Lafzullah

Al-Durr Al-Manthur — المائدة 5:93 – المائدة 5:120

المؤلف / المصدر: Al-Durr Al-Manthur

المحتويات
  1. المائدة 5:93
  2. المائدة 5:94
  3. المائدة 5:95
  4. المائدة 5:96
  5. المائدة 5:97
  6. المائدة 5:98
  7. المائدة 5:100
  8. المائدة 5:101
  9. المائدة 5:102
  10. المائدة 5:103
  11. المائدة 5:105
  12. المائدة 5:106
  13. المائدة 5:107
  14. المائدة 5:108
  15. المائدة 5:109
  16. المائدة 5:110
  17. المائدة 5:111
  18. المائدة 5:112
  19. المائدة 5:113
  20. المائدة 5:114
  21. المائدة 5:115
  22. المائدة 5:116
  23. المائدة 5:117
  24. المائدة 5:118
  25. المائدة 5:119
  26. المائدة 5:120

المائدة 5:93

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنَّما الخَمْرُ﴾ الآياتِ. أخْرَجَ أحْمَدُ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «حُرِّمَتِ الخَمْرُ ثَلاثَ مَرّاتٍ، قَدِمَ رَسُولُ (p-٤٥٤)اللَّهِ ﷺ وهم يَشْرَبُونَ الخَمْرَ، ويَأْكُلُونَ المَيْسِرَ، فَسَألُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْهُما، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الخَمْرِ والمَيْسِرِ﴾ [البقرة: ٢١٩] الآيَةَ [البَقَرَةِ: ٢١٩]، فَقالَ النّاسُ: ما حُرِّمَ عَلَيْنا، إنَّما قالَ: ﴿إثْمٌ كَبِيرٌ﴾ [البقرة: ٢١٩] وكانُوا يَشْرَبُونَ الخَمْرَ، حَتّى كانَ يَوْمٌ مِنَ الأيّامِ، صَلّى رَجُلٌ مِنَ المُهاجِرِينَ، أمَّ أصْحابَهُ في المَغْرِبِ، خَلَطَ في قِراءَتِهِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ أغْلَظَ مِنها: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وأنْتُمْ سُكارى حَتّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ﴾ [النساء: ٤٣] [النِّساءِ: ٤٣]، وكانَ النّاسُ يَشْرَبُونَ حَتّى يَأْتِيَ أحَدُهُمُ الصَّلاةَ وهو مُفِيقٌ، ثُمَّ نَزَلَتْ آيَةٌ أغْلَظُ مِن ذَلِكَ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنَّما الخَمْرُ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿فَهَلْ أنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ قالُوا: انْتَهَيْنا رَبَّنا، فَقالَ النّاسُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، ناسٌ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ، وماتُوا عَلى فُرُشِهِمْ، كانُوا يَشْرَبُونَ الخَمْرَ، ويَأْكُلُونَ المَيْسِرَ، وقَدْ جَعَلَهُ اللَّهُ رِجْسًا مِن عَمَلِ الشَّيْطانِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿لَيْسَ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ جُناحٌ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ، وقالَ النَّبِيُّ ﷺ: (لَوْ حُرِّمَ عَلَيْهِمْ لَتَرَكُوهُ كَما تَرَكْتُمْ») . وأخْرَجَ الطَّيالِسِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في (شُعَبِ الإيمانِ)، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: «نَزَلَ في الخَمْرِ ثَلاثُ آياتٍ، فَأوَّلُ شَيْءٍ نَزَلَ: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الخَمْرِ والمَيْسِرِ﴾ [البقرة: ٢١٩] الآيَةَ، فَقِيلَ: حُرِّمَتِ الخَمْرُ (p-٤٥٥)فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، دَعْنا نَنْتَفِعْ بِها كَما قالَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، فَسَكَتَ عَنْهُمْ، ثُمَّ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وأنْتُمْ سُكارى﴾ [النساء: ٤٣] فَقِيلَ: حُرِّمَتِ الخَمْرُ، فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، لا نَشْرَبُها قُرْبَ الصَّلاةِ، فَسَكَتَ عَنْهُمْ، ثُمَّ نَزَلَتْ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنَّما الخَمْرُ والمَيْسِرُ﴾ الآيَةَ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (حُرِّمَتِ الخَمْرُ») . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والنَّحّاسُ في (ناسِخِهِ)، وأبُو الشَّيْخِ وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، «عَنْ سَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ قالَ: فِيَّ نَزَلَ تَحْرِيمُ الخَمْرِ، صَنَعَ رَجُلٌ مِنَ الأنْصارِ طَعامًا فَدَعانا، فَأتاهُ ناسٌ، فَأكَلُوا وشَرِبُوا حَتّى انْتَشَوْا مِنَ الخَمْرِ، وذَلِكَ قَبْلَ أنْ تُحَرَّمَ الخَمْرُ، فَتَفاخَرُوا، فَقالَتِ الأنْصارُ: الأنْصارُ خَيْرٌ، وقالَتْ قُرَيْشٌ: قُرَيْشٌ خَيْرٌ، فَأهْوى رَجُلٌ بَلَحْيَيْ جَزُورٍ فَضَرَبَ عَلى أنْفِي فَفَزَرَهُ، فَكانَ سَعْدٌ مَفْزُورَ الأنْفِ، قالَ: فَأتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنَّما الخَمْرُ والمَيْسِرُ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، مِن طَرِيقِ ابْنِ شِهابٍ أنَّ سالِمَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَهُ، أنَّ أوَّلَ ما حُرِّمَتِ الخَمْرُ، أنَّ سَعْدَ بْنَ أبِي وقّاصٍ وأصْحابًا لَهُ شَرِبُوا، فاقْتَتَلُوا، (p-٤٥٦)فَكَسَرُوا أنْفَ سَعْدٍ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿إنَّما الخَمْرُ والمَيْسِرُ﴾ الآيَةَ. وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، عَنْ سَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ قالَ: «نَزَلَتْ فِيَّ ثَلاثُ آياتٍ مِن كِتابِ اللَّهِ، نَزَلَ تَحْرِيمُ الخَمْرِ، نادَمْتُ رَجُلًا فَعارَضْتُهُ وعارَضَنِي، فَعَرْبَدْتُ عَلَيْهِ، فَشَجَجْتُهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنَّما الخَمْرُ والمَيْسِرُ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿فَهَلْ أنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ ونَزَلَتْ فِيَّ: ﴿ووَصَّيْنا الإنْسانَ بِوالِدَيْهِ إحْسانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا﴾ [الأحقاف: ١٥] إلى آخِرِ الآيَةِ [الأحْقافِ: ١٥]، ونَزَلَتْ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكم صَدَقَةً﴾ [المجادلة: ١٢] [المُجادَلَةِ: ١٢]، فَقَدَّمْتُ شَعِيرَةً، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (إنَّكَ لَزَهِيدٌ)، فَنَزَلَتِ الآيَةُ الأُخْرى: ﴿أأشْفَقْتُمْ أنْ تُقَدِّمُوا﴾ [المجادلة: ١٣] الآيَةَ [المُجادَلَةَ»: ١٣] . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، والطَّبَرانِيُّ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: إنَّما نَزَلَ تَحْرِيمُ الخَمْرِ في قَبِيلَتَيْنِ مِن قَبائِلِ الأنْصارِ شَرِبُوا فَلَمّا أنْ ثَمِلَ القَوْمُ عَبَثَ بَعْضُهم بِبَعْضٍ، فَلَمّا أنْ صَحَوْا جَعَلَ يَرى الرَّجُلُ مِنهُمُ الأثَرَ بِوَجْهِهِ وبِرَأْسِهِ ولِحْيَتِهِ، فَيَقُولُ: صَنَعَ بِي هَذا أخِي فُلانٌ، وكانُوا إخْوَةً لَيْسَ في (p-٤٥٧)قُلُوبِهِمْ ضَغائِنُ، واللَّهِ لَوْ كانَ بِي رَؤُوفًا رَحِيمًا ما صَنَعَ بِي هَذا، حَتّى وقَعَتِ الضَّغائِنُ في قُلُوبِهِمْ، فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنَّما الخَمْرُ والمَيْسِرُ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿فَهَلْ أنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ فَقالَ ناسٌ مِنَ المُتَكَلِّفِينَ: هي رِجْسٌ، وهي في بَطْنِ فُلانٍ قُتِلَ يَوْمَ بَدْرٍ، وفُلانٍ قُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿لَيْسَ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا﴾ الآيَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ بُرَيْدَةَ قالَ: بَيْنَما نَحْنُ قُعُودٌ عَلى شَرابٍ لَنا، ونَحْنُ نَشْرَبُ الخَمْرَ حِلًّا، إذْ قُمْتُ حَتّى آتِيَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَأُسَلِّمَ عَلَيْهِ، وقَدْ نَزَلَ تَحْرِيمُ الخَمْرِ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنَّما الخَمْرُ والمَيْسِرُ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿فَهَلْ أنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ فَجِئْتُ إلى أصْحابِي فَقَرَأْتُها عَلَيْهِمْ، قالَ: وبَعْضُ القَوْمِ شَرْبَتُهُ في يَدِهِ، قَدْ شَرِبَ بَعْضًا وبَقِيَ بَعْضٌ في الإناءِ، فَقالَ بِالإناءِ تَحْتَ شَفَتِهِ العُلْيا كَما يَفْعَلُ الحَجّامُ، ثُمَّ صَبُّوا ما في باطِيَتِهِمْ، فَقالُوا: انْتَهَيْنا رَبَّنا. وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في (شُعَبِ الإيمانِ) عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «قامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: (يا أهْلَ المَدِينَةِ، إنَّ اللَّهَ يُعَرِّضُ عَنِ الخَمْرِ تَعْرِيضًا، لا أدْرِي لَعَلَّهُ سَيَنْزِلُ فِيها أمْرٌ)، ثُمَّ قامَ فَقالَ: (يا أهْلَ المَدِينَةِ، إنَّ اللَّهَ قَدْ أنْزَلَ إلَيَّ تَحْرِيمَ الخَمْرِ، فَمَن كَتَبَ (p-٤٥٨)مِنكم هَذِهِ الآيَةَ، وعِنْدَهُ مِنها شَيْءٌ فَلا يَشْرَبْها») . وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سابِطٍ قالَ: زَعَمُوا أنَّ عُثْمانَ بْنَ مَظْعُونٍ حَرَّمَ الخَمْرَ في الجاهِلِيَّةِ، وقالَ: لا أشْرَبُ شَيْئًا يُذْهِبُ عَقْلِي، ويُضْحِكُ بِي مَن هو أدْنى مِنِّي، ويَحْمِلُنِي عَلى أنْ أُنْكِحَ كَرِيمَتِي مَن لا أُرِيدُ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في سُورَةِ المائِدَةِ في الخَمْرِ، فَمَرَّ عَلَيْهِ رَجُلٌ فَقالَ: حُرِّمَتِ الخَمْرُ، وتَلا عَلَيْهِ الآيَةَ، فَقالَ: تَبًّا لَها، قَدْ كانَ بَصَرِي فِيها ثابِتًا. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ في البَقَرَةِ: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الخَمْرِ والمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إثْمٌ كَبِيرٌ ومَنافِعُ لِلنّاسِ﴾ [البقرة: ٢١٩] [البَقَرَةِ: ٢١٩]، شَرِبَها قَوْمٌ لِقَوْلِهِ: ( مَنافِعَ لِلنّاسِ ) وتَرَكَها قَوْمٌ لِقَوْلِهِ: ﴿إثْمٌ كَبِيرٌ﴾ [البقرة: ٢١٩] مِنهم عُثْمانُ بْنُ مَظْعُونٍ، حَتّى نَزَلَتِ الآيَةُ الَّتِي في النِّساءِ: ﴿لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وأنْتُمْ سُكارى﴾ [النساء: ٤٣] [النِّساءِ: ٤٣]، فَتَرَكَها قَوْمٌ، وشَرِبَها قَوْمٌ، يَتْرُكُونَها بِالنَّهارِ حِينَ الصَّلاةِ، ويَشْرَبُونَها بِاللَّيْلِ، حَتّى نَزَلَتِ الآيَةُ الَّتِي في المائِدَةِ: ﴿إنَّما الخَمْرُ والمَيْسِرُ﴾ الآيَةَ، قالَ عُمَرُ: أقُرِنَتْ بِالمَيْسِرِ والأنْصابِ والأزْلامِ؟ بُعْدًا لَكِ وسُحْقًا، فَتَرَكَها النّاسُ، ووَقَعَ في صُدُورِ أُناسٍ مِنَ النّاسِ مِنها، فَجَعَلَ قَوْمٌ يُمَرُّ بِالرّاوِيَةِ مِنَ الخَمْرِ فَتُخْرَقُ، فَيَمُرُّ بِها أصْحابُها فَيَقُولُونَ: قَدْ كُنّا نُكْرِمُكِ عَنْ هَذا المَصْرَعِ، وقالُوا: ما حُرِّمَ عَلَيْنا شَيْءٌ أشَدُّ مِنَ الخَمْرِ، حَتّى جَعَلَ الرَّجُلُ (p-٤٥٩)يَلْقى صاحِبَهُ فَيَقُولُ: إنَّ في نَفْسِي شَيْئًا، فَيَقُولُ لَهُ صاحِبُهُ: لَعَلَّكَ تَذْكُرُ الخَمْرَ؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ، فَيَقُولُ: إنَّ في نَفْسِي مِثْلَ ما في نَفْسِكَ، حَتّى ذَكَرَ ذَلِكَ قَوْمٌ واجْتَمَعُوا فِيهِ، فَقالُوا: كَيْفَ نَتَكَلَّمُ ورَسُولُ اللَّهِ ﷺ شاهِدٌ؟ وخافُوا أنْ يَنْزِلَ فِيهِمْ، فَأتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وقَدْ أعَدُّوا لَهُ حُجَّةً، فَقالُوا: أرَأيْتَ حَمْزَةَ بْنَ عَبْدِ المُطَّلِبِ، ومُصْعَبَ بْنَ عُمَيْرٍ، وعَبْدَ اللَّهِ بْنَ جَحْشٍ، ألَيْسُوا في الجَنَّةِ؟ قالَ: (بَلى)، قالُوا: ألَيْسُوا قَدْ مَضَوْا وهم يَشْرَبُونَ الخَمْرَ؟ فَحُرِّمَ عَلَيْنا شَيْءٌ دَخَلُوا الجَنَّةَ وهم يَشْرَبُونَهُ؟ فَقالَ: (قَدْ سَمِعَ اللَّهُ ما قُلْتُمْ، فَإنْ شاءَ أجابَكُمْ)، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿إنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ العَداوَةَ والبَغْضاءَ في الخَمْرِ والمَيْسِرِ ويَصُدَّكم عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ قالُوا: انْتَهَيْنا، ونَزَلَ في الَّذِينَ ذَكَرُوا حَمْزَةَ وأصْحابَهُ: ﴿لَيْسَ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا﴾ الآيَةَ» . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ قَتادَةَ: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الخَمْرِ والمَيْسِرِ﴾ [البقرة: ٢١٩] [البَقَرَةِ: ٢١٩]، قالَ: المَيْسِرُ هو القِمارُ كُلُّهُ، ﴿قُلْ فِيهِما إثْمٌ كَبِيرٌ ومَنافِعُ لِلنّاسِ﴾ [البقرة: ٢١٩] قالَ: فَذَمَّهُما ولَمْ يُحَرِّمْهُما، وهي لَهم حَلالٌ يَوْمَئِذٍ، ثُمَّ أنْزَلَ هَذِهِ الآيَةَ في شَأْنِ الخَمْرِ، وهي أشَدُّ مِنها، فَقالَ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وأنْتُمْ سُكارى﴾ [النساء: ٤٣]، فَكانَ السُّكْرُ مِنها حَرامًا، ثُمَّ أنْزَلَ الآيَةَ الَّتِي في المائِدَةِ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنَّما الخَمْرُ والمَيْسِرُ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿فَهَلْ أنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ فَجاءَ تَحْرِيمُها في هَذِهِ الآيَةِ، قَلِيلِها وكَثِيرِها، ما أسْكَرَ مِنها وما لَمْ يُسْكِرْ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ عَطاءٍ قالَ: أوَّلُ ما نَزَلَ تَحْرِيمُ الخَمْرِ: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الخَمْرِ والمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إثْمٌ كَبِيرٌ﴾ [البقرة: ٢١٩] الآيَةَ، قالَ بَعْضُ النّاسِ: نَشْرَبُها لِمَنافِعِها الَّتِي فِيها، وقالَ آخَرُونَ: لا خَيْرَ في شَيْءٍ فِيهِ إثْمٌ، ثُمَّ نَزَلَتْ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وأنْتُمْ سُكارى﴾ [النساء: ٤٣] الآيَةَ، فَقالَ بَعْضُ النّاسِ: نَشْرَبُها ونَجْلِسُ في بُيُوتِنا، وقالَ آخَرُونَ: لا خَيْرَ في شَيْءٍ يَحُولُ بَيْنَنا وبَيْنَ الصَّلاةِ مَعَ المُسْلِمِينَ، فَنَزَلَتْ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنَّما الخَمْرُ والمَيْسِرُ﴾ الآيَةَ، ﴿فانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧] فَنَهاهم فانْتَهَوْا. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وأنْتُمْ سُكارى﴾ [النساء: ٤٣] قالَ: كانَ القَوْمُ يَشْرَبُونَها حَتّى إذا حَضَرَتِ الصَّلاةُ أمْسَكُوا عَنْها قالَ: وذُكِرَ لَنا أنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ قالَ حِينَ أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: (قَدْ تَقَرَّبَ اللَّهُ في تَحْرِيمِ الخَمْرِ)، ثُمَّ حَرَّمَها بَعْدَ ذَلِكَ في سُورَةِ المائِدَةِ، بَعْدَ غَزْوَةِ الأحْزابِ، وعَلِمَ أنَّها تُسَفِّهُ الأحْلامَ، وتُجْهِدُ الأمْوالَ، وتَشْغَلُ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ، وعَنِ الصَّلاةِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ قَتادَةَ: ﴿فَهَلْ أنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ قالَ: فانْتَهى القَوْمُ عَنِ الخَمْرِ، وأمْسَكُوا عَنْها، قالَ: وذُكِرَ لَنا أنَّ هَذِهِ الآيَةَ لَمّا أُنْزِلَتْ قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «(يا أيُّها النّاسُ، إنَّ اللَّهَ قَدْ حَرَّمَ الخَمْرَ، فَمَن كانَ عِنْدَهُ شَيْءٌ فَلا يَطْعَمْهُ، ولا تَبِيعُوها»)، فَلَبِثَ المُسْلِمُونَ زَمانًا يَجِدُونَ رِيحَها مِن (p-٤٦١)طُرُقِ المَدِينَةِ مِمّا أهْرَقُوا مِنها. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أنَّ الشُّرّابَ كانُوا يُضْرَبُونَ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالأيْدِي، والنِّعالِ، والعِصِيِّ، حَتّى تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقالَ أبُو بَكْرٍ: لَوْ فَرَضْنا لَهم حَدًّا، فَتَوَخّى نَحْوَ ما كانُوا يُضْرَبُونَ في عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَكانَ أبُو بَكْرٍ يَجْلِدُهم أرْبَعِينَ حَتّى تُوُفِّيَ، ثُمَّ كانَ عُمَرُ مِن بَعْدِهِ يَجْلِدُهم كَذَلِكَ أرْبَعِينَ، حَتّى أُتِيَ بِرَجُلٍ مِنَ المُهاجِرِينَ الأوَّلِينَ، وقَدْ شَرِبَ، فَأمَرَ بِهِ أنْ يُجْلَدَ، فَقالَ: لِمَ تَجْلِدُنِي؟ بَيْنِي وبَيْنَكَ كِتابُ اللَّهِ، قالَ: وفي أيِّ كِتابِ اللَّهِ تَجِدُ ألّا أجْلِدَكَ؟ قالَ: إنَّ اللَّهَ يَقُولُ في كِتابِهِ:﴿لَيْسَ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا﴾ [المائِدَةِ: ٩٣]، فَأنا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ، ثُمَّ اتَّقَوْا وأحْسَنُوا، شَهِدْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَدْرًا، وأُحُدًا، والخَنْدَقَ، والمَشاهِدَ، فَقالَ عُمَرُ: ألا تَرُدُّونَ عَلَيْهِ؟ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هَؤُلاءِ الآياتُ نَزَلَتْ عُذْرًا لِلْماضِينَ، وحُجَّةً عَلى الباقِينَ، عُذْرًا لِلْماضِينَ، لِأنَّهم لَقُوا اللَّهَ قَبْلَ أنْ حَرَّمَ عَلَيْهِمُ الخَمْرَ، وحُجَّةً عَلى الباقِينَ، لِأنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿إنَّما الخَمْرُ والمَيْسِرُ والأنْصابُ والأزْلامُ﴾ حَتّى بَلَغَ الآيَةَ الأُخْرى، فَإنْ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وآمَنُوا، ثُمَّ اتَّقَوْا وأحْسَنُوا، فَإنَّ اللَّهَ نَهى أنْ يُشْرَبَ الخَمْرُ، فَقالَ عُمَرُ: فَماذا تَرَوْنَ؟ فَقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ: نَرى أنَّهُ إذا شَرِبَ سَكِرَ، وإذا سَكِرَ هَذى، وإذا هَذى افْتَرى، وعَلى المُفْتَرِي ثَمانُونَ جَلْدَةً، فَأمَرَ عُمَرُ فَجُلِدَ ثَمانِينَ. (p-٤٦٢)وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنْ أنَسٍ، عَنْ أبِي طَلْحَةَ زَوْجِ أُمِّ أنَسٍ، قالَ: «لَمّا نَزَلَ تَحْرِيمُ الخَمْرِ بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هاتِفًا يَهْتِفُ: (ألا إنَّ الخَمْرَ قَدْ حُرِّمَتْ، فَلا تَبِيعُوها ولا تَبْتاعُوها، فَمَن كانَ عِنْدَهُ مِنهُ شَيْءٌ فَلْيُهْرِقْهُ)، قالَ أبُو طَلْحَةَ: يا غُلامُ حُلَّ عَزْلاءَ تِلْكَ المَزادَةِ، فَفَتَحَها فَأهْراقَها، وخَمْرُنا يَوْمَئِذٍ البُسْرُ والتَّمْرُ، فَأهْراقَ النّاسُ حَتّى انْتَبَعَتْ فِجاجُ المَدِينَةِ» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنْ أنَسٍ قالَ: كُنّا نَأْكُلُ مِن طَعامٍ لَنا ونَشْرَبُ عَلَيْهِ مِن هَذا الشَّرابِ، فَأتانا فُلانٌ مِن عِنْدِ نَبِيِّ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: إنَّكم تَشْرَبُونَ الخَمْرَ، وقَدْ أُنْزِلَ فِيها؟ قُلْنا: ما تَقُولُ؟ قالَ: نَعَمْ، سَمِعْتُهُ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ السّاعَةَ، ومِن عِنْدِهِ أتَيْتُكُمْ، فَقُمْنا فَأكْفَيْنا ما كانَ في الإناءِ مِن شَيْءٍ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنْ أنَسٍ قالَ: «كانَ عِنْدَ أبِي طَلْحَةَ مالٌ لِيَتِيمٍ فاشْتَرى بِهِ خَمْرًا، فَلَمّا حُرِّمَتِ الخَمْرُ أتى النَّبِيَّ ﷺ فَقالَ: أجْعَلُهُ خَلًّا؟ فَقالَ: (لا، هَرِقْهُ») . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنْ أنَسٍ، أنَّ الآيَةَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ فِيها الخَمْرَ نَزَلَتْ ولَيْسَ في المَدِينَةِ شَرابٌ يُشْرَبُ إلّا مِن تَمْرٍ. وأخْرَجَ أبُو يَعْلى، عَنْ أنَسٍ قالَ: لَمّا نَزَلَ تَحْرِيمُ الخَمْرِ، فَدَخَلْتُ عَلى ناسٍ مِن (p-٤٦٣)أصْحابِي وهي بَيْنَ أيْدِيهِمْ، فَضَرَبْتُها بِرِجْلِي، ثُمَّ قُلْتُ: انْطَلِقُوا إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَدْ نَزَلَ تَحْرِيمُ الخَمْرِ، وشَرابُهم يَوْمَئِذٍ البُسْرُ والتَّمْرُ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: كانُوا يَشْرَبُونَ الخَمْرَ بَعْدَ ما أُنْزِلَتِ الَّتِي في البَقَرَةِ، وبَعْدَ الَّتِي في سُورَةِ النِّساءِ، فَلَمّا نَزَلَتِ الَّتِي في سُورَةِ المائِدَةِ تَرَكُوهُ. وأخْرَجَ مُسْلِمٌ، وأبُو يَعْلى، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ، قالَ: «خَطَبَنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: (يا أيُّها النّاسُ، إنَّ اللَّهَ يُعَرِّضُ بِالخَمْرِ، فَمَن كانَ عِنْدَهُ مِنها شَيْءٌ فَلْيَبِعْ ولْيَنْتَفِعْ بِهِ)، فَلَمْ يَلْبَثْ إلّا يَسِيرًا، ثُمَّ قالَ: (إنَّ اللَّهَ قَدْ حَرَّمَ الخَمْرَ، فَمَن أدْرَكَتْهُ هَذِهِ الآيَةُ وعِنْدَهُ مِنها شَيْءٌ فَلا يَبِعْ ولا يَشْرَبْ)، قالَ: فاسْتَقْبَلَ النّاسُ بِما كانَ عِنْدَهم مِنها فَسَفَكُوها في طُرُقِ المَدِينَةِ» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: حُرِّمَتِ الخَمْرُ بِعَيْنِها، قَلِيلِها وكَثِيرِها، والمُسْكِرُ مِن كُلِّ شَرابٍ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنْ وهْبِ بْنِ كَيْسانَ قالَ: قُلْتُ لِجابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ: مَتّى حُرِّمَتِ الخَمْرُ؟ قالَ: بَعْدَ أُحُدٍ، صَبَّحْنا الخَمْرَ يَوْمَ أُحُدٍ حِينَ خَرَجْنا إلى القِتالِ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: حُرِّمَتِ الخَمْرُ يَوْمَ حُرِّمَتْ وما كانَ شَرابُ النّاسِ إلّا التَّمْرَ والزَّبِيبَ. (p-٤٦٤)وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنْ جابِرٍ قالَ: «كانَ رَجُلٌ عِنْدَهُ مالُ أيْتامٍ، فَكانَ يَشْتَرِي لَهم ويَبِيعُ، فاشْتَرى خَمْرًا، فَجَعَلَهُ في خَوابِي، وإنَّ اللَّهَ أنْزَلَ تَحْرِيمَ الخَمْرِ، فَأتى النَّبِيَّ ﷺ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّهُ لَيْسَ لَهم مالٌ غَيْرُهُ، فَقالَ: (أهْرِقْهُ)، فَأهْراقَهُ» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: حُرِّمَتِ الخَمْرُ وما بِالمَدِينَةِ مِنها شَيْءٌ، وما خَمْرُهم يَوْمَئِذٍ إلّا الفَضِيخُ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنْ أنَسٍ قالَ: حُرِّمَتِ الخَمْرُ يَوْمَ حُرِّمَتْ وما لَنا بِالمَدِينَةِ خَمْرٌ إلّا الفَضِيخُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، والبَيْهَقِيُّ في ”سُنَنِهِ“، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قالَ: إنَّ هَذِهِ الآيَةَ الَّتِي في القُرْآنِ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنَّما الخَمْرُ والمَيْسِرُ والأنْصابُ والأزْلامُ رِجْسٌ مِن عَمَلِ الشَّيْطانِ فاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ هي في التَّوْراةِ: إنَّ اللَّهَ أنْزَلَ الحَقَّ لِيُذْهِبَ بِهِ الباطِلَ، ويُبْطِلَ بِهِ اللَّعِبَ، والزَّفْنَ، والمَزامِيرَ، والكِباراتِ، يَعْنِي البَرابِطَ، والزَّمّاراتِ، يَعْنِي الدُّفَّ والطَّنابِيرَ، (p-٤٦٥)والشِّعْرَ، والخَمْرَ مَرَّةً لِمَن طَعِمَها، وأقْسَمَ رَبِّي بِيَمِينِهِ، وعِزَّةِ حَيْلِهِ، لا يَشْرَبُها عَبْدٌ بَعْدَما حَرَّمْتُها عَلَيْهِ إلّا عَطَّشَتُهُ يَوْمَ القِيامَةِ، ولا يَدَعُها بَعْدَما حَرَّمْتُها إلّا سَقَيْتُهُ إيّاها مِن حَظِيرَةِ القُدْسِ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قالَ: «(حَرَّمَ اللَّهُ الخَمْرَ، وكُلَّ مُسْكِرٍ حَرامٌ») . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: لَقَدْ أنْزَلَ اللَّهُ تَحْرِيمَ الخَمْرِ، وما بِالمَدِينَةِ زَبِيبَةٌ واحِدَةٌ. وأخْرَجَ أحْمَدُ، وأبُو يَعْلى، وابْنُ الجارُودِ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنْ أبِي سَعِيدٍ قالَ: «كانَ عِنْدَنا خَمْرٌ لِيَتِيمٍ، فَلَمّا نَزَلَتِ الآيَةُ الَّتِي في المائِدَةِ سَألْنا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقُلْنا: لِيَتِيمٍ، فَقالَ: (أهْرِيقُوها») . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنْ أنَسٍ قالَ: حُرِّمَتِ الخَمْرُ وهي تُخَمَّرُ في الجِرارِ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنِ البَراءِ بْنِ عازِبٍ قالَ: نَزَلَ تَحْرِيمُ الخَمْرِ وما في أسْقِيَتِنا إلّا الزَّبِيبُ والتَّمْرُ، فَأكْفَأْناهُما. (p-٤٦٦)وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «(مِنَ التَّمْرِ خَمْرٌ، ومِنَ العَسَلِ خَمْرٌ، ومِنَ الزَّبِيبِ خَمْرٌ، ومِنَ العِنَبِ خَمْرٌ، ومِنَ الحِنْطَةِ خَمْرٌ، وأنْهاكم عَنْ كُلِّ مُسْكِرٍ») . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: لَمّا نَزَلَتْ: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الخَمْرِ والمَيْسِرِ﴾ [البقرة: ٢١٩] الآيَةَ، كَرِهَها قَوْمٌ لِقَوْلِهِ: ﴿فِيهِما إثْمٌ كَبِيرٌ﴾ [البقرة: ٢١٩] وشَرِبَها قَوْمٌ لِقَوْلِهِ: ﴿ومَنافِعُ لِلنّاسِ﴾ [البقرة: ٢١٩] حَتّى نَزَلَتْ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وأنْتُمْ سُكارى﴾ [النساء: ٤٣] فَكانُوا يَدَعُونَها في حِينِ الصَّلاةِ ويَشْرَبُونَها في غَيْرِ حِينِ الصَّلاةِ، حَتّى نَزَلَتْ: ﴿إنَّما الخَمْرُ والمَيْسِرُ﴾ الآيَةَ، فَقالَ عُمَرُ: ضَيْعَةٌ لَكِ، اليَوْمَ قُرِنْتِ بِالمَيْسِرِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ قالَ: نَزَلَتْ في الخَمْرِ أرْبَعُ آياتٍ: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الخَمْرِ والمَيْسِرِ﴾ [البقرة: ٢١٩] الآيَةَ، فَتَرَكُوها، ثُمَّ نَزَلَتْ: ﴿تَتَّخِذُونَ مِنهُ سَكَرًا ورِزْقًا حَسَنًا﴾ [النحل: ٦٧] [النَّحْلِ: ٦٧]، فَشَرِبُوها، ثُمَّ نَزَلَتِ الآيَتانِ في المائِدَةِ: ﴿إنَّما الخَمْرُ والمَيْسِرُ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿فَهَلْ أنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ السُّدِّيِّ قالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الخَمْرِ والمَيْسِرِ﴾ [البقرة: ٢١٩] الآيَةَ، فَلَمْ يَزالُوا بِذَلِكَ يَشْرَبُونَها حَتّى صَنَعَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ طَعامًا، فَدَعا ناسًا فِيهِمْ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ فَقَرَأ: ﴿قُلْ يا أيُّها الكافِرُونَ﴾ [الكافرون: ١] فَلَمْ يُفْهِمْها، فَأنْزَلَ اللَّهُ يُشَدِّدُ في الخَمْرِ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وأنْتُمْ سُكارى حَتّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ﴾ [النساء: ٤٣] فَكانَتْ حَلالًا، (p-٤٦٧)يَشْرَبُونَها مِن صَلاةِ الغَداةِ حَتّى يَرْتَفِعَ النَّهارُ، فَيَقُومُونَ إلى صَلاةِ الظُّهْرِ، وهم مُصْحُونَ، ثُمَّ لا يَشْرَبُونَها حَتّى يُصَلُّوا العَتَمَةَ، ثُمَّ يَقُومُونَ إلى صَلاةِ الفَجْرِ وقَدْ صَحَوْا، فَلَمْ يَزالُوا بِذَلِكَ يَشْرَبُونَها، حَتّى صَنَعَ سَعْدُ بْنُ أبِي وقّاصٍ طَعامًا، فَدَعا ناسًا فِيهِمْ رَجُلٌ مِنَ الأنْصارِ، فَشَوى لَهم رَأْسَ بَعِيرٍ، ثُمَّ دَعاهم عَلَيْهِ، فَلَمّا أكَلُوا، وشَرِبُوا مِنَ الخَمْرِ سَكِرُوا، وأخَذُوا في الحَدِيثِ، فَتَكَلَّمَ سَعْدٌ بِشَيْءٍ فَغَضِبَ الأنْصارِيُّ، فَرَفَعَ لَحْيَّ البَعِيرِ، فَكَسَرَ أنْفَ سَعْدٍ، فَأنْزَلَ اللَّهُ نَسْخَ الخَمْرِ وتَحْرِيمَها: ﴿إنَّما الخَمْرُ والمَيْسِرُ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿فَهَلْ أنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ قَتادَةَ قالَ: نَزَلَ تَحْرِيمُ الخَمْرِ في سُورَةِ المائِدَةِ بَعْدَ غَزْوَةِ الأحْزابِ، ولَيْسَ لِلْعَرَبِ يَوْمَئِذٍ عَيْشٌ أعْجَبُ إلَيْهِمْ مِنها. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ الرَّبِيعِ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ آيَةُ البَقَرَةِ، قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (إنَّ رَبَّكم يُقَدِّمُ في تَحْرِيمِ الخَمْرِ)، ثُمَّ نَزَلَتْ آيَةُ النِّساءِ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: (إنَّ رَبَّكم يُقَرِّبُ في تَحْرِيمِ الخَمْرِ)، ثُمَّ نَزَلَتْ آيَةُ المائِدَةِ فَحُرِّمَتِ الخَمْرُ عِنْدَ ذَلِكَ» . وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ، قالَ: «نَزَلَ أرْبَعُ آياتٍ في تَحْرِيمِ الخَمْرِ، أوَّلُهُنَّ الَّتِي في البَقَرَةِ، ثُمَّ نَزَلَتِ الثّانِيَةُ: ﴿ومِن ثَمَراتِ النَّخِيلِ والأعْنابِ تَتَّخِذُونَ مِنهُ سَكَرًا ورِزْقًا حَسَنًا﴾ [النحل: ٦٧] ثُمَّ أُنْزِلَتِ الَّتِي في النِّساءِ، بَيْنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي بَعْضَ الصَّلَواتِ إذْ غَنّى سَكْرانُ خَلْفَهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وأنْتُمْ سُكارى﴾ [النساء: ٤٣] الآيَةَ، فَشَرِبَها طائِفَةٌ مِنَ النّاسِ، وتَرَكَها طائِفَةٌ، ثُمَّ نَزَلَتِ الرّابِعَةُ الَّتِي في المائِدَةِ، فَقالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ: انْتَهَيْنا يا رَبَّنا» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ قَيْسٍ، قالَ: «لَمّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ المَدِينَةَ أتاهُ النّاسُ، وقَدْ كانُوا يَشْرَبُونَ الخَمْرَ، ويَأْكُلُونَ المَيْسِرَ، فَسَألُوهُ عَنْ ذَلِكَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الخَمْرِ والمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إثْمٌ كَبِيرٌ ومَنافِعُ لِلنّاسِ وإثْمُهُما أكْبَرُ مِن نَفْعِهِما﴾ [البقرة: ٢١٩] فَقالُوا: هَذا شَيْءٌ قَدْ جاءَ فِيهِ رُخْصَةٌ، نَأْكُلُ المَيْسِرَ، ونَشْرَبُ الخَمْرَ، ونَسْتَغْفِرُ مِن ذَلِكَ، حَتّى أتى رَجُلٌ صَلاةَ المَغْرِبَ، فَجَعَلَ يَقْرَأُ: ﴿قُلْ يا أيُّها الكافِرُونَ﴾ [الكافرون: ١] ﴿لا أعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ﴾ [الكافرون: ٢] ﴿ولا أنْتُمْ عابِدُونَ ما أعْبُدُ﴾ [الكافرون: ٣] فَجَعَلَ لا يَجُوزُ ذَلِكَ، ولا يَدْرِي ما يَقْرَأُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وأنْتُمْ سُكارى﴾ [النساء: ٤٣] فَكانَ النّاسُ يَشْرَبُونَ الخَمْرَ حَتّى يَجِيءَ وقْتُ الصَّلاةِ، فَيَدَعُونَ شُرْبَها، فَيَأْتُونَ الصَّلاةَ وهم يَعْلَمُونَ ما يَقُولُونَ، فَلَمْ يَزالُوا كَذَلِكَ حَتّى أنْزَلَ اللَّهُ: ﴿إنَّما الخَمْرُ والمَيْسِرُ والأنْصابُ والأزْلامُ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿فَهَلْ أنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ فَقالُوا: انْتَهَيْنا يا رَبِّ» . وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنِ ابْنِ (p-٤٦٩)عَبّاسٍ قالَ: لَمّا نَزَلَ تَحْرِيمُ الخَمْرِ مَشى الصَّحابَةُ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ، وقالُوا: حُرِّمَتِ الخَمْرُ وجُعِلَتْ عَدْلًا لِلشِّرْكِ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (لا يَمُوتُ مُدْمِنُ خَمْرٍ إلّا لَقِيَ اللَّهَ كَعابِدِ وثَنٍ)، ثُمَّ قَرَأ: ﴿إنَّما الخَمْرُ والمَيْسِرُ﴾ الآيَةَ» . وأخْرَجَ أحْمَدُ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «(إنَّ اللَّهَ حَرَّمَ الخَمْرَ والمَيْسِرَ والكُوبَةَ والغُبَيْراءَ وكُلَّ مُسْكِرٍ حَرامٌ») . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «(إنَّ اللَّهَ حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الخَمْرَ والمَيْسِرَ والكُوبَةَ، وكُلُّ مُسْكِرٍ حَرامٌ») . وأخْرَجَ البُخارِيُّ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: نَزَلَ تَحْرِيمُ الخَمْرِ، وإنَّ بِالمَدِينَةِ يَوْمَئِذٍ لَخَمْسَةُ أشْرِبَةٍ ما فِيها شَرابُ العِنَبِ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، وأبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ ماجَهْ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ عامَ الفَتْحِ: (p-٤٧٠)(إنَّ اللَّهَ حَرَّمَ بَيْعَ الخَمْرِ، والأنْصابِ، والمَيْتَةِ، والخِنْزِيرِ)، فَقالَ بَعْضُ النّاسِ: كَيْفَ تَرى في شُحُومِ المَيْتَةِ يُدْهَنُ بِها السُّفُنُ والجُلُودُ، ويَسْتَصْبِحُ بِها النّاسُ؟ فَقالَ: (لا، هي حَرامٌ)، ثُمَّ قالَ عِنْدَ ذَلِكَ: (قاتَلَ اللَّهُ اليَهُودَ، إنَّ اللَّهَ لَمّا حَرَّمَ عَلَيْهِمُ الشُّحُومَ جَمَلُوهُ، فَباعُوهُ، وأكَلُوا ثَمَنَهُ») . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «قَدِمَ رَجُلٌ مِن دَوْسٍ عَلى النَّبِيِّ ﷺ بِراوِيَةٍ مِن خَمْرٍ، أهْداها لَهُ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: (هَلْ عَلِمْتَ أنَّ اللَّهَ حَرَّمَها بَعْدَكَ؟) فَأقْبَلَ الدَّوْسِيُّ عَلى رَجُلٍ كانَ مَعَهُ، فَأمَرَهُ بِبَيْعِها، فَقالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: (هَلْ عَلِمْتَ أنَّ الَّذِي حَرَّمَ شُرْبَها حَرَّمَ بَيْعَها، وأكْلَ ثَمَنِها؟) وأمَرَ بِالمَزادِ فَأُهْرِيقَتْ حَتّى لَمْ يَبْقَ فِيها قَطْرَةٌ» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ، «عَنْ تَمِيمٍ الدّارِيِّ، أنَّهُ كانَ يُهْدِي لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ كُلَّ عامٍ راوِيَةً مِن خَمْرٍ، فَلَمّا كانَ عامُ حُرِّمَتِ الخَمْرُ جاءَ بِراوِيَةٍ، فَلَمّا نَظَرَ إلَيْها ضَحِكَ وقالَ: (هَلْ شَعُرْتَ أنَّها قَدْ حُرِّمَتْ؟) فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، أفَلا نَبِيعُها فَنَنْتَفِعَ بِثَمَنِها؟ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (لَعَنَ اللَّهُ اليَهُودَ، انْطَلِقُوا إلى ما حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِن شُحُومِ البَقَرِ، والغَنَمِ، فَأذابُوهُ إهالَةً، فَباعُوا مِنهُ ما يَأْكُلُونَ (p-٤٧١)والخَمْرُ حَرامٌ ثَمَنُها، حَرامٌ بَيْعُها») . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، والبُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، وأبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ، وأبُو عَوانَةَ، والطَّحاوِيُّ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ حِبّانَ، والدّارَقُطْنِيُّ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في (الشُّعَبِ)، عَنْ عُمَرَ، أنَّهُ قامَ عَلى المِنبَرِ فَقالَ: أمّا بَعْدُ، فَإنَّ الخَمْرَ نَزَلَ تَحْرِيمُها يَوْمَ نَزَلَ، وهي مِن خَمْسَةٍ، مِنَ العِنَبِ، والتَّمْرِ، والبُرِّ، والشَّعِيرِ، والعَسَلِ، والخَمْرُ ما خامَرَ العَقْلَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنْ عُمَرَ قالَ: إنَّ هَذِهِ الأنْبِذَةَ تُنْبَذُ مِن خَمْسَةِ أشْياءَ، مِنَ التَّمْرِ، والزَّبِيبِ، والعَسَلِ، والبُرِّ، والشَّعِيرِ، فَما خَمَّرْتَهُ مِنها ثُمَّ عَتَّقْتَهُ فَهو خَمْرٌ. وأخْرَجَ الشّافِعِيُّ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، ومُسْلِمٌ، والبَيْهَقِيُّ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «(كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ، وكُلُّ خَمْرٍ حَرامٌ») . وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ، عَنْ جابِرٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «(الزَّبِيبُ والتَّمْرُ هو الخَمْرُ»)، يَعْنِي: إذا انْتُبِذا جَمِيعًا. (p-٤٧٢)وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ ماجَهْ، والنَّحّاسُ في (ناسِخِهِ)، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وتَعَقَّبَهُ الذَّهَبِيُّ، عَنِ النُّعْمانِ بْنِ بَشِيرٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «(إنَّ مِنَ الحِنْطَةِ خَمْرًا، ومِنَ الشَّعِيرِ خَمْرًا، ومِنَ الزَّبِيبِ خَمْرًا، ومِنَ التَّمْرِ خَمْرًا، ومِنَ العَسَلِ خَمْرًا، وأنا أنْهاكم عَنْ كُلِّ مُسْكِرٍ») . وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ مَرْيَمَ بِنْتِ طارِقٍ قالَتْ: «كُنْتُ في نِسْوَةٍ مِنَ المُهاجِراتِ حَجَجْنا، فَدَخَلْنا عَلى عائِشَةَ، فَجَعَلَ نِساءٌ يَسْألْنَها عَنِ الظُّرُوفِ، فَقالَتْ: إنَّكُنَّ لَتَذْكُرْنَ ظُرُوفًا ما كانَ كَثِيرٌ مِنها عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فاتَّقِينَ اللَّهَ، واجْتَنِبْنَ ما يُسْكِرُكُنَّ، فَإنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: (كُلُّ مُسْكِرٍ حَرامٌ)، وإنْ أسْكَرَها ماءُ حُبِّها فَلْتَجْتَنِبْهُ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، ومُسْلِمٌ، وأبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ ماجَهْ، وابْنُ المُنْذِرِ، والنَّحّاسُ في (ناسِخِهِ)، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «(الخَمْرُ مِن هاتَيْنِ الشَّجَرَتَيْنِ: النَّخْلَةِ والعِنَبَةِ») . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا في (ذَمِّ المَلاهِي)، عَنِ الحَسَنِ قالَ: المَيْسِرُ، القِمارُ. (p-٤٧٣)وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في ”سُنَنِهِ“ عَنْ نافِعٍ، أنَّ ابْنَ عُمَرَ كانَ يَقُولُ: المَيْسِرُ، القِمارُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والبَيْهَقِيُّ في ”سُنَنِهِ“ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: المَيْسِرُ كِعابُ فارِسَ، وقِداحُ العَرَبِ، وهو القِمارُ كُلُّهُ. وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ، عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: المَيْسِرُ القِمارُ كُلُّهُ، حَتّى الجَوْزُ الَّذِي يَلْعَبُ بِهِ الصِّبْيانُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنْ أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «(اجْتَنِبُوا هَذِهِ الكِعابَ المَوْسُومَةَ الَّتِي يُزْجَرُ بِها زَجْرًا، فَإنَّها مِنَ المَيْسِرِ») . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في (الشُّعَبِ)، عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «(إيّاكم وهَذِهِ الكِعابَ المَوْسُومَةَ الَّتِي تُزْجَرُ زَجْرًا، فَإنَّها مِنَ المَيْسِرِ») . وأخْرَجَ أحْمَدُ، وابْنُ أبِي الدُّنْيا في (ذَمِّ المَلاهِي)، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في (الشُّعَبِ)، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «(إيّاكم وهاتَيْنِ الكَعْبَتَيْنِ المَوْسُومَتَيْنِ اللَّتَيْنِ تُزْجَرانِ زَجْرًا، فَإنَّهُما مَيْسِرُ العَجَمِ») . (p-٤٧٤)وأخْرَجَ وكِيعٌ، وعَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي الدُّنْيا، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: إيّاكم وهَذِهِ الكِعابَ المَوْسُومَةَ الَّتِي تُزْجَرُ زَجْرًا، فَإنَّها مَيْسِرُ العَجَمِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كُلُّ القِمارِ مِنَ المَيْسِرِ، حَتّى لَعِبُ الصِّبْيانِ بِالجَوْزِ والكِعابِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ قالَ: النَّرْدُ والشِّطْرَنْجُ مِنَ المَيْسِرِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ عَلِيٍّ، قالَ: الشِّطْرَنْجُ مَيْسِرُ الأعاجِمِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ القاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، أنَّهُ سُئِلَ عَنِ النَّرْدِ، أهِيَ مِنَ المَيْسِرِ؟ قالَ: كُلُّ ما ألْهى عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ، وعَنِ الصَّلاةِ فَهو مَيْسِرٌ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي الدُّنْيا في (ذَمِّ المَلاهِي)، والبَيْهَقِيُّ في (الشُّعَبِ)، عَنِ القاسِمِ، أنَّهُ قِيلَ لَهُ: هَذِهِ النَّرْدُ تَكْرَهُونَها، فَما بالُ الشِّطْرَنْجِ؟ قالَ: كُلُّ ما ألْهى عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وعَنِ الصَّلاةِ فَهو مِنَ المَيْسِرِ. (p-٤٧٥)وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي الدُّنْيا في (ذَمِّ المَلاهِي)، وأبُو الشَّيْخِ، والبَيْهَقِيُّ في (الشُّعَبِ)، مِن طَرِيقِ رَبِيعَةَ بْنِ كُلْثُومٍ، عَنْ أبِيهِ، قالَ: خَطَبَنا ابْنُ الزُّبَيْرِ فَقالَ: يا أهْلَ مَكَّةَ، بَلَغَنِي عَنْ رِجالٍ يَلْعَبُونَ بِلُعْبَةٍ يُقالُ لَها: النَّرْدَشِيرُ، وإنَّ اللَّهَ يَقُولُ في كِتابِهِ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنَّما الخَمْرُ والمَيْسِرُ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿فَهَلْ أنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ وإنِّي أحْلِفُ بِاللَّهِ لا أُوتى بِأحَدٍ لَعِبَ بِها إلّا عاقَبْتُهُ في شَعْرِهِ وبَشَرِهِ، وأعْطَيْتُ سَلَبَهُ مَن أتانِي بِهِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ أبِي الدُّنْيا، عَنْ أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «(مَن لَعِبَ بِالنَّرْدَشِيرِ فَقَدْ عَصى اللَّهَ ورَسُولَهُ») . وأخْرَجَ أحْمَدُ، عَنْ أبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ الخَطْمِيِّ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «(مَثَلُ الَّذِي يَلْعَبُ بِالنَّرْدِ، ثُمَّ يَقُومُ فَيُصَلِّي، مَثَلُ الَّذِي يَتَوَضَّأُ بِالقَيْحِ، ودَمِ الخِنْزِيرِ، ثُمَّ يَقُومُ فَيُصَلِّي») . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ أبِي الدُّنْيا، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قالَ: اللّاعِبُ بِالنَّرْدِ قِمارًا كَآكِلِ لَحْمِ الخِنْزِيرِ، واللّاعِبُ بِها مِن غَيْرِ قِمارٍ كالمُدَّهِنِ بِوَدَكِ الخِنْزِيرِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا، عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: اللّاعِبُ بِالنَّرْدِ قِمارًا مِنَ المَيْسِرِ، واللّاعِبُ بِها سِفاحًا كالصّابِغِ يَدَهُ في دَمِ الخِنْزِيرِ، والجالِسُ عِنْدَها كالجالِسِ عِنْدَ (p-٤٧٦)مَسالِخِهِ، وإنَّهُ يُؤْمَرُ بِالوُضُوءِ مِنها، والكَعْبَيْنِ، والشِّطْرَنْجِ سَواءً. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا، عَنْ يَحْيى بْنِ أبِي كَثِيرٍ قالَ: «مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِقَوْمٍ يَلْعَبُونَ بِالنَّرْدِ فَقالَ: (قُلُوبٌ لاهِيَةٌ، وأيْدِي عامِلَةٌ، وألْسِنَةٌ لاغِيَةٌ») . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا، عَنِ الحَسَنِ قالَ: النَّرْدُ مَيْسِرُ العَجَمِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا، عَنْ مالِكِ بْنِ أنَسٍ قالَ: الشِّطْرَنْجُ مِنَ النَّرْدِ، بَلَغَنا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ ولِيَ مالَ يَتِيمٍ فَأحْرَقَها. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قالَ: سُئِلَ ابْنُ عُمَرَ، عَنِ الشِّطْرَنْجِ فَقالَ: هي شَرٌّ مِنَ النَّرْدِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا، عَنْ أبِي جَعْفَرٍ، أنَّهُ سُئِلَ عَنِ الشِّطْرَنْجِ فَقالَ: تِلْكَ المَجُوسِيَّةُ، لا تَلْعَبُوا بِها. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا، عَنْ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ قالَ: رَأى رَجُلٌ مِن أهْلِ الشّامِ أنَّهُ يُغْفَرُ لِكُلِّ مُؤْمِنٍ في كُلِّ يَوْمٍ اثْنَتا عَشْرَةَ مَرَّةً إلّا أصْحابَ الشّاهِ يَعْنِي الشِّطْرَنْجَ. (p-٤٧٧)وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي الدُّنْيا، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ قالَ: المَيْسِرُ القِمارُ، كانَ الرَّجُلُ في الجاهِلِيَّةِ يُقامِرُ عَلى أهْلِهِ ومالِهِ، فَيَقْعُدُ حَزِينًا سَلِيبًا، يَنْظُرُ إلى مالِهِ في يَدِ غَيْرِهِ، وكانَتْ تُورِثُ بَيْنَهُمُ العَداوَةَ والبَغْضاءَ، فَنَهى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ، وتَقَدَّمَ فِيهِ، وأخْبَرَ أنَّما هو ﴿رِجْسٌ مِن عَمَلِ الشَّيْطانِ فاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾ وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي الدُّنْيا، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ مِن طَرِيقِ لَيْثٍ، عَنْ عَطاءٍ، وطاوُسٍ، ومُجاهِدٍ، قالُوا: كُلُّ شَيْءٍ فِيهِ قِمارٌ فَهو مِنَ المَيْسِرِ، حَتّى لَعِبُ الصِّبْيانِ بِالكِعابِ والجَوْزِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ أبِي الدُّنْيا، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، أنَّهُ رَأى غِلْمانًا يَتَقامَرُونَ في يَوْمِ عِيدٍ، فَقالَ: لا تَقامَرُوا، فَإنَّ القِمارَ مِنَ المَيْسِرِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ قالَ: ما كانَ مِن لَعِبٍ فِيهِ قِمارٌ، أوْ قِيامٌ، أوْ صِياحً، أوْ شَرٌّ، فَهو مِنَ المَيْسِرِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ شُرَيْحٍ، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «(ثَلاثٌ مِنَ المَيْسِرِ: الصَّفِيرُ بِالحَمّامِ، والقِمارُ، والضَّرْبُ بِالكِعابِ») . وأخْرَجَ أحْمَدُ، وأبُو داوُدَ، وابْنُ ماجَهْ، وابْنُ أبِي الدُّنْيا، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، (p-٤٧٨)«أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَأى رَجُلًا يَتْبَعُ حَمامَةً فَقالَ: (شَيْطانٌ يَتْبَعُ شَيْطانَةً») . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا، عَنِ الحَسَنِ قالَ: شَهِدْتُ عُثْمانَ وهو يَخْطُبُ، وهو يَأْمُرُ بِذَبْحِ الحَمامِ، وقَتْلِ الكِلابِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا، عَنْ خالِدِ الحَذّاءِ، عَنْ رَجُلٍ يُقالُ لَهُ: أيُّوبُ، قالَ: كانَ مَلاعِبُ آلِ فِرْعَوْنَ الحَمامَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا، عَنْ إبْراهِيمَ قالَ: مَن لَعِبَ بِالحَمامِ الطَّيّارَةِ لَمْ يَمُتْ حَتّى يَذُوقَ ألَمَ الفَقْرِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ قالَ: كانَ مِن مَيْسِرِ أهْلِ الجاهِلِيَّةِ بَيْعُ اللَّحْمِ بِالشّاةِ والشّاتَيْنِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ في المَيْسِرِ قالَ: كانُوا يَشْتَرُونَ الجَزُورَ، فَيَجْعَلُونَها أجْزاءً، ثُمَّ يَأْخُذُونَ القِداحَ فَيُلْقُونَها، ويُنادى: يا ياسِرَ الجَزُورِ، يا ياسِرَ الجَزُورِ، فَمَن خَرَجَ قَدَحُهُ أخَذَ جُزْءًا بِغَيْرِ شَيْءٍ، ومَن لَمْ (p-٤٧٩)يَخْرُجْ قَدَحُهُ غَرِمَ، ولَمْ يَأْخُذْ شَيْئًا. وأخْرَجَ البُخارِيُّ في (الأدَبِ المُفْرَدِ) عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أنَّهُ كانَ يُقالُ: أيْنَ أيْسارُ الجَزُورِ؟ فَيَجْتَمِعُ العَشَرَةُ فَيَشْتَرُونَ الجَزُورَ بِعَشَرَةِ فُصْلانٍ إلى الفِصالِ، فَيُجِيلُونَ السِّهامَ فَتَصِيرُ بِتِسْعَةٍ، حَتّى تَصِيرَ إلى واحِدٍ، ويَغْرَمُ الآخَرُونَ فَصِيلًا فَصِيلًا إلى الفِصالِ، فَهو المَيْسِرُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الأنْصابُ حِجارَةٌ كانُوا يَذْبَحُونَ لَها، والأزْلامُ قِداحٌ كانُوا يَقْتَسِمُونَ بِها الأُمُورَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: كانَتْ لَهم حَصَياتٌ، إذا أرادَ أحَدُهم أنْ يَغْزُوَ أوْ يَجْلِسَ اسْتَقْسَمَ بِها. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿والأزْلامُ﴾ قالَ: هي كِعابُ فارِسَ الَّتِي يَقْتَمِرُونَ بِها، وسِهامُ العَرَبِ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ وهْرامٍ قالَ: سَألْتُ طاوُسًا عَنِ الأزْلامِ فَقالَ: كانُوا في الجاهِلِيَّةِ لَهم قِداحٌ يَضْرِبُونَ بِها، بِها قَدَحٌ مُعَلَّمٌ يَتَطَيَّرُونَ مِنهُ، فَإذا ضَرَبُوا بِها حِينَ يُرِيدُ أحَدُهُمُ الحاجَةَ فَخَرَجَ ذَلِكَ القَدَحُ لَمْ يَخْرُجْ لِحاجَتِهِ، فَإنْ خَرَجَ غَيْرُهُ خَرَجَ لِحاجَتِهِ، وكانَتِ المَرْأةُ إذا أرادَتْ حاجَةً لَها لَمْ تَضْرِبْ بِتِلْكَ القِداحِ، فَذَلِكَ قَوْلُ الشّاعِرِ: (p-٤٨٠) ؎إذا جَدَّدَتْ أُنْثى لِأمْرٍ خِمارَها أتَتْهُ ولَمْ تَضْرِبْ لَهُ بِالمَقاسِمِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، مِن طَرِيقِ عَلِيٍّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ”رِجْسٌ“ قالَ: سُخْطٌ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ في قَوْلِهِ: ﴿رِجْسٌ﴾ قالَ: إثْمٌ ﴿مِن عَمَلِ الشَّيْطانِ﴾ يَعْنِي: مِن تَزْيِينِ الشَّيْطانِ، ﴿إنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ العَداوَةَ والبَغْضاءَ في الخَمْرِ والمَيْسِرِ﴾ يَعْنِي: حِينَ شَجَّ الأنْصارِيُّ رَأْسَ سَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ، ﴿ويَصُدَّكم عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ فَهَذا وعِيدُ التَّحْرِيمِ، ﴿وأطِيعُوا اللَّهَ وأطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ يَعْنِي: في تَحْرِيمِ الخَمْرِ والمَيْسِرِ والأنْصابِ والأزْلامِ، ﴿فَإنْ تَوَلَّيْتُمْ﴾ يَعْنِي: أعْرَضْتُمْ عَنْ طاعَتِهِما، ﴿فاعْلَمُوا أنَّما عَلى رَسُولِنا﴾ يَعْنِي: مُحَمَّدًا ﷺ، ﴿البَلاغ المُبِين﴾ يَعْنِي: أنْ يُبَيِّنَ تَحْرِيمَ ذَلِكَ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والطَّبَرانِيُّ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في (شُعَبِ الإيمانِ)، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: لَمّا نَزَلَ تَحْرِيمُ الخَمْرِ قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، فَكَيْفَ بِأصْحابِنا الَّذِينَ ماتُوا وهم يَشْرَبُونَ الخَمْرَ؟ فَنَزَلَتْ: ﴿لَيْسَ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ جُناحٌ﴾ الآيَةَ. وأخْرَجَ الطَّيالِسِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والتِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ، وابْنُ (p-٤٨١)جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ حِبّانَ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنِ البَراءِ بْنِ عازِبٍ قالَ: «ماتَ ناسٌ مِن أصْحابِ النَّبِيِّ ﷺ وهم يَشْرَبُونَ الخَمْرَ، فَلَمّا نَزَلَ تَحْرِيمُها قالَ أُناسٌ مِن أصْحابِ النَّبِيِّ ﷺ: كَيْفَ بِأصْحابِنا الَّذِينَ ماتُوا وهم يَشْرَبُونَها؟ فَنَزَلَتْ: ﴿لَيْسَ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ جُناحٌ﴾ الآيَةَ» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنْ أنَسٍ قالَ: «بَيْنا أُدِيرُ الكَأْسَ عَلى أبِي طَلْحَةَ، وأبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الجَرّاحِ، ومُعاذِ بْنِ جَبَلٍ، وسُهَيْلِ بْنِ بَيْضاءَ، وأبِي دُجانَةَ، حَتّى مالَتْ رَؤُوسُهم مِن خَلِيطِ بُسْرٍ وتَمْرٍ، فَسَمِعْنا مُنادِيًا يُنادِي: ألا إنَّ الخَمْرَ قَدْ حُرِّمَتْ، قالَ: فَما دَخَلَ عَلَيْنا داخِلٌ ولا خَرَجَ مِنّا خارِجٌ حَتّى أهْرَقْنا الشَّرابَ، وكَسَرْنا القِلالَ، وتَوَضَّأ بَعْضُنا، واغْتَسَلَ بَعْضُنا، وأصَبْنا مِن طِيبِ أُمِّ سُلَيْمٍ، ثُمَّ خَرَجْنا إلى المَسْجِدِ، وإذا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقْرَأُ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنَّما الخَمْرُ والمَيْسِرُ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿فَهَلْ أنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ فَقالَ رَجُلٌ: يا رَسُولَ اللَّهِ، فَما مَنزِلَةُ مَن ماتَ مِنّا وهو يَشْرَبُها؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿لَيْسَ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا﴾ الآيَةَ» . (p-٤٨٢)وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وأبُو يَعْلى، وابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنْ أنَسٍ قالَ: كُنْتُ ساقِيَ القَوْمِ في مَنزِلِ أبِي طَلْحَةَ، فَنَزَلَ تَحْرِيمُ الخَمْرِ، فَنادى مُنادٍ، فَقالَ أبُو طَلْحَةَ: اخْرُجْ فانْظُرْ، ما هَذا الصَّوْتُ، فَخَرَجْتُ فَقُلْتُ: هَذا مُنادٍ يُنادِي: ألا إنَّ الخَمْرَ قَدْ حُرِّمَتْ، فَقالَ لِي: اذْهَبْ فَأهْرِقْها، قالَ: فَجَرَتْ في سِكَكِ المَدِينَةِ قالَ: وكانَتْ خَمْرُهم يَوْمَئِذٍ الفَضِيخَ، البُسْرَ، والتَّمْرَ، فَقالَ بَعْضُ القَوْمِ: قُتِلَ قَوْمٌ وهي في بُطُونِهِمْ، فَأنْزَلَ اللَّهُ:﴿لَيْسَ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا﴾ الآيَةَ. * * وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: اصْطَبَحَ ناسٌ الخَمْرَ يَوْمَ أُحُدٍ، ثُمَّ قُتِلُوا شُهَداءَ. وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: «لَمّا نَزَلَ تَحْرِيمُ الخَمْرِ قالَتِ اليَهُودُ: ألَيْسَ إخْوانُكُمُ الَّذِينَ ماتُوا كانُوا يَشْرَبُونَها؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿لَيْسَ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ جُناحٌ﴾ الآيَةَ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: (قِيلَ لِي: أنْتَ مِنهُمْ») . وأخْرَجَ الدّارَقُطْنِيُّ في (الأفْرادِ)، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: «لَمّا نَزَلَ تَحْرِيمُ الخَمْرِ قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ بِمَن شَرِبَها مِن إخْوانِنا الَّذِينَ ماتُوا (p-٤٨٣)وهِيَ في بُطُونِهِمْ؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿لَيْسَ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا﴾ الآيَةَ» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ، مِن طَرِيقِ العَوْفِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿لَيْسَ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا﴾ الآيَةَ، يَعْنِي بِذَلِكَ رِجالًا مِن أصْحابِ النَّبِيِّ ﷺ ماتُوا وهم يَشْرَبُونَ الخَمْرَ قَبْلَ أنْ تُحَرَّمَ الخَمْرُ، فَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهِمْ فِيها جُناحٌ قَبْلَ أنْ تُحَرَّمَ، فَلَمّا حُرِّمَتْ قالُوا: كَيْفَ تَكُونُ عَلَيْنا حَرامًا وقَدْ ماتَ إخْوانُنا، وهم يَشْرَبُونَها؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿لَيْسَ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا﴾ يَقُولُ: لَيْسَ عَلَيْهِمْ حَرَجٌ فِيما كانُوا يَشْرَبُونَ قَبْلَ أنْ أُحَرِّمَها، إذْ كانُوا مُحْسِنِينَ مُتَّقِينَ، ﴿واللَّهُ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: نَزَلَتْ: ﴿لَيْسَ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا﴾ في مَن كانَ يَشْرَبُها مِمَّنْ قُتِلَ بِبَدْرٍ وأُحُدٍ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ قَتادَةَ قالَ: لَمّا أنْزَلَ اللَّهُ تَحْرِيمَ الخَمْرِ في سُورَةِ المائِدَةِ بَعْدَ سُورَةِ الأحْزابِ قالَ في ذَلِكَ رِجالٌ مِن أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: أُصِيبَ فُلانٌ يَوْمَ بَدْرٍ، وفُلانٌ يَوْمَ أُحُدٍ، وهم يَشْرَبُونَها، فَنَحْنُ نَشْهَدُ أنَّهم مِن أهْلِ الجَنَّةِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿لَيْسَ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا إذا ما اتَّقَوْا وآمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وأحْسَنُوا واللَّهُ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ﴾ يَقُولُ: شَرِبَها القَوْمُ عَلى تَقْوى مِنَ اللَّهِ وإحْسانٍ، وهي لَهم يَوْمَئِذٍ حَلالٌ، ثُمَّ حُرِّمَتْ بَعْدَهُمْ، فَلا جُناحَ عَلَيْهِمْ في ذَلِكَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، مِن طَرِيقِ عَلِيٍّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿لَيْسَ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ جُناحٌ﴾ قالَ: قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، ما نَقُولُ لِإخْوانِنا الَّذِينَ مَضَوْا، كانُوا يَشْرَبُونَ الخَمْرَ، ويَأْكُلُونَ المَيْسِرَ؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿لَيْسَ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا﴾ مِنَ الحَرامِ قَبْلَ أنْ يُحَرَّمَ عَلَيْهِمْ، إذا ما اتَّقَوْا وأحْسَنُوا بَعْدَما حُرِّمَ عَلَيْهِمْ، وهو قَوْلُهُ: ﴿فَمَن جاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِن رَبِّهِ فانْتَهى فَلَهُ ما سَلَفَ﴾ [البقرة: ٢٧٥] [البَقَرَةِ: ٢٧٥] . وأخْرَجَ مُسْلِمٌ، والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ: ﴿لَيْسَ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا﴾ الآيَةَ، قالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (قِيلَ لِي: أنْتَ مِنهُمْ») . وأخْرَجَ الدِّينَوَرِيُّ في (المُجالَسَةِ)، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ، في (الحِلْيَةِ)، عَنْ ثابِتِ بْنِ عُبَيْدٍ قالَ: جاءَ رَجُلٌ مِن آلِ حاطِبٍ إلى عَلِيٍّ، فَقالَ: (p-٤٨٥)يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ، إنِّي أرْجِعُ إلى المَدِينَةِ، وإنَّهم سائِلِيَّ عَنْ عُثْمانَ، فَماذا أقُولُ لَهُمْ؟ قالَ: (أخْبِرْهم أنَّ عُثْمانَ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ، ثُمَّ اتَّقَوْا وآمَنُوا، ثُمَّ اتَّقَوْا وأحْسَنُوا، واللَّهُ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ) . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، مِن طَرِيقِ عَطاءِ بْنِ السّائِبِ، عَنْ مُحارِبِ بْنِ دِثارٍ، أنَّ ناسًا مِن أصْحابِ النَّبِيِّ ﷺ شَرِبُوا الخَمْرَ بِالشّامِ، فَقالَ لَهم يَزِيدُ بْنُ أبِي سُفْيانَ: شَرِبْتُمُ الخَمْرَ؟ فَقالُوا: نَعَمْ، يَقُولُ اللَّهُ: ﴿لَيْسَ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا﴾ حَتّى فَرَغُوا مِنَ الآيَةِ، فَكَتَبَ فِيهِمْ إلى عُمَرَ، فَكَتَبَ إلَيْهِ: إنْ أتاكَ كِتابِي هَذا نَهارًا فَلا تَنْتَظِرْ بِهِمُ اللَّيْلَ، وإنْ أتاكَ لَيْلًا فَلا تَنْتَظِرْ بِهِمُ النَّهارَ، حَتّى تَبْعَثَ بِهِمْ إلَيَّ، لا يَفْتِنُوا عِبادَ اللَّهِ، فَبَعَثَ بِهِمْ إلى عُمَرَ، فَلَمّا قَدِمُوا عَلى عُمَرَ قالَ: شَرِبْتُمُ الخَمْرَ؟ قالُوا: نَعَمْ، فَتَلا عَلَيْهِمْ: ﴿إنَّما الخَمْرُ والمَيْسِرُ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ، قالُوا: اقْرَإ الَّتِي بَعْدَها: ﴿لَيْسَ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا﴾ قالَ: فَشاوَرَ فِيهِمُ النّاسَ، فَقالَ لَعَلِيٍّ: ما تَرى؟ قالَ: أرى أنَّهم شَرَعُوا في دِينِ اللَّهِ ما لَمْ يَأْذَنِ اللَّهُ فِيهِ، فَإنْ زَعَمُوا أنَّها حَلالٌ فاقْتُلْهُمْ، فَقَدْ أحَلُّوا ما حَرَّمَ اللَّهُ، وإنْ زَعَمُوا أنَّها حَرامٌ فاجْلِدْهم ثَمانِينَ ثَمانِينَ، فَقْدِ افْتَرَوْا عَلى اللَّهِ الكَذِبَ، وقَدْ أخْبَرَنا اللَّهُ بِحَدِّ ما يَفْتَرِي بِهِ (p-٤٨٦)بَعْضُنا عَلى بَعْضٍ، قالَ: فَجَلَدَهم ثَمانِينَ ثَمانِينَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في (شُعَبِ الإيمانِ) عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «(إنَّ اللَّهَ لَعَنَ الخَمْرَ، ولَعَنَ غارِسَها، ولَعَنَ شارِبَها، ولَعَنَ عاصِرَها، ولَعَنَ مُؤْوِيَها، ولَعَنَ مُدِيرَها، ولَعَنَ ساقِيَها، ولَعَنَ حامِلَها، ولَعَنَ آكِلَ ثَمَنِها، ولَعَنَ بائِعَها») . وأخْرَجَ وكِيعٌ، والبُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «(مَن شَرِبَ الخَمْرَ في الدُّنْيا لَمْ يَشْرَبْها في الآخِرَةِ، إلّا أنْ يَتُوبَ») . وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في (الشُّعَبِ)، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «(مَن شَرِبَ الخَمْرَ في الدُّنْيا ولَمْ يَتُبْ، لَمْ يَشْرَبْها في الآخِرَةِ، وإنْ أُدْخِلَ الجَنَّةَ») . وأخْرَجَ مُسْلِمٌ، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، «أنَّ رَجُلًا قَدِمَ مِنَ اليَمَنِ فَسَألَ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ شَرابٍ يَشْرَبُونَهُ بِأرْضِهِمْ مِنَ الذُّرَةِ يُقالُ لَهُ: المَزْرُ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: (أوَمُسْكِرٌ هُوَ؟)، قالَ: نَعَمْ، قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: كُلُّ مُسْكِرٍ حَرامٌ، إنَّ اللَّهَ عَهِدَ لِمَن يَشْرَبُ المُسْكِرَ أنْ يَسْقِيَهُ مِن طِينَةِ الخَبالِ)، قالُوا: (p-٤٨٧)يا رَسُولَ اللَّهِ، وما طِينَةُ الخَبالِ؟ قالَ: (عَرَقُ أهْلِ النّارِ) أوْ: (عُصارَةُ أهْلِ النّارِ») . وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَمْرٍو، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «(مَن شَرِبَ الخَمْرَ لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلاةٌ أرْبَعِينَ لَيْلَةً، فَإنْ تابَ تابَ اللَّهُ عَلَيْهِ، وإنْ شَرِبَها الثّانِيَةَ لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلاةٌ أرْبَعِينَ لَيْلَةً، فَإنْ تابَ تابَ اللَّهُ عَلَيْهِ، فَإنْ شَرِبَها الثّالِثَةَ لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلاةٌ أرْبَعِينَ لَيْلَةً، فَإنْ تابَ تابَ اللَّهُ عَلَيْهِ، فَإنْ شَرِبَها الرّابِعَةَ لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلاةٌ أرْبَعِينَ لَيْلَةً، فَإنْ تابَ لَمْ يَتُبِ اللَّهُ عَلَيْهِ، وكانَ حَقًّا عَلى اللَّهِ أنْ يَسْقِيَهُ مِن طِينَةِ الخَبالِ)، قِيلَ: وما طِينَةُ الخَبالِ؟ قالَ: (صَدِيدُ أهْلِ النّارِ») . وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العاصِي: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «(مَن شَرِبَ الخَمْرَ شَرْبَةً لَمْ تُقْبَلْ صَلاتُهُ أرْبَعِينَ صَباحًا، فَإنْ تابَ تابَ اللَّهُ عَلَيْهِ، فَإنْ عادَ لَمْ تُقْبَلْ تَوْبَتُهُ أرْبَعِينَ صَباحًا)، فَلا أدْرِي أفِي الثّالِثَةِ أوْ في الرّابِعَةِ قالَ: (فَإنْ عادَ كانَ حَقًّا عَلى اللَّهِ أنْ يَسْقِيَهُ مِن رَدْغَةِ الخَبالِ يَوْمَ القِيامَةِ») . (p-٤٨٨)وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قالَ: «(مَن تَرَكَ الصَّلاةَ سُكْرًا مَرَّةً واحِدَةً، فَكَأنَّما كانَتْ لَهُ الدُّنْيا وما عَلَيْها فَسُلِبَها، ومَن تَرَكَ الصَّلاةَ سُكْرًا أرْبَعَ مَرّاتٍ كانَ حَقًّا عَلى اللَّهِ أنْ يَسْقِيَهُ مِن طِينَةِ الخَبالِ)، قِيلَ: وما طِينَةُ الخَبالِ يا رَسُولَ اللَّهِ؟ قالَ: (عُصارَةُ أهْلِ النّارِ») . وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَعَنَ الخَمْرَ، وعاصِرَها، ومُعْتَصِرَها، وبائِعَها، ومُبْتاعَها، وحامِلَها، والمَحْمُولَةَ إلَيْهِ، وساقِيَها، وشارِبَها، وآكِلَ ثَمَنِها» . وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «(أتانِي جِبْرِيلُ فَقالَ: يا مُحَمَّدُ، إنَّ اللَّهَ لَعَنَ الخَمْرَ، وعاصِرَها، ومُعْتَصِرَها، وشارِبَها، وحامِلَها، والمَحْمُولَةَ إلَيْهِ، وبائِعَها، وساقِيَها، ومُسْقِيَها») . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ عُثْمانَ، سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «(اجْتَنِبُوا أُمَّ الخَبائِثِ، فَإنَّهُ كانَ رَجُلٌ في مَن كانَ قَبْلَكم يَتَعَبَّدُ ويَعْتَزِلُ النِّساءَ، فَعَلِقَتْهُ امْرَأةٌ غاوِيَةٌ، فَأرْسَلَتْ إلَيْهِ خادِمَها، فَقالَتْ: إنّا نَدْعُوكَ لِشَهادَةٍ، (p-٤٨٩)فَدَخَلَ، فَطَفِقَتْ كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها بابًا أغْلَقَتْهُ دُونَهُ، حَتّى أفْضى إلى امْرَأةٍ وضِيئَةٍ جالِسَةٍ، عِنْدَها غُلامٌ، وباطِيَةٌ فِيها خَمْرٌ، فَقالَتْ: أنا لَمْ أدْعُكَ لِشَهادَةٍ، ولَكِنْ دَعَوْتُكَ لِتَقْتُلَ هَذا الغُلامَ، أوْ تَقَعَ عَلَيَّ، أوْ تَشْرَبَ كَأْسًا مِن هَذا الخَمْرِ، فَإنْ أبَيْتَ صِحْتُ، وفَضَحْتُكَ، فَلَمّا رَأى أنَّهُ لا بُدَّ مِن ذَلِكَ قالَ: اسْقِينِي كَأْسًا مِن هَذا الخَمْرِ، فَسَقَتْهُ كَأْسًا مِنَ الخَمْرِ، ثُمَّ قالَ: زِيدِينِي، فَلَمْ يَرِمْ حَتّى وقَعَ عَلَيْها، وقَتَلَ النَّفْسَ، فاجْتَنِبُوا الخَمْرَ، فَإنَّهُ - واللَّهِ - لا يَجْتَمِعُ الإيمانُ وإدْمانُ الخَمْرِ في صَدْرِ رَجُلٍ أبَدًا، لَيُوشِكَنَّ أحَدُهُما أنْ يُخْرِجَ صاحِبَهُ») . وأخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزّاقِ في (المُصَنَّفِ) عَنْ عُثْمانَ مَوْقُوفًا. وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «(اجْتَنِبُوا الخَمْرَ، فَإنَّها مِفْتاحُ كُلِّ شَرٍّ») . وأخْرَجَ ابْنُ ماجَهْ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ عَنْ أبِي الدَّرْداءِ قالَ: «أوْصانِي خَلِيلِي أبُو القاسِمِ ﷺ: (ألّا تُشْرِكَ بِاللَّهِ شَيْئًا، وإنْ قُطِّعْتَ أوْ حُرِّقْتَ، ولا (p-٤٩٠)تَتْرُكْ صَلاةً مَكْتُوبَةً مُتَعَمِّدًا، فَمَن تَرَكَها مُتَعَمِّدًا بَرِئَتْ مِنهُ الذِّمَّةُ، وألّا تَشْرَبَ الخَمْرَ فَإنَّها مِفْتاحُ كُلِّ شَرٍّ») . وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ، عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «(إنَّ اللَّهَ تَبارَكَ وتَعالى بَنى الفِرْدَوْسَ بِيَدِهِ، وحَظَرَهُ عَلى كُلِّ مُشْرِكٍ، وكُلِّ مُدْمِنِ الخَمْرِ سِكِّيرٍ») . وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ، عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «(ثَلاثَةٌ لا تُقْبَلُ لَهم صَلاةٌ، ولا يُرْفَعُ لَهم إلى السَّماءِ عَمَلٌ، العَبْدُ الآبِقُ مِن مَوالِيهِ حَتّى يَرْجِعَ فَيَضَعَ يَدَهُ في أيْدِيهِمْ، والمَرْأةُ السّاخِطُ عَلَيْها زَوْجُها حَتّى يَرْضى، والسَّكْرانُ حَتّى يَصْحُوَ») . وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ، عَنْ عَلِيٍّ، قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «(لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ عاقٌّ، ولا مُدْمِنُ خَمْرٍ») وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: «نَهى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنْ يُقْعَدَ عَلى مائِدَةٍ يُشْرَبُ عَلَيْها الخَمْرُ» . وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ، عَنْ جابِرٍ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قالَ: «(مَن كانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ (p-٤٩١)واليَوْمِ الآخِرِ، فَلا يُدْخِلْ حَلِيلَتَهُ الحَمّامَ، ومَن كانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ، فَلا يَدْخُلِ الحَمّامَ إلّا بِمِئْزَرٍ، ومَن كانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ، فَلا يَجْلِسْ عَلى مائِدَةٍ يُدارُ عَلَيْها الخَمْرُ») . وأخْرَجَ البُخارِيُّ في (التّارِيخِ)، والبَيْهَقِيُّ مِن طَرِيقِ سُهَيْلِ بْنِ أبِي صالِحٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أبِيهِ، «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: (مَن لَقِيَ اللَّهَ وهو مُدْمِنُ خَمْرٍ لَقِيَهُ كَعابِدِ وثَنٍ») . وأخْرَجَ البُخارِيُّ في (التّارِيخِ)، والبَيْهَقِيُّ، مِن طَرِيقِ سُهَيْلٍ، عَنْ أبِيهِ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا مِثْلَهُ، وقالَ البُخارِيُّ: ولا يَصِحُّ حَدِيثُ أبِي هُرَيْرَةَ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «(مَن ماتَ (p-٤٩٢)مُدْمِنَ خَمْرٍ لَقِيَ اللَّهَ وهو كَعابِدِ وثَنٍ») . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا، والبَيْهَقِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «(مَن شَرِبَ شَرابًا يَذْهَبُ بِعَقْلِهِ فَقَدْ أتى بابًا مِن أبْوابِ الكَبائِرِ») . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قالَ: لَأنْ أزْنِيَ أحَبُّ إلَيَّ مِن أنْ أسْكَرَ، ولَأنْ أسْرِقَ أحَبُّ إلَيَّ مِن أنْ أسْكَرَ، لِأنَّ السَّكْرانَ يَأْتِي عَلَيْهِ ساعَةٌ لا يَعْرِفُ فِيها رَبَّهُ. وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «(مَن لَبِسَ الحَرِيرَ في الدُّنْيا لَمْ يَلْبَسْهُ في الآخِرَةِ، ومَن شَرِبَ الخَمْرَ في الدُّنْيا لَمْ يَشْرَبْهُ في الآخِرَةِ، ومَن شَرِبَ في آنِيَةِ الذَّهَبِ والفِضَّةِ لَمْ يَشْرَبْ بِها في الآخِرَةِ)، ثُمَّ قالَ: (لِباسُ أهْلِ الجَنَّةِ، وشَرابُ أهْلِ الجَنَّةِ، وآنِيَةُ أهْلِ الجَنَّةِ») . وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ، عَنْ أبِي مُوسى، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «(ثَلاثَةٌ لا يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ، مُدْمِنُ خَمْرٍ، وقاطِعُ الرَّحِمِ، ومُصَدِّقٌ بِالسِّحْرِ، ومَن ماتَ مُدْمِنَ الخَمْرِ سَقاهُ اللَّهُ مِن نَهْرِ الغُوطَةِ)، قِيلَ: وما نَهْرُ الغُوطَةِ؟ قالَ: (نَهْرٌ يَخْرُجُ مِن فُرُوجِ المُومِساتِ، يُؤْذِي أهْلَ النّارِ رِيحُ فُرُوجِهِمْ») . (p-٤٩٣)وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ: «أنَّ أبا بَكْرٍ وعُمَرَ وناسًا جَلَسُوا بَعْدَ وفاةِ النَّبِيِّ ﷺ فَذَكَرُوا أعْظَمَ الكَبائِرِ، فَلَمْ يَكُنْ عِنْدَهم فِيها عِلْمٌ، فَأرْسَلُونِي إلى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو أسْألُهُ، فَأخْبَرَنِي أنَّ أعْظَمَ الكَبائِرِ شُرْبَ الخَمْرِ، فَأتَيْتُهم فَأخْبَرْتُهُمْ، فَأنْكَرُوا ذَلِكَ، ووَثَبُوا جَمِيعًا، حَتّى أتَوْهُ في دارِهِ، فَأخْبَرَهم أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: (إنَّ مَلِكًا مِن مُلُوكِ بَنِي إسْرائِيلَ أخَذَ رَجُلًا فَخَيَّرَهُ بَيْنَ أنْ يَشْرَبَ الخَمْرَ، أوْ يَقْتُلَ نَفْسًا، أوْ يَزْنِيَ، أوْ يَأْكُلَ لَحْمَ خِنْزِيرٍ، أوْ يَقْتُلُوهُ، فاخْتارَ الخَمْرَ، وإنَّهُ لَمّا شَرِبَهُ لَمْ يَمْتَنِعْ مِن شَيْءٍ أرادُوهُ مِنهُ)، وأنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: (ما مِن أحَدٍ يَشْرَبُها فَتُقْبَلَ لَهُ صَلاةٌ أرْبَعِينَ لَيْلَةً، ولا يَمُوتُ وفي مَثانَتِهِ مِنهُ شَيْءٌ إلّا حُرِّمَتْ عَلَيْهِ بِها الجَنَّةُ، فَإنْ ماتَ في أرْبَعِينَ لَيْلَةً ماتَ مِيتَةً جاهِلِيَّةً») . وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ، عَنْ أبِي مُسْلِمٍ الخَوْلانِيِّ، أنَّهُ حَجَّ فَدَخَلَ عَلى عائِشَةَ، فَجَعَلَتْ تَسْألُهُ عَنِ الشّامِ، وعَنْ بَرْدِها، فَجَعَلَ يُخْبِرُها، فَقالَتْ: كَيْفَ تَصْبِرُونَ عَلى بَرْدِها؟ قالَ: يا أُمَّ المُؤْمِنِينَ، إنَّهم يَشْرَبُونَ شَرابًا لَهم يُقالُ لَهُ: الطِّلاءُ، قالَتْ: صَدَقَ اللَّهُ وبَلَّغَ حِبِّي ﷺ، سَمِعْتُهُ يَقُولُ: «(إنَّ ناسًا مِن أُمَّتِي يَشْرَبُونَ الخَمْرَ، يُسَمُّونَها بِغَيْرِ اسْمِها») . وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في (الشُّعَبِ) عَنْ أنَسٍ، أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «(بَعَثَنِي اللَّهُ رَحْمَةً وهُدًى لِلْعالَمِينَ، وبَعَثَنِي بِمَحْقِ المَعازِفِ، والمَزامِيرِ، وأمْرِ الجاهِلِيَّةِ) ثُمَّ (p-٤٩٤)قالَ: (مَن شَرِبَ خَمْرًا في الدُّنْيا سَقاهُ اللَّهُ كَما شَرِبَ مِنهُ مِن حَمِيمِ جَهَنَّمَ، مُعَذَّبٌ بَعْدُ، أوْ مَغْفُورٌ لَهُ») . وأخْرَجَ أحْمَدُ، وابْنُ أبِي الدُّنْيا، في (ذَمِّ المَلاهِي)، والطَّبَرانِيُّ، عَنْ أبِي أُمامَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «(إنَّ اللَّهَ بَعَثَنِي رَحْمَةً وهُدًى لِلْعالَمِينَ، بَعَثَنِي لِأمْحَقَ المَعازِفَ، والمَزامِيرَ، وأمْرَ الجاهِلِيَّةِ والأوْثانَ، وحَلَفَ رَبِّي عَزَّ وجَلَّ بِعِزَّتِهِ لا يَشْرَبُ الخَمْرَ أحَدٌ في الدُّنْيا إلّا سَقاهُ اللَّهُ مِثْلَها مِنَ الحَمِيمِ يَوْمَ القِيامَةِ، مَغْفُورٌ لَهُ، أوْ مُعَذَّبٌ، ولا يَدَعُها أحَدٌ في الدُّنْيا إلّا سَقَيْتُهُ إيّاها في حَظِيرَةِ القُدْسِ حَتّى تَقْنَعَ نَفْسُهُ») . وأخْرَجَ الحاكِمُ عَنْ ثَوْبانَ قالَ: قالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «(إذا حَلَفْتَ عَلى مَعْصِيَةٍ فَدَعْها، واقْذِفْ ضَغائِنَ الجاهِلِيَّةِ تَحْتَ قَدَمَيْكَ، وإيّاكَ وشُرْبَ الخَمْرِ، فَإنَّ اللَّهَ لَمْ يُقَدِّسْ شارِبَها») . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا في كِتابِ (ذَمِّ المَلاهِي)، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السّاعِدِيِّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «(يَكُونُ في أُمَّتِي خَسْفٌ، وقَذْفٌ، ومَسْخٌ)، قِيلَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، مَتى؟ قالَ: (إذا ظَهَرَتِ المَعازِفُ (p-٤٩٥)والقَيْناتُ، واسْتُحِلَّتِ الخَمْرُ») . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا، عَنْ عِمْرانَ بْنِ حُصَيْنٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «(يَكُونُ في أُمَّتِي قَذْفٌ ومَسْخٌ وخَسْفٌ)، قِيلَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، ومَتى ذَلِكَ؟ قالَ: (إذا ظَهَرَتِ المَعازِفُ، وكَثُرَتِ القَيْناتُ، وشُرِبَتِ الخُمُورُ») . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا، عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (يَكُونُ في أُمَّتِي خَسْفٌ ومَسْخٌ وقَذْفٌ)، قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، وهم يَقُولُونَ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ؟ قالَ: (إذا ظَهَرَتِ القَيْناتُ، وظَهَرَ الزِّنا، وشُرِبَ الخَمْرُ، ولُبِسَ الحَرِيرُ، كانَ ذا عِنْدَ ذا») . وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ، وابْنُ أبِي الدُّنْيا، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «(إذا عَمِلَتْ أُمَّتِي خَمْسَ عَشْرَةَ خَصْلَةً حَلَّ بِها البَلاءُ)، قِيلَ: وما هي يا رَسُولَ اللَّهِ؟ قالَ: (إذا كانَ المَغْنَمُ دُوَلًا، والأمانَةُ مَغْنَمًا، والزَّكاةُ مَغْرَمًا، وأطاعَ الرَّجُلُ زَوْجَتَهُ وعَقَّ أُمَّهُ، وبَرَّ صَدِيقَهُ وجَفا أباهُ، وارْتَفَعَتِ الأصْواتُ في المَساجِدِ، وكانَ زَعِيمُ القَوْمِ أرْذَلَهُمْ، وأُكْرِمَ الرَّجُلُ مَخافَةَ شَرِّهِ، (p-٤٩٦)وشُرِبَتِ الخُمُورُ، ولُبِسَ الحَرِيرُ، واتَّخَذُوا القِيانَ والمَعازِفَ، ولَعَنَ آخِرُ هَذِهِ الأُمَّةِ أوَّلَها، فَلْيَرْتَقِبُوا عِنْدَ ذَلِكَ ثَلاثًا: رِيحًا حَمْراءَ، وخَسْفًا، ومَسْخًا») . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «(تُمْسَخُ طائِفَةٌ مِن أُمَّتِي قِرَدَةً، وطائِفَةٌ خَنازِيرَ، ويُخْسَفُ بِطائِفَةٍ، ويُرْسَلُ عَلى طائِفَةٍ الرِّيحُ العَقِيمُ، بِأنَّهم شَرِبُوا الخَمْرَ، ولَبِسُوا الحَرِيرَ، واتَّخَذُوا القِيانَ، وضَرَبُوا بِالدُّفُوفِ») . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا، عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «(لَيَكُونَنَّ في هَذِهِ الأُمَّةِ خَسْفٌ وقَذْفٌ ومَسْخٌ، وذَلِكَ إذا شَرِبُوا الخَمْرَ، واتَّخَذُوا القَيْناتِ، وضَرَبُوا بِالمَعازِفِ») . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «(يُمْسَخُ قَوْمٌ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ في آخِرِ الزَّمانِ قِرَدَةً وخَنازِيرَ)، قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، ألَيْسَ يَشْهَدُونَ أنَّ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وأنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ؟ قالَ: (بَلى، ويَصُومُونَ، ويُصَلُّونَ، ويَحُجُّونَ)، قالَ: فَما بالُهُمْ؟ قالَ: (اتَّخَذُوا المَعازِفَ، والدُّفُوفَ، والقَيْناتِ، فَباتُوا عَلى شُرْبِهِمْ، ولَهْوِهِمْ، فَأصْبَحُوا قَدْ مُسِخُوا قِرَدَةً وخَنازِيرَ») . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ أبِي الدُّنْيا، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سابِطٍ قالَ: (p-٤٩٧)قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «(يَكُونُ في أُمَّتِي خَسْفٌ، وقَذْفٌ ومَسْخٌ)، قالُوا: مَتى ذَلِكَ يا رَسُولَ اللَّهِ؟ قالَ: (إذا أظْهَرُوا المَعازِفَ، واسْتَحَلُّوا الخُمُورَ، ولُبِسَ الحَرِيرُ») . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا، عَنِ الغازِي بْنِ رَبِيعَةَ، رَفَعَ الحَدِيثَ قالَ: «(لَيُمْسَخَنَّ قَوْمٌ وهم عَلى أرِيكَتِهِمْ قِرَدَةً وخَنازِيرَ، بِشُرْبِهِمُ الخَمْرَ، وضَرْبِهِمْ بِالبَرابِطِ والقِيانِ») . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا، عَنْ صالِحِ بْنِ خالِدٍ، رَفَعَ ذَلِكَ إلى النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «(لَيَسْتَحِلَّنَّ ناسٌ مِن أُمَّتِي الحَرِيرَ، والخَمْرَ، والمَعازِفَ، ولَيَأْتِيَنَّ اللَّهُ عَلى أهْلِ حاضِرَتِهِمْ بِجَبَلٍ عَظِيمٍ حَتّى يَنْبِذَهُ عَلَيْهِمْ، ويُمْسَخُ آخَرُونَ قِرَدَةً وخَنازِيرَ») . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا، عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «(لَيَبِيتَنَّ رِجالٌ عَلى أكْلٍ وشُرْبٍ وعَزْفٍ، يُصْبِحُونَ عَلى أرائِكِهِمْ مَمْسُوخِينَ قِرَدَةً وخَنازِيرَ») . وأخْرَجَ ابْنُ عَدِيٍّ، والحاكِمُ، والبَيْهَقِيُّ في (الشُّعَبِ) وضَعَّفَهُ، عَنْ أبِي (p-٤٩٨)هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «(والَّذِي بَعَثَنِي بِالحَقِّ لا تَنْقَضِي هَذِهِ الدُّنْيا حَتّى يَقَعَ بِهِمُ الخَسْفُ والمَسْخُ والقَذْفُ)، قالُوا: ومَتى ذاكَ يا رَسُولَ اللَّهِ؟ قالَ: (إذا رَأيْتُمُ النِّساءَ رَكِبْنَ السُّرُوجَ، وكَثُرَتِ المَعازِفُ، وفَشَتْ شَهاداتُ الزُّورِ، وشُرِبَتِ الخَمْرُ لا يُسْتَخْفى بِهِ، وشَرِبَتِ المُصَلُّونَ في آنِيَةِ أهْلِ الشِّرْكِ مِنَ الذَّهَبِ والفِضَّةِ، واسْتَغْنى النِّساءُ بِالنِّساءِ، والرِّجالُ بِالرِّجالِ، فَإذا رَأيْتُمْ ذَلِكَ فاسْتَدْفِرُوا، واسْتَعِدُّوا، واتَّقُوا القَذْفَ مِنَ السَّماءِ») . وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ وضَعَّفَهُ عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «(إذا اسْتَعْمَلَتْ أُمَّتِي خَمْسًا فَعَلَيْهِمُ الدَّمارُ: إذا ظَهَرَ فِيهِمُ التَّلاعُنُ، ولُبِسَ الحَرِيرُ، واتَّخَذُوا القَيْناتِ، وشَرِبُوا الخَمْرَ، واكْتَفى الرِّجالُ بِالرِّجالِ، والنِّساءُ بِالنِّساءِ») . وأخْرَجَ أحْمَدُ، وابْنُ أبِي الدُّنْيا، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ أبِي أُمامَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «(يَبِيتُ قَوْمٌ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ عَلى طُعْمٍ وشُرْبٍ، ولَهْوٍ ولَعِبٍ، فَيُصْبِحُوا وقَدْ مُسِخُوا قِرَدَةً وخَنازِيرَ، ولَيُصِيبَنَّهم خَسْفٌ وقَذْفٌ حَتّى يُصْبِحَ النّاسُ فَيَقُولُونَ: قَدْ خُسِفَ اللَّيْلَةَ بِبَنِي فُلانٍ، وخُسِفَ اللَّيْلَةَ بِدارِ فُلانٍ، ولَيُرْسِلَنَّ عَلَيْهِمْ حاصِبًا مِنَ السَّماءِ، كَما أُرْسِلَتْ عَلى (p-٤٩٩)قَوْمِ لُوطٍ، عَلى قَبائِلَ فِيها، وعَلى دُورٍ، ولَيُرْسِلَنَّ عَلَيْهِمُ الرِّيحَ العَقِيمَ الَّتِي أهْلَكَتْ عادًا، عَلى قَبائِلَ فِيها، وعَلى دُورٍ، بِشُرْبِهِمُ الخَمْرَ، ولُبْسِهِمُ الحَرِيرَ، واتِّخاذِهِمُ القَيْناتِ، وأكْلِهِمُ الرِّبا، وقَطِيعَتِهِمُ الرَّحِمَ») . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأبُو داوُدَ، وابْنُ ماجَهْ، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ أبِي مالِكٍ الأشْعَرِيِّ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «(لَيَشْرَبَنَّ ناسٌ مِن أُمَّتِي الخَمْرَ يُسَمُّونَها بِغَيْرِ اسْمِها، ويُضْرَبُ عَلى رُؤُوسِهِمُ المَعازِفُ، والمُغَنِّياتُ، يَخْسِفُ اللَّهُ بِهِمُ الأرْضَ، ويَجْعَلُ مِنهُمُ القِرَدَةَ والخَنازِيرَ») . وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ، عَنْ مُعاذٍ، وأبِي عُبَيْدَةَ، قالا: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «(إنَّ هَذا الأمْرَ بَدَأ رَحْمَةً ونُبُوَّةً، ثُمَّ يَكُونُ رَحْمَةً وخِلافَةً، ثُمَّ كائِنٌ مُلْكًا عَضُوضًا، ثُمَّ كائِنٌ عُتُوًّا وجَبْرِيَّةً وفَسادًا في الأرْضِ، يَسْتَحِلُّونَ الحَرِيرَ والخُمُورَ والفُرُوجَ، يُرْزَقُونَ عَلى ذَلِكَ ويُنْصَرُونَ، حَتّى يَلْقَوُا اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ») . (p-٥٠٠)وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ، عَنْ أبِي مُوسى قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «(مَن حَبَسَ العِنَبَ أيّامَ قِطافِهِ حَتّى يَبِيعَهُ مِن يَهُودِيٍّ أوْ نَصْرانِيٍّ، أوْ مِمَّنْ يَعْلَمُ أنَّهُ يُتَّخَذُ خَمْرًا، فَقَدْ تَقَدَّمَ في النّارِ عَلى بَصِيرَةٍ») . وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أنَّهُ كانَ يَكْرَهُ أنْ تُسْقى البَهائِمُ الخَمْرَ. وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ، عَنْ عائِشَةَ: أنَّها كانَتْ تَنْهى النِّساءَ أنْ يَمْتَشِطْنَ بِالخَمْرِ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وأحْمَدُ، وأبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ ماجَهْ، عَنْ مُعاوِيَةَ بْنِ أبِي سُفْيانَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «(مَن شَرِبَ الخَمْرَ فاجْلِدُوهُ)، قالَها ثَلاثًا، قالَ: (فَإنْ شَرِبَها الرّابِعَةَ فاقْتُلُوهُ») . وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، عَنْ أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ، «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ حِينَ بَعَثَهُ إلى اليَمَنِ سَألَهُ قالَ: إنَّ قَوْمِي يَصْنَعُونَ شَرابًا مِنَ الذُّرَةِ يُقالُ لَهُ: المَزْرُ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: (أيُسْكِرُ؟) قالَ: نَعَمْ، قالَ: (فانْهَهم عَنْهُ)، قالَ: نَهَيْتُهم ولَمْ يَنْتَهُوا، قالَ: (فَمَن لَمْ يَنْتَهِ في الثّالِثَةِ مِنهم فاقْتُلْهُ») . وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، عَنْ مَكْحُولٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «(مَن شَرِبَ (p-٥٠١)الخَمْرَ فاضْرِبُوهُ)، ثُمَّ قالَ في الرّابِعَةِ: (مَن شَرِبَ الخَمْرَ فاقْتُلُوهُ») . وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «(إذا شَرِبُوا فاجْلِدُوهُمْ، قالَها ثَلاثًا، فَإذا شَرِبُوا الرّابِعَةَ فاقْتُلُوهُمْ)، قالَ مَعْمَرٌ: فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِابْنِ المُنْكَدِرِ، فَقالَ: قَدْ تُرِكَ القَتْلُ، قَدْ أُتِيَ النَّبِيُّ ﷺ بِابْنِ النُّعَيْمانِ فَجَلَدَهُ، ثُمَّ أُتِيَ بِهِ فَجَلَدَهُ، ثُمَّ أُتِيَ بِهِ فَجَلَدَهُ، ثُمَّ أُتِيَ بِهِ فَجَلَدَهُ الرّابِعَةَ أوْ أكْثَرَ» . وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «(إذا شَرِبُوا فاجْلِدُوهُمْ، ثُمَّ إذا شَرِبُوا فاجْلِدُوهُمْ، ثُمَّ إذا شَرِبُوا فاجْلِدُوهُمْ، ثُمَّ إذا شَرِبُوا فاقْتُلُوهُمْ)، ثُمَّ قالَ: (إنَّ اللَّهَ قَدْ وضَعَ عَنْهُمُ القَتْلَ، فَإذا شَرِبُوا فاجْلِدُوهُمْ، ثُمَّ إذا شَرِبُوا فاجْلِدُوهُمْ)، ذَكَرَها أرْبَعَ مَرّاتٍ» . وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينارٍ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «(مَن شَرِبَ الخَمْرَ فَحُدُّوهُ، فَإنْ شَرِبَ الثّانِيَةَ فَحُدُّوهُ، فَإنْ شَرِبَ الثّالِثَةَ فَحُدُّوهُ، فَإنْ شَرِبَ الرّابِعَةَ فاقْتُلُوهُ)، قالَ: فَأُتِيَ بِابْنِ النُّعَيْمانِ قَدْ شَرِبَ، فَضُرِبَ بِالنِّعالِ والأيْدِي، ثُمَّ أُتِيَ بِهِ الثّانِيَةَ فَكَذَلِكَ، ثُمَّ أُتِيَ بِهِ الرّابِعَةَ فَحَدَّهُ، ووَضَعَ القَتْلَ» . وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، عَنْ قَبِيصَةَ بْنِ ذُؤَيْبٍ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ ضَرَبَ رَجُلًا في الخَمْرِ أرْبَعَ مَرّاتٍ»، ثُمَّ إنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ ضَرَبَ أبا مِحْجَنٍ الثَّقَفِيَّ في الخَمْرِ (p-٥٠٢)ثَمانِ مَرّاتٍ. وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، عَنْ أبِي الرَّمْداءِ البَلَوِيِّ، «أنَّ رَجُلًا مِنهم شَرِبَ الخَمْرَ، فَأتَوْا بِهِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَضَرَبَهُ، ثُمَّ شَرِبَ الثّانِيَةَ، فَأتَوْا بِهِ فَضَرَبَهُ، فَما أدْرِي قالَ في الثّالِثَةِ أوِ الرّابِعَةِ: أمَرَ بِهِ فَجُعِلَ عَلى العِجْلِ فَضُرِبَتْ عُنُقُهُ» . وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «(لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ عاقٌّ ولا مَنّانٌ ولا مُدْمِنُ خَمْرٍ»)، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: فَذَهَبْنا نَنْظُرُ في كِتابِ اللَّهِ، فَإذا هم فِيهِ، في العاقِّ: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إنْ تَوَلَّيْتُمْ أنْ تُفْسِدُوا في الأرْضِ وتُقَطِّعُوا أرْحامَكُمْ﴾ [محمد: ٢٢] [مُحَمَّدٍ: ٢٢]، إلى آخِرِ الآيَةِ، وفي المَنّانِ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكم بِالمَنِّ والأذى﴾ [البقرة: ٢٦٤] [البَقَرَةِ: ٢٦٤]، وفي الخَمْرِ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنَّما الخَمْرُ والمَيْسِرُ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿مِن عَمَلِ الشَّيْطانِ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأحْمَدُ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، «عَنِ الدَّيْلَمِيِّ (p-٥٠٣)قالَ: وفَدْتُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنّا نَصْنَعُ طَعامًا وشَرابًا فَنُطْعِمُهُ بَنِي عَمِّنا، فَقالَ: (هَلْ يُسْكِرُ؟) قُلْتُ: نَعَمْ، فَقالَ: (حَرامٌ)، فَلَمّا كانَ عِنْدَ تَوْدِيعِي إيّاهُ ذَكَرْتُهُ لَهُ، فَقُلْتُ: يا نَبِيَّ اللَّهِ، إنَّهم لَنْ يَصْبِرُوا عَنْهُ، قالَ: (فَمَن لَمْ يَصْبِرْ عَنْهُ فاضْرِبُوا عُنُقَهُ») . وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، وأحْمَدُ، عَنْ شُرَحْبِيلَ بْنِ أوْسٍ قالَ: قالَ النَّبِيُّ ﷺ: «(مَن شَرِبَ الخَمْرَ فاجْلِدُوهُ، فَإنْ عادَ فاجْلِدُوهُ، فَإنْ عادَ فاجْلِدُوهُ، فَإنْ عادَ فاقْتُلُوهُ») . وأخْرَجَ أحْمَدُ، والطَّبَرانِيُّ، عَنْ أُمِّ حَبِيبَةَ بِنْتِ أبِي سُفْيانَ، «أنَّ ناسًا مِن أهْلِ اليَمَنِ قَدِمُوا عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَأعْلَمَهُمُ الصَّلاةَ والسُّنَنَ والفَرائِضَ، ثُمَّ قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّ لَنا شَرابًا نَصْنَعُهُ مِنَ التَّمْرِ والشَّعِيرِ، فَقالَ: (الغُبَيْراءُ؟) قالُوا: نَعَمْ، قالَ: (لا تَطْعَمُوهُ)، قالُوا: فَإنَّهم لا يَدَعُونَها، قالَ: (مَن لَمْ يَتْرُكْها فاضْرِبُوا عُنُقَهُ») . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ مِن طَرِيقِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «(إنَّ الَّذِينَ يَشْرَبُونَ الخَمْرَ وقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ لا يُسْقَوْنَها في حَظِيرَةِ القُدْسِ») . (p-٥٠٤)وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: مَن شَرِبَ الخَمْرَ لَمْ يَقْبَلِ اللَّهُ مِنهُ صَلاةً أرْبَعِينَ صَباحًا، فَإنْ ماتَ في الأرْبَعِينَ دَخَلَ النّارَ، ولَمْ يَنْظُرِ اللَّهُ إلَيْهِ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، عَنِ الحَسَنِ، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «(يَلْقى اللَّهَ شارِبُ الخَمْرِ يَوْمَ القِيامَةِ وهو سَكْرانُ، فَيَقُولُ: ويْلَكَ ما شَرِبْتَ؟ فَيَقُولُ: الخَمْرُ، قالَ: أوَلَمْ أُحَرِّمْها عَلَيْكَ؟ فَيَقُولُ: بَلى، فَيُؤْمَرُ بِهِ إلى النّارِ») . وأخْرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ في زَوائِدِ (المُسْنَدِ)، عَنْ عُبادَةَ بْنِ الصّامِتِ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قالَ: «(والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَيَبِيتَنَّ أُناسٌ مِن أُمَّتِي عَلى أشَرٍ، وبَطَرٍ، ولَعِبٍ، ولَهْوٍ، فَيُصْبِحُوا قِرَدَةً وخَنازِيرَ، بِاسْتِحْلالِهِمُ المَحارِمَ، واتِّخاذِهِمُ القَيْناتِ، وشُرْبِهِمُ الخَمْرَ، وبِأكْلِهِمُ الرِّبا، ولُبْسِهِمُ الحَرِيرَ») . وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قالَ: إنَّهُ في الكِتابِ مَكْتُوبٌ: إنَّ خَطِيئَةَ الخَمْرِ تَعْلُو الخَطايا كَما تَعْلُو شَجَرَتُها الشَّجَرَ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، عَنْ مَسْرُوقِ بْنِ الأجْدَعِ قالَ: شارِبُ الخَمْرِ كَعابِدِ الوَثَنِ، وشارِبُ الخَمْرِ كَعابِدِ اللّاتِ والعُزّى. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، عَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ قالَ: مَن شَرِبَ مُسْكِرًا لَمْ يَقْبَلِ اللَّهُ مِنهُ ما كانَتْ في مَثانَتِهِ مِنهُ قَطْرَةٌ، فَإنْ ماتَ مِنها كانَ حَقًّا عَلى اللَّهِ أنْ يَسْقِيَهُ مِن طِينَةِ (p-٥٠٥)الخَبالِ، وهي صَدِيدُ أهْلِ النّارِ وقَيْحُهم. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، عَنْ أبِي ذَرٍّ قالَ: مَن شَرِبَ مُسْكِرًا مِنَ الشَّرابِ فَهو رِجْسٌ، ورِجْسٌ صَلاتُهُ أرْبَعِينَ لَيْلَةً، فَإنْ تابَ تابَ اللَّهُ عَلَيْهِ، فَإنْ شَرِبَ أيْضًا فَهو رِجْسٌ، ورِجْسٌ صِلاتُهُ أرْبَعِينَ لَيْلَةً، فَإنْ تابَ تابَ اللَّهُ عَلَيْهِ، فَإنْ شَرِبَ أيْضًا فَهو رِجْسٌ ورِجْسٌ صَلاتُهُ أرْبَعِينَ لَيْلَةً، فَإنْ تابَ تابَ اللَّهُ عَلَيْهِ، فَإنْ عادَ لَها قالَ: في الثّالِثَةِ، أوِ الرّابِعَةِ كانَ حَقًّا عَلى اللَّهِ أنْ يَسْقِيَهُ مِن طِينَةِ الخَبالِ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، عَنْ أبانَ، رَفَعَ الحَدِيثَ، قالَ: «(إنَّ الخَبائِثَ جُعِلَتْ في بَيْتٍ فَأُغْلِقَ عَلَيْها، وجُعِلَ مِفْتاحُها الخَمْرَ، فَمَن شَرِبَ الخَمْرَ وقَعَ بِالخَبائِثِ») . وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ قالَ: إنَّ الخَمْرَ مِفْتاحُ كُلِّ شَرٍّ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ المُنْكَدِرِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «(مَن شَرِبَ الخَمْرَ صَباحًا كانَ كالمُشْرِكِ بِاللَّهِ حَتّى يُمْسِيَ، وكَذَلِكَ إنْ شَرِبَها لَيْلًا، كانَ كالمُشْرِكِ بِاللَّهِ حَتّى يُصْبِحَ، ومَن شَرِبَها حَتّى يَسْكَرَ لَمْ يَقْبَلِ اللَّهُ لَهُ صَلاةً أرْبَعِينَ صَباحًا، ومَن ماتَ وفي عُرُوقِهِ مِنها شَيْءٌ ماتَ مِيتَةً جاهِلِيَّةً») . وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «(حَلَفَ اللَّهُ بِعِزَّتِهِ وقُدْرَتِهِ: لا يَشْرَبُ عَبْدٌ مُسْلِمٌ شَرْبَةً مِن خَمْرٍ إلّا سَقَيْتُهُ بِما انْتَهَكَ مِنها مِنَ (p-٥٠٦)الحَمِيمِ، مُعَذَّبٌ بَعْدُ، أوْ مَغْفُورٌ لَهُ، ولا يَتْرُكُها وهو عَلَيْها قادِرٌ ابْتِغاءَ مَرْضاتِي إلّا سَقَيْتُهُ مِنها، فَأرْوَيْتُهُ في حَظِيرَةِ القُدْسِ») . وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العاصِي قالَ: يَجِيءُ يَوْمَ القِيامَةِ شارِبُ الخَمْرِ مُسْوَدًّا وجْهُهُ، مُزْرَقَّةً عَيْناهُ، مائِلًا شِقُّهُ، أوْ قالَ: شِدْقُهُ مُدَلَّيًا لِسانُهُ، يَسِيلُ لُعابُهُ عَلى صَدْرِهِ، يَقْذِرُهُ كُلُّ مَن يَراهُ. وأخْرَجَ أحْمَدُ، عَنْ قَيْسِ بْنِ سَعْدِ بْنِ عُبادَةَ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَن شَرِبَ الخَمْرَ أتى عَطْشانَ يَوْمَ القِيامَةِ، ألا وكُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ، وإيّاكم والغُبَيْراءَ» . وأخْرَجَ أحْمَدُ، عَنْ أبِي ذَرٍّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «(مَن شَرِبَ الخَمْرَ لَمْ يَقْبَلِ اللَّهُ لَهُ صَلاةً أرْبَعِينَ لَيْلَةً، فَإنْ تابَ تابَ اللَّهُ عَلَيْهِ، فَإنْ عادَ كانَ مِثْلَ ذَلِكَ)، فَما أدْرِي في الثّالِثَةِ أمْ في الرّابِعَةِ قالَ: (فَإنْ عادَ كانَ حَتْمًا عَلى اللَّهِ أنْ يَسْقِيَهُ مِن طِينَةِ الخَبالِ)، قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، ما طِينَةُ الخَبالِ؟ قالَ: (عُصارَةُ أهْلِ النّارِ») . وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنْ خَلْدَةَ بِنْتِ طَلْقٍ قالَتْ: قالَ لَنا أبِي: «جَلَسْنا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَجاءَ صُحارٌ فَسَألَهُ: ما تَرى في شَرابٍ (p-٥٠٧)نَصْنَعُهُ مِن ثَمارِنا؟ قالَ: (تَسْألُنِي عَنِ المُسْكِرِ، لا تَشْرَبْهُ ولا تُسْقِهِ أخاكَ، فَوالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، ما شَرِبَهُ رَجُلٌ قَطُّ ابْتِغاءَ لَذَّةِ سُكْرٍ، فَيَسْقِيَهُ اللَّهُ الخَمْرَ يَوْمَ القِيامَةِ») . وأخْرَجَ أحْمَدُ، عَنْ أسْماءَ بِنْتِ يَزِيدَ، أنَّها سَمِعَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «(مَن شَرِبَ الخَمْرَ لَمْ يَرْضَ اللَّهُ عَنْهُ أرْبَعِينَ لَيْلَةً، فَإنْ ماتَ ماتَ كافِرًا، وإنْ تابَ تابَ اللَّهُ عَلَيْهِ، وإنْ عادَ كانَ حَقًّا عَلى اللَّهِ أنْ يَسْقِيَهُ مِن طِينَةِ الخَبالِ)، قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، وما طِينَةُ الخَبالِ؟ قالَ: (صَدِيدُ أهْلِ النّارِ») . وأخْرَجَ أحْمَدُ في (الزُّهْدِ)، عَنْ أبِي الدَّرْداءِ قالَ: الرَّيْبُ مِنَ الكُفْرِ، والنَّوْحُ عَمَلُ الجاهِلِيَّةِ، والشِّعْرُ مِن أمْرِ إبْلِيسَ، والغُلُولُ جَمْرٌ مِن جَهَنَّمَ، والخَمْرُ جامِعُ كُلِّ إثْمٍ، والشَّبابُ شُعْبَةٌ مِنَ الجُنُونِ، والنِّساءُ حَبائِلُ الشَّيْطانِ، والكِبْرُ شَرٌّ مِنَ الشَّرِّ، وشَرُّ المَآكِلِ مالُ اليَتِيمِ، وشَرُّ المَكاسِبِ الرِّبا، والسَّعِيدُ مَن وُعِظَ بِغَيْرِهِ، والشَّقِيُّ مَن شَقِيَ في بَطْنِ أُمِّهِ. وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في (الشُّعَبِ)، عَنْ عَلِيٍّ، قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «(لَمْ يَزَلْ جِبْرِيلُ يَنْهانِي عَنْ عِبادَةِ الأوْثانِ، وشُرْبِ الخَمْرِ، ومُلاحاةِ الرِّجالِ») . (p-٥٠٨)وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «(كانَ في أوَّلِ ما نَهانِي عَنْهُ رَبِّي وعَهِدَ إلَيَّ بَعْدَ عِبادَةِ الأوْثانِ وشُرْبِ الخَمْرِ، مُلاحاةُ الرِّجالِ») .

المائدة 5:94

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ﴾ الآيَةَ. أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، مِن طَرِيقِ عَلِيٍّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنالُهُ أيْدِيكم ورِماحُكُمْ﴾ قالَ: هو الضَّعِيفُ مِنَ الصَّيْدِ وصَغِيرُهُ، يَبْتَلِي اللَّهُ بِهِ عِبادَهُ في إحْرامِهِمْ، حَتّى لَوْ شاؤُوا تَناوَلُوهُ بِأيْدِيهِمْ، فَنَهاهُمُ اللَّهُ أنْ يَقْرَبُوهُ، ﴿ومَن قَتَلَهُ مِنكم مُتَعَمِّدًا﴾ [المائدة: ٩٥] قالَ: إنْ قَتَلَهُ مُتَعَمِّدًا أوْ ناسِيًا أوْ خَطَأً حُكِمَ عَلَيْهِ، فَإنْ عادَ مُتَعَمِّدًا عُجِّلَتْ لَهُ العُقُوبَةُ إلّا أنْ يَعْفُوَ اللَّهُ عَنْهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، والبَيْهَقِيُّ في ”سُنَنِهِ“، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنالُهُ أيْدِيكم ورِماحُكُمْ﴾ قالَ: النَّبْلُ والرُّمْحُ يَنالُ كِبارَ الصَّيْدِ، وأيْدِيهِمْ تَنالُ صِغارَ الصَّيْدِ، أخْذُ الفُرُوخِ والبَيْضِ، وفي لَفْظٍ: ﴿أيْدِيكُمْ﴾، أخْذُكم إيّاهُنَّ بِأيْدِيكُمْ، مِن بَيْضِهِنَّ وفِراخِهِنَّ، ﴿ورِماحُكُمْ﴾، ما رَمَيْتَ أوْ طَعَنْتَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ ﴿لَيَبْلُوَنَّكُمُ (p-٥٠٩)اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ﴾ قالَ: ما لا يَسْتَطِيعُ أنْ يَفِرَّ مِنَ الصَّيْدِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُقاتِلِ بْنِ حَيّانَ قالَ: أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في عُمْرَةِ الحُدَيْبِيَةِ، فَكانَتِ الوَحْشُ والطَّيْرُ والصَّيْدُ يَغْشاهم في رِحالِهِمْ، لَمْ يَرَوْا مِثْلَهُ قَطُّ، فِيما خَلا، فَنَهاهُمُ اللَّهُ عَنْ قَتْلِهِ، وهم مُحْرِمُونَ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَخافُهُ بِالغَيْبِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، مِن طَرِيقِ قَيْسِ بْنِ سَعْدٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أنَّهُ كانَ يَقُولُ في قَوْلِهِ: ﴿فَمَنِ اعْتَدى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذابٌ ألِيمٌ﴾: أنْ يُوسَعَ ظَهْرُهُ وبَطْنُهُ جَلْدًا ويُسْلَبَ ثِيابَهُ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، مِن طَرِيقِ الكَلْبِيِّ، عَنْ أبِي صالِحٍ، عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: كانَ إذا ما أخَذَ شَيْئًا مِنَ الصَّيْدِ أوْ قَتَلَهُ جُلِدَ مِائَةً، ثُمَّ نَزَلَ الحُكْمُ بَعْدُ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، مِن طَرِيقِ أبِي صالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: يُمْلَأُ بَطْنُهُ، وظَهْرُهُ، إنْ عادَ لِقَتْلِ الصَّيْدِ مُتَعَمِّدًا، وكَذَلِكَ صُنِعَ بِأهْلِ وجٍّ، أهْلِ وادٍ بِالطّائِفِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانُوا في الجاهِلِيَّةِ إذا أحْدَثَ الرَّجُلُ حَدَثًا أوْ قَتَلَ صَيْدًا ضُرِبَ ضَرْبًا شَدِيدًا وسُلِبَ ثِيابَهُ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿فَمَنِ اعْتَدى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذابٌ (p-٥١٠)ألِيمٌ﴾ . قالَ: هي واللَّهِ مُوجِبَةٌ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ، مِثْلَهُ.

المائدة 5:95

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وأنْتُمْ حُرُمٌ﴾ الآيَةَ. أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، مِن طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وأنْتُمْ حُرُمٌ﴾ فَنَهى المُحْرِمَ عَنْ قَتْلِهِ في هَذِهِ الآيَةِ وأكْلِهِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ في قَوْلِهِ: ﴿لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وأنْتُمْ حُرُمٌ﴾ قالَ: حَرَّمَ صَيْدَهُ هَهُنا وأكْلَهُ هَهُنا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في ”سُنَنِهِ“، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ومَن قَتَلَهُ مِنكم مُتَعَمِّدًا﴾ قالَ: إنْ قَتَلَهُ مُتَعَمِّدًا أوْ ناسِيًا أوَ خَطَأً حُكِمَ عَلَيْهِ، فَإنْ عادَ مُتَعَمِّدًا عُجِّلَتْ لَهُ العُقُوبَةُ، إلّا أنْ يَعْفُوَ اللَّهُ عَنْهُ، وفي قَوْلِهِ: ﴿فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ قالَ: إذا قَتَلَ المُحْرِمُ شَيْئًا مِنَ الصَّيْدِ حُكِمَ عَلَيْهِ فِيهِ، فَإنْ قَتَلَ ظَبْيًا أوْ نَحْوَهُ فَعَلَيْهِ شاةٌ تُذْبَحُ بِمَكَّةَ، فَإنْ لَمْ يَجِدْ، فَإطْعامُ سِتَّةِ مَساكِينَ، فَإنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أيّامٍ، فَإنْ قَتَلَ إبِلًا، ونَحْوَهُ، فَعَلَيْهِ بَقَرَةٌ، فَإنْ لَمْ يَجِدْها، أطْعَمَ عِشْرِينَ مِسْكِينًا، فَإنْ لَمْ يَجِدْ صامَ عِشْرِينَ يَوْمًا، وإنْ قَتَلَ نَعامَةً، أوْ حِمارَ وحْشٍ أوْ نَحْوَهُ، فَعَلَيْهِ بَدَنَةٌ مِنَ الإبِلِ، فَإنْ لَمْ يَجِدْ أطْعَمَ ثَلاثِينَ مِسْكِينًا، (p-٥١١)فَإنْ لَمْ يَجِدْ صامَ ثَلاثِينَ يَوْمًا، والطَّعامُ مُدٌّ مُدٌّ يُشْبِعُهم. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الحَكَمِ، أنَّ عُمَرَ كَتَبَ أنْ يُحْكَمَ عَلَيْهِ في الخَطَإ والعَمْدِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عَطاءٍ قالَ: يُحْكَمُ عَلَيْهِ في العَمْدِ والخَطَإ والنِّسْيانِ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ومَن قَتَلَهُ مِنكم مُتَعَمِّدًا﴾ قالَ: مُتَعَمِّدًا لِقَتْلِهِ ناسِيًا لِإحْرامِهِ، فَذَلِكَ الَّذِي يُحْكَمُ عَلَيْهِ، فَإنْ قَتَلَهُ ذاكِرًا لِإحْرامِهِ مُتَعَمِّدًا لِقَتْلِهِ لَمْ يُحْكَمْ عَلَيْهِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في الَّذِي يَقْتُلُ الصَّيْدَ مُتَعَمِّدًا، وهو يَعْلَمُ أنَّهُ مُحَرَّمٌ، ويَتَعَمَّدُ قَتْلَهُ، قالَ: لا يُحْكَمُ عَلَيْهِ ولا حَجَّ لَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: العَمْدُ هو الخَطَأُ المُكَفَّرُ، أنْ يُصِيبَ الصَّيْدَ وهو يُرِيدُ غَيْرَهُ فَيُصِيبُهُ. (p-٥١٢)وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ الحَسَنِ: ﴿ومَن قَتَلَهُ مِنكم مُتَعَمِّدًا﴾ لِلصَّيْدِ، ناسِيًا لِإحْرامِهِ، ﴿فَمَنِ اعْتَدى بَعْدَ ذَلِكَ﴾ [المائدة: ٩٤] مُتَعَمِّدًا لِلصَّيْدِ يَذْكُرُ إحْرامَهُ لَمْ يُحْكَمْ عَلَيْهِ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿ومَن قَتَلَهُ مِنكم مُتَعَمِّدًا﴾ قالَ: إذا كانَ ناسِيًا لِإحْرامِهِ وقَتَلَ الصَّيْدَ مُتَعَمِّدًا. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ قالَ: مَن قَتَلَهُ مُتَعَمِّدًا لِقَتْلِهِ ناسِيًا لِإحْرامِهِ فَعَلَيْهِ الجَزاءُ، ومَن قَتَلَهُ مُتَعَمِّدًا لِقَتْلِهِ غَيْرَ ناسٍ لِإحْرامِهِ فَذاكَ إلى اللَّهِ، إنْ شاءَ عَذَّبَهُ، وإنْ شاءَ غَفَرَ لَهُ. وأخْرَجَ الشّافِعِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: مَن قَتَلَهُ مُتَعَمِّدًا غَيْرَ ناسٍ لِإحْرامِهِ، ولا يُرِيدُ غَيْرَهُ فَقَدْ حَلَّ، ولَيْسَتْ لَهُ رُخْصَةٌ، ومَن قَتَلَهُ ناسِيًا لِإحْرامِهِ، أوْ أرادَ غَيْرَهُ فَأخْطَأ بِهِ، فَذَلِكَ العَمْدُ المُكَفَّرُ. وأخْرَجَ الشّافِعِيُّ، وابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قالَ: قُلْتُ لِعَطاءٍ: ﴿ومَن قَتَلَهُ مِنكم مُتَعَمِّدًا﴾ فَمَن قَتَلَهُ خَطَأً يَغْرَمُ، وإنَّما جُعِلَ الغُرْمُ عَلى مَن قَتَلَهُ مُتَعَمِّدًا؟ قالَ: نَعَمْ، تُعَظَّمُ بِذَلِكَ حُرُماتُ اللَّهِ، ومَضَتْ بِهِ السُّنَنُ، ولِئَلّا يَدْخُلَ النّاسُ في ذَلِكَ. وأخْرَجَ الشّافِعِيُّ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينارٍ قالَ: رَأيْتُ النّاسَ أجْمَعِينَ يَغْرَمُونَ في الخَطَإ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ (p-٥١٣)سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: إنَّما كانَتِ الكَفّارَةُ في مَن قَتَلَ الصَّيْدَ مُتَعَمِّدًا، ولَكِنْ غُلِّظَ عَلَيْهِمْ في الخَطَإ كَيْ يَتَّقُوا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قالَ: نَزَلَ القُرْآنُ بِالعَمْدِ، وجَرَتِ السُّنَّةُ في الخَطَإ يَعْنِي في المُحْرِمِ يُصِيبُ الصَّيْدَ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قالَ: يُحْكَمُ عَلَيْهِ في العَمْدِ، وفي الخَطَإ مِنهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: إذا أصابَ المُحْرِمُ الصَّيْدَ خَطَأً فَلَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، في المُحْرِمِ إذا أصابَ صَيْدًا خَطَأً، فَلا شَيْءَ عَلَيْهِ، وإنْ أصابَ مُتَعَمِّدًا فَعَلَيْهِ الجَزاءُ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ طاوُسٍ قالَ: لا يُحْكَمُ عَلى مَن أصابَ صَيْدًا خَطَأً، إنَّما يُحْكَمُ عَلى مَن أصابَهُ عَمْدًا، واللَّهِ ما قالَ اللَّهُ إلّا: ﴿ومَن قَتَلَهُ مِنكم مُتَعَمِّدًا﴾ (p-٥١٤)وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، والبَيْهَقِيُّ في (سُنَنِهِ)، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ قالَ: إذا أصابَ المُحْرِمُ الصَّيْدَ يُحْكَمُ عَلَيْهِ جَزاؤُهُ مِنَ النَّعَمِ، فَإنْ وجَدَ جَزاءَهُ ذَبَحَهُ وتَصَدَّقَ بِلَحْمِهِ، وإنْ لَمْ يَجِدْ جَزاءَهُ، قُوِّمَ الجَزاءُ دَراهِمَ، ثُمَّ قُوِّمَتِ الدَّراهِمُ حِنْطَةً، ثُمَّ صامَ مَكانَ كُلِّ نِصْفِ صاعٍ يَوْمًا، قالَ: ﴿أوْ كَفّارَةٌ طَعامُ مَساكِينَ أوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيامًا﴾ وإنَّما أُرِيدَ بِالطَّعامِ الصِّيامُ، أنَّهُ إذا وجَدَ الطَّعامَ وجَدَ جَزاءَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في الرَّجُلِ يُصِيبُ الصَّيْدَ وهو مُحْرِمٌ، قالَ: يُحْكَمُ عَلَيْهِ جَزاؤُهُ، فَإنْ لَمْ يَجِدْ، قالَ: يُحْكَمُ عَلَيْهِ ثَمَنُهُ، فَيُقَوَّمُ طَعامًا فَيَتَصَدَّقُ بِهِ، فَإنْ لَمْ يَجِدْ حُكِمَ عَلَيْهِ الصِّيامُ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ عَطاءٍ الخُراسانِيِّ في قَوْلِهِ: ﴿فَجَزاءٌ مِثْلُ﴾ قالَ: شِبْهُهُ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ الشَّعْبِيِّ: ﴿فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ قالَ: نِدُّهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: سَألَ مَرْوانُ بْنُ الحَكَمِ ابْنَ عَبّاسٍ وهو بِوادِي الأزْرَقِ، قالَ: أرَأيْتَ ما أصَبْنا مِنَ الصَّيْدِ لَمْ نَجِدْ لَهُ نِدًّا؟ (p-٥١٥)فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ثَمَنُهُ يُهْدى إلى مَكَّةَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في الآيَةِ قالَ: عَلَيْهِ مِنَ النَّعَمِ مِثْلُهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ السُّدِّيِّ في الآيَةِ قالَ: إنْ قَتَلَ نَعامَةً، أوْ حِمارًا فَعَلَيْهِ بَدَنَةٌ، وإنْ قَتَلَ بَقَرَةً، أوْ إيَّلًا، أوْ أرْوى فَعَلَيْهِ بَقَرَةٌ، أوْ قَتَلَ غَزالًا، أوْ أرْنَبًا فَعَلَيْهِ شاةٌ، وإنْ قَتَلَ ظَبْيًا، أوْ حِرْباءَ، أوْ يَرْبُوعًا فَعَلَيْهِ سَخْلَةٌ قَدْ أكَلَتِ العُشْبَ وشَرِبَتِ اللَّبَنَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ عَطاءٍ أنَّهُ سُئِلَ: أيَغْرَمُ في صَغِيرِ الصَّيْدِ كَما يَغْرَمُ في كَبِيرِهِ؟ قالَ: ألَيْسَ يَقُولُ اللَّهُ: ﴿فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ﴾ ؟ وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عَطاءٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ﴾ قالَ: ما كانَ لَهُ مِثْلٌ يُشْبِهُهُ فَهو جَزاؤُهُ، قَضاؤُهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُقاتِلِ بْنِ حَيّانَ في قَوْلِهِ: ﴿فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ﴾ قالَ: فَما كانَ مِن صَيْدِ البَرِّ مِمّا لَيْسَ لَهُ قَرْنٌ، الحِمارُ والنَّعامَةُ فَجَزاؤُهُ مِنَ البُدْنِ، وما كانَ مِن صَيْدِ البَرِّ ذَواتِ القُرُونِ فَجَزاؤُهُ مِنَ البَقَرِ، وما كانَ مِنَ الظِّباءِ فَفِيهِ (p-٥١٦)مِنَ الغَنَمِ، والأرْنَبِ فِيهِ ثَنِيَّةٌ مِنَ الغَنَمِ، واليَرْبُوعُ فِيهِ بَرَقٌ وهو الحَمَلُ، وما كانَ مِن حَمامَةٍ أوْ نَحْوِها مِنَ الطَّيْرِ فَفِيها شاةٌ، وما كانَ مِن جَرادَةٍ أوْ نَحْوِها فَفِيها قَبْضَةٌ مِن طَعامٍ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قالَ: قُلْتُ لِعَطاءٍ: أرَأيْتَ إنْ قَتَلْتُ صَيْدًا، فَإذا هو أعْوَرُ أوْ أعْرَجُ أوْ مَنقُوصٌ، أغْرَمُ مِثْلَهُ؟ قالَ: نَعَمْ، إنْ شِئْتَ، قالَ عَطاءٌ: وإنْ قَتَلْتَ ولَدَ بَقَرَةٍ وحْشِيَّةٍ، فَفِيهِ ولَدُ بَقَرَةٍ إنْسِيَّةٍ مِثْلُهُ، فَكُلُّ ذَلِكَ عَلى ذَلِكَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ الضَّحّاكِ بْنِ مُزاحِمٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ قالَ: ما كانَ مِن صَيْدِ البَرِّ مِمّا لَيْسَ لَهُ قَرْنٌ، الحِمارُ أوِ النَّعامَةُ، فَعَلَيْهِ مِثْلُهُ مِنَ الإبِلِ، وما كانَ ذا قَرْنٍ مِن صَيْدِ البَرِّ، مِن وعْلٍ، أوْ إيِلٍ فَجَزاؤُهُ مِنَ البَقَرِ، وما كانَ مِن ظَبْيٍ فَمِنَ الغَنَمِ مِثْلُهُ، وما كانَ مِن أرْنَبٍ فَفِيها ثَنِيَّةٌ، وما كانَ مِن يَرْبُوعٍ وشِبْهِهِ فَفِيهِ حَمَلٌ صَغِيرٌ، وما كانَ مِن جَرادَةٍ أوْ نَحْوِها، فَفِيها قَبْضَةٌ مِن طَعامٍ، وما كانَ مِن طَيْرِ البَرِّ فَفِيهِ أنْ يُقَوَّمَ ويُتَصَدَّقَ بِثَمَنِهِ، وإنْ شاءَ صامَ لِكُلِّ نِصْفِ صاعٍ يَوْمًا، وإنْ أصابَ فَرْخَ طَيْرٍ بَرِّيَّةٍ أوْ بَيْضَها فالقِيمَةُ فِيها طَعامٌ أوُ صَوْمٌ عَلى الَّذِي يَكُونُ في الطَّيْرِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، عَنْ جابِرٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «(الضَّبُعُ صَيْدٌ، فَإذا أصابَهُ المُحْرِمُ فَفِيهِ جَزاءُ كَبْشٍ مُسِنٍّ وتُؤْكَلُ») . (p-٥١٧)وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنْ عَطاءٍ، أنَّ عُمَرَ، وعُثْمانَ، وزَيْدَ بْنَ ثابِتٍ، وابْنَ عَبّاسٍ، ومُعاوِيَةَ قالُوا: في النَّعامَةِ بَدَنَةٌ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنْ جابِرٍ، أنَّ عُمَرَ قَضى في الأرْنَبِ جَفْرَةٌ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنْ عَطاءٍ، وطاوُسٍ، ومُجاهِدٍ، أنَّهم قالُوا: في الحِمارِ بَقَرَةٌ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنْ عُرْوَةَ قالَ: إذا أصابَ المُحْرِمُ بَقَرَةَ الوَحْشِ فَفِيها جَزُورٌ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنْ عَطاءٍ، أنَّ رَجُلًا أغْلَقَ بابَهُ عَلى حَمامَةٍ وفَرْخَيْها، ثُمَّ انْطَلَقَ إلى عَرَفاتٍ ومِنًى، فَرَجَعَ وقَدْ مَوَّتَتْ، فَأتى ابْنَ عُمَرَ، فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ، فَجَعَلَ عَلَيْهِ ثَلاثَةً مِنَ الغَنَمِ، وحَكَمَ مَعَهُ رَجُلٌ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: في طَيْرِ الحَرَمِ شاةٌ شاةٌ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنْ عَطاءٍ قالَ: أوَّلُ مَن فَدى طَيْرَ الحَرَمِ بِشاةٍ عُثْمانُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: في الجَرادِ قَبْضَةٌ مِن طَعامٍ. (p-٥١٨)وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنْ عُمَرَ قالَ: تَمْرَةٌ خَيْرٌ مِن جَرادَةٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنِ القاسِمِ قالَ: سُئِلَ ابْنُ عَبّاسٍ، عَنِ المُحْرِمِ يُصِيبُ الجَرادَةَ، فَقالَ: تَمْرَةٌ خَيْرٌ مِن جَرادَةٍ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ إبْراهِيمَ النَّخَعِيِّ قالَ: ما أصابَ المُحْرِمُ مِن شَيْءٍ حُكِمَ فِيهِ قِيمَتُهُ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، مِن طَرِيقِ أبِي الزِّنادِ، عَنِ الأعْرَجِ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «(فِي بَيْضَةِ النَّعامِ صِيامُ يَوْمٍ أوْ إطْعامُ مِسْكِينٍ») . وأخْرَجَ الشّافِعِيُّ، عَنْ أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ، وابْنِ مَسْعُودٍ مَوْقُوفًا، مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنْ مُعاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ، وأحْمَدُ عَنْ رَجُلٍ مِنَ الأنْصارِ، «أنَّ رَجُلًا أوْطَأ بَعِيرَهُ أُدْحِيَّ نَعامَةٍ فَكَسَرَ بَيْضَها، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (عَلَيْكَ بِكُلِّ بَيْضَةٍ صَوْمُ يَوْمٍ، أوْ إطْعامُ مِسْكِينٍ») . (p-٥١٩)وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ ذَكْوانَ، «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ سُئِلَ عَنْ مُحْرِمٍ أصابَ بَيْضَ نَعامٍ، قالَ: (عَلَيْهِ في كُلِّ بَيْضَةٍ صِيامُ يَوْمٍ أوْ إطْعامُ مِسْكِينٍ») . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنْ أبِي الزِّنادِ، عَنْ عائِشَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، نَحْوَهُ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، مِن طَرِيقِ أبِي المُهَزِّمِ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «(فِي بَيْضِ النَّعامِ ثَمَنُهُ») . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنْ عُمَرَ قالَ: في بَيْضِ النَّعامِ قِيمَتُهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: في بَيْضِ النَّعامِ قِيمَتُهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: في كُلِّ بَيْضَتَيْنِ دِرْهَمٌ، وفي كُلِّ بَيْضَةٍ نِصْفُ دِرْهَمٍ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، عَنْ قَبِيصَةَ بْنِ جابِرٍ قالَ: حَجَجْنا زَمَنَ عُمَرَ، فَرَأيْنا ظَبْيًا، فَقالَ أحَدُنا لِصاحِبِهِ: أتُرانِي أبْلُغُهُ؟ فَرَمى بِحَجَرٍ فَما أخْطَأ خُشَشاءَهُ فَقَتَلَهُ، فَأتَيْنا عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ فَسَألْناهُ عَنْ ذَلِكَ، وإذا إلى جَنْبِهِ رَجُلٌ يَعْنِي عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ، فالتَفَتَ إلَيْهِ فَكَلَّمَهُ، ثُمَّ أقْبَلَ عَلى صاحِبِنا فَقالَ: أعَمْدًا قَتَلَهُ أمْ خَطَأً؟ قالَ (p-٥٢٠)الرَّجُلُ: لَقَدْ تَعَمَّدْتُ رَمْيَهُ، وما أرَدْتُ قَتْلَهُ، قالَ عُمَرُ: ما أُراكَ إلّا قَدْ أشْرَكْتَ بَيْنَ العَمْدِ والخَطَإ، اعْمِدْ إلى شاةٍ فاذْبَحْها، وتَصَدَّقْ بِلَحْمِها، وأسْقِ إهابَها، يَعْنِي: ادْفَعْهُ إلى مِسْكِينٍ يَجْعَلُهُ سِقاءً، فَقُمْنا مِن عِنْدِهِ فَقُلْتُ لِصاحِبِي: أيُّها الرَّجُلُ، أعْظِمْ شَعائِرَ اللَّهِ، واللَّهِ ما دَرى أمِيرُ المُؤْمِنِينَ ما يُفْتِيكَ حَتّى شاوَرَ صاحِبَهُ، اعْمِدْ إلى ناقَتِكَ فانْحَرْها فَلَعَلَّ ذَلِكَ، قالَ قَبِيصَةُ: وما أذْكُرُ الآيَةَ في سُورَةِ المائِدَةِ: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدْلٍ مِنكُمْ﴾ قالَ: فَبَلَغَ عُمَرَ مَقالَتِي، فَلَمْ يَفْجَأْنا إلّا ومَعَهُ الدِّرَّةُ، فَعَلا صاحِبِي ضَرْبًا بِها وهو يَقُولُ: أقَتَلْتَ الصَّيْدَ في الحَرَمِ، وسَفَّهْتَ الفُتْيا؟ ثُمَّ أقْبَلَ عَلَيَّ يَضْرِبُنِي، فَقُلْتُ: يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ، لا أُحِلُّ لَكَ مِنِّي شَيْئًا مِمّا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْكَ، قالَ: يا قَبِيصَةُ، إنِّي أراكَ شابًّا حَدِيثَ السِّنِّ، فَصِيحَ اللِّسانِ، فَسِيحَ الصَّدْرِ، وإنَّهُ قَدْ يَكُونُ في الرَّجُلِ تِسْعَةُ أخْلاقٍ صالِحَةٍ، وخُلُقٌ سَيِّئٌ، فَيَغْلِبُ خُلُقُهُ السَّيِّئُ أخْلاقَهُ الصّالِحَةَ، فَإيّاكَ وعَثَراتِ الشَّبابِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرانَ، أنَّ أعْرابِيًّا أتى أبا بَكْرٍ قالَ: قَتَلْتُ صَيْدًا وأنا مُحْرِمٌ، فَما تَرى عَلَيَّ مِنَ الجَزاءِ؟ فَقالَ أبُو بَكْرٍ لِأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ وهو جالِسٌ عِنْدَهُ: ما تَرى فِيها؟ فَقالَ الأعْرابِيُّ: أتَيْتُكَ وأنْتَ خَلِيفَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أسْألُكَ، فَإذا أنْتَ تَسْألُ غَيْرَكَ، قالَ أبُو بَكْرٍ: وما تُنْكِرُ؟ يَقُولُ اللَّهُ: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدْلٍ مِنكُمْ﴾ فَشاوَرْتُ صاحِبِي حَتّى إذا (p-٥٢١)اتَّفَقْنا عَلى أمْرٍ أمَرْناكَ بِهِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ المُزَنِيِّ قالَ: كانَ رَجُلانِ مِنَ الأعْرابِ مُحْرِمانِ فَأحاشَ أحَدُهُما ظَبْيًا فَقَتَلَهُ الآخَرُ، فَأتَيا عُمَرَ، وعِنْدَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ، فَقالَ لَهُ عُمَرُ: وما تَرى؟ قالَ: شاةٌ، قالَ: وأنا أرى ذَلِكَ، اذْهَبا فَأهْدِيا شاةً، فَلَمّا مَضَيا قالَ أحَدُهُما لِصاحِبِهِ: ما دَرى أمِيرُ المُؤْمِنِينَ ما يَقُولُ حَتّى سَألَ صاحِبَهُ، فَسَمِعَها عُمَرُ، فَرَدَّهُما، وأقْبَلَ عَلى القائِلِ ضَرْبًا بِالدِّرَّةِ، وقالَ: تَقْتُلُ الصَّيْدَ وأنْتَ مُحْرِمٌ، وتَغْمِصُ الفُتْيا، إنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدْلٍ مِنكُمْ﴾ ثُمَّ قالَ: إنَّ اللَّهَ لَمْ يَرْضَ بِعُمَرَ وحْدَهُ، فاسْتَعَنْتُ بِصاحِبِي هَذا. وأخْرَجَ الشّافِعِيُّ، وعَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ طارِقِ بْنِ شِهابٍ قالَ: أوْطَأ أرْبَدُ ضَبًّا فَقَتَلَهُ، وهو مُحْرِمٌ، فَأتى عُمَرَ لِيَحْكُمَ عَلَيْهِ، فَقالَ لَهُ عُمَرُ: احْكم مَعِي، فَحَكَما فِيهِ جَدْيًا قَدْ جَمَعَ الماءَ والشَّجَرَ، ثُمَّ قالَ عُمَرُ: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدْلٍ مِنكُمْ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ أبِي مِجْلَزٍ: أنَّ رَجُلًا سَألَ ابْنَ عُمَرَ، عَنْ رَجُلٍ أصابَ (p-٥٢٢)صَيْدًا، وهو مُحْرِمٌ، وعِنْدَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَفْوانَ، فَقالَ ابْنُ عُمَرَ لَهُ: إمّا أنْ تَقُولَ فَأُصَدِّقَكَ، أوْ أقُولَ فَتُصَدِّقَنِي، فَقالَ ابْنُ صَفْوانَ: بَلْ أنْتَ فَقُلْ، فَقالَ ابْنُ عُمَرَ، ووافَقَهُ عَلى ذَلِكَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَفْوانَ. وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ أبِي حَرِيزٍ البَجَلِيِّ قالَ: أصَبْتُ ظَبْيًا، وأنا مُحْرِمٌ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِعُمَرَ فَقالَ: ائْتِ رَجُلَيْنِ مِن إخْوانِكَ، فَلْيَحْكُما عَلَيْكَ، فَأتَيْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ وسَعْدًا، فَحَكَما عَلَيَّ تَيْسًا أعْفَرَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ حُبْشِيٍّ قالَ: سَمِعْتُ رَجُلًا سَألَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ عَنْ رَجُلٍ أصابَ ولَدَ أرْنَبٍ، فَقالَ: فِيهِ ولَدُ ماعِزٍ فِيما أرى أنا، ثُمَّ قالَ لِي: أكَذاكَ؟ فَقُلْتُ: أنْتَ أعْلَمُ مِنِّي، فَقالَ: قالَ اللَّهُ: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدْلٍ مِنكُمْ﴾ . وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ أبِي مُلَيْكَةَ قالَ: سُئِلَ القاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ مُحْرِمٍ قَتَلَ سَخْلَةً في الحَرَمِ، فَقالَ لِي: احْكُمْ، فَقُلْتُ: أحْكُمُ وأنْتَ هَهُنا؟ فَقالَ: إنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدْلٍ مِنكُمْ﴾ . وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ عِكْرِمَةَ بْنِ خالِدٍ قالَ: لا يَصْلُحُ إلّا بِحَكَمَيْنِ لا (p-٥٢٣)يَخْتَلِفانِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في (سُنَنِهِ)، عَنْ أبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ، أنَّ رَجُلًا سَألَ عَلِيًّا عَنِ الهَدْيِ مِمّا هُوَ؟ فَقالَ: مِنَ الثَّمانِيَةِ الأزْواجِ، فَكَأنَّ الرَّجُلَ شَكَّ، فَقالَ عَلِيٌّ: تَقْرَأُ القُرْآنَ؟ قالَ: نَعَمْ، قالَ: فَسَمِعْتَ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أوْفُوا بِالعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكم بَهِيمَةُ الأنْعامِ﴾ [المائدة: ١] [المائِدَةِ: ١]، قالَ: نَعَمْ، قالَ: وسَمِعْتَهُ يَقُولُ: ﴿لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلى ما رَزَقَهم مِن بَهِيمَةِ الأنْعامِ﴾ [الحج: ٣٤] [الحَجِّ: ٣٤]، ﴿ومِنَ الأنْعامِ حَمُولَةً وفَرْشًا﴾ [الأنعام: ١٤٢] [الأنْعامِ: ١٤٢]، فَكُلُوا مِن بَهِيمَةِ الأنْعامِ؟ قالَ: نَعَمْ، قالَ: فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: ﴿مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ ومِنَ المَعْزِ اثْنَيْنِ﴾ [الأنعام: ١٤٣] [الأنْعامِ: ١٤٣]، ﴿ومِنَ الإبِلِ اثْنَيْنِ ومِنَ البَقَرِ اثْنَيْنِ﴾ [الأنعام: ١٤٤] ؟ [الأنْعامِ: ١٤٤]، قالَ: نَعَمْ، قالَ: فَسَمِعْتَهُ يَقُولُ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وأنْتُمْ حُرُمٌ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿هَدْيًا بالِغَ الكَعْبَةِ﴾ ؟ قالَ الرَّجُلُ: نَعَمْ، قالَ: قَتَلْتُ ظَبْيًا فَما عَلَيَّ؟ قالَ: شاةٌ، قالَ عَلِيٌّ: ﴿هَدْيًا بالِغَ الكَعْبَةِ﴾ ؟ قالَ الرَّجُلُ: نَعَمْ، فَقالَ عَلِيٌّ: قَدْ سَمّاهُ اللَّهُ ﴿بالِغَ الكَعْبَةِ﴾ كَما تَسْمَعُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: إنَّما الهَدْيُ ذَواتُ الجَوْفِ. (p-٥٢٤)وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُقاتِلِ بْنِ حَيّانَ: ﴿هَدْيًا بالِغَ الكَعْبَةِ﴾ قالَ: مَحِلُّهُ مَكَّةُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ عَطاءٍ قالَ: الهَدْيُ والنُّسُكُ، والطَّعامُ بِمَكَّةَ، والصَّوْمُ حَيْثُ شِئْتَ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ الحَكَمِ قالَ: قِيمَةُ الصَّيْدِ حَيْثُ أصابَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿أوْ كَفّارَةٌ طَعامُ مَساكِينَ﴾ قالَ: الكَفّارَةُ في قَتْلِ ما دُونَ الأرْنَبِ إطْعامٌ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: مَن قَتَلَ الصَّيْدَ ناسِيًا أوْ أرادَ غَيْرَهُ فَأخْطَأ بِهِ، فَذَلِكَ العَمْدُ المُكَفَّرُ، فَعَلَيْهِ مِثْلُهُ هَدْيًا بالِغَ الكَعْبَةِ، فَإنْ لَمْ يَجِدْ فابْتاعَ بِثَمَنِهِ طَعامًا، فَإنْ لَمْ يَجِدْ صامَ عَنْ كُلِّ مُدٍّ يَوْمًا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قالَ: قالَ لِي الحَسَنُ بْنُ مُسْلِمٍ: مَن أصابَ مِنَ الصَّيْدِ ما يَبْلُغُ أنْ يَكُونَ فِيهِ شاةٌ فَصاعِدًا، فَذَلِكَ الَّذِي قالَ اللَّهُ: ﴿فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ وأمّا: ﴿كَفّارَةٌ طَعامُ مَساكِينَ﴾ فَذَلِكَ الَّذِي لا يَبْلُغُ أنْ يَكُونَ فِيهِ هَدْيٌ، العُصْفُورُ يُقْتَلُ فَلا يَكُونُ فِيهِ هَدْيٌ، قالَ: ﴿أوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيامًا﴾ عَدْلُ النَّعامَةِ، أوْ عَدْلُ العُصْفُورِ، أوْ عَدْلُ ذَلِكَ كُلِّهِ، قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِعَطاءٍ فَقالَ: كُلُّ شَيْءٍ في القُرْآنِ (أوْ، أوْ) فَلِصاحِبِهِ أنْ يَخْتارَ ما شاءَ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ إبْراهِيمَ النَّخَعِيِّ، أنَّهُ كانَ يَقُولُ: إذا أصابَ المُحْرِمُ شَيْئًا مِنَ الصَّيْدِ عَلَيْهِ جَزاؤُهُ مِنَ النَّعَمِ، فَإنْ لَمْ يَجِدْ قُوِّمَ الجَزاءُ دَراهِمَ، ثُمَّ قُوِّمَتِ الدَّراهِمُ طَعامًا بِسِعْرِ ذَلِكَ اليَوْمِ فَتُصُدِّقَ بِهِ، فَإنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ طَعامٌ صامَ مَكانَ كُلِّ نِصْفِ صاعٍ يَوْمًا. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ عَطاءٍ، ومُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿أوْ كَفّارَةٌ طَعامُ مَساكِينَ أوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيامًا﴾ قالا: هو ما يُصِيبُ المُحْرِمُ مِنَ الصَّيْدِ لا يَبْلُغُ أنْ يَكُونَ فِيهِ الهَدْيُ، فَفِيهِ طَعامٌ قِيمَتُهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ عَطاءٍ في الآيَةِ قالَ: إنْ أصابَ إنْسانٌ مُحْرِمٌ نَعامَةً، فَإنَّ لَهُ إنْ كانَ ذا يَسارٍ أنْ يُهْدِيَ ما شاءَ جَزُورًا، أوْ عَدْلَها طَعامًا، أوْ عَدْلَها صِيامًا، أيَّتَهُنَّ شاءَ، مِن أجْلِ قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿فَجَزاؤُهُ﴾ [النساء: ٩٣] كَذا، قالَ: فَكُلُّ شَيْءٍ في القُرْآنِ (أوْ) فَلْيَخْتَرْ مِنهُ صاحِبُهُ ما شاءَ، قُلْتُ لَهُ: أرَأيْتَ إذا قَدِرَ عَلى الطَّعامِ ألا يَقْدِرُ عَلى عَدْلِ الصَّيْدِ الَّذِي أصابَ؟ قالَ: تَرْخِيصُ اللَّهِ، عَسى أنْ يَكُونَ عِنْدَهُ طَعامٌ، ولَيْسَ عِنْدَهُ ثَمَنُ الجَزُورِ، وهي الرُّخْصَةُ. (p-٥٢٦)وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عَطاءٍ الخُراسانِيِّ، أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ، وعُثْمانَ بْنَ عَفّانَ، وعَلِيَّ بْنَ أبِي طالِبٍ، وابْنَ عَبّاسٍ، وزَيْدَ بْنَ ثابِتٍ، ومُعاوِيَةَ، قَضَوْا فِيما كانَ مِن هَدْيٍ مِمّا يَقْتُلُ المُحْرِمُ مِن صَيْدٍ فِيهِ جَزاءٌ، نُظِرَ إلى قِيمَةِ ذَلِكَ، فَأُطْعِمَ بِهِ المَساكِينُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: ما كانَ في القُرْآنِ (أوْ، أوْ) فَهو فِيهِ بِالخِيارِ، وما كانَ: (فَمَن لَمْ يَجِدْ) فالأوَّلُ ثُمَّ الَّذِي يَلِيهِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ مُجاهِدٍ، والحَسَنِ، وإبْراهِيمَ، والضَّحّاكِ، مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ في مُحْرِمٍ أصابَ صَيْدًا بِخُراسانَ قالَ: يُكَفِّرُ بِمَكَّةَ، أوْ بِمِنًى، ويُقَّوَمُ الطَّعامُ بِسِعْرِ الأرْضِ الَّتِي يُكَفِّرُ بِها. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ إبْراهِيمَ قالَ: ما كانَ مِن دَمٍ فَبِمَكَّةَ، وما كانَ مِن صَدَقَةٍ أوْ صَوْمٍ حَيْثُ شاءَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنْ طاوُسٍ وعَطاءٍ، مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قالَ: قُلْتُ لِعَطاءٍ: أيْنَ يُتَصَدَّقُ بِالطَّعامِ؟ (p-٥٢٧)قالَ: بِمَكَّةَ مِن أجْلِ أنَّهُ بِمَنزِلَةِ الهَدْيِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ عَطاءٍ قالَ: كَفّارَةُ الحَجِّ بِمَكَّةَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ عَطاءٍ قالَ: إذا قَدِمْتَ مَكَّةَ بِجَزاءِ صَيْدٍ، فانْحَرْهُ، فَإنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿هَدْيًا بالِغَ الكَعْبَةِ﴾ إلّا أنْ تَقْدَمَ في العَشْرِ، فَتُؤَخِّرَ إلى يَوْمِ النَّحْرِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قالَ: قُلْتُ لِعَطاءٍ: هَلْ لِصِيامِهِ وقْتٌ؟ قالَ: لا، إذا شاءَ وحَيْثُ شاءَ، وتَعْجِيلُهُ أحَبُّ إلَيَّ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قالَ: قُلْتُ لِعَطاءٍ: ما عَدْلُ الطَّعامِ مِنَ الصِّيامِ؟ قالَ: لِكُلِّ مُدٍّ يَوْمٌ، يَأْخُذُ زَعَمَ بِصِيامِ رَمَضانَ، وبِالظِّهارِ، وزَعَمَ أنَّ ذَلِكَ رَأْيٌ يَراهُ ولَمْ يَسْمَعْهُ مِن أحَدٍ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ في قَوْلِهِ: ﴿أوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيامًا﴾ قالَ: يَصُومُ ثَلاثَةَ أيّامٍ إلى عَشَرَةِ أيّامٍ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: إنَّما جُعِلَ الطَّعامُ لِيُعْلَمَ بِهِ الصِّيامُ. (p-٥٢٨)وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ: ﴿لِيَذُوقَ وبالَ أمْرِهِ﴾ قالَ: عُقُوبَةَ أمْرِهِ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ: ﴿لِيَذُوقَ وبالَ أمْرِهِ﴾ قالَ: عاقِبَةَ عَمَلِهِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ مِن طَرِيقِ نُعَيْمِ بْنِ قَعْنَبٍ، عَنْ أبِي ذَرٍّ: ﴿عَفا اللَّهُ عَمّا سَلَفَ﴾ قالَ: عَمّا كانَ في الجاهِلِيَّةِ، ﴿ومَن عادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنهُ﴾ قالَ: في الإسْلامِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ عَطاءٍ: ﴿عَفا اللَّهُ عَمّا سَلَفَ﴾ قالَ: عَمّا كانَ في الجاهِلِيَّةِ، ﴿ومَن عادَ﴾ قالَ: مَن عادَ في الإسْلامِ، ﴿فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنهُ﴾ وعَلَيْهِ مَعَ ذَلِكَ الكَفّارَةُ، قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: قُلْتُ لِعَطاءٍ: فَعَلَيْهِ مِنَ الإمامِ عُقُوبَةٌ؟ قالَ: لا. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ مِن طَرِيقِ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في الَّذِي يُصِيبُ الصَّيْدَ وهو مُحْرِمٌ، يُحْكَمُ عَلَيْهِ مَرَّةً واحِدَةً، فَإنْ عادَ لَمْ يُحْكَمْ عَلَيْهِ، وكانَ ذَلِكَ إلى اللَّهِ، إنْ شاءَ عاقَبَهُ، وإنْ شاءَ عَفا عَنْهُ، ثُمَّ تَلا: ﴿ومَن عادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنهُ﴾ ولَفْظُ أبِي الشَّيْخِ: ومَن عادَ قِيلَ لَهُ: اذْهَبْ (p-٥٢٩)يَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنكَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ مِن طَرِيقِ عَلِيٍّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: مَن قَتَلَ شَيْئًا مِنَ الصَّيْدِ خَطَأً وهو مُحْرِمٌ حُكِمَ عَلَيْهِ كُلَّما قَتَلَهُ، ومَن قَتَلَهُ مُتَعَمِّدًا حُكِمَ عَلَيْهِ فِيهِ مَرَّةً واحِدَةً، فَإنْ عادَ يُقالُ لَهُ: يَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنكَ، كَما قالَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، أنَّ رَجُلًا أصابَ صَيْدًا، وهو مُحْرِمٌ، فَسَألَ شُرَيْحًا فَقالَ: هَلْ أصَبْتَ قَبْلَ هَذا شَيْئًا؟ قالَ: لا، قالَ: أما إنَّكَ لَوْ فَعَلْتَ لَمْ أحْكم عَلَيْكَ، ولَوَكَلْتُكَ إلى اللَّهِ، يَكُونُ هو يَنْتَقِمُ مِنكَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: رُخِّصَ في قَتْلِ الصَّيْدِ مَرَّةً، فَإنْ عادَ لَمْ يَدَعْهُ اللَّهُ حَتّى يَنْتَقِمَ مِنهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ إبْراهِيمَ، في الَّذِي يَقْتُلُ الصَّيْدَ ثُمَّ يَعُودُ، قالَ: كانُوا يَقُولُونَ: مَن عادَ لا يُحْكَمُ عَلَيْهِ، أمْرُهُ إلى اللَّهِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: يُحْكَمُ عَلَيْهِ (p-٥٣٠)فِي العَمْدِ مَرَّةً واحِدَةً، فَإنْ عادَ لَمْ يُحْكَمْ عَلَيْهِ، وقِيلَ لَهُ: اذْهَبْ يَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنكَ، ويُحْكَمُ عَلَيْهِ في الخَطَإ أبَدًا. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ عَطاءِ بْنِ أبِي رَباحٍ قالَ: يُحْكَمُ عَلَيْهِ كُلَّما عادَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ إبْراهِيمَ قالَ: كُلَّما أصابَ الصَّيْدَ المُحْرِمُ حُكِمَ عَلَيْهِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ زَيْدٍ أبِي المُعَلّى، عَنِ الحَسَنِ، أنَّ رَجُلًا أصابَ صَيْدًا، وهو مُحْرِمٌ فَتُجُوِّزَ عَنْهُ، ثُمَّ عادَ فَأصابَ صَيْدًا آخَرَ، فَنَزَلَتْ نارٌ مِنَ السَّماءِ فَأحْرَقَتْهُ، فَهو قَوْلُهُ: ﴿ومَن عادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنهُ﴾ . وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ قالَ: ذُكِرَ لَنا أنَّ رَجُلًا عادَ فَبَعَثَ اللَّهُ عَلَيْهِ نارًا فَأكَلَتْهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «(لِيَقْتُلِ المُحْرِمُ الفَأْرَةَ، والعَقْرَبَ، والحَدَأ، والغُرابَ، والكَلْبَ العَقُورَ)، وزادَ في رِوايَةٍ: (ويَقْتُلُ الحَيَّةَ») . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنْ عائِشَةَ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: (p-٥٣١)«(خَمْسُ فَواسِقَ فاقْتُلُوهُنَّ في الحَرَمِ: الحِداءُ، والغُرابُ، والكَلْبُ، والفَأْرَةُ، والعَقْرَبُ») . وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ أمَرَ مُحْرِمًا أنْ يَقْتُلَ حَيَّةً في الحَرَمِ بِمِنًى» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ، «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: (يَقْتُلُ المُحْرِمُ الذِّئْبَ») .

المائدة 5:96

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُحِلَّ لَكم صَيْدُ البَحْرِ﴾ الآيَةَ. أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ﴿أُحِلَّ لَكم صَيْدُ البَحْرِ وطَعامُهُ مَتاعًا لَكُمْ﴾ قالَ: (ما لَفَظَهُ مَيِّتًا فَهو طَعامُهُ») . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ مَوْقُوفًا، مِثْلَهُ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، مِن طَرِيقِ قَتادَةَ، عَنْ أنَسٍ، عَنْ أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ في الآيَةِ قالَ: صَيْدُهُ ما حَوَيْتَ عَلَيْهِ، وطَعامُهُ ما لَفَظَ إلَيْكَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ (p-٥٣٢)عِكْرِمَةَ، أنَّ أبا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ قالَ في قَوْلِهِ: ﴿أُحِلَّ لَكم صَيْدُ البَحْرِ وطَعامُهُ﴾ قالَ: صَيْدُ البَحْرِ ما تَصْطادُهُ أيْدِينا، وطَعامُهُ ما لاثَهُ البَحْرُ، وفي لَفْظٍ: طَعامُهُ كُلُّ ما فِيهِ، وفي لَفْظٍ: طَعامُهُ مَيْتَتُهُ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، مِن طَرِيقِ أبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ قالَ في البَحْرِ: هو الطَّهُورُ ماؤُهُ الحِلُّ مَيْتَتُهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: صَيْدُ البَحْرِ حَلالٌ، وماؤُهُ طَهُورٌ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، مِن طَرِيقِ أبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ مَوْلى بَنِي مَخْزُومٍ قالَ: ما في البَحْرِ شَيْءٌ إلّا قَدْ ذَكّاهُ اللَّهُ لَكم. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: خَطَبَ أبُو بَكْرٍ النّاسَ فَقالَ: ﴿أُحِلَّ لَكم صَيْدُ البَحْرِ وطَعامُهُ مَتاعًا لَكُمْ﴾ قالَ: وطَعامُهُ ما قَذَفَ بِهِ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، والبَيْهَقِيُّ في ”سُنَنِهِ“ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قَدِمْتُ البَحْرَيْنَ فَسَألَنِي أهْلُ البَحْرَيْنِ عَمّا يَقْذِفُ البَحْرُ مِنَ السَّمَكِ، فَقُلْتُ لَهم: كُلُوا، فَلَمّا رَجَعْتُ سَألْتُ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ عَنْ ذَلِكَ، فَقالَ لِي: بِمَ أفْتَيْتَهُمْ؟ قالَ: أفْتَيْتُهم أنْ (p-٥٣٣)يَأْكُلُوا، قالَ: لَوْ أفْتَيْتَهم بِغَيْرِ ذَلِكَ لَعَلَوْتُكَ بِالدِّرَّةِ، ثُمَّ قالَ: ﴿أُحِلَّ لَكم صَيْدُ البَحْرِ وطَعامُهُ﴾ فَصَيْدُهُ ما صِيدَ مِنهُ، وطَعامُهُ ما قَذَفَ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، والبَيْهَقِيُّ في ”سُنَنِهِ“ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: صَيْدُهُ ما صِيدَ، وطَعامُهُ ما لَفَظَ بِهِ البَحْرُ، وفي رِوايَةٍ: ما قَذَفَ بِهِ، يَعْنِي مَيِّتًا. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، مِن طُرُقٍ أُخْرى عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في الآيَةِ قالَ: صَيْدُهُ الطَّرِيُّ، وطَعامُهُ المالِحُ، لِلْمُسافِرِ والمُقِيمِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ قالَ: صَيْدُهُ ما اصْطَدْتَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: ما حَسَرَ عَنْهُ فَكُلْ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: صَيْدُهُ ما (p-٥٣٤)اضْطَرَبَ وطَعامُهُ ما قَذَفَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ مِن طَرِيقِ عَلِيٍّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿أُحِلَّ لَكم صَيْدُ البَحْرِ﴾ يَعْنِي: طَعامَهُ، مالِحَهُ، وما حُسِرَ عَنْهُ الماءُ، وما قَذَفَهُ، فَهَذا حَلالٌ لِجَمِيعِ النّاسِ، مُحْرِمٍ وغَيْرِهِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ عَساكِرَ، عَنْ نافِعٍ، أنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أبِي هُرَيْرَةَ سَألَ ابْنَ عُمَرَ، عَنْ حِيتانٍ ألْقاها البَحْرُ، فَقالَ ابْنُ عُمَرَ: أمَيْتَةٌ هِيَ؟ قالَ: نَعَمْ، فَنَهاهُ، فَلَمّا رَجَعَ عَبْدُ اللَّهِ إلى أهْلِهِ أخَذَ المُصْحَفَ فَقَرَأ سُورَةَ المائِدَةِ، فَأتى عَلى هَذِهِ الآيَةِ: ﴿وطَعامُهُ مَتاعًا لَكُمْ﴾ فَقالَ: طَعامُهُ هو الَّذِي ألْقاهُ، فالحَقْهُ فَمُرْهُ يَأْكُلُهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ أبِي أيُّوبَ قالَ: ما لَفَظَ البَحْرُ فَهو طَعامُهُ، وإنْ كانَ مَيِّتًا. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ قالَ: صَيْدُهُ ما اصْطَدْتَ طَرِيًّا، وطَعامُهُ ما تَزَوَّدْتَ مَمْلُوحًا في سَفَرِكَ. (p-٥٣٥)وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ سُفْيانَ قالَ: ما نَعْلَمُهُ حَرَّمَ مِن صَيْدِ البَحْرِ شَيْئًا غَيْرَ الكِلابِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مَيْمُونٍ الكُرْدِيِّ، أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ كانَ راكِبًا فَمَرَّ عَلَيْهِ جَرادٌ فَضَرَبَهُ، فَقِيلَ لَهُ: قَتَلْتَ صَيْدًا وأنْتَ مُحْرِمٌ؟ فَقالَ: إنَّما هو مِن صَيْدِ البَحْرِ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ عَطاءِ بْنِ يَسارٍ قالَ: قالَ كَعْبُ الأحْبارِ لِعُمَرَ: والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، إنْ هو إلّا نَثْرَةُ حُوتٍ يَنْثُرُهُ في كُلِّ عامٍ مَرَّتَيْنِ، يَعْنِي الجَرادَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ أبِي مِجْلَزٍ في الآيَةِ قالَ: ما كانَ مِن صَيْدِ البَحْرِ يَعِيشُ في البَرِّ والبَحْرِ، فَلا تَصِدْهُ، وما كانَ حَياتُهُ في الماءِ فَذَلِكَ لَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ عِكْرِمَةَ: ﴿مَتاعًا لَكُمْ﴾ لِمَن كانَ بِحَضْرَةِ البَحْرِ! (p-٥٣٦)﴿ولِلسَّيّارَةِ﴾ قالَ: السَّفْرِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ: ﴿وطَعامُهُ﴾ قالَ: حِيتانُهُ: ﴿مَتاعًا لَكُمْ﴾ لِأهْلِ القُرى، ﴿ولِلسَّيّارَةِ﴾ أهْلِ الأسْفارِ وأجْناسِ النّاسِ كُلِّهِمْ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ الحَسَنِ: ﴿ولِلسَّيّارَةِ﴾ قالَ: هُمُ المُحْرِمُونَ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، مِن طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿ولِلسَّيّارَةِ﴾ قالَ: المُسافِرُ يَتَزَوَّدُ مِنهُ ويَأْكُلُ. وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، مِن طَرِيقِ طاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وحُرِّمَ عَلَيْكم صَيْدُ البَرِّ ما دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ قالَ: هي مُبْهَمَةٌ، لا يَحِلُّ لَكَ أكْلُ لَحْمِ الصَّيْدِ وأنْتَ مُحْرِمٌ، ولَفْظُ ابْنِ أبِي حاتِمٍ قالَ: هي مُبْهَمَةٌ، صَيْدُهُ وأكْلُهُ حَرامٌ عَلى المُحْرِمِ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ عَبْدِ الكَرِيمِ بْنِ أبِي المُخارِقِ قالَ: قُلْتُ لِمُجاهِدٍ: فَإنَّهُ صَيْدٌ اصْطِيدَ بِهَمَذانَ قَبْلَ أنْ يُحْرِمَ الرَّجُلُ بِأرْبَعَةِ أشْهُرٍ؟ فَقالَ: لا، كانَ (p-٥٣٧)ابْنُ عَبّاسٍ يَقُولُ: هي مُبْهَمَةٌ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ الحارِثِ بْنِ نَوْفَلٍ قالَ: حَجَّ عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ، فَأُتِيَ بِلَحْمِ صَيْدٍ صادَهُ حَلالٌ، فَأكَلَ مِنهُ عُثْمانُ، ولَمْ يَأْكُلْ عَلِيٌّ، فَقالَ عُثْمانُ: واللَّهِ ما صِدْنا، ولا أمَرْنا، ولا أشَرْنا، فَقالَ عَلِيٌّ: ﴿وحُرِّمَ عَلَيْكم صَيْدُ البَرِّ ما دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ الحَسَنِ، أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ لَمْ يَكُنْ يَرى بَأْسًا بِلَحْمِ الصَّيْدِ لِلْمُحْرِمِ إذا صِيدَ لِغَيْرِهِ، وكَرِهَهُ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ، أنَّ عَلِيًّا كَرِهَ لَحْمَ الصَّيْدِ لِلْمُحْرِمِ عَلى كُلِّ حالٍ. وأخْرَجَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أنَّهُ كانَ لا يَأْكُلُ الصَّيْدَ وهو مُحْرِمٌ، وإنْ صادَهُ الحَلالُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنْ إسْماعِيلَ قالَ: سَألْتُ الشَّعْبِيَّ عَنْهُ فَقالَ: قَدِ اخْتُلِفَ فِيهِ، فَلا تَأْكُلْ مِنهُ أحَبُّ إلَيَّ. (p-٥٣٨)وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، أنَّهُ سُئِلَ عَنْ لَحْمِ صَيْدٍ صادَهُ حَلالٌ: أيَأْكُلُهُ المُحْرِمُ؟ قالَ: نَعَمْ، ثُمَّ لَقِيَ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ فَأخْبَرَهُ فَقالَ: لَوْ أفْتَيْتَ بِغَيْرِ هَذا لَعَلَوْتُكَ بِالدِّرَّةِ، إنَّما نُهِيتَ أنْ تَصْطادَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿وحُرِّمَ عَلَيْكم صَيْدُ البَرِّ ما دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ فَجَعَلَ الصَّيْدَ حَرامًا عَلى المُحْرِمِ، صَيْدُهُ وأكْلُهُ، ما دامَ حَرامًا، وإنْ كانَ الصَّيْدُ صِيدَ قَبْلَ أنْ يُحْرِمَ الرَّجُلُ فَهو حَلالٌ، وإنْ صادَهُ حَرامٌ لِلْحَلالِ فَلا يَحِلُّ أكْلُهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عُثْمانَ قالَ: كُنّا مَعَ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ، ونَحْنُ حُرُمٌ، فَأُهْدِيَ لَنا طائِرٌ، فَمِنّا مَن أكَلَ، ومِنّا مَن تَوَرَّعَ فَلَمْ يَأْكُلْ، فَلَمّا اسْتَيْقَظَ طَلْحَةُ، وفَّقَ مَن أكَلَ، وقالَ: أكَلْناهُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، مِن طَرِيقِ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: اقْرَأْها كَما تَقْرَؤُها، فَإنَّ اللَّهَ خَتَمَ الآيَةَ بِحَرامٍ، قالَ أبُو عُبَيْدٍ: يَعْنِي: ﴿وحُرِّمَ عَلَيْكم صَيْدُ البَرِّ ما دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ يَقُولُ: فَهَذا يَأْتِي مَعْناهُ عَلى قَتْلِهِ، وعَلى أكْلِ لَحْمِهِ. (p-٥٣٩)وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، والبُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، عَنْ أبِي قَتادَةَ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَرَجَ حاجًّا، فَخَرَجُوا مَعَهُ فَصَرَفَ طائِفَةً مِنهم فِيهِمْ أبُو قَتادَةَ، فَقالَ: (خُذُوا ساحِلَ البَحْرِ حَتّى نَلْتَقِيَ)، فَأخَذُوا ساحِلَ البَحْرِ، فَلَمّا انْصَرَفُوا أحْرَمُوا كُلُّهم إلّا أبُو قَتادَةَ، لَمْ يُحْرِمْ، فَبَيْنَما هم يَسِيرُونَ، إذْ رَأوْا حُمُرَ وحْشٍ، فَحَمَلَ أبُو قَتادَةَ عَلى الحُمُرِ فَعَقَرَ مِنها أتانًا، فَنَزَلُوا فَأكَلُوا مِن لَحْمِها، فَقالُوا: أنَأْكُلُ لَحْمَ صَيْدٍ ونَحْنُ مُحْرِمُونَ؟ فَحَمَلْنا ما بَقِيَ مِن لَحْمِها، فَلَمّا أتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنّا كُنّا أحْرَمْنا، وقَدْ كانَ أبُو قَتادَةَ لَمْ يُحْرِمْ، فَرَأيْنا حُمُرَ وحْشٍ، فَحَمَلَ عَلَيْها أبُو قَتادَةَ فَعَقَرَ مِنها أتانًا، فَنَزَلْنا فَأكَلْنا مِن لَحْمِها، ثُمَّ قُلْنا: أنَأْكُلُ مِن لَحْمِ صَيْدٍ ونَحْنُ مُحْرِمُونَ؟ فَحَمَلْنا ما بَقِيَ مِن لَحْمِها، فَقالَ: (أمِنكم أحَدٌ أمَرَهُ أنْ يَحْمِلَ عَلَيْها أوْ أشارَ إلَيْها؟) قالُوا: لا، قالَ: (فَكُلُوا ما بَقِيَ مِن لَحْمِها») . وأخْرَجَ أحْمَدُ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، عَنْ جابِرٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «(لَحْمُ صَيْدِ البَرِّ لَكم حَلالٌ وأنْتُمْ حُرُمٌ، ما لَمْ تَصِيدُوهُ أوْ يُصَدْ لَكُمْ») . وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ «عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قالَ: يا زَيْدُ بْنَ أرْقَمَ، أعَلِمْتَ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أُهْدِيَ لَهُ بَيْضاتُ نَعامٍ وهو حَرامٌ فَرَدَّهُنَّ؟ قالَ: نَعَمْ» . (p-٥٤٠)وأخْرَجَ أحْمَدُ، وأبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ، وابْنُ ماجَهْ، بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «كُنّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في حَجٍّ أوْ عُمْرَةٍ، فاسْتَقْبَلَنا رِجْلُ جَرادٍ، فَجَعَلْنا نَضْرِبُهُنَّ بِعِصِيِّنا وسِياطِنا فَنَقْتُلُهُنَّ، فَأُسْقِطَ في أيْدِينا، فَقُلْنا: ما نَصْنَعُ ونَحْنُ مُحْرِمُونَ؟ فَسَألْنا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: (لا بَأْسَ بِصَيْدِ البَحْرِ») . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ عَطاءٍ قالَ: كُلُّ شَيْءٍ عاشَ في البَرِّ والبَحْرِ فَأصابَهُ المُحْرِمُ فَعَلَيْهِ الكَفّارَةُ.

المائدة 5:97

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الكَعْبَةَ البَيْتَ الحَرامَ﴾ الآيَةَ. أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: إنَّما سُمِّيَتِ الكَعْبَةَ لِأنَّها مُرَبَّعَةٌ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: إنَّما سُمِّيَتِ الكَعْبَةَ لِتَرْبِيعِها. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الكَعْبَةَ البَيْتَ الحَرامَ قِيامًا لِلنّاسِ﴾ قالَ: قِيامًا لِدِينِهِمْ ومَعالِمَ لِحَجِّهِمْ. (p-٥٤١)وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في الآيَةِ قالَ: قِيامُها أنْ يَأْمَنَ مَن تَوَجَّهَ إلَيْها. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ مُجاهِدٍ: ﴿قِيامًا لِلنّاسِ﴾ قالَ: قِوامًا لِلنّاسِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: ﴿قِيامًا لِلنّاسِ﴾ قالَ: صَلاحًا لِدِينِهِمْ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: ﴿قِيامًا لِلنّاسِ﴾ قالَ: شِدَّةً لِدِينِهِمْ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: ﴿قِيامًا لِلنّاسِ﴾ قالَ: عِصْمَةً في أمْرِ دِينِهِمْ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ زَيْدٍ قالَ: كانَ النّاسُ كُلُّهم فِيهِمْ مُلُوكٌ، يَدْفَعُ بَعْضُهم عَنْ بَعْضٍ، ولَمْ يَكُنْ في العَرَبِ مُلُوكٌ يَدْفَعُ بَعْضُهم عَنْ بَعْضٍ، فَجَعَلَ اللَّهُ لَهُمُ البَيْتَ الحَرامَ قِيامًا يَدْفَعُ بَعْضُهم عَنْ بَعْضٍ بِهِ، والشَّهْرُ الحَرامُ كَذَلِكَ، يَدْفَعُ اللَّهُ بَعْضَهم عَنْ بَعْضٍ بِالأشْهُرِ الحُرُمِ والقَلائِدِ، ويَلْقى (p-٥٤٢)الرَّجُلُ قاتِلَ أبِيهِ، أوِ ابْنِ عَمِّهِ، فَلا يَعْرِضُ لَهُ، وهَذا كُلُّهُ قَدْ نُسِخَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ شِهابٍ قالَ: جَعَلَ اللَّهُ البَيْتَ الحَرامَ، والشَّهْرَ الحَرامَ قِيامًا لِلنّاسِ يَأْمَنُونَ بِهِ في الجاهِلِيَّةِ الأُولى، لا يَخافُ بَعْضُهم بَعْضًا حِينَ يَلْقَوْنَهم عِنْدَ البَيْتِ، أوْ في الحَرَمِ، أوْ في الشَّهْرِ الحَرامِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الكَعْبَةَ البَيْتَ الحَرامَ قِيامًا لِلنّاسِ والشَّهْرَ الحَرامَ والهَدْيَ والقَلائِدَ﴾ قالَ: حَواجِزَ أبْقاها اللَّهُ بَيْنَ النّاسِ في الجاهِلِيَّةِ، فَكانَ الرَّجُلُ لَوْ جَرَّ كُلَّ جَرِيرَةٍ ثُمَّ لَجَأ إلى الحَرَمِ لَمْ يُتَناوَلْ ولَمْ يُقْرَبْ، وكانَ الرَّجُلُ لَوْ لَقِيَ قاتِلَ أبِيهِ في الشَّهْرِ الحَرامِ لَمْ يَعْرِضْ لَهُ، ولَمْ يَقْرَبْهُ، وكانَ الرَّجُلُ لَوْ لَقِيَ الهَدْيَ مُقَلَّدًا، وهو يَأْكُلُ العَصَبَ مِنَ الجُوعِ لَمْ يَعْرِضْ لَهُ ولَمْ يَقْرَبْهُ، وكانَ الرَّجُلُ إذا أرادَ البَيْتَ تَقَلَّدَ قِلادَةً مِن شَعْرٍ فَأحْمَتْهُ ومَنَعَتْهُ مِنَ النّاسِ، وكانَ إذا نَفَرَ تَقَلَّدَ قِلادَةً مِنَ الإذْخِرِ أوْ مِنَ السَّمُرِ، فَمَنَعَتْهُ مِنَ النّاسِ حَتّى يَأْتِيَ أهْلَهُ، حَواجِزُ أبْقاها اللَّهُ بَيْنَ النّاسِ في الجاهِلِيَّةِ. (p-٥٤٣)وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الحَسَنِ، أنَّهُ تَلا هَذِهِ الآيَةَ: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الكَعْبَةَ البَيْتَ الحَرامَ قِيامًا لِلنّاسِ﴾ قالَ: لا يَزالُ النّاسُ عَلى دِينٍ ما حَجُّوا البَيْتَ، واسْتَقْبَلُوا القِبْلَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ في الآيَةِ قالَ: جَعَلَ اللَّهُ هَذِهِ الأرْبَعَةَ قِيامًا لِلنّاسِ، هي قِوامُ أمْرِهِمْ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ في قَوْلِهِ: ﴿قِيامًا لِلنّاسِ﴾ قالَ: تَعْظِيمُهم إيّاها. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُقاتِلِ بْنِ حَيّانَ: ﴿قِيامًا لِلنّاسِ﴾ يَقُولُ: قِوامًا عَلَمًا لِقِبْلَتِهِمْ، وأمْنًا هم فِيهِ آمِنُونَ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ: ﴿قِيامًا لِلنّاسِ﴾ قالَ: أمْنًا. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُسْلِمِ بْنِ هُرْمُزَ، قالَ: حَدَّثَنِي مَن أُصَدِّقُ قالَ: تُنْصَبُ الكَعْبَةُ يَوْمَ القِيامَةِ لِلنّاسِ تُخْبِرُهم بِأعْمالِهِمْ فِيها. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ أبِي مِجْلَزٍ، أنَّ أهْلَ الجاهِلِيَّةِ كانَ الرَّجُلُ مِنهم إذا أحْرَمَ تَقَلَّدَ قِلادَةً مِن شَعْرٍ فَلا يَعْرِضُ لَهُ أحَدٌ، فَإذا حَجَّ وقَضى حَجَّهُ تَقَلَّدَ قِلادَةً مِن إذْخِرٍ فَقالَ اللَّهُ: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الكَعْبَةَ البَيْتَ الحَرامَ قِيامًا لِلنّاسِ والشَّهْرَ (p-٥٤٤)الحَرامَ﴾ الآيَةَ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ عَطاءٍ الخُراسانِيِّ في الآيَةِ قالَ: كانُوا إذا دَخَلَ الشَّهْرُ الحَرامُ وضَعُوا السِّلاحَ، ومَشى بَعْضُهم إلى بَعْضٍ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ في الآيَةِ قالَ: كانَتِ العَرَبُ في جاهِلِيَّتِها جَعَلَ اللَّهُ هَذا لَهم شَيْئًا بَيْنَهم يَعِيشُونَ بِهِ، فَمَنِ انْتَهَكَ شَيْئًا مِن هَذا أوْ هَذا، لَمْ يُناظِرْهُ اللَّهُ حَتّى بَعْدُ، ﴿ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ .

المائدة 5:98

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ شَدِيدُ العِقابِ وأنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ . أخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ الحَسَنِ أنَّ أبا بَكْرٍ الصَّدِّيقَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حِينَ حَضَرَتْهُ الوَفاةُ قالَ: ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ ذَكَرَ آيَةَ الرَّخاءِ عِنْدَ آيَةِ الشِّدَّةِ، وآيَةَ الشِّدَّةِ عِنْدَ آيَةِ الرَّخاءِ، لِيَكُونَ المُؤْمِنُ راغِبًا راهِبًا، لا يَتَمَنّى عَلى اللَّهِ غَيْرَ الحَقِّ، ولا يُلْقِي بِيَدِهِ إلى التَّهْلُكَةِ.

المائدة 5:100

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ لا يَسْتَوِي﴾ الآيَةَ. أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ في الآيَةِ قالَ: الخَبِيثُ هُمُ المُشْرِكُونَ، والطَّيِّبُ هُمُ المُؤْمِنُونَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: لَدِرْهَمٌ حَلالٌ أتَصَدَّقُ بِهِ أحَبُّ إلَيَّ (p-٥٤٥)مِن مِائَةِ ألْفٍ، ومِائَةِ ألْفٍ حَرامٍ، فَإنْ شِئْتُمْ فاقْرَءُوا كِتابَ اللَّهِ: ﴿قُلْ لا يَسْتَوِي الخَبِيثُ والطَّيِّبُ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ: حَدَّثَنا يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الأعْلى، حَدَّثَنا ابْنُ وهْبٍ، حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الإسْكَنْدَرانِيُّ قالَ: كَتَبَ إلى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزَيِزِ بَعْضُ عُمّالِهِ يَذْكُرُ أنَّ الخَراجَ قَدِ انْكَسَرَ، فَكَتَبَ إلَيْهِ عُمَرُ: إنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿لا يَسْتَوِي الخَبِيثُ والطَّيِّبُ ولَوْ أعْجَبَكَ كَثْرَةُ الخَبِيثِ﴾ فَإنِ اسْتَطَعْتَ أنْ تَكُونَ في العَدْلِ والإصْلاحِ والإحْسانِ بِمَنزِلَةِ مَن كانَ قَبْلَكَ في الظُّلْمِ والفُجُورِ والعُدْوانِ، فافْعَلْ، ولا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ في قَوْلِهِ: ﴿يا أُولِي الألْبابِ﴾ يَقُولُ: مَن كانَ لَهُ لُبٌّ أوْ عَقْلٌ.

المائدة 5:101

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْألُوا عَنْ أشْياءَ﴾ الآيَةَ. أخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنْ أنَسٍ قالَ: «خَطَبَ النَّبِيُّ ﷺ خُطْبَةً ما سَمِعْتُ مِثْلَها قَطُّ، فَقالَ رَجُلٌ: مَن أبِي؟ قالَ: (فُلانٌ)، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿لا تَسْألُوا عَنْ أشْياءَ﴾ [المائدة»: ١٠١] (p-٥٤٦)وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ مِن طَرِيقِ قَتادَةَ، «عَنْ أنَسٍ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْألُوا عَنْ أشْياءَ إنْ تُبْدَ لَكم تَسُؤْكُمْ﴾ أنَّ النّاسَ سَألُوا نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ حَتّى أحْفَوْهُ بِالمَسْألَةِ، فَخَرَجَ ذاتَ يَوْمٍ حَتّى صَعِدَ المِنبَرَ فَقالَ: (لا تَسْألُونِي اليَوْمَ عَنْ شَيْءٍ إلّا أنْبَأْتُكم بِهِ)، فَلَمّا سَمِعَ ذَلِكَ القَوْمُ أرَمُّوا، وظَنُّوا أنَّ ذَلِكَ بَيْنَ يَدَيْ أمْرٍ قَدْ حَضَرَ، فَجَعَلْتُ ألْتَفِتُ عَنْ يَمِينِي وشِمالِي، فَإذا كُلُّ رَجُلٍ لافٌّ ثَوْبَهُ بِرَأْسِهِ يَبْكِي، فَأتاهُ رَجُلٌ فَقالَ: يا نَبِيَّ اللَّهِ، مَن أبِي؟ قالَ: (أبُوكَ حُذافَةُ)، وكانَ إذا لاحى يُدْعى إلى غَيْرِ أبِيهِ، فَقالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ: رَضِينا بِاللَّهِ رَبًّا، وبِالإسْلامِ دِينًا، ونَعُوذُ بِاللَّهِ مِن سُوءِ الفِتَنِ، قالَ: فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: (ما رَأيْتُ في الخَيْرِ والشَّرِّ كاليَوْمِ قَطُّ، إنَّ الجَنَّةَ والنّارَ مُثِّلَتا لِي حَتّى رَأيْتُهُما دُونَ الحائِطِ)، قالَ قَتادَةُ: وإنَّ اللَّهَ يُرِيهِ ما لا تَرَوْنَ ويُسْمِعُهُ ما لا تَسْمَعُونَ، قالَ: وأُنْزِلَ عَلَيْهِ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْألُوا عَنْ أشْياءَ﴾ الآيَةَ»، قالَ قَتادَةُ: وفي قِراءَةِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: (قَدْ سَألَها قَوْمٌ بُيِّنَتْ لَهم فَأصْبَحُوا بِها كافِرِينَ)، وأخْرَجَ البُخارِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «كانَ قَوْمٌ يَسْألُونَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ اسْتِهْزاءً، فَيَقُولُ الرَّجُلُ: (p-٥٤٧)مَن أبِي؟ ويَقُولُ الرَّجُلُ تَضِلُّ ناقَتُهُ: أيْنَ ناقَتِي؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْألُوا عَنْ أشْياءَ﴾ حَتّى فَرَغَ مِنَ الآيَةِ كُلِّها» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَوْنٍ قالَ: «سَألْتُ عِكْرِمَةَ مَوْلى ابْنِ عَبّاسٍ عَنْ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْألُوا عَنْ أشْياءَ إنْ تُبْدَ لَكم تَسُؤْكُمْ﴾ قالَ: ذاكَ يَوْمَ قامَ فِيهِمُ النَّبِيُّ ﷺ فَقالَ: (لا تَسْألُونِي عَنْ شَيْءٍ إلّا أخْبَرْتُكم بِهِ)، فَقامَ رَجُلٌ فَكَرِهَ المُسْلِمُونَ مَقامَهُ يَوْمَئِذٍ، فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، مَن أبِي؟ قالَ: (أبُوكَ حُذافَةُ)، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ» . وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ طاوُسٍ قالَ: «نَزَلَتْ: ﴿لا تَسْألُوا عَنْ أشْياءَ إنْ تُبْدَ لَكم تَسُؤْكُمْ﴾ في رَجُلٍ قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، مَن أبِي؟ قالَ: (أبُوكَ فُلانٌ») . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْألُوا عَنْ أشْياءَ﴾ الآيَةَ، قالَ: «غَضِبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمًا مِنَ الأيّامِ فَقامَ خَطِيبًا فَقالَ: (سَلُونِي فَإنَّكم لا تَسْألُونِي عَنْ شَيْءٍ إلّا أنْبَأْتُكم بِهِ)، فَقامَ إلَيْهِ رَجُلٌ مِن قُرَيْشٍ مِن بَنِي سَهْمٍ يُقالُ لَهُ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حُذافَةَ - وكانَ يُطْعَنُ فِيهِ - فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، مَن أبِي؟ قالَ: (أبُوكَ فُلانٌ)، فَدَعاهُ لِأبِيهِ، فَقامَ إلَيْهِ عُمَرُ فَقَبَّلَ رِجْلَهُ، وقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، رَضِينا بِاللَّهِ رَبًّا، وبِكَ نَبِيًّا، وبِالقُرْآنِ إمامًا، (p-٥٤٨)فاعْفُ عَنّا، عَفا اللَّهُ عَنْكَ، فَلَمْ يَزَلْ بِهِ حَتّى رَضِيَ، فَيَوْمَئِذٍ قالَ: (الوَلَدُ لِلْفِراشِ، ولِلْعاهِرِ الحَجَرُ)، وأُنْزِلَ عَلَيْهِ: ﴿قَدْ سَألَها قَوْمٌ مِن قَبْلِكُمْ﴾ [المائدة»: ١٠٢] . وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وهو غَضْبانُ مُحْمارٌّ وجْهُهُ، حَتّى جَلَسَ عَلى المِنبَرِ، فَقامَ إلَيْهِ رَجُلٌ فَقالَ: أيْنَ آبائِي؟ قالَ: (فِي النّارِ)، فَقامَ آخَرُ فَقالَ: مَن أبِي؟ فَقالَ: (أبُوكَ حُذافَةُ)، فَقامَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ فَقالَ: رَضِينا بِاللَّهِ رَبًّا، وبِالإسْلامِ دِينًا، وبِمُحَمَّدٍ نَبِيًّا، وبِالقُرْآنِ إمامًا، إنّا يا رَسُولَ اللَّهِ حَدِيثُو عَهْدٍ بِجاهِلِيَّةٍ وشِرْكٍ، واللَّهُ أعْلَمُ مَن آباؤُنا، فَسَكَنَ غَضَبُهُ، ونَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْألُوا عَنْ أشْياءَ﴾ [المائدة»: ١٠١] . وأخْرَجَ ابْنُ حِبّانَ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَطَبَ فَقالَ: (أيُّها النّاسُ، إنَّ اللَّهَ تَعالى قَدِ افْتَرَضَ عَلَيْكُمُ الحَجَّ)، فَقامَ رَجُلٌ فَقالَ: أكُلَّ عامٍ يا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَسَكَتَ عَنْهُ حَتّى أعادَها ثَلاثَ مَرّاتٍ، قالَ: (لَوْ قُلْتُ: نَعَمْ، لَوَجَبَتْ، ولَوْ وجَبَتْ ما قُمْتُمْ بِها، ذَرُونِي ما تَرَكْتُكُمْ، فَإنَّما هَلَكَ الَّذِينَ قَبْلَكم بِكَثْرَةِ سُؤالِهِمْ، واخْتِلافِهِمْ عَلى أنْبِيائِهِمْ، فَإذا نَهَيْتُكم عَنْ شَيْءٍ فاجْتَنِبُوهُ، وإذا أمَرْتُكم بِشَيْءٍ فَأْتُوا مِنهُ ما اسْتَطَعْتُمْ)، وذَكَرَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ في المائِدَةِ نَزَلَتْ (p-٥٤٩)فِي ذَلِكَ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْألُوا عَنْ أشْياءَ إنْ تُبْدَ لَكم تَسُؤْكُمْ﴾ [المائدة»: ١٠١] . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «خَطَبَنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَقالَ: (يا أيُّها النّاسُ، كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ الحَجَّ)، فَقامَ عُكّاشَةُ بْنُ مِحْصَنٍ الأسَدِيُّ فَقالَ: أفِي كُلِّ عامٍ يا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقالَ: (أما إنِّي لَوْ قُلْتُ: نَعَمْ، لَوَجَبَتْ، ولَوْ وجَبَتْ ثُمَّ تَرَكْتُمْ لَضَلَلْتُمْ، اسْكُتُوا عَنِّي ما سَكَتُّ عَنْكُمْ، فَإنَّما هَلَكَ مَن كانَ قَبْلَكم بِسُؤالِهِمْ واخْتِلافِهِمْ عَلى أنْبِيائِهِمْ)، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْألُوا عَنْ أشْياءَ إنْ تُبْدَ لَكم تَسُؤْكُمْ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنْ أبِي أُمامَةَ الباهِلِيِّ قالَ: «قامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في النّاسِ فَقالَ: (إنَّ اللَّهَ تَعالى كَتَبَ عَلَيْكُمُ الحَجَّ)، فَقالَ رَجُلٌ مِنَ الأعْرابِ: أفِي كُلِّ عامٍ؟ فَسَكَتَ طَوِيلًا ثُمَّ تَكَلَّمَ فَقالَ: (مَنِ السّائِلُ؟) فَقالَ: أنا ذا، فَقالَ: (ويْحَكَ، ماذا يُؤَمِّنُكَ أنْ أقُولَ: نَعَمْ؟ واللَّهِ لَوْ قُلْتُ: نَعَمْ، لَوَجَبَتْ، ولَوْ وجَبَتْ لَتَرَكْتُمْ، ولَوْ تَرَكْتُمْ لَكَفَرْتُمْ، ألا إنَّهُ إنَّما أهْلَكَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكم أئِمَّةُ الحَرَجِ، واللَّهِ لَوْ أنِّي أحْلَلْتُ لَكم جَمِيعَ ما في الأرْضِ مِن شَيْءٍ وحَرَّمْتُ عَلَيْكم مِنها مَوْضِعَ خُفِّ بَعِيرٍ لَوَقَعْتُمْ فِيهِ)، وأنْزَلَ اللَّهُ عِنْدَ ذَلِكَ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْألُوا عَنْ أشْياءَ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «(كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ (p-٥٥٠)الحَجَّ)، فَقالَ رَجُلٌ: يا رَسُولَ اللَّهِ، كُلَّ عامٍ؟ فَأعْرَضَ عَنْهُ ثُمَّ قالَ: (والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ قُلْتُ: نَعَمْ، لَوَجَبَتْ، ولَوْ وجَبَتْ ما أطَقْتُمُوها، ولَوْ تَرَكْتُمُوها لَكَفَرْتُمْ)، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْألُوا عَنْ أشْياءَ﴾ الآيَةَ» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «جاءَ رَجُلٌ إلى النَّبِيِّ ﷺ فَقالَ: أيْنَ أبِي؟ قالَ: (فِي النّارِ)، ثُمَّ جاءَ آخَرُ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، الحَجُّ كُلَّ عامٍ؟ فَغَضِبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَحَوَّلَ ورِكَهُ، فَدَخَلَ البَيْتَ ثُمَّ خَرَجَ فَقالَ: (لِمَ تَسْألُونِي عَمّا لا أسْألُكم عَنْهُ؟) ثُمَّ قالَ: (والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ قُلْتُ: نَعَمْ، لَوَجَبَتْ عَلَيْكم كُلَّ عامٍ ثُمَّ لَكَفَرْتُمْ)، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْألُوا عَنْ أشْياءَ﴾ الآيَةَ» . وأخْرَجَ أحْمَدُ، والتِّرْمِذِيُّ، وابْنُ ماجَهْ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والدّارَقُطْنِيُّ، والحاكِمُ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنْ عَلِيٍّ، قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ: ﴿ولِلَّهِ عَلى النّاسِ حِجُّ البَيْتِ﴾ [آل عمران: ٩٧] قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، أفِي كُلِّ عامٍ؟ فَسَكَتَ، ثُمَّ قالُوا: أفِي كُلِّ عامٍ؟ قالَ: (لا: ولَوْ قُلْتُ: نَعَمْ، لَوَجَبَتْ)، فَنَزَلَتْ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْألُوا عَنْ أشْياءَ إنْ تُبْدَ لَكم تَسُؤْكُمْ﴾ [المائدة»: ١٠١] . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ آيَةُ الحَجِّ أذَّنَ النَّبِيُّ ﷺ في النّاسِ فَقالَ: (يا أيُّها النّاسُ، إنَّ اللَّهَ قَدْ كَتَبَ عَلَيْكُمُ الحَجَّ (p-٥٥١)فَحُجُّوا)، فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، أعامًا واحِدًا أمْ كُلَّ عامٍ؟ فَقالَ: (لا، بَلْ عامًا واحِدًا، ولَوْ قُلْتُ: كُلَّ عامٍ، لَوَجَبَتْ، ولَوْ وجَبَتْ لَكَفَرْتُمْ)، وأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْألُوا عَنْ أشْياءَ﴾ الآيَةَ» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أذَّنَ في النّاسِ فَقالَ: (يا قَوْمِ، كُتِبَ عَلَيْكُمُ الحَجُّ)، فَقامَ رَجُلٌ مِن بَنِي أسَدٍ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، أفِي كُلِّ عامٍ؟ فَغَضِبَ غَضَبًا شَدِيدًا، فَقالَ: (والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَوْ قُلْتُ: نَعَمْ، لَوَجَبَتْ ولَوْ وجَبَتْ ما اسْتَطَعْتُمْ، وإذَنْ لَكَفَرْتُمْ، فاتْرُكُونِي ما تَرَكْتُكُمْ، وإذا أمَرْتُكم بِشَيْءٍ فافْعَلُوا، وإذا نَهَيْتُكم عَنْ شَيْءٍ فانْتَهُوا عَنْهُ)، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿لا تَسْألُوا عَنْ أشْياءَ إنْ تُبْدَ لَكم تَسُؤْكُمْ﴾ نَهاهم أنْ يَسْألُوا عَنْ مِثْلِ الَّذِي سَألَتِ النَّصارى مِنَ المائِدَةِ، فَأصْبَحُوا بِها كافِرِينَ، فَنَهى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ وقالَ: ﴿لا تَسْألُوا عَنْ أشْياءَ إنْ تُبْدَ لَكُمْ﴾ أيْ: إنْ نَزَلَ القُرْآنُ فِيها بِتَغْلِيظٍ ساءَكم ذَلِكَ، ولَكِنِ انْتَظِرُوا، فَإذا نَزَلَ القُرْآنُ فَإنَّكم لا تَسْألُونَ عَنْ شَيْءٍ إلّا وجَدْتُمْ تِبْيانَهُ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْألُوا عَنْ أشْياءَ﴾ قالَ: «ذَكَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الحَجَّ، فَقِيلَ: أواجِبٌ هو يا رَسُولَ اللَّهِ كُلَّ عامٍ؟ قالَ: (لا، ولَوْ قُلْتُها لَوَجَبَتْ عَلَيْكم كُلَّ عامٍ، ولَوْ وجَبَتْ ما أطَعْتُمْ، ولَوْ لَمْ تُطِيعُوا (p-٥٥٢)لَكَفَرْتُمْ)، ثُمَّ قالَ: (سَلُونِي، فَلا يَسْألُنِي رَجُلٌ في مَجْلِسِي هَذا عَنْ شَيْءٍ إلّا أخْبَرْتُهُ، وإنْ سَألَنِي عَنْ أبِيهِ)، فَقامَ إلَيْهِ رَجُلٌ فَقالَ: مَن أبِي؟ قالَ: (أبُوكَ حُذافَةُ بْنُ قَيْسٍ)، فَقامَ عُمَرُ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، رَضِينا بِاللَّهِ رَبًّا، وبِالإسْلامِ دِينًا، وبِمُحَمَّدٍ ﷺ نَبِيًّا، ونَعُوذُ بِاللَّهِ مِن غَضَبِهِ وغَضَبِ رَسُولِهِ» . وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ سَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ قالَ: إنْ كانُوا لَيَسْألُونَ عَنِ الشَّيْءِ وهو لَهم حَلالٌ، فَما يَزالُونَ يَسْألُونَ حَتّى يُحَرَّمَ عَلَيْهِمْ، وإذا حُرِّمَ عَلَيْهِمْ وقَعُوا فِيهِ. وأخْرَجَ الشّافِعِيُّ، وأحْمَدُ، والبُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، وأبُو داوُدَ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ سَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «(أعْظَمُ المُسْلِمِينَ في المُسْلِمِينَ جُرْمًا مَن سَألَ عَنْ شَيْءٍ لَمْ يُحَرَّمْ فَحُرِّمَ مِن أجْلِ مَسْألَتِهِ») . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، عَنْ أبِي ثَعْلَبَةَ الخُشَنِيِّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «(إنَّ اللَّهَ حَدَّ حُدُودًا، فَلا تَعْتَدُوها، وفَرَضَ لَكم فَرائِضَ فَلا تُضَيِّعُوها، وحَرَّمَ أشْياءَ فَلا تَنْتَهِكُوها، وتَرَكَ أشْياءَ في غَيْرِ نِسْيانٍ، ولَكِنْ رَحْمَةً مِنهُ لَكُمْ، فاقْبَلُوها، ولا تَبْحَثُوا عَنْها») . وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ مِن طَرِيقِ خُصَيْفٍ، عَنْ مُجاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا تَسْألُوا عَنْ أشْياءَ﴾ قالَ: يَعْنِي: البَحِيرَةِ، والسّائِبَةِ، والوَصِيلَةِ، والحامِ، ألا تَرى أنَّهُ يَقُولُ بَعْدَ ذَلِكَ: ما جَعَلَ اللَّهُ مِن كَذا ولا كَذا،قالَ: وأمّا عِكْرِمَةُ فَإنَّهُ قالَ: إنَّهم كانُوا يَسْألُونَهُ عَنِ الآياتِ فَنُهُوا عَنْ ذَلِكَ، ثُمَّ قالَ: ﴿قَدْ سَألَها قَوْمٌ مِن قَبْلِكم ثُمَّ أصْبَحُوا بِها كافِرِينَ﴾ قالَ: فَقُلْتُ: قَدْ حَدَّثَنِي مُجاهِدٌ بِخِلافِ هَذا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ فَما لَكَ تَقُولُ هَذا؟ فَقالَ: هاهْ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، مِن طَرِيقِ عَبْدِ الكَرِيمِ، عَنْ عِكْرِمَةَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْألُوا عَنْ أشْياءَ﴾ قالَ: هو الَّذِي سَألَ النَّبِيَّ ﷺ: مَن أبِي؟ وأمّا سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ فَقالَ: هُمُ الَّذِينَ سَألُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنِ البَحِيرَةِ، والسّائِبَةِ، وأمّا مِقْسَمٌ فَقالَ: هي فِيما سَألَتِ الأُمَمُ أنْبِياءَها عَنِ الآياتِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ نافِعٍ في قَوْلِهِ: ﴿لا تَسْألُوا عَنْ أشْياءَ﴾ قالَ: ما زالَ كَثْرَةُ السُّؤالِ مُذْ قَطُّ تُكْرَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ عاصِمٍ، أنَّهُ قَرَأ: ﴿إنْ تُبْدَ لَكُمْ﴾ بِرَفْعِ التّاءِ ونَصْبِ الدّالِ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ أبِي جُمُعَةَ الأزْدِيِّ قالَ: سَألْتُ الحَسَنَ عَنْ كَسْبِ الكَنّاسِ فَقالَ لِي: ويْحَكَ، ما تَسْألُ عَنْ شَيْءٍ لَوْ تُرِكَ في مَنازِلِكم لَضاقَتْ عَلَيْكُمْ، ثُمَّ تَلا هَذِهِ الآيَةَ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْألُوا عَنْ أشْياءَ إنْ تُبْدَ لَكم تَسُؤْكُمْ﴾ (p-٥٥٤)وأخْرَجَ أحْمَدُ، والطَّبَرانِيُّ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنْ أبِي أُمامَةَ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وقَفَ في حَجَّةِ الوَداعِ وهو مُرْدِفٌ الفَضْلَ بْنَ عَبّاسٍ عَلى جَمَلٍ آدَمَ فَقالَ: (يا أيُّها النّاسُ، خُذُوا العِلْمَ قَبْلَ رَفْعِهِ وقَبْضِهِ)، قالَ: وكُنّا نَهابُ مَسْألَتَهُ بَعْدَ تَنْزِيلِ اللَّهِ الآيَةَ: ﴿لا تَسْألُوا عَنْ أشْياءَ إنْ تُبْدَ لَكم تَسُؤْكُمْ﴾ فَقَدَّمْنا إلَيْهِ أعْرابِيًّا فَرَشَوْناهُ بُرْدًا عَلى مَسْألَتِهِ، فاعْتَمَّ بِها حَتّى رَأيْتُ حاشِيَةَ البُرْدِ عَلى حاجِبِهِ الأيْمَنِ، وقُلْنا لَهُ: سَلْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ: كَيْفَ يُرْفَعُ العِلْمُ وهَذا القُرْآنُ بَيْنَ أظْهُرِنا، وقَدْ تَعَلَّمْناهُ، وعَلَّمْناهُ نِساءَنا، وذَرارِيَنا، وخَدامَنا؟ فَرَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَأْسَهُ، قَدْ عَلا وجْهُهُ حُمْرَةٌ مِنَ الغَضَبِ، فَقالَ: (أوَلَيْسَتِ اليَهُودُ والنَّصارى بَيْنَ أظْهُرِها المَصاحِفُ، وقَدْ أصْبَحُوا ما يَتَعَلَّقُونَ مِنها بِحَرْفٍ مِمّا جاءَ بِهِ أنْبِياؤُهُمْ، ألا وإنَّ ذَهابَ العِلْمِ أنْ تَذْهَبَ حَمَلَتُهُ») . وأخْرَجَ أحْمَدُ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ، والبَيْهَقِيُّ في (الأسْماءِ والصِّفاتِ)، عَنْ أبِي مالِكٍ الأشْعَرِيِّ قالَ: «كُنْتُ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْألُوا عَنْ أشْياءَ﴾ قالَ: فَنَحْنُ نَسْألُهُ إذْ قالَ: (إنَّ لِلَّهِ عِبادًا لَيْسُوا بِأنْبِياءَ ولا شُهَداءَ، يَغْبِطُهُمُ النَّبِيُّونَ والشُّهَداءُ بِقُرْبِهِمْ ومَقْعَدِهِمْ مِنَ اللَّهِ يَوْمَ القِيامَةِ)، فَقالَ أعْرابِيٌّ: مَن هم يا رَسُولَ اللَّهِ؟ قالَ: (هم عِبادٌ مِن عِبادِ اللَّهِ مِن بُلْدانٍ شَتّى، وقَبائِلَ شَتّى، مِن شُعُوبِ القَبائِلِ، لَمْ يَكُنْ بَيْنَهم أرْحامٌ يَتَواصَلُونَ بِها، ولا دُنْيا يَتَباذَلُونَ بِها، يَتَحابُّونَ بِرَوْحِ اللَّهِ، يَجْعَلُ اللَّهُ (p-٥٥٥)وُجُوهَهم نُورًا، ويَجْعَلُ لَهم مَنابِرَ مِن لُؤْلُؤٍ قُدّامَ الرَّحْمَنِ، يَفْزَعُ النّاسُ ولا يَفْزَعُونَ، ويَخافُ النّاسُ ولا يَخافُونَ») . وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مالِكٍ ابْنِ بُحَيْنَةَ قالَ: «صَلّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلى أهْلِ المَقْبَرَةِ ثَلاثَ مَرّاتٍ، وذَلِكَ بَعْدَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْألُوا عَنْ أشْياءَ إنْ تُبْدَ لَكم تَسُؤْكُمْ﴾، فَأسْكَتَ القَوْمُ، فَقامَ أبُو بَكْرٍ فَأتى عائِشَةَ فَقالَ: إنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَدْ صَلّى عَلى أهْلِ المَقْبَرَةِ فَسَلِيهِ، فَقالَتْ عائِشَةُ: صَلَّيْتَ عَلى أهْلِ المَقْبَرَةِ؟ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (تِلْكَ مَقْبَرَةٌ بِعَسْقَلانَ يُحْشَرُ مِنها سَبْعُونَ ألْفَ شَهِيدٍ») . وأخْرَجَ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ المَرْوَزِيُّ في (كِتابِ الصَّلاةِ)، والخَرائِطِيُّ في (مَكارِمِ الأخْلاقِ)، عَنْ مُعاذِ بْنِ جَبَلٍ قالَ: «كُنّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ، فَتَقَدَّمَتْ بِهِ راحِلَتُهُ، ثُمَّ إنَّ راحِلَتِي لَحِقَتْ بِراحِلَتِهِ حَتّى نَطَحَتْ رُكْبَتِي رُكْبَتَهُ، فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنِّي أُرِيدُ أنْ أسْألَكَ عَنْ أمْرٍ، يَمْنَعُنِي مَكانُ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْألُوا عَنْ أشْياءَ إنْ تُبْدَ لَكم تَسُؤْكُمْ﴾ قالَ: (ما هو (p-٥٥٦)يا مُعاذُ؟) قُلْتُ: ما العَمَلُ الَّذِي يُدْخِلُنِي الجَنَّةَ ويُنْجِينِي مِنَ النّارِ؟ قالَ: (قَدْ سَألْتَ عَنْ عَظِيمٍ، وإنَّهُ يَسِيرٌ، شَهادَةُ أنَّ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وأنِّي رَسُولُ اللَّهِ، وإقامُ الصَّلاةِ، وإيتاءُ الزَّكاةِ، وحَجُّ البَيْتِ، وصَوْمُ رَمَضانَ)، ثُمَّ قالَ: (ألا أُخْبِرُكَ بِرَأْسِ الأمْرِ وعَمُودِهِ وذُرْوَتِهِ؟ أمّا رَأْسُ الأمْرِ فالإسْلامُ، وعَمُودُهُ الصَّلاةُ، وأمّا ذُرْوَتُهُ فالجِهادُ)، ثُمَّ قالَ: (الصِّيامُ جُنَّةٌ، والصَّدَقَةُ تُكَفِّرُ الخَطايا، وقِيامُ اللَّيْلِ)، وقَرَأ: ﴿تَتَجافى جُنُوبُهم عَنِ المَضاجِعِ﴾ [السجدة: ١٦] [سُورَةَ السَّجْدَةِ: ١٦] إلى آخِرِ الآيَةِ، ثُمَّ قالَ: (ألا أُنْبِئُكُ ما هو أمْلَكُ بِالنّاسِ مِن ذَلِكَ؟) ثُمَّ أخْرَجَ لِسانَهُ فَأمْسَكَهُ بَيْنَ إصْبَعَيْهِ، فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، أكُلُّ ما نَتَكَلَّمُ بِهِ يُكْتَبُ عَلَيْنا؟ قالَ: (ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ، وهَلْ يَكُبُّ النّاسَ عَلى مَناخِرِهِمْ في النّارِ إلّا حَصائِدُ ألْسِنَتِهِمْ، إنَّكَ لَنْ تَزالَ سالِمًا ما أمْسَكْتَ لِسانَكَ، فَإذا تَكَلَّمْتَ كُتِبَ عَلَيْكَ أوْ لَكَ») .

المائدة 5:102

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْألُوا عَنْ أشْياءَ﴾ الآيَةَ. أخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنْ أنَسٍ قالَ: «خَطَبَ النَّبِيُّ ﷺ خُطْبَةً ما سَمِعْتُ مِثْلَها قَطُّ، فَقالَ رَجُلٌ: مَن أبِي؟ قالَ: (فُلانٌ)، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿لا تَسْألُوا عَنْ أشْياءَ﴾ [المائدة»: ١٠١] (p-٥٤٦)وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ مِن طَرِيقِ قَتادَةَ، «عَنْ أنَسٍ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْألُوا عَنْ أشْياءَ إنْ تُبْدَ لَكم تَسُؤْكُمْ﴾ أنَّ النّاسَ سَألُوا نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ حَتّى أحْفَوْهُ بِالمَسْألَةِ، فَخَرَجَ ذاتَ يَوْمٍ حَتّى صَعِدَ المِنبَرَ فَقالَ: (لا تَسْألُونِي اليَوْمَ عَنْ شَيْءٍ إلّا أنْبَأْتُكم بِهِ)، فَلَمّا سَمِعَ ذَلِكَ القَوْمُ أرَمُّوا، وظَنُّوا أنَّ ذَلِكَ بَيْنَ يَدَيْ أمْرٍ قَدْ حَضَرَ، فَجَعَلْتُ ألْتَفِتُ عَنْ يَمِينِي وشِمالِي، فَإذا كُلُّ رَجُلٍ لافٌّ ثَوْبَهُ بِرَأْسِهِ يَبْكِي، فَأتاهُ رَجُلٌ فَقالَ: يا نَبِيَّ اللَّهِ، مَن أبِي؟ قالَ: (أبُوكَ حُذافَةُ)، وكانَ إذا لاحى يُدْعى إلى غَيْرِ أبِيهِ، فَقالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ: رَضِينا بِاللَّهِ رَبًّا، وبِالإسْلامِ دِينًا، ونَعُوذُ بِاللَّهِ مِن سُوءِ الفِتَنِ، قالَ: فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: (ما رَأيْتُ في الخَيْرِ والشَّرِّ كاليَوْمِ قَطُّ، إنَّ الجَنَّةَ والنّارَ مُثِّلَتا لِي حَتّى رَأيْتُهُما دُونَ الحائِطِ)، قالَ قَتادَةُ: وإنَّ اللَّهَ يُرِيهِ ما لا تَرَوْنَ ويُسْمِعُهُ ما لا تَسْمَعُونَ، قالَ: وأُنْزِلَ عَلَيْهِ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْألُوا عَنْ أشْياءَ﴾ الآيَةَ»، قالَ قَتادَةُ: وفي قِراءَةِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: (قَدْ سَألَها قَوْمٌ بُيِّنَتْ لَهم فَأصْبَحُوا بِها كافِرِينَ)، وأخْرَجَ البُخارِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «كانَ قَوْمٌ يَسْألُونَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ اسْتِهْزاءً، فَيَقُولُ الرَّجُلُ: (p-٥٤٧)مَن أبِي؟ ويَقُولُ الرَّجُلُ تَضِلُّ ناقَتُهُ: أيْنَ ناقَتِي؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْألُوا عَنْ أشْياءَ﴾ حَتّى فَرَغَ مِنَ الآيَةِ كُلِّها» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَوْنٍ قالَ: «سَألْتُ عِكْرِمَةَ مَوْلى ابْنِ عَبّاسٍ عَنْ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْألُوا عَنْ أشْياءَ إنْ تُبْدَ لَكم تَسُؤْكُمْ﴾ قالَ: ذاكَ يَوْمَ قامَ فِيهِمُ النَّبِيُّ ﷺ فَقالَ: (لا تَسْألُونِي عَنْ شَيْءٍ إلّا أخْبَرْتُكم بِهِ)، فَقامَ رَجُلٌ فَكَرِهَ المُسْلِمُونَ مَقامَهُ يَوْمَئِذٍ، فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، مَن أبِي؟ قالَ: (أبُوكَ حُذافَةُ)، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ» . وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ طاوُسٍ قالَ: «نَزَلَتْ: ﴿لا تَسْألُوا عَنْ أشْياءَ إنْ تُبْدَ لَكم تَسُؤْكُمْ﴾ في رَجُلٍ قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، مَن أبِي؟ قالَ: (أبُوكَ فُلانٌ») . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْألُوا عَنْ أشْياءَ﴾ الآيَةَ، قالَ: «غَضِبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمًا مِنَ الأيّامِ فَقامَ خَطِيبًا فَقالَ: (سَلُونِي فَإنَّكم لا تَسْألُونِي عَنْ شَيْءٍ إلّا أنْبَأْتُكم بِهِ)، فَقامَ إلَيْهِ رَجُلٌ مِن قُرَيْشٍ مِن بَنِي سَهْمٍ يُقالُ لَهُ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حُذافَةَ - وكانَ يُطْعَنُ فِيهِ - فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، مَن أبِي؟ قالَ: (أبُوكَ فُلانٌ)، فَدَعاهُ لِأبِيهِ، فَقامَ إلَيْهِ عُمَرُ فَقَبَّلَ رِجْلَهُ، وقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، رَضِينا بِاللَّهِ رَبًّا، وبِكَ نَبِيًّا، وبِالقُرْآنِ إمامًا، (p-٥٤٨)فاعْفُ عَنّا، عَفا اللَّهُ عَنْكَ، فَلَمْ يَزَلْ بِهِ حَتّى رَضِيَ، فَيَوْمَئِذٍ قالَ: (الوَلَدُ لِلْفِراشِ، ولِلْعاهِرِ الحَجَرُ)، وأُنْزِلَ عَلَيْهِ: ﴿قَدْ سَألَها قَوْمٌ مِن قَبْلِكُمْ﴾ [المائدة»: ١٠٢] . وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وهو غَضْبانُ مُحْمارٌّ وجْهُهُ، حَتّى جَلَسَ عَلى المِنبَرِ، فَقامَ إلَيْهِ رَجُلٌ فَقالَ: أيْنَ آبائِي؟ قالَ: (فِي النّارِ)، فَقامَ آخَرُ فَقالَ: مَن أبِي؟ فَقالَ: (أبُوكَ حُذافَةُ)، فَقامَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ فَقالَ: رَضِينا بِاللَّهِ رَبًّا، وبِالإسْلامِ دِينًا، وبِمُحَمَّدٍ نَبِيًّا، وبِالقُرْآنِ إمامًا، إنّا يا رَسُولَ اللَّهِ حَدِيثُو عَهْدٍ بِجاهِلِيَّةٍ وشِرْكٍ، واللَّهُ أعْلَمُ مَن آباؤُنا، فَسَكَنَ غَضَبُهُ، ونَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْألُوا عَنْ أشْياءَ﴾ [المائدة»: ١٠١] . وأخْرَجَ ابْنُ حِبّانَ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَطَبَ فَقالَ: (أيُّها النّاسُ، إنَّ اللَّهَ تَعالى قَدِ افْتَرَضَ عَلَيْكُمُ الحَجَّ)، فَقامَ رَجُلٌ فَقالَ: أكُلَّ عامٍ يا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَسَكَتَ عَنْهُ حَتّى أعادَها ثَلاثَ مَرّاتٍ، قالَ: (لَوْ قُلْتُ: نَعَمْ، لَوَجَبَتْ، ولَوْ وجَبَتْ ما قُمْتُمْ بِها، ذَرُونِي ما تَرَكْتُكُمْ، فَإنَّما هَلَكَ الَّذِينَ قَبْلَكم بِكَثْرَةِ سُؤالِهِمْ، واخْتِلافِهِمْ عَلى أنْبِيائِهِمْ، فَإذا نَهَيْتُكم عَنْ شَيْءٍ فاجْتَنِبُوهُ، وإذا أمَرْتُكم بِشَيْءٍ فَأْتُوا مِنهُ ما اسْتَطَعْتُمْ)، وذَكَرَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ في المائِدَةِ نَزَلَتْ (p-٥٤٩)فِي ذَلِكَ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْألُوا عَنْ أشْياءَ إنْ تُبْدَ لَكم تَسُؤْكُمْ﴾ [المائدة»: ١٠١] . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «خَطَبَنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَقالَ: (يا أيُّها النّاسُ، كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ الحَجَّ)، فَقامَ عُكّاشَةُ بْنُ مِحْصَنٍ الأسَدِيُّ فَقالَ: أفِي كُلِّ عامٍ يا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقالَ: (أما إنِّي لَوْ قُلْتُ: نَعَمْ، لَوَجَبَتْ، ولَوْ وجَبَتْ ثُمَّ تَرَكْتُمْ لَضَلَلْتُمْ، اسْكُتُوا عَنِّي ما سَكَتُّ عَنْكُمْ، فَإنَّما هَلَكَ مَن كانَ قَبْلَكم بِسُؤالِهِمْ واخْتِلافِهِمْ عَلى أنْبِيائِهِمْ)، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْألُوا عَنْ أشْياءَ إنْ تُبْدَ لَكم تَسُؤْكُمْ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنْ أبِي أُمامَةَ الباهِلِيِّ قالَ: «قامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في النّاسِ فَقالَ: (إنَّ اللَّهَ تَعالى كَتَبَ عَلَيْكُمُ الحَجَّ)، فَقالَ رَجُلٌ مِنَ الأعْرابِ: أفِي كُلِّ عامٍ؟ فَسَكَتَ طَوِيلًا ثُمَّ تَكَلَّمَ فَقالَ: (مَنِ السّائِلُ؟) فَقالَ: أنا ذا، فَقالَ: (ويْحَكَ، ماذا يُؤَمِّنُكَ أنْ أقُولَ: نَعَمْ؟ واللَّهِ لَوْ قُلْتُ: نَعَمْ، لَوَجَبَتْ، ولَوْ وجَبَتْ لَتَرَكْتُمْ، ولَوْ تَرَكْتُمْ لَكَفَرْتُمْ، ألا إنَّهُ إنَّما أهْلَكَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكم أئِمَّةُ الحَرَجِ، واللَّهِ لَوْ أنِّي أحْلَلْتُ لَكم جَمِيعَ ما في الأرْضِ مِن شَيْءٍ وحَرَّمْتُ عَلَيْكم مِنها مَوْضِعَ خُفِّ بَعِيرٍ لَوَقَعْتُمْ فِيهِ)، وأنْزَلَ اللَّهُ عِنْدَ ذَلِكَ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْألُوا عَنْ أشْياءَ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «(كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ (p-٥٥٠)الحَجَّ)، فَقالَ رَجُلٌ: يا رَسُولَ اللَّهِ، كُلَّ عامٍ؟ فَأعْرَضَ عَنْهُ ثُمَّ قالَ: (والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ قُلْتُ: نَعَمْ، لَوَجَبَتْ، ولَوْ وجَبَتْ ما أطَقْتُمُوها، ولَوْ تَرَكْتُمُوها لَكَفَرْتُمْ)، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْألُوا عَنْ أشْياءَ﴾ الآيَةَ» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «جاءَ رَجُلٌ إلى النَّبِيِّ ﷺ فَقالَ: أيْنَ أبِي؟ قالَ: (فِي النّارِ)، ثُمَّ جاءَ آخَرُ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، الحَجُّ كُلَّ عامٍ؟ فَغَضِبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَحَوَّلَ ورِكَهُ، فَدَخَلَ البَيْتَ ثُمَّ خَرَجَ فَقالَ: (لِمَ تَسْألُونِي عَمّا لا أسْألُكم عَنْهُ؟) ثُمَّ قالَ: (والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ قُلْتُ: نَعَمْ، لَوَجَبَتْ عَلَيْكم كُلَّ عامٍ ثُمَّ لَكَفَرْتُمْ)، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْألُوا عَنْ أشْياءَ﴾ الآيَةَ» . وأخْرَجَ أحْمَدُ، والتِّرْمِذِيُّ، وابْنُ ماجَهْ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والدّارَقُطْنِيُّ، والحاكِمُ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنْ عَلِيٍّ، قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ: ﴿ولِلَّهِ عَلى النّاسِ حِجُّ البَيْتِ﴾ [آل عمران: ٩٧] قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، أفِي كُلِّ عامٍ؟ فَسَكَتَ، ثُمَّ قالُوا: أفِي كُلِّ عامٍ؟ قالَ: (لا: ولَوْ قُلْتُ: نَعَمْ، لَوَجَبَتْ)، فَنَزَلَتْ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْألُوا عَنْ أشْياءَ إنْ تُبْدَ لَكم تَسُؤْكُمْ﴾ [المائدة»: ١٠١] . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ آيَةُ الحَجِّ أذَّنَ النَّبِيُّ ﷺ في النّاسِ فَقالَ: (يا أيُّها النّاسُ، إنَّ اللَّهَ قَدْ كَتَبَ عَلَيْكُمُ الحَجَّ (p-٥٥١)فَحُجُّوا)، فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، أعامًا واحِدًا أمْ كُلَّ عامٍ؟ فَقالَ: (لا، بَلْ عامًا واحِدًا، ولَوْ قُلْتُ: كُلَّ عامٍ، لَوَجَبَتْ، ولَوْ وجَبَتْ لَكَفَرْتُمْ)، وأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْألُوا عَنْ أشْياءَ﴾ الآيَةَ» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أذَّنَ في النّاسِ فَقالَ: (يا قَوْمِ، كُتِبَ عَلَيْكُمُ الحَجُّ)، فَقامَ رَجُلٌ مِن بَنِي أسَدٍ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، أفِي كُلِّ عامٍ؟ فَغَضِبَ غَضَبًا شَدِيدًا، فَقالَ: (والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَوْ قُلْتُ: نَعَمْ، لَوَجَبَتْ ولَوْ وجَبَتْ ما اسْتَطَعْتُمْ، وإذَنْ لَكَفَرْتُمْ، فاتْرُكُونِي ما تَرَكْتُكُمْ، وإذا أمَرْتُكم بِشَيْءٍ فافْعَلُوا، وإذا نَهَيْتُكم عَنْ شَيْءٍ فانْتَهُوا عَنْهُ)، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿لا تَسْألُوا عَنْ أشْياءَ إنْ تُبْدَ لَكم تَسُؤْكُمْ﴾ نَهاهم أنْ يَسْألُوا عَنْ مِثْلِ الَّذِي سَألَتِ النَّصارى مِنَ المائِدَةِ، فَأصْبَحُوا بِها كافِرِينَ، فَنَهى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ وقالَ: ﴿لا تَسْألُوا عَنْ أشْياءَ إنْ تُبْدَ لَكُمْ﴾ أيْ: إنْ نَزَلَ القُرْآنُ فِيها بِتَغْلِيظٍ ساءَكم ذَلِكَ، ولَكِنِ انْتَظِرُوا، فَإذا نَزَلَ القُرْآنُ فَإنَّكم لا تَسْألُونَ عَنْ شَيْءٍ إلّا وجَدْتُمْ تِبْيانَهُ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْألُوا عَنْ أشْياءَ﴾ قالَ: «ذَكَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الحَجَّ، فَقِيلَ: أواجِبٌ هو يا رَسُولَ اللَّهِ كُلَّ عامٍ؟ قالَ: (لا، ولَوْ قُلْتُها لَوَجَبَتْ عَلَيْكم كُلَّ عامٍ، ولَوْ وجَبَتْ ما أطَعْتُمْ، ولَوْ لَمْ تُطِيعُوا (p-٥٥٢)لَكَفَرْتُمْ)، ثُمَّ قالَ: (سَلُونِي، فَلا يَسْألُنِي رَجُلٌ في مَجْلِسِي هَذا عَنْ شَيْءٍ إلّا أخْبَرْتُهُ، وإنْ سَألَنِي عَنْ أبِيهِ)، فَقامَ إلَيْهِ رَجُلٌ فَقالَ: مَن أبِي؟ قالَ: (أبُوكَ حُذافَةُ بْنُ قَيْسٍ)، فَقامَ عُمَرُ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، رَضِينا بِاللَّهِ رَبًّا، وبِالإسْلامِ دِينًا، وبِمُحَمَّدٍ ﷺ نَبِيًّا، ونَعُوذُ بِاللَّهِ مِن غَضَبِهِ وغَضَبِ رَسُولِهِ» . وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ سَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ قالَ: إنْ كانُوا لَيَسْألُونَ عَنِ الشَّيْءِ وهو لَهم حَلالٌ، فَما يَزالُونَ يَسْألُونَ حَتّى يُحَرَّمَ عَلَيْهِمْ، وإذا حُرِّمَ عَلَيْهِمْ وقَعُوا فِيهِ. وأخْرَجَ الشّافِعِيُّ، وأحْمَدُ، والبُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، وأبُو داوُدَ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ سَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «(أعْظَمُ المُسْلِمِينَ في المُسْلِمِينَ جُرْمًا مَن سَألَ عَنْ شَيْءٍ لَمْ يُحَرَّمْ فَحُرِّمَ مِن أجْلِ مَسْألَتِهِ») . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، عَنْ أبِي ثَعْلَبَةَ الخُشَنِيِّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «(إنَّ اللَّهَ حَدَّ حُدُودًا، فَلا تَعْتَدُوها، وفَرَضَ لَكم فَرائِضَ فَلا تُضَيِّعُوها، وحَرَّمَ أشْياءَ فَلا تَنْتَهِكُوها، وتَرَكَ أشْياءَ في غَيْرِ نِسْيانٍ، ولَكِنْ رَحْمَةً مِنهُ لَكُمْ، فاقْبَلُوها، ولا تَبْحَثُوا عَنْها») . وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ مِن طَرِيقِ خُصَيْفٍ، عَنْ مُجاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لا تَسْألُوا عَنْ أشْياءَ﴾ قالَ: يَعْنِي: البَحِيرَةِ، والسّائِبَةِ، والوَصِيلَةِ، والحامِ، ألا تَرى أنَّهُ يَقُولُ بَعْدَ ذَلِكَ: ما جَعَلَ اللَّهُ مِن كَذا ولا كَذا،قالَ: وأمّا عِكْرِمَةُ فَإنَّهُ قالَ: إنَّهم كانُوا يَسْألُونَهُ عَنِ الآياتِ فَنُهُوا عَنْ ذَلِكَ، ثُمَّ قالَ: ﴿قَدْ سَألَها قَوْمٌ مِن قَبْلِكم ثُمَّ أصْبَحُوا بِها كافِرِينَ﴾ قالَ: فَقُلْتُ: قَدْ حَدَّثَنِي مُجاهِدٌ بِخِلافِ هَذا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ فَما لَكَ تَقُولُ هَذا؟ فَقالَ: هاهْ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، مِن طَرِيقِ عَبْدِ الكَرِيمِ، عَنْ عِكْرِمَةَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْألُوا عَنْ أشْياءَ﴾ قالَ: هو الَّذِي سَألَ النَّبِيَّ ﷺ: مَن أبِي؟ وأمّا سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ فَقالَ: هُمُ الَّذِينَ سَألُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنِ البَحِيرَةِ، والسّائِبَةِ، وأمّا مِقْسَمٌ فَقالَ: هي فِيما سَألَتِ الأُمَمُ أنْبِياءَها عَنِ الآياتِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ نافِعٍ في قَوْلِهِ: ﴿لا تَسْألُوا عَنْ أشْياءَ﴾ قالَ: ما زالَ كَثْرَةُ السُّؤالِ مُذْ قَطُّ تُكْرَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ عاصِمٍ، أنَّهُ قَرَأ: ﴿إنْ تُبْدَ لَكُمْ﴾ بِرَفْعِ التّاءِ ونَصْبِ الدّالِ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ أبِي جُمُعَةَ الأزْدِيِّ قالَ: سَألْتُ الحَسَنَ عَنْ كَسْبِ الكَنّاسِ فَقالَ لِي: ويْحَكَ، ما تَسْألُ عَنْ شَيْءٍ لَوْ تُرِكَ في مَنازِلِكم لَضاقَتْ عَلَيْكُمْ، ثُمَّ تَلا هَذِهِ الآيَةَ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْألُوا عَنْ أشْياءَ إنْ تُبْدَ لَكم تَسُؤْكُمْ﴾ (p-٥٥٤)وأخْرَجَ أحْمَدُ، والطَّبَرانِيُّ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنْ أبِي أُمامَةَ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وقَفَ في حَجَّةِ الوَداعِ وهو مُرْدِفٌ الفَضْلَ بْنَ عَبّاسٍ عَلى جَمَلٍ آدَمَ فَقالَ: (يا أيُّها النّاسُ، خُذُوا العِلْمَ قَبْلَ رَفْعِهِ وقَبْضِهِ)، قالَ: وكُنّا نَهابُ مَسْألَتَهُ بَعْدَ تَنْزِيلِ اللَّهِ الآيَةَ: ﴿لا تَسْألُوا عَنْ أشْياءَ إنْ تُبْدَ لَكم تَسُؤْكُمْ﴾ فَقَدَّمْنا إلَيْهِ أعْرابِيًّا فَرَشَوْناهُ بُرْدًا عَلى مَسْألَتِهِ، فاعْتَمَّ بِها حَتّى رَأيْتُ حاشِيَةَ البُرْدِ عَلى حاجِبِهِ الأيْمَنِ، وقُلْنا لَهُ: سَلْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ: كَيْفَ يُرْفَعُ العِلْمُ وهَذا القُرْآنُ بَيْنَ أظْهُرِنا، وقَدْ تَعَلَّمْناهُ، وعَلَّمْناهُ نِساءَنا، وذَرارِيَنا، وخَدامَنا؟ فَرَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَأْسَهُ، قَدْ عَلا وجْهُهُ حُمْرَةٌ مِنَ الغَضَبِ، فَقالَ: (أوَلَيْسَتِ اليَهُودُ والنَّصارى بَيْنَ أظْهُرِها المَصاحِفُ، وقَدْ أصْبَحُوا ما يَتَعَلَّقُونَ مِنها بِحَرْفٍ مِمّا جاءَ بِهِ أنْبِياؤُهُمْ، ألا وإنَّ ذَهابَ العِلْمِ أنْ تَذْهَبَ حَمَلَتُهُ») . وأخْرَجَ أحْمَدُ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ، والبَيْهَقِيُّ في (الأسْماءِ والصِّفاتِ)، عَنْ أبِي مالِكٍ الأشْعَرِيِّ قالَ: «كُنْتُ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْألُوا عَنْ أشْياءَ﴾ قالَ: فَنَحْنُ نَسْألُهُ إذْ قالَ: (إنَّ لِلَّهِ عِبادًا لَيْسُوا بِأنْبِياءَ ولا شُهَداءَ، يَغْبِطُهُمُ النَّبِيُّونَ والشُّهَداءُ بِقُرْبِهِمْ ومَقْعَدِهِمْ مِنَ اللَّهِ يَوْمَ القِيامَةِ)، فَقالَ أعْرابِيٌّ: مَن هم يا رَسُولَ اللَّهِ؟ قالَ: (هم عِبادٌ مِن عِبادِ اللَّهِ مِن بُلْدانٍ شَتّى، وقَبائِلَ شَتّى، مِن شُعُوبِ القَبائِلِ، لَمْ يَكُنْ بَيْنَهم أرْحامٌ يَتَواصَلُونَ بِها، ولا دُنْيا يَتَباذَلُونَ بِها، يَتَحابُّونَ بِرَوْحِ اللَّهِ، يَجْعَلُ اللَّهُ (p-٥٥٥)وُجُوهَهم نُورًا، ويَجْعَلُ لَهم مَنابِرَ مِن لُؤْلُؤٍ قُدّامَ الرَّحْمَنِ، يَفْزَعُ النّاسُ ولا يَفْزَعُونَ، ويَخافُ النّاسُ ولا يَخافُونَ») . وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مالِكٍ ابْنِ بُحَيْنَةَ قالَ: «صَلّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلى أهْلِ المَقْبَرَةِ ثَلاثَ مَرّاتٍ، وذَلِكَ بَعْدَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْألُوا عَنْ أشْياءَ إنْ تُبْدَ لَكم تَسُؤْكُمْ﴾، فَأسْكَتَ القَوْمُ، فَقامَ أبُو بَكْرٍ فَأتى عائِشَةَ فَقالَ: إنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَدْ صَلّى عَلى أهْلِ المَقْبَرَةِ فَسَلِيهِ، فَقالَتْ عائِشَةُ: صَلَّيْتَ عَلى أهْلِ المَقْبَرَةِ؟ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (تِلْكَ مَقْبَرَةٌ بِعَسْقَلانَ يُحْشَرُ مِنها سَبْعُونَ ألْفَ شَهِيدٍ») . وأخْرَجَ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ المَرْوَزِيُّ في (كِتابِ الصَّلاةِ)، والخَرائِطِيُّ في (مَكارِمِ الأخْلاقِ)، عَنْ مُعاذِ بْنِ جَبَلٍ قالَ: «كُنّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ، فَتَقَدَّمَتْ بِهِ راحِلَتُهُ، ثُمَّ إنَّ راحِلَتِي لَحِقَتْ بِراحِلَتِهِ حَتّى نَطَحَتْ رُكْبَتِي رُكْبَتَهُ، فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنِّي أُرِيدُ أنْ أسْألَكَ عَنْ أمْرٍ، يَمْنَعُنِي مَكانُ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْألُوا عَنْ أشْياءَ إنْ تُبْدَ لَكم تَسُؤْكُمْ﴾ قالَ: (ما هو (p-٥٥٦)يا مُعاذُ؟) قُلْتُ: ما العَمَلُ الَّذِي يُدْخِلُنِي الجَنَّةَ ويُنْجِينِي مِنَ النّارِ؟ قالَ: (قَدْ سَألْتَ عَنْ عَظِيمٍ، وإنَّهُ يَسِيرٌ، شَهادَةُ أنَّ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وأنِّي رَسُولُ اللَّهِ، وإقامُ الصَّلاةِ، وإيتاءُ الزَّكاةِ، وحَجُّ البَيْتِ، وصَوْمُ رَمَضانَ)، ثُمَّ قالَ: (ألا أُخْبِرُكَ بِرَأْسِ الأمْرِ وعَمُودِهِ وذُرْوَتِهِ؟ أمّا رَأْسُ الأمْرِ فالإسْلامُ، وعَمُودُهُ الصَّلاةُ، وأمّا ذُرْوَتُهُ فالجِهادُ)، ثُمَّ قالَ: (الصِّيامُ جُنَّةٌ، والصَّدَقَةُ تُكَفِّرُ الخَطايا، وقِيامُ اللَّيْلِ)، وقَرَأ: ﴿تَتَجافى جُنُوبُهم عَنِ المَضاجِعِ﴾ [السجدة: ١٦] [سُورَةَ السَّجْدَةِ: ١٦] إلى آخِرِ الآيَةِ، ثُمَّ قالَ: (ألا أُنْبِئُكُ ما هو أمْلَكُ بِالنّاسِ مِن ذَلِكَ؟) ثُمَّ أخْرَجَ لِسانَهُ فَأمْسَكَهُ بَيْنَ إصْبَعَيْهِ، فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، أكُلُّ ما نَتَكَلَّمُ بِهِ يُكْتَبُ عَلَيْنا؟ قالَ: (ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ، وهَلْ يَكُبُّ النّاسَ عَلى مَناخِرِهِمْ في النّارِ إلّا حَصائِدُ ألْسِنَتِهِمْ، إنَّكَ لَنْ تَزالَ سالِمًا ما أمْسَكْتَ لِسانَكَ، فَإذا تَكَلَّمْتَ كُتِبَ عَلَيْكَ أوْ لَكَ») .

المائدة 5:103

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما جَعَلَ اللَّهُ مِن بَحِيرَةٍ﴾ الآيَتَيْنِ. أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والبُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ قالَ: البَحِيرَةُ الَّتِي يُمْنَعُ دَرُّها، لِلطَّواغِيتِ، ولا يَحْلِبُها أحَدٌ مِنَ النّاسِ، والسّائِبَةُ: كانُوا يُسَيِّبُونَها لِآلِهَتِهِمْ لا يُحْمَلُ عَلَيْها شَيْءٌ، قالَ: وقالَ أبُو هُرَيْرَةَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «(رَأيْتُ عَمْرَو بْنَ عامِرٍ الخُزاعِيَّ يَجُرُّ (p-٥٥٧)قُصْبَهُ في النّارِ، كانَ أوَّلَ مَن سَيَّبَ السَّوائِبَ»)، قالَ ابْنُ المُسَيِّبِ: والوَصِيلَةُ، النّاقَةُ البِكْرُ تَبْكُرُ في أوَّلِ نِتاجِ الإبِلِ ثُمَّ تُثَنِّي بَعْدُ بِأُنْثى، وكانُوا يُسَيِّبُونَها لِطَواغِيتِهِمْ إنْ وصَلَتْ إحْداهُما بِالأُخْرى لَيْسَ بَيْنَهُما ذَكَرٌ، والحامِي فَحْلُ الإبِلِ يَضْرِبُ الضِّرابَ المَعْدُودَ، فَإذا قَضى ضِرابَهُ ودَعُوهُ لِلطَّواغِيتِ، وأعْفَوْهُ مِنَ الحَمْلِ، فَلَمْ يُحْمَلْ عَلَيْهِ شَيْءٌ وسَمَّوْهُ الحامِيَ. وأخْرَجَ أحْمَدُ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ، في (نَوادِرِ الأُصُولِ)، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في (الأسْماءِ والصِّفاتِ)، عَنْ أبِي الأحْوَصِ، عَنْ أبِيهِ قالَ: «أتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ في خُلْقانٍ مِنَ الثِّيابِ فَقالَ لِي: (هَلْ لَكَ مِن مالٍ؟)، قُلْتُ: نَعَمْ، قالَ: (مِن أيِّ المالِ؟) قُلْتُ: مِن كُلِّ المالِ، مِنَ الإبِلِ، والغَنَمِ، والخَيْلِ، والرَّقِيقِ، قالَ: (فَإذا آتاكَ اللَّهُ مالًا فَلْيُرَ عَلَيْكَ)، ثُمَّ قالَ: (تَنْتِجُ إبِلَكَ وافِيَةً آذانُها؟) قُلْتُ: نَعَمْ، وهَلْ تُنْتَجُ الإبِلُ إلّا كَذَلِكَ قالَ: (فَلَعَلَّكَ تَأْخُذُ مُوسى فَتَقْطَعُ آذانَ طائِفَةٍ مِنها وتَقُولُ: هَذِهِ بُحُرٌ، وتَشُقُّ آذانَ طائِفَةٍ مِنها، وتَقُولُ: هَذِهِ صُرُمٌ؟) قُلْتُ: نَعَمْ، قالَ: (فَلا تَفْعَلْ، إنَّ كُلَّ ما آتاكَ اللَّهُ لَكَ حِلٌّ)، ثُمَّ قالَ: ﴿ما جَعَلَ اللَّهُ مِن بَحِيرَةٍ ولا سائِبَةٍ ولا وصِيلَةٍ ولا حامٍ﴾ [المائدة»: ١٠٣] قالَ أبُو الأحْوَصِ: أمّا البَحِيرَةُ فَهي الَّتِي (p-٥٥٨)يَجْدَعُونَ آذانَها، فَلا تَنْتَفِعُ امْرَأتُهُ ولا بَناتُهُ ولا أحَدٌ مِن أهْلِ بَيْتِهِ بِصُوفِها، ولا أوْبارِها، ولا أشْعارِها، ولا ألْبانِها، فَإذا ماتَتِ اشْتَرَكُوا فِيها. وأمّا السّائِبَةُ: فَهي الَّتِي يُسَيِّبُونَ لِآلِهَتِهِمْ. وأمّا الوَصِيلَةُ: فالشّاةُ تَلِدُ سِتَّةَ أبْطُنٍ، وتَلِدُ السّابِعَ جَدْيًا وعَناقًا، فَيَقُولُونَ: قَدْ وصَلَتْ، فَلا يَذْبَحُونَها، ولا تُضْرَبُ، ولا تُمْنَعُ مَهْما ورَدَتْ عَلى حَوْضٍ، وإذا ماتَتْ كانُوا فِيها سَواءً، والحامِ مِنَ الإبِلِ إذا أدْرَكَ لَهُ عَشَرَةً مِن صُلْبِهِ، كُلُّها تَضْرِبُ، حَمى ظَهْرَهُ فَسُمِّيَ الحامِ، فَلا يُنْتَفَعُ لَهُ بِوَبَرٍ، ولا يُنْحَرُ، ولا يُرْكَبُ لَهُ ظَهْرٌ، فَإذا ماتَ كانُوا فِيهِ سَواءً. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: البَحِيرَةُ، هي النّاقَةُ إذا أنْتَجَتْ خَمْسَةَ أبْطُنٍ نَظَرُوا إلى الخامِسِ، فَإنْ كانَ ذَكَرًا ذَبَحُوهُ، فَأكَلَهُ الرِّجالُ دُونَ النِّساءِ، وإنْ كانَتْ أُنْثى جَدَعُوا آذانَها، فَقالُوا: هَذِهِ بَحِيرَةٌ. وأمّا السّائِبَةُ: فَكانُوا يُسَيِّبُونَ مِن أنْعامِهِمْ لِآلِهَتِهِمْ، لا يَرْكَبُونَ لَها ظَهْرًا، ولا يَحْلِبُونَ لَها لَبَنًا، ولا يَجُزُّونَ لَها وبَرًا، ولا يَحْمِلُونَ عَلَيْها شَيْئًا، وأمّا الوَصِيلَةُ: فالشّاةُ إذا أنْتَجَتْ سَبْعَةَ أبْطُنٍ نَظَرُوا السّابِعَ، فَإنْ كانَ ذَكَرًا أوْ أُنْثى وهو مَيِّتٌ اشْتَرَكَ فِيهِ الرِّجالُ دُونَ النِّساءِ، وإنْ كانَتْ أُنْثى اسْتَحْيَوْا، وإنْ كانَ ذَكَرًا وأُنْثى في بَطْنٍ اسْتَحْيَوْهُما، وقالُوا: وصَلَتْهُ أُخْتُهُ فَحَرَّمَتْهُ عَلَيْنا. وأمّا الحامِ: فالفَحْلُ مِنَ الإبِلِ إذا وُلِدَ لِوَلَدِهِ قالُوا: حَمى هَذا ظَهْرَهُ، فَلا يَحْمِلُونَ عَلَيْهِ شَيْئًا، ولا يَجُزُّونَ لَهُ وبَرًا، ولا يَمْنَعُونَهُ مِن حِمى رَعْيٍ، ولا (p-٥٥٩)مِن حَوْضٍ يَشْرَبُ مِنهُ، وإنْ كانَ الحَوْضُ لِغَيْرِ صاحِبِهِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ مِن طَرِيقِ العَوْفِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ما جَعَلَ اللَّهُ مِن بَحِيرَةٍ﴾ قالَ: البَحِيرَةُ النّاقَةُ، كانَ الرَّجُلُ إذا ولَدَتْ خَمْسَةَ أبْطُنٍ، فَيَعْمِدُ إلى الخامِسَةِ، فَما لَمْ يَكُنْ سَقْبًا فَيُبَتِّكُ آذانَها، ولا يَجُزُّ لَها وبَرًا، ولا يَذُوقُ لَها لَبَنًا، فَتِلْكَ البَحِيرَةُ، ﴿ولا سائِبَةٍ﴾ كانَ الرَّجُلُ يُسَيِّبُ مِن مالِهِ ما شاءَ، ﴿ولا وصِيلَةٍ﴾ فَهي الشّاةُ إذا ولَدَتْ سَبْعًا عَمَدَ إلى السّابِعِ، فَإنْ كانَ ذَكَرًا ذُبِحَ، وإنْ كانَتْ أُنْثى تُرِكَتْ، وإنْ كانَ في بَطْنِها اثْنانِ ذَكَرٌ وأُنْثى فَوَلَدَتْهُما قالُوا: وصَلَتْ أخاها، فَيُتْرَكانِ جَمِيعًا لا يُذْبَحانِ، فَتِلْكَ الوَصِيلَةُ، ﴿ولا حامٍ﴾ كانَ الرَّجُلُ يَكُونُ لَهُ الفَحْلُ، فَإذا ألْقَحَ عَشْرًا قِيلَ: حامٍ، فاتْرُكُوهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ما جَعَلَ اللَّهُ مِن بَحِيرَةٍ﴾ الآيَةَ، قالَ: البَحِيرَةُ مِنَ الإبِلِ، كانَ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ يُحَرِّمُونَ وبَرَها، وظَهْرَها، ولَحْمَها، ولَبَنَها، إلّا عَلى الرِّجالِ، فَما ولَدَتْ مِن ذَكَرٍ وأُنْثى فَهو عَلى هَيْئَتِها، فَإنْ ماتَتِ اشْتَرَكَ الرِّجالُ والنِّساءُ (p-٥٦٠)فِي أكْلِ لَحْمِها، فَإذا ضَرَبَ الجَمَلُ مِن ولَدِ البَحِيرَةِ فَهو الحامِي، والسّائِبَةُ مِنَ الغَنَمِ عَلى نَحْوِ ذَلِكَ، إلّا أنَّها ما ولَدَتْ مِن ولَدٍ بَيْنَها وبَيْنَ سِتَّةِ أوْلادٍ كانَ عَلى هَيْئَتِها، فَإذا ولَدَتْ في السّابِعِ ذَكَرًا أوْ أُنْثى، أوْ ذَكَرَيْنِ ذَبَحُوهُ، فَأكَلَهُ رِجالُهم دُونَ نِسائِهِمْ، فَإنْ تَوْأمَتْ أُنْثى وذَكَرٌ فَهي وصِيلَةٌ، تُرِكَ ذَبْحُ الذَّكَرِ بِالأُنْثى، وإنْ كانَتا أُنْثَيَيْنِ تُرِكَتا. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قالَ: «صَلّى بِنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الظُّهْرَ، فاسْتَأْخَرَ عَنْ قِبْلَتِهِ، وأعْرَضَ بِوَجْهِهِ، وتَعَوَّذَ بِاللَّهِ، ثُمَّ دَنا مِن قِبْلَتِهِ، حَتّى رَأيْناهُ يَتَناوَلُ بِيَدِهِ، فَلَمّا سَلَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قُلْنا: يا نَبِيَّ اللَّهِ، لَقَدْ صَنَعْتَ اليَوْمَ في صَلاتِكَ شَيْئًا ما كُنْتَ تَصْنَعُهُ؟ قالَ: (نَعَمْ، عُرِضَتْ عَلَيَّ في مَقامِي هَذا الجَنَّةُ والنّارُ، فَرَأيْتُ في النّارِ ما لا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ، ورَأيْتُ فِيها الحِمْيَرِيَّةَ صاحِبَةَ الهِرَّةِ الَّتِي رَبَطْتَها، فَلَمْ تُطْعِمْها، ولَمْ تَسْقِها، ولَمْ تُرْسِلْها فَتَأْكُلَ مِن خَشاشِ الأرْضِ، حَتّى ماتَتْ في رِباطِها، ورَأيْتُ فِيها عَمْرَو بْنَ لُحَيٍّ يَجُرُّ قُصْبَهُ في النّارِ، وهو الَّذِي سَيَّبَ السَّوائِبَ، وبَحَّرَ البَحِيرَةَ، ونَصَبَ الأوْثانَ، وغَيَّرَ دِينَ إسْماعِيلَ، ورَأيْتُ فِيها عِمْرانَ الغِفارِيَّ مَعَهُ مِحْجَنُهُ الَّذِي كانَ يَسْرِقُ بِهِ الحاجَّ)، قالَ: وسَمّى لِي الرّابِعَ فَنَسِيتُهُ، (ورَأيْتُ الجَنَّةَ فَلَمْ أرَ مِثْلَ ما فِيها، فَتَناوَلْتُ مِنها قِطْفًا لِأُرِيكُمُوهُ، فَحِيلَ بَيْنِي وبَيْنَهُ)، فَقالَ رَجُلٌ مِنَ القَوْمِ: مِثْلُ ما الحَبَّةُ مِنهُ؟ قالَ: (كَأعْظَمِ دَلْوٍ فَرَتْهُ أُمُّكَ قَطُّ)، قالَ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ: (p-٥٦١)فَسَألْتُ عَنِ الرّابِعِ فَقالَ: هو صاحِبُ ثَنِيَّتَيْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الَّذِي نَزَعَهُما» . وأخْرَجَ البُخارِيُّ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «(رَأيْتُ جَهَنَّمَ يَحْطِمُ بَعْضُها بَعْضًا، ورَأيْتُ عَمْرًا يَجُرُّ قُصْبَهُ في النّارِ، وهو أوَّلُ مَن سَيَّبَ السَّوائِبَ») . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ لِأكْثَمَ بْنِ الجَوْنِ: يا أكْثَمُ، عُرِضَتْ عَلَيَّ النّارُ فَرَأيْتُ فِيها عَمْرَو بْنَ لُحَيِّ بْنِ قَمَعَةَ بْنِ خِنْدِفٍ يَجُرُّ قُصْبَهُ في النّارِ، فَما رَأيْتُ رَجُلًا أشْبَهَ بِرَجُلٍ مِنكَ بِهِ، ولا بِهِ مِنكَ)، فَقالَ أكْثَمُ: أخْشى أنْ يَضُرَّنِي شَبَهُهُ يا رَسُولَ اللَّهِ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (لا، إنَّكَ مُؤْمِنٌ، وهو كافِرٌ، إنَّهُ أوَّلُ مَن غَيَّرَ دِينَ إبْراهِيمَ، وبَحَّرَ البَحِيرَةَ، وسَيَّبَ السّائِبَةَ، وحَمى الحامِيَ») . وأخْرَجَ أحْمَدُ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «(إنَّ أوَّلَ مَن سَيَّبَ السَّوائِبَ وعَبَدَ الأصْنامَ أبُو خُزاعَةَ عَمْرُو بْنُ عامِرٍ، وإنِّي رَأيْتُهُ يَجُرُّ أمْعاءَهُ في النّارِ») . وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «(إنِّي لَأعْرِفُ أوَّلَ مَن سَيَّبَ السَّوائِبَ، (p-٥٦٢)ونَصَبَ النُّصُبَ، وأوَّلَ مَن غَيَّرَ دِينَ إبْراهِيمَ)، قالُوا: مَن هو يا رَسُولَ اللَّهِ؟ قالَ: (عَمْرُو بْنُ لُحَيٍّ أخُو بَنِي كَعْبٍ، لَقَدْ رَأيْتُهُ يَجُرُّ قُصْبَهُ في النّارِ، يُؤْذِي أهْلَ النّارِ رِيحُ قُصْبِهِ، وإنِّي لَأعْرِفُ أوَّلَ مَن بَحَّرَ البَحائِرَ، قالُوا: مَن هو يا رَسُولَ اللَّهِ؟ قالَ: رَجُلٌ مِن بَنِي مُدْلِجٍ كانَتْ لَهُ ناقَتانِ فَجَدَعَ آذانَهُما، وحَرَّمَ ألْبانَهُما، وظُهُورَهُما، وقالَ: هاتانِ لِلَّهِ، ثُمَّ احْتاجَ إلَيْهِما فَشَرِبَ ألْبانَهُما، ورَكِبَ ظُهُورَهُما، قالَ: فَلَقَدْ رَأيْتُهُ في النّارِ وهُما تَقْضِمانِهِ بِأفْواهِهِما، وتَطَآنِهِ بِأخْفافِهِما») . وأخْرَجَ أحْمَدُ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قالَ: «بَيْنا نَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في صَلاةِ الظُّهْرِ، والنّاسُ في الصُّفُوفِ خَلْفَهُ، فَرَأيْناهُ تَناوَلَ شَيْئًا، فَجَعَلَ يَتَناوَلُهُ فَتَأخَّرَ، فَتَأخَّرَ النّاسُ، ثُمَّ تَأخَّرَ الثّانِيَةَ، فَتَأخَّرَ النّاسُ، فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، رَأيْناكَ صَنَعْتَ اليَوْمَ شَيْئًا ما كُنْتَ تَصْنَعُهُ في الصَّلاةِ فَقالَ: (إنَّهُ عُرِضَتْ عَلَيَّ الجَنَّةُ بِما فِيها مِنَ الزَّهْرَةِ والنَّضْرَةِ، فَتَناوَلْتُ قِطْفًا مِن عِنَبِها، ولَوْ أخَذْتُهُ لَأكَلَ مِنهُ مَن بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ لا يَنْقُصُونَهُ، فَحِيلَ بَيْنِي وبَيْنَهُ، وعُرِضَتْ عَلَيَّ النّارُ، فَلَمّا وجَدْتُ سَفْعَتَها تَأخَّرْتُ عَنْها، وأكْثَرُ مَن رَأيْتُ فِيها النِّساءُ، إنِ ائْتُمِنَّ أفْشَيْنَ، وإنْ سَألْنَ ألْحَفْنَ، وإذا سُئِلْنَ بَخِلْنَ، وإذا أُعْطِينَ لَمْ يَشْكُرْنَ، ورَأيْتُ فِيها عَمْرَو بْنَ لُحَيٍّ يَجُرُّ قُصْبَهُ في النّارِ، وأشْبَهُ مَن رَأيْتُ بِهِ مَعْبَدُ بْنُ أكْثَمَ الخُزاعِيُّ)، فَقالَ مَعْبَدٌ: يا رَسُولَ اللَّهِ، أتَخْشى عَلَيَّ مِن شَبَهِهِ؟ قالَ: (p-٥٦٣)(لا، أنْتَ مُؤْمِنٌ وهو كافِرٌ، وهو أوَّلُ مَن حَمَلَ العَرَبَ عَلى عِبادَةِ الأصْنامِ») . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ: ﴿ولَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ وأكْثَرُهم لا يَعْقِلُونَ﴾ قالَ: لا يَعْقِلُونَ تَحْرِيمَ الشَّيْطانِ الَّذِي حَرَّمَ عَلَيْهِمْ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أبِي مُوسى في الآيَةِ قالَ: الآباءُ جَعَلُوا هَذا وماتُوا، ونَشَأ الأبْناءُ، وظَنُّوا أنَّ اللَّهَ هو جَعَلَ هَذا، فَقالَ اللَّهُ: ﴿ولَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ﴾ الآباءُ، فالآباءُ افْتَرَوْا عَلى اللَّهِ الكَذِبَ، والأبْناءُ أكْثَرُهم لا يَعْقِلُونَ، يَظُنُّونَ اللَّهَ هو الَّذِي جَعَلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أبِي مُوسى في قَوْلِهِ: ﴿ولَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ﴾ قالَ: أهْلُ الكِتابِ، ﴿وأكْثَرُهم لا يَعْقِلُونَ﴾ قالَ: أهْلُ الأوْثانِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ في قَوْلِهِ: ﴿ولَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلى اللَّهِ الكَذِبَ وأكْثَرُهم لا يَعْقِلُونَ﴾ قالَ: الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ هُمُ الأتْباعُ، وأمّا الَّذِينَ افْتَرَوْا فَعَقَلُوا أنَّهُمُ افْتَرَوْا.

المائدة 5:105

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكم أنْفُسَكُمْ﴾ الآيَةَ. (p-٥٦٤)أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأحْمَدُ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والعَدَنِيُّ، وابْنُ مَنِيعٍ، والحُمَيْدِيُّ في (مَسانِيدِهِمْ)، وأبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ ماجَهْ، وأبُو يَعْلى، والكَجِّيُّ في ”سُنَنِهِ“، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ حِبّانَ، والدّارَقُطْنِيُّ في (الأفْرادِ)، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في (شُعَبِ الإيمانِ)، والضِّياءُ في (المُخْتارَةِ)، عَنْ قَيْسٍ قالَ: «قامَ أبُو بَكْرٍ، فَحَمِدَ اللَّهَ وأثْنى عَلَيْهِ، وقالَ: يا أيُّها النّاسُ، إنَّكم تَقْرَأُونَ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكم أنْفُسَكم لا يَضُرُّكم مَن ضَلَّ إذا اهْتَدَيْتُمْ﴾ وإنَّكم تَضَعُونَها عَلى غَيْرِ مَوْضِعِها، وإنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: (إنَّ النّاسَ إذا رَأوُا المُنْكَرَ ولَمْ يُغَيِّرُوهُ أوْشَكَ أنْ يَعُمَّهُمُ اللَّهُ بِعِقابٍ») . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ قَيْسِ بْنِ أبِي حازِمٍ قالَ: صَعِدَ أبُو بَكْرٍ مِنبَرَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَحَمِدَ اللَّهَ وأثْنى عَلَيْهِ، ثُمَّ قالَ: أيُّها النّاسُ، إنَّكم لَتَتْلُونَ آيَةً مِن كِتابِ اللَّهِ وتَعُدُّونَها رُخْصَةً، واللَّهِ ما أنْزَلَ اللَّهُ في كِتابِهِ أشَدَّ مِنها: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكم أنْفُسَكم لا يَضُرُّكم مَن ضَلَّ إذا اهْتَدَيْتُمْ﴾ واللَّهِ لَتَأْمُرُنَّ بِالمَعْرُوفِ، (p-٥٦٥)ولَتَنْهَوُنَّ عَنِ المُنْكَرِ، أوْ لَيَعُمَّنَّكُمُ اللَّهُ مِنهُ بِعِقابٍ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ جَرِيرٍ البَجَلِيِّ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «(ما مِن قَوْمٍ يَكُونُ بَيْنَ أظْهُرِهِمْ رَجُلٌ يَعْمَلُ بِالمَعاصِي، هم أمْنَعُ مِنهُ وأعَزُّ، ثُمَّ لا يُغَيِّرُونَ عَلَيْهِ، إلّا أوْشَكَ أنْ يَعُمَّهُمُ اللَّهُ مِنهُ بِعِقابٍ») . وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ، وابْنُ ماجَهْ، وابْنُ جَرِيرٍ، والبَغَوِيُّ في (مُعْجَمِهِ)، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ، وأبُو الشَّيْخِ، والحاكِمُ، وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في (الشُّعَبِ)، عَنْ «أبِي أُمَيَّةَ الشَّعْبانِيِّ قالَ: أتَيْتُ أبا ثَعْلَبَةَ الخُشَنِيَّ فَقُلْتُ لَهُ: كَيْفَ تَصْنَعُ في هَذِهِ الآيَةِ؟ قالَ: أيَّةُ آيَةٍ؟ قُلْتُ: قَوْلُهُ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكم أنْفُسَكم لا يَضُرُّكم مَن ضَلَّ إذا اهْتَدَيْتُمْ﴾ قالَ: أما واللَّهِ لَقَدْ سَألْتَ عَنْها خَبِيرًا، سَألْتُ عَنْها رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: (بَلِ ائْتَمِرُوا بِالمَعْرُوفِ، وتَناهَوْا عَنِ المُنْكَرِ، حَتّى إذا رَأيْتَ شُحًّا مُطاعًا، وهَوًى مُتَّبَعًا، ودُنْيا مُؤْثَرَةً، وإعْجابَ كُلِّ ذِي رَأْيٍ بِرَأْيِهِ، فَعَلَيْكَ بِخاصَّةِ نَفْسِكَ، ودَعْ عَنْكَ أمْرَ العَوامِّ، فَإنَّ مِن ورائِكم أيّامُ الصَّبْرِ، الصّابِرُ فِيهِنَّ مِثْلُ القابِضِ عَلى الجَمْرِ، لِلْعامِلِ فِيهِنَّ مِثْلُ أجْرِ خَمْسِينَ رَجُلًا يَعْمَلُونَ مِثْلَ عَمَلِكُمْ») . (p-٥٦٦)وأخْرَجَ أحْمَدُ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، «عَنْ أبِي عامِرٍ الأشْعَرِيِّ أنَّهُ كانَ فِيهِمْ شَيْءٌ فاحْتَبَسَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ثُمَّ أتاهُ، فَقالَ: (ما حَبَسَكَ؟) قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، قَرَأْتُ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكم أنْفُسَكم لا يَضُرُّكم مَن ضَلَّ إذا اهْتَدَيْتُمْ﴾ قالَ: فَقالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: (أيْنَ ذَهَبْتُمْ؟ إنَّما هي: لا يَضُرُّكم مَن ضَلَّ مِنَ الكُفّارِ إذا اهْتَدَيْتُمْ») . وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والطَّبَرانِيُّ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ الحَسَنِ، أنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ سَألَهُ رَجُلٌ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿عَلَيْكم أنْفُسَكُمْ﴾ فَقالَ: أيُّها النّاسُ، إنَّهُ لَيْسَ بِزَمانِها، فَإنَّها اليَوْمَ مَقْبُولَةٌ، ولَكِنَّهُ قَدْ أوْشَكَ أنْ يَأْتِيَ زَمانٌ تَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ فَيُصْنَعُ بِكم كَذا وكَذا، أوْ قالَ: فَلا يُقْبَلُ مِنكم فَحِينَئِذٍ: ﴿عَلَيْكم أنْفُسَكم لا يَضُرُّكم مَن ضَلَّ إذا اهْتَدَيْتُمْ﴾ . وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في قَوْلِهِ: ﴿عَلَيْكم أنْفُسَكُمْ﴾ الآيَةَ، قالَ: مُرُوا بِالمَعْرُوفِ وانْهَوْا عَنِ المُنْكَرِ، ما لَمْ يَكُنْ مِن دُونِ ذَلِكَ السَّوْطُ والسَّيْفُ، فَإذا كانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ (p-٥٦٧)فَعَلَيْكم أنْفُسَكم. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، ونُعَيْمُ بْنُ حَمّادٍ في (الفِتَنِ)، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في (الشُّعَبِ)، عَنْ أبِي العالِيَةِ قالَ: كانُوا عِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، فَوَقَعَ بَيْنَ رَجُلَيْنِ بَعْضُ ما يَكُونُ بَيْنَ النّاسِ، حَتّى قامَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما إلى صاحِبِهِ، فَقالَ رَجُلٌ مِن جُلَساءِ عَبْدِ اللَّهِ: ألا أقُومُ فَآمُرُهُما بِالمَعْرُوفِ وأنْهاهُما عَنِ المُنْكَرِ؟ فَقالَ آخَرُ إلى جَنْبِهِ: عَلَيْكَ بِنَفْسِكَ، فَإنَّ اللَّهَ تَعالى يَقُولُ: ﴿عَلَيْكم أنْفُسَكُمْ﴾ فَسَمِعَها ابْنُ مَسْعُودٍ فَقالَ: مَهْ، لَمْ يَجِئْ تَأْوِيلُ هَذِهِ الآيَةِ بَعْدُ، إنَّ القُرْآنَ أُنْزِلَ حَيْثُ أُنْزِلَ، ومِنهُ آيٌ قَدْ مَضى تَأْوِيلُهُنَّ قَبْلَ أنْ يَنْزِلْنَ، ومِنهُ ما وقَعَ تَأْوِيلُهُنَّ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ومِنهُ آيٌ يَقَعُ تَأْوِيلُهُنَّ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِسِنِينَ، ومِنهُ آيٌ يَقَعُ تَأْوِيلُهُنَّ بَعْدَ اليَوْمِ، ومِنهُ آيٌ يَقَعُ تَأْوِيلُهُنَّ عِنْدَ السّاعَةِ، ما ذُكِرَ مِن أمْرِ السّاعَةِ، ومِنهُ آيٌ يَقَعُ تَأْوِيلُهُنَّ عِنْدَ الحِسابِ، ما ذُكِرَ مِن أمْرِ الحِسابِ والجَنَّةِ والنّارِ، فَما دامَتْ قُلُوبُكم واحِدَةً، وأهْواؤُكم واحِدَةً، ولَمْ تُلْبَسُوا شِيَعًا، ولَمْ يَذُقْ بَعْضُكم بَأْسَ بَعْضٍ، فَمُرُوا وانْهَوْا، فَإذا اخْتَلَفَتِ القُلُوبُ والأهْواءُ، وأُلْبِسْتُمْ شِيَعًا، وذاقَ بَعْضُكم بِأْسَ بَعْضٍ، فامْرُؤٌ ونَفْسُهُ، فَعِنْدَ ذَلِكَ جاءَ تَأْوِيلُ هَذِهِ الآيَةِ. (p-٥٦٨)وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، «عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أنَّهُ قِيلَ لَهُ: لَوْ جَلَسْتَ في هَذِهِ الأيّامِ فَلَمْ تَأْمُرْ ولَمْ تَنْهَ، فَإنَّ اللَّهَ قالَ: ﴿عَلَيْكم أنْفُسَكُمْ﴾ فَقالَ: إنَّها لَيْسَتْ لِي ولا لِأصْحابِي، لِأنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: (ألا فَلْيُبَلِّغِ الشّاهِدُ الغائِبَ)، فَكُنّا نَحْنُ الشُّهُودَ وأنْتُمُ الغُيَّبَ، ولَكِنَّ هَذِهِ الآيَةَ لِأقْوامٍ يَجِيئُونَ مِن بَعْدِنا، إنْ قالُوا لَمْ يُقْبَلْ مِنهم» . وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ جَرِيرٍ، مِن طَرِيقِ قَتادَةَ، عَنْ رَجُلٍ قالَ: كُنْتُ في خِلافَةِ عُثْمانَ بِالمَدِينَةِ في حَلْقَةٍ فِيهِمْ أصْحابُ النَّبِيِّ ﷺ فَإذا فِيهِمْ شَيْخٌ حَسِبْتُ أنَّهُ قالَ: أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ فَقَرَأ: ﴿عَلَيْكم أنْفُسَكُمْ﴾ فَقالَ: إنَّما تَأْوِيلُها في آخِرِ الزَّمانِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو الشَّيْخِ، مِن طَرِيقِ قَتادَةَ، عَنْ أبِي مازِنٍ قالَ: انْطَلَقْتُ عَلى عَهْدِ عُثْمانَ إلى المَدِينَةِ، فَإذا قَوْمٌ جُلُوسٌ، فَقَرَأ أحَدُهم: ﴿عَلَيْكم أنْفُسَكُمْ﴾ فَقالَ: أكْثَرُهم: لَمْ يَجِئْ تَأْوِيلُ هَذِهِ الآيَةِ اليَوْمَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ قالَ: كُنْتُ في حَلْقَةٍ فِيها أصْحابُ النَّبِيِّ ﷺ وإنِّي لَأصْغَرُ القَوْمِ، فَتَذاكَرُوا الأمْرَ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيَ عَنِ المُنْكَرِ فَقُلْتُ: ألَيْسَ اللَّهُ يَقُولُ: ﴿عَلَيْكم أنْفُسَكُمْ﴾ ؟ فَأقْبَلُوا عَلَيَّ بِلِسانٍ واحِدٍ فَقالُوا: تَنْزِعُ آيَةً (p-٥٦٩)مِنَ القُرْآنِ لا تَعْرِفُها ولا تَدْرِي ما تَأْوِيلُها، حَتّى تَمَنَّيْتُ أنِّي لَمْ أكُنْ تَكَلَّمْتُ، ثُمَّ أقْبَلُوا يَتَحَدَّثُونَ، فَلَمّا حَضَرَ قِيامُهم قالُوا: إنَّكَ غُلامٌ حَدَثُ السِّنِّ، وإنَّكَ نَزَعْتَ آيَةً لا تَدْرِي ما هِيَ، وعَسى أنْ تُدْرِكَ ذَلِكَ الزَّمانَ، إذا رَأيْتَ شُحًّا مُطاعًا، وهَوًى مُتَّبَعًا، وإعْجابَ كُلِّ ذِي رَأْيٍ بِرَأْيِهِ، فَعَلَيْكَ بِنَفْسِكَ، لا يَضُرُّكَ مَن ضَلَّ إذا اهْتَدَيْتَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنْ مُعاذِ بْنِ جَبَلٍ، أنَّهُ قالَ: «يا رَسُولَ اللَّهِ، أخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكم أنْفُسَكم لا يَضُرُّكم مَن ضَلَّ إذا اهْتَدَيْتُمْ﴾ قالَ: (يا مُعاذُ، مُرُوا بِالمَعْرُوفِ، وتَناهَوْا عَنِ المُنْكَرِ، فَإذا رَأيْتُمْ شُحًّا مُطاعًا، وهَوًى مُتَّبَعًا، وإعْجابَ كُلِّ امْرِئٍ بِرَأْيِهِ، فَعَلَيْكم أنْفُسَكُمْ، لا يَضُرُّكم ضَلالَةُ غَيْرِكُمْ، فَهو مِن ورائِكم أيّامُ صَبْرٍ، المُتَمَسِّكُ فِيها بِدِينِهِ مِثْلُ القابِضِ عَلى الجَمْرِ، فَلِلْعامِلِ مِنهم يَوْمَئِذٍ مِثْلُ عَمَلِ أحَدِكُمُ اليَوْمَ كَأجْرِ خَمْسِينَ مِنكُمْ)، قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، خَمْسِينَ مِنهُمْ؟ قالَ: (بَلْ خَمْسِينَ مِنكم أنْتُمْ») . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قالَ: «ذَكَرْتُ هَذِهِ الآيَةَ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، قَوْلَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكم أنْفُسَكم لا يَضُرُّكم مَن ضَلَّ إذا اهْتَدَيْتُمْ﴾ فَقالَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ: (لَمْ يَجِئْ تَأْوِيلُها، لا يَجِيءُ تَأْوِيلُها حَتّى يَهْبِطَ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ») . (p-٥٧٠)وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ التَّيْمِيِّ، عَنْ أبِي بَكْرٍ الصَّدِّيقِ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «(ما تَرَكَ قَوْمٌ الجِهادَ في سَبِيلِ اللَّهِ إلّا ضَرَبَهُمُ اللَّهُ بَذُلٍّ، ولا أقَرَّ قَوْمٌ المُنْكَرَ بَيْنَ أظْهُرِهِمْ إلّا عَمَّهُمُ اللَّهُ بِعِقابٍ»)، وما بَيْنَكم وبَيْنَ أنْ يَعُمَّكُمُ اللَّهُ بِعِقابٍ مِن عِنْدِهِ، إلّا أنْ تَأوَّلُوا هَذِهِ الآيَةَ عَلى غَيْرِ أمْرٍ بِمَعْرُوفٍ، ولا نَهْيٍ عَنْ مُنْكَرٍ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكم أنْفُسَكم لا يَضُرُّكم مَن ضَلَّ إذا اهْتَدَيْتُمْ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنْ أبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ قالَ: «خَطَبَ أبُو بَكْرٍ النّاسَ فَكانَ في خُطْبَتِهِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (يا أيُّها النّاسُ، لا تَتَّكِلُوا عَلى هَذِهِ الآيَةِ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكم أنْفُسَكم لا يَضُرُّكم مَن ضَلَّ إذا اهْتَدَيْتُمْ﴾ إنَّ الدّاعِرَ لَيَكُونُ في الحَيِّ فَلا يَمْنَعُوهُ، فَيَعُمُّهُمُ اللَّهُ بِعِقابٍ») . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ الحَسَنِ، أنَّهُ تَلا هَذِهِ الآيَةَ: ﴿عَلَيْكم أنْفُسَكم لا يَضُرُّكم مَن ضَلَّ إذا اهْتَدَيْتُمْ﴾ فَقالَ: يا لَها مِن سَعَةٍ ما أوْسَعَها، ويا لَها مِن ثِقَةٍ ما أوْثَقَها. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ عُثْمانَ الشَّحّامِ أبِي سَلَمَةَ قالَ: حَدَّثَنِي شَيْخٌ مِن أهْلِ البَصْرَةِ، وكانَ لَهُ فَضْلٌ وسِنٌّ، قالَ: بَلَغَنِي أنَّ داوُدَ سَألَ رَبَّهُ قالَ: يا رَبِّ، كَيْفَ لِي أنْ أمْشِيَ لَكَ في الأرْضِ، وأعْمَلَ لَكَ فِيها بِنُصْحٍ؟ قالَ: يا داوُدَ، تُحِبُّ مَن (p-٥٧١)أحَبَّنِي مِن أحْمَرَ وأبْيَضَ، ولا تَزالُ شَفَتاكَ رَطْبَتَيْنِ مِن ذِكْرِي، واجْتَنِبْ فِراشَ المُغِيبِ، قالَ: أيْ رَبِّ، فَكَيْفَ أنْ يُحِبَّنِي أهْلُ الدُّنْيا، البَرُّ والفاجِرُ؟ قالَ: يا داوُدَ، تُصانِعُ أهْلَ الدُّنْيا لِدُنْياهُمْ، وتُحِبُّ أهْلَ الآخِرَةِ لِآخِرَتِهِمْ، وتَجْتانُّ إلَيْكَ دِينَكَ بَيْنِي وبَيْنَكَ، فَإنَّكَ إذا فَعَلْتَ ذَلِكَ فَلا يَضُرُّكَ مَن ضَلَّ إذا اهْتَدَيْتَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أنَّهُ جاءَهُ رَجُلٌ فَقالَ: يا أبا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، نَفَرٌ سِتَّةٌ كُلُّهم قَرَأ القُرْآنَ، وكُلُّهم مُجْتَهِدٌ، لا يَأْلُو، وهم في ذَلِكَ يَشْهَدُ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ بِالشِّرْكِ، فَقالَ: لَعَلَّكَ تَرى أنِّي آمُرُكَ أنْ تَذْهَبَ إلَيْهِمْ تُقاتِلُهُمْ، عِظْهم وانْهَهُمْ، فَإنْ عَصَوْكَ فَعَلَيْكَ نَفْسَكَ، فَإنَّ اللَّهَ تَعالى يَقُولُ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكم أنْفُسَكُمْ﴾ حَتّى خَتَمَ الآيَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ صَفْوانَ بْنِ مُحْرِزٍ، أنَّهُ أتاهُ رَجُلٌ مِن أصْحابِ الأهْواءِ، فَذَكَرَ لَهُ بَعْضَ أمْرِهِ، فَقالَ لَهُ صَفْوانُ: ألا أدُلُّكَ عَلى خاصَّةِ اللَّهِ الَّتِي خَصَّ اللَّهُ بِها أوْلِياءَهُ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكم أنْفُسَكم لا يَضُرُّكم مَن ضَلَّ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ عَلِيٍّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿عَلَيْكم أنْفُسَكم لا يَضُرُّكم مَن ضَلَّ إذا اهْتَدَيْتُمْ﴾ يَقُولُ: أطِيعُوا أمْرِي (p-٥٧٢)واحْفَظُوا وصِيَّتِي. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، مِن طَرِيقِ العَوْفِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿عَلَيْكم أنْفُسَكم لا يَضُرُّكم مَن ضَلَّ إذا اهْتَدَيْتُمْ﴾ يَقُولُ: إذا ما أطاعَنِي العَبْدُ فِيما أمَرْتُهُ مِنَ الحَلالِ والحَرامِ، فَلا يَضُرُّهُ مَن ضَلَّ بَعْدَهُ إذا عَمِلَ بِما أمَرْتُهُ بِهِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، مِن طَرِيقِ جُوَيْبِرٍ، عَنِ الضَّحّاكِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: ﴿عَلَيْكم أنْفُسَكم لا يَضُرُّكم مَن ضَلَّ إذا اهْتَدَيْتُمْ﴾ ما لَمْ يَكُنْ سَيْفٌ أوْ سَوْطٌ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مَكْحُولٍ، أنَّ رَجُلًا سَألَهُ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ: ﴿عَلَيْكم أنْفُسَكُمْ﴾ الآيَةَ، فَقالَ: إنَّ تَأْوِيلَ هَذِهِ الآيَةَ لَمْ يَجِئْ بَعْدُ، إذا هابَ الواعِظُ، وأنْكَرَ المَوْعُوظُ، فَعَلَيْكَ بِنَفْسِكَ، لا يَضُرُّكَ حِينَئِذٍ مَن ضَلَّ إذا اهْتَدَيْتَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عُمَرَ مَوْلى غُفْرَةَ قالَ: إنَّما أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ لِأنَّ الرَّجُلَ كانَ يُسْلِمُ ويَكْفُرُ أبُوهُ، ويُسْلِمُ الرَّجُلُ ويَكْفُرُ أخُوهُ، فَلَمّا دَخَلَ قُلُوبَهم حَلاوَةُ الإيمانِ دَعَوْا آباءَهم وإخْوانَهُمْ، فَقالُوا: حَسْبُنا ما وجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكم أنْفُسَكم لا يَضُرُّكم مَن ضَلَّ إذا اهْتَدَيْتُمْ﴾ . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أنَّهُ سُئِلَ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ فَقالَ: نَزَلَتْ في أهْلِ الكِتابِ، يَقُولُ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكم أنْفُسَكم لا يَضُرُّكم مَن ضَلَّ﴾ مِن أهْلِ الكِتابِ ﴿إذا اهْتَدَيْتُمْ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ حُذَيْفَةَ في قَوْلِهِ: ﴿عَلَيْكم أنْفُسَكم لا يَضُرُّكم مَن ضَلَّ إذا اهْتَدَيْتُمْ﴾ قالَ: إذا أمَرْتُمْ بِالمَعْرُوفِ ونَهَيْتُمْ عَنِ المُنْكَرِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ في قَوْلِهِ: ﴿لا يَضُرُّكم مَن ضَلَّ إذا اهْتَدَيْتُمْ﴾ قالَ: إذا أمَرْتَ بِالمَعْرُوفِ ونَهَيْتَ عَنِ المُنْكَرِ لا يَضُرُّكَ مَن ضَلَّ إذا اهْتَدَيْتَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ الحَسَنِ، أنَّهُ تَلا هَذِهِ الآيَةَ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكم أنْفُسَكُمْ﴾ فَقالَ: الحَمْدُ لِلَّهِ بِها، والحَمْدُ لِلَّهِ عَلَيْها، ما كانَ مُؤْمِنٌ فِيما مَضى، ولا مُؤْمِنٌ فِيما بَقِيَ، إلّا وإلى جانِبِهِ مُنافِقٌ يَكْرَهُ عَمَلَهُ. (p-٥٧٤)وأخْرَجَ أحْمَدُ، وابْنُ ماجَهْ، والبَيْهَقِيُّ في (الشُّعَبِ)، عَنْ أنَسٍ قالَ: «قِيلَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، مَتى يُتْرَكُ الأمْرُ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيُ عَنِ المُنْكَرِ؟ قالَ: (إذا ظَهَرَ فِيكم ما ظَهَرَ في بَنِي إسْرائِيلَ قَبْلَكُمْ)، قالُوا: وما ذاكَ يا رَسُولَ اللَّهِ؟ قالَ: (إذا ظَهَرَ الإدْهانُ في خِيارِكُمْ، والفاحِشَةُ في كِبارِكُمْ، وتَحَوَّلَ المُلْكُ في صِغارِكُمْ، والفِقْهُ - وفي لَفْظٍ: والعِلْمُ - في رُذّالِكُمْ») .

المائدة 5:106

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكُمْ﴾ الآيَةَ. أخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وضَعَّفَهُ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والنَّحّاسُ في (ناسِخِهِ)، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ في (المَعْرِفَةِ)، مِن طَرِيقِ أبِي النَّضْرِ، وهو الكَلْبِيُّ، عَنْ باذانَ مَوْلى أُمِّ هانِئٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، عَنْ تَمِيمٍ الدّارِيِّ في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكم إذا حَضَرَ أحَدَكُمُ المَوْتُ﴾ قالَ: بَرِئَ النّاسُ مِنها غَيْرِي وغَيْرَ عَدِيِّ بْنِ بَدّاءٍ، وكانا نَصْرانِيَّيْنِ يَخْتَلِفانِ إلى الشّامِ قَبْلَ الإسْلامِ، فَأتَيا الشّامَ لِتِجارَتِهِما، وقَدِمَ عَلَيْهِما مَوْلًى لِبَنِي سَهْمٍ يُقالُ (p-٥٧٥)لَهُ: بُدَيْلُ بْنُ أبِي مَرْيَمَ، بِتِجارَةٍ، ومَعَهُ جامٌ مِن فِضَّةٍ، يُرِيدُ بِهِ المَلِكَ، وهو عُظْمُ تِجارَتِهِ، فَمَرِضَ، فَأوْصى إلَيْهِما، وأمَرَهُما أنْ يُبَلِّغا ما تَرَكَ أهْلَهُ، قالَ تَمِيمٌ: فَلَمّا ماتَ أخَذْنا ذَلِكَ الجامَ فَبِعْناهُ بِألْفِ دِرْهَمٍ، ثُمَّ اقْتَسَمْناهُ أنا وعَدِيُّ بْنُ بَدّاءٍ، فَلَمّا قَدِمْنا إلى أهْلِهِ دَفَعْنا إلَيْهِمْ ما كانَ مَعَنا، وفَقَدُوا الجامَ فَسَألُونا عَنْهُ، فَقُلْنا: ما تَرَكَ غَيْرَ هَذا، وما دَفَعَ إلَيْنا غَيْرَهُ، قالَ تَمِيمٌ: فَلَمّا أسْلَمْتُ بَعْدَ قُدُومِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ المَدِينَةَ تَأثَّمْتُ مِن ذَلِكَ، فَأتَيْتُ أهْلَهُ فَأخْبَرْتُهُمُ الخَبَرَ وأدَّيْتُ إلَيْهِمْ خَمْسَمِائَةِ دِرْهَمٍ، وأخْبَرْتُهم أنَّ عِنْدَ صاحِبِي مِثْلَها، فَأتَوْا بِهِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَسَألَهُمُ البَيِّنَةَ فَلَمْ يَجِدُوا، فَأمَرَهم أنْ يَسْتَحْلِفُوهُ بِما يُعَظَّمُ بِهِ عَلى أهْلِ دِينِهِ، فَحَلَفَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكُمْ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿أنْ تُرَدَّ أيْمانٌ بَعْدَ أيْمانِهِمْ﴾ فَقامَ عَمْرُو بْنُ العاصِي، ورَجُلٌ آخَرُ فَحَلَفا فَنُزِعَتِ الخَمْسُمِائَةِ دِرْهَمٍ مِن عَدِيِّ بْنِ بَدّاءٍ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ في (تارِيخِهِ)، والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والنَّحّاسُ، والطَّبَرانِيُّ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في ”سُنَنِهِ“، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: خَرَجَ رَجُلٌ مِن بَنِي سَهْمٍ مَعَ تَمِيمٍ الدّارِيِّ، وعَدِيِّ بْنِ بَدّاءٍ، فَماتَ السَّهْمِيُّ بِأرْضٍ لَيْسَ فِيها مُسْلِمٌ، فَأوْصى إلَيْهِما، فَلَمّا قَدِما بِتَرِكَتِهِ فَقَدُوا جامًا مِن فِضَّةٍ مُخَوَّصًا بِالذَّهَبِ، فَأحْلَفَهُما رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِاللَّهِ: ما كَتَمْتُماها ولا اطَّلَعْتُما، ثُمَّ وجَدُوا الجامَ بِمَكَّةَ، فَقِيلَ: اشْتَرَيْناهُ مِن تَمِيمٍ وعَدِيٍّ، (p-٥٧٦)فَقامَ رَجُلانِ مِن أوْلِياءِ السَّهْمِيِّ، فَحَلَفا بِاللَّهِ لَشَهادَتُنا أحَقُّ مِن شَهادَتِهِما، وإنَّ الجامَ لِصاحِبِهِمْ، وأخَذُوا الجامَ، قالَ: وفِيهِمْ نَزَلَتْ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكُمْ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ مَندَهْ، وأبُو نُعَيْمٍ في (المَعْرِفَةِ)، مِن طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ مَرْوانَ، عَنِ الكَلْبِيِّ، عَنْ أبِي صالِحٍ، عَنِ المُطَّلِبِ بْنِ أبِي وداعَةَ قالَ: خَرَجَ ثَلاثَةُ نَفَرٍ تُجّارًا، عَدِيُّ بْنُ بَدّاءٍ، وتَمِيمُ بْنُ أوْسٍ الدّارِيُّ، وخَرَجَ مَعَهم بُدَيْلُ بْنُ أبِي مارِيَةَ مَوْلى عَمْرِو بْنِ العاصِي، وكانَ مُسْلِمًا، حَتّى إذا قَدِمُوا الشّامَ مَرِضَ بُدَيْلٌ، فَكَتَبَ كِتابًا في صَحِيفَةٍ فِيهِ جَمِيعُ ما مَعَهُ، وفَسَّرَهُ، ثُمَّ طَرَحَهُ في جُوالِقِهِ، فَلَمّا اشْتَدَّ مَرَضُهُ أوْصى إلى تَمِيمٍ وإلى عَدِيٍّ النَّصْرانِيَّيْنِ، فَأمَرَهُما أنْ يَدْفَعا مَتاعَهُ إذا رَجَعا إلى أهْلِهِ، قالَ: وماتَ بُدَيْلٌ، فَقَبَضا مَتاعَهُ، فَفَتَّشاهُ وأخَذا مِنهُ إناءً كانَ فِيهِ مِن فِضَّةٍ مَنقُوشًا بِالذَّهَبِ، فِيهِ ثَلاثُمِائَةِ مِثْقالٍ مُمَوَّهٍ بِالذَّهَبِ، فانْصَرَفا فَقَدِما المَدِينَةَ، فَدَفَعا المَتاعَ إلى أهْلِ المَيِّتِ، فَفَتَّشُوا المَتاعَ، فَوَجَدُوا الصَّحِيفَةَ، فِيها تَسْمِيَةُ ما كانَ فِيها مِن مَتاعِهِ وفِيهِ الإناءُ الفِضَّةُ المُمَوَّهُ بِالذَّهَبِ، فَرَفَعُوهُما إلى النَّبِيِّ ﷺ، فَذَكَرُوا ذَلِكَ لَهُ، فَأُنْزِلَتْ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكُمْ﴾ الآيَةَ. (p-٥٧٧)وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: «كانَ تَمِيمٌ الدّارِيُّ، وعَدِيُّ بْنُ بَدّاءٍ رَجُلَيْنِ نَصْرانِيَّيْنِ يَتَّجِرانِ إلى مَكَّةَ في الجاهِلِيَّةِ، ويُطِيلانِ الإقامَةَ بِها، فَلَمّا هاجَرَ النَّبِيُّ ﷺ حَوَّلا مَتْجَرَهُما إلى المَدِينَةِ، فَخَرَجَ بُدَيْلُ بْنُ أبِي مارِيَةَ مَوْلى عَمْرِو بْنِ العاصِي تاجِرًا، حَتّى قَدِمَ المَدِينَةَ فَخَرَجُوا جَمِيعًا تُجّارًا إلى الشّامِ، حَتّى إذا كانُوا بِبَعْضِ الطَّرِيقِ اشْتَكى بُدَيْلٌ فَكَتَبَ وصِيَّتَهُ بِيَدِهِ، ثُمَّ دَسَّها في مَتاعِهِ، وأوْصى إلَيْهِما، فَلَمّا ماتَ فَتَحا مَتاعَهُ، فَأخَذا مِنهُ شَيْئًا ثُمَّ حَجَزاهُ، كَما كانَ، وقَدِما المَدِينَةَ عَلى أهْلِهِ، فَدَفَعا مَتاعَهُ، فَفَتَحَ أهْلُهُ مَتاعَهُ، فَوَجَدُوا كِتابَهُ، وعَهْدَهُ وما خَرَجَ بِهِ، وفَقَدُوا شَيْئًا فَسَألُوهُما عَنْهُ، فَقالُوا: هَذا الَّذِي قَبَضْنا لَهُ، ودَفَعَ إلَيْنا، فَقالُوا لَهُما: هَذا كِتابُهُ بِيَدِهِ، قالا: ما كَتَمْنا لَهُ شَيْئًا، فَتَرافَعُوا إلى النَّبِيِّ ﷺ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكم إذا حَضَرَ أحَدَكُمُ المَوْتُ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿إنّا إذًا لَمِنَ الآثِمِينَ﴾ فَأمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنْ يَسْتَحْلِفُوهُما في دُبُرِ صَلاةِ العَصْرِ بِاللَّهِ الَّذِي لا إلَهَ إلّا هو ما قَبَضْنا لَهُ غَيْرَ هَذا، ولا كَتَمْنا، فَمَكَثا ما شاءَ اللَّهُ أنْ يَمْكُثا، ثُمَّ ظَهَرَ مَعَهُما عَلى إناءٍ مِن فِضَّةٍ مَنقُوشٍ مُمَوَّهٍ بِذَهَبٍ، فَقالَ أهْلُهُ: هَذا مِن مَتاعِهِ، قالا: نَعَمْ، ولَكِنّا اشْتَرَيْناهُ مِنهُ، ونَسِينا أنْ نَذْكُرَهُ حِينَ حَلَفْنا، فَكَرِهْنا أنْ نُكَذِّبَ نُفُوسَنا، فَتَرافَعُوا إلى النَّبِيِّ ﷺ فَنَزَلَتِ الآيَةُ الأُخْرى: ﴿فَإنْ عُثِرَ عَلى أنَّهُما اسْتَحَقّا إثْمًا﴾ فَأمَرَ النَّبِيُّ ﷺ رَجُلَيْنِ مِن أهْلِ المَيِّتِ أنْ يَحْلِفا عَلى ما كَتَما وغَيَّبا، ويَسْتَحِقّانِهِ، ثُمَّ إنَّ تَمِيمًا الدّارِيَّ أسْلَمَ وبايَعَ (p-٥٧٨)النَّبِيَّ ﷺ، وكانَ يَقُولُ: صَدَقَ اللَّهُ ورَسُولُهُ، أنا أخَذْتُ الإناءَ، ثُمَّ قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّ اللَّهَ يُظْهِرُكَ عَلى أهْلِ الأرْضِ كُلِّها، فَهَبْ لِي قَرْيَتَيْنِ مِن بَيْتِ لَحْمٍ - وهي القَرْيَةُ الَّتِي وُلِدَ فِيها عِيسى - فَكَتَبَ لَهُ بِها كِتابًا، فَلَمّا قَدِمَ عُمَرُ الشّامَ أتاهُ تَمِيمٌ بِكِتابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقالَ عُمَرُ: أنا حاضِرٌ ذَلِكَ، فَدَفَعَها إلَيْهِ» . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ عاصِمٍ، أنَّهُ قَرَأ: ﴿شَهادَةُ بَيْنِكُمْ﴾ مُضافٌ، بِرَفْعِ ﴿شَهادَةُ﴾ بِغَيْرِ نُونٍ، وبِخَفْضِ ﴿بَيْنِكُمْ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والنَّحّاسُ مِن طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكم إذا حَضَرَ أحَدَكُمُ المَوْتُ حِينَ الوَصِيَّةِ اثْنانِ ذَوا عَدْلٍ مِنكُمْ﴾ هَذا لِمَن ماتَ وعِنْدَهُ المُسْلِمُونَ، أمَرَهُ اللَّهُ أنْ يُشْهِدَ عَلى وصِيَّتِهِ عَدْلَيْنِ مِنَ المُسْلِمِينَ، ثُمَّ قالَ: ﴿أوْ آخَرانِ مِن غَيْرِكم إنْ أنْتُمْ ضَرَبْتُمْ في الأرْضِ﴾ فَهَذا لِمَن ماتَ ولَيْسَ عِنْدَهُ أحَدٌ مِنَ المُسْلِمِينَ، أمَرَهُ اللَّهُ بِشَهادَةِ رَجُلَيْنِ مِن غَيْرِ المُسْلِمِينَ، فَإنِ ارْتِيبَ بِشَهادَتِهِما اسْتُحْلِفا بِاللَّهِ بَعْدَ الصَّلاةِ: ما اشْتَرَيْنا بِشَهادَتِنا ثَمَنًا قَلِيلًا، فَإنِ اطَّلَعَ الأوْلِياءُ عَلى أنَّ الكافِرَيْنِ كَذَبا في شَهادَتِهِما، قامَ رَجُلانِ مِنَ الأوْلِياءِ فَحَلَفا بِاللَّهِ أنَّ شَهادَةَ الكافِرَيْنِ باطِلَةٌ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالىْ: ﴿فَإنْ عُثِرَ عَلى أنَّهُما اسْتَحَقّا إثْمًا﴾ يَقُولُ: إنِ اطَّلَعَ عَلى أنَّ الكافِرَيْنِ كَذَبا قامَ الأوْلَيانِ فَحَلَفا أنَّهُما كَذَبا، ذَلِكَ أدْنى أنْ يَأْتِيَ الكافِرانِ ﴿بِالشَّهادَةِ عَلى وجْهِها أوْ يَخافُوا أنْ تُرَدَّ أيْمانٌ بَعْدَ أيْمانِهِمْ﴾ فَتُتْرَكَ شَهادَةُ (p-٥٧٩)الكافِرَيْنِ، ويُحْكَمَ بِشَهادَةِ الأوْلِياءِ، فَلَيْسَ عَلى شُهُودِ المُسْلِمِينَ إقْسامٌ، إنَّما الإقْسامُ إذا كانا كافِرَيْنِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، مِن طَرِيقِ العَوْفِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿اثْنانِ ذَوا عَدْلٍ مِنكُمْ﴾ قالَ: مِن أهْلِ الإسْلامِ ﴿أوْ آخَرانِ مِن غَيْرِكُمْ﴾ قالَ: مِن غَيْرِ أهْلِ الإسْلامِ، وفي قَوْلِهِ: ﴿فَيُقْسِمانِ بِاللَّهِ﴾ يَقُولُ: يَحْلِفانِ بِاللَّهِ بَعْدَ الصَّلاةِ، وفي قَوْلِهِ: ﴿فَآخَرانِ يَقُومانِ مَقامَهُما﴾ قالَ: مِن أوْلِياءِ المَيِّتِ، فَيَحْلِفانِ بِاللَّهِ ﴿لَشَهادَتُنا أحَقُّ مِن شَهادَتِهِما﴾ يَقُولُ: فَيَحْلِفانِ بِاللَّهِ ما كانَ صاحِبُنا لِيُوصِيَ بِهَذا، وإنَّهُما لَكاذِبانِ، وفي قَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ أدْنى أنْ يَأْتُوا بِالشَّهادَةِ عَلى وجْهِها أوْ يَخافُوا أنْ تُرَدَّ أيْمانٌ بَعْدَ أيْمانِهِمْ﴾ يَعْنِي أوْلِياءَ المَيِّتِ، فَيَسْتَحِقُّونَ ما لَهُ بِأيْمانِهِمْ، ثُمَّ يُوضَعُ مِيراثُهُ كَما أمَرَ اللَّهُ، وتَبْطُلُ شَهادَةُ الكافِرَيْنِ، وهي مَنسُوخَةٌ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، أنَّهُ سُئِلَ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿اثْنانِ ذَوا عَدْلٍ مِنكُمْ﴾ قالَ: ما مِنَ الكِتابِ إلّا قَدْ جاءَ عَلى شَيْءٍ جاءَ عَلى إدْلالِهِ غَيْرَ هَذِهِ الآيَةِ، ولَئِنْ أنا لَمْ أُخْبِرْكم بِها لَأنا أجْهَلُ مِنَ الَّذِي يَتْرُكُ الغُسْلَ يَوْمَ الجُمُعَةِ، هَذا رَجُلٌ خَرَجَ مُسافِرًا ومَعَهُ مالٌ، فَأدْرَكَهُ قَدَرُهُ، فَإنْ وجَدَ رَجُلَيْنِ مِنَ المُسْلِمِينَ دَفَعَ إلَيْهِما تَرِكَتَهُ وأشْهَدَ عَلَيْهِما عَدْلَيْنِ مِنَ المُسْلِمِينَ، فَإنْ (p-٥٨٠)لَمْ يَجِدْ عَدْلَيْنِ مِنَ المُسْلِمِينَ فَرَجُلَيْنِ مِن أهْلِ الكِتابِ، فَإنْ أدّى فَسَبِيلُ ما أدّى، وإنْ هو جَحَدَ اسْتُحْلِفَ بِاللَّهِ الَّذِي لا إلَهَ إلّا هو دُبُرَ صَلاةٍ: إنَّ هَذا الَّذِي دُفِعَ إلَيَّ، وما غَيَّبْتُ مِنهُ شَيْئًا، فَإذا حَلَفَ بَرِئَ، فَإذا أتى بَعْدَ ذَلِكَ صاحِبا الكِتابِ فَشَهِدا عَلَيْهِ، ثُمَّ ادَّعى القَوْمُ عَلَيْهِ مِن تَسْمِيَتِهِمْ ما لَهُمْ، جُعِلَتْ أيْمانُ الوَرَثَةِ مَعَ شَهادَتِهِمْ، ثُمَّ اقْتَطَعُوا حَقَّهُ، فَذَلِكَ الَّذِي يَقُولُ اللَّهُ: ﴿اثْنانِ ذَوا عَدْلٍ مِنكم أوْ آخَرانِ مِن غَيْرِكُمْ﴾ . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ: ﴿شَهادَةُ بَيْنِكم إذا حَضَرَ أحَدَكُمُ المَوْتُ﴾ قالَ: أنْ يَمُوتَ المُؤْمِنُ فَيَحْضُرَ مَوْتَهُ مُسْلِمانِ أوْ كافِرانِ، لا يَحْضُرُهُ غَيْرُ اثْنَيْنِ مِنهُمْ، فَإنْ رَضِيَ ورَثَتُهُ بِما غابا عَنْهُ مِن تَرِكَتِهِ فَذَلِكَ، ويَحْلِفُ الشّاهِدانِ أنَّهُما صادِقانِ، ﴿فَإنْ عُثِرَ﴾ قالَ: وُجِدَ لَطْخٌ، أوْ لَبْسٌ، أوْ تَشْبِيهٌ، حَلَفَ الاِثْنانِ الأوْلَيانِ مِنَ الوَرَثَةِ، فاسْتَحَقّا، وأبْطَلا أيْمانَ الشّاهِدَيْنِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، والضِّياءُ في (المُخْتارَةِ)، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿أوْ آخَرانِ مِن غَيْرِكُمْ﴾ قالَ: مِن غَيْرِ المُسْلِمِينَ، مِن أهْلِ الكِتابِ. (p-٥٨١)وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ في قَوْلِهِ: ﴿اثْنانِ ذَوا عَدْلٍ مِنكُمْ﴾ قالَ: مِن أهْلِ دِينِكُمْ، ﴿أوْ آخَرانِ مِن غَيْرِكُمْ﴾ قالَ: مِن أهْلِ الكِتابِ، إذا كانَ بِبِلادٍ لا يَجِدُ غَيْرَهم. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ شُرَيْحٍ قالَ: لا تَجُوزُ شَهادَةُ اليَهُودِيِّ، ولا النَّصْرانِيِّ إلّا في وصِيَّةٍ، ولا تَجُوزُ في وصِيَّةٍ إلّا في سَفَرٍ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وأبُو عُبَيْدٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والطَّبَرانِيُّ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، أنَّ رَجُلًا مِنَ المُسْلِمِينَ حَضَرَتْهُ الوَفاةُ بِدَقُوقاءَ، ولَمْ يَجِدْ أحَدًا مِنَ المُسْلِمِينَ يَشْهَدُ عَلى وصِيَّتِهِ، فَأشْهَدَ رَجُلَيْنِ مِن أهْلِ الكِتابِ، فَقَدِما الكُوفَةَ، فَأتَيا أبا مُوسى الأشْعَرِيَّ، فَأخْبَراهُ، وقَدِما بِتَرِكَتِهِ ووَصِيَّتِهِ، فَقالَ الأشْعَرِيُّ: هَذا أمْرٌ لَمْ يَكُنْ بَعْدَ الَّذِي كانَ في عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ، فَأحْلَفَهُما بَعْدَ العَصْرِ بِاللَّهِ ما خانا، ولا كَذَبا، ولا بَدَّلا، ولا كَتَما، ولا غَيَّرا، وإنَّها لَوَصِيَّةُ الرَّجُلِ وتَرِكَتُهُ، فَأمْضى شَهادَتَهُما. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ في قَوْلِهِ: ﴿شَهادَةُ بَيْنِكُمْ﴾ الآيَةَ كُلَّها، قالَ: كانَ ذَلِكَ في رَجُلٍ تُوُفِّيَ ولَيْسَ عِنْدَهُ أحَدٌ مِن أهْلِ الإسْلامِ، وذَلِكَ في أوَّلِ (p-٥٨٢)الإسْلامِ، والأرْضُ حَرْبٌ، والنّاسُ كُفّارٌ، إلّا أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وأصْحابَهُ بِالمَدِينَةِ، وكانَ النّاسُ يَتَوارَثُونَ بِالوَصِيَّةِ، ثُمَّ نُسِخَتِ الوَصِيَّةُ، وفُرِضَتِ الفَرائِضُ، وعَمِلَ المُسْلِمُونَ بِها. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قالَ: مَضَتِ السُّنَّةُ ألّا تَجُوزَ شَهادَةُ كافِرٍ في حَضَرٍ ولا سَفَرٍ، إنَّما هي في المُسْلِمِينَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: هَذِهِ الآيَةُ مَنسُوخَةٌ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ عِكْرِمَةَ: ﴿أوْ آخَرانِ مِن غَيْرِكُمْ﴾ قالَ: مِنَ المُسْلِمِينَ مِن غَيْرِ حَيِّهِ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والنَّحّاسُ، وأبُو الشَّيْخِ، والبَيْهَقِيُّ في ”سُنَنِهِ“، عَنِ الحَسَنِ: ﴿اثْنانِ ذَوا عَدْلٍ مِنكُمْ﴾ قالَ: مِن قَبِيلَتِكُمْ، ﴿أوْ آخَرانِ مِن غَيْرِكُمْ﴾ قالَ: مِن غَيْرِ قَبِيلَتِكُمْ، ألا تَرى أنَّهُ يَقُولُ: ﴿تَحْبِسُونَهُما مِن بَعْدِ الصَّلاةِ﴾ كُلُّهم مِنَ المُسْلِمِينَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، مِن طَرِيقِ عُقَيْلٍ قالَ: سَألْتُ ابْنَ شِهابٍ (p-٥٨٣)عَنْ هَذِهِ الآيَةِ، قُلْتُ: أرَأيْتَ الِاثْنَيْنِ اللَّذَيْنِ ذَكَرَ اللَّهُ مِن غَيْرِ أهْلِ المَرْءِ المُوصِي، أهُما مِنَ المُسْلِمِينَ أوْ هُما مِن أهْلِ الكِتابِ؟ وأرَأيْتَ الآخَرَيْنِ اللَّذَيْنِ يَقُومانِ مَقامَهُما، أتُراهُما مِن أهْلِ المَرْءِ المُوصِي، أمْ هُما مِن غَيْرِ المُسْلِمِينَ؟ قالَ ابْنُ شِهابٍ: لَمْ نَسْمَعْ في هَذِهِ الآيَةِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ولا عَنْ أئِمَّةِ العامَّةِ سُنَّةً أذْكُرُها، وقَدْ كُنّا نَتَذاكَرُها أُناسًا مِن عُلَمائِنا أحْيانًا، فَلا يَذْكُرُونَ فِيها سُنَّةً مَعْلُومَةً، ولا قَضاءً مِن إمامٍ عادِلٍ، ولَكِنَّهُ يَخْتَلِفُ فِيها رَأْيُهُمْ، وكانَ أعْجَبَهم فِيها رَأْيًا إلَيْنا الَّذِينَ كانُوا يَقُولُونَ: هي فِيما بَيْنَ أهْلِ المِيراثِ مِنَ المُسْلِمِينَ، يَشْهَدُ بَعْضُهُمُ المَيِّتَ الَّذِي يَرِثُونَهُ، ويَغِيبُ عَنْهُ بَعْضُهُمْ، ويَشْهَدُ مَن شَهِدَهُ عَلى ما أوْصى بِهِ لِذَوِي القُرْبى، فَيُخْبِرُونَ مَن غابَ عَنْهُ مِنهم بِما حَضَرُوا مِن وصِيَّةٍ، فَإنْ سَلَّمُوا جازَتْ وصِيَّتُهُ، وإنِ ارْتابُوا أنْ يَكُونُوا بَدَّلُوا قَوْلَ المَيِّتِ، وآثَرُوا بِالوَصِيَّةِ مَن أرادُوا مِمَّنْ لَمْ يُوصِ لَهُمُ المَيِّتُ بِشَيْءٍ، حَلَفَ اللَّذانِ يَشْهَدانِ عَلى ذَلِكَ بَعْدَ الصَّلاةِ، وهي صَلاةُ المُسْلِمِينَ: ﴿فَيُقْسِمانِ بِاللَّهِ إنِ ارْتَبْتُمْ لا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا ولَوْ كانَ ذا قُرْبى ولا نَكْتُمُ شَهادَةَ اللَّهِ إنّا إذًا لَمِنَ الآثِمِينَ﴾ فَإذا أقْسَما عَلى ذَلِكَ جازَتْ شَهادَتُهُما وأيْمانُهُما، ما لَمْ يُعْثَرْ عَلى أنَّهُما اسْتَحَقّا إثْمًا في شَيْءٍ مِن ذَلِكَ، قامَ آخَرانِ مَقامَهُما مِن أهْلِ المِيراثِ مِنَ الخَصْمِ الَّذِينَ يُنْكِرُونَ ما يَشْهَدُ بِهِ عَلَيْهِ الأوَّلانِ المُسْتَحْلَفانِ أوَّلَ مَرَّةٍ، فَيُقْسِمانِ بِاللَّهِ: لَشَهادَتُنا عَلى تَكْذِيبِكُما أوْ إبْطالِ ما شَهِدْتُما بِهِ، ﴿وما اعْتَدَيْنا إنّا إذًا لَمِنَ الظّالِمِينَ﴾ . (p-٥٨٤)وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عُبَيْدَةَ في قَوْلِهِ: ﴿تَحْبِسُونَهُما مِن بَعْدِ الصَّلاةِ﴾ قالَ: صَلاةِ العَصْرِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ زَيْدٍ في قَوْلِهِ: ﴿لا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا﴾ قالَ: لا نَأْخُذُ بِهِ رِشْوَةً، ﴿ولا نَكْتُمُ شَهادَةَ اللَّهِ﴾ وإنْ كانَ صاحِبُها بَعِيدًا. وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عامِرٍ الشَّعْبِيِّ، أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ: (ولا نَكْتُمُ شَهادَةً) يَعْنِي بِقَطْعِ الكَلامِ مُنَوَّنًا (أللَّهِ) بِقَطْعِ الألِفِ، وخَفْضِ اسْمِ اللَّهِ عَلى القَسَمِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ أبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ، أنَّهُ كانَ يَقْرَؤُها: (ولا نَكْتُمُ شَهادَةَ آللَّهِ) ويَقُولُ: هو قَسَمٌ. وأخْرَجَ عَنْ عاصِمٍ: ﴿ولا نَكْتُمُ شَهادَةَ اللَّهِ﴾ مُضافٌ بِنَصْبِ ﴿شَهادَةُ﴾ ولا يُنَوَّنُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿فَإنْ عُثِرَ عَلى أنَّهُما اسْتَحَقّا إثْمًا﴾ أيِ: اطُّلِعَ مِنهُما عَلى خِيانَةٍ، عَلى أنَّهُما كَذَبا أوْ كَتَما، فَشَهِدَ رَجُلانِ هُما أعْدَلُ مِنهُما بِخِلافِ ما قالا، أُجِيزَ شَهادَةُ الآخِرَيْنِ، وبَطَلَتْ شَهادَةُ الأوَّلَيْنِ. (p-٥٨٥)وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وأبُو عُبَيْدٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ، أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ: ﴿مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الأوْلَيانِ﴾ بِفَتْحِ التّاءِ. وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ، «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَرَأ: ﴿مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الأوْلَيانِ﴾ [المائدة»: ١٠٧] . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ عَدِيٍّ، عَنْ أبِي مِجْلَزٍ، أنَّ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ قَرَأ: ﴿مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الأوْلَيانِ﴾ قالَ عُمَرُ: كَذَبْتَ، قالَ: أنْتَ أكْذَبُ، فَقالَ رَجُلٌ: تُكَذِّبُ أمِيرَ المُؤْمِنِينَ؟ قالَ: أنا أشَدُّ تَعْظِيمًا لِحَقِّ أمِيرِ المُؤْمِنِينَ مِنكَ، ولَكِنْ كَذَّبْتُهُ في تَصْدِيقِ كِتابِ اللَّهِ، ولَمْ أُصَدِّقْ أمِيرَ المُؤْمِنِينَ في تَكْذِيبِ كِتابِ اللَّهِ، فَقالَ عُمَرُ: صَدَقَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ يَحْيى بْنِ يَعْمَرَ، أنَّهُ قَرَأها: ﴿الأوْلَيانِ﴾ وقالَ: هُما الوَلِيّانِ. وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ: (مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الأوَّلَيْنِ)، ويَقُولُ: أرَأيْتَ لَوْ كانَ الأوْلَيانِ صَغِيرَيْنِ كَيْفَ يَقُومانِ مَقامَهُما؟ (p-٥٨٦)وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ أبِي العالِيَةِ أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ: (الأوَّلِينَ)، مُشَدَّدَةً عَلى الجِماعِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ عاصِمٍ: (مِنَ الَّذِينَ اسْتُحِقَّ) بِرَفْعِ التّاءِ وكَسْرِ الحاءِ، (عَلَيْهِمُ الأوَّلِينَ) مُشَدَّدَةً عَلى الجِماعِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ زَيْدٍ في قَوْلِهِ: ﴿الأوْلَيانِ﴾ قالَ: بِالمَيِّتِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ أدْنى أنْ يَأْتُوا بِالشَّهادَةِ عَلى وجْهِها﴾ يَقُولُ: ذَلِكَ أحْرى أنْ يُصَدَّقُوا في شَهادَتِهِمْ، ﴿أوْ يَخافُوا أنْ تُرَدَّ أيْمانٌ بَعْدَ أيْمانِهِمْ﴾ يَقُولُ: وأنْ يَخافُوا العَقِبَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ زَيْدٍ في قَوْلِهِ: ﴿أوْ يَخافُوا أنْ تُرَدَّ أيْمانٌ بَعْدَ أيْمانِهِمْ﴾ قالَ: فَتَبْطُلُ أيْمانُهُمْ، وتُؤْخَذُ أيْمانُ هَؤُلاءِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُقاتِلٍ في قَوْلِهِ: ﴿واتَّقُوا اللَّهَ واسْمَعُوا﴾ قالَ: يَعْنِي القَضاءَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ زَيْدٍ في قَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ لا يَهْدِي (p-٥٨٧)القَوْمَ الفاسِقِينَ﴾ قالَ: الكاذِبِينَ الَّذِينَ يَحْلِفُونَ عَلى الكَذِبِ.

المائدة 5:107

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكُمْ﴾ الآيَةَ. أخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وضَعَّفَهُ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والنَّحّاسُ في (ناسِخِهِ)، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ في (المَعْرِفَةِ)، مِن طَرِيقِ أبِي النَّضْرِ، وهو الكَلْبِيُّ، عَنْ باذانَ مَوْلى أُمِّ هانِئٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، عَنْ تَمِيمٍ الدّارِيِّ في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكم إذا حَضَرَ أحَدَكُمُ المَوْتُ﴾ قالَ: بَرِئَ النّاسُ مِنها غَيْرِي وغَيْرَ عَدِيِّ بْنِ بَدّاءٍ، وكانا نَصْرانِيَّيْنِ يَخْتَلِفانِ إلى الشّامِ قَبْلَ الإسْلامِ، فَأتَيا الشّامَ لِتِجارَتِهِما، وقَدِمَ عَلَيْهِما مَوْلًى لِبَنِي سَهْمٍ يُقالُ (p-٥٧٥)لَهُ: بُدَيْلُ بْنُ أبِي مَرْيَمَ، بِتِجارَةٍ، ومَعَهُ جامٌ مِن فِضَّةٍ، يُرِيدُ بِهِ المَلِكَ، وهو عُظْمُ تِجارَتِهِ، فَمَرِضَ، فَأوْصى إلَيْهِما، وأمَرَهُما أنْ يُبَلِّغا ما تَرَكَ أهْلَهُ، قالَ تَمِيمٌ: فَلَمّا ماتَ أخَذْنا ذَلِكَ الجامَ فَبِعْناهُ بِألْفِ دِرْهَمٍ، ثُمَّ اقْتَسَمْناهُ أنا وعَدِيُّ بْنُ بَدّاءٍ، فَلَمّا قَدِمْنا إلى أهْلِهِ دَفَعْنا إلَيْهِمْ ما كانَ مَعَنا، وفَقَدُوا الجامَ فَسَألُونا عَنْهُ، فَقُلْنا: ما تَرَكَ غَيْرَ هَذا، وما دَفَعَ إلَيْنا غَيْرَهُ، قالَ تَمِيمٌ: فَلَمّا أسْلَمْتُ بَعْدَ قُدُومِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ المَدِينَةَ تَأثَّمْتُ مِن ذَلِكَ، فَأتَيْتُ أهْلَهُ فَأخْبَرْتُهُمُ الخَبَرَ وأدَّيْتُ إلَيْهِمْ خَمْسَمِائَةِ دِرْهَمٍ، وأخْبَرْتُهم أنَّ عِنْدَ صاحِبِي مِثْلَها، فَأتَوْا بِهِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَسَألَهُمُ البَيِّنَةَ فَلَمْ يَجِدُوا، فَأمَرَهم أنْ يَسْتَحْلِفُوهُ بِما يُعَظَّمُ بِهِ عَلى أهْلِ دِينِهِ، فَحَلَفَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكُمْ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿أنْ تُرَدَّ أيْمانٌ بَعْدَ أيْمانِهِمْ﴾ فَقامَ عَمْرُو بْنُ العاصِي، ورَجُلٌ آخَرُ فَحَلَفا فَنُزِعَتِ الخَمْسُمِائَةِ دِرْهَمٍ مِن عَدِيِّ بْنِ بَدّاءٍ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ في (تارِيخِهِ)، والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والنَّحّاسُ، والطَّبَرانِيُّ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في ”سُنَنِهِ“، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: خَرَجَ رَجُلٌ مِن بَنِي سَهْمٍ مَعَ تَمِيمٍ الدّارِيِّ، وعَدِيِّ بْنِ بَدّاءٍ، فَماتَ السَّهْمِيُّ بِأرْضٍ لَيْسَ فِيها مُسْلِمٌ، فَأوْصى إلَيْهِما، فَلَمّا قَدِما بِتَرِكَتِهِ فَقَدُوا جامًا مِن فِضَّةٍ مُخَوَّصًا بِالذَّهَبِ، فَأحْلَفَهُما رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِاللَّهِ: ما كَتَمْتُماها ولا اطَّلَعْتُما، ثُمَّ وجَدُوا الجامَ بِمَكَّةَ، فَقِيلَ: اشْتَرَيْناهُ مِن تَمِيمٍ وعَدِيٍّ، (p-٥٧٦)فَقامَ رَجُلانِ مِن أوْلِياءِ السَّهْمِيِّ، فَحَلَفا بِاللَّهِ لَشَهادَتُنا أحَقُّ مِن شَهادَتِهِما، وإنَّ الجامَ لِصاحِبِهِمْ، وأخَذُوا الجامَ، قالَ: وفِيهِمْ نَزَلَتْ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكُمْ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ مَندَهْ، وأبُو نُعَيْمٍ في (المَعْرِفَةِ)، مِن طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ مَرْوانَ، عَنِ الكَلْبِيِّ، عَنْ أبِي صالِحٍ، عَنِ المُطَّلِبِ بْنِ أبِي وداعَةَ قالَ: خَرَجَ ثَلاثَةُ نَفَرٍ تُجّارًا، عَدِيُّ بْنُ بَدّاءٍ، وتَمِيمُ بْنُ أوْسٍ الدّارِيُّ، وخَرَجَ مَعَهم بُدَيْلُ بْنُ أبِي مارِيَةَ مَوْلى عَمْرِو بْنِ العاصِي، وكانَ مُسْلِمًا، حَتّى إذا قَدِمُوا الشّامَ مَرِضَ بُدَيْلٌ، فَكَتَبَ كِتابًا في صَحِيفَةٍ فِيهِ جَمِيعُ ما مَعَهُ، وفَسَّرَهُ، ثُمَّ طَرَحَهُ في جُوالِقِهِ، فَلَمّا اشْتَدَّ مَرَضُهُ أوْصى إلى تَمِيمٍ وإلى عَدِيٍّ النَّصْرانِيَّيْنِ، فَأمَرَهُما أنْ يَدْفَعا مَتاعَهُ إذا رَجَعا إلى أهْلِهِ، قالَ: وماتَ بُدَيْلٌ، فَقَبَضا مَتاعَهُ، فَفَتَّشاهُ وأخَذا مِنهُ إناءً كانَ فِيهِ مِن فِضَّةٍ مَنقُوشًا بِالذَّهَبِ، فِيهِ ثَلاثُمِائَةِ مِثْقالٍ مُمَوَّهٍ بِالذَّهَبِ، فانْصَرَفا فَقَدِما المَدِينَةَ، فَدَفَعا المَتاعَ إلى أهْلِ المَيِّتِ، فَفَتَّشُوا المَتاعَ، فَوَجَدُوا الصَّحِيفَةَ، فِيها تَسْمِيَةُ ما كانَ فِيها مِن مَتاعِهِ وفِيهِ الإناءُ الفِضَّةُ المُمَوَّهُ بِالذَّهَبِ، فَرَفَعُوهُما إلى النَّبِيِّ ﷺ، فَذَكَرُوا ذَلِكَ لَهُ، فَأُنْزِلَتْ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكُمْ﴾ الآيَةَ. (p-٥٧٧)وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: «كانَ تَمِيمٌ الدّارِيُّ، وعَدِيُّ بْنُ بَدّاءٍ رَجُلَيْنِ نَصْرانِيَّيْنِ يَتَّجِرانِ إلى مَكَّةَ في الجاهِلِيَّةِ، ويُطِيلانِ الإقامَةَ بِها، فَلَمّا هاجَرَ النَّبِيُّ ﷺ حَوَّلا مَتْجَرَهُما إلى المَدِينَةِ، فَخَرَجَ بُدَيْلُ بْنُ أبِي مارِيَةَ مَوْلى عَمْرِو بْنِ العاصِي تاجِرًا، حَتّى قَدِمَ المَدِينَةَ فَخَرَجُوا جَمِيعًا تُجّارًا إلى الشّامِ، حَتّى إذا كانُوا بِبَعْضِ الطَّرِيقِ اشْتَكى بُدَيْلٌ فَكَتَبَ وصِيَّتَهُ بِيَدِهِ، ثُمَّ دَسَّها في مَتاعِهِ، وأوْصى إلَيْهِما، فَلَمّا ماتَ فَتَحا مَتاعَهُ، فَأخَذا مِنهُ شَيْئًا ثُمَّ حَجَزاهُ، كَما كانَ، وقَدِما المَدِينَةَ عَلى أهْلِهِ، فَدَفَعا مَتاعَهُ، فَفَتَحَ أهْلُهُ مَتاعَهُ، فَوَجَدُوا كِتابَهُ، وعَهْدَهُ وما خَرَجَ بِهِ، وفَقَدُوا شَيْئًا فَسَألُوهُما عَنْهُ، فَقالُوا: هَذا الَّذِي قَبَضْنا لَهُ، ودَفَعَ إلَيْنا، فَقالُوا لَهُما: هَذا كِتابُهُ بِيَدِهِ، قالا: ما كَتَمْنا لَهُ شَيْئًا، فَتَرافَعُوا إلى النَّبِيِّ ﷺ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكم إذا حَضَرَ أحَدَكُمُ المَوْتُ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿إنّا إذًا لَمِنَ الآثِمِينَ﴾ فَأمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنْ يَسْتَحْلِفُوهُما في دُبُرِ صَلاةِ العَصْرِ بِاللَّهِ الَّذِي لا إلَهَ إلّا هو ما قَبَضْنا لَهُ غَيْرَ هَذا، ولا كَتَمْنا، فَمَكَثا ما شاءَ اللَّهُ أنْ يَمْكُثا، ثُمَّ ظَهَرَ مَعَهُما عَلى إناءٍ مِن فِضَّةٍ مَنقُوشٍ مُمَوَّهٍ بِذَهَبٍ، فَقالَ أهْلُهُ: هَذا مِن مَتاعِهِ، قالا: نَعَمْ، ولَكِنّا اشْتَرَيْناهُ مِنهُ، ونَسِينا أنْ نَذْكُرَهُ حِينَ حَلَفْنا، فَكَرِهْنا أنْ نُكَذِّبَ نُفُوسَنا، فَتَرافَعُوا إلى النَّبِيِّ ﷺ فَنَزَلَتِ الآيَةُ الأُخْرى: ﴿فَإنْ عُثِرَ عَلى أنَّهُما اسْتَحَقّا إثْمًا﴾ فَأمَرَ النَّبِيُّ ﷺ رَجُلَيْنِ مِن أهْلِ المَيِّتِ أنْ يَحْلِفا عَلى ما كَتَما وغَيَّبا، ويَسْتَحِقّانِهِ، ثُمَّ إنَّ تَمِيمًا الدّارِيَّ أسْلَمَ وبايَعَ (p-٥٧٨)النَّبِيَّ ﷺ، وكانَ يَقُولُ: صَدَقَ اللَّهُ ورَسُولُهُ، أنا أخَذْتُ الإناءَ، ثُمَّ قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّ اللَّهَ يُظْهِرُكَ عَلى أهْلِ الأرْضِ كُلِّها، فَهَبْ لِي قَرْيَتَيْنِ مِن بَيْتِ لَحْمٍ - وهي القَرْيَةُ الَّتِي وُلِدَ فِيها عِيسى - فَكَتَبَ لَهُ بِها كِتابًا، فَلَمّا قَدِمَ عُمَرُ الشّامَ أتاهُ تَمِيمٌ بِكِتابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقالَ عُمَرُ: أنا حاضِرٌ ذَلِكَ، فَدَفَعَها إلَيْهِ» . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ عاصِمٍ، أنَّهُ قَرَأ: ﴿شَهادَةُ بَيْنِكُمْ﴾ مُضافٌ، بِرَفْعِ ﴿شَهادَةُ﴾ بِغَيْرِ نُونٍ، وبِخَفْضِ ﴿بَيْنِكُمْ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والنَّحّاسُ مِن طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكم إذا حَضَرَ أحَدَكُمُ المَوْتُ حِينَ الوَصِيَّةِ اثْنانِ ذَوا عَدْلٍ مِنكُمْ﴾ هَذا لِمَن ماتَ وعِنْدَهُ المُسْلِمُونَ، أمَرَهُ اللَّهُ أنْ يُشْهِدَ عَلى وصِيَّتِهِ عَدْلَيْنِ مِنَ المُسْلِمِينَ، ثُمَّ قالَ: ﴿أوْ آخَرانِ مِن غَيْرِكم إنْ أنْتُمْ ضَرَبْتُمْ في الأرْضِ﴾ فَهَذا لِمَن ماتَ ولَيْسَ عِنْدَهُ أحَدٌ مِنَ المُسْلِمِينَ، أمَرَهُ اللَّهُ بِشَهادَةِ رَجُلَيْنِ مِن غَيْرِ المُسْلِمِينَ، فَإنِ ارْتِيبَ بِشَهادَتِهِما اسْتُحْلِفا بِاللَّهِ بَعْدَ الصَّلاةِ: ما اشْتَرَيْنا بِشَهادَتِنا ثَمَنًا قَلِيلًا، فَإنِ اطَّلَعَ الأوْلِياءُ عَلى أنَّ الكافِرَيْنِ كَذَبا في شَهادَتِهِما، قامَ رَجُلانِ مِنَ الأوْلِياءِ فَحَلَفا بِاللَّهِ أنَّ شَهادَةَ الكافِرَيْنِ باطِلَةٌ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالىْ: ﴿فَإنْ عُثِرَ عَلى أنَّهُما اسْتَحَقّا إثْمًا﴾ يَقُولُ: إنِ اطَّلَعَ عَلى أنَّ الكافِرَيْنِ كَذَبا قامَ الأوْلَيانِ فَحَلَفا أنَّهُما كَذَبا، ذَلِكَ أدْنى أنْ يَأْتِيَ الكافِرانِ ﴿بِالشَّهادَةِ عَلى وجْهِها أوْ يَخافُوا أنْ تُرَدَّ أيْمانٌ بَعْدَ أيْمانِهِمْ﴾ فَتُتْرَكَ شَهادَةُ (p-٥٧٩)الكافِرَيْنِ، ويُحْكَمَ بِشَهادَةِ الأوْلِياءِ، فَلَيْسَ عَلى شُهُودِ المُسْلِمِينَ إقْسامٌ، إنَّما الإقْسامُ إذا كانا كافِرَيْنِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، مِن طَرِيقِ العَوْفِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿اثْنانِ ذَوا عَدْلٍ مِنكُمْ﴾ قالَ: مِن أهْلِ الإسْلامِ ﴿أوْ آخَرانِ مِن غَيْرِكُمْ﴾ قالَ: مِن غَيْرِ أهْلِ الإسْلامِ، وفي قَوْلِهِ: ﴿فَيُقْسِمانِ بِاللَّهِ﴾ يَقُولُ: يَحْلِفانِ بِاللَّهِ بَعْدَ الصَّلاةِ، وفي قَوْلِهِ: ﴿فَآخَرانِ يَقُومانِ مَقامَهُما﴾ قالَ: مِن أوْلِياءِ المَيِّتِ، فَيَحْلِفانِ بِاللَّهِ ﴿لَشَهادَتُنا أحَقُّ مِن شَهادَتِهِما﴾ يَقُولُ: فَيَحْلِفانِ بِاللَّهِ ما كانَ صاحِبُنا لِيُوصِيَ بِهَذا، وإنَّهُما لَكاذِبانِ، وفي قَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ أدْنى أنْ يَأْتُوا بِالشَّهادَةِ عَلى وجْهِها أوْ يَخافُوا أنْ تُرَدَّ أيْمانٌ بَعْدَ أيْمانِهِمْ﴾ يَعْنِي أوْلِياءَ المَيِّتِ، فَيَسْتَحِقُّونَ ما لَهُ بِأيْمانِهِمْ، ثُمَّ يُوضَعُ مِيراثُهُ كَما أمَرَ اللَّهُ، وتَبْطُلُ شَهادَةُ الكافِرَيْنِ، وهي مَنسُوخَةٌ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، أنَّهُ سُئِلَ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿اثْنانِ ذَوا عَدْلٍ مِنكُمْ﴾ قالَ: ما مِنَ الكِتابِ إلّا قَدْ جاءَ عَلى شَيْءٍ جاءَ عَلى إدْلالِهِ غَيْرَ هَذِهِ الآيَةِ، ولَئِنْ أنا لَمْ أُخْبِرْكم بِها لَأنا أجْهَلُ مِنَ الَّذِي يَتْرُكُ الغُسْلَ يَوْمَ الجُمُعَةِ، هَذا رَجُلٌ خَرَجَ مُسافِرًا ومَعَهُ مالٌ، فَأدْرَكَهُ قَدَرُهُ، فَإنْ وجَدَ رَجُلَيْنِ مِنَ المُسْلِمِينَ دَفَعَ إلَيْهِما تَرِكَتَهُ وأشْهَدَ عَلَيْهِما عَدْلَيْنِ مِنَ المُسْلِمِينَ، فَإنْ (p-٥٨٠)لَمْ يَجِدْ عَدْلَيْنِ مِنَ المُسْلِمِينَ فَرَجُلَيْنِ مِن أهْلِ الكِتابِ، فَإنْ أدّى فَسَبِيلُ ما أدّى، وإنْ هو جَحَدَ اسْتُحْلِفَ بِاللَّهِ الَّذِي لا إلَهَ إلّا هو دُبُرَ صَلاةٍ: إنَّ هَذا الَّذِي دُفِعَ إلَيَّ، وما غَيَّبْتُ مِنهُ شَيْئًا، فَإذا حَلَفَ بَرِئَ، فَإذا أتى بَعْدَ ذَلِكَ صاحِبا الكِتابِ فَشَهِدا عَلَيْهِ، ثُمَّ ادَّعى القَوْمُ عَلَيْهِ مِن تَسْمِيَتِهِمْ ما لَهُمْ، جُعِلَتْ أيْمانُ الوَرَثَةِ مَعَ شَهادَتِهِمْ، ثُمَّ اقْتَطَعُوا حَقَّهُ، فَذَلِكَ الَّذِي يَقُولُ اللَّهُ: ﴿اثْنانِ ذَوا عَدْلٍ مِنكم أوْ آخَرانِ مِن غَيْرِكُمْ﴾ . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ: ﴿شَهادَةُ بَيْنِكم إذا حَضَرَ أحَدَكُمُ المَوْتُ﴾ قالَ: أنْ يَمُوتَ المُؤْمِنُ فَيَحْضُرَ مَوْتَهُ مُسْلِمانِ أوْ كافِرانِ، لا يَحْضُرُهُ غَيْرُ اثْنَيْنِ مِنهُمْ، فَإنْ رَضِيَ ورَثَتُهُ بِما غابا عَنْهُ مِن تَرِكَتِهِ فَذَلِكَ، ويَحْلِفُ الشّاهِدانِ أنَّهُما صادِقانِ، ﴿فَإنْ عُثِرَ﴾ قالَ: وُجِدَ لَطْخٌ، أوْ لَبْسٌ، أوْ تَشْبِيهٌ، حَلَفَ الاِثْنانِ الأوْلَيانِ مِنَ الوَرَثَةِ، فاسْتَحَقّا، وأبْطَلا أيْمانَ الشّاهِدَيْنِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، والضِّياءُ في (المُخْتارَةِ)، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿أوْ آخَرانِ مِن غَيْرِكُمْ﴾ قالَ: مِن غَيْرِ المُسْلِمِينَ، مِن أهْلِ الكِتابِ. (p-٥٨١)وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ في قَوْلِهِ: ﴿اثْنانِ ذَوا عَدْلٍ مِنكُمْ﴾ قالَ: مِن أهْلِ دِينِكُمْ، ﴿أوْ آخَرانِ مِن غَيْرِكُمْ﴾ قالَ: مِن أهْلِ الكِتابِ، إذا كانَ بِبِلادٍ لا يَجِدُ غَيْرَهم. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ شُرَيْحٍ قالَ: لا تَجُوزُ شَهادَةُ اليَهُودِيِّ، ولا النَّصْرانِيِّ إلّا في وصِيَّةٍ، ولا تَجُوزُ في وصِيَّةٍ إلّا في سَفَرٍ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وأبُو عُبَيْدٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والطَّبَرانِيُّ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، أنَّ رَجُلًا مِنَ المُسْلِمِينَ حَضَرَتْهُ الوَفاةُ بِدَقُوقاءَ، ولَمْ يَجِدْ أحَدًا مِنَ المُسْلِمِينَ يَشْهَدُ عَلى وصِيَّتِهِ، فَأشْهَدَ رَجُلَيْنِ مِن أهْلِ الكِتابِ، فَقَدِما الكُوفَةَ، فَأتَيا أبا مُوسى الأشْعَرِيَّ، فَأخْبَراهُ، وقَدِما بِتَرِكَتِهِ ووَصِيَّتِهِ، فَقالَ الأشْعَرِيُّ: هَذا أمْرٌ لَمْ يَكُنْ بَعْدَ الَّذِي كانَ في عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ، فَأحْلَفَهُما بَعْدَ العَصْرِ بِاللَّهِ ما خانا، ولا كَذَبا، ولا بَدَّلا، ولا كَتَما، ولا غَيَّرا، وإنَّها لَوَصِيَّةُ الرَّجُلِ وتَرِكَتُهُ، فَأمْضى شَهادَتَهُما. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ في قَوْلِهِ: ﴿شَهادَةُ بَيْنِكُمْ﴾ الآيَةَ كُلَّها، قالَ: كانَ ذَلِكَ في رَجُلٍ تُوُفِّيَ ولَيْسَ عِنْدَهُ أحَدٌ مِن أهْلِ الإسْلامِ، وذَلِكَ في أوَّلِ (p-٥٨٢)الإسْلامِ، والأرْضُ حَرْبٌ، والنّاسُ كُفّارٌ، إلّا أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وأصْحابَهُ بِالمَدِينَةِ، وكانَ النّاسُ يَتَوارَثُونَ بِالوَصِيَّةِ، ثُمَّ نُسِخَتِ الوَصِيَّةُ، وفُرِضَتِ الفَرائِضُ، وعَمِلَ المُسْلِمُونَ بِها. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قالَ: مَضَتِ السُّنَّةُ ألّا تَجُوزَ شَهادَةُ كافِرٍ في حَضَرٍ ولا سَفَرٍ، إنَّما هي في المُسْلِمِينَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: هَذِهِ الآيَةُ مَنسُوخَةٌ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ عِكْرِمَةَ: ﴿أوْ آخَرانِ مِن غَيْرِكُمْ﴾ قالَ: مِنَ المُسْلِمِينَ مِن غَيْرِ حَيِّهِ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والنَّحّاسُ، وأبُو الشَّيْخِ، والبَيْهَقِيُّ في ”سُنَنِهِ“، عَنِ الحَسَنِ: ﴿اثْنانِ ذَوا عَدْلٍ مِنكُمْ﴾ قالَ: مِن قَبِيلَتِكُمْ، ﴿أوْ آخَرانِ مِن غَيْرِكُمْ﴾ قالَ: مِن غَيْرِ قَبِيلَتِكُمْ، ألا تَرى أنَّهُ يَقُولُ: ﴿تَحْبِسُونَهُما مِن بَعْدِ الصَّلاةِ﴾ كُلُّهم مِنَ المُسْلِمِينَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، مِن طَرِيقِ عُقَيْلٍ قالَ: سَألْتُ ابْنَ شِهابٍ (p-٥٨٣)عَنْ هَذِهِ الآيَةِ، قُلْتُ: أرَأيْتَ الِاثْنَيْنِ اللَّذَيْنِ ذَكَرَ اللَّهُ مِن غَيْرِ أهْلِ المَرْءِ المُوصِي، أهُما مِنَ المُسْلِمِينَ أوْ هُما مِن أهْلِ الكِتابِ؟ وأرَأيْتَ الآخَرَيْنِ اللَّذَيْنِ يَقُومانِ مَقامَهُما، أتُراهُما مِن أهْلِ المَرْءِ المُوصِي، أمْ هُما مِن غَيْرِ المُسْلِمِينَ؟ قالَ ابْنُ شِهابٍ: لَمْ نَسْمَعْ في هَذِهِ الآيَةِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ولا عَنْ أئِمَّةِ العامَّةِ سُنَّةً أذْكُرُها، وقَدْ كُنّا نَتَذاكَرُها أُناسًا مِن عُلَمائِنا أحْيانًا، فَلا يَذْكُرُونَ فِيها سُنَّةً مَعْلُومَةً، ولا قَضاءً مِن إمامٍ عادِلٍ، ولَكِنَّهُ يَخْتَلِفُ فِيها رَأْيُهُمْ، وكانَ أعْجَبَهم فِيها رَأْيًا إلَيْنا الَّذِينَ كانُوا يَقُولُونَ: هي فِيما بَيْنَ أهْلِ المِيراثِ مِنَ المُسْلِمِينَ، يَشْهَدُ بَعْضُهُمُ المَيِّتَ الَّذِي يَرِثُونَهُ، ويَغِيبُ عَنْهُ بَعْضُهُمْ، ويَشْهَدُ مَن شَهِدَهُ عَلى ما أوْصى بِهِ لِذَوِي القُرْبى، فَيُخْبِرُونَ مَن غابَ عَنْهُ مِنهم بِما حَضَرُوا مِن وصِيَّةٍ، فَإنْ سَلَّمُوا جازَتْ وصِيَّتُهُ، وإنِ ارْتابُوا أنْ يَكُونُوا بَدَّلُوا قَوْلَ المَيِّتِ، وآثَرُوا بِالوَصِيَّةِ مَن أرادُوا مِمَّنْ لَمْ يُوصِ لَهُمُ المَيِّتُ بِشَيْءٍ، حَلَفَ اللَّذانِ يَشْهَدانِ عَلى ذَلِكَ بَعْدَ الصَّلاةِ، وهي صَلاةُ المُسْلِمِينَ: ﴿فَيُقْسِمانِ بِاللَّهِ إنِ ارْتَبْتُمْ لا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا ولَوْ كانَ ذا قُرْبى ولا نَكْتُمُ شَهادَةَ اللَّهِ إنّا إذًا لَمِنَ الآثِمِينَ﴾ فَإذا أقْسَما عَلى ذَلِكَ جازَتْ شَهادَتُهُما وأيْمانُهُما، ما لَمْ يُعْثَرْ عَلى أنَّهُما اسْتَحَقّا إثْمًا في شَيْءٍ مِن ذَلِكَ، قامَ آخَرانِ مَقامَهُما مِن أهْلِ المِيراثِ مِنَ الخَصْمِ الَّذِينَ يُنْكِرُونَ ما يَشْهَدُ بِهِ عَلَيْهِ الأوَّلانِ المُسْتَحْلَفانِ أوَّلَ مَرَّةٍ، فَيُقْسِمانِ بِاللَّهِ: لَشَهادَتُنا عَلى تَكْذِيبِكُما أوْ إبْطالِ ما شَهِدْتُما بِهِ، ﴿وما اعْتَدَيْنا إنّا إذًا لَمِنَ الظّالِمِينَ﴾ . (p-٥٨٤)وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عُبَيْدَةَ في قَوْلِهِ: ﴿تَحْبِسُونَهُما مِن بَعْدِ الصَّلاةِ﴾ قالَ: صَلاةِ العَصْرِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ زَيْدٍ في قَوْلِهِ: ﴿لا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا﴾ قالَ: لا نَأْخُذُ بِهِ رِشْوَةً، ﴿ولا نَكْتُمُ شَهادَةَ اللَّهِ﴾ وإنْ كانَ صاحِبُها بَعِيدًا. وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عامِرٍ الشَّعْبِيِّ، أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ: (ولا نَكْتُمُ شَهادَةً) يَعْنِي بِقَطْعِ الكَلامِ مُنَوَّنًا (أللَّهِ) بِقَطْعِ الألِفِ، وخَفْضِ اسْمِ اللَّهِ عَلى القَسَمِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ أبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ، أنَّهُ كانَ يَقْرَؤُها: (ولا نَكْتُمُ شَهادَةَ آللَّهِ) ويَقُولُ: هو قَسَمٌ. وأخْرَجَ عَنْ عاصِمٍ: ﴿ولا نَكْتُمُ شَهادَةَ اللَّهِ﴾ مُضافٌ بِنَصْبِ ﴿شَهادَةُ﴾ ولا يُنَوَّنُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿فَإنْ عُثِرَ عَلى أنَّهُما اسْتَحَقّا إثْمًا﴾ أيِ: اطُّلِعَ مِنهُما عَلى خِيانَةٍ، عَلى أنَّهُما كَذَبا أوْ كَتَما، فَشَهِدَ رَجُلانِ هُما أعْدَلُ مِنهُما بِخِلافِ ما قالا، أُجِيزَ شَهادَةُ الآخِرَيْنِ، وبَطَلَتْ شَهادَةُ الأوَّلَيْنِ. (p-٥٨٥)وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وأبُو عُبَيْدٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ، أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ: ﴿مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الأوْلَيانِ﴾ بِفَتْحِ التّاءِ. وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ، «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَرَأ: ﴿مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الأوْلَيانِ﴾ [المائدة»: ١٠٧] . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ عَدِيٍّ، عَنْ أبِي مِجْلَزٍ، أنَّ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ قَرَأ: ﴿مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الأوْلَيانِ﴾ قالَ عُمَرُ: كَذَبْتَ، قالَ: أنْتَ أكْذَبُ، فَقالَ رَجُلٌ: تُكَذِّبُ أمِيرَ المُؤْمِنِينَ؟ قالَ: أنا أشَدُّ تَعْظِيمًا لِحَقِّ أمِيرِ المُؤْمِنِينَ مِنكَ، ولَكِنْ كَذَّبْتُهُ في تَصْدِيقِ كِتابِ اللَّهِ، ولَمْ أُصَدِّقْ أمِيرَ المُؤْمِنِينَ في تَكْذِيبِ كِتابِ اللَّهِ، فَقالَ عُمَرُ: صَدَقَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ يَحْيى بْنِ يَعْمَرَ، أنَّهُ قَرَأها: ﴿الأوْلَيانِ﴾ وقالَ: هُما الوَلِيّانِ. وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ: (مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الأوَّلَيْنِ)، ويَقُولُ: أرَأيْتَ لَوْ كانَ الأوْلَيانِ صَغِيرَيْنِ كَيْفَ يَقُومانِ مَقامَهُما؟ (p-٥٨٦)وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ أبِي العالِيَةِ أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ: (الأوَّلِينَ)، مُشَدَّدَةً عَلى الجِماعِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ عاصِمٍ: (مِنَ الَّذِينَ اسْتُحِقَّ) بِرَفْعِ التّاءِ وكَسْرِ الحاءِ، (عَلَيْهِمُ الأوَّلِينَ) مُشَدَّدَةً عَلى الجِماعِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ زَيْدٍ في قَوْلِهِ: ﴿الأوْلَيانِ﴾ قالَ: بِالمَيِّتِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ أدْنى أنْ يَأْتُوا بِالشَّهادَةِ عَلى وجْهِها﴾ يَقُولُ: ذَلِكَ أحْرى أنْ يُصَدَّقُوا في شَهادَتِهِمْ، ﴿أوْ يَخافُوا أنْ تُرَدَّ أيْمانٌ بَعْدَ أيْمانِهِمْ﴾ يَقُولُ: وأنْ يَخافُوا العَقِبَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ زَيْدٍ في قَوْلِهِ: ﴿أوْ يَخافُوا أنْ تُرَدَّ أيْمانٌ بَعْدَ أيْمانِهِمْ﴾ قالَ: فَتَبْطُلُ أيْمانُهُمْ، وتُؤْخَذُ أيْمانُ هَؤُلاءِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُقاتِلٍ في قَوْلِهِ: ﴿واتَّقُوا اللَّهَ واسْمَعُوا﴾ قالَ: يَعْنِي القَضاءَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ زَيْدٍ في قَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ لا يَهْدِي (p-٥٨٧)القَوْمَ الفاسِقِينَ﴾ قالَ: الكاذِبِينَ الَّذِينَ يَحْلِفُونَ عَلى الكَذِبِ.

المائدة 5:108

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكُمْ﴾ الآيَةَ. أخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وضَعَّفَهُ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والنَّحّاسُ في (ناسِخِهِ)، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ في (المَعْرِفَةِ)، مِن طَرِيقِ أبِي النَّضْرِ، وهو الكَلْبِيُّ، عَنْ باذانَ مَوْلى أُمِّ هانِئٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، عَنْ تَمِيمٍ الدّارِيِّ في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكم إذا حَضَرَ أحَدَكُمُ المَوْتُ﴾ قالَ: بَرِئَ النّاسُ مِنها غَيْرِي وغَيْرَ عَدِيِّ بْنِ بَدّاءٍ، وكانا نَصْرانِيَّيْنِ يَخْتَلِفانِ إلى الشّامِ قَبْلَ الإسْلامِ، فَأتَيا الشّامَ لِتِجارَتِهِما، وقَدِمَ عَلَيْهِما مَوْلًى لِبَنِي سَهْمٍ يُقالُ (p-٥٧٥)لَهُ: بُدَيْلُ بْنُ أبِي مَرْيَمَ، بِتِجارَةٍ، ومَعَهُ جامٌ مِن فِضَّةٍ، يُرِيدُ بِهِ المَلِكَ، وهو عُظْمُ تِجارَتِهِ، فَمَرِضَ، فَأوْصى إلَيْهِما، وأمَرَهُما أنْ يُبَلِّغا ما تَرَكَ أهْلَهُ، قالَ تَمِيمٌ: فَلَمّا ماتَ أخَذْنا ذَلِكَ الجامَ فَبِعْناهُ بِألْفِ دِرْهَمٍ، ثُمَّ اقْتَسَمْناهُ أنا وعَدِيُّ بْنُ بَدّاءٍ، فَلَمّا قَدِمْنا إلى أهْلِهِ دَفَعْنا إلَيْهِمْ ما كانَ مَعَنا، وفَقَدُوا الجامَ فَسَألُونا عَنْهُ، فَقُلْنا: ما تَرَكَ غَيْرَ هَذا، وما دَفَعَ إلَيْنا غَيْرَهُ، قالَ تَمِيمٌ: فَلَمّا أسْلَمْتُ بَعْدَ قُدُومِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ المَدِينَةَ تَأثَّمْتُ مِن ذَلِكَ، فَأتَيْتُ أهْلَهُ فَأخْبَرْتُهُمُ الخَبَرَ وأدَّيْتُ إلَيْهِمْ خَمْسَمِائَةِ دِرْهَمٍ، وأخْبَرْتُهم أنَّ عِنْدَ صاحِبِي مِثْلَها، فَأتَوْا بِهِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَسَألَهُمُ البَيِّنَةَ فَلَمْ يَجِدُوا، فَأمَرَهم أنْ يَسْتَحْلِفُوهُ بِما يُعَظَّمُ بِهِ عَلى أهْلِ دِينِهِ، فَحَلَفَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكُمْ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿أنْ تُرَدَّ أيْمانٌ بَعْدَ أيْمانِهِمْ﴾ فَقامَ عَمْرُو بْنُ العاصِي، ورَجُلٌ آخَرُ فَحَلَفا فَنُزِعَتِ الخَمْسُمِائَةِ دِرْهَمٍ مِن عَدِيِّ بْنِ بَدّاءٍ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ في (تارِيخِهِ)، والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والنَّحّاسُ، والطَّبَرانِيُّ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في ”سُنَنِهِ“، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: خَرَجَ رَجُلٌ مِن بَنِي سَهْمٍ مَعَ تَمِيمٍ الدّارِيِّ، وعَدِيِّ بْنِ بَدّاءٍ، فَماتَ السَّهْمِيُّ بِأرْضٍ لَيْسَ فِيها مُسْلِمٌ، فَأوْصى إلَيْهِما، فَلَمّا قَدِما بِتَرِكَتِهِ فَقَدُوا جامًا مِن فِضَّةٍ مُخَوَّصًا بِالذَّهَبِ، فَأحْلَفَهُما رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِاللَّهِ: ما كَتَمْتُماها ولا اطَّلَعْتُما، ثُمَّ وجَدُوا الجامَ بِمَكَّةَ، فَقِيلَ: اشْتَرَيْناهُ مِن تَمِيمٍ وعَدِيٍّ، (p-٥٧٦)فَقامَ رَجُلانِ مِن أوْلِياءِ السَّهْمِيِّ، فَحَلَفا بِاللَّهِ لَشَهادَتُنا أحَقُّ مِن شَهادَتِهِما، وإنَّ الجامَ لِصاحِبِهِمْ، وأخَذُوا الجامَ، قالَ: وفِيهِمْ نَزَلَتْ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكُمْ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ مَندَهْ، وأبُو نُعَيْمٍ في (المَعْرِفَةِ)، مِن طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ مَرْوانَ، عَنِ الكَلْبِيِّ، عَنْ أبِي صالِحٍ، عَنِ المُطَّلِبِ بْنِ أبِي وداعَةَ قالَ: خَرَجَ ثَلاثَةُ نَفَرٍ تُجّارًا، عَدِيُّ بْنُ بَدّاءٍ، وتَمِيمُ بْنُ أوْسٍ الدّارِيُّ، وخَرَجَ مَعَهم بُدَيْلُ بْنُ أبِي مارِيَةَ مَوْلى عَمْرِو بْنِ العاصِي، وكانَ مُسْلِمًا، حَتّى إذا قَدِمُوا الشّامَ مَرِضَ بُدَيْلٌ، فَكَتَبَ كِتابًا في صَحِيفَةٍ فِيهِ جَمِيعُ ما مَعَهُ، وفَسَّرَهُ، ثُمَّ طَرَحَهُ في جُوالِقِهِ، فَلَمّا اشْتَدَّ مَرَضُهُ أوْصى إلى تَمِيمٍ وإلى عَدِيٍّ النَّصْرانِيَّيْنِ، فَأمَرَهُما أنْ يَدْفَعا مَتاعَهُ إذا رَجَعا إلى أهْلِهِ، قالَ: وماتَ بُدَيْلٌ، فَقَبَضا مَتاعَهُ، فَفَتَّشاهُ وأخَذا مِنهُ إناءً كانَ فِيهِ مِن فِضَّةٍ مَنقُوشًا بِالذَّهَبِ، فِيهِ ثَلاثُمِائَةِ مِثْقالٍ مُمَوَّهٍ بِالذَّهَبِ، فانْصَرَفا فَقَدِما المَدِينَةَ، فَدَفَعا المَتاعَ إلى أهْلِ المَيِّتِ، فَفَتَّشُوا المَتاعَ، فَوَجَدُوا الصَّحِيفَةَ، فِيها تَسْمِيَةُ ما كانَ فِيها مِن مَتاعِهِ وفِيهِ الإناءُ الفِضَّةُ المُمَوَّهُ بِالذَّهَبِ، فَرَفَعُوهُما إلى النَّبِيِّ ﷺ، فَذَكَرُوا ذَلِكَ لَهُ، فَأُنْزِلَتْ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكُمْ﴾ الآيَةَ. (p-٥٧٧)وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: «كانَ تَمِيمٌ الدّارِيُّ، وعَدِيُّ بْنُ بَدّاءٍ رَجُلَيْنِ نَصْرانِيَّيْنِ يَتَّجِرانِ إلى مَكَّةَ في الجاهِلِيَّةِ، ويُطِيلانِ الإقامَةَ بِها، فَلَمّا هاجَرَ النَّبِيُّ ﷺ حَوَّلا مَتْجَرَهُما إلى المَدِينَةِ، فَخَرَجَ بُدَيْلُ بْنُ أبِي مارِيَةَ مَوْلى عَمْرِو بْنِ العاصِي تاجِرًا، حَتّى قَدِمَ المَدِينَةَ فَخَرَجُوا جَمِيعًا تُجّارًا إلى الشّامِ، حَتّى إذا كانُوا بِبَعْضِ الطَّرِيقِ اشْتَكى بُدَيْلٌ فَكَتَبَ وصِيَّتَهُ بِيَدِهِ، ثُمَّ دَسَّها في مَتاعِهِ، وأوْصى إلَيْهِما، فَلَمّا ماتَ فَتَحا مَتاعَهُ، فَأخَذا مِنهُ شَيْئًا ثُمَّ حَجَزاهُ، كَما كانَ، وقَدِما المَدِينَةَ عَلى أهْلِهِ، فَدَفَعا مَتاعَهُ، فَفَتَحَ أهْلُهُ مَتاعَهُ، فَوَجَدُوا كِتابَهُ، وعَهْدَهُ وما خَرَجَ بِهِ، وفَقَدُوا شَيْئًا فَسَألُوهُما عَنْهُ، فَقالُوا: هَذا الَّذِي قَبَضْنا لَهُ، ودَفَعَ إلَيْنا، فَقالُوا لَهُما: هَذا كِتابُهُ بِيَدِهِ، قالا: ما كَتَمْنا لَهُ شَيْئًا، فَتَرافَعُوا إلى النَّبِيِّ ﷺ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكم إذا حَضَرَ أحَدَكُمُ المَوْتُ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿إنّا إذًا لَمِنَ الآثِمِينَ﴾ فَأمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنْ يَسْتَحْلِفُوهُما في دُبُرِ صَلاةِ العَصْرِ بِاللَّهِ الَّذِي لا إلَهَ إلّا هو ما قَبَضْنا لَهُ غَيْرَ هَذا، ولا كَتَمْنا، فَمَكَثا ما شاءَ اللَّهُ أنْ يَمْكُثا، ثُمَّ ظَهَرَ مَعَهُما عَلى إناءٍ مِن فِضَّةٍ مَنقُوشٍ مُمَوَّهٍ بِذَهَبٍ، فَقالَ أهْلُهُ: هَذا مِن مَتاعِهِ، قالا: نَعَمْ، ولَكِنّا اشْتَرَيْناهُ مِنهُ، ونَسِينا أنْ نَذْكُرَهُ حِينَ حَلَفْنا، فَكَرِهْنا أنْ نُكَذِّبَ نُفُوسَنا، فَتَرافَعُوا إلى النَّبِيِّ ﷺ فَنَزَلَتِ الآيَةُ الأُخْرى: ﴿فَإنْ عُثِرَ عَلى أنَّهُما اسْتَحَقّا إثْمًا﴾ فَأمَرَ النَّبِيُّ ﷺ رَجُلَيْنِ مِن أهْلِ المَيِّتِ أنْ يَحْلِفا عَلى ما كَتَما وغَيَّبا، ويَسْتَحِقّانِهِ، ثُمَّ إنَّ تَمِيمًا الدّارِيَّ أسْلَمَ وبايَعَ (p-٥٧٨)النَّبِيَّ ﷺ، وكانَ يَقُولُ: صَدَقَ اللَّهُ ورَسُولُهُ، أنا أخَذْتُ الإناءَ، ثُمَّ قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّ اللَّهَ يُظْهِرُكَ عَلى أهْلِ الأرْضِ كُلِّها، فَهَبْ لِي قَرْيَتَيْنِ مِن بَيْتِ لَحْمٍ - وهي القَرْيَةُ الَّتِي وُلِدَ فِيها عِيسى - فَكَتَبَ لَهُ بِها كِتابًا، فَلَمّا قَدِمَ عُمَرُ الشّامَ أتاهُ تَمِيمٌ بِكِتابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقالَ عُمَرُ: أنا حاضِرٌ ذَلِكَ، فَدَفَعَها إلَيْهِ» . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ عاصِمٍ، أنَّهُ قَرَأ: ﴿شَهادَةُ بَيْنِكُمْ﴾ مُضافٌ، بِرَفْعِ ﴿شَهادَةُ﴾ بِغَيْرِ نُونٍ، وبِخَفْضِ ﴿بَيْنِكُمْ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والنَّحّاسُ مِن طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكم إذا حَضَرَ أحَدَكُمُ المَوْتُ حِينَ الوَصِيَّةِ اثْنانِ ذَوا عَدْلٍ مِنكُمْ﴾ هَذا لِمَن ماتَ وعِنْدَهُ المُسْلِمُونَ، أمَرَهُ اللَّهُ أنْ يُشْهِدَ عَلى وصِيَّتِهِ عَدْلَيْنِ مِنَ المُسْلِمِينَ، ثُمَّ قالَ: ﴿أوْ آخَرانِ مِن غَيْرِكم إنْ أنْتُمْ ضَرَبْتُمْ في الأرْضِ﴾ فَهَذا لِمَن ماتَ ولَيْسَ عِنْدَهُ أحَدٌ مِنَ المُسْلِمِينَ، أمَرَهُ اللَّهُ بِشَهادَةِ رَجُلَيْنِ مِن غَيْرِ المُسْلِمِينَ، فَإنِ ارْتِيبَ بِشَهادَتِهِما اسْتُحْلِفا بِاللَّهِ بَعْدَ الصَّلاةِ: ما اشْتَرَيْنا بِشَهادَتِنا ثَمَنًا قَلِيلًا، فَإنِ اطَّلَعَ الأوْلِياءُ عَلى أنَّ الكافِرَيْنِ كَذَبا في شَهادَتِهِما، قامَ رَجُلانِ مِنَ الأوْلِياءِ فَحَلَفا بِاللَّهِ أنَّ شَهادَةَ الكافِرَيْنِ باطِلَةٌ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالىْ: ﴿فَإنْ عُثِرَ عَلى أنَّهُما اسْتَحَقّا إثْمًا﴾ يَقُولُ: إنِ اطَّلَعَ عَلى أنَّ الكافِرَيْنِ كَذَبا قامَ الأوْلَيانِ فَحَلَفا أنَّهُما كَذَبا، ذَلِكَ أدْنى أنْ يَأْتِيَ الكافِرانِ ﴿بِالشَّهادَةِ عَلى وجْهِها أوْ يَخافُوا أنْ تُرَدَّ أيْمانٌ بَعْدَ أيْمانِهِمْ﴾ فَتُتْرَكَ شَهادَةُ (p-٥٧٩)الكافِرَيْنِ، ويُحْكَمَ بِشَهادَةِ الأوْلِياءِ، فَلَيْسَ عَلى شُهُودِ المُسْلِمِينَ إقْسامٌ، إنَّما الإقْسامُ إذا كانا كافِرَيْنِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، مِن طَرِيقِ العَوْفِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿اثْنانِ ذَوا عَدْلٍ مِنكُمْ﴾ قالَ: مِن أهْلِ الإسْلامِ ﴿أوْ آخَرانِ مِن غَيْرِكُمْ﴾ قالَ: مِن غَيْرِ أهْلِ الإسْلامِ، وفي قَوْلِهِ: ﴿فَيُقْسِمانِ بِاللَّهِ﴾ يَقُولُ: يَحْلِفانِ بِاللَّهِ بَعْدَ الصَّلاةِ، وفي قَوْلِهِ: ﴿فَآخَرانِ يَقُومانِ مَقامَهُما﴾ قالَ: مِن أوْلِياءِ المَيِّتِ، فَيَحْلِفانِ بِاللَّهِ ﴿لَشَهادَتُنا أحَقُّ مِن شَهادَتِهِما﴾ يَقُولُ: فَيَحْلِفانِ بِاللَّهِ ما كانَ صاحِبُنا لِيُوصِيَ بِهَذا، وإنَّهُما لَكاذِبانِ، وفي قَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ أدْنى أنْ يَأْتُوا بِالشَّهادَةِ عَلى وجْهِها أوْ يَخافُوا أنْ تُرَدَّ أيْمانٌ بَعْدَ أيْمانِهِمْ﴾ يَعْنِي أوْلِياءَ المَيِّتِ، فَيَسْتَحِقُّونَ ما لَهُ بِأيْمانِهِمْ، ثُمَّ يُوضَعُ مِيراثُهُ كَما أمَرَ اللَّهُ، وتَبْطُلُ شَهادَةُ الكافِرَيْنِ، وهي مَنسُوخَةٌ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، أنَّهُ سُئِلَ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿اثْنانِ ذَوا عَدْلٍ مِنكُمْ﴾ قالَ: ما مِنَ الكِتابِ إلّا قَدْ جاءَ عَلى شَيْءٍ جاءَ عَلى إدْلالِهِ غَيْرَ هَذِهِ الآيَةِ، ولَئِنْ أنا لَمْ أُخْبِرْكم بِها لَأنا أجْهَلُ مِنَ الَّذِي يَتْرُكُ الغُسْلَ يَوْمَ الجُمُعَةِ، هَذا رَجُلٌ خَرَجَ مُسافِرًا ومَعَهُ مالٌ، فَأدْرَكَهُ قَدَرُهُ، فَإنْ وجَدَ رَجُلَيْنِ مِنَ المُسْلِمِينَ دَفَعَ إلَيْهِما تَرِكَتَهُ وأشْهَدَ عَلَيْهِما عَدْلَيْنِ مِنَ المُسْلِمِينَ، فَإنْ (p-٥٨٠)لَمْ يَجِدْ عَدْلَيْنِ مِنَ المُسْلِمِينَ فَرَجُلَيْنِ مِن أهْلِ الكِتابِ، فَإنْ أدّى فَسَبِيلُ ما أدّى، وإنْ هو جَحَدَ اسْتُحْلِفَ بِاللَّهِ الَّذِي لا إلَهَ إلّا هو دُبُرَ صَلاةٍ: إنَّ هَذا الَّذِي دُفِعَ إلَيَّ، وما غَيَّبْتُ مِنهُ شَيْئًا، فَإذا حَلَفَ بَرِئَ، فَإذا أتى بَعْدَ ذَلِكَ صاحِبا الكِتابِ فَشَهِدا عَلَيْهِ، ثُمَّ ادَّعى القَوْمُ عَلَيْهِ مِن تَسْمِيَتِهِمْ ما لَهُمْ، جُعِلَتْ أيْمانُ الوَرَثَةِ مَعَ شَهادَتِهِمْ، ثُمَّ اقْتَطَعُوا حَقَّهُ، فَذَلِكَ الَّذِي يَقُولُ اللَّهُ: ﴿اثْنانِ ذَوا عَدْلٍ مِنكم أوْ آخَرانِ مِن غَيْرِكُمْ﴾ . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ: ﴿شَهادَةُ بَيْنِكم إذا حَضَرَ أحَدَكُمُ المَوْتُ﴾ قالَ: أنْ يَمُوتَ المُؤْمِنُ فَيَحْضُرَ مَوْتَهُ مُسْلِمانِ أوْ كافِرانِ، لا يَحْضُرُهُ غَيْرُ اثْنَيْنِ مِنهُمْ، فَإنْ رَضِيَ ورَثَتُهُ بِما غابا عَنْهُ مِن تَرِكَتِهِ فَذَلِكَ، ويَحْلِفُ الشّاهِدانِ أنَّهُما صادِقانِ، ﴿فَإنْ عُثِرَ﴾ قالَ: وُجِدَ لَطْخٌ، أوْ لَبْسٌ، أوْ تَشْبِيهٌ، حَلَفَ الاِثْنانِ الأوْلَيانِ مِنَ الوَرَثَةِ، فاسْتَحَقّا، وأبْطَلا أيْمانَ الشّاهِدَيْنِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، والضِّياءُ في (المُخْتارَةِ)، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿أوْ آخَرانِ مِن غَيْرِكُمْ﴾ قالَ: مِن غَيْرِ المُسْلِمِينَ، مِن أهْلِ الكِتابِ. (p-٥٨١)وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ في قَوْلِهِ: ﴿اثْنانِ ذَوا عَدْلٍ مِنكُمْ﴾ قالَ: مِن أهْلِ دِينِكُمْ، ﴿أوْ آخَرانِ مِن غَيْرِكُمْ﴾ قالَ: مِن أهْلِ الكِتابِ، إذا كانَ بِبِلادٍ لا يَجِدُ غَيْرَهم. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ شُرَيْحٍ قالَ: لا تَجُوزُ شَهادَةُ اليَهُودِيِّ، ولا النَّصْرانِيِّ إلّا في وصِيَّةٍ، ولا تَجُوزُ في وصِيَّةٍ إلّا في سَفَرٍ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وأبُو عُبَيْدٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والطَّبَرانِيُّ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، أنَّ رَجُلًا مِنَ المُسْلِمِينَ حَضَرَتْهُ الوَفاةُ بِدَقُوقاءَ، ولَمْ يَجِدْ أحَدًا مِنَ المُسْلِمِينَ يَشْهَدُ عَلى وصِيَّتِهِ، فَأشْهَدَ رَجُلَيْنِ مِن أهْلِ الكِتابِ، فَقَدِما الكُوفَةَ، فَأتَيا أبا مُوسى الأشْعَرِيَّ، فَأخْبَراهُ، وقَدِما بِتَرِكَتِهِ ووَصِيَّتِهِ، فَقالَ الأشْعَرِيُّ: هَذا أمْرٌ لَمْ يَكُنْ بَعْدَ الَّذِي كانَ في عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ، فَأحْلَفَهُما بَعْدَ العَصْرِ بِاللَّهِ ما خانا، ولا كَذَبا، ولا بَدَّلا، ولا كَتَما، ولا غَيَّرا، وإنَّها لَوَصِيَّةُ الرَّجُلِ وتَرِكَتُهُ، فَأمْضى شَهادَتَهُما. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ في قَوْلِهِ: ﴿شَهادَةُ بَيْنِكُمْ﴾ الآيَةَ كُلَّها، قالَ: كانَ ذَلِكَ في رَجُلٍ تُوُفِّيَ ولَيْسَ عِنْدَهُ أحَدٌ مِن أهْلِ الإسْلامِ، وذَلِكَ في أوَّلِ (p-٥٨٢)الإسْلامِ، والأرْضُ حَرْبٌ، والنّاسُ كُفّارٌ، إلّا أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وأصْحابَهُ بِالمَدِينَةِ، وكانَ النّاسُ يَتَوارَثُونَ بِالوَصِيَّةِ، ثُمَّ نُسِخَتِ الوَصِيَّةُ، وفُرِضَتِ الفَرائِضُ، وعَمِلَ المُسْلِمُونَ بِها. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قالَ: مَضَتِ السُّنَّةُ ألّا تَجُوزَ شَهادَةُ كافِرٍ في حَضَرٍ ولا سَفَرٍ، إنَّما هي في المُسْلِمِينَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: هَذِهِ الآيَةُ مَنسُوخَةٌ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ عِكْرِمَةَ: ﴿أوْ آخَرانِ مِن غَيْرِكُمْ﴾ قالَ: مِنَ المُسْلِمِينَ مِن غَيْرِ حَيِّهِ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والنَّحّاسُ، وأبُو الشَّيْخِ، والبَيْهَقِيُّ في ”سُنَنِهِ“، عَنِ الحَسَنِ: ﴿اثْنانِ ذَوا عَدْلٍ مِنكُمْ﴾ قالَ: مِن قَبِيلَتِكُمْ، ﴿أوْ آخَرانِ مِن غَيْرِكُمْ﴾ قالَ: مِن غَيْرِ قَبِيلَتِكُمْ، ألا تَرى أنَّهُ يَقُولُ: ﴿تَحْبِسُونَهُما مِن بَعْدِ الصَّلاةِ﴾ كُلُّهم مِنَ المُسْلِمِينَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، مِن طَرِيقِ عُقَيْلٍ قالَ: سَألْتُ ابْنَ شِهابٍ (p-٥٨٣)عَنْ هَذِهِ الآيَةِ، قُلْتُ: أرَأيْتَ الِاثْنَيْنِ اللَّذَيْنِ ذَكَرَ اللَّهُ مِن غَيْرِ أهْلِ المَرْءِ المُوصِي، أهُما مِنَ المُسْلِمِينَ أوْ هُما مِن أهْلِ الكِتابِ؟ وأرَأيْتَ الآخَرَيْنِ اللَّذَيْنِ يَقُومانِ مَقامَهُما، أتُراهُما مِن أهْلِ المَرْءِ المُوصِي، أمْ هُما مِن غَيْرِ المُسْلِمِينَ؟ قالَ ابْنُ شِهابٍ: لَمْ نَسْمَعْ في هَذِهِ الآيَةِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ولا عَنْ أئِمَّةِ العامَّةِ سُنَّةً أذْكُرُها، وقَدْ كُنّا نَتَذاكَرُها أُناسًا مِن عُلَمائِنا أحْيانًا، فَلا يَذْكُرُونَ فِيها سُنَّةً مَعْلُومَةً، ولا قَضاءً مِن إمامٍ عادِلٍ، ولَكِنَّهُ يَخْتَلِفُ فِيها رَأْيُهُمْ، وكانَ أعْجَبَهم فِيها رَأْيًا إلَيْنا الَّذِينَ كانُوا يَقُولُونَ: هي فِيما بَيْنَ أهْلِ المِيراثِ مِنَ المُسْلِمِينَ، يَشْهَدُ بَعْضُهُمُ المَيِّتَ الَّذِي يَرِثُونَهُ، ويَغِيبُ عَنْهُ بَعْضُهُمْ، ويَشْهَدُ مَن شَهِدَهُ عَلى ما أوْصى بِهِ لِذَوِي القُرْبى، فَيُخْبِرُونَ مَن غابَ عَنْهُ مِنهم بِما حَضَرُوا مِن وصِيَّةٍ، فَإنْ سَلَّمُوا جازَتْ وصِيَّتُهُ، وإنِ ارْتابُوا أنْ يَكُونُوا بَدَّلُوا قَوْلَ المَيِّتِ، وآثَرُوا بِالوَصِيَّةِ مَن أرادُوا مِمَّنْ لَمْ يُوصِ لَهُمُ المَيِّتُ بِشَيْءٍ، حَلَفَ اللَّذانِ يَشْهَدانِ عَلى ذَلِكَ بَعْدَ الصَّلاةِ، وهي صَلاةُ المُسْلِمِينَ: ﴿فَيُقْسِمانِ بِاللَّهِ إنِ ارْتَبْتُمْ لا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا ولَوْ كانَ ذا قُرْبى ولا نَكْتُمُ شَهادَةَ اللَّهِ إنّا إذًا لَمِنَ الآثِمِينَ﴾ فَإذا أقْسَما عَلى ذَلِكَ جازَتْ شَهادَتُهُما وأيْمانُهُما، ما لَمْ يُعْثَرْ عَلى أنَّهُما اسْتَحَقّا إثْمًا في شَيْءٍ مِن ذَلِكَ، قامَ آخَرانِ مَقامَهُما مِن أهْلِ المِيراثِ مِنَ الخَصْمِ الَّذِينَ يُنْكِرُونَ ما يَشْهَدُ بِهِ عَلَيْهِ الأوَّلانِ المُسْتَحْلَفانِ أوَّلَ مَرَّةٍ، فَيُقْسِمانِ بِاللَّهِ: لَشَهادَتُنا عَلى تَكْذِيبِكُما أوْ إبْطالِ ما شَهِدْتُما بِهِ، ﴿وما اعْتَدَيْنا إنّا إذًا لَمِنَ الظّالِمِينَ﴾ . (p-٥٨٤)وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عُبَيْدَةَ في قَوْلِهِ: ﴿تَحْبِسُونَهُما مِن بَعْدِ الصَّلاةِ﴾ قالَ: صَلاةِ العَصْرِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ زَيْدٍ في قَوْلِهِ: ﴿لا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا﴾ قالَ: لا نَأْخُذُ بِهِ رِشْوَةً، ﴿ولا نَكْتُمُ شَهادَةَ اللَّهِ﴾ وإنْ كانَ صاحِبُها بَعِيدًا. وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عامِرٍ الشَّعْبِيِّ، أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ: (ولا نَكْتُمُ شَهادَةً) يَعْنِي بِقَطْعِ الكَلامِ مُنَوَّنًا (أللَّهِ) بِقَطْعِ الألِفِ، وخَفْضِ اسْمِ اللَّهِ عَلى القَسَمِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ أبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ، أنَّهُ كانَ يَقْرَؤُها: (ولا نَكْتُمُ شَهادَةَ آللَّهِ) ويَقُولُ: هو قَسَمٌ. وأخْرَجَ عَنْ عاصِمٍ: ﴿ولا نَكْتُمُ شَهادَةَ اللَّهِ﴾ مُضافٌ بِنَصْبِ ﴿شَهادَةُ﴾ ولا يُنَوَّنُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿فَإنْ عُثِرَ عَلى أنَّهُما اسْتَحَقّا إثْمًا﴾ أيِ: اطُّلِعَ مِنهُما عَلى خِيانَةٍ، عَلى أنَّهُما كَذَبا أوْ كَتَما، فَشَهِدَ رَجُلانِ هُما أعْدَلُ مِنهُما بِخِلافِ ما قالا، أُجِيزَ شَهادَةُ الآخِرَيْنِ، وبَطَلَتْ شَهادَةُ الأوَّلَيْنِ. (p-٥٨٥)وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وأبُو عُبَيْدٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ، أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ: ﴿مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الأوْلَيانِ﴾ بِفَتْحِ التّاءِ. وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ، «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَرَأ: ﴿مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الأوْلَيانِ﴾ [المائدة»: ١٠٧] . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ عَدِيٍّ، عَنْ أبِي مِجْلَزٍ، أنَّ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ قَرَأ: ﴿مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الأوْلَيانِ﴾ قالَ عُمَرُ: كَذَبْتَ، قالَ: أنْتَ أكْذَبُ، فَقالَ رَجُلٌ: تُكَذِّبُ أمِيرَ المُؤْمِنِينَ؟ قالَ: أنا أشَدُّ تَعْظِيمًا لِحَقِّ أمِيرِ المُؤْمِنِينَ مِنكَ، ولَكِنْ كَذَّبْتُهُ في تَصْدِيقِ كِتابِ اللَّهِ، ولَمْ أُصَدِّقْ أمِيرَ المُؤْمِنِينَ في تَكْذِيبِ كِتابِ اللَّهِ، فَقالَ عُمَرُ: صَدَقَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ يَحْيى بْنِ يَعْمَرَ، أنَّهُ قَرَأها: ﴿الأوْلَيانِ﴾ وقالَ: هُما الوَلِيّانِ. وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ: (مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الأوَّلَيْنِ)، ويَقُولُ: أرَأيْتَ لَوْ كانَ الأوْلَيانِ صَغِيرَيْنِ كَيْفَ يَقُومانِ مَقامَهُما؟ (p-٥٨٦)وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ أبِي العالِيَةِ أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ: (الأوَّلِينَ)، مُشَدَّدَةً عَلى الجِماعِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ عاصِمٍ: (مِنَ الَّذِينَ اسْتُحِقَّ) بِرَفْعِ التّاءِ وكَسْرِ الحاءِ، (عَلَيْهِمُ الأوَّلِينَ) مُشَدَّدَةً عَلى الجِماعِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ زَيْدٍ في قَوْلِهِ: ﴿الأوْلَيانِ﴾ قالَ: بِالمَيِّتِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ أدْنى أنْ يَأْتُوا بِالشَّهادَةِ عَلى وجْهِها﴾ يَقُولُ: ذَلِكَ أحْرى أنْ يُصَدَّقُوا في شَهادَتِهِمْ، ﴿أوْ يَخافُوا أنْ تُرَدَّ أيْمانٌ بَعْدَ أيْمانِهِمْ﴾ يَقُولُ: وأنْ يَخافُوا العَقِبَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ زَيْدٍ في قَوْلِهِ: ﴿أوْ يَخافُوا أنْ تُرَدَّ أيْمانٌ بَعْدَ أيْمانِهِمْ﴾ قالَ: فَتَبْطُلُ أيْمانُهُمْ، وتُؤْخَذُ أيْمانُ هَؤُلاءِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُقاتِلٍ في قَوْلِهِ: ﴿واتَّقُوا اللَّهَ واسْمَعُوا﴾ قالَ: يَعْنِي القَضاءَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ زَيْدٍ في قَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ لا يَهْدِي (p-٥٨٧)القَوْمَ الفاسِقِينَ﴾ قالَ: الكاذِبِينَ الَّذِينَ يَحْلِفُونَ عَلى الكَذِبِ.

المائدة 5:109

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ﴾ الآيَةَ. أخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وعَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ ماذا أُجِبْتُمْ﴾ فَيَفْزَعُونَ، فَيَقُولُ: ماذا أُجِبْتُمْ؟ فَيَقُولُونَ: لا عِلْمَ لَنا، فَتُرَدُّ إلَيْهِمْ أفْئِدَتُهُمْ، فَيَعْلَمُونَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ ماذا أُجِبْتُمْ قالُوا لا عِلْمَ لَنا﴾ قالَ: ذَلِكَ أنَّهم نَزَلُوا مَنزِلًا ذَهِلَتْ فِيهِ العُقُولُ، فَلَمّا سُئِلُوا قالُوا: لا عِلْمَ لَنا، ثُمَّ نَزَلُوا مَنزِلًا آخَرَ، فَشَهِدُوا عَلى قَوْمِهِمْ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، مِن طَرِيقِ عَلِيٍّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ ماذا أُجِبْتُمْ﴾ فَيَقُولُونَ لِلرَّبِّ تَبارَكَ وتَعالى: لا عِلْمَ لَنا إلّا عِلْمٌ أنْتَ أعْلَمُ بِهِ مِنّا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ مِن طَرِيقِ الضَّحّاكِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ ماذا أُجِبْتُمْ قالُوا لا عِلْمَ لَنا﴾ قالَ: فَرَقًا (p-٥٨٨)تَذْهَلُ عُقُولُهُمْ، ثُمَّ يَرُدُّ اللَّهُ إلَيْهِمْ عُقُولَهُمْ، فَيَكُونُونَ هُمُ الَّذِينَ يَسْألُونَ، يَقُولُ اللَّهُ: ﴿فَلَنَسْألَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ ولَنَسْألَنَّ المُرْسَلِينَ﴾ [الأعراف: ٦] [الأعْرافِ: ٦] . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿فَيَقُولُ ماذا أُجِبْتُمْ قالُوا لا عِلْمَ لَنا﴾ قالَ: مِن هَوْلِ ذَلِكَ اليَوْمِ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ قالَ: يَأْتِي عَلى الخَلْقِ ساعَةٌ يَذْهَلُ فِيها عَقْلُ كُلِّ ذِي عَقْلٍ ثُمَّ قَرَأ: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ﴾ . وأخْرَجَ الخَطِيبُ في (تارِيخِهِ)، عَنْ عَطاءِ بْنِ أبِي رَباحٍ قالَ: جاءَ نافِعُ بْنُ الأزْرَقِ إلى ابْنِ عَبّاسٍ فَقالَ: والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَتُفَسِّرَنَّ لِي آيًا مِن كِتابِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ أوْ لَأكْفُرَنَّ بِهِ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ويْحَكَ، أنا لَها اليَوْمَ، أيُّ آيٍ؟ قالَ: أخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِ اللَّهِ: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ ماذا أُجِبْتُمْ قالُوا لا عِلْمَ لَنا﴾ وقالَ في آيَةٍ أُخْرى: ﴿ونَزَعْنا مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا فَقُلْنا هاتُوا بُرْهانَكم فَعَلِمُوا أنَّ الحَقَّ لِلَّهِ﴾ [القصص: ٧٥] [القَصَصِ: ٧٥]، فَكَيْفَ عَلِمُوا، وقَدْ قالُوا: ﴿لا عِلْمَ لَنا﴾ ؟ وأخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِ اللَّهِ: ﴿ثُمَّ إنَّكم يَوْمَ القِيامَةِ عِنْدَ رَبِّكم تَخْتَصِمُونَ﴾ [الزمر: ٣١] [الزُّمَرِ: ٣١]، وقالَ في آيَةٍ أُخْرى: ﴿لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ﴾ [ق: ٢٨] [ق: ٢٨]، فَكَيْفَ يَخْتَصِمُونَ وقَدْ قالَ: ﴿لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ﴾ [ق: ٢٨] ؟ وأخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِ اللَّهِ: ﴿اليَوْمَ نَخْتِمُ عَلى أفْواهِهِمْ وتُكَلِّمُنا أيْدِيهِمْ وتَشْهَدُ أرْجُلُهُمْ﴾ [يس: ٦٥] [يس: ٦٥]، فَكَيْفَ شَهِدُوا وقَدْ خَتَمَ عَلى الأفْواهِ؟ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ يا ابْنَ الأزْرَقِ، إنَّ لِلْقِيامَةِ أحْوالًا وأهْوالًا، وفَظائِعَ وزَلازِلَ، فَإذا تَشَقَّقَتِ (p-٥٨٩)السَّماواتُ، وتَناثَرَتِ النُّجُومُ، وذَهَبَ ضَوْءُ الشَّمْسِ والقَمَرِ، وذَهَلَتِ الأُمَّهاتُ عَنِ الأوْلادِ، وقَذَفَتِ الحَوامِلُ ما في البُطُونِ، وسُجِّرَتِ البِحارُ، ودُكْدِكَتِ الجِبالُ، ولَمْ يَلْتَفِتْ والِدٌ إلى ولَدٍ، ولا ولَدٌ إلى والِدٍ، وجِيءَ بِالجَنَّةِ تَلُوحُ فِيها قِبابُ الدُّرِّ والياقُوتِ، حَتّى تُنْصَبَ عَلى يَمِينِ العَرْشِ، ثُمَّ جِيءَ بِجَهَنَّمَ تُقادُ بِسَبْعِينَ ألْفَ زِمامٍ مِن حَدِيدٍ، مُمْسِكٌ بِكُلِّ زِمامٍ سَبْعُونَ ألْفَ مَلَكٍ، لَها عَيْنانِ زَرْقاوانِ، تُجَرُّ الشَّفَةُ السُّفْلى أرْبَعِينَ عامًا، تَخْطِرُ كَما يَخْطِرُ الفَحْلُ، لَوْ تُرِكَتْ لَأتَتْ عَلى كُلِّ مُؤْمِنٍ وكافِرٍ، ثُمَّ يُؤْتى بِها حَتّى تُنْصَبَ عَنْ يَسارِ العَرْشِ، فَتَسْتَأْذِنُ رَبَّها في السُّجُودِ، فَيَأْذَنُ لَها، فَتَحْمَدُهُ بِمَحامِدَ لَمْ يَسْمَعِ الخَلائِقُ بِمِثْلِها، تَقُولُ: لَكَ الحَمْدُ إلَهِي إذْ جَعَلْتَنِي أنْتَقِمُ مِن أعْدائِكَ، ولَمْ تَجْعَلْ لِي شَيْئًا مِمّا خَلَقْتَ تَنْتَقِمُ بِهِ مِنِّي، إلَيَّ أهْلِي، فَلَهِيَ أعْرَفُ بِأهْلِها مِنَ الطَّيْرِ بِالحَبِّ عَلى وجْهِ الأرْضِ، حَتّى إذا كانَتْ مِنَ المَوْقِفِ عَلى مَسِيرَةِ مِائَةِ عامٍ، وهو قَوْلُ اللَّهِ تَعالى: ﴿إذا رَأتْهم مِن مَكانٍ بَعِيدٍ﴾ [الفرقان: ١٢] [الفُرْقانِ: ١٢]، زَفَرَتْ زَفْرَةً، فَلا يَبْقى مَلَكٌ مُقَرَّبٌ، ولا نَبِيٌّ مُرْسَلٌ، ولا صِدِّيقٌ مُنْتَخَبٌ، ولا شَهِيدٌ مِمّا هُنالِكَ، إلّا خَرَّ جاثِيًا عَلى رُكْبَتَيْهِ، ثُمَّ تَزْفِرُ الثّانِيَةَ زَفْرَةً، فَلا يَبْقى قَطْرَةٌ مِنَ الدُّمُوعِ إلّا بَدَرَتْ، فَلَوْ كانَ لِكُلِّ آدَمِيٍّ يَوْمَئِذٍ عَمَلُ اثْنَيْنِ وسَبْعِينَ نَبِيًّا لَظَنَّ أنَّهُ سَيُواقِعُها، ثُمَّ تَزْفِرُ الثّالِثَةَ زَفْرَةً، فَتَنْقَلِعُ القُلُوبُ مِن أماكِنِها، فَتَصِيرُ بَيْنَ اللَّهَواتِ والحَناجِرِ، ويَعْلُو سَوادُ العُيُونِ بَياضَها، يُنادِي كُلُّ آدَمِيٍّ يَوْمَئِذٍ: يا رَبِّ، نَفْسِي نَفْسِي، لا أسْألُكَ غَيْرَها، حَتّى إنَّ إبْراهِيمَ لَيَتَعَلَّقُ بِساقِ العَرْشِ يُنادِي: يا رَبِّ، نَفْسِي نَفْسِي لا أسْألُكَ غَيْرَها، ونَبِيُّكم ﷺ يَقُولُ: (يا رَبِّ، أُمَّتِي أُمَّتِي)، لا هِمَّةَ (p-٥٩٠)لَهُ غَيْرُكُمْ، فَعِنْدَ ذَلِكَ يُدْعى بِالأنْبِياءِ والرُّسُلِ، فَيُقالُ لَهم: ماذا أُجِبْتُمْ؟ قالُوا: لا عِلْمَ لَنا، طاشَتِ الأحْلامُ، وذَهَلَتِ العُقُولُ، فَإذا رَجَعَتِ القُلُوبُ إلى أماكِنِها ( نَزَعْنا مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا فَقُلْنا هاتُوا بِرِهانِكم فَعَلِمُوا أنَّ الحَقَّ لِلَّهِ ) وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ إنَّكم يَوْمَ القِيامَةِ عِنْدَ رَبِّكم تَخْتَصِمُونَ﴾ [الزمر: ٣١] فَهَذا وهم بِالمَوْقِفِ يَخْتَصِمُونَ، فَيُؤْخَذُ لِلْمَظْلُومِ مِنَ الظّالِمِ، ولِلْمَمْلُوكِ مِنَ المالِكِ، ولِلضَّعِيفِ مِنَ الشَّدِيدِ، ولِلْجَمّاءِ مِنَ القَرْناءِ، حَتّى يُؤَدّى إلى كُلِّ ذِي حَقٍّ حَقُّهُ، فَإذا أُدِّيَ إلى كُلِّ ذِي حَقٍّ حَقُّهُ، أُمِرَ بِأهْلِ الجَنَّةِ إلى الجَنَّةِ، وأهْلِ النّارِ إلى النّارِ، فَلَمّا أُمِرَ بِأهْلِ النّارِ إلى النّارِ اخْتَصَمُوا، فَقالُوا: ﴿رَبَّنا هَؤُلاءِ أضَلُّونا﴾ [الأعراف: ٣٨] [الأعْرافِ: ٣٨]، و﴿رَبَّنا مَن قَدَّمَ لَنا هَذا فَزِدْهُ عَذابًا ضِعْفًا في النّارِ﴾ [ص: ٦١] [ص: ٦١]، فَيَقُولُ اللَّهُ تَعالى: ﴿لا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وقَدْ قَدَّمْتُ إلَيْكم بِالوَعِيدِ﴾ [ق: ٢٨] [ق: ٢٨]، إنَّما الخُصُومَةُ بِالمَوْقِفِ، وقَدْ قَضَيْتُ بَيْنَكم بِالمَوْقِفِ، فَلا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ. وأمّا قَوْلُهُ: ﴿اليَوْمَ نَخْتِمُ عَلى أفْواهِهِمْ وتُكَلِّمُنا أيْدِيهِمْ وتَشْهَدُ أرْجُلُهُمْ﴾ [يس: ٦٥] فَهَذا يَوْمَ القِيامَةِ، حَيْثُ يَرى الكُفّارُ ما يُعْطِي اللَّهُ أهْلَ التَّوْحِيدِ مِنَ الفَضائِلِ والخَيْرِ، يَقُولُونَ: تَعالَوْا حَتّى نَحْلِفَ بِاللَّهِ ما كُنّا مُشْرِكِينَ، فَتَتَكَلَّمُ الأيْدِي بِخِلافِ ما قالَتِ الألْسُنُ، وتَشْهَدُ الأرْجُلُ تَصْدِيقًا لِلْأيْدِي، ثُمَّ يَأْذَنُ اللَّهُ لِلْأفْواهِ فَتَنْطِقُ فَقالُوا لِجُلُودِهِمْ: لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنا؟ قالُوا: أنْطَقَنا اللَّهُ الَّذِي أنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ.

المائدة 5:110

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ﴾ الآيَةَ. (p-٥٩١)أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، وابْنُ عَساكِرَ، عَنْ أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «(إذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ دُعِيَ بِالأنْبِياءِ وأُمَمِها، ثُمَّ يُدْعى بِعِيسى، فَيُذَكِّرُهُ اللَّهُ نِعْمَتَهُ عَلَيْهِ، فَيُقِرُّ بِها فَيَقُولُ: ﴿يا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وعَلى والِدَتِكَ﴾ الآيَةَ، ثُمَّ يَقُولُ: ﴿أأنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ اتَّخِذُونِي وأُمِّيَ إلَهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ [المائدة: ١١٦] فَيُنْكِرُ أنْ يَكُونَ قالَ ذَلِكَ، فَيُؤْتى بِالنَّصارى فَيُسْألُونَ، فَيَقُولُونَ: نَعَمْ، هو أمَرَنا بِذَلِكَ، فَيَطُولُ شَعْرُ عِيسى، حَتّى يَأْخُذَ كُلُّ مَلَكٍ مِنَ المَلائِكَةِ بِشَعْرَةٍ مِن شَعْرِ رَأْسِهِ وجَسَدِهِ، فَيُجاثِيهِمْ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ مِقْدارَ ألْفِ عامٍ، حَتّى يُوقِعَ عَلَيْهِمُ الحُجَّةَ، ويُرْفَعَ لَهُمُ الصَّلِيبُ، ويُنْطَلَقَ بِهِمْ إلى النّارِ») . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، مِن طَرِيقِ أبِي بَكْرِ بْنِ عَيّاشٍ، عَنِ ابْنِ وهْبٍ، عَنْ أبِيهِ قالَ: قَدِمَ رَجُلٌ مِن أهْلِ الكِتابِ اليَمَنَ، فَقالَ أبِي: ائْتِهِ فاسْمَعْ مِنهُ، فَقُلْتُ: تُحِيلُنِي عَلى رَجُلٍ نَصْرانِيٍّ؟ قالَ: نَعَمْ، ائْتِهِ واسْمَعْ مِنهُ، فَأتَيْتُهُ فَقالَ: لَمّا رَفَعَ اللَّهُ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ أقامَهُ بَيْنَ يَدَيْ جِبْرِيلَ ومِيكائِيلَ، فَقالَ لَهُ: اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وعَلى والِدَتِكَ، فَعَلْتُ بِكَ وفَعَلْتُ بِكَ، ثُمَّ أخْرَجْتُكَ مِن بَطْنِ أُمِّكَ، فَفَعَلْتُ بِكَ وفَعَلْتُ بِكَ، وسَتَكُونُ أُمَّةٌ بَعْدَكَ يَنْتَحِلُونَكَ ويَنْتَحِلُونَ رُبُوبِيَّتَكَ، ويَشْهَدُونَ أنَّكَ قَدْ مُتَّ، وكَيْفَ يَكُونُ رَبٌّ يَمُوتُ؟ فَبِعِزَّتِي حَلَفْتُ لَأُناصِبَنَّهُمُ الحِسابَ يَوْمَ القِيامَةِ، ولَأُقِيمَنَّهم مَقامَ الخَصْمِ مَعَ الخَصْمِ، حَتّى يُنَفِّذُوا ما قالُوا، ولَنْ يُنَفِّذُوهُ أبَدًا، ثُمَّ أسْلَمَ، وجاءَ مِنَ الأحادِيثِ بِشَيْءٍ لَمْ أسْمَعْ مِثْلَها. (p-٥٩٢)وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وإذْ كَفَفْتُ بَنِي إسْرائِيلَ عَنْكَ إذْ جِئْتَهم بِالبَيِّناتِ﴾ أيِ: الآياتِ الَّتِي وضَعَ عَلى يَدَيْهِ، مِن إحْياءِ المَوْتى، وخَلْقِهِ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ، ثُمَّ يَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإذْنِ اللَّهِ، وإبْراءِ الأسْقامِ، والخَبَرِ بِكَثِيرٍ مِنَ الغُيُوبِ مِمّا يَدَّخِرُونَ في بُيُوتِهِمْ وما رَدَّ عَلَيْهِمْ مِنَ التَّوْراةِ مَعَ الإنْجِيلِ الَّذِي أحْدَثَ اللَّهُ إلَيْهِ، ثُمَّ ذَكَرَ كُفْرَهم بِذَلِكَ كُلِّهِ.

المائدة 5:111

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذْ أوْحَيْتُ﴾ الآيَةَ. أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿وإذْ أوْحَيْتُ إلى الحَوارِيِّينَ﴾ يَقُولُ: قَذَفْتُ في قُلُوبِهِمْ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ قَتادَةَ: ﴿وإذْ أوْحَيْتُ إلى الحَوارِيِّينَ﴾ قالَ: وحْيٌ قُذِفَ في قُلُوبِهِمْ، لَيْسَ بِوَحْيِ نُبُوَّةٍ، والوَحْيُ وحْيانِ: وحْيٌ تَجِيءُ بِهِ المَلائِكَةُ، ووَحْيٌ يُقْذَفُ في قَلْبِ العَبْدِ.

المائدة 5:112

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذْ قالَ الحَوارِيُّونَ﴾ الآياتِ. أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها قالَتْ: كانَ الحَوارِيُّونَ أعْلَمَ بِاللَّهِ مِن أنْ يَقُولُوا: هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ؟ إنَّما قالُوا: هَلْ تَسْتَطِيعُ أنْتَ رَبَّكَ، هَلْ تَسْتَطِيعُ أنْ تَدْعُوَهُ؟ (p-٥٩٣)وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ غَنْمٍ قالَ: سَألْتُ مُعاذَ بْنَ جَبَلٍ عَنْ قَوْلِ الحَوارِيِّينَ: ﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ﴾ ؟ أوْ: (تَسْتَطِيعُ رَبَّكَ؟) فَقالَ: أقْرَأنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (هَلْ تَسْتَطِيعُ رَبَّكَ) بِالتّاءِ. وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قَرَأها: (هَلْ تَسْتَطِيعُ رَبَّكَ)، بِالتّاءِ وبِنَصْبِ (رَبَّكَ) . وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أنَّهُ قَرَأها: (هَلْ تَسْتَطِيعُ رَبَّكَ)، وقالَ: هَلْ تَسْتَطِيعُ أنْ تَسْألَ رَبَّكَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عامِرٍ الشَّعْبِيِّ، أنَّ عَلِيًّا كانَ يَقْرَؤُها: ﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ﴾ قالَ: هَلْ يُطِيعُكَ رَبُّكَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ يَحْيى بْنِ وثّابٍ، وأبِي رَجاءٍ، أنَّهُما قَرَآ: ﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ﴾ بِالياءِ والرَّفْعِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ﴾ قالَ: قالُوا: هَلْ يُطِيعُكَ رَبُّكَ إنْ سَألْتَهُ؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مائِدَةً مِنَ السَّماءِ، فِيها جَمِيعُ الطَّعامِ إلّا اللَّحْمَ، فَأكَلُوا مِنها. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ في قَوْلِهِ: ﴿مائِدَةً﴾ قالَ: المائِدَةُ (p-٥٩٤)الخِوانُ، وفي قَوْلِهِ: ﴿وتَطْمَئِنَّ﴾ قالَ: تُوقِنَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿تَكُونُ لَنا عِيدًا لأوَّلِنا وآخِرِنا﴾ يَقُولُ: نَتَّخِذُ اليَوْمَ الَّذِي نَزَلَتْ فِيهِ عِيدًا، نُعَظِّمُهُ نَحْنُ ومَن بَعْدَنا. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿تَكُونُ لَنا عِيدًا لأوَّلِنا وآخِرِنا﴾ قالَ: أرادُوا أنْ تَكُونَ لِعَقِبِهِمْ مِن بَعْدِهِمْ. وأخْرَجَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ في (نَوادِرِ الأُصُولِ)، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ في (العَظَمَةِ)، وأبُو بَكْرٍ الشّافِعِيُّ في (فَوائِدِهِ) المَعْرُوفَةِ بِالغَيْلانِيّاتِ، عَنْ سَلْمانَ الفارِسِيِّ قالَ: لَمّا سَألَ الحَوارِيُّونَ عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ المائِدَةَ، كَرِهَ ذَلِكَ جِدًّا، وقالَ: اقْنَعُوا بِما رَزَقَكُمُ اللَّهُ في الأرْضِ، ولا تَسْألُوا المائِدَةَ مِنَ السَّماءِ، فَإنَّها إنْ نَزَلَتْ عَلَيْكم كانَتْ آيَةً مِن رَبِّكُمْ، وإنَّما هَلَكَتْ ثَمُودُ حِينَ سَألُوا نَبِيَّهم آيَةً، فابْتُلُوا بِها حَتّى كانَ بَوارُهم فِيها، فَأبَوْا إلّا أنْ يَأْتِيَهم بِها، فَلِذَلِكَ قالُوا: ﴿نُرِيدُ أنْ نَأْكُلَ مِنها وتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنا ونَعْلَمَ أنْ قَدْ صَدَقْتَنا ونَكُونَ عَلَيْها مِنَ الشّاهِدِينَ﴾، فَلَمّا رَأى عِيسى أنْ قَدْ أبَوْا إلّا أنْ يَدْعُوَ لَهم بِها، قامَ فَألْقى عَنْهُ الصُّوفَ ولَبِسَ الشَّعَرَ الأسْوَدَ، وجُبَّةً مَن شَعَرٍ، وعَباءَةً مِن شَعَرٍ، ثُمَّ (p-٥٩٥)تَوَضَّأ، واغْتَسَلَ، ودَخَلَ مُصَلّاهُ، فَصَلّى ما شاءَ اللَّهُ، فَلَمّا قَضى صَلاتَهُ قامَ قائِمًا مُسْتَقْبِلَ القِبْلَةَ، وصَفَّ قَدَمَيْهِ حَتّى اسْتَوَيا، فَألْصَقَ الكَعْبَ بِالكَعْبِ، وحاذى الأصابِعَ بِالأصابِعِ، ووَضَعَ يَدَهُ اليُمْنى عَلى اليُسْرى، فَوْقَ صَدْرِهِ، وغَضَّ بَصَرَهُ، وطَأْطَأ رَأْسَهُ خُشُوعًا، ثُمَّ أرْسَلَ عَيْنَيْهِ بِالبُكاءِ، فَما زالَتْ دُمُوعُهُ تَسِيلُ عَلى خَدَّيْهِ، وتَقْطُرُ مِن أطْرافِ لِحْيَتِهِ، حَتّى ابْتَلَّتِ الأرْضُ حِيالَ وجْهِهِ مِن خُشُوعِهِ، فَلَمّا رَأى ذَلِكَ دَعا اللَّهَ فَقالَ: ﴿اللَّهُمَّ رَبَّنا أنْزِلْ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ تَكُونُ لَنا عِيدًا لأوَّلِنا وآخِرِنا﴾ تَكُونُ عِظَةً مِنكَ لَنا، ﴿وآيَةً مِنكَ﴾ أيْ عَلامَةً مِنكَ، تَكُونُ بَيْنَنا وبَيْنَكَ، وارْزُقْنا عَلَيْها طَعامًا نَأْكُلُهُ، ﴿وأنْتَ خَيْرُ الرّازِقِينَ﴾، فَأنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ سُفْرَةً حَمْراءَ بَيْنَ غَمامَتَيْنِ، غَمامَةٍ فَوْقَها، وغَمامَةٍ تَحْتَها، وهم يَنْظُرُونَ إلَيْها في الهَواءِ مُنْقَضَّةً مِن فَلَكِ السَّماءِ تَهْوِي إلَيْهِمْ، وعِيسى يَبْكِي خَوْفًا لِلشُّرُوطِ الَّتِي اتَّخَذَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ فِيها، أنَّهُ يُعَذِّبُ مَن يَكْفُرُ بِها مِنهم بَعْدَ نُزُولِها عَذابًا لَمْ يُعَذِّبْهُ أحَدًا مِنَ العالَمِينَ، وهو يَدْعُو اللَّهَ في مَكانِهِ ويَقُولُ: إلَهِي اجْعَلْها رَحْمَةً، إلَهِي لا تَجْعَلْها عَذابًا، إلَهِي كَمْ مِن عَجِيبَةٍ سَألْتُكَ فَأعْطَيْتَنِي، إلَهِي اجْعَلْنا لَكَ شاكِرِينَ، إلَهِي أعُوذُ بِكَ أنْ تَكُونَ أنْزَلْتَها غَضَبًا ورِجْزًا، إلَهِي اجْعَلْها سَلامَةً وعافِيَةً، ولا تَجْعَلْها فِتْنَةً ومُثْلَةً، فَما زالَ يَدْعُو حَتّى اسْتَقَرَّتِ السُّفْرَةُ بَيْنَ يَدَيْ عِيسى، والحَوارِيُّونَ وأصْحابُهُ حَوْلَهُ، يَجِدُونَ رائِحَةً طَيِّبَةً، لَمْ يَجِدُوا فِيما مَضى رائِحَةً مِثْلَها قَطُّ، وخَرَّ عِيسى والحَوارِيُّونَ لِلَّهِ سُجَّدًا، شُكْرًا لَهُ بِما رَزَقَهم مِن حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا، وأراهم فِيهِ آيَةً (p-٥٩٦)عَظِيمَةً ذاتَ عَجَبٍ وعِبْرَةٍ، وأقْبَلَتِ اليَهُودُ يَنْظُرُونَ، فَرَأوْا أمْرًا عَجِيبًا، أوْرَثَهم كَمَدًا وغَمًّا، ثُمَّ انْصَرَفُوا بِغَيْظٍ شَدِيدٍ، وأقْبَلَ عِيسى والحَوارِيُّونَ وأصْحابُهُ حَتّى جَلَسُوا حَوْلَ السُّفْرَةِ، فَإذا عَلَيْهِ مِندِيلٌ مُغَطًّى، قالَ عِيسى: مَن أجْرَؤُنا عَلى كَشْفِ المِندِيلِ عَنْ هَذِهِ السُّفْرَةِ، وأوْثَقُنا بِنَفْسِهِ، وأحْسَنُنا بَلاءً عِنْدَ رَبِّهِ، فَلْيَكْشِفْ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ حَتّى نَراها، ونَحْمَدَ رَبَّنا، ونَذْكُرَ بِاسْمِهِ، ونَأْكُلَ مِن رِزْقِهِ الَّذِي رَزَقَنا؟ فَقالَ الحَوارِيُّونَ: يا رُوحَ اللَّهِ، وكَلِمَتُهُ، أنْتَ أوْلانا بِذَلِكَ، وأحَقُّنا بِالكَشْفِ عَنْها، فَقامَ عِيسى، فاسْتَأْنَفَ وُضُوءًا جَدِيدًا، ثُمَّ دَخَلَ مُصَلّاهُ، فَصَلّى بِذَلِكَ رَكَعاتٍ، ثُمَّ بَكى طَوِيلًا ودَعا اللَّهَ أنْ يَأْذَنَ لَهُ في الكَشْفِ عَنْها، ويَجْعَلَ لَهُ ولِقَوْمِهِ فِيها بَرَكَةً ورِزْقًا، ثُمَّ انْصَرَفَ وجَلَسَ إلى السُّفْرَةِ وتَناوَلَ المِندِيلَ، وقالَ: بِسْمِ اللَّهِ خَيْرِ الرّازِقِينَ، وكَشَفَ عَنِ السُّفْرَةِ، وإذا هو عَلَيْها سَمَكَةٌ ضَخْمَةٌ مَشْوِيَّةٌ، لَيْسَ عَلَيْها بَواسِيرُ، ولَيْسَ في جَوْفِها شَوْكٌ، يَسِيلُ السَّمْنُ مِنها سَيْلًا، قَدْ نُضِّدَ حَوْلَها بُقُولٌ مِن كُلِّ صِنْفٍ غَيْرَ الكُرّاثِ، وعِنْدَ رَأْسِها خَلٌّ، وعِنْدَ ذَنَبِها مِلْحٌ، وحَوْلَ البُقُولِ خَمْسَةُ أرْغِفَةٍ، عَلى واحِدٍ مِنها زَيْتُونٌ، وعَلى الآخَرِ ثَمَراتٌ، وعَلى الآخَرِ خَمْسُ رُمّاناتٍ، فَقالَ شَمْعُونُ رَأْسُ الحَوارِيِّينَ لِعِيسى: يا رُوحَ اللَّهِ، وكَلِمَتُهُ، أمِن طَعامِ الدُّنْيا هَذا، أمْ مِن طَعامِ الجَنَّةِ؟ فَقالَ: أما آنَ لَكم أنْ تَعْتَبِرُوا بِما تَرَوْنَ مِنَ الآياتِ، وتَنْتَهُوا عَنْ تَنْقِيرِ المَسائِلِ، ما أخْوَفَنِي عَلَيْكم أنْ تُعاقَبُوا في سَبَبِ هَذِهِ الآيَةِ، فَقالَ شَمْعُونُ: لا وإلَهِ إسْرائِيلَ، (p-٥٩٧)ما أرَدْتُ بِها سُوءًا يا ابْنَ الصِّدِّيقَةِ، فَقالَ عِيسى: لَيْسَ شَيْءٌ مِمّا تَرَوْنَ عَلَيْها مِن طَعامِ الجَنَّةِ، ولا مِن طَعامِ الدُّنْيا، إنَّما هو شَيْءٌ ابْتَدَعَهُ اللَّهُ في الهَواءِ بِالقُدْرَةِ الغالِبَةِ القاهِرَةِ، فَقالَ لَهُ: كُنْ، فَكانَ أسْرَعَ مِن طَرْفَةِ عَيْنٍ، فَكُلُوا مِمّا سَألْتُمْ بِاسْمِ اللَّهِ، واحْمَدُوا عَلَيْهِ رَبَّكُمْ، يَمُدَّكم مِنهُ ويَزِدْكُمْ، فَإنَّهُ بَدِيعٌ قادِرٌ شاكِرٌ، فَقالُوا: يا رُوحَ اللَّهِ وكَلِمَتُهُ، إنّا نُحِبُّ أنْ تُرِيَنا آيَةً في هَذِهِ الآيَةِ، فَقالَ عِيسى: سُبْحانَ اللَّهِ، أما اكْتَفَيْتُمْ بِما رَأيْتُمْ مِن هَذِهِ الآيَةِ، حَتّى تَسْألُوا فِيها آيَةً أُخْرى، ثُمَّ أقْبَلَ عِيسى عَلى السَّمَكَةِ فَقالَ: يا سَمَكَةُ، عُودِي بِإذْنِ اللَّهِ حَيَّةً كَما كُنْتِ، فَأحْياها اللَّهُ بِقُدْرَتِهِ، فاضْطَرَبَتْ وعادَتْ بِإذْنِ اللَّهِ حَيَّةً طَرِيَّةً، تَلَمَّظُ كَما يَتَلَمَّظُ الأسَدُ، تَدُورُ عَيْناها، لَها بَصِيصٌ، وعادَتْ عَلَيْها بَواسِيرُها، فَفَزِعَ القَوْمُ مِنها وانْحاسُوا، فَلَمّا رَأى عِيسى ذَلِكَ مِنهم فَقالَ: ما لَكم تَسْألُونَ الآيَةَ، فَإذا أراكُمُوها رَبُّكم كَرِهْتُمُوها، ما أخْوَفَنِي عَلَيْكم أنْ تُعاقَبُوا بِما تَصْنَعُونَ، يا سَمَكَةُ، عُودِي بِإذْنِ اللَّهِ كَما كُنْتِ، فَعادَتْ بِإذْنِ اللَّهِ مَشْوِيَّةً كَما كانَتْ في خَلْقِها الأوَّلِ، فَقالُوا لِعِيسى: كُنْ أنْتَ يا رُوحَ اللَّهِ الَّذِي تَبْدَأُ بِالأكْلِ مِنها، ثُمَّ نَحْنُ بَعْدُ، فَقالَ: مَعاذَ اللَّهِ مِن ذَلِكَ، يَبْدَأُ بِالأكْلِ مَن طَلَبَها، فَلَمّا رَأى الحَوارِيُّونَ وأصْحابُهُمُ امْتِناعَ نَبِيِّهِمْ مِنها، خافُوا أنْ يَكُونَ نُزُولُها سُخْطَةً، وفي أكْلِها مُثْلَةٌ، فَتَحامَوْها، فَلَمّا رَأى ذَلِكَ عِيسى دَعا لَها الفُقَراءُ والزَّمْنى، وقالَ: كُلُوا مِن رِزْقِ رَبِّكم ودَعْوَةِ نَبِيِّكُمْ، واحْمَدُوا اللَّهَ الَّذِي أنْزَلَها لَكُمْ، يَكُونُ مَهَناها لَكم وعُقُوبَتُها عَلى غَيْرِكُمْ، وافْتَتِحُوا أكْلَكم بِاسْمِ اللَّهِ، واخْتِمُوهُ بِحَمْدِ اللَّهِ، فَفَعَلُوا، فَأكَلَ مِنها ألْفٌ وثَلاثُمِائَةِ إنْسانٍ، بَيْنَ رَجُلٍ وامْرَأةٍ، يَصْدُرُونَ (p-٥٩٨)عَنْها كُلُّ واحِدٍ مِنهم شَبْعانُ يَتَجَشَّأُ، ونَظَرَ عِيسى والحَوارِيُّونَ، فَإذا ما عَلَيْها كَهَيْئَةِ إذْ نَزَلَتْ مِنَ السَّماءِ، لَمْ يَنْتَقِصْ مِنهُ شَيْءٌ، ثُمَّ إنَّها رُفِعَتْ إلى السَّماءِ، وهم يَنْظُرُونَ، فاسْتَغْنى كُلُّ فَقِيرٍ أكَلَ مِنها، وبَرِئَ كُلُّ زَمِنٍ مِنهم أكَلَ مِنها، فَلَمْ يَزالُوا أغْنِياءَ صِحاحًا حَتّى خَرَجُوا مِنَ الدُّنْيا، ونَدِمَ الحَوارِيُّونَ وأصْحابُهُمُ الَّذِينَ أبَوْا أنْ يَأْكُلُوا مِنها نَدامَةً سالَتْ مِنها أشْفارُهُمْ، وبَقِيَتْ حَسْرَتُها في قُلُوبِهِمْ إلى يَوْمِ المَماتِ، قالَ: فَكانَتِ المائِدَةُ إذا نَزَلَتْ بَعْدَ ذَلِكَ، أقْبَلَتْ بَنُو إسْرائِيلَ إلَيْها مِن كُلِّ مَكانٍ يَسْعَوْنَ، يُزاحِمُ بَعْضُهم بَعْضًا، الأغْنِياءُ والفُقَراءُ، والنِّساءُ والصِّغارُ والكِبارُ، والأصِحّاءُ والمَرْضى، يَرْكَبُ بَعْضُهم بَعْضًا، فَلَمّا رَأى عِيسى ذَلِكَ جَعَلَها نُوَبًا بَيْنَهُمْ، فَكانَتْ تَنْزِلُ يَوْمًا، ولا تَنْزِلُ يَوْمًا، فَلَبِثُوا في ذَلِكَ أرْبَعِينَ يَوْمًا، تَنْزِلُ عَلَيْهِمْ غِبًّا عِنْدَ ارْتِفاعِ الضُّحى، فَلا تَزالُ مَوْضُوعَةً يُؤْكَلُ مِنها، حَتّى إذا قالُوا ارْتَفَعَتْ عَنْهُمْ، بِإذْنِ اللَّهِ إلى جَوِّ السَّماءِ، وهم يَنْظُرُونَ إلى ظِلِّها في الأرْضِ حَتّى تَوارى عَنْهم. فَأوْحى اللَّهُ إلى عِيسى أنِ اجْعَلْ رِزْقِي في المائِدَةِ لِلْيَتامى، والفُقَراءِ، والزَّمْنى، دُونَ الأغْنِياءِ مِنَ النّاسِ، فَلَمّا فَعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ، ارْتابَ بِها الأغْنِياءُ، وغَمَصُوا ذَلِكَ، حَتّى شَكُّوا فِيها في أنْفُسِهِمْ، وشَكَّكُوا فِيها النّاسَ، وأذاعُوا في أمْرِها القَبِيحَ والمُنْكَرَ، وأدْرَكَ الشَّيْطانُ (p-٥٩٩)مِنهم حاجَتَهُ، وقَذَفَ وسْواسَهُ في قُلُوبِ المُرْتابِينَ حَتّى قالُوا لِعِيسى: أخْبِرْنا عَنِ المائِدَةِ ونُزُولِها مِنَ السَّماءِ حَقٌّ، فَإنَّهُ قَدِ ارْتابَ بِها بَشَرٌ مِنّا كَثِيرٌ؟ قالَ عِيسى: هَلَكْتُمْ وإلَهِ المَسِيحِ، طَلَبْتُمُ المائِدَةَ إلى نَبِيِّكم أنْ يَطْلُبَها لَكم إلى رَبِّكُمْ، فَلَمّا أنْ فَعَلَ، وأنْزَلَها اللَّهُ عَلَيْكم رَحْمَةً ورِزْقًا، وأراكم فِيها الآياتِ والعِبَرَ، كَذَّبْتُمْ بِها، وشَكَكْتُمْ فِيها، فَأبْشِرُوا بِالعَذابِ، فَإنَّهُ نازِلٌ بِكم إلّا أنْ يَرْحَمَكُمُ اللَّهُ، وأوْحى اللَّهُ إلى عِيسى: إنِّي آخِذٌ المُكَذِّبِينَ بِشَرْطِي، فَإنِّي مُعَذِّبٌ مِنهم مَن كَفَرَ بِالمائِدَةِ بَعْدَ نُزُولِها عَذابًا لا أُعَذِّبُهُ أحَدًا مِنَ العالَمِينَ، فَلَمّا أمْسى المُرْتابُونَ بِها، وأخَذُوا مَضاجِعَهم في أحْسَنِ صُورَةٍ مَعَ نِسائِهِمْ آمِنِينَ، فَلَمّا كانَ مِن آخِرِ اللَّيْلِ مَسَخَهُمُ اللَّهُ خَنازِيرَ، وأصْبَحُوا يَتَّبِعُونَ الأقْذارَ في الكُناساتِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أنَّهُ كانَ يُحَدِّثُ عَنْ عِيسى ابْنِ مَرْيَمَ أنَّهُ قالَ لِبَنِي إسْرائِيلَ: هَلْ لَكم أنْ تَصُومُوا لِلَّهِ ثَلاثِينَ يَوْمًا، ثُمَّ تَسْألُوهُ فَيُعْطِيَكم ما سَألْتُمْ، فَإنَّ أجْرَ العامِلِ عَلى مَن عَمِلَ لَهُ؟ فَفَعَلُوا، ثُمَّ قالُوا: يا مُعَلِّمَ الخَيْرِ، قُلْتَ لَنا: إنَّ أجْرَ العامِلِ عَلى مَن عَمِلَ لَهُ، وأمَرْتَنا أنْ نَصُومَ ثَلاثِينَ يَوْمًا فَفَعَلْنا، ولَمْ نَكُنْ نَعْمَلُ لِأحَدٍ ثَلاثِينَ يَوْمًا إلّا أطْعَمَنا، فَـ ﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿أحَدًا مِنَ العالَمِينَ﴾ فَأقْبَلَتِ المَلائِكَةُ تَطِيرُ بِمائِدَةٍ مِنَ السَّماءِ، عَلَيْها سَبْعَةُ أحْواتٍ، وسَبْعَةُ (p-٦٠٠)أرْغِفَةٍ، حَتّى وضَعَتْها بَيْنَ أيْدِيهِمْ، فَأكَلَ مِنها آخِرُ النّاسِ كَما أكَلَ مِنها أوَّلُهم. وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ الأنْبارِيِّ في كِتابِ (الأضْدادِ)، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنْ عَمّارِ بْنِ ياسِرٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «(أُنْزِلَتِ المائِدَةُ مِنَ السَّماءِ خُبْزًا، ولَحْمًا، وأُمِرُوا ألّا يَخُونُوا ولا يَدَّخِرُوا لِغَدٍ، فَخانُوا، وادَّخَرُوا، ورَفَعُوا لِغَدٍ، فَمُسِخُوا قِرَدَةً وخَنازِيرَ») . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، مِن وجْهٍ آخَرَ، عَنْ عَمّارِ بْنِ ياسِرٍ مَوْقُوفًا، مِثْلَهُ، قالَ التِّرْمِذِيُّ: والوَقْفُ أصَحُّ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنْ عَمّارِ بْنِ ياسِرٍ قالَ: نَزَلَتِ المائِدَةُ عَلَيْها ثَمَرٌ مِن ثَمَرِ الجَنَّةِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: المائِدَةُ سَمَكَةٌ وأرْغِفَةٌ. وأخْرَجَ سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «(لَوْلا بَنُو إسْرائِيلَ ما خَنِزَ الخُبْزُ، ولا نَتَنَ اللَّحْمُ، ولَكِنَّهم خَبَّؤُوهُ لِغَدٍ، فَأنْتَنَ اللَّحْمُ، وخَنِزَ الخُبْزُ») . (p-٦٠١)وأخْرَجَ ابْنُ الأنْبارِيِّ في كِتابِ (الأضْدادِ)، عَنْ أبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ في قَوْلِهِ: ﴿أنْزِلْ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ﴾ قالَ: خُبْزًا وسَمَكًا. وأخْرَجَ ابْنُ الأنْبارِيِّ، وأبُو الشَّيْخِ في (العَظَمَةِ)، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: نَزَلَتِ المائِدَةُ وهي طَعامٌ يَفُورُ، فَكانُوا يَأْكُلُونَ مِنها قُعُودًا، فَأحْدَثُوا، فَرُفِعَتْ شَيْئًا، فَأكَلُوا عَلى الرُّكَبِ، ثُمَّ أحْدَثُوا فَرُفِعَتْ شَيْئًا، فَأكَلُوا قِيامًا، ثُمَّ أحْدَثُوا فَرُفِعَتْ ألْبَتَّةَ. وأخْرَجَ ابْنُ الأنْبارِيِّ، عَنْ وهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ قالَ: كانَتْ مائِدَةً يَجْلِسُ عَلَيْها أرْبَعَةُ آلافٍ، فَقالُوا لِقَوْمٍ مِن وُضَعائِهِمْ: إنَّ هَؤُلاءِ يُلَطِّخُونَ ثِيابَنا عَلَيْنا، فَلَوْ بَنَيْنا لَها دُكّانًا يَرْفَعُها، فَبَنَوْا لَها دُكّانًا، فَجَعَلَتِ الضُّعَفاءُ لا تَصِلُ إلى شَيْءٍ، فَلَمّا خالَفُوا أمْرَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ رَفَعَها عَنْهم. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ الأنْبارِيِّ في كِتابِ (الأضْدادِ)، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ عَطِيَّةَ العَوْفِيِّ قالَ: المائِدَةُ سَمَكَةٌ فِيها مِن طَعْمِ كُلِّ طَعامٍ. (p-٦٠٢)وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ عِكْرِمَةَ، أنَّ الخُبْزَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَ المائِدَةِ كانَ مِن أُرْزٍ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، مِن طَرِيقِ العَوْفِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَ عَلى عِيسى ابْنِ مَرْيَمَ والحَوارِيِّينَ خِوانٌ عَلَيْهِ خُبْزٌ وسَمَكٌ، يَأْكُلُونَ مِنهُ أيْنَما نَزَلُوا إذا شاؤُوا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ الأنْبارِيِّ في كِتابِ (الأضْدادِ)، مِن طَرِيقِ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في المائِدَةِ قالَ: كانَ طَعامًا يَنْزِلُ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ حَيْثُما نَزَلُوا. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: هو الطَّعامُ يَنْزِلُ عَلَيْهِمْ حَيْثُ نَزَلُوا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ إسْحاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، أنَّ المائِدَةَ نَزَلَتْ عَلى عِيسى ابْنِ مَرْيَمَ، عَلَيْها سَبْعَةُ أرْغِفَةٍ وسَبْعَةُ أحْواتٍ يَأْكُلُونَ مِنها ما شاؤُوا، فَسَرَقَ بَعْضُهم مِنها، وقالَ: لَعَلَّها لا تَنْزِلُ غَدًا، فَرُفِعَتْ. (p-٦٠٣)وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ الأنْبارِيِّ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ قالَ: ذُكِرَ لَنا أنَّها كانَتْ مائِدَةً يَنْزِلُ عَلَيْها الثَّمَرُ مِن ثِمارِ الجَنَّةِ، وأُمِرُوا ألّا يُخَبِّئُوا، ولا يَخُونُوا، ولا يَدَّخِرُوا لِغَدٍ، بَلاءٌ أبْلاهُمُ اللَّهُ بِهِ، وكانُوا إذا فَعَلُوا شَيْئًا مِن ذَلِكَ أنْبَأهم بِهِ عِيسى، فَخانَ القَوْمُ فِيهِ فَخَبَّؤُوا، وادَّخَرُوا لِغَدٍ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: أُنْزِلَ عَلى المائِدَةِ كُلُّ شَيْءٍ إلّا اللَّحْمَ، والمائِدَةُ الخِوانُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مَيْسَرَةَ، وزاذانَ قالا: كانَتِ المائِدَةُ إذا وُضِعَتْ لِبَنِي إسْرائِيلَ اخْتَلَفَتِ الأيْدِي فِيها بِكُلِّ طَعامٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ وهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ أنَّهُ سُئِلَ عَنِ المائِدَةِ الَّتِي أنْزَلَها اللَّهُ مِنَ السَّماءِ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ قالَ: كانَ يَنْزِلُ عَلَيْهِمْ في كُلِّ يَوْمٍ في تِلْكَ المائِدَةِ مِن ثِمارِ الجَنَّةِ، فَأكَلُوا ما شاؤُوا مِن ضُرُوبٍ شَتّى، فَكانَتْ يَقْعُدُ عَلَيْها أرْبَعَةُ آلافٍ، فَإذا أكَلُوا أبْدَلَ اللَّهُ مَكانَ ذَلِكَ بِمِثْلِهِ، فَلَبِثُوا بِذَلِكَ ما شاءَ اللَّهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: (p-٦٠٤)﴿أنْزِلْ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ﴾ قالَ: هو مَثَلٌ ضُرِبَ ولَمْ يَنْزِلْ عَلَيْهِمْ شَيْءٌ. وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: مائِدَةٌ عَلَيْها طَعامٌ، أبَوْها حِينَ عُرِضَ عَلَيْهِمُ العَذابُ إنْ كَفَرُوا، فَأبَوْا أنْ تَنْزِلَ عَلَيْهِمْ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ الأنْبارِيِّ، عَنِ الحَسَنِ قالَ: لَمّا قِيلَ لَهم: ﴿فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكم فَإنِّي أُعَذِّبُهُ عَذابًا﴾ قالُوا: لا حاجَةَ لَنا فِيها، فَلَمْ تَنْزِلْ عَلَيْهِمْ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿فَإنِّي أُعَذِّبُهُ عَذابًا لا أُعَذِّبُهُ أحَدًا مِنَ العالَمِينَ﴾ قالَ: ذُكِرَ لَنا أنَّهم لَمّا صَنَعُوا في المائِدَةِ ما صَنَعُوا حُوِّلُوا خَنازِيرَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكُمْ﴾ بَعْدَ ما جاءَتْهُ المائِدَةُ، ﴿فَإنِّي أُعَذِّبُهُ عَذابًا لا أُعَذِّبُهُ أحَدًا مِنَ العالَمِينَ﴾ يَقُولُ: أُعَذِّبُهُ بِعَذابٍ لا أُعَذِّبُهُ أحَدًا غَيْرَ أهْلِ المائِدَةِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قالَ: إنَّ أشَدَّ النّاسِ عَذابًا يَوْمَ القِيامَةِ مَن كَفَرَ مِن أصْحابِ المائِدَةِ، والمُنافِقُونَ، (p-٦٠٥)وآلُ فِرْعَوْنَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ عاصِمٍ، أنَّهُ قَرَأ: ﴿إنِّي مُنَزِّلُها﴾ مُثَقَّلَةً.

المائدة 5:113

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذْ قالَ الحَوارِيُّونَ﴾ الآياتِ. أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها قالَتْ: كانَ الحَوارِيُّونَ أعْلَمَ بِاللَّهِ مِن أنْ يَقُولُوا: هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ؟ إنَّما قالُوا: هَلْ تَسْتَطِيعُ أنْتَ رَبَّكَ، هَلْ تَسْتَطِيعُ أنْ تَدْعُوَهُ؟ (p-٥٩٣)وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ غَنْمٍ قالَ: سَألْتُ مُعاذَ بْنَ جَبَلٍ عَنْ قَوْلِ الحَوارِيِّينَ: ﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ﴾ ؟ أوْ: (تَسْتَطِيعُ رَبَّكَ؟) فَقالَ: أقْرَأنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (هَلْ تَسْتَطِيعُ رَبَّكَ) بِالتّاءِ. وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قَرَأها: (هَلْ تَسْتَطِيعُ رَبَّكَ)، بِالتّاءِ وبِنَصْبِ (رَبَّكَ) . وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أنَّهُ قَرَأها: (هَلْ تَسْتَطِيعُ رَبَّكَ)، وقالَ: هَلْ تَسْتَطِيعُ أنْ تَسْألَ رَبَّكَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عامِرٍ الشَّعْبِيِّ، أنَّ عَلِيًّا كانَ يَقْرَؤُها: ﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ﴾ قالَ: هَلْ يُطِيعُكَ رَبُّكَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ يَحْيى بْنِ وثّابٍ، وأبِي رَجاءٍ، أنَّهُما قَرَآ: ﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ﴾ بِالياءِ والرَّفْعِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ﴾ قالَ: قالُوا: هَلْ يُطِيعُكَ رَبُّكَ إنْ سَألْتَهُ؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مائِدَةً مِنَ السَّماءِ، فِيها جَمِيعُ الطَّعامِ إلّا اللَّحْمَ، فَأكَلُوا مِنها. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ في قَوْلِهِ: ﴿مائِدَةً﴾ قالَ: المائِدَةُ (p-٥٩٤)الخِوانُ، وفي قَوْلِهِ: ﴿وتَطْمَئِنَّ﴾ قالَ: تُوقِنَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿تَكُونُ لَنا عِيدًا لأوَّلِنا وآخِرِنا﴾ يَقُولُ: نَتَّخِذُ اليَوْمَ الَّذِي نَزَلَتْ فِيهِ عِيدًا، نُعَظِّمُهُ نَحْنُ ومَن بَعْدَنا. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿تَكُونُ لَنا عِيدًا لأوَّلِنا وآخِرِنا﴾ قالَ: أرادُوا أنْ تَكُونَ لِعَقِبِهِمْ مِن بَعْدِهِمْ. وأخْرَجَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ في (نَوادِرِ الأُصُولِ)، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ في (العَظَمَةِ)، وأبُو بَكْرٍ الشّافِعِيُّ في (فَوائِدِهِ) المَعْرُوفَةِ بِالغَيْلانِيّاتِ، عَنْ سَلْمانَ الفارِسِيِّ قالَ: لَمّا سَألَ الحَوارِيُّونَ عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ المائِدَةَ، كَرِهَ ذَلِكَ جِدًّا، وقالَ: اقْنَعُوا بِما رَزَقَكُمُ اللَّهُ في الأرْضِ، ولا تَسْألُوا المائِدَةَ مِنَ السَّماءِ، فَإنَّها إنْ نَزَلَتْ عَلَيْكم كانَتْ آيَةً مِن رَبِّكُمْ، وإنَّما هَلَكَتْ ثَمُودُ حِينَ سَألُوا نَبِيَّهم آيَةً، فابْتُلُوا بِها حَتّى كانَ بَوارُهم فِيها، فَأبَوْا إلّا أنْ يَأْتِيَهم بِها، فَلِذَلِكَ قالُوا: ﴿نُرِيدُ أنْ نَأْكُلَ مِنها وتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنا ونَعْلَمَ أنْ قَدْ صَدَقْتَنا ونَكُونَ عَلَيْها مِنَ الشّاهِدِينَ﴾، فَلَمّا رَأى عِيسى أنْ قَدْ أبَوْا إلّا أنْ يَدْعُوَ لَهم بِها، قامَ فَألْقى عَنْهُ الصُّوفَ ولَبِسَ الشَّعَرَ الأسْوَدَ، وجُبَّةً مَن شَعَرٍ، وعَباءَةً مِن شَعَرٍ، ثُمَّ (p-٥٩٥)تَوَضَّأ، واغْتَسَلَ، ودَخَلَ مُصَلّاهُ، فَصَلّى ما شاءَ اللَّهُ، فَلَمّا قَضى صَلاتَهُ قامَ قائِمًا مُسْتَقْبِلَ القِبْلَةَ، وصَفَّ قَدَمَيْهِ حَتّى اسْتَوَيا، فَألْصَقَ الكَعْبَ بِالكَعْبِ، وحاذى الأصابِعَ بِالأصابِعِ، ووَضَعَ يَدَهُ اليُمْنى عَلى اليُسْرى، فَوْقَ صَدْرِهِ، وغَضَّ بَصَرَهُ، وطَأْطَأ رَأْسَهُ خُشُوعًا، ثُمَّ أرْسَلَ عَيْنَيْهِ بِالبُكاءِ، فَما زالَتْ دُمُوعُهُ تَسِيلُ عَلى خَدَّيْهِ، وتَقْطُرُ مِن أطْرافِ لِحْيَتِهِ، حَتّى ابْتَلَّتِ الأرْضُ حِيالَ وجْهِهِ مِن خُشُوعِهِ، فَلَمّا رَأى ذَلِكَ دَعا اللَّهَ فَقالَ: ﴿اللَّهُمَّ رَبَّنا أنْزِلْ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ تَكُونُ لَنا عِيدًا لأوَّلِنا وآخِرِنا﴾ تَكُونُ عِظَةً مِنكَ لَنا، ﴿وآيَةً مِنكَ﴾ أيْ عَلامَةً مِنكَ، تَكُونُ بَيْنَنا وبَيْنَكَ، وارْزُقْنا عَلَيْها طَعامًا نَأْكُلُهُ، ﴿وأنْتَ خَيْرُ الرّازِقِينَ﴾، فَأنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ سُفْرَةً حَمْراءَ بَيْنَ غَمامَتَيْنِ، غَمامَةٍ فَوْقَها، وغَمامَةٍ تَحْتَها، وهم يَنْظُرُونَ إلَيْها في الهَواءِ مُنْقَضَّةً مِن فَلَكِ السَّماءِ تَهْوِي إلَيْهِمْ، وعِيسى يَبْكِي خَوْفًا لِلشُّرُوطِ الَّتِي اتَّخَذَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ فِيها، أنَّهُ يُعَذِّبُ مَن يَكْفُرُ بِها مِنهم بَعْدَ نُزُولِها عَذابًا لَمْ يُعَذِّبْهُ أحَدًا مِنَ العالَمِينَ، وهو يَدْعُو اللَّهَ في مَكانِهِ ويَقُولُ: إلَهِي اجْعَلْها رَحْمَةً، إلَهِي لا تَجْعَلْها عَذابًا، إلَهِي كَمْ مِن عَجِيبَةٍ سَألْتُكَ فَأعْطَيْتَنِي، إلَهِي اجْعَلْنا لَكَ شاكِرِينَ، إلَهِي أعُوذُ بِكَ أنْ تَكُونَ أنْزَلْتَها غَضَبًا ورِجْزًا، إلَهِي اجْعَلْها سَلامَةً وعافِيَةً، ولا تَجْعَلْها فِتْنَةً ومُثْلَةً، فَما زالَ يَدْعُو حَتّى اسْتَقَرَّتِ السُّفْرَةُ بَيْنَ يَدَيْ عِيسى، والحَوارِيُّونَ وأصْحابُهُ حَوْلَهُ، يَجِدُونَ رائِحَةً طَيِّبَةً، لَمْ يَجِدُوا فِيما مَضى رائِحَةً مِثْلَها قَطُّ، وخَرَّ عِيسى والحَوارِيُّونَ لِلَّهِ سُجَّدًا، شُكْرًا لَهُ بِما رَزَقَهم مِن حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا، وأراهم فِيهِ آيَةً (p-٥٩٦)عَظِيمَةً ذاتَ عَجَبٍ وعِبْرَةٍ، وأقْبَلَتِ اليَهُودُ يَنْظُرُونَ، فَرَأوْا أمْرًا عَجِيبًا، أوْرَثَهم كَمَدًا وغَمًّا، ثُمَّ انْصَرَفُوا بِغَيْظٍ شَدِيدٍ، وأقْبَلَ عِيسى والحَوارِيُّونَ وأصْحابُهُ حَتّى جَلَسُوا حَوْلَ السُّفْرَةِ، فَإذا عَلَيْهِ مِندِيلٌ مُغَطًّى، قالَ عِيسى: مَن أجْرَؤُنا عَلى كَشْفِ المِندِيلِ عَنْ هَذِهِ السُّفْرَةِ، وأوْثَقُنا بِنَفْسِهِ، وأحْسَنُنا بَلاءً عِنْدَ رَبِّهِ، فَلْيَكْشِفْ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ حَتّى نَراها، ونَحْمَدَ رَبَّنا، ونَذْكُرَ بِاسْمِهِ، ونَأْكُلَ مِن رِزْقِهِ الَّذِي رَزَقَنا؟ فَقالَ الحَوارِيُّونَ: يا رُوحَ اللَّهِ، وكَلِمَتُهُ، أنْتَ أوْلانا بِذَلِكَ، وأحَقُّنا بِالكَشْفِ عَنْها، فَقامَ عِيسى، فاسْتَأْنَفَ وُضُوءًا جَدِيدًا، ثُمَّ دَخَلَ مُصَلّاهُ، فَصَلّى بِذَلِكَ رَكَعاتٍ، ثُمَّ بَكى طَوِيلًا ودَعا اللَّهَ أنْ يَأْذَنَ لَهُ في الكَشْفِ عَنْها، ويَجْعَلَ لَهُ ولِقَوْمِهِ فِيها بَرَكَةً ورِزْقًا، ثُمَّ انْصَرَفَ وجَلَسَ إلى السُّفْرَةِ وتَناوَلَ المِندِيلَ، وقالَ: بِسْمِ اللَّهِ خَيْرِ الرّازِقِينَ، وكَشَفَ عَنِ السُّفْرَةِ، وإذا هو عَلَيْها سَمَكَةٌ ضَخْمَةٌ مَشْوِيَّةٌ، لَيْسَ عَلَيْها بَواسِيرُ، ولَيْسَ في جَوْفِها شَوْكٌ، يَسِيلُ السَّمْنُ مِنها سَيْلًا، قَدْ نُضِّدَ حَوْلَها بُقُولٌ مِن كُلِّ صِنْفٍ غَيْرَ الكُرّاثِ، وعِنْدَ رَأْسِها خَلٌّ، وعِنْدَ ذَنَبِها مِلْحٌ، وحَوْلَ البُقُولِ خَمْسَةُ أرْغِفَةٍ، عَلى واحِدٍ مِنها زَيْتُونٌ، وعَلى الآخَرِ ثَمَراتٌ، وعَلى الآخَرِ خَمْسُ رُمّاناتٍ، فَقالَ شَمْعُونُ رَأْسُ الحَوارِيِّينَ لِعِيسى: يا رُوحَ اللَّهِ، وكَلِمَتُهُ، أمِن طَعامِ الدُّنْيا هَذا، أمْ مِن طَعامِ الجَنَّةِ؟ فَقالَ: أما آنَ لَكم أنْ تَعْتَبِرُوا بِما تَرَوْنَ مِنَ الآياتِ، وتَنْتَهُوا عَنْ تَنْقِيرِ المَسائِلِ، ما أخْوَفَنِي عَلَيْكم أنْ تُعاقَبُوا في سَبَبِ هَذِهِ الآيَةِ، فَقالَ شَمْعُونُ: لا وإلَهِ إسْرائِيلَ، (p-٥٩٧)ما أرَدْتُ بِها سُوءًا يا ابْنَ الصِّدِّيقَةِ، فَقالَ عِيسى: لَيْسَ شَيْءٌ مِمّا تَرَوْنَ عَلَيْها مِن طَعامِ الجَنَّةِ، ولا مِن طَعامِ الدُّنْيا، إنَّما هو شَيْءٌ ابْتَدَعَهُ اللَّهُ في الهَواءِ بِالقُدْرَةِ الغالِبَةِ القاهِرَةِ، فَقالَ لَهُ: كُنْ، فَكانَ أسْرَعَ مِن طَرْفَةِ عَيْنٍ، فَكُلُوا مِمّا سَألْتُمْ بِاسْمِ اللَّهِ، واحْمَدُوا عَلَيْهِ رَبَّكُمْ، يَمُدَّكم مِنهُ ويَزِدْكُمْ، فَإنَّهُ بَدِيعٌ قادِرٌ شاكِرٌ، فَقالُوا: يا رُوحَ اللَّهِ وكَلِمَتُهُ، إنّا نُحِبُّ أنْ تُرِيَنا آيَةً في هَذِهِ الآيَةِ، فَقالَ عِيسى: سُبْحانَ اللَّهِ، أما اكْتَفَيْتُمْ بِما رَأيْتُمْ مِن هَذِهِ الآيَةِ، حَتّى تَسْألُوا فِيها آيَةً أُخْرى، ثُمَّ أقْبَلَ عِيسى عَلى السَّمَكَةِ فَقالَ: يا سَمَكَةُ، عُودِي بِإذْنِ اللَّهِ حَيَّةً كَما كُنْتِ، فَأحْياها اللَّهُ بِقُدْرَتِهِ، فاضْطَرَبَتْ وعادَتْ بِإذْنِ اللَّهِ حَيَّةً طَرِيَّةً، تَلَمَّظُ كَما يَتَلَمَّظُ الأسَدُ، تَدُورُ عَيْناها، لَها بَصِيصٌ، وعادَتْ عَلَيْها بَواسِيرُها، فَفَزِعَ القَوْمُ مِنها وانْحاسُوا، فَلَمّا رَأى عِيسى ذَلِكَ مِنهم فَقالَ: ما لَكم تَسْألُونَ الآيَةَ، فَإذا أراكُمُوها رَبُّكم كَرِهْتُمُوها، ما أخْوَفَنِي عَلَيْكم أنْ تُعاقَبُوا بِما تَصْنَعُونَ، يا سَمَكَةُ، عُودِي بِإذْنِ اللَّهِ كَما كُنْتِ، فَعادَتْ بِإذْنِ اللَّهِ مَشْوِيَّةً كَما كانَتْ في خَلْقِها الأوَّلِ، فَقالُوا لِعِيسى: كُنْ أنْتَ يا رُوحَ اللَّهِ الَّذِي تَبْدَأُ بِالأكْلِ مِنها، ثُمَّ نَحْنُ بَعْدُ، فَقالَ: مَعاذَ اللَّهِ مِن ذَلِكَ، يَبْدَأُ بِالأكْلِ مَن طَلَبَها، فَلَمّا رَأى الحَوارِيُّونَ وأصْحابُهُمُ امْتِناعَ نَبِيِّهِمْ مِنها، خافُوا أنْ يَكُونَ نُزُولُها سُخْطَةً، وفي أكْلِها مُثْلَةٌ، فَتَحامَوْها، فَلَمّا رَأى ذَلِكَ عِيسى دَعا لَها الفُقَراءُ والزَّمْنى، وقالَ: كُلُوا مِن رِزْقِ رَبِّكم ودَعْوَةِ نَبِيِّكُمْ، واحْمَدُوا اللَّهَ الَّذِي أنْزَلَها لَكُمْ، يَكُونُ مَهَناها لَكم وعُقُوبَتُها عَلى غَيْرِكُمْ، وافْتَتِحُوا أكْلَكم بِاسْمِ اللَّهِ، واخْتِمُوهُ بِحَمْدِ اللَّهِ، فَفَعَلُوا، فَأكَلَ مِنها ألْفٌ وثَلاثُمِائَةِ إنْسانٍ، بَيْنَ رَجُلٍ وامْرَأةٍ، يَصْدُرُونَ (p-٥٩٨)عَنْها كُلُّ واحِدٍ مِنهم شَبْعانُ يَتَجَشَّأُ، ونَظَرَ عِيسى والحَوارِيُّونَ، فَإذا ما عَلَيْها كَهَيْئَةِ إذْ نَزَلَتْ مِنَ السَّماءِ، لَمْ يَنْتَقِصْ مِنهُ شَيْءٌ، ثُمَّ إنَّها رُفِعَتْ إلى السَّماءِ، وهم يَنْظُرُونَ، فاسْتَغْنى كُلُّ فَقِيرٍ أكَلَ مِنها، وبَرِئَ كُلُّ زَمِنٍ مِنهم أكَلَ مِنها، فَلَمْ يَزالُوا أغْنِياءَ صِحاحًا حَتّى خَرَجُوا مِنَ الدُّنْيا، ونَدِمَ الحَوارِيُّونَ وأصْحابُهُمُ الَّذِينَ أبَوْا أنْ يَأْكُلُوا مِنها نَدامَةً سالَتْ مِنها أشْفارُهُمْ، وبَقِيَتْ حَسْرَتُها في قُلُوبِهِمْ إلى يَوْمِ المَماتِ، قالَ: فَكانَتِ المائِدَةُ إذا نَزَلَتْ بَعْدَ ذَلِكَ، أقْبَلَتْ بَنُو إسْرائِيلَ إلَيْها مِن كُلِّ مَكانٍ يَسْعَوْنَ، يُزاحِمُ بَعْضُهم بَعْضًا، الأغْنِياءُ والفُقَراءُ، والنِّساءُ والصِّغارُ والكِبارُ، والأصِحّاءُ والمَرْضى، يَرْكَبُ بَعْضُهم بَعْضًا، فَلَمّا رَأى عِيسى ذَلِكَ جَعَلَها نُوَبًا بَيْنَهُمْ، فَكانَتْ تَنْزِلُ يَوْمًا، ولا تَنْزِلُ يَوْمًا، فَلَبِثُوا في ذَلِكَ أرْبَعِينَ يَوْمًا، تَنْزِلُ عَلَيْهِمْ غِبًّا عِنْدَ ارْتِفاعِ الضُّحى، فَلا تَزالُ مَوْضُوعَةً يُؤْكَلُ مِنها، حَتّى إذا قالُوا ارْتَفَعَتْ عَنْهُمْ، بِإذْنِ اللَّهِ إلى جَوِّ السَّماءِ، وهم يَنْظُرُونَ إلى ظِلِّها في الأرْضِ حَتّى تَوارى عَنْهم. فَأوْحى اللَّهُ إلى عِيسى أنِ اجْعَلْ رِزْقِي في المائِدَةِ لِلْيَتامى، والفُقَراءِ، والزَّمْنى، دُونَ الأغْنِياءِ مِنَ النّاسِ، فَلَمّا فَعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ، ارْتابَ بِها الأغْنِياءُ، وغَمَصُوا ذَلِكَ، حَتّى شَكُّوا فِيها في أنْفُسِهِمْ، وشَكَّكُوا فِيها النّاسَ، وأذاعُوا في أمْرِها القَبِيحَ والمُنْكَرَ، وأدْرَكَ الشَّيْطانُ (p-٥٩٩)مِنهم حاجَتَهُ، وقَذَفَ وسْواسَهُ في قُلُوبِ المُرْتابِينَ حَتّى قالُوا لِعِيسى: أخْبِرْنا عَنِ المائِدَةِ ونُزُولِها مِنَ السَّماءِ حَقٌّ، فَإنَّهُ قَدِ ارْتابَ بِها بَشَرٌ مِنّا كَثِيرٌ؟ قالَ عِيسى: هَلَكْتُمْ وإلَهِ المَسِيحِ، طَلَبْتُمُ المائِدَةَ إلى نَبِيِّكم أنْ يَطْلُبَها لَكم إلى رَبِّكُمْ، فَلَمّا أنْ فَعَلَ، وأنْزَلَها اللَّهُ عَلَيْكم رَحْمَةً ورِزْقًا، وأراكم فِيها الآياتِ والعِبَرَ، كَذَّبْتُمْ بِها، وشَكَكْتُمْ فِيها، فَأبْشِرُوا بِالعَذابِ، فَإنَّهُ نازِلٌ بِكم إلّا أنْ يَرْحَمَكُمُ اللَّهُ، وأوْحى اللَّهُ إلى عِيسى: إنِّي آخِذٌ المُكَذِّبِينَ بِشَرْطِي، فَإنِّي مُعَذِّبٌ مِنهم مَن كَفَرَ بِالمائِدَةِ بَعْدَ نُزُولِها عَذابًا لا أُعَذِّبُهُ أحَدًا مِنَ العالَمِينَ، فَلَمّا أمْسى المُرْتابُونَ بِها، وأخَذُوا مَضاجِعَهم في أحْسَنِ صُورَةٍ مَعَ نِسائِهِمْ آمِنِينَ، فَلَمّا كانَ مِن آخِرِ اللَّيْلِ مَسَخَهُمُ اللَّهُ خَنازِيرَ، وأصْبَحُوا يَتَّبِعُونَ الأقْذارَ في الكُناساتِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أنَّهُ كانَ يُحَدِّثُ عَنْ عِيسى ابْنِ مَرْيَمَ أنَّهُ قالَ لِبَنِي إسْرائِيلَ: هَلْ لَكم أنْ تَصُومُوا لِلَّهِ ثَلاثِينَ يَوْمًا، ثُمَّ تَسْألُوهُ فَيُعْطِيَكم ما سَألْتُمْ، فَإنَّ أجْرَ العامِلِ عَلى مَن عَمِلَ لَهُ؟ فَفَعَلُوا، ثُمَّ قالُوا: يا مُعَلِّمَ الخَيْرِ، قُلْتَ لَنا: إنَّ أجْرَ العامِلِ عَلى مَن عَمِلَ لَهُ، وأمَرْتَنا أنْ نَصُومَ ثَلاثِينَ يَوْمًا فَفَعَلْنا، ولَمْ نَكُنْ نَعْمَلُ لِأحَدٍ ثَلاثِينَ يَوْمًا إلّا أطْعَمَنا، فَـ ﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿أحَدًا مِنَ العالَمِينَ﴾ فَأقْبَلَتِ المَلائِكَةُ تَطِيرُ بِمائِدَةٍ مِنَ السَّماءِ، عَلَيْها سَبْعَةُ أحْواتٍ، وسَبْعَةُ (p-٦٠٠)أرْغِفَةٍ، حَتّى وضَعَتْها بَيْنَ أيْدِيهِمْ، فَأكَلَ مِنها آخِرُ النّاسِ كَما أكَلَ مِنها أوَّلُهم. وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ الأنْبارِيِّ في كِتابِ (الأضْدادِ)، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنْ عَمّارِ بْنِ ياسِرٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «(أُنْزِلَتِ المائِدَةُ مِنَ السَّماءِ خُبْزًا، ولَحْمًا، وأُمِرُوا ألّا يَخُونُوا ولا يَدَّخِرُوا لِغَدٍ، فَخانُوا، وادَّخَرُوا، ورَفَعُوا لِغَدٍ، فَمُسِخُوا قِرَدَةً وخَنازِيرَ») . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، مِن وجْهٍ آخَرَ، عَنْ عَمّارِ بْنِ ياسِرٍ مَوْقُوفًا، مِثْلَهُ، قالَ التِّرْمِذِيُّ: والوَقْفُ أصَحُّ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنْ عَمّارِ بْنِ ياسِرٍ قالَ: نَزَلَتِ المائِدَةُ عَلَيْها ثَمَرٌ مِن ثَمَرِ الجَنَّةِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: المائِدَةُ سَمَكَةٌ وأرْغِفَةٌ. وأخْرَجَ سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «(لَوْلا بَنُو إسْرائِيلَ ما خَنِزَ الخُبْزُ، ولا نَتَنَ اللَّحْمُ، ولَكِنَّهم خَبَّؤُوهُ لِغَدٍ، فَأنْتَنَ اللَّحْمُ، وخَنِزَ الخُبْزُ») . (p-٦٠١)وأخْرَجَ ابْنُ الأنْبارِيِّ في كِتابِ (الأضْدادِ)، عَنْ أبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ في قَوْلِهِ: ﴿أنْزِلْ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ﴾ قالَ: خُبْزًا وسَمَكًا. وأخْرَجَ ابْنُ الأنْبارِيِّ، وأبُو الشَّيْخِ في (العَظَمَةِ)، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: نَزَلَتِ المائِدَةُ وهي طَعامٌ يَفُورُ، فَكانُوا يَأْكُلُونَ مِنها قُعُودًا، فَأحْدَثُوا، فَرُفِعَتْ شَيْئًا، فَأكَلُوا عَلى الرُّكَبِ، ثُمَّ أحْدَثُوا فَرُفِعَتْ شَيْئًا، فَأكَلُوا قِيامًا، ثُمَّ أحْدَثُوا فَرُفِعَتْ ألْبَتَّةَ. وأخْرَجَ ابْنُ الأنْبارِيِّ، عَنْ وهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ قالَ: كانَتْ مائِدَةً يَجْلِسُ عَلَيْها أرْبَعَةُ آلافٍ، فَقالُوا لِقَوْمٍ مِن وُضَعائِهِمْ: إنَّ هَؤُلاءِ يُلَطِّخُونَ ثِيابَنا عَلَيْنا، فَلَوْ بَنَيْنا لَها دُكّانًا يَرْفَعُها، فَبَنَوْا لَها دُكّانًا، فَجَعَلَتِ الضُّعَفاءُ لا تَصِلُ إلى شَيْءٍ، فَلَمّا خالَفُوا أمْرَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ رَفَعَها عَنْهم. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ الأنْبارِيِّ في كِتابِ (الأضْدادِ)، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ عَطِيَّةَ العَوْفِيِّ قالَ: المائِدَةُ سَمَكَةٌ فِيها مِن طَعْمِ كُلِّ طَعامٍ. (p-٦٠٢)وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ عِكْرِمَةَ، أنَّ الخُبْزَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَ المائِدَةِ كانَ مِن أُرْزٍ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، مِن طَرِيقِ العَوْفِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَ عَلى عِيسى ابْنِ مَرْيَمَ والحَوارِيِّينَ خِوانٌ عَلَيْهِ خُبْزٌ وسَمَكٌ، يَأْكُلُونَ مِنهُ أيْنَما نَزَلُوا إذا شاؤُوا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ الأنْبارِيِّ في كِتابِ (الأضْدادِ)، مِن طَرِيقِ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في المائِدَةِ قالَ: كانَ طَعامًا يَنْزِلُ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ حَيْثُما نَزَلُوا. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: هو الطَّعامُ يَنْزِلُ عَلَيْهِمْ حَيْثُ نَزَلُوا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ إسْحاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، أنَّ المائِدَةَ نَزَلَتْ عَلى عِيسى ابْنِ مَرْيَمَ، عَلَيْها سَبْعَةُ أرْغِفَةٍ وسَبْعَةُ أحْواتٍ يَأْكُلُونَ مِنها ما شاؤُوا، فَسَرَقَ بَعْضُهم مِنها، وقالَ: لَعَلَّها لا تَنْزِلُ غَدًا، فَرُفِعَتْ. (p-٦٠٣)وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ الأنْبارِيِّ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ قالَ: ذُكِرَ لَنا أنَّها كانَتْ مائِدَةً يَنْزِلُ عَلَيْها الثَّمَرُ مِن ثِمارِ الجَنَّةِ، وأُمِرُوا ألّا يُخَبِّئُوا، ولا يَخُونُوا، ولا يَدَّخِرُوا لِغَدٍ، بَلاءٌ أبْلاهُمُ اللَّهُ بِهِ، وكانُوا إذا فَعَلُوا شَيْئًا مِن ذَلِكَ أنْبَأهم بِهِ عِيسى، فَخانَ القَوْمُ فِيهِ فَخَبَّؤُوا، وادَّخَرُوا لِغَدٍ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: أُنْزِلَ عَلى المائِدَةِ كُلُّ شَيْءٍ إلّا اللَّحْمَ، والمائِدَةُ الخِوانُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مَيْسَرَةَ، وزاذانَ قالا: كانَتِ المائِدَةُ إذا وُضِعَتْ لِبَنِي إسْرائِيلَ اخْتَلَفَتِ الأيْدِي فِيها بِكُلِّ طَعامٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ وهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ أنَّهُ سُئِلَ عَنِ المائِدَةِ الَّتِي أنْزَلَها اللَّهُ مِنَ السَّماءِ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ قالَ: كانَ يَنْزِلُ عَلَيْهِمْ في كُلِّ يَوْمٍ في تِلْكَ المائِدَةِ مِن ثِمارِ الجَنَّةِ، فَأكَلُوا ما شاؤُوا مِن ضُرُوبٍ شَتّى، فَكانَتْ يَقْعُدُ عَلَيْها أرْبَعَةُ آلافٍ، فَإذا أكَلُوا أبْدَلَ اللَّهُ مَكانَ ذَلِكَ بِمِثْلِهِ، فَلَبِثُوا بِذَلِكَ ما شاءَ اللَّهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: (p-٦٠٤)﴿أنْزِلْ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ﴾ قالَ: هو مَثَلٌ ضُرِبَ ولَمْ يَنْزِلْ عَلَيْهِمْ شَيْءٌ. وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: مائِدَةٌ عَلَيْها طَعامٌ، أبَوْها حِينَ عُرِضَ عَلَيْهِمُ العَذابُ إنْ كَفَرُوا، فَأبَوْا أنْ تَنْزِلَ عَلَيْهِمْ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ الأنْبارِيِّ، عَنِ الحَسَنِ قالَ: لَمّا قِيلَ لَهم: ﴿فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكم فَإنِّي أُعَذِّبُهُ عَذابًا﴾ قالُوا: لا حاجَةَ لَنا فِيها، فَلَمْ تَنْزِلْ عَلَيْهِمْ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿فَإنِّي أُعَذِّبُهُ عَذابًا لا أُعَذِّبُهُ أحَدًا مِنَ العالَمِينَ﴾ قالَ: ذُكِرَ لَنا أنَّهم لَمّا صَنَعُوا في المائِدَةِ ما صَنَعُوا حُوِّلُوا خَنازِيرَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكُمْ﴾ بَعْدَ ما جاءَتْهُ المائِدَةُ، ﴿فَإنِّي أُعَذِّبُهُ عَذابًا لا أُعَذِّبُهُ أحَدًا مِنَ العالَمِينَ﴾ يَقُولُ: أُعَذِّبُهُ بِعَذابٍ لا أُعَذِّبُهُ أحَدًا غَيْرَ أهْلِ المائِدَةِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قالَ: إنَّ أشَدَّ النّاسِ عَذابًا يَوْمَ القِيامَةِ مَن كَفَرَ مِن أصْحابِ المائِدَةِ، والمُنافِقُونَ، (p-٦٠٥)وآلُ فِرْعَوْنَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ عاصِمٍ، أنَّهُ قَرَأ: ﴿إنِّي مُنَزِّلُها﴾ مُثَقَّلَةً.

المائدة 5:114

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذْ قالَ الحَوارِيُّونَ﴾ الآياتِ. أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها قالَتْ: كانَ الحَوارِيُّونَ أعْلَمَ بِاللَّهِ مِن أنْ يَقُولُوا: هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ؟ إنَّما قالُوا: هَلْ تَسْتَطِيعُ أنْتَ رَبَّكَ، هَلْ تَسْتَطِيعُ أنْ تَدْعُوَهُ؟ (p-٥٩٣)وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ غَنْمٍ قالَ: سَألْتُ مُعاذَ بْنَ جَبَلٍ عَنْ قَوْلِ الحَوارِيِّينَ: ﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ﴾ ؟ أوْ: (تَسْتَطِيعُ رَبَّكَ؟) فَقالَ: أقْرَأنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (هَلْ تَسْتَطِيعُ رَبَّكَ) بِالتّاءِ. وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قَرَأها: (هَلْ تَسْتَطِيعُ رَبَّكَ)، بِالتّاءِ وبِنَصْبِ (رَبَّكَ) . وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أنَّهُ قَرَأها: (هَلْ تَسْتَطِيعُ رَبَّكَ)، وقالَ: هَلْ تَسْتَطِيعُ أنْ تَسْألَ رَبَّكَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عامِرٍ الشَّعْبِيِّ، أنَّ عَلِيًّا كانَ يَقْرَؤُها: ﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ﴾ قالَ: هَلْ يُطِيعُكَ رَبُّكَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ يَحْيى بْنِ وثّابٍ، وأبِي رَجاءٍ، أنَّهُما قَرَآ: ﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ﴾ بِالياءِ والرَّفْعِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ﴾ قالَ: قالُوا: هَلْ يُطِيعُكَ رَبُّكَ إنْ سَألْتَهُ؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مائِدَةً مِنَ السَّماءِ، فِيها جَمِيعُ الطَّعامِ إلّا اللَّحْمَ، فَأكَلُوا مِنها. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ في قَوْلِهِ: ﴿مائِدَةً﴾ قالَ: المائِدَةُ (p-٥٩٤)الخِوانُ، وفي قَوْلِهِ: ﴿وتَطْمَئِنَّ﴾ قالَ: تُوقِنَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿تَكُونُ لَنا عِيدًا لأوَّلِنا وآخِرِنا﴾ يَقُولُ: نَتَّخِذُ اليَوْمَ الَّذِي نَزَلَتْ فِيهِ عِيدًا، نُعَظِّمُهُ نَحْنُ ومَن بَعْدَنا. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿تَكُونُ لَنا عِيدًا لأوَّلِنا وآخِرِنا﴾ قالَ: أرادُوا أنْ تَكُونَ لِعَقِبِهِمْ مِن بَعْدِهِمْ. وأخْرَجَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ في (نَوادِرِ الأُصُولِ)، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ في (العَظَمَةِ)، وأبُو بَكْرٍ الشّافِعِيُّ في (فَوائِدِهِ) المَعْرُوفَةِ بِالغَيْلانِيّاتِ، عَنْ سَلْمانَ الفارِسِيِّ قالَ: لَمّا سَألَ الحَوارِيُّونَ عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ المائِدَةَ، كَرِهَ ذَلِكَ جِدًّا، وقالَ: اقْنَعُوا بِما رَزَقَكُمُ اللَّهُ في الأرْضِ، ولا تَسْألُوا المائِدَةَ مِنَ السَّماءِ، فَإنَّها إنْ نَزَلَتْ عَلَيْكم كانَتْ آيَةً مِن رَبِّكُمْ، وإنَّما هَلَكَتْ ثَمُودُ حِينَ سَألُوا نَبِيَّهم آيَةً، فابْتُلُوا بِها حَتّى كانَ بَوارُهم فِيها، فَأبَوْا إلّا أنْ يَأْتِيَهم بِها، فَلِذَلِكَ قالُوا: ﴿نُرِيدُ أنْ نَأْكُلَ مِنها وتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنا ونَعْلَمَ أنْ قَدْ صَدَقْتَنا ونَكُونَ عَلَيْها مِنَ الشّاهِدِينَ﴾، فَلَمّا رَأى عِيسى أنْ قَدْ أبَوْا إلّا أنْ يَدْعُوَ لَهم بِها، قامَ فَألْقى عَنْهُ الصُّوفَ ولَبِسَ الشَّعَرَ الأسْوَدَ، وجُبَّةً مَن شَعَرٍ، وعَباءَةً مِن شَعَرٍ، ثُمَّ (p-٥٩٥)تَوَضَّأ، واغْتَسَلَ، ودَخَلَ مُصَلّاهُ، فَصَلّى ما شاءَ اللَّهُ، فَلَمّا قَضى صَلاتَهُ قامَ قائِمًا مُسْتَقْبِلَ القِبْلَةَ، وصَفَّ قَدَمَيْهِ حَتّى اسْتَوَيا، فَألْصَقَ الكَعْبَ بِالكَعْبِ، وحاذى الأصابِعَ بِالأصابِعِ، ووَضَعَ يَدَهُ اليُمْنى عَلى اليُسْرى، فَوْقَ صَدْرِهِ، وغَضَّ بَصَرَهُ، وطَأْطَأ رَأْسَهُ خُشُوعًا، ثُمَّ أرْسَلَ عَيْنَيْهِ بِالبُكاءِ، فَما زالَتْ دُمُوعُهُ تَسِيلُ عَلى خَدَّيْهِ، وتَقْطُرُ مِن أطْرافِ لِحْيَتِهِ، حَتّى ابْتَلَّتِ الأرْضُ حِيالَ وجْهِهِ مِن خُشُوعِهِ، فَلَمّا رَأى ذَلِكَ دَعا اللَّهَ فَقالَ: ﴿اللَّهُمَّ رَبَّنا أنْزِلْ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ تَكُونُ لَنا عِيدًا لأوَّلِنا وآخِرِنا﴾ تَكُونُ عِظَةً مِنكَ لَنا، ﴿وآيَةً مِنكَ﴾ أيْ عَلامَةً مِنكَ، تَكُونُ بَيْنَنا وبَيْنَكَ، وارْزُقْنا عَلَيْها طَعامًا نَأْكُلُهُ، ﴿وأنْتَ خَيْرُ الرّازِقِينَ﴾، فَأنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ سُفْرَةً حَمْراءَ بَيْنَ غَمامَتَيْنِ، غَمامَةٍ فَوْقَها، وغَمامَةٍ تَحْتَها، وهم يَنْظُرُونَ إلَيْها في الهَواءِ مُنْقَضَّةً مِن فَلَكِ السَّماءِ تَهْوِي إلَيْهِمْ، وعِيسى يَبْكِي خَوْفًا لِلشُّرُوطِ الَّتِي اتَّخَذَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ فِيها، أنَّهُ يُعَذِّبُ مَن يَكْفُرُ بِها مِنهم بَعْدَ نُزُولِها عَذابًا لَمْ يُعَذِّبْهُ أحَدًا مِنَ العالَمِينَ، وهو يَدْعُو اللَّهَ في مَكانِهِ ويَقُولُ: إلَهِي اجْعَلْها رَحْمَةً، إلَهِي لا تَجْعَلْها عَذابًا، إلَهِي كَمْ مِن عَجِيبَةٍ سَألْتُكَ فَأعْطَيْتَنِي، إلَهِي اجْعَلْنا لَكَ شاكِرِينَ، إلَهِي أعُوذُ بِكَ أنْ تَكُونَ أنْزَلْتَها غَضَبًا ورِجْزًا، إلَهِي اجْعَلْها سَلامَةً وعافِيَةً، ولا تَجْعَلْها فِتْنَةً ومُثْلَةً، فَما زالَ يَدْعُو حَتّى اسْتَقَرَّتِ السُّفْرَةُ بَيْنَ يَدَيْ عِيسى، والحَوارِيُّونَ وأصْحابُهُ حَوْلَهُ، يَجِدُونَ رائِحَةً طَيِّبَةً، لَمْ يَجِدُوا فِيما مَضى رائِحَةً مِثْلَها قَطُّ، وخَرَّ عِيسى والحَوارِيُّونَ لِلَّهِ سُجَّدًا، شُكْرًا لَهُ بِما رَزَقَهم مِن حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا، وأراهم فِيهِ آيَةً (p-٥٩٦)عَظِيمَةً ذاتَ عَجَبٍ وعِبْرَةٍ، وأقْبَلَتِ اليَهُودُ يَنْظُرُونَ، فَرَأوْا أمْرًا عَجِيبًا، أوْرَثَهم كَمَدًا وغَمًّا، ثُمَّ انْصَرَفُوا بِغَيْظٍ شَدِيدٍ، وأقْبَلَ عِيسى والحَوارِيُّونَ وأصْحابُهُ حَتّى جَلَسُوا حَوْلَ السُّفْرَةِ، فَإذا عَلَيْهِ مِندِيلٌ مُغَطًّى، قالَ عِيسى: مَن أجْرَؤُنا عَلى كَشْفِ المِندِيلِ عَنْ هَذِهِ السُّفْرَةِ، وأوْثَقُنا بِنَفْسِهِ، وأحْسَنُنا بَلاءً عِنْدَ رَبِّهِ، فَلْيَكْشِفْ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ حَتّى نَراها، ونَحْمَدَ رَبَّنا، ونَذْكُرَ بِاسْمِهِ، ونَأْكُلَ مِن رِزْقِهِ الَّذِي رَزَقَنا؟ فَقالَ الحَوارِيُّونَ: يا رُوحَ اللَّهِ، وكَلِمَتُهُ، أنْتَ أوْلانا بِذَلِكَ، وأحَقُّنا بِالكَشْفِ عَنْها، فَقامَ عِيسى، فاسْتَأْنَفَ وُضُوءًا جَدِيدًا، ثُمَّ دَخَلَ مُصَلّاهُ، فَصَلّى بِذَلِكَ رَكَعاتٍ، ثُمَّ بَكى طَوِيلًا ودَعا اللَّهَ أنْ يَأْذَنَ لَهُ في الكَشْفِ عَنْها، ويَجْعَلَ لَهُ ولِقَوْمِهِ فِيها بَرَكَةً ورِزْقًا، ثُمَّ انْصَرَفَ وجَلَسَ إلى السُّفْرَةِ وتَناوَلَ المِندِيلَ، وقالَ: بِسْمِ اللَّهِ خَيْرِ الرّازِقِينَ، وكَشَفَ عَنِ السُّفْرَةِ، وإذا هو عَلَيْها سَمَكَةٌ ضَخْمَةٌ مَشْوِيَّةٌ، لَيْسَ عَلَيْها بَواسِيرُ، ولَيْسَ في جَوْفِها شَوْكٌ، يَسِيلُ السَّمْنُ مِنها سَيْلًا، قَدْ نُضِّدَ حَوْلَها بُقُولٌ مِن كُلِّ صِنْفٍ غَيْرَ الكُرّاثِ، وعِنْدَ رَأْسِها خَلٌّ، وعِنْدَ ذَنَبِها مِلْحٌ، وحَوْلَ البُقُولِ خَمْسَةُ أرْغِفَةٍ، عَلى واحِدٍ مِنها زَيْتُونٌ، وعَلى الآخَرِ ثَمَراتٌ، وعَلى الآخَرِ خَمْسُ رُمّاناتٍ، فَقالَ شَمْعُونُ رَأْسُ الحَوارِيِّينَ لِعِيسى: يا رُوحَ اللَّهِ، وكَلِمَتُهُ، أمِن طَعامِ الدُّنْيا هَذا، أمْ مِن طَعامِ الجَنَّةِ؟ فَقالَ: أما آنَ لَكم أنْ تَعْتَبِرُوا بِما تَرَوْنَ مِنَ الآياتِ، وتَنْتَهُوا عَنْ تَنْقِيرِ المَسائِلِ، ما أخْوَفَنِي عَلَيْكم أنْ تُعاقَبُوا في سَبَبِ هَذِهِ الآيَةِ، فَقالَ شَمْعُونُ: لا وإلَهِ إسْرائِيلَ، (p-٥٩٧)ما أرَدْتُ بِها سُوءًا يا ابْنَ الصِّدِّيقَةِ، فَقالَ عِيسى: لَيْسَ شَيْءٌ مِمّا تَرَوْنَ عَلَيْها مِن طَعامِ الجَنَّةِ، ولا مِن طَعامِ الدُّنْيا، إنَّما هو شَيْءٌ ابْتَدَعَهُ اللَّهُ في الهَواءِ بِالقُدْرَةِ الغالِبَةِ القاهِرَةِ، فَقالَ لَهُ: كُنْ، فَكانَ أسْرَعَ مِن طَرْفَةِ عَيْنٍ، فَكُلُوا مِمّا سَألْتُمْ بِاسْمِ اللَّهِ، واحْمَدُوا عَلَيْهِ رَبَّكُمْ، يَمُدَّكم مِنهُ ويَزِدْكُمْ، فَإنَّهُ بَدِيعٌ قادِرٌ شاكِرٌ، فَقالُوا: يا رُوحَ اللَّهِ وكَلِمَتُهُ، إنّا نُحِبُّ أنْ تُرِيَنا آيَةً في هَذِهِ الآيَةِ، فَقالَ عِيسى: سُبْحانَ اللَّهِ، أما اكْتَفَيْتُمْ بِما رَأيْتُمْ مِن هَذِهِ الآيَةِ، حَتّى تَسْألُوا فِيها آيَةً أُخْرى، ثُمَّ أقْبَلَ عِيسى عَلى السَّمَكَةِ فَقالَ: يا سَمَكَةُ، عُودِي بِإذْنِ اللَّهِ حَيَّةً كَما كُنْتِ، فَأحْياها اللَّهُ بِقُدْرَتِهِ، فاضْطَرَبَتْ وعادَتْ بِإذْنِ اللَّهِ حَيَّةً طَرِيَّةً، تَلَمَّظُ كَما يَتَلَمَّظُ الأسَدُ، تَدُورُ عَيْناها، لَها بَصِيصٌ، وعادَتْ عَلَيْها بَواسِيرُها، فَفَزِعَ القَوْمُ مِنها وانْحاسُوا، فَلَمّا رَأى عِيسى ذَلِكَ مِنهم فَقالَ: ما لَكم تَسْألُونَ الآيَةَ، فَإذا أراكُمُوها رَبُّكم كَرِهْتُمُوها، ما أخْوَفَنِي عَلَيْكم أنْ تُعاقَبُوا بِما تَصْنَعُونَ، يا سَمَكَةُ، عُودِي بِإذْنِ اللَّهِ كَما كُنْتِ، فَعادَتْ بِإذْنِ اللَّهِ مَشْوِيَّةً كَما كانَتْ في خَلْقِها الأوَّلِ، فَقالُوا لِعِيسى: كُنْ أنْتَ يا رُوحَ اللَّهِ الَّذِي تَبْدَأُ بِالأكْلِ مِنها، ثُمَّ نَحْنُ بَعْدُ، فَقالَ: مَعاذَ اللَّهِ مِن ذَلِكَ، يَبْدَأُ بِالأكْلِ مَن طَلَبَها، فَلَمّا رَأى الحَوارِيُّونَ وأصْحابُهُمُ امْتِناعَ نَبِيِّهِمْ مِنها، خافُوا أنْ يَكُونَ نُزُولُها سُخْطَةً، وفي أكْلِها مُثْلَةٌ، فَتَحامَوْها، فَلَمّا رَأى ذَلِكَ عِيسى دَعا لَها الفُقَراءُ والزَّمْنى، وقالَ: كُلُوا مِن رِزْقِ رَبِّكم ودَعْوَةِ نَبِيِّكُمْ، واحْمَدُوا اللَّهَ الَّذِي أنْزَلَها لَكُمْ، يَكُونُ مَهَناها لَكم وعُقُوبَتُها عَلى غَيْرِكُمْ، وافْتَتِحُوا أكْلَكم بِاسْمِ اللَّهِ، واخْتِمُوهُ بِحَمْدِ اللَّهِ، فَفَعَلُوا، فَأكَلَ مِنها ألْفٌ وثَلاثُمِائَةِ إنْسانٍ، بَيْنَ رَجُلٍ وامْرَأةٍ، يَصْدُرُونَ (p-٥٩٨)عَنْها كُلُّ واحِدٍ مِنهم شَبْعانُ يَتَجَشَّأُ، ونَظَرَ عِيسى والحَوارِيُّونَ، فَإذا ما عَلَيْها كَهَيْئَةِ إذْ نَزَلَتْ مِنَ السَّماءِ، لَمْ يَنْتَقِصْ مِنهُ شَيْءٌ، ثُمَّ إنَّها رُفِعَتْ إلى السَّماءِ، وهم يَنْظُرُونَ، فاسْتَغْنى كُلُّ فَقِيرٍ أكَلَ مِنها، وبَرِئَ كُلُّ زَمِنٍ مِنهم أكَلَ مِنها، فَلَمْ يَزالُوا أغْنِياءَ صِحاحًا حَتّى خَرَجُوا مِنَ الدُّنْيا، ونَدِمَ الحَوارِيُّونَ وأصْحابُهُمُ الَّذِينَ أبَوْا أنْ يَأْكُلُوا مِنها نَدامَةً سالَتْ مِنها أشْفارُهُمْ، وبَقِيَتْ حَسْرَتُها في قُلُوبِهِمْ إلى يَوْمِ المَماتِ، قالَ: فَكانَتِ المائِدَةُ إذا نَزَلَتْ بَعْدَ ذَلِكَ، أقْبَلَتْ بَنُو إسْرائِيلَ إلَيْها مِن كُلِّ مَكانٍ يَسْعَوْنَ، يُزاحِمُ بَعْضُهم بَعْضًا، الأغْنِياءُ والفُقَراءُ، والنِّساءُ والصِّغارُ والكِبارُ، والأصِحّاءُ والمَرْضى، يَرْكَبُ بَعْضُهم بَعْضًا، فَلَمّا رَأى عِيسى ذَلِكَ جَعَلَها نُوَبًا بَيْنَهُمْ، فَكانَتْ تَنْزِلُ يَوْمًا، ولا تَنْزِلُ يَوْمًا، فَلَبِثُوا في ذَلِكَ أرْبَعِينَ يَوْمًا، تَنْزِلُ عَلَيْهِمْ غِبًّا عِنْدَ ارْتِفاعِ الضُّحى، فَلا تَزالُ مَوْضُوعَةً يُؤْكَلُ مِنها، حَتّى إذا قالُوا ارْتَفَعَتْ عَنْهُمْ، بِإذْنِ اللَّهِ إلى جَوِّ السَّماءِ، وهم يَنْظُرُونَ إلى ظِلِّها في الأرْضِ حَتّى تَوارى عَنْهم. فَأوْحى اللَّهُ إلى عِيسى أنِ اجْعَلْ رِزْقِي في المائِدَةِ لِلْيَتامى، والفُقَراءِ، والزَّمْنى، دُونَ الأغْنِياءِ مِنَ النّاسِ، فَلَمّا فَعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ، ارْتابَ بِها الأغْنِياءُ، وغَمَصُوا ذَلِكَ، حَتّى شَكُّوا فِيها في أنْفُسِهِمْ، وشَكَّكُوا فِيها النّاسَ، وأذاعُوا في أمْرِها القَبِيحَ والمُنْكَرَ، وأدْرَكَ الشَّيْطانُ (p-٥٩٩)مِنهم حاجَتَهُ، وقَذَفَ وسْواسَهُ في قُلُوبِ المُرْتابِينَ حَتّى قالُوا لِعِيسى: أخْبِرْنا عَنِ المائِدَةِ ونُزُولِها مِنَ السَّماءِ حَقٌّ، فَإنَّهُ قَدِ ارْتابَ بِها بَشَرٌ مِنّا كَثِيرٌ؟ قالَ عِيسى: هَلَكْتُمْ وإلَهِ المَسِيحِ، طَلَبْتُمُ المائِدَةَ إلى نَبِيِّكم أنْ يَطْلُبَها لَكم إلى رَبِّكُمْ، فَلَمّا أنْ فَعَلَ، وأنْزَلَها اللَّهُ عَلَيْكم رَحْمَةً ورِزْقًا، وأراكم فِيها الآياتِ والعِبَرَ، كَذَّبْتُمْ بِها، وشَكَكْتُمْ فِيها، فَأبْشِرُوا بِالعَذابِ، فَإنَّهُ نازِلٌ بِكم إلّا أنْ يَرْحَمَكُمُ اللَّهُ، وأوْحى اللَّهُ إلى عِيسى: إنِّي آخِذٌ المُكَذِّبِينَ بِشَرْطِي، فَإنِّي مُعَذِّبٌ مِنهم مَن كَفَرَ بِالمائِدَةِ بَعْدَ نُزُولِها عَذابًا لا أُعَذِّبُهُ أحَدًا مِنَ العالَمِينَ، فَلَمّا أمْسى المُرْتابُونَ بِها، وأخَذُوا مَضاجِعَهم في أحْسَنِ صُورَةٍ مَعَ نِسائِهِمْ آمِنِينَ، فَلَمّا كانَ مِن آخِرِ اللَّيْلِ مَسَخَهُمُ اللَّهُ خَنازِيرَ، وأصْبَحُوا يَتَّبِعُونَ الأقْذارَ في الكُناساتِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أنَّهُ كانَ يُحَدِّثُ عَنْ عِيسى ابْنِ مَرْيَمَ أنَّهُ قالَ لِبَنِي إسْرائِيلَ: هَلْ لَكم أنْ تَصُومُوا لِلَّهِ ثَلاثِينَ يَوْمًا، ثُمَّ تَسْألُوهُ فَيُعْطِيَكم ما سَألْتُمْ، فَإنَّ أجْرَ العامِلِ عَلى مَن عَمِلَ لَهُ؟ فَفَعَلُوا، ثُمَّ قالُوا: يا مُعَلِّمَ الخَيْرِ، قُلْتَ لَنا: إنَّ أجْرَ العامِلِ عَلى مَن عَمِلَ لَهُ، وأمَرْتَنا أنْ نَصُومَ ثَلاثِينَ يَوْمًا فَفَعَلْنا، ولَمْ نَكُنْ نَعْمَلُ لِأحَدٍ ثَلاثِينَ يَوْمًا إلّا أطْعَمَنا، فَـ ﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿أحَدًا مِنَ العالَمِينَ﴾ فَأقْبَلَتِ المَلائِكَةُ تَطِيرُ بِمائِدَةٍ مِنَ السَّماءِ، عَلَيْها سَبْعَةُ أحْواتٍ، وسَبْعَةُ (p-٦٠٠)أرْغِفَةٍ، حَتّى وضَعَتْها بَيْنَ أيْدِيهِمْ، فَأكَلَ مِنها آخِرُ النّاسِ كَما أكَلَ مِنها أوَّلُهم. وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ الأنْبارِيِّ في كِتابِ (الأضْدادِ)، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنْ عَمّارِ بْنِ ياسِرٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «(أُنْزِلَتِ المائِدَةُ مِنَ السَّماءِ خُبْزًا، ولَحْمًا، وأُمِرُوا ألّا يَخُونُوا ولا يَدَّخِرُوا لِغَدٍ، فَخانُوا، وادَّخَرُوا، ورَفَعُوا لِغَدٍ، فَمُسِخُوا قِرَدَةً وخَنازِيرَ») . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، مِن وجْهٍ آخَرَ، عَنْ عَمّارِ بْنِ ياسِرٍ مَوْقُوفًا، مِثْلَهُ، قالَ التِّرْمِذِيُّ: والوَقْفُ أصَحُّ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنْ عَمّارِ بْنِ ياسِرٍ قالَ: نَزَلَتِ المائِدَةُ عَلَيْها ثَمَرٌ مِن ثَمَرِ الجَنَّةِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: المائِدَةُ سَمَكَةٌ وأرْغِفَةٌ. وأخْرَجَ سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «(لَوْلا بَنُو إسْرائِيلَ ما خَنِزَ الخُبْزُ، ولا نَتَنَ اللَّحْمُ، ولَكِنَّهم خَبَّؤُوهُ لِغَدٍ، فَأنْتَنَ اللَّحْمُ، وخَنِزَ الخُبْزُ») . (p-٦٠١)وأخْرَجَ ابْنُ الأنْبارِيِّ في كِتابِ (الأضْدادِ)، عَنْ أبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ في قَوْلِهِ: ﴿أنْزِلْ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ﴾ قالَ: خُبْزًا وسَمَكًا. وأخْرَجَ ابْنُ الأنْبارِيِّ، وأبُو الشَّيْخِ في (العَظَمَةِ)، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: نَزَلَتِ المائِدَةُ وهي طَعامٌ يَفُورُ، فَكانُوا يَأْكُلُونَ مِنها قُعُودًا، فَأحْدَثُوا، فَرُفِعَتْ شَيْئًا، فَأكَلُوا عَلى الرُّكَبِ، ثُمَّ أحْدَثُوا فَرُفِعَتْ شَيْئًا، فَأكَلُوا قِيامًا، ثُمَّ أحْدَثُوا فَرُفِعَتْ ألْبَتَّةَ. وأخْرَجَ ابْنُ الأنْبارِيِّ، عَنْ وهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ قالَ: كانَتْ مائِدَةً يَجْلِسُ عَلَيْها أرْبَعَةُ آلافٍ، فَقالُوا لِقَوْمٍ مِن وُضَعائِهِمْ: إنَّ هَؤُلاءِ يُلَطِّخُونَ ثِيابَنا عَلَيْنا، فَلَوْ بَنَيْنا لَها دُكّانًا يَرْفَعُها، فَبَنَوْا لَها دُكّانًا، فَجَعَلَتِ الضُّعَفاءُ لا تَصِلُ إلى شَيْءٍ، فَلَمّا خالَفُوا أمْرَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ رَفَعَها عَنْهم. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ الأنْبارِيِّ في كِتابِ (الأضْدادِ)، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ عَطِيَّةَ العَوْفِيِّ قالَ: المائِدَةُ سَمَكَةٌ فِيها مِن طَعْمِ كُلِّ طَعامٍ. (p-٦٠٢)وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ عِكْرِمَةَ، أنَّ الخُبْزَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَ المائِدَةِ كانَ مِن أُرْزٍ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، مِن طَرِيقِ العَوْفِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَ عَلى عِيسى ابْنِ مَرْيَمَ والحَوارِيِّينَ خِوانٌ عَلَيْهِ خُبْزٌ وسَمَكٌ، يَأْكُلُونَ مِنهُ أيْنَما نَزَلُوا إذا شاؤُوا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ الأنْبارِيِّ في كِتابِ (الأضْدادِ)، مِن طَرِيقِ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في المائِدَةِ قالَ: كانَ طَعامًا يَنْزِلُ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ حَيْثُما نَزَلُوا. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: هو الطَّعامُ يَنْزِلُ عَلَيْهِمْ حَيْثُ نَزَلُوا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ إسْحاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، أنَّ المائِدَةَ نَزَلَتْ عَلى عِيسى ابْنِ مَرْيَمَ، عَلَيْها سَبْعَةُ أرْغِفَةٍ وسَبْعَةُ أحْواتٍ يَأْكُلُونَ مِنها ما شاؤُوا، فَسَرَقَ بَعْضُهم مِنها، وقالَ: لَعَلَّها لا تَنْزِلُ غَدًا، فَرُفِعَتْ. (p-٦٠٣)وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ الأنْبارِيِّ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ قالَ: ذُكِرَ لَنا أنَّها كانَتْ مائِدَةً يَنْزِلُ عَلَيْها الثَّمَرُ مِن ثِمارِ الجَنَّةِ، وأُمِرُوا ألّا يُخَبِّئُوا، ولا يَخُونُوا، ولا يَدَّخِرُوا لِغَدٍ، بَلاءٌ أبْلاهُمُ اللَّهُ بِهِ، وكانُوا إذا فَعَلُوا شَيْئًا مِن ذَلِكَ أنْبَأهم بِهِ عِيسى، فَخانَ القَوْمُ فِيهِ فَخَبَّؤُوا، وادَّخَرُوا لِغَدٍ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: أُنْزِلَ عَلى المائِدَةِ كُلُّ شَيْءٍ إلّا اللَّحْمَ، والمائِدَةُ الخِوانُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مَيْسَرَةَ، وزاذانَ قالا: كانَتِ المائِدَةُ إذا وُضِعَتْ لِبَنِي إسْرائِيلَ اخْتَلَفَتِ الأيْدِي فِيها بِكُلِّ طَعامٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ وهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ أنَّهُ سُئِلَ عَنِ المائِدَةِ الَّتِي أنْزَلَها اللَّهُ مِنَ السَّماءِ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ قالَ: كانَ يَنْزِلُ عَلَيْهِمْ في كُلِّ يَوْمٍ في تِلْكَ المائِدَةِ مِن ثِمارِ الجَنَّةِ، فَأكَلُوا ما شاؤُوا مِن ضُرُوبٍ شَتّى، فَكانَتْ يَقْعُدُ عَلَيْها أرْبَعَةُ آلافٍ، فَإذا أكَلُوا أبْدَلَ اللَّهُ مَكانَ ذَلِكَ بِمِثْلِهِ، فَلَبِثُوا بِذَلِكَ ما شاءَ اللَّهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: (p-٦٠٤)﴿أنْزِلْ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ﴾ قالَ: هو مَثَلٌ ضُرِبَ ولَمْ يَنْزِلْ عَلَيْهِمْ شَيْءٌ. وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: مائِدَةٌ عَلَيْها طَعامٌ، أبَوْها حِينَ عُرِضَ عَلَيْهِمُ العَذابُ إنْ كَفَرُوا، فَأبَوْا أنْ تَنْزِلَ عَلَيْهِمْ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ الأنْبارِيِّ، عَنِ الحَسَنِ قالَ: لَمّا قِيلَ لَهم: ﴿فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكم فَإنِّي أُعَذِّبُهُ عَذابًا﴾ قالُوا: لا حاجَةَ لَنا فِيها، فَلَمْ تَنْزِلْ عَلَيْهِمْ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿فَإنِّي أُعَذِّبُهُ عَذابًا لا أُعَذِّبُهُ أحَدًا مِنَ العالَمِينَ﴾ قالَ: ذُكِرَ لَنا أنَّهم لَمّا صَنَعُوا في المائِدَةِ ما صَنَعُوا حُوِّلُوا خَنازِيرَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكُمْ﴾ بَعْدَ ما جاءَتْهُ المائِدَةُ، ﴿فَإنِّي أُعَذِّبُهُ عَذابًا لا أُعَذِّبُهُ أحَدًا مِنَ العالَمِينَ﴾ يَقُولُ: أُعَذِّبُهُ بِعَذابٍ لا أُعَذِّبُهُ أحَدًا غَيْرَ أهْلِ المائِدَةِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قالَ: إنَّ أشَدَّ النّاسِ عَذابًا يَوْمَ القِيامَةِ مَن كَفَرَ مِن أصْحابِ المائِدَةِ، والمُنافِقُونَ، (p-٦٠٥)وآلُ فِرْعَوْنَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ عاصِمٍ، أنَّهُ قَرَأ: ﴿إنِّي مُنَزِّلُها﴾ مُثَقَّلَةً.

المائدة 5:115

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذْ قالَ الحَوارِيُّونَ﴾ الآياتِ. أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها قالَتْ: كانَ الحَوارِيُّونَ أعْلَمَ بِاللَّهِ مِن أنْ يَقُولُوا: هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ؟ إنَّما قالُوا: هَلْ تَسْتَطِيعُ أنْتَ رَبَّكَ، هَلْ تَسْتَطِيعُ أنْ تَدْعُوَهُ؟ (p-٥٩٣)وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ غَنْمٍ قالَ: سَألْتُ مُعاذَ بْنَ جَبَلٍ عَنْ قَوْلِ الحَوارِيِّينَ: ﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ﴾ ؟ أوْ: (تَسْتَطِيعُ رَبَّكَ؟) فَقالَ: أقْرَأنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (هَلْ تَسْتَطِيعُ رَبَّكَ) بِالتّاءِ. وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قَرَأها: (هَلْ تَسْتَطِيعُ رَبَّكَ)، بِالتّاءِ وبِنَصْبِ (رَبَّكَ) . وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أنَّهُ قَرَأها: (هَلْ تَسْتَطِيعُ رَبَّكَ)، وقالَ: هَلْ تَسْتَطِيعُ أنْ تَسْألَ رَبَّكَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عامِرٍ الشَّعْبِيِّ، أنَّ عَلِيًّا كانَ يَقْرَؤُها: ﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ﴾ قالَ: هَلْ يُطِيعُكَ رَبُّكَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ يَحْيى بْنِ وثّابٍ، وأبِي رَجاءٍ، أنَّهُما قَرَآ: ﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ﴾ بِالياءِ والرَّفْعِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ﴾ قالَ: قالُوا: هَلْ يُطِيعُكَ رَبُّكَ إنْ سَألْتَهُ؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مائِدَةً مِنَ السَّماءِ، فِيها جَمِيعُ الطَّعامِ إلّا اللَّحْمَ، فَأكَلُوا مِنها. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ في قَوْلِهِ: ﴿مائِدَةً﴾ قالَ: المائِدَةُ (p-٥٩٤)الخِوانُ، وفي قَوْلِهِ: ﴿وتَطْمَئِنَّ﴾ قالَ: تُوقِنَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿تَكُونُ لَنا عِيدًا لأوَّلِنا وآخِرِنا﴾ يَقُولُ: نَتَّخِذُ اليَوْمَ الَّذِي نَزَلَتْ فِيهِ عِيدًا، نُعَظِّمُهُ نَحْنُ ومَن بَعْدَنا. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿تَكُونُ لَنا عِيدًا لأوَّلِنا وآخِرِنا﴾ قالَ: أرادُوا أنْ تَكُونَ لِعَقِبِهِمْ مِن بَعْدِهِمْ. وأخْرَجَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ في (نَوادِرِ الأُصُولِ)، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ في (العَظَمَةِ)، وأبُو بَكْرٍ الشّافِعِيُّ في (فَوائِدِهِ) المَعْرُوفَةِ بِالغَيْلانِيّاتِ، عَنْ سَلْمانَ الفارِسِيِّ قالَ: لَمّا سَألَ الحَوارِيُّونَ عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ المائِدَةَ، كَرِهَ ذَلِكَ جِدًّا، وقالَ: اقْنَعُوا بِما رَزَقَكُمُ اللَّهُ في الأرْضِ، ولا تَسْألُوا المائِدَةَ مِنَ السَّماءِ، فَإنَّها إنْ نَزَلَتْ عَلَيْكم كانَتْ آيَةً مِن رَبِّكُمْ، وإنَّما هَلَكَتْ ثَمُودُ حِينَ سَألُوا نَبِيَّهم آيَةً، فابْتُلُوا بِها حَتّى كانَ بَوارُهم فِيها، فَأبَوْا إلّا أنْ يَأْتِيَهم بِها، فَلِذَلِكَ قالُوا: ﴿نُرِيدُ أنْ نَأْكُلَ مِنها وتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنا ونَعْلَمَ أنْ قَدْ صَدَقْتَنا ونَكُونَ عَلَيْها مِنَ الشّاهِدِينَ﴾، فَلَمّا رَأى عِيسى أنْ قَدْ أبَوْا إلّا أنْ يَدْعُوَ لَهم بِها، قامَ فَألْقى عَنْهُ الصُّوفَ ولَبِسَ الشَّعَرَ الأسْوَدَ، وجُبَّةً مَن شَعَرٍ، وعَباءَةً مِن شَعَرٍ، ثُمَّ (p-٥٩٥)تَوَضَّأ، واغْتَسَلَ، ودَخَلَ مُصَلّاهُ، فَصَلّى ما شاءَ اللَّهُ، فَلَمّا قَضى صَلاتَهُ قامَ قائِمًا مُسْتَقْبِلَ القِبْلَةَ، وصَفَّ قَدَمَيْهِ حَتّى اسْتَوَيا، فَألْصَقَ الكَعْبَ بِالكَعْبِ، وحاذى الأصابِعَ بِالأصابِعِ، ووَضَعَ يَدَهُ اليُمْنى عَلى اليُسْرى، فَوْقَ صَدْرِهِ، وغَضَّ بَصَرَهُ، وطَأْطَأ رَأْسَهُ خُشُوعًا، ثُمَّ أرْسَلَ عَيْنَيْهِ بِالبُكاءِ، فَما زالَتْ دُمُوعُهُ تَسِيلُ عَلى خَدَّيْهِ، وتَقْطُرُ مِن أطْرافِ لِحْيَتِهِ، حَتّى ابْتَلَّتِ الأرْضُ حِيالَ وجْهِهِ مِن خُشُوعِهِ، فَلَمّا رَأى ذَلِكَ دَعا اللَّهَ فَقالَ: ﴿اللَّهُمَّ رَبَّنا أنْزِلْ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ تَكُونُ لَنا عِيدًا لأوَّلِنا وآخِرِنا﴾ تَكُونُ عِظَةً مِنكَ لَنا، ﴿وآيَةً مِنكَ﴾ أيْ عَلامَةً مِنكَ، تَكُونُ بَيْنَنا وبَيْنَكَ، وارْزُقْنا عَلَيْها طَعامًا نَأْكُلُهُ، ﴿وأنْتَ خَيْرُ الرّازِقِينَ﴾، فَأنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ سُفْرَةً حَمْراءَ بَيْنَ غَمامَتَيْنِ، غَمامَةٍ فَوْقَها، وغَمامَةٍ تَحْتَها، وهم يَنْظُرُونَ إلَيْها في الهَواءِ مُنْقَضَّةً مِن فَلَكِ السَّماءِ تَهْوِي إلَيْهِمْ، وعِيسى يَبْكِي خَوْفًا لِلشُّرُوطِ الَّتِي اتَّخَذَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ فِيها، أنَّهُ يُعَذِّبُ مَن يَكْفُرُ بِها مِنهم بَعْدَ نُزُولِها عَذابًا لَمْ يُعَذِّبْهُ أحَدًا مِنَ العالَمِينَ، وهو يَدْعُو اللَّهَ في مَكانِهِ ويَقُولُ: إلَهِي اجْعَلْها رَحْمَةً، إلَهِي لا تَجْعَلْها عَذابًا، إلَهِي كَمْ مِن عَجِيبَةٍ سَألْتُكَ فَأعْطَيْتَنِي، إلَهِي اجْعَلْنا لَكَ شاكِرِينَ، إلَهِي أعُوذُ بِكَ أنْ تَكُونَ أنْزَلْتَها غَضَبًا ورِجْزًا، إلَهِي اجْعَلْها سَلامَةً وعافِيَةً، ولا تَجْعَلْها فِتْنَةً ومُثْلَةً، فَما زالَ يَدْعُو حَتّى اسْتَقَرَّتِ السُّفْرَةُ بَيْنَ يَدَيْ عِيسى، والحَوارِيُّونَ وأصْحابُهُ حَوْلَهُ، يَجِدُونَ رائِحَةً طَيِّبَةً، لَمْ يَجِدُوا فِيما مَضى رائِحَةً مِثْلَها قَطُّ، وخَرَّ عِيسى والحَوارِيُّونَ لِلَّهِ سُجَّدًا، شُكْرًا لَهُ بِما رَزَقَهم مِن حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا، وأراهم فِيهِ آيَةً (p-٥٩٦)عَظِيمَةً ذاتَ عَجَبٍ وعِبْرَةٍ، وأقْبَلَتِ اليَهُودُ يَنْظُرُونَ، فَرَأوْا أمْرًا عَجِيبًا، أوْرَثَهم كَمَدًا وغَمًّا، ثُمَّ انْصَرَفُوا بِغَيْظٍ شَدِيدٍ، وأقْبَلَ عِيسى والحَوارِيُّونَ وأصْحابُهُ حَتّى جَلَسُوا حَوْلَ السُّفْرَةِ، فَإذا عَلَيْهِ مِندِيلٌ مُغَطًّى، قالَ عِيسى: مَن أجْرَؤُنا عَلى كَشْفِ المِندِيلِ عَنْ هَذِهِ السُّفْرَةِ، وأوْثَقُنا بِنَفْسِهِ، وأحْسَنُنا بَلاءً عِنْدَ رَبِّهِ، فَلْيَكْشِفْ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ حَتّى نَراها، ونَحْمَدَ رَبَّنا، ونَذْكُرَ بِاسْمِهِ، ونَأْكُلَ مِن رِزْقِهِ الَّذِي رَزَقَنا؟ فَقالَ الحَوارِيُّونَ: يا رُوحَ اللَّهِ، وكَلِمَتُهُ، أنْتَ أوْلانا بِذَلِكَ، وأحَقُّنا بِالكَشْفِ عَنْها، فَقامَ عِيسى، فاسْتَأْنَفَ وُضُوءًا جَدِيدًا، ثُمَّ دَخَلَ مُصَلّاهُ، فَصَلّى بِذَلِكَ رَكَعاتٍ، ثُمَّ بَكى طَوِيلًا ودَعا اللَّهَ أنْ يَأْذَنَ لَهُ في الكَشْفِ عَنْها، ويَجْعَلَ لَهُ ولِقَوْمِهِ فِيها بَرَكَةً ورِزْقًا، ثُمَّ انْصَرَفَ وجَلَسَ إلى السُّفْرَةِ وتَناوَلَ المِندِيلَ، وقالَ: بِسْمِ اللَّهِ خَيْرِ الرّازِقِينَ، وكَشَفَ عَنِ السُّفْرَةِ، وإذا هو عَلَيْها سَمَكَةٌ ضَخْمَةٌ مَشْوِيَّةٌ، لَيْسَ عَلَيْها بَواسِيرُ، ولَيْسَ في جَوْفِها شَوْكٌ، يَسِيلُ السَّمْنُ مِنها سَيْلًا، قَدْ نُضِّدَ حَوْلَها بُقُولٌ مِن كُلِّ صِنْفٍ غَيْرَ الكُرّاثِ، وعِنْدَ رَأْسِها خَلٌّ، وعِنْدَ ذَنَبِها مِلْحٌ، وحَوْلَ البُقُولِ خَمْسَةُ أرْغِفَةٍ، عَلى واحِدٍ مِنها زَيْتُونٌ، وعَلى الآخَرِ ثَمَراتٌ، وعَلى الآخَرِ خَمْسُ رُمّاناتٍ، فَقالَ شَمْعُونُ رَأْسُ الحَوارِيِّينَ لِعِيسى: يا رُوحَ اللَّهِ، وكَلِمَتُهُ، أمِن طَعامِ الدُّنْيا هَذا، أمْ مِن طَعامِ الجَنَّةِ؟ فَقالَ: أما آنَ لَكم أنْ تَعْتَبِرُوا بِما تَرَوْنَ مِنَ الآياتِ، وتَنْتَهُوا عَنْ تَنْقِيرِ المَسائِلِ، ما أخْوَفَنِي عَلَيْكم أنْ تُعاقَبُوا في سَبَبِ هَذِهِ الآيَةِ، فَقالَ شَمْعُونُ: لا وإلَهِ إسْرائِيلَ، (p-٥٩٧)ما أرَدْتُ بِها سُوءًا يا ابْنَ الصِّدِّيقَةِ، فَقالَ عِيسى: لَيْسَ شَيْءٌ مِمّا تَرَوْنَ عَلَيْها مِن طَعامِ الجَنَّةِ، ولا مِن طَعامِ الدُّنْيا، إنَّما هو شَيْءٌ ابْتَدَعَهُ اللَّهُ في الهَواءِ بِالقُدْرَةِ الغالِبَةِ القاهِرَةِ، فَقالَ لَهُ: كُنْ، فَكانَ أسْرَعَ مِن طَرْفَةِ عَيْنٍ، فَكُلُوا مِمّا سَألْتُمْ بِاسْمِ اللَّهِ، واحْمَدُوا عَلَيْهِ رَبَّكُمْ، يَمُدَّكم مِنهُ ويَزِدْكُمْ، فَإنَّهُ بَدِيعٌ قادِرٌ شاكِرٌ، فَقالُوا: يا رُوحَ اللَّهِ وكَلِمَتُهُ، إنّا نُحِبُّ أنْ تُرِيَنا آيَةً في هَذِهِ الآيَةِ، فَقالَ عِيسى: سُبْحانَ اللَّهِ، أما اكْتَفَيْتُمْ بِما رَأيْتُمْ مِن هَذِهِ الآيَةِ، حَتّى تَسْألُوا فِيها آيَةً أُخْرى، ثُمَّ أقْبَلَ عِيسى عَلى السَّمَكَةِ فَقالَ: يا سَمَكَةُ، عُودِي بِإذْنِ اللَّهِ حَيَّةً كَما كُنْتِ، فَأحْياها اللَّهُ بِقُدْرَتِهِ، فاضْطَرَبَتْ وعادَتْ بِإذْنِ اللَّهِ حَيَّةً طَرِيَّةً، تَلَمَّظُ كَما يَتَلَمَّظُ الأسَدُ، تَدُورُ عَيْناها، لَها بَصِيصٌ، وعادَتْ عَلَيْها بَواسِيرُها، فَفَزِعَ القَوْمُ مِنها وانْحاسُوا، فَلَمّا رَأى عِيسى ذَلِكَ مِنهم فَقالَ: ما لَكم تَسْألُونَ الآيَةَ، فَإذا أراكُمُوها رَبُّكم كَرِهْتُمُوها، ما أخْوَفَنِي عَلَيْكم أنْ تُعاقَبُوا بِما تَصْنَعُونَ، يا سَمَكَةُ، عُودِي بِإذْنِ اللَّهِ كَما كُنْتِ، فَعادَتْ بِإذْنِ اللَّهِ مَشْوِيَّةً كَما كانَتْ في خَلْقِها الأوَّلِ، فَقالُوا لِعِيسى: كُنْ أنْتَ يا رُوحَ اللَّهِ الَّذِي تَبْدَأُ بِالأكْلِ مِنها، ثُمَّ نَحْنُ بَعْدُ، فَقالَ: مَعاذَ اللَّهِ مِن ذَلِكَ، يَبْدَأُ بِالأكْلِ مَن طَلَبَها، فَلَمّا رَأى الحَوارِيُّونَ وأصْحابُهُمُ امْتِناعَ نَبِيِّهِمْ مِنها، خافُوا أنْ يَكُونَ نُزُولُها سُخْطَةً، وفي أكْلِها مُثْلَةٌ، فَتَحامَوْها، فَلَمّا رَأى ذَلِكَ عِيسى دَعا لَها الفُقَراءُ والزَّمْنى، وقالَ: كُلُوا مِن رِزْقِ رَبِّكم ودَعْوَةِ نَبِيِّكُمْ، واحْمَدُوا اللَّهَ الَّذِي أنْزَلَها لَكُمْ، يَكُونُ مَهَناها لَكم وعُقُوبَتُها عَلى غَيْرِكُمْ، وافْتَتِحُوا أكْلَكم بِاسْمِ اللَّهِ، واخْتِمُوهُ بِحَمْدِ اللَّهِ، فَفَعَلُوا، فَأكَلَ مِنها ألْفٌ وثَلاثُمِائَةِ إنْسانٍ، بَيْنَ رَجُلٍ وامْرَأةٍ، يَصْدُرُونَ (p-٥٩٨)عَنْها كُلُّ واحِدٍ مِنهم شَبْعانُ يَتَجَشَّأُ، ونَظَرَ عِيسى والحَوارِيُّونَ، فَإذا ما عَلَيْها كَهَيْئَةِ إذْ نَزَلَتْ مِنَ السَّماءِ، لَمْ يَنْتَقِصْ مِنهُ شَيْءٌ، ثُمَّ إنَّها رُفِعَتْ إلى السَّماءِ، وهم يَنْظُرُونَ، فاسْتَغْنى كُلُّ فَقِيرٍ أكَلَ مِنها، وبَرِئَ كُلُّ زَمِنٍ مِنهم أكَلَ مِنها، فَلَمْ يَزالُوا أغْنِياءَ صِحاحًا حَتّى خَرَجُوا مِنَ الدُّنْيا، ونَدِمَ الحَوارِيُّونَ وأصْحابُهُمُ الَّذِينَ أبَوْا أنْ يَأْكُلُوا مِنها نَدامَةً سالَتْ مِنها أشْفارُهُمْ، وبَقِيَتْ حَسْرَتُها في قُلُوبِهِمْ إلى يَوْمِ المَماتِ، قالَ: فَكانَتِ المائِدَةُ إذا نَزَلَتْ بَعْدَ ذَلِكَ، أقْبَلَتْ بَنُو إسْرائِيلَ إلَيْها مِن كُلِّ مَكانٍ يَسْعَوْنَ، يُزاحِمُ بَعْضُهم بَعْضًا، الأغْنِياءُ والفُقَراءُ، والنِّساءُ والصِّغارُ والكِبارُ، والأصِحّاءُ والمَرْضى، يَرْكَبُ بَعْضُهم بَعْضًا، فَلَمّا رَأى عِيسى ذَلِكَ جَعَلَها نُوَبًا بَيْنَهُمْ، فَكانَتْ تَنْزِلُ يَوْمًا، ولا تَنْزِلُ يَوْمًا، فَلَبِثُوا في ذَلِكَ أرْبَعِينَ يَوْمًا، تَنْزِلُ عَلَيْهِمْ غِبًّا عِنْدَ ارْتِفاعِ الضُّحى، فَلا تَزالُ مَوْضُوعَةً يُؤْكَلُ مِنها، حَتّى إذا قالُوا ارْتَفَعَتْ عَنْهُمْ، بِإذْنِ اللَّهِ إلى جَوِّ السَّماءِ، وهم يَنْظُرُونَ إلى ظِلِّها في الأرْضِ حَتّى تَوارى عَنْهم. فَأوْحى اللَّهُ إلى عِيسى أنِ اجْعَلْ رِزْقِي في المائِدَةِ لِلْيَتامى، والفُقَراءِ، والزَّمْنى، دُونَ الأغْنِياءِ مِنَ النّاسِ، فَلَمّا فَعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ، ارْتابَ بِها الأغْنِياءُ، وغَمَصُوا ذَلِكَ، حَتّى شَكُّوا فِيها في أنْفُسِهِمْ، وشَكَّكُوا فِيها النّاسَ، وأذاعُوا في أمْرِها القَبِيحَ والمُنْكَرَ، وأدْرَكَ الشَّيْطانُ (p-٥٩٩)مِنهم حاجَتَهُ، وقَذَفَ وسْواسَهُ في قُلُوبِ المُرْتابِينَ حَتّى قالُوا لِعِيسى: أخْبِرْنا عَنِ المائِدَةِ ونُزُولِها مِنَ السَّماءِ حَقٌّ، فَإنَّهُ قَدِ ارْتابَ بِها بَشَرٌ مِنّا كَثِيرٌ؟ قالَ عِيسى: هَلَكْتُمْ وإلَهِ المَسِيحِ، طَلَبْتُمُ المائِدَةَ إلى نَبِيِّكم أنْ يَطْلُبَها لَكم إلى رَبِّكُمْ، فَلَمّا أنْ فَعَلَ، وأنْزَلَها اللَّهُ عَلَيْكم رَحْمَةً ورِزْقًا، وأراكم فِيها الآياتِ والعِبَرَ، كَذَّبْتُمْ بِها، وشَكَكْتُمْ فِيها، فَأبْشِرُوا بِالعَذابِ، فَإنَّهُ نازِلٌ بِكم إلّا أنْ يَرْحَمَكُمُ اللَّهُ، وأوْحى اللَّهُ إلى عِيسى: إنِّي آخِذٌ المُكَذِّبِينَ بِشَرْطِي، فَإنِّي مُعَذِّبٌ مِنهم مَن كَفَرَ بِالمائِدَةِ بَعْدَ نُزُولِها عَذابًا لا أُعَذِّبُهُ أحَدًا مِنَ العالَمِينَ، فَلَمّا أمْسى المُرْتابُونَ بِها، وأخَذُوا مَضاجِعَهم في أحْسَنِ صُورَةٍ مَعَ نِسائِهِمْ آمِنِينَ، فَلَمّا كانَ مِن آخِرِ اللَّيْلِ مَسَخَهُمُ اللَّهُ خَنازِيرَ، وأصْبَحُوا يَتَّبِعُونَ الأقْذارَ في الكُناساتِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أنَّهُ كانَ يُحَدِّثُ عَنْ عِيسى ابْنِ مَرْيَمَ أنَّهُ قالَ لِبَنِي إسْرائِيلَ: هَلْ لَكم أنْ تَصُومُوا لِلَّهِ ثَلاثِينَ يَوْمًا، ثُمَّ تَسْألُوهُ فَيُعْطِيَكم ما سَألْتُمْ، فَإنَّ أجْرَ العامِلِ عَلى مَن عَمِلَ لَهُ؟ فَفَعَلُوا، ثُمَّ قالُوا: يا مُعَلِّمَ الخَيْرِ، قُلْتَ لَنا: إنَّ أجْرَ العامِلِ عَلى مَن عَمِلَ لَهُ، وأمَرْتَنا أنْ نَصُومَ ثَلاثِينَ يَوْمًا فَفَعَلْنا، ولَمْ نَكُنْ نَعْمَلُ لِأحَدٍ ثَلاثِينَ يَوْمًا إلّا أطْعَمَنا، فَـ ﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿أحَدًا مِنَ العالَمِينَ﴾ فَأقْبَلَتِ المَلائِكَةُ تَطِيرُ بِمائِدَةٍ مِنَ السَّماءِ، عَلَيْها سَبْعَةُ أحْواتٍ، وسَبْعَةُ (p-٦٠٠)أرْغِفَةٍ، حَتّى وضَعَتْها بَيْنَ أيْدِيهِمْ، فَأكَلَ مِنها آخِرُ النّاسِ كَما أكَلَ مِنها أوَّلُهم. وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ الأنْبارِيِّ في كِتابِ (الأضْدادِ)، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنْ عَمّارِ بْنِ ياسِرٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «(أُنْزِلَتِ المائِدَةُ مِنَ السَّماءِ خُبْزًا، ولَحْمًا، وأُمِرُوا ألّا يَخُونُوا ولا يَدَّخِرُوا لِغَدٍ، فَخانُوا، وادَّخَرُوا، ورَفَعُوا لِغَدٍ، فَمُسِخُوا قِرَدَةً وخَنازِيرَ») . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، مِن وجْهٍ آخَرَ، عَنْ عَمّارِ بْنِ ياسِرٍ مَوْقُوفًا، مِثْلَهُ، قالَ التِّرْمِذِيُّ: والوَقْفُ أصَحُّ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنْ عَمّارِ بْنِ ياسِرٍ قالَ: نَزَلَتِ المائِدَةُ عَلَيْها ثَمَرٌ مِن ثَمَرِ الجَنَّةِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: المائِدَةُ سَمَكَةٌ وأرْغِفَةٌ. وأخْرَجَ سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «(لَوْلا بَنُو إسْرائِيلَ ما خَنِزَ الخُبْزُ، ولا نَتَنَ اللَّحْمُ، ولَكِنَّهم خَبَّؤُوهُ لِغَدٍ، فَأنْتَنَ اللَّحْمُ، وخَنِزَ الخُبْزُ») . (p-٦٠١)وأخْرَجَ ابْنُ الأنْبارِيِّ في كِتابِ (الأضْدادِ)، عَنْ أبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ في قَوْلِهِ: ﴿أنْزِلْ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ﴾ قالَ: خُبْزًا وسَمَكًا. وأخْرَجَ ابْنُ الأنْبارِيِّ، وأبُو الشَّيْخِ في (العَظَمَةِ)، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: نَزَلَتِ المائِدَةُ وهي طَعامٌ يَفُورُ، فَكانُوا يَأْكُلُونَ مِنها قُعُودًا، فَأحْدَثُوا، فَرُفِعَتْ شَيْئًا، فَأكَلُوا عَلى الرُّكَبِ، ثُمَّ أحْدَثُوا فَرُفِعَتْ شَيْئًا، فَأكَلُوا قِيامًا، ثُمَّ أحْدَثُوا فَرُفِعَتْ ألْبَتَّةَ. وأخْرَجَ ابْنُ الأنْبارِيِّ، عَنْ وهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ قالَ: كانَتْ مائِدَةً يَجْلِسُ عَلَيْها أرْبَعَةُ آلافٍ، فَقالُوا لِقَوْمٍ مِن وُضَعائِهِمْ: إنَّ هَؤُلاءِ يُلَطِّخُونَ ثِيابَنا عَلَيْنا، فَلَوْ بَنَيْنا لَها دُكّانًا يَرْفَعُها، فَبَنَوْا لَها دُكّانًا، فَجَعَلَتِ الضُّعَفاءُ لا تَصِلُ إلى شَيْءٍ، فَلَمّا خالَفُوا أمْرَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ رَفَعَها عَنْهم. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ الأنْبارِيِّ في كِتابِ (الأضْدادِ)، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ عَطِيَّةَ العَوْفِيِّ قالَ: المائِدَةُ سَمَكَةٌ فِيها مِن طَعْمِ كُلِّ طَعامٍ. (p-٦٠٢)وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ عِكْرِمَةَ، أنَّ الخُبْزَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَ المائِدَةِ كانَ مِن أُرْزٍ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، مِن طَرِيقِ العَوْفِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَ عَلى عِيسى ابْنِ مَرْيَمَ والحَوارِيِّينَ خِوانٌ عَلَيْهِ خُبْزٌ وسَمَكٌ، يَأْكُلُونَ مِنهُ أيْنَما نَزَلُوا إذا شاؤُوا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ الأنْبارِيِّ في كِتابِ (الأضْدادِ)، مِن طَرِيقِ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في المائِدَةِ قالَ: كانَ طَعامًا يَنْزِلُ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ حَيْثُما نَزَلُوا. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: هو الطَّعامُ يَنْزِلُ عَلَيْهِمْ حَيْثُ نَزَلُوا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ إسْحاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، أنَّ المائِدَةَ نَزَلَتْ عَلى عِيسى ابْنِ مَرْيَمَ، عَلَيْها سَبْعَةُ أرْغِفَةٍ وسَبْعَةُ أحْواتٍ يَأْكُلُونَ مِنها ما شاؤُوا، فَسَرَقَ بَعْضُهم مِنها، وقالَ: لَعَلَّها لا تَنْزِلُ غَدًا، فَرُفِعَتْ. (p-٦٠٣)وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ الأنْبارِيِّ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ قالَ: ذُكِرَ لَنا أنَّها كانَتْ مائِدَةً يَنْزِلُ عَلَيْها الثَّمَرُ مِن ثِمارِ الجَنَّةِ، وأُمِرُوا ألّا يُخَبِّئُوا، ولا يَخُونُوا، ولا يَدَّخِرُوا لِغَدٍ، بَلاءٌ أبْلاهُمُ اللَّهُ بِهِ، وكانُوا إذا فَعَلُوا شَيْئًا مِن ذَلِكَ أنْبَأهم بِهِ عِيسى، فَخانَ القَوْمُ فِيهِ فَخَبَّؤُوا، وادَّخَرُوا لِغَدٍ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: أُنْزِلَ عَلى المائِدَةِ كُلُّ شَيْءٍ إلّا اللَّحْمَ، والمائِدَةُ الخِوانُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مَيْسَرَةَ، وزاذانَ قالا: كانَتِ المائِدَةُ إذا وُضِعَتْ لِبَنِي إسْرائِيلَ اخْتَلَفَتِ الأيْدِي فِيها بِكُلِّ طَعامٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ وهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ أنَّهُ سُئِلَ عَنِ المائِدَةِ الَّتِي أنْزَلَها اللَّهُ مِنَ السَّماءِ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ قالَ: كانَ يَنْزِلُ عَلَيْهِمْ في كُلِّ يَوْمٍ في تِلْكَ المائِدَةِ مِن ثِمارِ الجَنَّةِ، فَأكَلُوا ما شاؤُوا مِن ضُرُوبٍ شَتّى، فَكانَتْ يَقْعُدُ عَلَيْها أرْبَعَةُ آلافٍ، فَإذا أكَلُوا أبْدَلَ اللَّهُ مَكانَ ذَلِكَ بِمِثْلِهِ، فَلَبِثُوا بِذَلِكَ ما شاءَ اللَّهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: (p-٦٠٤)﴿أنْزِلْ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ﴾ قالَ: هو مَثَلٌ ضُرِبَ ولَمْ يَنْزِلْ عَلَيْهِمْ شَيْءٌ. وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: مائِدَةٌ عَلَيْها طَعامٌ، أبَوْها حِينَ عُرِضَ عَلَيْهِمُ العَذابُ إنْ كَفَرُوا، فَأبَوْا أنْ تَنْزِلَ عَلَيْهِمْ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ الأنْبارِيِّ، عَنِ الحَسَنِ قالَ: لَمّا قِيلَ لَهم: ﴿فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكم فَإنِّي أُعَذِّبُهُ عَذابًا﴾ قالُوا: لا حاجَةَ لَنا فِيها، فَلَمْ تَنْزِلْ عَلَيْهِمْ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿فَإنِّي أُعَذِّبُهُ عَذابًا لا أُعَذِّبُهُ أحَدًا مِنَ العالَمِينَ﴾ قالَ: ذُكِرَ لَنا أنَّهم لَمّا صَنَعُوا في المائِدَةِ ما صَنَعُوا حُوِّلُوا خَنازِيرَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكُمْ﴾ بَعْدَ ما جاءَتْهُ المائِدَةُ، ﴿فَإنِّي أُعَذِّبُهُ عَذابًا لا أُعَذِّبُهُ أحَدًا مِنَ العالَمِينَ﴾ يَقُولُ: أُعَذِّبُهُ بِعَذابٍ لا أُعَذِّبُهُ أحَدًا غَيْرَ أهْلِ المائِدَةِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قالَ: إنَّ أشَدَّ النّاسِ عَذابًا يَوْمَ القِيامَةِ مَن كَفَرَ مِن أصْحابِ المائِدَةِ، والمُنافِقُونَ، (p-٦٠٥)وآلُ فِرْعَوْنَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ عاصِمٍ، أنَّهُ قَرَأ: ﴿إنِّي مُنَزِّلُها﴾ مُثَقَّلَةً.

المائدة 5:116

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسى﴾ الآيَةَ. أخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، والدَّيْلَمِيُّ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، قالَ: «يُلْقِي عِيسى حُجَّتَهُ، واللَّهُ لَقّاهُ في قَوْلِهِ: ﴿وإذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ أأنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ اتَّخِذُونِي وأُمِّيَ إلَهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ قالَ أبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: (فَلَقّاهُ اللَّهُ: ﴿سُبْحانَكَ ما يَكُونُ لِي أنْ أقُولَ ما لَيْسَ لِي بِحَقٍّ﴾، الآيَةَ كُلَّها») . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مَيْسَرَةَ قالَ: لَمّا قالَ اللَّهُ: ﴿وإذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ أأنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ اتَّخِذُونِي وأُمِّيَ إلَهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ أُرْعِدَ كُلُّ مَفْصِلٍ مِنهُ حَتّى وقَعَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ حَسَنِ بْنِ صالِحٍ قالَ: لَمّا قالَ: ﴿أأنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ اتَّخِذُونِي وأُمِّيَ إلَهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ زالَ كُلُّ مَفْصِلٍ لَهُ عَنْ مَكانِهِ خِيفَةً. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: (p-٦٠٦)﴿أأنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ اتَّخِذُونِي وأُمِّيَ إلَهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ مَتى يَكُونُ ذَلِكَ؟ قالَ: يَوْمَ القِيامَةِ، ألا تَرى أنَّهُ يَقُولُ: ﴿هَذا يَوْمُ يَنْفَعُ الصّادِقِينَ صِدْقُهُمْ﴾ [المائدة: ١١٩] . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿وإذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ أأنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ اتَّخِذُونِي وأُمِّيَ إلَهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ قالَ: لَمّا رَفَعَ اللَّهُ عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ إلَيْهِ قالَتِ النَّصارى ما قالَتْ وزَعَمُوا أنَّ عِيسى أمَرَهم بِذَلِكَ، فَسَألَهُ عَنْ قَوْلِهِ فَقالَ: ﴿سُبْحانَكَ ما يَكُونُ لِي أنْ أقُولَ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿وأنْتَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ . وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، والفِرْيابِيُّ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ طاوُسٍ في هَذِهِ الآيَةِ قالَ: احْتَجَّ عِيسى ورَبُّهُ، واللَّهُ وفَّقَهُ فَقالَ: ﴿سُبْحانَكَ ما يَكُونُ لِي أنْ أقُولَ ما لَيْسَ لِي بِحَقٍّ﴾ . وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، مِن طَرِيقِ طاوُسٍ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «(إنَّ عِيسى حاجَّهُ رَبُّهُ، فَحاجَّ عِيسى رَبَّهُ، واللَّهُ لَقّاهُ حُجَّتَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿أأنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ﴾ ) الآيَةَ» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «(إذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ جُمِعَتِ الأُمَمُ ودُعِيَ كُلُّ أُناسٍ بِإمامِهِمْ)، قالَ: (ويُدْعى عِيسى، فَيَقُولُ لِعِيسى: يا عِيسى، ﴿أأنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ اتَّخِذُونِي وأُمِّيَ إلَهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ ؟ فَيَقُولُ: ﴿سُبْحانَكَ ما يَكُونُ لِي أنْ أقُولَ ما لَيْسَ لِي بِحَقٍّ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿يَوْمُ يَنْفَعُ الصّادِقِينَ صِدْقُهُمْ﴾ [المائدة»: ١١٩] . وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ: ﴿وإذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ أأنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ اتَّخِذُونِي وأُمِّيَ إلَهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ والنّاسُ يَسْمَعُونَ، فَراجَعَهُ بِما قَدْ رَأيْتَ، فَأقَرَّ لَهُ بِالعُبُودِيَّةِ عَلى نَفْسِهِ، فَعَلِمَ مَن كانَ يَقُولُ في عِيسى ما كانَ يَقُولُ، أنَّهُ إنَّما كانَ يَقُولُ باطِلًا. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿أنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي ورَبَّكُمْ﴾ قالَ: سَيِّدِي وسَيِّدَكم. وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: «قالَ النَّبِيُّ ﷺ: ( ﴿وكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا ما دُمْتُ فِيهِمْ﴾ ما كُنْتُ فِيهِمْ») . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأحْمَدُ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والبُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ حِبّانَ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في (الأسْماءِ والصِّفاتِ)، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «خَطَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: (يا أيُّها النّاسُ، إنَّكم مَحْشُورُونَ إلى اللَّهِ، حُفاةً عُراةً غُرْلًا)، ثُمَّ قَرَأ: ﴿كَما بَدَأْنا أوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وعْدًا عَلَيْنا إنّا كُنّا فاعِلِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٤] [الأنْبِياءِ: ١٠٤]، ثُمَّ قالَ: (ألا وإنَّ أوَّلَ الخَلائِقِ يُكْسى يَوْمَ القِيامَةِ إبْراهِيمُ، ألا وإنَّهُ يُجاءُ بِرِجالٍ مِن أُمَّتِي، فَيُؤْخَذُ بِهِمْ ذاتَ الشِّمالِ، فَأقُولُ: (p-٦٠٨)يا رَبِّ، أصْحابِي أصْحابِي، فَيُقالُ: إنَّكَ لا تَدْرِي ما أحْدَثُوا بَعْدَكَ، فَأقُولُ كَما قالَ العَبْدُ الصّالِحُ: ﴿وكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا ما دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ﴾ فَيُقالُ: أمّا هَؤُلاءِ لَمْ يَزالُوا مُرْتَدِّينَ عَلى أعْقابِهِمْ مُذْ فارَقْتَهُمْ») . وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿كُنْتَ أنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ﴾ قالَ: الحَفِيظَ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿كُنْتَ أنْتَ الرَّقِيبَ﴾ قالَ: الحَفِيظَ.

المائدة 5:117

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسى﴾ الآيَةَ. أخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، والدَّيْلَمِيُّ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، قالَ: «يُلْقِي عِيسى حُجَّتَهُ، واللَّهُ لَقّاهُ في قَوْلِهِ: ﴿وإذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ أأنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ اتَّخِذُونِي وأُمِّيَ إلَهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ قالَ أبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: (فَلَقّاهُ اللَّهُ: ﴿سُبْحانَكَ ما يَكُونُ لِي أنْ أقُولَ ما لَيْسَ لِي بِحَقٍّ﴾، الآيَةَ كُلَّها») . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مَيْسَرَةَ قالَ: لَمّا قالَ اللَّهُ: ﴿وإذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ أأنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ اتَّخِذُونِي وأُمِّيَ إلَهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ أُرْعِدَ كُلُّ مَفْصِلٍ مِنهُ حَتّى وقَعَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ حَسَنِ بْنِ صالِحٍ قالَ: لَمّا قالَ: ﴿أأنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ اتَّخِذُونِي وأُمِّيَ إلَهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ زالَ كُلُّ مَفْصِلٍ لَهُ عَنْ مَكانِهِ خِيفَةً. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: (p-٦٠٦)﴿أأنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ اتَّخِذُونِي وأُمِّيَ إلَهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ مَتى يَكُونُ ذَلِكَ؟ قالَ: يَوْمَ القِيامَةِ، ألا تَرى أنَّهُ يَقُولُ: ﴿هَذا يَوْمُ يَنْفَعُ الصّادِقِينَ صِدْقُهُمْ﴾ [المائدة: ١١٩] . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿وإذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ أأنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ اتَّخِذُونِي وأُمِّيَ إلَهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ قالَ: لَمّا رَفَعَ اللَّهُ عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ إلَيْهِ قالَتِ النَّصارى ما قالَتْ وزَعَمُوا أنَّ عِيسى أمَرَهم بِذَلِكَ، فَسَألَهُ عَنْ قَوْلِهِ فَقالَ: ﴿سُبْحانَكَ ما يَكُونُ لِي أنْ أقُولَ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿وأنْتَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ . وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، والفِرْيابِيُّ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ طاوُسٍ في هَذِهِ الآيَةِ قالَ: احْتَجَّ عِيسى ورَبُّهُ، واللَّهُ وفَّقَهُ فَقالَ: ﴿سُبْحانَكَ ما يَكُونُ لِي أنْ أقُولَ ما لَيْسَ لِي بِحَقٍّ﴾ . وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، مِن طَرِيقِ طاوُسٍ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «(إنَّ عِيسى حاجَّهُ رَبُّهُ، فَحاجَّ عِيسى رَبَّهُ، واللَّهُ لَقّاهُ حُجَّتَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿أأنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ﴾ ) الآيَةَ» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «(إذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ جُمِعَتِ الأُمَمُ ودُعِيَ كُلُّ أُناسٍ بِإمامِهِمْ)، قالَ: (ويُدْعى عِيسى، فَيَقُولُ لِعِيسى: يا عِيسى، ﴿أأنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ اتَّخِذُونِي وأُمِّيَ إلَهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ ؟ فَيَقُولُ: ﴿سُبْحانَكَ ما يَكُونُ لِي أنْ أقُولَ ما لَيْسَ لِي بِحَقٍّ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿يَوْمُ يَنْفَعُ الصّادِقِينَ صِدْقُهُمْ﴾ [المائدة»: ١١٩] . وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ: ﴿وإذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ أأنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ اتَّخِذُونِي وأُمِّيَ إلَهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ والنّاسُ يَسْمَعُونَ، فَراجَعَهُ بِما قَدْ رَأيْتَ، فَأقَرَّ لَهُ بِالعُبُودِيَّةِ عَلى نَفْسِهِ، فَعَلِمَ مَن كانَ يَقُولُ في عِيسى ما كانَ يَقُولُ، أنَّهُ إنَّما كانَ يَقُولُ باطِلًا. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿أنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي ورَبَّكُمْ﴾ قالَ: سَيِّدِي وسَيِّدَكم. وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: «قالَ النَّبِيُّ ﷺ: ( ﴿وكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا ما دُمْتُ فِيهِمْ﴾ ما كُنْتُ فِيهِمْ») . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأحْمَدُ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والبُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ حِبّانَ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في (الأسْماءِ والصِّفاتِ)، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «خَطَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: (يا أيُّها النّاسُ، إنَّكم مَحْشُورُونَ إلى اللَّهِ، حُفاةً عُراةً غُرْلًا)، ثُمَّ قَرَأ: ﴿كَما بَدَأْنا أوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وعْدًا عَلَيْنا إنّا كُنّا فاعِلِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٤] [الأنْبِياءِ: ١٠٤]، ثُمَّ قالَ: (ألا وإنَّ أوَّلَ الخَلائِقِ يُكْسى يَوْمَ القِيامَةِ إبْراهِيمُ، ألا وإنَّهُ يُجاءُ بِرِجالٍ مِن أُمَّتِي، فَيُؤْخَذُ بِهِمْ ذاتَ الشِّمالِ، فَأقُولُ: (p-٦٠٨)يا رَبِّ، أصْحابِي أصْحابِي، فَيُقالُ: إنَّكَ لا تَدْرِي ما أحْدَثُوا بَعْدَكَ، فَأقُولُ كَما قالَ العَبْدُ الصّالِحُ: ﴿وكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا ما دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ﴾ فَيُقالُ: أمّا هَؤُلاءِ لَمْ يَزالُوا مُرْتَدِّينَ عَلى أعْقابِهِمْ مُذْ فارَقْتَهُمْ») . وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿كُنْتَ أنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ﴾ قالَ: الحَفِيظَ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿كُنْتَ أنْتَ الرَّقِيبَ﴾ قالَ: الحَفِيظَ.

المائدة 5:118

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنْ تُعَذِّبْهُمْ﴾ الآيَةَ. أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ في (المُصَنَّفِ)، وأحْمَدُ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في ”سُنَنِهِ“، عَنْ أبِي ذَرٍّ قالَ: «صَلّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَيْلَةً فَقَرَأ بِآيَةٍ حَتّى أصْبَحَ، يَرْكَعُ بِها، ويَسْجُدُ بِها: ﴿إنْ تُعَذِّبْهم فَإنَّهم عِبادُكَ﴾ الآيَةَ، فَلَمّا أصْبَحَ قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، ما زِلْتَ تَقْرَأُ هَذِهِ الآيَةَ حَتّى أصْبَحْتَ، قالَ: (إنِّي سَألْتُ رَبِّي الشَّفاعَةَ لِأُمَّتِي فَأعْطانِيها، وهي نائِلَةٌ إنْ شاءَ اللَّهُ مَن لا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا») . (p-٦٠٩)وأخْرَجَ ابْنُ ماجَهْ، عَنْ أبِي ذَرٍّ قالَ: «قامَ النَّبِيُّ ﷺ بِآيَةٍ حَتّى أصْبَحَ يُرَدِّدُها: ﴿إنْ تُعَذِّبْهم فَإنَّهم عِبادُكَ وإنْ تَغْفِرْ لَهم فَإنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ [المائدة»: ١١٨] . وأخْرَجَ مُسْلِمٌ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ أبِي الدُّنْيا في (حُسْنِ الظَّنِّ)، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ حِبّانَ، والطَّبَرانِيُّ، والبَيْهَقِيُّ في (الأسْماءِ والصِّفاتِ)، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العاصِي، «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَلا قَوْلَ اللَّهِ في إبْراهِيمَ: ﴿رَبِّ إنَّهُنَّ أضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النّاسِ فَمَن تَبِعَنِي فَإنَّهُ مِنِّي﴾ [إبراهيم: ٣٦] [إبْراهِيمَ: ٣٦] الآيَةَ، وقالَ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ: ﴿إنْ تُعَذِّبْهم فَإنَّهم عِبادُكَ وإنْ تَغْفِرْ لَهم فَإنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ فَرَفَعَ يَدَيْهِ فَقالَ: (اللَّهُمَّ أُمَّتِي أُمَّتِي) وبَكى، فَقالَ اللَّهُ: يا جِبْرِيلُ، اذْهَبْ إلى مُحَمَّدٍ فَقُلْ: إنّا سَنُرْضِيكَ في أُمَّتِكَ ولا نَسُوءُكَ» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنْ أبِي ذَرٍّ، قالَ: «باتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَيْلَةً يَشْفَعُ لِأُمَّتِهِ، فَكانَ يُصَلِّي بِهَذِهِ الآيَةِ: ﴿إنْ تُعَذِّبْهم فَإنَّهم عِبادُكَ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ، كانَ بِها يَسْجُدُ وبِها يَرْكَعُ، وبِها يَقُومُ وبِها يَقْعُدُ، حَتّى أصْبَحَ» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنْ أبِي ذَرٍّ قالَ: «قُلْتُ لِلنَّبِيِّ ﷺ بِأبِي أنْتَ وأُمِّي يا رَسُولَ اللَّهِ، قُمْتَ اللَّيْلَةَ بِآيَةٍ مِنَ القُرْآنِ ومَعَكَ قُرْآنٌ، لَوْ فَعَلَ هَذا بَعْضُنا لَوَجَدْنا عَلَيْهِ، قالَ: (دَعَوْتُ لِأُمَّتِي)، قالَ: فَماذا أُجِبْتَ؟ قالَ: (أُجِبْتُ بِالَّذِي لَوِ (p-٦١٠)اطَّلَعَ كَثِيرٌ مِنهم عَلَيْهِ تَرَكُوا الصَّلاةَ)، قالَ: أفَلا أُبَشِّرُ النّاسَ؟ قالَ: (بَلى)، فَقالَ عُمَرُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّكَ إنْ تَبْعَثْ إلى النّاسِ بِهَذا نَكَلُوا عَنِ العِبادَةِ، فَناداهُ: (أنِ ارْجِعْ)، فَرَجَعَ وتَلا الآيَةَ الَّتِي يَتْلُوها: ﴿إنْ تُعَذِّبْهم فَإنَّهم عِبادُكَ وإنْ تَغْفِرْ لَهم فَإنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ [المائدة»: ١١٨] . وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿إنْ تُعَذِّبْهم فَإنَّهم عِبادُكَ﴾ يَقُولُ: عَبِيدُكَ قَدِ اسْتَوْجَبُوا العَذابَ بِمَقالَتِهِمْ، ﴿وإنْ تَغْفِرْ لَهُمْ﴾ أيْ مَن تَرَكْتَ مِنهم ومُدَّ في عُمْرِهِ حَتّى أُهْبِطَ مِنَ السَّماءِ إلى الأرْضِ لِقَتْلِ الدَّجّالِ، فَنَزَلُوا عَنْ مَقالَتِهِمْ، ووَحَّدُوكَ، وأقَرُّوا أنّا عَبِيدٌ، وإنْ تَغْفِرْ لَهم حَيْثُ رَجَعُوا عَنْ مَقالَتِهِمْ ﴿فَإنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿إنْ تُعَذِّبْهم فَإنَّهم عِبادُكَ﴾ يَقُولُ: ﴿إنْ تُعَذِّبْهُمْ﴾ تُمِيتُهم بِنَصْرانِيَّتِهِمْ، فَيَحِقُّ عَلَيْهِمُ العَذابُ، فَإنَّهم عِبادُكَ، ﴿وإنْ تَغْفِرْ لَهُمْ﴾ فَتُخْرِجُهم مِنَ النَّصْرانِيَّةِ، وتَهْدِيهِمْ إلى الإسْلامِ، ﴿فَإنَّكَ أنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ هَذا قَوْلُ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ في الدُّنْيا.

المائدة 5:119

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ اللَّهُ﴾ الآيَةَ. أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿هَذا يَوْمُ يَنْفَعُ الصّادِقِينَ صِدْقُهُمْ﴾ قالَ: يَقُولُ: هَذا يَوْمُ يَنْفَعُ المُوَحِّدِينَ تَوْحِيدُهم. (p-٦١١)وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿قالَ اللَّهُ هَذا يَوْمُ يَنْفَعُ الصّادِقِينَ صِدْقُهُمْ﴾ قالَ: هَذا فَصْلٌ مِن كَلامِ عِيسى، وهَذا يَوْمَ القِيامَةِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ، قالَ: مُتَكَلِّمانِ تَكَلَّما يَوْمَ القِيامَةِ، نَبِيُّ اللَّهِ عِيسى، وإبْلِيسُ عَدُوُّ اللَّهِ، فَأمّا إبْلِيسُ فَيَقُولُ: ﴿إنَّ اللَّهَ وعَدَكم وعْدَ الحَقِّ﴾ [إبراهيم: ٢٢] إلى قَوْلِهِ: ﴿إلا أنْ دَعَوْتُكم فاسْتَجَبْتُمْ لِي﴾ [إبراهيم: ٢٢] [إبْراهِيمَ: ٢٢]، وصَدَقَ عَدُوُّ اللَّهِ يَوْمَئِذٍ، وكانَ في الدُّنْيا كاذِبًا، وأمّا عِيسى، فَما قَصَّ اللَّهُ عَلَيْكم في قَوْلِهِ: ﴿وإذْ قالَ اللَّهُ يا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ أأنْتَ قُلْتَ لِلنّاسِ اتَّخِذُونِي وأُمِّيَ إلَهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ [المائدة: ١١٦] إلى آخِرِ الآيَةِ: فَقالَ اللَّهُ: ﴿هَذا يَوْمُ يَنْفَعُ الصّادِقِينَ صِدْقُهُمْ﴾ وكانَ صادِقًا في الحَياةِ الدُّنْيا وبَعْدَ المَوْتِ.

المائدة 5:120

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ﴾ الآيَةَ. أخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ في (فَضائِلِهِ) عَنْ أبِي الزّاهِرِيَّةِ، أنَّ عُثْمانَ كَتَبَ في آخِرِ المائِدَةِ: (لِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ واللَّهُ سَمِيعٌ بَصِيرٌ)