِهِ الآيَةَ: «﴿ولا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ الآيَةَ»» . (p-١٥٥)وأخْرَجَ أحْمَدُ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والتِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ، وابْنُ ماجَهْ والنَّسائِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ خُزَيْمَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: ««ما مِن رَجُلٍ لا يُؤَدِّي زَكاةَ مالِهِ إلّا مُثِّلَ لَهُ يَوْمَ القِيامَةِ شُجاعًا أقْرَعَ يَفِرُّ مِنهُ وهو يَتْبَعُهُ، فَيَقُولُ: أنا كَنْزُكَ. حَتّى يُطَوَّقَ بِهِ في عُنُقِهِ» . ثُمَّ قَرَأ عَلَيْنا النَّبِيُّ ﷺ مِصْداقَهُ مِن كِتابِ اللَّهِ: ﴿ولا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ الآيَةَ» . وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ في ”زَوائِدِ الزُّهْدِ“، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في قَوْلِهِ: ﴿سَيُطَوَّقُونَ ما بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ القِيامَةِ﴾ قالَ: مَن كانَ لَهُ مالٌ لَمْ يُؤَدِّ زَكاتَهُ طُوِّقَهُ يَوْمَ القِيامَةِ شُجاعًا أقْرَعَ، بِفِيهِ زَبِيبَتانِ يَنْقُرُ رَأْسَهُ حَتّى يَخْلُصَ إلى دِماغِهِ، ولَفْظُ الحاكِمِ: يَنْهَشُهُ في قَبْرِهِ فَيَقُولُ: ما لِي ولَكَ؟ فَيَقُولُ: أنا مالُكَ الَّذِي بَخِلْتَ بِي. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: يَكُونُ المالُ عَلى صاحِبِهِ يَوْمَ القِيامَةِ شُجاعًا أقْرَعَ، إذا لَمْ يُعْطِ حَقَّ اللَّهِ مِنهُ فَيَتْبَعُهُ وهو يَلُوذُ مِنهُ. (p-١٥٦)وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ في ”مُسْنَدِهِ“، وابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو نُعَيْمٍ في ”المَعْرِفَةِ“، عَنْ جُحَيْرِ بْنِ بَيانٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: ««ما مِن ذِي رَحِمٍ يَأْتِي ذا رَحِمَهُ فَيَسْألُهُ مِن فَضْلِ ما أعْطاهُ اللَّهُ إيّاهُ، فَيَبْخَلُ عَلَيْهِ إلّا خَرَجَ لَهُ يَوْمَ القِيامَةِ مِن جَهَنَّمَ شُجاعٌ يَتَلَمَّظُ حَتّى يُطَوِّقَهُ» ثُمَّ قَرَأ: «﴿ولا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ [آل عمران»: ١٨٠]» . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وأبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، والبَيْهَقِيُّ في ”الشُّعَبِ“ عَنْ مُعاوِيَةَ بْنِ حَيْدَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: ««لا يَأْتِي الرَّجُلُ مَوْلاهُ فَيَسْألُهُ مِن فَضْلِ مالٍ عِنْدَهُ فَيَمْنَعُهُ إيّاهُ إلّا دُعِيَ لَهُ يَوْمَ القِيامَةِ شُجاعٌ يَتَلَمَّظُ فَضْلَهُ الَّذِي مَنَعَ»» . وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ البَجَلِيِّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««ما مِن ذِي رَحِمٍ يَأْتِي ذا رَحِمَهُ، فَيَسْألُهُ فَضْلًا أعْطاهُ اللَّهُ إيّاهُ فَيَبْخَلُ عَلَيْهِ إلّا أخْرَجَ اللَّهُ لَهُ حَيَّةً مِن جَهَنَّمَ يُقالُ لَها: شُجاعٌ. يَتَلَمَّظُ فَيُطَوَّقُ بِهِ»» . وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ والبَيْهَقِيُّ في ”الشُّعَبِ“ عَنْ أبِي الدَّرْداءِ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ««يُؤْتى بِصاحِبِ المالِ الَّذِي أطاعَ اللَّهَ فِيهِ ومالُهُ (p-١٥٧)بَيْنَ يَدَيْهِ، كُلَّما تَكَفَّأ بِهِ الصِّراطُ قالَ لَهُ مالُهُ: امْضِ فَقَدْ أدَّيْتَ حَقَّ اللَّهِ فِيَّ، ثُمَّ يُجاءُ بِصاحِبِ المالِ الَّذِي لَمْ يُطِعِ اللَّهَ فِيهِ ومالُهُ بَيْنَ كَتِفَيْهِ، كُلَّما تَكَفَّأ بِهِ الصِّراطُ قالَ لَهُ مالُهُ: ويْلَكَ ألا أدَّيْتَ حَقَّ اللَّهِ فِيَّ! فَما يَزالُ كَذَلِكَ حَتّى يَدْعُوَ بِالوَيْلِ والثُّبُورِ»» . وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مَسْرُوقٍ في الآيَةِ قالَ: هو الرَّجُلُ يَرْزُقُهُ اللَّهُ المالَ فَيَمْنَعُ قَرابَتَهُ الحَقَّ الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ لَهم في مالِهِ فَيُجْعَلُ حَيَّةً فَيُطَوَّقُها فَيَقُولُ لِلْحَيَّةِ: ما لِي ولَكِ؟ فَتَقُولُ: أنا مالُكَ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ إبْراهِيمَ النَّخَعِيِّ في قَوْلِهِ: ﴿سَيُطَوَّقُونَ ما بَخِلُوا بِهِ﴾ قالَ: طَوْقًا مِن نارٍ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ: ﴿سَيُطَوَّقُونَ ما بَخِلُوا بِهِ﴾ قالَ: سَيُكَلَّفُونَ أنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ ما بَخِلُوا بِهِ مِن أمْوالِهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ.

آل عمران 3:181

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ﴾ الآيَةَ. (p-١٥٨)أخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «دَخَلَ أبُو بَكْرٍ بَيْتَ المِدْراسِ، فَوَجَدَ يَهُودَ قَدِ اجْتَمَعُوا إلى رَجُلٍ مِنهم يُقالُ لَهُ فِنْحاصُ، وكانَ مِن عُلَمائِهِمْ وأحْبارِهِمْ، فَقالَ أبُو بَكْرٍ: ويْحَكَ يا فِنْحاصُ، اتَّقِ اللَّهَ وأسْلِمْ، فَواللَّهِ إنَّكَ لَتَعْلَمُ أنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، تَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَكم في التَّوْراةِ. فَقالَ فِنْحاصُ: واللَّهِ يا أبا بَكْرٍ ما بِنا إلى اللَّهِ مِن فَقْرٍ، وإنَّهُ إلَيْنا لَفَقِيرٌ، وما نَتَضَرَّعُ إلَيْهِ كَما يَتَضَرَّعُ إلَيْنا، وإنّا عَنْهُ لَأغْنِياءُ، ولَوْ كانَ غَنِيًّا عَنّا ما اسْتَقْرَضَ مِنّا؛ كَما يَزْعُمُ صاحِبُكُمْ، يَنْهاكم عَنِ الرِّبا ويُعْطِينا، ولَوْ كانَ غَنِيًّا عَنّا ما أعْطانا الرِّبا، فَغَضِبَ أبُو بَكْرٍ فَضَرَبَ وجْهَ فِنْحاصَ ضَرْبَةً شَدِيدَةً، وقالَ: والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْلا العَهْدُ الَّذِي بَيْنَنا وبَيْنَكَ لَضَرَبْتُ عُنُقَكَ يا عَدُوَّ اللَّهِ. فَذَهَبَ فِنْحاصُ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: يا مُحَمَّدُ، انْظُرْ ما صَنَعَ صاحِبُكَ بِي. فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأبِي بَكْرٍ: «ما حَمَلَكَ عَلى ما صَنَعْتَ»؟ قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، قالَ قَوْلًا عَظِيمًا: يَزْعُمُ أنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وأنَّهم عَنْهُ أغْنِياءُ، فَلَمّا قالَ ذَلِكَ غَضِبْتُ لِلَّهِ مِمّا قالَ فَضَرَبْتُ وجْهَهُ، فَجَحَدَ فِنْحاصُ فَقالَ: ما قُلْتُ ذَلِكَ. فَأنْزَلَ اللَّهُ فِيما قالَ فِنْحاصُ تَصْدِيقًا لِأبِي بَكْرٍ: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ﴾ الآيَةَ. ونَزَلَ في أبِي بَكْرٍ وما بَلَغَهُ في ذَلِكَ مِنَ الغَضَبِ: ﴿ولَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِن قَبْلِكم ومِنَ الَّذِينَ أشْرَكُوا أذًى كَثِيرًا﴾ [آل عمران: ١٨٦] الآيَةَ [آلِ عِمْرانَ»: ١٨٦] . (p-١٥٩)وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، مِن وجْهٍ آخَرَ، عَنْ عِكْرِمَةَ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَعَثَ أبا بَكْرٍ إلى فِنْحاصَ اليَهُودِيِّ يَسْتَمِدُّهُ، وكَتَبَ إلَيْهِ وقالَ لِأبِي بَكْرٍ: «لا تَفْتَتْ عَلَيَّ بِشَيْءٍ حَتّى تَرْجِعَ إلَيَّ» فَلَمّا قَرَأ فِنْحاصُ الكِتابَ قالَ: قَدِ احْتاجَ رَبُّكم. قالَ أبُو بَكْرٍ فَهَمَمْتُ أنْ أمُدَّهُ بِالسَّيْفِ، ثُمَّ ذَكَرْتُ قَوْلَ النَّبِيِّ ﷺ: «لا تَفْتَتْ عَلَيَّ بِشَيْءٍ» فَنَزَلَتْ: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قالُوا﴾ الآيَةَ، وقَوْلُهُ: ﴿ولَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ [آل عمران: ١٨٦] وما بَيْنَ ذَلِكَ في يَهُودِ بَنِي قَيْنُقاعَ» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ﴾ قالَها فِنْحاصُ اليَهُودِيُّ مِن بَنِي مَرْثَدٍ، لَقِيَهُ أبُو بَكْرٍ فَكَلَّمَهُ فَقالَ لَهُ: يا فِنْحاصُ، اتَّقِ اللَّهَ وآمِن وصَدِّقْ وأقْرِضِ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا، فَقالَ فِنْحاصُ: يا أبا بَكْرٍ، تَزْعُمُ أنَّ رَبَّنا غَنِيٌّ وتَسْتَقْرِضُنا لِأمْوالِنا! وما يَسْتَقْرِضُ إلّا الفَقِيرُ مِنَ الغَنِيِّ، إنْ كانَ ما تَقُولُ حَقًّا فَإنَّ اللَّهَ إذَنْ لَفَقِيرٌ، فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذا، فَقالَ أبُو بَكْرٍ: فَلَوْلا هُدْنَةٌ كانَتْ بَيْنَ النَّبِيِّ ﷺ وبَيْنَ بَنِي مَرْثَدٍ لَقَتَلْتُهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: صَكَّ أبُو بَكْرٍ رَجُلًا مِنهُمْ؛ الَّذِينَ قالُوا: إنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ ونَحْنُ أغْنِياءُ، لِمَ يَسْتَقْرِضُنا وهو غَنِيٌّ، وهم يَهُودُ. (p-١٦٠)وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ شِبْلٍ في الآيَةِ قالَ: بَلَغَنِي أنَّهُ فِنْحاصُ اليَهُودِيُّ، وهو الَّذِي قالَ: إنَّ اللَّهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ. و: يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، والضِّياءُ في ”المُخْتارَةِ“، مِن طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «أتَتِ اليَهُودُ مُحَمَّدًا ﷺ حِينَ أنْزَلَ اللَّهُ: ﴿مَن ذا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ [البقرة: ٢٤٥] [البَقَرَةِ: ٢٤٥] فَقالُوا: يا مُحَمَّدُ، أفَقِيرٌ رَبُّنا يَسْألُ عِبادَهُ القَرْضَ؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قالُوا﴾ الآيَةَ» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ﴾ الآيَةَ، قالَ: ذُكِرَ لَنا أنَّها نَزَلَتْ في حُيَيِّ بْنِ أخْطَبَ لَمّا أنْزَلَ اللَّهُ: ﴿مَن ذا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضاعِفَهُ لَهُ أضْعافًا كَثِيرَةً﴾ [البقرة: ٢٤٥] قالَ: يَسْتَقْرِضُنا رَبُّنا؟ إنَّما يَسْتَقْرِضُ الفَقِيرُ الغَنِيَّ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ العَلاءِ بْنِ بَدْرٍ، أنَّهُ سُئِلَ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿وقَتْلَهُمُ الأنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ وهم لَمْ يُدْرِكُوا ذَلِكَ. قالَ: بِمُوالاتِهِمْ مَن قَتَلَ أنْبِياءَ اللَّهِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿ونَقُولُ ذُوقُوا عَذابَ الحَرِيقِ﴾ قالَ: بَلَغَنِي أنَّهُ يُحْرَقُ أحَدُهم في اليَوْمِ سَبْعِينَ ألْفَ مَرَّةٍ. (p-١٦١)وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وأنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ قالَ: ما أنا بِمُعَذِّبٍ مَن لَمْ يَجْتَرِمْ.

آل عمران 3:182

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ﴾ الآيَةَ. (p-١٥٨)أخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «دَخَلَ أبُو بَكْرٍ بَيْتَ المِدْراسِ، فَوَجَدَ يَهُودَ قَدِ اجْتَمَعُوا إلى رَجُلٍ مِنهم يُقالُ لَهُ فِنْحاصُ، وكانَ مِن عُلَمائِهِمْ وأحْبارِهِمْ، فَقالَ أبُو بَكْرٍ: ويْحَكَ يا فِنْحاصُ، اتَّقِ اللَّهَ وأسْلِمْ، فَواللَّهِ إنَّكَ لَتَعْلَمُ أنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، تَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَكم في التَّوْراةِ. فَقالَ فِنْحاصُ: واللَّهِ يا أبا بَكْرٍ ما بِنا إلى اللَّهِ مِن فَقْرٍ، وإنَّهُ إلَيْنا لَفَقِيرٌ، وما نَتَضَرَّعُ إلَيْهِ كَما يَتَضَرَّعُ إلَيْنا، وإنّا عَنْهُ لَأغْنِياءُ، ولَوْ كانَ غَنِيًّا عَنّا ما اسْتَقْرَضَ مِنّا؛ كَما يَزْعُمُ صاحِبُكُمْ، يَنْهاكم عَنِ الرِّبا ويُعْطِينا، ولَوْ كانَ غَنِيًّا عَنّا ما أعْطانا الرِّبا، فَغَضِبَ أبُو بَكْرٍ فَضَرَبَ وجْهَ فِنْحاصَ ضَرْبَةً شَدِيدَةً، وقالَ: والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْلا العَهْدُ الَّذِي بَيْنَنا وبَيْنَكَ لَضَرَبْتُ عُنُقَكَ يا عَدُوَّ اللَّهِ. فَذَهَبَ فِنْحاصُ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: يا مُحَمَّدُ، انْظُرْ ما صَنَعَ صاحِبُكَ بِي. فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأبِي بَكْرٍ: «ما حَمَلَكَ عَلى ما صَنَعْتَ»؟ قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، قالَ قَوْلًا عَظِيمًا: يَزْعُمُ أنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وأنَّهم عَنْهُ أغْنِياءُ، فَلَمّا قالَ ذَلِكَ غَضِبْتُ لِلَّهِ مِمّا قالَ فَضَرَبْتُ وجْهَهُ، فَجَحَدَ فِنْحاصُ فَقالَ: ما قُلْتُ ذَلِكَ. فَأنْزَلَ اللَّهُ فِيما قالَ فِنْحاصُ تَصْدِيقًا لِأبِي بَكْرٍ: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ﴾ الآيَةَ. ونَزَلَ في أبِي بَكْرٍ وما بَلَغَهُ في ذَلِكَ مِنَ الغَضَبِ: ﴿ولَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِن قَبْلِكم ومِنَ الَّذِينَ أشْرَكُوا أذًى كَثِيرًا﴾ [آل عمران: ١٨٦] الآيَةَ [آلِ عِمْرانَ»: ١٨٦] . (p-١٥٩)وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، مِن وجْهٍ آخَرَ، عَنْ عِكْرِمَةَ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَعَثَ أبا بَكْرٍ إلى فِنْحاصَ اليَهُودِيِّ يَسْتَمِدُّهُ، وكَتَبَ إلَيْهِ وقالَ لِأبِي بَكْرٍ: «لا تَفْتَتْ عَلَيَّ بِشَيْءٍ حَتّى تَرْجِعَ إلَيَّ» فَلَمّا قَرَأ فِنْحاصُ الكِتابَ قالَ: قَدِ احْتاجَ رَبُّكم. قالَ أبُو بَكْرٍ فَهَمَمْتُ أنْ أمُدَّهُ بِالسَّيْفِ، ثُمَّ ذَكَرْتُ قَوْلَ النَّبِيِّ ﷺ: «لا تَفْتَتْ عَلَيَّ بِشَيْءٍ» فَنَزَلَتْ: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قالُوا﴾ الآيَةَ، وقَوْلُهُ: ﴿ولَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ [آل عمران: ١٨٦] وما بَيْنَ ذَلِكَ في يَهُودِ بَنِي قَيْنُقاعَ» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ﴾ قالَها فِنْحاصُ اليَهُودِيُّ مِن بَنِي مَرْثَدٍ، لَقِيَهُ أبُو بَكْرٍ فَكَلَّمَهُ فَقالَ لَهُ: يا فِنْحاصُ، اتَّقِ اللَّهَ وآمِن وصَدِّقْ وأقْرِضِ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا، فَقالَ فِنْحاصُ: يا أبا بَكْرٍ، تَزْعُمُ أنَّ رَبَّنا غَنِيٌّ وتَسْتَقْرِضُنا لِأمْوالِنا! وما يَسْتَقْرِضُ إلّا الفَقِيرُ مِنَ الغَنِيِّ، إنْ كانَ ما تَقُولُ حَقًّا فَإنَّ اللَّهَ إذَنْ لَفَقِيرٌ، فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذا، فَقالَ أبُو بَكْرٍ: فَلَوْلا هُدْنَةٌ كانَتْ بَيْنَ النَّبِيِّ ﷺ وبَيْنَ بَنِي مَرْثَدٍ لَقَتَلْتُهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: صَكَّ أبُو بَكْرٍ رَجُلًا مِنهُمْ؛ الَّذِينَ قالُوا: إنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ ونَحْنُ أغْنِياءُ، لِمَ يَسْتَقْرِضُنا وهو غَنِيٌّ، وهم يَهُودُ. (p-١٦٠)وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ شِبْلٍ في الآيَةِ قالَ: بَلَغَنِي أنَّهُ فِنْحاصُ اليَهُودِيُّ، وهو الَّذِي قالَ: إنَّ اللَّهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ. و: يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، والضِّياءُ في ”المُخْتارَةِ“، مِن طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «أتَتِ اليَهُودُ مُحَمَّدًا ﷺ حِينَ أنْزَلَ اللَّهُ: ﴿مَن ذا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ [البقرة: ٢٤٥] [البَقَرَةِ: ٢٤٥] فَقالُوا: يا مُحَمَّدُ، أفَقِيرٌ رَبُّنا يَسْألُ عِبادَهُ القَرْضَ؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قالُوا﴾ الآيَةَ» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ﴾ الآيَةَ، قالَ: ذُكِرَ لَنا أنَّها نَزَلَتْ في حُيَيِّ بْنِ أخْطَبَ لَمّا أنْزَلَ اللَّهُ: ﴿مَن ذا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضاعِفَهُ لَهُ أضْعافًا كَثِيرَةً﴾ [البقرة: ٢٤٥] قالَ: يَسْتَقْرِضُنا رَبُّنا؟ إنَّما يَسْتَقْرِضُ الفَقِيرُ الغَنِيَّ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ العَلاءِ بْنِ بَدْرٍ، أنَّهُ سُئِلَ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿وقَتْلَهُمُ الأنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ وهم لَمْ يُدْرِكُوا ذَلِكَ. قالَ: بِمُوالاتِهِمْ مَن قَتَلَ أنْبِياءَ اللَّهِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿ونَقُولُ ذُوقُوا عَذابَ الحَرِيقِ﴾ قالَ: بَلَغَنِي أنَّهُ يُحْرَقُ أحَدُهم في اليَوْمِ سَبْعِينَ ألْفَ مَرَّةٍ. (p-١٦١)وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وأنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ قالَ: ما أنا بِمُعَذِّبٍ مَن لَمْ يَجْتَرِمْ.

آل عمران 3:183

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللَّهَ عَهِدَ إلَيْنا﴾ الآيَةَ. أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ العَوْفِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿حَتّى يَأْتِيَنا بِقُرْبانٍ تَأْكُلُهُ النّارُ﴾ قالَ: يَتَصَدَّقُ الرَّجُلُ مِنّا، فَإذا تُقَبِّلَ مِنهُ أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ نارٌ مِنَ السَّماءِ فَأكَلَتْهُ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قالَ: كانَ مَن قَبْلَنا مِنَ الأُمَمِ يُقَرِّبُ أحَدُهُمُ القُرْبانَ، فَيَخْرُجُ النّاسُ فَيَنْظُرُونَ، أيُتَقَبَّلُ مِنهم أمْ لا؟ فَإنْ تُقُبِّلَ مِنهم جاءَتْ نارٌ مِنَ السَّماءِ بَيْضاءُ مِنَ السَّماءِ فَأكَلَتْ ما قُرِّبَ، وإنْ لَمْ يُقْبَلْ لَمْ تَأْتِ النّارُ، فَعَرَفَ النّاسُ أنْ لَمْ يُتَقَبَّلْ مِنهُمْ، فَلَمّا بَعَثَ اللَّهُ مُحَمَّدًا سَألَهُ أهْلُ الكِتابِ أنْ يَأْتِيَهم بِقُرْبانٍ، ﴿قُلْ قَدْ جاءَكم رُسُلٌ مِن قَبْلِي بِالبَيِّناتِ وبِالَّذِي قُلْتُمْ﴾: القُرْبانِ، ﴿فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ﴾ ؟ يُعَيِّرُهم بِكُفْرِهِمْ قَبْلَ اليَوْمِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الضَّحّاكِ في قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللَّهَ عَهِدَ﴾ الآيَةَ، قالَ: هُمُ اليَهُودَ، قالُوا لِمُحَمَّدٍ ﷺ: إنْ أتَيْتَنا بِقُرْبانٍ تَأْكُلُهُ النّارُ صَدَّقْناكَ، وإلّا فَلَسْتَ بِنَبِيٍّ. (p-١٦٢)وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ قالَ: إنَّ الرَّجُلَ يَشْتَرِكُ في دَمِ الرَّجُلِ، وقَدْ قُتِلَ قَبْلَ أنْ يُولَدَ، ثُمَّ قَرَأ الشَّعْبِيُّ: ﴿قُلْ قَدْ جاءَكم رُسُلٌ مِن قَبْلِي بِالبَيِّناتِ وبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ﴾ فَجَعَلَهم هُمُ الَّذِينَ قَتَلُوهُمْ، ولَقَدْ قُتِلُوا قَبْلَ أنْ يُولَدُوا بِسَبْعِمِائَةِ عامٍ، ولَكِنْ قالُوا: قُتِلُوا بِحَقٍّ وسُنَّةٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللَّهَ عَهِدَ إلَيْنا﴾ الآيَةَ، قالَ: كَذَبُوا عَلى اللَّهِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ العَلاءِ بْنِ بَدْرٍ قالَ: كانَتْ رُسُلٌ تَجِيءُ بِالبَيِّناتِ، ورُسُلٌ عَلامَةُ نُبُوَّتِهِمْ أنْ يَضَعَ أحَدُهم لَحْمَ البَقَرِ عَلى يَدِهِ فَتَجِيءَ نارٌ مِنَ السَّماءِ فَتَأْكُلَهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿قَدْ جاءَكم رُسُلٌ مِن قَبْلِي بِالبَيِّناتِ وبِالَّذِي قُلْتُمْ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَإنْ كَذَّبُوكَ﴾ قالَ: اليَهُودُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِن قَبْلِكَ﴾ قالَ: يُعَزِّي نَبِيَّهُ ﷺ . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ عَنْ أصْحابِهِ في قَوْلِهِ: ﴿بِالبَيِّناتِ﴾ (p-١٦٣)قالَ: الحَلالُ والحَرامُ، ﴿والزُّبُرِ﴾ قالَ: كُتُبِ الأنْبِياءِ، ﴿والكِتابِ المُنِيرِ﴾ قالَ: هو القُرْآنُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿والزُّبُرِ والكِتابِ المُنِيرِ﴾ قالَ: يُضاعِفُ الشَّيْءَ وهو واحِدٌ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ المَوْتِ﴾ الآيَةَ. أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ قالَ: «لَمّا تُوُفِّيَ النَّبِيُّ ﷺ وجاءَتِ التَّعْزِيَةُ، جاءَهم آتٍ يَسْمَعُونَ حِسَّهُ ولا يَرَوْنَ شَخْصَهُ فَقالَ: السَّلامُ عَلَيْكم يا أهْلَ البَيْتِ ورَحْمَةُ اللَّهِ وبَرَكاتُهُ، كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ المَوْتِ وإنَّما تُوَفَّوْنَ أُجُورَكم يَوْمَ القِيامَةِ، إنَّ في اللَّهِ عَزاءً مِن كُلِّ مُصِيبَةٍ، وخَلَفًا مِن كُلِّ هالِكٍ، ودَرَكًا مِن كُلِّ ما فاتَ، فَبِاللَّهِ فَثِقُوا، وإيّاهُ فارْجُوا؛ فَإنَّ المُصابَ مَن حُرِمَ الثَّوابَ، فَقالَ عَلِيٌّ: هَذا الخَضِرُ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وهَنّادٌ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والتِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ، وابْنُ حِبّانَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««إنَّ مَوْضِعَ سَوْطٍ في الجَنَّةِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيا وما فِيها، اقْرَءُوا إنْ شِئْتُمْ: ﴿فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النّارِ وأُدْخِلَ الجَنَّةَ فَقَدْ فازَ وما الحَياةُ الدُّنْيا إلا مَتاعُ الغُرُورِ﴾ [آل عمران»: ١٨٥]» . (p-١٦٤)وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««لَمَوْضِعُ سَوْطِ أحَدِكم في الجَنَّةِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيا وما فِيها» ثُمَّ تَلا هَذِهِ الآيَةَ: «﴿فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النّارِ وأُدْخِلَ الجَنَّةَ فَقَدْ فازَ﴾ [آل عمران»: ١٨٥]» . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««لَغَدْوَةٌ أوْ رَوْحَةٌ في سَبِيلِ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيا بِما عَلَيْها، ولَقابُ قَوْسِ أحَدِهِمْ في الجَنَّةِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيا بِما عَلَيْها»» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الرَّبِيعِ قالَ: إنَّ آخِرَ مَن يَدْخُلُ الجَنَّةَ يُعْطى مِنَ النُّورِ بِقَدْرِ ما دامَ يَحْبُو، فَهو في النُّورِ حَتّى تَجاوَزَ الصِّراطَ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النّارِ وأُدْخِلَ الجَنَّةَ فَقَدْ فازَ﴾ . وأخْرَجَ أحْمَدُ عَنِ ابْنِ عَمْرٍو قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««مَن أحَبَّ أنْ يُزَحْزَحَ عَنِ النّارِ وأنْ يُدْخَلَ الجَنَّةَ، فَلْتُدْرِكْهُ مَنِيَّتُهُ وهو يُؤْمِنُ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ، ولْيَأْتِ إلى النّاسِ ما يُحِبُّ أنْ يُؤْتى إلَيْهِ»» . (p-١٦٥)وأخْرَجَ الطَّسْتِيُّ في ”مَسائِلِهِ“، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ نافِعَ بْنَ الأزْرَقِ سَألَهُ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿فَقَدْ فازَ﴾ قالَ: سَعِدَ ونَجا، قالَ: وهَلْ تَعْرِفُ العَرَبُ ذَلِكَ؟ قالَ: نَعَمْ، أما سَمِعْتَ قَوْلَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَواحَةَ: ؎وعَسى أنْ أفُوزَ ثُمَّتَ ألْقى حُجَّةً أتَّقِي بِها الفَتّانا وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سابِطٍ في قَوْلِهِ: ﴿وما الحَياةُ الدُّنْيا إلا مَتاعُ الغُرُورِ﴾ قالَ: كَزادِ الرّاعِي، يُزَوِّدُهُ الكَفُّ مِنَ التَّمْرِ، أوِ الشَّيْءُ مِنَ الدَّقِيقِ يَشْرَبُ عَلَيْهِ اللَّبَنَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ: ﴿وما الحَياةُ الدُّنْيا إلا مَتاعُ الغُرُورِ﴾ قالَ: هي مَتاعٌ مَتْرُوكٌ أوْشَكَتْ واللَّهِ أنْ تَضْمَحِلَّ عَنْ أهْلِها؛ فَخُذُوا مِن هَذا المَتاعِ طاعَةَ اللَّهِ إنِ اسْتَطَعْتُمْ، ولا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ.

آل عمران 3:184

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللَّهَ عَهِدَ إلَيْنا﴾ الآيَةَ. أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ العَوْفِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿حَتّى يَأْتِيَنا بِقُرْبانٍ تَأْكُلُهُ النّارُ﴾ قالَ: يَتَصَدَّقُ الرَّجُلُ مِنّا، فَإذا تُقَبِّلَ مِنهُ أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ نارٌ مِنَ السَّماءِ فَأكَلَتْهُ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قالَ: كانَ مَن قَبْلَنا مِنَ الأُمَمِ يُقَرِّبُ أحَدُهُمُ القُرْبانَ، فَيَخْرُجُ النّاسُ فَيَنْظُرُونَ، أيُتَقَبَّلُ مِنهم أمْ لا؟ فَإنْ تُقُبِّلَ مِنهم جاءَتْ نارٌ مِنَ السَّماءِ بَيْضاءُ مِنَ السَّماءِ فَأكَلَتْ ما قُرِّبَ، وإنْ لَمْ يُقْبَلْ لَمْ تَأْتِ النّارُ، فَعَرَفَ النّاسُ أنْ لَمْ يُتَقَبَّلْ مِنهُمْ، فَلَمّا بَعَثَ اللَّهُ مُحَمَّدًا سَألَهُ أهْلُ الكِتابِ أنْ يَأْتِيَهم بِقُرْبانٍ، ﴿قُلْ قَدْ جاءَكم رُسُلٌ مِن قَبْلِي بِالبَيِّناتِ وبِالَّذِي قُلْتُمْ﴾: القُرْبانِ، ﴿فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ﴾ ؟ يُعَيِّرُهم بِكُفْرِهِمْ قَبْلَ اليَوْمِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الضَّحّاكِ في قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللَّهَ عَهِدَ﴾ الآيَةَ، قالَ: هُمُ اليَهُودَ، قالُوا لِمُحَمَّدٍ ﷺ: إنْ أتَيْتَنا بِقُرْبانٍ تَأْكُلُهُ النّارُ صَدَّقْناكَ، وإلّا فَلَسْتَ بِنَبِيٍّ. (p-١٦٢)وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ قالَ: إنَّ الرَّجُلَ يَشْتَرِكُ في دَمِ الرَّجُلِ، وقَدْ قُتِلَ قَبْلَ أنْ يُولَدَ، ثُمَّ قَرَأ الشَّعْبِيُّ: ﴿قُلْ قَدْ جاءَكم رُسُلٌ مِن قَبْلِي بِالبَيِّناتِ وبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ﴾ فَجَعَلَهم هُمُ الَّذِينَ قَتَلُوهُمْ، ولَقَدْ قُتِلُوا قَبْلَ أنْ يُولَدُوا بِسَبْعِمِائَةِ عامٍ، ولَكِنْ قالُوا: قُتِلُوا بِحَقٍّ وسُنَّةٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللَّهَ عَهِدَ إلَيْنا﴾ الآيَةَ، قالَ: كَذَبُوا عَلى اللَّهِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ العَلاءِ بْنِ بَدْرٍ قالَ: كانَتْ رُسُلٌ تَجِيءُ بِالبَيِّناتِ، ورُسُلٌ عَلامَةُ نُبُوَّتِهِمْ أنْ يَضَعَ أحَدُهم لَحْمَ البَقَرِ عَلى يَدِهِ فَتَجِيءَ نارٌ مِنَ السَّماءِ فَتَأْكُلَهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿قَدْ جاءَكم رُسُلٌ مِن قَبْلِي بِالبَيِّناتِ وبِالَّذِي قُلْتُمْ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَإنْ كَذَّبُوكَ﴾ قالَ: اليَهُودُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِن قَبْلِكَ﴾ قالَ: يُعَزِّي نَبِيَّهُ ﷺ . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ عَنْ أصْحابِهِ في قَوْلِهِ: ﴿بِالبَيِّناتِ﴾ (p-١٦٣)قالَ: الحَلالُ والحَرامُ، ﴿والزُّبُرِ﴾ قالَ: كُتُبِ الأنْبِياءِ، ﴿والكِتابِ المُنِيرِ﴾ قالَ: هو القُرْآنُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿والزُّبُرِ والكِتابِ المُنِيرِ﴾ قالَ: يُضاعِفُ الشَّيْءَ وهو واحِدٌ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ المَوْتِ﴾ الآيَةَ. أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ قالَ: «لَمّا تُوُفِّيَ النَّبِيُّ ﷺ وجاءَتِ التَّعْزِيَةُ، جاءَهم آتٍ يَسْمَعُونَ حِسَّهُ ولا يَرَوْنَ شَخْصَهُ فَقالَ: السَّلامُ عَلَيْكم يا أهْلَ البَيْتِ ورَحْمَةُ اللَّهِ وبَرَكاتُهُ، كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ المَوْتِ وإنَّما تُوَفَّوْنَ أُجُورَكم يَوْمَ القِيامَةِ، إنَّ في اللَّهِ عَزاءً مِن كُلِّ مُصِيبَةٍ، وخَلَفًا مِن كُلِّ هالِكٍ، ودَرَكًا مِن كُلِّ ما فاتَ، فَبِاللَّهِ فَثِقُوا، وإيّاهُ فارْجُوا؛ فَإنَّ المُصابَ مَن حُرِمَ الثَّوابَ، فَقالَ عَلِيٌّ: هَذا الخَضِرُ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وهَنّادٌ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والتِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ، وابْنُ حِبّانَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««إنَّ مَوْضِعَ سَوْطٍ في الجَنَّةِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيا وما فِيها، اقْرَءُوا إنْ شِئْتُمْ: ﴿فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النّارِ وأُدْخِلَ الجَنَّةَ فَقَدْ فازَ وما الحَياةُ الدُّنْيا إلا مَتاعُ الغُرُورِ﴾ [آل عمران»: ١٨٥]» . (p-١٦٤)وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««لَمَوْضِعُ سَوْطِ أحَدِكم في الجَنَّةِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيا وما فِيها» ثُمَّ تَلا هَذِهِ الآيَةَ: «﴿فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النّارِ وأُدْخِلَ الجَنَّةَ فَقَدْ فازَ﴾ [آل عمران»: ١٨٥]» . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««لَغَدْوَةٌ أوْ رَوْحَةٌ في سَبِيلِ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيا بِما عَلَيْها، ولَقابُ قَوْسِ أحَدِهِمْ في الجَنَّةِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيا بِما عَلَيْها»» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الرَّبِيعِ قالَ: إنَّ آخِرَ مَن يَدْخُلُ الجَنَّةَ يُعْطى مِنَ النُّورِ بِقَدْرِ ما دامَ يَحْبُو، فَهو في النُّورِ حَتّى تَجاوَزَ الصِّراطَ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النّارِ وأُدْخِلَ الجَنَّةَ فَقَدْ فازَ﴾ . وأخْرَجَ أحْمَدُ عَنِ ابْنِ عَمْرٍو قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««مَن أحَبَّ أنْ يُزَحْزَحَ عَنِ النّارِ وأنْ يُدْخَلَ الجَنَّةَ، فَلْتُدْرِكْهُ مَنِيَّتُهُ وهو يُؤْمِنُ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ، ولْيَأْتِ إلى النّاسِ ما يُحِبُّ أنْ يُؤْتى إلَيْهِ»» . (p-١٦٥)وأخْرَجَ الطَّسْتِيُّ في ”مَسائِلِهِ“، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ نافِعَ بْنَ الأزْرَقِ سَألَهُ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿فَقَدْ فازَ﴾ قالَ: سَعِدَ ونَجا، قالَ: وهَلْ تَعْرِفُ العَرَبُ ذَلِكَ؟ قالَ: نَعَمْ، أما سَمِعْتَ قَوْلَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَواحَةَ: ؎وعَسى أنْ أفُوزَ ثُمَّتَ ألْقى حُجَّةً أتَّقِي بِها الفَتّانا وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سابِطٍ في قَوْلِهِ: ﴿وما الحَياةُ الدُّنْيا إلا مَتاعُ الغُرُورِ﴾ قالَ: كَزادِ الرّاعِي، يُزَوِّدُهُ الكَفُّ مِنَ التَّمْرِ، أوِ الشَّيْءُ مِنَ الدَّقِيقِ يَشْرَبُ عَلَيْهِ اللَّبَنَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ: ﴿وما الحَياةُ الدُّنْيا إلا مَتاعُ الغُرُورِ﴾ قالَ: هي مَتاعٌ مَتْرُوكٌ أوْشَكَتْ واللَّهِ أنْ تَضْمَحِلَّ عَنْ أهْلِها؛ فَخُذُوا مِن هَذا المَتاعِ طاعَةَ اللَّهِ إنِ اسْتَطَعْتُمْ، ولا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ.

آل عمران 3:185

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللَّهَ عَهِدَ إلَيْنا﴾ الآيَةَ. أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ العَوْفِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿حَتّى يَأْتِيَنا بِقُرْبانٍ تَأْكُلُهُ النّارُ﴾ قالَ: يَتَصَدَّقُ الرَّجُلُ مِنّا، فَإذا تُقَبِّلَ مِنهُ أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ نارٌ مِنَ السَّماءِ فَأكَلَتْهُ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قالَ: كانَ مَن قَبْلَنا مِنَ الأُمَمِ يُقَرِّبُ أحَدُهُمُ القُرْبانَ، فَيَخْرُجُ النّاسُ فَيَنْظُرُونَ، أيُتَقَبَّلُ مِنهم أمْ لا؟ فَإنْ تُقُبِّلَ مِنهم جاءَتْ نارٌ مِنَ السَّماءِ بَيْضاءُ مِنَ السَّماءِ فَأكَلَتْ ما قُرِّبَ، وإنْ لَمْ يُقْبَلْ لَمْ تَأْتِ النّارُ، فَعَرَفَ النّاسُ أنْ لَمْ يُتَقَبَّلْ مِنهُمْ، فَلَمّا بَعَثَ اللَّهُ مُحَمَّدًا سَألَهُ أهْلُ الكِتابِ أنْ يَأْتِيَهم بِقُرْبانٍ، ﴿قُلْ قَدْ جاءَكم رُسُلٌ مِن قَبْلِي بِالبَيِّناتِ وبِالَّذِي قُلْتُمْ﴾: القُرْبانِ، ﴿فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ﴾ ؟ يُعَيِّرُهم بِكُفْرِهِمْ قَبْلَ اليَوْمِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الضَّحّاكِ في قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللَّهَ عَهِدَ﴾ الآيَةَ، قالَ: هُمُ اليَهُودَ، قالُوا لِمُحَمَّدٍ ﷺ: إنْ أتَيْتَنا بِقُرْبانٍ تَأْكُلُهُ النّارُ صَدَّقْناكَ، وإلّا فَلَسْتَ بِنَبِيٍّ. (p-١٦٢)وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ قالَ: إنَّ الرَّجُلَ يَشْتَرِكُ في دَمِ الرَّجُلِ، وقَدْ قُتِلَ قَبْلَ أنْ يُولَدَ، ثُمَّ قَرَأ الشَّعْبِيُّ: ﴿قُلْ قَدْ جاءَكم رُسُلٌ مِن قَبْلِي بِالبَيِّناتِ وبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ﴾ فَجَعَلَهم هُمُ الَّذِينَ قَتَلُوهُمْ، ولَقَدْ قُتِلُوا قَبْلَ أنْ يُولَدُوا بِسَبْعِمِائَةِ عامٍ، ولَكِنْ قالُوا: قُتِلُوا بِحَقٍّ وسُنَّةٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللَّهَ عَهِدَ إلَيْنا﴾ الآيَةَ، قالَ: كَذَبُوا عَلى اللَّهِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ العَلاءِ بْنِ بَدْرٍ قالَ: كانَتْ رُسُلٌ تَجِيءُ بِالبَيِّناتِ، ورُسُلٌ عَلامَةُ نُبُوَّتِهِمْ أنْ يَضَعَ أحَدُهم لَحْمَ البَقَرِ عَلى يَدِهِ فَتَجِيءَ نارٌ مِنَ السَّماءِ فَتَأْكُلَهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿قَدْ جاءَكم رُسُلٌ مِن قَبْلِي بِالبَيِّناتِ وبِالَّذِي قُلْتُمْ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَإنْ كَذَّبُوكَ﴾ قالَ: اليَهُودُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِن قَبْلِكَ﴾ قالَ: يُعَزِّي نَبِيَّهُ ﷺ . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ عَنْ أصْحابِهِ في قَوْلِهِ: ﴿بِالبَيِّناتِ﴾ (p-١٦٣)قالَ: الحَلالُ والحَرامُ، ﴿والزُّبُرِ﴾ قالَ: كُتُبِ الأنْبِياءِ، ﴿والكِتابِ المُنِيرِ﴾ قالَ: هو القُرْآنُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿والزُّبُرِ والكِتابِ المُنِيرِ﴾ قالَ: يُضاعِفُ الشَّيْءَ وهو واحِدٌ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ المَوْتِ﴾ الآيَةَ. أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ قالَ: «لَمّا تُوُفِّيَ النَّبِيُّ ﷺ وجاءَتِ التَّعْزِيَةُ، جاءَهم آتٍ يَسْمَعُونَ حِسَّهُ ولا يَرَوْنَ شَخْصَهُ فَقالَ: السَّلامُ عَلَيْكم يا أهْلَ البَيْتِ ورَحْمَةُ اللَّهِ وبَرَكاتُهُ، كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ المَوْتِ وإنَّما تُوَفَّوْنَ أُجُورَكم يَوْمَ القِيامَةِ، إنَّ في اللَّهِ عَزاءً مِن كُلِّ مُصِيبَةٍ، وخَلَفًا مِن كُلِّ هالِكٍ، ودَرَكًا مِن كُلِّ ما فاتَ، فَبِاللَّهِ فَثِقُوا، وإيّاهُ فارْجُوا؛ فَإنَّ المُصابَ مَن حُرِمَ الثَّوابَ، فَقالَ عَلِيٌّ: هَذا الخَضِرُ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وهَنّادٌ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والتِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ، وابْنُ حِبّانَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««إنَّ مَوْضِعَ سَوْطٍ في الجَنَّةِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيا وما فِيها، اقْرَءُوا إنْ شِئْتُمْ: ﴿فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النّارِ وأُدْخِلَ الجَنَّةَ فَقَدْ فازَ وما الحَياةُ الدُّنْيا إلا مَتاعُ الغُرُورِ﴾ [آل عمران»: ١٨٥]» . (p-١٦٤)وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««لَمَوْضِعُ سَوْطِ أحَدِكم في الجَنَّةِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيا وما فِيها» ثُمَّ تَلا هَذِهِ الآيَةَ: «﴿فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النّارِ وأُدْخِلَ الجَنَّةَ فَقَدْ فازَ﴾ [آل عمران»: ١٨٥]» . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««لَغَدْوَةٌ أوْ رَوْحَةٌ في سَبِيلِ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيا بِما عَلَيْها، ولَقابُ قَوْسِ أحَدِهِمْ في الجَنَّةِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيا بِما عَلَيْها»» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الرَّبِيعِ قالَ: إنَّ آخِرَ مَن يَدْخُلُ الجَنَّةَ يُعْطى مِنَ النُّورِ بِقَدْرِ ما دامَ يَحْبُو، فَهو في النُّورِ حَتّى تَجاوَزَ الصِّراطَ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النّارِ وأُدْخِلَ الجَنَّةَ فَقَدْ فازَ﴾ . وأخْرَجَ أحْمَدُ عَنِ ابْنِ عَمْرٍو قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««مَن أحَبَّ أنْ يُزَحْزَحَ عَنِ النّارِ وأنْ يُدْخَلَ الجَنَّةَ، فَلْتُدْرِكْهُ مَنِيَّتُهُ وهو يُؤْمِنُ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ، ولْيَأْتِ إلى النّاسِ ما يُحِبُّ أنْ يُؤْتى إلَيْهِ»» . (p-١٦٥)وأخْرَجَ الطَّسْتِيُّ في ”مَسائِلِهِ“، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ نافِعَ بْنَ الأزْرَقِ سَألَهُ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿فَقَدْ فازَ﴾ قالَ: سَعِدَ ونَجا، قالَ: وهَلْ تَعْرِفُ العَرَبُ ذَلِكَ؟ قالَ: نَعَمْ، أما سَمِعْتَ قَوْلَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَواحَةَ: ؎وعَسى أنْ أفُوزَ ثُمَّتَ ألْقى حُجَّةً أتَّقِي بِها الفَتّانا وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سابِطٍ في قَوْلِهِ: ﴿وما الحَياةُ الدُّنْيا إلا مَتاعُ الغُرُورِ﴾ قالَ: كَزادِ الرّاعِي، يُزَوِّدُهُ الكَفُّ مِنَ التَّمْرِ، أوِ الشَّيْءُ مِنَ الدَّقِيقِ يَشْرَبُ عَلَيْهِ اللَّبَنَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ: ﴿وما الحَياةُ الدُّنْيا إلا مَتاعُ الغُرُورِ﴾ قالَ: هي مَتاعٌ مَتْرُوكٌ أوْشَكَتْ واللَّهِ أنْ تَضْمَحِلَّ عَنْ أهْلِها؛ فَخُذُوا مِن هَذا المَتاعِ طاعَةَ اللَّهِ إنِ اسْتَطَعْتُمْ، ولا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ.

آل عمران 3:186

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَتُبْلَوُنَّ في أمْوالِكم وأنْفُسِكُمْ﴾ الآيَةَ. أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ في قَوْلِهِ: ﴿لَتُبْلَوُنَّ﴾ الآيَةَ. قالَ: أعْلَمَ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ أنَّهُ سَيَبْتَلِيهِمْ فَيَنْظُرُ كَيْفَ صَبْرُهم عَلى دِينِهِمْ. (p-١٦٦)وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ في قَوْلِهِ: ﴿ولَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ قالَ: هو كَعْبُ بْنُ الأشْرَفِ، وكانَ يُحَرِّضُ المُشْرِكِينَ عَلى النَّبِيِّ ﷺ وأصْحابِهِ في شِعْرِهِ، ويَهْجُو النَّبِيَّ ﷺ وأصْحابَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ مِن طَرِيقِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مالِكٍ، مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ: ﴿ولَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ يَعْنِي اليَهُودَ والنَّصارى، فَكانَ المُسْلِمُونَ يَسْمَعُونَ مِنَ اليَهُودِ قَوْلَهم: عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ، ومِنَ النَّصارى قَوْلَهم: المَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ، وكانَ المُسْلِمُونَ يَنْصِبُونَ لَهُمُ الحَرْبَ، ويَسْمَعُونَ إشْراكَهم بِاللَّهِ، ﴿وإنْ تَصْبِرُوا وتَتَّقُوا فَإنَّ ذَلِكَ مِن عَزْمِ الأُمُورِ﴾ قالَ: مِنَ القُوَّةِ مِمّا عَزَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وأمَرَكم بِهِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿وإنْ تَصْبِرُوا وتَتَّقُوا﴾ الآيَةَ، قالَ: أمَرَ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ أنْ يَصْبِرُوا عَلى مَن آذاهُمْ، زَعَمَ أنَّهم كانُوا يَقُولُونَ: يا أصْحابَ مُحَمَّدٍ، لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ؛ نَحْنُ أوْلى مِنكُمْ، أنْتُمْ ضُلّالٌ، فَأُمِرُوا أنْ يَمْضُوا ويَصْبِرُوا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ ذَلِكَ مِن عَزْمِ الأُمُورِ﴾ [لقمان: ١٧] . (p-١٦٧)يَعْنِي: هَذا الصَّبْرُ عَلى الأذى في الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ، لَمِن عَزْمِ الأُمُورِ. يَعْنِي مِن حَقِّ الأُمُورِ الَّتِي أمَرَ اللَّهُ تَعالى.

آل عمران 3:187

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذْ أخَذَ اللَّهُ﴾ الآيَةَ. أخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ، وابْنُ جَرِيرٍ مِن طَرِيقِ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: (وإذْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ لَيُبَيِّنُنَّهُ لِلنّاسِ) إلى قَوْلِهِ: ﴿عَذابٌ ألِيمٌ﴾ [آل عمران: ١٨٨] يَعْنِي فِنْحاصَ وأشْيَعَ وأشْباهَهُما مِنَ الأحْبارِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، مِن طَرِيقِ العَوْفِيِّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: (وإذْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ لَيُبَيِّنُنَّهُ لِلنّاسِ) قالَ: كانَ أمَرَهم أنْ يَتَّبِعُوا النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وكَلِماتِهِ، وقالَ: ﴿واتَّبِعُوهُ لَعَلَّكم تَهْتَدُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٨] [الأعْرافِ: ١٥٨] فَلَمّا بَعَثَ اللَّهُ مُحَمَّدًا ﷺ قالَ: ﴿وأوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ [البقرة: ٤٠] [البَقَرَةِ: ٤٠] عاهَدَهم عَلى ذَلِكَ، فَقالَ حِينَ بَعَثَ مُحَمَّدًا ﷺ: صَدِّقُوهُ وتَلْقَوْنَ عِنْدِي الَّذِي أحْبَبْتُمْ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ عَلْقَمَةَ بْنِ وقّاصٍ، عَنِ ابْنِ (p-١٦٨)عَبّاسٍ في الآيَةِ قالَ: في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ أنَّ الإسْلامَ دِينُ اللَّهِ الَّذِي افْتَرَضَهُ عَلى عِبادِهِ، وأنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهم في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ فَنَبَذُوهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ في الآيَةِ: ﴿وإذْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ قالَ: اليَهُودِ، (لَيُبَيِّنُنَّهُ لِلنّاسِ) قالَ: مُحَمَّدًا ﷺ . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ السُّدِّيِّ في الآيَةِ قالَ: إنَّ اللَّهَ أخَذَ مِيثاقَ اليَهُودِ لَيُبَيِّنُنَّ لِلنّاسِ مُحَمَّدًا ﷺ . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ في الآيَةِ قالَ: هَذا مِيثاقٌ أخَذَهُ اللَّهُ عَلى أهْلِ العِلْمِ، فَمَن عَلِمَ عِلْمًا فَلْيُعَلِّمْهُ النّاسَ، وإيّاكم وكِتْمانَ العِلْمِ؛ فَإنَّ كِتْمانَ العِلْمِ هَلَكَةٌ، ولا يَتَكَلَّفَنَّ رَجُلٌ ما لا عِلْمَ لَهُ بِهِ فَيَخْرُجُ مِن دِينِ اللَّهِ، فَيَكُونُ مِنَ المُتَكَلِّفِينَ، كانَ يُقالُ: مَثَلُ عِلْمٍ لا يُقالُ بِهِ كَمَثَلِ كَنْزٍ لا يُنْتَفَعُ بِهِ، ومَثَلُ حِكْمَةٍ لا تُخْرَجُ كَمَثَلِ صَنَمٍ قائِمٍ لا يَأْكُلُ ولا يَشْرَبُ، وكانَ يُقالُ في الحِكْمَةِ: طُوبى لِعالِمٍ ناطِقٍ، وطُوبى لِمُسْتَمِعٍ واعٍ، هَذا رَجُلٌ عَلِمَ عِلْمًا فَعَلَّمَهُ وبَذَلَهُ ودَعا إلَيْهِ، ورَجُلٌ سَمِعَ خَيْرًا فَحَفِظَهُ ووَعاهُ وانْتَفَعَ بِهِ. (p-١٦٩)وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ قالَ: جاءَ رَجُلٌ إلى قَوْمٍ في المَسْجِدِ وفِيهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ، فَقالَ: إنَّ أخاكم كَعْبًا يُقْرِؤُكُمُ السَّلامَ، ويُبَشِّرُكم أنَّ هَذِهِ الآيَةَ لَيْسَتْ فِيكم: (وإذْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ لَيُبَيِّنُنَّهُ لِلنّاسِ ولا يَكْتُمُونَهُ) فَقالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ: وأنْتَ فَأقْرِئْهُ السَّلامَ، وأخْبِرْهُ أنَّها نَزَلَتْ وهو يَهُودِيٌّ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: قُلْتُ لِ ابْنِ عَبّاسٍ: إنَّ أصْحابَ عَبْدِ اللَّهِ يَقْرَؤُونَ: (وإذْ أخَذَ رَبُّكَ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِيثاقَهُمْ) . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ كانَ يُفَسِّرُ قَوْلَهُ: (لَيُبَيِّنُنَّهُ لِلنّاسِ ولا يَكْتُمُونَهُ) لَيَتَكَلَّمُنَّ بِالحَقِّ ولَيُصِدِّقُنَّهُ بِالعَمَلِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ في قَوْلِهِ: ﴿فَنَبَذُوهُ وراءَ ظُهُورِهِمْ﴾ قالَ: إنَّهم قَدْ كانُوا يَقْرَؤُونَهُ، ولَكِنَّهم نَبَذُوا العَمَلَ بِهِ. (p-١٧٠)وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ: ﴿فَنَبَذُوهُ﴾ قالَ: نَبَذُوا المِيثاقَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ السُّدِّيِّ: ﴿واشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلا﴾ أخَذُوا طُعْمًا، وكَتَمُوا اسْمَ مُحَمَّدٍ ﷺ . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ: ﴿واشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلا﴾ قالَ: كَتَمُوا وباعُوا، فَلا يُبْدُوا شَيْئًا إلّا بِثَمَنٍ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَبِئْسَ ما يَشْتَرُونَ﴾ قالَ: تَبْدِيلُ يَهُودَ التَّوْراةَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: لَوْلا ما أخَذَ اللَّهُ عَلى أهْلِ الكِتابِ ما حَدَّثْتُكُمْ، وتَلا: (وإذْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ لَيُبَيِّنُنَّهُ لِلنّاسِ ولا يَكْتُمُونَهُ) . وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ عَنِ الحَسَنِ قالَ: لَوْلا المِيثاقُ الَّذِي أخَذَهُ اللَّهُ عَلى أهْلِ العِلْمِ ما حَدَّثْتُكم بِكَثِيرٍ مِمّا تَسْألُونَ عَنْهُ.

آل عمران 3:188

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ﴾ الآيَةَ. (p-١٧١)أخْرَجَ أحْمَدُ، والبُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ، والحاكِمُ، والبَيْهَقِيُّ في ”الشُّعَبِ“ مِن طَرِيقِ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، «أنَّ مَرْوانَ قالَ لِبَوّابِهِ: اذْهَبْ يا رافِعُ إلى ابْنِ عَبّاسٍ فَقُلْ لَهُ: لَئِنْ كانَ كُلُّ امْرِئٍ مِنّا فَرِحَ بِما أتى، وأحَبَّ أنْ يُحْمَدَ بِما لَمْ يَفْعَلْ - مُعَذَّبًا، لَنُعَذَّبَنَّ أجْمَعِينَ. فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ما لَكَمَ ولِهَذِهِ الآيَةِ؟ إنَّما أُنْزِلَتْ هَذِهِ في أهْلِ الكِتابِ، ثُمَّ تَلا ابْنُ عَبّاسٍ: (وإذْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ لَيُبَيِّنُنَّهُ لِلنّاسِ) الآيَةَ. وتَلا: ﴿لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أتَوْا﴾ الآيَةَ. فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: سَألَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ شَيْءٍ فَكَتَمُوهُ إيّاهُ، وأخْبَرُوهُ بِغَيْرِهِ، فَخَرَجُوا وقَدْ أرَوْهُ أنْ قَدْ أخْبَرُوهُ بِما سَألَهم عَنْهُ، واسْتَحْمَدُوا بِذَلِكَ إلَيْهِ، وفَرِحُوا بِما أتَوْا مِن كِتْمانِ ما سَألَهم عَنْهُ» . وأخْرَجَ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في ”شُعَبِ الإيمانِ“ «عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ، أنَّ رِجالًا مِنَ المُنافِقِينَ كانُوا إذا خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى الغَزْوِ تَخَلَّفُوا عَنْهُ وفَرِحُوا بِمَقْعَدِهِمْ خِلافَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَإذا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنَ الغَزْوِ اعْتَذَرُوا إلَيْهِ وحَلَفُوا، وأحَبُّوا أنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا، فَنَزَلَتْ: ﴿لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أتَوْا﴾ الآيَةَ» . (p-١٧٢)وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ، أنَّ رافِعَ بْنَ خَدِيجٍ وزَيْدَ بْنَ ثابِتٍ كانا عِنْدَ مَرْوانَ وهو أمِيرٌ بِالمَدِينَةِ، فَقالَ مَرْوانُ: يا رافِعُ، في أيِّ شَيْءٍ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أتَوْا﴾ قالَ رافِعٌ: أُنْزِلَتْ في ناسٍ مِنَ المُنافِقِينَ، كانُوا إذا خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ اعْتَذَرُوا وقالُوا: ما حَبَسَنا عَنْكم إلّا الشُّغْلُ، فَلَوَدِدْنا أنّا كُنّا مَعَكُمْ، فَأنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ هَذِهِ الآيَةَ، فَكَأنَّ مَرْوانَ أنْكَرَ ذَلِكَ فَجَزِعَ رافِعٌ مِن ذَلِكَ، فَقالَ لِزَيْدِ بْنِ ثابِتٍ: أنْشُدُكَ بِاللَّهِ، هَلْ تَعْلَمُ ما أقُولُ؟ قالَ: نَعَمْ، فَلَمّا خَرَجا مِن عِنْدِ مَرْوانَ قالَ لَهُ زَيْدٌ: ألا تَحْمَدُنِي شَهِدْتُ لَكَ؟ قالَ: أحْمَدُكَ أنْ تَشْهَدَ بِالحَقِّ. قالَ: نَعَمْ، قَدْ حَمِدَ اللَّهُ عَلى الحَقِّ أهْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ في الآيَةِ قالَ: هَؤُلاءِ المُنافِقُونَ يَقُولُونَ لِلنَّبِيِّ ﷺ: لَوْ قَدْ خَرَجْتَ لَخَرَجْنا مَعَكَ. فَإذا خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ تَخَلَّفُوا وكَذَبُوا، ويَفْرَحُونَ بِذَلِكَ ويَرَوْنَ أنَّها حِيلَةٌ احْتالُوا بِها. وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، مِن طَرِيقِ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في الآيَةِ قالَ: يَعْنِي فِنْحاصَ وأشْيَعَ وأشْباهَهُما مِنَ الأحْبارِ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما يُصِيبُونَ مِنَ الدُّنْيا عَلى ما زَيَّنُوا لِلنّاسِ مِنَ الضَّلالَةِ، ﴿ويُحِبُّونَ أنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا﴾ أنْ يَقُولَ لَهُمُ النّاسُ: عُلَماءُ، ولَيْسُوا بِأهْلِ عِلْمٍ، لَمْ (p-١٧٣)يَحْمِلُوهم عَلى هُدًى ولا خَيْرٍ ويُحِبُّونَ أنْ يَقُولَ لَهُمُ النّاسُ: قَدْ فَعَلُوا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ العَوْفِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في الآيَةِ قالَ: هم أهْلُ الكِتابِ، أُنْزِلَ عَلَيْهِمُ الكِتابُ، فَحَكَمُوا بِغَيْرِ الحَقِّ، وحَرَّفُوا الكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ، وفَرِحُوا بِذَلِكَ، وأحَبُّوا أنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا، فَرِحُوا أنَّهم كَفَرُوا بِمُحَمَّدٍ ﷺ وما أُنْزِلَ إلَيْهِ، وهم يَزْعُمُونَ أنَّهم يَعْبُدُونَ اللَّهَ ويَصُومُونَ ويُصَلُّونَ ويُطِيعُونَ اللَّهَ، فَقالَ اللَّهُ لِمُحَمَّدٍ: ﴿لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أتَوْا﴾ كَفَرُوا بِاللَّهِ وكَفَرُوا بِمُحَمَّدٍ ﷺ، ﴿ويُحِبُّونَ أنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا﴾ مِنَ الصَّلاةِ والصَّوْمِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الضَّحّاكِ في الآيَةِ قالَ: إنَّ اليَهُودَ كَتَبَ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ: إنَّ مُحَمَّدًا لَيْسَ بِنَبِيٍّ فَأجْمِعُوا كَلِمَتَكُمْ، وتَمَسَّكُوا بِدِينِكم وكِتابِكُمُ الَّذِي مَعَكُمْ، فَفَعَلُوا فَفَرِحُوا بِذَلِكَ وفَرِحُوا بِاجْتِماعِهِمْ عَلى الكُفْرِ بِمُحَمَّدٍ ﷺ . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ السُّدِّيِّ في الآيَةِ قالَ: كَتَمُوا اسْمَ مُحَمَّدٍ فَفَرِحُوا بِذَلِكَ حِينَ اجْتَمَعُوا عَلَيْهِ، وكانُوا يُزَكُّونَ أنْفُسَهم فَيَقُولُونَ: نَحْنُ أهْلُ الصِّيامِ، وأهْلُ الصَّلاةِ، وأهْلُ الزَّكاةِ، ونَحْنُ عَلى دِينِ إبْراهِيمَ. فَأنْزَلَ اللَّهُ (p-١٧٤)فِيهِمْ: ﴿لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أتَوْا﴾ مِن كِتْمانِ مُحَمَّدٍ ﷺ ﴿ويُحِبُّونَ أنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا﴾ أحَبُّوا أنْ تَحْمَدَهُمُ العَرَبُ بِما يُزَكُّونَ بِهِ أنْفُسَهم ولَيْسُوا كَذَلِكَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: ﴿لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أتَوْا﴾ قالَ: بِكِتْمانِهِمْ مُحَمَّدًا ﷺ ﴿ويُحِبُّونَ أنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا﴾ قالَ: هو قَوْلُهم: نَحْنُ عَلى دِينِ إبْراهِيمَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في الآيَةِ قالَ: يَهُودُ، فَرِحُوا بِإعْجابِ النّاسِ بِتَبْدِيلِهِمُ الكِتابَ، وحَمْدِهِمْ إيّاهم عَلَيْهِ، ولا تَمْلِكُ يَهُودُ ذَلِكَ، ولَنْ تَفْعَلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ في الآيَةِ قالَ: هُمُ اليَهُودُ يَفْرَحُونَ بِما آتى اللَّهُ إبْراهِيمَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ قالَ: ذُكِرَ لَنا أنَّ يَهُودَ خَيْبَرَ أتَوُا النَّبِيَّ ﷺ فَزَعَمُوا أنَّهم راضُونَ بِالَّذِي جاءَ بِهِ، وأنَّهم مُتابِعُوهُ، وهم مُتَمَسِّكُونَ بِضَلالَتِهِمْ، وأرادُوا أنْ يَحْمَدَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ بِما لَمْ يَفْعَلُوا، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ﴾ الآيَةَ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ جَرِيرٍ، مِن وجْهٍ آخَرَ عَنْ قَتادَةَ في الآيَةِ قالَ: إنَّ (p-١٧٥)أهْلَ خَيْبَرَ أتَوُا النَّبِيَّ ﷺ وأصْحابَهُ فَقالُوا: إنّا عَلى رَأْيِكم وإنّا لَكم رِدْءٌ، فَأكْذَبَهُمُ اللَّهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ في الآيَةِ قالَ: إنَّ اليَهُودَ مِن أهْلِ خَيْبَرَ قَدِمُوا عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وقالُوا: قَدْ قَبِلْنا الدِّينَ، ورَضِينا بِهِ. فَأحَبُّوا أنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ قالَ: كانَ في بَنِي إسْرائِيلَ رِجالٌ عُبّادٌ فُقَهاءُ، فَأدْخَلَتْهُمُ المُلُوكُ، فَرَخَّصُوا لَهم وأعْطَوْهُمْ، فَخَرَجُوا وهم فَرِحُونَ بِما أخَذَتِ المُلُوكُ مِن قَوْلِهِمْ وما أُعْطُوا، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أتَوْا﴾ . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ إبْراهِيمَ في قَوْلِهِ: ﴿لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أتَوْا﴾ قالَ: ناسٌ مِنَ اليَهُودِ جَهَّزُوا جَيْشًا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وأخْرَجَ مالِكٌ، وابْنُ سَعْدٍ، والطَّبَرانِيُّ، والبَيْهَقِيُّ في ”الدَّلائِلِ“، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ ثابِتٍ، «أنَّ ثابِتَ بْنَ قَيْسٍ قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، لَقَدْ خَشِيتُ أنْ أكُونَ قَدْ (p-١٧٦)هَلَكْتُ. قالَ: «لِمَ»؟ قالَ: نَهانا اللَّهُ أنْ نُحِبَّ أنْ نُحْمَدَ بِما لَمْ نَفْعَلْ، وأجِدُنِي أُحِبُّ الحَمْدَ، ونَهانا عَنِ الخُيَلاءِ وأجِدُنِي أُحِبُّ الجَمالَ، ونَهانا أنْ نَرْفَعَ أصْواتَنا فَوْقَ صَوْتِكَ، وأنا رَجُلٌ جَهِيرُ الصَّوْتِ، فَقالَ: «يا ثابِتُ، ألا تَرْضى أنْ تَعِيشَ حَمِيدًا، وتُقْتَلَ شَهِيدًا، وتَدْخُلَ الجَنَّةَ»؟ فَعاشَ حَمِيدًا، وقُتِلَ شَهِيدًا يَوْمَ مُسَيْلِمَةَ الكَذّابِ» . وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ ثابِتٍ قالَ: حَدَّثَنِي ثابِتُ بْنُ قَيْسِ بْنِ شَمّاسٍ قالَ قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، لَقَدْ خَشِيتُ. فَذَكَرَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الأحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ أنَّ رَجُلًا قالَ لَهُ: ألا تَمِيلُ فَنَحْمِلُكَ عَلى ظَهْرٍ؟ قالَ: لَعَلَّكَ مِنَ العَرّاضِينَ؟ قالَ: وما العَرّاضُونَ؟ قالَ: الَّذِينَ ويُحِبُّونَ أنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا، إذا عَرَضَ لَكَ الحَقُّ فاقْصِدْ لَهُ، والهَ عَمّا سِواهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ يَحْيى بْنِ يَعْمُرَ: (فَلا يَحْسِبُنَّهُمْ) يَعْنِي أنْفُسَهم. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ مُجاهِدٍ، أنَّهُ قَرَأ: (فَلا يَحْسِبُنَّهُمْ) عَلى الجِماعِ، (p-١٧٧)بِكَسْرِ السِّينِ ورَفْعِ الباءِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ الضَّحّاكِ في قَوْلِهِ: ﴿بِمَفازَةٍ﴾ قالَ بِمَنجاةٍ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ، مِثْلَهُ.

آل عمران 3:190

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ في خَلْقِ السَّماواتِ﴾ الآيَةَ. أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «أتَتْ قُرَيْشٌ اليَهُودَ فَقالُوا: ما جاءَكم مُوسى مِنَ الآياتِ؟ قالُوا: عَصاهُ ويَدُهُ بَيْضاءُ لِلنّاظِرِينَ، وأتَوُا النَّصارى فَقالُوا: كَيْفَ كانَ عِيسى فِيكُمْ؟ قالُوا: كانَ يُبْرِئُ الأكْمَهَ والأبْرَصَ، ويُحْيِي المَوْتى، فَأتَوُا النَّبِيَّ ﷺ فَقالُوا: ادْعُ لَنا رَبَّكَ يَجْعَلْ لَنا الصَّفا ذَهَبًا، فَدَعا رَبَّهُ فَنَزَلَتْ: ﴿إنَّ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ واخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ لآياتٍ لأُولِي الألْبابِ﴾ فَلْيَتَفَكَّرُوا فِيها» . وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، وأبُو داوُدَ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ ماجَهْ، والبَيْهَقِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «بِتُّ عِنْدَ خالَتِي مَيْمُونَةَ فَنامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتّى انْتَصَفَ اللَّيْلُ أوْ قَبْلَهُ بِقَلِيلٍ أوْ بَعْدَهُ بِقَلِيلٍ، ثُمَّ اسْتَيْقَظَ فَجَعَلَ يَمْسَحُ النَّوْمَ عَنْ وجْهِهِ بِيَدِهِ، ثُمَّ قَرَأ العَشْرَ آياتٍ الأواخِرَ مِن سُورَةِ ”آلِ عِمْرانَ“ حَتّى خَتَمَ» . (p-١٧٨)وأخْرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ في زَوائِدِ ”المُسْنَدِ“، والطَّبَرانِيُّ، والحاكِمُ في ”الكُنى“ والبَغَوِيُّ في ”مُعْجَمِ الصَّحابَةِ“ عَنْ صَفْوانَ بْنِ المُعَطَّلِ السُّلَمِيِّ قالَ: «كُنْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في سَفَرٍ فَرَهِقْتُ صَلاتَهُ لَيْلَةً فَصَلّى العِشاءَ الآخِرَةَ ثُمَّ نامَ، فَلَمّا كانَ نِصْفُ اللَّيْلِ اسْتَيْقَظَ فَتَلا الآياتِ العَشْرَ، آخِرَ سُورَةِ ”آلِ عِمْرانَ“ . ثُمَّ تَسَوَّكَ، ثُمَّ تَوَضَّأ فَصَلّى إحْدى عَشْرَةَ رَكْعَةً» .

آل عمران 3:191

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ﴾ الآيَةَ. أخْرَجَ الأصْبِهانِيُّ في التَّرْغِيبِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««يُنادِي مُنادٍ يَوْمَ القِيامَةِ: أيْنَ أُولُو الألْبابِ؟ قالُوا: أيَّ أُولُو الألْبابِ تُرِيدُ؟ قالَ: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيامًا وقُعُودًا وعَلى جُنُوبِهِمْ ويَتَفَكَّرُونَ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ رَبَّنا ما خَلَقْتَ هَذا باطِلا سُبْحانَكَ فَقِنا عَذابَ النّارِ﴾ عُقِدَ لَهم لِواءٌ فاتَّبَعَ القَوْمُ لِواءَهُمْ، وقالَ لَهم: ادْخُلُوها خالِدِينَ»» . وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ، مِن طَرِيقٍ جُوَيْبِرٍ، عَنِ الضَّحّاكِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيامًا وقُعُودًا وعَلى جُنُوبِهِمْ﴾ قالَ: إنَّما هَذا في الصَّلاةِ إذا لَمْ يَسْتَطِعْ قائِمًا فَقاعِدًا، وإنْ لَمْ يَسْتَطِعْ قاعِدًا فَعَلى جَنْبِهِ. وأخْرَجَ الحاكِمُ عَنْ عِمْرانَ بْنِ حُصَيْنٍ، «أنَّهُ كانَ بِهِ البَواسِيرُ، فَأمَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ أنْ يُصَلِّيَ عَلى جَنْبٍ» . (p-١٧٩)وأخْرَجَ البُخارِيُّ عَنْ عِمْرانَ بْنِ حُصَيْنٍ قالَ: «كانَتْ بِي بَواسِيرُ فَسَألْتُ النَّبِيَّ ﷺ عَنِ الصَّلاةِ فَقالَ: «صَلِّ قائِمًا، فَإنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقاعِدًا، فَإنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَعَلى جَنْبٍ»» . وأخْرَجَ البُخارِيُّ عَنْ عِمْرانَ بْنِ حُصَيْنٍ قالَ: «سَألْتُ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ صَلاةِ الرَّجُلِ وهو قاعِدٌ فَقالَ: «مَن صَلّى قائِمًا فَهو أفْضَلُ، ومَن صَلّى قاعِدًا فَلَهُ نِصْفُ أجْرِ القائِمِ، ومَن صَلّى نائِمًا فَلَهُ نِصْفُ أجْرِ القاعِدِ»» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ في الآيَةِ قالَ: هو ذِكْرُ اللَّهِ في الصَّلاةِ وفي غَيْرِ الصَّلاةِ، وقِراءَةُ القُرْآنِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيامًا وقُعُودًا وعَلى جُنُوبِهِمْ﴾ قالَ: هَذِهِ حالاتُكَ كُلُّها يا ابْنَ آدَمَ، اذْكُرِ اللَّهَ وأنْتَ قائِمٌ، فَإنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فاذْكُرْهُ جالِسًا، فَإنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فاذْكُرْهُ وأنْتَ عَلى جَنْبِكَ، يُسْرٌ مِنَ اللَّهِ وتَخْفِيفٌ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: لا يَكُونُ العَبْدُ مِنَ الذّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا حَتّى يَذْكُرَ اللَّهَ قائِمًا وقاعِدًا ومُضْطَجِعًا. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَتَفَكَّرُونَ﴾ . (p-١٨٠)أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ في ”العَظَمَةِ“، والأصْبِهانِيُّ في ”التَّرْغِيبِ“ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ قالَ: «خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلى أصْحابِهِ وهم يَتَفَكَّرُونَ فَقالَ: «لا تَفَكَّرُوا في اللَّهِ، ولَكِنْ تَفَكَّرُوا فِيما خَلَقَ»» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا في ”كِتابِ التَّفَكُّرِ“ والأصْبِهانِيُّ في ”التَّرْغِيبِ“، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ قالَ: «مَرَّ النَّبِيُّ ﷺ عَلى قَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ فَقالَ: «تَفَكَّرُوا في الخَلْقِ، ولا تَفَكَّرُوا في الخالِقِ»» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا عَنْ عُثْمانَ بْنِ أبِي دَهْرَشٍ قالَ: «بَلَغَنِي أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ انْتَهى إلى أصْحابِهِ وهم سُكُوتٌ لا يَتَكَلَّمُونَ فَقالَ: «ما لَكَمَ لا تَتَكَلَّمُونَ»؟ قالُوا: نَتَفَكَّرُ في خَلْقِ اللَّهِ. قالَ: «كَذَلِكَ فافْعَلُوا، تَفَكَّرُوا في خَلْقِهِ ولا تَفَكَّرُوا فِيهِ»» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، والأصْبِهانِيُّ في ”التَّرْغِيبِ“ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««تَفَكَّرُوا في آلاءِ اللَّهِ ولا تَفَكَّرُوا في اللَّهِ»» . وأخْرَجَ أبُو نُعَيْمٍ في ”الحِلْيَةِ“ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (p-١٨١)««تَفَكَّرُوا في خَلْقِ اللَّهِ، ولا تَفَكَّرُوا في اللَّهِ»» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في ”الأسْماءِ والصِّفاتِ“ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: تَفَكَّرُوا في كُلِّ شَيْءٍ، ولا تَفَكَّرُوا في ذاتِ اللَّهِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي الدُّنْيا في ”التَّفَكُّرِ“، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ حِبّانَ في ”صَحِيحِهِ“، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، والأصْبِهانِيُّ في ”التَّرْغِيبِ“، وابْنُ عَساكِرَ عَنْ عَطاءٍ قالَ: «قُلْتُ لِعائِشَةَ: أخْبِرِينِي بِأعْجَبِ ما رَأيْتِ مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . قالَتْ: وأيُّ شَأْنِهِ لَمْ يَكُنْ عَجَبًا، إنَّهُ أتانِي لَيْلَةً فَدَخَلَ مَعِي في لِحافِي، ثُمَّ قالَ: «ذَرِينِي أتَعَبَّدُ لِرَبِّي» . فَقامَ فَتَوَضَّأ، ثُمَّ قامَ يُصَلِّي، فَبَكى حَتّى سالَتْ دُمُوعُهُ عَلى صَدْرِهِ، ثُمَّ رَكَعَ فَبَكى، ثُمَّ سَجَدَ فَبَكى، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَبَكى، فَلَمْ يَزَلْ كَذَلِكَ حَتّى جاءَ بِلالٌ فَآذَنَهُ بِالصَّلاةِ، فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، ما يُبْكِيكَ وقَدْ غَفَرَ اللَّهُ لَكَ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وما تَأخَّرَ؟ قالَ: «أفَلا أكُونُ عَبْدًا شَكُورًا، ولِمَ لا أفْعَلُ وقَدْ أُنْزِلَ عَلَيَّ هَذِهِ اللَّيْلَةَ: ﴿إنَّ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ واخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ لآياتٍ لأُولِي الألْبابِ﴾ [آل عمران»: ١٩٠] إلى قَوْلِهِ: «﴿سُبْحانَكَ فَقِنا عَذابَ النّارِ﴾ [آل عمران»: ١٩١] ثُمَّ قالَ: «ويْلٌ لِمَن قَرَأها ولَمْ يَتَفَكَّرْ فِيها»» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا في التَّفَكُّرِ عَنْ سُفْيانَ رَفَعَهُ قالَ: ««مَن قَرَأ آخِرَ (p-١٨٢)سُورَةَ ”آلِ عِمْرانَ“ فَلَمْ يَتَفَكَّرْ فِيها ويْلَهُ»» فَعَدَّ بِأصابِعِهِ عَشْرًا، قِيلَ لِلْأوْزاعِيِّ: ما غايَةُ التَّفَكُّرِ فِيهِنَّ؟ قالَ: يَقْرَؤُهُنَّ وهو يَعْقِلُهُنَّ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا عَنْ عامِرِ بْنِ عَبْدِ قِيسٍ قالَ: سَمِعْتُ غَيْرَ واحِدٍ ولا اثْنَيْنِ ولا ثَلاثَةٍ مِن أصْحابِ مُحَمَّدٍ ﷺ يَقُولُونَ: إنَّ ضِياءَ الإيمانِ، أوْ نُورَ الإيمانِ التَّفَكُّرُ. وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وأحْمَدُ في ”الزُّهْدِ“، وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ عَوْنٍ قالَ: سَألْتُ أُمَّ الدَّرْداءِ: ما كانَ أفْضَلَ عِبادَةِ أبِي الدَّرْداءِ ؟ قالَتْ: التَّفَكُّرُ والِاعْتِبارُ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ في ”العَظَمَةِ“ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: تَفَكُّرُ ساعَةٍ خَيْرٌ مِن قِيامِ لَيْلَةٍ. وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ عَنْ أبِي الدَّرْداءِ، مِثْلَهُ. وأخْرَجَ الدَّيْلَمِيُّ عَنْ أنَسٍ مَرْفُوعًا، مِثْلَهُ. وأخْرَجَ الدَّيْلَمِيُّ مِن وجْهٍ آخَرَ عَنْ أنَسٍ مَوْقُوفًا: تَفَكُّرُ ساعَةٍ في اخْتِلافِ (p-١٨٣)اللَّيْلِ والنَّهارِ خَيْرٌ مِن عِبادَةِ ثَمانِينَ سَنَةً. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ في ”العَظَمَةِ“ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««فِكْرَةُ ساعَةٍ خَيْرٌ مِن عِبادَةِ سِتِّينَ سَنَةً»» . وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ والدَّيْلَمِيُّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: ««بَيْنَما رَجُلٌ مُسْتَلْقٍ يَنْظُرُ إلى السَّماءِ وإلى النُّجُومِ، فَقالَ: واللَّهِ إنِّي لَأعْلَمُ أنَّ لَكِ خالِقًا ورَبًّا، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي، فَنَظَرَ اللَّهُ إلَيْهِ فَغَفَرَ لَهُ»» .

آل عمران 3:192

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿رَبَّنا إنَّكَ مَن تُدْخِلِ النّارَ﴾ الآياتِ. أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أبِي الدَّرْداءِ، وابْنُ عَبّاسٍ، أنَّهُما كانا يَقُولانِ: اسْمُ اللَّهِ الأكْبَرُ رَبِّ رَبِّ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أنَسٍ في قَوْلِهِ: ﴿مَن تُدْخِلِ النّارَ فَقَدْ أخْزَيْتَهُ﴾ قالَ: مَن تُخَلِّدُ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ في قَوْلِهِ: ﴿رَبَّنا إنَّكَ مَن تُدْخِلِ النّارَ فَقَدْ أخْزَيْتَهُ﴾ قالَ: هَذِهِ خاصَّةٌ لِمَن لا يَخْرُجُ مِنها. (p-١٨٤)وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، والحاكِمُ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينارٍ قالَ: «قَدِمَ عَلَيْنا جابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ في عُمْرَةٍ، فانْتَهَيْتُ إلَيْهِ أنا وعَطاءٌ، فَقُلْتُ: ﴿وما هم بِخارِجِينَ مِنَ النّارِ﴾ [البقرة: ١٦٧] [البَقَرَةِ: ١٦٧] قالَ: أخْبَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنَّهُمُ الكُفّارُ، قُلْتُ لِجابِرٍ: فَقَوْلُهُ: ﴿إنَّكَ مَن تُدْخِلِ النّارَ فَقَدْ أخْزَيْتَهُ﴾ قالَ: وما أخْزاهُ حِينَ أحْرَقَهُ بِالنّارِ! وإنَّ دُونَ ذَلِكَ خِزْيًا»! . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ في قَوْلِهِ: ﴿مُنادِيًا يُنادِي لِلإيمانِ﴾ قالَ: هو مُحَمَّدٌ ﷺ . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ، مِثْلَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والخَطِيبُ في ”المُتَّفِقِ والمُفْتَرِقِ“ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ: ﴿سَمِعْنا مُنادِيًا يُنادِي لِلإيمانِ﴾ قالَ: هو القُرْآنُ، لَيْسَ كُلُّ النّاسِ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في الآيَةِ قالَ: سَمِعُوا دَعْوَةً مِنَ اللَّهِ فَأجابُوها وأحْسَنُوا فِيها: وصَبَرُوا عَلَيْها، يُنَبِّئُكُمُ اللَّهُ عَنْ مُؤْمِنِ الإنْسِ كَيْفَ قالَ، وعَنْ مُؤْمِنِ الجِنِّ كَيْفَ قالَ؛ فَأمّا مُؤْمِنُ الجِنِّ فَقالَ: ﴿إنّا سَمِعْنا قُرْآنًا عَجَبًا﴾ [الجن: ١] ﴿يَهْدِي إلى الرُّشْدِ فَآمَنّا بِهِ ولَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنا أحَدًا﴾ [الجن: ٢] [الجِنِّ: ١-٢] . (p-١٨٥)وأمّا مُؤْمِنُ الإنْسِ فَقالَ: ﴿رَبَّنا إنَّنا سَمِعْنا مُنادِيًا يُنادِي لِلإيمانِ أنْ آمِنُوا بِرَبِّكم فَآمَنّا رَبَّنا فاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وكَفِّرْ عَنّا سَيِّئاتِنا وتَوَفَّنا مَعَ الأبْرارِ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ: ﴿رَبَّنا وآتِنا ما وعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ﴾ قالَ: يَسْتَنْجِزُونَ مَوْعِدَ اللَّهِ عَلى رُسُلِهِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿ولا تُخْزِنا يَوْمَ القِيامَةِ﴾ قالَ: لا تَفْضَحْنا، ﴿إنَّكَ لا تُخْلِفُ المِيعادَ﴾ قالَ: مِيعادُ مَن قالَ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ. ﴿فاسْتَجابَ لَهم رَبُّهم أنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنكُمْ﴾ [آل عمران: ١٩٥] قالَ: أهْلُ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، أهْلُ التَّوْحِيدِ والإخْلاصِ، لا أُخْزِيهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ. وأخْرَجَ أبُو يَعْلى، عَنْ جابِرٍ: أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: ««العارُ والتَّخْزِيَةُ يَبْلُغُ مِنَ ابْنِ آدَمَ في القِيامَةِ في المَقامِ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ ما يَتَمَنّى العَبْدُ أنْ يُؤْمَرَ بِهِ إلى النّارِ»» . وأخْرَجَ أبُو بَكْرٍ الشّافِعِيُّ في ”رُباعِيَّتِهِ“ عَنْ أبِي قِرْصافَةَ قالَ: كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ««اللَّهُمَّ لا تُخْزِنا يَوْمَ القِيامَةِ، ولا تَفْضَحْنا يَوْمَ اللِّقاءِ»» . (p-١٨٦)وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، أنَّهُ قالَ: إذا فَرَغَ أحَدُكم مِنَ التَّشَهُّدِ في الصَّلاةِ فَلْيَقُلْ: اللَّهُمَّ إنِّي أسْألُكَ مِنَ الخَيْرِ كُلِّهِ ما عَلِمْتُ مِنهُ وما لَمْ أعْلَمْ، وأعُوذُ بِكَ مِنَ الشَّرِّ كُلِّهِ ما عَلِمْتُ مِنهُ وما لَمْ أعْلَمْ. اللَّهُمَّ إنِّي أسْألُكَ مِن خَيْرِ ما سَألَكَ عِبادُكَ الصّالِحُونَ، وأعُوذُ بِكَ مِن شَرِّ ما عاذَ مِنهُ عِبادُكَ الصّالِحُونَ، رَبَّنا آتِنا في الدُّنْيا حَسَنَةً وفي الآخِرَةِ حَسَنَةً وقِنا عَذابَ النّارِ، رَبَّنا إنَّنا آمَنّا ﴿فاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وكَفِّرْ عَنّا سَيِّئاتِنا وتَوَفَّنا مَعَ الأبْرارِ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿إنَّكَ لا تُخْلِفُ المِيعادَ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنْ إبْراهِيمَ النَّخَعِيِّ قالَ: كانَ يُسْتَحَبُّ أنْ يَدْعُوَ في المَكْتُوبَةِ بِدُعاءِ القُرْآنِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ أنَّهُ سُئِلَ عَنِ الدُّعاءِ في الصَّلاةِ، فَقالَ: كانَ أحَبَّ دُعائِهِمْ ما وافَقَ القُرْآنَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنْ مُجاهِدٍ وطاوُسٍ قالا: ادْعُوا في الفَرِيضَةِ بِما في القُرْآنِ. وأخْرَجَ أحْمَدُ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««عَسْقَلانُ أحَدُ العَرُوسَيْنِ، يَبْعَثُ اللَّهُ مِنها يَوْمَ القِيامَةِ سَبْعِينَ ألْفًا لا حِسابَ عَلَيْهِمْ، ويُبْعَثُ مِنها خَمْسُونَ ألْفًا شُهَداءَ وُفُودًا إلى اللَّهِ، وبِها صُفُوفُ (p-١٨٧)الشُّهَداءِ، رُؤُوسُهم تَقَطَّعُ في أيْدِيهِمْ، تَثِجُّ أوْداجُهم دَمًا يَقُولُونَ: رَبَّنا وآتِنا ما وعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ، ولا تُخْزِنا يَوْمَ القِيامَةِ، إنَّكَ لا تُخْلِفُ المِيعادَ. فَيَقُولُ: صَدَقَ عَبِيدِي، اغْسِلُوهم بِنَهْرِ البَيْضَةِ فَيَخْرُجُونَ مِنهُ بِيضًا، فَيَسْرَحُونَ في الجَنَّةِ حَيْثُ شاءُوا»» .

آل عمران 3:193

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿رَبَّنا إنَّكَ مَن تُدْخِلِ النّارَ﴾ الآياتِ. أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أبِي الدَّرْداءِ، وابْنُ عَبّاسٍ، أنَّهُما كانا يَقُولانِ: اسْمُ اللَّهِ الأكْبَرُ رَبِّ رَبِّ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أنَسٍ في قَوْلِهِ: ﴿مَن تُدْخِلِ النّارَ فَقَدْ أخْزَيْتَهُ﴾ قالَ: مَن تُخَلِّدُ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ في قَوْلِهِ: ﴿رَبَّنا إنَّكَ مَن تُدْخِلِ النّارَ فَقَدْ أخْزَيْتَهُ﴾ قالَ: هَذِهِ خاصَّةٌ لِمَن لا يَخْرُجُ مِنها. (p-١٨٤)وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، والحاكِمُ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينارٍ قالَ: «قَدِمَ عَلَيْنا جابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ في عُمْرَةٍ، فانْتَهَيْتُ إلَيْهِ أنا وعَطاءٌ، فَقُلْتُ: ﴿وما هم بِخارِجِينَ مِنَ النّارِ﴾ [البقرة: ١٦٧] [البَقَرَةِ: ١٦٧] قالَ: أخْبَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنَّهُمُ الكُفّارُ، قُلْتُ لِجابِرٍ: فَقَوْلُهُ: ﴿إنَّكَ مَن تُدْخِلِ النّارَ فَقَدْ أخْزَيْتَهُ﴾ قالَ: وما أخْزاهُ حِينَ أحْرَقَهُ بِالنّارِ! وإنَّ دُونَ ذَلِكَ خِزْيًا»! . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ في قَوْلِهِ: ﴿مُنادِيًا يُنادِي لِلإيمانِ﴾ قالَ: هو مُحَمَّدٌ ﷺ . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ، مِثْلَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والخَطِيبُ في ”المُتَّفِقِ والمُفْتَرِقِ“ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ: ﴿سَمِعْنا مُنادِيًا يُنادِي لِلإيمانِ﴾ قالَ: هو القُرْآنُ، لَيْسَ كُلُّ النّاسِ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في الآيَةِ قالَ: سَمِعُوا دَعْوَةً مِنَ اللَّهِ فَأجابُوها وأحْسَنُوا فِيها: وصَبَرُوا عَلَيْها، يُنَبِّئُكُمُ اللَّهُ عَنْ مُؤْمِنِ الإنْسِ كَيْفَ قالَ، وعَنْ مُؤْمِنِ الجِنِّ كَيْفَ قالَ؛ فَأمّا مُؤْمِنُ الجِنِّ فَقالَ: ﴿إنّا سَمِعْنا قُرْآنًا عَجَبًا﴾ [الجن: ١] ﴿يَهْدِي إلى الرُّشْدِ فَآمَنّا بِهِ ولَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنا أحَدًا﴾ [الجن: ٢] [الجِنِّ: ١-٢] . (p-١٨٥)وأمّا مُؤْمِنُ الإنْسِ فَقالَ: ﴿رَبَّنا إنَّنا سَمِعْنا مُنادِيًا يُنادِي لِلإيمانِ أنْ آمِنُوا بِرَبِّكم فَآمَنّا رَبَّنا فاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وكَفِّرْ عَنّا سَيِّئاتِنا وتَوَفَّنا مَعَ الأبْرارِ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ: ﴿رَبَّنا وآتِنا ما وعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ﴾ قالَ: يَسْتَنْجِزُونَ مَوْعِدَ اللَّهِ عَلى رُسُلِهِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿ولا تُخْزِنا يَوْمَ القِيامَةِ﴾ قالَ: لا تَفْضَحْنا، ﴿إنَّكَ لا تُخْلِفُ المِيعادَ﴾ قالَ: مِيعادُ مَن قالَ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ. ﴿فاسْتَجابَ لَهم رَبُّهم أنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنكُمْ﴾ [آل عمران: ١٩٥] قالَ: أهْلُ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، أهْلُ التَّوْحِيدِ والإخْلاصِ، لا أُخْزِيهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ. وأخْرَجَ أبُو يَعْلى، عَنْ جابِرٍ: أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: ««العارُ والتَّخْزِيَةُ يَبْلُغُ مِنَ ابْنِ آدَمَ في القِيامَةِ في المَقامِ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ ما يَتَمَنّى العَبْدُ أنْ يُؤْمَرَ بِهِ إلى النّارِ»» . وأخْرَجَ أبُو بَكْرٍ الشّافِعِيُّ في ”رُباعِيَّتِهِ“ عَنْ أبِي قِرْصافَةَ قالَ: كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ««اللَّهُمَّ لا تُخْزِنا يَوْمَ القِيامَةِ، ولا تَفْضَحْنا يَوْمَ اللِّقاءِ»» . (p-١٨٦)وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، أنَّهُ قالَ: إذا فَرَغَ أحَدُكم مِنَ التَّشَهُّدِ في الصَّلاةِ فَلْيَقُلْ: اللَّهُمَّ إنِّي أسْألُكَ مِنَ الخَيْرِ كُلِّهِ ما عَلِمْتُ مِنهُ وما لَمْ أعْلَمْ، وأعُوذُ بِكَ مِنَ الشَّرِّ كُلِّهِ ما عَلِمْتُ مِنهُ وما لَمْ أعْلَمْ. اللَّهُمَّ إنِّي أسْألُكَ مِن خَيْرِ ما سَألَكَ عِبادُكَ الصّالِحُونَ، وأعُوذُ بِكَ مِن شَرِّ ما عاذَ مِنهُ عِبادُكَ الصّالِحُونَ، رَبَّنا آتِنا في الدُّنْيا حَسَنَةً وفي الآخِرَةِ حَسَنَةً وقِنا عَذابَ النّارِ، رَبَّنا إنَّنا آمَنّا ﴿فاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وكَفِّرْ عَنّا سَيِّئاتِنا وتَوَفَّنا مَعَ الأبْرارِ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿إنَّكَ لا تُخْلِفُ المِيعادَ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنْ إبْراهِيمَ النَّخَعِيِّ قالَ: كانَ يُسْتَحَبُّ أنْ يَدْعُوَ في المَكْتُوبَةِ بِدُعاءِ القُرْآنِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ أنَّهُ سُئِلَ عَنِ الدُّعاءِ في الصَّلاةِ، فَقالَ: كانَ أحَبَّ دُعائِهِمْ ما وافَقَ القُرْآنَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنْ مُجاهِدٍ وطاوُسٍ قالا: ادْعُوا في الفَرِيضَةِ بِما في القُرْآنِ. وأخْرَجَ أحْمَدُ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««عَسْقَلانُ أحَدُ العَرُوسَيْنِ، يَبْعَثُ اللَّهُ مِنها يَوْمَ القِيامَةِ سَبْعِينَ ألْفًا لا حِسابَ عَلَيْهِمْ، ويُبْعَثُ مِنها خَمْسُونَ ألْفًا شُهَداءَ وُفُودًا إلى اللَّهِ، وبِها صُفُوفُ (p-١٨٧)الشُّهَداءِ، رُؤُوسُهم تَقَطَّعُ في أيْدِيهِمْ، تَثِجُّ أوْداجُهم دَمًا يَقُولُونَ: رَبَّنا وآتِنا ما وعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ، ولا تُخْزِنا يَوْمَ القِيامَةِ، إنَّكَ لا تُخْلِفُ المِيعادَ. فَيَقُولُ: صَدَقَ عَبِيدِي، اغْسِلُوهم بِنَهْرِ البَيْضَةِ فَيَخْرُجُونَ مِنهُ بِيضًا، فَيَسْرَحُونَ في الجَنَّةِ حَيْثُ شاءُوا»» .

آل عمران 3:194

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿رَبَّنا إنَّكَ مَن تُدْخِلِ النّارَ﴾ الآياتِ. أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أبِي الدَّرْداءِ، وابْنُ عَبّاسٍ، أنَّهُما كانا يَقُولانِ: اسْمُ اللَّهِ الأكْبَرُ رَبِّ رَبِّ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أنَسٍ في قَوْلِهِ: ﴿مَن تُدْخِلِ النّارَ فَقَدْ أخْزَيْتَهُ﴾ قالَ: مَن تُخَلِّدُ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ في قَوْلِهِ: ﴿رَبَّنا إنَّكَ مَن تُدْخِلِ النّارَ فَقَدْ أخْزَيْتَهُ﴾ قالَ: هَذِهِ خاصَّةٌ لِمَن لا يَخْرُجُ مِنها. (p-١٨٤)وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، والحاكِمُ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينارٍ قالَ: «قَدِمَ عَلَيْنا جابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ في عُمْرَةٍ، فانْتَهَيْتُ إلَيْهِ أنا وعَطاءٌ، فَقُلْتُ: ﴿وما هم بِخارِجِينَ مِنَ النّارِ﴾ [البقرة: ١٦٧] [البَقَرَةِ: ١٦٧] قالَ: أخْبَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنَّهُمُ الكُفّارُ، قُلْتُ لِجابِرٍ: فَقَوْلُهُ: ﴿إنَّكَ مَن تُدْخِلِ النّارَ فَقَدْ أخْزَيْتَهُ﴾ قالَ: وما أخْزاهُ حِينَ أحْرَقَهُ بِالنّارِ! وإنَّ دُونَ ذَلِكَ خِزْيًا»! . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ في قَوْلِهِ: ﴿مُنادِيًا يُنادِي لِلإيمانِ﴾ قالَ: هو مُحَمَّدٌ ﷺ . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ، مِثْلَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والخَطِيبُ في ”المُتَّفِقِ والمُفْتَرِقِ“ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ: ﴿سَمِعْنا مُنادِيًا يُنادِي لِلإيمانِ﴾ قالَ: هو القُرْآنُ، لَيْسَ كُلُّ النّاسِ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في الآيَةِ قالَ: سَمِعُوا دَعْوَةً مِنَ اللَّهِ فَأجابُوها وأحْسَنُوا فِيها: وصَبَرُوا عَلَيْها، يُنَبِّئُكُمُ اللَّهُ عَنْ مُؤْمِنِ الإنْسِ كَيْفَ قالَ، وعَنْ مُؤْمِنِ الجِنِّ كَيْفَ قالَ؛ فَأمّا مُؤْمِنُ الجِنِّ فَقالَ: ﴿إنّا سَمِعْنا قُرْآنًا عَجَبًا﴾ [الجن: ١] ﴿يَهْدِي إلى الرُّشْدِ فَآمَنّا بِهِ ولَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنا أحَدًا﴾ [الجن: ٢] [الجِنِّ: ١-٢] . (p-١٨٥)وأمّا مُؤْمِنُ الإنْسِ فَقالَ: ﴿رَبَّنا إنَّنا سَمِعْنا مُنادِيًا يُنادِي لِلإيمانِ أنْ آمِنُوا بِرَبِّكم فَآمَنّا رَبَّنا فاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وكَفِّرْ عَنّا سَيِّئاتِنا وتَوَفَّنا مَعَ الأبْرارِ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ: ﴿رَبَّنا وآتِنا ما وعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ﴾ قالَ: يَسْتَنْجِزُونَ مَوْعِدَ اللَّهِ عَلى رُسُلِهِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿ولا تُخْزِنا يَوْمَ القِيامَةِ﴾ قالَ: لا تَفْضَحْنا، ﴿إنَّكَ لا تُخْلِفُ المِيعادَ﴾ قالَ: مِيعادُ مَن قالَ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ. ﴿فاسْتَجابَ لَهم رَبُّهم أنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عامِلٍ مِنكُمْ﴾ [آل عمران: ١٩٥] قالَ: أهْلُ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، أهْلُ التَّوْحِيدِ والإخْلاصِ، لا أُخْزِيهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ. وأخْرَجَ أبُو يَعْلى، عَنْ جابِرٍ: أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: ««العارُ والتَّخْزِيَةُ يَبْلُغُ مِنَ ابْنِ آدَمَ في القِيامَةِ في المَقامِ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ ما يَتَمَنّى العَبْدُ أنْ يُؤْمَرَ بِهِ إلى النّارِ»» . وأخْرَجَ أبُو بَكْرٍ الشّافِعِيُّ في ”رُباعِيَّتِهِ“ عَنْ أبِي قِرْصافَةَ قالَ: كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ««اللَّهُمَّ لا تُخْزِنا يَوْمَ القِيامَةِ، ولا تَفْضَحْنا يَوْمَ اللِّقاءِ»» . (p-١٨٦)وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، أنَّهُ قالَ: إذا فَرَغَ أحَدُكم مِنَ التَّشَهُّدِ في الصَّلاةِ فَلْيَقُلْ: اللَّهُمَّ إنِّي أسْألُكَ مِنَ الخَيْرِ كُلِّهِ ما عَلِمْتُ مِنهُ وما لَمْ أعْلَمْ، وأعُوذُ بِكَ مِنَ الشَّرِّ كُلِّهِ ما عَلِمْتُ مِنهُ وما لَمْ أعْلَمْ. اللَّهُمَّ إنِّي أسْألُكَ مِن خَيْرِ ما سَألَكَ عِبادُكَ الصّالِحُونَ، وأعُوذُ بِكَ مِن شَرِّ ما عاذَ مِنهُ عِبادُكَ الصّالِحُونَ، رَبَّنا آتِنا في الدُّنْيا حَسَنَةً وفي الآخِرَةِ حَسَنَةً وقِنا عَذابَ النّارِ، رَبَّنا إنَّنا آمَنّا ﴿فاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وكَفِّرْ عَنّا سَيِّئاتِنا وتَوَفَّنا مَعَ الأبْرارِ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿إنَّكَ لا تُخْلِفُ المِيعادَ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنْ إبْراهِيمَ النَّخَعِيِّ قالَ: كانَ يُسْتَحَبُّ أنْ يَدْعُوَ في المَكْتُوبَةِ بِدُعاءِ القُرْآنِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ أنَّهُ سُئِلَ عَنِ الدُّعاءِ في الصَّلاةِ، فَقالَ: كانَ أحَبَّ دُعائِهِمْ ما وافَقَ القُرْآنَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنْ مُجاهِدٍ وطاوُسٍ قالا: ادْعُوا في الفَرِيضَةِ بِما في القُرْآنِ. وأخْرَجَ أحْمَدُ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««عَسْقَلانُ أحَدُ العَرُوسَيْنِ، يَبْعَثُ اللَّهُ مِنها يَوْمَ القِيامَةِ سَبْعِينَ ألْفًا لا حِسابَ عَلَيْهِمْ، ويُبْعَثُ مِنها خَمْسُونَ ألْفًا شُهَداءَ وُفُودًا إلى اللَّهِ، وبِها صُفُوفُ (p-١٨٧)الشُّهَداءِ، رُؤُوسُهم تَقَطَّعُ في أيْدِيهِمْ، تَثِجُّ أوْداجُهم دَمًا يَقُولُونَ: رَبَّنا وآتِنا ما وعَدْتَنا عَلى رُسُلِكَ، ولا تُخْزِنا يَوْمَ القِيامَةِ، إنَّكَ لا تُخْلِفُ المِيعادَ. فَيَقُولُ: صَدَقَ عَبِيدِي، اغْسِلُوهم بِنَهْرِ البَيْضَةِ فَيَخْرُجُونَ مِنهُ بِيضًا، فَيَسْرَحُونَ في الجَنَّةِ حَيْثُ شاءُوا»» .