Al-Durr Al-Manthur — المائدة 5:79 – المائدة 5:92
المحتويات
المائدة 5:79
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن بَنِي إسْرائِيلَ﴾ الآيَتَيْنِ.
أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وأحْمَدُ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وأبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ، وابْنُ ماجَهْ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في (شُعَبِ الإيمانِ)، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إنَّ أوَّلَ ما دَخَلَ النَّقْصُ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ، كانَ الرَّجُلُ يَلْقى الرَّجُلَ فَيَقُولُ لَهُ: يا هَذا، اتَّقِ اللَّهَ ودَعْ ما تَصْنَعُ، فَإنَّهُ لا يَحِلُّ لَكَ، ثُمَّ يَلْقاهُ مِنَ الغَدِ، فَلا يَمْنَعُهُ ذَلِكَ أنْ يَكُونَ أكِيلَهُ، وشَرِيبَهُ، وقَعِيدَهُ، فَلَمّا فَعَلُوا ذَلِكَ ضَرَبَ اللَّهُ قُلُوبَ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ)، ثُمَّ قالَ: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن بَنِي إسْرائِيلَ عَلى لِسانِ داوُدَ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿فاسِقُونَ﴾ [المائدة: ٨١] ثُمَّ قالَ: (كَلّا، واللَّهِ لَتَأْمُرُنَّ بِالمَعْرُوفِ، ولَتَنْهَوُنَّ عَنِ المُنْكَرِ، ولَتَأْخُذُنَّ عَلى يَدَيِ الظّالِمِ، ولَتَأْطُرُنَّهُ عَلى الحَقِّ أطْرًا») . (p-٣٩٦)وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وأبُو الشَّيْخِ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «(إنَّ بَنِي إسْرائِيلَ لَمّا عَمِلُوا الخَطِيئَةَ نَهاهم عُلَماؤُهم تَعْذِيرًا، ثُمَّ جالَسُوهُمْ، وآكَلُوهُمْ، وشارَبُوهُمْ، كَأنْ لَمْ يَعْمَلُوا بِالأمْسِ خَطِيئَةً، فَلَمّا رَأى اللَّهُ ذَلِكَ مِنهم ضَرَبَ بِقُلُوبِ بَعْضِهِمْ عَلى بَعْضٍ، ولَعَنَهم عَلى لِسانِ نَبِيٍّ مِنَ الأنْبِياءِ)، ثُمَّ قَرَأ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن بَنِي إسْرائِيلَ عَلى لِسانِ داوُدَ وعِيسى ابْنِ مَرْيَمَ﴾، حَتّى فَرَغَ مِنَ الآيَةِ، ثُمَّ قالَ: (لَبِئْسَ ما كانُوا يَصْنَعُونَ)، ثُمَّ قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (واللَّهِ لَتَأْمُرُنَّ بِالمَعْرُوفِ ولَتَنْهَوُنَّ عَنِ المُنْكَرِ، ولَتَأْطُرُنَّهم عَلى الحَقِّ أطْرًا، أوْ لَيَضْرِبَنَّ اللَّهُ بِقُلُوبِ بَعْضِكم عَلى بَعْضٍ، ولَيَلْعَنَنَّكم كَما لَعَنَهُمْ») .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ مُعاذِ بْنِ جَبَلٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «(خُذُوا العَطاءَ، ما كانَ عَطاءً، فَإذا كانَ رِشْوَةً عَنْ دِينِكم فَلا تَأْخُذُوهُ، ولَنْ تَتْرُكُوهُ، يَمْنَعُكم مِن ذَلِكَ الفَقْرُ والمَخافَةُ، إنَّ بَنِي مَرَحٍ قَدْ جاؤُوا وإنَّ رَحى الإسْلامِ سَتَدُورُ، فَحَيْثُما دارَ القُرْآنُ فَدُورُوا بِهِ، إنَّهُ يُوشِكُ السُّلْطانُ والقُرْآنُ أنْ يَقْتَتِلا ويَتَفَرَّقا، إنَّهُ سَيَكُونُ عَلَيْكم وُلاةٌ يَحْكُمُونَ لَكم بِحُكْمٍ ولَهم بِغَيْرِهِ، فَإنْ أطَعْتُمُوهم أضَلُّوكُمْ، وإنْ عَصَيْتُمُوهم قَتَلُوكُمْ)، قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، فَكَيْفَ (p-٣٩٧)بِنا إنْ أدْرَكْنا ذَلِكَ؟ قالَ: (تَكُونُوا كَأصْحابِ عِيسى، نُشِرُوا بِالمَناشِيرِ، ورُفِعُوا عَلى الخُشُبِ، مَوْتٌ في طاعَةٍ خَيْرٌ مِن حَياةٍ في مَعْصِيَةٍ، إنَّ أوَّلَ ما كانَ نَقْصٌ في بَنِي إسْرائِيلَ أنَّهم كانُوا يَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ ويَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ، شِبْهَ التَّعْذِيرِ، فَكانَ أحَدُهم إذا لَقِيَ صاحِبَهُ الَّذِي كانَ يَعِيبُ عَلَيْهِ آكَلَهُ وشارَبَهُ، كَأنَّهُ لَمْ يَعِبْ عَلَيْهِ شَيْئًا، فَلَعَنَهُمُ اللَّهُ عَلى لِسانِ نَبِيِّهِمْ داوُدَ وعِيسى ابْنِ مَرْيَمَ، ﴿ذَلِكَ بِما عَصَوْا وكانُوا يَعْتَدُونَ﴾ والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَتَأْمُرُنَّ بِالمَعْرُوفِ، ولَتَنْهَوُنَّ عَنِ المُنْكَرِ، أوْ لَيُسَلِّطَنَّ اللَّهُ عَلَيْكم شِرارَكُمْ، ثُمَّ لَيَدْعُوَنَّ خِيارُكم فَلا يُسْتَجابُ لَهُمْ، والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتَأْمُرُنَّ بِالمَعْرُوفِ، ولَتَنْهُنَّ عَنِ المُنْكَرِ، ولَتَأْخُذُنَّ عَلى يَدِ الظّالِمِ فَلَتَأْطِرُنَّهُ عَلَيْهِ أطْرًا، أوْ لَيَضْرِبَنَّ اللَّهُ قُلُوبَ بَعْضِكم بِبَعْضٍ») .
وأخْرَجَ ابْنُ راهُوَيْهِ، والبُخارِيُّ في (الوُحْدانِ)، وابْنُ السَّكَنِ، وابْنُ مَندَهْ، والباوَرْدِيُّ في (مَعْرِفَةِ الصَّحابَةِ)، والطَّبَرانِيُّ، وأبُو نُعَيْمٍ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنِ ابْنِ أبْزى، عَنْ أبِيهِ قالَ: «خَطَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَحَمِدَ اللَّهَ وأثْنى عَلَيْهِ، وذَكَرَ طَوائِفَ مِنَ المُسْلِمِينَ، فَأثْنى عَلَيْهِمْ خَيْرًا، ثُمَّ قالَ: (ما بالُ أقْوامٍ لا يُعَلِّمُونَ جِيرانَهُمْ، ولا يُفَقِّهُونَهُمْ، ولا يُفَطِّنُونَهُمْ، ولا يَأْمُرُونَهُمْ، ولا يَنْهَوْنَهُمْ؟ وما بالُ أقْوامٍ لا يَتَعَلَّمُونَ مِن جِيرانِهِمْ، ولا يَتَفَقَّهُونَ، ولا يَتَفَطَّنُونَ؟ والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَيُعَلِّمُنَّ جِيرانَهُمْ، ولَيُفَقِّهُنَّهُمْ، ولَيُفَطِّنُنَّهُمْ، ولَيَأْمُرُنَّهُمْ، ولَيَنْهَوُنَّهُمْ، ولَيَتَعَلَّمَنَّ قَوْمٌ مِن جِيرانِهِمْ، ولَيَتَفَقَّهُنَّ، ولَيَتَفَطَّنُنَّ (p-٣٩٨)أوْ لَأُعاجِلَنَّهم بِالعُقُوبَةِ في دارِ الدُّنْيا)، ثُمَّ نَزَلَ فَدَخَلَ بَيْتَهُ، فَقالَ أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَيْنَهم: مَن يَعْنِي بِهَذا الكَلامِ؟ قالُوا: ما نَعْلَمُ يَعْنِي بِهَذا الكَلامِ إلّا الأشْعَرِيِّينَ، إنَّ الأشْعَرِيِّينَ فُقَهاءُ عُلَماءُ، ولَهم جِيرانٌ مِن أهْلِ المِياهِ جُفاةٌ جَهَلَةٌ، فاجْتَمَعَ جَماعَةٌ مِنَ الأشْعَرِيِّينَ، فَدَخَلُوا عَلى النَّبِيِّ ﷺ فَقالُوا: ذَكَرْتَ طَوائِفَ مِنَ المُسْلِمِينَ بِخَيْرٍ، وذَكَرْتَنا بَشَرٍّ، فَما بالُنا؟ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (لَتُعَلِّمُنَّ جِيرانَكُمْ، ولَتُفَقِّهُنَّهُمْ، ولَتُفَطِّنُنَّهُمْ، ولَتَأْمُرُنَّهُمْ، ولَتَنْهَوُنَّهُمْ، أوْ لَأُعاجِلَنَّكم بِالعُقُوبَةِ في دارِ الدُّنْيا)، فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، فَأمّا إذَنْ فَأمْهِلْنا سَنَةً، فَفي سَنَةٍ ما نُعَلِّمُهم ويَتَعَلَّمُونَ، فَأمْهَلَهم سَنَةً، ثُمَّ قَرَأ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن بَنِي إسْرائِيلَ عَلى لِسانِ داوُدَ وعِيسى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِما عَصَوْا وكانُوا يَعْتَدُونَ﴾ ﴿كانُوا لا يَتَناهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ ما كانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [المائدة»: ٧٩] .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن بَنِي إسْرائِيلَ عَلى لِسانِ داوُدَ﴾ يَعْنِي في الزَّبُورِ، ﴿وعِيسى﴾ يَعْنِي في الإنْجِيلِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: (p-٣٩٩)﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الآيَةَ، قالَ: لُعِنُوا بِكُلِّ لِسانٍ، عَلى عَهْدِ مُوسى في التَّوْراةِ، ولُعِنُوا عَلى عَهْدِ عِيسى في الإنْجِيلِ، ولُعِنُوا عَلى عَهْدِ داوُدَ في الزَّبُورِ، ولُعِنُوا عَلى عَهْدِ مُحَمَّدٍ في القُرْآنِ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الآيَةَ، قالَ: خالَطُوهم بَعْدَ النَّهْيِ عَلى تِجاراتِهِمْ، فَضَرَبَ اللَّهُ قُلُوبَ بَعْضِهِمْ عَلى بَعْضٍ، وهم مَلْعُونُونَ عَلى لِسانِ داوُدَ، وعِيسى ابْنِ مَرْيَمَ.
وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ أبِي مالِكٍ الغِفارِيِّ في الآيَةِ قالَ: لُعِنُوا عَلى لِسانِ داوُدَ، فَجُعِلُوا قِرَدَةً، وعَلى لِسانِ عِيسى فَجُعِلُوا خَنازِيرَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ مُجاهِدٍ، مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ في الآيَةِ قالَ: لَعَنَهُمُ اللَّهُ عَلى لِسانِ داوُدَ في زَمانِهِ فَجَعَلَهم قِرَدَةً خاسِئِينَ، ولَعَنَهم في الإنْجِيلِ عَلى لِسانِ عِيسى فَجَعَلَهم خَنازِيرَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ زَيْدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ بِما عَصَوْا وكانُوا يَعْتَدُونَ﴾ ماذا كانَتْ مَعْصِيَتُهُمْ؟ قالُوا: ﴿كانُوا لا يَتَناهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ﴾ .
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ أبِي عَمْرِو بْنِ حِماسٍ، أنَّ ابْنَ الزُّبَيْرِ قالَ لِكَعْبٍ: هَلْ لِلَّهِ مِن عَلامَةٍ في العِبادِ إذا سَخِطَ عَلَيْهِمْ؟ قالَ: نَعَمْ، يُذِلُّهُمْ، فَلا يَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ ولا يَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ، وفي القُرْآنِ: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن بَنِي إسْرائِيلَ﴾ الآيَةَ.
وأخْرَجَ الدَّيْلَمِيُّ في (مُسْنَدِ الفِرْدَوْسِ) عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الجَرّاحِ مَرْفُوعًا: «(قَتَلَتْ بَنُو إسْرائِيلَ ثَلاثَةً وأرْبَعِينَ نَبِيًّا مِن أوَّلِ النَّهارِ، فَقامَ مِائَةٌ واثْنا عَشَرَ مِن عُبّادِهِمْ، فَأمَرُوهم بِالمَعْرُوفِ ونَهَوْهم عَنِ المُنْكَرِ، فَقُتِلُوا جَمِيعًا في آخِرِ النَّهارِ، فَهُمُ الَّذِينَ ذَكَرَ اللَّهُ: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن بَنِي إسْرائِيلَ﴾ الآياتِ» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ، والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ اليَمانِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «(والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَتَأْمُرُنَّ بِالمَعْرُوفِ، ولَتَنْهَوُنَّ عَنِ المُنْكَرِ، أوْ لَيُوشِكَنَّ اللَّهُ أنْ يَبْعَثَ عَلَيْكم عِقابًا مِن عِنْدِهِ، ثُمَّ لَتَدْعُنَّهُ فَلا يَسْتَجِيبُ لَكُمْ») . (p-٤٠١)وأخْرَجَ ابْنُ ماجَهْ، عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «(مُرُوا بِالمَعْرُوفِ، وانْهَوْا عَنِ المُنْكَرِ قَبْلَ أنْ تَدْعُوا فَلا يُسْتَجابُ لَكُمْ») .
وأخْرَجَ مُسْلِمٌ، وأبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ ماجَهْ، عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «(مَن رَأى مِنكم مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ، فَإنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسانِهِ، فَإنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ، وذَلِكَ أضْعَفُ الإيمانِ») .
وأخْرَجَ أحْمَدُ، عَنْ عَدِيِّ بْنِ عُمَيْرَةَ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «(إنَّ اللَّهَ لا يُعَذِّبُ العامَّةَ بِعَمَلِ الخاصَّةِ حَتّى يَرَوُا المُنْكَرَ بَيْنَ ظَهْرانَيْهِمْ، وهم قادِرُونَ عَلى أنْ يُنْكِرُوهُ فَلا يُنْكِرُوهُ، فَإذا فَعَلُوا ذَلِكَ عَذَّبَ اللَّهُ الخاصَّةَ والعامَّةَ») .
وأخْرَجَ الخَطِيبُ في (رُواةِ مالِكٍ) مِن طَرِيقِ أبِي سَلَمَةَ، عَنْ أبِيهِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «(والَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَيَخْرُجَنَّ مِن أُمَّتِي أُناسٌ مِن قُبُورِهِمْ في صُورَةِ القِرَدَةِ والخَنازِيرِ، داهَنُوا أهْلَ المَعاصِي، سَكَتُوا عَنْ نَهْيِهِمْ وهم يَسْتَطِيعُونَ») .
وأخْرَجَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «(إذا عَظَّمَتْ أُمَّتِي الدُّنْيا نُزِعَتْ مِنها هَيْبَةُ الإسْلامِ، وإذا تَرَكَتِ الأمْرَ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيَ عَنِ المُنْكَرِ حُرِمَتْ بَرَكَةَ الوَحْيِ، وإذا تَسابَّتْ أُمَّتِي سَقَطَتْ مِن عَيْنِ اللَّهِ») . (p-٤٠٢)وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «قِيلَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، أتَهْلِكُ القَرْيَةُ فِيهِمُ الصّالِحُونَ؟ قالَ: نَعَمْ، فَقِيلَ: لِمَ يا رَسُولَ اللَّهِ؟ قالَ: (بِتَهاوُنِهِمْ وسُكُوتِهِمْ عَنْ مَعاصِي اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ») .
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، عَنْ أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «(إنَّ مَن كانَ قَبْلَكم مِن بَنِي إسْرائِيلَ إذا عَمِلَ العامِلُ فِيهِمُ الخَطِيئَةَ فَنَهاهُ النّاهِي تَعْذِيرًا، فَإذا كانَ مِنَ الغَدِ جالَسَهُ وواكَلَهُ، وشارَبَهُ، كَأنَّهُ لَمْ يَرَهُ عَلى خَطِيئَةٍ بِالأمْسِ، فَلَمّا رَأى اللَّهُ تَعالى ذَلِكَ مِنهم ضَرَبَ بِقُلُوبِ بَعْضِهِمْ عَلى بَعْضٍ، ولَعَنَهم عَلى لِسانِ داوُدَ، وعِيسى ابْنِ مَرْيَمَ، ﴿ذَلِكَ بِما عَصَوْا وكانُوا يَعْتَدُونَ﴾ والَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَتَأْمُرُنَّ بِالمَعْرُوفِ، ولَتَنْهَوُنَّ عَنِ المُنْكَرِ، ولَتَأْخُذُنَّ عَلى يَدِ المُسِيءِ، ولَتَأْطِرُنَّهُ عَلى الحَقِّ أطْرًا، أوْ لَيَضْرِبَنَّ اللَّهُ بِقُلُوبِ بَعْضِكم عَلى بَعْضٍ، ويَلْعَنُكم كَما لَعَنَهُمْ») .
وأخْرَجَ الدَّيْلَمِيُّ، عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «(إذا اسْتَغْنى النِّساءُ بِالنِّساءِ، والرِّجالُ بِالرِّجالِ، فَبَشِّرْهم بِرِيحٍ حَمْراءَ تَخْرُجُ مِن قِبَلِ المَشْرِقِ، فَيُمْسَخُ بَعْضُهُمْ، ويُخْسَفُ بِبَعْضٍ، ﴿ذَلِكَ بِما عَصَوْا وكانُوا (p-٤٠٣)يَعْتَدُونَ﴾ [المائدة»: ٧٨] .
المائدة 5:80
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَرى كَثِيرًا مِنهُمْ﴾ الآيَةَ.
أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿لَبِئْسَ ما قَدَّمَتْ لَهم أنْفُسُهُمْ﴾ قالَ: ما أمَرَتْهم.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، والخَرائِطِيُّ في (مَساوِئِ الأخْلاقِ)، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في (الشُّعَبِ) وضَعَّفَهُ، عَنْ حُذَيْفَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «(يا مَعْشَرَ المُسْلِمِينَ، إيّاكم والزِّنا، فَإنَّ فِيهِ سِتَّ خِصالٍ: ثَلاثٌ في الدُّنْيا، وثَلاثٌ في الآخِرَةِ، فَأمّا الَّتِي في الدُّنْيا، فَذَهابُ البَهاءِ، ودَوامُ الفَقْرِ، وقِصَرُ العُمْرِ، وأمّا الَّتِي في الآخِرَةِ، فَسُخْطُ اللَّهِ، وسُوءُ الحِسابِ، والخُلُودُ في النّارِ)، ثُمَّ تَلا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ﴿لَبِئْسَ ما قَدَّمَتْ لَهم أنْفُسُهم أنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وفي العَذابِ هم خالِدُونَ﴾ [المائدة»: ٨٠] .
المائدة 5:81
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَوْ كانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ الآيَةَ.
أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولَوْ كانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ والنَّبِيِّ وما (p-٤٠٤)أُنْزِلَ إلَيْهِ ما اتَّخَذُوهم أوْلِياءَ﴾ قالَ: المُنافِقُونَ.
المائدة 5:82
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَتَجِدَنَّ أشَدَّ النّاسِ عَداوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا اليَهُودَ﴾ .
أخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «(ما خَلا يَهُودِيٌّ بِمُسْلِمٍ إلّا هَمَّ بِقَتْلِهِ)، وفي لَفْظٍ: (إلّا حَدَّثَ نَفْسَهُ بِقَتْلِهِ») .
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَتَجِدَنَّ أقْرَبَهم مَوَدَّةً﴾ الآياتِ.
أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولَتَجِدَنَّ أقْرَبَهم مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قالُوا إنّا نَصارى﴾ قالَ: هُمُ الوَفْدُ الَّذِينَ جاؤُوا مَعَ جَعْفَرٍ وأصْحابِهِ مِن أرْضِ الحَبَشَةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عَطاءٍ قالَ: ما ذَكَرَ اللَّهُ بِهِ النَّصارى مِن خَيْرٍ، فَإنَّما يُرادُ بِهِ النَّجاشِيُّ وأصْحابُهُ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ عَطاءٍ: ﴿ولَتَجِدَنَّ أقْرَبَهم مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قالُوا إنّا نَصارى﴾ قالَ: هم ناسٌ مِنَ الحَبَشَةِ، آمَنُوا إذْ جاءَتْهم مُهاجِرَةُ المُؤْمِنِينَ، فَذَلِكَ لَهم. (p-٤٠٥)وأخْرَجَ النَّسائِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ قالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في النَّجاشِيِّ وأصْحابِهِ: ﴿وإذا سَمِعُوا ما أُنْزِلَ إلى الرَّسُولِ تَرى أعْيُنَهم تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو نُعَيْمٍ في (الحِلْيَةِ)، والواحِدِيُّ، مِن طَرِيقِ ابْنِ شِهابٍ قالَ: أخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ، وأبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الحارِثِ بْنِ هِشامٍ، وعُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ قالُوا: «بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَمْرَو بْنَ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيَّ وكَتَبَ مَعَهُ كِتابًا إلى النَّجاشِيِّ، فَقَدِمَ عَلى النَّجاشِيِّ، فَقَرَأ كِتابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ثُمَّ دَعا جَعْفَرَ بْنَ أبِي طالِبٍ والمُهاجِرِينَ مَعَهُ، وأرْسَلَ النَّجاشِيُّ إلى الرُّهْبانِ والقِسِّيسِينَ فَجَمَعَهُمْ، ثُمَّ أمَرَ جَعْفَرَ بْنَ أبِي طالِبٍ أنْ يَقْرَأ عَلَيْهِمُ القُرْآنَ، فَقَرَأ عَلَيْهِمْ سُورَةَ مَرْيَمَ، فَآمَنُوا بِالقُرْآنِ، وفاضَتْ أعْيُنُهم مِنَ الدَّمْعِ، وهُمُ الَّذِينَ أُنْزِلَ فِيهِمْ: ﴿ولَتَجِدَنَّ أقْرَبَهم مَوَدَّةً﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿مَعَ الشّاهِدِينَ﴾ [المائدة»: ٨٣] .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ في قَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ بِأنَّ مِنهم قِسِّيسِينَ ورُهْبانًا﴾ قالَ: هم رُسُلُ النَّجاشِيِّ الَّذِينَ أرْسَلَ بِإسْلامِهِ وإسْلامِ قَوْمِهِ، كانُوا سَبْعِينَ رَجُلًا، اخْتارَهم مِن قَوْمِهِ الخَيِّرَ فالخَيِّرَ، في الفِقْهِ، والسِّنِّ، وفي لَفْظٍ: بَعَثَ مِن خِيارِ أصْحابِهِ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ثَلاثِينَ رَجُلًا، فَلَمّا أتَوْا (p-٤٠٦)رَسُولَ اللَّهِ ﷺ دَخَلُوا عَلَيْهِ، فَقَرَأ عَلَيْهِمْ سُورَةَ يس، فَبَكَوْا حِينَ سَمِعُوا القُرْآنَ، وعَرَفُوا أنَّهُ الحَقُّ، فَأنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ: ﴿ذَلِكَ بِأنَّ مِنهم قِسِّيسِينَ ورُهْبانًا﴾ الآيَةَ، ونَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِيهِمْ أيْضًا: ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ مِن قَبْلِهِ هم بِهِ يُؤْمِنُونَ﴾ [القصص: ٥٢] إلى قَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أجْرَهم مَرَّتَيْنِ بِما صَبَرُوا﴾ [القصص: ٥٤] [القَصَصِ ٥٢-٥٤] .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ عُرْوَةَ قالَ: كانُوا يَرَوْنَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في النَّجاشِيِّ: ﴿وإذا سَمِعُوا ما أُنْزِلَ إلى الرَّسُولِ تَرى أعْيُنَهم تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ﴾
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والطَّبَرانِيُّ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، «عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وإذا سَمِعُوا ما أُنْزِلَ إلى الرَّسُولِ﴾ قالَ: إنَّهم كانُوا نَوّاتِينَ يَعْنِي مَلّاحِينَ قَدِمُوا مَعَ جَعْفَرِ بْنِ أبِي طالِبٍ مِنَ الحَبَشِ، فَلَمّا قَرَأ عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ القُرْآنَ آمَنُوا، وفاضَتْ أعْيُنُهُمْ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (إذا رَجَعْتُمْ إلى أرْضِكُمُ انْتَقَلْتُمْ عَنْ دِينِكُمْ)، فَقالُوا: لَنْ نَنْقَلِبَ عَنْ دِينِنا، فَأنْزَلَ اللَّهُ ذَلِكَ مِن قَوْلِهِمْ: ﴿وإذا سَمِعُوا ما أُنْزِلَ إلى الرَّسُولِ﴾ [المائدة»: ٨٣] .
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ قالَ: ذُكِرَ لَنا أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في الَّذِينَ أقْبَلُوا (p-٤٠٧)مَعَ جَعْفَرٍ مِن أرْضِ الحَبَشَةِ، وكانَ جَعْفَرٌ لَحِقَ بِالحَبَشَةِ هو وأرْبَعُونَ مَعَهُ مِن قُرَيْشٍ، وخَمْسُونَ مِنَ الأشْعَرِيِّينَ، مِنهم أرْبَعَةٌ مِن عَكٍّ، أكْبَرُهم أبُو عامِرٍ الأشْعَرِيُّ، وأصْغَرُهم عامِرٌ، فَذُكِرَ لَنا أنَّ قُرَيْشًا بَعَثُوا في طَلَبِهِمْ عَمْرَو بْنَ العاصِي، وعُمارَةَ بْنَ الوَلِيدِ، فَأتَوُا النَّجاشِيَّ فَقالُوا: إنَّ هَؤُلاءِ قَدْ أفْسَدُوا دِينَ قَوْمِهِمْ، فَأرْسَلَ إلَيْهِمْ فَجاؤُوا، فَسَألَهم فَقالُوا: بَعَثَ اللَّهُ فِينا نَبِيًّا كَما بَعَثَ في الأُمَمِ قَبْلَنا، يَدْعُونا إلى اللَّهِ وحْدَهُ، ويَأْمُرُنا بِالمَعْرُوفِ، ويَنْهانا عَنِ المُنْكَرِ، ويَأْمُرُنا بِالصِّلَةِ، ويَنْهانا عَنِ القَطِيعَةِ، ويَأْمُرُنا بِالوَفاءِ، ويَنْهانا عَنِ النَّكْثِ، وإنَّ قَوْمَنا بَغَوْا عَلَيْنا، وأخْرَجُونا حِينَ صَدَّقْناهُ، وآمَنّا بِهِ، فَلَمْ نَجِدْ أحَدًا نَلْجَأُ إلَيْهِ غَيْرَكَ، فَقالَ: مَعْرُوفًا، فَقالَ عَمْرٌو وصاحِبُهُ: إنَّهم يَقُولُونَ في عِيسى غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ، قالَ: وما تَقُولُونَ في عِيسى؟ قالُوا: نَشْهَدُ أنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ ورَسُولُهُ، وكَلِمَةُ اللَّهِ ورُوحُهُ، وأنَّهُ ولَدَتْهُ عَذْراءُ بَتُولٌ، قالَ: ما أخْطَأْتُمْ، ثُمَّ قالَ لِعَمْرٍو وأصْحابِهِ: لَوْلا أنَّكُما أقْبَلْتُما في جِوارِي لَفَعَلْتُ بِكُما وفَعَلْتُ، وذُكِرَ لَنا أنَّ جَعْفَرًا وأصْحابَهُ إذْ أقْبَلُوا جاءَ أُولَئِكَ مَعَهُمْ، فَآمَنُوا بِمُحَمَّدٍ ﷺ، فَقالَ قائِلٌ: لَوْ قَدْ رَجَعُوا إلى أرْضِهِمْ لَحِقُوا بِدِينِهِمْ، فَحُدِّثْنا أنَّهُ قَدِمَ مَعَ جَعْفَرٍ سَبْعُونَ مِنهُمْ، فَلَمّا قَرَأ عَلَيْهِمْ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ فاضَتْ أعْيُنُهم.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ قالَ: «بَعَثَ النَّجاشِيُّ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا، سَبْعَةً قِسِّيسِينَ، وخَمْسَةً رُهْبانًا، يَنْظُرُونَ إلَيْهِ ويَسْألُونَهُ، فَلَمّا لَقُوهُ، فَقَرَأ عَلَيْهِمْ ما أنْزَلَ اللَّهُ بَكَوْا وآمَنُوا، فَأنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ: (p-٤٠٨)﴿وإذا سَمِعُوا ما أُنْزِلَ إلى الرَّسُولِ﴾ الآيَةَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وهو بِمَكَّةَ يَخافُ عَلى أصْحابِهِ مِنَ المُشْرِكِينَ، فَبَعَثَ جَعْفَرَ بْنَ أبِي طالِبٍ، وابْنَ مَسْعُودٍ، وعُثْمانَ بْنَ مَظْعُونٍ في رَهْطٍ مِن أصْحابِهِ إلى النَّجاشِيِّ مَلِكِ الحَبَشَةِ، فَلَمّا بَلَغَ المُشْرِكِينَ بَعَثُوا عَمْرَو بْنَ العاصِي في رَهْطٍ مِنهُمْ، وذَكَرُوا أنَّهم سَبَقُوا أصْحابَ النَّبِيِّ ﷺ إلى النَّجاشِيِّ، فَقالُوا: إنَّهُ قَدْ خَرَجَ فِينا رَجُلٌ سَفَّهَ عُقُولَ قُرَيْشٍ وأحْلامَها، زَعَمَ أنَّهُ نَبِيٌّ، وإنَّهُ بَعَثَ إلَيْكَ رَهْطًا لِيُفْسِدُوا عَلَيْكَ قَوْمَكَ، فَأحْبَبْنا أنْ نَأْتِيَكَ ونُخْبِرَكَ خَبَرَهُمْ، قالَ: إنْ جاؤُونِي نَظَرْتُ فِيما يَقُولُونَ، فَلَمّا قَدِمَ أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَأتَوْا إلى بابِ النَّجاشِيِّ فَقالُوا: اسْتَأْذِنْ لِأوْلِياءِ اللَّهِ، فَقالَ: ائْذَنْ لَهُمْ، فَمَرْحَبًا بِأوْلِياءِ اللَّهِ، فَلَمّا دَخَلُوا عَلَيْهِ سَلَّمُوا، فَقالَ الرَّهْطُ مِنَ المُشْرِكِينَ: ألَمْ تَرَ أيُّها المَلِكُ أنّا صَدَقْناكَ، وأنَّهم لَمْ يُحَيُّوكَ بِتَحِيَّتِكَ الَّتِي تُحَيّا بِها، فَقالَ لَهم: ما يَمْنَعُكم أنْ تُحَيُّونِي بِتَحِيَّتِي؟ قالُوا: إنّا حَيَّيْناكَ بِتَحِيَّةِ أهْلِ الجَنَّةِ وتَحِيَّةِ المَلائِكَةِ، فَقالَ لَهم: ما يَقُولُ صاحِبُكم في عِيسى وأُمِّهِ؟ قالُوا: يَقُولُ: عَبْدُ اللَّهِ ورَسُولُهُ، وكَلِمَةٌ مِنَ اللَّهِ ورُوحٌ مِنهُ، ألْقاها إلى مَرْيَمَ، ويَقُولُ في مَرْيَمَ: إنَّها العَذْراءُ الطَّيِّبَةُ البَتُولُ، قالَ: فَأخَذَ عُودًا مِنَ الأرْضِ فَقالَ: ما زادَ عِيسى وأُمُّهُ عَلى ما قالَ صاحِبُكم هَذا العُودَ، فَكَرِهَ المُشْرِكُونَ قَوْلَهُ، وتَغَيَّرَ لَهُ وُجُوهُهُمْ، فَقالَ: هَلْ تَقْرَأُونَ شَيْئًا مِمّا أُنْزِلَ عَلَيْكُمْ؟ قالُوا: نَعَمْ، قالَ: فاقْرَأُوا فَقَرَأُوا وحَوْلَهُ القِسِّيسُونَ والرُّهْبانُ وسائِرُ النَّصارى، فَجَعَلَتْ طائِفَةٌ مِنَ القِسِّيسِينَ والرُّهْبانِ كُلَّما قَرَأُوا آيَةً انْحَدَرَتْ دُمُوعُهم مِمّا عَرَفُوا (p-٤٠٩)مِنَ الحَقِّ، قالَ اللَّهُ: ﴿ذَلِكَ بِأنَّ مِنهم قِسِّيسِينَ ورُهْبانًا وأنَّهم لا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ ﴿وإذا سَمِعُوا ما أُنْزِلَ إلى الرَّسُولِ تَرى أعْيُنَهم تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمّا عَرَفُوا مِنَ الحَقِّ﴾ [المائدة»: ٨٣] .
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، عَنْ سَلْمانَ في إسْلامِهِ قالَ: «لَمّا قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ المَدِينَةَ صَنَعْتُ طَعامًا فَجِئْتُ بِهِ، فَقالَ: (ما هَذا؟) قُلْتُ: صَدَقَةٌ، فَقالَ لِأصْحابِهِ: (كُلُوا)، ولَمْ يَأْكُلْ، ثُمَّ إنِّي رَجَعْتُ حَتّى جَمَعْتُ طَعامًا، فَأتَيْتُهُ بِهِ، فَقالَ: (ما هَذا؟) قُلْتُ: هَدِيَّةٌ، فَأكَلَ، وقالَ لِأصْحابِهِ: (كُلُوا)، قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، أخْبِرْنِي عَنِ النَّصارى، قالَ: (لا خَيْرَ فِيهِمْ، ولا في مَن أحَبَّهُمْ)، فَقُمْتُ وأنا مُثْقَلٌ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿لَتَجِدَنَّ أشَدَّ النّاسِ عَداوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا اليَهُودَ﴾ حَتّى بَلَغَ: ﴿تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ﴾ فَأرْسَلَ إلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقالَ لِي: (يا سَلْمانُ، إنَّ أصْحابَكَ هَؤُلاءِ الَّذِينَ ذَكَرَ اللَّهُ») .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿ولَتَجِدَنَّ أقْرَبَهم مَوَدَّةً﴾ الآيَةَ، قالَ: أُناسٌ مِن أهْلِ الكِتابِ كانُوا عَلى شَرِيعَةٍ مِنَ الحَقِّ مِمّا جاءَ بِهِ عِيسى، يُؤْمِنُونَ بِهِ، ويَنْتَهُونَ إلَيْهِ، فَلَمّا بَعَثَ اللَّهُ مُحَمَّدًا ﷺ، صَدَّقُوهُ، وآمَنُوا بِهِ، وعَرَفُوا ما جاءَ بِهِ مِنَ الحَقِّ أنَّهُ مِنَ اللَّهِ، فَأثْنى عَلَيْهِمْ بِما تَسْمَعُونَ.
وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ في (فَضائِلِهِ)، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ في (مُسْنَدِهِ)، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والبُخارِيُّ في (تارِيخِهِ)، والحارِثُ بْنُ أُسامَةَ في (مُسْنَدِهِ)، والحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ في (نَوادِرِ الأُصُولِ)، والبَزّارُ، وابْنُ أبِي داوُدَ وابْنُ (p-٤١٠)الأنْبارِيِّ في (المَصاحِفِ)، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنْ سَلْمانَ أنَّهُ سُئِلَ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ بِأنَّ مِنهم قِسِّيسِينَ ورُهْبانًا﴾ قالَ: الرُّهْبانُ الَّذِينَ في الصَّوامِعِ، نَزَلَتْ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: (ذَلِكَ بِأنَّ مِنهم صِدِّيقِينَ ورُهْبانًا)، ولَفْظُ البَزّارِ: دَعِ القِسِّيسِينَ، أقْرَأنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”ذَلِكَ بِأنَّ مِنهم صِدِّيقِينَ“، ولَفْظُ الحَكِيمِ التِّرْمِذِيِّ: قَرَأْتُ عَلى النَّبِيِّ ﷺ: ﴿ذَلِكَ بِأنَّ مِنهم قِسِّيسِينَ﴾ فَأقْرَأنِي: ”ذَلِكَ بِأنَّ مِنهم صِدِّيقِينَ“ .
وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في (الدَّلائِلِ)، عَنْ سَلْمانَ قالَ: كُنْتُ يَتِيمًا مِن رامَهُرْمُزَ، وكانَ ابْنُ دِهْقانِ رامَهُرْمُزَ يَخْتَلِفُ إلى مُعَلِّمٍ يُعَلِّمُهُ، فَلَزِمْتُهُ لِأكُونَ في كَنَفِهِ، وكانَ لِي أخٌ أكْبَرُ مِنِّي، وكانَ مُسْتَغْنِيًا في نَفْسِهِ، وكُنْتُ غُلامًا فَقِيرًا، فَكانَ إذا قامَ مِن مَجْلِسِهِ تَفَرَّقَ مَن يَحْفَظُهُ، فَإذا تَفَرَّقُوا خَرَجَ فَتَقَنَّعَ بِثَوْبِهِ، ثُمَّ صَعِدَ الجَبَلَ، فَكانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ غَيْرَ مَرَّةٍ مُتَنَكِّرًا، قالَ: فَقُلْتُ: أما إنَّكَ تَفْعَلُ كَذا وكَذا، فَلِمَ لا تَذْهَبُ بِي مَعَكَ؟ قالَ: أنْتَ غُلامٌ، وأخافُ أنْ يَظْهَرَ مِنكَ شَيْءٌ، قالَ: قُلْتُ: لا تَخَفْ، قالَ: فَإنَّ في هَذا الجَبَلِ قَوْمًا في بِرْطِيلٍ لَهم عِبادَةٌ وصَلاحٌ، يَذْكُرُونَ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ، ويَذْكُرُونَ الآخِرَةَ، يَزْعُمُونَ أنّا عَبَدَةُ النِّيرانِ، وعَبَدَةُ الأوْثانِ، وأنا عَلى غَيْرِ دِينٍ، قُلْتُ: فاذْهَبْ بِي مَعَكَ إلَيْهِمْ، قالَ: لا أقْدِرُ عَلى ذَلِكَ حَتّى أسْتَأْمِرَهُمْ، وأنا أخافُ أنْ يَظْهَرَ مِنكَ شَيْءٌ فَيَعْلَمَ أبِي، فَيَقْتُلَ القَوْمَ، فَيَجْرِيَ هَلاكُهم عَلى يَدَيَّ، قالَ: قُلْتُ: لَنْ يَظْهَرَ مِنِّي ذَلِكَ، فاسْتَأْمَرَهم فَقالَ: (p-٤١١)غُلامٌ عِنْدِي يَتِيمٌ، فَأُحِبُّ أنْ يَأْتِيَكم ويَسْمَعَ كَلامَكم قالُوا: إنْ كُنْتَ تَثِقُ بِهِ، قالَ: أرْجُو ألّا يَجِيءَ مِنهُ إلّا ما أُحِبُّ، قالُوا: فَجِئْ بِهِ، فَقالَ لِي: قَدِ اسْتَأْذَنْتُ القَوْمَ أنْ تَجِيءَ مَعِي، فَإذا كانَتِ السّاعَةُ الَّتِي رَأيْتَنِي أخْرُجُ فِيها فَأْتِنِي، ولا يَعْلَمُ بِكَ أحَدٌ، فَإنَّ أبِي إنْ عَلِمَ قَتَلَهُمْ، قالَ: فَلَمّا كانَتِ السّاعَةُ الَّتِي يَخْرُجُ تَبِعْتُهُ، فَصَعِدَ الجَبَلَ، فانْتَهَيْنا إلَيْهِمْ، فَإذا هم في بِرْطِيلِهِمْ، قالَ عَلِيٌّ: وأُراهُ قالَ: هم سِتَّةٌ أوْ سَبْعَةٌ، قالَ: وكَأنَّ الرُّوحَ قَدْ خَرَجَتْ مِنهم مِنَ العِبادَةِ يَصُومُونَ النَّهارَ، ويَقُومُونَ اللَّيْلَ، يَأْكُلُونَ الشَّجَرَ، وما وجَدُوا، فَقَعَدْنا إلَيْهِمْ، فَأثْنى ابْنُ الدِّهْقانِ عَلَيَّ خَيْرًا، فَتَكَلَّمُوا، فَحَمِدُوا اللَّهَ، وأثْنَوْا عَلَيْهِ، وذَكَرُوا مَن مَضى مِنَ الرُّسُلِ والأنْبِياءِ، حَتّى خَلَصُوا إلى عِيسى ابْنِ مَرْيَمَ قالُوا: بَعَثَهُ اللَّهُ، ووُلِدَ بِغَيْرِ ذَكَرٍ، بَعَثَهُ اللَّهُ رَسُولًا، وسَخَّرَ لَهُ ما كانَ يَفْعَلُ مِن إحْياءِ المَوْتى، وخَلْقِ الطَّيْرِ، وإبْراءِ الأعْمى والأبْرَصِ، فَكَفَرَ بِهِ قَوْمٌ وتَبِعَهُ قَوْمٌ، وإنَّما كانَ عَبْدَ اللَّهِ ورَسُولَهُ، ابْتَلى بِهِ خَلْقَهُ، قالَ: وقالُوا قَبْلَ ذَلِكَ: يا غُلامُ، إنَّ لَكَ رَبًّا، وإنَّ لَكَ مَعادًا، وإنَّ بَيْنَ يَدَيْكَ جَنَّةً ونارًا، إلَيْهِما تَصِيرُ، وإنَّ هَؤُلاءِ القَوْمَ الَّذِينَ يَعْبُدُونَ النِّيرانَ أهْلُ كُفْرٍ وضَلالَةٍ، لا يَرْضى اللَّهُ بِما يَصْنَعُونَ، ولَيْسُوا عَلى دِينٍ، فَلَمّا حَضَرَتِ السّاعَةُ الَّتِي يَنْصَرِفُ فِيها الغُلامُ انْصَرَفَ وانْصَرَفْتُ مَعَهُ، ثُمَّ غَدَوْنا إلَيْهِمْ، فَقالُوا مِثْلَ ذَلِكَ وأحْسَنَ، فَلَزِمْتُهُمْ، فَقالُوا: يا سَلْمانُ، إنَّكَ غُلامٌ، وإنَّكَ لا تَسْتَطِيعُ أنْ تَصْنَعَ كَما نَصْنَعُ، فَكُلْ واشْرَبْ، وصَلِّ ونَمْ، قالَ: فاطَّلَعَ المَلِكُ عَلى صَنِيعِ ابْنِهِ، فَرَكِبَ الخَيْلَ حَتّى أتاهم في بِرْطِيلِهِمْ، فَقالَ: يا هَؤُلاءِ، قَدْ جاوَرْتُمُونِي فَأحْسَنْتُ جِوَراكُمْ، ولَمْ تَرَوْا مِنِّي سُوءًا، فَعَمِدْتُمْ إلى ابْنِي فَأفْسَدْتُمُوهُ عَلَيَّ، قَدْ أجَّلْتُكم ثَلاثًا، فَإنْ قَدِرْتُ عَلَيْكم بَعْدَ ثَلاثٍ أحْرَقْتُ عَلَيْكم بِرْطِيلَكم هَذا، (p-٤١٢)فالحَقُوا بِبِلادِكُمْ، فَإنِّي أكْرَهُ أنْ يَكُونَ مِنِّي إلَيْكم سُوءٌ، قالُوا: نَعَمْ، ما تَعَمَّدْنا مَساءَتَكَ، ولا أرَدْنا إلّا الخَيْرَ، فَكَفَّ ابْنَهُ عَنْ إتْيانِهِمْ، فَقُلْتُ لَهُ: اتَّقِ اللَّهَ، فَإنَّكَ تَعْرِفُ أنَّ هَذا الدِّينَ دِينُ اللَّهِ، وإنَّ أباكَ ونَحْنُ عَلى غَيْرِ دِينٍ، إنَّما هم عَبَدَةُ النِّيرانِ، لا يَعْرِفُونَ اللَّهَ، فَلا تَبِعْ آخِرَتَكَ بِدُنْيا غَيْرِكَ، قالَ: يا سَلْمانُ، هو كَما تَقُولُ، وإنَّما أتَخَلَّفُ عَنِ القَوْمِ بُقْيا عَلَيْهِمْ، إنِ اتَّبَعْتُ القَوْمَ يَطْلُبُنِي أبِي في الخَيْلِ، وقَدْ جَزِعَ مِن إتْيانِي إيّاهم حَتّى طَرَدَهُمْ، وقَدْ أعْرِفُ أنَّ الحَقَّ في أيْدِيهِمْ، قُلْتُ: أنْتَ أعْلَمُ، ثُمَّ لَقِيتُ أخِي فَعَرَضْتُ عَلَيْهِ، فَقالَ: أنا مُشْتَغِلٌ بِنَفْسِي في طَلَبِ المَعِيشَةِ، فَأتَيْتُهم في اليَوْمِ الَّذِي أرادُوا أنْ يَرْتَحِلُوا فِيهِ، فَقالُوا: يا سَلْمانُ، قَدْ كُنّا نَحْذَرُ، فَكانَ ما رَأيْتَ، اتَّقِ اللَّهَ، واعْلَمْ أنَّ الدِّينَ ما أوْصَيْناكَ بِهِ، وإنَّ هَؤُلاءِ عَبَدَةُ النِّيرانِ، لا يَعْرِفُونَ اللَّهَ ولا يَذْكُرُونَهُ، فَلا يَخْدَعَنَّكَ أحَدٌ عَنْ ذَلِكَ، قُلْتُ: ما أنا بِمُفارِقِكُمْ، قالُوا: إنَّكَ لا تَقْدِرُ عَلى أنْ تَكُونَ مَعَنا، نَحْنُ نَصُومُ النَّهارَ، ونَقُومُ اللَّيْلَ، ونَأْكُلُ الشَّجَرَ، وما أصَبْنا، وأنْتَ لا تَسْتَطِيعُ ذَلِكَ، قالَ: قُلْتُ: لا أُفارِقُكُمْ، قالُوا: أنْتَ أعْلَمُ، قَدْ أعْلَمْناكَ حالَنا، فَإذا أبَيْتَ فاطْلُبْ أحَدًا يَكُونُ مَعَكَ، واحْمِلْ مَعَكَ شَيْئًا تَأْكُلُهُ، فَإنَّكَ لا تَسْتَطِيعُ ما نَسْتَطِيعُ نَحْنُ، قالَ: فَفَعَلْتُ ولَقِيتُ أخِي، فَعَرَضْتُ عَلَيْهِ، فَأبى، فَأتَيْتُهم فَتَحَمَّلُوا، فَكانُوا يَمْشُونَ وأمْشِي مَعَهُمْ، فَرَزَقَنا اللَّهُ السَّلامَةَ حَتّى قَدِمْنا المَوْصِلَ، فَأتَيْنا بِيعَةً بِالمَوْصِلِ، فَلَمّا دَخَلُوا حَفَوْا بِهِمْ، وقالُوا: أيْنَ كُنْتُمْ؟ قالُوا: كُنّا في بِلادٍ لا يَذْكُرُونَ اللَّهَ، بِها عَبَدَةُ نِيرانٍ، فَطَرَدُونا، فَقَدِمْنا عَلَيْكُمْ، فَلَمّا كانَ بَعْدُ قالُوا: يا سَلْمانُ، إنَّ هَهُنا قَوْمًا في هَذِهِ الجِبالِ هم أهْلُ دِينٍ، وإنّا نُرِيدُ لِقاءَهُمْ، فَكُنْ أنْتَ هَهُنا مَعَ هَؤُلاءِ، فَإنَّهم أهْلُ دِينٍ، وسَتَرى مِنهم ما تُحِبُّ قُلْتُ: ما أنا بِمُفارِقِكُمْ، قالَ: وأوْصَوْا بِي أهْلَ (p-٤١٣)البِيعَةِ، فَقالَ أهْلُ البِيعَةِ: أقِمْ مَعَنا، فَإنَّهُ لا يُعْجِزُكَ شَيْءٌ يَسَعُنا، قُلْتُ: ما أنا بِمُفارِقِكُمْ، فَخَرَجُوا وأنا مَعَهُمْ، فَأصْبَحْنا بَيْنَ جِبالٍ، فَإذا صَخْرَةٌ وماءٌ كَثِيرٌ في جِرارٍ، وخُبْزٌ كَثِيرٌ، فَقَعَدْنا عِنْدَ الصَّخْرَةِ، فَلَمّا طَلَعَتِ الشَّمْسُ خَرَجُوا مِن بَيْنِ تِلْكَ الجِبالِ، يَخْرُجُ رَجُلٌ رَجُلٌ مِن مَكانِهِ، كَأنَّ الأرْواحَ انْتُزِعَتْ مِنهُمْ، حَتّى كَثُرُوا، فَرَحَّبُوا بِهِمْ، وحَفَوْا، وقالُوا: أيْنَ كُنْتُمْ، لَمْ نَرَكُمْ؟ قالُوا: كُنّا في بِلادٍ لا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ، فِيها عَبَدَةُ النِّيرانِ، وكُنّا نَعْبُدُ اللَّهَ فِيها فَطَرَدُونا، فَقالُوا: ما هَذا الغُلامُ؟ قالَ: فَطَفِقُوا يُثْنُونَ عَلَيَّ، وقالُوا: صَحِبَنا مِن تِلْكَ البِلادِ فَلَمْ نَرَ مِنهُ إلّا خَيْرًا، قالَ: فَواللَّهِ إنَّهم لَكَذا إذْ طَلَعَ عَلَيْهِمْ رَجُلٌ مِن كَهْفٍ، رَجُلٌ طُوالٌ، فَجاءَ حَتّى سَلَّمَ وجَلَسَ، فَحَفَوْا بِهِ وعَظَّمُوهُ أصْحابِي الَّذِينَ كُنْتُ مَعَهُمْ، وأحْدَقُوا بِهِ، فَقالَ لَهم: أيْنَ كُنْتُمْ؟ فَأخْبَرُوهُ، فَقالَ: ما هَذا الغُلامُ مَعَكُمْ؟ فَأثْنَوْا عَلَيَّ خَيْرًا، وأخْبَرُوهُ بِاتِّباعِي إيّاهُمْ، ولَمْ أرَ مِثْلَ إعْظامِهِمْ إيّاهُ، فَحَمِدَ اللَّهَ، وأثْنى عَلَيْهِ، ثُمَّ ذَكَرَ مَن أرْسَلَ اللَّهُ مِن رُسُلِهِ وأنْبِيائِهِ، وما لَقُوا، وما صُنِعَ بِهِمْ حَتّى ذَكَرَ مَوْلِدَ عِيسى ابْنِ مَرْيَمَ، وأنَّهُ وُلِدَ بِغَيْرِ ذَكَرٍ، فَبَعَثَهُ اللَّهُ رَسُولًا، وأجْرى عَلى يَدَيْهِ إحْياءَ المَوْتى، وإبْراءَ الأعْمى والأبْرَصِ، وأنَّهُ يَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ، فَيَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإذْنِ اللَّهِ، وأنْزَلَ عَلَيْهِ الإنْجِيلَ، وعَلَّمَهُ التَّوْراةَ، وبَعَثَهُ رَسُولًا إلى بَنِي إسْرائِيلَ، فَكَفَرَ بِهِ قَوْمٌ، وآمَنَ بِهِ قَوْمٌ، وذَكَرَ بَعْضَ ما لَقِيَ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ، وأنَّهُ كانَ عَبْدًا أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ، فَشَكَرَ ذَلِكَ لَهُ، ورَضِيَ عَنْهُ، حَتّى قَبَضَهُ اللَّهُ، وهو يَعِظُهم ويَقُولُ: اتَّقُوا اللَّهَ والزَمُوا ما جاءَ بِهِ عِيسى، ولا تُخالِفُوا فَيُخالَفَ بِكُمْ، ثُمَّ قالَ: مَن أرادَ أنْ يَأْخُذَ مِن هَذا شَيْئًا فَلْيَأْخُذْ، فَجَعَلَ الرَّجُلُ يَقُومُ فَيَأْخُذُ الجَرَّةَ مِنَ الماءِ والطَّعامِ والشَّيْءِ، فَقامَ إلَيْهِ أصْحابِي الَّذِينَ جِئْتُ (p-٤١٤)مَعَهُمْ، فَسَلَّمُوا عَلَيْهِ وعَظَّمُوهُ، فَقالَ لَهُمُ: الزَمُوا هَذا الدِّينَ، وإيّاكم أنْ تَفَرَّقُوا، واسْتَوْصُوا بِهَذا الغُلامِ خَيْرًا، وقالَ لِي: يا غُلامُ، هَذا دِينُ اللَّهِ الَّذِي تَسْمَعُنِي أقُولُهُ، وما سِواهُ هو الكُفْرُ، قالَ: قُلْتُ: ما أُفارِقُكَ، قالَ: إنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ أنْ تَكُونَ مَعِي، إنِّي لا أخْرُجُ مِن كَهْفِي هَذا إلّا كُلَّ يَوْمِ أحَدٍ، لا تَقْدِرُ عَلى الكَيْنُونَةِ مَعِي، قالَ: وأقْبَلَ عَلى أصْحابِهِ فَقالُوا: يا غُلامُ، إنَّكَ لا تَسْتَطِيعُ أنْ تَكُونَ مَعَهُ، قُلْتُ: ما أنا بِمُفارِقِكَ، قالَ: يا غُلامُ، فَإنِّي أُعْلِمُكَ الآنَ أنِّي أدْخُلُ هَذا الكَهْفَ، ولا أخْرُجُ مِنهُ إلى الأحَدِ الآخَرِ، وأنْتَ أعْلَمُ، قُلْتُ: ما أنا بِمُفارِقِكَ، قالَ لَهُ أصْحابُهُ: يا فُلانُ، هَذا غُلامٌ ونَخافُ عَلَيْهِ، قالَ: قالَ لِي: أنْتَ أعْلَمُ، قُلْتُ: إنِّي لا أُفارِقُكَ، فَبَكى أصْحابِي الأوَّلُونَ الَّذِينَ كُنْتُ مَعَهم عِنْدَ فِراقِهِمْ إيّايَ، فَقالَ: خُذْ مِن هَذا الطَّعامِ ما تَرى أنَّهُ يَكْفِيكَ إلى الأحَدِ الآخَرِ، وخُذْ مِن هَذا الماءِ ما تَكْتَفِي بِهِ، فَفَعَلْتُ وتَفَرَّقُوا، وذَهَبَ كُلُّ إنْسانٍ إلى مَكانِهِ الَّذِي يَكُونُ فِيهِ، وتَبِعْتُهُ حَتّى دَخَلَ الكَهْفَ في الجَبَلِ، فَقالَ: ضَعْ ما مَعَكَ، وكُلْ واشْرَبْ، وقامَ يُصَلِّي، فَقُمْتُ مَعَهُ أُصَلِّي، قالَ: فانْفَتَلَ إلَيَّ، وقالَ: إنَّكَ لا تَسْتَطِيعُ هَذا، ولَكِنْ صَلِّ ونَمْ، وكُلْ واشْرَبْ، فَفَعَلْتُ، فَما رَأيْتُهُ نائِمًا، ولا طاعِمًا، إلّا راكِعًا وساجِدًا إلى الأحَدِ الآخَرِ، فَلَمّا أصْبَحْنا قالَ: خُذْ جَرَّتَكَ هَذِهِ وانْطَلِقْ، فَخَرَجْتُ مَعَهُ أتْبَعُهُ حَتّى انْتَهَيْنا إلى الصَّخْرَةِ، وإذا هم قَدْ خَرَجُوا مِن تِلْكَ الجِبالِ، واجْتَمَعُوا إلى الصَّخْرَةِ يَنْتَظِرُونَ خُرُوجَهُ، فَقَعَدُوا، وجادَ في حَدِيثِهِ نَحْوَ المَرَّةِ الأُولى، فَقالَ: الزَمُوا هَذا الدِّينَ، ولا تَفَرَّقُوا، واتَّقُوا اللَّهَ، واعْلَمُوا أنَّ عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ كانَ عَبْدَ اللَّهِ، أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ، ثُمَّ ذَكَرُونِي فَقالُوا: يا فُلانُ، كَيْفَ وجَدْتَ هَذا الغُلامَ؟ فَأثْنى عَلَيَّ وقالَ خَيْرًا، فَحَمِدُوا اللَّهَ، فَإذا خُبْزٌ كَثِيرٌ (p-٤١٥)وماءٌ فَأخَذُوا، وجَعَلَ الرَّجُلُ يَأْخُذُ بِقَدْرِ ما يَكْتَفِي بِهِ، فَفَعَلْتُ، وتَفَرَّقُوا في تِلْكَ الجِبالِ، ورَجَعَ إلى كَهْفِهِ، ورَجَعْتُ مَعَهُ، فَلَبِثَ ما شاءَ اللَّهُ، يَخْرُجُ في كُلِّ يَوْمِ أحَدٍ، ويَخْرُجُونَ مَعَهُ، ويُوصِيهِمْ بِما كانَ يُوصِيهِمْ بِهِ، فَخَرَجَ في أحَدٍ، فَلَمّا اجْتَمَعُوا حَمِدَ اللَّهَ، ووَعَظَهُمْ، وقالَ مِثْلَ ما كانَ يَقُولُ لَهُمْ، ثُمَّ قالَ لَهم آخِرَ ذَلِكَ: يا هَؤُلاءِ، إنِّي قَدْ كَبِرَ سِنِّي، ورَقَّ عَظْمِي، واقْتَرَبَ أجَلِي، وإنَّهُ لا عَهْدَ لِي بِهَذا البَيْتِ مُنْذُ كَذا وكَذا، ولا بُدَّ لِي مِن إتْيانِهِ، فاسْتَوْصُوا بِهَذا الغُلامِ خَيْرًا، وإنِّي رَأيْتُهُ لا بَأْسَ بِهِ، فَجَزِعَ القَوْمُ، فَما رَأيْتُ مِثْلَ جَزَعِهِمْ، وقالُوا: يا أبا فُلانٍ، أنْتَ كَبِيرٌ وأنْتَ وحْدَكَ، ولا نَأْمَنُ أنْ يُصِيبَكَ الشَّيْءُ، ولَسْنا أحْوَجَ ما كُنّا إلَيْكَ، قالَ: لا تُراجِعُونِي، لا بُدَّ لِي مِن إتْيانِهِ، ولَكِنِ اسْتَوْصُوا بِهَذا الغُلامِ خَيْرًا، وافْعَلُوا وافْعَلُوا، قالَ: قُلْتُ: ما أنا بِمُفارِقِكَ، قالَ: يا سَلْمانُ، قَدْ رَأيْتَ حالِي، وما كُنْتُ عَلَيْهِ، ولَيْسَ هَذا كَذَلِكَ، إنَّما أمْشِي، أصُومُ النَّهارَ، وأقُومُ اللَّيْلَ، ولا أسْتَطِيعُ أنْ أحْمِلَ مَعِي زادًا ولا غَيْرَهُ، ولا تَقْدِرُ عَلى هَذا، قالَ: قُلْتُ: ما أنا بِمُفارِقِكَ، قالَ: أنْتَ أعْلَمُ، قالُوا: يا أبا فُلانٍ، إنّا نَخافُ عَلَيْكَ وعَلى هَذا الغُلامِ، قالَ: هو أعْلَمُ، قَدْ أعْلَمْتُهُ الحالَةَ، وقَدْ رَأى ما كانَ قَبْلَ هَذا، قُلْتُ: لا أُفارِقُكَ، قالَ: فَبَكَوْا، ووَدَّعُوهُ، وقالَ لَهُمُ: اتَّقُوا اللَّهَ، وكُونُوا عَلى ما أوْصَيْتُكم بِهِ، فَإنْ أعِشْ فَلَعَلِّي أرْجِعُ إلَيْكُمْ، وإنْ أمُتْ فَإنَّ اللَّهَ حَيٌّ لا يَمُوتُ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ، وخَرَجَ وخَرَجْتُ مَعَهُ، وقالَ لِي: احْمِلْ مَعَكَ مِن هَذا الخُبْزِ شَيْئًا تَأْكُلُهُ، فَخَرَجَ وخَرَجْتُ مَعَهُ، يَمْشِي وأتْبَعُهُ يَذْكُرُ اللَّهَ، ولا يَلْتَفِتُ، ولا يَقِفُ عَلى شَيْءٍ، حَتّى إذا أمْسى قالَ: يا سَلْمانُ، صَلِّ أنْتَ ونَمْ، وكُلْ واشْرَبْ، ثُمَّ قامَ هو يُصَلِّي، إلى أنِ انْتَهى إلى بَيْتِ المَقْدِسِ، وكانَ لا يَرْفَعُ (p-٤١٦)طَرْفَهُ إلى السَّماءِ إذا أمْسى، حَتّى انْتَهَيْنا إلى بَيْتِ المَقْدِسِ، وإذا عَلى البابِ مُقْعَدٌ، قالَ: يا عَبْدَ اللَّهِ، قَدْ تَرى حالِي، فَتَصَدَّقْ عَلَيَّ بِشَيْءٍ، فَلَمْ يَلْتَفِتْ إلَيْهِ، ودَخَلَ المَسْجِدَ، ودَخَلْتُ مَعَهُ، فَجَعَلَ يَتَتَبَّعُ أمْكِنَةً مِنَ المَسْجِدِ يُصَلِّي فِيها، ثُمَّ قالَ: يا سَلْمانُ، إنِّي لَمْ أنَمْ مُنْذُ كَذا وكَذا، ولَمْ أجِدْ طَعْمَ نَوْمٍ، فَإنْ أنْتَ جَعَلْتَ لِي أنْ تُوقِظَنِي إذا بَلَغَ الظِّلُّ مَكانَ كَذا وكَذا نِمْتُ، فَإنِّي أُحِبُّ أنْ أنامَ في هَذا المَسْجِدِ، وإلّا لَمْ أنَمْ، قالَ: قُلْتُ: فَإنِّي أفْعَلُ، قالَ: فانْظُرْ إذا بَلَغَ الظِّلُّ مَكانَ كَذا وكَذا، فَأيْقِظْنِي إذا غَلَبَتْنِي عَيْنِي، فَنامَ، فَقُلْتُ في نَفْسِي: هَذا لَمْ يَنَمْ مُنْذُ كَذا وكَذا، وقَدْ رَأيْتُ بَعْضَ ذَلِكَ، لَأدَعَنَّهُ يَنامُ حَتّى يَشْتَفِي مِنَ النَّوْمِ، وكانَ فِيما يَمْشِي وأنا مَعَهُ، يُقْبِلُ عَلَيَّ، فَيَعِظُنِي ويُخْبِرُنِي أنَّ لِي رَبًّا، وأنَّ بَيْنَ يَدَيَّ جَنَّةً ونارًا وحِسابًا، ويُعْلِمُنِي بِذَلِكَ، ويُذَكِّرُنِي نَحْوَ ما كانَ يُذَكِّرُ القَوْمَ يَوْمَ الأحَدِ، حَتّى قالَ فِيما يَقُولُ لِي: يا سَلْمانُ، إنَّ اللَّهَ تَعالى سَوْفَ يَبْعَثُ رَسُولًا اسْمُهُ أحْمَدُ، يَخْرُجُ بِتِهامَةَ - وكانَ رَجُلًا أعْجَمِيًّا لا يُحْسِنُ أنْ يَقُولَ تِهامَةَ، ولا مُحَمَّدٌ - عَلامَتُهُ أنَّهُ يَأْكُلُ الهَدِيَّةَ، ولا يَأْكُلُ الصَّدَقَةَ، بَيْنَ كَتِفَيْهِ خاتَمٌ، وهَذا زَمانُهُ الَّذِي يَخْرُجُ فِيهِ، قَدْ تَقارَبَ، فَأمّا أنا فَإنِّي شَيْخٌ كَبِيرٌ، ولا أحْسَبُنِي أُدْرِكُهُ، فَإنْ أدْرَكْتَهُ أنْتَ فَصَدِّقْهُ واتَّبِعْهُ، قُلْتُ: وإنْ أمَرَنِي بِتَرْكِ دِينِكَ وما أنْتَ عَلَيْهِ؟ قالَ: وإنْ أمَرَكَ، فَإنَّ الحَقَّ فِيما يَجِيءُ بِهِ، ورِضا الرَّحْمَنِ فِيما قالَ، فَلَمْ يَمْضِ إلّا يَسِيرٌ حَتّى اسْتَيْقَظَ فَزِعًا يَذْكُرُ اللَّهَ، فَقالَ: يا سَلْمانُ، مَضى الفَيْءُ مِن هَذا المَكانِ ولَمْ أذْكُرِ اللَّهَ، أيْنَ ما جَعَلْتَ لِي عَلى نَفْسِكَ؟ قالَ: قُلْتُ: أخْبَرْتَنِي أنَّكَ لَمْ تَنَمْ مُنْذُ كَذا وكَذا، وقَدْ رَأيْتُ بَعْضَ ذَلِكَ، فَأحْبَبْتُ أنْ تَشْتَفِيَ مِنَ النَّوْمِ، فَحَمِدَ اللَّهَ، وقامَ فَخَرَجَ فَتَبِعْتُهُ، فَقالَ المُقْعَدُ: يا عَبْدَ اللَّهِ، (p-٤١٧)دَخَلْتَ فَسَألْتُكَ فَلَمْ تُعْطِنِي، وخَرَجْتَ فَسَألْتُكَ فَلَمْ تُعْطِنِي، فَقامَ يَنْظُرُ هَلْ يَرى أحَدًا فَلَمْ يَرَهُ، فَدَنا مِنهُ فَقالَ: ناوِلْنِي يَدَكَ، فَناوَلَهُ، فَقالَ: قُمْ بِاسْمِ اللَّهِ، فَقامَ كَأنَّهُ نَشِطَ مِن عِقالٍ، صَحِيحًا لا عَيْبَ فِيهِ، فَخَلّى عَنْ يَدِهِ، فانْطَلَقَ ذاهِبًا، وكانَ لا يَلْوِي عَلى أحَدٍ، ولا يَقُومُ عَلَيْهِ، فَقالَ لِي المُقْعَدُ: يا غُلامُ، احْمِلْ عَلَيَّ ثِيابِي حَتّى أنْطَلِقَ وأُبَشِّرَ أهْلِي، فَحَمَلْتُ عَلَيْهِ ثِيابَهُ، وانْطَلَقَ لا يَلْوِي عَلَيَّ، فَخَرَجْتُ في إثْرِهِ أطْلُبُهُ، وكُلَّما سَألْتُ عَنْهُ قالُوا: أمامَكَ، حَتّى لَقِيَنِي الرَّكْبُ مِن كَلْبٍ، فَسَألْتُهُمْ، فَلَمّا سَمِعُوا لُغَتِي أناخَ رَجُلٌ مِنهم بَعِيرَهُ، فَحَمَلَنِي، فَجَعَلَنِي خَلْفَهُ حَتّى أتَوْا بِي بِلادَهُمْ، قالَ: فَباعُونِي، فاشْتَرَتْنِي امْرَأةٌ مِنَ الأنْصارِ، فَجَعَلَتْنِي في حائِطٍ لَها، وقَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَأُخْبِرْتُ بِهِ، فَأخَذْتُ شَيْئًا مِن تَمْرِ حائِطِي، فَجَعَلْتُهُ عَلى شَيْءٍ، ثُمَّ أتَيْتُهُ فَوَجَدْتُ عِنْدَهُ أُناسًا، وإذا أبُو بَكْرٍ أقْرَبُ القَوْمِ مِنهُ، فَوَضَعْتُهُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَقالَ: (ما هَذا؟) قُلْتُ: صَدَقَةٌ، فَقالَ لِلْقَوْمِ: (كُلُوا)، ولَمْ يَأْكُلْ هُوَ، ثُمَّ لَبِثْتُ ما شاءَ اللَّهُ، ثُمَّ أخَذْتُ مِثْلَ ذَلِكَ، فَجَعَلْتُهُ عَلى شَيْءٍ، ثُمَّ أتَيْتُهُ، فَوَجَدْتُ عِنْدَهُ أُناسًا، وإذا أبُو بَكْرٍ أقْرَبُ القَوْمِ مِنهُ، فَوَضَعْتُهُ بَيْنَ يَدَيْهِ فَقالَ: (ما هَذا؟) قُلْتُ: هَدِيَّةٌ، قالَ: (بِاسْمِ اللَّهِ)، فَأكَلَ وأكَلَ القَوْمُ، قالَ: قُلْتُ في نَفْسِي: هَذِهِ مِن آياتِهِ، كانَ صاحِبِي رَجُلًا أعْجَمِيًّا لَمْ يُحْسِنْ أنْ يَقُولَ: تِهامَةُ، قالَ: تِهْمَةُ، وقالَ: أحْمَدُ، فَدُرْتُ خَلْفَهُ، فَفَطِنَ لِي فَأرْخى ثَوْبَهُ، فَإذا الخاتَمُ في ناحِيَةِ كَتِفِهِ الأيْسَرِ، فَتَبَيَّنْتُهُ، ثُمَّ دُرْتُ حَتّى جَلَسْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَقُلْتُ: أشْهَدُ أنَّ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وأنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ، قالَ: (مَن أنْتَ؟)، قُلْتُ: مَمْلُوكٌ، فَحَدَّثْتُهُ بِحَدِيثِي، وحَدِيثِ الرَّجُلِ الَّذِي كُنْتُ مَعَهُ، وما أمَرَنِي بِهِ، قالَ: (لِمَن (p-٤١٨)أنْتَ؟) قُلْتُ: لِامْرَأةٍ مِنَ الأنْصارِ، جَعَلَتْنِي في حائِطٍ لَها، قالَ: (يا أبا بَكْرٍ )، قالَ: لَبَّيْكَ، قالَ: (اشْتَرِهِ)، قالَ: فاشْتَرانِي أبُو بَكْرٍ، فَأعْتَقَنِي، فَلَبِثْتُ ما شاءَ اللَّهُ أنْ ألْبَثَ، ثُمَّ أتَيْتُهُ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، وقَعَدْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، ما تَقُولُ في دِينِ النَّصارى؟ قالَ: (لا خَيْرَ فِيهِمْ ولا في دِينِهِمْ)، فَدَخَلَنِي أمْرٌ عَظِيمٌ، فَقُلْتُ في نَفْسِي: هَذا الَّذِي كُنْتُ مَعَهُ، ورَأيْتُ مِنهُ ما رَأيْتُ، أخَذَ بِيَدِ المُقْعَدِ فَأقامَهُ اللَّهُ عَلى يَدَيْهِ، لا خَيْرَ في هَؤُلاءِ، ولا في دِينِهِمْ، فانْصَرَفْتُ، وفي نَفْسِي ما شاءَ اللَّهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ بَعْدُ عَلى النَّبِيِّ ﷺ: ﴿ذَلِكَ بِأنَّ مِنهم قِسِّيسِينَ ورُهْبانًا وأنَّهم لا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: (عَلَيَّ بِسَلْمانَ )، فَأتانِي الرَّسُولُ فَدَعانِي، وأنا خائِفٌ، فَجِئْتُ حَتّى قَعَدْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَقَرَأ: (﷽: ﴿ذَلِكَ بِأنَّ مِنهم قِسِّيسِينَ ورُهْبانًا وأنَّهم لا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ ) إلى آخِرِ الآيَةِ، فَقالَ: (يا سَلْمانُ، أُولَئِكَ الَّذِينَ كُنْتَ مَعَهم وصاحِبُكَ، لَمْ يَكُونُوا نَصارى، إنَّما كانُوا مُسْلِمِينَ)، فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، فَوالَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ، لَقَدْ أمَرَنِي بِاتِّباعِكَ، فَقُلْتُ لَهُ: وإنْ أمَرَنِي بِتَرْكِ دِينِكَ وما أنْتَ عَلَيْهِ، فَأتْرُكُهُ؟ قالَ: نَعَمْ، فاتْرُكْهُ، فَإنَّ الحَقَّ وما يُحِبُّ اللَّهُ فِيما يَأْمُرُكَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿قِسِّيسِينَ﴾ قالَ: عُلَماؤُهم.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ زَيْدٍ قالَ: القِسِّيسُونَ عُبّادُهم. (p-٤١٩)وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ إسْحاقَ قالَ: سَألْتُ الزُّهْرِيَّ عَنْ هَذِهِ الآياتِ: ﴿ذَلِكَ بِأنَّ مِنهم قِسِّيسِينَ ورُهْبانًا وأنَّهم لا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ وقَوْلِهِ: ﴿وإذا خاطَبَهُمُ الجاهِلُونَ قالُوا سَلامًا﴾ [الفرقان: ٦٣] [الفُرْقانِ: ٦٣]، قالَ: ما زِلْتُ أسْمَعُ عُلَماءَنا يَقُولُونَ: نَزَلَتْ في النَّجاشِيِّ وأصْحابِهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ مِن طُرُقٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فاكْتُبْنا مَعَ الشّاهِدِينَ﴾ قالَ: أُمَّةُ مُحَمَّدٍ ﷺ، وفي لَفْظٍ: قالَ: يَعْنُونَ بِالشّاهِدِينَ مُحَمَّدًا ﷺ وأُمَّتَهُ، أنَّهم قَدْ شَهِدُوا لَهُ أنَّهُ بَلَّغَ، وشَهِدُوا لِلرُّسُلِ أنَّهم قَدْ بَلَّغُوا.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ زَيْدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ونَطْمَعُ أنْ يُدْخِلَنا رَبُّنا مَعَ القَوْمِ الصّالِحِينَ﴾ قالَ: القَوْمُ الصّالِحُونَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وأصْحابُهُ.
المائدة 5:83
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَتَجِدَنَّ أشَدَّ النّاسِ عَداوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا اليَهُودَ﴾ .
أخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «(ما خَلا يَهُودِيٌّ بِمُسْلِمٍ إلّا هَمَّ بِقَتْلِهِ)، وفي لَفْظٍ: (إلّا حَدَّثَ نَفْسَهُ بِقَتْلِهِ») .
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَتَجِدَنَّ أقْرَبَهم مَوَدَّةً﴾ الآياتِ.
أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولَتَجِدَنَّ أقْرَبَهم مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قالُوا إنّا نَصارى﴾ قالَ: هُمُ الوَفْدُ الَّذِينَ جاؤُوا مَعَ جَعْفَرٍ وأصْحابِهِ مِن أرْضِ الحَبَشَةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عَطاءٍ قالَ: ما ذَكَرَ اللَّهُ بِهِ النَّصارى مِن خَيْرٍ، فَإنَّما يُرادُ بِهِ النَّجاشِيُّ وأصْحابُهُ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ عَطاءٍ: ﴿ولَتَجِدَنَّ أقْرَبَهم مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قالُوا إنّا نَصارى﴾ قالَ: هم ناسٌ مِنَ الحَبَشَةِ، آمَنُوا إذْ جاءَتْهم مُهاجِرَةُ المُؤْمِنِينَ، فَذَلِكَ لَهم. (p-٤٠٥)وأخْرَجَ النَّسائِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ قالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في النَّجاشِيِّ وأصْحابِهِ: ﴿وإذا سَمِعُوا ما أُنْزِلَ إلى الرَّسُولِ تَرى أعْيُنَهم تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو نُعَيْمٍ في (الحِلْيَةِ)، والواحِدِيُّ، مِن طَرِيقِ ابْنِ شِهابٍ قالَ: أخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ، وأبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الحارِثِ بْنِ هِشامٍ، وعُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ قالُوا: «بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَمْرَو بْنَ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيَّ وكَتَبَ مَعَهُ كِتابًا إلى النَّجاشِيِّ، فَقَدِمَ عَلى النَّجاشِيِّ، فَقَرَأ كِتابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ثُمَّ دَعا جَعْفَرَ بْنَ أبِي طالِبٍ والمُهاجِرِينَ مَعَهُ، وأرْسَلَ النَّجاشِيُّ إلى الرُّهْبانِ والقِسِّيسِينَ فَجَمَعَهُمْ، ثُمَّ أمَرَ جَعْفَرَ بْنَ أبِي طالِبٍ أنْ يَقْرَأ عَلَيْهِمُ القُرْآنَ، فَقَرَأ عَلَيْهِمْ سُورَةَ مَرْيَمَ، فَآمَنُوا بِالقُرْآنِ، وفاضَتْ أعْيُنُهم مِنَ الدَّمْعِ، وهُمُ الَّذِينَ أُنْزِلَ فِيهِمْ: ﴿ولَتَجِدَنَّ أقْرَبَهم مَوَدَّةً﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿مَعَ الشّاهِدِينَ﴾ [المائدة»: ٨٣] .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ في قَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ بِأنَّ مِنهم قِسِّيسِينَ ورُهْبانًا﴾ قالَ: هم رُسُلُ النَّجاشِيِّ الَّذِينَ أرْسَلَ بِإسْلامِهِ وإسْلامِ قَوْمِهِ، كانُوا سَبْعِينَ رَجُلًا، اخْتارَهم مِن قَوْمِهِ الخَيِّرَ فالخَيِّرَ، في الفِقْهِ، والسِّنِّ، وفي لَفْظٍ: بَعَثَ مِن خِيارِ أصْحابِهِ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ثَلاثِينَ رَجُلًا، فَلَمّا أتَوْا (p-٤٠٦)رَسُولَ اللَّهِ ﷺ دَخَلُوا عَلَيْهِ، فَقَرَأ عَلَيْهِمْ سُورَةَ يس، فَبَكَوْا حِينَ سَمِعُوا القُرْآنَ، وعَرَفُوا أنَّهُ الحَقُّ، فَأنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ: ﴿ذَلِكَ بِأنَّ مِنهم قِسِّيسِينَ ورُهْبانًا﴾ الآيَةَ، ونَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِيهِمْ أيْضًا: ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ مِن قَبْلِهِ هم بِهِ يُؤْمِنُونَ﴾ [القصص: ٥٢] إلى قَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أجْرَهم مَرَّتَيْنِ بِما صَبَرُوا﴾ [القصص: ٥٤] [القَصَصِ ٥٢-٥٤] .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ عُرْوَةَ قالَ: كانُوا يَرَوْنَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في النَّجاشِيِّ: ﴿وإذا سَمِعُوا ما أُنْزِلَ إلى الرَّسُولِ تَرى أعْيُنَهم تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ﴾
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والطَّبَرانِيُّ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، «عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وإذا سَمِعُوا ما أُنْزِلَ إلى الرَّسُولِ﴾ قالَ: إنَّهم كانُوا نَوّاتِينَ يَعْنِي مَلّاحِينَ قَدِمُوا مَعَ جَعْفَرِ بْنِ أبِي طالِبٍ مِنَ الحَبَشِ، فَلَمّا قَرَأ عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ القُرْآنَ آمَنُوا، وفاضَتْ أعْيُنُهُمْ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (إذا رَجَعْتُمْ إلى أرْضِكُمُ انْتَقَلْتُمْ عَنْ دِينِكُمْ)، فَقالُوا: لَنْ نَنْقَلِبَ عَنْ دِينِنا، فَأنْزَلَ اللَّهُ ذَلِكَ مِن قَوْلِهِمْ: ﴿وإذا سَمِعُوا ما أُنْزِلَ إلى الرَّسُولِ﴾ [المائدة»: ٨٣] .
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ قالَ: ذُكِرَ لَنا أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في الَّذِينَ أقْبَلُوا (p-٤٠٧)مَعَ جَعْفَرٍ مِن أرْضِ الحَبَشَةِ، وكانَ جَعْفَرٌ لَحِقَ بِالحَبَشَةِ هو وأرْبَعُونَ مَعَهُ مِن قُرَيْشٍ، وخَمْسُونَ مِنَ الأشْعَرِيِّينَ، مِنهم أرْبَعَةٌ مِن عَكٍّ، أكْبَرُهم أبُو عامِرٍ الأشْعَرِيُّ، وأصْغَرُهم عامِرٌ، فَذُكِرَ لَنا أنَّ قُرَيْشًا بَعَثُوا في طَلَبِهِمْ عَمْرَو بْنَ العاصِي، وعُمارَةَ بْنَ الوَلِيدِ، فَأتَوُا النَّجاشِيَّ فَقالُوا: إنَّ هَؤُلاءِ قَدْ أفْسَدُوا دِينَ قَوْمِهِمْ، فَأرْسَلَ إلَيْهِمْ فَجاؤُوا، فَسَألَهم فَقالُوا: بَعَثَ اللَّهُ فِينا نَبِيًّا كَما بَعَثَ في الأُمَمِ قَبْلَنا، يَدْعُونا إلى اللَّهِ وحْدَهُ، ويَأْمُرُنا بِالمَعْرُوفِ، ويَنْهانا عَنِ المُنْكَرِ، ويَأْمُرُنا بِالصِّلَةِ، ويَنْهانا عَنِ القَطِيعَةِ، ويَأْمُرُنا بِالوَفاءِ، ويَنْهانا عَنِ النَّكْثِ، وإنَّ قَوْمَنا بَغَوْا عَلَيْنا، وأخْرَجُونا حِينَ صَدَّقْناهُ، وآمَنّا بِهِ، فَلَمْ نَجِدْ أحَدًا نَلْجَأُ إلَيْهِ غَيْرَكَ، فَقالَ: مَعْرُوفًا، فَقالَ عَمْرٌو وصاحِبُهُ: إنَّهم يَقُولُونَ في عِيسى غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ، قالَ: وما تَقُولُونَ في عِيسى؟ قالُوا: نَشْهَدُ أنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ ورَسُولُهُ، وكَلِمَةُ اللَّهِ ورُوحُهُ، وأنَّهُ ولَدَتْهُ عَذْراءُ بَتُولٌ، قالَ: ما أخْطَأْتُمْ، ثُمَّ قالَ لِعَمْرٍو وأصْحابِهِ: لَوْلا أنَّكُما أقْبَلْتُما في جِوارِي لَفَعَلْتُ بِكُما وفَعَلْتُ، وذُكِرَ لَنا أنَّ جَعْفَرًا وأصْحابَهُ إذْ أقْبَلُوا جاءَ أُولَئِكَ مَعَهُمْ، فَآمَنُوا بِمُحَمَّدٍ ﷺ، فَقالَ قائِلٌ: لَوْ قَدْ رَجَعُوا إلى أرْضِهِمْ لَحِقُوا بِدِينِهِمْ، فَحُدِّثْنا أنَّهُ قَدِمَ مَعَ جَعْفَرٍ سَبْعُونَ مِنهُمْ، فَلَمّا قَرَأ عَلَيْهِمْ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ فاضَتْ أعْيُنُهم.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ قالَ: «بَعَثَ النَّجاشِيُّ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا، سَبْعَةً قِسِّيسِينَ، وخَمْسَةً رُهْبانًا، يَنْظُرُونَ إلَيْهِ ويَسْألُونَهُ، فَلَمّا لَقُوهُ، فَقَرَأ عَلَيْهِمْ ما أنْزَلَ اللَّهُ بَكَوْا وآمَنُوا، فَأنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ: (p-٤٠٨)﴿وإذا سَمِعُوا ما أُنْزِلَ إلى الرَّسُولِ﴾ الآيَةَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وهو بِمَكَّةَ يَخافُ عَلى أصْحابِهِ مِنَ المُشْرِكِينَ، فَبَعَثَ جَعْفَرَ بْنَ أبِي طالِبٍ، وابْنَ مَسْعُودٍ، وعُثْمانَ بْنَ مَظْعُونٍ في رَهْطٍ مِن أصْحابِهِ إلى النَّجاشِيِّ مَلِكِ الحَبَشَةِ، فَلَمّا بَلَغَ المُشْرِكِينَ بَعَثُوا عَمْرَو بْنَ العاصِي في رَهْطٍ مِنهُمْ، وذَكَرُوا أنَّهم سَبَقُوا أصْحابَ النَّبِيِّ ﷺ إلى النَّجاشِيِّ، فَقالُوا: إنَّهُ قَدْ خَرَجَ فِينا رَجُلٌ سَفَّهَ عُقُولَ قُرَيْشٍ وأحْلامَها، زَعَمَ أنَّهُ نَبِيٌّ، وإنَّهُ بَعَثَ إلَيْكَ رَهْطًا لِيُفْسِدُوا عَلَيْكَ قَوْمَكَ، فَأحْبَبْنا أنْ نَأْتِيَكَ ونُخْبِرَكَ خَبَرَهُمْ، قالَ: إنْ جاؤُونِي نَظَرْتُ فِيما يَقُولُونَ، فَلَمّا قَدِمَ أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَأتَوْا إلى بابِ النَّجاشِيِّ فَقالُوا: اسْتَأْذِنْ لِأوْلِياءِ اللَّهِ، فَقالَ: ائْذَنْ لَهُمْ، فَمَرْحَبًا بِأوْلِياءِ اللَّهِ، فَلَمّا دَخَلُوا عَلَيْهِ سَلَّمُوا، فَقالَ الرَّهْطُ مِنَ المُشْرِكِينَ: ألَمْ تَرَ أيُّها المَلِكُ أنّا صَدَقْناكَ، وأنَّهم لَمْ يُحَيُّوكَ بِتَحِيَّتِكَ الَّتِي تُحَيّا بِها، فَقالَ لَهم: ما يَمْنَعُكم أنْ تُحَيُّونِي بِتَحِيَّتِي؟ قالُوا: إنّا حَيَّيْناكَ بِتَحِيَّةِ أهْلِ الجَنَّةِ وتَحِيَّةِ المَلائِكَةِ، فَقالَ لَهم: ما يَقُولُ صاحِبُكم في عِيسى وأُمِّهِ؟ قالُوا: يَقُولُ: عَبْدُ اللَّهِ ورَسُولُهُ، وكَلِمَةٌ مِنَ اللَّهِ ورُوحٌ مِنهُ، ألْقاها إلى مَرْيَمَ، ويَقُولُ في مَرْيَمَ: إنَّها العَذْراءُ الطَّيِّبَةُ البَتُولُ، قالَ: فَأخَذَ عُودًا مِنَ الأرْضِ فَقالَ: ما زادَ عِيسى وأُمُّهُ عَلى ما قالَ صاحِبُكم هَذا العُودَ، فَكَرِهَ المُشْرِكُونَ قَوْلَهُ، وتَغَيَّرَ لَهُ وُجُوهُهُمْ، فَقالَ: هَلْ تَقْرَأُونَ شَيْئًا مِمّا أُنْزِلَ عَلَيْكُمْ؟ قالُوا: نَعَمْ، قالَ: فاقْرَأُوا فَقَرَأُوا وحَوْلَهُ القِسِّيسُونَ والرُّهْبانُ وسائِرُ النَّصارى، فَجَعَلَتْ طائِفَةٌ مِنَ القِسِّيسِينَ والرُّهْبانِ كُلَّما قَرَأُوا آيَةً انْحَدَرَتْ دُمُوعُهم مِمّا عَرَفُوا (p-٤٠٩)مِنَ الحَقِّ، قالَ اللَّهُ: ﴿ذَلِكَ بِأنَّ مِنهم قِسِّيسِينَ ورُهْبانًا وأنَّهم لا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ ﴿وإذا سَمِعُوا ما أُنْزِلَ إلى الرَّسُولِ تَرى أعْيُنَهم تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمّا عَرَفُوا مِنَ الحَقِّ﴾ [المائدة»: ٨٣] .
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، عَنْ سَلْمانَ في إسْلامِهِ قالَ: «لَمّا قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ المَدِينَةَ صَنَعْتُ طَعامًا فَجِئْتُ بِهِ، فَقالَ: (ما هَذا؟) قُلْتُ: صَدَقَةٌ، فَقالَ لِأصْحابِهِ: (كُلُوا)، ولَمْ يَأْكُلْ، ثُمَّ إنِّي رَجَعْتُ حَتّى جَمَعْتُ طَعامًا، فَأتَيْتُهُ بِهِ، فَقالَ: (ما هَذا؟) قُلْتُ: هَدِيَّةٌ، فَأكَلَ، وقالَ لِأصْحابِهِ: (كُلُوا)، قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، أخْبِرْنِي عَنِ النَّصارى، قالَ: (لا خَيْرَ فِيهِمْ، ولا في مَن أحَبَّهُمْ)، فَقُمْتُ وأنا مُثْقَلٌ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿لَتَجِدَنَّ أشَدَّ النّاسِ عَداوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا اليَهُودَ﴾ حَتّى بَلَغَ: ﴿تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ﴾ فَأرْسَلَ إلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقالَ لِي: (يا سَلْمانُ، إنَّ أصْحابَكَ هَؤُلاءِ الَّذِينَ ذَكَرَ اللَّهُ») .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿ولَتَجِدَنَّ أقْرَبَهم مَوَدَّةً﴾ الآيَةَ، قالَ: أُناسٌ مِن أهْلِ الكِتابِ كانُوا عَلى شَرِيعَةٍ مِنَ الحَقِّ مِمّا جاءَ بِهِ عِيسى، يُؤْمِنُونَ بِهِ، ويَنْتَهُونَ إلَيْهِ، فَلَمّا بَعَثَ اللَّهُ مُحَمَّدًا ﷺ، صَدَّقُوهُ، وآمَنُوا بِهِ، وعَرَفُوا ما جاءَ بِهِ مِنَ الحَقِّ أنَّهُ مِنَ اللَّهِ، فَأثْنى عَلَيْهِمْ بِما تَسْمَعُونَ.
وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ في (فَضائِلِهِ)، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ في (مُسْنَدِهِ)، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والبُخارِيُّ في (تارِيخِهِ)، والحارِثُ بْنُ أُسامَةَ في (مُسْنَدِهِ)، والحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ في (نَوادِرِ الأُصُولِ)، والبَزّارُ، وابْنُ أبِي داوُدَ وابْنُ (p-٤١٠)الأنْبارِيِّ في (المَصاحِفِ)، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنْ سَلْمانَ أنَّهُ سُئِلَ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ بِأنَّ مِنهم قِسِّيسِينَ ورُهْبانًا﴾ قالَ: الرُّهْبانُ الَّذِينَ في الصَّوامِعِ، نَزَلَتْ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: (ذَلِكَ بِأنَّ مِنهم صِدِّيقِينَ ورُهْبانًا)، ولَفْظُ البَزّارِ: دَعِ القِسِّيسِينَ، أقْرَأنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”ذَلِكَ بِأنَّ مِنهم صِدِّيقِينَ“، ولَفْظُ الحَكِيمِ التِّرْمِذِيِّ: قَرَأْتُ عَلى النَّبِيِّ ﷺ: ﴿ذَلِكَ بِأنَّ مِنهم قِسِّيسِينَ﴾ فَأقْرَأنِي: ”ذَلِكَ بِأنَّ مِنهم صِدِّيقِينَ“ .
وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في (الدَّلائِلِ)، عَنْ سَلْمانَ قالَ: كُنْتُ يَتِيمًا مِن رامَهُرْمُزَ، وكانَ ابْنُ دِهْقانِ رامَهُرْمُزَ يَخْتَلِفُ إلى مُعَلِّمٍ يُعَلِّمُهُ، فَلَزِمْتُهُ لِأكُونَ في كَنَفِهِ، وكانَ لِي أخٌ أكْبَرُ مِنِّي، وكانَ مُسْتَغْنِيًا في نَفْسِهِ، وكُنْتُ غُلامًا فَقِيرًا، فَكانَ إذا قامَ مِن مَجْلِسِهِ تَفَرَّقَ مَن يَحْفَظُهُ، فَإذا تَفَرَّقُوا خَرَجَ فَتَقَنَّعَ بِثَوْبِهِ، ثُمَّ صَعِدَ الجَبَلَ، فَكانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ غَيْرَ مَرَّةٍ مُتَنَكِّرًا، قالَ: فَقُلْتُ: أما إنَّكَ تَفْعَلُ كَذا وكَذا، فَلِمَ لا تَذْهَبُ بِي مَعَكَ؟ قالَ: أنْتَ غُلامٌ، وأخافُ أنْ يَظْهَرَ مِنكَ شَيْءٌ، قالَ: قُلْتُ: لا تَخَفْ، قالَ: فَإنَّ في هَذا الجَبَلِ قَوْمًا في بِرْطِيلٍ لَهم عِبادَةٌ وصَلاحٌ، يَذْكُرُونَ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ، ويَذْكُرُونَ الآخِرَةَ، يَزْعُمُونَ أنّا عَبَدَةُ النِّيرانِ، وعَبَدَةُ الأوْثانِ، وأنا عَلى غَيْرِ دِينٍ، قُلْتُ: فاذْهَبْ بِي مَعَكَ إلَيْهِمْ، قالَ: لا أقْدِرُ عَلى ذَلِكَ حَتّى أسْتَأْمِرَهُمْ، وأنا أخافُ أنْ يَظْهَرَ مِنكَ شَيْءٌ فَيَعْلَمَ أبِي، فَيَقْتُلَ القَوْمَ، فَيَجْرِيَ هَلاكُهم عَلى يَدَيَّ، قالَ: قُلْتُ: لَنْ يَظْهَرَ مِنِّي ذَلِكَ، فاسْتَأْمَرَهم فَقالَ: (p-٤١١)غُلامٌ عِنْدِي يَتِيمٌ، فَأُحِبُّ أنْ يَأْتِيَكم ويَسْمَعَ كَلامَكم قالُوا: إنْ كُنْتَ تَثِقُ بِهِ، قالَ: أرْجُو ألّا يَجِيءَ مِنهُ إلّا ما أُحِبُّ، قالُوا: فَجِئْ بِهِ، فَقالَ لِي: قَدِ اسْتَأْذَنْتُ القَوْمَ أنْ تَجِيءَ مَعِي، فَإذا كانَتِ السّاعَةُ الَّتِي رَأيْتَنِي أخْرُجُ فِيها فَأْتِنِي، ولا يَعْلَمُ بِكَ أحَدٌ، فَإنَّ أبِي إنْ عَلِمَ قَتَلَهُمْ، قالَ: فَلَمّا كانَتِ السّاعَةُ الَّتِي يَخْرُجُ تَبِعْتُهُ، فَصَعِدَ الجَبَلَ، فانْتَهَيْنا إلَيْهِمْ، فَإذا هم في بِرْطِيلِهِمْ، قالَ عَلِيٌّ: وأُراهُ قالَ: هم سِتَّةٌ أوْ سَبْعَةٌ، قالَ: وكَأنَّ الرُّوحَ قَدْ خَرَجَتْ مِنهم مِنَ العِبادَةِ يَصُومُونَ النَّهارَ، ويَقُومُونَ اللَّيْلَ، يَأْكُلُونَ الشَّجَرَ، وما وجَدُوا، فَقَعَدْنا إلَيْهِمْ، فَأثْنى ابْنُ الدِّهْقانِ عَلَيَّ خَيْرًا، فَتَكَلَّمُوا، فَحَمِدُوا اللَّهَ، وأثْنَوْا عَلَيْهِ، وذَكَرُوا مَن مَضى مِنَ الرُّسُلِ والأنْبِياءِ، حَتّى خَلَصُوا إلى عِيسى ابْنِ مَرْيَمَ قالُوا: بَعَثَهُ اللَّهُ، ووُلِدَ بِغَيْرِ ذَكَرٍ، بَعَثَهُ اللَّهُ رَسُولًا، وسَخَّرَ لَهُ ما كانَ يَفْعَلُ مِن إحْياءِ المَوْتى، وخَلْقِ الطَّيْرِ، وإبْراءِ الأعْمى والأبْرَصِ، فَكَفَرَ بِهِ قَوْمٌ وتَبِعَهُ قَوْمٌ، وإنَّما كانَ عَبْدَ اللَّهِ ورَسُولَهُ، ابْتَلى بِهِ خَلْقَهُ، قالَ: وقالُوا قَبْلَ ذَلِكَ: يا غُلامُ، إنَّ لَكَ رَبًّا، وإنَّ لَكَ مَعادًا، وإنَّ بَيْنَ يَدَيْكَ جَنَّةً ونارًا، إلَيْهِما تَصِيرُ، وإنَّ هَؤُلاءِ القَوْمَ الَّذِينَ يَعْبُدُونَ النِّيرانَ أهْلُ كُفْرٍ وضَلالَةٍ، لا يَرْضى اللَّهُ بِما يَصْنَعُونَ، ولَيْسُوا عَلى دِينٍ، فَلَمّا حَضَرَتِ السّاعَةُ الَّتِي يَنْصَرِفُ فِيها الغُلامُ انْصَرَفَ وانْصَرَفْتُ مَعَهُ، ثُمَّ غَدَوْنا إلَيْهِمْ، فَقالُوا مِثْلَ ذَلِكَ وأحْسَنَ، فَلَزِمْتُهُمْ، فَقالُوا: يا سَلْمانُ، إنَّكَ غُلامٌ، وإنَّكَ لا تَسْتَطِيعُ أنْ تَصْنَعَ كَما نَصْنَعُ، فَكُلْ واشْرَبْ، وصَلِّ ونَمْ، قالَ: فاطَّلَعَ المَلِكُ عَلى صَنِيعِ ابْنِهِ، فَرَكِبَ الخَيْلَ حَتّى أتاهم في بِرْطِيلِهِمْ، فَقالَ: يا هَؤُلاءِ، قَدْ جاوَرْتُمُونِي فَأحْسَنْتُ جِوَراكُمْ، ولَمْ تَرَوْا مِنِّي سُوءًا، فَعَمِدْتُمْ إلى ابْنِي فَأفْسَدْتُمُوهُ عَلَيَّ، قَدْ أجَّلْتُكم ثَلاثًا، فَإنْ قَدِرْتُ عَلَيْكم بَعْدَ ثَلاثٍ أحْرَقْتُ عَلَيْكم بِرْطِيلَكم هَذا، (p-٤١٢)فالحَقُوا بِبِلادِكُمْ، فَإنِّي أكْرَهُ أنْ يَكُونَ مِنِّي إلَيْكم سُوءٌ، قالُوا: نَعَمْ، ما تَعَمَّدْنا مَساءَتَكَ، ولا أرَدْنا إلّا الخَيْرَ، فَكَفَّ ابْنَهُ عَنْ إتْيانِهِمْ، فَقُلْتُ لَهُ: اتَّقِ اللَّهَ، فَإنَّكَ تَعْرِفُ أنَّ هَذا الدِّينَ دِينُ اللَّهِ، وإنَّ أباكَ ونَحْنُ عَلى غَيْرِ دِينٍ، إنَّما هم عَبَدَةُ النِّيرانِ، لا يَعْرِفُونَ اللَّهَ، فَلا تَبِعْ آخِرَتَكَ بِدُنْيا غَيْرِكَ، قالَ: يا سَلْمانُ، هو كَما تَقُولُ، وإنَّما أتَخَلَّفُ عَنِ القَوْمِ بُقْيا عَلَيْهِمْ، إنِ اتَّبَعْتُ القَوْمَ يَطْلُبُنِي أبِي في الخَيْلِ، وقَدْ جَزِعَ مِن إتْيانِي إيّاهم حَتّى طَرَدَهُمْ، وقَدْ أعْرِفُ أنَّ الحَقَّ في أيْدِيهِمْ، قُلْتُ: أنْتَ أعْلَمُ، ثُمَّ لَقِيتُ أخِي فَعَرَضْتُ عَلَيْهِ، فَقالَ: أنا مُشْتَغِلٌ بِنَفْسِي في طَلَبِ المَعِيشَةِ، فَأتَيْتُهم في اليَوْمِ الَّذِي أرادُوا أنْ يَرْتَحِلُوا فِيهِ، فَقالُوا: يا سَلْمانُ، قَدْ كُنّا نَحْذَرُ، فَكانَ ما رَأيْتَ، اتَّقِ اللَّهَ، واعْلَمْ أنَّ الدِّينَ ما أوْصَيْناكَ بِهِ، وإنَّ هَؤُلاءِ عَبَدَةُ النِّيرانِ، لا يَعْرِفُونَ اللَّهَ ولا يَذْكُرُونَهُ، فَلا يَخْدَعَنَّكَ أحَدٌ عَنْ ذَلِكَ، قُلْتُ: ما أنا بِمُفارِقِكُمْ، قالُوا: إنَّكَ لا تَقْدِرُ عَلى أنْ تَكُونَ مَعَنا، نَحْنُ نَصُومُ النَّهارَ، ونَقُومُ اللَّيْلَ، ونَأْكُلُ الشَّجَرَ، وما أصَبْنا، وأنْتَ لا تَسْتَطِيعُ ذَلِكَ، قالَ: قُلْتُ: لا أُفارِقُكُمْ، قالُوا: أنْتَ أعْلَمُ، قَدْ أعْلَمْناكَ حالَنا، فَإذا أبَيْتَ فاطْلُبْ أحَدًا يَكُونُ مَعَكَ، واحْمِلْ مَعَكَ شَيْئًا تَأْكُلُهُ، فَإنَّكَ لا تَسْتَطِيعُ ما نَسْتَطِيعُ نَحْنُ، قالَ: فَفَعَلْتُ ولَقِيتُ أخِي، فَعَرَضْتُ عَلَيْهِ، فَأبى، فَأتَيْتُهم فَتَحَمَّلُوا، فَكانُوا يَمْشُونَ وأمْشِي مَعَهُمْ، فَرَزَقَنا اللَّهُ السَّلامَةَ حَتّى قَدِمْنا المَوْصِلَ، فَأتَيْنا بِيعَةً بِالمَوْصِلِ، فَلَمّا دَخَلُوا حَفَوْا بِهِمْ، وقالُوا: أيْنَ كُنْتُمْ؟ قالُوا: كُنّا في بِلادٍ لا يَذْكُرُونَ اللَّهَ، بِها عَبَدَةُ نِيرانٍ، فَطَرَدُونا، فَقَدِمْنا عَلَيْكُمْ، فَلَمّا كانَ بَعْدُ قالُوا: يا سَلْمانُ، إنَّ هَهُنا قَوْمًا في هَذِهِ الجِبالِ هم أهْلُ دِينٍ، وإنّا نُرِيدُ لِقاءَهُمْ، فَكُنْ أنْتَ هَهُنا مَعَ هَؤُلاءِ، فَإنَّهم أهْلُ دِينٍ، وسَتَرى مِنهم ما تُحِبُّ قُلْتُ: ما أنا بِمُفارِقِكُمْ، قالَ: وأوْصَوْا بِي أهْلَ (p-٤١٣)البِيعَةِ، فَقالَ أهْلُ البِيعَةِ: أقِمْ مَعَنا، فَإنَّهُ لا يُعْجِزُكَ شَيْءٌ يَسَعُنا، قُلْتُ: ما أنا بِمُفارِقِكُمْ، فَخَرَجُوا وأنا مَعَهُمْ، فَأصْبَحْنا بَيْنَ جِبالٍ، فَإذا صَخْرَةٌ وماءٌ كَثِيرٌ في جِرارٍ، وخُبْزٌ كَثِيرٌ، فَقَعَدْنا عِنْدَ الصَّخْرَةِ، فَلَمّا طَلَعَتِ الشَّمْسُ خَرَجُوا مِن بَيْنِ تِلْكَ الجِبالِ، يَخْرُجُ رَجُلٌ رَجُلٌ مِن مَكانِهِ، كَأنَّ الأرْواحَ انْتُزِعَتْ مِنهُمْ، حَتّى كَثُرُوا، فَرَحَّبُوا بِهِمْ، وحَفَوْا، وقالُوا: أيْنَ كُنْتُمْ، لَمْ نَرَكُمْ؟ قالُوا: كُنّا في بِلادٍ لا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ، فِيها عَبَدَةُ النِّيرانِ، وكُنّا نَعْبُدُ اللَّهَ فِيها فَطَرَدُونا، فَقالُوا: ما هَذا الغُلامُ؟ قالَ: فَطَفِقُوا يُثْنُونَ عَلَيَّ، وقالُوا: صَحِبَنا مِن تِلْكَ البِلادِ فَلَمْ نَرَ مِنهُ إلّا خَيْرًا، قالَ: فَواللَّهِ إنَّهم لَكَذا إذْ طَلَعَ عَلَيْهِمْ رَجُلٌ مِن كَهْفٍ، رَجُلٌ طُوالٌ، فَجاءَ حَتّى سَلَّمَ وجَلَسَ، فَحَفَوْا بِهِ وعَظَّمُوهُ أصْحابِي الَّذِينَ كُنْتُ مَعَهُمْ، وأحْدَقُوا بِهِ، فَقالَ لَهم: أيْنَ كُنْتُمْ؟ فَأخْبَرُوهُ، فَقالَ: ما هَذا الغُلامُ مَعَكُمْ؟ فَأثْنَوْا عَلَيَّ خَيْرًا، وأخْبَرُوهُ بِاتِّباعِي إيّاهُمْ، ولَمْ أرَ مِثْلَ إعْظامِهِمْ إيّاهُ، فَحَمِدَ اللَّهَ، وأثْنى عَلَيْهِ، ثُمَّ ذَكَرَ مَن أرْسَلَ اللَّهُ مِن رُسُلِهِ وأنْبِيائِهِ، وما لَقُوا، وما صُنِعَ بِهِمْ حَتّى ذَكَرَ مَوْلِدَ عِيسى ابْنِ مَرْيَمَ، وأنَّهُ وُلِدَ بِغَيْرِ ذَكَرٍ، فَبَعَثَهُ اللَّهُ رَسُولًا، وأجْرى عَلى يَدَيْهِ إحْياءَ المَوْتى، وإبْراءَ الأعْمى والأبْرَصِ، وأنَّهُ يَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ، فَيَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإذْنِ اللَّهِ، وأنْزَلَ عَلَيْهِ الإنْجِيلَ، وعَلَّمَهُ التَّوْراةَ، وبَعَثَهُ رَسُولًا إلى بَنِي إسْرائِيلَ، فَكَفَرَ بِهِ قَوْمٌ، وآمَنَ بِهِ قَوْمٌ، وذَكَرَ بَعْضَ ما لَقِيَ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ، وأنَّهُ كانَ عَبْدًا أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ، فَشَكَرَ ذَلِكَ لَهُ، ورَضِيَ عَنْهُ، حَتّى قَبَضَهُ اللَّهُ، وهو يَعِظُهم ويَقُولُ: اتَّقُوا اللَّهَ والزَمُوا ما جاءَ بِهِ عِيسى، ولا تُخالِفُوا فَيُخالَفَ بِكُمْ، ثُمَّ قالَ: مَن أرادَ أنْ يَأْخُذَ مِن هَذا شَيْئًا فَلْيَأْخُذْ، فَجَعَلَ الرَّجُلُ يَقُومُ فَيَأْخُذُ الجَرَّةَ مِنَ الماءِ والطَّعامِ والشَّيْءِ، فَقامَ إلَيْهِ أصْحابِي الَّذِينَ جِئْتُ (p-٤١٤)مَعَهُمْ، فَسَلَّمُوا عَلَيْهِ وعَظَّمُوهُ، فَقالَ لَهُمُ: الزَمُوا هَذا الدِّينَ، وإيّاكم أنْ تَفَرَّقُوا، واسْتَوْصُوا بِهَذا الغُلامِ خَيْرًا، وقالَ لِي: يا غُلامُ، هَذا دِينُ اللَّهِ الَّذِي تَسْمَعُنِي أقُولُهُ، وما سِواهُ هو الكُفْرُ، قالَ: قُلْتُ: ما أُفارِقُكَ، قالَ: إنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ أنْ تَكُونَ مَعِي، إنِّي لا أخْرُجُ مِن كَهْفِي هَذا إلّا كُلَّ يَوْمِ أحَدٍ، لا تَقْدِرُ عَلى الكَيْنُونَةِ مَعِي، قالَ: وأقْبَلَ عَلى أصْحابِهِ فَقالُوا: يا غُلامُ، إنَّكَ لا تَسْتَطِيعُ أنْ تَكُونَ مَعَهُ، قُلْتُ: ما أنا بِمُفارِقِكَ، قالَ: يا غُلامُ، فَإنِّي أُعْلِمُكَ الآنَ أنِّي أدْخُلُ هَذا الكَهْفَ، ولا أخْرُجُ مِنهُ إلى الأحَدِ الآخَرِ، وأنْتَ أعْلَمُ، قُلْتُ: ما أنا بِمُفارِقِكَ، قالَ لَهُ أصْحابُهُ: يا فُلانُ، هَذا غُلامٌ ونَخافُ عَلَيْهِ، قالَ: قالَ لِي: أنْتَ أعْلَمُ، قُلْتُ: إنِّي لا أُفارِقُكَ، فَبَكى أصْحابِي الأوَّلُونَ الَّذِينَ كُنْتُ مَعَهم عِنْدَ فِراقِهِمْ إيّايَ، فَقالَ: خُذْ مِن هَذا الطَّعامِ ما تَرى أنَّهُ يَكْفِيكَ إلى الأحَدِ الآخَرِ، وخُذْ مِن هَذا الماءِ ما تَكْتَفِي بِهِ، فَفَعَلْتُ وتَفَرَّقُوا، وذَهَبَ كُلُّ إنْسانٍ إلى مَكانِهِ الَّذِي يَكُونُ فِيهِ، وتَبِعْتُهُ حَتّى دَخَلَ الكَهْفَ في الجَبَلِ، فَقالَ: ضَعْ ما مَعَكَ، وكُلْ واشْرَبْ، وقامَ يُصَلِّي، فَقُمْتُ مَعَهُ أُصَلِّي، قالَ: فانْفَتَلَ إلَيَّ، وقالَ: إنَّكَ لا تَسْتَطِيعُ هَذا، ولَكِنْ صَلِّ ونَمْ، وكُلْ واشْرَبْ، فَفَعَلْتُ، فَما رَأيْتُهُ نائِمًا، ولا طاعِمًا، إلّا راكِعًا وساجِدًا إلى الأحَدِ الآخَرِ، فَلَمّا أصْبَحْنا قالَ: خُذْ جَرَّتَكَ هَذِهِ وانْطَلِقْ، فَخَرَجْتُ مَعَهُ أتْبَعُهُ حَتّى انْتَهَيْنا إلى الصَّخْرَةِ، وإذا هم قَدْ خَرَجُوا مِن تِلْكَ الجِبالِ، واجْتَمَعُوا إلى الصَّخْرَةِ يَنْتَظِرُونَ خُرُوجَهُ، فَقَعَدُوا، وجادَ في حَدِيثِهِ نَحْوَ المَرَّةِ الأُولى، فَقالَ: الزَمُوا هَذا الدِّينَ، ولا تَفَرَّقُوا، واتَّقُوا اللَّهَ، واعْلَمُوا أنَّ عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ كانَ عَبْدَ اللَّهِ، أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ، ثُمَّ ذَكَرُونِي فَقالُوا: يا فُلانُ، كَيْفَ وجَدْتَ هَذا الغُلامَ؟ فَأثْنى عَلَيَّ وقالَ خَيْرًا، فَحَمِدُوا اللَّهَ، فَإذا خُبْزٌ كَثِيرٌ (p-٤١٥)وماءٌ فَأخَذُوا، وجَعَلَ الرَّجُلُ يَأْخُذُ بِقَدْرِ ما يَكْتَفِي بِهِ، فَفَعَلْتُ، وتَفَرَّقُوا في تِلْكَ الجِبالِ، ورَجَعَ إلى كَهْفِهِ، ورَجَعْتُ مَعَهُ، فَلَبِثَ ما شاءَ اللَّهُ، يَخْرُجُ في كُلِّ يَوْمِ أحَدٍ، ويَخْرُجُونَ مَعَهُ، ويُوصِيهِمْ بِما كانَ يُوصِيهِمْ بِهِ، فَخَرَجَ في أحَدٍ، فَلَمّا اجْتَمَعُوا حَمِدَ اللَّهَ، ووَعَظَهُمْ، وقالَ مِثْلَ ما كانَ يَقُولُ لَهُمْ، ثُمَّ قالَ لَهم آخِرَ ذَلِكَ: يا هَؤُلاءِ، إنِّي قَدْ كَبِرَ سِنِّي، ورَقَّ عَظْمِي، واقْتَرَبَ أجَلِي، وإنَّهُ لا عَهْدَ لِي بِهَذا البَيْتِ مُنْذُ كَذا وكَذا، ولا بُدَّ لِي مِن إتْيانِهِ، فاسْتَوْصُوا بِهَذا الغُلامِ خَيْرًا، وإنِّي رَأيْتُهُ لا بَأْسَ بِهِ، فَجَزِعَ القَوْمُ، فَما رَأيْتُ مِثْلَ جَزَعِهِمْ، وقالُوا: يا أبا فُلانٍ، أنْتَ كَبِيرٌ وأنْتَ وحْدَكَ، ولا نَأْمَنُ أنْ يُصِيبَكَ الشَّيْءُ، ولَسْنا أحْوَجَ ما كُنّا إلَيْكَ، قالَ: لا تُراجِعُونِي، لا بُدَّ لِي مِن إتْيانِهِ، ولَكِنِ اسْتَوْصُوا بِهَذا الغُلامِ خَيْرًا، وافْعَلُوا وافْعَلُوا، قالَ: قُلْتُ: ما أنا بِمُفارِقِكَ، قالَ: يا سَلْمانُ، قَدْ رَأيْتَ حالِي، وما كُنْتُ عَلَيْهِ، ولَيْسَ هَذا كَذَلِكَ، إنَّما أمْشِي، أصُومُ النَّهارَ، وأقُومُ اللَّيْلَ، ولا أسْتَطِيعُ أنْ أحْمِلَ مَعِي زادًا ولا غَيْرَهُ، ولا تَقْدِرُ عَلى هَذا، قالَ: قُلْتُ: ما أنا بِمُفارِقِكَ، قالَ: أنْتَ أعْلَمُ، قالُوا: يا أبا فُلانٍ، إنّا نَخافُ عَلَيْكَ وعَلى هَذا الغُلامِ، قالَ: هو أعْلَمُ، قَدْ أعْلَمْتُهُ الحالَةَ، وقَدْ رَأى ما كانَ قَبْلَ هَذا، قُلْتُ: لا أُفارِقُكَ، قالَ: فَبَكَوْا، ووَدَّعُوهُ، وقالَ لَهُمُ: اتَّقُوا اللَّهَ، وكُونُوا عَلى ما أوْصَيْتُكم بِهِ، فَإنْ أعِشْ فَلَعَلِّي أرْجِعُ إلَيْكُمْ، وإنْ أمُتْ فَإنَّ اللَّهَ حَيٌّ لا يَمُوتُ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ، وخَرَجَ وخَرَجْتُ مَعَهُ، وقالَ لِي: احْمِلْ مَعَكَ مِن هَذا الخُبْزِ شَيْئًا تَأْكُلُهُ، فَخَرَجَ وخَرَجْتُ مَعَهُ، يَمْشِي وأتْبَعُهُ يَذْكُرُ اللَّهَ، ولا يَلْتَفِتُ، ولا يَقِفُ عَلى شَيْءٍ، حَتّى إذا أمْسى قالَ: يا سَلْمانُ، صَلِّ أنْتَ ونَمْ، وكُلْ واشْرَبْ، ثُمَّ قامَ هو يُصَلِّي، إلى أنِ انْتَهى إلى بَيْتِ المَقْدِسِ، وكانَ لا يَرْفَعُ (p-٤١٦)طَرْفَهُ إلى السَّماءِ إذا أمْسى، حَتّى انْتَهَيْنا إلى بَيْتِ المَقْدِسِ، وإذا عَلى البابِ مُقْعَدٌ، قالَ: يا عَبْدَ اللَّهِ، قَدْ تَرى حالِي، فَتَصَدَّقْ عَلَيَّ بِشَيْءٍ، فَلَمْ يَلْتَفِتْ إلَيْهِ، ودَخَلَ المَسْجِدَ، ودَخَلْتُ مَعَهُ، فَجَعَلَ يَتَتَبَّعُ أمْكِنَةً مِنَ المَسْجِدِ يُصَلِّي فِيها، ثُمَّ قالَ: يا سَلْمانُ، إنِّي لَمْ أنَمْ مُنْذُ كَذا وكَذا، ولَمْ أجِدْ طَعْمَ نَوْمٍ، فَإنْ أنْتَ جَعَلْتَ لِي أنْ تُوقِظَنِي إذا بَلَغَ الظِّلُّ مَكانَ كَذا وكَذا نِمْتُ، فَإنِّي أُحِبُّ أنْ أنامَ في هَذا المَسْجِدِ، وإلّا لَمْ أنَمْ، قالَ: قُلْتُ: فَإنِّي أفْعَلُ، قالَ: فانْظُرْ إذا بَلَغَ الظِّلُّ مَكانَ كَذا وكَذا، فَأيْقِظْنِي إذا غَلَبَتْنِي عَيْنِي، فَنامَ، فَقُلْتُ في نَفْسِي: هَذا لَمْ يَنَمْ مُنْذُ كَذا وكَذا، وقَدْ رَأيْتُ بَعْضَ ذَلِكَ، لَأدَعَنَّهُ يَنامُ حَتّى يَشْتَفِي مِنَ النَّوْمِ، وكانَ فِيما يَمْشِي وأنا مَعَهُ، يُقْبِلُ عَلَيَّ، فَيَعِظُنِي ويُخْبِرُنِي أنَّ لِي رَبًّا، وأنَّ بَيْنَ يَدَيَّ جَنَّةً ونارًا وحِسابًا، ويُعْلِمُنِي بِذَلِكَ، ويُذَكِّرُنِي نَحْوَ ما كانَ يُذَكِّرُ القَوْمَ يَوْمَ الأحَدِ، حَتّى قالَ فِيما يَقُولُ لِي: يا سَلْمانُ، إنَّ اللَّهَ تَعالى سَوْفَ يَبْعَثُ رَسُولًا اسْمُهُ أحْمَدُ، يَخْرُجُ بِتِهامَةَ - وكانَ رَجُلًا أعْجَمِيًّا لا يُحْسِنُ أنْ يَقُولَ تِهامَةَ، ولا مُحَمَّدٌ - عَلامَتُهُ أنَّهُ يَأْكُلُ الهَدِيَّةَ، ولا يَأْكُلُ الصَّدَقَةَ، بَيْنَ كَتِفَيْهِ خاتَمٌ، وهَذا زَمانُهُ الَّذِي يَخْرُجُ فِيهِ، قَدْ تَقارَبَ، فَأمّا أنا فَإنِّي شَيْخٌ كَبِيرٌ، ولا أحْسَبُنِي أُدْرِكُهُ، فَإنْ أدْرَكْتَهُ أنْتَ فَصَدِّقْهُ واتَّبِعْهُ، قُلْتُ: وإنْ أمَرَنِي بِتَرْكِ دِينِكَ وما أنْتَ عَلَيْهِ؟ قالَ: وإنْ أمَرَكَ، فَإنَّ الحَقَّ فِيما يَجِيءُ بِهِ، ورِضا الرَّحْمَنِ فِيما قالَ، فَلَمْ يَمْضِ إلّا يَسِيرٌ حَتّى اسْتَيْقَظَ فَزِعًا يَذْكُرُ اللَّهَ، فَقالَ: يا سَلْمانُ، مَضى الفَيْءُ مِن هَذا المَكانِ ولَمْ أذْكُرِ اللَّهَ، أيْنَ ما جَعَلْتَ لِي عَلى نَفْسِكَ؟ قالَ: قُلْتُ: أخْبَرْتَنِي أنَّكَ لَمْ تَنَمْ مُنْذُ كَذا وكَذا، وقَدْ رَأيْتُ بَعْضَ ذَلِكَ، فَأحْبَبْتُ أنْ تَشْتَفِيَ مِنَ النَّوْمِ، فَحَمِدَ اللَّهَ، وقامَ فَخَرَجَ فَتَبِعْتُهُ، فَقالَ المُقْعَدُ: يا عَبْدَ اللَّهِ، (p-٤١٧)دَخَلْتَ فَسَألْتُكَ فَلَمْ تُعْطِنِي، وخَرَجْتَ فَسَألْتُكَ فَلَمْ تُعْطِنِي، فَقامَ يَنْظُرُ هَلْ يَرى أحَدًا فَلَمْ يَرَهُ، فَدَنا مِنهُ فَقالَ: ناوِلْنِي يَدَكَ، فَناوَلَهُ، فَقالَ: قُمْ بِاسْمِ اللَّهِ، فَقامَ كَأنَّهُ نَشِطَ مِن عِقالٍ، صَحِيحًا لا عَيْبَ فِيهِ، فَخَلّى عَنْ يَدِهِ، فانْطَلَقَ ذاهِبًا، وكانَ لا يَلْوِي عَلى أحَدٍ، ولا يَقُومُ عَلَيْهِ، فَقالَ لِي المُقْعَدُ: يا غُلامُ، احْمِلْ عَلَيَّ ثِيابِي حَتّى أنْطَلِقَ وأُبَشِّرَ أهْلِي، فَحَمَلْتُ عَلَيْهِ ثِيابَهُ، وانْطَلَقَ لا يَلْوِي عَلَيَّ، فَخَرَجْتُ في إثْرِهِ أطْلُبُهُ، وكُلَّما سَألْتُ عَنْهُ قالُوا: أمامَكَ، حَتّى لَقِيَنِي الرَّكْبُ مِن كَلْبٍ، فَسَألْتُهُمْ، فَلَمّا سَمِعُوا لُغَتِي أناخَ رَجُلٌ مِنهم بَعِيرَهُ، فَحَمَلَنِي، فَجَعَلَنِي خَلْفَهُ حَتّى أتَوْا بِي بِلادَهُمْ، قالَ: فَباعُونِي، فاشْتَرَتْنِي امْرَأةٌ مِنَ الأنْصارِ، فَجَعَلَتْنِي في حائِطٍ لَها، وقَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَأُخْبِرْتُ بِهِ، فَأخَذْتُ شَيْئًا مِن تَمْرِ حائِطِي، فَجَعَلْتُهُ عَلى شَيْءٍ، ثُمَّ أتَيْتُهُ فَوَجَدْتُ عِنْدَهُ أُناسًا، وإذا أبُو بَكْرٍ أقْرَبُ القَوْمِ مِنهُ، فَوَضَعْتُهُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَقالَ: (ما هَذا؟) قُلْتُ: صَدَقَةٌ، فَقالَ لِلْقَوْمِ: (كُلُوا)، ولَمْ يَأْكُلْ هُوَ، ثُمَّ لَبِثْتُ ما شاءَ اللَّهُ، ثُمَّ أخَذْتُ مِثْلَ ذَلِكَ، فَجَعَلْتُهُ عَلى شَيْءٍ، ثُمَّ أتَيْتُهُ، فَوَجَدْتُ عِنْدَهُ أُناسًا، وإذا أبُو بَكْرٍ أقْرَبُ القَوْمِ مِنهُ، فَوَضَعْتُهُ بَيْنَ يَدَيْهِ فَقالَ: (ما هَذا؟) قُلْتُ: هَدِيَّةٌ، قالَ: (بِاسْمِ اللَّهِ)، فَأكَلَ وأكَلَ القَوْمُ، قالَ: قُلْتُ في نَفْسِي: هَذِهِ مِن آياتِهِ، كانَ صاحِبِي رَجُلًا أعْجَمِيًّا لَمْ يُحْسِنْ أنْ يَقُولَ: تِهامَةُ، قالَ: تِهْمَةُ، وقالَ: أحْمَدُ، فَدُرْتُ خَلْفَهُ، فَفَطِنَ لِي فَأرْخى ثَوْبَهُ، فَإذا الخاتَمُ في ناحِيَةِ كَتِفِهِ الأيْسَرِ، فَتَبَيَّنْتُهُ، ثُمَّ دُرْتُ حَتّى جَلَسْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَقُلْتُ: أشْهَدُ أنَّ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وأنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ، قالَ: (مَن أنْتَ؟)، قُلْتُ: مَمْلُوكٌ، فَحَدَّثْتُهُ بِحَدِيثِي، وحَدِيثِ الرَّجُلِ الَّذِي كُنْتُ مَعَهُ، وما أمَرَنِي بِهِ، قالَ: (لِمَن (p-٤١٨)أنْتَ؟) قُلْتُ: لِامْرَأةٍ مِنَ الأنْصارِ، جَعَلَتْنِي في حائِطٍ لَها، قالَ: (يا أبا بَكْرٍ )، قالَ: لَبَّيْكَ، قالَ: (اشْتَرِهِ)، قالَ: فاشْتَرانِي أبُو بَكْرٍ، فَأعْتَقَنِي، فَلَبِثْتُ ما شاءَ اللَّهُ أنْ ألْبَثَ، ثُمَّ أتَيْتُهُ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، وقَعَدْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، ما تَقُولُ في دِينِ النَّصارى؟ قالَ: (لا خَيْرَ فِيهِمْ ولا في دِينِهِمْ)، فَدَخَلَنِي أمْرٌ عَظِيمٌ، فَقُلْتُ في نَفْسِي: هَذا الَّذِي كُنْتُ مَعَهُ، ورَأيْتُ مِنهُ ما رَأيْتُ، أخَذَ بِيَدِ المُقْعَدِ فَأقامَهُ اللَّهُ عَلى يَدَيْهِ، لا خَيْرَ في هَؤُلاءِ، ولا في دِينِهِمْ، فانْصَرَفْتُ، وفي نَفْسِي ما شاءَ اللَّهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ بَعْدُ عَلى النَّبِيِّ ﷺ: ﴿ذَلِكَ بِأنَّ مِنهم قِسِّيسِينَ ورُهْبانًا وأنَّهم لا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: (عَلَيَّ بِسَلْمانَ )، فَأتانِي الرَّسُولُ فَدَعانِي، وأنا خائِفٌ، فَجِئْتُ حَتّى قَعَدْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَقَرَأ: (﷽: ﴿ذَلِكَ بِأنَّ مِنهم قِسِّيسِينَ ورُهْبانًا وأنَّهم لا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ ) إلى آخِرِ الآيَةِ، فَقالَ: (يا سَلْمانُ، أُولَئِكَ الَّذِينَ كُنْتَ مَعَهم وصاحِبُكَ، لَمْ يَكُونُوا نَصارى، إنَّما كانُوا مُسْلِمِينَ)، فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، فَوالَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ، لَقَدْ أمَرَنِي بِاتِّباعِكَ، فَقُلْتُ لَهُ: وإنْ أمَرَنِي بِتَرْكِ دِينِكَ وما أنْتَ عَلَيْهِ، فَأتْرُكُهُ؟ قالَ: نَعَمْ، فاتْرُكْهُ، فَإنَّ الحَقَّ وما يُحِبُّ اللَّهُ فِيما يَأْمُرُكَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿قِسِّيسِينَ﴾ قالَ: عُلَماؤُهم.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ زَيْدٍ قالَ: القِسِّيسُونَ عُبّادُهم. (p-٤١٩)وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ إسْحاقَ قالَ: سَألْتُ الزُّهْرِيَّ عَنْ هَذِهِ الآياتِ: ﴿ذَلِكَ بِأنَّ مِنهم قِسِّيسِينَ ورُهْبانًا وأنَّهم لا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ وقَوْلِهِ: ﴿وإذا خاطَبَهُمُ الجاهِلُونَ قالُوا سَلامًا﴾ [الفرقان: ٦٣] [الفُرْقانِ: ٦٣]، قالَ: ما زِلْتُ أسْمَعُ عُلَماءَنا يَقُولُونَ: نَزَلَتْ في النَّجاشِيِّ وأصْحابِهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ مِن طُرُقٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فاكْتُبْنا مَعَ الشّاهِدِينَ﴾ قالَ: أُمَّةُ مُحَمَّدٍ ﷺ، وفي لَفْظٍ: قالَ: يَعْنُونَ بِالشّاهِدِينَ مُحَمَّدًا ﷺ وأُمَّتَهُ، أنَّهم قَدْ شَهِدُوا لَهُ أنَّهُ بَلَّغَ، وشَهِدُوا لِلرُّسُلِ أنَّهم قَدْ بَلَّغُوا.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ زَيْدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ونَطْمَعُ أنْ يُدْخِلَنا رَبُّنا مَعَ القَوْمِ الصّالِحِينَ﴾ قالَ: القَوْمُ الصّالِحُونَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وأصْحابُهُ.
المائدة 5:84
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَتَجِدَنَّ أشَدَّ النّاسِ عَداوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا اليَهُودَ﴾ .
أخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «(ما خَلا يَهُودِيٌّ بِمُسْلِمٍ إلّا هَمَّ بِقَتْلِهِ)، وفي لَفْظٍ: (إلّا حَدَّثَ نَفْسَهُ بِقَتْلِهِ») .
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَتَجِدَنَّ أقْرَبَهم مَوَدَّةً﴾ الآياتِ.
أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولَتَجِدَنَّ أقْرَبَهم مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قالُوا إنّا نَصارى﴾ قالَ: هُمُ الوَفْدُ الَّذِينَ جاؤُوا مَعَ جَعْفَرٍ وأصْحابِهِ مِن أرْضِ الحَبَشَةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عَطاءٍ قالَ: ما ذَكَرَ اللَّهُ بِهِ النَّصارى مِن خَيْرٍ، فَإنَّما يُرادُ بِهِ النَّجاشِيُّ وأصْحابُهُ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ عَطاءٍ: ﴿ولَتَجِدَنَّ أقْرَبَهم مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قالُوا إنّا نَصارى﴾ قالَ: هم ناسٌ مِنَ الحَبَشَةِ، آمَنُوا إذْ جاءَتْهم مُهاجِرَةُ المُؤْمِنِينَ، فَذَلِكَ لَهم. (p-٤٠٥)وأخْرَجَ النَّسائِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ قالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في النَّجاشِيِّ وأصْحابِهِ: ﴿وإذا سَمِعُوا ما أُنْزِلَ إلى الرَّسُولِ تَرى أعْيُنَهم تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو نُعَيْمٍ في (الحِلْيَةِ)، والواحِدِيُّ، مِن طَرِيقِ ابْنِ شِهابٍ قالَ: أخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ، وأبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الحارِثِ بْنِ هِشامٍ، وعُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ قالُوا: «بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَمْرَو بْنَ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيَّ وكَتَبَ مَعَهُ كِتابًا إلى النَّجاشِيِّ، فَقَدِمَ عَلى النَّجاشِيِّ، فَقَرَأ كِتابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ثُمَّ دَعا جَعْفَرَ بْنَ أبِي طالِبٍ والمُهاجِرِينَ مَعَهُ، وأرْسَلَ النَّجاشِيُّ إلى الرُّهْبانِ والقِسِّيسِينَ فَجَمَعَهُمْ، ثُمَّ أمَرَ جَعْفَرَ بْنَ أبِي طالِبٍ أنْ يَقْرَأ عَلَيْهِمُ القُرْآنَ، فَقَرَأ عَلَيْهِمْ سُورَةَ مَرْيَمَ، فَآمَنُوا بِالقُرْآنِ، وفاضَتْ أعْيُنُهم مِنَ الدَّمْعِ، وهُمُ الَّذِينَ أُنْزِلَ فِيهِمْ: ﴿ولَتَجِدَنَّ أقْرَبَهم مَوَدَّةً﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿مَعَ الشّاهِدِينَ﴾ [المائدة»: ٨٣] .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ في قَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ بِأنَّ مِنهم قِسِّيسِينَ ورُهْبانًا﴾ قالَ: هم رُسُلُ النَّجاشِيِّ الَّذِينَ أرْسَلَ بِإسْلامِهِ وإسْلامِ قَوْمِهِ، كانُوا سَبْعِينَ رَجُلًا، اخْتارَهم مِن قَوْمِهِ الخَيِّرَ فالخَيِّرَ، في الفِقْهِ، والسِّنِّ، وفي لَفْظٍ: بَعَثَ مِن خِيارِ أصْحابِهِ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ثَلاثِينَ رَجُلًا، فَلَمّا أتَوْا (p-٤٠٦)رَسُولَ اللَّهِ ﷺ دَخَلُوا عَلَيْهِ، فَقَرَأ عَلَيْهِمْ سُورَةَ يس، فَبَكَوْا حِينَ سَمِعُوا القُرْآنَ، وعَرَفُوا أنَّهُ الحَقُّ، فَأنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ: ﴿ذَلِكَ بِأنَّ مِنهم قِسِّيسِينَ ورُهْبانًا﴾ الآيَةَ، ونَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِيهِمْ أيْضًا: ﴿الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الكِتابَ مِن قَبْلِهِ هم بِهِ يُؤْمِنُونَ﴾ [القصص: ٥٢] إلى قَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أجْرَهم مَرَّتَيْنِ بِما صَبَرُوا﴾ [القصص: ٥٤] [القَصَصِ ٥٢-٥٤] .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ عُرْوَةَ قالَ: كانُوا يَرَوْنَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في النَّجاشِيِّ: ﴿وإذا سَمِعُوا ما أُنْزِلَ إلى الرَّسُولِ تَرى أعْيُنَهم تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ﴾
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والطَّبَرانِيُّ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، «عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وإذا سَمِعُوا ما أُنْزِلَ إلى الرَّسُولِ﴾ قالَ: إنَّهم كانُوا نَوّاتِينَ يَعْنِي مَلّاحِينَ قَدِمُوا مَعَ جَعْفَرِ بْنِ أبِي طالِبٍ مِنَ الحَبَشِ، فَلَمّا قَرَأ عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ القُرْآنَ آمَنُوا، وفاضَتْ أعْيُنُهُمْ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (إذا رَجَعْتُمْ إلى أرْضِكُمُ انْتَقَلْتُمْ عَنْ دِينِكُمْ)، فَقالُوا: لَنْ نَنْقَلِبَ عَنْ دِينِنا، فَأنْزَلَ اللَّهُ ذَلِكَ مِن قَوْلِهِمْ: ﴿وإذا سَمِعُوا ما أُنْزِلَ إلى الرَّسُولِ﴾ [المائدة»: ٨٣] .
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ قالَ: ذُكِرَ لَنا أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في الَّذِينَ أقْبَلُوا (p-٤٠٧)مَعَ جَعْفَرٍ مِن أرْضِ الحَبَشَةِ، وكانَ جَعْفَرٌ لَحِقَ بِالحَبَشَةِ هو وأرْبَعُونَ مَعَهُ مِن قُرَيْشٍ، وخَمْسُونَ مِنَ الأشْعَرِيِّينَ، مِنهم أرْبَعَةٌ مِن عَكٍّ، أكْبَرُهم أبُو عامِرٍ الأشْعَرِيُّ، وأصْغَرُهم عامِرٌ، فَذُكِرَ لَنا أنَّ قُرَيْشًا بَعَثُوا في طَلَبِهِمْ عَمْرَو بْنَ العاصِي، وعُمارَةَ بْنَ الوَلِيدِ، فَأتَوُا النَّجاشِيَّ فَقالُوا: إنَّ هَؤُلاءِ قَدْ أفْسَدُوا دِينَ قَوْمِهِمْ، فَأرْسَلَ إلَيْهِمْ فَجاؤُوا، فَسَألَهم فَقالُوا: بَعَثَ اللَّهُ فِينا نَبِيًّا كَما بَعَثَ في الأُمَمِ قَبْلَنا، يَدْعُونا إلى اللَّهِ وحْدَهُ، ويَأْمُرُنا بِالمَعْرُوفِ، ويَنْهانا عَنِ المُنْكَرِ، ويَأْمُرُنا بِالصِّلَةِ، ويَنْهانا عَنِ القَطِيعَةِ، ويَأْمُرُنا بِالوَفاءِ، ويَنْهانا عَنِ النَّكْثِ، وإنَّ قَوْمَنا بَغَوْا عَلَيْنا، وأخْرَجُونا حِينَ صَدَّقْناهُ، وآمَنّا بِهِ، فَلَمْ نَجِدْ أحَدًا نَلْجَأُ إلَيْهِ غَيْرَكَ، فَقالَ: مَعْرُوفًا، فَقالَ عَمْرٌو وصاحِبُهُ: إنَّهم يَقُولُونَ في عِيسى غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ، قالَ: وما تَقُولُونَ في عِيسى؟ قالُوا: نَشْهَدُ أنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ ورَسُولُهُ، وكَلِمَةُ اللَّهِ ورُوحُهُ، وأنَّهُ ولَدَتْهُ عَذْراءُ بَتُولٌ، قالَ: ما أخْطَأْتُمْ، ثُمَّ قالَ لِعَمْرٍو وأصْحابِهِ: لَوْلا أنَّكُما أقْبَلْتُما في جِوارِي لَفَعَلْتُ بِكُما وفَعَلْتُ، وذُكِرَ لَنا أنَّ جَعْفَرًا وأصْحابَهُ إذْ أقْبَلُوا جاءَ أُولَئِكَ مَعَهُمْ، فَآمَنُوا بِمُحَمَّدٍ ﷺ، فَقالَ قائِلٌ: لَوْ قَدْ رَجَعُوا إلى أرْضِهِمْ لَحِقُوا بِدِينِهِمْ، فَحُدِّثْنا أنَّهُ قَدِمَ مَعَ جَعْفَرٍ سَبْعُونَ مِنهُمْ، فَلَمّا قَرَأ عَلَيْهِمْ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ فاضَتْ أعْيُنُهم.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ قالَ: «بَعَثَ النَّجاشِيُّ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا، سَبْعَةً قِسِّيسِينَ، وخَمْسَةً رُهْبانًا، يَنْظُرُونَ إلَيْهِ ويَسْألُونَهُ، فَلَمّا لَقُوهُ، فَقَرَأ عَلَيْهِمْ ما أنْزَلَ اللَّهُ بَكَوْا وآمَنُوا، فَأنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ: (p-٤٠٨)﴿وإذا سَمِعُوا ما أُنْزِلَ إلى الرَّسُولِ﴾ الآيَةَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وهو بِمَكَّةَ يَخافُ عَلى أصْحابِهِ مِنَ المُشْرِكِينَ، فَبَعَثَ جَعْفَرَ بْنَ أبِي طالِبٍ، وابْنَ مَسْعُودٍ، وعُثْمانَ بْنَ مَظْعُونٍ في رَهْطٍ مِن أصْحابِهِ إلى النَّجاشِيِّ مَلِكِ الحَبَشَةِ، فَلَمّا بَلَغَ المُشْرِكِينَ بَعَثُوا عَمْرَو بْنَ العاصِي في رَهْطٍ مِنهُمْ، وذَكَرُوا أنَّهم سَبَقُوا أصْحابَ النَّبِيِّ ﷺ إلى النَّجاشِيِّ، فَقالُوا: إنَّهُ قَدْ خَرَجَ فِينا رَجُلٌ سَفَّهَ عُقُولَ قُرَيْشٍ وأحْلامَها، زَعَمَ أنَّهُ نَبِيٌّ، وإنَّهُ بَعَثَ إلَيْكَ رَهْطًا لِيُفْسِدُوا عَلَيْكَ قَوْمَكَ، فَأحْبَبْنا أنْ نَأْتِيَكَ ونُخْبِرَكَ خَبَرَهُمْ، قالَ: إنْ جاؤُونِي نَظَرْتُ فِيما يَقُولُونَ، فَلَمّا قَدِمَ أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَأتَوْا إلى بابِ النَّجاشِيِّ فَقالُوا: اسْتَأْذِنْ لِأوْلِياءِ اللَّهِ، فَقالَ: ائْذَنْ لَهُمْ، فَمَرْحَبًا بِأوْلِياءِ اللَّهِ، فَلَمّا دَخَلُوا عَلَيْهِ سَلَّمُوا، فَقالَ الرَّهْطُ مِنَ المُشْرِكِينَ: ألَمْ تَرَ أيُّها المَلِكُ أنّا صَدَقْناكَ، وأنَّهم لَمْ يُحَيُّوكَ بِتَحِيَّتِكَ الَّتِي تُحَيّا بِها، فَقالَ لَهم: ما يَمْنَعُكم أنْ تُحَيُّونِي بِتَحِيَّتِي؟ قالُوا: إنّا حَيَّيْناكَ بِتَحِيَّةِ أهْلِ الجَنَّةِ وتَحِيَّةِ المَلائِكَةِ، فَقالَ لَهم: ما يَقُولُ صاحِبُكم في عِيسى وأُمِّهِ؟ قالُوا: يَقُولُ: عَبْدُ اللَّهِ ورَسُولُهُ، وكَلِمَةٌ مِنَ اللَّهِ ورُوحٌ مِنهُ، ألْقاها إلى مَرْيَمَ، ويَقُولُ في مَرْيَمَ: إنَّها العَذْراءُ الطَّيِّبَةُ البَتُولُ، قالَ: فَأخَذَ عُودًا مِنَ الأرْضِ فَقالَ: ما زادَ عِيسى وأُمُّهُ عَلى ما قالَ صاحِبُكم هَذا العُودَ، فَكَرِهَ المُشْرِكُونَ قَوْلَهُ، وتَغَيَّرَ لَهُ وُجُوهُهُمْ، فَقالَ: هَلْ تَقْرَأُونَ شَيْئًا مِمّا أُنْزِلَ عَلَيْكُمْ؟ قالُوا: نَعَمْ، قالَ: فاقْرَأُوا فَقَرَأُوا وحَوْلَهُ القِسِّيسُونَ والرُّهْبانُ وسائِرُ النَّصارى، فَجَعَلَتْ طائِفَةٌ مِنَ القِسِّيسِينَ والرُّهْبانِ كُلَّما قَرَأُوا آيَةً انْحَدَرَتْ دُمُوعُهم مِمّا عَرَفُوا (p-٤٠٩)مِنَ الحَقِّ، قالَ اللَّهُ: ﴿ذَلِكَ بِأنَّ مِنهم قِسِّيسِينَ ورُهْبانًا وأنَّهم لا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ ﴿وإذا سَمِعُوا ما أُنْزِلَ إلى الرَّسُولِ تَرى أعْيُنَهم تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمّا عَرَفُوا مِنَ الحَقِّ﴾ [المائدة»: ٨٣] .
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، عَنْ سَلْمانَ في إسْلامِهِ قالَ: «لَمّا قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ المَدِينَةَ صَنَعْتُ طَعامًا فَجِئْتُ بِهِ، فَقالَ: (ما هَذا؟) قُلْتُ: صَدَقَةٌ، فَقالَ لِأصْحابِهِ: (كُلُوا)، ولَمْ يَأْكُلْ، ثُمَّ إنِّي رَجَعْتُ حَتّى جَمَعْتُ طَعامًا، فَأتَيْتُهُ بِهِ، فَقالَ: (ما هَذا؟) قُلْتُ: هَدِيَّةٌ، فَأكَلَ، وقالَ لِأصْحابِهِ: (كُلُوا)، قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، أخْبِرْنِي عَنِ النَّصارى، قالَ: (لا خَيْرَ فِيهِمْ، ولا في مَن أحَبَّهُمْ)، فَقُمْتُ وأنا مُثْقَلٌ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿لَتَجِدَنَّ أشَدَّ النّاسِ عَداوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا اليَهُودَ﴾ حَتّى بَلَغَ: ﴿تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ﴾ فَأرْسَلَ إلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقالَ لِي: (يا سَلْمانُ، إنَّ أصْحابَكَ هَؤُلاءِ الَّذِينَ ذَكَرَ اللَّهُ») .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿ولَتَجِدَنَّ أقْرَبَهم مَوَدَّةً﴾ الآيَةَ، قالَ: أُناسٌ مِن أهْلِ الكِتابِ كانُوا عَلى شَرِيعَةٍ مِنَ الحَقِّ مِمّا جاءَ بِهِ عِيسى، يُؤْمِنُونَ بِهِ، ويَنْتَهُونَ إلَيْهِ، فَلَمّا بَعَثَ اللَّهُ مُحَمَّدًا ﷺ، صَدَّقُوهُ، وآمَنُوا بِهِ، وعَرَفُوا ما جاءَ بِهِ مِنَ الحَقِّ أنَّهُ مِنَ اللَّهِ، فَأثْنى عَلَيْهِمْ بِما تَسْمَعُونَ.
وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ في (فَضائِلِهِ)، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ في (مُسْنَدِهِ)، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والبُخارِيُّ في (تارِيخِهِ)، والحارِثُ بْنُ أُسامَةَ في (مُسْنَدِهِ)، والحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ في (نَوادِرِ الأُصُولِ)، والبَزّارُ، وابْنُ أبِي داوُدَ وابْنُ (p-٤١٠)الأنْبارِيِّ في (المَصاحِفِ)، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنْ سَلْمانَ أنَّهُ سُئِلَ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ بِأنَّ مِنهم قِسِّيسِينَ ورُهْبانًا﴾ قالَ: الرُّهْبانُ الَّذِينَ في الصَّوامِعِ، نَزَلَتْ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: (ذَلِكَ بِأنَّ مِنهم صِدِّيقِينَ ورُهْبانًا)، ولَفْظُ البَزّارِ: دَعِ القِسِّيسِينَ، أقْرَأنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”ذَلِكَ بِأنَّ مِنهم صِدِّيقِينَ“، ولَفْظُ الحَكِيمِ التِّرْمِذِيِّ: قَرَأْتُ عَلى النَّبِيِّ ﷺ: ﴿ذَلِكَ بِأنَّ مِنهم قِسِّيسِينَ﴾ فَأقْرَأنِي: ”ذَلِكَ بِأنَّ مِنهم صِدِّيقِينَ“ .
وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في (الدَّلائِلِ)، عَنْ سَلْمانَ قالَ: كُنْتُ يَتِيمًا مِن رامَهُرْمُزَ، وكانَ ابْنُ دِهْقانِ رامَهُرْمُزَ يَخْتَلِفُ إلى مُعَلِّمٍ يُعَلِّمُهُ، فَلَزِمْتُهُ لِأكُونَ في كَنَفِهِ، وكانَ لِي أخٌ أكْبَرُ مِنِّي، وكانَ مُسْتَغْنِيًا في نَفْسِهِ، وكُنْتُ غُلامًا فَقِيرًا، فَكانَ إذا قامَ مِن مَجْلِسِهِ تَفَرَّقَ مَن يَحْفَظُهُ، فَإذا تَفَرَّقُوا خَرَجَ فَتَقَنَّعَ بِثَوْبِهِ، ثُمَّ صَعِدَ الجَبَلَ، فَكانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ غَيْرَ مَرَّةٍ مُتَنَكِّرًا، قالَ: فَقُلْتُ: أما إنَّكَ تَفْعَلُ كَذا وكَذا، فَلِمَ لا تَذْهَبُ بِي مَعَكَ؟ قالَ: أنْتَ غُلامٌ، وأخافُ أنْ يَظْهَرَ مِنكَ شَيْءٌ، قالَ: قُلْتُ: لا تَخَفْ، قالَ: فَإنَّ في هَذا الجَبَلِ قَوْمًا في بِرْطِيلٍ لَهم عِبادَةٌ وصَلاحٌ، يَذْكُرُونَ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ، ويَذْكُرُونَ الآخِرَةَ، يَزْعُمُونَ أنّا عَبَدَةُ النِّيرانِ، وعَبَدَةُ الأوْثانِ، وأنا عَلى غَيْرِ دِينٍ، قُلْتُ: فاذْهَبْ بِي مَعَكَ إلَيْهِمْ، قالَ: لا أقْدِرُ عَلى ذَلِكَ حَتّى أسْتَأْمِرَهُمْ، وأنا أخافُ أنْ يَظْهَرَ مِنكَ شَيْءٌ فَيَعْلَمَ أبِي، فَيَقْتُلَ القَوْمَ، فَيَجْرِيَ هَلاكُهم عَلى يَدَيَّ، قالَ: قُلْتُ: لَنْ يَظْهَرَ مِنِّي ذَلِكَ، فاسْتَأْمَرَهم فَقالَ: (p-٤١١)غُلامٌ عِنْدِي يَتِيمٌ، فَأُحِبُّ أنْ يَأْتِيَكم ويَسْمَعَ كَلامَكم قالُوا: إنْ كُنْتَ تَثِقُ بِهِ، قالَ: أرْجُو ألّا يَجِيءَ مِنهُ إلّا ما أُحِبُّ، قالُوا: فَجِئْ بِهِ، فَقالَ لِي: قَدِ اسْتَأْذَنْتُ القَوْمَ أنْ تَجِيءَ مَعِي، فَإذا كانَتِ السّاعَةُ الَّتِي رَأيْتَنِي أخْرُجُ فِيها فَأْتِنِي، ولا يَعْلَمُ بِكَ أحَدٌ، فَإنَّ أبِي إنْ عَلِمَ قَتَلَهُمْ، قالَ: فَلَمّا كانَتِ السّاعَةُ الَّتِي يَخْرُجُ تَبِعْتُهُ، فَصَعِدَ الجَبَلَ، فانْتَهَيْنا إلَيْهِمْ، فَإذا هم في بِرْطِيلِهِمْ، قالَ عَلِيٌّ: وأُراهُ قالَ: هم سِتَّةٌ أوْ سَبْعَةٌ، قالَ: وكَأنَّ الرُّوحَ قَدْ خَرَجَتْ مِنهم مِنَ العِبادَةِ يَصُومُونَ النَّهارَ، ويَقُومُونَ اللَّيْلَ، يَأْكُلُونَ الشَّجَرَ، وما وجَدُوا، فَقَعَدْنا إلَيْهِمْ، فَأثْنى ابْنُ الدِّهْقانِ عَلَيَّ خَيْرًا، فَتَكَلَّمُوا، فَحَمِدُوا اللَّهَ، وأثْنَوْا عَلَيْهِ، وذَكَرُوا مَن مَضى مِنَ الرُّسُلِ والأنْبِياءِ، حَتّى خَلَصُوا إلى عِيسى ابْنِ مَرْيَمَ قالُوا: بَعَثَهُ اللَّهُ، ووُلِدَ بِغَيْرِ ذَكَرٍ، بَعَثَهُ اللَّهُ رَسُولًا، وسَخَّرَ لَهُ ما كانَ يَفْعَلُ مِن إحْياءِ المَوْتى، وخَلْقِ الطَّيْرِ، وإبْراءِ الأعْمى والأبْرَصِ، فَكَفَرَ بِهِ قَوْمٌ وتَبِعَهُ قَوْمٌ، وإنَّما كانَ عَبْدَ اللَّهِ ورَسُولَهُ، ابْتَلى بِهِ خَلْقَهُ، قالَ: وقالُوا قَبْلَ ذَلِكَ: يا غُلامُ، إنَّ لَكَ رَبًّا، وإنَّ لَكَ مَعادًا، وإنَّ بَيْنَ يَدَيْكَ جَنَّةً ونارًا، إلَيْهِما تَصِيرُ، وإنَّ هَؤُلاءِ القَوْمَ الَّذِينَ يَعْبُدُونَ النِّيرانَ أهْلُ كُفْرٍ وضَلالَةٍ، لا يَرْضى اللَّهُ بِما يَصْنَعُونَ، ولَيْسُوا عَلى دِينٍ، فَلَمّا حَضَرَتِ السّاعَةُ الَّتِي يَنْصَرِفُ فِيها الغُلامُ انْصَرَفَ وانْصَرَفْتُ مَعَهُ، ثُمَّ غَدَوْنا إلَيْهِمْ، فَقالُوا مِثْلَ ذَلِكَ وأحْسَنَ، فَلَزِمْتُهُمْ، فَقالُوا: يا سَلْمانُ، إنَّكَ غُلامٌ، وإنَّكَ لا تَسْتَطِيعُ أنْ تَصْنَعَ كَما نَصْنَعُ، فَكُلْ واشْرَبْ، وصَلِّ ونَمْ، قالَ: فاطَّلَعَ المَلِكُ عَلى صَنِيعِ ابْنِهِ، فَرَكِبَ الخَيْلَ حَتّى أتاهم في بِرْطِيلِهِمْ، فَقالَ: يا هَؤُلاءِ، قَدْ جاوَرْتُمُونِي فَأحْسَنْتُ جِوَراكُمْ، ولَمْ تَرَوْا مِنِّي سُوءًا، فَعَمِدْتُمْ إلى ابْنِي فَأفْسَدْتُمُوهُ عَلَيَّ، قَدْ أجَّلْتُكم ثَلاثًا، فَإنْ قَدِرْتُ عَلَيْكم بَعْدَ ثَلاثٍ أحْرَقْتُ عَلَيْكم بِرْطِيلَكم هَذا، (p-٤١٢)فالحَقُوا بِبِلادِكُمْ، فَإنِّي أكْرَهُ أنْ يَكُونَ مِنِّي إلَيْكم سُوءٌ، قالُوا: نَعَمْ، ما تَعَمَّدْنا مَساءَتَكَ، ولا أرَدْنا إلّا الخَيْرَ، فَكَفَّ ابْنَهُ عَنْ إتْيانِهِمْ، فَقُلْتُ لَهُ: اتَّقِ اللَّهَ، فَإنَّكَ تَعْرِفُ أنَّ هَذا الدِّينَ دِينُ اللَّهِ، وإنَّ أباكَ ونَحْنُ عَلى غَيْرِ دِينٍ، إنَّما هم عَبَدَةُ النِّيرانِ، لا يَعْرِفُونَ اللَّهَ، فَلا تَبِعْ آخِرَتَكَ بِدُنْيا غَيْرِكَ، قالَ: يا سَلْمانُ، هو كَما تَقُولُ، وإنَّما أتَخَلَّفُ عَنِ القَوْمِ بُقْيا عَلَيْهِمْ، إنِ اتَّبَعْتُ القَوْمَ يَطْلُبُنِي أبِي في الخَيْلِ، وقَدْ جَزِعَ مِن إتْيانِي إيّاهم حَتّى طَرَدَهُمْ، وقَدْ أعْرِفُ أنَّ الحَقَّ في أيْدِيهِمْ، قُلْتُ: أنْتَ أعْلَمُ، ثُمَّ لَقِيتُ أخِي فَعَرَضْتُ عَلَيْهِ، فَقالَ: أنا مُشْتَغِلٌ بِنَفْسِي في طَلَبِ المَعِيشَةِ، فَأتَيْتُهم في اليَوْمِ الَّذِي أرادُوا أنْ يَرْتَحِلُوا فِيهِ، فَقالُوا: يا سَلْمانُ، قَدْ كُنّا نَحْذَرُ، فَكانَ ما رَأيْتَ، اتَّقِ اللَّهَ، واعْلَمْ أنَّ الدِّينَ ما أوْصَيْناكَ بِهِ، وإنَّ هَؤُلاءِ عَبَدَةُ النِّيرانِ، لا يَعْرِفُونَ اللَّهَ ولا يَذْكُرُونَهُ، فَلا يَخْدَعَنَّكَ أحَدٌ عَنْ ذَلِكَ، قُلْتُ: ما أنا بِمُفارِقِكُمْ، قالُوا: إنَّكَ لا تَقْدِرُ عَلى أنْ تَكُونَ مَعَنا، نَحْنُ نَصُومُ النَّهارَ، ونَقُومُ اللَّيْلَ، ونَأْكُلُ الشَّجَرَ، وما أصَبْنا، وأنْتَ لا تَسْتَطِيعُ ذَلِكَ، قالَ: قُلْتُ: لا أُفارِقُكُمْ، قالُوا: أنْتَ أعْلَمُ، قَدْ أعْلَمْناكَ حالَنا، فَإذا أبَيْتَ فاطْلُبْ أحَدًا يَكُونُ مَعَكَ، واحْمِلْ مَعَكَ شَيْئًا تَأْكُلُهُ، فَإنَّكَ لا تَسْتَطِيعُ ما نَسْتَطِيعُ نَحْنُ، قالَ: فَفَعَلْتُ ولَقِيتُ أخِي، فَعَرَضْتُ عَلَيْهِ، فَأبى، فَأتَيْتُهم فَتَحَمَّلُوا، فَكانُوا يَمْشُونَ وأمْشِي مَعَهُمْ، فَرَزَقَنا اللَّهُ السَّلامَةَ حَتّى قَدِمْنا المَوْصِلَ، فَأتَيْنا بِيعَةً بِالمَوْصِلِ، فَلَمّا دَخَلُوا حَفَوْا بِهِمْ، وقالُوا: أيْنَ كُنْتُمْ؟ قالُوا: كُنّا في بِلادٍ لا يَذْكُرُونَ اللَّهَ، بِها عَبَدَةُ نِيرانٍ، فَطَرَدُونا، فَقَدِمْنا عَلَيْكُمْ، فَلَمّا كانَ بَعْدُ قالُوا: يا سَلْمانُ، إنَّ هَهُنا قَوْمًا في هَذِهِ الجِبالِ هم أهْلُ دِينٍ، وإنّا نُرِيدُ لِقاءَهُمْ، فَكُنْ أنْتَ هَهُنا مَعَ هَؤُلاءِ، فَإنَّهم أهْلُ دِينٍ، وسَتَرى مِنهم ما تُحِبُّ قُلْتُ: ما أنا بِمُفارِقِكُمْ، قالَ: وأوْصَوْا بِي أهْلَ (p-٤١٣)البِيعَةِ، فَقالَ أهْلُ البِيعَةِ: أقِمْ مَعَنا، فَإنَّهُ لا يُعْجِزُكَ شَيْءٌ يَسَعُنا، قُلْتُ: ما أنا بِمُفارِقِكُمْ، فَخَرَجُوا وأنا مَعَهُمْ، فَأصْبَحْنا بَيْنَ جِبالٍ، فَإذا صَخْرَةٌ وماءٌ كَثِيرٌ في جِرارٍ، وخُبْزٌ كَثِيرٌ، فَقَعَدْنا عِنْدَ الصَّخْرَةِ، فَلَمّا طَلَعَتِ الشَّمْسُ خَرَجُوا مِن بَيْنِ تِلْكَ الجِبالِ، يَخْرُجُ رَجُلٌ رَجُلٌ مِن مَكانِهِ، كَأنَّ الأرْواحَ انْتُزِعَتْ مِنهُمْ، حَتّى كَثُرُوا، فَرَحَّبُوا بِهِمْ، وحَفَوْا، وقالُوا: أيْنَ كُنْتُمْ، لَمْ نَرَكُمْ؟ قالُوا: كُنّا في بِلادٍ لا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ، فِيها عَبَدَةُ النِّيرانِ، وكُنّا نَعْبُدُ اللَّهَ فِيها فَطَرَدُونا، فَقالُوا: ما هَذا الغُلامُ؟ قالَ: فَطَفِقُوا يُثْنُونَ عَلَيَّ، وقالُوا: صَحِبَنا مِن تِلْكَ البِلادِ فَلَمْ نَرَ مِنهُ إلّا خَيْرًا، قالَ: فَواللَّهِ إنَّهم لَكَذا إذْ طَلَعَ عَلَيْهِمْ رَجُلٌ مِن كَهْفٍ، رَجُلٌ طُوالٌ، فَجاءَ حَتّى سَلَّمَ وجَلَسَ، فَحَفَوْا بِهِ وعَظَّمُوهُ أصْحابِي الَّذِينَ كُنْتُ مَعَهُمْ، وأحْدَقُوا بِهِ، فَقالَ لَهم: أيْنَ كُنْتُمْ؟ فَأخْبَرُوهُ، فَقالَ: ما هَذا الغُلامُ مَعَكُمْ؟ فَأثْنَوْا عَلَيَّ خَيْرًا، وأخْبَرُوهُ بِاتِّباعِي إيّاهُمْ، ولَمْ أرَ مِثْلَ إعْظامِهِمْ إيّاهُ، فَحَمِدَ اللَّهَ، وأثْنى عَلَيْهِ، ثُمَّ ذَكَرَ مَن أرْسَلَ اللَّهُ مِن رُسُلِهِ وأنْبِيائِهِ، وما لَقُوا، وما صُنِعَ بِهِمْ حَتّى ذَكَرَ مَوْلِدَ عِيسى ابْنِ مَرْيَمَ، وأنَّهُ وُلِدَ بِغَيْرِ ذَكَرٍ، فَبَعَثَهُ اللَّهُ رَسُولًا، وأجْرى عَلى يَدَيْهِ إحْياءَ المَوْتى، وإبْراءَ الأعْمى والأبْرَصِ، وأنَّهُ يَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ، فَيَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإذْنِ اللَّهِ، وأنْزَلَ عَلَيْهِ الإنْجِيلَ، وعَلَّمَهُ التَّوْراةَ، وبَعَثَهُ رَسُولًا إلى بَنِي إسْرائِيلَ، فَكَفَرَ بِهِ قَوْمٌ، وآمَنَ بِهِ قَوْمٌ، وذَكَرَ بَعْضَ ما لَقِيَ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ، وأنَّهُ كانَ عَبْدًا أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ، فَشَكَرَ ذَلِكَ لَهُ، ورَضِيَ عَنْهُ، حَتّى قَبَضَهُ اللَّهُ، وهو يَعِظُهم ويَقُولُ: اتَّقُوا اللَّهَ والزَمُوا ما جاءَ بِهِ عِيسى، ولا تُخالِفُوا فَيُخالَفَ بِكُمْ، ثُمَّ قالَ: مَن أرادَ أنْ يَأْخُذَ مِن هَذا شَيْئًا فَلْيَأْخُذْ، فَجَعَلَ الرَّجُلُ يَقُومُ فَيَأْخُذُ الجَرَّةَ مِنَ الماءِ والطَّعامِ والشَّيْءِ، فَقامَ إلَيْهِ أصْحابِي الَّذِينَ جِئْتُ (p-٤١٤)مَعَهُمْ، فَسَلَّمُوا عَلَيْهِ وعَظَّمُوهُ، فَقالَ لَهُمُ: الزَمُوا هَذا الدِّينَ، وإيّاكم أنْ تَفَرَّقُوا، واسْتَوْصُوا بِهَذا الغُلامِ خَيْرًا، وقالَ لِي: يا غُلامُ، هَذا دِينُ اللَّهِ الَّذِي تَسْمَعُنِي أقُولُهُ، وما سِواهُ هو الكُفْرُ، قالَ: قُلْتُ: ما أُفارِقُكَ، قالَ: إنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ أنْ تَكُونَ مَعِي، إنِّي لا أخْرُجُ مِن كَهْفِي هَذا إلّا كُلَّ يَوْمِ أحَدٍ، لا تَقْدِرُ عَلى الكَيْنُونَةِ مَعِي، قالَ: وأقْبَلَ عَلى أصْحابِهِ فَقالُوا: يا غُلامُ، إنَّكَ لا تَسْتَطِيعُ أنْ تَكُونَ مَعَهُ، قُلْتُ: ما أنا بِمُفارِقِكَ، قالَ: يا غُلامُ، فَإنِّي أُعْلِمُكَ الآنَ أنِّي أدْخُلُ هَذا الكَهْفَ، ولا أخْرُجُ مِنهُ إلى الأحَدِ الآخَرِ، وأنْتَ أعْلَمُ، قُلْتُ: ما أنا بِمُفارِقِكَ، قالَ لَهُ أصْحابُهُ: يا فُلانُ، هَذا غُلامٌ ونَخافُ عَلَيْهِ، قالَ: قالَ لِي: أنْتَ أعْلَمُ، قُلْتُ: إنِّي لا أُفارِقُكَ، فَبَكى أصْحابِي الأوَّلُونَ الَّذِينَ كُنْتُ مَعَهم عِنْدَ فِراقِهِمْ إيّايَ، فَقالَ: خُذْ مِن هَذا الطَّعامِ ما تَرى أنَّهُ يَكْفِيكَ إلى الأحَدِ الآخَرِ، وخُذْ مِن هَذا الماءِ ما تَكْتَفِي بِهِ، فَفَعَلْتُ وتَفَرَّقُوا، وذَهَبَ كُلُّ إنْسانٍ إلى مَكانِهِ الَّذِي يَكُونُ فِيهِ، وتَبِعْتُهُ حَتّى دَخَلَ الكَهْفَ في الجَبَلِ، فَقالَ: ضَعْ ما مَعَكَ، وكُلْ واشْرَبْ، وقامَ يُصَلِّي، فَقُمْتُ مَعَهُ أُصَلِّي، قالَ: فانْفَتَلَ إلَيَّ، وقالَ: إنَّكَ لا تَسْتَطِيعُ هَذا، ولَكِنْ صَلِّ ونَمْ، وكُلْ واشْرَبْ، فَفَعَلْتُ، فَما رَأيْتُهُ نائِمًا، ولا طاعِمًا، إلّا راكِعًا وساجِدًا إلى الأحَدِ الآخَرِ، فَلَمّا أصْبَحْنا قالَ: خُذْ جَرَّتَكَ هَذِهِ وانْطَلِقْ، فَخَرَجْتُ مَعَهُ أتْبَعُهُ حَتّى انْتَهَيْنا إلى الصَّخْرَةِ، وإذا هم قَدْ خَرَجُوا مِن تِلْكَ الجِبالِ، واجْتَمَعُوا إلى الصَّخْرَةِ يَنْتَظِرُونَ خُرُوجَهُ، فَقَعَدُوا، وجادَ في حَدِيثِهِ نَحْوَ المَرَّةِ الأُولى، فَقالَ: الزَمُوا هَذا الدِّينَ، ولا تَفَرَّقُوا، واتَّقُوا اللَّهَ، واعْلَمُوا أنَّ عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ كانَ عَبْدَ اللَّهِ، أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ، ثُمَّ ذَكَرُونِي فَقالُوا: يا فُلانُ، كَيْفَ وجَدْتَ هَذا الغُلامَ؟ فَأثْنى عَلَيَّ وقالَ خَيْرًا، فَحَمِدُوا اللَّهَ، فَإذا خُبْزٌ كَثِيرٌ (p-٤١٥)وماءٌ فَأخَذُوا، وجَعَلَ الرَّجُلُ يَأْخُذُ بِقَدْرِ ما يَكْتَفِي بِهِ، فَفَعَلْتُ، وتَفَرَّقُوا في تِلْكَ الجِبالِ، ورَجَعَ إلى كَهْفِهِ، ورَجَعْتُ مَعَهُ، فَلَبِثَ ما شاءَ اللَّهُ، يَخْرُجُ في كُلِّ يَوْمِ أحَدٍ، ويَخْرُجُونَ مَعَهُ، ويُوصِيهِمْ بِما كانَ يُوصِيهِمْ بِهِ، فَخَرَجَ في أحَدٍ، فَلَمّا اجْتَمَعُوا حَمِدَ اللَّهَ، ووَعَظَهُمْ، وقالَ مِثْلَ ما كانَ يَقُولُ لَهُمْ، ثُمَّ قالَ لَهم آخِرَ ذَلِكَ: يا هَؤُلاءِ، إنِّي قَدْ كَبِرَ سِنِّي، ورَقَّ عَظْمِي، واقْتَرَبَ أجَلِي، وإنَّهُ لا عَهْدَ لِي بِهَذا البَيْتِ مُنْذُ كَذا وكَذا، ولا بُدَّ لِي مِن إتْيانِهِ، فاسْتَوْصُوا بِهَذا الغُلامِ خَيْرًا، وإنِّي رَأيْتُهُ لا بَأْسَ بِهِ، فَجَزِعَ القَوْمُ، فَما رَأيْتُ مِثْلَ جَزَعِهِمْ، وقالُوا: يا أبا فُلانٍ، أنْتَ كَبِيرٌ وأنْتَ وحْدَكَ، ولا نَأْمَنُ أنْ يُصِيبَكَ الشَّيْءُ، ولَسْنا أحْوَجَ ما كُنّا إلَيْكَ، قالَ: لا تُراجِعُونِي، لا بُدَّ لِي مِن إتْيانِهِ، ولَكِنِ اسْتَوْصُوا بِهَذا الغُلامِ خَيْرًا، وافْعَلُوا وافْعَلُوا، قالَ: قُلْتُ: ما أنا بِمُفارِقِكَ، قالَ: يا سَلْمانُ، قَدْ رَأيْتَ حالِي، وما كُنْتُ عَلَيْهِ، ولَيْسَ هَذا كَذَلِكَ، إنَّما أمْشِي، أصُومُ النَّهارَ، وأقُومُ اللَّيْلَ، ولا أسْتَطِيعُ أنْ أحْمِلَ مَعِي زادًا ولا غَيْرَهُ، ولا تَقْدِرُ عَلى هَذا، قالَ: قُلْتُ: ما أنا بِمُفارِقِكَ، قالَ: أنْتَ أعْلَمُ، قالُوا: يا أبا فُلانٍ، إنّا نَخافُ عَلَيْكَ وعَلى هَذا الغُلامِ، قالَ: هو أعْلَمُ، قَدْ أعْلَمْتُهُ الحالَةَ، وقَدْ رَأى ما كانَ قَبْلَ هَذا، قُلْتُ: لا أُفارِقُكَ، قالَ: فَبَكَوْا، ووَدَّعُوهُ، وقالَ لَهُمُ: اتَّقُوا اللَّهَ، وكُونُوا عَلى ما أوْصَيْتُكم بِهِ، فَإنْ أعِشْ فَلَعَلِّي أرْجِعُ إلَيْكُمْ، وإنْ أمُتْ فَإنَّ اللَّهَ حَيٌّ لا يَمُوتُ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ، وخَرَجَ وخَرَجْتُ مَعَهُ، وقالَ لِي: احْمِلْ مَعَكَ مِن هَذا الخُبْزِ شَيْئًا تَأْكُلُهُ، فَخَرَجَ وخَرَجْتُ مَعَهُ، يَمْشِي وأتْبَعُهُ يَذْكُرُ اللَّهَ، ولا يَلْتَفِتُ، ولا يَقِفُ عَلى شَيْءٍ، حَتّى إذا أمْسى قالَ: يا سَلْمانُ، صَلِّ أنْتَ ونَمْ، وكُلْ واشْرَبْ، ثُمَّ قامَ هو يُصَلِّي، إلى أنِ انْتَهى إلى بَيْتِ المَقْدِسِ، وكانَ لا يَرْفَعُ (p-٤١٦)طَرْفَهُ إلى السَّماءِ إذا أمْسى، حَتّى انْتَهَيْنا إلى بَيْتِ المَقْدِسِ، وإذا عَلى البابِ مُقْعَدٌ، قالَ: يا عَبْدَ اللَّهِ، قَدْ تَرى حالِي، فَتَصَدَّقْ عَلَيَّ بِشَيْءٍ، فَلَمْ يَلْتَفِتْ إلَيْهِ، ودَخَلَ المَسْجِدَ، ودَخَلْتُ مَعَهُ، فَجَعَلَ يَتَتَبَّعُ أمْكِنَةً مِنَ المَسْجِدِ يُصَلِّي فِيها، ثُمَّ قالَ: يا سَلْمانُ، إنِّي لَمْ أنَمْ مُنْذُ كَذا وكَذا، ولَمْ أجِدْ طَعْمَ نَوْمٍ، فَإنْ أنْتَ جَعَلْتَ لِي أنْ تُوقِظَنِي إذا بَلَغَ الظِّلُّ مَكانَ كَذا وكَذا نِمْتُ، فَإنِّي أُحِبُّ أنْ أنامَ في هَذا المَسْجِدِ، وإلّا لَمْ أنَمْ، قالَ: قُلْتُ: فَإنِّي أفْعَلُ، قالَ: فانْظُرْ إذا بَلَغَ الظِّلُّ مَكانَ كَذا وكَذا، فَأيْقِظْنِي إذا غَلَبَتْنِي عَيْنِي، فَنامَ، فَقُلْتُ في نَفْسِي: هَذا لَمْ يَنَمْ مُنْذُ كَذا وكَذا، وقَدْ رَأيْتُ بَعْضَ ذَلِكَ، لَأدَعَنَّهُ يَنامُ حَتّى يَشْتَفِي مِنَ النَّوْمِ، وكانَ فِيما يَمْشِي وأنا مَعَهُ، يُقْبِلُ عَلَيَّ، فَيَعِظُنِي ويُخْبِرُنِي أنَّ لِي رَبًّا، وأنَّ بَيْنَ يَدَيَّ جَنَّةً ونارًا وحِسابًا، ويُعْلِمُنِي بِذَلِكَ، ويُذَكِّرُنِي نَحْوَ ما كانَ يُذَكِّرُ القَوْمَ يَوْمَ الأحَدِ، حَتّى قالَ فِيما يَقُولُ لِي: يا سَلْمانُ، إنَّ اللَّهَ تَعالى سَوْفَ يَبْعَثُ رَسُولًا اسْمُهُ أحْمَدُ، يَخْرُجُ بِتِهامَةَ - وكانَ رَجُلًا أعْجَمِيًّا لا يُحْسِنُ أنْ يَقُولَ تِهامَةَ، ولا مُحَمَّدٌ - عَلامَتُهُ أنَّهُ يَأْكُلُ الهَدِيَّةَ، ولا يَأْكُلُ الصَّدَقَةَ، بَيْنَ كَتِفَيْهِ خاتَمٌ، وهَذا زَمانُهُ الَّذِي يَخْرُجُ فِيهِ، قَدْ تَقارَبَ، فَأمّا أنا فَإنِّي شَيْخٌ كَبِيرٌ، ولا أحْسَبُنِي أُدْرِكُهُ، فَإنْ أدْرَكْتَهُ أنْتَ فَصَدِّقْهُ واتَّبِعْهُ، قُلْتُ: وإنْ أمَرَنِي بِتَرْكِ دِينِكَ وما أنْتَ عَلَيْهِ؟ قالَ: وإنْ أمَرَكَ، فَإنَّ الحَقَّ فِيما يَجِيءُ بِهِ، ورِضا الرَّحْمَنِ فِيما قالَ، فَلَمْ يَمْضِ إلّا يَسِيرٌ حَتّى اسْتَيْقَظَ فَزِعًا يَذْكُرُ اللَّهَ، فَقالَ: يا سَلْمانُ، مَضى الفَيْءُ مِن هَذا المَكانِ ولَمْ أذْكُرِ اللَّهَ، أيْنَ ما جَعَلْتَ لِي عَلى نَفْسِكَ؟ قالَ: قُلْتُ: أخْبَرْتَنِي أنَّكَ لَمْ تَنَمْ مُنْذُ كَذا وكَذا، وقَدْ رَأيْتُ بَعْضَ ذَلِكَ، فَأحْبَبْتُ أنْ تَشْتَفِيَ مِنَ النَّوْمِ، فَحَمِدَ اللَّهَ، وقامَ فَخَرَجَ فَتَبِعْتُهُ، فَقالَ المُقْعَدُ: يا عَبْدَ اللَّهِ، (p-٤١٧)دَخَلْتَ فَسَألْتُكَ فَلَمْ تُعْطِنِي، وخَرَجْتَ فَسَألْتُكَ فَلَمْ تُعْطِنِي، فَقامَ يَنْظُرُ هَلْ يَرى أحَدًا فَلَمْ يَرَهُ، فَدَنا مِنهُ فَقالَ: ناوِلْنِي يَدَكَ، فَناوَلَهُ، فَقالَ: قُمْ بِاسْمِ اللَّهِ، فَقامَ كَأنَّهُ نَشِطَ مِن عِقالٍ، صَحِيحًا لا عَيْبَ فِيهِ، فَخَلّى عَنْ يَدِهِ، فانْطَلَقَ ذاهِبًا، وكانَ لا يَلْوِي عَلى أحَدٍ، ولا يَقُومُ عَلَيْهِ، فَقالَ لِي المُقْعَدُ: يا غُلامُ، احْمِلْ عَلَيَّ ثِيابِي حَتّى أنْطَلِقَ وأُبَشِّرَ أهْلِي، فَحَمَلْتُ عَلَيْهِ ثِيابَهُ، وانْطَلَقَ لا يَلْوِي عَلَيَّ، فَخَرَجْتُ في إثْرِهِ أطْلُبُهُ، وكُلَّما سَألْتُ عَنْهُ قالُوا: أمامَكَ، حَتّى لَقِيَنِي الرَّكْبُ مِن كَلْبٍ، فَسَألْتُهُمْ، فَلَمّا سَمِعُوا لُغَتِي أناخَ رَجُلٌ مِنهم بَعِيرَهُ، فَحَمَلَنِي، فَجَعَلَنِي خَلْفَهُ حَتّى أتَوْا بِي بِلادَهُمْ، قالَ: فَباعُونِي، فاشْتَرَتْنِي امْرَأةٌ مِنَ الأنْصارِ، فَجَعَلَتْنِي في حائِطٍ لَها، وقَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَأُخْبِرْتُ بِهِ، فَأخَذْتُ شَيْئًا مِن تَمْرِ حائِطِي، فَجَعَلْتُهُ عَلى شَيْءٍ، ثُمَّ أتَيْتُهُ فَوَجَدْتُ عِنْدَهُ أُناسًا، وإذا أبُو بَكْرٍ أقْرَبُ القَوْمِ مِنهُ، فَوَضَعْتُهُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَقالَ: (ما هَذا؟) قُلْتُ: صَدَقَةٌ، فَقالَ لِلْقَوْمِ: (كُلُوا)، ولَمْ يَأْكُلْ هُوَ، ثُمَّ لَبِثْتُ ما شاءَ اللَّهُ، ثُمَّ أخَذْتُ مِثْلَ ذَلِكَ، فَجَعَلْتُهُ عَلى شَيْءٍ، ثُمَّ أتَيْتُهُ، فَوَجَدْتُ عِنْدَهُ أُناسًا، وإذا أبُو بَكْرٍ أقْرَبُ القَوْمِ مِنهُ، فَوَضَعْتُهُ بَيْنَ يَدَيْهِ فَقالَ: (ما هَذا؟) قُلْتُ: هَدِيَّةٌ، قالَ: (بِاسْمِ اللَّهِ)، فَأكَلَ وأكَلَ القَوْمُ، قالَ: قُلْتُ في نَفْسِي: هَذِهِ مِن آياتِهِ، كانَ صاحِبِي رَجُلًا أعْجَمِيًّا لَمْ يُحْسِنْ أنْ يَقُولَ: تِهامَةُ، قالَ: تِهْمَةُ، وقالَ: أحْمَدُ، فَدُرْتُ خَلْفَهُ، فَفَطِنَ لِي فَأرْخى ثَوْبَهُ، فَإذا الخاتَمُ في ناحِيَةِ كَتِفِهِ الأيْسَرِ، فَتَبَيَّنْتُهُ، ثُمَّ دُرْتُ حَتّى جَلَسْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَقُلْتُ: أشْهَدُ أنَّ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وأنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ، قالَ: (مَن أنْتَ؟)، قُلْتُ: مَمْلُوكٌ، فَحَدَّثْتُهُ بِحَدِيثِي، وحَدِيثِ الرَّجُلِ الَّذِي كُنْتُ مَعَهُ، وما أمَرَنِي بِهِ، قالَ: (لِمَن (p-٤١٨)أنْتَ؟) قُلْتُ: لِامْرَأةٍ مِنَ الأنْصارِ، جَعَلَتْنِي في حائِطٍ لَها، قالَ: (يا أبا بَكْرٍ )، قالَ: لَبَّيْكَ، قالَ: (اشْتَرِهِ)، قالَ: فاشْتَرانِي أبُو بَكْرٍ، فَأعْتَقَنِي، فَلَبِثْتُ ما شاءَ اللَّهُ أنْ ألْبَثَ، ثُمَّ أتَيْتُهُ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، وقَعَدْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، ما تَقُولُ في دِينِ النَّصارى؟ قالَ: (لا خَيْرَ فِيهِمْ ولا في دِينِهِمْ)، فَدَخَلَنِي أمْرٌ عَظِيمٌ، فَقُلْتُ في نَفْسِي: هَذا الَّذِي كُنْتُ مَعَهُ، ورَأيْتُ مِنهُ ما رَأيْتُ، أخَذَ بِيَدِ المُقْعَدِ فَأقامَهُ اللَّهُ عَلى يَدَيْهِ، لا خَيْرَ في هَؤُلاءِ، ولا في دِينِهِمْ، فانْصَرَفْتُ، وفي نَفْسِي ما شاءَ اللَّهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ بَعْدُ عَلى النَّبِيِّ ﷺ: ﴿ذَلِكَ بِأنَّ مِنهم قِسِّيسِينَ ورُهْبانًا وأنَّهم لا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: (عَلَيَّ بِسَلْمانَ )، فَأتانِي الرَّسُولُ فَدَعانِي، وأنا خائِفٌ، فَجِئْتُ حَتّى قَعَدْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَقَرَأ: (﷽: ﴿ذَلِكَ بِأنَّ مِنهم قِسِّيسِينَ ورُهْبانًا وأنَّهم لا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ ) إلى آخِرِ الآيَةِ، فَقالَ: (يا سَلْمانُ، أُولَئِكَ الَّذِينَ كُنْتَ مَعَهم وصاحِبُكَ، لَمْ يَكُونُوا نَصارى، إنَّما كانُوا مُسْلِمِينَ)، فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، فَوالَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ، لَقَدْ أمَرَنِي بِاتِّباعِكَ، فَقُلْتُ لَهُ: وإنْ أمَرَنِي بِتَرْكِ دِينِكَ وما أنْتَ عَلَيْهِ، فَأتْرُكُهُ؟ قالَ: نَعَمْ، فاتْرُكْهُ، فَإنَّ الحَقَّ وما يُحِبُّ اللَّهُ فِيما يَأْمُرُكَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿قِسِّيسِينَ﴾ قالَ: عُلَماؤُهم.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ زَيْدٍ قالَ: القِسِّيسُونَ عُبّادُهم. (p-٤١٩)وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ إسْحاقَ قالَ: سَألْتُ الزُّهْرِيَّ عَنْ هَذِهِ الآياتِ: ﴿ذَلِكَ بِأنَّ مِنهم قِسِّيسِينَ ورُهْبانًا وأنَّهم لا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ وقَوْلِهِ: ﴿وإذا خاطَبَهُمُ الجاهِلُونَ قالُوا سَلامًا﴾ [الفرقان: ٦٣] [الفُرْقانِ: ٦٣]، قالَ: ما زِلْتُ أسْمَعُ عُلَماءَنا يَقُولُونَ: نَزَلَتْ في النَّجاشِيِّ وأصْحابِهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ مِن طُرُقٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فاكْتُبْنا مَعَ الشّاهِدِينَ﴾ قالَ: أُمَّةُ مُحَمَّدٍ ﷺ، وفي لَفْظٍ: قالَ: يَعْنُونَ بِالشّاهِدِينَ مُحَمَّدًا ﷺ وأُمَّتَهُ، أنَّهم قَدْ شَهِدُوا لَهُ أنَّهُ بَلَّغَ، وشَهِدُوا لِلرُّسُلِ أنَّهم قَدْ بَلَّغُوا.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ زَيْدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ونَطْمَعُ أنْ يُدْخِلَنا رَبُّنا مَعَ القَوْمِ الصّالِحِينَ﴾ قالَ: القَوْمُ الصّالِحُونَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وأصْحابُهُ.
المائدة 5:87
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ الآيَتَيْنِ.
(p-٤٢٠)أخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ عَدِيٍّ في (الكامِلِ)، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، «أنَّ رَجُلًا أتى النَّبِيَّ ﷺ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنِّي إذا أكَلْتُ اللَّحْمَ انْتَشَرْتُ لِلنِّساءِ، وأخَذَتْنِي شَهْوَتِي، وإنِّي حَرَّمْتُ عَلَيَّ اللَّحْمَ، فَنَزَلَتْ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [المائدة»: ٨٧] .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، «عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ قالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في رَهْطٍ مِنَ الصَّحابَةِ، قالُوا: نَقْطَعُ مَذاكِيرَنا، ونَتْرُكُ شَهَواتِ الدُّنْيا، ونَسِيحُ في الأرْضِ كَما يَفْعَلُ الرُّهْبانُ، فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ ﷺ، فَأرْسَلَ إلَيْهِمْ فَذَكَرَ لَهم ذَلِكَ فَقالُوا: نَعَمْ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: (لَكِنِّي أصُومُ وأُفْطِرُ، وأُصَلِّي وأنامُ، وأنْكِحُ النِّساءَ، فَمَن أخَذَ بِسُنَّتِي فَهو مِنِّي، ومَن لَمْ يَأْخُذْ بِسُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي») .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وأبُو داوُدَ في (مَراسِيلِهِ)، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ أبِي مالِكٍ في قَوْلِهِ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ قالَ: نَزَلَتْ في عُثْمانَ بْنِ مَظْعُونٍ وأصْحابِهِ، كانُوا حَرَّمُوا عَلى أنْفُسِهِمْ كَثِيرًا مِنَ الشَّهَواتِ والنِّساءَ، وهَمَّ بَعْضُهم أنْ يَقْطَعَ ذَكَرَهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ. (p-٤٢١)وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، عَنْ عائِشَةَ «أنَّ ناسًا مِن أصْحابِ النَّبِيِّ ﷺ سَألُوا أزْواجَ النَّبِيِّ ﷺ عَنْ عَمَلِهِ في السِّرِّ، فَقالَ بَعْضُهم: لا آكُلُ اللَّحْمَ، وقالَ بَعْضُهم: لا أتَزَوَّجُ النِّساءَ، وقالَ بَعْضُهم: لا أنامُ عَلى فِراشٍ، فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ ﷺ فَقالَ: ( ما بالُ أقْوامٍ يَقُولُ أحَدُهم كَذا وكَذا، لَكِنِّي أصُومُ وأُفْطِرُ، وأنامُ وأقُومُ، وآكُلُ اللَّحْمَ، وأتَزَوَّجُ النِّساءَ، فَمَن رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي» ) .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، والبُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ حِبّانَ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في ”سُنَنِهِ“ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: «كُنّا نَغْزُو مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ولَيْسَ مَعَنا نِساءٌ، فَقُلْنا: ألا نَسْتَخْصِي؟ فَنَهانا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ ذَلِكَ؟ ورَخَّصَ لَنا أنْ نَنْكِحَ المَرْأةَ بِالثَّوْبِ إلى أجَلٍ، ثُمَّ قَرَأ عَبْدُ اللَّهِ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكم ولا تَعْتَدُوا إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ المُعْتَدِينَ﴾ [المائدة»: ٨٧] .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: كانَ أُناسٌ مِن أصْحابِ النَّبِيِّ ﷺ هَمُّوا (p-٤٢٢)بِالخِصاءِ، وتَرْكِ اللَّحْمِ والنِّساءِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكم ولا تَعْتَدُوا إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ المُعْتَدِينَ﴾ .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ عِكْرِمَةَ، «أنَّ عُثْمانَ بْنَ مَظْعُونٍ في نَفَرٍ مِن أصْحابِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ بَعْضُهم: لا آكُلُ اللَّحْمَ، وقالَ الآخَرُ: لا أنامُ عَلى فِراشٍ، وقالَ الآخَرُ: لا أتَزَوَّجُ النِّساءَ، وقالَ الآخَرُ: أصُومُ ولا أُفْطِرُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ الآيَةَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ إبْراهِيمَ النَّخَعِيِّ في قَوْلِهِ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ قالَ: كانُوا حَرَّمُوا الطِّيبَ، واللَّحْمَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذا فِيهِمْ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ أبِي قِلابَةَ قالَ: أرادَ أُناسٌ مِن أصْحابِ النَّبِيِّ ﷺ أنْ يَرْفُضُوا الدُّنْيا، ويَتْرُكُوا النِّساءَ ويَتَرَهَّبُوا، فَقامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَغَلَّظَ فِيهِمُ المَقالَةَ، ثُمَّ قالَ: «(إنَّما هَلَكَ مَن كانَ قَبْلَكم بِالتَّشْدِيدِ، شَدَّدُوا عَلى أنْفُسِهِمْ فَشَدَّدَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، فَأُولَئِكَ بَقاياهم في الدِّيارِ والصَّوامِعِ، اعْبُدُوا اللَّهَ ولا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وحُجُّوا واعْتَمِرُوا، (p-٤٢٣)واسْتَقِيمُوا يَسْتَقِمْ لَكُمْ»)، قالَ: ونَزَلَتْ فِيهِمْ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ الآيَةَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ قالَ: نَزَلَتْ في أُناسٍ مِن أصْحابِ النَّبِيِّ ﷺ أرادُوا أنْ يَتَخَلَّوْا مِنَ الدُّنْيا ويَتْرُكُوا النِّساءَ ويَتَزَهَّدُوا، مِنهم عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وعُثْمانُ بْنُ مَظْعُونٍ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ الآيَةَ، قالَ ذُكِرَ لَنا «أنَّ رِجالًا مِن أصْحابِ النَّبِيِّ ﷺ رَفَضُوا النِّساءَ واللَّحْمَ، وأرادُوا أنْ يَتَّخِذُوا الصَّوامِعَ، فَلَمّا بَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: (لَيْسَ في دِينِي تَرْكُ النِّساءِ واللَّحْمِ، ولا اتِّخاذُ الصَّوامِعِ»)، وخُبِّرْنا «أنَّ ثَلاثَةَ نَفَرٍ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ اتَّفَقُوا، فَقالَ أحَدُهم: أمّا أنا فَأقُومُ اللَّيْلَ لا أنامُ، وقالَ أحَدُهم: أمّا أنا فَأصُومُ النَّهارَ فَلا أُفْطِرُ، وقالَ الآخَرُ: أمّا أنا فَلا آتِي النِّساءَ، فَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلَيْهِمْ فَقالَ: (ألَمْ أُنَبَّأْ أنَّكُمُ اتَّفَقْتُمْ عَلى كَذا وكَذا؟)، قالُوا: بَلى يا رَسُولَ اللَّهِ، وما أرَدْنا إلّا الخَيْرَ، قالَ: (لَكِنِّي أقُومُ وأنامُ، وأصُومُ وأُفْطِرُ، وآتِي النِّساءَ، فَمَن رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي»)، وكانَ في بَعْضِ القِراءَةِ في الحَرْفِ الأوَّلِ: «(مَن رَغِبَ عَنْ سُنَّتِكَ فَلَيْسَ (p-٤٢٤)مِن أُمَّتِكَ وقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ») .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ أبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ قالَ: قالَ النَّبِيُّ ﷺ: «(لا آمُرُكم أنْ تَكُونُوا قِسِّيسِينَ ورُهْبانًا») .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ السُّدِّيِّ قالَ: «إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ جَلَسَ يَوْمًا فَذَكَّرَ النّاسَ، ثُمَّ قامَ ولَمْ يَزِدْهم عَلى التَّخْوِيفِ، فَقالَ ناسٌ مِن أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كانُوا عَشَرَةً، مِنهم عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وعُثْمانُ بْنُ مَظْعُونٍ: ما خِفْنا إنْ لَمْ نُحْدِثْ عَمَلًا، فَإنَّ النَّصارى قَدْ حَرَّمُوا عَلى أنْفُسِهِمْ، فَنَحْنُ نُحَرِّمُ، فَحَرَّمَ بَعْضُهم أكْلَ اللَّحْمِ والوَدَكِ، وأنْ يَأْكُلَ بِنَهارٍ، وحَرَّمَ بَعْضُهُمُ النَّوْمَ، وحَرَّمَ بَعْضُهُمُ النِّساءَ، فَكانَ عُثْمانُ بْنُ مَظْعُونٍ مِمَّنْ حَرَّمَ النِّساءَ، وكانَ لا يَدْنُو مِن أهْلِهِ، ولا يَدْنُونَ مِنهُ، فَأتَتِ امْرَأتُهُ عائِشَةَ، وكانَ يُقالُ لَها: الحَوْلاءُ، فَقالَتْ لَها عائِشَةُ ومَن عِنْدَها مِن نِساءِ النَّبِيِّ ﷺ: (ما بالُكِ يا حَوْلاءُ مُتَغَيِّرَةَ اللَّوْنِ، لا تَمْتَشِطِينَ، ولا تَتَطَيَّبِينَ؟ فَقالَتْ: وكَيْفَ أتَطَيَّبُ وأمْتَشِطُ وما وقَعَ عَلَيَّ زَوْجِي ولا رَفَعَ عَنِّي ثَوْبًا مُنْذُ كَذا وكَذا؟ فَجَعَلْنَ يَضْحَكْنَ مِن كَلامِها، فَدَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وهُنَّ يَضْحَكْنَ، فَقالَ: (ما يُضْحِكُكُنَّ؟) قالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ، الحَوْلاءُ سَألْتُها عَنْ أمْرِها، فَقالَتْ: ما رَفَعَ عَنِّي زَوْجِي ثَوْبًا مُنْذُ كَذا وكَذا، فَأرْسَلَ إلَيْهِ فَدَعاهُ، (p-٤٢٥)فَقالَ: (ما بالُكَ يا عُثْمانُ؟) قالَ: إنِّي تَرَكْتُهُ لِلَّهِ لِكَيْ أتَخَلّى لِلْعِبادَةِ، وقَصَّ عَلَيْهِ أمْرَهُ، وكانَ عُثْمانُ قَدْ أرادَ أنْ يَجُبَّ نَفْسَهُ. فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (أقْسَمْتُ عَلَيْكَ إلّا رَجَعْتَ فَواقَعْتَ أهْلَكَ)، فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنِّي صائِمٌ، قالَ: (أفْطِرْ)، قالَ: فَأفْطَرَ وأتى أهْلَهُ، فَرَجَعَتِ الحَوْلاءُ إلى عائِشَةَ قَدِ اكْتَحَلَتْ، وامْتَشَطَتْ، وتَطَيَّبَتْ، فَضَحِكَتْ عائِشَةُ، فَقالَتْ: ما لَكِ يا حَوْلاءُ؟ فَقالَتْ: إنَّهُ أتاها أمْسِ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (ما بالُ أقْوامٍ حَرَّمُوا النِّساءَ والطَّعامَ والنَّوْمَ، ألا إنِّي أنامُ وأقُومُ، وأُفْطِرُ وأصُومُ، وأنْكِحُ النِّساءَ، فَمَن رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي)، فَنَزَلَتْ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكم ولا تَعْتَدُوا﴾ يَقُولُ لِعُثْمانَ: لا تَجُبَّ نَفْسَكَ، فَإنَّ هَذا هو الِاعْتِداءُ، وأمْرَهم أنْ يُكَفِّرُوا أيْمانَهُمْ، فَقالَ: ﴿لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ في أيْمانِكُمْ﴾ [المائدة: ٨٩] الآيَةَ، [المائِدَةِ»: ٨٩] .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: أرادَ رِجالٌ مِنهم عُثْمانُ بْنُ مَظْعُونٍ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو، أنْ يَتَبَتَّلُوا ويَخْصُوا أنْفُسَهُمْ، ويَلْبَسُوا المُسُوحَ، فَنَزَلَتْ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ والآيَةُ الَّتِي بَعْدَها.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ عِكْرِمَةَ، أنَّ عُثْمانَ بْنَ مَظْعُونٍ، وعَلِيَّ بْنَ أبِي طالِبٍ، وابْنَ مَسْعُودٍ، والمِقْدادَ بْنَ الأسْوَدِ، وسالِمًا مَوْلى (p-٤٢٦)أبِي حُذَيْفَةَ، وقُدامَةَ، تُبَتَّلُوا، فَجَلَسُوا في البُيُوتِ، واعْتَزَلُوا النِّساءَ، ولَبِسُوا المُسُوحَ، وحَرَّمُوا طَيِّباتِ الطَّعامِ واللِّباسَ، إلّا ما يَأْكُلُ ويَلْبَسُ أهْلُ السِّياحَةِ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، وهَمُّوا بِالِاخْتِصاءِ، وأجْمَعُوا لِقِيامِ اللَّيْلِ وصِيامِ النَّهارِ، فَنَزَلَتْ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ الآيَةَ، فَلَمّا نَزَلَتْ بَعَثَ إلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: «(إنَّ لِأنْفُسِكم حَقًّا، وإنَّ لِأعْيُنِكم حَقًّا، وإنَّ لِأهْلِكم حَقًّا، فَصَلُّوا ونامُوا، وصُومُوا وأفْطِرُوا، فَلَيْسَ مِنّا مَن تَرَكَ سُنَّتَنا»)، فَقالُوا: اللَّهُمَّ صَدَّقْنا واتَّبَعْنا ما أنْزَلْتَ مَعَ الرَّسُولِ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «إنَّ رِجالًا مِن أصْحابِ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ ﷺ، مِنهم عُثْمانُ بْنُ مَظْعُونٍ، حَرَّمُوا اللَّحْمَ والنِّساءَ عَلى أنْفُسِهِمْ، وأخَذُوا الشِّفارَ لِيَقْطَعُوا مَذاكِيرَهم لِكَيْ تَنْقَطِعَ الشَّهْوَةُ عَنْهم ويَتَفَرَّغُوا لِعِبادَةِ رَبِّهِمْ، فَأُخْبِرَ بِذَلِكَ النَّبِيُّ ﷺ فَقالَ: (ما أرَدْتُمْ؟) قالُوا: أرَدْنا أنْ نَقْطَعَ الشَّهْوَةَ عَنّا، ونَتَفَرَّغَ لِعِبادَةِ رَبِّنا، ونَلْهُوَ عَنِ النّاسِ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (لَمْ أُومَرْ بِذَلِكَ، ولَكِنِّي أُمِرْتُ في دِينِي أنْ أتَزَوَّجَ النِّساءَ)، فَقالُوا: نُطِيعُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿واتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾ فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، فَكَيْفَ نَصْنَعُ بِأيْمانِنا الَّتِي حَلَفْنا عَلَيْها؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ في أيْمانِكم ولَكِنْ يُؤاخِذُكم بِما عَقَّدْتُمُ الأيْمانَ﴾ [المائدة»: ٨٩] .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنِ الحَسَنِ العُرَنِيِّ قالَ: كانَ عَلِيٌّ في أُناسٍ مِمَّنْ أرادُوا أنْ يُحَرِّمُوا الشَّهَواتِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ الآيَةَ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، مِن طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنِ المُغِيرَةِ بْنِ عُثْمانَ قالَ: كانَ عُثْمانُ بْنُ مَظْعُونٍ، وعَلِيٌّ، وابْنُ مَسْعُودٍ، والمِقْدادُ، وعَمّارٌ، أرادُوا الِاخْتِصاءَ، وتَحْرِيمَ اللَّحْمِ، ولُبْسَ المُسُوحِ، في أصْحابٍ لَهُمْ، فَأتى النَّبِيُّ ﷺ عُثْمانَ بْنَ مَظْعُونٍ فَسَألَهُ عَنْ ذَلِكَ، فَقالَ: قَدْ كانَ بَعْضُ ذَلِكَ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «(أنْكِحُ النِّساءَ، وآكُلُ اللَّحْمَ، وأصُومُ وأُفْطِرُ، وأُصَلِّي وأنامُ، وألْبَسُ الثِّيابَ، لَمْ آتِ بِالتَّبَتُّلِ، ولا بِالرَّهْبانِيَّةِ، ولَكِنْ جِئْتُ بِالحَنِيفِيَّةِ السَّمْحَةِ، ومَن رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي»)، قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ، «أنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ رَواحَةَ ضافَهُ ضَيْفٌ مِن أهْلِهِ، وهو عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ، ثُمَّ رَجَعَ إلى أهْلِهِ، فَوَجَدَهم لَمْ يُطْعِمُوا ضَيْفَهُمُ انْتِظارًا لَهُ، فَقالَ لِامْرَأتِهِ: حَبَسْتِ ضَيْفِي مِن أجْلِي، هو حَرامٌ عَلَيَّ، فَقالَتِ امْرَأتُهُ: هو عَلَيَّ حَرامٌ، قالَ الضَّيْفُ: هو عَلَيَّ حَرامٌ، فَلَمّا رَأى ذَلِكَ (p-٤٢٨)وضَعَ يَدَهُ وقالَ: كُلُوا بِاسْمِ اللَّهِ، ثُمَّ ذَهَبَ إلى النَّبِيِّ ﷺ فَأخْبَرَهُ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: (قَدْ أصَبْتَ)، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [المائدة»: ٨٧] .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنِ الحَسَنِ: ﴿لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكم ولا تَعْتَدُوا﴾ إلى ما حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْكم.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنِ المُغِيرَةِ قالَ: قُلْتُ لِإبْراهِيمَ في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ هو الرَّجُلُ يُحَرِّمُ الشَّيْءَ مِمّا أحَلَّ اللَّهُ؟ قالَ: نَعَمْ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ في الآيَةِ قالَ: هو الرَّجُلُ يَحْلِفُ ألّا يَصِلَ رَحِمًا، أوْ يُحَرِّمُ عَلَيْهِ بَعْضَ ما أحَلَّ اللَّهُ لَهُ، فَيَأْتِيهِ ويُكَفِّرُ عَنْ يَمِينِهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ مِن طُرُقٍ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، أنَّ مَعْقِلَ بْنَ مُقَرِّنٍ قالَ لَهُ: إنِّي حَرَّمْتُ فِراشِي عَلَيَّ سَنَةً، فَقالَ: نَمْ عَلى فِراشِكَ، وكَفِّرْ عَنْ يَمِينِكَ، ثُمَّ تَلا: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ.
وأخْرَجَ البُخارِيُّ، والتِّرْمِذِيُّ، والدّارَقُطْنِيُّ، عَنْ أبِي جُحَيْفَةَ قالَ: «آخى النَّبِيُّ ﷺ بَيْنَ سَلْمانَ، وأبِي الدَّرْداءِ، فَزارَ سَلْمانُ أبا الدَّرْداءِ، فَرَأى أُمَّ الدَّرْداءِ (p-٤٢٩)مُتَبَذِّلَةً، فَقالَ لَها: ما شَأْنُكِ؟ قالَتْ: أخُوكَ أبُو الدَّرْداءِ لَيْسَ لَهُ حاجَةٌ في الدُّنْيا، فَجاءَ أبُو الدَّرْداءِ فَصَنَعَ لَهُ طَعامًا، فَقالَ: كُلْ، فَإنِّي صائِمٌ، قالَ: ما أنا بِآكِلٍ حَتّى تَأْكُلَ، فَأكَلَ، فَلَمّا كانَ اللَّيْلُ ذَهَبَ أبُو الدَّرْداءِ يَقُومُ، قالَ: نَمْ، فَنامَ، ثُمَّ ذَهَبَ يَقُومُ، فَقالَ: نَمْ، فَلَمّا كانَ مِن آخِرِ اللَّيْلِ قالَ سَلْمانُ: قُمِ الآنَ، فَصَلَّيا، فَقالَ لَهُ سَلْمانُ: إنَّ لِرَبِّكَ عَلَيْكَ حَقًّا، ولِنَفْسِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، ولِأهْلِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، فَأعْطِ كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ، فَأتى النَّبِيَّ ﷺ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ، فَقالَ النَّبِيُّ: (صَدَقَ سَلْمانُ») .
وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، وأبُو داوُدَ، والنَّسائِيُّ، «عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العاصِي قالَ: قالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (يا عَبْدَ اللَّهِ، ألَمْ أُخْبَرْ أنَّكَ تَصُومُ النَّهارَ وتَقُومُ اللَّيْلَ؟) قُلْتُ: بَلى يا رَسُولَ اللَّهِ، قالَ: (فَلا تَفْعَلْ، صُمْ وأفْطِرْ، وقُمْ ونَمْ، فَإنَّ لِجَسَدِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وإنَّ لِعَيْنِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وإنَّ لِزَوْجِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وإنَّ لِزَوْرِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وإنَّ بِحَسْبِكَ أنْ تَصُومَ مِن كُلِّ شَهْرٍ ثَلاثَةَ أيّامٍ، فَإنَّ لَكَ بِكُلِّ حَسَنَةٍ عَشْرُ أمْثالِها، فَإذَنْ ذَلِكَ صِيامُ الدَّهْرِ كُلِّهِ)، قُلْتُ: إنِّي أجِدُ قُوَّةً، قالَ: (فَصُمْ صِيامَ نَبِيِّ اللَّهِ داوُدَ ولا تَزِدْ عَلَيْهِ)، قُلْتُ: وما (p-٤٣٠)كانَ صِيامُ نَبِيِّ اللَّهِ داوُدَ؟ قالَ: (نِصْفُ الدَّهْرِ») .
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ في (المُصَنَّفِ) عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ أنَّ نَفَرًا مِن أصْحابِ النَّبِيِّ ﷺ فِيهِمْ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو، لَمّا تَبَتَّلُوا وجَلَسُوا في البُيُوتِ، واعْتَزَلُوا، وهَمُّوا بِالخِصاءِ، وأجْمَعُوا لِقِيامِ اللَّيْلِ وصِيامِ النَّهارِ، بَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ ﷺ فَدَعاهم فَقالَ: «(أمّا أنا فَإنِّي أُصَلِّي وأنامُ، وأصُومُ وأُفْطِرُ، وأتَزَوَّجُ النِّساءَ، فَمَن رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي») .
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، والطَّبَرانِيُّ، عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: «دَخَلَتِ امْرَأةُ عُثْمانَ بْنِ مَظْعُونٍ واسْمُها خَوْلَةُ بِنْتُ حَكِيمٍ، عَلَيَّ وهي باذَّةُ الهَيْئَةِ، فَسَألْتُها: ما شَأْنُكِ؟ فَقالَتْ: زَوْجِي يَقُومُ اللَّيْلَ، ويَصُومُ النَّهارَ، فَدَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ، فَلَقِيَ النَّبِيَّ ﷺ فَقالَ: (يا عُثْمانُ، إنَّ الرَّهْبانِيَّةَ لَمْ تُكْتَبْ عَلَيْنا، أما لَكَ فِيَّ أُسْوَةٌ، فَواللَّهِ إنَّ أخْشاكم لِلَّهِ، وأحْفَظَكم لِحُدُودِهِ لَأنا») .
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، عَنْ أبِي قِلابَةَ، «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: (مَن (p-٤٣١)تَبَتَّلَ فَلَيْسَ مِنّا») .
وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، عَنِ ابْنِ شِهابٍ، «أنَّ عُثْمانَ بْنَ مَظْعُونٍ أرادَ أنْ يَخْتَصِيَ، ويَسِيحَ في الأرْضِ، فَقالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (ألَيْسَ لَكَ فِيَّ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ، فَأنا آتِي النِّساءَ، وآكُلُ اللَّحْمَ، وأصُومُ وأُفْطِرُ، إنَّ خِصاءَ أُمَّتِي الصِّيامُ، ولَيْسَ مِن أُمَّتِي مَن خَصى أوِ اخْتَصى») .
وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، عَنْ أبِي بُرْدَةَ قالَ: «دَخَلَتِ امْرَأةُ عُثْمانَ بْنِ مَظْعُونٍ عَلى نِساءِ النَّبِيِّ ﷺ فَرَأيْنَها سَيِّئَةَ الهَيْئَةِ، فَقُلْنَ لَها: ما لَكِ؟ فَقالَتْ: ما لَنا مِنهُ شَيْءٌ، أمّا لَيْلُهُ فَقائِمٌ، وأمّا نَهارُهُ فَصائِمٌ، فَدَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ فَذَكَرْنَ ذَلِكَ لَهُ، فَلَقِيَهُ فَقالَ: (يا عُثْمانُ بْنَ مَظْعُونٍ، أما لَكَ فِيَّ أُسْوَةٌ؟) قالَ: وما ذاكَ؟ قالَ: (تَصُومُ النَّهارَ، وتَقُومُ اللَّيْلَ)، قالَ: إنِّي لَأفْعَلُ، قالَ: (لا تَفْعَلْ، إنَّ لِعَيْنِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وإنَّ لِجَسَدِكَ حَقًّا، وإنَّ لِأهْلِكَ حَقًّا، فَصَلِّ ونَمْ، وصُمْ وأفْطِرْ)، قالَ: فَأتَتْهُنَّ بَعْدَ ذَلِكَ عَطِرَةً كَأنَّها عَرُوسٌ، فَقُلْنَ لَها: مَهْ؟ قالَتْ: أصابَنا ما أصابَ النّاسَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، عَنْ أبِي قِلابَةَ، «أنَّ عُثْمانَ بْنَ مَظْعُونٍ اتَّخَذَ بَيْتًا فَقَعَدَ يَتَعَبَّدُ فِيهِ، فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ ﷺ فَأتاهُ، فَأخَذَ بِعِضادَتَيْ بابِ البَيْتِ الَّذِي هو فِيهِ، فَقالَ: (يا عُثْمانُ، إنَّ اللَّهَ لَمْ يَبْعَثْنِي بِالرَّهْبانِيَّةِ - مَرَّتَيْنِ أوْ ثَلاثًا - وإنَّ خَيْرَ (p-٤٣٢)الدِّينِ عِنْدَ اللَّهِ الحَنِيفِيَّةُ السَّمْحَةُ») .
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ عَنْ أبِي أُمامَةَ قالَ: «كانَتِ امْرَأةُ عُثْمانَ بْنِ مَظْعُونٍ امْرَأةٌ جَمِيلَةٌ عَطِرَةٌ تُحِبُّ اللِّباسَ والهَيْئَةَ لِزَوْجِها، فَزارَتْها عائِشَةُ وهي تَفِلَةٌ، قالَتْ: ما حالُكِ هَذِهِ؟ قالَتْ: إنَّ نَفَرًا مِن أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، مِنهم عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَواحَةَ، وعُثْمانُ بْنُ مَظْعُونٍ، قَدْ تَخَلَّوْا لِلْعِبادَةِ، وامْتَنَعُوا مِنَ النِّساءِ وأكْلِ اللَّحْمِ، وصامُوا النَّهارَ وقامُوا اللَّيْلَ، فَكَرِهْتُ أنْ أُرِيَهُ مِن حالِي ما يَدْعُوهُ إلى ما عِنْدِي، لِما تَخَلّى لَهُ، فَلَمّا دَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ أخْبَرَتْهُ عائِشَةُ، فَأخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ نَعْلَهُ فَحَمَلَها بِالسَّبّابَةِ مِن إصْبَعِهِ اليُسْرى، ثُمَّ انْطَلَقَ سَرِيعًا حَتّى دَخَلَ عَلَيْهِمْ، فَسَألَهم عَنْ حالِهِمْ، قالُوا: أرَدْنا الخَيْرَ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (إنِّي إنَّما بُعِثْتُ بِالحَنِيفِيَّةِ السَّمْحَةِ، ولَمْ أُبْعَثْ بِالرَّهْبانِيَّةِ البِدْعَةِ، ألا وإنَّ أقْوامًا ابْتَدَعُوا الرَّهْبانِيَّةَ، فَكُتِبَتْ عَلَيْهِمْ فَما رَعَوْها حَقَّ رِعايَتِها، ألا فَكُلُوا اللَّحْمَ، وأْتُوا النِّساءَ، وصُومُوا وأفْطِرُوا، وصَلُّوا ونامُوا، فَإنِّي بِذَلِكَ أُمِرْتُ») .
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، والبُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، وأبُو داوُدَ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ ماجَهْ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: قالَ النَّبِيُّ ﷺ: «(مَنِ اسْتَطاعَ (p-٤٣٣)مِنكُمُ الباءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ، فَإنَّهُ أغَضُّ لِلْبَصَرِ، وأحْصَنُ لِلْفَرْجِ، ومَن لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ، فَإنَّهُ لَهُ وِجاءٌ») .
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، عَنْ عُثْمانَ بْنِ عَفّانَ، قالَ: «سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَرَّ بِفِتْيَةٍ فَقالَ: (مَن كانَ مِنكم ذا طَوْلٍ فَلْيَتَزَوَّجْ، فَإنَّهُ أغَضُّ لِلْبَصَرِ، وأحْصَنُ لِلْفَرْجِ، ومَن لا فَلْيَصُمْ، فَإنَّ الصَّوْمَ لَهُ وِجاءٌ») .
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، قالَ: لَوْ لَمْ يَبْقَ مِنَ الدُّنْيا إلّا يَوْمٌ واحِدٌ، لَأحْبَبْتُ أنْ يَكُونَ لِي فِيهِ زَوْجَةٌ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ، أنَّهُ قالَ لِرَجُلٍ: أتَزَوَّجْتَ؟ قالَ: لا، قالَ: إمّا أنْ تَكُونَ أحْمَقَ، وإمّا أنْ تَكُونَ فاجِرًا.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنْ إبْراهِيمَ بْنِ مَيْسَرَةَ قالَ: قالَ لِي طاوُسٌ: لَتَنْكِحَنَّ أوْ لَأقُولُ لَكَ ما قالَ عُمَرُ لِأبِي الزَّوائِدِ: ما يَمْنَعُكَ مِنَ النِّكاحِ إلّا عَجْزٌ أوْ فُجُورٌ. (p-٤٣٤)وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، عَنْ وهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ قالَ: مَثَلُ الأعْزَبِ كَمَثَلِ شَجَرَةٍ في فَلاةٍ تُقَلِّبُها الرِّياحُ هَكَذا وهَكَذا.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ هِلالٍ، «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: (تَناكَحُوا تَكْثُرُوا، فَإنِّي أُباهِي بِكُمُ الأُمَمَ يَوْمَ القِيامَةِ») .
وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، والبُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ ماجَهْ، عَنْ سَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ قالَ: «لَقَدْ رَدَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلى عُثْمانَ بْنِ مَظْعُونٍ التَّبَتُّلَ، ولَوْ أذِنَ لَهُ في ذَلِكَ لاخْتَصَيْنا» .
وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، والبَيْهَقِيُّ في (شُعَبِ الإيمانِ)، مِن طَرِيقِ عائِشَةَ بِنْتِ قُدامَةَ بْنِ مَظْعُونٍ، عَنْ أبِيها، عَنْ أخِيهِ عُثْمانَ بْنِ مَظْعُونٍ، أنَّهُ قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، «إنِّي رَجُلٌ تَشُقُّ عَلَيَّ هَذِهِ العُزْبَةُ في المَغازِي، فَتَأْذَنُ لِي يا رَسُولَ اللَّهِ في الخِصاءِ فَأخْتَصِيَ؟ قالَ: (لا، ولَكِنْ عَلَيْكَ يا ابْنَ مَظْعُونٍ بِالصِّيامِ، فَإنَّهُ مَجْفَرٌ») . (p-٤٣٥)وأخْرَجَ أحْمَدُ عَنْ عائِشَةَ، «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهى عَنِ التَّبَتُّلِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنْ سُمَرَةَ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهى عَنِ التَّبَتُّلِ» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ، والبُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، عَنْ أنَسٍ «أنَّ نَفَرًا مِن أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ سَألُوا أزْواجَ النَّبِيِّ ﷺ عَنْ عَمَلِهِ في السِّرِّ فَقالَ بَعْضُهم: لا أتَزَوَّجُ النِّساءَ، وقالَ بَعْضُهم: لا آكُلُ اللَّحْمَ، وقالَ بَعْضُهم: لا أنامُ عَلى فِراشٍ، وقالَ بَعْضُهم: أصُومُ ولا أُفْطِرُ، فَقامَ فَحَمِدَ اللَّهَ وأثْنى عَلَيْهِ، ثُمَّ قالَ: (ما بالُ أقْوامٍ قالُوا كَذا وكَذا، لَكِنِّي أُصَلِّي وأنامُ، وأصُومُ وأُفْطِرُ، وأتَزَوَّجُ النِّساءَ، فَمَن رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي») .
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، والبَيْهَقِيُّ في ”سُنَنِهِ“ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «(مَن أحَبَّ فِطْرَتِي فَلْيَسْتَنَّ بِسُنَّتِي، ومِن سُنَّتِي النِّكاحُ») .
وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في ”سُنَنِهِ“، عَنْ مَيْمُونٍ أبِي المُغَلِّسِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «(مَن كانَ مُوسِرًا لِأنْ يَنْكِحَ فَلَمْ يَنْكِحْ فَلَيْسَ مِنّا») . (p-٤٣٦)وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، عَنْ أيُّوبَ، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «(مَنِ اسْتَنَّ بِسُنَّتِي فَهو مِنِّي، ومِن سُنَّتِي النِّكاحُ») .
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وأحْمَدُ، عَنْ أبِي ذَرٍّ قالَ: «دَخَلَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ رَجُلٌ يُقالُ لَهُ: عَكّافُ بْنُ بِشْرٍ التَّمِيمِيُّ فَقالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: (هَلْ لَكَ مِن زَوْجَةٍ؟) قالَ: لا، قالَ: (ولا جارِيَةٌ؟) قالَ: ولا جارِيَةٌ، قالَ: (وأنْتَ مُوسِرٌ بِخَيْرٍ؟) قالَ: وأنا مُوسِرٌ بِخَيْرٍ، قالَ: (أنْتَ إذًا مِن إخْوانِ الشَّياطِينِ، لَوْ كُنْتَ مِنَ النَّصارى كُنْتَ مِن رُهْبانِهِمْ، إنَّ مِن سُنَّتِنا النِّكاحَ، شِرارُكم عُزّابُكُمْ، وأراذِلُ مَوْتاكم عُزّابُكُمْ، أبِالشَّيْطانِ تَتَمَرَّسُونَ؟ ما لِلشَّيْطانِ مِن سِلاحٍ أبْلَغَ في الصّالِحِينَ مِنَ النِّساءِ، إلّا المُتَزَوِّجِينَ، أُولَئِكَ المُطَهَّرُونَ المُبَرَّءُونَ مِنَ الخَنا، ويْحَكَ يا عَكّافُ، إنَّهُنَّ صَواحِبُ أيُّوبَ، وداوُدَ، ويُوسُفَ، وكُرْسُفَ )، فَقالَ لَهُ بِشْرُ بْنُ عَطِيَّةَ: ومَن كُرْسُفُ يا رَسُولَ اللَّهِ؟ قالَ: (رَجُلٌ كانَ يَعْبُدُ اللَّهَ بِساحِلٍ مِن سَواحِلِ البَحْرِ ثَلاثَمِائَةِ عامٍ، يَصُومُ النَّهارَ، ويَقُومُ اللَّيْلَ، ثُمَّ إنَّهُ كَفَرَ بِاللَّهِ العَظِيمِ في سَبَبِ امْرَأةٍ عَشِقَها، وتَرَكَ ما كانَ عَلَيْهِ مِن عِبادَةِ رَبِّهِ، ثُمَّ اسْتَدْرَكَهُ اللَّهُ بِبَعْضِ ما كانَ مِنهُ فَتابَ عَلَيْهِ، ويْحَكَ يا عَكّافُ، (p-٤٣٧)تَزَوَّجْ وإلّا فَأنْتَ مِنَ المُذَبْذَبِينَ») .
وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في (شُعَبِ الإيمانِ) عَنْ عَطِيَّةَ بْنِ بُسْرٍ المازِنِيِّ قالَ: «جاءَ عَكّافُ بْنُ وداعَةَ الهِلالِيُّ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (يا عَكّافُ، ألَكَ زَوْجَةٌ؟) قالَ: لا، قالَ: (ولا جارِيَةٌ؟) قالَ: لا، قالَ: (وأنْتَ صَحِيحٌ مُوسِرٌ؟) قالَ: نَعَمْ، والحَمْدُ لِلَّهِ، قالَ: (فَأنْتَ إذَنْ مِنَ الشَّياطِينِ، إمّا أنْ تَكُونَ مِن رَهْبانِيَّةِ النَّصارى، فَأنْتَ مِنهُمْ، وإمّا أنْ تَكُونَ مِنّا فَتَصْنَعُ كَما نَصْنَعُ، فَإنَّ مِن سُنَّتِنا النِّكاحَ، شِرارُكم عُزّابُكُمْ، وأراذِلُ مَوْتاكم عُزّابُكُمْ، أبِالشَّيْطانِ تَمَرَّسُونَ؟ ما لَهُ في نَفْسِهِ سِلاحٌ أبْلَغُ في الصّالِحِينَ مِنَ النِّساءِ، إلّا المُتَزَوِّجُونَ المُطَهَّرُونَ المُبَرَّءُونَ مِنَ الخَنا، ويْحَكَ يا عَكّافُ، تَزَوَّجْ إنَّهُنَّ صَواحِبُ داوُدَ، وصَواحِبُ أيُّوبَ، وصَواحِبُ يُوسُفَ، وصَواحِبُ كُرْسُفَ )، فَقالَ عَطِيَّةُ: ومَن كُرْسُفُ يا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقالَ: (رَجُلٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ عَلى ساحِلٍ مِن سَواحِلِ البَحْرِ، يَصُومُ النَّهارَ، ويَقُومُ اللَّيْلَ، لا يَفْتُرُ مِن صَلاةٍ ولا صِيامٍ، ثُمَّ كَفَرَ مِن بَعْدِ ذَلِكَ بِاللَّهِ العَظِيمِ في سَبَبِ امْرَأةٍ عَشِقَها، فَتَرَكَ ما كانَ عَلَيْهِ مِن عِبادَةِ رَبِّهِ عَزَّ وجَلَّ، فَتَدارَكَهُ اللَّهُ بِما سَلَفَ مِنهُ، فَتابَ اللَّهُ عَلَيْهِ، ويْحَكَ، تَزَوَّجْ فَإنَّكَ مِنَ المُذْنِبِينَ») .
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ أبِي نَجِيحٍ قالَ: قالَ (p-٤٣٨)رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «(مَن كانَ مُوسِرًا لِأنْ يَنْكِحَ فَلَمْ يَنْكِحْ فَلَيْسَ مِنِّي») .
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ أبِي نَجِيحٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «(مِسْكِينٌ مِسْكِينٌ، رَجُلٌ لَيْسَتْ لَهُ امْرَأةٌ)، قِيلَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، وإنْ كانَ غَنِيًّا ذا مالٍ؟ قالَ: (وإنْ كانَ غَنِيًّا مِنَ المالِ)، قالَ: (ومِسْكِينَةٌ مِسْكِينَةٌ، امْرَأةٌ لَيْسَ لَها زَوْجٌ)، قِيلَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، وإنْ كانَتْ غَنِيَّةً أوْ مُكْثِرَةً مِنَ المالِ؟ قالَ: (وإنْ كانَتْ»)، قالَ البَيْهَقِيُّ: أبُو نَجِيحٍ اسْمُهُ يَسارٌ، وهو والِدُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي نَجِيحٍ، وهو مِنَ التّابِعِينَ، والحَدِيثُ مُرْسَلٌ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وأحْمَدُ، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ أنَسٍ، قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَأْمُرُنا بِالباءَةِ، ويَنْهانا عَنِ التَّبَتُّلِ نَهْيًا شَدِيدًا، ويَقُولُ: (تَزَوَّجُوا الوَدُودَ الوَلُودَ، فَإنِّي مُكاثِرٌ بِكُمُ الأنْبِياءَ يَوْمَ القِيامَةِ») .
وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ، عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «(إذا تَزَوَّجَ العَبْدُ فَقَدِ اسْتَكْمَلَ نِصْفَ الدِّينِ، فَلْيَتَّقِ اللَّهَ في النِّصْفِ الباقِي») . (p-٤٣٩)وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ مِن وجْهٍ آخَرَ عَنْ أنَسٍ، أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «(مَن رَزَقَهُ اللَّهُ امْرَأةً صالِحَةً فَقَدْ أعانَهُ عَلى شَطْرِ دِينِهِ، فَلْيَتَّقِ اللَّهَ في الشَّطْرِ الباقِي») .
وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانَ في بَنِي إسْرائِيلَ رَجُلٌ عابِدٌ وكانَ مُعْتَزِلًا في كَهْفٍ لَهُ، فَكانَ بَنُو إسْرائِيلَ قَدْ أُعْجِبُوا بِعِبادَتِهِ، فَبَيْنَما هم عِنْدَ نَبِيِّهِمْ إذْ ذَكَرُوهُ، فَأثْنَوْا عَلَيْهِ، فَقالَ النَّبِيُّ: إنَّهُ لَكَما تَقُولُونَ، لَوْلا أنَّهُ تارِكٌ لِشَيْءٍ مِنَ السُّنَّةِ وهو التَّزَوُّجُ.
وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، «عَنْ شَدّادِ بْنِ أوْسٍ أنَّهُ قالَ: زَوِّجُونِي، فَإنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أوْصانِي ألّا ألْقى اللَّهَ عَزَبًا» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنِ الحَسَنِ قالَ: قالَ مُعاذٌ في مَرَضِهِ الَّذِي ماتَ فِيهِ: زَوِّجُونِي، إنِّي أكْرَهُ أنْ ألْقى اللَّهَ عَزَبًا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنْ عُمَرَ قالَ: يُكَفَّنُ الرَّجُلُ في ثَلاثَةِ أثْوابٍ، لا تَعْتَدُوا، إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ المُعْتَدِينَ.
المائدة 5:88
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ الآيَتَيْنِ.
(p-٤٢٠)أخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ عَدِيٍّ في (الكامِلِ)، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، «أنَّ رَجُلًا أتى النَّبِيَّ ﷺ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنِّي إذا أكَلْتُ اللَّحْمَ انْتَشَرْتُ لِلنِّساءِ، وأخَذَتْنِي شَهْوَتِي، وإنِّي حَرَّمْتُ عَلَيَّ اللَّحْمَ، فَنَزَلَتْ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [المائدة»: ٨٧] .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، «عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ قالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في رَهْطٍ مِنَ الصَّحابَةِ، قالُوا: نَقْطَعُ مَذاكِيرَنا، ونَتْرُكُ شَهَواتِ الدُّنْيا، ونَسِيحُ في الأرْضِ كَما يَفْعَلُ الرُّهْبانُ، فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ ﷺ، فَأرْسَلَ إلَيْهِمْ فَذَكَرَ لَهم ذَلِكَ فَقالُوا: نَعَمْ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: (لَكِنِّي أصُومُ وأُفْطِرُ، وأُصَلِّي وأنامُ، وأنْكِحُ النِّساءَ، فَمَن أخَذَ بِسُنَّتِي فَهو مِنِّي، ومَن لَمْ يَأْخُذْ بِسُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي») .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وأبُو داوُدَ في (مَراسِيلِهِ)، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ أبِي مالِكٍ في قَوْلِهِ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ قالَ: نَزَلَتْ في عُثْمانَ بْنِ مَظْعُونٍ وأصْحابِهِ، كانُوا حَرَّمُوا عَلى أنْفُسِهِمْ كَثِيرًا مِنَ الشَّهَواتِ والنِّساءَ، وهَمَّ بَعْضُهم أنْ يَقْطَعَ ذَكَرَهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ. (p-٤٢١)وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، عَنْ عائِشَةَ «أنَّ ناسًا مِن أصْحابِ النَّبِيِّ ﷺ سَألُوا أزْواجَ النَّبِيِّ ﷺ عَنْ عَمَلِهِ في السِّرِّ، فَقالَ بَعْضُهم: لا آكُلُ اللَّحْمَ، وقالَ بَعْضُهم: لا أتَزَوَّجُ النِّساءَ، وقالَ بَعْضُهم: لا أنامُ عَلى فِراشٍ، فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ ﷺ فَقالَ: ( ما بالُ أقْوامٍ يَقُولُ أحَدُهم كَذا وكَذا، لَكِنِّي أصُومُ وأُفْطِرُ، وأنامُ وأقُومُ، وآكُلُ اللَّحْمَ، وأتَزَوَّجُ النِّساءَ، فَمَن رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي» ) .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، والبُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ حِبّانَ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في ”سُنَنِهِ“ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: «كُنّا نَغْزُو مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ولَيْسَ مَعَنا نِساءٌ، فَقُلْنا: ألا نَسْتَخْصِي؟ فَنَهانا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ ذَلِكَ؟ ورَخَّصَ لَنا أنْ نَنْكِحَ المَرْأةَ بِالثَّوْبِ إلى أجَلٍ، ثُمَّ قَرَأ عَبْدُ اللَّهِ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكم ولا تَعْتَدُوا إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ المُعْتَدِينَ﴾ [المائدة»: ٨٧] .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: كانَ أُناسٌ مِن أصْحابِ النَّبِيِّ ﷺ هَمُّوا (p-٤٢٢)بِالخِصاءِ، وتَرْكِ اللَّحْمِ والنِّساءِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكم ولا تَعْتَدُوا إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ المُعْتَدِينَ﴾ .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ عِكْرِمَةَ، «أنَّ عُثْمانَ بْنَ مَظْعُونٍ في نَفَرٍ مِن أصْحابِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ بَعْضُهم: لا آكُلُ اللَّحْمَ، وقالَ الآخَرُ: لا أنامُ عَلى فِراشٍ، وقالَ الآخَرُ: لا أتَزَوَّجُ النِّساءَ، وقالَ الآخَرُ: أصُومُ ولا أُفْطِرُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ الآيَةَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ إبْراهِيمَ النَّخَعِيِّ في قَوْلِهِ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ قالَ: كانُوا حَرَّمُوا الطِّيبَ، واللَّحْمَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذا فِيهِمْ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ أبِي قِلابَةَ قالَ: أرادَ أُناسٌ مِن أصْحابِ النَّبِيِّ ﷺ أنْ يَرْفُضُوا الدُّنْيا، ويَتْرُكُوا النِّساءَ ويَتَرَهَّبُوا، فَقامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَغَلَّظَ فِيهِمُ المَقالَةَ، ثُمَّ قالَ: «(إنَّما هَلَكَ مَن كانَ قَبْلَكم بِالتَّشْدِيدِ، شَدَّدُوا عَلى أنْفُسِهِمْ فَشَدَّدَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، فَأُولَئِكَ بَقاياهم في الدِّيارِ والصَّوامِعِ، اعْبُدُوا اللَّهَ ولا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وحُجُّوا واعْتَمِرُوا، (p-٤٢٣)واسْتَقِيمُوا يَسْتَقِمْ لَكُمْ»)، قالَ: ونَزَلَتْ فِيهِمْ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ الآيَةَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ قالَ: نَزَلَتْ في أُناسٍ مِن أصْحابِ النَّبِيِّ ﷺ أرادُوا أنْ يَتَخَلَّوْا مِنَ الدُّنْيا ويَتْرُكُوا النِّساءَ ويَتَزَهَّدُوا، مِنهم عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وعُثْمانُ بْنُ مَظْعُونٍ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ الآيَةَ، قالَ ذُكِرَ لَنا «أنَّ رِجالًا مِن أصْحابِ النَّبِيِّ ﷺ رَفَضُوا النِّساءَ واللَّحْمَ، وأرادُوا أنْ يَتَّخِذُوا الصَّوامِعَ، فَلَمّا بَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: (لَيْسَ في دِينِي تَرْكُ النِّساءِ واللَّحْمِ، ولا اتِّخاذُ الصَّوامِعِ»)، وخُبِّرْنا «أنَّ ثَلاثَةَ نَفَرٍ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ اتَّفَقُوا، فَقالَ أحَدُهم: أمّا أنا فَأقُومُ اللَّيْلَ لا أنامُ، وقالَ أحَدُهم: أمّا أنا فَأصُومُ النَّهارَ فَلا أُفْطِرُ، وقالَ الآخَرُ: أمّا أنا فَلا آتِي النِّساءَ، فَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلَيْهِمْ فَقالَ: (ألَمْ أُنَبَّأْ أنَّكُمُ اتَّفَقْتُمْ عَلى كَذا وكَذا؟)، قالُوا: بَلى يا رَسُولَ اللَّهِ، وما أرَدْنا إلّا الخَيْرَ، قالَ: (لَكِنِّي أقُومُ وأنامُ، وأصُومُ وأُفْطِرُ، وآتِي النِّساءَ، فَمَن رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي»)، وكانَ في بَعْضِ القِراءَةِ في الحَرْفِ الأوَّلِ: «(مَن رَغِبَ عَنْ سُنَّتِكَ فَلَيْسَ (p-٤٢٤)مِن أُمَّتِكَ وقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ») .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ أبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ قالَ: قالَ النَّبِيُّ ﷺ: «(لا آمُرُكم أنْ تَكُونُوا قِسِّيسِينَ ورُهْبانًا») .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ السُّدِّيِّ قالَ: «إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ جَلَسَ يَوْمًا فَذَكَّرَ النّاسَ، ثُمَّ قامَ ولَمْ يَزِدْهم عَلى التَّخْوِيفِ، فَقالَ ناسٌ مِن أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كانُوا عَشَرَةً، مِنهم عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وعُثْمانُ بْنُ مَظْعُونٍ: ما خِفْنا إنْ لَمْ نُحْدِثْ عَمَلًا، فَإنَّ النَّصارى قَدْ حَرَّمُوا عَلى أنْفُسِهِمْ، فَنَحْنُ نُحَرِّمُ، فَحَرَّمَ بَعْضُهم أكْلَ اللَّحْمِ والوَدَكِ، وأنْ يَأْكُلَ بِنَهارٍ، وحَرَّمَ بَعْضُهُمُ النَّوْمَ، وحَرَّمَ بَعْضُهُمُ النِّساءَ، فَكانَ عُثْمانُ بْنُ مَظْعُونٍ مِمَّنْ حَرَّمَ النِّساءَ، وكانَ لا يَدْنُو مِن أهْلِهِ، ولا يَدْنُونَ مِنهُ، فَأتَتِ امْرَأتُهُ عائِشَةَ، وكانَ يُقالُ لَها: الحَوْلاءُ، فَقالَتْ لَها عائِشَةُ ومَن عِنْدَها مِن نِساءِ النَّبِيِّ ﷺ: (ما بالُكِ يا حَوْلاءُ مُتَغَيِّرَةَ اللَّوْنِ، لا تَمْتَشِطِينَ، ولا تَتَطَيَّبِينَ؟ فَقالَتْ: وكَيْفَ أتَطَيَّبُ وأمْتَشِطُ وما وقَعَ عَلَيَّ زَوْجِي ولا رَفَعَ عَنِّي ثَوْبًا مُنْذُ كَذا وكَذا؟ فَجَعَلْنَ يَضْحَكْنَ مِن كَلامِها، فَدَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وهُنَّ يَضْحَكْنَ، فَقالَ: (ما يُضْحِكُكُنَّ؟) قالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ، الحَوْلاءُ سَألْتُها عَنْ أمْرِها، فَقالَتْ: ما رَفَعَ عَنِّي زَوْجِي ثَوْبًا مُنْذُ كَذا وكَذا، فَأرْسَلَ إلَيْهِ فَدَعاهُ، (p-٤٢٥)فَقالَ: (ما بالُكَ يا عُثْمانُ؟) قالَ: إنِّي تَرَكْتُهُ لِلَّهِ لِكَيْ أتَخَلّى لِلْعِبادَةِ، وقَصَّ عَلَيْهِ أمْرَهُ، وكانَ عُثْمانُ قَدْ أرادَ أنْ يَجُبَّ نَفْسَهُ. فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (أقْسَمْتُ عَلَيْكَ إلّا رَجَعْتَ فَواقَعْتَ أهْلَكَ)، فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنِّي صائِمٌ، قالَ: (أفْطِرْ)، قالَ: فَأفْطَرَ وأتى أهْلَهُ، فَرَجَعَتِ الحَوْلاءُ إلى عائِشَةَ قَدِ اكْتَحَلَتْ، وامْتَشَطَتْ، وتَطَيَّبَتْ، فَضَحِكَتْ عائِشَةُ، فَقالَتْ: ما لَكِ يا حَوْلاءُ؟ فَقالَتْ: إنَّهُ أتاها أمْسِ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (ما بالُ أقْوامٍ حَرَّمُوا النِّساءَ والطَّعامَ والنَّوْمَ، ألا إنِّي أنامُ وأقُومُ، وأُفْطِرُ وأصُومُ، وأنْكِحُ النِّساءَ، فَمَن رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي)، فَنَزَلَتْ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكم ولا تَعْتَدُوا﴾ يَقُولُ لِعُثْمانَ: لا تَجُبَّ نَفْسَكَ، فَإنَّ هَذا هو الِاعْتِداءُ، وأمْرَهم أنْ يُكَفِّرُوا أيْمانَهُمْ، فَقالَ: ﴿لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ في أيْمانِكُمْ﴾ [المائدة: ٨٩] الآيَةَ، [المائِدَةِ»: ٨٩] .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: أرادَ رِجالٌ مِنهم عُثْمانُ بْنُ مَظْعُونٍ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو، أنْ يَتَبَتَّلُوا ويَخْصُوا أنْفُسَهُمْ، ويَلْبَسُوا المُسُوحَ، فَنَزَلَتْ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ والآيَةُ الَّتِي بَعْدَها.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ عِكْرِمَةَ، أنَّ عُثْمانَ بْنَ مَظْعُونٍ، وعَلِيَّ بْنَ أبِي طالِبٍ، وابْنَ مَسْعُودٍ، والمِقْدادَ بْنَ الأسْوَدِ، وسالِمًا مَوْلى (p-٤٢٦)أبِي حُذَيْفَةَ، وقُدامَةَ، تُبَتَّلُوا، فَجَلَسُوا في البُيُوتِ، واعْتَزَلُوا النِّساءَ، ولَبِسُوا المُسُوحَ، وحَرَّمُوا طَيِّباتِ الطَّعامِ واللِّباسَ، إلّا ما يَأْكُلُ ويَلْبَسُ أهْلُ السِّياحَةِ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، وهَمُّوا بِالِاخْتِصاءِ، وأجْمَعُوا لِقِيامِ اللَّيْلِ وصِيامِ النَّهارِ، فَنَزَلَتْ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ الآيَةَ، فَلَمّا نَزَلَتْ بَعَثَ إلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: «(إنَّ لِأنْفُسِكم حَقًّا، وإنَّ لِأعْيُنِكم حَقًّا، وإنَّ لِأهْلِكم حَقًّا، فَصَلُّوا ونامُوا، وصُومُوا وأفْطِرُوا، فَلَيْسَ مِنّا مَن تَرَكَ سُنَّتَنا»)، فَقالُوا: اللَّهُمَّ صَدَّقْنا واتَّبَعْنا ما أنْزَلْتَ مَعَ الرَّسُولِ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «إنَّ رِجالًا مِن أصْحابِ النَّبِيِّ مُحَمَّدٍ ﷺ، مِنهم عُثْمانُ بْنُ مَظْعُونٍ، حَرَّمُوا اللَّحْمَ والنِّساءَ عَلى أنْفُسِهِمْ، وأخَذُوا الشِّفارَ لِيَقْطَعُوا مَذاكِيرَهم لِكَيْ تَنْقَطِعَ الشَّهْوَةُ عَنْهم ويَتَفَرَّغُوا لِعِبادَةِ رَبِّهِمْ، فَأُخْبِرَ بِذَلِكَ النَّبِيُّ ﷺ فَقالَ: (ما أرَدْتُمْ؟) قالُوا: أرَدْنا أنْ نَقْطَعَ الشَّهْوَةَ عَنّا، ونَتَفَرَّغَ لِعِبادَةِ رَبِّنا، ونَلْهُوَ عَنِ النّاسِ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (لَمْ أُومَرْ بِذَلِكَ، ولَكِنِّي أُمِرْتُ في دِينِي أنْ أتَزَوَّجَ النِّساءَ)، فَقالُوا: نُطِيعُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿واتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾ فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، فَكَيْفَ نَصْنَعُ بِأيْمانِنا الَّتِي حَلَفْنا عَلَيْها؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ في أيْمانِكم ولَكِنْ يُؤاخِذُكم بِما عَقَّدْتُمُ الأيْمانَ﴾ [المائدة»: ٨٩] .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنِ الحَسَنِ العُرَنِيِّ قالَ: كانَ عَلِيٌّ في أُناسٍ مِمَّنْ أرادُوا أنْ يُحَرِّمُوا الشَّهَواتِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ الآيَةَ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، مِن طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنِ المُغِيرَةِ بْنِ عُثْمانَ قالَ: كانَ عُثْمانُ بْنُ مَظْعُونٍ، وعَلِيٌّ، وابْنُ مَسْعُودٍ، والمِقْدادُ، وعَمّارٌ، أرادُوا الِاخْتِصاءَ، وتَحْرِيمَ اللَّحْمِ، ولُبْسَ المُسُوحِ، في أصْحابٍ لَهُمْ، فَأتى النَّبِيُّ ﷺ عُثْمانَ بْنَ مَظْعُونٍ فَسَألَهُ عَنْ ذَلِكَ، فَقالَ: قَدْ كانَ بَعْضُ ذَلِكَ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «(أنْكِحُ النِّساءَ، وآكُلُ اللَّحْمَ، وأصُومُ وأُفْطِرُ، وأُصَلِّي وأنامُ، وألْبَسُ الثِّيابَ، لَمْ آتِ بِالتَّبَتُّلِ، ولا بِالرَّهْبانِيَّةِ، ولَكِنْ جِئْتُ بِالحَنِيفِيَّةِ السَّمْحَةِ، ومَن رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي»)، قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ، «أنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ رَواحَةَ ضافَهُ ضَيْفٌ مِن أهْلِهِ، وهو عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ، ثُمَّ رَجَعَ إلى أهْلِهِ، فَوَجَدَهم لَمْ يُطْعِمُوا ضَيْفَهُمُ انْتِظارًا لَهُ، فَقالَ لِامْرَأتِهِ: حَبَسْتِ ضَيْفِي مِن أجْلِي، هو حَرامٌ عَلَيَّ، فَقالَتِ امْرَأتُهُ: هو عَلَيَّ حَرامٌ، قالَ الضَّيْفُ: هو عَلَيَّ حَرامٌ، فَلَمّا رَأى ذَلِكَ (p-٤٢٨)وضَعَ يَدَهُ وقالَ: كُلُوا بِاسْمِ اللَّهِ، ثُمَّ ذَهَبَ إلى النَّبِيِّ ﷺ فَأخْبَرَهُ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: (قَدْ أصَبْتَ)، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [المائدة»: ٨٧] .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنِ الحَسَنِ: ﴿لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكم ولا تَعْتَدُوا﴾ إلى ما حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْكم.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنِ المُغِيرَةِ قالَ: قُلْتُ لِإبْراهِيمَ في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ هو الرَّجُلُ يُحَرِّمُ الشَّيْءَ مِمّا أحَلَّ اللَّهُ؟ قالَ: نَعَمْ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ في الآيَةِ قالَ: هو الرَّجُلُ يَحْلِفُ ألّا يَصِلَ رَحِمًا، أوْ يُحَرِّمُ عَلَيْهِ بَعْضَ ما أحَلَّ اللَّهُ لَهُ، فَيَأْتِيهِ ويُكَفِّرُ عَنْ يَمِينِهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ مِن طُرُقٍ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، أنَّ مَعْقِلَ بْنَ مُقَرِّنٍ قالَ لَهُ: إنِّي حَرَّمْتُ فِراشِي عَلَيَّ سَنَةً، فَقالَ: نَمْ عَلى فِراشِكَ، وكَفِّرْ عَنْ يَمِينِكَ، ثُمَّ تَلا: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ.
وأخْرَجَ البُخارِيُّ، والتِّرْمِذِيُّ، والدّارَقُطْنِيُّ، عَنْ أبِي جُحَيْفَةَ قالَ: «آخى النَّبِيُّ ﷺ بَيْنَ سَلْمانَ، وأبِي الدَّرْداءِ، فَزارَ سَلْمانُ أبا الدَّرْداءِ، فَرَأى أُمَّ الدَّرْداءِ (p-٤٢٩)مُتَبَذِّلَةً، فَقالَ لَها: ما شَأْنُكِ؟ قالَتْ: أخُوكَ أبُو الدَّرْداءِ لَيْسَ لَهُ حاجَةٌ في الدُّنْيا، فَجاءَ أبُو الدَّرْداءِ فَصَنَعَ لَهُ طَعامًا، فَقالَ: كُلْ، فَإنِّي صائِمٌ، قالَ: ما أنا بِآكِلٍ حَتّى تَأْكُلَ، فَأكَلَ، فَلَمّا كانَ اللَّيْلُ ذَهَبَ أبُو الدَّرْداءِ يَقُومُ، قالَ: نَمْ، فَنامَ، ثُمَّ ذَهَبَ يَقُومُ، فَقالَ: نَمْ، فَلَمّا كانَ مِن آخِرِ اللَّيْلِ قالَ سَلْمانُ: قُمِ الآنَ، فَصَلَّيا، فَقالَ لَهُ سَلْمانُ: إنَّ لِرَبِّكَ عَلَيْكَ حَقًّا، ولِنَفْسِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، ولِأهْلِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، فَأعْطِ كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ، فَأتى النَّبِيَّ ﷺ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ، فَقالَ النَّبِيُّ: (صَدَقَ سَلْمانُ») .
وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، وأبُو داوُدَ، والنَّسائِيُّ، «عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العاصِي قالَ: قالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (يا عَبْدَ اللَّهِ، ألَمْ أُخْبَرْ أنَّكَ تَصُومُ النَّهارَ وتَقُومُ اللَّيْلَ؟) قُلْتُ: بَلى يا رَسُولَ اللَّهِ، قالَ: (فَلا تَفْعَلْ، صُمْ وأفْطِرْ، وقُمْ ونَمْ، فَإنَّ لِجَسَدِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وإنَّ لِعَيْنِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وإنَّ لِزَوْجِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وإنَّ لِزَوْرِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وإنَّ بِحَسْبِكَ أنْ تَصُومَ مِن كُلِّ شَهْرٍ ثَلاثَةَ أيّامٍ، فَإنَّ لَكَ بِكُلِّ حَسَنَةٍ عَشْرُ أمْثالِها، فَإذَنْ ذَلِكَ صِيامُ الدَّهْرِ كُلِّهِ)، قُلْتُ: إنِّي أجِدُ قُوَّةً، قالَ: (فَصُمْ صِيامَ نَبِيِّ اللَّهِ داوُدَ ولا تَزِدْ عَلَيْهِ)، قُلْتُ: وما (p-٤٣٠)كانَ صِيامُ نَبِيِّ اللَّهِ داوُدَ؟ قالَ: (نِصْفُ الدَّهْرِ») .
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ في (المُصَنَّفِ) عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ أنَّ نَفَرًا مِن أصْحابِ النَّبِيِّ ﷺ فِيهِمْ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو، لَمّا تَبَتَّلُوا وجَلَسُوا في البُيُوتِ، واعْتَزَلُوا، وهَمُّوا بِالخِصاءِ، وأجْمَعُوا لِقِيامِ اللَّيْلِ وصِيامِ النَّهارِ، بَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ ﷺ فَدَعاهم فَقالَ: «(أمّا أنا فَإنِّي أُصَلِّي وأنامُ، وأصُومُ وأُفْطِرُ، وأتَزَوَّجُ النِّساءَ، فَمَن رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي») .
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، والطَّبَرانِيُّ، عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: «دَخَلَتِ امْرَأةُ عُثْمانَ بْنِ مَظْعُونٍ واسْمُها خَوْلَةُ بِنْتُ حَكِيمٍ، عَلَيَّ وهي باذَّةُ الهَيْئَةِ، فَسَألْتُها: ما شَأْنُكِ؟ فَقالَتْ: زَوْجِي يَقُومُ اللَّيْلَ، ويَصُومُ النَّهارَ، فَدَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ، فَلَقِيَ النَّبِيَّ ﷺ فَقالَ: (يا عُثْمانُ، إنَّ الرَّهْبانِيَّةَ لَمْ تُكْتَبْ عَلَيْنا، أما لَكَ فِيَّ أُسْوَةٌ، فَواللَّهِ إنَّ أخْشاكم لِلَّهِ، وأحْفَظَكم لِحُدُودِهِ لَأنا») .
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، عَنْ أبِي قِلابَةَ، «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: (مَن (p-٤٣١)تَبَتَّلَ فَلَيْسَ مِنّا») .
وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، عَنِ ابْنِ شِهابٍ، «أنَّ عُثْمانَ بْنَ مَظْعُونٍ أرادَ أنْ يَخْتَصِيَ، ويَسِيحَ في الأرْضِ، فَقالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (ألَيْسَ لَكَ فِيَّ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ، فَأنا آتِي النِّساءَ، وآكُلُ اللَّحْمَ، وأصُومُ وأُفْطِرُ، إنَّ خِصاءَ أُمَّتِي الصِّيامُ، ولَيْسَ مِن أُمَّتِي مَن خَصى أوِ اخْتَصى») .
وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، عَنْ أبِي بُرْدَةَ قالَ: «دَخَلَتِ امْرَأةُ عُثْمانَ بْنِ مَظْعُونٍ عَلى نِساءِ النَّبِيِّ ﷺ فَرَأيْنَها سَيِّئَةَ الهَيْئَةِ، فَقُلْنَ لَها: ما لَكِ؟ فَقالَتْ: ما لَنا مِنهُ شَيْءٌ، أمّا لَيْلُهُ فَقائِمٌ، وأمّا نَهارُهُ فَصائِمٌ، فَدَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ فَذَكَرْنَ ذَلِكَ لَهُ، فَلَقِيَهُ فَقالَ: (يا عُثْمانُ بْنَ مَظْعُونٍ، أما لَكَ فِيَّ أُسْوَةٌ؟) قالَ: وما ذاكَ؟ قالَ: (تَصُومُ النَّهارَ، وتَقُومُ اللَّيْلَ)، قالَ: إنِّي لَأفْعَلُ، قالَ: (لا تَفْعَلْ، إنَّ لِعَيْنِكَ عَلَيْكَ حَقًّا، وإنَّ لِجَسَدِكَ حَقًّا، وإنَّ لِأهْلِكَ حَقًّا، فَصَلِّ ونَمْ، وصُمْ وأفْطِرْ)، قالَ: فَأتَتْهُنَّ بَعْدَ ذَلِكَ عَطِرَةً كَأنَّها عَرُوسٌ، فَقُلْنَ لَها: مَهْ؟ قالَتْ: أصابَنا ما أصابَ النّاسَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، عَنْ أبِي قِلابَةَ، «أنَّ عُثْمانَ بْنَ مَظْعُونٍ اتَّخَذَ بَيْتًا فَقَعَدَ يَتَعَبَّدُ فِيهِ، فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ ﷺ فَأتاهُ، فَأخَذَ بِعِضادَتَيْ بابِ البَيْتِ الَّذِي هو فِيهِ، فَقالَ: (يا عُثْمانُ، إنَّ اللَّهَ لَمْ يَبْعَثْنِي بِالرَّهْبانِيَّةِ - مَرَّتَيْنِ أوْ ثَلاثًا - وإنَّ خَيْرَ (p-٤٣٢)الدِّينِ عِنْدَ اللَّهِ الحَنِيفِيَّةُ السَّمْحَةُ») .
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ عَنْ أبِي أُمامَةَ قالَ: «كانَتِ امْرَأةُ عُثْمانَ بْنِ مَظْعُونٍ امْرَأةٌ جَمِيلَةٌ عَطِرَةٌ تُحِبُّ اللِّباسَ والهَيْئَةَ لِزَوْجِها، فَزارَتْها عائِشَةُ وهي تَفِلَةٌ، قالَتْ: ما حالُكِ هَذِهِ؟ قالَتْ: إنَّ نَفَرًا مِن أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، مِنهم عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَواحَةَ، وعُثْمانُ بْنُ مَظْعُونٍ، قَدْ تَخَلَّوْا لِلْعِبادَةِ، وامْتَنَعُوا مِنَ النِّساءِ وأكْلِ اللَّحْمِ، وصامُوا النَّهارَ وقامُوا اللَّيْلَ، فَكَرِهْتُ أنْ أُرِيَهُ مِن حالِي ما يَدْعُوهُ إلى ما عِنْدِي، لِما تَخَلّى لَهُ، فَلَمّا دَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ أخْبَرَتْهُ عائِشَةُ، فَأخَذَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ نَعْلَهُ فَحَمَلَها بِالسَّبّابَةِ مِن إصْبَعِهِ اليُسْرى، ثُمَّ انْطَلَقَ سَرِيعًا حَتّى دَخَلَ عَلَيْهِمْ، فَسَألَهم عَنْ حالِهِمْ، قالُوا: أرَدْنا الخَيْرَ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (إنِّي إنَّما بُعِثْتُ بِالحَنِيفِيَّةِ السَّمْحَةِ، ولَمْ أُبْعَثْ بِالرَّهْبانِيَّةِ البِدْعَةِ، ألا وإنَّ أقْوامًا ابْتَدَعُوا الرَّهْبانِيَّةَ، فَكُتِبَتْ عَلَيْهِمْ فَما رَعَوْها حَقَّ رِعايَتِها، ألا فَكُلُوا اللَّحْمَ، وأْتُوا النِّساءَ، وصُومُوا وأفْطِرُوا، وصَلُّوا ونامُوا، فَإنِّي بِذَلِكَ أُمِرْتُ») .
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، والبُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، وأبُو داوُدَ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ ماجَهْ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: قالَ النَّبِيُّ ﷺ: «(مَنِ اسْتَطاعَ (p-٤٣٣)مِنكُمُ الباءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ، فَإنَّهُ أغَضُّ لِلْبَصَرِ، وأحْصَنُ لِلْفَرْجِ، ومَن لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ، فَإنَّهُ لَهُ وِجاءٌ») .
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، عَنْ عُثْمانَ بْنِ عَفّانَ، قالَ: «سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَرَّ بِفِتْيَةٍ فَقالَ: (مَن كانَ مِنكم ذا طَوْلٍ فَلْيَتَزَوَّجْ، فَإنَّهُ أغَضُّ لِلْبَصَرِ، وأحْصَنُ لِلْفَرْجِ، ومَن لا فَلْيَصُمْ، فَإنَّ الصَّوْمَ لَهُ وِجاءٌ») .
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، قالَ: لَوْ لَمْ يَبْقَ مِنَ الدُّنْيا إلّا يَوْمٌ واحِدٌ، لَأحْبَبْتُ أنْ يَكُونَ لِي فِيهِ زَوْجَةٌ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ، أنَّهُ قالَ لِرَجُلٍ: أتَزَوَّجْتَ؟ قالَ: لا، قالَ: إمّا أنْ تَكُونَ أحْمَقَ، وإمّا أنْ تَكُونَ فاجِرًا.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنْ إبْراهِيمَ بْنِ مَيْسَرَةَ قالَ: قالَ لِي طاوُسٌ: لَتَنْكِحَنَّ أوْ لَأقُولُ لَكَ ما قالَ عُمَرُ لِأبِي الزَّوائِدِ: ما يَمْنَعُكَ مِنَ النِّكاحِ إلّا عَجْزٌ أوْ فُجُورٌ. (p-٤٣٤)وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، عَنْ وهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ قالَ: مَثَلُ الأعْزَبِ كَمَثَلِ شَجَرَةٍ في فَلاةٍ تُقَلِّبُها الرِّياحُ هَكَذا وهَكَذا.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ هِلالٍ، «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: (تَناكَحُوا تَكْثُرُوا، فَإنِّي أُباهِي بِكُمُ الأُمَمَ يَوْمَ القِيامَةِ») .
وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، والبُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ ماجَهْ، عَنْ سَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ قالَ: «لَقَدْ رَدَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلى عُثْمانَ بْنِ مَظْعُونٍ التَّبَتُّلَ، ولَوْ أذِنَ لَهُ في ذَلِكَ لاخْتَصَيْنا» .
وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، والبَيْهَقِيُّ في (شُعَبِ الإيمانِ)، مِن طَرِيقِ عائِشَةَ بِنْتِ قُدامَةَ بْنِ مَظْعُونٍ، عَنْ أبِيها، عَنْ أخِيهِ عُثْمانَ بْنِ مَظْعُونٍ، أنَّهُ قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، «إنِّي رَجُلٌ تَشُقُّ عَلَيَّ هَذِهِ العُزْبَةُ في المَغازِي، فَتَأْذَنُ لِي يا رَسُولَ اللَّهِ في الخِصاءِ فَأخْتَصِيَ؟ قالَ: (لا، ولَكِنْ عَلَيْكَ يا ابْنَ مَظْعُونٍ بِالصِّيامِ، فَإنَّهُ مَجْفَرٌ») . (p-٤٣٥)وأخْرَجَ أحْمَدُ عَنْ عائِشَةَ، «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهى عَنِ التَّبَتُّلِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنْ سُمَرَةَ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهى عَنِ التَّبَتُّلِ» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ، والبُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، عَنْ أنَسٍ «أنَّ نَفَرًا مِن أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ سَألُوا أزْواجَ النَّبِيِّ ﷺ عَنْ عَمَلِهِ في السِّرِّ فَقالَ بَعْضُهم: لا أتَزَوَّجُ النِّساءَ، وقالَ بَعْضُهم: لا آكُلُ اللَّحْمَ، وقالَ بَعْضُهم: لا أنامُ عَلى فِراشٍ، وقالَ بَعْضُهم: أصُومُ ولا أُفْطِرُ، فَقامَ فَحَمِدَ اللَّهَ وأثْنى عَلَيْهِ، ثُمَّ قالَ: (ما بالُ أقْوامٍ قالُوا كَذا وكَذا، لَكِنِّي أُصَلِّي وأنامُ، وأصُومُ وأُفْطِرُ، وأتَزَوَّجُ النِّساءَ، فَمَن رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي») .
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، والبَيْهَقِيُّ في ”سُنَنِهِ“ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «(مَن أحَبَّ فِطْرَتِي فَلْيَسْتَنَّ بِسُنَّتِي، ومِن سُنَّتِي النِّكاحُ») .
وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في ”سُنَنِهِ“، عَنْ مَيْمُونٍ أبِي المُغَلِّسِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «(مَن كانَ مُوسِرًا لِأنْ يَنْكِحَ فَلَمْ يَنْكِحْ فَلَيْسَ مِنّا») . (p-٤٣٦)وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، عَنْ أيُّوبَ، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «(مَنِ اسْتَنَّ بِسُنَّتِي فَهو مِنِّي، ومِن سُنَّتِي النِّكاحُ») .
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وأحْمَدُ، عَنْ أبِي ذَرٍّ قالَ: «دَخَلَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ رَجُلٌ يُقالُ لَهُ: عَكّافُ بْنُ بِشْرٍ التَّمِيمِيُّ فَقالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: (هَلْ لَكَ مِن زَوْجَةٍ؟) قالَ: لا، قالَ: (ولا جارِيَةٌ؟) قالَ: ولا جارِيَةٌ، قالَ: (وأنْتَ مُوسِرٌ بِخَيْرٍ؟) قالَ: وأنا مُوسِرٌ بِخَيْرٍ، قالَ: (أنْتَ إذًا مِن إخْوانِ الشَّياطِينِ، لَوْ كُنْتَ مِنَ النَّصارى كُنْتَ مِن رُهْبانِهِمْ، إنَّ مِن سُنَّتِنا النِّكاحَ، شِرارُكم عُزّابُكُمْ، وأراذِلُ مَوْتاكم عُزّابُكُمْ، أبِالشَّيْطانِ تَتَمَرَّسُونَ؟ ما لِلشَّيْطانِ مِن سِلاحٍ أبْلَغَ في الصّالِحِينَ مِنَ النِّساءِ، إلّا المُتَزَوِّجِينَ، أُولَئِكَ المُطَهَّرُونَ المُبَرَّءُونَ مِنَ الخَنا، ويْحَكَ يا عَكّافُ، إنَّهُنَّ صَواحِبُ أيُّوبَ، وداوُدَ، ويُوسُفَ، وكُرْسُفَ )، فَقالَ لَهُ بِشْرُ بْنُ عَطِيَّةَ: ومَن كُرْسُفُ يا رَسُولَ اللَّهِ؟ قالَ: (رَجُلٌ كانَ يَعْبُدُ اللَّهَ بِساحِلٍ مِن سَواحِلِ البَحْرِ ثَلاثَمِائَةِ عامٍ، يَصُومُ النَّهارَ، ويَقُومُ اللَّيْلَ، ثُمَّ إنَّهُ كَفَرَ بِاللَّهِ العَظِيمِ في سَبَبِ امْرَأةٍ عَشِقَها، وتَرَكَ ما كانَ عَلَيْهِ مِن عِبادَةِ رَبِّهِ، ثُمَّ اسْتَدْرَكَهُ اللَّهُ بِبَعْضِ ما كانَ مِنهُ فَتابَ عَلَيْهِ، ويْحَكَ يا عَكّافُ، (p-٤٣٧)تَزَوَّجْ وإلّا فَأنْتَ مِنَ المُذَبْذَبِينَ») .
وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في (شُعَبِ الإيمانِ) عَنْ عَطِيَّةَ بْنِ بُسْرٍ المازِنِيِّ قالَ: «جاءَ عَكّافُ بْنُ وداعَةَ الهِلالِيُّ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (يا عَكّافُ، ألَكَ زَوْجَةٌ؟) قالَ: لا، قالَ: (ولا جارِيَةٌ؟) قالَ: لا، قالَ: (وأنْتَ صَحِيحٌ مُوسِرٌ؟) قالَ: نَعَمْ، والحَمْدُ لِلَّهِ، قالَ: (فَأنْتَ إذَنْ مِنَ الشَّياطِينِ، إمّا أنْ تَكُونَ مِن رَهْبانِيَّةِ النَّصارى، فَأنْتَ مِنهُمْ، وإمّا أنْ تَكُونَ مِنّا فَتَصْنَعُ كَما نَصْنَعُ، فَإنَّ مِن سُنَّتِنا النِّكاحَ، شِرارُكم عُزّابُكُمْ، وأراذِلُ مَوْتاكم عُزّابُكُمْ، أبِالشَّيْطانِ تَمَرَّسُونَ؟ ما لَهُ في نَفْسِهِ سِلاحٌ أبْلَغُ في الصّالِحِينَ مِنَ النِّساءِ، إلّا المُتَزَوِّجُونَ المُطَهَّرُونَ المُبَرَّءُونَ مِنَ الخَنا، ويْحَكَ يا عَكّافُ، تَزَوَّجْ إنَّهُنَّ صَواحِبُ داوُدَ، وصَواحِبُ أيُّوبَ، وصَواحِبُ يُوسُفَ، وصَواحِبُ كُرْسُفَ )، فَقالَ عَطِيَّةُ: ومَن كُرْسُفُ يا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقالَ: (رَجُلٌ مِن بَنِي إسْرائِيلَ عَلى ساحِلٍ مِن سَواحِلِ البَحْرِ، يَصُومُ النَّهارَ، ويَقُومُ اللَّيْلَ، لا يَفْتُرُ مِن صَلاةٍ ولا صِيامٍ، ثُمَّ كَفَرَ مِن بَعْدِ ذَلِكَ بِاللَّهِ العَظِيمِ في سَبَبِ امْرَأةٍ عَشِقَها، فَتَرَكَ ما كانَ عَلَيْهِ مِن عِبادَةِ رَبِّهِ عَزَّ وجَلَّ، فَتَدارَكَهُ اللَّهُ بِما سَلَفَ مِنهُ، فَتابَ اللَّهُ عَلَيْهِ، ويْحَكَ، تَزَوَّجْ فَإنَّكَ مِنَ المُذْنِبِينَ») .
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ أبِي نَجِيحٍ قالَ: قالَ (p-٤٣٨)رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «(مَن كانَ مُوسِرًا لِأنْ يَنْكِحَ فَلَمْ يَنْكِحْ فَلَيْسَ مِنِّي») .
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ أبِي نَجِيحٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «(مِسْكِينٌ مِسْكِينٌ، رَجُلٌ لَيْسَتْ لَهُ امْرَأةٌ)، قِيلَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، وإنْ كانَ غَنِيًّا ذا مالٍ؟ قالَ: (وإنْ كانَ غَنِيًّا مِنَ المالِ)، قالَ: (ومِسْكِينَةٌ مِسْكِينَةٌ، امْرَأةٌ لَيْسَ لَها زَوْجٌ)، قِيلَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، وإنْ كانَتْ غَنِيَّةً أوْ مُكْثِرَةً مِنَ المالِ؟ قالَ: (وإنْ كانَتْ»)، قالَ البَيْهَقِيُّ: أبُو نَجِيحٍ اسْمُهُ يَسارٌ، وهو والِدُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي نَجِيحٍ، وهو مِنَ التّابِعِينَ، والحَدِيثُ مُرْسَلٌ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وأحْمَدُ، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ أنَسٍ، قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَأْمُرُنا بِالباءَةِ، ويَنْهانا عَنِ التَّبَتُّلِ نَهْيًا شَدِيدًا، ويَقُولُ: (تَزَوَّجُوا الوَدُودَ الوَلُودَ، فَإنِّي مُكاثِرٌ بِكُمُ الأنْبِياءَ يَوْمَ القِيامَةِ») .
وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ، عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «(إذا تَزَوَّجَ العَبْدُ فَقَدِ اسْتَكْمَلَ نِصْفَ الدِّينِ، فَلْيَتَّقِ اللَّهَ في النِّصْفِ الباقِي») . (p-٤٣٩)وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ مِن وجْهٍ آخَرَ عَنْ أنَسٍ، أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «(مَن رَزَقَهُ اللَّهُ امْرَأةً صالِحَةً فَقَدْ أعانَهُ عَلى شَطْرِ دِينِهِ، فَلْيَتَّقِ اللَّهَ في الشَّطْرِ الباقِي») .
وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانَ في بَنِي إسْرائِيلَ رَجُلٌ عابِدٌ وكانَ مُعْتَزِلًا في كَهْفٍ لَهُ، فَكانَ بَنُو إسْرائِيلَ قَدْ أُعْجِبُوا بِعِبادَتِهِ، فَبَيْنَما هم عِنْدَ نَبِيِّهِمْ إذْ ذَكَرُوهُ، فَأثْنَوْا عَلَيْهِ، فَقالَ النَّبِيُّ: إنَّهُ لَكَما تَقُولُونَ، لَوْلا أنَّهُ تارِكٌ لِشَيْءٍ مِنَ السُّنَّةِ وهو التَّزَوُّجُ.
وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، «عَنْ شَدّادِ بْنِ أوْسٍ أنَّهُ قالَ: زَوِّجُونِي، فَإنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أوْصانِي ألّا ألْقى اللَّهَ عَزَبًا» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنِ الحَسَنِ قالَ: قالَ مُعاذٌ في مَرَضِهِ الَّذِي ماتَ فِيهِ: زَوِّجُونِي، إنِّي أكْرَهُ أنْ ألْقى اللَّهَ عَزَبًا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنْ عُمَرَ قالَ: يُكَفَّنُ الرَّجُلُ في ثَلاثَةِ أثْوابٍ، لا تَعْتَدُوا، إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ المُعْتَدِينَ.
المائدة 5:89
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ في أيْمانِكُمْ﴾ .
أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: لَمّا نَزَلَتْ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٨٧] في القَوْمِ الَّذِينَ كانُوا حَرَّمُوا النِّساءَ واللَّحْمَ (p-٤٤٠)عَلى أنْفُسِهِمْ قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ نَصْنَعُ بِأيْمانِنا الَّتِي حَلَفْنا عَلَيْها؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ في أيْمانِكُمْ﴾ .
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ يَعْلى بْنِ مُسْلِمٍ قالَ: سَألْتُ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ، عَنْ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ في أيْمانِكم ولَكِنْ يُؤاخِذُكم بِما عَقَّدْتُمُ الأيْمانَ﴾ قالَ: اقْرَأْ ما قَبْلَها فَقَرَأْتُ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٨٧] إلى قَوْلِهِ: ﴿لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ في أيْمانِكُمْ﴾ قالَ: اللَّغْوُ أنْ تُحَرِّمَ هَذا الَّذِي أحَلَّ اللَّهُ لَكَ وأشْباهَهُ، تُكَفِّرُ عَنْ يَمِينِكَ ولا تُحَرِّمُهُ، فَهَذا اللَّغْوُ الَّذِي لا يُؤاخِذُكم بِهِ، ولَكِنْ يُؤاخِذُكم بِما عَقَّدْتُمُ الأيْمانَ، فَإنْ مُتَّ عَلَيْهِ أُخِذْتَ بِهِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: ﴿لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ في أيْمانِكُمْ﴾ قالَ: هو الرَّجُلُ يَحْلِفُ عَلى الحَلالِ أنْ يُحَرِّمَهُ، فَقالَ اللَّهُ: ﴿لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ في أيْمانِكُمْ﴾ أنْ تَتْرُكَهُ وتُكَفِّرَ عَنْ يَمِينِكَ، ﴿ولَكِنْ يُؤاخِذُكم بِما عَقَّدْتُمُ الأيْمانَ﴾ قالَ: ما أقَمْتَ عَلَيْهِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ مُجاهِدٍ: ﴿لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ في أيْمانِكُمْ﴾ قالَ: هُما الرَّجُلانِ يَتَبايَعانِ، يَقُولُ أحَدُهُما: واللَّهِ لا أبِيعُكَ بِكَذا، ويَقُولُ الآخَرُ: واللَّهِ لا أشْتَرِيهِ بِكَذا.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ إبْراهِيمَ قالَ: اللَّغْوُ، أنْ يَصِلَ الرَّجُلُ (p-٤٤١)كَلامَهُ بِالحَلِفِ، واللَّهِ لَتَجِيئَنَّ، واللَّهِ لَتَأْكُلَنَّ، واللَّهِ لَتَشْرَبَنَّ، ونَحْوُ هَذا، لا يُرِيدُ بِهِ يَمِينًا، ولا يَتَعَمَّدُ بِهِ حَلِفًا، فَهو لَغْوُ اليَمِينِ، لَيْسَ عَلَيْهِ كَفّارَةٌ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ أبِي مالِكٍ قالَ: الأيْمانُ ثَلاثَةٌ، يَمِينٌ تُكَفَّرُ، ويَمِينٌ لا تُكَفَّرُ، ويَمِينٌ لا يُؤاخَذُ بِها، فَأمّا الَّتِي تُكَفَّرُ فالرَّجُلُ يَحْلِفُ عَلى قَطِيعَةِ رَحِمٍ أوْ مَعْصِيَةِ اللَّهِ فَيُكَفِّرُ يَمِينَهُ، والَّتِي لا تُكَفَّرُ الرَّجُلُ يَحْلِفُ عَلى الكَذِبِ مُتَعَمِّدًا، لا تُكَفَّرُ، والَّتِي لا يُؤاخَذُ بِها، فالرَّجُلُ يَحْلِفُ عَلى الشَّيْءِ يَرى أنَّهُ صادِقٌ، فَهو اللَّغْوُ لا يُؤاخَذُ بِهِ.
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَكِنْ يُؤاخِذُكم بِما عَقَّدْتُمُ الأيْمانَ﴾
أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ قالَ: اللَّغْوُ، الخَطَأُ، أنْ تَحْلِفَ عَلى الشَّيْءِ وأنْتَ تَرى أنَّهُ كَما حَلَفْتَ عَلَيْهِ فَلا يَكُونُ كَذَلِكَ، تُجُوِّزَ لَكَ عَنْهُ، ولا كَفّارَةَ عَلَيْكَ فِيهِ، ﴿ولَكِنْ يُؤاخِذُكم بِما عَقَّدْتُمُ الأيْمانَ﴾ قالَ: ما تَعَمَّدْتَ فِيهِ المَأْثَمَ فَعَلَيْكَ فِيهِ الكَفّارَةُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ: ﴿ولَكِنْ يُؤاخِذُكم بِما عَقَّدْتُمُ الأيْمانَ﴾ قالَ: بِما تَعَمَّدْتُمْ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ: ﴿لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ في أيْمانِكُمْ﴾ قالَ: الرَّجُلُ يَحْلِفُ عَلى الشَّيْءِ يَرى أنَّهُ كَذَلِكَ، ولَيْسَ كَذَلِكَ، ﴿ولَكِنْ يُؤاخِذُكم بِما عَقَّدْتُمُ الأيْمانَ﴾ (p-٤٤٢)قالَ: الرَّجُلُ يَحْلِفُ عَلى الشَّيْءِ وهو يَعْلَمُهُ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: إنَّما اللَّغْوُ في المِراءِ، والهَزْلِ، والمُزاحَةِ في الحَدِيثِ الَّذِي لا يَعْقِدُ عَلَيْهِ القَلْبُ، وإنَّما الكَفّارَةُ في كُلِّ يَمِينٍ حَلَفَ عَلَيْها في جِدٍّ مِنَ الأمْرِ، في غَضَبٍ أوْ غَيْرِهِ، لَيَفْعَلَنَّ، أوْ لَيَتْرُكَنَّ، فَذاكَ عَقْدُ الأيْمانِ الَّذِي فَرَضَ اللَّهُ فِيهِ الكَفّارَةُ.
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَكَفّارَتُهُ إطْعامُ عَشَرَةِ مَساكِينَ﴾ .
أخْرَجَ ابْنُ ماجَهْ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «كَفَّرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِصاعٍ مِن تَمْرٍ، وأمَرَ النّاسَ بِهِ، ومَن لَمْ يَجِدْ فَنِصْفُ صاعٍ مِن بُرٍّ» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ يُقِيمُ كَفّارَةَ اليَمِينِ مُدًّا مِن حِنْطَةٍ بِمُدِّ الأوَّلِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنْ أسْماءَ بِنْتِ أبِي بَكْرٍ قالَتْ: كُنّا نُعْطِي في كَفّارَةِ اليَمِينِ بِالمُدِّ الَّذِي يُقْتاتُ بِهِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ قالَ: إنِّي أحْلِفُ لا أُعْطِي أقْوامًا، ثُمَّ (p-٤٤٣)يَبْدُو لِي أنْ أُعْطِيَهُمْ، فَإذا رَأيْتُنِي فَعَلْتُ ذَلِكَ فَأطْعِمْ عَشَرَةَ مَساكِينَ، كُلَّ مِسْكِينٍ صاعًا مِن شَعِيرٍ، أوْ صاعًا مِن تَمْرٍ، أوْ نِصْفَ صاعٍ مِن قَمْحٍ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ، قالَ: في كَفّارَةِ اليَمِينِ إطْعامُ عَشَرَةِ مَساكِينَ، لِكُلِّ مِسْكِينٍ نِصْفُ صاعٍ مِن حِنْطَةٍ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: في كَفّارَةِ اليَمِينِ نِصْفُ صاعٍ مِن حِنْطَةٍ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: كُلُّ طَعامٍ في القُرْآنِ فَهو نِصْفُ صاعٍ، في كَفّارَةِ اليَمِينِ وغَيْرِها.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ مِن طُرُقٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: في كَفّارَةِ اليَمِينِ مُدٌّ مِن حِنْطَةٍ لِكُلِّ مِسْكِينٍ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ (p-٤٤٤)المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ، أنَّهُ قالَ: في كَفّارَةِ اليَمِينِ: مُدٌّ مِن حِنْطَةٍ لِكُلِّ مِسْكِينٍ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، في كَفّارَةِ اليَمِينِ قالَ: إطْعامُ عَشَرَةِ مَساكِينَ، لِكُلِّ مِسْكِينٍ مُدٌّ مِن حِنْطَةٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: ثَلاثٌ فِيهِنَّ مُدٌّ مُدٌّ، كَفّارَةُ اليَمِينِ، وكَفّارَةُ الظِّهارِ، وكَفّارَةُ الصِّيامِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَكَفّارَتُهُ إطْعامُ عَشَرَةِ مَساكِينَ﴾ قالَ: يُغَدِّيهِمْ ويُعَشِّيهِمْ، إنْ شِئْتَ خُبْزًا ولَحْمًا، أوْ خُبْزًا وزَيْتًا، أوْ خُبْزًا وسَمْنًا، أوْ خُبْزًا وتَمْرًا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، في كَفّارَةِ اليَمِينِ قالَ: أكْلَةٌ واحِدَةٌ. (p-٤٤٥)وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ الشَّعْبِيِّ أنَّهُ سُئِلَ عَنْ كَفّارَةِ اليَمِينِ فَقالَ: رَغِيفَيْنِ وعَرْقٍ لِكُلِّ مِسْكِينٍ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ سُفْيانَ الثَّوْرِيِّ، عَنْ جابِرٍ قالَ: قِيلَ لِلشَّعْبِيِّ: أرْدُدُ عَلى مِسْكِينٍ واحِدٍ؟ قالَ: لا يُجْزِيكَ إلّا عَشَرَةُ مَساكِينَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنِ الحَسَنِ، أنَّهُ كانَ لا يَرى بَأْسًا أنْ يُطْعِمَ مِسْكِينًا واحِدًا عَشْرَ مَرّاتٍ في كَفّارَةِ اليَمِينِ.
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن أوْسَطِ ما تُطْعِمُونَ أهْلِيكُمْ﴾
أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿مِن أوْسَطِ ما تُطْعِمُونَ أهْلِيكُمْ﴾ قالَ: مِن عُسْرِكم ويُسْرِكم.
وأخْرَجَ ابْنُ ماجَهْ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانَ الرَّجُلُ يَقُوتُ أهْلَهُ قُوتًا فِيهِ سَعَةٌ، وكانَ الرَّجُلُ يَقُوتُ أهْلَهُ قُوتًا فِيهِ شِدَّةٌ، فَنَزَلَتْ: ﴿مِن أوْسَطِ ما تُطْعِمُونَ أهْلِيكُمْ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانَ الرَّجُلُ يَقُوتُ أهْلَهُ قُوتًا فِيهِ فَضْلٌ، وبَعْضُهم يَقُوتُ قُوتًا دُونَ (p-٤٤٦)ذَلِكَ، فَقالَ اللَّهُ: ﴿مِن أوْسَطِ ما تُطْعِمُونَ أهْلِيكُمْ﴾ لَيْسَ بِأرْفَعِهِ ولا أدْناهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: ﴿مِن أوْسَطِ ما تُطْعِمُونَ أهْلِيكُمْ﴾ قالَ: مِن أوْسَطِ ما نُطْعِمُ أهْلِينا، الخُبْزُ والتَّمْرُ، والخُبْزُ والزَّيْتُ، والخُبْزُ والسَّمْنُ، ومِن أفْضَلِ ما نُطْعِمُهُمُ الخُبْزُ واللَّحْمُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ قالَ: كانُوا يَقُولُونَ: أفْضَلُهُ الخُبْزُ واللَّحْمُ، وأوْسَطُهُ الخُبْزُ والسَّمْنُ، وأخَسُّهُ الخُبْزُ والتَّمْرُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: كانَ أهْلُ المَدِينَةِ يُفَضِّلُونَ الحُرَّ عَلى العَبْدِ، والكَبِيرَ عَلى الصَّغِيرِ، يَقُولُونَ: الصَّغِيرُ عَلى قَدْرِهِ، والكَبِيرُ عَلى قَدْرِهِ، فَنَزَلَتْ: ﴿مِن أوْسَطِ ما تُطْعِمُونَ أهْلِيكُمْ﴾ فَأُمِرُوا بِأوْسَطِ مِن ذَلِكَ، لَيْسَ بِأرْفَعِهِ، ولا أوْضَعِهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: ﴿مِن أوْسَطِ﴾ يَعْنِي مِن أعْدَلَ. (p-٤٤٧)وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عَطاءٍ في قَوْلِهِ: ﴿مِن أوْسَطِ﴾ قالَ: مِن أمْثَلِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: ﴿مِن أوْسَطِ ما تُطْعِمُونَ أهْلِيكُمْ﴾ قالَ: قُوتُهُمْ، والطَّعامُ صاعٌ مِن كُلِّ شَيْءٍ إلّا الحِنْطَةَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ عَطاءٍ قالَ: كُلُّ شَيْءٍ فِيهِ إطْعامُ مِسْكِينٍ، فَهو مُدٌّ بِمُدِّ أهْلِ مَكَّةَ.
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوْ كِسْوَتُهُمْ﴾
أخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنْ عائِشَةَ، «عَنِ النَّبِيِّ ﷺ في قَوْلِهِ: ﴿أوْ كِسْوَتُهُمْ﴾ قالَ: (عَباءَةٌ لِكُلِّ مِسْكِينٍ») .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنْ «حُذَيْفَةَ قالَ: قُلْنا: يا رَسُولَ اللَّهِ، ﴿أوْ كِسْوَتُهُمْ﴾ ما هُوَ؟ قالَ: (عَباءَةٌ عَباءَةٌ») .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿أوْ كِسْوَتُهُمْ﴾ قالَ: عَباءَةٌ لِكُلِّ مِسْكِينٍ أوْ شَمْلَةٌ.
وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿أوْ كِسْوَتُهُمْ﴾ قالَ: ثَوْبٌ ثَوْبٌ لِكُلِّ إنْسانٍ، وقَدْ كانَتِ العَباءَةُ تَقْضِي يَوْمَئِذٍ مِنَ (p-٤٤٨)الكِسْوَةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: الكِسْوَةُ ثَوْبٌ أوْ إزارٌ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ مُجاهِدٍ: ﴿أوْ كِسْوَتُهُمْ﴾ قالَ: القَمِيصُ، أوِ الرِّداءُ، أوِ الإزارُ، قالَ: ويُجْزِئُ في كَفّارَةِ اليَمِينِ كُلُّ ثَوْبٍ إلّا التُّبّانَ والقَلَنْسُوَةَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ: ﴿أوْ كِسْوَتُهُمْ﴾ قالَ: أدْناهُ ثَوْبٌ وأعْلاهُ ما شِئْتَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ: ﴿أوْ كِسْوَتُهُمْ﴾ قالَ: إزارٌ وعِمامَةٌ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قالَ: السَّراوِيلُ لا تُجْزِئُ، والقَلَنْسُوَةُ لا تُجْزِئُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عِمْرانَ بْنِ حُصَيْنٍ، أنَّهُ سُئِلَ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿أوْ كِسْوَتُهُمْ﴾ قالَ: لَوْ أنَّ وفْدًا قَدِمُوا عَلى أمِيرِكُمْ، فَكَساهم قَلَنْسُوَةً قَلَنْسُوَةً، قُلْتُمْ: قَدْ كُسُوا.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ عَطاءٍ، في الرَّجُلِ يَكُونُ عَلَيْهِ الكَفّارَةُ مِنَ اليَمِينِ فَيَكْسُو (p-٤٤٩)خَمْسَ مَساكِينَ، ويُطْعِمُ خَمْسَةً: إنَّ ذَلِكَ جائِزٌ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، أنَّهُ قَرَأ: ”إطْعامُ عَشَرَةِ مَساكِينَ أوْ كَأُسْوَتِهِمْ“ ثُمَّ قالَ سَعِيدٌ: أوْ كَأُسْوَتِهِمْ في الطَّعامِ.
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ .
أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ الحَسَنِ قالَ: لا يُجْزِئُ الأعْمى، ولا المُقْعَدُ في الرَّقَبَةِ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ فَضالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ قالَ: يُجْزِئُ ولَدُ الزِّنا في الرَّقَبَةِ الواجِبَةِ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ عَطاءِ بْنِ أبِي رَباحٍ قالَ: تُجْزِئُ الرَّقَبَةُ الصَّغِيرَةُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنِ الحَسَنِ: أنَّهُ كانَ لا يَرى عِتْقَ الكافِرِ في شَيْءٍ مِنَ الكَفّاراتِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنْ طاوُسٍ قالَ: لا يُجْزِئُ ولَدُ الزِّنا في الرَّقَبَةِ، ويُجْزِئُ اليَهُودِيُّ والنَّصْرانِيُّ في كَفّارَةِ اليَمِينِ.
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَمَن لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أيّامٍ﴾
أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، والبَيْهَقِيُّ في ”سُنَنِهِ“ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في آيَةِ كَفّارَةِ اليَمِينِ (p-٤٥٠)قالَ: هو بِالخِيارِ في هَؤُلاءِ الثَّلاثَةِ، الأوَّلَ فالأوَّلَ، فَإنْ لَمْ يَجِدْ مِن ذَلِكَ شَيْئًا، فَصِيامُ ثَلاثَةِ أيّامٍ مُتَتابِعاتٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ آيَةُ الكَفّاراتِ قالَ حُذَيْفَةُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، نَحْنُ بِالخِيارِ؟ قالَ: (أنْتَ بِالخِيارِ، إنْ شِئْتَ أعْتَقْتَ، وإنْ شِئْتَ كَسَوْتَ، وإنْ شِئْتَ أطْعَمْتَ، فَمَن لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أيّامٍ مُتَتابِعاتٍ») .
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ الحَسَنِ قالَ: مَن كانَ عِنْدَهُ دِرْهَمانِ فَعَلَيْهِ أنْ يُطْعِمَ في الكَفّارَةِ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ قالَ: إذا كانَ عِنْدَهُ خَمْسُونَ دِرْهَمًا فَهو مِمَّنْ يَجِدُ ويَجِبُ عَلَيْهِ الإطْعامُ، وإنْ كانَتْ أقَلَّ فَهو مِمَّنْ لا يَجِدُ، ويَصُومُ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ إبْراهِيمَ النَّخَعِيِّ قالَ: إذا كانَ عِنْدَهُ عِشْرُونَ دِرْهَمًا فَعَلَيْهِ أنْ يُطْعِمَ في الكَفّارَةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي داوُدَ في (المَصاحِفِ)، وابْنُ المُنْذِرِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، أنَّهُ كانَ يَقْرَؤُها: (فَصِيامُ ثَلاثَةِ أيّامٍ مُتَتابِعاتٍ في كَفّارَةِ اليَمِينِ) . (p-٤٥١)وأخْرَجَ مالِكٌ، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ قَيْسٍ المَكِّيِّ قالَ: كُنْتُ أطُوفُ مَعَ مُجاهِدٍ، فَجاءَهُ إنْسانٌ يَسْألُهُ عَنْ صِيامِ الكَفّارَةِ أيُتابَعُ؟ قالَ: حُمَيْدٌ: فَقُلْتُ: لا، فَضَرَبَ مُجاهِدٌ في صَدْرِي ثُمَّ قالَ: إنَّها في قِراءَةِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: (مُتَتابِعاتٍ) .
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ الأنْبارِيِّ في (المَصاحِفِ)، وأبُو الشَّيْخِ، والبَيْهَقِيُّ، مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، أنَّهُ كانَ يَقْرَؤُها: (فَصِيامُ ثَلاثَةِ أيّامٍ مُتَتابِعاتٍ)، قالَ سُفْيانُ: ونَظَرْتُ في مُصْحَفِ رَبِيعِ بْنِ خُثَيْمٍ، فَرَأيْتُ فِيهِ: (فَمَن لَمْ يَجِدْ مِن ذَلِكَ شَيْئًا فَصِيامُ ثَلاثَةِ أيّامٍ مُتَتابِعاتٍ) .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ كُلَّ شَيْءٍ في القُرْآنِ: (مُتَتابِعاتٍ) .
وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ كانَ يَقْرَؤُها: (فَصِيامُ ثَلاثَةِ أيّامٍ مُتَتابِعاتٍ) .
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: كُلُّ صَوْمٍ في القُرْآنِ فَهو مُتَتابِعٌ إلّا قَضاءَ رَمَضانَ، فَإنَّهُ (p-٤٥٢)عِدَّةٌ مِن أيّامٍ أُخَرَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنْ عَلِيٍّ، أنَّهُ كانَ لا يُفَرِّقُ في صِيامِ اليَمِينِ الثَّلاثَةَ أيّامٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنِ الحَسَنِ، أنَّهُ كانَ يَقُولُ في صَوْمِ كَفّارَةِ اليَمِينِ: يَصُومُهُ مُتَتابِعاتٍ، فَإنْ أفْطَرَ مِن عُذْرٍ، قَضى يَوْمًا مَكانَ يَوْمٍ.
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَلِكَ كَفّارَةُ أيْمانِكُمْ﴾ الآيَةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: ﴿ذَلِكَ﴾ يَعْنِي الَّذِي ذُكِرَ مِنَ الكَفّارَةِ، ﴿كَفّارَةُ أيْمانِكم إذا حَلَفْتُمْ﴾ يَعْنِي اليَمِينَ العَمْدَ، ﴿واحْفَظُوا أيْمانَكُمْ﴾ يَعْنِي: لا تَعَمَّدُوا الأيْمانَ الكاذِبَةَ، ﴿كَذَلِكَ﴾ يَعْنِي: هَكَذا ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكم آياتِهِ﴾ يَعْنِي: ما ذُكِرَ مِنَ الكَفّارَةِ، ﴿لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾ فَمَن صامَ مِن كَفّارَةِ اليَمِينِ يَوْمًا أوْ يَوْمَيْنِ، ثُمَّ وجَدَ ما يُطْعِمُ فَلْيُطْعِمْ، ويَجْعَلُ صَوْمَهُ تَطَوُّعًا.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، والبُخارِيُّ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنْ عائِشَةَ (p-٤٥٣)قالَتْ: كانَ أبُو بَكْرٍ إذا حَلَفَ لَمْ يَحْنَثْ، حَتّى نَزَلَتْ آيَةُ الكَفّارَةِ، فَكانَ بَعْدَ ذَلِكَ يَقُولُ: لا أحْلِفُ عَلى يَمِينٍ فَأرى غَيْرَها خَيْرًا مِنها إلّا أتَيْتُ الَّذِي هو خَيْرٌ، وقَبِلْتُ رُخْصَةَ اللَّهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: مَن حَلَفَ عَلى مِلْكِ يَمِينٍ يَضْرِبُهُ، فَكَفّارَتُهُ تَرْكُهُ، ومَعَ الكَفّارَةِ حَسَنَةٌ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، أنَّهُ افْتَدى يَمِينَهُ بِعَشَرَةِ آلافِ دِرْهَمٍ، وقالَ: ورَبِّ هَذِهِ القِبْلَةِ، لَوْ حَلَفْتُ لَحَلَفْتُ صادِقًا، وإنَّما هو شَيْءٌ افْتَدَيْتُ بِهِ يَمِينِي.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ أبِي نَجِيحٍ، أنَّ ناسًا مِن أهْلِ البَيْتِ حَلَفُوا عِنْدَ البَيْتِ خَمْسِينَ رَجُلًا قَسامَةً، فَكَأنَّهم حَلَفُوا عَلى باطِلٍ، ثُمَّ خَرَجُوا، حَتّى إذا كانُوا في بَعْضِ الطُّرُقِ قالُوا تَحْتَ صَخْرَةٍ، فَبَيْنَما هم قائِلُونَ تَحْتَها إذِ انْقَلَبَتِ الصَّخْرَةُ عَلَيْهِمْ، فَخَرَجُوا يَشْتَدُّونَ مِن تَحْتِها، فانْفَلَقَتْ خَمْسِينَ فِلْقَةً، فَقَتَلَتْ كُلُّ فِلْقَةٍ رَجُلًا.
المائدة 5:90
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنَّما الخَمْرُ﴾ الآياتِ.
أخْرَجَ أحْمَدُ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «حُرِّمَتِ الخَمْرُ ثَلاثَ مَرّاتٍ، قَدِمَ رَسُولُ (p-٤٥٤)اللَّهِ ﷺ وهم يَشْرَبُونَ الخَمْرَ، ويَأْكُلُونَ المَيْسِرَ، فَسَألُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْهُما، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الخَمْرِ والمَيْسِرِ﴾ [البقرة: ٢١٩] الآيَةَ [البَقَرَةِ: ٢١٩]، فَقالَ النّاسُ: ما حُرِّمَ عَلَيْنا، إنَّما قالَ: ﴿إثْمٌ كَبِيرٌ﴾ [البقرة: ٢١٩] وكانُوا يَشْرَبُونَ الخَمْرَ، حَتّى كانَ يَوْمٌ مِنَ الأيّامِ، صَلّى رَجُلٌ مِنَ المُهاجِرِينَ، أمَّ أصْحابَهُ في المَغْرِبِ، خَلَطَ في قِراءَتِهِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ أغْلَظَ مِنها: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وأنْتُمْ سُكارى حَتّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ﴾ [النساء: ٤٣] [النِّساءِ: ٤٣]، وكانَ النّاسُ يَشْرَبُونَ حَتّى يَأْتِيَ أحَدُهُمُ الصَّلاةَ وهو مُفِيقٌ، ثُمَّ نَزَلَتْ آيَةٌ أغْلَظُ مِن ذَلِكَ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنَّما الخَمْرُ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿فَهَلْ أنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ قالُوا: انْتَهَيْنا رَبَّنا، فَقالَ النّاسُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، ناسٌ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ، وماتُوا عَلى فُرُشِهِمْ، كانُوا يَشْرَبُونَ الخَمْرَ، ويَأْكُلُونَ المَيْسِرَ، وقَدْ جَعَلَهُ اللَّهُ رِجْسًا مِن عَمَلِ الشَّيْطانِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿لَيْسَ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ جُناحٌ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ، وقالَ النَّبِيُّ ﷺ: (لَوْ حُرِّمَ عَلَيْهِمْ لَتَرَكُوهُ كَما تَرَكْتُمْ») .
وأخْرَجَ الطَّيالِسِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في (شُعَبِ الإيمانِ)، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: «نَزَلَ في الخَمْرِ ثَلاثُ آياتٍ، فَأوَّلُ شَيْءٍ نَزَلَ: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الخَمْرِ والمَيْسِرِ﴾ [البقرة: ٢١٩] الآيَةَ، فَقِيلَ: حُرِّمَتِ الخَمْرُ (p-٤٥٥)فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، دَعْنا نَنْتَفِعْ بِها كَما قالَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، فَسَكَتَ عَنْهُمْ، ثُمَّ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وأنْتُمْ سُكارى﴾ [النساء: ٤٣] فَقِيلَ: حُرِّمَتِ الخَمْرُ، فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، لا نَشْرَبُها قُرْبَ الصَّلاةِ، فَسَكَتَ عَنْهُمْ، ثُمَّ نَزَلَتْ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنَّما الخَمْرُ والمَيْسِرُ﴾ الآيَةَ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (حُرِّمَتِ الخَمْرُ») .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والنَّحّاسُ في (ناسِخِهِ)، وأبُو الشَّيْخِ وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، «عَنْ سَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ قالَ: فِيَّ نَزَلَ تَحْرِيمُ الخَمْرِ، صَنَعَ رَجُلٌ مِنَ الأنْصارِ طَعامًا فَدَعانا، فَأتاهُ ناسٌ، فَأكَلُوا وشَرِبُوا حَتّى انْتَشَوْا مِنَ الخَمْرِ، وذَلِكَ قَبْلَ أنْ تُحَرَّمَ الخَمْرُ، فَتَفاخَرُوا، فَقالَتِ الأنْصارُ: الأنْصارُ خَيْرٌ، وقالَتْ قُرَيْشٌ: قُرَيْشٌ خَيْرٌ، فَأهْوى رَجُلٌ بَلَحْيَيْ جَزُورٍ فَضَرَبَ عَلى أنْفِي فَفَزَرَهُ، فَكانَ سَعْدٌ مَفْزُورَ الأنْفِ، قالَ: فَأتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنَّما الخَمْرُ والمَيْسِرُ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، مِن طَرِيقِ ابْنِ شِهابٍ أنَّ سالِمَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَهُ، أنَّ أوَّلَ ما حُرِّمَتِ الخَمْرُ، أنَّ سَعْدَ بْنَ أبِي وقّاصٍ وأصْحابًا لَهُ شَرِبُوا، فاقْتَتَلُوا، (p-٤٥٦)فَكَسَرُوا أنْفَ سَعْدٍ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿إنَّما الخَمْرُ والمَيْسِرُ﴾ الآيَةَ.
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، عَنْ سَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ قالَ: «نَزَلَتْ فِيَّ ثَلاثُ آياتٍ مِن كِتابِ اللَّهِ، نَزَلَ تَحْرِيمُ الخَمْرِ، نادَمْتُ رَجُلًا فَعارَضْتُهُ وعارَضَنِي، فَعَرْبَدْتُ عَلَيْهِ، فَشَجَجْتُهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنَّما الخَمْرُ والمَيْسِرُ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿فَهَلْ أنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ ونَزَلَتْ فِيَّ: ﴿ووَصَّيْنا الإنْسانَ بِوالِدَيْهِ إحْسانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا﴾ [الأحقاف: ١٥] إلى آخِرِ الآيَةِ [الأحْقافِ: ١٥]، ونَزَلَتْ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكم صَدَقَةً﴾ [المجادلة: ١٢] [المُجادَلَةِ: ١٢]، فَقَدَّمْتُ شَعِيرَةً، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (إنَّكَ لَزَهِيدٌ)، فَنَزَلَتِ الآيَةُ الأُخْرى: ﴿أأشْفَقْتُمْ أنْ تُقَدِّمُوا﴾ [المجادلة: ١٣] الآيَةَ [المُجادَلَةَ»: ١٣] .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، والطَّبَرانِيُّ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: إنَّما نَزَلَ تَحْرِيمُ الخَمْرِ في قَبِيلَتَيْنِ مِن قَبائِلِ الأنْصارِ شَرِبُوا فَلَمّا أنْ ثَمِلَ القَوْمُ عَبَثَ بَعْضُهم بِبَعْضٍ، فَلَمّا أنْ صَحَوْا جَعَلَ يَرى الرَّجُلُ مِنهُمُ الأثَرَ بِوَجْهِهِ وبِرَأْسِهِ ولِحْيَتِهِ، فَيَقُولُ: صَنَعَ بِي هَذا أخِي فُلانٌ، وكانُوا إخْوَةً لَيْسَ في (p-٤٥٧)قُلُوبِهِمْ ضَغائِنُ، واللَّهِ لَوْ كانَ بِي رَؤُوفًا رَحِيمًا ما صَنَعَ بِي هَذا، حَتّى وقَعَتِ الضَّغائِنُ في قُلُوبِهِمْ، فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنَّما الخَمْرُ والمَيْسِرُ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿فَهَلْ أنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ فَقالَ ناسٌ مِنَ المُتَكَلِّفِينَ: هي رِجْسٌ، وهي في بَطْنِ فُلانٍ قُتِلَ يَوْمَ بَدْرٍ، وفُلانٍ قُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿لَيْسَ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا﴾ الآيَةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ بُرَيْدَةَ قالَ: بَيْنَما نَحْنُ قُعُودٌ عَلى شَرابٍ لَنا، ونَحْنُ نَشْرَبُ الخَمْرَ حِلًّا، إذْ قُمْتُ حَتّى آتِيَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَأُسَلِّمَ عَلَيْهِ، وقَدْ نَزَلَ تَحْرِيمُ الخَمْرِ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنَّما الخَمْرُ والمَيْسِرُ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿فَهَلْ أنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ فَجِئْتُ إلى أصْحابِي فَقَرَأْتُها عَلَيْهِمْ، قالَ: وبَعْضُ القَوْمِ شَرْبَتُهُ في يَدِهِ، قَدْ شَرِبَ بَعْضًا وبَقِيَ بَعْضٌ في الإناءِ، فَقالَ بِالإناءِ تَحْتَ شَفَتِهِ العُلْيا كَما يَفْعَلُ الحَجّامُ، ثُمَّ صَبُّوا ما في باطِيَتِهِمْ، فَقالُوا: انْتَهَيْنا رَبَّنا.
وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في (شُعَبِ الإيمانِ) عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «قامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: (يا أهْلَ المَدِينَةِ، إنَّ اللَّهَ يُعَرِّضُ عَنِ الخَمْرِ تَعْرِيضًا، لا أدْرِي لَعَلَّهُ سَيَنْزِلُ فِيها أمْرٌ)، ثُمَّ قامَ فَقالَ: (يا أهْلَ المَدِينَةِ، إنَّ اللَّهَ قَدْ أنْزَلَ إلَيَّ تَحْرِيمَ الخَمْرِ، فَمَن كَتَبَ (p-٤٥٨)مِنكم هَذِهِ الآيَةَ، وعِنْدَهُ مِنها شَيْءٌ فَلا يَشْرَبْها») .
وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سابِطٍ قالَ: زَعَمُوا أنَّ عُثْمانَ بْنَ مَظْعُونٍ حَرَّمَ الخَمْرَ في الجاهِلِيَّةِ، وقالَ: لا أشْرَبُ شَيْئًا يُذْهِبُ عَقْلِي، ويُضْحِكُ بِي مَن هو أدْنى مِنِّي، ويَحْمِلُنِي عَلى أنْ أُنْكِحَ كَرِيمَتِي مَن لا أُرِيدُ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في سُورَةِ المائِدَةِ في الخَمْرِ، فَمَرَّ عَلَيْهِ رَجُلٌ فَقالَ: حُرِّمَتِ الخَمْرُ، وتَلا عَلَيْهِ الآيَةَ، فَقالَ: تَبًّا لَها، قَدْ كانَ بَصَرِي فِيها ثابِتًا.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ في البَقَرَةِ: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الخَمْرِ والمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إثْمٌ كَبِيرٌ ومَنافِعُ لِلنّاسِ﴾ [البقرة: ٢١٩] [البَقَرَةِ: ٢١٩]، شَرِبَها قَوْمٌ لِقَوْلِهِ: ( مَنافِعَ لِلنّاسِ ) وتَرَكَها قَوْمٌ لِقَوْلِهِ: ﴿إثْمٌ كَبِيرٌ﴾ [البقرة: ٢١٩] مِنهم عُثْمانُ بْنُ مَظْعُونٍ، حَتّى نَزَلَتِ الآيَةُ الَّتِي في النِّساءِ: ﴿لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وأنْتُمْ سُكارى﴾ [النساء: ٤٣] [النِّساءِ: ٤٣]، فَتَرَكَها قَوْمٌ، وشَرِبَها قَوْمٌ، يَتْرُكُونَها بِالنَّهارِ حِينَ الصَّلاةِ، ويَشْرَبُونَها بِاللَّيْلِ، حَتّى نَزَلَتِ الآيَةُ الَّتِي في المائِدَةِ: ﴿إنَّما الخَمْرُ والمَيْسِرُ﴾ الآيَةَ، قالَ عُمَرُ: أقُرِنَتْ بِالمَيْسِرِ والأنْصابِ والأزْلامِ؟ بُعْدًا لَكِ وسُحْقًا، فَتَرَكَها النّاسُ، ووَقَعَ في صُدُورِ أُناسٍ مِنَ النّاسِ مِنها، فَجَعَلَ قَوْمٌ يُمَرُّ بِالرّاوِيَةِ مِنَ الخَمْرِ فَتُخْرَقُ، فَيَمُرُّ بِها أصْحابُها فَيَقُولُونَ: قَدْ كُنّا نُكْرِمُكِ عَنْ هَذا المَصْرَعِ، وقالُوا: ما حُرِّمَ عَلَيْنا شَيْءٌ أشَدُّ مِنَ الخَمْرِ، حَتّى جَعَلَ الرَّجُلُ (p-٤٥٩)يَلْقى صاحِبَهُ فَيَقُولُ: إنَّ في نَفْسِي شَيْئًا، فَيَقُولُ لَهُ صاحِبُهُ: لَعَلَّكَ تَذْكُرُ الخَمْرَ؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ، فَيَقُولُ: إنَّ في نَفْسِي مِثْلَ ما في نَفْسِكَ، حَتّى ذَكَرَ ذَلِكَ قَوْمٌ واجْتَمَعُوا فِيهِ، فَقالُوا: كَيْفَ نَتَكَلَّمُ ورَسُولُ اللَّهِ ﷺ شاهِدٌ؟ وخافُوا أنْ يَنْزِلَ فِيهِمْ، فَأتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وقَدْ أعَدُّوا لَهُ حُجَّةً، فَقالُوا: أرَأيْتَ حَمْزَةَ بْنَ عَبْدِ المُطَّلِبِ، ومُصْعَبَ بْنَ عُمَيْرٍ، وعَبْدَ اللَّهِ بْنَ جَحْشٍ، ألَيْسُوا في الجَنَّةِ؟ قالَ: (بَلى)، قالُوا: ألَيْسُوا قَدْ مَضَوْا وهم يَشْرَبُونَ الخَمْرَ؟ فَحُرِّمَ عَلَيْنا شَيْءٌ دَخَلُوا الجَنَّةَ وهم يَشْرَبُونَهُ؟ فَقالَ: (قَدْ سَمِعَ اللَّهُ ما قُلْتُمْ، فَإنْ شاءَ أجابَكُمْ)، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿إنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ العَداوَةَ والبَغْضاءَ في الخَمْرِ والمَيْسِرِ ويَصُدَّكم عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ قالُوا: انْتَهَيْنا، ونَزَلَ في الَّذِينَ ذَكَرُوا حَمْزَةَ وأصْحابَهُ: ﴿لَيْسَ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا﴾ الآيَةَ» .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ قَتادَةَ: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الخَمْرِ والمَيْسِرِ﴾ [البقرة: ٢١٩] [البَقَرَةِ: ٢١٩]، قالَ: المَيْسِرُ هو القِمارُ كُلُّهُ، ﴿قُلْ فِيهِما إثْمٌ كَبِيرٌ ومَنافِعُ لِلنّاسِ﴾ [البقرة: ٢١٩] قالَ: فَذَمَّهُما ولَمْ يُحَرِّمْهُما، وهي لَهم حَلالٌ يَوْمَئِذٍ، ثُمَّ أنْزَلَ هَذِهِ الآيَةَ في شَأْنِ الخَمْرِ، وهي أشَدُّ مِنها، فَقالَ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وأنْتُمْ سُكارى﴾ [النساء: ٤٣]، فَكانَ السُّكْرُ مِنها حَرامًا، ثُمَّ أنْزَلَ الآيَةَ الَّتِي في المائِدَةِ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنَّما الخَمْرُ والمَيْسِرُ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿فَهَلْ أنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ فَجاءَ تَحْرِيمُها في هَذِهِ الآيَةِ، قَلِيلِها وكَثِيرِها، ما أسْكَرَ مِنها وما لَمْ يُسْكِرْ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ عَطاءٍ قالَ: أوَّلُ ما نَزَلَ تَحْرِيمُ الخَمْرِ: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الخَمْرِ والمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إثْمٌ كَبِيرٌ﴾ [البقرة: ٢١٩] الآيَةَ، قالَ بَعْضُ النّاسِ: نَشْرَبُها لِمَنافِعِها الَّتِي فِيها، وقالَ آخَرُونَ: لا خَيْرَ في شَيْءٍ فِيهِ إثْمٌ، ثُمَّ نَزَلَتْ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وأنْتُمْ سُكارى﴾ [النساء: ٤٣] الآيَةَ، فَقالَ بَعْضُ النّاسِ: نَشْرَبُها ونَجْلِسُ في بُيُوتِنا، وقالَ آخَرُونَ: لا خَيْرَ في شَيْءٍ يَحُولُ بَيْنَنا وبَيْنَ الصَّلاةِ مَعَ المُسْلِمِينَ، فَنَزَلَتْ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنَّما الخَمْرُ والمَيْسِرُ﴾ الآيَةَ، ﴿فانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧] فَنَهاهم فانْتَهَوْا.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وأنْتُمْ سُكارى﴾ [النساء: ٤٣] قالَ: كانَ القَوْمُ يَشْرَبُونَها حَتّى إذا حَضَرَتِ الصَّلاةُ أمْسَكُوا عَنْها قالَ: وذُكِرَ لَنا أنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ قالَ حِينَ أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: (قَدْ تَقَرَّبَ اللَّهُ في تَحْرِيمِ الخَمْرِ)، ثُمَّ حَرَّمَها بَعْدَ ذَلِكَ في سُورَةِ المائِدَةِ، بَعْدَ غَزْوَةِ الأحْزابِ، وعَلِمَ أنَّها تُسَفِّهُ الأحْلامَ، وتُجْهِدُ الأمْوالَ، وتَشْغَلُ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ، وعَنِ الصَّلاةِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ قَتادَةَ: ﴿فَهَلْ أنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ قالَ: فانْتَهى القَوْمُ عَنِ الخَمْرِ، وأمْسَكُوا عَنْها، قالَ: وذُكِرَ لَنا أنَّ هَذِهِ الآيَةَ لَمّا أُنْزِلَتْ قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «(يا أيُّها النّاسُ، إنَّ اللَّهَ قَدْ حَرَّمَ الخَمْرَ، فَمَن كانَ عِنْدَهُ شَيْءٌ فَلا يَطْعَمْهُ، ولا تَبِيعُوها»)، فَلَبِثَ المُسْلِمُونَ زَمانًا يَجِدُونَ رِيحَها مِن (p-٤٦١)طُرُقِ المَدِينَةِ مِمّا أهْرَقُوا مِنها.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أنَّ الشُّرّابَ كانُوا يُضْرَبُونَ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالأيْدِي، والنِّعالِ، والعِصِيِّ، حَتّى تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقالَ أبُو بَكْرٍ: لَوْ فَرَضْنا لَهم حَدًّا، فَتَوَخّى نَحْوَ ما كانُوا يُضْرَبُونَ في عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَكانَ أبُو بَكْرٍ يَجْلِدُهم أرْبَعِينَ حَتّى تُوُفِّيَ، ثُمَّ كانَ عُمَرُ مِن بَعْدِهِ يَجْلِدُهم كَذَلِكَ أرْبَعِينَ، حَتّى أُتِيَ بِرَجُلٍ مِنَ المُهاجِرِينَ الأوَّلِينَ، وقَدْ شَرِبَ، فَأمَرَ بِهِ أنْ يُجْلَدَ، فَقالَ: لِمَ تَجْلِدُنِي؟ بَيْنِي وبَيْنَكَ كِتابُ اللَّهِ، قالَ: وفي أيِّ كِتابِ اللَّهِ تَجِدُ ألّا أجْلِدَكَ؟ قالَ: إنَّ اللَّهَ يَقُولُ في كِتابِهِ:﴿لَيْسَ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا﴾ [المائِدَةِ: ٩٣]، فَأنا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ، ثُمَّ اتَّقَوْا وأحْسَنُوا، شَهِدْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَدْرًا، وأُحُدًا، والخَنْدَقَ، والمَشاهِدَ، فَقالَ عُمَرُ: ألا تَرُدُّونَ عَلَيْهِ؟ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هَؤُلاءِ الآياتُ نَزَلَتْ عُذْرًا لِلْماضِينَ، وحُجَّةً عَلى الباقِينَ، عُذْرًا لِلْماضِينَ، لِأنَّهم لَقُوا اللَّهَ قَبْلَ أنْ حَرَّمَ عَلَيْهِمُ الخَمْرَ، وحُجَّةً عَلى الباقِينَ، لِأنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿إنَّما الخَمْرُ والمَيْسِرُ والأنْصابُ والأزْلامُ﴾ حَتّى بَلَغَ الآيَةَ الأُخْرى، فَإنْ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وآمَنُوا، ثُمَّ اتَّقَوْا وأحْسَنُوا، فَإنَّ اللَّهَ نَهى أنْ يُشْرَبَ الخَمْرُ، فَقالَ عُمَرُ: فَماذا تَرَوْنَ؟ فَقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ: نَرى أنَّهُ إذا شَرِبَ سَكِرَ، وإذا سَكِرَ هَذى، وإذا هَذى افْتَرى، وعَلى المُفْتَرِي ثَمانُونَ جَلْدَةً، فَأمَرَ عُمَرُ فَجُلِدَ ثَمانِينَ. (p-٤٦٢)وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنْ أنَسٍ، عَنْ أبِي طَلْحَةَ زَوْجِ أُمِّ أنَسٍ، قالَ: «لَمّا نَزَلَ تَحْرِيمُ الخَمْرِ بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هاتِفًا يَهْتِفُ: (ألا إنَّ الخَمْرَ قَدْ حُرِّمَتْ، فَلا تَبِيعُوها ولا تَبْتاعُوها، فَمَن كانَ عِنْدَهُ مِنهُ شَيْءٌ فَلْيُهْرِقْهُ)، قالَ أبُو طَلْحَةَ: يا غُلامُ حُلَّ عَزْلاءَ تِلْكَ المَزادَةِ، فَفَتَحَها فَأهْراقَها، وخَمْرُنا يَوْمَئِذٍ البُسْرُ والتَّمْرُ، فَأهْراقَ النّاسُ حَتّى انْتَبَعَتْ فِجاجُ المَدِينَةِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنْ أنَسٍ قالَ: كُنّا نَأْكُلُ مِن طَعامٍ لَنا ونَشْرَبُ عَلَيْهِ مِن هَذا الشَّرابِ، فَأتانا فُلانٌ مِن عِنْدِ نَبِيِّ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: إنَّكم تَشْرَبُونَ الخَمْرَ، وقَدْ أُنْزِلَ فِيها؟ قُلْنا: ما تَقُولُ؟ قالَ: نَعَمْ، سَمِعْتُهُ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ السّاعَةَ، ومِن عِنْدِهِ أتَيْتُكُمْ، فَقُمْنا فَأكْفَيْنا ما كانَ في الإناءِ مِن شَيْءٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنْ أنَسٍ قالَ: «كانَ عِنْدَ أبِي طَلْحَةَ مالٌ لِيَتِيمٍ فاشْتَرى بِهِ خَمْرًا، فَلَمّا حُرِّمَتِ الخَمْرُ أتى النَّبِيَّ ﷺ فَقالَ: أجْعَلُهُ خَلًّا؟ فَقالَ: (لا، هَرِقْهُ») .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنْ أنَسٍ، أنَّ الآيَةَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ فِيها الخَمْرَ نَزَلَتْ ولَيْسَ في المَدِينَةِ شَرابٌ يُشْرَبُ إلّا مِن تَمْرٍ.
وأخْرَجَ أبُو يَعْلى، عَنْ أنَسٍ قالَ: لَمّا نَزَلَ تَحْرِيمُ الخَمْرِ، فَدَخَلْتُ عَلى ناسٍ مِن (p-٤٦٣)أصْحابِي وهي بَيْنَ أيْدِيهِمْ، فَضَرَبْتُها بِرِجْلِي، ثُمَّ قُلْتُ: انْطَلِقُوا إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَدْ نَزَلَ تَحْرِيمُ الخَمْرِ، وشَرابُهم يَوْمَئِذٍ البُسْرُ والتَّمْرُ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: كانُوا يَشْرَبُونَ الخَمْرَ بَعْدَ ما أُنْزِلَتِ الَّتِي في البَقَرَةِ، وبَعْدَ الَّتِي في سُورَةِ النِّساءِ، فَلَمّا نَزَلَتِ الَّتِي في سُورَةِ المائِدَةِ تَرَكُوهُ.
وأخْرَجَ مُسْلِمٌ، وأبُو يَعْلى، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ، قالَ: «خَطَبَنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: (يا أيُّها النّاسُ، إنَّ اللَّهَ يُعَرِّضُ بِالخَمْرِ، فَمَن كانَ عِنْدَهُ مِنها شَيْءٌ فَلْيَبِعْ ولْيَنْتَفِعْ بِهِ)، فَلَمْ يَلْبَثْ إلّا يَسِيرًا، ثُمَّ قالَ: (إنَّ اللَّهَ قَدْ حَرَّمَ الخَمْرَ، فَمَن أدْرَكَتْهُ هَذِهِ الآيَةُ وعِنْدَهُ مِنها شَيْءٌ فَلا يَبِعْ ولا يَشْرَبْ)، قالَ: فاسْتَقْبَلَ النّاسُ بِما كانَ عِنْدَهم مِنها فَسَفَكُوها في طُرُقِ المَدِينَةِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: حُرِّمَتِ الخَمْرُ بِعَيْنِها، قَلِيلِها وكَثِيرِها، والمُسْكِرُ مِن كُلِّ شَرابٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنْ وهْبِ بْنِ كَيْسانَ قالَ: قُلْتُ لِجابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ: مَتّى حُرِّمَتِ الخَمْرُ؟ قالَ: بَعْدَ أُحُدٍ، صَبَّحْنا الخَمْرَ يَوْمَ أُحُدٍ حِينَ خَرَجْنا إلى القِتالِ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: حُرِّمَتِ الخَمْرُ يَوْمَ حُرِّمَتْ وما كانَ شَرابُ النّاسِ إلّا التَّمْرَ والزَّبِيبَ. (p-٤٦٤)وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنْ جابِرٍ قالَ: «كانَ رَجُلٌ عِنْدَهُ مالُ أيْتامٍ، فَكانَ يَشْتَرِي لَهم ويَبِيعُ، فاشْتَرى خَمْرًا، فَجَعَلَهُ في خَوابِي، وإنَّ اللَّهَ أنْزَلَ تَحْرِيمَ الخَمْرِ، فَأتى النَّبِيَّ ﷺ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّهُ لَيْسَ لَهم مالٌ غَيْرُهُ، فَقالَ: (أهْرِقْهُ)، فَأهْراقَهُ» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: حُرِّمَتِ الخَمْرُ وما بِالمَدِينَةِ مِنها شَيْءٌ، وما خَمْرُهم يَوْمَئِذٍ إلّا الفَضِيخُ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنْ أنَسٍ قالَ: حُرِّمَتِ الخَمْرُ يَوْمَ حُرِّمَتْ وما لَنا بِالمَدِينَةِ خَمْرٌ إلّا الفَضِيخُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، والبَيْهَقِيُّ في ”سُنَنِهِ“، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قالَ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ الَّتِي في القُرْآنِ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنَّما الخَمْرُ والمَيْسِرُ والأنْصابُ والأزْلامُ رِجْسٌ مِن عَمَلِ الشَّيْطانِ فاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ هي في التَّوْراةِ: إنَّ اللَّهَ أنْزَلَ الحَقَّ لِيُذْهِبَ بِهِ الباطِلَ، ويُبْطِلَ بِهِ اللَّعِبَ، والزَّفْنَ، والمَزامِيرَ، والكِباراتِ، يَعْنِي البَرابِطَ، والزَّمّاراتِ، يَعْنِي الدُّفَّ والطَّنابِيرَ، (p-٤٦٥)والشِّعْرَ، والخَمْرَ مَرَّةً لِمَن طَعِمَها، وأقْسَمَ رَبِّي بِيَمِينِهِ، وعِزَّةِ حَيْلِهِ، لا يَشْرَبُها عَبْدٌ بَعْدَما حَرَّمْتُها عَلَيْهِ إلّا عَطَّشَتُهُ يَوْمَ القِيامَةِ، ولا يَدَعُها بَعْدَما حَرَّمْتُها إلّا سَقَيْتُهُ إيّاها مِن حَظِيرَةِ القُدْسِ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قالَ: «(حَرَّمَ اللَّهُ الخَمْرَ، وكُلَّ مُسْكِرٍ حَرامٌ») .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: لَقَدْ أنْزَلَ اللَّهُ تَحْرِيمَ الخَمْرِ، وما بِالمَدِينَةِ زَبِيبَةٌ واحِدَةٌ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ، وأبُو يَعْلى، وابْنُ الجارُودِ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنْ أبِي سَعِيدٍ قالَ: «كانَ عِنْدَنا خَمْرٌ لِيَتِيمٍ، فَلَمّا نَزَلَتِ الآيَةُ الَّتِي في المائِدَةِ سَألْنا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقُلْنا: لِيَتِيمٍ، فَقالَ: (أهْرِيقُوها») .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنْ أنَسٍ قالَ: حُرِّمَتِ الخَمْرُ وهي تُخَمَّرُ في الجِرارِ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنِ البَراءِ بْنِ عازِبٍ قالَ: نَزَلَ تَحْرِيمُ الخَمْرِ وما في أسْقِيَتِنا إلّا الزَّبِيبُ والتَّمْرُ، فَأكْفَأْناهُما. (p-٤٦٦)وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «(مِنَ التَّمْرِ خَمْرٌ، ومِنَ العَسَلِ خَمْرٌ، ومِنَ الزَّبِيبِ خَمْرٌ، ومِنَ العِنَبِ خَمْرٌ، ومِنَ الحِنْطَةِ خَمْرٌ، وأنْهاكم عَنْ كُلِّ مُسْكِرٍ») .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: لَمّا نَزَلَتْ: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الخَمْرِ والمَيْسِرِ﴾ [البقرة: ٢١٩] الآيَةَ، كَرِهَها قَوْمٌ لِقَوْلِهِ: ﴿فِيهِما إثْمٌ كَبِيرٌ﴾ [البقرة: ٢١٩] وشَرِبَها قَوْمٌ لِقَوْلِهِ: ﴿ومَنافِعُ لِلنّاسِ﴾ [البقرة: ٢١٩] حَتّى نَزَلَتْ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وأنْتُمْ سُكارى﴾ [النساء: ٤٣] فَكانُوا يَدَعُونَها في حِينِ الصَّلاةِ ويَشْرَبُونَها في غَيْرِ حِينِ الصَّلاةِ، حَتّى نَزَلَتْ: ﴿إنَّما الخَمْرُ والمَيْسِرُ﴾ الآيَةَ، فَقالَ عُمَرُ: ضَيْعَةٌ لَكِ، اليَوْمَ قُرِنْتِ بِالمَيْسِرِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ قالَ: نَزَلَتْ في الخَمْرِ أرْبَعُ آياتٍ: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الخَمْرِ والمَيْسِرِ﴾ [البقرة: ٢١٩] الآيَةَ، فَتَرَكُوها، ثُمَّ نَزَلَتْ: ﴿تَتَّخِذُونَ مِنهُ سَكَرًا ورِزْقًا حَسَنًا﴾ [النحل: ٦٧] [النَّحْلِ: ٦٧]، فَشَرِبُوها، ثُمَّ نَزَلَتِ الآيَتانِ في المائِدَةِ: ﴿إنَّما الخَمْرُ والمَيْسِرُ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿فَهَلْ أنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ السُّدِّيِّ قالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الخَمْرِ والمَيْسِرِ﴾ [البقرة: ٢١٩] الآيَةَ، فَلَمْ يَزالُوا بِذَلِكَ يَشْرَبُونَها حَتّى صَنَعَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ طَعامًا، فَدَعا ناسًا فِيهِمْ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ فَقَرَأ: ﴿قُلْ يا أيُّها الكافِرُونَ﴾ [الكافرون: ١] فَلَمْ يُفْهِمْها، فَأنْزَلَ اللَّهُ يُشَدِّدُ في الخَمْرِ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وأنْتُمْ سُكارى حَتّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ﴾ [النساء: ٤٣] فَكانَتْ حَلالًا، (p-٤٦٧)يَشْرَبُونَها مِن صَلاةِ الغَداةِ حَتّى يَرْتَفِعَ النَّهارُ، فَيَقُومُونَ إلى صَلاةِ الظُّهْرِ، وهم مُصْحُونَ، ثُمَّ لا يَشْرَبُونَها حَتّى يُصَلُّوا العَتَمَةَ، ثُمَّ يَقُومُونَ إلى صَلاةِ الفَجْرِ وقَدْ صَحَوْا، فَلَمْ يَزالُوا بِذَلِكَ يَشْرَبُونَها، حَتّى صَنَعَ سَعْدُ بْنُ أبِي وقّاصٍ طَعامًا، فَدَعا ناسًا فِيهِمْ رَجُلٌ مِنَ الأنْصارِ، فَشَوى لَهم رَأْسَ بَعِيرٍ، ثُمَّ دَعاهم عَلَيْهِ، فَلَمّا أكَلُوا، وشَرِبُوا مِنَ الخَمْرِ سَكِرُوا، وأخَذُوا في الحَدِيثِ، فَتَكَلَّمَ سَعْدٌ بِشَيْءٍ فَغَضِبَ الأنْصارِيُّ، فَرَفَعَ لَحْيَّ البَعِيرِ، فَكَسَرَ أنْفَ سَعْدٍ، فَأنْزَلَ اللَّهُ نَسْخَ الخَمْرِ وتَحْرِيمَها: ﴿إنَّما الخَمْرُ والمَيْسِرُ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿فَهَلْ أنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ قَتادَةَ قالَ: نَزَلَ تَحْرِيمُ الخَمْرِ في سُورَةِ المائِدَةِ بَعْدَ غَزْوَةِ الأحْزابِ، ولَيْسَ لِلْعَرَبِ يَوْمَئِذٍ عَيْشٌ أعْجَبُ إلَيْهِمْ مِنها.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ الرَّبِيعِ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ آيَةُ البَقَرَةِ، قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (إنَّ رَبَّكم يُقَدِّمُ في تَحْرِيمِ الخَمْرِ)، ثُمَّ نَزَلَتْ آيَةُ النِّساءِ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: (إنَّ رَبَّكم يُقَرِّبُ في تَحْرِيمِ الخَمْرِ)، ثُمَّ نَزَلَتْ آيَةُ المائِدَةِ فَحُرِّمَتِ الخَمْرُ عِنْدَ ذَلِكَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ، قالَ: «نَزَلَ أرْبَعُ آياتٍ في تَحْرِيمِ الخَمْرِ، أوَّلُهُنَّ الَّتِي في البَقَرَةِ، ثُمَّ نَزَلَتِ الثّانِيَةُ: ﴿ومِن ثَمَراتِ النَّخِيلِ والأعْنابِ تَتَّخِذُونَ مِنهُ سَكَرًا ورِزْقًا حَسَنًا﴾ [النحل: ٦٧] ثُمَّ أُنْزِلَتِ الَّتِي في النِّساءِ، بَيْنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي بَعْضَ الصَّلَواتِ إذْ غَنّى سَكْرانُ خَلْفَهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وأنْتُمْ سُكارى﴾ [النساء: ٤٣] الآيَةَ، فَشَرِبَها طائِفَةٌ مِنَ النّاسِ، وتَرَكَها طائِفَةٌ، ثُمَّ نَزَلَتِ الرّابِعَةُ الَّتِي في المائِدَةِ، فَقالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ: انْتَهَيْنا يا رَبَّنا» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ قَيْسٍ، قالَ: «لَمّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ المَدِينَةَ أتاهُ النّاسُ، وقَدْ كانُوا يَشْرَبُونَ الخَمْرَ، ويَأْكُلُونَ المَيْسِرَ، فَسَألُوهُ عَنْ ذَلِكَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الخَمْرِ والمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إثْمٌ كَبِيرٌ ومَنافِعُ لِلنّاسِ وإثْمُهُما أكْبَرُ مِن نَفْعِهِما﴾ [البقرة: ٢١٩] فَقالُوا: هَذا شَيْءٌ قَدْ جاءَ فِيهِ رُخْصَةٌ، نَأْكُلُ المَيْسِرَ، ونَشْرَبُ الخَمْرَ، ونَسْتَغْفِرُ مِن ذَلِكَ، حَتّى أتى رَجُلٌ صَلاةَ المَغْرِبَ، فَجَعَلَ يَقْرَأُ: ﴿قُلْ يا أيُّها الكافِرُونَ﴾ [الكافرون: ١] ﴿لا أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ﴾ [الكافرون: ٢] ﴿ولا أنْتُمْ عابِدُونَ ما أعْبُدُ﴾ [الكافرون: ٣] فَجَعَلَ لا يَجُوزُ ذَلِكَ، ولا يَدْرِي ما يَقْرَأُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وأنْتُمْ سُكارى﴾ [النساء: ٤٣] فَكانَ النّاسُ يَشْرَبُونَ الخَمْرَ حَتّى يَجِيءَ وقْتُ الصَّلاةِ، فَيَدَعُونَ شُرْبَها، فَيَأْتُونَ الصَّلاةَ وهم يَعْلَمُونَ ما يَقُولُونَ، فَلَمْ يَزالُوا كَذَلِكَ حَتّى أنْزَلَ اللَّهُ: ﴿إنَّما الخَمْرُ والمَيْسِرُ والأنْصابُ والأزْلامُ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿فَهَلْ أنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ فَقالُوا: انْتَهَيْنا يا رَبِّ» .
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنِ ابْنِ (p-٤٦٩)عَبّاسٍ قالَ: لَمّا نَزَلَ تَحْرِيمُ الخَمْرِ مَشى الصَّحابَةُ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ، وقالُوا: حُرِّمَتِ الخَمْرُ وجُعِلَتْ عَدْلًا لِلشِّرْكِ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (لا يَمُوتُ مُدْمِنُ خَمْرٍ إلّا لَقِيَ اللَّهَ كَعابِدِ وثَنٍ)، ثُمَّ قَرَأ: ﴿إنَّما الخَمْرُ والمَيْسِرُ﴾ الآيَةَ» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «(إنَّ اللَّهَ حَرَّمَ الخَمْرَ والمَيْسِرَ والكُوبَةَ والغُبَيْراءَ وكُلَّ مُسْكِرٍ حَرامٌ») .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «(إنَّ اللَّهَ حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الخَمْرَ والمَيْسِرَ والكُوبَةَ، وكُلُّ مُسْكِرٍ حَرامٌ») .
وأخْرَجَ البُخارِيُّ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: نَزَلَ تَحْرِيمُ الخَمْرِ، وإنَّ بِالمَدِينَةِ يَوْمَئِذٍ لَخَمْسَةُ أشْرِبَةٍ ما فِيها شَرابُ العِنَبِ.
وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، وأبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ ماجَهْ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ عامَ الفَتْحِ: (p-٤٧٠)(إنَّ اللَّهَ حَرَّمَ بَيْعَ الخَمْرِ، والأنْصابِ، والمَيْتَةِ، والخِنْزِيرِ)، فَقالَ بَعْضُ النّاسِ: كَيْفَ تَرى في شُحُومِ المَيْتَةِ يُدْهَنُ بِها السُّفُنُ والجُلُودُ، ويَسْتَصْبِحُ بِها النّاسُ؟ فَقالَ: (لا، هي حَرامٌ)، ثُمَّ قالَ عِنْدَ ذَلِكَ: (قاتَلَ اللَّهُ اليَهُودَ، إنَّ اللَّهَ لَمّا حَرَّمَ عَلَيْهِمُ الشُّحُومَ جَمَلُوهُ، فَباعُوهُ، وأكَلُوا ثَمَنَهُ») .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «قَدِمَ رَجُلٌ مِن دَوْسٍ عَلى النَّبِيِّ ﷺ بِراوِيَةٍ مِن خَمْرٍ، أهْداها لَهُ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: (هَلْ عَلِمْتَ أنَّ اللَّهَ حَرَّمَها بَعْدَكَ؟) فَأقْبَلَ الدَّوْسِيُّ عَلى رَجُلٍ كانَ مَعَهُ، فَأمَرَهُ بِبَيْعِها، فَقالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: (هَلْ عَلِمْتَ أنَّ الَّذِي حَرَّمَ شُرْبَها حَرَّمَ بَيْعَها، وأكْلَ ثَمَنِها؟) وأمَرَ بِالمَزادِ فَأُهْرِيقَتْ حَتّى لَمْ يَبْقَ فِيها قَطْرَةٌ» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ، «عَنْ تَمِيمٍ الدّارِيِّ، أنَّهُ كانَ يُهْدِي لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ كُلَّ عامٍ راوِيَةً مِن خَمْرٍ، فَلَمّا كانَ عامُ حُرِّمَتِ الخَمْرُ جاءَ بِراوِيَةٍ، فَلَمّا نَظَرَ إلَيْها ضَحِكَ وقالَ: (هَلْ شَعُرْتَ أنَّها قَدْ حُرِّمَتْ؟) فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، أفَلا نَبِيعُها فَنَنْتَفِعَ بِثَمَنِها؟ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (لَعَنَ اللَّهُ اليَهُودَ، انْطَلِقُوا إلى ما حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِن شُحُومِ البَقَرِ، والغَنَمِ، فَأذابُوهُ إهالَةً، فَباعُوا مِنهُ ما يَأْكُلُونَ (p-٤٧١)والخَمْرُ حَرامٌ ثَمَنُها، حَرامٌ بَيْعُها») .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، والبُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، وأبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ، وأبُو عَوانَةَ، والطَّحاوِيُّ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ حِبّانَ، والدّارَقُطْنِيُّ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في (الشُّعَبِ)، عَنْ عُمَرَ، أنَّهُ قامَ عَلى المِنبَرِ فَقالَ: أمّا بَعْدُ، فَإنَّ الخَمْرَ نَزَلَ تَحْرِيمُها يَوْمَ نَزَلَ، وهي مِن خَمْسَةٍ، مِنَ العِنَبِ، والتَّمْرِ، والبُرِّ، والشَّعِيرِ، والعَسَلِ، والخَمْرُ ما خامَرَ العَقْلَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنْ عُمَرَ قالَ: إنَّ هَذِهِ الأنْبِذَةَ تُنْبَذُ مِن خَمْسَةِ أشْياءَ، مِنَ التَّمْرِ، والزَّبِيبِ، والعَسَلِ، والبُرِّ، والشَّعِيرِ، فَما خَمَّرْتَهُ مِنها ثُمَّ عَتَّقْتَهُ فَهو خَمْرٌ.
وأخْرَجَ الشّافِعِيُّ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، ومُسْلِمٌ، والبَيْهَقِيُّ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «(كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ، وكُلُّ خَمْرٍ حَرامٌ») .
وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ، عَنْ جابِرٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «(الزَّبِيبُ والتَّمْرُ هو الخَمْرُ»)، يَعْنِي: إذا انْتُبِذا جَمِيعًا. (p-٤٧٢)وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ ماجَهْ، والنَّحّاسُ في (ناسِخِهِ)، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وتَعَقَّبَهُ الذَّهَبِيُّ، عَنِ النُّعْمانِ بْنِ بَشِيرٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «(إنَّ مِنَ الحِنْطَةِ خَمْرًا، ومِنَ الشَّعِيرِ خَمْرًا، ومِنَ الزَّبِيبِ خَمْرًا، ومِنَ التَّمْرِ خَمْرًا، ومِنَ العَسَلِ خَمْرًا، وأنا أنْهاكم عَنْ كُلِّ مُسْكِرٍ») .
وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ مَرْيَمَ بِنْتِ طارِقٍ قالَتْ: «كُنْتُ في نِسْوَةٍ مِنَ المُهاجِراتِ حَجَجْنا، فَدَخَلْنا عَلى عائِشَةَ، فَجَعَلَ نِساءٌ يَسْألْنَها عَنِ الظُّرُوفِ، فَقالَتْ: إنَّكُنَّ لَتَذْكُرْنَ ظُرُوفًا ما كانَ كَثِيرٌ مِنها عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فاتَّقِينَ اللَّهَ، واجْتَنِبْنَ ما يُسْكِرُكُنَّ، فَإنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: (كُلُّ مُسْكِرٍ حَرامٌ)، وإنْ أسْكَرَها ماءُ حُبِّها فَلْتَجْتَنِبْهُ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، ومُسْلِمٌ، وأبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ ماجَهْ، وابْنُ المُنْذِرِ، والنَّحّاسُ في (ناسِخِهِ)، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «(الخَمْرُ مِن هاتَيْنِ الشَّجَرَتَيْنِ: النَّخْلَةِ والعِنَبَةِ») .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا في (ذَمِّ المَلاهِي)، عَنِ الحَسَنِ قالَ: المَيْسِرُ، القِمارُ. (p-٤٧٣)وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في ”سُنَنِهِ“ عَنْ نافِعٍ، أنَّ ابْنَ عُمَرَ كانَ يَقُولُ: المَيْسِرُ، القِمارُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والبَيْهَقِيُّ في ”سُنَنِهِ“ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: المَيْسِرُ كِعابُ فارِسَ، وقِداحُ العَرَبِ، وهو القِمارُ كُلُّهُ.
وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ، عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: المَيْسِرُ القِمارُ كُلُّهُ، حَتّى الجَوْزُ الَّذِي يَلْعَبُ بِهِ الصِّبْيانُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنْ أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «(اجْتَنِبُوا هَذِهِ الكِعابَ المَوْسُومَةَ الَّتِي يُزْجَرُ بِها زَجْرًا، فَإنَّها مِنَ المَيْسِرِ») .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في (الشُّعَبِ)، عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «(إيّاكم وهَذِهِ الكِعابَ المَوْسُومَةَ الَّتِي تُزْجَرُ زَجْرًا، فَإنَّها مِنَ المَيْسِرِ») .
وأخْرَجَ أحْمَدُ، وابْنُ أبِي الدُّنْيا في (ذَمِّ المَلاهِي)، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في (الشُّعَبِ)، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «(إيّاكم وهاتَيْنِ الكَعْبَتَيْنِ المَوْسُومَتَيْنِ اللَّتَيْنِ تُزْجَرانِ زَجْرًا، فَإنَّهُما مَيْسِرُ العَجَمِ») . (p-٤٧٤)وأخْرَجَ وكِيعٌ، وعَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي الدُّنْيا، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: إيّاكم وهَذِهِ الكِعابَ المَوْسُومَةَ الَّتِي تُزْجَرُ زَجْرًا، فَإنَّها مَيْسِرُ العَجَمِ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كُلُّ القِمارِ مِنَ المَيْسِرِ، حَتّى لَعِبُ الصِّبْيانِ بِالجَوْزِ والكِعابِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ قالَ: النَّرْدُ والشِّطْرَنْجُ مِنَ المَيْسِرِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ عَلِيٍّ، قالَ: الشِّطْرَنْجُ مَيْسِرُ الأعاجِمِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ القاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، أنَّهُ سُئِلَ عَنِ النَّرْدِ، أهِيَ مِنَ المَيْسِرِ؟ قالَ: كُلُّ ما ألْهى عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ، وعَنِ الصَّلاةِ فَهو مَيْسِرٌ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي الدُّنْيا في (ذَمِّ المَلاهِي)، والبَيْهَقِيُّ في (الشُّعَبِ)، عَنِ القاسِمِ، أنَّهُ قِيلَ لَهُ: هَذِهِ النَّرْدُ تَكْرَهُونَها، فَما بالُ الشِّطْرَنْجِ؟ قالَ: كُلُّ ما ألْهى عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وعَنِ الصَّلاةِ فَهو مِنَ المَيْسِرِ. (p-٤٧٥)وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي الدُّنْيا في (ذَمِّ المَلاهِي)، وأبُو الشَّيْخِ، والبَيْهَقِيُّ في (الشُّعَبِ)، مِن طَرِيقِ رَبِيعَةَ بْنِ كُلْثُومٍ، عَنْ أبِيهِ، قالَ: خَطَبَنا ابْنُ الزُّبَيْرِ فَقالَ: يا أهْلَ مَكَّةَ، بَلَغَنِي عَنْ رِجالٍ يَلْعَبُونَ بِلُعْبَةٍ يُقالُ لَها: النَّرْدَشِيرُ، وإنَّ اللَّهَ يَقُولُ في كِتابِهِ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنَّما الخَمْرُ والمَيْسِرُ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿فَهَلْ أنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ وإنِّي أحْلِفُ بِاللَّهِ لا أُوتى بِأحَدٍ لَعِبَ بِها إلّا عاقَبْتُهُ في شَعْرِهِ وبَشَرِهِ، وأعْطَيْتُ سَلَبَهُ مَن أتانِي بِهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ أبِي الدُّنْيا، عَنْ أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «(مَن لَعِبَ بِالنَّرْدَشِيرِ فَقَدْ عَصى اللَّهَ ورَسُولَهُ») .
وأخْرَجَ أحْمَدُ، عَنْ أبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ الخَطْمِيِّ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «(مَثَلُ الَّذِي يَلْعَبُ بِالنَّرْدِ، ثُمَّ يَقُومُ فَيُصَلِّي، مَثَلُ الَّذِي يَتَوَضَّأُ بِالقَيْحِ، ودَمِ الخِنْزِيرِ، ثُمَّ يَقُومُ فَيُصَلِّي») .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ أبِي الدُّنْيا، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قالَ: اللّاعِبُ بِالنَّرْدِ قِمارًا كَآكِلِ لَحْمِ الخِنْزِيرِ، واللّاعِبُ بِها مِن غَيْرِ قِمارٍ كالمُدَّهِنِ بِوَدَكِ الخِنْزِيرِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا، عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: اللّاعِبُ بِالنَّرْدِ قِمارًا مِنَ المَيْسِرِ، واللّاعِبُ بِها سِفاحًا كالصّابِغِ يَدَهُ في دَمِ الخِنْزِيرِ، والجالِسُ عِنْدَها كالجالِسِ عِنْدَ (p-٤٧٦)مَسالِخِهِ، وإنَّهُ يُؤْمَرُ بِالوُضُوءِ مِنها، والكَعْبَيْنِ، والشِّطْرَنْجِ سَواءً.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا، عَنْ يَحْيى بْنِ أبِي كَثِيرٍ قالَ: «مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِقَوْمٍ يَلْعَبُونَ بِالنَّرْدِ فَقالَ: (قُلُوبٌ لاهِيَةٌ، وأيْدِي عامِلَةٌ، وألْسِنَةٌ لاغِيَةٌ») .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا، عَنِ الحَسَنِ قالَ: النَّرْدُ مَيْسِرُ العَجَمِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا، عَنْ مالِكِ بْنِ أنَسٍ قالَ: الشِّطْرَنْجُ مِنَ النَّرْدِ، بَلَغَنا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ ولِيَ مالَ يَتِيمٍ فَأحْرَقَها.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قالَ: سُئِلَ ابْنُ عُمَرَ، عَنِ الشِّطْرَنْجِ فَقالَ: هي شَرٌّ مِنَ النَّرْدِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا، عَنْ أبِي جَعْفَرٍ، أنَّهُ سُئِلَ عَنِ الشِّطْرَنْجِ فَقالَ: تِلْكَ المَجُوسِيَّةُ، لا تَلْعَبُوا بِها.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا، عَنْ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ قالَ: رَأى رَجُلٌ مِن أهْلِ الشّامِ أنَّهُ يُغْفَرُ لِكُلِّ مُؤْمِنٍ في كُلِّ يَوْمٍ اثْنَتا عَشْرَةَ مَرَّةً إلّا أصْحابَ الشّاهِ يَعْنِي الشِّطْرَنْجَ. (p-٤٧٧)وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي الدُّنْيا، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ قالَ: المَيْسِرُ القِمارُ، كانَ الرَّجُلُ في الجاهِلِيَّةِ يُقامِرُ عَلى أهْلِهِ ومالِهِ، فَيَقْعُدُ حَزِينًا سَلِيبًا، يَنْظُرُ إلى مالِهِ في يَدِ غَيْرِهِ، وكانَتْ تُورِثُ بَيْنَهُمُ العَداوَةَ والبَغْضاءَ، فَنَهى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ، وتَقَدَّمَ فِيهِ، وأخْبَرَ أنَّما هو ﴿رِجْسٌ مِن عَمَلِ الشَّيْطانِ فاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي الدُّنْيا، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ مِن طَرِيقِ لَيْثٍ، عَنْ عَطاءٍ، وطاوُسٍ، ومُجاهِدٍ، قالُوا: كُلُّ شَيْءٍ فِيهِ قِمارٌ فَهو مِنَ المَيْسِرِ، حَتّى لَعِبُ الصِّبْيانِ بِالكِعابِ والجَوْزِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ أبِي الدُّنْيا، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، أنَّهُ رَأى غِلْمانًا يَتَقامَرُونَ في يَوْمِ عِيدٍ، فَقالَ: لا تَقامَرُوا، فَإنَّ القِمارَ مِنَ المَيْسِرِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ قالَ: ما كانَ مِن لَعِبٍ فِيهِ قِمارٌ، أوْ قِيامٌ، أوْ صِياحً، أوْ شَرٌّ، فَهو مِنَ المَيْسِرِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ شُرَيْحٍ، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «(ثَلاثٌ مِنَ المَيْسِرِ: الصَّفِيرُ بِالحَمّامِ، والقِمارُ، والضَّرْبُ بِالكِعابِ») .
وأخْرَجَ أحْمَدُ، وأبُو داوُدَ، وابْنُ ماجَهْ، وابْنُ أبِي الدُّنْيا، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، (p-٤٧٨)«أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَأى رَجُلًا يَتْبَعُ حَمامَةً فَقالَ: (شَيْطانٌ يَتْبَعُ شَيْطانَةً») .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا، عَنِ الحَسَنِ قالَ: شَهِدْتُ عُثْمانَ وهو يَخْطُبُ، وهو يَأْمُرُ بِذَبْحِ الحَمامِ، وقَتْلِ الكِلابِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا، عَنْ خالِدِ الحَذّاءِ، عَنْ رَجُلٍ يُقالُ لَهُ: أيُّوبُ، قالَ: كانَ مَلاعِبُ آلِ فِرْعَوْنَ الحَمامَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا، عَنْ إبْراهِيمَ قالَ: مَن لَعِبَ بِالحَمامِ الطَّيّارَةِ لَمْ يَمُتْ حَتّى يَذُوقَ ألَمَ الفَقْرِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ قالَ: كانَ مِن مَيْسِرِ أهْلِ الجاهِلِيَّةِ بَيْعُ اللَّحْمِ بِالشّاةِ والشّاتَيْنِ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ في المَيْسِرِ قالَ: كانُوا يَشْتَرُونَ الجَزُورَ، فَيَجْعَلُونَها أجْزاءً، ثُمَّ يَأْخُذُونَ القِداحَ فَيُلْقُونَها، ويُنادى: يا ياسِرَ الجَزُورِ، يا ياسِرَ الجَزُورِ، فَمَن خَرَجَ قَدَحُهُ أخَذَ جُزْءًا بِغَيْرِ شَيْءٍ، ومَن لَمْ (p-٤٧٩)يَخْرُجْ قَدَحُهُ غَرِمَ، ولَمْ يَأْخُذْ شَيْئًا.
وأخْرَجَ البُخارِيُّ في (الأدَبِ المُفْرَدِ) عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أنَّهُ كانَ يُقالُ: أيْنَ أيْسارُ الجَزُورِ؟ فَيَجْتَمِعُ العَشَرَةُ فَيَشْتَرُونَ الجَزُورَ بِعَشَرَةِ فُصْلانٍ إلى الفِصالِ، فَيُجِيلُونَ السِّهامَ فَتَصِيرُ بِتِسْعَةٍ، حَتّى تَصِيرَ إلى واحِدٍ، ويَغْرَمُ الآخَرُونَ فَصِيلًا فَصِيلًا إلى الفِصالِ، فَهو المَيْسِرُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الأنْصابُ حِجارَةٌ كانُوا يَذْبَحُونَ لَها، والأزْلامُ قِداحٌ كانُوا يَقْتَسِمُونَ بِها الأُمُورَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: كانَتْ لَهم حَصَياتٌ، إذا أرادَ أحَدُهم أنْ يَغْزُوَ أوْ يَجْلِسَ اسْتَقْسَمَ بِها.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿والأزْلامُ﴾ قالَ: هي كِعابُ فارِسَ الَّتِي يَقْتَمِرُونَ بِها، وسِهامُ العَرَبِ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ وهْرامٍ قالَ: سَألْتُ طاوُسًا عَنِ الأزْلامِ فَقالَ: كانُوا في الجاهِلِيَّةِ لَهم قِداحٌ يَضْرِبُونَ بِها، بِها قَدَحٌ مُعَلَّمٌ يَتَطَيَّرُونَ مِنهُ، فَإذا ضَرَبُوا بِها حِينَ يُرِيدُ أحَدُهُمُ الحاجَةَ فَخَرَجَ ذَلِكَ القَدَحُ لَمْ يَخْرُجْ لِحاجَتِهِ، فَإنْ خَرَجَ غَيْرُهُ خَرَجَ لِحاجَتِهِ، وكانَتِ المَرْأةُ إذا أرادَتْ حاجَةً لَها لَمْ تَضْرِبْ بِتِلْكَ القِداحِ، فَذَلِكَ قَوْلُ الشّاعِرِ: (p-٤٨٠)
؎إذا جَدَّدَتْ أُنْثى لِأمْرٍ خِمارَها أتَتْهُ ولَمْ تَضْرِبْ لَهُ بِالمَقاسِمِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، مِن طَرِيقِ عَلِيٍّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ”رِجْسٌ“ قالَ: سُخْطٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ في قَوْلِهِ: ﴿رِجْسٌ﴾ قالَ: إثْمٌ ﴿مِن عَمَلِ الشَّيْطانِ﴾ يَعْنِي: مِن تَزْيِينِ الشَّيْطانِ، ﴿إنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ العَداوَةَ والبَغْضاءَ في الخَمْرِ والمَيْسِرِ﴾ يَعْنِي: حِينَ شَجَّ الأنْصارِيُّ رَأْسَ سَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ، ﴿ويَصُدَّكم عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ فَهَذا وعِيدُ التَّحْرِيمِ، ﴿وأطِيعُوا اللَّهَ وأطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ يَعْنِي: في تَحْرِيمِ الخَمْرِ والمَيْسِرِ والأنْصابِ والأزْلامِ، ﴿فَإنْ تَوَلَّيْتُمْ﴾ يَعْنِي: أعْرَضْتُمْ عَنْ طاعَتِهِما، ﴿فاعْلَمُوا أنَّما عَلى رَسُولِنا﴾ يَعْنِي: مُحَمَّدًا ﷺ، ﴿البَلاغ المُبِين﴾ يَعْنِي: أنْ يُبَيِّنَ تَحْرِيمَ ذَلِكَ.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والطَّبَرانِيُّ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في (شُعَبِ الإيمانِ)، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: لَمّا نَزَلَ تَحْرِيمُ الخَمْرِ قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، فَكَيْفَ بِأصْحابِنا الَّذِينَ ماتُوا وهم يَشْرَبُونَ الخَمْرَ؟ فَنَزَلَتْ: ﴿لَيْسَ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ جُناحٌ﴾ الآيَةَ.
وأخْرَجَ الطَّيالِسِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والتِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ، وابْنُ (p-٤٨١)جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ حِبّانَ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنِ البَراءِ بْنِ عازِبٍ قالَ: «ماتَ ناسٌ مِن أصْحابِ النَّبِيِّ ﷺ وهم يَشْرَبُونَ الخَمْرَ، فَلَمّا نَزَلَ تَحْرِيمُها قالَ أُناسٌ مِن أصْحابِ النَّبِيِّ ﷺ: كَيْفَ بِأصْحابِنا الَّذِينَ ماتُوا وهم يَشْرَبُونَها؟ فَنَزَلَتْ: ﴿لَيْسَ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ جُناحٌ﴾ الآيَةَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنْ أنَسٍ قالَ: «بَيْنا أُدِيرُ الكَأْسَ عَلى أبِي طَلْحَةَ، وأبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الجَرّاحِ، ومُعاذِ بْنِ جَبَلٍ، وسُهَيْلِ بْنِ بَيْضاءَ، وأبِي دُجانَةَ، حَتّى مالَتْ رَؤُوسُهم مِن خَلِيطِ بُسْرٍ وتَمْرٍ، فَسَمِعْنا مُنادِيًا يُنادِي: ألا إنَّ الخَمْرَ قَدْ حُرِّمَتْ، قالَ: فَما دَخَلَ عَلَيْنا داخِلٌ ولا خَرَجَ مِنّا خارِجٌ حَتّى أهْرَقْنا الشَّرابَ، وكَسَرْنا القِلالَ، وتَوَضَّأ بَعْضُنا، واغْتَسَلَ بَعْضُنا، وأصَبْنا مِن طِيبِ أُمِّ سُلَيْمٍ، ثُمَّ خَرَجْنا إلى المَسْجِدِ، وإذا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقْرَأُ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنَّما الخَمْرُ والمَيْسِرُ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿فَهَلْ أنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ فَقالَ رَجُلٌ: يا رَسُولَ اللَّهِ، فَما مَنزِلَةُ مَن ماتَ مِنّا وهو يَشْرَبُها؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿لَيْسَ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا﴾ الآيَةَ» . (p-٤٨٢)وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وأبُو يَعْلى، وابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنْ أنَسٍ قالَ: كُنْتُ ساقِيَ القَوْمِ في مَنزِلِ أبِي طَلْحَةَ، فَنَزَلَ تَحْرِيمُ الخَمْرِ، فَنادى مُنادٍ، فَقالَ أبُو طَلْحَةَ: اخْرُجْ فانْظُرْ، ما هَذا الصَّوْتُ، فَخَرَجْتُ فَقُلْتُ: هَذا مُنادٍ يُنادِي: ألا إنَّ الخَمْرَ قَدْ حُرِّمَتْ، فَقالَ لِي: اذْهَبْ فَأهْرِقْها، قالَ: فَجَرَتْ في سِكَكِ المَدِينَةِ قالَ: وكانَتْ خَمْرُهم يَوْمَئِذٍ الفَضِيخَ، البُسْرَ، والتَّمْرَ، فَقالَ بَعْضُ القَوْمِ: قُتِلَ قَوْمٌ وهي في بُطُونِهِمْ، فَأنْزَلَ اللَّهُ:﴿لَيْسَ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا﴾ الآيَةَ.
* *
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: اصْطَبَحَ ناسٌ الخَمْرَ يَوْمَ أُحُدٍ، ثُمَّ قُتِلُوا شُهَداءَ.
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: «لَمّا نَزَلَ تَحْرِيمُ الخَمْرِ قالَتِ اليَهُودُ: ألَيْسَ إخْوانُكُمُ الَّذِينَ ماتُوا كانُوا يَشْرَبُونَها؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿لَيْسَ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ جُناحٌ﴾ الآيَةَ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: (قِيلَ لِي: أنْتَ مِنهُمْ») .
وأخْرَجَ الدّارَقُطْنِيُّ في (الأفْرادِ)، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: «لَمّا نَزَلَ تَحْرِيمُ الخَمْرِ قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ بِمَن شَرِبَها مِن إخْوانِنا الَّذِينَ ماتُوا (p-٤٨٣)وهِيَ في بُطُونِهِمْ؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿لَيْسَ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا﴾ الآيَةَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ، مِن طَرِيقِ العَوْفِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿لَيْسَ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا﴾ الآيَةَ، يَعْنِي بِذَلِكَ رِجالًا مِن أصْحابِ النَّبِيِّ ﷺ ماتُوا وهم يَشْرَبُونَ الخَمْرَ قَبْلَ أنْ تُحَرَّمَ الخَمْرُ، فَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهِمْ فِيها جُناحٌ قَبْلَ أنْ تُحَرَّمَ، فَلَمّا حُرِّمَتْ قالُوا: كَيْفَ تَكُونُ عَلَيْنا حَرامًا وقَدْ ماتَ إخْوانُنا، وهم يَشْرَبُونَها؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿لَيْسَ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا﴾ يَقُولُ: لَيْسَ عَلَيْهِمْ حَرَجٌ فِيما كانُوا يَشْرَبُونَ قَبْلَ أنْ أُحَرِّمَها، إذْ كانُوا مُحْسِنِينَ مُتَّقِينَ، ﴿واللَّهُ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: نَزَلَتْ: ﴿لَيْسَ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا﴾ في مَن كانَ يَشْرَبُها مِمَّنْ قُتِلَ بِبَدْرٍ وأُحُدٍ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ قَتادَةَ قالَ: لَمّا أنْزَلَ اللَّهُ تَحْرِيمَ الخَمْرِ في سُورَةِ المائِدَةِ بَعْدَ سُورَةِ الأحْزابِ قالَ في ذَلِكَ رِجالٌ مِن أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: أُصِيبَ فُلانٌ يَوْمَ بَدْرٍ، وفُلانٌ يَوْمَ أُحُدٍ، وهم يَشْرَبُونَها، فَنَحْنُ نَشْهَدُ أنَّهم مِن أهْلِ الجَنَّةِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿لَيْسَ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا إذا ما اتَّقَوْا وآمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وأحْسَنُوا واللَّهُ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ﴾ يَقُولُ: شَرِبَها القَوْمُ عَلى تَقْوى مِنَ اللَّهِ وإحْسانٍ، وهي لَهم يَوْمَئِذٍ حَلالٌ، ثُمَّ حُرِّمَتْ بَعْدَهُمْ، فَلا جُناحَ عَلَيْهِمْ في ذَلِكَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، مِن طَرِيقِ عَلِيٍّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿لَيْسَ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ جُناحٌ﴾ قالَ: قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، ما نَقُولُ لِإخْوانِنا الَّذِينَ مَضَوْا، كانُوا يَشْرَبُونَ الخَمْرَ، ويَأْكُلُونَ المَيْسِرَ؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿لَيْسَ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا﴾ مِنَ الحَرامِ قَبْلَ أنْ يُحَرَّمَ عَلَيْهِمْ، إذا ما اتَّقَوْا وأحْسَنُوا بَعْدَما حُرِّمَ عَلَيْهِمْ، وهو قَوْلُهُ: ﴿فَمَن جاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِن رَبِّهِ فانْتَهى فَلَهُ ما سَلَفَ﴾ [البقرة: ٢٧٥] [البَقَرَةِ: ٢٧٥] .
وأخْرَجَ مُسْلِمٌ، والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ: ﴿لَيْسَ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا﴾ الآيَةَ، قالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (قِيلَ لِي: أنْتَ مِنهُمْ») .
وأخْرَجَ الدِّينَوَرِيُّ في (المُجالَسَةِ)، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ، في (الحِلْيَةِ)، عَنْ ثابِتِ بْنِ عُبَيْدٍ قالَ: جاءَ رَجُلٌ مِن آلِ حاطِبٍ إلى عَلِيٍّ، فَقالَ: (p-٤٨٥)يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ، إنِّي أرْجِعُ إلى المَدِينَةِ، وإنَّهم سائِلِيَّ عَنْ عُثْمانَ، فَماذا أقُولُ لَهُمْ؟ قالَ: (أخْبِرْهم أنَّ عُثْمانَ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ، ثُمَّ اتَّقَوْا وآمَنُوا، ثُمَّ اتَّقَوْا وأحْسَنُوا، واللَّهُ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ) .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، مِن طَرِيقِ عَطاءِ بْنِ السّائِبِ، عَنْ مُحارِبِ بْنِ دِثارٍ، أنَّ ناسًا مِن أصْحابِ النَّبِيِّ ﷺ شَرِبُوا الخَمْرَ بِالشّامِ، فَقالَ لَهم يَزِيدُ بْنُ أبِي سُفْيانَ: شَرِبْتُمُ الخَمْرَ؟ فَقالُوا: نَعَمْ، يَقُولُ اللَّهُ: ﴿لَيْسَ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا﴾ حَتّى فَرَغُوا مِنَ الآيَةِ، فَكَتَبَ فِيهِمْ إلى عُمَرَ، فَكَتَبَ إلَيْهِ: إنْ أتاكَ كِتابِي هَذا نَهارًا فَلا تَنْتَظِرْ بِهِمُ اللَّيْلَ، وإنْ أتاكَ لَيْلًا فَلا تَنْتَظِرْ بِهِمُ النَّهارَ، حَتّى تَبْعَثَ بِهِمْ إلَيَّ، لا يَفْتِنُوا عِبادَ اللَّهِ، فَبَعَثَ بِهِمْ إلى عُمَرَ، فَلَمّا قَدِمُوا عَلى عُمَرَ قالَ: شَرِبْتُمُ الخَمْرَ؟ قالُوا: نَعَمْ، فَتَلا عَلَيْهِمْ: ﴿إنَّما الخَمْرُ والمَيْسِرُ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ، قالُوا: اقْرَإ الَّتِي بَعْدَها: ﴿لَيْسَ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا﴾ قالَ: فَشاوَرَ فِيهِمُ النّاسَ، فَقالَ لَعَلِيٍّ: ما تَرى؟ قالَ: أرى أنَّهم شَرَعُوا في دِينِ اللَّهِ ما لَمْ يَأْذَنِ اللَّهُ فِيهِ، فَإنْ زَعَمُوا أنَّها حَلالٌ فاقْتُلْهُمْ، فَقَدْ أحَلُّوا ما حَرَّمَ اللَّهُ، وإنْ زَعَمُوا أنَّها حَرامٌ فاجْلِدْهم ثَمانِينَ ثَمانِينَ، فَقْدِ افْتَرَوْا عَلى اللَّهِ الكَذِبَ، وقَدْ أخْبَرَنا اللَّهُ بِحَدِّ ما يَفْتَرِي بِهِ (p-٤٨٦)بَعْضُنا عَلى بَعْضٍ، قالَ: فَجَلَدَهم ثَمانِينَ ثَمانِينَ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في (شُعَبِ الإيمانِ) عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «(إنَّ اللَّهَ لَعَنَ الخَمْرَ، ولَعَنَ غارِسَها، ولَعَنَ شارِبَها، ولَعَنَ عاصِرَها، ولَعَنَ مُؤْوِيَها، ولَعَنَ مُدِيرَها، ولَعَنَ ساقِيَها، ولَعَنَ حامِلَها، ولَعَنَ آكِلَ ثَمَنِها، ولَعَنَ بائِعَها») .
وأخْرَجَ وكِيعٌ، والبُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «(مَن شَرِبَ الخَمْرَ في الدُّنْيا لَمْ يَشْرَبْها في الآخِرَةِ، إلّا أنْ يَتُوبَ») .
وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في (الشُّعَبِ)، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «(مَن شَرِبَ الخَمْرَ في الدُّنْيا ولَمْ يَتُبْ، لَمْ يَشْرَبْها في الآخِرَةِ، وإنْ أُدْخِلَ الجَنَّةَ») .
وأخْرَجَ مُسْلِمٌ، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، «أنَّ رَجُلًا قَدِمَ مِنَ اليَمَنِ فَسَألَ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ شَرابٍ يَشْرَبُونَهُ بِأرْضِهِمْ مِنَ الذُّرَةِ يُقالُ لَهُ: المَزْرُ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: (أوَمُسْكِرٌ هُوَ؟)، قالَ: نَعَمْ، قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: كُلُّ مُسْكِرٍ حَرامٌ، إنَّ اللَّهَ عَهِدَ لِمَن يَشْرَبُ المُسْكِرَ أنْ يَسْقِيَهُ مِن طِينَةِ الخَبالِ)، قالُوا: (p-٤٨٧)يا رَسُولَ اللَّهِ، وما طِينَةُ الخَبالِ؟ قالَ: (عَرَقُ أهْلِ النّارِ) أوْ: (عُصارَةُ أهْلِ النّارِ») .
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَمْرٍو، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «(مَن شَرِبَ الخَمْرَ لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلاةٌ أرْبَعِينَ لَيْلَةً، فَإنْ تابَ تابَ اللَّهُ عَلَيْهِ، وإنْ شَرِبَها الثّانِيَةَ لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلاةٌ أرْبَعِينَ لَيْلَةً، فَإنْ تابَ تابَ اللَّهُ عَلَيْهِ، فَإنْ شَرِبَها الثّالِثَةَ لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلاةٌ أرْبَعِينَ لَيْلَةً، فَإنْ تابَ تابَ اللَّهُ عَلَيْهِ، فَإنْ شَرِبَها الرّابِعَةَ لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلاةٌ أرْبَعِينَ لَيْلَةً، فَإنْ تابَ لَمْ يَتُبِ اللَّهُ عَلَيْهِ، وكانَ حَقًّا عَلى اللَّهِ أنْ يَسْقِيَهُ مِن طِينَةِ الخَبالِ)، قِيلَ: وما طِينَةُ الخَبالِ؟ قالَ: (صَدِيدُ أهْلِ النّارِ») .
وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العاصِي: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «(مَن شَرِبَ الخَمْرَ شَرْبَةً لَمْ تُقْبَلْ صَلاتُهُ أرْبَعِينَ صَباحًا، فَإنْ تابَ تابَ اللَّهُ عَلَيْهِ، فَإنْ عادَ لَمْ تُقْبَلْ تَوْبَتُهُ أرْبَعِينَ صَباحًا)، فَلا أدْرِي أفِي الثّالِثَةِ أوْ في الرّابِعَةِ قالَ: (فَإنْ عادَ كانَ حَقًّا عَلى اللَّهِ أنْ يَسْقِيَهُ مِن رَدْغَةِ الخَبالِ يَوْمَ القِيامَةِ») . (p-٤٨٨)وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قالَ: «(مَن تَرَكَ الصَّلاةَ سُكْرًا مَرَّةً واحِدَةً، فَكَأنَّما كانَتْ لَهُ الدُّنْيا وما عَلَيْها فَسُلِبَها، ومَن تَرَكَ الصَّلاةَ سُكْرًا أرْبَعَ مَرّاتٍ كانَ حَقًّا عَلى اللَّهِ أنْ يَسْقِيَهُ مِن طِينَةِ الخَبالِ)، قِيلَ: وما طِينَةُ الخَبالِ يا رَسُولَ اللَّهِ؟ قالَ: (عُصارَةُ أهْلِ النّارِ») .
وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَعَنَ الخَمْرَ، وعاصِرَها، ومُعْتَصِرَها، وبائِعَها، ومُبْتاعَها، وحامِلَها، والمَحْمُولَةَ إلَيْهِ، وساقِيَها، وشارِبَها، وآكِلَ ثَمَنِها» .
وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «(أتانِي جِبْرِيلُ فَقالَ: يا مُحَمَّدُ، إنَّ اللَّهَ لَعَنَ الخَمْرَ، وعاصِرَها، ومُعْتَصِرَها، وشارِبَها، وحامِلَها، والمَحْمُولَةَ إلَيْهِ، وبائِعَها، وساقِيَها، ومُسْقِيَها») .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ عُثْمانَ، سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «(اجْتَنِبُوا أُمَّ الخَبائِثِ، فَإنَّهُ كانَ رَجُلٌ في مَن كانَ قَبْلَكم يَتَعَبَّدُ ويَعْتَزِلُ النِّساءَ، فَعَلِقَتْهُ امْرَأةٌ غاوِيَةٌ، فَأرْسَلَتْ إلَيْهِ خادِمَها، فَقالَتْ: إنّا نَدْعُوكَ لِشَهادَةٍ، (p-٤٨٩)فَدَخَلَ، فَطَفِقَتْ كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها بابًا أغْلَقَتْهُ دُونَهُ، حَتّى أفْضى إلى امْرَأةٍ وضِيئَةٍ جالِسَةٍ، عِنْدَها غُلامٌ، وباطِيَةٌ فِيها خَمْرٌ، فَقالَتْ: أنا لَمْ أدْعُكَ لِشَهادَةٍ، ولَكِنْ دَعَوْتُكَ لِتَقْتُلَ هَذا الغُلامَ، أوْ تَقَعَ عَلَيَّ، أوْ تَشْرَبَ كَأْسًا مِن هَذا الخَمْرِ، فَإنْ أبَيْتَ صِحْتُ، وفَضَحْتُكَ، فَلَمّا رَأى أنَّهُ لا بُدَّ مِن ذَلِكَ قالَ: اسْقِينِي كَأْسًا مِن هَذا الخَمْرِ، فَسَقَتْهُ كَأْسًا مِنَ الخَمْرِ، ثُمَّ قالَ: زِيدِينِي، فَلَمْ يَرِمْ حَتّى وقَعَ عَلَيْها، وقَتَلَ النَّفْسَ، فاجْتَنِبُوا الخَمْرَ، فَإنَّهُ - واللَّهِ - لا يَجْتَمِعُ الإيمانُ وإدْمانُ الخَمْرِ في صَدْرِ رَجُلٍ أبَدًا، لَيُوشِكَنَّ أحَدُهُما أنْ يُخْرِجَ صاحِبَهُ») .
وأخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزّاقِ في (المُصَنَّفِ) عَنْ عُثْمانَ مَوْقُوفًا.
وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «(اجْتَنِبُوا الخَمْرَ، فَإنَّها مِفْتاحُ كُلِّ شَرٍّ») .
وأخْرَجَ ابْنُ ماجَهْ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ عَنْ أبِي الدَّرْداءِ قالَ: «أوْصانِي خَلِيلِي أبُو القاسِمِ ﷺ: (ألّا تُشْرِكَ بِاللَّهِ شَيْئًا، وإنْ قُطِّعْتَ أوْ حُرِّقْتَ، ولا (p-٤٩٠)تَتْرُكْ صَلاةً مَكْتُوبَةً مُتَعَمِّدًا، فَمَن تَرَكَها مُتَعَمِّدًا بَرِئَتْ مِنهُ الذِّمَّةُ، وألّا تَشْرَبَ الخَمْرَ فَإنَّها مِفْتاحُ كُلِّ شَرٍّ») .
وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ، عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «(إنَّ اللَّهَ تَبارَكَ وتَعالى بَنى الفِرْدَوْسَ بِيَدِهِ، وحَظَرَهُ عَلى كُلِّ مُشْرِكٍ، وكُلِّ مُدْمِنِ الخَمْرِ سِكِّيرٍ») .
وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ، عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «(ثَلاثَةٌ لا تُقْبَلُ لَهم صَلاةٌ، ولا يُرْفَعُ لَهم إلى السَّماءِ عَمَلٌ، العَبْدُ الآبِقُ مِن مَوالِيهِ حَتّى يَرْجِعَ فَيَضَعَ يَدَهُ في أيْدِيهِمْ، والمَرْأةُ السّاخِطُ عَلَيْها زَوْجُها حَتّى يَرْضى، والسَّكْرانُ حَتّى يَصْحُوَ») .
وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ، عَنْ عَلِيٍّ، قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «(لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ عاقٌّ، ولا مُدْمِنُ خَمْرٍ»)
وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: «نَهى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنْ يُقْعَدَ عَلى مائِدَةٍ يُشْرَبُ عَلَيْها الخَمْرُ» .
وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ، عَنْ جابِرٍ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قالَ: «(مَن كانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ (p-٤٩١)واليَوْمِ الآخِرِ، فَلا يُدْخِلْ حَلِيلَتَهُ الحَمّامَ، ومَن كانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ، فَلا يَدْخُلِ الحَمّامَ إلّا بِمِئْزَرٍ، ومَن كانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ، فَلا يَجْلِسْ عَلى مائِدَةٍ يُدارُ عَلَيْها الخَمْرُ») .
وأخْرَجَ البُخارِيُّ في (التّارِيخِ)، والبَيْهَقِيُّ مِن طَرِيقِ سُهَيْلِ بْنِ أبِي صالِحٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أبِيهِ، «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: (مَن لَقِيَ اللَّهَ وهو مُدْمِنُ خَمْرٍ لَقِيَهُ كَعابِدِ وثَنٍ») .
وأخْرَجَ البُخارِيُّ في (التّارِيخِ)، والبَيْهَقِيُّ، مِن طَرِيقِ سُهَيْلٍ، عَنْ أبِيهِ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا مِثْلَهُ، وقالَ البُخارِيُّ: ولا يَصِحُّ حَدِيثُ أبِي هُرَيْرَةَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «(مَن ماتَ (p-٤٩٢)مُدْمِنَ خَمْرٍ لَقِيَ اللَّهَ وهو كَعابِدِ وثَنٍ») .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا، والبَيْهَقِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «(مَن شَرِبَ شَرابًا يَذْهَبُ بِعَقْلِهِ فَقَدْ أتى بابًا مِن أبْوابِ الكَبائِرِ») .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قالَ: لَأنْ أزْنِيَ أحَبُّ إلَيَّ مِن أنْ أسْكَرَ، ولَأنْ أسْرِقَ أحَبُّ إلَيَّ مِن أنْ أسْكَرَ، لِأنَّ السَّكْرانَ يَأْتِي عَلَيْهِ ساعَةٌ لا يَعْرِفُ فِيها رَبَّهُ.
وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «(مَن لَبِسَ الحَرِيرَ في الدُّنْيا لَمْ يَلْبَسْهُ في الآخِرَةِ، ومَن شَرِبَ الخَمْرَ في الدُّنْيا لَمْ يَشْرَبْهُ في الآخِرَةِ، ومَن شَرِبَ في آنِيَةِ الذَّهَبِ والفِضَّةِ لَمْ يَشْرَبْ بِها في الآخِرَةِ)، ثُمَّ قالَ: (لِباسُ أهْلِ الجَنَّةِ، وشَرابُ أهْلِ الجَنَّةِ، وآنِيَةُ أهْلِ الجَنَّةِ») .
وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ، عَنْ أبِي مُوسى، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «(ثَلاثَةٌ لا يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ، مُدْمِنُ خَمْرٍ، وقاطِعُ الرَّحِمِ، ومُصَدِّقٌ بِالسِّحْرِ، ومَن ماتَ مُدْمِنَ الخَمْرِ سَقاهُ اللَّهُ مِن نَهْرِ الغُوطَةِ)، قِيلَ: وما نَهْرُ الغُوطَةِ؟ قالَ: (نَهْرٌ يَخْرُجُ مِن فُرُوجِ المُومِساتِ، يُؤْذِي أهْلَ النّارِ رِيحُ فُرُوجِهِمْ») . (p-٤٩٣)وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ: «أنَّ أبا بَكْرٍ وعُمَرَ وناسًا جَلَسُوا بَعْدَ وفاةِ النَّبِيِّ ﷺ فَذَكَرُوا أعْظَمَ الكَبائِرِ، فَلَمْ يَكُنْ عِنْدَهم فِيها عِلْمٌ، فَأرْسَلُونِي إلى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو أسْألُهُ، فَأخْبَرَنِي أنَّ أعْظَمَ الكَبائِرِ شُرْبَ الخَمْرِ، فَأتَيْتُهم فَأخْبَرْتُهُمْ، فَأنْكَرُوا ذَلِكَ، ووَثَبُوا جَمِيعًا، حَتّى أتَوْهُ في دارِهِ، فَأخْبَرَهم أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: (إنَّ مَلِكًا مِن مُلُوكِ بَنِي إسْرائِيلَ أخَذَ رَجُلًا فَخَيَّرَهُ بَيْنَ أنْ يَشْرَبَ الخَمْرَ، أوْ يَقْتُلَ نَفْسًا، أوْ يَزْنِيَ، أوْ يَأْكُلَ لَحْمَ خِنْزِيرٍ، أوْ يَقْتُلُوهُ، فاخْتارَ الخَمْرَ، وإنَّهُ لَمّا شَرِبَهُ لَمْ يَمْتَنِعْ مِن شَيْءٍ أرادُوهُ مِنهُ)، وأنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: (ما مِن أحَدٍ يَشْرَبُها فَتُقْبَلَ لَهُ صَلاةٌ أرْبَعِينَ لَيْلَةً، ولا يَمُوتُ وفي مَثانَتِهِ مِنهُ شَيْءٌ إلّا حُرِّمَتْ عَلَيْهِ بِها الجَنَّةُ، فَإنْ ماتَ في أرْبَعِينَ لَيْلَةً ماتَ مِيتَةً جاهِلِيَّةً») .
وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ، عَنْ أبِي مُسْلِمٍ الخَوْلانِيِّ، أنَّهُ حَجَّ فَدَخَلَ عَلى عائِشَةَ، فَجَعَلَتْ تَسْألُهُ عَنِ الشّامِ، وعَنْ بَرْدِها، فَجَعَلَ يُخْبِرُها، فَقالَتْ: كَيْفَ تَصْبِرُونَ عَلى بَرْدِها؟ قالَ: يا أُمَّ المُؤْمِنِينَ، إنَّهم يَشْرَبُونَ شَرابًا لَهم يُقالُ لَهُ: الطِّلاءُ، قالَتْ: صَدَقَ اللَّهُ وبَلَّغَ حِبِّي ﷺ، سَمِعْتُهُ يَقُولُ: «(إنَّ ناسًا مِن أُمَّتِي يَشْرَبُونَ الخَمْرَ، يُسَمُّونَها بِغَيْرِ اسْمِها») .
وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في (الشُّعَبِ) عَنْ أنَسٍ، أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «(بَعَثَنِي اللَّهُ رَحْمَةً وهُدًى لِلْعالَمِينَ، وبَعَثَنِي بِمَحْقِ المَعازِفِ، والمَزامِيرِ، وأمْرِ الجاهِلِيَّةِ) ثُمَّ (p-٤٩٤)قالَ: (مَن شَرِبَ خَمْرًا في الدُّنْيا سَقاهُ اللَّهُ كَما شَرِبَ مِنهُ مِن حَمِيمِ جَهَنَّمَ، مُعَذَّبٌ بَعْدُ، أوْ مَغْفُورٌ لَهُ») .
وأخْرَجَ أحْمَدُ، وابْنُ أبِي الدُّنْيا، في (ذَمِّ المَلاهِي)، والطَّبَرانِيُّ، عَنْ أبِي أُمامَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «(إنَّ اللَّهَ بَعَثَنِي رَحْمَةً وهُدًى لِلْعالَمِينَ، بَعَثَنِي لِأمْحَقَ المَعازِفَ، والمَزامِيرَ، وأمْرَ الجاهِلِيَّةِ والأوْثانَ، وحَلَفَ رَبِّي عَزَّ وجَلَّ بِعِزَّتِهِ لا يَشْرَبُ الخَمْرَ أحَدٌ في الدُّنْيا إلّا سَقاهُ اللَّهُ مِثْلَها مِنَ الحَمِيمِ يَوْمَ القِيامَةِ، مَغْفُورٌ لَهُ، أوْ مُعَذَّبٌ، ولا يَدَعُها أحَدٌ في الدُّنْيا إلّا سَقَيْتُهُ إيّاها في حَظِيرَةِ القُدْسِ حَتّى تَقْنَعَ نَفْسُهُ») .
وأخْرَجَ الحاكِمُ عَنْ ثَوْبانَ قالَ: قالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «(إذا حَلَفْتَ عَلى مَعْصِيَةٍ فَدَعْها، واقْذِفْ ضَغائِنَ الجاهِلِيَّةِ تَحْتَ قَدَمَيْكَ، وإيّاكَ وشُرْبَ الخَمْرِ، فَإنَّ اللَّهَ لَمْ يُقَدِّسْ شارِبَها») .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا في كِتابِ (ذَمِّ المَلاهِي)، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السّاعِدِيِّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «(يَكُونُ في أُمَّتِي خَسْفٌ، وقَذْفٌ، ومَسْخٌ)، قِيلَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، مَتى؟ قالَ: (إذا ظَهَرَتِ المَعازِفُ (p-٤٩٥)والقَيْناتُ، واسْتُحِلَّتِ الخَمْرُ») . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا، عَنْ عِمْرانَ بْنِ حُصَيْنٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «(يَكُونُ في أُمَّتِي قَذْفٌ ومَسْخٌ وخَسْفٌ)، قِيلَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، ومَتى ذَلِكَ؟ قالَ: (إذا ظَهَرَتِ المَعازِفُ، وكَثُرَتِ القَيْناتُ، وشُرِبَتِ الخُمُورُ») .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا، عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (يَكُونُ في أُمَّتِي خَسْفٌ ومَسْخٌ وقَذْفٌ)، قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، وهم يَقُولُونَ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ؟ قالَ: (إذا ظَهَرَتِ القَيْناتُ، وظَهَرَ الزِّنا، وشُرِبَ الخَمْرُ، ولُبِسَ الحَرِيرُ، كانَ ذا عِنْدَ ذا») .
وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ، وابْنُ أبِي الدُّنْيا، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «(إذا عَمِلَتْ أُمَّتِي خَمْسَ عَشْرَةَ خَصْلَةً حَلَّ بِها البَلاءُ)، قِيلَ: وما هي يا رَسُولَ اللَّهِ؟ قالَ: (إذا كانَ المَغْنَمُ دُوَلًا، والأمانَةُ مَغْنَمًا، والزَّكاةُ مَغْرَمًا، وأطاعَ الرَّجُلُ زَوْجَتَهُ وعَقَّ أُمَّهُ، وبَرَّ صَدِيقَهُ وجَفا أباهُ، وارْتَفَعَتِ الأصْواتُ في المَساجِدِ، وكانَ زَعِيمُ القَوْمِ أرْذَلَهُمْ، وأُكْرِمَ الرَّجُلُ مَخافَةَ شَرِّهِ، (p-٤٩٦)وشُرِبَتِ الخُمُورُ، ولُبِسَ الحَرِيرُ، واتَّخَذُوا القِيانَ والمَعازِفَ، ولَعَنَ آخِرُ هَذِهِ الأُمَّةِ أوَّلَها، فَلْيَرْتَقِبُوا عِنْدَ ذَلِكَ ثَلاثًا: رِيحًا حَمْراءَ، وخَسْفًا، ومَسْخًا») .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «(تُمْسَخُ طائِفَةٌ مِن أُمَّتِي قِرَدَةً، وطائِفَةٌ خَنازِيرَ، ويُخْسَفُ بِطائِفَةٍ، ويُرْسَلُ عَلى طائِفَةٍ الرِّيحُ العَقِيمُ، بِأنَّهم شَرِبُوا الخَمْرَ، ولَبِسُوا الحَرِيرَ، واتَّخَذُوا القِيانَ، وضَرَبُوا بِالدُّفُوفِ») .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا، عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «(لَيَكُونَنَّ في هَذِهِ الأُمَّةِ خَسْفٌ وقَذْفٌ ومَسْخٌ، وذَلِكَ إذا شَرِبُوا الخَمْرَ، واتَّخَذُوا القَيْناتِ، وضَرَبُوا بِالمَعازِفِ») .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «(يُمْسَخُ قَوْمٌ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ في آخِرِ الزَّمانِ قِرَدَةً وخَنازِيرَ)، قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، ألَيْسَ يَشْهَدُونَ أنَّ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وأنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ؟ قالَ: (بَلى، ويَصُومُونَ، ويُصَلُّونَ، ويَحُجُّونَ)، قالَ: فَما بالُهُمْ؟ قالَ: (اتَّخَذُوا المَعازِفَ، والدُّفُوفَ، والقَيْناتِ، فَباتُوا عَلى شُرْبِهِمْ، ولَهْوِهِمْ، فَأصْبَحُوا قَدْ مُسِخُوا قِرَدَةً وخَنازِيرَ») .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ أبِي الدُّنْيا، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سابِطٍ قالَ: (p-٤٩٧)قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «(يَكُونُ في أُمَّتِي خَسْفٌ، وقَذْفٌ ومَسْخٌ)، قالُوا: مَتى ذَلِكَ يا رَسُولَ اللَّهِ؟ قالَ: (إذا أظْهَرُوا المَعازِفَ، واسْتَحَلُّوا الخُمُورَ، ولُبِسَ الحَرِيرُ») .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا، عَنِ الغازِي بْنِ رَبِيعَةَ، رَفَعَ الحَدِيثَ قالَ: «(لَيُمْسَخَنَّ قَوْمٌ وهم عَلى أرِيكَتِهِمْ قِرَدَةً وخَنازِيرَ، بِشُرْبِهِمُ الخَمْرَ، وضَرْبِهِمْ بِالبَرابِطِ والقِيانِ») .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا، عَنْ صالِحِ بْنِ خالِدٍ، رَفَعَ ذَلِكَ إلى النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «(لَيَسْتَحِلَّنَّ ناسٌ مِن أُمَّتِي الحَرِيرَ، والخَمْرَ، والمَعازِفَ، ولَيَأْتِيَنَّ اللَّهُ عَلى أهْلِ حاضِرَتِهِمْ بِجَبَلٍ عَظِيمٍ حَتّى يَنْبِذَهُ عَلَيْهِمْ، ويُمْسَخُ آخَرُونَ قِرَدَةً وخَنازِيرَ») .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا، عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «(لَيَبِيتَنَّ رِجالٌ عَلى أكْلٍ وشُرْبٍ وعَزْفٍ، يُصْبِحُونَ عَلى أرائِكِهِمْ مَمْسُوخِينَ قِرَدَةً وخَنازِيرَ») .
وأخْرَجَ ابْنُ عَدِيٍّ، والحاكِمُ، والبَيْهَقِيُّ في (الشُّعَبِ) وضَعَّفَهُ، عَنْ أبِي (p-٤٩٨)هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «(والَّذِي بَعَثَنِي بِالحَقِّ لا تَنْقَضِي هَذِهِ الدُّنْيا حَتّى يَقَعَ بِهِمُ الخَسْفُ والمَسْخُ والقَذْفُ)، قالُوا: ومَتى ذاكَ يا رَسُولَ اللَّهِ؟ قالَ: (إذا رَأيْتُمُ النِّساءَ رَكِبْنَ السُّرُوجَ، وكَثُرَتِ المَعازِفُ، وفَشَتْ شَهاداتُ الزُّورِ، وشُرِبَتِ الخَمْرُ لا يُسْتَخْفى بِهِ، وشَرِبَتِ المُصَلُّونَ في آنِيَةِ أهْلِ الشِّرْكِ مِنَ الذَّهَبِ والفِضَّةِ، واسْتَغْنى النِّساءُ بِالنِّساءِ، والرِّجالُ بِالرِّجالِ، فَإذا رَأيْتُمْ ذَلِكَ فاسْتَدْفِرُوا، واسْتَعِدُّوا، واتَّقُوا القَذْفَ مِنَ السَّماءِ») .
وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ وضَعَّفَهُ عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «(إذا اسْتَعْمَلَتْ أُمَّتِي خَمْسًا فَعَلَيْهِمُ الدَّمارُ: إذا ظَهَرَ فِيهِمُ التَّلاعُنُ، ولُبِسَ الحَرِيرُ، واتَّخَذُوا القَيْناتِ، وشَرِبُوا الخَمْرَ، واكْتَفى الرِّجالُ بِالرِّجالِ، والنِّساءُ بِالنِّساءِ») .
وأخْرَجَ أحْمَدُ، وابْنُ أبِي الدُّنْيا، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ أبِي أُمامَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «(يَبِيتُ قَوْمٌ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ عَلى طُعْمٍ وشُرْبٍ، ولَهْوٍ ولَعِبٍ، فَيُصْبِحُوا وقَدْ مُسِخُوا قِرَدَةً وخَنازِيرَ، ولَيُصِيبَنَّهم خَسْفٌ وقَذْفٌ حَتّى يُصْبِحَ النّاسُ فَيَقُولُونَ: قَدْ خُسِفَ اللَّيْلَةَ بِبَنِي فُلانٍ، وخُسِفَ اللَّيْلَةَ بِدارِ فُلانٍ، ولَيُرْسِلَنَّ عَلَيْهِمْ حاصِبًا مِنَ السَّماءِ، كَما أُرْسِلَتْ عَلى (p-٤٩٩)قَوْمِ لُوطٍ، عَلى قَبائِلَ فِيها، وعَلى دُورٍ، ولَيُرْسِلَنَّ عَلَيْهِمُ الرِّيحَ العَقِيمَ الَّتِي أهْلَكَتْ عادًا، عَلى قَبائِلَ فِيها، وعَلى دُورٍ، بِشُرْبِهِمُ الخَمْرَ، ولُبْسِهِمُ الحَرِيرَ، واتِّخاذِهِمُ القَيْناتِ، وأكْلِهِمُ الرِّبا، وقَطِيعَتِهِمُ الرَّحِمَ») .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأبُو داوُدَ، وابْنُ ماجَهْ، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ أبِي مالِكٍ الأشْعَرِيِّ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «(لَيَشْرَبَنَّ ناسٌ مِن أُمَّتِي الخَمْرَ يُسَمُّونَها بِغَيْرِ اسْمِها، ويُضْرَبُ عَلى رُؤُوسِهِمُ المَعازِفُ، والمُغَنِّياتُ، يَخْسِفُ اللَّهُ بِهِمُ الأرْضَ، ويَجْعَلُ مِنهُمُ القِرَدَةَ والخَنازِيرَ») .
وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ، عَنْ مُعاذٍ، وأبِي عُبَيْدَةَ، قالا: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «(إنَّ هَذا الأمْرَ بَدَأ رَحْمَةً ونُبُوَّةً، ثُمَّ يَكُونُ رَحْمَةً وخِلافَةً، ثُمَّ كائِنٌ مُلْكًا عَضُوضًا، ثُمَّ كائِنٌ عُتُوًّا وجَبْرِيَّةً وفَسادًا في الأرْضِ، يَسْتَحِلُّونَ الحَرِيرَ والخُمُورَ والفُرُوجَ، يُرْزَقُونَ عَلى ذَلِكَ ويُنْصَرُونَ، حَتّى يَلْقَوُا اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ») . (p-٥٠٠)وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ، عَنْ أبِي مُوسى قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «(مَن حَبَسَ العِنَبَ أيّامَ قِطافِهِ حَتّى يَبِيعَهُ مِن يَهُودِيٍّ أوْ نَصْرانِيٍّ، أوْ مِمَّنْ يَعْلَمُ أنَّهُ يُتَّخَذُ خَمْرًا، فَقَدْ تَقَدَّمَ في النّارِ عَلى بَصِيرَةٍ») .
وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أنَّهُ كانَ يَكْرَهُ أنْ تُسْقى البَهائِمُ الخَمْرَ.
وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ، عَنْ عائِشَةَ: أنَّها كانَتْ تَنْهى النِّساءَ أنْ يَمْتَشِطْنَ بِالخَمْرِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وأحْمَدُ، وأبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ ماجَهْ، عَنْ مُعاوِيَةَ بْنِ أبِي سُفْيانَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «(مَن شَرِبَ الخَمْرَ فاجْلِدُوهُ)، قالَها ثَلاثًا، قالَ: (فَإنْ شَرِبَها الرّابِعَةَ فاقْتُلُوهُ») .
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، عَنْ أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ، «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ حِينَ بَعَثَهُ إلى اليَمَنِ سَألَهُ قالَ: إنَّ قَوْمِي يَصْنَعُونَ شَرابًا مِنَ الذُّرَةِ يُقالُ لَهُ: المَزْرُ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: (أيُسْكِرُ؟) قالَ: نَعَمْ، قالَ: (فانْهَهم عَنْهُ)، قالَ: نَهَيْتُهم ولَمْ يَنْتَهُوا، قالَ: (فَمَن لَمْ يَنْتَهِ في الثّالِثَةِ مِنهم فاقْتُلْهُ») .
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، عَنْ مَكْحُولٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «(مَن شَرِبَ (p-٥٠١)الخَمْرَ فاضْرِبُوهُ)، ثُمَّ قالَ في الرّابِعَةِ: (مَن شَرِبَ الخَمْرَ فاقْتُلُوهُ») .
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «(إذا شَرِبُوا فاجْلِدُوهُمْ، قالَها ثَلاثًا، فَإذا شَرِبُوا الرّابِعَةَ فاقْتُلُوهُمْ)، قالَ مَعْمَرٌ: فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِابْنِ المُنْكَدِرِ، فَقالَ: قَدْ تُرِكَ القَتْلُ، قَدْ أُتِيَ النَّبِيُّ ﷺ بِابْنِ النُّعَيْمانِ فَجَلَدَهُ، ثُمَّ أُتِيَ بِهِ فَجَلَدَهُ، ثُمَّ أُتِيَ بِهِ فَجَلَدَهُ، ثُمَّ أُتِيَ بِهِ فَجَلَدَهُ الرّابِعَةَ أوْ أكْثَرَ» .
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «(إذا شَرِبُوا فاجْلِدُوهُمْ، ثُمَّ إذا شَرِبُوا فاجْلِدُوهُمْ، ثُمَّ إذا شَرِبُوا فاجْلِدُوهُمْ، ثُمَّ إذا شَرِبُوا فاقْتُلُوهُمْ)، ثُمَّ قالَ: (إنَّ اللَّهَ قَدْ وضَعَ عَنْهُمُ القَتْلَ، فَإذا شَرِبُوا فاجْلِدُوهُمْ، ثُمَّ إذا شَرِبُوا فاجْلِدُوهُمْ)، ذَكَرَها أرْبَعَ مَرّاتٍ» .
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينارٍ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «(مَن شَرِبَ الخَمْرَ فَحُدُّوهُ، فَإنْ شَرِبَ الثّانِيَةَ فَحُدُّوهُ، فَإنْ شَرِبَ الثّالِثَةَ فَحُدُّوهُ، فَإنْ شَرِبَ الرّابِعَةَ فاقْتُلُوهُ)، قالَ: فَأُتِيَ بِابْنِ النُّعَيْمانِ قَدْ شَرِبَ، فَضُرِبَ بِالنِّعالِ والأيْدِي، ثُمَّ أُتِيَ بِهِ الثّانِيَةَ فَكَذَلِكَ، ثُمَّ أُتِيَ بِهِ الرّابِعَةَ فَحَدَّهُ، ووَضَعَ القَتْلَ» .
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، عَنْ قَبِيصَةَ بْنِ ذُؤَيْبٍ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ ضَرَبَ رَجُلًا في الخَمْرِ أرْبَعَ مَرّاتٍ»، ثُمَّ إنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ ضَرَبَ أبا مِحْجَنٍ الثَّقَفِيَّ في الخَمْرِ (p-٥٠٢)ثَمانِ مَرّاتٍ.
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، عَنْ أبِي الرَّمْداءِ البَلَوِيِّ، «أنَّ رَجُلًا مِنهم شَرِبَ الخَمْرَ، فَأتَوْا بِهِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَضَرَبَهُ، ثُمَّ شَرِبَ الثّانِيَةَ، فَأتَوْا بِهِ فَضَرَبَهُ، فَما أدْرِي قالَ في الثّالِثَةِ أوِ الرّابِعَةِ: أمَرَ بِهِ فَجُعِلَ عَلى العِجْلِ فَضُرِبَتْ عُنُقُهُ» .
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «(لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ عاقٌّ ولا مَنّانٌ ولا مُدْمِنُ خَمْرٍ»)، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: فَذَهَبْنا نَنْظُرُ في كِتابِ اللَّهِ، فَإذا هم فِيهِ، في العاقِّ: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إنْ تَوَلَّيْتُمْ أنْ تُفْسِدُوا في الأرْضِ وتُقَطِّعُوا أرْحامَكُمْ﴾ [محمد: ٢٢] [مُحَمَّدٍ: ٢٢]، إلى آخِرِ الآيَةِ، وفي المَنّانِ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكم بِالمَنِّ والأذى﴾ [البقرة: ٢٦٤] [البَقَرَةِ: ٢٦٤]، وفي الخَمْرِ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنَّما الخَمْرُ والمَيْسِرُ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿مِن عَمَلِ الشَّيْطانِ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأحْمَدُ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، «عَنِ الدَّيْلَمِيِّ (p-٥٠٣)قالَ: وفَدْتُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنّا نَصْنَعُ طَعامًا وشَرابًا فَنُطْعِمُهُ بَنِي عَمِّنا، فَقالَ: (هَلْ يُسْكِرُ؟) قُلْتُ: نَعَمْ، فَقالَ: (حَرامٌ)، فَلَمّا كانَ عِنْدَ تَوْدِيعِي إيّاهُ ذَكَرْتُهُ لَهُ، فَقُلْتُ: يا نَبِيَّ اللَّهِ، إنَّهم لَنْ يَصْبِرُوا عَنْهُ، قالَ: (فَمَن لَمْ يَصْبِرْ عَنْهُ فاضْرِبُوا عُنُقَهُ») .
وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، وأحْمَدُ، عَنْ شُرَحْبِيلَ بْنِ أوْسٍ قالَ: قالَ النَّبِيُّ ﷺ: «(مَن شَرِبَ الخَمْرَ فاجْلِدُوهُ، فَإنْ عادَ فاجْلِدُوهُ، فَإنْ عادَ فاجْلِدُوهُ، فَإنْ عادَ فاقْتُلُوهُ») .
وأخْرَجَ أحْمَدُ، والطَّبَرانِيُّ، عَنْ أُمِّ حَبِيبَةَ بِنْتِ أبِي سُفْيانَ، «أنَّ ناسًا مِن أهْلِ اليَمَنِ قَدِمُوا عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَأعْلَمَهُمُ الصَّلاةَ والسُّنَنَ والفَرائِضَ، ثُمَّ قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّ لَنا شَرابًا نَصْنَعُهُ مِنَ التَّمْرِ والشَّعِيرِ، فَقالَ: (الغُبَيْراءُ؟) قالُوا: نَعَمْ، قالَ: (لا تَطْعَمُوهُ)، قالُوا: فَإنَّهم لا يَدَعُونَها، قالَ: (مَن لَمْ يَتْرُكْها فاضْرِبُوا عُنُقَهُ») .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ مِن طَرِيقِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «(إنَّ الَّذِينَ يَشْرَبُونَ الخَمْرَ وقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ لا يُسْقَوْنَها في حَظِيرَةِ القُدْسِ») . (p-٥٠٤)وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: مَن شَرِبَ الخَمْرَ لَمْ يَقْبَلِ اللَّهُ مِنهُ صَلاةً أرْبَعِينَ صَباحًا، فَإنْ ماتَ في الأرْبَعِينَ دَخَلَ النّارَ، ولَمْ يَنْظُرِ اللَّهُ إلَيْهِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، عَنِ الحَسَنِ، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «(يَلْقى اللَّهَ شارِبُ الخَمْرِ يَوْمَ القِيامَةِ وهو سَكْرانُ، فَيَقُولُ: ويْلَكَ ما شَرِبْتَ؟ فَيَقُولُ: الخَمْرُ، قالَ: أوَلَمْ أُحَرِّمْها عَلَيْكَ؟ فَيَقُولُ: بَلى، فَيُؤْمَرُ بِهِ إلى النّارِ») .
وأخْرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ في زَوائِدِ (المُسْنَدِ)، عَنْ عُبادَةَ بْنِ الصّامِتِ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قالَ: «(والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَيَبِيتَنَّ أُناسٌ مِن أُمَّتِي عَلى أشَرٍ، وبَطَرٍ، ولَعِبٍ، ولَهْوٍ، فَيُصْبِحُوا قِرَدَةً وخَنازِيرَ، بِاسْتِحْلالِهِمُ المَحارِمَ، واتِّخاذِهِمُ القَيْناتِ، وشُرْبِهِمُ الخَمْرَ، وبِأكْلِهِمُ الرِّبا، ولُبْسِهِمُ الحَرِيرَ») .
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قالَ: إنَّهُ في الكِتابِ مَكْتُوبٌ: إنَّ خَطِيئَةَ الخَمْرِ تَعْلُو الخَطايا كَما تَعْلُو شَجَرَتُها الشَّجَرَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، عَنْ مَسْرُوقِ بْنِ الأجْدَعِ قالَ: شارِبُ الخَمْرِ كَعابِدِ الوَثَنِ، وشارِبُ الخَمْرِ كَعابِدِ اللّاتِ والعُزّى.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، عَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ قالَ: مَن شَرِبَ مُسْكِرًا لَمْ يَقْبَلِ اللَّهُ مِنهُ ما كانَتْ في مَثانَتِهِ مِنهُ قَطْرَةٌ، فَإنْ ماتَ مِنها كانَ حَقًّا عَلى اللَّهِ أنْ يَسْقِيَهُ مِن طِينَةِ (p-٥٠٥)الخَبالِ، وهي صَدِيدُ أهْلِ النّارِ وقَيْحُهم.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، عَنْ أبِي ذَرٍّ قالَ: مَن شَرِبَ مُسْكِرًا مِنَ الشَّرابِ فَهو رِجْسٌ، ورِجْسٌ صَلاتُهُ أرْبَعِينَ لَيْلَةً، فَإنْ تابَ تابَ اللَّهُ عَلَيْهِ، فَإنْ شَرِبَ أيْضًا فَهو رِجْسٌ، ورِجْسٌ صِلاتُهُ أرْبَعِينَ لَيْلَةً، فَإنْ تابَ تابَ اللَّهُ عَلَيْهِ، فَإنْ شَرِبَ أيْضًا فَهو رِجْسٌ ورِجْسٌ صَلاتُهُ أرْبَعِينَ لَيْلَةً، فَإنْ تابَ تابَ اللَّهُ عَلَيْهِ، فَإنْ عادَ لَها قالَ: في الثّالِثَةِ، أوِ الرّابِعَةِ كانَ حَقًّا عَلى اللَّهِ أنْ يَسْقِيَهُ مِن طِينَةِ الخَبالِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، عَنْ أبانَ، رَفَعَ الحَدِيثَ، قالَ: «(إنَّ الخَبائِثَ جُعِلَتْ في بَيْتٍ فَأُغْلِقَ عَلَيْها، وجُعِلَ مِفْتاحُها الخَمْرَ، فَمَن شَرِبَ الخَمْرَ وقَعَ بِالخَبائِثِ») .
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ قالَ: إنَّ الخَمْرَ مِفْتاحُ كُلِّ شَرٍّ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ المُنْكَدِرِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «(مَن شَرِبَ الخَمْرَ صَباحًا كانَ كالمُشْرِكِ بِاللَّهِ حَتّى يُمْسِيَ، وكَذَلِكَ إنْ شَرِبَها لَيْلًا، كانَ كالمُشْرِكِ بِاللَّهِ حَتّى يُصْبِحَ، ومَن شَرِبَها حَتّى يَسْكَرَ لَمْ يَقْبَلِ اللَّهُ لَهُ صَلاةً أرْبَعِينَ صَباحًا، ومَن ماتَ وفي عُرُوقِهِ مِنها شَيْءٌ ماتَ مِيتَةً جاهِلِيَّةً») .
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «(حَلَفَ اللَّهُ بِعِزَّتِهِ وقُدْرَتِهِ: لا يَشْرَبُ عَبْدٌ مُسْلِمٌ شَرْبَةً مِن خَمْرٍ إلّا سَقَيْتُهُ بِما انْتَهَكَ مِنها مِنَ (p-٥٠٦)الحَمِيمِ، مُعَذَّبٌ بَعْدُ، أوْ مَغْفُورٌ لَهُ، ولا يَتْرُكُها وهو عَلَيْها قادِرٌ ابْتِغاءَ مَرْضاتِي إلّا سَقَيْتُهُ مِنها، فَأرْوَيْتُهُ في حَظِيرَةِ القُدْسِ») .
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العاصِي قالَ: يَجِيءُ يَوْمَ القِيامَةِ شارِبُ الخَمْرِ مُسْوَدًّا وجْهُهُ، مُزْرَقَّةً عَيْناهُ، مائِلًا شِقُّهُ، أوْ قالَ: شِدْقُهُ مُدَلَّيًا لِسانُهُ، يَسِيلُ لُعابُهُ عَلى صَدْرِهِ، يَقْذِرُهُ كُلُّ مَن يَراهُ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ، عَنْ قَيْسِ بْنِ سَعْدِ بْنِ عُبادَةَ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَن شَرِبَ الخَمْرَ أتى عَطْشانَ يَوْمَ القِيامَةِ، ألا وكُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ، وإيّاكم والغُبَيْراءَ» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ، عَنْ أبِي ذَرٍّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «(مَن شَرِبَ الخَمْرَ لَمْ يَقْبَلِ اللَّهُ لَهُ صَلاةً أرْبَعِينَ لَيْلَةً، فَإنْ تابَ تابَ اللَّهُ عَلَيْهِ، فَإنْ عادَ كانَ مِثْلَ ذَلِكَ)، فَما أدْرِي في الثّالِثَةِ أمْ في الرّابِعَةِ قالَ: (فَإنْ عادَ كانَ حَتْمًا عَلى اللَّهِ أنْ يَسْقِيَهُ مِن طِينَةِ الخَبالِ)، قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، ما طِينَةُ الخَبالِ؟ قالَ: (عُصارَةُ أهْلِ النّارِ») .
وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنْ خَلْدَةَ بِنْتِ طَلْقٍ قالَتْ: قالَ لَنا أبِي: «جَلَسْنا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَجاءَ صُحارٌ فَسَألَهُ: ما تَرى في شَرابٍ (p-٥٠٧)نَصْنَعُهُ مِن ثَمارِنا؟ قالَ: (تَسْألُنِي عَنِ المُسْكِرِ، لا تَشْرَبْهُ ولا تُسْقِهِ أخاكَ، فَوالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، ما شَرِبَهُ رَجُلٌ قَطُّ ابْتِغاءَ لَذَّةِ سُكْرٍ، فَيَسْقِيَهُ اللَّهُ الخَمْرَ يَوْمَ القِيامَةِ») .
وأخْرَجَ أحْمَدُ، عَنْ أسْماءَ بِنْتِ يَزِيدَ، أنَّها سَمِعَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «(مَن شَرِبَ الخَمْرَ لَمْ يَرْضَ اللَّهُ عَنْهُ أرْبَعِينَ لَيْلَةً، فَإنْ ماتَ ماتَ كافِرًا، وإنْ تابَ تابَ اللَّهُ عَلَيْهِ، وإنْ عادَ كانَ حَقًّا عَلى اللَّهِ أنْ يَسْقِيَهُ مِن طِينَةِ الخَبالِ)، قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، وما طِينَةُ الخَبالِ؟ قالَ: (صَدِيدُ أهْلِ النّارِ») .
وأخْرَجَ أحْمَدُ في (الزُّهْدِ)، عَنْ أبِي الدَّرْداءِ قالَ: الرَّيْبُ مِنَ الكُفْرِ، والنَّوْحُ عَمَلُ الجاهِلِيَّةِ، والشِّعْرُ مِن أمْرِ إبْلِيسَ، والغُلُولُ جَمْرٌ مِن جَهَنَّمَ، والخَمْرُ جامِعُ كُلِّ إثْمٍ، والشَّبابُ شُعْبَةٌ مِنَ الجُنُونِ، والنِّساءُ حَبائِلُ الشَّيْطانِ، والكِبْرُ شَرٌّ مِنَ الشَّرِّ، وشَرُّ المَآكِلِ مالُ اليَتِيمِ، وشَرُّ المَكاسِبِ الرِّبا، والسَّعِيدُ مَن وُعِظَ بِغَيْرِهِ، والشَّقِيُّ مَن شَقِيَ في بَطْنِ أُمِّهِ.
وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في (الشُّعَبِ)، عَنْ عَلِيٍّ، قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «(لَمْ يَزَلْ جِبْرِيلُ يَنْهانِي عَنْ عِبادَةِ الأوْثانِ، وشُرْبِ الخَمْرِ، ومُلاحاةِ الرِّجالِ») . (p-٥٠٨)وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «(كانَ في أوَّلِ ما نَهانِي عَنْهُ رَبِّي وعَهِدَ إلَيَّ بَعْدَ عِبادَةِ الأوْثانِ وشُرْبِ الخَمْرِ، مُلاحاةُ الرِّجالِ») .
المائدة 5:91
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنَّما الخَمْرُ﴾ الآياتِ.
أخْرَجَ أحْمَدُ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «حُرِّمَتِ الخَمْرُ ثَلاثَ مَرّاتٍ، قَدِمَ رَسُولُ (p-٤٥٤)اللَّهِ ﷺ وهم يَشْرَبُونَ الخَمْرَ، ويَأْكُلُونَ المَيْسِرَ، فَسَألُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْهُما، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الخَمْرِ والمَيْسِرِ﴾ [البقرة: ٢١٩] الآيَةَ [البَقَرَةِ: ٢١٩]، فَقالَ النّاسُ: ما حُرِّمَ عَلَيْنا، إنَّما قالَ: ﴿إثْمٌ كَبِيرٌ﴾ [البقرة: ٢١٩] وكانُوا يَشْرَبُونَ الخَمْرَ، حَتّى كانَ يَوْمٌ مِنَ الأيّامِ، صَلّى رَجُلٌ مِنَ المُهاجِرِينَ، أمَّ أصْحابَهُ في المَغْرِبِ، خَلَطَ في قِراءَتِهِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ أغْلَظَ مِنها: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وأنْتُمْ سُكارى حَتّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ﴾ [النساء: ٤٣] [النِّساءِ: ٤٣]، وكانَ النّاسُ يَشْرَبُونَ حَتّى يَأْتِيَ أحَدُهُمُ الصَّلاةَ وهو مُفِيقٌ، ثُمَّ نَزَلَتْ آيَةٌ أغْلَظُ مِن ذَلِكَ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنَّما الخَمْرُ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿فَهَلْ أنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ قالُوا: انْتَهَيْنا رَبَّنا، فَقالَ النّاسُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، ناسٌ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ، وماتُوا عَلى فُرُشِهِمْ، كانُوا يَشْرَبُونَ الخَمْرَ، ويَأْكُلُونَ المَيْسِرَ، وقَدْ جَعَلَهُ اللَّهُ رِجْسًا مِن عَمَلِ الشَّيْطانِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿لَيْسَ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ جُناحٌ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ، وقالَ النَّبِيُّ ﷺ: (لَوْ حُرِّمَ عَلَيْهِمْ لَتَرَكُوهُ كَما تَرَكْتُمْ») .
وأخْرَجَ الطَّيالِسِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في (شُعَبِ الإيمانِ)، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: «نَزَلَ في الخَمْرِ ثَلاثُ آياتٍ، فَأوَّلُ شَيْءٍ نَزَلَ: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الخَمْرِ والمَيْسِرِ﴾ [البقرة: ٢١٩] الآيَةَ، فَقِيلَ: حُرِّمَتِ الخَمْرُ (p-٤٥٥)فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، دَعْنا نَنْتَفِعْ بِها كَما قالَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، فَسَكَتَ عَنْهُمْ، ثُمَّ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وأنْتُمْ سُكارى﴾ [النساء: ٤٣] فَقِيلَ: حُرِّمَتِ الخَمْرُ، فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، لا نَشْرَبُها قُرْبَ الصَّلاةِ، فَسَكَتَ عَنْهُمْ، ثُمَّ نَزَلَتْ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنَّما الخَمْرُ والمَيْسِرُ﴾ الآيَةَ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (حُرِّمَتِ الخَمْرُ») .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والنَّحّاسُ في (ناسِخِهِ)، وأبُو الشَّيْخِ وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، «عَنْ سَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ قالَ: فِيَّ نَزَلَ تَحْرِيمُ الخَمْرِ، صَنَعَ رَجُلٌ مِنَ الأنْصارِ طَعامًا فَدَعانا، فَأتاهُ ناسٌ، فَأكَلُوا وشَرِبُوا حَتّى انْتَشَوْا مِنَ الخَمْرِ، وذَلِكَ قَبْلَ أنْ تُحَرَّمَ الخَمْرُ، فَتَفاخَرُوا، فَقالَتِ الأنْصارُ: الأنْصارُ خَيْرٌ، وقالَتْ قُرَيْشٌ: قُرَيْشٌ خَيْرٌ، فَأهْوى رَجُلٌ بَلَحْيَيْ جَزُورٍ فَضَرَبَ عَلى أنْفِي فَفَزَرَهُ، فَكانَ سَعْدٌ مَفْزُورَ الأنْفِ، قالَ: فَأتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنَّما الخَمْرُ والمَيْسِرُ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، مِن طَرِيقِ ابْنِ شِهابٍ أنَّ سالِمَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَهُ، أنَّ أوَّلَ ما حُرِّمَتِ الخَمْرُ، أنَّ سَعْدَ بْنَ أبِي وقّاصٍ وأصْحابًا لَهُ شَرِبُوا، فاقْتَتَلُوا، (p-٤٥٦)فَكَسَرُوا أنْفَ سَعْدٍ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿إنَّما الخَمْرُ والمَيْسِرُ﴾ الآيَةَ.
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، عَنْ سَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ قالَ: «نَزَلَتْ فِيَّ ثَلاثُ آياتٍ مِن كِتابِ اللَّهِ، نَزَلَ تَحْرِيمُ الخَمْرِ، نادَمْتُ رَجُلًا فَعارَضْتُهُ وعارَضَنِي، فَعَرْبَدْتُ عَلَيْهِ، فَشَجَجْتُهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنَّما الخَمْرُ والمَيْسِرُ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿فَهَلْ أنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ ونَزَلَتْ فِيَّ: ﴿ووَصَّيْنا الإنْسانَ بِوالِدَيْهِ إحْسانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا﴾ [الأحقاف: ١٥] إلى آخِرِ الآيَةِ [الأحْقافِ: ١٥]، ونَزَلَتْ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكم صَدَقَةً﴾ [المجادلة: ١٢] [المُجادَلَةِ: ١٢]، فَقَدَّمْتُ شَعِيرَةً، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (إنَّكَ لَزَهِيدٌ)، فَنَزَلَتِ الآيَةُ الأُخْرى: ﴿أأشْفَقْتُمْ أنْ تُقَدِّمُوا﴾ [المجادلة: ١٣] الآيَةَ [المُجادَلَةَ»: ١٣] .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، والطَّبَرانِيُّ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: إنَّما نَزَلَ تَحْرِيمُ الخَمْرِ في قَبِيلَتَيْنِ مِن قَبائِلِ الأنْصارِ شَرِبُوا فَلَمّا أنْ ثَمِلَ القَوْمُ عَبَثَ بَعْضُهم بِبَعْضٍ، فَلَمّا أنْ صَحَوْا جَعَلَ يَرى الرَّجُلُ مِنهُمُ الأثَرَ بِوَجْهِهِ وبِرَأْسِهِ ولِحْيَتِهِ، فَيَقُولُ: صَنَعَ بِي هَذا أخِي فُلانٌ، وكانُوا إخْوَةً لَيْسَ في (p-٤٥٧)قُلُوبِهِمْ ضَغائِنُ، واللَّهِ لَوْ كانَ بِي رَؤُوفًا رَحِيمًا ما صَنَعَ بِي هَذا، حَتّى وقَعَتِ الضَّغائِنُ في قُلُوبِهِمْ، فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنَّما الخَمْرُ والمَيْسِرُ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿فَهَلْ أنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ فَقالَ ناسٌ مِنَ المُتَكَلِّفِينَ: هي رِجْسٌ، وهي في بَطْنِ فُلانٍ قُتِلَ يَوْمَ بَدْرٍ، وفُلانٍ قُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿لَيْسَ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا﴾ الآيَةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ بُرَيْدَةَ قالَ: بَيْنَما نَحْنُ قُعُودٌ عَلى شَرابٍ لَنا، ونَحْنُ نَشْرَبُ الخَمْرَ حِلًّا، إذْ قُمْتُ حَتّى آتِيَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَأُسَلِّمَ عَلَيْهِ، وقَدْ نَزَلَ تَحْرِيمُ الخَمْرِ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنَّما الخَمْرُ والمَيْسِرُ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿فَهَلْ أنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ فَجِئْتُ إلى أصْحابِي فَقَرَأْتُها عَلَيْهِمْ، قالَ: وبَعْضُ القَوْمِ شَرْبَتُهُ في يَدِهِ، قَدْ شَرِبَ بَعْضًا وبَقِيَ بَعْضٌ في الإناءِ، فَقالَ بِالإناءِ تَحْتَ شَفَتِهِ العُلْيا كَما يَفْعَلُ الحَجّامُ، ثُمَّ صَبُّوا ما في باطِيَتِهِمْ، فَقالُوا: انْتَهَيْنا رَبَّنا.
وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في (شُعَبِ الإيمانِ) عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «قامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: (يا أهْلَ المَدِينَةِ، إنَّ اللَّهَ يُعَرِّضُ عَنِ الخَمْرِ تَعْرِيضًا، لا أدْرِي لَعَلَّهُ سَيَنْزِلُ فِيها أمْرٌ)، ثُمَّ قامَ فَقالَ: (يا أهْلَ المَدِينَةِ، إنَّ اللَّهَ قَدْ أنْزَلَ إلَيَّ تَحْرِيمَ الخَمْرِ، فَمَن كَتَبَ (p-٤٥٨)مِنكم هَذِهِ الآيَةَ، وعِنْدَهُ مِنها شَيْءٌ فَلا يَشْرَبْها») .
وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سابِطٍ قالَ: زَعَمُوا أنَّ عُثْمانَ بْنَ مَظْعُونٍ حَرَّمَ الخَمْرَ في الجاهِلِيَّةِ، وقالَ: لا أشْرَبُ شَيْئًا يُذْهِبُ عَقْلِي، ويُضْحِكُ بِي مَن هو أدْنى مِنِّي، ويَحْمِلُنِي عَلى أنْ أُنْكِحَ كَرِيمَتِي مَن لا أُرِيدُ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في سُورَةِ المائِدَةِ في الخَمْرِ، فَمَرَّ عَلَيْهِ رَجُلٌ فَقالَ: حُرِّمَتِ الخَمْرُ، وتَلا عَلَيْهِ الآيَةَ، فَقالَ: تَبًّا لَها، قَدْ كانَ بَصَرِي فِيها ثابِتًا.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ في البَقَرَةِ: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الخَمْرِ والمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إثْمٌ كَبِيرٌ ومَنافِعُ لِلنّاسِ﴾ [البقرة: ٢١٩] [البَقَرَةِ: ٢١٩]، شَرِبَها قَوْمٌ لِقَوْلِهِ: ( مَنافِعَ لِلنّاسِ ) وتَرَكَها قَوْمٌ لِقَوْلِهِ: ﴿إثْمٌ كَبِيرٌ﴾ [البقرة: ٢١٩] مِنهم عُثْمانُ بْنُ مَظْعُونٍ، حَتّى نَزَلَتِ الآيَةُ الَّتِي في النِّساءِ: ﴿لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وأنْتُمْ سُكارى﴾ [النساء: ٤٣] [النِّساءِ: ٤٣]، فَتَرَكَها قَوْمٌ، وشَرِبَها قَوْمٌ، يَتْرُكُونَها بِالنَّهارِ حِينَ الصَّلاةِ، ويَشْرَبُونَها بِاللَّيْلِ، حَتّى نَزَلَتِ الآيَةُ الَّتِي في المائِدَةِ: ﴿إنَّما الخَمْرُ والمَيْسِرُ﴾ الآيَةَ، قالَ عُمَرُ: أقُرِنَتْ بِالمَيْسِرِ والأنْصابِ والأزْلامِ؟ بُعْدًا لَكِ وسُحْقًا، فَتَرَكَها النّاسُ، ووَقَعَ في صُدُورِ أُناسٍ مِنَ النّاسِ مِنها، فَجَعَلَ قَوْمٌ يُمَرُّ بِالرّاوِيَةِ مِنَ الخَمْرِ فَتُخْرَقُ، فَيَمُرُّ بِها أصْحابُها فَيَقُولُونَ: قَدْ كُنّا نُكْرِمُكِ عَنْ هَذا المَصْرَعِ، وقالُوا: ما حُرِّمَ عَلَيْنا شَيْءٌ أشَدُّ مِنَ الخَمْرِ، حَتّى جَعَلَ الرَّجُلُ (p-٤٥٩)يَلْقى صاحِبَهُ فَيَقُولُ: إنَّ في نَفْسِي شَيْئًا، فَيَقُولُ لَهُ صاحِبُهُ: لَعَلَّكَ تَذْكُرُ الخَمْرَ؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ، فَيَقُولُ: إنَّ في نَفْسِي مِثْلَ ما في نَفْسِكَ، حَتّى ذَكَرَ ذَلِكَ قَوْمٌ واجْتَمَعُوا فِيهِ، فَقالُوا: كَيْفَ نَتَكَلَّمُ ورَسُولُ اللَّهِ ﷺ شاهِدٌ؟ وخافُوا أنْ يَنْزِلَ فِيهِمْ، فَأتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وقَدْ أعَدُّوا لَهُ حُجَّةً، فَقالُوا: أرَأيْتَ حَمْزَةَ بْنَ عَبْدِ المُطَّلِبِ، ومُصْعَبَ بْنَ عُمَيْرٍ، وعَبْدَ اللَّهِ بْنَ جَحْشٍ، ألَيْسُوا في الجَنَّةِ؟ قالَ: (بَلى)، قالُوا: ألَيْسُوا قَدْ مَضَوْا وهم يَشْرَبُونَ الخَمْرَ؟ فَحُرِّمَ عَلَيْنا شَيْءٌ دَخَلُوا الجَنَّةَ وهم يَشْرَبُونَهُ؟ فَقالَ: (قَدْ سَمِعَ اللَّهُ ما قُلْتُمْ، فَإنْ شاءَ أجابَكُمْ)، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿إنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ العَداوَةَ والبَغْضاءَ في الخَمْرِ والمَيْسِرِ ويَصُدَّكم عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ قالُوا: انْتَهَيْنا، ونَزَلَ في الَّذِينَ ذَكَرُوا حَمْزَةَ وأصْحابَهُ: ﴿لَيْسَ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا﴾ الآيَةَ» .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ قَتادَةَ: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الخَمْرِ والمَيْسِرِ﴾ [البقرة: ٢١٩] [البَقَرَةِ: ٢١٩]، قالَ: المَيْسِرُ هو القِمارُ كُلُّهُ، ﴿قُلْ فِيهِما إثْمٌ كَبِيرٌ ومَنافِعُ لِلنّاسِ﴾ [البقرة: ٢١٩] قالَ: فَذَمَّهُما ولَمْ يُحَرِّمْهُما، وهي لَهم حَلالٌ يَوْمَئِذٍ، ثُمَّ أنْزَلَ هَذِهِ الآيَةَ في شَأْنِ الخَمْرِ، وهي أشَدُّ مِنها، فَقالَ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وأنْتُمْ سُكارى﴾ [النساء: ٤٣]، فَكانَ السُّكْرُ مِنها حَرامًا، ثُمَّ أنْزَلَ الآيَةَ الَّتِي في المائِدَةِ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنَّما الخَمْرُ والمَيْسِرُ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿فَهَلْ أنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ فَجاءَ تَحْرِيمُها في هَذِهِ الآيَةِ، قَلِيلِها وكَثِيرِها، ما أسْكَرَ مِنها وما لَمْ يُسْكِرْ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ عَطاءٍ قالَ: أوَّلُ ما نَزَلَ تَحْرِيمُ الخَمْرِ: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الخَمْرِ والمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إثْمٌ كَبِيرٌ﴾ [البقرة: ٢١٩] الآيَةَ، قالَ بَعْضُ النّاسِ: نَشْرَبُها لِمَنافِعِها الَّتِي فِيها، وقالَ آخَرُونَ: لا خَيْرَ في شَيْءٍ فِيهِ إثْمٌ، ثُمَّ نَزَلَتْ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وأنْتُمْ سُكارى﴾ [النساء: ٤٣] الآيَةَ، فَقالَ بَعْضُ النّاسِ: نَشْرَبُها ونَجْلِسُ في بُيُوتِنا، وقالَ آخَرُونَ: لا خَيْرَ في شَيْءٍ يَحُولُ بَيْنَنا وبَيْنَ الصَّلاةِ مَعَ المُسْلِمِينَ، فَنَزَلَتْ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنَّما الخَمْرُ والمَيْسِرُ﴾ الآيَةَ، ﴿فانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧] فَنَهاهم فانْتَهَوْا.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وأنْتُمْ سُكارى﴾ [النساء: ٤٣] قالَ: كانَ القَوْمُ يَشْرَبُونَها حَتّى إذا حَضَرَتِ الصَّلاةُ أمْسَكُوا عَنْها قالَ: وذُكِرَ لَنا أنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ قالَ حِينَ أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: (قَدْ تَقَرَّبَ اللَّهُ في تَحْرِيمِ الخَمْرِ)، ثُمَّ حَرَّمَها بَعْدَ ذَلِكَ في سُورَةِ المائِدَةِ، بَعْدَ غَزْوَةِ الأحْزابِ، وعَلِمَ أنَّها تُسَفِّهُ الأحْلامَ، وتُجْهِدُ الأمْوالَ، وتَشْغَلُ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ، وعَنِ الصَّلاةِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ قَتادَةَ: ﴿فَهَلْ أنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ قالَ: فانْتَهى القَوْمُ عَنِ الخَمْرِ، وأمْسَكُوا عَنْها، قالَ: وذُكِرَ لَنا أنَّ هَذِهِ الآيَةَ لَمّا أُنْزِلَتْ قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «(يا أيُّها النّاسُ، إنَّ اللَّهَ قَدْ حَرَّمَ الخَمْرَ، فَمَن كانَ عِنْدَهُ شَيْءٌ فَلا يَطْعَمْهُ، ولا تَبِيعُوها»)، فَلَبِثَ المُسْلِمُونَ زَمانًا يَجِدُونَ رِيحَها مِن (p-٤٦١)طُرُقِ المَدِينَةِ مِمّا أهْرَقُوا مِنها.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أنَّ الشُّرّابَ كانُوا يُضْرَبُونَ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالأيْدِي، والنِّعالِ، والعِصِيِّ، حَتّى تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقالَ أبُو بَكْرٍ: لَوْ فَرَضْنا لَهم حَدًّا، فَتَوَخّى نَحْوَ ما كانُوا يُضْرَبُونَ في عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَكانَ أبُو بَكْرٍ يَجْلِدُهم أرْبَعِينَ حَتّى تُوُفِّيَ، ثُمَّ كانَ عُمَرُ مِن بَعْدِهِ يَجْلِدُهم كَذَلِكَ أرْبَعِينَ، حَتّى أُتِيَ بِرَجُلٍ مِنَ المُهاجِرِينَ الأوَّلِينَ، وقَدْ شَرِبَ، فَأمَرَ بِهِ أنْ يُجْلَدَ، فَقالَ: لِمَ تَجْلِدُنِي؟ بَيْنِي وبَيْنَكَ كِتابُ اللَّهِ، قالَ: وفي أيِّ كِتابِ اللَّهِ تَجِدُ ألّا أجْلِدَكَ؟ قالَ: إنَّ اللَّهَ يَقُولُ في كِتابِهِ:﴿لَيْسَ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا﴾ [المائِدَةِ: ٩٣]، فَأنا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ، ثُمَّ اتَّقَوْا وأحْسَنُوا، شَهِدْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَدْرًا، وأُحُدًا، والخَنْدَقَ، والمَشاهِدَ، فَقالَ عُمَرُ: ألا تَرُدُّونَ عَلَيْهِ؟ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هَؤُلاءِ الآياتُ نَزَلَتْ عُذْرًا لِلْماضِينَ، وحُجَّةً عَلى الباقِينَ، عُذْرًا لِلْماضِينَ، لِأنَّهم لَقُوا اللَّهَ قَبْلَ أنْ حَرَّمَ عَلَيْهِمُ الخَمْرَ، وحُجَّةً عَلى الباقِينَ، لِأنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿إنَّما الخَمْرُ والمَيْسِرُ والأنْصابُ والأزْلامُ﴾ حَتّى بَلَغَ الآيَةَ الأُخْرى، فَإنْ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وآمَنُوا، ثُمَّ اتَّقَوْا وأحْسَنُوا، فَإنَّ اللَّهَ نَهى أنْ يُشْرَبَ الخَمْرُ، فَقالَ عُمَرُ: فَماذا تَرَوْنَ؟ فَقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ: نَرى أنَّهُ إذا شَرِبَ سَكِرَ، وإذا سَكِرَ هَذى، وإذا هَذى افْتَرى، وعَلى المُفْتَرِي ثَمانُونَ جَلْدَةً، فَأمَرَ عُمَرُ فَجُلِدَ ثَمانِينَ. (p-٤٦٢)وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنْ أنَسٍ، عَنْ أبِي طَلْحَةَ زَوْجِ أُمِّ أنَسٍ، قالَ: «لَمّا نَزَلَ تَحْرِيمُ الخَمْرِ بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هاتِفًا يَهْتِفُ: (ألا إنَّ الخَمْرَ قَدْ حُرِّمَتْ، فَلا تَبِيعُوها ولا تَبْتاعُوها، فَمَن كانَ عِنْدَهُ مِنهُ شَيْءٌ فَلْيُهْرِقْهُ)، قالَ أبُو طَلْحَةَ: يا غُلامُ حُلَّ عَزْلاءَ تِلْكَ المَزادَةِ، فَفَتَحَها فَأهْراقَها، وخَمْرُنا يَوْمَئِذٍ البُسْرُ والتَّمْرُ، فَأهْراقَ النّاسُ حَتّى انْتَبَعَتْ فِجاجُ المَدِينَةِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنْ أنَسٍ قالَ: كُنّا نَأْكُلُ مِن طَعامٍ لَنا ونَشْرَبُ عَلَيْهِ مِن هَذا الشَّرابِ، فَأتانا فُلانٌ مِن عِنْدِ نَبِيِّ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: إنَّكم تَشْرَبُونَ الخَمْرَ، وقَدْ أُنْزِلَ فِيها؟ قُلْنا: ما تَقُولُ؟ قالَ: نَعَمْ، سَمِعْتُهُ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ السّاعَةَ، ومِن عِنْدِهِ أتَيْتُكُمْ، فَقُمْنا فَأكْفَيْنا ما كانَ في الإناءِ مِن شَيْءٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنْ أنَسٍ قالَ: «كانَ عِنْدَ أبِي طَلْحَةَ مالٌ لِيَتِيمٍ فاشْتَرى بِهِ خَمْرًا، فَلَمّا حُرِّمَتِ الخَمْرُ أتى النَّبِيَّ ﷺ فَقالَ: أجْعَلُهُ خَلًّا؟ فَقالَ: (لا، هَرِقْهُ») .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنْ أنَسٍ، أنَّ الآيَةَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ فِيها الخَمْرَ نَزَلَتْ ولَيْسَ في المَدِينَةِ شَرابٌ يُشْرَبُ إلّا مِن تَمْرٍ.
وأخْرَجَ أبُو يَعْلى، عَنْ أنَسٍ قالَ: لَمّا نَزَلَ تَحْرِيمُ الخَمْرِ، فَدَخَلْتُ عَلى ناسٍ مِن (p-٤٦٣)أصْحابِي وهي بَيْنَ أيْدِيهِمْ، فَضَرَبْتُها بِرِجْلِي، ثُمَّ قُلْتُ: انْطَلِقُوا إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَدْ نَزَلَ تَحْرِيمُ الخَمْرِ، وشَرابُهم يَوْمَئِذٍ البُسْرُ والتَّمْرُ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: كانُوا يَشْرَبُونَ الخَمْرَ بَعْدَ ما أُنْزِلَتِ الَّتِي في البَقَرَةِ، وبَعْدَ الَّتِي في سُورَةِ النِّساءِ، فَلَمّا نَزَلَتِ الَّتِي في سُورَةِ المائِدَةِ تَرَكُوهُ.
وأخْرَجَ مُسْلِمٌ، وأبُو يَعْلى، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ، قالَ: «خَطَبَنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: (يا أيُّها النّاسُ، إنَّ اللَّهَ يُعَرِّضُ بِالخَمْرِ، فَمَن كانَ عِنْدَهُ مِنها شَيْءٌ فَلْيَبِعْ ولْيَنْتَفِعْ بِهِ)، فَلَمْ يَلْبَثْ إلّا يَسِيرًا، ثُمَّ قالَ: (إنَّ اللَّهَ قَدْ حَرَّمَ الخَمْرَ، فَمَن أدْرَكَتْهُ هَذِهِ الآيَةُ وعِنْدَهُ مِنها شَيْءٌ فَلا يَبِعْ ولا يَشْرَبْ)، قالَ: فاسْتَقْبَلَ النّاسُ بِما كانَ عِنْدَهم مِنها فَسَفَكُوها في طُرُقِ المَدِينَةِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: حُرِّمَتِ الخَمْرُ بِعَيْنِها، قَلِيلِها وكَثِيرِها، والمُسْكِرُ مِن كُلِّ شَرابٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنْ وهْبِ بْنِ كَيْسانَ قالَ: قُلْتُ لِجابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ: مَتّى حُرِّمَتِ الخَمْرُ؟ قالَ: بَعْدَ أُحُدٍ، صَبَّحْنا الخَمْرَ يَوْمَ أُحُدٍ حِينَ خَرَجْنا إلى القِتالِ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: حُرِّمَتِ الخَمْرُ يَوْمَ حُرِّمَتْ وما كانَ شَرابُ النّاسِ إلّا التَّمْرَ والزَّبِيبَ. (p-٤٦٤)وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنْ جابِرٍ قالَ: «كانَ رَجُلٌ عِنْدَهُ مالُ أيْتامٍ، فَكانَ يَشْتَرِي لَهم ويَبِيعُ، فاشْتَرى خَمْرًا، فَجَعَلَهُ في خَوابِي، وإنَّ اللَّهَ أنْزَلَ تَحْرِيمَ الخَمْرِ، فَأتى النَّبِيَّ ﷺ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّهُ لَيْسَ لَهم مالٌ غَيْرُهُ، فَقالَ: (أهْرِقْهُ)، فَأهْراقَهُ» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: حُرِّمَتِ الخَمْرُ وما بِالمَدِينَةِ مِنها شَيْءٌ، وما خَمْرُهم يَوْمَئِذٍ إلّا الفَضِيخُ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنْ أنَسٍ قالَ: حُرِّمَتِ الخَمْرُ يَوْمَ حُرِّمَتْ وما لَنا بِالمَدِينَةِ خَمْرٌ إلّا الفَضِيخُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، والبَيْهَقِيُّ في ”سُنَنِهِ“، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قالَ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ الَّتِي في القُرْآنِ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنَّما الخَمْرُ والمَيْسِرُ والأنْصابُ والأزْلامُ رِجْسٌ مِن عَمَلِ الشَّيْطانِ فاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ هي في التَّوْراةِ: إنَّ اللَّهَ أنْزَلَ الحَقَّ لِيُذْهِبَ بِهِ الباطِلَ، ويُبْطِلَ بِهِ اللَّعِبَ، والزَّفْنَ، والمَزامِيرَ، والكِباراتِ، يَعْنِي البَرابِطَ، والزَّمّاراتِ، يَعْنِي الدُّفَّ والطَّنابِيرَ، (p-٤٦٥)والشِّعْرَ، والخَمْرَ مَرَّةً لِمَن طَعِمَها، وأقْسَمَ رَبِّي بِيَمِينِهِ، وعِزَّةِ حَيْلِهِ، لا يَشْرَبُها عَبْدٌ بَعْدَما حَرَّمْتُها عَلَيْهِ إلّا عَطَّشَتُهُ يَوْمَ القِيامَةِ، ولا يَدَعُها بَعْدَما حَرَّمْتُها إلّا سَقَيْتُهُ إيّاها مِن حَظِيرَةِ القُدْسِ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قالَ: «(حَرَّمَ اللَّهُ الخَمْرَ، وكُلَّ مُسْكِرٍ حَرامٌ») .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: لَقَدْ أنْزَلَ اللَّهُ تَحْرِيمَ الخَمْرِ، وما بِالمَدِينَةِ زَبِيبَةٌ واحِدَةٌ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ، وأبُو يَعْلى، وابْنُ الجارُودِ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنْ أبِي سَعِيدٍ قالَ: «كانَ عِنْدَنا خَمْرٌ لِيَتِيمٍ، فَلَمّا نَزَلَتِ الآيَةُ الَّتِي في المائِدَةِ سَألْنا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقُلْنا: لِيَتِيمٍ، فَقالَ: (أهْرِيقُوها») .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنْ أنَسٍ قالَ: حُرِّمَتِ الخَمْرُ وهي تُخَمَّرُ في الجِرارِ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنِ البَراءِ بْنِ عازِبٍ قالَ: نَزَلَ تَحْرِيمُ الخَمْرِ وما في أسْقِيَتِنا إلّا الزَّبِيبُ والتَّمْرُ، فَأكْفَأْناهُما. (p-٤٦٦)وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «(مِنَ التَّمْرِ خَمْرٌ، ومِنَ العَسَلِ خَمْرٌ، ومِنَ الزَّبِيبِ خَمْرٌ، ومِنَ العِنَبِ خَمْرٌ، ومِنَ الحِنْطَةِ خَمْرٌ، وأنْهاكم عَنْ كُلِّ مُسْكِرٍ») .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: لَمّا نَزَلَتْ: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الخَمْرِ والمَيْسِرِ﴾ [البقرة: ٢١٩] الآيَةَ، كَرِهَها قَوْمٌ لِقَوْلِهِ: ﴿فِيهِما إثْمٌ كَبِيرٌ﴾ [البقرة: ٢١٩] وشَرِبَها قَوْمٌ لِقَوْلِهِ: ﴿ومَنافِعُ لِلنّاسِ﴾ [البقرة: ٢١٩] حَتّى نَزَلَتْ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وأنْتُمْ سُكارى﴾ [النساء: ٤٣] فَكانُوا يَدَعُونَها في حِينِ الصَّلاةِ ويَشْرَبُونَها في غَيْرِ حِينِ الصَّلاةِ، حَتّى نَزَلَتْ: ﴿إنَّما الخَمْرُ والمَيْسِرُ﴾ الآيَةَ، فَقالَ عُمَرُ: ضَيْعَةٌ لَكِ، اليَوْمَ قُرِنْتِ بِالمَيْسِرِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ قالَ: نَزَلَتْ في الخَمْرِ أرْبَعُ آياتٍ: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الخَمْرِ والمَيْسِرِ﴾ [البقرة: ٢١٩] الآيَةَ، فَتَرَكُوها، ثُمَّ نَزَلَتْ: ﴿تَتَّخِذُونَ مِنهُ سَكَرًا ورِزْقًا حَسَنًا﴾ [النحل: ٦٧] [النَّحْلِ: ٦٧]، فَشَرِبُوها، ثُمَّ نَزَلَتِ الآيَتانِ في المائِدَةِ: ﴿إنَّما الخَمْرُ والمَيْسِرُ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿فَهَلْ أنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ السُّدِّيِّ قالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الخَمْرِ والمَيْسِرِ﴾ [البقرة: ٢١٩] الآيَةَ، فَلَمْ يَزالُوا بِذَلِكَ يَشْرَبُونَها حَتّى صَنَعَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ طَعامًا، فَدَعا ناسًا فِيهِمْ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ فَقَرَأ: ﴿قُلْ يا أيُّها الكافِرُونَ﴾ [الكافرون: ١] فَلَمْ يُفْهِمْها، فَأنْزَلَ اللَّهُ يُشَدِّدُ في الخَمْرِ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وأنْتُمْ سُكارى حَتّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ﴾ [النساء: ٤٣] فَكانَتْ حَلالًا، (p-٤٦٧)يَشْرَبُونَها مِن صَلاةِ الغَداةِ حَتّى يَرْتَفِعَ النَّهارُ، فَيَقُومُونَ إلى صَلاةِ الظُّهْرِ، وهم مُصْحُونَ، ثُمَّ لا يَشْرَبُونَها حَتّى يُصَلُّوا العَتَمَةَ، ثُمَّ يَقُومُونَ إلى صَلاةِ الفَجْرِ وقَدْ صَحَوْا، فَلَمْ يَزالُوا بِذَلِكَ يَشْرَبُونَها، حَتّى صَنَعَ سَعْدُ بْنُ أبِي وقّاصٍ طَعامًا، فَدَعا ناسًا فِيهِمْ رَجُلٌ مِنَ الأنْصارِ، فَشَوى لَهم رَأْسَ بَعِيرٍ، ثُمَّ دَعاهم عَلَيْهِ، فَلَمّا أكَلُوا، وشَرِبُوا مِنَ الخَمْرِ سَكِرُوا، وأخَذُوا في الحَدِيثِ، فَتَكَلَّمَ سَعْدٌ بِشَيْءٍ فَغَضِبَ الأنْصارِيُّ، فَرَفَعَ لَحْيَّ البَعِيرِ، فَكَسَرَ أنْفَ سَعْدٍ، فَأنْزَلَ اللَّهُ نَسْخَ الخَمْرِ وتَحْرِيمَها: ﴿إنَّما الخَمْرُ والمَيْسِرُ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿فَهَلْ أنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ قَتادَةَ قالَ: نَزَلَ تَحْرِيمُ الخَمْرِ في سُورَةِ المائِدَةِ بَعْدَ غَزْوَةِ الأحْزابِ، ولَيْسَ لِلْعَرَبِ يَوْمَئِذٍ عَيْشٌ أعْجَبُ إلَيْهِمْ مِنها.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ الرَّبِيعِ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ آيَةُ البَقَرَةِ، قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (إنَّ رَبَّكم يُقَدِّمُ في تَحْرِيمِ الخَمْرِ)، ثُمَّ نَزَلَتْ آيَةُ النِّساءِ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: (إنَّ رَبَّكم يُقَرِّبُ في تَحْرِيمِ الخَمْرِ)، ثُمَّ نَزَلَتْ آيَةُ المائِدَةِ فَحُرِّمَتِ الخَمْرُ عِنْدَ ذَلِكَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ، قالَ: «نَزَلَ أرْبَعُ آياتٍ في تَحْرِيمِ الخَمْرِ، أوَّلُهُنَّ الَّتِي في البَقَرَةِ، ثُمَّ نَزَلَتِ الثّانِيَةُ: ﴿ومِن ثَمَراتِ النَّخِيلِ والأعْنابِ تَتَّخِذُونَ مِنهُ سَكَرًا ورِزْقًا حَسَنًا﴾ [النحل: ٦٧] ثُمَّ أُنْزِلَتِ الَّتِي في النِّساءِ، بَيْنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي بَعْضَ الصَّلَواتِ إذْ غَنّى سَكْرانُ خَلْفَهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وأنْتُمْ سُكارى﴾ [النساء: ٤٣] الآيَةَ، فَشَرِبَها طائِفَةٌ مِنَ النّاسِ، وتَرَكَها طائِفَةٌ، ثُمَّ نَزَلَتِ الرّابِعَةُ الَّتِي في المائِدَةِ، فَقالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ: انْتَهَيْنا يا رَبَّنا» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ قَيْسٍ، قالَ: «لَمّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ المَدِينَةَ أتاهُ النّاسُ، وقَدْ كانُوا يَشْرَبُونَ الخَمْرَ، ويَأْكُلُونَ المَيْسِرَ، فَسَألُوهُ عَنْ ذَلِكَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الخَمْرِ والمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إثْمٌ كَبِيرٌ ومَنافِعُ لِلنّاسِ وإثْمُهُما أكْبَرُ مِن نَفْعِهِما﴾ [البقرة: ٢١٩] فَقالُوا: هَذا شَيْءٌ قَدْ جاءَ فِيهِ رُخْصَةٌ، نَأْكُلُ المَيْسِرَ، ونَشْرَبُ الخَمْرَ، ونَسْتَغْفِرُ مِن ذَلِكَ، حَتّى أتى رَجُلٌ صَلاةَ المَغْرِبَ، فَجَعَلَ يَقْرَأُ: ﴿قُلْ يا أيُّها الكافِرُونَ﴾ [الكافرون: ١] ﴿لا أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ﴾ [الكافرون: ٢] ﴿ولا أنْتُمْ عابِدُونَ ما أعْبُدُ﴾ [الكافرون: ٣] فَجَعَلَ لا يَجُوزُ ذَلِكَ، ولا يَدْرِي ما يَقْرَأُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وأنْتُمْ سُكارى﴾ [النساء: ٤٣] فَكانَ النّاسُ يَشْرَبُونَ الخَمْرَ حَتّى يَجِيءَ وقْتُ الصَّلاةِ، فَيَدَعُونَ شُرْبَها، فَيَأْتُونَ الصَّلاةَ وهم يَعْلَمُونَ ما يَقُولُونَ، فَلَمْ يَزالُوا كَذَلِكَ حَتّى أنْزَلَ اللَّهُ: ﴿إنَّما الخَمْرُ والمَيْسِرُ والأنْصابُ والأزْلامُ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿فَهَلْ أنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ فَقالُوا: انْتَهَيْنا يا رَبِّ» .
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنِ ابْنِ (p-٤٦٩)عَبّاسٍ قالَ: لَمّا نَزَلَ تَحْرِيمُ الخَمْرِ مَشى الصَّحابَةُ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ، وقالُوا: حُرِّمَتِ الخَمْرُ وجُعِلَتْ عَدْلًا لِلشِّرْكِ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (لا يَمُوتُ مُدْمِنُ خَمْرٍ إلّا لَقِيَ اللَّهَ كَعابِدِ وثَنٍ)، ثُمَّ قَرَأ: ﴿إنَّما الخَمْرُ والمَيْسِرُ﴾ الآيَةَ» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «(إنَّ اللَّهَ حَرَّمَ الخَمْرَ والمَيْسِرَ والكُوبَةَ والغُبَيْراءَ وكُلَّ مُسْكِرٍ حَرامٌ») .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «(إنَّ اللَّهَ حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الخَمْرَ والمَيْسِرَ والكُوبَةَ، وكُلُّ مُسْكِرٍ حَرامٌ») .
وأخْرَجَ البُخارِيُّ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: نَزَلَ تَحْرِيمُ الخَمْرِ، وإنَّ بِالمَدِينَةِ يَوْمَئِذٍ لَخَمْسَةُ أشْرِبَةٍ ما فِيها شَرابُ العِنَبِ.
وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، وأبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ ماجَهْ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ عامَ الفَتْحِ: (p-٤٧٠)(إنَّ اللَّهَ حَرَّمَ بَيْعَ الخَمْرِ، والأنْصابِ، والمَيْتَةِ، والخِنْزِيرِ)، فَقالَ بَعْضُ النّاسِ: كَيْفَ تَرى في شُحُومِ المَيْتَةِ يُدْهَنُ بِها السُّفُنُ والجُلُودُ، ويَسْتَصْبِحُ بِها النّاسُ؟ فَقالَ: (لا، هي حَرامٌ)، ثُمَّ قالَ عِنْدَ ذَلِكَ: (قاتَلَ اللَّهُ اليَهُودَ، إنَّ اللَّهَ لَمّا حَرَّمَ عَلَيْهِمُ الشُّحُومَ جَمَلُوهُ، فَباعُوهُ، وأكَلُوا ثَمَنَهُ») .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «قَدِمَ رَجُلٌ مِن دَوْسٍ عَلى النَّبِيِّ ﷺ بِراوِيَةٍ مِن خَمْرٍ، أهْداها لَهُ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: (هَلْ عَلِمْتَ أنَّ اللَّهَ حَرَّمَها بَعْدَكَ؟) فَأقْبَلَ الدَّوْسِيُّ عَلى رَجُلٍ كانَ مَعَهُ، فَأمَرَهُ بِبَيْعِها، فَقالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: (هَلْ عَلِمْتَ أنَّ الَّذِي حَرَّمَ شُرْبَها حَرَّمَ بَيْعَها، وأكْلَ ثَمَنِها؟) وأمَرَ بِالمَزادِ فَأُهْرِيقَتْ حَتّى لَمْ يَبْقَ فِيها قَطْرَةٌ» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ، «عَنْ تَمِيمٍ الدّارِيِّ، أنَّهُ كانَ يُهْدِي لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ كُلَّ عامٍ راوِيَةً مِن خَمْرٍ، فَلَمّا كانَ عامُ حُرِّمَتِ الخَمْرُ جاءَ بِراوِيَةٍ، فَلَمّا نَظَرَ إلَيْها ضَحِكَ وقالَ: (هَلْ شَعُرْتَ أنَّها قَدْ حُرِّمَتْ؟) فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، أفَلا نَبِيعُها فَنَنْتَفِعَ بِثَمَنِها؟ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (لَعَنَ اللَّهُ اليَهُودَ، انْطَلِقُوا إلى ما حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِن شُحُومِ البَقَرِ، والغَنَمِ، فَأذابُوهُ إهالَةً، فَباعُوا مِنهُ ما يَأْكُلُونَ (p-٤٧١)والخَمْرُ حَرامٌ ثَمَنُها، حَرامٌ بَيْعُها») .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، والبُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، وأبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ، وأبُو عَوانَةَ، والطَّحاوِيُّ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ حِبّانَ، والدّارَقُطْنِيُّ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في (الشُّعَبِ)، عَنْ عُمَرَ، أنَّهُ قامَ عَلى المِنبَرِ فَقالَ: أمّا بَعْدُ، فَإنَّ الخَمْرَ نَزَلَ تَحْرِيمُها يَوْمَ نَزَلَ، وهي مِن خَمْسَةٍ، مِنَ العِنَبِ، والتَّمْرِ، والبُرِّ، والشَّعِيرِ، والعَسَلِ، والخَمْرُ ما خامَرَ العَقْلَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنْ عُمَرَ قالَ: إنَّ هَذِهِ الأنْبِذَةَ تُنْبَذُ مِن خَمْسَةِ أشْياءَ، مِنَ التَّمْرِ، والزَّبِيبِ، والعَسَلِ، والبُرِّ، والشَّعِيرِ، فَما خَمَّرْتَهُ مِنها ثُمَّ عَتَّقْتَهُ فَهو خَمْرٌ.
وأخْرَجَ الشّافِعِيُّ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، ومُسْلِمٌ، والبَيْهَقِيُّ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «(كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ، وكُلُّ خَمْرٍ حَرامٌ») .
وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ، عَنْ جابِرٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «(الزَّبِيبُ والتَّمْرُ هو الخَمْرُ»)، يَعْنِي: إذا انْتُبِذا جَمِيعًا. (p-٤٧٢)وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ ماجَهْ، والنَّحّاسُ في (ناسِخِهِ)، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وتَعَقَّبَهُ الذَّهَبِيُّ، عَنِ النُّعْمانِ بْنِ بَشِيرٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «(إنَّ مِنَ الحِنْطَةِ خَمْرًا، ومِنَ الشَّعِيرِ خَمْرًا، ومِنَ الزَّبِيبِ خَمْرًا، ومِنَ التَّمْرِ خَمْرًا، ومِنَ العَسَلِ خَمْرًا، وأنا أنْهاكم عَنْ كُلِّ مُسْكِرٍ») .
وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ مَرْيَمَ بِنْتِ طارِقٍ قالَتْ: «كُنْتُ في نِسْوَةٍ مِنَ المُهاجِراتِ حَجَجْنا، فَدَخَلْنا عَلى عائِشَةَ، فَجَعَلَ نِساءٌ يَسْألْنَها عَنِ الظُّرُوفِ، فَقالَتْ: إنَّكُنَّ لَتَذْكُرْنَ ظُرُوفًا ما كانَ كَثِيرٌ مِنها عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فاتَّقِينَ اللَّهَ، واجْتَنِبْنَ ما يُسْكِرُكُنَّ، فَإنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: (كُلُّ مُسْكِرٍ حَرامٌ)، وإنْ أسْكَرَها ماءُ حُبِّها فَلْتَجْتَنِبْهُ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، ومُسْلِمٌ، وأبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ ماجَهْ، وابْنُ المُنْذِرِ، والنَّحّاسُ في (ناسِخِهِ)، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «(الخَمْرُ مِن هاتَيْنِ الشَّجَرَتَيْنِ: النَّخْلَةِ والعِنَبَةِ») .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا في (ذَمِّ المَلاهِي)، عَنِ الحَسَنِ قالَ: المَيْسِرُ، القِمارُ. (p-٤٧٣)وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في ”سُنَنِهِ“ عَنْ نافِعٍ، أنَّ ابْنَ عُمَرَ كانَ يَقُولُ: المَيْسِرُ، القِمارُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والبَيْهَقِيُّ في ”سُنَنِهِ“ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: المَيْسِرُ كِعابُ فارِسَ، وقِداحُ العَرَبِ، وهو القِمارُ كُلُّهُ.
وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ، عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: المَيْسِرُ القِمارُ كُلُّهُ، حَتّى الجَوْزُ الَّذِي يَلْعَبُ بِهِ الصِّبْيانُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنْ أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «(اجْتَنِبُوا هَذِهِ الكِعابَ المَوْسُومَةَ الَّتِي يُزْجَرُ بِها زَجْرًا، فَإنَّها مِنَ المَيْسِرِ») .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في (الشُّعَبِ)، عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «(إيّاكم وهَذِهِ الكِعابَ المَوْسُومَةَ الَّتِي تُزْجَرُ زَجْرًا، فَإنَّها مِنَ المَيْسِرِ») .
وأخْرَجَ أحْمَدُ، وابْنُ أبِي الدُّنْيا في (ذَمِّ المَلاهِي)، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في (الشُّعَبِ)، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «(إيّاكم وهاتَيْنِ الكَعْبَتَيْنِ المَوْسُومَتَيْنِ اللَّتَيْنِ تُزْجَرانِ زَجْرًا، فَإنَّهُما مَيْسِرُ العَجَمِ») . (p-٤٧٤)وأخْرَجَ وكِيعٌ، وعَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي الدُّنْيا، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: إيّاكم وهَذِهِ الكِعابَ المَوْسُومَةَ الَّتِي تُزْجَرُ زَجْرًا، فَإنَّها مَيْسِرُ العَجَمِ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كُلُّ القِمارِ مِنَ المَيْسِرِ، حَتّى لَعِبُ الصِّبْيانِ بِالجَوْزِ والكِعابِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ قالَ: النَّرْدُ والشِّطْرَنْجُ مِنَ المَيْسِرِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ عَلِيٍّ، قالَ: الشِّطْرَنْجُ مَيْسِرُ الأعاجِمِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ القاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، أنَّهُ سُئِلَ عَنِ النَّرْدِ، أهِيَ مِنَ المَيْسِرِ؟ قالَ: كُلُّ ما ألْهى عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ، وعَنِ الصَّلاةِ فَهو مَيْسِرٌ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي الدُّنْيا في (ذَمِّ المَلاهِي)، والبَيْهَقِيُّ في (الشُّعَبِ)، عَنِ القاسِمِ، أنَّهُ قِيلَ لَهُ: هَذِهِ النَّرْدُ تَكْرَهُونَها، فَما بالُ الشِّطْرَنْجِ؟ قالَ: كُلُّ ما ألْهى عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وعَنِ الصَّلاةِ فَهو مِنَ المَيْسِرِ. (p-٤٧٥)وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي الدُّنْيا في (ذَمِّ المَلاهِي)، وأبُو الشَّيْخِ، والبَيْهَقِيُّ في (الشُّعَبِ)، مِن طَرِيقِ رَبِيعَةَ بْنِ كُلْثُومٍ، عَنْ أبِيهِ، قالَ: خَطَبَنا ابْنُ الزُّبَيْرِ فَقالَ: يا أهْلَ مَكَّةَ، بَلَغَنِي عَنْ رِجالٍ يَلْعَبُونَ بِلُعْبَةٍ يُقالُ لَها: النَّرْدَشِيرُ، وإنَّ اللَّهَ يَقُولُ في كِتابِهِ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنَّما الخَمْرُ والمَيْسِرُ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿فَهَلْ أنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ وإنِّي أحْلِفُ بِاللَّهِ لا أُوتى بِأحَدٍ لَعِبَ بِها إلّا عاقَبْتُهُ في شَعْرِهِ وبَشَرِهِ، وأعْطَيْتُ سَلَبَهُ مَن أتانِي بِهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ أبِي الدُّنْيا، عَنْ أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «(مَن لَعِبَ بِالنَّرْدَشِيرِ فَقَدْ عَصى اللَّهَ ورَسُولَهُ») .
وأخْرَجَ أحْمَدُ، عَنْ أبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ الخَطْمِيِّ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «(مَثَلُ الَّذِي يَلْعَبُ بِالنَّرْدِ، ثُمَّ يَقُومُ فَيُصَلِّي، مَثَلُ الَّذِي يَتَوَضَّأُ بِالقَيْحِ، ودَمِ الخِنْزِيرِ، ثُمَّ يَقُومُ فَيُصَلِّي») .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ أبِي الدُّنْيا، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قالَ: اللّاعِبُ بِالنَّرْدِ قِمارًا كَآكِلِ لَحْمِ الخِنْزِيرِ، واللّاعِبُ بِها مِن غَيْرِ قِمارٍ كالمُدَّهِنِ بِوَدَكِ الخِنْزِيرِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا، عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: اللّاعِبُ بِالنَّرْدِ قِمارًا مِنَ المَيْسِرِ، واللّاعِبُ بِها سِفاحًا كالصّابِغِ يَدَهُ في دَمِ الخِنْزِيرِ، والجالِسُ عِنْدَها كالجالِسِ عِنْدَ (p-٤٧٦)مَسالِخِهِ، وإنَّهُ يُؤْمَرُ بِالوُضُوءِ مِنها، والكَعْبَيْنِ، والشِّطْرَنْجِ سَواءً.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا، عَنْ يَحْيى بْنِ أبِي كَثِيرٍ قالَ: «مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِقَوْمٍ يَلْعَبُونَ بِالنَّرْدِ فَقالَ: (قُلُوبٌ لاهِيَةٌ، وأيْدِي عامِلَةٌ، وألْسِنَةٌ لاغِيَةٌ») .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا، عَنِ الحَسَنِ قالَ: النَّرْدُ مَيْسِرُ العَجَمِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا، عَنْ مالِكِ بْنِ أنَسٍ قالَ: الشِّطْرَنْجُ مِنَ النَّرْدِ، بَلَغَنا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ ولِيَ مالَ يَتِيمٍ فَأحْرَقَها.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قالَ: سُئِلَ ابْنُ عُمَرَ، عَنِ الشِّطْرَنْجِ فَقالَ: هي شَرٌّ مِنَ النَّرْدِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا، عَنْ أبِي جَعْفَرٍ، أنَّهُ سُئِلَ عَنِ الشِّطْرَنْجِ فَقالَ: تِلْكَ المَجُوسِيَّةُ، لا تَلْعَبُوا بِها.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا، عَنْ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ قالَ: رَأى رَجُلٌ مِن أهْلِ الشّامِ أنَّهُ يُغْفَرُ لِكُلِّ مُؤْمِنٍ في كُلِّ يَوْمٍ اثْنَتا عَشْرَةَ مَرَّةً إلّا أصْحابَ الشّاهِ يَعْنِي الشِّطْرَنْجَ. (p-٤٧٧)وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي الدُّنْيا، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ قالَ: المَيْسِرُ القِمارُ، كانَ الرَّجُلُ في الجاهِلِيَّةِ يُقامِرُ عَلى أهْلِهِ ومالِهِ، فَيَقْعُدُ حَزِينًا سَلِيبًا، يَنْظُرُ إلى مالِهِ في يَدِ غَيْرِهِ، وكانَتْ تُورِثُ بَيْنَهُمُ العَداوَةَ والبَغْضاءَ، فَنَهى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ، وتَقَدَّمَ فِيهِ، وأخْبَرَ أنَّما هو ﴿رِجْسٌ مِن عَمَلِ الشَّيْطانِ فاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي الدُّنْيا، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ مِن طَرِيقِ لَيْثٍ، عَنْ عَطاءٍ، وطاوُسٍ، ومُجاهِدٍ، قالُوا: كُلُّ شَيْءٍ فِيهِ قِمارٌ فَهو مِنَ المَيْسِرِ، حَتّى لَعِبُ الصِّبْيانِ بِالكِعابِ والجَوْزِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ أبِي الدُّنْيا، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، أنَّهُ رَأى غِلْمانًا يَتَقامَرُونَ في يَوْمِ عِيدٍ، فَقالَ: لا تَقامَرُوا، فَإنَّ القِمارَ مِنَ المَيْسِرِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ قالَ: ما كانَ مِن لَعِبٍ فِيهِ قِمارٌ، أوْ قِيامٌ، أوْ صِياحً، أوْ شَرٌّ، فَهو مِنَ المَيْسِرِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ شُرَيْحٍ، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «(ثَلاثٌ مِنَ المَيْسِرِ: الصَّفِيرُ بِالحَمّامِ، والقِمارُ، والضَّرْبُ بِالكِعابِ») .
وأخْرَجَ أحْمَدُ، وأبُو داوُدَ، وابْنُ ماجَهْ، وابْنُ أبِي الدُّنْيا، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، (p-٤٧٨)«أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَأى رَجُلًا يَتْبَعُ حَمامَةً فَقالَ: (شَيْطانٌ يَتْبَعُ شَيْطانَةً») .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا، عَنِ الحَسَنِ قالَ: شَهِدْتُ عُثْمانَ وهو يَخْطُبُ، وهو يَأْمُرُ بِذَبْحِ الحَمامِ، وقَتْلِ الكِلابِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا، عَنْ خالِدِ الحَذّاءِ، عَنْ رَجُلٍ يُقالُ لَهُ: أيُّوبُ، قالَ: كانَ مَلاعِبُ آلِ فِرْعَوْنَ الحَمامَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا، عَنْ إبْراهِيمَ قالَ: مَن لَعِبَ بِالحَمامِ الطَّيّارَةِ لَمْ يَمُتْ حَتّى يَذُوقَ ألَمَ الفَقْرِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ قالَ: كانَ مِن مَيْسِرِ أهْلِ الجاهِلِيَّةِ بَيْعُ اللَّحْمِ بِالشّاةِ والشّاتَيْنِ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ في المَيْسِرِ قالَ: كانُوا يَشْتَرُونَ الجَزُورَ، فَيَجْعَلُونَها أجْزاءً، ثُمَّ يَأْخُذُونَ القِداحَ فَيُلْقُونَها، ويُنادى: يا ياسِرَ الجَزُورِ، يا ياسِرَ الجَزُورِ، فَمَن خَرَجَ قَدَحُهُ أخَذَ جُزْءًا بِغَيْرِ شَيْءٍ، ومَن لَمْ (p-٤٧٩)يَخْرُجْ قَدَحُهُ غَرِمَ، ولَمْ يَأْخُذْ شَيْئًا.
وأخْرَجَ البُخارِيُّ في (الأدَبِ المُفْرَدِ) عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أنَّهُ كانَ يُقالُ: أيْنَ أيْسارُ الجَزُورِ؟ فَيَجْتَمِعُ العَشَرَةُ فَيَشْتَرُونَ الجَزُورَ بِعَشَرَةِ فُصْلانٍ إلى الفِصالِ، فَيُجِيلُونَ السِّهامَ فَتَصِيرُ بِتِسْعَةٍ، حَتّى تَصِيرَ إلى واحِدٍ، ويَغْرَمُ الآخَرُونَ فَصِيلًا فَصِيلًا إلى الفِصالِ، فَهو المَيْسِرُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الأنْصابُ حِجارَةٌ كانُوا يَذْبَحُونَ لَها، والأزْلامُ قِداحٌ كانُوا يَقْتَسِمُونَ بِها الأُمُورَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: كانَتْ لَهم حَصَياتٌ، إذا أرادَ أحَدُهم أنْ يَغْزُوَ أوْ يَجْلِسَ اسْتَقْسَمَ بِها.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿والأزْلامُ﴾ قالَ: هي كِعابُ فارِسَ الَّتِي يَقْتَمِرُونَ بِها، وسِهامُ العَرَبِ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ وهْرامٍ قالَ: سَألْتُ طاوُسًا عَنِ الأزْلامِ فَقالَ: كانُوا في الجاهِلِيَّةِ لَهم قِداحٌ يَضْرِبُونَ بِها، بِها قَدَحٌ مُعَلَّمٌ يَتَطَيَّرُونَ مِنهُ، فَإذا ضَرَبُوا بِها حِينَ يُرِيدُ أحَدُهُمُ الحاجَةَ فَخَرَجَ ذَلِكَ القَدَحُ لَمْ يَخْرُجْ لِحاجَتِهِ، فَإنْ خَرَجَ غَيْرُهُ خَرَجَ لِحاجَتِهِ، وكانَتِ المَرْأةُ إذا أرادَتْ حاجَةً لَها لَمْ تَضْرِبْ بِتِلْكَ القِداحِ، فَذَلِكَ قَوْلُ الشّاعِرِ: (p-٤٨٠)
؎إذا جَدَّدَتْ أُنْثى لِأمْرٍ خِمارَها أتَتْهُ ولَمْ تَضْرِبْ لَهُ بِالمَقاسِمِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، مِن طَرِيقِ عَلِيٍّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ”رِجْسٌ“ قالَ: سُخْطٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ في قَوْلِهِ: ﴿رِجْسٌ﴾ قالَ: إثْمٌ ﴿مِن عَمَلِ الشَّيْطانِ﴾ يَعْنِي: مِن تَزْيِينِ الشَّيْطانِ، ﴿إنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ العَداوَةَ والبَغْضاءَ في الخَمْرِ والمَيْسِرِ﴾ يَعْنِي: حِينَ شَجَّ الأنْصارِيُّ رَأْسَ سَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ، ﴿ويَصُدَّكم عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ فَهَذا وعِيدُ التَّحْرِيمِ، ﴿وأطِيعُوا اللَّهَ وأطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ يَعْنِي: في تَحْرِيمِ الخَمْرِ والمَيْسِرِ والأنْصابِ والأزْلامِ، ﴿فَإنْ تَوَلَّيْتُمْ﴾ يَعْنِي: أعْرَضْتُمْ عَنْ طاعَتِهِما، ﴿فاعْلَمُوا أنَّما عَلى رَسُولِنا﴾ يَعْنِي: مُحَمَّدًا ﷺ، ﴿البَلاغ المُبِين﴾ يَعْنِي: أنْ يُبَيِّنَ تَحْرِيمَ ذَلِكَ.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والطَّبَرانِيُّ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في (شُعَبِ الإيمانِ)، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: لَمّا نَزَلَ تَحْرِيمُ الخَمْرِ قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، فَكَيْفَ بِأصْحابِنا الَّذِينَ ماتُوا وهم يَشْرَبُونَ الخَمْرَ؟ فَنَزَلَتْ: ﴿لَيْسَ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ جُناحٌ﴾ الآيَةَ.
وأخْرَجَ الطَّيالِسِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والتِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ، وابْنُ (p-٤٨١)جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ حِبّانَ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنِ البَراءِ بْنِ عازِبٍ قالَ: «ماتَ ناسٌ مِن أصْحابِ النَّبِيِّ ﷺ وهم يَشْرَبُونَ الخَمْرَ، فَلَمّا نَزَلَ تَحْرِيمُها قالَ أُناسٌ مِن أصْحابِ النَّبِيِّ ﷺ: كَيْفَ بِأصْحابِنا الَّذِينَ ماتُوا وهم يَشْرَبُونَها؟ فَنَزَلَتْ: ﴿لَيْسَ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ جُناحٌ﴾ الآيَةَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنْ أنَسٍ قالَ: «بَيْنا أُدِيرُ الكَأْسَ عَلى أبِي طَلْحَةَ، وأبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الجَرّاحِ، ومُعاذِ بْنِ جَبَلٍ، وسُهَيْلِ بْنِ بَيْضاءَ، وأبِي دُجانَةَ، حَتّى مالَتْ رَؤُوسُهم مِن خَلِيطِ بُسْرٍ وتَمْرٍ، فَسَمِعْنا مُنادِيًا يُنادِي: ألا إنَّ الخَمْرَ قَدْ حُرِّمَتْ، قالَ: فَما دَخَلَ عَلَيْنا داخِلٌ ولا خَرَجَ مِنّا خارِجٌ حَتّى أهْرَقْنا الشَّرابَ، وكَسَرْنا القِلالَ، وتَوَضَّأ بَعْضُنا، واغْتَسَلَ بَعْضُنا، وأصَبْنا مِن طِيبِ أُمِّ سُلَيْمٍ، ثُمَّ خَرَجْنا إلى المَسْجِدِ، وإذا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقْرَأُ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنَّما الخَمْرُ والمَيْسِرُ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿فَهَلْ أنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ فَقالَ رَجُلٌ: يا رَسُولَ اللَّهِ، فَما مَنزِلَةُ مَن ماتَ مِنّا وهو يَشْرَبُها؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿لَيْسَ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا﴾ الآيَةَ» . (p-٤٨٢)وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وأبُو يَعْلى، وابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنْ أنَسٍ قالَ: كُنْتُ ساقِيَ القَوْمِ في مَنزِلِ أبِي طَلْحَةَ، فَنَزَلَ تَحْرِيمُ الخَمْرِ، فَنادى مُنادٍ، فَقالَ أبُو طَلْحَةَ: اخْرُجْ فانْظُرْ، ما هَذا الصَّوْتُ، فَخَرَجْتُ فَقُلْتُ: هَذا مُنادٍ يُنادِي: ألا إنَّ الخَمْرَ قَدْ حُرِّمَتْ، فَقالَ لِي: اذْهَبْ فَأهْرِقْها، قالَ: فَجَرَتْ في سِكَكِ المَدِينَةِ قالَ: وكانَتْ خَمْرُهم يَوْمَئِذٍ الفَضِيخَ، البُسْرَ، والتَّمْرَ، فَقالَ بَعْضُ القَوْمِ: قُتِلَ قَوْمٌ وهي في بُطُونِهِمْ، فَأنْزَلَ اللَّهُ:﴿لَيْسَ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا﴾ الآيَةَ.
* *
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: اصْطَبَحَ ناسٌ الخَمْرَ يَوْمَ أُحُدٍ، ثُمَّ قُتِلُوا شُهَداءَ.
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: «لَمّا نَزَلَ تَحْرِيمُ الخَمْرِ قالَتِ اليَهُودُ: ألَيْسَ إخْوانُكُمُ الَّذِينَ ماتُوا كانُوا يَشْرَبُونَها؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿لَيْسَ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ جُناحٌ﴾ الآيَةَ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: (قِيلَ لِي: أنْتَ مِنهُمْ») .
وأخْرَجَ الدّارَقُطْنِيُّ في (الأفْرادِ)، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: «لَمّا نَزَلَ تَحْرِيمُ الخَمْرِ قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ بِمَن شَرِبَها مِن إخْوانِنا الَّذِينَ ماتُوا (p-٤٨٣)وهِيَ في بُطُونِهِمْ؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿لَيْسَ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا﴾ الآيَةَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ، مِن طَرِيقِ العَوْفِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿لَيْسَ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا﴾ الآيَةَ، يَعْنِي بِذَلِكَ رِجالًا مِن أصْحابِ النَّبِيِّ ﷺ ماتُوا وهم يَشْرَبُونَ الخَمْرَ قَبْلَ أنْ تُحَرَّمَ الخَمْرُ، فَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهِمْ فِيها جُناحٌ قَبْلَ أنْ تُحَرَّمَ، فَلَمّا حُرِّمَتْ قالُوا: كَيْفَ تَكُونُ عَلَيْنا حَرامًا وقَدْ ماتَ إخْوانُنا، وهم يَشْرَبُونَها؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿لَيْسَ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا﴾ يَقُولُ: لَيْسَ عَلَيْهِمْ حَرَجٌ فِيما كانُوا يَشْرَبُونَ قَبْلَ أنْ أُحَرِّمَها، إذْ كانُوا مُحْسِنِينَ مُتَّقِينَ، ﴿واللَّهُ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: نَزَلَتْ: ﴿لَيْسَ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا﴾ في مَن كانَ يَشْرَبُها مِمَّنْ قُتِلَ بِبَدْرٍ وأُحُدٍ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ قَتادَةَ قالَ: لَمّا أنْزَلَ اللَّهُ تَحْرِيمَ الخَمْرِ في سُورَةِ المائِدَةِ بَعْدَ سُورَةِ الأحْزابِ قالَ في ذَلِكَ رِجالٌ مِن أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: أُصِيبَ فُلانٌ يَوْمَ بَدْرٍ، وفُلانٌ يَوْمَ أُحُدٍ، وهم يَشْرَبُونَها، فَنَحْنُ نَشْهَدُ أنَّهم مِن أهْلِ الجَنَّةِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿لَيْسَ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا إذا ما اتَّقَوْا وآمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وأحْسَنُوا واللَّهُ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ﴾ يَقُولُ: شَرِبَها القَوْمُ عَلى تَقْوى مِنَ اللَّهِ وإحْسانٍ، وهي لَهم يَوْمَئِذٍ حَلالٌ، ثُمَّ حُرِّمَتْ بَعْدَهُمْ، فَلا جُناحَ عَلَيْهِمْ في ذَلِكَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، مِن طَرِيقِ عَلِيٍّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿لَيْسَ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ جُناحٌ﴾ قالَ: قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، ما نَقُولُ لِإخْوانِنا الَّذِينَ مَضَوْا، كانُوا يَشْرَبُونَ الخَمْرَ، ويَأْكُلُونَ المَيْسِرَ؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿لَيْسَ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا﴾ مِنَ الحَرامِ قَبْلَ أنْ يُحَرَّمَ عَلَيْهِمْ، إذا ما اتَّقَوْا وأحْسَنُوا بَعْدَما حُرِّمَ عَلَيْهِمْ، وهو قَوْلُهُ: ﴿فَمَن جاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِن رَبِّهِ فانْتَهى فَلَهُ ما سَلَفَ﴾ [البقرة: ٢٧٥] [البَقَرَةِ: ٢٧٥] .
وأخْرَجَ مُسْلِمٌ، والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ: ﴿لَيْسَ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا﴾ الآيَةَ، قالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (قِيلَ لِي: أنْتَ مِنهُمْ») .
وأخْرَجَ الدِّينَوَرِيُّ في (المُجالَسَةِ)، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ، في (الحِلْيَةِ)، عَنْ ثابِتِ بْنِ عُبَيْدٍ قالَ: جاءَ رَجُلٌ مِن آلِ حاطِبٍ إلى عَلِيٍّ، فَقالَ: (p-٤٨٥)يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ، إنِّي أرْجِعُ إلى المَدِينَةِ، وإنَّهم سائِلِيَّ عَنْ عُثْمانَ، فَماذا أقُولُ لَهُمْ؟ قالَ: (أخْبِرْهم أنَّ عُثْمانَ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ، ثُمَّ اتَّقَوْا وآمَنُوا، ثُمَّ اتَّقَوْا وأحْسَنُوا، واللَّهُ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ) .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، مِن طَرِيقِ عَطاءِ بْنِ السّائِبِ، عَنْ مُحارِبِ بْنِ دِثارٍ، أنَّ ناسًا مِن أصْحابِ النَّبِيِّ ﷺ شَرِبُوا الخَمْرَ بِالشّامِ، فَقالَ لَهم يَزِيدُ بْنُ أبِي سُفْيانَ: شَرِبْتُمُ الخَمْرَ؟ فَقالُوا: نَعَمْ، يَقُولُ اللَّهُ: ﴿لَيْسَ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا﴾ حَتّى فَرَغُوا مِنَ الآيَةِ، فَكَتَبَ فِيهِمْ إلى عُمَرَ، فَكَتَبَ إلَيْهِ: إنْ أتاكَ كِتابِي هَذا نَهارًا فَلا تَنْتَظِرْ بِهِمُ اللَّيْلَ، وإنْ أتاكَ لَيْلًا فَلا تَنْتَظِرْ بِهِمُ النَّهارَ، حَتّى تَبْعَثَ بِهِمْ إلَيَّ، لا يَفْتِنُوا عِبادَ اللَّهِ، فَبَعَثَ بِهِمْ إلى عُمَرَ، فَلَمّا قَدِمُوا عَلى عُمَرَ قالَ: شَرِبْتُمُ الخَمْرَ؟ قالُوا: نَعَمْ، فَتَلا عَلَيْهِمْ: ﴿إنَّما الخَمْرُ والمَيْسِرُ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ، قالُوا: اقْرَإ الَّتِي بَعْدَها: ﴿لَيْسَ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا﴾ قالَ: فَشاوَرَ فِيهِمُ النّاسَ، فَقالَ لَعَلِيٍّ: ما تَرى؟ قالَ: أرى أنَّهم شَرَعُوا في دِينِ اللَّهِ ما لَمْ يَأْذَنِ اللَّهُ فِيهِ، فَإنْ زَعَمُوا أنَّها حَلالٌ فاقْتُلْهُمْ، فَقَدْ أحَلُّوا ما حَرَّمَ اللَّهُ، وإنْ زَعَمُوا أنَّها حَرامٌ فاجْلِدْهم ثَمانِينَ ثَمانِينَ، فَقْدِ افْتَرَوْا عَلى اللَّهِ الكَذِبَ، وقَدْ أخْبَرَنا اللَّهُ بِحَدِّ ما يَفْتَرِي بِهِ (p-٤٨٦)بَعْضُنا عَلى بَعْضٍ، قالَ: فَجَلَدَهم ثَمانِينَ ثَمانِينَ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في (شُعَبِ الإيمانِ) عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «(إنَّ اللَّهَ لَعَنَ الخَمْرَ، ولَعَنَ غارِسَها، ولَعَنَ شارِبَها، ولَعَنَ عاصِرَها، ولَعَنَ مُؤْوِيَها، ولَعَنَ مُدِيرَها، ولَعَنَ ساقِيَها، ولَعَنَ حامِلَها، ولَعَنَ آكِلَ ثَمَنِها، ولَعَنَ بائِعَها») .
وأخْرَجَ وكِيعٌ، والبُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «(مَن شَرِبَ الخَمْرَ في الدُّنْيا لَمْ يَشْرَبْها في الآخِرَةِ، إلّا أنْ يَتُوبَ») .
وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في (الشُّعَبِ)، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «(مَن شَرِبَ الخَمْرَ في الدُّنْيا ولَمْ يَتُبْ، لَمْ يَشْرَبْها في الآخِرَةِ، وإنْ أُدْخِلَ الجَنَّةَ») .
وأخْرَجَ مُسْلِمٌ، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، «أنَّ رَجُلًا قَدِمَ مِنَ اليَمَنِ فَسَألَ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ شَرابٍ يَشْرَبُونَهُ بِأرْضِهِمْ مِنَ الذُّرَةِ يُقالُ لَهُ: المَزْرُ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: (أوَمُسْكِرٌ هُوَ؟)، قالَ: نَعَمْ، قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: كُلُّ مُسْكِرٍ حَرامٌ، إنَّ اللَّهَ عَهِدَ لِمَن يَشْرَبُ المُسْكِرَ أنْ يَسْقِيَهُ مِن طِينَةِ الخَبالِ)، قالُوا: (p-٤٨٧)يا رَسُولَ اللَّهِ، وما طِينَةُ الخَبالِ؟ قالَ: (عَرَقُ أهْلِ النّارِ) أوْ: (عُصارَةُ أهْلِ النّارِ») .
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَمْرٍو، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «(مَن شَرِبَ الخَمْرَ لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلاةٌ أرْبَعِينَ لَيْلَةً، فَإنْ تابَ تابَ اللَّهُ عَلَيْهِ، وإنْ شَرِبَها الثّانِيَةَ لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلاةٌ أرْبَعِينَ لَيْلَةً، فَإنْ تابَ تابَ اللَّهُ عَلَيْهِ، فَإنْ شَرِبَها الثّالِثَةَ لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلاةٌ أرْبَعِينَ لَيْلَةً، فَإنْ تابَ تابَ اللَّهُ عَلَيْهِ، فَإنْ شَرِبَها الرّابِعَةَ لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلاةٌ أرْبَعِينَ لَيْلَةً، فَإنْ تابَ لَمْ يَتُبِ اللَّهُ عَلَيْهِ، وكانَ حَقًّا عَلى اللَّهِ أنْ يَسْقِيَهُ مِن طِينَةِ الخَبالِ)، قِيلَ: وما طِينَةُ الخَبالِ؟ قالَ: (صَدِيدُ أهْلِ النّارِ») .
وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العاصِي: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «(مَن شَرِبَ الخَمْرَ شَرْبَةً لَمْ تُقْبَلْ صَلاتُهُ أرْبَعِينَ صَباحًا، فَإنْ تابَ تابَ اللَّهُ عَلَيْهِ، فَإنْ عادَ لَمْ تُقْبَلْ تَوْبَتُهُ أرْبَعِينَ صَباحًا)، فَلا أدْرِي أفِي الثّالِثَةِ أوْ في الرّابِعَةِ قالَ: (فَإنْ عادَ كانَ حَقًّا عَلى اللَّهِ أنْ يَسْقِيَهُ مِن رَدْغَةِ الخَبالِ يَوْمَ القِيامَةِ») . (p-٤٨٨)وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قالَ: «(مَن تَرَكَ الصَّلاةَ سُكْرًا مَرَّةً واحِدَةً، فَكَأنَّما كانَتْ لَهُ الدُّنْيا وما عَلَيْها فَسُلِبَها، ومَن تَرَكَ الصَّلاةَ سُكْرًا أرْبَعَ مَرّاتٍ كانَ حَقًّا عَلى اللَّهِ أنْ يَسْقِيَهُ مِن طِينَةِ الخَبالِ)، قِيلَ: وما طِينَةُ الخَبالِ يا رَسُولَ اللَّهِ؟ قالَ: (عُصارَةُ أهْلِ النّارِ») .
وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَعَنَ الخَمْرَ، وعاصِرَها، ومُعْتَصِرَها، وبائِعَها، ومُبْتاعَها، وحامِلَها، والمَحْمُولَةَ إلَيْهِ، وساقِيَها، وشارِبَها، وآكِلَ ثَمَنِها» .
وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «(أتانِي جِبْرِيلُ فَقالَ: يا مُحَمَّدُ، إنَّ اللَّهَ لَعَنَ الخَمْرَ، وعاصِرَها، ومُعْتَصِرَها، وشارِبَها، وحامِلَها، والمَحْمُولَةَ إلَيْهِ، وبائِعَها، وساقِيَها، ومُسْقِيَها») .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ عُثْمانَ، سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «(اجْتَنِبُوا أُمَّ الخَبائِثِ، فَإنَّهُ كانَ رَجُلٌ في مَن كانَ قَبْلَكم يَتَعَبَّدُ ويَعْتَزِلُ النِّساءَ، فَعَلِقَتْهُ امْرَأةٌ غاوِيَةٌ، فَأرْسَلَتْ إلَيْهِ خادِمَها، فَقالَتْ: إنّا نَدْعُوكَ لِشَهادَةٍ، (p-٤٨٩)فَدَخَلَ، فَطَفِقَتْ كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها بابًا أغْلَقَتْهُ دُونَهُ، حَتّى أفْضى إلى امْرَأةٍ وضِيئَةٍ جالِسَةٍ، عِنْدَها غُلامٌ، وباطِيَةٌ فِيها خَمْرٌ، فَقالَتْ: أنا لَمْ أدْعُكَ لِشَهادَةٍ، ولَكِنْ دَعَوْتُكَ لِتَقْتُلَ هَذا الغُلامَ، أوْ تَقَعَ عَلَيَّ، أوْ تَشْرَبَ كَأْسًا مِن هَذا الخَمْرِ، فَإنْ أبَيْتَ صِحْتُ، وفَضَحْتُكَ، فَلَمّا رَأى أنَّهُ لا بُدَّ مِن ذَلِكَ قالَ: اسْقِينِي كَأْسًا مِن هَذا الخَمْرِ، فَسَقَتْهُ كَأْسًا مِنَ الخَمْرِ، ثُمَّ قالَ: زِيدِينِي، فَلَمْ يَرِمْ حَتّى وقَعَ عَلَيْها، وقَتَلَ النَّفْسَ، فاجْتَنِبُوا الخَمْرَ، فَإنَّهُ - واللَّهِ - لا يَجْتَمِعُ الإيمانُ وإدْمانُ الخَمْرِ في صَدْرِ رَجُلٍ أبَدًا، لَيُوشِكَنَّ أحَدُهُما أنْ يُخْرِجَ صاحِبَهُ») .
وأخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزّاقِ في (المُصَنَّفِ) عَنْ عُثْمانَ مَوْقُوفًا.
وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «(اجْتَنِبُوا الخَمْرَ، فَإنَّها مِفْتاحُ كُلِّ شَرٍّ») .
وأخْرَجَ ابْنُ ماجَهْ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ عَنْ أبِي الدَّرْداءِ قالَ: «أوْصانِي خَلِيلِي أبُو القاسِمِ ﷺ: (ألّا تُشْرِكَ بِاللَّهِ شَيْئًا، وإنْ قُطِّعْتَ أوْ حُرِّقْتَ، ولا (p-٤٩٠)تَتْرُكْ صَلاةً مَكْتُوبَةً مُتَعَمِّدًا، فَمَن تَرَكَها مُتَعَمِّدًا بَرِئَتْ مِنهُ الذِّمَّةُ، وألّا تَشْرَبَ الخَمْرَ فَإنَّها مِفْتاحُ كُلِّ شَرٍّ») .
وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ، عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «(إنَّ اللَّهَ تَبارَكَ وتَعالى بَنى الفِرْدَوْسَ بِيَدِهِ، وحَظَرَهُ عَلى كُلِّ مُشْرِكٍ، وكُلِّ مُدْمِنِ الخَمْرِ سِكِّيرٍ») .
وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ، عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «(ثَلاثَةٌ لا تُقْبَلُ لَهم صَلاةٌ، ولا يُرْفَعُ لَهم إلى السَّماءِ عَمَلٌ، العَبْدُ الآبِقُ مِن مَوالِيهِ حَتّى يَرْجِعَ فَيَضَعَ يَدَهُ في أيْدِيهِمْ، والمَرْأةُ السّاخِطُ عَلَيْها زَوْجُها حَتّى يَرْضى، والسَّكْرانُ حَتّى يَصْحُوَ») .
وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ، عَنْ عَلِيٍّ، قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «(لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ عاقٌّ، ولا مُدْمِنُ خَمْرٍ»)
وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: «نَهى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنْ يُقْعَدَ عَلى مائِدَةٍ يُشْرَبُ عَلَيْها الخَمْرُ» .
وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ، عَنْ جابِرٍ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قالَ: «(مَن كانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ (p-٤٩١)واليَوْمِ الآخِرِ، فَلا يُدْخِلْ حَلِيلَتَهُ الحَمّامَ، ومَن كانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ، فَلا يَدْخُلِ الحَمّامَ إلّا بِمِئْزَرٍ، ومَن كانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ، فَلا يَجْلِسْ عَلى مائِدَةٍ يُدارُ عَلَيْها الخَمْرُ») .
وأخْرَجَ البُخارِيُّ في (التّارِيخِ)، والبَيْهَقِيُّ مِن طَرِيقِ سُهَيْلِ بْنِ أبِي صالِحٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أبِيهِ، «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: (مَن لَقِيَ اللَّهَ وهو مُدْمِنُ خَمْرٍ لَقِيَهُ كَعابِدِ وثَنٍ») .
وأخْرَجَ البُخارِيُّ في (التّارِيخِ)، والبَيْهَقِيُّ، مِن طَرِيقِ سُهَيْلٍ، عَنْ أبِيهِ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا مِثْلَهُ، وقالَ البُخارِيُّ: ولا يَصِحُّ حَدِيثُ أبِي هُرَيْرَةَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «(مَن ماتَ (p-٤٩٢)مُدْمِنَ خَمْرٍ لَقِيَ اللَّهَ وهو كَعابِدِ وثَنٍ») .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا، والبَيْهَقِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «(مَن شَرِبَ شَرابًا يَذْهَبُ بِعَقْلِهِ فَقَدْ أتى بابًا مِن أبْوابِ الكَبائِرِ») .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قالَ: لَأنْ أزْنِيَ أحَبُّ إلَيَّ مِن أنْ أسْكَرَ، ولَأنْ أسْرِقَ أحَبُّ إلَيَّ مِن أنْ أسْكَرَ، لِأنَّ السَّكْرانَ يَأْتِي عَلَيْهِ ساعَةٌ لا يَعْرِفُ فِيها رَبَّهُ.
وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «(مَن لَبِسَ الحَرِيرَ في الدُّنْيا لَمْ يَلْبَسْهُ في الآخِرَةِ، ومَن شَرِبَ الخَمْرَ في الدُّنْيا لَمْ يَشْرَبْهُ في الآخِرَةِ، ومَن شَرِبَ في آنِيَةِ الذَّهَبِ والفِضَّةِ لَمْ يَشْرَبْ بِها في الآخِرَةِ)، ثُمَّ قالَ: (لِباسُ أهْلِ الجَنَّةِ، وشَرابُ أهْلِ الجَنَّةِ، وآنِيَةُ أهْلِ الجَنَّةِ») .
وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ، عَنْ أبِي مُوسى، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «(ثَلاثَةٌ لا يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ، مُدْمِنُ خَمْرٍ، وقاطِعُ الرَّحِمِ، ومُصَدِّقٌ بِالسِّحْرِ، ومَن ماتَ مُدْمِنَ الخَمْرِ سَقاهُ اللَّهُ مِن نَهْرِ الغُوطَةِ)، قِيلَ: وما نَهْرُ الغُوطَةِ؟ قالَ: (نَهْرٌ يَخْرُجُ مِن فُرُوجِ المُومِساتِ، يُؤْذِي أهْلَ النّارِ رِيحُ فُرُوجِهِمْ») . (p-٤٩٣)وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ: «أنَّ أبا بَكْرٍ وعُمَرَ وناسًا جَلَسُوا بَعْدَ وفاةِ النَّبِيِّ ﷺ فَذَكَرُوا أعْظَمَ الكَبائِرِ، فَلَمْ يَكُنْ عِنْدَهم فِيها عِلْمٌ، فَأرْسَلُونِي إلى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو أسْألُهُ، فَأخْبَرَنِي أنَّ أعْظَمَ الكَبائِرِ شُرْبَ الخَمْرِ، فَأتَيْتُهم فَأخْبَرْتُهُمْ، فَأنْكَرُوا ذَلِكَ، ووَثَبُوا جَمِيعًا، حَتّى أتَوْهُ في دارِهِ، فَأخْبَرَهم أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: (إنَّ مَلِكًا مِن مُلُوكِ بَنِي إسْرائِيلَ أخَذَ رَجُلًا فَخَيَّرَهُ بَيْنَ أنْ يَشْرَبَ الخَمْرَ، أوْ يَقْتُلَ نَفْسًا، أوْ يَزْنِيَ، أوْ يَأْكُلَ لَحْمَ خِنْزِيرٍ، أوْ يَقْتُلُوهُ، فاخْتارَ الخَمْرَ، وإنَّهُ لَمّا شَرِبَهُ لَمْ يَمْتَنِعْ مِن شَيْءٍ أرادُوهُ مِنهُ)، وأنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: (ما مِن أحَدٍ يَشْرَبُها فَتُقْبَلَ لَهُ صَلاةٌ أرْبَعِينَ لَيْلَةً، ولا يَمُوتُ وفي مَثانَتِهِ مِنهُ شَيْءٌ إلّا حُرِّمَتْ عَلَيْهِ بِها الجَنَّةُ، فَإنْ ماتَ في أرْبَعِينَ لَيْلَةً ماتَ مِيتَةً جاهِلِيَّةً») .
وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ، عَنْ أبِي مُسْلِمٍ الخَوْلانِيِّ، أنَّهُ حَجَّ فَدَخَلَ عَلى عائِشَةَ، فَجَعَلَتْ تَسْألُهُ عَنِ الشّامِ، وعَنْ بَرْدِها، فَجَعَلَ يُخْبِرُها، فَقالَتْ: كَيْفَ تَصْبِرُونَ عَلى بَرْدِها؟ قالَ: يا أُمَّ المُؤْمِنِينَ، إنَّهم يَشْرَبُونَ شَرابًا لَهم يُقالُ لَهُ: الطِّلاءُ، قالَتْ: صَدَقَ اللَّهُ وبَلَّغَ حِبِّي ﷺ، سَمِعْتُهُ يَقُولُ: «(إنَّ ناسًا مِن أُمَّتِي يَشْرَبُونَ الخَمْرَ، يُسَمُّونَها بِغَيْرِ اسْمِها») .
وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في (الشُّعَبِ) عَنْ أنَسٍ، أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «(بَعَثَنِي اللَّهُ رَحْمَةً وهُدًى لِلْعالَمِينَ، وبَعَثَنِي بِمَحْقِ المَعازِفِ، والمَزامِيرِ، وأمْرِ الجاهِلِيَّةِ) ثُمَّ (p-٤٩٤)قالَ: (مَن شَرِبَ خَمْرًا في الدُّنْيا سَقاهُ اللَّهُ كَما شَرِبَ مِنهُ مِن حَمِيمِ جَهَنَّمَ، مُعَذَّبٌ بَعْدُ، أوْ مَغْفُورٌ لَهُ») .
وأخْرَجَ أحْمَدُ، وابْنُ أبِي الدُّنْيا، في (ذَمِّ المَلاهِي)، والطَّبَرانِيُّ، عَنْ أبِي أُمامَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «(إنَّ اللَّهَ بَعَثَنِي رَحْمَةً وهُدًى لِلْعالَمِينَ، بَعَثَنِي لِأمْحَقَ المَعازِفَ، والمَزامِيرَ، وأمْرَ الجاهِلِيَّةِ والأوْثانَ، وحَلَفَ رَبِّي عَزَّ وجَلَّ بِعِزَّتِهِ لا يَشْرَبُ الخَمْرَ أحَدٌ في الدُّنْيا إلّا سَقاهُ اللَّهُ مِثْلَها مِنَ الحَمِيمِ يَوْمَ القِيامَةِ، مَغْفُورٌ لَهُ، أوْ مُعَذَّبٌ، ولا يَدَعُها أحَدٌ في الدُّنْيا إلّا سَقَيْتُهُ إيّاها في حَظِيرَةِ القُدْسِ حَتّى تَقْنَعَ نَفْسُهُ») .
وأخْرَجَ الحاكِمُ عَنْ ثَوْبانَ قالَ: قالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «(إذا حَلَفْتَ عَلى مَعْصِيَةٍ فَدَعْها، واقْذِفْ ضَغائِنَ الجاهِلِيَّةِ تَحْتَ قَدَمَيْكَ، وإيّاكَ وشُرْبَ الخَمْرِ، فَإنَّ اللَّهَ لَمْ يُقَدِّسْ شارِبَها») .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا في كِتابِ (ذَمِّ المَلاهِي)، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السّاعِدِيِّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «(يَكُونُ في أُمَّتِي خَسْفٌ، وقَذْفٌ، ومَسْخٌ)، قِيلَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، مَتى؟ قالَ: (إذا ظَهَرَتِ المَعازِفُ (p-٤٩٥)والقَيْناتُ، واسْتُحِلَّتِ الخَمْرُ») . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا، عَنْ عِمْرانَ بْنِ حُصَيْنٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «(يَكُونُ في أُمَّتِي قَذْفٌ ومَسْخٌ وخَسْفٌ)، قِيلَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، ومَتى ذَلِكَ؟ قالَ: (إذا ظَهَرَتِ المَعازِفُ، وكَثُرَتِ القَيْناتُ، وشُرِبَتِ الخُمُورُ») .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا، عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (يَكُونُ في أُمَّتِي خَسْفٌ ومَسْخٌ وقَذْفٌ)، قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، وهم يَقُولُونَ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ؟ قالَ: (إذا ظَهَرَتِ القَيْناتُ، وظَهَرَ الزِّنا، وشُرِبَ الخَمْرُ، ولُبِسَ الحَرِيرُ، كانَ ذا عِنْدَ ذا») .
وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ، وابْنُ أبِي الدُّنْيا، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «(إذا عَمِلَتْ أُمَّتِي خَمْسَ عَشْرَةَ خَصْلَةً حَلَّ بِها البَلاءُ)، قِيلَ: وما هي يا رَسُولَ اللَّهِ؟ قالَ: (إذا كانَ المَغْنَمُ دُوَلًا، والأمانَةُ مَغْنَمًا، والزَّكاةُ مَغْرَمًا، وأطاعَ الرَّجُلُ زَوْجَتَهُ وعَقَّ أُمَّهُ، وبَرَّ صَدِيقَهُ وجَفا أباهُ، وارْتَفَعَتِ الأصْواتُ في المَساجِدِ، وكانَ زَعِيمُ القَوْمِ أرْذَلَهُمْ، وأُكْرِمَ الرَّجُلُ مَخافَةَ شَرِّهِ، (p-٤٩٦)وشُرِبَتِ الخُمُورُ، ولُبِسَ الحَرِيرُ، واتَّخَذُوا القِيانَ والمَعازِفَ، ولَعَنَ آخِرُ هَذِهِ الأُمَّةِ أوَّلَها، فَلْيَرْتَقِبُوا عِنْدَ ذَلِكَ ثَلاثًا: رِيحًا حَمْراءَ، وخَسْفًا، ومَسْخًا») .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «(تُمْسَخُ طائِفَةٌ مِن أُمَّتِي قِرَدَةً، وطائِفَةٌ خَنازِيرَ، ويُخْسَفُ بِطائِفَةٍ، ويُرْسَلُ عَلى طائِفَةٍ الرِّيحُ العَقِيمُ، بِأنَّهم شَرِبُوا الخَمْرَ، ولَبِسُوا الحَرِيرَ، واتَّخَذُوا القِيانَ، وضَرَبُوا بِالدُّفُوفِ») .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا، عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «(لَيَكُونَنَّ في هَذِهِ الأُمَّةِ خَسْفٌ وقَذْفٌ ومَسْخٌ، وذَلِكَ إذا شَرِبُوا الخَمْرَ، واتَّخَذُوا القَيْناتِ، وضَرَبُوا بِالمَعازِفِ») .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «(يُمْسَخُ قَوْمٌ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ في آخِرِ الزَّمانِ قِرَدَةً وخَنازِيرَ)، قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، ألَيْسَ يَشْهَدُونَ أنَّ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وأنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ؟ قالَ: (بَلى، ويَصُومُونَ، ويُصَلُّونَ، ويَحُجُّونَ)، قالَ: فَما بالُهُمْ؟ قالَ: (اتَّخَذُوا المَعازِفَ، والدُّفُوفَ، والقَيْناتِ، فَباتُوا عَلى شُرْبِهِمْ، ولَهْوِهِمْ، فَأصْبَحُوا قَدْ مُسِخُوا قِرَدَةً وخَنازِيرَ») .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ أبِي الدُّنْيا، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سابِطٍ قالَ: (p-٤٩٧)قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «(يَكُونُ في أُمَّتِي خَسْفٌ، وقَذْفٌ ومَسْخٌ)، قالُوا: مَتى ذَلِكَ يا رَسُولَ اللَّهِ؟ قالَ: (إذا أظْهَرُوا المَعازِفَ، واسْتَحَلُّوا الخُمُورَ، ولُبِسَ الحَرِيرُ») .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا، عَنِ الغازِي بْنِ رَبِيعَةَ، رَفَعَ الحَدِيثَ قالَ: «(لَيُمْسَخَنَّ قَوْمٌ وهم عَلى أرِيكَتِهِمْ قِرَدَةً وخَنازِيرَ، بِشُرْبِهِمُ الخَمْرَ، وضَرْبِهِمْ بِالبَرابِطِ والقِيانِ») .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا، عَنْ صالِحِ بْنِ خالِدٍ، رَفَعَ ذَلِكَ إلى النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «(لَيَسْتَحِلَّنَّ ناسٌ مِن أُمَّتِي الحَرِيرَ، والخَمْرَ، والمَعازِفَ، ولَيَأْتِيَنَّ اللَّهُ عَلى أهْلِ حاضِرَتِهِمْ بِجَبَلٍ عَظِيمٍ حَتّى يَنْبِذَهُ عَلَيْهِمْ، ويُمْسَخُ آخَرُونَ قِرَدَةً وخَنازِيرَ») .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا، عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «(لَيَبِيتَنَّ رِجالٌ عَلى أكْلٍ وشُرْبٍ وعَزْفٍ، يُصْبِحُونَ عَلى أرائِكِهِمْ مَمْسُوخِينَ قِرَدَةً وخَنازِيرَ») .
وأخْرَجَ ابْنُ عَدِيٍّ، والحاكِمُ، والبَيْهَقِيُّ في (الشُّعَبِ) وضَعَّفَهُ، عَنْ أبِي (p-٤٩٨)هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «(والَّذِي بَعَثَنِي بِالحَقِّ لا تَنْقَضِي هَذِهِ الدُّنْيا حَتّى يَقَعَ بِهِمُ الخَسْفُ والمَسْخُ والقَذْفُ)، قالُوا: ومَتى ذاكَ يا رَسُولَ اللَّهِ؟ قالَ: (إذا رَأيْتُمُ النِّساءَ رَكِبْنَ السُّرُوجَ، وكَثُرَتِ المَعازِفُ، وفَشَتْ شَهاداتُ الزُّورِ، وشُرِبَتِ الخَمْرُ لا يُسْتَخْفى بِهِ، وشَرِبَتِ المُصَلُّونَ في آنِيَةِ أهْلِ الشِّرْكِ مِنَ الذَّهَبِ والفِضَّةِ، واسْتَغْنى النِّساءُ بِالنِّساءِ، والرِّجالُ بِالرِّجالِ، فَإذا رَأيْتُمْ ذَلِكَ فاسْتَدْفِرُوا، واسْتَعِدُّوا، واتَّقُوا القَذْفَ مِنَ السَّماءِ») .
وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ وضَعَّفَهُ عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «(إذا اسْتَعْمَلَتْ أُمَّتِي خَمْسًا فَعَلَيْهِمُ الدَّمارُ: إذا ظَهَرَ فِيهِمُ التَّلاعُنُ، ولُبِسَ الحَرِيرُ، واتَّخَذُوا القَيْناتِ، وشَرِبُوا الخَمْرَ، واكْتَفى الرِّجالُ بِالرِّجالِ، والنِّساءُ بِالنِّساءِ») .
وأخْرَجَ أحْمَدُ، وابْنُ أبِي الدُّنْيا، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ أبِي أُمامَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «(يَبِيتُ قَوْمٌ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ عَلى طُعْمٍ وشُرْبٍ، ولَهْوٍ ولَعِبٍ، فَيُصْبِحُوا وقَدْ مُسِخُوا قِرَدَةً وخَنازِيرَ، ولَيُصِيبَنَّهم خَسْفٌ وقَذْفٌ حَتّى يُصْبِحَ النّاسُ فَيَقُولُونَ: قَدْ خُسِفَ اللَّيْلَةَ بِبَنِي فُلانٍ، وخُسِفَ اللَّيْلَةَ بِدارِ فُلانٍ، ولَيُرْسِلَنَّ عَلَيْهِمْ حاصِبًا مِنَ السَّماءِ، كَما أُرْسِلَتْ عَلى (p-٤٩٩)قَوْمِ لُوطٍ، عَلى قَبائِلَ فِيها، وعَلى دُورٍ، ولَيُرْسِلَنَّ عَلَيْهِمُ الرِّيحَ العَقِيمَ الَّتِي أهْلَكَتْ عادًا، عَلى قَبائِلَ فِيها، وعَلى دُورٍ، بِشُرْبِهِمُ الخَمْرَ، ولُبْسِهِمُ الحَرِيرَ، واتِّخاذِهِمُ القَيْناتِ، وأكْلِهِمُ الرِّبا، وقَطِيعَتِهِمُ الرَّحِمَ») .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأبُو داوُدَ، وابْنُ ماجَهْ، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ أبِي مالِكٍ الأشْعَرِيِّ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «(لَيَشْرَبَنَّ ناسٌ مِن أُمَّتِي الخَمْرَ يُسَمُّونَها بِغَيْرِ اسْمِها، ويُضْرَبُ عَلى رُؤُوسِهِمُ المَعازِفُ، والمُغَنِّياتُ، يَخْسِفُ اللَّهُ بِهِمُ الأرْضَ، ويَجْعَلُ مِنهُمُ القِرَدَةَ والخَنازِيرَ») .
وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ، عَنْ مُعاذٍ، وأبِي عُبَيْدَةَ، قالا: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «(إنَّ هَذا الأمْرَ بَدَأ رَحْمَةً ونُبُوَّةً، ثُمَّ يَكُونُ رَحْمَةً وخِلافَةً، ثُمَّ كائِنٌ مُلْكًا عَضُوضًا، ثُمَّ كائِنٌ عُتُوًّا وجَبْرِيَّةً وفَسادًا في الأرْضِ، يَسْتَحِلُّونَ الحَرِيرَ والخُمُورَ والفُرُوجَ، يُرْزَقُونَ عَلى ذَلِكَ ويُنْصَرُونَ، حَتّى يَلْقَوُا اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ») . (p-٥٠٠)وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ، عَنْ أبِي مُوسى قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «(مَن حَبَسَ العِنَبَ أيّامَ قِطافِهِ حَتّى يَبِيعَهُ مِن يَهُودِيٍّ أوْ نَصْرانِيٍّ، أوْ مِمَّنْ يَعْلَمُ أنَّهُ يُتَّخَذُ خَمْرًا، فَقَدْ تَقَدَّمَ في النّارِ عَلى بَصِيرَةٍ») .
وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أنَّهُ كانَ يَكْرَهُ أنْ تُسْقى البَهائِمُ الخَمْرَ.
وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ، عَنْ عائِشَةَ: أنَّها كانَتْ تَنْهى النِّساءَ أنْ يَمْتَشِطْنَ بِالخَمْرِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وأحْمَدُ، وأبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ ماجَهْ، عَنْ مُعاوِيَةَ بْنِ أبِي سُفْيانَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «(مَن شَرِبَ الخَمْرَ فاجْلِدُوهُ)، قالَها ثَلاثًا، قالَ: (فَإنْ شَرِبَها الرّابِعَةَ فاقْتُلُوهُ») .
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، عَنْ أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ، «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ حِينَ بَعَثَهُ إلى اليَمَنِ سَألَهُ قالَ: إنَّ قَوْمِي يَصْنَعُونَ شَرابًا مِنَ الذُّرَةِ يُقالُ لَهُ: المَزْرُ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: (أيُسْكِرُ؟) قالَ: نَعَمْ، قالَ: (فانْهَهم عَنْهُ)، قالَ: نَهَيْتُهم ولَمْ يَنْتَهُوا، قالَ: (فَمَن لَمْ يَنْتَهِ في الثّالِثَةِ مِنهم فاقْتُلْهُ») .
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، عَنْ مَكْحُولٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «(مَن شَرِبَ (p-٥٠١)الخَمْرَ فاضْرِبُوهُ)، ثُمَّ قالَ في الرّابِعَةِ: (مَن شَرِبَ الخَمْرَ فاقْتُلُوهُ») .
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «(إذا شَرِبُوا فاجْلِدُوهُمْ، قالَها ثَلاثًا، فَإذا شَرِبُوا الرّابِعَةَ فاقْتُلُوهُمْ)، قالَ مَعْمَرٌ: فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِابْنِ المُنْكَدِرِ، فَقالَ: قَدْ تُرِكَ القَتْلُ، قَدْ أُتِيَ النَّبِيُّ ﷺ بِابْنِ النُّعَيْمانِ فَجَلَدَهُ، ثُمَّ أُتِيَ بِهِ فَجَلَدَهُ، ثُمَّ أُتِيَ بِهِ فَجَلَدَهُ، ثُمَّ أُتِيَ بِهِ فَجَلَدَهُ الرّابِعَةَ أوْ أكْثَرَ» .
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «(إذا شَرِبُوا فاجْلِدُوهُمْ، ثُمَّ إذا شَرِبُوا فاجْلِدُوهُمْ، ثُمَّ إذا شَرِبُوا فاجْلِدُوهُمْ، ثُمَّ إذا شَرِبُوا فاقْتُلُوهُمْ)، ثُمَّ قالَ: (إنَّ اللَّهَ قَدْ وضَعَ عَنْهُمُ القَتْلَ، فَإذا شَرِبُوا فاجْلِدُوهُمْ، ثُمَّ إذا شَرِبُوا فاجْلِدُوهُمْ)، ذَكَرَها أرْبَعَ مَرّاتٍ» .
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينارٍ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «(مَن شَرِبَ الخَمْرَ فَحُدُّوهُ، فَإنْ شَرِبَ الثّانِيَةَ فَحُدُّوهُ، فَإنْ شَرِبَ الثّالِثَةَ فَحُدُّوهُ، فَإنْ شَرِبَ الرّابِعَةَ فاقْتُلُوهُ)، قالَ: فَأُتِيَ بِابْنِ النُّعَيْمانِ قَدْ شَرِبَ، فَضُرِبَ بِالنِّعالِ والأيْدِي، ثُمَّ أُتِيَ بِهِ الثّانِيَةَ فَكَذَلِكَ، ثُمَّ أُتِيَ بِهِ الرّابِعَةَ فَحَدَّهُ، ووَضَعَ القَتْلَ» .
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، عَنْ قَبِيصَةَ بْنِ ذُؤَيْبٍ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ ضَرَبَ رَجُلًا في الخَمْرِ أرْبَعَ مَرّاتٍ»، ثُمَّ إنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ ضَرَبَ أبا مِحْجَنٍ الثَّقَفِيَّ في الخَمْرِ (p-٥٠٢)ثَمانِ مَرّاتٍ.
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، عَنْ أبِي الرَّمْداءِ البَلَوِيِّ، «أنَّ رَجُلًا مِنهم شَرِبَ الخَمْرَ، فَأتَوْا بِهِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَضَرَبَهُ، ثُمَّ شَرِبَ الثّانِيَةَ، فَأتَوْا بِهِ فَضَرَبَهُ، فَما أدْرِي قالَ في الثّالِثَةِ أوِ الرّابِعَةِ: أمَرَ بِهِ فَجُعِلَ عَلى العِجْلِ فَضُرِبَتْ عُنُقُهُ» .
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «(لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ عاقٌّ ولا مَنّانٌ ولا مُدْمِنُ خَمْرٍ»)، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: فَذَهَبْنا نَنْظُرُ في كِتابِ اللَّهِ، فَإذا هم فِيهِ، في العاقِّ: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إنْ تَوَلَّيْتُمْ أنْ تُفْسِدُوا في الأرْضِ وتُقَطِّعُوا أرْحامَكُمْ﴾ [محمد: ٢٢] [مُحَمَّدٍ: ٢٢]، إلى آخِرِ الآيَةِ، وفي المَنّانِ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكم بِالمَنِّ والأذى﴾ [البقرة: ٢٦٤] [البَقَرَةِ: ٢٦٤]، وفي الخَمْرِ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنَّما الخَمْرُ والمَيْسِرُ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿مِن عَمَلِ الشَّيْطانِ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأحْمَدُ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، «عَنِ الدَّيْلَمِيِّ (p-٥٠٣)قالَ: وفَدْتُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنّا نَصْنَعُ طَعامًا وشَرابًا فَنُطْعِمُهُ بَنِي عَمِّنا، فَقالَ: (هَلْ يُسْكِرُ؟) قُلْتُ: نَعَمْ، فَقالَ: (حَرامٌ)، فَلَمّا كانَ عِنْدَ تَوْدِيعِي إيّاهُ ذَكَرْتُهُ لَهُ، فَقُلْتُ: يا نَبِيَّ اللَّهِ، إنَّهم لَنْ يَصْبِرُوا عَنْهُ، قالَ: (فَمَن لَمْ يَصْبِرْ عَنْهُ فاضْرِبُوا عُنُقَهُ») .
وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، وأحْمَدُ، عَنْ شُرَحْبِيلَ بْنِ أوْسٍ قالَ: قالَ النَّبِيُّ ﷺ: «(مَن شَرِبَ الخَمْرَ فاجْلِدُوهُ، فَإنْ عادَ فاجْلِدُوهُ، فَإنْ عادَ فاجْلِدُوهُ، فَإنْ عادَ فاقْتُلُوهُ») .
وأخْرَجَ أحْمَدُ، والطَّبَرانِيُّ، عَنْ أُمِّ حَبِيبَةَ بِنْتِ أبِي سُفْيانَ، «أنَّ ناسًا مِن أهْلِ اليَمَنِ قَدِمُوا عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَأعْلَمَهُمُ الصَّلاةَ والسُّنَنَ والفَرائِضَ، ثُمَّ قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّ لَنا شَرابًا نَصْنَعُهُ مِنَ التَّمْرِ والشَّعِيرِ، فَقالَ: (الغُبَيْراءُ؟) قالُوا: نَعَمْ، قالَ: (لا تَطْعَمُوهُ)، قالُوا: فَإنَّهم لا يَدَعُونَها، قالَ: (مَن لَمْ يَتْرُكْها فاضْرِبُوا عُنُقَهُ») .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ مِن طَرِيقِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «(إنَّ الَّذِينَ يَشْرَبُونَ الخَمْرَ وقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ لا يُسْقَوْنَها في حَظِيرَةِ القُدْسِ») . (p-٥٠٤)وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: مَن شَرِبَ الخَمْرَ لَمْ يَقْبَلِ اللَّهُ مِنهُ صَلاةً أرْبَعِينَ صَباحًا، فَإنْ ماتَ في الأرْبَعِينَ دَخَلَ النّارَ، ولَمْ يَنْظُرِ اللَّهُ إلَيْهِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، عَنِ الحَسَنِ، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «(يَلْقى اللَّهَ شارِبُ الخَمْرِ يَوْمَ القِيامَةِ وهو سَكْرانُ، فَيَقُولُ: ويْلَكَ ما شَرِبْتَ؟ فَيَقُولُ: الخَمْرُ، قالَ: أوَلَمْ أُحَرِّمْها عَلَيْكَ؟ فَيَقُولُ: بَلى، فَيُؤْمَرُ بِهِ إلى النّارِ») .
وأخْرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ في زَوائِدِ (المُسْنَدِ)، عَنْ عُبادَةَ بْنِ الصّامِتِ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قالَ: «(والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَيَبِيتَنَّ أُناسٌ مِن أُمَّتِي عَلى أشَرٍ، وبَطَرٍ، ولَعِبٍ، ولَهْوٍ، فَيُصْبِحُوا قِرَدَةً وخَنازِيرَ، بِاسْتِحْلالِهِمُ المَحارِمَ، واتِّخاذِهِمُ القَيْناتِ، وشُرْبِهِمُ الخَمْرَ، وبِأكْلِهِمُ الرِّبا، ولُبْسِهِمُ الحَرِيرَ») .
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قالَ: إنَّهُ في الكِتابِ مَكْتُوبٌ: إنَّ خَطِيئَةَ الخَمْرِ تَعْلُو الخَطايا كَما تَعْلُو شَجَرَتُها الشَّجَرَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، عَنْ مَسْرُوقِ بْنِ الأجْدَعِ قالَ: شارِبُ الخَمْرِ كَعابِدِ الوَثَنِ، وشارِبُ الخَمْرِ كَعابِدِ اللّاتِ والعُزّى.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، عَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ قالَ: مَن شَرِبَ مُسْكِرًا لَمْ يَقْبَلِ اللَّهُ مِنهُ ما كانَتْ في مَثانَتِهِ مِنهُ قَطْرَةٌ، فَإنْ ماتَ مِنها كانَ حَقًّا عَلى اللَّهِ أنْ يَسْقِيَهُ مِن طِينَةِ (p-٥٠٥)الخَبالِ، وهي صَدِيدُ أهْلِ النّارِ وقَيْحُهم.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، عَنْ أبِي ذَرٍّ قالَ: مَن شَرِبَ مُسْكِرًا مِنَ الشَّرابِ فَهو رِجْسٌ، ورِجْسٌ صَلاتُهُ أرْبَعِينَ لَيْلَةً، فَإنْ تابَ تابَ اللَّهُ عَلَيْهِ، فَإنْ شَرِبَ أيْضًا فَهو رِجْسٌ، ورِجْسٌ صِلاتُهُ أرْبَعِينَ لَيْلَةً، فَإنْ تابَ تابَ اللَّهُ عَلَيْهِ، فَإنْ شَرِبَ أيْضًا فَهو رِجْسٌ ورِجْسٌ صَلاتُهُ أرْبَعِينَ لَيْلَةً، فَإنْ تابَ تابَ اللَّهُ عَلَيْهِ، فَإنْ عادَ لَها قالَ: في الثّالِثَةِ، أوِ الرّابِعَةِ كانَ حَقًّا عَلى اللَّهِ أنْ يَسْقِيَهُ مِن طِينَةِ الخَبالِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، عَنْ أبانَ، رَفَعَ الحَدِيثَ، قالَ: «(إنَّ الخَبائِثَ جُعِلَتْ في بَيْتٍ فَأُغْلِقَ عَلَيْها، وجُعِلَ مِفْتاحُها الخَمْرَ، فَمَن شَرِبَ الخَمْرَ وقَعَ بِالخَبائِثِ») .
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ قالَ: إنَّ الخَمْرَ مِفْتاحُ كُلِّ شَرٍّ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ المُنْكَدِرِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «(مَن شَرِبَ الخَمْرَ صَباحًا كانَ كالمُشْرِكِ بِاللَّهِ حَتّى يُمْسِيَ، وكَذَلِكَ إنْ شَرِبَها لَيْلًا، كانَ كالمُشْرِكِ بِاللَّهِ حَتّى يُصْبِحَ، ومَن شَرِبَها حَتّى يَسْكَرَ لَمْ يَقْبَلِ اللَّهُ لَهُ صَلاةً أرْبَعِينَ صَباحًا، ومَن ماتَ وفي عُرُوقِهِ مِنها شَيْءٌ ماتَ مِيتَةً جاهِلِيَّةً») .
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «(حَلَفَ اللَّهُ بِعِزَّتِهِ وقُدْرَتِهِ: لا يَشْرَبُ عَبْدٌ مُسْلِمٌ شَرْبَةً مِن خَمْرٍ إلّا سَقَيْتُهُ بِما انْتَهَكَ مِنها مِنَ (p-٥٠٦)الحَمِيمِ، مُعَذَّبٌ بَعْدُ، أوْ مَغْفُورٌ لَهُ، ولا يَتْرُكُها وهو عَلَيْها قادِرٌ ابْتِغاءَ مَرْضاتِي إلّا سَقَيْتُهُ مِنها، فَأرْوَيْتُهُ في حَظِيرَةِ القُدْسِ») .
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العاصِي قالَ: يَجِيءُ يَوْمَ القِيامَةِ شارِبُ الخَمْرِ مُسْوَدًّا وجْهُهُ، مُزْرَقَّةً عَيْناهُ، مائِلًا شِقُّهُ، أوْ قالَ: شِدْقُهُ مُدَلَّيًا لِسانُهُ، يَسِيلُ لُعابُهُ عَلى صَدْرِهِ، يَقْذِرُهُ كُلُّ مَن يَراهُ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ، عَنْ قَيْسِ بْنِ سَعْدِ بْنِ عُبادَةَ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَن شَرِبَ الخَمْرَ أتى عَطْشانَ يَوْمَ القِيامَةِ، ألا وكُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ، وإيّاكم والغُبَيْراءَ» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ، عَنْ أبِي ذَرٍّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «(مَن شَرِبَ الخَمْرَ لَمْ يَقْبَلِ اللَّهُ لَهُ صَلاةً أرْبَعِينَ لَيْلَةً، فَإنْ تابَ تابَ اللَّهُ عَلَيْهِ، فَإنْ عادَ كانَ مِثْلَ ذَلِكَ)، فَما أدْرِي في الثّالِثَةِ أمْ في الرّابِعَةِ قالَ: (فَإنْ عادَ كانَ حَتْمًا عَلى اللَّهِ أنْ يَسْقِيَهُ مِن طِينَةِ الخَبالِ)، قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، ما طِينَةُ الخَبالِ؟ قالَ: (عُصارَةُ أهْلِ النّارِ») .
وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنْ خَلْدَةَ بِنْتِ طَلْقٍ قالَتْ: قالَ لَنا أبِي: «جَلَسْنا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَجاءَ صُحارٌ فَسَألَهُ: ما تَرى في شَرابٍ (p-٥٠٧)نَصْنَعُهُ مِن ثَمارِنا؟ قالَ: (تَسْألُنِي عَنِ المُسْكِرِ، لا تَشْرَبْهُ ولا تُسْقِهِ أخاكَ، فَوالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، ما شَرِبَهُ رَجُلٌ قَطُّ ابْتِغاءَ لَذَّةِ سُكْرٍ، فَيَسْقِيَهُ اللَّهُ الخَمْرَ يَوْمَ القِيامَةِ») .
وأخْرَجَ أحْمَدُ، عَنْ أسْماءَ بِنْتِ يَزِيدَ، أنَّها سَمِعَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «(مَن شَرِبَ الخَمْرَ لَمْ يَرْضَ اللَّهُ عَنْهُ أرْبَعِينَ لَيْلَةً، فَإنْ ماتَ ماتَ كافِرًا، وإنْ تابَ تابَ اللَّهُ عَلَيْهِ، وإنْ عادَ كانَ حَقًّا عَلى اللَّهِ أنْ يَسْقِيَهُ مِن طِينَةِ الخَبالِ)، قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، وما طِينَةُ الخَبالِ؟ قالَ: (صَدِيدُ أهْلِ النّارِ») .
وأخْرَجَ أحْمَدُ في (الزُّهْدِ)، عَنْ أبِي الدَّرْداءِ قالَ: الرَّيْبُ مِنَ الكُفْرِ، والنَّوْحُ عَمَلُ الجاهِلِيَّةِ، والشِّعْرُ مِن أمْرِ إبْلِيسَ، والغُلُولُ جَمْرٌ مِن جَهَنَّمَ، والخَمْرُ جامِعُ كُلِّ إثْمٍ، والشَّبابُ شُعْبَةٌ مِنَ الجُنُونِ، والنِّساءُ حَبائِلُ الشَّيْطانِ، والكِبْرُ شَرٌّ مِنَ الشَّرِّ، وشَرُّ المَآكِلِ مالُ اليَتِيمِ، وشَرُّ المَكاسِبِ الرِّبا، والسَّعِيدُ مَن وُعِظَ بِغَيْرِهِ، والشَّقِيُّ مَن شَقِيَ في بَطْنِ أُمِّهِ.
وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في (الشُّعَبِ)، عَنْ عَلِيٍّ، قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «(لَمْ يَزَلْ جِبْرِيلُ يَنْهانِي عَنْ عِبادَةِ الأوْثانِ، وشُرْبِ الخَمْرِ، ومُلاحاةِ الرِّجالِ») . (p-٥٠٨)وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «(كانَ في أوَّلِ ما نَهانِي عَنْهُ رَبِّي وعَهِدَ إلَيَّ بَعْدَ عِبادَةِ الأوْثانِ وشُرْبِ الخَمْرِ، مُلاحاةُ الرِّجالِ») .
المائدة 5:92
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنَّما الخَمْرُ﴾ الآياتِ.
أخْرَجَ أحْمَدُ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «حُرِّمَتِ الخَمْرُ ثَلاثَ مَرّاتٍ، قَدِمَ رَسُولُ (p-٤٥٤)اللَّهِ ﷺ وهم يَشْرَبُونَ الخَمْرَ، ويَأْكُلُونَ المَيْسِرَ، فَسَألُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْهُما، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الخَمْرِ والمَيْسِرِ﴾ [البقرة: ٢١٩] الآيَةَ [البَقَرَةِ: ٢١٩]، فَقالَ النّاسُ: ما حُرِّمَ عَلَيْنا، إنَّما قالَ: ﴿إثْمٌ كَبِيرٌ﴾ [البقرة: ٢١٩] وكانُوا يَشْرَبُونَ الخَمْرَ، حَتّى كانَ يَوْمٌ مِنَ الأيّامِ، صَلّى رَجُلٌ مِنَ المُهاجِرِينَ، أمَّ أصْحابَهُ في المَغْرِبِ، خَلَطَ في قِراءَتِهِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ أغْلَظَ مِنها: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وأنْتُمْ سُكارى حَتّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ﴾ [النساء: ٤٣] [النِّساءِ: ٤٣]، وكانَ النّاسُ يَشْرَبُونَ حَتّى يَأْتِيَ أحَدُهُمُ الصَّلاةَ وهو مُفِيقٌ، ثُمَّ نَزَلَتْ آيَةٌ أغْلَظُ مِن ذَلِكَ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنَّما الخَمْرُ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿فَهَلْ أنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ قالُوا: انْتَهَيْنا رَبَّنا، فَقالَ النّاسُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، ناسٌ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ، وماتُوا عَلى فُرُشِهِمْ، كانُوا يَشْرَبُونَ الخَمْرَ، ويَأْكُلُونَ المَيْسِرَ، وقَدْ جَعَلَهُ اللَّهُ رِجْسًا مِن عَمَلِ الشَّيْطانِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿لَيْسَ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ جُناحٌ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ، وقالَ النَّبِيُّ ﷺ: (لَوْ حُرِّمَ عَلَيْهِمْ لَتَرَكُوهُ كَما تَرَكْتُمْ») .
وأخْرَجَ الطَّيالِسِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في (شُعَبِ الإيمانِ)، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: «نَزَلَ في الخَمْرِ ثَلاثُ آياتٍ، فَأوَّلُ شَيْءٍ نَزَلَ: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الخَمْرِ والمَيْسِرِ﴾ [البقرة: ٢١٩] الآيَةَ، فَقِيلَ: حُرِّمَتِ الخَمْرُ (p-٤٥٥)فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، دَعْنا نَنْتَفِعْ بِها كَما قالَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، فَسَكَتَ عَنْهُمْ، ثُمَّ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وأنْتُمْ سُكارى﴾ [النساء: ٤٣] فَقِيلَ: حُرِّمَتِ الخَمْرُ، فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، لا نَشْرَبُها قُرْبَ الصَّلاةِ، فَسَكَتَ عَنْهُمْ، ثُمَّ نَزَلَتْ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنَّما الخَمْرُ والمَيْسِرُ﴾ الآيَةَ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (حُرِّمَتِ الخَمْرُ») .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والنَّحّاسُ في (ناسِخِهِ)، وأبُو الشَّيْخِ وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، «عَنْ سَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ قالَ: فِيَّ نَزَلَ تَحْرِيمُ الخَمْرِ، صَنَعَ رَجُلٌ مِنَ الأنْصارِ طَعامًا فَدَعانا، فَأتاهُ ناسٌ، فَأكَلُوا وشَرِبُوا حَتّى انْتَشَوْا مِنَ الخَمْرِ، وذَلِكَ قَبْلَ أنْ تُحَرَّمَ الخَمْرُ، فَتَفاخَرُوا، فَقالَتِ الأنْصارُ: الأنْصارُ خَيْرٌ، وقالَتْ قُرَيْشٌ: قُرَيْشٌ خَيْرٌ، فَأهْوى رَجُلٌ بَلَحْيَيْ جَزُورٍ فَضَرَبَ عَلى أنْفِي فَفَزَرَهُ، فَكانَ سَعْدٌ مَفْزُورَ الأنْفِ، قالَ: فَأتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنَّما الخَمْرُ والمَيْسِرُ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، مِن طَرِيقِ ابْنِ شِهابٍ أنَّ سالِمَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَهُ، أنَّ أوَّلَ ما حُرِّمَتِ الخَمْرُ، أنَّ سَعْدَ بْنَ أبِي وقّاصٍ وأصْحابًا لَهُ شَرِبُوا، فاقْتَتَلُوا، (p-٤٥٦)فَكَسَرُوا أنْفَ سَعْدٍ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿إنَّما الخَمْرُ والمَيْسِرُ﴾ الآيَةَ.
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، عَنْ سَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ قالَ: «نَزَلَتْ فِيَّ ثَلاثُ آياتٍ مِن كِتابِ اللَّهِ، نَزَلَ تَحْرِيمُ الخَمْرِ، نادَمْتُ رَجُلًا فَعارَضْتُهُ وعارَضَنِي، فَعَرْبَدْتُ عَلَيْهِ، فَشَجَجْتُهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنَّما الخَمْرُ والمَيْسِرُ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿فَهَلْ أنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ ونَزَلَتْ فِيَّ: ﴿ووَصَّيْنا الإنْسانَ بِوالِدَيْهِ إحْسانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا﴾ [الأحقاف: ١٥] إلى آخِرِ الآيَةِ [الأحْقافِ: ١٥]، ونَزَلَتْ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكم صَدَقَةً﴾ [المجادلة: ١٢] [المُجادَلَةِ: ١٢]، فَقَدَّمْتُ شَعِيرَةً، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (إنَّكَ لَزَهِيدٌ)، فَنَزَلَتِ الآيَةُ الأُخْرى: ﴿أأشْفَقْتُمْ أنْ تُقَدِّمُوا﴾ [المجادلة: ١٣] الآيَةَ [المُجادَلَةَ»: ١٣] .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، والطَّبَرانِيُّ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: إنَّما نَزَلَ تَحْرِيمُ الخَمْرِ في قَبِيلَتَيْنِ مِن قَبائِلِ الأنْصارِ شَرِبُوا فَلَمّا أنْ ثَمِلَ القَوْمُ عَبَثَ بَعْضُهم بِبَعْضٍ، فَلَمّا أنْ صَحَوْا جَعَلَ يَرى الرَّجُلُ مِنهُمُ الأثَرَ بِوَجْهِهِ وبِرَأْسِهِ ولِحْيَتِهِ، فَيَقُولُ: صَنَعَ بِي هَذا أخِي فُلانٌ، وكانُوا إخْوَةً لَيْسَ في (p-٤٥٧)قُلُوبِهِمْ ضَغائِنُ، واللَّهِ لَوْ كانَ بِي رَؤُوفًا رَحِيمًا ما صَنَعَ بِي هَذا، حَتّى وقَعَتِ الضَّغائِنُ في قُلُوبِهِمْ، فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنَّما الخَمْرُ والمَيْسِرُ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿فَهَلْ أنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ فَقالَ ناسٌ مِنَ المُتَكَلِّفِينَ: هي رِجْسٌ، وهي في بَطْنِ فُلانٍ قُتِلَ يَوْمَ بَدْرٍ، وفُلانٍ قُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿لَيْسَ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا﴾ الآيَةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ بُرَيْدَةَ قالَ: بَيْنَما نَحْنُ قُعُودٌ عَلى شَرابٍ لَنا، ونَحْنُ نَشْرَبُ الخَمْرَ حِلًّا، إذْ قُمْتُ حَتّى آتِيَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَأُسَلِّمَ عَلَيْهِ، وقَدْ نَزَلَ تَحْرِيمُ الخَمْرِ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنَّما الخَمْرُ والمَيْسِرُ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿فَهَلْ أنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ فَجِئْتُ إلى أصْحابِي فَقَرَأْتُها عَلَيْهِمْ، قالَ: وبَعْضُ القَوْمِ شَرْبَتُهُ في يَدِهِ، قَدْ شَرِبَ بَعْضًا وبَقِيَ بَعْضٌ في الإناءِ، فَقالَ بِالإناءِ تَحْتَ شَفَتِهِ العُلْيا كَما يَفْعَلُ الحَجّامُ، ثُمَّ صَبُّوا ما في باطِيَتِهِمْ، فَقالُوا: انْتَهَيْنا رَبَّنا.
وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في (شُعَبِ الإيمانِ) عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «قامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: (يا أهْلَ المَدِينَةِ، إنَّ اللَّهَ يُعَرِّضُ عَنِ الخَمْرِ تَعْرِيضًا، لا أدْرِي لَعَلَّهُ سَيَنْزِلُ فِيها أمْرٌ)، ثُمَّ قامَ فَقالَ: (يا أهْلَ المَدِينَةِ، إنَّ اللَّهَ قَدْ أنْزَلَ إلَيَّ تَحْرِيمَ الخَمْرِ، فَمَن كَتَبَ (p-٤٥٨)مِنكم هَذِهِ الآيَةَ، وعِنْدَهُ مِنها شَيْءٌ فَلا يَشْرَبْها») .
وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سابِطٍ قالَ: زَعَمُوا أنَّ عُثْمانَ بْنَ مَظْعُونٍ حَرَّمَ الخَمْرَ في الجاهِلِيَّةِ، وقالَ: لا أشْرَبُ شَيْئًا يُذْهِبُ عَقْلِي، ويُضْحِكُ بِي مَن هو أدْنى مِنِّي، ويَحْمِلُنِي عَلى أنْ أُنْكِحَ كَرِيمَتِي مَن لا أُرِيدُ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في سُورَةِ المائِدَةِ في الخَمْرِ، فَمَرَّ عَلَيْهِ رَجُلٌ فَقالَ: حُرِّمَتِ الخَمْرُ، وتَلا عَلَيْهِ الآيَةَ، فَقالَ: تَبًّا لَها، قَدْ كانَ بَصَرِي فِيها ثابِتًا.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ في البَقَرَةِ: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الخَمْرِ والمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إثْمٌ كَبِيرٌ ومَنافِعُ لِلنّاسِ﴾ [البقرة: ٢١٩] [البَقَرَةِ: ٢١٩]، شَرِبَها قَوْمٌ لِقَوْلِهِ: ( مَنافِعَ لِلنّاسِ ) وتَرَكَها قَوْمٌ لِقَوْلِهِ: ﴿إثْمٌ كَبِيرٌ﴾ [البقرة: ٢١٩] مِنهم عُثْمانُ بْنُ مَظْعُونٍ، حَتّى نَزَلَتِ الآيَةُ الَّتِي في النِّساءِ: ﴿لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وأنْتُمْ سُكارى﴾ [النساء: ٤٣] [النِّساءِ: ٤٣]، فَتَرَكَها قَوْمٌ، وشَرِبَها قَوْمٌ، يَتْرُكُونَها بِالنَّهارِ حِينَ الصَّلاةِ، ويَشْرَبُونَها بِاللَّيْلِ، حَتّى نَزَلَتِ الآيَةُ الَّتِي في المائِدَةِ: ﴿إنَّما الخَمْرُ والمَيْسِرُ﴾ الآيَةَ، قالَ عُمَرُ: أقُرِنَتْ بِالمَيْسِرِ والأنْصابِ والأزْلامِ؟ بُعْدًا لَكِ وسُحْقًا، فَتَرَكَها النّاسُ، ووَقَعَ في صُدُورِ أُناسٍ مِنَ النّاسِ مِنها، فَجَعَلَ قَوْمٌ يُمَرُّ بِالرّاوِيَةِ مِنَ الخَمْرِ فَتُخْرَقُ، فَيَمُرُّ بِها أصْحابُها فَيَقُولُونَ: قَدْ كُنّا نُكْرِمُكِ عَنْ هَذا المَصْرَعِ، وقالُوا: ما حُرِّمَ عَلَيْنا شَيْءٌ أشَدُّ مِنَ الخَمْرِ، حَتّى جَعَلَ الرَّجُلُ (p-٤٥٩)يَلْقى صاحِبَهُ فَيَقُولُ: إنَّ في نَفْسِي شَيْئًا، فَيَقُولُ لَهُ صاحِبُهُ: لَعَلَّكَ تَذْكُرُ الخَمْرَ؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ، فَيَقُولُ: إنَّ في نَفْسِي مِثْلَ ما في نَفْسِكَ، حَتّى ذَكَرَ ذَلِكَ قَوْمٌ واجْتَمَعُوا فِيهِ، فَقالُوا: كَيْفَ نَتَكَلَّمُ ورَسُولُ اللَّهِ ﷺ شاهِدٌ؟ وخافُوا أنْ يَنْزِلَ فِيهِمْ، فَأتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وقَدْ أعَدُّوا لَهُ حُجَّةً، فَقالُوا: أرَأيْتَ حَمْزَةَ بْنَ عَبْدِ المُطَّلِبِ، ومُصْعَبَ بْنَ عُمَيْرٍ، وعَبْدَ اللَّهِ بْنَ جَحْشٍ، ألَيْسُوا في الجَنَّةِ؟ قالَ: (بَلى)، قالُوا: ألَيْسُوا قَدْ مَضَوْا وهم يَشْرَبُونَ الخَمْرَ؟ فَحُرِّمَ عَلَيْنا شَيْءٌ دَخَلُوا الجَنَّةَ وهم يَشْرَبُونَهُ؟ فَقالَ: (قَدْ سَمِعَ اللَّهُ ما قُلْتُمْ، فَإنْ شاءَ أجابَكُمْ)، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿إنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ العَداوَةَ والبَغْضاءَ في الخَمْرِ والمَيْسِرِ ويَصُدَّكم عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ قالُوا: انْتَهَيْنا، ونَزَلَ في الَّذِينَ ذَكَرُوا حَمْزَةَ وأصْحابَهُ: ﴿لَيْسَ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا﴾ الآيَةَ» .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ قَتادَةَ: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الخَمْرِ والمَيْسِرِ﴾ [البقرة: ٢١٩] [البَقَرَةِ: ٢١٩]، قالَ: المَيْسِرُ هو القِمارُ كُلُّهُ، ﴿قُلْ فِيهِما إثْمٌ كَبِيرٌ ومَنافِعُ لِلنّاسِ﴾ [البقرة: ٢١٩] قالَ: فَذَمَّهُما ولَمْ يُحَرِّمْهُما، وهي لَهم حَلالٌ يَوْمَئِذٍ، ثُمَّ أنْزَلَ هَذِهِ الآيَةَ في شَأْنِ الخَمْرِ، وهي أشَدُّ مِنها، فَقالَ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وأنْتُمْ سُكارى﴾ [النساء: ٤٣]، فَكانَ السُّكْرُ مِنها حَرامًا، ثُمَّ أنْزَلَ الآيَةَ الَّتِي في المائِدَةِ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنَّما الخَمْرُ والمَيْسِرُ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿فَهَلْ أنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ فَجاءَ تَحْرِيمُها في هَذِهِ الآيَةِ، قَلِيلِها وكَثِيرِها، ما أسْكَرَ مِنها وما لَمْ يُسْكِرْ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ عَطاءٍ قالَ: أوَّلُ ما نَزَلَ تَحْرِيمُ الخَمْرِ: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الخَمْرِ والمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إثْمٌ كَبِيرٌ﴾ [البقرة: ٢١٩] الآيَةَ، قالَ بَعْضُ النّاسِ: نَشْرَبُها لِمَنافِعِها الَّتِي فِيها، وقالَ آخَرُونَ: لا خَيْرَ في شَيْءٍ فِيهِ إثْمٌ، ثُمَّ نَزَلَتْ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وأنْتُمْ سُكارى﴾ [النساء: ٤٣] الآيَةَ، فَقالَ بَعْضُ النّاسِ: نَشْرَبُها ونَجْلِسُ في بُيُوتِنا، وقالَ آخَرُونَ: لا خَيْرَ في شَيْءٍ يَحُولُ بَيْنَنا وبَيْنَ الصَّلاةِ مَعَ المُسْلِمِينَ، فَنَزَلَتْ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنَّما الخَمْرُ والمَيْسِرُ﴾ الآيَةَ، ﴿فانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧] فَنَهاهم فانْتَهَوْا.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وأنْتُمْ سُكارى﴾ [النساء: ٤٣] قالَ: كانَ القَوْمُ يَشْرَبُونَها حَتّى إذا حَضَرَتِ الصَّلاةُ أمْسَكُوا عَنْها قالَ: وذُكِرَ لَنا أنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ قالَ حِينَ أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: (قَدْ تَقَرَّبَ اللَّهُ في تَحْرِيمِ الخَمْرِ)، ثُمَّ حَرَّمَها بَعْدَ ذَلِكَ في سُورَةِ المائِدَةِ، بَعْدَ غَزْوَةِ الأحْزابِ، وعَلِمَ أنَّها تُسَفِّهُ الأحْلامَ، وتُجْهِدُ الأمْوالَ، وتَشْغَلُ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ، وعَنِ الصَّلاةِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ قَتادَةَ: ﴿فَهَلْ أنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ قالَ: فانْتَهى القَوْمُ عَنِ الخَمْرِ، وأمْسَكُوا عَنْها، قالَ: وذُكِرَ لَنا أنَّ هَذِهِ الآيَةَ لَمّا أُنْزِلَتْ قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «(يا أيُّها النّاسُ، إنَّ اللَّهَ قَدْ حَرَّمَ الخَمْرَ، فَمَن كانَ عِنْدَهُ شَيْءٌ فَلا يَطْعَمْهُ، ولا تَبِيعُوها»)، فَلَبِثَ المُسْلِمُونَ زَمانًا يَجِدُونَ رِيحَها مِن (p-٤٦١)طُرُقِ المَدِينَةِ مِمّا أهْرَقُوا مِنها.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أنَّ الشُّرّابَ كانُوا يُضْرَبُونَ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالأيْدِي، والنِّعالِ، والعِصِيِّ، حَتّى تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقالَ أبُو بَكْرٍ: لَوْ فَرَضْنا لَهم حَدًّا، فَتَوَخّى نَحْوَ ما كانُوا يُضْرَبُونَ في عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَكانَ أبُو بَكْرٍ يَجْلِدُهم أرْبَعِينَ حَتّى تُوُفِّيَ، ثُمَّ كانَ عُمَرُ مِن بَعْدِهِ يَجْلِدُهم كَذَلِكَ أرْبَعِينَ، حَتّى أُتِيَ بِرَجُلٍ مِنَ المُهاجِرِينَ الأوَّلِينَ، وقَدْ شَرِبَ، فَأمَرَ بِهِ أنْ يُجْلَدَ، فَقالَ: لِمَ تَجْلِدُنِي؟ بَيْنِي وبَيْنَكَ كِتابُ اللَّهِ، قالَ: وفي أيِّ كِتابِ اللَّهِ تَجِدُ ألّا أجْلِدَكَ؟ قالَ: إنَّ اللَّهَ يَقُولُ في كِتابِهِ:﴿لَيْسَ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا﴾ [المائِدَةِ: ٩٣]، فَأنا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ، ثُمَّ اتَّقَوْا وأحْسَنُوا، شَهِدْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَدْرًا، وأُحُدًا، والخَنْدَقَ، والمَشاهِدَ، فَقالَ عُمَرُ: ألا تَرُدُّونَ عَلَيْهِ؟ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هَؤُلاءِ الآياتُ نَزَلَتْ عُذْرًا لِلْماضِينَ، وحُجَّةً عَلى الباقِينَ، عُذْرًا لِلْماضِينَ، لِأنَّهم لَقُوا اللَّهَ قَبْلَ أنْ حَرَّمَ عَلَيْهِمُ الخَمْرَ، وحُجَّةً عَلى الباقِينَ، لِأنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿إنَّما الخَمْرُ والمَيْسِرُ والأنْصابُ والأزْلامُ﴾ حَتّى بَلَغَ الآيَةَ الأُخْرى، فَإنْ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وآمَنُوا، ثُمَّ اتَّقَوْا وأحْسَنُوا، فَإنَّ اللَّهَ نَهى أنْ يُشْرَبَ الخَمْرُ، فَقالَ عُمَرُ: فَماذا تَرَوْنَ؟ فَقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ: نَرى أنَّهُ إذا شَرِبَ سَكِرَ، وإذا سَكِرَ هَذى، وإذا هَذى افْتَرى، وعَلى المُفْتَرِي ثَمانُونَ جَلْدَةً، فَأمَرَ عُمَرُ فَجُلِدَ ثَمانِينَ. (p-٤٦٢)وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنْ أنَسٍ، عَنْ أبِي طَلْحَةَ زَوْجِ أُمِّ أنَسٍ، قالَ: «لَمّا نَزَلَ تَحْرِيمُ الخَمْرِ بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هاتِفًا يَهْتِفُ: (ألا إنَّ الخَمْرَ قَدْ حُرِّمَتْ، فَلا تَبِيعُوها ولا تَبْتاعُوها، فَمَن كانَ عِنْدَهُ مِنهُ شَيْءٌ فَلْيُهْرِقْهُ)، قالَ أبُو طَلْحَةَ: يا غُلامُ حُلَّ عَزْلاءَ تِلْكَ المَزادَةِ، فَفَتَحَها فَأهْراقَها، وخَمْرُنا يَوْمَئِذٍ البُسْرُ والتَّمْرُ، فَأهْراقَ النّاسُ حَتّى انْتَبَعَتْ فِجاجُ المَدِينَةِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنْ أنَسٍ قالَ: كُنّا نَأْكُلُ مِن طَعامٍ لَنا ونَشْرَبُ عَلَيْهِ مِن هَذا الشَّرابِ، فَأتانا فُلانٌ مِن عِنْدِ نَبِيِّ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: إنَّكم تَشْرَبُونَ الخَمْرَ، وقَدْ أُنْزِلَ فِيها؟ قُلْنا: ما تَقُولُ؟ قالَ: نَعَمْ، سَمِعْتُهُ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ السّاعَةَ، ومِن عِنْدِهِ أتَيْتُكُمْ، فَقُمْنا فَأكْفَيْنا ما كانَ في الإناءِ مِن شَيْءٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنْ أنَسٍ قالَ: «كانَ عِنْدَ أبِي طَلْحَةَ مالٌ لِيَتِيمٍ فاشْتَرى بِهِ خَمْرًا، فَلَمّا حُرِّمَتِ الخَمْرُ أتى النَّبِيَّ ﷺ فَقالَ: أجْعَلُهُ خَلًّا؟ فَقالَ: (لا، هَرِقْهُ») .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنْ أنَسٍ، أنَّ الآيَةَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ فِيها الخَمْرَ نَزَلَتْ ولَيْسَ في المَدِينَةِ شَرابٌ يُشْرَبُ إلّا مِن تَمْرٍ.
وأخْرَجَ أبُو يَعْلى، عَنْ أنَسٍ قالَ: لَمّا نَزَلَ تَحْرِيمُ الخَمْرِ، فَدَخَلْتُ عَلى ناسٍ مِن (p-٤٦٣)أصْحابِي وهي بَيْنَ أيْدِيهِمْ، فَضَرَبْتُها بِرِجْلِي، ثُمَّ قُلْتُ: انْطَلِقُوا إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَدْ نَزَلَ تَحْرِيمُ الخَمْرِ، وشَرابُهم يَوْمَئِذٍ البُسْرُ والتَّمْرُ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: كانُوا يَشْرَبُونَ الخَمْرَ بَعْدَ ما أُنْزِلَتِ الَّتِي في البَقَرَةِ، وبَعْدَ الَّتِي في سُورَةِ النِّساءِ، فَلَمّا نَزَلَتِ الَّتِي في سُورَةِ المائِدَةِ تَرَكُوهُ.
وأخْرَجَ مُسْلِمٌ، وأبُو يَعْلى، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ، قالَ: «خَطَبَنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: (يا أيُّها النّاسُ، إنَّ اللَّهَ يُعَرِّضُ بِالخَمْرِ، فَمَن كانَ عِنْدَهُ مِنها شَيْءٌ فَلْيَبِعْ ولْيَنْتَفِعْ بِهِ)، فَلَمْ يَلْبَثْ إلّا يَسِيرًا، ثُمَّ قالَ: (إنَّ اللَّهَ قَدْ حَرَّمَ الخَمْرَ، فَمَن أدْرَكَتْهُ هَذِهِ الآيَةُ وعِنْدَهُ مِنها شَيْءٌ فَلا يَبِعْ ولا يَشْرَبْ)، قالَ: فاسْتَقْبَلَ النّاسُ بِما كانَ عِنْدَهم مِنها فَسَفَكُوها في طُرُقِ المَدِينَةِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: حُرِّمَتِ الخَمْرُ بِعَيْنِها، قَلِيلِها وكَثِيرِها، والمُسْكِرُ مِن كُلِّ شَرابٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنْ وهْبِ بْنِ كَيْسانَ قالَ: قُلْتُ لِجابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ: مَتّى حُرِّمَتِ الخَمْرُ؟ قالَ: بَعْدَ أُحُدٍ، صَبَّحْنا الخَمْرَ يَوْمَ أُحُدٍ حِينَ خَرَجْنا إلى القِتالِ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: حُرِّمَتِ الخَمْرُ يَوْمَ حُرِّمَتْ وما كانَ شَرابُ النّاسِ إلّا التَّمْرَ والزَّبِيبَ. (p-٤٦٤)وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنْ جابِرٍ قالَ: «كانَ رَجُلٌ عِنْدَهُ مالُ أيْتامٍ، فَكانَ يَشْتَرِي لَهم ويَبِيعُ، فاشْتَرى خَمْرًا، فَجَعَلَهُ في خَوابِي، وإنَّ اللَّهَ أنْزَلَ تَحْرِيمَ الخَمْرِ، فَأتى النَّبِيَّ ﷺ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّهُ لَيْسَ لَهم مالٌ غَيْرُهُ، فَقالَ: (أهْرِقْهُ)، فَأهْراقَهُ» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: حُرِّمَتِ الخَمْرُ وما بِالمَدِينَةِ مِنها شَيْءٌ، وما خَمْرُهم يَوْمَئِذٍ إلّا الفَضِيخُ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنْ أنَسٍ قالَ: حُرِّمَتِ الخَمْرُ يَوْمَ حُرِّمَتْ وما لَنا بِالمَدِينَةِ خَمْرٌ إلّا الفَضِيخُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، والبَيْهَقِيُّ في ”سُنَنِهِ“، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قالَ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ الَّتِي في القُرْآنِ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنَّما الخَمْرُ والمَيْسِرُ والأنْصابُ والأزْلامُ رِجْسٌ مِن عَمَلِ الشَّيْطانِ فاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ هي في التَّوْراةِ: إنَّ اللَّهَ أنْزَلَ الحَقَّ لِيُذْهِبَ بِهِ الباطِلَ، ويُبْطِلَ بِهِ اللَّعِبَ، والزَّفْنَ، والمَزامِيرَ، والكِباراتِ، يَعْنِي البَرابِطَ، والزَّمّاراتِ، يَعْنِي الدُّفَّ والطَّنابِيرَ، (p-٤٦٥)والشِّعْرَ، والخَمْرَ مَرَّةً لِمَن طَعِمَها، وأقْسَمَ رَبِّي بِيَمِينِهِ، وعِزَّةِ حَيْلِهِ، لا يَشْرَبُها عَبْدٌ بَعْدَما حَرَّمْتُها عَلَيْهِ إلّا عَطَّشَتُهُ يَوْمَ القِيامَةِ، ولا يَدَعُها بَعْدَما حَرَّمْتُها إلّا سَقَيْتُهُ إيّاها مِن حَظِيرَةِ القُدْسِ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قالَ: «(حَرَّمَ اللَّهُ الخَمْرَ، وكُلَّ مُسْكِرٍ حَرامٌ») .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: لَقَدْ أنْزَلَ اللَّهُ تَحْرِيمَ الخَمْرِ، وما بِالمَدِينَةِ زَبِيبَةٌ واحِدَةٌ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ، وأبُو يَعْلى، وابْنُ الجارُودِ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنْ أبِي سَعِيدٍ قالَ: «كانَ عِنْدَنا خَمْرٌ لِيَتِيمٍ، فَلَمّا نَزَلَتِ الآيَةُ الَّتِي في المائِدَةِ سَألْنا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقُلْنا: لِيَتِيمٍ، فَقالَ: (أهْرِيقُوها») .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنْ أنَسٍ قالَ: حُرِّمَتِ الخَمْرُ وهي تُخَمَّرُ في الجِرارِ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنِ البَراءِ بْنِ عازِبٍ قالَ: نَزَلَ تَحْرِيمُ الخَمْرِ وما في أسْقِيَتِنا إلّا الزَّبِيبُ والتَّمْرُ، فَأكْفَأْناهُما. (p-٤٦٦)وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «(مِنَ التَّمْرِ خَمْرٌ، ومِنَ العَسَلِ خَمْرٌ، ومِنَ الزَّبِيبِ خَمْرٌ، ومِنَ العِنَبِ خَمْرٌ، ومِنَ الحِنْطَةِ خَمْرٌ، وأنْهاكم عَنْ كُلِّ مُسْكِرٍ») .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: لَمّا نَزَلَتْ: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الخَمْرِ والمَيْسِرِ﴾ [البقرة: ٢١٩] الآيَةَ، كَرِهَها قَوْمٌ لِقَوْلِهِ: ﴿فِيهِما إثْمٌ كَبِيرٌ﴾ [البقرة: ٢١٩] وشَرِبَها قَوْمٌ لِقَوْلِهِ: ﴿ومَنافِعُ لِلنّاسِ﴾ [البقرة: ٢١٩] حَتّى نَزَلَتْ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وأنْتُمْ سُكارى﴾ [النساء: ٤٣] فَكانُوا يَدَعُونَها في حِينِ الصَّلاةِ ويَشْرَبُونَها في غَيْرِ حِينِ الصَّلاةِ، حَتّى نَزَلَتْ: ﴿إنَّما الخَمْرُ والمَيْسِرُ﴾ الآيَةَ، فَقالَ عُمَرُ: ضَيْعَةٌ لَكِ، اليَوْمَ قُرِنْتِ بِالمَيْسِرِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ قالَ: نَزَلَتْ في الخَمْرِ أرْبَعُ آياتٍ: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الخَمْرِ والمَيْسِرِ﴾ [البقرة: ٢١٩] الآيَةَ، فَتَرَكُوها، ثُمَّ نَزَلَتْ: ﴿تَتَّخِذُونَ مِنهُ سَكَرًا ورِزْقًا حَسَنًا﴾ [النحل: ٦٧] [النَّحْلِ: ٦٧]، فَشَرِبُوها، ثُمَّ نَزَلَتِ الآيَتانِ في المائِدَةِ: ﴿إنَّما الخَمْرُ والمَيْسِرُ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿فَهَلْ أنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ السُّدِّيِّ قالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الخَمْرِ والمَيْسِرِ﴾ [البقرة: ٢١٩] الآيَةَ، فَلَمْ يَزالُوا بِذَلِكَ يَشْرَبُونَها حَتّى صَنَعَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ طَعامًا، فَدَعا ناسًا فِيهِمْ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ فَقَرَأ: ﴿قُلْ يا أيُّها الكافِرُونَ﴾ [الكافرون: ١] فَلَمْ يُفْهِمْها، فَأنْزَلَ اللَّهُ يُشَدِّدُ في الخَمْرِ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وأنْتُمْ سُكارى حَتّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ﴾ [النساء: ٤٣] فَكانَتْ حَلالًا، (p-٤٦٧)يَشْرَبُونَها مِن صَلاةِ الغَداةِ حَتّى يَرْتَفِعَ النَّهارُ، فَيَقُومُونَ إلى صَلاةِ الظُّهْرِ، وهم مُصْحُونَ، ثُمَّ لا يَشْرَبُونَها حَتّى يُصَلُّوا العَتَمَةَ، ثُمَّ يَقُومُونَ إلى صَلاةِ الفَجْرِ وقَدْ صَحَوْا، فَلَمْ يَزالُوا بِذَلِكَ يَشْرَبُونَها، حَتّى صَنَعَ سَعْدُ بْنُ أبِي وقّاصٍ طَعامًا، فَدَعا ناسًا فِيهِمْ رَجُلٌ مِنَ الأنْصارِ، فَشَوى لَهم رَأْسَ بَعِيرٍ، ثُمَّ دَعاهم عَلَيْهِ، فَلَمّا أكَلُوا، وشَرِبُوا مِنَ الخَمْرِ سَكِرُوا، وأخَذُوا في الحَدِيثِ، فَتَكَلَّمَ سَعْدٌ بِشَيْءٍ فَغَضِبَ الأنْصارِيُّ، فَرَفَعَ لَحْيَّ البَعِيرِ، فَكَسَرَ أنْفَ سَعْدٍ، فَأنْزَلَ اللَّهُ نَسْخَ الخَمْرِ وتَحْرِيمَها: ﴿إنَّما الخَمْرُ والمَيْسِرُ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿فَهَلْ أنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ قَتادَةَ قالَ: نَزَلَ تَحْرِيمُ الخَمْرِ في سُورَةِ المائِدَةِ بَعْدَ غَزْوَةِ الأحْزابِ، ولَيْسَ لِلْعَرَبِ يَوْمَئِذٍ عَيْشٌ أعْجَبُ إلَيْهِمْ مِنها.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ الرَّبِيعِ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ آيَةُ البَقَرَةِ، قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (إنَّ رَبَّكم يُقَدِّمُ في تَحْرِيمِ الخَمْرِ)، ثُمَّ نَزَلَتْ آيَةُ النِّساءِ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: (إنَّ رَبَّكم يُقَرِّبُ في تَحْرِيمِ الخَمْرِ)، ثُمَّ نَزَلَتْ آيَةُ المائِدَةِ فَحُرِّمَتِ الخَمْرُ عِنْدَ ذَلِكَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ، قالَ: «نَزَلَ أرْبَعُ آياتٍ في تَحْرِيمِ الخَمْرِ، أوَّلُهُنَّ الَّتِي في البَقَرَةِ، ثُمَّ نَزَلَتِ الثّانِيَةُ: ﴿ومِن ثَمَراتِ النَّخِيلِ والأعْنابِ تَتَّخِذُونَ مِنهُ سَكَرًا ورِزْقًا حَسَنًا﴾ [النحل: ٦٧] ثُمَّ أُنْزِلَتِ الَّتِي في النِّساءِ، بَيْنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي بَعْضَ الصَّلَواتِ إذْ غَنّى سَكْرانُ خَلْفَهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وأنْتُمْ سُكارى﴾ [النساء: ٤٣] الآيَةَ، فَشَرِبَها طائِفَةٌ مِنَ النّاسِ، وتَرَكَها طائِفَةٌ، ثُمَّ نَزَلَتِ الرّابِعَةُ الَّتِي في المائِدَةِ، فَقالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ: انْتَهَيْنا يا رَبَّنا» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ قَيْسٍ، قالَ: «لَمّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ المَدِينَةَ أتاهُ النّاسُ، وقَدْ كانُوا يَشْرَبُونَ الخَمْرَ، ويَأْكُلُونَ المَيْسِرَ، فَسَألُوهُ عَنْ ذَلِكَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الخَمْرِ والمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إثْمٌ كَبِيرٌ ومَنافِعُ لِلنّاسِ وإثْمُهُما أكْبَرُ مِن نَفْعِهِما﴾ [البقرة: ٢١٩] فَقالُوا: هَذا شَيْءٌ قَدْ جاءَ فِيهِ رُخْصَةٌ، نَأْكُلُ المَيْسِرَ، ونَشْرَبُ الخَمْرَ، ونَسْتَغْفِرُ مِن ذَلِكَ، حَتّى أتى رَجُلٌ صَلاةَ المَغْرِبَ، فَجَعَلَ يَقْرَأُ: ﴿قُلْ يا أيُّها الكافِرُونَ﴾ [الكافرون: ١] ﴿لا أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ﴾ [الكافرون: ٢] ﴿ولا أنْتُمْ عابِدُونَ ما أعْبُدُ﴾ [الكافرون: ٣] فَجَعَلَ لا يَجُوزُ ذَلِكَ، ولا يَدْرِي ما يَقْرَأُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وأنْتُمْ سُكارى﴾ [النساء: ٤٣] فَكانَ النّاسُ يَشْرَبُونَ الخَمْرَ حَتّى يَجِيءَ وقْتُ الصَّلاةِ، فَيَدَعُونَ شُرْبَها، فَيَأْتُونَ الصَّلاةَ وهم يَعْلَمُونَ ما يَقُولُونَ، فَلَمْ يَزالُوا كَذَلِكَ حَتّى أنْزَلَ اللَّهُ: ﴿إنَّما الخَمْرُ والمَيْسِرُ والأنْصابُ والأزْلامُ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿فَهَلْ أنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ فَقالُوا: انْتَهَيْنا يا رَبِّ» .
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنِ ابْنِ (p-٤٦٩)عَبّاسٍ قالَ: لَمّا نَزَلَ تَحْرِيمُ الخَمْرِ مَشى الصَّحابَةُ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ، وقالُوا: حُرِّمَتِ الخَمْرُ وجُعِلَتْ عَدْلًا لِلشِّرْكِ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (لا يَمُوتُ مُدْمِنُ خَمْرٍ إلّا لَقِيَ اللَّهَ كَعابِدِ وثَنٍ)، ثُمَّ قَرَأ: ﴿إنَّما الخَمْرُ والمَيْسِرُ﴾ الآيَةَ» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «(إنَّ اللَّهَ حَرَّمَ الخَمْرَ والمَيْسِرَ والكُوبَةَ والغُبَيْراءَ وكُلَّ مُسْكِرٍ حَرامٌ») .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «(إنَّ اللَّهَ حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الخَمْرَ والمَيْسِرَ والكُوبَةَ، وكُلُّ مُسْكِرٍ حَرامٌ») .
وأخْرَجَ البُخارِيُّ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: نَزَلَ تَحْرِيمُ الخَمْرِ، وإنَّ بِالمَدِينَةِ يَوْمَئِذٍ لَخَمْسَةُ أشْرِبَةٍ ما فِيها شَرابُ العِنَبِ.
وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، وأبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ ماجَهْ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ عامَ الفَتْحِ: (p-٤٧٠)(إنَّ اللَّهَ حَرَّمَ بَيْعَ الخَمْرِ، والأنْصابِ، والمَيْتَةِ، والخِنْزِيرِ)، فَقالَ بَعْضُ النّاسِ: كَيْفَ تَرى في شُحُومِ المَيْتَةِ يُدْهَنُ بِها السُّفُنُ والجُلُودُ، ويَسْتَصْبِحُ بِها النّاسُ؟ فَقالَ: (لا، هي حَرامٌ)، ثُمَّ قالَ عِنْدَ ذَلِكَ: (قاتَلَ اللَّهُ اليَهُودَ، إنَّ اللَّهَ لَمّا حَرَّمَ عَلَيْهِمُ الشُّحُومَ جَمَلُوهُ، فَباعُوهُ، وأكَلُوا ثَمَنَهُ») .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «قَدِمَ رَجُلٌ مِن دَوْسٍ عَلى النَّبِيِّ ﷺ بِراوِيَةٍ مِن خَمْرٍ، أهْداها لَهُ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: (هَلْ عَلِمْتَ أنَّ اللَّهَ حَرَّمَها بَعْدَكَ؟) فَأقْبَلَ الدَّوْسِيُّ عَلى رَجُلٍ كانَ مَعَهُ، فَأمَرَهُ بِبَيْعِها، فَقالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: (هَلْ عَلِمْتَ أنَّ الَّذِي حَرَّمَ شُرْبَها حَرَّمَ بَيْعَها، وأكْلَ ثَمَنِها؟) وأمَرَ بِالمَزادِ فَأُهْرِيقَتْ حَتّى لَمْ يَبْقَ فِيها قَطْرَةٌ» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ، «عَنْ تَمِيمٍ الدّارِيِّ، أنَّهُ كانَ يُهْدِي لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ كُلَّ عامٍ راوِيَةً مِن خَمْرٍ، فَلَمّا كانَ عامُ حُرِّمَتِ الخَمْرُ جاءَ بِراوِيَةٍ، فَلَمّا نَظَرَ إلَيْها ضَحِكَ وقالَ: (هَلْ شَعُرْتَ أنَّها قَدْ حُرِّمَتْ؟) فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، أفَلا نَبِيعُها فَنَنْتَفِعَ بِثَمَنِها؟ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (لَعَنَ اللَّهُ اليَهُودَ، انْطَلِقُوا إلى ما حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِن شُحُومِ البَقَرِ، والغَنَمِ، فَأذابُوهُ إهالَةً، فَباعُوا مِنهُ ما يَأْكُلُونَ (p-٤٧١)والخَمْرُ حَرامٌ ثَمَنُها، حَرامٌ بَيْعُها») .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، والبُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، وأبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ، وأبُو عَوانَةَ، والطَّحاوِيُّ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ حِبّانَ، والدّارَقُطْنِيُّ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في (الشُّعَبِ)، عَنْ عُمَرَ، أنَّهُ قامَ عَلى المِنبَرِ فَقالَ: أمّا بَعْدُ، فَإنَّ الخَمْرَ نَزَلَ تَحْرِيمُها يَوْمَ نَزَلَ، وهي مِن خَمْسَةٍ، مِنَ العِنَبِ، والتَّمْرِ، والبُرِّ، والشَّعِيرِ، والعَسَلِ، والخَمْرُ ما خامَرَ العَقْلَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنْ عُمَرَ قالَ: إنَّ هَذِهِ الأنْبِذَةَ تُنْبَذُ مِن خَمْسَةِ أشْياءَ، مِنَ التَّمْرِ، والزَّبِيبِ، والعَسَلِ، والبُرِّ، والشَّعِيرِ، فَما خَمَّرْتَهُ مِنها ثُمَّ عَتَّقْتَهُ فَهو خَمْرٌ.
وأخْرَجَ الشّافِعِيُّ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، ومُسْلِمٌ، والبَيْهَقِيُّ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «(كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ، وكُلُّ خَمْرٍ حَرامٌ») .
وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ، عَنْ جابِرٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «(الزَّبِيبُ والتَّمْرُ هو الخَمْرُ»)، يَعْنِي: إذا انْتُبِذا جَمِيعًا. (p-٤٧٢)وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ ماجَهْ، والنَّحّاسُ في (ناسِخِهِ)، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وتَعَقَّبَهُ الذَّهَبِيُّ، عَنِ النُّعْمانِ بْنِ بَشِيرٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «(إنَّ مِنَ الحِنْطَةِ خَمْرًا، ومِنَ الشَّعِيرِ خَمْرًا، ومِنَ الزَّبِيبِ خَمْرًا، ومِنَ التَّمْرِ خَمْرًا، ومِنَ العَسَلِ خَمْرًا، وأنا أنْهاكم عَنْ كُلِّ مُسْكِرٍ») .
وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ مَرْيَمَ بِنْتِ طارِقٍ قالَتْ: «كُنْتُ في نِسْوَةٍ مِنَ المُهاجِراتِ حَجَجْنا، فَدَخَلْنا عَلى عائِشَةَ، فَجَعَلَ نِساءٌ يَسْألْنَها عَنِ الظُّرُوفِ، فَقالَتْ: إنَّكُنَّ لَتَذْكُرْنَ ظُرُوفًا ما كانَ كَثِيرٌ مِنها عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فاتَّقِينَ اللَّهَ، واجْتَنِبْنَ ما يُسْكِرُكُنَّ، فَإنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: (كُلُّ مُسْكِرٍ حَرامٌ)، وإنْ أسْكَرَها ماءُ حُبِّها فَلْتَجْتَنِبْهُ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، ومُسْلِمٌ، وأبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ ماجَهْ، وابْنُ المُنْذِرِ، والنَّحّاسُ في (ناسِخِهِ)، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «(الخَمْرُ مِن هاتَيْنِ الشَّجَرَتَيْنِ: النَّخْلَةِ والعِنَبَةِ») .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا في (ذَمِّ المَلاهِي)، عَنِ الحَسَنِ قالَ: المَيْسِرُ، القِمارُ. (p-٤٧٣)وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في ”سُنَنِهِ“ عَنْ نافِعٍ، أنَّ ابْنَ عُمَرَ كانَ يَقُولُ: المَيْسِرُ، القِمارُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والبَيْهَقِيُّ في ”سُنَنِهِ“ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: المَيْسِرُ كِعابُ فارِسَ، وقِداحُ العَرَبِ، وهو القِمارُ كُلُّهُ.
وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ، عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: المَيْسِرُ القِمارُ كُلُّهُ، حَتّى الجَوْزُ الَّذِي يَلْعَبُ بِهِ الصِّبْيانُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنْ أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «(اجْتَنِبُوا هَذِهِ الكِعابَ المَوْسُومَةَ الَّتِي يُزْجَرُ بِها زَجْرًا، فَإنَّها مِنَ المَيْسِرِ») .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في (الشُّعَبِ)، عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «(إيّاكم وهَذِهِ الكِعابَ المَوْسُومَةَ الَّتِي تُزْجَرُ زَجْرًا، فَإنَّها مِنَ المَيْسِرِ») .
وأخْرَجَ أحْمَدُ، وابْنُ أبِي الدُّنْيا في (ذَمِّ المَلاهِي)، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في (الشُّعَبِ)، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «(إيّاكم وهاتَيْنِ الكَعْبَتَيْنِ المَوْسُومَتَيْنِ اللَّتَيْنِ تُزْجَرانِ زَجْرًا، فَإنَّهُما مَيْسِرُ العَجَمِ») . (p-٤٧٤)وأخْرَجَ وكِيعٌ، وعَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي الدُّنْيا، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: إيّاكم وهَذِهِ الكِعابَ المَوْسُومَةَ الَّتِي تُزْجَرُ زَجْرًا، فَإنَّها مَيْسِرُ العَجَمِ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كُلُّ القِمارِ مِنَ المَيْسِرِ، حَتّى لَعِبُ الصِّبْيانِ بِالجَوْزِ والكِعابِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ قالَ: النَّرْدُ والشِّطْرَنْجُ مِنَ المَيْسِرِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ عَلِيٍّ، قالَ: الشِّطْرَنْجُ مَيْسِرُ الأعاجِمِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ القاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، أنَّهُ سُئِلَ عَنِ النَّرْدِ، أهِيَ مِنَ المَيْسِرِ؟ قالَ: كُلُّ ما ألْهى عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ، وعَنِ الصَّلاةِ فَهو مَيْسِرٌ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي الدُّنْيا في (ذَمِّ المَلاهِي)، والبَيْهَقِيُّ في (الشُّعَبِ)، عَنِ القاسِمِ، أنَّهُ قِيلَ لَهُ: هَذِهِ النَّرْدُ تَكْرَهُونَها، فَما بالُ الشِّطْرَنْجِ؟ قالَ: كُلُّ ما ألْهى عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وعَنِ الصَّلاةِ فَهو مِنَ المَيْسِرِ. (p-٤٧٥)وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي الدُّنْيا في (ذَمِّ المَلاهِي)، وأبُو الشَّيْخِ، والبَيْهَقِيُّ في (الشُّعَبِ)، مِن طَرِيقِ رَبِيعَةَ بْنِ كُلْثُومٍ، عَنْ أبِيهِ، قالَ: خَطَبَنا ابْنُ الزُّبَيْرِ فَقالَ: يا أهْلَ مَكَّةَ، بَلَغَنِي عَنْ رِجالٍ يَلْعَبُونَ بِلُعْبَةٍ يُقالُ لَها: النَّرْدَشِيرُ، وإنَّ اللَّهَ يَقُولُ في كِتابِهِ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنَّما الخَمْرُ والمَيْسِرُ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿فَهَلْ أنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ وإنِّي أحْلِفُ بِاللَّهِ لا أُوتى بِأحَدٍ لَعِبَ بِها إلّا عاقَبْتُهُ في شَعْرِهِ وبَشَرِهِ، وأعْطَيْتُ سَلَبَهُ مَن أتانِي بِهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ أبِي الدُّنْيا، عَنْ أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «(مَن لَعِبَ بِالنَّرْدَشِيرِ فَقَدْ عَصى اللَّهَ ورَسُولَهُ») .
وأخْرَجَ أحْمَدُ، عَنْ أبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ الخَطْمِيِّ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «(مَثَلُ الَّذِي يَلْعَبُ بِالنَّرْدِ، ثُمَّ يَقُومُ فَيُصَلِّي، مَثَلُ الَّذِي يَتَوَضَّأُ بِالقَيْحِ، ودَمِ الخِنْزِيرِ، ثُمَّ يَقُومُ فَيُصَلِّي») .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ أبِي الدُّنْيا، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قالَ: اللّاعِبُ بِالنَّرْدِ قِمارًا كَآكِلِ لَحْمِ الخِنْزِيرِ، واللّاعِبُ بِها مِن غَيْرِ قِمارٍ كالمُدَّهِنِ بِوَدَكِ الخِنْزِيرِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا، عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: اللّاعِبُ بِالنَّرْدِ قِمارًا مِنَ المَيْسِرِ، واللّاعِبُ بِها سِفاحًا كالصّابِغِ يَدَهُ في دَمِ الخِنْزِيرِ، والجالِسُ عِنْدَها كالجالِسِ عِنْدَ (p-٤٧٦)مَسالِخِهِ، وإنَّهُ يُؤْمَرُ بِالوُضُوءِ مِنها، والكَعْبَيْنِ، والشِّطْرَنْجِ سَواءً.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا، عَنْ يَحْيى بْنِ أبِي كَثِيرٍ قالَ: «مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِقَوْمٍ يَلْعَبُونَ بِالنَّرْدِ فَقالَ: (قُلُوبٌ لاهِيَةٌ، وأيْدِي عامِلَةٌ، وألْسِنَةٌ لاغِيَةٌ») .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا، عَنِ الحَسَنِ قالَ: النَّرْدُ مَيْسِرُ العَجَمِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا، عَنْ مالِكِ بْنِ أنَسٍ قالَ: الشِّطْرَنْجُ مِنَ النَّرْدِ، بَلَغَنا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ ولِيَ مالَ يَتِيمٍ فَأحْرَقَها.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قالَ: سُئِلَ ابْنُ عُمَرَ، عَنِ الشِّطْرَنْجِ فَقالَ: هي شَرٌّ مِنَ النَّرْدِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا، عَنْ أبِي جَعْفَرٍ، أنَّهُ سُئِلَ عَنِ الشِّطْرَنْجِ فَقالَ: تِلْكَ المَجُوسِيَّةُ، لا تَلْعَبُوا بِها.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا، عَنْ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ قالَ: رَأى رَجُلٌ مِن أهْلِ الشّامِ أنَّهُ يُغْفَرُ لِكُلِّ مُؤْمِنٍ في كُلِّ يَوْمٍ اثْنَتا عَشْرَةَ مَرَّةً إلّا أصْحابَ الشّاهِ يَعْنِي الشِّطْرَنْجَ. (p-٤٧٧)وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي الدُّنْيا، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ قالَ: المَيْسِرُ القِمارُ، كانَ الرَّجُلُ في الجاهِلِيَّةِ يُقامِرُ عَلى أهْلِهِ ومالِهِ، فَيَقْعُدُ حَزِينًا سَلِيبًا، يَنْظُرُ إلى مالِهِ في يَدِ غَيْرِهِ، وكانَتْ تُورِثُ بَيْنَهُمُ العَداوَةَ والبَغْضاءَ، فَنَهى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ، وتَقَدَّمَ فِيهِ، وأخْبَرَ أنَّما هو ﴿رِجْسٌ مِن عَمَلِ الشَّيْطانِ فاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي الدُّنْيا، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ مِن طَرِيقِ لَيْثٍ، عَنْ عَطاءٍ، وطاوُسٍ، ومُجاهِدٍ، قالُوا: كُلُّ شَيْءٍ فِيهِ قِمارٌ فَهو مِنَ المَيْسِرِ، حَتّى لَعِبُ الصِّبْيانِ بِالكِعابِ والجَوْزِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ أبِي الدُّنْيا، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، أنَّهُ رَأى غِلْمانًا يَتَقامَرُونَ في يَوْمِ عِيدٍ، فَقالَ: لا تَقامَرُوا، فَإنَّ القِمارَ مِنَ المَيْسِرِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ قالَ: ما كانَ مِن لَعِبٍ فِيهِ قِمارٌ، أوْ قِيامٌ، أوْ صِياحً، أوْ شَرٌّ، فَهو مِنَ المَيْسِرِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ شُرَيْحٍ، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «(ثَلاثٌ مِنَ المَيْسِرِ: الصَّفِيرُ بِالحَمّامِ، والقِمارُ، والضَّرْبُ بِالكِعابِ») .
وأخْرَجَ أحْمَدُ، وأبُو داوُدَ، وابْنُ ماجَهْ، وابْنُ أبِي الدُّنْيا، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، (p-٤٧٨)«أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَأى رَجُلًا يَتْبَعُ حَمامَةً فَقالَ: (شَيْطانٌ يَتْبَعُ شَيْطانَةً») .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا، عَنِ الحَسَنِ قالَ: شَهِدْتُ عُثْمانَ وهو يَخْطُبُ، وهو يَأْمُرُ بِذَبْحِ الحَمامِ، وقَتْلِ الكِلابِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا، عَنْ خالِدِ الحَذّاءِ، عَنْ رَجُلٍ يُقالُ لَهُ: أيُّوبُ، قالَ: كانَ مَلاعِبُ آلِ فِرْعَوْنَ الحَمامَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا، عَنْ إبْراهِيمَ قالَ: مَن لَعِبَ بِالحَمامِ الطَّيّارَةِ لَمْ يَمُتْ حَتّى يَذُوقَ ألَمَ الفَقْرِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ قالَ: كانَ مِن مَيْسِرِ أهْلِ الجاهِلِيَّةِ بَيْعُ اللَّحْمِ بِالشّاةِ والشّاتَيْنِ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ في المَيْسِرِ قالَ: كانُوا يَشْتَرُونَ الجَزُورَ، فَيَجْعَلُونَها أجْزاءً، ثُمَّ يَأْخُذُونَ القِداحَ فَيُلْقُونَها، ويُنادى: يا ياسِرَ الجَزُورِ، يا ياسِرَ الجَزُورِ، فَمَن خَرَجَ قَدَحُهُ أخَذَ جُزْءًا بِغَيْرِ شَيْءٍ، ومَن لَمْ (p-٤٧٩)يَخْرُجْ قَدَحُهُ غَرِمَ، ولَمْ يَأْخُذْ شَيْئًا.
وأخْرَجَ البُخارِيُّ في (الأدَبِ المُفْرَدِ) عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أنَّهُ كانَ يُقالُ: أيْنَ أيْسارُ الجَزُورِ؟ فَيَجْتَمِعُ العَشَرَةُ فَيَشْتَرُونَ الجَزُورَ بِعَشَرَةِ فُصْلانٍ إلى الفِصالِ، فَيُجِيلُونَ السِّهامَ فَتَصِيرُ بِتِسْعَةٍ، حَتّى تَصِيرَ إلى واحِدٍ، ويَغْرَمُ الآخَرُونَ فَصِيلًا فَصِيلًا إلى الفِصالِ، فَهو المَيْسِرُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الأنْصابُ حِجارَةٌ كانُوا يَذْبَحُونَ لَها، والأزْلامُ قِداحٌ كانُوا يَقْتَسِمُونَ بِها الأُمُورَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: كانَتْ لَهم حَصَياتٌ، إذا أرادَ أحَدُهم أنْ يَغْزُوَ أوْ يَجْلِسَ اسْتَقْسَمَ بِها.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿والأزْلامُ﴾ قالَ: هي كِعابُ فارِسَ الَّتِي يَقْتَمِرُونَ بِها، وسِهامُ العَرَبِ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ وهْرامٍ قالَ: سَألْتُ طاوُسًا عَنِ الأزْلامِ فَقالَ: كانُوا في الجاهِلِيَّةِ لَهم قِداحٌ يَضْرِبُونَ بِها، بِها قَدَحٌ مُعَلَّمٌ يَتَطَيَّرُونَ مِنهُ، فَإذا ضَرَبُوا بِها حِينَ يُرِيدُ أحَدُهُمُ الحاجَةَ فَخَرَجَ ذَلِكَ القَدَحُ لَمْ يَخْرُجْ لِحاجَتِهِ، فَإنْ خَرَجَ غَيْرُهُ خَرَجَ لِحاجَتِهِ، وكانَتِ المَرْأةُ إذا أرادَتْ حاجَةً لَها لَمْ تَضْرِبْ بِتِلْكَ القِداحِ، فَذَلِكَ قَوْلُ الشّاعِرِ: (p-٤٨٠)
؎إذا جَدَّدَتْ أُنْثى لِأمْرٍ خِمارَها أتَتْهُ ولَمْ تَضْرِبْ لَهُ بِالمَقاسِمِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، مِن طَرِيقِ عَلِيٍّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ”رِجْسٌ“ قالَ: سُخْطٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ في قَوْلِهِ: ﴿رِجْسٌ﴾ قالَ: إثْمٌ ﴿مِن عَمَلِ الشَّيْطانِ﴾ يَعْنِي: مِن تَزْيِينِ الشَّيْطانِ، ﴿إنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ العَداوَةَ والبَغْضاءَ في الخَمْرِ والمَيْسِرِ﴾ يَعْنِي: حِينَ شَجَّ الأنْصارِيُّ رَأْسَ سَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ، ﴿ويَصُدَّكم عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ فَهَذا وعِيدُ التَّحْرِيمِ، ﴿وأطِيعُوا اللَّهَ وأطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ يَعْنِي: في تَحْرِيمِ الخَمْرِ والمَيْسِرِ والأنْصابِ والأزْلامِ، ﴿فَإنْ تَوَلَّيْتُمْ﴾ يَعْنِي: أعْرَضْتُمْ عَنْ طاعَتِهِما، ﴿فاعْلَمُوا أنَّما عَلى رَسُولِنا﴾ يَعْنِي: مُحَمَّدًا ﷺ، ﴿البَلاغ المُبِين﴾ يَعْنِي: أنْ يُبَيِّنَ تَحْرِيمَ ذَلِكَ.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والطَّبَرانِيُّ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في (شُعَبِ الإيمانِ)، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: لَمّا نَزَلَ تَحْرِيمُ الخَمْرِ قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، فَكَيْفَ بِأصْحابِنا الَّذِينَ ماتُوا وهم يَشْرَبُونَ الخَمْرَ؟ فَنَزَلَتْ: ﴿لَيْسَ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ جُناحٌ﴾ الآيَةَ.
وأخْرَجَ الطَّيالِسِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والتِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ، وابْنُ (p-٤٨١)جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ حِبّانَ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنِ البَراءِ بْنِ عازِبٍ قالَ: «ماتَ ناسٌ مِن أصْحابِ النَّبِيِّ ﷺ وهم يَشْرَبُونَ الخَمْرَ، فَلَمّا نَزَلَ تَحْرِيمُها قالَ أُناسٌ مِن أصْحابِ النَّبِيِّ ﷺ: كَيْفَ بِأصْحابِنا الَّذِينَ ماتُوا وهم يَشْرَبُونَها؟ فَنَزَلَتْ: ﴿لَيْسَ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ جُناحٌ﴾ الآيَةَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنْ أنَسٍ قالَ: «بَيْنا أُدِيرُ الكَأْسَ عَلى أبِي طَلْحَةَ، وأبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الجَرّاحِ، ومُعاذِ بْنِ جَبَلٍ، وسُهَيْلِ بْنِ بَيْضاءَ، وأبِي دُجانَةَ، حَتّى مالَتْ رَؤُوسُهم مِن خَلِيطِ بُسْرٍ وتَمْرٍ، فَسَمِعْنا مُنادِيًا يُنادِي: ألا إنَّ الخَمْرَ قَدْ حُرِّمَتْ، قالَ: فَما دَخَلَ عَلَيْنا داخِلٌ ولا خَرَجَ مِنّا خارِجٌ حَتّى أهْرَقْنا الشَّرابَ، وكَسَرْنا القِلالَ، وتَوَضَّأ بَعْضُنا، واغْتَسَلَ بَعْضُنا، وأصَبْنا مِن طِيبِ أُمِّ سُلَيْمٍ، ثُمَّ خَرَجْنا إلى المَسْجِدِ، وإذا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقْرَأُ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنَّما الخَمْرُ والمَيْسِرُ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿فَهَلْ أنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ فَقالَ رَجُلٌ: يا رَسُولَ اللَّهِ، فَما مَنزِلَةُ مَن ماتَ مِنّا وهو يَشْرَبُها؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿لَيْسَ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا﴾ الآيَةَ» . (p-٤٨٢)وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وأبُو يَعْلى، وابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنْ أنَسٍ قالَ: كُنْتُ ساقِيَ القَوْمِ في مَنزِلِ أبِي طَلْحَةَ، فَنَزَلَ تَحْرِيمُ الخَمْرِ، فَنادى مُنادٍ، فَقالَ أبُو طَلْحَةَ: اخْرُجْ فانْظُرْ، ما هَذا الصَّوْتُ، فَخَرَجْتُ فَقُلْتُ: هَذا مُنادٍ يُنادِي: ألا إنَّ الخَمْرَ قَدْ حُرِّمَتْ، فَقالَ لِي: اذْهَبْ فَأهْرِقْها، قالَ: فَجَرَتْ في سِكَكِ المَدِينَةِ قالَ: وكانَتْ خَمْرُهم يَوْمَئِذٍ الفَضِيخَ، البُسْرَ، والتَّمْرَ، فَقالَ بَعْضُ القَوْمِ: قُتِلَ قَوْمٌ وهي في بُطُونِهِمْ، فَأنْزَلَ اللَّهُ:﴿لَيْسَ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا﴾ الآيَةَ.
* *
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: اصْطَبَحَ ناسٌ الخَمْرَ يَوْمَ أُحُدٍ، ثُمَّ قُتِلُوا شُهَداءَ.
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: «لَمّا نَزَلَ تَحْرِيمُ الخَمْرِ قالَتِ اليَهُودُ: ألَيْسَ إخْوانُكُمُ الَّذِينَ ماتُوا كانُوا يَشْرَبُونَها؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿لَيْسَ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ جُناحٌ﴾ الآيَةَ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: (قِيلَ لِي: أنْتَ مِنهُمْ») .
وأخْرَجَ الدّارَقُطْنِيُّ في (الأفْرادِ)، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: «لَمّا نَزَلَ تَحْرِيمُ الخَمْرِ قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ بِمَن شَرِبَها مِن إخْوانِنا الَّذِينَ ماتُوا (p-٤٨٣)وهِيَ في بُطُونِهِمْ؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿لَيْسَ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا﴾ الآيَةَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ، مِن طَرِيقِ العَوْفِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿لَيْسَ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا﴾ الآيَةَ، يَعْنِي بِذَلِكَ رِجالًا مِن أصْحابِ النَّبِيِّ ﷺ ماتُوا وهم يَشْرَبُونَ الخَمْرَ قَبْلَ أنْ تُحَرَّمَ الخَمْرُ، فَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهِمْ فِيها جُناحٌ قَبْلَ أنْ تُحَرَّمَ، فَلَمّا حُرِّمَتْ قالُوا: كَيْفَ تَكُونُ عَلَيْنا حَرامًا وقَدْ ماتَ إخْوانُنا، وهم يَشْرَبُونَها؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿لَيْسَ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا﴾ يَقُولُ: لَيْسَ عَلَيْهِمْ حَرَجٌ فِيما كانُوا يَشْرَبُونَ قَبْلَ أنْ أُحَرِّمَها، إذْ كانُوا مُحْسِنِينَ مُتَّقِينَ، ﴿واللَّهُ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: نَزَلَتْ: ﴿لَيْسَ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا﴾ في مَن كانَ يَشْرَبُها مِمَّنْ قُتِلَ بِبَدْرٍ وأُحُدٍ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ قَتادَةَ قالَ: لَمّا أنْزَلَ اللَّهُ تَحْرِيمَ الخَمْرِ في سُورَةِ المائِدَةِ بَعْدَ سُورَةِ الأحْزابِ قالَ في ذَلِكَ رِجالٌ مِن أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: أُصِيبَ فُلانٌ يَوْمَ بَدْرٍ، وفُلانٌ يَوْمَ أُحُدٍ، وهم يَشْرَبُونَها، فَنَحْنُ نَشْهَدُ أنَّهم مِن أهْلِ الجَنَّةِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿لَيْسَ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا إذا ما اتَّقَوْا وآمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وأحْسَنُوا واللَّهُ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ﴾ يَقُولُ: شَرِبَها القَوْمُ عَلى تَقْوى مِنَ اللَّهِ وإحْسانٍ، وهي لَهم يَوْمَئِذٍ حَلالٌ، ثُمَّ حُرِّمَتْ بَعْدَهُمْ، فَلا جُناحَ عَلَيْهِمْ في ذَلِكَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، مِن طَرِيقِ عَلِيٍّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿لَيْسَ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ جُناحٌ﴾ قالَ: قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، ما نَقُولُ لِإخْوانِنا الَّذِينَ مَضَوْا، كانُوا يَشْرَبُونَ الخَمْرَ، ويَأْكُلُونَ المَيْسِرَ؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿لَيْسَ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا﴾ مِنَ الحَرامِ قَبْلَ أنْ يُحَرَّمَ عَلَيْهِمْ، إذا ما اتَّقَوْا وأحْسَنُوا بَعْدَما حُرِّمَ عَلَيْهِمْ، وهو قَوْلُهُ: ﴿فَمَن جاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِن رَبِّهِ فانْتَهى فَلَهُ ما سَلَفَ﴾ [البقرة: ٢٧٥] [البَقَرَةِ: ٢٧٥] .
وأخْرَجَ مُسْلِمٌ، والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ: ﴿لَيْسَ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا﴾ الآيَةَ، قالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (قِيلَ لِي: أنْتَ مِنهُمْ») .
وأخْرَجَ الدِّينَوَرِيُّ في (المُجالَسَةِ)، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ، في (الحِلْيَةِ)، عَنْ ثابِتِ بْنِ عُبَيْدٍ قالَ: جاءَ رَجُلٌ مِن آلِ حاطِبٍ إلى عَلِيٍّ، فَقالَ: (p-٤٨٥)يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ، إنِّي أرْجِعُ إلى المَدِينَةِ، وإنَّهم سائِلِيَّ عَنْ عُثْمانَ، فَماذا أقُولُ لَهُمْ؟ قالَ: (أخْبِرْهم أنَّ عُثْمانَ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ، ثُمَّ اتَّقَوْا وآمَنُوا، ثُمَّ اتَّقَوْا وأحْسَنُوا، واللَّهُ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ) .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، مِن طَرِيقِ عَطاءِ بْنِ السّائِبِ، عَنْ مُحارِبِ بْنِ دِثارٍ، أنَّ ناسًا مِن أصْحابِ النَّبِيِّ ﷺ شَرِبُوا الخَمْرَ بِالشّامِ، فَقالَ لَهم يَزِيدُ بْنُ أبِي سُفْيانَ: شَرِبْتُمُ الخَمْرَ؟ فَقالُوا: نَعَمْ، يَقُولُ اللَّهُ: ﴿لَيْسَ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا﴾ حَتّى فَرَغُوا مِنَ الآيَةِ، فَكَتَبَ فِيهِمْ إلى عُمَرَ، فَكَتَبَ إلَيْهِ: إنْ أتاكَ كِتابِي هَذا نَهارًا فَلا تَنْتَظِرْ بِهِمُ اللَّيْلَ، وإنْ أتاكَ لَيْلًا فَلا تَنْتَظِرْ بِهِمُ النَّهارَ، حَتّى تَبْعَثَ بِهِمْ إلَيَّ، لا يَفْتِنُوا عِبادَ اللَّهِ، فَبَعَثَ بِهِمْ إلى عُمَرَ، فَلَمّا قَدِمُوا عَلى عُمَرَ قالَ: شَرِبْتُمُ الخَمْرَ؟ قالُوا: نَعَمْ، فَتَلا عَلَيْهِمْ: ﴿إنَّما الخَمْرُ والمَيْسِرُ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ، قالُوا: اقْرَإ الَّتِي بَعْدَها: ﴿لَيْسَ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا﴾ قالَ: فَشاوَرَ فِيهِمُ النّاسَ، فَقالَ لَعَلِيٍّ: ما تَرى؟ قالَ: أرى أنَّهم شَرَعُوا في دِينِ اللَّهِ ما لَمْ يَأْذَنِ اللَّهُ فِيهِ، فَإنْ زَعَمُوا أنَّها حَلالٌ فاقْتُلْهُمْ، فَقَدْ أحَلُّوا ما حَرَّمَ اللَّهُ، وإنْ زَعَمُوا أنَّها حَرامٌ فاجْلِدْهم ثَمانِينَ ثَمانِينَ، فَقْدِ افْتَرَوْا عَلى اللَّهِ الكَذِبَ، وقَدْ أخْبَرَنا اللَّهُ بِحَدِّ ما يَفْتَرِي بِهِ (p-٤٨٦)بَعْضُنا عَلى بَعْضٍ، قالَ: فَجَلَدَهم ثَمانِينَ ثَمانِينَ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في (شُعَبِ الإيمانِ) عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «(إنَّ اللَّهَ لَعَنَ الخَمْرَ، ولَعَنَ غارِسَها، ولَعَنَ شارِبَها، ولَعَنَ عاصِرَها، ولَعَنَ مُؤْوِيَها، ولَعَنَ مُدِيرَها، ولَعَنَ ساقِيَها، ولَعَنَ حامِلَها، ولَعَنَ آكِلَ ثَمَنِها، ولَعَنَ بائِعَها») .
وأخْرَجَ وكِيعٌ، والبُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «(مَن شَرِبَ الخَمْرَ في الدُّنْيا لَمْ يَشْرَبْها في الآخِرَةِ، إلّا أنْ يَتُوبَ») .
وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في (الشُّعَبِ)، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «(مَن شَرِبَ الخَمْرَ في الدُّنْيا ولَمْ يَتُبْ، لَمْ يَشْرَبْها في الآخِرَةِ، وإنْ أُدْخِلَ الجَنَّةَ») .
وأخْرَجَ مُسْلِمٌ، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، «أنَّ رَجُلًا قَدِمَ مِنَ اليَمَنِ فَسَألَ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ شَرابٍ يَشْرَبُونَهُ بِأرْضِهِمْ مِنَ الذُّرَةِ يُقالُ لَهُ: المَزْرُ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: (أوَمُسْكِرٌ هُوَ؟)، قالَ: نَعَمْ، قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: كُلُّ مُسْكِرٍ حَرامٌ، إنَّ اللَّهَ عَهِدَ لِمَن يَشْرَبُ المُسْكِرَ أنْ يَسْقِيَهُ مِن طِينَةِ الخَبالِ)، قالُوا: (p-٤٨٧)يا رَسُولَ اللَّهِ، وما طِينَةُ الخَبالِ؟ قالَ: (عَرَقُ أهْلِ النّارِ) أوْ: (عُصارَةُ أهْلِ النّارِ») .
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَمْرٍو، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «(مَن شَرِبَ الخَمْرَ لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلاةٌ أرْبَعِينَ لَيْلَةً، فَإنْ تابَ تابَ اللَّهُ عَلَيْهِ، وإنْ شَرِبَها الثّانِيَةَ لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلاةٌ أرْبَعِينَ لَيْلَةً، فَإنْ تابَ تابَ اللَّهُ عَلَيْهِ، فَإنْ شَرِبَها الثّالِثَةَ لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلاةٌ أرْبَعِينَ لَيْلَةً، فَإنْ تابَ تابَ اللَّهُ عَلَيْهِ، فَإنْ شَرِبَها الرّابِعَةَ لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلاةٌ أرْبَعِينَ لَيْلَةً، فَإنْ تابَ لَمْ يَتُبِ اللَّهُ عَلَيْهِ، وكانَ حَقًّا عَلى اللَّهِ أنْ يَسْقِيَهُ مِن طِينَةِ الخَبالِ)، قِيلَ: وما طِينَةُ الخَبالِ؟ قالَ: (صَدِيدُ أهْلِ النّارِ») .
وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العاصِي: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «(مَن شَرِبَ الخَمْرَ شَرْبَةً لَمْ تُقْبَلْ صَلاتُهُ أرْبَعِينَ صَباحًا، فَإنْ تابَ تابَ اللَّهُ عَلَيْهِ، فَإنْ عادَ لَمْ تُقْبَلْ تَوْبَتُهُ أرْبَعِينَ صَباحًا)، فَلا أدْرِي أفِي الثّالِثَةِ أوْ في الرّابِعَةِ قالَ: (فَإنْ عادَ كانَ حَقًّا عَلى اللَّهِ أنْ يَسْقِيَهُ مِن رَدْغَةِ الخَبالِ يَوْمَ القِيامَةِ») . (p-٤٨٨)وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قالَ: «(مَن تَرَكَ الصَّلاةَ سُكْرًا مَرَّةً واحِدَةً، فَكَأنَّما كانَتْ لَهُ الدُّنْيا وما عَلَيْها فَسُلِبَها، ومَن تَرَكَ الصَّلاةَ سُكْرًا أرْبَعَ مَرّاتٍ كانَ حَقًّا عَلى اللَّهِ أنْ يَسْقِيَهُ مِن طِينَةِ الخَبالِ)، قِيلَ: وما طِينَةُ الخَبالِ يا رَسُولَ اللَّهِ؟ قالَ: (عُصارَةُ أهْلِ النّارِ») .
وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَعَنَ الخَمْرَ، وعاصِرَها، ومُعْتَصِرَها، وبائِعَها، ومُبْتاعَها، وحامِلَها، والمَحْمُولَةَ إلَيْهِ، وساقِيَها، وشارِبَها، وآكِلَ ثَمَنِها» .
وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «(أتانِي جِبْرِيلُ فَقالَ: يا مُحَمَّدُ، إنَّ اللَّهَ لَعَنَ الخَمْرَ، وعاصِرَها، ومُعْتَصِرَها، وشارِبَها، وحامِلَها، والمَحْمُولَةَ إلَيْهِ، وبائِعَها، وساقِيَها، ومُسْقِيَها») .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ عُثْمانَ، سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «(اجْتَنِبُوا أُمَّ الخَبائِثِ، فَإنَّهُ كانَ رَجُلٌ في مَن كانَ قَبْلَكم يَتَعَبَّدُ ويَعْتَزِلُ النِّساءَ، فَعَلِقَتْهُ امْرَأةٌ غاوِيَةٌ، فَأرْسَلَتْ إلَيْهِ خادِمَها، فَقالَتْ: إنّا نَدْعُوكَ لِشَهادَةٍ، (p-٤٨٩)فَدَخَلَ، فَطَفِقَتْ كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها بابًا أغْلَقَتْهُ دُونَهُ، حَتّى أفْضى إلى امْرَأةٍ وضِيئَةٍ جالِسَةٍ، عِنْدَها غُلامٌ، وباطِيَةٌ فِيها خَمْرٌ، فَقالَتْ: أنا لَمْ أدْعُكَ لِشَهادَةٍ، ولَكِنْ دَعَوْتُكَ لِتَقْتُلَ هَذا الغُلامَ، أوْ تَقَعَ عَلَيَّ، أوْ تَشْرَبَ كَأْسًا مِن هَذا الخَمْرِ، فَإنْ أبَيْتَ صِحْتُ، وفَضَحْتُكَ، فَلَمّا رَأى أنَّهُ لا بُدَّ مِن ذَلِكَ قالَ: اسْقِينِي كَأْسًا مِن هَذا الخَمْرِ، فَسَقَتْهُ كَأْسًا مِنَ الخَمْرِ، ثُمَّ قالَ: زِيدِينِي، فَلَمْ يَرِمْ حَتّى وقَعَ عَلَيْها، وقَتَلَ النَّفْسَ، فاجْتَنِبُوا الخَمْرَ، فَإنَّهُ - واللَّهِ - لا يَجْتَمِعُ الإيمانُ وإدْمانُ الخَمْرِ في صَدْرِ رَجُلٍ أبَدًا، لَيُوشِكَنَّ أحَدُهُما أنْ يُخْرِجَ صاحِبَهُ») .
وأخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزّاقِ في (المُصَنَّفِ) عَنْ عُثْمانَ مَوْقُوفًا.
وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «(اجْتَنِبُوا الخَمْرَ، فَإنَّها مِفْتاحُ كُلِّ شَرٍّ») .
وأخْرَجَ ابْنُ ماجَهْ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ عَنْ أبِي الدَّرْداءِ قالَ: «أوْصانِي خَلِيلِي أبُو القاسِمِ ﷺ: (ألّا تُشْرِكَ بِاللَّهِ شَيْئًا، وإنْ قُطِّعْتَ أوْ حُرِّقْتَ، ولا (p-٤٩٠)تَتْرُكْ صَلاةً مَكْتُوبَةً مُتَعَمِّدًا، فَمَن تَرَكَها مُتَعَمِّدًا بَرِئَتْ مِنهُ الذِّمَّةُ، وألّا تَشْرَبَ الخَمْرَ فَإنَّها مِفْتاحُ كُلِّ شَرٍّ») .
وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ، عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «(إنَّ اللَّهَ تَبارَكَ وتَعالى بَنى الفِرْدَوْسَ بِيَدِهِ، وحَظَرَهُ عَلى كُلِّ مُشْرِكٍ، وكُلِّ مُدْمِنِ الخَمْرِ سِكِّيرٍ») .
وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ، عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «(ثَلاثَةٌ لا تُقْبَلُ لَهم صَلاةٌ، ولا يُرْفَعُ لَهم إلى السَّماءِ عَمَلٌ، العَبْدُ الآبِقُ مِن مَوالِيهِ حَتّى يَرْجِعَ فَيَضَعَ يَدَهُ في أيْدِيهِمْ، والمَرْأةُ السّاخِطُ عَلَيْها زَوْجُها حَتّى يَرْضى، والسَّكْرانُ حَتّى يَصْحُوَ») .
وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ، عَنْ عَلِيٍّ، قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «(لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ عاقٌّ، ولا مُدْمِنُ خَمْرٍ»)
وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: «نَهى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنْ يُقْعَدَ عَلى مائِدَةٍ يُشْرَبُ عَلَيْها الخَمْرُ» .
وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ، عَنْ جابِرٍ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قالَ: «(مَن كانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ (p-٤٩١)واليَوْمِ الآخِرِ، فَلا يُدْخِلْ حَلِيلَتَهُ الحَمّامَ، ومَن كانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ، فَلا يَدْخُلِ الحَمّامَ إلّا بِمِئْزَرٍ، ومَن كانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ، فَلا يَجْلِسْ عَلى مائِدَةٍ يُدارُ عَلَيْها الخَمْرُ») .
وأخْرَجَ البُخارِيُّ في (التّارِيخِ)، والبَيْهَقِيُّ مِن طَرِيقِ سُهَيْلِ بْنِ أبِي صالِحٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أبِيهِ، «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: (مَن لَقِيَ اللَّهَ وهو مُدْمِنُ خَمْرٍ لَقِيَهُ كَعابِدِ وثَنٍ») .
وأخْرَجَ البُخارِيُّ في (التّارِيخِ)، والبَيْهَقِيُّ، مِن طَرِيقِ سُهَيْلٍ، عَنْ أبِيهِ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا مِثْلَهُ، وقالَ البُخارِيُّ: ولا يَصِحُّ حَدِيثُ أبِي هُرَيْرَةَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «(مَن ماتَ (p-٤٩٢)مُدْمِنَ خَمْرٍ لَقِيَ اللَّهَ وهو كَعابِدِ وثَنٍ») .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا، والبَيْهَقِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «(مَن شَرِبَ شَرابًا يَذْهَبُ بِعَقْلِهِ فَقَدْ أتى بابًا مِن أبْوابِ الكَبائِرِ») .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قالَ: لَأنْ أزْنِيَ أحَبُّ إلَيَّ مِن أنْ أسْكَرَ، ولَأنْ أسْرِقَ أحَبُّ إلَيَّ مِن أنْ أسْكَرَ، لِأنَّ السَّكْرانَ يَأْتِي عَلَيْهِ ساعَةٌ لا يَعْرِفُ فِيها رَبَّهُ.
وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «(مَن لَبِسَ الحَرِيرَ في الدُّنْيا لَمْ يَلْبَسْهُ في الآخِرَةِ، ومَن شَرِبَ الخَمْرَ في الدُّنْيا لَمْ يَشْرَبْهُ في الآخِرَةِ، ومَن شَرِبَ في آنِيَةِ الذَّهَبِ والفِضَّةِ لَمْ يَشْرَبْ بِها في الآخِرَةِ)، ثُمَّ قالَ: (لِباسُ أهْلِ الجَنَّةِ، وشَرابُ أهْلِ الجَنَّةِ، وآنِيَةُ أهْلِ الجَنَّةِ») .
وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ، عَنْ أبِي مُوسى، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «(ثَلاثَةٌ لا يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ، مُدْمِنُ خَمْرٍ، وقاطِعُ الرَّحِمِ، ومُصَدِّقٌ بِالسِّحْرِ، ومَن ماتَ مُدْمِنَ الخَمْرِ سَقاهُ اللَّهُ مِن نَهْرِ الغُوطَةِ)، قِيلَ: وما نَهْرُ الغُوطَةِ؟ قالَ: (نَهْرٌ يَخْرُجُ مِن فُرُوجِ المُومِساتِ، يُؤْذِي أهْلَ النّارِ رِيحُ فُرُوجِهِمْ») . (p-٤٩٣)وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ: «أنَّ أبا بَكْرٍ وعُمَرَ وناسًا جَلَسُوا بَعْدَ وفاةِ النَّبِيِّ ﷺ فَذَكَرُوا أعْظَمَ الكَبائِرِ، فَلَمْ يَكُنْ عِنْدَهم فِيها عِلْمٌ، فَأرْسَلُونِي إلى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو أسْألُهُ، فَأخْبَرَنِي أنَّ أعْظَمَ الكَبائِرِ شُرْبَ الخَمْرِ، فَأتَيْتُهم فَأخْبَرْتُهُمْ، فَأنْكَرُوا ذَلِكَ، ووَثَبُوا جَمِيعًا، حَتّى أتَوْهُ في دارِهِ، فَأخْبَرَهم أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: (إنَّ مَلِكًا مِن مُلُوكِ بَنِي إسْرائِيلَ أخَذَ رَجُلًا فَخَيَّرَهُ بَيْنَ أنْ يَشْرَبَ الخَمْرَ، أوْ يَقْتُلَ نَفْسًا، أوْ يَزْنِيَ، أوْ يَأْكُلَ لَحْمَ خِنْزِيرٍ، أوْ يَقْتُلُوهُ، فاخْتارَ الخَمْرَ، وإنَّهُ لَمّا شَرِبَهُ لَمْ يَمْتَنِعْ مِن شَيْءٍ أرادُوهُ مِنهُ)، وأنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: (ما مِن أحَدٍ يَشْرَبُها فَتُقْبَلَ لَهُ صَلاةٌ أرْبَعِينَ لَيْلَةً، ولا يَمُوتُ وفي مَثانَتِهِ مِنهُ شَيْءٌ إلّا حُرِّمَتْ عَلَيْهِ بِها الجَنَّةُ، فَإنْ ماتَ في أرْبَعِينَ لَيْلَةً ماتَ مِيتَةً جاهِلِيَّةً») .
وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ، عَنْ أبِي مُسْلِمٍ الخَوْلانِيِّ، أنَّهُ حَجَّ فَدَخَلَ عَلى عائِشَةَ، فَجَعَلَتْ تَسْألُهُ عَنِ الشّامِ، وعَنْ بَرْدِها، فَجَعَلَ يُخْبِرُها، فَقالَتْ: كَيْفَ تَصْبِرُونَ عَلى بَرْدِها؟ قالَ: يا أُمَّ المُؤْمِنِينَ، إنَّهم يَشْرَبُونَ شَرابًا لَهم يُقالُ لَهُ: الطِّلاءُ، قالَتْ: صَدَقَ اللَّهُ وبَلَّغَ حِبِّي ﷺ، سَمِعْتُهُ يَقُولُ: «(إنَّ ناسًا مِن أُمَّتِي يَشْرَبُونَ الخَمْرَ، يُسَمُّونَها بِغَيْرِ اسْمِها») .
وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في (الشُّعَبِ) عَنْ أنَسٍ، أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «(بَعَثَنِي اللَّهُ رَحْمَةً وهُدًى لِلْعالَمِينَ، وبَعَثَنِي بِمَحْقِ المَعازِفِ، والمَزامِيرِ، وأمْرِ الجاهِلِيَّةِ) ثُمَّ (p-٤٩٤)قالَ: (مَن شَرِبَ خَمْرًا في الدُّنْيا سَقاهُ اللَّهُ كَما شَرِبَ مِنهُ مِن حَمِيمِ جَهَنَّمَ، مُعَذَّبٌ بَعْدُ، أوْ مَغْفُورٌ لَهُ») .
وأخْرَجَ أحْمَدُ، وابْنُ أبِي الدُّنْيا، في (ذَمِّ المَلاهِي)، والطَّبَرانِيُّ، عَنْ أبِي أُمامَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «(إنَّ اللَّهَ بَعَثَنِي رَحْمَةً وهُدًى لِلْعالَمِينَ، بَعَثَنِي لِأمْحَقَ المَعازِفَ، والمَزامِيرَ، وأمْرَ الجاهِلِيَّةِ والأوْثانَ، وحَلَفَ رَبِّي عَزَّ وجَلَّ بِعِزَّتِهِ لا يَشْرَبُ الخَمْرَ أحَدٌ في الدُّنْيا إلّا سَقاهُ اللَّهُ مِثْلَها مِنَ الحَمِيمِ يَوْمَ القِيامَةِ، مَغْفُورٌ لَهُ، أوْ مُعَذَّبٌ، ولا يَدَعُها أحَدٌ في الدُّنْيا إلّا سَقَيْتُهُ إيّاها في حَظِيرَةِ القُدْسِ حَتّى تَقْنَعَ نَفْسُهُ») .
وأخْرَجَ الحاكِمُ عَنْ ثَوْبانَ قالَ: قالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «(إذا حَلَفْتَ عَلى مَعْصِيَةٍ فَدَعْها، واقْذِفْ ضَغائِنَ الجاهِلِيَّةِ تَحْتَ قَدَمَيْكَ، وإيّاكَ وشُرْبَ الخَمْرِ، فَإنَّ اللَّهَ لَمْ يُقَدِّسْ شارِبَها») .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا في كِتابِ (ذَمِّ المَلاهِي)، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السّاعِدِيِّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «(يَكُونُ في أُمَّتِي خَسْفٌ، وقَذْفٌ، ومَسْخٌ)، قِيلَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، مَتى؟ قالَ: (إذا ظَهَرَتِ المَعازِفُ (p-٤٩٥)والقَيْناتُ، واسْتُحِلَّتِ الخَمْرُ») . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا، عَنْ عِمْرانَ بْنِ حُصَيْنٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «(يَكُونُ في أُمَّتِي قَذْفٌ ومَسْخٌ وخَسْفٌ)، قِيلَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، ومَتى ذَلِكَ؟ قالَ: (إذا ظَهَرَتِ المَعازِفُ، وكَثُرَتِ القَيْناتُ، وشُرِبَتِ الخُمُورُ») .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا، عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (يَكُونُ في أُمَّتِي خَسْفٌ ومَسْخٌ وقَذْفٌ)، قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، وهم يَقُولُونَ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ؟ قالَ: (إذا ظَهَرَتِ القَيْناتُ، وظَهَرَ الزِّنا، وشُرِبَ الخَمْرُ، ولُبِسَ الحَرِيرُ، كانَ ذا عِنْدَ ذا») .
وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ، وابْنُ أبِي الدُّنْيا، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «(إذا عَمِلَتْ أُمَّتِي خَمْسَ عَشْرَةَ خَصْلَةً حَلَّ بِها البَلاءُ)، قِيلَ: وما هي يا رَسُولَ اللَّهِ؟ قالَ: (إذا كانَ المَغْنَمُ دُوَلًا، والأمانَةُ مَغْنَمًا، والزَّكاةُ مَغْرَمًا، وأطاعَ الرَّجُلُ زَوْجَتَهُ وعَقَّ أُمَّهُ، وبَرَّ صَدِيقَهُ وجَفا أباهُ، وارْتَفَعَتِ الأصْواتُ في المَساجِدِ، وكانَ زَعِيمُ القَوْمِ أرْذَلَهُمْ، وأُكْرِمَ الرَّجُلُ مَخافَةَ شَرِّهِ، (p-٤٩٦)وشُرِبَتِ الخُمُورُ، ولُبِسَ الحَرِيرُ، واتَّخَذُوا القِيانَ والمَعازِفَ، ولَعَنَ آخِرُ هَذِهِ الأُمَّةِ أوَّلَها، فَلْيَرْتَقِبُوا عِنْدَ ذَلِكَ ثَلاثًا: رِيحًا حَمْراءَ، وخَسْفًا، ومَسْخًا») .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «(تُمْسَخُ طائِفَةٌ مِن أُمَّتِي قِرَدَةً، وطائِفَةٌ خَنازِيرَ، ويُخْسَفُ بِطائِفَةٍ، ويُرْسَلُ عَلى طائِفَةٍ الرِّيحُ العَقِيمُ، بِأنَّهم شَرِبُوا الخَمْرَ، ولَبِسُوا الحَرِيرَ، واتَّخَذُوا القِيانَ، وضَرَبُوا بِالدُّفُوفِ») .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا، عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «(لَيَكُونَنَّ في هَذِهِ الأُمَّةِ خَسْفٌ وقَذْفٌ ومَسْخٌ، وذَلِكَ إذا شَرِبُوا الخَمْرَ، واتَّخَذُوا القَيْناتِ، وضَرَبُوا بِالمَعازِفِ») .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «(يُمْسَخُ قَوْمٌ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ في آخِرِ الزَّمانِ قِرَدَةً وخَنازِيرَ)، قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، ألَيْسَ يَشْهَدُونَ أنَّ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وأنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ؟ قالَ: (بَلى، ويَصُومُونَ، ويُصَلُّونَ، ويَحُجُّونَ)، قالَ: فَما بالُهُمْ؟ قالَ: (اتَّخَذُوا المَعازِفَ، والدُّفُوفَ، والقَيْناتِ، فَباتُوا عَلى شُرْبِهِمْ، ولَهْوِهِمْ، فَأصْبَحُوا قَدْ مُسِخُوا قِرَدَةً وخَنازِيرَ») .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ أبِي الدُّنْيا، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سابِطٍ قالَ: (p-٤٩٧)قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «(يَكُونُ في أُمَّتِي خَسْفٌ، وقَذْفٌ ومَسْخٌ)، قالُوا: مَتى ذَلِكَ يا رَسُولَ اللَّهِ؟ قالَ: (إذا أظْهَرُوا المَعازِفَ، واسْتَحَلُّوا الخُمُورَ، ولُبِسَ الحَرِيرُ») .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا، عَنِ الغازِي بْنِ رَبِيعَةَ، رَفَعَ الحَدِيثَ قالَ: «(لَيُمْسَخَنَّ قَوْمٌ وهم عَلى أرِيكَتِهِمْ قِرَدَةً وخَنازِيرَ، بِشُرْبِهِمُ الخَمْرَ، وضَرْبِهِمْ بِالبَرابِطِ والقِيانِ») .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا، عَنْ صالِحِ بْنِ خالِدٍ، رَفَعَ ذَلِكَ إلى النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «(لَيَسْتَحِلَّنَّ ناسٌ مِن أُمَّتِي الحَرِيرَ، والخَمْرَ، والمَعازِفَ، ولَيَأْتِيَنَّ اللَّهُ عَلى أهْلِ حاضِرَتِهِمْ بِجَبَلٍ عَظِيمٍ حَتّى يَنْبِذَهُ عَلَيْهِمْ، ويُمْسَخُ آخَرُونَ قِرَدَةً وخَنازِيرَ») .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا، عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «(لَيَبِيتَنَّ رِجالٌ عَلى أكْلٍ وشُرْبٍ وعَزْفٍ، يُصْبِحُونَ عَلى أرائِكِهِمْ مَمْسُوخِينَ قِرَدَةً وخَنازِيرَ») .
وأخْرَجَ ابْنُ عَدِيٍّ، والحاكِمُ، والبَيْهَقِيُّ في (الشُّعَبِ) وضَعَّفَهُ، عَنْ أبِي (p-٤٩٨)هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «(والَّذِي بَعَثَنِي بِالحَقِّ لا تَنْقَضِي هَذِهِ الدُّنْيا حَتّى يَقَعَ بِهِمُ الخَسْفُ والمَسْخُ والقَذْفُ)، قالُوا: ومَتى ذاكَ يا رَسُولَ اللَّهِ؟ قالَ: (إذا رَأيْتُمُ النِّساءَ رَكِبْنَ السُّرُوجَ، وكَثُرَتِ المَعازِفُ، وفَشَتْ شَهاداتُ الزُّورِ، وشُرِبَتِ الخَمْرُ لا يُسْتَخْفى بِهِ، وشَرِبَتِ المُصَلُّونَ في آنِيَةِ أهْلِ الشِّرْكِ مِنَ الذَّهَبِ والفِضَّةِ، واسْتَغْنى النِّساءُ بِالنِّساءِ، والرِّجالُ بِالرِّجالِ، فَإذا رَأيْتُمْ ذَلِكَ فاسْتَدْفِرُوا، واسْتَعِدُّوا، واتَّقُوا القَذْفَ مِنَ السَّماءِ») .
وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ وضَعَّفَهُ عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «(إذا اسْتَعْمَلَتْ أُمَّتِي خَمْسًا فَعَلَيْهِمُ الدَّمارُ: إذا ظَهَرَ فِيهِمُ التَّلاعُنُ، ولُبِسَ الحَرِيرُ، واتَّخَذُوا القَيْناتِ، وشَرِبُوا الخَمْرَ، واكْتَفى الرِّجالُ بِالرِّجالِ، والنِّساءُ بِالنِّساءِ») .
وأخْرَجَ أحْمَدُ، وابْنُ أبِي الدُّنْيا، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ أبِي أُمامَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «(يَبِيتُ قَوْمٌ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ عَلى طُعْمٍ وشُرْبٍ، ولَهْوٍ ولَعِبٍ، فَيُصْبِحُوا وقَدْ مُسِخُوا قِرَدَةً وخَنازِيرَ، ولَيُصِيبَنَّهم خَسْفٌ وقَذْفٌ حَتّى يُصْبِحَ النّاسُ فَيَقُولُونَ: قَدْ خُسِفَ اللَّيْلَةَ بِبَنِي فُلانٍ، وخُسِفَ اللَّيْلَةَ بِدارِ فُلانٍ، ولَيُرْسِلَنَّ عَلَيْهِمْ حاصِبًا مِنَ السَّماءِ، كَما أُرْسِلَتْ عَلى (p-٤٩٩)قَوْمِ لُوطٍ، عَلى قَبائِلَ فِيها، وعَلى دُورٍ، ولَيُرْسِلَنَّ عَلَيْهِمُ الرِّيحَ العَقِيمَ الَّتِي أهْلَكَتْ عادًا، عَلى قَبائِلَ فِيها، وعَلى دُورٍ، بِشُرْبِهِمُ الخَمْرَ، ولُبْسِهِمُ الحَرِيرَ، واتِّخاذِهِمُ القَيْناتِ، وأكْلِهِمُ الرِّبا، وقَطِيعَتِهِمُ الرَّحِمَ») .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأبُو داوُدَ، وابْنُ ماجَهْ، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ أبِي مالِكٍ الأشْعَرِيِّ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «(لَيَشْرَبَنَّ ناسٌ مِن أُمَّتِي الخَمْرَ يُسَمُّونَها بِغَيْرِ اسْمِها، ويُضْرَبُ عَلى رُؤُوسِهِمُ المَعازِفُ، والمُغَنِّياتُ، يَخْسِفُ اللَّهُ بِهِمُ الأرْضَ، ويَجْعَلُ مِنهُمُ القِرَدَةَ والخَنازِيرَ») .
وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ، عَنْ مُعاذٍ، وأبِي عُبَيْدَةَ، قالا: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «(إنَّ هَذا الأمْرَ بَدَأ رَحْمَةً ونُبُوَّةً، ثُمَّ يَكُونُ رَحْمَةً وخِلافَةً، ثُمَّ كائِنٌ مُلْكًا عَضُوضًا، ثُمَّ كائِنٌ عُتُوًّا وجَبْرِيَّةً وفَسادًا في الأرْضِ، يَسْتَحِلُّونَ الحَرِيرَ والخُمُورَ والفُرُوجَ، يُرْزَقُونَ عَلى ذَلِكَ ويُنْصَرُونَ، حَتّى يَلْقَوُا اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ») . (p-٥٠٠)وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ، عَنْ أبِي مُوسى قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «(مَن حَبَسَ العِنَبَ أيّامَ قِطافِهِ حَتّى يَبِيعَهُ مِن يَهُودِيٍّ أوْ نَصْرانِيٍّ، أوْ مِمَّنْ يَعْلَمُ أنَّهُ يُتَّخَذُ خَمْرًا، فَقَدْ تَقَدَّمَ في النّارِ عَلى بَصِيرَةٍ») .
وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أنَّهُ كانَ يَكْرَهُ أنْ تُسْقى البَهائِمُ الخَمْرَ.
وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ، عَنْ عائِشَةَ: أنَّها كانَتْ تَنْهى النِّساءَ أنْ يَمْتَشِطْنَ بِالخَمْرِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وأحْمَدُ، وأبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ ماجَهْ، عَنْ مُعاوِيَةَ بْنِ أبِي سُفْيانَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «(مَن شَرِبَ الخَمْرَ فاجْلِدُوهُ)، قالَها ثَلاثًا، قالَ: (فَإنْ شَرِبَها الرّابِعَةَ فاقْتُلُوهُ») .
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، عَنْ أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ، «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ حِينَ بَعَثَهُ إلى اليَمَنِ سَألَهُ قالَ: إنَّ قَوْمِي يَصْنَعُونَ شَرابًا مِنَ الذُّرَةِ يُقالُ لَهُ: المَزْرُ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: (أيُسْكِرُ؟) قالَ: نَعَمْ، قالَ: (فانْهَهم عَنْهُ)، قالَ: نَهَيْتُهم ولَمْ يَنْتَهُوا، قالَ: (فَمَن لَمْ يَنْتَهِ في الثّالِثَةِ مِنهم فاقْتُلْهُ») .
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، عَنْ مَكْحُولٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «(مَن شَرِبَ (p-٥٠١)الخَمْرَ فاضْرِبُوهُ)، ثُمَّ قالَ في الرّابِعَةِ: (مَن شَرِبَ الخَمْرَ فاقْتُلُوهُ») .
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «(إذا شَرِبُوا فاجْلِدُوهُمْ، قالَها ثَلاثًا، فَإذا شَرِبُوا الرّابِعَةَ فاقْتُلُوهُمْ)، قالَ مَعْمَرٌ: فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِابْنِ المُنْكَدِرِ، فَقالَ: قَدْ تُرِكَ القَتْلُ، قَدْ أُتِيَ النَّبِيُّ ﷺ بِابْنِ النُّعَيْمانِ فَجَلَدَهُ، ثُمَّ أُتِيَ بِهِ فَجَلَدَهُ، ثُمَّ أُتِيَ بِهِ فَجَلَدَهُ، ثُمَّ أُتِيَ بِهِ فَجَلَدَهُ الرّابِعَةَ أوْ أكْثَرَ» .
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «(إذا شَرِبُوا فاجْلِدُوهُمْ، ثُمَّ إذا شَرِبُوا فاجْلِدُوهُمْ، ثُمَّ إذا شَرِبُوا فاجْلِدُوهُمْ، ثُمَّ إذا شَرِبُوا فاقْتُلُوهُمْ)، ثُمَّ قالَ: (إنَّ اللَّهَ قَدْ وضَعَ عَنْهُمُ القَتْلَ، فَإذا شَرِبُوا فاجْلِدُوهُمْ، ثُمَّ إذا شَرِبُوا فاجْلِدُوهُمْ)، ذَكَرَها أرْبَعَ مَرّاتٍ» .
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينارٍ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «(مَن شَرِبَ الخَمْرَ فَحُدُّوهُ، فَإنْ شَرِبَ الثّانِيَةَ فَحُدُّوهُ، فَإنْ شَرِبَ الثّالِثَةَ فَحُدُّوهُ، فَإنْ شَرِبَ الرّابِعَةَ فاقْتُلُوهُ)، قالَ: فَأُتِيَ بِابْنِ النُّعَيْمانِ قَدْ شَرِبَ، فَضُرِبَ بِالنِّعالِ والأيْدِي، ثُمَّ أُتِيَ بِهِ الثّانِيَةَ فَكَذَلِكَ، ثُمَّ أُتِيَ بِهِ الرّابِعَةَ فَحَدَّهُ، ووَضَعَ القَتْلَ» .
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، عَنْ قَبِيصَةَ بْنِ ذُؤَيْبٍ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ ضَرَبَ رَجُلًا في الخَمْرِ أرْبَعَ مَرّاتٍ»، ثُمَّ إنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ ضَرَبَ أبا مِحْجَنٍ الثَّقَفِيَّ في الخَمْرِ (p-٥٠٢)ثَمانِ مَرّاتٍ.
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، عَنْ أبِي الرَّمْداءِ البَلَوِيِّ، «أنَّ رَجُلًا مِنهم شَرِبَ الخَمْرَ، فَأتَوْا بِهِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَضَرَبَهُ، ثُمَّ شَرِبَ الثّانِيَةَ، فَأتَوْا بِهِ فَضَرَبَهُ، فَما أدْرِي قالَ في الثّالِثَةِ أوِ الرّابِعَةِ: أمَرَ بِهِ فَجُعِلَ عَلى العِجْلِ فَضُرِبَتْ عُنُقُهُ» .
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «(لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ عاقٌّ ولا مَنّانٌ ولا مُدْمِنُ خَمْرٍ»)، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: فَذَهَبْنا نَنْظُرُ في كِتابِ اللَّهِ، فَإذا هم فِيهِ، في العاقِّ: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إنْ تَوَلَّيْتُمْ أنْ تُفْسِدُوا في الأرْضِ وتُقَطِّعُوا أرْحامَكُمْ﴾ [محمد: ٢٢] [مُحَمَّدٍ: ٢٢]، إلى آخِرِ الآيَةِ، وفي المَنّانِ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكم بِالمَنِّ والأذى﴾ [البقرة: ٢٦٤] [البَقَرَةِ: ٢٦٤]، وفي الخَمْرِ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنَّما الخَمْرُ والمَيْسِرُ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿مِن عَمَلِ الشَّيْطانِ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأحْمَدُ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، «عَنِ الدَّيْلَمِيِّ (p-٥٠٣)قالَ: وفَدْتُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنّا نَصْنَعُ طَعامًا وشَرابًا فَنُطْعِمُهُ بَنِي عَمِّنا، فَقالَ: (هَلْ يُسْكِرُ؟) قُلْتُ: نَعَمْ، فَقالَ: (حَرامٌ)، فَلَمّا كانَ عِنْدَ تَوْدِيعِي إيّاهُ ذَكَرْتُهُ لَهُ، فَقُلْتُ: يا نَبِيَّ اللَّهِ، إنَّهم لَنْ يَصْبِرُوا عَنْهُ، قالَ: (فَمَن لَمْ يَصْبِرْ عَنْهُ فاضْرِبُوا عُنُقَهُ») .
وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، وأحْمَدُ، عَنْ شُرَحْبِيلَ بْنِ أوْسٍ قالَ: قالَ النَّبِيُّ ﷺ: «(مَن شَرِبَ الخَمْرَ فاجْلِدُوهُ، فَإنْ عادَ فاجْلِدُوهُ، فَإنْ عادَ فاجْلِدُوهُ، فَإنْ عادَ فاقْتُلُوهُ») .
وأخْرَجَ أحْمَدُ، والطَّبَرانِيُّ، عَنْ أُمِّ حَبِيبَةَ بِنْتِ أبِي سُفْيانَ، «أنَّ ناسًا مِن أهْلِ اليَمَنِ قَدِمُوا عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَأعْلَمَهُمُ الصَّلاةَ والسُّنَنَ والفَرائِضَ، ثُمَّ قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّ لَنا شَرابًا نَصْنَعُهُ مِنَ التَّمْرِ والشَّعِيرِ، فَقالَ: (الغُبَيْراءُ؟) قالُوا: نَعَمْ، قالَ: (لا تَطْعَمُوهُ)، قالُوا: فَإنَّهم لا يَدَعُونَها، قالَ: (مَن لَمْ يَتْرُكْها فاضْرِبُوا عُنُقَهُ») .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ مِن طَرِيقِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «(إنَّ الَّذِينَ يَشْرَبُونَ الخَمْرَ وقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ لا يُسْقَوْنَها في حَظِيرَةِ القُدْسِ») . (p-٥٠٤)وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: مَن شَرِبَ الخَمْرَ لَمْ يَقْبَلِ اللَّهُ مِنهُ صَلاةً أرْبَعِينَ صَباحًا، فَإنْ ماتَ في الأرْبَعِينَ دَخَلَ النّارَ، ولَمْ يَنْظُرِ اللَّهُ إلَيْهِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، عَنِ الحَسَنِ، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «(يَلْقى اللَّهَ شارِبُ الخَمْرِ يَوْمَ القِيامَةِ وهو سَكْرانُ، فَيَقُولُ: ويْلَكَ ما شَرِبْتَ؟ فَيَقُولُ: الخَمْرُ، قالَ: أوَلَمْ أُحَرِّمْها عَلَيْكَ؟ فَيَقُولُ: بَلى، فَيُؤْمَرُ بِهِ إلى النّارِ») .
وأخْرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ في زَوائِدِ (المُسْنَدِ)، عَنْ عُبادَةَ بْنِ الصّامِتِ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قالَ: «(والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَيَبِيتَنَّ أُناسٌ مِن أُمَّتِي عَلى أشَرٍ، وبَطَرٍ، ولَعِبٍ، ولَهْوٍ، فَيُصْبِحُوا قِرَدَةً وخَنازِيرَ، بِاسْتِحْلالِهِمُ المَحارِمَ، واتِّخاذِهِمُ القَيْناتِ، وشُرْبِهِمُ الخَمْرَ، وبِأكْلِهِمُ الرِّبا، ولُبْسِهِمُ الحَرِيرَ») .
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قالَ: إنَّهُ في الكِتابِ مَكْتُوبٌ: إنَّ خَطِيئَةَ الخَمْرِ تَعْلُو الخَطايا كَما تَعْلُو شَجَرَتُها الشَّجَرَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، عَنْ مَسْرُوقِ بْنِ الأجْدَعِ قالَ: شارِبُ الخَمْرِ كَعابِدِ الوَثَنِ، وشارِبُ الخَمْرِ كَعابِدِ اللّاتِ والعُزّى.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، عَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ قالَ: مَن شَرِبَ مُسْكِرًا لَمْ يَقْبَلِ اللَّهُ مِنهُ ما كانَتْ في مَثانَتِهِ مِنهُ قَطْرَةٌ، فَإنْ ماتَ مِنها كانَ حَقًّا عَلى اللَّهِ أنْ يَسْقِيَهُ مِن طِينَةِ (p-٥٠٥)الخَبالِ، وهي صَدِيدُ أهْلِ النّارِ وقَيْحُهم.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، عَنْ أبِي ذَرٍّ قالَ: مَن شَرِبَ مُسْكِرًا مِنَ الشَّرابِ فَهو رِجْسٌ، ورِجْسٌ صَلاتُهُ أرْبَعِينَ لَيْلَةً، فَإنْ تابَ تابَ اللَّهُ عَلَيْهِ، فَإنْ شَرِبَ أيْضًا فَهو رِجْسٌ، ورِجْسٌ صِلاتُهُ أرْبَعِينَ لَيْلَةً، فَإنْ تابَ تابَ اللَّهُ عَلَيْهِ، فَإنْ شَرِبَ أيْضًا فَهو رِجْسٌ ورِجْسٌ صَلاتُهُ أرْبَعِينَ لَيْلَةً، فَإنْ تابَ تابَ اللَّهُ عَلَيْهِ، فَإنْ عادَ لَها قالَ: في الثّالِثَةِ، أوِ الرّابِعَةِ كانَ حَقًّا عَلى اللَّهِ أنْ يَسْقِيَهُ مِن طِينَةِ الخَبالِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، عَنْ أبانَ، رَفَعَ الحَدِيثَ، قالَ: «(إنَّ الخَبائِثَ جُعِلَتْ في بَيْتٍ فَأُغْلِقَ عَلَيْها، وجُعِلَ مِفْتاحُها الخَمْرَ، فَمَن شَرِبَ الخَمْرَ وقَعَ بِالخَبائِثِ») .
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ قالَ: إنَّ الخَمْرَ مِفْتاحُ كُلِّ شَرٍّ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ المُنْكَدِرِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «(مَن شَرِبَ الخَمْرَ صَباحًا كانَ كالمُشْرِكِ بِاللَّهِ حَتّى يُمْسِيَ، وكَذَلِكَ إنْ شَرِبَها لَيْلًا، كانَ كالمُشْرِكِ بِاللَّهِ حَتّى يُصْبِحَ، ومَن شَرِبَها حَتّى يَسْكَرَ لَمْ يَقْبَلِ اللَّهُ لَهُ صَلاةً أرْبَعِينَ صَباحًا، ومَن ماتَ وفي عُرُوقِهِ مِنها شَيْءٌ ماتَ مِيتَةً جاهِلِيَّةً») .
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «(حَلَفَ اللَّهُ بِعِزَّتِهِ وقُدْرَتِهِ: لا يَشْرَبُ عَبْدٌ مُسْلِمٌ شَرْبَةً مِن خَمْرٍ إلّا سَقَيْتُهُ بِما انْتَهَكَ مِنها مِنَ (p-٥٠٦)الحَمِيمِ، مُعَذَّبٌ بَعْدُ، أوْ مَغْفُورٌ لَهُ، ولا يَتْرُكُها وهو عَلَيْها قادِرٌ ابْتِغاءَ مَرْضاتِي إلّا سَقَيْتُهُ مِنها، فَأرْوَيْتُهُ في حَظِيرَةِ القُدْسِ») .
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العاصِي قالَ: يَجِيءُ يَوْمَ القِيامَةِ شارِبُ الخَمْرِ مُسْوَدًّا وجْهُهُ، مُزْرَقَّةً عَيْناهُ، مائِلًا شِقُّهُ، أوْ قالَ: شِدْقُهُ مُدَلَّيًا لِسانُهُ، يَسِيلُ لُعابُهُ عَلى صَدْرِهِ، يَقْذِرُهُ كُلُّ مَن يَراهُ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ، عَنْ قَيْسِ بْنِ سَعْدِ بْنِ عُبادَةَ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَن شَرِبَ الخَمْرَ أتى عَطْشانَ يَوْمَ القِيامَةِ، ألا وكُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ، وإيّاكم والغُبَيْراءَ» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ، عَنْ أبِي ذَرٍّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «(مَن شَرِبَ الخَمْرَ لَمْ يَقْبَلِ اللَّهُ لَهُ صَلاةً أرْبَعِينَ لَيْلَةً، فَإنْ تابَ تابَ اللَّهُ عَلَيْهِ، فَإنْ عادَ كانَ مِثْلَ ذَلِكَ)، فَما أدْرِي في الثّالِثَةِ أمْ في الرّابِعَةِ قالَ: (فَإنْ عادَ كانَ حَتْمًا عَلى اللَّهِ أنْ يَسْقِيَهُ مِن طِينَةِ الخَبالِ)، قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، ما طِينَةُ الخَبالِ؟ قالَ: (عُصارَةُ أهْلِ النّارِ») .
وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنْ خَلْدَةَ بِنْتِ طَلْقٍ قالَتْ: قالَ لَنا أبِي: «جَلَسْنا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَجاءَ صُحارٌ فَسَألَهُ: ما تَرى في شَرابٍ (p-٥٠٧)نَصْنَعُهُ مِن ثَمارِنا؟ قالَ: (تَسْألُنِي عَنِ المُسْكِرِ، لا تَشْرَبْهُ ولا تُسْقِهِ أخاكَ، فَوالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، ما شَرِبَهُ رَجُلٌ قَطُّ ابْتِغاءَ لَذَّةِ سُكْرٍ، فَيَسْقِيَهُ اللَّهُ الخَمْرَ يَوْمَ القِيامَةِ») .
وأخْرَجَ أحْمَدُ، عَنْ أسْماءَ بِنْتِ يَزِيدَ، أنَّها سَمِعَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «(مَن شَرِبَ الخَمْرَ لَمْ يَرْضَ اللَّهُ عَنْهُ أرْبَعِينَ لَيْلَةً، فَإنْ ماتَ ماتَ كافِرًا، وإنْ تابَ تابَ اللَّهُ عَلَيْهِ، وإنْ عادَ كانَ حَقًّا عَلى اللَّهِ أنْ يَسْقِيَهُ مِن طِينَةِ الخَبالِ)، قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، وما طِينَةُ الخَبالِ؟ قالَ: (صَدِيدُ أهْلِ النّارِ») .
وأخْرَجَ أحْمَدُ في (الزُّهْدِ)، عَنْ أبِي الدَّرْداءِ قالَ: الرَّيْبُ مِنَ الكُفْرِ، والنَّوْحُ عَمَلُ الجاهِلِيَّةِ، والشِّعْرُ مِن أمْرِ إبْلِيسَ، والغُلُولُ جَمْرٌ مِن جَهَنَّمَ، والخَمْرُ جامِعُ كُلِّ إثْمٍ، والشَّبابُ شُعْبَةٌ مِنَ الجُنُونِ، والنِّساءُ حَبائِلُ الشَّيْطانِ، والكِبْرُ شَرٌّ مِنَ الشَّرِّ، وشَرُّ المَآكِلِ مالُ اليَتِيمِ، وشَرُّ المَكاسِبِ الرِّبا، والسَّعِيدُ مَن وُعِظَ بِغَيْرِهِ، والشَّقِيُّ مَن شَقِيَ في بَطْنِ أُمِّهِ.
وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في (الشُّعَبِ)، عَنْ عَلِيٍّ، قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «(لَمْ يَزَلْ جِبْرِيلُ يَنْهانِي عَنْ عِبادَةِ الأوْثانِ، وشُرْبِ الخَمْرِ، ومُلاحاةِ الرِّجالِ») . (p-٥٠٨)وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «(كانَ في أوَّلِ ما نَهانِي عَنْهُ رَبِّي وعَهِدَ إلَيَّ بَعْدَ عِبادَةِ الأوْثانِ وشُرْبِ الخَمْرِ، مُلاحاةُ الرِّجالِ») .