Al-Durr Al-Manthur — النساء 4:157 – المائدة 5:78
المحتويات
- النساء 4:157
- النساء 4:158
- النساء 4:159
- النساء 4:160
- النساء 4:162
- النساء 4:163
- النساء 4:164
- النساء 4:165
- النساء 4:166
- النساء 4:171
- النساء 4:172
- النساء 4:173
- النساء 4:174
- النساء 4:175
- النساء 4:176
- المائدة 5:1
- المائدة 5:2
- المائدة 5:3
- المائدة 5:4
- المائدة 5:5
- المائدة 5:6
- المائدة 5:7
- المائدة 5:8
- المائدة 5:11
- المائدة 5:12
- المائدة 5:13
- المائدة 5:14
- المائدة 5:15
- المائدة 5:16
- المائدة 5:18
- المائدة 5:19
- المائدة 5:20
- المائدة 5:21
- المائدة 5:22
- المائدة 5:23
- المائدة 5:24
- المائدة 5:25
- المائدة 5:26
- المائدة 5:27
- المائدة 5:28
- المائدة 5:29
- المائدة 5:30
- المائدة 5:31
- المائدة 5:32
- المائدة 5:33
- المائدة 5:34
- المائدة 5:35
- المائدة 5:36
- المائدة 5:37
- المائدة 5:38
- المائدة 5:39
- المائدة 5:41
- المائدة 5:42
- المائدة 5:43
- المائدة 5:44
- المائدة 5:45
- المائدة 5:46
- المائدة 5:47
- المائدة 5:48
- المائدة 5:49
- المائدة 5:50
- المائدة 5:51
- المائدة 5:52
- المائدة 5:54
- المائدة 5:55
- المائدة 5:56
- المائدة 5:57
- المائدة 5:58
- المائدة 5:59
- المائدة 5:60
- المائدة 5:61
- المائدة 5:62
- المائدة 5:63
- المائدة 5:64
- المائدة 5:65
- المائدة 5:66
- المائدة 5:67
- المائدة 5:68
- المائدة 5:71
- المائدة 5:72
- المائدة 5:73
- المائدة 5:77
- المائدة 5:78
النساء 4:157
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقَوْلِهِمْ إنّا قَتَلْنا المَسِيحَ﴾ الآيَةَ.
أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: لَمّا أرادَ اللَّهُ أنْ يَرْفَعَ عِيسى إلى السَّماءِ خَرَجَ إلى أصْحابِهِ وفي البَيْتِ اثْنا عَشَرَ رَجُلًا مِنَ الحَوارِيِّينَ، فَخَرَجَ عَلَيْهِمْ مِن عَيْنِ البَيْتِ، ورَأْسُهُ يَقْطُرُ ماءً، فَقالَ: إنَّ مِنكم مَن يَكْفُرُ بِي اثْنَتَيْ عَشْرَةَ مَرَّةً بَعْدَ أنْ آمَنَ بِي، ثُمَّ قالَ: أيُّكم يُلْقى عَلَيْهِ شَبَهِي فَيُقْتَلُ مَكانِي ويَكُونُ مَعِي في دَرَجَتِي؟ فَقامَ شابٌّ مِن أحْدَثِهِمْ سِنًّا فَقالَ لَهُ: اجْلِسْ، ثُمَّ أعادَ عَلَيْهِمْ، فَقامَ الشّابُّ فَقالَ: اجْلِسْ، ثُمَّ أعادَ عَلَيْهِمْ، فَقامَ الشّابُّ فَقالَ: أنا، فَقالَ: أنْتَ ذاكَ، فَأُلْقِيَ عَلَيْهِ شَبَهُ عِيسى، ورُفِعَ عِيسى مِن رَوْزَنَةٍ في البَيْتِ إلى السَّماءِ، قالَ: وجاءَ الطَّلَبُ مِنَ اليَهُودِ، فَأخَذُوا الشَّبَهَ فَقَتَلُوهُ، ثُمَّ صَلَبُوهُ، فَكَفَرَ بِهِ بَعْضُهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ مَرَّةً، بَعْدَ أنْ آمَنَ بِهِ، وافْتَرَقُوا ثَلاثَ فِرَقٍ، فَقالَتْ طائِفَةٌ: كانَ اللَّهُ فِينا ما شاءَ، ثُمَّ صَعِدَ إلى السَّماءِ، فَهَؤُلاءِ اليَعْقُوبِيَّةُ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: كانَ فِينا ابْنُ اللَّهِ ما شاءَ، ثُمَّ رَفَعَهُ اللَّهُ إلَيْهِ. (p-٩٧)وهَؤُلاءِ النَّسْطُورِيَّةُ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: كانَ فِينا عَبْدُ اللَّهِ ورَسُولُهُ، وهَؤُلاءِ المُسْلِمُونَ، فَتَظاهَرَتِ الكافِرَتانِ عَلى المُسْلِمَةِ فَقَتَلُوها، فَلَمْ يَزَلِ الإسْلامُ طامِسًا حَتّى بَعَثَ اللَّهُ مُحَمَّدًا ﷺ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿فَآمَنَتْ طائِفَةٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ﴾ [الصف: ١٤] يَعْنِي الطّائِفَةَ الَّتِي آمَنَتْ في زَمَنِ عِيسى، ﴿وكَفَرَتْ طائِفَةٌ﴾ [الصف: ١٤] الَّتِي كَفَرَتْ في زَمَنِ عِيسى، ﴿فَأيَّدْنا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الصف: ١٤] في زَمَنِ عِيسى، بِإظْهارِ مُحَمَّدٍ دِينَهم عَلى دِينِ الكافِرِينَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ قَتادَةَ: ﴿وقَوْلِهِمْ إنّا قَتَلْنا المَسِيحَ﴾ الآيَةَ، قالَ: أُولَئِكَ أعْداءُ اللَّهِ اليَهُودُ، افْتَخَرُوا بِقَتْلِ عِيسى، وزَعَمُوا أنَّهم قَتَلُوهُ وصَلَبُوهُ، وذُكِرَ لَنا أنَّهُ قالَ لِأصْحابِهِ: أيُّكم يُقْذَفُ عَلَيْهِ شَبَهِي فَإنَّهُ مَقْتُولٌ؟ قالَ رَجُلٌ مِن أصْحابِهِ: أنا يا نَبِيَّ اللَّهِ، فَقُتِلَ ذَلِكَ الرَّجُلُ ومَنَعَ اللَّهُ نَبِيَّهُ ورَفَعَهُ إلَيْهِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿شُبِّهَ لَهُمْ﴾ قالَ: صَلَبُوا رَجُلًا غَيْرَ عِيسى، شَبَّهُوهُ بِعِيسى يَحْسَبُونَهُ إيّاهُ، ورَفَعَ اللَّهُ إلَيْهِ عِيسى حَيًّا.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿وما قَتَلُوهُ يَقِينًا﴾ قالَ: يَعْنِي لَمْ (p-٩٨)يَقْتُلُوا ظَنَّهم يَقِينًا.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مُجاهِدٍ، في الآيَةِ قالَ: ما قَتَلُوا ظَنَّهم يَقِينًا.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ مِثْلَهُ، عَنْ جُوَيْبِرٍ، والسُّدِّيِّ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وأحْمَدُ في (الزُّهْدِ)، وابْنُ عَساكِرَ مِن طَرِيقِ ثابِتٍ البُنانِيِّ، عَنْ أبِي رافِعٍ قالَ: رُفِعَ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ وعَلَيْهِ مِدْرَعَةٌ، وخُفّا راعٍ، وخَذّافَةٌ يَخْذِفُ بِها الطَّيْرَ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ في (الزُّهْدِ)، وأبُو نُعَيْمٍ، وابْنُ عَساكِرَ، مِن طَرِيقِ ثابِتٍ البُنانِيِّ عَنْ أبِي العالِيَةِ قالَ: ما تَرَكَ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ حِينَ رُفِعَ إلّا مِدْرَعَةَ صُوفٍ وخُفَّيْ راعٍ، وقَذّافَةً يَقْذِفُ بِها الطَّيْرَ.
وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ، عَنْ عَبْدِ الجَبّارِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ سَلْمانَ قالَ: أقْبَلَ عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ عَلى أصْحابِهِ لَيْلَةَ رُفِعَ، فَقالَ لَهم: لا تَأْكُلُوا بِكِتابِ اللَّهِ (p-٩٩)فَإنَّكم إنْ لَمْ تَفْعَلُوا أقْعَدَكُمُ اللَّهُ عَلى مَنابِرَ، الحَجَرُ مِنها خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيا وما فِيها، قالَ عَبْدُ الجَبّارِ: وهي المَقاعِدُ الَّتِي ذَكَرَ اللَّهُ في القُرْآنِ: ﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ [القمر: ٥٥] [القَمَرِ: ٥٥]، ورُفِعَ عَلَيْهِ السَّلامُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ وهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ قالَ: إنَّ عِيسى لَمّا أعْلَمَهُ اللَّهُ أنَّهُ خارِجٌ مِنَ الدُّنْيا جَزِعَ مِنَ المَوْتِ، وشَقَّ عَلَيْهِ، فَدَعا الحَوارِيِّينَ فَصَنَعَ لَهم طَعامًا فَقالَ: احْضُرُونِي اللَّيْلَةَ، فَإنَّ لِي إلَيْكم حاجَةً، فَلَمّا اجْتَمَعُوا إلَيْهِ مِنَ اللَّيْلَةِ عَشّاهُمْ، وقامَ يَخْدُمُهُمْ، فَلَمّا فَرَغُوا مِنَ الطَّعامِ أخَذَ يَغْسِلُ أيْدِيَهُمْ، ويُوَضِّئُهم بِيَدِهِ، ويَمْسَحُ أيْدِيَهم بِثِيابِهِ، فَتَعاظَمُوا ذَلِكَ وتَكارَهُوهُ، فَقالَ: ألا مَن رَدَّ عَلَيَّ شَيْئًا اللَّيْلَةَ مِمّا أصْنَعُ فَلَيْسَ مِنِّي، ولا أنا مِنهُ، فَأقَرُّوهُ، حَتّى إذا فَرَغَ مِن ذَلِكَ قالَ: أمّا ما صَنَعْتُ بِكُمُ اللَّيْلَةَ مِمّا خَدَمْتُكم فَلا يَتَعَظَّمْ بَعْضُكم عَلى بَعْضٍ، ولْيَبْذُلْ بَعْضُكم نَفْسَهُ لِبَعْضٍ كَما بَذَلْتُ نَفْسِي لَكُمْ، وأمّا حاجَتِي الَّتِي اسْتَعَنْتُكم عَلَيْها، فَتَدْعُونَ لِي اللَّهَ، وتَجْتَهِدُونَ في الدُّعاءِ أنْ يُؤَخِّرَ أجَلِي، فَلَمّا نَصَبُوا أنْفُسَهم لِلدُّعاءِ، وأرادُوا أنْ يَجْتَهِدُوا أخَذَهُمُ النَّوْمُ حَتّى لَمْ يَسْتَطِيعُوا دُعاءً، فَجَعَلَ يُوقِظُهم ويَقُولُ: سُبْحانَ اللَّهِ، ما تَصْبِرُونَ لِي لَيْلَةً واحِدَةً تُعِينُونِي فِيها؟ قالُوا: واللَّهِ ما نَدْرِي ما لَنا، لَقَدْ كُنّا نَسْمُرُ فَنُكْثِرُ السَّمَرَ، وما نُطِيقُ اللَّيْلَةَ سَمَرًا، وما نُرِيدُ دُعاءً إلّا حِيلَ بَيْنَنا وبَيْنَهُ، فَقالَ: يُذْهَبُ بِالرّاعِي، وتَتَفَرَّقُ الغَنَمُ، وجَعَلَ (p-١٠٠)يَأْتِي بِكَلامٍ نَحْوِ هَذا، يَنْعِي بِهِ نَفْسَهُ، ثُمَّ قالَ: الحَقُّ، لَيَكْفُرَنَّ بِي أحَدُكم قَبْلَ أنْ يَصِيحَ الدِّيكُ ثَلاثَ مَرّاتٍ، ولَيَبِيعَنِّي أحَدُكم بِدَراهِمَ يَسِيرَةٍ، ولَيَأْكُلَنَّ ثَمَنِي، فَخَرَجُوا وتَفَرَّقُوا، وكانَتِ اليَهُودُ تَطْلُبُهُ، فَأخَذُوا شَمْعُونَ أحَدَ الحَوارِيِّينَ، فَقالُوا: هَذا مِن أصْحابِهِ، فَجَحَدَ، وقالَ: ما أنا بِصاحِبِهِ، فَتَرَكُوهُ، ثُمَّ أخَذَهُ آخَرُونَ، فَجَحَدَ كَذَلِكَ، ثُمَّ سَمِعَ صَوْتَ دِيكٍ، فَبَكى وأحْزَنَهُ، فَلَمّا أصْبَحَ أتى أحَدُ الحَوارِيِّينَ إلى اليَهُودِ، فَقالَ: ما تَجْعَلُونَ لِي إنْ دَلَلْتُكم عَلى المَسِيحِ؟ فَجَعَلُوا لَهُ ثَلاثِينَ دِرْهَمًا، فَأخَذَها، ودَلَّهم عَلَيْهِ، وكانَ شُبِّهَ عَلَيْهِمْ قَبْلَ ذَلِكَ، فَأخَذُوهُ، واسْتَوْثَقُوا مِنهُ، ورَبَطُوهُ بِالحَبْلِ، فَجَعَلُوا يَقُودُونَهُ، ويَقُولُونَ: أنْتَ كُنْتَ تُحْيِي المَوْتى، وتُبْرِئُ المَجْنُونَ، أفَلا تُنْجِي نَفْسَكَ مِن هَذا الحَبْلِ؟ ويَبْصُقُونَ عَلَيْهِ ويُلْقُونَ عَلَيْهِ الشَّوْكَ، حَتّى أتَوْا بِهِ الخَشَبَةَ الَّتِي أرادُوا أنْ يَصْلُبُوهُ عَلَيْها، فَرَفَعَهُ اللَّهُ إلَيْهِ، وصَلَبُوا ما شُبِّهَ لَهُمْ، فَمَكَثَ سَبْعًا، ثُمَّ إنَّ أُمَّهُ والمَرْأةَ الَّتِي كانَ يُداوِيها عِيسى فَأبْرَأها اللَّهُ مِنَ الجُنُونِ جاءَتا تَبْكِيانِ حَيْثُ المَصْلُوبُ، فَجاءَهُما عِيسى، فَقالَ: عَلامَ تَبْكِيانِ؟ قالَتا: عَلَيْكَ، قالَ: إنِّي قَدْ رَفَعَنِي اللَّهُ إلَيْهِ، ولَمْ يُصِبْنِي إلّا خَيْرٌ، وإنَّ هَذا شَيْءٌ شُبِّهَ (p-١٠١)لَهُمْ، فَأْمُرا الحَوارِيِّينَ أنْ يَلْقَوْنِي إلى مَكانِ كَذا وكَذا، فَلَقُوهُ إلى ذَلِكَ المَكانِ أحَدَ عَشَرَ، وفُقِدَ الَّذِي كانَ باعَهُ ودَلَّ عَلَيْهِ اليَهُودَ، فَسَألَ عَنْهُ أصْحابَهُ، فَقالُوا: إنَّهُ نَدِمَ عَلى ما صَنَعَ فاخْتَنَقَ وقَتَلَ نَفْسَهُ، قالَ: لَوْ تابَ تابَ اللَّهُ عَلَيْهِ، ثُمَّ سَألَهم عَنْ غُلامٍ يَتْبَعُهُمْ، يُقالُ لَهُ: يُحَنّا، فَقالَ: هو مَعَكُمْ، فانْطَلِقُوا، فَإنَّهُ سَيُصْبِحُ كُلُّ إنْسانٍ مِنكم يُحَدِّثُ بِلُغَةِ قَوْمٍ، فَلْيُنْذِرْهم ولْيَدْعُهم.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ وهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ قالَ: إنَّ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ سَيّاحًا، فَمَرَّ عَلى امْرَأةٍ يَسْتَقِي فَقالَ: اسْقِينِي مِن مائِكِ الَّذِي مَن شَرِبَ مِنهُ ماتَ، وأسْقِيكِ مِن مائِي الَّذِي مَن شَرِبَ مِنهُ حَيِيَ، قالَ: وصادَفَ امْرَأةً حَكِيمَةً فَقالَتْ لَهُ: أما تَكْتَفِي بِمائِكَ الَّذِي مَن شَرِبَ مِنهُ حَيِيَ، عَنْ مائِي الَّذِي مَن شَرِبَ مِنهُ ماتَ؟ قالَ: إنَّ ماءَكِ عاجِلٌ ومائِي آجِلٌ، قالَتْ: لَعَلَّكَ هَذا الرَّجُلُ الَّذِي يُقالُ لَهُ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ؟ قالَ: فَإنِّي أنا هُوَ، وأنا أدْعُوكِ إلى عِبادَةِ اللَّهِ، وتَرْكِ ما تَعْبُدِينَ مِن دُونِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، قالَتْ: فَأْتِنِي عَلى ما تَقُولُ بِبُرْهانٍ، قالَ: بُرْهانُ ذَلِكَ أنْ تَرْجِعِي إلى زَوْجِكِ فَيُطَلِّقَكِ، قالَتْ: إنَّ في هَذا لَآيَةً بَيِّنَةً، ما في بَنِي إسْرائِيلَ امْرَأةٌ أكْرَمُ عَلى زَوْجِها مِنِّي، (p-١٠٢)ولَئِنْ كانَ كَما تَقُولُ إنِّي لَأعْرِفُ أنَّكَ صادِقٌ، قالَ: فَرَجَعَتْ إلى زَوْجِها، وزَوْجُها شابٌّ غَيُورٌ، فَقالَ: ما بَطُؤَ بِكِ؟ قالَتْ: مَرَّ عَلَيَّ رَجُلٌ، فَأرادَتْ أنْ تُخْبِرَهُ عَنْ عِيسى، فاحْتَمَلَتْهُ الغَيْرَةُ، فَطَلَّقَها، فَقالَتْ: لَقَدْ صَدَقَنِي صاحِبِي، فَخَرَجَتْ تَتْبَعُ عِيسى، وقَدْ آمَنَتْ بِهِ، فَأتى عِيسى ومَعَهُ سَبْعَةٌ وعِشْرُونَ مِنَ الحَوارِيِّينَ في بَيْتٍ، وأحاطُوا بِهِمْ، فَدَخَلُوا عَلَيْهِمْ، وقَدْ صَوَّرَهُمُ اللَّهُ عَلى صُورَةِ عِيسى، فَقالُوا: قَدْ سَحَرْتُمُونا، لَتُبْرِزُنَّ لَنا عِيسى أوْ لَنَقْتُلَنَّكم جَمِيعًا، فَقالَ عِيسى لِأصْحابِهِ: مَن يَشْتَرِي مِنكم نَفْسَهُ بِالجَنَّةِ؟ فَقالَ رَجُلٌ مِنَ القَوْمِ: أنا، فَأخَذُوهُ، فَقَتَلُوهُ، وصَلَبُوهُ، فَمِن ثَمَّ شُبِّهَ لَهُمْ، وظَنُّوا أنَّهم قَدْ قَتَلُوا عِيسى، وصَلَبُوهُ، وظَنَّتِ النَّصارى مِثْلَ ذَلِكَ، ورَفَعَ اللَّهُ عِيسى مِن يَوْمِهِ ذَلِكَ، فَبَلَغَ المَرْأةَ أنَّ عِيسى قَدْ قُتِلَ وصُلِبَ، فَجاءَتْ حَتّى بَنَتْ مَسْجِدًا إلى أصْلِ شَجَرَتِهِ، فَجَعَلَتْ تُصَلِّي، وتَبْكِي عَلى عِيسى، فَسَمِعْتُ صَوْتًا مِن فَوْقِها، صَوْتَ عِيسى، لا تُنْكِرُهُ: أيْ فُلانَةُ، إنَّهم واللَّهِ ما قَتَلُونِي، وما صَلَبُونِي، ولَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ، وآيَةُ ذَلِكَ أنَّ الحَوارِيِّينَ يَجْتَمِعُونَ اللَّيْلَةَ في بَيْتِكِ، فَيَفْتَرِقُونَ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ فِرْقَةً، كُلُّ فِرْقَةٍ مِنهم تَدْعُو قَوْمًا إلى دِينِ اللَّهِ، فَلَمّا أمْسَوُا اجْتَمَعُوا في بَيْتِها، فَقالَتْ لَهم: إنِّي سَمِعْتُ اللَّيْلَةَ شَيْئًا أُحَدِّثُكم بِهِ، وعَسى أنْ تُكَذِّبُونِي وهو الحَقُّ، سَمِعْتُ صَوْتَ عِيسى، وهو يَقُولُ: يا فُلانَةُ، إنِّي واللَّهِ ما قُتِلْتُ، ولا صُلِبْتُ، وآيَةُ ذَلِكَ أنَّكم تَجْتَمِعُونَ اللَّيْلَةَ في بَيْتِي، فَتَفْتَرِقُونَ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ فِرْقَةً، فَقالُوا: إنَّ الَّذِي سَمِعْتِ كَما سَمِعْتِ، فَإنَّ عِيسى لَمْ يُقْتَلْ، ولَمْ يُصْلَبْ، إنَّما قُتِلَ فُلانٌ وصُلِبَ، (p-١٠٣)وما اجْتَمَعْنا في بَيْتِكِ إلّا لِما قالَ، نُرِيدُ أنْ نَخْرُجَ دُعاةً في الأرْضِ، فَكانَ مِمَّنْ تَوَجَّهَ إلى الرُّومِ نَسْطُورُ، وصاحِبانِ لَهُ، فَأمّا صاحِباهُ فَخَرَجا، وأمّا نَسْطُورُ فَحَبَسَهُ حاجَةٌ لَهُ، فَقالَ لَهُما: ارْفُقا ولا تَخْرِقا، ولا تَسْتَبْطِئانِي في شَيْءٍ، فَلَمّا قَدِما الكُورَةَ الَّتِي أرادا قَدِما في يَوْمِ عِيدِهِمْ، وقَدْ بَرَزَ مَلِكُهم وبَرَزَ مَعَهُ أهْلُ مَمْلَكَتِهِ، فَأتاهُ الرَّجُلانِ، فَقاما بَيْنَ يَدَيْهِ، فَقالا لَهُ: اتَّقِ اللَّهَ، فَإنَّكم تَعْمَلُونَ بِمَعاصِي اللَّهِ، وتَنْتَهِكُونَ حُرَمَ اللَّهِ، مَعَ ما شاءَ اللَّهُ أنْ يَقُولا، قالَ: فَأسِفَ المَلِكُ وهَمَّ بِقَتْلِهِما، فَقامَ إلَيْهِ نَفَرٌ مِن أهْلِ مَمْلَكَتِهِ، فَقالُوا: إنَّ هَذا يَوْمٌ لا نُهْرِيقُ فِيهِ الدِّماءَ، وقَدْ ظَفِرْتَ بِصاحِبَيْكَ، فَإنْ أحْبَبْتَ أنْ تَحْبِسَهُما حَتّى يَمْضِيَ عِيدُنا، ثُمَّ تَرى فِيهِما رَأْيَكَ فَعَلْتَ، فَأمَرَ بِحَبْسِهِما، ثُمَّ ضُرِبَ عَلى أُذُنِهِ بِالنِّسْيانِ لَهُما، حَتّى قَدِمَ نَسْطُورُ، فَسَألَ عَنْهُما، فَأُخْبِرَ بِشَأْنِهِما وأنَّهُما مَحْبُوسانِ في السِّجْنِ، فَدَخَلَ عَلَيْهِما فَقالَ: ألَمْ أقُلْ لَكُما: ارْفُقا ولا تَخْرِقا، ولا تَسْتَبْطِئانِي في شَيْءٍ؟ هَلْ تَدْرِيانِ ما مَثَلُكُما؟ مَثَلُكُما مَثَلُ امْرَأةٍ لَمْ تُصِبْ ولَدًا حَتّى دَخَلَتْ في السِّنِّ، فَأصابَتْ بَعْدَما دَخَلَتْ في السِّنِّ ولَدًا، فَأحَبَّتْ أنْ تُعَجِّلَ شَبابَهُ لِتَنْتَفِعَ بِهِ، فَحَمَلَتْ عَلى مَعِدَتِهِ ما لا تُطِيقُ فَقَتَلَتْهُ، ثُمَّ قالَ لَهُما: والآنَ فَلا تَسْتَبْطِئانِي في شَيْءٍ، ثُمَّ خَرَجَ، فانْطَلَقَ حَتّى أتى بابَ المَلِكِ، وكانَ إذا جَلَسَ النّاسُ وضَعَ سَرِيرَهُ، وجَلَسَ النّاسُ سُمُطًا بَيْنَ يَدَيْهِ، وكانُوا إذا (p-١٠٤)ابْتُلُوا بِحَلالٍ أوْ حَرامٍ، رَفَعُوا إلَيْهِ، فَنَظَرَ فِيهِ، ثُمَّ سَألَ عَنْهُ مَن يَلِيهِ في مَجْلِسِهِ، وسَألَ النّاسُ بَعْضُهم بَعْضًا حَتّى تَنْتَهِيَ المَسْألَةُ إلى أقْصى المَجْلِسِ، وجاءَ نَسْطُورُ حَتّى جَلَسَ في أقْصى القَوْمِ، فَلَمّا رَدُّوا عَلى المَلِكِ جَوابَ مَن أجابَهُ، ورَدُّوا عَلَيْهِ جَوابَ نَسْطُورَ، فَسَمِعَ بِشَيْءٍ عَلَيْهِ نُورٌ، وحَلا في مَسامِعِهِ، فَقالَ: مَن صاحِبُ هَذا القَوْلِ؟ فَقِيلَ: الرَّجُلُ الَّذِي في أقْصى القَوْمِ، فَقالَ: عَلَيَّ بِهِ، فَقالَ: أنْتَ القائِلُ كَذا وكَذا؟ قالَ: نَعَمْ، قالَ: فَما تَقُولُ في كَذا وكَذا؟ قالَ: كَذا وكَذا، فَجَعَلَ لا يَسْألُهُ عَنْ شَيْءٍ إلّا فَسَّرَهُ لَهُ، فَقالَ: عِنْدَكَ هَذا العِلْمُ وأنْتَ تَجْلِسُ في آخِرِ القَوْمِ! ضَعُوا لَهُ عِنْدَ سَرِيرِي مَجْلِسًا، ثُمَّ قالَ: إنْ أتاكَ ابْنِي فَلا تَقُمْ لَهُ عَنْهُ، ثُمَّ أقْبَلَ عَلى نَسْطُورَ، وتَرَكَ النّاسَ، فَلَمّا عَرَفَ أنَّ مَنزِلَتَهُ قَدْ تَثَبَّتَتْ قالَ: لَأزُورَنَّهُ، فَقالَ: أيُّها المَلِكُ، رَجُلٌ بَعِيدُ الدّارِ بَعِيدُ الضَّيْعَةِ، فَإنْ أحْبَبْتَ أنْ تَقْضِيَ حاجَتَكَ مِنِّي وتَأْذَنَ لِي فَأنْصَرِفَ إلى أهْلِي، فَقالَ: يا نَسْطُورُ، لَيْسَ إلى ذَلِكَ سَبِيلٌ، فَإنْ أحْبَبْتَ أنْ تَحْمِلَ أهْلَكَ إلَيْنا فَلَكَ المُواساةُ، وإنْ أحْبَبْتَ أنْ تَأْخُذَ مِن بَيْتِ المالِ حاجَتَكَ فَتَبْعَثَ بِهِ إلى أهْلِكَ فَعَلْتَ فَسَكَتَ نَسْطُورُ، ثُمَّ تَحَيَّنَ يَوْمًا ماتَ لَهم فِيهِ مَيِّتٌ، فَقالَ: أيُّها المَلِكُ، بَلَغَنِي أنَّ رَجُلَيْنِ أتَياكَ يَعِيبانِ دِينَكَ، قالَ: فَذَكَرَهُما، فَأرْسَلَ إلَيْهِما فَقالَ: يا نَسْطُورُ، أنْتَ حَكَمٌ بَيْنِي وبَيْنَهُما، ما قُلْتَ مِن شَيْءٍ رَضِيتُ، قالَ: نَعَمْ (p-١٠٥)أيُّها المَلِكُ، هَذا مَيِّتٌ قَدْ ماتَ في بَنِي إسْرائِيلَ، فَمُرْهُما حَتّى يَدْعُوا رَبَّهُما فَيُحْيِيهِ لَهُما، فَفي ذَلِكَ آيَةٌ بَيِّنَةٌ، قالَ: فَأُتِيَ بِالمَيِّتِ، فَوُضِعَ عِنْدَهُ، فَقاما وتَوَضَّآ، ودَعَوا رَبَّهُما، فَرَدَّ عَلَيْهِ رُوحَهُ، وتَكَلَّمَ، فَقالَ: أيُّها المَلِكُ، إنَّ في هَذِهِ الآيَةِ بَيِّنَةً، ولَكِنْ مُرْهُما بِغَيْرِها، اجْمَعْ أهْلَ مَمْلَكَتِكَ، ثُمَّ قُلْ لِآلِهَتِكَ، فَإنْ كانَتْ تَقْدِرُ أنْ تَضُرَّ هَذَيْنِ فَلَيْسَ أمْرُهُما بِشَيْءٍ، وإنْ كانَ هَذانِ يَقْدِرانِ أنْ يَضُرّا آلِهَتَكَ فَأمْرُهُما قَوِيٌّ، فَجَمَعَ المَلِكُ أهْلَ مَمْلَكَتِهِ ودَخَلَ البَيْتَ الَّذِي فِيهِ الآلِهَةُ، فَخَرَّ ساجِدًا هو ومَن مَعَهُ مِن أهْلِ مَمْلَكَتِهِ، وخَرَّ نَسْطُورُ ساجِدًا وقالَ: اللَّهُمَّ إنِّي أسْجُدُ لَكَ، وأكِيدُ هَذِهِ الآلِهَةَ أنْ تُعْبَدَ مِن دُونِكَ، ثُمَّ رَفَعَ المَلَكُ رَأْسَهُ فَقالَ: إنَّ هَذَيْنِ يُرِيدانِ أنْ يُبَدِّلا دِينَكم ويَدْعُوا إلى إلَهِ غَيْرِكُمْ، فافْقَئُوا أعْيُنَهُما أوْ جَذِّمُوهُما، أوْ شُلُّوهُما، فَلَمْ تَرُدَّ عَلَيْهِ الآلِهَةُ شَيْئًا، وقَدْ كانَ نَسْطُورُ أمَرَ صاحِبَيْهِ أنْ يَحْمِلا مَعَهُما فَأْسًا، فَقالَ: أيُّها المَلِكُ، قُلْ لِهَذَيْنِ: أيَقْدِرانِ أنْ يَضُرّا آلِهَتَكَ، قالَ: أتَقْدِرانِ عَلى أنْ تَضُرّا آلِهَتَنا؟ قالا: خَلِّ بَيْنَنا وبَيْنَها، فَأقْبَلا عَلَيْها فَكَسَراها، فَقالَ نَسْطُورُ: أمّا أنا فَآمَنتُ بِرَبِّ هَذَيْنِ، وقالَ المَلِكُ: وأنا آمَنتُ بِرَبِّ هَذَيْنِ، وقالَ جَمِيعُ النّاسِ: آمَنّا بِرَبِّ هَذَيْنِ، فَقالَ نَسْطُورُ لِصاحِبَيْهِ: هَكَذا الرِّفْقُ.
النساء 4:158
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾
(p-١٠٦)وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وكانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ قالَ: مَعْنى ذَلِكَ أنَّهُ كَذَلِكَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أنَّ يَهُودِيًّا قالَ لَهُ: إنَّكم تَزْعُمُونَ أنَّ اللَّهَ كانَ عَزِيزًا حَكِيمًا، فَكَيْفَ هو اليَوْمَ؟ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إنَّهُ كانَ مِن نَفْسِهِ عَزِيزًا حَكِيمًا.
النساء 4:159
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنْ مِن أهْلِ الكِتابِ﴾ الآيَةَ.
أخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وإنْ مِن أهْلِ الكِتابِ إلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ قالَ: خُرُوجُ عِيسى ابْنِ مَرْيَمَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، مِن طُرُقٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وإنْ مِن أهْلِ الكِتابِ إلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ قالَ: قَبْلَ مَوْتِ عِيسى.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في الآيَةِ قالَ: يَعْنِي أنَّهُ سَيُدْرِكُ أُناسٌ مِن أهْلِ الكِتابِ حِينَ يُبْعَثُ عِيسى، سَيُؤْمِنُونَ بِهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وإنْ مِن أهْلِ (p-١٠٧)الكِتابِ﴾ قالَ: اليَهُودُ خاصَّةً ﴿إلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ قالَ: قَبْلَ مَوْتِ اليَهُودِيِّ.
وأخْرَجَ الطَّيالِسِيُّ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وإنْ مِن أهْلِ الكِتابِ إلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ قالَ: هي في قِراءَةِ أُبَيٍّ: (قَبْلَ مَوْتِهِمْ)، قالَ: لَيْسَ يَهُودِيٌّ أبَدًا حَتّى يُؤْمِنَ بِعِيسى، قِيلَ لِابْنِ عَبّاسٍ: أرَأيْتَ إنْ خَرَّ مِن فَوْقِ بَيْتٍ؟ قالَ: يَتَكَلَّمُ بِهِ في الهُوِيِّ، فَقِيلَ: أرَأيْتَ إنْ ضُرِبَ عُنُقُ أحَدِهِمْ؟ قالَ: يَتَلَجْلَجُ بِها لِسانُهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: لَوْ ضُرِبَتْ عُنُقُهُ لَمْ تَخْرُجْ نَفْسُهُ حَتّى يُؤْمِنَ بِعِيسى.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: لا (p-١٠٨)يَمُوتُ يَهُودِيٌّ حَتّى يَشْهَدَ أنَّ عِيسى عَبْدُ اللَّهِ ورَسُولُهُ ولَوْ عُجِلَ عَلَيْهِ بِالسِّلاحِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿وإنْ مِن أهْلِ الكِتابِ إلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ قالَ: لَوْ أنَّ يَهُودِيًّا أُلْقِيَ مِن فَوْقِ قَصْرٍ ما خَلَصَ إلى الأرْضِ حَتّى يُؤْمِنَ أنَّ عِيسى عَبْدُ اللَّهِ ورَسُولُهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في الآيَةِ قالَ: لا يَمُوتُ يَهُودِيٌّ حَتّى يُؤْمِنَ بِعِيسى، قِيلَ: وإنْ ضُرِبَ بِالسَّيْفِ؟ قالَ: يَتَكَلَّمُ بِهِ، قِيلَ: وإنْ هَوى؟ قالَ: يَتَكَلَّمُ بِهِ وهو يَهْوِي.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ أبِي هاشِمٍ، وعُرْوَةَ، قالا: في مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: (وإنْ مِن أهْلِ الكِتابِ إلّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِمْ) .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ في قَوْلِهِ: ﴿وإنْ مِن أهْلِ الكِتابِ إلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ، هو ابْنُ الحَنَفِيَّةِ، قالَ: لَيْسَ مِن أهْلِ الكِتابِ أحَدٌ إلّا أتَتْهُ المَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وجْهَهُ ودُبُرَهُ، ثُمَّ يُقالُ: يا عَدُوَّ اللَّهِ، إنَّ عِيسى رُوحُ اللَّهِ وكَلِمَتُهُ، كَذَبْتَ عَلى اللَّهِ، وزَعَمْتَ أنَّهُ اللَّهُ، إنَّ عِيسى لَمْ يَمُتْ، وإنَّهُ رُفِعَ إلى السَّماءِ، وهو نازِلٌ قَبْلَ أنْ تَقُومَ السّاعَةُ، فَلا يَبْقى يَهُودِيٌّ ولا نَصْرانِيٌّ إلّا آمَنَ بِهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ قالَ: قالَ لِي الحَجّاجُ: يا شَهْرُ، آيَةٌ (p-١٠٩)مِن كِتابِ اللَّهِ ما قَرَأْتُها إلّا اعْتَرَضَ في نَفْسِي مِنها شَيْءٌ قالَ اللَّهُ: ﴿وإنْ مِن أهْلِ الكِتابِ إلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ وإنِّي أُوتى بِالأُسارى فَأضْرِبُ أعْناقَهم ولا أسْمَعُهم يَقُولُونَ شَيْئًا؟ فَقُلْتُ: رُفِعَتْ إلَيْكَ عَلى غَيْرِ وجْهِها، وإنَّ النَّصْرانِيَّ إذا خَرَجَتْ رُوحُهُ ضَرَبَتْهُ المَلائِكَةُ مِن قُبُلِهِ، ومِن دُبُرِهِ، وقالُوا: أيْ خَبِيثُ، إنَّ المَسِيحَ الَّذِي زَعَمْتَ أنَّهُ اللَّهُ، أوِ ابْنُ اللَّهِ، أوْ ثالِثُ ثَلاثَةٍ، عَبْدُ اللَّهِ، ورُوحُهُ، وكَلِمَتُهُ، فَيُؤْمِنُ حِينَ لا يَنْفَعُهُ إيمانُهُ، وإنَّ اليَهُودِيَّ إذا خَرَجَتْ نَفْسُهُ ضَرَبَتْهُ المَلائِكَةُ مِن قُبُلِهِ، ومِن دُبُرِهِ، وقالُوا: أيْ خَبِيثُ، إنَّ المَسِيحَ الَّذِي زَعَمْتَ أنَّكَ قَتَلْتَهُ، عَبْدُ اللَّهِ، ورُوحُهُ، فَيُؤْمِنُ بِهِ حِينَ لا يَنْفَعُهُ الإيمانُ، فَإذا كانَ عِنْدَ نُزُولِ عِيسى آمَنَتْ بِهِ أحْياؤُهم كَما آمَنَتْ بِهِ مَوْتاهُمْ، فَقالَ: مِن أيْنَ أخَذْتَها؟ فَقُلْتُ: مِن مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ، قالَ: لَقَدْ أخَذْتَها مِن مَعْدِنِها، قالَ شَهْرٌ: وايْمُ اللَّهِ، ما حَدَّثَنِيهِ إلّا أُمُّ سَلَمَةَ، ولَكِنِّي أحْبَبْتُ أنْ أغِيظَهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وإنْ مِن أهْلِ الكِتابِ إلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ قالَ: إذا نَزَلَ آمَنَتْ بِهِ الأدْيانُ كُلُّها، ﴿ويَوْمَ القِيامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾ أنَّهُ قَدْ بَلَّغَ رِسالَةَ رَبِّهِ وأقَرَّ عَلى نَفْسِهِ بِالعُبُودِيَّةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ زَيْدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وإنْ مِن أهْلِ الكِتابِ إلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ قالَ: إذا نَزَلَ عِيسى فَقَتَلَ الدَّجّالَ لَمْ يَبْقَ يَهُودِيٌّ في الأرْضِ إلّا آمَنَ بِهِ، فَذَلِكَ حِينَ لا يَنْفَعُهُمُ الإيمانُ.
(p-١١٠)وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ أبِي مالِكٍ: ﴿وإنْ مِن أهْلِ الكِتابِ إلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾
قالَ: ذَلِكَ عِنْدَ نُزُولِ عِيسى ابْنِ مَرْيَمَ، لا يَبْقى أحَدٌ مِن أهْلِ الكِتابِ إلّا آمَنَ بِهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ الحَسَنِ: ﴿وإنْ مِن أهْلِ الكِتابِ إلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ قالَ: قَبْلَ مَوْتِ عِيسى، واللَّهِ إنَّهُ الآنَ حَيٌّ عِنْدَ اللَّهِ، ولَكِنْ إذا نَزَلَ آمَنُوا بِهِ أجْمَعُونَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الحَسَنِ، أنَّ رَجُلًا سَألَهُ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿وإنْ مِن أهْلِ الكِتابِ إلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ قالَ: قَبْلَ مَوْتِ عِيسى، إنَّ اللَّهَ رَفَعَ إلَيْهِ عِيسى وهو باعِثُهُ قَبْلَ يَوْمِ القِيامَةِ مَقامًا يُؤْمِنُ بِهِ البَرُّ والفاجِرُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والبُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «(والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَيُوشِكَنَّ أنْ يَنْزِلَ فِيكُمُ ابْنُ مَرْيَمَ حُكَمًا عَدْلًا، فَيَكْسِرَ الصَّلِيبَ، ويَقْتُلَ الخِنْزِيرَ، ويَضَعَ الجِزْيَةَ، ويَفِيضَ المالُ حَتّى لا يَقْبَلَهُ أحَدٌ، حَتّى تَكُونَ السَّجْدَةُ خَيْرًا مِنَ الدُّنْيا وما فِيها)، ثُمَّ يَقُولُ أبُو هُرَيْرَةَ: واقْرَءُوا إنْ شِئْتُمْ: ﴿وإنْ مِن أهْلِ الكِتابِ إلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ ويَوْمَ القِيامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾ [النساء»: ١٥٩] .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «(يُوشِكُ أنْ (p-١١١)يَنْزِلَ فِيكُمُ ابْنُ مَرْيَمَ حَكَمًا عَدْلًا، يَقْتُلُ الدَّجّالَ، ويَقْتُلُ الخِنْزِيرَ، ويَكْسِرُ الصَّلِيبَ، ويَضَعُ الجِزْيَةَ، ويَفِيضُ المالُ، وتَكُونُ السَّجْدَةُ واحِدَةً لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ)، قالَ أبُو هُرَيْرَةَ: واقْرَءُوا إنْ شِئْتُمْ: ﴿وإنْ مِن أهْلِ الكِتابِ إلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ قَبْلَ مَوْتِ عِيسى ابْنِ مَرْيَمَ، ثُمَّ يُعِيدُها أبُو هُرَيْرَةَ ثَلاثَ مَرّاتٍ» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ عَساكِرَ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «(يَنْزِلُ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ، فَيَقْتُلُ الخِنْزِيرَ، ويَمْحِي الصَّلِيبَ، ويُجْمَعُ لَهُ الصَّلاةُ، ويُعْطِي المالَ حَتّى لا يُقْبَلَ، ويَضَعُ الخَراجَ، ويَنْزِلُ الرَّوْحاءَ، فَيَحُجُّ مِنها، أوْ يَعْتَمِرُ، أوْ يَجْمَعُهُما)، قالَ: وتَلا أبُو هُرَيْرَةَ: ﴿وإنْ مِن أهْلِ الكِتابِ إلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ ويَوْمَ القِيامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾ قالَ أبُو هُرَيْرَةَ: يُؤْمِنُ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ، مَوْتِ عِيسى» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، ومُسْلِمٌ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «(لَيُهِلَنَّ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ بِفَجِّ الرَّوْحاءِ بِالحَجِّ، أوْ بِالعُمْرَةِ، أوْ لَيَثْنِيَنَّهُما (p-١١٢)جَمِيعًا») .
وأخْرَجَ أحْمَدُ، والبُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، والبَيْهَقِيُّ في (الأسْماءِ والصِّفاتِ)، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «(كَيْفَ أنْتُمْ إذا نَزَلَ فِيكُمُ ابْنُ مَرْيَمَ، وإمامُكم مِنكُمْ»؟) .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأحْمَدُ، وأبُو داوُدَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ حِبّانَ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «(الأنْبِياءُ إخْوَةٌ لِعَلّاتٍ، أُمَّهاتُهم شَتّى، ودِينُهم واحِدٌ، وإنِّي أوْلى النّاسِ بِعِيسى ابْنِ مَرْيَمَ، لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ بَيْنِي وبَيْنَهُ نَبِيٌّ، وإنَّهُ خَلِيفَتِي عَلى أُمَّتِي، وإنَّهُ نازِلٌ، فَإذا رَأيْتُمُوهُ فاعْرِفُوهُ، رَجُلٌ مَرْبُوعٌ، إلى الحُمْرَةِ والبَياضِ، عَلَيْهِ ثَوْبانِ مُمَصَّرانِ، كَأنَّ رَأْسَهُ يَقْطُرُ، وإنْ لَمْ يُصِبْهُ بَلَلٌ، فَيَدُقُّ الصَّلِيبَ، ويَقْتُلُ الخِنْزِيرَ، ويَضَعُ الجِزْيَةَ، ويَدْعُو النّاسَ إلى الإسْلامِ، ويُهْلِكُ اللَّهُ في زَمانِهِ المِلَلَ كُلَّها إلّا الإسْلامَ، ويُهْلِكُ اللَّهُ في زَمانِهِ المَسِيحَ الدَّجّالَ، ثُمَّ تَقَعُ الأمَنَةُ عَلى الأرْضِ حَتّى تَرْتَعَ الأُسُودُ مَعَ الإبِلِ، والنِّمارُ مَعَ البَقَرِ، والذِّئابُ مَعَ الغَنَمِ، وتَلْعَبُ الصِّبْيانُ بِالحَيّاتِ لا تَضُرُّهُمْ، فَيَمْكُثُ أرْبَعِينَ (p-١١٣)سَنَةً، ثُمَّ يُتَوَفّى، ويُصَلِّي عَلَيْهِ المُسْلِمُونَ ويَدْفِنُونَهُ») .
وأخْرَجَ أحْمَدُ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «(إنِّي لَأرْجُو إنْ طالَ بِي عُمْرٌ أنْ ألْقى عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ، فَإنْ عَجَّلَ بِي مَوْتٌ، فَمَن لَقِيَهُ مِنكم فَلْيُقْرِئْهُ مِنِّي السَّلامَ») .
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «(ألا إنَّ عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ لَيْسَ بَيْنِي وبَيْنَهُ نَبِيٌّ ولا رَسُولٌ، ألا إنَّهُ خَلِيفَتِي في أُمَّتِي مِن بَعْدِي، ألا إنَّهُ يَقْتُلُ الدَّجّالَ، ويَكْسِرُ الصَّلِيبَ، ويَضَعُ الجِزْيَةَ، وتَضَعُ الحَرْبُ أوْزارَها، ألا مَن أدْرَكَهُ مِنكم فَلْيَقْرَأْ عَلَيْهِ السَّلامَ») .
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، وابْنُ عَساكِرَ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «(يَنْزِلُ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ، فَيَمْكُثُ في النّاسِ أرْبَعِينَ سَنَةً») .
وأخْرَجَ أحْمَدُ، وابْنُ عَساكِرَ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «(يَنْزِلُ ابْنُ مَرْيَمَ إمامًا عادِلًا وحَكَمًا مُقْسِطًا، فَيَكْسِرُ الصَّلِيبَ، ويَقْتُلُ الخِنْزِيرَ، ويُرْجِعُ السِّلْمَ، ويَتَّخِذُ السُّيُوفَ مَناجِلَ، وتَذْهَبُ حُمَةُ (p-١١٤)كُلِّ ذاتِ حُمَةٍ، وتُنْزِلُ السَّماءُ رِزْقَها، وتُخْرِجُ الأرْضُ بَرَكَتَها، حَتّى يَلْعَبَ الصَّبِيُّ بِالثُّعْبانِ ولا يَضُرُّهُ، ويُراعِيَ الغَنَمَ الذِّئْبُ ولا يَضُرُّها، ويُراعِيَ الأسَدُ البَقَرَ ولا يَضُرُّها») .
وأخْرَجَ أحْمَدُ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ عَساكِرَ، عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «(إنَّ الدَّجّالَ خارِجٌ، وهو أعْوَرُ عَيْنِ الشِّمالِ، عَلَيْها ظَفَرَةٌ غَلِيظَةٌ، وإنَّهُ يُبْرِئُ الأكْمَهُ والأبْرَصُ، ويُحْيِي المَوْتى، ويَقُولُ: أنا رَبُّكُمْ، فَمَن قالَ: أنْتَ رَبِّي، فَقَدْ فُتِنَ، ومَن قالَ: رَبِّيَ اللَّهُ حَيٌّ لا يَمُوتُ، فَقَدْ عُصِمَ مِن فِتْنَتِهِ، ولا فِتْنَةَ عَلَيْهِ ولا عَذابَ، فَيَلْبَثُ في الأرْضِ ما شاءَ اللَّهُ، ثُمَّ يَجِيءُ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ مِنَ المَغْرِبِ، ولَفْظُ الطَّبَرانِيِّ: مِنَ المَشْرِقِ، مُصَدِّقًا بِمُحَمَّدٍ، وعَلى مِلَّتِهِ، فَيَقْتُلُ الدَّجّالَ، ثُمَّ إنَّما هو قِيامُ السّاعَةِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأحْمَدُ، وأبُو يَعْلى، وابْنُ عَساكِرَ، عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: «دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وأنا أبْكِي فَقالَ: (ما يُبْكِيكِ؟) قُلْتُ: (p-١١٥)يا رَسُولَ اللَّهِ، ذَكَرْتُ الدَّجّالَ فَبَكَيْتُ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (إنْ يَخْرُجِ الدَّجّالُ وأنا حَيٌّ كَفَيْتُكُمُوهُ، وإنْ يَخْرُجْ بَعْدِي فَإنَّ رَبَّكم لَيْسَ بِأعْوَرَ، إنَّهُ يَخْرُجُ في يَهُودِيَّةِ أصْبَهانَ حَتّى يَأْتِيَ المَدِينَةَ، فَيَنْزِلَ ناحِيَتَها، ولَها يَوْمَئِذٍ سَبْعَةُ أبْوابٍ، عَلى كُلِّ نَقْبٍ مِنها مَلِكانِ، فَيَخْرُجُ إلَيْهِ شِرارُ أهْلِها، حَتّى يَأْتِيَ الشّامَ مَدِينَةً بِفِلَسْطِينَ، بابَ لُدٍّ، فَيَنْزِلَ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ فَيَقْتُلَهُ، ثُمَّ يَمْكُثُ عِيسى في الأرْضِ أرْبَعِينَ سَنَةً، إمامًا عادِلًا وحَكَمًا مُقْسِطًا») .
وأخْرَجَ أحْمَدُ، عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «(يَخْرُجُ الدَّجّالُ في خَفْقَةٍ مِنَ الدِّينِ، وإدْبارٍ مِنَ العِلْمِ، فَلَهُ أرْبَعُونَ لَيْلَةً يَسِيحُها في الأرْضِ، اليَوْمُ مِنها كالسَّنَةِ، واليَوْمُ مِنها كالشَّهْرِ، واليَوْمُ مِنها كالجُمُعَةِ، ثُمَّ سائِرُ أيّامِهِ كَأيّامِكم هَذِهِ، ولَهُ حِمارٌ يَرْكَبُهُ، عَرْضُ ما بَيْنَ أُذُنَيْهِ أرْبَعُونَ ذِراعًا، فَيَقُولُ لِلنّاسِ: أنا رَبُّكُمْ، وهو أعْوَرُ، وإنَّ رَبَّكم لَيْسَ بِأعْوَرَ، مَكْتُوبٌ بَيْنَ عَيْنَيْهِ (ك ف ر) مُهَجّاةٌ، يَقْرَؤُهُ كُلُّ مُؤْمِنٍ، كاتِبٌ وغَيْرُ كاتِبٍ، يَرِدُ كُلَّ ماءٍ ومَنهَلٍ إلّا المَدِينَةَ، ومَكَّةَ، حَرَّمَهُما اللَّهُ عَلَيْهِ، وقامَتِ المَلائِكَةُ بِأبْوابِها، ومَعَهُ جِبالٌ مِن خُبْزٍ، والنّاسُ في جَهْدٍ إلّا مَن تَبِعَهُ، ومَعَهُ نَهْرانِ، أنا أعْلَمُ بِهِما مِنهُ، نَهْرٌ يَقُولُ: الجَنَّةُ، ونَهْرٌ يَقُولُ: النّارُ، فَمَن دَخَلَ الَّذِي يُسَمِّيهِ الجَنَّةَ فَهي النّارُ، ومَن دَخَلَ الَّذِي يُسَمِّيهِ (p-١١٦)النّارَ فَهي الجَنَّةُ، وتُبْعَثُ مَعَهُ شَياطِينُ تُكَلِّمُ النّاسَ، ومَعَهُ فِتْنَةٌ عَظِيمَةٌ، يَأْمُرُ السَّماءَ فَتُمْطِرُ فِيما يَرى النّاسُ، ويَقْتُلُ نَفْسًا ثُمَّ يُحْيِيهِ، لا يُسَلَّطُ عَلى غَيْرِها مِنَ النّاسِ، فِيما يَرى النّاسُ، فَيَقُولُ لِلنّاسِ: أيُّها النّاسُ، هَلْ يَفْعَلُ مِثْلَ هَذا إلّا الرَّبُّ؟ فَيَفِرُّ المُسْلِمُونَ إلى جَبَلِ الدُّخانِ بِالشّامِ، فَيَأْتِيهِمْ فَيَحْصُرُهم فَيَشْتَدُّ حِصارُهم ويُجْهِدُهم جَهْدًا شَدِيدًا، ثُمَّ يَنْزِلُ عِيسى فَيُنادِي مِنَ السَّحَرِ فَيَقُولُ: يا أيُّها النّاسُ، ما يَمْنَعُكم أنْ تَخْرُجُوا إلى الكَذّابِ الخَبِيثِ؟ فَيَقُولُونَ: هَذا رَجُلٌ جِنِيٌّ، فَيَنْطَلِقُونَ فَإذا هم بِعِيسى، فَتُقامُ الصَّلاةُ، فَيُقالُ لَهُ: تَقَدَّمْ يا رُوحَ اللَّهِ، فَيَقُولُ: لِيَتَقَدَّمْ إمامُكم فَلْيُصَلِّ بِكُمْ، فَإذا صَلَّوُا الصُّبْحَ خَرَجُوا إلَيْهِ، فَحِينَ يَراهُ الكَذّابُ يَنْماثُ كَما يَنْماثُ المِلْحُ في الماءِ، فَيَمْشِي إلَيْهِ فَيَقْتُلُهُ، حَتّى إنَّ الشَّجَرَةَ تُنادِي: يا رُوحَ اللَّهِ، هَذا يَهُودِيٌّ، فَلا يُتْرَكُ مِمَّنْ كانَ يَتْبَعُهُ أحَدٌ إلّا قَتَلَهُ») .
وأخْرَجَ مُعْمَرٌ في (جامِعِهِ)، عَنِ الزُّهْرِيِّ، أخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ أبِي سُفْيانَ الثَّقَفِيُّ، أخْبَرَنِي رَجُلٌ مِنَ الأنْصارِ، عَنْ بَعْضِ أصْحابِ مُحَمَّدٍ ﷺ قالَ: ذَكَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الدَّجّالَ فَقالَ: «(يَأْتِي سِباخَ المَدِينَةِ، وهو مُحَرَّمٌ عَلَيْهِ أنْ يَدْخُلَها، فَتَنْتَفِضُ بِأهْلِها نَفْضَةً أوْ نَفْضَتَيْنِ، وهي الزَّلْزَلَةُ، فَيَخْرُجُ إلَيْهِ مِنها كُلُّ مُنافِقٍ ومُنافِقَةٍ، ثُمَّ يَأْتِي الدَّجّالُ قِبَلَ الشّامِ، حَتّى يَأْتِيَ بَعْضَ جِبالِ الشّامِ فَيُحاصِرَهُمْ، وبَقِيَّةُ المُسْلِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُعْتَصِمُونَ بِذُرْوَةِ جَبَلٍ، فَيُحاصِرُهم نازِلًا بِأصْلِهِ، حَتّى إذا (p-١١٧)طالَ عَلَيْهِمُ الحِصارُ، قالَ رَجُلٌ: حَتّى مَتى أنْتُمْ هَكَذا، وعَدُوُّكم نازِلٌ بِأصْلِ جَبَلِكُمْ؟ هَلْ أنْتُمْ إلّا بَيْنَ إحْدى الحُسْنَيَيْنِ، بَيْنَ أنْ تُسْتَشْهَدُوا أوْ يُظْهِرَكُمْ؟ فَيَتَبايَعُونَ عَلى القِتالِ بَيْعَةً يَعْلَمُ اللَّهُ أنَّها الصِّدْقُ مِن أنْفُسِهِمْ، ثُمَّ تَأْخُذُهم ظُلْمَةٌ لا يُبْصِرُ أحَدُهم كَفَّهُ، فَيَنْزِلُ ابْنُ مَرْيَمَ فَيَحْسُرُ عَنْ أبْصارِهِمْ، وبَيْنَ أظْهُرِهِمْ رَجُلٌ عَلَيْهِ لَأْمَةٌ، فَيَقُولُونَ: مَن أنْتَ؟ فَيَقُولُ: أنا عَبْدُ اللَّهِ ورُوحُهُ، وكَلِمَتُهُ عِيسى، اخْتارُوا إحْدى ثَلاثٍ: بَيْنَ أنْ يَبْعَثَ اللَّهُ عَلى الدَّجّالِ وجُنُودِهِ عَذابًا جَسِيمًا، أوْ يَخْسِفَ بِهِمُ الأرْضَ، أوْ يُرْسِلَ عَلَيْهِمْ سِلاحَكُمْ، ويَكُفَّ سِلاحَهُمْ، فَيَقُولُونَ: هَذِهِ يا رَسُولَ اللَّهِ، أشَفى لِصُدُورِنا، فَيَوْمَئِذٍ تَرى اليَهُودِيَّ العَظِيمَ الطَّوِيلَ الأكُولَ الشَّرُوبَ لا تُقِلُّ يَدُهُ سَيْفَهُ مِنَ الرُّعْبِ، فَيَنْزِلُونَ إلَيْهِمْ فَيُسَلَّطُونَ عَلَيْهِمْ، ويَذُوبُ الدَّجّالُ حِينَ يُدْرِكُهُ عِيسى فَيَقْتُلُهُ») .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأحْمَدُ، والطَّبَرانِيُّ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، عَنْ عُثْمانَ بْنِ أبِي العاصِي: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «(يَكُونُ لِلْمُسْلِمِينَ ثَلاثَةُ أمْصارٍ: مِصْرٌ بِمُلْتَقى البَحْرَيْنِ، ومِصْرٌ بِالجَزِيرَةِ، ومِصْرٌ بِالشّامِ، فَيَفْزَعُ النّاسُ ثَلاثَ فَزَعاتٍ، فَيَخْرُجُ الدَّجّالُ في أعْراضِ جَيْشٍ، فَيُهْزَمُ مِن قِبَلِ المَشْرِقِ، فَأوَّلُ (p-١١٨)مِصْرٍ يَرِدُهُ المِصْرُ الَّذِي بِمُلْتَقى البَحْرَيْنِ، فَيَصِيرُ أهْلُها ثَلاثَ فِرَقٍ: فِرْقَةٌ تُقِيمُ، وتَقُولُ نُشامُّهُ، نَنْظُرُ ما هُوَ، وفِرْقَةٌ تَلْحَقُ بِالأعْرابِ، وفِرْقَةٌ تَلْحَقُ بِالمِصْرِ الَّذِي يَلِيهِمْ، ومَعَ الدَّجّالِ سَبْعُونَ ألْفًا عَلَيْهِمُ السِّيجانُ، وأكْثَرُ مَن مَعَهُ اليَهُودُ، والنِّساءُ، ثُمَّ يَأْتِي المِصْرَ الَّذِي يَلِيهِمْ فَيَصِيرُ أهْلُهُ ثَلاثَ فِرَقٍ: فِرْقَةٌ تَقُولُ: نُشامُّهُ ونَنْظُرُ ما هُوَ، وفِرْقَةٌ تَلْحَقُ بِالأعْرابِ، وفِرْقَةٌ تَلْحَقُ بِالمِصْرِ الَّذِي يَلِيهِمْ، ثُمَّ يَأْتِي الشّامَ فَيَنْحازُ المُسْلِمُونَ إلى عَقَبَةِ أفِيقٍ، فَيُبْعَثُونَ بِسَرْحٍ لَهم فَيُصابُ سَرْحُهُمْ، فَيَشْتَدُّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، وتُصِيبُهم مَجاعَةٌ شَدِيدَةٌ وجَهْدٌ شَدِيدٌ، حَتّى إنَّ أحَدَهم لَيَحْرِقُ وتَرَ قَوْسِهِ فَيَأْكُلُهُ، فَبَيْنَما هم كَذَلِكَ إذْ ناداهم مُنادٍ مِنَ السَّحَرِ: أتاكُمُ الغَوْثُ أيُّها النّاسُ، ثَلاثًا، فَيَقُولُ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: إنَّ هَذا لَصَوْتُ رَجُلٍ شَبْعانَ، فَيَنْزِلُ عِيسى عِنْدَ صَلاةِ الفَجْرِ، فَيَقُولُ لَهُ أمِيرُ النّاسِ: تَقَدَّمْ يا رُوحَ اللَّهِ فَصَلِّ بِنا، فَيَقُولُ: (إنَّكم مَعْشَرُ هَذِهِ الأُمَّةِ أُمَراءُ، بَعْضُكم عَلى بَعْضٍ، تَقَدَّمْ أنْتَ فَصَلِّ بِنا، فَيَتَقَدَّمُ فَيُصَلِّي بِهِمْ، فَإذا انْصَرَفَ أخَذَ عِيسى حَرْبَتَهُ نَحْوَ الدَّجّالِ، فَإذا رَآهُ ذابَ كَما يَذُوبُ الرَّصاصُ، فَتَقَعُ حَرْبَتُهُ بَيْنَ ثُنْدُوَتِهِ فَيَقْتُلُهُ، ثُمَّ يَنْهَزِمُ (p-١١٩)أصْحابُهُ، فَلَيْسَ شَيْءٌ يَوْمَئِذٍ يَجِنُّ مِنهم أحَدًا، حَتّى إنَّ الحَجَرَ يَقُولُ: يا مُؤْمِنُ، هَذا كافِرٌ فاقْتُلْهُ، والشَّجَرُ يَقُولُ: يا مُؤْمِنُ، هَذا كافِرٌ فاقْتُلْهُ») .
وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ، عَنْ أبِي الطُّفَيْلِ قالَ: كُنْتُ بِالكُوفَةِ فَقِيلَ: قَدْ خَرَجَ الدَّجّالُ، فَأتَيْنا حُذَيْفَةَ بْنَ أسِيدٍ فَقُلْتُ: هَذا الدَّجّالُ قَدْ خَرَجَ، فَقالَ: اجْلِسْ، فَجَلَسْتُ فَنُودِيَ: إنَّها كَذْبَةُ صَبّاغٍ، فَقالَ حُذَيْفَةُ: إنَّ الدَّجّالَ لَوْ خَرَجَ زَمانَكم لَرَمَتْهُ الصِّبْيانُ بِالخَزَفِ، ولَكِنَّهُ يَخْرُجُ في نَقْصٍ مِنَ النّاسِ، وخِفَّةٍ مِنَ الدِّينِ، وسُوءِ ذاتِ بَيْنٍ، فَيَرِدُ كُلَّ مَنهَلٍ، وتُطْوى لَهُ الأرْضُ طَيَّ فَرْوَةِ الكَبْشِ، حَتّى يَأْتِيَ المَدِينَةَ فَيَغْلِبَ عَلى خارِجِها، ويُمْنَعَ داخِلَها، ثُمَّ جَبَلَ إيلْياءَ، فَيُحاصِرَ عِصابَةً مِنَ المُسْلِمِينَ، فَيَقُولُ لَهُمُ الَّذِي عَلَيْهِمْ: ما تَنْتَظِرُونَ بِهَذا الطّاغِيَةِ أنْ تُقاتِلُوهُ حَتّى تَلْحَقُوا بِاللَّهِ أوْ يُفْتَحَ لَكُمْ؟ فَيَأْتَمِرُونَ أنْ يُقاتِلُوهُ إذا أصْبَحُوا، فَيُصْبِحُونَ ومَعَهم عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ، فَيَقْتُلُ الدَّجّالَ، ويَهْزِمُ أصْحابَهُ.
وأخْرَجَ مُسْلِمٌ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «(يَخْرُجُ الدَّجّالُ فَيَلْبَثُ في أُمَّتِي ما شاءَ اللَّهُ، يَلْبَثُ أرْبَعِينَ، ولا أدْرِي، لَيْلَةً، أوْ شَهْرًا، أوْ سَنَةً، قالَ: ثُمَّ يَبْعَثُ اللَّهُ عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ كَأنَّهُ عُرْوَةُ بْنُ (p-١٢٠)مَسْعُودٍ الثَّقَفِيُّ»، فَيَطْلُبُهُ حَتّى يُهْلِكَهُ، ثُمَّ يَبْقى النّاسُ سَبْعَ سِنِينَ لَيْسَ بَيْنَ اثْنَيْنِ عَداوَةٌ، ثُمَّ يَبْعَثُ اللَّهُ رِيحًا بارِدَةً تَجِيءُ مِن قِبَلِ الشّامِ، فَلا تَدَعُ أحَدًا في قَلْبِهِ مِثْقالُ ذَرَّةٍ مِن إيمانٍ إلّا قَبَضَتْ رُوحَهُ، حَتّى لَوْ أنَّ أحَدَكم دَخَلَ في كَبِدِ جَبَلٍ لَدَخَلَتْ عَلَيْهِ حَتّى تَقْبِضَهُ، سَمِعْتُ هَذِهِ مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: كَبِدِ جَبَلٍ، ثُمَّ يَبْقى شِرارُ النّاسِ مَن لا يَعْرِفُ مَعْرُوفًا، ولا يُنْكِرُ مُنْكَرًا، في خِفَّةِ الطَّيْرِ، وأحْلامِ السِّباعِ، فَيَجِيئُهُمُ الشَّيْطانُ، فَيَقُولُ: ألا تَسْتَجِيبُونَ؟ فَيَقُولُونَ: ما تَأْمُرُنا؟ فَيَأْمُرُهم بِعِبادَةِ الأوْثانِ، فَيَعْبُدُونَها وهم في ذَلِكَ دارٌّ رِزْقُهُمْ، حَسَنٌ عَيْشُهُمْ، ثُمَّ يُنْفَخُ في الصُّورِ) .
وأخْرَجَ أبُو داوُدَ، وابْنُ ماجَهْ، «عَنْ أبِي أُمامَةَ الباهِلِيِّ قالَ: خَطَبَنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَكانَ أكْثَرُ خُطْبَتِهِ حَدِيثًا حَدَّثَناهُ عَنِ الدَّجّالِ، وحَذَّرَناهُ، فَكانَ مِن قَوْلِهِ أنْ قالَ: (إنَّهُ لَمْ تَكُنْ فِتْنَةٌ في الأرْضِ مُنْذُ ذَرَأ اللَّهُ ذُرِّيَّةَ آدَمَ أعْظَمَ مِن فِتْنَةِ الدَّجّالِ، وإنَّ اللَّهَ لَمْ يَبْعَثْ نَبِيًّا إلّا حَذَّرَ مِنَ الدَّجّالِ، وأنا آخِرُ الأنْبِياءِ، وأنْتُمْ آخِرُ الأُمَمِ، وهو خارِجٌ فِيكم لا مَحالَةَ، فَإنْ يَخْرُجْ وأنا بَيْنَ ظَهْرانِيكم فَأنا حَجِيجٌ لِكُلِّ مُسْلِمٍ، وإنْ يَخْرُجْ مِن بَعْدِي فَكُلٌّ حَجِيجُ نَفْسِهِ، واللَّهُ خَلِيفَتِي عَلى كُلِّ مُسْلِمٍ، وإنَّهُ يَخْرُجُ مِن خَلَّةٍ بَيْنَ الشّامِ والعِراقِ، فَيَعِيثُ يَمِينًا ويَعِيثُ شِمالًا، يا عِبادَ اللَّهِ، فاثْبُتُوا، وإنِّي سَأصِفُهُ لَكم صِفَةً لَمْ يَصِفْها إيّاهُ نَبِيٌّ قَبْلِي، إنَّهُ يَبْدَأُ فَيَقُولُ: أنا نَبِيٌّ، ولا نَبِيَّ بَعْدِي، ثُمَّ يُثَنِّي فَيَقُولُ: أنا رَبُّكُمْ، ولا تَرَوْنَ رَبَّكم حَتّى تَمُوتُوا، وإنَّهُ (p-١٢١)أعْوَرُ، وإنَّ رَبَّكم عَزَّ وجَلَّ لَيْسَ بِأعْوَرَ، وإنَّهُ مَكْتُوبٌ بَيْنَ عَيْنَيْهِ: كافِرٌ، يَقْرَؤُهُ كُلُّ مُؤْمِنٍ، كاتِبٍ وغَيْرِ كاتِبٍ، وإنَّ مِن فِتْنَتِهِ أنَّ مَعَهُ جَنَّةً ونارًا، فَنارُهُ جَنَّةٌ، وجَنَّتُهُ نارٌ، فَمَنِ ابْتُلِيَ بِنارِهِ فَلْيَسْتَعِنْ بِاللَّهِ، ولْيَقْرَأْ فَواتِحَ (الكَهْفِ)، فَتَكُونُ عَلَيْهِ بَرْدًا وسَلامًا كَما كانَتِ النّارُ عَلى إبْراهِيمَ، وإنَّ مِن فِتْنَتِهِ أنْ يَقُولَ لِأعْرابِيٍّ: أرَأيْتَ إنْ بَعَثْتُ لَكَ أباكَ وأُمَّكَ، أتَشْهَدُ أنِّي رَبُّكَ؟ فَيَقُولُ لَهُ: نَعَمْ، فَيُمَثَّلُ لَهُ شَيْطانانِ في صُورَةِ أبِيهِ وأُمِّهِ، فَيَقُولانِ: يا بُنَيَّ اتَّبِعْهُ، فَإنَّهُ رَبُّكَ، وإنَّ مِن فِتْنَتِهِ أنْ يُسَلَّطَ عَلى نَفْسٍ واحِدَةٍ فَيَقْتُلَها، يَنْشُرُها بِالمِنشارِ حَتّى يُلْقى شِقَّتَيْنِ، ثُمَّ يَقُولُ: انْظُرُوا إلى عَبْدِي هَذا، فَإنِّي أبْعَثُهُ الآنَ، ثُمَّ يَزْعُمُ أنَّ لَهُ رَبًّا غَيْرِي، فَيَبْعَثُهُ اللَّهُ، فَيَقُولُ لَهُ الخَبِيثُ: مَن رَبُّكَ؟ فَيَقُولُ: رَبِّيَ اللَّهُ، وأنْتَ عَدُوُّ اللَّهِ الدَّجّالُ، واللَّهِ ما كُنْتُ أشَدَّ بَصِيرَةً بِكَ مِنِّي اليَوْمَ، وإنَّ مِن فِتْنَتِهِ أنْ يَأْمُرَ السَّماءَ أنْ تُمْطِرَ فَتُمْطِرَ، ويَأْمُرَ الأرْضَ أنْ تُنْبِتَ فَتُنْبِتَ، وإنَّ مِن فِتْنَتِهِ أنْ يَمُرَّ بِالحَيِّ فَيُكَذِّبُونَهُ فَلا يَبْقى لَهم سائِمَةٌ إلّا هَلَكَتْ، وإنَّ مِن فِتْنَتِهِ أنْ يَمُرَّ بِالحَيِّ فَيُصَدِّقُونَهُ، فَيَأْمُرُ السَّماءَ أنْ تُمْطِرَ فَتُمْطِرَ، ويَأْمُرَ الأرْضَ أنْ تُنْبِتَ فَتُنْبِتَ، حَتّى تَرُوحَ مَواشِيهِمْ مِن يَوْمِهِمْ ذَلِكَ أسْمَنَ ما كانَتْ، وأعْظَمَهُ، وأمَدَّهُ خَواصِرَ، وأدَرَّهُ ضُرُوعًا، وأنَّهُ لا يَبْقى مِنَ الأرْضِ شَيْءٌ إلّا وطِئَهُ وظَهَرَ عَلَيْهِ إلّا مَكَّةَ والمَدِينَةَ، فَإنَّهُ لا يَأْتِيهِما مِن نَقْبٍ مِن نِقابِهِما إلّا لَقِيَتْهُ المَلائِكَةُ بِالسُّيُوفِ صَلْتَةً حَتّى يَنْزِلَ عِنْدَ الظُّرَيْبِ الأحْمَرِ عِنْدَ مُنْقَطَعِ السَّبَخَةِ، فَتَرْجُفُ المَدِينَةُ بِأهْلِها ثَلاثَ رَجَفاتٍ، فَلا يَبْقى مُنافِقٌ ولا مُنافِقَةٌ إلّا خَرَجَ إلَيْهِ، فَتَنْفِي (p-١٢٢)الخَبَثَ مِنها كَما يَنْفِي الكِيرُ خَبَثَ الحَدِيدِ، ويُدْعى ذَلِكَ اليَوْمُ يَوْمَ (الخَلاصِ)، فَقالَتْ أُمُّ شَرِيكٍ بِنْتُ أبِي العَكَرِ: يا رَسُولَ اللَّهِ، فَأيْنَ العَرَبُ يَوْمَئِذٍ؟ قالَ: (هم قَلِيلٌ، وجُلُّهم بِبَيْتِ المَقْدِسِ، وإمامُهم رَجُلٌ صالِحٌ، فَبَيْنَما إمامُهم قَدْ تَقَدَّمَ يُصَلِّي الصُّبْحَ، إذْ نَزَلَ عَلَيْهِمْ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ الصُّبْحَ، فَرَجَعَ ذَلِكَ الإمامُ يَمْشِي القَهْقَرى لِيَتَقَدَّمَ عِيسى يُصَلِّي، فَيَضَعُ عِيسى يَدَهُ بَيْنَ كَتِفَيْهِ ثُمَّ يَقُولُ لَهُ: تَقَدَّمْ فَصَلِّ فَإنَّها لَكَ أُقِيمَتْ، فَيُصَلِّي بِهِمْ إمامُهُمْ، فَإذا انْصَرَفَ، قالَ عِيسى: أقِيمُوا البابَ، فَيُفْتَحُ، ووَراءَهُ الدَّجّالُ مَعَهُ سَبْعُونَ ألْفَ يَهُودِيٍّ، كُلُّهم ذُو سَيْفٍ مُحَلًّى وساجٍ، فَإذا نَظَرَ إلَيْهِ الدَّجّالُ ذابَ كَما يَذُوبُ المِلْحُ في الماءِ، ويَنْطَلِقُ هارِبًا، ويَقُولُ عِيسى: إنَّ لِي فِيكَ ضَرْبَةً لَنْ تَسْبِقَنِي بِها، فَيُدْرِكُهُ عِنْدَ بابِ لُدٍّ الشَّرْقِيِّ فَيَقْتُلُهُ، فَيَهْزِمُ اللَّهُ اليَهُودَ، فَلا يَبْقى شَيْءٌ مِمّا خَلَقَ اللَّهُ يَتَوارى بِهِ يَهُودِيٌّ إلّا أنْطَقَ اللَّهُ الشَّيْءَ، لا حَجَرَ، ولا شَجَرَ، ولا دابَّةَ، ولا حائِطَ، إلّا الغَرْقَدَةَ، فَإنَّها مِن شَجَرِهِمْ لا تَنْطِقُ إلّا قالَ: يا عَبْدَ اللَّهِ المُسْلِمَ، هَذا يَهُودِيٌّ فَتَعالَ فاقْتُلْهُ)، قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (وإنَّ أيّامَهُ أرْبَعُونَ سَنَةً، السَّنَةُ كَنِصْفِ السَّنَةِ، والسَّنَةُ كالشَّهْرِ، والشَّهْرُ كالجُمُعَةِ، وآخِرُ أيّامِهِ كالشَّرَرَةِ، يُصْبِحُ أحَدُكم عَلى بابِ المَدِينَةِ فَلا يَبْلُغُ بابَها الآخَرَ حَتّى يُمْسِيَ)، فَقِيلَ لَهُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ نُصَلِّي في تِلْكَ الأيّامِ القِصارِ؟ قالَ: تُقَدِّرُونَ فِيها الصَّلاةَ كَما تُقَدِّرُونَ في هَذِهِ الأيّامِ الطِّوالِ، ثُمَّ صَلُّوا)، قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (لَيَكُونَنَّ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ في أُمَّتِي حَكَمًا عَدْلًا (p-١٢٣)وإمامًا مُقْسِطًا، يَدُقُّ الصَّلِيبَ، ويَذْبَحُ الخِنْزِيرَ، ويَضَعُ الجِزْيَةَ، ويَتْرُكُ الصَّدَقَةَ، فَلا يَسْعى عَلى شاةٍ ولا بَعِيرٍ، وتُرْفَعُ الشَّحْناءُ، والتَّباغُضُ، وتُنْزَعُ حُمَةُ كُلِّ ذاتِ حُمَةٍ، حَتّى يُدْخِلَ الوَلِيدُ يَدَهُ في في الحَيَّةِ فَلا تَضُرُّهُ، ويُنَفِّرُ الوَلِيدُ الأسَدَ فَلا يَضُرُّهُ، ويَكُونُ الذِّئْبُ في الغَنَمِ كَأنَّهُ كَلْبُها، وتُمْلَأُ الأرْضُ مِنَ السِّلْمِ كَما يُمْلَأُ الإناءُ مِنَ الماءِ، وتَكُونُ الكَلِمَةُ واحِدَةً، فَلا يُعْبَدُ إلّا اللَّهُ، وتَضَعُ الحَرْبُ أوْزارَها، وتُسْلَبُ قُرَيْشٌ مُلْكَها، وتَكُونُ الأرْضُ كَفاثُورِ الفِضَّةِ، تُنْبِتُ نَباتَها كَعَهْدِ آدَمَ، حَتّى يَجْتَمِعَ النَّفَرُ عَلى القِطْفِ مِنَ العِنَبِ يُشْبِعُهُمْ، ويَجْتَمِعُ النَّفَرُ عَلى الرُّمّانَةِ فَتُشْبِعَهُمْ، ويَكُونَ الثَّوْرُ بِكَذا وكَذا مِنَ المالِ، ويَكُونَ الفَرَسُ بِالدُّرَيْهِماتِ)، قِيلَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، وما يُرَخِّصُ الفَرَسَ؟ قالَ: (لا يُرْكَبُ لِحَرْبٍ أبَدًا)، قِيلَ لَهُ: فَما يُغْلِي الثَّوْرَ؟ قالَ: (لِحَرْثِ الأرْضِ كُلِّها، وإنَّ قَبْلَ خُرُوجِ الدَّجّالُ ثَلاثَ سَنَواتٍ شِدادٍ، يُصِيبُ النّاسُ فِيها جُوعٌ شَدِيدٌ، يَأْمُرُ اللَّهُ السَّماءَ أنْ تَحْبِسَ ثُلُثَ مَطَرِها، ويَأْمُرُ الأرْضَ أنْ تَحْبِسَ ثُلُثَ نَباتِها، ثُمَّ يَأْمُرُ السَّماءَ في السَّنَةِ الثّانِيَةِ فَتَحْبِسُ ثُلُثَيْ مَطَرِها، ويَأْمُرُ الأرْضَ فَتَحْبِسُ ثُلُثَيْ نَباتِها، ثُمَّ يَأْمُرُ السَّماءَ في السَّنَةِ الثّالِثَةِ فَتَحْبِسُ مَطَرَها كُلَّهُ، فَلا تَقْطُرُ قَطْرَةً، ويَأْمُرُ الأرْضَ فَتَحْبِسُ نَباتَها كُلَّهُ فَلا تُنْبِتُ خَضْراءَ، فَلا تَبْقى ذاتُ ظِلْفٍ إلّا هَلَكَتْ، إلّا ما شاءَ اللَّهُ)، قِيلَ: فَما يُعِيشُ النّاسَ في ذَلِكَ الزَّمانِ؟ قالَ: (التَّهْلِيلُ، والتَّكْبِيرُ، والتَّسْبِيحُ، والتَّحْمِيدُ، ويَجْرِي ذَلِكَ عَلَيْهِمْ مَجْرى الطَّعامِ») .
(p-١٢٤)وأخْرَجَ أحْمَدُ، ومُسْلِمٌ، عَنْ جابِرٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «(لا تَزالُ طائِفَةٌ مِن أُمَّتِي يُقاتِلُونَ عَلى الحَقِّ ظاهِرِينَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ) قالَ: (فَيَنْزِلُ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ فَيَقُولُ أمِيرُهم: تَعالَ صَلِّ بِنا، فَيَقُولُ: لا، إنَّ بَعْضَكم عَلى بَعْضٍ أمِيرٌ، تَكْرِمَةَ اللَّهِ هَذِهِ الأُمَّةَ») .
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، عَنْ أوْسِ بْنِ أوْسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «(يَنْزِلُ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ عِنْدَ المَنارَةِ البَيْضاءِ في دِمَشْقَ») .
وأخْرَجَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ في (نَوادِرِ الأُصُولِ) عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ قالَ: «بَعَثَنِي خالِدُ بْنُ الوَلِيدِ بَشِيرًا إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ مُؤْتَةَ، فَلَمّا دَخَلْتُ عَلَيْهِ قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، فَقالَ: (عَلى رِسْلِكَ يا عَبْدَ الرَّحْمَنِ، أخَذَ اللِّواءُ زَيْدُ بْنُ حارِثَةَ، فَقاتَلَ حَتّى قُتِلَ، رَحِمَ اللَّهُ زَيْدًا، ثُمَّ أخَذَ اللِّواءَ جَعْفَرٌ فَقاتَلَ فَقُتِلَ، رَحِمَ اللَّهُ جَعْفَرًا، ثُمَّ أخَذَ اللِّواءَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَواحَةَ فَقاتَلَ فَقُتِلَ، رَحِمَ اللَّهُ عَبْدَ اللَّهِ، ثُمَّ أخَذَ اللِّواءَ خالِدٌ، فَفَتَحَ اللَّهُ لِخالِدٍ، فَخالِدٌ سَيْفٌ مِن سُيُوفِ اللَّهِ)، فَبَكى أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وهم حَوْلَهُ، فَقالَ: (ما يُبْكِيكُمْ؟) قالُوا: وما لَنا لا نَبْكِي وقَدْ قُتِلَ خِيارُنا وأشْرافُنا، وأهْلُ الفَضْلِ مِنّا، فَقالَ: (لا تَبْكُوا، فَإنَّما مَثَلُ أُمَّتِي مَثَلُ حَدِيقَةٍ قامَ عَلَيْها صاحِبُها فاجْتَثَّ رَواكِيَها، وهَيَّأ مَساكِنَها، وحَلَقَ سَعَفَها، فَأطْعَمَتْ عامًا فَوْجًا، ثُمَّ عامًا فَوْجًا، ثُمَّ عامًا فَوْجًا، فَلَعَلَّ آخِرَها طَعْمًا يَكُونُ أجْوَدَها قِنْوانًا، وأطْوَلَها شِمْراخًا، والَّذِي بَعَثَنِي بِالحَقِّ لَيَجِدَنَّ ابْنُ مَرْيَمَ في أُمَّتِي (p-١٢٥)خَلَفًا مِن حَوارِيِّهِ») .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، والحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ الحَضْرَمِيِّ، عَنْ أبِيهِ قالَ: «لَمّا اشْتَدَّ جَزَعُ أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلى مَن قُتِلَ يَوْمَ مُؤْتَةَ قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (لَيُدْرِكَنَّ الدَّجّالُ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ قَوْمًا مِثْلَكُمْ، أوْ خَيْرًا مِنكم ثَلاثَ مَرّاتٍ، ولَنْ يُخْزِيَ اللَّهُ أُمَّةً أنا أوَّلُها، وعِيسى ابْنُ مَرْيَمَ آخِرُها»)، قالَ الذَّهَبِيُّ: مُرْسَلٌ، وهو خَبَرٌ مُنْكَرٌ.
وأخْرَجَ الحاكِمُ، عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «(سَيُدْرِكُ رِجالٌ مِن أُمَّتِي عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ، ويَشْهَدُونَ قِتالَ الدَّجّالِ») .
وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ عَساكِرَ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «(لَيَهْبِطَنَّ ابْنُ مَرْيَمَ حَكَمًا عَدْلًا وإمامًا مُقْسِطًا، ولَيَسْلُكَنَّ فَجًّا حاجًّا، أوْ مُعْتَمِرًا، ولَيَأْتِيَنَّ قَبْرِي حَتّى يُسَلِّمَ عَلَيَّ، ولَأرُدَّنَّ عَلَيْهِ»)، يَقُولُ أبُو هُرَيْرَةَ: أيْ بَنِي أخِي، إنْ رَأيْتُمُوهُ فَقُولُوا: أبُو هُرَيْرَةَ يُقْرِئُكَ السَّلامَ.
وأخْرَجَ الحاكِمُ، عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «(مَن أدْرَكَ مِنكم (p-١٢٦)عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ فَلْيُقْرِئْهُ مِنِّي السَّلامَ») .
وأخْرَجَ أحْمَدُ في (الزُّهْدِ)، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: يَلْبَثُ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ في الأرْضِ أرْبَعِينَ سَنَةً، لَوْ يَقُولُ لِلْبَطْحاءِ: سِيلِي عَسَلًا لَسالَتْ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأحْمَدُ، والتِّرْمِذِيُّ، وصَحَّحَهُ، عَنْ مُجَمِّعِ بْنِ جارِيَةَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «(لَيَقْتُلَنَّ ابْنُ مَرْيَمَ الدَّجّالَ بِبابِ لُدٍّ») .
وأخْرَجَ أحْمَدُ، عَنْ ثَوْبانَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قالَ: «(عِصابَتانِ مِن أُمَّتِي أحَرَزَهُمُ اللَّهُ مِنَ النّارِ: عِصابَةٌ تَغْزُو الهِنْدَ، وعِصابَةٌ تَكُونُ مَعَ عِيسى ابْنِ مَرْيَمَ») .
وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ، وابْنُ عَساكِرَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ، عَنْ أبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ قالَ: مَكْتُوبٌ في التَّوْراةِ صِفَةُ مُحَمَّدٍ، وعِيسى ابْنُ مَرْيَمَ يُدْفَنُ مَعَهُ.
وأخْرَجَ البُخارِيُّ في (تارِيخِهِ)، والطَّبَرانِيُّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ قالَ: يُدْفَنُ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وصاحِبَيْهِ فَيَكُونُ قَبْرُهُ رابِعًا.
النساء 4:160
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا﴾ الآيَةَ.
أخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ (p-١٢٧)قَرَأ: (طَيِّباتٍ كانَتْ أُحِلَّتْ لَهُمْ) .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ قَتادَةَ: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾، قالَ: عُوقِبَ القَوْمُ بِظُلْمٍ ظَلَمُوهُ، وبَغْيٍ بَغَوْهُ، فَحُرِّمَتْ عَلَيْهِمْ أشْياءُ بِبَغْيِهِمْ وظُلْمِهِمْ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مُجاهِدٍ: ﴿وبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا﴾ قالَ: أنْفُسَهم وغَيْرَهم عَنِ الحَقِّ.
النساء 4:162
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَكِنِ الرّاسِخُونَ في العِلْمِ مِنهُمْ﴾ الآيَةَ.
أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿لَكِنِ الرّاسِخُونَ في العِلْمِ مِنهُمْ﴾ قالَ: اسْتَثْنى اللَّهُ مِنهُمْ، فَكانَ مِنهم مَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ، وما أُنْزِلَ عَلَيْهِمْ، وما أُنْزِلَ عَلى نَبِيِّ اللَّهِ، يُؤْمِنُونَ بِهِ ويُصَدِّقُونَ بِهِ، ويَعْلَمُونَ أنَّهُ الحَقُّ مِن رَبِّهِمْ.
وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ، والبَيْهَقِيُّ في (الدَّلائِلِ)، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿لَكِنِ الرّاسِخُونَ في العِلْمِ مِنهُمْ﴾ الآيَةَ، قالَ: نَزَلَتْ في عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ، وأُسَيْدِ بْنِ سَعْيَةَ، وثَعْلَبَةَ بْنِ سَعْيَةَ، فارَقُوا يَهُودَ وأسْلَمُوا. (p-١٢٨)وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي داوُدَ في (المَصاحِفِ)، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ خالِدٍ قالَ: قُلْتُ لَأبانَ بْنِ عُثْمانَ بْنِ عَفّانَ: ما شَأْنُها كُتِبَتْ: ﴿لَكِنِ الرّاسِخُونَ في العِلْمِ مِنهم والمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إلَيْكَ وما أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ والمُقِيمِينَ الصَّلاةَ والمُؤْتُونَ الزَّكاةَ﴾ ما بَيْنَ يَدَيْها وما خَلْفَها رَفْعٌ وهي نَصْبٌ؟ قالَ: إنَّ الكاتِبَ لَمّا كَتَبَ: ﴿لَكِنِ الرّاسِخُونَ﴾ حَتّى إذا بَلَغَ قالَ: ما أكْتُبُ؟ قِيلَ لَهُ: اكْتُبْ: ﴿والمُقِيمِينَ الصَّلاةَ﴾ فَكَتَبَ ما قِيلَ لَهُ.
وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ في (فَضائِلِهِ)، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي داوُدَ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ عُرْوَةَ، قالَ: سَألْتُ عائِشَةَ عَنْ لَحْنِ القُرْآنِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا والَّذِينَ هادُوا والصّابِئُونَ﴾ [المائدة: ٦٩] [المائِدَةِ: ٦٩]، و﴿والمُقِيمِينَ الصَّلاةَ والمُؤْتُونَ الزَّكاةَ﴾، و﴿إنْ هَذانِ لَساحِرانِ﴾ [طه: ٦٣] [طه: ٦٣] .
فَقالَتْ: يا ابْنَ أُخْتِي، هَذا عَمَلُ الكُتّابِ، أخْطَئُوا في الكِتابِ. (p-١٢٩)وأخْرَجَ ابْنُ أبِي داوُدَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: في القُرْآنِ أرْبَعَةُ أحْرُفٍ: ﴿والصّابِئُونَ﴾ [المائدة: ٦٩]، و﴿والمُقِيمِينَ﴾، ﴿فَأصَّدَّقَ وأكُنْ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ [المنافقون: ١٠] [المُنافِقُونَ: ١٠] و﴿إنْ هَذانِ لَساحِرانِ﴾ [طه: ٦٣] .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي داوُدَ، عَنْ عَبْدِ الأعْلى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عامِرٍ القُرَشِيِّ قالَ: لَمّا فُرِغَ مِنَ المُصْحَفِ أُتِيَ بِهِ عُثْمانُ، فَنَظَرَ فِيهِ فَقالَ: قَدْ أحْسَنْتُمْ، وأجْمَلْتُمْ، أرى شَيْئًا مِن لَحْنٍ سَتُقِيمُهُ العَرَبُ بِألْسِنَتِها، قالَ ابْنُ أبِي داوُدَ: هَذا عِنْدِي يَعْنِي بِلُغَتِها فِينا، وإلّا فَلَوْ كانَ فِيهِ لَحْنٌ لا يَجُوزُ في كَلامِ العَرَبِ جَمِيعًا، لَما اسْتَجازَ أنْ يَبْعَثَ إلى قَوْمٍ يَقْرَءُونَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي داوُدَ، عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: لَمّا أُتِيَ عُثْمانُ بِالمُصْحَفِ، رَأى فِيهِ شَيْئًا مِن لَحْنٍ، فَقالَ: لَوْ كانَ المُمْلِي مِن هُذَيْلٍ، والكاتِبُ مِن ثَقِيفَ لَمْ يُوجَدْ فِيهِ هَذا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي داوُدَ، عَنْ قَتادَةَ، أنَّ عُثْمانَ لَمّا رُفِعَ إلَيْهِ المُصْحَفُ قالَ: إنَّ فِيهِ لَحْنًا، وسَتُقِيمُهُ العَرَبُ بِألْسِنَتِها.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي داوُدَ، عَنْ يَحْيى بْنِ يَعْمَرَ قالَ: قالَ عُثْمانُ: إنَّ في القُرْآنِ (p-١٣٠)لَحْنًا، وسَتُقِيمُهُ العَرَبُ بِألْسِنَتِها.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي داوُدَ، عَنِ ابْنِ عَوْنٍ قالَ: رُبَّما اخْتَلَفَ النّاسُ في الأمْرَيْنِ وكِلاهُما حَقٌّ.
النساء 4:163
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا أوْحَيْنا إلَيْكَ﴾ الآيَةَ.
أخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والبَيْهَقِيُّ في (الدَّلائِلِ)، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ سُكَيْنٌ، وعَدِيُّ بْنُ زَيْدٍ: يا مُحَمَّدُ، ما نَعْلَمُ اللَّهَ أنْزَلَ عَلى بَشَرٍ مِن شَيْءٍ بَعْدَ مُوسى، فَأنْزَلَ اللَّهُ في ذَلِكَ: ﴿إنّا أوْحَيْنا إلَيْكَ﴾ إلى آخِرِ الآياتِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ خُثَيْمٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنّا أوْحَيْنا إلَيْكَ كَما أوْحَيْنا إلى نُوحٍ والنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ﴾ قالَ: أوْحى اللَّهُ إلَيْهِ كَما أوْحى إلى جَمِيعِ النَّبِيِّينَ مِن قَبْلِهِ.
النساء 4:164
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ورُسُلا لَمْ نَقْصُصْهم عَلَيْكَ﴾ الآيَةَ.
(p-١٣١)أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ في (نَوادِرِ الأُصُولِ)، وابْنُ حِبّانَ في (صَحِيحِهِ)، والحاكِمُ، وابْنُ عَساكِرَ، عَنْ أبِي ذَرٍّ قالَ: «قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، كَمِ الأنْبِياءُ؟ قالَ: (مِائَةُ ألْفِ نَبِيٍّ وأرْبَعَةٌ وعِشْرُونَ ألْفًا)، قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، كَمِ الرُّسُلُ مِنهُمْ؟ قالَ: (ثَلاثُمِائَةٍ وثَلاثَةَ عَشَرَ، جَمٌّ غَفِيرٌ)، ثُمَّ قالَ: (يا أبا ذَرٍّ، أرْبَعَةٌ سُرْيانِيُّونَ: آدَمُ، وشِيثُ، ونُوحٌ، وخَنُوخُ، وهو إدْرِيسُ، وهو أوَّلُ مَن خَطَّ بِقَلَمٍ، وأرْبَعَةٌ مِنَ العَرَبِ: هُودٌ، وصالِحٌ، وشُعَيْبٌ، ونَبِيُّكَ، وأوَّلُ نَبِيٍّ مِن أنْبِياءِ بَنِي إسْرائِيلَ مُوسى، وآخِرُهم عِيسى، وأوَّلُ النَّبِيِّينَ آدَمُ، وآخِرُهم نَبِيُّكَ») .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، «عَنْ أبِي أُمامَةَ قالَ: قُلْتُ: يا نَبِيَّ اللَّهِ، كَمِ الأنْبِياءُ؟ قالَ: (مِائَةُ ألْفٍ وأرْبَعَةٌ وعِشْرُونَ ألْفًا، الرُّسُلُ مِن ذَلِكَ ثَلاثُمِائَةٍ وخَمْسَةَ عَشَرَ، جَمًّا غَفِيرًا») .
وأخْرَجَ أبُو يَعْلى، وأبُو نُعَيْمٍ في (الحِلْيَةِ) بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ، عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «(بَعَثَ اللَّهُ ثَمانِيَةَ آلافِ نَبِيٍّ، أرْبَعَةَ آلافٍ إلى بَنِي إسْرائِيلَ، وأرْبَعَةَ آلافٍ إلى سائِرِ النّاسِ») . (p-١٣٢)وأخْرَجَ أبُو يَعْلى، والحاكِمُ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «(كانَ في مَن خَلا مِن إخْوانِي مِنَ الأنْبِياءِ ثَمانِيَةُ آلافِ نَبِيٍّ، ثُمَّ كانَ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ، ثُمَّ كُنْتُ أنا بَعْدَهُ») .
وأخْرَجَ الحاكِمُ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ، عَنْ أنَسٍ قالَ: بُعِثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: بَعْدَ ثَمانِيَةِ آلافٍ مِنَ الأنْبِياءِ، مِنهم أرْبَعَةُ آلافٍ مِن بَنِي إسْرائِيلَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عَلِيٍّ في قَوْلِهِ: ﴿ورُسُلا لَمْ نَقْصُصْهم عَلَيْكَ﴾ قالَ: بَعَثَ اللَّهُ نَبِيًّا عَبْدًا حَبَشِيًّا، فَهو مِمّا ما لَمْ يَقْصُصْهُ عَلى مُحَمَّدٍ ﷺ، وفي لَفْظٍ: بُعِثَ نَبِيٌّ مِنَ الحَبَشِ.
وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ، عَنْ كَعْبِ الأحْبارِ قالَ: إنَّ اللَّهَ أنْزَلَ عَلى آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ عِصِيًّا بِعَدَدِ الأنْبِياءِ المُرْسَلِينَ، ثُمَّ أقْبَلَ عَلى ابْنِهِ شِيثَ فَقالَ: أيْ بُنَيَّ، أنْتَ خَلِيفَتِي مِن بَعْدِي، فَخُذْها بِعِمارَةِ التَّقْوى، والعُرْوَةِ الوُثْقى، وكُلَّما ذَكَرْتَ اللَّهَ فاذْكُرْ إلى جَنْبِهِ اسْمَ مُحَمَّدٍ، فَإنِّي رَأيْتُ اسْمَهُ مَكْتُوبًا عَلى ساقِ العَرْشِ، وأنا بَيْنَ الرُّوحِ والطِّينِ، ثُمَّ إنِّي طُفْتُ السَّماواتِ فَلَمْ أرَ في السَّماواتِ مَوْضِعًا إلّا رَأيْتُ اسْمَ مُحَمَّدٍ مَكْتُوبًا عَلَيْهِ، وإنَّ رَبِّي أسْكَنَنِي الجَنَّةَ فَلَمْ أرَ في الجَنَّةِ قَصْرًا ولا غُرْفَةً إلّا رَأيْتُ اسْمَ مُحَمَّدٍ مَكْتُوبًا عَلَيْهِ، ولَقَدْ رَأيْتُ اسْمَ مُحَمَّدٍ مَكْتُوبًا عَلى (p-١٣٣)نُحُورِ الحُورِ العِينِ، وعَلى ورَقِ قَصَبِ آجامِ الجَنَّةِ، وعَلى ورَقِ شَجَرَةِ طُوبى، وعَلى ورَقِ سِدْرَةِ المُنْتَهى، وعَلى أطْرافِ الحُجُبِ، وبَيْنَ أعْيُنِ المَلائِكَةِ، فَأكْثِرْ ذِكْرَهُ، فَإنَّ المَلائِكَةَ تَذْكُرُهُ في كُلِّ ساعاتِها.
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، والحاكِمُ، وصَحَّحَهُ، مِن طَرِيقِ أبِي يُونُسَ، عَنْ سِماكِ بْنِ حَرْبٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أنَّ رَجُلًا مِن بَنِي عَبْسٍ يُقالُ لَهُ: خالِدُ بْنُ سِنانٍ، قالَ لِقَوْمِهِ: إنِّي أُطْفِئُ عَنْكم نارَ الحَدَثانِ، فَقالَ لَهُ عُمارَةُ بْنُ زِيادٍ رَجُلٌ مِن قَوْمِهِ: واللَّهِ ما قُلْتَ لَنا يا خالِدُ قَطُّ إلّا حَقًّا، فَما شَأْنُكَ وشَأْنُ نارِ الحَدَثانِ، تَزْعُمُ أنَّكَ تُطْفِئُها؟ قالَ: فانْطَلَقَ، وانْطَلَقَ مَعَهُ عُمارَةُ في ثَلاثِينَ مِن قَوْمِهِ، حَتّى أتَوْها، وهي تَخْرُجُ مِن شِقِّ جَبَلٍ مِن حَرَّةٍ يُقالُ لَها: حَرَّةُ أشْجَعَ، فَخَطَّ لَهم خالِدٌ خِطَّةً فَأجْلَسَهم فِيها، فَقالَ: إنْ أبْطَأْتُ عَلَيْكُمْ، فَلا تَدْعُونِي بِاسْمِي، فَخَرَجَتْ كَأنَّها خَيْلٌ شُقْرٌ يَتْبَعُ بَعْضُها بَعْضًا، فاسْتَقْبَلَها خالِدٌ، فَجَعَلَ يَضْرِبُها بِعَصاهُ، وهو يَقُولُ: بَدا بَدا بَدا كُلُّ هُدًى، زَعَمَ ابْنَ راعِيَةِ المِعْزى أنِّي لا أخْرُجُ مِنها وثِيابِي تَنْدى، حَتّى دَخَلَ مَعَها الشِّقَّ فَأبْطَأ عَلَيْهِمْ، فَقالَ عُمارَةُ: واللَّهِ لَوْ كانَ صاحِبُكم حَيًّا لَقَدْ خَرَجَ إلَيْكُمْ، فَقالُوا: إنَّهُ قَدْ نَهانا أنْ نَدْعُوَهُ بِاسْمِهِ، قالَ: فَقالَ: فادْعُوهُ بِاسْمِهِ - فَواللَّهِ - لَوْ كانَ صاحِبُكم حَيًّا لَقَدْ خَرَجَ إلَيْكُمْ، فَدَعَوْهُ بِاسْمِهِ فَخَرَجَ إلَيْهِمْ، وقَدْ أخَذَ بِرَأْسِهِ فَقالَ: ألَمْ أنْهَكم أنْ تَدْعُونِي بِاسْمِي؟ قَدْ واللَّهِ قَتَلْتُمُونِي، فادْفِنُونِي، فَإذا مَرَّتْ بِكُمُ الحُمُرُ فِيها حِمارٌ (p-١٣٤)أبْتَرُ فانْبُشُونِي، فَإنَّكم سَتَجِدُونِي حَيًّا، فَدَفَنُوهُ، فَمَرَّتْ بِهِمُ الحُمُرُ فِيها حِمارٌ أبْتَرُ، فَقالُوا: انْبُشُوهُ، فَإنَّهُ قَدْ أمَرَنا أنْ نَنْبُشَهُ، فَقالَ لَهم عُمارَةُ: لا تَحَدَّثُ مُضَرُ أنّا نَنْبُشُ مَوْتانا، واللَّهِ لا تَنْبُشُوهُ أبَدًا، وقَدْ كانَ خالِدٌ أخْبَرَهم أنَّ في عُكَمِ امْرَأتِهِ لَوْحَيْنِ، فَإذا أشْكَلَ عَلَيْكم أمْرٌ فانْظُرُوا فِيهِما، فَإنَّكم سَتَرَوْنَ ما تَسَألُونَ عَنْهُ، وقالَ: لا يَمَسَّهُما حائِضٌ، فَلَمّا رَجَعُوا إلى امْرَأتِهِ سَألُوها عَنْهُما، فَأخْرَجَتْهُما، وهي حائِضٌ، فَذَهَبَ ما كانَ فِيهِما مِن عِلْمٍ، وقالَ أبُو يُونُسَ: قالَ سِماكُ بْنُ حَرْبٍ: سُئِلَ عَنْهُ النَّبِيُّ ﷺ فَقالَ: «(ذاكَ نَبِيٌّ أضاعَهُ قَوْمُهُ)، وإنَّ ابْنَهُ أتى النَّبِيَّ ﷺ فَقالَ: (مَرْحَبًا بِابْنِ أخِي»)
قالَ الحاكِمُ: صَحِيحٌ عَلى شَرْطِ البُخارِيِّ، فَإنَّ أبا يُونُسَ هو حاتِمُ بْنُ أبِي صَغِيرَةَ، وقالَ الذَّهَبِيُّ: مُنْكَرٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، والزُّبَيْرُ بْنُ بَكّارٍ في (المُوَفَّقِيّاتِ)، وابْنُ عَساكِرَ، عَنِ الكَلْبِيِّ قالَ: أوَّلُ نَبِيٍّ بَعَثَهُ اللَّهُ في الأرْضِ إدْرِيسُ، وهو أخْنُوخُ بْنُ يَرْدَ، وهو يارِدُ ابْنُ مَهْلائِيلَ بْنِ قَيْنانَ بْنِ أنُوشَ بْنِ شِيثَ بْنِ آدَمَ، ثُمَّ انْقَطَعَتِ الرُّسُلُ حَتّى بُعِثَ نُوحُ بْنُ لَمْكَ بْنِ مَتُّوشَلَخَ بْنِ أخْنُوخَ بْنِ يارِدَ، وقَدْ كانَ سامُ بْنُ نُوحٍ نَبِيًّا، ثُمَّ انْقَطَعَتِ الرُّسُلُ حَتّى بَعَثَ اللَّهُ إبْراهِيمَ نَبِيًّا، وهو إبْراهِيمُ بْنُ تارِحَ، وتارِحُ هو آزَرُ (p-١٣٥)ابْنُ ناحُورَ بْنِ شارُوخَ بْنِ أرْغُو بْنِ فالِغَ، وفالِغُ هو فالِخُ، وهو الَّذِي قَسَّمَ الأرْضَ، ابْنِ عابَرَ بْنِ شالِخَ بْنِ أرْفَخْشَدَ بْنِ سامِ بْنِ نُوحٍ، ثُمَّ إسْماعِيلَ بْنَ إبْراهِيمَ، فَماتَ بِمَكَّةَ، ودُفِنَ بِها، ثُمَّ إسْحاقَ بْنَ إبْراهِيمَ ماتَ بِالشّامِ، ولُوطَ بْنَ هارانَ بْنِ تارِحَ، وإبْراهِيمُ عَمُّهُ، هو ابْنُ أخِي إبْراهِيمَ، ثُمَّ يَعْقُوبَ وهو إسْرائِيلُ بْنُ إسْحاقَ، ثُمَّ يُوسُفَ بْنَ يَعْقُوبَ، ثُمَّ شُعَيْبَ بْنَ يَوْبَبَ بْنِ عَيْفا بْنِ مَدْيَنَ بْنِ إبْراهِيمَ، ثُمَّ هُودَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الخُلُودِ بْنِ عادِ بْنِ عَوْصِ بْنِ إرَمَ بْنِ سامِ بْنِ نُوحٍ، ثُمَّ صالِحَ بْنَ آسِفَ بْنِ كَماشِجَ بْنِ أرْوِمَ بْنِ ثَمُودَ بْنِ جاثَرَ ابْنِ إرَمَ بْنِ سامِ بْنِ نُوحٍ، ثُمَّ مُوسى وهارُونَ ابْنا عِمْرانَ بْنِ قاهِثَ ابْنِ لاوِي بْنِ يَعْقُوبَ، ثُمَّ أيُّوبَ بْنَ رازَحَ بْنِ أمُوصى بْنِ لِيفْزَنَ بْنِ (p-١٣٦)العِيصِ ابْنِ إسْحاقَ بْنِ إبْراهِيمَ، ثُمَّ الخَضِرَ، وهو خَضْرُونُ بْنُ عَمْرائِيلَ بْنِ لِيفْزَنَ بْنِ العِيصِ، ثُمَّ داوُدَ بْنَ إيشا بْنِ عُوِيدَ بْنِ باعَرَ بْنِ سَلْمُونَ بْنِ بَخْشُونَ بْنِ عَمِيناذَبَ بْنِ رامَ بْنِ خَصْرُونَ بْنِ فارَصَ بْنِ يَهُوذا بْنِ يَعْقُوبَ، ثُمَّ سُلَيْمانَ بْنَ داوُدَ، ثُمَّ يُونُسَ بْنَ مَتّى مِن سِبْطِ بِنْيامِينَ بْنِ يَعْقُوبَ، ثُمَّ اليَسَعَ مِن سِبْطِ رُوبِيلَ بْنِ يَعْقُوبَ، وإلْياسَ بْنَ بَشِيرِ بْنِ العاذِرِ بْنِ هارُونَ بْنِ عِمْرانَ، وذا الكِفْلِ، اسْمُهُ عُوِيدِيا، مِن سِبْطِ يَهُوذا بْنِ يَعْقُوبَ، وبَيْنَ مُوسى بْنِ عِمْرانَ وبَيْنَ مَرْيَمَ بِنْتِ عِمْرانَ أُمِّ عِيسى ألْفُ سَنَةٍ وسَبْعُمِائَةِ سَنَةٍ، ولَيْسا مِن سِبْطٍ، ثُمَّ مُحَمَّدٌ ﷺ، وكُلُّ نَبِيٍّ ذُكِرَ في القُرْآنِ مِن ولَدِ إبْراهِيمَ، غَيْرَ إدْرِيسَ، ونُوحٍ، ولُوطٍ، وهُودٍ، وصالِحٍ، ولَمْ يَكُنْ مِنَ العَرَبِ أنْبِياءُ إلّا خَمْسَةٌ: هُودٌ، وصالِحٌ، وإسْماعِيلُ، وشُعَيْبٌ، ومُحَمَّدٌ ﷺ، وإنَّما سُمُّوا عَرَبًا لِأنَّهُ لَمْ يَتَكَلَّمْ أحَدٌ مِنَ الأنْبِياءِ بِالعَرَبِيَّةِ غَيْرُهُمْ، فَلِذَلِكَ سُمُّوا عَرَبًا.
(p-١٣٧)وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، والطَّبَرانِيُّ، والبَيْهَقِيُّ في (شُعَبِ الإيمانِ)، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كُلُّ الأنْبِياءِ مِن بَنِي إسْرائِيلَ إلّا عَشَرَةً: نُوحٌ، وهُودٌ، وصالِحٌ، وإبْراهِيمُ، ولُوطٌ، وإسْماعِيلُ، وإسْحاقُ، ويَعْقُوبُ، وشُعَيْبٌ، ومُحَمَّدٌ ﷺ، ولَمْ يَكُنْ نَبِيٌّ لَهُ اسْمانِ إلّا عِيسى، ويَعْقُوبُ، فَيَعْقُوبُ إسْرائِيلُ، وعِيسى المَسِيحُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ قالَ: كانَ بَيْنَ آدَمَ ونُوحٍ ألْفُ سَنَةٍ، وبَيْنَ نُوحٍ وإبْراهِيمَ ألْفُ سَنَةٍ، وبَيْنَ إبْراهِيمَ ومُوسى ألْفُ سَنَةٍ، وبَيْنَ مُوسى وعِيسى أرْبَعُمِائَةِ سَنَةٍ، وبَيْنَ عِيسى ومُحَمَّدٍ ﷺ سِتُّمِائَةِ سَنَةٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الأعْمَشِ قالَ: كانَ بَيْنَ مُوسى وعِيسى ألْفُ نَبِيٍّ.
وأخْرَجَ الحاكِمُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانَ عُمْرُ آدَمَ ألْفَ سَنَةٍ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وبَيْنَ آدَمَ وبَيْنَ نُوحٍ ألْفُ سَنَةٍ، وبَيْنَ نُوحٍ وإبْراهِيمَ ألْفُ سَنَةٍ، وبَيْنَ إبْراهِيمَ ومُوسى سَبْعُمِائَةِ سَنَةٍ، وبَيْنَ مُوسى وعِيسى خَمْسُمِائَةِ سَنَةٍ، وبَيْنَ عِيسى ومُحَمَّدٍ سِتُّمِائَةِ سَنَةٍ.
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيمًا﴾
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ وائِلِ بْنِ داوُدَ في قَوْلِهِ: ﴿وكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى (p-١٣٨)تَكْلِيمًا﴾ قالَ: مِرارًا.
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنْ عَبْدِ الجَبّارِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: جاءَ رَجُلٌ إلى أبِي بَكْرِ بْنِ عَيّاشٍ فَقالَ: سَمِعْتُ رَجُلًا يَقْرَأُ: ﴿وكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيمًا﴾ فَقالَ: ما قالَ هَذا إلّا كافِرٌ، قَرَأْتُ عَلى الأعْمَشِ، وقَرَأ الأعْمَشُ عَلى يَحْيى بْنِ وثّابٍ، وقَرَأ يَحْيى بْنُ وثّابٍ عَلى أبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ، وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَلى عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ، وقَرَأ عَلِيٌّ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: ﴿وكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيمًا﴾ .
وأخْرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ في زَوائِدِ (الزُّهْدِ) عَنْ ثابِتٍ قالَ: لَمّا ماتَ مُوسى بْنُ عِمْرانَ جالَتِ المَلائِكَةُ في السَّماواتِ بَعْضُها إلى بَعْضٍ واضِعِي أيْدِيهِمْ عَلى خُدُودِهِمْ يُنادُونَ: ماتَ مُوسى كَلِيمُ اللَّهِ، فَأيُّ الخَلْقِ لا يَمُوتُ.
النساء 4:165
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿رُسُلا﴾ الآيَةَ.
أخْرَجَ أحْمَدُ، والبُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «(لا أحَدَ أغْيَرُ مِنَ اللَّهِ مِن أجْلِ ذَلِكَ حَرَّمَ الفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنها وما بَطَنَ، ولا أحَدَ أحَبُّ إلَيْهِ المَدْحُ (p-١٣٩)مِنَ اللَّهِ، مِن أجْلِ ذَلِكَ مَدَحَ نَفْسَهُ، ولا أحَدَ أحَبُّ إلَيْهِ العُذْرُ مِنَ اللَّهِ، مِن أجْلِ ذَلِكَ بَعَثَ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ») .
وأخْرَجَ أحْمَدُ، والبُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، والحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ، عَنِ المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «(لا شَخْصَ أحَبُّ إلَيْهِ العُذْرُ مِنَ اللَّهِ، ولِذَلِكَ بَعَثَ الرُّسُلَ مُبَشِّرِينَ ومُنْذِرِينَ، ولا شَخْصَ أحَبُّ إلَيْهِ المَدْحُ مِنَ اللَّهِ، ولِذَلِكَ وعَدَ الجَنَّةَ») .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿لِئَلا يَكُونَ لِلنّاسِ عَلى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ فَيَقُولُوا: ما أرْسَلْتَ إلَيْنا رَسُولًا.
النساء 4:166
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَكِنِ اللَّهُ﴾ الآيَةَ.
أخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والبَيْهَقِيُّ في (الدَّلائِلِ) عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «دَخَلَ جَماعَةٌ مِنَ اليَهُودِ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ لَهم: (إنِّي واللَّهِ أعْلَمُ أنَّكم تَعْلَمُونَ أنِّي رَسُولُ اللَّهِ)، فَقالُوا: ما نَعْلَمُ ذَلِكَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ﴾ الآيَةَ» .
(p-١٤٠)وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ﴾ الآيَةَ، قالَ: شُهُودٌ، واللَّهِ غَيْرُ مُتَّهَمَةٍ.
النساء 4:171
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أهْلَ الكِتابِ لا تَغْلُوا﴾ الآيَةَ.
أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿لا تَغْلُوا﴾ قالَ: لا تَبْتَدِعُوا.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وكَلِمَتُهُ ألْقاها إلى مَرْيَمَ﴾ قالَ: كَلِمَتُهُ أنْ قالَ: كُنْ، فَكانَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ في (الدَّلائِلِ)، عَنْ أبِي مُوسى، أنَّ النَّجاشِيَّ قالَ لِجَعْفَرٍ: ما يَقُولُ صاحِبُكَ في ابْنِ مَرْيَمَ؟ قالَ: يَقُولُ فِيهِ قَوْلَ اللَّهِ: رُوحُ اللَّهِ وكَلِمَتُهُ، أخْرَجَهُ مِنَ البَتُولِ العَذْراءِ، لَمْ يَقْرَبْها بَشَرٌ، فَتَناوَلَ عُودًا مِنَ الأرْضِ فَرَفَعَهُ فَقالَ: يا مَعْشَرَ القِسِّيسِينَ والرُّهْبانِ، ما يَزِيدُ هَؤُلاءِ عَلى ما تَقُولُونَ في ابْنِ مَرْيَمَ ما يَزِنُ هَذِهِ.
وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في (الدَّلائِلِ)، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: «بَعَثَنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى النَّجاشِيِّ، ونَحْنُ ثَمانُونَ رَجُلًا، ومَعَنا جَعْفَرُ بْنُ أبِي طالِبٍ، وبَعَثَتْ قُرَيْشٌ عُمارَةَ وعَمْرَو بْنَ العاصِي، ومَعَهُما هَدِيَّةٌ إلى النَّجاشِيِّ، فَلَمّا دَخَلا عَلَيْهِ سَجَدا لَهُ، وبَعَثا إلَيْهِ بِالهَدِيَّةِ، وقالا: إنَّ ناسًا مِن قَوْمِنا رَغِبُوا عَنْ دِينِنا، وقَدْ نَزَلُوا بِأرْضِكَ، فَبَعَثَ إلَيْهِمْ حَتّى دَخَلُوا عَلَيْهِ، فَلَمْ (p-١٤١)يَسْجُدُوا لَهُ، فَقالُوا: ما لَكم لَمْ تَسْجُدُوا لِلْمَلِكِ؟ فَقالَ جَعْفَرٌ: إنَّ اللَّهَ بَعَثَ إلَيْنا نَبِيَّهُ، فَأمَرَنا ألّا نَسْجُدَ إلّا لِلَّهِ، فَقالَ عَمْرُو بْنُ العاصِي: إنَّهم يُخالِفُونَكَ في عِيسى وأُمِّهِ، قالَ: فَما يَقُولُونَ في عِيسى وأُمِّهِ؟ قالُوا: نَقُولُ كَما قالَ اللَّهُ: هو رُوحُ اللَّهِ، وكَلِمَتُهُ ألْقاها إلى العَذْراءِ البَتُولِ الَّتِي لَمْ يَمْسَسْها بَشَرٌ، فَتَناوَلَ النَّجاشِيُّ عُودًا فَقالَ: يا مَعْشَرَ القِسِّيسِينَ والرُّهْبانِ، ما تَزِيدُونَ عَلى ما يَقُولُ هَؤُلاءِ ما يَزِنُ هَذِهِ، مَرْحَبًا بِكم وبِمَن جِئْتُمْ مِن عِنْدِهِ، فَأنا أشْهَدُ أنَّهُ نَبِيٌّ، ولَوَدِدْتُ أنِّي عِنْدَهُ فَأحْمِلُ نَعْلَيْهِ، فانْزِلُوا حَيْثُ شِئْتُمْ مِن أرْضِي» .
وأخْرَجَ البُخارِيُّ، عَنْ عُمَرَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «(لا تُطْرُونِي كَما أطْرَتِ النَّصارى عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ، فَإنَّما أنا عَبْدٌ، فَقُولُوا: عَبْدُ اللَّهِ ورَسُولُهُ») .
وأخْرَجَ مُسْلِمٌ، عَنْ عُبادَةَ بْنِ الصّامِتِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «(مَن شَهِدَ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، وأنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ ورَسُولُهُ، وأنَّ عِيسى عَبْدُ اللَّهِ ورَسُولُهُ، وكَلِمَتُهُ ألْقاها إلى مَرْيَمَ ورُوحٌ مِنهُ، والجَنَّةَ حَقٌّ، والنّارَ حَقٌّ، أدْخَلَهُ اللَّهُ مِن أبْوابِ الجَنَّةِ الثَّمانِيَةِ مِن أيِّها شاءَ، عَلى ما كانَ مِنَ العَمَلِ») .
النساء 4:172
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ﴾ الآيَةَ.
أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ﴾ قالَ: لَنْ (p-١٤٢)يَسْتَكْبِرَ.
النساء 4:173
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ﴾ الآيَةَ.
أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ في (الحِلْيَةِ)، والإسْماعِيلِيُّ في (مُعْجَمِهِ)، بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في قَوْلِهِ: ﴿فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهم ويَزِيدُهم مِن فَضْلِهِ﴾ قالَ: ﴿أُجُورَهُمْ﴾ يُدْخِلُهُمُ الجَنَّةَ، ﴿ويَزِيدُهم مِن فَضْلِهِ﴾ الشَّفاعَةُ في مَن وجَبَتْ لَهُمُ النّارُ مِمَّنْ صَنَعَ إلَيْهِمُ المَعْرُوفَ في الدُّنْيا») .
النساء 4:174
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها النّاسُ قَدْ جاءَكم بُرْهانٌ مِن رَبِّكُمْ﴾ الآيَةَ.
أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، أنَّهُ كانَ إذا تَحَرَّكَ مِنَ اللَّيْلِ قالَ: ﴿يا أيُّها النّاسُ قَدْ جاءَكم بُرْهانٌ مِن رَبِّكم وأنْزَلْنا إلَيْكم نُورًا مُبِينًا﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ، عَنْ سُفْيانَ الثَّوْرِيِّ، عَنْ أبِيهِ، عَنْ رَجُلٍ لا يَحْفَظُ اسْمَهُ في قَوْلِهِ: ﴿قَدْ جاءَكم بُرْهانٌ مِن رَبِّكُمْ﴾ قالَ: مُحَمَّدٌ ﷺ، ﴿وأنْزَلْنا إلَيْكم نُورًا مُبِينًا﴾ قالَ: الكِتابُ.
(p-١٤٣)وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿بُرْهانٌ مِن رَبِّكُمْ﴾ قالَ: حُجَّةٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿قَدْ جاءَكم بُرْهانٌ مِن رَبِّكُمْ﴾ قالَ: بَيِّنَةٌ، ﴿وأنْزَلْنا إلَيْكم نُورًا مُبِينًا﴾ قالَ: هَذا القُرْآنُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ في قَوْلِهِ: ﴿واعْتَصَمُوا بِهِ﴾ قالَ: القُرْآنُ.
النساء 4:175
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها النّاسُ قَدْ جاءَكم بُرْهانٌ مِن رَبِّكُمْ﴾ الآيَةَ.
أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، أنَّهُ كانَ إذا تَحَرَّكَ مِنَ اللَّيْلِ قالَ: ﴿يا أيُّها النّاسُ قَدْ جاءَكم بُرْهانٌ مِن رَبِّكم وأنْزَلْنا إلَيْكم نُورًا مُبِينًا﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ، عَنْ سُفْيانَ الثَّوْرِيِّ، عَنْ أبِيهِ، عَنْ رَجُلٍ لا يَحْفَظُ اسْمَهُ في قَوْلِهِ: ﴿قَدْ جاءَكم بُرْهانٌ مِن رَبِّكُمْ﴾ قالَ: مُحَمَّدٌ ﷺ، ﴿وأنْزَلْنا إلَيْكم نُورًا مُبِينًا﴾ قالَ: الكِتابُ.
(p-١٤٣)وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿بُرْهانٌ مِن رَبِّكُمْ﴾ قالَ: حُجَّةٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿قَدْ جاءَكم بُرْهانٌ مِن رَبِّكُمْ﴾ قالَ: بَيِّنَةٌ، ﴿وأنْزَلْنا إلَيْكم نُورًا مُبِينًا﴾ قالَ: هَذا القُرْآنُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ في قَوْلِهِ: ﴿واعْتَصَمُوا بِهِ﴾ قالَ: القُرْآنُ.
النساء 4:176
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ﴾ الآيَةَ.
أخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، وأحْمَدُ، والبُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، وأبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ ماجَهْ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: «دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وأنا مَرِيضٌ، لا أعْقِلُ، فَتَوَضَّأ، ثُمَّ صَبَّ عَلَيَّ، فَعَقَلْتُ، فَقُلْتُ: إنَّهُ لا يَرِثُنِي إلّا كَلالَةٌ، فَكَيْفَ المِيراثُ؟ فَنَزَلَتْ آيَةُ الفَرائِضِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ جابِرٍ قالَ: أُنْزِلَتْ فِيَّ: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكم في الكَلالَةِ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ راهُوَيْهِ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، «عَنْ عُمَرَ، أنَّهُ سَألَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ: (p-١٤٤)كَيْفَ تُوَرَّثُ الكَلالَةُ؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكم في الكَلالَةِ﴾ إلى آخِرِها، فَكَأنَّ عُمَرَ لَمْ يَفْهَمْ، فَقالَ لِحَفْصَةَ: إذا رَأيْتِ مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ طِيبَ نَفْسٍ فَسَلِيهِ عَنْها، فَرَأتْ مِنهُ طِيبَ نَفْسٍ فَسَألَتْهُ، فَقالَ: (أبُوكِ ذَكَرَ لَكِ هَذا؟ ما أرى أباكِ يَعْلَمُها)، فَكانَ عُمَرُ يَقُولُ: ما أُرانِي أعْلَمُها، وقَدْ قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ما قالَ» .
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنْ طاوُسٍ، «أنَّ عُمَرَ أمَرَ حَفْصَةَ أنْ تَسْألَ النَّبِيَّ ﷺ عَنِ الكَلالَةِ، فَسَألَتْهُ، فَأمْلاها عَلَيْها في كَتِفٍ، وقالَ: (مَن أمَرَكِ بِهَذا،أعُمَرُ؟ ما أُراهُ يُقِيمُها، أوَما تَكْفِيهِ آيَةُ الصَّيْفِ»؟) قالَ سُفْيانُ: وآيَةُ الصَّيْفِ الَّتِي في (النِّساءِ): ﴿وإنْ كانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً أوِ امْرَأةٌ﴾ [النساء: ١٢]، فَلَمّا سَألُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَزَلَتِ الآيَةُ الَّتِي في خاتِمَةِ (النِّساءِ) .
وأخْرَجَ مالِكٌ، ومُسْلِمٌ، وابْنُ جَرِيرٍ، والبَيْهَقِيُّ، «عَنْ عُمَرَ قالَ: ما سَألْتُ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ شَيْءٍ أكْثَرَ ما سَألْتُهُ عَنِ الكَلالَةِ، حَتّى طَعَنَ بِإصْبُعِهِ في صَدْرِي وقالَ: (تَكْفِيكَ آيَةُ الصَّيْفِ الَّتِي في آخِرِ سُورَةِ النِّساءِ») .
وأخْرَجَ أحْمَدُ، وأبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ، والبَيْهَقِيُّ، عَنِ البَراءِ بْنِ عازِبٍ (p-١٤٥)قالَ: «جاءَ رَجُلٌ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَسَألَهُ عَنِ الكَلالَةِ فَقالَ: (تَكْفِيكَ آيَةُ الصَّيْفِ») .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وأبُو داوُدَ في (المَراسِيلِ)، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ أبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قالَ: «جاءَ رَجُلٌ إلى النَّبِيِّ ﷺ فَسَألَهُ عَنِ الكَلالَةِ فَقالَ: (أما سَمِعْتَ الآيَةَ الَّتِي أُنْزِلَتْ في الصَّيْفِ: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكم في الكَلالَةِ﴾ ؟ فَمَن لَمْ يَتْرُكْ ولَدًا ولا والِدًا فَوَرَثَتُهُ كَلالَةٌ») .
وأخْرَجَهُ الحاكِمُ مَوْصُولًا عَنْ أبِي سَلَمَةَ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، والبُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ عُمَرَ قالَ: ثَلاثٌ ودِدْتُ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ عَهِدَ إلَيْنا فِيهِنَّ عَهْدًا نَنْتَهِي إلَيْهِ: الجَدُّ، والكَلالَةُ، وأبْوابٌ مِن أبْوابِ الرِّبا.
وأخْرَجَ أحْمَدُ، «عَنْ عُمَرَ قالَ: سَألْتُ النَّبِيَّ ﷺ عَنِ الكَلالَةِ فَقالَ: (تَكْفِيكَ آيَةُ الصَّيْفِ)، فَلَأنْ أكُونَ سَألْتُ النَّبِيَّ ﷺ عَنْها أحَبُّ إلَيَّ (p-١٤٦)مِن أنْ يَكُونَ لِي حُمْرُ النَّعَمِ» .
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، والعَدَنِيُّ، وابْنُ المُنْذِرِ، والحاكِمُ، عَنْ عُمَرَ قالَ: لَأنْ أكُونَ سَألْتُ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ ثَلاثٍ أحَبُّ إلَيَّ مِن حُمْرِ النَّعَمِ؟ عَنِ الخَلِيفَةِ بَعْدَهُ، وعَنْ قَوْمٍ قالُوا: نُقِرُّ بِالزَّكاةِ في أمْوالِنا ولا نُؤَدِّيها إلَيْكَ، أيَحِلُّ قِتالُهُمْ، وعَنِ الكَلالَةِ.
وأخْرَجَ الطَّيالِسِيُّ، وعَبْدُ الرَّزّاقِ، والعَدَنِيُّ، وابْنُ ماجَهْ، والشّاشِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، والحاكِمُ، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ عُمَرَ قالَ: ثَلاثٌ لَأنْ يَكُونَ النَّبِيُّ ﷺ بَيَّنَهُنَّ لَنا أحَبُّ إلَيَّ مِنَ الدُّنْيا وما فِيها: الخِلافَةُ، والكَلالَةُ، والرِّبا.
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أتاهُ رَجُلٌ يَسْتَفْتِيهِ في الكَلالَةِ: أنْبِئْنِي يا رَسُولَ اللَّهِ، أكَلالَةٌ الرَّجُلُ؟ يُرِيدُ إخْوَتَهُ مِن أُمِّهِ وأبِيهِ، فَلَمْ يَقُلْ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ شَيْئًا، غَيْرَ أنَّهُ قَرَأ عَلَيْهِ آيَةَ الكَلالَةِ الَّتِي في سُورَةِ (النِّساءِ)، ثُمَّ عادَ الرَّجُلُ يَسْألُهُ، فَكُلَّما سَألَهُ قَرَأها حَتّى أكْثَرَ، وصَخِبَ الرَّجُلُ، فاشْتَدَّ صَخَبُهُ مِن حِرْصِهِ عَلى أنْ يُبَيِّنَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ فَقَرَأ عَلَيْهِ الآيَةَ، ثُمَّ (p-١٤٧)قالَ لَهُ: (إنِّي واللَّهِ لا أزِيدُكَ عَلى ما أُعْطِيتُ») .
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ، والبَيْهَقِيُّ في ”سُنَنِهِ“، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كُنْتُ آخِرَ النّاسِ عَهْدًا بِعُمَرَ فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: القَوْلُ ما قُلْتُ، قُلْتُ: وما قُلْتَ؟ قالَ: قُلْتُ: الكَلالَةُ مَن لا ولَدَ لَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ طارِقِ بْنِ شِهابٍ قالَ: أخَذَ عُمَرُ كَتِفًا، وجَمَعَ أصْحابَ النَّبِيِّ ﷺ ثُمَّ قالَ: لَأقْضِيَنَّ في الكَلالَةِ قَضاءً تُحَدِّثُ بِهِ النِّساءُ في خُدُورِهِنَّ، فَخَرَجَتْ حِينَئِذٍ حَيَّةٌ مِنَ البَيْتِ فَتَفَرَّقُوا، فَقالَ: لَوْ أرادَ اللَّهُ أنْ يُتِمَّ هَذا الأمْرَ لَأتَمَّهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ، أنَّ عُمَرَ كَتَبَ في الجَدِّ، والكَلالَةِ كِتابًا، فَمَكَثَ يَسْتَخِيرُ اللَّهَ يَقُولُ: اللَّهُمَّ إنْ عَلِمْتَ أنَّ فِيهِ خَيْرًا فَأمْضِهِ، حَتّى إذا طُعِنَ دَعا بِالكِتابِ فَمُحِيَ، ولَمْ يَدْرِ أحَدٌ ما كُتِبَ فِيهِ، فَقالَ: إنِّي كُنْتُ كَتَبْتُ في الجَدِّ والكَلالَةِ كِتابًا، وكُنْتُ أسْتَخِيرُ اللَّهَ فِيهِ، فَرَأيْتُ أنْ أتْرُكَكم عَلى ما كُنْتُمْ عَلَيْهِ.
(p-١٤٨)وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ سَعْدٍ، وأحْمَدُ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: أنا أوَّلُ مَن أتى عُمَرَ حِينَ طُعِنَ، فَقالَ: احْفَظْ عَنِّي ثَلاثًا، فَإنِّي أخافُ ألّا يُدْرِكَنِي النّاسُ، أمّا أنا فَلَمْ أقْضِ في الكَلالَةِ، ولَمْ أسْتَخْلِفْ عَلى النّاسِ خَلِيفَةً، وكُلُّ مَمْلُوكٍ لَهُ عَتِيقٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، والبَيْهَقِيُّ في ”سُنَنِهِ“، عَنْ جابِرٍ قالَ: «اشْتَكَيْتُ فَدَخَلَ عَلَيَّ النَّبِيُّ ﷺ، فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، أُوصِي لِأخَواتِي بِالثُّلُثِ؟ قالَ: (أحْسِنْ)، قُلْتُ: بِالشَّطْرِ؟ قالَ: (أحْسِنْ)، ثُمَّ خَرَجَ ثُمَّ دَخَلَ عَلَيَّ فَقالَ: (لا أُراكَ تَمُوتُ في وجَعِكَ هَذا، إنَّ اللَّهَ أنْزَلَ وبَيَّنَ ما لِأخَواتِكَ وهو الثُّلُثانِ)، فَكانَ جابِرٌ يَقُولُ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِيَّ: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكم في الكَلالَةِ﴾ [النساء»: ١٧٦] .
وأخْرَجَ العَدَنِيُّ، والبَزّارُ في (مُسْنَدَيْهِما)، وأبُو الشَّيْخِ في (الفَرائِضِ) بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ حُذَيْفَةَ قالَ: «نَزَلَتْ آيَةُ الكَلالَةِ عَلى النَّبِيِّ ﷺ في مَسِيرٍ لَهُ، فَوَقَفَ النَّبِيُّ ﷺ، فَإذا هو بِحُذَيْفَةَ فَلَقّاها إيّاهُ، فَنَظَرَ حُذَيْفَةُ، فَإذا عُمَرُ فَلَقّاها إيّاهُ، فَلَمّا كانَ في خِلافَةِ عُمَرَ نَظَرَ عُمَرُ في الكَلالَةِ فَدَعا حُذَيْفَةَ فَسَألَهُ عَنْها، فَقالَ حُذَيْفَةُ: لَقَدْ لَقّانِيها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَلَقَّيْتُكَ كَما لَقّانِي - واللَّهِ - لا أزِيدُكَ عَلى ذَلِكَ شَيْئًا أبَدًا» .
(p-١٤٩)وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ في (الفَرائِضِ)، عَنِ البَراءِ قالَ: «سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ الكَلالَةِ فَقالَ: (ما خَلا الوَلَدَ والوالِدَ») .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، والدّارِمِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ أبِي الخَيْرِ أنَّ رَجُلًا سَألَ عُقْبَةَ بْنَ عامِرٍ، عَنِ الكَلالَةِ، فَقالَ: ألا تَعْجَبُونَ مِن هَذا، يَسْألُنِي عَنِ الكَلالَةِ، وما أعْضَلَ بِأصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ شَيْءٌ ما أعْضَلَتْ بِهِمُ الكَلالَةُ!
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، والدّارِمِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والبَيْهَقِيُّ في ”سُنَنِهِ“ عَنِ الشَّعْبِيِّ قالَ: سُئِلَ أبُو بَكْرٍ عَنِ الكَلالَةِ فَقالَ: إنِّي سَأقُولُ فِيها بِرَأْيِي، فَإنْ كانَ صَوابًا فَمِنَ اللَّهِ وحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، وإنْ كانَ خَطَأً فَمِنِّي، ومِنَ الشَّيْطانِ، واللَّهُ مِنهُ بَرِيءٌ، أُراهُ ما خَلا الوالِدَ والوَلَدَ، فَلَمّا اسْتُخْلِفَ عُمَرُ قالَ: الكَلالَةُ ما عَدا الوَلَدَ، فَلَمّا طُعِنَ عُمَرُ قالَ: إنِّي لَأسْتَحِي اللَّهَ أنْ أُخالِفَ أبا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، أنَّهُ قالَ: مَن ماتَ لَيْسَ لَهُ ولَدٌ ولا والِدٌ فَوَرَثَتُهُ كَلالَةٌ، فَضَجَّ مِنهُ عَلِيٌّ، ثُمَّ رَجَعَ إلى قَوْلِهِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُرَحْبِيلَ قالَ: ما رَأيْتُهم إلّا قَدْ تَواطَئُوا أنَّ الكَلالَةَ مَن لا ولَدَ لَهُ ولا والِدَ.
(p-١٥٠)وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، والدّارِمِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والبَيْهَقِيُّ في ”سُنَنِهِ“ مِن طَرِيقِ الحَسَنِ بْنِ مُحَمَّدٍ ابْنِ الحَنَفِيَّةِ قالَ: سَألْتُ ابْنَ عَبّاسٍ عَنِ الكَلالَةِ قالَ: هو ما عَدا الوَلَدَ والوالِدَ، فَقُلْتُ لَهُ ﴿إنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ ولَدٌ﴾ فَغَضِبَ وانْتَهَرَنِي.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، مِن طَرِيقِ عَلِيٍّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الكَلالَةُ: مَن لَمْ يَتْرُكْ ولَدًا ولا والِدًا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنِ السُّمَيْطِ قالَ: كانَ عُمَرُ يَقُولُ: الكَلالَةُ: ما خَلا الوَلَدَ والوالِدَ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ الشَّعْبِيِّ قالَ: الكَلالَةُ ما كانَ سِوى الوالِدِ والوَلَدِ مِنَ الوَرَثَةِ، إخْوَةً أوْ غَيْرَهم مِنَ العَصَبَةِ، كَذَلِكَ قالَ: عَلِيٌّ، وابْنُ مَسْعُودٍ، وزَيْدُ بْنُ ثابِتٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ في (المُصَنَّفِ)، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الكَلالَةُ: هو المَيِّتُ نَفْسُهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ مَعْدانَ بْنِ أبِي طَلْحَةَ اليَعْمُرِيِّ قالَ: «قالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ: ما أغْلَظَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، أوْ ما نازَعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ في شَيْءٍ (p-١٥١)ما نازَعْتُهُ في آيَةِ الكَلالَةِ، حَتّى ضَرَبَ صَدْرِي، فَقالَ: (يَكْفِيكَ مِنها آيَةُ الصَّيْفِ: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكم في الكَلالَةِ﴾ وسَأقْضِي فِيها بِقَضاءٍ يَعْلَمُهُ مَن يَقْرَأُ، ومَن لا يَقْرَأُ، هو ما خَلا الأبَ» .
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ قالَ: نَزَلَتْ: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكم في الكَلالَةِ﴾ والنَّبِيُّ ﷺ في مَسِيرٍ لَهُ، وإلى جَنْبِهِ حُذَيْفَةُ بْنُ اليَمانِ، فَبَلَّغَها النَّبِيُّ ﷺ حُذَيْفَةَ، وبَلَّغَها حُذَيْفَةُ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ، وهو يَسِيرُ خَلْفَهُ، فَلَمّا اسْتُخْلِفَ عُمَرُ سَألَ عَنْها حُذَيْفَةَ ورَجا أنْ يَكُونَ عِنْدَهُ تَفْسِيرُها، فَقالَ لَهُ حُذَيْفَةُ: واللَّهِ إنَّكَ لَعاجِزٌ إنْ ظَنَنْتَ أنَّ إمارَتَكَ تَحْمِلُنِي أنْ أُحَدِّثَكَ بِما لَمْ أُحَدِّثْكَ يَوْمَئِذٍ، فَقالَ عُمَرُ: لَمْ أُرِدْ هَذا رَحِمَكَ اللَّهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ عُمَرَ قالَ: لَأنْ أكُونَ أعْلَمُ الكَلالَةَ أحَبُّ إلَيَّ مِن أنْ يَكُونَ لِي مِثْلُ جِزْيَةِ قُصُورِ الشّامِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ الحَسَنِ بْنِ مَسْرُوقٍ، عَنْ أبِيهِ قالَ: سَألْتُ عُمَرَ وهو يَخْطُبُ النّاسَ عَنْ ذِي قَرابَةٍ لِي ورِثَ كَلالَةً، فَقالَ: الكَلالَةُ! الكَلالَةُ! الكَلالَةُ! وأخَذَ بِلِحْيَتِهِ، ثُمَّ قالَ: واللَّهِ لَأنْ أعْلَمَها أحَبُّ إلَيَّ مِن أنْ يَكُونَ لِي ما عَلى الأرْضِ مِن شَيْءٍ، سَألْتُ عَنْها رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: (ألَمْ تَسْمَعِ الآيَةَ الَّتِي أُنْزِلَتْ في الصَّيْفِ؟) فَأعادَها ثَلاثَ مَرّاتٍ. (p-١٥٢)وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ أبِي سَلَمَةَ قالَ: «جاءَ رَجُلٌ إلى النَّبِيِّ ﷺ فَسَألَهُ عَنِ الكَلالَةِ فَقالَ: (ألَمْ تَسْمَعِ الآيَةَ الَّتِي أُنْزِلَتْ في الصَّيْفِ: ﴿وإنْ كانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً﴾ [النساء: ١٢] ؟) إلى آخِرِ الآيَةِ» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ، بِسَنَدٍ جَيِّدٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ، أنَّهُ سُئِلَ عَنْ زَوْجٍ وأُخْتٍ لِأبٍ وأُمٍّ، فَأعْطى الزَّوْجَ النِّصْفَ، والأُخْتَ النِّصْفَ، فَكُلِّمَ في ذَلِكَ فَقالَ: حَضَرْتُ النَّبِيَّ ﷺ قَضى بِذَلِكَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، والبُخارِيُّ، والحاكِمُ، والبَيْهَقِيُّ، عَنِ الأسْوَدِ قالَ: «قَضى فِينا مُعاذُ بْنُ جَبَلٍ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في ابْنَةٍ وأُخْتٍ لِلِابْنَةِ النِّصْفُ ولِلْأُخْتِ النِّصْفُ» .
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، والبُخارِيُّ، والحاكِمُ، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ هُزَيْلِ بْنِ شُرَحْبِيلَ، أنَّ أبا مُوسى الأشْعَرِيَّ سُئِلَ عَنِ ابْنِةٍ، وابْنَةِ ابْنٍ، وأُخْتٍ لِأبَوَيْنِ فَقالَ: لِلْبِنْتِ النِّصْفُ، ولِلْأُخْتِ النِّصْفُ، وائْتِ ابْنَ مَسْعُودٍ فَيُتابِعُنِي، فَسُئِلَ ابْنُ مَسْعُودٍ وأُخْبِرَ بِقَوْلِ أبِي مُوسى، فَقالَ: لَقَدْ ضَلَلْتُ إذَنْ وما أنا مِنَ المُهْتَدِينَ، (p-١٥٣)أقْضِي فِيها بِما قَضى النَّبِيُّ ﷺ لِلِابْنَةِ النِّصْفُ، ولِابْنَةِ الِابْنِ السُّدُسُ تَكْمِلَةَ الثُّلُثَيْنِ، وما بَقِيَ فَلِلْأُخْتِ، فَأخْبَرْناهُ بِقَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ فَقالَ: لا تَسْألُونِي ما دامَ هَذا الحَبْرُ فِيكم.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ المُنْذِرِ، والحاكِمُ، والبَيْهَقِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أنَّهُ سُئِلَ عَنْ رَجُلٍ تُوُفِّيَ وتَرَكَ ابْنَتَهُ، وأُخْتَهُ لِأبِيهِ وأُمِّهِ، فَقالَ: لِلْبِنْتِ النِّصْفُ، ولَيْسَ لِلْأُخْتِ شَيْءٌ، وما بَقِيَ فَلِعَصَبَتِهِ، فَقِيلَ: إنَّ عُمَرَ جَعَلَ لِلْأُخْتِ النِّصْفَ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أنْتُمْ أعْلَمُ أمِ اللَّهُ؟ قالَ اللَّهُ: ﴿إنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ ولَدٌ ولَهُ أُخْتٌ فَلَها نِصْفُ ما تَرَكَ﴾ فَقُلْتُمْ أنْتُمْ: لَها النِّصْفُ، وإنْ كانَ لَهُ ولَدٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، والحاكِمُ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: شَيْءٌ لا تَجِدُونَهُ في كِتابِ اللَّهِ، ولا في قَضاءِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وتَجِدُونَهُ في النّاسِ كُلِّهِمْ، لِلِابْنَةِ النِّصْفُ، ولِلْأُخْتِ النِّصْفُ، وقَدْ قالَ اللَّهُ: ﴿إنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ ولَدٌ ولَهُ أُخْتٌ فَلَها نِصْفُ ما تَرَكَ﴾ .
وأخْرَجَ الشَّيْخانِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «(ألْحِقُوا الفَرائِضَ بِأهْلِها فَما أبْقَتْ فَلِأوْلى رَجُلٍ ذَكَرٍ») .
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ﴾ قالَ: سَألُوا نَبِيَّ اللَّهِ عَنِ (p-١٥٤)الكَلالَةِ، ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكم أنْ تَضِلُّوا﴾ قالَ: في شَأْنِ المَوارِيثِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، والبُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ الضُّرَيْسِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والبَيْهَقِيُّ في (الدَّلائِلِ)، عَنِ البَراءِ قالَ: آخِرُ سُورَةٍ نَزَلَتْ كامِلَةً (بَراءَةٌ)، وآخِرُ آيَةٍ نَزَلَتْ خاتِمَةُ سُورَةِ (النِّساءِ): ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكم في الكَلالَةِ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والبَيْهَقِيُّ في ”سُنَنِهِ“، عَنْ قَتادَةَ قالَ: ذُكِرَ لَنا أنَّ أبا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ قالَ في خُطْبَتِهِ: ألا إنَّ الآيَةَ الَّتِي أُنْزِلَتْ في أوَّلِ سُورَةِ (النِّساءِ) في شَأْنِ الفَرائِضِ أنْزَلَها اللَّهُ في الوَلَدِ والوالِدِ، والآيَةَ الثّانِيَةَ أنْزَلَها في الزَّوْجِ والزَّوْجَةِ والإخْوَةِ مِنَ الأُمِّ، والآيَةَ الَّتِي خَتَمَ بِها سُورَةَ (النِّساءِ) أنْزَلَها في الإخْوَةِ والأخَواتِ مِنَ الأبِ والأُمِّ، والآيَةَ الَّتِي خَتَمَ بِها سُورَةَ (الأنْفالِ) أنْزَلَها في أُولِي الأرْحامِ، بَعْضُهم أوْلى بِبَعْضٍ في كِتابِ اللَّهِ مِمّا جَرَتْ بِهِ الرَّحِمُ مِنَ العَصَبَةِ.
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ في (الصَّغِيرِ)، عَنْ أبِي سَعِيدٍ، «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَكِبَ حِمارًا إلى قُباءٍ يَسْتَخِيرُ في العَمَّةِ والخالَةِ فَأنْزَلَ اللَّهُ: لا مِيراثَ لَهُما» . (p-١٥٥)وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ قالَ: كانَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ إذا قَرَأ: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكم أنْ تَضِلُّوا﴾ قالَ: اللَّهُمَّ مَن بَيَّنْتَ لَهُ الكَلالَةَ فَلَمْ تَتَبَيَّنْ لِي.
وأخْرَجَ أحْمَدُ، عَنْ عَمْرٍو القارِيِّ، «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ دَخَلَ عَلى سَعْدٍ، وهو وجِعٌ مَغْلُوبٌ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّ لِي مالًا، وإنِّي أُورَثُ كَلالَةً، أفَأُوصِي بِمالِي أوْ أتَصَدَّقُ بِهِ؟ قالَ: (لا)، قالَ: أفَأُوصِي بِثُلُثَيْهِ؟ قالَ: (لا)، قالَ: أفَأُوصِي بِشَطْرِهِ؟ قالَ: (لا)، قالَ: أفَأُوصِي بِثُلُثِهِ؟ قالَ: (نَعَمْ، وذاكَ كَثِيرٌ») .
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، عَنْ خارِجَةَ بْنِ زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ أنَّ زَيْدَ بْنَ ثابِتٍ كَتَبَ لِمُعاوِيَةَ رِسالَةً: ﷽، لِعَبْدِ اللَّهِ مُعاوِيَةَ أمِيرِ المُؤْمِنِينَ مِن زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ، سَلامٌ عَلَيْكَ أمِيرَ المُؤْمِنِينَ، ورَحْمَةُ اللَّهِ، فَإنِّي أحْمَدُ إلَيْكَ اللَّهَ الَّذِي لا إلَهَ إلّا هُوَ، أمّا بَعْدُ، فَإنَّكَ كَتَبْتَ تَسْألُنِي عَنْ مِيراثِ الجَدِّ والإخْوَةِ، وإنَّ الكَلالَةَ وكَثِيرًا مِمّا يُقْضى بِهِ في هَذِهِ المَوارِيثِ لا يَعْلَمُ مَبْلَغَها إلّا اللَّهُ، وقَدْ كُنّا نَحْضُرُ مِن ذَلِكَ أُمُورًا عِنْدَ الخُلَفاءِ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَوَعِينا مِنها ما شِئْنا أنْ نَعِيَ، فَنَحْنُ نُفْتِي بَعْدَ مَنِ اسْتَفْتانا في المَوارِيثِ.
المائدة 5:1
(p-١٥٦)سُورَةُ المائِدَةِ
أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ قَتادَةَ قالَ: (المائِدَةُ) مَدَنِيَّةٌ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ، وأبُو عُبَيْدٍ في (فَضائِلِهِ)، والنَّسائِيُّ، والنَّحّاسُ في (ناسِخِهِ)، وابْنُ المُنْذِرِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في ”سُنَنِهِ“، عَنْ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ قالَ: حَجَجْتُ فَدَخَلْتُ عَلى عائِشَةَ فَقالَتْ لِي: يا جُبَيْرُ، تَقْرَأُ (المائِدَةَ)؟ فَقُلْتُ: نَعَمْ، فَقالَتْ: أما إنَّها آخِرُ سُورَةٍ نَزَلَتْ، فَما وجَدْتُمْ فِيها مِن حَلالٍ فاسْتَحِلُّوهُ، وما وجَدْتُمْ مِن حَرامٍ فَحَرِّمُوهُ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ، والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في ”سُنَنِهِ“، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قالَ: آخِرُ سُورَةٍ نَزَلَتْ سُورَةُ (المائِدَةِ) و(الفَتْحِ) .
وأخْرَجَ أحْمَدُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قالَ: «أُنْزِلَتْ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ سُورَةُ (المائِدَةِ)، وهو راكِبٌ عَلى راحِلَتِهِ، فَلَمْ تَسْتَطِعْ أنْ تَحْمِلَهُ فَنَزَلَ عَنْها» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، ومُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ في (كِتابِ الصَّلاةِ)، والطَّبَرانِيُّ، وأبُو نُعَيْمٍ في (الدَّلائِلِ)، والبَيْهَقِيُّ في (شُعَبِ الإيمانِ)، عَنْ أسْماءَ بِنْتِ يَزِيدَ قالَتْ: إنِّي لَآخِذَةٌ بِزِمامِ العَضْباءِ، ناقَةِ رَسُولِ اللَّهِ (p-١٥٧)ﷺ إذْ نَزَلَتِ (المائِدَةُ) كُلُّها، فَكادَتْ مِن ثِقَلِها تَدُقُّ عَضُدَ النّاقَةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ في (مُسْنَدِهِ)، والبَغَوِيُّ في (مُعْجَمِهِ)، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في (دَلائِلِ النُّبُوَّةِ)، عَنْ أُمِّ عَمْرِو بِنْتِ عَيْسٍ، عَنْ عَمِّها أنَّهُ كانَ في مَسِيرٍ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَنَزَلَتْ عَلَيْهِ سُورَةُ (المائِدَةِ)، فانْدَقَّ كَتِفُ راحِلَتِهِ العَضْباءِ مِن ثِقَلِ السُّورَةِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ في (مُسْنَدِهِ)، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَرَأ في خُطْبَتِهِ سُورَةَ (المائِدَةِ) و(التَّوْبَةِ») .
وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ (المائِدَةِ) عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في حَجَّةِ الوَداعِ، فِيما بَيْنَ مَكَّةَ والمَدِينَةِ، وهو عَلى ناقَتِهِ، فانْصَدَعَتْ كَتِفُها، فَنَزَلَ عَنْها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أنَسٍ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ (المائِدَةِ) عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في المَسِيرِ في حَجَّةِ الوَداعِ، وهو راكِبٌ راحِلَتَهُ، فَبَرَكَتْ بِهِ راحِلَتُهُ مِن ثِقَلِها.
وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ، عَنْ ضَمْرَةَ بْنِ حَبِيبٍ، وعَطِيَّةَ بْنِ قَيْسٍ، قالا: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ (p-١٥٨)ﷺ: (المائِدَةُ مِن آخِرِ القُرْآنِ تَنْزِيلًا، فَأحِلُّوا حَلالَها وحَرِّمُوا حَرامَها») .
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ أبِي مَيْسَرَةَ قالَ: آخِرُ سُورَةٍ أُنْزِلَتْ سُورَةُ (المائِدَةِ)، وإنَّ فِيها لَسَبْعَ عَشْرَةَ فَرِيضَةً.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وأبُو عُبَيْدٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ أبِي مَيْسَرَةَ قالَ: في (المائِدَةِ) ثَمانِ عَشْرَةَ فَرِيضَةً لَيْسَ في سُورَةٍ مِنَ القُرْآنِ غَيْرِها، ولَيْسَ فِيها مَنسُوخٌ، ﴿والمُنْخَنِقَةُ والمَوْقُوذَةُ والمُتَرَدِّيَةُ والنَّطِيحَةُ وما أكَلَ السَّبُعُ إلا ما ذَكَّيْتُمْ وما ذُبِحَ عَلى النُّصُبِ وأنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالأزْلامِ﴾ [المائدة: ٣]، و﴿الجَوارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾ [المائدة: ٤]، ﴿وطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ [المائدة: ٥]، ﴿والمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ [المائدة: ٥]، وتَمامُ الطَّهُورِ ﴿إذا قُمْتُمْ إلى الصَّلاةِ فاغْسِلُوا﴾ [المائدة: ٦]، ﴿والسّارِقُ والسّارِقَةُ﴾ [المائدة: ٣٨] و﴿ما جَعَلَ اللَّهُ مِن بَحِيرَةٍ﴾ [المائدة: ١٠٣] الآيَةَ.
وأخْرَجَ أبُو داوُدَ، والنَّحّاسُ كِلاهُما في (النّاسِخِ)، عَنْ أبِي مَيْسَرَةَ عَمْرِو بْنِ شُرَحْبِيلَ قالَ: لَمْ يُنْسَخْ مِنَ (المائِدَةِ) شَيْءٌ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وأبُو داوُدَ في (ناسِخِهِ)، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَوْنٍ قالَ: قُلْتُ لِلْحَسَنِ: نُسِخَ مِنَ (المائِدَةِ) شَيْءٌ؟ فَقالَ: لا.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وأبُو داوُدَ في (ناسِخِهِ)، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والنَّحّاسُ، عَنِ الشَّعْبِيِّ قالَ: لَمْ يُنْسَخْ مِنَ (المائِدَةِ) إلّا هَذِهِ الآيَةُ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ (p-١٥٩)آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ ولا الشَّهْرَ الحَرامَ ولا الهَدْيَ ولا القَلائِدَ﴾ [المائدة: ٢] .
وأخْرَجَ أبُو داوُدَ في (ناسِخِهِ)، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والنَّحّاسُ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نُسِخَ مِن هَذِهِ السُّورَةِ آيَتانِ، آيَةُ القَلائِدِ، وقَوْلُهُ: ﴿فَإنْ جاءُوكَ فاحْكم بَيْنَهم أوْ أعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ [المائدة: ٤٢] .
وأخْرَجَ البَغَوِيُّ في (مُعْجَمِهِ)، مِن طَرِيقِ عَبْدَةَ بْنِ أبِي لُبابَةَ قالَ: بَلَغَنِي عَنْ سالِمٍ مَوْلى أبِي حُذَيْفَةَ قالَ: «كانَتْ لِي إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حاجَةٌ، فَأتَيْتُ المَسْجِدَ، فَوَجَدْتُهُ قَدْ كَبِرَ، فَتَقَدَّمْتُ قَرِيبًا مِنهُ، فَقَرَأ بِسُورَةِ (البَقَرَةِ)، وبِسُورَةِ (النِّساءِ)، وبِسُورَةِ (المائِدَةِ)، وبِسُورَةِ (الأنْعامِ)، ثُمَّ رَكَعَ فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: (سُبْحانَ رَبِّيَ العَظِيمِ)، ثُمَّ قامَ فَسَجَدَ، فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: (سُبْحانَ رَبِّيَ الأعْلى) ثَلاثًا في كُلِّ رَكْعَةٍ» .
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أوْفُوا بِالعُقُودِ﴾ .
أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في (شُعَبِ الإيمانِ)، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿أوْفُوا بِالعُقُودِ﴾ يَعْنِي: بِالعُهُودِ، ما أحَلَّ اللَّهُ وما حَرَّمَ، وما فَرَضَ وما حَدَّ في القُرْآنِ كُلِّهِ، لا تَغْدِرُوا، ولا (p-١٦٠)تَنْكُثُوا.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿أوْفُوا بِالعُقُودِ﴾ أيْ بِعَقْدِ الجاهِلِيَّةِ، ذُكِرَ لَنا أنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ كانَ يَقُولُ: «(أوْفُوا بِعَقْدِ الجاهِلِيَّةِ، ولا تُحْدِثُوا عَقْدًا في الإسْلامِ») .
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿أوْفُوا بِالعُقُودِ﴾ قالَ: بِالعُهُودِ، وهي عُقُودُ الجاهِلِيَّةِ، الحِلْفُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدَةَ قالَ: العُقُودُ خَمْسٌ: عُقْدَةُ الأيْمانِ، وعُقْدَةُ النِّكاحِ، وعُقْدَةُ البَيْعِ، وعُقْدَةُ العَهْدِ، وعُقْدَةُ الحِلْفِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ في الآيَةِ قالَ: العُقُودُ خَمْسٌ: عُقْدَةُ النِّكاحِ، وعُقْدَةُ الشَّرِكَةِ، وعُقْدَةُ اليَمِينِ، وعُقْدَةُ العَهْدِ، وعُقْدَةُ الحِلْفِ.
وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في (الدَّلائِلِ)، عَنْ أبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ قالَ: «هَذا كِتابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عِنْدَنا الَّذِي كَتَبَهُ لِعَمْرِو بْنِ حَزْمٍ حِينَ بَعَثَهُ إلى اليَمَنِ يُفَقِّهُ أهْلَها، ويُعَلِّمُهُمُ السُّنَّةَ، ويَأْخُذُ صَدَقاتِهِمْ، فَكَتَبَ: (﷽، هَذا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أوْفُوا بِالعُقُودِ﴾ عَهْدًا مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِعَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، أمَرَهُ بِتَقْوى اللَّهِ في أمْرِهِ (p-١٦١)كُلِّهِ، فَإنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا والَّذِينَ هم مُحْسِنُونَ، وأمَرَهُ أنْ يَأْخُذَ الحَقَّ كَما أمَرَهُ، وأنْ يُبَشِّرَ بِالخَيْرِ النّاسَ ويَأْمُرَهم بِهِ») الحَدِيثَ بِطُولِهِ.
وأخْرَجَ الحارِثُ بْنُ أبِي أُسامَةَ في (مُسْنَدِهِ)، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «(أدُّوا لِلْحُلَفاءِ عُقُودَهُمُ الَّتِي عاقَدَتْ أيْمانُكُمْ)، قالُوا: وما عَقْدُهم يا رَسُولَ اللَّهِ؟ قالَ: (العَقْلُ عَنْهم والنَّصْرُ لَهُمْ») .
وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في (شُعَبِ الإيمانِ) عَنْ مُقاتِلِ بْنِ حَيّانَ قالَ: بَلَغَنا في قَوْلِهِ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أوْفُوا بِالعُقُودِ﴾ يَقُولُ: أوْفُوا بِالعُهُودِ، يَعْنِي العَهْدَ الَّذِي كانَ عَهِدَ إلَيْهِمْ في القُرْآنِ، فِيما أمَرَهم مِن طاعَتِهِ أنْ يَعْمَلُوا بِها، ونَهْيِهِ الَّذِي نَهاهم عَنْهُ، وبِالعَهْدِ الَّذِي بَيْنَهم وبَيْنَ المُشْرِكِينَ، وفِيما يَكُونُ مِنَ العُهُودِ بَيْنَ النّاسِ.
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُحِلَّتْ لَكم بَهِيمَةُ الأنْعامِ﴾
أخْرَجَ الطَّسْتِيُّ في (مَسائِلِهِ)، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أنَّ نافِعَ بْنَ الأزْرَقِ قالَ لَهُ: أخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أُحِلَّتْ لَكم بَهِيمَةُ الأنْعامِ﴾ قالَ: يَعْنِي الإبِلَ، والبَقَرَ، والغَنَمَ، قالَ: وهَلْ تَعْرِفُ العَرَبُ ذَلِكَ؟ قالَ: نَعَمْ، أما سَمِعْتَ الأعْشى وهو يَقُولُ:
؎أهْلِ القِبابِ الحُمْرِ والنَّـ عَمِ المُؤَبَّلِ والقَنابِلْ
(p-١٦٢)وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿أُحِلَّتْ لَكم بَهِيمَةُ الأنْعامِ﴾ قالَ: الإبِلُ، والبَقَرُ، والغَنَمُ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أنَّهُ أخَذَ بِذَنَبِ الجَنِينِ، فَقالَ: هَذا مِن بَهِيمَةِ الأنْعامِ الَّتِي أُحِلَّتْ لَكم.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ في قَوْلِهِ: ﴿أُحِلَّتْ لَكم بَهِيمَةُ الأنْعامِ﴾ قالَ: ما في بُطُونِها، قُلْتُ: إنْ خَرَجَ مَيِّتًا آكُلُهُ؟ قالَ: نَعَمْ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿أُحِلَّتْ لَكم بَهِيمَةُ الأنْعامِ﴾ قالَ: الأنْعامُ كُلُّها، ﴿إلا ما يُتْلى عَلَيْكُمْ﴾ قالَ: إلّا المَيْتَةَ، وما لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في (شُعَبِ الإيمانِ)، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿أُحِلَّتْ لَكم بَهِيمَةُ الأنْعامِ إلا ما يُتْلى عَلَيْكُمْ﴾ قالَ: ﴿المَيْتَةُ والدَّمُ ولَحْمُ الخِنْزِيرِ وما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ [المائدة: ٣] [المائِدَةِ: ٣]، إلى آخِرِ الآيَةِ، فَهَذا ما حَرَّمَ اللَّهُ مِن بَهِيمَةِ الأنْعامِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: (p-١٦٣)﴿إلا ما يُتْلى عَلَيْكُمْ﴾ قالَ: إلّا المَيْتَةَ وما ذُكِرَ مَعَها، ﴿غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وأنْتُمْ حُرُمٌ﴾ قالَ: غَيْرَ أنْ يُحِلَّ الصَّيْدَ أحَدٌ وهو حَرامٌ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ أيُّوبَ قالَ: سُئِلَ مُجاهِدٌ، عَنِ القِرْدِ، أيُؤْكَلُ لَحْمُهُ؟ فَقالَ: لَيْسَ مِن بَهِيمَةِ الأنْعامِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أنَسٍ في الآيَةِ قالَ: الأنْعامُ كُلُّها حِلٌّ إلّا ما كانَ مِنها وحْشِيًّا، فَإنَّهُ صَيْدٌ، فَلا يَحِلُّ إذا كانَ مُحْرِمًا.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ ما يُرِيدُ﴾ قالَ: إنَّ اللَّهَ حَكَمَ ما أرادَ في خَلْقِهِ، وبَيَّنَ ما أرادَ في عِبادِهِ، وفَرَضَ فَرائِضَهُ، وحَدَّ حُدُودَهُ، وأمَرَ بِطاعَتِهِ، ونَهى عَنْ مَعْصِيَتِهِ.
المائدة 5:2
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ﴾ الآيَةَ.
أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والنَّحّاسُ في (ناسِخِهِ)، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ﴾ قالَ: كانَ المُشْرِكُونَ يَحُجُّونَ البَيْتَ الحَرامَ، ويُهْدُونَ الهَدايا، ويُعَظِّمُونَ حُرْمَةَ المَشاعِرِ، ويَنْحَرُونَ (p-١٦٤)فِي حَجِّهِمْ، فَأرادَ المُسْلِمُونَ أنْ يُغِيرُوا عَلَيْهِمْ فَقالَ اللَّهُ: ﴿لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ﴾ وفي قَوْلِهِ: ﴿ولا الشَّهْرَ الحَرامَ﴾ يَعْنِي تَسْتَحِلُوا قِتالًا فِيهِ، ﴿ولا آمِّينَ البَيْتَ الحَرامَ﴾ يَعْنِي: مَن تَوَجَّهَ قِبَلَ البَيْتِ فَكانَ المُؤْمِنُونَ والمُشْرِكُونَ يَحُجُّونَ البَيْتَ جَمِيعًا، فَنَهى اللَّهُ المُؤْمِنِينَ أنْ يَمْنَعُوا أحَدًا يَحُجُّ البَيْتَ أوْ يَتَعَرَّضُوا لَهُ مِن مُؤْمِنٍ أوْ كافِرٍ، ثُمَّ أنْزَلَ اللَّهُ بَعْدَ هَذا: ﴿إنَّما المُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا المَسْجِدَ الحَرامَ بَعْدَ عامِهِمْ هَذا﴾ [التوبة: ٢٨] وفي قَوْلِهِ: ﴿يَبْتَغُونَ فَضْلا﴾ يَعْنِي: إنَّهم يَتَرَضَّوْنَ اللَّهَ بِحَجِّهِمْ، ﴿ولا يَجْرِمَنَّكُمْ﴾ يَقُولُ: يَحْمِلَنَّكُمْ، ﴿شَنَآنُ قَوْمٍ﴾ يَقُولُ: عَداوَةُ قَوْمٍ، ﴿وتَعاوَنُوا عَلى البِرِّ والتَّقْوى﴾ قالَ: البِرُّ، ما أُمِرْتَ بِهِ، والتَّقْوى ما نُهِيتَ عَنْهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في الآيَةِ قالَ: ﴿شَعائِرَ اللَّهِ﴾ ما نَهى اللَّهُ عَنْهُ أنْ تُصِيبَهُ وأنْتَ مُحْرِمٌ، والهَدْيُ ما لَمْ يُقَلَّدْ، والقَلائِدُ مُقَلَّداتُ الهَدْيِ، ﴿ولا آمِّينَ البَيْتَ الحَرامَ﴾ يَقُولُ: مَن تَوَجَّهَ حاجًّا.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ﴾ قالَ: مَناسِكَ الحَجِّ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ﴾ قالَ: مَعالِمُ اللَّهِ في الحَجِّ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ عَطاءٍ، أنَّهُ سُئِلَ عَنْ شَعائِرِ الحَجِّ فَقالَ: (p-١٦٥)حُرُماتُ اللَّهِ، اجْتِنابُ سَخَطِ اللَّهِ، واتِّباعُ طاعَتِهِ، فَذَلِكَ شَعائِرُ اللَّهِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، والنَّحّاسُ في (ناسِخِهِ)، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ ولا الشَّهْرَ الحَرامَ ولا الهَدْيَ ولا القَلائِدَ ولا آمِّينَ البَيْتَ الحَرامَ﴾ قالَ: مَنسُوخٌ، كانَ الرَّجُلُ في الجاهِلِيَّةِ إذا خَرَجَ مِن بَيْتِهِ يُرِيدُ الحَجَّ تَقَلَّدَ مِنَ السَّمُرِ، فَلَمْ يَعْرِضْ لَهُ أحَدٌ، وإذا تَقَلَّدَ بِقِلادَةِ شَعَرٍ، لَمْ يَعْرِضْ لَهُ أحَدٌ، وكانَ المُشْرِكُ يَوْمَئِذٍ لا يُصَدُّ عَنِ البَيْتِ فَأمَرَ اللَّهُ أنْ لا يُقاتَلَ المُشْرِكُونَ في الشَّهْرِ الحَرامِ، ولا عِنْدَ البَيْتِ، ثُمَّ نَسَخَها قَوْلُهُ: ﴿فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] [التَّوْبَةِ: ٥] .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ قَتادَةَ في الآيَةِ قالَ: نُسِخَ مِنها: ﴿آمِّينَ البَيْتَ الحَرامَ﴾ نَسَخَتْها الآيَةُ الَّتِي في (بَراءَةٌ)، قالَ: ﴿فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] وقالَ: ﴿ما كانَ لِلْمُشْرِكِينَ أنْ يَعْمُرُوا مَساجِدَ اللَّهِ شاهِدِينَ عَلى أنْفُسِهِمْ بِالكُفْرِ﴾ [التوبة: ١٧] [التَّوْبَةِ: ١٧]، وقالَ: ﴿إنَّما المُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا المَسْجِدَ الحَرامَ بَعْدَ عامِهِمْ هَذا﴾ [التوبة: ٢٨] [التَّوْبَةِ: ٢٨]، وهو العامُ الَّذِي حَجَّ فِيهِ أبُو بَكْرٍ، ونادى عَلِيٌّ بِالأذانِ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ﴾ الآيَةَ. (p-١٦٦)قالَ: نَسَخَتْها: ﴿فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنِ الضَّحّاكِ، مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ عَطاءٍ قالَ: كانُوا يَتَقَلَّدُونَ مِن لِحاءِ شَجَرِ الحَرَمِ، يَأْمَنُونَ بِذَلِكَ إذا خَرَجُوا مِنَ الحَرَمِ، فَنَزَلَتْ: ﴿لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ﴾ الآيَةَ، ﴿ولا الهَدْيَ ولا القَلائِدَ﴾ .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ﴾ الآيَةَ، قالَ: القَلائِدُ اللِّحاءُ في رِقابِ النّاسِ، والبَهائِمِ، أمانًا لَهُمْ، والصَّفا والمَرْوَةُ والهَدْيُ والبُدْنُ، كُلُّ هَذا مِن شَعائِرِ اللَّهِ، قالَ أصْحابُ مُحَمَّدٍ ﷺ: هَذا كُلُّهُ مِن عَمَلِ أهْلِ الجاهِلِيَّةِ، فِعْلُهُ وإقامَتُهُ، فَحَرَّمَ اللَّهُ ذَلِكَ كُلَّهُ بِالإسْلامِ إلّا اللِّحاءَ القَلائِدَ، تَرَكَ ذَلِكَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ عَطاءٍ في الآيَةِ قالَ: أمّا القَلائِدُ، فَإنَّ أهْلَ الجاهِلِيَّةِ كانُوا يَنْزِعُونَ مِن لِحاءِ السَّمُرِ، فَيَتَّخِذُونَ مِنها قَلائِدَ يَأْمَنُونَ بِها في النّاسِ، فَنَهى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ أنْ يُنْزَعَ مِن شَجَرِ الحَرَمِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ في قَوْلِهِ: ﴿ولا الشَّهْرَ الحَرامَ﴾ قالَ: هو ذُو القَعْدَةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالحُدَيْبِيَةِ (p-١٦٧)وأصْحابُهُ حِينَ صَدَّهُمُ المُشْرِكُونَ عَنِ البَيْتِ، وقَدِ اشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، فَمَرَّ بِهِمْ أُناسٌ مِنَ المُشْرِكِينَ مِن أهْلِ المَشْرِقِ يُرِيدُونَ العُمْرَةَ، فَقالَ أصْحابُ النَّبِيِّ ﷺ: نَصُدُّ هَؤُلاءِ كَما صَدَّنا أصْحابُنا، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿ولا يَجْرِمَنَّكُمْ﴾ الآيَةَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ السُّدِّيِّ قالَ: «أقْبَلَ الحُطَمُ بْنُ هِنْدٍ البَكْرِيُّ حَتّى أتى النَّبِيَّ ﷺ فَدَعاهُ، فَقالَ: إلامَ تَدْعُو؟ فَأخْبَرَهُ، وقَدْ كانَ النَّبِيُّ ﷺ قالَ لِأصْحابِهِ: (يَدْخُلُ اليَوْمَ عَلَيْكم رَجُلٌ مِن رَبِيعَةَ، يَتَكَلَّمُ بِلِسانِ شَيْطانٍ)، فَلَمّا أخْبَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ، قالَ: انْظُرُوا لَعَلِّي أُسْلِمُ، ولِي مَن أُشاوِرُهُ، فَخَرَجَ مِن عِنْدِهِ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (لَقَدْ دَخَلَ بِوَجْهِ كافِرٍ، وخَرَجَ بِعَقِبِ غادِرٍ)، فَمَرَّ بِسَرْحٍ مِن سَرْحِ المَدِينَةِ، فَساقَهُ، ثُمَّ أقْبَلَ مِن عامِ قابِلٍ حاجًّا، قَدْ قَلَّدَ وأهْدى، فَأرادَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنْ يَبْعَثَ إلَيْهِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ حَتّى بَلَغَ: ﴿ولا آمِّينَ البَيْتَ الحَرامَ﴾ فَقالَ ناسٌ مِن أصْحابِهِ: يا رَسُولَ اللَّهِ، خَلِّ بَيْنَنا وبَيْنَهُ، فَإنَّهُ صاحِبُنا، قالَ: (إنَّهُ قَدْ قَلَّدَ) قالُوا: إنَّما هو شَيْءٌ كُنّا نَصْنَعُهُ في الجاهِلِيَّةِ، فَأبى عَلَيْهِمْ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: «قَدِمَ الحُطَمُ بْنُ هِنْدٍ البَكْرِيُّ المَدِينَةَ في عِيرٍ لَهُ، تَحْمِلُ طَعامًا، فَباعَهُ، ثُمَّ دَخَلَ عَلى النَّبِيِّ ﷺ فَبايَعَهُ، وأسْلَمَ، فَلَمّا ولّى خارِجًا نَظَرَ إلَيْهِ، فَقالَ لِمَن عِنْدَهُ: (لَقَدْ دَخَلَ عَلَيَّ بِوَجْهِ فاجِرٍ، ووَلّى بِقَفا غادِرٍ)، فَلَمّا قَدِمَ اليَمامَةَ ارْتَدَّ عَنِ الإسْلامِ، وخَرَجَ في عِيرٍ لَهُ تَحْمِلُ الطَّعامَ (p-١٦٨)فِي ذِي القَعْدَةِ يُرِيدُ مَكَّةَ، فَلَمّا سَمِعَ بِهِ أصْحابُ النَّبِيِّ ﷺ، تَهَيَّأ لِلْخُرُوجِ إلَيْهِ نَفَرٌ مِنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ لِيَقْتَطِعُوهُ في عِيرِهِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ﴾ الآيَةَ، فانْتَهى القَوْمُ» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ زَيْدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولا آمِّينَ البَيْتَ الحَرامَ﴾ قالَ: هَذا يَوْمُ الفَتْحِ، جاءَ ناسٌ يَؤُمُّونَ البَيْتَ مِنَ المُشْرِكِينَ، يُهِلُّونَ بِعُمْرَةٍ، فَقالَ المُسْلِمُونَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّما هَؤُلاءِ مُشْرِكُونَ، فَمِثْلُ هَؤُلاءِ فَلَنْ نَدَعَهم إلّا أنْ نُغِيرَ عَلَيْهِمْ، فَنَزَلَ القُرْآنُ: ﴿ولا آمِّينَ البَيْتَ الحَرامَ﴾ .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولا آمِّينَ البَيْتَ الحَرامَ يَبْتَغُونَ فَضْلا مِن رَبِّهِمْ ورِضْوانًا﴾ قالَ: يَبْتَغُونَ الأجْرَ والتِّجارَةَ، حَرَّمَ اللَّهُ عَلى كُلِّ أحَدٍ إخافَتَهم.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿يَبْتَغُونَ فَضْلا مِن رَبِّهِمْ ورِضْوانًا﴾ قالَ: هي لِلْمُشْرِكِينَ، يَلْتَمِسُونَ فَضْلَ اللَّهِ ورِضْوانًا بِما يُصْلِحُ لَهم دُنْياهم.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: خَمْسُ آياتٍ في كِتابِ اللَّهِ رُخْصَةٌ، ولَيْسَتْ بِعَزْمَةٍ: ﴿وإذا حَلَلْتُمْ فاصْطادُوا﴾ إنْ شاءَ (p-١٦٩)اصْطادَ، وإنْ شاءَ لَمْ يَصْطَدْ، ﴿فَإذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فانْتَشِرُوا﴾ [الجمعة: ١٠] [الجُمُعَةِ: ١٠]، ﴿أوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِن أيّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤] [البَقَرَةِ: ١٨٤]، ﴿فَكُلُوا مِنها وأطْعِمُوا﴾ [الحج: ٢٨] [الحَجِّ: ٢٨، ٣٦]
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عَطاءٍ قالَ: خَمْسٌ مِن كِتابِ اللَّهِ رُخْصَةٌ ولَيْسَتْ بِعَزِيمَةٍ: ﴿فَكُلُوا مِنها وأطْعِمُوا﴾ [الحج: ٢٨]، فَمَن شاءَ أكَلَ ومَن شاءَ لَمْ يَأْكُلْ، ﴿وإذا حَلَلْتُمْ فاصْطادُوا﴾، مَن شاءَ فَعَلَ، ومَن شاءَ لَمْ يَفْعَلْ، ﴿ومَن كانَ مَرِيضًا أوْ عَلى سَفَرٍ﴾ [البقرة: ١٨٥]، فَمَن شاءَ صامَ، ومَن شاءَ أفْطَرَ، ﴿فَكاتِبُوهم إنْ عَلِمْتُمْ﴾ [النور: ٣٣] [النُّورِ: ٣٣]، إنْ شاءَ كاتَبَ، وإنْ شاءَ لَمْ يَفْعَلْ، ﴿فَإذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فانْتَشِرُوا﴾ [الجمعة: ١٠] إنْ شاءَ انْتَشَرَ، وإنْ شاءَ لَمْ يَنْتَشِرْ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿ولا يَجْرِمَنَّكم شَنَآنُ قَوْمٍ﴾ قالَ: لا يَحْمِلَنَّكم بُغْضُ قَوْمٍ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أنَسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولا آمِّينَ البَيْتَ الحَرامَ﴾ قالَ: الَّذِينَ يُرِيدُونَ الحَجَّ، ﴿يَبْتَغُونَ فَضْلا مِن رَبِّهِمْ﴾ قالَ: التِّجارَةَ في الحَجِّ، ﴿ورِضْوانًا﴾ قالَ: الحَجَّ، ﴿ولا يَجْرِمَنَّكم شَنَآنُ قَوْمٍ﴾ قالَ: عَداوَةُ قَوْمٍ، ﴿وتَعاوَنُوا عَلى البِرِّ والتَّقْوى﴾ قالَ: البِرُّ، ما أُمِرْتَ بِهِ، والتَّقْوى ما نُهِيتَ عَنْهُ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ في هَذِهِ الآيَةِ، والبُخارِيُّ في (تارِيخِهِ) عَنْ وابِصَةَ قالَ: «أتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وأنا لا أُرِيدُ أنْ أدَعَ شَيْئًا مِنَ البِرِّ والإثْمِ إلّا (p-١٧٠)سَألْتُهُ عَنْهُ، فَقالَ لِي: (يا وابِصَةُ، أُخْبِرُكَ عَمّا جِئْتَ تَسْألُ عَنْهُ، أمْ تَسْألُ؟) قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، أخْبِرْنِي قالَ: (جِئْتَ لِتَسْألَ عَنِ البِرِّ والإثْمِ)، ثُمَّ جَمَعَ أصابِعَهُ الثَّلاثَ، فَجَعَلَ يَنْكُتُ بِها في صَدْرِي ويَقُولُ: (يا وابِصَةُ، اسْتَفْتِ قَلْبَكَ، اسْتَفْتِ نَفْسَكَ، البِرُّ: ما اطْمَأنَّ إلَيْهِ القَلْبُ، واطْمَأنَّتْ إلَيْهِ النَّفْسُ، والإثْمُ: ما حاكَ في القَلْبِ، وتَرَدَّدَ في الصَّدْرِ، وإنْ أفْتاكَ النّاسُ وأفْتَوْكَ») .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأحْمَدُ، والبُخارِيُّ في (الأدَبِ)، ومُسْلِمٌ، والتِّرْمِذِيُّ، والحاكِمُ، والبَيْهَقِيُّ في (الشُّعَبِ)، عَنِ النَّوّاسِ بْنِ سَمْعانَ قالَ: «سَألْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنِ البِرِّ والإثْمِ، فَقالَ: (البِرُّ حُسْنُ الخُلُقِ، والإثْمُ ما حاكَ في صَدْرِكَ وكَرِهْتَ أنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِ النّاسُ») .
وأخْرَجَ أحْمَدُ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ حِبّانَ، والطَّبَرانِيُّ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ، عَنْ أبِي أُمامَةَ «أنَّ رَجُلًا سَألَ النَّبِيَّ ﷺ عَنِ الإثْمِ فَقالَ: (ما حاكَ في نَفْسِكَ فَدَعْهُ)، قالَ: فَما الإيمانُ؟ قالَ: (مَن ساءَتْهُ سَيِّئَتُهُ، وسَرَّتْهُ حَسَنَتُهُ فَهو مُؤْمِنٌ») .
(p-١٧١)وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قالَ: الإثْمُ حَوازُّ القُلُوبِ.
وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: الإثْمُ حَوازُّ القُلُوبِ، فَإذا حَزَّ في قَلْبِ أحَدِكم شَيْءٌ فَلْيَدَعْهُ.
وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «(الإثْمُ حَوازُّ القُلُوبِ، وما مِن نَظْرَةٍ إلّا ولِلشَّيْطانِ فِيها مَطْمَعٌ») .
وأخْرَجَ أحْمَدُ، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «(ما مِن رَجُلٍ يَنْعَشُ لِسانُهُ حَقًّا يُعْمَلُ بِهِ، إلّا أُجْرِيَ عَلَيْهِ أجْرُهُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، ثُمَّ بَوَّأهُ اللَّهُ ثَوابَهُ يَوْمَ القِيامَةِ») .
وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «(إنَّ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ فِيما يُخاطِبُ رَبَّهُ عَزَّ وجَلَّ: يا رَبِّ، أيُّ عِبادِكَ أحَبُّ إلَيْكَ أُحِبُّهُ (p-١٧٠)بِحُبِّكَ؟ قالَ: يا داوُدُ، أحَبُّ عِبادِي إلَيَّ نَقِيُّ القَلْبِ، نَقِيُّ الكَفَّيْنِ، لا يَأْتِي إلى أحَدٍ سُوءًا، ولا يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ، تَزُولُ الجِبالُ ولا يَزُولُ، أحَبَّنِي وأحَبَّ مَن يُحِبُّنِي، وحَبَّبَنِي إلى عِبادِي، قالَ: يا رَبِّ، إنَّكَ لَتَعْلَمُ أنِّي أُحِبُّكَ وأُحِبُّ مَن يُحِبُّكَ، فَكَيْفَ أُحَبِّبُكَ إلى عِبادِكَ؟ قالَ: ذَكِّرْهم بِآلائِي، وبَلائِي، ونَعْمائِي، يا داوُدُ، إنَّهُ لَيْسَ مِن عَبْدٍ يُعِينُ مَظْلُومًا، أوْ يَمْشِي مَعَهُ في مَظْلِمَتِهِ إلّا أُثَبِّتُ قَدَمَيْهِ يَوْمَ تَزُولُ الأقْدامُ») .
وأخْرَجَ أحْمَدُ، عَنْ أبِي الدَّرْداءِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «(مَن رَدَّ عَنْ عِرْضِ أخِيهِ، رَدَّ اللَّهُ عَنْ وجْهِهِ النّارَ يَوْمَ القِيامَةِ») .
وأخْرَجَ ابْنُ ماجَهْ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «(مَن أعانَ عَلى قَتْلِ مُؤْمِنٍ، ولَوْ بِشَطْرِ كَلِمَةٍ، لَقِيَ اللَّهَ مَكْتُوبٌ بَيْنَ عَيْنَيْهِ: آيِسٌ مِن رَحْمَةِ اللَّهِ») .
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ في (الأوْسَطِ)، والحاكِمُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «(مَن أعانَ ظالِمًا بِباطِلٍ لِيُدْحِضَ بِهِ حَقًّا، فَقَدْ بَرِئَ مِن ذِمَّةِ اللَّهِ ورَسُولِهِ») .
وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «(مَن (p-١٧٣)أعانَ عَلى خُصُومَةٍ بِغَيْرِ حَقٍّ، كانَ في سَخَطِ اللَّهِ حَتّى يَنْزِعَ») .
وأخْرَجَ البُخارِيُّ في (تارِيخِهِ)، والطَّبَرانِيُّ، والبَيْهَقِيُّ، في (شُعَبِ الإيمانِ)، عَنْ أوْسِ بْنِ شُرَحْبِيلَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «(مَن مَشى مَعَ ظالِمٍ لِيُعِينَهُ، وهو يَعْلَمُ أنَّهُ ظالِمٌ، فَقَدْ خَرَجَ مِنَ الإسْلامِ») .
وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في (شُعَبِ الإيمانِ)، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَن حالَتْ شَفاعَتُهُ دُونَ حَدٍّ مِن حُدُودِ اللَّهِ، فَقَدْ ضادَّ اللَّهَ في أمْرِهِ، ومَن ماتَ وعَلَيْهِ دَيْنٌ، فَلَيْسَ بِالدِّينارِ والدِّرْهَمِ، ولَكِنَّها الحَسَناتُ والسَّيِّئاتُ، ومَن خاصَمَ في باطِلٍ، وهو يَعْلَمُهُ، لَمْ يَزَلْ في سَخَطِ اللَّهِ حَتّى يَنْزِعَ، ومَن قالَ في مُؤْمِنٍ ما لَيْسَ فِيهِ، أسْكَنَهُ اللَّهُ رَدْغَةَ الخَبالِ حَتّى يَخْرُجَ مِمّا قالَ» .
وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ، مِن طَرِيقِ فُسَيْلَةَ، أنَّها سَمِعَتْ أباها، وهو «واثِلَةُ بْنُ الأسْقَعِ، يَقُولُ: سَألْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ: أمِنَ العَصَبِيَّةِ أنْ يُحِبَّ الرَّجُلُ قَوْمَهُ؟ قالَ: (لا، ولَكِنَّ مِنَ العَصَبِيَّةِ أنْ يُعِينَ الرَّجُلُ قَوْمَهُ عَلى الظُّلْمِ») .
(p-١٧٤)وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «(مَن مَشى مَعَ قَوْمٍ يَرى أنَّهُ شاهِدٌ ولَيْسَ بِشاهِدٍ، فَهو شاهِدُ زُورٍ، ومَن أعانَ عَلى خُصُومَةٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ كانَ في سَخَطِ اللَّهِ حَتّى يَنْزِعَ، وقِتالُ المُسْلِمِ كُفْرٌ، وسِبابُهُ فُسُوقٌ») .
وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، عَنْ أبِيهِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «(مَن أعانَ قَوْمًا عَلى ظُلْمٍ، فَهو كالبَعِيرِ المُتَرَدِّي فَهو يَنْزِعُ بِذَنَبِهِ»)، ولَفْظُ الحاكِمِ: «(مَثَلُ الَّذِي يُعِينُ قَوْمَهُ عَلى غَيْرِ الحَقِّ، كَمَثَلِ البَعِيرِ يَتَرَدّى، فَهو يَمُدُّ بِذَنَبِهِ») .
المائدة 5:3
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المَيْتَةُ﴾ الآيَةَ.
أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، عَنْ أبِي أُمامَةَ قالَ: «بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى قَوْمِي أدْعُوهم إلى اللَّهِ ورَسُولِهِ، وأعْرِضُ عَلَيْهِمْ شَعائِرَ الإسْلامِ، فَأتَيْتُهُمْ، فَبَيْنَما نَحْنُ كَذَلِكَ إذْ جاءُوا بِقَصْعَةِ دَمٍ، واجْتَمَعُوا عَلَيْها يَأْكُلُونَها، قالُوا: هَلُمَّ يا صُدَيُّ فَكُلْ، قُلْتُ: ويْحَكُمْ، إنَّما أتَيْتُكم مِن عِنْدِ مَن يُحَرِّمُ هَذا عَلَيْكُمْ، لِما أنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ، قالُوا: وما ذاكَ؟ قالَ: فَتَلَوْتُ عَلَيْهِمْ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المَيْتَةُ والدَّمُ ولَحْمُ الخِنْزِيرِ﴾ الآيَةَ» .
(p-١٧٥)وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ في (المُصَنَّفِ) عَنْ قَتادَةَ قالَ: إذا أكَلَ لَحْمَ الخِنْزِيرِ عُرِضَتْ عَلَيْهِ التَّوْبَةُ، فَإنْ تابَ وإلّا قُتِلَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في ”سُنَنِهِ“، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ قالَ: ما أُهِلَّ لِلطَّواغِيتِ بِهِ، ﴿والمُنْخَنِقَةُ﴾ قالَ: الَّتِي تُخْنَقُ فَتَمُوتُ: ﴿والمَوْقُوذَةُ﴾ قالَ الَّتِي تُضْرَبُ بِالخَشَبَةِ فَتَمُوتُ، ﴿والمُتَرَدِّيَةُ﴾ قالَ: الَّتِي تَتَرَدّى مِنَ الجَبَلِ فَتَمُوتُ، ﴿والنَّطِيحَةُ﴾ قالَ: الشّاةُ الَّتِي تَنْطَحُ الشّاةَ، ﴿وما أكَلَ السَّبُعُ﴾ يَقُولُ: ما أخَذَ السَّبُعُ، ﴿إلا ما ذَكَّيْتُمْ﴾ يَقُولُ: ما ذَبَحْتُمْ مِن ذَلِكَ وبِهِ رُوحٌ فَكُلُوهُ، ﴿وما ذُبِحَ عَلى النُّصُبِ﴾ قالَ: النُّصُبُ، أنْصابٌ كانُوا يَذْبَحُونَ ويُهِلُّونَ عَلَيْها، ﴿وأنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالأزْلامِ﴾ قالَ: هي القِداحُ، كانُوا يَسْتَقْسِمُونَ بِها في الأُمُورِ، ﴿ذَلِكم فِسْقٌ﴾ يَعْنِي: مَن أكَلَ مِن ذَلِكَ كُلِّهِ فَهو فِسْقٌ.
وأخْرَجَ الطَّسْتِيُّ في (مَسائِلِهِ) عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أنَّ نافِعَ بْنَ الأزْرَقِ قالَ لَهُ: أخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿والمُنْخَنِقَةُ﴾ قالَ: كانَتِ العَرَبُ تَخْنُقُ الشّاةَ، فَإذا ماتَتْ أكَلُوا لَحْمَها، قالَ: وهَلْ تَعْرِفُ العَرَبُ ذَلِكَ؟ قالَ: نَعَمْ، أما سَمِعْتَ امْرَأ القَيْسِ وهو يَقُولُ:
؎يَغِطُّ غَطِيطَ البَكْرِ شُدَّ خِناقُهُ لِيَقْتُلَنِي والمَرْءُ لَيْسَ بِقَتّالِ
(p-١٧٦)قالَ: أخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِهِ: ﴿والمَوْقُوذَةُ﴾ قالَ: الَّتِي تُضْرَبُ بِالخَشَبَةِ حَتّى تَمُوتَ، قالَ: وهَلْ تَعْرِفُ العَرَبُ ذَلِكَ؟ قالَ: نَعَمْ، أما سَمِعْتَ الشّاعِرَ يَقُولُ:
؎يَلْوِينَنِي دَيْنَ النَّهارِ وأقْتَضِي ∗∗∗ دَيْنِي إذا وقَذَ النُّعاسُ الرُّقَّدا
قالَ: أخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِهِ: ﴿والأنْصابُ﴾ [المائدة: ٩٠] قالَ: الأنْصابُ الحِجارَةُ الَّتِي كانَتِ العَرَبُ تَعْبُدُها مِن دُونِ اللَّهِ وتَذْبَحُ لَها، قالَ: وهَلْ تَعْرِفُ العَرَبُ ذَلِكَ؟ قالَ: نَعَمْ، أما سَمِعْتَ نابِغَةَ بَنِي ذُبْيانَ وهو يَقُولُ:
؎فَلا لَعَمْرُ الَّذِي مَسَحْتَ كَعْبَتَهُ ∗∗∗ وما هُرِيقَ عَلى الأنْصابِ مِن جَسَدِ
قالَ: أخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِهِ: ﴿وأنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالأزْلامِ﴾ قالَ: الأزْلامُ، القِداحُ، كانُوا يَسْتَقْسِمُونَ الأُمُورَ بِها، مَكْتُوبٌ عَلى أحَدِهِما: أمَرَنِي رَبِّي، وعَلى الآخَرِ نَهانِي رَبِّي، فَإذا أرادُوا أمْرًا أتَوْا بَيْتَ أصْنامِهِمْ، ثُمَّ غَطَّوْا عَلى القِداحِ بِثَوْبٍ، فَأيُّهُما خَرَجَ عَمِلُوا بِهِ، قالَ: وهَلْ تَعْرِفُ العَرَبُ ذَلِكَ؟ قالَ: نَعَمْ، أما سَمِعْتَ الحُطَيْئَةَ وهو يَقُولُ:
؎لا يَزْجُرُ الطَّيْرَ إنْ مَرَّتْ بِهِ سُنُحًا ∗∗∗ ولا يُفاضُ عَلى قِدْحٍ بِأزْلامِ
وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ حاتِمٍ قالَ: «قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنِّي أرْمِي بِالمِعْراضِ الصَّيْدَ فَأُصِيبُ، فَقالَ: (إذا رَمَيْتَ بِالمِعْراضِ فَخَزَقَ (p-١٧٧)فَكُلْهُ، وإنْ أصابَهُ بِعَرْضِهِ فَإنَّما هو وقِيذٌ فَلا تَأْكُلْهُ») .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الرّادَّةُ الَّتِي تَتَرَدّى في البِئْرِ، والمُتَرَدِّيَةُ الَّتِي تَتَرَدّى مِنَ الجَبَلِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ أبِي مَيْسَرَةَ، أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ: (والمَنطُوحَةُ) .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قَرَأ: (وأكِيلُ السَّبُعِ) .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ عَلِيٍّ، قالَ: إذا أدْرَكْتَ ذَكاةَ المَوْقُوذَةِ والمُتَرَدِّيَةِ والنَّطِيحَةِ وهي تُحَرِّكُ يَدًا أوْ رِجْلًا فَكُلْها.
وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «(لا تَأْكُلِ الشَّرِيطَةَ فَإنَّها ذَبِيحَةُ الشَّيْطانِ»)، قالَ ابْنُ المُبارَكِ: هي أنْ تُخْرِجَ الرُّوحَ مِنهُ بِشَرْطٍ مِن غَيْرِ قَطْعِ حُلْقُومٍ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وما ذُبِحَ عَلى النُّصُبِ﴾ قالَ: كانَتْ حِجارَةً حَوْلَ الكَعْبَةِ، يَذْبَحُ عَلَيْها أهْلُ (p-١٧٨)الجاهِلِيَّةِ، ويُبَدِّلُونَها إذا شاءُوا بِحِجارَةٍ أعْجَبَ إلَيْهِمْ مِنها.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وأنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالأزْلامِ﴾ قالَ: سِهامُ العَرَبِ، وكِعابُ فارِسَ، الَّتِي يَتَقامَرُونَ بِها.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: (الأزْلامُ) القِداحُ، يَضْرِبُونَ بِها لِكُلِّ سَفَرٍ وغَزْوٍ وتِجارَةٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ في قَوْلِهِ: ﴿وأنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالأزْلامِ﴾ قالَ: القِداحُ، كانُوا إذا أرادُوا أنْ يَخْرُجُوا في سَفَرٍ جَعَلُوا قِداحًا لِلْخُرُوجِ، ولِلْجُلُوسِ، فَإنْ وقَعَ الخُرُوجُ خَرَجُوا، وإنْ وقَعَ الجُلُوسُ جَلَسُوا.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ في قَوْلِهِ: ﴿وأنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالأزْلامِ﴾ قالَ: حَصًى بِيضٌ كانُوا يَضْرِبُونَ بِها.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ الحَسَنِ في الآيَةِ قالَ: كانُوا إذا أرادُوا أمْرًا أوْ سَفَرًا يَعْمِدُونَ إلى قِداحٍ ثَلاثَةٍ، عَلى واحِدٍ مِنها مَكْتُوبٌ: اؤْمُرْنِي، وعَلى الآخَرِ: انْهَنِي، ويَتْرُكُونَ الآخَرَ مُحَلَّلًا بَيْنَهُما لَيْسَ عَلَيْهِ (p-١٧٩)شَيْءٌ، ثُمَّ يُجِيلُونَها، فَإنْ خَرَجَ الَّذِي عَلَيْهِ: اؤْمُرْنِي، مَضَوْا لِأمْرِهِمْ، وإنْ خَرَجَ الَّذِي عَلَيْهِ: انْهَنِي، كَفُّوا، وإنْ خَرَجَ الَّذِي لَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ، أعادُوها.
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنْ أبِي الدَّرْداءِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «(لَنْ يَلِجَ الدَّرَجاتِ العُلى مَن تَكَهَّنَ، أوِ اسْتَقْسَمَ، أوْ رَجَعَ مِن سَفَرٍ تَطَيُّرًا») .
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اليَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن دِينِكُمْ﴾
أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿اليَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن دِينِكُمْ﴾ قالَ: يَئِسُوا أنْ تَرْجِعُوا إلى دِينِهِمْ أبَدًا.
وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في (شُعَبِ الإيمانِ) عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿اليَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن دِينِكُمْ﴾ يَقُولُ: يَئِسَ أهْلُ مَكَّةَ أنْ تَرْجِعُوا إلى دِينِهِمْ عِبادَةِ الأوْثانِ أبَدًا، ﴿فَلا تَخْشَوْهُمْ﴾ في اتِّباعِ مُحَمَّدٍ، ﴿واخْشَوْنِ﴾ في عِبادَةِ الأوْثانِ وتَكْذِيبِ مُحَمَّدٍ، فَلَمّا كانَ واقِفًا بِعَرَفاتٍ نَزَلَ عَلَيْهِ جِبْرِيلُ وهو رافِعٌ يَدَهُ، والمُسْلِمُونَ يَدْعُونَ اللَّهَ: ﴿اليَوْمَ أكْمَلْتُ لَكم دِينَكُمْ﴾ يَقُولُ: حَلالُكم وحَرامُكُمْ، فَلَمْ يَنْزِلْ بَعْدَ هَذا حَلالٌ وحَرامٌ، ﴿وأتْمَمْتُ عَلَيْكم نِعْمَتِي﴾ قالَ: مِنَّتِي فَلَمْ يَحُجَّ مَعَكم مُشْرِكٌ، ﴿ورَضِيتُ﴾ يَقُولُ: واخْتَرْتُ ﴿لَكُمُ (p-١٨٠)الإسْلامَ دِينًا﴾، مَكَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ إحْدى وثَمانِينَ يَوْمًا، ثُمَّ قَبَضَهُ اللَّهُ إلَيْهِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿اليَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن دِينِكُمْ﴾ ﴿اليَوْمَ أكْمَلْتُ لَكم دِينَكُمْ﴾ قالَ: هَذا حِينَ فَعَلْتُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَلا تَخْشَوْهم واخْشَوْنِ﴾ قالَ: فَلا تَخْشَوْهم أنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكم.
وأخْرَجَ مُسْلِمٌ، عَنْ جابِرٍ، أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «(إنَّ الشَّيْطانَ قَدْ يَئِسَ أنْ يَعْبُدَهُ المُصَلُّونَ في جَزِيرَةِ العَرَبِ، ولَكِنْ في التَّحْرِيشِ بَيْنَهُمْ») .
وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في (الشُّعَبِ)، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، وأبِي سَعِيدٍ قالا: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «(إنَّ الشَّيْطانَ قَدْ أيِسَ أنْ يُعْبَدُ بِأرْضِكم هَذِهِ، ولَكِنَّهُ راضٍ مِنكم بِما تَحْقِرُونَ») .
وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «(إنَّ الشَّيْطانَ قَدْ يَئِسَ أنْ تُعْبَدَ الأصْنامُ بِأرْضِ العَرَبِ، ولَكِنْ سَيَرْضى مِنكم بِدُونِ ذَلِكَ، بِالمُحَقَّراتِ، وهي المُوبِقاتُ يَوْمَ القِيامَةِ، فاتَّقُوا المَظالِمَ ما اسْتَطَعْتُمْ») .
* *
(p-١٨١)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اليَوْمَ أكْمَلْتُ لَكم دِينَكُمْ﴾
أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: أخْبَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ والمُؤْمِنِينَ أنَّهُ قَدْ أكْمَلَ لَهُمُ الإيمانَ فَلا يَحْتاجُونَ إلى زِيادَةٍ أبَدًا، وقَدْ أتَمَّهُ فَلا يَنْقُصُ أبَدًا، وقَدْ رَضِيَهُ فَلا يَسْخَطُهُ أبَدًا.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿اليَوْمَ أكْمَلْتُ لَكم دِينَكُمْ﴾ قالَ: أخْلَصَ اللَّهُ لَهم دِينَهُمْ، ونَفى المُشْرِكِينَ عَنِ البَيْتِ، قالَ: وبَلَغَنا أنَّها أُنْزِلَتْ يَوْمَ عَرَفَةَ، ووافَقَ يَوْمَ جُمُعَةٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿اليَوْمَ أكْمَلْتُ لَكم دِينَكُمْ﴾ قالَ: ذُكِرَ لَنا أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ عَرَفَةَ، يَوْمَ جُمُعَةٍ، حِينَ نَفى اللَّهُ المُشْرِكِينَ عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ، وأخْلَصَ لِلْمُسْلِمِينَ حَجَّهم.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانَ المُشْرِكُونَ والمُسْلِمُونَ يَحُجُّونَ جَمِيعًا، فَلَمّا نَزَلَتْ (بَراءَةٌ) فَنُفِيَ المُشْرِكُونَ عَنِ البَيْتِ الحَرامِ، وحَجَّ المُسْلِمُونَ لا يُشارِكُهم في البَيْتِ الحَرامِ أحَدٌ مِنَ المُشْرِكِينَ، فَكانَ ذَلِكَ مِن تَمامِ النِّعْمَةِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿اليَوْمَ أكْمَلْتُ لَكم دِينَكم وأتْمَمْتُ عَلَيْكم نِعْمَتِي﴾ (p-١٨٢)وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، في قَوْلِهِ: ﴿اليَوْمَ أكْمَلْتُ لَكم دِينَكُمْ﴾ قالَ: تَمامُ الحَجِّ، ونَفْيُ المُشْرِكِينَ عَنِ البَيْتِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ الشَّعْبِيِّ قالَ: «نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿اليَوْمَ أكْمَلْتُ لَكم دِينَكُمْ﴾ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وهو واقِفٌ بِعَرَفاتٍ، وقَدْ أطافَ بِهِ النّاسُ، وتَهَدَّمَتْ مَنارُ الجاهِلِيَّةِ ومَناسِكُهُمْ، واضْمَحَلَّ الشِّرْكُ، ولَمْ يَطُفْ بِالبَيْتِ عُرْيانٌ، ولَمْ يَحُجَّ مَعَهُ في ذَلِكَ العامِ مُشْرِكٌ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿اليَوْمَ أكْمَلْتُ لَكم دِينَكُمْ﴾ [المائدة»: ٣] .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ قالَ: «نَزَلَتْ عَلى النَّبِيِّ ﷺ هَذِهِ الآيَةُ وهو بِعَرَفَةَ: ﴿اليَوْمَ أكْمَلْتُ لَكم دِينَكُمْ﴾ قالَ: وكانَ إذا أعْجَبَتْهُ آياتٌ جَعَلَهُنَّ صَدْرَ السُّورَةِ، قالَ: وكانَ جِبْرِيلُ يَعْلَمُ كَيْفَ يَنْسُكُ» .
وأخْرَجَ الحُمَيْدِيُّ، وأحْمَدُ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والبُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ حِبّانَ، والبَيْهَقِيُّ في ”سُنَنِهِ“، عَنْ طارِقِ بْنِ شِهابٍ قالَ: قالَتِ اليَهُودُ لِعُمَرَ: إنَّكم تَقْرَءُونَ آيَةً في كِتابِكُمْ، لَوْ عَلَيْنا مَعْشَرَ اليَهُودِ نَزَلَتْ، لاتَّخَذْنا ذَلِكَ اليَوْمَ عِيدًا، قالَ: وأيُّ آيَةٍ؟ قالُوا: ﴿اليَوْمَ أكْمَلْتُ لَكم دِينَكم وأتْمَمْتُ عَلَيْكم نِعْمَتِي﴾
قالَ عُمَرُ: واللَّهِ إنِّي (p-١٨٣)لَأعْلَمُ اليَوْمَ الَّذِي نَزَلَتْ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، والسّاعَةَ الَّتِي نَزَلَتْ فِيها، نَزَلَتْ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَشِيَّةَ عَرَفَةَ في يَوْمِ جُمُعَةٍ.
وأخْرَجَ إسْحاقُ بْنُ راهُوَيْهِ في (مُسْنَدِهِ)، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ أبِي العالِيَةِ قالَ: كانُوا عِنْدَ عُمَرَ، فَذَكَرُوا هَذِهِ الآيَةَ، فَقالَ رَجُلٌ مِن أهْلِ الكِتابِ: لَوْ عَلِمْنا أيَّ يَوْمٍ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، لاتَّخَذْناهُ عِيدًا، فَقالَ عُمَرُ: الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَهُ لَنا عِيدًا، واليَوْمَ الثّانِيَ، نَزَلَتْ يَوْمَ عَرَفَةَ، واليَوْمُ الثّانِي يَوْمُ النَّحْرِ، فَأكْمَلَ لَنا الأمْرَ، فَعَلِمْنا أنَّ الأمْرَ بَعْدَ ذَلِكَ في انْتِقاصٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ عَنْتَرَةَ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿اليَوْمَ أكْمَلْتُ لَكم دِينَكُمْ﴾ وذَلِكَ يَوْمَ الحَجِّ الأكْبَرِ، بَكى عُمَرُ، فَقالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: (ما يُبْكِيكَ؟) قالَ: أبْكانِي أنّا كُنّا في زِيادَةٍ مِن دِينِنا، فَأمّا إذْ كَمُلَ، فَإنَّهُ لَمْ يَكْمُلْ شَيْءٌ قَطُّ إلّا نَقَصَ، فَقالَ: (صَدَقْتَ») .
(p-١٨٤)وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ قَبِيصَةَ بْنِ ذُؤَيْبٍ قالَ: قالَ كَعْبٌ: لَوْ أنَّ غَيْرَ هَذِهِ الأُمَّةِ نَزَلَتْ عَلَيْهِمْ هَذِهِ الآيَةُ، لَنَظَرُوا اليَوْمَ الَّذِي أُنْزِلَتْ فِيهِ عَلَيْهِمْ فاتَّخَذُوهُ عِيدًا يَجْتَمِعُونَ فِيهِ، فَقالَ عُمَرُ: أيُّ آيَةٍ يا كَعْبُ؟ فَقالَ: ﴿اليَوْمَ أكْمَلْتُ لَكم دِينَكُمْ﴾ فَقالَ عُمَرُ: قَدْ عَلِمْتُ اليَوْمَ الَّذِي أُنْزِلَتْ فِيهِ، والمَكانَ الَّذِي أُنْزِلَتْ فِيهِ، في يَوْمِ جُمُعَةٍ، ويَوْمَ عَرَفَةَ، وكِلاهُما بِحَمْدِ اللَّهِ لَنا عِيدٌ.
وأخْرَجَ الطَّيالِسِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ، وابْنُ جَرِيرٍ، والطَّبَرانِيُّ، والبَيْهَقِيُّ في (الدَّلائِلِ)، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿اليَوْمَ أكْمَلْتُ لَكم دِينَكُمْ﴾ فَقالَ يَهُودِيٌّ: لَوْ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلَيْنا، لاتَّخَذْنا يَوْمَها عِيدًا، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: فَإنَّها نَزَلَتْ في يَوْمِ عِيدَيْنِ اثْنَيْنِ: في يَوْمِ جُمُعَةٍ يَوْمَ عَرَفَةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ عِيسى بْنِ حارِثَةَ الأنْصارِيِّ قالَ: كُنّا جُلُوسًا في الدِّيوانِ، فَقالَ لَنا نَصْرانِيٌّ: يا أهْلَ الإسْلامِ، لَقَدْ أُنْزِلَتْ عَلَيْكم آيَةٌ لَوْ أُنْزِلَتْ عَلَيْنا لاتَّخَذْنا ذَلِكَ اليَوْمَ وتِلْكَ السّاعَةَ عِيدًا ما بَقِيَ مِنّا اثْنانِ: ﴿اليَوْمَ أكْمَلْتُ لَكم دِينَكُمْ﴾ فَلَمْ يُجِبْهُ أحَدٌ مِنّا، فَلَقِيتُ مُحَمَّدَ بْنَ كَعْبٍ القُرَظِيَّ فَسَألْتُهُ عَنْ ذَلِكَ، (p-١٨٥)فَقالَ: ألا رَدَدْتُمْ عَلَيْهِ؟ فَقالَ: قالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ: أُنْزِلَتْ عَلى النَّبِيِّ ﷺ وهو واقِفٌ عَلى الجَبَلِ يَوْمَ عَرَفَةَ، فَلا يَزالُ ذَلِكَ اليَوْمُ عِيدًا لِلْمُسْلِمِينَ ما بَقِيَ مِنهم أحَدٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ داوُدَ قالَ: قُلْتُ لِعامِرٍ الشَّعْبِيِّ: إنَّ اليَهُودَ تَقُولُ: كَيْفَ لَمْ تَحْفَظِ العَرَبُ هَذا اليَوْمَ الَّذِي أكْمَلَ اللَّهُ لَها دِينَها فِيهِ؟ فَقالَ عامِرٌ: أوَما حَفِظْتَهُ؟ قُلْتُ لَهُ: فَأيُّ يَوْمٍ هُوَ؟ قالَ: يَوْمُ عَرَفَةَ، أنْزَلَ اللَّهُ في يَوْمِ عَرَفَةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنْ عَلِيٍّ، قالَ: أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وهو قائِمٌ عَشِيَّةَ عَرَفَةَ: ﴿اليَوْمَ أكْمَلْتُ لَكم دِينَكُمْ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، والطَّبَرانِيُّ، عَنْ عَمْرِو بْنِ قَيْسٍ السَّكُونِيِّ، أنَّهُ سَمِعَ مُعاوِيَةَ بْنَ أبِي سُفْيانَ عَلى المِنبَرِ يَنْزِعُ بِهَذِهِ الآيَةِ: ﴿اليَوْمَ أكْمَلْتُ لَكم دِينَكُمْ﴾ حَتّى خَتَمَها، فَقالَ: نَزَلَتْ في يَوْمِ عَرَفَةَ، في يَوْمِ جُمُعَةٍ.
وأخْرَجَ البَزّارُ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنْ سَمُرَةَ قالَ: «نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿اليَوْمَ أكْمَلْتُ لَكم دِينَكُمْ﴾ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وهو واقِفٌ بِعَرَفَةَ يَوْمَ الجُمُعَةِ» .
(p-١٨٦)وأخْرَجَ البَزّارُ، بِسَنَدٍ صَحِيحٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وهو بِعَرَفَةَ: ﴿اليَوْمَ أكْمَلْتُ لَكم دِينَكُمْ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿اليَوْمَ أكْمَلْتُ لَكم دِينَكُمْ﴾ قالَ: لَيْسَ بِيَوْمٍ مَعْلُومٍ عِنْدَ النّاسِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في (الدَّلائِلِ) بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: وُلِدَ نَبِيُّكم يَوْمَ الإثْنَيْنِ، ونُبِّئَ يَوْمَ الإثْنَيْنِ، وخَرَجَ مِن مَكَّةَ يَوْمَ الإثْنَيْنِ، ودَخَلَ المَدِينَةَ يَوْمَ الإثْنَيْنِ، وفَتَحَ مَكَّةَ يَوْمَ الإثْنَيْنِ، وأُنْزِلَتْ سُورَةُ (المائِدَةِ) يَوْمَ الإثْنَيْنِ: ﴿اليَوْمَ أكْمَلْتُ لَكم دِينَكُمْ﴾ وتُوُفِّيَ يَوْمَ الإثْنَيْنِ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ، والخَطِيبُ، وابْنُ عَساكِرَ، بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ، عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قالَ: لَمّا نَصَّبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلِيًّا يَوْمَ غَدِيرِ خُمٍّ، فَنادى لَهُ بِالوِلايَةِ، هَبَطَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ بِهَذِهِ الآيَةِ: ﴿اليَوْمَ أكْمَلْتُ لَكم دِينَكُمْ﴾ .
(p-١٨٧)وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ، والخَطِيبُ، وابْنُ عَساكِرَ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «لَمّا كانَ يَوْمُ غَدِيرِ خُمٍّ، وهو يَوْمَ ثَمانِيَ عَشْرَةَ مِن ذِي الحِجَّةِ قالَ النَّبِيُّ ﷺ: (مَن كُنْتُ مَوْلاهُ فَعَلِيٌّ مَوْلاهُ)، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿اليَوْمَ أكْمَلْتُ لَكم دِينَكُمْ﴾ [المائدة»: ٣] .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿اليَوْمَ أكْمَلْتُ لَكم دِينَكُمْ﴾ قالَ: هَذا نَزَلَ يَوْمَ عَرَفَةَ، فَلَمْ يَنْزِلْ بَعْدَها حَلالٌ ولا حَرامٌ، ورَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَماتَ، فَقالَتْ أسْماءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ: «حَجَجْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تِلْكَ الحَجَّةَ، فَبَيْنَما نَحْنُ نَسِيرُ إذْ تَجَلّى لَهُ جِبْرِيلُ عَلى الرّاحِلَةِ، فَلَمْ تُطِقِ الرّاحِلَةُ مِن ثِقَلِ ما عَلَيْها مِنَ القُرْآنِ فَبَرَكَتْ، فَأتَيْتُهُ فَسَجَّيْتُ عَلَيْهِ بُرْدًا كانَ عَلَيَّ» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قالَ: مَكَثَ النَّبِيُّ ﷺ بَعْدَ ما نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ إحْدى وثَمانِينَ لَيْلَةً، قَوْلُهُ: ﴿اليَوْمَ أكْمَلْتُ لَكم دِينَكُمْ﴾
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ورَضِيتُ لَكُمُ الإسْلامَ دِينًا﴾ .
أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ قَتادَةَ قالَ: ذُكِرَ لَنا أنَّهُ يَمْثُلُ لِأهْلِ كُلِّ دِينٍ دِينُهم يَوْمَ القِيامَةِ، فَأمّا الإيمانُ فَيُبَشِّرُ أصْحابَهُ وأهْلَهُ، ويَعِدُهم في الخَيْرِ، حَتّى يَجِيءَ الإسْلامُ، فَيَقُولُ: رَبِّ، أنْتَ السَّلامُ وأنا الإسْلامُ، فَيَقُولُ: إيّاكَ اليَوْمَ أقْبَلُ، (p-١٨٨)وبِكَ اليَوْمَ أجْزِي.
وأخْرَجَ أحْمَدُ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ المُزَنِيِّ قالَ: حَدَّثَنِي رَجُلٌ قالَ: كُنْتُ في مَجْلِسِ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ، فَقالَ عُمَرُ لِرَجُلٍ مِنَ القَوْمِ: كَيْفَ سَمِعْتَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَنْعَتُ الإسْلامَ؟ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إنَّ الإسْلامَ بَدَأ جَذَعًا، ثُمَّ ثَنِيًّا، ثُمَّ رَباعِيًّا، ثُمَّ سَدِيسًا، ثُمَّ بازِلًا»)، قالَ عُمَرُ: فَما بَعْدَ البُزُولِ إلّا النُّقْصانُ.
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ﴾ الآيَةَ.
أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ﴾ يَعْنِي إلى ما حَرَّمَ مِمّا سَمّى في صَدْرِ هَذِهِ السُّورَةِ، ﴿فِي مَخْمَصَةٍ﴾ يَعْنِي مَجاعَةً، ﴿غَيْرَ مُتَجانِفٍ لإثْمٍ﴾ يَقُولُ: غَيْرَ مُتَعَمِّدٍ لِإثْمٍ.
وأخْرَجَ الطَّسْتِيُّ في (مَسائِلِهِ)، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أنَّ نافِعَ بْنَ الأزْرَقِ قالَ لَهُ: أخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِهِ: ﴿فِي مَخْمَصَةٍ﴾ قالَ: في مَجاعَةٍ وجَهْدٍ، قالَ: وهَلْ تَعْرِفُ (p-١٨٩)العَرَبُ ذَلِكَ؟ قالَ: نَعَمْ، أما سَمِعْتَ الأعْشى وهو يَقُولُ:
؎تَبِيتُونَ في المَشْتى مِلاءً بُطُونُكم وجاراتُكم غَرْثى يَبِتْنَ خَمائِصا.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ في مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجانِفٍ لإثْمٍ﴾ قالَ: في مَجاعَةٍ غَيْرَ مُتَعَرِّضٍ لِإثْمٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في الآيَةِ قالَ: رَخَّصَ لِلْمُضْطَرِّ إذا كانَ غَيْرَ مُتَعَمِّدٍ لَإثْمٍ أنْ يَأْكُلَهُ مِن جَهْدٍ، فَمَن بَغى، أوْ عَدا، أوْ خَرَجَ في مَعْصِيَةِ اللَّهِ، فَإنَّهُ مُحَرَّمٌ عَلَيْهِ أنْ يَأْكُلَهُ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، عَنْ أبِي واقِدٍ اللَّيْثِيِّ، أنَّهم قالُوا: «يا رَسُولَ اللَّهِ، إنّا بِأرْضٍ تُصِيبُنا بِها المَخْمَصَةُ، فَمَتى تَحِلُّ لَنا المَيْتَةُ؟ قالَ: (إذا لَمْ تَصْطَبِحُوا، ولَمْ تَغْتَبِقُوا، ولَمْ تَحْتَفِئُوا بَقْلًا، فَشَأْنَكم بِها») . (p-١٩٠)وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، وأبُو داوُدَ، عَنِ الفُجَيْعِ العامِرِيِّ، أنَّهُ قالَ: «يا رَسُولَ اللَّهِ، ما يَحِلُّ لَنا مِنَ المَيْتَةِ؟ فَقالَ: (ما طَعامُكُمْ؟) قُلْنا: نَغْتَبِقُ، ونَصْطَبِحُ، قالَ عُقْبَةُ: قَدَحٌ غُدْوَةً، وقَدَحٌ عَشِيَّةً، قالَ: (ذاكَ، وأبِي الجُوعُ)، وأحَلَّ لَهُمُ المَيْتَةَ عَلى هَذِهِ الحالِ» .
وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ، عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «(إذا رَوَيْتَ أهْلَكَ مِنَ اللَّبَنِ غَبُوقًا، فاجْتَنِبْ ما نَهى اللَّهُ عَنْهُ مِن مَيْتَةٍ») .
المائدة 5:4
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَسْألُونَكَ ماذا أُحِلَّ لَهُمْ﴾ الآيَةَ.
أخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ في ”سُنَنِهِ“، عَنْ أبِي رافِعٍ قالَ: «جاءَ جِبْرِيلُ إلى النَّبِيِّ ﷺ فاسْتَأْذَنَ عَلَيْهِ، فَأذِنَ لَهُ، فَأبْطَأ، فَأخَذَ رِداءَهُ فَخَرَجَ إلَيْهِ وهو قائِمٌ بِالبابِ، فَقالَ: (قَدْ أذِنّا لَكَ)، قالَ: أجَلْ، ولَكِنّا لا نَدْخُلُ بَيْتًا فِيهِ كَلْبٌ ولا صُورَةٌ، فَنَظَرُوا فَإذا في بَعْضِ بُيُوتِهِمْ جَرْوٌ، قالَ أبُو رافِعٍ: فَأمَرَنِي أنْ أقْتُلَ كُلَّ كَلْبٍ بِالمَدِينَةِ، فَفَعَلْتُ، وجاءَ النّاسُ فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، ماذا يَحِلُّ لَنا مِن هَذِهِ الأُمَّةِ الَّتِي أمَرْتَ بِقَتْلِها؟ فَسَكَتَ النَّبِيُّ ﷺ فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿يَسْألُونَكَ ماذا أُحِلَّ (p-١٩١)لَهم قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ وما عَلَّمْتُمْ مِنَ الجَوارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (إذا أرْسَلَ الرَّجُلُ كَلْبَهُ، وذَكَرَ اسْمَ اللَّهِ، فَأمْسَكَ عَلَيْهِ، فَلْيَأْكُلْ ما لَمْ يَأْكُلْ») .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَعَثَ أبا رافِعٍ في قَتْلِ الكِلابِ، فَقَتَلَ حَتّى بَلَغَ العَوالِيَ، فَدَخَلَ عاصِمُ بْنُ عَدِيٍّ، وسَعْدُ بْنُ خَيْثَمَةَ، وعُوَيْمُ بْنُ ساعِدَةَ، فَقالُوا: ماذا أُحِلَّ لَنا يا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَنَزَلَتْ: ﴿يَسْألُونَكَ ماذا أُحِلَّ لَهُمْ﴾ الآيَةَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ قالَ: «لَمّا أمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِقَتْلِ الكِلابِ قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، فَماذا تُحِلُّ لَنا مِن هَذِهِ الأُمَّةِ؟ فَنَزَلَتْ: ﴿يَسْألُونَكَ ماذا أُحِلَّ لَهُمْ﴾ الآيَةَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، «أنَّ عَدِيَّ بْنَ حاتِمٍ، وزَيْدَ بْنَ المُهَلْهِلِ الطّائِيَّيْنِ سَألا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقالا: يا رَسُولَ اللَّهِ، (p-١٩٢)إنّا قَوْمٌ نَصِيدُ بِالكِلابِ والبُزاةِ، وإنَّ كِلابَ آلِ ذُرَيْحٍ تَصِيدُ البَقَرَ، والحَمِيرَ، والظِّباءَ، وقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ المَيْتَةَ، فَماذا يَحِلُّ لَنا؟ فَنَزَلَتْ: ﴿يَسْألُونَكَ ماذا أُحِلَّ لَهم قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ﴾ [المائدة»: ٤] .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ عامِرٍ، «أنَّ عَدِيَّ بْنَ حاتِمٍ الطّائِيَّ أتى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَسَألَهُ عَنْ صَيْدِ الكِلابِ، فَلَمْ يَدْرِ ما يَقُولُ لَهُ، حَتّى أنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ هَذِهِ الآيَةَ في (المائِدَةِ): ﴿تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ﴾ [المائدة»: ٤] .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَمَّنْ حَدَّثَهُ، «أنَّ رَجُلًا مِنَ الأعْرابِ أتى النَّبِيَّ ﷺ يَسْتَفْتِيهِ في الَّذِي حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ والَّذِي أحَلَّ لَهُ، فَقالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: (يَحِلُّ لَكَ الطَّيِّباتُ، ويَحْرُمُ عَلَيْكَ الخَبائِثُ، إلّا أنْ تَفْتَقِرَ إلى طَعامٍ لَكَ فَتَأْكُلَ مِنهُ حَتّى تَسْتَغْنِيَ عَنْهُ)، فَقالَ الرَّجُلُ: وما فَقْرِي الَّذِي يَحِلُّ لِي، وما غِنايَ الَّذِي يُغْنِينِي عَنْ ذَلِكَ؟ قالَ النَّبِيُّ ﷺ: (إذا كُنْتَ تَرْجُو نِتاجًا فَتَبَلَّغْ بِلُحُومِ ماشِيَتِكَ إلى نِتاجِكَ، أوْ كُنْتَ تَرْجُو غِنًى تَطْلُبُهُ فَتَبَلَّغْ مِن ذَلِكَ شَيْئًا، فَأطْعِمْ أهْلَكَ ما بَدا لَكَ حَتّى تَسْتَغْنِيَ عَنْهُ)، فَقالَ الأعْرابِيُّ: ما غِنايَ الَّذِي أدَعُهُ إذا وجَدْتُهُ؟ فَقالَ (p-١٩٣)النَّبِيُّ ﷺ: (إذا أرْوَيْتَ أهْلَكَ غَبُوقًا مِنَ اللَّيْلِ فاجْتَنِبْ ما حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْكَ مِن طَعامٍ، وأمّا مالُكَ فَإنَّهُ مَيْسُورٌ كُلُّهُ، لَيْسَ فِيهِ حَرامٌ») .
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، عَنْ صَفْوانَ بْنِ أُمَيَّةَ، «أنَّ عُرْفُطَةَ بْنَ نَهِيكٍ التَّمِيمِيَّ قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنِّي وأهْلَ بَيْتِي مَرْزُقُونَ مِن هَذا الصَّيْدِ، ولَنا فِيهِ قَسْمٌ وبَرَكَةٌ، وهو مَشْغَلَةٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ، وعَنِ الصَّلاةِ في جَماعَةٍ، وبِنا إلَيْهِ حاجَةٌ، أفَتُحِلُّهُ أمْ تُحَرِّمُهُ؟ قالَ: (أُحِلُّهُ لَأنَّ اللَّهَ قَدْ أحَلَّهُ، نِعْمَ العَمَلُ، واللَّهُ أوْلى بِالعُذْرِ، قَدْ كانَتْ قَبْلِي لِلَّهِ رُسُلٌ كُلُّهم يَصْطادُونَ، أوْ يَطْلُبُ الصَّيْدَ، ويَكْفِيكَ مِنَ الصَّلاةِ في جَماعَةٍ إذا غِبْتَ عَنْها في طَلَبِ الرِّزْقِ، حُبُّكَ الجَماعَةَ وأهْلَها، وحُبُّكَ ذِكْرَ اللَّهِ وأهْلَهُ، وابْتَغِ عَلى نَفْسِكَ وعِيالِكَ حَلالًا، فَإنَّ ذَلِكَ جِهادٌ في سَبِيلِ اللَّهِ، واعْلَمْ أنَّ عَوْنَ اللَّهِ في صالِحِ التُّجّارِ») .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في ”سُنَنِهِ“، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وما عَلَّمْتُمْ مِنَ الجَوارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾ قالَ: هي الكِلابُ المُعَلَّمَةُ، والبازِي يُعَلَّمُ الصَّيْدَ، والجَوارِحُ يَعْنِي: الكِلابَ، والفُهُودَ، والصُّقُورَ، وأشْباهَها، والمُكَلَّبِينَ: الضَّوارِيَ، ﴿فَكُلُوا مِمّا أمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ يَقُولُ: كُلُوا (p-١٩٤)مِمّا قَتَلْنَ، فَإنْ قَتَلَ وأكَلَ فَلا تَأْكُلْ، ﴿واذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ يَقُولُ: إذا أرْسَلْتَ جَوارِحَكَ فَقُلْ: بِسْمِ اللَّهِ، وإنْ نَسِيتَ فَلا حَرَجَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿مِنَ الجَوارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾ قالَ: الطَّيْرِ، والكِلابِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿مِنَ الجَوارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾ قالَ: يُكالِبْنَ الصَّيْدَ، ﴿فَكُلُوا مِمّا أمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ قالَ: إذا أرْسَلْتَ كَلْبَكَ، أوْ طائِرَكَ، أوْ سَهْمَكَ، فَذَكَرْتَ اسْمَ اللَّهِ فَأمْسَكَ أوْ قَتَلَ، فَكُلْ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في المُسْلِمِ يَأْخُذُ كَلْبَ المَجُوسِيِّ المُعَلَّمَ، أوْ بازَهُ، أوْ صَقْرَهُ، أوْ عُقابَهُ، مِمّا عَلَّمَهُ المَجُوسِيُّ فَيُرْسِلُهُ، فَيَأْخُذُهُ، قالَ: لا تَأْكُلْهُ، وإنْ سَمَّيْتَ، لِأنَّهُ مِن تَعْلِيمِ المَجُوسِيِّ، وإنَّما قالَ: ﴿تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿وما عَلَّمْتُمْ مِنَ الجَوارِحِ﴾ قالَ: كُلُّ ما عُلِّمَ فَصادَ، مِن كَلْبٍ، أوْ فَهْدٍ، أوْ غَيْرِهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ﴾ قالَ: تُعَلِّمُونَهُنَّ مِنَ الطَّلَبِ كَما عَلَّمَكُمُ اللَّهُ.
(p-١٩٥)وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: آيَةُ المُعَلَّمِ مِنَ الكِلابِ أنْ يُمْسِكَ صَيْدَهُ فَلا يَأْكُلَ مِنهُ حَتّى يَأْتِيَهُ صاحِبُهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: إذا أكَلَ الكَلْبُ فَلا تَأْكُلْ، فَإنَّما أمْسَكَ عَلى نَفْسِهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ حاتِمٍ قالَ: «سَألْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ صَيْدِ البازِي، فَقالَ: (ما أمْسَكَ عَلَيْكَ فَكُلْ») .
وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ حاتِمٍ قالَ، «قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنِّي أُرْسِلُ الكِلابَ المُعَلَّمَةَ، وأذْكُرُ اسْمَ اللَّهِ، فَقالَ: (إذا أرْسَلْتَ كَلْبَكَ المُعَلَّمَ وذَكَرْتَ اسْمَ اللَّهِ فَكُلْ مِمّا أمْسَكْنَ عَلَيْكَ)، قُلْتُ: وإنْ قَتَلْنَ؟ قالَ: (وإنْ قَتَلْنَ، ما لَمْ يَشْرَكْها كَلْبٌ لَيْسَ مِنها، فَإنَّكَ إنَّما سَمَّيْتَ عَلى كَلْبِكَ ولَمْ تُسَمِّ عَلى غَيْرِهِ») .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ حاتِمٍ، قالَ: «قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنّا قَوْمٌ نَصِيدُ بِالكِلابِ والبُزاةِ، فَما يَحِلُّ لَنا مِنها؟ قالَ: (يَحِلُّ لَكم ما عَلَّمْتُمْ مِنَ الجَوارِحِ مُكَلَّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ، فَكُلُوا مِمّا أمْسَكْنَ عَلَيْكم واذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ)، ثُمَّ قالَ: (ما أرْسَلْتَ مِن كَلْبٍ، وذَكَرْتَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ، فَكُلْ ما (p-١٩٦)أمْسَكَ عَلَيْكَ)، قُلْتُ: وإنْ قَتَلَ؟ قالَ: (وإنْ قَتَلَ، ما لَمْ يَأْكُلْ)، قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، وإنْ خالَطَتْ كِلابُنا كِلابٌ غَيْرُها؟ قالَ: (فَلا تَأْكُلْ حَتّى تَعْلَمَ أنَّ كَلْبَكَ هو الَّذِي أمْسَكَ عَلَيْكَ)، قُلْتُ: إنّا قَوْمٌ نَرْمِي، فَما يَحِلُّ لَنا؟ قالَ: (ما ذَكَرْتَ اسْمَ اللَّهِ، وخَزَقَتْ فَكُلْ») .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ الحَكَمِ، أنَّ نافِعَ بْنَ الأزْرَقِ، سَألَ ابْنَ عَبّاسٍ فَقالَ: أرَأيْتَ إذا أرْسَلْتُ كَلْبِي وسَمَّيْتُ، فَقَتَلَ الصَّيْدَ، آكُلُهُ؟ قالَ: نَعَمْ، قالَ نافِعٌ: يَقُولُ اللَّهُ: ﴿إلا ما ذَكَّيْتُمْ﴾ [المائدة: ٣] تَقُولُ أنْتَ: وإنْ قَتَلَ، قالَ: ويْحَكَ يا ابْنَ الأزْرَقِ، أرَأيْتَ لَوْ أمْسَكَ عَلَيَّ سِنَّوْرٌ، فَأدْرَكْتُ ذَكاتَهُ، أكانَ يَكُونُ عَلَيَّ بَأْسٌ؟ واللَّهِ إنِّي لَأعْلَمُ في أيِّ الكِلابِ نَزَلَتْ، نَزَلَتْ في كِلابِ بَنِي نَبْهانَ مِن طَيِّئٍ، ويْحَكَ يا ابْنَ الأزْرَقِ، لَيَكُونَنَّ لَكَ نَبَأٌ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ مَكْحُولٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «(ما أمْسَكَ عَلَيْكَ كَلْبُكَ الَّذِي لَيْسَ بِمُكَلَّبٍ فَأدْرَكْتَ ذَكاتَهُ فَكُلْ، وإنْ لَمْ تُدْرِكْ ذَكاتَهُ فَلا تَأْكُلْ») .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: إذا أكَلَ الكَلْبُ فَلا (p-١٩٧)تَأْكُلْ، وإذا أكَلَ الصَّقْرُ فَكُلْ، لِأنَّ الكَلْبَ تَسْتَطِيعُ أنْ تَضْرِبَهُ، والصَّقْرَ لا تَسْتَطِيعُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ عُرْوَةَ، أنَّهُ سُئِلَ عَنِ الغُرابِ، أمِنَ الطَّيِّباتِ هُوَ؟ قالَ: مِن أيْنَ يَكُونُ مِنَ الطَّيِّباتِ وسَمّاهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فاسِقًا؟!
المائدة 5:5
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اليَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ﴾ الآيَةَ.
أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والنَّحّاسُ، والبَيْهَقِيُّ في (سُنَنِهِ)، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ قالَ: ذَبائِحُهُمْ، وفي قَوْلِهِ: ﴿والمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ قالَ: حِلٌّ لَكُمْ، ﴿إذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ يَعْنِي: مُهُورَهُنَّ، ﴿مُحْصِنِينَ﴾ يَعْنِي: تَنْكِحُوهُنَّ بِالمَهْرِ والبَيِّنَةِ، ﴿غَيْرَ مُسافِحِينَ﴾ غَيْرَ مُعْلِنِينَ بِالزِّنا، ﴿ولا مُتَّخِذِي أخْدانٍ﴾ يَعْنِي: يُسِرُّونَ بِالزِّنا.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ قالَ: ذَبِيحَتُهم.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ في (المُصَنَّفِ)، عَنْ إبْراهِيمَ النَّخَعِيِّ في قَوْلِهِ: (p-١٩٨)﴿وطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ قالَ: ذَبائِحُهم.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿والمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ قالَ: أحَلَّ اللَّهُ لَنا مُحْصَنَتَيْنِ: مُحْصَنَةً مُؤْمِنَةً، ومُحْصَنَةً مِن أهْلِ الكِتابِ نِساؤُنا عَلَيْهِمْ حَرامٌ، ونِساؤُهم لَنا حَلالٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «(نَتَزَوَّجُ نِساءَ أهْلِ الكِتابِ، ولا يَتَزَوَّجُونَ نِساءَنا») .
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ قالَ: المُسْلِمُ يَتَزَوَّجُ النَّصْرانِيَّةَ، ولا يَتَزَوَّجُ النَّصْرانِيُّ المُسْلِمَةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في الآيَةِ قالَ: أُحِلَّ لَنا طَعامُهم ونِساؤُهم.
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: إنَّما أُحِلَّتْ ذَبائِحُ اليَهُودِ والنَّصارى، مِن أجْلِ أنَّهم آمَنُوا بِالتَّوْراةِ والإنْجِيلِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: (p-١٩٩)﴿والمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ قالَ: مِنَ الحَرائِرِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنِ الضَّحّاكِ في قَوْلِهِ: ﴿والمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ قالَ: مِنَ العَفائِفِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، عَنِ الشَّعْبِيِّ في قَوْلِهِ: ﴿والمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ قالَ: الَّتِي أحْصَنَتْ فَرْجَها واغْتَسَلَتْ مِنَ الجَنابَةِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، أنَّهُ سُئِلَ عَنْ نِكاحِ المُسْلِمِ اليَهُودِيَّةَ والنَّصْرانِيَّةَ، فَقالَ: تَزَوَّجْناهُنَّ زَمَنَ الفَتْحِ، ونَحْنُ لا نَكادُ نَجِدُ المُسْلِماتِ كَثِيرًا، فَلَمّا رَجَعْنا طَلَّقْناهُنَّ، قالَ: ونِساؤُهم لَنا حِلٌّ، ونِساؤُنا عَلَيْهِمْ حَرامٌ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرانَ قالَ: سَألْتُ ابْنَ عُمَرَ عَنْ نِساءِ أهْلِ الكِتابِ، فَتَلا عَلَيَّ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿والمُحْصَناتُ مِنَ المُؤْمِناتِ والمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِن قَبْلِكُمْ﴾، وتَلا: ﴿ولا تَنْكِحُوا المُشْرِكاتِ﴾ [البقرة: ٢٢١] [البَقَرَةِ: ٢٢١] .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ الحَسَنِ، أنَّهُ سُئِلَ: أيَتَزَوَّجُ الرَّجُلُ المَرْأةَ مِن أهْلِ الكِتابِ؟ قالَ: ما لَهُ ولِأهْلِ الكِتابِ، وقَدْ أكْثَرَ اللَّهُ المُسْلِماتِ! فَإنْ كانَ لا بُدَّ فاعِلًا فَلْيَعْمِدْ إلَيْها حَصانًا غَيْرَ مُسافِحَةٍ، قالَ الرَّجُلُ: وما المُسافِحَةُ؟ قالَ: (p-٢٠٠)هِيَ الَّتِي إذا لَمَحَ الرَّجُلُ إلَيْها بِعَيْنِهِ تَبِعَتْهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿ولا مُتَّخِذِي أخْدانٍ﴾ قالَ: ذُو الخِدْنِ: ذُو الخَلِيلَةِ الواحِدَةِ، قالَ: ذُكِرَ لَنا أنَّ رِجالًا قالُوا: كَيْفَ نَتَزَوَّجُ نِساءَهُمْ، وهم عَلى دِينٍ ونَحْنُ عَلى دِينٍ؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿ومَن يَكْفُرْ بِالإيمانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ﴾ قالَ: لا واللَّهِ لا يَقْبَلُ اللَّهُ عَمَلًا إلّا بِالإيمانِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ومَن يَكْفُرْ بِالإيمانِ﴾ قالَ: بِاللَّهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ومَن يَكْفُرْ بِالإيمانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ﴾ قالَ أخْبَرَ اللَّهُ أنَّ الإيمانَ هو العُرْوَةُ الوُثْقى، وأنَّهُ لا يَقْبَلُ عَمَلًا إلّا بِهِ، ولا يُحَرِّمُ الجَنَّةَ إلّا عَلى مَن تَرَكَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «نَهى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ أصْنافِ النِّساءِ، إلّا ما كانَ مِنَ المُؤْمِناتِ المُهاجِراتِ، وحَرَّمَ كُلَّ ذاتِ دِينٍ غَيْرِ الإسْلامِ، (p-٢٠١)قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ومَن يَكْفُرْ بِالإيمانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ﴾ [المائدة»: ٥] .
المائدة 5:6
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا قُمْتُمْ إلى الصَّلاةِ﴾ الآيَةَ.
أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ، بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ فَغْواءَ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذا أراقَ البَوْلَ نُكَلِّمُهُ فَلا يُكَلِّمُنا، ونُسَلِّمُ عَلَيْهِ فَلا يَرُدُّ عَلَيْنا، حَتّى يَأْتِيَ أهْلَهُ فَيَتَوَضَّأُ كَوُضُوئِهِ لِلصَّلاةِ، فَقُلْنا: يا رَسُولَ اللَّهِ، نُكَلِّمُكَ فَلا تُكَلِّمُنا، ونُسَلِّمُ عَلَيْكَ فَلا تَرُدُّ عَلَيْنا، حَتّى نَزَلَتْ آيَةُ الرُّخْصَةِ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا قُمْتُمْ إلى الصَّلاةِ﴾ الآيَةَ» .
وأخْرَجَ مُسْلِمٌ، وأبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ، عَنْ بُرَيْدَةَ قالَ: «كانَ النَّبِيُّ ﷺ يَتَوَضَّأُ عِنْدَ كُلِّ صَلاةٍ، فَلَمّا كانَ يَوْمُ الفَتْحِ تَوَضَّأ ومَسَحَ عَلى خُفَّيْهِ، وصَلّى الصَّلَواتِ بِوُضُوءٍ واحِدٍ، فَقالَ لَهُ عُمَرُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّكَ فَعَلْتَ شَيْئًا لَمْ تَكُنْ تَفْعَلُهُ، قالَ: (إنِّي عَمْدًا فَعَلْتُ يا عُمَرُ») .
وأخْرَجَ أبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَرَجَ مِنَ الخَلاءِ، فَقُدِّمَ إلَيْهِ طَعامٌ فَقالُوا: ألا نَأْتِيكَ بِوُضُوءٍ؟ فَقالَ: (إنَّما أُمِرْتُ (p-٢٠٢)بِالوُضُوءِ إذا قُمْتُ إلى الصَّلاةِ») .
وأخْرَجَ أحْمَدُ، وأبُو داوُدَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ خُزَيْمَةَ، وابْنُ حِبّانَ، والحاكِمُ، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَنْظَلَةَ بْنِ الغَسِيلِ، «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أمَرَ بِالوُضُوءِ لِكُلِّ صَلاةٍ طاهِرًا كانَ أوْ غَيْرَ طاهِرٍ، فَلَمّا شَقَّ ذَلِكَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، أمَرَ بِالسِّواكِ عِنْدَ كُلِّ صَلاةٍ، ووَضَعَ عَنْهُ الوُضُوءَ، إلّا مِن حَدَثٍ» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، والنَّحّاسُ في (ناسِخِهِ)، عَنْ عَلِيٍّ، أنَّهُ كانَ يَتَوَضَّأُ عِنْدَ كُلِّ صَلاةٍ، ويَقْرَأُ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا قُمْتُمْ إلى الصَّلاةِ﴾ الآيَةَ.
وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في ”سُنَنِهِ“ عَنْ رِفاعَةَ بْنِ رافِعٍ، أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ لِلْمُسِيءِ صَلاتَهُ: «(إنَّها لا تَتِمُّ صَلاةُ أحَدِكم حَتّى يُسْبِغَ الوُضُوءَ كَما أمَرَهُ اللَّهُ، يَغْسِلُ وجْهَهُ، ويَدَيْهِ إلى المِرْفَقَيْنِ، ويَمْسَحُ بِرَأْسِهِ، ورِجْلَيْهِ إلى الكَعْبَيْنِ») .
وأخْرَجَ مالِكٌ، والشّافِعِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والنَّحّاسُ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ أنَّ تَفْسِيرَ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿إذا قُمْتُمْ إلى الصَّلاةِ﴾ الآيَةَ، أنَّ ذَلِكَ: إذا قُمْتُمْ مِنَ المَضاجِعِ، يَعْنِي النَّوْمَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ السُّدِّيِّ، مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا قُمْتُمْ إلى الصَّلاةِ﴾ يَقُولُ: قُمْتُمْ وأنْتُمْ عَلى غَيْرِ طُهْرٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿فاغْسِلُوا وُجُوهَكم وأيْدِيَكُمْ﴾ قالَ: ذاكَ الغَسْلُ الدَّلْكُ.
وأخْرَجَ الدّارَقُطْنِيُّ، والبَيْهَقِيُّ في (سُنَنِهِما)، عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذا تَوَضَّأ أدارَ الماءَ عَلى مِرْفَقَيْهِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنْ طَلْحَةَ، عَنْ أبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ قالَ: «رَأيْتُ النَّبِيَّ ﷺ تَوَضَّأ فَمَسَحَ رَأْسَهُ هَكَذا، وأمَرَّ حَفْصٌ بِيَدَيْهِ عَلى رَأْسِهِ حَتّى مَسَحَ قَفاهُ» . (p-٢٠٤)وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنِ المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَوَضَّأ فَمَسَحَ بِناصِيَتِهِ، وعَلى العِمامَةِ» .
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والنَّحّاسُ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أنَّهُ قَرَأها: (وأرْجُلَكُمْ) بِالنَّصْبِ، يَقُولُ: رَجَعَتْ إلى الغَسْلِ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عَلِيٍّ أنَّهُ قَرَأ: ”وأرْجُلَكم“ قالَ: عادَ إلى الغَسْلِ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والنَّحّاسُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، أنَّهُ قَرَأ: ﴿وامْسَحُوا بِرُءُوسِكم وأرْجُلَكُمْ﴾ بِالنَّصْبِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنْ عُرْوَةَ، أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ: ”وأرْجُلَكم“ يَقُولُ: رَجَعَ الأمْرُ إلى الغَسْلِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، والطَّبَرانِيُّ، عَنْ قَتادَةَ، أنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ قالَ: رَجَعَ قَوْلُهُ إلى غَسْلِ القَدَمَيْنِ في قَوْلِهِ: ﴿وأرْجُلَكم إلى الكَعْبَيْنِ﴾ (p-٢٠٥)وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ أبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ قالَ: قَرَأ الحَسَنُ والحُسَيْنُ: ﴿وأرْجُلَكم إلى الكَعْبَيْنِ﴾ فَسَمِعَ عَلِيٌّ ذَلِكَ، وكانَ يَقْضِي بَيْنَ النّاسِ، فَقالَ: ﴿وأرْجُلَكُمْ﴾ هَذا مِنَ المُقَدَّمِ والمُؤَخَّرِ مِنَ الكَلامِ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، عَنْ أنَسٍ، أنَّهُ قَرَأ: ”وأرْجُلِكم“ .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وامْسَحُوا بِرُءُوسِكم وأرْجُلَكُمْ﴾ قالَ: هو المَسْحُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ ماجَهْ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: أبى النّاسُ إلّا الغَسْلَ، ولا أجِدُ في كِتابِ اللَّهِ إلّا المَسْحَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الوُضُوءُ غَسْلَتانِ ومَسْحَتانِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، مِثْلَهُ. (p-٢٠٦)وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: افْتَرَضَ اللَّهُ غَسْلَتَيْنِ ومَسْحَتَيْنِ، ألا تَرى أنَّهُ ذَكَرَ التَّيَمُّمَ، فَجَعَلَ مَكانَ الغَسْلَتَيْنِ مَسْحَتَيْنِ، وتَرَكَ المَسْحَتَيْنِ؟
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ قَتادَةَ، نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ أنَسٍ، أنَّهُ قِيلَ لَهُ: إنَّ الحَجّاجَ خَطَبَنا فَقالَ: اغْسِلُوا وُجُوهَكم وأيْدِيَكُمْ، وامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ، وأرْجُلَكُمْ، وإنَّهُ لَيْسَ شَيْءٌ مِنَ ابْنِ آدَمَ أقْرَبَ إلى الخَبَثِ مِن قَدَمَيْهِ، فاغْسِلُوا بُطُونَهُما وظُهُورَهُما، وعَراقِيبَهُما، فَقالَ أنَسٌ: صَدَقَ اللَّهُ، وكَذَبَ الحَجّاجُ، قالَ اللَّهُ: ﴿وامْسَحُوا بِرُءُوسِكم وأرْجُلَكُمْ﴾، وكانَ أنَسٌ إذا مَسَحَ قَدَمَيْهِ بَلَّهُما.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ قالَ: نَزَلَ جِبْرِيلُ بِالمَسْحِ عَلى القَدَمَيْنِ ألا تَرى أنَّ التَّيَمُّمَ أنْ يَمْسَحَ ما كانَ غَسْلًا، ويُلْغى ما كانَ مَسْحًا.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والنَّحّاسُ، عَنِ الشَّعْبِيِّ قالَ: نَزَلَ القُرْآنُ بِالمَسْحِ، (p-٢٠٧)وجَرَتِ السُّنَّةُ بِالغَسْلِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنِ الأعْمَشِ قالَ: كانُوا يَقْرَؤُونَها: (بِرُؤُوسِكم وأرْجُلِكُمْ) بِالخَفْضِ، وكانُوا يَغْسِلُونَ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أبِي لَيْلى قالَ: اجْتَمَعَ أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلى غَسْلِ القَدَمَيْنِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنِ الحَكَمِ قالَ: مَضَتِ السُّنَّةُ مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ والمُسْلِمِينَ بِغَسْلِ القَدَمَيْنِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ عَطاءٍ قالَ: لَمْ أرَ أحَدًا يَمْسَحُ القَدَمَيْنِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ أنَسٍ قالَ: نَزَلَ القُرْآنُ بِالمَسْحِ، والسُّنَّةُ بِالغَسْلِ.
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ في (الأوْسَطِ)، عَنِ البَراءِ بْنِ عازِبٍ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمْ يَزَلْ يَمْسَحُ عَلى الخُفَّيْنِ قَبْلَ نُزُولِ (المائِدَةِ) وبَعْدَها حَتّى قَبَضَهُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ» .
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ في (الأوْسَطِ) عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: ذُكِرَ المَسْحُ عَلى الخُفَّيْنِ عِنْدَ عُمَرَ - سَعْدٍ، وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ فَقالَ: عُمَرُ: سَعْدٌ أفْقَهُ مِنكَ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يا سَعْدُ، إنّا لا نُنْكِرُ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ (p-٢٠٨)مَسَحَ، ولَكِنْ هَلْ مَسَحَ مُنْذُ أُنْزِلَتْ سُورَةُ (المائِدَةِ)؟ فَإنَّها أحْكَمَتْ كُلَّ شَيْءٍ، وكانَتْ آخَرَ سُورَةٍ نَزَلَتْ مِنَ القُرْآنِ إلّا (بَراءَةٌ) قالَ: فَلَمْ يَتَكَلَّمْ أحَدٌ.
وأخْرَجَ أبُو الحَسَنِ بْنُ صَخْرٍ في (الهاشِمِيّاتِ)، بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَ بِها جِبْرِيلُ عَلى ابْنِ عَمِّي ﷺ: ﴿إذا قُمْتُمْ إلى الصَّلاةِ فاغْسِلُوا وُجُوهَكم وأيْدِيَكم إلى المَرافِقِ﴾، ﴿وأرْجُلَكُمْ﴾، ﴿وامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ قالَ لَهُ: اجْعَلْها بَيْنَهُما.
وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، والبَيْهَقِيُّ، واللَّفْظُ لَهُ، عَنْ جَرِيرٍ، أنَّهُ بالَ ثُمَّ تَوَضَّأ ومَسَحَ عَلى الخُفَّيْنِ وقالَ: ما يَمْنَعُنِي أنْ أمْسَحَ وقَدْ رَأيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَسَحَ، قالُوا: إنَّما كانَ ذَلِكَ قَبْلَ نُزُولِ (المائِدَةِ)، قالَ: ما أسْلَمْتُ إلّا بَعْدَ نُزُولِ (المائِدَةِ) .
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: «قَدِمْتُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ نُزُولِ (المائِدَةِ)، فَرَأيْتُهُ يَمْسَحُ عَلى الخُفَّيْنِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ عَدِيٍّ، عَنْ بِلالٍ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «(امْسَحُوا عَلى الخُفَّيْنِ») . (p-٢٠٩)وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ القاسِمِ بْنِ الفَضْلِ الحُدّانِيِّ قالَ: قالَ أبُو جَعْفَرٍ: أيْنَ ﴿الكَعْبَيْنِ﴾ ؟ فَقالَ القَوْمُ: هَهُنا، فَقالَ: هَذا رَأْسُ السّاقِ، ولَكِنَّ الكَعْبَيْنِ هُما عِنْدَ المَفْصِلِ.
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فاطَّهَّرُوا﴾
أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وإنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فاطَّهَّرُوا﴾ يَقُولُ: فاغْتَسِلُوا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: «كُنّا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأتاهُ رَجُلٌ جَيِّدُ الثِّيابِ، طَيِّبُ الرِّيحِ، حَسَنُ الوَجْهِ، فَقالَ: السَّلامُ عَلَيْكَ يا رَسُولَ اللَّهِ، فَقالَ: (وعَلَيْكَ السَّلامُ)، قالَ: أدْنُو مِنكَ؟ قالَ: (نَعَمْ)، فَدَنا حَتّى ألْزَقَ رُكْبَتَيْهِ بِرُكْبَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، ما الإسْلامُ؟ قالَ: (تُقِيمُ الصَّلاةَ، وتُؤْتِي الزَّكاةَ، وتَصُومُ رَمَضانَ، وتَحُجُّ البَيْتَ، وتَغْتَسِلُ مِنَ الجَنابَةِ)، قالَ: صَدَقْتَ، فَقُلْنا: ما رَأيْنا كاليَوْمِ قَطُّ رَجُلًا - واللَّهِ - لَكَأنَّهُ يُعَلِّمُ رَسُولَ اللَّهِ» ﷺ .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ وهْبٍ الذِّمّارِيِّ قالَ: مَكْتُوبٌ في الزَّبُورِ: مَنِ اغْتَسَلَ مِنَ الجَنابَةِ فَإنَّهُ عَبْدِي حَقًّا، ومَن لَمْ يَغْتَسِلْ مِنَ الجَنابَةِ، فَإنَّهُ عَدُوِّي حَقًّا.
* *
(p-٢١٠)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنْ كُنْتُمْ مَرْضى﴾ الآيَةَ.
أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ عَطاءٍ قالَ: «احْتَلَمَ رَجُلٌ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وهو مَجْدُورٌ، فَغَسَّلُوهُ فَماتَ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (قَتَلُوهُ قَتَلَهُمُ اللَّهُ، ضَيَّعُوهُ ضَيَّعَهُمُ اللَّهُ») .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أنَّهُ كانَ يَطُوفُ بِالبَيْتِ بَعْدَ ما ذَهَبَ بَصَرُهُ، وسَمِعَ قَوْمًا يَذْكُرُونَ المُجامَعَةَ، والمُلامَسَةَ، والرَّفَثَ، ولا يَدْرُونَ مَعْناهُ واحِدًا أمْ شَتّى؟ فَقالَ: إنَّ اللَّهَ أنْزَلَ القُرْآنَ بِلُغَةِ كُلِّ حَيٍّ مِن أحْياءِ العَرَبِ، فَما كانَ مِنهُ لا يَسْتَحِي النّاسُ مِن ذِكْرِهِ فَقَدْ عَناهُ، وما كانَ مِنهُ يَسْتَحِي النّاسُ مِن ذِكْرِهِ فَقَدْ كَنّاهُ، والعَرَبُ يَعْرِفُونَ مَعْناهُ، ألا وإنَّ المُجامَعَةَ والمُلامَسَةَ والرَّفَثَ، ووَضَعَ أُصْبُعَيْهِ في أُذُنَيْهِ، ثُمَّ قالَ: ألا هو النَّيْكُ.
وأخْرَجَ الطَّسْتِيُّ في مَسائِلِهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أنَّ نافِعَ بْنَ الأزْرَقِ قالَ لَهُ: أخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ﴾ قالَ: أوْ جامَعْتُمُ النِّساءَ، وهُذَيْلٌ تَقُولُ: اللَّمْسُ بِاليَدِ، قالَ: وهَلْ تَعْرِفُ العَرَبُ ذَلِكَ؟ قالَ: نَعَمْ، أما سَمِعْتَ لَبِيدَ بْنَ رَبِيعَةَ وهو يَقُولُ:
؎يَلْمَسُ الأحْلاسَ في مَنزِلِهِ بِيَدَيْهِ كاليَهُودِيِّ المُصَلْ
وقالَ الأعْشى: (p-٢١١)
؎ورادِعَةٍ صَفْراءَ بِالطِّيبِ عِنْدَنا ∗∗∗ لِلَمْسِ النَّدامى في يَدِ الدِّرْعِ مَفْتَقُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فامْسَحُوا بِوُجُوهِكم وأيْدِيكم مِنهُ﴾ قالَ: إنْ أعْياكَ الماءُ فَلا يُعْيِكَ الصَّعِيدُ أنْ تَضَعَ فِيهِ كَفَّيْكَ، ثُمَّ تَنْفُضَهُما فَتَمْسَحَ بِهِما يَدَيْكَ ووَجْهَكَ، لا تَعْدُو ذَلِكَ لِغُسْلِ جَنابَةٍ، ولا لِوُضُوءِ صَلاةٍ، ومَن تَيَمَّمَ بِالصَّعِيدِ فَصَلّى ثُمَّ قَدِرَ عَلى الماءِ فَعَلَيْهِ الغُسْلُ، وقَدْ مَضَتْ صَلاتُهُ الَّتِي كانَ صَلّاها، ومَن كانَ مَعَهُ ماءٌ قَلِيلٌ، وخَشِيَ عَلى نَفْسِهِ الظَّمَأ، فَلْيَتَيَمَّمِ الصَّعِيدَ، ولْيَتَبَلَّغْ بِمائِهِ، فَإنَّهُ كانَ يُؤْمَرُ بِذَلِكَ واللَّهُ أعْذَرُ بِالعُذْرِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والبُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: «سَقَطَتْ قِلادَةٌ لِي بِالبَيْداءِ، ونَحْنُ داخِلُونَ المَدِينَةَ، فَأناخَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ونَزَلَ فَثَنى رَأْسَهُ في حَجْرِي راقِدًا، وأقْبَلَ أبُو بَكْرٍ فَلَكَزَنِي لَكْزَةً شَدِيدَةً وقالَ: حَبَسْتِ النّاسَ في قِلادَةٍ، فَبِيَ المَوْتُ لِمَكانِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وقَدْ أوْجَعَنِي، ثُمَّ إنَّ النَّبِيَّ ﷺ اسْتَيْقَظَ، وحَضَرَتِ الصُّبْحُ، فالتَمَسَ الماءَ فَلَمْ يُوجَدْ، فَنَزَلَتْ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا قُمْتُمْ إلى الصَّلاةِ فاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ هَذِهِ الآيَةُ، فَقالَ أُسَيْدُ بْنُ الحُضَيْرِ: لَقَدْ بارَكَ اللَّهُ لِلنّاسِ فِيكم يا آلَ أبِي بَكْرٍ» . (p-٢١٢)وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وأحْمَدُ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ ماجَهْ، عَنْ عَمّارِ بْنِ ياسِرٍ، «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَرَّسَ بِأُولاتِ الجَيْشِ، ومَعَهُ عائِشَةُ، فانْقَطَعَ عِقْدٌ لَها مِن جَزْعِ ظَفارِ، فَحَبَسَ النّاسَ ابْتِغاءُ عِقْدِها ذَلِكَ حَتّى أضاءَ الفَجْرُ، ولَيْسَ مَعَ النّاسِ ماءٌ، فَأنْزَلَ اللَّهُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ رُخْصَةَ التَّطَهُّرِ بِالصَّعِيدِ الطَّيِّبِ، فَقامَ المُسْلِمُونَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَضَرَبُوا بِأيْدِيهِمُ الأرْضَ، ثُمَّ رَفَعُوا أيْدِيَهم ولَمْ يَقْبِضُوا مِنَ التُّرابِ شَيْئًا، فَمَسَحُوا بِها وُجُوهَهُمْ، ثُمَّ عادُوا فَضَرَبُوا بِأيْدِيهِمْ ثانِيَةً، فَمَسَحُوا بِها أيْدِيَهم إلى المَناكِبِ، ومِن بُطُونِ أيْدِيهِمْ إلى الآباطِ» .
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ﴾ الآيَةَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿مِن حَرَجٍ﴾ قالَ: مِن ضِيقٍ. (p-٢١٣)وأخْرَجَ مالِكٌ، ومُسْلِمٌ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «(إذا تَوَضَّأ العَبْدُ المُسْلِمُ فَغَسَلَ وجْهَهُ، خَرَجَ مِن وجْهِهِ كُلُّ خَطِيئَةٍ نَظَرَ إلَيْها بِعَيْنَيْهِ مَعَ الماءِ أوْ مَعَ آخِرِ قَطْرِ الماءِ، فَإذا غَسَلَ يَدَيْهِ خَرَجَ مِن يَدَيْهِ كُلُّ خَطِيئَةٍ بَطَشَتْها يَداهُ مَعَ الماءِ، أوْ مَعَ آخِرِ قَطْرِ الماءِ، فَإذا غَسَلَ رِجْلَيْهِ خَرَجَتْ كُلُّ خَطِيئَةٍ مَشَتْها رِجْلاهُ مَعَ الماءِ، أوْ مَعَ آخِرِ قَطْرِ الماءِ، حَتّى يَخْرُجَ نَقِيًّا مِنَ الذُّنُوبِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ المُبارَكِ في (الزُّهْدِ)، وابْنُ المُنْذِرِ، والبَيْهَقِيُّ في (شُعَبِ الإيمانِ)، مِن طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دارَةَ، عَنْ حُمْرانَ مَوْلى عُثْمانَ، عَنْ عُثْمانَ بْنِ عَفّانَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «(ما تَوَضَّأ عَبْدٌ فَأسْبَغَ وُضُوءَهُ، ثُمَّ قامَ إلى الصَّلاةِ، إلّا غُفِرَ لَهُ ما بَيْنَهُ وبَيْنَ الصَّلاةِ الأُخْرى»)، قالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ: وكُنْتُ إذا سَمِعْتُ الحَدِيثَ عَنْ رَجُلٍ مِن أصْحابِ النَّبِيِّ ﷺ التَمَسْتُهُ في القُرْآنِ، فالتَمَسْتُ هَذا فَوَجَدْتُهُ: ﴿إنّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ [الفتح: ١] ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وما تَأخَّرَ ويُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ﴾ [الفتح: ٢] [الفَتْحِ: ١-٢]، فَعَلِمْتُ أنَّ اللَّهَ لَمْ يُتِمَّ عَلَيْهِ النِّعْمَةَ حَتّى غَفَرَ لَهُ ذُنُوبَهُ، ثُمَّ قَرَأْتُ الآيَةَ الَّتِي في سُورَةِ (المائِدَةِ): ﴿إذا قُمْتُمْ إلى الصَّلاةِ فاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ حَتّى بَلَغَ: ﴿ولَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكم ولِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ﴾ فَعَرَفْتُ أنَّ اللَّهَ لَمْ يُتِمَّ النِّعْمَةَ عَلَيْهِمْ حَتّى غَفَرَ لَهم.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عِنْ أبِي أُمامَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «(إذا تَوَضَّأ الرَّجُلُ المُسْلِمُ خَرَجَتْ ذُنُوبَهُ مِن سَمْعِهِ، وبَصَرِهِ، ويَدَيْهِ، ورِجْلَيْهِ، فَإنْ جَلَسَ جَلَسَ مَغْفُورًا لَهُ») .
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ في (الأوْسَطِ)، بِسَنَدٍ صَحِيحٍ، عَنْ أبِي أُمامَةَ الباهِلِيِّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «(إذا تَمَضْمَضَ أحَدُكم حُطَّ ما أصابَ بِفِيهِ، وإذا غَسَلَ وجْهَهُ حُطَّ ما أصابَ بِوَجْهِهِ، وإذا غَسَلَ يَدَيْهِ حُطَّ ما أصابَ بِيَدَيْهِ، وإذا مَسَحَ بِرَأْسِهِ تَناثَرَتْ خَطاياهُ مِن أُصُولِ الشَّعْرِ، وإذا غَسَلَ قَدَمَيْهِ حُطَّ ما أصابَ بِرِجْلَيْهِ») .
وأخْرَجَ أحْمَدُ، والطَّبَرانِيُّ، بِسَنَدٍ حَسَنٍ، عَنْ أبِي أُمامَةَ، أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «(أيُّما رَجُلٍ قامَ إلى وُضُوئِهِ يُرِيدُ الصَّلاةَ فَغَسَلَ كَفَّيْهِ، نَزَلَتْ كُلُّ خَطِيئَةٍ مِن كَفَّيْهِ مَعَ أوَّلِ قَطْرَةٍ، فَإذا مَضْمَضَ، واسْتَنْشَقَ، واسْتَنْثَرَ، نَزَلَتْ خَطِيئَتُهُ (p-٢١٥)مِن لِسانِهِ، وشَفَتَيْهِ مَعَ أوَّلِ قَطْرَةٍ، فَإذا غَسَلَ وجْهَهُ، نَزَلَتْ كُلُّ خَطِيئَةٍ مِن سَمْعِهِ، وبَصَرِهِ مَعَ أوَّلِ قَطْرَةٍ، وإذا غَسَلَ يَدَيْهِ إلى المِرْفَقَيْنِ، ورِجْلَيْهِ إلى الكَعْبَيْنِ سَلِمَ مِن كُلِّ ذَنْبٍ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ ولَدَتْهُ أُمُّهُ، فَإذا قامَ إلى الصَّلاةِ رَفَعَ اللَّهُ دَرَجَتَهُ، وإنْ قَعَدَ قَعَدَ سالِمًا») .
وأخْرَجَ أحْمَدُ، والطَّبَرانِيُّ، عَنْ أبِي أُمامَةَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «(مَن تَوَضَّأ فَأسْبَغَ الوُضُوءَ، غَسَلَ يَدَيْهِ، ووَجْهَهُ، ومَسَحَ عَلى رَأْسِهِ، وأُذُنَيْهِ، ثُمَّ قامَ إلى الصَّلاةِ المَفْرُوضَةِ غَفَرَ اللَّهُ لَهُ في ذَلِكَ اليَوْمِ ما مَشَتْ رِجْلُهُ، وقَبَضَتْ عَلَيْهِ يَداهُ، وسَمِعَتْ إلَيْهِ أُذُناهُ، ونَظَرَتْ إلَيْهِ عَيْناهُ، وحَدَّثَ بِهِ نَفْسُهُ مِن سُوءٍ») .
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، عَنْ أبِي أُمامَةَ، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «(ما مِن مُسْلِمٍ يَتَوَضَّأُ، فَيَغْسِلُ يَدَيْهِ ويُمَضْمِضُ فاهُ ويَتَوَضَّأُ كَما أُمِرَ، إلّا حَطَّ اللَّهُ عَنْهُ ما أصابَ يَوْمَئِذٍ ما نَطَقَ بِهِ فَمُهُ، وما مَسَّ بِيَدِهِ، وما مَشى إلَيْهِ، حَتّى إنَّ الخَطايا لَتَحادَرُ مِن أطْرافِهِ، ثُمَّ هو إذا مَشى إلى (p-٢١٦)المَسْجِدِ، فَرِجْلٌ تَكْتُبُ حَسَنَةً، وأُخْرى تَمْحُو سَيِّئَةً») .
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، عَنْ ثَعْلَبَةَ بْنِ عَبّادٍ، عَنْ أبِيهِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «(ما مِن عَبْدٍ يَتَوَضَّأُ فَيُحْسِنُ الوُضُوءَ، فَيَغْسِلُ وجْهَهُ حَتّى يَسِيلَ الماءُ عَلى ذَقَنِهِ، ثُمَّ يَغْسِلُ ذِراعَيْهِ حَتّى يَسِيلَ الماءُ عَلى مِرْفَقَيْهِ، ثُمَّ يَغْسِلُ رِجْلَيْهِ حَتّى يَسِيلَ الماءُ مِن كَعْبَيْهِ، ثُمَّ يَقُومُ فَيُصَلِّي، إلّا غَفَرَ اللَّهُ لَهُ ما سَلَفَ مِن ذَنْبِهِ») .
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ في (الأوْسَطِ)، بِسَنَدٍ حَسَنٍ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «ما مِن مُسْلِمٍ يَتَوَضَّأُ لِلصَّلاةِ فَيُمَضْمِضُ، إلّا خَرَجَ مَعَ قَطْرِ الماءِ كُلُّ سَيِّئَةٍ تَكَلَّمَ بِها لِسانُهُ، ويَسْتَنْشِقُ إلّا خَرَجَ مَعَ قَطْرِ الماءِ كُلُّ سَيِّئَةٍ وجَدَ رِيحَها بِأنْفِهِ، ولا يَغْسِلُ وجْهَهُ إلّا تَناثَرَ مِن عَيْنَيْهِ مَعَ قَطْرِ الماءِ كُلُّ سَيِّئَةٍ نَظَرَ إلَيْها بِهِما، ولا يَغْسِلُ شَيْئًا مِن يَدَيْهِ إلّا خَرَجَ مَعَ قَطْرِ الماءِ كُلُّ سَيِّئَةٍ بَطَشَ بِهِما، ولا يَغْسِلُ شَيْئًا مِن رِجْلَيْهِ إلّا خَرَجَ مَعَ قَطْرِ الماءِ كُلُّ سَيِّئَةٍ مَشى بِهِما إلَيْها، فَإذا خَرَجَ إلى المَسْجِدِ كُتِبَ لَهُ بِكُلِّ خُطْوَةٍ خَطاها حَسَنَةٌ، ومُحِيَ بِها عَنْهُ (p-٢١٧)سَيِّئَةٌ، حَتّى يَأْتِيَ مَقامَهُ» .
وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ عَبْسَةَ قالَ: «قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، أخْبِرْنِي عَنِ الوُضُوءِ فَقالَ: (ما مِنكم مِن رَجُلٍ يَقْرَبُ وضُوءَهُ فَيَتَمَضْمَضُ ويَمُجُّ، ثُمَّ يَسْتَنْشِقُ ويَنْثُرُ، إلّا جَرَتْ خَطايا فِيهِ وخَياشِيمِهِ مَعَ الماءِ، ثُمَّ يَغْسِلُ وجْهَهُ كَما أمَرَهُ اللَّهُ إلّا جَرَتْ خَطايا وجْهِهِ مِن أطْرافِ لِحْيَتِهِ مَعَ الماءِ، ثُمَّ يَغْسِلُ يَدَيْهِ إلى المِرْفَقَيْنِ إلّا جَرَتْ خَطايا يَدَيْهِ مِن أطْرافِ أنامِلِهِ مَعَ الماءِ، ثُمَّ يَمْسَحُ رَأْسَهُ كَما أمَرَهُ اللَّهُ إلّا جَرَتْ خَطايا رَأْسِهِ مِن أطْرافِ شَعْرِهِ مَعَ الماءِ، ثُمَّ يَغْسِلُ قَدَمَيْهِ إلى الكَعْبَيْنِ كَما أمَرَهُ اللَّهُ إلّا جَرَتْ خَطايا قَدَمَيْهِ مِن أطْرافِ أصابِعِهِ مَعَ الماءِ، ثُمَّ يَقُومُ فَيَحْمَدُ اللَّهَ ويُثْنِي عَلَيْهِ بِالَّذِي هو لَهُ أهْلٌ، ثُمَّ يَرْكَعُ رَكْعَتَيْنِ، إلّا انْصَرَفَ مِن ذُنُوبِهِ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ ولَدَتْهُ أُمُّهُ») .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ﴾ قالَ: تَمامُ النِّعْمَةِ دُخُولُ الجَنَّةِ، لَمْ تَتِمَّ نِعْمَتُهُ عَلى عَبْدٍ لَمْ يَدْخُلِ الجَنَّةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأحْمَدُ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والبُخارِيُّ في (p-٢١٨)(الأدَبِ)، والتِّرْمِذِيُّ، والطَّبَرانِيُّ، والبَيْهَقِيُّ في (الأسْماءِ والصِّفاتِ)، والخَطِيبُ، عَنْ مُعاذِ بْنِ جَبَلٍ قالَ: «مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلى رَجُلٍ وهو يَقُولُ: اللَّهُمَّ إنِّي أسْألُكَ الصَّبْرَ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (سَألْتَ اللَّهَ البَلاءَ، فاسْألْهُ المُعافاةَ)، ومَرَّ عَلى رَجُلٍ وهو يَقُولُ: اللَّهُمَّ إنِّي أسْألُكَ تَمامَ النِّعْمَةِ، قالَ: (يا ابْنَ آدَمَ، هَلْ تَدْرِي ما تَمامُ النِّعْمَةِ؟) قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، دَعْوَةٌ دَعَوْتُ بِها رَجاءَ الخَيْرِ، قالَ: (فَإنَّ تَمامَ النِّعْمَةِ دُخُولُ الجَنَّةِ، والفَوْزُ مِنَ النّارِ)، ومَرَّ عَلى رَجُلٍ وهو يَقُولُ: يا ذا الجَلالِ والإكْرامِ، فَقالَ: (قَدِ اسْتُجِيبَ لَكَ فَسَلْ») .
وأخْرَجَ ابْنُ عَدِيٍّ، عَنْ أبِي مَسْعُودٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «(لا تَتِمُّ عَلى عَبْدٍ نِعْمَةٌ إلّا بِالجَنَّةِ») .
المائدة 5:7
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ الآيَةَ.
أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، والطَّبَرانِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿واذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكم ومِيثاقَهُ الَّذِي واثَقَكم بِهِ إذْ قُلْتُمْ سَمِعْنا وأطَعْنا﴾ يَعْنِي حِينَ بَعَثَ اللَّهُ النَّبِيَّ ﷺ، وأنْزَلَ عَلَيْهِ الكِتابَ قالُوا: آمَنّا بِالنَّبِيِّ وبِالكِتابِ، وأقْرَرْنا بِما في التَّوْراةِ، فَذَكَّرَهُمُ اللَّهُ مِيثاقَهُ الَّذِي أقَرُّوا بِهِ عَلى أنْفُسِهِمْ، وأمَرَهم بِالوَفاءِ بِهِ. (p-٢١٩)وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿واذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ قالَ: النِّعَمُ، آلاءُ اللَّهِ، ﴿ومِيثاقَهُ الَّذِي واثَقَكم بِهِ﴾، قالَ: الَّذِي واثَقَ بِهِ بَنِي آدَمَ في ظَهْرِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ.
المائدة 5:8
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوّامِينَ﴾ الآيَةَ.
أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، مِن طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَثِيرٍ في قَوْلِهِ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوّامِينَ لِلَّهِ شُهَداءَ بِالقِسْطِ﴾ الآيَةَ، في يَهُودَ حِينَ ذَهَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلَيْهِمْ يَسْتَعِينُهم في دِيَةٍ، فَهَمُّوا أنْ يَقْتُلُوهُ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ولا يَجْرِمَنَّكم شَنَآنُ قَوْمٍ عَلى ألا تَعْدِلُوا﴾ الآيَةَ.
المائدة 5:11
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ الآيَةَ.
أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والبَيْهَقِيُّ في (الدَّلائِلِ)، عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَزَلَ مَنزِلًا فَتَفَرَّقَ النّاسُ في العَضاهِ (p-٢٢٠)يَسْتَظِلُّونَ تَحْتَها، فَعَلَّقَ النَّبِيُّ ﷺ سِلاحَهُ بِشَجَرَةٍ، فَجاءَ أعْرابِيٌّ إلى سَيْفِهِ، فَأخَذَهُ فَسَلَّهُ، ثُمَّ أقْبَلَ عَلى النَّبِيِّ ﷺ فَقالَ: مَن يَمْنَعُكَ مِنِّي؟ قالَ: (اللَّهُ)، قالَ الأعْرابِيُّ مَرَّتَيْنِ أوْ ثَلاثًا: مَن يَمْنَعُكَ مِنِّي؟ والنَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ: (اللَّهُ)، فَشامَ الأعْرابِيُّ السَّيْفَ، فَدَعا النَّبِيُّ ﷺ أصْحابَهُ، فَأخْبَرَهم بِصَنِيعِ الأعْرابِيِّ، وهو جالِسٌ إلى جَنْبِهِ لَمْ يُعاقِبْهُ»، قالَ مَعْمَرٌ: وكانَ قَتادَةُ يَذْكُرُ نَحْوَ هَذا ويَذْكُرُ أنَّ قَوْمًا مِنَ العَرَبِ أرادُوا أنْ يَفْتِكُوا بِالنَّبِيِّ ﷺ، فَأرْسَلُوا هَذا الأعْرابِيَّ ويَتَأوَّلُ: ﴿اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكم إذْ هَمَّ قَوْمٌ أنْ يَبْسُطُوا إلَيْكم أيْدِيَهُمْ﴾ الآيَةَ.
وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ، عَنْ جابِرٍ قالَ: «قاتَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُحارِبَ خَصَفَةَ بِنَخْلٍ، فَرَأوْا مِنَ المُسْلِمِينَ غِرَّةً، فَجاءَ رَجُلٌ مِنهم يُقالُ لَهُ: غَوْرَثُ بْنُ الحارِثِ، حَتّى قامَ عَلى رَأْسِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالسَّيْفِ، وقالَ: مَن يَمْنَعُكَ مِنِّي؟ قالَ: (اللَّهُ)، فَسَقَطَ السَّيْفُ مِن يَدِهِ، فَأخَذَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وقالَ: (p-٢٢١)(مَن يَمْنَعُكَ؟) قالَ: كُنْ خَيْرَ آخِذٍ، قالَ: (تَشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وأنِّي رَسُولُ اللَّهِ)، قالَ: أُعاهِدُكَ ألّا أُقاتِلَكَ ولا أكُونَ مَعَ قَوْمٍ يُقاتِلُونَكَ، فَخَلّى سَبِيلَهُ، فَجاءَ إلى قَوْمِهِ، فَقالَ: جِئْتُكم مِن عِنْدِ خَيْرِ النّاسِ، فَلَمّا حَضَرَتِ الصَّلاةُ صَلّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَلاةَ الخَوْفِ، فَكانَ النّاسُ طائِفَتَيْنِ: طائِفَةً بِإزاءِ العَدُوِّ، وطائِفَةً تُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَصَلّى بِالَّذِينَ مَعَهُ رَكْعَتَيْنِ، فانْصَرَفُوا، فَكانَ مَوْضِعُ أُولَئِكَ الَّذِينَ بِإزاءِ عَدُوِّهِمْ، وجاءَ أُولَئِكَ فَصَلّى بِهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَكْعَتَيْنِ، فَكانَتْ لِلنّاسِ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ، ولِلنَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَليْهِ وسَلَّمَ أرْبَعَ رَكَعاتٍ» .
وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ، وأبُو نُعَيْمٍ في (الدَّلائِلِ)، مِن طَرِيقِ الحَسَنِ، عَنْ جابِرٍ، «أنَّ رَجُلًا مِن مُحارِبَ يُقالُ لَهُ: غَوْرَثُ بْنُ الحارِثِ، قالَ لِقَوْمِهِ: أقْتُلُ لَكم مُحَمَّدًا؟ قالُوا: كَيْفَ تَقْتُلُهُ؟ قالَ: أفْتِكُ بِهِ، فَأقْبَلَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وهو جالِسٌ وسَيْفُهُ في حِجْرِهِ، فَقالَ: يا مُحَمَّدُ، أنْظُرُ إلى سَيْفِكَ هَذا؟ قالَ: (نَعَمْ)، فَأخَذَهُ، فاسْتَلَّهُ، وجَعَلَ يَهُزُّهُ، ويَهُمُّ، فَيَكْبِتُهُ اللَّهُ، فَقالَ: يا مُحَمَّدُ، أما (p-٢٢٢)تَخافُنِي؟ قالَ: (لا)، قالَ: أما تَخافُنِي وفي يَدِي السَّيْفُ؟ قالَ: (لا، يَمْنَعُنِي اللَّهُ مِنكَ)، ثُمَّ غَمَدَ السَّيْفَ، ورَدَّهُ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكم إذْ هَمَّ قَوْمٌ أنْ يَبْسُطُوا إلَيْكم أيْدِيَهم فَكَفَّ أيْدِيَهم عَنْكُمْ﴾ الآيَةَ» .
وأخْرَجَ أبُو نُعَيْمٍ في (الدَّلائِلِ) مِن طَرِيقِ عَطاءٍ، والضَّحّاكِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «إنَّ عَمْرَو بْنَ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيَّ حِينَ انْصَرَفَ مِن بِئْرِ مَعُونَةَ لَقِيَ رَجُلَيْنِ كِلابِيَّيْنِ مَعَهُما أمانٌ مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَتَلَهُما، ولَمْ يَعْلَمْ أنَّ مَعَهُما أمانًا، فَوَداهُما رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، ومَضى إلى بَنِي النَّضِيرِ، ومَعَهُ أبُو بَكْرٍ، وعُمَرُ، وعَلِيٌّ، فَتَلَقَّوْهُ بَنُو النَّضِيرِ، فَقالُوا: مَرْحَبًا، يا أبا القاسِمِ، لِماذا جِئْتَ؟ قالَ: (رَجُلٌ مِن أصْحابِي قَتَلَ رَجُلَيْنِ مِن بَنِي كِلابٍ مَعَهُما أمانٌ مِنِّي، طَلَبَ مِنِّي دِيَتَهُما، فَأُرِيدُ أنْ تُعِينُونِي)، قالُوا: نَعَمْ، اقْعُدْ حَتّى نَجْمَعَ لَكَ، فَقَعَدَ تَحْتَ الحِصْنِ، وأبُو بَكْرٍ، وعُمَرُ، وعَلِيٌّ، وقَدْ تَوامَرَ بَنُو النَّضِيرِ أنْ يَطْرَحُوا عَلَيْهِ حَجَرًا، فَجاءَ جِبْرِيلُ، فَأخْبَرَهُ بِما هَمُّوا بِهِ، فَقامَ، ومَن مَعَهُ، وأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكم إذْ هَمَّ قَوْمٌ﴾ الآيَةَ» . (p-٢٢٣)وأخْرَجَ أبُو نُعَيْمٍ، مِن طَرِيقِ الكَلْبِيِّ، عَنْ أبِي صالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ أيْضًا، عَنْ عُرْوَةَ، نَحْوَهُ، وزادَ بَعْدَ نُزُولِ الآيَةِ: «وأمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِإجْلائِهِمْ لِما أرادُوا، فَأمَرَهم أنْ يَخْرُجُوا مِن دِيارِهِمْ، قالُوا: إلى أيْنَ؟ قالَ: (إلى الحَشْرِ») .
وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ عاصِمِ بْنِ عُمَرَ بْنِ قَتادَةَ، وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي بَكْرٍ قالا: «خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى بَنِي النَّضِيرِ لِيَسْتَعِينَهم عَلى دِيَةِ العامِرِيَّيْنِ اللَّذَيْنِ قَتَلَهُما عَمْرُو بْنُ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيُّ، فَلَمّا جاءَهم خَلا بَعْضُهم بِبَعْضٍ فَقالُوا: إنَّكم لَنْ تَجِدُوا مُحَمَّدًا أقْرَبَ مِنهُ الآنَ، فَمَن رَجُلٌ يَظْهَرُ عَلى هَذا البَيْتِ فَيَطْرَحُ عَلَيْهِ صَخْرَةً فَيُرِيحُنا مِنهُ؟ فَقالَ عَمْرُو بْنُ جِحاشِ بْنِ كَعْبٍ: أنا، فَأتى النَّبِيَّ ﷺ الخَبَرُ، فانْصَرَفَ عَنْهُمْ، فَأنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ وفِيما أرادَ هو وقَوْمُهُ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكم إذْ هَمَّ قَوْمٌ أنْ يَبْسُطُوا إلَيْكم أيْدِيَهُمْ﴾ [المائدة»: ١١] .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿إذْ هَمَّ قَوْمٌ أنْ يَبْسُطُوا إلَيْكم أيْدِيَهُمْ﴾ قالَ: هم يَهُودُ، دَخَلَ عَلَيْهِمُ النَّبِيُّ (p-٢٢٤)ﷺ حائِطًا لَهُمْ، وأصْحابُهُ مِن وراءِ جِدارِهِ، فاسْتَعانَهم في مَغْرَمٍ، في دِيَةٍ غَرِمَها، ثُمَّ قامَ مِن عِنْدِهِمْ، فَأْتَمَرُوا بَيْنَهم بِقَتْلِهِ، فَخَرَجَ يَمْشِي القَهْقَرى مُعْتَرِضًا يَنْظُرُ إلَيْهِمْ، ثُمَّ دَعا أصْحابَهُ رَجُلًا رَجُلًا حَتّى تَتامُّوا إلَيْهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أبِي زِيادٍ قالَ: «جاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَنِي النَّضِيرِ، يَسْتَعِينُهم في عَقْلٍ أصابَهُ، ومَعَهُ أبُو بَكْرٍ، وعُمَرُ، وعَلِيٌّ، فَقالَ: (أعِينُونِي في عَقْلٍ أصابَنِي)، فَقالُوا: نَعَمْ، يا أبا القاسِمِ، قَدْ آنَ لَكَ أنْ تَأْتِيَنا، وتَسْألَنا حاجَةً، اجْلِسْ، حَتّى نُطْعِمَكَ، ونُعْطِيَكَ الَّذِي تَسْألُنا، فَجَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وأصْحابُهُ يَنْتَظِرُونَهُ، وجاءَ حُيَيُّ بْنُ أخْطَبَ، فَقالَ حُيَيٌّ لِأصْحابِهِ: لا تَرَوْنَهُ أقْرَبَ مِنهُ الآنَ، اطْرَحُوا عَلَيْهِ حِجارَةً فاقْتُلُوهُ، ولا تَرَوْنَ شَرًّا أبَدًا، فَجاؤُوا إلى رَحًى لَهم عَظِيمَةٍ لِيَطْرَحُوها عَلَيْهِ، فَأمْسَكَ اللَّهُ عَنْها أيْدِيَهم حَتّى جاءَهُ جِبْرِيلُ فَأقامَهُ مِن ثَمَّ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكم إذْ هَمَّ قَوْمٌ﴾ الآيَةَ، فَأخْبَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ بِما أرادُوا بِهِ» .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، مِن طَرِيقِ السُّدِّيِّ، عَنْ أبِي مالِكٍ (p-٢٢٥)فِي الآيَةِ قالَ: نَزَلَتْ في كَعْبِ بْنِ الأشْرَفِ وأصْحابِهِ حِينَ أرادُوا أنْ يَغْدِرُوا بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: «بَعَثَ النَّبِيُّ ﷺ المُنْذِرَ بْنَ عَمْرٍو أحَدَ النُّقَباءِ لَيْلَةَ العَقَبَةِ في ثَلاثِينَ راكِبًا مِنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ إلى غَطَفانَ، فالتَقَوْا عَلى ماءٍ مِن مِياهِ عامِرٍ، فاقْتَتَلُوا فَقُتِلَ المُنْذِرُ بْنُ عَمْرٍو، وأصْحابُهُ إلّا ثَلاثَةَ نَفَرٍ، كانُوا في طَلَبِ ضالَّةٍ لَهُمْ، فَلَمْ يَرُعْهم إلّا والطَّيْرُ تَحُومُ في جَوِّ السَّماءِ، يَسْقُطُ مِن خَراطِيمِها عَلَقُ الدَّمِ، فَقالُوا: قُتِلَ أصْحابُنا والرَّحْمَنِ، فانْطَلَقَ رَجُلٌ مِنهم فَلَقِيَ رَجُلًا فاخْتَلَفا ضَرْبَتَيْنِ، فَلَمّا خالَطَتْهُ الضَّرْبَةُ رَفَعَ وجْهَهُ إلى السَّماءِ، ثُمَّ فَتَحَ عَيْنَيْهِ فَقالَ: اللَّهُ أكْبَرُ، الجَنَّةُ ورَبِّ العالَمِينَ، وكانَ يُدْعى أعْنَقُ لِيَمُوتَ، فانْطَلَقَ صاحِباهُ فَلَقِيا رَجُلَيْنِ مِن بَنِي سُلَيْمٍ، فانْتَسَبا لَهُما إلى بَنِي عامِرٍ، فَقَتَلاهُما، وكانَ بَيْنَ قَوْمِهِما وبَيْنَ النَّبِيِّ ﷺ مُوادَعَةٌ، فَقَدِمَ قَوْمُهُما عَلى النَّبِيِّ ﷺ يَطْلُبُونَ عَقْلَهُما، فانْطَلَقَ النَّبِيُّ ﷺ ومَعَهُ أبُو بَكْرٍ، وعُمَرُ، وعُثْمانُ، وعَلِيٌّ، وطَلْحَةُ، والزُّبَيْرُ، وعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ، حَتّى دَخَلُوا عَلى بَنِي النَّضِيرِ يَسْتَعِينُونَهم في عَقْلِهِما، فَقالُوا: نَعَمْ، (p-٢٢٦)فاجْتَمَعَتْ يَهُودُ لِقَتْلِ النَّبِيِّ ﷺ وأصْحابِهِ، فاعْتَلُّوا لَهُ بِصَنْعَةِ الطَّعامِ، فَلَمّا أتاهُ جِبْرِيلُ بِالَّذِي اجْتَمَعَتْ لَهُ يَهُودُ مِنَ الغَدْرِ خَرَجَ ثُمَّ دَعا عَلِيًّا، فَقالَ: (لا تَبْرَحْ مَكانَكَ هَذا، فَمَن مَرَّ بِكَ مِن أصْحابِي فَسَألَكَ عَنِّي فَقُلْ: وجَّهَ إلى المَدِينَةِ فَأدْرِكُوهُ)، فَجَعَلُوا يَمُرُّونَ عَلى عَلِيٍّ، فَيَقُولُ لَهُمُ الَّذِي أمَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ حَتّى أتى عَلَيْهِ آخِرُهُمْ، ثُمَّ تَبِعَهُمْ، فَفي ذَلِكَ أُنْزِلَتْ: ﴿إذْ هَمَّ قَوْمٌ أنْ يَبْسُطُوا إلَيْكم أيْدِيَهُمْ﴾ حَتّى: ﴿ولا تَزالُ تَطَّلِعُ عَلى خائِنَةٍ مِنهُمْ﴾ [المائدة»: ١٣] .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، مِن طَرِيقِ العَوْفِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في هَذِهِ الآيَةِ قالَ: إنَّ قَوْمًا مِنَ اليَهُودِ صَنَعُوا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ولِأصْحابِهِ طَعامًا لِيَقْتُلُوهُ، فَأوْحى اللَّهُ إلَيْهِ بِشَأْنِهِمْ، فَلَمْ يَأْتِ الطَّعامُ، وأمَرَ أصْحابَهُ فَلَمْ يَأْتُوهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ قَتادَةَ في الآيَةِ قالَ: «ذُكِرَ لَنا أنَّها أُنْزِلَتْ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وهو بِبَطْنِ نَخْلٍ في الغَزْوَةِ السّابِعَةِ، فَأرادَ بَنُو ثَعْلَبَةَ، وبَنُو مُحارِبَ أنْ يَفْتِكُوا بِهِ، فَأطْلَعَهُ اللَّهُ عَلى ذَلِكَ، ذُكِرَ لَنا أنَّ رَجُلًا انْتَدَبَ لِقَتْلِهِ، فَأتى نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ، وسَيْفُهُ مَوْضُوعٌ، فَقالَ: آخُذُهُ يا نَبِيَّ اللَّهِ؟ قالَ: (p-٢٢٧)(خُذْهُ)، قالَ: أسْتَلُّهُ؟ قالَ: (نَعَمْ)، فَسَلَّهُ، فَقالَ: مَن يَمْنَعُكَ مِنِّي؟ قالَ: (اللَّهُ يَمْنَعُنِي مِنكَ)، فَتَهَدَّدَهُ أصْحابُ النَّبِيِّ ﷺ، وأغْلَظُوا لَهُ القَوْلَ، فَشامَ السَّيْفَ، فَأمَرَ النَّبِيُّ ﷺ أصْحابَهُ بِالرَّحِيلِ، فَأُنْزِلَتْ عَلَيْهِ صَلاةُ الخَوْفِ عِنْدَ ذَلِكَ» .
المائدة 5:12
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ أخَذَ اللَّهُ﴾ الآيَةَ.
أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ أبِي العالِيَةِ في قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ قالَ: أخَذَ اللَّهُ مَواثِيقَهُمْ، أنْ يُخْلِصُوا لَهُ ولا يَعْبُدُوا غَيْرَهُ، ﴿وبَعَثْنا مِنهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا﴾ يَعْنِي بِذَلِكَ: وبَعَثْنا مِنهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ كَفِيلًا، فَكُفِّلُوا عَلَيْهِمْ بِالوَفاءِ لِلَّهِ بِما واثَقُوهُ عَلَيْهِ مِنَ العُهُودِ فِيما أمَرَهم بِهِ، وفِيما نَهاهم عَنْهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا﴾ قالَ: مِن كُلِّ سِبْطٍ مِن بَنِي إسْرائِيلَ رِجالٌ، أرْسَلَهم مُوسى إلى الجَبّارِينَ، فَوَجَدُوهم يَدْخُلُ في كُمِّ أحَدِهِمُ اثْنانِ مِنهُمْ، ولا يَحْمِلُ عُنْقُودَ عِنَبِهِمْ إلّا خَمْسَةُ أنْفُسٍ بَيْنَهم في خَشَبَةٍ، ويَدْخُلُ في شَطْرِ (p-٢٢٨)الرُّمّانَةِ إذا نُزِعَ حَبُّها خَمْسَةُ أنْفُسٍ، أوْ أرْبَعَةٌ، فَرَجَعَ النُّقَباءُ كُلُّهم يَنْهى سِبْطَهُ عَنْ قِتالِهِمْ إلّا يُوشَعَ بْنَ نُونٍ، وكالَبَ بْنَ يافَنَّةَ، أمَرا الأسْباطَ بِقِتالِ الجَبّارِينَ، ومُجاهَدَتِهِمْ، فَعَصَوْهُما، وأطاعُوا الآخَرِينَ، فَهُما الرَّجُلانِ اللَّذانِ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِما، فَتاهَتْ بَنُو إسْرائِيلَ أرْبَعِينَ سَنَةً، يُصْبِحُونَ حَيْثُ أمْسَوْا، ويُمْسُونَ حَيْثُ أصْبَحُوا في تِيهِهِمْ ذَلِكَ، فَضَرَبَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ الحَجَرَ لِكُلِّ سِبْطٍ عَيْنًا، حَجْرًا لَهم يَحْمِلُونَهُ مَعَهُمْ، فَقالَ لَهم مُوسى: اشْرَبُوا يا حَمِيرُ، فَنَهاهُ اللَّهُ عَنْ سَبِّهِمْ، وقالَ: هم خَلْقٌ فَلا تَجْعَلْهم حَمِيرًا، والسِّبْطُ كُلُّ بَطْنٍ، بَنُو فُلانٍ. وبَنُو فُلانٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ السُّدِّيِّ قالَ: أمَرَ اللَّهُ بَنِي إسْرائِيلَ بِالسَّيْرِ إلى أرِيحاءَ - وهي أرْضُ بَيْتِ المَقْدِسِ - فَسارُوا حَتّى إذا كانُوا قَرِيبًا مِنهُ بَعَثَ مُوسى اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا مِن جَمِيعِ أسْباطِ بَنِي إسْرائِيلَ، فَسارُوا يُرِيدُونَ أنْ يَأْتُوهُ بِخَبَرِ الجَبابِرَةِ، فَلَقِيَهم رَجُلٌ مِنَ الجَبّارِينَ، يُقالُ لَهُ: عاجٌ، فَأخَذَ الِاثْنَيْ عَشَرَ فَجَعَلَهم في حُجْزَتِهِ، وعَلى رَأْسِهِ حَمْلَةُ حَطَبٍ، فانْطَلَقَ بِهِمْ إلى امْرَأتِهِ، فَقالَ: انْظُرِي إلى هَؤُلاءِ (p-٢٢٩)القَوْمِ الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أنَّهم يُرِيدُونَ أنْ يُقاتِلُونا، فَطَرَحَهم بَيْنَ يَدَيْها، فَقالَ: ألا أطْحَنُهم بِرِجْلِي؟ فَقالَتِ امْرَأتُهُ: بَلْ خَلِّ عَنْهم حَتّى يُخْبِرُوا قَوْمَهم بِما رَأوْا، فَفَعَلَ ذَلِكَ، فَلَمّا خَرَجَ القَوْمُ قالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: يا قَوْمُ، إنَّكم إنْ أخْبَرْتُمْ بَنِي إسْرائِيلَ خَبَرَ القَوْمِ ارْتَدُّوا عَنْ نَبِيِّ اللَّهِ، لَكِنِ اكْتُمُوهُ، وأخْبِرُوا نَبِيَّيِ اللَّهِ فَيَكُونانِ هُما يَرَيانِ رَأْيَهُما، فَأخَذَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ المِيثاقَ بِذَلِكَ لِيَكْتُمُوهُ، ثُمَّ رَجَعُوا، فانْطَلَقَ عَشَرَةٌ مِنهُمْ، فَنَكَثُوا العَهْدَ، فَجَعَلَ الرَّجُلُ يُخْبِرُ أخاهُ وأباهُ بِما رَأى مِن عاجٍ، وكَتَمَ رَجُلانِ مِنهُمْ، فَأتَوْا مُوسى وهارُونَ، فَأخْبَرُوهُما الخَبَرَ، فَذَلِكَ حِينَ يَقُولُ اللَّهُ: ﴿ولَقَدْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ بَنِي إسْرائِيلَ وبَعَثْنا مِنهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا﴾ .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وبَعَثْنا مِنهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا﴾ قالَ: شَهِيدًا مِن كُلِّ سِبْطٍ رَجُلٌ شاهِدٌ عَلى قَوْمِهِ.
(p-٢٣٠)وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ الرَّبِيعِ قالَ: النُّقَباءُ الأُمَناءُ.
وأخْرَجَ الطَّسْتِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أنَّ نافِعَ بْنَ الأزْرَقِ قالَ لَهُ: أخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا﴾، قالَ: اثْنَيْ عَشَرَ وزِيرًا، وصارُوا أنْبِياءَ بَعْدَ ذَلِكَ، قالَ: وهَلْ تَعْرِفُ العَرَبُ ذَلِكَ؟ قالَ: نَعَمْ، أما سَمِعْتَ الشّاعِرَ يَقُولُ:
؎وإنِّي بِحَقٍّ قائِلٌ لِسَراتِها مَقالَةَ نُصْحٍ لا يَضِيعُ نَقِيبُها.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا﴾ قالَ: هم مِن بَنِي إسْرائِيلَ، بَعَثَهم مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، لِيَنْظُرُوا إلى المَدِينَةِ، فَجاؤُوا بِحَبَّةٍ مِن فاكِهَتِهِمْ، وِقْرَ رَجُلٍ فَقالُوا: اقْدُرُوا قُوَّةَ قَوْمٍ وبَأْسَهُمْ، وهَذِهِ فاكِهَتُهُمْ، فَعِنْدَ ذَلِكَ فُتِنُوا فَقالُوا: لا نَسْتَطِيعُ القِتالَ، فاذْهَبْ أنْتَ ورَبُّكَ فَقاتِلا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «(لَوْ صَدَقَنِي وآمَنَ بِي واتَّبَعَنِي عَشَرَةٌ مِنَ اليَهُودِ، لَأسْلَمَ كُلُّ يَهُودِيٍّ»)، قالَ كَعْبٌ: اثْنا عَشَرَ، وتَصْدِيقُ ذَلِكَ في (المائِدَةِ): ﴿وبَعَثْنا مِنهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا﴾ (p-٢٣١)وأخْرَجَ أحْمَدُ، والحاكِمُ، «عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، أنَّهُ سُئِلَ: كَمْ يَمْلِكُ هَذِهِ الأُمَّةَ مِن خَلِيفَةٍ؟ فَقالَ: سَألْنا عَنْها رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: (اثْنا عَشَرَ كَعِدَّةِ نُقَباءِ بَنِي إسْرائِيلَ») .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أنَسٍ، أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ لِلنُّقَباءِ الِاثْنَيْ عَشَرَ: سِيرُوا إلَيْهِمْ، فَحَدِّثُونِي حَدِيثَهُمْ، وما أمْرُهُمْ، ولا تَخافُوا، إنَّ اللَّهَ مَعَكم ما: ﴿أقَمْتُمُ الصَّلاةَ وآتَيْتُمُ الزَّكاةَ وآمَنتُمْ بِرُسُلِي وعَزَّرْتُمُوهم وأقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وعَزَّرْتُمُوهُمْ﴾ قالَ: أعَنْتُمُوهم.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وعَزَّرْتُمُوهُمْ﴾ قالَ: نَصَرْتُمُوهم.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ زَيْدٍ قالَ: التَّعْزِيرُ، والتَّوْقِيرُ، النُّصْرَةُ والطّاعَةُ.
المائدة 5:13
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ﴾ الآيَةَ.
أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ﴾ قالَ: (p-٢٣٢)هُوَ مِيثاقٌ أخَذَهُ اللَّهُ عَلى أهْلِ التَّوْراةِ فَنَقَضُوهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿فَبِما نَقْضِهِمْ﴾ يَقُولُ: فَبِنَقْضِهِمْ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهم لَعَنّاهُمْ﴾ قالَ: اجْتَنِبُوا نَقْضَ المِيثاقِ، فَإنَّ اللَّهَ قَدْ قَدَّمَ فِيهِ وأوْعَدَ فِيهِ، وذَكَرَهُ في آيٍ مِنَ القُرْآنِ تَقْدِمَةً ونَصِيحَةً وحُجَّةً، وإنَّما تَعْظُمُ الأُمُورُ بِما عَظَّمَها اللَّهُ بِهِ عِنْدَ أُولِي الفَهْمِ، والعَقْلِ، وأهْلِ العِلْمِ بِاللَّهِ، وإنّا ما نَعْلَمُ اللَّهَ أوْعَدَ في ذَنْبٍ ما أوْعَدَ في نَقْضِ المِيثاقِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ﴾ يَعْنِي حُدُودَ اللَّهِ في التَّوْراةِ، يَقُولُونَ: إنْ أمَرَكم مُحَمَّدٌ بِما أنْتُمْ عَلَيْهِ فاقْبَلُوهُ، وإنْ خالَفَكم فاحْذَرُوا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ونَسُوا حَظًّا مِمّا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ قالَ: نَسُوا الكِتابَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ونَسُوا حَظًّا مِمّا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ قالَ: كِتابَ اللَّهِ إذْ أُنْزِلَ عَلَيْهِمْ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ونَسُوا حَظًّا مِمّا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ قالَ: كِتابَ اللَّهِ إذْ أُنْزِلَ عَلَيْهِمْ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿ونَسُوا حَظًّا﴾ يَقُولُ: تَرَكُوا نَصِيبًا.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿ونَسُوا حَظًّا مِمّا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ قالَ: عُرى دِينِهِمْ ووَظائِفَ اللَّهِ الَّتِي لا تُقْبَلُ الأعْمالُ إلّا بِها.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ قَتادَةَ في الآيَةِ قالَ: نَسُوا كِتابَ اللَّهِ بَيْنَ أظْهُرِهِمْ، وعَهْدَهُ الَّذِي عَهِدَهُ إلَيْهِمْ، وأمْرَهُ الَّذِي أمَرَهم بِهِ، وضَيَّعُوا فَرائِضَهُ، وعَطَّلُوا حُدُودَهُ، وقَتَلُوا رُسُلَهُ، ونَبَذُوا كِتابَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُبارَكِ، وأحْمَدُ في (الزُّهْدِ)، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: إنِّي لَأحْسَبُ الرَّجُلُ يَنْسى العِلْمَ كانَ يَعْلَمُهُ بِالخَطِيئَةِ يَعْمَلُها.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولا تَزالُ تَطَّلِعُ عَلى خائِنَةٍ مِنهُمْ﴾ قالَ: هم يَهُودُ، مِثْلُ الَّذِي هَمُّوا بِهِ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ دَخَلَ عَلَيْهِمْ حائِطَهم. (p-٢٣٤)وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿ولا تَزالُ تَطَّلِعُ عَلى خائِنَةٍ مِنهُمْ﴾ يَقُولُ: عَلى خِيانَةٍ وكَذِبٍ وفُجُورٍ، وفي قَوْلِهِ: ﴿فاعْفُ عَنْهم واصْفَحْ﴾ قالَ: لَمْ يُؤْمَرْ يَوْمَئِذٍ بِقِتالِهِمْ، فَأمَرَهُ اللَّهُ أنْ يَعْفُوَ عَنْهم ويَصْفَحَ، ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ في (بَراءَةٌ)، فَقالَ: ﴿قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ولا بِاليَوْمِ الآخِرِ﴾ [التوبة: ٢٩] الآيَةَ [التَّوْبَةِ: ٢٩] .
المائدة 5:14
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومِنَ الَّذِينَ قالُوا﴾ الآيَةَ.
أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿ومِنَ الَّذِينَ قالُوا إنّا نَصارى﴾ قالَ: كانُوا تَسَمَّوْا بِقَرْيَةٍ يُقالُ لَها: ناصِرَةُ، كانَ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ يَنْزِلُها.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿ومِنَ الَّذِينَ قالُوا إنّا نَصارى﴾ قالَ: كانُوا بِقَرْيَةٍ يُقالُ لَها: ناصِرَةُ، نَزَلَها عِيسى، وهو اسْمٌ تَسَمَّوْا بِهِ، ولَمْ يُؤْمَرُوا بِهِ، وفي قَوْلِهِ: ﴿أخَذْنا (p-٢٣٥)مِيثاقَهم فَنَسُوا حَظًّا مِمّا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ قالَ: نَسُوا كِتابَ اللَّهِ بَيْنَ أظْهُرِهِمْ، وعَهْدَ اللَّهِ الَّذِي عَهِدَ إلَيْهِمْ، وأمْرَ اللَّهِ الَّذِي أمَرَهم بِهِ، وضَيَّعُوا فَرائِضَهُ، ﴿فَأغْرَيْنا بَيْنَهُمُ العَداوَةَ والبَغْضاءَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ﴾ قالَ: بِأعْمالِهِمْ، أعْمالِ السُّوءِ، ولَوْ أخَذَ القَوْمُ بِكِتابِ اللَّهِ وأمْرِهِ ما تَفَرَّقُوا وما تَباغَضُوا.
وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ إبْراهِيمَ في قَوْلِهِ: ﴿فَأغْرَيْنا بَيْنَهُمُ العَداوَةَ والبَغْضاءَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ﴾ قالَ: أغْرى بَعْضَهم بِبَعْضٍ، بِالخُصُوماتِ، والجِدالِ في الدِّينِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ إبْراهِيمَ التَّيْمِيِّ، في الآيَةِ قالَ: ما أرى الإغْراءَ في هَذِهِ الآيَةِ إلّا الأهْواءَ المُخْتَلِفَةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ الرَّبِيعِ قالَ: إنَّ اللَّهَ تَقَدَّمَ إلى بَنِي إسْرائِيلَ، ألّا يَشْتَرُوا بِآياتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا، ويُعَلِّمُوا الحِكْمَةَ ولا يَأْخُذُوا عَلَيْها أجْرًا، فَلَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ إلّا قَلِيلٌ مِنهُمْ، فَأخَذُوا الرِّشْوَةَ في الحُكْمِ، وجاوَزُوا الحُدُودَ، فَقالَ في اليَهُودِ حَيْثُ حَكَمُوا بِغَيْرِ ما أمَرَ اللَّهُ: ﴿وألْقَيْنا بَيْنَهُمُ العَداوَةَ والبَغْضاءَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ﴾ [المائدة: ٦٤] (p-٢٣٦)وقالَ في النَّصارى: ﴿فَنَسُوا حَظًّا مِمّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأغْرَيْنا بَيْنَهُمُ العَداوَةَ والبَغْضاءَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ﴾ .
المائدة 5:15
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أهْلَ الكِتابِ﴾ الآيَتَيْنِ.
أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قالَ: لَمّا أخْبَرَ الأعْوَرُ سَمْوِيلُ بْنُ صُورِيا الَّذِي صَدَّقَ النَّبِيَّ ﷺ عَلى الرَّجْمِ أنَّهُ في كِتابِهِمْ، وقالَ: لَكِنّا نُخْفِيهِ، فَنَزَلَتْ: ﴿يا أهْلَ الكِتابِ قَدْ جاءَكم رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكم كَثِيرًا مِمّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الكِتابِ﴾ وهو شابٌّ أبْيَضُ، خَفِيفٌ طُوالٌ، مِن أهْلِ فَدَكَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿يا أهْلَ الكِتابِ قَدْ جاءَكم رَسُولُنا﴾ قالَ: هو مُحَمَّدٌ ﷺ، ﴿يُبَيِّنُ لَكم كَثِيرًا﴾ يَقُولُ: يُبَيِّنُ لَكم مُحَمَّدٌ رَسُولُنا كَثِيرًا مِمّا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَهُ النّاسَ، ولا تُبَيِّنُونَهُ لَهم مِمّا في كِتابِكُمْ، وكانَ مِمّا يُخْفُونَهُ مِن كِتابِهِمْ فَبَيَّنَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِلنّاسِ رَجَمَ الزّانِيَيْنِ المُحْصَنَيْنِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: «إنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ أتاهُ اليَهُودُ يَسْألُونَهُ عَنِ الرَّجْمِ فَقالَ: (أيُّكم أعْلَمُ؟) فَأشارُوا إلى ابْنِ صُورِيا، فَناشَدَهُ بِالَّذِي أنْزَلَ (p-٢٣٧)التَّوْراةَ عَلى مُوسى، والَّذِي رَفَعَ الطُّورَ، وبِالمَواثِيقِ الَّتِي أُخِذَتْ عَلَيْهِمْ، حَتّى أخَذَهُ أفْكَلٌ، فَقالَ: إنَّهُ لَمّا كَثُرَ فِينا جَلَدْنا مِائَةً، وحَلَقْنا الرُّؤُوسَ، فَحَكَمَ عَلَيْهِمْ بِالرَّجْمِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿يا أهْلَ الكِتابِ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [المائدة»: ١٦] .
وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: مَن كَفَرَ بِالرَّجْمِ، فَقَدْ كَفَرَ بِالقُرْآنِ مِن حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ، قالَ تَعالى: ﴿يا أهْلَ الكِتابِ قَدْ جاءَكم رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكم كَثِيرًا مِمّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الكِتابِ﴾ قالَ: فَكانَ الرَّجْمُ مِمّا أخْفَوْا.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿ويَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ يَقُولُ: عَنْ كَثِيرٍ مِن ذُنُوبِ القَوْمِ، جاءَ مُحَمَّدٌ بِإقالَةٍ مِنها وتَجاوُزٍ إنِ اتَّبَعُوهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ سُبُلَ السَّلامِ﴾ قالَ: سَبِيلَ اللَّهِ الَّذِي شَرَعَهُ لِعِبادِهِ، ودَعاهم إلَيْهِ (p-٢٣٨)وابْتَعَثَ بِهِ رُسُلَهُ، وهو الإسْلامُ الَّذِي لا يُقْبَلُ مِن أحَدٍ عَمَلٌ إلّا بِهِ، لا اليَهُودِيَّةُ، ولا النَّصْرانِيَّةُ، ولا المَجُوسِيَّةُ.
المائدة 5:16
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أهْلَ الكِتابِ﴾ الآيَتَيْنِ.
أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قالَ: لَمّا أخْبَرَ الأعْوَرُ سَمْوِيلُ بْنُ صُورِيا الَّذِي صَدَّقَ النَّبِيَّ ﷺ عَلى الرَّجْمِ أنَّهُ في كِتابِهِمْ، وقالَ: لَكِنّا نُخْفِيهِ، فَنَزَلَتْ: ﴿يا أهْلَ الكِتابِ قَدْ جاءَكم رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكم كَثِيرًا مِمّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الكِتابِ﴾ وهو شابٌّ أبْيَضُ، خَفِيفٌ طُوالٌ، مِن أهْلِ فَدَكَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿يا أهْلَ الكِتابِ قَدْ جاءَكم رَسُولُنا﴾ قالَ: هو مُحَمَّدٌ ﷺ، ﴿يُبَيِّنُ لَكم كَثِيرًا﴾ يَقُولُ: يُبَيِّنُ لَكم مُحَمَّدٌ رَسُولُنا كَثِيرًا مِمّا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَهُ النّاسَ، ولا تُبَيِّنُونَهُ لَهم مِمّا في كِتابِكُمْ، وكانَ مِمّا يُخْفُونَهُ مِن كِتابِهِمْ فَبَيَّنَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِلنّاسِ رَجَمَ الزّانِيَيْنِ المُحْصَنَيْنِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: «إنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ أتاهُ اليَهُودُ يَسْألُونَهُ عَنِ الرَّجْمِ فَقالَ: (أيُّكم أعْلَمُ؟) فَأشارُوا إلى ابْنِ صُورِيا، فَناشَدَهُ بِالَّذِي أنْزَلَ (p-٢٣٧)التَّوْراةَ عَلى مُوسى، والَّذِي رَفَعَ الطُّورَ، وبِالمَواثِيقِ الَّتِي أُخِذَتْ عَلَيْهِمْ، حَتّى أخَذَهُ أفْكَلٌ، فَقالَ: إنَّهُ لَمّا كَثُرَ فِينا جَلَدْنا مِائَةً، وحَلَقْنا الرُّؤُوسَ، فَحَكَمَ عَلَيْهِمْ بِالرَّجْمِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿يا أهْلَ الكِتابِ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [المائدة»: ١٦] .
وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: مَن كَفَرَ بِالرَّجْمِ، فَقَدْ كَفَرَ بِالقُرْآنِ مِن حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ، قالَ تَعالى: ﴿يا أهْلَ الكِتابِ قَدْ جاءَكم رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكم كَثِيرًا مِمّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الكِتابِ﴾ قالَ: فَكانَ الرَّجْمُ مِمّا أخْفَوْا.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿ويَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ يَقُولُ: عَنْ كَثِيرٍ مِن ذُنُوبِ القَوْمِ، جاءَ مُحَمَّدٌ بِإقالَةٍ مِنها وتَجاوُزٍ إنِ اتَّبَعُوهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ سُبُلَ السَّلامِ﴾ قالَ: سَبِيلَ اللَّهِ الَّذِي شَرَعَهُ لِعِبادِهِ، ودَعاهم إلَيْهِ (p-٢٣٨)وابْتَعَثَ بِهِ رُسُلَهُ، وهو الإسْلامُ الَّذِي لا يُقْبَلُ مِن أحَدٍ عَمَلٌ إلّا بِهِ، لا اليَهُودِيَّةُ، ولا النَّصْرانِيَّةُ، ولا المَجُوسِيَّةُ.
المائدة 5:18
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالَتِ اليَهُودُ والنَّصارى﴾ الآيَةَ.
أخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في (الدَّلائِلِ)، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «أتى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نُعْمانُ بْنُ أضا، وبَحْرِيُّ بْنُ عَمْرٍو، وشَأْسُ بْنُ عَدِيٍّ، فَكَلَّمَهم وكَلَّمُوهُ، ودَعاهم إلى اللَّهِ، وحَذَّرَهم نِقْمَتَهُ، فَقالُوا: ما تُخَوِّفُنا يا مُحَمَّدُ، نَحْنُ واللَّهِ أبْناءُ اللَّهِ وأحِبّاؤُهُ، كَقَوْلِ النَّصارى، فَأنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ: ﴿وقالَتِ اليَهُودُ والنَّصارى﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ» .
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكم بِذُنُوبِكُمْ﴾ الآيَةَ.
أخْرَجَ أحْمَدُ، عَنْ أنَسٍ قالَ: «مَرَّ النَّبِيُّ ﷺ في نَفَرٍ مِن أصْحابِهِ وصَبِيٌّ في الطَّرِيقِ، فَلَمّا رَأتْ أُمَّهُ القَوْمَ خَشِيَتْ عَلى ولَدِها أنْ يُوطَأ، فَأقْبَلَتْ تَسْعى، وتَقُولُ: ابْنِي ابْنِي، فَسَعَتْ، فَأخَذَتْهُ، فَقالَ القَوْمُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، ما كانَتْ هَذِهِ لِتُلْقِيَ ابْنَها في النّارِ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: (لا، واللَّهِ لا يُلْقِي حَبِيبَهُ في النّارِ») . (p-٢٣٩)وأخْرَجَ أحْمَدُ في (الزُّهْدِ) عَنِ الحَسَنِ، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «(واللَّهِ لا يُعَذِّبُ اللَّهُ حَبِيبَهُ، ولَكِنْ قَدْ يَبْتَلِيهِ في الدُّنْيا») .
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَغْفِرُ لِمَن يَشاءُ﴾
أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿يَغْفِرُ لِمَن يَشاءُ ويُعَذِّبُ مَن يَشاءُ﴾ يَقُولُ: يَهْدِي مِنكم مَن يَشاءُ في الدُّنْيا فَيَغْفِرُ لَهُ، ويُمِيتُ مَن يَشاءُ مِنكم عَلى كُفْرِهِ فَيُعَذِّبُهُ.
المائدة 5:19
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أهْلَ الكِتابِ﴾ الآيَةَ.
أخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في (الدَّلائِلِ)، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «دَعا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَهُودَ إلى الإسْلامِ، فَرَغَّبَهم فِيهِ وحَذَّرَهُمْ، فَأبَوْا عَلَيْهِ، فَقالَ لَهم مُعاذُ بْنُ جَبَلٍ، وسَعْدُ بْنُ عُبادَةَ، وعُقْبَةُ بْنُ وهْبٍ: يا مَعْشَرَ يَهُودَ، اتَّقُوا اللَّهَ، فَواللَّهِ إنَّكم لَتَعْلَمُونَ أنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ، لَقَدْ كُنْتُمْ تَذْكُرُونَهُ لَنا قَبْلَ مَبْعَثِهِ، وتَصِفُونَهُ لَنا بِصِفَتِهِ، فَقالَ رافِعُ بْنُ حُرَيْمِلَةَ، ووَهْبُ بْنُ يَهُودا: ما قُلْنا لَكم هَذا، وما أنْزَلَ اللَّهُ مِن كِتابٍ مِن بَعْدِ مُوسى، ولا أرْسَلَ بَشِيرًا ولا نَذِيرًا بَعْدَهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿يا أهْلَ الكِتابِ قَدْ جاءَكم رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكم عَلى فَتْرَةٍ﴾ الآيَةَ» . (p-٢٤٠)وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿قَدْ جاءَكم رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكم عَلى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ﴾ قالَ: هو مُحَمَّدٌ، جاءَ بِالحَقِّ الَّذِي فَرَّقَ اللَّهُ بِهِ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، فِيهِ بَيانٌ، ومَوْعِظَةٌ، ونُورٌ، وهُدًى، وعِصْمَةٌ لِمَن أخَذَ بِهِ قالَ: وكانَتِ الفَتْرَةُ بَيْنَ عِيسى ومُحَمَّدٍ ﷺ، ذُكِرَ لَنا أنَّها كانَتْ سِتَّمِائَةِ سَنَةٍ، أوْ ما شاءَ اللَّهُ مِن ذَلِكَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ مِن طَرِيقِ مَعْمَرٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿عَلى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ﴾ قالَ: كانَ بَيْنَ عِيسى، ومُحَمَّدٍ ﷺ خَمْسُمِائَةِ سَنَةٍ وسِتُّونَ سَنَةً، قالَ مَعْمَرٌ: وقالَ الكَلْبِيُّ: خَمْسُمِائَةِ سَنَةٍ وأرْبَعُونَ سَنَةً.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قالَ: كانَتِ الفَتْرَةُ خَمْسُمِائَةِ سَنَةٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ الضَّحّاكِ قالَ: كانَتِ الفَتْرَةُ بَيْنَ عِيسى، ومُحَمَّدٍ أرْبَعُمِائَةِ سَنَةٍ وبِضْعًا وثَلاثِينَ سَنَةً.
وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ، عَنْ سَلْمانَ قالَ: الفَتْرَةُ فِيما بَيْنَ عِيسى ابْنِ مَرْيَمَ، وبَيْنَ النَّبِيِّ ﷺ سِتُّمِائَةِ سَنَةٍ.
المائدة 5:20
(p-٢٤١)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ﴾ الآيَةَ.
أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وإذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكم إذْ جَعَلَ فِيكم أنْبِياءَ وجَعَلَكم مُلُوكًا﴾ قالَ: وأنْتُمْ واللَّهِ لَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ فِيكم نَبِيًّا، وجَعَلَكم مُلُوكًا عَلى رِقابِ النّاسِ، فاشْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ، فَإنَّ اللَّهَ مُنْعِمٌ يُحِبُّ الشّاكِرِينَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وإذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكم إذْ جَعَلَ فِيكم أنْبِياءَ وجَعَلَكم مُلُوكًا﴾ قالَ: كُنّا نُحَدِّثُ أنَّهم أوَّلُ مَن سُخِّرَ لَهُمُ الخَدَمُ مِن بَنِي آدَمَ ومُلِّكُوا.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلَكم مُلُوكًا﴾ قالَ: مَلَّكَهُمُ الخَدَمَ، وكانُوا أوَّلَ مَن مَلَكَ الخَدَمَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلَكم مُلُوكًا﴾ قالَ: كانَ الرَّجُلُ مِن بَنِي إسْرائِيلَ إذا كانَتْ لَهُ الزَّوْجَةُ والخادِمُ والدّارُ يُسَمّى مَلِكًا.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في (p-٢٤٢)قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلَكم مُلُوكًا﴾ قالَ: الزَّوْجَةُ، والخادِمُ، والبَيْتُ.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ في (شُعَبِ الإيمانِ)، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إذْ جَعَلَ فِيكم أنْبِياءَ﴾ قالَ: جَعَلَ مِنكم أنْبِياءَ، ﴿وجَعَلَكم مُلُوكًا﴾ قالَ: المَرْأةُ والخادِمُ، ﴿وآتاكم ما لَمْ يُؤْتِ أحَدًا مِنَ العالَمِينَ﴾ قالَ: الَّذِينَ هم بَيْنَ ظَهْرانِيهِمْ يَوْمَئِذٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قالَ: «(كانَتْ بَنُو إسْرائِيلَ إذا كانَ لِأحَدِهِمْ خادِمٌ ودابَّةٌ وامْرَأةٌ، كُتِبَ مَلِكًا») .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، والزُّبَيْرُ بْنُ بَكّارٍ في (المُوَفَّقِيّاتِ)، عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «(مَن كانَ لَهُ بَيْتٌ وخادِمٌ فَهو مَلِكٌ») .
وأخْرَجَ أبُو داوُدَ في (مَراسِيلِهِ) «عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ في قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلَكم مُلُوكًا﴾ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (زَوْجَةٌ ومَسْكَنٌ وخادِمٌ») .
(p-٢٤٣)وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العاصِي، أنَّهُ سَألَهُ رَجُلٌ: ألَسْنا مِن فُقَراءِ المُهاجِرِينَ؟ قالَ: ألَكَ امْرَأةٌ تَأْوِي إلَيْها؟ قالَ: نَعَمْ، قالَ: ألَكَ مَسْكَنٌ تَسْكُنُهُ؟ قالَ: نَعَمْ، قالَ: فَأنْتَ مِنَ الأغْنِياءِ، قالَ: إنَّ لِي خادِمًا، قالَ: فَأنْتَ مِنَ المُلُوكِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلَكم مُلُوكًا﴾ قالَ: جَعَلَ لَهم أزْواجًا وخَدَمًا وبُيُوتًا، ﴿وآتاكم ما لَمْ يُؤْتِ أحَدًا مِنَ العالَمِينَ﴾ قالَ: المَنُّ والسَّلْوى والحَجَرُ والغَمامُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلَكم مُلُوكًا﴾ قالَ: وهَلِ المَلِكُ إلّا مَرْكَبٌ وخادِمٌ ودارٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، مِن طَرِيقِ مُجاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وآتاكم ما لَمْ يُؤْتِ أحَدًا مِنَ العالَمِينَ﴾ قالَ: المَنُّ والسَّلْوى، والحَجَرُ والغَمامُ.
المائدة 5:21
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا قَوْمِ ادْخُلُوا الأرْضَ المُقَدَّسَةَ﴾ الآيَةَ.
(p-٢٤٤)أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ادْخُلُوا الأرْضَ المُقَدَّسَةَ﴾ قالَ: هي الطُّورُ وما حَوْلَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ هي أرِيحا.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿الأرْضَ المُقَدَّسَةَ﴾ قالَ: المُبارَكَةُ.
وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ، عَنْ مُعاذِ بْنِ جَبَلٍ قالَ: الأرْضُ المُقَدَّسَةُ ما بَيْنَ العَرِيشِ إلى الفُراتِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿الأرْضَ المُقَدَّسَةَ﴾ قالَ: هي الشّامُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ قالَ: الَّتِي أمَرَكُمُ اللَّهُ بِها.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ قَتادَةَ في الآيَةِ قالَ: أُمِرَ القَوْمُ بِها كَما أُمِرُوا بِالصَّلاةِ والزَّكاةِ والحَجِّ والعُمْرَةِ.
المائدة 5:22
(p-٢٤٥)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالُوا يا مُوسى إنَّ فِيها قَوْمًا جَبّارِينَ﴾ الآيَةَ.
أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ فِيها قَوْمًا جَبّارِينَ﴾ قالَ: ذُكِرَ لَنا أنَّهم كانَتْ لَهم أجْسامٌ وخَلْقٌ لَيْسَتْ لِغَيْرِهِمْ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿يا مُوسى إنَّ فِيها قَوْمًا جَبّارِينَ﴾ قالَ: هم أطْوَلُ مِنّا أجْسامًا، وأشَدُّ قُوَّةً.
وأخْرَجَ ابْنُ عَبْدِ الحَكَمِ في (فُتُوحِ مِصْرَ) عَنْ حُجَيْرَةَ قالَ: اسْتَظَلَّ سَبْعُونَ رَجُلًا مِن قَوْمِ مُوسى في قَحْفِ رَجُلٍ مِنَ العَمالِيقِ.
وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في (شُعَبِ الإيمانِ) عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ قالَ: بَلَغَنِي أنَّهُ رُئِيَتْ ضَبُعٌ وأوْلادُها رابِضَةً في فِجاجِ عَيْنِ رَجُلٍ مِنَ العَمالِقَةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ، أنَّهُ أخَذَ عَصًا فَذَرَعَ فِيها بِشَيْءٍ، ثُمَّ قاسَ في الأرْضِ خَمْسِينَ أوْ خَمْسًا وخَمْسِينَ، ثُمَّ قالَ: هَكَذا طُولُ العَمالِيقِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: أُمِرَ مُوسى أنْ يَدْخُلَ مَدِينَةَ الجَبّارِينَ، فَسارَ بِمَن مَعَهُ حَتّى نَزَلَ قَرِيبًا مِنَ المَدِينَةِ، وهي أرِيحاءُ، فَبَعَثَ (p-٢٤٦)إلَيْهِمُ اثْنَيْ عَشَرَ عَيْنًا، مِن كُلِّ سِبْطٍ مِنهم عَيْنٌ، فَيَأْتُوهُ بِخَبَرِ القَوْمِ، فَدَخَلُوا المَدِينَةَ، فَرَأوْا أمْرًا عَظِيمًا، مِن هَيْبَتِهِمْ وجِسْمِهِمْ وعِظَمِهِمْ، فَدَخَلُوا حائِطًا لِبَعْضِهِمْ، فَجاءَ صاحِبُ الحائِطِ لِيَجْتَنِيَ الثِّمارَ مِن حائِطِهِ، فَجَعَلَ يَجْتَنِي الثِّمارَ، فَنَظَرَ إلى آثارِهِمْ فَتَتَبَّعَهُمْ، فَكُلَّما أصابَ واحِدًا مِنهم أخَذَهُ فَجَعَلَهُ في كُمِّهِ مَعَ الفاكِهَةِ، حَتّى التَقَطَ الِاثْنَيْ عَشَرَ كُلَّهُمْ، فَجَعَلَهم في كُمِّهِ مَعَ الفاكِهَةِ، وذَهَبَ إلى مَلِكِهِمْ فَنَثَرَهم بَيْنَ يَدَيْهِ، فَقالَ المَلِكُ: قَدْ رَأيْتُمْ شَأْنَنا وأمْرَنا، اذْهَبُوا فَأخْبِرُوا صاحِبَكُمْ، قالَ: فَرَجَعُوا إلى مُوسى فَأخْبَرُوهُ بِما عايَنُوا مِن أمْرِهِمْ، فَقالَ: اكْتُمُوا عَنّا، فَجَعَلَ الرَّجُلُ يُخْبِرُ أباهُ، وصَدِيقَهُ، ويَقُولُ: اكْتُمْ عَنِّي، فَأُشِيعَ ذَلِكَ في عَسْكَرِهِمْ، ولَمْ يَكْتُمْ مِنهم إلّا رَجُلانِ، يُوشَعُ بْنُ نُونٍ، وكالَبُ بْنُ يُوقَنّا، وهُما اللَّذانِ أنْزَلَ اللَّهُ فِيهِما: ﴿قالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخافُونَ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ادْخُلُوا الأرْضَ المُقَدَّسَةَ﴾ [المائدة: ٢١] قالَ: هي مَدِينَةُ الجَبّارِينَ، لَمّا نَزَلَ بِها مُوسى وقَوْمُهُ بَعَثَ مِنهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا، وهُمُ النُّقَباءُ الَّذِينَ ذَكَرَهُمُ اللَّهُ تَعالى، لِيَأْتُوهم بِخَبَرِهِمْ، فَسارُوا، فَلَقِيَهم رَجُلٌ مِنَ الجَبّارِينَ، فَجَعَلَهم في كِسائِهِ، فَحَمَلَهم حَتّى أتى بِهِمُ المَدِينَةَ، (p-٢٤٧)ونادى في قَوْمِهِ: فاجْتَمَعُوا إلَيْهِ، فَقالُوا: مَن أنْتُمْ؟ قالُوا: نَحْنُ قَوْمُ مُوسى، بَعَثَنا لِنَأْتِيَهُ بِخَبَرِكُمْ، فَأعْطَوْهم حَبَّةً مِن عِنَبٍ تَكْفِي الرَّجُلَ، وقالُوا لَهُمُ: اذْهَبُوا إلى مُوسى وقَوْمِهِ، فَقُولُوا لَهُمُ: اقْدُرُوا قَدْرَ فاكِهَتِهِمْ، فَلَمّا أتَوْهم قالُوا: يا مُوسى: ﴿فاذْهَبْ أنْتَ ورَبُّكَ فَقاتِلا إنّا ها هُنا قاعِدُونَ﴾ [المائدة: ٢٤]، فَقالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخافُونَ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِما، وكانا مِن أهْلِ المَدِينَةِ أسْلَما واتَّبَعا مُوسى، فَقالا لِمُوسى: ﴿ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ البابَ فَإذا دَخَلْتُمُوهُ فَإنَّكم غالِبُونَ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿قالَ رَجُلانِ﴾ قالَ: يُوشَعُ بْنُ نُونٍ، وكالَبُ بْنُ يُوقَنّا.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿قالَ رَجُلانِ﴾ قالَ: يُوشَعُ بْنُ نُونٍ وكُلابُ بْنُ يُوقَنّا.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ قَتادَةَ قالَ ذُكِرَ لَنا أنَّ الرَّجُلَيْنِ اللَّذَيْنِ أمَرا بِالدُّخُولِ يُوشَعُ بْنُ نُونٍ وكالَبُ بْنُ يُوقَنّا. (p-٢٤٨)وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿قالَ رَجُلانِ﴾ قالَ: يُوشَعُ بْنُ نُونٍ، وكالِبُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ عَطِيَّةَ العَوْفِيِّ في قَوْلِهِ: ﴿قالَ رَجُلانِ﴾ قالَ: كالَبُ، ويُوشَعُ بْنُ نُونٍ، فَتى مُوسى.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿مِنَ الَّذِينَ يَخافُونَ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِما﴾ قالَ: في بَعْضِ القِراءَةِ: (يَخافُونَ اللَّهَ أنْعَمَ عَلَيْهِما) .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أنَّهُ كانَ يَقْرَؤُها بِضَمِّ الياءِ: (يُخافُونَ) .
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: كانا مِنَ العَدُوِّ فَصارا مَعَ مُوسى.
وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: (قالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يُخافُونَ)، بِرَفْعِ الياءِ. (p-٢٤٩)وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ عاصِمٍ، أنَّهُ قَرَأ: (مِنَ الَّذِينَ يَخافُونَ) بِنَصْبِ الياءِ في يَخافُونَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ الضَّحّاكِ: ﴿قالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخافُونَ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِما﴾ بِالهُدى فَهَداهُما، فَكانا عَلى دِينِ مُوسى، وكانا في مَدِينَةِ الجَبّارِينَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ عَلِيٍّ: ﴿قالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخافُونَ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِما﴾ بِالخَوْفِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿قالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخافُونَ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِما﴾ قالَ: هُمُ النُّقَباءُ، وفي قَوْلِهِ: ﴿ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ البابَ﴾ قالَ: هي قَرْيَةُ الجَبّارِينَ.
المائدة 5:23
(p-٢٤٥)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالُوا يا مُوسى إنَّ فِيها قَوْمًا جَبّارِينَ﴾ الآيَةَ.
أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ فِيها قَوْمًا جَبّارِينَ﴾ قالَ: ذُكِرَ لَنا أنَّهم كانَتْ لَهم أجْسامٌ وخَلْقٌ لَيْسَتْ لِغَيْرِهِمْ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿يا مُوسى إنَّ فِيها قَوْمًا جَبّارِينَ﴾ قالَ: هم أطْوَلُ مِنّا أجْسامًا، وأشَدُّ قُوَّةً.
وأخْرَجَ ابْنُ عَبْدِ الحَكَمِ في (فُتُوحِ مِصْرَ) عَنْ حُجَيْرَةَ قالَ: اسْتَظَلَّ سَبْعُونَ رَجُلًا مِن قَوْمِ مُوسى في قَحْفِ رَجُلٍ مِنَ العَمالِيقِ.
وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في (شُعَبِ الإيمانِ) عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ قالَ: بَلَغَنِي أنَّهُ رُئِيَتْ ضَبُعٌ وأوْلادُها رابِضَةً في فِجاجِ عَيْنِ رَجُلٍ مِنَ العَمالِقَةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ، أنَّهُ أخَذَ عَصًا فَذَرَعَ فِيها بِشَيْءٍ، ثُمَّ قاسَ في الأرْضِ خَمْسِينَ أوْ خَمْسًا وخَمْسِينَ، ثُمَّ قالَ: هَكَذا طُولُ العَمالِيقِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: أُمِرَ مُوسى أنْ يَدْخُلَ مَدِينَةَ الجَبّارِينَ، فَسارَ بِمَن مَعَهُ حَتّى نَزَلَ قَرِيبًا مِنَ المَدِينَةِ، وهي أرِيحاءُ، فَبَعَثَ (p-٢٤٦)إلَيْهِمُ اثْنَيْ عَشَرَ عَيْنًا، مِن كُلِّ سِبْطٍ مِنهم عَيْنٌ، فَيَأْتُوهُ بِخَبَرِ القَوْمِ، فَدَخَلُوا المَدِينَةَ، فَرَأوْا أمْرًا عَظِيمًا، مِن هَيْبَتِهِمْ وجِسْمِهِمْ وعِظَمِهِمْ، فَدَخَلُوا حائِطًا لِبَعْضِهِمْ، فَجاءَ صاحِبُ الحائِطِ لِيَجْتَنِيَ الثِّمارَ مِن حائِطِهِ، فَجَعَلَ يَجْتَنِي الثِّمارَ، فَنَظَرَ إلى آثارِهِمْ فَتَتَبَّعَهُمْ، فَكُلَّما أصابَ واحِدًا مِنهم أخَذَهُ فَجَعَلَهُ في كُمِّهِ مَعَ الفاكِهَةِ، حَتّى التَقَطَ الِاثْنَيْ عَشَرَ كُلَّهُمْ، فَجَعَلَهم في كُمِّهِ مَعَ الفاكِهَةِ، وذَهَبَ إلى مَلِكِهِمْ فَنَثَرَهم بَيْنَ يَدَيْهِ، فَقالَ المَلِكُ: قَدْ رَأيْتُمْ شَأْنَنا وأمْرَنا، اذْهَبُوا فَأخْبِرُوا صاحِبَكُمْ، قالَ: فَرَجَعُوا إلى مُوسى فَأخْبَرُوهُ بِما عايَنُوا مِن أمْرِهِمْ، فَقالَ: اكْتُمُوا عَنّا، فَجَعَلَ الرَّجُلُ يُخْبِرُ أباهُ، وصَدِيقَهُ، ويَقُولُ: اكْتُمْ عَنِّي، فَأُشِيعَ ذَلِكَ في عَسْكَرِهِمْ، ولَمْ يَكْتُمْ مِنهم إلّا رَجُلانِ، يُوشَعُ بْنُ نُونٍ، وكالَبُ بْنُ يُوقَنّا، وهُما اللَّذانِ أنْزَلَ اللَّهُ فِيهِما: ﴿قالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخافُونَ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ادْخُلُوا الأرْضَ المُقَدَّسَةَ﴾ [المائدة: ٢١] قالَ: هي مَدِينَةُ الجَبّارِينَ، لَمّا نَزَلَ بِها مُوسى وقَوْمُهُ بَعَثَ مِنهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا، وهُمُ النُّقَباءُ الَّذِينَ ذَكَرَهُمُ اللَّهُ تَعالى، لِيَأْتُوهم بِخَبَرِهِمْ، فَسارُوا، فَلَقِيَهم رَجُلٌ مِنَ الجَبّارِينَ، فَجَعَلَهم في كِسائِهِ، فَحَمَلَهم حَتّى أتى بِهِمُ المَدِينَةَ، (p-٢٤٧)ونادى في قَوْمِهِ: فاجْتَمَعُوا إلَيْهِ، فَقالُوا: مَن أنْتُمْ؟ قالُوا: نَحْنُ قَوْمُ مُوسى، بَعَثَنا لِنَأْتِيَهُ بِخَبَرِكُمْ، فَأعْطَوْهم حَبَّةً مِن عِنَبٍ تَكْفِي الرَّجُلَ، وقالُوا لَهُمُ: اذْهَبُوا إلى مُوسى وقَوْمِهِ، فَقُولُوا لَهُمُ: اقْدُرُوا قَدْرَ فاكِهَتِهِمْ، فَلَمّا أتَوْهم قالُوا: يا مُوسى: ﴿فاذْهَبْ أنْتَ ورَبُّكَ فَقاتِلا إنّا ها هُنا قاعِدُونَ﴾ [المائدة: ٢٤]، فَقالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخافُونَ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِما، وكانا مِن أهْلِ المَدِينَةِ أسْلَما واتَّبَعا مُوسى، فَقالا لِمُوسى: ﴿ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ البابَ فَإذا دَخَلْتُمُوهُ فَإنَّكم غالِبُونَ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿قالَ رَجُلانِ﴾ قالَ: يُوشَعُ بْنُ نُونٍ، وكالَبُ بْنُ يُوقَنّا.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿قالَ رَجُلانِ﴾ قالَ: يُوشَعُ بْنُ نُونٍ وكُلابُ بْنُ يُوقَنّا.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ قَتادَةَ قالَ ذُكِرَ لَنا أنَّ الرَّجُلَيْنِ اللَّذَيْنِ أمَرا بِالدُّخُولِ يُوشَعُ بْنُ نُونٍ وكالَبُ بْنُ يُوقَنّا. (p-٢٤٨)وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿قالَ رَجُلانِ﴾ قالَ: يُوشَعُ بْنُ نُونٍ، وكالِبُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ عَطِيَّةَ العَوْفِيِّ في قَوْلِهِ: ﴿قالَ رَجُلانِ﴾ قالَ: كالَبُ، ويُوشَعُ بْنُ نُونٍ، فَتى مُوسى.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿مِنَ الَّذِينَ يَخافُونَ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِما﴾ قالَ: في بَعْضِ القِراءَةِ: (يَخافُونَ اللَّهَ أنْعَمَ عَلَيْهِما) .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أنَّهُ كانَ يَقْرَؤُها بِضَمِّ الياءِ: (يُخافُونَ) .
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: كانا مِنَ العَدُوِّ فَصارا مَعَ مُوسى.
وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: (قالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يُخافُونَ)، بِرَفْعِ الياءِ. (p-٢٤٩)وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ عاصِمٍ، أنَّهُ قَرَأ: (مِنَ الَّذِينَ يَخافُونَ) بِنَصْبِ الياءِ في يَخافُونَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ الضَّحّاكِ: ﴿قالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخافُونَ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِما﴾ بِالهُدى فَهَداهُما، فَكانا عَلى دِينِ مُوسى، وكانا في مَدِينَةِ الجَبّارِينَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ عَلِيٍّ: ﴿قالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخافُونَ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِما﴾ بِالخَوْفِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿قالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخافُونَ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِما﴾ قالَ: هُمُ النُّقَباءُ، وفي قَوْلِهِ: ﴿ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ البابَ﴾ قالَ: هي قَرْيَةُ الجَبّارِينَ.
المائدة 5:24
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالُوا يا مُوسى إنّا لَنْ نَدْخُلَها أبَدًا﴾ الآيَةَ.
أخْرَجَ أحْمَدُ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ حِبّانَ، عَنْ أنَسٍ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمّا سارَ إلى بَدْرٍ اسْتَشارَ المُسْلِمِينَ، فَأشارَ عَلَيْهِ أبُو بَكْرٍ، ثُمَّ اسْتَشارَهُمْ، فَأشارَ عَلَيْهِ عُمَرُ، ثُمَّ اسْتَشارَهُمْ، فَقالَتِ الأنْصارُ: يا مَعْشَرَ الأنْصارِ إيّاكم يُرِيدُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، قالُوا: إذَنْ، لا نَقُولُ لَهُ كَما قالَ بَنُو إسْرَئِيلَ لِمُوسى: ﴿فاذْهَبْ أنْتَ (p-٢٥٠)ورَبُّكَ فَقاتِلا إنّا ها هُنا قاعِدُونَ﴾ والَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ لَوْ ضَرَبْتَ أكْبادَها إلى بَرْكِ الغَمادِ لاتَّبَعْناكَ» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنْ عُتْبَةَ بْنِ عَبْدٍ السُّلَمِيِّ قالَ: «قالَ النَّبِيُّ ﷺ لِأصْحابِهِ: (ألا تُقاتِلُونَ؟) قالُوا: نَعَمْ، ولا نَقُولُ لَكَ كَما قالَتْ بَنُو إسْرائِيلَ لِمُوسى: ﴿فاذْهَبْ أنْتَ ورَبُّكَ فَقاتِلا إنّا ها هُنا قاعِدُونَ﴾ ولَكِنِ اذْهَبْ أنْتَ ورَبُّكَ فَقاتِلا، إنّا مَعَكم مُقاتِلُونَ» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ، عَنْ طارِقِ بْنِ شِهابٍ، «أنَّ المِقْدادَ قالَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ بَدْرٍ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنّا لا نَقُولُ كَما قالَتْ بَنُو إسْرائِيلَ لِمُوسى: ( اذْهَبْ أنْتَ ورَبّك فَقاتَلا إنّا ها هُنا قاعِدُونَ ) ولَكِنِ اذْهَبْ أنْتَ ورَبُّكَ فَقاتِلا، إنّا مَعَكم مُقاتِلُونَ» .
وأخْرَجَ البُخارِيُّ، والحاكِمُ، وأبُو نُعَيْمٍ، والبَيْهَقِيُّ في (الدَّلائِلِ)، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: «لَقَدْ شَهِدْتُ مِنَ المِقْدادِ مَشْهَدًا لَأنْ أكُونَ أنا (p-٢٥١)صاحِبَهُ أحَبُّ إلَيَّ مِمّا عُدِلَ بِهِ، أتى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وهو يَدْعُو عَلى المُشْرِكِينَ، قالَ: واللَّهِ يا رَسُولَ اللَّهِ، لا نَقُولُ كَما قالَتْ بَنُو إسْرائِيلَ لِمُوسى: ( اذْهَبْ أنْتَ ورَبَّكَ فَقاتَلا إنّا ها هُنا قاعِدُونَ ) ولَكِنْ نُقاتِلُ عَنْ يَمِينِكَ، وعَنْ يَسارِكَ، ومِن بَيْنِ يَدَيْكَ، ومِن خَلْفِكَ، فَرَأيْتُ وجْهَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يُشْرِقُ لِذَلِكَ وسُرَّ بِذَلِكَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ قَتادَةَ قالَ: «ذُكِرَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ لِأصْحابِهِ يَوْمَ الحُدَيْبِيَةِ حِينَ صَدَّ المُشْرِكُونَ الهَدْيَ، وحِيلَ بَيْنَهم وبَيْنَ مَناسِكِهِمْ: (إنِّي ذاهِبٌ بِالهَدْيِ فَناحِرُهُ عِنْدَ البَيْتِ)، فَقالَ المِقْدادُ بْنُ الأسْوَدِ: أما واللَّهِ لا نَكُونُ كالمَلَإ مِن بَنِي إسْرائِيلَ إذْ قالُوا لِنَبِيِّهِمْ: ( اذْهَبْ أنْتَ ورَبِّكَ فَقاتَلا إنّا ها هُنا قاعِدُونَ ) . ولَكِنْ نَقُولُ: اذْهَبْ أنْتَ ورَبُّكَ فَقاتِلا، إنّا مَعَكم مُقاتِلُونَ» .
المائدة 5:25
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ رَبِّ إنِّي لا أمْلِكُ﴾ الآيَةَ.
أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ السُّدِّيِّ قالَ: غَضِبَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ حِينَ قالَ لَهُ القَوْمُ: ( اذْهَبْ أنْتَ ورَبُّكَ فَقاتَلا إنّا ها هُنا قاعِدُونَ ) فَدَعا عَلَيْهِمْ فَقالَ: ﴿رَبِّ إنِّي لا أمْلِكُ إلا نَفْسِي وأخِي فافْرُقْ بَيْنَنا وبَيْنَ القَوْمِ الفاسِقِينَ﴾ وكانَتْ عَجَلَةً مِن مُوسى عَجِلَها، فَلَمّا ضُرِبَ عَلَيْهِمُ التِّيهُ نَدِمَ مُوسى، فَلَمّا نَدِمَ (p-٢٥٢)أوْحى اللَّهُ إلَيْهِ: ﴿فَلا تَأْسَ عَلى القَوْمِ الفاسِقِينَ﴾ [المائدة: ٢٦] قالَ: لا تَحْزَنْ عَلى القَوْمِ الَّذِينَ سَمَّيْتُهم فاسِقِينَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فافْرُقْ﴾ اقْضِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ عَلِيٍّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فافْرُقْ بَيْنَنا وبَيْنَ القَوْمِ الفاسِقِينَ﴾ يَقُولُ: افْصِلْ بَيْنَنا وبَيْنَهم.
المائدة 5:26
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنَّها مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ﴾ الآيَةَ.
أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿فَإنَّها مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ﴾ قالَ: أبَدًا، وفي قَوْلِهِ: ﴿يَتِيهُونَ في الأرْضِ﴾ قالَ: أرْبَعِينَ سَنَةً.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ قَتادَةَ قالَ: ذُكِرَ لَنا أنَّهم بَعَثُوا اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا، مِن كُلِّ سِبْطٍ رَجُلًا، عُيُونًا، لِيَأْتُوهم بِأمْرِ القَوْمِ، فَأمّا عَشَرَةٌ فَجَبَّنُوا قَوْمَهُمْ، وكَرَّهُوا إلَيْهِمُ الدُّخُولَ، وأمّا يُوشَعُ بْنُ نُونٍ وصاحِبُهُ فَأمَرا بِالدُّخُولِ، واسْتَقاما عَلى أمْرِ اللَّهِ ورَغَّبا قَوْمَهم في ذَلِكَ، وأخْبَراهم في ذَلِكَ أنَّهم غالِبُونَ حَتّى بَلَغَ: ﴿ها هُنا قاعِدُونَ﴾ [المائدة: ٢٤]، قالَ: لَمّا جَبُنَ القَوْمُ عَنْ عَدُوِّهِمْ، وتَرَكُوا أمْرَ رَبِّهِمْ، قالَ اللَّهُ: ﴿فَإنَّها مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أرْبَعِينَ (p-٢٥٣)سَنَةً يَتِيهُونَ في الأرْضِ﴾ قالَ: كانُوا يَتِيهُونَ في الأرْضِ أرْبَعِينَ سَنَةً إنَّما يَشْرَبُونَ ماءَ الأطْواءِ، لا يَهْبِطُونَ قَرْيَةً ولا مِصْرًا، ولا يَهْتَدُونَ لَها، ولا يَقْدِرُونَ عَلى ذَلِكَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ قَتادَةَ قالَ: حُرِّمَتْ عَلَيْهِمُ القُرى، فَكانُوا لا يَهْبِطُونَ قَرْيَةً ولا يَقْدِرُونَ عَلى ذَلِكَ، إنَّما يَتَّبِعُونَ الأطْواءَ أرْبَعِينَ سَنَةً، والأطْواءُ الرَّكايا، وذُكِرَ لَنا أنَّ مُوسى تُوُفِّيَ في الأرْبَعِينَ سَنَةً، وأنَّهُ لَمْ يَدْخُلْ بَيْتَ المَقْدِسِ مِنهم إلّا أبْناؤُهم والرَّجُلانِ اللَّذانِ قالا ما قالا.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: تاهُوا أرْبَعِينَ سَنَةً، فَهَلَكَ مُوسى وهارُونُ في التِّيهِ، وكُلُّ مَن جاوَزَ الأرْبَعِينَ سَنَةً، فَلَمّا مَضَتِ الأرْبَعُونَ سَنَةً ناهَضَهم يُوشَعُ بْنُ نُونٍ، وهو الَّذِي قامَ بِالأمْرِ بَعْدَ مُوسى، وهو الَّذِي افْتَتَحَها، وهو الَّذِي قِيلَ لَهُ: اليَوْمَ يَوْمُ الجُمُعَةِ، فَهَمُّوا بِافْتِتاحِها، فَدَنَتِ الشَّمْسُ لِلْغُرُوبِ، فَخَشِيَ إنْ دَخَلَتْ لَيْلَةُ السَّبْتِ أنْ يَسْبِتُوا فَنادى الشَّمْسَ: إنِّي مَأْمُورٌ، وإنَّكِ مَأْمُورَةٌ، فَوَقَفَتْ حَتّى افْتَتَحَها، فَوَجَدَ فِيها مِنَ الأمْوالِ ما لَمْ يَرَ مِثْلَهُ قَطُّ، فَقَرَّبُوهُ إلى النّارِ، فَلَمْ تَأْتِ، فَقالَ: فِيكُمُ الغُلُولُ، فَدَعا رُؤُوسَ الأسْباطِ، وهُمُ اثْنا عَشَرَ رَجُلًا، فَبايَعَهم والتَصَقَتْ يَدُ رَجُلٍ مِنهم بِيَدِهِ، فَقالَ: الغُلُولُ عِنْدَكَ، فَأخْرِجْهُ، فَأخْرَجَ رَأْسَ بَقَرَةٍ مِن ذَهَبٍ، لَها عَيْنانِ مِن (p-٢٥٤)ياقُوتٍ، وأسْنانٌ مِن لُؤْلُؤٍ، فَوَضَعَهُ مَعَ القُرْبانِ، فَأتَتِ النّارُ فَأكَلَتْها.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: تاهَتْ بَنُو إسْرائِيلَ أرْبَعِينَ سَنَةً، يُصْبِحُونَ حَيْثُ أمْسَوْا، ويُمْسُونَ حَيْثُ أصْبَحُوا في تِيهِهِمْ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو الشَّيْخِ في (العَظَمَةِ)، عَنْ وهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ قالَ: إنَّ بَنِي إسْرائِيلَ لَمّا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ أنْ يَدْخُلُوا الأرْضَ المُقَدَّسَةَ أرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ في الأرْضِ، شَكَوْا إلى مُوسى فَقالُوا: ما نَأْكُلُ؟ فَقالَ: إنَّ اللَّهَ سَيَأْتِيكم بِما تَأْكُلُونَ، قالُوا: مِن أيْنَ؟ قالَ: إنَّ اللَّهَ سَيُنْزِلُ عَلَيْكم خُبْزًا مَخْبُوزًا، فَكانَ يَنْزِلُ عَلَيْهِمُ المَنُّ، وهو خُبْزُ الرُّقاقِ، مِثْلُ الذُّرَةِ، قالُوا: وما نَأْتَدِمُ، وهَلْ بُدٌّ لَنا مِن لَحْمٍ؟ قالَ: فَإنَّ اللَّهَ يَأْتِيكم بِهِ، قالُوا: مِن أيْنَ؟ فَكانَتِ الرِّيحُ تَأْتِيهِمْ بِالسَّلْوى، وهو طَيْرٌ سَمِينٌ مِثْلُ الحَمامِ، قالُوا: فَما نَلْبَسُ؟ قالَ: لا يَخْلَقُ لِأحَدِكم ثَوْبٌ أرْبَعِينَ سَنَةً، قالُوا: فَما نَحْتَذِي؟ قالَ: لا يَنْقَطِعُ لِأحَدِكم شِسْعٌ أرْبَعِينَ سَنَةً، قالُوا: فَإنَّهُ يُولَدُ فِينا أوْلادٌ صِغارٌ فَما نَكْسُوهُمْ؟ قالَ: الثَّوْبُ الصَّغِيرُ يَشِبُّ مَعَهُ، قالُوا: فَمِن أيْنَ لَنا الماءُ؟ قالَ: يَأْتِيكم بِهِ اللَّهُ، فَأمَرَ اللَّهُ مُوسى أنْ يَضْرِبَ بِعَصاهُ الحَجَرَ، قالُوا: فَبِمَ نُبْصِرُ تَغْشانا الظُّلْمَةُ؟ فَضَرَبَ لَهم عَمُودًا مِن نُورٍ في وسَطِ عَسْكَرِهِمْ أضاءَ عَسْكَرَهم كُلَّهُ، قالُوا: فَبِمَ نَسْتَظِلُّ؟ (p-٢٥٥)الشَّمْسُ عَلَيْنا شَدِيدَةٌ، قالَ: يُظِلُّكُمُ اللَّهُ بِالغَمامِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أنَسٍ قالَ: ظَلَّلَ عَلَيْهِمُ الغَمامَ في التِّيهِ قَدْرَ خَمْسَةِ فَراسِخَ أوْ سِتَّةٍ، كُلَّما أصْبَحُوا سارُوا غادِينَ، فَإذا أمْسَوْا إذا هم في مَكانِهِمُ الَّذِي ارْتَحَلُوا مِنهُ، فَكانُوا كَذَلِكَ أرْبَعِينَ سَنَةً، وهم في ذَلِكَ يَنْزِلُ عَلَيْهِمُ المَنُّ والسَّلْوى، ولا تَبْلى ثِيابُهُمْ، ومَعَهم حَجَرٌ مِن حِجارَةِ الطُّورِ يَحْمِلُونَهُ مَعَهُمْ، فَإذا نَزَلُوا ضَرَبَهُ مُوسى بِعَصاهُ، فانْفَجَرَتْ مِنهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْنًا.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: خُلِقَ لَهم في التِّيهِ ثِيابٌ لا تَخْلَقُ ولا تَدْرَنُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ طاوُسٍ قالَ: كانَتْ بَنُو إسْرائِيلَ إذَ كانُوا في تِيهِهِمْ، تَشِبُّ مَعَهم ثِيابُهم إذا شَبُّوا.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنِ الحَسَنِ قالَ: لَمّا اسْتَسْقى مُوسى لِقَوْمِهِ، أوْحى اللَّهُ إلَيْهِ: أنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الحَجَرَ، فانْفَجَرَتْ مِنهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْنًا، فَقالَ لَهم مُوسى: رُدُّوا مَعْشَرَ الحَمِيرِ، فَأوْحى اللَّهُ إلَيْهِ: قُلْتَ لِعِبادِي: مَعْشَرَ الحَمِيرِ، وإنِّي قَدْ حَرَّمْتُ عَلَيْكُمُ الأرْضَ المُقَدَّسَةَ، قالَ: يا رَبِّ، فاجْعَلْ قَبْرِي مِنها قَذْفَةَ حَجَرٍ. (p-٢٥٦)فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «(لَوْ رَأيْتُمْ قَبْرَ مُوسى لَرَأيْتُمُوهُ مِنَ الأرْضِ المُقَدَّسَةِ قَذْفَةً بِحَجَرٍ») .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: لَمّا اسْتَسْقى مُوسى لِقَوْمِهِ فَسُقُوا قالَ: اشْرَبُوا يا حَمِيرُ، فَنَهاهُ عَنْ ذَلِكَ، وقالَ: لا تَدْعُ عِبادِي حَمِيرًا.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَلا تَأْسَ﴾ قالَ: فَلا تَحْزَنْ.
وأخْرَجَ الطَّسْتِيُّ في (مَسائِلِهِ)، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أنَّ نافِعَ بْنَ الأزْرَقِ قالَ لَهُ: أخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿فَلا تَأْسَ﴾ قالَ: لا تَحْزَنْ، قالَ: وهَلْ تَعْرِفُ العَرَبُ ذَلِكَ؟ قالَ: نَعَمْ، أما سَمِعْتَ امْرَأ القَيْسِ وهو يَقُولُ:
؎وُقُوفًا بِها صَحْبِي عَلَيَّ مَطِيُّهم يَقُولُونَ لا تَهْلِكْ أسًى وتَحَمَّلِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ في (المُصَنَّفِ)، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «(إنَّ نَبِيًّا مِنَ الأنْبِياءِ قاتَلَ أهْلَ مَدِينَةٍ، حَتّى إذا كادَ أنْ يَفْتَحَها خَشِيَ أنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ، فَقالَ: (أيَّتُها الشَّمْسُ، إنَّكِ مَأْمُورَةٌ وأنا مَأْمُورٌ، بِحُرْمَتِي عَلَيْكِ إلّا رَكَدْتِ ساعَةً مِنَ النَّهارِ)، قالَ: (فَحَبَسَها اللَّهُ (p-٢٥٧)حَتّى افْتَتَحَ المَدِينَةَ، وكانُوا إذا أصابُوا الغَنائِمَ قَرَّبُوها في القُرْبانِ، فَجاءَتِ النّارُ فَأكَلَتْها، فَلَمّا أصابُوا وضَعُوا القُرْبانَ، فَلَمْ تَجِئِ النّارُ تَأْكُلُهُ، فَقالُوا: يا نَبِيَّ اللَّهِ، ما لَنا لا تَقْبَلُ قُرْبانَنا؟ قالَ: فِيكم غُلُولٌ، قالُوا: وكَيْفَ لَنا أنْ نَعْلَمَ مَن عِنْدَهُ الغُلُولُ؟ قالَ: وهُمُ اثْنا عَشَرَ سِبْطًا قالَ: يُبايِعُنِي رَأْسُ كُلِّ سِبْطٍ مِنكُمْ، فَبايَعَهُ رَأْسُ كُلِّ سِبْطٍ، فَلَزِقَتْ كَفُّهُ بِكَفِّ رَجُلٍ مِنهُمْ، فَقالُوا لَهُ: عِنْدَكَ الغُلُولُ، فَقالَ: كَيْفَ لِي أنْ أعْلَمَ؟ قالَ: تَدْعُو سِبْطَكَ، فَتُبايِعُهم رَجُلًا رَجُلًا، فَفَعَلَ، فَلَزِقَتْ كَفُّهُ بِكَفِّ رَجُلٍ مِنهُمْ، قالَ: عِنْدَكَ الغُلُولُ، قالَ: نَعَمْ، عِنْدِي الغُلُولُ، قالَ: وما هُوَ؟ قالَ: رَأْسُ ثَوْرٍ مِن ذَهَبٍ، أعْجَبَنِي فَغَلَلْتُهُ، فَجاءَ بِهِ فَوَضَعَهُ في الغَنائِمِ، فَجاءَتِ النّارُ فَأكَلَتْهُ»)، فَقالَ كَعْبٌ: صَدَقَ اللَّهُ ورَسُولُهُ، هَكَذا واللَّهِ في كِتابِ اللَّهِ، يَعْنِي في التَّوْراةِ، ثُمَّ قالَ: يا أبا هُرَيْرَةَ، أحَدَّثَكُمُ النَّبِيُّ ﷺ أيُّ نَبِيٍّ كانَ؟ قالَ: لا، قالَ: هو يُوشَعُ بْنُ نُونٍ، قالَ: فَحَدَّثَكم أيُّ قَرْيَةٍ هِيَ؟ قالَ: لا، قالَ: هي مَدِينَةُ أرِيحاءَ، وفي رِوايَةِ عَبْدِ الرَّزّاقِ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «(لَمْ تَحِلَّ الغَنِيمَةُ لِأحَدٍ قَبْلَنا، وذَلِكَ أنَّ اللَّهَ رَأى ضَعْفَنا فَطَيَّبَها لَنا»)، وزَعَمُوا أنَّ الشَّمْسَ لَمْ تُحْبَسْ لِأحَدٍ قَبْلَهُ ولا بَعْدَهُ.
المائدة 5:27
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأ ابْنَيْ آدَمَ بِالحَقِّ﴾ الآيَةَ.
أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وناسٍ مِنَ الصَّحابَةِ، أنَّهُ كانَ لا يُولَدُ لِآدَمَ (p-٢٥٨)مَوْلُودٌ إلّا وُلِدَ مَعَهُ جارِيَةٌ، فَكانَ يُزَوِّجُ غُلامَ هَذا البَطْنِ جارِيَةَ هَذا البَطْنِ الآخَرِ، ويُزَوِّجُ جارِيَةَ هَذا البَطْنِ غُلامَ هَذا البَطْنِ الآخَرِ، حَتّى وُلِدَ لَهُ ابْنانِ يُقالُ لَهُما: قابِيلُ وهابِيلُ، وكانَ قابِيلُ صاحِبَ زَرْعٍ، وكانَ هابِيلُ صاحِبَ ضَرْعٍ، وكانَ قابِيلُ أكْبَرَهُما، وكانَتْ لَهُ أُخْتٌ أحْسَنُ مِن أُخْتِ هابِيلَ، وإنَّ هابِيلَ طَلَبَ أنْ يَنْكِحَ أُخْتَ قابِيلَ، فَأبى عَلَيْهِ، وقالَ: هي أُخْتِي وُلِدَتْ مَعِي، وهي أحْسَنُ مِن أُخْتِكَ، وأنا أحَقُّ أنْ أتَزَوَّجَ بِها، فَأمَرَهُ أبُوهُ أنْ يُزَوِّجَها هابِيلَ، فَأبى، وإنَّهُما قَرَّبا قُرْبانًا إلى اللَّهِ، أيُّهُما أحَقُّ بِالجارِيَةِ، وكانَ آدَمُ قَدْ غابَ عَنْهُما إلى مَكَّةَ يَنْظُرُ إلَيْها، فَقالَ آدَمُ لِلسَّماءِ: احْفَظِي ولَدِي بِالأمانَةِ، فَأبَتْ، وقالَ لِلْأرْضِ فَأبَتْ، وقالَ لِلْجِبالِ فَأبَتْ، فَقالَ لِقابِيلَ، فَقالَ: نَعَمْ، تَذْهَبُ وتَرْجِعُ وتَجِدُ أهْلَكَ كَما يَسُرُّكَ، فَلَمّا انْطَلَقَ آدَمُ قَرَّبا قُرْبانًا، وكانَ قابِيلُ يَفْخَرُ عَلَيْهِ فَقالَ: أنا أحَقُّ بِها مِنكَ، هي أُخْتِي، وأنا أكْبَرُ مِنكَ، وأنا وصِيُّ والِدِي، فَلَمّا قَرَّبا، قَرَّبَ هابِيلُ جَذَعَةً سَمِينَةً، وقَرَّبَ قابِيلُ حُزْمَةَ سُنْبُلٍ، فَوَجَدَ فِيها سُنْبُلَةً عَظِيمَةً، فَفَرَكَها فَأكَلَها، فَنَزَلَتِ النّارُ فَأكَلَتْ قُرْبانَ هابِيلَ، وتَرَكَتْ قُرْبانَ قابِيلَ، فَغَضِبَ، وقالَ: لَأقْتُلَنَّكَ حَتّى لا تَنْكِحَ أُخْتِي، فَقالَ هابِيلُ: ﴿إنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ المُتَّقِينَ﴾، ﴿إنِّي أُرِيدُ أنْ تَبُوءَ بِإثْمِي وإثْمِكَ﴾ [المائدة: ٢٩] يَقُولُ: إثْمِ قَتْلِي إلى إثْمِكَ الَّذِي في عُنُقِكَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ عَساكِرَ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نُهِيَ أنْ يُنْكِحَ المَرْأةَ أخاها تَوْأمَها، وأنْ يُنْكِحَها غَيْرَهُ مِن إخْوَتِها، وكانَ يُولَدُ لَهُ في كُلِّ بَطْنٍ رَجُلٌ وامْرَأةٌ، فَبَيْنَما هم (p-٢٥٩)كَذَلِكَ وُلِدَ لَهُ امْرَأةٌ وضِيئَةٌ، ووُلِدَ لَهُ أُخْرى قَبِيحَةٌ دَمِيمَةٌ، فَقالَ أخُو الدَّمِيمَةِ: أنْكِحْنِي أُخْتَكَ وأُنْكِحُكَ أُخْتِي، قالَ: لا، أنا أحَقُّ بِأُخْتِي، فَقَرَّبا قُرْبانًا، فَجاءَ صاحِبُ الغَنَمِ بِكَبْشٍ أعْيَنَ أقْرَنَ أبْيَضَ، وجاءَ صاحِبُ الحَرْثِ بِصُبْرَةٍ مِن طَعامٍ، فَتُقُبِّلَ مِن صاحِبِ الكَبْشِ، فَخَزَنَهُ اللَّهُ في الجَنَّةِ أرْبَعِينَ خَرِيفًا، وهو الكَبْشُ الَّذِي ذَبَحَهُ إبْراهِيمُ، ولَمْ يُتَقَبَّلْ مِن صاحِبِ الزَّرْعِ فَقَتَلَهُ، فَبَنُو آدَمَ كُلُّهم مِن ذَلِكَ الكافِرِ.
وأخْرَجَ إسْحاقُ بْنُ بِشْرٍ في (المُبْتَدَإ)، وابْنُ عَساكِرَ في (تارِيخِهِ)، مِن طَرِيقِ جُوَيْبِرٍ ومُقاتِلٍ، عَنِ الضَّحّاكِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: وُلِدَ لِآدَمَ أرْبَعُونَ ولَدًا، عِشْرُونَ غُلامًا، وعِشْرُونَ جارِيَةً، فَكانَ مِمَّنْ عاشَ مِنهم هابِيلُ وقابِيلُ، وصالِحٌ، وعَبْدُ الرَّحْمَنِ، والَّذِي كانَ سَمّاهُ عَبْدَ الحارِثِ، ووَدٌّ، وكانَ ودٌّ يُقالُ لَهُ: شِيثُ، ويُقالُ: هِبَةُ اللَّهِ، وكانَ إخْوَتُهُ قَدْ سَوَّدُوهُ، ووُلِدَ لَهُ سُواعُ، ويَغُوثُ، ويَعُوقُ، ونَسْرٌ، وإنَّ اللَّهَ أمَرَهُ أنْ يُفَرِّقَ بَيْنَهم في النِّكاحِ، ويُزَوِّجَ أُخْتَ هَذا مِن هَذا وأُخْتَ هَذا مِن هَذا.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانَ مِن شَأْنِ ابْنَيْ آدَمَ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِسْكِينٌ يُتَصَدَّقُ عَلَيْهِ، وإنَّما كانَ القُرْبانُ يُقَرِّبُهُ الرَّجُلُ، فَبَيْنا ابْنا آدَمَ قاعِدانِ، إذْ قالا: لَوْ قَرَّبْنا قُرْبانًا، وكانَ الرَّجُلُ إذا قَرَّبَ قُرْبانًا فَرَضِيَهُ اللَّهُ أرْسَلَ إلَيْهِ نارًا فَتَأْكُلُهُ، وإنْ لَمْ يَكُنْ رَضِيَهُ اللَّهُ خَبَتِ النّارُ، فَقَرَّبا قُرْبانًا، وكانَ أحَدُهُما راعِيًا (p-٢٦٠)والآخَرُ حَرّاثًا، وإنَّ صاحِبَ الغَنَمِ قَرَّبَ خَيْرَ غَنَمِهِ، وأسْمَنَها، وقَرَّبَ الآخَرُ بَعْضَ زَرْعِهِ، فَجاءَتِ النّارُ فَنَزَلَتْ، فَأكَلَتِ الشّاةَ، وتَرَكَتِ الزَّرْعَ، وإنَّ ابْنَ آدَمَ قالَ لِأخِيهِ: أتَمْشِي في النّاسِ، وقَدْ عَلِمُوا أنَّكَ قَرَّبْتَ قُرْبانًا فَتُقُبِّلَ مِنكَ ورُدَّ عَلَيَّ؟ فَلا واللَّهِ، لا يَنْظُرُ النّاسُ إلَيَّ وإلَيْكَ، وأنْتَ خَيْرٌ مِنِّي، فَقالَ: لَأقْتُلَنَّكَ، فَقالَ لَهُ أخُوهُ: ما ذَنْبِي؟ ﴿إنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ المُتَّقِينَ﴾ ﴿لَئِنْ بَسَطْتَ إلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي ما أنا بِباسِطٍ يَدِيَ إلَيْكَ لأقْتُلَكَ﴾ [المائدة: ٢٨] لا أنا بِمُنْتَصِرٍ، ولَأُمْسِكَنَّ يَدِيَ عَنْكَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَمْرٍو قالَ: إنَّ ابْنَيْ آدَمَ اللَّذَيْنِ قَرَّبا قُرْبانًا، كانَ أحَدُهُما صاحِبَ حَرْثٍ، والآخَرُ صاحِبَ غَنَمٍ، وإنَّهُما أُمِرا أنْ يُقَرِّبا قُرْبانًا، وإنَّ صاحِبَ الغَنَمِ قَرَّبَ أكْرَمَ غَنَمِهِ وأسْمَنَها وأحْسَنَها، طَيِّبَةً بِها نَفْسُهُ، وإنَّ صاحِبَ الحَرْثِ قَرَّبَ شَرَّ حَرْثِهِ الكَوْدَنَ والزُّوانَ غَيْرَ طَيِّبَةٍ بِها نَفْسُهُ، وإنَّ اللَّهَ تَقَبَّلَ قُرْبانَ صاحِبِ الغَنَمِ، ولَمْ يَتَقَبَّلْ قُرْبانَ صاحِبِ الحَرْثِ، وكانَ مِن قِصَّتِهِما ما قَصَّ اللَّهُ في كِتابِهِ، وايْمُ اللَّهِ، إنْ كانَ المَقْتُولُ لَأشَدَّ الرَّجُلَيْنِ، ولَكِنَّهُ مَنَعَهُ التَّحَرُّجُ أنْ يَبْسُطَ يَدَهُ إلى أخِيهِ. (p-٢٦١)وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿واتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأ ابْنَيْ آدَمَ﴾ قالَ: هابِيلَ وقابِيلَ لِصُلْبِ آدَمَ، قَرَّبَ هابِيلُ عَناقًا مِن أحْسَنِ غَنَمِهِ، وقَرَّبَ قابِيلُ زَرْعًا مِن زَرْعِهِ، فَتُقُبِّلَ مِن صاحِبِ الشّاةِ، فَقالَ لِصاحِبِهِ: لَأقْتُلَنَّكَ، فَقَتَلَهُ، فَعَقَلَ اللَّهُ إحْدى رِجْلَيْهِ بِساقِها إلى فَخِذِها مِن يَوْمِ قَتَلَهُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، وجُعِلَ وجْهُهُ إلى الشَّمْسِ حَيْثُ دارَتْ دارَ، عَلَيْهِ حَظِيرَةٌ مِن ثَلْجٍ في الشِّتاءِ، وعَلَيْهِ في الصَّيْفِ حَظِيرَةٌ مِن نارٍ، ومَعَهُ سَبْعَةُ أمْلاكٍ كُلَّما ذَهَبَ مَلَكٌ جاءَ الآخَرُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿واتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأ ابْنَيْ آدَمَ بِالحَقِّ﴾ قالَ: كانا مِن بَنِي إسْرائِيلَ، ولَمْ يَكُونا ابْنَيْ آدَمَ لِصُلْبِهِ، وإنَّما كانَ القُرْبانُ في بَنِي إسْرائِيلَ، وكانَ آدَمُ أوَّلَ مَن ماتَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ المُتَّقِينَ﴾ الآيَةَ.
أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أبِي الدَّرْداءِ قالَ: لَأنْ أسْتَيْقِنَ أنَّ اللَّهَ تَقَبَّلَ مِنِّي صَلاةً واحِدَةً أحَبُّ إلَيَّ مِنَ الدُّنْيا وما فِيها، إنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿إنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ (p-٢٦٢)المُتَّقِينَ﴾ .
أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ ثابِتٍ قالَ: كانَ يُقالُ: قُرْبانُ المُتَّقِينَ الصَّلاةُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا في كِتابِ (التَّقْوى) عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ قالَ: لا يَقِلُّ عَمَلٌ مَعَ تَقْوى، وكَيْفَ يَقِلُّ ما يُتَقَبَّلُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا، عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ، أنَّهُ كَتَبَ إلى رَجُلٍ: أُوصِيكَ بِتَقْوى اللَّهِ الَّتِي لا يَقْبَلُ غَيْرَها، ولا يَرْحَمُ إلّا أهْلَها، ولا يُثِيبُ إلّا عَلَيْها، فَإنَّ الواعِظِينَ بِها كَثِيرٌ، والعامِلِينَ بِها قَلِيلٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا، عَنْ أبِي يَزِيدَ الفَيْضِ: سَألْتُ مُوسى بْنَ أعْيَنَ عَنْ قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿إنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ المُتَّقِينَ﴾ قالَ: تَنَزَّهُوا عَنْ أشْياءَ مِنَ الحَلالِ، مَخافَةَ أنْ يَقَعُوا في الحَرامِ، فَسَمّاهُمُ اللَّهُ مُتَّقِينَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا، عَنْ فَضالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ، قالَ: لَأنْ أكُونَ أعْلَمُ أنَّ اللَّهَ تَقَبَّلَ مِنِّي مِثْقالَ حَبَّةٍ مِن خَرْدَلٍ أحَبُّ إلَيَّ مِنَ الدُّنْيا، وما فِيها، فَإنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿إنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ المُتَّقِينَ﴾ (p-٢٦٣)وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، وابْنُ أبِي الدُّنْيا، عَنْ قَتادَةَ قالَ: قالَ عامِرُ بْنُ عَبْدِ قَيْسٍ: آيَةٌ في القُرْآنِ أحَبُّ إلَيَّ مِنَ الدُّنْيا جَمِيعًا أنْ أُعْطاهُ، أنْ يَجْعَلَنِي اللَّهُ مِنَ المُتَّقِينَ، فَإنَّهُ قالَ: ﴿إنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ المُتَّقِينَ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا، عَنْ هَمّامِ بْنِ يَحْيى قالَ: بَكى عامِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عِنْدَ المَوْتِ، فَقِيلَ لَهُ: ما يُبْكِيكَ؟ قالَ: آيَةٌ في كِتابِ اللَّهِ، فَقِيلَ لَهُ: أيَّةُ آيَةٍ؟ فَقالَ: ﴿إنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ المُتَّقِينَ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنِ الحَسَنِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «(إنَّ اللَّهَ لا يَقْبَلُ عَمَلَ عَبْدٍ حَتّى يَرْضى عَنْهُ») .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنْ ثابِتٍ قالَ: كانَ مُطَرِّفٌ يَقُولُ: اللَّهُمَّ تَقَبَّلْ مِنِّي صَلاةٌ، اللَّهُمَّ تَقَبَّلْ مِنِّي صِيامَ يَوْمٍ، اللَّهُمَّ اكْتُبْ لِي حَسَنَةً، ثُمَّ يَقُولُ: ﴿إنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ المُتَّقِينَ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنِ الضَّحّاكِ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ المُتَّقِينَ﴾ قالَ: الَّذِينَ يَتَّقُونَ الشِّرْكَ.
(p-٢٦٤)وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ، عَنْ هِشامِ بْنِ يَحْيى، عَنْ أبِيهِ قالَ: دَخَلَ سائِلٌ إلى ابْنِ عُمَرَ، فَقالَ لِابْنِهِ: أعْطِهِ دِينارًا، فَأعْطاهُ، فَلَمّا انْصَرَفَ قالَ ابْنُهُ: تَقَبَّلَ اللَّهُ مِنكَ يا أبَتاهْ، فَقالَ: لَوْ عَلِمْتُ أنَّ اللَّهَ تَقَبَّلَ مِنِّي سَجْدَةً واحِدَةً أوْ صَدَقَةَ دِرْهَمٍ لَمْ يَكُنْ غائِبٌ أحَبَّ إلَيَّ مِنَ المَوْتِ، تَدْرِي مِمَّنْ يَتَقَبَّلُ اللَّهُ؟ ﴿إنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ المُتَّقِينَ﴾ .
وأخْرَجَ يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيانَ في تارِيخِهِ، وابْنُ عَساكِرَ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: لَأنْ أكُونَ أعْلَمُ أنَّ اللَّهَ تَقَبَّلَ مِنِّي عَمَلًا أحَبُّ إلَيَّ مِن أنْ يَكُونَ لِي مِلْءُ الأرْضِ ذَهَبًا.
المائدة 5:28
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَئِنْ بَسَطْتَ إلَيَّ يَدَكَ﴾ الآيَتَيْنِ.
أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿لَئِنْ بَسَطْتَ إلَيَّ يَدَكَ﴾ الآيَةَ، قالَ: كانَ كُتِبَ عَلَيْهِمْ إذا أرادَ الرَّجُلُ أنْ يَقْتُلَ رَجُلًا تَرَكَهُ ويَمْتَنِعُ مِنهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ في الآيَةِ، قالَ: كانَتْ بَنُو إسْرائِيلَ كُتِبَ عَلَيْهِمْ إذا الرَّجُلُ بَسَطَ يَدَهُ إلى الرَّجُلِ لا يَمْتَنِعُ مِنهُ حَتّى يَقْتُلَهُ، أوْ يَدَعَهُ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿لَئِنْ بَسَطْتَ﴾ الآيَةَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: (p-٢٦٥)﴿إنِّي أُرِيدُ أنْ تَبُوءَ بِإثْمِي وإثْمِكَ﴾، يَقُولُ: إنِّي أُرِيدُ أنْ تَكُونَ عَلَيْكَ خَطِيئَتُكَ ودَمِي فَتَبُوءَ بِهِما جَمِيعًا.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنِّي أُرِيدُ أنْ تَبُوءَ بِإثْمِي﴾، قالَ: بِقَتْلِكَ إيّايَ، ﴿وإثْمِكَ﴾ قالَ: بِما كانَ مِنكَ قَبْلَ ذَلِكَ.
وأخْرَجَ عَنْ قَتادَةَ، والضَّحّاكِ، مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ الطَّسْتِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ نافِعَ بْنَ الأزْرَقِ قالَ لَهُ: أخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿إنِّي أُرِيدُ أنْ تَبُوءَ بِإثْمِي وإثْمِكَ﴾ قالَ: تَرْجِعُ بِإثْمِي وإثْمِكَ الَّذِي عَمِلْتَ فَتَسْتَوْجِبُ النّارَ، قالَ: وهَلْ تَعْرِفُ العَرَبُ ذَلِكَ؟ قالَ: نَعَمْ، أما سَمِعْتَ الشّاعِرَ وهو يَقُولُ:
؎مَن كانَ كارِهَ عَيْشِهِ فَلْيَأْتِنا يَلْقى المَنِيَّةَ أوْ يَبُوءُ لَهُ غِنى.
وأخْرَجَ أحْمَدُ، وأبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، عَنْ سَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ: أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «(إنَّها سَتَكُونُ فِتْنَةٌ، القاعِدُ فِيها خَيْرٌ مِنَ القائِمِ، والقائِمُ خَيْرٌ مِنَ الماشِي، والماشِي خَيْرٌ مِنَ السّاعِي)، قالَ: أفَرَأيْتَ إنْ دَخَلَ عَلَيَّ بَيْتِي فَبَسَطَ إلَيَّ يَدَهُ لِيَقْتُلَنِي؟ قالَ: (كُنْ كابْنِ (p-٢٦٦)آدَمَ)، وتَلا: ﴿لَئِنْ بَسَطْتَ إلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي﴾ الآيَةَ» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ، ومُسْلِمٌ، والحاكِمُ، عَنْ أبِي ذَرٍّ قالَ: «رَكِبَ النَّبِيُّ ﷺ حِمارًا، وأرْدَفَنِي خَلْفَهُ، فَقالَ: (يا أبا ذَرٍّ، أرَأيْتَ إنْ أصابَ النّاسَ جُوعٌ شَدِيدٌ، لا تَسْتَطِيعُ أنْ تَقُومَ مِن فِراشِكَ إلى مَسْجِدِكَ، كَيْفَ تَصْنَعُ؟) قُلْتُ: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ، قالَ: (تَعَفَّفْ يا أبا ذَرٍّ، أرَأيْتَ إنْ أصابَ النّاسَ مَوْتٌ شَدِيدٌ يَكُونُ البَيْتُ فِيهِ بِالعَبْدِ)، يَعْنِي القَبْرَ، قُلْتُ: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ، قالَ: (اصْبِرْ يا أبا ذَرٍّ، أرَأيْتَ إنْ قَتَلَ النّاسُ بَعْضُهم بَعْضًا حَتّى تَغْرَقَ حِجارَةُ الزَّيْتِ مِنَ الدِّماءِ، كَيْفَ تَصْنَعُ؟) قُلْتُ: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ، قالَ: (اقْعُدْ في بَيْتِكَ، وأغْلِقْ عَلَيْكَ بابَكَ)، قُلْتُ: فَإنْ لَمْ أتْرُكْ؟ قالَ: (فَأْتِ مَن أنْتَ مِنهم فَكُنْ فِيهِمْ)، قُلْتُ: فَآخُذُ سِلاحِي؟ قالَ: (إذَنْ تُشارِكُهم فِيما هم فِيهِ، ولَكِنْ إنْ خَشِيتَ أنْ يَرْدَعَكَ شُعاعُ السَّيْفِ فَألْقِ طَرَفَ رِدائِكَ عَلى وجْهِكَ، حَتّى يَبُوءَ بِإثْمِهِ وإثْمِكَ فَيَكُونَ مِن أصْحابِ النّارِ») .
وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ، عَنْ أبِي مُوسى، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «(اكْسِرُوا سَيْفَكم (p-٢٦٧)يَعْنِي في الفِتْنَةِ، واقْطَعُوا أوْتارَكُمْ، والزَمُوا أجْوافَ البُيُوتِ، وكُونُوا فِيها كالخَيِّرِ مِنَ ابْنَيْ آدَمَ») .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنْ حُذَيْفَةَ قالَ: لَئِنِ اقْتَتَلْتُمْ فَلَأنْظُرَنَّ أقْصى بَيْتٍ في دارِي فَلَألِجَنَّهُ، فَلَئِنْ دُخِلَ عَلَيَّ فَلَأقُولَنَّ: ها بُؤْ بِإثْمِي وإثْمِكَ، فَأكُونَ كَخَيْرِ ابْنَيْ آدَمَ.
وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، وابْنُ عَساكِرَ، عَنْ أبِي نَضْرَةَ، قالَ: دَخَلَ أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ يَوْمَ الحَرَّةِ غارًا، فَدَخَلَ عَلَيْهِ رَجُلٌ ومَعَ أبِي سَعِيدٍ السَّيْفُ، فَوَضَعَهُ أبُو سَعِيدٍ، وقالَ: بُؤْ بِإثْمِي وإثْمِكَ، وكُنْ مِن أصْحابِ النّارِ، ولَفْظُ ابْنِ سَعْدٍ: وقالَ: ﴿إنِّي أُرِيدُ أنْ تَبُوءَ بِإثْمِي وإثْمِكَ فَتَكُونَ مِن أصْحابِ النّارِ﴾ قالَ أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ: أنْتَ؟ قالَ: نَعَمْ، قالَ: فاسْتَغْفِرْ لِي، قالَ: غَفَرَ اللَّهُ لَكَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ الحَسَنِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «(إنَّ ابْنَيْ آدَمَ ضُرِبا مَثَلًا لِهَذِهِ الأُمَّةِ، فَخُذُوا بِالخَيِّرِ مِنهُما») .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنِ الحَسَنِ قالَ: بَلَغَنِي أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «(يا أيُّها النّاسُ، ألا إنَّ ابْنَيْ آدَمَ ضُرِبا لَكم مَثَلًا، فَتَشَبَّهُوا بِخَيْرِهِما، ولا تَتَشَبَّهُوا بِشَرِّهِما») . (p-٢٦٨)وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، مِن طَرِيقِ المُعْتَمِرِ بْنِ سُلَيْمانَ، عَنْ أبِيهِ، قالَ: قُلْتُ لِبَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ: أما بَلَغَكَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «إنَّ اللَّهَ ضَرَبَ لَكُمُ ابْنَيْ آدَمَ مَثَلًا، فَخُذُوا خَيْرَهُما، ودَعُوا شَرَّهُما»)، قالَ: بَلى.
وأخْرَجَ الحاكِمُ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ، عَنْ أبِي بَكْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «ألا إنَّها سَتَكُونُ فِتَنٌ، ألا ثُمَّ تَكُونُ فِتْنَةٌ، القاعِدُ فِيها خَيْرٌ مِنَ القائِمِ، والقائِمُ فِيها خَيْرٌ مِنَ الماشِي، والماشِي فِيها خَيْرٌ مِنَ السّاعِي إلَيْها، فَإذا نَزَلَتْ فَمَن كانَ لَهُ إبِلٌ فَلْيَلْحَقْ بِإبِلِهِ، ومَن كانَ لَهُ غَنَمٌ فَلْيَلْحَقْ بِغَنَمِهِ، ومَن كانَ لَهُ أرْضٌ فَلْيَلْحَقْ بِأرْضِهِ)، فَقِيلَ: أرَأيْتَ يا رَسُولَ اللَّهِ إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ؟ قالَ: (فَلْيَأْخُذْ حَجَرًا فَلْيَدُقَّ بِهِ عَلى حَدِّ سَيْفِهِ، ثُمَّ لِيَنْجُ إنِ اسْتَطاعَ النَّجاةَ، اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ)، ثَلاثًا، فَقالَ رَجُلٌ: يا رَسُولَ اللَّهِ، أرَأيْتَ إنْ أُكْرِهْتُ حَتّى يُنْطَلَقَ بِي إلى أحَدِ الصَّفَّيْنِ، فَيَرْمِينِي رَجُلٌ بِسَهْمٍ، أوْ يَضْرِبُنِي بِسَيْفٍ، فَيَقْتُلُنِي؟ قالَ: (يَبُوءُ بِإثْمِهِ وإثْمِكَ، فَيَكُونُ مِن أصْحابِ النّارِ)، قالَها ثَلاثًا» .
وأخْرَجَ الحاكِمُ، وصَحَّحَهُ عَنْ حُذَيْفَةَ، أنَّهُ قِيلَ لَهُ: ما تَأْمُرُنا إذا اقْتَتَلَ المُصَلُّونَ؟ قالَ: آمُرُكَ أنْ تَنْظُرَ أقْصى بَيْتٍ في دارِكَ فَتَلِجَ فِيهِ، فَإنْ دُخِلَ عَلَيْكَ، فَتَقُولُ: ها بُؤْ بِإثْمِي وإثْمِكَ فَتَكُونُ كابْنِ آدَمَ. (p-٢٦٩)وأخْرَجَ أحْمَدُ، والحاكِمُ، «عَنْ خالِدِ بْنِ عُرْفُطَةَ قالَ: قالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (يا خالِدُ، إنَّهُ سَيَكُونُ بَعْدِي أحْداثٌ وفِتَنٌ واخْتِلافٌ، فَإنِ اسْتَطَعْتَ أنْ تَكُونَ عَبْدَ اللَّهِ المَقْتُولَ لا القاتِلَ فافْعَلْ») .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «(تَكُونُ فِتْنَةٌ، النّائِمُ فِيها خَيْرٌ مِنَ المُضْطَجِعِ، والمُضْطَجِعُ خَيْرٌ مِنَ القاعِدِ، والقاعِدُ خَيْرٌ مِنَ الماشِي، والماشِي خَيْرٌ مِنَ السّاعِي، قَتْلاها كُلِّها في النّارِ)، قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، فَبِمَ تَأْمُرُنِي إنْ أدْرَكْتُ ذَلِكَ؟ قالَ: (ادْخُلْ بَيْتَكَ)، قُلْتُ: أفَرَأيْتَ إنْ دُخِلَ عَلَيَّ؟ قالَ: (قُلْ: بُؤْ بِإثْمِي وإثْمِكَ، وكُنْ عَبْدَ اللَّهِ المَقْتُولَ») .
وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في (شُعَبِ الإيمانِ)، وابْنُ عَساكِرَ، عَنِ الأوْزاعِيِّ قالَ: مَن قُتِلَ مَظْلُومًا كَفَّرَ اللَّهُ كُلَّ ذَنْبٍ عَنْهُ، وذَلِكَ في القُرْآنِ: ﴿إنِّي أُرِيدُ أنْ تَبُوءَ (p-٢٧٠)بِإثْمِي وإثْمِكَ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، عَنْ خَبّابِ بْنِ الأرَتِّ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ «أنَّهُ ذَكَرَ فِتْنَةً، القاعِدُ فِيها خَيْرٌ مِنَ القائِمِ، والقائِمُ فِيها خَيْرٌ مِنَ الماشِي، والماشِي فِيها خَيْرٌ مِنَ السّاعِي، فَإنْ أدْرَكْتَ ذَلِكَ فَكُنْ عَبْدَ اللَّهِ المَقْتُولَ، ولا تَكُنْ عَبْدَ اللَّهِ القاتِلَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «(أيَعْجِزُ أحَدُكم إذا أتاهُ الرَّجُلُ يَقْتُلُهُ أنْ يَقُولَ هَكَذا، وقالَ بِإحْدى يَدَيْهِ عَلى الأُخْرى، فَيَكُونُ كالخَيِّرِ مِنَ ابْنَيْ آدَمَ، وإذا هو في الجَنَّةِ، وإذا قاتِلُهُ في النّارِ») .
المائدة 5:29
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَئِنْ بَسَطْتَ إلَيَّ يَدَكَ﴾ الآيَتَيْنِ.
أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿لَئِنْ بَسَطْتَ إلَيَّ يَدَكَ﴾ الآيَةَ، قالَ: كانَ كُتِبَ عَلَيْهِمْ إذا أرادَ الرَّجُلُ أنْ يَقْتُلَ رَجُلًا تَرَكَهُ ويَمْتَنِعُ مِنهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ في الآيَةِ، قالَ: كانَتْ بَنُو إسْرائِيلَ كُتِبَ عَلَيْهِمْ إذا الرَّجُلُ بَسَطَ يَدَهُ إلى الرَّجُلِ لا يَمْتَنِعُ مِنهُ حَتّى يَقْتُلَهُ، أوْ يَدَعَهُ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿لَئِنْ بَسَطْتَ﴾ الآيَةَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: (p-٢٦٥)﴿إنِّي أُرِيدُ أنْ تَبُوءَ بِإثْمِي وإثْمِكَ﴾، يَقُولُ: إنِّي أُرِيدُ أنْ تَكُونَ عَلَيْكَ خَطِيئَتُكَ ودَمِي فَتَبُوءَ بِهِما جَمِيعًا.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنِّي أُرِيدُ أنْ تَبُوءَ بِإثْمِي﴾، قالَ: بِقَتْلِكَ إيّايَ، ﴿وإثْمِكَ﴾ قالَ: بِما كانَ مِنكَ قَبْلَ ذَلِكَ.
وأخْرَجَ عَنْ قَتادَةَ، والضَّحّاكِ، مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ الطَّسْتِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ نافِعَ بْنَ الأزْرَقِ قالَ لَهُ: أخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿إنِّي أُرِيدُ أنْ تَبُوءَ بِإثْمِي وإثْمِكَ﴾ قالَ: تَرْجِعُ بِإثْمِي وإثْمِكَ الَّذِي عَمِلْتَ فَتَسْتَوْجِبُ النّارَ، قالَ: وهَلْ تَعْرِفُ العَرَبُ ذَلِكَ؟ قالَ: نَعَمْ، أما سَمِعْتَ الشّاعِرَ وهو يَقُولُ:
؎مَن كانَ كارِهَ عَيْشِهِ فَلْيَأْتِنا يَلْقى المَنِيَّةَ أوْ يَبُوءُ لَهُ غِنى.
وأخْرَجَ أحْمَدُ، وأبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، عَنْ سَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ: أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «(إنَّها سَتَكُونُ فِتْنَةٌ، القاعِدُ فِيها خَيْرٌ مِنَ القائِمِ، والقائِمُ خَيْرٌ مِنَ الماشِي، والماشِي خَيْرٌ مِنَ السّاعِي)، قالَ: أفَرَأيْتَ إنْ دَخَلَ عَلَيَّ بَيْتِي فَبَسَطَ إلَيَّ يَدَهُ لِيَقْتُلَنِي؟ قالَ: (كُنْ كابْنِ (p-٢٦٦)آدَمَ)، وتَلا: ﴿لَئِنْ بَسَطْتَ إلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي﴾ الآيَةَ» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ، ومُسْلِمٌ، والحاكِمُ، عَنْ أبِي ذَرٍّ قالَ: «رَكِبَ النَّبِيُّ ﷺ حِمارًا، وأرْدَفَنِي خَلْفَهُ، فَقالَ: (يا أبا ذَرٍّ، أرَأيْتَ إنْ أصابَ النّاسَ جُوعٌ شَدِيدٌ، لا تَسْتَطِيعُ أنْ تَقُومَ مِن فِراشِكَ إلى مَسْجِدِكَ، كَيْفَ تَصْنَعُ؟) قُلْتُ: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ، قالَ: (تَعَفَّفْ يا أبا ذَرٍّ، أرَأيْتَ إنْ أصابَ النّاسَ مَوْتٌ شَدِيدٌ يَكُونُ البَيْتُ فِيهِ بِالعَبْدِ)، يَعْنِي القَبْرَ، قُلْتُ: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ، قالَ: (اصْبِرْ يا أبا ذَرٍّ، أرَأيْتَ إنْ قَتَلَ النّاسُ بَعْضُهم بَعْضًا حَتّى تَغْرَقَ حِجارَةُ الزَّيْتِ مِنَ الدِّماءِ، كَيْفَ تَصْنَعُ؟) قُلْتُ: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ، قالَ: (اقْعُدْ في بَيْتِكَ، وأغْلِقْ عَلَيْكَ بابَكَ)، قُلْتُ: فَإنْ لَمْ أتْرُكْ؟ قالَ: (فَأْتِ مَن أنْتَ مِنهم فَكُنْ فِيهِمْ)، قُلْتُ: فَآخُذُ سِلاحِي؟ قالَ: (إذَنْ تُشارِكُهم فِيما هم فِيهِ، ولَكِنْ إنْ خَشِيتَ أنْ يَرْدَعَكَ شُعاعُ السَّيْفِ فَألْقِ طَرَفَ رِدائِكَ عَلى وجْهِكَ، حَتّى يَبُوءَ بِإثْمِهِ وإثْمِكَ فَيَكُونَ مِن أصْحابِ النّارِ») .
وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ، عَنْ أبِي مُوسى، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «(اكْسِرُوا سَيْفَكم (p-٢٦٧)يَعْنِي في الفِتْنَةِ، واقْطَعُوا أوْتارَكُمْ، والزَمُوا أجْوافَ البُيُوتِ، وكُونُوا فِيها كالخَيِّرِ مِنَ ابْنَيْ آدَمَ») .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنْ حُذَيْفَةَ قالَ: لَئِنِ اقْتَتَلْتُمْ فَلَأنْظُرَنَّ أقْصى بَيْتٍ في دارِي فَلَألِجَنَّهُ، فَلَئِنْ دُخِلَ عَلَيَّ فَلَأقُولَنَّ: ها بُؤْ بِإثْمِي وإثْمِكَ، فَأكُونَ كَخَيْرِ ابْنَيْ آدَمَ.
وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، وابْنُ عَساكِرَ، عَنْ أبِي نَضْرَةَ، قالَ: دَخَلَ أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ يَوْمَ الحَرَّةِ غارًا، فَدَخَلَ عَلَيْهِ رَجُلٌ ومَعَ أبِي سَعِيدٍ السَّيْفُ، فَوَضَعَهُ أبُو سَعِيدٍ، وقالَ: بُؤْ بِإثْمِي وإثْمِكَ، وكُنْ مِن أصْحابِ النّارِ، ولَفْظُ ابْنِ سَعْدٍ: وقالَ: ﴿إنِّي أُرِيدُ أنْ تَبُوءَ بِإثْمِي وإثْمِكَ فَتَكُونَ مِن أصْحابِ النّارِ﴾ قالَ أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ: أنْتَ؟ قالَ: نَعَمْ، قالَ: فاسْتَغْفِرْ لِي، قالَ: غَفَرَ اللَّهُ لَكَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ الحَسَنِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «(إنَّ ابْنَيْ آدَمَ ضُرِبا مَثَلًا لِهَذِهِ الأُمَّةِ، فَخُذُوا بِالخَيِّرِ مِنهُما») .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنِ الحَسَنِ قالَ: بَلَغَنِي أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «(يا أيُّها النّاسُ، ألا إنَّ ابْنَيْ آدَمَ ضُرِبا لَكم مَثَلًا، فَتَشَبَّهُوا بِخَيْرِهِما، ولا تَتَشَبَّهُوا بِشَرِّهِما») . (p-٢٦٨)وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، مِن طَرِيقِ المُعْتَمِرِ بْنِ سُلَيْمانَ، عَنْ أبِيهِ، قالَ: قُلْتُ لِبَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ: أما بَلَغَكَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «إنَّ اللَّهَ ضَرَبَ لَكُمُ ابْنَيْ آدَمَ مَثَلًا، فَخُذُوا خَيْرَهُما، ودَعُوا شَرَّهُما»)، قالَ: بَلى.
وأخْرَجَ الحاكِمُ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ، عَنْ أبِي بَكْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «ألا إنَّها سَتَكُونُ فِتَنٌ، ألا ثُمَّ تَكُونُ فِتْنَةٌ، القاعِدُ فِيها خَيْرٌ مِنَ القائِمِ، والقائِمُ فِيها خَيْرٌ مِنَ الماشِي، والماشِي فِيها خَيْرٌ مِنَ السّاعِي إلَيْها، فَإذا نَزَلَتْ فَمَن كانَ لَهُ إبِلٌ فَلْيَلْحَقْ بِإبِلِهِ، ومَن كانَ لَهُ غَنَمٌ فَلْيَلْحَقْ بِغَنَمِهِ، ومَن كانَ لَهُ أرْضٌ فَلْيَلْحَقْ بِأرْضِهِ)، فَقِيلَ: أرَأيْتَ يا رَسُولَ اللَّهِ إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ؟ قالَ: (فَلْيَأْخُذْ حَجَرًا فَلْيَدُقَّ بِهِ عَلى حَدِّ سَيْفِهِ، ثُمَّ لِيَنْجُ إنِ اسْتَطاعَ النَّجاةَ، اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ)، ثَلاثًا، فَقالَ رَجُلٌ: يا رَسُولَ اللَّهِ، أرَأيْتَ إنْ أُكْرِهْتُ حَتّى يُنْطَلَقَ بِي إلى أحَدِ الصَّفَّيْنِ، فَيَرْمِينِي رَجُلٌ بِسَهْمٍ، أوْ يَضْرِبُنِي بِسَيْفٍ، فَيَقْتُلُنِي؟ قالَ: (يَبُوءُ بِإثْمِهِ وإثْمِكَ، فَيَكُونُ مِن أصْحابِ النّارِ)، قالَها ثَلاثًا» .
وأخْرَجَ الحاكِمُ، وصَحَّحَهُ عَنْ حُذَيْفَةَ، أنَّهُ قِيلَ لَهُ: ما تَأْمُرُنا إذا اقْتَتَلَ المُصَلُّونَ؟ قالَ: آمُرُكَ أنْ تَنْظُرَ أقْصى بَيْتٍ في دارِكَ فَتَلِجَ فِيهِ، فَإنْ دُخِلَ عَلَيْكَ، فَتَقُولُ: ها بُؤْ بِإثْمِي وإثْمِكَ فَتَكُونُ كابْنِ آدَمَ. (p-٢٦٩)وأخْرَجَ أحْمَدُ، والحاكِمُ، «عَنْ خالِدِ بْنِ عُرْفُطَةَ قالَ: قالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (يا خالِدُ، إنَّهُ سَيَكُونُ بَعْدِي أحْداثٌ وفِتَنٌ واخْتِلافٌ، فَإنِ اسْتَطَعْتَ أنْ تَكُونَ عَبْدَ اللَّهِ المَقْتُولَ لا القاتِلَ فافْعَلْ») .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «(تَكُونُ فِتْنَةٌ، النّائِمُ فِيها خَيْرٌ مِنَ المُضْطَجِعِ، والمُضْطَجِعُ خَيْرٌ مِنَ القاعِدِ، والقاعِدُ خَيْرٌ مِنَ الماشِي، والماشِي خَيْرٌ مِنَ السّاعِي، قَتْلاها كُلِّها في النّارِ)، قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، فَبِمَ تَأْمُرُنِي إنْ أدْرَكْتُ ذَلِكَ؟ قالَ: (ادْخُلْ بَيْتَكَ)، قُلْتُ: أفَرَأيْتَ إنْ دُخِلَ عَلَيَّ؟ قالَ: (قُلْ: بُؤْ بِإثْمِي وإثْمِكَ، وكُنْ عَبْدَ اللَّهِ المَقْتُولَ») .
وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في (شُعَبِ الإيمانِ)، وابْنُ عَساكِرَ، عَنِ الأوْزاعِيِّ قالَ: مَن قُتِلَ مَظْلُومًا كَفَّرَ اللَّهُ كُلَّ ذَنْبٍ عَنْهُ، وذَلِكَ في القُرْآنِ: ﴿إنِّي أُرِيدُ أنْ تَبُوءَ (p-٢٧٠)بِإثْمِي وإثْمِكَ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، عَنْ خَبّابِ بْنِ الأرَتِّ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ «أنَّهُ ذَكَرَ فِتْنَةً، القاعِدُ فِيها خَيْرٌ مِنَ القائِمِ، والقائِمُ فِيها خَيْرٌ مِنَ الماشِي، والماشِي فِيها خَيْرٌ مِنَ السّاعِي، فَإنْ أدْرَكْتَ ذَلِكَ فَكُنْ عَبْدَ اللَّهِ المَقْتُولَ، ولا تَكُنْ عَبْدَ اللَّهِ القاتِلَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «(أيَعْجِزُ أحَدُكم إذا أتاهُ الرَّجُلُ يَقْتُلُهُ أنْ يَقُولَ هَكَذا، وقالَ بِإحْدى يَدَيْهِ عَلى الأُخْرى، فَيَكُونُ كالخَيِّرِ مِنَ ابْنَيْ آدَمَ، وإذا هو في الجَنَّةِ، وإذا قاتِلُهُ في النّارِ») .
المائدة 5:30
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ﴾ الآيَةَ.
أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ﴾ قالَ: شَجَّعَتْهُ عَلى قَتْلِ أخِيهِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ﴾ قالَ: زَيَّنَتْ لَهُ نَفْسُهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وناسٍ مِنَ الصَّحابَةِ: ﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أخِيهِ﴾ فَطَلَبَهُ لِيَقْتُلَهُ، فَراغَ الغُلامُ مِنهُ في رُؤُوسِ الجِبالِ، فَأتاهُ يَوْمًا مِنَ الأيّامِ وهو يَرْعى غَنَمًا لَهُ وهو نائِمٌ، فَرَفَعَ صَخْرَةً فَشَدَخَ بِها رَأْسَهُ، فَماتَ (p-٢٧١)فَتَرَكَهُ بِالعَراءِ، ولا يَعْلَمُ كَيْفَ يُدْفَنُ، فَبَعَثَ اللَّهُ غُرابَيْنِ أخَوَيْنِ، فاقْتَتَلا، فَقَتَلَ أحَدُهُما صاحِبَهُ، فَحَفَرَ لَهُ ثُمَّ حَثا عَلَيْهِ، فَلَمّا رَآهُ قالَ: ﴿يا ويْلَتا أعَجَزْتُ أنْ أكُونَ مِثْلَ هَذا الغُرابِ﴾ [المائدة: ٣١] .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قالَ: ابْنُ آدَمَ الَّذِي قَتَلَ أخاهُ لَمْ يَدْرِ كَيْفَ يَقْتُلُهُ، فَتَمَثَّلَ لَهُ إبْلِيسُ في هَيْئَةِ طَيْرٍ، فَأخَذَ طَيْرًا فَوَضَعَ رَأْسَهُ بَيْنَ حَجَرَيْنِ، فَشَدَخَ رَأْسَهُ، فَعَلَّمَهُ القَتْلَ.
وأخْرَجَ عَنْ مُجاهِدٍ، نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ خَيْثَمَةَ قالَ: لَمّا قَتَلَ ابْنُ آدَمَ أخاهُ نَشَّفَتِ الأرْضُ دَمَهُ، فَلُعِنَتْ، فَلَمْ تُنَشِّفِ الأرْضُ دَمًا بَعْدُ.
وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ، عَنْ عَلِيٍّ، «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: (بِدِمَشْقَ جَبَلٌ يُقالُ لَهُ: قاسِيُونُ، فِيهِ قَتَلَ ابْنُ آدَمَ أخاهُ») .
وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ خَيْرٍ الشَّعْبانِيِّ قالَ: كُنْتُ مَعَ كَعْبِ الأحْبارِ عَلى جَبَلِ دَيْرِ المُرّانِ فَرَأى لُمَعَةً سائِلَةً في الجَبَلِ فَقالَ: ها هُنا قَتَلَ ابْنُ (p-٢٧٢)آدَمَ أخاهُ، وهَذا أثَرُ دَمِهِ، جَعَلَهُ اللَّهُ آيَةً لِلْعالَمِينَ.
وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ، مِن وجْهٍ آخَرَ، عَنْ كَعْبٍ قالَ: الدَّمُ الَّذِي عَلى جَبَلِ قاسِيُونَ هو دَمُ ابْنِ آدَمَ.
وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ، عَنْ وهْبٍ قالَ: إنَّ الأرْضَ نَشَّفَتْ دَمَ ابْنِ آدَمَ المَقْتُولِ، فَلَعَنَ آدَمُ الأرْضَ، فَمِن أجْلِ ذَلِكَ لا تُنَشِّفُ الأرْضُ دَمًا بَعْدَ دَمِ هابِيلَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ.
وأخْرَجَ نُعَيْمُ بْنُ حَمّادٍ في (الفِتَنِ) عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ فَضالَةَ قالَ: لَمّا قَتَلَ قابِيلُ هابِيلَ مَسَخَ اللَّهُ عَقْلَهُ وخَلَعَ فُؤادَهُ، فَلَمْ يَزَلْ تائِهًا حَتّى ماتَ.
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأصْبَحَ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ .
أخْرَجَ أحْمَدُ، والبُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ ماجَهْ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «(لا تُقْتَلُ نَفْسٌ ظُلْمًا إلّا كانَ عَلى ابْنِ آدَمَ الأوَّلِ كِفْلٌ مِن دَمِها، لِأنَّهُ أوَّلُ مَن سَنَّ القَتْلَ» (p-٢٧٣)وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ عَساكِرَ، عَنِ البَراءِ بْنِ عازِبٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «(ما قُتِلَتْ نَفْسٌ ظُلْمًا إلّا كانَ عَلى ابْنِ آدَمَ قاتِلِ الأوَّلِ كِفْلٌ مِن دَمِها، لِأنَّهُ أوَّلُ مَن سَنَّ القَتْلَ») .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قالَ: إنَّ أشْقى النّاسِ رَجُلًا لِابْنِ آدَمَ الَّذِي قَتَلَ أخاهُ، ما سُفِكَ دَمٌ في الأرْضِ مُنْذُ قَتَلَ أخاهُ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، إلّا لَحِقَ بِهِ مِنهُ شَيْءٌ، وذَلِكَ أنَّهُ أوَّلُ مَن سَنَّ القَتْلَ.
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، وابْنُ عَساكِرَ، عَنِ ابْنِ عَمْرٍو قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «(أشْقى النّاسِ ثَلاثَةٌ: عاقِرُ ناقَةِ ثَمُودَ، وابْنُ آدَمَ الَّذِي قَتَلَ أخاهُ، ما سُفِكَ عَلى الأرْضِ مِن دَمٍ إلّا لَحِقَهُ مِنهُ، لِأنَّهُ أوَّلُ مَن سَنَّ القَتْلَ») .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، والبَيْهَقِيُّ في (شُعَبِ الإيمانِ)، عَنِ ابْنِ عَمْرٍو قالَ: إنّا لَنَجِدُ ابْنَ آدَمَ القاتِلَ يُقاسِمُ أهْلَ النّارِ، قِسْمَةً صَحِيحَةً، العَذابَ، عَلَيْهِ شَطْرُ عَذابِهِمْ. (p-٢٧٤)وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا في كِتابِ (مَن عاشَ بَعْدَ المَوْتِ)، وابْنُ عَساكِرَ مِن طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينارٍ، عَنْ أبِي أيُّوبَ اليَمانِيِّ، عَنْ رَجُلٍ مِن قَوْمِهِ يُقالُ لَهُ: عَبْدُ اللَّهِ، أنَّهُ ونَفَرًا مِن قَوْمِهِ رَكِبُوا البَحْرَ، وأنَّ البَحْرَ أظْلَمَ عَلَيْهِمْ أيّامًا، ثُمَّ انْجَلَتْ عَنْهم تِلْكَ الظُّلْمَةُ، وهم قُرْبَ قَرْيَةٍ، قالَ عَبْدُ اللَّهِ: فَخَرَجْتُ ألْتَمِسُ الماءَ، فَإذا أبْوابٌ مُغْلَقَةٌ تَجَأْجَأُ فِيها الرِّيحُ، فَهَتَفْتُ فِيها فَلَمْ يُجِبْنِي أحَدٌ، فَبَيْنا أنا عَلى ذَلِكَ إذْ طَلَعَ عَلَيَّ فارِسانِ فَسَألانِي عَنْ أمْرِي، فَأخْبَرْتُهُما الَّذِي أصابَنا في البَحْرِ، وأنِّي خَرَجْتُ أطْلُبُ الماءَ، فَقالا لِي: اسْلُكْ في هَذِهِ السِّكَّةِ، فَإنَّكَ سَتَنْتَهِي إلى بِرْكَةٍ فِيها ماءٌ فاسْتَقِ مِنها، ولا يَهُولَنَّكَ ما تَرى فِيها، فَسَألْتُهُما عَنْ تِلْكَ البُيُوتِ المُغْلَقَةِ الَّتِي تَجَأْجَأُ فِيها الرِّيحُ، فَقالا: هَذِهِ بُيُوتُ أرْواحِ المَوْتى، فَخَرَجْتُ حَتّى انْتَهَيْتُ إلى البِرْكَةِ، فَإذا فِيها رَجُلٌ مُعَلَّقٌ مَنكُوسٌ عَلى رَأْسِهِ، يُرِيدُ أنْ يَتَناوَلَ الماءَ بِيَدِهِ، فَلا يَنالُهُ، فَلَمّا رَآنِي هَتَفَ بِي، وقالَ: يا عَبْدَ اللَّهِ، اسْقِنِي، فَغَرَفْتُ بِالقَدَحِ لِأُناوِلَهُ، فَقُبِضَتْ يَدِي، فَقُلْتُ: أخْبِرْنِي، مَن أنْتَ؟ فَقالَ: أنا ابْنُ آدَمَ، أوَّلُ مَن سَفَكَ دَمًا في الأرْضِ.
وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «(مَن هَجَرَ أخاهُ سَنَةً، لَقِيَ اللَّهَ بِخَطِيئَةِ قابِيلَ ابْنِ آدَمَ، لا يَفُكُّهُ شَيْءٌ دُونَ وُلُوجِ النّارِ») .
المائدة 5:31
(p-٢٧٥)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ غُرابًا يَبْحَثُ في الأرْضِ﴾ الآيَةَ.
أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ عَطِيَّةَ قالَ: لَمّا قَتَلَهُ نَدِمَ، فَضَمَّهُ إلَيْهِ حَتّى أرْوَحَ، وعَكَفَتْ عَلَيْهِ الطَّيْرُ والسِّباعُ تَنْتَظِرُ مَتى يَرْمِي بِهِ فَتَأْكُلُهُ، وكَرِهَ أنْ يَأْتِيَ بِهِ آدَمَ فَيُحْزِنَهُ، فَبَعَثَ اللَّهُ غُرابَيْنِ قَتَلَ أحَدُهُما الآخَرَ وهو يَنْظُرُ إلَيْهِ، ثُمَّ حَفَرَ لَهُ بِمِنقارِهِ، وبِرِجْلِهِ حَتّى مَكَّنَ لَهُ في الأرْضِ، ثُمَّ دَفَعَهُ بِرَأْسِهِ حَتّى ألْقاهُ في الحُفْرَةِ، ثُمَّ بَحَثَ عَلَيْهِ بِرِجْلِهِ حَتّى واراهُ، فَلَمّا رَأى ما صَنَعَ الغُرابُ قالَ: ﴿يا ويْلَتا أعَجَزْتُ أنْ أكُونَ مِثْلَ هَذا الغُرابِ فَأُوارِيَ سَوْءَةَ أخِي﴾ .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: بَعَثَ اللَّهُ غُرابَيْنِ فاقْتَتَلا، فَقَتَلَ أحَدُهُما الآخَرَ، ثُمَّ جَعَلَ يَحْثُو عَلَيْهِ التُّرابَ، حَتّى واراهُ، فَقالَ ابْنُ آدَمَ القاتِلُ: ﴿يا ويْلَتا أعَجَزْتُ أنْ أكُونَ مِثْلَ هَذا الغُرابِ فَأُوارِيَ سَوْءَةَ أخِي﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: جاءَ غُرابٌ إلى غُرابٍ مَيِّتٍ، فَحَثا عَلَيْهِ التُّرابَ حَتّى واراهُ، فَقالَ الَّذِي قَتَلَ أخاهُ: ﴿يا ويْلَتا أعَجَزْتُ أنْ أكُونَ مِثْلَ هَذا الغُرابِ فَأُوارِيَ سَوْءَةَ أخِي﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: مَكَثَ يَحْمِلُ (p-٢٧٦)أخاهُ في جِرابٍ عَلى رَقَبَتِهِ سَنَةً، حَتّى بَعَثَ اللَّهُ الغُرابَيْنِ، فَرَآهُما يَبْحَثانِ، فَقالَ: ﴿أعَجَزْتُ أنْ أكُونَ مِثْلَ هَذا الغُرابِ﴾ فَدَفَنَ أخاهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ عَساكِرَ، عَنْ سالِمِ بْنِ أبِي الجَعْدِ قالَ: إنَّ آدَمَ لَمّا قَتَلَ أحَدُ ابْنَيْهِ الآخَرَ، مَكَثَ مِائَةَ عامٍ لا يَضْحَكُ حُزْنًا عَلَيْهِ، فَأتى عَلى رَأْسِ المِائَةِ فَقِيلَ لَهُ: حَيّاكَ اللَّهُ وبَيّاكَ، وبُشِّرَ بِغُلامٍ، فَعِنْدَ ذَلِكَ ضَحِكَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ قالَ: لَمّا قَتَلَ ابْنُ آدَمَ أخاهُ بَكى آدَمُ فَقالَ:
؎تَغَيَّرَتِ البِلادُ ومَن عَلَيْها فَلَوْنُ الأرْضِ مُغْبَرٌّ قَبِيحُ
؎تَغَيَّرَ كُلُّ ذِي لَوْنٍ وطَعْمٍ ∗∗∗ وقَلَّ بَشاشَةُ الوَجْهِ المَلِيحُ
فَأُجِيبَ آدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ:
؎أبا هابِيلَ قَدْ قُتِلا جَمِيعًا ∗∗∗ وصارَ الحَيُّ بِالمَيِّتِ الذَّبِيحُ
؎وجاءَ بِشِرَّةٍ قَدْ كانَ مِنها ∗∗∗ عَلى خَوْفٍ فَجاءَ بِها يَصِيحُ.
وأخْرَجَ الخَطِيبُ، وابْنُ عَساكِرَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: لَمّا قَتَلَ ابْنُ آدَمَ أخاهُ قالَ آدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ: (p-٢٧٧)
؎تَغَيَّرَتِ البِلادُ ومَن عَلَيْها ∗∗∗ فَوَجْهُ الأرْضِ مُغْبَرٌّ قَبِيحُ
؎تَغَيَّرَ كُلُّ ذِي لَوْنٍ وطَعْمٍ ∗∗∗ وقَلَّ بَشاشَةُ الوَجْهِ الصَّبِيحُ
؎قَتَلَ قابِيلُ هابِيلًا أخاهُ ∗∗∗ فَواحُزْنًا مَضى الوَجْهُ المَلِيحُ
فَأجابَهُ إبْلِيسُ عَلَيْهِ اللَّعْنَةُ:
؎تَنَحَّ عَنِ البِلادِ وساكِنِيها ∗∗∗ فَبِي في الخُلْدِ ضاقَ بِكَ الفَسِيحُ
؎وكُنْتَ بِها وزَوْجُكَ في رَخاءٍ ∗∗∗ وقَلْبُكَ مِن أذى الدُّنْيا مَرِيحُ
؎فَما انْفَكَّتْ مُكايَدَتِي ومَكْرِي ∗∗∗ إلى أنْ فاتَكَ الثَّمَنُ الرَّبِيحُ.
المائدة 5:32
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن أجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنا عَلى بَنِي إسْرائِيلَ﴾ الآيَةَ.
أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ الضَّحّاكِ في قَوْلِهِ: ﴿مِن أجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنا عَلى بَنِي إسْرائِيلَ﴾ يَقُولُ: مِن أجْلِ ابْنِ آدَمَ الَّذِي قَتَلَ أخاهُ ظُلْمًا.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وناسٍ مِنَ الصَّحابَةِ في قَوْلِهِ: ﴿مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أوْ فَسادٍ في الأرْضِ فَكَأنَّما قَتَلَ النّاسَ جَمِيعًا﴾ عِنْدَ المَقْتُولِ يَقُولُ في الإثْمِ: ﴿ومَن أحْياها﴾ فاسْتَنْقَذَها مِن هَلَكَةٍ ﴿فَكَأنَّما أحْيا النّاسَ جَمِيعًا﴾ عِنْدَ المُسْتَنْقَذِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في (p-٢٧٨)قَوْلِهِ: ﴿فَكَأنَّما قَتَلَ النّاسَ جَمِيعًا﴾ قالَ: أوْبَقَ نَفْسَهُ كَما لَوْ قَتَلَ النّاسَ جَمِيعًا، وفي قَوْلِهِ: ﴿ومَن أحْياها﴾ قالَ: مَن سَلِمَ مِن قَتْلِها.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في الآيَةِ قالَ: إحْياؤُها ألّا يَقْتُلَ نَفْسًا حَرَّمَها اللَّهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في الآيَةِ قالَ: مَن قَتَلَ نَبِيًّا أوْ إمامَ عَدْلٍ فَكَأنَّما قَتَلَ النّاسَ جَمِيعًا، ومَن شَدَّ عَلى عَضُدِ نَبِيٍّ أوْ إمامِ عَدْلٍ فَكَأنَّما أحْيا النّاسَ جَمِيعًا.
وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: دَخَلْتُ عَلى عُثْمانَ يَوْمَ الدّارِ فَقُلْتُ: جِئْتُ لِأنْصُرَكَ، فَقالَ: يا أبا هُرَيْرَةَ، أيَسُرُّكَ أنْ تَقْتُلَ النّاسَ جَمِيعًا وإيّايَ مَعَهُمْ؟ قُلْتُ: لا، قالَ: فَإنَّكَ إنْ قَتَلْتَ رَجُلًا واحِدًا فَكَأنَّما قَتَلْتَ النّاسَ جَمِيعًا، فانْصَرَفَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَكَأنَّما قَتَلَ النّاسَ جَمِيعًا﴾، قالَ: هَذِهِ مِثْلُ الَّتِي في سُورَةِ (النِّساءِ): ﴿ومَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِدًا فِيها وغَضِبَ (p-٢٧٩)اللَّهُ عَلَيْهِ ولَعَنَهُ وأعَدَّ لَهُ عَذابًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٩٣] [النِّساءِ: ٩٣]، يَقُولُ: لَوْ قَتَلَ النّاسَ جَمِيعًا لَمْ يَزِدْ عَلى مِثْلِ ذَلِكَ مِنَ العَذابِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ﴾ ﴿فَكَأنَّما قَتَلَ النّاسَ جَمِيعًا﴾، قالَ: في الوِزْرِ، ﴿ومَن أحْياها فَكَأنَّما أحْيا النّاسَ جَمِيعًا﴾ قالَ: في الأجْرِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ومَن أحْياها﴾ قالَ: مَن أنْجاها مِن غَرَقٍ، أوْ حَرْقٍ، أوْ هَدْمٍ، أوْ هَلَكَةٍ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿ومَن أحْياها﴾ قالَ: مَن قُتِلَ لَهُ حَمِيمٌ فَعَفا عَنْهُ فَكَأنَّما أحْيا النّاسَ جَمِيعًا.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ الحَسَنِ، أنَّهُ قِيلَ لَهُ في هَذِهِ الآيَةِ: أهِيَ لَنا كَما كانَتْ لَبَنِي إسْرائِيلَ؟ قالَ: إي والَّذِي لا إلَهَ غَيْرُهُ.
المائدة 5:33
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ﴾ الآيَةَ.
أخْرَجَ أبُو داوُدَ، والنَّسائِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّما جَزاءُ (p-٢٨٠)الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ قالَ: نَزَلَتْ في المُشْرِكِينَ، فَمَن تابَ مِنهم قَبْلَ أنْ يُقْدَرَ عَلَيْهِ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ سَبِيلٌ، ولَيْسَتْ تَحْرُزُ هَذِهِ الآيَةَ الرَّجُلَ المُسْلِمَ مِنَ الحَدِّ، إنْ قَتَلَ أوْ أفْسَدَ في الأرْضِ، أوْ حارَبَ اللَّهَ ورَسُولَهُ، ثُمَّ لَحِقَ بِالكُفّارِ قَبْلَ أنْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِ، لَمْ يَمْنَعْهُ ذَلِكَ أنْ يُقامَ فِيهِ الحَدُّ الَّذِي أصابَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، والطَّبَرانِيُّ في (الكَبِيرِ)، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في هَذِهِ الآيَةِ قالَ: كانَ قَوْمٌ مِن أهْلِ الكِتابِ بَيْنَهم وبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَهْدٌ ومِيثاقٌ، فَنَقَضُوا العَهْدَ، وأفْسَدُوا في الأرْضِ، فَخَيَّرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ فِيهِمْ، إنْ شاءَ أنْ يَقْتُلَ، وإنْ شاءَ صَلَبَ، وإنْ شاءَ أنْ يَقْطَعَ أيْدِيَهم وأرْجُلَهم مِن خِلافٍ، وأمّا النَّفْيُ فَهو الهَرَبُ في الأرْضِ، فَإنْ جاءَ تائِبًا فَدَخَلَ في الإسْلامِ قُبِلَ مِنهُ، ولَمْ يُؤْخَذْ بِما سَلَفَ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنْ سَعْدٍ قالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في الحَرُورِيَّةِ: ﴿إنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ الآيَةَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وأحْمَدُ، والبُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، وأبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ ماجَهْ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والنَّحّاسُ (p-٢٨١)فِي (ناسِخِهِ)، والبَيْهَقِيُّ في (الدَّلائِلِ)، عَنْ أنَسٍ، «أنَّ نَفَرًا مِن عُكْلٍ قَدِمُوا عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأسْلَمُوا، واجْتَوَوُا المَدِينَةَ، فَأمَرَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ أنْ يَأْتُوا إبِلَ الصَّدَقَةِ، فَيَشْرَبُوا مِن أبْوالِها، وألْبانِها، فَقَتَلُوا راعِيَها، واسْتاقُوها، فَبَعَثَ النَّبِيُّ ﷺ في طَلَبِهِمْ قافَةً، فَأُتِيَ بِهِمْ فَقَطَعَ أيْدِيَهُمْ، وأرْجُلَهُمْ، وسَمَلَ أعْيُنَهُمْ، ولَمْ يَحْسِمْهُمْ، وتَرَكَهم حَتّى ماتُوا، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿إنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ الآيَةَ» .
وأخْرَجَ أبُو داوُدَ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: نَزَلَتْ آيَةُ المُحارِبِينَ في العُرَنِيِّينَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ جَرِيرٍ قالَ: «قَدِمَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَوْمٌ مِن عُرَيْنَةَ (p-٢٨٢)حُفاةً، مَضْرُورِينَ، فَأمَرَ بِهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَلَمّا صَحُّوا واشْتَدُّوا قَتَلُوا رِعاءَ اللِّقاحِ، ثُمَّ خَرَخُوا بِاللِّقاحِ عامِدِينَ بِها إلى أرْضِ قَوْمِهِمْ، قالَ جَرِيرٌ: فَبَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في نَفَرٍ مِنَ المُسْلِمِينَ، فَقَدِمْنا بِهِمْ، فَقَطَعَ أيْدِيَهُمْ، وأرْجُلَهم مِن خِلافٍ، وسَمَلَ أعْيُنَهُمْ، فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿إنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ الآيَةَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أبِي حَبِيبٍ، أنَّ عَبْدَ المَلِكِ بْنَ مَرْوانَ كَتَبَ إلى أنَسٍ يَسْألُهُ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ، فَكَتَبَ إلَيْهِ أنَسٌ يُخْبِرُهُ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في أُولَئِكَ النَّفَرِ مِنَ العُرَنِيِّينَ، وهم مِن بَجِيلَةَ، قالَ أنَسٌ: فارْتَدُّوا عَنِ الإسْلامِ، وقَتَلُوا الرّاعِيَ، واسْتاقُوا الإبِلَ، وأخافُوا السَّبِيلَ، وأصابُوا الفَرْجَ الحَرامَ، فَسَألَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ جِبْرِيلَ عَنِ القَضاءِ في مَن حارَبَ، فَقالَ: مَن سَرَقَ وأخافَ السَّبِيلَ فاقْطَعْ يَدَهُ لِسَرِقَتِهِ، ورِجْلَهُ بِإخافَتِهِ، ومَن قَتَلَ فاقْتُلْهُ، ومَن قَتَلَ وأخافَ السَّبِيلَ، واسْتَحَلَّ الفَرْجَ الحَرامَ فاصْلُبْهُ.
وأخْرَجَ الحافِظُ عَبْدُ الغَنِيِّ بْنُ سَعِيدٍ في (إيضاحِ الإشْكالِ)، مِن طَرِيقِ أبِي قِلابَةَ، عَنْ أنَسٍ، «عَنِ النَّبِيِّ ﷺ في قَوْلِ اللَّهِ: ﴿إنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ قالَ: (هم مِن عُكْلٍ») .
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «قَدِمَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ رِجالٌ مِن بَنِي فَزارَةَ قَدْ ماتُوا هَزْلًا، فَأمَرَ بِهِمُ النَّبِيُّ ﷺ إلى لِقاحِهِ، فَشَرِبُوا مِنها حَتّى صَحُّوا، ثُمَّ عَمِدُوا إلى لِقاحِهِ فَسَرَقُوها، فَطُلِبُوا، فَأُتِيَ بِهِمُ النَّبِيُّ ﷺ فَقَطَعَ أيْدِيهِمْ، وأرْجُلَهم وسَمَرَ أعْيُنَهُمْ»، قالَ أبُو هُرَيْرَةَ: فِيهِمْ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿إنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ قالَ: فَتَرَكَ النَّبِيُّ ﷺ سَمْرَ الأعْيُنِ بَعْدُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: «كانَ ناسٌ مِن بَنِي سُلَيْمٍ أتَوُا النَّبِيَّ ﷺ فَبايَعُوهُ عَلى الإسْلامِ وهم كَذَبَةٌ، ثُمَّ قالُوا: إنّا نَجْتَوِي المَدِينَةَ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: (هَذِهِ اللِّقاحُ تَغْدُو عَلَيْكم وتَرُوحُ، فاشْرَبُوا مِن أبْوالِها وألْبانِها)، فَبَيْنَما هم كَذَلِكَ إذْ جاءَ الصَّرِيخُ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقالَ: قَتَلُوا الرّاعِيَ، وساقُوا النَّعَمَ، فَرَكِبُوا في أثَرِهِمْ، فَرَجَعَ صَحابَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وقَدْ أسَرُوا مِنهُمْ، فَأتَوْا بِهِمُ النَّبِيَّ ﷺ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿إنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ الآيَةَ، فَقَتَلَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ مِنهُمْ، وصَلَبَ، وقَطَعَ، وسَمَلَ الأعْيُنَ، قالَ: فَما مَثَّلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَبْلُ ولا بَعْدُ، ونَهى عَنِ المُثْلَةِ وقالَ: (لا (p-٢٨٤)تُمَثِّلُوا بِشَيْءٍ») .
وأخْرَجَ مُسْلِمٌ، والنَّحّاسُ في (ناسِخِهِ)، والبَيْهَقِيُّ عَنْ أنَسٍ قالَ: إنَّما سَمَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أعْيُنَ أُولَئِكَ، لِأنَّهم سَمَلُوا أعْيُنَ الرُّعاةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ الآيَةَ، قالَ: نَزَلَتْ في سُودانِ عُرَيْنَةَ، «أتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، وبِهِمُ الماءُ الأصْفَرُ، فَشَكَوْا ذَلِكَ إلَيْهِ، فَأمَرَهُمْ، فَخَرَجُوا إلى إبِلِ الصَّدَقَةِ، فَقالَ: (اشْرَبُوا مِن ألْبانِها وأبْوالِها)، فَشَرِبُوا حَتّى إذا صَحُّوا وبَرِئُوا قَتَلُوا الرُّعاةَ، واسْتاقُوا الإبِلَ، فَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَأُتِيَ بِهِمْ، فَأرادَ أنْ يَسْمُلُ أعْيُنَهُمْ، فَنَهاهُ اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ، وأمَرَهُ أنْ يُقِيمَ فِيهِمُ الحُدُودَ كَما أنْزَلَ اللَّهُ» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ الوَلِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ قالَ: ذاكَرْتُ اللَّيْثَ بْنَ سَعْدٍ ما كانَ مِن سَمْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أعْيُنَهُمْ، وتَرْكِهِ حَسْمَهُمْ، حَتّى ماتُوا، فَقالَ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ عَجْلانَ يَقُولُ: أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مُعاتَبَةً في ذَلِكَ، وعَلَّمَهُ عُقُوبَةَ مِثْلِهِمْ مِنَ القَطْعِ، والقَتْلِ، والنَّفْيِ، ولَمْ يَسْمُلْ بَعْدَهم غَيْرَهُمْ، قالَ: وكانَ هَذا القَوْلُ ذُكِرَ لِأبِي عَمْرٍو، فَأنْكَرَ أنْ تَكُونَ نَزَلَتْ (p-٢٨٥)مُعاتِبَةً، وقالَ: بَلْ كانَتْ عُقُوبَةَ أُولَئِكَ النَّفَرِ بِأعْيانِهِمْ، ثُمَّ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في عُقُوبَةِ غَيْرِهِمْ مِمَّنْ حارَبَ بَعْدَهُمْ، فَرُفِعَ عَنْهُ السَّمْلُ.
وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في ”سُنَنِهِ“، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلانَ، عَنْ أبِي الزِّنادِ، أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمّا قَطَعَ الَّذِينَ سَرَقُوا لِقاحَهُ، وسَمَلَ أعْيُنَهم بِالنّارِ، عاتَبَهُ اللَّهُ في ذَلِكَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿إنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ الآيَةَ.
وأخْرَجَ الشّافِعِيُّ في (الأُمِّ)، وعَبْدُ الرَّزّاقِ، والفِرْيابِيُّ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ الآيَةَ، قالَ: إذا خَرَجَ المُحارِبُ فَأخَذَ المالَ، ولَمْ يَقْتُلْ قُطِعَ مِن خِلافٍ، وإذا خَرَجَ فَقَتَلَ ولَمْ يَأْخُذِ المالَ قُتِلَ، وإذا خَرَجَ وأخَذَ المالَ وقَتَلَ قُتِلَ وصُلِبَ، وإذا خَرَجَ فَأخافَ السَّبِيلَ ولَمْ يَأْخُذِ المالَ ولَمْ يَقْتُلْ نُفِيَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والنَّحّاسُ في (ناسِخِهِ)، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ الآيَةَ، قالَ: مَن شَهَرَ السِّلاحَ في قُبَّةِ الإسْلامِ، وأفْسَدَ السَّبِيلَ، فَظَهَرَ عَلَيْهِ وقَدَرَ، فَإمامُ (p-٢٨٦)المُسْلِمِينَ مُخَيَّرٌ فِيهِ، إنْ شاءَ قَتَلَهُ، وإنْ شاءَ صَلَبَهُ، وإنْ شاءَ قَطَعَ يَدَهُ ورِجْلَهُ، قالَ: ﴿أوْ يُنْفَوْا مِنَ الأرْضِ﴾ يَهْرَبُوا، يَخْرُجُوا مِن دارِ الإسْلامِ إلى دارِ الحَرْبِ.
وأخْرَجَ أبُو داوُدَ، والنَّسائِيُّ، والنَّحّاسُ في (ناسِخِهِ)، والبَيْهَقِيُّ عَنْ عائِشَةَ، «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: (لا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إلّا بِإحْدى ثَلاثِ خِصالٍ: زانٍ مُحْصَنٍ يُرْجَمُ، أوْ رَجُلٍ قَتَلَ مُتَعَمِّدًا فَيُقْتَلُ، أوْ رَجُلٍ خَرَجَ مِنَ الإسْلامِ فَحارَبَ، فَيُقْتَلُ، أوْ يُصْلَبُ، أوْ يُنْفى مِنَ الأرْضِ») .
وأخْرَجَ الخَرائِطِيُّ في (مَكارِمِ الأخْلاقِ) عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، «أنَّ قَوْمًا مِن عُرَيْنَةَ جاؤُوا إلى النَّبِيِّ ﷺ فَأسْلَمُوا، وكانَ مِنهم مُوارَبَةٌ، قَدْ شَلَّتْ أعْضاؤُهُمْ، واصْفَرَّتْ وُجُوهُهُمْ، وعَظُمَتْ بُطُونُهُمْ، فَأمَرَ بِهِمُ النَّبِيُّ ﷺ إلى إبِلِ الصَّدَقَةِ، يَشْرَبُونَ مِن أبْوالِها وألْبانِها، فَشَرِبُوا حَتّى صَحُّوا وسَمِنُوا، فَعَمَدُوا إلى راعِي النَّبِيِّ ﷺ فَقَتَلُوهُ، واسْتاقُوا الإبِلَ، وارْتَدُّوا عَنِ الإسْلامِ، وجاءَ جِبْرِيلُ فَقالَ: يا مُحَمَّدُ، ابْعَثْ في آثارِهِمْ، فَبَعَثَ، ثُمَّ قالَ: ادْعُ بِهَذا الدُّعاءِ: اللَّهُمَّ إنَّ السَّماءَ سَماؤُكَ، والأرْضَ أرْضُكَ، والمَشْرِقَ مُشْرِقُكَ، والمَغْرِبَ مَغْرِبُكَ، اللَّهُمَّ ضَيِّقْ عَلَيْهِمُ الأرْضَ بِرُحْبِها حَتّى تَجْعَلَها عَلَيْهِمْ أضْيَقَ مِن مَسْكِ حَمَلٍ، حَتّى (p-٢٨٧)تُقْدِرَنِي عَلَيْهِمْ، فَجاؤُوا بِهِمْ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ الآيَةَ، فَأمَرَهُ جِبْرِيلُ أنَّ مَن أخَذَ المالَ، وقَتَلَ يُصْلَبُ، ومَن قَتَلَ ولَمْ يَأْخُذِ المالَ يُقْتَلُ، ومَن أخَذَ المالَ ولَمْ يَقْتُلْ تُقْطَعُ يَدُهُ ورِجْلُهُ مِن خِلافٍ»، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هَذا الدُّعاءُ لِكُلِّ آبِقٍ، ولِكُلِّ مَن ضَلَّتْ لَهُ ضالَّةٌ مِن إنْسانٍ وغَيْرِهِ، يَدْعُو بِهَذا الدُّعاءِ، ويُكْتَبُ في شَيْءٍ، ويُدْفَنُ في مَكانٍ نَظِيفٍ إلّا قَدَّرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ قَتادَةَ، وعَطاءٍ الخُراسانِيِّ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ الآيَةَ، قالا: هَذا اللِّصُّ الَّذِي يَقْطَعُ الطَّرِيقَ، فَهو مُحارِبٌ، فَإنْ قَتَلَ وأخَذَ مالًا صُلِبَ، وإنْ قَتَلَ ولَمْ يَأْخُذْ مالًا قُتِلَ، وإنْ أخَذَ مالًا ولَمْ يَقْتُلْ قُطِعَتْ يَدُهُ ورِجْلُهُ، وإنْ أُخِذَ قَبْلَ أنْ يَفْعَلَ شَيْئًا مِن ذَلِكَ نُفِيَ، وأمّا قَوْلُهُ: ﴿إلا الَّذِينَ تابُوا مِن قَبْلِ أنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾ فَهَؤُلاءِ أهْلُ الشِّرْكِ خاصَّةً، ومَن أصابَ مِنَ المُشْرِكِينَ شَيْئًا مِنَ المُسْلِمِينَ وهو لَهم حَرْبٌ، فَأخَذَ مالًا أوْ أصابَ دَمًا، ثُمَّ تابَ مِن قَبْلِ أنْ يُقْدَرَ عَلَيْهِ، أُهْدِرَ عَنْهُ ما مَضى.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ عَطاءٍ، ومُجاهِدٍ، قالا: الإمامُ في ذَلِكَ مُخَيَّرٌ أيَّ ذَلِكَ شاءَ فَعَلَ، إنْ شاءَ قَطَعَ، وإنْ شاءَ صَلَبَ، وإنْ شاءَ نَفى. (p-٢٨٨)وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ، والحَسَنِ، والضَّحّاكِ في الآيَةِ قالُوا: الإمامُ مُخَيَّرٌ في المُحارِبِ يَصْنَعُ بِهِ ما شاءَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ الضَّحّاكِ، قالَ: «كانَ قَوْمٌ بَيْنَهم وبَيْنَ النَّبِيِّ ﷺ مِيثاقٌ، فَنَقَضُوا العَهْدَ، وقَطَعُوا السَّبِيلَ، وأفْسَدُوا في الأرْضِ، فَخَيَّرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ فِيهِمْ، إنْ شاءَ قَتَلَ، وإنْ شاءَ صَلَبَ، وإنْ شاءَ قَطَعَ أيْدِيَهم وأرْجُلَهم مِن خِلافٍ، ﴿أوْ يُنْفَوْا مِنَ الأرْضِ﴾، قالَ: هو أنْ يُطْلَبُوا حَتّى يَعْجِزُوا، فَمَن تابَ قَبْلَ أنْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِ قُبِلَ ذَلِكَ مِنهُ» .
وأخْرَجَ أبُو داوُدَ في (ناسِخِهِ) عَنِ الضَّحّاكِ قالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في المُشْرِكِينَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَفْيُهُ أنْ يُطْلَبَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ قالَ: نَفْيُهُ أنْ يَطْلُبَهُ الإمامُ حَتّى يَأْخُذَهُ، فَإذا أخَذَهُ أقامَ عَلَيْهِ إحْدى هَذِهِ المَنازِلِ الَّتِي ذَكَرَ اللَّهُ، بِما اسْتَحَلَّ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿أوْ يُنْفَوْا مِنَ الأرْضِ﴾ قالَ: مِن بَلَدٍ إلى بَلَدٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ الحَسَنِ قالَ: يُنْفى حَتّى يُقْدَرَ عَلَيْهِ. (p-٢٨٩)وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ في قَوْلِهِ: ﴿أوْ يُنْفَوْا مِنَ الأرْضِ﴾ قالَ: نَفْيُهُ أنْ يُطْلَبَ فَلا يُقْدَرَ عَلَيْهِ، كُلَّما سُمِعَ بِهِ في أرْضٍ طُلِبَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أنَسٍ في الآيَةِ قالَ: يُخْرَجُوا مِنَ الأرْضِ، أيْنَما أُدْرِكُوا أُخْرِجُوا، حَتّى يَلْحَقُوا بِأرْضِ العَدُوِّ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ في الآيَةِ قالَ: مَن أخافَ سَبِيلَ المُسْلِمِينَ نُفِيَ مِن بَلَدِهِ إلى غَيْرِهِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ويَسْعَوْنَ في الأرْضِ فَسادًا﴾ قالَ: الزِّنا، والسَّرِقَةُ، وقَتْلُ النَّفْسِ، وإهْلاكُ الحَرْثِ والنَّسْلِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ، وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قالا: إنْ جاءَ تائِبًا لَمْ يَقْتَطِعْ مالًا، ولَمْ يَسْفِكْ دَمًا، فَذَلِكَ الَّذِي قالَ اللَّهُ: ﴿إلا الَّذِينَ تابُوا مِن قَبْلِ أنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي الدُّنْيا في كِتابِ (الأشْرافِ)، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ قالَ: كانَ حارِثَةُ بْنُ بَدْرٍ (p-٢٩٠)التَّمِيمِيُّ مِن أهْلِ البَصْرَةِ قَدْ أفْسَدَ في الأرْضِ وحارَبَ، فَكَلَّمَ رِجالًا مِن قُرَيْشٍ أنْ يَسْتَأْمِنُوا لَهُ عَلِيًّا، فَأبَوْا، فَأتى سَعِيدَ بْنَ قَيْسٍ الهَمْدانِيَّ، فَأتى عَلِيًّا فَقالَ: يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ، ما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ، ويَسْعَوْنَ في الأرْضِ فَسادًا؟ قالَ: أنْ يُقَتَّلُوا، أوْ يُصَلَّبُوا، أوْ تُقْطَعَ أيْدِيهِمْ وأرْجُلُهم مِن خِلافٍ، أوْ يُنْفَوْا مِنَ الأرْضِ، ثُمَّ قالَ: ﴿إلا الَّذِينَ تابُوا مِن قَبْلِ أنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾ فَقالَ سَعِيدٌ: وإنْ كانَ حارِثَةَ بْنَ بَدْرٍ؟ قالَ: وإنْ كانَ حارِثَةَ بْنَ بَدْرٍ، فَقالَ: هَذا حارِثَةُ بْنُ بَدْرٍ قَدْ جاءَ تائِبًا، فَهو آمِنٌ؟ قالَ: نَعَمْ، قالَ: فَجاءَ بِهِ إلَيْهِ فَبايَعَهُ، وقَبِلَ ذَلِكَ مِنهُ، وكَتَبَ لَهُ أمانًا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ أشْعَثَ، عَنْ رَجُلٍ قالَ: صَلّى رَجُلٌ مَعَ أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ الغَداةَ، ثُمَّ قالَ: هَذا مَقامُ العائِذِ التّائِبِ، أنا فُلانُ بْنُ فُلانٍ، إنِّي كُنْتُ مِمَّنْ حارَبَ اللَّهَ ورَسُولَهُ، وجِئْتُ تائِبًا مِن قَبْلِ أنْ يُقْدَرَ عَلَيَّ، فَقالَ أبُو مُوسى: إنَّ فُلانَ بْنَ فُلانٍ كانَ مِمَّنْ حارَبَ اللَّهَ ورَسُولَهُ، وجاءَ تائِبًا مِن قَبْلِ أنْ يُقْدَرَ عَلَيْهِ، فَلا يَعْرِضْ لَهُ أحَدٌ إلّا بِخَيْرٍ، فَإنْ يَكُ صادِقًا فَسَبِيلِي ذَلِكَ، وإنْ يَكُ كاذِبًا فَلَعَلَّ اللَّهَ أنْ يَأْخُذَهُ بِذَنْبِهِ. (p-٢٩١)وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ عَطاءٍ أنَّهُ سُئِلَ عَنْ رَجُلٍ سَرَقَ سَرِقَةً، فَجاءَ تائِبًا مِن غَيْرِ أنْ يُؤْخَذَ عَلَيْهِ، هَلْ عَلَيْهِ حَدٌّ؟ قالَ: لا، ثُمَّ قالَ: ﴿إلا الَّذِينَ تابُوا مِن قَبْلِ أنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾ الآيَةَ.
وأخْرَجَ أبُو داوُدَ، في (ناسِخِهِ)، عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ قالَ: سَمِعْنا أنَّهُ إذا قَتَلَ قُتِلَ، وإذا أخَذَ المالَ ولَمْ يَقْتُلْ قُطِعَتْ يَدُهُ بِالمالِ، ورِجْلُهُ بِالمُحارَبَةِ، وإذا قَتَلَ وأخَذَ المالَ قُطِعَتْ يَدُهُ ورِجْلاهُ وصُلِبَ: ﴿إلا الَّذِينَ تابُوا مِن قَبْلِ أنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾ فَإنْ جاءَ تائِبًا إلى الإمامِ قَبْلَ أنْ يُقْدَرَ عَلَيْهِ، فَأمَّنَهُ الإمامُ، فَهو آمِنٌ، فَإنْ قَتَلَهُ بَعْدُ إنْسانٌ يَعْلَمُ أنَّ الإمامَ قَدْ أمَّنَهُ، قُتِلَ بِهِ، فَإنْ قَتَلَهُ وهو لا يَعْلَمُ أنَّ الإمامَ قَدْ أمَّنَهُ كانَتِ الدِّيَةُ.
المائدة 5:34
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ﴾ الآيَةَ.
أخْرَجَ أبُو داوُدَ، والنَّسائِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّما جَزاءُ (p-٢٨٠)الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ قالَ: نَزَلَتْ في المُشْرِكِينَ، فَمَن تابَ مِنهم قَبْلَ أنْ يُقْدَرَ عَلَيْهِ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ سَبِيلٌ، ولَيْسَتْ تَحْرُزُ هَذِهِ الآيَةَ الرَّجُلَ المُسْلِمَ مِنَ الحَدِّ، إنْ قَتَلَ أوْ أفْسَدَ في الأرْضِ، أوْ حارَبَ اللَّهَ ورَسُولَهُ، ثُمَّ لَحِقَ بِالكُفّارِ قَبْلَ أنْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِ، لَمْ يَمْنَعْهُ ذَلِكَ أنْ يُقامَ فِيهِ الحَدُّ الَّذِي أصابَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، والطَّبَرانِيُّ في (الكَبِيرِ)، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في هَذِهِ الآيَةِ قالَ: كانَ قَوْمٌ مِن أهْلِ الكِتابِ بَيْنَهم وبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَهْدٌ ومِيثاقٌ، فَنَقَضُوا العَهْدَ، وأفْسَدُوا في الأرْضِ، فَخَيَّرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ فِيهِمْ، إنْ شاءَ أنْ يَقْتُلَ، وإنْ شاءَ صَلَبَ، وإنْ شاءَ أنْ يَقْطَعَ أيْدِيَهم وأرْجُلَهم مِن خِلافٍ، وأمّا النَّفْيُ فَهو الهَرَبُ في الأرْضِ، فَإنْ جاءَ تائِبًا فَدَخَلَ في الإسْلامِ قُبِلَ مِنهُ، ولَمْ يُؤْخَذْ بِما سَلَفَ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنْ سَعْدٍ قالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في الحَرُورِيَّةِ: ﴿إنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ الآيَةَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وأحْمَدُ، والبُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، وأبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ ماجَهْ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والنَّحّاسُ (p-٢٨١)فِي (ناسِخِهِ)، والبَيْهَقِيُّ في (الدَّلائِلِ)، عَنْ أنَسٍ، «أنَّ نَفَرًا مِن عُكْلٍ قَدِمُوا عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأسْلَمُوا، واجْتَوَوُا المَدِينَةَ، فَأمَرَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ أنْ يَأْتُوا إبِلَ الصَّدَقَةِ، فَيَشْرَبُوا مِن أبْوالِها، وألْبانِها، فَقَتَلُوا راعِيَها، واسْتاقُوها، فَبَعَثَ النَّبِيُّ ﷺ في طَلَبِهِمْ قافَةً، فَأُتِيَ بِهِمْ فَقَطَعَ أيْدِيَهُمْ، وأرْجُلَهُمْ، وسَمَلَ أعْيُنَهُمْ، ولَمْ يَحْسِمْهُمْ، وتَرَكَهم حَتّى ماتُوا، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿إنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ الآيَةَ» .
وأخْرَجَ أبُو داوُدَ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: نَزَلَتْ آيَةُ المُحارِبِينَ في العُرَنِيِّينَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ جَرِيرٍ قالَ: «قَدِمَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَوْمٌ مِن عُرَيْنَةَ (p-٢٨٢)حُفاةً، مَضْرُورِينَ، فَأمَرَ بِهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَلَمّا صَحُّوا واشْتَدُّوا قَتَلُوا رِعاءَ اللِّقاحِ، ثُمَّ خَرَخُوا بِاللِّقاحِ عامِدِينَ بِها إلى أرْضِ قَوْمِهِمْ، قالَ جَرِيرٌ: فَبَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في نَفَرٍ مِنَ المُسْلِمِينَ، فَقَدِمْنا بِهِمْ، فَقَطَعَ أيْدِيَهُمْ، وأرْجُلَهم مِن خِلافٍ، وسَمَلَ أعْيُنَهُمْ، فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿إنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ الآيَةَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أبِي حَبِيبٍ، أنَّ عَبْدَ المَلِكِ بْنَ مَرْوانَ كَتَبَ إلى أنَسٍ يَسْألُهُ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ، فَكَتَبَ إلَيْهِ أنَسٌ يُخْبِرُهُ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في أُولَئِكَ النَّفَرِ مِنَ العُرَنِيِّينَ، وهم مِن بَجِيلَةَ، قالَ أنَسٌ: فارْتَدُّوا عَنِ الإسْلامِ، وقَتَلُوا الرّاعِيَ، واسْتاقُوا الإبِلَ، وأخافُوا السَّبِيلَ، وأصابُوا الفَرْجَ الحَرامَ، فَسَألَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ جِبْرِيلَ عَنِ القَضاءِ في مَن حارَبَ، فَقالَ: مَن سَرَقَ وأخافَ السَّبِيلَ فاقْطَعْ يَدَهُ لِسَرِقَتِهِ، ورِجْلَهُ بِإخافَتِهِ، ومَن قَتَلَ فاقْتُلْهُ، ومَن قَتَلَ وأخافَ السَّبِيلَ، واسْتَحَلَّ الفَرْجَ الحَرامَ فاصْلُبْهُ.
وأخْرَجَ الحافِظُ عَبْدُ الغَنِيِّ بْنُ سَعِيدٍ في (إيضاحِ الإشْكالِ)، مِن طَرِيقِ أبِي قِلابَةَ، عَنْ أنَسٍ، «عَنِ النَّبِيِّ ﷺ في قَوْلِ اللَّهِ: ﴿إنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ قالَ: (هم مِن عُكْلٍ») .
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «قَدِمَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ رِجالٌ مِن بَنِي فَزارَةَ قَدْ ماتُوا هَزْلًا، فَأمَرَ بِهِمُ النَّبِيُّ ﷺ إلى لِقاحِهِ، فَشَرِبُوا مِنها حَتّى صَحُّوا، ثُمَّ عَمِدُوا إلى لِقاحِهِ فَسَرَقُوها، فَطُلِبُوا، فَأُتِيَ بِهِمُ النَّبِيُّ ﷺ فَقَطَعَ أيْدِيهِمْ، وأرْجُلَهم وسَمَرَ أعْيُنَهُمْ»، قالَ أبُو هُرَيْرَةَ: فِيهِمْ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿إنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ قالَ: فَتَرَكَ النَّبِيُّ ﷺ سَمْرَ الأعْيُنِ بَعْدُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: «كانَ ناسٌ مِن بَنِي سُلَيْمٍ أتَوُا النَّبِيَّ ﷺ فَبايَعُوهُ عَلى الإسْلامِ وهم كَذَبَةٌ، ثُمَّ قالُوا: إنّا نَجْتَوِي المَدِينَةَ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: (هَذِهِ اللِّقاحُ تَغْدُو عَلَيْكم وتَرُوحُ، فاشْرَبُوا مِن أبْوالِها وألْبانِها)، فَبَيْنَما هم كَذَلِكَ إذْ جاءَ الصَّرِيخُ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقالَ: قَتَلُوا الرّاعِيَ، وساقُوا النَّعَمَ، فَرَكِبُوا في أثَرِهِمْ، فَرَجَعَ صَحابَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وقَدْ أسَرُوا مِنهُمْ، فَأتَوْا بِهِمُ النَّبِيَّ ﷺ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿إنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ الآيَةَ، فَقَتَلَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ مِنهُمْ، وصَلَبَ، وقَطَعَ، وسَمَلَ الأعْيُنَ، قالَ: فَما مَثَّلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَبْلُ ولا بَعْدُ، ونَهى عَنِ المُثْلَةِ وقالَ: (لا (p-٢٨٤)تُمَثِّلُوا بِشَيْءٍ») .
وأخْرَجَ مُسْلِمٌ، والنَّحّاسُ في (ناسِخِهِ)، والبَيْهَقِيُّ عَنْ أنَسٍ قالَ: إنَّما سَمَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أعْيُنَ أُولَئِكَ، لِأنَّهم سَمَلُوا أعْيُنَ الرُّعاةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ الآيَةَ، قالَ: نَزَلَتْ في سُودانِ عُرَيْنَةَ، «أتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، وبِهِمُ الماءُ الأصْفَرُ، فَشَكَوْا ذَلِكَ إلَيْهِ، فَأمَرَهُمْ، فَخَرَجُوا إلى إبِلِ الصَّدَقَةِ، فَقالَ: (اشْرَبُوا مِن ألْبانِها وأبْوالِها)، فَشَرِبُوا حَتّى إذا صَحُّوا وبَرِئُوا قَتَلُوا الرُّعاةَ، واسْتاقُوا الإبِلَ، فَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَأُتِيَ بِهِمْ، فَأرادَ أنْ يَسْمُلُ أعْيُنَهُمْ، فَنَهاهُ اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ، وأمَرَهُ أنْ يُقِيمَ فِيهِمُ الحُدُودَ كَما أنْزَلَ اللَّهُ» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ الوَلِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ قالَ: ذاكَرْتُ اللَّيْثَ بْنَ سَعْدٍ ما كانَ مِن سَمْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أعْيُنَهُمْ، وتَرْكِهِ حَسْمَهُمْ، حَتّى ماتُوا، فَقالَ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ عَجْلانَ يَقُولُ: أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مُعاتَبَةً في ذَلِكَ، وعَلَّمَهُ عُقُوبَةَ مِثْلِهِمْ مِنَ القَطْعِ، والقَتْلِ، والنَّفْيِ، ولَمْ يَسْمُلْ بَعْدَهم غَيْرَهُمْ، قالَ: وكانَ هَذا القَوْلُ ذُكِرَ لِأبِي عَمْرٍو، فَأنْكَرَ أنْ تَكُونَ نَزَلَتْ (p-٢٨٥)مُعاتِبَةً، وقالَ: بَلْ كانَتْ عُقُوبَةَ أُولَئِكَ النَّفَرِ بِأعْيانِهِمْ، ثُمَّ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في عُقُوبَةِ غَيْرِهِمْ مِمَّنْ حارَبَ بَعْدَهُمْ، فَرُفِعَ عَنْهُ السَّمْلُ.
وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في ”سُنَنِهِ“، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلانَ، عَنْ أبِي الزِّنادِ، أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمّا قَطَعَ الَّذِينَ سَرَقُوا لِقاحَهُ، وسَمَلَ أعْيُنَهم بِالنّارِ، عاتَبَهُ اللَّهُ في ذَلِكَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿إنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ الآيَةَ.
وأخْرَجَ الشّافِعِيُّ في (الأُمِّ)، وعَبْدُ الرَّزّاقِ، والفِرْيابِيُّ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ الآيَةَ، قالَ: إذا خَرَجَ المُحارِبُ فَأخَذَ المالَ، ولَمْ يَقْتُلْ قُطِعَ مِن خِلافٍ، وإذا خَرَجَ فَقَتَلَ ولَمْ يَأْخُذِ المالَ قُتِلَ، وإذا خَرَجَ وأخَذَ المالَ وقَتَلَ قُتِلَ وصُلِبَ، وإذا خَرَجَ فَأخافَ السَّبِيلَ ولَمْ يَأْخُذِ المالَ ولَمْ يَقْتُلْ نُفِيَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والنَّحّاسُ في (ناسِخِهِ)، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ الآيَةَ، قالَ: مَن شَهَرَ السِّلاحَ في قُبَّةِ الإسْلامِ، وأفْسَدَ السَّبِيلَ، فَظَهَرَ عَلَيْهِ وقَدَرَ، فَإمامُ (p-٢٨٦)المُسْلِمِينَ مُخَيَّرٌ فِيهِ، إنْ شاءَ قَتَلَهُ، وإنْ شاءَ صَلَبَهُ، وإنْ شاءَ قَطَعَ يَدَهُ ورِجْلَهُ، قالَ: ﴿أوْ يُنْفَوْا مِنَ الأرْضِ﴾ يَهْرَبُوا، يَخْرُجُوا مِن دارِ الإسْلامِ إلى دارِ الحَرْبِ.
وأخْرَجَ أبُو داوُدَ، والنَّسائِيُّ، والنَّحّاسُ في (ناسِخِهِ)، والبَيْهَقِيُّ عَنْ عائِشَةَ، «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: (لا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إلّا بِإحْدى ثَلاثِ خِصالٍ: زانٍ مُحْصَنٍ يُرْجَمُ، أوْ رَجُلٍ قَتَلَ مُتَعَمِّدًا فَيُقْتَلُ، أوْ رَجُلٍ خَرَجَ مِنَ الإسْلامِ فَحارَبَ، فَيُقْتَلُ، أوْ يُصْلَبُ، أوْ يُنْفى مِنَ الأرْضِ») .
وأخْرَجَ الخَرائِطِيُّ في (مَكارِمِ الأخْلاقِ) عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، «أنَّ قَوْمًا مِن عُرَيْنَةَ جاؤُوا إلى النَّبِيِّ ﷺ فَأسْلَمُوا، وكانَ مِنهم مُوارَبَةٌ، قَدْ شَلَّتْ أعْضاؤُهُمْ، واصْفَرَّتْ وُجُوهُهُمْ، وعَظُمَتْ بُطُونُهُمْ، فَأمَرَ بِهِمُ النَّبِيُّ ﷺ إلى إبِلِ الصَّدَقَةِ، يَشْرَبُونَ مِن أبْوالِها وألْبانِها، فَشَرِبُوا حَتّى صَحُّوا وسَمِنُوا، فَعَمَدُوا إلى راعِي النَّبِيِّ ﷺ فَقَتَلُوهُ، واسْتاقُوا الإبِلَ، وارْتَدُّوا عَنِ الإسْلامِ، وجاءَ جِبْرِيلُ فَقالَ: يا مُحَمَّدُ، ابْعَثْ في آثارِهِمْ، فَبَعَثَ، ثُمَّ قالَ: ادْعُ بِهَذا الدُّعاءِ: اللَّهُمَّ إنَّ السَّماءَ سَماؤُكَ، والأرْضَ أرْضُكَ، والمَشْرِقَ مُشْرِقُكَ، والمَغْرِبَ مَغْرِبُكَ، اللَّهُمَّ ضَيِّقْ عَلَيْهِمُ الأرْضَ بِرُحْبِها حَتّى تَجْعَلَها عَلَيْهِمْ أضْيَقَ مِن مَسْكِ حَمَلٍ، حَتّى (p-٢٨٧)تُقْدِرَنِي عَلَيْهِمْ، فَجاؤُوا بِهِمْ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿إنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ الآيَةَ، فَأمَرَهُ جِبْرِيلُ أنَّ مَن أخَذَ المالَ، وقَتَلَ يُصْلَبُ، ومَن قَتَلَ ولَمْ يَأْخُذِ المالَ يُقْتَلُ، ومَن أخَذَ المالَ ولَمْ يَقْتُلْ تُقْطَعُ يَدُهُ ورِجْلُهُ مِن خِلافٍ»، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هَذا الدُّعاءُ لِكُلِّ آبِقٍ، ولِكُلِّ مَن ضَلَّتْ لَهُ ضالَّةٌ مِن إنْسانٍ وغَيْرِهِ، يَدْعُو بِهَذا الدُّعاءِ، ويُكْتَبُ في شَيْءٍ، ويُدْفَنُ في مَكانٍ نَظِيفٍ إلّا قَدَّرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ قَتادَةَ، وعَطاءٍ الخُراسانِيِّ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ الآيَةَ، قالا: هَذا اللِّصُّ الَّذِي يَقْطَعُ الطَّرِيقَ، فَهو مُحارِبٌ، فَإنْ قَتَلَ وأخَذَ مالًا صُلِبَ، وإنْ قَتَلَ ولَمْ يَأْخُذْ مالًا قُتِلَ، وإنْ أخَذَ مالًا ولَمْ يَقْتُلْ قُطِعَتْ يَدُهُ ورِجْلُهُ، وإنْ أُخِذَ قَبْلَ أنْ يَفْعَلَ شَيْئًا مِن ذَلِكَ نُفِيَ، وأمّا قَوْلُهُ: ﴿إلا الَّذِينَ تابُوا مِن قَبْلِ أنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾ فَهَؤُلاءِ أهْلُ الشِّرْكِ خاصَّةً، ومَن أصابَ مِنَ المُشْرِكِينَ شَيْئًا مِنَ المُسْلِمِينَ وهو لَهم حَرْبٌ، فَأخَذَ مالًا أوْ أصابَ دَمًا، ثُمَّ تابَ مِن قَبْلِ أنْ يُقْدَرَ عَلَيْهِ، أُهْدِرَ عَنْهُ ما مَضى.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ عَطاءٍ، ومُجاهِدٍ، قالا: الإمامُ في ذَلِكَ مُخَيَّرٌ أيَّ ذَلِكَ شاءَ فَعَلَ، إنْ شاءَ قَطَعَ، وإنْ شاءَ صَلَبَ، وإنْ شاءَ نَفى. (p-٢٨٨)وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ، والحَسَنِ، والضَّحّاكِ في الآيَةِ قالُوا: الإمامُ مُخَيَّرٌ في المُحارِبِ يَصْنَعُ بِهِ ما شاءَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ الضَّحّاكِ، قالَ: «كانَ قَوْمٌ بَيْنَهم وبَيْنَ النَّبِيِّ ﷺ مِيثاقٌ، فَنَقَضُوا العَهْدَ، وقَطَعُوا السَّبِيلَ، وأفْسَدُوا في الأرْضِ، فَخَيَّرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ فِيهِمْ، إنْ شاءَ قَتَلَ، وإنْ شاءَ صَلَبَ، وإنْ شاءَ قَطَعَ أيْدِيَهم وأرْجُلَهم مِن خِلافٍ، ﴿أوْ يُنْفَوْا مِنَ الأرْضِ﴾، قالَ: هو أنْ يُطْلَبُوا حَتّى يَعْجِزُوا، فَمَن تابَ قَبْلَ أنْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِ قُبِلَ ذَلِكَ مِنهُ» .
وأخْرَجَ أبُو داوُدَ في (ناسِخِهِ) عَنِ الضَّحّاكِ قالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في المُشْرِكِينَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَفْيُهُ أنْ يُطْلَبَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ قالَ: نَفْيُهُ أنْ يَطْلُبَهُ الإمامُ حَتّى يَأْخُذَهُ، فَإذا أخَذَهُ أقامَ عَلَيْهِ إحْدى هَذِهِ المَنازِلِ الَّتِي ذَكَرَ اللَّهُ، بِما اسْتَحَلَّ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿أوْ يُنْفَوْا مِنَ الأرْضِ﴾ قالَ: مِن بَلَدٍ إلى بَلَدٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ الحَسَنِ قالَ: يُنْفى حَتّى يُقْدَرَ عَلَيْهِ. (p-٢٨٩)وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ في قَوْلِهِ: ﴿أوْ يُنْفَوْا مِنَ الأرْضِ﴾ قالَ: نَفْيُهُ أنْ يُطْلَبَ فَلا يُقْدَرَ عَلَيْهِ، كُلَّما سُمِعَ بِهِ في أرْضٍ طُلِبَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أنَسٍ في الآيَةِ قالَ: يُخْرَجُوا مِنَ الأرْضِ، أيْنَما أُدْرِكُوا أُخْرِجُوا، حَتّى يَلْحَقُوا بِأرْضِ العَدُوِّ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ في الآيَةِ قالَ: مَن أخافَ سَبِيلَ المُسْلِمِينَ نُفِيَ مِن بَلَدِهِ إلى غَيْرِهِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ويَسْعَوْنَ في الأرْضِ فَسادًا﴾ قالَ: الزِّنا، والسَّرِقَةُ، وقَتْلُ النَّفْسِ، وإهْلاكُ الحَرْثِ والنَّسْلِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ، وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قالا: إنْ جاءَ تائِبًا لَمْ يَقْتَطِعْ مالًا، ولَمْ يَسْفِكْ دَمًا، فَذَلِكَ الَّذِي قالَ اللَّهُ: ﴿إلا الَّذِينَ تابُوا مِن قَبْلِ أنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي الدُّنْيا في كِتابِ (الأشْرافِ)، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ قالَ: كانَ حارِثَةُ بْنُ بَدْرٍ (p-٢٩٠)التَّمِيمِيُّ مِن أهْلِ البَصْرَةِ قَدْ أفْسَدَ في الأرْضِ وحارَبَ، فَكَلَّمَ رِجالًا مِن قُرَيْشٍ أنْ يَسْتَأْمِنُوا لَهُ عَلِيًّا، فَأبَوْا، فَأتى سَعِيدَ بْنَ قَيْسٍ الهَمْدانِيَّ، فَأتى عَلِيًّا فَقالَ: يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ، ما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ، ويَسْعَوْنَ في الأرْضِ فَسادًا؟ قالَ: أنْ يُقَتَّلُوا، أوْ يُصَلَّبُوا، أوْ تُقْطَعَ أيْدِيهِمْ وأرْجُلُهم مِن خِلافٍ، أوْ يُنْفَوْا مِنَ الأرْضِ، ثُمَّ قالَ: ﴿إلا الَّذِينَ تابُوا مِن قَبْلِ أنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾ فَقالَ سَعِيدٌ: وإنْ كانَ حارِثَةَ بْنَ بَدْرٍ؟ قالَ: وإنْ كانَ حارِثَةَ بْنَ بَدْرٍ، فَقالَ: هَذا حارِثَةُ بْنُ بَدْرٍ قَدْ جاءَ تائِبًا، فَهو آمِنٌ؟ قالَ: نَعَمْ، قالَ: فَجاءَ بِهِ إلَيْهِ فَبايَعَهُ، وقَبِلَ ذَلِكَ مِنهُ، وكَتَبَ لَهُ أمانًا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ أشْعَثَ، عَنْ رَجُلٍ قالَ: صَلّى رَجُلٌ مَعَ أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ الغَداةَ، ثُمَّ قالَ: هَذا مَقامُ العائِذِ التّائِبِ، أنا فُلانُ بْنُ فُلانٍ، إنِّي كُنْتُ مِمَّنْ حارَبَ اللَّهَ ورَسُولَهُ، وجِئْتُ تائِبًا مِن قَبْلِ أنْ يُقْدَرَ عَلَيَّ، فَقالَ أبُو مُوسى: إنَّ فُلانَ بْنَ فُلانٍ كانَ مِمَّنْ حارَبَ اللَّهَ ورَسُولَهُ، وجاءَ تائِبًا مِن قَبْلِ أنْ يُقْدَرَ عَلَيْهِ، فَلا يَعْرِضْ لَهُ أحَدٌ إلّا بِخَيْرٍ، فَإنْ يَكُ صادِقًا فَسَبِيلِي ذَلِكَ، وإنْ يَكُ كاذِبًا فَلَعَلَّ اللَّهَ أنْ يَأْخُذَهُ بِذَنْبِهِ. (p-٢٩١)وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ عَطاءٍ أنَّهُ سُئِلَ عَنْ رَجُلٍ سَرَقَ سَرِقَةً، فَجاءَ تائِبًا مِن غَيْرِ أنْ يُؤْخَذَ عَلَيْهِ، هَلْ عَلَيْهِ حَدٌّ؟ قالَ: لا، ثُمَّ قالَ: ﴿إلا الَّذِينَ تابُوا مِن قَبْلِ أنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾ الآيَةَ.
وأخْرَجَ أبُو داوُدَ، في (ناسِخِهِ)، عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ قالَ: سَمِعْنا أنَّهُ إذا قَتَلَ قُتِلَ، وإذا أخَذَ المالَ ولَمْ يَقْتُلْ قُطِعَتْ يَدُهُ بِالمالِ، ورِجْلُهُ بِالمُحارَبَةِ، وإذا قَتَلَ وأخَذَ المالَ قُطِعَتْ يَدُهُ ورِجْلاهُ وصُلِبَ: ﴿إلا الَّذِينَ تابُوا مِن قَبْلِ أنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾ فَإنْ جاءَ تائِبًا إلى الإمامِ قَبْلَ أنْ يُقْدَرَ عَلَيْهِ، فَأمَّنَهُ الإمامُ، فَهو آمِنٌ، فَإنْ قَتَلَهُ بَعْدُ إنْسانٌ يَعْلَمُ أنَّ الإمامَ قَدْ أمَّنَهُ، قُتِلَ بِهِ، فَإنْ قَتَلَهُ وهو لا يَعْلَمُ أنَّ الإمامَ قَدْ أمَّنَهُ كانَتِ الدِّيَةُ.
المائدة 5:35
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وابْتَغُوا إلَيْهِ الوَسِيلَةَ﴾ .
أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والفِرْيابِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وابْتَغُوا إلَيْهِ الوَسِيلَةَ﴾ قالَ: القُرْبَةَ.
وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ، عَنْ حُذَيْفَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وابْتَغُوا إلَيْهِ الوَسِيلَةَ﴾ قالَ: القُرْبَةَ. (p-٢٩٢)وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وابْتَغُوا إلَيْهِ الوَسِيلَةَ﴾ قالَ: تَقْرَّبُوا إلى اللَّهِ بِطاعَتِهِ والعَمَلِ بِما يُرْضِيهِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ أبِي وائِلٍ قالَ: الوَسِيلَةُ في الأعْمالِ.
وأخْرَجَ الطَّسْتِيُّ، وابْنُ الأنْبارِيِّ في (الوَقْفِ والِابْتِداءِ)، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أنَّ نافِعَ بْنَ الأزْرَقِ قالَ لَهُ: أخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وابْتَغُوا إلَيْهِ الوَسِيلَةَ﴾ قالَ: الوَسِيلَةُ الحاجَةُ، قالَ: وهَلْ تَعْرِفُ العَرَبُ ذَلِكَ؟ قالَ: نَعَمْ، أما سَمِعْتَ عَنْتَرَةَ العَبْسِيَّ وهو يَقُولُ:
؎إنَّ الرِّجالَ لَهم إلَيْكِ وسِيلَةٌ إنْ يَأْخُذُوكِ تَكَحَّلِي وتَخَضَّبِي.
المائدة 5:36
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أنَّ لَهم ما في الأرْضِ جَمِيعًا﴾ الآيَتَيْنِ.
أخْرَجَ مُسْلِمٌ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «(يَخْرُجُ مِنَ النّارِ قَوْمٌ فَيَدْخُلُونَ الجَنَّةَ»)، قالَ يَزِيدُ الفَقِيرُ: فَقُلْتُ لِجابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ: يَقُولُ اللَّهُ: ﴿يُرِيدُونَ أنْ يَخْرُجُوا مِنَ النّارِ وما هم بِخارِجِينَ مِنها﴾ قالَ: اتْلُ أوَّلَ الآيَةِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ (p-٢٩٣)أنَّ لَهم ما في الأرْضِ جَمِيعًا ومِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ﴾ ألا إنَّهُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا.
وأخْرَجَ البُخارِيُّ في (الأدَبِ المُفْرَدِ)، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في (الشُّعَبِ)، «عَنْ طَلْقِ بْنِ حَبِيبٍ قالَ: كُنْتُ مِن أشَدِّ النّاسِ تَكْذِيبًا بِالشَّفاعَةِ، حَتّى لَقِيتُ جابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، فَقَرَأْتُ عَلَيْهِ كُلَّ آيَةٍ أقْدِرُ عَلَيْها يَذْكُرُ اللَّهُ فِيها خُلُودَ أهْلِ النّارِ، قالَ: يا طَلْقُ، أتُراكَ أقْرَأ لِكِتابِ اللَّهِ وأعْلَمَ بِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنِّي؟ إنَّ الَّذِينَ قَرَأْتَ هم أهْلُها، هُمُ المُشْرِكُونَ، ولَكِنَّ هَؤُلاءِ قَوْمٌ أصابُوا ذُنُوبًا فَعُذِّبُوا، ثُمَّ أُخْرِجُوا مِنها، ثُمَّ أهْوى بِيَدَيْهِ إلى أُذُنَيْهِ فَقالَ: صُمَّتا إنْ لَمْ أكُنْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: (يَخْرُجُونَ مِنَ النّارِ بَعْدَما دَخَلُوا)، ونَحْنُ نَقْرَأُ كَما قَرَأْتَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، أنَّ نافِعَ بْنَ الأزْرَقِ قالَ لِابْنِ عَبّاسٍ: تَزْعُمُ أنَّ قَوْمًا يَخْرُجُونَ مِنَ النّارِ، وقَدْ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وما هم بِخارِجِينَ مِنها﴾ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ويْحَكَ، اقْرَأْ ما فَوْقَها، هَذِهِ لِلْكُفّارِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: إنَّ اللَّهَ إذا فَرَغَ مِنَ القَضاءِ بَيْنَ خَلْقِهِ (p-٢٩٤)أخْرَجَ كِتابًا مِن تَحْتِ عَرْشِهِ فِيهِ: رَحْمَتِي سَبَقَتْ غَضَبِي، وأنا أرْحَمُ الرّاحِمِينَ، قالَ: فَيُخْرِجُ مِنَ النّارِ مِثْلَ أهْلِ الجَنَّةِ، أوْ قالَ: مِثْلَيْ أهْلِ الجَنَّةِ، مَكْتُوبٌ ها هُنا مِنهم - وأشارَ إلى نَحْرِهِ -: عُتَقاءُ اللَّهِ تَعالى، فَقالَ رَجُلٌ لِعِكْرِمَةَ: يا أبا عَبْدِ اللَّهِ، فَإنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿يُرِيدُونَ أنْ يَخْرُجُوا مِنَ النّارِ وما هم بِخارِجِينَ مِنها﴾ قالَ: ويْلَكَ، أُولَئِكَ أهْلُها الَّذِينَ هم أهْلُها.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، والبَيْهَقِيُّ في (الشُّعَبِ)، عَنْ أشْعَثَ قالَ: قُلْتُ لِلْحَسَنِ: أرَأيْتَ الشَّفاعَةَ أحَقٌّ؟ قالَ: نَعَمْ، حَقٌّ، قُلْتُ: أرَأيْتَ قَوْلَ اللَّهِ: ﴿يُرِيدُونَ أنْ يَخْرُجُوا مِنَ النّارِ وما هم بِخارِجِينَ مِنها﴾ فَقالَ: إنَّكَ واللَّهِ ما تَسْقُطُ عَلى شَيْءٍ، إنَّ لِلنّارِ أهْلًا لا يَخْرُجُونَ مِنها، كَما قالَ اللَّهُ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ أبِي مالِكٍ قالَ: ما كانَ فِيهِ ﴿عَذابٌ مُقِيمٌ﴾ يَعْنِي: دائِمٌ لا يَنْقَطِعُ.
المائدة 5:37
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أنَّ لَهم ما في الأرْضِ جَمِيعًا﴾ الآيَتَيْنِ.
أخْرَجَ مُسْلِمٌ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «(يَخْرُجُ مِنَ النّارِ قَوْمٌ فَيَدْخُلُونَ الجَنَّةَ»)، قالَ يَزِيدُ الفَقِيرُ: فَقُلْتُ لِجابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ: يَقُولُ اللَّهُ: ﴿يُرِيدُونَ أنْ يَخْرُجُوا مِنَ النّارِ وما هم بِخارِجِينَ مِنها﴾ قالَ: اتْلُ أوَّلَ الآيَةِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ (p-٢٩٣)أنَّ لَهم ما في الأرْضِ جَمِيعًا ومِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ﴾ ألا إنَّهُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا.
وأخْرَجَ البُخارِيُّ في (الأدَبِ المُفْرَدِ)، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في (الشُّعَبِ)، «عَنْ طَلْقِ بْنِ حَبِيبٍ قالَ: كُنْتُ مِن أشَدِّ النّاسِ تَكْذِيبًا بِالشَّفاعَةِ، حَتّى لَقِيتُ جابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ، فَقَرَأْتُ عَلَيْهِ كُلَّ آيَةٍ أقْدِرُ عَلَيْها يَذْكُرُ اللَّهُ فِيها خُلُودَ أهْلِ النّارِ، قالَ: يا طَلْقُ، أتُراكَ أقْرَأ لِكِتابِ اللَّهِ وأعْلَمَ بِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنِّي؟ إنَّ الَّذِينَ قَرَأْتَ هم أهْلُها، هُمُ المُشْرِكُونَ، ولَكِنَّ هَؤُلاءِ قَوْمٌ أصابُوا ذُنُوبًا فَعُذِّبُوا، ثُمَّ أُخْرِجُوا مِنها، ثُمَّ أهْوى بِيَدَيْهِ إلى أُذُنَيْهِ فَقالَ: صُمَّتا إنْ لَمْ أكُنْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: (يَخْرُجُونَ مِنَ النّارِ بَعْدَما دَخَلُوا)، ونَحْنُ نَقْرَأُ كَما قَرَأْتَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، أنَّ نافِعَ بْنَ الأزْرَقِ قالَ لِابْنِ عَبّاسٍ: تَزْعُمُ أنَّ قَوْمًا يَخْرُجُونَ مِنَ النّارِ، وقَدْ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وما هم بِخارِجِينَ مِنها﴾ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ويْحَكَ، اقْرَأْ ما فَوْقَها، هَذِهِ لِلْكُفّارِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: إنَّ اللَّهَ إذا فَرَغَ مِنَ القَضاءِ بَيْنَ خَلْقِهِ (p-٢٩٤)أخْرَجَ كِتابًا مِن تَحْتِ عَرْشِهِ فِيهِ: رَحْمَتِي سَبَقَتْ غَضَبِي، وأنا أرْحَمُ الرّاحِمِينَ، قالَ: فَيُخْرِجُ مِنَ النّارِ مِثْلَ أهْلِ الجَنَّةِ، أوْ قالَ: مِثْلَيْ أهْلِ الجَنَّةِ، مَكْتُوبٌ ها هُنا مِنهم - وأشارَ إلى نَحْرِهِ -: عُتَقاءُ اللَّهِ تَعالى، فَقالَ رَجُلٌ لِعِكْرِمَةَ: يا أبا عَبْدِ اللَّهِ، فَإنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿يُرِيدُونَ أنْ يَخْرُجُوا مِنَ النّارِ وما هم بِخارِجِينَ مِنها﴾ قالَ: ويْلَكَ، أُولَئِكَ أهْلُها الَّذِينَ هم أهْلُها.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، والبَيْهَقِيُّ في (الشُّعَبِ)، عَنْ أشْعَثَ قالَ: قُلْتُ لِلْحَسَنِ: أرَأيْتَ الشَّفاعَةَ أحَقٌّ؟ قالَ: نَعَمْ، حَقٌّ، قُلْتُ: أرَأيْتَ قَوْلَ اللَّهِ: ﴿يُرِيدُونَ أنْ يَخْرُجُوا مِنَ النّارِ وما هم بِخارِجِينَ مِنها﴾ فَقالَ: إنَّكَ واللَّهِ ما تَسْقُطُ عَلى شَيْءٍ، إنَّ لِلنّارِ أهْلًا لا يَخْرُجُونَ مِنها، كَما قالَ اللَّهُ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ أبِي مالِكٍ قالَ: ما كانَ فِيهِ ﴿عَذابٌ مُقِيمٌ﴾ يَعْنِي: دائِمٌ لا يَنْقَطِعُ.
المائدة 5:38
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والسّارِقُ والسّارِقَةُ﴾ الآيَةَ.
أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ نَجْدَةَ الحَنَفِيِّ قالَ: سَألْتُ ابْنَ عَبّاسٍ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿والسّارِقُ والسّارِقَةُ فاقْطَعُوا أيْدِيَهُما﴾ أخاصٌّ أمْ عامٌّ؟ قالَ: بَلْ عامٌّ. (p-٢٩٥)وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ نَجْدَةَ بْنِ نُفَيْعٍ قالَ: سَألْتُ ابْنَ عَبّاسٍ عَنْ: ﴿والسّارِقُ والسّارِقَةُ﴾ الآيَةَ، قالَ: ما كانَ مِنَ الرِّجالِ والنِّساءِ قُطِعَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ مِن طُرُقٍ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، أنَّهُ قَرَأ: (فاقْطَعُوا أيْمانَهُما) .
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ إبْراهِيمَ النَّخَعِيِّ، قالَ: في قِراءَتِنا ورُبَّما قالَ: في قِراءَةِ عَبْدِ اللَّهِ: (والسّارِقُونَ والسّارِقاتُ فاقْطَعُوا أيْمانَهُما) .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿جَزاءً بِما كَسَبا نَكالا مِنَ اللَّهِ﴾ قالَ: لا تَرْثُوا لَهم فِيهِ، فَإنَّهُ أمْرُ اللَّهِ الَّذِي أمَرَ بِهِ، قالَ: وذُكِرَ لَنا أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ كانَ يَقُولُ: اشْتَدُّوا عَلى الفُسّاقِ، واجْعَلُوهم يَدًا يَدًا، ورِجْلًا رِجْلًا.
وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، عَنْ عائِشَةَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «(لا (p-٢٩٦)تُقْطَعُ يَدُ السّارِقِ، إلّا في رُبْعِ دِينارٍ فَصاعِدًا») .
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ في (المُصَنَّفِ)، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ قالَ: «إنَّ أوَّلَ حَدٍّ أُقِيمَ في الإسْلامِ لِرَجُلٍ أُتِيَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، سَرَقَ فَشُهِدَ عَلَيْهِ، فَأمَرَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ أنْ يُقْطَعَ، فَلَمّا حُفَّ الرَّجُلُ، نُظِرَ إلى وجْهِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَأنَّما سُفِيَ فِيهِ الرَّمادُ، فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، كَأنَّهُ اشْتَدَّ عَلَيْكَ قَطْعُ هَذا، قالَ: (وما يَمْنَعُنِي وأنْتُمْ أعْوَنُ لِلشَّيْطانِ عَلى أخِيكُمْ)، قالُوا: فَأرْسِلْهُ، قالَ: (فَهَلّا قَبْلَ أنْ تَأْتِيَنِي بِهِ، إنَّ الإمامَ إذا أُتِيَ بِحَدٍّ لَمْ يَنْبَغِ لَهُ أنْ يُعَطِّلَهُ») .
المائدة 5:39
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَمَن تابَ مِن بَعْدِ ظُلْمِهِ﴾ الآيَةَ.
أخْرَجَ أحْمَدُ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ «أنَّ امْرَأةً سَرَقَتْ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقُطِعَتْ يَدُها اليُمْنى، فَقالَتْ: هَلْ لِي مِن تَوْبَةٍ يا رَسُولَ اللَّهِ؟ قالَ: (نَعَمْ، أنْتِ اليَوْمَ مِن خَطِيئَتِكِ كَيَوْمِ ولَدَتْكِ أُمُّكِ)، فَأنْزَلَ اللَّهُ في (سُورَةِ المائِدَةِ): ﴿فَمَن تابَ مِن بَعْدِ ظُلْمِهِ وأصْلَحَ فَإنَّ (p-٢٩٧)اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة»: ٣٩] .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَمَن تابَ مِن بَعْدِ ظُلْمِهِ وأصْلَحَ فَإنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ﴾ يَقُولُ: الحَدُّ كَفّارَتُهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ ثَوْبانَ قالَ: «أُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِرَجُلٍ سَرَقَ شَمْلَةً فَقالَ: (ما إخالُهُ سَرَقَ، أسَرَقْتَ؟) قالَ: نَعَمْ، قالَ: (اذْهَبُوا بِهِ فاقْطَعُوا يَدَهُ، ثُمَّ احْسِمُوها، ثُمَّ ائْتُونِي بِهِ)، فَأتَوْهُ بِهِ، فَقالَ: (تُبْ إلى اللَّهِ)، قالَ: فَإنِّي أتُوبُ إلى اللَّهِ، قالَ: (اللَّهُمَّ تُبْ عَلَيْهِ») .
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، عَنِ ابْنِ المُنْكَدِرِ، «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَطَعَ رَجُلًا ثُمَّ أمَرَ بِهِ فَحُسِمَ، وقالَ: (تُبْ إلى اللَّهِ)، فَقالَ: أتُوبُ إلى اللَّهِ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: (إنَّ السّارِقَ إذا قُطِعَتْ يَدُهُ وقَعَتْ في النّارِ، فَإنْ عادَ تَبِعَها، وإنْ تابَ اسْتَشْلاها)، يَقُولُ: اسْتَرْجَعَها» .
المائدة 5:41
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ﴾ الآيَةَ.
(p-٢٩٨)أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ في الكُفْرِ﴾ قالَ: هُمُ اليَهُودُ، ﴿مِنَ الَّذِينَ قالُوا آمَنّا بِأفْواهِهِمْ ولَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ﴾ قالَ: هُمُ المُنافِقُونَ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ، وأبُو داوُدَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والطَّبَرانِيُّ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: إنَّ اللَّهَ أنْزَلَ: ﴿ومَن لَمْ يَحْكم بِما أنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الكافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤]، ﴿الظّالِمُونَ﴾ [المائدة: ٤٥]، ﴿الفاسِقُونَ﴾ [المائدة: ٤٧] أنْزَلَها اللَّهُ في طائِفَتَيْنِ مِنَ اليَهُودِ، قَهَرَتْ إحْداهُما الأُخْرى في الجاهِلِيَّةِ حَتّى ارْتَضَوْا واصْطَلَحُوا عَلى أنَّ كُلَّ قَتِيلٍ قَتَلَتْهُ العَزِيزَةُ مِنَ الذَّلِيلَةِ فَدِيَتُهُ خَمْسُونَ وسْقًا، وكُلَّ قَتِيلٍ قَتَلَتْهُ الذَّلِيلَةُ مِنَ العَزِيزَةِ فَدِيَتُهُ مِائَةُ وسْقٍ، فَكانُوا عَلى ذَلِكَ حَتّى قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ المَدِينَةَ، فَذُلَّتِ الطّائِفَتانِ كِلْتاهُما لِمَقْدَمِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ورَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَئِذٍ لَمْ يَظْهَرْ عَلَيْهِمْ، فَقَتَلَتِ الذَّلِيلَةُ مِنَ العَزِيزَةِ قَتِيلًا، فَأرْسَلَتِ العَزِيزَةُ إلى الذَّلِيلَةِ أنِ ابْعَثُوا إلَيْنا بِمِائَةِ وسْقٍ، فَقالَتِ الذَّلِيلَةُ: وهَلْ كانَ هَذا في حَيَّيْنِ قَطُّ، دِينُهُما واحِدٌ، ونَسَبُهُما واحِدٌ، وبَلَدُهُما واحِدٌ، ودِيَةُ بَعْضِهِمْ نِصْفُ دِيَةِ بَعْضٍ، إنَّما أعْطَيْناكم هَذا ضَيْمًا مِنكم لَنا، وفَرَقًا مِنكُمْ، فَأمّا إذْ (p-٢٩٩)قَدِمَ مُحَمَّدٌ فَلا نُعْطِيكم ذَلِكَ، فَكادَتِ الحَرْبُ تَهِيجُ بَيْنَهُما، ثُمَّ ارْتَضَوْا عَلى أنْ جَعَلُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَيْنَهُمْ، فَفَكَّرَتِ العَزِيزَةُ فَقالَتْ: واللَّهِ ما مُحَمَّدٌ بِمُعْطِيكم مِنهم ضِعْفَ ما يُعْطِيهِمْ مِنكُمْ، ولَقَدْ صَدَقُوا، ما أعْطَوْنا هَذا إلّا ضَيْمًا وقَهْرًا لَهُمْ، فَدُسُّوا إلى مُحَمَّدٍ مَن يَخْبُرُ لَكم رَأْيَهُ، فَإنْ أعْطاكم ما تُرِيدُونَ حَكَّمْتُمُوهُ، وإنْ لَمْ يُعْطِكُمُوهُ حَذِرْتُمُوهُ، فَلَمْ تُحَكِّمُوهُ، فَدَسُّوا إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ناسًا مِنَ المُنافِقِينَ يَخْتَبِرُوا لَهم رَأْيَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَلَمّا جاءُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، أخْبَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ ﷺ بِأمْرِهِمْ كُلِّهِ، وماذا أرادُوا، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿يا أيُّها الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ في الكُفْرِ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ومَن لَمْ يَحْكم بِما أنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الفاسِقُونَ﴾ [المائدة: ٤٧] ثُمَّ قالَ: فِيهِمْ - واللَّهِ – أُنْزِلَتْ وإيّاهم عَنى اللَّهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ عامِرٍ الشَّعْبِيِّ في قَوْلِهِ: ﴿لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ في الكُفْرِ﴾ قالَ: كانَ رَجُلٌ مِنَ اليَهُودِ قَتَلَ رَجُلًا مِن أهْلِ دِينِهِ، فَقالُوا لِحُلَفائِهِمْ مِنَ المُسْلِمِينَ: سَلُوا مُحَمَّدًا، فَإنْ كانَ يَقْضِي بِالدِّيَةِ اخْتَصَمْنا إلَيْهِ، وإنْ كانَ يَقْضِي بِالقَتْلِ لَمْ نَأْتِهِ (p-٣٠٠)وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والبَيْهَقِيُّ في ”سُنَنِهِ“، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، «أنَّ أحْبارَ يَهُودَ اجْتَمَعُوا في بَيْتِ المِدْراسِ حِينَ قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ المَدِينَةَ، وقَدْ زَنى رَجُلٌ بَعْدَ إحْصانِهِ بِامْرَأةٍ مِن يَهُودَ، وقَدْ أحْصَنَتْ، فَقالُوا: ابْعَثُوا بِهَذا الرَّجُلِ وهَذِهِ المَرْأةِ إلى مُحَمَّدٍ، فاسْألُوهُ كَيْفَ الحُكْمُ فِيهِما، ووَلُّوهُ الحُكْمَ فِيهِما، فَإنْ عَمِلَ فِيهِما بِعَمَلِكم مِنَ التَّجْبِيهِ، والتَّجْبِيهُ الجَلْدُ بِحَبَلٍ مِن لِيفٍ مَطْلِيٍّ بِقارٍ، ثُمَّ تُسَوَّدُ وُجُوهُهُما، ثُمَّ يُحْمَلانِ عَلى حِمارَيْنِ، وُجُوهُهُما مِن قِبَلِ أدْبارِ الحِمارِ، فاتَّبِعُوهُ، فَإنَّما هو مَلِكٌ سَيِّدُ قَوْمٍ، وإنْ حَكَمَ فِيهِما بِالرَّجْمِ، فَإنَّهُ نَبِيٌّ، فاحْذَرُوهُ عَلى ما في أيْدِيكم أنْ يَسْلُبَكُمْ، فَأتَوْهُ، فَقالُوا: يا مُحَمَّدُ، هَذا رَجُلٌ قَدْ زَنى بَعْدَ إحْصانِهِ بِامْرَأةٍ قَدْ أحْصَنَتْ، فاحْكم فِيهِما، فَقَدْ ولَّيْناكَ الحُكْمَ فِيهِما، فَمَشى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتّى أتى أحْبارَهم في بَيْتِ المِدْراسِ، فَقالَ: (يا مَعْشَرَ يَهُودَ، أخْرِجُوا إلَيَّ عُلَماءَكُمْ)، فَأخْرَجُوا إلَيْهِ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ صُورِيا، وأبا ياسِرِ بْنِ أخْطَبَ، ووَهْبَ بْنَ يَهُوذا، فَقالُوا: هَؤُلاءِ عُلَماؤُنا، فَسَألَهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، ثُمَّ حَصَّلَ أمْرَهُمْ، إلى أنْ قالُوا لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ صُورِيا: هَذا أعْلَمُ مَن بَقِيَ بِالتَّوْراةِ، فَخَلا بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وكانَ غُلامًا شابًّا مِن أحْدَثِهِمْ سِنًّا، فَألَظَّ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ المَسْألَةَ، يَقُولُ: (يا ابْنَ (p-٣٠١)صُورِيا»، أنْشُدُكَ اللَّهَ، وأُذَكِّرُكَ أيّامَهُ عِنْدَ بَنِي إسْرائِيلَ، هَلْ تَعْلَمُ أنَّ اللَّهَ حَكَمَ في مَن زَنى بَعْدَ إحْصانِهِ بِالرَّجْمِ في التَّوْراةِ)، فَقالَ: اللَّهُمَّ نَعَمْ، أما واللَّهِ يا أبا القاسِمِ، إنَّهم لَيَعْرِفُونَ أنَّكَ نَبِيٌّ مُرْسَلٌ، ولَكِنَّهم يَحْسُدُونَكَ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَأمَرَ بِهِما فَرُجِما عِنْدَ بابِ مَسْجِدِهِ، ثُمَّ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ ابْنُ صُورِيا، وجَحَدَ نُبُوَّةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿يا أيُّها الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ في الكُفْرِ﴾ الآيَةَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وأحْمَدُ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وأبُو داوُدَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في (الدَّلائِلِ)، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «أوَّلُ مَرْجُومٍ رَجَمَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنَ اليَهُودِ، زَنى رَجُلٌ مِنهم وامْرَأةٌ، فَقالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: اذْهَبُوا بِنا إلى هَذا النَّبِيِّ، فَإنَّهُ نَبِيٌّ بُعِثَ بِتَخْفِيفٍ، فَإنْ أفْتانا بِفُتْيا دُونَ الرَّجْمِ قَبِلْناها، واحْتَجَجْنا بِها عِنْدَ اللَّهِ، وقُلْنا: فُتْيا نَبِيٍّ مِن أنْبِيائِكَ، قالَ: فَأتَوُا النَّبِيَّ ﷺ وهو جالِسٌ في المَسْجِدِ وأصْحابُهُ، فَقالُوا: يا أبا القاسِمِ، ما تَرى في رَجُلٍ وامْرَأةٍ مِنهم زَنَيا؟ فَلَمْ يُكَلِّمْهم كَلِمَةً حَتّى أتى بَيْتَ مِدْراسِهِمْ، فَقامَ عَلى البابِ فَقالَ: (أنْشُدُكم بِاللَّهِ الَّذِي أنْزَلَ التَّوْراةَ عَلى مُوسى، ما تَجِدُونَ في التَّوْراةِ عَلى مَن زَنى إذا أحْصَنَ؟) قالُوا: يُحَمَّمُ ويُجَبَّهُ ويُجْلَدُ، والتَّجْبِيهُ أنْ يُحْمَلَ الزّانِيانِ (p-٣٠٢)عَلى حِمارٍ، ويُقابَلَ أقْفِيَتُهُما، ويُطافَ بِهِما، وسَكَتَ شابٌّ مِنهُمْ، فَلَمّا رَآهُ النَّبِيُّ ﷺ سَكَتَ، ألَظَّ بِهِ النِّشْدَةَ، فَقالَ: اللَّهُمَّ إذْ نَشَدْتَنا، فَإنّا نَجِدُ في التَّوْراةِ الرَّجْمَ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: (فَما أوَّلُ ما ارْتَخَصْتُمْ أمْرَ اللَّهِ؟) قالَ: زَنى رَجُلٌ ذُو قَرابَةٍ مِن مَلِكٍ مِن مُلُوكِنا، فَأخَّرَ عَنْهُ الرَّجْمَ، ثُمَّ زَنى رَجُلٌ في أُسْرَةٍ مِنَ النّاسِ، فَأرادَ رَجْمَهُ، فَحالَ قَوْمُهُ دُونَهُ، وقالُوا: واللَّهِ لا يُرْجَمُ صاحِبُنا حَتّى تَجِيءَ بِصاحِبِكَ فَتَرْجُمَهُ، فاصْلَحُوا هَذِهِ العُقُوبَةَ بَيْنَهُمْ، قالَ النَّبِيُّ ﷺ: (فَإنِّي أحْكُمُ بِما في التَّوْراةِ)، فَأمَرَ بِهِما فَرُجِما، قالَ الزُّهْرِيُّ: فَبَلَغَنا أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ فِيهِمْ: ﴿إنّا أنْزَلْنا التَّوْراةَ فِيها هُدًى ونُورٌ يَحْكُمُ بِها النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أسْلَمُوا﴾ [المائدة: ٤٤] [المائِدَةِ: ٤٤]، فَكانَ النَّبِيُّ ﷺ مِنهم» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ، ومُسْلِمٌ، وأبُو داوُدَ، والنَّسائِيُّ، والنَّحّاسُ في (ناسِخِهِ)، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنِ البَراءِ بْنِ عازِبٍ قالَ: «مُرَّ عَلى النَّبِيِّ ﷺ بِيَهُودِيٍّ مُحَمَّمٍ مَجْلُودٍ، فَدَعاهُمْ، فَقالَ: (أهَكَذا تَجِدُونَ حَدَّ الزّانِي في كِتابِكُمْ؟) قالُوا: نَعَمْ، فَدَعا رَجُلًا مِن عُلَمائِهِمْ فَقالَ: (أنْشُدُكَ بِاللَّهِ الَّذِي أنْزَلَ التَّوْراةَ عَلى مُوسى، أهَكَذا تَجِدُونَ حَدَّ الزّانِي في (p-٣٠٣)كِتابِكُمْ؟) قالَ: اللَّهُمَّ لا، ولَوْلا أنَّكَ أنْشَدْتَنِي بِهَذا لَمْ أُخْبِرْكَ، نَجِدُ حَدَّ الزّانِي في كِتابِنا الرَّجْمَ، ولَكِنَّهُ كَثُرَ في أشْرافِنا، فَكُنّا إذا أخَذْنا الشَّرِيفَ تَرَكْناهُ، وإذا أخَذْنا الضَّعِيفَ أقَمْنا عَلَيْهِ الحَدَّ، فَقُلْنا: تَعالَوْا حَتّى نَجْعَلَ شَيْئًا نُقِيمُهُ عَلى الشَّرِيفِ والوَضِيعِ، فاجْتَمَعْنا عَلى التَّحْمِيمِ والجَلْدِ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: (اللَّهُمَّ إنِّي أوَّلُ مَن أحْيا أمْرَكَ إذْ أماتُوهُ)، وأمَرَ بِهِ فَرُجِمَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿يا أيُّها الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ في الكُفْرِ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿إنْ أُوتِيتُمْ هَذا فَخُذُوهُ﴾ يَقُولُونَ: ائْتُوا مُحَمَّدًا، فَإنْ أفْتاكم بِالتَّحْمِيمِ والجَلْدِ فَخُذُوهُ، وإنْ أفْتاكم بِالرَّجْمِ، فاحْذَرُوا، إلى قَوْلِهِ: ﴿ومَن لَمْ يَحْكم بِما أنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الكافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤] قالَ: في اليَهُودِ، ﴿ومَن لَمْ يَحْكم بِما أنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ [المائدة: ٤٥] قالَ: ثُمَّ صارَ إلى قَوْلِهِ: ﴿ومَن لَمْ يَحْكم بِما أنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الفاسِقُونَ﴾ [المائدة: ٤٧] قالَ: في الكُفّارِ كُلُّها» .
وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: «إنَّ اليَهُودَ جاؤُوا إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرُوا لَهُ أنَّ رَجُلًا مِنهم وامْرَأةً زَنَيا، فَقالَ لَهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (ما تَجِدُونَ في التَّوْراةِ؟) قالُوا: نَفْضَحُهم ويُجْلَدُونَ، قالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ: كَذَبْتُمْ، إنَّ فِيها آيَةُ الرَّجْمِ، فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ فَنَشَرُوها، فَوَضَعَ أحَدُهم يَدَهُ عَلى آيَةِ (p-٣٠٤)الرَّجْمِ، فَقالَ: ما قَبْلَها وما بَعْدَها، فَقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ: ارْفَعْ يَدَكَ، فَرَفَعَ يَدَهُ، فَإذا آيَةُ الرَّجْمِ، قالُوا: صَدَقَ، فَأمَرَ بِهِما رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَرُجِما» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، «عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنْ أُوتِيتُمْ هَذا فَخُذُوهُ وإنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فاحْذَرُوا﴾ قالَ: هُمُ اليَهُودُ، زَنَتْ مِنهُمُ امْرَأةٌ، وقَدْ كانَ حُكْمُ اللَّهِ في التَّوْراةِ في الزِّنا الرَّجْمَ، فَنَفِسُوا أنْ يَرْجُمُوها، وقالُوا: انْطَلِقُوا إلى مُحَمَّدٍ، فَعَسى أنْ يَكُونَ عِنْدَهُ رُخْصَةٌ، فَإنْ كانَتْ عِنْدَهُ رُخْصَةٌ فاقْبَلُوها، فَأتَوْهُ فَقالُوا: يا أبا القاسِمِ، إنَّ امْرَأةً مِنّا زَنَتْ فَما تَقُولُ فِيها؟ قالَ لَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ: (كَيْفَ حُكْمُ اللَّهِ في التَّوْراةِ في الزّانِي؟) قالُوا: دَعْنا مِنَ التَّوْراةِ، ولَكِنْ ما عِنْدَكَ في ذَلِكَ؟ فَقالَ: (ائْتُونِي بِأعْلَمِكم بِالتَّوْراةِ الَّتِي أُنْزِلَتْ عَلى مُوسى)، فَقالَ لَهم: (بِالَّذِي نَجّاكم مِن آلِ فِرْعَوْنَ، وبِالَّذِي فَلَقَ البَحْرَ فَأنْجاكُمْ، وأغْرَقَ آلَ فِرْعَوْنَ إلّا أخْبَرْتُمُونِي ما حُكْمُ اللَّهِ في التَّوْراةِ في الزّانِي؟) قالُوا: حُكْمُهُ الرَّجْمُ، فَأمَرَ بِها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَرُجِمَتْ» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ في قَوْلِهِ: ﴿ومِنَ الَّذِينَ هادُوا سَمّاعُونَ لِلْكَذِبِ﴾ قالَ: يَهُودُ المَدِينَةِ، ﴿سَمّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ﴾ قالَ: يَهُودُ فَدَكَ، ﴿يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ﴾ قالَ: يَهُودُ فَدَكَ، يَقُولُونَ لِيَهُودِ المَدِينَةِ: إنْ أُوتِيتُمْ هَذا الجَلْدَ فَخُذُوهُ، وإنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فاحْذَرُوا الرَّجْمَ (p-٣٠٥)وأخْرَجَ الحُمَيْدِيُّ في (مُسْنَدِهِ)، وأبُو داوُدَ، وابْنُ ماجَهْ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: «زَنى رَجُلٌ مِن أهْلِ فَدَكَ فَكَتَبَ أهْلُ فَدَكَ إلى ناسٍ مِنَ اليَهُودِ بِالمَدِينَةِ: أنْ سَلُوا مُحَمَّدًا عَنْ ذَلِكَ، فَإنْ أمَرَكم بِالجَلْدِ فَخُذُوهُ عَنْهُ، وإنْ أمَرَكم بِالرَّجْمِ فَلا تَأْخُذُوهُ عَنْهُ، فَسَألُوهُ عَنْ ذَلِكَ، فَقالَ: (أرْسِلُوا إلَيَّ أعْلَمَ رَجُلَيْنِ مِنكُمْ)، فَجاؤُوا بِرَجُلٍ أعْوَرَ يُقالُ لَهُ: ابْنُ صُورِيا، وآخَرَ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ لَهُما: (ألَيْسَ عِنْدَكُما التَّوْراةُ فِيها حُكْمُ اللَّهِ؟) قالا: بَلى، قالَ: (فَأنْشُدُكم بِالَّذِي فَلَقَ البَحْرَ لَبَنِي إسْرائِيلَ، وظَلَّلَ عَلَيْكُمُ الغَمامَ، وأنْجاكم مِن آلِ فِرْعَوْنَ، وأنْزَلَ التَّوْراةَ عَلى مُوسى، وأنْزَلَ المَنَّ والسَّلْوى عَلى بَنِي إسْرائِيلَ، ما تَجِدُونَ في التَّوْراةِ في شَأْنِ الرَّجْمِ؟) فَقالَ أحَدُهُما لِلْآخَرِ: ما نُشِدْتُ بِمِثْلِهِ قَطُّ، قالا: نَجِدُ تَرْدادَ النَّظَرِ رِيبَةً، والِاعْتِناقَ رِيبَةً، والقُبَلَ رِيبَةً، فَإذا شَهِدَ أرْبَعَةٌ أنَّهم رَأوْهُ يُبْدِئُ ويُعِيدُ كَما يَدْخُلُ المِيلُ في المُكْحُلَةِ، فَقَدْ وجَبَ الرَّجْمُ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: (فَهُوَ كَذَلِكَ)، فَأمَرَ بِهِ، فَرُجِمَ، فَنَزَلَتْ: ﴿فَإنْ جاءُوكَ فاحْكم بَيْنَهُمْ﴾ [المائدة: ٤٢] إلى قَوْلِهِ: ﴿يُحِبُّ المُقْسِطِينَ﴾ [المائدة»: ٤٢] .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ في الكُفْرِ﴾ قالَ: نَزَلَتْ في رَجُلٍ مِنَ الأنْصارِ (p-٣٠٦)زَعَمُوا أنَّهُ أبُو لُبابَةَ، أشارَتْ إلَيْهِ بَنُو قُرَيْظَةَ يَوْمَ الحِصارِ ما الأمْرُ، عَلامَ نَنْزِلُ؟ فَأشارَ إلَيْهِمْ: إنَّهُ الذَّبْحُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿ومِنَ الَّذِينَ هادُوا سَمّاعُونَ لِلْكَذِبِ﴾ قالَ: هم أبُو بُسْرَةَ وأصْحابُهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُقاتِلٍ في قَوْلِهِ: ﴿سَمّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ﴾ قالَ: يَهُودُ خَيْبَرَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿سَمّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ﴾ قالَ: هم أيْضًا سَمّاعُونَ لِيَهُودَ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ إبْراهِيمَ النَّخَعِيِّ في قَوْلِهِ: ﴿يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ﴾ [النساء: ٤٦] قالَ: كانَ يَقُولُ: يا بَنِي إسْرائِيلَ، يا بَنِي أحْبارِي، فَحَرَّفُوا ذَلِكَ، فَجَعَلُوهُ: يا بَنِي أبْكارِي، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ﴾ [النساء: ٤٦]، وكانَ إبْراهِيمُ يَقْرَؤُها: (يُحَرِّفُونَ الكَلامَ عِنْ مَواضِعِهِ) . (p-٣٠٧)وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ مِن بَعْدِ مَواضِعِهِ﴾ الآيَةَ، قالَ: ذُكِرَ لَنا أنَّ هَذا كانَ في قَتِيلِ بَنِي قُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ، رَجُلٌ مِن قُرَيْظَةَ قَتَلَهُ النَّضِيرُ، وكانَتِ النَّضِيرُ إذا قَتَلَتْ مِن بَنِي قُرَيْظَةَ لَمْ يُقِيدُوهُمْ، إنَّما يُعْطُونَهُمُ الدِّيَةَ لِفَضْلِهِمْ عَلَيْهِمْ في أنْفُسِهِمْ تَعَوُّذًا، فَقَدِمَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ المَدِينَةَ، فَسَألَهم فَأرادُوا أنْ يَرْفَعُوا ذَلِكَ إلى نَبِيِّ اللَّهِ ﷺ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ، فَقالَ لَهم رَجُلٌ مِنَ المُنافِقِينَ: إنَّ قَتِيلَكم هَذا قَتِيلُ عَمْدٍ، وإنَّكم مَتى ما تَرْفَعُونَ أمْرَهُ إلى مُحَمَّدٍ أخْشى عَلَيْكُمُ القَوَدَ، فَإنْ قَبِلَ مِنكُمُ الدِّيَةَ فَخُذُوهُ، وإلّا فَكُونُوا مِنهُ عَلى حَذَرٍ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿يَقُولُونَ إنْ أُوتِيتُمْ هَذا فَخُذُوهُ﴾ قالَ: إنْ وافَقَكُمْ، وإنْ لَمْ يُوافِقْكم فاحْذَرُوهُ، يَهُودُ تَقُولُهُ لِلْمُنافِقِينَ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في (الأسْماءِ والصِّفاتِ)، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿يُحَرِّفُونَ الكَلِمَ﴾ يَعْنِي: حُدُودَ اللَّهِ في التَّوْراةِ، وفي قَوْلِهِ: ﴿يَقُولُونَ إنْ أُوتِيتُمْ هَذا﴾ قالَ: يَقُولُونَ: إنْ أمَرَكم مُحَمَّدٌ بِما أنْتُمْ عَلَيْهِ فاقْبَلُوهُ، وإنْ خالَفَكم فاحْذَرُوهُ، وفي قَوْلِهِ: ﴿ومَن يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ﴾ قالَ: ضَلالَتَهُ، ﴿فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ يَقُولُ: لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُ (p-٣٠٨)شَيْئًا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿لَهم في الدُّنْيا خِزْيٌ﴾ قالَ: أمّا خِزْيُهم في الدُّنْيا، فَإنَّهُ إذا قامَ المَهْدِيُّ فَتَحَ القُسْطَنْطِينِيَّةَ فَقَتَلَهُمْ، فَذَلِكَ الخِزْيُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ عِكْرِمَةَ في قَوْلِهِ: ﴿لَهم في الدُّنْيا خِزْيٌ﴾ قالَ: مَدِينَةٌ تُفْتَحُ بِالرُّومِ فَيُسْبَوْنَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿لَهم في الدُّنْيا خِزْيٌ﴾ قالَ: يُعْطُونَ الجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وهم صاغِرُونَ.
المائدة 5:42
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَمّاعُونَ لِلْكَذِبِ أكّالُونَ لِلسُّحْتِ﴾ .
أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿سَمّاعُونَ لِلْكَذِبِ أكّالُونَ لِلسُّحْتِ﴾ وذَلِكَ أنَّهم أخَذُوا الرِّشْوَةَ في الحُكْمِ، وقَضَوْا بِالكَذِبِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿سَمّاعُونَ لِلْكَذِبِ أكّالُونَ لِلسُّحْتِ﴾ قالَ: تِلْكَ حُكّامُ (p-٣٠٩)اليَهُودِ، تَسْمَعُ كَذِبَهُ وتَأْكُلُ رِشْوَتَهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، والفِرْيابِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: السُّحْتُ الرِّشْوَةُ في الدِّينِ، قالَ سُفْيانُ: يَعْنِي في الحُكْمِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، والبَيْهَقِيُّ في (شُعَبِ الإيمانِ)، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: مَن شَفَعَ لِرَجُلٍ لِيَدْفَعَ عَنْهُ مَظْلِمَةً، أوَ يَرُدَّ عَلَيْهِ حَقًّا فَأهْدى لَهُ هَدِيَّةً فَقَبِلَها، فَذَلِكَ السُّحْتُ، فَقِيلَ: يا أبا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، إنّا كُنّا نَعُدُّ السُّحْتَ الرِّشْوَةَ في الحُكْمِ، فَقالَ عَبْدُ اللَّهِ: ذَلِكَ الكُفْرُ: ﴿ومَن لَمْ يَحْكم بِما أنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الكافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤] .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والطَّبَرانِيُّ، والبَيْهَقِيُّ في ”سُنَنِهِ“، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ سُئِلَ عَنِ السُّحْتِ فَقالَ: الرِّشا، قِيلَ: في الحُكْمِ؟ قالَ: ذَلِكَ الكُفْرُ، ثُمَّ قَرَأ: ﴿ومَن لَمْ يَحْكم بِما أنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الكافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤] .
(p-٣١٠)وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، والبَيْهَقِيُّ في (سُنَنِهِ)، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ سُئِلَ عَنِ السُّحْتِ: أهُوَ الرِّشْوَةُ في الحُكْمِ؟ قالَ: لا، ﴿ومَن لَمْ يَحْكم بِما أنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الكافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤] و ﴿الظّالِمُونَ﴾ [المائدة: ٤٥] و﴿الفاسِقُونَ﴾ [المائدة: ٤٧]، ولَكِنَّ السُّحْتَ أنْ يَسْتَعِينُكَ رَجُلٌ عَلى مَظْلِمَةٍ فَيُهْدِيَ لَكَ فَتَقْبَلَهُ، فَذَلِكَ السُّحْتُ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مَسْرُوقٍ قالَ: قُلْتُ لِعُمَرَ بْنِ الخَطّابِ: أرَأيْتَ الرِّشْوَةَ في الحُكْمِ، أمِنَ السُّحْتِ هِيَ؟ قالَ: لا، ولَكِنْ كُفْرٌ، إنَّما السُّحْتُ أنْ يَكُونَ لِلرَّجُلِ عِنْدَ السُّلْطانِ جاهٌ ومَنزِلَةٌ، ويَكُونَ لِلْآخَرِ إلى السُّلْطانِ حاجَةٌ، فَلا يَقْضِي حاجَتَهُ حَتّى يُهْدِيَ إلَيْهِ هَدِيَّةً.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «(رِشْوَةُ الحُكّامِ حَرامٌ، وهي السُّحْتُ الَّذِي ذَكَرَ اللَّهُ في كِتابِهِ») .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «(كُلُّ لَحْمٍ نَبَتَ مِن سُحْتٍ فالنّارُ أوْلى بِهِ)، قِيلَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، وما السُّحْتُ؟ قالَ: (الرِّشْوَةُ في الحُكْمِ») . (p-٣١١)وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ، أنَّهُ سُئِلَ عَنِ السُّحْتِ فَقالَ: الرِّشْوَةُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ، أنَّهُ سُئِلَ عَنِ السُّحْتِ فَقالَ: الرِّشا، فَقِيلَ لَهُ: في الحُكْمِ؟ قالَ: ذاكَ الكُفْرُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ عُمَرَ قالَ: بابانِ مِنَ السُّحْتِ يَأْكُلُهُما النّاسُ، الرِّشا في الحُكْمِ، ومَهْرُ الزّانِيَةِ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ عَلِيٍّ، قالَ: أبْوابُ السُّحْتِ ثَمانِيَةٌ: رَأْسُ السُّحْتِ رِشْوَةُ الحاكِمِ، وكَسْبُ البَغِيِّ، وعَسْبُ الفَحْلِ، وثَمَنُ المَيْتَةِ، وثَمَنُ الخَمْرِ، وثَمَنُ الكَلْبِ، وكَسْبُ الحَجّامِ، وأجْرُ الكاهِنِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، عَنْ طَرِيفٍ قالَ: مَرَّ عَلِيٌّ بِرَجُلٍ يَحْسُبُ بَيْنَ قَوْمٍ بِأجْرٍ، وفي لَفْظٍ: يَقْسِمُ بَيْنَ ناسٍ قَسْمًا، فَقالَ لَهُ عَلِيٌّ: إنَّما تَأْكُلُ سُحْتًا.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: مِنَ السُّحْتِ مَهْرُ الزّانِيَةِ، وثَمَنُ الكَلْبِ، إلّا كَلْبَ الصَّيْدِ، وما أُخِذَ مِن شَيْءٍ في الحُكْمِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «(هَدايا الأُمَراءِ سُحْتٌ») . (p-٣١٢)وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ، والدَّيْلَمِيُّ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (سِتُّ خِصالٍ مِنَ السُّحْتِ: رِشْوَةُ الإمامِ، وهي أخْبَثُ ذَلِكَ كُلِّهِ، وثَمَنُ الكَلْبِ، وعَسْبُ الفَحْلِ، ومَهْرُ البَغِيِّ، وكَسْبُ الحَجّامِ، وحُلْوانُ الكاهِنِ») .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ طاوُسٍ قالَ: هَدايا العُمّالِ سُحْتٌ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ يَحْيى بْنِ سَعِيدٍ قالَ: «لَمّا بَعَثَ النَّبِيُّ ﷺ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ رَواحَةَ إلى أهْلِ خَيْبَرَ أهْدَوْا لَهُ، فَرَدَّهُ، وقالَ: سُحْتٌ» .
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، والحاكِمُ، والبَيْهَقِيُّ في (شُعَبِ الإيمانِ)، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العاصِي قالَ: «لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الرّاشِيَ والمُرْتَشِيَ» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ ثَوْبانَ قالَ: «لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الرّاشِيَ والمُرْتَشِيَ، والرّائِشَ، يَعْنِي الَّذِي يَمْشِي بَيْنَهُما» .
وأخْرَجَ الحاكِمُ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، «عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ لَعَنَ الرّاشِيَ والمُرْتَشِيَ، والرّائِشَ الَّذِي يَمْشِي بَيْنَهُما» . (p-٣١٣)وأخْرَجَ الحاكِمُ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «(مَن ولِيَ عَشَرَةً فَحَكَمَ بَيْنَهم بِما أحَبُّوا أوْ كَرِهُوا جِيءَ بِهِ مَغْلُولَةٌ يَداهُ، فَإنْ عَدَلَ، ولَمْ يَرْتَشِ، ولَمْ يُحِفْ، فَكَّ اللَّهُ عَنْهُ، وإنْ حَكَمَ بِغَيْرِ ما أنْزَلَ اللَّهُ وارْتَشى وحابى فِيهِ، شُدَّتْ يَسارُهُ إلى يَمِينِهِ، ثُمَّ رُمِيَ بِهِ في جَهَنَّمَ، فَلَمْ يَبْلُغْ قَعْرَها خَمْسَمِائَةِ عامٍ») .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنْ عائِشَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قالَ: «(سَتَكُونُ مِن بَعْدِي وُلاةٌ يَسْتَحِلُّونَ الخَمْرَ بِالنَّبِيذِ، والبَخْسَ بِالصَّدَقَةِ، والسُّحْتَ بِالهَدِيَّةِ، والقَتْلَ بِالمَوْعِظَةِ، يَقْتُلُونَ البَرِيءَ لِيُوَطِئُوا العامَّةَ، يُمْلى لَهم فَيَزْدادُوا إثْمًا») .
وأخْرَجَ الخَطِيبُ في تارِيخِهِ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «(مِنَ السُّحْتِ، كَسْبُ الحَجّامِ، وثَمَنُ الكَلْبِ، ومَهْرُ البَغِيِّ») .
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، والبَيْهَقِيُّ في (سُنَنِهِ)، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: السُّحْتُ الرِّشْوَةُ في الحُكْمِ، ومَهْرُ البَغِيِّ، وثَمَنُ الكَلْبِ، وثَمَنُ القِرْدِ، وثَمَنُ الخِنْزِيرِ، وثَمَنُ الخَمْرِ، وثَمَنُ المَيْتَةِ، وثَمَنُ الدَّمِ، وعَسْبُ الفَحْلِ، وأجْرُ النّائِحَةِ (p-٣١٤)وأجْرُ المُغَنِّيَةِ، وأجْرُ الكاهِنِ، وأجْرُ السّاحِرِ، وأجْرُ القائِفِ، وثَمَنُ جُلُودِ السِّباعِ، وثَمَنُ جُلُودِ المَيْتَةِ، فَإذا دُبِغَتْ فَلا بَأْسَ بِها، وأجْرُ صُوَرِ التَّماثِيلِ، وهَدِيَّةُ الشَّفاعَةِ، وجُعْلَةُ الغَزْوِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ قالَ: هَذِهِ الرُّغُفُ الَّتِي يَأْخُذُها المُعَلِّمُونَ مِنَ السُّحْتِ.
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنْ جاءُوكَ فاحْكم بَيْنَهُمْ﴾ الآيَةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، والنَّحّاسُ في (ناسِخِهِ)، والطَّبَرانِيُّ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في ”سُنَنِهِ“، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: آيَتانِ نُسِخَتا مِن هَذِهِ السُّورَةِ - يَعْنِي المائِدَةِ - آيَةُ القَلائِدِ، وقَوْلُهُ: ﴿فَإنْ جاءُوكَ فاحْكم بَيْنَهم أوْ أعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ فَكانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُخَيَّرًا، إنْ شاءَ حَكَمَ بَيْنَهُمْ، وإنْ شاءَ أعْرَضَ عَنْهُمْ، فَرَدَّهم إلى أحْكامِهِمْ، فَنَزَلَتْ: ﴿وأنِ احْكم بَيْنَهم بِما أنْزَلَ اللَّهُ ولا تَتَّبِعْ أهْواءَهُمْ﴾ [المائدة: ٤٩] [المائِدَةِ: ٤٩]، قالَ: فَأُمِرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنْ يَحْكُمَ بَيْنَهم بِما في كِتابِنا. (p-٣١٥)وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فاحْكم بَيْنَهم أوْ أعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ قالَ: نَسَخَتْها هَذِهِ الآيَةُ: ﴿وأنِ احْكم بَيْنَهم بِما أنْزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٤٩] .
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، عَنْ عِكْرِمَةَ، مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ شِهابٍ، أنَّ الآيَةَ الَّتِي في سُورَةِ المائِدَةِ: ﴿فَإنْ جاءُوكَ فاحْكم بَيْنَهُمْ﴾ كانَتْ في شَأْنِ الرَّجْمِ.
وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والطَّبَرانِيُّ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، مِن طَرِيقِ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ الآياتِ مِنَ المائِدَةِ الَّتِي قالَ اللَّهُ فِيها: ﴿فاحْكم بَيْنَهم أوْ أعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿المُقْسِطِينَ﴾ إنَّما نَزَلَتْ في الدِّيَةِ مِن بَنِي النَّضِيرِ وقُرَيْظَةَ، وذَلِكَ أنَّ قَتْلى بَنِي النَّضِيرِ كانَ لَهم شَرَفٌ، يُودَوْنَ الدِّيَةَ كامِلَةً، وإنَّ بَنِي قُرَيْظَةَ كانُوا يُودَوْنَ نِصْفَ الدِّيَةِ، فَتَحاكَمُوا في ذَلِكَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَأنْزَلَ اللَّهُ ذَلِكَ فِيهِمْ، فَحَمَلَهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلى الحَقِّ، في ذَلِكَ، فَجَعَلَ الدِّيَةَ سَواءً (p-٣١٦)وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، والحاكِمُ، وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ في ”سُنَنِهِ“، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانَتْ قُرَيْظَةُ والنَّضِيرُ، وكانَ النَّضِيرُ أشْرَفَ مِن قُرَيْظَةَ، فَكانَ إذا قَتَلَ رَجُلٌ مِنَ النَّضِيرِ رَجُلًا مِن قُرَيْظَةَ أدّى مِائَةَ وسْقٍ مِن تَمْرٍ، وإذا قَتَلَ رَجُلٌ مِن قُرَيْظَةَ رَجُلًا مِنَ النَّضِيرِ قُتِلَ بِهِ، فَلَمّا بُعِثَ النَّبِيُّ ﷺ قَتَلَ رَجُلٌ مِنَ النَّضِيرِ رَجُلًا مِن قُرَيْظَةَ، فَقالُوا: ادْفَعُوهُ إلَيْنا نَقْتُلْهُ، فَقالُوا: بَيْنَنا وبَيْنَكُمُ النَّبِيُّ ﷺ فَأتَوْهُ، فَنَزَلَتْ: ﴿وإنْ حَكَمْتَ فاحْكم بَيْنَهم بِالقِسْطِ﴾ والقِسْطُ النَّفْسُ بِالنَّفْسِ، ثُمَّ نَزَلَتْ: ﴿أفَحُكْمَ الجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾ [المائدة: ٥٠] [المائِدَةِ: ٥٠] .
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿فَإنْ جاءُوكَ فاحْكم بَيْنَهم أوْ أعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ قالَ: يَوْمَ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ كانَ في سَعَةٍ مِن أمْرِهِ، فَإنْ شاءَ حَكَمَ، وإنْ شاءَ لَمْ يَحْكُمْ، ثُمَّ قالَ: ﴿وإنْ تُعْرِضْ عَنْهم فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا﴾ قالَ: نَسَخَتْها: ﴿وأنِ احْكم بَيْنَهم بِما أنْزَلَ اللَّهُ ولا تَتَّبِعْ أهْواءَهُمْ﴾ [المائدة: ٤٩]
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والنَّحّاسُ في (ناسِخِهِ)، عَنِ الشَّعْبِيِّ في قَوْلِهِ: ﴿فَإنْ جاءُوكَ فاحْكم بَيْنَهم أوْ أعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ قالَ: إنْ شاءَ حَكَمَ بَيْنَهُمْ، وإنْ شاءَ لَمْ يَحْكم.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ إبْراهِيمَ، والشَّعْبِيِّ، (p-٣١٧)قالا: إذا جاؤُوا إلى حاكِمٍ مِنَ المُسْلِمِينَ، إنْ شاءَ حَكَمَ بَيْنَهُمْ، وإنْ شاءَ أعْرَضَ عَنْهُمْ، وإنْ حَكَمَ بَيْنَهم حَكَمَ بِما أنْزَلَ اللَّهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ عَطاءٍ في الآيَةِ قالَ: هو مُخَيَّرٌ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ في أهْلِ الذِّمَّةِ يَرْتَفِعُونَ إلى حُكّامِ المُسْلِمِينَ قالَ: يَحْكُمُ بَيْنَهم بِما أنْزَلَ اللَّهُ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: أهْلُ الذِّمَّةِ إذا ارْتَفَعُوا إلى المُسْلِمِينَ حُكِمَ عَلَيْهِمْ بِحُكْمِ المُسْلِمِينَ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وأبُو الشَّيْخِ، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ إبْراهِيمَ التَّيْمِيِّ: ﴿وإنْ حَكَمْتَ فاحْكم بَيْنَهم بِالقِسْطِ﴾ قالَ: بِالرَّجْمِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أبِي مالِكٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُقْسِطِينَ﴾ يَعْنِي: المُعَدِّلِينَ في القَوْلِ والفِعْلِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، عَنِ الزُّهْرِيِّ في الآيَةِ قالَ: مَضَتِ السُّنَّةُ أنْ يُرَدُّوا في حُقُوقِهِمْ، ومَوارِيثِهِمْ إلى أهْلِ دِينِهِمْ، إلّا أنْ يَأْتُوا راغِبِينَ في حَدٍّ يُحْكَمُ بَيْنَهم فِيهِ (p-٣١٨)فَيُحْكَمُ بَيْنَهم بِكِتابِ اللَّهِ، وقَدْ قالَ اللَّهُ لِرَسُولِهِ ﷺ: ﴿وإنْ حَكَمْتَ فاحْكم بَيْنَهم بِالقِسْطِ﴾ .
المائدة 5:43
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ﴾ الآيَةَ.
أخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنِ البَراءِ بْنِ عازِبٍ قالَ: «مُرَّ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِيَهُودِيٍّ مُحَمَّمٍ قَدْ جُلِدَ، فَسَألَهم: (ما شَأْنُ هَذا؟) قالُوا: زَنى، فَسَألَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ اليَهُودَ: (ما تَجِدُونَ حَدَّ الزّانِي في كِتابِكُمْ؟) قالُوا: نَجِدُ حَدَّهُ التَّحْمِيمَ والجَلْدَ، فَسَألَهم: (أيُّكم أعْلَمُ؟) فَوَرِكُوا ذَلِكَ إلى رَجُلٍ مِنهُمْ، قالُوا: فُلانٌ، فَأرْسَلْ إلَيْهِ فَسَألَهُ قالَ: نَجِدُ التَّحْمِيمَ، والجَلْدَ، فَناشَدَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (ما تَجِدُونَ حَدَّ الزّانِي في كِتابِكُمْ؟) قالَ: نَجِدُ الرَّجْمَ، ولَكِنَّهُ كَثُرَ في عُظَمائِنا، فامْتَنَعُوا مِنهم بِقَوْمِهِمْ، ووَقَعَ الرَّجْمُ عَلى ضُعَفائِنا، فَقُلْنا: نَضَعُ شَيْئًا يَصْلُحُ بَيْنَهم حَتّى يَسْتَوُوا فِيهِ، فَجَعَلْنا التَّحْمِيمَ والجَلْدَ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: (اللَّهُمَّ إنِّي أوَّلُ مَن أحْيا أمْرَكَ إذْ أماتُوهُ)، فَأمَرَ بِهِ فَرُجِمَ، قالَ: ووَقَعَ اليَهُودُ بِذَلِكَ الرَّجُلِ الَّذِي أخْبَرَ النَّبِيَّ ﷺ وشَتَمُوهُ، وقالُوا لَهُ: لَوْ كُنّا نَعْلَمُ أنَّكَ تَقُولُ هَذا ما قُلْنا: إنَّكَ أعْلَمُنا، قالَ: ثُمَّ جَعَلُوا بَعْدَ ذَلِكَ يَسْألُونَ النَّبِيَّ ﷺ: ما تَجِدُ فِيما أُنْزِلَ إلَيْكَ حَدَّ الزّانِي؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وعِنْدَهُمُ التَّوْراةُ (p-٣١٩)فِيها حُكْمُ اللَّهِ﴾ فَقَرَأ هَذِهِ الآيَةَ في المائِدَةِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وعِنْدَهُمُ التَّوْراةُ فِيها حُكْمُ اللَّهِ﴾ يَعْنِي: حُدُودَ اللَّهِ، فَأخْبَرَهُ اللَّهُ بِحُكْمِهِ في التَّوْراةِ قالَ: ﴿وكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها﴾ [المائدة: ٤٥] إلى قَوْلِهِ: ﴿والجُرُوحَ قِصاصٌ﴾ [المائدة: ٤٥] .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وعِنْدَهُمُ التَّوْراةُ فِيها حُكْمُ اللَّهِ﴾ يَقُولُ: عِنْدَهم بَيانُ ما تَشاجَرُوا فِيهِ مِن شَأْنِ قَتِيلِهِمْ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُقاتِلِ بْنِ حَيّانَ في قَوْلِهِ: ﴿وكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وعِنْدَهُمُ التَّوْراةُ فِيها حُكْمُ اللَّهِ﴾ يَقُولُ: فِيها الرَّجْمُ لِلْمُحْصَنِ والمُحْصَنَةِ، والإيمانُ بِمُحَمَّدٍ ﷺ، والتَّصْدِيقُ لَهُ، ﴿ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ﴾ يَعْنِي: عَنِ الحَقِّ، ﴿مِن بَعْدِ ذَلِكَ﴾ يَعْنِي: بَعْدَ البَيانِ، ﴿وما أُولَئِكَ بِالمُؤْمِنِينَ﴾ يَعْنِي: اليَهُودَ.
المائدة 5:44
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا أنْزَلْنا التَّوْراةَ﴾ الآيَةَ.
أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُقاتِلٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنّا أنْزَلْنا التَّوْراةَ فِيها هُدًى ونُورٌ﴾ يَعْنِي: هُدًى مِنَ الضَّلالَةِ، ونُورٌ مِنَ العَمى، ﴿يَحْكُمُ بِها النَّبِيُّونَ﴾ يَحْكُمُونَ بِما في التَّوْراةِ مِن لَدُنْ مُوسى إلى عِيسى ﴿لِلَّذِينَ هادُوا﴾ لَهم وعَلَيْهِمْ، ثُمَّ قالَ: ويَحْكُمُ بِها الرَّبّانِيُّونَ والأحْبارُ أيْضًا بِالتَّوْراةِ، ﴿بِما اسْتُحْفِظُوا مِن كِتابِ اللَّهِ﴾ يَقُولُ: بِما عَلِمُوا مِن كِتابِ اللَّهِ مِنَ (p-٣٢٠)الرَّجْمِ، والإيمانِ بِمُحَمَّدٍ ﷺ، ﴿وكانُوا عَلَيْهِ شُهَداءَ فَلا تَخْشَوُا النّاسَ﴾ في أمْرِ مُحَمَّدٍ ﷺ والرَّجْمِ، يَقُولُ: أظْهِرُوا أمْرَ مُحَمَّدٍ والرَّجْمِ، واخْشَوْنِ في كِتْمانِهِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿إنّا أنْزَلْنا التَّوْراةَ فِيها هُدًى ونُورٌ يَحْكُمُ بِها النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أسْلَمُوا لِلَّذِينَ هادُوا والرَّبّانِيُّونَ والأحْبارُ﴾ قالَ: أمّا الرَّبّانِيُّونَ، فَفُقَهاءُ اليَهُودِ، وأمّا الأحْبارُ، فَعُلَماؤُهُمْ، قالَ: وذُكِرَ لَنا «أنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ قالَ لَمّا أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: (نَحْنُ نَحْكُمُ عَلى اليَهُودِ، وعَلى مَن سِواهم مِن أهْلِ الأدْيانِ») .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿يَحْكُمُ بِها النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أسْلَمُوا﴾ يَعْنِي النَّبِيَّ ﷺ ﴿لِلَّذِينَ هادُوا﴾ يَعْنِي اليَهُودَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ في قَوْلِهِ: ﴿يَحْكُمُ بِها النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أسْلَمُوا﴾ قالَ: النَّبِيُّ ﷺ ومَن قَبْلَهُ مِنَ الأنْبِياءِ يَحْكُمُونَ بِما فِيها مِنَ الحَقِّ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ الضَّحّاكِ في قَوْلِهِ: ﴿والرَّبّانِيُّونَ والأحْبارُ﴾ قالَ: قُرّاؤُهم وفُقَهاؤُهم.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ الحَسَنِ قالَ: ﴿الرَّبّانِيُّونَ والأحْبارُ﴾ [المائدة: ٦٣] الفُقَهاءُ والعُلَماءُ. (p-٣٢١)وأخْرَجَ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: ﴿الرَّبّانِيُّونَ﴾ [المائدة: ٦٣] العُلَماءُ الفُقَهاءُ، وهم فَوْقَ الأحْبارِ.
وأخْرَجَ عَنْ قَتادَةَ قالَ: الرَّبّانِيُّونَ فُقَهاءُ اليَهُودِ، والأحْبارُ عُلَماؤُهم.
وأخْرَجَ ابْنُ زَيْدٍ قالَ: الرَّبّانِيُّونَ الوُلاةُ والأحْبارُ العُلَماءُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ قالَ: كانَ رَجُلانِ مِنَ اليَهُودِ أخَوانِ يُقالُ لَهُما: ابْنا صُورِيا، قَدِ اتَّبَعا النَّبِيَّ ﷺ ولَمْ يُسْلِما، وأعْطَياهُ عَهْدًا ألّا يَسْألَهُما عَنْ شَيْءٍ في التَّوْراةِ إلّا أخْبَراهُ بِهِ، وكانَ أحَدُهُما رِبِّيًّا والآخَرُ حَبْرًا، وإنَّما اتَّبَعا النَّبِيَّ ﷺ يَتَعَلَّمانِ مِنهُ فَدَعاهُما، فَسَألَهُما، فَأخْبَراهُ الأمْرَ كَيْفَ كانَ حِينَ زَنى الشَّرِيفُ وزَنى المِسْكِينُ، وكَيْفَ غَيَّرُوهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿إنّا أنْزَلْنا التَّوْراةَ فِيها هُدًى ونُورٌ يَحْكُمُ بِها (p-٣٢٢)النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أسْلَمُوا لِلَّذِينَ هادُوا﴾ يَعْنِي النَّبِيَّ ﷺ، ﴿والرَّبّانِيُّونَ والأحْبارُ﴾ هُما ابْنا صُورِيا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الحَسَنِ قالَ: الرَّبّانِيُّونَ أهْلُ عِبادَةِ اللَّهِ، وأهْلُ تَقْوى اللَّهِ.
وأخْرَجَ عَنِ قَتادَةَ قالَ: الرَّبّانِيُّونَ العُبّادُ، والأحْبارُ العُلَماءُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الرَّبّانِيُّونَ الفُقَهاءُ العُلَماءُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿والرَّبّانِيُّونَ﴾ قالَ: هُمُ المُؤْمِنُونَ، ﴿والأحْبارُ﴾ قالَ: هُمُ القُرّاءُ، ﴿وكانُوا عَلَيْهِ شُهَداءَ﴾ يَعْنِي الرَّبّانِيِّينَ والأحْبارَ، هُمُ الشُّهَداءُ لِمُحَمَّدٍ ﷺ بِما قالَ أنَّهُ حَقٌّ جاءَ مِن عِنْدِ اللَّهِ، فَهو نَبِيُّ اللَّهِ مُحَمَّدٌ ﷺ أتَتْهُ اليَهُودُ فَقَضى بَيْنَهم بِالحَقِّ.
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا تَخْشَوُا النّاسَ واخْشَوْنِ﴾ الآيَةَ.
أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ: ﴿فَلا تَخْشَوُا النّاسَ واخْشَوْنِ﴾ لِمُحَمَّدٍ ﷺ وأُمَّتِهِ (p-٣٢٣)وأخْرَجَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ في (نَوادِرِ الأُصُولِ)، وابْنُ عَساكِرَ،عَنْ نافِعٍ قالَ: «كُنّا مَعَ ابْنِ عُمَرَ في سَفَرٍ، فَقِيلَ: إنَّ السَّبُعَ في الطَّرِيقِ قَدْ حَبَسَ النّاسَ، فاسْتَحَثَّ ابْنُ عُمَرَ راحِلَتَهُ، فَلَمّا بَلَغَ إلَيْهِ نَزَلَ فَعَرَكَ أُذُنَهُ، وقَعَّدَهُ، وقالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: (إنَّما يُسَلَّطُ عَلى ابْنِ آدَمَ مَن خافَهُ ابْنُ آدَمَ، ولَوْ أنَّ ابْنَ آدَمَ لَمْ يَخَفْ إلّا اللَّهَ لَمْ يُسَلِّطْ عَلَيْهِ غَيْرَهُ، وإنَّما وُكِلَ ابْنُ آدَمَ بِمَن رَجا ابْنُ آدَمَ، ولَوْ أنَّ ابْنَ آدَمَ لَمْ يَرْجُ إلّا اللَّهَ لَمْ يَكِلْهُ إلى سِواهُ») .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ السُّدِّيِّ: ﴿فَلا تَخْشَوُا النّاسَ﴾ فَتَكْتُمُوا ما أنْزَلْتُ، ﴿ولا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَنًا قَلِيلا﴾ عَلى أنْ تَكْتُمُوا ما أنْزَلْتُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ زَيْدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولا تَشْتَرُوا بِآياتِي ثَمَنًا قَلِيلا﴾ قالَ: لا تَأْكُلُوا السُّحْتَ عَلى كِتابِي.
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَن لَمْ يَحْكم بِما أنْزَلَ اللَّهُ﴾ الآيَةَ.
(p-٣٢٤)وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ومَن لَمْ يَحْكُمْ﴾ يَقُولُ: مَن جَحَدَ الحُكْمَ بِما أنْزَلَ اللَّهُ فَقَدْ كَفَرَ، ومَن أقَرَّ بِهِ ولَمْ يَحْكم بِهِ فَهو ظالِمٌ فاسِقٌ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، والفِرْيابِيُّ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ في ”سُنَنِهِ“، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ومَن لَمْ يَحْكم بِما أنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الكافِرُونَ﴾ قالَ: إنَّهُ لَيْسَ بِالكُفْرِ الَّذِي تَذْهَبُونَ إلَيْهِ، إنَّهُ لَيْسَ كُفْرًا يَنْقُلُ عَنِ المِلَّةِ، كُفْرٌ دُونَ كُفْرٍ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ومَن لَمْ يَحْكم بِما أنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الكافِرُونَ﴾ قالَ: هي بِهِ كُفْرٌ، ولَيْسَ كَمَن كَفَرَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ عَطاءِ بْنِ أبِي رَباحٍ في قَوْلِهِ: ﴿ومَن لَمْ يَحْكم بِما أنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الكافِرُونَ﴾، ﴿ومَن لَمْ يَحْكم بِما أنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ [المائدة: ٤٥]، ﴿ومَن لَمْ يَحْكم بِما أنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الفاسِقُونَ﴾ [المائدة: ٤٧]، قالَ: كُفْرٌ دُونَ كُفْرٍ، وظُلْمٌ دُونَ ظُلْمٍ، وفِسْقٌ دُونَ فِسْقٍ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: (p-٣٢٥)إنَّما نَزَّلَ اللَّهُ: ﴿ومَن لَمْ يَحْكم بِما أنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الكافِرُونَ﴾ والظّالِمُونَ، والفاسِقُونَ في اليَهُودِ خاصَّةً.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ أبِي صالِحٍ قالَ: الثَّلاثُ الآياتِ الَّتِي في المائِدَةِ: ﴿ومَن لَمْ يَحْكم بِما أنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الكافِرُونَ﴾، ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ [المائدة: ٤٥]، ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الفاسِقُونَ﴾ [المائدة: ٤٧] لَيْسَ في أهْلِ الإسْلامِ مِنها شَيْءٌ، هي في الكُفّارِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ الضَّحّاكِ في قَوْلِهِ: ﴿ومَن لَمْ يَحْكم بِما أنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الكافِرُونَ﴾، والظّالِمُونَ، والفاسِقُونَ، قالَ: نَزَلَتْ هَؤُلاءِ الآياتُ في أهْلِ الكِتابِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: نَزَلَتْ هَؤُلاءِ الآياتُ في أهْلِ الكِتابِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ إبْراهِيمَ النَّخَعِيِّ في قَوْلِهِ: ﴿ومَن لَمْ يَحْكم بِما أنْزَلَ اللَّهُ﴾ الآياتِ، قالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآياتُ في بَنِي إسْرائِيلَ، ورَضِيَ لِهَذِهِ الأُمَّةِ بِها.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿ومَن لَمْ يَحْكم بِما أنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الكافِرُونَ﴾ قالَ: نَزَلَتْ في اليَهُودِ، وهي عَلَيْنا واجِبَةٌ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ الشَّعْبِيِّ قالَ: الثَّلاثُ آياتٍ الَّتِي في المائِدَةِ: ﴿ومَن لَمْ يَحْكم بِما أنْزَلَ اللَّهُ﴾ أوَّلُها في هَذِهِ الأُمَّةِ، والثّانِيَةُ في اليَهُودِ، والثّالِثَةُ في النَّصارى.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ زَيْدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ومَن لَمْ يَحْكم بِما أنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الكافِرُونَ﴾ قالَ: مَن حَكَمَ بِكِتابِهِ الَّذِي كَتَبَ بِيَدِهِ، وتَرَكَ كِتابَ اللَّهِ، وزَعَمَ أنَّ كِتابَهُ هَذا مِن عِنْدِ اللَّهِ فَقَدْ كَفَرَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، عَنْ حُذَيْفَةَ أنَّ هَذِهِ الآياتِ ذُكِرَتْ عِنْدَهُ: ﴿ومَن لَمْ يَحْكم بِما أنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الكافِرُونَ﴾، والظّالِمُونَ، والفاسِقُونَ، فَقالَ رَجُلٌ: إنَّ هَذا في بَنِي إسْرائِيلَ، قالَ حُذَيْفَةُ: نِعْمَ الإخْوَةُ لَكم بَنُو إسْرائِيلَ، إنْ كانَ لَكم كُلُّ حُلْوَةٍ، ولَهم كُلُّ مُرَّةٍ، كَلّا واللَّهِ، لَتَسْلُكُنَّ طَرِيقَهم قِدَّ الشِّراكِ. (p-٣٢٧)وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نِعْمَ القَوْمُ أنْتُمْ، إنْ كانَ ما كانَ مِن حُلْوٍ فَهو لَكُمْ، وما كانَ مِن مُرٍّ فَهو لِأهْلِ الكِتابِ، كَأنَّهُ يَرى أنَّ ذَلِكَ في المُسْلِمِينَ، ﴿ومَن لَمْ يَحْكم بِما أنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الكافِرُونَ﴾ .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ أبِي مِجْلَزٍ أنَّهُ أتاهُ النّاسُ، فَقالُوا: يا أبا مِجْلَزٍ، ﴿ومَن لَمْ يَحْكم بِما أنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الفاسِقُونَ﴾ [المائدة: ٤٧] ؟ قالَ: نَعَمْ، قالُوا: ﴿ومَن لَمْ يَحْكم بِما أنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ [المائدة: ٤٥] ؟ قالَ: نَعَمْ، قالُوا: ﴿ومَن لَمْ يَحْكم بِما أنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الكافِرُونَ﴾ ؟ قالَ: نَعَمْ، قالُوا: فَهَؤُلاءِ يَحْكُمُونَ بِما أنْزَلَ اللَّهُ؟ قالَ: نَعَمْ، هو دِينُهُمُ الَّذِي بِهِ يَحْكُمُونَ، والَّذِي بِهِ يَتَكَلَّمُونَ، وإلَيْهِ يَدْعُونَ، فَإذا تَرَكُوا مِنهُ شَيْئًا عَلِمُوا أنَّهُ جَوْرٌ مِنهُمْ، إنَّما هَذِهِ لِلْيَهُودِ والنَّصارى والمُشْرِكِينَ الَّذِينَ لا يَحْكُمُونَ بِما أنْزَلَ اللَّهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ حَكِيمِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: سَألْتُ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ، عَنْ هَذِهِ الآياتِ في المائِدَةِ: ﴿ومَن لَمْ يَحْكم بِما أنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الكافِرُونَ﴾، ﴿ومَن لَمْ يَحْكم بِما أنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ﴾ [المائدة: ٤٥]، ﴿ومَن لَمْ يَحْكم بِما أنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الفاسِقُونَ﴾ [المائدة: ٤٧] فَقُلْتُ: زَعَمَ قَوْمٌ أنَّها (p-٣٢٨)نَزَلَتْ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ، ولَمْ تَنْزِلْ عَلَيْنا، قالَ: اقْرَأْ ما قَبْلَها وما بَعْدَها، فَقَرَأْتُ عَلَيْهِ، فَقالَ: لا، بَلْ نَزَلَتْ عَلَيْنا، ثُمَّ لَقِيتُ مِقْسَمًا مَوْلى ابْنِ عَبّاسٍ، فَسَألْتُهُ عَنْ هَؤُلاءِ الآياتِ الَّتِي في المائِدَةِ قُلْتُ: زَعَمَ قَوْمٌ أنَّها نَزَلَتْ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ، ولَمْ تَنْزِلْ عَلَيْنا، قالَ: إنَّهُ قَدْ نَزَلَ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ، ونَزَلَ عَلَيْنا، وما نَزَلَ عَلَيْنا وعَلَيْهِمْ، فَهو لَنا ولَهُمْ، ثُمَّ دَخَلْتُ عَلى عَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنِ، فَسَألْتُهُ عَنْ هَذِهِ الآياتِ الَّتِي في المائِدَةِ، وحَدَّثْتُهُ أنِّي سَألْتُ عَنْها سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ، ومِقْسَمًا، قالَ: فَما قالَ لَكَ مِقْسَمٌ؟ فَأخْبَرْتُهُ بِما قالَ، قالَ: صَدَقَ، ولَكِنَّهُ كُفْرٌ لَيْسَ كَكُفْرِ الشِّرْكِ، وفِسْقٌ لَيْسَ كَفِسْقِ الشِّرْكِ، وظُلْمٌ لَيْسَ كَظُلْمِ الشِّرْكِ، فَلَقِيتُ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ فَأخْبَرْتُهُ بِما قالَ، فَقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ لِابْنِهِ: كَيْفَ رَأيْتَهُ؟ لَقَدْ وجَدْتُ لَهُ فَضْلًا عَلَيْكَ وعَلَيَّ وعَلى مِقْسَمٍ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، عَنْ عُمَرَ قالَ: ما رَأيْتُ مِثْلَ مَن قَضى بَيْنَ اثْنَيْنِ بَعْدَ هَؤُلاءِ الآياتِ الثَّلاثِ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، عَنْ عُمَرَ قالَ: ما رَأيْتُ مَن قَضى بَيْنَ اثْنَيْنِ بَعْدَ هَؤُلاءِ الآياتِ الثَّلاثِ.
وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، عَنْ يَحْيى بْنِ سَعِيدٍ قالَ: اسْتُعْمِلَ أبُو الدَّرْداءِ عَلى القَضاءِ فَأصْبَحَ يُهَنِّئُونَهُ، فَقالَ: أتُهَنِّئُونِي بِالقَضاءِ، وقَدْ جُعِلْتُ عَلى رَأْسِ مَهْواةٍ مَزَلَّتُها أبْعَدُ مِن عَدَنِ أبْيَنَ، ولَوْ عَلِمَ النّاسُ ما في القَضاءِ لَأخَذُوهُ بِالدُّوَلِ (p-٣٢٩)رَغْبَةً عَنْهُ، وكَراهِيَةً لَهُ، ولَوْ يَعْلَمُ النّاسُ ما في الأذانِ لَأخَذُوهُ بِالدُّوَلِ رَغْبَةً فِيهِ وحِرْصًا عَلَيْهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ مَوْهَبٍ، أنَّ عُثْمانَ قالَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ: اقْضِ بَيْنَ النّاسِ، قالَ: لا أقْضِي بَيْنَ اثْنَيْنِ، ولا أؤُمُّ اثْنَيْنِ، فَقالَ عُثْمانُ: أتَعْصِينِي؟ قالَ: لا، ولَكِنَّهُ بَلَغَنِي أنَّ القُضاةَ ثَلاثَةٌ، رَجُلٌ قَضى بِجَهْلٍ فَهو في النّارِ، ورَجُلٌ حافَ ومالَ بِهِ الهَوى فَهو في النّارِ، ورَجُلٌ اجْتَهَدَ فَأصابَ فَهو كَفافٌ لا أجْرَ لَهُ، ولا وِزْرَ عَلَيْهِ، قالَ: فَإنَّ أباكَ كانَ يَقْضِي، قالَ: إنَّ أبِي كانَ يَقْضِي، فَإذا أشْكَلَ عَلَيْهِ شَيْءٌ سَألَ النَّبِيَّ ﷺ، وإذا أشْكَلَ عَلى النَّبِيِّ ﷺ سَألَ جِبْرِيلَ، وإنِّي لا أجِدُ مَن أسْألُ، أما سَمِعْتَ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: (مَن عاذَ بِاللَّهِ فَقَدْ عاذَ بِمَعاذٍ)؟ فَقالَ عُثْمانُ: بَلى، قالَ: فَإنِّي أعُوذُ بِاللَّهِ أنْ تَسْتَعْمِلَنِي، فَأعْفاهُ، وقالَ: لا تُخْبِرْ بِهَذا أحَدًا.
وأخْرَجَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ في (نَوادِرِ الأُصُولِ) عَنْ عَبْدِ العَزِيزِ بْنِ أبِي رَوّادٍ قالَ: بَلَغَنِي أنَّ قاضِيًا كانَ في زَمَنِ بَنِي إسْرائِيلَ بَلَغَ مِنِ اجْتِهادِهِ أنْ طَلَبَ إلى رَبِّهِ (p-٣٣٠)أنْ يَجْعَلَ بَيْنَهُ وبَيْنَهُ عَلَمًا إذا هو قَضى بِالحَقِّ، عَرَفَ ذَلِكَ، وإذا هو قَصَّرَ بِهِ عَرَفَ ذَلِكَ، فَقِيلَ لَهُ: ادْخُلْ مَنزِلَكَ، ثُمَّ مُدَّ يَدَكَ في جِدارِكَ، ثُمَّ انْظُرْ كَيْفَ تَبْلُغُ أصابِعُكَ مِنَ الجِدارِ، فاخْطُطْ عِنْدَها خَطًّا، فَإذا أنْتَ قُمْتَ مِن مَجْلِسِ القَضاءِ، فارْجِعْ إلى ذَلِكَ الخَطِّ، فامْدُدْ يَدَكَ إلَيْهِ، فَإنَّكَ مَتّى كُنْتَ عَلى الحَقِّ فَإنَّكَ سَتَبْلُغُهُ، وإنْ قَصَّرْتَ عَنِ الحَقِّ قَصَّرَ بِكَ، فَكانَ يَغْدُو إلى القَضاءِ، وهو مُجْتَهِدٌ، وكانَ لا يَقْضِي إلّا بِالحَقِّ، وإذا قامَ مِن مَجْلِسِهِ وفَرَغَ لَمْ يَذُقْ طَعامًا ولا شَرابًا، ولا يُفْضِي إلى أهْلِهِ بِشَيْءٍ حَتّى يَأْتِيَ ذَلِكَ الخَطَّ، فَإذا بَلَغَهُ حَمِدَ اللَّهَ، وأفْضى إلى كُلِّ ما أحَلَّ اللَّهُ لَهُ مِن أهْلٍ، أوْ مَطْعَمٍ، أوْ مَشْرَبٍ، فَلَمّا كانَ ذاتَ يَوْمٍ، وهو في مَجْلِسِ القَضاءِ أقْبَلَ إلَيْهِ رَجُلانِ يُرِيدانِهِ، فَوَقَعَ في نَفْسِهِ أنَّهُما يُرِيدانِ أنْ يَخْتَصِما إلَيْهِ، وكانَ أحَدُهُما لَهُ صَدِيقًا وخِدْنًا، فَتَحَرَّكَ قَلْبُهُ عَلَيْهِ مَحَبَّةَ أنْ يَكُونَ الحَقُّ لَهُ، فَيَقْضِيَ لَهُ بِهِ، فَلَمّا أنْ تَكَلَّما دارَ الحَقُّ عَلى صاحِبِهِ، فَقَضى عَلَيْهِ، فَلَمّا قامَ مِن مَجْلِسِهِ ذَهَبَ إلى خَطِّهِ كَما كانَ يَذْهَبُ كُلَّ يَوْمٍ، فَمَدَّ يَدَهُ إلى الخَطِّ، فَإذا الخَطُّ قَدْ ذَهَبَ، وتَشَمَّرَ إلى السَّقْفِ، وإذا هو لا يَبْلُغُهُ، فَخَرَّ ساجِدًا وهو يَقُولُ: يا رَبِّ، شَيْئًا لَمْ أتَعَمَّدْهُ، ولَمْ أُرِدْهُ فَبَيِّنْهُ لِي، فَقِيلَ لَهُ: أتَحْسَبَنَّ أنَّ اللَّهَ لَمْ يَطَّلِعْ عَلى جَوْرِ قَلْبِكَ حَيْثُ أحْبَبْتَ أنْ يَكُونَ الحَقُّ لِصَدِيقِكَ فَتَقْضِيَ لَهُ بِهِ، قَدْ أرَدْتَهُ، وأحْبَبْتَهُ، ولَكِنَّ اللَّهَ قَدْ رَدَّ الحَقَّ إلى أهْلِهِ، وأنْتَ لِذَلِكَ كارِهٌ. (p-٣٣١)وأخْرَجَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ، عَنْ لَيْثٍ قالَ: تَقَدَّمَ إلى عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ خَصْمانِ فَأقامَهُما، ثُمَّ عادا، فَفَصَلَ بَيْنَهُما، فَقِيلَ لَهُ في ذَلِكَ، فَقالَ: تَقَدَّما إلَيَّ، فَوَجَدْتُ لِأحَدِهِما ما لَمْ أجِدْ لِصاحِبِهِ، فَكَرِهْتُ أنْ أفْصِلَ بَيْنَهُما عَلى ذَلِكَ، ثُمَّ عادا، فَوَجَدْتُ بَعْضَ ذَلِكَ فَكَرِهْتُ، ثُمَّ عادا، وقَدْ ذَهَبَ ذَلِكَ فَفَصَلْتُ بَيْنَهُما.
المائدة 5:45
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها﴾ الآيَةَ.
أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قالَ: لَمّا رَأتْ قُرَيْظَةُ النَّبِيَّ ﷺ قَدْ حَكَمَ بِالرَّجْمِ، وكانُوا يُخْفُونَهُ في كِتابِهِمْ، نَهَضَتْ قُرَيْظَةُ فَقالُوا: يا مُحَمَّدُ، اقْضِ بَيْنَنا، وبَيْنَ إخْوانِنا بَنِي النَّضِيرِ، وكانَ بَيْنَهم دَمٌ قَبْلَ قُدُومِ النَّبِيِّ ﷺ، وكانَتِ النَّضِيرُ يَتَعَزَّزُونَ عَلى بَنِي قُرَيْظَةَ، ودِياتُهم عَلى أنْصافِ دِياتِ النَّضِيرِ، وكانَتِ الدِّيَةُ مِن وُسُوقِ التَّمْرِ أرْبَعِينَ ومِائَةَ وسْقٍ لِبَنِي النَّضِيرِ، وسَبْعِينَ وسْقًا لِبَنِي قُرَيْظَةَ، فَقالَ: (دَمُ القُرَظِيِّ وفاءٌ مِن دَمِ النَّضِيرِيِّ)، فَغَضِبَ بَنُو النَّضِيرِ، وقالُوا: لا نُطِيعُكَ في الرَّجْمِ، ولَكِنّا نَأْخُذُ بِحُدُودِنا الَّتِي كُنّا عَلَيْها، فَنَزَلَتْ: ﴿أفَحُكْمَ الجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾ [المائدة: ٥٠] ؟ ونَزَلَ: ﴿وكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ الآيَةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، مِن طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿وكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها﴾ قالَ: في التَّوْراةِ. (p-٣٣٢)وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ المُنْذِرِ مِن طَرِيقِ مُجاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ قالَ: كَتَبَ عَلَيْهِمْ هَذا في التَّوْراةِ، فَكانُوا يَقْتُلُونَ الحُرَّ بِالعَبْدِ، ويَقُولُونَ: كُتِبَ عَلَيْنا أنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ قالَ: كُتِبَ ذَلِكَ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ، فَهَذِهِ الآياتُ لَنا ولَهم.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الحَسَنِ، أنَّهُ سُئِلَ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿وكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ إلى تَمامِ الآيَةِ، هي عَلَيْهِمْ خاصَّةً؟ قالَ: بَلْ عَلَيْهِمْ والنّاسِ عامَّةً.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ: ﴿وكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها﴾ قالَ: في التَّوْراةِ ﴿أنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ الآيَةَ، قالَ: إنَّما أُنْزِلَ ما تَسْمَعُونَ في أهْلِ الكِتابِ حِينَ نَبَذُوا كِتابَ اللَّهِ وعَطَّلُوا حُدُودَهُ، وتَرَكُوا كِتابَهُ، وقَتَلُوا رُسُلَهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، عَنِ الحَسَنِ يَرْوِيهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «(مَن قَتَلَ عَبْدَهُ قَتَلْناهُ، ومَن جَدَعَهُ جَدَعْناهُ)، فَراجَعُوهُ، فَقالَ: (قَضى اللَّهُ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ») .
وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في ”سُنَنِهِ“ عَنِ ابْنِ شِهابٍ قالَ: لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿وكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ أُقِيدَتِ المَرْأةُ مِنَ الرَّجُلِ، وفِيما (p-٣٣٣)تُعُمِّدَ مِنَ الجَوارِحِ.
وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ قالَ: الرَّجُلُ يُقْتَلُ بِالمَرْأةِ إذا قَتَلَها، قالَ اللَّهُ: ﴿وكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في ”سُنَنِهِ“، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ: ﴿أنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ قالَ: يَقُولُ: تُقْتَلُ النَّفْسُ بِالنَّفْسِ، ﴿والعَيْنَ بِالعَيْنِ﴾ قالَ: تُفْقَأُ العَيْنُ بِالعَيْنِ، ﴿والأنْفَ بِالأنْفِ﴾ قالَ: يُقْطَعُ الأنْفُ بِالأنْفِ ﴿والسِّنَّ بِالسِّنِّ﴾ قالَ: تُنْزَعُ السِّنُّ بِالسِّنِّ، ﴿والجُرُوحَ قِصاصٌ﴾ قالَ: وتُقْتَصُّ الجِراحُ بِالجِراحِ، ﴿فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ﴾ يَقُولُ: مَن عَفا عَنْهُ فَهو كَفّارَةٌ لِلْمَطْلُوبِ، وأجْرٌ لِلطّالِبِ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ، وأبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنْ أنَسٍ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَرَأها: (وكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ والعَيْنُ بِالعَيْنِ)، نَصَبَ (النَّفْسَ)، ورَفَعَ (العَيْنَ)، وما بَعْدَهُ، الآيَةَ كُلَّها» . (p-٣٣٤)وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، وأحْمَدُ، والبُخارِيُّ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنْ أنَسٍ، «أنَّ الرُّبَيِّعَ كَسَرَتْ ثَنِيَّةَ جارِيَةٍ، فَأتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: (القِصاصُ)، فَقالَ أخُوها أنَسُ بْنُ النَّضْرِ: يا رَسُولَ اللَّهِ، تُكْسَرُ ثَنِيَّةُ فُلانَةَ، فَقالَ: رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (يا أنَسُ، كِتابُ اللَّهِ القِصاصُ») .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنْ عَطاءٍ، قالَ: لِلْجُرُوحُ قِصاصٌ، ولَيْسَ لِلْإمامِ أنْ يَضْرِبَهُ، ولا أنْ يَحْبِسَهُ، إنَّما هو القِصاصُ، ما كانَ اللَّهُ نَسِيًّا، لَوْ شاءَ لَأمَرَ بِالسَّجْنِ والضَّرْبِ.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في ”سُنَنِهِ“، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، في قَوْلِهِ: ﴿فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهو كَفّارَةٌ لَهُ﴾ قالَ: يُهْدَمُ عَنْهُ مِن ذُنُوبِهِ بِقَدْرِ ما تَصَدَّقَ بِهِ. (p-٣٣٥)وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهو كَفّارَةٌ لَهُ﴾ قالَ: كَفّارَةٌ لِلْمَجْرُوحِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ في قَوْلِهِ: ﴿فَهُوَ كَفّارَةٌ لَهُ﴾ قالَ: لِلْمَجْرُوحِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنِ الشَّعْبِيِّ: ﴿فَهُوَ كَفّارَةٌ لَهُ﴾ قالَ: لِلَّذِي تَصَدَّقَ بِهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنْ رَجُلٍ مِنَ الأنْصارِ، «عَنِ النَّبِيِّ ﷺ في قَوْلِهِ: ﴿فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهو كَفّارَةٌ لَهُ﴾ قالَ: هو الرَّجُلُ تُكْسَرُ سِنُّهُ، أوْ تُقْطَعُ يَدُهُ، أوْ يُقْطَعُ الشَّيْءُ مِنهُ، أوْ يُجْرَحُ في بَدَنِهِ، فَيَعْفُو عَنْ ذَلِكَ، فَيُحَطُّ عَنْهُ قَدْرَ خَطاياهُ، فَإنْ كانَ رُبْعَ الدِّيَةِ فَرُبْعَ خَطاياهُ، وإنْ كانَ الثُّلُثَ فَثُلُثَ خَطاياهُ، وإنْ كانَتِ الدِّيَةَ حُطَّتْ عَنْهُ خَطاياهُ كَذَلِكَ» .
وأخْرَجَ الدَّيْلَمِيُّ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ﴿فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهو كَفّارَةٌ لَهُ﴾ هو الرَّجُلُ يُكْسَرُ سِنُّهُ أوْ يُجْرَحُ مِن جَسَدِهِ، (p-٣٣٦)فَيَعْفُو عَنْهُ، فَيُحَطُّ مِن خَطاياهُ بِقَدْرِ ما عَفا عَنْهُ مِن جَسَدِهِ، إنْ كانَ نِصْفَ الدِّيَةِ فَنِصْفَ خَطاياهُ، وإنْ كانَ رُبْعَ الدِّيَةِ فَرُبْعَ خَطاياهُ، وإنْ كانَ ثُلُثَ الدِّيَةِ فَثُلُثَ خَطاياهُ، وإنْ كانَتِ الدِّيَةَ كُلَّها فَخَطاياهُ كُلَّها») .
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ ثابِتٍ، «أنَّ رَجُلًا هَشَّمَ فَمَ رَجُلٍ عَلى عَهْدِ مُعاوِيَةَ، فَأُعْطِيَ دِيَةً، فَأبى إلّا أنْ يَقْتَصَّ، فَأُعْطِيَ دِيَتَيْنِ فَأبى، فَأُعْطِيَ ثَلاثًا، فَحَدَّثَ رَجُلٌ مِن أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قالَ: (مَن تَصَدَّقَ بِدَمٍ فَما دُونَهُ فَهو كَفّارَةٌ لَهُ مِن يَوْمِ وُلِدَ إلى يَوْمِ يَمُوتُ») .
وأخْرَجَ أحْمَدُ، والتِّرْمِذِيُّ، وابْنُ ماجَهْ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ أبِي السَّفَرِ قالَ: «كَسَرَ رَجُلٌ مِن قُرَيْشٍ سِنَّ رَجُلٍ مِنَ الأنْصارِ، فاسْتَعْدى عَلَيْهِ مُعاوِيَةَ، فَقالَ مُعاوِيَةُ: إنّا سَنُرْضِيهِ، فَألَحَّ الأنْصارِيُّ، فَقالَ مُعاوِيَةُ: شَأْنَكَ وِصاحِبَكَ، وأبُو الدَّرْداءِ جالِسٌ فَقالَ أبُو الدَّرْداءِ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: (ما مِن مُسْلِمٍ يُصابُ بِشَيْءٍ مِن جَسَدِهِ فَيَتَصَدَّقُ بِهِ، إلّا رَفَعَهُ اللَّهُ بِهِ دَرَجَةً، وحَطَّ عَنْهُ (p-٣٣٧)بِهِ خَطِيئَةً)، فَقالَ الأنْصارِيُّ: فَإنِّي قَدْ عَفَوْتُ» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ، والنَّسائِيُّ، عَنْ عُبادَةَ بْنِ الصّامِتِ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «(ما مِن رَجُلٍ يُجْرَحُ في جَسَدِهِ جُرْحَةً فَيَتَصَدَّقُ بِها إلّا كَفَّرَ اللَّهُ عَنْهُ مِثْلَ ما تَصَدَّقَ بِهِ») .
وأخْرَجَ أحْمَدُ، عَنْ رَجُلٍ مِنَ الصَّحابَةِ قالَ: مَن أُصِيبَ بِشَيْءٍ في جَسَدِهِ فَتَرَكَهُ لِلَّهِ كانَ كَفّارَةً لَهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ يُونُسَ بْنِ أبِي إسْحاقَ قالَ: سَألَ مُجاهِدٌ أبا إسْحاقَ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهو كَفّارَةٌ لَهُ﴾ فَقالَ لَهُ أبُو إسْحاقَ: هو الَّذِي يَعْفُو، قالَ مُجاهِدٌ: لا، بَلْ هو الجارِحُ صاحِبُ الذَّنْبِ.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: (p-٣٣٨)﴿فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهو كَفّارَةٌ لَهُ﴾ قالَ: كَفّارَةٌ لِلْجارِحِ، وأجْرُ المُتَصَدِّقِ عَلى اللَّهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنْ مُجاهِدٍ، وإبْراهِيمَ: ﴿فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهو كَفّارَةٌ لَهُ﴾ قالا: كَفّارَةٌ لِلْجارِحِ، وأجْرُ الَّذِي أُصِيبَ عَلى اللَّهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنْ جابِرِ بْنِ زَيْدٍ: ﴿فَهُوَ كَفّارَةٌ لَهُ﴾ قالَ: لِلْجارِحِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهو كَفّارَةٌ لَهُ﴾ قالَ: كَفّارَةٌ لِلْمُتَصَدَّقِ عَلَيْهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهو كَفّارَةٌ لَهُ﴾ يَقُولُ: مَن جُرِحَ فَتَصَدَّقَ بِهِ عَلى الجارِحِ، فَلَيْسَ عَلى الجارِحِ سَبِيلٌ، ولا قَوَدٌ، ولا عَقْلٌ، ولا حَرَجَ عَلَيْهِ، مِن أجْلِ أنَّهُ تَصَدَّقَ عَلَيْهِ الَّذِي جُرِحَ، فَكانَ كَفّارَةً لَهُ مِن ظُلْمِهِ الَّذِي ظَلَمَ. (p-٣٣٩)وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ في الآيَةِ قالَ: إنْ عَفا عَنْهُ أوِ اقْتَصَّ مِنهُ، أوْ قَبِلَ مِنهُ الدِّيَةَ، فَهو كَفّارَةٌ لَهُ.
وأخْرَجَ الخَطِيبُ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «مَن عَفا عَنْ دَمٍ لَمْ يَكُنْ لَهُ ثَوابٌ إلّا الجَنَّةَ» .
المائدة 5:46
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقَفَّيْنا عَلى آثارِهِمْ﴾ الآيَتَيْنِ.
أخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُقاتِلٍ في قَوْلِهِ: ﴿وقَفَّيْنا عَلى آثارِهِمْ﴾ يَقُولُ: بَعَثْنا مِن بَعْدِهِمْ عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ.
وأخْرَجَ الطَّسْتِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أنَّ نافِعَ بْنَ الأزْرَقِ قالَ لَهُ: أخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِ اللَّهِ: ﴿وقَفَّيْنا عَلى آثارِهِمْ﴾ قالَ: أتْبَعْنا عَلى آثارِ الأنْبِياءِ، أيْ: بَعَثْنا عَلى آثارِهِمْ، قالَ: وهَلْ تَعْرِفُ العَرَبُ ذَلِكَ؟ قالَ: نَعَمْ، أما سَمِعْتَ عَدِيَّ بْنَ زَيْدٍ وهو يَقُولُ:
؎يَوْمَ قَفَتْ عِيرُهم مِن عِيرِنا واحْتِمالُ الحَيِّ في الصُّبْحِ فَلَقْ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ زَيْدٍ، في قَوْلِهِ: ﴿ولْيَحْكم أهْلُ الإنْجِيلِ بِما أنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ ومَن لَمْ يَحْكم بِما أنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الفاسِقُونَ﴾ قالَ: مِن أهْلِ الإنْجِيلِ، ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الفاسِقُونَ﴾ قالَ: الكاذِبُونَ، قالَ ابْنُ زَيْدٍ: كُلُّ (p-٣٤٠)شَيْءٍ في القُرْآنِ إلّا قَلِيلًا (فاسِقٌ) فَهو كاذِبٌ، وقَرَأ قَوْلَ اللَّهِ: ﴿إنْ جاءَكم فاسِقٌ بِنَبَإٍ﴾ [الحجرات: ٦] [الحُجُراتِ: ٦]، قالَ: الفاسِقُ ها هُنا كاذِبٌ.
المائدة 5:47
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقَفَّيْنا عَلى آثارِهِمْ﴾ الآيَتَيْنِ.
أخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُقاتِلٍ في قَوْلِهِ: ﴿وقَفَّيْنا عَلى آثارِهِمْ﴾ يَقُولُ: بَعَثْنا مِن بَعْدِهِمْ عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ.
وأخْرَجَ الطَّسْتِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أنَّ نافِعَ بْنَ الأزْرَقِ قالَ لَهُ: أخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِ اللَّهِ: ﴿وقَفَّيْنا عَلى آثارِهِمْ﴾ قالَ: أتْبَعْنا عَلى آثارِ الأنْبِياءِ، أيْ: بَعَثْنا عَلى آثارِهِمْ، قالَ: وهَلْ تَعْرِفُ العَرَبُ ذَلِكَ؟ قالَ: نَعَمْ، أما سَمِعْتَ عَدِيَّ بْنَ زَيْدٍ وهو يَقُولُ:
؎يَوْمَ قَفَتْ عِيرُهم مِن عِيرِنا واحْتِمالُ الحَيِّ في الصُّبْحِ فَلَقْ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ زَيْدٍ، في قَوْلِهِ: ﴿ولْيَحْكم أهْلُ الإنْجِيلِ بِما أنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ ومَن لَمْ يَحْكم بِما أنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الفاسِقُونَ﴾ قالَ: مِن أهْلِ الإنْجِيلِ، ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الفاسِقُونَ﴾ قالَ: الكاذِبُونَ، قالَ ابْنُ زَيْدٍ: كُلُّ (p-٣٤٠)شَيْءٍ في القُرْآنِ إلّا قَلِيلًا (فاسِقٌ) فَهو كاذِبٌ، وقَرَأ قَوْلَ اللَّهِ: ﴿إنْ جاءَكم فاسِقٌ بِنَبَإٍ﴾ [الحجرات: ٦] [الحُجُراتِ: ٦]، قالَ: الفاسِقُ ها هُنا كاذِبٌ.
المائدة 5:48
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ﴾ الآيَةَ.
أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ قالَ: لَمّا أنْبَأكُمُ اللَّهُ بِصَنِيعِ أهْلِ الكِتابِ قَبْلَكم بِأعْمالِهِمْ أعْمالِ السُّوءِ، وبِحُكْمِهِمْ بِغَيْرِ ما أنْزَلَ اللَّهُ، ووَعَظَ اللَّهُ نَبِيَّهُ ﷺ والمُؤْمِنِينَ مَوْعِظَةً بَلِيغَةً شافِيَةً، ولِيَعْلَمَ مَن ولِيَ شَيْئًا مِن هَذا الحُكْمِ أنَّهُ لَيْسَ بَيْنَ العِبادِ وبَيْنَ اللَّهِ شَيْءٌ يُعْطِيهِمْ بِهِ خَيْرًا ولا يَدْفَعُ عَنْهم بِهِ سُوءًا إلّا بِطاعَتِهِ والعَمَلِ بِما يُرْضِيهِ، فَلَمّا بَيَّنَ اللَّهُ لِنَبِيِّهِ ﷺ والمُؤْمِنِينَ صَنِيعَ أهْلِ الكِتابِ وحَذَّرَهم قالَ: ﴿وأنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ بِالحَقِّ مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ يَقُولُ: لِلْكُتُبِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ قَبْلَهُ. ﴿ومُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ . قالَ: شاهِدًا عَلى الكُتُبِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ قَبْلَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وأنْزَلْنا إلَيْكَ الكِتابَ﴾ قالَ: القُرْآنُ، ﴿مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الكِتابِ﴾ قالَ: شاهِدًا عَلى التَّوْراةِ والإنْجِيلِ مُصَدِّقًا لَهُما، ﴿ومُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ . يَعْنِي أمِينًا عَلَيْهِ يَحْكُمُ عَلى ما كانَ قَبْلَهُ مِنَ الكُتُبِ. (p-٣٤١)وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في (الأسْماءِ والصِّفاتِ)، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ومُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ قالَ: مُؤْتَمَنًا عَلَيْهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ومُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ قالَ: المُهَيْمِنُ الأمِينُ، والقُرْآنُ أمِينٌ عَلى كُلِّ كِتابٍ قَبْلَهُ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ عَطِيَّةَ ﴿ومُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ قالَ: أمِينًا عَلى التَّوْراةِ والإنْجِيلِ، يَحْكُمُ عَلَيْهِما ولا يَحْكُمانِ عَلَيْهِ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿ومُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ قالَ: مُؤْتَمَنًا، مُحَمَّدٌ ﷺ .
وأخْرَجَ آدَمُ بْنُ أبِي إياسٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ مُجاهِدٍ: ﴿ومُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ قالَ: مُحَمَّدٌ ﷺ مُؤْتَمَنٌ عَلى القُرْآنِ، والمُهَيْمِنُ الشّاهِدُ عَلى ما قَبْلَهُ مِنَ الكُتُبِ. (p-٣٤٢)وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿ومُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ قالَ: شَهِيدًا عَلى كُلِّ كِتابٍ قَبْلَهُ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ أبِي رَوْقٍ: ﴿ومُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ قالَ: شَهِيدًا عَلى خَلْقِهِ بِأعْمالِهِمْ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فاحْكم بَيْنَهم بِما أنْزَلَ اللَّهُ﴾ قالَ: بِحُدُودِ اللَّهِ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والفِرْيابِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، مِن طُرُقٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿شِرْعَةً ومِنهاجًا﴾ قالَ: سَبِيلًا وسُنَّةً.
وأخْرَجَ الطَّسْتِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أنَّ نافِعَ بْنَ الأزْرَقِ قالَ لَهُ: أخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿شِرْعَةً ومِنهاجًا﴾ قالَ: الشِّرْعَةُ الدِّينُ، والمِنهاجُ الطَّرِيقُ، قالَ: وهَلْ تَعْرِفُ العَرَبُ ذَلِكَ؟ قالَ: نَعَمْ، أما سَمِعْتَ أبا سُفْيانَ بْنَ الحارِثِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ وهو يَقُولُ:
؎لَقَدْ نَطَقَ المَأْمُونُ بِالصِّدْقِ والهُدى وبَيَّنَ لِلْإسْلامِ دِينًا ومَنهَجا
يَعْنِي بِهِ النَّبِيَّ ﷺ . (p-٣٤٣)وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنكم شِرْعَةً ومِنهاجًا﴾ قالَ: الدِّينُ واحِدٌ والشَّرائِعُ مُخْتَلِفَةٌ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنكم شِرْعَةً ومِنهاجًا﴾ يَقُولُ: سَبِيلًا وسُنَّةً، والسُّنَنُ مُخْتَلِفَةٌ، لِلتَّوْراةِ شَرِيعَةٌ، ولِلْإنْجِيلِ شَرِيعَةٌ، ولِلْقُرْآنِ شَرِيعَةٌ يُحِلُّ اللَّهُ فِيها ما يَشاءُ ويُحَرِّمُ ما يَشاءُ كَيْ يَعْلَمَ اللَّهُ مَن يُطِيعُهُ، مِمَّنْ يَعْصِيهِ، ولَكِنَّ الدِّينَ الواحِدَ الَّذِي لا يُقْبَلُ غَيْرُهُ، التَّوْحِيدُ والإخْلاصُ الَّذِي جاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَثِيرٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولَكِنْ لِيَبْلُوَكم في ما آتاكُمْ﴾ قالَ: مِنَ الكُتُبِ.
المائدة 5:49
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأنِ احْكم بَيْنَهُمْ﴾ الآيَةَ.
أخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في (الدَّلائِلِ)، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ كَعْبُ بْنُ أسَدٍ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ صُورِيا، وشَأْسُ بْنُ قَيْسٍ: اذْهَبُوا بِنا إلى مُحَمَّدٍ لَعَلَّنا نَفْتِنُهُ عَنْ دِينِهِ، فَأتَوْهُ، فَقالُوا: يا مُحَمَّدُ، إنَّكَ عَرَفْتَ أنّا أحْبارُ يَهُودَ، وأشْرافُهم وساداتُهُمْ، وإنّا إنِ اتَّبَعْناكَ اتَّبَعَنا يَهُودُ، ولَمْ يُخالِفُونا، وإنَّ بَيْنَنا وبَيْنَ قَوْمِنا خُصُومَةً فَنُحاكِمُهم إلَيْكَ، فَتَقْضِي لَنا عَلَيْهِمْ، ونُؤْمِنُ لَكَ، ونُصَدِّقُكَ، فَأبى ذَلِكَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ فِيهِمْ: ﴿وأنِ احْكم بَيْنَهم (p-٣٤٤)بِما أنْزَلَ اللَّهُ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة: ٥٠] .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وأنِ احْكم بَيْنَهم بِما أنْزَلَ اللَّهُ﴾ قالَ: أمَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ أنْ يَحْكُمَ بَيْنَهم بَعْدَ ما كانَ رَخَّصَ لَهُ أنْ يُعْرِضَ عَنْهم إنْ شاءَ، فَنَسَخَتْ هَذِهِ الآيَةُ ما كانَ قَبْلَها.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نُسِخَتْ مِن هَذِهِ السُّورَةِ: ﴿فَإنْ جاءُوكَ فاحْكم بَيْنَهم أوْ أعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ [المائدة: ٤٢] قالَ: فَكانَ مُخَيَّرًا حَتّى نَزَلَتْ: ﴿وأنِ احْكم بَيْنَهم بِما أنْزَلَ اللَّهُ﴾ فَأُمِرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنْ يَحْكُمَ بَيْنَهم بِما في كِتابِ اللَّهِ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وأنِ احْكم بَيْنَهم بِما أنْزَلَ اللَّهُ﴾ قالَ: نَسَخَتْ ما قَبْلَها: ﴿فاحْكم بَيْنَهم أوْ أعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ [المائدة: ٤٢] .
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ في (المُصَنَّفِ)، عَنْ مَسْرُوقٍ، أنَّهُ كانَ يَحْلِفُ أهْلُ الكِتابِ بِاللَّهِ، وكانَ يَقُولُ: أنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وأنِ احْكم بَيْنَهم بِما أنْزَلَ اللَّهُ﴾ .
المائدة 5:50
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَحُكْمَ الجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾ الآيَةَ.
أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ (p-٣٤٥)فِي قَوْلِهِ: ﴿أفَحُكْمَ الجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾ قالَ: يَهُودُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿أفَحُكْمَ الجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾ قالَ: هَذا في قَتِيلِ اليَهُودِ، إنَّ أهْلَ الجاهِلِيَّةِ كانَ يَأْكُلُ شَدِيدُهم ضَعِيفَهُمْ، وعَزِيزُهم ذَلِيلَهُمْ، قالَ: ﴿أفَحُكْمَ الجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾ .
وأخْرَجَ البُخارِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «(أبْغَضُ النّاسِ إلى اللَّهِ مُبْتَغٍ في الإسْلامِ سُنَّةَ الجاهِلِيَّةِ، وطالِبُ دَمِ امْرِئٍ بِغَيْرِ حَقٍّ لِيُرِيقَ دَمَهُ») .
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ قالَ: الحُكْمُ حُكْمانِ: حُكْمُ اللَّهِ، وحُكْمُ الجاهِلِيَّةِ، ثُمَّ تَلا هَذِهِ الآيَةَ: ﴿أفَحُكْمَ الجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ ومَن أحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ أبِيهِ قالَ: كانَتْ تُسَمّى الجاهِلِيَّةُ العالِمِيَّةَ، حَتّى جاءَتِ امْرَأةٌ فَقالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ، كانَ في الجاهِلِيَّةِ كَذا وكَذا، فَأنْزَلَ اللَّهُ ذِكْرَ الجاهِلِيَّةِ.
المائدة 5:51
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا اليَهُودَ﴾ الآيَةَ.
(p-٣٤٦)أخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في (الدَّلائِلِ)، وابْنُ عَساكِرَ، عَنْ عُبادَةَ بْنِ الوَلِيدِ بْنِ عُبادَةَ بْنِ الصّامِتِ قالَ: «لَمّا حارَبَتْ بَنُو قَيْنُقاعُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تَشَبَّثَ بِأمْرِهِمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولَ، وقامَ دُونَهُمْ، ومَشى عُبادَةُ بْنُ الصّامِتِ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وتَبَرَّأ إلى اللَّهِ وإلى رَسُولِهِ مِن حِلْفِهِمْ، وكانَ أحَدَ بَنِي عَوْفِ بْنِ الخَزْرَجِ، ولَهُ مِن حِلْفِهِمْ مِثْلُ الَّذِي كانَ لَهم مِن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ، فَخَلَعَهم إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وقالَ: أتَوَلّى اللَّهَ ورَسُولَهُ والمُؤْمِنِينَ، وأبْرَأُ إلى اللَّهِ ورَسُولِهِ مِن حِلْفِ هَؤُلاءِ الكُفّارِ ووِلايَتِهِمْ، وفِيهِ وفي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ نَزَلَتِ الآياتُ في المائِدَةِ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا اليَهُودَ والنَّصارى أوْلِياءَ بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿فَإنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الغالِبُونَ﴾ [المائدة»: ٥٦] .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: أسْلَمَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولَ ثُمَّ إنَّهُ قالَ: إنَّهُ بَيْنِي وبَيْنَ قُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ حِلْفٌ، وإنِّي أخافَ الدَّوائِرَ، فارْتَدَّ كافِرًا، وقالَ عُبادَةُ بْنُ الصّامِتِ: أبْرَأُ إلى اللَّهِ مِن حِلْفِ قُرَيْظَةَ والنَّضِيرِ، وأتَوَلّى اللَّهَ ورَسُولَهُ والَّذِينَ آمَنُوا، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا اليَهُودَ والنَّصارى أوْلِياءَ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿فَتَرى الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسارِعُونَ فِيهِمْ﴾ [المائدة: ٥٢] يَعْنِي: عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ، ﴿يَقُولُونَ نَخْشى أنْ تُصِيبَنا دائِرَةٌ﴾ [المائدة: ٥٢] إلى قَوْلِهِ: ﴿فَأصْبَحُوا خاسِرِينَ﴾ [المائدة: ٥٣] يَعْنِي عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ، وقَوْلُهُ: ﴿إنَّما ولِيُّكُمُ اللَّهُ ورَسُولُهُ والَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ ويُؤْتُونَ الزَّكاةَ وهم راكِعُونَ﴾ [المائدة: ٥٥] يَعْنِي: عُبادَةَ بْنَ الصّامِتِ، وأصْحابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، قالَ: ﴿ولَوْ كانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ والنَّبِيِّ وما أُنْزِلَ إلَيْهِ ما اتَّخَذُوهم أوْلِياءَ ولَكِنَّ كَثِيرًا مِنهم فاسِقُونَ﴾ [المائدة: ٨١] .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ، مِن طَرِيقِ عُبادَةَ بْنِ الوَلِيدِ، عَنْ أبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ عُبادَةَ بْنِ الصّامِتِ قالَ: فِيَّ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ حِينَ أتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَتَبَرَّأْتُ إلَيْهِ مِن حِلْفِ يَهُودَ، وظاهَرْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ والمُسْلِمِينَ عَلَيْهِمْ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ عَطِيَّةَ بْنِ سَعْدٍ، قالَ: «جاءَ عُبادَةُ بْنُ الصّامِتِ مِن بَنِي الحارِثِ بْنِ الخَزْرَجِ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّ لِي مَوالِيَ مِن يَهُودَ، كَثِيرٌ عَدَدُهُمْ، وإنِّي أبْرَأُ إلى اللَّهِ ورَسُولِهِ مِن وِلايَةِ يَهُودَ، وأتَوَلّى اللَّهَ ورَسُولَهُ، فَقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ: إنِّي رَجُلٌ أخافُ الدَّوائِرَ، لا أبْرَأُ مِن وِلايَةِ مَوالِيَّ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ: يا أبا الحُبابِ، ما بَخِلْتَ بِهِ مِن وِلايَةِ يَهُودَ عَلى عُبادَةَ بْنِ الصّامِتِ، فَهو إلَيْكَ دُونَهُ)، قالَ: قَدْ قَبِلْتُ. (p-٣٤٨)فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا اليَهُودَ والنَّصارى أوْلِياءَ بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿فَتَرى الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ [المائدة»: ٥٢] .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قالَ: «لَمّا انْهَزَمَ أهْلُ بَدْرٍ قالَ المُسْلِمُونَ لِأوْلِيائِهِمْ مِن يَهُودَ: آمِنُوا قَبْلَ أنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِيَوْمٍ مِثْلِ يَوْمِ بَدْرٍ، فَقالَ مالِكُ بْنُ صَيْفٍ: غَرَّكم أنْ أصَبْتُمْ رَهْطًا مِن قُرَيْشٍ لا عِلْمَ لَهم بِالقِتالِ، أما لَوْ أمْرَرْنا العَزِيمَةَ أنْ نَسْتَجْمِعَ عَلَيْكم لَمْ يَكُنْ لَكم يَدٌ أنْ تُقاتِلُونا، فَقالَ عُبادَةُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّ أوْلِيائِي مِنَ اليَهُودِ كانَتْ شَدِيدَةً أنْفُسُهُمْ، كَثِيرًا سِلاحُهُمْ، شَدِيدَةً شَوْكَتُهُمْ، وإنِّي أبْرَأُ إلى اللَّهِ ورَسُولِهِ مِن وِلايَتِهِمْ، ولا مَوْلى لِي إلّا اللَّهُ ورَسُولُهُ، فَقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ: لَكِنِّي لا أبْرَأُ مِن ولاءِ يَهُودَ إنِّي رَجُلٌ لا بُدَّ لِي مِنهُمْ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (يا أبا الحُبابِ، أرَأيْتَ الَّذِي نَفِسْتَ بِهِ مِن ولاءِ يَهُودَ عَلى عُبادَةَ فَهو لَكَ دُونَهُ؟) قالَ: إذَنْ أقْبَلُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى ذِكْرُهُ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا اليَهُودَ والنَّصارى أوْلِياءَ بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ﴾ إلى أنْ بَلَغَ إلى قَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ﴾ [المائدة»: ٦٧] .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ قالَ: لَمّا كانَتْ وقْعَةُ أُحُدٍ اشْتَدَّ عَلى طائِفَةٍ مِنَ النّاسِ وتَخَوَّفُوا أنْ يُدالَ عَلَيْهِمُ الكُفّارُ، فَقالَ رَجُلٌ لِصاحِبِهِ: أمّا أنا فَألْحَقُ بِفُلانٍ اليَهُودِيِّ فَآخُذُ مِنهُ أمانًا، وأتَهَوَّدُ مَعَهُ، فَإنِّي أخافُ أنْ تُدالَ (p-٣٤٩)عَلَيْنا اليَهُودُ، وقالَ الآخَرُ: أمّا أنا فَألْحَقُ بِفُلانٍ النَّصْرانِيِّ بِبَعْضِ أرْضِ الشّامِ، فَآخُذُ مِنهُ أمانًا، وأتَنَصَّرُ مَعَهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى فِيهِ يَنْهاهُما: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا اليَهُودَ والنَّصارى أوْلِياءَ بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ عِكْرِمَةَ في قَوْلِهِ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا اليَهُودَ والنَّصارى أوْلِياءَ بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ﴾ في بَنِي قُرَيْظَةَ إذْ غَدَرُوا، ونَقَضُوا العَهْدَ بَيْنَهم وبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في كِتابِهِمْ إلى أبِي سُفْيانَ بْنِ حَرْبٍ يَدْعُونَهُ وقُرَيْشًا لِيُدْخِلُوهم حُصُونَهُمْ، فَبَعَثَ النَّبِيُّ ﷺ أبا لُبابَةَ بْنَ عَبْدِ المُنْذِرِ إلَيْهِمْ أنْ يَسْتَنْزِلَهم مِن حُصُونِهِمْ، فَلَمّا أطاعُوا لَهُ بِالنُّزُولِ وأشارَ إلى حَلْقِهِ الذَّبْحَ الذَّبْحَ، وكانَ طَلْحَةُ، والزُّبَيْرَ يُكاتِبانِ النَّصارى وأهْلَ الشّامِ، وبَلَغَنِي أنَّ رِجالًا مِن أصْحابِ النَّبِيِّ ﷺ كانُوا يَخافُونَ العَوَزَ والفاقَةَ، فَيُكاتِبُونَ اليَهُودَ مِن بَنِي قُرَيْظَةَ، والنَّضِيرِ، فَيَدُسُّونَ إلَيْهِمُ الخَبَرَ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ يَلْتَمِسُونَ عِنْدَهُمُ القَرْضَ أوِ النَّفْعَ، فَنُهُوا عَنْ ذَلِكَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كُلُوا مِن ذَبائِحِ بَنِي تَغْلِبَ، وتَزَوَّجُوا مِن نِسائِهِمْ، فَإنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا اليَهُودَ والنَّصارى أوْلِياءَ بَعْضُهم أوْلِياءُ بَعْضٍ ومَن يَتَوَلَّهم (p-٣٥٠)مِنكم فَإنَّهُ مِنهُمْ﴾ . فَلَوْ لَمْ يَكُونُوا مِنهم إلّا بِالوِلايَةِ لَكانُوا مِنهم.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا اليَهُودَ والنَّصارى أوْلِياءَ﴾ الآيَةَ، قالَ: إنَّها في الذَّبائِحِ مَن دَخَلَ في دِينِ قَوْمٍ فَهو مِنهم.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في (شُعَبِ الإيمانِ) عَنْ عِياضٍ، أنَّ عُمَرَ أمَرَ أبا مُوسى الأشْعَرِيَّ أنْ يَرْفَعَ إلَيْهِ ما أخَذَ، وما أعْطى في أدِيمٍ واحِدٍ، وكانَ لَهُ كاتِبٌ نَصْرانِيٌّ، فَرَفَعَ إلَيْهِ ذَلِكَ فَعَجِبَ عُمَرُ وقالَ: إنَّ هَذا لَحَفِيظٌ، هَلْ أنْتَ قارِئٌ لَنا كِتابًا في المَسْجِدِ جاءَ مِنَ الشّامِ؟ فَقالَ: إنَّهُ لا يَسْتَطِيعُ أنْ يَدْخُلَ المَسْجِدَ، قالَ عُمَرُ: أجُنُبٌ هُوَ؟ قالَ: لا، بَلْ نَصْرانِيٌّ، قالَ: فانْتَهَرَنِي وضَرَبَ فَخِذِي، ثُمَّ قالَ: أخْرِجُوهُ، ثُمَّ قَرَأ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا اليَهُودَ والنَّصارى أوْلِياءَ﴾ الآيَةَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ حُذَيْفَةَ قالَ: لِيَتَّقِ أحَدُكم أنْ يَكُونَ يَهُودِيًّا أوْ نَصْرانِيًّا وهو لا يَشْعُرُ، وتَلا: ﴿ومَن يَتَوَلَّهم مِنكم فَإنَّهُ مِنهُمْ﴾ .
المائدة 5:52
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَتَرى الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ الآيَةَ.
أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عَطِيَّةَ: ﴿فَتَرى الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ، ﴿يُسارِعُونَ فِيهِمْ﴾ في وِلايَتِهِمْ. (p-٣٥١)وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ: ﴿فَتَرى الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسارِعُونَ فِيهِمْ﴾ قالَ: هُمُ المُنافِقُونَ، في مُصانَعَةِ اليَهُودِ ومُلاحاتِهِمْ، واسْتِرْضاعِهِمْ أوْلادَهم إيّاهُمْ، ﴿يَقُولُونَ نَخْشى أنْ تُصِيبَنا دائِرَةٌ﴾ يَقُولُونَ: نَخْشى أنْ تَكُونَ الدّائِرَةُ لِلْيَهُودِ بِالفَتْحِ حِينَئِذٍ، ﴿فَعَسى اللَّهُ أنْ يَأْتِيَ بِالفَتْحِ﴾ عَلى النّاسِ عامَّةً، ﴿أوْ أمْرٍ مِن عِنْدِهِ﴾ خاصَّةً لِلْمُنافِقِينَ، ﴿فَيُصْبِحُوا﴾ المُنافِقُونَ، ﴿عَلى ما أسَرُّوا في أنْفُسِهِمْ﴾ مِن شَأْنِ يَهُودَ، ﴿نادِمِينَ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ: ﴿فَتَرى الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ قالَ: شَكٌّ، ﴿يَقُولُونَ نَخْشى أنْ تُصِيبَنا دائِرَةٌ﴾ والدّائِرَةُ: ظُهُورُ المُشْرِكِينَ عَلَيْهِمْ، ﴿فَعَسى اللَّهُ أنْ يَأْتِيَ بِالفَتْحِ﴾ فَتْحِ مَكَّةَ، ﴿أوْ أمْرٍ مِن عِنْدِهِ﴾ قالَ: والأمْرُ هو الجِزْيَةُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿فَتَرى الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ قالَ: أُناسٌ مِنَ المُنافِقِينَ كانُوا يُوادُّونَ اليَهُودَ ويُناصِحُونَهم دُونَ المُؤْمِنِينَ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿فَعَسى اللَّهُ أنْ يَأْتِيَ بِالفَتْحِ﴾ أيْ بِالقَضاءِ ﴿أوْ أمْرٍ مِن عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلى ما أسَرُّوا في أنْفُسِهِمْ (p-٣٥٢)نادِمِينَ﴾
.
وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عَمْرٍو، أنَّهُ سَمِعَ ابْنَ الزُّبَيْرِ يَقْرَأُ: (فَعَسى اللَّهُ أنْ يَأْتِيَ بِالفَتْحِ أوْ أمْرٍ مِن عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلى ما أسَرُّوا في أنْفُسِهِمْ مِن مَوادَّتِهِمُ اليَهُودَ ومِن غِشِّهِمُ الإسْلامَ وأهْلَهُ نادِمِينَ) .
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عَمْرٍو، أنَّهُ سَمِعَ ابْنَ الزُّبَيْرِ يَقْرَأُ: (فَعَسى اللَّهُ أنْ يَأْتِيَ بِالفَتْحِ أوْ أمْرٍ مِن عِنْدِهِ فَيُصْبِحَ الفُسّاقُ عَلى ما أسَرُّوا في أنْفُسِهِمْ نادِمِينَ)، قالَ عَمْرٌو: لا أدْرِي كانَتْ قِراءَتُهُ أمْ فَسَّرَ.
المائدة 5:54
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ﴾ الآيَةَ.
أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، والبَيْهَقِيُّ، وابْنُ عَساكِرَ، عَنْ قَتادَةَ قالَ: أنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ، وقَدْ عَلِمَ أنَّهُ سَيَرْتَدُّ مُرْتَدُّونَ مِنَ النّاسِ، فَلَمّا قَبَضَ اللَّهُ نَبِيَّهُ ارْتَدَّ عامَّةُ العَرَبِ عَنِ الإسْلامِ إلّا ثَلاثَةَ مَساجِدَ: أهْلُ المَدِينَةِ، وأهْلُ مَكَّةَ، وأهْلُ الجُواثا مِن عَبْدِ القَيْسِ، وقالَ الَّذِينَ ارْتَدُّوا: نُصَلِّي الصَّلاةَ ولا نُزَكِّي، واللَّهُ لا تُغْصَبُ أمْوالُنا، فَكُلِّمَ أبُو بَكْرٍ في ذَلِكَ (p-٣٥٣)لِيَتَجاوَزَ عَنْهُمْ، وقِيلَ لَهُ: إنَّهم لَوْ قَدْ فَقِهُوا أدَّوُا الزَّكاةَ فَقالَ: واللَّهِ لا أُفَرِّقُ بَيْنَ شَيْءٍ جَمَعَهُ اللَّهُ، ولَوْ مَنَعُونِي عِقالًا مِمّا فَرَضَ اللَّهُ ورَسُولُهُ لَقاتَلْتُهم عَلَيْهِ، فَبَعَثَ اللَّهُ عَصائِبَ مَعَ أبِي بَكْرٍ فَقاتَلُوا حَتّى أقَرُّوا بِالماعُونِ، وهو الزَّكاةُ، قالَ قَتادَةُ: فَكُنّا نُحَدِّثُ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في أبِي بَكْرٍ وأصْحابِهِ: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهم ويُحِبُّونَهُ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الضَّحّاكِ في قَوْلِهِ: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهم ويُحِبُّونَهُ﴾ قالَ: هو أبُو بَكْرٍ وأصْحابُهُ، لَمّا ارْتَدَّ مَنِ ارْتَدَّ مِنَ العَرَبِ عَنِ الإسْلامِ، جاهَدَهم أبُو بَكْرٍ وأصْحابُهُ حَتّى رَدَّهم إلى الإسْلامِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وخَيْثَمَةُ الأتْرابُلْسِيُّ في (فَضائِلِ الصَّحابَةِ)، والبَيْهَقِيُّ في (الدَّلائِلِ)، عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهم ويُحِبُّونَهُ﴾ قالَ: هُمُ الَّذِينَ قاتَلُوا أهْلَ الرِّدَّةِ مِنَ العَرَبِ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، أبُو بَكْرٍ وأصْحابُهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ شُرَيْحِ بْنِ عُبَيْدٍ قالَ: «لَمّا أنْزَلَ اللَّهُ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنكم عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهم ويُحِبُّونَهُ﴾ قالَ عُمَرُ: أنا وقَوْمِي هم يا رَسُولَ اللَّهِ؟ قالَ: (لا، بَلْ هَذا وقَوْمُهُ) يَعْنِي أبا مُوسى الأشْعَرِيَّ» .
وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ في (مُسْنَدِهِ)، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ في (الدَّلائِلِ)، عَنْ عِياضٍ الأشْعَرِيِّ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهم ويُحِبُّونَهُ﴾ قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (هم قَوْمُ هَذا)، وأشارَ إلى أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ» .
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، والحاكِمُ في (جَمْعِهِ لِحَدِيثِ شُعْبَةَ)، والبَيْهَقِيُّ، وابْنُ عَساكِرَ، عَنْ أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ قالَ: «تَلَيْتُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهم ويُحِبُّونَهُ﴾ فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: (هم قَوْمُكَ يا أبا مُوسى، أهْلُ اليَمَنِ») .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ في (الكُنى)، والطَّبَرانِيُّ في (الأوْسَطِ)، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ، عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: «سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ (p-٣٥٥)قَوْلِهِ: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهم ويُحِبُّونَهُ﴾ قالَ: (هَؤُلاءِ قَوْمٌ مِن أهْلِ اليَمَنِ، ثُمَّ مِن كِنْدَةَ، ثُمَّ مِنَ السَّكُونِ، ثُمَّ مِن تُجِيبَ») .
وأخْرَجَ البُخارِيُّ في (تارِيخِهِ)، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهم ويُحِبُّونَهُ﴾ قالَ: هم قَوْمٌ مِن أهْلِ اليَمَنِ، ثُمَّ مِن كِنْدَةَ، ثُمَّ مِنَ السَّكُونِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ﴾ قالَ: هم أهْلُ القادِسِيَّةِ.
وأخْرَجَ البُخارِيُّ في (تارِيخِهِ)، عَنِ القاسِمِ بْنِ مُخَيْمِرَةَ قالَ: أتَيْتُ ابْنَ عُمَرَ فَرَحَّبَ بِي، ثُمَّ تَلا: ﴿مَن يَرْتَدَّ مِنكم عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ﴾ ثُمَّ ضَرَبَ عَلى مَنكِبِي وقالَ: أحْلِفُ بِاللَّهِ إنَّهم لَمِنكم أهْلَ اليَمَنِ، ثَلاثًا.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ﴾ قالَ: هم قَوْمُ سَبَإٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنكم عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهم ويُحِبُّونَهُ﴾ قالَ: هَذا (p-٣٥٦)وعِيدٌ مِنَ اللَّهِ أنَّهُ مَنِ ارْتَدَّ مِنهم سَيَسْتَبْدِلُ بِهِمْ خَيْرًا مِنهُمْ، وفي قَوْلِهِ: ﴿أذِلَّةٍ﴾ قالَ: رُحَماءَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ عَلِيٍّ في قَوْلِهِ: ﴿أذِلَّةٍ عَلى المُؤْمِنِينَ﴾ قالَ: أهْلِ رِقَّةٍ عَلى أهْلِ دِينِهِمْ، ﴿أعِزَّةٍ عَلى الكافِرِينَ﴾ قالَ: أهْلِ غِلْظَةٍ عَلى مَن خالَفَهم في دِينِهِمْ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ في قَوْلِهِ: ﴿أذِلَّةٍ عَلى المُؤْمِنِينَ﴾ قالَ: رُحَماءَ بَيْنَهُمْ، ﴿أعِزَّةٍ عَلى الكافِرِينَ﴾ قالَ: أشِدّاءَ عَلَيْهِمْ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿أعِزَّةٍ عَلى الكافِرِينَ﴾ قالَ: أشِدّاءَ عَلَيْهِمْ، وفي قَوْلِهِ: ﴿يُجاهِدُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ قالَ: يُسارِعُونَ في الحَرْبِ.
(p-٣٥٧)وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ الضَّحّاكِ قالَ: لَمّا قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ارْتَدَّ طَوائِفُ مِنَ العَرَبِ، فابَتَعَثَ اللَّهُ لَهم أبا بَكْرٍ في أنْصارٍ مِن أنْصارِ اللَّهِ، فَقاتَلَهم حَتّى رَدَّهم إلى الإسْلامِ، فَهَذا تَفْسِيرُ هَذِهِ الآيَةِ.
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا يَخافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ﴾ .
أخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأحْمَدُ، والطَّبَرانِيُّ، والبَيْهَقِيُّ في (الشُّعَبِ)، عَنْ أبِي ذَرٍّ، قالَ: «أمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِسَبْعٍ: بِحُبِّ المَساكِينِ، وأنْ أدْنُوَ مِنهُمْ، وأنْ أنْظُرَ إلى مَن هو أسْفَلُ مِنِّي، ولا أنْظُرَ إلى مَن هو فَوْقِي، وأنْ أصِلَ رَحِمِي، وإنْ جَفانِي، وأنْ أُكْثِرَ مِن قَوْلِ: لا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ، فَإنَّها مِن كَنْزٍ تَحْتَ العَرْشِ، وأنْ أقُولَ الحَقَّ، وإنْ كانَ مُرًّا، وألّا أخافَ في اللَّهِ لَوْمَةَ لائِمٍ، وألّا أسْألَ النّاسَ شَيْئًا» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ، عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «(ألا لا يَمْنَعَنَّ أحَدَكم رَهْبَةُ النّاسِ أنْ يَقُولَ بِحَقٍّ إذا رَآهُ أوْ شَهِدَهُ، فَإنَّهُ لا يُقَرِّبُ مِن أجَلٍ، ولا يُباعِدُ مِن رِزْقٍ أنْ يَقُولَ بِحَقٍّ وأنْ يُذَكِّرَ بِعَظِيمٍ») . (p-٣٥٨)وأخْرَجَ أحْمَدُ، وابْنُ ماجَهْ، عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «(لا يَحْقِرَنَّ أحَدُكم نَفْسَهُ أنْ يَرى أمْرًا لِلَّهِ فِيهِ مَقالٌ فَلا يَقُولُ فِيهِ، فَيُقالُ لَهُ يَوْمَ القِيامَةِ: ما مَنَعَكَ أنْ تَكُونَ قُلْتَ في كَذا وكَذا؟ فَيَقُولُ: مَخافَةَ النّاسِ، فَيُقالُ: إيّايَ كُنْتَ أحَقَّ أنْ تَخافَ») .
وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ في (تارِيخِهِ) «عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السّاعِدِيِّ قالَ: بايَعْتُ النَّبِيَّ ﷺ أنا، وأبُو ذَرٍّ، وعُبادَةُ بْنُ الصّامِتِ، وأبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ، ومُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ، وسادِسٌ، عَلى ألّا تَأْخُذَنا في اللَّهِ لَوْمَةُ لائِمٍ، فَأمّا السّادِسُ فاسْتَقالَهُ فَأقالَهُ» .
وأخْرَجَ البُخارِيُّ في (تارِيخِهِ)، مِن طَرِيقِ الزُّهْرِيِّ، أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ قالَ: إنْ وُلِّيتَ شَيْئًا مِن أمْرِ النّاسِ فَلا تُبالِي في اللَّهِ لَوْمَةَ لائِمٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، عَنْ أبِي ذَرٍّ قالَ: ما زالَ بِي الأمْرُ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيُ عَنِ المُنْكَرِ، حَتّى ما تَرَكَ لِي الحَقُّ صَدِيقًا. (p-٣٥٩)وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، والبُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ ماجَهْ، عَنْ عُبادَةَ بْنِ الصّامِتِ قالَ: «بايَعْنا النَّبِيَّ ﷺ عَلى السَّمْعِ والطّاعَةِ في العُسْرِ واليُسْرِ، والمَنشَطِ والمَكْرَهِ، وعَلى أثَرَةٍ عَلَيْنا، وعَلى ألّا نُنازِعَ الأمْرَ أهْلَهُ، وعَلى أنْ نَقُولَ بِالحَقِّ أيْنَما كُنّا، لا نَخافُ في اللَّهِ لَوْمَةَ لائِمٍ» .
المائدة 5:55
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّما ولِيُّكُمُ اللَّهُ ورَسُولُهُ﴾ الآيَةَ.
أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عَطِيَّةَ بْنِ سَعْدٍ قالَ: نَزَلَتْ في عُبادَةَ بْنِ الصّامِتِ: ﴿إنَّما ولِيُّكُمُ اللَّهُ ورَسُولُهُ﴾ .
وأخْرَجَ الخَطِيبُ في (المُتَّفِقِ والمُفْتَرِقِ) عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «تَصَدَّقُ عَلِيٌّ بِخاتَمِهِ وهو راكِعٌ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ لِلسّائِلِ: (مَن أعْطاكَ هَذا الخاتَمُ؟) قالَ: ذاكَ الرّاكِعُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ: ﴿إنَّما ولِيُّكُمُ اللَّهُ ورَسُولُهُ﴾ [المائدة»: ٥٥] .
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّما ولِيُّكُمُ اللَّهُ ورَسُولُهُ﴾ الآيَةَ، قالَ: نَزَلَتْ في عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ. (p-٣٦٠)وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ في (الأوْسَطِ) بِسَنَدٍ فِيهِ مَجاهِيلُ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنْ عَمّارِ بْنِ ياسِرٍ قالَ: «وقَفَ بِعَلِيٍّ سائِلٌ وهو راكِعٌ في صَلاةِ تَطَوُّعٍ، فَنَزَعَ خاتَمَهُ، فَأعْطاهُ السّائِلَ، فَأتى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَأعْلَمَهُ ذَلِكَ، فَنَزَلَتْ عَلى النَّبِيِّ ﷺ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿إنَّما ولِيُّكُمُ اللَّهُ ورَسُولُهُ والَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ ويُؤْتُونَ الزَّكاةَ وهم راكِعُونَ﴾ فَقَرَأها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلى أصْحابِهِ، ثُمَّ قالَ: (مَن كُنْتُ مَوْلاهُ فَعَلِيٌّ مَوْلاهُ، اللَّهُمَّ والِ مَن والاهُ، وعادِ مَن عاداهُ») .
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، وابْنُ عَساكِرَ، «عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ قالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في بَيْتِهِ: ﴿إنَّما ولِيُّكُمُ اللَّهُ ورَسُولُهُ والَّذِينَ آمَنُوا﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَدَخَلَ المَسْجِدَ، وجاءَ والنّاسُ يُصَلُّونَ بَيْنَ راكِعٍ وساجِدٍ، وقائِمٍ يُصَلِّي، فَإذا سائِلٌ فَقالَ: (يا سائِلُ، هَلْ أعْطاكَ أحَدٌ شَيْئًا؟) قالَ: لا، إلّا ذَلِكَ الرّاكِعُ - لِعَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ - أعْطانِي خاتَمَهُ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ عَساكِرَ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ، قالَ: تَصَدَّقَ عَلِيٌّ بِخاتَمِهِ وهو راكِعٌ، فَنَزَلَتْ: ﴿إنَّما ولِيُّكُمُ اللَّهُ ورَسُولُهُ﴾ الآيَةَ. (p-٣٦١)وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّما ولِيُّكُمُ اللَّهُ ورَسُولُهُ﴾ الآيَةَ، قالَ: نَزَلَتْ في عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ، تَصَدَّقَ وهو راكِعٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ السُّدِّيِّ، وعُتْبَةَ بْنِ أبِي حَكِيمٍ، مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ، مِن طَرِيقِ الكَلْبِيِّ، عَنْ أبِي صالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «أتى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلامٍ ورَهْطٌ مَعَهُ مِن أهْلِ الكِتابِ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ عِنْدَ الظُّهْرِ، فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّ بُيُوتَنا قاصِيَةٌ، لا نَجِدُ أحَدًا يُجالِسُنا ويُخالِطُنا دُونَ هَذا المَسْجِدِ، وإنَّ قَوْمَنا لَمّا رَأوْنا قَدْ صَدَقْنا اللَّهَ ورَسُولَهُ وتَرَكْنا دِينَهُمْ، أظْهَرُوا العَداوَةَ، وأقْسَمُوا ألّا يُخالِطُونا، ولا يُؤاكِلُونا، فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْنا، فَبَيْنا هم يَشْكُونَ ذَلِكَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إذْ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: ﴿إنَّما ولِيُّكُمُ اللَّهُ ورَسُولُهُ والَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ ويُؤْتُونَ الزَّكاةَ وهم راكِعُونَ﴾
ونُودِيَ بِالصَّلاةِ، صَلاةِ الظُّهْرِ، وخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى المَسْجِدِ والنّاسُ يُصَلُّونَ بَيْنَ راكِعٍ وساجِدٍ وقائِمٍ وقاعِدٍ، فَإذا مِسْكِينٌ يَسْألُ فَدَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: (أعْطاكَ أحَدٌ شَيْئًا؟) قالَ: نَعَمْ، قالَ: (مَن؟) قالَ: ذاكَ الرَّجُلُ القائِمُ، قالَ: (عَلى أيِّ حالٍ أعْطاكَهُ؟) قالَ: وهو (p-٣٦٢)راكِعٌ، قالَ: وذَلِكَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، فَكَبَّرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عِنْدَ ذَلِكَ وهو يَقُولُ: ﴿ومَن يَتَوَلَّ اللَّهَ ورَسُولَهُ والَّذِينَ آمَنُوا فَإنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الغالِبُونَ﴾ [المائدة»: ٥٦] .
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ في (المَعْرِفَةِ)، عَنْ أبِي رافِعٍ قالَ: «دَخَلْتُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وهو نائِمٌ، أوْ يُوحى إلَيْهِ، فَإذا حَيَّةٌ في جانِبِ البَيْتِ، فَكَرِهْتُ أنْ أثِبَ عَلَيْها فَأُوقِظَ النَّبِيَّ ﷺ وخِفْتُ أنْ يَكُونَ يُوحى إلَيْهِ، فاضْطَجَعْتُ بَيْنَ الحَيَّةِ وبَيْنَ النَّبِيِّ ﷺ، لَئِنْ كانَ مِنها سُوءٌ كانَ بِي دُونَهُ، فَمَكَثْتُ ساعَةً واسْتَيْقَظَ النَّبِيُّ ﷺ وهو يَقُولُ: ﴿إنَّما ولِيُّكُمُ اللَّهُ ورَسُولُهُ والَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ ويُؤْتُونَ الزَّكاةَ وهم راكِعُونَ﴾ الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أتَمَّ لِعَلِيٍّ نِعَمَهُ، وهَنِيًّا لَعَلِيٍّ بِفَضْلِ اللَّهِ إيّاهُ» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ قائِمًا يُصَلِّي، فَمَرَّ سائِلٌ وهو راكِعٌ، فَأعْطاهُ خاتَمَهُ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿إنَّما ولِيُّكُمُ اللَّهُ ورَسُولُهُ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّما ولِيُّكُمُ اللَّهُ ورَسُولُهُ والَّذِينَ آمَنُوا﴾ الآيَةَ، قالَ: نَزَلَتْ في الَّذِينَ آمَنُوا، وعَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ أوَّلُهم.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّما ولِيُّكُمُ اللَّهُ (p-٣٦٣)ورَسُولُهُ﴾ الآيَةَ، قالَ: يَعْنِي أنَّهُ مَن أسْلَمَ فَقَدْ تَوَلّى اللَّهَ ورَسُولَهُ والَّذِينَ آمَنُوا.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أبِي جَعْفَرٍ، أنَّهُ سُئِلَ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ: مَنِ الَّذِينَ آمَنُوا؟ قالَ: الَّذِينَ آمَنُوا، قِيلَ لَهُ: بَلَغَنا أنَّها نَزَلَتْ في عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ، قالَ: عَلِيٌّ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا.
وأخْرَجَ أبُو نُعَيْمٍ في (الحِلْيَةِ) عَنْ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ أبِي سُلَيْمانَ قالَ: سَألْتُ أبا جَعْفَرٍ مُحَمَّدَ بْنَ عَلِيٍّ، عَنْ قَوْلِهِ: ﴿إنَّما ولِيُّكُمُ اللَّهُ ورَسُولُهُ والَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ ويُؤْتُونَ الزَّكاةَ وهم راكِعُونَ﴾ قالَ: أصْحابُ مُحَمَّدٍ ﷺ، قُلْتُ: يَقُولُونَ: عَلِيٌّ، قالَ: عَلِيٌّ مِنهم.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي داوُدَ في (المَصاحِفِ) عَنْ جَرِيرِ بْنِ مُغِيَرَةَ قالَ: كانَ في قِراءَةِ عَبْدِ اللَّهِ: (إنَّما ولِيُّكُمُ اللَّهُ ورَسُولُهُ والَّذِينَ آمَنُوا والَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ) .
المائدة 5:56
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَن يَتَوَلَّ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ الآيَةَ.
أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿ومَن يَتَوَلَّ اللَّهَ ورَسُولَهُ والَّذِينَ آمَنُوا فَإنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الغالِبُونَ﴾ قالَ: أخْبَرَهم مَنِ الغالِبُ، فَقالَ: لا تَخافُوا الدَّوْلَةَ ولا الدّائِرَةَ.
المائدة 5:57
(p-٣٦٤)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ﴾ الآيَةَ.
أخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانَ رِفاعَةُ بْنُ زَيْدِ بْنِ التّابُوتِ، وسُوَيْدُ بْنُ الحارِثِ قَدْ أظْهَرا الإسْلامَ، ونافَقا، وكانَ رِجالٌ مِنَ المُسْلِمِينَ يُوادُّونَهُما، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكم هُزُوًا ولَعِبًا﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿أعْلَمُ بِما كانُوا يَكْتُمُونَ﴾ [المائدة: ٦١] .
وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ: ( مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِن قَبْلِكم ومِنَ الَّذِينَ أشْرَكُوا) .
المائدة 5:58
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا نادَيْتُمْ إلى الصَّلاةِ﴾ الآيَةَ.
أخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في (الدَّلائِلِ)، مِن طَرِيقِ الكَلْبِيِّ، عَنْ أبِي صالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وإذا نادَيْتُمْ إلى الصَّلاةِ اتَّخَذُوها هُزُوًا ولَعِبًا﴾ قالَ: وإذا نادَيْتُمْ إلى الصَّلاةِ بِالأذانِ والإقامَةِ اتَّخَذُوها هُزُوًا ولَعِبًا، ﴿ذَلِكَ بِأنَّهم قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ﴾ أمْرَ اللَّهِ، قالَ: كانَ مُنادِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إذا نادى بِالصَّلاةِ فَقامَ المُسْلِمُونَ إلى الصَّلاةِ، قالَتِ اليَهُودُ والنَّصارى: قَدْ قامُوا، لا قامُوا، فَإذا رَأوْهم رُكَّعًا (p-٣٦٥)وسُجَّدًا اسْتَهْزَءُوا بِهِمْ وضَحِكُوا مِنهم.
قالَ: فَكانَ رَجُلٌ مِنَ اليَهُودِ تاجِرٌ إذا سَمِعَ المُنادِيَ يُنادِي بِالأذانِ قالَ: أحْرَقَ اللَّهُ الكاذِبَ قالَ: فَبَيْنَما هو كَذَلِكَ إذْ دَخَلَتْ جارِيَتُهُ بِشُعْلَةٍ مِن نارٍ، فَطارَتْ شَرارَةٌ مِنها في البَيْتِ، فالتَهَبَتْ في البَيْتِ فَأحْرَقَتْهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿وإذا نادَيْتُمْ إلى الصَّلاةِ اتَّخَذُوها هُزُوًا ولَعِبًا﴾ قالَ: كانَ رَجُلٌ مِنَ النَّصارى بِالمَدِينَةِ إذا سَمِعَ المُنادِيَ يُنادِي: أشْهَدُ أنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، قالَ: حُرِّقَ الكاذِبُ، فَدَخَلَ خادِمُهُ ذاتَ لَيْلَةٍ مِنَ اللَّيالِي بِنارٍ، وهو نائِمٌ وأهْلُهُ نِيامٌ، فَسَقَطَتْ شَرارَةٌ فَأحْرَقَتِ البَيْتَ واحْتَرَقَ هو وأهْلُهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ شِهابٍ الزُّهْرِيِّ قالَ: قَدْ ذَكَرَ اللَّهُ الأذانَ في كِتابِهِ فَقالَ: ﴿وإذا نادَيْتُمْ إلى الصَّلاةِ﴾ .
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ في (المُصَنَّفِ) عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ قالَ: «ائْتَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ وأصْحابُهُ كَيْفَ يَجْعَلُونَ شَيْئًا إذا أرادُوا جَمْعَ الصَّلاةِ اجْتَمَعُوا لَها بِهِ، فائْتَمَرُوا بِالنّاقُوسِ، فَبَيْنا عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ يُرِيدُ أنْ يَشْتَرِيَ خَشَبَتَيْنِ لِلنّاقُوسِ إذْ رَأى في المَنامِ ألّا تَجْعَلُوا النّاقُوسَ، بَلْ أذِّنُوا بِالصَّلاةِ، فَذَهَبَ عُمَرُ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِيُخْبِرَهُ (p-٣٦٦)بِالَّذِي رَأى، وقَدْ جاءَ النَّبِيَّ ﷺ الوَحْيُ بِذَلِكَ، فَما راعَ عُمَرَ إلّا بِلالٌ يُؤَذِّنُ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: (قَدْ سَبَقَكَ بِذَلِكَ الوَحْيُ) حِينَ أخْبَرَهُ بِذَلِكَ عُمَرُ» .
المائدة 5:59
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ يا أهْلَ الكِتابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنّا﴾ الآيَةَ.
أخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «أتى النَّبِيَّ ﷺ نَفَرٌ مِن يَهُودَ، فِيهِمْ أبُو ياسِرِ بْنُ أخْطَبَ، ونافِعُ بْنُ أبِي نافِعٍ، وعازِرُ بْنُ عَمْرٍو، وزَيْدٌ، وخالِدٌ، وإزارُ بْنُ أبِي إزارٍ، وأشْيَعُ، فَسَألُوهُ عَمَّنْ يُؤْمِنُ بِهِ مِنَ الرُّسُلِ قالَ: (أُومِنُ بِاللَّهِ، وما أُنْزِلَ إلى إبْراهِيمَ وإسْماعِيلَ وإسْحاقَ ويَعْقُوبَ والأسْباطِ، وما أُوتِيَ مُوسى وعِيسى، وما أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِن رَبِّهِمْ، لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أحَدٍ مِنهُمْ، ونَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ)، فَلَمّا ذَكَرَ عِيسى جَحَدُوا نُبُوَّتَهُ، وقالُوا: لا نُؤْمِنُ بِعِيسى، ولا نُؤْمِنُ بِمَن آمَنَ بِهِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ: ﴿قُلْ يا أهْلَ الكِتابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنّا إلا أنْ آمَنّا بِاللَّهِ وما أُنْزِلَ إلَيْنا﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿فاسِقُونَ﴾ [المائدة»: ٥٩] .
المائدة 5:60
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكم بِشَرٍّ مِن ذَلِكَ مَثُوبَةً﴾ الآيَةَ.
أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ زَيْدٍ قالَ: المَثُوبَةُ، الثَّوابُ، مَثُوبَةُ الخَيْرِ، ومَثُوبَةُ الشَّرِّ. (p-٣٦٧)وقَرَأ: (شَرٌّ ثَوابًا) .
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ﴾ يَقُولُ: ثَوابًا عِنْدَ اللَّهِ.
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وجَعَلَ مِنهُمُ القِرَدَةَ والخَنازِيرَ﴾ .
أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ، في قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلَ مِنهُمُ القِرَدَةَ والخَنازِيرَ﴾ قالَ: مُسِخَتْ مِن يَهُودَ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ أبِي مالِكٍ، أنَّهُ قِيلَ لَهُ: كانَتِ القِرَدَةُ والخَنازِيرُ قَبْلَ أنْ يُمْسَخُوا؟ قالَ: نَعَمْ، وكانُوا مِمّا خُلِقَ مِنَ الأُمَمِ.
وأخْرَجَ مُسْلِمٌ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: «سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ القِرَدَةِ والخَنازِيرِ، أهِيَ مِمّا مَسَخَ اللَّهُ؟ فَقالَ: (إنَّ اللَّهَ لَمْ يُهْلِكْ قَوْمًا أوْ يَمْسَخْ قَوْمًا، فَيَجْعَلَ لَهم نَسْلًا ولا عاقِبَةً، وإنَّ القِرَدَةَ والخَنازِيرَ كانَتْ قَبْلَ ذَلِكَ») .
وأخْرَجَ الطَّيالِسِيُّ، وأحْمَدُ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، قالَ: «سَألْنا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنِ القِرَدَةِ والخَنازِيرِ، أهِيَ مِن نَسْلِ (p-٣٦٨)اليَهُودِ؟ فَقالَ: (لا، إنَّ اللَّهَ لَمْ يَلْعَنْ قَوْمًا قَطُّ فَمَسَخَهُمْ، فَكانَ لَهم نَسْلٌ، ولَكِنَّ هَذا خَلْقٌ كانَ، فَلَمّا غَضِبَ اللَّهُ عَلى اليَهُودِ فَمَسَخَهم جَعَلَهم مِثْلَهُمْ») .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «(الحَيّاتُ مَسْخُ الجِنِّ كَما مُسِخَتِ القِرَدَةُ والخَنازِيرُ») .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ كَثِيرِ بْنِ أفْلَحَ مَوْلى أبِي أيُّوبَ الأنْصارِيِّ قالَ: حُدِّثْتُ أنَّ المَسْخَ في بَنِي إسْرائِيلَ مِنَ الخَنازِيرِ كانَ أنَّ امْرَأةً مِن بَنِي إسْرائِيلَ كانَتْ في قَرْيَةٍ مِن قُرى بَنِي إسْرائِيلَ، وكانَ فِيها مَلِكُ بَنِي إسْرائِيلَ، وكانُوا قَدِ اسْتَجْمَعُوا عَلى الهَلَكَةِ، إلّا أنَّ تِلْكَ المَرْأةَ كانَتْ عَلى بَقِيَّةٍ مِنَ الإسْلامِ مُتَمَسِّكَةً بِهِ، فَجَعَلَتْ تَدْعُو إلى اللَّهِ حَتّى إذا اجْتَمَعَ إلَيْها ناسٌ فَتابَعُوها عَلى أمْرِها، قالَتْ لَهم: إنَّهُ لا بُدَّ لَكم مِن أنْ تُجاهِدُوا عَنْ دِينِ اللَّهِ، وأنْ تُنادُوا قَوْمَكم بِذَلِكَ، فاخْرُجُوا فَإنِّي خارِجَةٌ فَخَرَجَتْ، وخَرَجَ إلَيْها ذَلِكَ المَلِكُ في النّاسِ فَقَتَلَ أصْحابَها جَمِيعًا، وانْفَلَتَتْ مِن بَيْنِهِمْ، ودَعَتْ إلى اللَّهِ حَتّى تَجَمَّعَ النّاسُ إلَيْها، حَتّى إذا رَضِيَتْ مِنهُمْ، أمَرَتْهم بِالخُرُوجِ، فَخَرَجُوا، وخَرَجَتْ مَعَهُمْ، فَأُصِيبُوا جَمِيعًا، وانْفَلَتَتْ مِن بَيْنِهِمْ، ثُمَّ دَعَتْ إلى اللَّهِ حَتّى إذا اجْتَمَعَ إلَيْها رِجالٌ واسْتَجابُوا لَها، أمَرَتْهم بِالخُرُوجِ، فَخَرَجُوا وخَرَجَتْ، فَأُصِيبُوا جَمِيعًا، وانْفَلَتَتْ (p-٣٦٩)مِن بَيْنِهِمْ، فَرَجَعَتْ، وقَدْ أيِسَتْ وهي تَقُولُ: سُبْحانَ اللَّهِ، لَوْ كانَ لِهَذا الدِّينِ ولِيٌّ وناصِرٌ لَقَدْ أظْهَرَهُ بَعْدُ، فَباتَتْ مَحْزُونَةً، وأصْبَحَ أهْلُ القَرْيَةِ يَسْعَوْنَ في نَواحِيها خَنازِيرَ، مَسَخَهُمُ اللَّهُ في لَيْلَتِهِمْ تِلْكَ، فَقالَتْ حِينَ أصْبَحَتْ ورَأتْ ما رَأتِ: اليَوْمَ أعْلَمُ أنَّ اللَّهَ قَدْ أعَزَّ دِينَهُ وأمْرَ دِينِهِ، قالَ: فَما كانَ مَسْخُ الخَنازِيرِ في بَنِي إسْرائِيلَ إلّا عَلى يَدَيْ تِلْكَ المَرْأةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا في (ذَمِّ المَلاهِي)، مِن طَرِيقِ عُثْمانَ بْنِ عَطاءٍ، عَنْ أبِيهِ، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «(سَيَكُونُ في أُمَّتِي خَسْفٌ ورَجْفٌ، وقِرَدَةٌ وخَنازِيرُ») .
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وعَبَدَ الطّاغُوتَ﴾
أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ زُهَيْرٍ قالَ: قُلْتُ لِابْنِ أبِي لَيْلى: كَيْفَ كانَ طَلْحَةُ يَقْرَأُ هَذا الحَرْفَ؟ قالَ: (وعُبُدَ الطّاغُوتِ)، فَسَّرَهُ ابْنُ أبِي لَيْلى: وخَدَمَهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ عَطاءِ بْنِ السّائِبِ قالَ: كانَ أبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ يَقْرَأُ: (وعَبَدَ الطّاغُوتَ) بِنَصْبِ العَيْنِ والباءِ. (p-٣٧٠)وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ أبِي جَعْفَرٍ النَّحْوِيِّ، أنَّهُ كانَ يَقْرَؤُها: (وعُبِدَ الطّاغُوتُ) كَما تَقُولُ: ضُرِبَ عَبْدُ اللَّهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ بُرَيْدَةَ الأسْلَمِيِّ، أنَّهُ كانَ يَقْرَؤُها: (وعابِدَ الطّاغُوتِ) .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، مِن طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أبِي حَمّادٍ، قالَ: حَدَّثَنِي حَمْزَةُ عَنِ الأعْمَشِ، عَنْ يَحْيى بْنِ وثّابٍ، أنَّهُ قَرَأ: (وعَبُدَ الطّاغُوتِ) يَقُولُ: خَدَمَ، قالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: وكانَ حَمْزَةُ يَقْرَؤُها كَذَلِكَ.
المائدة 5:61
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا جاءُوكُمْ﴾ الآيَةَ.
أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وإذا جاءُوكم قالُوا آمَنّا﴾ الآيَةَ، قالَ: أُناسٌ مِنَ اليَهُودِ كانُوا يَدْخُلُونَ عَلى النَّبِيِّ ﷺ فَيُخْبِرُونَهُ أنَّهم مُؤْمِنُونَ راضُونَ بِالَّذِي جاءَ بِهِ، وهم مُتَمَسِّكُونَ بِضَلالَتِهِمْ، والكُفْرِ، فَكانُوا يَدْخُلُونَ بِذَلِكَ ويَخْرُجُونَ بِهِ مِن عِنْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وإذا (p-٣٧١)جاءُوكم قالُوا آمَنّا وقَدْ دَخَلُوا بِالكُفْرِ وهم قَدْ خَرَجُوا بِهِ﴾ فَإنَّهم دَخَلُوا وهم يَتَكَلَّمُونَ بِالحَقِّ وتُسِرُّ قُلُوبُهُمُ الكُفْرَ، فَقالَ: ﴿دَخَلُوا بِالكُفْرِ وهم قَدْ خَرَجُوا بِهِ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ السُّدِّيِّ في الآيَةِ قالَ: هَؤُلاءِ ناسٌ مِنَ المُنافِقِينَ كانُوا يَهُودَ، يَقُولُ: دَخَلُوا كُفّارًا وخَرَجُوا كُفّارًا.
المائدة 5:62
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وتَرى كَثِيرًا مِنهُمْ﴾ الآيَتَيْنِ.
أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ زَيْدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وتَرى كَثِيرًا مِنهم يُسارِعُونَ في الإثْمِ والعُدْوانِ﴾ قالَ: هَؤُلاءِ اليَهُودُ، ﴿لَبِئْسَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿لَوْلا يَنْهاهُمُ الرَّبّانِيُّونَ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿لَبِئْسَ ما كانُوا يَصْنَعُونَ﴾، قالَ: (يَصْنَعُونَ) و(يَعْمَلُونَ) واحِدٌ، قالَ لِهَؤُلاءِ حِينَ لَمْ يَنْهَوْا، كَما قالَ لِهَؤُلاءِ حِينَ عَمِلُوا، وذَلِكَ الإرْكانُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وتَرى كَثِيرًا مِنهم يُسارِعُونَ في الإثْمِ والعُدْوانِ وأكْلِهِمُ السُّحْتَ﴾ قالَ: كانَ هَذا في حُكّامِ اليَهُودِ بَيْنَ أيْدِيكم. (p-٣٧٢)وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿لَوْلا يَنْهاهُمُ الرَّبّانِيُّونَ والأحْبارُ﴾ قالَ: فَهَلّا يَنْهاهُمُ الرَّبّانِيُّونَ والأحْبارُ؟ وهُمُ الفُقَهاءُ والعُلَماءُ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ الضَّحّاكِ في قَوْلِهِ: ﴿لَوْلا يَنْهاهُمُ الرَّبّانِيُّونَ والأحْبارُ﴾ قالَ: أفَلا يَنْهاهُمُ العُلَماءُ والأحْبارُ؟
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿لَبِئْسَ ما كانُوا يَصْنَعُونَ﴾ يَعْنِي الرَّبّانِيِّينَ في تَرْكِهِمْ ذَلِكَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ الضَّحّاكِ في قَوْلِهِ: ﴿لَبِئْسَ ما كانُوا يَصْنَعُونَ﴾ قالَ: حَيْثُ لا يَنْهَوْنَهم عَنْ قَوْلِهِمُ الإثْمَ وأكْلِهِمُ السُّحْتَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عَلِيٍّ، أنَّهُ قالَ في خُطْبَتِهِ: أيُّها النّاسُ، إنَّما هَلَكَ مَن هَلَكَ قَبْلَكم بِرُكُوبِهِمُ المَعاصِيَ، ولَمْ يَنْهَهُمُ الرَّبّانِيُّونَ والأحْبارُ، فَلَمّا تَمادَوْا في المَعاصِي، ولَمْ يَنْهَهُمُ الرَّبّانِيُّونَ والأحْبارُ أخَذَتْهُمُ (p-٣٧٣)العُقُوباتُ، فَمُرُوا بِالمَعْرُوفِ، وانْهَوْا عَنِ المُنْكَرِ، قَبْلَ أنْ يَنْزِلَ بِكم مِثْلُ الَّذِي نَزَلَ بِهِمْ، واعْلَمُوا أنَّ الأمْرَ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيَ عَنِ المُنْكَرِ لا يَقْطَعُ رِزْقًا ولا يُقَرِّبُ أجَلًا.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: ما في القُرْآنِ آيَةٌ أشَدَّ تَوْبِيخًا مِن هَذِهِ الآيَةِ: (لَوْلا يَنْهاهُمُ الرَّبّانِيُّونَ والأحْبارُ عَنْ قَوْلِهِمُ العُدْوانَ وأكْلِهُمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ) هَكَذا قَرَأ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُبارَكِ في (الزُّهْدِ)، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ الضَّحّاكِ بْنِ مُزاحِمٍ قالَ: ما في القُرْآنِ آيَةٌ أخْوَفُ عِنْدِي مِن هَذِهِ الآيَةِ: ﴿لَوْلا يَنْهاهُمُ الرَّبّانِيُّونَ والأحْبارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الإثْمَ وأكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ ما كانُوا يَصْنَعُونَ﴾ أساءَ الثَّناءَ عَلى الفَرِيقَيْنِ جَمِيعًا.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، مِن طَرِيقِ سَلَمَةَ بْنِ نُبَيْطٍ، عَنِ الضَّحّاكِ: ﴿لَوْلا يَنْهاهُمُ الرَّبّانِيُّونَ والأحْبارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الإثْمَ وأكْلِهِمُ السُّحْتَ﴾ قالَ: الرَّبّانِيُّونَ والأحْبارُ فُقَهاؤُهم وقُرّاؤُهم وعُلَماؤُهم قالَ: ثُمَّ يَقُولُ الضَّحّاكُ: ما أخْوَفَنِي مِن هَذِهِ الآيَةَ! (p-٣٧٤)وأخْرَجَ أحْمَدُ، وأبُو داوُدَ، وابْنُ ماجَهْ، عَنْ جَرِيرٍ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «(ما مِن قَوْمٍ يَكُونُ بَيْنَ أظْهُرِهِمْ مَن يَعْمَلُ المَعاصِيَ هم أعَزُّ مِنهُ، وأمْنَعُ، لَمْ يُغَيِّرُوا، إلّا أصابَهُمُ اللَّهُ مِنهُ بِعَذابٍ») .
المائدة 5:63
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وتَرى كَثِيرًا مِنهُمْ﴾ الآيَتَيْنِ.
أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ زَيْدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وتَرى كَثِيرًا مِنهم يُسارِعُونَ في الإثْمِ والعُدْوانِ﴾ قالَ: هَؤُلاءِ اليَهُودُ، ﴿لَبِئْسَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿لَوْلا يَنْهاهُمُ الرَّبّانِيُّونَ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿لَبِئْسَ ما كانُوا يَصْنَعُونَ﴾، قالَ: (يَصْنَعُونَ) و(يَعْمَلُونَ) واحِدٌ، قالَ لِهَؤُلاءِ حِينَ لَمْ يَنْهَوْا، كَما قالَ لِهَؤُلاءِ حِينَ عَمِلُوا، وذَلِكَ الإرْكانُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وتَرى كَثِيرًا مِنهم يُسارِعُونَ في الإثْمِ والعُدْوانِ وأكْلِهِمُ السُّحْتَ﴾ قالَ: كانَ هَذا في حُكّامِ اليَهُودِ بَيْنَ أيْدِيكم. (p-٣٧٢)وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿لَوْلا يَنْهاهُمُ الرَّبّانِيُّونَ والأحْبارُ﴾ قالَ: فَهَلّا يَنْهاهُمُ الرَّبّانِيُّونَ والأحْبارُ؟ وهُمُ الفُقَهاءُ والعُلَماءُ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ الضَّحّاكِ في قَوْلِهِ: ﴿لَوْلا يَنْهاهُمُ الرَّبّانِيُّونَ والأحْبارُ﴾ قالَ: أفَلا يَنْهاهُمُ العُلَماءُ والأحْبارُ؟
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿لَبِئْسَ ما كانُوا يَصْنَعُونَ﴾ يَعْنِي الرَّبّانِيِّينَ في تَرْكِهِمْ ذَلِكَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ الضَّحّاكِ في قَوْلِهِ: ﴿لَبِئْسَ ما كانُوا يَصْنَعُونَ﴾ قالَ: حَيْثُ لا يَنْهَوْنَهم عَنْ قَوْلِهِمُ الإثْمَ وأكْلِهِمُ السُّحْتَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عَلِيٍّ، أنَّهُ قالَ في خُطْبَتِهِ: أيُّها النّاسُ، إنَّما هَلَكَ مَن هَلَكَ قَبْلَكم بِرُكُوبِهِمُ المَعاصِيَ، ولَمْ يَنْهَهُمُ الرَّبّانِيُّونَ والأحْبارُ، فَلَمّا تَمادَوْا في المَعاصِي، ولَمْ يَنْهَهُمُ الرَّبّانِيُّونَ والأحْبارُ أخَذَتْهُمُ (p-٣٧٣)العُقُوباتُ، فَمُرُوا بِالمَعْرُوفِ، وانْهَوْا عَنِ المُنْكَرِ، قَبْلَ أنْ يَنْزِلَ بِكم مِثْلُ الَّذِي نَزَلَ بِهِمْ، واعْلَمُوا أنَّ الأمْرَ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيَ عَنِ المُنْكَرِ لا يَقْطَعُ رِزْقًا ولا يُقَرِّبُ أجَلًا.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: ما في القُرْآنِ آيَةٌ أشَدَّ تَوْبِيخًا مِن هَذِهِ الآيَةِ: (لَوْلا يَنْهاهُمُ الرَّبّانِيُّونَ والأحْبارُ عَنْ قَوْلِهِمُ العُدْوانَ وأكْلِهُمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ) هَكَذا قَرَأ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُبارَكِ في (الزُّهْدِ)، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ الضَّحّاكِ بْنِ مُزاحِمٍ قالَ: ما في القُرْآنِ آيَةٌ أخْوَفُ عِنْدِي مِن هَذِهِ الآيَةِ: ﴿لَوْلا يَنْهاهُمُ الرَّبّانِيُّونَ والأحْبارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الإثْمَ وأكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ ما كانُوا يَصْنَعُونَ﴾ أساءَ الثَّناءَ عَلى الفَرِيقَيْنِ جَمِيعًا.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، مِن طَرِيقِ سَلَمَةَ بْنِ نُبَيْطٍ، عَنِ الضَّحّاكِ: ﴿لَوْلا يَنْهاهُمُ الرَّبّانِيُّونَ والأحْبارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الإثْمَ وأكْلِهِمُ السُّحْتَ﴾ قالَ: الرَّبّانِيُّونَ والأحْبارُ فُقَهاؤُهم وقُرّاؤُهم وعُلَماؤُهم قالَ: ثُمَّ يَقُولُ الضَّحّاكُ: ما أخْوَفَنِي مِن هَذِهِ الآيَةَ! (p-٣٧٤)وأخْرَجَ أحْمَدُ، وأبُو داوُدَ، وابْنُ ماجَهْ، عَنْ جَرِيرٍ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «(ما مِن قَوْمٍ يَكُونُ بَيْنَ أظْهُرِهِمْ مَن يَعْمَلُ المَعاصِيَ هم أعَزُّ مِنهُ، وأمْنَعُ، لَمْ يُغَيِّرُوا، إلّا أصابَهُمُ اللَّهُ مِنهُ بِعَذابٍ») .
المائدة 5:64
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالَتِ اليَهُودُ﴾ الآيَةَ.
أخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ، والطَّبَرانِيُّ في (الكَبِيرِ)، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: قالَ رَجُلٌ مِنَ اليَهُودِ يُقالُ لَهُ: شَأْسُ بْنُ قَيْسٍ: إنَّ رَبَّكَ بَخِيلٌ لا يُنْفِقُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وقالَتِ اليَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أيْدِيهِمْ ولُعِنُوا بِما قالُوا بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ﴾ .
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿وقالَتِ اليَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ نَزَلَتْ في فِنْحاصَ رَأْسِ يَهُودِ قَيْنُقاعَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وقالَتِ اليَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ الآيَةَ، قالَ: نَزَلَتْ في فِنْحاصَ اليَهُودِيِّ.
(p-٣٧٥)وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿وقالَتِ اليَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ أيْ: بَخِيلَةٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وقالَتِ اليَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ قالَ: لا يَعْنُونَ بِذَلِكَ أنَّ يَدَ اللَّهِ مُوثَقَةٌ، ولَكِنْ يَقُولُونَ: إنَّهُ بَخِيلٌ أمْسَكَ ما عِنْدَهُ، تَعالى اللَّهُ عَمّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الضَّحّاكِ في قَوْلِهِ: ﴿مَغْلُولَةٌ﴾ يَقُولُونَ: إنَّهُ بَخِيلٌ لَيْسَ بِجَوادٍ، وفي قَوْلِهِ: ﴿غُلَّتْ أيْدِيهِمْ﴾ قالَ: أُمْسِكَتْ عَنِ النَّفَقَةِ والخَيْرِ.
وأخْرَجَ الدَّيْلَمِيُّ في (مُسْنَدِ الفِرْدَوْسِ) عَنْ أنَسٍ مَرْفُوعًا «(أنَّ يَحْيى بْنَ زَكَرِيّا سَألَ رَبَّهُ فَقالَ: يا رَبِّ، اجْعَلْنِي مِمَّنْ لا يَقَعُ النّاسُ فِيهِ، فَأوْحى اللَّهُ إلَيْهِ، يا يَحْيى، هَذا شَيْءٌ لَمْ أسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي، كَيْفَ أفْعَلُهُ بِكَ! اقْرَأْ في المُحْكَمِ تَجِدْ فِيهِ: ﴿وقالَتِ اليَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وقالَتِ النَّصارى المَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٠]، وقالُوا: ﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾، وقالُوا، وقالُوا») .
وأخْرَجَ أبُو نُعَيْمٍ في (الحِلْيَةِ)، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ قالَ: إذا بَلَغَكَ عَنْ أخِيكَ شَيْءٌ يَسُوءُكَ فَلا تَغْتَمَّ، فَإنَّهُ إنْ كانَ كَما يَقُولُ كانَتْ عُقُوبَةً عُجِّلَتْ، وإنْ (p-٣٧٦)كانَتْ عَلى غَيْرِ ما يَقُولُ كانَتْ حَسَنَةً لَمْ تَعْمَلْها، قالَ: وقالَ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ: يا رَبِّ، أسْألُكَ ألّا يَذْكُرَنِي أحَدٌ إلّا بِخَيْرٍ، قالَ: ما فَعَلْتُ ذَلِكَ لِنَفْسِي.
وأخْرَجَ أبُو نُعَيْمٍ، عَنْ وهْبٍ قالَ: قالَ مُوسى: يا رَبِّ، احْبِسْ عَنِّي كَلامَ النّاسِ، فَقالَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: لَوْ فَعَلْتُ هَذا بِأحَدٍ لَفَعَلْتُهُ بِي.
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ﴾ .
أخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ في (فَضائِلِهِ)، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي داوُدَ، وابْنُ الأنْبارِيِّ، مَعًا في (المَصاحِفِ)، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ قَرَأ: (بَلْ يَداهُ بِسْطانِ) .
وأخْرَجَ أحْمَدُ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والبُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، والتِّرْمِذِيُّ، وابْنُ ماجَهْ، والبَيْهَقِيُّ في (الأسْماءِ والصِّفاتِ)، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «(إنَّ يَمِينَ اللَّهِ مَلْأى، لا يَغِيضُها نَفَقَةٌ، سَحّاءُ اللَّيْلَ والنَّهارَ، أرَأيْتُمْ ما أنْفَقَ مُنْذُ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ، فَإنَّهُ لَمْ يَغِضْ ما في يَمِينِهِ)، قالَ: (وعَرْشُهُ عَلى الماءِ، وفي يَدِهِ الأُخْرى القَبْضُ، يَرْفَعُ ويَخْفِضُ») .
* *
(p-٣٧٧)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنهُمْ﴾ الآيَةَ.
أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ: ﴿ولَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنهم ما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ طُغْيانًا وكُفْرًا﴾ قالَ: حَمَلَهم حَسَدُ مُحَمَّدٍ ﷺ والعَرَبِ عَلى أنْ تَرَكُوا القُرْآنَ، وكَفَرُوا بِمُحَمَّدٍ ﷺ، ودِينِهِ، وهم يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهم.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ الرَّبِيعِ قالَ: قالَتِ العُلَماءُ فِيما حَفِظُوا وعَلِمُوا: إنَّهُ لَيْسَ عَلى الأرْضِ قَوْمٌ حَكَمُوا بِغَيْرِ ما أنْزَلَ اللَّهُ إلّا ألْقى اللَّهُ بَيْنَهُمُ العَداوَةَ والبَغْضاءَ، وقالَ: ذَلِكَ في اليَهُودِ حَيْثُ حَكَمُوا بِغَيْرِ ما أنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وألْقَيْنا بَيْنَهُمُ العَداوَةَ والبَغْضاءَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ﴾
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وألْقَيْنا بَيْنَهُمُ العَداوَةَ والبَغْضاءَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ﴾ قالَ: اليَهُودُ والنَّصارى، وفي قَوْلِهِ: ﴿كُلَّما أوْقَدُوا نارًا لِلْحَرْبِ أطْفَأها اللَّهُ﴾ يَقُولُ: كُلَّما مَكَرُوا مَكْرًا أطْفَأهُ اللَّهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿كُلَّما أوْقَدُوا نارًا لِلْحَرْبِ أطْفَأها اللَّهُ﴾ قالَ: حَرْبُ (p-٣٧٨)مُحَمَّدٍ ﷺ .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ: ﴿كُلَّما أوْقَدُوا نارًا لِلْحَرْبِ أطْفَأها اللَّهُ﴾ قالَ: كُلَّما أجْمَعُوا أمْرَهم عَلى شَيْءٍ فَرَّقَهُ اللَّهُ، وأطْفَأ حَدَّهم ونارَهُمْ، وقَذَفَ في قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ: ﴿كُلَّما أوْقَدُوا نارًا لِلْحَرْبِ أطْفَأها اللَّهُ﴾ قالَ: أُولَئِكَ أعْداءُ اللَّهِ اليَهُودُ، كُلَّما أوْقَدُوا نارًا لِلْحَرْبِ أطْفَأها اللَّهُ، فَلَنْ تَلْقى اليَهُودَ بِبَلَدٍ إلّا وجَدْتَهم مِن أذَلِّ أهْلِهِ، لَقَدْ جاءَ الإسْلامُ حِينَ جاءَ وهم تَحْتَ أيْدِي المَجُوسِ وهم أبْغَضُ خَلْقِ اللَّهِ تَقْمِئَةً وتَصْغِيرًا بِأعْمالِهِمْ أعْمالِ السُّوءِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ الحَسَنِ: ﴿كُلَّما أوْقَدُوا نارًا لِلْحَرْبِ أطْفَأها اللَّهُ﴾ قالَ: كُلَّما اجْتَمَعَتِ السَّفَلَةُ عَلى قَتْلِ العَرَبِ أذَلَّهُمُ اللَّهُ.
المائدة 5:65
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَوْ أنَّ أهْلَ الكِتابِ آمَنُوا﴾ الآيَةَ.
أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو (p-٣٧٩)الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿ولَوْ أنَّ أهْلَ الكِتابِ آمَنُوا واتَّقَوْا﴾ قالَ: آمَنُوا بِما أنْزَلَ اللَّهُ واتَّقَوْا ما حَرَّمَ اللَّهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مالِكِ بْنِ دِينارٍ قالَ: جَنّاتُ النَّعِيمِ بَيْنَ جَنّاتِ الفِرْدَوْسِ وجَنّاتِ عَدْنٍ، وفِيها جَوارٍ خُلِقْنَ مِن ورْدِ الجَنَّةِ، قِيلَ: فَمَن يَسْكُنُها؟ قالَ: الَّذِينَ هَمُّوا بِالمَعاصِي فَلَمّا ذَكَرُوا عَظَمَةَ اللَّهِ جَلَّ جَلالُهُ راقَبُوهُ.
المائدة 5:66
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَوْ أنَّهم أقامُوا التَّوْراةَ والإنْجِيلَ﴾ الآيَةَ.
أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولَوْ أنَّهم أقامُوا التَّوْراةَ والإنْجِيلَ﴾، قالَ: أمّا إقامَتُهُمُ التَّوْراةَ والإنْجِيلَ فالعَمَلُ بِهِما، وأمّا: ﴿وما أُنْزِلَ إلَيْهِمْ مِن رَبِّهِمْ﴾ فَمُحَمَّدٌ ﷺ وما أُنْزِلَ عَلَيْهِ، وأمّا: ﴿لأكَلُوا مِن فَوْقِهِمْ﴾ فَأرْسَلْتُ عَلَيْهِمْ مَطَرًا، وأما: ﴿ومِن تَحْتِ أرْجُلِهِمْ﴾ يَقُولُ: لَأُنْبِتُ لَهم مِنَ الأرْضِ مِن رِزْقِي ما يُغْنِيهِمْ، ﴿مِنهم أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ﴾ وهم مُسْلِمَةُ أهْلِ الكِتابِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿لأكَلُوا مِن فَوْقِهِمْ﴾ يَعْنِي: لَأرْسَلَ عَلَيْهِمُ السَّماءَ مِدْرارًا، ﴿ومِن تَحْتِ أرْجُلِهِمْ﴾ قالَ: (p-٣٨٠)تُخْرِجُ الأرْضُ مِن بَرَكاتِها.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في الآيَةِ: يَقُولُ: لَأكَلُوا مِنَ الرِّزْقِ الَّذِي يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ والَّذِي يَنْبُتُ مِنَ الأرْضِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ: ﴿لأكَلُوا مِن فَوْقِهِمْ ومِن تَحْتِ أرْجُلِهِمْ﴾ يَقُولُ: لَأعْطَتْهُمُ السَّماءُ بَرَكاتِها، والأرْضُ نَباتَها، ﴿مِنهم أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ﴾ يَقُولُ: عَلى كِتابِ اللَّهِ وأمْرِهِ، ثُمَّ ذَمَّ أكْثَرَ القَوْمِ فَقالَ: ﴿وكَثِيرٌ مِنهم ساءَ ما يَعْمَلُونَ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أنَسٍ قالَ: الأُمَّةُ المُقْتَصِدَةُ، الَّذِينَ لا هم فَسَقُوا في الدِّينِ، ولا هم غَلُوا، قالَ: والغُلُوُّ الرَّغْبَةُ، والفِسْقُ التَّقْصِيرُ عَنْهُ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ: ﴿أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ﴾ يَقُولُ: مُؤْمِنَةٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ، أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «(يُوشِكُ أنْ يُرْفَعَ العِلْمُ)، فَقالَ زِيادُ بْنُ لَبِيدٍ: يا رَسُولَ اللَّهِ، وكَيْفَ يُرْفَعُ العِلْمُ، وقَدْ (p-٣٨١)قَرَأْنا القُرْآنَ، وعَلَّمْناهُ أبْناءَنا؟ فَقالَ: (ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ يا ابْنَ لَبِيدٍ، إنْ كُنْتُ لَأُراكَ مِن أفْقَهِ أهْلِ المَدِينَةِ، أوَلَيْسَتِ التَّوْراةُ والإنْجِيلُ بِأيْدِي اليَهُودِ والنَّصارى، فَما أغْنى عَنْهم حِينَ تَرَكُوا أمْرَ اللَّهِ!) ثُمَّ قَرَأ: ﴿ولَوْ أنَّهم أقامُوا التَّوْراةَ والإنْجِيلَ﴾ الآيَةَ» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ، وابْنُ ماجَهْ، مِن طَرِيقِ سالِمِ ابْنِ أبِي الجَعْدِ، عَنْ زِيادِ بْنِ لَبِيدٍ، قالَ: «ذَكَرَ النَّبِيُّ ﷺ شَيْئًا، فَقالَ: (وذَلِكَ عِنْدَ ذَهابِ العِلْمِ) قُلْنا: يا رَسُولَ اللَّهِ، وكَيْفَ يَذْهَبُ العِلْمُ ونَحْنُ نَقْرَأُ القُرْآنَ، ونُقْرِئُهُ أبْناءَنا، ويُقْرِئُهُ أبْناؤُنا أبْناءَهم إلى يَوْمِ القِيامَةِ؟ قالَ: (ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ ياابْنَ أُمِّ لَبِيدٍ، إنْ كُنْتُ لَأُراكَ مِن أفْقَهِ رَجُلٍ بِالمَدِينَةِ، أوَلَيْسَ هَذِهِ اليَهُودُ والنَّصارى يَقْرَؤُونَ التَّوْراةَ والإنْجِيلَ، ولا يَنْتَفِعُونَ مِمّا فِيهِما بِشَيْءٍ»!) .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ، مِن طَرِيقِ يَعْقُوبَ بْنِ زَيْدِ بْنِ طَلْحَةَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ، عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ قالَ: «كُنّا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَذَكَرَ حَدِيثًا قالَ: ثُمَّ حَدَّثَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ فَقالَ: (تَفَرَّقَتْ أُمَّةُ مُوسى عَلى إحْدى وسَبْعِينَ مِلَّةً، سَبْعُونَ مِنها في (p-٣٨٢)النّارِ، وواحِدَةٌ في الجَنَّةِ، وتَفَرَّقَتْ أُمَّةُ عِيسى عَلى اثْنَتَيْنِ وسَبْعِينَ مِلَّةً، واحِدَةٌ مِنها في الجَنَّةِ، وإحْدى وسَبْعُونَ مِنها في النّارِ، وتَعْلُو أُمَّتِي عَلى الفَرِيقَيْنِ جَمِيعًا بِمِلَّةٍ واحِدَةٍ في الجَنَّةِ، وثِنْتانِ وسَبْعُونَ مِنها في النّارِ)، قالُوا: مَن هم يا رَسُولَ اللَّهِ؟ قالَ: (الجَماعاتُ الجَماعاتُ»)، قالَ يَعْقُوبُ بْنُ زَيْدٍ: كانَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ إذا حَدَّثَ بِهَذا الحَدِيثِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تَلا فِيهِ قُرْآنًا: ﴿ولَوْ أنَّ أهْلَ الكِتابِ آمَنُوا واتَّقَوْا﴾ [المائدة: ٦٥] إلى قَوْلِهِ: ﴿ساءَ ما يَعْمَلُونَ﴾ وتَلا أيْضًا: ﴿ومِمَّنْ خَلَقْنا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالحَقِّ وبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ [الأعراف: ١٨١] يَعْنِي أُمَّةَ مُحَمَّدٍ ﷺ .
المائدة 5:67
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ﴾ الآيَةَ.
أخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ الحَسَنِ، أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «(إنَّ اللَّهَ بَعَثَنِي بِرِسالَةٍ، فَضِقْتُ بِها ذَرْعًا، وعَرَفْتُ أنَّ النّاسَ مُكَذِّبِيَّ، فَوَعَدَنِي لَأُبَلِّغَنَّ أوْ لَيُعَذِّبَنِّي، فَأنْزَلَ: ﴿يا أيُّها الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ﴾ [المائدة»: ٦٧] ) .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: لَمّا نَزَلَتْ: ﴿بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ﴾ قالَ: (يا رَبِّ، إنَّما أنا واحِدٌ، (p-٣٨٣)كَيْفَ أصْنَعُ يَجْتَمِعُ عَلَيَّ النّاسُ؟) فَنَزَلَتْ: ﴿وإنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿وإنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ﴾ يَعْنِي: إنْ كَتَمْتَ آيَةً مِمّا أُنْزِلَ إلَيْكَ لَمْ تُبَلِّغْ رِسالَتَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، وابْنُ عَساكِرَ، عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿يا أيُّها الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ﴾ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ غَدِيرِ خُمٍّ في عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: كُنّا نَقْرَأُ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: ﴿يا أيُّها الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ﴾ أنَّ عَلِيًّا مَوْلى المُؤْمِنِينَ، ﴿وإنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ واللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عَنْتَرَةَ، قالَ كُنْتُ عِنْدَ ابْنِ عَبّاسٍ، فَجاءَهُ رَجُلٌ فَقالَ: إنَّ ناسًا يَأْتُونا فَيُخْبِرُونا أنَّ عِنْدَكم شَيْئًا لَمْ يُبْدِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِلنّاسِ، فَقالَ: ألَمْ تَعْلَمْ أنَّ اللَّهَ قالَ: ﴿يا أيُّها الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ﴾ ؟ واللَّهِ ما ورَّثَنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَوْداءَ في بَيْضاءَ.
* *
(p-٣٨٤)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ﴾ .
أخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ، والضِّياءُ في (المُخْتارَةِ)، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أيُّ آيَةٍ أُنْزِلَتْ مِنَ السَّماءِ أشُدُّ عَلَيْكَ؟ فَقالَ: (كُنْتُ بِمِنًى أيّامَ مَوْسِمٍ، واجْتَمَعَ مُشْرِكُو العَرَبِ وأفْناءُ النّاسِ في المَوْسِمِ، فَأُنْزِلَ عَلَيَّ جِبْرِيلُ فَقالَ: ﴿يا أيُّها الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ وإنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ واللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ﴾ قالَ: (فَقُمْتُ عِنْدَ العَقَبَةِ فَنادَيْتُ: يا أيُّها النّاسُ، مَن يَنْصُرُنِي عَلى أنْ أُبَلِّغَ رِسالاتِ رَبِّي، ولَكُمُ الجَنَّةُ؟ أيُّها النّاسُ، قُولُوا: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وأنا رَسُولُ اللَّهِ إلَيْكم تُفْلِحُوا، وتَنْجَحُوا ولَكُمُ الجَنَّةُ)، قالَ: (فَما بَقِيَ رَجُلٌ ولا امْرَأةٌ، ولا صَبِيٌّ إلّا يَرْمُونَ عَلَيَّ بِالتُّرابِ والحِجارَةِ، ويَبْزُقُونَ في وجْهِي ويَقُولُونَ: كَذّابٌ صابِئٌ، فَعَرَضَ عَلَيَّ عارِضٌ، فَقالَ: يا مُحَمَّدُ، إنْ كُنْتَ رَسُولَ اللَّهِ فَقَدْ آنَ لَكَ أنْ تَدْعُوَ عَلَيْهِمْ كَما دَعا نُوحٌ عَلى قَوْمِهِ بِالهَلاكِ)، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: (اللَّهُمَّ اهْدِ قَوْمِي، فَإنَّهم لا يَعْلَمُونَ، وانْصُرْنِي عَلَيْهِمْ أنْ يُجِيبُونِي إلى طاعَتِكَ)، فَجاءَ العَبّاسُ عَمُّهُ فَأنْقَذَهُ مِنهُمْ، وطَرَدَهم عَنْهُ، قالَ الأعْمَشُ: فَبِذَلِكَ تَفْتَخِرُ بَنُو العَبّاسِ ويَقُولُونَ: فِيهِمْ نَزَلَتْ: ﴿إنَّكَ لا تَهْدِي مَن أحْبَبْتَ ولَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشاءُ﴾ [القصص: ٥٦] [القَصَصِ: ٥٦]، هَوى النَّبِيُّ ﷺ أبا طالِبٍ، وشاءَ اللَّهُ عَبّاسَ بْنَ عَبْدِ المُطَّلِبِ» .
(p-٣٨٥)وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والتِّرْمِذِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، والحاكِمُ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ، والبَيْهَقِيُّ كِلاهُما في (الدَّلائِلِ)، عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: «كانَ النَّبِيُّ ﷺ يُحْرَسُ حَتّى نَزَلَتْ: ﴿واللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ﴾ فَأخْرَجَ رَأْسَهُ مِنَ القُبَّةِ فَقالَ: (أيُّها النّاسُ، انْصَرِفُوا، فَقَدْ عَصَمَنِي اللَّهُ») .
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ، قالَ: «كانَ العَبّاسُ عَمُّ النَّبِيِّ ﷺ في مَن يَحْرُسُهُ، فَلَمّا نَزَلَتْ: ﴿واللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ﴾ تَرَكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الحَرَسَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذا خَرَجَ بَعَثَ مَعَهُ أبُو طالِبٍ مَن يَكْلَؤُهُ حَتّى نَزَلَتْ: ﴿واللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ﴾ فَذَهَبَ لِيَبْعَثَ مَعَهُ، فَقالَ: (يا عَمِّ، إنَّ اللَّهَ قَدْ عَصَمَنِي، لا حاجَةَ لِي إلى مَن تَبْعَثُ») .
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ في (الدَّلائِلِ)، وابْنُ عَساكِرَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «كانَ النَّبِيُّ ﷺ يُحْرَسُ، وكانَ يُرْسِلُ مَعَهُ عَمُّهُ أبُو طالِبٍ كُلَّ يَوْمٍ رِجالًا مِن بَنِي هاشِمٍ يَحْرُسُونَهُ، حَتّى نَزَلَتْ: ﴿واللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ﴾ وأرادَ عَمُّهُ أنْ يُرْسِلَ مَعَهُ مَن يَحْرُسُهُ، فَقالَ: (يا عَمِّ، (p-٣٨٦)إنَّ اللَّهَ قَدْ عَصَمَنِي مِنَ الجِنِّ والإنْسِ») .
وأخْرَجَ أبُو نُعَيْمٍ في (الدَّلائِلِ)، عَنْ أبِي ذَرٍّ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لا يَنامُ إلّا ونَحْنُ حَوْلَهُ، مِن مَخافَةِ الغَوائِلِ، حَتّى نَزَلَتْ آيَةُ العِصْمَةِ: ﴿واللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ﴾ [المائدة»: ٦٧] .
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنْ عِصْمَةَ بْنِ مالِكٍ الخَطْمِيِّ، قالَ: «كُنّا نَحْرُسُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِاللَّيْلِ، حَتّى نَزَلَتْ: ﴿واللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ﴾ فَتَرَكَ الحَرَسَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: «لَمّا غَزا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَنِي أنْمارٍ نَزَلَ ذاتَ الرَّقِيعِ بِأعْلى نَخْلٍ، فَبَيْنا هو جالِسٌ عَلى رَأْسِ بِئْرٍ قَدْ دَلّى رِجْلَيْهِ فَقالَ الوارِثُ مِن بَنِي النَّجّارِ: لَأقْتُلَنَّ مُحَمَّدًا، فَقالَ لَهُ أصْحابُهُ: كَيْفَ تَقْتُلُهُ؟ قالَ: أقُولُ لَهُ: أعْطِنِي سَيْفَكَ، فَإذا أعْطانِيهِ قَتَلْتُهُ بِهِ، فَأتاهُ، فَقالَ: يا مُحَمَّدُ، أعْطِنِي سَيْفَكَ أُشِيمُهُ، فَأعْطاهُ إيّاهُ، فَرُعِدَتْ يَدُهُ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (حالَ اللَّهُ بَيْنَكَ وبَيْنَ ما تُرِيدُ)، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿يا أيُّها الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إلَيْكَ مِن رَبِّكَ﴾ الآيَةَ» . (p-٣٨٧)وأخْرَجَ ابْنُ حِبّانَ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «كُنّا إذا صَحِبْنا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ في سَفَرٍ تَرَكْنا لَهُ أعْظَمَ شَجَرَةٍ وأظَلَّها، فَيَنْزِلُ تَحْتَها، فَنَزَلَ ذاتَ يَوْمٍ تَحْتَ شَجَرَةٍ وعَلَّقَ سَيْفَهُ فِيها، فَجاءَ رَجُلٌ فَأخَذَهُ، فَقالَ: يا مُحَمَّدُ، مَن يَمْنَعُكَ مِنِّي؟ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (اللَّهُ يَمْنَعُنِي مِنكَ، ضَعْ عَنْكَ السَّيْفَ)، فَوَضَعَهُ، فَنَزَلَتْ: ﴿واللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ﴾ [المائدة»: ٦٧] .
وأخْرَجَ أحْمَدُ، عَنْ جَعْدَةَ بْنِ خالِدِ بْنِ الصِّمَّةِ الجُشَمِيِّ قالَ: «أُتِيَ النَّبِيُّ ﷺ بِرَجُلٍ فَقِيلَ: هَذا أرادَ أنْ يَقْتُلَكَ، فَقالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: (لَمْ تُرَعْ، لَمْ تُرَعْ، ولَوْ أرَدْتَ ذَلِكَ لَمْ يُسَلِّطْكَ اللَّهُ عَلَيَّ») .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ في الآيَةِ قالَ: أخْبَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ ﷺ أنَّهُ سَيَكْفِيهِ النّاسَ، ويَعْصِمُهُ مِنهُمْ، وأمَرَهُ بِالبَلاغِ،«وذُكِرَ لَنا أنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ قِيلَ لَهُ: لَوِ احْتَجَبْتَ، فَقالَ: (واللَّهِ لَأُبْدِيَنَّ عَقِبِي لِلنّاسِ ما صاحَبْتُهُمْ») .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ: ﴿يا أيُّها الرَّسُولُ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ﴾ قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (لا تَحْرُسُونِي، إنَّ رَبِّي قَدْ عَصَمَنِي») . (p-٣٨٨)وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ قالَ: «إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ يَتَعَقَّبُهُ ناسٌ مِن أصْحابِهِ، فَلَمّا نَزَلَتْ: ﴿واللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ﴾ خَرَجَ فَقالَ: (يا أيُّها النّاسُ، الحَقُوا بِمَلاحِقِكُمْ، فَإنَّ اللَّهَ قَدْ عَصَمَنِي مِنَ النّاسِ») .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ، «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ما زالَ يَحْرُسُ يَتَحارَسُهُ أصْحابُهُ، حَتّى أنْزَلَ اللَّهُ: ﴿واللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ﴾ فَتَرَكَ الحَرَسَ حِينَ أخْبَرَهُ أنَّهُ سَيَعْصِمُهُ مِنَ النّاسِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذا نَزَلَ مَنزِلًا اخْتارَ لَهُ أصْحابُهُ شَجَرَةً ظَلِيلَةً فَيُقِيلُ تَحْتَها، فَأتاهُ أعْرابِيٌّ فاخْتَرَطَ سَيْفَهُ، ثُمَّ قالَ: مَن يَمْنَعُكَ مِنِّي؟ قالَ: (اللَّهُ)، فَرُعِدَتْ يَدُ الأعْرابِيِّ، وسَقَطَ السَّيْفُ مِنهُ، قالَ: وضَرَبَ بِرَأْسِهِ الشَّجَرَةَ حَتّى انْتَثَرَتْ دِماغُهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿واللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ﴾ [المائدة»: ٦٧] .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قالَ: «كانَ النَّبِيُّ ﷺ يَهابُ قُرَيْشًا، فَلَمّا نَزَلَتْ: ﴿واللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ﴾ اسْتَلْقى ثُمَّ قالَ: (مَن شاءَ (p-٣٨٩)فَلْيَخْذُلْنِي)، مَرَّتَيْنِ أوْ ثَلاثًا» .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أنَسٍ قالَ: «كانَ النَّبِيُّ ﷺ يَحْرُسُهُ أصْحابُهُ حَتّى نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿يا أيُّها الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إلَيْكَ﴾ الآيَةَ، فَخَرَجَ إلَيْهِمْ فَقالَ: (لا تَحْرُسُونِي، فَإنَّ اللَّهَ قَدْ عَصَمَنِي مِنَ النّاسِ») .
المائدة 5:68
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ يا أهْلَ الكِتابِ لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ﴾ الآيَةَ.
أخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «جاءَ رافِعُ بْنُ حارِثَةَ، وسَلّامُ بْنُ مِشْكَمٍ، ومالِكُ بْنُ الصَّيْفِ، ورافِعُ بْنُ حُرَيْمِلَةَ، فَقالُوا: يا مُحَمَّدُ، ألَسْتَ تَزْعُمُ أنَّكَ عَلى مِلَّةِ إبْراهِيمَ ودِينِهِ، وتُؤْمِنُ بِما عِنْدَنا مِنَ التَّوْراةِ، وتَشْهَدُ أنَّها مِنَ اللَّهِ حَقٌّ ؟ فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: (بَلى، ولَكِنَّكم أحْدَثْتُمْ وجَحَدْتُمْ ما فِيها مِمّا أُخِذَ عَلَيْكم مِنَ المِيثاقِ، وكَتَمْتُمْ مِنها ما أُمِرْتُمْ أنْ تُبَيِّنُوهُ لِلنّاسِ، فَبَرِئْتُ مِن إحْداثِكُمْ)، قالُوا: فَإنّا نَأْخُذُ بِما في أيْدِينا، فَإنّا عَلى الهُدى والحَقِّ، ولا نُؤْمِنُ بِكَ ولا نَتَّبِعُكَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ: ﴿قُلْ يا أهْلَ الكِتابِ لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ حَتّى تُقِيمُوا التَّوْراةَ والإنْجِيلَ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿القَوْمِ الكافِرِينَ﴾ [المائدة»: ٦٨] .
المائدة 5:71
(p-٣٩٠)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وحَسِبُوا ألا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ الآيَةَ.
أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ: ﴿وحَسِبُوا ألا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ قالَ: يَهُودُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿وحَسِبُوا ألا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ قالَ: بَلاءٌ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ: ﴿وحَسِبُوا ألا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ قالَ: حَسِبَ القَوْمُ ألّا يَكُونَ بَلاءٌ، ﴿فَعَمُوا وصَمُّوا﴾ قالَ: كُلَّما عَرَضَ لَهم بَلاءٌ ابْتُلُوا بِهِ هَلَكُوا فِيهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ: ﴿وحَسِبُوا ألا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ قالَ: حَسِبُوا ألّا يُبْتَلُوا فَعَمُوا عَنِ الحَقِّ.
المائدة 5:72
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا﴾ الآيَةَ.
أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ قالَ: لَمّا رَفَعَ اللَّهُ عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ، اجْتَمَعَ مِن عُلَماءِ بَنِي إسْرائِيلَ مِائَةُ رَجُلٍ، فَقالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: أنْتُمْ (p-٣٩١)كَثِيرٌ، نَتَخَوَّفُ الفُرْقَةَ، أخْرِجُوا عَشَرَةً، فَأخْرَجُوا عَشَرَةً، ثُمَّ قالُوا: أنْتُمْ كَثِيرٌ، أخْرِجُوا عَشَرَةً، فَأخْرَجُوا عَشَرَةً، ثُمَّ قالُوا: أنْتُمْ كَثِيرٌ، أخْرِجُوا عَشَرَةً، فَأخْرَجُوا عَشَرَةً، حَتّى بَقِيَ عَشَرَةٌ فَقالُوا: أنْتُمْ كَثِيرٌ حَتّى الآنَ، فَأخْرَجُوا سِتَّةً وبَقِيَ أرْبَعَةٌ، فَقالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: ما تَقُولُونَ في عِيسى؟ فَقالَ رَجُلٌ مِنهم: أتَعْلَمُونَ أنَّ أحَدًا يَعْلَمُ الغَيْبَ إلّا اللَّهُ؟ قالُوا: لا، قالَ: أتَعْلَمُونَ أنَّ أحَدًا يُحْيِي المَوْتى إلّا اللَّهُ؟ قالُوا لا، قالَ: أتَعْلَمُونَ أنَّ أحَدًا يُبْرِئُ الأكْمَهَ والأبْرَصَ إلّا اللَّهُ؟ قالُوا: لا، فَقالَ الرَّجُلُ: هو اللَّهُ، كانَ في الأرْضِ ما بَدا لَهُ، ثُمَّ صَعِدَ إلى السَّماءِ حِينَ بَدا لَهُ، وقالَ الآخَرُ: قَدْ عَرَفْنا عِيسى وعَرَفْنا أُمَّهُ، هو ولَدُهُ، وقالَ الآخَرُ: لا أقُولُ كَما تَقُولُونَ، أقُولُ: بَلْ جاءَتْ بِهِ أنَّهُ مِن عَمَلٍ غَيْرِ صالِحٍ فَقالَ الآخَرُ: لا أقُولُ كَما تَقُولُونَ، قَدْ كانَ عِيسى يُخْبِرُنا أنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ ورُوحُهُ وكَلِمَتُهُ ألْقاها إلى مَرْيَمَ، فَنَقُولُ كَما قالَ لِنَفْسِهِ، لَقَدْ خَشِيتُ أنْ تَكُونُوا قُلْتُمْ قَوْلًا عَظِيمًا، قالَ: فَخَرَجُوا عَلى النّاسِ فَقالُوا لِرَجُلٍ مِنهم: ماذا قُلْتَ؟ قالَ: قُلْتُ: هو اللَّهُ، كانَ في الأرْضِ ما بَدا لَهُ، ثُمَّ صَعِدَ إلى (p-٣٩٢)السَّماءِ حِينَ بَدا لَهُ، قالَ: فاتَّبَعَهُ عُنُقٌ مِنَ النّاسِ، وهَؤُلاءِ عَلى دِينِ المَلِكِ، وقالُوا لِلْآخَرِ: ماذا قُلْتَ؟ قالَ: قُلْتُ: بَلْ جاءَتْ بِهِ أُمُّهُ مِن عَمَلٍ غَيْرِ صالِحٍ فاتَّبَعَهُ عُنُقٌ مِنَ النّاسِ، ثُمَّ خَرَجَ الثّالِثُ فَقالُوا: ماذا قُلْتَ؟ قالَ: هو ولَدُ اللَّهِ فاتَّبَعَهُ عُنُقٌ مِنَ النّاسِ، وهَؤُلاءِ النَّسْطُورِيَّةُ واليَعْقُوبِيَّةُ، فَخَرَجَ الرّابِعُ فَقالُوا لَهُ: ماذا قُلْتَ؟ قالَ: قُلْتُ: هو عَبْدُ اللَّهِ ورُوحُهُ وكَلِمَتُهُ ألْقاها إلى مَرْيَمَ، فاتَّبَعَهُ عُنُقٌ مِنَ النّاسِ، فَقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: فَكُلٌّ قَدْ ذَكَرَ اللَّهُ في القُرْآنِ: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللَّهَ هو المَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ الآيَةَ، ثُمَّ قَرَأ: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللَّهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ﴾ الآيَةَ ثُمَّ قَرَأ: ﴿وبِكُفْرِهِمْ وقَوْلِهِمْ عَلى مَرْيَمَ بُهْتانًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ١٥٦] [النِّساءِ: ١٥٦] ثُمَّ قَرَأ: ﴿ولَوْ أنَّ أهْلَ الكِتابِ آمَنُوا واتَّقَوْا﴾ [المائدة: ٦٥] إلى قَوْلِهِ: ﴿مِنهم أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وكَثِيرٌ مِنهم ساءَ ما يَعْمَلُونَ﴾ [المائدة: ٦٦] [المائِدَةِ: ٦٥-٦٦]، قالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: فَهَؤُلاءِ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ، الَّذِينَ قالُوا: عِيسى عَبْدُ اللَّهِ، وكَلِمَتُهُ، ورُوحُهُ ألْقاها إلى مَرْيَمَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللَّهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ﴾ قالَ: النَّصارى يَقُولُونَ: ﴿إنَّ اللَّهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ﴾ وكَذَبُوا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: تَفَرَّقَتْ بَنُو إسْرائِيلَ ثَلاثَ فِرَقٍ في عِيسى، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: هو اللَّهُ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: هو ابْنُ اللَّهِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: هو (p-٣٩٣)عَبْدُ اللَّهِ ورُوحُهُ، وهي المُقْتَصِدَةُ، وهي مُسْلِمَةُ أهْلِ الكِتابِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللَّهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ﴾ قالَ: قالَتِ النَّصارى: إنَّ اللَّهَ هو المَسِيحُ وأُمُّهُ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿أأنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ اتَّخِذُونِي وأُمِّيَ إلَهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ [المائدة: ١١٦] [المائِدَةِ: ١١٦] .
وقالَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ: حَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ هِلالٍ الدِّمَشْقِيُّ، حَدَّثَنا أحْمَدُ بْنُ أبِي الحَوارِيِّ قالَ: قالَ أبُو سُلَيْمانَ الدّارانِيُّ: يا أحْمَدُ، واللَّهِ ما حَرَّكَ ألْسِنَتَهم بِقَوْلِهِمْ: ثالِثُ ثَلاثَةٍ، إلّا هُوَ، ولَوْ شاءَ لَأخْرَسَ ألْسِنَتَهم.
المائدة 5:73
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا﴾ الآيَةَ.
أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ قالَ: لَمّا رَفَعَ اللَّهُ عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ، اجْتَمَعَ مِن عُلَماءِ بَنِي إسْرائِيلَ مِائَةُ رَجُلٍ، فَقالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: أنْتُمْ (p-٣٩١)كَثِيرٌ، نَتَخَوَّفُ الفُرْقَةَ، أخْرِجُوا عَشَرَةً، فَأخْرَجُوا عَشَرَةً، ثُمَّ قالُوا: أنْتُمْ كَثِيرٌ، أخْرِجُوا عَشَرَةً، فَأخْرَجُوا عَشَرَةً، ثُمَّ قالُوا: أنْتُمْ كَثِيرٌ، أخْرِجُوا عَشَرَةً، فَأخْرَجُوا عَشَرَةً، حَتّى بَقِيَ عَشَرَةٌ فَقالُوا: أنْتُمْ كَثِيرٌ حَتّى الآنَ، فَأخْرَجُوا سِتَّةً وبَقِيَ أرْبَعَةٌ، فَقالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: ما تَقُولُونَ في عِيسى؟ فَقالَ رَجُلٌ مِنهم: أتَعْلَمُونَ أنَّ أحَدًا يَعْلَمُ الغَيْبَ إلّا اللَّهُ؟ قالُوا: لا، قالَ: أتَعْلَمُونَ أنَّ أحَدًا يُحْيِي المَوْتى إلّا اللَّهُ؟ قالُوا لا، قالَ: أتَعْلَمُونَ أنَّ أحَدًا يُبْرِئُ الأكْمَهَ والأبْرَصَ إلّا اللَّهُ؟ قالُوا: لا، فَقالَ الرَّجُلُ: هو اللَّهُ، كانَ في الأرْضِ ما بَدا لَهُ، ثُمَّ صَعِدَ إلى السَّماءِ حِينَ بَدا لَهُ، وقالَ الآخَرُ: قَدْ عَرَفْنا عِيسى وعَرَفْنا أُمَّهُ، هو ولَدُهُ، وقالَ الآخَرُ: لا أقُولُ كَما تَقُولُونَ، أقُولُ: بَلْ جاءَتْ بِهِ أنَّهُ مِن عَمَلٍ غَيْرِ صالِحٍ فَقالَ الآخَرُ: لا أقُولُ كَما تَقُولُونَ، قَدْ كانَ عِيسى يُخْبِرُنا أنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ ورُوحُهُ وكَلِمَتُهُ ألْقاها إلى مَرْيَمَ، فَنَقُولُ كَما قالَ لِنَفْسِهِ، لَقَدْ خَشِيتُ أنْ تَكُونُوا قُلْتُمْ قَوْلًا عَظِيمًا، قالَ: فَخَرَجُوا عَلى النّاسِ فَقالُوا لِرَجُلٍ مِنهم: ماذا قُلْتَ؟ قالَ: قُلْتُ: هو اللَّهُ، كانَ في الأرْضِ ما بَدا لَهُ، ثُمَّ صَعِدَ إلى (p-٣٩٢)السَّماءِ حِينَ بَدا لَهُ، قالَ: فاتَّبَعَهُ عُنُقٌ مِنَ النّاسِ، وهَؤُلاءِ عَلى دِينِ المَلِكِ، وقالُوا لِلْآخَرِ: ماذا قُلْتَ؟ قالَ: قُلْتُ: بَلْ جاءَتْ بِهِ أُمُّهُ مِن عَمَلٍ غَيْرِ صالِحٍ فاتَّبَعَهُ عُنُقٌ مِنَ النّاسِ، ثُمَّ خَرَجَ الثّالِثُ فَقالُوا: ماذا قُلْتَ؟ قالَ: هو ولَدُ اللَّهِ فاتَّبَعَهُ عُنُقٌ مِنَ النّاسِ، وهَؤُلاءِ النَّسْطُورِيَّةُ واليَعْقُوبِيَّةُ، فَخَرَجَ الرّابِعُ فَقالُوا لَهُ: ماذا قُلْتَ؟ قالَ: قُلْتُ: هو عَبْدُ اللَّهِ ورُوحُهُ وكَلِمَتُهُ ألْقاها إلى مَرْيَمَ، فاتَّبَعَهُ عُنُقٌ مِنَ النّاسِ، فَقالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: فَكُلٌّ قَدْ ذَكَرَ اللَّهُ في القُرْآنِ: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللَّهَ هو المَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ الآيَةَ، ثُمَّ قَرَأ: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللَّهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ﴾ الآيَةَ ثُمَّ قَرَأ: ﴿وبِكُفْرِهِمْ وقَوْلِهِمْ عَلى مَرْيَمَ بُهْتانًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ١٥٦] [النِّساءِ: ١٥٦] ثُمَّ قَرَأ: ﴿ولَوْ أنَّ أهْلَ الكِتابِ آمَنُوا واتَّقَوْا﴾ [المائدة: ٦٥] إلى قَوْلِهِ: ﴿مِنهم أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وكَثِيرٌ مِنهم ساءَ ما يَعْمَلُونَ﴾ [المائدة: ٦٦] [المائِدَةِ: ٦٥-٦٦]، قالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ: فَهَؤُلاءِ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ، الَّذِينَ قالُوا: عِيسى عَبْدُ اللَّهِ، وكَلِمَتُهُ، ورُوحُهُ ألْقاها إلى مَرْيَمَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللَّهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ﴾ قالَ: النَّصارى يَقُولُونَ: ﴿إنَّ اللَّهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ﴾ وكَذَبُوا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: تَفَرَّقَتْ بَنُو إسْرائِيلَ ثَلاثَ فِرَقٍ في عِيسى، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: هو اللَّهُ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: هو ابْنُ اللَّهِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: هو (p-٣٩٣)عَبْدُ اللَّهِ ورُوحُهُ، وهي المُقْتَصِدَةُ، وهي مُسْلِمَةُ أهْلِ الكِتابِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللَّهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ﴾ قالَ: قالَتِ النَّصارى: إنَّ اللَّهَ هو المَسِيحُ وأُمُّهُ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿أأنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ اتَّخِذُونِي وأُمِّيَ إلَهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ [المائدة: ١١٦] [المائِدَةِ: ١١٦] .
وقالَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ: حَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ هِلالٍ الدِّمَشْقِيُّ، حَدَّثَنا أحْمَدُ بْنُ أبِي الحَوارِيِّ قالَ: قالَ أبُو سُلَيْمانَ الدّارانِيُّ: يا أحْمَدُ، واللَّهِ ما حَرَّكَ ألْسِنَتَهم بِقَوْلِهِمْ: ثالِثُ ثَلاثَةٍ، إلّا هُوَ، ولَوْ شاءَ لَأخْرَسَ ألْسِنَتَهم.
المائدة 5:77
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ يا أهْلَ الكِتابِ لا تَغْلُوا﴾ الآيَةَ.
أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿لا تَغْلُوا في دِينِكُمْ﴾ يَقُولُ: لا تَبْتَدِعُوا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ زَيْدٍ في قَوْلِهِ: ﴿لا تَغْلُوا في دِينِكُمْ﴾ قالَ: الغُلُوُّ فِراقُ الحَقِّ، وكانَ مِمّا غَلَوْا فِيهِ أنْ دَعَوْا لِلَّهِ صاحِبَةً ووَلَدًا. (p-٣٩٤)وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أنَسٍ قالَ: قَدْ كانَ قائِمٌ قامَ عَلَيْهِمْ فَأخَذَ بِالكِتابِ والسُّنَّةِ زَمانًا، فَأتاهُ الشَّيْطانُ فَقالَ: إنَّما تَرْكَبُ أثَرًا وأمْرًا قَدْ عُمِلَ بِهِ قَبْلَكَ فَلا تُحْمَدُ عَلَيْهِ، ولَكِنِ ابْتَدِعْ أمْرًا مِن قِبَلِ نَفْسِكَ وادْعُ إلَيْهِ، واجْبُرِ النّاسَ عَلَيْهِ، فَفَعَلَ، ثُمَّ ادَّكَرَ مِن بَعْدِ فِعْلِهِ زَمانًا، فَأرادَ أنْ يَتُوبَ، فَخَلَعَ سُلْطانَهُ، ومُلْكَهُ، وأرادَ أنْ يَتَعَبَّدَ، فَلَبِثَ في عِبادَتِهِ أيّامًا، فَأُتِيَ فَقِيلَ لَهُ: لَوْ أنَّكَ تُبْتَ مِن خَطِيئَةٍ عَمِلْتَها فِيما بَيْنَكَ وبَيْنَ رَبِّكَ عَسى أنْ يُتابَ عَلَيْكَ، ولَكِنْ ضَلَّ فُلانٌ وفُلانٌ في سَبِيلِكَ حَتّى فارَقُوا الدُّنْيا وهم عَلى الضَّلالَةِ، فَكَيْفَ لَكَ بِهُداهُمْ؟ فَلا تَوْبَةَ لَكَ أبَدًا، فَفِيهِ سَمِعْنا وفي أشْباهِهِ، هَذِهِ الآيَةَ: ﴿يا أهْلَ الكِتابِ لا تَغْلُوا في دِينِكم غَيْرَ الحَقِّ ولا تَتَّبِعُوا أهْواءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِن قَبْلُ وأضَلُّوا كَثِيرًا وضَلُّوا عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ﴾ .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وضَلُّوا عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ﴾ قالَ: يَهُودُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿ولا تَتَّبِعُوا أهْواءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِن قَبْلُ وأضَلُّوا كَثِيرًا﴾ فَهم أُولَئِكَ الَّذِينَ ضَلُّوا وأضَلُّوا أتْباعَهُمْ، ﴿وضَلُّوا عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ﴾ عَنْ (p-٣٩٥)عَدْلِ السَّبِيلِ.
المائدة 5:78
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن بَنِي إسْرائِيلَ﴾ الآيَتَيْنِ.
أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وأحْمَدُ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وأبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ، وابْنُ ماجَهْ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في (شُعَبِ الإيمانِ)، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إنَّ أوَّلَ ما دَخَلَ النَّقْصُ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ، كانَ الرَّجُلُ يَلْقى الرَّجُلَ فَيَقُولُ لَهُ: يا هَذا، اتَّقِ اللَّهَ ودَعْ ما تَصْنَعُ، فَإنَّهُ لا يَحِلُّ لَكَ، ثُمَّ يَلْقاهُ مِنَ الغَدِ، فَلا يَمْنَعُهُ ذَلِكَ أنْ يَكُونَ أكِيلَهُ، وشَرِيبَهُ، وقَعِيدَهُ، فَلَمّا فَعَلُوا ذَلِكَ ضَرَبَ اللَّهُ قُلُوبَ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ)، ثُمَّ قالَ: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن بَنِي إسْرائِيلَ عَلى لِسانِ داوُدَ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿فاسِقُونَ﴾ [المائدة: ٨١] ثُمَّ قالَ: (كَلّا، واللَّهِ لَتَأْمُرُنَّ بِالمَعْرُوفِ، ولَتَنْهَوُنَّ عَنِ المُنْكَرِ، ولَتَأْخُذُنَّ عَلى يَدَيِ الظّالِمِ، ولَتَأْطُرُنَّهُ عَلى الحَقِّ أطْرًا») . (p-٣٩٦)وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وأبُو الشَّيْخِ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «(إنَّ بَنِي إسْرائِيلَ لَمّا عَمِلُوا الخَطِيئَةَ نَهاهم عُلَماؤُهم تَعْذِيرًا، ثُمَّ جالَسُوهُمْ، وآكَلُوهُمْ، وشارَبُوهُمْ، كَأنْ لَمْ يَعْمَلُوا بِالأمْسِ خَطِيئَةً، فَلَمّا رَأى اللَّهُ ذَلِكَ مِنهم ضَرَبَ بِقُلُوبِ بَعْضِهِمْ عَلى بَعْضٍ، ولَعَنَهم عَلى لِسانِ نَبِيٍّ مِنَ الأنْبِياءِ)، ثُمَّ قَرَأ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن بَنِي إسْرائِيلَ عَلى لِسانِ داوُدَ وعِيسى ابْنِ مَرْيَمَ﴾، حَتّى فَرَغَ مِنَ الآيَةِ، ثُمَّ قالَ: (لَبِئْسَ ما كانُوا يَصْنَعُونَ)، ثُمَّ قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (واللَّهِ لَتَأْمُرُنَّ بِالمَعْرُوفِ ولَتَنْهَوُنَّ عَنِ المُنْكَرِ، ولَتَأْطُرُنَّهم عَلى الحَقِّ أطْرًا، أوْ لَيَضْرِبَنَّ اللَّهُ بِقُلُوبِ بَعْضِكم عَلى بَعْضٍ، ولَيَلْعَنَنَّكم كَما لَعَنَهُمْ») .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ مُعاذِ بْنِ جَبَلٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «(خُذُوا العَطاءَ، ما كانَ عَطاءً، فَإذا كانَ رِشْوَةً عَنْ دِينِكم فَلا تَأْخُذُوهُ، ولَنْ تَتْرُكُوهُ، يَمْنَعُكم مِن ذَلِكَ الفَقْرُ والمَخافَةُ، إنَّ بَنِي مَرَحٍ قَدْ جاؤُوا وإنَّ رَحى الإسْلامِ سَتَدُورُ، فَحَيْثُما دارَ القُرْآنُ فَدُورُوا بِهِ، إنَّهُ يُوشِكُ السُّلْطانُ والقُرْآنُ أنْ يَقْتَتِلا ويَتَفَرَّقا، إنَّهُ سَيَكُونُ عَلَيْكم وُلاةٌ يَحْكُمُونَ لَكم بِحُكْمٍ ولَهم بِغَيْرِهِ، فَإنْ أطَعْتُمُوهم أضَلُّوكُمْ، وإنْ عَصَيْتُمُوهم قَتَلُوكُمْ)، قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، فَكَيْفَ (p-٣٩٧)بِنا إنْ أدْرَكْنا ذَلِكَ؟ قالَ: (تَكُونُوا كَأصْحابِ عِيسى، نُشِرُوا بِالمَناشِيرِ، ورُفِعُوا عَلى الخُشُبِ، مَوْتٌ في طاعَةٍ خَيْرٌ مِن حَياةٍ في مَعْصِيَةٍ، إنَّ أوَّلَ ما كانَ نَقْصٌ في بَنِي إسْرائِيلَ أنَّهم كانُوا يَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ ويَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ، شِبْهَ التَّعْذِيرِ، فَكانَ أحَدُهم إذا لَقِيَ صاحِبَهُ الَّذِي كانَ يَعِيبُ عَلَيْهِ آكَلَهُ وشارَبَهُ، كَأنَّهُ لَمْ يَعِبْ عَلَيْهِ شَيْئًا، فَلَعَنَهُمُ اللَّهُ عَلى لِسانِ نَبِيِّهِمْ داوُدَ وعِيسى ابْنِ مَرْيَمَ، ﴿ذَلِكَ بِما عَصَوْا وكانُوا يَعْتَدُونَ﴾ والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَتَأْمُرُنَّ بِالمَعْرُوفِ، ولَتَنْهَوُنَّ عَنِ المُنْكَرِ، أوْ لَيُسَلِّطَنَّ اللَّهُ عَلَيْكم شِرارَكُمْ، ثُمَّ لَيَدْعُوَنَّ خِيارُكم فَلا يُسْتَجابُ لَهُمْ، والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتَأْمُرُنَّ بِالمَعْرُوفِ، ولَتَنْهُنَّ عَنِ المُنْكَرِ، ولَتَأْخُذُنَّ عَلى يَدِ الظّالِمِ فَلَتَأْطِرُنَّهُ عَلَيْهِ أطْرًا، أوْ لَيَضْرِبَنَّ اللَّهُ قُلُوبَ بَعْضِكم بِبَعْضٍ») .
وأخْرَجَ ابْنُ راهُوَيْهِ، والبُخارِيُّ في (الوُحْدانِ)، وابْنُ السَّكَنِ، وابْنُ مَندَهْ، والباوَرْدِيُّ في (مَعْرِفَةِ الصَّحابَةِ)، والطَّبَرانِيُّ، وأبُو نُعَيْمٍ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنِ ابْنِ أبْزى، عَنْ أبِيهِ قالَ: «خَطَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَحَمِدَ اللَّهَ وأثْنى عَلَيْهِ، وذَكَرَ طَوائِفَ مِنَ المُسْلِمِينَ، فَأثْنى عَلَيْهِمْ خَيْرًا، ثُمَّ قالَ: (ما بالُ أقْوامٍ لا يُعَلِّمُونَ جِيرانَهُمْ، ولا يُفَقِّهُونَهُمْ، ولا يُفَطِّنُونَهُمْ، ولا يَأْمُرُونَهُمْ، ولا يَنْهَوْنَهُمْ؟ وما بالُ أقْوامٍ لا يَتَعَلَّمُونَ مِن جِيرانِهِمْ، ولا يَتَفَقَّهُونَ، ولا يَتَفَطَّنُونَ؟ والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَيُعَلِّمُنَّ جِيرانَهُمْ، ولَيُفَقِّهُنَّهُمْ، ولَيُفَطِّنُنَّهُمْ، ولَيَأْمُرُنَّهُمْ، ولَيَنْهَوُنَّهُمْ، ولَيَتَعَلَّمَنَّ قَوْمٌ مِن جِيرانِهِمْ، ولَيَتَفَقَّهُنَّ، ولَيَتَفَطَّنُنَّ (p-٣٩٨)أوْ لَأُعاجِلَنَّهم بِالعُقُوبَةِ في دارِ الدُّنْيا)، ثُمَّ نَزَلَ فَدَخَلَ بَيْتَهُ، فَقالَ أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَيْنَهم: مَن يَعْنِي بِهَذا الكَلامِ؟ قالُوا: ما نَعْلَمُ يَعْنِي بِهَذا الكَلامِ إلّا الأشْعَرِيِّينَ، إنَّ الأشْعَرِيِّينَ فُقَهاءُ عُلَماءُ، ولَهم جِيرانٌ مِن أهْلِ المِياهِ جُفاةٌ جَهَلَةٌ، فاجْتَمَعَ جَماعَةٌ مِنَ الأشْعَرِيِّينَ، فَدَخَلُوا عَلى النَّبِيِّ ﷺ فَقالُوا: ذَكَرْتَ طَوائِفَ مِنَ المُسْلِمِينَ بِخَيْرٍ، وذَكَرْتَنا بَشَرٍّ، فَما بالُنا؟ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (لَتُعَلِّمُنَّ جِيرانَكُمْ، ولَتُفَقِّهُنَّهُمْ، ولَتُفَطِّنُنَّهُمْ، ولَتَأْمُرُنَّهُمْ، ولَتَنْهَوُنَّهُمْ، أوْ لَأُعاجِلَنَّكم بِالعُقُوبَةِ في دارِ الدُّنْيا)، فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، فَأمّا إذَنْ فَأمْهِلْنا سَنَةً، فَفي سَنَةٍ ما نُعَلِّمُهم ويَتَعَلَّمُونَ، فَأمْهَلَهم سَنَةً، ثُمَّ قَرَأ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن بَنِي إسْرائِيلَ عَلى لِسانِ داوُدَ وعِيسى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِما عَصَوْا وكانُوا يَعْتَدُونَ﴾ ﴿كانُوا لا يَتَناهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ ما كانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [المائدة»: ٧٩] .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن بَنِي إسْرائِيلَ عَلى لِسانِ داوُدَ﴾ يَعْنِي في الزَّبُورِ، ﴿وعِيسى﴾ يَعْنِي في الإنْجِيلِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: (p-٣٩٩)﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الآيَةَ، قالَ: لُعِنُوا بِكُلِّ لِسانٍ، عَلى عَهْدِ مُوسى في التَّوْراةِ، ولُعِنُوا عَلى عَهْدِ عِيسى في الإنْجِيلِ، ولُعِنُوا عَلى عَهْدِ داوُدَ في الزَّبُورِ، ولُعِنُوا عَلى عَهْدِ مُحَمَّدٍ في القُرْآنِ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الآيَةَ، قالَ: خالَطُوهم بَعْدَ النَّهْيِ عَلى تِجاراتِهِمْ، فَضَرَبَ اللَّهُ قُلُوبَ بَعْضِهِمْ عَلى بَعْضٍ، وهم مَلْعُونُونَ عَلى لِسانِ داوُدَ، وعِيسى ابْنِ مَرْيَمَ.
وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ أبِي مالِكٍ الغِفارِيِّ في الآيَةِ قالَ: لُعِنُوا عَلى لِسانِ داوُدَ، فَجُعِلُوا قِرَدَةً، وعَلى لِسانِ عِيسى فَجُعِلُوا خَنازِيرَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ مُجاهِدٍ، مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ في الآيَةِ قالَ: لَعَنَهُمُ اللَّهُ عَلى لِسانِ داوُدَ في زَمانِهِ فَجَعَلَهم قِرَدَةً خاسِئِينَ، ولَعَنَهم في الإنْجِيلِ عَلى لِسانِ عِيسى فَجَعَلَهم خَنازِيرَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ زَيْدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ بِما عَصَوْا وكانُوا يَعْتَدُونَ﴾ ماذا كانَتْ مَعْصِيَتُهُمْ؟ قالُوا: ﴿كانُوا لا يَتَناهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ﴾ .
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ أبِي عَمْرِو بْنِ حِماسٍ، أنَّ ابْنَ الزُّبَيْرِ قالَ لِكَعْبٍ: هَلْ لِلَّهِ مِن عَلامَةٍ في العِبادِ إذا سَخِطَ عَلَيْهِمْ؟ قالَ: نَعَمْ، يُذِلُّهُمْ، فَلا يَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ ولا يَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ، وفي القُرْآنِ: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن بَنِي إسْرائِيلَ﴾ الآيَةَ.
وأخْرَجَ الدَّيْلَمِيُّ في (مُسْنَدِ الفِرْدَوْسِ) عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الجَرّاحِ مَرْفُوعًا: «(قَتَلَتْ بَنُو إسْرائِيلَ ثَلاثَةً وأرْبَعِينَ نَبِيًّا مِن أوَّلِ النَّهارِ، فَقامَ مِائَةٌ واثْنا عَشَرَ مِن عُبّادِهِمْ، فَأمَرُوهم بِالمَعْرُوفِ ونَهَوْهم عَنِ المُنْكَرِ، فَقُتِلُوا جَمِيعًا في آخِرِ النَّهارِ، فَهُمُ الَّذِينَ ذَكَرَ اللَّهُ: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن بَنِي إسْرائِيلَ﴾ الآياتِ» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ، والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ اليَمانِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «(والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَتَأْمُرُنَّ بِالمَعْرُوفِ، ولَتَنْهَوُنَّ عَنِ المُنْكَرِ، أوْ لَيُوشِكَنَّ اللَّهُ أنْ يَبْعَثَ عَلَيْكم عِقابًا مِن عِنْدِهِ، ثُمَّ لَتَدْعُنَّهُ فَلا يَسْتَجِيبُ لَكُمْ») . (p-٤٠١)وأخْرَجَ ابْنُ ماجَهْ، عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «(مُرُوا بِالمَعْرُوفِ، وانْهَوْا عَنِ المُنْكَرِ قَبْلَ أنْ تَدْعُوا فَلا يُسْتَجابُ لَكُمْ») .
وأخْرَجَ مُسْلِمٌ، وأبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ ماجَهْ، عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «(مَن رَأى مِنكم مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسانِهِ، فَإنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وذَلِكَ أضْعَفُ الإيمانِ») .
وأخْرَجَ أحْمَدُ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ عُمَيْرَةَ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «(إنَّ اللَّهَ لا يُعَذِّبُ العامَّةَ بِعَمَلِ الخاصَّةِ حَتّى يَرَوُا المُنْكَرَ بَيْنَ ظَهْرانَيْهِمْ، وهم قادِرُونَ عَلى أنْ يُنْكِرُوهُ فَلا يُنْكِرُوهُ، فَإذا فَعَلُوا ذَلِكَ عَذَّبَ اللَّهُ الخاصَّةَ والعامَّةَ») .
وأخْرَجَ الخَطِيبُ في (رُواةِ مالِكٍ) مِن طَرِيقِ أبِي سَلَمَةَ، عَنْ أبِيهِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «(والَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَيَخْرُجَنَّ مِن أُمَّتِي أُناسٌ مِن قُبُورِهِمْ في صُورَةِ القِرَدَةِ والخَنازِيرِ، داهَنُوا أهْلَ المَعاصِي، سَكَتُوا عَنْ نَهْيِهِمْ وهم يَسْتَطِيعُونَ») .
وأخْرَجَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «(إذا عَظَّمَتْ أُمَّتِي الدُّنْيا نُزِعَتْ مِنها هَيْبَةُ الإسْلامِ، وإذا تَرَكَتِ الأمْرَ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيَ عَنِ المُنْكَرِ حُرِمَتْ بَرَكَةَ الوَحْيِ، وإذا تَسابَّتْ أُمَّتِي سَقَطَتْ مِن عَيْنِ اللَّهِ») . (p-٤٠٢)وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «قِيلَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، أتَهْلِكُ القَرْيَةُ فِيهِمُ الصّالِحُونَ؟ قالَ: نَعَمْ، فَقِيلَ: لِمَ يا رَسُولَ اللَّهِ؟ قالَ: (بِتَهاوُنِهِمْ وسُكُوتِهِمْ عَنْ مَعاصِي اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ») .
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، عَنْ أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «(إنَّ مَن كانَ قَبْلَكم مِن بَنِي إسْرائِيلَ إذا عَمِلَ العامِلُ فِيهِمُ الخَطِيئَةَ فَنَهاهُ النّاهِي تَعْذِيرًا، فَإذا كانَ مِنَ الغَدِ جالَسَهُ وواكَلَهُ، وشارَبَهُ، كَأنَّهُ لَمْ يَرَهُ عَلى خَطِيئَةٍ بِالأمْسِ، فَلَمّا رَأى اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ مِنهم ضَرَبَ بِقُلُوبِ بَعْضِهِمْ عَلى بَعْضٍ، ولَعَنَهم عَلى لِسانِ داوُدَ، وعِيسى ابْنِ مَرْيَمَ، ﴿ذَلِكَ بِما عَصَوْا وكانُوا يَعْتَدُونَ﴾ والَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَتَأْمُرُنَّ بِالمَعْرُوفِ، ولَتَنْهَوُنَّ عَنِ المُنْكَرِ، ولَتَأْخُذُنَّ عَلى يَدِ المُسِيءِ، ولَتَأْطِرُنَّهُ عَلى الحَقِّ أطْرًا، أوْ لَيَضْرِبَنَّ اللَّهُ بِقُلُوبِ بَعْضِكم عَلى بَعْضٍ، ويَلْعَنُكم كَما لَعَنَهُمْ») .
وأخْرَجَ الدَّيْلَمِيُّ، عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «(إذا اسْتَغْنى النِّساءُ بِالنِّساءِ، والرِّجالُ بِالرِّجالِ، فَبَشِّرْهم بِرِيحٍ حَمْراءَ تَخْرُجُ مِن قِبَلِ المَشْرِقِ، فَيُمْسَخُ بَعْضُهُمْ، ويُخْسَفُ بِبَعْضٍ، ﴿ذَلِكَ بِما عَصَوْا وكانُوا (p-٤٠٣)يَعْتَدُونَ﴾ [المائدة»: ٧٨] .