Lafzullah

Al-Durr Al-Manthur — النساء 4:97 – النساء 4:156

المؤلف / المصدر: Al-Durr Al-Manthur

المحتويات
  1. النساء 4:97
  2. النساء 4:98
  3. النساء 4:99
  4. النساء 4:100
  5. النساء 4:101
  6. النساء 4:102
  7. النساء 4:103
  8. النساء 4:104
  9. النساء 4:105
  10. النساء 4:106
  11. النساء 4:107
  12. النساء 4:108
  13. النساء 4:109
  14. النساء 4:110
  15. النساء 4:111
  16. النساء 4:112
  17. النساء 4:113
  18. النساء 4:114
  19. النساء 4:115
  20. النساء 4:117
  21. النساء 4:118
  22. النساء 4:119
  23. النساء 4:122
  24. النساء 4:123
  25. النساء 4:124
  26. النساء 4:125
  27. النساء 4:127
  28. النساء 4:128
  29. النساء 4:129
  30. النساء 4:130
  31. النساء 4:131
  32. النساء 4:132
  33. النساء 4:133
  34. النساء 4:135
  35. النساء 4:136
  36. النساء 4:137
  37. النساء 4:139
  38. النساء 4:140
  39. النساء 4:141
  40. النساء 4:142
  41. النساء 4:143
  42. النساء 4:144
  43. النساء 4:145
  44. النساء 4:146
  45. النساء 4:147
  46. النساء 4:148
  47. النساء 4:150
  48. النساء 4:153
  49. النساء 4:154
  50. النساء 4:155
  51. النساء 4:156

النساء 4:97

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ تَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ﴾ الآيَةَ. أخْرَجَ البُخارِيُّ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في ”سُنَنِهِ“، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ ناسًا مِنَ المُسْلِمِينَ كانُوا مَعَ المُشْرِكِينَ يُكَثِّرُونَ سَوادَ المُشْرِكِينَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَيَأْتِي السَّهْمُ يُرْمى بِهِ، فَيُصِيبُ أحَدَهم فَيَقْتُلُهُ، أوْ يُضْرَبُ فَيُقْتَلُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ تَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ ظالِمِي أنْفُسِهِمْ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في ”سُنَنِهِ“، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانَ قَوْمٌ مِن أهْلِ مَكَّةَ أسْلَمُوا، وكانُوا يَسْتَخْفُونَ بِالإسْلامِ، فَأخْرَجَهُمُ المُشْرِكُونَ مَعَهم يَوْمَ بَدْرٍ، فَأُصِيبَ بَعْضُهم وقُتِلَ بَعْضٌ، فَقالَ المُسْلِمُونَ: قَدْ كانَ أصْحابُنا هَؤُلاءِ مُسْلِمِينَ وأُكْرِهُوا. فاسْتَغْفَرُوا لَهُمْ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ تَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ ظالِمِي أنْفُسِهِمْ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ، قالَ فَكُتِبَ إلى مَن بَقِيَ بِمَكَّةَ مِنَ المُسْلِمِينَ بِهَذِهِ الآيَةِ، وأنَّهُ لا عُذْرَ لَهُمْ، فَخَرَجُوا فَلَحِقَهُمُ المُشْرِكُونَ فَأعْطَوْهُمُ الفِتْنَةَ، فَنَزَلَتْ فِيهِمْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ آمَنّا بِاللَّهِ فَإذا أُوذِيَ في اللَّهِ﴾ [العنكبوت: ١٠] إلى آخِرِ الآيَةِ [العَنْكَبُوتِ: ١٠]، فَكَتَبَ المُسْلِمُونَ إلَيْهِمْ بِذَلِكَ، فَحَزِنُوا وأيِسُوا مِن كُلِّ خَيْرٍ، فَنَزَلَتْ فِيهِمْ: ﴿ثُمَّ إنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا مِن بَعْدِ ما فُتِنُوا ثُمَّ جاهَدُوا وصَبَرُوا إنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل: ١١٠] [النَّحْلِ: ١١٠] . (p-٦٣٧)فَكَتَبُوا إلَيْهِمْ بِذَلِكَ: إنَّ اللَّهَ قَدْ جَعَلَ لَكم مَخْرَجًا فاخْرُجُوا، فَخَرَجُوا فَأدْرَكَهُمُ المُشْرِكُونَ فَقاتَلُوهُمْ، حَتّى نَجا مَن نَجا، وقُتِلَ مَن قُتِلَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ تَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ ظالِمِي أنْفُسِهِمْ قالُوا فِيمَ كُنْتُمْ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿وساءَتْ مَصِيرًا﴾ قالَ: نَزَلَتْ في قَيْسِ بْنِ الفاكِهِ بْنِ المُغِيرَةِ، والحارِثِ بْنِ زَمْعَةَ بْنِ الأسْوَدِ، وقَيْسِ بْنِ الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ، وأبِي العاصِ بْنِ مُنَبِّهِ بْنِ الحَجّاجِ، وعَلِيِّ بْنِ أُمِّيَّةَ بْنِ خَلَفٍ، قالَ: لَمّا خَرَجَ المُشْرِكُونَ مِن قُرَيْشٍ وأتْباعُهم لِمَنعِ أبِي سُفْيانَ بْنِ حَرْبٍ وعِيرِ قُرَيْشٍ مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وأصْحابِهِ، وأنْ يَطْلُبُوا ما نِيلَ مِنهم يَوْمَ نَخْلَةَ، خَرَجُوا مَعَهم بِشَبابٍ كارِهِينَ، كانُوا قَدْ أسْلَمُوا واجْتَمَعُوا بِبَدْرٍ عَلى غَيْرِ مَوْعِدٍ، فَقُتِلُوا بِبَدْرٍ كُفّارًا، ورَجَعُوا عَنِ الإسْلامِ، وهم هَؤُلاءِ الَّذِينَ سَمَّيْناهم. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إسْحاقَ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ تَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ﴾ قالَ: هم خَمْسَةُ فِتْيَةٍ مِن قُرَيْشٍ؛ عَلِيُّ (p-٦٣٨)بْنُ أُمَيَّةَ، وأبُو قَيْسِ بْنُ الفاكِهِ، وزَمَعَةُ بْنُ الأُسُودِ، وأبُو العاصِ بْنُ مُنَبِّهٍ، قالَ: ونَسِيتُ الخامِسَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، مِن طَرِيقِ العَوْفِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في الآيَةِ قالَ: هم قَوْمٌ تَخَلَّفُوا بَعْدَ النَّبِيِّ ﷺ وتَرَكُوا أنْ يَخْرُجُوا مَعَهُ، فَمَن ماتَ مِنهم قَبْلَ أنْ يَلْحَقَ بِالنَّبِيِّ ﷺ ضَرَبَتِ المَلائِكَةُ وجْهَهُ ودُبُرَهُ. وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانَ قَوْمٌ بِمَكَّةَ قَدْ أسْلَمُوا فَلَمّا هاجَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كَرِهُوا أنْ يُهاجِرُوا وخافُوا، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ تَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ ظالِمِي أنْفُسِهِمْ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿إلا المُسْتَضْعَفِينَ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الضَّحّاكِ في الآيَةِ قالَ: هم أُناسٌ مِنَ المُنافِقِينَ تَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِمَكَّةَ، فَلَمْ يَخْرُجُوا مَعَهُ إلى المَدِينَةِ، وخَرَجُوا مَعَ مُشْرِكِي قُرَيْشٍ إلى بَدْرٍ، فَأُصِيبُوا يَوْمَ بَدْرٍ فِيمَن أُصِيبَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ هَذِهِ الآيَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ قالَ: «لَمّا أُسِرَ العَبّاسُ وعَقِيلٌ ونَوْفَلٌ، قالَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ: «افْدِ نَفْسَكَ وابْنَ أخِيكَ» قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، ألَمْ نُصَلِّ قِبْلَتَكَ ونَشْهَدْ شَهادَتَكَ؟ قالَ: «يا عَبّاسُ، إنَّكم خاصَمْتُمْ فَخُصِمْتُمْ» ثُمَّ تَلا عَلَيْهِ هَذِهِ الآيَةَ ﴿ألَمْ تَكُنْ أرْضُ اللَّهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها فَأُولَئِكَ مَأْواهم جَهَنَّمُ وساءَتْ مَصِيرًا﴾ . (p-٦٣٩)فَيَوْمَ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ كانَ مَن أسْلَمَ ولَمْ يُهاجِرْ فَهو كافِرٌ حَتّى يُهاجِرَ، إلّا المُسْتَضْعَفِينَ الَّذِينَ ﴿لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً ولا يَهْتَدُونَ سَبِيلا﴾؛ حِيلَةً في المالِ، والسَّبِيلُ الطَّرِيقُ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كُنْتُ أنا مِنهم ومِنَ الوِلْدانِ» . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ في الآيَةِ قالَ: حُدِّثْتُ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ أُنْزِلْتُ في أُناسٍ تَكَلَّمُوا بِالإسْلامِ مِن أهْلِ مَكَّةَ، فَخَرَجُوا مَعَ عَدُوِّ اللَّهِ أبِي جَهْلٍ، فَقُتِلُوا يَوْمَ بَدْرٍ، فاعْتَذَرُوا بِغَيْرِ عُذْرٍ، فَأبى اللَّهُ أنْ يَقْبَلَ مِنهُمْ، وقَوْلِهِ: ﴿إلا المُسْتَضْعَفِينَ﴾ قالَ: أُناسٌ مِن أهْلِ مَكَّةَ عَذَرَهُمُ اللَّهُ فاسْتَثْناهُمْ، قالَ: وكانَ ابْنُ عَبّاسٍ يَقُولُ: كُنْتُ أنا وأُمِّي مِنَ الَّذِينَ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً ولا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ قالَ في الآيَةِ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِيمَن قُتِلَ يَوْمَ بَدْرٍ مِنَ الضُّعَفاءِ في كُفّارِ قُرَيْشٍ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ في الآيَةِ قالَ: لَمّا بُعِثَ النَّبِيُّ ﷺ وظَهَرَ، ونَبَعَ الإيمانُ، نَبَعَ النِّفاقُ مَعَهُ، فَأتى إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ رِجالٌ فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، لَوْلا أنا نَخافُ هَؤُلاءِ القَوْمَ يُعَذِّبُونَ ويَفْعَلُونَ ويَفْعَلُونَ لَأسْلَمْنا، ولَكِنّا نَشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وأنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ، فَكانُوا يَقُولُونَ ذَلِكَ لَهُ، فَلَمّا كانَ يَوْمُ بَدْرٍ، قامَ (p-٦٤٠)المُشْرِكُونَ فَقالُوا: لا يَتَخَلَّفُ عَنّا أحَدٌ إلّا هَدَمْنا دارَهُ واسْتَبَحْنا مالَهُ، فَخَرَجَ أُولَئِكَ الَّذِينَ كانُوا يَقُولُونَ ذَلِكَ القَوْلَ لِلنَّبِيِّ ﷺ مَعَهُمْ، فَقُتِلَتْ طائِفَةٌ مِنهُمْ، وأُسِرَتْ طائِفَةٌ. قالَ: فَأمّا الَّذِينَ قُتِلُوا فَهُمُ الَّذِينَ قالَ اللَّهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ تَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ ظالِمِي أنْفُسِهِمْ﴾ الآيَةَ كُلَّها. ألَمْ تَكُنْ أرْضُ اللَّهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها وتَتْرُكُوا هَؤُلاءِ الَّذِينَ يَسْتَضْعِفُونَكُمْ؟ ﴿فَأُولَئِكَ مَأْواهم جَهَنَّمُ وساءَتْ مَصِيرًا﴾ ثُمَّ عَذَرَ اللَّهُ أهْلَ الصِّدْقِ، فَقالَ: ﴿إلا المُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ والنِّساءِ والوِلْدانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً ولا يَهْتَدُونَ سَبِيلا﴾ يَتَوَجَّهُونَ لَهُ، لَوْ خَرَجُوا لَهَلَكُوا، ﴿فَأُولَئِكَ عَسى اللَّهُ أنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ﴾ إقامَتَهم بَيْنَ ظَهْرَيِ المُشْرِكِينَ، وقالَ الَّذِينَ أُسِرُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّكَ تَعْلَمُ أنّا كُنّا نَأْتِيكَ فَنَشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وأنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ، وأنَّ هَؤُلاءِ القَوْمَ خَرَجْنا مَعَهم خَوْفًا، فَقالَ اللَّهُ: (يا أيُّها النَّبِيُّ قُلْ لِمَن في أيْدِيكم مِنَ الأُسارى إنْ يَعْلَمِ اللَّهُ في قُلُوبِكم خَيْرًا يُؤْتِكم خَيْرًا مِمّا أُخِذَ مِنكم ويَغْفِرْ لَكُمْ) صَنِيعَكُمُ الَّذِي صَنَعْتُمْ، خُرُوجَكم مَعَ المُشْرِكِينَ عَلى النَّبِيِّ ﷺ، ﴿وإنْ يُرِيدُوا خِيانَتَكَ فَقَدْ خانُوا اللَّهَ مِن قَبْلُ﴾ [الأنفال: ٧١] خَرَجُوا مَعَ المُشْرِكِينَ ﴿فَأمْكَنَ مِنهُمْ﴾ [الأنفال: ٧١] [الأنْفالِ: ٧١] . وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والبُخارِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في ”سُنَنِهِ“ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كُنْتُ أنا وأُمِّي مِنَ المُسْتَضْعَفِينَ، أنا مِنَ الوِلْدانِ، وأُمِّي مِنَ النِّساءِ. (p-٦٤١)وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والبُخارِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، والطَّبَرانِيُّ، والبَيْهَقِيُّ في ”سُنَنِهِ“ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ تَلا: ﴿إلا المُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ والنِّساءِ والوِلْدانِ﴾ قالَ: كُنْتُ أنا وأُمِّي مِمَّنْ عَذَرَ اللَّهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ يَدْعُو في دُبُرِ كُلِّ صَلاةٍ: «اللَّهُمَّ خَلِّصَ الوَلِيدَ، وسَلَمَةَ بْنَ هِشامٍ، وعَيّاشَ بْنَ أبِي رَبِيعَةَ وضَعَفَةَ المُسْلِمِينَ مِن أيْدِي المُشْرِكِينَ الَّذِينَ لا يَسْتَطِيعُونَ حِلْيَةً ولا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا»» . وأخْرَجَ البُخارِيُّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «بَيْنا النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي العِشاءَ إذْ قالَ: «سَمِعَ اللَّهُ لِمَن حَمْدُهُ» ثُمَّ قالَ قَبْلَ أنْ يَسْجُدَ: «اللَّهُمَّ نَجِّ عَيّاشَ بْنَ أبِي رَبِيعَةَ، اللَّهُمَّ نَجِّ سَلَمَةَ بْنَ هِشامٍ، اللَّهُمَّ نَجِّ الوَلِيدَ بْنَ الوَلِيدِ، اللَّهُمَّ نَجِّ المُسْتَضْعَفِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ، اللَّهُمَّ اشْدُدْ وطَأتَكَ عَلى مُضَرَ، اللَّهُمَّ اجْعَلْها سِنِينَ كَسِنِي يُوسُفَ»» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ عِكْرِمَةَ في قَوْلِهِ: ﴿إلا المُسْتَضْعَفِينَ﴾ يَعْنِي الشَّيْخَ الكَبِيرَ، والعَجُوزَ، والجَوارِيَ الصِّغارَ، والغِلْمانَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيى بْنِ حِبّانَ قالَ: «مَكَثَ النَّبِيُّ ﷺ أرْبَعِينَ صَباحًا يَقْنُتُ في صَلاةِ الصُّبْحِ بَعْدَ الرُّكُوعِ، وكانَ يَقُولُ في قُنُوتِهِ: (p-٦٤٢)«اللَّهُمَّ أنْجِ الوَلِيدَ بْنَ الوَلِيدِ، وعِياشَ بْنَ أبِي رَبِيعَةَ، والعاصِيَ بْنَ هِشامٍ، والمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ بِمَكَّةَ، الَّذِينَ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً ولا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا»» . وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ تَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ ظالِمِي أنْفُسِهِمْ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿وساءَتْ مَصِيرًا﴾ قالَ: كانُوا قَوْمًا مِنَ المُسْلِمِينَ بِمَكَّةَ فَخَرَجُوا مَعَ قَوْمِهِمْ مِنَ المُشْرِكِينَ في قِتالٍ فَقُتِلُوا مَعَهُمْ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿إلا المُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ والنِّساءِ والوِلْدانِ﴾ فَعَذَرَ اللَّهُ أهْلَ العُذْرِ مِنهُمْ، وأهْلَكَ مَن لا عُذْرَ لَهُ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وكُنْتُ أنا وأُمِّي مِمَّنْ كانَ لَهُ عُذْرٌ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ: ﴿لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً﴾ قُوَّةً. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ في قَوْلِهِ: ﴿لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً﴾ قالَ: نُهُوضًا إلى المَدِينَةِ، ﴿ولا يَهْتَدُونَ سَبِيلا﴾ طَرِيقًا إلى المَدِينَةِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مُجاهِدٍ: ﴿ولا يَهْتَدُونَ سَبِيلا﴾ طَرِيقًا إلى المَدِينَةِ.

النساء 4:98

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ تَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ﴾ الآيَةَ. أخْرَجَ البُخارِيُّ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في ”سُنَنِهِ“، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ ناسًا مِنَ المُسْلِمِينَ كانُوا مَعَ المُشْرِكِينَ يُكَثِّرُونَ سَوادَ المُشْرِكِينَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَيَأْتِي السَّهْمُ يُرْمى بِهِ، فَيُصِيبُ أحَدَهم فَيَقْتُلُهُ، أوْ يُضْرَبُ فَيُقْتَلُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ تَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ ظالِمِي أنْفُسِهِمْ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في ”سُنَنِهِ“، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانَ قَوْمٌ مِن أهْلِ مَكَّةَ أسْلَمُوا، وكانُوا يَسْتَخْفُونَ بِالإسْلامِ، فَأخْرَجَهُمُ المُشْرِكُونَ مَعَهم يَوْمَ بَدْرٍ، فَأُصِيبَ بَعْضُهم وقُتِلَ بَعْضٌ، فَقالَ المُسْلِمُونَ: قَدْ كانَ أصْحابُنا هَؤُلاءِ مُسْلِمِينَ وأُكْرِهُوا. فاسْتَغْفَرُوا لَهُمْ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ تَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ ظالِمِي أنْفُسِهِمْ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ، قالَ فَكُتِبَ إلى مَن بَقِيَ بِمَكَّةَ مِنَ المُسْلِمِينَ بِهَذِهِ الآيَةِ، وأنَّهُ لا عُذْرَ لَهُمْ، فَخَرَجُوا فَلَحِقَهُمُ المُشْرِكُونَ فَأعْطَوْهُمُ الفِتْنَةَ، فَنَزَلَتْ فِيهِمْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ آمَنّا بِاللَّهِ فَإذا أُوذِيَ في اللَّهِ﴾ [العنكبوت: ١٠] إلى آخِرِ الآيَةِ [العَنْكَبُوتِ: ١٠]، فَكَتَبَ المُسْلِمُونَ إلَيْهِمْ بِذَلِكَ، فَحَزِنُوا وأيِسُوا مِن كُلِّ خَيْرٍ، فَنَزَلَتْ فِيهِمْ: ﴿ثُمَّ إنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا مِن بَعْدِ ما فُتِنُوا ثُمَّ جاهَدُوا وصَبَرُوا إنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل: ١١٠] [النَّحْلِ: ١١٠] . (p-٦٣٧)فَكَتَبُوا إلَيْهِمْ بِذَلِكَ: إنَّ اللَّهَ قَدْ جَعَلَ لَكم مَخْرَجًا فاخْرُجُوا، فَخَرَجُوا فَأدْرَكَهُمُ المُشْرِكُونَ فَقاتَلُوهُمْ، حَتّى نَجا مَن نَجا، وقُتِلَ مَن قُتِلَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ تَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ ظالِمِي أنْفُسِهِمْ قالُوا فِيمَ كُنْتُمْ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿وساءَتْ مَصِيرًا﴾ قالَ: نَزَلَتْ في قَيْسِ بْنِ الفاكِهِ بْنِ المُغِيرَةِ، والحارِثِ بْنِ زَمْعَةَ بْنِ الأسْوَدِ، وقَيْسِ بْنِ الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ، وأبِي العاصِ بْنِ مُنَبِّهِ بْنِ الحَجّاجِ، وعَلِيِّ بْنِ أُمِّيَّةَ بْنِ خَلَفٍ، قالَ: لَمّا خَرَجَ المُشْرِكُونَ مِن قُرَيْشٍ وأتْباعُهم لِمَنعِ أبِي سُفْيانَ بْنِ حَرْبٍ وعِيرِ قُرَيْشٍ مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وأصْحابِهِ، وأنْ يَطْلُبُوا ما نِيلَ مِنهم يَوْمَ نَخْلَةَ، خَرَجُوا مَعَهم بِشَبابٍ كارِهِينَ، كانُوا قَدْ أسْلَمُوا واجْتَمَعُوا بِبَدْرٍ عَلى غَيْرِ مَوْعِدٍ، فَقُتِلُوا بِبَدْرٍ كُفّارًا، ورَجَعُوا عَنِ الإسْلامِ، وهم هَؤُلاءِ الَّذِينَ سَمَّيْناهم. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إسْحاقَ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ تَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ﴾ قالَ: هم خَمْسَةُ فِتْيَةٍ مِن قُرَيْشٍ؛ عَلِيُّ (p-٦٣٨)بْنُ أُمَيَّةَ، وأبُو قَيْسِ بْنُ الفاكِهِ، وزَمَعَةُ بْنُ الأُسُودِ، وأبُو العاصِ بْنُ مُنَبِّهٍ، قالَ: ونَسِيتُ الخامِسَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، مِن طَرِيقِ العَوْفِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في الآيَةِ قالَ: هم قَوْمٌ تَخَلَّفُوا بَعْدَ النَّبِيِّ ﷺ وتَرَكُوا أنْ يَخْرُجُوا مَعَهُ، فَمَن ماتَ مِنهم قَبْلَ أنْ يَلْحَقَ بِالنَّبِيِّ ﷺ ضَرَبَتِ المَلائِكَةُ وجْهَهُ ودُبُرَهُ. وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانَ قَوْمٌ بِمَكَّةَ قَدْ أسْلَمُوا فَلَمّا هاجَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كَرِهُوا أنْ يُهاجِرُوا وخافُوا، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ تَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ ظالِمِي أنْفُسِهِمْ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿إلا المُسْتَضْعَفِينَ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الضَّحّاكِ في الآيَةِ قالَ: هم أُناسٌ مِنَ المُنافِقِينَ تَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِمَكَّةَ، فَلَمْ يَخْرُجُوا مَعَهُ إلى المَدِينَةِ، وخَرَجُوا مَعَ مُشْرِكِي قُرَيْشٍ إلى بَدْرٍ، فَأُصِيبُوا يَوْمَ بَدْرٍ فِيمَن أُصِيبَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ هَذِهِ الآيَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ قالَ: «لَمّا أُسِرَ العَبّاسُ وعَقِيلٌ ونَوْفَلٌ، قالَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ: «افْدِ نَفْسَكَ وابْنَ أخِيكَ» قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، ألَمْ نُصَلِّ قِبْلَتَكَ ونَشْهَدْ شَهادَتَكَ؟ قالَ: «يا عَبّاسُ، إنَّكم خاصَمْتُمْ فَخُصِمْتُمْ» ثُمَّ تَلا عَلَيْهِ هَذِهِ الآيَةَ ﴿ألَمْ تَكُنْ أرْضُ اللَّهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها فَأُولَئِكَ مَأْواهم جَهَنَّمُ وساءَتْ مَصِيرًا﴾ . (p-٦٣٩)فَيَوْمَ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ كانَ مَن أسْلَمَ ولَمْ يُهاجِرْ فَهو كافِرٌ حَتّى يُهاجِرَ، إلّا المُسْتَضْعَفِينَ الَّذِينَ ﴿لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً ولا يَهْتَدُونَ سَبِيلا﴾؛ حِيلَةً في المالِ، والسَّبِيلُ الطَّرِيقُ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كُنْتُ أنا مِنهم ومِنَ الوِلْدانِ» . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ في الآيَةِ قالَ: حُدِّثْتُ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ أُنْزِلْتُ في أُناسٍ تَكَلَّمُوا بِالإسْلامِ مِن أهْلِ مَكَّةَ، فَخَرَجُوا مَعَ عَدُوِّ اللَّهِ أبِي جَهْلٍ، فَقُتِلُوا يَوْمَ بَدْرٍ، فاعْتَذَرُوا بِغَيْرِ عُذْرٍ، فَأبى اللَّهُ أنْ يَقْبَلَ مِنهُمْ، وقَوْلِهِ: ﴿إلا المُسْتَضْعَفِينَ﴾ قالَ: أُناسٌ مِن أهْلِ مَكَّةَ عَذَرَهُمُ اللَّهُ فاسْتَثْناهُمْ، قالَ: وكانَ ابْنُ عَبّاسٍ يَقُولُ: كُنْتُ أنا وأُمِّي مِنَ الَّذِينَ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً ولا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ قالَ في الآيَةِ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِيمَن قُتِلَ يَوْمَ بَدْرٍ مِنَ الضُّعَفاءِ في كُفّارِ قُرَيْشٍ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ في الآيَةِ قالَ: لَمّا بُعِثَ النَّبِيُّ ﷺ وظَهَرَ، ونَبَعَ الإيمانُ، نَبَعَ النِّفاقُ مَعَهُ، فَأتى إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ رِجالٌ فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، لَوْلا أنا نَخافُ هَؤُلاءِ القَوْمَ يُعَذِّبُونَ ويَفْعَلُونَ ويَفْعَلُونَ لَأسْلَمْنا، ولَكِنّا نَشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وأنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ، فَكانُوا يَقُولُونَ ذَلِكَ لَهُ، فَلَمّا كانَ يَوْمُ بَدْرٍ، قامَ (p-٦٤٠)المُشْرِكُونَ فَقالُوا: لا يَتَخَلَّفُ عَنّا أحَدٌ إلّا هَدَمْنا دارَهُ واسْتَبَحْنا مالَهُ، فَخَرَجَ أُولَئِكَ الَّذِينَ كانُوا يَقُولُونَ ذَلِكَ القَوْلَ لِلنَّبِيِّ ﷺ مَعَهُمْ، فَقُتِلَتْ طائِفَةٌ مِنهُمْ، وأُسِرَتْ طائِفَةٌ. قالَ: فَأمّا الَّذِينَ قُتِلُوا فَهُمُ الَّذِينَ قالَ اللَّهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ تَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ ظالِمِي أنْفُسِهِمْ﴾ الآيَةَ كُلَّها. ألَمْ تَكُنْ أرْضُ اللَّهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها وتَتْرُكُوا هَؤُلاءِ الَّذِينَ يَسْتَضْعِفُونَكُمْ؟ ﴿فَأُولَئِكَ مَأْواهم جَهَنَّمُ وساءَتْ مَصِيرًا﴾ ثُمَّ عَذَرَ اللَّهُ أهْلَ الصِّدْقِ، فَقالَ: ﴿إلا المُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ والنِّساءِ والوِلْدانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً ولا يَهْتَدُونَ سَبِيلا﴾ يَتَوَجَّهُونَ لَهُ، لَوْ خَرَجُوا لَهَلَكُوا، ﴿فَأُولَئِكَ عَسى اللَّهُ أنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ﴾ إقامَتَهم بَيْنَ ظَهْرَيِ المُشْرِكِينَ، وقالَ الَّذِينَ أُسِرُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّكَ تَعْلَمُ أنّا كُنّا نَأْتِيكَ فَنَشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وأنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ، وأنَّ هَؤُلاءِ القَوْمَ خَرَجْنا مَعَهم خَوْفًا، فَقالَ اللَّهُ: (يا أيُّها النَّبِيُّ قُلْ لِمَن في أيْدِيكم مِنَ الأُسارى إنْ يَعْلَمِ اللَّهُ في قُلُوبِكم خَيْرًا يُؤْتِكم خَيْرًا مِمّا أُخِذَ مِنكم ويَغْفِرْ لَكُمْ) صَنِيعَكُمُ الَّذِي صَنَعْتُمْ، خُرُوجَكم مَعَ المُشْرِكِينَ عَلى النَّبِيِّ ﷺ، ﴿وإنْ يُرِيدُوا خِيانَتَكَ فَقَدْ خانُوا اللَّهَ مِن قَبْلُ﴾ [الأنفال: ٧١] خَرَجُوا مَعَ المُشْرِكِينَ ﴿فَأمْكَنَ مِنهُمْ﴾ [الأنفال: ٧١] [الأنْفالِ: ٧١] . وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والبُخارِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في ”سُنَنِهِ“ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كُنْتُ أنا وأُمِّي مِنَ المُسْتَضْعَفِينَ، أنا مِنَ الوِلْدانِ، وأُمِّي مِنَ النِّساءِ. (p-٦٤١)وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والبُخارِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، والطَّبَرانِيُّ، والبَيْهَقِيُّ في ”سُنَنِهِ“ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ تَلا: ﴿إلا المُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ والنِّساءِ والوِلْدانِ﴾ قالَ: كُنْتُ أنا وأُمِّي مِمَّنْ عَذَرَ اللَّهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ يَدْعُو في دُبُرِ كُلِّ صَلاةٍ: «اللَّهُمَّ خَلِّصَ الوَلِيدَ، وسَلَمَةَ بْنَ هِشامٍ، وعَيّاشَ بْنَ أبِي رَبِيعَةَ وضَعَفَةَ المُسْلِمِينَ مِن أيْدِي المُشْرِكِينَ الَّذِينَ لا يَسْتَطِيعُونَ حِلْيَةً ولا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا»» . وأخْرَجَ البُخارِيُّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «بَيْنا النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي العِشاءَ إذْ قالَ: «سَمِعَ اللَّهُ لِمَن حَمْدُهُ» ثُمَّ قالَ قَبْلَ أنْ يَسْجُدَ: «اللَّهُمَّ نَجِّ عَيّاشَ بْنَ أبِي رَبِيعَةَ، اللَّهُمَّ نَجِّ سَلَمَةَ بْنَ هِشامٍ، اللَّهُمَّ نَجِّ الوَلِيدَ بْنَ الوَلِيدِ، اللَّهُمَّ نَجِّ المُسْتَضْعَفِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ، اللَّهُمَّ اشْدُدْ وطَأتَكَ عَلى مُضَرَ، اللَّهُمَّ اجْعَلْها سِنِينَ كَسِنِي يُوسُفَ»» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ عِكْرِمَةَ في قَوْلِهِ: ﴿إلا المُسْتَضْعَفِينَ﴾ يَعْنِي الشَّيْخَ الكَبِيرَ، والعَجُوزَ، والجَوارِيَ الصِّغارَ، والغِلْمانَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيى بْنِ حِبّانَ قالَ: «مَكَثَ النَّبِيُّ ﷺ أرْبَعِينَ صَباحًا يَقْنُتُ في صَلاةِ الصُّبْحِ بَعْدَ الرُّكُوعِ، وكانَ يَقُولُ في قُنُوتِهِ: (p-٦٤٢)«اللَّهُمَّ أنْجِ الوَلِيدَ بْنَ الوَلِيدِ، وعِياشَ بْنَ أبِي رَبِيعَةَ، والعاصِيَ بْنَ هِشامٍ، والمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ بِمَكَّةَ، الَّذِينَ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً ولا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا»» . وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ تَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ ظالِمِي أنْفُسِهِمْ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿وساءَتْ مَصِيرًا﴾ قالَ: كانُوا قَوْمًا مِنَ المُسْلِمِينَ بِمَكَّةَ فَخَرَجُوا مَعَ قَوْمِهِمْ مِنَ المُشْرِكِينَ في قِتالٍ فَقُتِلُوا مَعَهُمْ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿إلا المُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ والنِّساءِ والوِلْدانِ﴾ فَعَذَرَ اللَّهُ أهْلَ العُذْرِ مِنهُمْ، وأهْلَكَ مَن لا عُذْرَ لَهُ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وكُنْتُ أنا وأُمِّي مِمَّنْ كانَ لَهُ عُذْرٌ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ: ﴿لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً﴾ قُوَّةً. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ في قَوْلِهِ: ﴿لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً﴾ قالَ: نُهُوضًا إلى المَدِينَةِ، ﴿ولا يَهْتَدُونَ سَبِيلا﴾ طَرِيقًا إلى المَدِينَةِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مُجاهِدٍ: ﴿ولا يَهْتَدُونَ سَبِيلا﴾ طَرِيقًا إلى المَدِينَةِ.

النساء 4:99

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ تَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ﴾ الآيَةَ. أخْرَجَ البُخارِيُّ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في ”سُنَنِهِ“، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ ناسًا مِنَ المُسْلِمِينَ كانُوا مَعَ المُشْرِكِينَ يُكَثِّرُونَ سَوادَ المُشْرِكِينَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَيَأْتِي السَّهْمُ يُرْمى بِهِ، فَيُصِيبُ أحَدَهم فَيَقْتُلُهُ، أوْ يُضْرَبُ فَيُقْتَلُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ تَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ ظالِمِي أنْفُسِهِمْ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في ”سُنَنِهِ“، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانَ قَوْمٌ مِن أهْلِ مَكَّةَ أسْلَمُوا، وكانُوا يَسْتَخْفُونَ بِالإسْلامِ، فَأخْرَجَهُمُ المُشْرِكُونَ مَعَهم يَوْمَ بَدْرٍ، فَأُصِيبَ بَعْضُهم وقُتِلَ بَعْضٌ، فَقالَ المُسْلِمُونَ: قَدْ كانَ أصْحابُنا هَؤُلاءِ مُسْلِمِينَ وأُكْرِهُوا. فاسْتَغْفَرُوا لَهُمْ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ تَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ ظالِمِي أنْفُسِهِمْ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ، قالَ فَكُتِبَ إلى مَن بَقِيَ بِمَكَّةَ مِنَ المُسْلِمِينَ بِهَذِهِ الآيَةِ، وأنَّهُ لا عُذْرَ لَهُمْ، فَخَرَجُوا فَلَحِقَهُمُ المُشْرِكُونَ فَأعْطَوْهُمُ الفِتْنَةَ، فَنَزَلَتْ فِيهِمْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ آمَنّا بِاللَّهِ فَإذا أُوذِيَ في اللَّهِ﴾ [العنكبوت: ١٠] إلى آخِرِ الآيَةِ [العَنْكَبُوتِ: ١٠]، فَكَتَبَ المُسْلِمُونَ إلَيْهِمْ بِذَلِكَ، فَحَزِنُوا وأيِسُوا مِن كُلِّ خَيْرٍ، فَنَزَلَتْ فِيهِمْ: ﴿ثُمَّ إنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا مِن بَعْدِ ما فُتِنُوا ثُمَّ جاهَدُوا وصَبَرُوا إنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل: ١١٠] [النَّحْلِ: ١١٠] . (p-٦٣٧)فَكَتَبُوا إلَيْهِمْ بِذَلِكَ: إنَّ اللَّهَ قَدْ جَعَلَ لَكم مَخْرَجًا فاخْرُجُوا، فَخَرَجُوا فَأدْرَكَهُمُ المُشْرِكُونَ فَقاتَلُوهُمْ، حَتّى نَجا مَن نَجا، وقُتِلَ مَن قُتِلَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ تَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ ظالِمِي أنْفُسِهِمْ قالُوا فِيمَ كُنْتُمْ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿وساءَتْ مَصِيرًا﴾ قالَ: نَزَلَتْ في قَيْسِ بْنِ الفاكِهِ بْنِ المُغِيرَةِ، والحارِثِ بْنِ زَمْعَةَ بْنِ الأسْوَدِ، وقَيْسِ بْنِ الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ، وأبِي العاصِ بْنِ مُنَبِّهِ بْنِ الحَجّاجِ، وعَلِيِّ بْنِ أُمِّيَّةَ بْنِ خَلَفٍ، قالَ: لَمّا خَرَجَ المُشْرِكُونَ مِن قُرَيْشٍ وأتْباعُهم لِمَنعِ أبِي سُفْيانَ بْنِ حَرْبٍ وعِيرِ قُرَيْشٍ مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وأصْحابِهِ، وأنْ يَطْلُبُوا ما نِيلَ مِنهم يَوْمَ نَخْلَةَ، خَرَجُوا مَعَهم بِشَبابٍ كارِهِينَ، كانُوا قَدْ أسْلَمُوا واجْتَمَعُوا بِبَدْرٍ عَلى غَيْرِ مَوْعِدٍ، فَقُتِلُوا بِبَدْرٍ كُفّارًا، ورَجَعُوا عَنِ الإسْلامِ، وهم هَؤُلاءِ الَّذِينَ سَمَّيْناهم. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إسْحاقَ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ تَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ﴾ قالَ: هم خَمْسَةُ فِتْيَةٍ مِن قُرَيْشٍ؛ عَلِيُّ (p-٦٣٨)بْنُ أُمَيَّةَ، وأبُو قَيْسِ بْنُ الفاكِهِ، وزَمَعَةُ بْنُ الأُسُودِ، وأبُو العاصِ بْنُ مُنَبِّهٍ، قالَ: ونَسِيتُ الخامِسَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، مِن طَرِيقِ العَوْفِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في الآيَةِ قالَ: هم قَوْمٌ تَخَلَّفُوا بَعْدَ النَّبِيِّ ﷺ وتَرَكُوا أنْ يَخْرُجُوا مَعَهُ، فَمَن ماتَ مِنهم قَبْلَ أنْ يَلْحَقَ بِالنَّبِيِّ ﷺ ضَرَبَتِ المَلائِكَةُ وجْهَهُ ودُبُرَهُ. وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانَ قَوْمٌ بِمَكَّةَ قَدْ أسْلَمُوا فَلَمّا هاجَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كَرِهُوا أنْ يُهاجِرُوا وخافُوا، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ تَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ ظالِمِي أنْفُسِهِمْ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿إلا المُسْتَضْعَفِينَ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الضَّحّاكِ في الآيَةِ قالَ: هم أُناسٌ مِنَ المُنافِقِينَ تَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِمَكَّةَ، فَلَمْ يَخْرُجُوا مَعَهُ إلى المَدِينَةِ، وخَرَجُوا مَعَ مُشْرِكِي قُرَيْشٍ إلى بَدْرٍ، فَأُصِيبُوا يَوْمَ بَدْرٍ فِيمَن أُصِيبَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ هَذِهِ الآيَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ قالَ: «لَمّا أُسِرَ العَبّاسُ وعَقِيلٌ ونَوْفَلٌ، قالَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ: «افْدِ نَفْسَكَ وابْنَ أخِيكَ» قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، ألَمْ نُصَلِّ قِبْلَتَكَ ونَشْهَدْ شَهادَتَكَ؟ قالَ: «يا عَبّاسُ، إنَّكم خاصَمْتُمْ فَخُصِمْتُمْ» ثُمَّ تَلا عَلَيْهِ هَذِهِ الآيَةَ ﴿ألَمْ تَكُنْ أرْضُ اللَّهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها فَأُولَئِكَ مَأْواهم جَهَنَّمُ وساءَتْ مَصِيرًا﴾ . (p-٦٣٩)فَيَوْمَ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ كانَ مَن أسْلَمَ ولَمْ يُهاجِرْ فَهو كافِرٌ حَتّى يُهاجِرَ، إلّا المُسْتَضْعَفِينَ الَّذِينَ ﴿لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً ولا يَهْتَدُونَ سَبِيلا﴾؛ حِيلَةً في المالِ، والسَّبِيلُ الطَّرِيقُ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كُنْتُ أنا مِنهم ومِنَ الوِلْدانِ» . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ في الآيَةِ قالَ: حُدِّثْتُ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ أُنْزِلْتُ في أُناسٍ تَكَلَّمُوا بِالإسْلامِ مِن أهْلِ مَكَّةَ، فَخَرَجُوا مَعَ عَدُوِّ اللَّهِ أبِي جَهْلٍ، فَقُتِلُوا يَوْمَ بَدْرٍ، فاعْتَذَرُوا بِغَيْرِ عُذْرٍ، فَأبى اللَّهُ أنْ يَقْبَلَ مِنهُمْ، وقَوْلِهِ: ﴿إلا المُسْتَضْعَفِينَ﴾ قالَ: أُناسٌ مِن أهْلِ مَكَّةَ عَذَرَهُمُ اللَّهُ فاسْتَثْناهُمْ، قالَ: وكانَ ابْنُ عَبّاسٍ يَقُولُ: كُنْتُ أنا وأُمِّي مِنَ الَّذِينَ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً ولا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ قالَ في الآيَةِ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِيمَن قُتِلَ يَوْمَ بَدْرٍ مِنَ الضُّعَفاءِ في كُفّارِ قُرَيْشٍ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ في الآيَةِ قالَ: لَمّا بُعِثَ النَّبِيُّ ﷺ وظَهَرَ، ونَبَعَ الإيمانُ، نَبَعَ النِّفاقُ مَعَهُ، فَأتى إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ رِجالٌ فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، لَوْلا أنا نَخافُ هَؤُلاءِ القَوْمَ يُعَذِّبُونَ ويَفْعَلُونَ ويَفْعَلُونَ لَأسْلَمْنا، ولَكِنّا نَشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وأنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ، فَكانُوا يَقُولُونَ ذَلِكَ لَهُ، فَلَمّا كانَ يَوْمُ بَدْرٍ، قامَ (p-٦٤٠)المُشْرِكُونَ فَقالُوا: لا يَتَخَلَّفُ عَنّا أحَدٌ إلّا هَدَمْنا دارَهُ واسْتَبَحْنا مالَهُ، فَخَرَجَ أُولَئِكَ الَّذِينَ كانُوا يَقُولُونَ ذَلِكَ القَوْلَ لِلنَّبِيِّ ﷺ مَعَهُمْ، فَقُتِلَتْ طائِفَةٌ مِنهُمْ، وأُسِرَتْ طائِفَةٌ. قالَ: فَأمّا الَّذِينَ قُتِلُوا فَهُمُ الَّذِينَ قالَ اللَّهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ تَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ ظالِمِي أنْفُسِهِمْ﴾ الآيَةَ كُلَّها. ألَمْ تَكُنْ أرْضُ اللَّهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها وتَتْرُكُوا هَؤُلاءِ الَّذِينَ يَسْتَضْعِفُونَكُمْ؟ ﴿فَأُولَئِكَ مَأْواهم جَهَنَّمُ وساءَتْ مَصِيرًا﴾ ثُمَّ عَذَرَ اللَّهُ أهْلَ الصِّدْقِ، فَقالَ: ﴿إلا المُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ والنِّساءِ والوِلْدانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً ولا يَهْتَدُونَ سَبِيلا﴾ يَتَوَجَّهُونَ لَهُ، لَوْ خَرَجُوا لَهَلَكُوا، ﴿فَأُولَئِكَ عَسى اللَّهُ أنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ﴾ إقامَتَهم بَيْنَ ظَهْرَيِ المُشْرِكِينَ، وقالَ الَّذِينَ أُسِرُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّكَ تَعْلَمُ أنّا كُنّا نَأْتِيكَ فَنَشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وأنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ، وأنَّ هَؤُلاءِ القَوْمَ خَرَجْنا مَعَهم خَوْفًا، فَقالَ اللَّهُ: (يا أيُّها النَّبِيُّ قُلْ لِمَن في أيْدِيكم مِنَ الأُسارى إنْ يَعْلَمِ اللَّهُ في قُلُوبِكم خَيْرًا يُؤْتِكم خَيْرًا مِمّا أُخِذَ مِنكم ويَغْفِرْ لَكُمْ) صَنِيعَكُمُ الَّذِي صَنَعْتُمْ، خُرُوجَكم مَعَ المُشْرِكِينَ عَلى النَّبِيِّ ﷺ، ﴿وإنْ يُرِيدُوا خِيانَتَكَ فَقَدْ خانُوا اللَّهَ مِن قَبْلُ﴾ [الأنفال: ٧١] خَرَجُوا مَعَ المُشْرِكِينَ ﴿فَأمْكَنَ مِنهُمْ﴾ [الأنفال: ٧١] [الأنْفالِ: ٧١] . وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والبُخارِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في ”سُنَنِهِ“ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كُنْتُ أنا وأُمِّي مِنَ المُسْتَضْعَفِينَ، أنا مِنَ الوِلْدانِ، وأُمِّي مِنَ النِّساءِ. (p-٦٤١)وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والبُخارِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، والطَّبَرانِيُّ، والبَيْهَقِيُّ في ”سُنَنِهِ“ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ تَلا: ﴿إلا المُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ والنِّساءِ والوِلْدانِ﴾ قالَ: كُنْتُ أنا وأُمِّي مِمَّنْ عَذَرَ اللَّهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ يَدْعُو في دُبُرِ كُلِّ صَلاةٍ: «اللَّهُمَّ خَلِّصَ الوَلِيدَ، وسَلَمَةَ بْنَ هِشامٍ، وعَيّاشَ بْنَ أبِي رَبِيعَةَ وضَعَفَةَ المُسْلِمِينَ مِن أيْدِي المُشْرِكِينَ الَّذِينَ لا يَسْتَطِيعُونَ حِلْيَةً ولا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا»» . وأخْرَجَ البُخارِيُّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «بَيْنا النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي العِشاءَ إذْ قالَ: «سَمِعَ اللَّهُ لِمَن حَمْدُهُ» ثُمَّ قالَ قَبْلَ أنْ يَسْجُدَ: «اللَّهُمَّ نَجِّ عَيّاشَ بْنَ أبِي رَبِيعَةَ، اللَّهُمَّ نَجِّ سَلَمَةَ بْنَ هِشامٍ، اللَّهُمَّ نَجِّ الوَلِيدَ بْنَ الوَلِيدِ، اللَّهُمَّ نَجِّ المُسْتَضْعَفِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ، اللَّهُمَّ اشْدُدْ وطَأتَكَ عَلى مُضَرَ، اللَّهُمَّ اجْعَلْها سِنِينَ كَسِنِي يُوسُفَ»» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ عِكْرِمَةَ في قَوْلِهِ: ﴿إلا المُسْتَضْعَفِينَ﴾ يَعْنِي الشَّيْخَ الكَبِيرَ، والعَجُوزَ، والجَوارِيَ الصِّغارَ، والغِلْمانَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيى بْنِ حِبّانَ قالَ: «مَكَثَ النَّبِيُّ ﷺ أرْبَعِينَ صَباحًا يَقْنُتُ في صَلاةِ الصُّبْحِ بَعْدَ الرُّكُوعِ، وكانَ يَقُولُ في قُنُوتِهِ: (p-٦٤٢)«اللَّهُمَّ أنْجِ الوَلِيدَ بْنَ الوَلِيدِ، وعِياشَ بْنَ أبِي رَبِيعَةَ، والعاصِيَ بْنَ هِشامٍ، والمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ بِمَكَّةَ، الَّذِينَ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً ولا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا»» . وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ تَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ ظالِمِي أنْفُسِهِمْ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿وساءَتْ مَصِيرًا﴾ قالَ: كانُوا قَوْمًا مِنَ المُسْلِمِينَ بِمَكَّةَ فَخَرَجُوا مَعَ قَوْمِهِمْ مِنَ المُشْرِكِينَ في قِتالٍ فَقُتِلُوا مَعَهُمْ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿إلا المُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ والنِّساءِ والوِلْدانِ﴾ فَعَذَرَ اللَّهُ أهْلَ العُذْرِ مِنهُمْ، وأهْلَكَ مَن لا عُذْرَ لَهُ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وكُنْتُ أنا وأُمِّي مِمَّنْ كانَ لَهُ عُذْرٌ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ: ﴿لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً﴾ قُوَّةً. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ في قَوْلِهِ: ﴿لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً﴾ قالَ: نُهُوضًا إلى المَدِينَةِ، ﴿ولا يَهْتَدُونَ سَبِيلا﴾ طَرِيقًا إلى المَدِينَةِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مُجاهِدٍ: ﴿ولا يَهْتَدُونَ سَبِيلا﴾ طَرِيقًا إلى المَدِينَةِ.

النساء 4:100

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَن يُهاجِرْ﴾ الآيَةَ. (p-٦٤٣)أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، مِن طَرِيقِ عَلِيٍّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿مُراغَمًا كَثِيرًا وسَعَةً﴾ قالَ: المُراغَمُ: التَّحَوُّلُ مِن أرْضٍ إلى أرْضٍ، والسَّعَةُ الرِّزْقُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ: ﴿مُراغَمًا﴾ قالَ: مُتَزَحْزَحًا عَمّا يَكْرَهُ. وأخْرَجَ الطَّسْتِيُّ في ”مَسائِلِهِ“ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أنَّ نافِعَ بْنَ الأزْرَقِ سَألَهُ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿مُراغَمًا﴾ قالَ: مُنْفَسَحًا بِلُغَةِ هُذَيْلٍ، قالَ: وهَلْ تَعْرِفُ العَرَبُ ذَلِكَ؟ قالَ: نَعَمْ، أما سَمِعْتَ قَوْلَ الشّاعِرِ: ؎وأتْرُكُ أرْضَ جَهْرَةَ إنَّ عِنْدِي رَجاءً في المُراغَمِ والتَّعادِي وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ زَيْدٍ قالَ: المُراغَمُ: المُهاجَرُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ: ﴿مُراغَمًا﴾ قالَ: مُبْتَغًى لِلْمَعِيشَةِ. (p-٦٤٤)وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي صَخْرٍ: ﴿مُراغَمًا﴾ قالَ مُنْفَسَحًا. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ: ﴿يَجِدْ في الأرْضِ مُراغَمًا كَثِيرًا وسَعَةً﴾ قالَ: مُتَحَوَّلًا مِنَ الضَّلالَةِ إلى الهُدى، ومِنَ العَيْلَةِ إلى الغِنى. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عَطاءٍ في قَوْلِهِ: ﴿وسَعَةً﴾ قالَ: ورَخاءً. وأخْرَجَ عَنِ ابْنِ القاسِمِ قالَ: سُئِلَ مالِكٌ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ: ﴿وسَعَةً﴾ قالَ: سَعَةَ البِلادِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ﴾ الآيَةَ. أخْرَجَ أبُو يَعْلى، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ، وأبُو نُعَيْمٍ في ”المَعْرِفَةِ“، بِسَنَدٍ رِجالُهُ ثِقاتٌ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: خَرَجَ ضَمْرَةُ بْنُ جُنْدُبٍ مِن بَيْتِهِ مُهاجِرًا فَقالَ لِأهْلِهِ: احْمِلُونِي، فَأخْرِجُونِي مِن أرْضِ المُشْرِكِينَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . فَماتَ في الطَّرِيقِ قَبْلَ أنْ يَصِلَ إلى النَّبِيِّ ﷺ، فَنَزَلَ الوَحْيُ: ﴿ومَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهاجِرًا إلى اللَّهِ﴾ الآيَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، مِن وجْهٍ آخَرَ، عَنْ (p-٦٤٥)ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانَ بِمَكَّةَ رَجُلٌ يُقالُ لَهُ ضَمْرَةُ، مِن بَنِي بَكْرٍ، وكانَ مَرِيضًا، فَقالَ لِأهْلِهِ: أخْرِجُونِي مِن مَكَّةَ؛ فَإنِّي أجِدُ الحَرَّ، فَقالُوا: أيْنَ نُخْرِجُكَ؟ فَأشارَ بِيَدِهِ نَحْوَ طَرِيقِ المَدِينَةِ، فَخَرَجُوا بِهِ فَماتَ عَلى مِيلَيْنِ مِن مَكَّةَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿ومَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهاجِرًا إلى اللَّهِ ورَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ المَوْتُ﴾ . وأخْرَجَ أبُو حاتِمٍ السِّجِسْتانِيُّ في كِتابِ ”المُعَمَّرِينَ“ عَنْ عامِرٍ الشَّعْبِيِّ قالَ: سَألْتُ ابْنَ عَبّاسٍ عَنْ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ومَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهاجِرًا﴾ الآيَةَ، قالَ: نَزَلَتْ في أكْثَمَ بْنِ صَيْفِيٍّ. قُلْتُ: فَأيْنَ اللَّيْثِيُّ؟ قالَ: هَذا قَبْلَ اللَّيْثِيِّ بِزَمانٍ، وهي خاصَّةٌ عامَّةٌ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، والبَيْهَقِيُّ في ”سُنَنِهِ“ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، أنَّ رَجُلًا مِن خُزاعَةَ كانَ بِمَكَّةَ فَمَرِضَ وهو ضَمْرَةُ بْنُ العِيصِ -أوِ العِيصُ بْنُ ضَمْرَةَ- بْنِ زِنْباعٍ، فَلَمّا أُمِرُوا بِالهِجْرَةِ كانَ مَرِيضًا، فَأمَرَ أهْلَهُ أنْ يَفْرِشُوا لَهُ عَلى سَرِيرِهِ، فَفَرَشُوا لَهُ وحَمَلُوهُ وانْطَلَقُوا بِهِ مُتَوَجِّهًا إلى المَدِينَةِ، فَلَمّا كانَ بِالتَّنْعِيمِ ماتَ، فَنَزَلَ: ﴿ومَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهاجِرًا إلى اللَّهِ ورَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ المَوْتُ فَقَدْ وقَعَ أجْرُهُ عَلى اللَّهِ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن وجْهٍ آخَرَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ أبِي ضَمْرَةَ بْنِ العِيصِ الزُّرَقِيِّ، الَّذِي كانَ مُصابَ البَصَرِ، وكانَ بِمَكَّةَ، فَلَمّا نَزَلَتْ: (p-٦٤٦)﴿إلا المُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ والنِّساءِ والوِلْدانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً﴾ [النساء: ٩٨] فَقالَ: إنَّنِي لَغَنِيٌّ، وإنِّي لَذُو حِيلَةٍ، فَتَجَهَّزَ يُرِيدُ النَّبِيَّ ﷺ، فَأدْرَكَهُ المَوْتُ بِالتَّنْعِيمِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿ومَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهاجِرًا إلى اللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ مِن وجْهٍ آخَرَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿لا يَسْتَوِي القاعِدُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ [النساء: ٩٥] رَخَّصَ فِيها قَوْمٌ مِنَ المُسْلِمِينَ مِمَّنْ بِمَكَّةَ مِن أهْلِ الضَّرَرِ، حَتّى نَزَلَتْ فَضِيلَةُ المُجاهِدِينَ عَلى القاعِدِينَ، فَقالُوا: قَدْ بَيَّنَ اللَّهُ فَضِيلَةَ المُجاهِدِينَ عَلى القاعِدِينَ، ورَخَّصَ لِأهْلِ الضَّرَرِ، حَتّى نَزَلَتْ: ﴿إنَّ الَّذِينَ تَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ ظالِمِي أنْفُسِهِمْ﴾ [النساء: ٩٧] إلى قَوْلِهِ: ﴿وساءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ٩٧] قالُوا: هَذِهِ مُوجِبَةٌ. حَتّى نَزَلَتْ: ﴿إلا المُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ والنِّساءِ والوِلْدانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً ولا يَهْتَدُونَ سَبِيلا﴾ [النساء: ٩٨] فَقالَ ضَمْرَةُ بْنُ العِيصِ أحَدُ بَنِي لَيْثٍ، وكانَ مُصابَ البَصَرِ: إنِّي لَذُو حِيلَةٍ؛ لِي مالٌ فاحْمِلُونِي، فَخَرَجَ وهو مَرِيضٌ، فَأدْرَكَهُ المَوْتُ عِنْدَ التَّنْعِيمِ، فَدُفِنَ عِنْدَ مَسْجِدِ التَّنْعِيمِ، فَنَزَلَتْ فِيهِ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿ومَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهاجِرًا إلى اللَّهِ ورَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ المَوْتُ﴾ الآيَةَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ قَتادَةَ قالَ: لَمّا أنْزَلَ اللَّهُ هَؤُلاءِ الآياتِ، ورَجُلٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ يُقالُ لَهُ ضَمْرَةُ -ولَفْظُ عَبْدٍ: سَبْرَةُ- بِمَكَّةَ قالَ: واللَّهِ إنَّ لِي مِنَ المالِ ما يُبَلِّغُنِي إلى المَدِينَةِ وأبْعَدَ مِنها، وإنِّي لَأهْتَدِي إلى المَدِينَةِ. (p-٦٤٧)فَقالَ لِأهْلِهِ: أخْرِجُونِي. وهو مَرِيضٌ يَوْمَئِذٍ، فَلَمّا جاوَزَ الحَرَمَ قَبَضَهُ اللَّهُ فَماتَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿ومَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهاجِرًا إلى اللَّهِ﴾ الآيَةَ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، مِن وجْهٍ آخَرَ عَنْ قَتادَةَ قالَ: لَمّا نَزَلَتْ: ﴿إنَّ الَّذِينَ تَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ ظالِمِي أنْفُسِهِمْ﴾ [النساء: ٩٧] قالَ رَجُلٌ مِنَ المُسْلِمِينَ يَوْمَئِذٍ وهو مَرِيضٌ: واللَّهِ ما لِي مِن عُذْرٍ؛ إنِّي لَدَلِيلٌ بِالطَّرِيقِ، وإنِّي لَمُوسِرٌ، فاحْمِلُونِي، فَحَمَلُوهُ فَأدْرَكَهُ المَوْتُ بِالطَّرِيقِ، فَنَزَلَ فِيهِ: ﴿ومَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهاجِرًا إلى اللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ . وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: لَمّا أنْزَلَ اللَّهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ تَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ ظالِمِي أنْفُسِهِمْ﴾ [النساء: ٩٧] الآيَتَيْنِ، قالَ رَجُلٌ مِن بَنِي ضَمْرَةَ - وكانَ مَرِيضًا - أخْرِجُونِي إلى الرَّوْحِ، فَأخْرَجُوهُ حَتّى إذا كانَ بِالحَصْحاصِ ماتَ، فَنَزَلَ فِيهِ: ﴿ومَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهاجِرًا إلى اللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ الآيَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ عِلْباءَ بْنِ أحْمَرَ قَوْلَهُ: ﴿ومَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ﴾ الآيَةَ. قالَ: نَزَلَتْ في رَجُلٍ مِن خُزاعَةَ. (p-٦٤٨)وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ السُّدِّيِّ قالَ: لَمّا سَمِعَ هَذِهِ - يَعْنِي: ﴿إنَّ الَّذِينَ تَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ ظالِمِي أنْفُسِهِمْ﴾ [النساء: ٩٧] الآيَةَ - ضَمْرَةُ بْنُ جُنْدُبٍ الضَّمْرِيُّ، قالَ لِأهْلِهِ - وكانَ وجِعًا -: أرَحِلُوا راحِلَتِي، فَإنَّ الأخْشَبَيْنِ قَدْ غَمّانِي - يَعْنِي جَبَلَيْ مَكَّةَ - لَعَلِّي أنْ أخْرُجَ فَيُصِيبَنِي رَوْحٌ. فَقَعَدَ عَلى راحِلَتِهِ ثُمَّ تَوَجَّهَ نَحْوَ المَدِينَةِ فَماتَ في الطَّرِيقِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿ومَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهاجِرًا﴾ الآيَةَ. وأمّا حِينَ تَوَجَّهَ إلى المَدِينَةِ فَإنَّهُ قالَ: اللَّهُمَّ إنِّي مُهاجِرٌ إلَيْكَ وإلى رَسُولِكَ. وأخْرَجَ سُنَيْدٌ، وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: لَمّا نَزَلَتْ: ﴿إنَّ الَّذِينَ تَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ﴾ [النساء: ٩٧] الآيَةَ، قالَ ضَمْرَةُ بْنُ جُنْدُبٍ الجُنْدَعِيُّ: اللَّهُمَّ أبْلَغْتَ المَعْذِرَةَ والحُجَّةَ، ولا مَعْذِرَةَ لِي ولا حُجَّةَ، ثُمَّ خَرَجَ وهو شَيْخٌ كَبِيرٌ، فَماتَ بِبَعْضِ الطَّرِيقِ فَقالَ أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: ماتَ قَبْلَ أنْ يُهاجِرَ، فَلا نَدْرِي أعَلى وِلايَةٍ أمْ لا؟ فَنَزَلَتْ: ﴿ومَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ﴾ الآيَةَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ الضَّحّاكِ قالَ: لَمّا أنْزَلَ اللَّهُ في الَّذِينَ قُتِلُوا مَعَ مُشْرِكِي قُرَيْشٍ بِبَدْرٍ: ﴿إنَّ الَّذِينَ تَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ ظالِمِي أنْفُسِهِمْ﴾ [النساء: ٩٧] الآيَةَ. سَمِعَ بِما أنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ رَجُلٌ مِن بَنِي لَيْثٍ، كانَ عَلى دِينِ النَّبِيِّ ﷺ مُقِيمًا بِمَكَّةَ، وكانَ مِمَّنْ عَذَرَ اللَّهُ؛ كانَ شَيْخًا كَبِيرًا، فَقالَ لِأهْلِهِ: ما أنا بِبائِتٍ اللَّيْلَةَ بِمَكَّةَ، . فَخَرَجُوا بِهِ حَتّى إذا بَلَغَ التَّنْعِيمَ مِن طَرِيقِ المَدِينَةِ أدْرَكَهُ المَوْتُ، فَنَزَلَ فِيهِ: ﴿ومَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ﴾ الآيَةَ. (p-٦٤٩)وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ عِكْرِمَةَ في الآيَةِ قالَ: نَزَلَتْ في رَجُلٍ مِن بَنِي لَيْثٍ أحَدِ بَنِي جُنْدَعٍ. وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قُسَيْطٍ، أنَّ جُنْدَعَ بْنَ ضَمْرَةَ الجُنْدَعِيَّ كانَ بِمَكَّةَ فَمَرِضَ، فَقالَ لِبَنِيهِ: أخْرِجُونِي مِن مَكَّةَ، فَقَدْ قَتَلَنِي غَمُّها، فَقالُوا: إلى أيْنَ؟ فَأوْمَأ بِيَدِهِ نَحْوَ المَدِينَةِ يُرِيدُ الهِجْرَةَ، فَخَرَجُوا بِهِ، فَلَمّا بَلَغُوا أضاةَ بَنِي غِفارٍ ماتَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ: ﴿ومَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ﴾ الآيَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ قالَ: هاجَرَ رَجُلٌ مِن بَنِي كِنانَةَ يُرِيدُ النَّبِيَّ ﷺ، فَماتَ في الطَّرِيقِ، فَسَخِرَ بِهِ قَوْمٌ واسْتَهْزَءُوا بِهِ، وقالَ: لا هو بَلَغَ الَّذِي يُرِيدُ، ولا هو أقامَ في أهْلِهِ يَقُومُونَ عَلَيْهِ ويُدْفَنُ. فَنَزَلَ القُرْآنُ: ﴿ومَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ﴾ الآيَةَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ الحَسَنِ قالَ: خَرَجَ رَجُلٌ مِن مَكَّةَ بَعْدَما أسْلَمَ وهو يُرِيدُ النَّبِيَّ ﷺ وأصْحابَهُ، فَأدْرَكَهُ المَوْتُ في الطَّرِيقِ فَماتَ، فَقالُوا: ما أدْرَكَ هَذا مِن شَيْءٍ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿ومَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهاجِرًا إلى اللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ الآيَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو نُعَيْمٍ في ”المَعْرِفَةِ“ مِن طَرِيقِ هِشامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أبِيهِ أنَّ الزُّبَيْرَ بْنَ العَوّامِ قالَ: هاجَرَ خالِدُ بْنُ حِزامٍ إلى أرْضِ الحَبَشَةِ فَنَهَشَتْهُ حَيَّةٌ في الطَّرِيقِ فَماتَ، فَنَزَلَتْ فِيهِ: ﴿ومَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهاجِرًا إلى اللَّهِ ورَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ المَوْتُ فَقَدْ وقَعَ أجْرُهُ عَلى اللَّهِ وكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ . قالَ (p-٦٥٠)الزُّبَيْرُ: وكُنْتُ أتَوَقَّعُهُ وأنْتَظِرُ قُدُومَهُ وأنا بِأرْضِ الحَبَشَةِ، فَما أحْزَنَنِي شَيْءٌ حُزْنِي وفاتَهُ حِينَ بَلَغَنِي؛ لِأنَّهُ قَلَّ أحَدٌ مِمَّنْ هاجَرَ مِن قُرَيْشٍ إلّا ومَعَهُ بَعْضُ أهْلِهِ أوْ ذَوِي رَحِمِهِ، ولَمْ يَكُنْ مَعِي أحَدٌ مِن بَنِي أسَدِ بْنِ عَبْدِ العُزّى، ولا أرْجُو غَيْرَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ عَنِ المُغِيرَةِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الحِزامِيِّ، عَنْ أبِيهِ قالَ: خَرَجَ خالِدُ بْنُ حِزامٍ مُهاجِرًا إلى أرْضِ الحَبَشَةِ في المَرَّةِ الثّانِيَةِ، فَنُهِشَ في الطَّرِيقِ، فَماتَ قَبْلَ أنْ يَدْخُلَ أرْضَ الحَبَشَةِ فَنَزَلَتْ فِيهِ: ﴿ومَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهاجِرًا إلى اللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ الآيَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ مِن طَرِيقِ ابْنِ لَهِيعَةَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أبِي حَبِيبٍ، أنَّ أهْلَ المَدِينَةِ يَقُولُونَ: مَن خَرَجَ فاصِلًا وجَبَ سَهْمُهُ. وتَأوَّلُوا قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ومَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهاجِرًا إلى اللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ يَعْنِي: مَن ماتَ مِمَّنْ خَرَجَ إلى الغَزْوِ بَعْدَ انْفِصالِهِ مِن مَنزِلِهِ قَبْلَ أنْ يَشْهَدَ الوَقْعَةَ، فَلَهُ سَهْمُهُ مِنَ المَغْنَمِ. وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، وأحْمَدُ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَتِيكٍ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: ««مَن خَرَجَ مِن بَيْتِهِ مُجاهِدًا في سَبِيلِ اللَّهِ - وأيْنَ المُجاهِدُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ؟ - فَخَرَّ عَنْ دابَّتِهِ فَماتَ، فَقَدْ وقَعَ أجْرُهُ عَلى اللَّهِ، أوْ (p-٦٥١)لَدَغَتْهُ دابَّةٌ فَماتَ، فَقَدْ وقَعَ أجْرُهُ عَلى اللَّهِ، أوْ ماتَ حَتْفَ أنْفِهِ، فَقَدْ وقَعَ أجْرُهُ عَلى اللَّهِ» -يَعْنِي بِ «حَتْفَ أنْفِهِ»: عَلى فِراشِهِ، واللَّهِ إنَّها لَكَلِمَةٌ ما سَمِعْتُها مِن أحَدٍ مِنَ العَرَبِ قَبْلَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ - «ومَن قُتِلَ قَعْصًا فَقَدِ اسْتَوْجَبَ الجَنَّةَ»» . وأخْرَجَ أبُو يَعْلى، والبَيْهَقِيُّ في ”الشُّعَبِ“ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««مَن خَرَجَ حاجًّا فَماتَ كُتِبَ لَهُ أجْرُ الحاجِّ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، ومَن خَرَجَ مُعْتَمِرًا فَماتَ كُتِبَ لَهُ أجْرُ المُعْتَمِرِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، ومَن خَرَجَ غازِيًا في سَبِيلِ اللَّهِ فَماتَ كُتِبَ لَهُ أجْرُ الغازِي إلى يَوْمِ القِيامَةِ»» .

النساء 4:101

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا ضَرَبْتُمْ في الأرْضِ﴾ الآيَةَ. أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأحْمَدُ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والعَدَنِيُّ، والدّارِمِيُّ، ومُسْلِمٌ، وأبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ ماجَهْ، وابْنُ الجارُودِ، وابْنُ خُزَيْمَةَ، والطَّحاوِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والنَّحّاسُ في ”ناسِخِهِ“، وابْنُ حِبّانَ عَنْ يَعْلى بْنِ أُمَيَّةَ قالَ: «سَألْتُ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ قُلْتُ: (p-٦٥٢)﴿فَلَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ أنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إنْ خِفْتُمْ أنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وقَدْ أمِنَ النّاسُ؟ فَقالَ لِي عُمَرُ: عَجِبْتُ مِمّا عَجِبْتَ مِنهُ، فَسَألْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ ذَلِكَ فَقالَ: «صَدَقَةٌ تَصَدَّقَ اللَّهُ بِها عَلَيْكُمْ، فاقْبَلُوا صَدَقَتَهُ»» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ أبِي حَنْظَلَةَ قالَ: سَألْتُ ابْنَ عُمَرَ عَنْ صَلاةِ السَّفَرِ فَقالَ: رَكْعَتانِ، فَقُلْتُ: فَأيْنَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ خِفْتُمْ أنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ ونَحْنُ آمِنُونَ فَقالَ: سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ والنَّسائِيُّ، وابْنُ ماجَهْ، وابْنُ حِبّانَ والبَيْهَقِيُّ في ”سُنَنِهِ“ عَنْ أُمَيَّةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خالِدِ بْنِ أسِيدٍ، أنَّهُ سَألَ ابْنَ عُمَرَ: أرَأيْتَ قَصْرَ الصَّلاةِ في السَّفَرِ، إنّا لا نَجِدُها في كِتابِ اللَّهِ، إنَّما نَجِدُ ذِكْرَ صَلاةِ الخَوْفِ؟ فَقالَ ابْنُ عُمَرَ: يا ابْنَ أخِي، إنَّ اللَّهَ أرْسَلَ مُحَمَّدًا ﷺ ولا نَعْلَمُ شَيْئًا، فَإنَّما نَفْعَلُ كَما رَأيْنا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَفْعَلُ، وقَصْرُ الصَّلاةِ في السَّفَرِ سُنَّةٌ سَنَّها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . (p-٦٥٣)وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأحْمَدُ، والبُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، وأبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ عَنْ حارِثَةَ بْنِ وهْبٍ الخُزاعِيِّ قالَ: «صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ الظُّهْرَ والعَصْرَ بِمِنًى أكْثَرَ ما كانَ النّاسُ وآمَنَهُ رَكْعَتَيْنِ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، والتِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ، والنَّسائِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «صَلَّيْنا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ مَكَّةَ والمَدِينَةِ ونَحْنُ آمِنُونَ لا نَخافُ شَيْئًا رَكْعَتَيْنِ» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أبِي العالِيَةِ قالَ: سافَرْتُ إلى مَكَّةَ فَكُنْتُ أُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ، فَلَقِيَنِي قُرّاءٌ مِن أهْلِ هَذِهِ النّاحِيَةِ فَقالُوا: كَيْفَ تُصَلِّي؟ قُلْتُ: رَكْعَتَيْنِ. قالُوا: أسُنَّةٌ أوْ قُرْآنٌ؟ قُلْتُ: كُلٌّ؛ سُنَّةٌ وقُرْآنٌ، صَلّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَكْعَتَيْنِ، قالُوا: إنَّهُ كانَ في حَرْبٍ. قُلْتُ: قالَ اللَّهُ: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ المَسْجِدَ الحَرامَ إنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكم ومُقَصِّرِينَ لا تَخافُونَ﴾ [الفتح: ٢٧] [الفَتْحِ: ٢٧] وقالَ: ﴿وإذا ضَرَبْتُمْ في الأرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ أنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ﴾ . فَقَرَأ حَتّى بَلَغَ: ﴿فَإذا اطْمَأْنَنْتُمْ﴾ [النساء: ١٠٣] . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ عَلِيٍّ، قالَ: «سَألَ قَوْمٌ مِنَ التُّجّارِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنّا نَضْرِبُ في الأرْضِ، فَكَيْفَ نُصَلِّي؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ: (p-٦٥٤)﴿وإذا ضَرَبْتُمْ في الأرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ أنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ﴾ ثُمَّ انْقَطَعَ الوَحْيُ، فَلَمّا كانَ بَعْدَ ذَلِكَ بِحَوْلٍ، غَزا النَّبِيُّ ﷺ فَصَلّى الظُّهْرَ، فَقالَ المُشْرِكُونَ: لَقَدْ أمْكَنَكم مُحَمَّدٌ وأصْحابُهُ مِن ظُهُورِهِمْ، هَلّا شَدَدْتُمْ عَلَيْهِمْ؟ فَقالَ قائِلٌ مِنهم: إنَّ لَهم أُخْرى مِثْلَها في إثْرِها. فَأنْزَلَ اللَّهُ بَيْنَ الصَّلاتَيْنِ: ﴿إنْ خِفْتُمْ أنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إنَّ الكافِرِينَ كانُوا لَكم عَدُوًّا مُبِينًا﴾ ﴿وإذا كُنْتَ فِيهِمْ فَأقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طائِفَةٌ مِنهم مَعَكَ﴾ [النساء: ١٠٢] إلى قَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ أعَدَّ لِلْكافِرِينَ عَذابًا مُهِينًا﴾ [النساء: ١٠٢] فَنَزَلَتْ صَلاةُ الخَوْفِ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنْ إبْراهِيمَ قالَ: «قالَ رَجُلٌ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنِّي رِجْلُ تاجِرٌ أخْتَلِفُ إلى البَحْرَيْنِ. فَأمَرَهُ أنْ يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ: (فاقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ أنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا) ولا يَقْرَأُ: ﴿إنْ خِفْتُمْ﴾ وهي في مُصْحَفِ عُثْمانَ: ﴿إنْ خِفْتُمْ أنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ مِن طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ قالَ: سَمِعْتُ أبِي يَقُولُ: «سَمِعْتُ عائِشَةَ تَقُولُ في السَّفَرِ: أتِمُّوا صَلاتَكم. فَقالُوا: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ يُصَلِّي في السَّفَرِ رَكْعَتَيْنِ. فَقالَتْ: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ في حَرْبٍ، وكانَ يَخافُ، هَلْ (p-٦٥٥)تَخافُونَ أنْتُمْ»؟ وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قالَ: قُلْتُ لِعَطاءٍ: أيُّ أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كانَ يُتِمُّ الصَّلاةَ في السَّفَرِ؟ قالَ: عائِشَةُ وسَعْدُ بْنُ أبِي وقّاصٍ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أُمَيَّةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، أنَّهُ قالَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ: إنّا نَجِدُ في كِتابِ اللَّهِ قَصْرَ الصَّلاةِ في الخَوْفِ، ولا نَجِدُ قَصْرَ صَلاةِ المُسافِرِ؟ فَقالَ عَبْدُ اللَّهِ: إنّا وجَدْنا نَبِيَّنا ﷺ يَعْمَلُ عَمَلًا عَمِلْنا بِهِ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ أنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ﴾ قالَ: «أُنْزِلَتْ يَوْمَ كانَ النَّبِيُّ ﷺ بِعُسْفانَ والمُشْرِكُونَ بِضَجْنانَ، فَتَوافَقُوا، فَصَلّى النَّبِيُّ ﷺ بِأصْحابِهِ صَلاةَ الظُّهْرِ أرْبَعًا؛ رُكُوعُهم وسُجُودُهم وقِيامُهم مَعًا جَمِيعًا، فَهَمَّ بِهِمُ المُشْرِكُونَ أنْ يُغِيرُوا عَلى أمْتِعَتِهِمْ وأثْقالِهِمْ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿فَلْتَقُمْ طائِفَةٌ مِنهم مَعَكَ﴾ [النساء: ١٠٢] فَصَلّى العَصْرَ فَصَفَّ أصْحابَهُ صَفَّيْنِ، ثُمَّ كَبَّرَ بِهِمْ جَمِيعًا، ثُمَّ (p-٦٥٦)سَجَدَ الأوَّلُونَ لِسُجُودِهِ، والآخَرُونَ قِيامٌ لَمْ يَسْجُدُوا حَتّى قامَ النَّبِيُّ ﷺ، ثُمَّ كَبَّرَ بِهِمْ ورَكَعُوا جَمِيعًا، فَتَقَدَّمَ الصَّفُّ الآخَرُ، واسْتَأْخَرَ الصَّفُّ المُقَدَّمُ، فَتَعاقَبُوا السُّجُودَ، كَما فَعَلُوا أوَّلَ مَرَّةٍ، وقَصَرَ العَصْرَ إلى رَكْعَتَيْنِ» . وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، عَنْ طاوُسٍ في قَوْلِهِ: ﴿أنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إنْ خِفْتُمْ أنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ قالَ: قَصْرُها مِنَ الخَوْفِ والقِتالِ، الصَّلاةُ في كُلِّ وجْهٍ؛ راكِبًا وماشِيًا. قالَ: فَأمّا صَلاةُ النَّبِيِّ ﷺ هَذِهِ الرَّكْعَتانِ، وصَلاةُ النّاسِ في السَّفَرِ رَكْعَتَيْنِ فَلَيْسَ بِقَصْرٍ، هو وفاؤُها. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينارٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنْ خِفْتُمْ أنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ قالَ: إنَّما ذَلِكَ إذا خافُوا الَّذِينَ كَفَرُوا، وسَنَّ النَّبِيُّ ﷺ بَعْدُ رَكْعَتَيْنِ، ولَيْسَ بِقَصْرٍ ولَكِنَّها وفاءٌ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿وإذا ضَرَبْتُمْ في الأرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ أنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ﴾ إنَّ الصَّلاةَ إذا صُلِّيَتْ رَكْعَتَيْنِ في السَّفَرِ فَهي تَمامٌ، والتَّقْصِيرُ لا يَحِلُّ إلّا أنْ تَخافَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا، أنْ يَفْتِنُوكَ عَنِ الصَّلاةِ. والتَّقْصِيرُ رَكْعَةٌ؛ يَقُومُ الإمامُ ويَقُومُ جُنْدُهُ جُنْدَيْنِ؛ (p-٦٥٧)طائِفَةٌ خَلْفَهُ، وطائِفَةٌ يُوازُونَ العَدُوَّ، فَيُصَلِّي بِمَن مَعَهُ رَكْعَةً، ويَمْشُونَ إلَيْهِمْ عَلى أدْبارِهِمْ حَتّى يَقُومُوا في مَقامِ أصْحابِهِمْ، وتِلْكَ المِشْيَةُ القَهْقَرى، ثُمَّ تَأْتِي الطّائِفَةُ الأُخْرى فَتُصَلِّي مَعَ الإمامِ رَكْعَةً، ثُمَّ يَجْلِسُ الإمامُ فَيُسَلِّمُ، فَيَقُومُونَ فَيُصَلُّونَ لِأنْفُسِهِمْ رَكْعَةً، ثُمَّ يَرْجِعُونَ إلى صَفِّهِمْ، ويَقُومُ الآخَرُونَ فَيُضِيفُونَ إلى رَكْعَتِهِمْ رَكْعَةً، والنّاسُ يَقُولُونَ: لا، بَلْ هي رَكْعَةٌ واحِدَةٌ، لا يُصَلِّي أحَدٌ مِنهم إلى رَكْعَتِهِ شَيْئًا، تُجْزِئُهُ رَكْعَةُ الإمامِ. فَيَكُونُ لِلْإمامِ رَكْعَتانِ، ولَهم رَكْعَةٌ؛ فَذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ: ﴿وإذا كُنْتَ فِيهِمْ فَأقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ﴾ [النساء: ١٠٢] إلى قَوْلِهِ: ﴿وخُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ [النساء: ١٠٢] . وأخْرَجَ الطَّسْتِيُّ في ”مَسائِلِهِ“ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أنَّ نافِعَ بْنَ الأزْرَقِ سَألَهُ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿أنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ قالَ: يُضِلَّكم بِالعَذابِ والجَهْدِ، بِلُغَةِ هَوازِنَ، قالَ: وهَلْ تَعْرِفُ العَرَبُ ذَلِكَ؟ قالَ: نَعَمْ، أما سَمِعْتَ قَوْلَ الشّاعِرِ: ؎كَلُّ امْرِئٍ مِن عِبادِ اللَّهِ مُضْطَهَدٌ بِبَطْنِ مَكَّةَ مَقْهُورٌ ومَفْتُونُ وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ سِماكٍ الحَنَفِيِّ قالَ: سَألْتُ ابْنَ عُمَرَ عَنْ صَلاةِ السَّفَرِ فَقالَ: رَكْعَتانِ تَمامٌ غَيْرُ قَصْرٍ، إنَّما القَصْرُ صَلاةُ المَخافَةِ، قُلْتُ: وما صَلاةُ المَخافَةِ؟ قالَ: يُصَلِّي الإمامُ بِطائِفَةٍ رَكْعَةً، ثُمَّ يَجِيءُ هَؤُلاءِ إلى مَكانِ هَؤُلاءِ، وهَؤُلاءِ إلى مَكانِ هَؤُلاءِ، فَيُصَلِّي بِهِمْ رَكْعَةً فَيَكُونُ لِلْإمامِ رَكْعَتانِ، (p-٦٥٨)ولِكُلِّ طائِفَةٍ رَكْعَةٌ رَكْعَةٌ. وأخْرَجَ مالِكٌ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والبُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: «فُرِضَتِ الصَّلاةُ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ، في السَّفَرِ والحَضَرِ، فَأُقِرَّتْ صَلاةُ السَّفَرِ، وزِيدَ في صَلاةِ الحَضَرِ» . وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: «فُرِضَتِ الصَّلاةُ عَلى النَّبِيِّ ﷺ بِمَكَّةَ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ، فَلَمّا خَرَجَ إلى المَدِينَةِ فُرِضَتْ أرْبَعًا، وأُقِرَّتْ صَلاةُ السَّفَرِ رَكْعَتَيْنِ» . وأخْرَجَ أحْمَدُ، والبَيْهَقِيُّ في ”سُنَنِهِ“ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: «فُرِضَتِ الصَّلاةُ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ، إلّا المَغْرِبَ فُرِضَتْ ثَلاثًا، وكانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذا سافَرَ صَلّى الصَّلاةَ الأُولى، وإذا أقامَ زادَ مَعَ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ، إلّا المَغْرِبَ؛ لِأنَّها وِتْرٌ، والصُّبْحَ؛ لِأنَّها تَطُولُ فِيها القِراءَةُ» . وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «يا أهْلَ مَكَّةَ، لا تَقْصُرُوا الصَّلاةَ في أدْنى مِن أرْبَعَةِ بُرُدٍ، مِن مَكَّةَ إلى عُسْفانَ»» . وأخْرَجَ الشّافِعِيُّ، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ عَطاءِ بْنِ أبِي رَباحٍ، أنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ (p-٦٥٩)وعَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبّاسٍ كانا يُصَلِّيانِ رَكْعَتَيْنِ ويُفْطِرانِ في أرْبَعَةِ بُرُدٍ فَما فَوْقَ ذَلِكَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أنَّهُ سُئِلَ: أتَقْصُرُ إلى عَرَفَةَ؟ فَقالَ: لا، ولَكِنْ إلى عُسْفانَ، وإلى جُدَّةَ، وإلى الطّائِفِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، والنَّحّاسُ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: فَرَضَ اللَّهُ الصَّلاةَ عَلى لِسانِ نَبِيِّكم في الحَضَرِ أرْبَعًا، وفي السَّفَرِ رَكْعَتَيْنِ، وفي الخَوْفِ رَكْعَةً. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿وإذا ضَرَبْتُمْ في الأرْضِ﴾ الآيَةَ، قالَ: قَصْرُ الصَّلاةِ؛ إنْ لَقِيتَ العَدُوَّ وقَدْ حانَتِ الصَّلاةُ، أنْ تُكَبِّرَ اللَّهَ وتَخْفِضَ رَأْسَكَ إيماءً، راكِبًا كُنْتَ أوْ ماشِيًا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الضَّحّاكِ في قَوْلِهِ: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ أنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ﴾ قالَ: ذاكَ عِنْدَ القِتالِ، يُصَلِّي الرَّجُلُ الرّاكِبُ تَكْبِيرَةً مِن حَيْثُ كانَ وجْهُهُ.

النساء 4:102

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا كُنْتَ فِيهِمْ﴾ الآيَةَ. أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأحْمَدُ وعَبْدُ بْنُ (p-٦٦٠)حَمِيدٍ، وأبُو داوُدَ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والدّارَقُطْنِيُّ، والطَّبَرانِيُّ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ عَنْ أبِي عَيّاشٍ الزُّرَقِيِّ قالَ: «كُنّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِعُسْفانَ فاسْتَقْبَلَنا المُشْرِكُونَ عَلَيْهِمْ خالِدُ بْنُ الوَلِيدِ، وهم بَيْنَنا وبَيْنَ القِبْلَةِ، فَصَلّى بِنا النَّبِيُّ ﷺ الظُّهْرَ، فَقالُوا: قَدْ كانُوا عَلى حالٍ لَوْ أصَبْنا غِرَّتَهم. ثُمَّ قالُوا: يَأْتِي عَلَيْهِمُ الآنَ صَلاةٌ هي أحَبُّ إلَيْهِمْ مِن أبْنائِهِمْ وأنْفُسِهِمْ. فَنَزَلَ جِبْرِيلُ بِهَذِهِ الآياتِ بَيْنَ الظُّهْرِ والعَصْرِ: ﴿وإذا كُنْتَ فِيهِمْ فَأقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ﴾ فَحَضَرَتْ، فَأمَرَهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَأخَذُوا السِّلاحَ، فَصَفَفْنا خَلْفَهُ صَفَّيْنِ، ثُمَّ رَكَعَ فَرَكَعْنا جَمِيعًا، ثُمَّ سَجَدَ بِالصَّفِّ الَّذِي يَلِيهِ، والآخَرُونَ قِيامٌ يَحْرُسُونَهُمْ، فَلَمّا سَجَدُوا وقامُوا، جَلَسَ الآخَرُونَ فَسَجَدُوا في مَكانِهِمْ ثُمَّ تَقَدَّمُ هَؤُلاءِ إلى مَصافِّ هَؤُلاءِ، وهَؤُلاءِ إلى مَصافِّ هَؤُلاءِ، ثُمَّ رَكَعَ فَرَكَعُوا جَمِيعًا، ثُمَّ رَفَعَ فَرَفَعُوا جَمِيعًا، ثُمَّ سَجَدَ الصَّفُّ الَّذِي يَلِيهِ، والآخَرُونَ قِيامٌ يَحْرُسُونَهُمْ، فَلَمّا جَلَسُوا جَلَسَ الآخَرُونَ فَسَجَدُوا، ثُمَّ سَلَّمَ عَلَيْهِمْ ثُمَّ انْصَرَفَ. قالَ: فَصَلّاها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَرَّتَيْنِ: مَرَّةً بِعُسْفانَ، ومَرَّةً بِأرْضِ بَنِي سُلَيْمٍ» . وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَزَلَ بَيْنَ ضَجْنانَ وعُسْفانَ، فَقالَ المُشْرِكُونَ: إنَّ لِهَؤُلاءِ صَلاةً هي أحَبُّ إلَيْهِمْ (p-٦٦١)مِن آبائِهِمْ وأبْنائِهِمْ، وهي العَصْرُ، فَأجْمِعُوا أمْرَكُمْ، فَمِيلُوا عَلَيْهِمْ مَيْلَةً واحِدَةً، وإنَّ جِبْرِيلَ أتى النَّبِيَّ ﷺ فَأمَرَهُ أنْ يَقْسِمَ أصْحابَهُ شَطْرَيْنِ، فَيُصَلِّي بِهِمْ وتَقُومُ طائِفَةٌ أُخْرى وراءَهُمْ، ولْيَأْخُذُوا حِذْرَهم وأسْلِحَتَهُمْ، ثُمَّ يَأْتِي الآخَرُونَ ويُصَلُّونَ مَعَهُ رَكْعَةً واحِدَةً، ثُمَّ يَأْخُذُ هَؤُلاءِ حِذْرَهم وأسْلِحَتَهُمْ، فَيَكُونُ لَهم رَكْعَةٌ رَكْعَةٌ، ولِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ رَكْعَتانِ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ يَزِيدَ الفَقِيرِ قالَ: «سَألْتُ جابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ الرَّكْعَتَيْنِ في السَّفَرِ؛ أُقْصُرُهُما؟ قالَ: الرَّكْعَتانِ في السَّفَرِ تَمامٌ، إنَّما القَصْرُ واحِدَةٌ عِنْدَ القِتالِ؛ بَيْنا نَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في قِتالٍ إذْ أُقِيمَتِ الصَّلاةُ فَقامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَصَفَّتْ طائِفَةٌ، وطائِفَةٌ وُجُوهُها قِبَلَ العَدُوِّ فَصَلّى بِهِمْ رَكْعَةً، وسَجَدَ بِهِمْ سَجْدَتَيْنِ، ثُمَّ الَّذِينَ خَلَفُوا انْطَلَقُوا إلى أُولَئِكَ فَقامُوا مَقامَهُمْ، وجاءَ أُولَئِكَ فَقامُوا خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَصَلّى بِهِمْ رَكْعَةً وسَجَدَ بِهِمْ سَجْدَتَيْنِ، ثُمَّ إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ جَلَسَ فَسَلَّمَ وسَلَّمَ الَّذِينَ خَلْفَهُ، وسَلَّمَ أُولَئِكَ، فَكانَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ رَكْعَتَيْنِ ولِلْقَوْمِ رَكْعَةً. ثُمَّ قَرَأ: ﴿وإذا كُنْتَ فِيهِمْ فَأقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ﴾ [النساء»: ١٠٢] . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ سُلَيْمانَ اليَشْكُرِيِّ، «أنَّهُ سَألَ جابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ إقْصارِ الصَّلاةِ، أيَّ يَوْمٍ أُنْزِلَ؟ فَقالَ جابِرٌ: انْطَلَقْنا نَتَلَقّى عِيرَ (p-٦٦٢)قُرَيْشٍ آتِيَةً مِنَ الشّامِ، حَتّى إذا كُنّا بِنَخْلٍ جاءَ رَجُلٌ مِنَ القَوْمِ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: يا مُحَمَّدُ، قالَ: «نَعَمْ» . قالَ: هَلْ تَخافُنِي؟ قالَ: «لا» قالَ: فَمَن يَمْنَعُكَ مِنِّي؟ قالَ: «اللَّهُ يَمْنَعُنِي مِنكَ» قالَ: فَسَلَّ السَّيْفَ ثُمَّ تَهَدَّدَهُ وأوْعَدَهُ، ثُمَّ نادى بِالرَّحِيلِ وأخْذِ السِّلاحِ، ثُمَّ نُودِيَ بِالصَّلاةِ فَصَلّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِطائِفَةٍ مِنَ القَوْمِ، وطائِفَةٌ أُخْرى تَحْرُسُهُمْ، فَصَلّى بِالَّذِينِ يَلُونَهُ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ تَأخَّرَ الَّذِينَ يَلُونَهُ عَلى أعْقابِهِمْ فَقامُوا في مَصافِّ أصْحابِهِمْ، ثُمَّ جاءَ الآخَرُونَ فَصَلّى بِهِمْ رَكْعَتَيْنِ، والآخَرُونَ يَحْرُسُونَهُمْ، ثُمَّ سَلَّمَ، فَكانَتْ لِلنَّبِيِّ ﷺ أرْبَعَ رَكَعاتٍ، ولِلْقَوْمِ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ، يَوْمَئِذٍ أنْزَلَ اللَّهُ في إقْصارِ الصَّلاةِ، وأمَرَ المُؤْمِنِينَ بِأخْذِ السِّلاحِ» . وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والبُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، وأبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ ماجَهْ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سالِمٍ، عَنْ أبِيهِ في قَوْلِهِ: ﴿وإذا كُنْتَ فِيهِمْ فَأقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ﴾ قالَ: «هِيَ صَلاةُ الخَوْفِ، صَلّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِإحْدى الطّائِفَتَيْنِ رَكْعَةً، والطّائِفَةُ الأُخْرى مُقْبِلَةٌ عَلى العَدُوِّ، ثُمَّ انْصَرَفَتِ الطّائِفَةُ الَّتِي صَلَّتْ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فَقامُوا مَقامَ أُولَئِكَ مُقْبِلِينَ عَلى العَدُوِّ، وأقْبَلَتِ الطّائِفَةُ الأُخْرى الَّتِي كانَتْ مُقْبِلَةً عَلى العَدُوِّ، فَصَلّى بِهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَكْعَةً أُخْرى، ثُمَّ سَلَّمَ بِهِمْ، ثُمَّ قامَتْ كُلُّ طائِفَةٍ فَصَلَّوْا رَكْعَةً رَكْعَةً» . (p-٦٦٣)وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: «﴿وإذا كُنْتَ فِيهِمْ فَأقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طائِفَةٌ مِنهم مَعَكَ﴾ فَهَذا في الصَّلاةِ عِنْدَ الخَوْفِ، يَقُومُ الإمامُ وتَقُومُ مَعَهُ طائِفَةٌ مِنهُمْ، وطائِفَةٌ يَأْخُذُونَ أسْلِحَتَهُمْ، ويَقِفُونَ بِإزاءِ العَدُوِّ فَيُصَلِّي الإمامُ بِمَن مَعَهُ رَكْعَةً، ثُمَّ يَجْلِسُ عَلى هَيْئَتِهِ فَيَقُومُ القَوْمُ فَيُصَلُّونَ لِأنْفُسِهِمُ الرَّكْعَةَ الثّانِيَةَ، والإمامُ جالِسٌ، ثُمَّ يَنْصَرِفُونَ فَيَقِفُونَ مَوْقِفَهُمْ، ثُمَّ يُقْبِلُ الآخَرُونَ فَيُصَلِّي بِهِمُ الإمامُ الرَّكْعَةَ الثّانِيَةَ، ثُمَّ يُسَلِّمُ فَيَقُومُ القَوْمُ فَيُصَلُّونَ لِأنْفُسِهِمُ الرَّكْعَةَ الثّانِيَةَ، فَهَكَذا صَلّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ بَطْنِ نَخْلَةَ» . وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَلّى صَلاةَ الخَوْفِ بِذِي قَرَدٍ، فَصَفَّ النّاسُ صَفَّيْنِ صَفًّا خَلْفَهُ، وصَفًّا مُوازِيَ العَدُوِّ، فَصَلّى بِالَّذِينِ خَلْفَهُ رَكْعَةً، ثُمَّ انْصَرَفَ هَؤُلاءِ إلى مَكانِ هَؤُلاءِ، وجاءَ أُولَئِكَ فَصَلّى بِهِمْ رَكْعَةً ولَمْ يَقْضُوا» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ، «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَلّى صَلاةَ الخَوْفِ» . قالَ سُفْيانُ: فَذَكَرَ مِثْلَ حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وأبُو داوُدَ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، (p-٦٦٤)وابْنُ حِبّانَ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ ثَعْلَبَةَ بْنِ زَهْدَمٍ قالَ: كُنّا مَعَ سَعِيدِ بْنِ العاصِ بِطَبَرِسْتانَ فَقالَ: «أيُّكم صَلّى مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ صَلاةَ الخَوْفِ؟ فَقالَ حُذَيْفَةُ: أنا. فَقامَ حُذَيْفَةُ فَصَفَّ النّاسَ خَلْفَهُ وصَفًّا مُوازِيَ العَدُوِّ، فَصَلّى بِالَّذِينِ خَلْفَهُ رَكْعَةً، ثُمَّ انْصَرَفَ هَؤُلاءِ مَكانَ هَؤُلاءِ، وجاءَ أُولَئِكَ فَصَلّى بِهِمْ رَكْعَةً ولَمْ يَقْضُوا» . وأخْرَجَ أبُو داوُدَ، وابْنُ حِبّانَ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: «صَلّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَلاةَ الخَوْفِ بِذاتِ الرِّقاعِ، فَصَدَعَ النّاسَ صَدْعَتَيْنِ، فَصَفَّتْ طائِفَةٌ وراءَهُ، وقامَتْ طائِفَةٌ وِجاهَ العَدُوِّ، فَكَبَّرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وكَبَّرَتِ الطّائِفَةُ خَلْفَهُ، ثُمَّ رَكَعَ ورَكَعُوا، وسَجَدَ وسَجَدُوا، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَرَفَعُوا، ثُمَّ مَكَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ جالِسًا، وسَجَدُوا لِأنْفُسِهِمْ سَجْدَةً ثانِيَةً، ثُمَّ قامُوا، ثُمَّ نَكَصُوا عَلى أعْقابِهِمْ يَمْشُونَ القَهْقَرى حَتّى قامُوا مِن ورائِهِمْ، وأقْبَلَتِ الطّائِفَةُ الأُخْرى فَصَفُّوا خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَكَبَّرُوا، ثُمَّ رَكَعُوا لِأنْفُسِهِمْ، ثُمَّ سَجَدَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَجْدَتَهُ الثّانِيَةَ فَسَجَدُوا مَعَهُ، ثُمَّ قامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في رَكْعَتِهِ وسَجَدُوا لِأنْفُسِهِمُ السَّجْدَةَ الثّانِيَةَ، ثُمَّ قامَتِ الطّائِفَتانِ جَمِيعًا فَصَفُّوا خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَرَكَعَ بِهِمْ رَكْعَةً فَرَكَعُوا جَمِيعًا، ثُمَّ سَجَدَ فَسَجَدُوا جَمِيعًا، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَرَفَعُوا مَعَهُ، كُلُّ ذَلِكَ مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ سَرِيعًا جِدًّا، لا يَأْلُو أنْ يُخَفِّفَ ما اسْتَطاعَ، ثُمَّ سَلَّمَ فَسَلَّمُوا، ثُمَّ قامَ وقَدْ شَرَكَهُ النّاسُ في (p-٦٦٥)صِلاتِهِ كُلِّها» . وأخْرَجَ الحاكِمُ، عَنْ جابِرٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في صَلاةِ الخَوْفِ أنَّهُ قالَ: «قامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وطائِفَةٌ مِن خَلْفِهِ، وطائِفَةٌ مِن وراءِ الطّائِفَةِ الَّتِي خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قُعُودٌ، وُجُوهُهم كُلُّهم إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَكَبَّرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَكَبَّرَتِ الطّائِفَتانِ، فَرَكَعَ فَرَكَعَتِ الطّائِفَةُ الَّتِي خَلْفَهُ والآخَرُونَ قُعُودٌ، ثُمَّ سَجَدَ فَسَجَدُوا أيْضًا، والآخَرُونَ قُعُودٌ، ثُمَّ قامُوا ونَكَصُوا خَلْفَهُ حَتّى كانُوا مَكانَ أصْحابِهِمْ قُعُودًا، وأتَتِ الطّائِفَةُ الأُخْرى فَصَلّى بِهِمْ رَكْعَةً وسَجْدَتَيْنِ، ثُمَّ سَلَّمَ والآخَرُونَ قُعُودٌ، ثُمَّ سَلَّمَ فَقامَتِ الطّائِفَتانِ كِلْتاهُما، فَصَلَّوْا لِأنْفُسِهِمْ رَكْعَةً وسَجْدَتَيْنِ، رَكْعَةً وسَجْدَتَيْنِ» . وأخْرَجَ مالِكٌ والشّافِعِيُّ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والبُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، وأبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ ماجَهْ، والدّارَقُطْنِيُّ، والبَيْهَقِيُّ مِن طَرِيقِ صالِحِ بْنِ خَوّاتٍ، «عَمَّنْ صَلّى مَعَ النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ ذاتِ الرِّقاعِ صَلاةَ الخَوْفِ، أنَّ طائِفَةً صَفَّتْ مَعَهُ وطائِفَةً تُجاهَ العَدُوِّ، فَصَلّى بِالَّتِي مَعَهُ رَكْعَةً، ثُمَّ ثَبَتَ قائِمًا، وأتَمُّوا لِأنْفُسِهِمْ، ثُمَّ انْصَرَفُوا وصَلَّوْا تُجاهَ العَدُوِّ، وجاءَتِ الطّائِفَةُ الأُخْرى فَصَلّى بِهِمُ الرَّكْعَةَ الَّتِي بَقِيَتْ مِن صَلاتِهِ، ثُمَّ ثَبَتَ جالِسًا، وأتَمُّوا لِأنْفُسِهِمْ ثُمَّ سَلَّمَ بِهِمْ» . (p-٦٦٦)وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والدّارَقُطْنِيُّ، عَنْ أبِي بَكْرَةَ، «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَلّى بِأصْحابِهِ صَلاةَ الخَوْفِ، فَصَلّى بِبَعْضِ أصْحابِهِ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ سَلَّمَ فَتَأخَّرُوا، وجاءَ الآخَرُونَ فَصَلّى بِهِمْ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ سَلَّمَ، فَكانَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ أرْبَعُ رَكَعاتٍ، ولِلْمُسْلِمِينَ رَكْعَتانِ رَكْعَتانِ» . وأخْرَجَ الدّارَقُطْنِيُّ، والحاكِمُ عَنْ أبِي بَكْرَةَ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلّى بِالقَوْمِ في الخَوْفِ صَلاةَ المَغْرِبِ ثَلاثَ رَكَعاتٍ، ثُمَّ انْصَرَفَ، وجاءَ الآخَرُونَ فَصَلّى بِهِمْ ثَلاثَ رَكَعاتٍ، فَكانَتْ لِلنَّبِيِّ ﷺ سِتُّ رَكَعاتٍ، ولِلْقَوْمِ ثَلاثٌ ثَلاثٌ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، والدّارَقُطْنِيُّ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: «صَلّى بِنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَلاةَ الخَوْفِ، فَقامُوا صَفَّيْنِ، صَفٌّ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وصَفٌّ مُسْتَقْبِلَ العَدُوِّ، فَصَلّى بِهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَكْعَةً، وجاءَ الآخَرُونَ فَقامُوا مَقامَهم فاسْتَقْبَلُوا هَؤُلاءِ العَدُوَّ، فَصَلّى بِهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَكْعَةً، ثُمَّ سَلَّمَ، فَقامَ هَؤُلاءِ إلى مَقامِ هَؤُلاءِ فَصَلَّوْا لِأنْفُسِهِمْ رَكْعَةً ثُمَّ سَلَّمُوا» . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، مِن طَرِيقِ عُرْوَةَ عَنْ مَرْوانَ، (p-٦٦٧)«أنَّهُ سَألَ أبا هُرَيْرَةَ: هَلْ صَلَّيْتَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ صَلاةَ الخَوْفِ؟ قالَ أبُو هُرَيْرَةَ: نَعَمْ، قالَ مَرْوانُ: مَتى؟ قالَ: عامَ غَزْوَةِ نَجْدٍ، قامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى الصَّلاةِ؛ صَلاةِ العَصْرِ، فَقامَتْ مَعَهُ طائِفَةٌ، وطائِفَةٌ أُخْرى مُقابِلَ العَدُوِّ، وظُهُورُهم إلى القِبْلَةِ، فَكَبَّرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَكَبَّرَ الكُلُّ، ثُمَّ رَكَعَ رَكْعَةً واحِدَةً ورَكَعَتِ الطّائِفَةُ الَّتِي خَلْفَهُ، ثُمَّ سَجَدَ فَسَجَدَتِ الطّائِفَةُ الَّتِي تَلِيهِ، والآخَرُونَ قِيامٌ مُقابِلَ العَدُوِّ، ثُمَّ قامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وقامَتِ الطّائِفَةُ الَّتِي مَعَهُ، وذَهَبُوا إلى العَدُوِّ فَقابَلُوهُمْ، وأقْبَلَتِ الطّائِفَةُ الأُخْرى فَرَكَعُوا وسَجَدُوا، ورَسُولُ اللَّهِ ﷺ قائِمٌ كَما هُوَ، ثُمَّ قامُوا فَرَكَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَكْعَةً أُخْرى، ورَكَعُوا مَعَهُ، وسَجَدُوا مَعَهُ، ثُمَّ أقْبَلَتِ الطّائِفَةُ الَّتِي كانَتْ مُقابِلَ العَدُوِّ، فَرَكَعُوا وسَجَدُوا، ورَسُولُ اللَّهِ ﷺ قاعِدٌ ومَن مَعَهُ، ثُمَّ كانَ السَّلامُ فَسَلَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وسَلَّمُوا جَمِيعًا، فَكانَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ رَكْعَتانِ، ولِكُلِّ واحِدَةٍ مِنَ الطّائِفَتَيْنِ رَكْعَةٌ رَكْعَةٌ» . وأخْرَجَ الدّارَقُطْنِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «أمَرَنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِصَلاةِ الخَوْفِ، فَقامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وقُمْنا خَلْفَهُ صَفَّيْنِ، فَكَبَّرَ ورَكَعَ، ورَكَعْنا جَمِيعًا؛ الصَّفّانِ كِلاهُما، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ، ثُمَّ خَرَّ ساجِدًا، وسَجَدَ الصَّفُّ الَّذِي يَلِيهِ، وثَبَتَ الآخَرُونَ قِيامًا يَحْرُسُونَ إخْوانَهُمْ، فَلَمّا فَرَغَ مِن سُجُودِهِ وقامَ خَرَّ الصَّفُّ المُؤَخَّرُ سُجُودًا، فَسَجَدُوا سَجْدَتَيْنِ، ثُمَّ قامُوا فَتَأخَّرَ الصَّفُّ المُقَدَّمُ الَّذِي يَلِيهِ وتَقَدَّمَ الصَّفُّ المُؤَخَّرُ، فَرَكَعَ ورَكَعُوا جَمِيعًا، وسَجَدَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ والصَّفُّ (p-٦٦٨)الَّذِي يَلِيهِ، وثَبَتَ الآخَرُونَ قِيامًا يَحْرُسُونَ إخْوانَهُمْ، فَلَمّا قَعَدَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَرَّ الصَّفُّ المُؤَخَّرُ سُجُودًا، ثُمَّ سَلَّمَ النَّبِيُّ» ﷺ . وأخْرَجَ الدّارَقُطْنِيُّ، عَنْ جابِرٍ «أنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ كانَ مُحاصِرًا بَنِي مُحارِبٍ بِنَخْلٍ، ثُمَّ نُودِيَ في النّاسِ: أنَّ الصَّلاةَ جامِعَةٌ، فَجَعَلَهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ طائِفَتَيْنِ؛ طائِفَةٌ مُقْبِلَةٌ عَلى العَدُوِّ يَتَحَدَّثُونَ، وصَلّى بِطائِفَةٍ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ سَلَّمَ فانْصَرَفُوا فَكانُوا مَكانَ إخْوانِهِمْ، وجاءَتِ الطّائِفَةُ الأُخْرى فَصَلّى بِهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَكْعَتَيْنِ، فَكانَ لِلنَّبِيِّ ﷺ أرْبَعُ رَكَعاتٍ، ولِكُلِّ طائِفَةٍ رَكْعَتانِ» . وأخْرَجَ البَزّارُ، وابْنُ جَرِيرٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في غَزاةٍ لَهُ فَلَقِيَ المُشْرِكِينَ بِعُسْفانَ، فَلَمّا صَلّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الظُّهْرَ فَرَأوْهُ يَرْكَعُ ويَسْجُدُ هو وأصْحابُهُ قالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: لَوْ حَمَلْتُمْ عَلَيْهِمْ ما عَلِمُوا بِكم حَتّى تُواقِعُوهُمْ، فَقالَ قائِلٌ مِنهم: إنْ لَهم صَلاةً أُخْرى هي أحَبُّ إلَيْهِمْ مِن أهْلِيهِمْ وأمْوالِهِمْ، فاصْبِرُوا حَتّى تَحْضُرَ فَنَحْمِلَ عَلَيْهِمْ حَمْلَةً، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وإذا كُنْتَ فِيهِمْ فَأقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ، وأعْلَمَهُ بِما ائْتَمَرَ بِهِ المُشْرِكُونَ، فَلَمّا صَلّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ العَصْرَ وكانُوا قُبالَتَهُ في القِبْلَةِ، جَعَلَ المُسْلِمِينَ خَلْفَهُ صَفَّيْنِ، فَكَبَّرَ فَكَبَّرُوا مَعَهُ جَمِيعًا، ثُمَّ رَكَعَ ورَكَعُوا مَعَهُ جَمِيعًا، فَلَمّا سَجَدَ سَجَدَ مَعَهُ الصَّفُّ الَّذِينَ يَلُونَهُ، ثُمَّ قامَ الَّذِينَ خَلْفَهم مُقْبِلِينَ عَلى العَدُوِّ، فَلَمّا فَرَغَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِن سُجُودِهِ وقامَ سَجَدَ الصَّفُّ الثّانِي، ثُمَّ (p-٦٦٩)قامُوا وتَأخَّرَ الصَّفُّ الَّذِينَ يَلُونَهُ، وتَقَدَّمَ الآخَرُونَ، فَكانُوا يَلُونَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَلَمّا رَكَعَ رَكَعُوا مَعَهُ جَمِيعًا، ثُمَّ رَفَعَ فَرَفَعُوا مَعَهُ، ثُمَّ سَجَدَ فَسَجَدَ مَعَهُ الَّذِينَ يَلُونَهُ، وقامَ الصَّفُّ الثّانِي مُقْبِلِينَ عَلى العَدُوِّ، فَلَمّا فَرَغَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِن سُجُودِهِ وقَعَدَ، قَعَدَ الَّذِينَ يَلُونَهُ، وسَجَدَ الصَّفُّ المُؤَخَّرُ، ثُمَّ قَعَدُوا فَسَجَدُوا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَلَمّا سَلَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَلَّمَ عَلَيْهِمْ جَمِيعًا، فَلَمّا نَظَرَ إلَيْهِمُ المُشْرِكُونَ يَسْجُدُ بَعْضُهم ويَقُومُ بَعْضٌ، قالُوا: لَقَدْ أُخْبِرُوا بِما أرَدْنا» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنْ أبِي العالِيَةِ الرِّياحِيِّ أنَّ أبا مُوسى الأشْعَرِيَّ كانَ بِالدّارِ مِن أصْبَهانَ وما بِهِمْ يَوْمَئِذٍ كَبِيرُ خَوْفٍ، ولَكِنْ أحَبَّ أنْ يُعَلِّمَهم دِينَهم وسُنَّةَ نَبِيِّهِمْ ﷺ، فَجَعَلَهم صَفَّيْنِ، طائِفَةٌ مَعَها السِّلاحُ مُقْبِلَةٌ عَلى عَدُوِّها، وطائِفَةٌ وراءَها، فَصَلّى بِالَّذِينِ يَلُونَهُ رَكْعَةً ثُمَّ نَكَصُوا عَلى أدْبارِهِمْ حَتّى قامُوا مَقامَ الآخَرِينَ، وجاءَ الآخَرُونَ يَتَخَلَّلُونَهم حَتّى قامُوا وراءَهُ فَصَلّى بِهِمْ رَكْعَةً أُخْرى ثُمَّ سَلَّمَ، فَقامَ الَّذِينَ يَلُونَهُ والآخَرُونَ فَصَلَّوْا رَكْعَةً رَكْعَةً، فَسَلَّمَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ، فَتَمَّتْ لِلْإمامِ رَكْعَتانِ في جَماعَةٍ، ولِلنّاسِ رَكْعَةٌ رَكْعَةٌ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ، مُجاهِدٍ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِعُسْفانَ والمُشْرِكُونَ بِضُجْنانَ، فَلَمّا صَلّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الظُّهْرَ ورَآهُ المُشْرِكُونَ يَرْكَعُ ويَسْجُدُ ائْتَمَرُوا أنْ يُغِيرُوا عَلَيْهِ، فَلَمّا حَضَرَتِ العَصْرُ صَفَّ النّاسُ خَلْفَهُ صَفَّيْنِ، فَكَبَّرَ وكَبَّرُوا جَمِيعًا، ورَكَعَ ورَكَعُوا جَمِيعًا، وسَجَدَ وسَجَدَ الصَّفُّ (p-٦٧٠)الَّذِينَ يَلُونَهُ وقامَ الصَّفُّ الثّانِي الَّذِينَ بِسِلاحِهِمْ مُقْبِلِينَ عَلى العَدُوِّ بِوُجُوهِهِمْ، فَلَمّا رَفَعَ النَّبِيُّ ﷺ رَأْسَهُ سَجَدَ الصَّفُّ الثّانِي، فَلَمّا رَفَعُوا رُؤُوسَهم رَكَعَ ورَكَعُوا جَمِيعًا، وسَجَدَ وسَجَدَ الصَّفُّ الَّذِينَ يَلُونَهُ وقامَ الصَّفُّ الثّانِي بِسِلاحِهِمْ مُقْبِلِينَ عَلى العَدُوِّ بِوُجُوهِهِمْ، فَلَمّا رَفَعَ النَّبِيُّ ﷺ رَأْسَهُ سَجَدَ الصَّفُّ الثّانِي، قالَ مُجاهِدٌ: فَكانَ تَكْبِيرُهم ورُكُوعُهم وتَسْلِيمُهُ عَلَيْهِمْ سَواءً، وتَناصَفُوا في السُّجُودِ، قالَ مُجاهِدٌ: فَلَمْ يُصَلِّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَلاةَ الخَوْفِ قَبْلَ يَوْمِهِ ولا بَعْدَهُ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنْ عَلِيٍّ، قالَ: «صَلَّيْتُ صَلاةَ الخَوْفِ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ، إلّا المَغْرِبَ فَإنَّهُ صَلّاها ثَلاثًا» . وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: «صَلّى النَّبِيُّ ﷺ بِأصْحابِهِ صَلاةَ الظُّهْرِ قَبْلَ أنْ تَنْزِلَ صَلاةُ الخَوْفِ، فَتَلَهَّفَ المُشْرِكُونَ ألّا يَكُونُوا حَمَلُوا عَلَيْهِ، فَقالَ لَهم رَجُلٌ: فَإنَّ لَهم صَلاةً قَبْلَ مَغْرِبانِ الشَّمْسِ هي أحَبُّ إلَيْهِمْ مِن أنْفُسِهِمْ. فَقالُوا: لَوْ قَدْ صَلَّوْا بَعْدُ لَحَمَلْنا عَلَيْهِمْ، فارْصُدُوا ذَلِكَ. فَنَزَلَتْ صَلاةُ الخَوْفِ، فَصَلّى بِهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَلاةَ الخَوْفِ بِصَلاةِ العَصْرِ» . (p-٦٧١)وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، مِن طَرِيقِ أبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جابِرٍ قالَ: «كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فَلَقِينا المُشْرِكِينَ بِنَخْلٍ، فَكانُوا بَيْنَنا وبَيْنَ القِبْلَةِ، فَلَمّا حَضَرَتْ صَلاةُ الظُّهْرِ صَلّى بِنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ونَحْنُ جَمِيعٌ، فَلَمّا فَرَغْنا تَآمَرَ المُشْرِكُونَ فَقالُوا: لَوْ كُنّا حَمَلْنا عَلَيْهِمْ وهم يُصَلُّونَ. فَقالَ بَعْضُهم: فَإنَّ لَهم صَلاةً يَنْتَظِرُونَها تَأْتِي الآنَ، وهي أحَبُّ إلَيْهِمْ مِن أبْنائِهُمْ، فَإذا صَلَّوْا فَمِيلُوا عَلَيْهِمْ. فَجاءَ جِبْرِيلُ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالخَبَرِ وعَلَّمَهُ كَيْفَ يُصَلِّي، فَلَمّا حَضَرَتِ العَصْرُ قامَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ مِمّا يَلِي العَدُوَّ، وقُمْنا خَلْفَهُ صَفَّيْنِ، فَكَبَّرَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ وكَبَّرْنا جَمِيعًا» . ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ البَزّارُ عَنْ عَلِيٍّ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ في صَلاةِ الخَوْفِ، «أمَرَ النّاسَ فَأخَذُوا السِّلاحَ عَلَيْهِمْ فَقامَتْ طائِفَةٌ مِن ورائِهِمْ مُسْتَقْبِلِي العَدُوَّ، وجاءَتْ طائِفَةٌ فَصَلَّوْا مَعَهُ، فَصَلّى بِهِمْ رَكْعَةً، ثُمَّ قامُوا إلى الطّائِفَةِ الَّتِي لَمْ تُصَلِّ، وأقْبَلَتِ الطّائِفَةُ الَّتِي لَمْ تُصَلِّ مَعَهُ فَقامُوا خَلْفَهُ، فَصَلّى بِهِمْ رَكْعَةً وسَجْدَتَيْنِ، ثُمَّ سَلَّمَ عَلَيْهِمْ، فَلَمّا سَلَّمَ قامَ الَّذِينَ قِبَلَ العَدُوِّ فَكَبَّرُوا جَمِيعًا، ورَكَعُوا رَكْعَةً وسَجْدَتَيْنِ بَعْدَما سَلَّمَ» . وأخْرَجَ أحْمَدُ، عَنْ جابِرٍ قالَ: «غَزا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سِتَّ غَزَواتٍ قَبْلَ صَلاةِ الخَوْفِ، وكانَتْ صَلاةُ الخَوْفِ في السَّنَةِ السّابِعَةِ» . (p-٦٧٢)وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ مِن طَرِيقِ العَوْفِيِّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿وإذا كُنْتَ فِيهِمْ فَأقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ﴾ فَإنَّهُ كانَتْ تَأْخُذُ طائِفَةٌ مِنهُمُ السِّلاحَ فَيُقْبِلُونَ عَلى العَدُوِّ، والطّائِفَةُ الأُخْرى يُصَلُّونَ مَعَ الإمامِ رَكْعَةً، ثُمَّ يَأْخُذُونَ أسْلِحَتَهم فَيَسْتَقْبِلُونَ العَدُوَّ، ويَرْجِعُ أصْحابُهم فَيُصَلُّونَ مَعَ الإمامِ رَكْعَةً، فَيَكُونُ لِلْإمامِ رَكْعَتانِ، ولِسائِرِ النّاسِ رَكْعَةٌ واحِدَةٌ، ثُمَّ يَقْضُونَ رَكْعَةً أُخْرى، وهَذا تَمامٌ مِنَ الصَّلاةِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَإذا سَجَدُوا﴾ يَقُولُ: فَإذا سَجَدَتِ الطّائِفَةُ الَّتِي قامَتْ مَعَكَ في صَلاتِكَ تُصَلِّي بِصَلاتِكَ فَفَرَغَتْ مِن سُجُودِها، ﴿فَلْيَكُونُوا مِن ورائِكُمْ﴾ يَقُولُ: فَلْيَصْيِرُوا بَعْدَ فَراغِهِمْ مِن سُجُودِهِمْ خَلْفَكم مُصافِّي العَدُوِّ، في المَكانَ الَّذِي فِيهِ سائِرُ الطَّوائِفِ الَّتِي لَمْ تُصَلِّ مَعَكَ، ولَمْ تَدْخُلْ مَعَكَ في صَلاتِكَ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا جُناحَ عَلَيْكُمْ﴾ . أخْرَجَ البُخارِيُّ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ، والبَيْهَقِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنْ كانَ بِكم أذًى مِن مَطَرٍ أوْ كُنْتُمْ مَرْضى﴾ قالَ: نَزَلَتْ في عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، كانَ جَرِيحًا. (p-٦٧٣)وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُقاتِلِ بْنِ حَيّانَ في الآيَةِ قالَ: رَخَّصَ في وضْعِ السِّلاحِ عِنْدَ ذَلِكَ، وأمَرَهم أنْ يَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ، وفي قَوْلِهِ: ﴿عَذابًا مُهِينًا﴾ قالَ: يَعْنِي بِالمُهِينِ الهَوانَ، وفي قَوْلِهِ: ﴿فَإذا قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ﴾ قالَ: صَلاةَ الخَوْفِ. ﴿فاذْكُرُوا اللَّهَ﴾ قالَ: بِاللِّسانِ. ﴿فَإذا اطْمَأْنَنْتُمْ﴾ يَقُولُ: إذا اسْتَقْرَرْتُمْ وأمِنتُمْ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فاذْكُرُوا اللَّهَ قِيامًا وقُعُودًا وعَلى جُنُوبِكُمْ﴾ قالَ: بِاللَّيْلِ والنَّهارِ، في البَرِّ والبَحْرِ، في السَّفَرِ والحَضَرِ، والغِنى والفَقْرِ، والسَّقَمِ والصِّحَّةِ، والسِّرِّ والعَلانِيَةِ، وعَلى كُلِّ حالٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ بَلَغَهُ أنَّ قَوْمًا يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيامًا، فَأتاهم فَقالَ: ما هَذا؟ قالُوا: سَمِعْنا اللَّهَ يَقُولُ: ﴿فاذْكُرُوا اللَّهَ قِيامًا وقُعُودًا وعَلى جُنُوبِكُمْ﴾ . فَقالَ: إنَّما هَذِهِ إذا لَمْ يَسْتَطِعِ الرَّجُلُ أنْ يُصَلِّيَ قائِمًا صَلّى قاعِدًا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ: ﴿فَإذا اطْمَأْنَنْتُمْ﴾ قالَ: إذا خَرَجْتُمْ مِن دارِ السَّفَرِ إلى دارِ الإقامَةِ، ﴿فَأقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ قالَ: أتِمُّوها. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ قَتادَةَ: ﴿فَإذا اطْمَأْنَنْتُمْ﴾ يَقُولُ: إذا اطْمَأْنَنْتُمْ في أمْصارِكم فَأتِمُّوا الصَّلاةَ. (p-٦٧٤)وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مُجاهِدٍ: ﴿فَإذا اطْمَأْنَنْتُمْ﴾ يَقُولُ: فَإذا أمِنتُمْ ﴿فَأقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ يَقُولُ: أتِمُّوها. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ: ﴿فَإذا اطْمَأْنَنْتُمْ﴾: أقَمْتُمْ في أمْصارِكم. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي العالِيَةِ: ﴿فَإذا اطْمَأْنَنْتُمْ﴾ يَعْنِي: إذا نَزَلَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ: ﴿فَإذا اطْمَأْنَنْتُمْ﴾ قالَ: بَعْدَ الخَوْفِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَإذا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ قالَ: إذا اطْمَأْنَنْتُمْ فَصَلُّوا الصَّلاةَ، لا تُصَلِّها راكِبًا ولا ماشِيًا ولا قاعِدًا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ الصَّلاةَ كانَتْ عَلى المُؤْمِنِينَ كِتابًا مَوْقُوتًا﴾ يَعْنِي: مَفْرُوضًا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في الآيَةِ قالَ: المَوْقُوتُ: الواجِبُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مُجاهِدٍ: ﴿كِتابًا مَوْقُوتًا﴾ قالَ: مَفْرُوضًا. (p-٦٧٥)وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿كِتابًا مَوْقُوتًا﴾ قالَ: فَرْضًا واجِبًا. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ الحَسَنِ: ﴿كِتابًا مَوْقُوتًا﴾ قالَ: كِتابًا واجِبًا. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ الصَّلاةَ كانَتْ عَلى المُؤْمِنِينَ كِتابًا مَوْقُوتًا﴾ قالَ: قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: إنَّ لِلصَّلاةِ وقْتًا كَوَقْتِ الحَجِّ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ الصَّلاةَ كانَتْ عَلى المُؤْمِنِينَ كِتابًا مَوْقُوتًا﴾ قالَ: مُنَجَّمًا كُلَّما مَضى نَجْمٌ جاءَ نَجْمٌ آخَرُ، يَقُولُ: كُلَّما مَضى وقْتٌ جاءَ وقْتٌ آخَرُ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأحْمَدُ، وأبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ، وابْنُ خُزَيْمَةَ، والحاكِمُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««أمَّنِي جِبْرِيلُ عِنْدَ البَيْتِ مَرَّتَيْنِ، فَصَلّى بِي الظُّهْرَ حِينَ زالَتِ الشَّمْسُ وكانَتْ قَدْرَ الشِّراكِ، وصَلّى بِي العَصْرَ حِينَ كانَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَهُ، وصَلّى بِي المَغْرِبَ حِينَ أفْطَرَ الصّائِمُ، وصَلّى بِي العَشاءَ حِينَ غابَ الشَّفَقُ، وصَلّى بِي الفَجْرَ حِينَ حَرُمَ الطَّعامُ والشَّرابُ عَلى الصّائِمِ، وصَلّى بِيَ مِنَ الغَدِ الظُّهْرَ حِينَ كانَ ظِلُّ كُلِّ (p-٦٧٦)شَيْءٍ مِثْلَهُ، وصَلّى بِي العَصْرَ حِينَ كانَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَيْهِ، وصَلّى بِيَ المَغْرِبَ حِينَ أفْطَرَ الصّائِمُ، وصَلّى بِيَ العَشاءَ ثُلْثَ اللَّيْلِ، وصَلّى بِيَ الفَجْرَ فَأسْفَرَ، ثُمَّ التَفَتَ إلَيَّ فَقالَ: يا مُحَمَّدُ، هَذا الوَقْتُ وقْتُ النَّبِيِّينَ قَبْلَكَ، الوَقْتُ ما بَيْنَ هَذَيْنِ الوَقْتَيْنِ»» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأحْمَدُ، والتِّرْمِذِيُّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««إنَّ لِلصَّلاةِ أوَّلًا وآخِرًا، وإنَّ أوَّلَ وقْتِ الظُّهْرِ حِينَ تَزُولُ الشَّمْسُ، وإنَّ آخِرَ وقْتِها حِينَ يَدْخُلُ وقْتُ العَصْرِ، وإنَّ أوَّلَ وقْتِ العَصْرِ حِينَ يَدْخُلُ وقْتُ العَصْرِ، وإنَّ آخِرَ وقْتِها حِينَ تَصَفارُّ الشَّمْسُ، وإنَّ أوَّلَ وقْتِ المَغْرِبِ حِينَ تَغْرُبُ الشَّمْسُ، وإنَّ آخِرَ وقْتِها حِينَ يَغِيبُ الشَّفَقُ، وإنَّ أوَّلَ وقْتِ العَشاءِ الآخِرَةِ حِينَ يَغِيبُ الشَّفَقُ، وإنَّ آخِرَ وقْتِها حِينَ يَنْتَصِفُ اللَّيْلُ، وإنَّ أوَّلَ وقْتِ الفَجْرِ حِينَ يَطْلُعُ الفَجْرُ، وإنَّ آخِرَ وقْتِها حِينَ تَطْلُعُ الشَّمْسُ»» . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَهِنُوا﴾ الآيَةَ. أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿ولا تَهِنُوا﴾ قالَ: ولا تَضْعُفُوا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الضَّحّاكِ: ﴿ولا تَهِنُوا في ابْتِغاءِ القَوْمِ﴾ قالَ: (p-٦٧٧)لا تَضْعُفُوا في طَلَبِ القَوْمِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، مِن طَرِيقٍ عَلِيٍّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿إنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ﴾ قالَ: تَوَجَّعُونَ، ﴿وتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ ما لا يَرْجُونَ﴾ قالَ: تَرْجُونَ الخَيْرَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ في الآيَةِ يَقُولُ: لا تَضْعُفُوا في طَلَبِ القَوْمِ، فَإنَّكم إنْ تَكُونُوا تَيْجَعُونَ فَإنَّهم يَيْجَعُونَ كَما تَيْجَعُونَ، وتَرْجُونَ مِنَ الأجْرِ والثَّوابِ ما لا يَرْجُونَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ في الآيَةِ قالَ: لا تَضْعُفُوا في طَلَبِ القَوْمِ، إنْ تَكُونُوا تَيْجَعُونَ مِنَ الجِراحاتِ فَإنَّهم يَيْجَعُونَ كَما تَيْجَعُونَ، وتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مِنَ الثَّوابِ ما لا يَرْجُونَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُقاتِلِ بْنِ حَيّانَ: ﴿وتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ﴾ يَعْنِي: الحَياةَ والرِّزْقَ والشَّهادَةَ والظَّفَرَ في الدُّنْيا.

النساء 4:103

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا كُنْتَ فِيهِمْ﴾ الآيَةَ. أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأحْمَدُ وعَبْدُ بْنُ (p-٦٦٠)حَمِيدٍ، وأبُو داوُدَ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والدّارَقُطْنِيُّ، والطَّبَرانِيُّ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ عَنْ أبِي عَيّاشٍ الزُّرَقِيِّ قالَ: «كُنّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِعُسْفانَ فاسْتَقْبَلَنا المُشْرِكُونَ عَلَيْهِمْ خالِدُ بْنُ الوَلِيدِ، وهم بَيْنَنا وبَيْنَ القِبْلَةِ، فَصَلّى بِنا النَّبِيُّ ﷺ الظُّهْرَ، فَقالُوا: قَدْ كانُوا عَلى حالٍ لَوْ أصَبْنا غِرَّتَهم. ثُمَّ قالُوا: يَأْتِي عَلَيْهِمُ الآنَ صَلاةٌ هي أحَبُّ إلَيْهِمْ مِن أبْنائِهِمْ وأنْفُسِهِمْ. فَنَزَلَ جِبْرِيلُ بِهَذِهِ الآياتِ بَيْنَ الظُّهْرِ والعَصْرِ: ﴿وإذا كُنْتَ فِيهِمْ فَأقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ﴾ فَحَضَرَتْ، فَأمَرَهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَأخَذُوا السِّلاحَ، فَصَفَفْنا خَلْفَهُ صَفَّيْنِ، ثُمَّ رَكَعَ فَرَكَعْنا جَمِيعًا، ثُمَّ سَجَدَ بِالصَّفِّ الَّذِي يَلِيهِ، والآخَرُونَ قِيامٌ يَحْرُسُونَهُمْ، فَلَمّا سَجَدُوا وقامُوا، جَلَسَ الآخَرُونَ فَسَجَدُوا في مَكانِهِمْ ثُمَّ تَقَدَّمُ هَؤُلاءِ إلى مَصافِّ هَؤُلاءِ، وهَؤُلاءِ إلى مَصافِّ هَؤُلاءِ، ثُمَّ رَكَعَ فَرَكَعُوا جَمِيعًا، ثُمَّ رَفَعَ فَرَفَعُوا جَمِيعًا، ثُمَّ سَجَدَ الصَّفُّ الَّذِي يَلِيهِ، والآخَرُونَ قِيامٌ يَحْرُسُونَهُمْ، فَلَمّا جَلَسُوا جَلَسَ الآخَرُونَ فَسَجَدُوا، ثُمَّ سَلَّمَ عَلَيْهِمْ ثُمَّ انْصَرَفَ. قالَ: فَصَلّاها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَرَّتَيْنِ: مَرَّةً بِعُسْفانَ، ومَرَّةً بِأرْضِ بَنِي سُلَيْمٍ» . وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَزَلَ بَيْنَ ضَجْنانَ وعُسْفانَ، فَقالَ المُشْرِكُونَ: إنَّ لِهَؤُلاءِ صَلاةً هي أحَبُّ إلَيْهِمْ (p-٦٦١)مِن آبائِهِمْ وأبْنائِهِمْ، وهي العَصْرُ، فَأجْمِعُوا أمْرَكُمْ، فَمِيلُوا عَلَيْهِمْ مَيْلَةً واحِدَةً، وإنَّ جِبْرِيلَ أتى النَّبِيَّ ﷺ فَأمَرَهُ أنْ يَقْسِمَ أصْحابَهُ شَطْرَيْنِ، فَيُصَلِّي بِهِمْ وتَقُومُ طائِفَةٌ أُخْرى وراءَهُمْ، ولْيَأْخُذُوا حِذْرَهم وأسْلِحَتَهُمْ، ثُمَّ يَأْتِي الآخَرُونَ ويُصَلُّونَ مَعَهُ رَكْعَةً واحِدَةً، ثُمَّ يَأْخُذُ هَؤُلاءِ حِذْرَهم وأسْلِحَتَهُمْ، فَيَكُونُ لَهم رَكْعَةٌ رَكْعَةٌ، ولِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ رَكْعَتانِ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ يَزِيدَ الفَقِيرِ قالَ: «سَألْتُ جابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ الرَّكْعَتَيْنِ في السَّفَرِ؛ أُقْصُرُهُما؟ قالَ: الرَّكْعَتانِ في السَّفَرِ تَمامٌ، إنَّما القَصْرُ واحِدَةٌ عِنْدَ القِتالِ؛ بَيْنا نَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في قِتالٍ إذْ أُقِيمَتِ الصَّلاةُ فَقامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَصَفَّتْ طائِفَةٌ، وطائِفَةٌ وُجُوهُها قِبَلَ العَدُوِّ فَصَلّى بِهِمْ رَكْعَةً، وسَجَدَ بِهِمْ سَجْدَتَيْنِ، ثُمَّ الَّذِينَ خَلَفُوا انْطَلَقُوا إلى أُولَئِكَ فَقامُوا مَقامَهُمْ، وجاءَ أُولَئِكَ فَقامُوا خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَصَلّى بِهِمْ رَكْعَةً وسَجَدَ بِهِمْ سَجْدَتَيْنِ، ثُمَّ إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ جَلَسَ فَسَلَّمَ وسَلَّمَ الَّذِينَ خَلْفَهُ، وسَلَّمَ أُولَئِكَ، فَكانَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ رَكْعَتَيْنِ ولِلْقَوْمِ رَكْعَةً. ثُمَّ قَرَأ: ﴿وإذا كُنْتَ فِيهِمْ فَأقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ﴾ [النساء»: ١٠٢] . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ سُلَيْمانَ اليَشْكُرِيِّ، «أنَّهُ سَألَ جابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ إقْصارِ الصَّلاةِ، أيَّ يَوْمٍ أُنْزِلَ؟ فَقالَ جابِرٌ: انْطَلَقْنا نَتَلَقّى عِيرَ (p-٦٦٢)قُرَيْشٍ آتِيَةً مِنَ الشّامِ، حَتّى إذا كُنّا بِنَخْلٍ جاءَ رَجُلٌ مِنَ القَوْمِ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: يا مُحَمَّدُ، قالَ: «نَعَمْ» . قالَ: هَلْ تَخافُنِي؟ قالَ: «لا» قالَ: فَمَن يَمْنَعُكَ مِنِّي؟ قالَ: «اللَّهُ يَمْنَعُنِي مِنكَ» قالَ: فَسَلَّ السَّيْفَ ثُمَّ تَهَدَّدَهُ وأوْعَدَهُ، ثُمَّ نادى بِالرَّحِيلِ وأخْذِ السِّلاحِ، ثُمَّ نُودِيَ بِالصَّلاةِ فَصَلّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِطائِفَةٍ مِنَ القَوْمِ، وطائِفَةٌ أُخْرى تَحْرُسُهُمْ، فَصَلّى بِالَّذِينِ يَلُونَهُ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ تَأخَّرَ الَّذِينَ يَلُونَهُ عَلى أعْقابِهِمْ فَقامُوا في مَصافِّ أصْحابِهِمْ، ثُمَّ جاءَ الآخَرُونَ فَصَلّى بِهِمْ رَكْعَتَيْنِ، والآخَرُونَ يَحْرُسُونَهُمْ، ثُمَّ سَلَّمَ، فَكانَتْ لِلنَّبِيِّ ﷺ أرْبَعَ رَكَعاتٍ، ولِلْقَوْمِ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ، يَوْمَئِذٍ أنْزَلَ اللَّهُ في إقْصارِ الصَّلاةِ، وأمَرَ المُؤْمِنِينَ بِأخْذِ السِّلاحِ» . وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والبُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، وأبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ ماجَهْ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سالِمٍ، عَنْ أبِيهِ في قَوْلِهِ: ﴿وإذا كُنْتَ فِيهِمْ فَأقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ﴾ قالَ: «هِيَ صَلاةُ الخَوْفِ، صَلّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِإحْدى الطّائِفَتَيْنِ رَكْعَةً، والطّائِفَةُ الأُخْرى مُقْبِلَةٌ عَلى العَدُوِّ، ثُمَّ انْصَرَفَتِ الطّائِفَةُ الَّتِي صَلَّتْ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فَقامُوا مَقامَ أُولَئِكَ مُقْبِلِينَ عَلى العَدُوِّ، وأقْبَلَتِ الطّائِفَةُ الأُخْرى الَّتِي كانَتْ مُقْبِلَةً عَلى العَدُوِّ، فَصَلّى بِهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَكْعَةً أُخْرى، ثُمَّ سَلَّمَ بِهِمْ، ثُمَّ قامَتْ كُلُّ طائِفَةٍ فَصَلَّوْا رَكْعَةً رَكْعَةً» . (p-٦٦٣)وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: «﴿وإذا كُنْتَ فِيهِمْ فَأقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طائِفَةٌ مِنهم مَعَكَ﴾ فَهَذا في الصَّلاةِ عِنْدَ الخَوْفِ، يَقُومُ الإمامُ وتَقُومُ مَعَهُ طائِفَةٌ مِنهُمْ، وطائِفَةٌ يَأْخُذُونَ أسْلِحَتَهُمْ، ويَقِفُونَ بِإزاءِ العَدُوِّ فَيُصَلِّي الإمامُ بِمَن مَعَهُ رَكْعَةً، ثُمَّ يَجْلِسُ عَلى هَيْئَتِهِ فَيَقُومُ القَوْمُ فَيُصَلُّونَ لِأنْفُسِهِمُ الرَّكْعَةَ الثّانِيَةَ، والإمامُ جالِسٌ، ثُمَّ يَنْصَرِفُونَ فَيَقِفُونَ مَوْقِفَهُمْ، ثُمَّ يُقْبِلُ الآخَرُونَ فَيُصَلِّي بِهِمُ الإمامُ الرَّكْعَةَ الثّانِيَةَ، ثُمَّ يُسَلِّمُ فَيَقُومُ القَوْمُ فَيُصَلُّونَ لِأنْفُسِهِمُ الرَّكْعَةَ الثّانِيَةَ، فَهَكَذا صَلّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ بَطْنِ نَخْلَةَ» . وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَلّى صَلاةَ الخَوْفِ بِذِي قَرَدٍ، فَصَفَّ النّاسُ صَفَّيْنِ صَفًّا خَلْفَهُ، وصَفًّا مُوازِيَ العَدُوِّ، فَصَلّى بِالَّذِينِ خَلْفَهُ رَكْعَةً، ثُمَّ انْصَرَفَ هَؤُلاءِ إلى مَكانِ هَؤُلاءِ، وجاءَ أُولَئِكَ فَصَلّى بِهِمْ رَكْعَةً ولَمْ يَقْضُوا» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ، «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَلّى صَلاةَ الخَوْفِ» . قالَ سُفْيانُ: فَذَكَرَ مِثْلَ حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وأبُو داوُدَ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، (p-٦٦٤)وابْنُ حِبّانَ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ ثَعْلَبَةَ بْنِ زَهْدَمٍ قالَ: كُنّا مَعَ سَعِيدِ بْنِ العاصِ بِطَبَرِسْتانَ فَقالَ: «أيُّكم صَلّى مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ صَلاةَ الخَوْفِ؟ فَقالَ حُذَيْفَةُ: أنا. فَقامَ حُذَيْفَةُ فَصَفَّ النّاسَ خَلْفَهُ وصَفًّا مُوازِيَ العَدُوِّ، فَصَلّى بِالَّذِينِ خَلْفَهُ رَكْعَةً، ثُمَّ انْصَرَفَ هَؤُلاءِ مَكانَ هَؤُلاءِ، وجاءَ أُولَئِكَ فَصَلّى بِهِمْ رَكْعَةً ولَمْ يَقْضُوا» . وأخْرَجَ أبُو داوُدَ، وابْنُ حِبّانَ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: «صَلّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَلاةَ الخَوْفِ بِذاتِ الرِّقاعِ، فَصَدَعَ النّاسَ صَدْعَتَيْنِ، فَصَفَّتْ طائِفَةٌ وراءَهُ، وقامَتْ طائِفَةٌ وِجاهَ العَدُوِّ، فَكَبَّرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وكَبَّرَتِ الطّائِفَةُ خَلْفَهُ، ثُمَّ رَكَعَ ورَكَعُوا، وسَجَدَ وسَجَدُوا، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَرَفَعُوا، ثُمَّ مَكَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ جالِسًا، وسَجَدُوا لِأنْفُسِهِمْ سَجْدَةً ثانِيَةً، ثُمَّ قامُوا، ثُمَّ نَكَصُوا عَلى أعْقابِهِمْ يَمْشُونَ القَهْقَرى حَتّى قامُوا مِن ورائِهِمْ، وأقْبَلَتِ الطّائِفَةُ الأُخْرى فَصَفُّوا خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَكَبَّرُوا، ثُمَّ رَكَعُوا لِأنْفُسِهِمْ، ثُمَّ سَجَدَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَجْدَتَهُ الثّانِيَةَ فَسَجَدُوا مَعَهُ، ثُمَّ قامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في رَكْعَتِهِ وسَجَدُوا لِأنْفُسِهِمُ السَّجْدَةَ الثّانِيَةَ، ثُمَّ قامَتِ الطّائِفَتانِ جَمِيعًا فَصَفُّوا خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَرَكَعَ بِهِمْ رَكْعَةً فَرَكَعُوا جَمِيعًا، ثُمَّ سَجَدَ فَسَجَدُوا جَمِيعًا، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَرَفَعُوا مَعَهُ، كُلُّ ذَلِكَ مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ سَرِيعًا جِدًّا، لا يَأْلُو أنْ يُخَفِّفَ ما اسْتَطاعَ، ثُمَّ سَلَّمَ فَسَلَّمُوا، ثُمَّ قامَ وقَدْ شَرَكَهُ النّاسُ في (p-٦٦٥)صِلاتِهِ كُلِّها» . وأخْرَجَ الحاكِمُ، عَنْ جابِرٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في صَلاةِ الخَوْفِ أنَّهُ قالَ: «قامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وطائِفَةٌ مِن خَلْفِهِ، وطائِفَةٌ مِن وراءِ الطّائِفَةِ الَّتِي خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قُعُودٌ، وُجُوهُهم كُلُّهم إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَكَبَّرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَكَبَّرَتِ الطّائِفَتانِ، فَرَكَعَ فَرَكَعَتِ الطّائِفَةُ الَّتِي خَلْفَهُ والآخَرُونَ قُعُودٌ، ثُمَّ سَجَدَ فَسَجَدُوا أيْضًا، والآخَرُونَ قُعُودٌ، ثُمَّ قامُوا ونَكَصُوا خَلْفَهُ حَتّى كانُوا مَكانَ أصْحابِهِمْ قُعُودًا، وأتَتِ الطّائِفَةُ الأُخْرى فَصَلّى بِهِمْ رَكْعَةً وسَجْدَتَيْنِ، ثُمَّ سَلَّمَ والآخَرُونَ قُعُودٌ، ثُمَّ سَلَّمَ فَقامَتِ الطّائِفَتانِ كِلْتاهُما، فَصَلَّوْا لِأنْفُسِهِمْ رَكْعَةً وسَجْدَتَيْنِ، رَكْعَةً وسَجْدَتَيْنِ» . وأخْرَجَ مالِكٌ والشّافِعِيُّ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والبُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، وأبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ ماجَهْ، والدّارَقُطْنِيُّ، والبَيْهَقِيُّ مِن طَرِيقِ صالِحِ بْنِ خَوّاتٍ، «عَمَّنْ صَلّى مَعَ النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ ذاتِ الرِّقاعِ صَلاةَ الخَوْفِ، أنَّ طائِفَةً صَفَّتْ مَعَهُ وطائِفَةً تُجاهَ العَدُوِّ، فَصَلّى بِالَّتِي مَعَهُ رَكْعَةً، ثُمَّ ثَبَتَ قائِمًا، وأتَمُّوا لِأنْفُسِهِمْ، ثُمَّ انْصَرَفُوا وصَلَّوْا تُجاهَ العَدُوِّ، وجاءَتِ الطّائِفَةُ الأُخْرى فَصَلّى بِهِمُ الرَّكْعَةَ الَّتِي بَقِيَتْ مِن صَلاتِهِ، ثُمَّ ثَبَتَ جالِسًا، وأتَمُّوا لِأنْفُسِهِمْ ثُمَّ سَلَّمَ بِهِمْ» . (p-٦٦٦)وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والدّارَقُطْنِيُّ، عَنْ أبِي بَكْرَةَ، «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَلّى بِأصْحابِهِ صَلاةَ الخَوْفِ، فَصَلّى بِبَعْضِ أصْحابِهِ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ سَلَّمَ فَتَأخَّرُوا، وجاءَ الآخَرُونَ فَصَلّى بِهِمْ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ سَلَّمَ، فَكانَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ أرْبَعُ رَكَعاتٍ، ولِلْمُسْلِمِينَ رَكْعَتانِ رَكْعَتانِ» . وأخْرَجَ الدّارَقُطْنِيُّ، والحاكِمُ عَنْ أبِي بَكْرَةَ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلّى بِالقَوْمِ في الخَوْفِ صَلاةَ المَغْرِبِ ثَلاثَ رَكَعاتٍ، ثُمَّ انْصَرَفَ، وجاءَ الآخَرُونَ فَصَلّى بِهِمْ ثَلاثَ رَكَعاتٍ، فَكانَتْ لِلنَّبِيِّ ﷺ سِتُّ رَكَعاتٍ، ولِلْقَوْمِ ثَلاثٌ ثَلاثٌ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، والدّارَقُطْنِيُّ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: «صَلّى بِنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَلاةَ الخَوْفِ، فَقامُوا صَفَّيْنِ، صَفٌّ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وصَفٌّ مُسْتَقْبِلَ العَدُوِّ، فَصَلّى بِهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَكْعَةً، وجاءَ الآخَرُونَ فَقامُوا مَقامَهم فاسْتَقْبَلُوا هَؤُلاءِ العَدُوَّ، فَصَلّى بِهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَكْعَةً، ثُمَّ سَلَّمَ، فَقامَ هَؤُلاءِ إلى مَقامِ هَؤُلاءِ فَصَلَّوْا لِأنْفُسِهِمْ رَكْعَةً ثُمَّ سَلَّمُوا» . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، مِن طَرِيقِ عُرْوَةَ عَنْ مَرْوانَ، (p-٦٦٧)«أنَّهُ سَألَ أبا هُرَيْرَةَ: هَلْ صَلَّيْتَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ صَلاةَ الخَوْفِ؟ قالَ أبُو هُرَيْرَةَ: نَعَمْ، قالَ مَرْوانُ: مَتى؟ قالَ: عامَ غَزْوَةِ نَجْدٍ، قامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى الصَّلاةِ؛ صَلاةِ العَصْرِ، فَقامَتْ مَعَهُ طائِفَةٌ، وطائِفَةٌ أُخْرى مُقابِلَ العَدُوِّ، وظُهُورُهم إلى القِبْلَةِ، فَكَبَّرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَكَبَّرَ الكُلُّ، ثُمَّ رَكَعَ رَكْعَةً واحِدَةً ورَكَعَتِ الطّائِفَةُ الَّتِي خَلْفَهُ، ثُمَّ سَجَدَ فَسَجَدَتِ الطّائِفَةُ الَّتِي تَلِيهِ، والآخَرُونَ قِيامٌ مُقابِلَ العَدُوِّ، ثُمَّ قامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وقامَتِ الطّائِفَةُ الَّتِي مَعَهُ، وذَهَبُوا إلى العَدُوِّ فَقابَلُوهُمْ، وأقْبَلَتِ الطّائِفَةُ الأُخْرى فَرَكَعُوا وسَجَدُوا، ورَسُولُ اللَّهِ ﷺ قائِمٌ كَما هُوَ، ثُمَّ قامُوا فَرَكَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَكْعَةً أُخْرى، ورَكَعُوا مَعَهُ، وسَجَدُوا مَعَهُ، ثُمَّ أقْبَلَتِ الطّائِفَةُ الَّتِي كانَتْ مُقابِلَ العَدُوِّ، فَرَكَعُوا وسَجَدُوا، ورَسُولُ اللَّهِ ﷺ قاعِدٌ ومَن مَعَهُ، ثُمَّ كانَ السَّلامُ فَسَلَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وسَلَّمُوا جَمِيعًا، فَكانَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ رَكْعَتانِ، ولِكُلِّ واحِدَةٍ مِنَ الطّائِفَتَيْنِ رَكْعَةٌ رَكْعَةٌ» . وأخْرَجَ الدّارَقُطْنِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «أمَرَنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِصَلاةِ الخَوْفِ، فَقامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وقُمْنا خَلْفَهُ صَفَّيْنِ، فَكَبَّرَ ورَكَعَ، ورَكَعْنا جَمِيعًا؛ الصَّفّانِ كِلاهُما، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ، ثُمَّ خَرَّ ساجِدًا، وسَجَدَ الصَّفُّ الَّذِي يَلِيهِ، وثَبَتَ الآخَرُونَ قِيامًا يَحْرُسُونَ إخْوانَهُمْ، فَلَمّا فَرَغَ مِن سُجُودِهِ وقامَ خَرَّ الصَّفُّ المُؤَخَّرُ سُجُودًا، فَسَجَدُوا سَجْدَتَيْنِ، ثُمَّ قامُوا فَتَأخَّرَ الصَّفُّ المُقَدَّمُ الَّذِي يَلِيهِ وتَقَدَّمَ الصَّفُّ المُؤَخَّرُ، فَرَكَعَ ورَكَعُوا جَمِيعًا، وسَجَدَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ والصَّفُّ (p-٦٦٨)الَّذِي يَلِيهِ، وثَبَتَ الآخَرُونَ قِيامًا يَحْرُسُونَ إخْوانَهُمْ، فَلَمّا قَعَدَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَرَّ الصَّفُّ المُؤَخَّرُ سُجُودًا، ثُمَّ سَلَّمَ النَّبِيُّ» ﷺ . وأخْرَجَ الدّارَقُطْنِيُّ، عَنْ جابِرٍ «أنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ كانَ مُحاصِرًا بَنِي مُحارِبٍ بِنَخْلٍ، ثُمَّ نُودِيَ في النّاسِ: أنَّ الصَّلاةَ جامِعَةٌ، فَجَعَلَهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ طائِفَتَيْنِ؛ طائِفَةٌ مُقْبِلَةٌ عَلى العَدُوِّ يَتَحَدَّثُونَ، وصَلّى بِطائِفَةٍ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ سَلَّمَ فانْصَرَفُوا فَكانُوا مَكانَ إخْوانِهِمْ، وجاءَتِ الطّائِفَةُ الأُخْرى فَصَلّى بِهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَكْعَتَيْنِ، فَكانَ لِلنَّبِيِّ ﷺ أرْبَعُ رَكَعاتٍ، ولِكُلِّ طائِفَةٍ رَكْعَتانِ» . وأخْرَجَ البَزّارُ، وابْنُ جَرِيرٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في غَزاةٍ لَهُ فَلَقِيَ المُشْرِكِينَ بِعُسْفانَ، فَلَمّا صَلّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الظُّهْرَ فَرَأوْهُ يَرْكَعُ ويَسْجُدُ هو وأصْحابُهُ قالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: لَوْ حَمَلْتُمْ عَلَيْهِمْ ما عَلِمُوا بِكم حَتّى تُواقِعُوهُمْ، فَقالَ قائِلٌ مِنهم: إنْ لَهم صَلاةً أُخْرى هي أحَبُّ إلَيْهِمْ مِن أهْلِيهِمْ وأمْوالِهِمْ، فاصْبِرُوا حَتّى تَحْضُرَ فَنَحْمِلَ عَلَيْهِمْ حَمْلَةً، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وإذا كُنْتَ فِيهِمْ فَأقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ، وأعْلَمَهُ بِما ائْتَمَرَ بِهِ المُشْرِكُونَ، فَلَمّا صَلّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ العَصْرَ وكانُوا قُبالَتَهُ في القِبْلَةِ، جَعَلَ المُسْلِمِينَ خَلْفَهُ صَفَّيْنِ، فَكَبَّرَ فَكَبَّرُوا مَعَهُ جَمِيعًا، ثُمَّ رَكَعَ ورَكَعُوا مَعَهُ جَمِيعًا، فَلَمّا سَجَدَ سَجَدَ مَعَهُ الصَّفُّ الَّذِينَ يَلُونَهُ، ثُمَّ قامَ الَّذِينَ خَلْفَهم مُقْبِلِينَ عَلى العَدُوِّ، فَلَمّا فَرَغَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِن سُجُودِهِ وقامَ سَجَدَ الصَّفُّ الثّانِي، ثُمَّ (p-٦٦٩)قامُوا وتَأخَّرَ الصَّفُّ الَّذِينَ يَلُونَهُ، وتَقَدَّمَ الآخَرُونَ، فَكانُوا يَلُونَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَلَمّا رَكَعَ رَكَعُوا مَعَهُ جَمِيعًا، ثُمَّ رَفَعَ فَرَفَعُوا مَعَهُ، ثُمَّ سَجَدَ فَسَجَدَ مَعَهُ الَّذِينَ يَلُونَهُ، وقامَ الصَّفُّ الثّانِي مُقْبِلِينَ عَلى العَدُوِّ، فَلَمّا فَرَغَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِن سُجُودِهِ وقَعَدَ، قَعَدَ الَّذِينَ يَلُونَهُ، وسَجَدَ الصَّفُّ المُؤَخَّرُ، ثُمَّ قَعَدُوا فَسَجَدُوا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَلَمّا سَلَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَلَّمَ عَلَيْهِمْ جَمِيعًا، فَلَمّا نَظَرَ إلَيْهِمُ المُشْرِكُونَ يَسْجُدُ بَعْضُهم ويَقُومُ بَعْضٌ، قالُوا: لَقَدْ أُخْبِرُوا بِما أرَدْنا» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنْ أبِي العالِيَةِ الرِّياحِيِّ أنَّ أبا مُوسى الأشْعَرِيَّ كانَ بِالدّارِ مِن أصْبَهانَ وما بِهِمْ يَوْمَئِذٍ كَبِيرُ خَوْفٍ، ولَكِنْ أحَبَّ أنْ يُعَلِّمَهم دِينَهم وسُنَّةَ نَبِيِّهِمْ ﷺ، فَجَعَلَهم صَفَّيْنِ، طائِفَةٌ مَعَها السِّلاحُ مُقْبِلَةٌ عَلى عَدُوِّها، وطائِفَةٌ وراءَها، فَصَلّى بِالَّذِينِ يَلُونَهُ رَكْعَةً ثُمَّ نَكَصُوا عَلى أدْبارِهِمْ حَتّى قامُوا مَقامَ الآخَرِينَ، وجاءَ الآخَرُونَ يَتَخَلَّلُونَهم حَتّى قامُوا وراءَهُ فَصَلّى بِهِمْ رَكْعَةً أُخْرى ثُمَّ سَلَّمَ، فَقامَ الَّذِينَ يَلُونَهُ والآخَرُونَ فَصَلَّوْا رَكْعَةً رَكْعَةً، فَسَلَّمَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ، فَتَمَّتْ لِلْإمامِ رَكْعَتانِ في جَماعَةٍ، ولِلنّاسِ رَكْعَةٌ رَكْعَةٌ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ، مُجاهِدٍ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِعُسْفانَ والمُشْرِكُونَ بِضُجْنانَ، فَلَمّا صَلّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الظُّهْرَ ورَآهُ المُشْرِكُونَ يَرْكَعُ ويَسْجُدُ ائْتَمَرُوا أنْ يُغِيرُوا عَلَيْهِ، فَلَمّا حَضَرَتِ العَصْرُ صَفَّ النّاسُ خَلْفَهُ صَفَّيْنِ، فَكَبَّرَ وكَبَّرُوا جَمِيعًا، ورَكَعَ ورَكَعُوا جَمِيعًا، وسَجَدَ وسَجَدَ الصَّفُّ (p-٦٧٠)الَّذِينَ يَلُونَهُ وقامَ الصَّفُّ الثّانِي الَّذِينَ بِسِلاحِهِمْ مُقْبِلِينَ عَلى العَدُوِّ بِوُجُوهِهِمْ، فَلَمّا رَفَعَ النَّبِيُّ ﷺ رَأْسَهُ سَجَدَ الصَّفُّ الثّانِي، فَلَمّا رَفَعُوا رُؤُوسَهم رَكَعَ ورَكَعُوا جَمِيعًا، وسَجَدَ وسَجَدَ الصَّفُّ الَّذِينَ يَلُونَهُ وقامَ الصَّفُّ الثّانِي بِسِلاحِهِمْ مُقْبِلِينَ عَلى العَدُوِّ بِوُجُوهِهِمْ، فَلَمّا رَفَعَ النَّبِيُّ ﷺ رَأْسَهُ سَجَدَ الصَّفُّ الثّانِي، قالَ مُجاهِدٌ: فَكانَ تَكْبِيرُهم ورُكُوعُهم وتَسْلِيمُهُ عَلَيْهِمْ سَواءً، وتَناصَفُوا في السُّجُودِ، قالَ مُجاهِدٌ: فَلَمْ يُصَلِّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَلاةَ الخَوْفِ قَبْلَ يَوْمِهِ ولا بَعْدَهُ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنْ عَلِيٍّ، قالَ: «صَلَّيْتُ صَلاةَ الخَوْفِ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ، إلّا المَغْرِبَ فَإنَّهُ صَلّاها ثَلاثًا» . وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: «صَلّى النَّبِيُّ ﷺ بِأصْحابِهِ صَلاةَ الظُّهْرِ قَبْلَ أنْ تَنْزِلَ صَلاةُ الخَوْفِ، فَتَلَهَّفَ المُشْرِكُونَ ألّا يَكُونُوا حَمَلُوا عَلَيْهِ، فَقالَ لَهم رَجُلٌ: فَإنَّ لَهم صَلاةً قَبْلَ مَغْرِبانِ الشَّمْسِ هي أحَبُّ إلَيْهِمْ مِن أنْفُسِهِمْ. فَقالُوا: لَوْ قَدْ صَلَّوْا بَعْدُ لَحَمَلْنا عَلَيْهِمْ، فارْصُدُوا ذَلِكَ. فَنَزَلَتْ صَلاةُ الخَوْفِ، فَصَلّى بِهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَلاةَ الخَوْفِ بِصَلاةِ العَصْرِ» . (p-٦٧١)وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، مِن طَرِيقِ أبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جابِرٍ قالَ: «كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فَلَقِينا المُشْرِكِينَ بِنَخْلٍ، فَكانُوا بَيْنَنا وبَيْنَ القِبْلَةِ، فَلَمّا حَضَرَتْ صَلاةُ الظُّهْرِ صَلّى بِنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ونَحْنُ جَمِيعٌ، فَلَمّا فَرَغْنا تَآمَرَ المُشْرِكُونَ فَقالُوا: لَوْ كُنّا حَمَلْنا عَلَيْهِمْ وهم يُصَلُّونَ. فَقالَ بَعْضُهم: فَإنَّ لَهم صَلاةً يَنْتَظِرُونَها تَأْتِي الآنَ، وهي أحَبُّ إلَيْهِمْ مِن أبْنائِهُمْ، فَإذا صَلَّوْا فَمِيلُوا عَلَيْهِمْ. فَجاءَ جِبْرِيلُ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالخَبَرِ وعَلَّمَهُ كَيْفَ يُصَلِّي، فَلَمّا حَضَرَتِ العَصْرُ قامَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ مِمّا يَلِي العَدُوَّ، وقُمْنا خَلْفَهُ صَفَّيْنِ، فَكَبَّرَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ وكَبَّرْنا جَمِيعًا» . ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ البَزّارُ عَنْ عَلِيٍّ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ في صَلاةِ الخَوْفِ، «أمَرَ النّاسَ فَأخَذُوا السِّلاحَ عَلَيْهِمْ فَقامَتْ طائِفَةٌ مِن ورائِهِمْ مُسْتَقْبِلِي العَدُوَّ، وجاءَتْ طائِفَةٌ فَصَلَّوْا مَعَهُ، فَصَلّى بِهِمْ رَكْعَةً، ثُمَّ قامُوا إلى الطّائِفَةِ الَّتِي لَمْ تُصَلِّ، وأقْبَلَتِ الطّائِفَةُ الَّتِي لَمْ تُصَلِّ مَعَهُ فَقامُوا خَلْفَهُ، فَصَلّى بِهِمْ رَكْعَةً وسَجْدَتَيْنِ، ثُمَّ سَلَّمَ عَلَيْهِمْ، فَلَمّا سَلَّمَ قامَ الَّذِينَ قِبَلَ العَدُوِّ فَكَبَّرُوا جَمِيعًا، ورَكَعُوا رَكْعَةً وسَجْدَتَيْنِ بَعْدَما سَلَّمَ» . وأخْرَجَ أحْمَدُ، عَنْ جابِرٍ قالَ: «غَزا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سِتَّ غَزَواتٍ قَبْلَ صَلاةِ الخَوْفِ، وكانَتْ صَلاةُ الخَوْفِ في السَّنَةِ السّابِعَةِ» . (p-٦٧٢)وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ مِن طَرِيقِ العَوْفِيِّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿وإذا كُنْتَ فِيهِمْ فَأقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ﴾ فَإنَّهُ كانَتْ تَأْخُذُ طائِفَةٌ مِنهُمُ السِّلاحَ فَيُقْبِلُونَ عَلى العَدُوِّ، والطّائِفَةُ الأُخْرى يُصَلُّونَ مَعَ الإمامِ رَكْعَةً، ثُمَّ يَأْخُذُونَ أسْلِحَتَهم فَيَسْتَقْبِلُونَ العَدُوَّ، ويَرْجِعُ أصْحابُهم فَيُصَلُّونَ مَعَ الإمامِ رَكْعَةً، فَيَكُونُ لِلْإمامِ رَكْعَتانِ، ولِسائِرِ النّاسِ رَكْعَةٌ واحِدَةٌ، ثُمَّ يَقْضُونَ رَكْعَةً أُخْرى، وهَذا تَمامٌ مِنَ الصَّلاةِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَإذا سَجَدُوا﴾ يَقُولُ: فَإذا سَجَدَتِ الطّائِفَةُ الَّتِي قامَتْ مَعَكَ في صَلاتِكَ تُصَلِّي بِصَلاتِكَ فَفَرَغَتْ مِن سُجُودِها، ﴿فَلْيَكُونُوا مِن ورائِكُمْ﴾ يَقُولُ: فَلْيَصْيِرُوا بَعْدَ فَراغِهِمْ مِن سُجُودِهِمْ خَلْفَكم مُصافِّي العَدُوِّ، في المَكانَ الَّذِي فِيهِ سائِرُ الطَّوائِفِ الَّتِي لَمْ تُصَلِّ مَعَكَ، ولَمْ تَدْخُلْ مَعَكَ في صَلاتِكَ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا جُناحَ عَلَيْكُمْ﴾ . أخْرَجَ البُخارِيُّ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ، والبَيْهَقِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنْ كانَ بِكم أذًى مِن مَطَرٍ أوْ كُنْتُمْ مَرْضى﴾ قالَ: نَزَلَتْ في عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، كانَ جَرِيحًا. (p-٦٧٣)وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُقاتِلِ بْنِ حَيّانَ في الآيَةِ قالَ: رَخَّصَ في وضْعِ السِّلاحِ عِنْدَ ذَلِكَ، وأمَرَهم أنْ يَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ، وفي قَوْلِهِ: ﴿عَذابًا مُهِينًا﴾ قالَ: يَعْنِي بِالمُهِينِ الهَوانَ، وفي قَوْلِهِ: ﴿فَإذا قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ﴾ قالَ: صَلاةَ الخَوْفِ. ﴿فاذْكُرُوا اللَّهَ﴾ قالَ: بِاللِّسانِ. ﴿فَإذا اطْمَأْنَنْتُمْ﴾ يَقُولُ: إذا اسْتَقْرَرْتُمْ وأمِنتُمْ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فاذْكُرُوا اللَّهَ قِيامًا وقُعُودًا وعَلى جُنُوبِكُمْ﴾ قالَ: بِاللَّيْلِ والنَّهارِ، في البَرِّ والبَحْرِ، في السَّفَرِ والحَضَرِ، والغِنى والفَقْرِ، والسَّقَمِ والصِّحَّةِ، والسِّرِّ والعَلانِيَةِ، وعَلى كُلِّ حالٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ بَلَغَهُ أنَّ قَوْمًا يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيامًا، فَأتاهم فَقالَ: ما هَذا؟ قالُوا: سَمِعْنا اللَّهَ يَقُولُ: ﴿فاذْكُرُوا اللَّهَ قِيامًا وقُعُودًا وعَلى جُنُوبِكُمْ﴾ . فَقالَ: إنَّما هَذِهِ إذا لَمْ يَسْتَطِعِ الرَّجُلُ أنْ يُصَلِّيَ قائِمًا صَلّى قاعِدًا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ: ﴿فَإذا اطْمَأْنَنْتُمْ﴾ قالَ: إذا خَرَجْتُمْ مِن دارِ السَّفَرِ إلى دارِ الإقامَةِ، ﴿فَأقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ قالَ: أتِمُّوها. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ قَتادَةَ: ﴿فَإذا اطْمَأْنَنْتُمْ﴾ يَقُولُ: إذا اطْمَأْنَنْتُمْ في أمْصارِكم فَأتِمُّوا الصَّلاةَ. (p-٦٧٤)وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مُجاهِدٍ: ﴿فَإذا اطْمَأْنَنْتُمْ﴾ يَقُولُ: فَإذا أمِنتُمْ ﴿فَأقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ يَقُولُ: أتِمُّوها. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ: ﴿فَإذا اطْمَأْنَنْتُمْ﴾: أقَمْتُمْ في أمْصارِكم. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي العالِيَةِ: ﴿فَإذا اطْمَأْنَنْتُمْ﴾ يَعْنِي: إذا نَزَلَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ: ﴿فَإذا اطْمَأْنَنْتُمْ﴾ قالَ: بَعْدَ الخَوْفِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَإذا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ قالَ: إذا اطْمَأْنَنْتُمْ فَصَلُّوا الصَّلاةَ، لا تُصَلِّها راكِبًا ولا ماشِيًا ولا قاعِدًا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ الصَّلاةَ كانَتْ عَلى المُؤْمِنِينَ كِتابًا مَوْقُوتًا﴾ يَعْنِي: مَفْرُوضًا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في الآيَةِ قالَ: المَوْقُوتُ: الواجِبُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مُجاهِدٍ: ﴿كِتابًا مَوْقُوتًا﴾ قالَ: مَفْرُوضًا. (p-٦٧٥)وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿كِتابًا مَوْقُوتًا﴾ قالَ: فَرْضًا واجِبًا. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ الحَسَنِ: ﴿كِتابًا مَوْقُوتًا﴾ قالَ: كِتابًا واجِبًا. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ الصَّلاةَ كانَتْ عَلى المُؤْمِنِينَ كِتابًا مَوْقُوتًا﴾ قالَ: قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: إنَّ لِلصَّلاةِ وقْتًا كَوَقْتِ الحَجِّ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ الصَّلاةَ كانَتْ عَلى المُؤْمِنِينَ كِتابًا مَوْقُوتًا﴾ قالَ: مُنَجَّمًا كُلَّما مَضى نَجْمٌ جاءَ نَجْمٌ آخَرُ، يَقُولُ: كُلَّما مَضى وقْتٌ جاءَ وقْتٌ آخَرُ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأحْمَدُ، وأبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ، وابْنُ خُزَيْمَةَ، والحاكِمُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««أمَّنِي جِبْرِيلُ عِنْدَ البَيْتِ مَرَّتَيْنِ، فَصَلّى بِي الظُّهْرَ حِينَ زالَتِ الشَّمْسُ وكانَتْ قَدْرَ الشِّراكِ، وصَلّى بِي العَصْرَ حِينَ كانَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَهُ، وصَلّى بِي المَغْرِبَ حِينَ أفْطَرَ الصّائِمُ، وصَلّى بِي العَشاءَ حِينَ غابَ الشَّفَقُ، وصَلّى بِي الفَجْرَ حِينَ حَرُمَ الطَّعامُ والشَّرابُ عَلى الصّائِمِ، وصَلّى بِيَ مِنَ الغَدِ الظُّهْرَ حِينَ كانَ ظِلُّ كُلِّ (p-٦٧٦)شَيْءٍ مِثْلَهُ، وصَلّى بِي العَصْرَ حِينَ كانَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَيْهِ، وصَلّى بِيَ المَغْرِبَ حِينَ أفْطَرَ الصّائِمُ، وصَلّى بِيَ العَشاءَ ثُلْثَ اللَّيْلِ، وصَلّى بِيَ الفَجْرَ فَأسْفَرَ، ثُمَّ التَفَتَ إلَيَّ فَقالَ: يا مُحَمَّدُ، هَذا الوَقْتُ وقْتُ النَّبِيِّينَ قَبْلَكَ، الوَقْتُ ما بَيْنَ هَذَيْنِ الوَقْتَيْنِ»» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأحْمَدُ، والتِّرْمِذِيُّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««إنَّ لِلصَّلاةِ أوَّلًا وآخِرًا، وإنَّ أوَّلَ وقْتِ الظُّهْرِ حِينَ تَزُولُ الشَّمْسُ، وإنَّ آخِرَ وقْتِها حِينَ يَدْخُلُ وقْتُ العَصْرِ، وإنَّ أوَّلَ وقْتِ العَصْرِ حِينَ يَدْخُلُ وقْتُ العَصْرِ، وإنَّ آخِرَ وقْتِها حِينَ تَصَفارُّ الشَّمْسُ، وإنَّ أوَّلَ وقْتِ المَغْرِبِ حِينَ تَغْرُبُ الشَّمْسُ، وإنَّ آخِرَ وقْتِها حِينَ يَغِيبُ الشَّفَقُ، وإنَّ أوَّلَ وقْتِ العَشاءِ الآخِرَةِ حِينَ يَغِيبُ الشَّفَقُ، وإنَّ آخِرَ وقْتِها حِينَ يَنْتَصِفُ اللَّيْلُ، وإنَّ أوَّلَ وقْتِ الفَجْرِ حِينَ يَطْلُعُ الفَجْرُ، وإنَّ آخِرَ وقْتِها حِينَ تَطْلُعُ الشَّمْسُ»» . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَهِنُوا﴾ الآيَةَ. أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿ولا تَهِنُوا﴾ قالَ: ولا تَضْعُفُوا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الضَّحّاكِ: ﴿ولا تَهِنُوا في ابْتِغاءِ القَوْمِ﴾ قالَ: (p-٦٧٧)لا تَضْعُفُوا في طَلَبِ القَوْمِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، مِن طَرِيقٍ عَلِيٍّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿إنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ﴾ قالَ: تَوَجَّعُونَ، ﴿وتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ ما لا يَرْجُونَ﴾ قالَ: تَرْجُونَ الخَيْرَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ في الآيَةِ يَقُولُ: لا تَضْعُفُوا في طَلَبِ القَوْمِ، فَإنَّكم إنْ تَكُونُوا تَيْجَعُونَ فَإنَّهم يَيْجَعُونَ كَما تَيْجَعُونَ، وتَرْجُونَ مِنَ الأجْرِ والثَّوابِ ما لا يَرْجُونَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ في الآيَةِ قالَ: لا تَضْعُفُوا في طَلَبِ القَوْمِ، إنْ تَكُونُوا تَيْجَعُونَ مِنَ الجِراحاتِ فَإنَّهم يَيْجَعُونَ كَما تَيْجَعُونَ، وتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مِنَ الثَّوابِ ما لا يَرْجُونَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُقاتِلِ بْنِ حَيّانَ: ﴿وتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ﴾ يَعْنِي: الحَياةَ والرِّزْقَ والشَّهادَةَ والظَّفَرَ في الدُّنْيا.

النساء 4:104

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا كُنْتَ فِيهِمْ﴾ الآيَةَ. أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأحْمَدُ وعَبْدُ بْنُ (p-٦٦٠)حَمِيدٍ، وأبُو داوُدَ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والدّارَقُطْنِيُّ، والطَّبَرانِيُّ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ عَنْ أبِي عَيّاشٍ الزُّرَقِيِّ قالَ: «كُنّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِعُسْفانَ فاسْتَقْبَلَنا المُشْرِكُونَ عَلَيْهِمْ خالِدُ بْنُ الوَلِيدِ، وهم بَيْنَنا وبَيْنَ القِبْلَةِ، فَصَلّى بِنا النَّبِيُّ ﷺ الظُّهْرَ، فَقالُوا: قَدْ كانُوا عَلى حالٍ لَوْ أصَبْنا غِرَّتَهم. ثُمَّ قالُوا: يَأْتِي عَلَيْهِمُ الآنَ صَلاةٌ هي أحَبُّ إلَيْهِمْ مِن أبْنائِهِمْ وأنْفُسِهِمْ. فَنَزَلَ جِبْرِيلُ بِهَذِهِ الآياتِ بَيْنَ الظُّهْرِ والعَصْرِ: ﴿وإذا كُنْتَ فِيهِمْ فَأقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ﴾ فَحَضَرَتْ، فَأمَرَهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَأخَذُوا السِّلاحَ، فَصَفَفْنا خَلْفَهُ صَفَّيْنِ، ثُمَّ رَكَعَ فَرَكَعْنا جَمِيعًا، ثُمَّ سَجَدَ بِالصَّفِّ الَّذِي يَلِيهِ، والآخَرُونَ قِيامٌ يَحْرُسُونَهُمْ، فَلَمّا سَجَدُوا وقامُوا، جَلَسَ الآخَرُونَ فَسَجَدُوا في مَكانِهِمْ ثُمَّ تَقَدَّمُ هَؤُلاءِ إلى مَصافِّ هَؤُلاءِ، وهَؤُلاءِ إلى مَصافِّ هَؤُلاءِ، ثُمَّ رَكَعَ فَرَكَعُوا جَمِيعًا، ثُمَّ رَفَعَ فَرَفَعُوا جَمِيعًا، ثُمَّ سَجَدَ الصَّفُّ الَّذِي يَلِيهِ، والآخَرُونَ قِيامٌ يَحْرُسُونَهُمْ، فَلَمّا جَلَسُوا جَلَسَ الآخَرُونَ فَسَجَدُوا، ثُمَّ سَلَّمَ عَلَيْهِمْ ثُمَّ انْصَرَفَ. قالَ: فَصَلّاها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَرَّتَيْنِ: مَرَّةً بِعُسْفانَ، ومَرَّةً بِأرْضِ بَنِي سُلَيْمٍ» . وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَزَلَ بَيْنَ ضَجْنانَ وعُسْفانَ، فَقالَ المُشْرِكُونَ: إنَّ لِهَؤُلاءِ صَلاةً هي أحَبُّ إلَيْهِمْ (p-٦٦١)مِن آبائِهِمْ وأبْنائِهِمْ، وهي العَصْرُ، فَأجْمِعُوا أمْرَكُمْ، فَمِيلُوا عَلَيْهِمْ مَيْلَةً واحِدَةً، وإنَّ جِبْرِيلَ أتى النَّبِيَّ ﷺ فَأمَرَهُ أنْ يَقْسِمَ أصْحابَهُ شَطْرَيْنِ، فَيُصَلِّي بِهِمْ وتَقُومُ طائِفَةٌ أُخْرى وراءَهُمْ، ولْيَأْخُذُوا حِذْرَهم وأسْلِحَتَهُمْ، ثُمَّ يَأْتِي الآخَرُونَ ويُصَلُّونَ مَعَهُ رَكْعَةً واحِدَةً، ثُمَّ يَأْخُذُ هَؤُلاءِ حِذْرَهم وأسْلِحَتَهُمْ، فَيَكُونُ لَهم رَكْعَةٌ رَكْعَةٌ، ولِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ رَكْعَتانِ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ يَزِيدَ الفَقِيرِ قالَ: «سَألْتُ جابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ الرَّكْعَتَيْنِ في السَّفَرِ؛ أُقْصُرُهُما؟ قالَ: الرَّكْعَتانِ في السَّفَرِ تَمامٌ، إنَّما القَصْرُ واحِدَةٌ عِنْدَ القِتالِ؛ بَيْنا نَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في قِتالٍ إذْ أُقِيمَتِ الصَّلاةُ فَقامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَصَفَّتْ طائِفَةٌ، وطائِفَةٌ وُجُوهُها قِبَلَ العَدُوِّ فَصَلّى بِهِمْ رَكْعَةً، وسَجَدَ بِهِمْ سَجْدَتَيْنِ، ثُمَّ الَّذِينَ خَلَفُوا انْطَلَقُوا إلى أُولَئِكَ فَقامُوا مَقامَهُمْ، وجاءَ أُولَئِكَ فَقامُوا خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَصَلّى بِهِمْ رَكْعَةً وسَجَدَ بِهِمْ سَجْدَتَيْنِ، ثُمَّ إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ جَلَسَ فَسَلَّمَ وسَلَّمَ الَّذِينَ خَلْفَهُ، وسَلَّمَ أُولَئِكَ، فَكانَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ رَكْعَتَيْنِ ولِلْقَوْمِ رَكْعَةً. ثُمَّ قَرَأ: ﴿وإذا كُنْتَ فِيهِمْ فَأقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ﴾ [النساء»: ١٠٢] . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ سُلَيْمانَ اليَشْكُرِيِّ، «أنَّهُ سَألَ جابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ إقْصارِ الصَّلاةِ، أيَّ يَوْمٍ أُنْزِلَ؟ فَقالَ جابِرٌ: انْطَلَقْنا نَتَلَقّى عِيرَ (p-٦٦٢)قُرَيْشٍ آتِيَةً مِنَ الشّامِ، حَتّى إذا كُنّا بِنَخْلٍ جاءَ رَجُلٌ مِنَ القَوْمِ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: يا مُحَمَّدُ، قالَ: «نَعَمْ» . قالَ: هَلْ تَخافُنِي؟ قالَ: «لا» قالَ: فَمَن يَمْنَعُكَ مِنِّي؟ قالَ: «اللَّهُ يَمْنَعُنِي مِنكَ» قالَ: فَسَلَّ السَّيْفَ ثُمَّ تَهَدَّدَهُ وأوْعَدَهُ، ثُمَّ نادى بِالرَّحِيلِ وأخْذِ السِّلاحِ، ثُمَّ نُودِيَ بِالصَّلاةِ فَصَلّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِطائِفَةٍ مِنَ القَوْمِ، وطائِفَةٌ أُخْرى تَحْرُسُهُمْ، فَصَلّى بِالَّذِينِ يَلُونَهُ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ تَأخَّرَ الَّذِينَ يَلُونَهُ عَلى أعْقابِهِمْ فَقامُوا في مَصافِّ أصْحابِهِمْ، ثُمَّ جاءَ الآخَرُونَ فَصَلّى بِهِمْ رَكْعَتَيْنِ، والآخَرُونَ يَحْرُسُونَهُمْ، ثُمَّ سَلَّمَ، فَكانَتْ لِلنَّبِيِّ ﷺ أرْبَعَ رَكَعاتٍ، ولِلْقَوْمِ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ، يَوْمَئِذٍ أنْزَلَ اللَّهُ في إقْصارِ الصَّلاةِ، وأمَرَ المُؤْمِنِينَ بِأخْذِ السِّلاحِ» . وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والبُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، وأبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ ماجَهْ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سالِمٍ، عَنْ أبِيهِ في قَوْلِهِ: ﴿وإذا كُنْتَ فِيهِمْ فَأقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ﴾ قالَ: «هِيَ صَلاةُ الخَوْفِ، صَلّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِإحْدى الطّائِفَتَيْنِ رَكْعَةً، والطّائِفَةُ الأُخْرى مُقْبِلَةٌ عَلى العَدُوِّ، ثُمَّ انْصَرَفَتِ الطّائِفَةُ الَّتِي صَلَّتْ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فَقامُوا مَقامَ أُولَئِكَ مُقْبِلِينَ عَلى العَدُوِّ، وأقْبَلَتِ الطّائِفَةُ الأُخْرى الَّتِي كانَتْ مُقْبِلَةً عَلى العَدُوِّ، فَصَلّى بِهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَكْعَةً أُخْرى، ثُمَّ سَلَّمَ بِهِمْ، ثُمَّ قامَتْ كُلُّ طائِفَةٍ فَصَلَّوْا رَكْعَةً رَكْعَةً» . (p-٦٦٣)وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: «﴿وإذا كُنْتَ فِيهِمْ فَأقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طائِفَةٌ مِنهم مَعَكَ﴾ فَهَذا في الصَّلاةِ عِنْدَ الخَوْفِ، يَقُومُ الإمامُ وتَقُومُ مَعَهُ طائِفَةٌ مِنهُمْ، وطائِفَةٌ يَأْخُذُونَ أسْلِحَتَهُمْ، ويَقِفُونَ بِإزاءِ العَدُوِّ فَيُصَلِّي الإمامُ بِمَن مَعَهُ رَكْعَةً، ثُمَّ يَجْلِسُ عَلى هَيْئَتِهِ فَيَقُومُ القَوْمُ فَيُصَلُّونَ لِأنْفُسِهِمُ الرَّكْعَةَ الثّانِيَةَ، والإمامُ جالِسٌ، ثُمَّ يَنْصَرِفُونَ فَيَقِفُونَ مَوْقِفَهُمْ، ثُمَّ يُقْبِلُ الآخَرُونَ فَيُصَلِّي بِهِمُ الإمامُ الرَّكْعَةَ الثّانِيَةَ، ثُمَّ يُسَلِّمُ فَيَقُومُ القَوْمُ فَيُصَلُّونَ لِأنْفُسِهِمُ الرَّكْعَةَ الثّانِيَةَ، فَهَكَذا صَلّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ بَطْنِ نَخْلَةَ» . وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَلّى صَلاةَ الخَوْفِ بِذِي قَرَدٍ، فَصَفَّ النّاسُ صَفَّيْنِ صَفًّا خَلْفَهُ، وصَفًّا مُوازِيَ العَدُوِّ، فَصَلّى بِالَّذِينِ خَلْفَهُ رَكْعَةً، ثُمَّ انْصَرَفَ هَؤُلاءِ إلى مَكانِ هَؤُلاءِ، وجاءَ أُولَئِكَ فَصَلّى بِهِمْ رَكْعَةً ولَمْ يَقْضُوا» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ، «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَلّى صَلاةَ الخَوْفِ» . قالَ سُفْيانُ: فَذَكَرَ مِثْلَ حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وأبُو داوُدَ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، (p-٦٦٤)وابْنُ حِبّانَ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ ثَعْلَبَةَ بْنِ زَهْدَمٍ قالَ: كُنّا مَعَ سَعِيدِ بْنِ العاصِ بِطَبَرِسْتانَ فَقالَ: «أيُّكم صَلّى مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ صَلاةَ الخَوْفِ؟ فَقالَ حُذَيْفَةُ: أنا. فَقامَ حُذَيْفَةُ فَصَفَّ النّاسَ خَلْفَهُ وصَفًّا مُوازِيَ العَدُوِّ، فَصَلّى بِالَّذِينِ خَلْفَهُ رَكْعَةً، ثُمَّ انْصَرَفَ هَؤُلاءِ مَكانَ هَؤُلاءِ، وجاءَ أُولَئِكَ فَصَلّى بِهِمْ رَكْعَةً ولَمْ يَقْضُوا» . وأخْرَجَ أبُو داوُدَ، وابْنُ حِبّانَ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: «صَلّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَلاةَ الخَوْفِ بِذاتِ الرِّقاعِ، فَصَدَعَ النّاسَ صَدْعَتَيْنِ، فَصَفَّتْ طائِفَةٌ وراءَهُ، وقامَتْ طائِفَةٌ وِجاهَ العَدُوِّ، فَكَبَّرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وكَبَّرَتِ الطّائِفَةُ خَلْفَهُ، ثُمَّ رَكَعَ ورَكَعُوا، وسَجَدَ وسَجَدُوا، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَرَفَعُوا، ثُمَّ مَكَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ جالِسًا، وسَجَدُوا لِأنْفُسِهِمْ سَجْدَةً ثانِيَةً، ثُمَّ قامُوا، ثُمَّ نَكَصُوا عَلى أعْقابِهِمْ يَمْشُونَ القَهْقَرى حَتّى قامُوا مِن ورائِهِمْ، وأقْبَلَتِ الطّائِفَةُ الأُخْرى فَصَفُّوا خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَكَبَّرُوا، ثُمَّ رَكَعُوا لِأنْفُسِهِمْ، ثُمَّ سَجَدَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَجْدَتَهُ الثّانِيَةَ فَسَجَدُوا مَعَهُ، ثُمَّ قامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في رَكْعَتِهِ وسَجَدُوا لِأنْفُسِهِمُ السَّجْدَةَ الثّانِيَةَ، ثُمَّ قامَتِ الطّائِفَتانِ جَمِيعًا فَصَفُّوا خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَرَكَعَ بِهِمْ رَكْعَةً فَرَكَعُوا جَمِيعًا، ثُمَّ سَجَدَ فَسَجَدُوا جَمِيعًا، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَرَفَعُوا مَعَهُ، كُلُّ ذَلِكَ مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ سَرِيعًا جِدًّا، لا يَأْلُو أنْ يُخَفِّفَ ما اسْتَطاعَ، ثُمَّ سَلَّمَ فَسَلَّمُوا، ثُمَّ قامَ وقَدْ شَرَكَهُ النّاسُ في (p-٦٦٥)صِلاتِهِ كُلِّها» . وأخْرَجَ الحاكِمُ، عَنْ جابِرٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في صَلاةِ الخَوْفِ أنَّهُ قالَ: «قامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وطائِفَةٌ مِن خَلْفِهِ، وطائِفَةٌ مِن وراءِ الطّائِفَةِ الَّتِي خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قُعُودٌ، وُجُوهُهم كُلُّهم إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَكَبَّرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَكَبَّرَتِ الطّائِفَتانِ، فَرَكَعَ فَرَكَعَتِ الطّائِفَةُ الَّتِي خَلْفَهُ والآخَرُونَ قُعُودٌ، ثُمَّ سَجَدَ فَسَجَدُوا أيْضًا، والآخَرُونَ قُعُودٌ، ثُمَّ قامُوا ونَكَصُوا خَلْفَهُ حَتّى كانُوا مَكانَ أصْحابِهِمْ قُعُودًا، وأتَتِ الطّائِفَةُ الأُخْرى فَصَلّى بِهِمْ رَكْعَةً وسَجْدَتَيْنِ، ثُمَّ سَلَّمَ والآخَرُونَ قُعُودٌ، ثُمَّ سَلَّمَ فَقامَتِ الطّائِفَتانِ كِلْتاهُما، فَصَلَّوْا لِأنْفُسِهِمْ رَكْعَةً وسَجْدَتَيْنِ، رَكْعَةً وسَجْدَتَيْنِ» . وأخْرَجَ مالِكٌ والشّافِعِيُّ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والبُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، وأبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ ماجَهْ، والدّارَقُطْنِيُّ، والبَيْهَقِيُّ مِن طَرِيقِ صالِحِ بْنِ خَوّاتٍ، «عَمَّنْ صَلّى مَعَ النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ ذاتِ الرِّقاعِ صَلاةَ الخَوْفِ، أنَّ طائِفَةً صَفَّتْ مَعَهُ وطائِفَةً تُجاهَ العَدُوِّ، فَصَلّى بِالَّتِي مَعَهُ رَكْعَةً، ثُمَّ ثَبَتَ قائِمًا، وأتَمُّوا لِأنْفُسِهِمْ، ثُمَّ انْصَرَفُوا وصَلَّوْا تُجاهَ العَدُوِّ، وجاءَتِ الطّائِفَةُ الأُخْرى فَصَلّى بِهِمُ الرَّكْعَةَ الَّتِي بَقِيَتْ مِن صَلاتِهِ، ثُمَّ ثَبَتَ جالِسًا، وأتَمُّوا لِأنْفُسِهِمْ ثُمَّ سَلَّمَ بِهِمْ» . (p-٦٦٦)وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والدّارَقُطْنِيُّ، عَنْ أبِي بَكْرَةَ، «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَلّى بِأصْحابِهِ صَلاةَ الخَوْفِ، فَصَلّى بِبَعْضِ أصْحابِهِ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ سَلَّمَ فَتَأخَّرُوا، وجاءَ الآخَرُونَ فَصَلّى بِهِمْ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ سَلَّمَ، فَكانَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ أرْبَعُ رَكَعاتٍ، ولِلْمُسْلِمِينَ رَكْعَتانِ رَكْعَتانِ» . وأخْرَجَ الدّارَقُطْنِيُّ، والحاكِمُ عَنْ أبِي بَكْرَةَ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلّى بِالقَوْمِ في الخَوْفِ صَلاةَ المَغْرِبِ ثَلاثَ رَكَعاتٍ، ثُمَّ انْصَرَفَ، وجاءَ الآخَرُونَ فَصَلّى بِهِمْ ثَلاثَ رَكَعاتٍ، فَكانَتْ لِلنَّبِيِّ ﷺ سِتُّ رَكَعاتٍ، ولِلْقَوْمِ ثَلاثٌ ثَلاثٌ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، والدّارَقُطْنِيُّ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: «صَلّى بِنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَلاةَ الخَوْفِ، فَقامُوا صَفَّيْنِ، صَفٌّ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وصَفٌّ مُسْتَقْبِلَ العَدُوِّ، فَصَلّى بِهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَكْعَةً، وجاءَ الآخَرُونَ فَقامُوا مَقامَهم فاسْتَقْبَلُوا هَؤُلاءِ العَدُوَّ، فَصَلّى بِهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَكْعَةً، ثُمَّ سَلَّمَ، فَقامَ هَؤُلاءِ إلى مَقامِ هَؤُلاءِ فَصَلَّوْا لِأنْفُسِهِمْ رَكْعَةً ثُمَّ سَلَّمُوا» . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، مِن طَرِيقِ عُرْوَةَ عَنْ مَرْوانَ، (p-٦٦٧)«أنَّهُ سَألَ أبا هُرَيْرَةَ: هَلْ صَلَّيْتَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ صَلاةَ الخَوْفِ؟ قالَ أبُو هُرَيْرَةَ: نَعَمْ، قالَ مَرْوانُ: مَتى؟ قالَ: عامَ غَزْوَةِ نَجْدٍ، قامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى الصَّلاةِ؛ صَلاةِ العَصْرِ، فَقامَتْ مَعَهُ طائِفَةٌ، وطائِفَةٌ أُخْرى مُقابِلَ العَدُوِّ، وظُهُورُهم إلى القِبْلَةِ، فَكَبَّرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَكَبَّرَ الكُلُّ، ثُمَّ رَكَعَ رَكْعَةً واحِدَةً ورَكَعَتِ الطّائِفَةُ الَّتِي خَلْفَهُ، ثُمَّ سَجَدَ فَسَجَدَتِ الطّائِفَةُ الَّتِي تَلِيهِ، والآخَرُونَ قِيامٌ مُقابِلَ العَدُوِّ، ثُمَّ قامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وقامَتِ الطّائِفَةُ الَّتِي مَعَهُ، وذَهَبُوا إلى العَدُوِّ فَقابَلُوهُمْ، وأقْبَلَتِ الطّائِفَةُ الأُخْرى فَرَكَعُوا وسَجَدُوا، ورَسُولُ اللَّهِ ﷺ قائِمٌ كَما هُوَ، ثُمَّ قامُوا فَرَكَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَكْعَةً أُخْرى، ورَكَعُوا مَعَهُ، وسَجَدُوا مَعَهُ، ثُمَّ أقْبَلَتِ الطّائِفَةُ الَّتِي كانَتْ مُقابِلَ العَدُوِّ، فَرَكَعُوا وسَجَدُوا، ورَسُولُ اللَّهِ ﷺ قاعِدٌ ومَن مَعَهُ، ثُمَّ كانَ السَّلامُ فَسَلَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وسَلَّمُوا جَمِيعًا، فَكانَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ رَكْعَتانِ، ولِكُلِّ واحِدَةٍ مِنَ الطّائِفَتَيْنِ رَكْعَةٌ رَكْعَةٌ» . وأخْرَجَ الدّارَقُطْنِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «أمَرَنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِصَلاةِ الخَوْفِ، فَقامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وقُمْنا خَلْفَهُ صَفَّيْنِ، فَكَبَّرَ ورَكَعَ، ورَكَعْنا جَمِيعًا؛ الصَّفّانِ كِلاهُما، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ، ثُمَّ خَرَّ ساجِدًا، وسَجَدَ الصَّفُّ الَّذِي يَلِيهِ، وثَبَتَ الآخَرُونَ قِيامًا يَحْرُسُونَ إخْوانَهُمْ، فَلَمّا فَرَغَ مِن سُجُودِهِ وقامَ خَرَّ الصَّفُّ المُؤَخَّرُ سُجُودًا، فَسَجَدُوا سَجْدَتَيْنِ، ثُمَّ قامُوا فَتَأخَّرَ الصَّفُّ المُقَدَّمُ الَّذِي يَلِيهِ وتَقَدَّمَ الصَّفُّ المُؤَخَّرُ، فَرَكَعَ ورَكَعُوا جَمِيعًا، وسَجَدَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ والصَّفُّ (p-٦٦٨)الَّذِي يَلِيهِ، وثَبَتَ الآخَرُونَ قِيامًا يَحْرُسُونَ إخْوانَهُمْ، فَلَمّا قَعَدَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَرَّ الصَّفُّ المُؤَخَّرُ سُجُودًا، ثُمَّ سَلَّمَ النَّبِيُّ» ﷺ . وأخْرَجَ الدّارَقُطْنِيُّ، عَنْ جابِرٍ «أنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ كانَ مُحاصِرًا بَنِي مُحارِبٍ بِنَخْلٍ، ثُمَّ نُودِيَ في النّاسِ: أنَّ الصَّلاةَ جامِعَةٌ، فَجَعَلَهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ طائِفَتَيْنِ؛ طائِفَةٌ مُقْبِلَةٌ عَلى العَدُوِّ يَتَحَدَّثُونَ، وصَلّى بِطائِفَةٍ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ سَلَّمَ فانْصَرَفُوا فَكانُوا مَكانَ إخْوانِهِمْ، وجاءَتِ الطّائِفَةُ الأُخْرى فَصَلّى بِهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَكْعَتَيْنِ، فَكانَ لِلنَّبِيِّ ﷺ أرْبَعُ رَكَعاتٍ، ولِكُلِّ طائِفَةٍ رَكْعَتانِ» . وأخْرَجَ البَزّارُ، وابْنُ جَرِيرٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في غَزاةٍ لَهُ فَلَقِيَ المُشْرِكِينَ بِعُسْفانَ، فَلَمّا صَلّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الظُّهْرَ فَرَأوْهُ يَرْكَعُ ويَسْجُدُ هو وأصْحابُهُ قالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: لَوْ حَمَلْتُمْ عَلَيْهِمْ ما عَلِمُوا بِكم حَتّى تُواقِعُوهُمْ، فَقالَ قائِلٌ مِنهم: إنْ لَهم صَلاةً أُخْرى هي أحَبُّ إلَيْهِمْ مِن أهْلِيهِمْ وأمْوالِهِمْ، فاصْبِرُوا حَتّى تَحْضُرَ فَنَحْمِلَ عَلَيْهِمْ حَمْلَةً، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وإذا كُنْتَ فِيهِمْ فَأقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ، وأعْلَمَهُ بِما ائْتَمَرَ بِهِ المُشْرِكُونَ، فَلَمّا صَلّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ العَصْرَ وكانُوا قُبالَتَهُ في القِبْلَةِ، جَعَلَ المُسْلِمِينَ خَلْفَهُ صَفَّيْنِ، فَكَبَّرَ فَكَبَّرُوا مَعَهُ جَمِيعًا، ثُمَّ رَكَعَ ورَكَعُوا مَعَهُ جَمِيعًا، فَلَمّا سَجَدَ سَجَدَ مَعَهُ الصَّفُّ الَّذِينَ يَلُونَهُ، ثُمَّ قامَ الَّذِينَ خَلْفَهم مُقْبِلِينَ عَلى العَدُوِّ، فَلَمّا فَرَغَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِن سُجُودِهِ وقامَ سَجَدَ الصَّفُّ الثّانِي، ثُمَّ (p-٦٦٩)قامُوا وتَأخَّرَ الصَّفُّ الَّذِينَ يَلُونَهُ، وتَقَدَّمَ الآخَرُونَ، فَكانُوا يَلُونَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَلَمّا رَكَعَ رَكَعُوا مَعَهُ جَمِيعًا، ثُمَّ رَفَعَ فَرَفَعُوا مَعَهُ، ثُمَّ سَجَدَ فَسَجَدَ مَعَهُ الَّذِينَ يَلُونَهُ، وقامَ الصَّفُّ الثّانِي مُقْبِلِينَ عَلى العَدُوِّ، فَلَمّا فَرَغَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِن سُجُودِهِ وقَعَدَ، قَعَدَ الَّذِينَ يَلُونَهُ، وسَجَدَ الصَّفُّ المُؤَخَّرُ، ثُمَّ قَعَدُوا فَسَجَدُوا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَلَمّا سَلَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَلَّمَ عَلَيْهِمْ جَمِيعًا، فَلَمّا نَظَرَ إلَيْهِمُ المُشْرِكُونَ يَسْجُدُ بَعْضُهم ويَقُومُ بَعْضٌ، قالُوا: لَقَدْ أُخْبِرُوا بِما أرَدْنا» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنْ أبِي العالِيَةِ الرِّياحِيِّ أنَّ أبا مُوسى الأشْعَرِيَّ كانَ بِالدّارِ مِن أصْبَهانَ وما بِهِمْ يَوْمَئِذٍ كَبِيرُ خَوْفٍ، ولَكِنْ أحَبَّ أنْ يُعَلِّمَهم دِينَهم وسُنَّةَ نَبِيِّهِمْ ﷺ، فَجَعَلَهم صَفَّيْنِ، طائِفَةٌ مَعَها السِّلاحُ مُقْبِلَةٌ عَلى عَدُوِّها، وطائِفَةٌ وراءَها، فَصَلّى بِالَّذِينِ يَلُونَهُ رَكْعَةً ثُمَّ نَكَصُوا عَلى أدْبارِهِمْ حَتّى قامُوا مَقامَ الآخَرِينَ، وجاءَ الآخَرُونَ يَتَخَلَّلُونَهم حَتّى قامُوا وراءَهُ فَصَلّى بِهِمْ رَكْعَةً أُخْرى ثُمَّ سَلَّمَ، فَقامَ الَّذِينَ يَلُونَهُ والآخَرُونَ فَصَلَّوْا رَكْعَةً رَكْعَةً، فَسَلَّمَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ، فَتَمَّتْ لِلْإمامِ رَكْعَتانِ في جَماعَةٍ، ولِلنّاسِ رَكْعَةٌ رَكْعَةٌ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ، مُجاهِدٍ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِعُسْفانَ والمُشْرِكُونَ بِضُجْنانَ، فَلَمّا صَلّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الظُّهْرَ ورَآهُ المُشْرِكُونَ يَرْكَعُ ويَسْجُدُ ائْتَمَرُوا أنْ يُغِيرُوا عَلَيْهِ، فَلَمّا حَضَرَتِ العَصْرُ صَفَّ النّاسُ خَلْفَهُ صَفَّيْنِ، فَكَبَّرَ وكَبَّرُوا جَمِيعًا، ورَكَعَ ورَكَعُوا جَمِيعًا، وسَجَدَ وسَجَدَ الصَّفُّ (p-٦٧٠)الَّذِينَ يَلُونَهُ وقامَ الصَّفُّ الثّانِي الَّذِينَ بِسِلاحِهِمْ مُقْبِلِينَ عَلى العَدُوِّ بِوُجُوهِهِمْ، فَلَمّا رَفَعَ النَّبِيُّ ﷺ رَأْسَهُ سَجَدَ الصَّفُّ الثّانِي، فَلَمّا رَفَعُوا رُؤُوسَهم رَكَعَ ورَكَعُوا جَمِيعًا، وسَجَدَ وسَجَدَ الصَّفُّ الَّذِينَ يَلُونَهُ وقامَ الصَّفُّ الثّانِي بِسِلاحِهِمْ مُقْبِلِينَ عَلى العَدُوِّ بِوُجُوهِهِمْ، فَلَمّا رَفَعَ النَّبِيُّ ﷺ رَأْسَهُ سَجَدَ الصَّفُّ الثّانِي، قالَ مُجاهِدٌ: فَكانَ تَكْبِيرُهم ورُكُوعُهم وتَسْلِيمُهُ عَلَيْهِمْ سَواءً، وتَناصَفُوا في السُّجُودِ، قالَ مُجاهِدٌ: فَلَمْ يُصَلِّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَلاةَ الخَوْفِ قَبْلَ يَوْمِهِ ولا بَعْدَهُ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنْ عَلِيٍّ، قالَ: «صَلَّيْتُ صَلاةَ الخَوْفِ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ، إلّا المَغْرِبَ فَإنَّهُ صَلّاها ثَلاثًا» . وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: «صَلّى النَّبِيُّ ﷺ بِأصْحابِهِ صَلاةَ الظُّهْرِ قَبْلَ أنْ تَنْزِلَ صَلاةُ الخَوْفِ، فَتَلَهَّفَ المُشْرِكُونَ ألّا يَكُونُوا حَمَلُوا عَلَيْهِ، فَقالَ لَهم رَجُلٌ: فَإنَّ لَهم صَلاةً قَبْلَ مَغْرِبانِ الشَّمْسِ هي أحَبُّ إلَيْهِمْ مِن أنْفُسِهِمْ. فَقالُوا: لَوْ قَدْ صَلَّوْا بَعْدُ لَحَمَلْنا عَلَيْهِمْ، فارْصُدُوا ذَلِكَ. فَنَزَلَتْ صَلاةُ الخَوْفِ، فَصَلّى بِهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَلاةَ الخَوْفِ بِصَلاةِ العَصْرِ» . (p-٦٧١)وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، مِن طَرِيقِ أبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جابِرٍ قالَ: «كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فَلَقِينا المُشْرِكِينَ بِنَخْلٍ، فَكانُوا بَيْنَنا وبَيْنَ القِبْلَةِ، فَلَمّا حَضَرَتْ صَلاةُ الظُّهْرِ صَلّى بِنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ونَحْنُ جَمِيعٌ، فَلَمّا فَرَغْنا تَآمَرَ المُشْرِكُونَ فَقالُوا: لَوْ كُنّا حَمَلْنا عَلَيْهِمْ وهم يُصَلُّونَ. فَقالَ بَعْضُهم: فَإنَّ لَهم صَلاةً يَنْتَظِرُونَها تَأْتِي الآنَ، وهي أحَبُّ إلَيْهِمْ مِن أبْنائِهُمْ، فَإذا صَلَّوْا فَمِيلُوا عَلَيْهِمْ. فَجاءَ جِبْرِيلُ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالخَبَرِ وعَلَّمَهُ كَيْفَ يُصَلِّي، فَلَمّا حَضَرَتِ العَصْرُ قامَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ مِمّا يَلِي العَدُوَّ، وقُمْنا خَلْفَهُ صَفَّيْنِ، فَكَبَّرَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ وكَبَّرْنا جَمِيعًا» . ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ البَزّارُ عَنْ عَلِيٍّ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ في صَلاةِ الخَوْفِ، «أمَرَ النّاسَ فَأخَذُوا السِّلاحَ عَلَيْهِمْ فَقامَتْ طائِفَةٌ مِن ورائِهِمْ مُسْتَقْبِلِي العَدُوَّ، وجاءَتْ طائِفَةٌ فَصَلَّوْا مَعَهُ، فَصَلّى بِهِمْ رَكْعَةً، ثُمَّ قامُوا إلى الطّائِفَةِ الَّتِي لَمْ تُصَلِّ، وأقْبَلَتِ الطّائِفَةُ الَّتِي لَمْ تُصَلِّ مَعَهُ فَقامُوا خَلْفَهُ، فَصَلّى بِهِمْ رَكْعَةً وسَجْدَتَيْنِ، ثُمَّ سَلَّمَ عَلَيْهِمْ، فَلَمّا سَلَّمَ قامَ الَّذِينَ قِبَلَ العَدُوِّ فَكَبَّرُوا جَمِيعًا، ورَكَعُوا رَكْعَةً وسَجْدَتَيْنِ بَعْدَما سَلَّمَ» . وأخْرَجَ أحْمَدُ، عَنْ جابِرٍ قالَ: «غَزا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سِتَّ غَزَواتٍ قَبْلَ صَلاةِ الخَوْفِ، وكانَتْ صَلاةُ الخَوْفِ في السَّنَةِ السّابِعَةِ» . (p-٦٧٢)وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ مِن طَرِيقِ العَوْفِيِّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿وإذا كُنْتَ فِيهِمْ فَأقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ﴾ فَإنَّهُ كانَتْ تَأْخُذُ طائِفَةٌ مِنهُمُ السِّلاحَ فَيُقْبِلُونَ عَلى العَدُوِّ، والطّائِفَةُ الأُخْرى يُصَلُّونَ مَعَ الإمامِ رَكْعَةً، ثُمَّ يَأْخُذُونَ أسْلِحَتَهم فَيَسْتَقْبِلُونَ العَدُوَّ، ويَرْجِعُ أصْحابُهم فَيُصَلُّونَ مَعَ الإمامِ رَكْعَةً، فَيَكُونُ لِلْإمامِ رَكْعَتانِ، ولِسائِرِ النّاسِ رَكْعَةٌ واحِدَةٌ، ثُمَّ يَقْضُونَ رَكْعَةً أُخْرى، وهَذا تَمامٌ مِنَ الصَّلاةِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَإذا سَجَدُوا﴾ يَقُولُ: فَإذا سَجَدَتِ الطّائِفَةُ الَّتِي قامَتْ مَعَكَ في صَلاتِكَ تُصَلِّي بِصَلاتِكَ فَفَرَغَتْ مِن سُجُودِها، ﴿فَلْيَكُونُوا مِن ورائِكُمْ﴾ يَقُولُ: فَلْيَصْيِرُوا بَعْدَ فَراغِهِمْ مِن سُجُودِهِمْ خَلْفَكم مُصافِّي العَدُوِّ، في المَكانَ الَّذِي فِيهِ سائِرُ الطَّوائِفِ الَّتِي لَمْ تُصَلِّ مَعَكَ، ولَمْ تَدْخُلْ مَعَكَ في صَلاتِكَ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا جُناحَ عَلَيْكُمْ﴾ . أخْرَجَ البُخارِيُّ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ، والبَيْهَقِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنْ كانَ بِكم أذًى مِن مَطَرٍ أوْ كُنْتُمْ مَرْضى﴾ قالَ: نَزَلَتْ في عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، كانَ جَرِيحًا. (p-٦٧٣)وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُقاتِلِ بْنِ حَيّانَ في الآيَةِ قالَ: رَخَّصَ في وضْعِ السِّلاحِ عِنْدَ ذَلِكَ، وأمَرَهم أنْ يَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ، وفي قَوْلِهِ: ﴿عَذابًا مُهِينًا﴾ قالَ: يَعْنِي بِالمُهِينِ الهَوانَ، وفي قَوْلِهِ: ﴿فَإذا قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ﴾ قالَ: صَلاةَ الخَوْفِ. ﴿فاذْكُرُوا اللَّهَ﴾ قالَ: بِاللِّسانِ. ﴿فَإذا اطْمَأْنَنْتُمْ﴾ يَقُولُ: إذا اسْتَقْرَرْتُمْ وأمِنتُمْ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فاذْكُرُوا اللَّهَ قِيامًا وقُعُودًا وعَلى جُنُوبِكُمْ﴾ قالَ: بِاللَّيْلِ والنَّهارِ، في البَرِّ والبَحْرِ، في السَّفَرِ والحَضَرِ، والغِنى والفَقْرِ، والسَّقَمِ والصِّحَّةِ، والسِّرِّ والعَلانِيَةِ، وعَلى كُلِّ حالٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ بَلَغَهُ أنَّ قَوْمًا يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيامًا، فَأتاهم فَقالَ: ما هَذا؟ قالُوا: سَمِعْنا اللَّهَ يَقُولُ: ﴿فاذْكُرُوا اللَّهَ قِيامًا وقُعُودًا وعَلى جُنُوبِكُمْ﴾ . فَقالَ: إنَّما هَذِهِ إذا لَمْ يَسْتَطِعِ الرَّجُلُ أنْ يُصَلِّيَ قائِمًا صَلّى قاعِدًا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ: ﴿فَإذا اطْمَأْنَنْتُمْ﴾ قالَ: إذا خَرَجْتُمْ مِن دارِ السَّفَرِ إلى دارِ الإقامَةِ، ﴿فَأقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ قالَ: أتِمُّوها. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ قَتادَةَ: ﴿فَإذا اطْمَأْنَنْتُمْ﴾ يَقُولُ: إذا اطْمَأْنَنْتُمْ في أمْصارِكم فَأتِمُّوا الصَّلاةَ. (p-٦٧٤)وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مُجاهِدٍ: ﴿فَإذا اطْمَأْنَنْتُمْ﴾ يَقُولُ: فَإذا أمِنتُمْ ﴿فَأقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ يَقُولُ: أتِمُّوها. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ: ﴿فَإذا اطْمَأْنَنْتُمْ﴾: أقَمْتُمْ في أمْصارِكم. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي العالِيَةِ: ﴿فَإذا اطْمَأْنَنْتُمْ﴾ يَعْنِي: إذا نَزَلَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ: ﴿فَإذا اطْمَأْنَنْتُمْ﴾ قالَ: بَعْدَ الخَوْفِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَإذا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ قالَ: إذا اطْمَأْنَنْتُمْ فَصَلُّوا الصَّلاةَ، لا تُصَلِّها راكِبًا ولا ماشِيًا ولا قاعِدًا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ الصَّلاةَ كانَتْ عَلى المُؤْمِنِينَ كِتابًا مَوْقُوتًا﴾ يَعْنِي: مَفْرُوضًا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في الآيَةِ قالَ: المَوْقُوتُ: الواجِبُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مُجاهِدٍ: ﴿كِتابًا مَوْقُوتًا﴾ قالَ: مَفْرُوضًا. (p-٦٧٥)وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿كِتابًا مَوْقُوتًا﴾ قالَ: فَرْضًا واجِبًا. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ الحَسَنِ: ﴿كِتابًا مَوْقُوتًا﴾ قالَ: كِتابًا واجِبًا. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ الصَّلاةَ كانَتْ عَلى المُؤْمِنِينَ كِتابًا مَوْقُوتًا﴾ قالَ: قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: إنَّ لِلصَّلاةِ وقْتًا كَوَقْتِ الحَجِّ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ الصَّلاةَ كانَتْ عَلى المُؤْمِنِينَ كِتابًا مَوْقُوتًا﴾ قالَ: مُنَجَّمًا كُلَّما مَضى نَجْمٌ جاءَ نَجْمٌ آخَرُ، يَقُولُ: كُلَّما مَضى وقْتٌ جاءَ وقْتٌ آخَرُ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأحْمَدُ، وأبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ، وابْنُ خُزَيْمَةَ، والحاكِمُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««أمَّنِي جِبْرِيلُ عِنْدَ البَيْتِ مَرَّتَيْنِ، فَصَلّى بِي الظُّهْرَ حِينَ زالَتِ الشَّمْسُ وكانَتْ قَدْرَ الشِّراكِ، وصَلّى بِي العَصْرَ حِينَ كانَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَهُ، وصَلّى بِي المَغْرِبَ حِينَ أفْطَرَ الصّائِمُ، وصَلّى بِي العَشاءَ حِينَ غابَ الشَّفَقُ، وصَلّى بِي الفَجْرَ حِينَ حَرُمَ الطَّعامُ والشَّرابُ عَلى الصّائِمِ، وصَلّى بِيَ مِنَ الغَدِ الظُّهْرَ حِينَ كانَ ظِلُّ كُلِّ (p-٦٧٦)شَيْءٍ مِثْلَهُ، وصَلّى بِي العَصْرَ حِينَ كانَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَيْهِ، وصَلّى بِيَ المَغْرِبَ حِينَ أفْطَرَ الصّائِمُ، وصَلّى بِيَ العَشاءَ ثُلْثَ اللَّيْلِ، وصَلّى بِيَ الفَجْرَ فَأسْفَرَ، ثُمَّ التَفَتَ إلَيَّ فَقالَ: يا مُحَمَّدُ، هَذا الوَقْتُ وقْتُ النَّبِيِّينَ قَبْلَكَ، الوَقْتُ ما بَيْنَ هَذَيْنِ الوَقْتَيْنِ»» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأحْمَدُ، والتِّرْمِذِيُّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««إنَّ لِلصَّلاةِ أوَّلًا وآخِرًا، وإنَّ أوَّلَ وقْتِ الظُّهْرِ حِينَ تَزُولُ الشَّمْسُ، وإنَّ آخِرَ وقْتِها حِينَ يَدْخُلُ وقْتُ العَصْرِ، وإنَّ أوَّلَ وقْتِ العَصْرِ حِينَ يَدْخُلُ وقْتُ العَصْرِ، وإنَّ آخِرَ وقْتِها حِينَ تَصَفارُّ الشَّمْسُ، وإنَّ أوَّلَ وقْتِ المَغْرِبِ حِينَ تَغْرُبُ الشَّمْسُ، وإنَّ آخِرَ وقْتِها حِينَ يَغِيبُ الشَّفَقُ، وإنَّ أوَّلَ وقْتِ العَشاءِ الآخِرَةِ حِينَ يَغِيبُ الشَّفَقُ، وإنَّ آخِرَ وقْتِها حِينَ يَنْتَصِفُ اللَّيْلُ، وإنَّ أوَّلَ وقْتِ الفَجْرِ حِينَ يَطْلُعُ الفَجْرُ، وإنَّ آخِرَ وقْتِها حِينَ تَطْلُعُ الشَّمْسُ»» . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَهِنُوا﴾ الآيَةَ. أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿ولا تَهِنُوا﴾ قالَ: ولا تَضْعُفُوا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الضَّحّاكِ: ﴿ولا تَهِنُوا في ابْتِغاءِ القَوْمِ﴾ قالَ: (p-٦٧٧)لا تَضْعُفُوا في طَلَبِ القَوْمِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، مِن طَرِيقٍ عَلِيٍّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿إنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ﴾ قالَ: تَوَجَّعُونَ، ﴿وتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ ما لا يَرْجُونَ﴾ قالَ: تَرْجُونَ الخَيْرَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ في الآيَةِ يَقُولُ: لا تَضْعُفُوا في طَلَبِ القَوْمِ، فَإنَّكم إنْ تَكُونُوا تَيْجَعُونَ فَإنَّهم يَيْجَعُونَ كَما تَيْجَعُونَ، وتَرْجُونَ مِنَ الأجْرِ والثَّوابِ ما لا يَرْجُونَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ في الآيَةِ قالَ: لا تَضْعُفُوا في طَلَبِ القَوْمِ، إنْ تَكُونُوا تَيْجَعُونَ مِنَ الجِراحاتِ فَإنَّهم يَيْجَعُونَ كَما تَيْجَعُونَ، وتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مِنَ الثَّوابِ ما لا يَرْجُونَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُقاتِلِ بْنِ حَيّانَ: ﴿وتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ﴾ يَعْنِي: الحَياةَ والرِّزْقَ والشَّهادَةَ والظَّفَرَ في الدُّنْيا.

النساء 4:105

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا أنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ﴾ الآياتِ . أخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، (p-٦٧٨)والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ قَتادَةَ بْنِ النُّعْمانِ قالَ: «كانَ أهْلُ بَيْتٍ مِنّا يُقالُ لَهم: بَنُو أُبَيْرِقٍ: بِشْرٌ وبُشَيْرٌ ومُبَشِّرٌ، وكانَ بُشَيْرٌ رَجُلًا مُنافِقًا يَقُولُ الشِّعْرَ يَهْجُو بِهِ أصْحابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ثُمَّ يَنْحَلُهُ بَعْضَ العَرَبِ، ثُمَّ يَقُولُ: قالَ فُلانٌ كَذا وكَذا، قالَ فُلانٌ كَذا وكَذا، وإذا سَمِعَ أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ذَلِكَ الشِّعْرَ قالُوا: واللَّهِ ما يَقُولُ هَذا الشِّعْرَ إلّا هَذا الخَبِيثُ. فَقالَ: ؎أوَكُلَّما قالَ الرِّجالُ قَصِيدَةً أضِمُوا فَقالُوا ابْنُ الأُبَيْرِقِ قالَها وكانُوا أهْلَ بَيْتِ حاجَّةٍ وفاقَةٍ في الجاهِلِيَّةِ والإسْلامِ، وكانَ النّاسُ إنَّما طَعامُهم بِالمَدِينَةِ التَّمْرُ والشَّعِيرُ، وكانَ الرَّجُلُ إذا كانَ لَهُ يَسارٌ فَقَدِمَتْ ضافِطَةٌ مِنَ الشّامِ مِنَ الدَّرْمَكِ ابْتاعَ الرَّجُلُ مِنها فَخَصَّ بِها نَفْسَهُ، وأمّا العِيالُ فَإنَّما طَعامُهُمُ الشَّعِيرُ، فَقَدِمَتْ ضافِطَةٌ مِنَ الشّامِ فابْتاعَ عَمِّي رَفاعَةُ بْنُ زَيْدٍ حِمْلًا مِنَ الدَّرْمَكِ فَجَعَلَهُ في مَشْرُبَةٍ لَهُ، وفي المَشْرُبَةِ سِلاحٌ لَهُ؛ دِرْعانِ وسَيْفاهُما وما يُصْلِحُهُما، فَعَدا عَدِيٌّ مِن تَحْتِ اللَّيْلِ، فَنَقَبَ المَشْرُبَةَ وأخَذَ الطَّعامَ والسِّلاحَ، فَلَمّا أصْبَحَ أتانِي عَمِّي رَفاعَةُ فَقالَ: يا ابْنَ أخِي، تَعْلَمُ أنَّهُ قَدْ عُدِيَ عَلَيْنا في لَيْلَتِنا هَذِهِ، فَنُقِبَتْ مَشْرُبَتُنا، فَذُهِبَ بِطَعامِنا وسِلاحِنا. قالَ: (p-٦٧٩)فَتَجَسَّسْنا في الدّارِ وسَألْنا، فَقِيلَ لَنا: قَدْ رَأيْنا بَنِي أُبَيْرِقٍ قَدِ اسْتَوْقَدُوا في هَذِهِ اللَّيْلَةِ، ولا نَرى فِيما نَرى إلّا عَلى بَعْضِ طَعامِكُمْ، قالَ: وقَدْ كانَ بَنُو أُبَيْرِقٍ قالُوا: ونَحْنُ نَسْألُ في الدّارِ: واللَّهِ ما نَرى صاحِبَكم إلّا لَبِيدَ بْنَ سَهْلٍ رَجُلًا مِنّا لَهُ صَلاحٌ وإسْلامٌ، فَلَمّا سَمِعَ ذَلِكَ لَبِيدٌ اخْتَرَطَ سَيْفَهُ ثُمَّ أتى بَنِي أُبَيْرِقٍ وقالَ: أنا أسْرِقُ؟ فَواللَّهِ لِيُخالِطَنَّكم هَذا السَّيْفُ أوْ لَتُبَيِّنُنَّ هَذِهِ السَّرِقَةَ، قالُوا: إلَيْكَ عَنّا أيُّها الرَّجُلُ، فَواللَّهِ ما أنْتَ بِصاحِبِها. فَسَألْنا في الدّارِ حَتّى لَمْ نَشُكَّ أنَّهم أصْحابُها، فَقالَ لِي عَمِّي: يا ابْنَ أخِي، لَوْ أتَيْتَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرْتَ ذَلِكَ لَهُ. قالَ قَتادَةُ: فَأتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّ أهْلَ بَيْتٍ مِنّا أهَّلَ جَفاءٍ، عَمَدُوا إلى عَمِّي رَفاعَةَ بْنِ زَيْدٍ فَنَقَبُوا مَشْرُبَةً لَهُ وأخَذُوا سِلاحَهُ وطَعامَهُ فَلْيَرُدُّوا عَلَيْنا سِلاحَنا، فَأمّا الطَّعامُ فَلا حاجَةَ لَنا فِيهِ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «سَأنْظُرُ في ذَلِكَ» فَلَمّا سَمِعَ ذَلِكَ بَنُو أُبَيْرِقٍ أتَوْا رَجُلًا مِنهم يُقالُ لَهُ أُسَيْرُ بْنُ عُرْوَةَ فَكَلَّمُوهُ في ذَلِكَ، واجْتَمَعَ إلَيْهِ ناسٌ مِن أهْلِ الدّارِ، فَأتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّ قَتادَةَ بْنَ النُّعْمانِ وعَمَّهُ عَمَدُوا إلى أهْلِ بَيْتٍ مِنّا أهْلِ إسْلامٍ وصَلاحٍ يَرْمُونَهم بِالسَّرِقَةِ مِن غَيْرِ بَيِّنَةٍ ولا ثَبَتٍ، قالَ قَتادَةُ: فَأتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَكَلَّمْتُهُ، فَقالَ: «عَمَدْتَ إلى أهْلِ بَيْتِ ذُكِرَ مِنهم إسْلامٌ وصَلاحٌ، تَرْمِيهِمْ بِالسَّرِقَةِ مِن غَيْرِ بَيِّنَةٍ ولا ثَبَتٍ» قالَ قَتادَةُ: فَرَجَعْتُ ولَوَدِدْتُ أنِّي خَرَجْتُ مِن بَعْضِ مالِي ولَمْ أُكَلِّمْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ في ذَلِكَ، فَأتانِي عَمِّي رَفاعَةُ فَقالَ: يا ابْنَ أخِي، ما صَنَعْتَ؟ فَأخْبَرْتُهُ بِما قالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: اللَّهُ المُسْتَعانُ. فَلَمْ نَلْبَثْ أنْ نَزَلَ القُرْآنُ: ﴿إنّا أنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النّاسِ بِما أراكَ اللَّهُ ولا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ خَصِيمًا﴾ بَنِي أُبَيْرِقٍ، (p-٦٨٠)﴿واسْتَغْفِرِ اللَّهَ﴾ أيْ مِمّا قُلْتَ لِقَتادَةَ، ﴿إنَّ اللَّهَ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ ﴿ولا تُجادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتانُونَ أنْفُسَهُمْ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ أيْ: أنَّهم لَوِ اسْتَغْفَرُوا اللَّهَ لَغَفَرَ لَهم ﴿ومَن يَكْسِبْ إثْمًا﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتانًا وإثْمًا مُبِينًا﴾ قَوْلَهم لِلَبِيدٍ، ﴿ولَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ ورَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طائِفَةٌ مِنهم أنْ يُضِلُّوكَ﴾ يَعْنِي أُسَيْرَ بْنَ عُرْوَةَ وأصْحابَهُ. إلى قَوْلِهِ: ﴿فَسَيُؤْتِيهِ أجْرًا عَظِيمًا﴾ [الفتح: ١٠]، فَلَمّا نَزَلَ القُرْآنُ أُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالسِّلاحِ فَرَدَّهُ إلى رِفاعَةَ، قالَ قَتادَةُ: فَلَمّا أتَيْتُ عَمِّي بِالسِّلاحِ - وكانَ شَيْخًا قَدْ عَسا في الجاهِلِيَّةِ وكُنْتُ أرى إسْلامَهُ مَدْخُولًا، فَلَمّا أتَيْتُهُ بِالسِّلاحِ قالَ: يا ابْنَ أخِي، هو في سَبِيلِ اللَّهِ. فَعَرَفْتُ أنَّ إسْلامَهُ كانَ صَحِيحًا، فَلَمّا نَزَلَ القُرْآنُ لَحِقَ بُشَيْرٌ بِالمُشْرِكِينَ فَنَزَلَ عَلى سُلافَةَ بِنْتِ سَعْدٍ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿ومَن يُشاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الهُدى ويَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ المُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ ما تَوَلّى﴾ [النساء: ١١٥] إلى قَوْلِهِ: ﴿ضَلالا بَعِيدًا﴾ [النساء: ١١٦] فَلَمّا نَزَلَ عَلى سُلافَةَ رَماها حَسّانُ بْنُ ثابِتٍ بِأبْياتٍ مِن شِعْرٍ، فَأخَذَتْ رَحْلَهُ فَوَضَعَتْهُ عَلى رَأْسِها ثُمَّ خَرَجَتْ فَرَمَتْ بِهِ في الأبْطَحِ ثُمَّ قالَتْ: أهْدَيْتَ لِي شَعْرَ حَسّانَ! ما كُنْتَ تَأْتِينِي بِخَيْرٍ» . وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ عَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ قالَ: «عَدا بُشَيْرُ بْنُ الحارِثِ عَلى عِلِّيَّةِ (p-٦٨١)رَفاعَةَ بْنِ زَيْدٍ عَمِّ قَتادَةَ بْنِ النُّعْمانِ الظَّفَرِيِّ، فَنَقَبَها مِن ظَهْرِها، وأخَذَ طَعامًا لَهُ ودِرْعَيْنِ بِأداتِهِما، فَأتى قَتادَةُ بْنُ النُّعْمانِ النَّبِيَّ ﷺ فَأخْبَرَهُ بِذَلِكَ، فَدَعا بُشَيْرًا فَسَألَهُ، فَأنْكَرَ، ورَمى بِذَلِكَ لَبِيدَ بْنَ سَهْلٍ، رَجُلًا مِن أهْلِ الدّارِ ذا حَسَبٍ ونَسَبٍ، فَنَزَلَ القُرْآنُ بِتَكْذِيبِ بُشَيْرٍ وبَراءَةِ لَبِيدِ بْنِ سَهْلٍ؛ قَوْلُهُ: ﴿إنّا أنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النّاسِ بِما أراكَ اللَّهُ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ يَعْنِي بُشَيْرَ بْنَ أُبَيَرِقٍ، ﴿ومَن يَكْسِبْ خَطِيئَةً أوْ إثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا﴾ يَعْنِي لَبِيدَ بْنَ سَهْلٍ حِينَ رَماهُ بَنُو أُبَيْرِقٍ بِالسَّرِقَةِ. فَلَمّا نَزَلَ القُرْآنُ في بُشَيْرٍ، وعُثِرَ عَلَيْهِ هَرَبَ إلى مَكَّةَ مُرْتَدًّا كافِرًا، فَنَزَلَ عَلى سُلافَةَ بِنْتِ سَعْدِ بْنِ الشَّهِيدِ، فَجَعَلَ يَقَعُ في النَّبِيِّ ﷺ وفي المُسْلِمِينَ، فَنَزَلَ القُرْآنُ فِيهِ وهَجاهُ حَسّانُ بْنُ ثابِتٍ حَتّى رَجَعَ، وكانَ ذَلِكَ في شَهْرِ رَبِيعٍ سَنَةَ أرْبَعٍ مِنَ الهِجْرَةِ» . وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ مِن وجْهٍ آخَرَ عَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ قالَ: «كانَ أُسَيْرُ بْنُ عُرْوَةَ رَجُلًا مِنطِيقًا ظَرِيفًا بَلِيغًا حُلْوًا، فَسَمِعَ بِما قالَ قَتادَةُ بْنُ النُّعْمانِ في بَنِي أُبَيْرِقٍ لِلنَّبِيِّ ﷺ حِينَ اتَّهَمَهم بِنَقْبِ عِلِّيَّةِ عَمِّهِ وأخْذِ طَعامِهِ والدِّرْعَيْنِ، فَأتى أُسَيْرٌ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ في جَماعَةٍ جَمَعَهم مِن قَوْمِهِ فَقالَ: إنَّ قَتادَةَ وعَمَّهُ عَمَدُوا إلى أهْلِ بَيْتٍ مِنّا أهْلِ حَسَبٍ ونَسَبٍ وصَلاحٍ يُؤَنِّبُونَهم بِالقَبِيحِ ويَقُولُونَ لَهم ما لا يَنْبَغِي، بِغَيْرِ ثَبَتٍ ولا بَيِّنَةٍ. فَوَضَعَ لَهم عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ما شاءَ ثُمَّ انْصَرَفَ، فَأقْبَلَ بَعْدَ ذَلِكَ قَتادَةُ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِيُكَلِّمَهُ، (p-٦٨٢)فَجَبَهَهَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ جَبْهًا شَدِيدًا مُنْكَرًا، وقالَ: «بِئْسَما صَنَعْتَ وبِئْسَما مَشَيْتَ فِيهِ» فَقامَ قَتادَةُ وهو يَقُولُ: لَوَدِدْتُ أنِّي خَرَجْتُ مِن أهْلِي ومالِي، وأنِّي لَمْ أُكَلِّمْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ في شَيْءٍ مِن أمْرِهِمْ، وما أنا بِعائِدٍ في شَيْءٍ مِن ذَلِكَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ عَلى نَبِيِّهِ في شَأْنِهِمْ: ﴿إنّا أنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ولا تُجادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتانُونَ أنْفُسَهُمْ﴾ يَعْنِي أُسَيْرَ بْنَ عُرْوَةَ وأصْحابَهُ، ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَن كانَ خَوّانًا أثِيمًا﴾ [النساء»: ١٠٧] . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنّا أنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النّاسِ بِما أراكَ اللَّهُ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ﴾ [النساء: ١١٤] فِيما بَيْنَ ذَلِكَ في طُعْمَةَ بْنِ أُبَيْرِقٍ ودِرْعِهِ مِن حَدِيدٍ الَّتِي سَرَقَ، وقالَ أصْحابُهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ لِلنَّبِيِّ ﷺ: اعْذِرْهُ في النّاسِ بِلِسانِكَ، ورَمَوْا بِالدِّرْعِ رَجُلًا مِن يَهُودَ بَرِيئًا. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ قَتادَةَ قالَ: «ذُكِرَ لَنا أنَّ هَذِهِ الآياتِ أُنْزِلَتْ في شَأْنِ طُعْمَةَ بْنِ أُبَيْرِقٍ، وفِيما هَمَّ بِهِ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ مِن عُذْرِهِ، فَبَيَّنَ اللَّهُ شَأْنَ طُعْمَةَ بْنِ أُبَيْرِقٍ، ووَعَظَ نَبِيَّهُ ﷺ وحَذَّرَهُ أنْ يَكُونَ لِلْخائِنِينَ خَصِيمًا، وكانَ طُعْمَةُ بْنُ أُبَيْرِقٍ رَجُلًا مِنَ الأنْصارِ، ثُمَّ أحَدَ بَنِي ظَفَرٍ، سَرَقَ (p-٦٨٣)دِرْعًا لِعَمِّهِ كانَتْ ودِيعَةً عِنْدَهُمْ، ثُمَّ قَذَفَها عَلى يَهُودِيٍّ كانَ يَغْشاهم يُقالُ لَهُ زَيْدُ بْنُ السَّمِينِ. فَجاءَ اليَهُودِيُّ إلى النَّبِيِّ ﷺ يَهْتِفُ، فَلَمّا رَأى ذَلِكَ قَوْمُهُ بَنُو ظَفَرٍ جاءُوا إلى نَبِيِّ اللَّهِ ﷺ لِيَعْذِرُوا صاحِبَهُمْ، وكانَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ قَدْ هَمَّ بِعُذْرِهِ حَتّى أنْزِلَ اللَّهُ في شَأْنِهِ ما أنْزَلَ فَقالَ: ﴿ولا تُجادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتانُونَ أنْفُسَهُمْ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا﴾ وكانَ طُعْمَةُ قَذَفَ بِها بَرِيئًا، فَلَمّا بَيَّنَ اللَّهُ شَأْنَ طُعْمَةَ نافَقَ ولَحِقَ بِالمُشْرِكِينَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ في شَأْنِهِ: ﴿ومَن يُشاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الهُدى ويَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ المُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ١١٥] الآيَةَ» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ العَوْفِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «إنَّ نَفَرًا مِنَ الأنْصارِ غَزَوْا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ في بَعْضِ غَزَواتِهِ، فَسُرِقَتْ دِرْعٌ لِأحَدِهِمْ، فَأظَنَّ بِها رَجُلًا مِنَ الأنْصارِ فَأتى صاحِبُ الدِّرْعِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: إنَّ طُعْمَةَ بْنَ أُبَيْرِقٍ سَرَقَ دِرْعِي، فَلَمّا رَأى السّارِقُ ذَلِكَ عَمَدَ إلَيْها فَألْقاها في بَيْتِ رَجُلٍ بَرِيءٍ، وقالَ لِنَفَرٍ مِن عَشِيرَتِهِ: إنِّي غَيَّبْتُ الدِّرْعَ وألْقَيْتُها في بَيْتِ فُلانٍ، وسَتُوجَدُ عِنْدَهُ. فانْطَلَقُوا إلى النَّبِيِّ ﷺ فَقالُوا: يا نَبِيَّ اللَّهِ، إنَّ صاحَبَنا بَرِيءٌ، وإنَّ سارِقَ الدِّرْعِ فُلانٌ، وقَدْ أحَطْنا بِذَلِكَ عِلْمًا، فَأعْذِرْ صاحِبَنا عَلى رُؤُوسِ النّاسِ، وجادِلْ عَنْهُ؛ فَإنَّهُ إلّا يَعْصِمْهُ اللَّهُ بِكَ يَهْلَكْ. فَقامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَبَرَّأهُ وعَذَرَهُ عَلى رُؤُوسِ النّاسِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿إنّا أنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النّاسِ بِما أراكَ اللَّهُ﴾ يَقُولُ: بِما أنْزَلَ اللَّهُ إلَيْكَ. (p-٦٨٤)إلى قَوْلِهِ: ﴿خَوّانًا أثِيمًا﴾ ثُمَّ قالَ لِلَّذِينِ أتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَيْلًا»:

النساء 4:106

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا أنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ﴾ الآياتِ . أخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، (p-٦٧٨)والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ قَتادَةَ بْنِ النُّعْمانِ قالَ: «كانَ أهْلُ بَيْتٍ مِنّا يُقالُ لَهم: بَنُو أُبَيْرِقٍ: بِشْرٌ وبُشَيْرٌ ومُبَشِّرٌ، وكانَ بُشَيْرٌ رَجُلًا مُنافِقًا يَقُولُ الشِّعْرَ يَهْجُو بِهِ أصْحابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ثُمَّ يَنْحَلُهُ بَعْضَ العَرَبِ، ثُمَّ يَقُولُ: قالَ فُلانٌ كَذا وكَذا، قالَ فُلانٌ كَذا وكَذا، وإذا سَمِعَ أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ذَلِكَ الشِّعْرَ قالُوا: واللَّهِ ما يَقُولُ هَذا الشِّعْرَ إلّا هَذا الخَبِيثُ. فَقالَ: ؎أوَكُلَّما قالَ الرِّجالُ قَصِيدَةً أضِمُوا فَقالُوا ابْنُ الأُبَيْرِقِ قالَها وكانُوا أهْلَ بَيْتِ حاجَّةٍ وفاقَةٍ في الجاهِلِيَّةِ والإسْلامِ، وكانَ النّاسُ إنَّما طَعامُهم بِالمَدِينَةِ التَّمْرُ والشَّعِيرُ، وكانَ الرَّجُلُ إذا كانَ لَهُ يَسارٌ فَقَدِمَتْ ضافِطَةٌ مِنَ الشّامِ مِنَ الدَّرْمَكِ ابْتاعَ الرَّجُلُ مِنها فَخَصَّ بِها نَفْسَهُ، وأمّا العِيالُ فَإنَّما طَعامُهُمُ الشَّعِيرُ، فَقَدِمَتْ ضافِطَةٌ مِنَ الشّامِ فابْتاعَ عَمِّي رَفاعَةُ بْنُ زَيْدٍ حِمْلًا مِنَ الدَّرْمَكِ فَجَعَلَهُ في مَشْرُبَةٍ لَهُ، وفي المَشْرُبَةِ سِلاحٌ لَهُ؛ دِرْعانِ وسَيْفاهُما وما يُصْلِحُهُما، فَعَدا عَدِيٌّ مِن تَحْتِ اللَّيْلِ، فَنَقَبَ المَشْرُبَةَ وأخَذَ الطَّعامَ والسِّلاحَ، فَلَمّا أصْبَحَ أتانِي عَمِّي رَفاعَةُ فَقالَ: يا ابْنَ أخِي، تَعْلَمُ أنَّهُ قَدْ عُدِيَ عَلَيْنا في لَيْلَتِنا هَذِهِ، فَنُقِبَتْ مَشْرُبَتُنا، فَذُهِبَ بِطَعامِنا وسِلاحِنا. قالَ: (p-٦٧٩)فَتَجَسَّسْنا في الدّارِ وسَألْنا، فَقِيلَ لَنا: قَدْ رَأيْنا بَنِي أُبَيْرِقٍ قَدِ اسْتَوْقَدُوا في هَذِهِ اللَّيْلَةِ، ولا نَرى فِيما نَرى إلّا عَلى بَعْضِ طَعامِكُمْ، قالَ: وقَدْ كانَ بَنُو أُبَيْرِقٍ قالُوا: ونَحْنُ نَسْألُ في الدّارِ: واللَّهِ ما نَرى صاحِبَكم إلّا لَبِيدَ بْنَ سَهْلٍ رَجُلًا مِنّا لَهُ صَلاحٌ وإسْلامٌ، فَلَمّا سَمِعَ ذَلِكَ لَبِيدٌ اخْتَرَطَ سَيْفَهُ ثُمَّ أتى بَنِي أُبَيْرِقٍ وقالَ: أنا أسْرِقُ؟ فَواللَّهِ لِيُخالِطَنَّكم هَذا السَّيْفُ أوْ لَتُبَيِّنُنَّ هَذِهِ السَّرِقَةَ، قالُوا: إلَيْكَ عَنّا أيُّها الرَّجُلُ، فَواللَّهِ ما أنْتَ بِصاحِبِها. فَسَألْنا في الدّارِ حَتّى لَمْ نَشُكَّ أنَّهم أصْحابُها، فَقالَ لِي عَمِّي: يا ابْنَ أخِي، لَوْ أتَيْتَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرْتَ ذَلِكَ لَهُ. قالَ قَتادَةُ: فَأتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّ أهْلَ بَيْتٍ مِنّا أهَّلَ جَفاءٍ، عَمَدُوا إلى عَمِّي رَفاعَةَ بْنِ زَيْدٍ فَنَقَبُوا مَشْرُبَةً لَهُ وأخَذُوا سِلاحَهُ وطَعامَهُ فَلْيَرُدُّوا عَلَيْنا سِلاحَنا، فَأمّا الطَّعامُ فَلا حاجَةَ لَنا فِيهِ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «سَأنْظُرُ في ذَلِكَ» فَلَمّا سَمِعَ ذَلِكَ بَنُو أُبَيْرِقٍ أتَوْا رَجُلًا مِنهم يُقالُ لَهُ أُسَيْرُ بْنُ عُرْوَةَ فَكَلَّمُوهُ في ذَلِكَ، واجْتَمَعَ إلَيْهِ ناسٌ مِن أهْلِ الدّارِ، فَأتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّ قَتادَةَ بْنَ النُّعْمانِ وعَمَّهُ عَمَدُوا إلى أهْلِ بَيْتٍ مِنّا أهْلِ إسْلامٍ وصَلاحٍ يَرْمُونَهم بِالسَّرِقَةِ مِن غَيْرِ بَيِّنَةٍ ولا ثَبَتٍ، قالَ قَتادَةُ: فَأتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَكَلَّمْتُهُ، فَقالَ: «عَمَدْتَ إلى أهْلِ بَيْتِ ذُكِرَ مِنهم إسْلامٌ وصَلاحٌ، تَرْمِيهِمْ بِالسَّرِقَةِ مِن غَيْرِ بَيِّنَةٍ ولا ثَبَتٍ» قالَ قَتادَةُ: فَرَجَعْتُ ولَوَدِدْتُ أنِّي خَرَجْتُ مِن بَعْضِ مالِي ولَمْ أُكَلِّمْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ في ذَلِكَ، فَأتانِي عَمِّي رَفاعَةُ فَقالَ: يا ابْنَ أخِي، ما صَنَعْتَ؟ فَأخْبَرْتُهُ بِما قالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: اللَّهُ المُسْتَعانُ. فَلَمْ نَلْبَثْ أنْ نَزَلَ القُرْآنُ: ﴿إنّا أنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النّاسِ بِما أراكَ اللَّهُ ولا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ خَصِيمًا﴾ بَنِي أُبَيْرِقٍ، (p-٦٨٠)﴿واسْتَغْفِرِ اللَّهَ﴾ أيْ مِمّا قُلْتَ لِقَتادَةَ، ﴿إنَّ اللَّهَ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ ﴿ولا تُجادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتانُونَ أنْفُسَهُمْ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ أيْ: أنَّهم لَوِ اسْتَغْفَرُوا اللَّهَ لَغَفَرَ لَهم ﴿ومَن يَكْسِبْ إثْمًا﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتانًا وإثْمًا مُبِينًا﴾ قَوْلَهم لِلَبِيدٍ، ﴿ولَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ ورَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طائِفَةٌ مِنهم أنْ يُضِلُّوكَ﴾ يَعْنِي أُسَيْرَ بْنَ عُرْوَةَ وأصْحابَهُ. إلى قَوْلِهِ: ﴿فَسَيُؤْتِيهِ أجْرًا عَظِيمًا﴾ [الفتح: ١٠]، فَلَمّا نَزَلَ القُرْآنُ أُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالسِّلاحِ فَرَدَّهُ إلى رِفاعَةَ، قالَ قَتادَةُ: فَلَمّا أتَيْتُ عَمِّي بِالسِّلاحِ - وكانَ شَيْخًا قَدْ عَسا في الجاهِلِيَّةِ وكُنْتُ أرى إسْلامَهُ مَدْخُولًا، فَلَمّا أتَيْتُهُ بِالسِّلاحِ قالَ: يا ابْنَ أخِي، هو في سَبِيلِ اللَّهِ. فَعَرَفْتُ أنَّ إسْلامَهُ كانَ صَحِيحًا، فَلَمّا نَزَلَ القُرْآنُ لَحِقَ بُشَيْرٌ بِالمُشْرِكِينَ فَنَزَلَ عَلى سُلافَةَ بِنْتِ سَعْدٍ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿ومَن يُشاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الهُدى ويَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ المُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ ما تَوَلّى﴾ [النساء: ١١٥] إلى قَوْلِهِ: ﴿ضَلالا بَعِيدًا﴾ [النساء: ١١٦] فَلَمّا نَزَلَ عَلى سُلافَةَ رَماها حَسّانُ بْنُ ثابِتٍ بِأبْياتٍ مِن شِعْرٍ، فَأخَذَتْ رَحْلَهُ فَوَضَعَتْهُ عَلى رَأْسِها ثُمَّ خَرَجَتْ فَرَمَتْ بِهِ في الأبْطَحِ ثُمَّ قالَتْ: أهْدَيْتَ لِي شَعْرَ حَسّانَ! ما كُنْتَ تَأْتِينِي بِخَيْرٍ» . وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ عَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ قالَ: «عَدا بُشَيْرُ بْنُ الحارِثِ عَلى عِلِّيَّةِ (p-٦٨١)رَفاعَةَ بْنِ زَيْدٍ عَمِّ قَتادَةَ بْنِ النُّعْمانِ الظَّفَرِيِّ، فَنَقَبَها مِن ظَهْرِها، وأخَذَ طَعامًا لَهُ ودِرْعَيْنِ بِأداتِهِما، فَأتى قَتادَةُ بْنُ النُّعْمانِ النَّبِيَّ ﷺ فَأخْبَرَهُ بِذَلِكَ، فَدَعا بُشَيْرًا فَسَألَهُ، فَأنْكَرَ، ورَمى بِذَلِكَ لَبِيدَ بْنَ سَهْلٍ، رَجُلًا مِن أهْلِ الدّارِ ذا حَسَبٍ ونَسَبٍ، فَنَزَلَ القُرْآنُ بِتَكْذِيبِ بُشَيْرٍ وبَراءَةِ لَبِيدِ بْنِ سَهْلٍ؛ قَوْلُهُ: ﴿إنّا أنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النّاسِ بِما أراكَ اللَّهُ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ يَعْنِي بُشَيْرَ بْنَ أُبَيَرِقٍ، ﴿ومَن يَكْسِبْ خَطِيئَةً أوْ إثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا﴾ يَعْنِي لَبِيدَ بْنَ سَهْلٍ حِينَ رَماهُ بَنُو أُبَيْرِقٍ بِالسَّرِقَةِ. فَلَمّا نَزَلَ القُرْآنُ في بُشَيْرٍ، وعُثِرَ عَلَيْهِ هَرَبَ إلى مَكَّةَ مُرْتَدًّا كافِرًا، فَنَزَلَ عَلى سُلافَةَ بِنْتِ سَعْدِ بْنِ الشَّهِيدِ، فَجَعَلَ يَقَعُ في النَّبِيِّ ﷺ وفي المُسْلِمِينَ، فَنَزَلَ القُرْآنُ فِيهِ وهَجاهُ حَسّانُ بْنُ ثابِتٍ حَتّى رَجَعَ، وكانَ ذَلِكَ في شَهْرِ رَبِيعٍ سَنَةَ أرْبَعٍ مِنَ الهِجْرَةِ» . وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ مِن وجْهٍ آخَرَ عَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ قالَ: «كانَ أُسَيْرُ بْنُ عُرْوَةَ رَجُلًا مِنطِيقًا ظَرِيفًا بَلِيغًا حُلْوًا، فَسَمِعَ بِما قالَ قَتادَةُ بْنُ النُّعْمانِ في بَنِي أُبَيْرِقٍ لِلنَّبِيِّ ﷺ حِينَ اتَّهَمَهم بِنَقْبِ عِلِّيَّةِ عَمِّهِ وأخْذِ طَعامِهِ والدِّرْعَيْنِ، فَأتى أُسَيْرٌ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ في جَماعَةٍ جَمَعَهم مِن قَوْمِهِ فَقالَ: إنَّ قَتادَةَ وعَمَّهُ عَمَدُوا إلى أهْلِ بَيْتٍ مِنّا أهْلِ حَسَبٍ ونَسَبٍ وصَلاحٍ يُؤَنِّبُونَهم بِالقَبِيحِ ويَقُولُونَ لَهم ما لا يَنْبَغِي، بِغَيْرِ ثَبَتٍ ولا بَيِّنَةٍ. فَوَضَعَ لَهم عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ما شاءَ ثُمَّ انْصَرَفَ، فَأقْبَلَ بَعْدَ ذَلِكَ قَتادَةُ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِيُكَلِّمَهُ، (p-٦٨٢)فَجَبَهَهَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ جَبْهًا شَدِيدًا مُنْكَرًا، وقالَ: «بِئْسَما صَنَعْتَ وبِئْسَما مَشَيْتَ فِيهِ» فَقامَ قَتادَةُ وهو يَقُولُ: لَوَدِدْتُ أنِّي خَرَجْتُ مِن أهْلِي ومالِي، وأنِّي لَمْ أُكَلِّمْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ في شَيْءٍ مِن أمْرِهِمْ، وما أنا بِعائِدٍ في شَيْءٍ مِن ذَلِكَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ عَلى نَبِيِّهِ في شَأْنِهِمْ: ﴿إنّا أنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ولا تُجادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتانُونَ أنْفُسَهُمْ﴾ يَعْنِي أُسَيْرَ بْنَ عُرْوَةَ وأصْحابَهُ، ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَن كانَ خَوّانًا أثِيمًا﴾ [النساء»: ١٠٧] . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنّا أنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النّاسِ بِما أراكَ اللَّهُ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ﴾ [النساء: ١١٤] فِيما بَيْنَ ذَلِكَ في طُعْمَةَ بْنِ أُبَيْرِقٍ ودِرْعِهِ مِن حَدِيدٍ الَّتِي سَرَقَ، وقالَ أصْحابُهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ لِلنَّبِيِّ ﷺ: اعْذِرْهُ في النّاسِ بِلِسانِكَ، ورَمَوْا بِالدِّرْعِ رَجُلًا مِن يَهُودَ بَرِيئًا. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ قَتادَةَ قالَ: «ذُكِرَ لَنا أنَّ هَذِهِ الآياتِ أُنْزِلَتْ في شَأْنِ طُعْمَةَ بْنِ أُبَيْرِقٍ، وفِيما هَمَّ بِهِ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ مِن عُذْرِهِ، فَبَيَّنَ اللَّهُ شَأْنَ طُعْمَةَ بْنِ أُبَيْرِقٍ، ووَعَظَ نَبِيَّهُ ﷺ وحَذَّرَهُ أنْ يَكُونَ لِلْخائِنِينَ خَصِيمًا، وكانَ طُعْمَةُ بْنُ أُبَيْرِقٍ رَجُلًا مِنَ الأنْصارِ، ثُمَّ أحَدَ بَنِي ظَفَرٍ، سَرَقَ (p-٦٨٣)دِرْعًا لِعَمِّهِ كانَتْ ودِيعَةً عِنْدَهُمْ، ثُمَّ قَذَفَها عَلى يَهُودِيٍّ كانَ يَغْشاهم يُقالُ لَهُ زَيْدُ بْنُ السَّمِينِ. فَجاءَ اليَهُودِيُّ إلى النَّبِيِّ ﷺ يَهْتِفُ، فَلَمّا رَأى ذَلِكَ قَوْمُهُ بَنُو ظَفَرٍ جاءُوا إلى نَبِيِّ اللَّهِ ﷺ لِيَعْذِرُوا صاحِبَهُمْ، وكانَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ قَدْ هَمَّ بِعُذْرِهِ حَتّى أنْزِلَ اللَّهُ في شَأْنِهِ ما أنْزَلَ فَقالَ: ﴿ولا تُجادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتانُونَ أنْفُسَهُمْ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا﴾ وكانَ طُعْمَةُ قَذَفَ بِها بَرِيئًا، فَلَمّا بَيَّنَ اللَّهُ شَأْنَ طُعْمَةَ نافَقَ ولَحِقَ بِالمُشْرِكِينَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ في شَأْنِهِ: ﴿ومَن يُشاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الهُدى ويَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ المُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ١١٥] الآيَةَ» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ العَوْفِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «إنَّ نَفَرًا مِنَ الأنْصارِ غَزَوْا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ في بَعْضِ غَزَواتِهِ، فَسُرِقَتْ دِرْعٌ لِأحَدِهِمْ، فَأظَنَّ بِها رَجُلًا مِنَ الأنْصارِ فَأتى صاحِبُ الدِّرْعِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: إنَّ طُعْمَةَ بْنَ أُبَيْرِقٍ سَرَقَ دِرْعِي، فَلَمّا رَأى السّارِقُ ذَلِكَ عَمَدَ إلَيْها فَألْقاها في بَيْتِ رَجُلٍ بَرِيءٍ، وقالَ لِنَفَرٍ مِن عَشِيرَتِهِ: إنِّي غَيَّبْتُ الدِّرْعَ وألْقَيْتُها في بَيْتِ فُلانٍ، وسَتُوجَدُ عِنْدَهُ. فانْطَلَقُوا إلى النَّبِيِّ ﷺ فَقالُوا: يا نَبِيَّ اللَّهِ، إنَّ صاحَبَنا بَرِيءٌ، وإنَّ سارِقَ الدِّرْعِ فُلانٌ، وقَدْ أحَطْنا بِذَلِكَ عِلْمًا، فَأعْذِرْ صاحِبَنا عَلى رُؤُوسِ النّاسِ، وجادِلْ عَنْهُ؛ فَإنَّهُ إلّا يَعْصِمْهُ اللَّهُ بِكَ يَهْلَكْ. فَقامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَبَرَّأهُ وعَذَرَهُ عَلى رُؤُوسِ النّاسِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿إنّا أنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النّاسِ بِما أراكَ اللَّهُ﴾ يَقُولُ: بِما أنْزَلَ اللَّهُ إلَيْكَ. (p-٦٨٤)إلى قَوْلِهِ: ﴿خَوّانًا أثِيمًا﴾ ثُمَّ قالَ لِلَّذِينِ أتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَيْلًا»:

النساء 4:107

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا أنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ﴾ الآياتِ . أخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، (p-٦٧٨)والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ قَتادَةَ بْنِ النُّعْمانِ قالَ: «كانَ أهْلُ بَيْتٍ مِنّا يُقالُ لَهم: بَنُو أُبَيْرِقٍ: بِشْرٌ وبُشَيْرٌ ومُبَشِّرٌ، وكانَ بُشَيْرٌ رَجُلًا مُنافِقًا يَقُولُ الشِّعْرَ يَهْجُو بِهِ أصْحابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ثُمَّ يَنْحَلُهُ بَعْضَ العَرَبِ، ثُمَّ يَقُولُ: قالَ فُلانٌ كَذا وكَذا، قالَ فُلانٌ كَذا وكَذا، وإذا سَمِعَ أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ذَلِكَ الشِّعْرَ قالُوا: واللَّهِ ما يَقُولُ هَذا الشِّعْرَ إلّا هَذا الخَبِيثُ. فَقالَ: ؎أوَكُلَّما قالَ الرِّجالُ قَصِيدَةً أضِمُوا فَقالُوا ابْنُ الأُبَيْرِقِ قالَها وكانُوا أهْلَ بَيْتِ حاجَّةٍ وفاقَةٍ في الجاهِلِيَّةِ والإسْلامِ، وكانَ النّاسُ إنَّما طَعامُهم بِالمَدِينَةِ التَّمْرُ والشَّعِيرُ، وكانَ الرَّجُلُ إذا كانَ لَهُ يَسارٌ فَقَدِمَتْ ضافِطَةٌ مِنَ الشّامِ مِنَ الدَّرْمَكِ ابْتاعَ الرَّجُلُ مِنها فَخَصَّ بِها نَفْسَهُ، وأمّا العِيالُ فَإنَّما طَعامُهُمُ الشَّعِيرُ، فَقَدِمَتْ ضافِطَةٌ مِنَ الشّامِ فابْتاعَ عَمِّي رَفاعَةُ بْنُ زَيْدٍ حِمْلًا مِنَ الدَّرْمَكِ فَجَعَلَهُ في مَشْرُبَةٍ لَهُ، وفي المَشْرُبَةِ سِلاحٌ لَهُ؛ دِرْعانِ وسَيْفاهُما وما يُصْلِحُهُما، فَعَدا عَدِيٌّ مِن تَحْتِ اللَّيْلِ، فَنَقَبَ المَشْرُبَةَ وأخَذَ الطَّعامَ والسِّلاحَ، فَلَمّا أصْبَحَ أتانِي عَمِّي رَفاعَةُ فَقالَ: يا ابْنَ أخِي، تَعْلَمُ أنَّهُ قَدْ عُدِيَ عَلَيْنا في لَيْلَتِنا هَذِهِ، فَنُقِبَتْ مَشْرُبَتُنا، فَذُهِبَ بِطَعامِنا وسِلاحِنا. قالَ: (p-٦٧٩)فَتَجَسَّسْنا في الدّارِ وسَألْنا، فَقِيلَ لَنا: قَدْ رَأيْنا بَنِي أُبَيْرِقٍ قَدِ اسْتَوْقَدُوا في هَذِهِ اللَّيْلَةِ، ولا نَرى فِيما نَرى إلّا عَلى بَعْضِ طَعامِكُمْ، قالَ: وقَدْ كانَ بَنُو أُبَيْرِقٍ قالُوا: ونَحْنُ نَسْألُ في الدّارِ: واللَّهِ ما نَرى صاحِبَكم إلّا لَبِيدَ بْنَ سَهْلٍ رَجُلًا مِنّا لَهُ صَلاحٌ وإسْلامٌ، فَلَمّا سَمِعَ ذَلِكَ لَبِيدٌ اخْتَرَطَ سَيْفَهُ ثُمَّ أتى بَنِي أُبَيْرِقٍ وقالَ: أنا أسْرِقُ؟ فَواللَّهِ لِيُخالِطَنَّكم هَذا السَّيْفُ أوْ لَتُبَيِّنُنَّ هَذِهِ السَّرِقَةَ، قالُوا: إلَيْكَ عَنّا أيُّها الرَّجُلُ، فَواللَّهِ ما أنْتَ بِصاحِبِها. فَسَألْنا في الدّارِ حَتّى لَمْ نَشُكَّ أنَّهم أصْحابُها، فَقالَ لِي عَمِّي: يا ابْنَ أخِي، لَوْ أتَيْتَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرْتَ ذَلِكَ لَهُ. قالَ قَتادَةُ: فَأتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّ أهْلَ بَيْتٍ مِنّا أهَّلَ جَفاءٍ، عَمَدُوا إلى عَمِّي رَفاعَةَ بْنِ زَيْدٍ فَنَقَبُوا مَشْرُبَةً لَهُ وأخَذُوا سِلاحَهُ وطَعامَهُ فَلْيَرُدُّوا عَلَيْنا سِلاحَنا، فَأمّا الطَّعامُ فَلا حاجَةَ لَنا فِيهِ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «سَأنْظُرُ في ذَلِكَ» فَلَمّا سَمِعَ ذَلِكَ بَنُو أُبَيْرِقٍ أتَوْا رَجُلًا مِنهم يُقالُ لَهُ أُسَيْرُ بْنُ عُرْوَةَ فَكَلَّمُوهُ في ذَلِكَ، واجْتَمَعَ إلَيْهِ ناسٌ مِن أهْلِ الدّارِ، فَأتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّ قَتادَةَ بْنَ النُّعْمانِ وعَمَّهُ عَمَدُوا إلى أهْلِ بَيْتٍ مِنّا أهْلِ إسْلامٍ وصَلاحٍ يَرْمُونَهم بِالسَّرِقَةِ مِن غَيْرِ بَيِّنَةٍ ولا ثَبَتٍ، قالَ قَتادَةُ: فَأتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَكَلَّمْتُهُ، فَقالَ: «عَمَدْتَ إلى أهْلِ بَيْتِ ذُكِرَ مِنهم إسْلامٌ وصَلاحٌ، تَرْمِيهِمْ بِالسَّرِقَةِ مِن غَيْرِ بَيِّنَةٍ ولا ثَبَتٍ» قالَ قَتادَةُ: فَرَجَعْتُ ولَوَدِدْتُ أنِّي خَرَجْتُ مِن بَعْضِ مالِي ولَمْ أُكَلِّمْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ في ذَلِكَ، فَأتانِي عَمِّي رَفاعَةُ فَقالَ: يا ابْنَ أخِي، ما صَنَعْتَ؟ فَأخْبَرْتُهُ بِما قالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: اللَّهُ المُسْتَعانُ. فَلَمْ نَلْبَثْ أنْ نَزَلَ القُرْآنُ: ﴿إنّا أنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النّاسِ بِما أراكَ اللَّهُ ولا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ خَصِيمًا﴾ بَنِي أُبَيْرِقٍ، (p-٦٨٠)﴿واسْتَغْفِرِ اللَّهَ﴾ أيْ مِمّا قُلْتَ لِقَتادَةَ، ﴿إنَّ اللَّهَ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ ﴿ولا تُجادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتانُونَ أنْفُسَهُمْ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ أيْ: أنَّهم لَوِ اسْتَغْفَرُوا اللَّهَ لَغَفَرَ لَهم ﴿ومَن يَكْسِبْ إثْمًا﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتانًا وإثْمًا مُبِينًا﴾ قَوْلَهم لِلَبِيدٍ، ﴿ولَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ ورَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طائِفَةٌ مِنهم أنْ يُضِلُّوكَ﴾ يَعْنِي أُسَيْرَ بْنَ عُرْوَةَ وأصْحابَهُ. إلى قَوْلِهِ: ﴿فَسَيُؤْتِيهِ أجْرًا عَظِيمًا﴾ [الفتح: ١٠]، فَلَمّا نَزَلَ القُرْآنُ أُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالسِّلاحِ فَرَدَّهُ إلى رِفاعَةَ، قالَ قَتادَةُ: فَلَمّا أتَيْتُ عَمِّي بِالسِّلاحِ - وكانَ شَيْخًا قَدْ عَسا في الجاهِلِيَّةِ وكُنْتُ أرى إسْلامَهُ مَدْخُولًا، فَلَمّا أتَيْتُهُ بِالسِّلاحِ قالَ: يا ابْنَ أخِي، هو في سَبِيلِ اللَّهِ. فَعَرَفْتُ أنَّ إسْلامَهُ كانَ صَحِيحًا، فَلَمّا نَزَلَ القُرْآنُ لَحِقَ بُشَيْرٌ بِالمُشْرِكِينَ فَنَزَلَ عَلى سُلافَةَ بِنْتِ سَعْدٍ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿ومَن يُشاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الهُدى ويَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ المُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ ما تَوَلّى﴾ [النساء: ١١٥] إلى قَوْلِهِ: ﴿ضَلالا بَعِيدًا﴾ [النساء: ١١٦] فَلَمّا نَزَلَ عَلى سُلافَةَ رَماها حَسّانُ بْنُ ثابِتٍ بِأبْياتٍ مِن شِعْرٍ، فَأخَذَتْ رَحْلَهُ فَوَضَعَتْهُ عَلى رَأْسِها ثُمَّ خَرَجَتْ فَرَمَتْ بِهِ في الأبْطَحِ ثُمَّ قالَتْ: أهْدَيْتَ لِي شَعْرَ حَسّانَ! ما كُنْتَ تَأْتِينِي بِخَيْرٍ» . وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ عَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ قالَ: «عَدا بُشَيْرُ بْنُ الحارِثِ عَلى عِلِّيَّةِ (p-٦٨١)رَفاعَةَ بْنِ زَيْدٍ عَمِّ قَتادَةَ بْنِ النُّعْمانِ الظَّفَرِيِّ، فَنَقَبَها مِن ظَهْرِها، وأخَذَ طَعامًا لَهُ ودِرْعَيْنِ بِأداتِهِما، فَأتى قَتادَةُ بْنُ النُّعْمانِ النَّبِيَّ ﷺ فَأخْبَرَهُ بِذَلِكَ، فَدَعا بُشَيْرًا فَسَألَهُ، فَأنْكَرَ، ورَمى بِذَلِكَ لَبِيدَ بْنَ سَهْلٍ، رَجُلًا مِن أهْلِ الدّارِ ذا حَسَبٍ ونَسَبٍ، فَنَزَلَ القُرْآنُ بِتَكْذِيبِ بُشَيْرٍ وبَراءَةِ لَبِيدِ بْنِ سَهْلٍ؛ قَوْلُهُ: ﴿إنّا أنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النّاسِ بِما أراكَ اللَّهُ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ يَعْنِي بُشَيْرَ بْنَ أُبَيَرِقٍ، ﴿ومَن يَكْسِبْ خَطِيئَةً أوْ إثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا﴾ يَعْنِي لَبِيدَ بْنَ سَهْلٍ حِينَ رَماهُ بَنُو أُبَيْرِقٍ بِالسَّرِقَةِ. فَلَمّا نَزَلَ القُرْآنُ في بُشَيْرٍ، وعُثِرَ عَلَيْهِ هَرَبَ إلى مَكَّةَ مُرْتَدًّا كافِرًا، فَنَزَلَ عَلى سُلافَةَ بِنْتِ سَعْدِ بْنِ الشَّهِيدِ، فَجَعَلَ يَقَعُ في النَّبِيِّ ﷺ وفي المُسْلِمِينَ، فَنَزَلَ القُرْآنُ فِيهِ وهَجاهُ حَسّانُ بْنُ ثابِتٍ حَتّى رَجَعَ، وكانَ ذَلِكَ في شَهْرِ رَبِيعٍ سَنَةَ أرْبَعٍ مِنَ الهِجْرَةِ» . وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ مِن وجْهٍ آخَرَ عَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ قالَ: «كانَ أُسَيْرُ بْنُ عُرْوَةَ رَجُلًا مِنطِيقًا ظَرِيفًا بَلِيغًا حُلْوًا، فَسَمِعَ بِما قالَ قَتادَةُ بْنُ النُّعْمانِ في بَنِي أُبَيْرِقٍ لِلنَّبِيِّ ﷺ حِينَ اتَّهَمَهم بِنَقْبِ عِلِّيَّةِ عَمِّهِ وأخْذِ طَعامِهِ والدِّرْعَيْنِ، فَأتى أُسَيْرٌ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ في جَماعَةٍ جَمَعَهم مِن قَوْمِهِ فَقالَ: إنَّ قَتادَةَ وعَمَّهُ عَمَدُوا إلى أهْلِ بَيْتٍ مِنّا أهْلِ حَسَبٍ ونَسَبٍ وصَلاحٍ يُؤَنِّبُونَهم بِالقَبِيحِ ويَقُولُونَ لَهم ما لا يَنْبَغِي، بِغَيْرِ ثَبَتٍ ولا بَيِّنَةٍ. فَوَضَعَ لَهم عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ما شاءَ ثُمَّ انْصَرَفَ، فَأقْبَلَ بَعْدَ ذَلِكَ قَتادَةُ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِيُكَلِّمَهُ، (p-٦٨٢)فَجَبَهَهَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ جَبْهًا شَدِيدًا مُنْكَرًا، وقالَ: «بِئْسَما صَنَعْتَ وبِئْسَما مَشَيْتَ فِيهِ» فَقامَ قَتادَةُ وهو يَقُولُ: لَوَدِدْتُ أنِّي خَرَجْتُ مِن أهْلِي ومالِي، وأنِّي لَمْ أُكَلِّمْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ في شَيْءٍ مِن أمْرِهِمْ، وما أنا بِعائِدٍ في شَيْءٍ مِن ذَلِكَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ عَلى نَبِيِّهِ في شَأْنِهِمْ: ﴿إنّا أنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ولا تُجادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتانُونَ أنْفُسَهُمْ﴾ يَعْنِي أُسَيْرَ بْنَ عُرْوَةَ وأصْحابَهُ، ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَن كانَ خَوّانًا أثِيمًا﴾ [النساء»: ١٠٧] . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنّا أنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النّاسِ بِما أراكَ اللَّهُ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ﴾ [النساء: ١١٤] فِيما بَيْنَ ذَلِكَ في طُعْمَةَ بْنِ أُبَيْرِقٍ ودِرْعِهِ مِن حَدِيدٍ الَّتِي سَرَقَ، وقالَ أصْحابُهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ لِلنَّبِيِّ ﷺ: اعْذِرْهُ في النّاسِ بِلِسانِكَ، ورَمَوْا بِالدِّرْعِ رَجُلًا مِن يَهُودَ بَرِيئًا. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ قَتادَةَ قالَ: «ذُكِرَ لَنا أنَّ هَذِهِ الآياتِ أُنْزِلَتْ في شَأْنِ طُعْمَةَ بْنِ أُبَيْرِقٍ، وفِيما هَمَّ بِهِ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ مِن عُذْرِهِ، فَبَيَّنَ اللَّهُ شَأْنَ طُعْمَةَ بْنِ أُبَيْرِقٍ، ووَعَظَ نَبِيَّهُ ﷺ وحَذَّرَهُ أنْ يَكُونَ لِلْخائِنِينَ خَصِيمًا، وكانَ طُعْمَةُ بْنُ أُبَيْرِقٍ رَجُلًا مِنَ الأنْصارِ، ثُمَّ أحَدَ بَنِي ظَفَرٍ، سَرَقَ (p-٦٨٣)دِرْعًا لِعَمِّهِ كانَتْ ودِيعَةً عِنْدَهُمْ، ثُمَّ قَذَفَها عَلى يَهُودِيٍّ كانَ يَغْشاهم يُقالُ لَهُ زَيْدُ بْنُ السَّمِينِ. فَجاءَ اليَهُودِيُّ إلى النَّبِيِّ ﷺ يَهْتِفُ، فَلَمّا رَأى ذَلِكَ قَوْمُهُ بَنُو ظَفَرٍ جاءُوا إلى نَبِيِّ اللَّهِ ﷺ لِيَعْذِرُوا صاحِبَهُمْ، وكانَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ قَدْ هَمَّ بِعُذْرِهِ حَتّى أنْزِلَ اللَّهُ في شَأْنِهِ ما أنْزَلَ فَقالَ: ﴿ولا تُجادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتانُونَ أنْفُسَهُمْ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا﴾ وكانَ طُعْمَةُ قَذَفَ بِها بَرِيئًا، فَلَمّا بَيَّنَ اللَّهُ شَأْنَ طُعْمَةَ نافَقَ ولَحِقَ بِالمُشْرِكِينَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ في شَأْنِهِ: ﴿ومَن يُشاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الهُدى ويَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ المُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ١١٥] الآيَةَ» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ العَوْفِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «إنَّ نَفَرًا مِنَ الأنْصارِ غَزَوْا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ في بَعْضِ غَزَواتِهِ، فَسُرِقَتْ دِرْعٌ لِأحَدِهِمْ، فَأظَنَّ بِها رَجُلًا مِنَ الأنْصارِ فَأتى صاحِبُ الدِّرْعِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: إنَّ طُعْمَةَ بْنَ أُبَيْرِقٍ سَرَقَ دِرْعِي، فَلَمّا رَأى السّارِقُ ذَلِكَ عَمَدَ إلَيْها فَألْقاها في بَيْتِ رَجُلٍ بَرِيءٍ، وقالَ لِنَفَرٍ مِن عَشِيرَتِهِ: إنِّي غَيَّبْتُ الدِّرْعَ وألْقَيْتُها في بَيْتِ فُلانٍ، وسَتُوجَدُ عِنْدَهُ. فانْطَلَقُوا إلى النَّبِيِّ ﷺ فَقالُوا: يا نَبِيَّ اللَّهِ، إنَّ صاحَبَنا بَرِيءٌ، وإنَّ سارِقَ الدِّرْعِ فُلانٌ، وقَدْ أحَطْنا بِذَلِكَ عِلْمًا، فَأعْذِرْ صاحِبَنا عَلى رُؤُوسِ النّاسِ، وجادِلْ عَنْهُ؛ فَإنَّهُ إلّا يَعْصِمْهُ اللَّهُ بِكَ يَهْلَكْ. فَقامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَبَرَّأهُ وعَذَرَهُ عَلى رُؤُوسِ النّاسِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿إنّا أنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النّاسِ بِما أراكَ اللَّهُ﴾ يَقُولُ: بِما أنْزَلَ اللَّهُ إلَيْكَ. (p-٦٨٤)إلى قَوْلِهِ: ﴿خَوّانًا أثِيمًا﴾ ثُمَّ قالَ لِلَّذِينِ أتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَيْلًا»:

النساء 4:108

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا أنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ﴾ الآياتِ . أخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، (p-٦٧٨)والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ قَتادَةَ بْنِ النُّعْمانِ قالَ: «كانَ أهْلُ بَيْتٍ مِنّا يُقالُ لَهم: بَنُو أُبَيْرِقٍ: بِشْرٌ وبُشَيْرٌ ومُبَشِّرٌ، وكانَ بُشَيْرٌ رَجُلًا مُنافِقًا يَقُولُ الشِّعْرَ يَهْجُو بِهِ أصْحابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ثُمَّ يَنْحَلُهُ بَعْضَ العَرَبِ، ثُمَّ يَقُولُ: قالَ فُلانٌ كَذا وكَذا، قالَ فُلانٌ كَذا وكَذا، وإذا سَمِعَ أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ذَلِكَ الشِّعْرَ قالُوا: واللَّهِ ما يَقُولُ هَذا الشِّعْرَ إلّا هَذا الخَبِيثُ. فَقالَ: ؎أوَكُلَّما قالَ الرِّجالُ قَصِيدَةً أضِمُوا فَقالُوا ابْنُ الأُبَيْرِقِ قالَها وكانُوا أهْلَ بَيْتِ حاجَّةٍ وفاقَةٍ في الجاهِلِيَّةِ والإسْلامِ، وكانَ النّاسُ إنَّما طَعامُهم بِالمَدِينَةِ التَّمْرُ والشَّعِيرُ، وكانَ الرَّجُلُ إذا كانَ لَهُ يَسارٌ فَقَدِمَتْ ضافِطَةٌ مِنَ الشّامِ مِنَ الدَّرْمَكِ ابْتاعَ الرَّجُلُ مِنها فَخَصَّ بِها نَفْسَهُ، وأمّا العِيالُ فَإنَّما طَعامُهُمُ الشَّعِيرُ، فَقَدِمَتْ ضافِطَةٌ مِنَ الشّامِ فابْتاعَ عَمِّي رَفاعَةُ بْنُ زَيْدٍ حِمْلًا مِنَ الدَّرْمَكِ فَجَعَلَهُ في مَشْرُبَةٍ لَهُ، وفي المَشْرُبَةِ سِلاحٌ لَهُ؛ دِرْعانِ وسَيْفاهُما وما يُصْلِحُهُما، فَعَدا عَدِيٌّ مِن تَحْتِ اللَّيْلِ، فَنَقَبَ المَشْرُبَةَ وأخَذَ الطَّعامَ والسِّلاحَ، فَلَمّا أصْبَحَ أتانِي عَمِّي رَفاعَةُ فَقالَ: يا ابْنَ أخِي، تَعْلَمُ أنَّهُ قَدْ عُدِيَ عَلَيْنا في لَيْلَتِنا هَذِهِ، فَنُقِبَتْ مَشْرُبَتُنا، فَذُهِبَ بِطَعامِنا وسِلاحِنا. قالَ: (p-٦٧٩)فَتَجَسَّسْنا في الدّارِ وسَألْنا، فَقِيلَ لَنا: قَدْ رَأيْنا بَنِي أُبَيْرِقٍ قَدِ اسْتَوْقَدُوا في هَذِهِ اللَّيْلَةِ، ولا نَرى فِيما نَرى إلّا عَلى بَعْضِ طَعامِكُمْ، قالَ: وقَدْ كانَ بَنُو أُبَيْرِقٍ قالُوا: ونَحْنُ نَسْألُ في الدّارِ: واللَّهِ ما نَرى صاحِبَكم إلّا لَبِيدَ بْنَ سَهْلٍ رَجُلًا مِنّا لَهُ صَلاحٌ وإسْلامٌ، فَلَمّا سَمِعَ ذَلِكَ لَبِيدٌ اخْتَرَطَ سَيْفَهُ ثُمَّ أتى بَنِي أُبَيْرِقٍ وقالَ: أنا أسْرِقُ؟ فَواللَّهِ لِيُخالِطَنَّكم هَذا السَّيْفُ أوْ لَتُبَيِّنُنَّ هَذِهِ السَّرِقَةَ، قالُوا: إلَيْكَ عَنّا أيُّها الرَّجُلُ، فَواللَّهِ ما أنْتَ بِصاحِبِها. فَسَألْنا في الدّارِ حَتّى لَمْ نَشُكَّ أنَّهم أصْحابُها، فَقالَ لِي عَمِّي: يا ابْنَ أخِي، لَوْ أتَيْتَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرْتَ ذَلِكَ لَهُ. قالَ قَتادَةُ: فَأتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّ أهْلَ بَيْتٍ مِنّا أهَّلَ جَفاءٍ، عَمَدُوا إلى عَمِّي رَفاعَةَ بْنِ زَيْدٍ فَنَقَبُوا مَشْرُبَةً لَهُ وأخَذُوا سِلاحَهُ وطَعامَهُ فَلْيَرُدُّوا عَلَيْنا سِلاحَنا، فَأمّا الطَّعامُ فَلا حاجَةَ لَنا فِيهِ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «سَأنْظُرُ في ذَلِكَ» فَلَمّا سَمِعَ ذَلِكَ بَنُو أُبَيْرِقٍ أتَوْا رَجُلًا مِنهم يُقالُ لَهُ أُسَيْرُ بْنُ عُرْوَةَ فَكَلَّمُوهُ في ذَلِكَ، واجْتَمَعَ إلَيْهِ ناسٌ مِن أهْلِ الدّارِ، فَأتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّ قَتادَةَ بْنَ النُّعْمانِ وعَمَّهُ عَمَدُوا إلى أهْلِ بَيْتٍ مِنّا أهْلِ إسْلامٍ وصَلاحٍ يَرْمُونَهم بِالسَّرِقَةِ مِن غَيْرِ بَيِّنَةٍ ولا ثَبَتٍ، قالَ قَتادَةُ: فَأتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَكَلَّمْتُهُ، فَقالَ: «عَمَدْتَ إلى أهْلِ بَيْتِ ذُكِرَ مِنهم إسْلامٌ وصَلاحٌ، تَرْمِيهِمْ بِالسَّرِقَةِ مِن غَيْرِ بَيِّنَةٍ ولا ثَبَتٍ» قالَ قَتادَةُ: فَرَجَعْتُ ولَوَدِدْتُ أنِّي خَرَجْتُ مِن بَعْضِ مالِي ولَمْ أُكَلِّمْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ في ذَلِكَ، فَأتانِي عَمِّي رَفاعَةُ فَقالَ: يا ابْنَ أخِي، ما صَنَعْتَ؟ فَأخْبَرْتُهُ بِما قالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: اللَّهُ المُسْتَعانُ. فَلَمْ نَلْبَثْ أنْ نَزَلَ القُرْآنُ: ﴿إنّا أنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النّاسِ بِما أراكَ اللَّهُ ولا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ خَصِيمًا﴾ بَنِي أُبَيْرِقٍ، (p-٦٨٠)﴿واسْتَغْفِرِ اللَّهَ﴾ أيْ مِمّا قُلْتَ لِقَتادَةَ، ﴿إنَّ اللَّهَ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ ﴿ولا تُجادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتانُونَ أنْفُسَهُمْ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ أيْ: أنَّهم لَوِ اسْتَغْفَرُوا اللَّهَ لَغَفَرَ لَهم ﴿ومَن يَكْسِبْ إثْمًا﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتانًا وإثْمًا مُبِينًا﴾ قَوْلَهم لِلَبِيدٍ، ﴿ولَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ ورَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طائِفَةٌ مِنهم أنْ يُضِلُّوكَ﴾ يَعْنِي أُسَيْرَ بْنَ عُرْوَةَ وأصْحابَهُ. إلى قَوْلِهِ: ﴿فَسَيُؤْتِيهِ أجْرًا عَظِيمًا﴾ [الفتح: ١٠]، فَلَمّا نَزَلَ القُرْآنُ أُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالسِّلاحِ فَرَدَّهُ إلى رِفاعَةَ، قالَ قَتادَةُ: فَلَمّا أتَيْتُ عَمِّي بِالسِّلاحِ - وكانَ شَيْخًا قَدْ عَسا في الجاهِلِيَّةِ وكُنْتُ أرى إسْلامَهُ مَدْخُولًا، فَلَمّا أتَيْتُهُ بِالسِّلاحِ قالَ: يا ابْنَ أخِي، هو في سَبِيلِ اللَّهِ. فَعَرَفْتُ أنَّ إسْلامَهُ كانَ صَحِيحًا، فَلَمّا نَزَلَ القُرْآنُ لَحِقَ بُشَيْرٌ بِالمُشْرِكِينَ فَنَزَلَ عَلى سُلافَةَ بِنْتِ سَعْدٍ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿ومَن يُشاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الهُدى ويَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ المُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ ما تَوَلّى﴾ [النساء: ١١٥] إلى قَوْلِهِ: ﴿ضَلالا بَعِيدًا﴾ [النساء: ١١٦] فَلَمّا نَزَلَ عَلى سُلافَةَ رَماها حَسّانُ بْنُ ثابِتٍ بِأبْياتٍ مِن شِعْرٍ، فَأخَذَتْ رَحْلَهُ فَوَضَعَتْهُ عَلى رَأْسِها ثُمَّ خَرَجَتْ فَرَمَتْ بِهِ في الأبْطَحِ ثُمَّ قالَتْ: أهْدَيْتَ لِي شَعْرَ حَسّانَ! ما كُنْتَ تَأْتِينِي بِخَيْرٍ» . وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ عَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ قالَ: «عَدا بُشَيْرُ بْنُ الحارِثِ عَلى عِلِّيَّةِ (p-٦٨١)رَفاعَةَ بْنِ زَيْدٍ عَمِّ قَتادَةَ بْنِ النُّعْمانِ الظَّفَرِيِّ، فَنَقَبَها مِن ظَهْرِها، وأخَذَ طَعامًا لَهُ ودِرْعَيْنِ بِأداتِهِما، فَأتى قَتادَةُ بْنُ النُّعْمانِ النَّبِيَّ ﷺ فَأخْبَرَهُ بِذَلِكَ، فَدَعا بُشَيْرًا فَسَألَهُ، فَأنْكَرَ، ورَمى بِذَلِكَ لَبِيدَ بْنَ سَهْلٍ، رَجُلًا مِن أهْلِ الدّارِ ذا حَسَبٍ ونَسَبٍ، فَنَزَلَ القُرْآنُ بِتَكْذِيبِ بُشَيْرٍ وبَراءَةِ لَبِيدِ بْنِ سَهْلٍ؛ قَوْلُهُ: ﴿إنّا أنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النّاسِ بِما أراكَ اللَّهُ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ يَعْنِي بُشَيْرَ بْنَ أُبَيَرِقٍ، ﴿ومَن يَكْسِبْ خَطِيئَةً أوْ إثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا﴾ يَعْنِي لَبِيدَ بْنَ سَهْلٍ حِينَ رَماهُ بَنُو أُبَيْرِقٍ بِالسَّرِقَةِ. فَلَمّا نَزَلَ القُرْآنُ في بُشَيْرٍ، وعُثِرَ عَلَيْهِ هَرَبَ إلى مَكَّةَ مُرْتَدًّا كافِرًا، فَنَزَلَ عَلى سُلافَةَ بِنْتِ سَعْدِ بْنِ الشَّهِيدِ، فَجَعَلَ يَقَعُ في النَّبِيِّ ﷺ وفي المُسْلِمِينَ، فَنَزَلَ القُرْآنُ فِيهِ وهَجاهُ حَسّانُ بْنُ ثابِتٍ حَتّى رَجَعَ، وكانَ ذَلِكَ في شَهْرِ رَبِيعٍ سَنَةَ أرْبَعٍ مِنَ الهِجْرَةِ» . وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ مِن وجْهٍ آخَرَ عَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ قالَ: «كانَ أُسَيْرُ بْنُ عُرْوَةَ رَجُلًا مِنطِيقًا ظَرِيفًا بَلِيغًا حُلْوًا، فَسَمِعَ بِما قالَ قَتادَةُ بْنُ النُّعْمانِ في بَنِي أُبَيْرِقٍ لِلنَّبِيِّ ﷺ حِينَ اتَّهَمَهم بِنَقْبِ عِلِّيَّةِ عَمِّهِ وأخْذِ طَعامِهِ والدِّرْعَيْنِ، فَأتى أُسَيْرٌ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ في جَماعَةٍ جَمَعَهم مِن قَوْمِهِ فَقالَ: إنَّ قَتادَةَ وعَمَّهُ عَمَدُوا إلى أهْلِ بَيْتٍ مِنّا أهْلِ حَسَبٍ ونَسَبٍ وصَلاحٍ يُؤَنِّبُونَهم بِالقَبِيحِ ويَقُولُونَ لَهم ما لا يَنْبَغِي، بِغَيْرِ ثَبَتٍ ولا بَيِّنَةٍ. فَوَضَعَ لَهم عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ما شاءَ ثُمَّ انْصَرَفَ، فَأقْبَلَ بَعْدَ ذَلِكَ قَتادَةُ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِيُكَلِّمَهُ، (p-٦٨٢)فَجَبَهَهَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ جَبْهًا شَدِيدًا مُنْكَرًا، وقالَ: «بِئْسَما صَنَعْتَ وبِئْسَما مَشَيْتَ فِيهِ» فَقامَ قَتادَةُ وهو يَقُولُ: لَوَدِدْتُ أنِّي خَرَجْتُ مِن أهْلِي ومالِي، وأنِّي لَمْ أُكَلِّمْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ في شَيْءٍ مِن أمْرِهِمْ، وما أنا بِعائِدٍ في شَيْءٍ مِن ذَلِكَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ عَلى نَبِيِّهِ في شَأْنِهِمْ: ﴿إنّا أنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ولا تُجادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتانُونَ أنْفُسَهُمْ﴾ يَعْنِي أُسَيْرَ بْنَ عُرْوَةَ وأصْحابَهُ، ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَن كانَ خَوّانًا أثِيمًا﴾ [النساء»: ١٠٧] . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنّا أنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النّاسِ بِما أراكَ اللَّهُ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ﴾ [النساء: ١١٤] فِيما بَيْنَ ذَلِكَ في طُعْمَةَ بْنِ أُبَيْرِقٍ ودِرْعِهِ مِن حَدِيدٍ الَّتِي سَرَقَ، وقالَ أصْحابُهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ لِلنَّبِيِّ ﷺ: اعْذِرْهُ في النّاسِ بِلِسانِكَ، ورَمَوْا بِالدِّرْعِ رَجُلًا مِن يَهُودَ بَرِيئًا. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ قَتادَةَ قالَ: «ذُكِرَ لَنا أنَّ هَذِهِ الآياتِ أُنْزِلَتْ في شَأْنِ طُعْمَةَ بْنِ أُبَيْرِقٍ، وفِيما هَمَّ بِهِ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ مِن عُذْرِهِ، فَبَيَّنَ اللَّهُ شَأْنَ طُعْمَةَ بْنِ أُبَيْرِقٍ، ووَعَظَ نَبِيَّهُ ﷺ وحَذَّرَهُ أنْ يَكُونَ لِلْخائِنِينَ خَصِيمًا، وكانَ طُعْمَةُ بْنُ أُبَيْرِقٍ رَجُلًا مِنَ الأنْصارِ، ثُمَّ أحَدَ بَنِي ظَفَرٍ، سَرَقَ (p-٦٨٣)دِرْعًا لِعَمِّهِ كانَتْ ودِيعَةً عِنْدَهُمْ، ثُمَّ قَذَفَها عَلى يَهُودِيٍّ كانَ يَغْشاهم يُقالُ لَهُ زَيْدُ بْنُ السَّمِينِ. فَجاءَ اليَهُودِيُّ إلى النَّبِيِّ ﷺ يَهْتِفُ، فَلَمّا رَأى ذَلِكَ قَوْمُهُ بَنُو ظَفَرٍ جاءُوا إلى نَبِيِّ اللَّهِ ﷺ لِيَعْذِرُوا صاحِبَهُمْ، وكانَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ قَدْ هَمَّ بِعُذْرِهِ حَتّى أنْزِلَ اللَّهُ في شَأْنِهِ ما أنْزَلَ فَقالَ: ﴿ولا تُجادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتانُونَ أنْفُسَهُمْ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا﴾ وكانَ طُعْمَةُ قَذَفَ بِها بَرِيئًا، فَلَمّا بَيَّنَ اللَّهُ شَأْنَ طُعْمَةَ نافَقَ ولَحِقَ بِالمُشْرِكِينَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ في شَأْنِهِ: ﴿ومَن يُشاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الهُدى ويَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ المُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ١١٥] الآيَةَ» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ العَوْفِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «إنَّ نَفَرًا مِنَ الأنْصارِ غَزَوْا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ في بَعْضِ غَزَواتِهِ، فَسُرِقَتْ دِرْعٌ لِأحَدِهِمْ، فَأظَنَّ بِها رَجُلًا مِنَ الأنْصارِ فَأتى صاحِبُ الدِّرْعِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: إنَّ طُعْمَةَ بْنَ أُبَيْرِقٍ سَرَقَ دِرْعِي، فَلَمّا رَأى السّارِقُ ذَلِكَ عَمَدَ إلَيْها فَألْقاها في بَيْتِ رَجُلٍ بَرِيءٍ، وقالَ لِنَفَرٍ مِن عَشِيرَتِهِ: إنِّي غَيَّبْتُ الدِّرْعَ وألْقَيْتُها في بَيْتِ فُلانٍ، وسَتُوجَدُ عِنْدَهُ. فانْطَلَقُوا إلى النَّبِيِّ ﷺ فَقالُوا: يا نَبِيَّ اللَّهِ، إنَّ صاحَبَنا بَرِيءٌ، وإنَّ سارِقَ الدِّرْعِ فُلانٌ، وقَدْ أحَطْنا بِذَلِكَ عِلْمًا، فَأعْذِرْ صاحِبَنا عَلى رُؤُوسِ النّاسِ، وجادِلْ عَنْهُ؛ فَإنَّهُ إلّا يَعْصِمْهُ اللَّهُ بِكَ يَهْلَكْ. فَقامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَبَرَّأهُ وعَذَرَهُ عَلى رُؤُوسِ النّاسِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿إنّا أنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النّاسِ بِما أراكَ اللَّهُ﴾ يَقُولُ: بِما أنْزَلَ اللَّهُ إلَيْكَ. (p-٦٨٤)إلى قَوْلِهِ: ﴿خَوّانًا أثِيمًا﴾ ثُمَّ قالَ لِلَّذِينِ أتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَيْلًا»:

النساء 4:109

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا أنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ﴾ الآياتِ . أخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، (p-٦٧٨)والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ قَتادَةَ بْنِ النُّعْمانِ قالَ: «كانَ أهْلُ بَيْتٍ مِنّا يُقالُ لَهم: بَنُو أُبَيْرِقٍ: بِشْرٌ وبُشَيْرٌ ومُبَشِّرٌ، وكانَ بُشَيْرٌ رَجُلًا مُنافِقًا يَقُولُ الشِّعْرَ يَهْجُو بِهِ أصْحابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ثُمَّ يَنْحَلُهُ بَعْضَ العَرَبِ، ثُمَّ يَقُولُ: قالَ فُلانٌ كَذا وكَذا، قالَ فُلانٌ كَذا وكَذا، وإذا سَمِعَ أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ذَلِكَ الشِّعْرَ قالُوا: واللَّهِ ما يَقُولُ هَذا الشِّعْرَ إلّا هَذا الخَبِيثُ. فَقالَ: ؎أوَكُلَّما قالَ الرِّجالُ قَصِيدَةً أضِمُوا فَقالُوا ابْنُ الأُبَيْرِقِ قالَها وكانُوا أهْلَ بَيْتِ حاجَّةٍ وفاقَةٍ في الجاهِلِيَّةِ والإسْلامِ، وكانَ النّاسُ إنَّما طَعامُهم بِالمَدِينَةِ التَّمْرُ والشَّعِيرُ، وكانَ الرَّجُلُ إذا كانَ لَهُ يَسارٌ فَقَدِمَتْ ضافِطَةٌ مِنَ الشّامِ مِنَ الدَّرْمَكِ ابْتاعَ الرَّجُلُ مِنها فَخَصَّ بِها نَفْسَهُ، وأمّا العِيالُ فَإنَّما طَعامُهُمُ الشَّعِيرُ، فَقَدِمَتْ ضافِطَةٌ مِنَ الشّامِ فابْتاعَ عَمِّي رَفاعَةُ بْنُ زَيْدٍ حِمْلًا مِنَ الدَّرْمَكِ فَجَعَلَهُ في مَشْرُبَةٍ لَهُ، وفي المَشْرُبَةِ سِلاحٌ لَهُ؛ دِرْعانِ وسَيْفاهُما وما يُصْلِحُهُما، فَعَدا عَدِيٌّ مِن تَحْتِ اللَّيْلِ، فَنَقَبَ المَشْرُبَةَ وأخَذَ الطَّعامَ والسِّلاحَ، فَلَمّا أصْبَحَ أتانِي عَمِّي رَفاعَةُ فَقالَ: يا ابْنَ أخِي، تَعْلَمُ أنَّهُ قَدْ عُدِيَ عَلَيْنا في لَيْلَتِنا هَذِهِ، فَنُقِبَتْ مَشْرُبَتُنا، فَذُهِبَ بِطَعامِنا وسِلاحِنا. قالَ: (p-٦٧٩)فَتَجَسَّسْنا في الدّارِ وسَألْنا، فَقِيلَ لَنا: قَدْ رَأيْنا بَنِي أُبَيْرِقٍ قَدِ اسْتَوْقَدُوا في هَذِهِ اللَّيْلَةِ، ولا نَرى فِيما نَرى إلّا عَلى بَعْضِ طَعامِكُمْ، قالَ: وقَدْ كانَ بَنُو أُبَيْرِقٍ قالُوا: ونَحْنُ نَسْألُ في الدّارِ: واللَّهِ ما نَرى صاحِبَكم إلّا لَبِيدَ بْنَ سَهْلٍ رَجُلًا مِنّا لَهُ صَلاحٌ وإسْلامٌ، فَلَمّا سَمِعَ ذَلِكَ لَبِيدٌ اخْتَرَطَ سَيْفَهُ ثُمَّ أتى بَنِي أُبَيْرِقٍ وقالَ: أنا أسْرِقُ؟ فَواللَّهِ لِيُخالِطَنَّكم هَذا السَّيْفُ أوْ لَتُبَيِّنُنَّ هَذِهِ السَّرِقَةَ، قالُوا: إلَيْكَ عَنّا أيُّها الرَّجُلُ، فَواللَّهِ ما أنْتَ بِصاحِبِها. فَسَألْنا في الدّارِ حَتّى لَمْ نَشُكَّ أنَّهم أصْحابُها، فَقالَ لِي عَمِّي: يا ابْنَ أخِي، لَوْ أتَيْتَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرْتَ ذَلِكَ لَهُ. قالَ قَتادَةُ: فَأتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّ أهْلَ بَيْتٍ مِنّا أهَّلَ جَفاءٍ، عَمَدُوا إلى عَمِّي رَفاعَةَ بْنِ زَيْدٍ فَنَقَبُوا مَشْرُبَةً لَهُ وأخَذُوا سِلاحَهُ وطَعامَهُ فَلْيَرُدُّوا عَلَيْنا سِلاحَنا، فَأمّا الطَّعامُ فَلا حاجَةَ لَنا فِيهِ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «سَأنْظُرُ في ذَلِكَ» فَلَمّا سَمِعَ ذَلِكَ بَنُو أُبَيْرِقٍ أتَوْا رَجُلًا مِنهم يُقالُ لَهُ أُسَيْرُ بْنُ عُرْوَةَ فَكَلَّمُوهُ في ذَلِكَ، واجْتَمَعَ إلَيْهِ ناسٌ مِن أهْلِ الدّارِ، فَأتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّ قَتادَةَ بْنَ النُّعْمانِ وعَمَّهُ عَمَدُوا إلى أهْلِ بَيْتٍ مِنّا أهْلِ إسْلامٍ وصَلاحٍ يَرْمُونَهم بِالسَّرِقَةِ مِن غَيْرِ بَيِّنَةٍ ولا ثَبَتٍ، قالَ قَتادَةُ: فَأتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَكَلَّمْتُهُ، فَقالَ: «عَمَدْتَ إلى أهْلِ بَيْتِ ذُكِرَ مِنهم إسْلامٌ وصَلاحٌ، تَرْمِيهِمْ بِالسَّرِقَةِ مِن غَيْرِ بَيِّنَةٍ ولا ثَبَتٍ» قالَ قَتادَةُ: فَرَجَعْتُ ولَوَدِدْتُ أنِّي خَرَجْتُ مِن بَعْضِ مالِي ولَمْ أُكَلِّمْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ في ذَلِكَ، فَأتانِي عَمِّي رَفاعَةُ فَقالَ: يا ابْنَ أخِي، ما صَنَعْتَ؟ فَأخْبَرْتُهُ بِما قالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: اللَّهُ المُسْتَعانُ. فَلَمْ نَلْبَثْ أنْ نَزَلَ القُرْآنُ: ﴿إنّا أنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النّاسِ بِما أراكَ اللَّهُ ولا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ خَصِيمًا﴾ بَنِي أُبَيْرِقٍ، (p-٦٨٠)﴿واسْتَغْفِرِ اللَّهَ﴾ أيْ مِمّا قُلْتَ لِقَتادَةَ، ﴿إنَّ اللَّهَ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ ﴿ولا تُجادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتانُونَ أنْفُسَهُمْ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ أيْ: أنَّهم لَوِ اسْتَغْفَرُوا اللَّهَ لَغَفَرَ لَهم ﴿ومَن يَكْسِبْ إثْمًا﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتانًا وإثْمًا مُبِينًا﴾ قَوْلَهم لِلَبِيدٍ، ﴿ولَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ ورَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طائِفَةٌ مِنهم أنْ يُضِلُّوكَ﴾ يَعْنِي أُسَيْرَ بْنَ عُرْوَةَ وأصْحابَهُ. إلى قَوْلِهِ: ﴿فَسَيُؤْتِيهِ أجْرًا عَظِيمًا﴾ [الفتح: ١٠]، فَلَمّا نَزَلَ القُرْآنُ أُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالسِّلاحِ فَرَدَّهُ إلى رِفاعَةَ، قالَ قَتادَةُ: فَلَمّا أتَيْتُ عَمِّي بِالسِّلاحِ - وكانَ شَيْخًا قَدْ عَسا في الجاهِلِيَّةِ وكُنْتُ أرى إسْلامَهُ مَدْخُولًا، فَلَمّا أتَيْتُهُ بِالسِّلاحِ قالَ: يا ابْنَ أخِي، هو في سَبِيلِ اللَّهِ. فَعَرَفْتُ أنَّ إسْلامَهُ كانَ صَحِيحًا، فَلَمّا نَزَلَ القُرْآنُ لَحِقَ بُشَيْرٌ بِالمُشْرِكِينَ فَنَزَلَ عَلى سُلافَةَ بِنْتِ سَعْدٍ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿ومَن يُشاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الهُدى ويَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ المُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ ما تَوَلّى﴾ [النساء: ١١٥] إلى قَوْلِهِ: ﴿ضَلالا بَعِيدًا﴾ [النساء: ١١٦] فَلَمّا نَزَلَ عَلى سُلافَةَ رَماها حَسّانُ بْنُ ثابِتٍ بِأبْياتٍ مِن شِعْرٍ، فَأخَذَتْ رَحْلَهُ فَوَضَعَتْهُ عَلى رَأْسِها ثُمَّ خَرَجَتْ فَرَمَتْ بِهِ في الأبْطَحِ ثُمَّ قالَتْ: أهْدَيْتَ لِي شَعْرَ حَسّانَ! ما كُنْتَ تَأْتِينِي بِخَيْرٍ» . وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ عَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ قالَ: «عَدا بُشَيْرُ بْنُ الحارِثِ عَلى عِلِّيَّةِ (p-٦٨١)رَفاعَةَ بْنِ زَيْدٍ عَمِّ قَتادَةَ بْنِ النُّعْمانِ الظَّفَرِيِّ، فَنَقَبَها مِن ظَهْرِها، وأخَذَ طَعامًا لَهُ ودِرْعَيْنِ بِأداتِهِما، فَأتى قَتادَةُ بْنُ النُّعْمانِ النَّبِيَّ ﷺ فَأخْبَرَهُ بِذَلِكَ، فَدَعا بُشَيْرًا فَسَألَهُ، فَأنْكَرَ، ورَمى بِذَلِكَ لَبِيدَ بْنَ سَهْلٍ، رَجُلًا مِن أهْلِ الدّارِ ذا حَسَبٍ ونَسَبٍ، فَنَزَلَ القُرْآنُ بِتَكْذِيبِ بُشَيْرٍ وبَراءَةِ لَبِيدِ بْنِ سَهْلٍ؛ قَوْلُهُ: ﴿إنّا أنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النّاسِ بِما أراكَ اللَّهُ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ يَعْنِي بُشَيْرَ بْنَ أُبَيَرِقٍ، ﴿ومَن يَكْسِبْ خَطِيئَةً أوْ إثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا﴾ يَعْنِي لَبِيدَ بْنَ سَهْلٍ حِينَ رَماهُ بَنُو أُبَيْرِقٍ بِالسَّرِقَةِ. فَلَمّا نَزَلَ القُرْآنُ في بُشَيْرٍ، وعُثِرَ عَلَيْهِ هَرَبَ إلى مَكَّةَ مُرْتَدًّا كافِرًا، فَنَزَلَ عَلى سُلافَةَ بِنْتِ سَعْدِ بْنِ الشَّهِيدِ، فَجَعَلَ يَقَعُ في النَّبِيِّ ﷺ وفي المُسْلِمِينَ، فَنَزَلَ القُرْآنُ فِيهِ وهَجاهُ حَسّانُ بْنُ ثابِتٍ حَتّى رَجَعَ، وكانَ ذَلِكَ في شَهْرِ رَبِيعٍ سَنَةَ أرْبَعٍ مِنَ الهِجْرَةِ» . وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ مِن وجْهٍ آخَرَ عَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ قالَ: «كانَ أُسَيْرُ بْنُ عُرْوَةَ رَجُلًا مِنطِيقًا ظَرِيفًا بَلِيغًا حُلْوًا، فَسَمِعَ بِما قالَ قَتادَةُ بْنُ النُّعْمانِ في بَنِي أُبَيْرِقٍ لِلنَّبِيِّ ﷺ حِينَ اتَّهَمَهم بِنَقْبِ عِلِّيَّةِ عَمِّهِ وأخْذِ طَعامِهِ والدِّرْعَيْنِ، فَأتى أُسَيْرٌ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ في جَماعَةٍ جَمَعَهم مِن قَوْمِهِ فَقالَ: إنَّ قَتادَةَ وعَمَّهُ عَمَدُوا إلى أهْلِ بَيْتٍ مِنّا أهْلِ حَسَبٍ ونَسَبٍ وصَلاحٍ يُؤَنِّبُونَهم بِالقَبِيحِ ويَقُولُونَ لَهم ما لا يَنْبَغِي، بِغَيْرِ ثَبَتٍ ولا بَيِّنَةٍ. فَوَضَعَ لَهم عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ما شاءَ ثُمَّ انْصَرَفَ، فَأقْبَلَ بَعْدَ ذَلِكَ قَتادَةُ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِيُكَلِّمَهُ، (p-٦٨٢)فَجَبَهَهَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ جَبْهًا شَدِيدًا مُنْكَرًا، وقالَ: «بِئْسَما صَنَعْتَ وبِئْسَما مَشَيْتَ فِيهِ» فَقامَ قَتادَةُ وهو يَقُولُ: لَوَدِدْتُ أنِّي خَرَجْتُ مِن أهْلِي ومالِي، وأنِّي لَمْ أُكَلِّمْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ في شَيْءٍ مِن أمْرِهِمْ، وما أنا بِعائِدٍ في شَيْءٍ مِن ذَلِكَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ عَلى نَبِيِّهِ في شَأْنِهِمْ: ﴿إنّا أنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ولا تُجادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتانُونَ أنْفُسَهُمْ﴾ يَعْنِي أُسَيْرَ بْنَ عُرْوَةَ وأصْحابَهُ، ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَن كانَ خَوّانًا أثِيمًا﴾ [النساء»: ١٠٧] . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنّا أنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النّاسِ بِما أراكَ اللَّهُ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ﴾ [النساء: ١١٤] فِيما بَيْنَ ذَلِكَ في طُعْمَةَ بْنِ أُبَيْرِقٍ ودِرْعِهِ مِن حَدِيدٍ الَّتِي سَرَقَ، وقالَ أصْحابُهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ لِلنَّبِيِّ ﷺ: اعْذِرْهُ في النّاسِ بِلِسانِكَ، ورَمَوْا بِالدِّرْعِ رَجُلًا مِن يَهُودَ بَرِيئًا. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ قَتادَةَ قالَ: «ذُكِرَ لَنا أنَّ هَذِهِ الآياتِ أُنْزِلَتْ في شَأْنِ طُعْمَةَ بْنِ أُبَيْرِقٍ، وفِيما هَمَّ بِهِ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ مِن عُذْرِهِ، فَبَيَّنَ اللَّهُ شَأْنَ طُعْمَةَ بْنِ أُبَيْرِقٍ، ووَعَظَ نَبِيَّهُ ﷺ وحَذَّرَهُ أنْ يَكُونَ لِلْخائِنِينَ خَصِيمًا، وكانَ طُعْمَةُ بْنُ أُبَيْرِقٍ رَجُلًا مِنَ الأنْصارِ، ثُمَّ أحَدَ بَنِي ظَفَرٍ، سَرَقَ (p-٦٨٣)دِرْعًا لِعَمِّهِ كانَتْ ودِيعَةً عِنْدَهُمْ، ثُمَّ قَذَفَها عَلى يَهُودِيٍّ كانَ يَغْشاهم يُقالُ لَهُ زَيْدُ بْنُ السَّمِينِ. فَجاءَ اليَهُودِيُّ إلى النَّبِيِّ ﷺ يَهْتِفُ، فَلَمّا رَأى ذَلِكَ قَوْمُهُ بَنُو ظَفَرٍ جاءُوا إلى نَبِيِّ اللَّهِ ﷺ لِيَعْذِرُوا صاحِبَهُمْ، وكانَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ قَدْ هَمَّ بِعُذْرِهِ حَتّى أنْزِلَ اللَّهُ في شَأْنِهِ ما أنْزَلَ فَقالَ: ﴿ولا تُجادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتانُونَ أنْفُسَهُمْ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا﴾ وكانَ طُعْمَةُ قَذَفَ بِها بَرِيئًا، فَلَمّا بَيَّنَ اللَّهُ شَأْنَ طُعْمَةَ نافَقَ ولَحِقَ بِالمُشْرِكِينَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ في شَأْنِهِ: ﴿ومَن يُشاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الهُدى ويَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ المُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ١١٥] الآيَةَ» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ العَوْفِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «إنَّ نَفَرًا مِنَ الأنْصارِ غَزَوْا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ في بَعْضِ غَزَواتِهِ، فَسُرِقَتْ دِرْعٌ لِأحَدِهِمْ، فَأظَنَّ بِها رَجُلًا مِنَ الأنْصارِ فَأتى صاحِبُ الدِّرْعِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: إنَّ طُعْمَةَ بْنَ أُبَيْرِقٍ سَرَقَ دِرْعِي، فَلَمّا رَأى السّارِقُ ذَلِكَ عَمَدَ إلَيْها فَألْقاها في بَيْتِ رَجُلٍ بَرِيءٍ، وقالَ لِنَفَرٍ مِن عَشِيرَتِهِ: إنِّي غَيَّبْتُ الدِّرْعَ وألْقَيْتُها في بَيْتِ فُلانٍ، وسَتُوجَدُ عِنْدَهُ. فانْطَلَقُوا إلى النَّبِيِّ ﷺ فَقالُوا: يا نَبِيَّ اللَّهِ، إنَّ صاحَبَنا بَرِيءٌ، وإنَّ سارِقَ الدِّرْعِ فُلانٌ، وقَدْ أحَطْنا بِذَلِكَ عِلْمًا، فَأعْذِرْ صاحِبَنا عَلى رُؤُوسِ النّاسِ، وجادِلْ عَنْهُ؛ فَإنَّهُ إلّا يَعْصِمْهُ اللَّهُ بِكَ يَهْلَكْ. فَقامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَبَرَّأهُ وعَذَرَهُ عَلى رُؤُوسِ النّاسِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿إنّا أنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النّاسِ بِما أراكَ اللَّهُ﴾ يَقُولُ: بِما أنْزَلَ اللَّهُ إلَيْكَ. (p-٦٨٤)إلى قَوْلِهِ: ﴿خَوّانًا أثِيمًا﴾ ثُمَّ قالَ لِلَّذِينِ أتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَيْلًا»:

النساء 4:110

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا أنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ﴾ الآياتِ . أخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، (p-٦٧٨)والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ قَتادَةَ بْنِ النُّعْمانِ قالَ: «كانَ أهْلُ بَيْتٍ مِنّا يُقالُ لَهم: بَنُو أُبَيْرِقٍ: بِشْرٌ وبُشَيْرٌ ومُبَشِّرٌ، وكانَ بُشَيْرٌ رَجُلًا مُنافِقًا يَقُولُ الشِّعْرَ يَهْجُو بِهِ أصْحابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ثُمَّ يَنْحَلُهُ بَعْضَ العَرَبِ، ثُمَّ يَقُولُ: قالَ فُلانٌ كَذا وكَذا، قالَ فُلانٌ كَذا وكَذا، وإذا سَمِعَ أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ذَلِكَ الشِّعْرَ قالُوا: واللَّهِ ما يَقُولُ هَذا الشِّعْرَ إلّا هَذا الخَبِيثُ. فَقالَ: ؎أوَكُلَّما قالَ الرِّجالُ قَصِيدَةً أضِمُوا فَقالُوا ابْنُ الأُبَيْرِقِ قالَها وكانُوا أهْلَ بَيْتِ حاجَّةٍ وفاقَةٍ في الجاهِلِيَّةِ والإسْلامِ، وكانَ النّاسُ إنَّما طَعامُهم بِالمَدِينَةِ التَّمْرُ والشَّعِيرُ، وكانَ الرَّجُلُ إذا كانَ لَهُ يَسارٌ فَقَدِمَتْ ضافِطَةٌ مِنَ الشّامِ مِنَ الدَّرْمَكِ ابْتاعَ الرَّجُلُ مِنها فَخَصَّ بِها نَفْسَهُ، وأمّا العِيالُ فَإنَّما طَعامُهُمُ الشَّعِيرُ، فَقَدِمَتْ ضافِطَةٌ مِنَ الشّامِ فابْتاعَ عَمِّي رَفاعَةُ بْنُ زَيْدٍ حِمْلًا مِنَ الدَّرْمَكِ فَجَعَلَهُ في مَشْرُبَةٍ لَهُ، وفي المَشْرُبَةِ سِلاحٌ لَهُ؛ دِرْعانِ وسَيْفاهُما وما يُصْلِحُهُما، فَعَدا عَدِيٌّ مِن تَحْتِ اللَّيْلِ، فَنَقَبَ المَشْرُبَةَ وأخَذَ الطَّعامَ والسِّلاحَ، فَلَمّا أصْبَحَ أتانِي عَمِّي رَفاعَةُ فَقالَ: يا ابْنَ أخِي، تَعْلَمُ أنَّهُ قَدْ عُدِيَ عَلَيْنا في لَيْلَتِنا هَذِهِ، فَنُقِبَتْ مَشْرُبَتُنا، فَذُهِبَ بِطَعامِنا وسِلاحِنا. قالَ: (p-٦٧٩)فَتَجَسَّسْنا في الدّارِ وسَألْنا، فَقِيلَ لَنا: قَدْ رَأيْنا بَنِي أُبَيْرِقٍ قَدِ اسْتَوْقَدُوا في هَذِهِ اللَّيْلَةِ، ولا نَرى فِيما نَرى إلّا عَلى بَعْضِ طَعامِكُمْ، قالَ: وقَدْ كانَ بَنُو أُبَيْرِقٍ قالُوا: ونَحْنُ نَسْألُ في الدّارِ: واللَّهِ ما نَرى صاحِبَكم إلّا لَبِيدَ بْنَ سَهْلٍ رَجُلًا مِنّا لَهُ صَلاحٌ وإسْلامٌ، فَلَمّا سَمِعَ ذَلِكَ لَبِيدٌ اخْتَرَطَ سَيْفَهُ ثُمَّ أتى بَنِي أُبَيْرِقٍ وقالَ: أنا أسْرِقُ؟ فَواللَّهِ لِيُخالِطَنَّكم هَذا السَّيْفُ أوْ لَتُبَيِّنُنَّ هَذِهِ السَّرِقَةَ، قالُوا: إلَيْكَ عَنّا أيُّها الرَّجُلُ، فَواللَّهِ ما أنْتَ بِصاحِبِها. فَسَألْنا في الدّارِ حَتّى لَمْ نَشُكَّ أنَّهم أصْحابُها، فَقالَ لِي عَمِّي: يا ابْنَ أخِي، لَوْ أتَيْتَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرْتَ ذَلِكَ لَهُ. قالَ قَتادَةُ: فَأتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّ أهْلَ بَيْتٍ مِنّا أهَّلَ جَفاءٍ، عَمَدُوا إلى عَمِّي رَفاعَةَ بْنِ زَيْدٍ فَنَقَبُوا مَشْرُبَةً لَهُ وأخَذُوا سِلاحَهُ وطَعامَهُ فَلْيَرُدُّوا عَلَيْنا سِلاحَنا، فَأمّا الطَّعامُ فَلا حاجَةَ لَنا فِيهِ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «سَأنْظُرُ في ذَلِكَ» فَلَمّا سَمِعَ ذَلِكَ بَنُو أُبَيْرِقٍ أتَوْا رَجُلًا مِنهم يُقالُ لَهُ أُسَيْرُ بْنُ عُرْوَةَ فَكَلَّمُوهُ في ذَلِكَ، واجْتَمَعَ إلَيْهِ ناسٌ مِن أهْلِ الدّارِ، فَأتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّ قَتادَةَ بْنَ النُّعْمانِ وعَمَّهُ عَمَدُوا إلى أهْلِ بَيْتٍ مِنّا أهْلِ إسْلامٍ وصَلاحٍ يَرْمُونَهم بِالسَّرِقَةِ مِن غَيْرِ بَيِّنَةٍ ولا ثَبَتٍ، قالَ قَتادَةُ: فَأتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَكَلَّمْتُهُ، فَقالَ: «عَمَدْتَ إلى أهْلِ بَيْتِ ذُكِرَ مِنهم إسْلامٌ وصَلاحٌ، تَرْمِيهِمْ بِالسَّرِقَةِ مِن غَيْرِ بَيِّنَةٍ ولا ثَبَتٍ» قالَ قَتادَةُ: فَرَجَعْتُ ولَوَدِدْتُ أنِّي خَرَجْتُ مِن بَعْضِ مالِي ولَمْ أُكَلِّمْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ في ذَلِكَ، فَأتانِي عَمِّي رَفاعَةُ فَقالَ: يا ابْنَ أخِي، ما صَنَعْتَ؟ فَأخْبَرْتُهُ بِما قالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: اللَّهُ المُسْتَعانُ. فَلَمْ نَلْبَثْ أنْ نَزَلَ القُرْآنُ: ﴿إنّا أنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النّاسِ بِما أراكَ اللَّهُ ولا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ خَصِيمًا﴾ بَنِي أُبَيْرِقٍ، (p-٦٨٠)﴿واسْتَغْفِرِ اللَّهَ﴾ أيْ مِمّا قُلْتَ لِقَتادَةَ، ﴿إنَّ اللَّهَ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ ﴿ولا تُجادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتانُونَ أنْفُسَهُمْ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ أيْ: أنَّهم لَوِ اسْتَغْفَرُوا اللَّهَ لَغَفَرَ لَهم ﴿ومَن يَكْسِبْ إثْمًا﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتانًا وإثْمًا مُبِينًا﴾ قَوْلَهم لِلَبِيدٍ، ﴿ولَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ ورَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طائِفَةٌ مِنهم أنْ يُضِلُّوكَ﴾ يَعْنِي أُسَيْرَ بْنَ عُرْوَةَ وأصْحابَهُ. إلى قَوْلِهِ: ﴿فَسَيُؤْتِيهِ أجْرًا عَظِيمًا﴾ [الفتح: ١٠]، فَلَمّا نَزَلَ القُرْآنُ أُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالسِّلاحِ فَرَدَّهُ إلى رِفاعَةَ، قالَ قَتادَةُ: فَلَمّا أتَيْتُ عَمِّي بِالسِّلاحِ - وكانَ شَيْخًا قَدْ عَسا في الجاهِلِيَّةِ وكُنْتُ أرى إسْلامَهُ مَدْخُولًا، فَلَمّا أتَيْتُهُ بِالسِّلاحِ قالَ: يا ابْنَ أخِي، هو في سَبِيلِ اللَّهِ. فَعَرَفْتُ أنَّ إسْلامَهُ كانَ صَحِيحًا، فَلَمّا نَزَلَ القُرْآنُ لَحِقَ بُشَيْرٌ بِالمُشْرِكِينَ فَنَزَلَ عَلى سُلافَةَ بِنْتِ سَعْدٍ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿ومَن يُشاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الهُدى ويَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ المُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ ما تَوَلّى﴾ [النساء: ١١٥] إلى قَوْلِهِ: ﴿ضَلالا بَعِيدًا﴾ [النساء: ١١٦] فَلَمّا نَزَلَ عَلى سُلافَةَ رَماها حَسّانُ بْنُ ثابِتٍ بِأبْياتٍ مِن شِعْرٍ، فَأخَذَتْ رَحْلَهُ فَوَضَعَتْهُ عَلى رَأْسِها ثُمَّ خَرَجَتْ فَرَمَتْ بِهِ في الأبْطَحِ ثُمَّ قالَتْ: أهْدَيْتَ لِي شَعْرَ حَسّانَ! ما كُنْتَ تَأْتِينِي بِخَيْرٍ» . وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ عَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ قالَ: «عَدا بُشَيْرُ بْنُ الحارِثِ عَلى عِلِّيَّةِ (p-٦٨١)رَفاعَةَ بْنِ زَيْدٍ عَمِّ قَتادَةَ بْنِ النُّعْمانِ الظَّفَرِيِّ، فَنَقَبَها مِن ظَهْرِها، وأخَذَ طَعامًا لَهُ ودِرْعَيْنِ بِأداتِهِما، فَأتى قَتادَةُ بْنُ النُّعْمانِ النَّبِيَّ ﷺ فَأخْبَرَهُ بِذَلِكَ، فَدَعا بُشَيْرًا فَسَألَهُ، فَأنْكَرَ، ورَمى بِذَلِكَ لَبِيدَ بْنَ سَهْلٍ، رَجُلًا مِن أهْلِ الدّارِ ذا حَسَبٍ ونَسَبٍ، فَنَزَلَ القُرْآنُ بِتَكْذِيبِ بُشَيْرٍ وبَراءَةِ لَبِيدِ بْنِ سَهْلٍ؛ قَوْلُهُ: ﴿إنّا أنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النّاسِ بِما أراكَ اللَّهُ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ يَعْنِي بُشَيْرَ بْنَ أُبَيَرِقٍ، ﴿ومَن يَكْسِبْ خَطِيئَةً أوْ إثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا﴾ يَعْنِي لَبِيدَ بْنَ سَهْلٍ حِينَ رَماهُ بَنُو أُبَيْرِقٍ بِالسَّرِقَةِ. فَلَمّا نَزَلَ القُرْآنُ في بُشَيْرٍ، وعُثِرَ عَلَيْهِ هَرَبَ إلى مَكَّةَ مُرْتَدًّا كافِرًا، فَنَزَلَ عَلى سُلافَةَ بِنْتِ سَعْدِ بْنِ الشَّهِيدِ، فَجَعَلَ يَقَعُ في النَّبِيِّ ﷺ وفي المُسْلِمِينَ، فَنَزَلَ القُرْآنُ فِيهِ وهَجاهُ حَسّانُ بْنُ ثابِتٍ حَتّى رَجَعَ، وكانَ ذَلِكَ في شَهْرِ رَبِيعٍ سَنَةَ أرْبَعٍ مِنَ الهِجْرَةِ» . وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ مِن وجْهٍ آخَرَ عَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ قالَ: «كانَ أُسَيْرُ بْنُ عُرْوَةَ رَجُلًا مِنطِيقًا ظَرِيفًا بَلِيغًا حُلْوًا، فَسَمِعَ بِما قالَ قَتادَةُ بْنُ النُّعْمانِ في بَنِي أُبَيْرِقٍ لِلنَّبِيِّ ﷺ حِينَ اتَّهَمَهم بِنَقْبِ عِلِّيَّةِ عَمِّهِ وأخْذِ طَعامِهِ والدِّرْعَيْنِ، فَأتى أُسَيْرٌ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ في جَماعَةٍ جَمَعَهم مِن قَوْمِهِ فَقالَ: إنَّ قَتادَةَ وعَمَّهُ عَمَدُوا إلى أهْلِ بَيْتٍ مِنّا أهْلِ حَسَبٍ ونَسَبٍ وصَلاحٍ يُؤَنِّبُونَهم بِالقَبِيحِ ويَقُولُونَ لَهم ما لا يَنْبَغِي، بِغَيْرِ ثَبَتٍ ولا بَيِّنَةٍ. فَوَضَعَ لَهم عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ما شاءَ ثُمَّ انْصَرَفَ، فَأقْبَلَ بَعْدَ ذَلِكَ قَتادَةُ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِيُكَلِّمَهُ، (p-٦٨٢)فَجَبَهَهَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ جَبْهًا شَدِيدًا مُنْكَرًا، وقالَ: «بِئْسَما صَنَعْتَ وبِئْسَما مَشَيْتَ فِيهِ» فَقامَ قَتادَةُ وهو يَقُولُ: لَوَدِدْتُ أنِّي خَرَجْتُ مِن أهْلِي ومالِي، وأنِّي لَمْ أُكَلِّمْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ في شَيْءٍ مِن أمْرِهِمْ، وما أنا بِعائِدٍ في شَيْءٍ مِن ذَلِكَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ عَلى نَبِيِّهِ في شَأْنِهِمْ: ﴿إنّا أنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ولا تُجادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتانُونَ أنْفُسَهُمْ﴾ يَعْنِي أُسَيْرَ بْنَ عُرْوَةَ وأصْحابَهُ، ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَن كانَ خَوّانًا أثِيمًا﴾ [النساء»: ١٠٧] . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنّا أنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النّاسِ بِما أراكَ اللَّهُ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ﴾ [النساء: ١١٤] فِيما بَيْنَ ذَلِكَ في طُعْمَةَ بْنِ أُبَيْرِقٍ ودِرْعِهِ مِن حَدِيدٍ الَّتِي سَرَقَ، وقالَ أصْحابُهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ لِلنَّبِيِّ ﷺ: اعْذِرْهُ في النّاسِ بِلِسانِكَ، ورَمَوْا بِالدِّرْعِ رَجُلًا مِن يَهُودَ بَرِيئًا. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ قَتادَةَ قالَ: «ذُكِرَ لَنا أنَّ هَذِهِ الآياتِ أُنْزِلَتْ في شَأْنِ طُعْمَةَ بْنِ أُبَيْرِقٍ، وفِيما هَمَّ بِهِ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ مِن عُذْرِهِ، فَبَيَّنَ اللَّهُ شَأْنَ طُعْمَةَ بْنِ أُبَيْرِقٍ، ووَعَظَ نَبِيَّهُ ﷺ وحَذَّرَهُ أنْ يَكُونَ لِلْخائِنِينَ خَصِيمًا، وكانَ طُعْمَةُ بْنُ أُبَيْرِقٍ رَجُلًا مِنَ الأنْصارِ، ثُمَّ أحَدَ بَنِي ظَفَرٍ، سَرَقَ (p-٦٨٣)دِرْعًا لِعَمِّهِ كانَتْ ودِيعَةً عِنْدَهُمْ، ثُمَّ قَذَفَها عَلى يَهُودِيٍّ كانَ يَغْشاهم يُقالُ لَهُ زَيْدُ بْنُ السَّمِينِ. فَجاءَ اليَهُودِيُّ إلى النَّبِيِّ ﷺ يَهْتِفُ، فَلَمّا رَأى ذَلِكَ قَوْمُهُ بَنُو ظَفَرٍ جاءُوا إلى نَبِيِّ اللَّهِ ﷺ لِيَعْذِرُوا صاحِبَهُمْ، وكانَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ قَدْ هَمَّ بِعُذْرِهِ حَتّى أنْزِلَ اللَّهُ في شَأْنِهِ ما أنْزَلَ فَقالَ: ﴿ولا تُجادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتانُونَ أنْفُسَهُمْ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا﴾ وكانَ طُعْمَةُ قَذَفَ بِها بَرِيئًا، فَلَمّا بَيَّنَ اللَّهُ شَأْنَ طُعْمَةَ نافَقَ ولَحِقَ بِالمُشْرِكِينَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ في شَأْنِهِ: ﴿ومَن يُشاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الهُدى ويَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ المُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ١١٥] الآيَةَ» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ العَوْفِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «إنَّ نَفَرًا مِنَ الأنْصارِ غَزَوْا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ في بَعْضِ غَزَواتِهِ، فَسُرِقَتْ دِرْعٌ لِأحَدِهِمْ، فَأظَنَّ بِها رَجُلًا مِنَ الأنْصارِ فَأتى صاحِبُ الدِّرْعِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: إنَّ طُعْمَةَ بْنَ أُبَيْرِقٍ سَرَقَ دِرْعِي، فَلَمّا رَأى السّارِقُ ذَلِكَ عَمَدَ إلَيْها فَألْقاها في بَيْتِ رَجُلٍ بَرِيءٍ، وقالَ لِنَفَرٍ مِن عَشِيرَتِهِ: إنِّي غَيَّبْتُ الدِّرْعَ وألْقَيْتُها في بَيْتِ فُلانٍ، وسَتُوجَدُ عِنْدَهُ. فانْطَلَقُوا إلى النَّبِيِّ ﷺ فَقالُوا: يا نَبِيَّ اللَّهِ، إنَّ صاحَبَنا بَرِيءٌ، وإنَّ سارِقَ الدِّرْعِ فُلانٌ، وقَدْ أحَطْنا بِذَلِكَ عِلْمًا، فَأعْذِرْ صاحِبَنا عَلى رُؤُوسِ النّاسِ، وجادِلْ عَنْهُ؛ فَإنَّهُ إلّا يَعْصِمْهُ اللَّهُ بِكَ يَهْلَكْ. فَقامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَبَرَّأهُ وعَذَرَهُ عَلى رُؤُوسِ النّاسِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿إنّا أنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النّاسِ بِما أراكَ اللَّهُ﴾ يَقُولُ: بِما أنْزَلَ اللَّهُ إلَيْكَ. (p-٦٨٤)إلى قَوْلِهِ: ﴿خَوّانًا أثِيمًا﴾ ثُمَّ قالَ لِلَّذِينِ أتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَيْلًا»:

النساء 4:111

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا أنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ﴾ الآياتِ . أخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، (p-٦٧٨)والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ قَتادَةَ بْنِ النُّعْمانِ قالَ: «كانَ أهْلُ بَيْتٍ مِنّا يُقالُ لَهم: بَنُو أُبَيْرِقٍ: بِشْرٌ وبُشَيْرٌ ومُبَشِّرٌ، وكانَ بُشَيْرٌ رَجُلًا مُنافِقًا يَقُولُ الشِّعْرَ يَهْجُو بِهِ أصْحابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ثُمَّ يَنْحَلُهُ بَعْضَ العَرَبِ، ثُمَّ يَقُولُ: قالَ فُلانٌ كَذا وكَذا، قالَ فُلانٌ كَذا وكَذا، وإذا سَمِعَ أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ذَلِكَ الشِّعْرَ قالُوا: واللَّهِ ما يَقُولُ هَذا الشِّعْرَ إلّا هَذا الخَبِيثُ. فَقالَ: ؎أوَكُلَّما قالَ الرِّجالُ قَصِيدَةً أضِمُوا فَقالُوا ابْنُ الأُبَيْرِقِ قالَها وكانُوا أهْلَ بَيْتِ حاجَّةٍ وفاقَةٍ في الجاهِلِيَّةِ والإسْلامِ، وكانَ النّاسُ إنَّما طَعامُهم بِالمَدِينَةِ التَّمْرُ والشَّعِيرُ، وكانَ الرَّجُلُ إذا كانَ لَهُ يَسارٌ فَقَدِمَتْ ضافِطَةٌ مِنَ الشّامِ مِنَ الدَّرْمَكِ ابْتاعَ الرَّجُلُ مِنها فَخَصَّ بِها نَفْسَهُ، وأمّا العِيالُ فَإنَّما طَعامُهُمُ الشَّعِيرُ، فَقَدِمَتْ ضافِطَةٌ مِنَ الشّامِ فابْتاعَ عَمِّي رَفاعَةُ بْنُ زَيْدٍ حِمْلًا مِنَ الدَّرْمَكِ فَجَعَلَهُ في مَشْرُبَةٍ لَهُ، وفي المَشْرُبَةِ سِلاحٌ لَهُ؛ دِرْعانِ وسَيْفاهُما وما يُصْلِحُهُما، فَعَدا عَدِيٌّ مِن تَحْتِ اللَّيْلِ، فَنَقَبَ المَشْرُبَةَ وأخَذَ الطَّعامَ والسِّلاحَ، فَلَمّا أصْبَحَ أتانِي عَمِّي رَفاعَةُ فَقالَ: يا ابْنَ أخِي، تَعْلَمُ أنَّهُ قَدْ عُدِيَ عَلَيْنا في لَيْلَتِنا هَذِهِ، فَنُقِبَتْ مَشْرُبَتُنا، فَذُهِبَ بِطَعامِنا وسِلاحِنا. قالَ: (p-٦٧٩)فَتَجَسَّسْنا في الدّارِ وسَألْنا، فَقِيلَ لَنا: قَدْ رَأيْنا بَنِي أُبَيْرِقٍ قَدِ اسْتَوْقَدُوا في هَذِهِ اللَّيْلَةِ، ولا نَرى فِيما نَرى إلّا عَلى بَعْضِ طَعامِكُمْ، قالَ: وقَدْ كانَ بَنُو أُبَيْرِقٍ قالُوا: ونَحْنُ نَسْألُ في الدّارِ: واللَّهِ ما نَرى صاحِبَكم إلّا لَبِيدَ بْنَ سَهْلٍ رَجُلًا مِنّا لَهُ صَلاحٌ وإسْلامٌ، فَلَمّا سَمِعَ ذَلِكَ لَبِيدٌ اخْتَرَطَ سَيْفَهُ ثُمَّ أتى بَنِي أُبَيْرِقٍ وقالَ: أنا أسْرِقُ؟ فَواللَّهِ لِيُخالِطَنَّكم هَذا السَّيْفُ أوْ لَتُبَيِّنُنَّ هَذِهِ السَّرِقَةَ، قالُوا: إلَيْكَ عَنّا أيُّها الرَّجُلُ، فَواللَّهِ ما أنْتَ بِصاحِبِها. فَسَألْنا في الدّارِ حَتّى لَمْ نَشُكَّ أنَّهم أصْحابُها، فَقالَ لِي عَمِّي: يا ابْنَ أخِي، لَوْ أتَيْتَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرْتَ ذَلِكَ لَهُ. قالَ قَتادَةُ: فَأتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّ أهْلَ بَيْتٍ مِنّا أهَّلَ جَفاءٍ، عَمَدُوا إلى عَمِّي رَفاعَةَ بْنِ زَيْدٍ فَنَقَبُوا مَشْرُبَةً لَهُ وأخَذُوا سِلاحَهُ وطَعامَهُ فَلْيَرُدُّوا عَلَيْنا سِلاحَنا، فَأمّا الطَّعامُ فَلا حاجَةَ لَنا فِيهِ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «سَأنْظُرُ في ذَلِكَ» فَلَمّا سَمِعَ ذَلِكَ بَنُو أُبَيْرِقٍ أتَوْا رَجُلًا مِنهم يُقالُ لَهُ أُسَيْرُ بْنُ عُرْوَةَ فَكَلَّمُوهُ في ذَلِكَ، واجْتَمَعَ إلَيْهِ ناسٌ مِن أهْلِ الدّارِ، فَأتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّ قَتادَةَ بْنَ النُّعْمانِ وعَمَّهُ عَمَدُوا إلى أهْلِ بَيْتٍ مِنّا أهْلِ إسْلامٍ وصَلاحٍ يَرْمُونَهم بِالسَّرِقَةِ مِن غَيْرِ بَيِّنَةٍ ولا ثَبَتٍ، قالَ قَتادَةُ: فَأتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَكَلَّمْتُهُ، فَقالَ: «عَمَدْتَ إلى أهْلِ بَيْتِ ذُكِرَ مِنهم إسْلامٌ وصَلاحٌ، تَرْمِيهِمْ بِالسَّرِقَةِ مِن غَيْرِ بَيِّنَةٍ ولا ثَبَتٍ» قالَ قَتادَةُ: فَرَجَعْتُ ولَوَدِدْتُ أنِّي خَرَجْتُ مِن بَعْضِ مالِي ولَمْ أُكَلِّمْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ في ذَلِكَ، فَأتانِي عَمِّي رَفاعَةُ فَقالَ: يا ابْنَ أخِي، ما صَنَعْتَ؟ فَأخْبَرْتُهُ بِما قالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: اللَّهُ المُسْتَعانُ. فَلَمْ نَلْبَثْ أنْ نَزَلَ القُرْآنُ: ﴿إنّا أنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النّاسِ بِما أراكَ اللَّهُ ولا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ خَصِيمًا﴾ بَنِي أُبَيْرِقٍ، (p-٦٨٠)﴿واسْتَغْفِرِ اللَّهَ﴾ أيْ مِمّا قُلْتَ لِقَتادَةَ، ﴿إنَّ اللَّهَ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ ﴿ولا تُجادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتانُونَ أنْفُسَهُمْ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ أيْ: أنَّهم لَوِ اسْتَغْفَرُوا اللَّهَ لَغَفَرَ لَهم ﴿ومَن يَكْسِبْ إثْمًا﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتانًا وإثْمًا مُبِينًا﴾ قَوْلَهم لِلَبِيدٍ، ﴿ولَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ ورَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طائِفَةٌ مِنهم أنْ يُضِلُّوكَ﴾ يَعْنِي أُسَيْرَ بْنَ عُرْوَةَ وأصْحابَهُ. إلى قَوْلِهِ: ﴿فَسَيُؤْتِيهِ أجْرًا عَظِيمًا﴾ [الفتح: ١٠]، فَلَمّا نَزَلَ القُرْآنُ أُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالسِّلاحِ فَرَدَّهُ إلى رِفاعَةَ، قالَ قَتادَةُ: فَلَمّا أتَيْتُ عَمِّي بِالسِّلاحِ - وكانَ شَيْخًا قَدْ عَسا في الجاهِلِيَّةِ وكُنْتُ أرى إسْلامَهُ مَدْخُولًا، فَلَمّا أتَيْتُهُ بِالسِّلاحِ قالَ: يا ابْنَ أخِي، هو في سَبِيلِ اللَّهِ. فَعَرَفْتُ أنَّ إسْلامَهُ كانَ صَحِيحًا، فَلَمّا نَزَلَ القُرْآنُ لَحِقَ بُشَيْرٌ بِالمُشْرِكِينَ فَنَزَلَ عَلى سُلافَةَ بِنْتِ سَعْدٍ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿ومَن يُشاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الهُدى ويَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ المُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ ما تَوَلّى﴾ [النساء: ١١٥] إلى قَوْلِهِ: ﴿ضَلالا بَعِيدًا﴾ [النساء: ١١٦] فَلَمّا نَزَلَ عَلى سُلافَةَ رَماها حَسّانُ بْنُ ثابِتٍ بِأبْياتٍ مِن شِعْرٍ، فَأخَذَتْ رَحْلَهُ فَوَضَعَتْهُ عَلى رَأْسِها ثُمَّ خَرَجَتْ فَرَمَتْ بِهِ في الأبْطَحِ ثُمَّ قالَتْ: أهْدَيْتَ لِي شَعْرَ حَسّانَ! ما كُنْتَ تَأْتِينِي بِخَيْرٍ» . وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ عَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ قالَ: «عَدا بُشَيْرُ بْنُ الحارِثِ عَلى عِلِّيَّةِ (p-٦٨١)رَفاعَةَ بْنِ زَيْدٍ عَمِّ قَتادَةَ بْنِ النُّعْمانِ الظَّفَرِيِّ، فَنَقَبَها مِن ظَهْرِها، وأخَذَ طَعامًا لَهُ ودِرْعَيْنِ بِأداتِهِما، فَأتى قَتادَةُ بْنُ النُّعْمانِ النَّبِيَّ ﷺ فَأخْبَرَهُ بِذَلِكَ، فَدَعا بُشَيْرًا فَسَألَهُ، فَأنْكَرَ، ورَمى بِذَلِكَ لَبِيدَ بْنَ سَهْلٍ، رَجُلًا مِن أهْلِ الدّارِ ذا حَسَبٍ ونَسَبٍ، فَنَزَلَ القُرْآنُ بِتَكْذِيبِ بُشَيْرٍ وبَراءَةِ لَبِيدِ بْنِ سَهْلٍ؛ قَوْلُهُ: ﴿إنّا أنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النّاسِ بِما أراكَ اللَّهُ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ يَعْنِي بُشَيْرَ بْنَ أُبَيَرِقٍ، ﴿ومَن يَكْسِبْ خَطِيئَةً أوْ إثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا﴾ يَعْنِي لَبِيدَ بْنَ سَهْلٍ حِينَ رَماهُ بَنُو أُبَيْرِقٍ بِالسَّرِقَةِ. فَلَمّا نَزَلَ القُرْآنُ في بُشَيْرٍ، وعُثِرَ عَلَيْهِ هَرَبَ إلى مَكَّةَ مُرْتَدًّا كافِرًا، فَنَزَلَ عَلى سُلافَةَ بِنْتِ سَعْدِ بْنِ الشَّهِيدِ، فَجَعَلَ يَقَعُ في النَّبِيِّ ﷺ وفي المُسْلِمِينَ، فَنَزَلَ القُرْآنُ فِيهِ وهَجاهُ حَسّانُ بْنُ ثابِتٍ حَتّى رَجَعَ، وكانَ ذَلِكَ في شَهْرِ رَبِيعٍ سَنَةَ أرْبَعٍ مِنَ الهِجْرَةِ» . وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ مِن وجْهٍ آخَرَ عَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ قالَ: «كانَ أُسَيْرُ بْنُ عُرْوَةَ رَجُلًا مِنطِيقًا ظَرِيفًا بَلِيغًا حُلْوًا، فَسَمِعَ بِما قالَ قَتادَةُ بْنُ النُّعْمانِ في بَنِي أُبَيْرِقٍ لِلنَّبِيِّ ﷺ حِينَ اتَّهَمَهم بِنَقْبِ عِلِّيَّةِ عَمِّهِ وأخْذِ طَعامِهِ والدِّرْعَيْنِ، فَأتى أُسَيْرٌ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ في جَماعَةٍ جَمَعَهم مِن قَوْمِهِ فَقالَ: إنَّ قَتادَةَ وعَمَّهُ عَمَدُوا إلى أهْلِ بَيْتٍ مِنّا أهْلِ حَسَبٍ ونَسَبٍ وصَلاحٍ يُؤَنِّبُونَهم بِالقَبِيحِ ويَقُولُونَ لَهم ما لا يَنْبَغِي، بِغَيْرِ ثَبَتٍ ولا بَيِّنَةٍ. فَوَضَعَ لَهم عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ما شاءَ ثُمَّ انْصَرَفَ، فَأقْبَلَ بَعْدَ ذَلِكَ قَتادَةُ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِيُكَلِّمَهُ، (p-٦٨٢)فَجَبَهَهَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ جَبْهًا شَدِيدًا مُنْكَرًا، وقالَ: «بِئْسَما صَنَعْتَ وبِئْسَما مَشَيْتَ فِيهِ» فَقامَ قَتادَةُ وهو يَقُولُ: لَوَدِدْتُ أنِّي خَرَجْتُ مِن أهْلِي ومالِي، وأنِّي لَمْ أُكَلِّمْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ في شَيْءٍ مِن أمْرِهِمْ، وما أنا بِعائِدٍ في شَيْءٍ مِن ذَلِكَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ عَلى نَبِيِّهِ في شَأْنِهِمْ: ﴿إنّا أنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ولا تُجادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتانُونَ أنْفُسَهُمْ﴾ يَعْنِي أُسَيْرَ بْنَ عُرْوَةَ وأصْحابَهُ، ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَن كانَ خَوّانًا أثِيمًا﴾ [النساء»: ١٠٧] . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنّا أنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النّاسِ بِما أراكَ اللَّهُ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ﴾ [النساء: ١١٤] فِيما بَيْنَ ذَلِكَ في طُعْمَةَ بْنِ أُبَيْرِقٍ ودِرْعِهِ مِن حَدِيدٍ الَّتِي سَرَقَ، وقالَ أصْحابُهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ لِلنَّبِيِّ ﷺ: اعْذِرْهُ في النّاسِ بِلِسانِكَ، ورَمَوْا بِالدِّرْعِ رَجُلًا مِن يَهُودَ بَرِيئًا. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ قَتادَةَ قالَ: «ذُكِرَ لَنا أنَّ هَذِهِ الآياتِ أُنْزِلَتْ في شَأْنِ طُعْمَةَ بْنِ أُبَيْرِقٍ، وفِيما هَمَّ بِهِ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ مِن عُذْرِهِ، فَبَيَّنَ اللَّهُ شَأْنَ طُعْمَةَ بْنِ أُبَيْرِقٍ، ووَعَظَ نَبِيَّهُ ﷺ وحَذَّرَهُ أنْ يَكُونَ لِلْخائِنِينَ خَصِيمًا، وكانَ طُعْمَةُ بْنُ أُبَيْرِقٍ رَجُلًا مِنَ الأنْصارِ، ثُمَّ أحَدَ بَنِي ظَفَرٍ، سَرَقَ (p-٦٨٣)دِرْعًا لِعَمِّهِ كانَتْ ودِيعَةً عِنْدَهُمْ، ثُمَّ قَذَفَها عَلى يَهُودِيٍّ كانَ يَغْشاهم يُقالُ لَهُ زَيْدُ بْنُ السَّمِينِ. فَجاءَ اليَهُودِيُّ إلى النَّبِيِّ ﷺ يَهْتِفُ، فَلَمّا رَأى ذَلِكَ قَوْمُهُ بَنُو ظَفَرٍ جاءُوا إلى نَبِيِّ اللَّهِ ﷺ لِيَعْذِرُوا صاحِبَهُمْ، وكانَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ قَدْ هَمَّ بِعُذْرِهِ حَتّى أنْزِلَ اللَّهُ في شَأْنِهِ ما أنْزَلَ فَقالَ: ﴿ولا تُجادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتانُونَ أنْفُسَهُمْ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا﴾ وكانَ طُعْمَةُ قَذَفَ بِها بَرِيئًا، فَلَمّا بَيَّنَ اللَّهُ شَأْنَ طُعْمَةَ نافَقَ ولَحِقَ بِالمُشْرِكِينَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ في شَأْنِهِ: ﴿ومَن يُشاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الهُدى ويَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ المُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ١١٥] الآيَةَ» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ العَوْفِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «إنَّ نَفَرًا مِنَ الأنْصارِ غَزَوْا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ في بَعْضِ غَزَواتِهِ، فَسُرِقَتْ دِرْعٌ لِأحَدِهِمْ، فَأظَنَّ بِها رَجُلًا مِنَ الأنْصارِ فَأتى صاحِبُ الدِّرْعِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: إنَّ طُعْمَةَ بْنَ أُبَيْرِقٍ سَرَقَ دِرْعِي، فَلَمّا رَأى السّارِقُ ذَلِكَ عَمَدَ إلَيْها فَألْقاها في بَيْتِ رَجُلٍ بَرِيءٍ، وقالَ لِنَفَرٍ مِن عَشِيرَتِهِ: إنِّي غَيَّبْتُ الدِّرْعَ وألْقَيْتُها في بَيْتِ فُلانٍ، وسَتُوجَدُ عِنْدَهُ. فانْطَلَقُوا إلى النَّبِيِّ ﷺ فَقالُوا: يا نَبِيَّ اللَّهِ، إنَّ صاحَبَنا بَرِيءٌ، وإنَّ سارِقَ الدِّرْعِ فُلانٌ، وقَدْ أحَطْنا بِذَلِكَ عِلْمًا، فَأعْذِرْ صاحِبَنا عَلى رُؤُوسِ النّاسِ، وجادِلْ عَنْهُ؛ فَإنَّهُ إلّا يَعْصِمْهُ اللَّهُ بِكَ يَهْلَكْ. فَقامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَبَرَّأهُ وعَذَرَهُ عَلى رُؤُوسِ النّاسِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿إنّا أنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النّاسِ بِما أراكَ اللَّهُ﴾ يَقُولُ: بِما أنْزَلَ اللَّهُ إلَيْكَ. (p-٦٨٤)إلى قَوْلِهِ: ﴿خَوّانًا أثِيمًا﴾ ثُمَّ قالَ لِلَّذِينِ أتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَيْلًا»:

النساء 4:112

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا أنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ﴾ الآياتِ . أخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، (p-٦٧٨)والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ قَتادَةَ بْنِ النُّعْمانِ قالَ: «كانَ أهْلُ بَيْتٍ مِنّا يُقالُ لَهم: بَنُو أُبَيْرِقٍ: بِشْرٌ وبُشَيْرٌ ومُبَشِّرٌ، وكانَ بُشَيْرٌ رَجُلًا مُنافِقًا يَقُولُ الشِّعْرَ يَهْجُو بِهِ أصْحابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ثُمَّ يَنْحَلُهُ بَعْضَ العَرَبِ، ثُمَّ يَقُولُ: قالَ فُلانٌ كَذا وكَذا، قالَ فُلانٌ كَذا وكَذا، وإذا سَمِعَ أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ذَلِكَ الشِّعْرَ قالُوا: واللَّهِ ما يَقُولُ هَذا الشِّعْرَ إلّا هَذا الخَبِيثُ. فَقالَ: ؎أوَكُلَّما قالَ الرِّجالُ قَصِيدَةً أضِمُوا فَقالُوا ابْنُ الأُبَيْرِقِ قالَها وكانُوا أهْلَ بَيْتِ حاجَّةٍ وفاقَةٍ في الجاهِلِيَّةِ والإسْلامِ، وكانَ النّاسُ إنَّما طَعامُهم بِالمَدِينَةِ التَّمْرُ والشَّعِيرُ، وكانَ الرَّجُلُ إذا كانَ لَهُ يَسارٌ فَقَدِمَتْ ضافِطَةٌ مِنَ الشّامِ مِنَ الدَّرْمَكِ ابْتاعَ الرَّجُلُ مِنها فَخَصَّ بِها نَفْسَهُ، وأمّا العِيالُ فَإنَّما طَعامُهُمُ الشَّعِيرُ، فَقَدِمَتْ ضافِطَةٌ مِنَ الشّامِ فابْتاعَ عَمِّي رَفاعَةُ بْنُ زَيْدٍ حِمْلًا مِنَ الدَّرْمَكِ فَجَعَلَهُ في مَشْرُبَةٍ لَهُ، وفي المَشْرُبَةِ سِلاحٌ لَهُ؛ دِرْعانِ وسَيْفاهُما وما يُصْلِحُهُما، فَعَدا عَدِيٌّ مِن تَحْتِ اللَّيْلِ، فَنَقَبَ المَشْرُبَةَ وأخَذَ الطَّعامَ والسِّلاحَ، فَلَمّا أصْبَحَ أتانِي عَمِّي رَفاعَةُ فَقالَ: يا ابْنَ أخِي، تَعْلَمُ أنَّهُ قَدْ عُدِيَ عَلَيْنا في لَيْلَتِنا هَذِهِ، فَنُقِبَتْ مَشْرُبَتُنا، فَذُهِبَ بِطَعامِنا وسِلاحِنا. قالَ: (p-٦٧٩)فَتَجَسَّسْنا في الدّارِ وسَألْنا، فَقِيلَ لَنا: قَدْ رَأيْنا بَنِي أُبَيْرِقٍ قَدِ اسْتَوْقَدُوا في هَذِهِ اللَّيْلَةِ، ولا نَرى فِيما نَرى إلّا عَلى بَعْضِ طَعامِكُمْ، قالَ: وقَدْ كانَ بَنُو أُبَيْرِقٍ قالُوا: ونَحْنُ نَسْألُ في الدّارِ: واللَّهِ ما نَرى صاحِبَكم إلّا لَبِيدَ بْنَ سَهْلٍ رَجُلًا مِنّا لَهُ صَلاحٌ وإسْلامٌ، فَلَمّا سَمِعَ ذَلِكَ لَبِيدٌ اخْتَرَطَ سَيْفَهُ ثُمَّ أتى بَنِي أُبَيْرِقٍ وقالَ: أنا أسْرِقُ؟ فَواللَّهِ لِيُخالِطَنَّكم هَذا السَّيْفُ أوْ لَتُبَيِّنُنَّ هَذِهِ السَّرِقَةَ، قالُوا: إلَيْكَ عَنّا أيُّها الرَّجُلُ، فَواللَّهِ ما أنْتَ بِصاحِبِها. فَسَألْنا في الدّارِ حَتّى لَمْ نَشُكَّ أنَّهم أصْحابُها، فَقالَ لِي عَمِّي: يا ابْنَ أخِي، لَوْ أتَيْتَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرْتَ ذَلِكَ لَهُ. قالَ قَتادَةُ: فَأتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّ أهْلَ بَيْتٍ مِنّا أهَّلَ جَفاءٍ، عَمَدُوا إلى عَمِّي رَفاعَةَ بْنِ زَيْدٍ فَنَقَبُوا مَشْرُبَةً لَهُ وأخَذُوا سِلاحَهُ وطَعامَهُ فَلْيَرُدُّوا عَلَيْنا سِلاحَنا، فَأمّا الطَّعامُ فَلا حاجَةَ لَنا فِيهِ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «سَأنْظُرُ في ذَلِكَ» فَلَمّا سَمِعَ ذَلِكَ بَنُو أُبَيْرِقٍ أتَوْا رَجُلًا مِنهم يُقالُ لَهُ أُسَيْرُ بْنُ عُرْوَةَ فَكَلَّمُوهُ في ذَلِكَ، واجْتَمَعَ إلَيْهِ ناسٌ مِن أهْلِ الدّارِ، فَأتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّ قَتادَةَ بْنَ النُّعْمانِ وعَمَّهُ عَمَدُوا إلى أهْلِ بَيْتٍ مِنّا أهْلِ إسْلامٍ وصَلاحٍ يَرْمُونَهم بِالسَّرِقَةِ مِن غَيْرِ بَيِّنَةٍ ولا ثَبَتٍ، قالَ قَتادَةُ: فَأتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَكَلَّمْتُهُ، فَقالَ: «عَمَدْتَ إلى أهْلِ بَيْتِ ذُكِرَ مِنهم إسْلامٌ وصَلاحٌ، تَرْمِيهِمْ بِالسَّرِقَةِ مِن غَيْرِ بَيِّنَةٍ ولا ثَبَتٍ» قالَ قَتادَةُ: فَرَجَعْتُ ولَوَدِدْتُ أنِّي خَرَجْتُ مِن بَعْضِ مالِي ولَمْ أُكَلِّمْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ في ذَلِكَ، فَأتانِي عَمِّي رَفاعَةُ فَقالَ: يا ابْنَ أخِي، ما صَنَعْتَ؟ فَأخْبَرْتُهُ بِما قالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: اللَّهُ المُسْتَعانُ. فَلَمْ نَلْبَثْ أنْ نَزَلَ القُرْآنُ: ﴿إنّا أنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النّاسِ بِما أراكَ اللَّهُ ولا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ خَصِيمًا﴾ بَنِي أُبَيْرِقٍ، (p-٦٨٠)﴿واسْتَغْفِرِ اللَّهَ﴾ أيْ مِمّا قُلْتَ لِقَتادَةَ، ﴿إنَّ اللَّهَ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ ﴿ولا تُجادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتانُونَ أنْفُسَهُمْ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ أيْ: أنَّهم لَوِ اسْتَغْفَرُوا اللَّهَ لَغَفَرَ لَهم ﴿ومَن يَكْسِبْ إثْمًا﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتانًا وإثْمًا مُبِينًا﴾ قَوْلَهم لِلَبِيدٍ، ﴿ولَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ ورَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طائِفَةٌ مِنهم أنْ يُضِلُّوكَ﴾ يَعْنِي أُسَيْرَ بْنَ عُرْوَةَ وأصْحابَهُ. إلى قَوْلِهِ: ﴿فَسَيُؤْتِيهِ أجْرًا عَظِيمًا﴾ [الفتح: ١٠]، فَلَمّا نَزَلَ القُرْآنُ أُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالسِّلاحِ فَرَدَّهُ إلى رِفاعَةَ، قالَ قَتادَةُ: فَلَمّا أتَيْتُ عَمِّي بِالسِّلاحِ - وكانَ شَيْخًا قَدْ عَسا في الجاهِلِيَّةِ وكُنْتُ أرى إسْلامَهُ مَدْخُولًا، فَلَمّا أتَيْتُهُ بِالسِّلاحِ قالَ: يا ابْنَ أخِي، هو في سَبِيلِ اللَّهِ. فَعَرَفْتُ أنَّ إسْلامَهُ كانَ صَحِيحًا، فَلَمّا نَزَلَ القُرْآنُ لَحِقَ بُشَيْرٌ بِالمُشْرِكِينَ فَنَزَلَ عَلى سُلافَةَ بِنْتِ سَعْدٍ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿ومَن يُشاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الهُدى ويَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ المُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ ما تَوَلّى﴾ [النساء: ١١٥] إلى قَوْلِهِ: ﴿ضَلالا بَعِيدًا﴾ [النساء: ١١٦] فَلَمّا نَزَلَ عَلى سُلافَةَ رَماها حَسّانُ بْنُ ثابِتٍ بِأبْياتٍ مِن شِعْرٍ، فَأخَذَتْ رَحْلَهُ فَوَضَعَتْهُ عَلى رَأْسِها ثُمَّ خَرَجَتْ فَرَمَتْ بِهِ في الأبْطَحِ ثُمَّ قالَتْ: أهْدَيْتَ لِي شَعْرَ حَسّانَ! ما كُنْتَ تَأْتِينِي بِخَيْرٍ» . وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ عَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ قالَ: «عَدا بُشَيْرُ بْنُ الحارِثِ عَلى عِلِّيَّةِ (p-٦٨١)رَفاعَةَ بْنِ زَيْدٍ عَمِّ قَتادَةَ بْنِ النُّعْمانِ الظَّفَرِيِّ، فَنَقَبَها مِن ظَهْرِها، وأخَذَ طَعامًا لَهُ ودِرْعَيْنِ بِأداتِهِما، فَأتى قَتادَةُ بْنُ النُّعْمانِ النَّبِيَّ ﷺ فَأخْبَرَهُ بِذَلِكَ، فَدَعا بُشَيْرًا فَسَألَهُ، فَأنْكَرَ، ورَمى بِذَلِكَ لَبِيدَ بْنَ سَهْلٍ، رَجُلًا مِن أهْلِ الدّارِ ذا حَسَبٍ ونَسَبٍ، فَنَزَلَ القُرْآنُ بِتَكْذِيبِ بُشَيْرٍ وبَراءَةِ لَبِيدِ بْنِ سَهْلٍ؛ قَوْلُهُ: ﴿إنّا أنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النّاسِ بِما أراكَ اللَّهُ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ يَعْنِي بُشَيْرَ بْنَ أُبَيَرِقٍ، ﴿ومَن يَكْسِبْ خَطِيئَةً أوْ إثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا﴾ يَعْنِي لَبِيدَ بْنَ سَهْلٍ حِينَ رَماهُ بَنُو أُبَيْرِقٍ بِالسَّرِقَةِ. فَلَمّا نَزَلَ القُرْآنُ في بُشَيْرٍ، وعُثِرَ عَلَيْهِ هَرَبَ إلى مَكَّةَ مُرْتَدًّا كافِرًا، فَنَزَلَ عَلى سُلافَةَ بِنْتِ سَعْدِ بْنِ الشَّهِيدِ، فَجَعَلَ يَقَعُ في النَّبِيِّ ﷺ وفي المُسْلِمِينَ، فَنَزَلَ القُرْآنُ فِيهِ وهَجاهُ حَسّانُ بْنُ ثابِتٍ حَتّى رَجَعَ، وكانَ ذَلِكَ في شَهْرِ رَبِيعٍ سَنَةَ أرْبَعٍ مِنَ الهِجْرَةِ» . وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ مِن وجْهٍ آخَرَ عَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ قالَ: «كانَ أُسَيْرُ بْنُ عُرْوَةَ رَجُلًا مِنطِيقًا ظَرِيفًا بَلِيغًا حُلْوًا، فَسَمِعَ بِما قالَ قَتادَةُ بْنُ النُّعْمانِ في بَنِي أُبَيْرِقٍ لِلنَّبِيِّ ﷺ حِينَ اتَّهَمَهم بِنَقْبِ عِلِّيَّةِ عَمِّهِ وأخْذِ طَعامِهِ والدِّرْعَيْنِ، فَأتى أُسَيْرٌ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ في جَماعَةٍ جَمَعَهم مِن قَوْمِهِ فَقالَ: إنَّ قَتادَةَ وعَمَّهُ عَمَدُوا إلى أهْلِ بَيْتٍ مِنّا أهْلِ حَسَبٍ ونَسَبٍ وصَلاحٍ يُؤَنِّبُونَهم بِالقَبِيحِ ويَقُولُونَ لَهم ما لا يَنْبَغِي، بِغَيْرِ ثَبَتٍ ولا بَيِّنَةٍ. فَوَضَعَ لَهم عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ما شاءَ ثُمَّ انْصَرَفَ، فَأقْبَلَ بَعْدَ ذَلِكَ قَتادَةُ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِيُكَلِّمَهُ، (p-٦٨٢)فَجَبَهَهَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ جَبْهًا شَدِيدًا مُنْكَرًا، وقالَ: «بِئْسَما صَنَعْتَ وبِئْسَما مَشَيْتَ فِيهِ» فَقامَ قَتادَةُ وهو يَقُولُ: لَوَدِدْتُ أنِّي خَرَجْتُ مِن أهْلِي ومالِي، وأنِّي لَمْ أُكَلِّمْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ في شَيْءٍ مِن أمْرِهِمْ، وما أنا بِعائِدٍ في شَيْءٍ مِن ذَلِكَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ عَلى نَبِيِّهِ في شَأْنِهِمْ: ﴿إنّا أنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ولا تُجادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتانُونَ أنْفُسَهُمْ﴾ يَعْنِي أُسَيْرَ بْنَ عُرْوَةَ وأصْحابَهُ، ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَن كانَ خَوّانًا أثِيمًا﴾ [النساء»: ١٠٧] . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنّا أنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النّاسِ بِما أراكَ اللَّهُ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ﴾ [النساء: ١١٤] فِيما بَيْنَ ذَلِكَ في طُعْمَةَ بْنِ أُبَيْرِقٍ ودِرْعِهِ مِن حَدِيدٍ الَّتِي سَرَقَ، وقالَ أصْحابُهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ لِلنَّبِيِّ ﷺ: اعْذِرْهُ في النّاسِ بِلِسانِكَ، ورَمَوْا بِالدِّرْعِ رَجُلًا مِن يَهُودَ بَرِيئًا. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ قَتادَةَ قالَ: «ذُكِرَ لَنا أنَّ هَذِهِ الآياتِ أُنْزِلَتْ في شَأْنِ طُعْمَةَ بْنِ أُبَيْرِقٍ، وفِيما هَمَّ بِهِ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ مِن عُذْرِهِ، فَبَيَّنَ اللَّهُ شَأْنَ طُعْمَةَ بْنِ أُبَيْرِقٍ، ووَعَظَ نَبِيَّهُ ﷺ وحَذَّرَهُ أنْ يَكُونَ لِلْخائِنِينَ خَصِيمًا، وكانَ طُعْمَةُ بْنُ أُبَيْرِقٍ رَجُلًا مِنَ الأنْصارِ، ثُمَّ أحَدَ بَنِي ظَفَرٍ، سَرَقَ (p-٦٨٣)دِرْعًا لِعَمِّهِ كانَتْ ودِيعَةً عِنْدَهُمْ، ثُمَّ قَذَفَها عَلى يَهُودِيٍّ كانَ يَغْشاهم يُقالُ لَهُ زَيْدُ بْنُ السَّمِينِ. فَجاءَ اليَهُودِيُّ إلى النَّبِيِّ ﷺ يَهْتِفُ، فَلَمّا رَأى ذَلِكَ قَوْمُهُ بَنُو ظَفَرٍ جاءُوا إلى نَبِيِّ اللَّهِ ﷺ لِيَعْذِرُوا صاحِبَهُمْ، وكانَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ قَدْ هَمَّ بِعُذْرِهِ حَتّى أنْزِلَ اللَّهُ في شَأْنِهِ ما أنْزَلَ فَقالَ: ﴿ولا تُجادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتانُونَ أنْفُسَهُمْ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا﴾ وكانَ طُعْمَةُ قَذَفَ بِها بَرِيئًا، فَلَمّا بَيَّنَ اللَّهُ شَأْنَ طُعْمَةَ نافَقَ ولَحِقَ بِالمُشْرِكِينَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ في شَأْنِهِ: ﴿ومَن يُشاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الهُدى ويَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ المُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ١١٥] الآيَةَ» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ العَوْفِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «إنَّ نَفَرًا مِنَ الأنْصارِ غَزَوْا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ في بَعْضِ غَزَواتِهِ، فَسُرِقَتْ دِرْعٌ لِأحَدِهِمْ، فَأظَنَّ بِها رَجُلًا مِنَ الأنْصارِ فَأتى صاحِبُ الدِّرْعِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: إنَّ طُعْمَةَ بْنَ أُبَيْرِقٍ سَرَقَ دِرْعِي، فَلَمّا رَأى السّارِقُ ذَلِكَ عَمَدَ إلَيْها فَألْقاها في بَيْتِ رَجُلٍ بَرِيءٍ، وقالَ لِنَفَرٍ مِن عَشِيرَتِهِ: إنِّي غَيَّبْتُ الدِّرْعَ وألْقَيْتُها في بَيْتِ فُلانٍ، وسَتُوجَدُ عِنْدَهُ. فانْطَلَقُوا إلى النَّبِيِّ ﷺ فَقالُوا: يا نَبِيَّ اللَّهِ، إنَّ صاحَبَنا بَرِيءٌ، وإنَّ سارِقَ الدِّرْعِ فُلانٌ، وقَدْ أحَطْنا بِذَلِكَ عِلْمًا، فَأعْذِرْ صاحِبَنا عَلى رُؤُوسِ النّاسِ، وجادِلْ عَنْهُ؛ فَإنَّهُ إلّا يَعْصِمْهُ اللَّهُ بِكَ يَهْلَكْ. فَقامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَبَرَّأهُ وعَذَرَهُ عَلى رُؤُوسِ النّاسِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿إنّا أنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النّاسِ بِما أراكَ اللَّهُ﴾ يَقُولُ: بِما أنْزَلَ اللَّهُ إلَيْكَ. (p-٦٨٤)إلى قَوْلِهِ: ﴿خَوّانًا أثِيمًا﴾ ثُمَّ قالَ لِلَّذِينِ أتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَيْلًا»:

النساء 4:113

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا أنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ﴾ الآياتِ . أخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، (p-٦٧٨)والحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ قَتادَةَ بْنِ النُّعْمانِ قالَ: «كانَ أهْلُ بَيْتٍ مِنّا يُقالُ لَهم: بَنُو أُبَيْرِقٍ: بِشْرٌ وبُشَيْرٌ ومُبَشِّرٌ، وكانَ بُشَيْرٌ رَجُلًا مُنافِقًا يَقُولُ الشِّعْرَ يَهْجُو بِهِ أصْحابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ثُمَّ يَنْحَلُهُ بَعْضَ العَرَبِ، ثُمَّ يَقُولُ: قالَ فُلانٌ كَذا وكَذا، قالَ فُلانٌ كَذا وكَذا، وإذا سَمِعَ أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ذَلِكَ الشِّعْرَ قالُوا: واللَّهِ ما يَقُولُ هَذا الشِّعْرَ إلّا هَذا الخَبِيثُ. فَقالَ: ؎أوَكُلَّما قالَ الرِّجالُ قَصِيدَةً أضِمُوا فَقالُوا ابْنُ الأُبَيْرِقِ قالَها وكانُوا أهْلَ بَيْتِ حاجَّةٍ وفاقَةٍ في الجاهِلِيَّةِ والإسْلامِ، وكانَ النّاسُ إنَّما طَعامُهم بِالمَدِينَةِ التَّمْرُ والشَّعِيرُ، وكانَ الرَّجُلُ إذا كانَ لَهُ يَسارٌ فَقَدِمَتْ ضافِطَةٌ مِنَ الشّامِ مِنَ الدَّرْمَكِ ابْتاعَ الرَّجُلُ مِنها فَخَصَّ بِها نَفْسَهُ، وأمّا العِيالُ فَإنَّما طَعامُهُمُ الشَّعِيرُ، فَقَدِمَتْ ضافِطَةٌ مِنَ الشّامِ فابْتاعَ عَمِّي رَفاعَةُ بْنُ زَيْدٍ حِمْلًا مِنَ الدَّرْمَكِ فَجَعَلَهُ في مَشْرُبَةٍ لَهُ، وفي المَشْرُبَةِ سِلاحٌ لَهُ؛ دِرْعانِ وسَيْفاهُما وما يُصْلِحُهُما، فَعَدا عَدِيٌّ مِن تَحْتِ اللَّيْلِ، فَنَقَبَ المَشْرُبَةَ وأخَذَ الطَّعامَ والسِّلاحَ، فَلَمّا أصْبَحَ أتانِي عَمِّي رَفاعَةُ فَقالَ: يا ابْنَ أخِي، تَعْلَمُ أنَّهُ قَدْ عُدِيَ عَلَيْنا في لَيْلَتِنا هَذِهِ، فَنُقِبَتْ مَشْرُبَتُنا، فَذُهِبَ بِطَعامِنا وسِلاحِنا. قالَ: (p-٦٧٩)فَتَجَسَّسْنا في الدّارِ وسَألْنا، فَقِيلَ لَنا: قَدْ رَأيْنا بَنِي أُبَيْرِقٍ قَدِ اسْتَوْقَدُوا في هَذِهِ اللَّيْلَةِ، ولا نَرى فِيما نَرى إلّا عَلى بَعْضِ طَعامِكُمْ، قالَ: وقَدْ كانَ بَنُو أُبَيْرِقٍ قالُوا: ونَحْنُ نَسْألُ في الدّارِ: واللَّهِ ما نَرى صاحِبَكم إلّا لَبِيدَ بْنَ سَهْلٍ رَجُلًا مِنّا لَهُ صَلاحٌ وإسْلامٌ، فَلَمّا سَمِعَ ذَلِكَ لَبِيدٌ اخْتَرَطَ سَيْفَهُ ثُمَّ أتى بَنِي أُبَيْرِقٍ وقالَ: أنا أسْرِقُ؟ فَواللَّهِ لِيُخالِطَنَّكم هَذا السَّيْفُ أوْ لَتُبَيِّنُنَّ هَذِهِ السَّرِقَةَ، قالُوا: إلَيْكَ عَنّا أيُّها الرَّجُلُ، فَواللَّهِ ما أنْتَ بِصاحِبِها. فَسَألْنا في الدّارِ حَتّى لَمْ نَشُكَّ أنَّهم أصْحابُها، فَقالَ لِي عَمِّي: يا ابْنَ أخِي، لَوْ أتَيْتَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرْتَ ذَلِكَ لَهُ. قالَ قَتادَةُ: فَأتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّ أهْلَ بَيْتٍ مِنّا أهَّلَ جَفاءٍ، عَمَدُوا إلى عَمِّي رَفاعَةَ بْنِ زَيْدٍ فَنَقَبُوا مَشْرُبَةً لَهُ وأخَذُوا سِلاحَهُ وطَعامَهُ فَلْيَرُدُّوا عَلَيْنا سِلاحَنا، فَأمّا الطَّعامُ فَلا حاجَةَ لَنا فِيهِ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «سَأنْظُرُ في ذَلِكَ» فَلَمّا سَمِعَ ذَلِكَ بَنُو أُبَيْرِقٍ أتَوْا رَجُلًا مِنهم يُقالُ لَهُ أُسَيْرُ بْنُ عُرْوَةَ فَكَلَّمُوهُ في ذَلِكَ، واجْتَمَعَ إلَيْهِ ناسٌ مِن أهْلِ الدّارِ، فَأتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّ قَتادَةَ بْنَ النُّعْمانِ وعَمَّهُ عَمَدُوا إلى أهْلِ بَيْتٍ مِنّا أهْلِ إسْلامٍ وصَلاحٍ يَرْمُونَهم بِالسَّرِقَةِ مِن غَيْرِ بَيِّنَةٍ ولا ثَبَتٍ، قالَ قَتادَةُ: فَأتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَكَلَّمْتُهُ، فَقالَ: «عَمَدْتَ إلى أهْلِ بَيْتِ ذُكِرَ مِنهم إسْلامٌ وصَلاحٌ، تَرْمِيهِمْ بِالسَّرِقَةِ مِن غَيْرِ بَيِّنَةٍ ولا ثَبَتٍ» قالَ قَتادَةُ: فَرَجَعْتُ ولَوَدِدْتُ أنِّي خَرَجْتُ مِن بَعْضِ مالِي ولَمْ أُكَلِّمْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ في ذَلِكَ، فَأتانِي عَمِّي رَفاعَةُ فَقالَ: يا ابْنَ أخِي، ما صَنَعْتَ؟ فَأخْبَرْتُهُ بِما قالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: اللَّهُ المُسْتَعانُ. فَلَمْ نَلْبَثْ أنْ نَزَلَ القُرْآنُ: ﴿إنّا أنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النّاسِ بِما أراكَ اللَّهُ ولا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ خَصِيمًا﴾ بَنِي أُبَيْرِقٍ، (p-٦٨٠)﴿واسْتَغْفِرِ اللَّهَ﴾ أيْ مِمّا قُلْتَ لِقَتادَةَ، ﴿إنَّ اللَّهَ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ ﴿ولا تُجادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتانُونَ أنْفُسَهُمْ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ أيْ: أنَّهم لَوِ اسْتَغْفَرُوا اللَّهَ لَغَفَرَ لَهم ﴿ومَن يَكْسِبْ إثْمًا﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتانًا وإثْمًا مُبِينًا﴾ قَوْلَهم لِلَبِيدٍ، ﴿ولَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ ورَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طائِفَةٌ مِنهم أنْ يُضِلُّوكَ﴾ يَعْنِي أُسَيْرَ بْنَ عُرْوَةَ وأصْحابَهُ. إلى قَوْلِهِ: ﴿فَسَيُؤْتِيهِ أجْرًا عَظِيمًا﴾ [الفتح: ١٠]، فَلَمّا نَزَلَ القُرْآنُ أُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالسِّلاحِ فَرَدَّهُ إلى رِفاعَةَ، قالَ قَتادَةُ: فَلَمّا أتَيْتُ عَمِّي بِالسِّلاحِ - وكانَ شَيْخًا قَدْ عَسا في الجاهِلِيَّةِ وكُنْتُ أرى إسْلامَهُ مَدْخُولًا، فَلَمّا أتَيْتُهُ بِالسِّلاحِ قالَ: يا ابْنَ أخِي، هو في سَبِيلِ اللَّهِ. فَعَرَفْتُ أنَّ إسْلامَهُ كانَ صَحِيحًا، فَلَمّا نَزَلَ القُرْآنُ لَحِقَ بُشَيْرٌ بِالمُشْرِكِينَ فَنَزَلَ عَلى سُلافَةَ بِنْتِ سَعْدٍ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿ومَن يُشاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الهُدى ويَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ المُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ ما تَوَلّى﴾ [النساء: ١١٥] إلى قَوْلِهِ: ﴿ضَلالا بَعِيدًا﴾ [النساء: ١١٦] فَلَمّا نَزَلَ عَلى سُلافَةَ رَماها حَسّانُ بْنُ ثابِتٍ بِأبْياتٍ مِن شِعْرٍ، فَأخَذَتْ رَحْلَهُ فَوَضَعَتْهُ عَلى رَأْسِها ثُمَّ خَرَجَتْ فَرَمَتْ بِهِ في الأبْطَحِ ثُمَّ قالَتْ: أهْدَيْتَ لِي شَعْرَ حَسّانَ! ما كُنْتَ تَأْتِينِي بِخَيْرٍ» . وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ عَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ قالَ: «عَدا بُشَيْرُ بْنُ الحارِثِ عَلى عِلِّيَّةِ (p-٦٨١)رَفاعَةَ بْنِ زَيْدٍ عَمِّ قَتادَةَ بْنِ النُّعْمانِ الظَّفَرِيِّ، فَنَقَبَها مِن ظَهْرِها، وأخَذَ طَعامًا لَهُ ودِرْعَيْنِ بِأداتِهِما، فَأتى قَتادَةُ بْنُ النُّعْمانِ النَّبِيَّ ﷺ فَأخْبَرَهُ بِذَلِكَ، فَدَعا بُشَيْرًا فَسَألَهُ، فَأنْكَرَ، ورَمى بِذَلِكَ لَبِيدَ بْنَ سَهْلٍ، رَجُلًا مِن أهْلِ الدّارِ ذا حَسَبٍ ونَسَبٍ، فَنَزَلَ القُرْآنُ بِتَكْذِيبِ بُشَيْرٍ وبَراءَةِ لَبِيدِ بْنِ سَهْلٍ؛ قَوْلُهُ: ﴿إنّا أنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النّاسِ بِما أراكَ اللَّهُ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ يَعْنِي بُشَيْرَ بْنَ أُبَيَرِقٍ، ﴿ومَن يَكْسِبْ خَطِيئَةً أوْ إثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا﴾ يَعْنِي لَبِيدَ بْنَ سَهْلٍ حِينَ رَماهُ بَنُو أُبَيْرِقٍ بِالسَّرِقَةِ. فَلَمّا نَزَلَ القُرْآنُ في بُشَيْرٍ، وعُثِرَ عَلَيْهِ هَرَبَ إلى مَكَّةَ مُرْتَدًّا كافِرًا، فَنَزَلَ عَلى سُلافَةَ بِنْتِ سَعْدِ بْنِ الشَّهِيدِ، فَجَعَلَ يَقَعُ في النَّبِيِّ ﷺ وفي المُسْلِمِينَ، فَنَزَلَ القُرْآنُ فِيهِ وهَجاهُ حَسّانُ بْنُ ثابِتٍ حَتّى رَجَعَ، وكانَ ذَلِكَ في شَهْرِ رَبِيعٍ سَنَةَ أرْبَعٍ مِنَ الهِجْرَةِ» . وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ مِن وجْهٍ آخَرَ عَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ قالَ: «كانَ أُسَيْرُ بْنُ عُرْوَةَ رَجُلًا مِنطِيقًا ظَرِيفًا بَلِيغًا حُلْوًا، فَسَمِعَ بِما قالَ قَتادَةُ بْنُ النُّعْمانِ في بَنِي أُبَيْرِقٍ لِلنَّبِيِّ ﷺ حِينَ اتَّهَمَهم بِنَقْبِ عِلِّيَّةِ عَمِّهِ وأخْذِ طَعامِهِ والدِّرْعَيْنِ، فَأتى أُسَيْرٌ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ في جَماعَةٍ جَمَعَهم مِن قَوْمِهِ فَقالَ: إنَّ قَتادَةَ وعَمَّهُ عَمَدُوا إلى أهْلِ بَيْتٍ مِنّا أهْلِ حَسَبٍ ونَسَبٍ وصَلاحٍ يُؤَنِّبُونَهم بِالقَبِيحِ ويَقُولُونَ لَهم ما لا يَنْبَغِي، بِغَيْرِ ثَبَتٍ ولا بَيِّنَةٍ. فَوَضَعَ لَهم عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ما شاءَ ثُمَّ انْصَرَفَ، فَأقْبَلَ بَعْدَ ذَلِكَ قَتادَةُ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِيُكَلِّمَهُ، (p-٦٨٢)فَجَبَهَهَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ جَبْهًا شَدِيدًا مُنْكَرًا، وقالَ: «بِئْسَما صَنَعْتَ وبِئْسَما مَشَيْتَ فِيهِ» فَقامَ قَتادَةُ وهو يَقُولُ: لَوَدِدْتُ أنِّي خَرَجْتُ مِن أهْلِي ومالِي، وأنِّي لَمْ أُكَلِّمْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ في شَيْءٍ مِن أمْرِهِمْ، وما أنا بِعائِدٍ في شَيْءٍ مِن ذَلِكَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ عَلى نَبِيِّهِ في شَأْنِهِمْ: ﴿إنّا أنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ولا تُجادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتانُونَ أنْفُسَهُمْ﴾ يَعْنِي أُسَيْرَ بْنَ عُرْوَةَ وأصْحابَهُ، ﴿إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَن كانَ خَوّانًا أثِيمًا﴾ [النساء»: ١٠٧] . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنّا أنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النّاسِ بِما أراكَ اللَّهُ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ﴾ [النساء: ١١٤] فِيما بَيْنَ ذَلِكَ في طُعْمَةَ بْنِ أُبَيْرِقٍ ودِرْعِهِ مِن حَدِيدٍ الَّتِي سَرَقَ، وقالَ أصْحابُهُ مِنَ المُؤْمِنِينَ لِلنَّبِيِّ ﷺ: اعْذِرْهُ في النّاسِ بِلِسانِكَ، ورَمَوْا بِالدِّرْعِ رَجُلًا مِن يَهُودَ بَرِيئًا. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ قَتادَةَ قالَ: «ذُكِرَ لَنا أنَّ هَذِهِ الآياتِ أُنْزِلَتْ في شَأْنِ طُعْمَةَ بْنِ أُبَيْرِقٍ، وفِيما هَمَّ بِهِ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ مِن عُذْرِهِ، فَبَيَّنَ اللَّهُ شَأْنَ طُعْمَةَ بْنِ أُبَيْرِقٍ، ووَعَظَ نَبِيَّهُ ﷺ وحَذَّرَهُ أنْ يَكُونَ لِلْخائِنِينَ خَصِيمًا، وكانَ طُعْمَةُ بْنُ أُبَيْرِقٍ رَجُلًا مِنَ الأنْصارِ، ثُمَّ أحَدَ بَنِي ظَفَرٍ، سَرَقَ (p-٦٨٣)دِرْعًا لِعَمِّهِ كانَتْ ودِيعَةً عِنْدَهُمْ، ثُمَّ قَذَفَها عَلى يَهُودِيٍّ كانَ يَغْشاهم يُقالُ لَهُ زَيْدُ بْنُ السَّمِينِ. فَجاءَ اليَهُودِيُّ إلى النَّبِيِّ ﷺ يَهْتِفُ، فَلَمّا رَأى ذَلِكَ قَوْمُهُ بَنُو ظَفَرٍ جاءُوا إلى نَبِيِّ اللَّهِ ﷺ لِيَعْذِرُوا صاحِبَهُمْ، وكانَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ قَدْ هَمَّ بِعُذْرِهِ حَتّى أنْزِلَ اللَّهُ في شَأْنِهِ ما أنْزَلَ فَقالَ: ﴿ولا تُجادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتانُونَ أنْفُسَهُمْ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا﴾ وكانَ طُعْمَةُ قَذَفَ بِها بَرِيئًا، فَلَمّا بَيَّنَ اللَّهُ شَأْنَ طُعْمَةَ نافَقَ ولَحِقَ بِالمُشْرِكِينَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ في شَأْنِهِ: ﴿ومَن يُشاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الهُدى ويَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ المُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ١١٥] الآيَةَ» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ العَوْفِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «إنَّ نَفَرًا مِنَ الأنْصارِ غَزَوْا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ في بَعْضِ غَزَواتِهِ، فَسُرِقَتْ دِرْعٌ لِأحَدِهِمْ، فَأظَنَّ بِها رَجُلًا مِنَ الأنْصارِ فَأتى صاحِبُ الدِّرْعِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: إنَّ طُعْمَةَ بْنَ أُبَيْرِقٍ سَرَقَ دِرْعِي، فَلَمّا رَأى السّارِقُ ذَلِكَ عَمَدَ إلَيْها فَألْقاها في بَيْتِ رَجُلٍ بَرِيءٍ، وقالَ لِنَفَرٍ مِن عَشِيرَتِهِ: إنِّي غَيَّبْتُ الدِّرْعَ وألْقَيْتُها في بَيْتِ فُلانٍ، وسَتُوجَدُ عِنْدَهُ. فانْطَلَقُوا إلى النَّبِيِّ ﷺ فَقالُوا: يا نَبِيَّ اللَّهِ، إنَّ صاحَبَنا بَرِيءٌ، وإنَّ سارِقَ الدِّرْعِ فُلانٌ، وقَدْ أحَطْنا بِذَلِكَ عِلْمًا، فَأعْذِرْ صاحِبَنا عَلى رُؤُوسِ النّاسِ، وجادِلْ عَنْهُ؛ فَإنَّهُ إلّا يَعْصِمْهُ اللَّهُ بِكَ يَهْلَكْ. فَقامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَبَرَّأهُ وعَذَرَهُ عَلى رُؤُوسِ النّاسِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿إنّا أنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النّاسِ بِما أراكَ اللَّهُ﴾ يَقُولُ: بِما أنْزَلَ اللَّهُ إلَيْكَ. (p-٦٨٤)إلى قَوْلِهِ: ﴿خَوّانًا أثِيمًا﴾ ثُمَّ قالَ لِلَّذِينِ أتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَيْلًا»:

النساء 4:114

(p-٥)﷽ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا خَيْرَ في كَثِيرٍ مِن نَجْواهُمْ﴾ الآيَةَ. أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ في قَوْلِهِ: ﴿لا خَيْرَ في كَثِيرٍ مِن نَجْواهم إلا مَن أمَرَ بِصَدَقَةٍ أوْ مَعْرُوفٍ أوْ إصْلاحٍ بَيْنَ النّاسِ﴾: (مَن جاءَكَ يُناجِيكَ في هَذا فاقْبَلْ مُناجاتَهُ، ومَن جاءَ يُناجِيكَ في غَيْرِ هَذا فاقْطَعْ أنْتَ عَنْهُ ذاكَ، لا تُناجِيهِ) . وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُقاتِلِ بْنِ حَيّانَ ﴿إلا مَن أمَرَ بِصَدَقَةٍ أوْ مَعْرُوفٍ﴾ قالَ: المَعْرُوفُ القَرْضُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والتِّرْمِذِيُّ، وابْنُ ماجَهْ، وابْنُ أبِي الدُّنْيا في (الصَّمْتِ)، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ في زَوائِدِ ((الزُّهْدِ))، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في (شُعَبِ الإيمانِ) مِن طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ خُنَيْسٍ قالَ: دَخَلْنا عَلى سُفْيانَ الثَّوْرِيِّ نَعُودُهُ ومَعَنا سَعِيدُ بْنُ حَسّانَ المَخْزُومِيُّ فَقالَ لَهُ سُفْيانُ: أعِدْ عَلَيَّ الحَدِيثَ الَّذِي كُنْتَ حَدَّثْتَنِيهِ عَنْ أُمِّ صالِحٍ، قالَ: حَدَّثَتْنِي أُمُّ صالِحٍ بِنْتُ صالِحٍ، عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ شَيْبَةَ، عَنْ أُمِّ حَبِيبَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ قالَتْ: (p-٦)قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «(كَلامُ ابْنِ آدَمَ كُلُّهُ عَلَيْهِ لا لَهُ، إلّا أمْرًا بِمَعْرُوفٍ، أوْ نَهْيًا عَنْ مُنْكَرٍ، أوْ ذِكْرًا للَّهِ عَزَّ وجَلَّ»)، فَقالَ مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ: ما أشَدَّ هَذا الحَدِيثَ! فَقالَ سُفْيانُ: وما شِدَّةُ هَذا الحَدِيثِ؟ إنَّما جاءَتْ بِهِ امْرَأةٌ، عَنِ امْرَأةٍ، هَذا في كِتابِ اللَّهِ الَّذِي أُرْسِلَ بِهِ نَبِيُّكم ﷺ، أما سَمِعْتَ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿لا خَيْرَ في كَثِيرٍ مِن نَجْواهم إلا مَن أمَرَ بِصَدَقَةٍ أوْ مَعْرُوفٍ أوْ إصْلاحٍ بَيْنَ النّاسِ﴾ ؟ فَهو هَذا بِعَيْنِهِ، أوَما سَمِعْتَ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ والمَلائِكَةُ صَفًّا لا يَتَكَلَّمُونَ إلا مَن أذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وقالَ صَوابًا﴾ [النبإ: ٣٨] [النَّبَإ: ٣٨] فَهو هَذا بِعَيْنِهِ، أوَما سَمِعْتَ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿والعَصْرِ﴾ [العصر: ١] ﴿إنَّ الإنْسانَ لَفي خُسْرٍ﴾ [العصر: ٢] ﴿إلا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ وتَواصَوْا بِالحَقِّ وتَواصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر: ٣] [العَصْرِ: ١-٣]؟ فَهو هَذا بِعَيْنِهِ. وأخْرَجَ أحْمَدُ، والبُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، والتِّرْمِذِيُّ، وابْنُ ماجَهْ، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ أبِي شُرَيْحٍ الخُزاعِيِّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «(مَن كانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ، فَلْيَقُلْ خَيْرًا أوْ لِيَصْمُتْ») . وأخْرَجَ البُخارِيُّ، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: (p-٧)«(مَن يَضْمَنُ لِي ما بَيْنَ لَحْيَيْهِ وما بَيْنَ رِجْلَيْهِ، أضْمَنُ لَهُ الجَنَّةَ») . وأخْرَجَ أحْمَدُ، والبُخارِيُّ في (الأدَبِ)، والتِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ، وابْنُ ماجَهْ، وابْنُ حِبّانَ، والحاكِمُ، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «(إنَّ أكْثَرَ ما يُدْخِلُ النّاسَ النّارَ الأجْوَفانِ: الفَمُ والفَرْجُ») . وأخْرَجَ مُسْلِمٌ، والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ ماجَهْ، والبَيْهَقِيُّ، «عَنْ سُفْيانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الثَّقَفِيِّ قالَ: قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، مُرْنِي بِأمْرٍ أعْتَصِمُ بِهِ في الإسْلامِ. قالَ: (قُلْ: آمَنتُ بِاللَّهِ ثُمَّ اسْتَقِمْ)، قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، ما أخْوَفُ ما تَخافُ عَلَيَّ؟ قالَ: (هَذا) وأخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِطَرَفِ لِسانِ نَفْسِهِ» . وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ عَنْ أبِي عَمْرٍو الشَّيْبانِيِّ قالَ: حَدَّثَنِي صاحِبُ هَذِهِ الدّارِ - يَعْنِي «عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ - قالَ: سَألْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ: أيُّ العَمَلِ أفْضَلُ؟ قالَ: (الصَّلاةُ عَلى مِيقاتِها)، قُلْتُ: ثُمَّ ماذا يا رَسُولَ اللَّهِ؟ قالَ: (ثُمَّ بِرُّ (p-٨)الوالِدَيْنِ)، قُلْتُ: ثُمَّ ماذا يا رَسُولَ اللَّهِ؟ قالَ: (أنْ يَسْلَمَ النّاسُ مِن لِسانِكَ)، قالَ: ثُمَّ سَكَتَ ولَوِ اسْتَزَدْتُهُ لَزادَنِي» . وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عامِرٍ قالَ: «قُلْتُ: يا نَبِيَّ اللَّهِ، ما النَّجاةُ؟ قالَ: (امْلِكْ عَلَيْكَ لِسانَكَ، ولْيَسَعْكَ بَيْتُكَ، وابْكِ عَلى خَطِيئَتِكَ») . وأخْرَجَ البُخارِيُّ في (تارِيخِهِ)، وابْنُ أبِي الدُّنْيا في (الصَّمْتِ)، والبَيْهَقِيُّ، «عَنْ أسْوَدَ بْنِ أصْرَمَ المُحارِبِيِّ قالَ: قُلْتُ يا رَسُولَ اللَّهِ، أوْصِنِي، قالَ: (هَلْ تَمْلِكُ لِسانَكَ؟) قُلْتُ: فَما أمْلِكُ إذا لَمْ أمْلِكْ لِسانِي؟ قالَ: (فَهَلْ تَمْلِكُ يَدَكَ؟) قُلْتُ: فَما أمْلِكُ إذا لَمْ أمْلِكْ يَدِي؟ قالَ: (فَلا تَقُلْ بِلِسانِكَ إلّا مَعْرُوفًا، ولا تَبْسُطْ يَدَكَ إلّا إلى خَيْرٍ») . وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ عَنِ الحَسَنِ قالَ: بَلَغَنا أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «(رَحِمَ اللَّهُ عَبْدًا تَكَلَّمَ فَغَنِمَ، أوْ سَكَتَ فَسَلِمَ») . وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثَلاثَ مِرارٍ: «(رَحِمَ اللَّهُ امْرَأً تَكَلَّمَ فَغَنِمَ، أوْ سَكَتَ فَسَلِمَ») . (p-٩)وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ «عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، أنَّهُ أتى عَلى الصَّفا فَقالَ: يا لِسانُ، قُلْ خَيْرًا تَغْنَمْ، أوِ اصْمُتْ تَسْلَمْ، مِن قَبْلِ أنْ تَنْدَمَ، قالُوا: يا أبا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، هَذا شَيْءٌ تَقُولُهُ أوْ سَمِعْتَهُ؟ قالَ: لا، بَلْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: (إنَّ أكْثَرَ خَطايا ابْنِ آدَمَ في لِسانِهِ») . وأخْرَجَ أحْمَدُ في ((الزُّهْدِ))، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: رَأيْتُ ابْنَ عَبّاسٍ آخِذًا بِثَمَرَةِ لِسانِهِ وهو يَقُولُ: يا لِساناهْ، قُلْ خَيْرًا تَغْنَمْ، أوِ اسْكُتْ عَنْ شَرٍّ تَسْلَمْ، قَبْلَ أنْ تَنْدَمَ، فَقالَ لَهُ رَجُلٌ: ما لِي أراكَ آخِذًا بِثَمَرَةِ لِسانِكَ تَقُولُ كَذا وكَذا؟ قالَ: إنَّهُ بَلَغَنِي أنَّ العَبْدَ يَوْمَ القِيامَةِ لَيْسَ هو عَلى شَيْءٍ أحْنَقَ مِنهُ عَلى لِسانِهِ. وأخْرَجَ أبُو يَعْلى، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «(مَن سَرَّهُ أنْ يَسْلَمَ فَلْيَلْزَمِ الصَّمْتَ») . وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ عَنْ أنَسٍ، «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَقِيَ أبا ذَرٍّ فَقالَ: ( يا أبا ذَرٍّ، ألا أدُلُّكَ عَلى خَصْلَتَيْنِ هُما أخَفُّ عَلى الظَّهْرِ وأثْقَلُ في المِيزانِ مِن غَيْرِهِما؟) قالَ: بَلى يا رَسُولَ اللَّهِ، قالَ: عَلَيْكَ بِحُسْنِ الخُلُقِ، وطُولِ الصَّمْتِ، والَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ ما عَمِلَ الخَلائِقُ بِمِثْلِهِما») . (p-١٠)وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ عَنْ أبِي ذَرٍّ قالَ: «قُلْتُ يا رَسُولَ اللَّهِ، أوْصِنِي، قالَ: (أُوصِيكَ بِتَقْوى اللَّهِ فَإنَّهُ أزْيَنُ لِأمْرِكَ كُلِّهِ)، قُلْتُ: زِدْنِي، قالَ: (عَلَيْكَ بِتِلاوَةِ القُرْآنِ وذِكْرِ اللَّهِ، فَإنَّهُ ذِكْرٌ لَكَ في السَّماءِ، ونُورٌ لَكَ في الأرْضِ)، قُلْتُ: زِدْنِي، قالَ: (عَلَيْكَ بِطُولِ الصَّمْتِ، فَإنَّهُ مُطْرَدَةٌ لِلشَّيْطانِ، وعَوْنٌ لَكَ عَلى أمْرِ دِينِكَ)، قُلْتُ: زِدْنِي، قالَ: (إيّاكَ وكَثْرَةَ الضَّحِكِ) فَإنَّهُ يُمِيتُ القَلْبَ، ويَذْهَبُ بِنُورِ الوَجْهِ)، قُلْتُ: زِدْنِي، قالَ: (قُلِ الحَقَّ، وإنْ كانَ مُرًّا)، قُلْتُ: زِدْنِي، قالَ: (لا تَخَفْ في اللَّهِ لَوْمَةَ لائِمٍ)، قُلْتُ: زِدْنِي، قالَ: (لِيَحْجِزْكَ عَنِ النّاسِ ما تَعْلَمُ مِن نَفْسِكَ») . وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ عَنْ رَكْبٍ المِصْرِيِّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «(طُوبى لِمَن عَمِلَ بِعِلْمِهِ، وأنْفَقَ الفَضْلَ مِن مالِهِ، وأمْسَكَ الفَضْلَ مِن قَوْلِهِ») . وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ، رَفَعَهُ إلى النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «(إذا أصْبَحَ ابْنُ آدَمَ فَإنَّ كُلَّ شَيْءٍ مِنَ الجَسَدِ يُكَفِّرُ اللِّسانَ، يَقُولُ: نَنْشُدُكَ اللَّهَ فِينا، فَإنَّكَ إنِ اسْتَقَمْتَ اسْتَقَمْنا، وإنِ اعْوَجَجْتَ اعْوَجَجْنا») . وأخْرَجَ أحْمَدُ في ((الزُّهْدِ))، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ، عَنْ أبِيهِ، «أنَّ (p-١١)عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ اطَّلَعَ عَلى أبِي بَكْرٍ وهو يَمُدُّ لِسانَهُ، قالَ: ما تَصْنَعُ يا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ؟ قالَ: إنَّ هَذا الَّذِي أوْرَدَنِي المَوارِدَ، إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: (لَيْسَ شَيْءٌ مِنَ الجَسَدِ إلّا يَشْكُو ذِرْبَ اللِّسانِ عَلى حِدَّتِهِ») . وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ عَنْ أبِي جُحَيْفَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «(أيُّ الأعْمالِ أحَبُّ إلى اللَّهِ؟) قالَ: فَسَكَتُوا فَلَمْ يُجِبْهُ أحَدٌ، قالَ: (هُوَ حِفْظُ اللِّسانِ») . وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ عَنْ عِمْرانَ بْنِ حُصَيْنٍ، أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «(مَقامُ الرَّجُلِ بِالصَّمْتِ أفْضَلُ مِن عِبادَةِ سِتِّينَ سَنَةً») . وأخْرَجَ أحْمَدُ، والتِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ، وابْنُ ماجَهْ والحاكِمُ، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ مُعاذِ بْنِ جَبَلٍ قالَ: «كُنّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ في غَزْوَةِ تَبُوكَ فَأصابَ النّاسَ رِيحٌ فَتَقَطَّعُوا، فَضَرَبْتُ بِبَصَرِي، فَإذا أنا قَرِيبُ النّاسِ مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقُلْتُ: لَأغْتَنِمَنَّ خَلْوَتَهُ اليَوْمَ، فَدَنَوْتُ مِنهُ فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، أخْبِرْنِي بِعَمَلٍ يُقَرِّبُنِي، أوْ قالَ: يُدْخِلُنِي الجَنَّةَ ويُباعِدُنِي مِنَ النّارِ، قالَ: (لَقَدْ سَألْتَ عَنْ عَظِيمٍ، وإنَّهُ لَيَسِيرٌ عَلى مَن يَسَّرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ، تَعْبُدُ اللَّهَ ولا تُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا، وتُقِيمُ الصَّلاةَ المَكْتُوبَةَ، وتُؤْتِي الزَّكاةَ المَفْرُوضَةَ، وتَحُجُّ البَيْتَ، وتَصُومُ رَمَضانَ، وإنْ شِئْتَ أنْبَأْتُكَ بِأبْوابِ الخَيْرِ)، قُلْتُ: أجَلْ يا رَسُولَ اللَّهِ، قالَ: (p-١٢)(الصَّوْمُ جُنَّةٌ، والصَّدَقَةُ تُكَفِّرُ الخَطِيئَةَ، وقِيامُ العَبْدِ في جَوْفِ اللَّيْلِ يَبْتَغِي بِهِ وجْهَ اللَّهِ)، ثُمَّ قَرَأ الآيَةَ: ﴿تَتَجافى جُنُوبُهم عَنِ المَضاجِعِ﴾ [السجدة: ١٦] [السَّجْدَةِ: ١٦] ثُمَّ قالَ: (إنْ شِئْتَ أنْبَأْتُكَ بِرَأْسِ الأمْرِ وعَمُودِهِ وذِرْوَةِ سَنامِهِ)، قُلْتُ: أجَلْ، يا رَسُولَ اللَّهِ، قالَ: (أمّا رَأْسُ الأمْرِ فالإسْلامُ، وأمّا عَمُودُهُ، فالصَّلاةُ، وأمّا ذِرْوَةُ سَنامِهِ فالجِهادُ، وإنْ شِئْتَ أنْبَأْتُكَ بِأمْلَكِ النّاسِ مِن ذَلِكَ كُلِّهِ)، قُلْتُ: ما هو يا رَسُولَ اللَّهِ، فَأشارَ بِإصْبَعِهِ إلى فِيهِ، فَقُلْتُ: وإنّا لَنُؤاخَذُ بِكُلِّ ما نَتَكَلَّمُ بِهِ؟ فَقالَ: (ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ يا مُعاذُ، وهَلْ يَكُبُّ النّاسَ عَلى مَناخِرِهِمْ في جَهَنَّمَ إلّا حَصائِدُ ألْسِنَتِهِمْ، وهَلْ تَتَكَلَّمُ إلّا ما عَلَيْكَ أوْ لَكَ»؟) وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في (الشُّعَبِ) عَنْ مَكْحُولٍ، أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ في هَذا الحَدِيثِ لِمُعاذٍ: «(إنَّكَ ما كُنْتَ ساكِتًا، فَإذا تَكَلَّمْتَ فَلَكَ أوْ عَلَيْكَ») . وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ عَنْ عَطاءِ بْنِ أبِي رَباحٍ قالَ: إنَّ مَن قَبْلَكم كانُوا يَعُدُّونَ فُضُولَ الكَلامِ ما عَدا كِتابَ اللَّهِ، أوْ أمْرٌ بِمَعْرُوفٍ، أوْ نَهْيٌ عَنْ (p-١٣)مُنْكَرٍ، وأنْ تَنْطِقَ في مَعِيشَتِكَ الَّتِي لا بُدَّ لَكَ مِنها، أتَذْكُرُونَ أنَّ عَلَيْكم حافِظِينَ ﴿كِرامًا كاتِبِينَ﴾ [الإنفطار: ١١] ﴿عَنِ اليَمِينِ وعَنِ الشِّمالِ قَعِيدٌ﴾ [ق: ١٧] ﴿ما يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إلا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: ١٨] ؟ أما يَسْتَحِي أحَدُكم لَوْ نُشِرَتْ صَحِيفَتُهُ الَّتِي أمْلى صَدْرَ نَهارِهِ ولَيْسَ فِيها شَيْءٌ مِن أمْرِ آخِرَتِهِ. وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ قالَ: لا يَتَّقِي اللَّهَ عَبْدٌ حَتّى يَخْزُنَ مِن لِسانِهِ. وأخْرَجَ أحْمَدُ عَنْ أنَسٍ: أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «(لا يَسْتَقِيمُ إيمانُ عَبْدٍ حَتّى يَسْتَقِيمَ قَلْبُهُ، ولا يَسْتَقِيمُ قَلْبُهُ حَتّى يَسْتَقِيمَ لِسانُهُ، ولا يَدْخُلُ الجَنَّةَ حَتّى يَأْمَنَ جارُهُ بَوائِقَهُ») . وأخْرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ في زَوائِدِ ((الزُّهْدِ))، والحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ في (نَوادِرِ الأُصُولِ)، عَنْ أبِي الدَّرْداءِ قالَ: ما في المُؤْمِنِ بَضْعَةٌ أحَبُّ إلى اللَّهِ مِن لِسانِهِ، بِهِ يُدْخِلُهُ الجَنَّةَ، وما في الكافِرِ بَضْعَةٌ أبْغَضُ إلى اللَّهِ مِن لِسانِهِ، بِهِ يُدْخِلُهُ النّارَ. وأخْرَجَ أحْمَدُ في ((الزُّهْدِ)) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العاصِ قالَ: لا تَنْطِقْ فِيما لا يَعْنِيكَ، واخْزُنْ لِسانَكَ كَما تَخْزُنُ دَراهِمَكَ. (p-١٤)وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأحْمَدُ في ((الزُّهْدِ))، عَنْ سَلْمانَ الفارِسِيِّ قالَ: أكْثَرُ النّاسِ ذُنُوبًا يَوْمَ القِيامَةِ أكْثَرُهم كَلامًا في مَعْصِيَةِ اللَّهِ. وأخْرَجَ أحْمَدُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: أكْثَرُ النّاسِ خَطايا أكْثَرُهم خَوْضًا في الباطِلِ. وأخْرَجَ أحْمَدُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: والَّذِي لا إلَهَ غَيْرُهُ ما عَلى الأرْضِ شَيْءٌ أحْوَجُ إلى طُولِ سَجْنٍ مِن لِسانٍ. * * قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوْ إصْلاحٍ بَيْنَ النّاسِ﴾ أخْرَجَ ابْنُ عَدِيٍّ عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها قالَتْ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «(لا يَصْلُحُ الكَذِبُ إلّا في ثَلاثٍ: الرَّجُلُ يُرْضِي امْرَأتَهُ، وفي الحَرْبِ، وفي صُلْحٍ بَيْنَ النّاسِ») . وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ عَنِ النَّوّاسِ بْنِ سَمْعانَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «(إنَّ الكَذِبَ لا يَصْلُحُ إلّا في ثَلاثٍ: الحَرْبُ فَإنَّها خَدْعَةٌ، والرَّجُلُ يُرْضِي امْرَأتَهُ، والرَّجُلُ يُصْلِحُ بَيْنَ اثْنَيْنِ») . وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ عَنْ أسْماءَ بِنْتِ يَزِيدَ قالَتْ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لا (p-١٥)يَصْلُحُ الكَذِبُ إلّا في ثَلاثٍ: الرَّجُلُ يَكْذِبُ لِامْرَأتِهِ لِتَرْضى عَنْهُ، أوْ إصْلاحٌ بَيْنَ النّاسِ، أوْ يَكْذِبُ في الحَرْبِ» . وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قالَ: «(ما مِن عَمَلِ ابْنِ آدَمَ شَيْءٌ أفْضَلَ مِنَ الصَّدَقَةِ، وصَلاحِ ذاتِ البَيْنِ، وخُلُقٍ حَسَنٍ») . وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «(أفْضَلُ الصَّدَقَةِ صَلاحُ ذاتِ البَيْنِ») . وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ «عَنْ أبِي أيُّوبَ قالَ: قالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (يا أبا أيُّوبَ، ألا أُخْبِرُكَ بِما يُعْظِمُ اللَّهُ بِهِ الأجْرَ ويَمْحُو بِهِ الذُّنُوبَ؟ تَمْشِي في إصْلاحِ النّاسِ إذا تَباغَضُوا، وتَفاسَدُوا، فَإنَّها صَدَقَةٌ يُحِبُّ اللَّهُ مَوْضِعَها») . وأخْرَجَ أحْمَدُ، والبُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، وأبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ أُمِّ كُلْثُومٍ بِنْتِ عُقْبَةَ أنَّها سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «(لَيْسَ الكَذّابُ بِالَّذِي يُصْلِحُ بَيْنَ النّاسِ فَيَنْمِي خَيْرًا أوْ يَقُولُ خَيْرًا) وقالَتْ: لَمْ أسْمَعْهُ يُرَخِّصُ في شَيْءٍ مِمّا يَقُولُهُ النّاسُ إلّا في ثَلاثٍ: في الحَرْبِ، والإصْلاحِ بَيْنَ النّاسِ، وحَدِيثِ الرَّجُلِ امْرَأتَهُ، وحَدِيثِ المَرْأةِ زَوْجَها» . (p-١٦)وأخْرَجَ أحْمَدُ، وأبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ أبِي الدَّرْداءِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «(ألا أُخْبِرُكم بِأفْضَلَ مِن دَرَجَةِ الصِّيامِ والصَّلاةِ والصَّدَقَةِ؟) قالُوا: بَلى، قالَ: (إصْلاحُ ذاتِ البَيْنِ)، قالَ: (وفَسادُ ذاتِ البَيْنِ هي الحالِقَةُ») . وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ «عَنْ أبِي أيُّوبَ، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ لَهُ: (يا أبا أيُّوبَ، ألا أدُلُّكَ عَلى صَدَقَةٍ يَرْضى اللَّهُ ورَسُولُهُ مَوْضِعَها؟) قالَ: بَلى، قالَ: (تُصْلِحُ بَيْنَ النّاسِ إذا تَفاسَدُوا، وتُقَرِّبُ بَيْنَهم إذا تَباعَدُوا») . وأخْرَجَ البَزّارُ عَنْ أنَسٍ، «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ لِأبِي أيُّوبَ: (ألا أدُلُّكَ عَلى تِجارَةٍ؟) قالَ: بَلى، قالَ: (تَسْعى في صُلْحٍ بَيْنَ النّاسِ إذا تَفاسَدُوا، وتُقَرِّبُ بَيْنَهم إذا تَباعَدُوا») . وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَبِيبِ بْنِ أبِي ثابِتٍ قالَ: كُنْتُ جالِسًا مَعَ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ، فَأتاهُ رَجُلٌ، فَقالَ لَهُ القَوْمُ: أيْنَ كُنْتَ؟ فَقالَ: أصْلَحْتُ بَيْنَ قَوْمٍ، فَقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: أصَبْتَ لَكَ مِثْلُ أجْرِ المُجاهِدِينَ، ثُمَّ قَرَأ: ﴿لا خَيْرَ في كَثِيرٍ مِن نَجْواهم إلا مَن أمَرَ (p-١٧)بِصَدَقَةٍ أوْ مَعْرُوفٍ أوْ إصْلاحٍ بَيْنَ النّاسِ﴾ وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُقاتِلِ بْنِ حَيّانَ في قَوْلِهِ: ﴿ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ﴾ تَصَدَّقَ أوْ أقْرَضَ أوْ أصْلَحَ بَيْنَ النّاسِ. وأخْرَجَ أبُو نَصْرٍ السِّجْزِيُّ في (الإبانَةِ) عَنْ أنَسٍ قالَ: «جاءَ أعْرابِيٌّ إلى النَّبِيِّ ﷺ فَقالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (إنَّ اللَّهَ أنْزَلَ عَلَيَّ في القُرْآنِ يا أعْرابِيُّ: ﴿لا خَيْرَ في كَثِيرٍ مِن نَجْواهُمْ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أجْرًا عَظِيمًا﴾ يا أعْرابِيُّ، الأجْرُ العَظِيمُ الجَنَّةُ)، قالَ الأعْرابِيُّ: الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِلْإسْلامِ» .

النساء 4:115

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَن يُشاقِقِ الرَّسُولَ﴾ الآيَةَ. أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: دَعانِي مُعاوِيَةُ فَقالَ: بايِعْ لِابْنِ أخِيكَ، فَقُلْتُ: يا مُعاوِيَةُ: ﴿ومَن يُشاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الهُدى ويَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ المُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ ما تَوَلّى ونُصْلِهِ جَهَنَّمَ وساءَتْ مَصِيرًا﴾ فَأسْكَتُّهُ عَنِّي. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿نُوَلِّهِ ما تَوَلّى﴾ مِن آلِهَةِ الباطِلِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مالِكٍ قالَ: كانَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ يَقُولُ: سَنَّ (p-١٨)رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ووُلاةُ الأمْرِ مِن بَعْدِهِ سُنَنًا، الأخْذُ بِها تَصْدِيقٌ لِكِتابِ اللَّهِ، واسْتِكْمالٌ لِطاعَةِ اللَّهِ، وقُوَّةٌ عَلى دِينِ اللَّهِ، لَيْسَ لِأحَدٍ تَغْيِيرُها ولا تَبْدِيلُها ولا النَّظَرُ فِيما خالَفَها، مَنِ اقْتَدى بِها مُهْتَدٍ، ومَنِ اسْتَنْصَرَ بِها مَنصُورٌ، ومَن خالَفَها اتَّبَعَ غَيْرَ سَبِيلِ المُؤْمِنِينَ، ووَلّاهُ اللَّهُ ما تَوَلّى، وصَلاهُ جَهَنَّمَ وساءَتْ مَصِيرًا. وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ، والبَيْهَقِيُّ في (الأسْماءِ والصِّفاتِ) عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «(لا يَجْمَعُ اللَّهُ هَذِهِ الأُمَّةَ عَلى الضَّلالَةِ أبَدًا، ويَدُ اللَّهِ عَلى الجَماعَةِ، فَمَن شَذَّ شَذَّ في النّارِ») . وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ، والبَيْهَقِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «(لا يَجْمَعُ اللَّهُ أُمَّتِي - أوْ قالَ: هَذِهِ الأُمَّةَ - عَلى الضَّلالَةِ أبَدًا، ويَدُ اللَّهِ عَلى الجَماعَةِ») .

النساء 4:117

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إلا إناثًا﴾ الآيَةَ أخْرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ في زَوائِدِ (المُسْنَدِ)، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والضِّياءُ في (المُخْتارَةِ) عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: ﴿إنْ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إلا إناثًا﴾ قالَ: مَعَ كُلِّ صَنَمٍ جِنِّيَّةٌ. (p-١٩)وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ أبِي مالِكٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنْ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إلا إناثًا﴾ قالَ: اللّاتَ والعُزّى ومَناةَ، كُلُّها مُؤَنَّثٌ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ السُّدِّيِّ: ﴿إنْ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إلا إناثًا﴾ يَقُولُ: يُسَمُّونَهم إناثًا، لاةَ ومَناتَ وعُزّى. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿إنْ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إلا إناثًا﴾ قالَ: مَوْتى. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الحَسَنِ في الآيَةِ قالَ: الإناثُ كُلُّ شَيْءٍ مَيِّتٍ لَيْسَ فِيهِ رُوحٌ، مِثْلُ الخَشَبَةِ اليابِسَةِ، ومِثْلُ الحَجَرِ اليابِسِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ قَتادَةَ: ﴿إلا إناثًا﴾ قالَ: مَيِّتًا لا رُوحَ فِيهِ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ الحَسَنِ قالَ: كانَ لِكُلِّ حَيٍّ مِن أحْياءِ العَرَبِ صَنَمٌ يَعْبُدُونَها، يُسَمُّونَها: أُنْثى بَنِي فُلانٍ فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿إنْ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إلا إناثًا﴾ (p-٢٠)وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الضَّحّاكِ في قَوْلِهِ: ﴿إنْ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إلا إناثًا﴾ قالَ المُشْرِكُونَ: إنَّ المَلائِكَةَ بَناتُ اللَّهِ، وإنَّما نَعْبُدُهم لِيُقَرِّبُونا إلى اللَّهِ زُلْفى، قالَ: اتَّخَذُوا أرْبابًا وصَوَّرُوهُنَّ صُوَرَ الجَوارِي، فَحَلُّوا وقَلَّدُوا وقالُوا: هَؤُلاءِ يُشْبِهْنَ بَناتِ اللَّهِ الَّذِي نَعْبُدُهُ، يَعْنُونَ المَلائِكَةَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ الكَلْبِيِّ أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ كانَ يَقْرَأُ هَذا الحَرْفَ: (إنْ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إلّا أُنْثا وإنْ يَدْعُونَ إلّا شَيْطانًا مَرِيدًا) قالَ: مَعَ كُلِّ صَنَمٍ شَيْطانَةٌ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿إلا إناثًا﴾ قالَ: إلّا أوْثانًا. وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ في (فَضائِلِ القُرْآنِ)، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ الأنْبارِيِّ في (المَصاحِفِ)، عَنْ عائِشَةَ أنَّها كانَتْ تَقْرَأُ: ”إنْ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إلّا أوْثانًا“ ولَفْظُ ابْنِ جَرِيرٍ: كانَ في مُصْحَفِ عائِشَةَ: ( إنْ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إلّا أوْثانًا) (p-٢١)وأخْرَجَ الخَطِيبُ في (تارِيخِهِ) عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: «قَرَأ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”إنْ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إلّا أُنْثى“» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُقاتِلِ بْنِ حَيّانَ: ﴿وإنْ يَدْعُونَ إلا شَيْطانًا﴾ يَعْنِي: إبْلِيسَ. وأخْرَجَ عَنْ سُفْيانَ: ﴿وإنْ يَدْعُونَ إلا شَيْطانًا﴾ قالَ: لَيْسَ مِن صَنَمٍ إلّا فِيهِ شَيْطانٌ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿مَرِيدًا﴾ قالَ: تَمَرَّدَ عَلى مَعاصِي اللَّهِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُقاتِلِ بْنِ حَيّانَ: ﴿وقالَ لأتَّخِذَنَّ مِن عِبادِكَ﴾ قالَ: هَذا قَوْلُ إبْلِيسَ، ﴿نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ يَقُولُ: مِن كُلِّ ألْفٍ تِسْعُمِائَةٍ وتِسْعَةٌ وتِسْعُونَ إلى النّارِ، وواحِدٌ إلى الجَنَّةِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الضَّحّاكِ في قَوْلِهِ: ﴿لأتَّخِذَنَّ مِن عِبادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ قالَ: يَتَّخِذُونَها مِن دُونِهِ، ويَكُونُونَ مِن حِزْبِي. (p-٢٢)وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ الضَّحّاكِ: ﴿نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ قالَ: مَعْلُومًا. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أنَسٍ في قَوْلِهِ: ﴿لأتَّخِذَنَّ مِن عِبادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ قالَ: مِن كُلِّ ألْفٍ تِسْعُمِائَةٍ وتِسْعَةٌ وتِسْعُونَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ في قَوْلِهِ: ﴿ولأُضِلَّنَّهم ولأُمَنِّيَنَّهم ولآمُرَنَّهم فَلَيُبَتِّكُنَّ آذانَ الأنْعامِ﴾ قالَ: دِينٌ شَرَعَهُ لَهم إبْلِيسُ كَهَيْئَةِ البَحائِرِ والسَّوائِبِ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿فَلَيُبَتِّكُنَّ آذانَ الأنْعامِ﴾ قالَ: التَّبْتِيكُ في البَحِيرَةِ والسّائِبَةِ، كانُوا يُبَتِّكُونَ آذانَها لِطَواغِيتِهِمْ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ الضَّحّاكِ: ﴿فَلَيُبَتِّكُنَّ آذانَ الأنْعامِ﴾ قالَ: لَيُقَطِّعُنَّ آذانَ الأنْعامِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ في الآيَةِ قالَ: أمّا (p-٢٣)﴿فَلَيُبَتِّكُنَّ آذانَ الأنْعامِ﴾ فَيَشُقُّونَها فَيَجْعَلُونَها بَحِيرَةً. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أنَّهُ كَرِهَ الإخْصاءَ وقالَ: فِيهِ نَزَلَتْ: ﴿ولآمُرَنَّهم فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ . وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ، أنَّهُ كَرِهَ الإخْصاءَ وقالَ: فِيهِ نَزَلَتْ: ﴿ولآمُرَنَّهم فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ . ولَفْظُ عَبْدِ الرَّزّاقِ قالَ: مِن تَغْيِيرِ خَلْقِ اللَّهِ الإخْصاءُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: إخْصاءُ البَهائِمِ مُثْلَةٌ، ثُمَّ قَرَأ: ﴿ولآمُرَنَّهم فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ . وأخْرَجَ آدَمُ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والبَيْهَقِيُّ في (سُنَنِهِ) مِن طُرُقٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿ولآمُرَنَّهم فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ قالَ: هو الخِصاءُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، والبَيْهَقِيُّ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: «نَهى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (p-٢٤)عَنْ خِصاءِ الخَيْلِ والبَهائِمِ، قالَ ابْنُ عُمَرَ: فِيهِ نَماءُ الخَلْقِ» . وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، والبَيْهَقِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «نَهى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ صَبْرِ الرُّوحِ وإخْصاءِ البَهائِمِ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، والبَيْهَقِيُّ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ كانَ يَنْهى عَنْ إخْصاءِ البَهائِمِ، ويَقُولُ: هَلِ النَّماءُ إلّا في الذُّكُورِ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ شُبَيْلٍ أنَّهُ سَمِعَ شَهْرَ بْنَ حَوْشَبٍ قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ قالَ: الخِصاءُ مِنهُ، فَأمَرْتُ أبا التَّيّاحِ فَسَألَ الحَسَنَ عَنْ خِصاءِ الغَنَمِ، قالَ: لا بَأْسَ بِهِ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ عِكْرِمَةَ في قَوْلِهِ: ﴿فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ قالَ: هو الخِصاءُ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، والبَيْهَقِيُّ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أنَّهُ كانَ يَكْرَهُ الخِصاءَ ويَقُولُ: هو نَماءُ خَلْقِ اللَّهِ. (p-٢٥)وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ أنَّهُ كَرِهَ الخِصاءَ قالَ: فِيهِ نَزَلَتْ: ﴿ولآمُرَنَّهم فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ عُرْوَةَ أنَّهُ خَصى بَغْلًا لَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ طاوُسٍ، أنَّهُ خَصى جَمَلًا لَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ أنَّهُ سُئِلَ عَنْ خِصاءِ الفُحُولِ فَقالَ: لا بَأْسَ، لَوْ تُرِكَتِ الفُحُولُ لَأكَلَ بَعْضُها بَعْضًا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ الحَسَنِ قالَ: لا بَأْسَ بِإخْصاءِ الدَّوابِّ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ أبِي سَعِيدٍ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُسْرٍ قالَ: أمَرَنا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ بِخِصاءِ الخَيْلِ، ونَهانا عَنْهُ عَبْدُ المَلِكِ بْنُ مَرْوانَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ عَطاءٍ أنَّهُ سُئِلَ عَنْ إخْصاءِ الفَحْلِ، فَلَمْ يَرَ بِهِ عِنْدَ عَضاضِهِ وسُوءِ خُلُقِهِ بَأْسًا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿ولآمُرَنَّهم فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ قالَ: دِينَ اللَّهِ. (p-٢٦)وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الضَّحّاكِ في قَوْلِهِ: ﴿فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ قالَ: دِينَ اللَّهِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ [الروم: ٣٠] [الرُّومِ: ٣٠] يَقُولُ: لِدِينِ اللَّهِ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والبَيْهَقِيُّ عَنْ إبْراهِيمَ: ﴿فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ قالَ: دِينَ اللَّهِ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: ﴿فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ قالَ: دِينَ اللَّهِ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وآدَمُ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ مُجاهِدٍ: ﴿فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ قالَ: دِينَ اللَّهِ، ثُمَّ قَرَأ: ﴿لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ القَيِّمُ﴾ [الروم: ٣٠] . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ قالَ: الوَشْمُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: لَعَنَ اللَّهُ الواشِماتِ (p-٢٧)والمُسْتَوْشِماتِ، والمُتَنَمِّصاتِ، والمُتَفَلِّجاتِ لِلْحُسْنِ المُغَيِّراتِ خَلْقَ اللَّهِ. وأخْرَجَ أحْمَدُ عَنْ أبِي رَيْحانَةَ قالَ: «نَهى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ عَشَرَةٍ: عَنِ الوَشْرِ، والوَشْمِ، والنَّتْفِ، وعَنْ مُكامَعَةِ الرَّجُلِ الرَّجُلَ بِغَيْرِ شِعارٍ، ومُكامَعَةِ المَرْأةِ المَرْأةَ بِغَيْرِ شِعارٍ، وأنْ يَجْعَلَ الرَّجُلُ في أسْفَلِ ثَوْبِهِ حَرِيرًا مِثْلَ الأعْلامِ، وأنْ يَجْعَلَ عَلى مَنكِبِهِ مِثْلَ الأعاجِمِ، وعَنِ النُّهْبى، وعَنْ رُكُوبِ النُّمُورِ، ولُبُوسِ الخاتَمِ إلّا لِذِي سُلْطانٍ» . وأخْرَجَ أحْمَدُ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَلْعَنُ القاشِرَةَ والمَقْشُورَةَ، والواشِمَةَ والمُسْتَوْشِمَةَ، والواصِلَةَ، والمُتَّصِلَةَ» . وأخْرَجَ أحْمَدُ، ومُسْلِمٌ، عَنْ جابِرٍ قالَ: «زَجَرَ النَّبِيُّ ﷺ أنْ تَصِلَ المَرْأةُ (p-٢٨)بِرَأْسِها شَيْئًا» . وأخْرَجَ أحْمَدُ، والبُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، عَنْ عائِشَةَ «أنَّ جارِيَةً مِنَ الأنْصارِ تَزَوَّجَتْ، وأنَّها مَرِضَتْ فَتَمَعَّطَ شَعْرُها، فَأرادُوا أنْ يَصِلُوها، فَسَألُوا النَّبِيَّ ﷺ فَقالَ: (لَعَنَ اللَّهُ الواصِلَةَ والمُسْتَوْصِلَةَ») . وأخْرَجَ أحْمَدُ، والبُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، عَنْ أسْماءَ بِنْتِ أبِي بَكْرٍ قالَتْ: «أتَتِ النَّبِيَّ ﷺ امْرَأةٌ فَقالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّ لِي ابْنَةً عَرُوسًا، وإنَّهُ أصابَتْها حَصْبَةٌ فَتَمَرَّقَ شَعْرُها، أفَأصِلُهُ؟ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (لَعَنَ اللَّهُ الواصِلَةَ والمُسْتَوْصِلَةَ») . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿ولآمُرَنَّهم فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ قالَ: ما بالُ أقْوامٍ جَهَلَةٍ يُغَيِّرُونَ صِبْغَةَ اللَّهِ ولَوْنَ اللَّهِ.

النساء 4:118

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إلا إناثًا﴾ الآيَةَ أخْرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ في زَوائِدِ (المُسْنَدِ)، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والضِّياءُ في (المُخْتارَةِ) عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: ﴿إنْ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إلا إناثًا﴾ قالَ: مَعَ كُلِّ صَنَمٍ جِنِّيَّةٌ. (p-١٩)وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ أبِي مالِكٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنْ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إلا إناثًا﴾ قالَ: اللّاتَ والعُزّى ومَناةَ، كُلُّها مُؤَنَّثٌ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ السُّدِّيِّ: ﴿إنْ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إلا إناثًا﴾ يَقُولُ: يُسَمُّونَهم إناثًا، لاةَ ومَناتَ وعُزّى. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿إنْ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إلا إناثًا﴾ قالَ: مَوْتى. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الحَسَنِ في الآيَةِ قالَ: الإناثُ كُلُّ شَيْءٍ مَيِّتٍ لَيْسَ فِيهِ رُوحٌ، مِثْلُ الخَشَبَةِ اليابِسَةِ، ومِثْلُ الحَجَرِ اليابِسِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ قَتادَةَ: ﴿إلا إناثًا﴾ قالَ: مَيِّتًا لا رُوحَ فِيهِ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ الحَسَنِ قالَ: كانَ لِكُلِّ حَيٍّ مِن أحْياءِ العَرَبِ صَنَمٌ يَعْبُدُونَها، يُسَمُّونَها: أُنْثى بَنِي فُلانٍ فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿إنْ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إلا إناثًا﴾ (p-٢٠)وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الضَّحّاكِ في قَوْلِهِ: ﴿إنْ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إلا إناثًا﴾ قالَ المُشْرِكُونَ: إنَّ المَلائِكَةَ بَناتُ اللَّهِ، وإنَّما نَعْبُدُهم لِيُقَرِّبُونا إلى اللَّهِ زُلْفى، قالَ: اتَّخَذُوا أرْبابًا وصَوَّرُوهُنَّ صُوَرَ الجَوارِي، فَحَلُّوا وقَلَّدُوا وقالُوا: هَؤُلاءِ يُشْبِهْنَ بَناتِ اللَّهِ الَّذِي نَعْبُدُهُ، يَعْنُونَ المَلائِكَةَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ الكَلْبِيِّ أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ كانَ يَقْرَأُ هَذا الحَرْفَ: (إنْ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إلّا أُنْثا وإنْ يَدْعُونَ إلّا شَيْطانًا مَرِيدًا) قالَ: مَعَ كُلِّ صَنَمٍ شَيْطانَةٌ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿إلا إناثًا﴾ قالَ: إلّا أوْثانًا. وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ في (فَضائِلِ القُرْآنِ)، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ الأنْبارِيِّ في (المَصاحِفِ)، عَنْ عائِشَةَ أنَّها كانَتْ تَقْرَأُ: ”إنْ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إلّا أوْثانًا“ ولَفْظُ ابْنِ جَرِيرٍ: كانَ في مُصْحَفِ عائِشَةَ: ( إنْ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إلّا أوْثانًا) (p-٢١)وأخْرَجَ الخَطِيبُ في (تارِيخِهِ) عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: «قَرَأ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”إنْ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إلّا أُنْثى“» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُقاتِلِ بْنِ حَيّانَ: ﴿وإنْ يَدْعُونَ إلا شَيْطانًا﴾ يَعْنِي: إبْلِيسَ. وأخْرَجَ عَنْ سُفْيانَ: ﴿وإنْ يَدْعُونَ إلا شَيْطانًا﴾ قالَ: لَيْسَ مِن صَنَمٍ إلّا فِيهِ شَيْطانٌ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿مَرِيدًا﴾ قالَ: تَمَرَّدَ عَلى مَعاصِي اللَّهِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُقاتِلِ بْنِ حَيّانَ: ﴿وقالَ لأتَّخِذَنَّ مِن عِبادِكَ﴾ قالَ: هَذا قَوْلُ إبْلِيسَ، ﴿نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ يَقُولُ: مِن كُلِّ ألْفٍ تِسْعُمِائَةٍ وتِسْعَةٌ وتِسْعُونَ إلى النّارِ، وواحِدٌ إلى الجَنَّةِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الضَّحّاكِ في قَوْلِهِ: ﴿لأتَّخِذَنَّ مِن عِبادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ قالَ: يَتَّخِذُونَها مِن دُونِهِ، ويَكُونُونَ مِن حِزْبِي. (p-٢٢)وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ الضَّحّاكِ: ﴿نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ قالَ: مَعْلُومًا. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أنَسٍ في قَوْلِهِ: ﴿لأتَّخِذَنَّ مِن عِبادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ قالَ: مِن كُلِّ ألْفٍ تِسْعُمِائَةٍ وتِسْعَةٌ وتِسْعُونَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ في قَوْلِهِ: ﴿ولأُضِلَّنَّهم ولأُمَنِّيَنَّهم ولآمُرَنَّهم فَلَيُبَتِّكُنَّ آذانَ الأنْعامِ﴾ قالَ: دِينٌ شَرَعَهُ لَهم إبْلِيسُ كَهَيْئَةِ البَحائِرِ والسَّوائِبِ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿فَلَيُبَتِّكُنَّ آذانَ الأنْعامِ﴾ قالَ: التَّبْتِيكُ في البَحِيرَةِ والسّائِبَةِ، كانُوا يُبَتِّكُونَ آذانَها لِطَواغِيتِهِمْ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ الضَّحّاكِ: ﴿فَلَيُبَتِّكُنَّ آذانَ الأنْعامِ﴾ قالَ: لَيُقَطِّعُنَّ آذانَ الأنْعامِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ في الآيَةِ قالَ: أمّا (p-٢٣)﴿فَلَيُبَتِّكُنَّ آذانَ الأنْعامِ﴾ فَيَشُقُّونَها فَيَجْعَلُونَها بَحِيرَةً. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أنَّهُ كَرِهَ الإخْصاءَ وقالَ: فِيهِ نَزَلَتْ: ﴿ولآمُرَنَّهم فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ . وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ، أنَّهُ كَرِهَ الإخْصاءَ وقالَ: فِيهِ نَزَلَتْ: ﴿ولآمُرَنَّهم فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ . ولَفْظُ عَبْدِ الرَّزّاقِ قالَ: مِن تَغْيِيرِ خَلْقِ اللَّهِ الإخْصاءُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: إخْصاءُ البَهائِمِ مُثْلَةٌ، ثُمَّ قَرَأ: ﴿ولآمُرَنَّهم فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ . وأخْرَجَ آدَمُ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والبَيْهَقِيُّ في (سُنَنِهِ) مِن طُرُقٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿ولآمُرَنَّهم فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ قالَ: هو الخِصاءُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، والبَيْهَقِيُّ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: «نَهى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (p-٢٤)عَنْ خِصاءِ الخَيْلِ والبَهائِمِ، قالَ ابْنُ عُمَرَ: فِيهِ نَماءُ الخَلْقِ» . وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، والبَيْهَقِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «نَهى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ صَبْرِ الرُّوحِ وإخْصاءِ البَهائِمِ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، والبَيْهَقِيُّ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ كانَ يَنْهى عَنْ إخْصاءِ البَهائِمِ، ويَقُولُ: هَلِ النَّماءُ إلّا في الذُّكُورِ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ شُبَيْلٍ أنَّهُ سَمِعَ شَهْرَ بْنَ حَوْشَبٍ قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ قالَ: الخِصاءُ مِنهُ، فَأمَرْتُ أبا التَّيّاحِ فَسَألَ الحَسَنَ عَنْ خِصاءِ الغَنَمِ، قالَ: لا بَأْسَ بِهِ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ عِكْرِمَةَ في قَوْلِهِ: ﴿فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ قالَ: هو الخِصاءُ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، والبَيْهَقِيُّ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أنَّهُ كانَ يَكْرَهُ الخِصاءَ ويَقُولُ: هو نَماءُ خَلْقِ اللَّهِ. (p-٢٥)وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ أنَّهُ كَرِهَ الخِصاءَ قالَ: فِيهِ نَزَلَتْ: ﴿ولآمُرَنَّهم فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ عُرْوَةَ أنَّهُ خَصى بَغْلًا لَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ طاوُسٍ، أنَّهُ خَصى جَمَلًا لَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ أنَّهُ سُئِلَ عَنْ خِصاءِ الفُحُولِ فَقالَ: لا بَأْسَ، لَوْ تُرِكَتِ الفُحُولُ لَأكَلَ بَعْضُها بَعْضًا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ الحَسَنِ قالَ: لا بَأْسَ بِإخْصاءِ الدَّوابِّ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ أبِي سَعِيدٍ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُسْرٍ قالَ: أمَرَنا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ بِخِصاءِ الخَيْلِ، ونَهانا عَنْهُ عَبْدُ المَلِكِ بْنُ مَرْوانَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ عَطاءٍ أنَّهُ سُئِلَ عَنْ إخْصاءِ الفَحْلِ، فَلَمْ يَرَ بِهِ عِنْدَ عَضاضِهِ وسُوءِ خُلُقِهِ بَأْسًا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿ولآمُرَنَّهم فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ قالَ: دِينَ اللَّهِ. (p-٢٦)وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الضَّحّاكِ في قَوْلِهِ: ﴿فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ قالَ: دِينَ اللَّهِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ [الروم: ٣٠] [الرُّومِ: ٣٠] يَقُولُ: لِدِينِ اللَّهِ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والبَيْهَقِيُّ عَنْ إبْراهِيمَ: ﴿فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ قالَ: دِينَ اللَّهِ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: ﴿فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ قالَ: دِينَ اللَّهِ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وآدَمُ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ مُجاهِدٍ: ﴿فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ قالَ: دِينَ اللَّهِ، ثُمَّ قَرَأ: ﴿لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ القَيِّمُ﴾ [الروم: ٣٠] . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ قالَ: الوَشْمُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: لَعَنَ اللَّهُ الواشِماتِ (p-٢٧)والمُسْتَوْشِماتِ، والمُتَنَمِّصاتِ، والمُتَفَلِّجاتِ لِلْحُسْنِ المُغَيِّراتِ خَلْقَ اللَّهِ. وأخْرَجَ أحْمَدُ عَنْ أبِي رَيْحانَةَ قالَ: «نَهى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ عَشَرَةٍ: عَنِ الوَشْرِ، والوَشْمِ، والنَّتْفِ، وعَنْ مُكامَعَةِ الرَّجُلِ الرَّجُلَ بِغَيْرِ شِعارٍ، ومُكامَعَةِ المَرْأةِ المَرْأةَ بِغَيْرِ شِعارٍ، وأنْ يَجْعَلَ الرَّجُلُ في أسْفَلِ ثَوْبِهِ حَرِيرًا مِثْلَ الأعْلامِ، وأنْ يَجْعَلَ عَلى مَنكِبِهِ مِثْلَ الأعاجِمِ، وعَنِ النُّهْبى، وعَنْ رُكُوبِ النُّمُورِ، ولُبُوسِ الخاتَمِ إلّا لِذِي سُلْطانٍ» . وأخْرَجَ أحْمَدُ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَلْعَنُ القاشِرَةَ والمَقْشُورَةَ، والواشِمَةَ والمُسْتَوْشِمَةَ، والواصِلَةَ، والمُتَّصِلَةَ» . وأخْرَجَ أحْمَدُ، ومُسْلِمٌ، عَنْ جابِرٍ قالَ: «زَجَرَ النَّبِيُّ ﷺ أنْ تَصِلَ المَرْأةُ (p-٢٨)بِرَأْسِها شَيْئًا» . وأخْرَجَ أحْمَدُ، والبُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، عَنْ عائِشَةَ «أنَّ جارِيَةً مِنَ الأنْصارِ تَزَوَّجَتْ، وأنَّها مَرِضَتْ فَتَمَعَّطَ شَعْرُها، فَأرادُوا أنْ يَصِلُوها، فَسَألُوا النَّبِيَّ ﷺ فَقالَ: (لَعَنَ اللَّهُ الواصِلَةَ والمُسْتَوْصِلَةَ») . وأخْرَجَ أحْمَدُ، والبُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، عَنْ أسْماءَ بِنْتِ أبِي بَكْرٍ قالَتْ: «أتَتِ النَّبِيَّ ﷺ امْرَأةٌ فَقالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّ لِي ابْنَةً عَرُوسًا، وإنَّهُ أصابَتْها حَصْبَةٌ فَتَمَرَّقَ شَعْرُها، أفَأصِلُهُ؟ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (لَعَنَ اللَّهُ الواصِلَةَ والمُسْتَوْصِلَةَ») . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿ولآمُرَنَّهم فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ قالَ: ما بالُ أقْوامٍ جَهَلَةٍ يُغَيِّرُونَ صِبْغَةَ اللَّهِ ولَوْنَ اللَّهِ.

النساء 4:119

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إلا إناثًا﴾ الآيَةَ أخْرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ في زَوائِدِ (المُسْنَدِ)، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والضِّياءُ في (المُخْتارَةِ) عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: ﴿إنْ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إلا إناثًا﴾ قالَ: مَعَ كُلِّ صَنَمٍ جِنِّيَّةٌ. (p-١٩)وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ أبِي مالِكٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنْ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إلا إناثًا﴾ قالَ: اللّاتَ والعُزّى ومَناةَ، كُلُّها مُؤَنَّثٌ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ السُّدِّيِّ: ﴿إنْ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إلا إناثًا﴾ يَقُولُ: يُسَمُّونَهم إناثًا، لاةَ ومَناتَ وعُزّى. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿إنْ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إلا إناثًا﴾ قالَ: مَوْتى. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الحَسَنِ في الآيَةِ قالَ: الإناثُ كُلُّ شَيْءٍ مَيِّتٍ لَيْسَ فِيهِ رُوحٌ، مِثْلُ الخَشَبَةِ اليابِسَةِ، ومِثْلُ الحَجَرِ اليابِسِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ قَتادَةَ: ﴿إلا إناثًا﴾ قالَ: مَيِّتًا لا رُوحَ فِيهِ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ الحَسَنِ قالَ: كانَ لِكُلِّ حَيٍّ مِن أحْياءِ العَرَبِ صَنَمٌ يَعْبُدُونَها، يُسَمُّونَها: أُنْثى بَنِي فُلانٍ فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿إنْ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إلا إناثًا﴾ (p-٢٠)وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الضَّحّاكِ في قَوْلِهِ: ﴿إنْ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إلا إناثًا﴾ قالَ المُشْرِكُونَ: إنَّ المَلائِكَةَ بَناتُ اللَّهِ، وإنَّما نَعْبُدُهم لِيُقَرِّبُونا إلى اللَّهِ زُلْفى، قالَ: اتَّخَذُوا أرْبابًا وصَوَّرُوهُنَّ صُوَرَ الجَوارِي، فَحَلُّوا وقَلَّدُوا وقالُوا: هَؤُلاءِ يُشْبِهْنَ بَناتِ اللَّهِ الَّذِي نَعْبُدُهُ، يَعْنُونَ المَلائِكَةَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ الكَلْبِيِّ أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ كانَ يَقْرَأُ هَذا الحَرْفَ: (إنْ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إلّا أُنْثا وإنْ يَدْعُونَ إلّا شَيْطانًا مَرِيدًا) قالَ: مَعَ كُلِّ صَنَمٍ شَيْطانَةٌ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿إلا إناثًا﴾ قالَ: إلّا أوْثانًا. وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ في (فَضائِلِ القُرْآنِ)، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ الأنْبارِيِّ في (المَصاحِفِ)، عَنْ عائِشَةَ أنَّها كانَتْ تَقْرَأُ: ”إنْ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إلّا أوْثانًا“ ولَفْظُ ابْنِ جَرِيرٍ: كانَ في مُصْحَفِ عائِشَةَ: ( إنْ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إلّا أوْثانًا) (p-٢١)وأخْرَجَ الخَطِيبُ في (تارِيخِهِ) عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: «قَرَأ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”إنْ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إلّا أُنْثى“» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُقاتِلِ بْنِ حَيّانَ: ﴿وإنْ يَدْعُونَ إلا شَيْطانًا﴾ يَعْنِي: إبْلِيسَ. وأخْرَجَ عَنْ سُفْيانَ: ﴿وإنْ يَدْعُونَ إلا شَيْطانًا﴾ قالَ: لَيْسَ مِن صَنَمٍ إلّا فِيهِ شَيْطانٌ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿مَرِيدًا﴾ قالَ: تَمَرَّدَ عَلى مَعاصِي اللَّهِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُقاتِلِ بْنِ حَيّانَ: ﴿وقالَ لأتَّخِذَنَّ مِن عِبادِكَ﴾ قالَ: هَذا قَوْلُ إبْلِيسَ، ﴿نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ يَقُولُ: مِن كُلِّ ألْفٍ تِسْعُمِائَةٍ وتِسْعَةٌ وتِسْعُونَ إلى النّارِ، وواحِدٌ إلى الجَنَّةِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الضَّحّاكِ في قَوْلِهِ: ﴿لأتَّخِذَنَّ مِن عِبادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ قالَ: يَتَّخِذُونَها مِن دُونِهِ، ويَكُونُونَ مِن حِزْبِي. (p-٢٢)وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ الضَّحّاكِ: ﴿نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ قالَ: مَعْلُومًا. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أنَسٍ في قَوْلِهِ: ﴿لأتَّخِذَنَّ مِن عِبادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ قالَ: مِن كُلِّ ألْفٍ تِسْعُمِائَةٍ وتِسْعَةٌ وتِسْعُونَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ في قَوْلِهِ: ﴿ولأُضِلَّنَّهم ولأُمَنِّيَنَّهم ولآمُرَنَّهم فَلَيُبَتِّكُنَّ آذانَ الأنْعامِ﴾ قالَ: دِينٌ شَرَعَهُ لَهم إبْلِيسُ كَهَيْئَةِ البَحائِرِ والسَّوائِبِ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿فَلَيُبَتِّكُنَّ آذانَ الأنْعامِ﴾ قالَ: التَّبْتِيكُ في البَحِيرَةِ والسّائِبَةِ، كانُوا يُبَتِّكُونَ آذانَها لِطَواغِيتِهِمْ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ الضَّحّاكِ: ﴿فَلَيُبَتِّكُنَّ آذانَ الأنْعامِ﴾ قالَ: لَيُقَطِّعُنَّ آذانَ الأنْعامِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ في الآيَةِ قالَ: أمّا (p-٢٣)﴿فَلَيُبَتِّكُنَّ آذانَ الأنْعامِ﴾ فَيَشُقُّونَها فَيَجْعَلُونَها بَحِيرَةً. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أنَّهُ كَرِهَ الإخْصاءَ وقالَ: فِيهِ نَزَلَتْ: ﴿ولآمُرَنَّهم فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ . وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ، أنَّهُ كَرِهَ الإخْصاءَ وقالَ: فِيهِ نَزَلَتْ: ﴿ولآمُرَنَّهم فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ . ولَفْظُ عَبْدِ الرَّزّاقِ قالَ: مِن تَغْيِيرِ خَلْقِ اللَّهِ الإخْصاءُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: إخْصاءُ البَهائِمِ مُثْلَةٌ، ثُمَّ قَرَأ: ﴿ولآمُرَنَّهم فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ . وأخْرَجَ آدَمُ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والبَيْهَقِيُّ في (سُنَنِهِ) مِن طُرُقٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿ولآمُرَنَّهم فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ قالَ: هو الخِصاءُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، والبَيْهَقِيُّ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: «نَهى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (p-٢٤)عَنْ خِصاءِ الخَيْلِ والبَهائِمِ، قالَ ابْنُ عُمَرَ: فِيهِ نَماءُ الخَلْقِ» . وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، والبَيْهَقِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «نَهى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ صَبْرِ الرُّوحِ وإخْصاءِ البَهائِمِ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، والبَيْهَقِيُّ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ كانَ يَنْهى عَنْ إخْصاءِ البَهائِمِ، ويَقُولُ: هَلِ النَّماءُ إلّا في الذُّكُورِ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ شُبَيْلٍ أنَّهُ سَمِعَ شَهْرَ بْنَ حَوْشَبٍ قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ قالَ: الخِصاءُ مِنهُ، فَأمَرْتُ أبا التَّيّاحِ فَسَألَ الحَسَنَ عَنْ خِصاءِ الغَنَمِ، قالَ: لا بَأْسَ بِهِ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ عِكْرِمَةَ في قَوْلِهِ: ﴿فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ قالَ: هو الخِصاءُ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، والبَيْهَقِيُّ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أنَّهُ كانَ يَكْرَهُ الخِصاءَ ويَقُولُ: هو نَماءُ خَلْقِ اللَّهِ. (p-٢٥)وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ أنَّهُ كَرِهَ الخِصاءَ قالَ: فِيهِ نَزَلَتْ: ﴿ولآمُرَنَّهم فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ عُرْوَةَ أنَّهُ خَصى بَغْلًا لَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ طاوُسٍ، أنَّهُ خَصى جَمَلًا لَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ أنَّهُ سُئِلَ عَنْ خِصاءِ الفُحُولِ فَقالَ: لا بَأْسَ، لَوْ تُرِكَتِ الفُحُولُ لَأكَلَ بَعْضُها بَعْضًا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ الحَسَنِ قالَ: لا بَأْسَ بِإخْصاءِ الدَّوابِّ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ أبِي سَعِيدٍ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُسْرٍ قالَ: أمَرَنا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ بِخِصاءِ الخَيْلِ، ونَهانا عَنْهُ عَبْدُ المَلِكِ بْنُ مَرْوانَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ عَطاءٍ أنَّهُ سُئِلَ عَنْ إخْصاءِ الفَحْلِ، فَلَمْ يَرَ بِهِ عِنْدَ عَضاضِهِ وسُوءِ خُلُقِهِ بَأْسًا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿ولآمُرَنَّهم فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ قالَ: دِينَ اللَّهِ. (p-٢٦)وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الضَّحّاكِ في قَوْلِهِ: ﴿فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ قالَ: دِينَ اللَّهِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ [الروم: ٣٠] [الرُّومِ: ٣٠] يَقُولُ: لِدِينِ اللَّهِ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والبَيْهَقِيُّ عَنْ إبْراهِيمَ: ﴿فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ قالَ: دِينَ اللَّهِ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: ﴿فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ قالَ: دِينَ اللَّهِ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وآدَمُ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ مُجاهِدٍ: ﴿فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ قالَ: دِينَ اللَّهِ، ثُمَّ قَرَأ: ﴿لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ القَيِّمُ﴾ [الروم: ٣٠] . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ قالَ: الوَشْمُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: لَعَنَ اللَّهُ الواشِماتِ (p-٢٧)والمُسْتَوْشِماتِ، والمُتَنَمِّصاتِ، والمُتَفَلِّجاتِ لِلْحُسْنِ المُغَيِّراتِ خَلْقَ اللَّهِ. وأخْرَجَ أحْمَدُ عَنْ أبِي رَيْحانَةَ قالَ: «نَهى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ عَشَرَةٍ: عَنِ الوَشْرِ، والوَشْمِ، والنَّتْفِ، وعَنْ مُكامَعَةِ الرَّجُلِ الرَّجُلَ بِغَيْرِ شِعارٍ، ومُكامَعَةِ المَرْأةِ المَرْأةَ بِغَيْرِ شِعارٍ، وأنْ يَجْعَلَ الرَّجُلُ في أسْفَلِ ثَوْبِهِ حَرِيرًا مِثْلَ الأعْلامِ، وأنْ يَجْعَلَ عَلى مَنكِبِهِ مِثْلَ الأعاجِمِ، وعَنِ النُّهْبى، وعَنْ رُكُوبِ النُّمُورِ، ولُبُوسِ الخاتَمِ إلّا لِذِي سُلْطانٍ» . وأخْرَجَ أحْمَدُ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَلْعَنُ القاشِرَةَ والمَقْشُورَةَ، والواشِمَةَ والمُسْتَوْشِمَةَ، والواصِلَةَ، والمُتَّصِلَةَ» . وأخْرَجَ أحْمَدُ، ومُسْلِمٌ، عَنْ جابِرٍ قالَ: «زَجَرَ النَّبِيُّ ﷺ أنْ تَصِلَ المَرْأةُ (p-٢٨)بِرَأْسِها شَيْئًا» . وأخْرَجَ أحْمَدُ، والبُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، عَنْ عائِشَةَ «أنَّ جارِيَةً مِنَ الأنْصارِ تَزَوَّجَتْ، وأنَّها مَرِضَتْ فَتَمَعَّطَ شَعْرُها، فَأرادُوا أنْ يَصِلُوها، فَسَألُوا النَّبِيَّ ﷺ فَقالَ: (لَعَنَ اللَّهُ الواصِلَةَ والمُسْتَوْصِلَةَ») . وأخْرَجَ أحْمَدُ، والبُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، عَنْ أسْماءَ بِنْتِ أبِي بَكْرٍ قالَتْ: «أتَتِ النَّبِيَّ ﷺ امْرَأةٌ فَقالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّ لِي ابْنَةً عَرُوسًا، وإنَّهُ أصابَتْها حَصْبَةٌ فَتَمَرَّقَ شَعْرُها، أفَأصِلُهُ؟ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (لَعَنَ اللَّهُ الواصِلَةَ والمُسْتَوْصِلَةَ») . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿ولآمُرَنَّهم فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ قالَ: ما بالُ أقْوامٍ جَهَلَةٍ يُغَيِّرُونَ صِبْغَةَ اللَّهِ ولَوْنَ اللَّهِ.

النساء 4:122

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَن أصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلا﴾ (p-٢٩)أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: إنَّ أصْدَقَ الحَدِيثِ كَلامُ اللَّهِ. وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في (شُعَبِ الإيمانِ) عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: كُلُّ ما هو آتٍ قَرِيبٌ، ألا إنَّ البَعِيدَ ما لَيْسَ بِآتٍ، ألا لا يَعْجَلُ اللَّهُ لِعَجَلَةِ أحَدٍ، ولا يَجِدُ لِأمْرِ النّاسِ، ما شاءَ اللَّهُ لا ما شاءَ النّاسُ، يُرِيدُ اللَّهُ أمْرًا ويُرِيدُ النّاسُ أمْرًا، ما شاءَ اللَّهُ كانَ ولَوْ كَرِهَ النّاسُ، لا مُقَرِّبَ لَما باعَدَ اللَّهُ، ولا مُباعِدَ لَما قَرَّبَ اللَّهُ، ولا يَكُونُ شَيْءٌ إلّا بِإذْنِ اللَّهِ، أصْدَقُ الحَدِيثِ كِتابُ اللَّهِ، وأحْسَنُ الهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ ﷺ، وشَرُّ الأُمُورِ مُحْدَثاتُها، وكُلُّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وكُلُّ بِدْعَةٍ ضَلالَةٌ، وخَيْرُ ما أُلْقِيَ في القَلْبِ اليَقِينُ، وخَيْرُ الغِنى غِنى النَّفْسِ، وخَيْرُ العِلْمِ ما نَفَعَ، وخَيْرُ الهُدى ما اتُّبِعَ، وما قَلَّ وكَفى خَيْرٌ مِمّا كَثُرَ وألْهى، وإنَّما يَصِيرُ أحَدُكم إلى مَوْضِعِ أرْبَعَةِ أذْرُعٍ، ألا لا تُمِلُّوا النّاسَ ولا تُسْئِمُوهُمْ، فَإنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ نَشاطًا وإقْبالًا، وإنَّ لَها سَآمَةً وإدْبارًا، ألا وشَرُّ الرَّوايا رَوايا الكَذِبِ، الكَذِبُ يَقُودُ إلى الفُجُورِ، وإنَّ الفُجُورَ يَقُودُ إلى النّارِ، ألا وعَلَيْكم بِالصِّدْقِ، فَإنَّ الصِّدْقَ يَقُودُ إلى البِرِّ، وإنَّ البِرَّ يَقُودُ إلى الجَنَّةِ، واعْتَبِرُوا في ذَلِكَ، أيُّهُما الفِئَتانِ التَقَتا، يُقالُ لِلصّادِقِ صَدَقَ وبَرَّ، ويُقالُ لِلْكاذِبِ: كَذَبَ وفَجَرَ، وقَدْ سَمِعْنا نَبِيَّكم ﷺ (p-٣٠)يَقُولُ: «(لا يَزالُ العَبْدُ يَصْدُقُ حَتّى يُكْتَبَ صِدِّيقًا، ولا يَزالُ يَكْذِبُ حَتّى يُكْتَبَ كَذّابًا») . ألا وإنَّ الكَذِبَ لا يَصْلُحُ في جِدٍّ ولا هَزْلٍ، ولا أنْ يَعِدَ الرَّجُلُ مِنكم صَبِيَّهُ ثُمَّ لا يُنْجِزَ لَهُ، ألا ولا تَسْألُوا أهْلَ الكِتابِ عَنْ شَيْءٍ، فَإنَّهم قَدْ طالَ عَلَيْهِمُ الأمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ، وابْتَدَعُوا في دِينِهِمْ، فَإنْ كُنْتُمْ لا مَحالَةَ سائِلِيهِمْ فَما وافَقَ كِتابَكم فَخُذُوهُ، وما خالَفَهُ فَأمْسِكُوا عَنْهُ واسْكُتُوا، ألا وإنَّ أصْفَرَ البُيُوتِ البَيْتُ الَّذِي لَيْسَ فِيهِ مِن كِتابِ اللَّهِ شَيْءٌ، ألا وإنَّ البَيْتَ الَّذِي لَيْسَ فِيهِ مِن كِتابِ اللَّهِ خَرِبٌ كَخَرابِ البَيْتِ الَّذِي لا عامِرَ لَهُ، ألا وإنَّ الشَّيْطانَ يَخْرُجُ مِنَ البَيْتِ الَّذِي يَسْمَعُ سُورَةَ (البَقَرَةِ) تُقْرَأُ فِيهِ. وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في (الدَّلائِلِ)، والدَّيْلَمِيُّ، وابْنُ عَساكِرَ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عامِرٍ قالَ: «خَرَجْنا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في غَزْوَةِ تَبُوكَ، فَأشْرَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَلَمّا كانَ مِنها عَلى لَيْلَةٍ، فَلَمْ يَسْتَيْقِظْ حَتّى كانَتِ الشَّمْسُ قِيدَ رُمْحٍ قالَ: (ألَمْ أقُلْ لَكَ يا بِلالُ: اكْلَأْنا الفَجْرَ) فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، ذَهَبَ بِي النَّوْمُ، فَذَهَبَ بِي الَّذِي ذَهَبَ بِكَ، فانْتَقَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِن ذَلِكَ المَنزِلِ غَيْرَ بَعِيدٍ، ثُمَّ صَلّى، ثُمَّ هَذَبَ بَقِيَّةَ يَوْمِهِ ولَيْلَتِهِ، فَأصْبَحَ بِتَبُوكَ، فَحَمِدَ اللَّهَ وأثْنى (p-٣١)عَلَيْهِ بِما هو أهْلُهُ، ثُمَّ قالَ: أمّا بَعْدُ: فَإنَّ أصْدَقَ الحَدِيثِ كِتابُ اللَّهِ، وأوْثَقُ العُرى كَلِمَةُ التَّقْوى، وخَيْرُ المِلَلِ مِلَّةُ إبْراهِيمَ، وخَيْرُ السُّنَنِ سُنَّةُ مُحَمَّدٍ ﷺ، وأشْرَفُ الحَدِيثِ ذِكْرُ اللَّهِ، وأحْسَنُ القَصَصِ هَذا القُرْآنُ، وخَيْرُ الأُمُورِ عَوازِمُها، وشَرُّ الأُمُورِ مُحْدَثاتُها، وأحْسَنُ الهَدْيِ هَدْيُ الأنْبِياءِ، وأشْرَفُ المَوْتِ قَتْلُ الشُّهَداءِ، وأعْمى العَمى الضَّلالَةُ بَعْدَ الهُدى، وخَيْرُ العِلْمِ ما نَفَعَ، وخَيْرُ الهُدى ما اتُّبِعَ، وشَرُّ العَمى عَمى القَلْبِ، واليَدُ العُلْيا خَيْرٌ مِنَ اليَدِ السُّفْلى، وما قَلَّ وكَفى خَيْرٌ مِمّا كَثُرَ وألْهى، وشَرُّ المَعْذِرَةِ حِينَ يَحْضُرُ المَوْتُ، وشَرُّ النَّدامَةِ يَوْمَ القِيامَةِ، ومِنَ النّاسِ مَن لا يَأْتِي الصَّلاةَ إلّا دَبْرًا، ومِنهم مَن لا يَذْكُرُ اللَّهَ إلّا هَجْرًا، وأعْظَمُ الخَطايا اللِّسانُ الكَذُوبُ، وخَيْرُ الغِنى غِنى النَّفْسِ، وخَيْرُ الزّادِ التَّقْوى، ورَأْسُ الحِكْمَةِ مَخافَةُ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وخَيْرُ ما وقَرَ في القُلُوبِ اليَقِينُ، والِارْتِيابُ مِنَ الكُفْرِ، والنِّياحَةُ مِن عَمَلِ الجاهِلِيَّةِ، والغُلُولُ مِن جُثى جَهَنَّمَ، والكَنْزُ كَيٌّ مِنَ النّارِ، والشِّعْرُ مِن مَزامِيرِ إبْلِيسَ، والخَمْرُ جِماعُ الإثْمِ، والنِّساءُ حِبالَةُ الشَّيْطانِ، والشَّبابُ شُعْبَةٌ مِنَ الجُنُونِ، وشَرُّ المَكاسِبِ كَسْبُ الرِّبا، وشَرُّ المَآكِلِ مالُ اليَتِيمِ، والسَّعِيدُ مَن وُعِظَ بِغَيْرِهِ، والشَّقِيُّ مَن شَقِيَ في بَطْنِ أُمِّهِ، وإنَّما يَصِيرُ أحَدُكم إلى مَوْضِعِ أرْبَعَةِ أذْرُعٍ، والأمْرُ بِآخِرِهِ، ومِلاكُ العَمَلِ خَواتِمُهُ، وشَرُّ الرَّوايا رَوايا الكَذِبِ، وكُلُّ ما هو آتٍ قَرِيبٌ، وسِبابُ المُؤْمِنِ فُسُوقٌ، وقِتالُ المُؤْمِنِ كُفْرٌ، وأكْلُ لَحْمِهِ مِن (p-٣٢)مَعْصِيَةِ اللَّهِ، وحُرْمَةُ مالِهِ كَحُرْمَةِ دَمِهِ، ومَن يَتَألَّ عَلى اللَّهِ يُكْذِبْهُ، ومَن يَغْفِرْ يُغْفَرْ لَهُ، ومَن يَعْفُ يَعْفُ اللَّهُ عَنْهُ، ومَن يَكْظِمِ الغَيْظَ يَأْجُرْهُ اللَّهُ، ومَن يَصْبِرْ عَلى الرَّزِيَّةِ يُعَوِّضْهُ اللَّهُ، ومَن يَبْتَغِ السُّمْعَةَ يُسَمِّعِ اللَّهُ بِهِ، ومَن يَصْبِرْ يُضَعِّفِ اللَّهُ لَهُ، ومَن يَعْصِ اللَّهَ يُعَذِّبْهُ اللَّهُ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي ولِأُمَّتِي اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي ولِأُمَّتِي - قالَها ثَلاثًا - أسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي ولَكُمْ») . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ عَساكِرَ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، أنَّهُ كانَ يَقُولُ في خُطْبَتِهِ: أصْدَقُ الحَدِيثِ كَلامُ اللَّهِ، فَذَكَرَ مِثْلَهُ سَواءً.

النساء 4:123

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَيْسَ بِأمانِيِّكُمْ﴾ الآيَةَ. أخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: قالَتِ العَرَبُ: لا نُبْعَثُ ولا نُحاسَبُ، وقالَتِ اليَهُودُ والنَّصارى: ﴿لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ إلا مَن كانَ هُودًا أوْ نَصارى﴾ [البقرة: ١١١] [البَقَرَةِ: ١١١] . وقالُوا: ﴿لَنْ تَمَسَّنا النّارُ إلا أيّامًا مَعْدُودَةً﴾ [البقرة: ٨٠] [البَقَرَةِ: ٨٠] فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿لَيْسَ بِأمانِيِّكم ولا أمانِيِّ أهْلِ الكِتابِ مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ (p-٣٣)وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مَسْرُوقٍ قالَ: احْتَجَّ المُسْلِمُونَ وأهْلُ الكِتابِ، فَقالَ المُسْلِمُونَ: نَحْنُ أهْدى مِنكُمْ، وقالَ أهْلُ الكِتابِ: نَحْنُ أهْدى مِنكُمْ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿لَيْسَ بِأمانِيِّكم ولا أمانِيِّ أهْلِ الكِتابِ﴾ فَفَلَجَ عَلَيْهِمُ المُسْلِمُونَ بِهَذِهِ الآيَةِ: ﴿ومَن يَعْمَلْ مِنَ الصّالِحاتِ مِن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى وهو مُؤْمِنٌ﴾ [النساء: ١٢٤] إلى آخِرِ الآيَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مَسْرُوقٍ قالَ: تَفاخَرَ النَّصارى وأهْلُ الإسْلامِ، فَقالَ هَؤُلاءِ: نَحْنُ أفْضَلُ مِنكُمْ، وقالَ هَؤُلاءِ: نَحْنُ أفْضَلُ مِنكُمْ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿لَيْسَ بِأمانِيِّكم ولا أمانِيِّ أهْلِ الكِتابِ﴾ . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ قَتادَةَ قالَ: ذُكِرَ لَنا أنَّ المُسْلِمِينَ وأهْلَ الكِتابِ افْتَخَرُوا، فَقالَ أهْلُ الكِتابِ: نَبِيُّنا قَبْلَ نَبِيِّكُمْ، وكِتابُنا قَبْلَ كِتابِكُمْ، ونَحْنُ أوْلى بِاللَّهِ مِنكُمْ، وقالَ المُسْلِمُونَ: نَحْنُ أوْلى بِاللَّهِ مِنكُمْ، ونَبِيُّنا خاتَمُ النَّبِيِّينَ، وكِتابُنا يَقْضِي عَلى الكُتُبِ الَّتِي كانَتْ قَبْلَهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿لَيْسَ بِأمانِيِّكم ولا أمانِيِّ أهْلِ الكِتابِ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ومَن أحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أسْلَمَ وجْهَهُ﴾ [النساء: ١٢٥] الآيَةَ، فَأفْلَجَ اللَّهُ حُجَّةَ المُسْلِمِينَ عَلى مَن ناوَأهم مِن أهْلِ الأدْيانِ. (p-٣٤)وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ قالَ: التَقى ناسٌ مِنَ المُسْلِمِينَ واليَهُودِ والنَّصارى، فَقالَتِ اليَهُودُ لِلْمُسْلِمِينَ: نَحْنُ خَيْرٌ مِنكُمْ، دِينُنا قَبْلَ دِينِكُمْ، وكِتابُنا قَبْلَ كِتابِكُمْ، ونَبِيُّنا قَبْلَ نَبِيِّكُمْ، ونَحْنُ عَلى دِينِ إبْراهِيمَ، ولَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ إلّا مَن كانَ يَهُودِيًّا، وقالَتِ النَّصارى مِثْلَ ذَلِكَ، فَقالَ المُسْلِمُونَ: كِتابُنا بَعْدَ كِتابِكُمْ، ونَبِيُّنا بَعْدَ نَبِيِّكُمْ، ودِينُنا بَعْدَ دِينِكُمْ، وقَدْ أُمِرْتُمْ أنْ تَتَّبِعُونا وتَتْرُكُوا أمْرَكُمْ، فَنَحْنُ خَيْرٌ مِنكُمْ، نَحْنُ عَلى دِينِ إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ وإسْحاقَ، ولَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ إلّا مَن كانَ عَلى دِينِنا، فَرَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ قَوْلَهُمْ، فَقالَ: ﴿لَيْسَ بِأمانِيِّكم ولا أمانِيِّ أهْلِ الكِتابِ مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ ثُمَّ فَضَّلَ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ عَلَيْهِمْ فَقالَ: ﴿ومَن أحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أسْلَمَ وجْهَهُ لِلَّهِ وهو مُحْسِنٌ واتَّبَعَ مِلَّةَ إبْراهِيمَ حَنِيفًا﴾ [النساء: ١٢٥] . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ مِن طَرِيقِ عُبَيْدِ بْنِ سُلَيْمانَ، عَنِ الضَّحّاكِ قالَ: تَخاصَمَ أهْلُ الأدْيانِ، فَقالَ أهْلُ التَّوْراةِ: كِتابُنا أوَّلُ كِتابِ وخَيْرُها، ونَبِيُّنا خَيْرُ الأنْبِياءِ، وقالَ أهْلُ الإنْجِيلِ نَحْوًا مِن ذَلِكَ، وقالَ أهْلُ الإسْلامِ: لا دِينَ إلّا دِينُ الإسْلامِ، وكِتابُنا نَسَخَ كُلَّ كِتابٍ، ونَبِيُّنا خاتَمُ النَّبِيِّينَ، وأُمِرْنا أنْ نَعْمَلَ بِكِتابِنا ونُؤْمِنَ بِكِتابِكُمْ، فَقَضى اللَّهُ بَيْنَهم فَقالَ: ﴿لَيْسَ بِأمانِيِّكم ولا أمانِيِّ أهْلِ الكِتابِ مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ ثُمَّ خَيَّرَ بَيْنَ أهْلِ الأدْيانِ، فَفَضَّلَ أهْلَ الفَضْلِ فَقالَ: ﴿ومَن أحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أسْلَمَ وجْهَهُ لِلَّهِ وهو مُحْسِنٌ﴾ [النساء: ١٢٥] الآيَةَ. (p-٣٥)وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ مِن طَرِيقِ جُوَيْبِرٍ، عَنِ الضَّحّاكِ قالَ: افْتَخَرَ أهْلُ الأدْيانِ فَقالَتِ اليَهُودُ: كِتابُنا خَيْرُ الكُتُبِ وأكْرَمُها عَلى اللَّهِ، ونَبِيُّنا أكْرَمُ الأنْبِياءِ عَلى اللَّهِ، مُوسى خَلا بِهِ وكَلَّمَهُ نَجِيًّا، ودِينُنا خَيْرُ الأدْيانِ، وقالَتِ النَّصارى: عِيسى خاتَمُ النَّبِيِّينَ، آتاهُ اللَّهُ التَّوْراةَ والإنْجِيلَ، ولَوْ أدْرَكَهُ مُحَمَّدٌ اتَّبَعَهُ، ودِينُنا خَيْرُ الدِّينِ، وقالَتِ المَجُوسُ وكُفّارُ العَرَبِ: دِينُنا أقْدَمُ الأدْيانِ وخَيْرُها، وقالَ المُسْلِمُونَ: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ خاتَمُ الأنْبِياءِ وسَيِّدُ الأنْبِياءِ، والقُرْآنُ آخِرُ ما نَزَلَ مِن عِنْدِ اللَّهِ مِنَ الكُتُبِ، وهو أمِينٌ عَلى كُلِّ كِتابٍ، والإسْلامُ خَيْرُ الأدْيانِ، فَخَيَّرَ اللَّهُ بَيْنَهُمْ، فَقالَ: ﴿لَيْسَ بِأمانِيِّكم ولا أمانِيِّ أهْلِ الكِتابِ مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ يَعْنِي بِذَلِكَ اليَهُودَ والنَّصارى والمَجُوسَ وكُفّارَ العَرَبِ، ﴿ولا يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ اللَّهِ ولِيًّا ولا نَصِيرًا﴾ ثُمَّ فَضَّلَ الإسْلامَ عَلى كُلِّ دِينٍ فَقالَ: ﴿ومَن أحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أسْلَمَ وجْهَهُ لِلَّهِ﴾ [النساء: ١٢٥] الآيَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، مِن طَرِيقِ العَوْفِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ أهْلُ التَّوْراةِ: كِتابُنا خَيْرُ الكُتُبِ، أُنْزِلَ قَبْلَ كِتابِكُمْ، ونَبِيُّنا خَيْرُ الأنْبِياءِ، وقالَ أهْلُ الإنْجِيلِ مِثْلَ ذَلِكَ، وقالَ أهْلُ الإسْلامِ: كِتابُنا نَسَخَ كُلَّ كِتابٍ، ونَبِيُّنا خاتَمُ النَّبِيِّينَ، وأُمِرْتُمْ وأُمِرْنا أنْ نُؤْمِنَ بِكِتابِكم ونَعْمَلَ بِكِتابِنا، فَقَضى اللَّهُ بَيْنَهم فَقالَ: ﴿لَيْسَ بِأمانِيِّكم ولا أمانِيِّ أهْلِ الكِتابِ مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ وخَيَّرَ بَيْنَ (p-٣٦)أهْلِ الأدْيانِ فَقالَ: ﴿ومَن أحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أسْلَمَ وجْهَهُ﴾ [النساء: ١٢٥] الآيَةَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أبِي صالِحٍ قالَ: جَلَسَ أُناسٌ مِن أهْلِ التَّوْراةِ، وأهْلِ الإنْجِيلِ، وأهْلِ الإيمانِ، فَقالَ هَؤُلاءِ: نَحْنُ أفْضَلُ، وقالَ هَؤُلاءِ: نَحْنُ أفْضَلُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿لَيْسَ بِأمانِيِّكم ولا أمانِيِّ أهْلِ الكِتابِ مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ ثُمَّ خَصَّ اللَّهُ أهْلَ الإيمانِ فَأنْزَلَ: ﴿ومَن يَعْمَلْ مِنَ الصّالِحاتِ مِن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى﴾ [النساء: ١٢٤] . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿لَيْسَ بِأمانِيِّكم ولا أمانِيِّ أهْلِ الكِتابِ﴾ قالَ: قُرَيْشٌ وكَعْبُ بْنُ الأشْرَفِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنِ الحَسَنِ قالَ: إنَّ الإيمانَ لَيْسَ بِالتَّحَلِّي ولا بِالتَّمَنِّي، إنَّ الإيمانَ ما وقَرَ في القَلْبِ وصَدَّقَهُ العَمَلُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَتِ اليَهُودُ والنَّصارى: لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ غَيْرُنا، وقالَتْ قُرَيْشٌ: لا نُبْعَثُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿لَيْسَ بِأمانِيِّكم ولا أمانِيِّ أهْلِ الكِتابِ مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ والسُّوءُ: الشِّرْكُ * * (p-٣٧)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ أخْرَجَ أحْمَدُ، والعَدَنِيُّ، وهَنّادٌ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ، وأبُو يَعْلى، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ حِبّانَ، وابْنُ السُّنِّيِّ في (عَمَلِ اليَوْمِ واللَّيْلَةِ)، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ في (شُعَبِ الإيمانِ) والضِّياءُ في (المُخْتارَةِ)، «عَنْ أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، أنَّهُ قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ الصَّلاحُ بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿لَيْسَ بِأمانِيِّكم ولا أمانِيِّ أهْلِ الكِتابِ مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ فَكُلُّ سُوءٍ جُزِينا بِهِ؟ فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: (غَفَرَ اللَّهُ لَكَ يا أبا بَكْرٍ، ألَسْتَ تَمْرَضُ؟ ألَسْتَ تَنْصَبُ؟ ألَسْتَ تَحْزَنُ؟ ألَسْتَ تُصِيبُكَ اللَّأْواءُ؟) قالَ: بَلى، قالَ: (فَهُوَ ما تُجْزَوْنَ بِهِ») . وأخْرَجَ أحْمَدُ، والبَزّارُ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، والخَطِيبُ في (المُتَّفِقِ والمُفْتَرِقِ)، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: سَمِعْتُ أبا بَكْرٍ يَقُولُ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «(مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ في الدُّنْيا») (p-٣٨)وأخْرَجَ ابْنُ سَعِدٍ، والحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ، والبَزّارُ، وابْنُ المُنْذِرِ، والحاكِمُ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أنَّهُ مَرَّ بِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ وهو مَصْلُوبٌ فَقالَ: رَحِمَكَ اللَّهُ يا أبا خُبَيْبٍ، سَمِعْتُ أباكَ الزُّبَيْرَ يَقُولُ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «(مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ في الدُّنْيا») . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والتِّرْمِذِيُّ، وابْنُ المُنْذِرِ، «عَنْ أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ قالَ: كُنْتُ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ ولا يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ اللَّهِ ولِيًّا ولا نَصِيرًا﴾ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (يا أبا بَكْرٍ، ألا أُقْرِئُكَ آيَةً نَزَلَتْ عَلَيَّ؟) قُلْتُ: بَلى يا رَسُولَ اللَّهِ، فَأقْرَأنِيها، فَلا أعْلَمُ إلّا أنِّي وجَدْتُ انْقِصامًا في ظَهْرِي حَتّى تَمَطَّأْتُ لَها، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (ما لَكَ يا أبا بَكْرٍ؟) قُلْتُ: بِأبِي وأُمِّي يا رَسُولَ اللَّهِ، وأيُّنا لَمْ يَعْمَلِ السُّوءَ؟ وإنّا لَمَجْزِيُّونَ بِكُلِّ سُوءٍ عَمِلْناهُ؟ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (أمّا أنْتَ وأصْحابُكَ يا أبا بَكْرٍ المُؤْمِنُونَ، فَتُجْزَوْنَ بِذَلِكَ في الدُّنْيا حَتّى تَلْقَوُا اللَّهَ لَيْسَ لَكم ذُنُوبٌ، وأمّا الآخَرُونَ فَيُجْمَعُ لَهم ذَلِكَ حَتّى يُجْزَوْنَ بِهِ يَوْمَ القِيامَةِ») . (p-٣٩)وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عائِشَةَ، «عَنْ أبِي بَكْرٍ قالَ: لَمّا نَزَلَتْ: ﴿مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ قالَ أبُو بَكْرٍ: يا رَسُولَ اللَّهِ، كُلُّ ما نَعْمَلُ نُؤاخَذُ بِهِ؟ فَقالَ: (يا أبا بَكْرٍ، ألَيْسَ يُصِيبُكَ كَذا وكَذا؟ فَهو كَفّارَةٌ») . وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وهَنّادٌ، وابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو نُعَيْمٍ في (الحِلْيَةِ)، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنْ مَسْرُوقٍ قالَ: «قالَ أبُو بَكْرٍ: يا رَسُولَ اللَّهِ، ما أشَدَّ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (المَصائِبُ والأمْراضُ والأحْزانُ في الدُّنْيا جَزاءٌ») . وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وأحْمَدُ، والبُخارِيُّ في (تارِيخِهِ)، وأبُو يَعْلى، وابْنُ جَرِيرٍ، والبَيْهَقِيُّ في (شُعَبِ الإيمانِ) بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ عائِشَةَ، «أنَّ رَجُلًا تَلا هَذِهِ الآيَةَ: ﴿مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ قالَ: إنّا لَنُجْزى بِكُلِّ ما عَمِلْناهُ هَلَكْنا إذَنْ، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: (نَعَمْ، يُجْزى بِهِ المُؤْمِنُ في الدُّنْيا، في نَفْسِهِ، في جَسَدِهِ، فِيما يُؤْذِيهِ») . وأخْرَجَ أبُو داوُدَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ «عَنْ (p-٤٠)عائِشَةَ قالَتْ: قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنِّي لَأعْلَمُ أشَدَّ آيَةٍ في القُرْآنِ قالَ: (ما هي يا عائِشَةُ؟) قُلْتُ: ﴿مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ فَقالَ: (هُوَ ما يُصِيبُ العَبْدَ المُؤْمِنَ مِنَ السُّوءِ، حَتّى النَّكْبَةُ يُنْكَبُها يا عائِشَةُ، مَن نُوقِشَ هَلَكَ، ومَن حُوسِبَ عُذِّبَ)، قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، ألَيْسَ اللَّهُ يَقُولُ: ﴿فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِسابًا يَسِيرًا﴾ [الإنشقاق: ٨] [الِانْشِقاقِ: ٨] قالَ: (ذاكَ العَرْضُ يا عائِشَةُ، مَن نُوقِشَ الحِسابَ عُذِّبَ») . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: «سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ قالَ: (إنَّ المُؤْمِنَ يُؤْجَرُ في كُلِّ شَيْءٍ حَتّى في الفَيْظِ عِنْدَ المَوْتِ») . وأخْرَجَ أحْمَدُ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «(إذا كَثُرَتْ ذُنُوبُ العَبْدِ ولَمْ يَكُنْ لَهُ ما يُكَفِّرُها ابْتَلاهُ اللَّهُ بِالحُزْنِ لِيُكَفِّرَها») . وأخْرَجَ ابْنُ راهُوَيْهِ في (مُسْنَدِهِ)، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، والحاكِمُ (p-٤١)وصَحَّحَهُ عَنْ أبِي المُهَلَّبِ قالَ: رَحَلْتُ إلى عائِشَةَ في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ قالَتْ: هو ما يُصِيبُكم في الدُّنْيا. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، ومُسْلِمٌ، والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في (سُنَنِهِ)، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ: ﴿مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ شَقَّ ذَلِكَ عَلى المُسْلِمِينَ، وبَلَغَتْ مِنهم ما شاءَ اللَّهُ، فَشَكَوْا ذَلِكَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: (سَدِّدُوا وقارِبُوا، فَإنَّ في كُلِّ ما أصابَ المُسْلِمَ كَفّارَةٌ، حَتّى الشَّوْكَةَ يُشاكُها والنَّكْبَةَ يُنْكَبُها»)، وفي لَفْظٍ عِنْدَ ابْنِ مَرْدُوَيْهِ: «بَكَيْنا وحَزِنّا وقُلْنا: يا رَسُولَ اللَّهِ، ما أبْقَتْ هَذِهِ الآيَةُ مِن شَيْءٍ قالَ: (أما والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، إنَّها لَكُما نَزَلَتْ، ولَكِنْ أبْشِرُوا وقارِبُوا وسَدِّدُوا، إنَّهُ لا يُصِيبُ أحَدًا مِنكم مُصِيبَةٌ في الدُّنْيا إلّا كَفَّرَ اللَّهُ بِها خَطِيئَتَهُ، حَتّى الشَّوْكَةُ يُشاكُها أحَدُكم في قَدَمِهِ») . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأحْمَدُ، والبُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، وأبِي سَعِيدٍ، أنَّهُما سَمِعا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «(ما يُصِيبُ المُؤْمِنَ مِن وصَبٍ ولا نَصَبٍ ولا سَقَمٍ ولا حُزْنٍ حَتّى الهَمُّ يُهَمُّهُ إلّا كَفَّرَ اللَّهُ بِهِ مِن سَيِّئاتِهِ») (p-٤٢)وأخْرَجَ أحْمَدُ، ومُسَدَّدٌ، وابْنُ أبِي الدُّنْيا في الكَفّاراتِ، وأبُو يَعْلى، وابْنُ حِبّانَ، والطَّبَرانِيُّ في (الأوْسَطِ)، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ أبِي سَعِيدٍ قالَ: قالَ رَجُلٌ: «يا رَسُولَ اللَّهِ، أرَأيْتَ هَذِهِ الأمْراضَ الَّتِي تُصِيبُنا ما لَنا بِها؟ قالَ: (كَفّاراتٌ)، قالَ أُبَيٌّ: وإنْ قَلَّتْ؟ قالَ: (وإنْ شَوْكَةً فَما فَوْقَها») . وأخْرَجَ ابْنُ راهُوَيْهِ في (مُسْنَدِهِ) عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ المُنْتَشِرِ قالَ: قالَ رَجُلٌ لِعُمَرَ بْنِ الخَطّابِ: إنِّي لَأعْرِفُ أشَدَّ آيَةٍ في كِتابِ اللَّهِ، فَأهْوى عُمَرُ فَضَرَبَهُ بِالدِّرَّةِ، وقالَ: ما لَكَ نَقَّبْتَ عَنْها حَتّى عَلِمْتَها، فانْصَرَفَ حَتّى كانَ الغَدُ، قالَ لَهُ عُمَرُ: الآيَةُ الَّتِي ذَكَرْتَ بِالأمْسِ؟ فَقالَ: ﴿مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾، فَما مِنّا أحَدٌ يَعْمَلُ سُوءًا إلّا جُزِيَ بِهِ، فَقالَ عُمَرُ: لَبِثْنا حِينَ نَزَلَتْ ما يَنْفَعُنا طَعامٌ ولا شَرابٌ حَتّى أنْزَلَ اللَّهُ بَعْدَ ذَلِكَ ورَخَّصَ، قالَ: ﴿ومَن يَعْمَلْ سُوءًا أوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ١١٠] [النِّساءِ: ١١٠] . وأخْرَجَ الطَّيالِسِيُّ، وأحْمَدُ، والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ أُمَيَّةَ بِنْتِ عَبْدِ اللَّهِ قالَتْ: «سَألْتُ عائِشَةَ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ (p-٤٣)فَقالَتْ: لَقَدْ سَألْتَنِي عَنْ شَيْءٍ ما سَألَنِي عَنْهُ أحَدٌ بَعْدَ أنْ سَألْتُ عَنْهُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، سَألْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: (يا عائِشَةُ، هَذِهِ مُعاتَبَةُ اللَّهِ العَبْدَ بِما يُصِيبُهُ مِنَ الحُمّى والحُزْنِ والنَّكْبَةِ، حَتّى البِضاعَةُ يَضَعُها في كُمِّهِ فَيَفْقِدُها فَيَفْزَعُ لَها فَيَجِدُها تَحْتَ ضِبْنِهِ، حَتّى إنَّ العَبْدَ لِيَخْرُجُ مِن ذُنُوبِهِ كَما يَخْرُجُ التِّبْرُ الأحْمَرُ مِنَ الكِيرِ») . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي الدُّنْيا، وابْنُ جَرِيرٍ، والبَيْهَقِيُّ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ زِيادٍ قالَ: قُلْتُ لِأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: آيَةٌ في كِتابِ اللَّهِ قَدْ أحْزَنَتْنِي، قالَ: ما هِيَ؟ قُلْتُ: ﴿مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ قالَ: ما كُنْتُ أراكَ إلّا أفْقَهَ مِمّا أرى، إنَّ المُؤْمِنَ لا تُصِيبُهُ مُصِيبَةٌ، عَثْرَةُ قَدَمٍ، ولا اخْتِلاجُ عِرْقٍ، ولا نَجْبَةُ نَمْلَةٍ إلّا بِذَنْبٍ، وما يَعْفُو اللَّهُ عَنْهُ أكْثَرُ، حَتّى اللَّدْغَةُ والنَّفْحَةُ. وأخْرَجَ هَنّادٌ، وأبُو نُعَيْمٍ في (الحِلْيَةِ) عَنْ إبْراهِيمَ بْنِ مُرَّةَ قالَ: جاءَ رَجُلٌ (p-٤٤)إلى أُبَيٍّ فَقالَ: يا أبا المُنْذِرِ، آيَةٌ في كِتابِ اللَّهِ قَدْ غَمَّتْنِي، قالَ: أيُّ آيَةٍ؟ قالَ: ﴿مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ قالَ: ذاكَ العَبْدُ المُؤْمِنُ، ما أصابَتْهُ مِن نَكْبَةٍ، مُصِيبَةٍ، فَيَصْبِرُ فَيَلْقى اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ ولا ذَنْبَ لَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ عَطاءِ بْنِ أبِي رَباحٍ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ: ﴿مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ قالَ أبُو بَكْرٍ: جاءَتْ قاصِمَةُ الظَّهْرِ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (إنَّما هي المُصِيباتُ في الدُّنْيا») . وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أنَّ ابْنَ عُمَرَ لَقِيَهُ حَزِينًا، فَسَألَهُ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿لَيْسَ بِأمانِيِّكم ولا أمانِيِّ أهْلِ الكِتابِ مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ فَقالَ: ما لَكم ولِهَذِهِ؟ إنَّما هَذِهِ لِلْمُشْرِكِينَ، قُرَيْشٍ وأهْلِ الكِتابِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ يَقُولُ: مَن يُشْرِكْ يُجْزَ بِهِ، وهو السُّوءُ، ﴿ولا يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ اللَّهِ ولِيًّا ولا نَصِيرًا﴾ إلّا أنْ يَتُوبَ قَبْلَ مَوْتِهِ فَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَيْهِ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وهَنّادٌ، والحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ، والبَيْهَقِيُّ، عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ قالَ: إنَّما ذاكَ لِمَن أرادَ اللَّهُ هَوانَهُ، فَأمّا مَن أرادَ اللَّهُ كَرامَتَهُ فَإنَّهُ يَتَجاوَزُ عَنْ سَيِّئاتِهِ في أصْحابِ الجَنَّةِ، وعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كانُوا يُوعَدُونَ. (p-٤٥)وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ عَنْ أنَسٍ قالَ: «أتى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ شَجَرَةً فَهَزَّها حَتّى تَساقَطَ مِن ورَقِها ما شاءَ اللَّهُ أنْ يَتَساقَطَ، ثُمَّ قالَ: (الأوْجاعُ، والمُصِيباتُ أسْرَعُ في ذُنُوبِ بَنِي آدَمَ مِنِّي في هَذِهِ الشَّجَرَةِ») . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «(لا يَزالُ البَلاءُ بِالمُؤْمِنِ والمُؤْمِنَةِ في نَفْسِهِ، وفي ولَدِهِ، ومالِهِ، حَتّى يَلْقى اللَّهَ وما عَلَيْهِ مِن خَطِيئَةٍ») . وأخْرَجَ أحْمَدُ عَنِ السّائِبِ بْنِ خَلّادٍ، أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «(ما مِن شَيْءٍ يُصِيبُ المُؤْمِنَ حَتّى الشَّوْكَةُ تُصِيبُهُ، إلّا كَتَبَ اللَّهُ لَهُ بِها حَسَنَةً، وحَطَّ عَنْهُ بِها خَطِيئَةً») . وأخْرَجَ أحْمَدُ، والبُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: قالَ النَّبِيُّ ﷺ: «(ما مِن مُصِيبَةٍ تُصِيبُ المُسْلِمَ إلّا كَفَّرَ اللَّهُ بِها عَنْهُ حَتّى الشَّوْكَةُ يُشاكُها») . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأحْمَدُ، ومُسْلِمٌ، والحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ، عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «(لا يُصِيبُ المُؤْمِنَ شَوْكَةٌ فَما فَوْقَها، إلّا رَفَعَهُ اللَّهُ بِها دَرَجَةً، وحَطَّ عَنْهُ بِها خَطِيئَةً») . وأخْرَجَ أحْمَدُ عَنْ عائِشَةَ، «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ طَرَقَهُ وجَعٌ، فَجَعَلَ يَشْتَكِي (p-٤٦)ويَتَقَلَّبُ عَلى فِراشِهِ، فَقالَتْ عائِشَةُ: لَوْ صَنَعَ هَذا بَعْضُنا لَوَجَدْتُ عَلَيْهِ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: (إنَّ الصّالِحِينَ يُشَدَّدُ عَلَيْهِمْ، وأنَّهُ لا يُصِيبُ مُؤْمِنًا نَكْبَةٌ مِن شَوْكَةٍ فَما فَوْقَ ذَلِكَ، إلّا حُطَّتْ بِهِ عَنْهُ خَطِيئَةٌ، ورُفِعَ لَهُ بِها دَرَجَةٌ») . وأخْرَجَ أحْمَدُ، والبُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، والتِّرْمِذِيُّ، عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «(ما يُصِيبُ المُؤْمِنَ مِن نَصَبٍ، ولا وصَبٍ، ولا هَمٍّ، ولا حُزْنٍ، ولا أذًى، ولا غَمٍّ، حَتّى الشَّوْكَةُ يُشاكُها إلّا كَفَّرَ اللَّهُ مِن خَطاياهُ») . وأخْرَجَ أحْمَدُ، وهَنّادٌ مَعا في (الزُّهْدِ)، عَنْ أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ قالَ: إنَّ المُسْلِمَ لَيُؤْجَرُ في كُلِّ شَيْءٍ حَتّى في النَّكْبَةِ، وانْقِطاعِ شِسْعِهِ، والبِضاعَةِ تَكُونُ في كُمِّهِ فَيَفْقِدُها فَيَفْزَعُ لَها فَيَجِدُها في ضِبْنِهِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنْ سَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ قالَ: «قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، أيُّ النّاسِ أشَدُّ بَلاءً؟ قالَ: (النَّبِيُّونَ، ثُمَّ الأمْثَلُ مِنَ النّاسِ، فَما يَزالُ بِالعَبْدِ البَلاءُ حَتّى يَلْقى اللَّهَ وما عَلَيْهِ مِن خَطِيئَةٍ») . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأحْمَدُ، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ مُعاوِيَةَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ (p-٤٧)ﷺ يَقُولُ: «(ما مِن شَيْءٍ يُصِيبُ المُؤْمِنَ في جَسَدِهِ يُؤْذِيهِ، إلّا كَفَّرَ اللَّهُ بِهِ عَنْهُ مِن سَيِّئاتِهِ») . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «(صُداعُ المُؤْمِنِ، أوْ شَوْكَةٌ يُشاكُها، أوْ شَيْءٌ يُؤْذِيهِ، يَرْفَعُهُ اللَّهُ بِها يَوْمَ القِيامَةِ دَرَجَةً ويُكَفِّرُ بِها عَنْهُ ذُنُوبَهُ») . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ بُرَيْدَةَ الأسْلَمِيِّ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «(ما أصابَ رَجُلًا مِنَ المُسْلِمِينَ نَكْبَةٌ فَما فَوْقَها - حَتّى ذَكَرَ الشَّوْكَةَ - إلّا لِإحْدى خَصْلَتَيْنِ: إلّا لِيَغْفِرَ اللَّهُ لَهُ مِنَ الذُّنُوبِ ذَنْبًا لَمْ يَكُنْ لِيُغْفَرَ لَهُ إلّا بِمِثْلِ ذَلِكَ، أوْ يَبْلُغَ بِهِ مِنَ الكَرامَةِ كَرامَةً لَمْ يَكُنْ يَبْلُغُها إلّا بِمِثْلِ ذَلِكَ») . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، والبَيْهَقِيُّ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: إنَّ الوَجَعَ لا يُكْتَبُ بِهِ الأجْرُ، إنَّما الأجْرُ في العَمَلِ، ولَكِنْ يُكَفِّرُ اللَّهُ بِهِ الخَطايا. وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ إياسِ بْنِ أبِي فاطِمَةَ، عَنْ أبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قالَ: «(أيُّكم يُحِبُّ أنْ يَصِحَّ فَلا يَسْقَمَ؟) (p-٤٨)قالُوا: كُلُّنا يا رَسُولَ اللَّهِ، قالَ: (أتُحِبُّونَ أنْ تَكُونُوا كالحَمِيرِ الضّالَّةِ - وفي لَفْظٍ: الصَّيّالَةِ - ألا تُحِبُّونَ أنْ تَكُونُوا أصْحابَ بَلاءٍ وأصْحابَ كَفّاراتٍ؟ والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، إنَّ اللَّهَ لِيَبْتَلِيَ المُؤْمِنَ، وما يَبْتَلِيهِ إلّا لِكَرامَتِهِ عَلَيْهِ، وإنَّ العَبْدَ لَتَكُونُ لَهُ الدَّرَجَةُ في الجَنَّةِ لا يَبْلُغُها بِشَيْءٍ مِن عَمَلِهِ، حَتّى يَبْتَلِيَهُ بِالبَلاءِ لِيَبْلُغَ بِهِ تِلْكَ الدَّرَجَةَ») . وأخْرَجَ أحْمَدُ، وابْنُ أبِي الدُّنْيا، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ خالِدٍ السُّلَمِيِّ، عَنْ أبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، وكانَتْ لَهُ صُحْبَةٌ، قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «(إذا سَبَقَتْ لِلْعَبْدِ مِنَ اللَّهِ مَنزِلَةٌ لَمْ يَبْلُغْها بِعَمَلِهِ، ابْتَلاهُ اللَّهُ في جَسَدِهِ، أوْ في مالِهِ، أوْ في ولَدِهِ، ثُمَّ صَبَّرَهُ حَتّى يُبَلِّغَهُ المَنزِلَةَ الَّتِي سَبَقَتْ لَهُ مِنَ اللَّهِ») . وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «(إنَّ الرَّجُلَ لَتَكُونُ لَهُ المَنزِلَةُ عِنْدَ اللَّهِ فَما يَبْلُغُها بِعَمَلٍ، فَما يَزالُ يَبْتَلِيهِ بِما يَكْرَهُ حَتّى يُبَلِّغَهُ ذَلِكَ») . وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ، مِن طَرِيقِ أحْمَدَ بْنِ أبِي الحَوارِيِّ قالَ: سَمِعْتُ أبا سُلَيْمانَ يَقُولُ: مَرَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى رَجُلٍ في مُتَعَبَّدٍ لَهُ، ثُمَّ مَرَّ بِهِ بَعْدَ ذَلِكَ وقَدْ مَزَّقَتِ السِّباعُ لَحْمَهُ، فَرَأْسٌ مُلْقًى، وفَخِذٌ مُلْقًى، وكَبِدٌ مُلْقًى، فَقالَ مُوسى: يا رَبِّ، عَبْدُكَ كانَ يُطِيعُكَ فابْتَلَيْتَهُ بِهَذا؟ فَأوْحى اللَّهُ إلَيْهِ: يا مُوسى، إنَّهُ (p-٤٩)سَألَنِي دَرَجَةً لَمْ يَبْلُغْها بِعَمَلِهِ، فابْتَلَيْتُهُ بِهَذا لِأُبَلِّغَهُ بِذَلِكَ الدَّرَجَةَ) . وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ عَنْ عائِشَةَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «(ما ضُرِبَ مِن مُؤْمِنٍ عِرْقٌ إلّا حَطَّ اللَّهُ بِهِ عَنْهُ خَطِيئَةً، وكَتَبَ لَهُ بِهِ حَسَنَةً، ورَفَعَ لَهُ بِهِ دَرَجَةً») . وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «(إنَّ اللَّهَ لِيَبْتَلِيَ عَبْدَهُ بِالسَّقَمِ حَتّى يُكَفِّرَ كُلَّ ذَنْبٍ») . وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «(مَن صُدِعَ في سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ احْتَسَبَ، غَفَرَ اللَّهُ لَهُ ما كانَ قَبْلَ ذَلِكَ مِن ذَنْبٍ») . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أبِي حَبِيبٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «(لا يَزالُ الصُّداعُ والمَلِيلَةُ بِالمَرْءِ المُسْلِمِ حَتّى يَدَعَهُ مِثْلَ الفِضَّةِ البَيْضاءِ») . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا، والبَيْهَقِيُّ، «عَنْ عامِرٍ أخِي الخَضِرِ قالَ: إنِّي لَبِأرْضٍ مُحارِبٌ إذا راياتٌ وألْوِيَةٌ، فَقُلْتُ: ما هَذا؟ قالُوا: (p-٥٠)رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَجِئْتُ، فَجَلَسْتُ إلَيْهِ، وهو في ظِلِّ شَجَرَةٍ قَدْ بُسِطَ لَهُ كِساءٌ، وحَوْلَهُ أصْحابُهُ، فَذَكَرُوا الأسْقامَ فَقالَ: (إنَّ العَبْدَ المُؤْمِنَ إذا أصابَهُ سَقَمٌ ثُمَّ عافاهُ اللَّهُ كانَ كَفّارَةً لِما مَضى مِن ذُنُوبِهِ، ومَوْعِظَةً لَهُ فِيما يَسْتَقْبِلُ مِن عُمْرِهِ، وإنَّ المُنافِقَ إذا مَرِضَ وعُوفِيَ كانَ كالبَعِيرِ عَقَلَهُ أهْلُهُ ثُمَّ أطْلَقُوهُ، لا يَدْرِي فِيما عَقَلُوهُ، ولا فِيما أطْلَقُوهُ)، فَقالَ رَجُلٌ: يا رَسُولَ اللَّهِ، ما الأسْقامُ؟ قالَ: (أوَما سَقِمْتَ قَطُّ؟) قالَ: لا، قالَ: (فَقُمْ عَنّا فَلَسْتَ مِنّا») . وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ عَنْ أبِي أُمامَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قالَ: «(ما مِن عَبْدٍ يُصْرَعُ صَرْعَةً مِن مَرَضٍ إلّا بَعَثَهُ مِنهُ طاهِرًا») . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ أبِي أُمامَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «(إنَّ العَبْدَ إذا مَرِضَ أوْحى اللَّهُ إلى مَلائِكَتِهِ: يا مَلائِكَتِي، إذا قَيَّدْتُ عَبْدِي بِقَيْدٍ مِن قُيُودِي، فَإنْ أقْبِضْهُ أغْفِرْ لَهُ، وإنْ أُعافِهِ فَجَسَدُهُ مَغْفُورٌ لا ذَنْبَ لَهُ»)، وقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «(إنَّ اللَّهَ لَيُجَرِّبُ أحَدَكم بِالبَلاءِ - وهو أعْلَمُ - كَما يُجَرِّبُ أحَدُكم ذَهَبَهُ بِالنّارِ، فَمِنهم مَن يَخْرُجُ كالذَّهَبِ الإبْرِيزِ، فَذَلِكَ الَّذِي نَجّاهُ اللَّهُ مِنَ السَّيِّئاتِ، ومِنهم مَن يَخْرُجُ كالذَّهَبِ دُونَ ذَلِكَ، فَذَلِكَ الَّذِي يَشُكُّ بَعْضَ (p-٥١)الشَّكِّ، ومِنهم مَن يَخْرُجُ كالذَّهَبِ الأسْوَدِ، فَذَلِكَ الَّذِي قَدِ افْتَتَنَ») . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا، والبَيْهَقِيُّ، مِن طَرِيقِ بَشِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي أيُّوبَ الأنْصارِيِّ، عَنْ أبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ قالَ: «عادَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَجُلًا مِنَ الأنْصارِ، فَأكَبَّ عَلَيْهِ فَسَألَهُ، فَقالَ: يا نَبِيَّ اللَّهِ ما غَمِضْتُ مُنْذُ سَبْعِ لَيالٍ ولا أحَدَ يَحْضُرُنِي، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (أيْ أخِي، اصْبِرْ، أيْ أخِي، اصْبِرْ تَخْرُجْ مِن ذُنُوبِكَ كَما دَخَلْتَ فِيها)، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (ساعاتُ الأمْراضِ يُذْهِبْنَ ساعاتِ الخَطايا») . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا، والبَيْهَقِيُّ، عَنِ الحَسَنِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «(ساعاتُ الأذى يُذْهِبْنَ ساعاتِ الخَطايا») . وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ عَنِ الحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ، رَفَعَهُ، قالَ: «(إذا كَثُرَتْ ذُنُوبُ العَبْدِ ولَمْ يَكُنْ لَهُ مِنَ العَمَلِ ما يُكَفِّرُ ذُنُوبَهُ، ابْتَلاهُ اللَّهُ بِالهَمِّ يُكَفِّرُ بِهِ ذُنُوبَهُ») . وأخْرَجَ ابْنُ عَدِيٍّ، والبَيْهَقِيُّ وضَعَّفَهُ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «(إنَّ اللَّهَ لَيَبْتَلِيَ عَبْدَهُ بِالبَلاءِ والهَمِّ حَتّى يَتْرُكَهُ مِن ذَنْبِهِ كالفِضَّةِ المُصَفّاةِ») . (p-٥٢)وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ عَنِ المُسَيِّبِ بْنِ رافِعٍ، أنَّ أبا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ قالَ: إنَّ المَرْءَ المُسْلِمَ يَمْشِي في النّاسِ وما عَلَيْهِ خَطِيئَةٌ، قِيلَ: ولِمَ ذاِكَ يا أبا بَكْرٍ؟ قالَ: بِالمَصائِبِ والحَجَرِ والشَّوْكَةِ والشِّسْعِ يَنْقَطِعُ. وأخْرَجَ أحْمَدُ عَنْ أبِي الدَّرْداءِ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «(إنَّ الصُّداعَ والمَلِيلَةَ لا يَزالُ بِالمُؤْمِنِ، وإنَّ ذَنْبَهُ مِثْلُ أُحُدٍ، فَما يَتْرُكُهُ وعَلَيْهِ مِن ذَلِكَ مِثْقالُ حَبَّةٍ مِن خَرْدَلٍ») . وأخْرَجَ أحْمَدُ عَنْ خالِدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ القَسْرِيِّ، عَنْ جَدِّهِ يَزِيدَ بْنِ أسَدٍ، أنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «(المَرِيضُ تَحاتُّ خَطاياهُ كَما يَتَحاتُّ ورَقُ الشَّجَرِ») . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنْ أبِي الدَّرْداءِ قالَ: ما يَسُرُّنِي بِلَيْلَةٍ أمْرَضُها حُمْرُ النَّعَمِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنْ عِياضِ بْنِ غُطَيْفٍ قالَ: دَخَلْنا عَلى أبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الجَرّاحِ نَعُودُهُ، فَإذا وجْهُهُ مِمّا يَلِي الجِدارَ وامْرَأتُهُ قاعِدَةٌ عِنْدَ رَأْسِهِ، قُلْتُ: كَيْفَ باتَ أبُو عُبَيْدَةَ؟ قالَتْ: باتَ بِأجْرٍ، فَأقْبَلَ عَلَيْنا بِوَجْهِهِ فَقالَ: إنِّي لَمْ أبِتْ بِأجْرٍ (p-٥٣)ومَنِ ابْتَلاهُ اللَّهُ بِبَلاءٍ في جَسَدِهِ فَهو لَهُ حِطَّةٌ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنْ سَلْمانَ قالَ: إنَّ المُؤْمِنَ يُصِيبُهُ اللَّهُ بِالبَلاءِ ثُمَّ يُعافِيهِ فَيَكُونُ كَفّارَةً لِسَيِّئاتِهِ، ومُسْتَعْتَبًا فِيما بَقِيَ، وإنَّ الفاجِرَ يُصِيبُهُ اللَّهُ بِالبَلاءِ ثُمَّ يُعافِيهِ فَيَكُونُ كالبَعِيرِ، عَقَلَهُ أهْلُهُ، لا يَدْرِي لِمَ عَقَلُوهُ، ثُمَّ أرْسَلُوهُ، فَلا يَدْرِي لِمَ أرْسَلُوهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنْ عَمّارٍ، أنَّهُ كانَ عِنْدَهُ أعْرابِيٌّ فَذَكَرُوا الوَجَعَ، فَقالَ عَمّارٌ: ما اشْتَكَيْتَ قَطُّ؟ قالَ: لا، فَقالَ عَمّارٌ: لَسْتَ مِنّا، ما مِن عَبْدٍ يُبْتَلى إلّا حُطَّ عَنْهُ خَطاياهُ كَما تَحُطُّ الشَّجَرَةَ ورَقَها، وإنَّ الكافِرَ يُبْتَلى، فَمَثَلُهُ البَعِيرُ عُقِلَ، فَلَمْ يَدْرِ لِما عُقِلَ، وأُطْلِقَ فَلَمْ يَدْرِ لِما أُطْلِقَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ قالَ: الشِّرْكُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، مِثْلَهُ. (p-٥٤)وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ قالَ: الكافِرُ، ثُمَّ قَرَأ: ﴿وهَلْ نُجازِي إلا الكَفُورَ﴾ [سبإ: ١٧] .

النساء 4:124

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَن يَعْمَلْ مِنَ الصّالِحاتِ﴾ الآيَةَ أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ مَسْرُوقٍ قالَ: لَمّا نَزَلَتْ: ﴿لَيْسَ بِأمانِيِّكم ولا أمانِيِّ أهْلِ الكِتابِ﴾ [النساء: ١٢٣] الآيَةَ، قالَ أهْلُ الكِتابِ: نَحْنُ وأنْتُمْ سَواءٌ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿ومَن يَعْمَلْ مِنَ الصّالِحاتِ مِن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى وهو مُؤْمِنٌ﴾ فَفَجَلُوا عَلَيْهِمْ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿ومَن يَعْمَلْ مِنَ الصّالِحاتِ مِن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى وهو مُؤْمِنٌ﴾، قالَ: أبى أنْ يَقْبَلَ الإيمانَ إلّا بِالعَمَلِ الصّالِحِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أنَّ ابْنَ عُمَرَ لَقِيَهُ، فَسَألَهُ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿ومَن يَعْمَلْ مِنَ الصّالِحاتِ﴾ قالَ: الفَرائِضُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ في قَوْلِهِ: ﴿ومَن يَعْمَلْ مِنَ الصّالِحاتِ مِن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى وهو مُؤْمِنٌ﴾ قالَ: قَدْ (p-٥٥)يَعْمَلُ اليَهُودِيُّ والنَّصْرانِيُّ والمُشْرِكُ الخَيْرَ فَلا يَنْفَعُهم إلّا ثَوابُهُ في الدُّنْيا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿ومَن يَعْمَلْ مِنَ الصّالِحاتِ مِن ذَكَرٍ أوْ أُنْثى وهو مُؤْمِنٌ﴾ قالَ: إنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ العَمَلِ ما كانَ في الإيمانِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: النَّقِيرُ هي النُّكْتَةُ الَّتِي تَكُونُ في ظَهْرِ النَّواةِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنِ الكَلْبِيِّ قالَ: القِطْمِيرُ القِشْرَةُ الَّتِي تَكُونُ عَلى النَّواةِ، والفَتِيلُ الَّتِي تَكُونُ في بَطْنِها، والنَّقِيرُ النُّقْطَةُ البَيْضاءُ الَّتِي في وسَطِ النَّواةِ.

النساء 4:125

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَن أحْسَنُ دِينًا﴾ الآيَةَ أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ أهْلُ الإسْلامِ: لا دِينَ إلّا الإسْلامُ، كِتابُنا نَسَخَ كُلَّ كِتابٍ، ونَبِيُّنا خاتَمُ النَّبِيِّينَ، ودِينُنا خَيْرُ الأدْيانِ، فَقالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ومَن أحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أسْلَمَ وجْهَهُ لِلَّهِ وهو مُحْسِنٌ﴾ . * * قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واتَّخَذَ اللَّهُ إبْراهِيمَ خَلِيلا﴾ (p-٥٦)وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «(إنَّ اللَّهَ اصْطَفى مُوسى بِالكَلامِ، وإبْراهِيمَ بِالخُلَّةِ») . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، والطَّبَرانِيُّ في (السُّنَّةِ)، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: إنَّ اللَّهَ اصْطَفى إبْراهِيمَ بِالخُلَّةِ، واصْطَفى مُوسى بِالكَلامِ، واصْطَفى مُحَمَّدًا بِالرُّؤْيَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، والبُخارِيُّ، وابْنُ الضُّرَيْسِ، عَنْ مُعاذِ بْنِ جَبَلٍ، أنَّهُ لَمّا قَدِمَ اليَمَنَ صَلّى بِهِمُ الصُّبْحَ فَقَرَأ: ﴿واتَّخَذَ اللَّهُ إبْراهِيمَ خَلِيلا﴾ فَقالَ رَجُلٌ مِنَ القَوْمِ: لَقَدْ قَرَّتْ عَيْنُ أُمِّ إبْراهِيمَ. وأخْرَجَ الحاكِمُ، وصَحَّحَهُ عَنْ جُنْدُبٍ: أنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ قَبْلَ أنْ يُتَوَفّى: «(إنَّ اللَّهَ اتَّخَذَنِي خَلِيلًا كَما اتَّخَذَ إبْراهِيمَ خَلِيلًا») . وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، وابْنُ عَساكِرَ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «(إنَّ اللَّهَ اتَّخَذَ إبْراهِيمَ خَلِيلًا، وإنَّ صاحِبَكم خَلِيلُ اللَّهِ، وإنَّ مُحَمَّدًا سَيِّدُ بَنِي آدَمَ يَوْمَ القِيامَةِ)، ثُمَّ قَرَأ: ﴿عَسى أنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء»: ٧٩] . وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ عَنْ سَمُرَةَ قالَ: كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «(إنَّ الأنْبِياءَ يَوْمَ القِيامَةِ كُلُّ اثْنَيْنِ مِنهم خَلِيلانِ دُونَ سائِرِهِمْ)، قالَ: (فَخَلِيلِي مِنهم يَوْمَئِذٍ خَلِيلُ اللَّهِ إبْراهِيمُ») . وأخْرَجَ البَزّارُ، والطَّبَرانِيُّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «(إنَّ في الجَنَّةِ قَصْرًا مِن دُرَّةٍ لا صَدْعَ فِيهِ ولا وهْنَ، أعَدَّهُ اللَّهُ لِخَلِيلِهِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ نُزُلًا» . وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: أتَعْجَبُونَ أنْ تَكُونَ الخُلَّةُ لِإبْراهِيمَ، والكَلامُ لِمُوسى، والرُّؤْيَةُ لِمُحَمَّدٍ ﷺ! وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «جَلَسَ ناسٌ مِن أصْحابِ النَّبِيِّ ﷺ يَنْتَظِرُونَهُ، فَخَرَجَ حَتّى إذا دَنا مِنهم سَمِعَهم يَتَذاكَرُونَ، فَسَمِعَ حَدِيثَهم وإذا بَعْضُهم يَقُولُ: إنَّ اللَّهَ اتَّخَذَ مِن خَلْقِهِ خَلِيلًا، فَإبْراهِيمُ خَلِيلُهُ، وقالَ آخَرُ: ماذا بِأعْجَبَ مِن أنْ كَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيمًا، وقالَ آخَرُ: فَعِيسى رُوحُ اللَّهِ وكَلِمَتُهُ، وقالَ آخَرُ: آدَمُ اصْطَفاهُ اللَّهُ، فَخَرَجَ عَلَيْهِمْ فَسَلَّمَ فَقالَ: (قَدْ سَمِعْتُ كَلامَكم وعَجَبَكم أنَّ إبْراهِيمَ خَلِيلُ اللَّهِ، وهو كَذَلِكَ، ومُوسى كَلِيمُهُ، وعِيسى رُوحُهُ (p-٥٨)وكَلِمَتُهُ، وآدَمُ اصْطَفاهُ اللَّهُ، وهو كَذَلِكَ، ألا وإنِّي حَبِيبُ اللَّهِ، ولا فَخْرَ، وأنا أوَّلُ شافِعٍ وأوَّلُ مُشَفَّعٍ، ولا فَخْرَ، وأنا أوَّلُ مَن يُحَرِّكُ حِلَقَ الجَنَّةِ، فَيَفْتَحُها اللَّهُ فَيُدْخِلُنِيها ومَعِي فُقَراءُ المُؤْمِنِينَ، ولا فَخْرَ، وأنا أكْرَمُ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ يَوْمَ القِيامَةِ، ولا فَخْرَ») . وأخْرَجَ الزُّبَيْرُ بْنُ بِكّارٍ في (المُوَفَّقِيّاتِ) قالَ: أوْحى اللَّهُ إلى إبْراهِيمَ: أتَدْرِي لِمَ اتَّخَذْتُكَ خَلِيلًا؟ قالَ: لا يا رَبِّ، قالَ: لِأنِّي اطَّلَعْتُ عَلى قَلْبِكَ فَوَجَدْتُكَ تُحِبُّ أنْ تُرْزَأ ولا تَرْزَأ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ أبْزى قالَ: دَخَلَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ مَنزِلَهُ فَجاءَهُ مَلَكُ المَوْتِ في صُورَةِ شابٍّ لا يَعْرِفُهُ، فَقالَ لَهُ إبْراهِيمُ: بِإذْنِ مَن دَخَلْتَ؟ قالَ: بِإذْنِ رَبِّ المَنزِلِ، فَعَرَفَهُ إبْراهِيمُ، فَقالَ لَهُ مَلَكُ المَوْتِ: إنَّ رَبَّكَ اتَّخَذَ مِن عِبادِهِ خَلِيلًا، قالَ إبْراهِيمُ: ومَن ذَلِكَ؟ قالَ: وما تَصْنَعُ بِهِ؟ قالَ: أكُونُ خادِمًا لَهُ حَتّى أمُوتَ، قالَ: فَإنَّهُ أنْتَ، قالَ: وبِأيِّ شَيْءٍ اتَّخَذَنِي خَلِيلًا؟ قالَ: بِأنَّكَ تُحِبُّ أنْ تُعْطِيَ ولا تَأْخُذَ. وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في (الشُّعَبِ) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قالَ: قالَ رَسُولُ (p-٥٩)اللَّهِ ﷺ: «(يا جِبْرِيلُ، لِمَ اتَّخَذَ اللَّهُ إبْراهِيمَ خَلِيلًا؟) قالَ: لِإطْعامِهِ الطَّعامَ يا مُحَمَّدُ» . وأخْرَجَ الدَّيْلَمِيُّ بِسَنَدٍ واهٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ: «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ لِلْعَبّاسِ: (يا عَمُّ، هَلْ تَدْرِي لِمَ اتَّخَذَ اللَّهُ إبْراهِيمَ خَلِيلًا؟ هَبَطَ إلَيْهِ جِبْرِيلُ فَقالَ: أيُّها الخَلِيلُ، هَلْ تَدْرِي بِمَ اسْتَوْجَبْتَ الخُلَّةَ؟ فَقالَ: لا أدْرِي يا جِبْرِيلُ، قالَ: لِأنَّكَ تُعْطِي ولا تَأْخُذُ») . وأخْرَجَ الحافِظُ أبُو القاسِمِ حَمْزَةُ بْنُ يُوسُفَ السَّهْمِيُّ في (فَضائِلِ العَبّاسِ) عَنْ واثِلَةَ بْنِ الأسْقَعِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «(إنَّ اللَّهَ اصْطَفى مِن ولَدِ آدَمَ إبْراهِيمَ، واتَّخَذَهُ خَلِيلًا، واصْطَفى مِن ولَدِ إبْراهِيمَ إسْماعِيلَ، ثُمَّ اصْطَفى مِن ولَدِ إسْماعِيلَ نِزارًا، ثُمَّ اصْطَفى مِن ولَدِ نِزارٍ مُضَرَ، ثُمَّ اصْطَفى مِن مُضَرَ كِنانَةَ، ثُمَّ اصْطَفى مِن كِنانَةَ قُرَيْشًا، ثُمَّ اصْطَفى مِن قُرَيْشٍ بَنِي هاشِمٍ، ثُمَّ اصْطَفى مِن بَنِي هاشِمٍ بَنِي عَبْدِ المُطَّلِبِ، ثُمَّ اصْطَفانِي مِن بَنِي عَبْدِ المُطَّلِبِ») . وأخْرَجَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ في (نَوادِرِ الأُصُولِ)، والبَيْهَقِيُّ في (شُعَبِ الإيمانِ) وضَعَّفَهُ، وابْنُ عَساكِرَ، والدَّيْلَمِيُّ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ (p-٦٠)رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «(اتَّخَذَ اللَّهُ إبْراهِيمَ خَلِيلًا، ومُوسى نَجِيًّا، واتَّخَذَنِي حَبِيبًا، ثُمَّ قالَ: وعِزَّتِي لَأُوثِرَنَّ حَبِيبِي عَلى خَلِيلِي ونَجِيِّي») . وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في (الأسْماءِ والصِّفاتِ) عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ قالَ: أوَّلُ مَن يُكْسى يَوْمَ القِيامَةِ إبْراهِيمُ قُبْطِيَّتَيْنِ، والنَّبِيُّ ﷺ حُلَّةً حِبَرَةً، وهو عَنْ يَمِينِ العَرْشِ.

النساء 4:127

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَسْتَفْتُونَكَ في النِّساءِ﴾ الآيَةَ. أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ويَسْتَفْتُونَكَ في النِّساءِ﴾ الآيَةَ، قالَ كانَ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ لا يُوَرِّثُونَ المَوْلُودَ حَتّى يَكْبَرَ، ولا يُوَرِّثُونَ المَرْأةَ، فَلَمّا كانَ الإسْلامُ قالَ:﴿ويَسْتَفْتُونَكَ في النِّساءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكم فِيهِنَّ وما يُتْلى عَلَيْكم في الكِتابِ﴾ في أوَّلِ السُّورَةِ في الفَرائِضِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قالَ: كانَ لا يَرِثُ إلّا الرَّجُلُ الَّذِي قَدْ بَلَغَ أنْ يَقُومَ في المالِ ويَعْمَلَ فِيهِ، لا يَرِثُ الصَّغِيرُ ولا المَرْأةُ شَيْئًا، فَلَمّا نَزَلَتِ المَوارِيثُ في سُورَةِ (النِّساءِ) شَقَّ ذَلِكَ عَلى النّاسِ، وقالُوا: أيَرِثُ الصَّغِيرُ الَّذِي لا يَقُومُ في المالِ، والمَرْأةُ الَّتِي هي كَذَلِكَ، فَيَرِثانِ كَما يَرِثُ (p-٦١)الرَّجُلُ، فَرَجَوْا أنْ يَأْتِيَ في ذَلِكَ حَدَثٌ مِنَ السَّماءِ، فانْتَظَرُوا، فَلَمّا رَأوْا أنَّهُ لا يَأْتِي حَدَثٌ قالُوا: لَئِنْ تَمَّ هَذا إنَّهُ لَواجِبٌ ما مِنهُ بُدٌّ، ثُمَّ قالُوا: سَلُوا، فَسَألُوا النَّبِيَّ ﷺ فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿ويَسْتَفْتُونَكَ في النِّساءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكم فِيهِنَّ وما يُتْلى عَلَيْكم في الكِتابِ﴾ في أوَّلِ السُّورَةِ، ﴿فِي يَتامى النِّساءِ اللاتِي لا تُؤْتُونَهُنَّ ما كُتِبَ لَهُنَّ وتَرْغَبُونَ أنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾: وكانَ الوَلِيُّ إذا كانَتِ المَرْأةُ ذاتَ جَمالٍ ومالٍ رَغِبَ فِيها ونَكَحَها، واسْتَأْثَرَ بِها، وإذا لَمْ تَكُنْ ذاتَ جَمالٍ ومالٍ أنْكَحَها ولَمْ يَنْكِحْها. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ مُجاهِدٍ في الآيَةِ قالَ: كانَ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ لا يُوَرِّثُونَ النِّساءَ ولا الصِّبْيانَ شَيْئًا، كانُوا يَقُولُونَ: لا يَغْزُونَ ولا يَغْنَمُونَ خَيْرًا، فَفَرَضَ اللَّهُ لَهُنَّ المِيراثَ حَقًّا واجِبًا. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ إبْراهِيمَ في الآيَةِ قالَ: كانُوا إذا كانَتِ الجارِيَةُ يَتِيمَةً دَمِيمَةً لَمْ يُعْطُوها مِيراثَها وحَبَسُوها مِنَ التَّزْوِيجِ حَتّى تَمُوتَ فَيَرِثُوها، فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في الآيَةِ قالَ: كانَتِ اليَتِيمَةُ تَكُونُ في حَجْرِ الرَّجُلِ، فَيَرْغَبُ أنْ يَنْكِحَها، ولا يُعْطِيَها مالَها، رَجاءَ أنْ تَمُوتَ فَيَرِثَها، وإنْ (p-٦٢)ماتَ لَها حَمِيمٌ لَمْ تُعْطَ مِنَ المِيراثِ شَيْئًا، وكانَ ذَلِكَ في الجاهِلِيَّةِ، فَبَيَّنَ اللَّهُ لَهم ذَلِكَ، وكانُوا لا يُوَرِّثُونَ الصَّغِيرَ، والضَّعِيفَ شَيْئًا، فَأمَرَ اللَّهُ أنْ يُعْطى نَصِيبَهُ مِنَ المِيراثِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ السُّدِّيِّ في الآيَةِ قالَ: كانَ جابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ لَهُ ابْنَةُ عَمٍّ عَمْياءُ، وكانَتْ دَمِيمَةً، وكانَتْ قَدْ ورِثَتْ مِن أبِيها مالًا، فَكانَ جابِرٌ يَرْغَبُ عَنْ نِكاحِها ولا يُنْكِحُها، رَهْبَةَ أنْ يَذْهَبَ الزَّوْجُ بِمالِها، فَسَألَ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ ذَلِكَ، وكانَ ناسٌ في حُجُورِهِمْ جِوارِي أيْضًا مِثْلُ ذَلِكَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ هَذا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، مِن طَرِيقِ السُّدِّيِّ، عَنْ أبِي مالِكٍ في قَوْلِهِ: ﴿وما يُتْلى عَلَيْكم في الكِتابِ في يَتامى النِّساءِ اللاتِي لا تُؤْتُونَهُنَّ ما كُتِبَ لَهُنَّ وتَرْغَبُونَ أنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ قالَ: كانَتِ المَرْأةُ إذا كانَتْ عِنْدَ ولِيٍّ يَرْغَبُ عَنْ حُسْنِها لَمْ يَتَزَوَّجْها، ولَمْ يَتْرُكْ أحَدًا يَتَزَوَّجُها، ﴿والمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الوِلْدانِ﴾ قالَ: كانُوا لا يُوَرِّثُونَ إلّا الأكْبَرَ فالأكْبَرَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ في قَوْلِهِ: ﴿وما يُتْلى عَلَيْكم في الكِتابِ في يَتامى النِّساءِ﴾ قالَ: ما يُتْلى عَلَيْكم في أوَّلِ السُّورَةِ مِنَ المَوارِيثِ وكانُوا لا يُوَرِّثُونَ امْرَأةً ولا صَبِيًّا حَتّى يَحْتَلِمَ. (p-٦٣)وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، والبُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والبَيْهَقِيُّ في (سُنَنِهِ) عَنْ عائِشَةَ في قَوْلِهِ: ﴿ويَسْتَفْتُونَكَ في النِّساءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكم فِيهِنَّ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿وتَرْغَبُونَ أنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ قالَتْ: هو الرَّجُلُ تَكُونُ عِنْدَهُ اليَتِيمَةُ، هو ولِيُّها ووارِثُها، قَدْ شَرِكَتْهُ في مالِهِ حَتّى في العِذْقِ، فَيَرْغَبُ أنْ يَنْكِحَها، ويَكْرَهَ أنْ يُزَوِّجَها رَجُلًا فَيَشْرَكَهُ في مالِهِ بِما شَرِكَتْهُ، فَيَعْضُلُها فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: ثُمَّ إنَّ النّاسَ اسْتَفْتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ هَذِهِ الآيَةِ فِيهِنَّ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿ويَسْتَفْتُونَكَ في النِّساءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكم فِيهِنَّ وما يُتْلى عَلَيْكم في الكِتابِ في يَتامى النِّساءِ﴾ قالَتْ: والَّذِي ذَكَرَ اللَّهُ أنَّهُ يُتْلى عَلَيْهِمْ في الكِتابِ الآيَةُ الأُولى الَّتِي قالَ اللَّهُ: ﴿وإنْ خِفْتُمْ ألا تُقْسِطُوا في اليَتامى فانْكِحُوا ما طابَ لَكم مِنَ النِّساءِ﴾ [النساء: ٣] [النِّساءِ: ٣] قالَتْ: وقَوْلُ اللَّهِ ﴿وتَرْغَبُونَ أنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ رَغْبَةَ أحَدِكم عَنْ يَتِيمَتِهِ الَّتِي تَكُونُ في حَجْرِهِ حِينَ تَكُونُ قَلِيلَةَ المالِ والجَمالِ، فَنُهُوا أنْ يَنْكِحُوا ما رَغِبُوا في مالِها وجَمالِها مِن يَتامى النِّساءِ إلّا بِالقِسْطِ، مِن أجْلِ رَغْبَتِهِمْ عَنْهُنَّ. (p-٦٤)وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانَ الرَّجُلُ في الجاهِلِيَّةِ تَكُونُ عِنْدَهُ اليَتِيمَةُ فَيُلْقِي عَلَيْها ثَوْبَهُ، فَإذا فَعَلَ ذَلِكَ لَمْ يَقْدِرْ أحَدٌ أنْ يَتَزَوَّجَها أبَدًا، فَإنْ كانَتْ جَمِيلَةً وهَوِيَها تَزَوَّجَها وأكَلَ مالَها، وإنْ كانَتْ دَمِيمَةً مَنَعَها الرِّجالَ أبَدًا حَتّى تَمُوتَ، فَإذا ماتَتْ ورِثَها، فَحَرَّمَ اللَّهُ ذَلِكَ، ونَهى عَنْهُ، وكانُوا لا يُوَرِّثُونَ الصِّغارَ، ولا البَناتِ، وذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿لا تُؤْتُونَهُنَّ ما كُتِبَ لَهُنَّ﴾ فَنَهى اللَّهُ عَنْهُ، وبَيَّنَ لِكُلِّ ذِي سَهْمٍ سَهْمَهُ، صَغِيرًا كانَ أوْ كَبِيرًا. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ قَتادَةَ في الآيَةَ قالَ: كانَتِ اليَتِيمَةُ تَكُونُ في حَجْرِ الرَّجُلِ فِيها دَمامَةٌ، فَيَرْغَبُ عَنْها أنْ يَنْكِحَها، ولا يُنْكِحَها رَغْبَةً في مالِها. وأخْرَجَ القاضِي إسْماعِيلُ في (أحْكامِ القُرْآنِ) عَنْ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ حَزْمٍ، «أنَّ عَمْرَةَ بِنْتَ حَزْمٍ كانَتْ تَحْتَ سَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ، فَقُتِلَ عَنْها بِأُحُدٍ، وكانَ لَهُ مِنها ابْنَةٌ، فَأتَتِ النَّبِيَّ ﷺ تَطْلُبُ مِيراثَ ابْنَتِها، فَفِيها نَزَلَتْ: ﴿ويَسْتَفْتُونَكَ في النِّساءِ﴾ الآيَةَ» . وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، مِن طَرِيقِ ابْنِ عَوْنٍ، عَنِ الحَسَنِ، وابْنِ سِيرِينَ في هَذِهِ الآيَةِ، قالَ أحَدُهُما: تَرْغَبُونَ فِيهِنَّ، وقالَ الآخَرُ: تَرْغَبُونَ عَنْهُنَّ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: (p-٦٥)﴿وتَرْغَبُونَ أنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ قالَ: تَرْغَبُونَ عَنْهُنَّ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ عُبَيْدَةَ: ﴿وتَرْغَبُونَ أنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ قالَ: تَرْغَبُونَ عَنْهُنَّ.

النساء 4:128

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنِ امْرَأةٌ خافَتْ مِن بَعْلِها﴾ الآياتِ. أخْرَجَ الطَّيالِسِيُّ، والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ، وابْنُ المُنْذِرِ، والطَّبَرانِيُّ، والبَيْهَقِيُّ في ”سُنَنِهِ“، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «خَشِيَتْ سَوْدَةُ أنْ يُطَلِّقَها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَقالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ، لا تُطَلِّقْنِي، واجْعَلْ يَوْمِي لِعائِشَةَ، فَفَعَلَ، ونَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿وإنِ امْرَأةٌ خافَتْ مِن بَعْلِها نُشُوزًا﴾ الآيَةَ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: فَما اصْطَلَحا عَلَيْهِ مِن شَيْءٍ فَهو جائِزٌ» . وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، وأبُو داوُدَ، والحاكِمُ، وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لا يُفَضِّلُ بَعْضَنا عَلى بَعْضٍ في مُكْثِهِ عِنْدَنا، وكانَ قَلَّ يَوْمٌ إلّا وهو يَطُوفُ عَلَيْنا، فَيَدْنُو مِن كُلِّ امْرَأةٍ مِن غَيْرِ مَسِيسٍ، حَتّى يَبْلُغَ إلى مَن هو يَوْمُها فَيَبِيتُ عِنْدَها، ولَقَدْ قالَتْ سَوْدَةُ بِنْتُ زَمْعَةَ حِينَ أسَنَّتْ وفَرِقَتْ أنْ يُفارِقَها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: يا رَسُولَ اللَّهِ، يَوْمِي هو لِعائِشَةَ، فَقَبِلَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، قالَتْ عائِشَةُ: فَفي ذَلِكَ أنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وإنِ امْرَأةٌ خافَتْ مِن بَعْلِها (p-٦٦)نُشُوزًا أوْ إعْراضًا﴾ الآيَةَ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، والبُخارِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ عائِشَةَ: ﴿وإنِ امْرَأةٌ خافَتْ مِن بَعْلِها نُشُوزًا أوْ إعْراضًا﴾، قالَتِ: الرَّجُلُ تَكُونُ عِنْدَهُ المَرْأةُ لَيْسَ بِمُسْتَكْثِرٍ مِنها، يُرِيدُ أنْ يُفارِقَها، فَتَقُولُ: أجْعَلُكَ مِن شَأْنِي في حِلٍّ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ. وأخْرَجَ ابْنُ ماجَهْ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿والصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ في رَجُلٍ كانَتْ تَحْتَهُ امْرَأةٌ قَدْ طالَتْ صُحْبَتُها ووَلَدَتْ مِنهُ أوْلادًا، فَأرادَ أنْ يَسْتَبْدِلَ بِها، فَراضَتْهُ عَلى أنْ يُقِيمَ عِنْدَها ولا يَقْسِمَ لَها. وأخْرَجَ مالِكٌ، وعَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، عَنْ رافِعِ بْنِ خَدِيجٍ، أنَّهُ كانَتْ تَحْتَهُ امْرَأةٌ قَدْ خَلا مِن سِنِّها، فَتَزَوَّجَ عَلَيْها شابَّةً فَآثَرَها عَلَيْها، فَأبَتِ الأُولى أنْ تَقَرَّ فَطَلَّقَها تَطْلِيقَةً، حَتّى إذا بَقِيَ مِن أجَلِها يَسِيرٌ قالَ: إنْ شِئْتِ راجَعْتُكِ وصَبَرْتِ عَلى الأثَرَةِ، وإنْ شِئْتِ تَرَكْتُكِ، قالَتْ: بَلْ راجِعْنِي، فَراجَعَها، فَلَمْ تَصْبِرْ عَلى الأثَرَةِ، فَطَلَّقَها أُخْرى وآثَرَ عَلَيْها الشّابَّةَ، فَذَلِكَ الصُّلْحُ الَّذِي بَلَغَنا أنَّ اللَّهَ أنْزَلَ فِيهِ: ﴿وإنِ (p-٦٧)امْرَأةٌ خافَتْ مِن بَعْلِها نُشُوزًا أوْ إعْراضًا﴾ الآيَةَ. وأخْرَجَ الشّافِعِيُّ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ، أنَّ ابْنَةَ مُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ كانَتْ عِنْدَ رافِعِ بْنِ خَدِيجٍ، فَكَرِهَ مِنها أمْرًا، إمّا كِبَرًا أوْ غَيْرَهُ، فَأرادَ طَلاقَها، فَقالَتْ: لا تُطَلِّقْنِي واقْسِمْ لِي ما بَدا لَكَ، فاصْطَلَحا عَلى صُلْحٍ، فَجَرَتِ السُّنَّةُ بِذَلِكَ، ونَزَلَ القُرْآنُ: ﴿وإنِ امْرَأةٌ خافَتْ مِن بَعْلِها﴾ الآيَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عُمَرَ، أنَّ رَجُلًا سَألَهُ عَنْ آيَةٍ، فَكَرِهَ ذَلِكَ وضَرَبَهُ بِالدِّرَّةِ، فَسَألَهُ آخَرُ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿وإنِ امْرَأةٌ خافَتْ مِن بَعْلِها نُشُوزًا﴾ فَقالَ: عَنْ مِثْلِ هَذا فَسَلُوا، ثُمَّ قالَ: هَذِهِ المَرْأةُ تَكُونُ عِنْدَ الرَّجُلِ قَدْ خَلا مِن سِنِّها، فَيَتَزَوَّجُ المَرْأةَ الثّانِيَةَ يَلْتَمِسُ ولَدَها، فَما اصْطَلَحا عَلَيْهِ مِن شَيْءٍ فَهو جائِزٌ. وأخْرَجَ الطَّيالِسِيُّ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ راهُوَيْهِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ، أنَّهُ سُئِلَ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ فَقالَ: هو الرَّجُلُ عِنْدَهُ امْرَأتانِ، فَتَكُونُ إحْداهُما قَدْ عَجَزَتْ، أوْ تَكُونُ دَمِيمَةً، فَيُرِيدُ فِراقَها فَتُصالِحُهُ عَلى أنْ يَكُونَ عِنْدَها لَيْلَةً، وعِنْدَ الأُخْرى لَيالِيَ، ولا (p-٦٨)يُفارِقُها فَما طابَتْ بِهِ نَفْسُها فَلا بَأْسَ بِهِ، فَإنْ رَجَعَتْ سَوّى بَيْنَهُما. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في الآيَةِ قالَ: هي المَرْأةُ تَكُونُ عِنْدَ الرَّجُلِ حَتّى تَكْبَرَ، فَيُرِيدُ أنْ يَتَزَوَّجَ عَلَيْها فَيَتَصالَحانِ بَيْنَهُما صُلْحًا عَلى أنَّ لَها يَوْمًا ولِهَذِهِ يَوْمانِ أوْ ثَلاثَةً. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في الآيَةِ قالَ: تِلْكَ المَرْأةُ تَكُونُ عِنْدَ الرَّجُلِ لا يَرى مِنها كَثِيرًا مِمّا يُحِبُّ، ولَهُ امْرَأةٌ غَيْرُها أحَبُّ إلَيْهِ مِنها، فَيُؤْثِرُها عَلَيْها، فَأمَرَ اللَّهُ إذا كانَ ذَلِكَ أنْ يَقُولَ لَها: يا هَذِهِ، إنْ شِئْتِ أنْ تُقِيمِي عَلى ما تَرَيْنَ مِنَ الأثَرَةِ فَأُواسِيَكِ وأُنْفِقَ عَلَيْكِ فَأقِيمِي، وإنْ كَرِهْتِ خَلَّيْتُ سَبِيلَكِ، فَإنْ هي رَضِيَتْ أنْ تُقِيمَ بَعْدَ أنْ يُخْيِّرَها فَلا جُناحَ عَلَيْهِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿والصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ يَعْنِي أنَّ تَخْيِيرَ الزَّوْجِ لَها بَيْنَ الإقامَةِ والفِراقِ خَيْرٌ مِن تَمادِي الزَّوْجِ عَلى أثَرَةِ غَيْرِها عَلَيْها. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في الآيَةِ قالَ: هو الرَّجُلُ تَكُونُ تَحْتَهُ المَرْأةُ الكَبِيرَةُ فَيَنْكِحُ عَلَيْها المَرْأةَ الشّابَّةَ، ويَكْرَهُ أنْ يُفارِقَ أُمَّ ولَدِهِ، فَيُصالِحَها عَلى عَطِيَّةٍ مِن مالِهِ ونَفْسِهِ، فَيَطِيبَ لَهُ ذَلِكَ الصُّلْحُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في الآيَةِ قالَ: نَزَلَتْ في أبِي السَّنابِلِ بْنِ (p-٦٩)بَعْكَكٍ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ السُّدِّيِّ في الآيَةِ قالَ: نَزَلَتْ في رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وفي سَوْدَةَ بِنْتِ زَمْعَةَ. وأخْرَجَ أبُو داوُدَ، وابْنُ ماجَهْ، والحاكِمُ، والبَيْهَقِيُّ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «(أبْغَضُ الحَلالِ إلى اللَّهِ الطَّلاقُ») . وأخْرَجَ الحاكِمُ عَنْ كَثِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «(الصُّلْحُ جائِزٌ بَيْنَ المُسْلِمِينَ إلّا صُلْحًا حَرَّمَ حَلالًا أوْ أحَلَّ حَرامًا، والمُسْلِمُونَ عَلى شُرُوطِهِمْ إلّا شَرْطًا حَرَّمَ حَلالًا») . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وأُحْضِرَتِ الأنْفُسُ الشُّحَّ﴾ قالَ: تَشِحُّ عِنْدَ الصُّلْحِ عَلى نَصِيبِها مِن زَوْجِها. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وأُحْضِرَتِ الأنْفُسُ الشُّحَّ﴾ قالَ: هَواهُ في الشَّيْءِ يَحْرِصُ عَلَيْهِ وفِي قَوْلِهِ: ﴿ولَنْ تَسْتَطِيعُوا أنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ﴾ قالَ: في الحُبِّ (p-٧٠)والجِماعِ، وفي قَوْلِهِ: ﴿فَلا تَمِيلُوا كُلَّ المَيْلِ فَتَذَرُوها كالمُعَلَّقَةِ﴾ قالَ: لا هي أيِّمٌ ولا هي ذاتُ زَوْجٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ أبِي مُلَيْكَةَ قالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿ولَنْ تَسْتَطِيعُوا أنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ﴾ في عائِشَةَ، يَعْنِي أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ يُحِبُّها أكْثَرَ مِن غَيْرِها. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأحْمَدُ، وأبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ ماجَهْ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: «كانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقْسِمُ بَيْنَ نِسائِهِ فَيَعْدِلُ، ثُمَّ يَقُولُ: (اللَّهُمَّ هَذا قَسْمِي فِيما أمْلِكُ، فَلا تَلُمْنِي فِيما تَمْلِكُ ولا أمْلِكُ») . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأحْمَدُ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وأبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ ماجَهْ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «(مَن كانَتْ لَهُ امْرَأتانِ فَمالَ إلى إحْداهُما، جاءَ يَوْمَ القِيامَةِ وأحَدُ شِقَّيْهِ ساقِطٌ») . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: (p-٧١)كانُوا يَسْتَحِبُّونَ أنْ يُسَوُّوا بَيْنَ الضَّرائِرِ حَتّى في الطِّيبِ، يَتَطَيَّبُ لِهَذِهِ كَما يَتَطَيَّبُ لِهَذِهِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ جابِرِ بْنِ زَيْدٍ قالَ: كانَتْ لِي امْرَأتانِ، فَلَقَدْ كُنْتُ أعْدِلُ بَيْنَهُما حَتّى أعُدَّ القُبَلَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ في الَّذِي لَهُ امْرَأتانِ: يُكْرَهُ أنْ يَتَوَضَّأ في بَيْتِ إحْداهُما دُونَ الأُخْرى. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنْ إبْراهِيمَ قالَ: إنْ كانُوا لَيُسَوُّونَ بَيْنَ الضَّرائِرِ حَتّى تَبْقى الفَضْلَةُ مِمّا لا يُكالُ مِنَ السَّوِيقِ والطَّعامِ، فَيَقْسِمُونَهُ كَفًّا كَفًّا إذا كانَ مِمّا لا يُسْتَطاعُ كَيْلُهُ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولَنْ تَسْتَطِيعُوا أنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ﴾ قالَ: في الجِماعِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ عُبَيْدَةَ في قَوْلِهِ: ﴿ولَنْ تَسْتَطِيعُوا أنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ﴾ قالَ: في الحُبِّ والجِماعِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿ولَنْ تَسْتَطِيعُوا أنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ﴾ . قالَ: في الحُبِّ، ﴿فَلا تَمِيلُوا كُلَّ المَيْلِ﴾ قالَ: في (p-٧٢)الغِشْيانِ، ﴿فَتَذَرُوها كالمُعَلَّقَةِ﴾ لا أيِّمَ ولا ذاتَ زَوْجٍ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولَنْ تَسْتَطِيعُوا أنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ﴾ قالَ: يَعْنِي في الحُبِّ، ﴿فَلا تَمِيلُوا كُلَّ المَيْلِ﴾ قالَ: لا تَعَمَّدُوا الإساءَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ السُّدِّيِّ في الآيَةِ يَقُولُ: لا تَمِلْ عَلَيْها، فَلا تُنْفِقُ عَلَيْها ولا تَقْسِمُ لَها يَوْمًا. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ الضَّحّاكِ في الآيَةِ: يَقُولُ: إنْ أحْبَبْتَ واحِدَةً وأبْغَضْتَ واحِدَةً فاعْدِلْ بَيْنَهُما. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَتَذَرُوها كالمُعَلَّقَةِ﴾ قالَ: لا مُطَلَّقَةً ولا ذاتَ بَعْلٍ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿كالمُعَلَّقَةِ﴾ قالَ: كالمَسْجُونَةِ. (p-٧٣)وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وإنْ يَتَفَرَّقا﴾ قالَ: الطَّلاقُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وكانَ اللَّهُ غَنِيًّا﴾ قالَ: غَنِيًّا عَنْ خَلْقِهِ، ﴿حَمِيدًا﴾ قالَ: مُسْتَحْمَدًا إلَيْهِمْ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عَلِيٍّ، مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وكَفى بِاللَّهِ وكِيلا﴾ قالَ: حَفِيظًا. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿إنْ يَشَأْ يُذْهِبْكم أيُّها النّاسُ ويَأْتِ بِآخَرِينَ﴾ قالَ: قادِرٌ واللَّهِ رَبُّنا عَلى ذَلِكَ، أنْ يُهْلِكَ مِن خَلْقِهِ ما شاءَ، ويَأْتِ بِآخَرِينَ مِن بَعْدِهِمْ.

النساء 4:129

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنِ امْرَأةٌ خافَتْ مِن بَعْلِها﴾ الآياتِ. أخْرَجَ الطَّيالِسِيُّ، والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ، وابْنُ المُنْذِرِ، والطَّبَرانِيُّ، والبَيْهَقِيُّ في ”سُنَنِهِ“، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «خَشِيَتْ سَوْدَةُ أنْ يُطَلِّقَها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَقالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ، لا تُطَلِّقْنِي، واجْعَلْ يَوْمِي لِعائِشَةَ، فَفَعَلَ، ونَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿وإنِ امْرَأةٌ خافَتْ مِن بَعْلِها نُشُوزًا﴾ الآيَةَ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: فَما اصْطَلَحا عَلَيْهِ مِن شَيْءٍ فَهو جائِزٌ» . وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، وأبُو داوُدَ، والحاكِمُ، وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لا يُفَضِّلُ بَعْضَنا عَلى بَعْضٍ في مُكْثِهِ عِنْدَنا، وكانَ قَلَّ يَوْمٌ إلّا وهو يَطُوفُ عَلَيْنا، فَيَدْنُو مِن كُلِّ امْرَأةٍ مِن غَيْرِ مَسِيسٍ، حَتّى يَبْلُغَ إلى مَن هو يَوْمُها فَيَبِيتُ عِنْدَها، ولَقَدْ قالَتْ سَوْدَةُ بِنْتُ زَمْعَةَ حِينَ أسَنَّتْ وفَرِقَتْ أنْ يُفارِقَها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: يا رَسُولَ اللَّهِ، يَوْمِي هو لِعائِشَةَ، فَقَبِلَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، قالَتْ عائِشَةُ: فَفي ذَلِكَ أنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وإنِ امْرَأةٌ خافَتْ مِن بَعْلِها (p-٦٦)نُشُوزًا أوْ إعْراضًا﴾ الآيَةَ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، والبُخارِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ عائِشَةَ: ﴿وإنِ امْرَأةٌ خافَتْ مِن بَعْلِها نُشُوزًا أوْ إعْراضًا﴾، قالَتِ: الرَّجُلُ تَكُونُ عِنْدَهُ المَرْأةُ لَيْسَ بِمُسْتَكْثِرٍ مِنها، يُرِيدُ أنْ يُفارِقَها، فَتَقُولُ: أجْعَلُكَ مِن شَأْنِي في حِلٍّ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ. وأخْرَجَ ابْنُ ماجَهْ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿والصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ في رَجُلٍ كانَتْ تَحْتَهُ امْرَأةٌ قَدْ طالَتْ صُحْبَتُها ووَلَدَتْ مِنهُ أوْلادًا، فَأرادَ أنْ يَسْتَبْدِلَ بِها، فَراضَتْهُ عَلى أنْ يُقِيمَ عِنْدَها ولا يَقْسِمَ لَها. وأخْرَجَ مالِكٌ، وعَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، عَنْ رافِعِ بْنِ خَدِيجٍ، أنَّهُ كانَتْ تَحْتَهُ امْرَأةٌ قَدْ خَلا مِن سِنِّها، فَتَزَوَّجَ عَلَيْها شابَّةً فَآثَرَها عَلَيْها، فَأبَتِ الأُولى أنْ تَقَرَّ فَطَلَّقَها تَطْلِيقَةً، حَتّى إذا بَقِيَ مِن أجَلِها يَسِيرٌ قالَ: إنْ شِئْتِ راجَعْتُكِ وصَبَرْتِ عَلى الأثَرَةِ، وإنْ شِئْتِ تَرَكْتُكِ، قالَتْ: بَلْ راجِعْنِي، فَراجَعَها، فَلَمْ تَصْبِرْ عَلى الأثَرَةِ، فَطَلَّقَها أُخْرى وآثَرَ عَلَيْها الشّابَّةَ، فَذَلِكَ الصُّلْحُ الَّذِي بَلَغَنا أنَّ اللَّهَ أنْزَلَ فِيهِ: ﴿وإنِ (p-٦٧)امْرَأةٌ خافَتْ مِن بَعْلِها نُشُوزًا أوْ إعْراضًا﴾ الآيَةَ. وأخْرَجَ الشّافِعِيُّ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ، أنَّ ابْنَةَ مُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ كانَتْ عِنْدَ رافِعِ بْنِ خَدِيجٍ، فَكَرِهَ مِنها أمْرًا، إمّا كِبَرًا أوْ غَيْرَهُ، فَأرادَ طَلاقَها، فَقالَتْ: لا تُطَلِّقْنِي واقْسِمْ لِي ما بَدا لَكَ، فاصْطَلَحا عَلى صُلْحٍ، فَجَرَتِ السُّنَّةُ بِذَلِكَ، ونَزَلَ القُرْآنُ: ﴿وإنِ امْرَأةٌ خافَتْ مِن بَعْلِها﴾ الآيَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عُمَرَ، أنَّ رَجُلًا سَألَهُ عَنْ آيَةٍ، فَكَرِهَ ذَلِكَ وضَرَبَهُ بِالدِّرَّةِ، فَسَألَهُ آخَرُ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿وإنِ امْرَأةٌ خافَتْ مِن بَعْلِها نُشُوزًا﴾ فَقالَ: عَنْ مِثْلِ هَذا فَسَلُوا، ثُمَّ قالَ: هَذِهِ المَرْأةُ تَكُونُ عِنْدَ الرَّجُلِ قَدْ خَلا مِن سِنِّها، فَيَتَزَوَّجُ المَرْأةَ الثّانِيَةَ يَلْتَمِسُ ولَدَها، فَما اصْطَلَحا عَلَيْهِ مِن شَيْءٍ فَهو جائِزٌ. وأخْرَجَ الطَّيالِسِيُّ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ راهُوَيْهِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ، أنَّهُ سُئِلَ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ فَقالَ: هو الرَّجُلُ عِنْدَهُ امْرَأتانِ، فَتَكُونُ إحْداهُما قَدْ عَجَزَتْ، أوْ تَكُونُ دَمِيمَةً، فَيُرِيدُ فِراقَها فَتُصالِحُهُ عَلى أنْ يَكُونَ عِنْدَها لَيْلَةً، وعِنْدَ الأُخْرى لَيالِيَ، ولا (p-٦٨)يُفارِقُها فَما طابَتْ بِهِ نَفْسُها فَلا بَأْسَ بِهِ، فَإنْ رَجَعَتْ سَوّى بَيْنَهُما. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في الآيَةِ قالَ: هي المَرْأةُ تَكُونُ عِنْدَ الرَّجُلِ حَتّى تَكْبَرَ، فَيُرِيدُ أنْ يَتَزَوَّجَ عَلَيْها فَيَتَصالَحانِ بَيْنَهُما صُلْحًا عَلى أنَّ لَها يَوْمًا ولِهَذِهِ يَوْمانِ أوْ ثَلاثَةً. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في الآيَةِ قالَ: تِلْكَ المَرْأةُ تَكُونُ عِنْدَ الرَّجُلِ لا يَرى مِنها كَثِيرًا مِمّا يُحِبُّ، ولَهُ امْرَأةٌ غَيْرُها أحَبُّ إلَيْهِ مِنها، فَيُؤْثِرُها عَلَيْها، فَأمَرَ اللَّهُ إذا كانَ ذَلِكَ أنْ يَقُولَ لَها: يا هَذِهِ، إنْ شِئْتِ أنْ تُقِيمِي عَلى ما تَرَيْنَ مِنَ الأثَرَةِ فَأُواسِيَكِ وأُنْفِقَ عَلَيْكِ فَأقِيمِي، وإنْ كَرِهْتِ خَلَّيْتُ سَبِيلَكِ، فَإنْ هي رَضِيَتْ أنْ تُقِيمَ بَعْدَ أنْ يُخْيِّرَها فَلا جُناحَ عَلَيْهِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿والصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ يَعْنِي أنَّ تَخْيِيرَ الزَّوْجِ لَها بَيْنَ الإقامَةِ والفِراقِ خَيْرٌ مِن تَمادِي الزَّوْجِ عَلى أثَرَةِ غَيْرِها عَلَيْها. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في الآيَةِ قالَ: هو الرَّجُلُ تَكُونُ تَحْتَهُ المَرْأةُ الكَبِيرَةُ فَيَنْكِحُ عَلَيْها المَرْأةَ الشّابَّةَ، ويَكْرَهُ أنْ يُفارِقَ أُمَّ ولَدِهِ، فَيُصالِحَها عَلى عَطِيَّةٍ مِن مالِهِ ونَفْسِهِ، فَيَطِيبَ لَهُ ذَلِكَ الصُّلْحُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في الآيَةِ قالَ: نَزَلَتْ في أبِي السَّنابِلِ بْنِ (p-٦٩)بَعْكَكٍ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ السُّدِّيِّ في الآيَةِ قالَ: نَزَلَتْ في رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وفي سَوْدَةَ بِنْتِ زَمْعَةَ. وأخْرَجَ أبُو داوُدَ، وابْنُ ماجَهْ، والحاكِمُ، والبَيْهَقِيُّ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «(أبْغَضُ الحَلالِ إلى اللَّهِ الطَّلاقُ») . وأخْرَجَ الحاكِمُ عَنْ كَثِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «(الصُّلْحُ جائِزٌ بَيْنَ المُسْلِمِينَ إلّا صُلْحًا حَرَّمَ حَلالًا أوْ أحَلَّ حَرامًا، والمُسْلِمُونَ عَلى شُرُوطِهِمْ إلّا شَرْطًا حَرَّمَ حَلالًا») . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وأُحْضِرَتِ الأنْفُسُ الشُّحَّ﴾ قالَ: تَشِحُّ عِنْدَ الصُّلْحِ عَلى نَصِيبِها مِن زَوْجِها. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وأُحْضِرَتِ الأنْفُسُ الشُّحَّ﴾ قالَ: هَواهُ في الشَّيْءِ يَحْرِصُ عَلَيْهِ وفِي قَوْلِهِ: ﴿ولَنْ تَسْتَطِيعُوا أنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ﴾ قالَ: في الحُبِّ (p-٧٠)والجِماعِ، وفي قَوْلِهِ: ﴿فَلا تَمِيلُوا كُلَّ المَيْلِ فَتَذَرُوها كالمُعَلَّقَةِ﴾ قالَ: لا هي أيِّمٌ ولا هي ذاتُ زَوْجٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ أبِي مُلَيْكَةَ قالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿ولَنْ تَسْتَطِيعُوا أنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ﴾ في عائِشَةَ، يَعْنِي أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ يُحِبُّها أكْثَرَ مِن غَيْرِها. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأحْمَدُ، وأبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ ماجَهْ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: «كانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقْسِمُ بَيْنَ نِسائِهِ فَيَعْدِلُ، ثُمَّ يَقُولُ: (اللَّهُمَّ هَذا قَسْمِي فِيما أمْلِكُ، فَلا تَلُمْنِي فِيما تَمْلِكُ ولا أمْلِكُ») . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأحْمَدُ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وأبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ ماجَهْ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «(مَن كانَتْ لَهُ امْرَأتانِ فَمالَ إلى إحْداهُما، جاءَ يَوْمَ القِيامَةِ وأحَدُ شِقَّيْهِ ساقِطٌ») . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: (p-٧١)كانُوا يَسْتَحِبُّونَ أنْ يُسَوُّوا بَيْنَ الضَّرائِرِ حَتّى في الطِّيبِ، يَتَطَيَّبُ لِهَذِهِ كَما يَتَطَيَّبُ لِهَذِهِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ جابِرِ بْنِ زَيْدٍ قالَ: كانَتْ لِي امْرَأتانِ، فَلَقَدْ كُنْتُ أعْدِلُ بَيْنَهُما حَتّى أعُدَّ القُبَلَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ في الَّذِي لَهُ امْرَأتانِ: يُكْرَهُ أنْ يَتَوَضَّأ في بَيْتِ إحْداهُما دُونَ الأُخْرى. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنْ إبْراهِيمَ قالَ: إنْ كانُوا لَيُسَوُّونَ بَيْنَ الضَّرائِرِ حَتّى تَبْقى الفَضْلَةُ مِمّا لا يُكالُ مِنَ السَّوِيقِ والطَّعامِ، فَيَقْسِمُونَهُ كَفًّا كَفًّا إذا كانَ مِمّا لا يُسْتَطاعُ كَيْلُهُ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولَنْ تَسْتَطِيعُوا أنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ﴾ قالَ: في الجِماعِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ عُبَيْدَةَ في قَوْلِهِ: ﴿ولَنْ تَسْتَطِيعُوا أنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ﴾ قالَ: في الحُبِّ والجِماعِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿ولَنْ تَسْتَطِيعُوا أنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ﴾ . قالَ: في الحُبِّ، ﴿فَلا تَمِيلُوا كُلَّ المَيْلِ﴾ قالَ: في (p-٧٢)الغِشْيانِ، ﴿فَتَذَرُوها كالمُعَلَّقَةِ﴾ لا أيِّمَ ولا ذاتَ زَوْجٍ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولَنْ تَسْتَطِيعُوا أنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ﴾ قالَ: يَعْنِي في الحُبِّ، ﴿فَلا تَمِيلُوا كُلَّ المَيْلِ﴾ قالَ: لا تَعَمَّدُوا الإساءَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ السُّدِّيِّ في الآيَةِ يَقُولُ: لا تَمِلْ عَلَيْها، فَلا تُنْفِقُ عَلَيْها ولا تَقْسِمُ لَها يَوْمًا. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ الضَّحّاكِ في الآيَةِ: يَقُولُ: إنْ أحْبَبْتَ واحِدَةً وأبْغَضْتَ واحِدَةً فاعْدِلْ بَيْنَهُما. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَتَذَرُوها كالمُعَلَّقَةِ﴾ قالَ: لا مُطَلَّقَةً ولا ذاتَ بَعْلٍ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿كالمُعَلَّقَةِ﴾ قالَ: كالمَسْجُونَةِ. (p-٧٣)وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وإنْ يَتَفَرَّقا﴾ قالَ: الطَّلاقُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وكانَ اللَّهُ غَنِيًّا﴾ قالَ: غَنِيًّا عَنْ خَلْقِهِ، ﴿حَمِيدًا﴾ قالَ: مُسْتَحْمَدًا إلَيْهِمْ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عَلِيٍّ، مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وكَفى بِاللَّهِ وكِيلا﴾ قالَ: حَفِيظًا. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿إنْ يَشَأْ يُذْهِبْكم أيُّها النّاسُ ويَأْتِ بِآخَرِينَ﴾ قالَ: قادِرٌ واللَّهِ رَبُّنا عَلى ذَلِكَ، أنْ يُهْلِكَ مِن خَلْقِهِ ما شاءَ، ويَأْتِ بِآخَرِينَ مِن بَعْدِهِمْ.

النساء 4:130

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنِ امْرَأةٌ خافَتْ مِن بَعْلِها﴾ الآياتِ. أخْرَجَ الطَّيالِسِيُّ، والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ، وابْنُ المُنْذِرِ، والطَّبَرانِيُّ، والبَيْهَقِيُّ في ”سُنَنِهِ“، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «خَشِيَتْ سَوْدَةُ أنْ يُطَلِّقَها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَقالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ، لا تُطَلِّقْنِي، واجْعَلْ يَوْمِي لِعائِشَةَ، فَفَعَلَ، ونَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿وإنِ امْرَأةٌ خافَتْ مِن بَعْلِها نُشُوزًا﴾ الآيَةَ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: فَما اصْطَلَحا عَلَيْهِ مِن شَيْءٍ فَهو جائِزٌ» . وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، وأبُو داوُدَ، والحاكِمُ، وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لا يُفَضِّلُ بَعْضَنا عَلى بَعْضٍ في مُكْثِهِ عِنْدَنا، وكانَ قَلَّ يَوْمٌ إلّا وهو يَطُوفُ عَلَيْنا، فَيَدْنُو مِن كُلِّ امْرَأةٍ مِن غَيْرِ مَسِيسٍ، حَتّى يَبْلُغَ إلى مَن هو يَوْمُها فَيَبِيتُ عِنْدَها، ولَقَدْ قالَتْ سَوْدَةُ بِنْتُ زَمْعَةَ حِينَ أسَنَّتْ وفَرِقَتْ أنْ يُفارِقَها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: يا رَسُولَ اللَّهِ، يَوْمِي هو لِعائِشَةَ، فَقَبِلَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، قالَتْ عائِشَةُ: فَفي ذَلِكَ أنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وإنِ امْرَأةٌ خافَتْ مِن بَعْلِها (p-٦٦)نُشُوزًا أوْ إعْراضًا﴾ الآيَةَ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، والبُخارِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ عائِشَةَ: ﴿وإنِ امْرَأةٌ خافَتْ مِن بَعْلِها نُشُوزًا أوْ إعْراضًا﴾، قالَتِ: الرَّجُلُ تَكُونُ عِنْدَهُ المَرْأةُ لَيْسَ بِمُسْتَكْثِرٍ مِنها، يُرِيدُ أنْ يُفارِقَها، فَتَقُولُ: أجْعَلُكَ مِن شَأْنِي في حِلٍّ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ. وأخْرَجَ ابْنُ ماجَهْ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿والصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ في رَجُلٍ كانَتْ تَحْتَهُ امْرَأةٌ قَدْ طالَتْ صُحْبَتُها ووَلَدَتْ مِنهُ أوْلادًا، فَأرادَ أنْ يَسْتَبْدِلَ بِها، فَراضَتْهُ عَلى أنْ يُقِيمَ عِنْدَها ولا يَقْسِمَ لَها. وأخْرَجَ مالِكٌ، وعَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، عَنْ رافِعِ بْنِ خَدِيجٍ، أنَّهُ كانَتْ تَحْتَهُ امْرَأةٌ قَدْ خَلا مِن سِنِّها، فَتَزَوَّجَ عَلَيْها شابَّةً فَآثَرَها عَلَيْها، فَأبَتِ الأُولى أنْ تَقَرَّ فَطَلَّقَها تَطْلِيقَةً، حَتّى إذا بَقِيَ مِن أجَلِها يَسِيرٌ قالَ: إنْ شِئْتِ راجَعْتُكِ وصَبَرْتِ عَلى الأثَرَةِ، وإنْ شِئْتِ تَرَكْتُكِ، قالَتْ: بَلْ راجِعْنِي، فَراجَعَها، فَلَمْ تَصْبِرْ عَلى الأثَرَةِ، فَطَلَّقَها أُخْرى وآثَرَ عَلَيْها الشّابَّةَ، فَذَلِكَ الصُّلْحُ الَّذِي بَلَغَنا أنَّ اللَّهَ أنْزَلَ فِيهِ: ﴿وإنِ (p-٦٧)امْرَأةٌ خافَتْ مِن بَعْلِها نُشُوزًا أوْ إعْراضًا﴾ الآيَةَ. وأخْرَجَ الشّافِعِيُّ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ، أنَّ ابْنَةَ مُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ كانَتْ عِنْدَ رافِعِ بْنِ خَدِيجٍ، فَكَرِهَ مِنها أمْرًا، إمّا كِبَرًا أوْ غَيْرَهُ، فَأرادَ طَلاقَها، فَقالَتْ: لا تُطَلِّقْنِي واقْسِمْ لِي ما بَدا لَكَ، فاصْطَلَحا عَلى صُلْحٍ، فَجَرَتِ السُّنَّةُ بِذَلِكَ، ونَزَلَ القُرْآنُ: ﴿وإنِ امْرَأةٌ خافَتْ مِن بَعْلِها﴾ الآيَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عُمَرَ، أنَّ رَجُلًا سَألَهُ عَنْ آيَةٍ، فَكَرِهَ ذَلِكَ وضَرَبَهُ بِالدِّرَّةِ، فَسَألَهُ آخَرُ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿وإنِ امْرَأةٌ خافَتْ مِن بَعْلِها نُشُوزًا﴾ فَقالَ: عَنْ مِثْلِ هَذا فَسَلُوا، ثُمَّ قالَ: هَذِهِ المَرْأةُ تَكُونُ عِنْدَ الرَّجُلِ قَدْ خَلا مِن سِنِّها، فَيَتَزَوَّجُ المَرْأةَ الثّانِيَةَ يَلْتَمِسُ ولَدَها، فَما اصْطَلَحا عَلَيْهِ مِن شَيْءٍ فَهو جائِزٌ. وأخْرَجَ الطَّيالِسِيُّ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ راهُوَيْهِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ، أنَّهُ سُئِلَ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ فَقالَ: هو الرَّجُلُ عِنْدَهُ امْرَأتانِ، فَتَكُونُ إحْداهُما قَدْ عَجَزَتْ، أوْ تَكُونُ دَمِيمَةً، فَيُرِيدُ فِراقَها فَتُصالِحُهُ عَلى أنْ يَكُونَ عِنْدَها لَيْلَةً، وعِنْدَ الأُخْرى لَيالِيَ، ولا (p-٦٨)يُفارِقُها فَما طابَتْ بِهِ نَفْسُها فَلا بَأْسَ بِهِ، فَإنْ رَجَعَتْ سَوّى بَيْنَهُما. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في الآيَةِ قالَ: هي المَرْأةُ تَكُونُ عِنْدَ الرَّجُلِ حَتّى تَكْبَرَ، فَيُرِيدُ أنْ يَتَزَوَّجَ عَلَيْها فَيَتَصالَحانِ بَيْنَهُما صُلْحًا عَلى أنَّ لَها يَوْمًا ولِهَذِهِ يَوْمانِ أوْ ثَلاثَةً. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في الآيَةِ قالَ: تِلْكَ المَرْأةُ تَكُونُ عِنْدَ الرَّجُلِ لا يَرى مِنها كَثِيرًا مِمّا يُحِبُّ، ولَهُ امْرَأةٌ غَيْرُها أحَبُّ إلَيْهِ مِنها، فَيُؤْثِرُها عَلَيْها، فَأمَرَ اللَّهُ إذا كانَ ذَلِكَ أنْ يَقُولَ لَها: يا هَذِهِ، إنْ شِئْتِ أنْ تُقِيمِي عَلى ما تَرَيْنَ مِنَ الأثَرَةِ فَأُواسِيَكِ وأُنْفِقَ عَلَيْكِ فَأقِيمِي، وإنْ كَرِهْتِ خَلَّيْتُ سَبِيلَكِ، فَإنْ هي رَضِيَتْ أنْ تُقِيمَ بَعْدَ أنْ يُخْيِّرَها فَلا جُناحَ عَلَيْهِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿والصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ يَعْنِي أنَّ تَخْيِيرَ الزَّوْجِ لَها بَيْنَ الإقامَةِ والفِراقِ خَيْرٌ مِن تَمادِي الزَّوْجِ عَلى أثَرَةِ غَيْرِها عَلَيْها. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في الآيَةِ قالَ: هو الرَّجُلُ تَكُونُ تَحْتَهُ المَرْأةُ الكَبِيرَةُ فَيَنْكِحُ عَلَيْها المَرْأةَ الشّابَّةَ، ويَكْرَهُ أنْ يُفارِقَ أُمَّ ولَدِهِ، فَيُصالِحَها عَلى عَطِيَّةٍ مِن مالِهِ ونَفْسِهِ، فَيَطِيبَ لَهُ ذَلِكَ الصُّلْحُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في الآيَةِ قالَ: نَزَلَتْ في أبِي السَّنابِلِ بْنِ (p-٦٩)بَعْكَكٍ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ السُّدِّيِّ في الآيَةِ قالَ: نَزَلَتْ في رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وفي سَوْدَةَ بِنْتِ زَمْعَةَ. وأخْرَجَ أبُو داوُدَ، وابْنُ ماجَهْ، والحاكِمُ، والبَيْهَقِيُّ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «(أبْغَضُ الحَلالِ إلى اللَّهِ الطَّلاقُ») . وأخْرَجَ الحاكِمُ عَنْ كَثِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «(الصُّلْحُ جائِزٌ بَيْنَ المُسْلِمِينَ إلّا صُلْحًا حَرَّمَ حَلالًا أوْ أحَلَّ حَرامًا، والمُسْلِمُونَ عَلى شُرُوطِهِمْ إلّا شَرْطًا حَرَّمَ حَلالًا») . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وأُحْضِرَتِ الأنْفُسُ الشُّحَّ﴾ قالَ: تَشِحُّ عِنْدَ الصُّلْحِ عَلى نَصِيبِها مِن زَوْجِها. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وأُحْضِرَتِ الأنْفُسُ الشُّحَّ﴾ قالَ: هَواهُ في الشَّيْءِ يَحْرِصُ عَلَيْهِ وفِي قَوْلِهِ: ﴿ولَنْ تَسْتَطِيعُوا أنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ﴾ قالَ: في الحُبِّ (p-٧٠)والجِماعِ، وفي قَوْلِهِ: ﴿فَلا تَمِيلُوا كُلَّ المَيْلِ فَتَذَرُوها كالمُعَلَّقَةِ﴾ قالَ: لا هي أيِّمٌ ولا هي ذاتُ زَوْجٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ أبِي مُلَيْكَةَ قالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿ولَنْ تَسْتَطِيعُوا أنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ﴾ في عائِشَةَ، يَعْنِي أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ يُحِبُّها أكْثَرَ مِن غَيْرِها. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأحْمَدُ، وأبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ ماجَهْ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: «كانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقْسِمُ بَيْنَ نِسائِهِ فَيَعْدِلُ، ثُمَّ يَقُولُ: (اللَّهُمَّ هَذا قَسْمِي فِيما أمْلِكُ، فَلا تَلُمْنِي فِيما تَمْلِكُ ولا أمْلِكُ») . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأحْمَدُ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وأبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ ماجَهْ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «(مَن كانَتْ لَهُ امْرَأتانِ فَمالَ إلى إحْداهُما، جاءَ يَوْمَ القِيامَةِ وأحَدُ شِقَّيْهِ ساقِطٌ») . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: (p-٧١)كانُوا يَسْتَحِبُّونَ أنْ يُسَوُّوا بَيْنَ الضَّرائِرِ حَتّى في الطِّيبِ، يَتَطَيَّبُ لِهَذِهِ كَما يَتَطَيَّبُ لِهَذِهِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ جابِرِ بْنِ زَيْدٍ قالَ: كانَتْ لِي امْرَأتانِ، فَلَقَدْ كُنْتُ أعْدِلُ بَيْنَهُما حَتّى أعُدَّ القُبَلَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ في الَّذِي لَهُ امْرَأتانِ: يُكْرَهُ أنْ يَتَوَضَّأ في بَيْتِ إحْداهُما دُونَ الأُخْرى. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنْ إبْراهِيمَ قالَ: إنْ كانُوا لَيُسَوُّونَ بَيْنَ الضَّرائِرِ حَتّى تَبْقى الفَضْلَةُ مِمّا لا يُكالُ مِنَ السَّوِيقِ والطَّعامِ، فَيَقْسِمُونَهُ كَفًّا كَفًّا إذا كانَ مِمّا لا يُسْتَطاعُ كَيْلُهُ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولَنْ تَسْتَطِيعُوا أنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ﴾ قالَ: في الجِماعِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ عُبَيْدَةَ في قَوْلِهِ: ﴿ولَنْ تَسْتَطِيعُوا أنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ﴾ قالَ: في الحُبِّ والجِماعِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿ولَنْ تَسْتَطِيعُوا أنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ﴾ . قالَ: في الحُبِّ، ﴿فَلا تَمِيلُوا كُلَّ المَيْلِ﴾ قالَ: في (p-٧٢)الغِشْيانِ، ﴿فَتَذَرُوها كالمُعَلَّقَةِ﴾ لا أيِّمَ ولا ذاتَ زَوْجٍ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولَنْ تَسْتَطِيعُوا أنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ﴾ قالَ: يَعْنِي في الحُبِّ، ﴿فَلا تَمِيلُوا كُلَّ المَيْلِ﴾ قالَ: لا تَعَمَّدُوا الإساءَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ السُّدِّيِّ في الآيَةِ يَقُولُ: لا تَمِلْ عَلَيْها، فَلا تُنْفِقُ عَلَيْها ولا تَقْسِمُ لَها يَوْمًا. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ الضَّحّاكِ في الآيَةِ: يَقُولُ: إنْ أحْبَبْتَ واحِدَةً وأبْغَضْتَ واحِدَةً فاعْدِلْ بَيْنَهُما. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَتَذَرُوها كالمُعَلَّقَةِ﴾ قالَ: لا مُطَلَّقَةً ولا ذاتَ بَعْلٍ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿كالمُعَلَّقَةِ﴾ قالَ: كالمَسْجُونَةِ. (p-٧٣)وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وإنْ يَتَفَرَّقا﴾ قالَ: الطَّلاقُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وكانَ اللَّهُ غَنِيًّا﴾ قالَ: غَنِيًّا عَنْ خَلْقِهِ، ﴿حَمِيدًا﴾ قالَ: مُسْتَحْمَدًا إلَيْهِمْ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عَلِيٍّ، مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وكَفى بِاللَّهِ وكِيلا﴾ قالَ: حَفِيظًا. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿إنْ يَشَأْ يُذْهِبْكم أيُّها النّاسُ ويَأْتِ بِآخَرِينَ﴾ قالَ: قادِرٌ واللَّهِ رَبُّنا عَلى ذَلِكَ، أنْ يُهْلِكَ مِن خَلْقِهِ ما شاءَ، ويَأْتِ بِآخَرِينَ مِن بَعْدِهِمْ.

النساء 4:131

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنِ امْرَأةٌ خافَتْ مِن بَعْلِها﴾ الآياتِ. أخْرَجَ الطَّيالِسِيُّ، والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ، وابْنُ المُنْذِرِ، والطَّبَرانِيُّ، والبَيْهَقِيُّ في ”سُنَنِهِ“، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «خَشِيَتْ سَوْدَةُ أنْ يُطَلِّقَها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَقالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ، لا تُطَلِّقْنِي، واجْعَلْ يَوْمِي لِعائِشَةَ، فَفَعَلَ، ونَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿وإنِ امْرَأةٌ خافَتْ مِن بَعْلِها نُشُوزًا﴾ الآيَةَ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: فَما اصْطَلَحا عَلَيْهِ مِن شَيْءٍ فَهو جائِزٌ» . وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، وأبُو داوُدَ، والحاكِمُ، وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لا يُفَضِّلُ بَعْضَنا عَلى بَعْضٍ في مُكْثِهِ عِنْدَنا، وكانَ قَلَّ يَوْمٌ إلّا وهو يَطُوفُ عَلَيْنا، فَيَدْنُو مِن كُلِّ امْرَأةٍ مِن غَيْرِ مَسِيسٍ، حَتّى يَبْلُغَ إلى مَن هو يَوْمُها فَيَبِيتُ عِنْدَها، ولَقَدْ قالَتْ سَوْدَةُ بِنْتُ زَمْعَةَ حِينَ أسَنَّتْ وفَرِقَتْ أنْ يُفارِقَها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: يا رَسُولَ اللَّهِ، يَوْمِي هو لِعائِشَةَ، فَقَبِلَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، قالَتْ عائِشَةُ: فَفي ذَلِكَ أنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وإنِ امْرَأةٌ خافَتْ مِن بَعْلِها (p-٦٦)نُشُوزًا أوْ إعْراضًا﴾ الآيَةَ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، والبُخارِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ عائِشَةَ: ﴿وإنِ امْرَأةٌ خافَتْ مِن بَعْلِها نُشُوزًا أوْ إعْراضًا﴾، قالَتِ: الرَّجُلُ تَكُونُ عِنْدَهُ المَرْأةُ لَيْسَ بِمُسْتَكْثِرٍ مِنها، يُرِيدُ أنْ يُفارِقَها، فَتَقُولُ: أجْعَلُكَ مِن شَأْنِي في حِلٍّ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ. وأخْرَجَ ابْنُ ماجَهْ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿والصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ في رَجُلٍ كانَتْ تَحْتَهُ امْرَأةٌ قَدْ طالَتْ صُحْبَتُها ووَلَدَتْ مِنهُ أوْلادًا، فَأرادَ أنْ يَسْتَبْدِلَ بِها، فَراضَتْهُ عَلى أنْ يُقِيمَ عِنْدَها ولا يَقْسِمَ لَها. وأخْرَجَ مالِكٌ، وعَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، عَنْ رافِعِ بْنِ خَدِيجٍ، أنَّهُ كانَتْ تَحْتَهُ امْرَأةٌ قَدْ خَلا مِن سِنِّها، فَتَزَوَّجَ عَلَيْها شابَّةً فَآثَرَها عَلَيْها، فَأبَتِ الأُولى أنْ تَقَرَّ فَطَلَّقَها تَطْلِيقَةً، حَتّى إذا بَقِيَ مِن أجَلِها يَسِيرٌ قالَ: إنْ شِئْتِ راجَعْتُكِ وصَبَرْتِ عَلى الأثَرَةِ، وإنْ شِئْتِ تَرَكْتُكِ، قالَتْ: بَلْ راجِعْنِي، فَراجَعَها، فَلَمْ تَصْبِرْ عَلى الأثَرَةِ، فَطَلَّقَها أُخْرى وآثَرَ عَلَيْها الشّابَّةَ، فَذَلِكَ الصُّلْحُ الَّذِي بَلَغَنا أنَّ اللَّهَ أنْزَلَ فِيهِ: ﴿وإنِ (p-٦٧)امْرَأةٌ خافَتْ مِن بَعْلِها نُشُوزًا أوْ إعْراضًا﴾ الآيَةَ. وأخْرَجَ الشّافِعِيُّ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ، أنَّ ابْنَةَ مُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ كانَتْ عِنْدَ رافِعِ بْنِ خَدِيجٍ، فَكَرِهَ مِنها أمْرًا، إمّا كِبَرًا أوْ غَيْرَهُ، فَأرادَ طَلاقَها، فَقالَتْ: لا تُطَلِّقْنِي واقْسِمْ لِي ما بَدا لَكَ، فاصْطَلَحا عَلى صُلْحٍ، فَجَرَتِ السُّنَّةُ بِذَلِكَ، ونَزَلَ القُرْآنُ: ﴿وإنِ امْرَأةٌ خافَتْ مِن بَعْلِها﴾ الآيَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عُمَرَ، أنَّ رَجُلًا سَألَهُ عَنْ آيَةٍ، فَكَرِهَ ذَلِكَ وضَرَبَهُ بِالدِّرَّةِ، فَسَألَهُ آخَرُ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿وإنِ امْرَأةٌ خافَتْ مِن بَعْلِها نُشُوزًا﴾ فَقالَ: عَنْ مِثْلِ هَذا فَسَلُوا، ثُمَّ قالَ: هَذِهِ المَرْأةُ تَكُونُ عِنْدَ الرَّجُلِ قَدْ خَلا مِن سِنِّها، فَيَتَزَوَّجُ المَرْأةَ الثّانِيَةَ يَلْتَمِسُ ولَدَها، فَما اصْطَلَحا عَلَيْهِ مِن شَيْءٍ فَهو جائِزٌ. وأخْرَجَ الطَّيالِسِيُّ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ راهُوَيْهِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ، أنَّهُ سُئِلَ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ فَقالَ: هو الرَّجُلُ عِنْدَهُ امْرَأتانِ، فَتَكُونُ إحْداهُما قَدْ عَجَزَتْ، أوْ تَكُونُ دَمِيمَةً، فَيُرِيدُ فِراقَها فَتُصالِحُهُ عَلى أنْ يَكُونَ عِنْدَها لَيْلَةً، وعِنْدَ الأُخْرى لَيالِيَ، ولا (p-٦٨)يُفارِقُها فَما طابَتْ بِهِ نَفْسُها فَلا بَأْسَ بِهِ، فَإنْ رَجَعَتْ سَوّى بَيْنَهُما. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في الآيَةِ قالَ: هي المَرْأةُ تَكُونُ عِنْدَ الرَّجُلِ حَتّى تَكْبَرَ، فَيُرِيدُ أنْ يَتَزَوَّجَ عَلَيْها فَيَتَصالَحانِ بَيْنَهُما صُلْحًا عَلى أنَّ لَها يَوْمًا ولِهَذِهِ يَوْمانِ أوْ ثَلاثَةً. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في الآيَةِ قالَ: تِلْكَ المَرْأةُ تَكُونُ عِنْدَ الرَّجُلِ لا يَرى مِنها كَثِيرًا مِمّا يُحِبُّ، ولَهُ امْرَأةٌ غَيْرُها أحَبُّ إلَيْهِ مِنها، فَيُؤْثِرُها عَلَيْها، فَأمَرَ اللَّهُ إذا كانَ ذَلِكَ أنْ يَقُولَ لَها: يا هَذِهِ، إنْ شِئْتِ أنْ تُقِيمِي عَلى ما تَرَيْنَ مِنَ الأثَرَةِ فَأُواسِيَكِ وأُنْفِقَ عَلَيْكِ فَأقِيمِي، وإنْ كَرِهْتِ خَلَّيْتُ سَبِيلَكِ، فَإنْ هي رَضِيَتْ أنْ تُقِيمَ بَعْدَ أنْ يُخْيِّرَها فَلا جُناحَ عَلَيْهِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿والصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ يَعْنِي أنَّ تَخْيِيرَ الزَّوْجِ لَها بَيْنَ الإقامَةِ والفِراقِ خَيْرٌ مِن تَمادِي الزَّوْجِ عَلى أثَرَةِ غَيْرِها عَلَيْها. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في الآيَةِ قالَ: هو الرَّجُلُ تَكُونُ تَحْتَهُ المَرْأةُ الكَبِيرَةُ فَيَنْكِحُ عَلَيْها المَرْأةَ الشّابَّةَ، ويَكْرَهُ أنْ يُفارِقَ أُمَّ ولَدِهِ، فَيُصالِحَها عَلى عَطِيَّةٍ مِن مالِهِ ونَفْسِهِ، فَيَطِيبَ لَهُ ذَلِكَ الصُّلْحُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في الآيَةِ قالَ: نَزَلَتْ في أبِي السَّنابِلِ بْنِ (p-٦٩)بَعْكَكٍ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ السُّدِّيِّ في الآيَةِ قالَ: نَزَلَتْ في رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وفي سَوْدَةَ بِنْتِ زَمْعَةَ. وأخْرَجَ أبُو داوُدَ، وابْنُ ماجَهْ، والحاكِمُ، والبَيْهَقِيُّ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «(أبْغَضُ الحَلالِ إلى اللَّهِ الطَّلاقُ») . وأخْرَجَ الحاكِمُ عَنْ كَثِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «(الصُّلْحُ جائِزٌ بَيْنَ المُسْلِمِينَ إلّا صُلْحًا حَرَّمَ حَلالًا أوْ أحَلَّ حَرامًا، والمُسْلِمُونَ عَلى شُرُوطِهِمْ إلّا شَرْطًا حَرَّمَ حَلالًا») . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وأُحْضِرَتِ الأنْفُسُ الشُّحَّ﴾ قالَ: تَشِحُّ عِنْدَ الصُّلْحِ عَلى نَصِيبِها مِن زَوْجِها. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وأُحْضِرَتِ الأنْفُسُ الشُّحَّ﴾ قالَ: هَواهُ في الشَّيْءِ يَحْرِصُ عَلَيْهِ وفِي قَوْلِهِ: ﴿ولَنْ تَسْتَطِيعُوا أنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ﴾ قالَ: في الحُبِّ (p-٧٠)والجِماعِ، وفي قَوْلِهِ: ﴿فَلا تَمِيلُوا كُلَّ المَيْلِ فَتَذَرُوها كالمُعَلَّقَةِ﴾ قالَ: لا هي أيِّمٌ ولا هي ذاتُ زَوْجٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ أبِي مُلَيْكَةَ قالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿ولَنْ تَسْتَطِيعُوا أنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ﴾ في عائِشَةَ، يَعْنِي أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ يُحِبُّها أكْثَرَ مِن غَيْرِها. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأحْمَدُ، وأبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ ماجَهْ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: «كانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقْسِمُ بَيْنَ نِسائِهِ فَيَعْدِلُ، ثُمَّ يَقُولُ: (اللَّهُمَّ هَذا قَسْمِي فِيما أمْلِكُ، فَلا تَلُمْنِي فِيما تَمْلِكُ ولا أمْلِكُ») . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأحْمَدُ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وأبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ ماجَهْ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «(مَن كانَتْ لَهُ امْرَأتانِ فَمالَ إلى إحْداهُما، جاءَ يَوْمَ القِيامَةِ وأحَدُ شِقَّيْهِ ساقِطٌ») . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: (p-٧١)كانُوا يَسْتَحِبُّونَ أنْ يُسَوُّوا بَيْنَ الضَّرائِرِ حَتّى في الطِّيبِ، يَتَطَيَّبُ لِهَذِهِ كَما يَتَطَيَّبُ لِهَذِهِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ جابِرِ بْنِ زَيْدٍ قالَ: كانَتْ لِي امْرَأتانِ، فَلَقَدْ كُنْتُ أعْدِلُ بَيْنَهُما حَتّى أعُدَّ القُبَلَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ في الَّذِي لَهُ امْرَأتانِ: يُكْرَهُ أنْ يَتَوَضَّأ في بَيْتِ إحْداهُما دُونَ الأُخْرى. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنْ إبْراهِيمَ قالَ: إنْ كانُوا لَيُسَوُّونَ بَيْنَ الضَّرائِرِ حَتّى تَبْقى الفَضْلَةُ مِمّا لا يُكالُ مِنَ السَّوِيقِ والطَّعامِ، فَيَقْسِمُونَهُ كَفًّا كَفًّا إذا كانَ مِمّا لا يُسْتَطاعُ كَيْلُهُ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولَنْ تَسْتَطِيعُوا أنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ﴾ قالَ: في الجِماعِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ عُبَيْدَةَ في قَوْلِهِ: ﴿ولَنْ تَسْتَطِيعُوا أنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ﴾ قالَ: في الحُبِّ والجِماعِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿ولَنْ تَسْتَطِيعُوا أنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ﴾ . قالَ: في الحُبِّ، ﴿فَلا تَمِيلُوا كُلَّ المَيْلِ﴾ قالَ: في (p-٧٢)الغِشْيانِ، ﴿فَتَذَرُوها كالمُعَلَّقَةِ﴾ لا أيِّمَ ولا ذاتَ زَوْجٍ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولَنْ تَسْتَطِيعُوا أنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ﴾ قالَ: يَعْنِي في الحُبِّ، ﴿فَلا تَمِيلُوا كُلَّ المَيْلِ﴾ قالَ: لا تَعَمَّدُوا الإساءَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ السُّدِّيِّ في الآيَةِ يَقُولُ: لا تَمِلْ عَلَيْها، فَلا تُنْفِقُ عَلَيْها ولا تَقْسِمُ لَها يَوْمًا. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ الضَّحّاكِ في الآيَةِ: يَقُولُ: إنْ أحْبَبْتَ واحِدَةً وأبْغَضْتَ واحِدَةً فاعْدِلْ بَيْنَهُما. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَتَذَرُوها كالمُعَلَّقَةِ﴾ قالَ: لا مُطَلَّقَةً ولا ذاتَ بَعْلٍ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿كالمُعَلَّقَةِ﴾ قالَ: كالمَسْجُونَةِ. (p-٧٣)وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وإنْ يَتَفَرَّقا﴾ قالَ: الطَّلاقُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وكانَ اللَّهُ غَنِيًّا﴾ قالَ: غَنِيًّا عَنْ خَلْقِهِ، ﴿حَمِيدًا﴾ قالَ: مُسْتَحْمَدًا إلَيْهِمْ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عَلِيٍّ، مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وكَفى بِاللَّهِ وكِيلا﴾ قالَ: حَفِيظًا. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿إنْ يَشَأْ يُذْهِبْكم أيُّها النّاسُ ويَأْتِ بِآخَرِينَ﴾ قالَ: قادِرٌ واللَّهِ رَبُّنا عَلى ذَلِكَ، أنْ يُهْلِكَ مِن خَلْقِهِ ما شاءَ، ويَأْتِ بِآخَرِينَ مِن بَعْدِهِمْ.

النساء 4:132

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنِ امْرَأةٌ خافَتْ مِن بَعْلِها﴾ الآياتِ. أخْرَجَ الطَّيالِسِيُّ، والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ، وابْنُ المُنْذِرِ، والطَّبَرانِيُّ، والبَيْهَقِيُّ في ”سُنَنِهِ“، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «خَشِيَتْ سَوْدَةُ أنْ يُطَلِّقَها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَقالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ، لا تُطَلِّقْنِي، واجْعَلْ يَوْمِي لِعائِشَةَ، فَفَعَلَ، ونَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿وإنِ امْرَأةٌ خافَتْ مِن بَعْلِها نُشُوزًا﴾ الآيَةَ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: فَما اصْطَلَحا عَلَيْهِ مِن شَيْءٍ فَهو جائِزٌ» . وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، وأبُو داوُدَ، والحاكِمُ، وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لا يُفَضِّلُ بَعْضَنا عَلى بَعْضٍ في مُكْثِهِ عِنْدَنا، وكانَ قَلَّ يَوْمٌ إلّا وهو يَطُوفُ عَلَيْنا، فَيَدْنُو مِن كُلِّ امْرَأةٍ مِن غَيْرِ مَسِيسٍ، حَتّى يَبْلُغَ إلى مَن هو يَوْمُها فَيَبِيتُ عِنْدَها، ولَقَدْ قالَتْ سَوْدَةُ بِنْتُ زَمْعَةَ حِينَ أسَنَّتْ وفَرِقَتْ أنْ يُفارِقَها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: يا رَسُولَ اللَّهِ، يَوْمِي هو لِعائِشَةَ، فَقَبِلَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، قالَتْ عائِشَةُ: فَفي ذَلِكَ أنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وإنِ امْرَأةٌ خافَتْ مِن بَعْلِها (p-٦٦)نُشُوزًا أوْ إعْراضًا﴾ الآيَةَ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، والبُخارِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ عائِشَةَ: ﴿وإنِ امْرَأةٌ خافَتْ مِن بَعْلِها نُشُوزًا أوْ إعْراضًا﴾، قالَتِ: الرَّجُلُ تَكُونُ عِنْدَهُ المَرْأةُ لَيْسَ بِمُسْتَكْثِرٍ مِنها، يُرِيدُ أنْ يُفارِقَها، فَتَقُولُ: أجْعَلُكَ مِن شَأْنِي في حِلٍّ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ. وأخْرَجَ ابْنُ ماجَهْ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿والصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ في رَجُلٍ كانَتْ تَحْتَهُ امْرَأةٌ قَدْ طالَتْ صُحْبَتُها ووَلَدَتْ مِنهُ أوْلادًا، فَأرادَ أنْ يَسْتَبْدِلَ بِها، فَراضَتْهُ عَلى أنْ يُقِيمَ عِنْدَها ولا يَقْسِمَ لَها. وأخْرَجَ مالِكٌ، وعَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، عَنْ رافِعِ بْنِ خَدِيجٍ، أنَّهُ كانَتْ تَحْتَهُ امْرَأةٌ قَدْ خَلا مِن سِنِّها، فَتَزَوَّجَ عَلَيْها شابَّةً فَآثَرَها عَلَيْها، فَأبَتِ الأُولى أنْ تَقَرَّ فَطَلَّقَها تَطْلِيقَةً، حَتّى إذا بَقِيَ مِن أجَلِها يَسِيرٌ قالَ: إنْ شِئْتِ راجَعْتُكِ وصَبَرْتِ عَلى الأثَرَةِ، وإنْ شِئْتِ تَرَكْتُكِ، قالَتْ: بَلْ راجِعْنِي، فَراجَعَها، فَلَمْ تَصْبِرْ عَلى الأثَرَةِ، فَطَلَّقَها أُخْرى وآثَرَ عَلَيْها الشّابَّةَ، فَذَلِكَ الصُّلْحُ الَّذِي بَلَغَنا أنَّ اللَّهَ أنْزَلَ فِيهِ: ﴿وإنِ (p-٦٧)امْرَأةٌ خافَتْ مِن بَعْلِها نُشُوزًا أوْ إعْراضًا﴾ الآيَةَ. وأخْرَجَ الشّافِعِيُّ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ، أنَّ ابْنَةَ مُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ كانَتْ عِنْدَ رافِعِ بْنِ خَدِيجٍ، فَكَرِهَ مِنها أمْرًا، إمّا كِبَرًا أوْ غَيْرَهُ، فَأرادَ طَلاقَها، فَقالَتْ: لا تُطَلِّقْنِي واقْسِمْ لِي ما بَدا لَكَ، فاصْطَلَحا عَلى صُلْحٍ، فَجَرَتِ السُّنَّةُ بِذَلِكَ، ونَزَلَ القُرْآنُ: ﴿وإنِ امْرَأةٌ خافَتْ مِن بَعْلِها﴾ الآيَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عُمَرَ، أنَّ رَجُلًا سَألَهُ عَنْ آيَةٍ، فَكَرِهَ ذَلِكَ وضَرَبَهُ بِالدِّرَّةِ، فَسَألَهُ آخَرُ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿وإنِ امْرَأةٌ خافَتْ مِن بَعْلِها نُشُوزًا﴾ فَقالَ: عَنْ مِثْلِ هَذا فَسَلُوا، ثُمَّ قالَ: هَذِهِ المَرْأةُ تَكُونُ عِنْدَ الرَّجُلِ قَدْ خَلا مِن سِنِّها، فَيَتَزَوَّجُ المَرْأةَ الثّانِيَةَ يَلْتَمِسُ ولَدَها، فَما اصْطَلَحا عَلَيْهِ مِن شَيْءٍ فَهو جائِزٌ. وأخْرَجَ الطَّيالِسِيُّ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ راهُوَيْهِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ، أنَّهُ سُئِلَ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ فَقالَ: هو الرَّجُلُ عِنْدَهُ امْرَأتانِ، فَتَكُونُ إحْداهُما قَدْ عَجَزَتْ، أوْ تَكُونُ دَمِيمَةً، فَيُرِيدُ فِراقَها فَتُصالِحُهُ عَلى أنْ يَكُونَ عِنْدَها لَيْلَةً، وعِنْدَ الأُخْرى لَيالِيَ، ولا (p-٦٨)يُفارِقُها فَما طابَتْ بِهِ نَفْسُها فَلا بَأْسَ بِهِ، فَإنْ رَجَعَتْ سَوّى بَيْنَهُما. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في الآيَةِ قالَ: هي المَرْأةُ تَكُونُ عِنْدَ الرَّجُلِ حَتّى تَكْبَرَ، فَيُرِيدُ أنْ يَتَزَوَّجَ عَلَيْها فَيَتَصالَحانِ بَيْنَهُما صُلْحًا عَلى أنَّ لَها يَوْمًا ولِهَذِهِ يَوْمانِ أوْ ثَلاثَةً. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في الآيَةِ قالَ: تِلْكَ المَرْأةُ تَكُونُ عِنْدَ الرَّجُلِ لا يَرى مِنها كَثِيرًا مِمّا يُحِبُّ، ولَهُ امْرَأةٌ غَيْرُها أحَبُّ إلَيْهِ مِنها، فَيُؤْثِرُها عَلَيْها، فَأمَرَ اللَّهُ إذا كانَ ذَلِكَ أنْ يَقُولَ لَها: يا هَذِهِ، إنْ شِئْتِ أنْ تُقِيمِي عَلى ما تَرَيْنَ مِنَ الأثَرَةِ فَأُواسِيَكِ وأُنْفِقَ عَلَيْكِ فَأقِيمِي، وإنْ كَرِهْتِ خَلَّيْتُ سَبِيلَكِ، فَإنْ هي رَضِيَتْ أنْ تُقِيمَ بَعْدَ أنْ يُخْيِّرَها فَلا جُناحَ عَلَيْهِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿والصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ يَعْنِي أنَّ تَخْيِيرَ الزَّوْجِ لَها بَيْنَ الإقامَةِ والفِراقِ خَيْرٌ مِن تَمادِي الزَّوْجِ عَلى أثَرَةِ غَيْرِها عَلَيْها. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في الآيَةِ قالَ: هو الرَّجُلُ تَكُونُ تَحْتَهُ المَرْأةُ الكَبِيرَةُ فَيَنْكِحُ عَلَيْها المَرْأةَ الشّابَّةَ، ويَكْرَهُ أنْ يُفارِقَ أُمَّ ولَدِهِ، فَيُصالِحَها عَلى عَطِيَّةٍ مِن مالِهِ ونَفْسِهِ، فَيَطِيبَ لَهُ ذَلِكَ الصُّلْحُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في الآيَةِ قالَ: نَزَلَتْ في أبِي السَّنابِلِ بْنِ (p-٦٩)بَعْكَكٍ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ السُّدِّيِّ في الآيَةِ قالَ: نَزَلَتْ في رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وفي سَوْدَةَ بِنْتِ زَمْعَةَ. وأخْرَجَ أبُو داوُدَ، وابْنُ ماجَهْ، والحاكِمُ، والبَيْهَقِيُّ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «(أبْغَضُ الحَلالِ إلى اللَّهِ الطَّلاقُ») . وأخْرَجَ الحاكِمُ عَنْ كَثِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «(الصُّلْحُ جائِزٌ بَيْنَ المُسْلِمِينَ إلّا صُلْحًا حَرَّمَ حَلالًا أوْ أحَلَّ حَرامًا، والمُسْلِمُونَ عَلى شُرُوطِهِمْ إلّا شَرْطًا حَرَّمَ حَلالًا») . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وأُحْضِرَتِ الأنْفُسُ الشُّحَّ﴾ قالَ: تَشِحُّ عِنْدَ الصُّلْحِ عَلى نَصِيبِها مِن زَوْجِها. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وأُحْضِرَتِ الأنْفُسُ الشُّحَّ﴾ قالَ: هَواهُ في الشَّيْءِ يَحْرِصُ عَلَيْهِ وفِي قَوْلِهِ: ﴿ولَنْ تَسْتَطِيعُوا أنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ﴾ قالَ: في الحُبِّ (p-٧٠)والجِماعِ، وفي قَوْلِهِ: ﴿فَلا تَمِيلُوا كُلَّ المَيْلِ فَتَذَرُوها كالمُعَلَّقَةِ﴾ قالَ: لا هي أيِّمٌ ولا هي ذاتُ زَوْجٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ أبِي مُلَيْكَةَ قالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿ولَنْ تَسْتَطِيعُوا أنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ﴾ في عائِشَةَ، يَعْنِي أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ يُحِبُّها أكْثَرَ مِن غَيْرِها. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأحْمَدُ، وأبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ ماجَهْ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: «كانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقْسِمُ بَيْنَ نِسائِهِ فَيَعْدِلُ، ثُمَّ يَقُولُ: (اللَّهُمَّ هَذا قَسْمِي فِيما أمْلِكُ، فَلا تَلُمْنِي فِيما تَمْلِكُ ولا أمْلِكُ») . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأحْمَدُ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وأبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ ماجَهْ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «(مَن كانَتْ لَهُ امْرَأتانِ فَمالَ إلى إحْداهُما، جاءَ يَوْمَ القِيامَةِ وأحَدُ شِقَّيْهِ ساقِطٌ») . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: (p-٧١)كانُوا يَسْتَحِبُّونَ أنْ يُسَوُّوا بَيْنَ الضَّرائِرِ حَتّى في الطِّيبِ، يَتَطَيَّبُ لِهَذِهِ كَما يَتَطَيَّبُ لِهَذِهِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ جابِرِ بْنِ زَيْدٍ قالَ: كانَتْ لِي امْرَأتانِ، فَلَقَدْ كُنْتُ أعْدِلُ بَيْنَهُما حَتّى أعُدَّ القُبَلَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ في الَّذِي لَهُ امْرَأتانِ: يُكْرَهُ أنْ يَتَوَضَّأ في بَيْتِ إحْداهُما دُونَ الأُخْرى. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنْ إبْراهِيمَ قالَ: إنْ كانُوا لَيُسَوُّونَ بَيْنَ الضَّرائِرِ حَتّى تَبْقى الفَضْلَةُ مِمّا لا يُكالُ مِنَ السَّوِيقِ والطَّعامِ، فَيَقْسِمُونَهُ كَفًّا كَفًّا إذا كانَ مِمّا لا يُسْتَطاعُ كَيْلُهُ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولَنْ تَسْتَطِيعُوا أنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ﴾ قالَ: في الجِماعِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ عُبَيْدَةَ في قَوْلِهِ: ﴿ولَنْ تَسْتَطِيعُوا أنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ﴾ قالَ: في الحُبِّ والجِماعِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿ولَنْ تَسْتَطِيعُوا أنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ﴾ . قالَ: في الحُبِّ، ﴿فَلا تَمِيلُوا كُلَّ المَيْلِ﴾ قالَ: في (p-٧٢)الغِشْيانِ، ﴿فَتَذَرُوها كالمُعَلَّقَةِ﴾ لا أيِّمَ ولا ذاتَ زَوْجٍ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولَنْ تَسْتَطِيعُوا أنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ﴾ قالَ: يَعْنِي في الحُبِّ، ﴿فَلا تَمِيلُوا كُلَّ المَيْلِ﴾ قالَ: لا تَعَمَّدُوا الإساءَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ السُّدِّيِّ في الآيَةِ يَقُولُ: لا تَمِلْ عَلَيْها، فَلا تُنْفِقُ عَلَيْها ولا تَقْسِمُ لَها يَوْمًا. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ الضَّحّاكِ في الآيَةِ: يَقُولُ: إنْ أحْبَبْتَ واحِدَةً وأبْغَضْتَ واحِدَةً فاعْدِلْ بَيْنَهُما. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَتَذَرُوها كالمُعَلَّقَةِ﴾ قالَ: لا مُطَلَّقَةً ولا ذاتَ بَعْلٍ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿كالمُعَلَّقَةِ﴾ قالَ: كالمَسْجُونَةِ. (p-٧٣)وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وإنْ يَتَفَرَّقا﴾ قالَ: الطَّلاقُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وكانَ اللَّهُ غَنِيًّا﴾ قالَ: غَنِيًّا عَنْ خَلْقِهِ، ﴿حَمِيدًا﴾ قالَ: مُسْتَحْمَدًا إلَيْهِمْ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عَلِيٍّ، مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وكَفى بِاللَّهِ وكِيلا﴾ قالَ: حَفِيظًا. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿إنْ يَشَأْ يُذْهِبْكم أيُّها النّاسُ ويَأْتِ بِآخَرِينَ﴾ قالَ: قادِرٌ واللَّهِ رَبُّنا عَلى ذَلِكَ، أنْ يُهْلِكَ مِن خَلْقِهِ ما شاءَ، ويَأْتِ بِآخَرِينَ مِن بَعْدِهِمْ.

النساء 4:133

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنِ امْرَأةٌ خافَتْ مِن بَعْلِها﴾ الآياتِ. أخْرَجَ الطَّيالِسِيُّ، والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ، وابْنُ المُنْذِرِ، والطَّبَرانِيُّ، والبَيْهَقِيُّ في ”سُنَنِهِ“، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «خَشِيَتْ سَوْدَةُ أنْ يُطَلِّقَها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَقالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ، لا تُطَلِّقْنِي، واجْعَلْ يَوْمِي لِعائِشَةَ، فَفَعَلَ، ونَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿وإنِ امْرَأةٌ خافَتْ مِن بَعْلِها نُشُوزًا﴾ الآيَةَ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: فَما اصْطَلَحا عَلَيْهِ مِن شَيْءٍ فَهو جائِزٌ» . وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، وأبُو داوُدَ، والحاكِمُ، وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لا يُفَضِّلُ بَعْضَنا عَلى بَعْضٍ في مُكْثِهِ عِنْدَنا، وكانَ قَلَّ يَوْمٌ إلّا وهو يَطُوفُ عَلَيْنا، فَيَدْنُو مِن كُلِّ امْرَأةٍ مِن غَيْرِ مَسِيسٍ، حَتّى يَبْلُغَ إلى مَن هو يَوْمُها فَيَبِيتُ عِنْدَها، ولَقَدْ قالَتْ سَوْدَةُ بِنْتُ زَمْعَةَ حِينَ أسَنَّتْ وفَرِقَتْ أنْ يُفارِقَها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: يا رَسُولَ اللَّهِ، يَوْمِي هو لِعائِشَةَ، فَقَبِلَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، قالَتْ عائِشَةُ: فَفي ذَلِكَ أنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وإنِ امْرَأةٌ خافَتْ مِن بَعْلِها (p-٦٦)نُشُوزًا أوْ إعْراضًا﴾ الآيَةَ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، والبُخارِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ عائِشَةَ: ﴿وإنِ امْرَأةٌ خافَتْ مِن بَعْلِها نُشُوزًا أوْ إعْراضًا﴾، قالَتِ: الرَّجُلُ تَكُونُ عِنْدَهُ المَرْأةُ لَيْسَ بِمُسْتَكْثِرٍ مِنها، يُرِيدُ أنْ يُفارِقَها، فَتَقُولُ: أجْعَلُكَ مِن شَأْنِي في حِلٍّ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ. وأخْرَجَ ابْنُ ماجَهْ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿والصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ في رَجُلٍ كانَتْ تَحْتَهُ امْرَأةٌ قَدْ طالَتْ صُحْبَتُها ووَلَدَتْ مِنهُ أوْلادًا، فَأرادَ أنْ يَسْتَبْدِلَ بِها، فَراضَتْهُ عَلى أنْ يُقِيمَ عِنْدَها ولا يَقْسِمَ لَها. وأخْرَجَ مالِكٌ، وعَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، عَنْ رافِعِ بْنِ خَدِيجٍ، أنَّهُ كانَتْ تَحْتَهُ امْرَأةٌ قَدْ خَلا مِن سِنِّها، فَتَزَوَّجَ عَلَيْها شابَّةً فَآثَرَها عَلَيْها، فَأبَتِ الأُولى أنْ تَقَرَّ فَطَلَّقَها تَطْلِيقَةً، حَتّى إذا بَقِيَ مِن أجَلِها يَسِيرٌ قالَ: إنْ شِئْتِ راجَعْتُكِ وصَبَرْتِ عَلى الأثَرَةِ، وإنْ شِئْتِ تَرَكْتُكِ، قالَتْ: بَلْ راجِعْنِي، فَراجَعَها، فَلَمْ تَصْبِرْ عَلى الأثَرَةِ، فَطَلَّقَها أُخْرى وآثَرَ عَلَيْها الشّابَّةَ، فَذَلِكَ الصُّلْحُ الَّذِي بَلَغَنا أنَّ اللَّهَ أنْزَلَ فِيهِ: ﴿وإنِ (p-٦٧)امْرَأةٌ خافَتْ مِن بَعْلِها نُشُوزًا أوْ إعْراضًا﴾ الآيَةَ. وأخْرَجَ الشّافِعِيُّ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ، أنَّ ابْنَةَ مُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ كانَتْ عِنْدَ رافِعِ بْنِ خَدِيجٍ، فَكَرِهَ مِنها أمْرًا، إمّا كِبَرًا أوْ غَيْرَهُ، فَأرادَ طَلاقَها، فَقالَتْ: لا تُطَلِّقْنِي واقْسِمْ لِي ما بَدا لَكَ، فاصْطَلَحا عَلى صُلْحٍ، فَجَرَتِ السُّنَّةُ بِذَلِكَ، ونَزَلَ القُرْآنُ: ﴿وإنِ امْرَأةٌ خافَتْ مِن بَعْلِها﴾ الآيَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عُمَرَ، أنَّ رَجُلًا سَألَهُ عَنْ آيَةٍ، فَكَرِهَ ذَلِكَ وضَرَبَهُ بِالدِّرَّةِ، فَسَألَهُ آخَرُ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿وإنِ امْرَأةٌ خافَتْ مِن بَعْلِها نُشُوزًا﴾ فَقالَ: عَنْ مِثْلِ هَذا فَسَلُوا، ثُمَّ قالَ: هَذِهِ المَرْأةُ تَكُونُ عِنْدَ الرَّجُلِ قَدْ خَلا مِن سِنِّها، فَيَتَزَوَّجُ المَرْأةَ الثّانِيَةَ يَلْتَمِسُ ولَدَها، فَما اصْطَلَحا عَلَيْهِ مِن شَيْءٍ فَهو جائِزٌ. وأخْرَجَ الطَّيالِسِيُّ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ راهُوَيْهِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ، أنَّهُ سُئِلَ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ فَقالَ: هو الرَّجُلُ عِنْدَهُ امْرَأتانِ، فَتَكُونُ إحْداهُما قَدْ عَجَزَتْ، أوْ تَكُونُ دَمِيمَةً، فَيُرِيدُ فِراقَها فَتُصالِحُهُ عَلى أنْ يَكُونَ عِنْدَها لَيْلَةً، وعِنْدَ الأُخْرى لَيالِيَ، ولا (p-٦٨)يُفارِقُها فَما طابَتْ بِهِ نَفْسُها فَلا بَأْسَ بِهِ، فَإنْ رَجَعَتْ سَوّى بَيْنَهُما. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في الآيَةِ قالَ: هي المَرْأةُ تَكُونُ عِنْدَ الرَّجُلِ حَتّى تَكْبَرَ، فَيُرِيدُ أنْ يَتَزَوَّجَ عَلَيْها فَيَتَصالَحانِ بَيْنَهُما صُلْحًا عَلى أنَّ لَها يَوْمًا ولِهَذِهِ يَوْمانِ أوْ ثَلاثَةً. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في الآيَةِ قالَ: تِلْكَ المَرْأةُ تَكُونُ عِنْدَ الرَّجُلِ لا يَرى مِنها كَثِيرًا مِمّا يُحِبُّ، ولَهُ امْرَأةٌ غَيْرُها أحَبُّ إلَيْهِ مِنها، فَيُؤْثِرُها عَلَيْها، فَأمَرَ اللَّهُ إذا كانَ ذَلِكَ أنْ يَقُولَ لَها: يا هَذِهِ، إنْ شِئْتِ أنْ تُقِيمِي عَلى ما تَرَيْنَ مِنَ الأثَرَةِ فَأُواسِيَكِ وأُنْفِقَ عَلَيْكِ فَأقِيمِي، وإنْ كَرِهْتِ خَلَّيْتُ سَبِيلَكِ، فَإنْ هي رَضِيَتْ أنْ تُقِيمَ بَعْدَ أنْ يُخْيِّرَها فَلا جُناحَ عَلَيْهِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿والصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ يَعْنِي أنَّ تَخْيِيرَ الزَّوْجِ لَها بَيْنَ الإقامَةِ والفِراقِ خَيْرٌ مِن تَمادِي الزَّوْجِ عَلى أثَرَةِ غَيْرِها عَلَيْها. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في الآيَةِ قالَ: هو الرَّجُلُ تَكُونُ تَحْتَهُ المَرْأةُ الكَبِيرَةُ فَيَنْكِحُ عَلَيْها المَرْأةَ الشّابَّةَ، ويَكْرَهُ أنْ يُفارِقَ أُمَّ ولَدِهِ، فَيُصالِحَها عَلى عَطِيَّةٍ مِن مالِهِ ونَفْسِهِ، فَيَطِيبَ لَهُ ذَلِكَ الصُّلْحُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في الآيَةِ قالَ: نَزَلَتْ في أبِي السَّنابِلِ بْنِ (p-٦٩)بَعْكَكٍ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ السُّدِّيِّ في الآيَةِ قالَ: نَزَلَتْ في رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وفي سَوْدَةَ بِنْتِ زَمْعَةَ. وأخْرَجَ أبُو داوُدَ، وابْنُ ماجَهْ، والحاكِمُ، والبَيْهَقِيُّ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «(أبْغَضُ الحَلالِ إلى اللَّهِ الطَّلاقُ») . وأخْرَجَ الحاكِمُ عَنْ كَثِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «(الصُّلْحُ جائِزٌ بَيْنَ المُسْلِمِينَ إلّا صُلْحًا حَرَّمَ حَلالًا أوْ أحَلَّ حَرامًا، والمُسْلِمُونَ عَلى شُرُوطِهِمْ إلّا شَرْطًا حَرَّمَ حَلالًا») . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وأُحْضِرَتِ الأنْفُسُ الشُّحَّ﴾ قالَ: تَشِحُّ عِنْدَ الصُّلْحِ عَلى نَصِيبِها مِن زَوْجِها. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وأُحْضِرَتِ الأنْفُسُ الشُّحَّ﴾ قالَ: هَواهُ في الشَّيْءِ يَحْرِصُ عَلَيْهِ وفِي قَوْلِهِ: ﴿ولَنْ تَسْتَطِيعُوا أنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ﴾ قالَ: في الحُبِّ (p-٧٠)والجِماعِ، وفي قَوْلِهِ: ﴿فَلا تَمِيلُوا كُلَّ المَيْلِ فَتَذَرُوها كالمُعَلَّقَةِ﴾ قالَ: لا هي أيِّمٌ ولا هي ذاتُ زَوْجٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ أبِي مُلَيْكَةَ قالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿ولَنْ تَسْتَطِيعُوا أنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ﴾ في عائِشَةَ، يَعْنِي أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ يُحِبُّها أكْثَرَ مِن غَيْرِها. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأحْمَدُ، وأبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ ماجَهْ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: «كانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقْسِمُ بَيْنَ نِسائِهِ فَيَعْدِلُ، ثُمَّ يَقُولُ: (اللَّهُمَّ هَذا قَسْمِي فِيما أمْلِكُ، فَلا تَلُمْنِي فِيما تَمْلِكُ ولا أمْلِكُ») . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأحْمَدُ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وأبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ ماجَهْ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «(مَن كانَتْ لَهُ امْرَأتانِ فَمالَ إلى إحْداهُما، جاءَ يَوْمَ القِيامَةِ وأحَدُ شِقَّيْهِ ساقِطٌ») . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: (p-٧١)كانُوا يَسْتَحِبُّونَ أنْ يُسَوُّوا بَيْنَ الضَّرائِرِ حَتّى في الطِّيبِ، يَتَطَيَّبُ لِهَذِهِ كَما يَتَطَيَّبُ لِهَذِهِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ جابِرِ بْنِ زَيْدٍ قالَ: كانَتْ لِي امْرَأتانِ، فَلَقَدْ كُنْتُ أعْدِلُ بَيْنَهُما حَتّى أعُدَّ القُبَلَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ في الَّذِي لَهُ امْرَأتانِ: يُكْرَهُ أنْ يَتَوَضَّأ في بَيْتِ إحْداهُما دُونَ الأُخْرى. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنْ إبْراهِيمَ قالَ: إنْ كانُوا لَيُسَوُّونَ بَيْنَ الضَّرائِرِ حَتّى تَبْقى الفَضْلَةُ مِمّا لا يُكالُ مِنَ السَّوِيقِ والطَّعامِ، فَيَقْسِمُونَهُ كَفًّا كَفًّا إذا كانَ مِمّا لا يُسْتَطاعُ كَيْلُهُ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولَنْ تَسْتَطِيعُوا أنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ﴾ قالَ: في الجِماعِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ عُبَيْدَةَ في قَوْلِهِ: ﴿ولَنْ تَسْتَطِيعُوا أنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ﴾ قالَ: في الحُبِّ والجِماعِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿ولَنْ تَسْتَطِيعُوا أنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ﴾ . قالَ: في الحُبِّ، ﴿فَلا تَمِيلُوا كُلَّ المَيْلِ﴾ قالَ: في (p-٧٢)الغِشْيانِ، ﴿فَتَذَرُوها كالمُعَلَّقَةِ﴾ لا أيِّمَ ولا ذاتَ زَوْجٍ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولَنْ تَسْتَطِيعُوا أنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ﴾ قالَ: يَعْنِي في الحُبِّ، ﴿فَلا تَمِيلُوا كُلَّ المَيْلِ﴾ قالَ: لا تَعَمَّدُوا الإساءَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ السُّدِّيِّ في الآيَةِ يَقُولُ: لا تَمِلْ عَلَيْها، فَلا تُنْفِقُ عَلَيْها ولا تَقْسِمُ لَها يَوْمًا. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ الضَّحّاكِ في الآيَةِ: يَقُولُ: إنْ أحْبَبْتَ واحِدَةً وأبْغَضْتَ واحِدَةً فاعْدِلْ بَيْنَهُما. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَتَذَرُوها كالمُعَلَّقَةِ﴾ قالَ: لا مُطَلَّقَةً ولا ذاتَ بَعْلٍ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿كالمُعَلَّقَةِ﴾ قالَ: كالمَسْجُونَةِ. (p-٧٣)وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وإنْ يَتَفَرَّقا﴾ قالَ: الطَّلاقُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وكانَ اللَّهُ غَنِيًّا﴾ قالَ: غَنِيًّا عَنْ خَلْقِهِ، ﴿حَمِيدًا﴾ قالَ: مُسْتَحْمَدًا إلَيْهِمْ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عَلِيٍّ، مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وكَفى بِاللَّهِ وكِيلا﴾ قالَ: حَفِيظًا. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿إنْ يَشَأْ يُذْهِبْكم أيُّها النّاسُ ويَأْتِ بِآخَرِينَ﴾ قالَ: قادِرٌ واللَّهِ رَبُّنا عَلى ذَلِكَ، أنْ يُهْلِكَ مِن خَلْقِهِ ما شاءَ، ويَأْتِ بِآخَرِينَ مِن بَعْدِهِمْ.

النساء 4:135

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوّامِينَ﴾ الآيَةَ. أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في (سُنَنِهِ)، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوّامِينَ﴾ الآيَةَ، قالَ: أمَرَ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ أنْ يَقُولُوا بِالحَقِّ ولَوْ عَلى أنْفُسِهِمْ أوْ آبائِهِمْ أوْ أبْنائِهِمْ، لا يُحابُوا غَنِيًّا لِغِناهُ، ولا يَرْحَمُوا مِسْكِينًا لِمَسْكَنَتِهِ، وفي قَوْلِهِ: ﴿فَلا تَتَّبِعُوا الهَوى﴾ قالَ: فَتَذَرُوا الحَقَّ (p-٧٤)فَتَجُورُوا، ﴿وإنْ تَلْوُوا﴾ يَعْنِي: ألْسِنَتَكم بِالشَّهادَةِ، ﴿أوْ تُعْرِضُوا﴾ عَنْها. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأحْمَدُ في (الزُّهْدِ)، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو نُعَيْمٍ في (الحِلْيَةِ)، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوّامِينَ بِالقِسْطِ شُهَداءَ لِلَّهِ﴾ الآيَةَ، قالَ: الرَّجُلانِ يَجْلِسانِ عِنْدَ القاضِي، فَيَكُونُ لَيُّ القاضِي وإعْراضُهُ لِأحَدِ الرَّجُلَيْنِ عَلى الآخَرِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، مِن طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ مَوْلًى لِابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «لَمّا قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ المَدِينَةَ كانَتِ (البَقَرَةُ) أوَّلَ سُورَةٍ نَزَلَتْ، ثُمَّ أرْدَفَها سُورَةَ (النِّساءِ) . قالَ: فَكانَ الرَّجُلُ يَكُونُ عِنْدَهُ الشَّهادَةُ قِبَلَ ابْنِهِ، أوْ ذَوِي رَحِمَهُ، فَيَلْوِي بِها لِسانَهُ، أوْ يَكْتُمُها، مِمّا يَرى مِن عُسْرَتِهِ حَتّى يُوسِرَ فَيَقْضِيَ، فَنَزَلَتْ: ﴿كُونُوا قَوّامِينَ بِالقِسْطِ شُهَداءَ لِلَّهِ﴾ حَتّى: ﴿إنْ يَكُنْ غَنِيًّا أوْ فَقِيرًا﴾ [النساء»: ١٣٥] . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ السُّدِّيِّ في الآيَةِ قالَ: «نَزَلَتْ في النَّبِيِّ ﷺ، اخْتَصَمَ إلَيْهِ رَجُلانِ، غَنِيٌّ وفَقِيرٌ، فَكانَ ضَلْعُهُ مَعَ الفَقِيرِ، يَرى أنَّ الفَقِيرَ لا يَظْلِمُ (p-٧٥)الغَنِيَّ، فَأبى اللَّهُ إلّا أنْ يَقُومَ بِالقِسْطِ في الغَنِيِّ والفَقِيرِ» . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ قَتادَةَ في الآيَةِ قالَ: هَذا في الشَّهادَةِ، فَأقِمِ الشَّهادَةَ يا ابْنَ آدَمَ، ولَوْ عَلى نَفْسِكَ، أوِ الوالِدَيْنِ، والأقْرَبِينَ، أوْ عَلى ذِي قَرابَتِكَ، أوْ أشْرافِ قَوْمِكَ، فَإنَّما الشَّهادَةُ لِلَّهِ ولَيْسَتْ لِلنّاسِ، وإنَّ اللَّهَ تَعالى رَضِيَ بِالعَدْلِ لِنَفْسِهِ، والإقْساطِ، والعَدْلُ مِيزانُ اللَّهِ في الأرْضِ، بِهِ يَرُدُّ اللَّهُ مِنَ الشَّدِيدِ عَلى الضَّعِيفِ، ومِنَ الكاذِبِ عَلى الصّادِقِ، ومِنَ المُبْطِلِ عَلى المُحِقِّ، وبِالعَدْلِ يُصَدَّقُ الصّادِقُ، ويُكَذَّبُ الكاذِبُ، ويَرُدُّ المُعْتَدِيَ ويُوَبِّخُهُ تَعالى رَبُّنا وتَبارَكَ، وبِالعَدْلِ يَصْلُحُ النّاسُ، يا ابْنَ آدَمَ: ﴿إنْ يَكُنْ غَنِيًّا أوْ فَقِيرًا فاللَّهُ أوْلى بِهِما﴾ يَقُولُ: اللَّهُ أوْلى بِغَنِيِّكم وفَقِيرِكُمْ، ولا يَمْنَعْكَ غِنى غَنِيٍّ، ولا فَقْرُ فَقِيرٍ أنْ تَشْهَدَ عَلَيْهِ بِما تَعْلَمُ، فَإنَّ ذَلِكَ مِنَ الحَقِّ، قالَ: وذُكِرَ لَنا أنَّ نَبِيَّ اللَّهِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: يا رَبِّ، أيُّ شَيْءٍ وضَعْتَ في الأرْضِ أقَلُّ؟ قالَ: العَدْلُ أقَلُّ ما وضَعْتُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وإنْ تَلْوُوا أوْ تُعْرِضُوا﴾، يَقُولُ: تَلْوِي لِسانَكَ بِغَيْرِ الحَقِّ، وهي اللَّجْلَجَةُ، فَلا تُقِيمُ الشَّهادَةَ عَلى وجْهِها، والإعْراضُ التَّرْكُ (p-٧٦)وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: ﴿تَلْوُوا﴾: تُحَرِّفُوا، و﴿تُعْرِضُوا﴾: تَتْرُكُوا. وأخْرَجَ آدَمُ، والبَيْهَقِيُّ في (سُنَنِهِ)، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وإنْ تَلْوُوا﴾ يَقُولُ: تُبَدِّلُوا الشَّهادَةَ: ﴿أوْ تُعْرِضُوا﴾ يَقُولُ: تَكْتُمُوها.

النساء 4:136

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ﴾ الآيَةَ أخْرَجَ الثَّعْلَبِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، «أنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَلامٍ، وأسَدًا وأُسَيْدًا ابْنَيْ كَعْبٍ، وثَعْلَبَةَ بْنَ قَيْسٍ، وسَلامًا ابْنَ أُخْتِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ، وسَلَمَةَ ابْنَ أخِيهِ، ويامِينَ بْنَ يامِينَ، أتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنّا نُؤْمِنُ بِكَ، وبِكِتابِكَ، ومُوسى، والتَّوْراةِ، وعُزَيْرٍ، ونَكْفُرُ بِما سِواهُ مِنَ الكُتُبِ والرُّسُلِ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (بَلْ آمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ مُحَمَّدٍ، وكِتابِهِ القُرْآنِ، وبِكُلِّ كِتابٍ كانَ قَبْلَهُ)، فَقالُوا: لا نَفْعَلُ، فَنَزَلَتْ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ والكِتابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلى رَسُولِهِ والكِتابِ الَّذِي أنْزَلَ مِن قَبْلُ﴾ قالَ: فَآمَنُوا كُلُّهم» . وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ الضَّحّاكِ في قَوْلِهِ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ الآيَةَ، قالَ: يَعْنِي بِذَلِكَ أهْلَ الكِتابِ، كانَ اللَّهُ قَدْ أخَذَ مِيثاقَهم في التَّوْراةِ، والإنْجِيلِ وأقَرُّوا عَلى أنْفُسِهِمْ أنْ يُؤْمِنُوا بِمُحَمَّدٍ ﷺ، فَلَمّا بَعَثَ اللَّهُ رَسُولَهُ دَعاهم إلى أنْ يُؤْمِنُوا بِمُحَمَّدٍ ﷺ والقُرْآنِ، وذَكَّرَهُمُ الَّذِي أُخِذَ عَلَيْهِمْ مِنَ المِيثاقِ، فَمِنهم مَن صَدَّقَ النَّبِيَّ ﷺ واتَّبَعَهُ، ومِنهم مَن كَفَرَ.

النساء 4:137

(p-٧٧)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا﴾ الآيَةَ. أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ قَتادَةَ في الآيَةِ قالَ: هُمُ اليَهُودُ، والنَّصارى، آمَنَتِ اليَهُودُ بِالتَّوْراةِ، ثُمَّ كَفَرَتْ، وآمَنَتِ النَّصارى بِالإنْجِيلِ، ثُمَّ كَفَرَتْ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا﴾ قالَ: هَؤُلاءِ اليَهُودُ، آمَنُوا بِالتَّوْراةِ، ثُمَّ كَفَرُوا، ثُمَّ ذَكَرَ النَّصارى فَقالَ: ﴿ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا﴾ يَقُولُ: آمَنُوا بِالإنْجِيلِ، ثُمَّ كَفَرُوا بِهِ، ثُمَّ ازْدادُوا كُفْرًا بِمُحَمَّدٍ ﷺ، ﴿ولا لِيَهْدِيَهم سَبِيلا﴾ قالَ: طَرِيقَ هُدًى، وقَدْ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ زَيْدٍ في الآيَةِ قالَ: هَؤُلاءِ المُنافِقُونَ، آمَنُوا مَرَّتَيْنِ، وكَفَرُوا مَرَّتَيْنِ، ﴿ثُمَّ ازْدادُوا كُفْرًا﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مُجاهِدٍ في الآيَةِ قالَ: هُمُ المُنافِقُونَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عَلِيٍّ، أنَّهُ قالَ في المُرْتَدِّ: إنْ كُنْتُ لَمُسْتَتِيبَهُ ثَلاثًا، ثُمَّ قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدادُوا كُفْرًا﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، والبَيْهَقِيُّ في ”سُنَنِهِ“، عَنْ فَضالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ، أنَّهُ أُتِيَ (p-٧٨)بِرَجُلٍ مِنَ المُسْلِمِينَ قَدْ فَرَّ إلى العَدُوِّ، فَأقالَهُ الإسْلامَ فَأسْلَمَ، ثُمَّ فَرَّ الثّانِيَةَ فَأُتِيَ بِهِ فَأقالَهُ الإسْلامَ، ثُمَّ فَرَّ الثّالِثَةَ فَأُتِيَ بِهِ، فَنَزَعَ بِهَذِهِ الآيَةِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿سَبِيلا﴾ ثُمَّ ضَرَبَ عُنُقَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ ازْدادُوا كُفْرًا﴾ قالَ: تَمُّوا عَلى كُفْرِهِمْ حَتّى ماتُوا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مُجاهِدٍ، مِثْلَهُ.

النساء 4:139

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أيَبْتَغُونَ﴾ الآيَةَ. أخْرَجَ الحاكِمُ في (التّارِيخِ)، والدَّيْلَمِيُّ، وابْنُ عَساكِرَ، عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «(إنَّ اللَّهَ يَقُولُ كُلَّ يَوْمٍ: أنا رَبُّكُمُ العَزِيزُ، فَمَن أرادَ عِزَّ الدّارَيْنِ، فَلْيُطِعِ العَزِيزَ») .

النساء 4:140

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا تَقْعُدُوا مَعَهم حَتّى يَخُوضُوا في حَدِيثٍ غَيْرِهِ إنَّكم إذًا مِثْلُهُمْ﴾ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ أبِي وائِلٍ قالَ: إنَّ الرَّجُلَ لَيَتَكَلَّمُ في المَجْلِسِ بِالكَلِمَةِ مِنَ الكَذِبِ لِيُضْحِكَ بِها جُلَساءَهُ فَيَسْخَطُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ جَمِيعًا. (p-٧٩)فَذُكِرَ ذَلِكَ لِإبْراهِيمَ النَّخَعِيِّ فَقالَ: صَدَقَ أبُو وائِلٍ، أوَلَيْسَ ذَلِكَ في كِتابِ اللَّهِ: ﴿فَلا تَقْعُدُوا مَعَهم حَتّى يَخُوضُوا في حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ ؟ وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: أنْزَلَ في سُورَةِ (الأنْعامِ): ﴿حَتّى يَخُوضُوا في حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ [الأنعام: ٦٨] [الأنْعامِ: ٦٨] ثُمَّ نَزَلَ التَّشْدِيدُ في سُورَةِ (النِّساءِ): ﴿إنَّكم إذًا مِثْلُهُمْ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ السُّدِّيِّ في الآيَةِ قالَ: كانَ المُشْرِكُونَ إذا جالَسُوا المُؤْمِنِينَ وقَعُوا في رَسُولِ اللَّهِ ﷺ والقُرْآنِ، فَشَتَمُوهُ واسْتَهْزَءُوا بِهِ، فَأمَرَ اللَّهُ ألّا يَقْعُدُوا مَعَهم حَتّى يَخُوضُوا في حَدِيثٍ غَيْرِهِ. وأخْرَجَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: ﴿إنَّ اللَّهَ جامِعُ المُنافِقِينَ﴾ مِن أهْلِ المَدِينَةِ، والمُشْرِكِينَ مِن أهْلِ مَكَّةَ الَّذِينَ خاضُوا واسْتَهْزَءُوا بِالقُرْآنِ، ﴿فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مُجاهِدٍ: ﴿الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ﴾ [النساء: ١٤١] قالَ: هُمُ المُنافِقُونَ، يَتَرَبَّصُونَ بِالمُؤْمِنِينَ، ﴿فَإنْ كانَ لَكم فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ﴾ [النساء: ١٤١] إنْ أصابَ المُسْلِمُونَ مِن عَدُوِّهِمْ غَنِيمَةً قالَ المُنافِقُونَ: ألَمْ نَكُنْ قَدْ كُنّا مَعَكُمْ؟ فَأعْطُونا مِنَ الغَنِيمَةِ مِثْلَ ما تَأْخُذُونَ، ﴿وإنْ كانَ لِلْكافِرِينَ نَصِيبٌ﴾ [النساء: ١٤١] يُصِيبُونَهُ مِنَ المُسْلِمِينَ قالَ المُنافِقُونَ لِلْكُفّارِ: ﴿ألَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: ١٤١] ألَمْ نُبَيِّنْ لَكم أنّا عَلى ما أنْتُمْ عَلَيْهِ قَدْ كُنّا نُثَبِّطُهم عَنْكُمْ؟ (p-٨٠)وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ السُّدِّيِّ: ﴿ألَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: ١٤١] قالَ: نَغْلِبْ عَلَيْكم.

النساء 4:141

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ﴾ الآيَةَ أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، والفِرْيابِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، عَنْ عَلِيٍّ، أنَّهُ قِيلَ لَهُ: أرَأيْتَ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿ولَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكافِرِينَ عَلى المُؤْمِنِينَ سَبِيلا﴾ وهم يُقاتِلُونا فَيَظْهَرُونَ ويَقْتُلُونَ؟ فَقالَ: ادْنُهْ، ادْنُهْ، ثُمَّ قالَ: ﴿فاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكم يَوْمَ القِيامَةِ ولَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكافِرِينَ عَلى المُؤْمِنِينَ سَبِيلا﴾ وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ عَلِيٍّ: ﴿ولَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكافِرِينَ عَلى المُؤْمِنِينَ سَبِيلا﴾ قالَ: في الآخِرَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿ولَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكافِرِينَ عَلى المُؤْمِنِينَ سَبِيلا﴾ قالَ: ذاكَ يَوْمَ القِيامَةِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ أبِي مالِكٍ مِثْلَهُ. (p-٨١)وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ السُّدِّيِّ: ﴿سَبِيلا﴾ قالَ: حُجَّةً.

النساء 4:142

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ المُنافِقِينَ يُخادِعُونَ اللَّهَ وهو خادِعُهُمْ﴾ . أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ الحَسَنِ في الآيَةِ قالَ: يُلْقى عَلى كُلِّ مُؤْمِنٍ ومُنافِقٍ نُورٌ يَمْشُونَ بِهِ يَوْمَ القِيامَةِ، حَتّى إذا انْتَهَوْا إلى الصِّراطِ طُفِئَ نُورُ المُنافِقِينَ ومَضى المُؤْمِنُونَ بِنُورِهِمْ، فَتِلْكَ خَدِيعَةُ اللَّهِ إيّاهم. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿وهُوَ خادِعُهُمْ﴾ قالَ: يُعْطِيهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ نُورًا يَمْشُونَ فِيهِ مَعَ المُسْلِمِينَ كَما كانُوا مَعَهم في الدُّنْيا، ثُمَّ يَسْلُبُهم ذَلِكَ النُّورَ فَيُطْفِئُهُ فَيَقُومُونَ في ظُلْمَتِهِمْ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مُجاهِدٍ، وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ في الآيَةِ قالَ: نَزَلَتْ في عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ، وأبِي عامِرِ بْنِ النُّعْمانِ. * * قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا قامُوا إلى الصَّلاةِ قامُوا كُسالى﴾ أخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا في (الصَّمْتِ)، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي (p-٨٢)حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أنَّهُ كانَ يَكْرَهُ أنْ يَقُولَ الرَّجُلُ: إنِّي كَسْلانُ ويَتَأوَّلُ هَذِهِ الآيَةَ. * * قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُراءُونَ النّاسَ ولا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إلا قَلِيلا﴾ أخْرَجَ أبُو يَعْلى، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «(مِن حَسَّنَ الصَّلاةَ حَيْثُ يَراهُ النّاسُ وأساءَها حَيْثُ يَخْلُو، فَتِلْكَ اسْتِهانَةٌ اسْتَهانَ بِها رَبَّهُ») . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ قَتادَةَ: ﴿يُراءُونَ النّاسَ﴾ قالَ: واللَّهِ لَوْلا النّاسُ ما صَلّى المُنافِقُ، ولا يُصَلِّي إلّا رِياءً وسُمْعَةً. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والبَيْهَقِيُّ في (شُعَبِ الإيمانِ)، عَنِ الحَسَنِ: ﴿ولا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إلا قَلِيلا﴾ قالَ: إنَّما قَلَّ لِأنَّهُ كانَ لِغَيْرِ اللَّهِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ قَتادَةَ: ﴿ولا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إلا قَلِيلا﴾ قالَ: إنَّما قَلَّ ذِكْرُ المُنافِقِ لِأنَّ اللَّهَ لَمْ يَقْبَلْهُ، وكُلُّ ما (p-٨٣)رَدَّ اللَّهُ قَلِيلٌ، وكُلُّ ما قَبِلَ اللَّهُ كَثِيرٌ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ عَلِيٍّ، قالَ: لا يَقِلُّ عَمَلٌ مَعَ تَقْوى، وكَيْفَ يَقِلُّ ما يُتَقَبَّلُ! وأخْرَجَ مُسْلِمٌ، وأبُو داوُدَ، والبَيْهَقِيُّ في ”سُنَنِهِ“ عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «(تِلْكَ صَلاةُ المُنافِقِ، يَجْلِسُ يَرْقُبُ الشَّمْسَ حَتّى إذا كانَتْ بَيْنَ قَرْنَيْ شَيْطانٍ قامَ فَنَقَرَ أرْبَعًا، لا يَذْكُرُ اللَّهَ فِيها إلّا قَلِيلًا») .

النساء 4:143

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مُذَبْذَبِينَ﴾ الآيَةَ. أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: مَثَلُ المُؤْمِنِ، والمُنافِقِ، والكافِرِ مَثَلُ ثَلاثَةِ نَفَرٍ انْتَهَوْا إلى وادٍ، فَوَقَعَ أحَدُهم فَعَبَرَ، ثُمَّ وقَعَ أحَدُهم حَتّى أتى عَلى نِصْفِ الوادِي ناداهُ الَّذِي عَلى شَفِيرِ الوادِي: ويْلَكَ أيْنَ تَذْهَبُ؟ إلى الهَلَكَةِ! ارْجِعْ، عَوْدُكَ عَلى بَدْئِكَ، وناداهُ الَّذِي عَبَرَ: هَلُمَّ النَّجاةَ، فَجَعَلَ يَنْظُرُ إلى هَذا مَرَّةً، وإلى هَذا مَرَّةً، قالَ: فَجاءَهُ سَيْلٌ فَأغْرَقَهُ، فالَّذِي عَبَرَ المُؤْمِنُ، والَّذِي غَرِقَ المُنافِقُ، مُذَبْذَبٌ بَيْنَ ذَلِكَ، لا إلى هَؤُلاءِ، ولا إلى هَؤُلاءِ، والَّذِي مَكَثَ الكافِرُ. (p-٨٤)وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ قَتادَةَ في الآيَةِ: ﴿مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لا إلى هَؤُلاءِ ولا إلى هَؤُلاءِ﴾ يَقُولُ: لَيْسُوا بِمُؤْمِنِينَ مُخْلِصِينَ ولا مُشْرِكِينَ مُصَرِّحِينَ بِالشِّرْكِ، قالَ: وذُكِرَ لَنا أنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ كانَ يَضْرِبُ مَثَلًا لِلْمُؤْمِنِ والمُنافِقِ والكافِرِ، كَمَثَلِ رَهْطٍ ثَلاثَةٍ دَفَعُوا إلى نَهْرٍ، فَوَقَعَ المُؤْمِنُ فَقَطَعَ، ثُمَّ وقَعَ المُنافِقُ حَتّى إذا كادَ يَصِلُ إلى المُؤْمِنِ ناداهُ الكافِرُ: أنْ هَلُمَّ إلَيَّ، فَإنِّي أخْشى عَلَيْكَ، وناداهُ المُؤْمِنُ: أنْ هَلُمَّ إلَيَّ، فَإنَّ عِنْدِي وعِنْدِي، يُحْصِي لَهُ ما عِنْدَهُ، فَما زالَ المُنافِقُ يَتَرَدَّدُ بَيْنَهُما حَتّى أتى عَلَيْهِ الماءُ، فَغَرَّقَهُ، وإنَّ المُنافِقَ لَمْ يَزَلْ في شَكٍّ وشُبْهَةٍ حَتّى أتى عَلَيْهِ المَوْتُ وهو كَذَلِكَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ﴾ قالَ: هُمُ المُنافِقُونَ، ﴿لا إلى هَؤُلاءِ﴾ يَقُولُ: لا إلى أصْحابِ مُحَمَّدٍ ﷺ ﴿ولا إلى هَؤُلاءِ﴾ اليَهُودِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ زَيْدٍ: ﴿مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ﴾ قالَ: بَيْنَ الإسْلامِ والكُفْرِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والبُخارِيُّ في (تارِيخِهِ)، ومُسْلِمٌ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «(مَثَلُ المُنافِقِ مَثَلُ الشّاةِ (p-٨٥)العائِرَةِ بَيْنَ الغَنَمَيْنِ، تَعِيرُ إلى هَذِهِ مَرَّةً، وإلى هَذِهِ مَرَّةً، لا تَدْرِي أيُّهُما تَتْبَعُ») . وأخْرَجَ أحْمَدُ، والبَيْهَقِيُّ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «(إنَّ مَثَلَ المُنافِقِ يَوْمَ القِيامَةِ كالشّاةِ بَيْنَ الغَنَمَيْنِ، إنْ أتَتْ هَؤُلاءِ نَطَحَتْها، وإنْ أتَتْ هَؤُلاءِ نَطَحَتْها») .

النساء 4:144

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الكافِرِينَ أوْلِياءَ مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ أتُرِيدُونَ﴾ الآيَةَ. أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿أتُرِيدُونَ أنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكم سُلْطانًا مُبِينًا﴾ قالَ: إنَّ لِلَّهِ السُّلْطانَ عَلى خَلْقِهِ، ولَكِنَّهُ يَقُولُ: عُذْرًا مُبِينًا. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كُلُّ سُلْطانٍ في القُرْآنِ فَهو حُجَّةٌ.

النساء 4:145

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ المُنافِقِينَ في الدَّرْكِ الأسْفَلِ مِنَ النّارِ﴾ الآيَةَ. (p-٨٦)أخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وهَنّادٌ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي الدُّنْيا في (صِفَةِ النّارِ)، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: ﴿إنَّ المُنافِقِينَ في الدَّرْكِ الأسْفَلِ﴾ قالَ: في تَوابِيتَ مِن حَدِيدٍ مُقْفَلَةٍ عَلَيْهِمْ، وفي لَفْظٍ: مُبْهَمَةٍ عَلَيْهِمْ، أيْ مُغْلَقَةٍ لا يُهْتَدى لِمَكانِ فَتْحِها. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ: ﴿إنَّ المُنافِقِينَ في الدَّرْكِ الأسْفَلِ﴾ قالَ: الدَّرْكُ الأسْفَلُ بُيُوتٌ مِن حَدِيدٍ لَها أبْوابٌ تُطْبَقُ عَلَيْها، فَيُوقَدُ مِن تَحْتِهِمْ ومِن فَوْقِهِمْ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ: ﴿إنَّ المُنافِقِينَ في الدَّرْكِ﴾ قالَ: في تَوابِيتَ تُرْتَجُ عَلَيْهِمْ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿فِي الدَّرْكِ (p-٨٧)الأسْفَلِ﴾ يَعْنِي: في أسْفَلِ النّارِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَثِيرٍ قالَ: سَمِعْتُ أنَّ جَهَنَّمَ أدْراكٌ، مَنازِلُ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا في (صِفَةِ النّارِ) عَنْ أبِي الأحْوَصِ قالَ: قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: أيُّ أهْلِ النّارِ أشَدُّ عَذابًا؟ قالَ رَجُلٌ: المُنافِقُونَ، قالَ: صَدَقْتَ، فَهَلْ تَدْرِي كَيْفَ يُعَذَّبُونَ؟ قالَ: لا، قالَ: يُجْعَلُونَ في تَوابِيتَ مِن حَدِيدٍ تُصْمَدُ عَلَيْهِمْ، ثُمَّ يُجْعَلُونَ في الدَّرْكِ الأسْفَلِ في تَنانِيرَ أضْيَقَ مِن زُجٍّ، يُقالُ لَهُ: جُبُّ الحُزْنِ، يُطْبَقُ عَلى أقْوامٍ بِأعْمالِهِمْ آخِرَ الأبَدِ.

النساء 4:146

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأخْلَصُوا دِينَهم لِلَّهِ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا في كِتابِ (الإخْلاصِ)، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ في (الشُّعَبِ)، عَنْ مُعاذِ بْنِ جَبَلٍ، «أنَّهُ قالَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ حِينَ بَعَثَهُ إلى اليَمَنِ: أوْصِنِي، قالَ: (أخْلِصْ دِينَكَ يَكْفِكَ القَلِيلُ مِنَ العَمَلِ») . (p-٨٨)وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا في (الإخْلاصِ)، والبَيْهَقِيُّ في (الشُّعَبِ)، عَنْ ثَوْبانَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «(طُوبى لِلْمُخْلِصِينَ، أُولَئِكَ مَصابِيحُ الهُدى، تَنْجَلِي عَنْهم كُلُّ فِتْنَةٍ ظَلْماءَ») . وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ، عَنْ أبِي فِراسٍ، رَجُلٍ مِن أسْلَمَ، قالَ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (سَلُونِي عَمّا شِئْتُمْ)، فَنادى رَجُلٌ: يا رَسُولَ اللَّهِ، ما الإسْلامُ؟ قالَ: (إقامُ الصَّلاةِ، وإيتاءُ الزَّكاةِ)، قالَ: فَما الإيمانُ؟ قالَ: (الإخْلاصُ)، قالَ: فَما اليَقِينُ؟ قالَ: (التَّصْدِيقُ بِالقِيامَةِ») . وأخْرَجَ البَزّارُ بِسَنَدٍ حَسَنٍ، عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ، «عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ في حَجَّةِ الوَداعِ: (نَضَّرَ اللَّهُ أمْرَأً سَمِعَ مَقالَتِي فَوَعاها، فَرُبَّ حامِلِ فِقْهٍ لَيْسَ بِفَقِيهٍ، ثَلاثٌ لا يُغِلُّ عَلَيْهِنَّ قَلْبُ امْرِئٍ مُؤْمِنٍ، إخْلاصُ العَمَلِ لِلَّهِ، والمُناصَحَةُ لِأئِمَّةِ المُسْلِمِينَ، ولُزُومُ جَماعَتِهِمْ، فَإنَّ دُعاءَهم يُحِيطُ مِن ورائِهِمْ») . وأخْرَجَ النَّسائِيُّ، عَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ أبِيهِ، أنَّهُ ظَنَّ أنَّ لَهُ فَضْلًا عَلى مَن دُونَهُ مِن أصْحابِ النَّبِيِّ ﷺ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: «(إنَّما يَنْصُرُ اللَّهُ هَذِهِ الأُمَّةَ بِضَعِيفِها، بِدَعْوَتِهِمْ، وصَلاتِهِمْ، وإخْلاصِهِمْ») . (p-٨٩)وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، والمَرْوَزِيُّ في زَوائِدِ (الزُّهْدِ)، وأبُو الشَّيْخِ بْنُ حَيّانَ، عَنْ مَكْحُولٍ قالَ: بَلَغَنِي أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «(ما أخْلَصَ عَبْدٌ لِلَّهِ أرْبَعِينَ صَباحًا إلّا ظَهَرَتْ يَنابِيعُ الحِكْمَةِ مِن قَلْبِهِ عَلى لِسانِهِ») . وأخْرَجَ أحْمَدُ، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ أبِي ذَرٍّ، أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «(قَدْ أفْلَحَ مَن أخْلَصَ قَلْبَهُ لِلْإيمانِ، وجَعَلَ قَلْبَهُ سَلِيمًا، ولِسانَهُ صادِقًا، ونَفْسَهُ مُطْمَئِنَّةً، وخَلِيقَتَهُ مُسْتَقِيمَةً، وأُذُنَهُ مُسْتَمِعَةً، وعَيْنَهُ ناظِرَةً، فَأمّا الأُذُنُ فَقِمَعٌ، والعَيْنُ مُقِرَّةٌ لِما يُوعِي القَلْبُ، وقَدْ أفْلَحَ مَن جَعَلَ قَلْبَهُ واعِيًا») . وأخْرَجَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ في (نَوادِرِ الأُصُولِ) عَنْ زَيْدِ بْنِ أرْقَمَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «(مَن قالَ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ مُخْلِصًا دَخَلَ الجَنَّةَ)، قِيلَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، وما إخْلاصُها؟ قالَ: (أنْ تَحْجِزَهُ عَنِ المَحارِمِ») . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأحْمَدُ في (الزُّهْدِ)، والحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أبِي ثُمامَةَ قالَ: قالَ الحَوارِيُّونَ لِعِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ: يا رُوحَ اللَّهِ، مَنِ (p-٩٠)المُخْلِصُ لِلَّهِ؟ قالَ: الَّذِي يَعْمَلُ لِلَّهِ لا يُحِبُّ أنْ يَحْمَدَهُ النّاسُ عَلَيْهِ. وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ، عَنْ أبِي إدْرِيسَ قالَ: ما يَبْلُغُ عَبْدٌ حَقِيقَةَ الإخْلاصِ حَتّى لا يُحِبَّ أنْ يَحْمَدَهُ أحَدٌ عَلى شَيْءٍ مِن عَمَلِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿ما يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذابِكم إنْ شَكَرْتُمْ﴾ الآيَةَ. قالَ: إنَّ اللَّهَ لا يُعَذِّبُ شاكِرًا ولا مُؤْمِنًا.

النساء 4:147

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأخْلَصُوا دِينَهم لِلَّهِ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا في كِتابِ (الإخْلاصِ)، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ في (الشُّعَبِ)، عَنْ مُعاذِ بْنِ جَبَلٍ، «أنَّهُ قالَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ حِينَ بَعَثَهُ إلى اليَمَنِ: أوْصِنِي، قالَ: (أخْلِصْ دِينَكَ يَكْفِكَ القَلِيلُ مِنَ العَمَلِ») . (p-٨٨)وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا في (الإخْلاصِ)، والبَيْهَقِيُّ في (الشُّعَبِ)، عَنْ ثَوْبانَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «(طُوبى لِلْمُخْلِصِينَ، أُولَئِكَ مَصابِيحُ الهُدى، تَنْجَلِي عَنْهم كُلُّ فِتْنَةٍ ظَلْماءَ») . وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ، عَنْ أبِي فِراسٍ، رَجُلٍ مِن أسْلَمَ، قالَ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (سَلُونِي عَمّا شِئْتُمْ)، فَنادى رَجُلٌ: يا رَسُولَ اللَّهِ، ما الإسْلامُ؟ قالَ: (إقامُ الصَّلاةِ، وإيتاءُ الزَّكاةِ)، قالَ: فَما الإيمانُ؟ قالَ: (الإخْلاصُ)، قالَ: فَما اليَقِينُ؟ قالَ: (التَّصْدِيقُ بِالقِيامَةِ») . وأخْرَجَ البَزّارُ بِسَنَدٍ حَسَنٍ، عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ، «عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ في حَجَّةِ الوَداعِ: (نَضَّرَ اللَّهُ أمْرَأً سَمِعَ مَقالَتِي فَوَعاها، فَرُبَّ حامِلِ فِقْهٍ لَيْسَ بِفَقِيهٍ، ثَلاثٌ لا يُغِلُّ عَلَيْهِنَّ قَلْبُ امْرِئٍ مُؤْمِنٍ، إخْلاصُ العَمَلِ لِلَّهِ، والمُناصَحَةُ لِأئِمَّةِ المُسْلِمِينَ، ولُزُومُ جَماعَتِهِمْ، فَإنَّ دُعاءَهم يُحِيطُ مِن ورائِهِمْ») . وأخْرَجَ النَّسائِيُّ، عَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ أبِيهِ، أنَّهُ ظَنَّ أنَّ لَهُ فَضْلًا عَلى مَن دُونَهُ مِن أصْحابِ النَّبِيِّ ﷺ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: «(إنَّما يَنْصُرُ اللَّهُ هَذِهِ الأُمَّةَ بِضَعِيفِها، بِدَعْوَتِهِمْ، وصَلاتِهِمْ، وإخْلاصِهِمْ») . (p-٨٩)وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، والمَرْوَزِيُّ في زَوائِدِ (الزُّهْدِ)، وأبُو الشَّيْخِ بْنُ حَيّانَ، عَنْ مَكْحُولٍ قالَ: بَلَغَنِي أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «(ما أخْلَصَ عَبْدٌ لِلَّهِ أرْبَعِينَ صَباحًا إلّا ظَهَرَتْ يَنابِيعُ الحِكْمَةِ مِن قَلْبِهِ عَلى لِسانِهِ») . وأخْرَجَ أحْمَدُ، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ أبِي ذَرٍّ، أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «(قَدْ أفْلَحَ مَن أخْلَصَ قَلْبَهُ لِلْإيمانِ، وجَعَلَ قَلْبَهُ سَلِيمًا، ولِسانَهُ صادِقًا، ونَفْسَهُ مُطْمَئِنَّةً، وخَلِيقَتَهُ مُسْتَقِيمَةً، وأُذُنَهُ مُسْتَمِعَةً، وعَيْنَهُ ناظِرَةً، فَأمّا الأُذُنُ فَقِمَعٌ، والعَيْنُ مُقِرَّةٌ لِما يُوعِي القَلْبُ، وقَدْ أفْلَحَ مَن جَعَلَ قَلْبَهُ واعِيًا») . وأخْرَجَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ في (نَوادِرِ الأُصُولِ) عَنْ زَيْدِ بْنِ أرْقَمَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «(مَن قالَ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ مُخْلِصًا دَخَلَ الجَنَّةَ)، قِيلَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، وما إخْلاصُها؟ قالَ: (أنْ تَحْجِزَهُ عَنِ المَحارِمِ») . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأحْمَدُ في (الزُّهْدِ)، والحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أبِي ثُمامَةَ قالَ: قالَ الحَوارِيُّونَ لِعِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ: يا رُوحَ اللَّهِ، مَنِ (p-٩٠)المُخْلِصُ لِلَّهِ؟ قالَ: الَّذِي يَعْمَلُ لِلَّهِ لا يُحِبُّ أنْ يَحْمَدَهُ النّاسُ عَلَيْهِ. وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ، عَنْ أبِي إدْرِيسَ قالَ: ما يَبْلُغُ عَبْدٌ حَقِيقَةَ الإخْلاصِ حَتّى لا يُحِبَّ أنْ يَحْمَدَهُ أحَدٌ عَلى شَيْءٍ مِن عَمَلِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿ما يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذابِكم إنْ شَكَرْتُمْ﴾ الآيَةَ. قالَ: إنَّ اللَّهَ لا يُعَذِّبُ شاكِرًا ولا مُؤْمِنًا.

النساء 4:148

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يُحِبُّ اللَّهُ الجَهْرَ بِالسُّوءِ﴾ الآيَةَ. أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿لا يُحِبُّ اللَّهُ الجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ القَوْلِ﴾ قالَ: لا يُحِبُّ اللَّهُ أنْ يَدْعُوَ أحَدٌ عَلى أحَدٍ إلّا أنْ يَكُونَ مَظْلُومًا، فَإنَّهُ رَخَّصَ لَهُ أنْ يَدْعُوَ عَلى مَن ظَلَمَهُ، وإنْ يَصْبِرْ فَهو خَيْرٌ لَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ الحَسَنِ في الآيَةِ قالَ: هو الرَّجُلُ يَظْلِمُ الرَّجُلَ، فَلا يَدْعُ عَلَيْهِ، ولَكِنْ لِيَقُلِ: اللَّهُمَّ أعِنِّي عَلَيْهِ، اللَّهُمَّ اسْتَخْرِجْ لِي حَقِّي، حُلْ بَيْنَهُ وبَيْنَ ما يُرِيدُ، ونَحْوَ هَذا. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ قَتادَةَ في الآيَةِ قالَ: عَذَرَ اللَّهُ (p-٩١)المَظْلُومَ - كَما تَسْمَعُونَ - أنْ يَدْعُوَ. وأخْرَجَ أبُو داوُدَ، «عَنْ عائِشَةَ، أنَّها سُرِقَ لَها شَيْءٌ فَجَعَلَتْ تَدْعُو عَلَيْهِ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (لا تُسَبِّخِي عَنْهُ بِدُعائِكِ») . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، والتِّرْمِذِيُّ، عَنْ عائِشَةَ، أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «(مَن دَعا عَلى مَن ظَلَمَهُ فَقَدِ انْتَصَرَ») . وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في الآيَةِ قالَ: نَزَلَتْ في رَجُلٍ ضافَ رَجُلًا بِفَلاةٍ مِنَ الأرْضِ فَلَمْ يَضِفْهُ، فَنَزَلَتْ: ﴿إلا مَن ظُلِمَ﴾ ذَكَرَ أنَّهُ لَمْ يَضِفْهُ لا يَزِيدُ عَلى ذَلِكَ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ مُجاهِدٍ، قالَ: هو الرَّجُلُ يَنْزِلُ بِالرَّجُلِ فَلا يُحْسِنُ ضِيافَتَهُ، فَيَخْرُجُ مِن عِنْدِهِ فَيَقُولُ: أساءَ ضِيافَتِي ولَمْ يُحْسِنْ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ السُّدِّيِّ في الآيَةِ: يَقُولُ: إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الجَهْرَ بِالسُّوءِ (p-٩٢)مِنَ القَوْلِ مِن أحَدٍ مِنَ الخَلْقِ، ولَكِنْ يَقُولُ: مَن ظُلِمَ فانْتَصَرَ بِمِثْلِ ما ظُلِمَ فَلَيْسَ عَلَيْهِ جُناحٌ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ زَيْدٍ قالَ: كانَ أُبَيٌّ يَقْرَأُ: (لا يُحِبُّ اللَّهُ الجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ القَوْلِ إلّا مَن ظَلَمَ)، قالَ ابْنُ زَيْدٍ: يَقُولُ: مَن قامَ عَلى ذَلِكَ النِّفاقِ فَيُجْهَرُ لَهُ بِالسُّوءِ حَتّى يَنْزِعَ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ إسْماعِيلَ: ﴿لا يُحِبُّ اللَّهُ الجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ القَوْلِ إلا مَن ظُلِمَ﴾ قالَ: كانَ الضَّحّاكُ بْنُ مُزاحِمٍ يَقُولُ: هَذا في التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ، يَقُولُ اللَّهُ: (ما يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذابِكم إنْ شَكَرْتُمْ وآمَنتُمْ إلّا مَن ظُلِمَ)، وكانَ يَقْرَؤُها كَذَلِكَ، ثُمَّ قالَ: ﴿لا يُحِبُّ اللَّهُ الجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ القَوْلِ﴾ أيْ عَلى كُلِّ حالٍ.

النساء 4:150

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ﴾ الآياتِ. أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ قَتادَةَ في الآيَةِ قالَ: أُولَئِكَ أعْداءُ اللَّهِ اليَهُودُ والنَّصارى، آمَنَتِ اليَهُودُ بِالتَّوْراةِ ومُوسى، وكَفَرُوا بِالإنْجِيلِ وعِيسى، وآمَنَتِ النَّصارى بِالإنْجِيلِ وعِيسى، وكَفَرُوا بِالقُرْآنِ ومُحَمَّدٍ ﷺ، فاتَّخَذُوا اليَهُودِيَّةَ والنَّصْرانِيَّةَ، وهُما بِدْعَتانِ لَيْسَتا مِنَ اللَّهِ، وتَرَكُوا الإسْلامَ وهو دِينُ اللَّهِ الَّذِي بَعَثَ بِهِ رُسُلَهُ. (p-٩٣)وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ السُّدِّيِّ، وابْنِ جُرَيْجٍ، نَحْوَهُ.

النساء 4:153

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَسْألُكَ أهْلُ الكِتابِ﴾ الآياتِ. أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ قالَ: «جاءَ ناسٌ مِنَ اليَهُودِ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالُوا: إنَّ مُوسى جاءَنا بِالألْواحِ مِن عِنْدِ اللَّهِ، فَأْتِنا بِالألْواحِ مِن عِنْدِ اللَّهِ حَتّى نُصَدِّقَكَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿يَسْألُكَ أهْلُ الكِتابِ أنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتابًا مِنَ السَّماءِ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿وقَوْلِهِمْ عَلى مَرْيَمَ بُهْتانًا عَظِيمًا﴾ [النساء»: ١٥٦] . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ في الآيَةِ قالَ: «إنَّ اليَهُودَ والنَّصارى قالُوا لِمُحَمَّدٍ ﷺ: لَنْ نُبايِعَكَ عَلى ما تَدْعُونا إلَيْهِ حَتّى تَأْتِيَنا بِكِتابٍ مِن عِنْدِ اللَّهِ: مِنَ اللَّهِ إلى فُلانٍ أنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ، وإلى فُلانٍ أنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿يَسْألُكَ أهْلُ الكِتابِ﴾ الآيَةَ» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ السُّدِّيِّ في الآيَةِ قالَ: قالَتِ اليَهُودُ: إنْ كُنْتَ صادِقًا أنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ، فَآتِنا كِتابًا مَكْتُوبًا مِنَ السَّماءِ كَما جاءَ بِهِ مُوسى. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿أنْ (p-٩٤)تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتابًا مِنَ السَّماءِ﴾ أيْ كِتابًا خاصَّةً، وفي قَوْلِهِ: ﴿جَهْرَةً﴾ أيْ عِيانًا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَقالُوا أرِنا اللَّهَ جَهْرَةً﴾ قالَ: إنَّهم إذا رَأوْهُ فَقَدْ رَأوْهُ، إنَّما قالُوا: جَهْرَةً، أرِنا اللَّهَ، قالَ: هو مُقَدَّمٌ ومُؤَخَّرٌ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ أنَّهُ قَرَأ: (فَأخَذَتْهُمُ الصَّعْقَةُ) . وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَأخَذَتْهُمُ الصّاعِقَةُ﴾ قالَ: المَوْتُ، أماتَهُمُ اللَّهُ قَبْلَ آجالِهِمْ، عُقُوبَةً بِقَوْلِهِمْ، ما شاءَ اللَّهُ أنْ يُمِيتَهُمْ، ثُمَّ بَعَثَهم. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ قَتادَةَ: ﴿ورَفَعْنا فَوْقَهُمُ الطُّورَ﴾ قالَ: جَبَلٌ كانُوا في أصْلِهِ، فَرَفَعَهُ اللَّهُ فَجَعَلَهُ فَوْقَهم كَأنَّهُ ظُلَّةٌ، فَقالَ: لَتَأْخُذُنَّ أمْرِي، أوْ لَأرْمِيَنَّكم بِهِ، فَقالُوا: نَأْخُذُهُ، فَأمْسَكَهُ اللَّهُ عَنْهم. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: (p-٩٥)﴿وقُلْنا لَهُمُ ادْخُلُوا البابَ سُجَّدًا﴾ قالَ: كُنّا نُحَدَّثُ أنَّهُ بابٌ مِن أبْوابِ بَيْتِ المَقْدِسِ، ﴿وقُلْنا لَهم لا تَعْدُوا في السَّبْتِ﴾ قالَ: أمَرَ القَوْمَ أنْ لا يَأْكُلُوا الحِيتانَ يَوْمَ السَّبْتِ، ولا يَعْرِضُوا لَها، وأُحِلَّتْ لَهم ما خَلا ذَلِكَ، وفي قَوْلِهِ: ﴿فَبِما نَقْضِهِمْ﴾ يَقُولُ: فَبِنَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ، ﴿وقَوْلِهِمْ قُلُوبُنا غُلْفٌ﴾ أيْ لا تَفْقَهُ، ﴿بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها﴾ يَقُولُ: لَمّا تَرَكَ القَوْمُ أمْرَ اللَّهِ، وقَتَلُوا رُسُلَهُ، وكَفَرُوا بِآياتِهِ، ونَقَضُوا المِيثاقَ الَّذِي عَلَيْهِمْ، طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ، ولَعَنَهم حِينَ فَعَلُوا ذَلِكَ. وأخْرَجَ البَزّارُ، والبَيْهَقِيُّ في (الشُّعَبِ) وضَعَّفَهُ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «(الطّابَعُ مُعَلَّقٌ بِقائِمَةِ العَرْشِ، فَإذا انْتُهِكَتِ الحُرْمَةُ، وعُمِلَ بِالمَعاصِي، واجْتُرِئَ عَلى اللَّهِ، بَعَثَ اللَّهُ الطّابَعَ فَيَطْبَعُ عَلى قَلْبِهِ، فَلا يَقْبَلُ بَعْدَ ذَلِكَ شَيْئًا») . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وقَوْلِهِمْ عَلى مَرْيَمَ بُهْتانًا عَظِيمًا﴾ قالَ: رَمَوْها بِالزِّنى. (p-٩٦)وأخْرَجَ البُخارِيُّ في (تارِيخِهِ)، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، «عَنْ عَلِيٍّ قالَ: قالَ لِي النَّبِيُّ ﷺ: (إنَّ لَكَ مِن عِيسى مَثَلًا، أبْغَضَتْهُ اليَهُودُ حَتّى بَهَتُوا أُمَّهُ، وأحَبَّتْهُ النَّصارى حَتّى أنْزَلُوهُ المَنزِلَ الَّذِي لَيْسَ لَهُ») .

النساء 4:154

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَسْألُكَ أهْلُ الكِتابِ﴾ الآياتِ. أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ قالَ: «جاءَ ناسٌ مِنَ اليَهُودِ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالُوا: إنَّ مُوسى جاءَنا بِالألْواحِ مِن عِنْدِ اللَّهِ، فَأْتِنا بِالألْواحِ مِن عِنْدِ اللَّهِ حَتّى نُصَدِّقَكَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿يَسْألُكَ أهْلُ الكِتابِ أنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتابًا مِنَ السَّماءِ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿وقَوْلِهِمْ عَلى مَرْيَمَ بُهْتانًا عَظِيمًا﴾ [النساء»: ١٥٦] . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ في الآيَةِ قالَ: «إنَّ اليَهُودَ والنَّصارى قالُوا لِمُحَمَّدٍ ﷺ: لَنْ نُبايِعَكَ عَلى ما تَدْعُونا إلَيْهِ حَتّى تَأْتِيَنا بِكِتابٍ مِن عِنْدِ اللَّهِ: مِنَ اللَّهِ إلى فُلانٍ أنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ، وإلى فُلانٍ أنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿يَسْألُكَ أهْلُ الكِتابِ﴾ الآيَةَ» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ السُّدِّيِّ في الآيَةِ قالَ: قالَتِ اليَهُودُ: إنْ كُنْتَ صادِقًا أنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ، فَآتِنا كِتابًا مَكْتُوبًا مِنَ السَّماءِ كَما جاءَ بِهِ مُوسى. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿أنْ (p-٩٤)تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتابًا مِنَ السَّماءِ﴾ أيْ كِتابًا خاصَّةً، وفي قَوْلِهِ: ﴿جَهْرَةً﴾ أيْ عِيانًا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَقالُوا أرِنا اللَّهَ جَهْرَةً﴾ قالَ: إنَّهم إذا رَأوْهُ فَقَدْ رَأوْهُ، إنَّما قالُوا: جَهْرَةً، أرِنا اللَّهَ، قالَ: هو مُقَدَّمٌ ومُؤَخَّرٌ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ أنَّهُ قَرَأ: (فَأخَذَتْهُمُ الصَّعْقَةُ) . وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَأخَذَتْهُمُ الصّاعِقَةُ﴾ قالَ: المَوْتُ، أماتَهُمُ اللَّهُ قَبْلَ آجالِهِمْ، عُقُوبَةً بِقَوْلِهِمْ، ما شاءَ اللَّهُ أنْ يُمِيتَهُمْ، ثُمَّ بَعَثَهم. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ قَتادَةَ: ﴿ورَفَعْنا فَوْقَهُمُ الطُّورَ﴾ قالَ: جَبَلٌ كانُوا في أصْلِهِ، فَرَفَعَهُ اللَّهُ فَجَعَلَهُ فَوْقَهم كَأنَّهُ ظُلَّةٌ، فَقالَ: لَتَأْخُذُنَّ أمْرِي، أوْ لَأرْمِيَنَّكم بِهِ، فَقالُوا: نَأْخُذُهُ، فَأمْسَكَهُ اللَّهُ عَنْهم. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: (p-٩٥)﴿وقُلْنا لَهُمُ ادْخُلُوا البابَ سُجَّدًا﴾ قالَ: كُنّا نُحَدَّثُ أنَّهُ بابٌ مِن أبْوابِ بَيْتِ المَقْدِسِ، ﴿وقُلْنا لَهم لا تَعْدُوا في السَّبْتِ﴾ قالَ: أمَرَ القَوْمَ أنْ لا يَأْكُلُوا الحِيتانَ يَوْمَ السَّبْتِ، ولا يَعْرِضُوا لَها، وأُحِلَّتْ لَهم ما خَلا ذَلِكَ، وفي قَوْلِهِ: ﴿فَبِما نَقْضِهِمْ﴾ يَقُولُ: فَبِنَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ، ﴿وقَوْلِهِمْ قُلُوبُنا غُلْفٌ﴾ أيْ لا تَفْقَهُ، ﴿بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها﴾ يَقُولُ: لَمّا تَرَكَ القَوْمُ أمْرَ اللَّهِ، وقَتَلُوا رُسُلَهُ، وكَفَرُوا بِآياتِهِ، ونَقَضُوا المِيثاقَ الَّذِي عَلَيْهِمْ، طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ، ولَعَنَهم حِينَ فَعَلُوا ذَلِكَ. وأخْرَجَ البَزّارُ، والبَيْهَقِيُّ في (الشُّعَبِ) وضَعَّفَهُ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «(الطّابَعُ مُعَلَّقٌ بِقائِمَةِ العَرْشِ، فَإذا انْتُهِكَتِ الحُرْمَةُ، وعُمِلَ بِالمَعاصِي، واجْتُرِئَ عَلى اللَّهِ، بَعَثَ اللَّهُ الطّابَعَ فَيَطْبَعُ عَلى قَلْبِهِ، فَلا يَقْبَلُ بَعْدَ ذَلِكَ شَيْئًا») . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وقَوْلِهِمْ عَلى مَرْيَمَ بُهْتانًا عَظِيمًا﴾ قالَ: رَمَوْها بِالزِّنى. (p-٩٦)وأخْرَجَ البُخارِيُّ في (تارِيخِهِ)، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، «عَنْ عَلِيٍّ قالَ: قالَ لِي النَّبِيُّ ﷺ: (إنَّ لَكَ مِن عِيسى مَثَلًا، أبْغَضَتْهُ اليَهُودُ حَتّى بَهَتُوا أُمَّهُ، وأحَبَّتْهُ النَّصارى حَتّى أنْزَلُوهُ المَنزِلَ الَّذِي لَيْسَ لَهُ») .

النساء 4:155

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَسْألُكَ أهْلُ الكِتابِ﴾ الآياتِ. أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ قالَ: «جاءَ ناسٌ مِنَ اليَهُودِ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالُوا: إنَّ مُوسى جاءَنا بِالألْواحِ مِن عِنْدِ اللَّهِ، فَأْتِنا بِالألْواحِ مِن عِنْدِ اللَّهِ حَتّى نُصَدِّقَكَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿يَسْألُكَ أهْلُ الكِتابِ أنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتابًا مِنَ السَّماءِ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿وقَوْلِهِمْ عَلى مَرْيَمَ بُهْتانًا عَظِيمًا﴾ [النساء»: ١٥٦] . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ في الآيَةِ قالَ: «إنَّ اليَهُودَ والنَّصارى قالُوا لِمُحَمَّدٍ ﷺ: لَنْ نُبايِعَكَ عَلى ما تَدْعُونا إلَيْهِ حَتّى تَأْتِيَنا بِكِتابٍ مِن عِنْدِ اللَّهِ: مِنَ اللَّهِ إلى فُلانٍ أنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ، وإلى فُلانٍ أنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿يَسْألُكَ أهْلُ الكِتابِ﴾ الآيَةَ» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ السُّدِّيِّ في الآيَةِ قالَ: قالَتِ اليَهُودُ: إنْ كُنْتَ صادِقًا أنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ، فَآتِنا كِتابًا مَكْتُوبًا مِنَ السَّماءِ كَما جاءَ بِهِ مُوسى. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿أنْ (p-٩٤)تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتابًا مِنَ السَّماءِ﴾ أيْ كِتابًا خاصَّةً، وفي قَوْلِهِ: ﴿جَهْرَةً﴾ أيْ عِيانًا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَقالُوا أرِنا اللَّهَ جَهْرَةً﴾ قالَ: إنَّهم إذا رَأوْهُ فَقَدْ رَأوْهُ، إنَّما قالُوا: جَهْرَةً، أرِنا اللَّهَ، قالَ: هو مُقَدَّمٌ ومُؤَخَّرٌ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ أنَّهُ قَرَأ: (فَأخَذَتْهُمُ الصَّعْقَةُ) . وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَأخَذَتْهُمُ الصّاعِقَةُ﴾ قالَ: المَوْتُ، أماتَهُمُ اللَّهُ قَبْلَ آجالِهِمْ، عُقُوبَةً بِقَوْلِهِمْ، ما شاءَ اللَّهُ أنْ يُمِيتَهُمْ، ثُمَّ بَعَثَهم. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ قَتادَةَ: ﴿ورَفَعْنا فَوْقَهُمُ الطُّورَ﴾ قالَ: جَبَلٌ كانُوا في أصْلِهِ، فَرَفَعَهُ اللَّهُ فَجَعَلَهُ فَوْقَهم كَأنَّهُ ظُلَّةٌ، فَقالَ: لَتَأْخُذُنَّ أمْرِي، أوْ لَأرْمِيَنَّكم بِهِ، فَقالُوا: نَأْخُذُهُ، فَأمْسَكَهُ اللَّهُ عَنْهم. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: (p-٩٥)﴿وقُلْنا لَهُمُ ادْخُلُوا البابَ سُجَّدًا﴾ قالَ: كُنّا نُحَدَّثُ أنَّهُ بابٌ مِن أبْوابِ بَيْتِ المَقْدِسِ، ﴿وقُلْنا لَهم لا تَعْدُوا في السَّبْتِ﴾ قالَ: أمَرَ القَوْمَ أنْ لا يَأْكُلُوا الحِيتانَ يَوْمَ السَّبْتِ، ولا يَعْرِضُوا لَها، وأُحِلَّتْ لَهم ما خَلا ذَلِكَ، وفي قَوْلِهِ: ﴿فَبِما نَقْضِهِمْ﴾ يَقُولُ: فَبِنَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ، ﴿وقَوْلِهِمْ قُلُوبُنا غُلْفٌ﴾ أيْ لا تَفْقَهُ، ﴿بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها﴾ يَقُولُ: لَمّا تَرَكَ القَوْمُ أمْرَ اللَّهِ، وقَتَلُوا رُسُلَهُ، وكَفَرُوا بِآياتِهِ، ونَقَضُوا المِيثاقَ الَّذِي عَلَيْهِمْ، طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ، ولَعَنَهم حِينَ فَعَلُوا ذَلِكَ. وأخْرَجَ البَزّارُ، والبَيْهَقِيُّ في (الشُّعَبِ) وضَعَّفَهُ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «(الطّابَعُ مُعَلَّقٌ بِقائِمَةِ العَرْشِ، فَإذا انْتُهِكَتِ الحُرْمَةُ، وعُمِلَ بِالمَعاصِي، واجْتُرِئَ عَلى اللَّهِ، بَعَثَ اللَّهُ الطّابَعَ فَيَطْبَعُ عَلى قَلْبِهِ، فَلا يَقْبَلُ بَعْدَ ذَلِكَ شَيْئًا») . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وقَوْلِهِمْ عَلى مَرْيَمَ بُهْتانًا عَظِيمًا﴾ قالَ: رَمَوْها بِالزِّنى. (p-٩٦)وأخْرَجَ البُخارِيُّ في (تارِيخِهِ)، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، «عَنْ عَلِيٍّ قالَ: قالَ لِي النَّبِيُّ ﷺ: (إنَّ لَكَ مِن عِيسى مَثَلًا، أبْغَضَتْهُ اليَهُودُ حَتّى بَهَتُوا أُمَّهُ، وأحَبَّتْهُ النَّصارى حَتّى أنْزَلُوهُ المَنزِلَ الَّذِي لَيْسَ لَهُ») .

النساء 4:156

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَسْألُكَ أهْلُ الكِتابِ﴾ الآياتِ. أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ قالَ: «جاءَ ناسٌ مِنَ اليَهُودِ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالُوا: إنَّ مُوسى جاءَنا بِالألْواحِ مِن عِنْدِ اللَّهِ، فَأْتِنا بِالألْواحِ مِن عِنْدِ اللَّهِ حَتّى نُصَدِّقَكَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿يَسْألُكَ أهْلُ الكِتابِ أنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتابًا مِنَ السَّماءِ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿وقَوْلِهِمْ عَلى مَرْيَمَ بُهْتانًا عَظِيمًا﴾ [النساء»: ١٥٦] . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ في الآيَةِ قالَ: «إنَّ اليَهُودَ والنَّصارى قالُوا لِمُحَمَّدٍ ﷺ: لَنْ نُبايِعَكَ عَلى ما تَدْعُونا إلَيْهِ حَتّى تَأْتِيَنا بِكِتابٍ مِن عِنْدِ اللَّهِ: مِنَ اللَّهِ إلى فُلانٍ أنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ، وإلى فُلانٍ أنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿يَسْألُكَ أهْلُ الكِتابِ﴾ الآيَةَ» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ السُّدِّيِّ في الآيَةِ قالَ: قالَتِ اليَهُودُ: إنْ كُنْتَ صادِقًا أنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ، فَآتِنا كِتابًا مَكْتُوبًا مِنَ السَّماءِ كَما جاءَ بِهِ مُوسى. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿أنْ (p-٩٤)تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتابًا مِنَ السَّماءِ﴾ أيْ كِتابًا خاصَّةً، وفي قَوْلِهِ: ﴿جَهْرَةً﴾ أيْ عِيانًا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَقالُوا أرِنا اللَّهَ جَهْرَةً﴾ قالَ: إنَّهم إذا رَأوْهُ فَقَدْ رَأوْهُ، إنَّما قالُوا: جَهْرَةً، أرِنا اللَّهَ، قالَ: هو مُقَدَّمٌ ومُؤَخَّرٌ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ أنَّهُ قَرَأ: (فَأخَذَتْهُمُ الصَّعْقَةُ) . وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَأخَذَتْهُمُ الصّاعِقَةُ﴾ قالَ: المَوْتُ، أماتَهُمُ اللَّهُ قَبْلَ آجالِهِمْ، عُقُوبَةً بِقَوْلِهِمْ، ما شاءَ اللَّهُ أنْ يُمِيتَهُمْ، ثُمَّ بَعَثَهم. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ قَتادَةَ: ﴿ورَفَعْنا فَوْقَهُمُ الطُّورَ﴾ قالَ: جَبَلٌ كانُوا في أصْلِهِ، فَرَفَعَهُ اللَّهُ فَجَعَلَهُ فَوْقَهم كَأنَّهُ ظُلَّةٌ، فَقالَ: لَتَأْخُذُنَّ أمْرِي، أوْ لَأرْمِيَنَّكم بِهِ، فَقالُوا: نَأْخُذُهُ، فَأمْسَكَهُ اللَّهُ عَنْهم. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: (p-٩٥)﴿وقُلْنا لَهُمُ ادْخُلُوا البابَ سُجَّدًا﴾ قالَ: كُنّا نُحَدَّثُ أنَّهُ بابٌ مِن أبْوابِ بَيْتِ المَقْدِسِ، ﴿وقُلْنا لَهم لا تَعْدُوا في السَّبْتِ﴾ قالَ: أمَرَ القَوْمَ أنْ لا يَأْكُلُوا الحِيتانَ يَوْمَ السَّبْتِ، ولا يَعْرِضُوا لَها، وأُحِلَّتْ لَهم ما خَلا ذَلِكَ، وفي قَوْلِهِ: ﴿فَبِما نَقْضِهِمْ﴾ يَقُولُ: فَبِنَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ، ﴿وقَوْلِهِمْ قُلُوبُنا غُلْفٌ﴾ أيْ لا تَفْقَهُ، ﴿بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها﴾ يَقُولُ: لَمّا تَرَكَ القَوْمُ أمْرَ اللَّهِ، وقَتَلُوا رُسُلَهُ، وكَفَرُوا بِآياتِهِ، ونَقَضُوا المِيثاقَ الَّذِي عَلَيْهِمْ، طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ، ولَعَنَهم حِينَ فَعَلُوا ذَلِكَ. وأخْرَجَ البَزّارُ، والبَيْهَقِيُّ في (الشُّعَبِ) وضَعَّفَهُ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «(الطّابَعُ مُعَلَّقٌ بِقائِمَةِ العَرْشِ، فَإذا انْتُهِكَتِ الحُرْمَةُ، وعُمِلَ بِالمَعاصِي، واجْتُرِئَ عَلى اللَّهِ، بَعَثَ اللَّهُ الطّابَعَ فَيَطْبَعُ عَلى قَلْبِهِ، فَلا يَقْبَلُ بَعْدَ ذَلِكَ شَيْئًا») . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وقَوْلِهِمْ عَلى مَرْيَمَ بُهْتانًا عَظِيمًا﴾ قالَ: رَمَوْها بِالزِّنى. (p-٩٦)وأخْرَجَ البُخارِيُّ في (تارِيخِهِ)، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، «عَنْ عَلِيٍّ قالَ: قالَ لِي النَّبِيُّ ﷺ: (إنَّ لَكَ مِن عِيسى مَثَلًا، أبْغَضَتْهُ اليَهُودُ حَتّى بَهَتُوا أُمَّهُ، وأحَبَّتْهُ النَّصارى حَتّى أنْزَلُوهُ المَنزِلَ الَّذِي لَيْسَ لَهُ») .