Al-Durr Al-Manthur — التوبة 9:76 – التوبة 9:129
المحتويات
- التوبة 9:76
- التوبة 9:77
- التوبة 9:79
- التوبة 9:80
- التوبة 9:81
- التوبة 9:82
- التوبة 9:83
- التوبة 9:84
- التوبة 9:85
- التوبة 9:86
- التوبة 9:87
- التوبة 9:90
- التوبة 9:91
- التوبة 9:92
- التوبة 9:93
- التوبة 9:94
- التوبة 9:95
- التوبة 9:96
- التوبة 9:97
- التوبة 9:98
- التوبة 9:99
- التوبة 9:100
- التوبة 9:101
- التوبة 9:102
- التوبة 9:103
- التوبة 9:104
- التوبة 9:105
- التوبة 9:106
- التوبة 9:107
- التوبة 9:108
- التوبة 9:109
- التوبة 9:110
- التوبة 9:111
- التوبة 9:112
- التوبة 9:113
- التوبة 9:114
- التوبة 9:115
- التوبة 9:117
- التوبة 9:118
- التوبة 9:119
- التوبة 9:120
- التوبة 9:122
- التوبة 9:123
- التوبة 9:124
- التوبة 9:125
- التوبة 9:126
- التوبة 9:127
- التوبة 9:128
- التوبة 9:129
التوبة 9:76
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومِنهم مَن عاهَدَ اللَّهَ﴾ . الآياتِ. أخْرَجَ الحَسَنُ بْنُ سُفْيانَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَندَهْ، والعَسْكَرِيُّ في ”الأمْثالِ“، والبارُودِيُّ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، وأبُو نُعَيْمٍ في ”مَعْرِفَةِ الصَّحابَةِ“، والبَيْهَقِيُّ في ”الدَّلائِلِ“، وابْنُ عَساكِرَ، عَنْ أبِي أُمامَةَ الباهِلِيِّ قالَ «جاءَ ثَعْلَبَةُ بْنُ حاطِبٍ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، ادْعُ اللَّهَ أنْ يَرْزُقَنِي مالًا. قالَ: ويْحَكَ يا ثَعْلَبَةُ، قَلِيلٌ تُؤَدِّي شُكْرَهُ خَيْرٌ مِن كَثِيرٍ لا تُطِيقُهُ. قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، ادْعُ اللَّهَ أنْ يَرْزُقَنِي مالًا. (p-٤٥٥)قالَ: ويْحَكَ يا ثَعْلَبَةُ، قَلِيلٌ تُؤَدِّي شُكْرَهُ خَيْرٌ مِن كَثِيرٍ لا تُطِيقُهُ. قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، ادْعُ اللَّهَ أنْ يَرْزُقَنِي مالًا. قالَ: ويْحَكَ يا ثَعْلَبَةُ أما تُحِبُّ أنْ تَكُونَ مِثْلِي؟! فَلَوْ شِئْتُ أنْ يُسَيِّرَ رَبِّي هَذِهِ الجِبالَ مَعِي ذَهَبًا لَسارَتْ. قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، ادْعُ اللَّهَ أنْ يَرْزُقَنِي مالًا، فَوالَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ إنْ آتانِيَ اللَّهُ مالًا لَأُعْطِيَنَّ كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ. قالَ: ويْحَكَ يا ثَعْلَبَةُ، قَلِيلٌ تُطِيقُ شُكْرَهُ خَيْرٌ مِن كَثِيرٍ لا تُطِيقُ شُكْرَهُ. فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ ادْعُ اللَّهَ تَعالى، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: اللَّهُمَّ ارْزُقْهُ مالًا، فاتَّخَذَ أوِ اشْتَرى غَنَمًا، فَبُورِكَ لَهُ فِيها ونَمَتْ كَما يَنْمُو الدُّودُ حَتّى ضاقَتْ بِهِ المَدِينَةُ، فَتَنَحّى بِها، فَكانَ يَشْهَدُ الصَّلاةَ بِالنَّهارِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ولا يَشْهَدُها بِاللَّيْلِ، ثُمَّ نَمَتْ كَما يَنْمُو الدُّودُ، فَتَنَحّى بِها، فَكّانِ لا يَشْهَدُ الصَّلاةَ بِاللَّيْلِ ولا بِالنَّهارِ إلّا مِن جُمُعَةٍ إلى جُمُعَةٍ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ثُمَّ نَمَتْ كَما يَنْمُو الدُّودُ فَضاقَ بِهِ مَكانُهُ فَتَنَحّى بِهِ فَكانَ لا يَشْهَدُ جُمُعَةً ولا جِنازَةً مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَجَعَلَ يَتَلَقّى الرُّكْبانَ ويَسْألُهم عَنِ الأخْبارِ، وفَقَدَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَسَألَ عَنْهُ فَأخْبَرُوهُ أنَّهُ اشْتَرى غَنَمًا وأنَّ المَدِينَةَ ضاقَتْ بِهِ وأخْبَرُوهُ خَبَرَهُ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ويْحَ ثَعْلَبَةَ بْنِ حاطِبٍ. ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعالى أمَرَ رَسُولَهُ ﷺ أنْ يَأْخُذَ الصَّدَقاتِ، وأنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿خُذْ مِن أمْوالِهِمْ صَدَقَةً﴾ [التوبة: ١٠٣] فَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَجُلَيْنِ؛ رَجُلًا مِن جُهَيْنَةَ ورَجُلًا مِن بَنِي (p-٤٥٦)سَلِمَةَ» يَأْخُذانِ الصَّدَقَةَ وكَتَبَ لَهُما أسْنانَ الإبِلِ والغَنَمِ كَيْفَ يَأْخُذانِها عَلى وُجُوهِها وأمْرَهُما أنْ يَمُرّا عَلى ثَعْلَبَةَ بْنِ حاطِبٍ وبِرَجُلٍ مِن بَنِي سُلَيْمٍ فَخَرَجا فَمَرّا بِثَعْلَبَةَ فَسَألاهُ الصَّدَقَةَ، فَقالَ: أرِيانِي كِتابَكُما فَنَظَرَ فِيهِ فَقالَ: ما هَذا إلّا جِزْيَةٌ انْطَلِقا حَتّى تَفْرُغا ثُمَّ مُرّا بِي، قالَ: فانْطَلَقا وسَمِعَ بِهِما السُّلَمِيُّ فاسْتَقْبَلَهُما بِخِيارِ إبِلِهِ فَقالا: إنَّما عَلَيْكَ دُونَ هَذا، فَقالَ: ما كُنْتُ أتَقَرَّبُ إلى اللَّهِ إلّا بِخَيْرِ مالِي فَقَبِلا فَلَمّا فَرَغا مَرّا بِثَعْلَبَةَ فَقالَ: أرِيانِي كِتابَكُما، فَنَظَرَ فِيهِ فَقالَ: ما هَذا إلّا جِزْيَةٌ، انْطَلِقا حَتّى أرى رَأْيِي، فانْطَلَقا حَتّى قَدِما المَدِينَةَ فَلَمّا رَآهُما رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قالَ قَبْلَ أنْ يُكَلِّمَهُما: ويْحَ ثَعْلَبَةَ بْنِ حاطِبٍ، ودَعا لِلسُّلَمِيِّ بِالبَرَكَةِ وأنْزَلَ اللَّهُ
﴿ومِنهم مَن عاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتانا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ﴾ الثَّلاثَ آياتٍ، قالَ: فَسَمِعَ بَعْضٌ مِن أقارِبِ ثَعْلَبَةَ فَأتى ثَعْلَبَةَ فَقالَ: ويْحَكَ يا ثَعْلَبَةُ، أنْزَلَ اللَّهُ فِيكَ كَذا وكَذا، قالَ: فَقَدِمَ ثَعْلَبَةُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ هَذِهِ صَدَقَةُ مالِي، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إنَّ اللَّهَ قَدْ مَنَعَنِي أنْ أقْبَلَ مِنكَ، قالَ: فَجَعَلَ يَبْكِي ويَحْثِي التُّرابَ عَلى رَأْسِهِ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: هَذا عَمَلُكَ بِنَفْسِكَ أمَرْتُكَ فَلَمْ تُطِعْنِي، فَلَمْ يَقْبَلْ مِنهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتّى مَضى، ثُمَّ أتى أبا بَكْرٍ فَقالَ: يا أبا بَكْرٍ اقْبَلْ مِنِّي صَدَقَتِي فَقَدْ عَرَفْتَ مَنزِلَتِي مِنَ الأنْصارِ، فَقالَ أبُو بَكْرٍ: لَمْ يَقْبَلْها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وأقْبَلُها! فَلَمْ يَقْبَلْها أبُو بَكْرٍ، ثُمَّ ولِيَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ فَأتاهُ فَقالَ: يا أبا حَفْصٍ يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ اقْبَلْ (p-٤٥٧)مِنِّي صَدَقَتِي، وتَثَقَّلَ إلَيْهِ بِالمُهاجِرِينَ والأنْصارِ وأزْواجِ النَّبِيِّ ﷺ، فَقالَ عُمَرُ: لَمْ يَقْبَلْها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ولا أبُو بَكْرٍ أقْبَلُها أنا! فَأبى أنْ يَقْبَلَها، ثُمَّ ولِيَ عُثْمانُ فَهَلَكَ في خِلافَةِ عُثْمانَ وفِيهِ نَزَلَتْ: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ المُطَّوِّعِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ في الصَّدَقاتِ﴾ [التوبة: ٧٩] قالَ: وذَلِكَ في الصَّدَقَةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، والبَيْهَقِيُّ في ”الدَّلائِلِ“ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ومِنهم مَن عاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتانا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ ولَنَكُونَنَّ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ وذَلِكَ أنَّ رَجُلًا كانَ يُقالُ لَهُ: ثَعْلَبَةُ مِنَ الأنْصارِ أتى مَجْلِسًا فَأشْهَدَهم فَقالَ: لَئِنْ آتانِيَ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ آتَيْتُ كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ، وتَصَدَّقْتُ مِنهُ، ووَصَلْتُ مِنهُ القَرابَةَ. فابْتَلاهُ اللَّهُ فَآتاهُ مِن فَضْلِهِ، فَأخْلَفَ ما وعَدَهُ، فَأغْضَبَ اللَّهَ بِما أخْلَفَهُ ما وعَدَهُ، فَقَصَّ اللَّهُ شَأْنَهُ في القُرْآنِ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قالَ: اعْتَبَرُوا المُنافِقَ بِثَلاثٍ: إذا حَدَّثَ كَذَبَ وإذا وعَدَ أخْلَفَ وإذا عاهَدَ غَدَرَ وذَلِكَ بِأنَّ اللَّهَ يَقُولُ: (p-٤٥٨)﴿ومِنهم مَن عاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتانا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قالَ: ثَلاثٌ مَن كُنَّ فِيهِ فَهو مُنافِقٌ، إذا حَدَّثَ كَذَبَ، وإذا وعَدَ أخْلَفَ، وإذا ائْتُمِنَ خانَ، وتَلا هَذِهِ الآيَةَ: ﴿ومِنهم مَن عاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتانا مِن فَضْلِهِ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ.
وأخْرَجَ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ، والتِّرْمِذِيُّ والنَّسائِيُّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «آيَةُ المُنافِقِ ثَلاثٌ؛ إذا حَدَّثَ كَذَبَ، وإذا وعَدَ أخْلَفَ، وإذا ائْتُمِنَ خانَ» .
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، والخَرائِطِيُّ في ”مَكارِمِ الأخْلاقِ“ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ قالَ: سَمِعْتُ بِالثَّلاثِ الَّتِي تُذْكَرُ في المُنافِقِ، إذا ائْتُمِنَ خانَ، وإذا وعَدَ أخْلَفَ، وإذا حَدَّثَ كَذَبَ، فالتَمَسْتُها في الكِتابِ زَمانًا طَوِيلًا، حَتّى سَقَطْتُ عَلَيْها بَعْدُ؛ حِينَ وجَدْنا اللَّهَ يَذْكُرُ فِيهِ: ﴿ومِنهم مَن عاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتانا مِن فَضْلِهِ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿وبِما كانُوا يَكْذِبُونَ﴾ و: ﴿إنّا عَرَضْنا الأمانَةَ عَلى السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [الأحزاب: ٧٢] إلى آخِرِ الآيَةِ: و ﴿إذا جاءَكَ المُنافِقُونَ﴾ [المنافقون: ١] إلى قَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ يَشْهَدُ إنَّ المُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ﴾ [المنافقون: ١] .
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ الحَسَنِ أنَّ رَجُلًا مِنَ الأنْصارِ هو الَّذِي قالَ هَذا، فَماتَ ابْنُ عَمٍّ لَهُ فَوَرِثَ مِنهُ مالًا، فَبَخِلَ بِهِ ولَمْ يَفِ اللَّهَ بِما عاهَدَ عَلَيْهِ، فَأعْقَبَهُ (p-٤٥٩)بِذَلِكَ نِفاقًا إلى أنْ يَلْقاهُ قالَ: ذَلِكَ: ﴿بِما أخْلَفُوا اللَّهَ ما وعَدُوهُ وبِما كانُوا يَكْذِبُونَ﴾ .
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ أبِي قِلابَةَ قالَ: مَثَلُ أصْحابِ الأهْواءِ كَمَثَلِ المُنافِقِينَ، كَلامُهم شَتّى وجِماعُ أمْرِهِمُ النِّفاقُ، وكَلامُ هَؤُلاءِ شَتّى وجِماعُ أمْرِهِمُ النِّفاقُ، ثُمَّ تَلاهَذِهِ الآيَةَ: ﴿ومِنهم مَن عاهَدَ اللَّهَ﴾، ﴿ومِنهم مَن يَلْمِزُكَ﴾ [التوبة: ٥٨] [التَّوْبَةِ: ٥٨]: ﴿ومِنهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ﴾ [التوبة: ٦١] [التَّوْبَةِ: ٦١] .
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿بِما أخْلَفُوا اللَّهَ ما وعَدُوهُ وبِما كانُوا يَكْذِبُونَ﴾ قالَ: اجْتَنِبُوا الكَذِبَ فَإنَّهُ بابٌ مِنِ النِّفاقِ، وعَلَيْكم بِالصِّدْقِ فَإنَّهُ بابٌ مِنَ الإيمانِ. وذُكِرَ لَنا «أنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ حَدَّثَ أنَّ مُوسى لَمّا جاءَ بِالتَّوْراةِ بَنِي إسْرائِيلَ قالَتْ بَنُو إسْرائِيلَ: إنَّ التَّوْراةَ كَثِيرَةٌ، وإنّا لا نَفْرُغُ لَها، فَسَلْ لَنا جِماعًا مِنَ الأمْرِ نُحافِظْ عَلَيْهِ ونَتَفَرَّغْ لِمَعايِشِنا. قالَ: مَهْلًا مَهْلًا، أيْ قَوْمِ هَذا كِتابُ اللَّهِ وبَيانُ اللَّهِ ونُورُ اللَّهِ وعِصْمَةُ اللَّهِ، فَرَدُّوا عَلَيْهِ مِثْلَ مَقالَتِهِمْ، فَعَلَ ذَلِكَ ثَلاثَ مَرّاتٍ فَقالَ الرَّبُّ تَبارَكَ وتَعالى: فَإنِّي آمُرُهم بِثَلاثٍ، إنْ هم حافَظُوا عَلَيْهِنَّ دَخَلُوا الجَنَّةَ بِهِنَّ: أنْ يَتَناهَوْا إلى قِسْمَةِ مَوارِيثِهِمْ ولا يَتَظالَمُوا فِيها، وألّا يُدْخِلُوا أبْصارَهُمُ البُيُوتَ حَتّى يُؤْذَنَ لَهُمْ، وألّا يَطْعَمُوا طَعامًا حَتّى يَتَوَضَّأُوا كَوُضُوءِ الصَّلاةِ. فَرَجَعَ مُوسى إلى قَوْمِهِ بِهِنَّ فَفَرِحُوا ورَأوْا أنَّهم سَيَقُومُونَ بِهِنَّ، فَواللَّهِ إنْ لَبِثَ القَوْمُ إلّا قَلِيلًا حَتّى جَنَحُوا فانْقَطَعَ بِهِمْ، فَلِما حَدَّثَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ هَذا عَنْ بَنِي إسْرائِيلَ قالَ: تَكَفَّلُوا لِي بِسِتٍّ أتَكْفُلْ لَكم (p-٤٦٠)بِالجَنَّةِ، إذا حَدَّثْتُمْ فَلا تَكْذِبُوا، وإذا وعَدْتُمْ فَلا تُخْلِفُوا، وإذا ائْتُمِنتُمْ فَلا تَخُونُوا، وغُضُّوا أبْصارَكُمْ، وكُفُّوا أيْدِيَكم وفُرُوجَكم. قالَ قَتادَةُ: شِدادٌ واللَّهِ إلّا مَن عَصَمَ اللَّهُ» .
التوبة 9:77
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومِنهم مَن عاهَدَ اللَّهَ﴾ . الآياتِ. أخْرَجَ الحَسَنُ بْنُ سُفْيانَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَندَهْ، والعَسْكَرِيُّ في ”الأمْثالِ“، والبارُودِيُّ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، وأبُو نُعَيْمٍ في ”مَعْرِفَةِ الصَّحابَةِ“، والبَيْهَقِيُّ في ”الدَّلائِلِ“، وابْنُ عَساكِرَ، عَنْ أبِي أُمامَةَ الباهِلِيِّ قالَ «جاءَ ثَعْلَبَةُ بْنُ حاطِبٍ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، ادْعُ اللَّهَ أنْ يَرْزُقَنِي مالًا. قالَ: ويْحَكَ يا ثَعْلَبَةُ، قَلِيلٌ تُؤَدِّي شُكْرَهُ خَيْرٌ مِن كَثِيرٍ لا تُطِيقُهُ. قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، ادْعُ اللَّهَ أنْ يَرْزُقَنِي مالًا. (p-٤٥٥)قالَ: ويْحَكَ يا ثَعْلَبَةُ، قَلِيلٌ تُؤَدِّي شُكْرَهُ خَيْرٌ مِن كَثِيرٍ لا تُطِيقُهُ. قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، ادْعُ اللَّهَ أنْ يَرْزُقَنِي مالًا. قالَ: ويْحَكَ يا ثَعْلَبَةُ أما تُحِبُّ أنْ تَكُونَ مِثْلِي؟! فَلَوْ شِئْتُ أنْ يُسَيِّرَ رَبِّي هَذِهِ الجِبالَ مَعِي ذَهَبًا لَسارَتْ. قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، ادْعُ اللَّهَ أنْ يَرْزُقَنِي مالًا، فَوالَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ إنْ آتانِيَ اللَّهُ مالًا لَأُعْطِيَنَّ كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ. قالَ: ويْحَكَ يا ثَعْلَبَةُ، قَلِيلٌ تُطِيقُ شُكْرَهُ خَيْرٌ مِن كَثِيرٍ لا تُطِيقُ شُكْرَهُ. فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ ادْعُ اللَّهَ تَعالى، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: اللَّهُمَّ ارْزُقْهُ مالًا، فاتَّخَذَ أوِ اشْتَرى غَنَمًا، فَبُورِكَ لَهُ فِيها ونَمَتْ كَما يَنْمُو الدُّودُ حَتّى ضاقَتْ بِهِ المَدِينَةُ، فَتَنَحّى بِها، فَكانَ يَشْهَدُ الصَّلاةَ بِالنَّهارِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ولا يَشْهَدُها بِاللَّيْلِ، ثُمَّ نَمَتْ كَما يَنْمُو الدُّودُ، فَتَنَحّى بِها، فَكّانِ لا يَشْهَدُ الصَّلاةَ بِاللَّيْلِ ولا بِالنَّهارِ إلّا مِن جُمُعَةٍ إلى جُمُعَةٍ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ثُمَّ نَمَتْ كَما يَنْمُو الدُّودُ فَضاقَ بِهِ مَكانُهُ فَتَنَحّى بِهِ فَكانَ لا يَشْهَدُ جُمُعَةً ولا جِنازَةً مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَجَعَلَ يَتَلَقّى الرُّكْبانَ ويَسْألُهم عَنِ الأخْبارِ، وفَقَدَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَسَألَ عَنْهُ فَأخْبَرُوهُ أنَّهُ اشْتَرى غَنَمًا وأنَّ المَدِينَةَ ضاقَتْ بِهِ وأخْبَرُوهُ خَبَرَهُ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ويْحَ ثَعْلَبَةَ بْنِ حاطِبٍ. ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعالى أمَرَ رَسُولَهُ ﷺ أنْ يَأْخُذَ الصَّدَقاتِ، وأنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿خُذْ مِن أمْوالِهِمْ صَدَقَةً﴾ [التوبة: ١٠٣] فَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَجُلَيْنِ؛ رَجُلًا مِن جُهَيْنَةَ ورَجُلًا مِن بَنِي (p-٤٥٦)سَلِمَةَ» يَأْخُذانِ الصَّدَقَةَ وكَتَبَ لَهُما أسْنانَ الإبِلِ والغَنَمِ كَيْفَ يَأْخُذانِها عَلى وُجُوهِها وأمْرَهُما أنْ يَمُرّا عَلى ثَعْلَبَةَ بْنِ حاطِبٍ وبِرَجُلٍ مِن بَنِي سُلَيْمٍ فَخَرَجا فَمَرّا بِثَعْلَبَةَ فَسَألاهُ الصَّدَقَةَ، فَقالَ: أرِيانِي كِتابَكُما فَنَظَرَ فِيهِ فَقالَ: ما هَذا إلّا جِزْيَةٌ انْطَلِقا حَتّى تَفْرُغا ثُمَّ مُرّا بِي، قالَ: فانْطَلَقا وسَمِعَ بِهِما السُّلَمِيُّ فاسْتَقْبَلَهُما بِخِيارِ إبِلِهِ فَقالا: إنَّما عَلَيْكَ دُونَ هَذا، فَقالَ: ما كُنْتُ أتَقَرَّبُ إلى اللَّهِ إلّا بِخَيْرِ مالِي فَقَبِلا فَلَمّا فَرَغا مَرّا بِثَعْلَبَةَ فَقالَ: أرِيانِي كِتابَكُما، فَنَظَرَ فِيهِ فَقالَ: ما هَذا إلّا جِزْيَةٌ، انْطَلِقا حَتّى أرى رَأْيِي، فانْطَلَقا حَتّى قَدِما المَدِينَةَ فَلَمّا رَآهُما رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قالَ قَبْلَ أنْ يُكَلِّمَهُما: ويْحَ ثَعْلَبَةَ بْنِ حاطِبٍ، ودَعا لِلسُّلَمِيِّ بِالبَرَكَةِ وأنْزَلَ اللَّهُ
﴿ومِنهم مَن عاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتانا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ﴾ الثَّلاثَ آياتٍ، قالَ: فَسَمِعَ بَعْضٌ مِن أقارِبِ ثَعْلَبَةَ فَأتى ثَعْلَبَةَ فَقالَ: ويْحَكَ يا ثَعْلَبَةُ، أنْزَلَ اللَّهُ فِيكَ كَذا وكَذا، قالَ: فَقَدِمَ ثَعْلَبَةُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ هَذِهِ صَدَقَةُ مالِي، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إنَّ اللَّهَ قَدْ مَنَعَنِي أنْ أقْبَلَ مِنكَ، قالَ: فَجَعَلَ يَبْكِي ويَحْثِي التُّرابَ عَلى رَأْسِهِ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: هَذا عَمَلُكَ بِنَفْسِكَ أمَرْتُكَ فَلَمْ تُطِعْنِي، فَلَمْ يَقْبَلْ مِنهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتّى مَضى، ثُمَّ أتى أبا بَكْرٍ فَقالَ: يا أبا بَكْرٍ اقْبَلْ مِنِّي صَدَقَتِي فَقَدْ عَرَفْتَ مَنزِلَتِي مِنَ الأنْصارِ، فَقالَ أبُو بَكْرٍ: لَمْ يَقْبَلْها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وأقْبَلُها! فَلَمْ يَقْبَلْها أبُو بَكْرٍ، ثُمَّ ولِيَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ فَأتاهُ فَقالَ: يا أبا حَفْصٍ يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ اقْبَلْ (p-٤٥٧)مِنِّي صَدَقَتِي، وتَثَقَّلَ إلَيْهِ بِالمُهاجِرِينَ والأنْصارِ وأزْواجِ النَّبِيِّ ﷺ، فَقالَ عُمَرُ: لَمْ يَقْبَلْها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ولا أبُو بَكْرٍ أقْبَلُها أنا! فَأبى أنْ يَقْبَلَها، ثُمَّ ولِيَ عُثْمانُ فَهَلَكَ في خِلافَةِ عُثْمانَ وفِيهِ نَزَلَتْ: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ المُطَّوِّعِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ في الصَّدَقاتِ﴾ [التوبة: ٧٩] قالَ: وذَلِكَ في الصَّدَقَةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، والبَيْهَقِيُّ في ”الدَّلائِلِ“ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ومِنهم مَن عاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتانا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ ولَنَكُونَنَّ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ وذَلِكَ أنَّ رَجُلًا كانَ يُقالُ لَهُ: ثَعْلَبَةُ مِنَ الأنْصارِ أتى مَجْلِسًا فَأشْهَدَهم فَقالَ: لَئِنْ آتانِيَ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ آتَيْتُ كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ، وتَصَدَّقْتُ مِنهُ، ووَصَلْتُ مِنهُ القَرابَةَ. فابْتَلاهُ اللَّهُ فَآتاهُ مِن فَضْلِهِ، فَأخْلَفَ ما وعَدَهُ، فَأغْضَبَ اللَّهَ بِما أخْلَفَهُ ما وعَدَهُ، فَقَصَّ اللَّهُ شَأْنَهُ في القُرْآنِ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قالَ: اعْتَبَرُوا المُنافِقَ بِثَلاثٍ: إذا حَدَّثَ كَذَبَ وإذا وعَدَ أخْلَفَ وإذا عاهَدَ غَدَرَ وذَلِكَ بِأنَّ اللَّهَ يَقُولُ: (p-٤٥٨)﴿ومِنهم مَن عاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتانا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قالَ: ثَلاثٌ مَن كُنَّ فِيهِ فَهو مُنافِقٌ، إذا حَدَّثَ كَذَبَ، وإذا وعَدَ أخْلَفَ، وإذا ائْتُمِنَ خانَ، وتَلا هَذِهِ الآيَةَ: ﴿ومِنهم مَن عاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتانا مِن فَضْلِهِ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ.
وأخْرَجَ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ، والتِّرْمِذِيُّ والنَّسائِيُّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «آيَةُ المُنافِقِ ثَلاثٌ؛ إذا حَدَّثَ كَذَبَ، وإذا وعَدَ أخْلَفَ، وإذا ائْتُمِنَ خانَ» .
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، والخَرائِطِيُّ في ”مَكارِمِ الأخْلاقِ“ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ قالَ: سَمِعْتُ بِالثَّلاثِ الَّتِي تُذْكَرُ في المُنافِقِ، إذا ائْتُمِنَ خانَ، وإذا وعَدَ أخْلَفَ، وإذا حَدَّثَ كَذَبَ، فالتَمَسْتُها في الكِتابِ زَمانًا طَوِيلًا، حَتّى سَقَطْتُ عَلَيْها بَعْدُ؛ حِينَ وجَدْنا اللَّهَ يَذْكُرُ فِيهِ: ﴿ومِنهم مَن عاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتانا مِن فَضْلِهِ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿وبِما كانُوا يَكْذِبُونَ﴾ و: ﴿إنّا عَرَضْنا الأمانَةَ عَلى السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [الأحزاب: ٧٢] إلى آخِرِ الآيَةِ: و ﴿إذا جاءَكَ المُنافِقُونَ﴾ [المنافقون: ١] إلى قَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ يَشْهَدُ إنَّ المُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ﴾ [المنافقون: ١] .
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ الحَسَنِ أنَّ رَجُلًا مِنَ الأنْصارِ هو الَّذِي قالَ هَذا، فَماتَ ابْنُ عَمٍّ لَهُ فَوَرِثَ مِنهُ مالًا، فَبَخِلَ بِهِ ولَمْ يَفِ اللَّهَ بِما عاهَدَ عَلَيْهِ، فَأعْقَبَهُ (p-٤٥٩)بِذَلِكَ نِفاقًا إلى أنْ يَلْقاهُ قالَ: ذَلِكَ: ﴿بِما أخْلَفُوا اللَّهَ ما وعَدُوهُ وبِما كانُوا يَكْذِبُونَ﴾ .
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ أبِي قِلابَةَ قالَ: مَثَلُ أصْحابِ الأهْواءِ كَمَثَلِ المُنافِقِينَ، كَلامُهم شَتّى وجِماعُ أمْرِهِمُ النِّفاقُ، وكَلامُ هَؤُلاءِ شَتّى وجِماعُ أمْرِهِمُ النِّفاقُ، ثُمَّ تَلاهَذِهِ الآيَةَ: ﴿ومِنهم مَن عاهَدَ اللَّهَ﴾، ﴿ومِنهم مَن يَلْمِزُكَ﴾ [التوبة: ٥٨] [التَّوْبَةِ: ٥٨]: ﴿ومِنهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ﴾ [التوبة: ٦١] [التَّوْبَةِ: ٦١] .
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿بِما أخْلَفُوا اللَّهَ ما وعَدُوهُ وبِما كانُوا يَكْذِبُونَ﴾ قالَ: اجْتَنِبُوا الكَذِبَ فَإنَّهُ بابٌ مِنِ النِّفاقِ، وعَلَيْكم بِالصِّدْقِ فَإنَّهُ بابٌ مِنَ الإيمانِ. وذُكِرَ لَنا «أنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ حَدَّثَ أنَّ مُوسى لَمّا جاءَ بِالتَّوْراةِ بَنِي إسْرائِيلَ قالَتْ بَنُو إسْرائِيلَ: إنَّ التَّوْراةَ كَثِيرَةٌ، وإنّا لا نَفْرُغُ لَها، فَسَلْ لَنا جِماعًا مِنَ الأمْرِ نُحافِظْ عَلَيْهِ ونَتَفَرَّغْ لِمَعايِشِنا. قالَ: مَهْلًا مَهْلًا، أيْ قَوْمِ هَذا كِتابُ اللَّهِ وبَيانُ اللَّهِ ونُورُ اللَّهِ وعِصْمَةُ اللَّهِ، فَرَدُّوا عَلَيْهِ مِثْلَ مَقالَتِهِمْ، فَعَلَ ذَلِكَ ثَلاثَ مَرّاتٍ فَقالَ الرَّبُّ تَبارَكَ وتَعالى: فَإنِّي آمُرُهم بِثَلاثٍ، إنْ هم حافَظُوا عَلَيْهِنَّ دَخَلُوا الجَنَّةَ بِهِنَّ: أنْ يَتَناهَوْا إلى قِسْمَةِ مَوارِيثِهِمْ ولا يَتَظالَمُوا فِيها، وألّا يُدْخِلُوا أبْصارَهُمُ البُيُوتَ حَتّى يُؤْذَنَ لَهُمْ، وألّا يَطْعَمُوا طَعامًا حَتّى يَتَوَضَّأُوا كَوُضُوءِ الصَّلاةِ. فَرَجَعَ مُوسى إلى قَوْمِهِ بِهِنَّ فَفَرِحُوا ورَأوْا أنَّهم سَيَقُومُونَ بِهِنَّ، فَواللَّهِ إنْ لَبِثَ القَوْمُ إلّا قَلِيلًا حَتّى جَنَحُوا فانْقَطَعَ بِهِمْ، فَلِما حَدَّثَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ هَذا عَنْ بَنِي إسْرائِيلَ قالَ: تَكَفَّلُوا لِي بِسِتٍّ أتَكْفُلْ لَكم (p-٤٦٠)بِالجَنَّةِ، إذا حَدَّثْتُمْ فَلا تَكْذِبُوا، وإذا وعَدْتُمْ فَلا تُخْلِفُوا، وإذا ائْتُمِنتُمْ فَلا تَخُونُوا، وغُضُّوا أبْصارَكُمْ، وكُفُّوا أيْدِيَكم وفُرُوجَكم. قالَ قَتادَةُ: شِدادٌ واللَّهِ إلّا مَن عَصَمَ اللَّهُ» .
التوبة 9:79
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ المُطَّوِّعِينَ﴾ . الآيَةَ. أخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، وأبُو نُعَيْمٍ في ”المَعْرِفَةِ“ عَنِ أبِي مَسْعُودٍ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ آيَةُ الصَّدَقَةِ كُنّا نَتَحامَلُ عَلى ظُهُورِنا فَجاءَ رَجُلٌ فَتَصَدَّقَ بِشَيْءٍ كَثِيرٍ فَقالُوا مُرائِي وجاءَ أبُو عَقِيلٍ بِنِصْفِ صاعٍ فَقالَ المُنافِقُونَ: إنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنْ صَدَقَةِ هَذا، فَنَزَلَتْ: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ المُطَّوِّعِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ في الصَّدَقاتِ والَّذِينَ لا يَجِدُونَ إلا جُهْدَهُمْ﴾ الآيَةَ» .
وأخْرَجَ البَزّارُ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «تَصَدَّقُوا فَإنِّي أُرِيدُ أنْ أبْعَثَ بَعْثًا. فَجاءَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ عِنْدِي أرْبَعَةُ آلافٍ؛ ألْفَيْنِ أُقْرِضُهُما رَبِّي وألْفَيْنِ لِعِيالِي، فَقالَ: بارَكَ اللَّهُ لَكَ فِيما أعْطَيْتَ وبارَكَ لَكَ فِيما أمْسَكْتَ. وجاءَ رَجُلٌ مِنَ الأنْصارِ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي بِتُّ أجُرُّ الجَرِيرَ فَأصَبْتُ صاعَيْنِ مِن تَمْرٍ فَصاعًا أُقْرِضُهُ رَبِّي وصاعًا لِعِيالِي. فَلَمَزَهُ المُنافِقُونَ، قالُوا: (p-٤٦١)واللَّهِ ما أعْطى ابْنُ عَوْفٍ الَّذِي أعْطى إلّا رِياءً، وقالُوا: أوَلَمْ يَكُنِ اللَّهُ ورَسُولُهُ غَنِيَّيْنِ عَنْ صاعِ هَذا فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ المُطَّوِّعِينَ﴾ الآيَةَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قالَ «أمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالصَّدَقَةِ، فَجاءَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ بِصَدَقَتِهِ وجاءَ المُطَّوِّعُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ وجاءَ أبُو عَقِيلٍ بِصاعٍ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ بِتُّ أجُرُّ الجَرِيرَ فَأصَبْتُ صاعَيْنِ مِن تَمْرٍ فَجِئْتُكَ بِأحَدِهِما وتَرَكْتُ الآخَرَ لِأهْلِي قُوتَهم فَقالَ المُنافِقُونَ: ما جاءَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ وأُولَئِكَ إلّا رِياءً وإنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنْ صَدَقَةِ أبِي عَقِيلٍ فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ المُطَّوِّعِينَ﴾ الآيَةَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَغَوِيُّ في ”مُعْجَمِهِ“ والطَّبَرانِيُّ وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، وأبُو نُعَيْمٍ في ”المَعْرِفَةِ“ «عَنْ أبِي عَقِيلٍ قالَ: بِتُّ أجُرُّ الجَرِيرَ عَلى ظَهْرِي عَلى صاعَيْنِ مِن تَمْرٍ، فانْقَلَبْتُ بِأحَدِهِما إلى أهْلِي يَتَبَلَّغُونَ بِهِ وجِئْتُ بِالآخَرِ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أتَقَرَّبُ بِهِ إلى رَبِّي، فَأخْبَرْتُهُ بِالَّذِي كانَ فَقالَ: انْثُرْهُ في المَسْجِدِ، فَسَخِرَ القَوْمُ وقالُوا: لَقَدْ كانَ اللَّهُ غَنِيًّا عَنْ صاعِ هَذا المِسْكِينِ. فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ المُطَّوِّعِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ الآيَتَيْنِ» .
(p-٤٦٢)وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ المُطَّوِّعِينَ﴾ الآيَةَ، قالَ: «جاءَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ بِأرْبَعِينَ أُوقِيَّةً إلى النَّبِيِّ ﷺ وجاءَ رَجُلٌ مِنَ الأنْصارِ بِصاعٍ مِن طَعامٍ، فَقالَ بَعْضُ المُنافِقِينَ: واللَّهِ ما جاءَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بِما جاءَ بِهِ إلّا رِياءً وقالُوا: إنْ كانَ اللَّهُ ورَسُولُهُ لَغَنِيَّيْنِ عَنْ هَذا الصّاعِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مالِكٍ قالَ: الَّذِي تَصَدَّقَ بِصاعِ التَّمْرِ فَلَمَزَهُ المُنافِقُونَ، أبُو خَيْثَمَةَ الأنْصارِيُّ.
وأخْرَجَ البَغَوِيُّ في ”مُعْجَمِهِ“، وابْنُ قانِعٍ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ عُثْمانَ البَلَوِيِّ «عَنْ جَدَّتِهِ، أنَّ أُمَّها عُمَيْرَةَ بِنْتَ سَهْلِ بْنِ رافِعٍ صاحِبِ الصّاعَيْنِ الَّذِي لَمَزَهُ المُنافِقُونَ - أخْبَرَتْها أنَّهُ خَرَجَ بِصاعٍ مِن تَمْرٍ وابْنَتُهُ عُمَيْرَةُ، حَتّى أتى النَّبِيَّ ﷺ فَصَبَّهُ» .
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ عَساكِرَ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ المُطَّوِّعِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ في الصَّدَقاتِ﴾ قالَ: تَصَدَّقَ (p-٤٦٣)عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ بِشَطْرِ مالِهِ ثَمانِيَةِ آلافِ دِينارٍ، فَقالَ أُناسٌ مِنَ المُنافِقِينَ: إنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ لَعَظِيمُ الرِّياءِ، فَقالَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ المُطَّوِّعِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ في الصَّدَقاتِ﴾ وكانَ لِرَجُلٍ مِنَ الأنْصارِ صاعانِ مِن تَمْرٍ، فَجاءَ بِأحَدِهِما فَقالَ ناسٌ مِنَ المُنافِقِينَ: إنْ كانَ اللَّهُ عَنْ صاعِ هَذا لَغَنِيٌّ. وكانَ المُنافِقُونَ يَطْعَنُونَ عَلَيْهِمْ ويَسْخَرُونَ مِنهُمْ، فَقالَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿والَّذِينَ لا يَجِدُونَ إلا جُهْدَهم فَيَسْخَرُونَ مِنهُمْ﴾ الآيَةَ.
وأخْرَجَ أبُو نُعَيْمٍ في ”المَعْرِفَةِ“ عَنْ قَتادَةَ قالَ: «أقْبَلَ رَجُلٌ مِن فُقَراءِ المُسْلِمِينَ يُقالُ لَهُ: الحَبْحابُ أبُو عَقِيلٍ فَقالَ: يا نَبِيَّ اللَّهِ بِتُّ أجُرُّ الجَرِيرَ اللَّيْلَةَ عَلى صاعَيْنِ مِن تَمْرٍ فَأمّا صاعٌ فَأمْسَكْتُهُ لِأهْلِي وأمّا صاعٌ فَهو ذا، فَقالَ المُنافِقُونَ: إنْ كانَ اللَّهُ ورَسُولُهُ لَغَنِيَّيْنِ عَنْ صاعِ هَذا. فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ المُطَّوِّعِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ الآيَةَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أنَسٍ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَعا النّاسَ بِصَدَقَةٍ فَجاءَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ بِأرْبَعَةِ آلافٍ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ هَذِهِ صَدَقَةٌ، فَلَمَزَهُ (p-٤٦٤)بَعْضُ القَوْمِ فَقالَ: ما جاءَ بِهَذِهِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ إلّا رِياءً. وجاءَ أبُو عَقِيلٍ بِصاعٍ مِن تَمْرٍ، فَقالَ بَعْضُ القَوْمِ: ما كانَ اللَّهُ أغْنى عَنْ صاعِ أبِي عَقِيلٍ فَنَزَلَتْ: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ المُطَّوِّعِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ في الصَّدَقاتِ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [التوبة»: ٨٠] .
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: «أمَرَ النَّبِيُّ ﷺ المُسْلِمِينَ أنْ يَجْمَعُوا صَدَقاتِهِمْ، وكانَ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ثَمانِيَةُ آلافِ دِينارٍ، فَجاءَ بِأرْبَعَةِ آلافِ دِينارٍ صَدَقَةً فَقالَ: هَذا مالٌ أُقْرِضُهُ اللَّهَ وقَدْ بَقِيَ مِثْلُهُ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: بُورِكَ لَكَ فِيما أعْطَيْتَ وفِيما أمْسَكْتَ. وجاءَ أبُو نَهِيكٍ رَجُلٌ مِنَ الأنْصارِ بِصاعِ تَمْرٍ نَزَعَ عَلَيْهِ لَيْلَهُ كُلَّهُ فَلَمّا أصْبَحَ جاءَ بِهِ إلى النَّبِيِّ ﷺ فَقالَ رَجُلٌ مِنَ المُنافِقِينَ: إنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ لَعَظِيمُ الرِّياءِ. وقالَ لِلْآخَرِ: إنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنْ صاعِ هَذا. فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ المُطَّوِّعِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ في الصَّدَقاتِ﴾ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ: ﴿والَّذِينَ لا يَجِدُونَ إلا جُهْدَهُمْ﴾ صاحِبَ الصّاعِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أنَسٍ في الآيَةِ قالَ: «أصابَ النّاسَ جَهْدٌ شَدِيدٌ، فَأمَرَهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنْ يَتَصَدَّقُوا، فَقالَ: أيُّها النّاسُ، تَصَدَّقُوا. فَجَعَلَ أُناسٌ يَتَصَدَّقُونَ، فَجاءَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ بِأرْبَعِمِائَةِ أُوقِيَّةٍ مِن ذَهَبٍ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، كانَ لِي ثَمانُمِائَةِ أُوقِيَّةٍ مِن ذَهَبٍ فَجِئْتُ (p-٤٦٥)بِأرْبَعِمِائَةِ أُوقِيَّةٍ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: اللَّهُمَّ بارِكْ لَهُ فِيما أعْطى، وبارِكْ فِيما أمْسَكَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: لَمّا كانَ يَوْمُ فِطْرٍ أخْرَجَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ مالًا عَظِيمًا، وأخْرَجَ عاصِمُ بْنُ عَدِيٍّ كَذَلِكَ، وأخْرَجَ رَجُلٌ صاعَيْنِ، وآخَرُ صاعًا، فَقالَ قائِلٌ مِنَ النّاسِ: إنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ إنَّما جاءَ بِما جاءَ بِهِ فَخْرًا ورِياءً، وأمّا صاحِبُ الصّاعِ والصّاعَيْنِ فَإنَّ اللَّهَ ورَسُولَهُ أغْنِياءُ مِن صاعٍ وصاعٍ. فَسَخِرُوا بِهِمْ فَأُنْزِلَتْ فِيهِمْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ المُطَّوِّعِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ في الصَّدَقاتِ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ زَيْدٍ قالَ: «أمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ المُسْلِمِينَ أنْ يَتَصَدَّقُوا، فَقالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ: إنَّما ذَلِكَ مالٌ وافِرٌ. فَأخَذَ نِصْفَهُ، قالَ: فَجِئْتُ أحْمِلُ مالًا كَثِيرًا، فَقالَ لَهُ رَجُلٌ مِنَ المُنافِقِينَ: أتُرائِي يا عُمَرُ؟ قالَ: نَعَمْ، أُرائِي اللَّهَ ورَسُولَهُ فَأمّا غَيْرُهُما فَلا، قالَ: وجاءَ رَجُلٌ مِنَ الأنْصارِ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ شَيْءٌ فَواجَرَ نَفْسَهُ بِجَرِّ الجَرِيرِ عَلى رَقَبَتِهِ بِصاعَيْنِ لَيْلَتَهُ، فَتَرَكَ صاعًا لِعِيالِهِ وجاءَ بِصاعٍ يَحْمِلُهُ، فَقالَ لَهُ بَعْضُ المُنافِقِينَ: إنَّ اللَّهَ ورَسُولَهُ عَنْ صاعِكَ لَغَنِيٌّ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ المُطَّوِّعِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ في الصَّدَقاتِ﴾ [التوبة»: ٧٩] (p-٤٦٦)وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ المُطَّوِّعِينَ﴾ أيْ يَطْعَنُونَ عَلى المُطَّوِّعِينَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ في قَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ لا يَجِدُونَ إلا جُهْدَهُمْ﴾ قالَ: هو رِفاعَةُ بْنُ سَعْدٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ الشَّعْبِيِّ في قَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ لا يَجِدُونَ إلا جُهْدَهُمْ﴾ قالَ: الجُهْدُ في القُوتِ، والجُهْدُ في العَمَلِ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ سُفْيانَ في الآيَةِ قالَ: الجُهْدُ جُهْدُ الإنْسانِ، والجُهْدُ في ذاتِ اليَدِ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ إسْحاقَ قالَ: كانَ الَّذِي تَصَدَّقَ بِجُهْدِهِ أبُو عَقِيلٍ، واسْمُهُ سَهْلُ بْنُ رافِعٍ أتى بِصاعٍ مِن تَمْرٍ فَأفْرَغَها في الصَّدَقَةِ، فَتَضاحَكُوا بِهِ وقالُوا: إنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنْ صَدَقَةِ أبِي عَقِيلٍ.
وأخْرَجَ البَغَوِيُّ في ”مُعْجَمِهِ“، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ الحَسَنِ قالَ: «قامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَقامًا لِلنّاسِ فَقالَ: يا أيُّها النّاسُ تَصَدَّقُوا، أشْهَدُ لَكم بِها يَوْمَ القِيامَةِ، ألّا لَعَلَّ أحَدَكم أنْ يَبِيتَ فِصالُهُ (p-٤٦٧)رِواءً، وابْنُ عَمِّهِ طاوٍ، ألا لَعَلَّ أحَدَكم أنْ يُثَمِّرَ مالَهُ وجارُهُ مِسْكِينٌ لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ، ألا رَجُلٌ مَنَحَ ناقَةً مِن إبِلِهِ، يَغْدُو بِرِفْدٍ ويَرُوحُ بِرِفْدٍ، يَغْدُو بِصَبُوحِ أهْلِ بَيْتٍ ويَرُوحُ بِغَبُوقِهِمْ، ألا إنَّ أجْرَها لَعَظِيمٌ. فَقامَ رَجُلٌ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ عِنْدِي أرْبَعَةُ ذَوْدٍ. فَقامَ آخَرُ قَصِيرُ القِمَّةِ قَبِيحُ السُّنَّةِ، يَقُودُ ناقَةً لَهُ حَسْناءَ جَمِيلَةً، فَقالَ رَجُلٌ مِنَ المُنافِقِينَ كَلِمَةً خَفِيَّةً لا يَرى أنَّ النَّبِيَّ ﷺ سَمِعَها: ناقَتُهُ خَيْرٌ مِنهُ. فَسَمِعَها النَّبِيُّ ﷺ فَقالَ: كَذَبْتَ، هو خَيْرٌ مِنكَ ومِنها. ثُمَّ قامَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ عِنْدِي ثَمانِيَةُ آلافٍ، تَرَكْتُ أرْبَعَةً مِنها لِعِيالِي وجِئْتُ بِأرْبَعَةٍ أُقَدِّمُها إلى اللَّهِ. فَتَكاثَرَ المُنافِقُونَ ما جاءَ بِهِ، ثُمَّ قامَ عاصِمُ بْنُ عَدِيٍّ الأنْصارِيُّ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، عِنْدِي سَبْعُونَ وسْقًا جَدادُ العامِ. فَتَكاثَرَ المُنافِقُونَ ما جاءَ بِهِ وقالُوا: جاءَ هَذا بِأرْبَعَةِ آلافٍ، وجاءَ هَذا بِسَبْعِينَ وسْقًا، لِلرِّياءِ والسُّمْعَةِ، فَهَلّا أخْفَياها؟ فَهَلّا فَرَّقاها؟ ثُمَّ قامَ رَجُلٌ مِنَ الأنْصارِ اسْمُهُ الحَبْحابُ، يُكْنى (p-٤٦٨)أبا عَقِيلٍ» فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ ما لِي مِن مالٍ غَيْرَ أنِّي آجَرْتُ نَفْسِي البارِحَةَ مِن بَنِي فُلانٍ أجُرُّ الحَرِيرَ في عُنُقِي عَلى صاعَيْنِ مِن تَمْرٍ، فَتَرَكْتُ صاعًا لِعِيالِي، وجِئْتُ بِصاعٍ أُقَرِّبُهُ إلى اللَّهِ تَعالى. فَلَمَزَهُ المُنافِقُونَ وقالُوا: جاءَ أهْلُ الإبِلِ بِالإبِلِ، وجاءَ أهْلُ الفِضَّةِ بِالفِضَّةِ، وجاءَ هَذا بِتَمَراتٍ يَحْمِلُها فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ المُطَّوِّعِينَ﴾ الآيَةَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ في زَوائِدِ ”الزُّهْدِ“ عَنْ أبِي السَّلِيلِ قالَ: وقَفَ عَلَيْنا شَيْخٌ في مَجْلِسِنا فَقالَ: حَدَّثَنِي أبِي أوْ عَمِّي «أنَّهُ شَهِدَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِالبَقِيعِ قالَ: مَن يَتَصَدَّقُ اليَوْمَ بِصَدَقَةٍ أشْهَدُ لَهُ بِها عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ القِيامَةِ؟ فَجاءَ رَجُلٌ - لا واللَّهِ ما بِالبَقِيعِ رَجُلٌ أشَدَّ سَوادَ وجْهٍ مِنهُ، ولا أقْصَرَ قامَةً، ولا أذَمَّ في عَيْنٍ مِنهُ - بِناقَةٍ - لا واللَّهِ ما بِالبَقِيعِ شَيْءٌ أحْسَنَ مِنها - فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: هَذِهِ صَدَقَةٌ؟ قالَ: نَعَمْ يا رَسُولَ اللَّهِ. فَلَمَزَهُ رَجُلٌ فَقالَ: يَتَصَدَّقُ بِها! واللَّهِ لَهي خَيْرٌ مِنهُ. فَسَمِعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كَلِمَتَهُ فَقالَ: كَذَبْتَ بَلْ هو خَيْرٌ مِنكَ ومِنها، كَذَبْتَ بَلْ هو خَيْرٌ مِنكَ ومِنها. ثَلاثَ مِرارٍ، ثُمَّ قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إلّا مَن قالَ بِيَدِهِ هَكَذا وهَكَذا، وقَلِيلٌ ما هم. ثُمَّ قالَ: قَدْ أفْلَحَ المُزْهِدُ المُجْهِدُ، قَدْ أفْلَحَ المُزْهِدُ المُجْهِدُ» .
وأخْرَجَ أبُو داوُدَ، وابْنُ خُزَيْمَةَ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ «عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّهُ (p-٤٦٩)قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، أيُّ الصَّدَقَةِ أفْضَلُ؟ قالَ جُهْدُ المُقِلِّ وابْدَأْ بِمَن تَعُولُ» .
التوبة 9:80
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ . الآيَةَ. أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عُرْوَةَ «أنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ قالَ لِأصْحابِهِ: لَوْلا أنَّكم تُنْفِقُونَ عَلى مُحَمَّدٍ وأصْحابِهِ لانْفَضُّوا مِن حَوْلِهِ. وهو القائِلُ: ﴿لَيُخْرِجَنَّ الأعَزُّ مِنها الأذَلَّ﴾ [المنافقون: ٨] فَأنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهم أوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهم إنْ تَسْتَغْفِرْ لَهم سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾
قالَ النَّبِيُّ اللَّهِ ﷺ: لَأزِيدَنَّ عَلى السَّبْعِينَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿سَواءٌ عَلَيْهِمْ أسْتَغْفَرْتَ لَهم أمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهم لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [المنافقون»: ٦] .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ: ﴿إنْ تَسْتَغْفِرْ لَهم سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ قالَ النَّبِيُّ ﷺ: سَأزِيدُ عَلى سَبْعِينَ. فَأنْزَلَ اللَّهُ في السُّورَةِ الَّتِي يُذْكَرُ فِيها المُنافِقُونَ: ﴿لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [المنافقون»: ٦] .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: أسْمَعُ رَبِّي قَدْ رَخَّصَ لِي فِيهِمْ، فَواللَّهِ لَأسْتَغْفِرُنَّ أكْثَرَ مِن سَبْعِينَ مَرَّةً، لَعَلَّ اللَّهَ أنْ يَغْفِرَ لَهم. فَقالَ اللَّهُ مِن شِدَّةِ غَضَبِهِ عَلَيْهِمْ: ﴿سَواءٌ عَلَيْهِمْ أسْتَغْفَرْتَ لَهم أمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهم لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [المنافقون»: ٦] . (p-٤٧٠)وأخْرَجَ النَّحّاسُ في ”ناسِخِهِ“ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهم أوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ الآيَةَ: فَنَسَخَها: ﴿سَواءٌ عَلَيْهِمْ أسْتَغْفَرْتَ لَهم أمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهم لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهم إنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الفاسِقِينَ﴾ [المنافقون: ٦] .
وأخْرَجَ أحْمَدُ، والبُخارِيُّ والتِّرْمِذِيُّ والنَّسائِيُّ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والنَّحّاسُ، وابْنُ حِبّانَ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، وأبُو نُعَيْمٍ في ”الحِلْيَةِ“ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «سَمِعْتُ عُمَرَ يَقُولُ: لَمّا تُوُفِّيَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ دُعِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِلصَّلاةِ عَلَيْهِ فَقامَ عَلَيْهِ فَلَمّا وقَفَ قُلْتُ: أعْلى عَدُوِّ اللَّهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ القائِلِ كَذا وكَذا، والقائِلِ كَذا وكَذا، أُعَدِّدُ أيّامَهُ، ورَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَتَبَسَّمُ، حَتّى إذا أكْثَرْتُ قالَ: يا عُمَرُ أخِّرْ عَنِّي، إنِّي قَدْ خُيِّرْتُ قَدْ قِيلَ لِي: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهم أوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهم إنْ تَسْتَغْفِرْ لَهم سَبْعِينَ مَرَّةً﴾ فَلَوْ أعْلَمُ أنِّي إنْ زِدْتُ عَلى السَّبْعِينَ غُفِرَ لَهُ لَزِدْتُ عَلَيْها. ثُمَّ صَلّى عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ومَشى مَعَهُ حَتّى قامَ عَلى قَبْرِهِ، حَتّى فَرَغَ مِنهُ، فَعَجِبْتُ لِي ولِجَراءَتِي عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ - واللَّهُ رَسُولُهُ أعْلَمُ - فَواللَّهِ ما كانَ إلّا يَسِيرًا حَتّى نَزَلَتْ هاتانِ الآيَتانِ: ﴿ولا تُصَلِّ عَلى أحَدٍ مِنهم ماتَ أبَدًا ولا تَقُمْ عَلى قَبْرِهِ﴾ [التوبة: ٨٤] فَما صَلّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلى مُنافِقٍ بَعْدَهُ حَتّى قَبَضَهُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ» .
(p-٤٧١)وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، «أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ قالَ: لَقَدْ أصَبْتُ في الإسْلامِ هَفْوَةً ما أصَبْتُ مِثْلَها قَطُّ؛ أرادَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنْ يُصَلِّيَ عَلى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ فَأخَذْتُ بِثَوْبِهِ فَقُلْتُ: واللَّهِ ما أمَرَكَ اللَّهُ بِهَذا، لَقَدْ قالَ اللَّهُ: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهم أوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهم إنْ تَسْتَغْفِرْ لَهم سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: قَدْ خَيَّرَنِي رَبِّي، فَقالَ: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهم أوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ فَقَعَدَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلى شَفِيرِ القَبْرِ، فَجَعَلَ النّاسُ يَقُولُونَ لِابْنِهِ: يا حُبابُ افْعَلْ كَذا، يا حُبابُ افْعَلْ كَذا. فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: الحُبابُ اسْمُ شَيْطانٍ، أنْتَ عَبْدُ اللَّهِ» .
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ الآيَةَ، قالَ: نَزَلَتْ في الصَّلاةِ عَلى المُنافِقِينَ. قالَ: «لَمّا ماتَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيِّ ابْنِ سَلُولَ المُنافِقُ قالَ النَّبِيُّ ﷺ: لَوْ أعْلَمُ أنِّي إنِ اسْتَغْفَرْتُ لَهُ إحْدى وسَبْعِينَ مَرَّةً غُفِرَ لَهُ لَفَعَلْتُ. فَصَلّى عَلَيْهِ، فَنَسَخَ اللَّهُ الصَّلاةَ عَلى المُنافِقِينَ والقِيامَ عَلى قُبُورِهِمْ، فَأنْزَلَ: ﴿ولا تُصَلِّ عَلى أحَدٍ مِنهم ماتَ أبَدًا ولا تَقُمْ عَلى قَبْرِهِ﴾ [التوبة: ٨٤] ونَزَلَتِ العَزْمَةُ في سُورَةِ المُنافِقِينَ: ﴿سَواءٌ عَلَيْهِمْ أسْتَغْفَرْتَ لَهم أمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ [المنافقون: ٦] الآيَةَ» .
التوبة 9:81
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَرِحَ المُخَلَّفُونَ﴾ . الآيَةَ. أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ ﴿فَرِحَ المُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلافَ رَسُولِ اللَّهِ﴾ (p-٤٧٢)قالَ: عَنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ الضَّحّاكِ في الآيَةِ قالَ: يَعْنِي: المُتَخَلِّفُونَ؛ بِأنْ قَعَدُوا خِلافَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أبِيهِ قالَ: «كانَتْ تَبُوكُ آخِرَ غَزْوَةٍ غَزاها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وهي غَزْوَةُ الحَرِّ، قالُوا: لا تَنْفِرُوا في الحَرِّ. وهي غَزْوَةُ العُسْرَةِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أمَرَ النّاسَ أنْ يَنْبَعِثُوا مَعَهُ، وذَلِكَ في الصَّيْفِ، فَقالَ رِجالٌ: يا رَسُولَ اللَّهِ، الحَرُّ شَدِيدٌ، ولا نَسْتَطِيعُ الخُرُوجَ، فَلا تَنْفِرْ في الحَرِّ. فَقالَ اللَّهُ: ﴿قُلْ نارُ جَهَنَّمَ أشَدُّ حَرًّا لَوْ كانُوا يَفْقَهُونَ﴾ فَأمَرَهُ بِالخُرُوجِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿لا تَنْفِرُوا في الحَرِّ﴾ قالَ: قَوْلُ المُنافِقِينَ يَوْمَ غَزا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ تَبُوكًا.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ وغَيْرِهِ قالُوا: «خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في حَرٍّ شَدِيدٍ إلى تَبُوكَ، فَقالَ رَجُلٌ مِن بَنِي سَلَمَةَ: لا تَنْفِرُوا في الحَرِّ. فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿قُلْ نارُ جَهَنَّمَ أشَدُّ حَرًّا﴾ الآيَةَ» .
(p-٤٧٣)وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: «اسْتَدارَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ رِجالٌ مِنَ المُنافِقِينَ حِينَ أذِنَ لِلْجَدِّ بْنِ قَيْسٍ، يَسْتَأْذِنُونَهُ ويَقُولُونَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، ائْذَنْ لَنا؛ فَإنّا لا نَسْتَطِيعُ أنْ نَنْفِرَ في الحَرِّ، فَأذِنَ لَهم وأعْرَضَ عَنْهُمْ، فَأنْزَلَ اللَّهُ في ذَلِكَ: ﴿قُلْ نارُ جَهَنَّمَ أشَدُّ حَرًّا﴾ الآيَةَ» .
التوبة 9:82
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلا﴾ . الآيَةَ. أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلا ولْيَبْكُوا كَثِيرًا﴾ قالَ: هُمُ المُنافِقُونَ والكُفّارُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهْمُ هُزُوًا ولَعِبًا، يَقُولُ اللَّهُ تَعالى: ﴿فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلا﴾ في الدُّنْيا: ﴿ولْيَبْكُوا كَثِيرًا﴾ في الآخِرَةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلا﴾ قالَ: الدُّنْيا قَلِيلٌ، فَلْيَضْحَكُوا فِيها ما شاؤُوا، فَإذا انْقَطَعَتِ الدُّنْيا وصارُوا إلى اللَّهِ، اسْتَأْنَفُوا بُكاءً لا يَنْقَطِعُ أبَدًا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنْ أبِي رَزِينٍ، مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ البُخارِيُّ، والتِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: لَوْ تَعْلَمُونَ ما أعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا ولَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا» . (p-٤٧٤)وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «والَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَوْ رَأيْتُمُ ما رَأيْتُ لَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا ولَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا. قالُوا: وما رَأيْتَ يا رَسُولَ اللَّهِ؟ قالَ: رَأيْتُ الجَنَّةَ والنّارَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأحْمَدُ، والدّارِمِيُّ، والبُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ ماجَهْ، وابْنُ حِبّانَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنْ أنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «لَوْ تَعْلَمُونَ ما أعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا ولَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا» . وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ، وابْنُ ماجَهْ، عَنْ أبِي ذَرٍّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إنِّي أرى ما لا تَرَوْنَ، وأسْمَعُ ما لا تَسْمَعُونَ، أطَّتِ السَّماءُ وحُقَّ لَها أنْ تَئِطَّ، ما فِيها مَوْضِعُ أرْبَعِ أصابِعَ إلّا ومَلَكٌ واضِعٌ جَبْهَتَهُ لِلَّهِ ساجِدًا، واللَّهِ لَوْ تَعْلَمُونَ ما أعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا ولَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا، وما تَلَذَّذْتُمْ بِالنِّساءِ عَلى الفُرُشِ، ولَخَرَجْتُمْ إلى الصُّعُداتِ تَجْأرُونَ إلى اللَّهِ. لَوَدِدْتُ (p-٤٧٥)أنِّي كُنْتُ شَجَرَةً تُعْضَدُ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ ماجَهْ وأبُو يَعْلى، عَنْ أنَسٍ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «يا أيُّها النّاسُ ابْكُوا، فَإنْ لَمْ تَبْكُوا فَتَباكَوْا، فَإنَّ أهْلَ النّارِ يَبْكُونَ حَتّى تَسِيلَ دُمُوعُهم في وُجُوهِهِمْ كَأنَّها جَداوِلُ، حَتّى تَنْقَطِعَ الدُّمُوعُ، فَتَسِيلُ فَتُقَرِّحَ العُيُونَ، فَلَوْ أنَّ سُفُنًا أُرْخِيَتْ فِيها لَجَرَتْ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا في ”صِفَةِ النّارِ“ عَنْ زَيْدِ بْنِ رُفَيْعٍ، رَفَعَهُ، قالَ: «إنَّ أهْلَ النّارِ إذا دَخَلُوا النّارَ بَكَوُا الدُّمُوعَ زَمانًا، ثُمَّ بَكَوُا القَيْحَ زَمانًا، فَتَقُولُ لَهُمُ الخَزَنَةُ: يا مَعْشَرَ الأشْقِياءِ تَرَكْتُمُ البُكاءَ في الدّارِ المَرْحُومِ فِيها أهْلُها في الدُّنْيا، هَلْ تَجِدُونَ اليَوْمَ مَن تَسْتَغِيثُونَ بِهِ فَيَرْفَعُونَ أصْواتَهم: يا أهْلَ الجَنَّةِ يا مَعْشَرَ الآباءِ والأُمَّهاتِ والأوْلادِ، خَرَجْنا مِنَ القُبُورِ عِطاشًا، وكُنّا طُولَ المَوْقِفِ عِطاشًا، ونَحْنُ اليَوْمُ عِطاشٌ، فَأفِيضُوا عَلَيْنا مِنَ الماءِ أوْ مِمّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ. فَيَدْعُونَ أرْبَعِينَ سَنَةً لا يُجِيبُهُمْ، ثُمَّ يُجِيبُهم: إنَّكم ماكِثُونَ. فَيَيْأسُونَ مِن كُلِّ خَيْرٍ» .
وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وأحْمَدُ، في ”الزُّهْدِ“، عَنْ أبِي مُوسى الأشْعَرِيِّ، أنَّهُ خَطَبَ النّاسَ بِالبَصْرَةِ، فَقالَ: يا أيُّها النّاسُ ابْكُوا، فَإنْ لَمْ تَبْكُوا (p-٤٧٦)فَتَباكَوْا فَإنَّ أهْلَ النّارِ يَبْكُونَ الدُّمُوعَ حَتّى تَنْقَطِعَ، ثُمَّ يَبْكُونَ الدِّماءَ، حَتّى لَوْ أُجْرِيَ فِيها السُّفُنُ لَجَرَتْ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ، في ”الزُّهْدِ“ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قالَ: لَوْ تَعْلَمُونَ ما أعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا ولَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا، ولَوْ تَعْلَمُونَ حَقَّ العِلْمِ لَصَرَخَ أحَدُكم حَتّى يَنْقَطِعَ صَوْتُهُ، ولَسَجَدَ حَتّى يَنْقَطِعَ صُلْبُهُ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ، في ”الزُّهْدِ“ عَنْ أبِي الدَّرْداءِ قالَ: لَوْ تَعْلَمُونَ ما أعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا ولَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا، ولَخَرَجْتُمْ تَبْكُونَ لا تَدْرُونَ تَنْجُونَ أوْ لا تَنْجُونَ.
التوبة 9:83
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنْ رَجَعَكَ اللَّهُ﴾ . الآيَةَ. أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿فَإنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إلى طائِفَةٍ مِنهُمْ﴾ قالَ: ذُكِرَ لَنا أنَّهم كانُوا اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا مِنَ المُنافِقِينَ وفِيهِمْ قِيلَ ما قِيلَ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ الضَّحّاكِ في الآيَةِ يَقُولُ: أرَأيْتَ إنْ نَفَرْتَ فاسْتَأْذَنُوكَ أنْ يَنْفِرُوا مَعَكَ، ﴿فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أبَدًا﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فاقْعُدُوا مَعَ الخالِفِينَ﴾ قالَ: هُمُ الرِّجالُ الَّذِينَ تَخَلَّفُوا عَنِ الغَزْوِ.
التوبة 9:84
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تُصَلِّ عَلى أحَدٍ مِنهُمْ﴾ . الآيَةَ. (p-٤٧٧)أخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، وابْنُ ماجَهْ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، والبَيْهَقِيُّ في ”الدَّلائِلِ“ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: «لَمّا تُوُفِّيَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيِّ ابْنِ سَلُولَ أتى ابْنُهُ عَبْدُ اللَّهِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَسَألَهُ أنْ يُعْطِيَهُ قَمِيصَهُ لِيُكَفِّنَهُ فِيهِ، فَأعْطاهُ ثُمَّ سَألَهُ أنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهِ، فَقامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِيُصَلِّيَ عَلَيْهِ، فَقامَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ فَأخَذَ ثَوْبَهُ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ أتُصَلِّي عَلَيْهِ وقَدْ نَهاكَ اللَّهُ أنْ تُصَلِّيَ عَلى المُنافِقِينَ؟ فَقالَ: إنَّ رَبِّي خَيَّرَنِي وقالَ: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهم أوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهم إنْ تَسْتَغْفِرْ لَهم سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٨٠] وسَأزِيدُ عَلى السَّبْعِينَ. فَقالَ: إنَّهُ مُنافِقٌ. فَصَلّى عَلَيْهِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ولا تُصَلِّ عَلى أحَدٍ مِنهم ماتَ أبَدًا ولا تَقُمْ عَلى قَبْرِهِ﴾ فَتَرَكَ الصَّلاةَ عَلَيْهِمْ» .
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، والبَيْهَقِيُّ في ”الدَّلائِلِ“ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، «أنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ قالَ لَهُ أبُوهُ: أيْ بُنَيَّ، اطْلُبْ لِي ثَوْبًا مِن ثِيابِ النَّبِيِّ فَكَفِّنِّي فِيهِ، ومُرْهُ فَلْيُصَلِّ عَلَيَّ. قالَ فَأتاهُ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ عَرَفْتَ شَرَفَ عَبْدِ اللَّهِ، وهو يَطْلُبُ إلَيْكَ ثَوْبًا مِن ثِيابِكَ نُكَفِّنُهُ فِيهِ وتُصَلِّي عَلَيْهِ. فَقالَ عُمَرُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، أتُصَلِّي عَلَيْهِ وقَدْ نَهاكَ اللَّهُ أنْ تُصَلِّيَ عَلَيْهِ؟ فَقالَ: (p-٤٧٨)وأيْنَ؟ فَقالَ: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهم أوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهم إنْ تَسْتَغْفِرْ لَهم سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٨٠] قالَ: فَإنِّي سَأزِيدُ عَلى سَبْعِينَ. فَأنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ولا تُصَلِّ عَلى أحَدٍ مِنهم ماتَ أبَدًا ولا تَقُمْ عَلى قَبْرِهِ﴾ الآيَةَ، قالَ: فَأرْسَلَ إلى عُمَرَ فَأخْبَرَهُ بِذَلِكَ، وأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿سَواءٌ عَلَيْهِمْ أسْتَغْفَرْتَ لَهم أمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ [المنافقون»: ٦] .
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ قالَ: «لَمّا مَرِضَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيِّ ابْنِ سَلُولَ مَرَضَهُ الَّذِي ماتَ فِيهِ عادَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَلَمّا ماتَ صَلّى عَلَيْهِ وقامَ عَلى قَبْرِهِ، قالَ: فَواللَّهِ إنْ مَكَثْنا إلّا لَيالِيَ حَتّى نَزَلَتْ: ﴿ولا تُصَلِّ عَلى أحَدٍ مِنهم ماتَ أبَدًا﴾ الآيَةَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ ماجَهْ والبَزّارُ، وابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنْ جابِرٍ قالَ: «ماتَ رَأْسُ المُنافِقِينَ بِالمَدِينَةِ فَأوْصى أنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ وأنْ يُكَفِّنَهُ في قَمِيصِهِ، فَجاءَ ابْنُهُ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: إنَّ أبِي أوْصى أنْ يُكَفَّنَ في قَمِيصِكَ. فَصَلّى عَلَيْهِ وألْبَسَهُ قَمِيصَهُ، وقامَ عَلى قَبْرِهِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿ولا تُصَلِّ عَلى أحَدٍ مِنهم ماتَ أبَدًا ولا تَقُمْ عَلى قَبْرِهِ﴾ [التوبة»: ٨٤] .
وأخْرَجَ أبُو يَعْلى، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنْ أنَسٍ، «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أرادَ أنْ يُصَلِّيَ عَلى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ، فَأخَذَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِثَوْبِهِ فَقالَ: ﴿ولا تُصَلِّ عَلى أحَدٍ مِنهم ماتَ أبَدًا ولا تَقُمْ عَلى قَبْرِهِ﴾ [التوبة»: ٨٤] .
(p-٤٧٩)وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ قالَ: «وقَفَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ عَلى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ فَدَعاهُ، فَأغْلَظَ لَهُ، وتَناوَلَ لِحْيَةَ النَّبِيِّ ﷺ، فَقالَ أبُو أيُّوبَ: كُفَّ يَدَكَ عَنْ لِحْيَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَواللَّهِ لَئِنْ أذِنَ لَأضَعَنَّ فِيكَ السِّلاحَ. وأنَّهُ مَرِضَ فَأرْسَلَ إلى نَبِيِّ اللَّهِ ﷺ يَدْعُوهُ، فَدَعا بِقَمِيصِهِ، فَقالَ عُمَرُ: واللَّهِ ما هو بِأهْلٍ أنْ تَأْتِيَهُ. قالَ: بَلى. فَأتاهُ فَقالَ: أهْلَكَتْكَ مُوادَّتُكَ اليَهُودَ. قالَ: إنَّما دَعْوَتُكَ لِتَسْتَغْفِرَ لِي، ولَمْ أدْعُكَ لِتُؤَنِّبَنِي. قالَ: أعْطِنِي قَمِيصَكَ لِأُكَفَّنَ فِيهِ. فَأعْطاهُ ونَفَثَ في جِلْدِهِ، ونَزَلَ في قَبْرِهِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿ولا تُصَلِّ عَلى أحَدٍ مِنهم ماتَ أبَدًا﴾ الآيَةَ قالَ: فَذَكَرُوا القَمِيصَ. قالَ: وما يُغْنِي عَنْهُ قَمِيصِي، واللَّهِ إنِّي لَأرْجُوَ أنْ يُسْلِمَ بِهِ أكْثَرُ مِن ألْفٍ مِن بَنِي الخَزْرَجِ. فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿ولا تُعْجِبْكَ أمْوالُهم وأوْلادُهُمْ﴾ الآيَةَ» .
التوبة 9:85
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تُصَلِّ عَلى أحَدٍ مِنهُمْ﴾ . الآيَةَ. (p-٤٧٧)أخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، وابْنُ ماجَهْ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، والبَيْهَقِيُّ في ”الدَّلائِلِ“ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: «لَمّا تُوُفِّيَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيِّ ابْنِ سَلُولَ أتى ابْنُهُ عَبْدُ اللَّهِ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَسَألَهُ أنْ يُعْطِيَهُ قَمِيصَهُ لِيُكَفِّنَهُ فِيهِ، فَأعْطاهُ ثُمَّ سَألَهُ أنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهِ، فَقامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِيُصَلِّيَ عَلَيْهِ، فَقامَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ فَأخَذَ ثَوْبَهُ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ أتُصَلِّي عَلَيْهِ وقَدْ نَهاكَ اللَّهُ أنْ تُصَلِّيَ عَلى المُنافِقِينَ؟ فَقالَ: إنَّ رَبِّي خَيَّرَنِي وقالَ: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهم أوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهم إنْ تَسْتَغْفِرْ لَهم سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٨٠] وسَأزِيدُ عَلى السَّبْعِينَ. فَقالَ: إنَّهُ مُنافِقٌ. فَصَلّى عَلَيْهِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ولا تُصَلِّ عَلى أحَدٍ مِنهم ماتَ أبَدًا ولا تَقُمْ عَلى قَبْرِهِ﴾ فَتَرَكَ الصَّلاةَ عَلَيْهِمْ» .
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، والبَيْهَقِيُّ في ”الدَّلائِلِ“ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، «أنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ قالَ لَهُ أبُوهُ: أيْ بُنَيَّ، اطْلُبْ لِي ثَوْبًا مِن ثِيابِ النَّبِيِّ فَكَفِّنِّي فِيهِ، ومُرْهُ فَلْيُصَلِّ عَلَيَّ. قالَ فَأتاهُ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ عَرَفْتَ شَرَفَ عَبْدِ اللَّهِ، وهو يَطْلُبُ إلَيْكَ ثَوْبًا مِن ثِيابِكَ نُكَفِّنُهُ فِيهِ وتُصَلِّي عَلَيْهِ. فَقالَ عُمَرُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، أتُصَلِّي عَلَيْهِ وقَدْ نَهاكَ اللَّهُ أنْ تُصَلِّيَ عَلَيْهِ؟ فَقالَ: (p-٤٧٨)وأيْنَ؟ فَقالَ: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهم أوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهم إنْ تَسْتَغْفِرْ لَهم سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٨٠] قالَ: فَإنِّي سَأزِيدُ عَلى سَبْعِينَ. فَأنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ولا تُصَلِّ عَلى أحَدٍ مِنهم ماتَ أبَدًا ولا تَقُمْ عَلى قَبْرِهِ﴾ الآيَةَ، قالَ: فَأرْسَلَ إلى عُمَرَ فَأخْبَرَهُ بِذَلِكَ، وأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿سَواءٌ عَلَيْهِمْ أسْتَغْفَرْتَ لَهم أمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ [المنافقون»: ٦] .
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ قالَ: «لَمّا مَرِضَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيِّ ابْنِ سَلُولَ مَرَضَهُ الَّذِي ماتَ فِيهِ عادَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَلَمّا ماتَ صَلّى عَلَيْهِ وقامَ عَلى قَبْرِهِ، قالَ: فَواللَّهِ إنْ مَكَثْنا إلّا لَيالِيَ حَتّى نَزَلَتْ: ﴿ولا تُصَلِّ عَلى أحَدٍ مِنهم ماتَ أبَدًا﴾ الآيَةَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ ماجَهْ والبَزّارُ، وابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنْ جابِرٍ قالَ: «ماتَ رَأْسُ المُنافِقِينَ بِالمَدِينَةِ فَأوْصى أنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ وأنْ يُكَفِّنَهُ في قَمِيصِهِ، فَجاءَ ابْنُهُ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: إنَّ أبِي أوْصى أنْ يُكَفَّنَ في قَمِيصِكَ. فَصَلّى عَلَيْهِ وألْبَسَهُ قَمِيصَهُ، وقامَ عَلى قَبْرِهِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿ولا تُصَلِّ عَلى أحَدٍ مِنهم ماتَ أبَدًا ولا تَقُمْ عَلى قَبْرِهِ﴾ [التوبة»: ٨٤] .
وأخْرَجَ أبُو يَعْلى، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنْ أنَسٍ، «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أرادَ أنْ يُصَلِّيَ عَلى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ، فَأخَذَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِثَوْبِهِ فَقالَ: ﴿ولا تُصَلِّ عَلى أحَدٍ مِنهم ماتَ أبَدًا ولا تَقُمْ عَلى قَبْرِهِ﴾ [التوبة»: ٨٤] .
(p-٤٧٩)وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ قالَ: «وقَفَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ عَلى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ فَدَعاهُ، فَأغْلَظَ لَهُ، وتَناوَلَ لِحْيَةَ النَّبِيِّ ﷺ، فَقالَ أبُو أيُّوبَ: كُفَّ يَدَكَ عَنْ لِحْيَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَواللَّهِ لَئِنْ أذِنَ لَأضَعَنَّ فِيكَ السِّلاحَ. وأنَّهُ مَرِضَ فَأرْسَلَ إلى نَبِيِّ اللَّهِ ﷺ يَدْعُوهُ، فَدَعا بِقَمِيصِهِ، فَقالَ عُمَرُ: واللَّهِ ما هو بِأهْلٍ أنْ تَأْتِيَهُ. قالَ: بَلى. فَأتاهُ فَقالَ: أهْلَكَتْكَ مُوادَّتُكَ اليَهُودَ. قالَ: إنَّما دَعْوَتُكَ لِتَسْتَغْفِرَ لِي، ولَمْ أدْعُكَ لِتُؤَنِّبَنِي. قالَ: أعْطِنِي قَمِيصَكَ لِأُكَفَّنَ فِيهِ. فَأعْطاهُ ونَفَثَ في جِلْدِهِ، ونَزَلَ في قَبْرِهِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿ولا تُصَلِّ عَلى أحَدٍ مِنهم ماتَ أبَدًا﴾ الآيَةَ قالَ: فَذَكَرُوا القَمِيصَ. قالَ: وما يُغْنِي عَنْهُ قَمِيصِي، واللَّهِ إنِّي لَأرْجُوَ أنْ يُسْلِمَ بِهِ أكْثَرُ مِن ألْفٍ مِن بَنِي الخَزْرَجِ. فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿ولا تُعْجِبْكَ أمْوالُهم وأوْلادُهُمْ﴾ الآيَةَ» .
التوبة 9:86
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ﴾ . الآيَةَ. أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿أُولُو الطَّوْلِ﴾ قالَ: أهْلُ الغِنى.
التوبة 9:87
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿رَضُوا بِأنْ يَكُونُوا مَعَ الخَوالِفِ﴾ . الآيَةَ. أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ (p-٤٨٠)فِي قَوْلِهِ: ﴿رَضُوا بِأنْ يَكُونُوا مَعَ الخَوالِفِ﴾ قالَ: مَعَ النِّساءِ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ عَنْ سَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ، «أنَّ عَلِيَّ بْنَ أبِي طالِبٍ خَرَجَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ حَتّى جاءَ ثَنِيَّةَ الوَداعِ يُرِيدُ تَبُوكَ وعَلِيٌّ يَبْكِي ويَقُولُ: تُخَلِّفُنِي مَعَ الخَوالِفِ؟ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ألا تَرْضى أنْ تَكُونَ مِنِّي بِمَنزِلَةِ هارُونَ مِن مُوسى إلّا النُّبُوَّةَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿رَضُوا بِأنْ يَكُونُوا مَعَ الخَوالِفِ﴾ قالَ: رَضُوا بِأنْ يَقْعُدُوا كَما قَعَدَتِ النِّساءُ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ: ﴿رَضُوا بِأنْ يَكُونُوا مَعَ الخَوالِفِ﴾ أيِ النِّساءِ: ﴿وطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ أيْ بِأعْمالِهِمْ.
التوبة 9:90
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وجاءَ المُعَذِّرُونَ﴾ . الآيَةَ. أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وجاءَ المُعَذِّرُونَ مِنَ الأعْرابِ﴾ يَعْنِي أهْلَ العُذْرِ مِنهم لِيُؤْذَنَ لَهم.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وجاءَ المُعَذِّرُونَ مِنَ الأعْرابِ﴾ قالَ: هم أهْلُ الأعْذارِ. وكانَ يَقْرَؤُها: وجاءَ المُعَذِّرُونَ: خَفِيفَةً.
وأخْرَجَ ابْنُ الأنْبارِيِّ في كِتابِ ”الأضْدادِ“ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ: (p-٤٨١)﴿وجاءَ المُعَذِّرُونَ مِنَ الأعْرابِ﴾ ويَقُولُ: لَعَنَ اللَّهُ المُعَذِّرِينَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ قالَ: مَن قَرَأها: وجاءَ المُعَذِّرُونَ مِنَ الأعْرابِ: خَفِيفَةً قالَ: بَنُو مُقَرِّنٍ ومَن قَرَأها: وجاءَ المُعَذِّرُونَ: قالَ: الَّذِينَ لَهم عُذْرٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ، أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ: ﴿وجاءَ المُعَذِّرُونَ﴾ قالَ: اعْتَذَرُوا بِشَيْءٍ لَيْسَ بِحَقٍّ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ إسْحاقَ في قَوْلِهِ: ﴿وجاءَ المُعَذِّرُونَ مِنَ الأعْرابِ﴾ قالَ: ذُكِرَ لِي أنَّهم نَفَرٌ مِن بَنِي غِفارٍ جاءُوا فاعْتَذَرُوا؛ مِنهم خُفافُ بْنُ إيماءَ بْنِ رَحَضَةَ.
التوبة 9:91
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَيْسَ عَلى الضُّعَفاءِ﴾ . الآيَةَ. أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، والدّارَقُطْنِيُّ في ”الأفْرادِ“، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ قالَ: «كُنْتُ أكْتُبُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَكُنْتُ أكْتُبُ ”بَراءَةَ“، فَإنِّي لَواضِعٌ القَلَمَ عَلى أُذُنِي إذْ أُمِرْنا بِالقِتالِ، فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَنْظُرُ ما يَنْزِلُ عَلَيْهِ، إذْ جاءَ أعْمى فَقالَ: كَيْفَ بِي يا رَسُولَ اللَّهِ وأنا أعْمى؟ فَنَزَلَتْ: ﴿لَيْسَ عَلى الضُّعَفاءِ﴾ الآيَةَ» .
(p-٤٨٢)وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿لَيْسَ عَلى الضُّعَفاءِ﴾ الآيَةَ، قالَ نَزَلَتْ في عائِذِ بْنِ عَمْرٍو، وفي غَيْرِهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: نَزَلَ مِن عِنْدِ قَوْلِهِ: ﴿عَفا اللَّهُ عَنْكَ﴾ [التوبة: ٤٣] إلى قَوْلِهِ: ﴿ما عَلى المُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ في المُنافِقِينَ.
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذا نَصَحُوا لِلَّهِ ورَسُولِهِ﴾ .
أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأحْمَدُ، في ”الزُّهْدِ“ والحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ في ”نَوادِرِ الأُصُولِ“، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أبِي ثُمامَةَ الصّائِدِيِّ قالَ: قالَ الحَوارِيُّونَ: يا رُوحَ اللَّهِ أخْبِرْنا مَنِ النّاصِحُ لِلَّهِ؟ قالَ: الَّذِي يُؤْثِرُ حَقَّ اللَّهِ عَلى حَقِّ النّاسِ، وإذا حَدَثَ لَهُ أمْرانِ، أوْ بَدا لَهُ أمْرُ الدُّنْيا وأمْرُ الآخِرَةِ بَدَأ الَّذِي لِلْآخِرَةِ، ثُمَّ تَفَرَّغَ لِلَّذِي لِلدُّنْيا.
وأخْرَجَ مُسْلِمٌ، وأبُو داوُدَ، والنَّسائِيُّ، عَنْ تَمِيمٍ الدّارِيِّ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «الدِّينُ النَّصِيحَةُ. قالُوا: لِمَن يا رَسُولَ اللَّهِ؟ قالَ: لِلَّهِ ولِكِتابِهِ ولِرَسُولِهِ (p-٤٨٣)ولِأئِمَّةِ المُسْلِمِينَ وعامَّتِهِمْ» .
وأخْرَجَ ابْنُ عَدِيٍّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «إنَّ الدِّينَ النَّصِيحَةُ. قِيلَ: لِمَن يا رَسُولَ اللَّهِ؟ قالَ: لِلَّهِ ولِرَسُولِهِ ولِأئِمَّةِ المُسْلِمِينَ وعامَّتِهِمْ» .
وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، والتِّرْمِذِيُّ، عَنْ جَرِيرٍ قالَ: «بايَعْتُ النَّبِيَّ ﷺ عَلى إقامِ الصَّلاةِ، وإيتاءِ الزَّكاةِ، والنُّصْحِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ، والحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ، عَنْ أبِي أُمامَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «قالَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: أحَبُّ ما تَعَبَّدَنِي بِهِ عَبْدِي إلَيَّ النُّصْحُ لِي» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ، في ”الزُّهْدِ“ عَنْ وهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ، أنَّ راهِبًا قالَ لِرَجُلٍ: أُوصِيكَ بِالنُّصْحِ لِلَّهِ نُصْحَ الكَلْبِ لِأهْلِهِ، فَإنَّهم يُجِيعُونَهُ ويَطْرُدُونَهُ ويَأْبى إلّا أنْ يَحُوطَهم ويَنْصَحَهم.
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما عَلى المُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ واللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ . أخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ الضَّحّاكِ في قَوْلِهِ: ﴿ما عَلى المُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ﴾ قالَ: ما عَلى هَؤُلاءِ مِن سَبِيلٍ بِأنَّهم نَصَحُوا لِلَّهِ ورَسُولِهِ ولَمْ يُطِيقُوا الجِهادَ، (p-٤٨٤)فَعَذَرَهُمُ اللَّهُ، وجَعَلَ لَهم مِنَ الأجْرِ ما جَعَلَ لِلْمُجاهِدِينَ، ألَمْ تَسْمَعْ أنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿لا يَسْتَوِي القاعِدُونَ مِنَ المُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ [النساء: ٩٥] فَجَعَلَ اللَّهُ لِلَّذِينِ عَذَرَ مِنَ الضُّعَفاءِ وأُولِي الضَّرَرِ والَّذِينَ لا يَجِدُونَ ما يُنْفِقُونَ، مِنَ الأجْرِ مِثْلَ ما جَعَلَ لِلْمُجاهِدِينَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ في ”المُصَنَّفِ“، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأحْمَدُ، والبُخارِيُّ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنْ أنَسٍ، «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمّا قَفَلَ مِن غَزْوَةِ تَبُوكَ فَأشْرَفَ عَلى المَدِينَةِ قالَ: لَقَدْ تَرَكْتُمْ بِالمَدِينَةِ رِجالًا، ما سِرْتُمْ في مَسِيرٍ، ولا أنْفَقْتُمْ مِن نَفَقَةٍ، ولا قَطَعْتُمْ وادِيًا، إلّا كانُوا مَعَكم فِيهِ. قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، وكَيْفَ يَكُونُونَ مَعَنا وهم بِالمَدِينَةِ؟ قالَ: حَبَسَهُمُ العُذْرُ» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ، ومُسْلِمٌ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنْ جابِرٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَقَدْ خَلَّفْتُمْ بِالمَدِينَةِ رِجالًا، ما قَطَعْتُمْ وادِيًا، ولا سَلَكْتُمْ طَرِيقًا، إلّا شَرِكُوكم في الأجْرِ، حَبَسَهُمُ المَرَضُ» .
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ما عَلى المُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ﴾ الآيَةَ. قالَ: ما عَلى المُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ، واللَّهُ لِأهْلِ الإساءَةِ غَفُورٌ رَحِيمٌ.
التوبة 9:92
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا عَلى الَّذِينَ إذا ما أتَوْكَ﴾ . الآيَةَ. (p-٤٨٥)أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الحَسَنِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَقَدْ خَلَّفْتُمْ بِالمَدِينَةِ أقْوامًا، ما أنْفَقْتُمْ مِن نَفَقَةٍ، ولا قَطَعْتُمْ وادِيًا، ولا نِلْتُمْ مِن عَدُوٍّ نَيْلًا، إلّا وقَدْ شَرِكُوكم في الأجْرِ. ثُمَّ قَرَأ: ﴿ولا عَلى الَّذِينَ إذا ما أتَوْكَ﴾ الآيَةَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «أمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنْ يَنْبَعِثُوا غازِينَ مَعَهُ، فَجاءَتْ عِصابَةٌ مِن أصْحابِهِ؛ فِيهِمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُغَفَّلٍ المُزَنِيُّ فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، احْمِلْنا. فَقالَ: واللَّهِ ما أجِدُ ما أحْمِلُكم عَلَيْهِ. فَتَوَلَّوْا ولَهم بُكاءٌ، وعَزِيزٌ عَلَيْهِمْ أنْ يَجْلِسُوا عَنِ الجِهادِ، ولا يَجِدُونَ نَفَقَةً ولا مَحْمَلًا، فَأنْزَلَ اللَّهُ عُذْرَهم: ﴿ولا عَلى الَّذِينَ إذا ما أتَوْكَ﴾ الآيَةَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، ويَعْقُوبُ بْنُ سُفْيانَ في ”تارِيخِهِ“، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ قالَ: إنِّي لَأحَدُ الرَّهْطِ الَّذِينَ ذَكَرَ اللَّهُ: ﴿ولا عَلى الَّذِينَ إذا ما أتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ﴾ الآيَةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ قالَ: «جاءَ ناسٌ مِن أصْحابِ (p-٤٨٦)رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَسْتَحْمِلُونَهُ فَقالَ: لا أجِدُ ما أحْمِلُكم عَلَيْهِ. فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿ولا عَلى الَّذِينَ إذا ما أتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ﴾ الآيَةَ، قالَ: وهم سَبْعَةُ نَفَرٍ؛ مِن بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ سالِمُ بْنُ عُمَيْرٍ، ومِن بَنِي واقِفٍ حَرَمِيُّ بْنُ عَمْرٍو، ومِن بَنِي مازِنِ بْنِ النَّجّارِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ كَعْبٍ يُكْنى أبا لَيْلى، ومِن بَنِي المُعَلّى سَلْمانُ بْنُ صَخْرٍ، ومِن بَنِي حارِثَةَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدٍ أبُو عَبْلَةَ، ومِن بَنِي سَلِمَةَ عَمْرُو بْنُ غَنَمَةَ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو المُزَنِيُّ» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ عَنْ مُجَمِّعِ بْنِ جارِيَةَ قالَ: «الَّذِينَ اسْتَحْمَلُوا النَّبِيَّ ﷺ فَقالَ: لا أجِدُ ما أحْمِلُكم عَلَيْهِ. سَبْعَةُ نَفَرٍ؛ عُلْبَةُ بْنُ زَيْدٍ الحارِثِيُّ، وعَمْرُو بْنُ غَنْمٍ السّاعِدِيُّ، وهَرَمِيُّ بْنُ عَمْرٍو الواقِفِيُّ، وابْنُ لَيْلى المُزَنِيُّ، وسالِمُ بْنُ عَمْرٍو العُمَرِيُّ، وسَلَمَةُ بْنُ صَخْرٍ الزُّرَّقِيُّ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو (p-٤٨٧)المُزَنِيُّ» .
وأخْرَجَ عَبْدُ الغَنِيِّ بْنُ سَعِيدٍ في ”تَفْسِيرِهِ“ وأبُو نُعَيْمٍ في ”الحِلْيَةِ“ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولا عَلى الَّذِينَ إذا ما أتَوْكَ﴾ الآيَةَ، قالَ: مِنهم سالِمُ بْنُ عُمَيْرٍ أحَدُ بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَمْرٍو السُّلَمِيِّ وحُجْرِ بْنِ حُجْرٍ الكَلاعِيِّ قالا: أتَيْنا العِرْباضَ بْنَ سارِيَةَ وكانَ مِنَ الَّذِينَ أنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ: ﴿ولا عَلى الَّذِينَ إذا ما أتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ﴾ الآيَةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولا عَلى الَّذِينَ إذا ما أتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ﴾ قالَ: هم بَنُو مُقَرِّنٍ مِن مُزَيْنَةَ، وهم سَبْعَةٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنْ كَثِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ المُزَنِيِّ، عَنْ أبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ قالَ: إنِّي واللَّهِ أحَدُ النَّفَرِ الَّذِينَ أنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ: ﴿ولا عَلى الَّذِينَ إذا ما أتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ﴾ الآيَةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ، وابْنُ المُنْذِرِ وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، ويَزِيدَ بْنِ يَسارٍ وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي بَكْرٍ، وعاصِمِ بْنِ عَمْرِو بْنِ قَتادَةَ، وغَيْرِهِمْ «أنَّ رِجالًا مِنَ المُسْلِمِينَ أتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وهُمُ البَكّاءُونَ، وهم سَبْعَةُ نَفَرٍ مِنَ (p-٤٨٨)الأنْصارِ وغَيْرِهِمْ، مِن بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ سالِمُ بْنُ عُمَيْرٍ، ومِن بَنِي حارِثَةَ عُلْبَةُ بْنُ زَيْدٍ، ومِن بَنِي مازِنِ بْنِ النَّجّارِ أبُو لَيْلى عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ كَعْبٍ، ومِن بَنِي سَلِمَةَ عَمْرُو بْنُ حُمامِ بْنِ الجُمُوحِ، ومِن بَنِي واقِفٍ هَرَمِيُّ بْنُ عَمْرٍو، ومِن بَنِي مُزَيْنَةَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُغَفَّلٍ، ومِن بَنِي فَزارَةَ عِرْباضُ بْنُ سارِيَةَ، فاسْتَحْمَلُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وكانُوا أهْلَ حاجَةٍ، قالَ: لا أجِدُ ما أحْمِلُكم عَلَيْهِ» .
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنِ الحَسَنِ قالَ: كانَ مَعْقِلُ بْنُ يَسارٍ مِنَ البَكّائِينَ الَّذِي قالَ اللَّهُ: ﴿إذا ما أتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ﴾ الآيَةَ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ الحَسَنِ، وبَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ المُزَنِيِّ، «فِي هَذِهِ الآيَةِ: ﴿ولا عَلى الَّذِينَ إذا ما أتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ﴾
الآيَةَ، قالا: نَزَلَتْ في عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ مِن مُزَيْنَةَ، أتى النَّبِيَّ ﷺ لِيَحْمِلَهُ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ لَهِيعَةَ، أنَّ أبا شُرَيْحٍ الكَعْبِيَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ قالَ اللَّهُ: ﴿ولا عَلى الَّذِينَ إذا ما أتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ في قَوْلِهِ: ﴿لا أجِدُ ما أحْمِلُكم عَلَيْهِ﴾ (p-٤٨٩)قالَ: الماءَ والزّادَ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ صالِحٍ قالَ: حَدَّثَنِي مَشْيَخَةٌ مِن جُهَيْنَةَ قالُوا: أدْرَكْنا الَّذِينَ سَألُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ الحُمْلانَ، فَقالُوا: ما سَألْناهُ إلّا الحُمْلانَ عَلى النِّعالِ؛ ﴿ولا عَلى الَّذِينَ إذا ما أتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ إبْراهِيمَ بْنِ أدْهَمَ، عَمَّنْ حَدَّثَهُ في قَوْلِهِ: ﴿ولا عَلى الَّذِينَ إذا ما أتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ﴾ قالَ: ما سَألُوهُ الدَّوابَّ، ما سَألُوهُ إلّا النِّعالَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ بْنِ صالِحٍ في الآيَةِ قالَ: اسْتَحْمَلُوهُ النِّعالَ.
التوبة 9:93
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّما السَّبِيلُ﴾ . الآياتِ. أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّما السَّبِيلُ عَلى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ﴾
قالَ: هي وما بَعْدَها إلى قَوْلِهِ: ﴿فَإنَّ اللَّهَ لا يَرْضى عَنِ القَوْمِ الفاسِقِينَ﴾ في المُنافِقِينَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿قَدْ نَبَّأنا اللَّهُ مِن أخْبارِكُمْ﴾ قالَ: أُخْبِرْنا أنَّكم لَوْ خَرَجْتُمْ ما زِدْتُمُونا إلّا خَبالًا. وفي قَوْلِهِ: (p-٤٩٠)﴿فَأعْرِضُوا عَنْهم إنَّهم رِجْسٌ﴾ قالَ: لَمّا رَجَعَ النَّبِيُّ ﷺ قالَ لِلْمُؤْمِنِينَ: لا تُكَلِّمُوهم ولا تُجالِسُوهم. فَأعْرَضُوا عَنْهم كَما أمَرَ اللَّهُ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ الضَّحّاكِ في قَوْلِهِ: ﴿لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ﴾ يَقُولُ: لِتَتَجاوَزُوا عَنْهم.
التوبة 9:94
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّما السَّبِيلُ﴾ . الآياتِ. أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّما السَّبِيلُ عَلى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ﴾
قالَ: هي وما بَعْدَها إلى قَوْلِهِ: ﴿فَإنَّ اللَّهَ لا يَرْضى عَنِ القَوْمِ الفاسِقِينَ﴾ في المُنافِقِينَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿قَدْ نَبَّأنا اللَّهُ مِن أخْبارِكُمْ﴾ قالَ: أُخْبِرْنا أنَّكم لَوْ خَرَجْتُمْ ما زِدْتُمُونا إلّا خَبالًا. وفي قَوْلِهِ: (p-٤٩٠)﴿فَأعْرِضُوا عَنْهم إنَّهم رِجْسٌ﴾ قالَ: لَمّا رَجَعَ النَّبِيُّ ﷺ قالَ لِلْمُؤْمِنِينَ: لا تُكَلِّمُوهم ولا تُجالِسُوهم. فَأعْرَضُوا عَنْهم كَما أمَرَ اللَّهُ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ الضَّحّاكِ في قَوْلِهِ: ﴿لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ﴾ يَقُولُ: لِتَتَجاوَزُوا عَنْهم.
التوبة 9:95
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّما السَّبِيلُ﴾ . الآياتِ. أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّما السَّبِيلُ عَلى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ﴾
قالَ: هي وما بَعْدَها إلى قَوْلِهِ: ﴿فَإنَّ اللَّهَ لا يَرْضى عَنِ القَوْمِ الفاسِقِينَ﴾ في المُنافِقِينَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿قَدْ نَبَّأنا اللَّهُ مِن أخْبارِكُمْ﴾ قالَ: أُخْبِرْنا أنَّكم لَوْ خَرَجْتُمْ ما زِدْتُمُونا إلّا خَبالًا. وفي قَوْلِهِ: (p-٤٩٠)﴿فَأعْرِضُوا عَنْهم إنَّهم رِجْسٌ﴾ قالَ: لَمّا رَجَعَ النَّبِيُّ ﷺ قالَ لِلْمُؤْمِنِينَ: لا تُكَلِّمُوهم ولا تُجالِسُوهم. فَأعْرَضُوا عَنْهم كَما أمَرَ اللَّهُ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ الضَّحّاكِ في قَوْلِهِ: ﴿لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ﴾ يَقُولُ: لِتَتَجاوَزُوا عَنْهم.
التوبة 9:96
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّما السَّبِيلُ﴾ . الآياتِ. أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّما السَّبِيلُ عَلى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ﴾
قالَ: هي وما بَعْدَها إلى قَوْلِهِ: ﴿فَإنَّ اللَّهَ لا يَرْضى عَنِ القَوْمِ الفاسِقِينَ﴾ في المُنافِقِينَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿قَدْ نَبَّأنا اللَّهُ مِن أخْبارِكُمْ﴾ قالَ: أُخْبِرْنا أنَّكم لَوْ خَرَجْتُمْ ما زِدْتُمُونا إلّا خَبالًا. وفي قَوْلِهِ: (p-٤٩٠)﴿فَأعْرِضُوا عَنْهم إنَّهم رِجْسٌ﴾ قالَ: لَمّا رَجَعَ النَّبِيُّ ﷺ قالَ لِلْمُؤْمِنِينَ: لا تُكَلِّمُوهم ولا تُجالِسُوهم. فَأعْرَضُوا عَنْهم كَما أمَرَ اللَّهُ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ الضَّحّاكِ في قَوْلِهِ: ﴿لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ﴾ يَقُولُ: لِتَتَجاوَزُوا عَنْهم.
التوبة 9:97
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الأعْرابُ أشَدُّ كُفْرًا﴾ . الآيَةَ. أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿الأعْرابُ أشَدُّ كُفْرًا ونِفاقًا﴾: ثُمَّ اسْتَثْنى مِنهُمْ، فَقالَ: ﴿ومِنَ الأعْرابِ مَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ﴾ [التوبة: ٩٩] الآيَةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وأجْدَرُ ألا يَعْلَمُوا حُدُودَ ما أنْزَلَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ﴾ قالَ: هم أقَلُّ عِلْمًا بِالسُّنَنِ.
وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ إبْراهِيمَ النَّخْعِيِّ قالَ: كانَ زَيْدُ بْنُ صُوحانَ يُحَدِّثُ، فَقالَ أعْرابِيٌّ: إنَّ حَدِيثَكَ لَيُعْجِبُنِي، وإنَّ يَدَكَ لَتُرِيبُنِي. فَقالَ: أما تَراها الشِّمالَ؟ فَقالَ الأعْرابِيُّ: واللَّهِ ما أدْرِي اليَمِينَ يَقْطَعُونَ أمِ الشِّمالَ؟ قالَ زَيْدٌ: صَدَقَ اللَّهُ: ﴿الأعْرابُ أشَدُّ كُفْرًا ونِفاقًا وأجْدَرُ ألا يَعْلَمُوا حُدُودَ ما أنْزَلَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ﴾ .
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ الضَّحّاكِ في قَوْلِهِ: ﴿الأعْرابُ أشَدُّ كُفْرًا ونِفاقًا﴾ (p-٤٩١)قالَ: مِن مُنافِقِي المَدِينَةِ: ﴿وأجْدَرُ ألا يَعْلَمُوا حُدُودَ ما أنْزَلَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ﴾ يَعْنِي الفَرائِضَ وما أمَرَ بِهِ مِنَ الجِهادِ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ الكَلْبِي في الآيَةِ، أنَّها أُنْزِلَتْ في أسَدَ وغَطَفانَ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ قالَ: إذا تَلا أحَدُكم هَذِهِ الآيَةَ: ﴿الأعْرابُ أشَدُّ كُفْرًا ونِفاقًا﴾ فَلْيَتْلُ الآيَةَ الأُخْرى ولا يَسْكُتْ: ﴿ومِنَ الأعْرابِ مَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ﴾ [التوبة: ٩٩] .
وأخْرَجَ أحْمَدُ، وأبُو داوُدَ والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ، والنَّسائِيُّ، والبَيْهَقِيُّ في ”الشُّعَبِ“، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «مَن سَكَنَ البادِيَةَ جَفا، ومَنِ اتَّبَعَ الصَّيْدَ غَفَلَ، ومَن أتى السُّلْطانَ افْتَتَنَ» .
وأخْرَجَ أبُو داوُدَ، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَن بَدا جَفا، ومَنِ اتَّبَعَ الصَّيْدَ غَفَلَ، ومَن أتى أبْوابَ السُّلْطانِ افْتَتَنَ، وما ازْدادَ مِنَ السُّلْطانِ قُرْبًا إلّا ازْدادَ مِنَ اللَّهِ بُعْدًا» .
التوبة 9:98
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومِنَ الأعْرابِ مَن يَتَّخِذُ ما يُنْفِقُ مَغْرَمًا﴾ . الآيَةَ. (p-٤٩٢)أخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنِ الضَّحّاكِ: ﴿ومِنَ الأعْرابِ مَن يَتَّخِذُ ما يُنْفِقُ مَغْرَمًا﴾ يَعْنِي بِالمَغْرَمِ أنَّهُ لا يَرْجُو لَهُ ثَوابًا عِنْدَ اللَّهِ ولا مُجازاةً، وإنَّما يُعْطِي ما يُعْطِي مِن صَدَقاتِ مالِهِ كُرْهًا، ﴿ويَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوائِرَ﴾ الهَلَكاتِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ زَيْدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ومِنَ الأعْرابِ مَن يَتَّخِذُ ما يُنْفِقُ مَغْرَمًا﴾ قالَ: هَؤُلاءِ المُنافِقُونَ مِنَ الأعْرابِ الَّذِينَ إنَّما يُنْفِقُونَ رِياءً، اتِّقاءً عَلى أنْ يَغْزُوا ويُحارِبُوا ويُقاتِلُوا، ويَرَوْنَ نَفَقاتِهِمْ مَغْرَمًا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿ومِنَ الأعْرابِ مَن يَتَّخِذُ ما يُنْفِقُ مَغْرَمًا﴾ الآيَةَ. يَعُدُّ ما يُنْفِقُ في سَبِيلِ اللَّهِ غَرامَةً يَغْرَمُها، ويَتَرَبَّصُ بِمُحَمَّدٍ ﷺ الهَلاكَ.
التوبة 9:99
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومِنَ الأعْرابِ مَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ﴾ . الآيَةَ. أخْرَجَ سُنَيْدٌ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ومِنَ الأعْرابِ مَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ﴾ قالَ: هم بَنُو مُقَرِّنٍ مِن مُزَيْنَةَ، وهُمُ الَّذِينَ قالَ اللَّهُ: ﴿ولا عَلى الَّذِينَ إذا ما أتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ﴾ [التوبة: ٩٢] الآيَةَ. (p-٤٩٣)وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَعْقِلٍ قالَ: كُنّا عَشَرَةً ولَدَ مُقَرِّنٍ فَنَزَلَتْ فِينا: ﴿ومِنَ الأعْرابِ مَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ﴾ الآيَةَ. .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وصَلَواتِ الرَّسُولِ﴾ يَعْنِي اسْتِغْفارَ النَّبِيِّ ﷺ .
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿ومِنَ الأعْرابِ مَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ﴾ قالَ: هَذِهِ ثَنِيَّةُ اللَّهِ مِنَ الأعْرابِ. وفي قَوْلِهِ: ﴿وصَلَواتِ الرَّسُولِ﴾ قالَ: دُعاءِ الرَّسُولِ.
التوبة 9:100
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والسّابِقُونَ الأوَّلُونَ﴾ . الآيَةَ. أخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ، وسُنَيْدٌ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ الشَّهِيدِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ عامِرٍ الأنْصارِيِّ، أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ قَرَأ: (والسّابِقُونَ الأوَّلُونَ مِنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارُ الَّذِينَ اتَّبَعُوهم بِإحْسانٍ) . فَرَفَعَ ”الأنْصارَ“ ولَمْ يُلْحِقِ الواوَ في (الَّذِينَ) . فَقالَ لَهُ زَيْدُ بْنُ ثابِتٍ: والَّذِينَ. فَقالَ عُمَرُ: الَّذِينَ. فَقالَ زَيْدٌ: أمِيرُ المُؤْمِنِينَ أعْلَمُ. فَقالَ عُمَرُ: (p-٤٩٤)ائْتُونِي بِأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ. فَأتاهُ، فَسَألَهُ عَنْ ذَلِكَ فَقالَ أُبَيٌّ: والَّذِينَ. فَقالَ عُمَرُ: فَنَعَمْ إذَنْ. فَتابَعَ أُبَيًّا.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ قالَ: «مَرَّ عُمَرُ بِرَجُلٍ يَقْرَأُ: ﴿والسّابِقُونَ الأوَّلُونَ مِنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ﴾ فَأخَذَ عُمَرُ بِيَدِهِ فَقالَ: مَن أقْرَأكَ هَذا؟ قالَ: أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ. قالَ: لا تُفارِقْنِي حَتّى أذْهَبَ بِكَ إلَيْهِ. فَلَمّا جاءَهُ قالَ عُمَرُ: أنْتَ أقَرَأْتَ هَذا هَذِهِ الآيَةَ هَكَذا؟ قالَ: نَعَمْ. قالَ: وسَمِعْتَها مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؟ قالَ: نَعَمْ. قالَ: لَقَدْ كُنْتُ أرى أنّا رَفُعْنا رِفْعَةً لا يَبْلُغُها أحَدٌ بَعْدَنا. فَقالَ أُبَيٌّ: وتَصْدِيقُ هَذِهِ الآيَةِ في أوَّلِ سُورَةِ الجُمُعَةِ: ﴿وآخَرِينَ مِنهم لَمّا يَلْحَقُوا بِهِمْ﴾ [الجمعة: ٣] وفي سُورَةِ الحَشْرِ: ﴿والَّذِينَ جاءُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنا اغْفِرْ لَنا ولإخْوانِنا الَّذِينَ سَبَقُونا بِالإيمانِ﴾ [الحشر: ١٠] وفي ”الأنْفالِ“: ﴿والَّذِينَ آمَنُوا مِن بَعْدُ وهاجَرُوا وجاهَدُوا مَعَكم فَأُولَئِكَ مِنكُمْ﴾ [الأنفال»: ٧٥] .
وأخْرَجَ الحاكِمُ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ أبِي سَلَمَةَ، ومُحَمَّدِ بْنِ إبْراهِيمَ التَّيْمِيِّ، قالا: «مَرَّ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ بِرَجُلٍ وهو يَقْرَأُ: ﴿والسّابِقُونَ الأوَّلُونَ مِنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ والَّذِينَ اتَّبَعُوهم بِإحْسانٍ﴾ فَوَقَفَ عُمَرُ، فَقالَ: انْصَرِفْ. فانْصَرَفَ الرَّجُلُ، فَقالَ: مَن أقْرَأكَ هَذِهِ؟ قالَ: أقْرَأنِيها أُبَيُّ بْنُ (p-٤٩٥)كَعْبٍ. قالَ: فانْطَلِقْ إلَيْهِ. فانْطَلَقا إلَيْهِ، فَقالَ: يا أبا المُنْذِرِ، أخْبَرَنِي هَذا أنَّكَ أقَرَأْتَهُ هَذِهِ الآيَةَ. قالَ: صَدَقَ، تَلَقَّيْتُها مِن في رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . قالَ عُمَرُ: أنْتَ تَلَقَّيْتَها مِن في رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؟ قالَ: نَعَمْ. فَقالَ في الثّالِثَةِ وهو غَضْبانُ: نَعَمْ، واللَّهِ لَقَدْ أنْزَلَها اللَّهُ عَلى جِبْرِيلَ، وأنْزَلَها جِبْرِيلُ عَلى قَلْبِ مُحَمَّدٍ ﷺ، ولَمْ يَسْتَأْمِرْ فِيها الخَطّابَ ولا ابْنَهُ. فَخَرَجَ عُمَرُ رافِعًا يَدَيْهِ، وهو يَقُولُ: اللَّهُ أكْبَرُ، اللَّهُ أكْبَرُ» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وأبُو نُعَيْمٍ في ”المَعْرِفَةِ“ عَنْ أبِي مُوسى، أنَّهُ سُئِلَ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿والسّابِقُونَ الأوَّلُونَ﴾ قالُوا: هُمُ الَّذِينَ صَلَّوُا القِبْلَتَيْنِ جَمِيعًا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، وأبُو نُعَيْمٍ في ”المَعْرِفَةِ“، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ في قَوْلِهِ: ﴿والسّابِقُونَ الأوَّلُونَ﴾ قالَ: هُمُ الَّذِينَ صَلَّوُا القِبْلَتَيْنِ جَمِيعًا؛ وهم أهْلُ بَدْرٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو نُعَيْمٍ، عَنِ الحَسَنِ، ومُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، في قَوْلِهِ: ﴿والسّابِقُونَ الأوَّلُونَ﴾ قالا: هُمُ الَّذِينَ صَلَّوُا القِبْلَتَيْنِ جَمِيعًا.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿والسّابِقُونَ الأوَّلُونَ مِنَ المُهاجِرِينَ﴾ (p-٤٩٦)قالَ: أبُو بَكْرٍ، وعُمَرُ، وعَلِيٌّ، وسَلْمانُ، وعَمّارُ بْنُ ياسِرٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، وأبُو نُعَيْمٍ في ”المَعْرِفَةِ“ عَنِ الشَّعْبِيِّ في قَوْلِهِ: ﴿والسّابِقُونَ الأوَّلُونَ﴾ قالَ: مَن أدْرَكَ بَيْعَةَ الرِّضْوانِ، وأوَّلُ مَن بايَعَ بَيْعَةَ الرِّضْوانِ سِنانُ بْنُ وهْبٍ الأسَدِيُّ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ عَنْ غَيْلانَ بْنِ جَرِيرٍ قالَ: قُلْتُ لِأنَسِ بْنِ مالِكٍ: هَذا الِاسْمُ، الأنْصارُ، أنْتُمْ سَمَّيْتُمُوهُ أنْفُسَكم أوِ اللَّهُ سَمّاكم مِنَ السَّماءِ؟ قالَ: اللَّهُ سَمّانا مِنَ السَّماءِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأحْمَدُ، والنَّسائِيُّ، عَنْ مُعاوِيَةَ بْنِ أبِي سُفْيانَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَن أحَبَّ الأنْصارَ أحَبَّهُ اللَّهُ، ومَن أبْغَضَ الأنْصارَ أبْغَضَهُ اللَّهُ» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ، والبُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «آيَةُ الإيمانِ حُبُّ الأنْصارِ، وآيَةُ النِّفاقِ بُغْضُ الأنْصارِ» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ عَنْ أنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، أنَّهُ قالَ: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْأنْصارِ، (p-٤٩٧)ولِأبْناءِ الأنْصارِ، ولِأزْواجِ الأنْصارِ، ولِذَرارِيِّ الأنْصارِ، الأنْصارُ كَرِشِي وعَيْبَتِي، ولَوْ أنَّ النّاسَ أخَذُوا شِعْبًا وأخَذَتِ الأنْصارُ شِعْبًا لَأخَذْتُ شِعْبَ الأنْصارِ، ولَوْلا الهِجْرَةُ لَكُنْتُ امْرَأً مِنَ الأنْصارِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأحْمَدُ، عَنِ الحارِثِ بْنِ زِيادٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَن أحَبَّ الأنْصارَ أحَبَّهُ اللَّهُ حِينَ يَلْقاهُ، ومَن أبْغَضَ الأنْصارَ أبْغَضَهُ اللَّهُ حِينَ يَلْقاهُ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنْ قَيْسِ بْنِ سَعْدِ بْنِ عُبادَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، أنَّهُ قالَ: «اللَّهُمَّ صَلِّ عَلى الأنْصارِ، وعَلى ذُرِّيَّةِ الأنْصارِ، وعَلى ذُرِّيَّةِ ذُرِّيَّةِ الأنْصارِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَوْ سَلَكَ النّاسُ وادِيًا وشِعْبًا وسَلَكْتُمْ وادِيًا وشِعْبًا لَسَلَكْتُ وادِيَكم وشِعْبَكُمْ، أنْتُمْ شِعارٌ والنّاسُ دِثارٌ، ولَوْلا الهِجْرَةُ لَكُنْتُ امْرَأً مِنَ الأنْصارِ. ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ حَتّى إنِّي لَأرى بَياضَ إبِطَيْهِ فَقالَ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْأنْصارِ، ولِأبْناءِ الأنْصارِ، ولِأبْناءِ أبْناءِ الأنْصارِ» .
(p-٤٩٨)وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، والبُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ ماجَهْ، عَنِ البَراءِ بْنِ عازِبٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «الأنْصارُ لا يُحِبُّهم إلّا مُؤْمِنٌ، ولا يُبْغِضُهم إلّا مُنافِقٌ، ومَن أحَبَّهم أحَبَّهُ اللَّهُ، ومَن أبْغَضَهم أبْغَضَهُ اللَّهُ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ، عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «ألا إنَّ عَيْبَتِي الَّتِي آوِي إلَيْها أهْلُ بَيْتِي، وإنَّ كَرِشِي الأنْصارُ، فاعْفُوا عَنْ مُسِيئِهِمْ، واقْبَلُوا مِن مُحْسِنِهِمْ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبادَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إنَّ هَذا الحَيَّ مِنَ الأنْصارِ مِحْنَةٌ؛ حُبُّهم إيمانٌ، وبُغْضُهم نِفاقٌ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنْ أنَسٍ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْأنْصارِ، ولِأبْناءِ الأنْصارِ، ولِأبْناءِ أبْناءِ الأنْصارِ، ولِنِساءِ الأنْصارِ، ولِنِساءِ أبْناءِ الأنْصارِ، ولِنِساءِ أبْناءِ أبْناءِ الأنْصارِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ، والنَّسائِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: (p-٤٩٩)قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لا يُبْغِضُ الأنْصارَ رَجُلٌ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنْ مُعاذِ بْنِ رِفاعَةَ بْنِ رافِعٍ، عَنْ أبِيهِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْأنْصارِ، ولِذَرارِيِّ الأنْصارِ، ولِذَرارِيِّ ذَرّارِيِّهِمْ، ولِمَوالِيهِمْ ولِجِيرانِهِمْ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، والبُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «قُرَيْشٌ، والأنْصارُ، وجُهَيْنَةُ، ومُزَيْنَةُ، وأسْلَمُ، وغِفارٌ، مَوالِي اللَّهِ ورَسُولِهِ، لا مَوْلى لَهم غَيْرُهُ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، ومُسْلِمٌ، عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لا يُبْغِضُ الأنْصارَ رَجُلٌ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ» .
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ عَنِ السّائِبِ بْنِ يَزِيدَ، «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَسَمَ الفَيْءَ الَّذِي أفاءَ اللَّهُ بِحُنَيْنٍ في أهْلِ مَكَّةَ مِن قُرَيْشٍ وغَيْرِهِمْ، فَغَضِبَتِ الأنْصارُ، فَأتاهم فَقالَ: يا مَعْشَرَ الأنْصارِ، قَدْ بَلَغَنِي مِن حَدِيثِكم في هَذِهِ المَغانِمِ الَّتِي آثَرْتُ بِها أُناسًا أتَألَّفُهم عَلى الإسْلامِ، لَعَلَّهم أنْ يَشْهَدُوا بَعْدَ اليَوْمِ، وقَدْ أدْخَلَ اللَّهُ قُلُوبَهُمُ الإسْلامَ، يا مَعْشَرَ الأنْصارِ ألَمْ يَمُنَّ اللَّهُ عَلَيْكم بِالإيمانِ، وخَصَّكم بِالكَرامَةِ، وسَمّاكم بِأحْسَنِ الأسْماءِ؛ أنْصارَ اللَّهِ وأنْصارَ رَسُولِهِ؟ ولَوْلا الهِجْرَةُ لَكُنْتُ امْرَأً (p-٥٠٠)مِنَ الأنْصارِ، ولَوْ سَلَكَ النّاسُ وادِيًا وسَلَكْتُمْ وادِيًا لَسَلَكْتُ وادِيَكُمْ، أفَلا تَرْضَوْنَ أنْ يَذْهَبَ النّاسُ بِهَذِهِ الغَنائِمِ والشّاءِ والنَّعَمِ والبَعِيرِ وتَذْهَبُونَ بِرَسُولِ اللَّهِ؟ فَقالُوا: رَضِينا. فَقالَ: أجِيبُونِي فِيما قُلْتُ. قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، وجَدْتَنا في ظُلْمَةٍ فَأخْرَجَنا اللَّهُ بِكَ إلى النُّورِ، ووَجَدْتَنا عَلى شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النّارِ فَأنْقَذَنا اللَّهُ بِكَ، ووَجَدْتَنا ضُلّالًا فَهَدانا اللَّهُ بِكَ، فَرَضِينا بِاللَّهِ رَبًّا، وبِالإسْلامِ دِينًا، وبِمُحَمَّدٍ نَبِيًّا. فَقالَ: أما واللَّهِ لَوْ أجَبْتُمُونِي بِغَيْرِ هَذا القَوْلِ لَقُلْتُ: صَدَقْتُمْ. لَوْ قُلْتُ: ألَمْ تَأْتِنا طَرِيدًا فَآوَيْناكَ، ومُكَذَّبًا فَصَدَّقْناكَ، ومَخْذُولًا فَنَصَرْناكَ، وقَبِلْنا ما رَدَّ النّاسُ عَلَيْكَ. لَوْ قُلْتُمْ هَذا لَصَدَقْتُمْ. قالُوا: بَلْ لِلَّهِ ورَسُولِهِ المَنُّ والفَضْلُ عَلَيْنا وعَلى غَيْرِنا» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أبِي لَيْلى قالَ: كانَ النّاسُ عَلى ثَلاثِ مَنازِلَ؛ المُهاجِرُونَ الأوَّلُونَ، والَّذِينَ اتَّبَعُوهم بِإحْسانٍ، والَّذِينَ جاءُوا مِن بَعْدِهِمْ: ﴿رَبَّنا اغْفِرْ لَنا ولإخْوانِنا الَّذِينَ سَبَقُونا بِالإيمانِ﴾ [الحشر: ١٠] فَأحْسَنُ ما يَكُونُ أنْ تَكُونَ بِهَذِهِ المَنزِلَةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أنَّهُ أتاهُ رَجُلٌ فَذَكَرَ بَعْضَ الصَّحابَةِ، فَتَنَقَّصَهُ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ﴿والسّابِقُونَ الأوَّلُونَ مِنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ والَّذِينَ اتَّبَعُوهم بِإحْسانٍ﴾ أمّا أنْتَ فَلَمْ تَتَّبِعْهم بِإحْسانٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ اتَّبَعُوهم بِإحْسانٍ﴾
(p-٥٠١)قالَ: التّابِعُونَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ في قَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ اتَّبَعُوهم بِإحْسانٍ﴾ قالَ: مَن بَقِيَ مِن أهْلِ الإسْلامِ إلى أنْ تَقُومَ السّاعَةُ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْ عِصْمَةَ قالَ: سَألْتُ سُفْيانَ عَنِ التّابِعِينَ، قالَ: هُمُ الَّذِينَ أدْرَكُوا أصْحابَ النَّبِيِّ ﷺ ولَمْ يُدْرِكُوا النَّبِيَّ ﷺ . وسَألَتْهُ عَنِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهم بِإحْسانٍ، قالَ: مَن يَجِيءُ بَعْدَهم. قُلْتُ: إلى يَوْمِ القِيامَةِ؟ قالَ: أرْجُو.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، وابْنُ عَساكِرَ، عَنْ أبِي صَخْرٍ حُمَيْدِ بْنِ زِيادٍ قالَ: قُلْتُ لِمُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ: أخْبِرْنِي عَنْ أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وإنَّما أُرِيدُ الفِتَنَ، فَقالَ: إنَّ اللَّهَ قَدْ غَفَرَ لِجَمِيعِ أصْحابِ النَّبِيِّ ﷺ، وأوْجَبَ لَهُمُ الجَنَّةَ في كِتابِهِ؛ مُحْسِنِهِمْ ومُسِيئِهِمْ. قُلْتُ لَهُ: وفي أيِّ مَوْضِعٍ أوْجَبَ اللَّهُ لَهُمُ الجَنَّةَ في كِتابِهِ؟ قالَ: ألا تَقْرَأُ: ﴿والسّابِقُونَ الأوَّلُونَ﴾ الآيَةَ. أوْجَبَ لِجَمِيعِ أصْحابِ النَّبِيِّ ﷺ الجَنَّةَ والرِّضْوانَ، وشَرَطَ عَلى التّابِعِينَ شَرْطًا لَمْ يَشْتَرِطْهُ فِيهِمْ. قُلْتُ: وما اشْتَرَطَ عَلَيْهِمْ؟ قالَ: اشْتَرَطَ عَلَيْهِمْ أنْ يَتَّبِعُوهم بِإحْسانٍ. يَقُولُ: يَقْتَدُوا بِهِمْ في أعْمالِهِمُ الحَسَنَةِ، ولا يَقْتَدُوا بِهِمْ في غَيْرِ ذَلِكَ. قالَ أبُو صَخْرٍ: فَواللَّهِ لَكَأنِّي لَمْ أقْرَأْها قَبْلَ ذَلِكَ، وما عَرَفْتُ تَفْسِيرَها حَتّى قَرَأها عَلَيَّ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ. (p-٥٠٢)وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ مِن طَرِيقِ الأوْزاعِيِّ، حَدَّثَنِي يَحْيى بْنُ أبِي كَثِيرٍ، والقاسِمُ، ومَكْحُولٌ، وعَبْدَةُ بْنُ أبِي لُبابَةَ، وحَسّانُ بْنُ عَطِيَّةَ، أنَّهم سَمِعُوا جَماعَةً مِن أصْحابِ النَّبِيِّ ﷺ يَقُولُونَ: «لَمّا أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿والسّابِقُونَ الأوَّلُونَ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ورَضُوا عَنْهُ﴾ قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: هَذا لِأُمَّتِي كُلِّهِمْ ولَيْسَ بَعْدَ الرِّضا سَخَطٌ» .
التوبة 9:101
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومِمَّنْ حَوْلَكم مِنَ الأعْرابِ﴾ . الآيَةَ. أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ في ”الأوْسَطِ“، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ومِمَّنْ حَوْلَكم مِنَ الأعْرابِ مُنافِقُونَ﴾ الآيَةَ. قالَ: «قامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ جُمُعَةٍ خَطِيبًا، فَقالَ: قُمْ يا فُلانُ فاخْرُجْ فَإنَّكَ مُنافِقٌ، اخْرُجْ يا فُلانُ، فَإنَّكَ مُنافِقٌ. فَأخْرَجَهم بِأسْمائِهِمْ فَفَضَحَهُمْ، ولَمْ يَكُنْ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ شَهِدَ تِلْكَ الجُمُعَةَ لِحاجَةٍ كانَتْ لَهُ، فَلَقِيَهم عُمَرُ وهم يَخْرُجُونَ مِنَ المَسْجِدِ، فاخْتَبَأ مِنهُمُ اسْتِحْياءً أنَّهُ لَمْ يَشْهَدِ الجُمُعَةَ، وظَنَّ أنَّ النّاسَ قَدِ انْصَرَفُوا، واخْتَبَئُوا هم مِن عُمَرَ، وظَنُّوا أنَّهُ قَدْ عَلِمَ بِأمْرِهِمْ، فَدَخَلَ عُمَرُ المَسْجِدَ، فَإذا النّاسُ لَمْ يَنْصَرِفُوا، فَقالَ لَهُ رَجُلٌ: أبْشِرْ يا عُمَرُ، فَقَدْ فَضَحَ اللَّهُ المُنافِقِينَ اليَوْمَ، فَهَذا العَذابُ الأوَّلُ، والعَذابُ الثّانِي عَذابُ القَبْرِ» . (p-٥٠٣)وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ عِكْرِمَةَ في قَوْلِهِ: ﴿ومِمَّنْ حَوْلَكم مِنَ الأعْرابِ﴾ قالَ: جُهَيْنَةُ، ومُزَيْنَةُ، وأشْجَعُ، وأسْلَمُ، وغِفارٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ومِن أهْلِ المَدِينَةِ مَرَدُوا عَلى النِّفاقِ﴾ قالَ: أقامُوا عَلَيْهِ، لَمْ يَتُوبُوا كَما تابَ آخَرُونَ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ في قَوْلِهِ: ﴿مَرَدُوا عَلى النِّفاقِ﴾ قالَ: ماتُوا عَلَيْهِ؛ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ، وأبُو عامِرٍ الرّاهِبُ، والجَدُّ بْنُ قَيْسٍ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ﴾ يَقُولُ: نَحْنُ نَعْرِفُهم.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿لا تَعْلَمُهم نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ﴾ قالَ: فَما بالُ أقْوامٍ يَتَكَلَّفُونَ عَلى النّاسِ يَقُولُونَ: فُلانٌ في الجَنَّةِ وفُلانٌ في النّارِ. فَإذا سَألْتَ أحَدَهم عَنْ نَفْسِهِ قالَ: لا أدْرِي. لَعَمْرِي لَأنْتَ بِنَفْسِكَ أعْلَمُ مِنكَ بِأعْمالِ النّاسِ، ولَقَدْ تَكَلَّفْتَ شَيْئًا ما تَكَلَّفَهُ نَبِيٌّ، قالَ نُوحٌ: ﴿وما عِلْمِي بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الشعراء: ١١٢] وقالَ شُعَيْبٌ: ﴿وما أنا عَلَيْكم بِحَفِيظٍ﴾ [هود: ٨٦] وقالَ اللَّهُ تَعالى (p-٥٠٤)لِمُحَمَّدٍ ﷺ: ﴿لا تَعْلَمُهم نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿سَنُعَذِّبُهم مَرَّتَيْنِ﴾ قالَ: بِالجُوعِ والقَتْلِ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ أبِي مالِكٍ في قَوْلِهِ: ﴿سَنُعَذِّبُهم مَرَّتَيْنِ﴾ قالَ: بِالجُوعِ وعَذابِ القَبْرِ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿سَنُعَذِّبُهم مَرَّتَيْنِ﴾ قالَ: عُذِّبُوا بِالجُوعِ مَرَّتَيْنِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، والبَيْهَقِيُّ في ”عَذابِ القَبْرِ“، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿سَنُعَذِّبُهم مَرَّتَيْنِ﴾ قالَ: عَذابٌ في القَبْرِ، وعَذابٌ في النّارِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ الرَّبِيعِ في قَوْلِهِ: ﴿سَنُعَذِّبُهم مَرَّتَيْنِ﴾ قالَ: يُبْتَلَوْنَ في الدُّنْيا، وعَذابُ القَبْرِ: ﴿ثُمَّ يُرَدُّونَ إلى عَذابٍ عَظِيمٍ﴾ (p-٥٠٥)قالَ: عَذابِ جَهَنَّمَ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ زَيْدٍ في قَوْلِهِ: ﴿سَنُعَذِّبُهم مَرَّتَيْنِ﴾ قالَ: عَذابٌ في الدُّنْيا بِالأمْوالِ والأوْلادِ. وقَرَأ: ﴿فَلا تُعْجِبْكَ أمْوالُهم ولا أوْلادُهم إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهم بِها في الحَياةِ الدُّنْيا﴾ [التوبة: ٥٥] بِالمَصائِبِ، فَهي لَهم عَذابٌ، وهي لِلْمُؤْمِنِينَ أجْرٌ. قالَ: وعَذابُ الآخِرَةِ في النّارِ، ﴿ثُمَّ يُرَدُّونَ إلى عَذابٍ عَظِيمٍ﴾ النّارِ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ الضَّحّاكِ قالَ: بَلَغَنِي أنَّ ناسًا يَقُولُونَ: ﴿سَنُعَذِّبُهم مَرَّتَيْنِ﴾ يَعْنِي: القَتْلَ، وبَعْدَ القَتْلِ البَرْزَخُ، والبَرْزَخُ ما بَيْنَ المَوْتِ إلى البَعْثِ، ﴿ثُمَّ يُرَدُّونَ إلى عَذابٍ عَظِيمٍ﴾ يَعْنِي عَذابَ جَهَنَّمَ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ أبِي مالِكٍ «فِي قَوْلِهِ: ﴿سَنُعَذِّبُهم مَرَّتَيْنِ﴾ قالَ: كانَ النَّبِيُّ ﷺ يُعَذِّبُ المُنافِقِينَ يَوْمَ الجُمُعَةِ بِلِسانِهِ عَلى المِنبَرِ، وعَذابُ القَبْرِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ عَنْ أبِي مَسْعُودٍ الأنْصارِيِّ قالَ: «لَقَدْ خَطَبَنا النَّبِيُّ ﷺ خُطْبَةً ما شَهِدْتُ مِثْلَها قَطُّ فَقالَ: أيُّها النّاسُ، إنَّ مِنكم مُنافِقِينَ، فَمَن سَمَّيْتُهُ فَلْيَقُمْ، قُمْ يا فُلانُ، قُمْ يا فُلانُ. حَتّى قامَ سِتَّةٌ وثَلاثُونَ رَجُلًا، ثُمَّ قالَ: إنَّ مِنكُمْ، وإنَّ مِنكُمْ، وإنَّ مِنكُمْ، فَسَلُوا اللَّهَ العافِيَةَ. فَلَقِيَ عُمَرُ رَجُلًا كانَ بَيْنَهُ وبَيْنَهُ إخاءٌ، فَقالَ: ما شَأْنُكَ؟ فَقالَ: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَطَبَنا فَقالَ كَذا وكَذا، فَقالَ عُمَرُ: أبْعَدَكَ اللَّهُ سائِرَ اليَوْمِ» .
(p-٥٠٦)
التوبة 9:102
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وآخَرُونَ اعْتَرَفُوا﴾ . الآيَتَيْنِ. أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، والبَيْهَقِيُّ في ”الدَّلائِلِ“ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «فِي قَوْلِهِ: ﴿وآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلا صالِحًا وآخَرَ سَيِّئًا﴾ قالَ كانُوا عَشَرَةَ رَهْطٍ تَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في غَزْوَةِ تَبُوكَ، فَلَمّا حَضَرَ رُجُوعُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أوْثَقَ سَبْعَةٌ مِنهم أنْفُسَهم بِسَوارِي المَسْجِدِ، وكانَ مَمَرُّ النَّبِيِّ ﷺ إذا رَجَعَ في المَسْجِدِ عَلَيْهِمْ، فَلَمّا رَآهم قالَ: مَن هَؤُلاءِ المُوثِقُونَ أنْفُسَهُمْ؟ قالُوا: هَذا أبُو لُبابَةَ وأصْحابٌ لَهُ، تَخَلَّفُوا عَنْكَ يا رَسُولَ اللَّهِ، أوْثَقُوا أنْفُسَهُمْ، وحَلَفُوا أنَّهم لا يُطْلِقُهم أحَدٌ حَتّى يُطْلِقَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ ويَعْذِرَهم. قالَ: وأنا أُقْسِمُ بِاللَّهِ لا أُطْلِقُهم ولا أعْذِرُهم حَتّى يَكُونَ اللَّهُ تَعالى هو الَّذِي يُطْلِقُهُمْ، رَغِبُوا عَنِّي وتَخَلَّفُوا عَنِ الغَزْوِ مَعَ المُسْلِمِينَ. فَلَمّا بَلَغَهم ذَلِكَ قالُوا: ونَحْنُ لا نُطْلِقُ أنْفُسَنا حَتّى يَكُونَ اللَّهُ هو الَّذِي يُطْلِقُنا. فَأنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلا صالِحًا وآخَرَ سَيِّئًا عَسى اللَّهُ أنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ و”عَسى“ مِنَ اللَّهِ واجِبٌ، ﴿إنَّهُ هو التَّوّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ٣٧] . فَلَمّا نَزَلَتْ أرْسَلَ إلَيْهِمُ النَّبِيُّ ﷺ فَأطْلَقَهم وعَذَرَهُمْ، فَجاءُوا بِأمْوالِهِمْ، فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، هَذِهِ أمْوالُنا فَتَصَدَّقْ بِها عَنّا، واسْتَغْفِرْ لَنا. قالَ: ما أُمِرْتُ أنْ آخُذَ أمْوالَكم. فَأنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ:﴿خُذْ مِن أمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهم وتُزَكِّيهِمْ بِها وصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ١٠٣] يَقُولُ: اسْتَغْفِرْ لَهُمْ، ﴿إنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ [التوبة: ١٠٣] يَقُولُ: رَحْمَةٌ لَهم. فَأخَذَ مِنهُمُ الصَّدَقَةَ واسْتَغْفَرَ لَهُمْ، وكانَ ثَلاثَةُ نَفَرٍ مِنهم لَمْ يُوثِقُوا أنْفُسَهم بِالسَّوارِي، فَأُرْجِئُوا سَبْتَةً لا يَدْرُونَ أيُعَذَّبُونَ أوْ يُتابُ عَلَيْهِمْ، فَأنْزَلَ اللَّهُ (p-٥٠٧)عَزَّ وجَلَّ: ﴿لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلى النَّبِيِّ والمُهاجِرِينَ والأنْصارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ في ساعَةِ العُسْرَةِ﴾ [التوبة: ١١٧] إلى آخِرِ الآيَةِ: وقَوْلُهُ: ﴿وعَلى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ [التوبة: ١١٨] إلى: ﴿ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إنَّ اللَّهَ هو التَّوّابُ الرَّحِيمُ﴾ [التوبة: ١١٨] يَعْنِي: إنِ اسْتَقامُوا» .
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ الضَّحّاكِ، مِثْلَهُ سَواءً.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في ”الدَّلائِلِ“ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ﴾ قالَ: هو أبُو لُبابَةَ إذْ قالَ لِقُرَيْظَةَ ما قالَ، وأشارَ إلى حَلْقِهِ بِأنَّ مُحَمَّدًا يَذْبَحُكم إنْ نَزَلْتُمْ عَلى حُكْمِهِ.
وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ، «أنَّ بَنِي قُرَيْظَةَ كانُوا حُلَفاءَ لِأبِي لُبابَةَ، فاطَّلَعُوا إلَيْهِ وهو يَدْعُوهم إلى حُكْمِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقالُوا: يا أبا لُبابَةَ، أتَأْمُرُنا أنْ نَنْزِلَ. فَأشارَ بِيَدِهِ إلى حَلْقِهِ أنَّهُ الذَّبْحُ، فَأُخْبِرَ عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِذَلِكَ، فَقالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أحَسِبْتَ أنَّ اللَّهَ غَفَلَ عَنْ يَدِكَ حِينَ تُشِيرُ إلَيْهِمْ بِها إلى حَلْقِكَ. فَلَبِثَ حِينًا ورَسُولُ اللَّهِ ﷺ عاتِبٌ عَلَيْهِ، ثُمَّ غَزا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ تَبُوكًا - وهي غَزْوَةُ العُسْرَةِ، فَتَخَلَّفَ عَنْهُ أبُو لُبابَةَ فِيمَن (p-٥٠٨)تَخَلَّفَ فَلَمّا قَفَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنها جاءَهُ أبُو لُبابَةَ يُسَلِّمُ عَلَيْهِ، فَأعْرَضَ عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَفَزِعَ أبُو لُبابَةَ، فارْتَبَطَ بِسارِيَةِ التَّوْبَةِ الَّتِي عِنْدَ بابِ أُمِّ سَلَمَةَ سَبْعًا، بَيْنَ يَوْمٍ ولَيْلَةٍ في حَرٍّ شَدِيدٍ، لا يَأْكُلُ فِيهِنَّ ولا يَشْرَبُ قَطْرَةً، وقالَ: لا يَزالُ هَذا مَكانِي حَتّى أُفارِقَ الدُّنْيا أوْ يَتُوبَ اللَّهُ عَلَيَّ. فَلَمْ يَزَلْ كَذَلِكَ حَتّى ما يُسْمِعَ الصَّوْتَ مِنَ الجَهْدِ، ورَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَنْظُرُ إلَيْهِ بُكْرَةً وعَشِيَّةً، ثُمَّ تابَ اللَّهُ عَلَيْهِ، فَنُودِيَ: إنَّ اللَّهَ قَدْ تابَ عَلَيْكَ. فَأرْسَلَ إلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِيُطْلِقَ عَنْهُ رِباطَهُ، فَأبى أنْ يُطْلِقَهُ عَنْهُ أحَدٌ إلّا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَجاءَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَأطْلَقَهُ عَنْهُ بِيَدِهِ، فَقالَ أبُو لُبابَةَ حِينَ أفاقَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنِّي أهْجُرُ دارَ قَوْمِي الَّتِي أصَبْتُ فِيها الذَّنْبَ، وأنْتَقِلُ إلَيْكَ فَأُساكِنُكَ، وإنِّي أخْتَلِعُ مِن مالِي صَدَقَةً إلى اللَّهِ ورَسُولِهِ ﷺ . فَقالَ: يُجْزِئُ عَنْكَ الثُّلُثُ. فَهَجَرَ أبُو لُبابَةَ دارَ قَوْمِهِ وساكَنَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، وتَصَدَّقَ بِثُلُثِ مالِهِ، ثُمَّ تابَ فَلَمْ يُرَ مِنهُ في الإسْلامِ بَعْدَ ذَلِكَ إلّا خَيْرٌ حَتّى فارَقَ الدُّنْيا» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ غَزا غَزْوَةَ تَبُوكَ، فَتَخَلَّفَ أبُو لُبابَةَ ورَجُلانِ مَعَهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، ثُمَّ إنَّ أبا لُبابَةَ ورَجُلَيْنِ مَعَهُ تَفَكَّرُوا ونَدِمُوا وأيْقَنُوا بِالهَلَكَةِ وقالُوا: نَحْنُ في الظِّلِّ (p-٥٠٩)والطُّمَأْنِينَةِ مَعَ النِّساءِ، ورَسُولُ اللَّهِ ﷺ والمُؤْمِنُونَ مَعَهُ في الجِهادِ، واللَّهِ لَنُوثِقَنَّ أنْفُسَنا بِالسَّوارِي فَلا نُطْلِقُها حَتّى يَكُونَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هو الَّذِي يُطْلِقُنا ويَعْذِرُنا. فانْطَلَقَ أبُو لُبابَةَ فَأوْثَقَ نَفْسَهُ ورَجُلانِ مَعَهُ بِسَوارِي المَسْجِدِ، وبَقِيَ ثَلاثَةٌ لَمْ يُوثِقُوا أنْفُسَهم فَرَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِن غَزْوَتِهِ، وكانَ طَرِيقُهُ في المَسْجِدِ، فَمَرَّ عَلَيْهِمْ فَقالَ: مَن هَؤُلاءِ المُوثِقُونَ أنْفُسَهم بِالسَّوارِي؟ فَقالَ رَجُلٌ: هَذا أبُو لُبابَةَ وأصْحابٌ لَهُ تَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَعاهَدُوا اللَّهَ ألّا يُطْلِقُوا أنْفُسَهم حَتّى تَكُونَ أنْتَ الَّذِي أنْتَ تُطْلِقُهم وتَرْضى عَنْهُمْ، وقَدِ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ. فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: واللَّهِ لا أُطْلِقُهم حَتّى أُومَرَ بِإطْلاقِهِمْ، ولا أعْذِرُهم حَتّى يَكُونَ اللَّهُ يَعْذِرُهم وقَدْ تَخَلَّفُوا ورَغِبُوا عَنِ المُسْلِمِينَ بِأنْفُسِهِمْ وجِهادِهِمْ. فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ﴾ الآيَةَ. و”عَسى“ مِنَ اللَّهِ واجِبٌ، فَلَمّا نَزَلَتِ الآيَةُ أطْلَقَهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وعَذَرَهُمْ، فانْطَلَقَ أبُو لُبابَةَ وأصْحابُهُ بِأمْوالِهِمْ، فَأتَوْا بِها رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقالُوا: خُذْ مِن أمْوالِنا، فَتَصَدَّقْ بِها عَنّا، وصَلِّ عَلَيْنا. يَقُولُونَ: اسْتَغْفِرْ لَنا وطَهِّرْنا. فَقالَ: لا آخُذُ مِنها شَيْئًا حَتّى أُومَرَ بِهِ. فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿خُذْ مِن أمْوالِهِمْ صَدَقَةً﴾ [التوبة: ١٠٣] الآيَةَ. قالَ: وبَقِيَ الثَّلاثَةُ الَّذِينَ خالَفُوا أبا لُبابَةَ ولَمْ يَتُوبُوا ولَمْ يُذْكَرُوا بِشَيْءٍ ولَمْ يَنْزِلْ عُذْرُهُمْ، وضاقَتْ عَلَيْهِمُ الأرْضُ بِما رَحُبَتْ، وهُمُ الَّذِينَ قالَ اللَّهُ: ﴿وآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لأمْرِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ١٠٦] (p-٥١٠)الآيَةَ. فَجَعَلَ النّاسُ يَقُولُونَ: هَلَكُوا إذْ لَمْ يَنْزِلْ لَهم عُذْرٌ. وجَعَلَ آخَرُونَ يَقُولُونَ: عَسى اللَّهُ أنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ. فَصارُوا مُرْجَئِينَ لِأمْرِ اللَّهِ حَتّى نَزَلَتْ: ﴿لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلى النَّبِيِّ﴾ [التوبة: ١١٧] إلى قَوْلِهِ: ﴿وعَلى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ [التوبة: ١١٨] يَعْنِي المُرْجَئِينَ لِأمْرِ اللَّهِ، نَزَلَتْ عَلَيْهِمُ التَّوْبَةُ، فَعُمُّوا بِها» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ زَيْدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ﴾ قالَ: هُمُ الثَّمانِيَةُ الَّذِينَ رَبَطُوا أنْفُسَهم بِالسَّوارِي، مِنهم كَرْدَمٌ، ومِرْداسٌ، وأبُو لُبابَةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ﴾ قالَ: ذُكِرَ لَنا أنَّهم كانُوا سَبْعَةَ رَهْطٍ تَخَلَّفُوا عَنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ؛ مِنهم أرْبَعَةٌ خَلَطُوا عَمَلًا صالِحًا وآخَرَ سَيِّئًا؛ جَدُّ بْنُ قَيْسٍ، وأبُو لُبابَةَ، وخِذامٌ، وأوْسٌ، كُلُّهم مِنَ الأنْصارِ تِيبَ عَلَيْهِمْ، وهُمُ الَّذِينَ قِيلَ فِيهِمْ: ﴿خُذْ مِن أمْوالِهِمْ صَدَقَةً﴾ [التوبة: ١٠٣]
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿خَلَطُوا عَمَلا صالِحًا وآخَرَ سَيِّئًا﴾ قالَ: (p-٥١١)غَزْوَهم مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: ﴿وآخَرَ سَيِّئًا﴾ قالَ: تَخَلُّفَهم عَنْهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ أبِي الدُّنْيا في ”التَّوْبَةِ“، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، والبَيْهَقِيُّ في ”شُعَبِ الإيمانِ“ عَنْ أبِي عُثْمانَ النَّهْدِيِّ قالَ: ما في القُرْآنِ آيَةٌ أرْجى عِنْدِي لِهَذِهِ الأُمَّةِ مِن قَوْلِهِ: ﴿وآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلا صالِحًا وآخَرَ سَيِّئًا﴾ الآيَةَ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ مُطَرِّفٍ قالَ: إنِّي لَأسْتَلْقِي مِنَ اللَّيْلِ عَلى فِراشِي، وأتَدَبَّرُ القُرْآنَ، فَأعْرِضُ أعْمالِي عَلى أعْمالِ أهْلِ الجَنَّةِ، فَإذا أعْمالُهم شَدِيدَةٌ؛ ﴿كانُوا قَلِيلا مِنَ اللَّيْلِ ما يَهْجَعُونَ﴾ [الذاريات: ١٧]، ﴿يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وقِيامًا﴾ [الفرقان: ٦٤]،: ﴿أمَّنْ هو قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ ساجِدًا وقائِمًا﴾ [الزمر: ٩] فَلا أُرانِي مِنهُمْ، فَأعْرِضُ نَفْسِي عَلى هَذِهِ الآيَةِ: ﴿ما سَلَكَكم في سَقَرَ﴾ [المدثر: ٤٢]: ﴿قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ المُصَلِّينَ﴾ [المدثر: ٤٣] إلى قَوْلِهِ: ﴿نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾ [المدثر: ٤٦] فَأرى القَوْمَ مُكَذِّبِينَ، فَلا أُرانِي مِنهُمْ، فَأمُرُّ بِهَذِهِ الآيَةِ: ﴿وآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلا صالِحًا وآخَرَ سَيِّئًا﴾ فَأرْجُو أنْ أكُونَ أنا وأنْتُمْ يا إخْوَتاهُ مِنهم.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَندَهْ، وأبُو نُعَيْمٍ في ”المَعْرِفَةِ“، وابْنُ عَساكِرَ، بِسَنَدٍ قَوِيٍّ، عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: «كانَ مِمَّنْ تَخَلَّفَ عَنْ (p-٥١٢)رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في غَزْوَةِ تَبُوكَ سِتَّةٌ: أبُو لُبابَةَ، وأوْسُ بْنُ خِذامٍ، وثَعْلَبَةُ بْنُ ودِيعَةَ، وكَعْبُ بْنُ مالِكٍ، ومُرارَةُ بْنُ الرَّبِيعِ، وهِلالُ بْنُ أُمَيَّةَ، فَجاءَ أبُو لُبابَةَ، وأوْسٌ، وثَعْلَبَةُ، فَرَبَطُوا أنْفُسَهم بِالسَّوارِي، وجاءُوا بِأمْوالِهِمْ، فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، خُذْ هَذا الَّذِي حَبَسَنا عَنْكَ. فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: لا أحُلُّهم حَتّى يَكُونَ قِتالٌ. فَنَزَلَ القُرْآنُ: ﴿خَلَطُوا عَمَلا صالِحًا وآخَرَ سَيِّئًا﴾ الآيَةَ. وكانَ مِمَّنْ خُلِّفَ عَنِ التَّوْبَةِ وأُرْجِئَ كَعْبُ بْنُ مالِكٍ، ومُرارَةُ بْنُ الرَّبِيعِ، وهِلالُ بْنُ أُمَيَّةَ، فَأُرْجِئُوا أرْبَعِينَ يَوْمًا، فَخَرَجُوا وضَرَبُوا فَساطِيطَهُمْ، واعْتَزَلَهم نِساؤُهم ولَمْ يَتَوَلَّهُمُ المُسْلِمُونَ ولَمْ يَتَبَرَّءُوا مِنهُمْ، فَنَزَلَ فِيهِمْ: ﴿وعَلى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ [التوبة: ١١٨] إلى قَوْلِهِ: ﴿التَّوّابُ الرَّحِيمُ﴾ [التوبة: ١١٨] فَبَعَثَتْ أُمُّ سَلَمَةَ إلى كَعْبٍ فَبَشَّرَتْهُ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ شَوْذَبٍ قالَ: قالَ الأحْنَفُ بْنُ قَيْسٍ: عَرَضْتُ نَفْسِي عَلى القُرْآنِ فَلَمْ أجِدْنِي بِآيَةٍ أشْبَهَ مِنِّي بِهَذِهِ الآيَةِ: ﴿وآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلا صالِحًا وآخَرَ سَيِّئًا﴾ الآيَةَ
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْ مالِكِ بْنِ دِينارٍ قالَ: سَألْتُ الحَسَنَ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ: (p-٥١٣)﴿وآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلا صالِحًا وآخَرَ سَيِّئًا﴾ فَقالَ: يا مالِكُ، تابُوا، ﴿عَسى اللَّهُ أنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ و”عَسى“ مِنَ اللَّهِ واجِبَةٌ.
وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدَبٍ قالَ «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِمَّنْ يُكْثِرُ أنْ يَقُولَ لِأصْحابِهِ: هَلْ رَأى أحَدٌ مِنكم رُؤْيا؟ وأنَّهُ قالَ لَنا ذاتَ غَداةٍ: إنَّهُ أتانِي اللَّيْلَةَ آتِيانِ، فَقالا لِي: انْطَلِقْ. فانْطَلَقْتُ مَعَهُما، فَأخْرَجانِي إلى الأرْضِ المُقَدَّسَةِ فَأتَيْنا عَلى رَجُلٍ مُضْطَجِعٍ، وإذا آخَرُ قائِمٌ عَلَيْهِ بِصَخْرَةٍ، وإذا هو يَهْوِي بِالصَّخْرَةِ لِرَأْسِهِ فَيَثْلَغُ رَأْسَهُ، فَيَتَدَهْدَهُ الحَجَرُ هَهُنا، فَيَتْبَعُ الحَجَرَ فَيَأْخُذُهُ، فَلا يَرْجِعُ إلَيْهِ حَتّى يَصِحَّ رَأْسُهُ كَما كانَ، ثُمَّ يَعُودُ إلَيْهِ فَيَفْعَلُ بِهِ مِثْلَ ما فَعَلَ في المَرَّةِ الأُولى، قُلْتُ لَهُما: سُبْحانَ اللَّهِ، ما هَذانِ؟ قالا لِي: انْطَلِقْ. فانْطَلَقْنا فَأتَيْنا عَلى رَجُلٍ مُسْتَلْقٍ لِقَفاهُ، وإذا آخَرُ قائِمٌ عَلَيْهِ بِكَلُّوبٍ مِن حَدِيدٍ، وإذا هو يَأْتِي أحَدَ شِقَّيْ وجْهِهِ فَيُشَرْشِرُ شِدْقَهُ إلى قَفاهُ، ومَنخِرَهُ إلى قَفاهُ، وعَيْنَهُ إلى قَفاهُ، ثُمَّ يَتَحَوَّلُ إلى الجانِبِ الآخَرِ، فَيَفْعَلُ بِهِ مِثْلَ ما فَعَلَ بِالجانِبِ الأوَّلِ، فَما يَفْرُغُ مِن ذَلِكَ الجانِبِ حَتّى يَصِحَّ ذَلِكَ الجانِبُ كَما كانَ، ثُمَّ يَعُودُ عَلَيْهِ فَيَفْعَلُ مِثْلَ ما فَعَلَ المَرَّةَ الأُولى، قُلْتُ: سُبْحانَ اللَّهِ، ما هَذانِ؟ قالا لِي: انْطَلِقْ، فانْطَلَقْنا فَأتَيْنا عَلى مِثْلِ التَّنُّورِ، (p-٥١٤)فَإذا فِيهِ لَغَطٌ وأصْواتٌ، فاطَّلَعْنا فِيهِ، فَإذا فِيهِ رِجالٌ ونِساءٌ عُراةٌ، فَإذا هم يَأْتِيهِمْ لَهَبٌ مِن أسْفَلَ مِنهُمْ، فَإذا أتاهم ذَلِكَ اللَّهَبُ ضَوْضَوْا، قُلْتُ: ما هَؤُلاءِ؟ فَقالا لِي: انْطَلِقْ. فانْطَلَقْنا، فَأتَيْنا عَلى نَهْرٍ أحْمَرَ مِثْلِ الدَّمِ، وإذا في النَّهْرِ رَجُلٌ سابِحٌ يَسْبَحُ، وإذا عَلى شاطِئِ النَّهْرِ رَجُلٌ عِنْدَهُ حِجارَةٌ كَثِيرَةٌ، وإذا ذَلِكَ السّابِحُ يَسْبَحُ ما يَسْبَحُ، ثُمَّ يَأْتِي الَّذِي قَدْ جَمَعَ عِنْدَهُ الحِجارَةَ، فَيَفْغَرُ لَهُ فاهُ فَيُلْقِمُهُ حَجَرًا، فَيَنْطَلِقُ فَيَسْبَحُ، ثُمَّ يَرْجِعُ إلَيْهِ، كُلَّما رَجَعَ فَغَرَ لَهُ فاهُ فَألْقَمَهُ حَجَرًا، قُلْتُ لَهُما: ما هَذانِ؟ قالا لِي: انْطَلِقْ. فانْطَلَقْنا فَأتَيْنا عَلى رَجُلٍ كَرِيهِ المِرْآةِ كَأكْرَهِ ما أنْتَ راءٍ، وإذا هو عِنْدَهُ نارٌ يَحُشُّها ويَسْعى حَوْلَها، قُلْتُ لَهُما: ما هَذا؟ قالا لِي: انْطَلِقْ. فانْطَلَقْنا فَأتَيْنا عَلى رَوْضَةٍ مُعْتِمَةٍ، فِيها مِن كُلِّ نُورِ الرَّبِيعِ، وإذا بَيْنَ ظَهْرَيِ الرَّوْضَةِ رَجُلٌ طَوِيلٌ لا أكادُ أرى رَأْسَهُ طُولًا في السَّماءِ، وإذا حَوْلَ الرَّجُلِ مِن أكْثَرِ وِلْدانٍ رَأيْتُهم قَطُّ، قالا لِي: انْطَلِقْ. فانْطَلَقْنا فانْتَهَيْنا إلى رَوْضَةٍ عَظِيمَةٍ لَمْ أرَ رَوْضَةً قَطُّ أعْظَمَ مِنها ولا أحْسَنَ. قالا لِي: ارْقَ فِيها. فارْتَقَيْنا فِيها، فانْتَهَيْنا إلى مَدِينَةٍ مَبْنِيَّةٍ بِلَبِنٍ ذَهَبٍ ولَبِنٍ فِضَّةٍ، فَأتَيْنا بابَ المَدِينَةِ، فاسْتَفْتَحْنا فَفُتِحَ لَنا، فَدَخَلْناها، فَتَلَقّانا فِيها رِجالٌ شَطْرٌ مِن خَلْقِهِمْ كَأحْسَنِ ما أنْتَ راءٍ، وشَطْرٌ كَأقْبَحِ ما أنْتَ راءٍ، قالا لَهُمُ: اذْهَبُوا فَقَعُوا في ذَلِكَ النَّهْرِ. فَإذا (p-٥١٥)نَهْرٌ مُعْتَرِضٌ يَجْرِي كَأنَّ ماءَهُ المَحْضُ في البَياضِ، فَذَهَبُوا فَوَقَعُوا فِيهِ، ثُمَّ رَجَعُوا إلَيْنا قَدْ ذَهَبَ السُّوءُ عَنْهُمْ، فَصارُوا في أحْسَنِ صُورَةٍ، قالا لِي: هَذِهِ جَنَّةُ عَدْنٍ وهَذاكَ مَنزِلُكَ. قُلْتُ لَهُما: بارَكَ اللَّهُ فِيكُما، ذَرانِي فَأدْخُلَهُ. قالا: أمّا الآنَ فَلا، وأنْتَ داخِلُهُ. قُلْتُ لَهُما: فَإنِّي رَأيْتُ مُنْذُ اللَّيْلَةِ عَجَبًاٌ فَما هَذا الَّذِي رَأيْتُ؟ قالا لِي: أمّا الرَّجُلُ الأوَّلُ الَّذِي أتَيْتَ عَلَيْهِ يُثْلَغُ رَأْسُهُ بِالحَجَرِ فَإنَّهُ الرَّجُلُ يَأْخُذُ القُرْآنَ فَيَرْفُضُهُ ويَنامُ عَنِ الصَّلاةِ المَكْتُوبَةِ، يُفْعَلُ بِهِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، وأمّا الرَّجُلُ الَّذِي أتَيْتَ عَلَيْهِ يُشَرْشَرُ شِدْقُهُ إلى قَفاهُ، ومَنخِرُهُ إلى قَفاهُ، وعَيْنُهُ إلى قَفاهُ، فَإنَّهُ الرَّجُلُ يَغْدُو مِن بَيْتِهِ فَيَكْذِبُ الكَذْبَةَ تَبْلُغُ الآفاقَ، فَيُصْنَعُ بِهِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، وأمّا الرِّجالُ والنَّساءُ العُراةُ الَّذِينَ في مِثْلِ التَّنُّورِ، فَإنَّهُمُ الزُّناةُ والزَّوانِي، وأمّا الرَّجُلُ الَّذِي أتَيْتَ عَلَيْهِ، يَسْبَحُ في النَّهْرِ، ويُلْقَمُ الحِجارَةُ، فَإنَّهُ آكِلُ الرِّبا، وأمّا الرَّجُلُ الكَرِيهُ المِرْآةِ الَّذِي عِنْدَهُ النّارُ يَحُشُّها، فَإنَّهُ مالِكٌ خازِنُ النّارِ، وأمّا الرَّجُلُ الطَّوِيلُ الَّذِي في الرَّوْضَةِ، فَإنَّهُ إبْراهِيمُ ﷺ، وأمّا الوِلْدانُ الَّذِينَ حَوْلَهُ، فَكُلُّ مَوْلُودٍ ماتَ عَلى الفِطْرَةِ، وأمّا القَوْمُ الَّذِينَ كانُوا شَطْرٌ مِنهم حَسَنٌ وشَطْرٌ مِنهم قَبِيحٌ، فَإنَّهم قَوْمٌ خَلَطُوا عَمَلًا صالِحًا وآخَرَ سَيِّئًا تَجاوَزَ اللَّهُ عَنْهُمْ، وأنا جِبْرِيلُ وهَذا مِيكائِيلُ» .
(p-٥١٦)وأخْرَجَ الخَطِيبُ في ”تارِيخِهِ“ عَنْ أبِي مُوسى أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «رَأيْتُ رِجالًا تُقْرَضُ جُلُودُهم بِمَقارِيضَ مِن نارٍ، قُلْتُ: ما هَؤُلاءِ؟ قالَ: هَؤُلاءِ الَّذِينَ يَتَزَيَّنُونَ إلى ما لا يَحِلُّ لَهم. ورَأيْتُ جُبًّا خَبِيثَ الرِّيحِ وفِيهِ صِياحٌ، قُلْتُ: ما هَذا؟ قالَ: هُنَّ نِساءٌ يَتَزَيَّنَّ إلى ما لا يَحِلُّ لَهُنَّ. ورَأيْتُ قَوْمًا اغْتَسَلُوا في ماءِ الحَياةِ، قُلْتُ: ما هَؤُلاءِ؟ قالَ: هم قَوْمٌ خَلَطُوا عَمَلًا صالِحًا وآخَرَ سَيِّئًا» .
وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ عَنِ الأسْوَدِ بْنِ قَيْسٍ العَبْدِيِّ قالَ: لَقِيَ الحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ يَوْمًا حَبِيبَ بْنَ مَسْلَمَةَ فَقالَ: يا حَبِيبُ، رُبَّ مَسِيرٍ لَكَ في غَيْرِ طاعَةِ اللَّهِ. فَقالَ: أمّا مَسِيرِي إلى أبِيكَ فَلَيْسَ مِن ذَلِكَ. قالَ: بَلى ولَكِنَّكَ أطَعْتَ مُعاوِيَةَ عَلى دُنْيا قَلِيلَةٍ زائِلَةٍ، فَلَئِنْ قامَ بِكَ في دُنْياكَ لَقَدْ قَعَدَ بِكَ في دِينِكَ، ولَوْ كُنْتَ إذَنْ فَعَلْتَ شَرًّا قَلْتَ خَيْرًا كانَ ذَلِكَ كَما قالَ اللَّهُ: ﴿خَلَطُوا عَمَلا صالِحًا وآخَرَ سَيِّئًا﴾ ولَكِنَّكَ كَما قالَ اللَّهُ: ﴿كَلا بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين: ١٤] .
التوبة 9:103
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿خُذْ مِن أمْوالِهِمْ﴾ . الآيَةَ. أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الضَّحّاكِ في قَوْلِهِ: ﴿خُذْ مِن أمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهم وتُزَكِّيهِمْ بِها﴾ قالَ: مِن ذُنُوبِهِمُ الَّتِي أصابُوا.
(p-٥١٧)وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ قالَ: اسْتَغْفِرْ لَهم مِن ذُنُوبِهِمُ الَّتِي أصابُوها، ﴿إنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ قالَ: رَحْمَةٌ لَهم.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿وصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ يَقُولُ: ادْعُ لَهُمْ، ﴿إنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ قالَ: اسْتِغْفارُكَ يُسَكِّنُ قُلُوبَهم ويُطَمْئِنُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، والبُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، وأبُو داوُدَ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ ماجَهْ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي أوْفى قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذا أُتِيَ بِصَدَقَةٍ قالَ: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلى آلِ فُلانٍ. فَأتاهُ أبِي بِصَدَقَتِهِ، فَقالَ: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلى آلِ أبِي أوْفى» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿سَكَنٌ لَهُمْ﴾ قالَ: قُرْبَةٌ لَهم.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ: سَكَنٌ لَهم. قالَ: أمْنٌ لَهم.
(p-٥١٨)وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: «أتانا النَّبِيُّ ﷺ، فَقالَتْ لَهُ امْرَأتِي: يا رَسُولَ اللَّهِ، صَلَّ عَلَيَّ وعَلى زَوْجِي. فَقالَ: صَلّى اللَّهُ عَلَيْكِ وعَلى زَوْجِكِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنْ خارِجَةَ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ عَمِّهِ يَزِيدَ بْنِ ثابِتٍ، وكانَ أكْبَرَ مِن زَيْدٍ، قالَ: «خَرَجْنا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَلَمّا ورَدْنا البَقِيعَ إذا هو بِقَبْرٍ جَدِيدٍ، فَسَألَ عَنْهُ، فَقالُوا: فُلانَةُ. فَعَرَفَها، فَقالَ: أفَلا آذَنْتُمُونِي بِها؟ قالُوا: كُنْتَ قائِلًا، فَكَرِهْنا أنْ نُؤْذِيَكَ. فَقالَ: لا تَفْعَلُوا، ما ماتَ مِنكم مَيِّتٌ ما دُمْتُ بَيْنَ أظْهُرِكم إلّا آذَنْتُمُونِي بِهِ؛ فَإنَّ صَلاتِي عَلَيْهِ رَحْمَةٌ» .
وأخْرَجَ البارُودِيُّ في ”مَعْرِفَةِ الصَّحابَةِ“، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنْ دَيْسَمٍ السَّدُوسِيِّ قالَ: قُلْنا لِبَشِيرِ ابْنِ الخَصاصِيَّةِ: إنَّ أصْحابَ الصَّدَقَةِ يَعْتَدُونَ عَلَيْنا، أفَنَكْتُمُ مِن أمْوالِنا بِقَدْرِ ما يَعْتَدُونَ عَلَيْنا؟ فَقالَ: إذا جاءُوكم فاجْمَعُوها، ثُمَّ مُرُوهم فَلْيُصَلُّوا عَلَيْكم. ثُمَّ تَلا هَذِهِ الآيَةَ: ﴿خُذْ مِن أمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهم وتُزَكِّيهِمْ بِها وصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ (p-٥١٩)
التوبة 9:104
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ يَعْلَمُوا﴾ . الآيَةَ. أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ زَيْدٍ قالَ: قالَ الآخَرُونَ: هَؤُلاءِ كانُوا مَعَنا بِالأمْسِ لا يُكَلَّمُونَ ولا يُجالَسُونَ، فَما لَهُمْ؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿ألَمْ يَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ هو يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ﴾ الآيَةَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، والحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ في ”نَوادِرِ الأُصُولِ“، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: ما تَصَدَّقَ رَجُلٌ بِصَدَقَةٍ إلّا وقَعَتْ في يَدِ اللَّهِ قَبْلَ أنْ تَقَعَ في يَدِ السّائِلِ. قالَ: وهو يَضَعُها في يَدِ السّائِلِ. ثُمَّ قَرَأ: ﴿ألَمْ يَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ هو يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ ويَأْخُذُ الصَّدَقاتِ﴾ .
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ في قَوْلِهِ: ﴿ويَأْخُذُ الصَّدَقاتِ﴾ قالَ: إنَّ اللَّهَ يَقْبَلُ الصَّدَقَةَ إذا كانَتْ مِن طَيِّبٍ، ويَأْخُذُها بِيَمِينِهِ، وإنَّ الرَّجُلَ لَيَتَصَدَّقُ بِمِثْلِ اللُّقْمَةِ فَيُرَبِّيها لَهُ كَما يُرَبِّي أحَدُكم فَصِيلَهُ أوْ مُهْرَهُ، فَتَرْبُو في كَفِّ اللَّهِ حَتّى تَكُونَ مِثْلَ أُحُدٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، ما مِن عَبْدٍ يَتَصَدَّقُ (p-٥٢٠)بِصَدَقَةٍ طَيِّبَةٍ مِن كَسْبٍ طَيِّبٍ - ولا يَقْبَلُ اللَّهُ إلّا طِيبًا، ولا يَصْعَدُ إلى السَّماءِ إلّا طِيبٌ - فَيَضَعُها في حَقٍّ إلّا كانَتْ كَأنَّما يَضَعُها في يَدِ الرَّحْمَنِ، فَيُرَبِّيها لَهُ كَما يُرَبِّي أحَدُكم فَلُوَّهُ أوْ فَصِيلَهُ، حَتّى إنَّ اللُّقْمَةَ أوِ التَّمْرَةَ لَتَأْتِي يَوْمَ القِيامَةِ مِثْلَ الجَبَلِ العَظِيمِ. وتَصْدِيقُ ذَلِكَ في كِتابِ اللَّهِ: ﴿ألَمْ يَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ هو يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ ويَأْخُذُ الصَّدَقاتِ﴾ [التوبة»: ١٠٤] .
وأخْرَجَ الدّارَقُطْنِيُّ في ”الأفْرادِ“ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «تَصَدَّقُوا، فَإنَّ أحَدَكم يُعْطِي اللُّقْمَةَ أوِ الشَّيْءَ، فَتَقَعُ في يَدِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ قَبْلَ أنْ تَقَعَ في يَدِ السّائِلِ - ثُمَّ تَلا هَذِهِ الآيَةَ: ﴿ألَمْ يَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ هو يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ ويَأْخُذُ الصَّدَقاتِ﴾ فَيُرَبِّيها كَما يُرَبِّي أحَدُكم مُهْرَهُ أوْ فَصِيلَهُ، فَيُوَفِّيها إيّاهُ يَوْمَ القِيامَةِ» .
التوبة 9:105
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقُلِ اعْمَلُوا﴾ . الآيَةَ. أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرى اللَّهُ عَمَلَكم ورَسُولُهُ﴾ قالَ: هَذا وعِيدٌ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، والطَّبَرانِيُّ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الأكْوَعِ، «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَرَأ: ﴿فَسَيَرى اللَّهُ عَمَلَكم ورَسُولُهُ والمُؤْمِنُونَ﴾ [التوبة»: ١٠٥] .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الأكْوَعِ (p-٥٢١)قالَ: «مُرَّ بِجِنازَةٍ فَأُثْنِيَ عَلَيْها، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: وجَبَتْ. ثُمَّ مُرَّ بِجِنازَةٍ أُخْرى فَأُثْنِيَ عَلَيْها، فَقالَ: وجَبَتْ. فَسُئِلَ عَنْ ذَلِكَ، فَقالَ: إنَّ المَلائِكَةَ شُهَداءُ اللَّهِ في السَّماءِ وأنْتُمْ شُهَداءُ اللَّهِ في الأرْضِ، فَما شَهِدْتُمْ عَلَيْهِ مِن شَيْءٍ وجَبَ. وذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ: ﴿وقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرى اللَّهُ عَمَلَكم ورَسُولُهُ والمُؤْمِنُونَ﴾ [التوبة»: ١٠٥] .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: ما احْتَقَرْتُ أعْمالَ أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حَتّى نَجَمَ القُرّاءُ الَّذِينَ طَعَنُوا عَلى عُثْمانَ، فَقالُوا قَوْلًا لا نُحْسِنُ مِثْلَهُ، وقَرَءُوا قِراءَةً لا نَقْرَأُ مِثْلَها، وصَلَّوْا صَلاةً لا نُصَلِّي مِثْلَها، فَلَمّا تَذَكَّرْتُ، إذَنْ واللَّهِ ما يُقارِبُونَ عَمَلَ أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؛ فَإذا أعْجَبَكَ حُسْنُ قَوْلِ امْرِئٍ مِنهم فَقُلْ: ﴿اعْمَلُوا فَسَيَرى اللَّهُ عَمَلَكم ورَسُولُهُ والمُؤْمِنُونَ﴾ ولا يَسْتَخِفَّنَّكَ أحَدٌ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ، وابْنُ أبِي الدُّنْيا في ”الإخْلاصِ“، وأبُو يَعْلى، وابْنُ حِبّانَ، والحاكِمُ، والبَيْهَقِيُّ في ”الشُّعَبِ“، والضِّياءُ في ”المُخْتارَةِ“، عَنْ أبِي سَعِيدٍ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قالَ: «لَوْ أنَّ أحَدَكم يَعْمَلُ في صَخْرَةٍ صَمّاءَ لَيْسَ لَها بابٌ ولا كُوَّةٌ لَأخْرَجَ اللَّهُ عَمَلَهُ لِلنّاسِ كائِنًا ما كانَ» .
التوبة 9:106
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وآخَرُونَ مُرْجَوْنَ﴾ . الآيَةَ. (p-٥٢٢)أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ عِكْرِمَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لأمْرِ اللَّهِ﴾ قالَ: هُمُ الثَّلاثَةُ الَّذِينَ خُلِّفُوا.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وآخَرُونَ مُرْجَوْنَ﴾ قالَ: هِلالُ بْنُ أُمَيَّةُ، ومُرارَةُ بْنُ رِبْعِيٍّ، وكَعْبُ بْنُ مالِكٍ، مِنَ الأوْسِ والخَزْرَجِ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ، أنَّ أبا لُبابَةَ أشارَ إلى بَنِي قُرَيْظَةَ بِأُصْبُعِهِ أنَّهُ الذَّبْحُ، فَقالَ: خُنْتُ اللَّهَ ورَسُولَهُ. فَنَزَلَتْ: ﴿لا تَخُونُوا اللَّهَ والرَّسُولَ﴾ [الأنفال: ٢٧] ونَزَلَتْ: ﴿وآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لأمْرِ اللَّهِ﴾ فَكانَ مِمَّنْ تابَ اللَّهُ عَلَيْهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿إمّا يُعَذِّبُهُمْ﴾ يَقُولُ: يُمِيتُهم عَلى مَعْصِيَةٍ: ﴿وإمّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ﴾ فَأرَجَأ أمْرَهُمْ، ثُمَّ نَسَخَها فَقالَ: ﴿وعَلى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ [التوبة: ١١٨] .
التوبة 9:107
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا﴾ . الآيَةَ. أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، والبَيْهَقِيُّ في ”الدَّلائِلِ“، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «فِي قَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرارًا﴾ قالَ: هم أُناسٌ مِنَ الأنْصارِ ابْتَنَوْا مَسْجِدًا، فَقالَ لَهم أبُو عامِرٍ: ابْنُوا مَسْجِدَكُمْ، واسْتَمِدُّوا بِما اسْتَطَعْتُمْ مِن قُوَّةٍ وسِلاحٍ، فَإنِّي ذاهِبٌ إلى قَيْصَرَ مِلْكِ الرُّومِ، فَآتِي (p-٥٢٣)بِجُنْدٍ مِنِ الرُّومِ، فَأُخْرِجُ مُحَمَّدًا وأصْحابَهُ. فَلَمّا فَرَغُوا مِن مَسْجِدِهِمْ أتَوُا النَّبِيَّ ﷺ فَقالُوا: قَدْ فَرَغْنا مِن بِناءِ مَسْجِدِنا، فَنُحِبُّ أنْ تُصَلِّيَ فِيهِ، وتَدْعُوَ بِالبَرَكَةِ. فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿لا تَقُمْ فِيهِ أبَدًا﴾ [التوبة»: ١٠٨] .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «لَمّا بَنى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَسْجِدَ قُباءٍ، خَرَجَ رِجالٌ مِنَ الأنْصارِ؛ مِنهم بَحْزَجٌ جَدُّ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُنَيْفٍ، ووَدِيعَةُ بْنُ خِذامٍ، ومُجَمِّعُ بْنُ جارِيَةَ الأنْصارِيُّ، فَبَنَوْا مَسْجِدَ النِّفاقِ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِبَحْزَجٍ: ويْلَكَ يا بَحْزَجُ! ما أرَدْتَ إلى ما أرى؟ قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، واللَّهِ ما أرَدْتُ إلّا الحُسْنى. وهو كاذِبٌ، فَصَدَّقَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وأرادَ أنْ يَعْذِرَهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿والَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرارًا وكُفْرًا وتَفْرِيقًا بَيْنَ المُؤْمِنِينَ وإرْصادًا لِمَن حارَبَ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ يَعْنِي رَجُلًا يُقالُ لَهُ: أبُو عامِرٍ. كانَ مُحارِبًا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وكانَ قَدِ انْطَلَقَ إلى هِرَقْلَ، وكانُوا يَرْصُدُونَ إذا قَدِمَ أبُو عامِرٍ أنْ يُصَلِّيَ فِيهِ، وكانَ قَدْ خَرَجَ مِنَ المَدِينَةِ مُحارِبًا لِلَّهِ ولِرَسُولِهِ» .
(p-٥٢٤)وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ ذُكِرَ «أنَّ بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ ابْتَنَوْا مَسْجِدًا، فَبَعَثُوا إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنْ يَأْتِيَهم فَيُصَلِّيَ في مَسْجِدِهِمْ، فَأتاهم فَصَلّى فِيهِ، فَلَمّا رَأوْا ذَلِكَ إخْوَتُهم بَنُو غَنَمِ بْنِ عَوْفٍ حَسَدُوهُمْ، فَقالُوا: نَبْنِي نَحْنُ أيْضًا مَسْجِدًا كَما بَنى إخْوانُنا، فَنُرْسِلُ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَيُصَلِّي فِيهِ، ولَعَلَّ أبا عامِرٍ أنْ يَمُرَّ بِنا فَيُصَلِّيَ فِيهِ. فَبَنَوْا مَسْجِدًا، فَأرْسَلُوا إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنْ يَأْتِيَهم فَيُصَلِّيَ في مَسْجِدِهِمْ، كَما صَلّى في مَسْجِدِ إخْوَتِهِمْ، فَلَمّا جاءَ الرَّسُولُ قامَ لِيَأْتِيَهُمْ، أوْ هَمَّ أنْ يَأْتِيَهُمْ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿والَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرارًا﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿لا يَزالُ بُنْيانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً في قُلُوبِهِمْ﴾ [التوبة: ١١٠] إلى آخِرِ الآيَةِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا﴾ قالَ: المُنافِقُونَ. وفي قَوْلِهِ: ﴿وإرْصادًا لِمَن حارَبَ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ قالَ: لِأبِي عامِرٍ الرّاهِبِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ «فِي قَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرارًا﴾ قالَ: إنْ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ بَنى مَسْجِدًا بِقُباءٍ، فَعارَضَهُ المُنافِقُونَ بِآخَرَ، ثُمَّ بَعَثُوا إلَيْهِ لِيُصَلِّيَ فِيهِ، فَأطْلَعَ اللَّهُ نَبِيَّهُ ﷺ عَلى ذَلِكَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «دَعا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مالِكَ بْنَ الدُّخْشُمِ، فَقالَ: مالِكٌ لِعاصِمٍ: أنْظِرْنِي حَتّى أخْرُجَ إلَيْكَ بِنارٍ مِن أهْلِي. فَدَخَلَ عَلى أهْلِهِ، فَأخَذَ سَعَفاتٍ مِن نارٍ، ثُمَّ خَرَجُوا يَشْتَدُّونَ حَتّى دَخَلُوا المَسْجِدَ وفِيهِ أهْلُهُ، فَحَرَّقُوهُ وهَدَمُوهُ، وخَرَجَ أهْلُهُ فَتَفَرَّقُوا عَنْهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ في شَأْنِ المَسْجِدِ وأهْلِهِ: ﴿والَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرارًا وكُفْرًا﴾ (p-٥٢٥)إلى قَوْلِهِ: ﴿عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة»: ١١٠] .
وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنْ أبِي رُهْمٍ كُلْثُومِ بْنِ الحُصَيْنِ الغِفارِيِّ، وكانَ مِنَ الصَّحابَةِ الَّذِينَ بايَعُوا تَحْتَ الشَّجَرَةِ، قالَ: «أقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتّى نَزَلَ بِذِي أوانٍ، بَيْنَهُ وبَيْنَ المَدِينَةِ ساعَةٌ مِن نَهارٍ، وكانَ مِن مَسْجِدِ ضِرارٍ قَدْ أتَوْهُ وهو يَتَجَهَّزُ إلى تَبُوكَ، فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنّا بَنَيْنا مَسْجِدًا لِذِي العِلَّةِ والحاجَةِ واللَّيْلَةِ الشّاتِيَةِ واللَّيْلَةِ المَطِيرَةِ، وإنّا نُحِبُّ أنْ تَأْتِيَنا فَتُصَلِّيَ لَنا فِيهِ. قالَ: إنِّي عَلى جَناحِ سَفَرٍ، ولَوْ قَدِمْنا إنْ شاءَ اللَّهُ أتَيْناكم فَصَلَّيْنا لَكم فِيهِ. فَلَمّا نَزَلَ بِذِي أوانٍ أتاهُ خَبَرُ المَسْجِدِ، فَدَعا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مالِكَ بْنَ الدُّخْشُمِ أخا بَنِي سالِمِ بْنِ عَوْفٍ، ومَعْنَ بْنَ عَدِيٍّ أوْ أخاهُ عاصِمَ بْنَ عَدِيٍّ أحَدَ بَلْعَجْلانَ، فَقالَ: انْطَلِقا إلى هَذا المَسْجِدِ الظّالِمِ أهْلُهُ، فاهْدِماهُ وحَرِّقاهُ. فَخَرَجا سَرِيعَيْنِ حَتّى أتَيا بَنِي سالِمِ بْنِ عَوْفٍ، وهم رَهْطُ مالِكِ بْنِ الدُّخْشُمِ، فَقالَ مالِكٌ لِمَعْنٍ: أنْظِرْنِي حَتّى أخْرُجَ إلَيْكَ. فَدَخَلَ إلى أهْلِهِ فَأخَذَ سَعَفًا مِنَ النَّخْلِ، فَأشْعَلَ فِيهِ نارًا، ثُمَّ خَرَجَ يَشْتَدّانِ، وفِيهِ أهْلُهُ، فَحَرَّقاهُ وهَدَماهُ، وتَفَرَّقُوا عَنْهُ، وفِيهِمْ نَزَلَ مِنَ القُرْآنِ ما نَزَلْ: ﴿والَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرارًا وكُفْرًا﴾ إلى آخِرِ القِصَّةِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الضَّحّاكِ في قَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا﴾ (p-٥٢٦)قالَ: هم ناسٌ مِنَ الأنْصارِ ابْتَنَوْا مَسْجِدًا قَرِيبًا مِن مَسْجِدِ قُباءٍ، ومَسْجِدُ قُباءٍ، بَلَغَنا أنَّهُ أوَّلُ مَسْجِدٍ بُنِيَ في الإسْلامِ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ إسْحاقَ قالَ: كانَ الَّذِينَ بَنَوُا اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا؛ خِذامُ بْنُ خالِدِ بْنِ عَبِيدِ بْنِ زَيْدٍ، وثَعْلَبَةُ بْنُ حاطِبٍ، وهَزّالُ بْنُ أُمَيَّةَ، ومُعَتِّبُ بْنُ قُشَيْرٍ وأبُو حَبِيبَةَ بْنُ الأزْعَرِ، وعَبّادُ بْنُ حُنَيْفٍ، وجارِيَةُ بْنُ عامِرٍ، وابْناهُ مُجَمِّعٌ وزَيْدٌ، ونَبْتَلُ بْنُ الحارِثِ، وبَحْزَجُ بْنُ عُثْمانَ، ووَدِيعَةُ بْنُ ثابِتٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرارًا﴾ قالَ: ضارُّوا أهْلَ قُباءٍ، ﴿وتَفْرِيقًا بَيْنَ المُؤْمِنِينَ﴾ قالَ: فَإنَّ أهْلَ قُباءٍ كانُوا يُصَلُّونَ في مَسْجِدِ قُباءٍ كُلُّهُمْ، فَلَمّا بُنِيَ ذَلِكَ أقْصَرَ عَنْ مَسْجِدِ قُباءٍ مَن كانَ يَحْضُرُهُ وصَلَّوْا فِيهِ، ﴿ولَيَحْلِفُنَّ إنْ أرَدْنا إلا الحُسْنى﴾: فَحَلَفُوا ما أرادُوا بِهِ إلّا الخَيْرَ.
التوبة 9:108
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلى التَّقْوى مِن أوَّلِ يَوْمٍ أحَقُّ أنْ تَقُومَ فِيهِ﴾ (p-٥٢٧)أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأحْمَدُ، ومُسْلِمٌ، والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ، وأبُو يَعْلى، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ خُزَيْمَةَ، وابْنُ حِبّانَ، وأبُو الشَّيْخِ، والحاكِمُ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، والبَيْهَقِيُّ في ”الدَّلائِلِ“، عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قالَ: «اخْتَلَفَ رَجُلانِ، رَجُلٌ مِن بَنِي خُدْرَةَ وفي لَفْظٍ: تَمارَيْتُ أنا ورَجُلٌ مِن بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ في المَسْجِدِ الَّذِي أُسِّسَ عَلى التَّقْوى، فَقالَ الخُدْرِيُّ: هو مَسْجِدُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وقالَ العَمْرِيُّ: هو مَسْجِدُ قُباءٍ. فَأتَيا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَسَألاهُ عَنْ ذَلِكَ، فَقالَ: هو هَذا المَسْجِدُ. لِمَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وقالَ: في ذَلِكَ خَيْرٌ كَثِيرٌ. يَعْنِي مَسْجِدَ قُباءٍ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأحْمَدُ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والزُّبَيْرُ بْنُ بَكّارٍ في ”أخْبارِ المَدِينَةِ“، وأبُو يَعْلى، وابْنُ حِبّانَ، والطَّبَرانِيُّ، والحاكِمُ في ”الكُنى“، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السّاعِدِيِّ قالَ: «اخْتَلَفَ رَجُلانِ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في المَسْجِدِ الَّذِي أُسِّسَ عَلى التَّقْوى، فَقالَ أحَدُهُما: هو مَسْجِدُ الرَّسُولِ ﷺ . وقالَ الآخَرُ: هو مَسْجِدُ قُباءٍ. فَأتَيا النَّبِيَّ ﷺ فَسَألاهُ، فَقالَ: هو مَسْجِدِي هَذا» .
(p-٥٢٨)وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأحْمَدُ، وابْنُ المُنْذِرِ وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، والخَطِيبُ، والضِّياءُ في ”المُخْتارَةِ“، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قالَ: «سَألْتُ النَّبِيَّ ﷺ عَنِ المَسْجِدِ الَّذِي أُسِّسَ عَلى التَّقْوى، فَقالَ: هو مَسْجِدِي هَذا» .
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، والضِّياءُ المَقْدِسِيُّ في ”المُخْتارَةِ“، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ، «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سُئِلَ عَنِ المَسْجِدِ الَّذِي أُسِّسَ عَلى التَّقْوى، فَقالَ: هو مَسْجِدِي هَذا» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، مِن طَرِيقِ عُرْوَةَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ قالَ: المَسْجِدُ الَّذِي أُسِّسَ عَلى التَّقْوى مِن أوَّلِ يَوْمِ مَسْجِدُ النَّبِيِّ ﷺ . قالَ عُرْوَةُ: مَسْجِدُ النَّبِيِّ ﷺ خَيْرٌ مِنهُ، إنَّما أُنْزِلَتْ في مَسْجِدِ قُباءٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: المَسْجِدُ الَّذِي أُسِّسَ عَلى التَّقْوى مَسْجِدُ النَّبِيِّ ﷺ .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قالَ: المَسْجِدُ الَّذِي أُسِّسَ عَلى التَّقْوى هو مَسْجِدُ النَّبِيِّ ﷺ .
وأخْرَجَ الزُّبَيْرُ بْنُ بَكّارٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، مِن طَرِيقِ عُثْمانَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وأبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ، وزَيْدِ بْنِ ثابِتٍ قالُوا: المَسْجِدُ (p-٥٢٩)الَّذِي أُسِّسَ عَلى التَّقْوى مَسْجِدُ الرَّسُولِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ قالَ: المَسْجِدُ الَّذِي أُسِّسَ عَلى التَّقْوى مَسْجِدُ المَدِينَةِ الأعْظَمُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في ”الدَّلائِلِ“، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلى التَّقْوى﴾ يَعْنِي مَسْجِدَ قُباءٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، أنَّهُ كانَ يَرى كُلَّ مَسْجِدٍ بُنِيَ بِالمَدِينَةِ أُسِّسَ عَلى التَّقْوى.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عَمّارٍ الدُّهْنِيِّ قالَ: دَخَلْتُ مَسْجِدَ قُباءٍ أُصَلِّي فِيهِ، فَأبْصَرَنِي أبُو سَلَمَةَ فَقالَ: أحْبَبْتَ أنْ تُصَلِّيَ في مَسْجِدٍ أُسِّسَ عَلى التَّقْوى مِن أوَّلِ يَوْمٍ؟ فَأخْبَرَنِي أنَّ ما بَيْنَ الصَّوْمَعَةِ إلى القِبْلَةِ زِيادَةٌ زادَها عُثْمانُ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ الضَّحّاكِ في قَوْلِهِ: ﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلى التَّقْوى﴾ قالَ: هو مَسْجِدُ قُباءٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، والتِّرْمِذِيُّ، والحاكِمُ وصَحَّحاهُ، وابْنُ ماجَهْ، عَنْ أُسَيْدِ بْنِ ظُهَيْرٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «صَلاةٌ في مَسْجِدِ قُباءٍ كَعُمْرَةٍ» . قالَ (p-٥٣٠)التِّرْمِذِيُّ: لا نَعْرِفُ لِأُسَيْدِ بْنِ ظُهَيْرٍ شَيْءٌ يَصِحُّ غَيْرَ هَذا الحَدِيثِ.
وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ عَنْ ظُهَيْرِ بْنِ رافِعٍ الحارِثِيِّ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «مَن صَلّى في مَسْجِدِ قُباءٍ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ والخَمِيسِ، انْقَلَبَ بِأجْرِ عُمْرَةٍ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُكْثِرُ الِاخْتِلافَ إلى قُباءٍ ماشِيًا وراكِبًا» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأحْمَدُ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ ماجَهْ، عَنْ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَن خَرَجَ حَتّى يَأْتِيَ هَذا المَسْجِدَ؛ مَسْجِدَ قُباءٍ، فَيُصَلِّيَ فِيهِ، كانَ كَعِدْلِ عُمْرَةٍ» .
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أنْ يَتَطَهَّرُوا﴾ . الآيَةَ. أخْرَجَ أبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ، وابْنُ ماجَهْ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، «عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في أهْلِ قُباءٍ: ﴿فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أنْ يَتَطَهَّرُوا﴾ قالَ: كانُوا يَسْتَنْجُونَ بِالماءِ، فَنَزَلَتْ فِيهِمْ هَذِهِ الآيَةُ» .
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، وأبُو الشَّيْخِ، والحاكِمُ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ (p-٥٣١)قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أنْ يَتَطَهَّرُوا﴾ بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى عُوَيْمِ بْنِ ساعِدَةَ فَقالَ: ما هَذا الطُّهُورُ الَّذِي أثْنى اللَّهُ عَلَيْكُمْ؟ فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، ما خَرَجَ مِنّا رَجُلٌ ولا امْرَأةٌ مِنَ الغائِطِ إلّا غَسَلَ فَرْجَهُ. أوْ قالَ: مَقْعَدَتَهُ. فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: هو هَذا» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ، وابْنُ خُزَيْمَةَ، والطَّبَرانِيُّ، والحاكِمُ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنْ عُوَيْمِ بْنِ ساعِدَةَ الأنْصارِيِّ، «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ أتاهم في مَسْجِدِ قُباءٍ، فَقالَ: إنَّ اللَّهَ قَدْ أحْسَنَ عَلَيْكُمُ الثَّناءَ في الطُّهُورِ في قِصَّةِ مَسْجِدِكُمْ، فَما هَذا الطُّهُورُ الَّذِي تَطَّهَّرُونَ بِهِ؟ قالُوا: واللَّهِ يا رَسُولَ اللَّهِ ما نَعْلَمُ شَيْئًا إلّا أنَّهُ كانَ لَنا جِيرانٌ مِنَ اليَهُودِ، فَكانُوا يَغْسِلُونَ أدْبارَهم مِنَ الغائِطِ، فَغَسَلْنا كَما غَسَلُوا» .
وأخْرَجَ ابْنُ ماجَهْ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ الجارُودِ في ”المُنْتَقِي“، والدّارَقُطْنِيُّ، والحاكِمُ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، وابْنُ عَساكِرَ، عَنْ طَلْحَةَ بْنِ نافِعٍ قالَ: حَدَّثَنِي أبُو أيُّوبَ، وجابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وأنَسُ بْنُ مالِكٍ، «أنَّ هَذِهِ الآيَةَ لَمّا نَزَلَتْ: ﴿فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أنْ يَتَطَهَّرُوا﴾ قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: يا مَعْشَرَ الأنْصارِ، إنَّ اللَّهَ قَدْ أثْنى عَلَيْكم خَيْرًا في الطُّهُورِ، فَما طُهُورُكم هَذا؟ قالُوا: نَتَوَضَّأُ لِلصَّلاةِ، ونَغْتَسِلُ مِنَ الجَنابَةِ. قالَ: فَهَلْ مَعَ ذَلِكَ غَيْرُهُ؟ قالُوا: لا، غَيْرَ أنَّ أحَدَنا إذا خَرَجَ إلى الغائِطِ أحَبَّ أنْ يَسْتَنْجِيَ بِالماءِ. قالَ: هو (p-٥٣٢)ذاكَ فَعَلَيْكُمُوهُ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ في ”المُصَنَّفِ“ عَنْ مُجَمِّعِ بْنِ يَعْقُوبَ بْنِ مُجَمِّعٍ، «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ لِعُوَيْمِ بْنِ ساعِدَةَ: ما هَذا الطُّهُورُ الَّذِي أثْنى اللَّهُ عَلَيْكُمْ؟ فَقالُوا: نَغْسِلُ الأدْبارَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأحْمَدُ، والبُخارِيُّ، في ”تارِيخِهِ“، وابْنُ جَرِيرٍ، والبَغَوِيُّ في ”مُعْجَمِهِ“، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، وأبُو نُعَيْمٍ في ”المَعْرِفَةِ“، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ قالَ: «أتى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ المَسْجِدَ الَّذِي أُسِّسَ عَلى التَّقْوى؛ مَسْجِدَ قُباءٍ، فَقالَ: إنَّ اللَّهَ قَدْ أثْنى عَلَيْكم في الطُّهُورِ خَيْرًا، أفَلا تُخْبِرُونِي؟ يَعْنِي قَوْلَهُ: ﴿فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أنْ يَتَطَهَّرُوا واللَّهُ يُحِبُّ المُطَّهِّرِينَ﴾
فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنّا لَنَجِدُهُ مَكْتُوبًا عَلَيْنا في التَّوْراةِ؛ الِاسْتِنْجاءَ بِالماءِ، ونَحْنُ نَفْعَلُهُ اليَوْمَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنِ الشَّعْبِيِّ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أنْ يَتَطَهَّرُوا﴾ قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأهْلِ قُباءٍ: ما هَذا الثَّناءُ الَّذِي (p-٥٣٣)أثْنى اللَّهُ عَلَيْكُمْ؟ قالُوا: ما مِنّا أحَدٌ إلّا وهو يَسْتَنْجِي بِالماءِ مِنَ الخَلاءِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنْ جَعْفَرٍ، عَنْ أبِيهِ، أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في أهْلِ قُباءٍ: ﴿فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أنْ يَتَطَهَّرُوا واللَّهُ يُحِبُّ المُطَّهِّرِينَ﴾ .
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ في ”مُصَنَّفِهِ“، والطَّبَرانِيُّ، عَنْ أبِي أُمامَةَ قالَ: «قالَ النَّبِيُّ ﷺ لِأهْلِ قُباءٍ: ما هَذا الطُّهُورُ الَّذِي خُصِصْتُمْ بِهِ في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أنْ يَتَطَهَّرُوا﴾ قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، ما مِنّا أحَدٌ يَخْرُجُ مِنَ الغائِطِ إلّا غَسَلَ مَقْعَدَتَهُ» .
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الحارِثِ بْنِ نَوْفَلٍ قالَ: «سَألَ النَّبِيُّ ﷺ أهْلَ قُباءٍ، فَقالَ: إنَّ اللَّهَ قَدْ أثْنى عَلَيْكُمْ؟ فَقالُوا: إنّا نَسْتَنْجِي بِالماءِ. فَقالَ: إنَّكم قَدْ أُثْنِيَ عَلَيْكم فَدُومُوا» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عَطاءٍ قالَ: أحْدَثَ قَوْمٌ الوُضُوءَ بِالماءِ مِن أهْلِ قُباءٍ، فَنَزَلَتْ فِيهِمْ: ﴿فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أنْ يَتَطَهَّرُوا واللَّهُ يُحِبُّ المُطَّهِّرِينَ﴾ وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنْ خُزَيْمَةَ بْنِ ثابِتٍ قالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أنْ يَتَطَهَّرُوا﴾ . كانُوا يَغْسِلُونَ أدْبارَهم مِنَ الغائِطِ.
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ عَنْ خُزَيْمَةَ بْنِ ثابِتٍ قالَ: كانَ رِجالٌ مِنّا إذا خَرَجُوا مِنَ الغائِطِ يَغْسِلُونَ أثَرَ الغائِطِ فَنَزَلَتْ فِيهِمْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أنْ يَتَطَهَّرُوا﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، والحاكِمُ، عَنْ أبِي أيُّوبَ الأنْصارِيِّ قالَ: «قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، مَن هَؤُلاءِ الَّذِينَ قالَ اللَّهُ فِيهِمْ: ﴿فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أنْ يَتَطَهَّرُوا واللَّهُ يُحِبُّ المُطَّهِّرِينَ﴾ قالَ: كانُوا يَسْتَنْجُونَ بِالماءِ، وكانُوا لا يَنامُونَ اللَّيْلَ كُلَّهُ وهم عَلى الجَنابَةِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، مِن طَرِيقِ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، «أنْ عُوَيْمَ بْنَ ساعِدَةَ قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، مَنِ الَّذِينَ قالَ اللَّهُ فِيهِمْ: ﴿رِجالٌ يُحِبُّونَ أنْ يَتَطَهَّرُوا واللَّهُ يُحِبُّ المُطَّهِّرِينَ﴾ ؟ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: نِعْمَ القَوْمُ، مِنهم عُوَيْمُ بْنُ ساعِدَةَ. ولَمْ يَبْلُغْنا أنَّهُ سَمّى رَجُلًا غَيْرَ عُوَيْمٍ» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِنَفَرٍ مِنَ الأنْصارِ: إنَّ اللَّهَ قَدْ أثْنى عَلَيْكم في الطُّهُورِ، فَما طُهُورُكُمْ؟ قالُوا: (p-٥٣٥)نَسْتَنْجِي بِالماءِ مِنَ البَوْلِ والغائِطِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ عَنِ ابْنِ عُمَرَ في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أنْ يَتَطَهَّرُوا﴾ الآيَةَ: إنَّها نَزَلَتْ في أهْلِ قُباءٍ، وكانُوا يُطَهِّرُونَ مَقاعِدَهم.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ «فِي قَوْلِهِ: ﴿فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أنْ يَتَطَهَّرُوا﴾ . الآيَةَ. قالَ: سَألَهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ طُهُورِهِمُ الَّذِي أثْنى اللَّهُ بِهِ عَلَيْهِمْ، قالُوا: كُنّا نَسْتَنْجِي بِالماءِ في الجاهِلِيَّةِ، فَلَمّا جاءَ اللَّهُ بِالإسْلامِ لَمْ نَدَعْهُ» . قالَ: فَلا تَدَعُوهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ، مِن طَرِيقِ يَعْقُوبَ بْنِ مُجَمِّعٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ مُجَمِّعِ بْنِ جارِيَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ «أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في أهْلِ قُباءٍ: ﴿فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أنْ يَتَطَهَّرُوا﴾ وكانُوا يَغْسِلُونَ أدْبارَهم بِالماءِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، مِن طَرِيقِ مُوسى بْنِ يَعْقُوبَ، عَنِ السَّرِيِّ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ عَبّادِ بْنِ حَمْزَةَ، أنَّهُ سَمِعَ جابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يُخْبِرُ أنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «نِعْمَ العَبْدُ مِن عِبادِ اللَّهِ والرَّجُلُ مِن أهْلِ الجَنَّةِ عُوَيْمُ بْنُ ساعِدَةَ. قالَ مُوسى: وبَلَغَنِي أنَّهُ لَمّا نَزَلَتْ: ﴿فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أنْ يَتَطَهَّرُوا واللَّهُ يُحِبُّ المُطَّهِّرِينَ﴾ قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: مِنهم عُوَيْمُ بْنُ ساعِدَةَ. قالَ مُوسى: وكانَ عُوَيْمٌ أوَّلَ مَن غَسَلَ مَقْعَدَتَهُ بِالماءِ فِيما بَلَغَنِي» .
(p-٥٣٦)وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنْ إبْراهِيمَ قالَ: «بَلَغَنِي أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمْ يَدْخُلِ الخَلاءَ إلّا تَوَضَّأ أوْ مَسَّ ماءً» .
وأخْرَجَ عُمَرُ بْنُ شَبَّةَ في ”أخْبارِ المَدِينَةِ“، مِن طَرِيقِ الوَلِيدِ بْنِ أبِي سَنْدَرٍ الأسْلَمِيِّ، عَنْ يَحْيى بْنِ سَهْلٍ الأنْصارِيِّ، عَنْ أبِيهِ، أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في أهْلِ قُباءٍ، كانُوا يَغْسِلُونَ أدْبارَهم مِنَ الغائِطِ: ﴿فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أنْ يَتَطَهَّرُوا﴾ الآيَةَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ في ”المُصَنَّفِ“ عَنْ قَتادَةَ، «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ لِبَعْضِ الأنْصارِ: ما هَذا الطُّهُورُ الَّذِي أثْنى اللَّهُ عَلَيْكم: ﴿فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أنْ يَتَطَهَّرُوا﴾ ؟ قالُوا: نَسْتَطِيبُ بِالماءِ إذا جِئْنا مِنَ الغائِطِ» .
التوبة 9:109
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَمَن أسَّسَ بُنْيانَهُ﴾ . الآيَةَ. أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ في قَوْلِهِ: ﴿أفَمَن أسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى تَقْوى مِنَ اللَّهِ ورِضْوانٍ خَيْرٌ﴾ قالَ: هَذا مَسْجِدُ قُباءٍ، ﴿أمْ مَن أسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى شَفا جُرُفٍ هارٍ﴾ قالَ: هَذا مَسْجِدُ الضِّرارِ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنِ الضَّحّاكِ قالَ: مَسْجِدُ الرِّضْوانِ أوَّلُ مَسْجِدٍ بُنِيَ بِالمَدِينَةِ في الإسْلامِ. /؛ (p-٥٣٧)وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنِ الحَسَنِ قالَ: «لَمّا أسَّسَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ المَسْجِدَ الَّذِي أسَّسَهُ عَلى التَّقْوى، كانَ كُلَّما رَفَعَ لَبِنَةً قالَ: اللَّهُمَّ إنَّ الخَيْرَ خَيْرُ الآخِرَةِ. ثُمَّ يُناوِلُها أخاهُ، فَيَقُولُ ما قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، حَتّى تَنْتَهِيَ اللَّبِنَةُ مُنْتَهاها، ثُمَّ يَرْفَعُ أُخْرى، فَيَقُولُ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْأنْصارِ والمُهاجِرَةِ. ثُمَّ يُناوِلُها أخاهُ فَيَقُولُ ما قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتّى تَنْتَهِيَ اللَّبِنَةُ مُنْتَهاها» .
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، مِن طَرِيقِ عَلِيٍّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿أمْ مَن أسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى شَفا جُرُفٍ هارٍ فانْهارَ بِهِ في نارِ جَهَنَّمَ﴾
قالَ: يَعْنِي: قَواعِدُهُ في نارِ جَهَنَّمَ.
وأخْرَجَ مُسَدَّدٌ في ”مُسْنَدِهِ“، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: «لَقَدْ رَأيْتُ الدُّخانَ يَخْرُجُ مِن مَسْجِدِ الضِّرارِ، حَيْثُ انْهارَ عَلى عَهْدِ النَّبِيِّ» ﷺ .
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿فانْهارَ بِهِ في نارِ جَهَنَّمَ﴾ قالَ: واللَّهِ ما تَناهى أنْ وقَعَ في النّارِ، ذُكِرَ لَنا أنَّهُ حُفِرَتْ فِيهِ بُقْعَةٌ فِيهِ فَرُئِيَ مِنها الدُّخانُ.
(p-٥٣٨)وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ في قَوْلِهِ: ﴿فانْهارَ بِهِ في نارِ جَهَنَّمَ﴾ قالَ: مَسْجِدُ المُنافِقِينَ انْهارَ، فَلَمْ يَتَناهَ دُونَ أنْ وقَعَ في النّارِ، ولَقَدْ ذُكِرَ لَنا أنَّ رِجالًا حَفَرُوا فِيهِ، فَأبْصَرُوا الدُّخانَ يَخْرُجُ مِنهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿فانْهارَ بِهِ في نارِ جَهَنَّمَ﴾ قالَ: فَمَضى حِينَ خُسِفَ بِهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سُفْيانَ بْنِ عُيَيْنَةَ: إنَّهُ لا يَزالُ مِنهُ دُخانٌ يَثُورُ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿فانْهارَ بِهِ في نارِ جَهَنَّمَ﴾ ويُقالُ: إنَّهُ بُقْعَةٌ مِن نارِ جَهَنَّمَ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنِ الضَّحّاكِ قالَ: في قِراءَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ: (فانْهارَ بِهِ قَواعِدُهُ في نارِ جَهَنَّمَ) . يَقُولُ: خَرَّ مِن قَواعِدِهِ في نارِ جَهَنَّمَ.
التوبة 9:110
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يَزالُ بُنْيانُهُمُ﴾ . الآيَةَ. أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في ”الدَّلائِلِ“، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿لا يَزالُ بُنْيانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً في قُلُوبِهِمْ﴾ قالَ: يَعْنِي الشَّكَ، ﴿إلا أنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ﴾ يَعْنِي المَوْتَ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنِ السُّدِّيِّ قالَ: قُلْتُ لِإبْراهِيمَ: أرَأيْتَ قَوْلَ اللَّهِ: ﴿لا يَزالُ بُنْيانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً في قُلُوبِهِمْ﴾ قالَ: شَكٌّ. قُلْتُ: لا. قالَ: (p-٥٣٩)فَما تَقُولُ أنْتَ؟ قُلْتُ: القَوْمُ بَنَوْا مَسْجِدًا ضِرارًا، وهم كُفّارٌ حِينَ بَنَوْا، فَلَمّا دَخَلُوا في الإسْلامِ جَعَلُوا لا يَزالُونَ يَذْكُرُونَ، فَيَقَعُ في قُلُوبِهِمْ مَشَقَّةٌ مِن ذَلِكَ، فَتَراجَعُوا لَهُ، فَقالُوا: يا لَيْتَنا لَمْ نَكُنْ فَعَلْنا. وكُلَّما ذَكَرُوهُ وقَعَ مِن ذَلِكَ في قُلُوبِهِمْ مَشَقَّةٌ ونَدِمُوا. فَقالَ إبْراهِيمُ: أسْتَغْفِرُ اللَّهَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أبِي ثابِتٍ في قَوْلِهِ: ﴿رِيبَةً في قُلُوبِهِمْ﴾ قالَ: غَيْظًا في قُلُوبِهِمْ، ﴿إلا أنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ﴾ قالَ: إلى أنْ يَمُوتُوا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿إلا أنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ﴾ قالَ: المَوْتُ؛ أنْ يَمُوتُوا.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ أيُّوبَ قالَ: كانَ عِكْرِمَةُ يَقْرَؤُها: (إلّا أنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهم في القَبْرِ) .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سُفْيانَ في قَوْلِهِ: ﴿إلا أنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ﴾ قالَ: إلّا أنْ يَتُوبُوا. وكانَ أصْحابُ عَبْدِ اللَّهِ يَقْرَءُونَها: (رِيبَةً في قُلُوبِهِمْ ولَوْ قُطِّعَتْ قُلُوبُهُمْ) .
التوبة 9:111
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ . الآيَةَ. أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ، وغَيْرِهِ قالُوا: «قالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ (p-٥٤٠)رَواحَةَ» لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: اشْتَرِطْ لِرَبِّكَ ولِنَفْسِكَ ما شِئْتَ. قالَ: أشْتَرِطُ لِرَبِّي أنْ تَعْبُدُوهُ ولا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وأشْتَرِطُ لِنَفْسِي أنْ تَمْنَعُونِي مِمّا تَمْنَعُونَ مِنهُ أنْفُسَكم وأمْوالَكم. قالُوا: فَإذا فَعَلْنا ذَلِكَ فَما لَنا؟ قالَ: الجَنَّةُ. قالَ: رَبِحَ البَيْعُ، لا نُقِيلُ ولا نَسْتَقِيلُ. فَنَزَلَتْ: ﴿إنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ المُؤْمِنِينَ أنْفُسَهُمْ﴾ الآيَةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: «نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وهو في المَسْجِدِ: ﴿إنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ المُؤْمِنِينَ أنْفُسَهُمْ﴾ الآيَةَ، فَكَبَّرَ النّاسُ في المَسْجِدِ، فَأقْبَلَ رَجُلٌ مِنَ الأنْصارِ ثانِيًا طَرَفَيْ رِدائِهِ عَلى عاتِقِهِ، فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، أنْزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ؟ قالَ: نَعَمْ. فَقالَ الأنْصارِيُّ: بَيْعٌ رَبِيحٌ لا نُقِيلُ ولا نَسْتَقِيلُ» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَن سَلَّ سَيْفَهُ في سَبِيلِ اللَّهِ فَقَدْ بايَعَ اللَّهَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ عَنْ عُبادَةَ بْنِ الوَلِيدِ بْنِ عُبادَةَ بْنِ الصّامِتِ، «أنَّ أسْعَدَ بْنَ زُرارَةَ أخَذَ بِيَدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَيْلَةَ العَقَبَةِ، فَقالَ: يا أيُّها النّاسُ، هَلْ تَدْرُونَ عَلامَ تُبايِعُونَ مُحَمَّدًا؟ إنَّكم تُبايِعُونَهُ عَلى أنْ تُحارِبُوا العَرَبَ والعَجَمَ، والجِنَّ (p-٥٤١)والإنْسَ مُجْلِبَةً. فَقالُوا: نَحْنُ حَرْبٌ لِمَن حارَبَ، وسِلْمٌ لِمَن سالَمَ. فَقالَ أسْعَدُ بْنُ زُرارَةَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، اشْتَرِطْ عَلَيَّ. فَقالَ: تُبايِعُونِي عَلى أنْ تَشْهَدُوا أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وأنِّي رَسُولُ اللَّهِ، وتُقِيمُوا الصَّلاةَ، وتُؤْتُوا الزَّكاةَ، والسَّمْعِ والطّاعَةِ، ولا تُنازِعُوا الأمْرَ أهْلَهُ، وتَمْنَعُونِي مِمّا تَمْنَعُونَ مِنهُ أنْفُسَكم وأهْلِيكم. قالُوا: نَعَمْ. قالَ قائِلُ الأنْصارِ: نَعَمْ، هَذا لَكَ يا رَسُولَ اللَّهِ، فَما لَنا؟ قالَ: الجَنَّةُ والنَّصْرُ» .
وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ قالَ: «انْطَلَقَ النَّبِيُّ ﷺ بِالعَبّاسِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ، وكانَ ذا رَأْيٍ، إلى السَّبْعِينَ مِنَ الأنْصارِ عِنْدَ العَقَبَةِ، فَقالَ العَبّاسُ: لِيَتَكَلَّمْ مُتَكَلِّمُكم ولا يُطِيلُ الخُطْبَةَ، فَإنَّ عَلَيْكم لِلْمُشْرِكِينَ عَيْنًا، وإنْ يَعْلَمُوا بِكم يَفْضَحُوكم. فَقالَ قائِلُهم وهو أبُو أُمامَةَ أسْعَدُ: يا مُحَمَّدُ، سَلْ لِرَبِّكَ ما شِئْتَ، ثُمَّ سَلْ لِنَفْسِكَ وأصْحابِكَ ما شِئْتَ، ثُمَّ أخْبِرْنا ما لَنا مِنِ الثَّوابِ عَلى اللَّهِ وعَلَيْكم إذا فَعَلْنا ذَلِكَ. فَقالَ: أسْألُكم لِرَبِّي أنْ تَعْبُدُوهُ ولا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وأسْألُكم لِنَفْسِي وأصْحابِي أنْ تُؤْوُونا وتَنْصُرُونا وتَمْنَعُونا مِمّا تَمْنَعُونَ مِنهُ أنْفُسَكم. قالَ: فَما لَنا إذا فَعَلْنا؟ ذَلِكَ قالَ: الجَنَّةُ. فَكانَ الشَّعْبِيُّ إذا حَدَّثَ هَذا الحَدِيثَ قالَ: ما سَمِعَ الشَّيْبُ والشُّبّانُ بِخُطْبَةٍ أقْصَرَ ولا أبْلَغَ مِنها» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ كانَ إذا قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿إنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ المُؤْمِنِينَ أنْفُسَهم وأمْوالَهُمْ﴾ قالَ: أنْفُسٌ هو خَلَقَها، وأمْوالٌ هو (p-٥٤٢)رَزَقَها.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ المُؤْمِنِينَ أنْفُسَهم وأمْوالَهم بِأنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ﴾ قالَ: ثامَنَهم واللَّهِ وأغْلى لَهم.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ الحَسَنِ قالَ: ما عَلى ظَهْرِ الأرْضِ مُؤْمِنٌ إلّا قَدْ دَخَلَ في هَذِهِ البَيْعَةِ - وفي لَفْظٍ: اسْمَعُوا إلى بَيْعَةٍ بايَعَ اللَّهُ بِها كُلَّ مُؤْمِنٍ - ﴿إنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ المُؤْمِنِينَ أنْفُسَهم وأمْوالَهُمْ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، مِن طَرِيقِ عَيّاشِ بْنِ عُتْبَةَ الحَضْرَمِيِّ، عَنْ إسْحاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ المَدَنِيِّ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿إنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ المُؤْمِنِينَ أنْفُسَهم وأمْوالَهُمْ﴾ دَخَلَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ رَجُلٌ مِنَ الأنْصارِ، فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ؟ فَقالَ: نَعَمْ. فَقالَ الأنْصارِيُّ: بَيْعٌ رابِحٌ، لا نُقِيلُ ولا نَسْتَقِيلُ» . قالَ عَيّاشٌ: وحَدَّثَنِي إسْحاقُ أنَّ المُسْلِمِينَ كُلَّهم قَدْ دَخَلُوا في هَذِهِ الآيَةِ؛ مَن كانَ مِنهم إذا احْتِيجَ إلَيْهِ نَفَعَ وأغارَ، ومَن كانَ مِنهم لا يُغِيرُ إذا احْتِيجَ إلَيْهِ فَقَدْ خَرَجَ مِن هَذِهِ البَيْعَةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ المُؤْمِنِينَ أنْفُسَهم وأمْوالَهم بِأنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ﴾ يَعْنِي: بِالجَنَّةِ، ﴿يُقاتِلُونَ﴾ . يَعْنِي: يُقاتِلُونَ المُشْرِكِينَ، ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ يَعْنِي: (p-٥٤٣)فِي طاعَةِ اللَّهِ، ﴿فَيَقْتُلُونَ﴾ يَعْنِي: العَدُوَّ: ﴿ويُقْتَلُونَ﴾ يَعْنِي المُؤْمِنِينَ، ﴿وعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا﴾ يَعْنِي: يُنْجِزُ ما وعَدَهم مِنَ الجَنَّةِ، ﴿فِي التَّوْراةِ والإنْجِيلِ والقُرْآنِ ومَن أوْفى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ﴾ فَلَيْسَ أحَدٌ أوْفى بِعَهْدِهِ مِنِ اللَّهِ، ﴿فاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بايَعْتُمْ بِهِ﴾ الرَّبَّ تُبارِكَ بِإقْرارِكم بِالعَهْدِ الَّذِي ذَكَرَهُ في هَذِهِ الآيَةِ، ﴿وذَلِكَ﴾ يَعْنِي: الَّذِي ذَكَرَ مِنَ الثَّوابِ في الجَنَّةِ لِلْقاتِلِ والمَقْتُولِ، ﴿هُوَ الفَوْزُ العَظِيمُ﴾ .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ المُؤْمِنِينَ أنْفُسَهم وأمْوالَهم بِأنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ﴾ قالَ: ثامَنَهم واللَّهِ فَأغْلى لَهُمُ الثَّمَنَ، ﴿وعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ والقُرْآنِ﴾ قالَ: وعَدَهم في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ أنَّهُ مِن قُتِلَ في سَبِيلِ اللَّهِ أدْخَلَهُ الجَنَّةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ شِمْرِ بْنِ عَطِيَّةَ قالَ: ما مِن مُسْلِمٍ إلّا ولِلَّهِ تَعالى في عُنُقِهِ بَيْعَةٌ، وفى بِها أوْ ماتَ عَلَيْها: ﴿إنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ الآيَةَ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنِ الرَّبِيعِ قالَ: في قِراءَةِ عَبْدِ اللَّهِ: (إنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ المُؤْمِنِينَ أنْفُسَهم وأمْوالَهم بِالجَنَّةِ) .
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ اشْتَرى﴾ الآيَةَ. قالَ: نَسَخَتْها: ﴿لَيْسَ عَلى الضُّعَفاءِ﴾ [التوبة: ٩١] الآيَةَ.
(p-٥٤٤)وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ سُلَيْمانَ بْنِ مُوسى: وجَبَتْ نُصْرَةُ المُسْلِمِينَ عَلى كُلِّ مُسْلِمٍ؛ لِدُخُولِهِ في البَيْعَةِ الَّتِي اشْتَرى اللَّهُ بِها مِنَ المُؤْمِنِينَ أنْفُسَهم.
التوبة 9:112
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿التّائِبُونَ﴾ . الآيَةَ. أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: مَن ماتَ عَلى هَذِهِ التِّسْعِ فَهو في سَبِيلِ اللَّهِ: ﴿التّائِبُونَ العابِدُونَ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الشَّهِيدُ مَن كانَ فِيهِ التِّسْعُ خِصالٍ: ﴿التّائِبُونَ العابِدُونَ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿وبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿التّائِبُونَ﴾ قالَ: تابُوا مِنَ الشِّرْكِ، وبَرِئُوا مِنِ النِّفاقِ. وفي قَوْلِهِ: ﴿العابِدُونَ﴾ قالَ: عَبَدُوا اللَّهَ في أحايِينِهِمْ كُلِّها، أما واللَّهِ ما هو بِشَهْرٍ ولا شَهْرَيْنِ، ولا سَنَةٍ ولا سَنَتَيْنِ، ولَكِنْ كَما قالَ العَبْدُ الصّالِحُ: ﴿وأوْصانِي بِالصَّلاةِ والزَّكاةِ ما دُمْتُ حَيًّا﴾ [مريم: ٣١] وفي قَوْلِهِ: ﴿الحامِدُونَ﴾ قالَ: يَحْمَدُونَ اللَّهَ عَلى كُلِّ حالٍ؛ في السَّرّاءِ والضَّرّاءِ. وفي قَوْلِهِ: ﴿الرّاكِعُونَ السّاجِدُونَ﴾ قالَ: في الصَّلَواتِ المَفْرُوضاتِ. وفي قَوْلِهِ: ﴿الآمِرُونَ بِالمَعْرُوفِ والنّاهُونَ عَنِ المُنْكَرِ﴾ قالَ: لَمْ يَأْمُرُوا بِالمَعْرُوفِ حَتّى ائْتَمَرُوا بِهِ، ولَمْ يَنْهَوُا النّاسَ عَنِ المُنْكَرِ حَتّى انْتَهَوْا عَنْهُ. وفي قَوْلِهِ: ﴿والحافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ﴾ قالَ: القائِمُونَ بِأمْرِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، ﴿وبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ﴾ قالَ: الَّذِينَ لَمْ يَغْزُوا.
(p-٥٤٥)وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ الضَّحّاكِ في قَوْلِهِ: ﴿التّائِبُونَ﴾ قالَ: مِنَ الشِّرْكَ والذُّنُوبِ، ﴿العابِدُونَ﴾ قالَ: العابِدُونَ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿التّائِبُونَ﴾ قالَ: الَّذِينَ تابُوا مِنَ الشِّرْكِ، ولَمْ يُنافِقُوا في الإسْلامِ، ﴿العابِدُونَ﴾ قالَ: قَوْمٌ أخَذُوا مِن أبْدانِهِمْ في لَيْلِهِمْ ونَهارِهِمْ، ﴿الحامِدُونَ﴾ قالَ: قَوْمٌ يَحْمَدُونَ اللَّهَ عَلى كُلِّ حالٍ، ﴿السّائِحُونَ﴾ قالَ: قَوْمٌ أخَذُوا مِن أبْدانِهِمْ صَوْمًا لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿والحافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ﴾ قالَ: لِفَرائِضِهِ مِن حَلالِهِ وحَرامِهِ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿العابِدُونَ﴾ قالَ: الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، والبَيْهَقِيُّ في ”شُعَبِ الإيمانِ“، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أوَّلُ مَن يُدْعى إلى الجَنَّةِ الحَمّادُونَ؛ الَّذِينَ يَحْمَدُونَ اللَّهَ عَلى السَّرّاءِ والضَّرّاءِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ المُبارَكِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: إنَّ أوَّلَ مَن يُدْعى إلى الجَنَّةِ الَّذِينَ يَحْمَدُونَ اللَّهَ عَلى كُلِّ حالٍ. أوْ قالَ: في السَّرّاءِ والضَّرّاءِ.
(p-٥٤٦)وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في ”الشُّعَبِ“ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذا أتاهُ الأمْرُ يَسُرُّهُ قالَ: الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي بِنِعْمَتِهِ تَتِمُّ الصّالِحاتُ. وإذا أتاهُ الأمْرُ يَكْرَهُهُ قالَ: الحَمْدُ لِلَّهِ عَلى كُلِّ حالٍ» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ قالَ: «سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ عَنِ السّائِحِينَ قالَ: هُمُ الصّائِمُونَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كُلُّ ما ذَكَرَ اللَّهُ في القُرْآنِ السِّياحَةَ، هُمُ الصّائِمُونَ.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، والطَّبَرانِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: السّائِحُونَ الصّائِمُونَ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: السّائِحُونَ الصّائِمُونَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: سِياحَةُ هَذِهِ الأُمَّةِ الصِّيامُ.
(p-٥٤٧)وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، ومُسَدَّدٌ في ”مُسْنَدِهِ“، وابْنُ جَرِيرٍ، والبَيْهَقِيُّ في ”شُعَبِ الإيمانِ“، مِن طَرِيقِ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ السّائِحِينَ فَقالَ: هُمُ الصّائِمُونَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، وابْنُ النَّجّارِ مِن طَرِيقِ أبِي صالِحٍ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «السّائِحُونَ هُمُ الصّائِمُونَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: «سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ السّائِحِينَ فَقالَ: الصّائِمُونَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: السّائِحُونَ الصّائِمُونَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿السّائِحُونَ﴾ قالَ: هُمُ الصّائِمُونَ.
وأخْرَجَ أبُو نُعَيْمٍ في ”الحِلْيَةِ“ عَنِ الحَسَنِ، مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أبِي عَمْرٍو العَبْدِيِّ قالَ: السّائِحُونَ الصّائِمُونَ الَّذِينَ يُدِيمُونَ الصِّيامَ.
(p-٥٤٨)وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ سُفْيانَ بْنِ عُيَيْنَةَ قالَ: إنَّما سُمِّيَ الصّائِمُ السّائِحَ؛ لِأنَّهُ تارِكٌ لِلَذّاتِ الدُّنْيا كُلِّها؛ مِنَ المَطْعَمِ والمَشْرَبِ والمَنكَحِ، فَهو تارِكٌ لِلدُّنْيا بِمَنزِلَةِ السّائِحِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أبِي فاخِتَةَ مَوْلى جَعْدَةَ بْنِ هُبَيْرَةَ، أنَّ عُثْمانَ بْنَ مَظْعُونٍ أرادَ أنْ يَنْظُرَ أيَسْتَطِيعُ السِّياحَةَ. قالَ: وكانُوا يَعُدُّونَ السِّياحَةَ قِيامَ اللَّيْلِ وصِيامَ النَّهارِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ في ”شُعَبِ الإيمانِ“، عَنْ أبِي أُمامَةَ، «أنَّ رَجُلًا اسْتَأْذَنَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ في السِّياحَةِ، فَقالَ: إنَّ سِياحَةَ أُمَّتِي الجِهادُ في سَبِيلِ اللَّهِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ في قَوْلِهِ: ﴿السّائِحُونَ﴾ قالَ: هُمُ المُهاجِرُونَ، لَيْسَ في أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ سِياحَةٌ إلّا الهِجْرَةَ، وكانَ سِياحَتُهُمُ الهِجْرَةَ، حِينَ هاجَرُوا إلى المَدِينَةِ، لَيْسَ في أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ تَرَهُّبٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ وهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ قالَ: كانَتِ السِّياحَةُ في بَنِي إسْرائِيلَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ عِكْرِمَةَ في قَوْلِهِ: ﴿السّائِحُونَ﴾ (p-٥٤٩)قالَ: طَلَبَةُ العِلْمِ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿الآمِرُونَ بِالمَعْرُوفِ﴾ قالَ: بِلا إلَهَ إلّا اللَّهُ، ﴿والنّاهُونَ عَنِ المُنْكَرِ﴾ قالَ: الشِّرْكِ بِاللَّهِ: ﴿وبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ﴾ قالَ: الَّذِينَ لَمْ يَغْزُوا.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿والحافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ﴾ قالَ: لِفَرائِضِ اللَّهِ الَّتِي افْتَرَضَ، نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ لَمْ يَغْزُوا، والآيَةُ الَّتِي قَبْلَها في مَن غَزا،﴿وبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ﴾ قالَ: الغازِينَ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنِ الرَّبِيعِ في هَذِهِ الآيَةِ قالَ: هَذِهِ قالَ فِيها أصْحابُ النَّبِيِّ ﷺ: إنَّ اللَّهَ قَضى عَلى نَفْسِهِ، في التَّوْراةِ والإنْجِيلِ والقُرْآنِ، لِهَذِهِ الأُمَّةِ أنَّهُ مَن قُتِلَ مِنهم عَلى هَذِهِ الأعْمالِ كانَ عِنْدَ اللَّهِ شَهِيدًا، ومَن ماتَ مِنهم عَلَيْها فَقَدْ وجَبَ أجْرُهُ عَلى اللَّهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ أبِي صالِحٍ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: الشَّهِيدُ مِن لَوْ ماتَ عَلى فِراشِهِ دَخَلَ الجَنَّةَ. قالَ: وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مَن ماتَ وفِيهِ تِسْعٌ فَهو شَهِيدٌ، ﴿التّائِبُونَ العابِدُونَ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، مِن طَرِيقِ عَلِيٍّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ المُؤْمِنِينَ أنْفُسَهم وأمْوالَهم بِأنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ﴾ [التوبة: ١١١] يَعْنِي: بِالجَنَّةِ، ثُمَّ قالَ: ﴿التّائِبُونَ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿والحافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ﴾ يَعْنِي القائِمِينَ عَلى طاعَةِ اللَّهِ، وهو شَرْطٌ اشْتَرَطَهُ اللَّهُ عَلى أهْلِ (p-٥٥٠)الجِهادِ إذا وفَوْا لِلَّهِ بِشَرْطِهِ، وفى لَهم بِشَرْطِهِمْ.
التوبة 9:113
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما كانَ لِلنَّبِيِّ﴾ . الآيَتَيْنِ. أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأحْمَدُ، والبُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، والبَيْهَقِيُّ في ”الدَّلائِلِ“، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ، عَنْ أبِيهِ قالَ: «لَمّا حَضَرَتْ أبا طالِبٍ الوَفاةُ دَخَلَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ وعِنْدَهُ أبُو جَهْلٍ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أبِي أُمَيَّةَ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: أيْ عَمِّ قُلْ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ أُحاجُّ لَكَ بِها عِنْدَ اللَّهِ. فَقالَ أبُو جَهْلٍ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أبِي أُمَيَّةَ: يا أبا طالِبٍ، أتَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ عَبْدِ المُطَّلِبِ؟ فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَعْرِضُها عَلَيْهِ، وأبُو جَهْلٍ وعَبْدُ اللَّهِ يَعُودانِ بِتِلْكَ المَقالَةِ، فَقالَ أبُو طالِبٍ آخِرَ ما كَلَّمَهم: هو عَلى مِلَّةِ عَبْدِ المُطَّلِبِ، وأبى أنْ يَقُولَ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ. فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: لَأسْتَغْفِرَنَّ لَكَ ما لَمْ أُنْهَ عَنْكَ. فَنَزَلَتْ: ﴿ما كانَ لِلنَّبِيِّ والَّذِينَ آمَنُوا أنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ الآيَةَ. وأنْزَلَ اللَّهُ في أبِي طالِبٍ؛ فَقالَ لِرَسُولِهِ: ﴿إنَّكَ لا تَهْدِي مَن أحْبَبْتَ ولَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشاءُ﴾ [القصص»: ٥٦] .
وأخْرَجَ الطَّيالِسِيُّ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأحْمَدُ، والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ، وأبُو (p-٥٥١)يَعْلى، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، والبَيْهَقِيُّ في ”شُعَبِ الإيمانِ“، والضِّياءُ في ”المُخْتارَةِ“، «عَنْ عَلِيٍّ، قالَ: سَمِعْتُ رَجُلًا يَسْتَغْفِرُ لِأبَوَيْهِ وهُما مُشْرِكانِ، فَقُلْتُ: تَسْتَغْفِرُ لِأبَوَيْكَ وهُما مُشْرِكانِ؟ فَقالَ: أوَ لَمْ يَسْتَغْفِرْ إبْراهِيمٌ لِأبِيهِ؟! فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَنَزَلَتْ: ﴿ما كانَ لِلنَّبِيِّ والَّذِينَ آمَنُوا أنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ الآيَةَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، مِن طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «كانُوا يَسْتَغْفِرُونَ لَهم حَتّى نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، فَلَمّا نَزَلَتْ أمْسَكُوا عَنِ الِاسْتِغْفارِ لِأمْواتِهِمْ، ولَمْ يُنْهُوا أنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْأحْياءِ حَتّى يَمُوتُوا، ثُمَّ أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وما كانَ اسْتِغْفارُ إبْراهِيمَ لأبِيهِ﴾ [التوبة: ١١٤] الآيَةَ. يَعْنِي: اسْتَغْفَرَ لَهُ ما كانَ حَيًّا، فَلَمّا ماتَ أمْسَكَ عَنِ الِاسْتِغْفارِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ قالَ: «لَمّا مَرِضَ أبُو طالِبٍ أتاهُ النَّبِيُّ ﷺ فَقالَ المُسْلِمُونَ: هَذا مُحَمَّدٌ ﷺ يَسْتَغْفِرُ لِعَمِّهِ، وقَدِ اسْتَغْفَرَ إبْراهِيمُ لِأبِيهِ. فاسْتَغْفَرُوا لِقَراباتِهِمْ مِنَ المُشْرِكِينَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿ما كانَ لِلنَّبِيِّ والَّذِينَ آمَنُوا أنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ ثُمَّ أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: (p-٥٥٢)﴿وما كانَ اسْتِغْفارُ إبْراهِيمَ لأبِيهِ إلا عَنْ مَوْعِدَةٍ وعَدَها إيّاهُ﴾ [التوبة: ١١٤] قالَ: كانَ يَرْجُوهُ في حَياتِهِ: ﴿فَلَمّا تَبَيَّنَ لَهُ أنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأ مِنهُ﴾ [التوبة»: ١١٤] .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ مِن طَرِيقِ شِبْلٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينارٍ، «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: اسْتَغْفَرَ إبْراهِيمُ لِأبِيهِ وهو مُشْرِكٌ، فَلا أزالُ أسْتَغْفِرُ لِأبِي طالِبٍ حَتّى يَنْهانِي عَنْهُ رَبِّي. وقالَ أصْحابُهُ: لَنَسْتَغْفِرَنَّ لِآبائِنا كَما اسْتَغْفَرَ النَّبِيُّ ﷺ لِعَمِّهِ. فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿ما كانَ لِلنَّبِيِّ والَّذِينَ آمَنُوا أنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿تَبَرَّأ مِنهُ﴾ [التوبة»: ١١٤] .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ قالَ: «لَمّا حُضِرَ أبُو طالِبٍ أتاهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقالَ لَهُ: أيْ عَمِّ، إنَّكَ أعْظَمُ عَلَيَّ حَقًّا مِن والِدِي، فَقُلْ كَلِمَةً تَجِبُ لِي بِها الشَّفاعَةُ يَوْمَ القِيامَةِ، قُلْ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ. فَذَكَرَ نَحْوَ ما تَقَدَّمَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ قالَ: «ذُكِرَ لَنا أنَّ رِجالًا مِن أصْحابِ النَّبِيِّ ﷺ قالُوا: يا نَبِيَّ اللَّهِ، إنَّ مِن آبائِنا مَن كانَ يُحْسِنُ الجِوارَ ويَصِلُ الرَّحِمَ، ويَفُكُّ العانِيَ، ويُوفِي بِالذِّمَمِ، أفَلا نَسْتَغْفِرُ لَهُمْ؟! فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: واللَّهِ لَأسْتَغْفِرَنَّ لِأبِي كَما اسْتَغْفَرَ إبْراهِيمُ لِأبِيهِ. فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿ما كانَ لِلنَّبِيِّ والَّذِينَ آمَنُوا أنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ الآيَةَ. ثُمَّ عَذَرَ اللَّهُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، فَقالَ: ﴿وما كانَ اسْتِغْفارُ إبْراهِيمَ لأبِيهِ إلا عَنْ مَوْعِدَةٍ وعَدَها إيّاهُ﴾ [التوبة: ١١٤] (p-٥٥٣)إلى قَوْلِهِ: ﴿تَبَرَّأ مِنهُ﴾ [التوبة»: ١١٤] وذُكِرَ لَنا «أنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ قالَ: أُوحِيَ إلَيَّ كَلِماتٌ، قَدْ دَخَلْنَ في أُذُنِي ووَقَرْنَ في قَلْبِي، أُمِرْتُ ألّا أسْتَغْفِرَ لِمَن ماتَ مُشْرِكًا، ومَن أعْطى فَضْلَ مالِهِ فَهو خَيْرٌ لَهُ، ومَن أمْسَكَ فَهو شَرُّ لَهُ، ولا يَلُومُ اللَّهُ عَلى كَفافٍ» .
وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، وابْنُ عَساكِرَ، عَنْ عَلِيٍّ، قالَ: «أخْبَرْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِمَوْتِ أبِي طالِبٍ فَبَكى، فَقالَ: اذْهَبْ فَغَسِّلْهُ وكَفَّنَهُ ووارِهِ، غَفَرَ اللَّهُ لَهُ، ورَحِمَهُ. فَفَعَلَتْ، وجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَسْتَغْفِرُ لَهُ أيّامًا، ولا يَخْرُجُ مِن بَيْتِهِ حَتّى نَزَلَ عَلَيْهِ جِبْرِيلُ بِهَذِهِ الآيَةِ: ﴿ما كانَ لِلنَّبِيِّ والَّذِينَ آمَنُوا أنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة»: ١١٣] .
وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ عَساكِرَ مِن طَرِيقِ سُفْيانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرٍو قالَ: «لَمّا ماتَ أبُو طالِبٍ قالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: رَحِمَكَ اللَّهُ وغَفَرَ لَكَ، لا أزالُ أسْتَغْفِرُ لَكَ حَتّى يَنْهانِي اللَّهُ. فَأخَذَ المُسْلِمُونَ يَسْتَغْفِرُونَ لِمَوْتاهُمُ الَّذِينَ ماتُوا وهم مُشْرِكُونَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿ما كانَ لِلنَّبِيِّ والَّذِينَ آمَنُوا أنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ الآيَةَ. فَقالُوا: قَدِ اسْتَغْفَرَ إبْراهِيمُ لِأبِيهِ. فَنَزَلَتْ: ﴿وما كانَ اسْتِغْفارُ إبْراهِيمَ لأبِيهِ إلا عَنْ مَوْعِدَةٍ وعَدَها إيّاهُ﴾ [التوبة: ١١٤] الآيَةَ. قالَ: فَلَمّا ماتَ عَلى كُفْرِهِ تَبَيَّنَ لَهُ أنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ» .
وأخْرَجَ إسْحاقُ بْنُ بِشْرٍ، وابْنُ عَساكِرَ، عَنِ الحَسَنِ قالَ: «لَمّا ماتَ أبُو (p-٥٥٤)طالِبٍ»، قالَ النَّبِيُّ ﷺ: إنَّ إبْراهِيمَ اسْتَغْفَرَ لِأبِيهِ وهو مُشْرِكٌ، وأنا أسْتَغْفِرُ لِعَمِّي حَتّى أُبَلَّغَ. فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿ما كانَ لِلنَّبِيِّ والَّذِينَ آمَنُوا أنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ ولَوْ كانُوا أُولِي قُرْبى﴾ يَعْنِي بِهِ أبا طالِبٍ، فاشْتَدَّ عَلى النَّبِيِّ ﷺ، فَقالَ اللَّهُ لِنَبِيِّهِ: ﴿وما كانَ اسْتِغْفارُ إبْراهِيمَ لأبِيهِ إلا عَنْ مَوْعِدَةٍ وعَدَها إيّاهُ﴾ [التوبة: ١١٤]
يَعْنِي: حِينَ قالَ: ﴿سَأسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إنَّهُ كانَ بِي حَفِيًّا﴾ [مريم: ٤٧]: ﴿فَلَمّا تَبَيَّنَ لَهُ أنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ﴾ [التوبة: ١١٤] يَعْنِي: ماتَ عَلى الشِّرْكِ: ﴿تَبَرَّأ مِنهُ﴾ [التوبة: ١١٤] .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ مِن طَرِيقِ عَطِيَّةَ العَوْفِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ما كانَ لِلنَّبِيِّ والَّذِينَ آمَنُوا﴾ الآيَةَ، قالَ: «إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أرادَ أنْ يَسْتَغْفِرَ لِأُمِّهِ فَنَهاهُ اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ، قالَ: فَإنَّ إبْراهِيمَ قَدِ اسْتَغْفَرَ لِأبِيهِ. فَنَزَلَتْ: ﴿وما كانَ اسْتِغْفارُ إبْراهِيمَ لأبِيهِ﴾ [التوبة: ١١٤] الآيَةَ» . قُلْتُ: هَذا الأثَرُ ضَعِيفٌ مَعْلُولٌ؛ فَإنَّ عَطِيَّةَ ضَعِيفٌ، وهو مُخالِفٌ لِرِوايَةِ عَلِيِّ بْنِ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ السّابِقَةِ، وتِلْكَ أصَحُّ وعَلِيٌّ ثِقَةٌ جَلِيلٌ.
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، مِن طَرِيقِ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمّا أقْبَلَ مِن غَزْوَةِ تَبُوكَ اعْتَمَرَ، فَلَمّا هَبَطَ مِن ثَنِيَّةِ عُسْفانَ، أمَرَ أصْحابَهُ أنْ يَسْتَنِدُوا إلى العَقَبَةِ حَتّى أرْجِعَ إلَيْكَمْ. فَذَهَبَ فَنَزَلَ عَلى قَبْرِ أُمِّهِ آمِنَةَ فَناجى رَبَّهُ طَوِيلًا، ثُمَّ إنَّهُ بَكى فاشْتَدَّ بُكاؤُهُ، فَبَكى هَؤُلاءِ لِبُكائِهِ، فَقالُوا: (p-٥٥٥)ما بَكى نَبِيُّ اللَّهِ هَذا البُكاءَ إلّا وقَدْ أُحْدِثَ في أُمَّتِهِ شَيْءٌ لَمْ يُطِقْهُ. فَلَمّا بَكى هَؤُلاءِ قامَ فَرَجَعَ إلَيْهِمْ، فَقالَ: ما يُبْكِيكُمْ؟ قالُوا: يا نَبِيَّ اللَّهِ بَكَيْنا لِبُكائِكَ، قُلْنا: لَعَلَّهُ أُحْدِثَ في أُمَّتِكَ شَيْءٌ لَمْ تُطِقْهُ. فَقالَ: لا، وقَدْ كانَ بَعْضُهُ، ولَكِنِّي نَزَلْتُ عَلى قَبْرِ أُمِّي، فَدَعَوْتُ اللَّهَ تَعالى لِيَأْذَنَ لِي في شَفاعَتِها يَوْمَ القِيامَةِ، فَأبى أنْ يَأْذَنَ لِي، فَرَحِمْتُها وهي أُمِّي فَبَكَيْتُ، ثُمَّ جاءَنِي جِبْرِيلُ فَقالَ: ﴿وما كانَ اسْتِغْفارُ إبْراهِيمَ لأبِيهِ إلا عَنْ مَوْعِدَةٍ وعَدَها إيّاهُ﴾ [التوبة: ١١٤] الآيَةَ. فَتَبَرَّأْ أنْتَ مِن أُمِّكَ، كَما تَبَرَّأ إبْراهِيمُ مِن أبِيهِ. فَرَحِمْتُها وهي أُمِّي، فَدَعَوْتُ رَبِّي أنْ يَرْفَعَ عَنْ أُمَّتِي أرْبَعًا، فَرَفَعَ عَنْهُمُ اثْنَتَيْنِ، وأبى أنْ يَرْفَعَ عَنْهُمُ اثْنَتَيْنِ؛ دَعَوْتُ رَبِّي أنْ يَرْفَعَ عَنْهُمُ الرَّجْمَ مِنَ السَّماءِ، والغَرَقَ مِنَ الأرْضِ، وألّا يَلْبِسَهم شِيَعًا، وألّا يُذِيقَ بَعْضَهم بَأْسُ بَعْضٍ، فَرَفَعَ اللَّهُ عَنْهُمُ الرَّجْمَ مِنَ السَّماءِ، والغَرَقَ مِنَ الأرْضِ، وأبى أنْ يَرْفَعَ عَنْهُمُ القَتْلَ والهَرْجَ. قالَ: وإنَّما عَدَلَ إلى قَبْرِ أُمِّهِ لِأنَّها كانَتْ مَدْفُونَةً تَحْتَ كَداءَ، وكانَتْ عُسْفانُ لَهُمْ، وبِها وُلِدَ النَّبِيُّ» ﷺ .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، والبَيْهَقِيُّ في ”الدَّلائِلِ“، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: «خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمًا إلى المَقابِرِ فاتَّبَعْناهُ فَجاءَ حَتّى جَلَسَ إلى قَبْرٍ مِنها فَناجاهُ طَوِيلًا، ثُمَّ بَكى فَبَكَيْنا لِبُكائِهِ، ثُمَّ قامَ، فَقامَ إلَيْهِ عُمَرُ، (p-٥٥٦)فَدَعاهُ ثُمَّ دَعانا فَقالَ: ما أبْكاكُمْ؟ قُلْنا: بَكَيْنا لِبُكائِكَ. قالَ: إنَّ القَبْرَ الَّذِي جَلَسْتُ عِنْدَهُ قَبْرُ آمِنَةَ، وإنِّي اسْتَأْذَنْتُ رَبِّي في زِيارَتِها فَأذِنَ لِي، وإنِّي اسْتَأْذَنْتُ رَبِّي في الِاسْتِغْفارِ لَها فَلَمْ يَأْذَنْ لِي، وأنْزَلَ عَلَيَّ: ﴿ما كانَ لِلنَّبِيِّ والَّذِينَ آمَنُوا أنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ ولَوْ كانُوا أُولِي قُرْبى﴾ فَأخَذَنِي ما يَأْخُذُ الوَلَدَ لِلْوالِدَةِ مِنِ الرِّقَّةِ، فَذَلِكَ الَّذِي أبْكانِي» .
وأخْرُجُ ابْنُ مَرْدُويَهْ عَنْ بُرَيْدَةَ قالَ «كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ إذْ وقَفَ عَلى عُسْفانَ، فَنَظَرَ يَمِينًا وشِمالًا، فَأبْصَرَ قَبْرَ أُمِّهِ آمِنَةَ، ووَرَدَ الماءَ فَتَوَضَّأ، ثُمَّ صَلّى رَكْعَتَيْنِ، ودَعا فَلَمْ يَفْجَأْنا إلّا وقَدْ عَلا بُكاؤُهُ، فَعَلا بُكاؤُنا لِبُكائِهِ، ثُمَّ انْصَرَفَ إلَيْنا، فَقالَ: ما الَّذِي أبْكاكُمْ؟ قالُوا: بَكَيْتَ، فَبَكَيْنا يا رَسُولَ اللَّهِ. قالَ: وما ظَنَنْتُمْ؟ قالُوا: ظَنَنّا أنَّ العَذابَ نازِلٌ عَلَيْنا بِما نَعْمَلُ. قالَ: لَمْ يَكُنْ مِن ذَلِكَ شَيْءٌ. قالُوا: فَظَنَنّا أنَّ أُمَّتَكَ كُلِّفَتْ مِنَ الأعْمالِ ما لا يُطِيقُونَ فَرَحِمْتَها. قالَ: لَمْ يَكُنْ مِن ذَلِكَ شَيْءٌ، ولَكِنْ مَرَرْتُ بِقَبْرِ أُمِّي آمِنَةَ، فَصَلَّيْتُ رَكْعَتَيْنِ، فاسْتَأْذَنَتْ رَبِّي أنْ أسْتَغْفِرَ لَها، فَنُهِيتُ فَبَكَيْتُ، ثُمَّ عُدْتُ فَصَلَّيْتُ رَكْعَتَيْنِ، فاسْتَأْذَنَتْ رَبِّي أنْ أسْتَغْفِرَ لَها، فَزُجِرْتُ زَجْرًا، فَعَلا بُكائِي. ثُمَّ دَعا بِراحِلَتِهِ فَرَكِبَها، فَما سارَ إلّا هُنَيَّةً حَتّى قامَتِ النّاقَةُ لِثِقَلِ الوَحْيِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿ما كانَ لِلنَّبِيِّ والَّذِينَ آمَنُوا أنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ الآيَتَيْنِ» .
(p-٥٥٧)وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، والطَّبَرانِيُّ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وتَعَقَّبَهُ الذَّهَبِيُّ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: «جاءَ ابْنا مُلَيْكَةَ، وهُما مِنَ الأنْصارِ، فَقالا: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّ أُمَّنا كانَتْ تَحْفَظُ عَلى البَعْلِ، وتُكْرِمُ الضَّيْفَ، وقَدْ وأدَتْ في الجاهِلِيَّةِ، فَأيْنَ أُمُّنا؟ فَقالَ: أُمُّكُما في النّارِ. فَقاما، وقَدْ شَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِما، فَدَعاهُما رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَرَجَعا، فَقالَ: ألا إنَّ أُمِّي مَعَ أُمِّكُما. فَقالَ مُنافِقٌ مِنَ النّاسِ: أوَما ما يُغْنِي هَذا عَنْ أُمِّهِ إلّا ما يُغْنِي ابْنا مُلَيْكَةَ عَنْ أُمِّهِما ونَحْنُ نَطَأُ عَقِبَيْهِ؟ فَقالَ شابٌّ مِنَ الأنْصارِ لَمْ أرَ رَجُلًا أكْثَرَ سُؤالًا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنهُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، وأيْنَ أبَواكَ؟ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ما سَألْتُهُما رَبِّي فَيُطِيعَنِي فِيهِما - وفي لَفْظٍ: فَيُطْمِعَنِي فِيهِما - وإنِّي لَقائِمٌ يَوْمَئِذٍ المَقامَ المَحْمُودَ. فَقالَ المُنافِقُ لِلشّابِّ الأنْصارِيِّ: سَلْهُ: وما المَقامُ المَحْمُودُ؟ قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، وما المَقامُ المَحْمُودُ؟ قالَ: ذاكَ يَوْمٌ يَنْزِلُ اللَّهُ فِيهِ عَلى كُرْسِيِّهِ، يَئِطُّ بِهِ كَما يَئِطُّ الرَّحْلُ الجَدِيدُ مِن تَضايُقِهِ، وهو كَسِعَةٍ ما بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ، ويُجاءُ بِكم حُفاةً عُراةً غُرْلًا، فَيَكُونُ أوَّلُ مَن يُكْسى إبْراهِيمُ، يَقُولُ اللَّهُ: اكْسُوا خَلِيلِي. فَيُؤْتى بِرَيْطَتَيْنِ بَيْضاوَيْنِ مِن رِياطِ الجَنَّةِ، ثُمَّ أُكْسى عَلى أثَرِهِ، فَأقُومُ عَنْ يَمِينِ اللَّهِ مَقامًا يَغْبِطُنِي فِيهِ الأوَّلُونَ والآخِرُونَ، ويُشَقُّ لِي نَهْرٌ مِنَ الكَوْثَرِ إلى حَوْضِي. قالَ: يَقُولُ المُنافِقُ: لَمْ أسْمَعْ كاليَوْمِ قَطُّ، لَقَلَّما جَرى نَهْرٌ قَطُّ إلّا في حالَةٍ أوْ رَضْراضٍ، فَسَلْهُ فِيمَ يَجْرِي النَّهْرُ. قالَ: في حالَةٍ مِنَ المِسْكِ ورَضْراضٍ.
(p-٥٥٨)قالَ: يَقُولُ المُنافِقُ: لَمْ أسْمَعْ كاليَوْمِ قَطُّ، واللَّهِ لَقَلَّما جَرى نَهْرٌ قَطُّ إلّا كانَ لَهُ نَباتٌ، فَسَلْهُ هَلْ لِذَلِكَ النَّهْرِ نَباتٌ؟ فَقالَ الأنْصارِيُّ: يا رَسُولَ اللَّهِ، هَلْ لِذَلِكَ النَّهْرِ نَباتٌ؟ قالَ: نَعَمْ. قالَ: ما هُوَ؟ قالَ: قُضْبانُ الذَّهَبِ. قالَ: يَقُولُ المُنافِقُ: لَمْ أسْمَعْ كاليَوْمِ قَطُّ، واللَّهِ ما نَبَتَتْ قَضِيبٌ إلّا كانَ لَهُ ثَمَرٌ، فَسَلْهُ هَلْ لِتِلْكَ القُضْبانِ ثِمارٌ؟ فَسَألَ الأنْصارِيُّ قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، هَلْ لِتِلْكَ القُضْبانِ ثِمارٌ؟ قالَ: نَعَمِ، اللُّؤْلُؤُ والجَوْهَرُ. فَقالَ المُنافِقُ: لَمْ أسْمَعْ كاليَوْمِ قَطُّ، فَسَلْهُ عَنْ شَرابِ الحَوْضِ. فَقالَ الأنْصارِيُّ: يا رَسُولَ اللَّهِ، ما شَرابُ الحَوْضِ؟ قالَ: أشَدُّ بَياضًا مِنَ اللَّبَنِ، وأحْلى مِنَ العَسَلِ، مَن سَقاهُ اللَّهُ مِنهُ شَرْبَةً لَمْ يَظْمَأْ بَعْدَها، ومَن حَرَمَهُ لَمْ يَرْوَ بَعْدَها» .
وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ عَنِ الكَلْبِي، وأبِي بَكْرِ بْنِ قَيْسٍ الجُعْفِيِّ قالا: «كانَتْ جُعْفى يُحَرِّمُونَ القَلْبَ في الجاهِلِيَّةِ، فَوَفَدَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ رَجُلانِ مِنهُمْ؛ قَيْسُ بْنُ سَلَمَةَ، وسَلَمَةُ بْنُ يَزِيدَ، وهُما أخَوانِ لِأُمٍّ، فَأسْلَما، فَقالَ لَهُما رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: بَلَغَنِي أنَّكُما لا تَأْكُلانِ القَلْبَ. قالا: نَعَمْ. قالَ: فَإنَّهُ لا يَكْمُلُ إسْلامُكُما إلّا بِأكْلِهِ. ودَعا لَهُما بِقَلْبٍ فَشُوِيَ، وأطْعَمَهُ لَهُما، فَقالا: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّ أُمَّنا مُلَيْكَةَ بِنْتَ الحُلْوِ كانَتْ تَفُكُّ العانِيَ، وتُطْعِمُ البائِسَ، وتَرْحَمُ الفَقِيرَ، وإنَّها ماتَتْ وقَدْ وأدَتْ بُنَيَّةً لَها صَغِيرَةً، فَما حالها؟ فَقالَ: الوائِدَةُ والمَوْءُودَةُ في النّارِ. فَقاما مُغْضَبَيْنِ، فَقالَ: إلَيَّ، فارْجِعا.
(p-٥٥٩)فَقالَ: وأُمِّي مَعَ أُمِّكُما. فَأبَيا ومَضَيا، وهُما يَقُولانِ: واللَّهِ إنَّ رَجُلًا أطْعَمَنا القَلْبَ وزَعَمَ أنَّ أُمَّنا في النّارِ، لَأهْلٌ ألّا يُتَّبَعَ. وذَهَبا فَلَقِيا رَجُلًا مِن أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَعَهُ إبِلٌ مِن إبِلِ الصَّدَقَةِ، فَأوْثَقاهُ وطَرَدا الإبِلَ، فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ ﷺ فَلَعَنَهُما في مَن كانَ يَلْعَنُ في قَوْلِهِ: لَعَنَ اللَّهُ رِعْلًا وذَكْوانَ وعُصَيَّةَ ولِحْيانَ وابْنَيْ مُلَيْكَةَ مِن حَرِيمٍ ومُرّانٍ» .
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وقَضى رَبُّكَ ألا تَعْبُدُوا إلا إيّاهُ﴾ [الإسراء: ٢٣] إلى قَوْلِهِ: ﴿كَما رَبَّيانِي صَغِيرًا﴾ [الإسراء: ٢٤] قالَ: ثُمَّ اسْتَثْنى، فَقالَ: ﴿ما كانَ لِلنَّبِيِّ والَّذِينَ آمَنُوا أنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿عَنْ مَوْعِدَةٍ وعَدَها إيّاهُ﴾ [التوبة: ١١٤] .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا تَبَيَّنَ لَهُ أنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ﴾ [التوبة: ١١٤] قالَ: تَبَيَّنَ لَهُ حِينَ ماتَ، وعَلِمَ أنَّ التَّوْبَةَ قَدِ انْقَطَعَتْ عَنْهُ.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وأبُو بَكْرٍ الشّافِعِيُّ في ”فَوائِدِهِ“، والضِّياءُ في ”المُخْتارَةِ“، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: لَمْ يَزَلْ إبْراهِيمُ يَسْتَغْفِرُ لِأبِيهِ حَتّى ماتَ، فَلَمّا ماتَ تَبَيَّنَ لَهُ أنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ، فَتَبَرَّأ مِنهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿فَلَمّا تَبَيَّنَ لَهُ أنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ﴾ [التوبة: ١١٤] يَقُولُ: لَمّا ماتَ عَلى كُفْرِهِ.
(p-٥٦٠)
التوبة 9:114
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ إبْراهِيمَ لأوّاهٌ حَلِيمٌ﴾ .
أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنْ أبِي ذَرْ قالَ: «كانَ رَجُلٌ يَطُوفُ بِالبَيْتِ، ويَقُولُ في دُعائِهِ: أوَّهْ أوَّهْ. فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إنَّهُ لَأوّاهٌ» .
وأخْرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ في ”زَوائِدِ الزُّهْدِ“، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، والبَيْهَقِيُّ في ”شُعَبِ الإيمانِ“ عَنْ كَعْبٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ إبْراهِيمَ لأوّاهٌ حَلِيمٌ﴾ قالَ: كانَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ إذا ذَكَرَ النّارَ قالَ: أوَّهْ مِنَ النّارِ أوَّهْ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْ أبِي الجَوْزاءِ، مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ عَنْ جابِرٍ، «أنَّ رَجُلًا كانَ يَرْفَعُ صَوْتَهُ بِالذِّكْرِ، فَقالَ رَجُلٌ: لَوْ أنَّ هَذا خَفَضَ صَوْتَهُ. فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: دَعْهُ فَإنَّهُ أوّاهٌ» .
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عامِرٍ، «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ لِرَجُلٍ يُقالُ لَهُ: ذُو البِجادَيْنِ: إنَّهُ أوّاهٌ. وذَلِكَ أنَّهُ كانَ يُكْثِرُ ذِكْرَ اللَّهِ بِالقُرْآنِ والدُّعاءِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ أدْخَلَ مَيِّتًا القَبْرَ، وقالَ: (p-٥٦١)رَحِمَكَ اللَّهُ إنْ كُنْتَ لَأوّاهًا تَلّاءً لِلْقُرْآنِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدّادِ بْنِ الهادِ قالَ: «قالَ رَجُلٌ: يا رَسُولَ، ما الأوّاهُ؟ قالَ: الخاشِعُ المُتَضَرِّعُ الدَّعّاءُ» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والطَّبَرانِيُّ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: الأوّاهُ: الدَّعّاءُ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ قالَ: الأوّاهُ الدَّعّاءُ المُسْتَكِينُ إلى اللَّهِ كَهَيْئَةِ المَرِيضِ المُتَأوِّهِ مِن مَرَضِهِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، والفِرْيابِيُّ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ أبِي العُبَيْدَيْنِ قالَ: سَألْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ عَنِ الأوّاهِ، فَقالَ: هو الرَّحِيمُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، مِن طَرِيقِ عَلِيٍّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الأوّاهُ المُؤْمِنُ التَّوّابُ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الأوّاهُ الحَلِيمُ المُؤْمِنُ المُطِيعُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أبِي أيُّوبَ قالَ: الأوّاهُ الَّذِي إذا ذَكَرَ خَطاياهُ اسْتَغْفَرَ (p-٥٦٢)مِنها.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، مِن طَرِيقِ العَوْفِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الأوّاهُ المُؤْمِنُ بِالحَبَشِيَّةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، مِن طَرِيقِ مُجاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الأوّاهُ المُوقِنُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو الشَّيْخِ، مِن طَرِيقِ أبِي ظَبْيانَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الأوّاهُ المُوقِنُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو الشَّيْخِ، مِن طَرِيقِ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الأوّاهُ المُوقِنُ بِلِسانِ الحَبَشَةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: الأوّاهُ المُوقِنُ بِلِسانِ الحَبَشَةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عَطاءٍ قالَ: الأوّاهُ المُوقِنُ بِلِسانِ الحَبَشَةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الضَّحّاكِ قالَ: الأوّاهُ المُوقِنُ بِلِسانِ الحَبَشَةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: الأوّاهُ المُوقِنُ، وهي كَلِمَةُ الحَبَشَةِ.
(p-٥٦٣)وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، مِن وجْهٍ آخَرَ، عَنْ مُجاهِدٍ، قالَ: الأوّاهُ الفَقِيهُ المُوقِنُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ: الأوّاهُ المُسَبِّحُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ أبِي مَيْسَرَةَ قالَ: الأوّاهُ: المُسَبِّحُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُرَحْبِيلَ قالَ: الأوّاهُ الرَّحِيمُ بِلِسانِ الحَبَشَةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُرَحْبِيلَ قالَ: الأوّاهُ الدَّعّاءُ بِلِسانِ الحَبَشَةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: الأوّاهُ المُسَبِّحُ.
وأخْرَجَ البُخارِيُّ في ”تارِيخِهِ“ عَنِ الحَسَنِ قالَ: الأوّاهُ الَّذِي قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ عِنْدَ اللَّهِ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْ إبْراهِيمَ قالَ: كانَ إبْراهِيمُ يُسَمّى الأوّاهَ؛ لِرِقَّتِهِ ورَحْمَتِهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ إبْراهِيمَ لأوّاهٌ حَلِيمٌ﴾ قالَ: الحَلِيمُ الرَّحِيمُ.
(p-٥٦٤)وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ إبْراهِيمَ لأوّاهٌ حَلِيمٌ﴾ قالَ: كانَ مِن حِلْمِهِ أنَّهُ كانَ إذا آذاهُ الرَّجُلُ مِن قَوْمِهِ قالَ لَهُ: هَداكَ اللَّهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: ما أُنْزِلَ شَيْءٌ مِنَ القُرْآنِ إلّا وأنا أعْلَمُهُ إلّا أرْبَعَ آياتٍ؛ إلّا: الرَّقِيمَ فَإنِّي لا أدْرِي ما هُوَ، فَسَألْتُ كَعْبًا فَزَعَمَ أنَّها القَرْيَةُ الَّتِي خَرَجُوا مِنها، ﴿وحَنانًا مِن لَدُنّا وزَكاةً﴾ [مريم: ١٣] قالَ: لا أدْرِي ما الحَنانُ ولَكِنَّها الرَّحْمَةُ، والغِسْلِينُ لا أدْرِي ما هو ولَكِنِّي أظُنُّهُ الزَّقُّومُ، قالَ اللَّهُ: ﴿إنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّوم﴾ [الدخان: ٤٣] ﴿طَعامُ الأثِيمِ﴾ [الدخان: ٤٤] قالَ: والأوّاهُ: هو المُوقِنُ بِالحَبَشِيَّةِ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: الأوّاهُ المُؤْمِنُ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: الأوّاهُ: المُنِيبُ الفَقِيرُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عامِرٍ قالَ: الأوّاهُ الكَثِيرُ ذِكْرِ اللَّهِ.
التوبة 9:115
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا﴾ . الآيَةَ. أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إذْ هَداهم حَتّى يُبَيِّنَ لَهم ما يَتَّقُونَ﴾ قالَ: بَيانُ اللَّهِ لِلْمُؤْمِنِينَ في الِاسْتِغْفارِ لِلْمُشْرِكِينَ خاصَّةً، وفي (p-٥٦٥)بَيانِهِ طاعَتَهُ ومَعْصِيَتَهُ عامَّةً، ما فَعَلُوا أوْ تَرَكُوا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿حَتّى يُبَيِّنَ لَهم ما يَتَّقُونَ﴾ قالَ: ما يَأْتُونَهُ وما يَنْتَهُونَ عَنْهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ يَحْيى بْنِ عَقِيلٍ قالَ: دَفَعَ إلَيَّ يَحْيى بْنُ يَعْمُرَ كِتابًا قالَ: هَذِهِ خُطْبَةُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، كانَ يَقُومُ فَيَخْطُبُ بِها عَلى أصْحابِهِ كُلَّ عَشِيَّةِ خَمِيسٍ. ذَكَرَ الحَدِيثَ ثُمَّ قالَ: فَمَنِ اسْتَطاعَ مِنكم أنْ يَغْدُوَ عالِمًا أوْ مُتَعَلِّمًا فَلْيَفْعَلْ ولا يَغْدُو لِسِوى ذَلِكَ؛ فَإنَّ العالِمَ والمُتَعَلِّمَ شَرِيكانِ في الخَيْرِ، أيُّها النّاسُ، إنِّي واللَّهِ ما أخافُ عَلَيْكم أنْ تُؤْخَذُوا بِما لَمْ يُبَيَّنْ لَكم وقَدْ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إذْ هَداهم حَتّى يُبَيِّنَ لَهم ما يَتَّقُونَ﴾ فَقَدْ بَيَّنَ لَكم ما تَتَّقُونَ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وما كانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إذْ هَداهم حَتّى يُبَيِّنَ لَهم ما يَتَّقُونَ﴾ قالَ: نَزَلَتْ حِينَ أخَذُوا الفِداءَ مِنَ المُشْرِكِينَ يَوْمَ الأُسارى. قالَ: لَمْ يَكُنْ لَكم أنْ تَأْخُذُوهُ حَتّى يُؤْذَنَ لَكم ولَكِنْ ما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَ قَوْمًا بِذَنْبٍ أذْنَبُوهُ، ﴿حَتّى يُبَيِّنَ لَهم ما يَتَّقُونَ﴾ قالَ: حَتّى يَنْهاهم قَبْلَ ذَلِكَ.
(p-٥٦٦)
التوبة 9:117
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلى النَّبِيِّ﴾ . الآيَةَ. أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ خُزَيْمَةَ، وابْنُ حِبّانَ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، وأبُو نُعَيْمٍ والبَيْهَقِيُّ مَعًا في ”الدَّلائِلِ“، والضِّياءُ في ”المُخْتارَةِ“، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، «أنَّهُ قِيلَ لِعُمَرَ بْنِ الخَطّابِ: حَدِّثْنا مِن شَأْنِ ساعَةِ العُسْرَةِ. فَقالَ: خَرَجْنا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إلى تَبُوكَ في قَيْظٍ شَدِيدٍ، فَنَزَلْنا مَنزِلًا فَأصابَنا فِيهِ عَطَشٌ حَتّى ظَنَنّا أنَّ رِقابَنا سَتُقْطَعُ، حَتّى إنْ كانَ الرَّجُلَ لَيَنْحَرُ بَعِيرَهُ فَيَعْصِرُ فَرْثَهُ فَيَشْرَبُهُ، ويَجْعَلُ ما بَقِيَ عَلى كَبِدِهِ، فَقالَ أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنِ اللَّهَ قَدْ عَوَّدَكَ في الدُّعاءِ خَيْرًا، فادْعُ لَنا. فَرَفَعَ يَدَيْهِ فَلَمْ يَرْجِعْهُما حَتّى قالَتِ السَّماءُ، فَأهْطَلَتْ ثُمَّ سَكَبَتْ، فَمَلَئُوا ما مَعَهُمْ، ثُمَّ ذَهَبْنا نَنْظُرُ فَلَمْ نَجِدْها جاوَزَتِ العَسْكَرَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿فِي ساعَةِ العُسْرَةِ﴾ قالَ: غَزْوَةِ تَبُوكَ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلى النَّبِيِّ والمُهاجِرِينَ والأنْصارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ في ساعَةِ العُسْرَةِ﴾ (p-٥٦٧)قالَ: هُمُ الَّذِينَ اتَّبَعُوا النَّبِيَّ ﷺ في غَزْوَةِ تَبُوكَ قِبَلَ الشّامِ، في لَهَبانِ الحَرِّ عَلى ما يَعْلَمُ اللَّهُ مِنَ الجُهْدِ، أصابَهم فِيها جَهْدٌ شَدِيدٌ، حَتّى لَقَدْ ذُكِرَ لَنا أنَّ الرَّجُلَيْنِ كانا يَشُقّانِ التَّمْرَةَ بَيْنَهُما، وكانَ النَّفَرُ يَتَداوَلُونَ التَّمْرَةَ بَيْنَهُمْ؛ يَمُصُّها أحَدُهم ثُمَّ يَشْرَبُ عَلَيْها مِنَ الماءِ، ثُمَّ يَمُصُّها الآخَرُ، فَتابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ فَأقْفَلَهم مِن غَزْوِهِمْ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، والبَيْهَقِيُّ في ”الدَّلائِلِ“، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلِ بْنِ أبِي طالِبٍ في قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ في ساعَةِ العُسْرَةِ﴾ قالَ: خَرَجُوا في غَزْوَةِ تَبُوكَ؛ الرَّجُلانِ والثَّلاثَةُ عَلى بَعِيرٍ، وخَرَجُوا في حَرٍّ شَدِيدٍ فَأصابَهم يَوْمًا عَطَشٌ، حَتّى جَعَلُوا يَنْحَرُونَ إبِلَهم فَيَعْصِرُونَ أكْراشَها ويَشْرَبُونَ ماءَها، فَكانَ ذَلِكَ عُسْرَةً مِنَ الماءِ، وعُسْرَةً مِنَ النَّفَقَةِ، وعُسْرَةً مِنَ الظَّهْرِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنْ جابِرٍ في قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ في ساعَةِ العُسْرَةِ﴾ قالَ: عُسْرَةُ الظَّهْرِ، وعُسْرَةُ الزّادِ، وعُسْرَةُ الماءِ.
(p-٥٦٨)وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنِ الضَّحّاكِ، أنَّهُ قَرَأ: ( مِن بَعْدِ ما زاغَتْ قُلُوبَ طائِفَةٍ مِنهم.
التوبة 9:118
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وعَلى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ . الآيَةَ. أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَندَهْ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، وابْنُ عَساكِرَ، عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ في قَوْلِهِ: ﴿وعَلى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ قالَ: كَعْبُ بْنُ مالِكٍ، وهِلالُ بْنُ أُمَيَّةَ، ومُرارَةُ بْنُ رَبِيعَةَ، وكُلُّهم مِنَ الأنْصارِ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ عَنْ مُجَمِّعِ بْنِ جارِيَةَ قالَ: الثَّلاثَةُ الَّذِينَ خُلِّفُوا فَتابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ؛ كَعْبُ بْنُ مالِكٍ، وهِلالُ بْنُ أُمَيَّةَ، ومُرارَةُ بْنُ رِبْعِيٍّ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ عَنِ ابْنِ شِهابٍ قالَ: إنَّ الثَّلاثَةَ الَّذِينَ خُلِّفُوا؛ كَعْبُ بْنُ مالِكٍ مِن بَنِي سَلِمَةَ، وهِلالُ بْنُ أُمَيَّةَ مِن بَنِي واقِفٍ، ومُرارَةُ بْنُ رَبِيعٍ مِن بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ قالَ: «لَمّا نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِذِي أوانٍ خَرَجَ عامَّةُ المُنافِقِينَ الَّذِينَ كانُوا تَخَلَّفُوا عَنْهُ يَتَلَقَّوْنَهُ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِأصْحابِهِ: لا تُكَلِّمُنَّ رَجُلًا تَخَلَّفَ عَنّا، ولا تُجالِسُوهُ حَتّى آذَنَ لَكم. فَلَمْ (p-٥٦٩)يُكَلِّمُوهم فَلَمّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ المَدِينَةَ أتاهُ الَّذِينَ تَخَلَّفُوا يُسَلِّمُونَ عَلَيْهِ، فَأعْرَضَ عَنْهُمْ، وأعْرَضَ المُؤْمِنُونَ عَنْهم حَتّى إنَّ الرَّجُلَ لَيُعْرِضُ عَنْهُ أبُوهُ وأخُوهُ وعَمُّهُ، فَجَعَلُوا يَأْتُونَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ويَعْتَذِرُونَ بِالجَهْدِ والأسْقامِ، فَرَحِمَهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَبايَعَهُمْ، واسْتَغْفَرَ لَهُمْ، وكانَ مِمَّنْ تَخَلَّفَ عَنْ غَيْرِ شَكٍّ ولا نِفاقٍ ثَلاثَةُ نَفَرٍ، الَّذِينَ ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى في سُورَةِ التَّوْبَةِ؛ كَعْبُ بْنُ مالِكٍ السُّلَمِيُّ، وهِلالُ بْنُ أُمَيَّةَ الواقِفِيُّ، ومُرارَةُ بْنُ رَبِيعَةَ العامِرِيُّ» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَندَهْ، وابْنُ عَساكِرَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿وعَلى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ قالَ: كَعْبُ بْنُ مالِكٍ ومُرارَةُ بْنُ الرَّبِيعِ، وهِلالُ بْنُ أُمَيَّةَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأحْمَدُ، والبُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ حِبّانَ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، والبَيْهَقِيُّ مِن طَرِيقِ الزُّهْرِيِّ قالَ: أخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مالِكٍ، «أنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ كَعْبِ بْنِ مالِكٍ، وكانَ قائِدَ كَعْبٍ مِن بَنِيهِ حِينَ عَمِيَ، قالَ: سَمِعْتُ كَعْبَ بْنَ مالِكٍ يُحَدِّثُ حَدِيثَهُ حِينَ تَخَلَّفَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في غَزْوَةِ تَبُوكَ، قالَ كَعْبٌ: لَمْ أتَخَلَّفْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في غَزْوَةٍ غَزاها قَطُّ إلّا في غَزْوَةِ تَبُوكَ غَيْرَ أنِّي كُنْتُ تَخَلَّفْتُ في غَزْوَةِ بَدْرٍ، ولَمْ يُعاتِبْ أحَدًا تَخَلَّفَ (p-٥٧٠)عَنْها، إنَّما خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُرِيدُ عِيرَ قُرَيْشٍ، حَتّى جَمَعَ اللَّهُ بَيْنَهم وبَيْنَ عَدُوِّهِمْ عَلى غَيْرِ مِيعادٍ، ولَقَدْ شَهِدْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَيْلَةَ العَقَبَةِ حِينَ تَواثَقْنا عَلى الإسْلامِ، وما أُحِبُّ أنَّ لِي بِها مَشْهَدَ بَدْرٍ، وإنْ كانَتْ بَدْرٌ أذْكَرَ في النّاسِ مِنها وأشْهَرَ، وكانَ مِن خَبَرِي حِينَ تَخَلَّفْتُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في غَزْوَةِ تَبُوكَ أنِّي لَمْ أكُنْ قَطُّ أقْوى ولا أيْسَرَ مِنِّي حِينَ تَخَلَّفْتُ عَنْهُ في تِلْكَ الغَزاةِ، واللَّهِ ما جَمَعْتُ قَبْلَها راحِلَتَيْنِ قَطُّ حَتّى جَمَعْتُهُما في تِلْكَ الغَزاةِ، وكانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَلَّما يُرِيدُ غَزاةً إلّا ورّى بِغَيْرِها حَتّى كانَتْ تِلْكَ الغَزْوَةُ، فَغَزاها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في حَرٍّ شَدِيدٍ، واسْتَقْبَلَ سَفَرًا بَعِيدًا ومَفازًا واسْتَقْبَلَ عَدُوًّا كَثِيرًا، فَجَلّى لِلْمُسْلِمِينَ أمْرَهم لِيَتَأهَّبُوا أُهْبَةَ عَدُوِّهِمْ، فَأخْبَرَهم وجْهَهُ الَّذِي يُرِيدُ، والمُسْلِمُونَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَثِيرٌ لا يَجْمَعُهم كِتابٌ حافِظٌ - يُرِيدُ الدِّيوانَ - قالَ كَعْبٌ: فَقَلَّ رَجُلٌ يُرِيدُ أنْ يَتَغَيَّبَ إلّا ظَنَّ أنَّ ذَلِكَ سَيَخْفى ما لَمْ يَنْزِلْ فِيهِ وحْيٌ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وغَزا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ تِلْكَ الغَزاةَ حِينَ طابَتِ الثِّمارُ والظِّلُّ وأنا لَها أنْ أصْعَرُ، فَتَجَهَّزَ إلَيْها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ والمُؤْمِنُونَ مَعَهُ، وطَفِقْتُ (p-٥٧١)أغْدُو لِكَيْ أتَجَهَّزَ مَعَهُمْ، فَأرْجِعُ ولا أقْضِي شَيْئًا، فَأقُولُ لِنَفْسِي: أنا قادِرٌ عَلى ذَلِكَ إذا أرَدْتُ. فَلَمْ يَزَلْ ذَلِكَ يَتَمادى بِي حَتّى اسْتَمَرَّ بِالنّاسِ الجِدُّ، فَأصْبَحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ غادِيًا والمُسْلِمُونَ مَعَهُ، ولَمْ أقْضِ مِن جَهازِي شَيْئًا، وقُلْتُ: الجَهازُ بَعْدَ يَوْمٍ أوْ يَوْمَيْنِ ثُمَّ ألْحَقُهُ. فَغَدَوْتُ بَعْدَما فَصَلُوا لِأتَجَهَّزَ فَرَجَعْتُ ولَمْ أقْضِ مِن جَهازِي شَيْئًا، ثُمَّ غَدَوْتُ فَرَجَعْتُ ولَمْ أقْضِ شَيْئًا، فَلَمْ يَزَلْ ذَلِكَ يَتَمادى بِي حَتّى انْتَهَوْا، وتَفارَطَ الغَزْوُ فَهَمَمْتُ أنْ أرْتَحِلَ فَأُدْرِكَهُمْ، ولَيْتَ أنِّي فَعَلْتُ، ثُمَّ لَمَّ يُقَدَّرْ ذَلِكَ لِي، فَطَفِقْتُ إذا خَرَجْتُ في النّاسِ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يُحْزِنُنِي أنْ لا أرى إلّا رَجُلًا مَغْمُوصًا عَلَيْهِ في النِّفاقِ، أوْ رَجُلًا مِمَّنْ عَذَرَهُ اللَّهُ، ولَمْ يَذْكُرْنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتّى بَلَغَ تَبُوكَ، فَقالَ وهو جالِسٌ في القَوْمِ بِتَبُوكَ: ما فَعَلَ كَعْبُ بْنُ مالِكٍ؟ فَقالَ رَجُلٌ مِن بَنِي سَلِمَةَ: حَبَسَهُ، يا رَسُولَ اللَّهِ، بُرْداهُ والنَّظَرُ في عِطْفَيْهِ. فَقالَ لَهُ مُعاذُ بْنُ جَبَلٍ: بِئْسَما قُلْتَ، واللَّهِ يا رَسُولَ اللَّهِ ما عَلِمْنا عَلَيْهِ إلّا خَيْرًا. فَسَكَتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ .
قالَ كَعْبُ بْنُ مالِكٍ: فَلَمّا بَلَغَنِي أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ تَوَجَّهَ قافِلًا مِن (p-٥٧٢)تَبُوكَ حَضَرَنِي بَثِّي، فَطَفِقْتُ أتَفَكَّرُ الكَذِبَ، وأقُولُ: بِماذا أخْرُجُ مِن سَخَطِهِ غَدًا؟ وأسْتَعِينُ عَلى ذَلِكَ بِكُلِّ ذِي رَأْيٍ مِن أهْلِي، فَلَمّا قِيلَ: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ أظَلَّ قادِمًا. راحَ عَنِّي الباطِلُ وعَرَفْتُ أنِّي لَمْ أنْجُ مِنهُ بِشَيْءٍ أبَدًا، فَأجْمَعْتُ صِدْقَهُ، وصَبَّحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وكانَ إذا قَدِمَ مِن سَفَرٍ بَدَأ بِالمَسْجِدِ، فَرَكَعَ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ جَلَسَ لِلنّاسِ، فَلَمّا فَعَلَ ذَلِكَ جاءَهُ المُتَخَلِّفُونَ، فَطَفِقُوا يَعْتَذِرُونَ إلَيْهِ ويَحْلِفُونَ لَهُ، وكانُوا بِضْعَةً وثَمانِينَ رَجُلًا فَقَبِلَ مِنهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلانِيَتَهم واسْتَغْفَرَ لَهُمْ، ويَكِلُ سَرائِرَهم إلى اللَّهِ، حَتّى جِئْتُ فَلَمّا سَلَّمْتُ عَلَيْهِ تَبَسَّمَ تَبَسُّمَ المُغْضَبِ، ثُمَّ قالَ لِي: تَعالَ. فَجِئْتُ أمْشِي حَتّى جَلَسْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَقالَ لِي: ما خَلَّفَكَ ألَمْ تَكُنْ قَدِ اشْتَرَيْتَ ظَهْرَكَ؟ فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، لَوْ جَلَسْتُ عِنْدَ (p-٥٧٣)غَيْرِكَ مِن أهْلِ الدُّنْيا لَرَأيْتُ أنْ أخْرُجَ مِن سَخَطِهِ بِعُذْرٍ، لَقَدْ أُعْطِيتُ جَدَلًا ولَكِنَّهُ - واللَّهِ - لَقَدْ عَلِمْتُ لَئِنْ حَدَّثْتُكَ اليَوْمَ حَدِيثَ كَذِبٍ تَرْضى عَنِّي بِهِ؛ لِيُوشِكَنَّ اللَّهُ يُسْخِطُكَ عَلَيَّ، ولَئِنْ حَدَّثْتُكَ الصِّدْقَ تَجِدُ عَلَيَّ فِيهِ، إنِّي لَأرْجُوَ قُرْبَ عُقْبى مِنَ اللَّهِ، واللَّهِ ما كانَ لِي عُذْرٌ، واللَّهِ ما كُنْتُ قَطُّ أفْرَغَ ولا أيْسَرَ مِنِّي حِينَ تَخَلَّفْتُ عَنْكَ. فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أمّا هَذا فَقَدَ صَدَقَ، فَقُمْ حَتّى يَقْضِيَ اللَّهُ فِيكَ. فَقُمْتُ وبادَرَنِي رِجالٌ مِن بَنِي سَلِمَةَ واتَّبَعُونِي فَقالُوا لِي: واللَّهِ ما عَلِمْناكَ كُنْتَ أذْنَبْتَ ذَنْبًا قَبْلَ هَذا، ولَقَدْ عَجَزْتَ ألّا تَكُونَ اعْتَذَرْتَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِما اعْتَذَرَ بِهِ المُتَخَلِّفُونَ! فَلَقَدْ كانَ كافِيَكَ مِن ذَنْبِكَ اسْتِغْفارُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قالَ: فَواللَّهِ ما زالُوا يُؤَنِّبُونِي حَتّى أرَدْتُ أنْ أرْجِعَ فَأُكَذِّبَ نَفْسِي. ثُمَّ قُلْتُ لَهم: هَلْ لَقِيَ هَذا مَعِي أحَدٌ؟ قالُوا: نَعَمْ، لَقِيَهُ مَعَكَ رَجُلانِ، قالا ما قُلْتَ، وقِيلَ لَهُما مِثْلُ ما قِيلَ لَكَ. فَقُلْتُ: مَن هُما؟ قالُوا: مُرارَةُ بْنُ الرَّبِيعِ، وهِلالُ بْنُ أُمَيَّةَ الواقِفِيُّ. فَذَكَرُوا لِي رَجُلَيْنِ صالِحَيْنِ، قَدْ شَهِدا بَدْرًا، لِي فِيهِما أُسْوَةٌ، فَمَضَيْتُ حِينَ ذَكَرُوهُما لِي.
(p-٥٧٤)قالَ: ونَهى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ النّاسَ عَنْ كَلامِنا - أيُّها الثَّلاثَةُ - مِن بَيْنِ مَن تَخَلَّفَ عَنْهُ، فاجْتَنَبَنا النّاسُ، وتَغَيَّرُوا لَنا، حَتّى تَنَكَّرَتْ لِي في نَفْسِي الأرْضُ، فَما هي بِالأرْضِ الَّتِي كُنْتُ أعْرِفُ، فَلَبِثْنا عَلى ذَلِكَ خَمْسِينَ لَيْلَةً، فَأمّا صاحِبايَ فاسْتَكانا وقَعَدا في بُيُوتِهِما، وأمّا أنا فَكُنْتُ أشَدَّ القَوْمِ وأجْلَدَهُمْ، فَكُنْتُ أشْهَدُ الصَّلاةَ مَعَ المُسْلِمِينَ، وأطُوفُ بِالأسْواقِ، فَلا يُكَلِّمُنِي أحَدٌ، وآتِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وهو في مَجْلِسِهِ بَعْدَ الصَّلاةِ فَأُسَلِّمُ وأقُولُ في نَفْسِي: هَلْ حَرَّكَ شَفَتَيْهِ بِرَدِّ السَّلامِ أمْ لا؟ ثُمَّ أُصَلِّي قَرِيبًا مِنهُ وأُسارِقُهُ النَّظَرَ، فَإذا أقْبَلْتُ عَلى صَلاتِي نَظَرَ إلَيَّ، فَإذا التَفَتُّ نَحْوَهُ أعْرَضَ، حَتّى إذا طالَ عَلَيَّ ذَلِكَ مِن هَجْرِ المُسْلِمِينَ مَشَيْتُ حَتّى تَسَوَّرْتُ حائِطَ أبِي قَتادَةَ، وهو ابْنُ عَمِّي وأحَبُّ النّاسِ إلَيَّ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَواللَّهِ ما رَدَّ السَّلامَ عَلَيَّ، فَقُلْتُ لَهُ: يا أبا قَتادَةَ أنْشُدُكَ اللَّهَ، هَلْ تَعْلَمُ أنِّي أُحِبُّ اللَّهَ ورَسُولَهُ؟ قالَ: فَسَكَتَ. قالَ: فَعُدْتُ فَنَشَدْتُهُ فَسَكَتَ، فَعُدْتُ فَنَشَدْتُهُ. فَقالَ: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ. فَفاضَتْ عَيْنايَ، وتَوَلَّيْتُ حَتّى تَسَوَّرْتُ الجِدارَ، وبَيْنا أنا أمْشِي بِسُوقِ المَدِينَةِ؛ إذا نَبَطِيٌّ مِن أنْباطِ الشّامِ مِمَّنْ قَدِمَ بِطَعامٍ يَبِيعُهُ (p-٥٧٥)بِالمَدِينَةِ يَقُولُ: مَن يَدُلُّ عَلى كَعْبِ بْنِ مالِكٍ؟ فَطَفِقَ النّاسُ يُشِيرُونَ لَهُ إلَيَّ حَتّى جاءَ، فَدَفَعَ إلَيَّ كِتابًا مِن مَلِكِ غَسّانَ، وكُنْتُ كاتِبًا، فَإذا فِيهِ: أمّا بَعْدُ، فَقَدْ بَلَغَنا أنَّ صاحِبَكَ قَدْ جَفاكَ، ولَمْ يَجْعَلْكَ اللَّهُ بِدارِ هَوانٍ ولا مَضْيَعَةٍ، فالحَقْ بِنا نُواسِكَ. فَقُلْتُ حِينَ قَرَأْتُها: وهَذا أيْضًا مِنَ البَلاءِ. فَتَيَمَّمْتُ بِها التَّنُّورَ فَسَجَرْتُهُ فِيها.
حَتّى إذا مَضَتْ أرْبَعُونَ لَيْلَةً مِنَ الخَمْسِينَ إذا بِرَسُولِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَأْتِينِي فَقالَ: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَأْمُرُكَ أنْ تَعْتَزِلَ امْرَأتَكَ. فَقُلْتُ: أُطَلِّقُها أمْ ماذا أفْعَلُ؟ قالَ: بَلِ اعْتَزِلْها ولا تَقْرَبْها. وأرْسَلَ إلى صاحِبَيَّ مِثْلَ ذَلِكَ، فَقُلْتُ لِامْرَأتِي: الحَقِي بِأهْلِكَ فَكُونِي عِنْدَهم حَتّى يَقْضِيَ اللَّهُ في هَذا الأمْرِ. فَجاءَتِ امْرَأةُ هِلالِ بْنِ أُمَيَّةَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنْ هِلالًا شَيْخٌ ضائِعٌ ولَيْسَ لَهُ خادِمٌ، فَهَلْ تَكْرَهُ أنْ أخْدُمَهُ؟ قالَ: لا، ولَكِنْ لا يَقْرَبَنَّكِ. قالَتْ: وإنَّهُ واللَّهِ ما بِهِ حَرَكَةٌ إلى شَيْءٍ، واللَّهِ ما زالَ يَبْكِي مِن لَدُنْ أنْ كانَ مِن أمْرِكَ ما كانَ إلى يَوْمِهِ هَذا. فَقالَ لِي بَعْضُ أهْلِي: لَوِ اسْتَأْذَنْتَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ في امْرَأتِكَ فَقَدْ أذِنَ لِامْرَأةِ هِلالٍ أنْ تَخْدُمَهُ، فَقُلْتُ: واللَّهِ لا أسْتَأْذِنُ فِيها (p-٥٧٦)رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، وما أدْرِي ما يَقُولُ إذا اسْتَأْذَنْتُهُ، وأنا رَجُلٌ شابٌّ.
قالَ: فَلِبَثْنا عَشْرَ لَيالٍ، فَكَمَلَ لَنا خَمْسُونَ لَيْلَةً مِن حِينَ نَهى عَنْ كَلامِنا. قالَ: ثُمَّ صَلَّيْتُ الفَجْرَ صَباحَ خَمْسِينَ لَيْلَةً عَلى ظَهْرِ بَيْتٍ مِن بُيُوتِنا، فَبَيْنا أنا جالِسٌ عَلى الحالِ الَّتِي ذَكَرَ اللَّهُ عَنّا، قَدْ ضاقَتْ عَلَيَّ نَفْسِي، وضاقَتْ عَلَيَّ الأرْضُ بِما رَحُبَتْ، سَمِعْتُ صارِخًا أوْفى جَبَلَ سَلْعٍ يَقُولُ بِأعْلى صَوْتِهِ: يا كَعْبَ بْنَ مالِكٍ أبْشِرْ. فَخَرَرْتُ ساجِدًا، وعَرَفْتُ أنْ قَدْ جاءَ فَرَجٌ، فَآذَنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِتَوْبَةِ اللَّهِ عَلَيْنا حِينَ صَلّى الفَجْرَ، فَذَهَبَ النّاسُ يُبَشِّرُونَنا، وذَهَبَ قِبَلَ صاحِبَيَّ مُبَشِّرُونَ، ورَكَضَ إلَيَّ رَجُلٌ فَرَسًا، وسَعى ساعٍ مِن أسْلَمَ وأوْفى عَلى الجَبَلِ، فَكانَ الصَّوْتُ أسْرَعَ مِنَ الفَرَسِ، فَلَمّا جاءَنِي الَّذِي سَمِعْتُ صَوْتَهُ يُبَشِّرُنِي نَزَعْتُ لَهُ ثَوْبَيَّ فَكَسَوْتُهُما إيّاهُ بِبِشارَتِهِ، واللَّهِ ما أمْلِكَ غَيْرَهُما يَوْمَئِذٍ، فاسْتَعَرْتُ ثَوْبَيْنِ فَلَبِسْتُهُما، فانْطَلَقَتْ أؤُمُّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، يَتَلَقّانِي النّاسُ فَوْجًا بَعْدَ فَوْجٍ يُهَنِّئُونِي بِالتَّوْبَةِ، يَقُولُونَ: لِيَهْنِكَ تَوْبَةُ اللَّهِ عَلَيْكَ. حَتّى دَخَلْتُ المَسْجِدَ فَإذا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ جالِسٌ في المَسْجِدِ حَوْلَهُ النّاسَ، فَقامَ إلَيَّ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ يُهَرْوِلُ حَتّى صافَحَنِي وهَنَّأنِي، واللَّهِ ما قامَ إلَيَّ رَجُلٌ مِنَ المُهاجِرِينَ غَيْرُهُ - قالَ: فَكانَ كَعْبٌ لا يَنْساها لِطَلْحَةَ - قالَ كَعْبٌ: فَلَمّا سَلَّمْتُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قالَ - وهو يَبْرُقُ وجْهُهُ مِنَ السُّرُورِ - أبْشِرْ بِخَيْرِ يَوْمٍ مَرَّ عَلَيْكَ مُنْذُ ولَدَتْكَ أُمُّكَ. قُلْتُ: أمِنَ عِنْدِكَ يا رَسُولَ اللَّهِ أمْ مِن عِنْدِ اللَّهِ؟ (p-٥٧٧)قالَ: لا بَلْ مِن عِنْدِ اللَّهِ، وكانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذا سُرَّ اسْتَنارَ وجْهُهُ حَتّى كَأنَّهُ قِطْعَةُ قَمَرٍ، فَلَمّا جَلَسْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّ مِن تَوْبَتِي أنْ أنْخَلِعَ مِن مالِي صَدَقَةً إلى اللَّهِ وإلى رَسُولِهِ ﷺ . قالَ: أمْسِكْ بَعْضَ مالِكَ فَهو خَيْرٌ لَكَ. قُلْتُ: إنِّي أُمْسِكُ سَهْمِي الَّذِي بِخَيْبَرَ. وقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّما نَجّانِي اللَّهُ بِالصِّدْقِ، وإنَّ مِن تَوْبَتِي ألّا أُحَدِّثَ إلّا صِدْقًا ما بَقِيتُ. قالَ: فَواللَّهِ ما أعْلَمُ أحَدًا مِنَ المُسْلِمِينَ أبْلاهُ اللَّهُ مِنَ الصِّدْقِ في الحَدِيثِ مُنْذُ ذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ أحْسَنَ مِمّا أبَلّانِي اللَّهُ تَعالى، واللَّهِ ما تَعَمَّدْتُ كَذِبَةً مُنْذُ قُلْتُ ذَلِكَ إلى يَوْمِي هَذا، وإنِّي لَأرْجُوَ أنْ يَحْفَظَنِي اللَّهُ فِيما بَقِيَ. وأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلى النَّبِيِّ والمُهاجِرِينَ والأنْصارِ﴾ [التوبة: ١١٧] إلى قَوْلِهِ: ﴿وكُونُوا مَعَ الصّادِقِينَ﴾ [التوبة: ١١٩] فَواللَّهِ ما أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ مِن نِعْمَةٍ قَطُّ، بَعْدَ أنْ هَدانِي اللَّهُ لِلْإسْلامِ، أعْظَمَ في نَفْسِي مِن صِدْقِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمَئِذٍ ألّا أكُونَ كَذَبْتُهُ فَأهْلِكَ كَما هَلَكَ الَّذِينَ كَذَّبُوهُ، فَإنَّ اللَّهَ قالَ لِلَّذِينِ كَذَّبُوهُ حِينَ أنْزَلَ الوَحْيَ شَرٌّ ما قالَ لِأحَدٍ، فَقالَ: ﴿سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكم إذا انْقَلَبْتُمْ إلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهم فَأعْرِضُوا عَنْهم إنَّهم رِجْسٌ﴾ [التوبة: ٩٥] إلى قَوْلِهِ: (p-٥٧٨)﴿الفاسِقِينَ﴾ [التوبة: ٩٦] قالَ: وكُنّا خُلِّفْنا - أيُّها الثَّلاثَةُ - عَنْ أمْرٍ أُولَئِكَ الَّذِينَ قَبِلَ مِنهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَ حَلَفُوا، فَبايِعْهم واسْتَغْفَرَ لَهُمْ، وأرْجَأ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أمْرَنا حَتّى قَضى اللَّهُ فِيهِ، فَبِذَلِكَ قالَ: ﴿وعَلى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ ولَيْسَ تَخْلِيفُهُ إيّانا وإرْجاؤُهُ أمْرَنا - الَّذِي ذَكَرَ مِمّا خُلِّفْنا - بِتَخَلُّفِنا عَنِ الغَزْوِ، وإنَّما هو عَمَّنْ حَلَفُ لَهُ واعْتَذَرَ إلَيْهِ فَقَبِلَ مِنهُ» .
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنْ كَعْبِ بْنِ مالِكٍ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ تَوْبَتِي أتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَقَبَّلْتُ يَدَهُ ورُكْبَتَيْهِ، وكَسَوْتُ المُبَشِّرَ ثَوْبَيْنِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ: ﴿وعَلى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ قالَ: الَّذِينَ أُرْجِئُوا في وسَطِ ”بَراءَةَ“؛ قَوْلُهُ: ﴿وآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لأمْرِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ١٠٦] هِلالُ بْنُ أُمَيَّةَ، ومُرارَةُ بْنُ رَبِيعَةَ، وكَعْبُ بْنُ مالِكٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ: ﴿وعَلى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ مُثَقَّلَةً. يَقُولُ: عَنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ الحَسَنِ قالَ: «لَمّا غَزا (p-٥٧٩)رَسُولُ اللَّهِ ﷺ تَبُوكَ تَخَلَّفَ كَعْبُ بْنُ مالِكٍ وهِلالُ بْنُ أُمَيَّةَ ومُرارَةُ بْنُ الرَّبِيعِ، قالَ: أمّا أحَدُهم فَكانَ لَهُ حائِطٌ حِينَ زَها، قَدْ فَشَتَّ فِيهِ الحُمْرَةُ والصُّفْرَةُ، فَقالَ: غَزَوْتُ وغَزَوْتُ وغَزَوْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ، فَلَوْ أقَمْتُ العامَ في هَذا الحائِطِ، فَأصَبْتُ مِنهُ. فَلَمّا خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وأصْحابُهُ دَخَلَ حائِطَهُ فَقالَ: ما خَلَّفَنِي عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وما اسْتَبَقَ المُؤْمِنُونَ مِنَ الجِهادِ في سَبِيلِ اللَّهِ إلّا ضَنٌّ بِكَ أيُّها الحائِطُ، اللَّهُمَّ إنِّي أُشْهِدُكَ أنِّي قَدْ تَصَدَّقْتُ بِهِ في سَبِيلِكَ. وأمّا الآخَرُ فَكانَ قَدْ تَفَرَّقَ عَنْهُ مِن أهْلِهِ ناسٌ واجْتَمَعُوا لَهُ فَقالَ: غَزَوْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وغَزَوْتُ، فَلَوْ أنِّي أقَمْتُ العامَ في أهْلِي. فَلَمّا خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وأصْحابُهُ قالَ: ما خَلَّفَنِي عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وما اسْتَبَقَ إلَيْهِ المُؤْمِنُونَ في الجِهادِ في سَبِيلِ اللَّهِ إلّا ضَنٌّ بِكم أيُّها الأهْلُ، اللَّهُمَّ إنَّ لَكَ عَلَيَّ ألّا أرْجِعَ إلى أهْلِي ومالِي حَتّى أعْلَمَ ما تَقْضِي فِيَّ. وأمّا الآخَرُ، فَقالَ: اللَّهُمَّ إنَّ لَكَ عَلَيَّ أنْ ألْحَقَ بِالقَوْمِ حَتّى أُدْرِكَهُمْ، أوْ أنْقَطِعَ. فَجَعَلَ يَتْبَعُ الوَقْعَ والحُزُونَةَ حَتّى لَحِقَ بِالقَوْمِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلى النَّبِيِّ﴾ [التوبة: ١١٧] إلى قَوْلِهِ: ﴿وعَلى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتّى إذا ضاقَتْ عَلَيْهِمُ الأرْضُ بِما رَحُبَتْ﴾ (p-٥٨٠)قالَ الحَسَنُ: يا سُبْحانَ اللَّهِ، واللَّهِ ما أكَلُوا مالًا حَرامًا، ولا أصابُوا دَمًا حَرامًا، ولا أفْسَدُوا في الأرْضِ، غَيْرَ أنَّهم أبْطَئُوا عَنْ شَيْءٍ مِنَ الخَيْرِ؛ الجِهادِ في سَبِيلِ اللَّهِ، وقَدْ - واللَّهِ - جاهَدُوا، وجاهَدُوا، وجاهَدُوا، فَبَلَغَ مِنهم ما سَمِعْتُمْ. فَهَكَذا يَبْلُغُ الذَّنْبُ مِنَ المُؤْمِنِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ الضَّحّاكِ في قَوْلِهِ: ﴿وعَلى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ يَعْنِي: خُلِّفُوا عَنِ التَّوْبَةِ، لَمْ يَتُبْ عَلَيْهِمْ حَتّى تابَ اللَّهُ عَلى أبِي لُبابَةَ وأصْحابِهِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ عَساكِرَ عَنْ عِكْرِمَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وعَلى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ قالَ: خُلِّفُوا عَنِ التَّوْبَةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عِكْرِمَةَ بْنِ خالِدٍ المَخْزُومِيِّ، أنَّهُ كانَ يَقْرَؤُها: (وعَلى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خَلَفُوا) . نَصْبٌ، أيْ: بَعْدَ مُحَمَّدٍ ﷺ وأصْحابِهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: دَعا اللَّهُ إلى تَوْبَتِهِ مَن قالَ: ﴿أنا رَبُّكُمُ الأعْلى﴾ [النازعات: ٢٤]، وقالَ: ﴿ما عَلِمْتُ لَكم مِن إلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص: ٣٨] (p-٥٨١)ومَن آيَسَ العِبادَ مِنِ التَّوْبَةِ بَعْدَ هَؤُلاءِ فَقَدْ جَحَدَ كِتابَ اللَّهِ، ولَكِنْ لا يَقْدِرُ العَبْدُ أنْ يَتُوبَ حَتّى يَتُوبَ اللَّهُ عَلَيْهِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا﴾ فَبَدْءُ التَّوْبَةِ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ.
التوبة 9:119
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ﴾ . الآيَةَ. أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ نافِعٍ في قَوْلِهِ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وكُونُوا مَعَ الصّادِقِينَ﴾ قالَ: نَزَلَتْ في الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا: قِيلَ لَهم: كُونُوا مَعَ مُحَمَّدٍ ﷺ وأصْحابِهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ كَعْبِ بْنِ مالِكٍ قالَ: فِينا نَزَلَتْ أيْضًا: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وكُونُوا مَعَ الصّادِقِينَ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ في قَوْلِهِ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وكُونُوا مَعَ الصّادِقِينَ﴾ قالَ: مَعَ مُحَمَّدٍ ﷺ وأصْحابِهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ في قَوْلِهِ: ﴿وكُونُوا مَعَ الصّادِقِينَ﴾ قالَ: مَعَ أبِي بَكْرٍ وعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما.
(p-٥٨٢)وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ عَساكِرَ، عَنِ الضَّحّاكِ في قَوْلِهِ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وكُونُوا مَعَ الصّادِقِينَ﴾ قالَ: أُمِرُوا أنْ يَكُونُوا مَعَ أبِي بَكْرٍ وعُمَرَ وأصْحابِهِما.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وكُونُوا مَعَ الصّادِقِينَ﴾ قالَ: مَعَ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ عَنْ أبِي جَعْفَرٍ في قَوْلِهِ: ﴿وكُونُوا مَعَ الصّادِقِينَ﴾ قالَ: مَعَ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وكُونُوا مَعَ الصّادِقِينَ﴾ قالَ: كُونُوا مَعَ كَعْبِ بْنِ مالِكٍ، ومُرارَةَ بْنِ رَبِيعَةَ، وهِلالِ بْنِ أُمَيَّةَ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ عَدِيٍّ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، والبَيْهَقِيُّ في ”شُعَبِ الإيمانِ“، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قالَ: لا يَصْلُحُ الكَذِبُ في جِدٍّ ولا هَزْلٍ، ولا أنْ يَعِدَ أحَدُكم صَبِيَّهُ شَيْئًا ثُمَّ لا يُنْجِزَهُ، اقْرَءُوا إنْ شِئْتُمْ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وكُونُوا مَعَ الصّادِقِينَ﴾ قالَ: وهي في قِراءَةِ عَبْدِ اللَّهِ هَكَذا، قالَ: فَهَلْ تَجِدُونَ لِأحَدٍ رُخْصَةً في الكَذِبِ؟!
(p-٥٨٣)وأخْرَجَ ابْنُ الأنْبارِيِّ في ”المَصاحِفِ“ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ: ﴿وكُونُوا مَعَ الصّادِقِينَ﴾ .
وأخْرَجَ أبُو داوُدَ الطَّيالِسِيُّ، والبُخارِيُّ في ”الأدَبِ“، وابْنُ عَدِيٍّ، والبَيْهَقِيُّ في ”الشُّعَبِ“، عَنْ أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «عَلَيْكم بِالصِّدْقِ فَإنَّهُ يَهْدِي إلى البِرِّ، وهُما في الجَنَّةِ، وإيّاكم والكَذِبَ فَإنَّهُ يَهْدِي إلى الفُجُورِ، وهُما في النّارِ، ولا يَزالُ الرَّجُلُ يَصْدُقُ حَتّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ صِدِّيقًا، ولا يَزالُ يَكْذِبُ حَتّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ كَذّابًا» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، والبُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ عَدِيٍّ، والبَيْهَقِيُّ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «عَلَيْكم بِالصِّدْقِ فَإنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي إلى البِرِّ، وإنَّ البِرَّ يَهْدِي إلى الجَنَّةِ، وإنَّ الرَّجُلَ لَيَصْدُقُ حَتّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ صِدِّيقًا، وإيّاكم والكَذِبَ فَإنَّ الكَذِبَ يَهْدِي إلى الفُجُورِ، وإنَّ الفُجُورَ يَهْدِي إلى النّارِ، وإنَّ الرَّجُلَ لَيَكْذِبُ حَتّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ كَذّابًا» .
وأخْرَجَ ابْنُ عَدِيٍّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «يا أيُّها النّاسُ اجْتَنِبُوا الكَذِبَ، فَإنَّ الكَذِبَ يَهْدِي إلى الفُجُورِ، وإنَّ الفُجُورَ يَهْدِي إلى النّارِ، وإنَّهُ يُقالُ: صَدَقَ وبَرَّ، وكَذَبَ وفَجَرَ» .
(p-٥٨٤)وأخْرَجَ أحْمَدُ، والبَيْهَقِيُّ في ”الشُّعَبِ“ عَنْ مالِكٍ الجُشَمِيِّ، «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ لَهُ: أرَأيْتَ لَوْ كانَ لَكَ عَبْدانِ؛ أحَدُهُما يَخُونُكَ ويَكْذِبُكَ حَدِيثًا، والآخَرُ لا يَخُونُكَ ويَصْدُقُكَ حَدِيثًا؛ أيُّهُما أحَبُّ إلَيْكَ؟ قالَ: قُلْتُ: الَّذِي لا يَخُونُنِي، ويَصْدُقُنِي حَدِيثًا. قالَ: كَذَلِكَ أنْتُمْ عِنْدَ رَبِّكم عَزَّ وجَلَّ» .
وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، رَفَعَ الحَدِيثِ إلى النَّبِيِّ ﷺ، قالَ: «إنَّ الكَذِبَ لا يَصْلُحُ مِنهُ جِدٌّ ولا هَزْلٌ، ولا يَعِدُ الرَّجُلُ ابْنَهُ ثُمَّ لا يَنْجِزُ لَهُ، إنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي إلى البِرِّ، وإنَّ البِرَّ يَهْدِي إلى الجَنَّةِ، وإنَّ الكَذِبَ يَهْدِي إلى الفُجُورِ، وإنَّ الفُجُورَ يَهْدِي إلى النّارِ، إنَّهُ يُقالُ لِلصّادِقِ: صَدَقَ وبَرَّ. ويُقالُ لِلْكاذِبِ: كَذَبَ وفَجَرَ. وإنَّ الرَّجُلَ لَيَصْدُقُ حَتّى يُكْتُبَ عِنْدَ اللَّهِ صِدِّيقًا، ويَكْذِبُ حَتّى يُكْتُبَ عِنْدَ اللَّهِ كَذّابًا» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأحْمَدُ، والبَيْهَقِيُّ عَنْ أسْماءَ بِنْتِ يَزِيدَ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَطَبَ فَقالَ: ما يَحْمِلُكم عَلى أنْ تَتايَعُوا عَلى الكَذِبِ كَما يَتَتايَعُ الفِراشُ في النّارِ، كُلُّ الكَذِبِ يُكْتَبُ عَلى ابْنِ آدَمَ إلّا رَجُلٌ كَذَبَ في (p-٥٨٥)خَدِيعَةِ حَرْبٍ، أوْ إصْلاحٍ بَيْنَ اثْنَيْنِ، أوْ رَجُلٌ يُحَدِّثُ امْرَأتَهُ لِيُرْضِيَها» .
وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ عَنِ النَّوّاسِ بْنِ سَمْعانَ الكِلابِيِّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «ما لِي أراكم تَتَهافَتُونَ في الكَذِبِ تَهافُتَ الفَراشِ في النّارِ، كُلُّ كَذِبٍ مَكْتُوبٌ كَذِبًا لا مَحالَةَ، إلّا أنْ يَكْذِبَ الرَّجُلُ في الحَرْبِ، فَإنَّ الحَرْبَ خَدْعَةٌ، أوْ يَكْذِبَ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ لِيُصْلِحَ بَيْنَهُما، أوْ يَكْذِبَ امْرَأتَهُ لِيُرْضِيَها» .
وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ شِهابٍ قالَ: لَيْسَ بِكاذِبٍ مَن دَرَأ عَنْ نَفْسِهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ عَدِيٍّ، والبَيْهَقِيُّ وضَعَّفَهُ عَنْ أبِي بَكْرٍ، أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «الكَذِبُ مُجانِبٌ لِلْإيمانِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ عَدِيٍّ، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ قالَ: إيّاكم والكَذِبَ فَإنَّ الكَذِبَ مُجانِبٌ لِلْإيمانِ. قالَ البَيْهَقِيُّ: هَذا هو الصَّحِيحُ مَوْقُوفٌ.
(p-٥٨٦)وأخْرَجَ ابْنُ عَدِيٍّ، والبَيْهَقِيُّ عَنْ سَعْدِ بْنِ أبِي وقاصٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «يُطْبَعُ المُؤْمِنُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ إلّا الخِيانَةَ والكَذِبَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ عَدِيٍّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «يُطْبَعُ المُؤْمِنُ عَلى كُلِّ خُلُقٍ لَيْسَ الخِيانَةَ والكَذِبَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ عَدِيٍّ عَنْ أبِي أُمامَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إنَّ المُؤْمِنَ لَيُطْبَعُ عَلى خِلالٍ شَتّى؛ عَلى الجُودِ، والبُخْلِ، وحُسْنِ الخُلُقِ، ولا يُطْبَعُ المُؤْمِنُ عَلى الكَذِبِ، ولا يَكُونُ المُؤْمِنُ كَذّابًا» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأحْمَدُ، عَنْ أبِي أُمامَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «يُطْبَعُ المُؤْمِنُ عَلى الخِلالِ كُلِّها إلّا الخِيانَةَ والكَذِبَ» .
وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي أوْفى قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «المُؤْمِنَ يُطْبَعُ عَلى كُلِّ خُلُقٍ إلّا الكَذِبَ والخِيانَةَ» .
وأخْرَجَ أبُو نُعَيْمٍ في ”الحِلْيَةِ“ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ قالَ: يُبْنى الإنْسانُ عَلى (p-٥٨٧)خِصالٍ فَمَهْما بُنِيَ عَلَيْهِ فَإنَّهُ لا يُبْنى عَلى الخِيانَةِ والكَذِبِ.
وأخْرَجَ مالِكٌ، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ صَفْوانَ بْنِ سُلَيْمٍ، أنَّهُ «قِيلَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: أيَكُونُ المُؤْمِنُ جَبانًا؟ قالَ: نَعَمْ. قِيلَ: أيَكُونُ المُؤْمِنُ بَخِيلًا؟ قالَ: نَعَمْ. قِيلَ: أيَكُونُ المُؤْمِنُ كَذّابًا قالَ: لا» .
وأخْرَجَ أبُو يَعْلى والبَيْهَقِيُّ وضَعَّفَهُ عَنْ أبِي بَرْزَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «الكَذِبَ يُسَوِّدُ الوَجْهَ، والنَّمِيمَةُ عَذابُ القَبْرِ» .
وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: «ما كانَ خُلُقٌ أبْغَضَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنَ الكَذِبِ، ولَقَدْ كانَ الرَّجُلُ يَكْذِبُ عِنْدَهُ الكَذِبَةَ، فَما يَزالُ في نَفْسِهِ حَتّى يَعْلَمَ أنَّهُ قَدْ أحْدَثَ مِنها تَوْبَةً» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ، وهَنّادُ بْنُ السَّرِيِّ في ”الزُّهْدِ“، وابْنُ عَدِيٍّ، والبَيْهَقِيُّ، عَنِ النُّواسِ بْنِ سِمْعانَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «كَبُرَتْ خِيانَةً أنْ تُحَدِّثَ أخاكَ حَدِيثًا هو لَكَ مُصَدِّقٌ وأنْتَ بِهِ كاذِبٌ» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ، والبَيْهَقِيُّ «عَنْ أسْماءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ قالَتْ كُنْتُ صاحِبَةَ عائِشَةَ الَّتِي هَيَّأْتُها، فَأدْخَلْتُها عَلى النَّبِيِّ ﷺ في نِسْوَةٍ، فَما وجَدْنا عِنْدَهُ قِرًى إلّا (p-٥٨٨)قَدَحًا مِن لَبَنٍ، فَتَناوَلَهُ فَشَرِبَ مِنهُ، ثُمَّ ناوَلَهُ عائِشَةَ، فاسْتَحْيَتْ مِنهُ، فَقُلْتُ: لا تَرُدِّي يَدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . فَأخَذَتْهُ فَشَرِبَتْهُ، ثُمَّ قالَ: ناوِلِي صَواحِبَكِ. فَقُلْتُ: لا نَشْتَهِيهِ. فَقالَ: لا تَجْمَعْنَ كَذِبًا وجُوعًا. فَقُلْتُ: إنْ قالَتْ إحْدانا لِشَيْءٍ تَشْتَهِيهِ: لا أشْتَهِي. أيُعَدُّ ذَلِكَ كَذِبًا؟ فَقالَ: إنَّ الكَذِبَ يُكْتَبُ كَذِبًا حَتّى الكُذَيْبَةَ تُكْتَبُ كُذَيْبَةً» .
وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأحْمَدُ، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ قالَ: «جاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْتَنا وأنا صَبِيٌّ صَغِيرٌ، فَذَهَبْتُ ألْعَبُ، فَقالَتْ أُمِّي: يا عَبْدَ اللَّهِ تَعالَ أُعْطِيكَ. فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ما أرَدْتِ أنْ تُعْطِيهِ؟ قالَتْ: أرَدْتُ أنْ أُعْطِيَهُ تَمْرًا. قالَ: أما إنَّكِ لَوْ لَمْ تَفْعَلِي لَكُتِبَتْ عَلَيْكِ كَذِبَةً» .
وأخْرَجَ الطَّيالِسِيُّ، وأحْمَدُ، والتِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ، والدّارِمِيُّ، وأبُو يَعْلى، وابْنُ حِبّانَ، والطَّبَرانِيُّ، والبَيْهَقِيُّ، والضِّياءُ، عَنِ الحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «دَعْ ما يَرِيبُكَ إلى ما لا يَرِيبُكَ، (p-٥٨٩)فَإنَّ الصِّدْقَ طُمَأْنِينَةٌ، وإنَّ الكَذِبَ رِيبَةٌ» .
وأخْرَجَ ابْنُ عَدِيٍّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في خُطْبَةٍ: إنَّ أعْظَمَ الخَطِيئَةِ عِنْدَ اللَّهِ اللِّسانُ الكاذِبُ» .
وأخْرَجَ ابْنُ عَدِيٍّ عَنْ أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «الصِّدْقُ أمانَةٌ والكَذِبُ خِيانَةٌ» .
وأخْرَجَ ابْنُ ماجَهْ، والحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ في ”نَوادِرِ الأُصُولِ“، والخَرائِطِيُّ في ”مَكارِمِ الأخْلاقِ“، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العاصِ قالَ: «قُلْنا يا رَسُولَ اللَّهِ، مَن خَيْرُ النّاسِ؟ قالَ: ذُو القَلْبِ المَخْمُومِ واللِّسانِ الصّادِقِ. قُلْنا: قَدْ عَرَفْنا اللِّسانَ الصّادِقَ، فَما القَلْبُ المَخْمُومُ؟ قالَ: التَّقِيُّ النَّقِيُّ الَّذِي لا إثْمَ فِيهِ ولا بَغْيَ ولا غِلَّ ولا حَسَدَ. قُلْنا يا رَسُولَ اللَّهِ، فَمَن عَلى أثَرِهِ؟ قالَ: الَّذِي يَشْنَأُ الدُّنْيا ويُحِبُّ الآخِرَةَ. قُلْنا: ما نَعْرِفُ هَذا فِينا إلّا رافِعٌ مَوْلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَمَن عَلى أثَرِهِ؟ قالَ: مُؤْمِنٌ في حُسْنِ خُلُقٍ. قُلْنا: أمّا هَذا (p-٥٩٠)فَفِينا» .
وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في ”الشُّعَبِ“ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ قالَ: لا تَجِدُ المُؤْمِنَ كَذّابًا.
وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ قالَ: لا تَنْظُرُوا إلى صَلاةِ أحَدٍ ولا إلى صِيامِهِ، ولَكِنِ انْظُرُوا إلى مَن إذا حَدَّثَ صَدَقَ، وإذا ائْتُمِنَ أدّى، وإذا أشَفى ورِعَ.
وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ عَنْ أنَسٍ قالَ: إنَّ الرَّجُلَ لَيُحْرَمُ قِيامَ اللَّيْلِ وصِيامَ النَّهارِ بِالكَذِبَةِ يَكْذِبُها.
وأخْرَجَ ابْنُ عَدِيٍّ، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ قالَ: لا يَكْذِبُ الكاذِبُ إلّا مِن مَهانَةِ نَفْسِهِ عَلَيْهِ. وأخْرَجَ ابْنُ عَدِيٍّ، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سَيْرَيْنِ قالَ: الكَلامُ أوْسَعُ مِن أنْ يَكْذِبَ ظَرِيفٌ.
(p-٥٩١)وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ عَنْ مَطَرٍ الوَرّاقِ قالَ: خَصْلَتانِ إذا كانَتا في عَبْدٍ كانَ سائِرُ عَمَلِهِ تَبَعًا لَهُما؛ حُسْنُ الصَّلاةِ وصِدْقُ الحَدِيثِ.
وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ عَنِ الفُضَيْلِ قالَ: لَمْ يَتَزَيَّنِ النّاسُ بِشَيْءٍ أفْضَلَ مِنَ الصِّدْقِ وطَلَبِ الحَلالِ.
وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ عَنْ عَبْدِ العَزِيزِ بْنِ أبِي رَوّادٍ قالَ: إبْرارُ الدُّنْيا الكَذِبُ وقِلَّةُ الحَياءِ، مَن طَلَبَ الدُّنْيا بِغَيْرِهِما فَقَدْ أخْطَأ الطَّرِيقَ والمَطْلَبَ، وإبْرارُ الآخِرَةِ الحَياءُ والصِّدْقُ، فَمَن طَلَبَ الآخِرَةَ بِغَيْرِهِما فَقَدْ أخْطَأ الطَّرِيقَ والمَطْلَبَ.
وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ عَنْ يُوسُفَ بْنِ أسْباطٍ قالَ: يُرْزَقُ الصَّدُوقُ ثَلاثَ خِصالٍ؛ الحَلاوَةَ، والمَلاحَةَ، والمَهابَةَ.
وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ عَنْ أبِي رَوْحٍ؛ حاتِمِ بْنِ يُوسُفَ قالَ: أتَيْتُ بابَ الفُضَيْلِ بْنِ عِياضٍ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَقُلْتُ: يا أبا عَلِيٍّ، مَعِي خَمْسَةُ أحادِيثَ، إنْ رَأيْتَ أنْ تَأْذَنَ لِي فَأقْرَأ عَلَيْكَ؟ فَقالَ لِي: اقْرَأْ. فَقَرَأْتُ فَإذا هي سِتَّةٌ، فَقالَ لِي: أُفٍّ، قُمْ يا بُنَيَّ، تَعَلَّمِ الصِّدْقَ ثُمَّ اكْتُبِ الحَدِيثَ.
(p-٥٩٢)وأخْرَجَ ابْنُ عَدِيٍّ عَنْ عِمْرانَ بْنِ حُصَيْنٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إنَّ في المَعارِيضِ لَمَندُوحَةٌ عَنِ الكَذِبِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ عَدِيٍّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إنَّ في المَعارِيضِ ما يُعِفُّ الرَّجُلَ العاقِلَ عَنِ الكَذِبِ» .
التوبة 9:120
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما كانَ لأهْلِ المَدِينَةِ﴾ . الآيَتَيْنِ. أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، مِن طَرِيقِ عَمْرِو بْنِ مالِكٍ، عَنْ بَعْضِ أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿ما كانَ لأهْلِ المَدِينَةِ ومَن حَوْلَهم مِنَ الأعْرابِ أنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ﴾ قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: والَّذِي بَعَثَنِي بِالحَقِّ، لَوْلا ضُعَفاءُ النّاسِ ما كانَتْ سَرِيَّةٌ إلّا كُنْتُ فِيها» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ زَيْدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ما كانَ لأهْلِ المَدِينَةِ ومَن حَوْلَهم مِنَ الأعْرابِ أنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ﴾ قالَ: هَذا حِينَ كانَ الإسْلامُ قَلِيلًا، لَمْ يَكُنْ لِأحَدٍ أنْ يَتَخَلَّفَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَلَمّا كَثُرَ الإسْلامُ، وفَشا، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وما كانَ المُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كافَّةً﴾ [التوبة: ١٢٢]
(p-٥٩٣)وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ: ﴿لا يُصِيبُهم ظَمَأٌ﴾ قالَ: العَطَشُ، ﴿ولا نَصَبٌ﴾ قالَ: العَناءُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ رَجاءِ بْنِ حَيْوَةَ، ومَكْحُولٍ، أنَّهُما كانا يَكْرَهانِ التَّلْثِيمَ مِنَ الغُبارِ في سَبِيلِ اللَّهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الأوْزاعِيِّ، وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ المُبارَكِ وإبْراهِيمَ بْنِ مُحَمَّدٍ الفَزارِيِّ، وعِيسى بْنِ يُونُسَ السَّبِيعِيِّ، أنَّهم قالُوا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا يَنالُونَ مِن عَدُوٍّ نَيْلا إلا كُتِبَ لَهم بِهِ عَمَلٌ صالِحٌ﴾ قالُوا: هَذِهِ الآيَةُ لِلْمُسْلِمِينَ إلى أنْ تَقُومَ السّاعَةُ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿ما كانَ لأهْلِ المَدِينَةِ﴾ الآيَةَ قالَ: نَسَخَتْها الآيَةُ الَّتِي تَلِيها: ﴿وما كانَ المُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كافَّةً﴾ [التوبة: ١٢٢] الآيَةَ.
وأخْرَجَ الحاكِمُ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنْ عَلِيٍّ قالَ: «خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في غَزاةٍ، وخَلَّفَ جَعْفَرًا في أهْلِهِ، فَقالَ جَعْفَرٌ: واللَّهِ لا أتَخَلَّفُ عَنْكَ. فَخَلَّفَنِي، فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ أتُخَلِّفُنِي، أيَّ شَيْءٍ تَقُولُ قُرَيْشٌ؟ ألَيْسَ يَقُولُونَ: ما أسْرَعَ ما خَذَلَ ابْنَ عَمِّهِ وجَلَسَ عَنْهُ. وأُخْرى: أبْتَغِي الفَضْلَ مِنَ اللَّهِ؛ لِأنِّي سَمِعْتُ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿ولا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الكُفّارَ﴾ الآيَةَ؟! قالَ: أمّا قَوْلُكَ: أنْ تَقُولَ قُرَيْشٌ: ما أسْرَعَ ما خَذَلَ ابْنَ عَمِّهِ وجَلَسَ عَنْهُ. فَقَدْ قالُوا: (p-٥٩٤)إنِّي ساحِرٌ، وإنِّي كاهِنٌ، وإنِّي كَذّابٌ. فَلَكَ بِي أُسْوَةٌ، أما تَرْضى أنْ تَكُونَ مِنِّي بِمَنزِلَةِ هارُونَ مِن مُوسى غَيْرَ أنَّهُ لا نَبِيَّ بَعْدِي؟ وأمّا قَوْلُكَ: تَبْتَغِي الفَضْلَ مِنَ اللَّهِ. فَقَدْ جاءَنا فُلْفُلٌ مِنَ اليَمَنِ، فَبِعْهُ وأنْفِقْ عَلَيْكَ وعَلى فاطِمَةَ حَتّى يَأْتِيَكُما اللَّهُ مِنهُ بِرِزْقٍ» .
التوبة 9:122
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما كانَ المُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كافَّةً﴾ . الآيَةَ. أخْرَجَ أبُو داوُدَ في ”ناسِخِهِ“، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَسَخَ هَؤُلاءِ الآياتِ: ﴿انْفِرُوا خِفافًا وثِقالا﴾ [التوبة: ٤١] و: ﴿إلا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ﴾ [التوبة: ٣٩] قَوْلُهُ: ﴿وما كانَ المُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كافَّةً﴾ يَقُولُ: لِتَنْفِرْ طائِفَةٌ، ولْتَمْكُثْ طائِفَةٌ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فالماكِثُونَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ هُمُ الَّذِينَ يَتَفَقَّهُونَ في الدِّينِ، ويُنْذِرُونَ إخْوانَهم ﴿إذا رَجَعُوا إلَيْهِمْ﴾ مِنَ الغَزْوِ، ﴿لَعَلَّهم يَحْذَرُونَ﴾ ما نَزَلْ مِن بَعْدِهِمْ مِن قَضاءِ اللَّهِ في كِتابِهِ وحُدُودِهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، والبَيْهَقِيُّ في ”المَدْخَلِ“، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وما كانَ المُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كافَّةً﴾ يَعْنِي: ما كانَ المُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا جَمِيعًا ويَتْرُكُوا النَّبِيَّ ﷺ وحْدَهُ، (p-٥٩٥)﴿فَلَوْلا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِنهم طائِفَةٌ﴾ يَعْنِي: عُصْبَةً؛ يَعْنِي السَّرايا، فَلا يَسِيرُونَ إلّا بِإذْنِهِ، فَإذا رَجَعَتِ السَّرايا وقَدْ نَزَلَ بَعْدَهم قُرْآنٌ تَعَلَّمَهُ القاعِدُونَ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ، قالُوا: إنِ اللَّهَ قَدْ أنْزَلَ عَلى نَبِيِّكم بَعْدَنا قُرْآنًا وقَدْ تَعَلَّمْناهُ. فَتَمْكُثُ السَّرايا يَتَعَلَّمُونَ ما أنْزَلَ اللَّهُ عَلى نَبِيِّهِمْ ﷺ بَعْدَهُمْ، ويَبْعَثُ سَرايا أُخَرَ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿لِيَتَفَقَّهُوا في الدِّينِ﴾ يَقُولُ: يَتَعَلَّمُونَ ما أنْزَلَ اللَّهُ عَلى نَبِيِّهِ، ولِيُعَلِّمُوهُ السَّرايا إذا رَجَعَتْ إلَيْهِمْ لَعَلَّهم يَحْذَرُونَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «فِي قَوْلِهِ: ﴿وما كانَ المُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كافَّةً﴾ قالَ: لَيْسَتْ هَذِهِ الآيَةُ في الجِهادِ، ولَكِنْ لَمّا دَعا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلى مُضَرَ بِالسِّنِينَ، أجْدَبَتْ بِلادُهُمْ، فَكانَتِ القَبِيلَةُ مِنهم تُقْبِلُ بِأسْرِها حَتّى يَحِلُّوا بِالمَدِينَةِ مِنَ الجَهْدِ، ويَعْتَلُّوا بِالإسْلامِ وهم كاذِبُونَ، فَضَيَّقُوا عَلى أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وأجْهَدُوهُمْ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى يُخْبِرُ رَسُولَهُ ﷺ أنَّهم لَيْسُوا بِمُؤْمِنِينَ، فَرَدَّهم إلى عَشائِرِهِمْ، وحَذَّرَ قَوْمُهم أنْ يَفْعَلُوا فِعْلَهُمْ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ولِيُنْذِرُوا قَوْمَهم إذا رَجَعُوا إلَيْهِمْ لَعَلَّهم يَحْذَرُونَ﴾ [التوبة»: ١٢٢] .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ قالَ: (p-٥٩٦)«كانَ المُؤْمِنُونَ لِحِرْصِهِمْ عَلى الجِهادِ إذا بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ سَرِيَّةً خَرَجُوا فِيها وتَرَكُوا النَّبِيَّ ﷺ بِالمَدِينَةِ في رِقَّةٍ مِنَ النّاسِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وما كانَ المُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كافَّةً﴾ أُمِرُوا إذا بَعَثَ النَّبِيُّ ﷺ سَرِيَّةً أنْ تَخْرُجَ طائِفَةٌ، وتُقِيمَ طائِفَةٌ فَيَحْفَظُ المُقِيمُونَ عَلى الَّذِينَ خَرَجُوا ما أنْزَلَ اللَّهُ مِنَ القُرْآنِ، وما يُسَنُّ مِنَ السُّنَنِ، فَإذا رَجَعَ إخْوانُهم أخْبَرُوهم بِذَلِكَ وعَلَّمُوهُمْ، وإذا خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَمْ يَتَخَلَّفْ عَنْهُ أحَدٌ إلّا بِإذْنٍ أوْ عُذْرٍ» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: لَمّا نَزَلَتْ: ﴿إلا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكم عَذابًا ألِيمًا﴾ [التوبة: ٣٩]: و ﴿ما كانَ لأهْلِ المَدِينَةِ﴾ [التوبة: ١٢٠] الآيَةَ. قالَ المُنافِقُونَ: هَلَكَ أهْلُ البَدْوِ الَّذِينَ تَخَلَّفُوا عَنْ مُحَمَّدٍ ﷺ ولَمْ يَغْزُوا مَعَهُ، وقَدْ كانَ ناسٌ خَرَجُوا إلى البَدْوِ إلى قَوْمِهِمْ يُفَقِّهُونَهُمْ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وما كانَ المُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كافَّةً﴾ الآيَةَ. ونَزَلَتْ: ﴿والَّذِينَ يُحاجُّونَ في اللَّهِ مِن بَعْدِ ما اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهم داحِضَةٌ﴾ [الشورى: ١٦] الآيَةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ «فِي قَوْلِهِ: ﴿وما كانَ المُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كافَّةً﴾ الآيَةَ، قالَ: ناسٌ مِن أصْحابِ النَّبِيِّ ﷺ خَرَجُوا في البَوادِي، فَأصابُوا مِنَ النّاسِ مَعْرُوفًا، ومِنَ الخِصْبِ ما يَنْتَفِعُونَ بِهِ، ودَعَوْا مَن وجَدُوا مِنَ النّاسِ إلى الهُدى، (p-٥٩٧)فَقالَ لَهُمُ النّاسُ: ما نَراكم إلّا قَدْ تَرَكْتُمْ أصْحابَكم وجِئْتُمُونا، فَوَجَدُوا في أنْفُسِهِمْ مِن ذَلِكَ تَحَرُّجًا، وأقْبَلُوا مِنَ البادِيَةِ كُلُّهم حَتّى دَخَلُوا عَلى النَّبِيِّ ﷺ، فَقالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿فَلَوْلا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِنهم طائِفَةٌ﴾ خَرَجَ بَعْضٌ، وقَعَدَ بَعْضٌ يَبْتَغُونَ الخَيْرَ؛ ﴿لِيَتَفَقَّهُوا في الدِّينِ﴾، ولِيَسْمَعُوا ما في النّاسِ وما أُنْزِلَ بَعْدَهم: ﴿ولِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ﴾ قالَ: النّاسَ كُلَّهُمْ، ﴿إذا رَجَعُوا إلَيْهِمْ لَعَلَّهم يَحْذَرُونَ﴾ [التوبة»: ١٢٢] .
التوبة 9:123
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا قاتِلُوا﴾ . الآيَةَ. أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿قاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكم مِنَ الكُفّارِ﴾ قالَ: الأدْنى فالأدْنى.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ الضَّحّاكِ، مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ زَيْدٍ في الآيَةِ قالَ: كانَ الَّذِينَ يَلُونَهُ مِنَ الكُفّارِ العَرَبِ، فَقاتَلَهم حَتّى فَرَغَ مِنهم.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، أنَّهُ سُئِلَ عَنْ قِتالِ الدَّيْلَمِ، فَقالَ: قاتِلُوهم فَإنَّهم مِنَ الَّذِينَ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿قاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكم مِنَ الكُفّارِ﴾ (p-٥٩٨)وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ الحَسَنِ، أنَّهُ كانَ إذا سُئِلَ عَنْ قِتالِ الرُّومِ والدَّيْلَمِ تَلا هَذِهِ الآيَةَ: ﴿قاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكم مِنَ الكُفّارِ ولْيَجِدُوا فِيكم غِلْظَةً﴾
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ «عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أنَّهُ سُئِلَ عَنْ غَزْوِ الدَّيْلَمِ فَقالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ﴿قاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكم مِنَ الكُفّارِ﴾ قالَ: الرُّومُ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولْيَجِدُوا فِيكم غِلْظَةً﴾ قالَ: شِدَّةً.
التوبة 9:124
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنهم مَن يَقُولُ﴾ . الآياتِ. أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿فَمِنهم مَن يَقُولُ أيُّكم زادَتْهُ هَذِهِ إيمانًا﴾ قالَ: مِنَ المُنافِقِينَ مَن يَقُولُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزادَتْهم إيمانًا﴾ قالَ: كانَ إذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ آمَنُوا بِها فَزادَهُمُ اللَّهُ إيمانًا وتَصْدِيقًا، وكانُوا بِها يَسْتَبْشِرُونَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿فَزادَتْهم رِجْسًا إلى (p-٥٩٩)رِجْسِهِمْ﴾ قالَ: شَكًّا إلى شَكِّهِمْ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿أوَلا يَرَوْنَ أنَّهم يُفْتَنُونَ﴾ قالَ: يُبْتَلَوْنَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿يُفْتَنُونَ﴾ قالَ: يُبْتَلَوْنَ: ﴿فِي كُلِّ عامٍ مَرَّةً أوْ مَرَّتَيْنِ﴾ قالَ: بِالسَّنَةِ والجُوعِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿يُفْتَنُونَ في كُلِّ عامٍ مَرَّةً أوْ مَرَّتَيْنِ﴾ قالَ: يُبْتَلَوْنَ بِالعَدُوِّ في كُلِّ عامٍ مَرَّةً أوْ مَرَّتَيْنِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿يُفْتَنُونَ في كُلِّ عامٍ﴾ قالَ: يُبْتَلَوْنَ بِالغَزْوِ في سَبِيلِ اللَّهِ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ بَكّارِ بْنِ مالِكٍ: ﴿أوَلا يَرَوْنَ أنَّهم يُفْتَنُونَ في كُلِّ عامٍ مَرَّةً أوْ مَرَّتَيْنِ﴾ قالَ: يَمْرَضُونَ في كُلِّ عامٍ مَرَّةً أوْ مَرَّتَيْنِ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنِ العُتْبِيِّ قالَ: إذا مَرِضَ العَبْدُ، ثُمَّ عُوفِيَ، فَلَمْ يَزْدَدْ خَيْرًا، (p-٦٠٠)قالَتِ المَلائِكَةُ: هَذا الَّذِي داوَيْناهُ فَلَمْ يَنْفَعْهُ الدَّواءُ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ عَنْ أبِي سَعِيدٍ: ﴿أوَلا يَرَوْنَ أنَّهم يُفْتَنُونَ في كُلِّ عامٍ مَرَّةً أوْ مَرَّتَيْنِ﴾ قالَ: كانَتْ لَهم في كُلِّ عامٍ؛ كَذْبَةٌ أوْ كَذْبَتانِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنْ حُذَيْفَةَ في قَوْلِهِ: ﴿أوَلا يَرَوْنَ أنَّهم يُفْتَنُونَ في كُلِّ عامٍ مَرَّةً أوْ مَرَّتَيْنِ﴾ قالَ: كُنّا نَسْمَعُ في كُلِّ عامٍ كَذْبَةً أوْ كَذْبَتَيْنِ، فَيَضِلُّ بِها فِئامٌ مِنَ النّاسِ كَثِيرٌ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ الضَّحّاكِ قالَ: في قِراءَةِ عَبْدِ اللَّهِ (أوَلا يَرَوْنَ أنَّهم يُفْتَنُونَ في كُلِّ عامٍ مَرَّةً أوْ مَرَّتَيْنِ وما يَتَذَكَّرُونَ) .
التوبة 9:125
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنهم مَن يَقُولُ﴾ . الآياتِ. أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿فَمِنهم مَن يَقُولُ أيُّكم زادَتْهُ هَذِهِ إيمانًا﴾ قالَ: مِنَ المُنافِقِينَ مَن يَقُولُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزادَتْهم إيمانًا﴾ قالَ: كانَ إذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ آمَنُوا بِها فَزادَهُمُ اللَّهُ إيمانًا وتَصْدِيقًا، وكانُوا بِها يَسْتَبْشِرُونَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿فَزادَتْهم رِجْسًا إلى (p-٥٩٩)رِجْسِهِمْ﴾ قالَ: شَكًّا إلى شَكِّهِمْ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿أوَلا يَرَوْنَ أنَّهم يُفْتَنُونَ﴾ قالَ: يُبْتَلَوْنَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿يُفْتَنُونَ﴾ قالَ: يُبْتَلَوْنَ: ﴿فِي كُلِّ عامٍ مَرَّةً أوْ مَرَّتَيْنِ﴾ قالَ: بِالسَّنَةِ والجُوعِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿يُفْتَنُونَ في كُلِّ عامٍ مَرَّةً أوْ مَرَّتَيْنِ﴾ قالَ: يُبْتَلَوْنَ بِالعَدُوِّ في كُلِّ عامٍ مَرَّةً أوْ مَرَّتَيْنِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿يُفْتَنُونَ في كُلِّ عامٍ﴾ قالَ: يُبْتَلَوْنَ بِالغَزْوِ في سَبِيلِ اللَّهِ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ بَكّارِ بْنِ مالِكٍ: ﴿أوَلا يَرَوْنَ أنَّهم يُفْتَنُونَ في كُلِّ عامٍ مَرَّةً أوْ مَرَّتَيْنِ﴾ قالَ: يَمْرَضُونَ في كُلِّ عامٍ مَرَّةً أوْ مَرَّتَيْنِ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنِ العُتْبِيِّ قالَ: إذا مَرِضَ العَبْدُ، ثُمَّ عُوفِيَ، فَلَمْ يَزْدَدْ خَيْرًا، (p-٦٠٠)قالَتِ المَلائِكَةُ: هَذا الَّذِي داوَيْناهُ فَلَمْ يَنْفَعْهُ الدَّواءُ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ عَنْ أبِي سَعِيدٍ: ﴿أوَلا يَرَوْنَ أنَّهم يُفْتَنُونَ في كُلِّ عامٍ مَرَّةً أوْ مَرَّتَيْنِ﴾ قالَ: كانَتْ لَهم في كُلِّ عامٍ؛ كَذْبَةٌ أوْ كَذْبَتانِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنْ حُذَيْفَةَ في قَوْلِهِ: ﴿أوَلا يَرَوْنَ أنَّهم يُفْتَنُونَ في كُلِّ عامٍ مَرَّةً أوْ مَرَّتَيْنِ﴾ قالَ: كُنّا نَسْمَعُ في كُلِّ عامٍ كَذْبَةً أوْ كَذْبَتَيْنِ، فَيَضِلُّ بِها فِئامٌ مِنَ النّاسِ كَثِيرٌ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ الضَّحّاكِ قالَ: في قِراءَةِ عَبْدِ اللَّهِ (أوَلا يَرَوْنَ أنَّهم يُفْتَنُونَ في كُلِّ عامٍ مَرَّةً أوْ مَرَّتَيْنِ وما يَتَذَكَّرُونَ) .
التوبة 9:126
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنهم مَن يَقُولُ﴾ . الآياتِ. أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿فَمِنهم مَن يَقُولُ أيُّكم زادَتْهُ هَذِهِ إيمانًا﴾ قالَ: مِنَ المُنافِقِينَ مَن يَقُولُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَأمّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزادَتْهم إيمانًا﴾ قالَ: كانَ إذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ آمَنُوا بِها فَزادَهُمُ اللَّهُ إيمانًا وتَصْدِيقًا، وكانُوا بِها يَسْتَبْشِرُونَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿فَزادَتْهم رِجْسًا إلى (p-٥٩٩)رِجْسِهِمْ﴾ قالَ: شَكًّا إلى شَكِّهِمْ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿أوَلا يَرَوْنَ أنَّهم يُفْتَنُونَ﴾ قالَ: يُبْتَلَوْنَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿يُفْتَنُونَ﴾ قالَ: يُبْتَلَوْنَ: ﴿فِي كُلِّ عامٍ مَرَّةً أوْ مَرَّتَيْنِ﴾ قالَ: بِالسَّنَةِ والجُوعِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿يُفْتَنُونَ في كُلِّ عامٍ مَرَّةً أوْ مَرَّتَيْنِ﴾ قالَ: يُبْتَلَوْنَ بِالعَدُوِّ في كُلِّ عامٍ مَرَّةً أوْ مَرَّتَيْنِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿يُفْتَنُونَ في كُلِّ عامٍ﴾ قالَ: يُبْتَلَوْنَ بِالغَزْوِ في سَبِيلِ اللَّهِ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ بَكّارِ بْنِ مالِكٍ: ﴿أوَلا يَرَوْنَ أنَّهم يُفْتَنُونَ في كُلِّ عامٍ مَرَّةً أوْ مَرَّتَيْنِ﴾ قالَ: يَمْرَضُونَ في كُلِّ عامٍ مَرَّةً أوْ مَرَّتَيْنِ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنِ العُتْبِيِّ قالَ: إذا مَرِضَ العَبْدُ، ثُمَّ عُوفِيَ، فَلَمْ يَزْدَدْ خَيْرًا، (p-٦٠٠)قالَتِ المَلائِكَةُ: هَذا الَّذِي داوَيْناهُ فَلَمْ يَنْفَعْهُ الدَّواءُ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ عَنْ أبِي سَعِيدٍ: ﴿أوَلا يَرَوْنَ أنَّهم يُفْتَنُونَ في كُلِّ عامٍ مَرَّةً أوْ مَرَّتَيْنِ﴾ قالَ: كانَتْ لَهم في كُلِّ عامٍ؛ كَذْبَةٌ أوْ كَذْبَتانِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنْ حُذَيْفَةَ في قَوْلِهِ: ﴿أوَلا يَرَوْنَ أنَّهم يُفْتَنُونَ في كُلِّ عامٍ مَرَّةً أوْ مَرَّتَيْنِ﴾ قالَ: كُنّا نَسْمَعُ في كُلِّ عامٍ كَذْبَةً أوْ كَذْبَتَيْنِ، فَيَضِلُّ بِها فِئامٌ مِنَ النّاسِ كَثِيرٌ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ الضَّحّاكِ قالَ: في قِراءَةِ عَبْدِ اللَّهِ (أوَلا يَرَوْنَ أنَّهم يُفْتَنُونَ في كُلِّ عامٍ مَرَّةً أوْ مَرَّتَيْنِ وما يَتَذَكَّرُونَ) .
التوبة 9:127
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ﴾ . الآيَةَ. أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وإذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ نَظَرَ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ﴾ قالَ: هُمُ المُنافِقُونَ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ الضَّحّاكِ: ﴿وإذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ نَظَرَ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ هَلْ يَراكم مِن أحَدٍ﴾ (p-٦٠١)كَراهِيَةَ أنْ يَغُصَّنا بِها.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ زَيْدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وإذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ نَظَرَ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ هَلْ يَراكم مِن أحَدٍ﴾ مِمَّنْ سَمِعَ خَبَرَكم رَآكم أحَدٌ أخْبَرَهُ إذا نَزَلَ شَيْءٌ يُخْبِرُ عَنْ كَلامِهِمْ وهُمُ المُنافِقُونَ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: لا تَقُولُوا انْصَرَفْنا مِنَ الصَّلاةِ فَإنَّ قَوْمًا انْصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهم ولَكِنْ قُولُوا: قَضَيْنا الصَّلاةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: لا يُقالُ انْصَرَفْنا مِنَ الصَّلاةِ ولَكِنْ قَدْ قُضِيَتِ الصَّلاةُ.
التوبة 9:128
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَقَدْ جاءَكم رَسُولٌ مِن أنْفُسِكُمْ﴾ الآيَةَ.
أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ والحارِثُ بْنُ أبِي أُسامَةَ في مُسْنَدِهِ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، وأبُو نُعَيْمٍ في دَلائِلِ النُّبُوَّةِ، وابْنُ عَساكِرَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ جاءَكم رَسُولٌ مِن أنْفُسِكُمْ﴾ قالَ: لَيْسَ مِنَ العَرَبِ قَبِيلَةٌ إلّا وقَدْ ولَدَتِ النَّبِيَّ ﷺ مُضَرِيُّها ورَبِيعِيُّها ويَمانِيُّها.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ في المُصَنَّفِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو (p-٦٠٢)الشَّيْخِ والبَيْهَقِيُّ في ”سُنَنِهِ“، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أبِيهِ في قَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ جاءَكم رَسُولٌ مِن أنْفُسِكُمْ﴾ قالَ: لَمْ يُصِبْهُ شَيْءٌ مِن وِلادَةِ الجاهِلِيَّةِ، وقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «خَرَجْتُ مِن نِكاحٍ ولَمْ أخْرُجْ مِن سِفاحٍ» .
وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ جاءَكم رَسُولٌ مِن أنْفُسِكُمْ﴾ قالَ: قَدْ ولَدْتُمُوهُ يا مَعْشَرَ العَرَبِ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ عَنْ أنَسٍ قالَ: «قَرَأ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ( ﴿لَقَدْ جاءَكم رَسُولٌ مِن أنْفُسِكُمْ﴾ فَقالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ: يا رَسُولَ اللَّهِ ما مَعْنى: ”أنْفَسِكُمْ“ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أنا أنْفَسُكم نَسَبًا وصِهْرًا وحَسَبًا لَيْسَ فِيَّ ولا في آبائِي مِن لَدُنْ آدَمَ سِفاحٌ كُلُّنا نِكاحٌ» .
وأخْرَجَ الحاكِمُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَرَأ: ﴿لَقَدْ جاءَكم رَسُولٌ مِن أنْفُسِكُمْ﴾ يَعْنِي: مِن أعْظَمِكم قَدْرًا» .
وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، وابْنُ عَساكِرَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «خَرَجْتُ مِن لَدُنْ آدَمَ مِن نِكاحٍ غَيْرَ سِفاحٍ» .
(p-٦٠٣)وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «ما ولَدَنِي مِن سِفاحِ الجاهِلِيَّةِ شَيْءٌ وما ولَدَنِي إلّا نِكاحٌ كَنِكاحِ الإسْلامِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، وابْنُ عَساكِرَ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «خَرَجْتُ مِن نِكاحٍ غَيْرَ سِفاحٍ» .
وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ في المُصَنَّفِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «إنَّما خَرَجْتُ مِن نِكاحٍ ولَمْ أخْرُجْ مِن سِفاحٍ مِن لَدُنْ آدَمَ لَمْ يُصِبْنِي مِن سِفاحِ أهْلِ الجاهِلِيَّةِ شَيْءٌ لَمْ أخْرُجْ إلّا مِن طُهْرَةٍ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي عُمَرَ العَدَنِيُّ في مَسْنَدِهِ والطَّبَرانِيُّ في الأوْسَطِ وأبُو نُعَيْمٍ في الدَّلائِلِ، وابْنُ عَساكِرَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «خَرَجْتُ مِن نِكاحٍ ولَمْ أخْرُجْ مِن سِفاحٍ مِن لَدُنْ آدَمَ إلى أنْ ولَدَنِي أبِي وأُمِّي لَمْ يُصِبْنِي مِن سِفاحِ الجاهِلِيَّةِ شَيْءٌ» .
وأخْرَجَ أبُو نُعَيْمٍ في الدَّلائِلِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (p-٦٠٤)«لَمْ يَلْتَقِ أبَوايَ قَطُّ عَلى سِفاحٍ لَمْ يَزَلِ اللَّهُ يَنْقُلُنِي مِنَ الأصْلابِ الطَّيِّبَةِ إلى الأرْحامِ الطّاهِرَةِ مُصَفًّى مُهَذَّبًا لا تَتَشَعَّبُ شُعْبَتانِ إلّا كُنْتُ في خَيْرِهِما» .
وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «خَيْرُ العَرَبِ مُضَرُ، وخَيْرُ مُضَرَ بَنُو عَبْدِ مَنافٍ، وخَيْرُ بَنِي عَبْدِ مَنافٍ بَنُو هاشِمٍ، وخَيْرُ بَنِي هاشِمٍ بَنُو عَبْدِ المُطَّلِبِ، واللَّهِ ما افْتَرَقَ شُعْبَتانِ مُنْذُ خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ إلّا كُنْتُ في خَيْرِهِما» .
وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ، وابْنُ عَساكِرَ عَنْ أنَسٍ قالَ: «خَطَبَ النَّبِيُّ ﷺ فَقالَ: أنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ بْنِ هاشِمِ بْنِ عَبْدِ مَنافِ بْنِ قُصَيِّ بْنِ كِلابِ بْنِ مُرَّةَ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيِّ بْنِ غالِبِ بْنِ فِهْرِ بْنِ مالِكِ بْنِ النَّضْرِ بْنِ كِنانَةَ بْنِ خُزَيْمَةَ بْنِ مُدْرِكَةَ بْنِ إلْياسَ بْنِ مُضَرَ بْنِ نِزارٍ، وما افْتَرَقَ النّاسُ فِرْقَتَيْنِ إلّا جَعَلَنِي اللَّهُ في خَيْرِهِما، فَأُخْرِجْتُ مِن بَيْنِ أبَوَيَّ، فَلَمْ يُصِبْنِي شَيْءٌ مِن عَهْدِ الجاهِلِيَّةِ، وخَرَجْتُ مِن نِكاحٍ ولَمْ أخْرُجْ مِن سِفاحٍ مِن لَدُنْ آدَمَ حَتّى انْتَهَيْتُ إلى أبِي وأُمِّي، فَأنا خَيْرُكم نَفْسًا وخَيْرُكم أبًا» .
وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ والبُخارِيُّ والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ (p-٦٠٥)أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «بُعِثْتُ مِن خَيْرِ قُرُونِ بَنِي آدَمَ قَرْنًا فَقَرْنًا، حَتّى كُنْتُ مِنَ القَرْنِ الَّذِي كُنْتُ فِيهِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ ومُسْلِمٌ، والتِّرْمِذِيُّ والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنْ واثِلَةَ بْنِ الأسْقَعِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إنَّ اللَّهَ اصْطَفى مِن ولَدِ إبْراهِيمَ إسْماعِيلَ، واصْطَفى مِن ولَدِ إسْماعِيلَ بَنِي كِنانَةَ، واصْطَفى مِن بَنِي كِنانَةَ قُرَيْشٍا، واصْطَفى مِن قُرَيْشٍ بَنِي هاشِمٍ، واصْطَفانِي مَن بَنِي هاشِمٍ» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ، والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، وأبُو نُعَيْمٍ والبَيْهَقِيُّ مَعًا في الدَّلائِلِ عَنِ العَبّاسِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إنَّ اللَّهَ حِينَ خَلَقَ الخَلْقَ جَعَلَنِي مِن خَيْرِ خَلْقِهِ، ثُمَّ حِينَ فَرَقَهم جَعَلَنِي في خَيْرِ الفَرِيقَيْنِ، ثُمَّ حِينَ خَلَقَ القَبائِلَ جَعَلَنِي مِن خَيْرِهِمْ قَبِيلَةً، وحِينَ خَلَقَ الأنْفُسِ جَعَلَنِي مِن خَيْرِ أنْفُسِهِمْ ثُمَّ حِينَ خَلَقَ البُيُوتَ جَعَلَنِي مِن خَيْرِ بُيُوتِهِمْ، فَأنا خَيْرُهم بَيْتًا وخَيْرُهم نَفْسًا» .
وأخْرَجَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ في نَوادِرِ الأُصُولِ والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، وأبُو نُعَيْمٍ والبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إنَّ اللَّهَ خَلَقَ الخَلْقَ فاخْتارَ مِنَ الخَلْقِ بَنِي آدَمَ، واخْتارَ مِن بَنِي آدَمَ العَرَبَ، واخْتارَ مِنَ العَرَبِ (p-٦٠٦)مُضَرَ، واخْتارَ مِن مُضَرَ قُرَيْشًا، واخْتارَ مِن قُرَيْشٍ بَنِي هاشِمٍ واخْتارَنِي مِن بَنِي هاشِمٍ، فَأنا مِن خِيارٍ إلى خِيارٍ» .
وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «قَسَمَ اللَّهُ الأرْضَ نِصْفَيْنِ، فَجَعَلَنِي في خَيْرِهِما، ثُمَّ قَسَمَ النِّصْفَ عَلى ثَلاثَةٍ فَكُنْتُ في خَيْرِ ثُلُثٍ مِنها، ثُمَّ اخْتارَ العَرَبَ مِنَ النّاسِ، ثُمَّ اخْتارَ قُرَيْشًا مِنَ العَرَبِ، ثُمَّ اخْتارَ بَنِي هاشِمٍ مِن قُرَيْشٍ، ثُمَّ اخْتارَ بَنِي عَبْدِ المُطَّلِبِ مِن بَنِي هاشِمٍ، ثُمَّ اخْتارَنِي مِن بَنِي عَبْدِ المُطَّلِبِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ والبَيْهَقِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إنِ اللَّهَ اخْتارَ العَرَبَ فاخْتارَ مِنهم كِنانَةَ، ثُمَّ اخْتارَ مِنهم قُرَيْشًا، ثُمَّ اخْتارَ مِنهم بَنِي هاشِمٍ ثُمَّ اخْتارَنِي مِن بَنِي هاشِمٍ» .
وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إنَّ اللَّهَ اخْتارَ العَرَبَ فاخْتارَ كِنانَةَ مِنَ العَرَبِ، واخْتارَ قُرَيْشًا مِن كِنانَةَ، واخْتارَ بَنِي هاشِمٍ مِن قُرَيْشٍ، واخْتارَنِي مِن بَنِي هاشِمٍ» .
(p-٦٠٧)وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «ما ولَدَتْنِي بَغِيٌّ قَطُّ مُذْ خَرَجْتُ مِن صُلْبِ آدَمَ، ولَمْ تَزَلْ تَنازَعُنِي الأُمَمُ كابِرًا عَنْ كابِرٍ حَتّى خَرَجْتُ مِن أفْضَلِ حَيَّيْنِ مِنَ العَرَبِ هاشِمٍ وزُهْرَةَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي عُمَرَ العَدَنِيَّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «أنَّ قُرَيْشٍا كانَتْ نُورًا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ تَعالى قَبْلَ أنْ يَخْلُقَ الخَلْقَ بِألْفَيْ عامٍ، يُسَبِّحُ ذَلِكَ النُّورُ وتُسَبِّحُ المَلائِكَةُ بِتَسْبِيحِهِ، فَلَمّا خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ ألْقى ذَلِكَ النُّورَ في صُلْبِهِ، قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: فَأهْبَطَنِي اللَّهُ إلى الأرْضِ في صُلْبِ آدَمَ وجَعَلَنِي في صُلْبِ نُوحٍ وقَذَفَ بِي في صُلْبِ إبْراهِيمَ، ثُمَّ لَمْ يَزَلِ اللَّهُ يَنْقُلُنِي مِنَ الأصْلابِ الكَرِيمَةِ إلى الأرْحامِ الطّاهِرَةِ، حَتّى أخْرَجَنِي مِن بَيْنِ أبَوَيَّ لَمْ يَلْتَقِيا عَلى سِفاحٍ قَطُّ» .
وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ الحارِثِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ قالَ: «بَلَغَ النَّبِيُّ ﷺ أنَّ قَوْمًا نالُوا مِنهُ فَغَضِبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ قالَ: أيُّها النّاسُ إنَّ اللَّهَ خَلَقَ خَلْقَهُ فَجَعَلَهم فِرْقَتَيْنِ، فَجَعَلَنِي في خَيْرِ الفِرْقَتَيْنِ، ثُمَّ جَعَلَهم قَبائِلَ فَجَعَلَنِي في خَيْرِهِمْ قَبِيلًا، ثُمَّ جَعَلَهم بُيُوتًا فَجَعَلَنِي في خَيْرِهِمْ بَيْتً. ثُمَّ قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أنا خَيْرُكم قَبِيلًا وخَيْرُكم بَيْتًا» .
وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، والبَيْهَقِيُّ عَنِ المُطَّلِبِ بْنِ أبِي (p-٦٠٨)وداعَةَ قالَ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: وبَلَغَهُ بَعْضُ ما يَقُولُ النّاسُ، فَصَعِدَ المِنبَرَ فَحَمِدَ اللَّهَ وأثْنى عَلَيْهِ وقالَ: مَن أنا قالُوا: أنْتَ رَسُولُ اللَّهِ، قالَ: أنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدَ المُطَّلِبِ إنَّ اللَّهَ خَلَقَ الخَلْقَ فَجَعَلَنِي في خَيْرِ خَلْقِهِ، وجَعَلَهم فِرْقَتَيْنِ فَجَعَلَنِي في خَيْرِ فِرْقَةٍ، وجَعَلَهم قَبائِلَ فَجَعَلَنِي في خَيْرِهِمْ قَبِيلَةً، وجَعَلَهم بُيُوتًا فَجَعَلَنِي في خَيْرِهِمْ بَيْتًا، فَأنا خَيْرُكم بَيْتًا وخَيْرُكم نَفْسًا» .
وأخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ والنَّسائِيُّ عَنْ عَبْدِ المُطَّلِبِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الحارِثِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ.
وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ عَنْ قَتادَةَ قالَ: ذُكِرَ لَنا أنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ قالَ: «إذا أرادَ اللَّهُ أنْ يَبْعَثَ نَبِيًّا نَظَرَ إلى خَيْرِ أهْلِ الأرْضِ قَبِيلَةً فَيَبْعَثُ خَيْرَها رَجُلًا» .
وأخْرَجَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ في نَوادِرِ الأُصُولِ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أبِيهِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أتانِي جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ فَقالَ: يا مُحَمَّدُ إنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ بَعَثَنِي فَطُفْتُ شَرْقَ الأرْضِ وغَرْبَها وسَهْلَها وجَبَلَها فَلَمْ أجِدْ حَيًّا خَيْرًا مِنَ العَرَبِ، ثُمَّ أمَرَنِي فَطُفْتُ في العَرَبِ فَلَمْ أجِدْ حَيًّا خَيْرًا مِن مُضَرَ، ثُمَّ أمَرَنِي فَطُفْتُ في مُضَرَ فَلَمْ أجِدْ حَيًّا خَيْرًا مِن كِنانَةَ، ثُمَّ أمَرَنِي فَطُفْتُ في (p-٦٠٩)كِنانَةَ فَلَمْ أجِدْ حَيًّا خَيْرًا مِن قُرَيْشٍ ثُمَّ أمَرَنِي فَطُفْتُ في قُرَيْشٍ فَلَمْ أجِدْ حَيًّا خَيْرًا مِن بَنِي هاشِمٍ، ثُمَّ أمَرَنِي أنْ أخْتارَ مِن أنْفُسِهِمْ، فَلَمْ أُجِدْ فِيهِمْ نَفْسًا خَيْرًا مِن نَفْسِكَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وإسْحاقُ بْنُ راهَوَيْهِ، وابْنُ مَنِيعٍ في مُسْنَدِهِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ مِن طَرِيقِ يُوسُفَ بْنِ مِهْرانَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قالَ: آخِرُ آيَةٍ أُنْزِلَتْ عَلى النَّبِيِّ ﷺ وفي لَفْظٍ: إنَّ آخِرَ ما نَزَلَ مِنَ القُرْآنِ: ﴿لَقَدْ جاءَكم رَسُولٌ مِن أنْفُسِكُمْ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ في فَضائِلِ القُرْآنِ، وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ الأنْبارِيِّ في المَصاحِفِ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنِ الحَسَنِ أنَّ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ كانَ يَقُولُ: إنَّ أحْدَثَ القُرْآنِ عَهْدًا بِاللَّهِ وفي لَفْظٍ: بِالسَّماءِ هاتانِ الآيَتانِ: ﴿لَقَدْ جاءَكم رَسُولٌ مِن أنْفُسِكُمْ﴾ إلى آخِرِ السُّورَةِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ في زَوائِدِ المُسْنَدِ، وابْنُ الضُّرَيْسِ في فَضائِلِهِ، وابْنُ أبِي داوُدَ في المَصاحِفِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ (p-٦١٠)مَرْدُويَهْ والبَيْهَقِيُّ في ”الدَّلائِلِ“، والخَطِيبُ في ”تَلْخِيصِ المُتَشابِهِ“، والضِّياءُ في ”المُخْتارَةِ“ مِن طَرِيقِ أبِي العالِيَةِ «عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، أنَّهم جَمَعُوا القُرْآنَ في مُصْحَفٍ في خِلافَةِ أبِي بَكْرٍ فَكانَ رِجالٌ يَكْتُبُونَ ويُمِلُّ عَلَيْهِمْ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ حَتّى انْتَهَوْا إلى هَذِهِ الآيَةِ مِن سُورَةِ بَراءَةَ: ﴿ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهم بِأنَّهم قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ﴾ [التوبة: ١٢٧] فَظَنُّوا أنَّ هَذا آخِرُ ما نَزَلَ مِنَ القُرْآنِ فَقالَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: إنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَدْ أقْرَأنِي بَعْدَ هَذا آيَتَيْنِ: ﴿لَقَدْ جاءَكم رَسُولٌ مِن أنْفُسِكم عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكم بِالمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ ﴿فَإنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لا إلَهَ إلا هو عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وهو رَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ﴾ [التوبة: ١٢٩] فَهَذا آخِرُ ما نَزَلَ مِنَ القُرْآنِ. قالَ: فَخَتَمَ الأمْرَ بِما فَتَحَ بِهِ بِـ: لا إلَهٍ إلّا اللَّهُ يَقُولُ اللَّهُ: ﴿وما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ مِن رَسُولٍ إلا نُوحِي إلَيْهِ أنَّهُ لا إلَهَ إلا أنا فاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء»: ٢٥] .
وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ وأحْمَدُ، والبُخارِيُّ، والتِّرْمِذِيُّ والنَّسائِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي داوُدَ في ”المَصاحِفِ“، وابْنُ حِبّانَ، وابْنُ المُنْذِرِ والطَّبَرانِيُّ، والبَيْهَقِيُّ في ”سُنَنِهِ“ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ قالَ: أرْسَلَ إلَيَّ أبُو بَكْرٍ مَقْتَلَ أهْلِ اليَمامَةِ وعِنْدَهُ عُمَرُ فَقالَ أبُو بَكْرٍ: إنَّ عَمَّرَ أتانِي فَقالَ: إنَّ القَتْلَ قَدِ اسْتَحَرَّ يَوْمَ اليَمامَةِ بِالنّاسِ وإنِّي أخْشى أنْ يَسْتَحِرَّ القَتْلُ بِالقُرّاءِ في المَواطِنِ، فَيَذْهَبَ كَثِيرٌ (p-٦١١)مِنَ القُرْآنِ إلّا أنْ تَجْمَعُوهُ وإنِّي أرى أنْ تَجْمَعَ القُرْآنَ. قالَ أبُو بَكْرٍ: فَقُلْتُ لِعُمَرَ: كَيْفَ أفْعَلُ شَيْئًا لَمْ يَفْعَلْهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ؟ فَقالَ عُمَرُ: هو - واللَّهِ - خَيْرٌ. فَلَمْ يَزَلْ عُمَرُ يُراجِعُنِي فِيهِ حَتّى شَرَحَ اللَّهُ لِذَلِكَ صَدْرِي، ورَأيْتُ الَّذِي رَأى عُمَرُ. قالَ زَيْدُ بْنُ ثابِتٍ: وعُمَرُ جالِسٌ عِنْدَهُ لا يَتَكَلَّمُ. فَقالَ أبُو بَكْرٍ: إنَّكَ رَجُلٌ شابٌّ عاقِلٌ ولا نَتَّهِمُكَ كُنْتَ تَكْتُبُ الوَحْيَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَتَتَّبَعِ القُرْآنَ فاجْمَعْهُ. فَواللَّهِ لَوْ كَلَّفُونِي نَقْلَ جَبَلٍ مِنَ الجِبالِ ما كانَ أثْقَلَ عَلَيَّ مِمّا أمَرَنِي بِهِ مِن جَمْعِ القُرْآنِ، قُلْتُ: كَيْفَ تَفْعَلانِ شَيْئًا لَمْ يَفْعَلْهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ؟! فَقالَ أبُو بَكْرٍ: هو واللَّهِ خَيْرٌ. فَلَمْ أزَلْ أُراجِعُهُ حَتّى شَرَحَ اللَّهُ صَدْرِي لِلَّذِي شَرَحَ لَهُ صَدْرَ أبِي بَكْرٍ وعُمَرَ، فَقُمْتُ فَتَتَبَّعْتُ القُرْآنَ أجْمَعُهُ مِنَ الرِّقاعِ والأكْتافِ والعُسُبِ، وصُدُورِ الرِّجالِ حَتّى وجَدْتُ مِن سُورَةِ التَّوْبَةِ آيَتَيْنِ مَعَ خُزَيْمَةَ بْنِ ثابِتٍ الأنْصارِيِّ لَمْ أجِدْهُما مَعَ أحَدٍ غَيْرِهِ: ﴿لَقَدْ جاءَكم رَسُولٌ مِن أنْفُسِكم عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ﴾ إلى آخِرِهِما وكانَتِ الصُّحُفُ الَّتِي جُمِعَ فِيها القُرْآنُ عِنْدَ أبِي بَكْرٍ حَتّى تَوَفّاهُ اللَّهُ ثُمَّ عِنْدَ عُمَرَ حَتّى تَوَفّاهُ اللَّهُ ثُمَّ عِنْدَ حَفْصَةَ بِنْتِ عُمَرَ (p-٦١٢)وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ قالَ: كانَ عُمَرُ لا يُثْبِتُ آيَةً في المُصْحَفِ حَتّى يَشْهَدَ رَجُلانِ فَجاءَ رَجُلٌ مِنَ الأنْصارِ بِهاتَيْنِ الآيَتَيْنِ: ﴿لَقَدْ جاءَكم رَسُولٌ مِن أنْفُسِكُمْ﴾ إلى آخِرِها، فَقالَ عُمَرُ: لا أسْألُكَ عَلَيْها بَيِّنَةً أبَدًا كَذَلِكَ كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي داوُدَ في ”المَصاحِفِ“ عَنْ عُرْوَةَ قالَ: لَمّا اسْتَحَرَّ القَتْلُ بِالقُرّاءِ يَوْمَئِذٍ فَرِقَ أبُو بَكْرٍ عَلى القُرْآنِ أنْ يَضِيعَ، فَقالَ لِعُمَرَ بْنِ الخَطّابِ ولِزَيْدِ بْنِ ثابِتٍ: اقْعُدا عَلى بابِ المَسْجِدِ، فَمَن جاءَكُما بِشاهِدَيْنِ عَلى شَيْءٍ مِن كِتابِ اللَّهِ فاكْتُباهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ وأحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، وابْنُ أبِي داوُدَ عَنْ عَبّادِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ قالَ: أتى الحارِثُ بْنُ خُزَيْمَةَ بِهاتَيْنِ الآيَتَيْنِ مِن آخِرِ ”بَراءَةَ“: ﴿لَقَدْ جاءَكم رَسُولٌ مِن أنْفُسِكُمْ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿العَرْشِ العَظِيمِ﴾ [التوبة: ١٢٩] إلى عُمَرَ، فَقالَ: مَن مَعَكَ عَلى هَذا؟ فَقالَ: لا أدْرِي واللَّهِ إلّا أنِّي أشْهَدُ لَسَمِعْتُها مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ووَعَيْتُها وحَفِظْتُها، فَقالَ عُمَرُ: وأنا أشْهَدُ لَسَمِعْتُها مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَوْ كانَتْ ثَلاثَ آياتٍ لَجَعَلْتُها سُورَةً عَلى حِدَةٍ فانْظُرُوا سُورَةً مِنَ القُرْآنِ فَألْحِقُوهُما، فَأُلْحِقَتْ في آخِرِ ”بَراءَةَ“ .
(p-٦١٣)وأخْرَجَ ابْنُ أبِي داوُدَ في ”المَصاحِفِ“ عَنْ يَحْيى بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حاطِبٍ قالَ: أرادَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ أنْ يَجْمَعَ القُرْآنَ فَقامَ في النّاسِ فَقالَ: مَن كانَ تَلَقّى مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ شَيْئًا مِنَ القُرْآنِ فَلْيَأْتِنا بِهِ. وكانُوا كَتَبُوا ذَلِكَ في الصُّحُفِ والألْواحِ والعُسُبِ وكانَ لا يَقْبَلُ مِن أحَدٍ شَيْئًا حَتّى يَشْهَدَ شَهِيدانِ فَقُتِلَ وهو يُجْمَعُ ذَلِكَ إلَيْهِ فَقامَ عُثْمانُ بْنُ عَفّانَ فَقالَ: مَن كانَ عِنْدَهُ شَيْءٌ مِن كِتابِ اللَّهِ فَلْيَأْتِنا بِهِ. وكانَ لا يَقْبَلُ مِن ذَلِكَ شَيْئًا حَتّى يَشْهَدَ بِهِ شاهِدانِ فَجاءَ خُزَيْمَةُ بْنُ ثابِتٍ فَقالَ: إنِّي قَدْ رَأيْتُكم تَرَكْتُمْ آيَتَيْنِ لَمْ تَكْتُبُوهُما. فَقالُوا: ما هُما؟ قالَ: تَلَقَّيْتُ مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: ﴿لَقَدْ جاءَكم رَسُولٌ مِن أنْفُسِكم عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ﴾ إلى آخِرِ السُّورَةِ. فَقالَ عُثْمانُ: وأنا أشْهَدُ أنَّهُما مِن عِنْدِ اللَّهِ، فَأيْنَ تَرى أنْ تَجْعَلَهُما؟ قالَ: اخْتِمْ بِهِما آخِرَ ما نَزَلَ مِنَ القُرْآنِ. فَخُتِمَتْ بِهِما ”بَراءَةُ“ .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ جاءَكم رَسُولٌ مِن أنْفُسِكُمْ﴾ الآيَةَ. قالَ: جَعَلَهُ اللَّهُ مِن أنْفُسِهِمْ فَلا يَحْسُدُونَهُ عَلى ما أعْطاهُ اللَّهُ مِنِ النُّبُوَّةِ والكَرامَةِ، عَزِيزٌ عَلَيْهِ عَنَتُ (p-٦١٤)مُؤْمِنِهِمْ، حَرِيصٌ عَلى ضالِّهِمْ أنْ يَهْدِيَهُ اللَّهُ: ﴿بِالمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ﴾ قالَ: شَدِيدٌ عَلَيْهِ ما شَقَّ عَلَيْكم: ﴿حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ﴾ أنْ يُؤْمِنَ كُفّارُكم.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «جاءَ جِبْرِيلُ فَقالَ لِي: يا مُحَمَّدُ إنَّ رَبَّكَ يُقْرِئُكَ السَّلامَ وهَذا مَلَكُ الجِبالِ قَدْ أرْسَلَهُ إلَيْكَ وأمَرَهُ ألّا يَفْعَلَ شَيْئًا إلّا بِأمْرِكَ. فَقالَ لَهُ مَلَكُ الجِبالِ: إنَّ اللَّهَ أمَرَنِي ألّا أفْعَلَ شَيْئًا إلّا بِأمْرِكَ إنْ شِئْتَ دَمْدَمْتُ عَلَيْهِمُ الجِبالَ وإنْ شِئْتَ رَمَيْتُهم بِالحَصْباءِ وإنْ شِئْتَ خَسَفْتُ بِهِمُ الأرْضَ. قالَ: يا مَلَكَ الجِبالِ فَإنِّي آنى بِهِمْ لَعَلَّهُ أنْ يَخْرُجَ مِنهم ذُرِّيَّةٌ يَقُولُونَ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ. فَقالَ مَلَكُ الجِبالِ: أنْتَ كَما سَمّاكَ رَبُّكَ رُءُوفٌ رَحِيمٌ» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ عَنْ أبِي صالِحٍ الحَنَفِيِّ قالَ عَبْدُ اللَّهِ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إنَّ اللَّهَ رَحِيمٌ ولا يَضَعُ رَحْمَتَهُ إلّا عَلى رَحِيمٍ. قُلْنا: يا رَسُولَ اللَّهِ كُلُّنا نَرْحَمُ أمْوالَنا وأوْلادَنا. قالَ: لَيْسَ بِذاكَ، ولَكِنْ كَما قالَ اللَّهُ: ﴿لَقَدْ جاءَكم رَسُولٌ مِن أنْفُسِكم عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكم بِالمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة»: ١٢٨]
(p-٦١٥)وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ عَنْ سَعْدِ بْنِ أبِي وقّاصٍ قالَ «لَمّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ المَدِينَةَ، جاءَتْهُ جُهَيْنَةُ فَقالُوا لَهُ: إنَّكَ قَدْ نَزَلْتَ بَيْنَ أظْهُرِنا فَأوْثِقْ لَنا نَأْمَنكَ وتَأْمَنّا. قالَ: ولِمَ سَألْتُمْ هَذا؟ قالُوا: نَطْلُبُ الأمْنَ. فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى هَذِهِ الآيَةَ: ﴿لَقَدْ جاءَكم رَسُولٌ مِن أنْفُسِكم عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ﴾ الآيَةَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أبِي صالِحٍ الحَنَفِيِّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إنَّ اللَّهَ رَحِيمٌ يُحِبُّ الرَّحِيمَ يَضَعُ رَحْمَتَهُ عَلى كُلِّ رَحِيمٍ. قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ إنّا لَنَرْحَمُ أنْفُسَنا وأمْوالَنا وأزْواجَنا. قالَ: لَيْسَ كَذَلِكَ ولَكِنْ كُونُوا كَما قالَ اللَّهُ: ﴿لَقَدْ جاءَكم رَسُولٌ مِن أنْفُسِكم عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكم بِالمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة»: ١٢٨] .
التوبة 9:129
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنْ تَوَلَّوْا﴾ . الآيَةَ. أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَإنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ﴾ يَعْنِي الكُفّارَ؛ تَوَلَّوْا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وهَذِهِ في المُؤْمِنِينَ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ قالَ: خَرَجَتْ سَرِيَّةٌ إلى أرْضِ الرُّومِ فَسَقَطَ رَجُلٌ مِنهم فانْكَسَرَتْ فَخِذُهُ فَلَمْ يَسْتَطِيعُوا أنْ يَحْمِلُوهُ فَرَبَطُوا فَرَسَهُ عِنْدَهُ ووَضَعُوا عِنْدَهُ شَيْئًا مِن ماءٍ وزادٍ فَلَمّا ولَّوْا أتاهُ آتٍ فَقالَ لَهُ: ما لَكَ هَهُنا؟ قالَ: انْكَسَرَتْ فَخِذِي فَتَرَكَنِي أصْحابِي. فَقالَ: ضَعْ يَدَكَ حَيْثُ تَجِدُ الألَمَ (p-٦١٦)فَقُلْ: ﴿فَإنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لا إلَهَ إلا هو عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وهو رَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ﴾ قالَ: فَوَضَعَ يَدَهُ فَقَرَأ هَذِهِ الآيَةَ فَصَحَّ مَكانَهُ، ورَكِبَ فَرَسَهُ وأدْرَكَ أصْحابَهُ.
وأخْرَجَ أبُو داوُدَ عَنْ أبِي الدَّرْداءِ مَوْقُوفًا، وابْنُ السُّنِّيِّ عَنْ أبِي الدَّرْداءِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَن قالَ حِينَ يُصْبِحُ وحِينَ يُمْسِي: حَسْبِيَ اللَّهُ لا إلَهَ إلّا هو عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وهو رَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ. سَبْعَ مَرّاتٍ كَفاهُ اللَّهُ ما أهَمَّهُ مِن أمْرِ الدُّنْيا والآخِرَةِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ النَّجّارِ في ”تارِيخِهِ“ عَنِ الحُسَيْنِ قالَ: مَن قالَ حِينَ يُصْبِحُ سَبْعَ مَرّاتٍ: حَسْبِيَ اللَّهُ لا إلَهَ إلّا هو عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وهو رَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ. لَمْ يُصِبْهُ ذَلِكَ اليَوْمَ ولا تِلْكَ اللَّيْلَةَ كَرْبٌ ولا نَكَبٌ ولا غَرَقٌ.
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهُوَ رَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ﴾ .
أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: إنَّما سُمِّيَ العَرْشُ عَرْشًا لِارْتِفاعِهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، في ”العَظَمَةِ“ عَنْ سَعْدٍ الطّائِيِّ قالَ: العَرْشُ ياقُوتَةٌ حَمْراءُ.
(p-٦١٧)وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ وهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ قالَ: إنَّ اللَّهَ تَعالى خَلَقَ العَرْشَ والكُرْسِيَّ مِن نُورِهِ، فالعَرْشُ مُلْتَصِقٌ بِالكُرْسِيِّ والمَلائِكَةُ في جَوْفِ الكُرْسِيِّ وحَوْلَ العَرْشِ أرْبَعَةُ أنْهارٍ؛ نَهْرٌ مِن نُورٍ يَتَلَأْلَأُ، ونَهْرٌ مِن نارٍ تَتَلَظّى، ونَهْرٌ مِن ثَلْجٍ أبْيَضَ تَلْتَمِعُ مِنهُ الأبْصارُ، ونَهْرٌ مِن ماءِ، والمَلائِكَةُ قِيامٌ في تِلْكَ الأنْهارِ يُسَبِّحُونَ اللَّهَ، ولِلْعَرْشِ ألْسِنَةٌ بِعَدَدِ ألْسِنَةِ الخَلْقِ كُلِّهِمْ، فَهو يُسَبِّحُ اللَّهَ ويَذْكُرُهُ بِتِلْكَ الألْسِنَةِ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ الشَّعْبِيِّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «العَرْشُ مِن ياقُوتَةٍ حَمْراءَ، وإنَّ مَلَكًا مِنَ المَلائِكَةِ نَظَرَ إلَيْهِ وإلى عِظَمِهِ فَأوْحى اللَّهُ إلَيْهِ: إنِّي قَدْ جَعَلْتُ فِيكَ قُوَّةَ سَبْعِينَ ألْفَ مَلَكٍ، لِكُلِّ مَلَكٍ سَبْعُونَ ألْفَ جَناحٍ، فَطِرْ. فَطارَ المَلَكُ بِما فِيهِ مِنَ القُوَّةِ والأجْنِحَةِ ما شاءَ اللَّهُ أنْ يَطِيرَ، فَوَقَفَ فَنَظَرَ فَكَأنَّهُ لَمْ يَرُمْ» .
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ حَمّادٍ قالَ: خَلَقَ اللَّهُ العَرْشَ مِن زُمُرُدَةٍ خَضْراءَ وخَلَقَ لَهُ أرْبَعَ قَوائِمَ مِن ياقُوتَةٍ حَمْراءَ، وخَلَقَ لَهُ ألْفَ لِسانٍ، وخَلَقَ في الأرْضِ ألْفَ أُمَّةٍ كُلُّ أُمَّةٍ تُسَبِّحُ اللَّهَ بِلِسانٍ مِن ألْسُنِ العَرْشِ.
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العاصِ قالَ: إنَّ العَرْشَ مُطَوَّقٌ بِحَيَّةٍ، والوَحْيِ يَنْزِلُ في السَّلاسِلِ.
(p-٦١٨)وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ عَطاءٍ قالَ: كانُوا يَرَوْنَ أنَّ العَرْشَ عَلى الحَرَمِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: ما يَقْدُرُ قَدْرَ العَرْشِ إلّا الَّذِي خَلَقَهُ، وإنَّ السَّماواتِ في خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِثْلُ قُبَّةٍ في صَحْراءَ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: ما أخَذَتِ السَّماواتُ والأرْضُ مِنَ العَرْشِ إلّا كَما تَأْخُذُ الحَلْقَةُ مِن أرْضِ الفَلاةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ كَعْبٍ قالَ: إنَّ السَّماواتِ في العَرْشِ كالقِنْدِيلِ مُعَلَّقًا بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عُمَرَ بْنِ يَزِيدَ النَّصْرِيِّ قالَ: في كِتابِ ما تَنَبَّأ عَلَيْهِ هارُونَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: إنَّ بَحْرَنا هَذا خَلِيجٌ مِن نَبْطَسَ ونَبْطَسُ وراءَهُ وهو مُحِيطٌ بِالأرْضِ فالأرْضُ وما فِيها مِنَ البِحارِ عِنْدَ نَبْطَسَ كَعَيْنٍ عَلى سَيْفِ البَحْرِ وخَلْفَ نَبْطَسَ قَيْنَسُ مُحِيطٌ بِالأرْضِ فَنَبْطَسُ وما دُونَهُ عِنْدَهُ كَعَيْنٍ عَلى سَيْفِ البَحْرِ وخَلْفَ قَيْنَسَ الأصَمُّ مُحِيطٌ بِالأرْضِ، فَقَيْنَسُ وما دُونَهُ عِنْدَهُ كَعَيْنٍ عَلى سَيْفِ البَحْرِ وخَلْفَ الأصَمِّ المُظْلِمِ مُحِيطٌ بِالأرْضِ فالأصَمُّ وما دُونَهُ عِنْدَهُ كَعَيْنٍ عَلى سَيْفِ البَحْرِ، وخَلْفَ المُظْلِمِ جَبَلٌ مِنَ الماسِ مُحِيطٌ بِالأرْضِ فالمُظْلِمُ وما دُونَهُ عِنْدَهُ كَعَيْنٍ عَلى سَيْفِ البَحْرِ وخَلْفَ الماسِ الباكِي وهو ماءٌ عَذْبٌ (p-٦١٩)مُحِيطٌ بِالأرْضِ أمَرَ اللَّهُ نِصْفَهُ أنْ يَكُونَ تَحْتَ العَرْشِ فَأرادَ أنْ يَسْتَجْمِعَ فَزَجَرَهُ، فَهو باكٍ يَسْتَغْفِرُ اللَّهَ فالماسُ وما دُونَهُ عِنْدَهُ كَعَيْنٍ عَلى سَيْفِ البَحْرِ والعَرْشُ خَلْفَ ذَلِكَ مُحِيطٌ بِالأرْضِ فالباكِي وما دُونَهُ عِنْدَهُ كَعَيْنٍ عَلى سَيْفِ البَحْرِ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ عَنْ أبِيهِ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «ما السَّماواتُ السَّبْعُ في الكُرْسِيِّ إلّا كَدَراهِمَ سَبْعَةٍ أُلْقِيَتْ في تُرْسٍ»، قالَ ابْنُ زَيْدٍ: قالَ أبُو ذَرٍّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: «ما الكُرْسِيُّ في العَرْشِ إلّا كَحَلْقَةٍ مِن حَدِيدٍ أُلْقِيَتْ بَيْنَ ظَهْرَيْ فَلاةٍ مِنَ الأرْضِ والكُرْسِيُّ مَوْضِعُ القَدَمَيْنِ» .
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنْ وهْبٍ قالَ: خَلَقَ اللَّهُ العَرْشَ ولِلْعَرْشِ سَبْعُونَ ألْفَ ساقٍ، كُلُّ ساقٍ كاسْتِدارَةِ السَّماءِ والأرْضِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وأبُو الشَّيْخِ، والبَيْهَقِيُّ في ”الأسْماءِ والصِّفاتِ“، عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: بَيْنَ المَلائِكَةِ وبَيْنَ العَرْشِ سَبْعُونَ حِجابًا؛ حِجابٌ مِن نُورٍ وحِجابٌ مِن ظُلْمَةٍ وحِجابٌ مِن نُورٍ وحِجابٌ مِن ظُلْمَةٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، والبُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، والتِّرْمِذِيُّ والنَّسائِيُّ، وابْنُ ماجَهْ، والبَيْهَقِيُّ في ”الأسْماءِ والصِّفاتِ“ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «كانَ النَّبِيُّ ﷺ (p-٦٢٠)يَقُولُ عِنْدَ الكَرْبِ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ العَظِيمُ الحَلِيمُ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ رَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ رَبُّ السَّماواتِ ورَبُّ الأرَضِينَ ورَبُّ العَرْشِ الكَرِيمِ» .
وأخْرَجَ النَّسائِيُّ والحاكِمُ والبَيْهَقِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ قالَ: «عَلَّمَنِي عَلِيٌّ كَلِماتٍ عَلَّمَهُنَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إيّاهُ يَقُولُهُنَّ عِنْدَ الكَرْبِ والشَّيْءِ يُصِيبُهُ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ الحَلِيمُ الكَرِيمُ سُبْحانَ اللَّهِ وتَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ العَرْشِ العَظِيمِ والحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ» .
وأخْرَجَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ مِن طَرِيقِ إسْحاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ عَنْ أبِيهِ قالَ: كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «لَقِّنُوا مَوْتاكم: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ الحَلِيمُ الكَرِيمُ سُبْحانَ اللَّهِ رَبِّ السَّماواتِ السَّبْعِ ورَبِّ العَرْشِ العَظِيمِ الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ. قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ فَكَيْفَ هي لِلْحَيِّ؟ قالَ: أجْوَدُ وأجْوَدُ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ أنَّهُ زَوَّجَ ابْنَتَهُ فَخَلا بِها فَقالَ: إذا نَزَلَ بِكِ المَوْتُ أوْ أمْرٌ مِن أُمُورِ الدُّنْيا فَظِيعٌ فاسْتَقْبِلِيهِ بِأنْ تَقُولِي: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ الحَلِيمُ الكَرِيمُ سُبْحانَ اللَّهِ رَبِّ العَرْشِ العَظِيمِ الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ في ”الزُّهْدِ“ وأبُو الشَّيْخِ، في ”العَظَمَةِ“، عَنْ وهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ أنَّ حِزْقِيلَ كانَ في سَبْيِ بُخْتِنَصَّرَ مَعَ دانْيالَ مِن بَيْتِ المَقْدِسِ فَزَعَمَ حِزْقِيلُ (p-٦٢١)أنَّهُ كانَ نائِمًا عَلى شاطِئِ الفُراتِ، فَأتاهُ مَلَكٌ وهو نائِمٌ فَأخَذَ بِرَأْسِهِ فاحْتَمَلَهُ حَتّى وضَعَهُ في خِزانَةِ بَيْتِ المَقْدِسِ قالَ: فَرَفَعْتُ رَأْسِي إلى السَّماءِ فَإذا السَّماواتُ مُنْفَرِجاتٌ دُونَ العَرْشِ. قالَ: فَبَدا لِي العَرْشُ ومَن حَوْلَهُ فَنَظَرْتُ إلَيْهِمْ مِن تِلْكَ الفُرْجَةِ فَإذا العَرْشُ إذا نَظَرْتُ إلَيْهِ مُظِلٌّ عَلى السَّماواتِ والأرْضِ وإذا نَظَرْتُ إلى السَّماواتِ والأرْضِ رَأيْتُهُنَّ مُتَعَلِّقاتٍ بِبَطْنِ العَرْشِ وإذا الحَمَلَةُ أرْبَعَةٌ مِنَ المَلائِكَةِ لِكُلِّ مَلَكٍ مِنهم أرْبَعَةُ وُجُوهٍ وجْهُ إنْسانٍ ووَجْهُ نَسْرٍ ووَجْهُ أسَدٍ ووَجْهُ ثَوْرٍ فَلَمّا أعْجَبَنِي ذَلِكَ مِنهم نَظَرْتُ إلى أقْدامِهِمْ فَإذا هي في الأرْضِ عَلى عَجَلٍ تَدُورُ بِها وإذا مَلَكٌ قائِمٌ بَيْنَ يَدَيِ العَرْشِ لَهُ سِتَّةُ أجْنِحَةٍ لَها لَوْنٌ كَلَوْنِ فَرْعٍ لَمْ يَزَلْ ذَلِكَ مُقامَهُ مُنْذُ خَلَقَ اللَّهُ الخَلْقَ إلى أنْ تَقُومَ السّاعَةُ فَإذا هو جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ وإذا مَلَكٌ أسْفَلَ مِن ذَلِكَ أعْظَمُ شَيْءٍ رَأيْتُهُ مِنَ الخَلْقِ فَإذا هو مِيكائِيلُ وهو خَلِيفَةٌ عَلى مَلائِكَةِ السَّماءِ وإذا مَلائِكَةٌ يَطُوفُونَ بِالعَرْشِ مُنْذُ خَلَقَ اللَّهُ الخَلْقَ إلى أنْ تَقُومَ السّاعَةُ يَقُولُونَ: قُدُّوسٌ قُدُّوسٌ رَبُّنا اللَّهُ القَوِيُّ مَلَأتْ عَظَمَتُهُ السَّماواتِ والأرْضَ. وإذا مَلائِكَةٌ أسْفَلَ مِن ذَلِكَ لِكُلِّ مَلَكٍ مِنهم سِتَّةُ أجْنِحَةٍ جَناحانِ يَسْتُرُ بِهِما وجْهَهُ مِنَ النُّورِ وجَناحانِ يُغَطِّي بِهِما جَسَدَهُ وجَناحانِ يَطِيرُ بِهِما، وإذا هُمُ المَلائِكَةُ المُقَرَّبُونَ وإذا مَلائِكَةٌ أسْفَلَ مِن ذَلِكَ مِنهُمُ السّاجِدُ ومِنهُمُ القائِمُ لَمْ يَزالُوا كَذَلِكَ مُنْذُ خَلَقَ اللَّهُ الخَلْقَ إلى أنْ تَقُومَ السّاعَةُ وإذا مَلائِكَةٌ أسْفَلَ مِن ذَلِكَ سُجُودٌ مُنْذُ خَلَقَ اللَّهُ الخَلْقَ إلى أنْ يُنْفَخَ في الصُّورِ فَإذا نُفِخَ في الصُّوَرِ رَفَعُوا رُؤُوسَهم فَإذا نَظَرُوا إلى العَرْشِ قالُوا: سُبْحانَكَ ما كُنّا نُقَدِّرُكَ حَقَّ قُدْرَتِكَ ثُمَّ رَأيْتُ العَرْشَ (p-٦٢٢)تَدَلّى مِن تِلْكَ الفُرْجَةِ فَكانَ قَدْرَها ثُمَّ أفْضى إلى ما بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ فَكانَ مِلْءَ ما بَيْنَهُما ثُمَّ دَخَلَ مِن بابِ الرَّحْمَةِ فَكانَ قَدْرَهُ ثُمَّ أفْضى إلى المَسْجِدِ فَكانَ قَدْرَهُ ثُمَّ وقَعَ عَلى الصَّخْرَةِ فَكانَ قَدْرَها ثُمَّ قالَ: يا ابْنَ آدَمَ، فَصُعِقْتُ وسَمِعْتُ صَوْتًا لَمْ أسْمَعْ مِثْلَهُ قَطُّ فَذَهَبْتُ أُقَدِّرُ ذَلِكَ الصَّوْتَ فَإذا قَدْرُهُ كَعَسْكَرٍ اجْتَمَعُوا فَأجْلَبُوا بِصَوْتٍ واحِدٍ أوْ كَفِئَةٍ اجْتَمَعَتْ فَتَدافَعَتْ ولَقِيَ بَعْضُها بَعْضًا أوْ هو أعْظَمُ مِن ذَلِكَ. قالَ حِزْقِيلُ: فَلَمّا صُعِقْتُ قالَ: أنْعِشُوهُ فَإنَّهُ ضَعِيفٌ خُلِقَ مِن ضَعْفٍ ثُمَّ قالَ: اذْهَبْ إلى قَوْمِكَ فَأنْتَ طَلِيعَتِي عَلَيْهِمْ كَطَلِيعَةِ الجَيْشِ مَن دَعَوْتَهُ مِنهم فَأجابَكَ واهْتَدى بِهُداكَ فَلَكَ مِثْلُ أجْرِهِ ومَن غَفَلْتَ عَنْهُ حَتّى يَمُوتَ ضالًّا فَعَلَيْكَ مِثْلُ وِزْرِهِ لا يُخَفِّفُ ذَلِكَ مِن أوْزارِهِمْ شَيْئًا. ثُمَّ عُرِجَ بِالعَرْشِ واحْتُمِلْتُ حَتّى رُدِدْتُ إلى شاطِئِ الفُراتِ فَبَيْنا أنا نائِمٌ عَلى شاطِئِ الفُراتِ إذْ أتانِي مَلَكٌ فَأخَذَ بِرَأْسِي فاحْتَمَلَنِي حَتّى أدْخَلَنِي جَنْبَ بَيْتِ المَقْدِسِ فَإذا أنا بِحَوْضِ ماءٍ لا يَجُوزُ قَدَمِي ثُمَّ أفْضَيْتُ مِنهُ إلى الجَنَّةِ فَإذا شَجَرُها عَلى شُطُوطِ أنْهارِها وإذا هو شَجَرٌ لا يَتَناثَرُ ورَقُهُ ولا يَفْنى ثَمَرُهُ فَإذا فِيهِ الطَّلْعُ والغَضُّ واليَنِيعُ (p-٦٢٣)والقَطِيفُ قُلْتُ: فَما لِباسُها؟ قالَ: هو ثِيابٌ كَثِيابِ الحُورِ يَنْفَلِقُ عَنْ أيِّ لَوْنٍ شاءَ صاحِبُهُ. قُلْتُ: فَما أزْواجُها؟ فَعُرِضْنَ عَلَيَّ فَذَهَبْتُ لِأقِيسَ حُسْنَ وُجُوهِهِنَّ فَإذا هُنَّ لَوْ جُمِعَ الشَّمْسُ والقَمَرُ كانَ وجْهُ إحْداهُنَّ أضْوَأ مِنهُما وإذا لَحْمُ إحْداهُنَّ لا يُوارِي عَظْمَها وإذا عَظْمُها لا يُوارِي مُخَّها وإذا هي إذا نامَ عَنْها صاحِبُها اسْتَيْقَظَ وهي بِكْرٌ فَعَجِبْتُ مِن ذَلِكَ، فَقِيلَ لِي: أتَعْجَبُ مِن هَذا؟ قُلْتُ: وما لِي لا أعْجَبُ! قالَ: فَإنَّهُ مَن أكَلَ مِن هَذِهِ الثِّمارِ الَّتِي رَأيْتَ خُلِّدَ ومَن تَزَوَّجَ مِن هَذِهِ الأزْواجِ انْقَطَعَ عَنْهُ الهَمُّ والحَزَنُ قالَ: ثُمَّ أخَذَ بِرَأْسِي فَرَدَّنِي حَيْثُ كُنْتُ. قالَ حِزْقِيلُ: فَبَيْنا أنا نائِمٌ عَلى شاطِئِ الفُراتِ إذْ أتانِي مَلَكٌ فَأخَذَ بِرَأْسِي فاحْتَمَلَنِي حَتّى وضَعَنِي بِقاعٍ مِنَ الأرْضِ قَدْ كانَتْ مَعْرَكَةً وإذا فِيهِ عَشَرَةُ آلافِ قَتِيلٍ قَدْ بَدَّدَتِ الطُّيُورُ والسِّباعُ لُحُومَهم وفَرَّقَتْ بَيْنَ أوْصالِهِمْ ثُمَّ قالَ لِي: إنَّ قَوَّما يَزْعُمُونَ أنَّهُ مَن ماتَ مِنهم أوْ قُتِلَ فَقَدِ انْفَلَتَ مِنِّي وذَهَبَتْ عَنْهُ قُدْرَتِي فادْعُهم. قالَ حِزْقِيلُ: فَدَعَوْتُهم فَإذا كُلُّ عَظْمٍ قَدْ أقْبَلُ إلى مَفْصِلِهِ الَّذِي مِنهُ انْقَطَعَ ما رَجُلٌ بِصاحِبِهِ بِأعْرَفَ مِنَ العَظْمِ بِمَفْصِلِهِ الَّذِي فارَقَ حَتّى أمَّ بَعْضُها بَعْضًا ثُمَّ نَبَتَ عَلَيْها اللَّحْمُ ثُمَّ نَبَتَتِ العُرُوقُ ثُمَّ انْبَسَطَتِ الجُلُودُ وأنا أنْظُرُ إلى ذَلِكَ ثُمَّ قالَ: ادْعُ لِي أرْواحَهم. قالَ حِزْقِيلُ: فَدَعَوْتُها وإذا كُلُّ رُوحٍ قَدْ أقْبَلَ إلى جَسَدِهِ الَّذِي فارَقَ فَلَمّا جَلَسُوا سَألْتُهم فِيمَ كُنْتُمْ؟ قالُوا: إنّا لَمّا مِتْنا وفارَقْنا الحَياةَ لَقِيَنا مَلَكٌ يُقالُ لَهُ مِيكائِيلُ. قالَ: هَلُمُّوا أعْمالَكم وخُذُوا أُجُورَكم كَذَلِكَ سُنَّتُنا فِيكم وفِيمَن (p-٦٢٤)كانَ قَبْلَكم وفِيمَن هو كائِنٌ بَعْدَكم. فَنَظَرَ في أعْمالِنا فَوَجَدَنا نَعْبُدُ الأوْثانَ فَسَلَّطَ الدُّودَ عَلى أجْسادِنا وجَعَلَتِ الأرْواحُ تَأْلَمُهُ وسَلَّطَ الغَمَّ عَلى أرْواحِنا وجَعَلَتْ أجْسادُنا تَأْلَمُهُ فَلَمْ نَزَلْ كَذَلِكَ نُعَذَّبُ حَتّى دَعَوْتَنا. قالَ: ثُمَّ احْتَمَلَنِي فَرَدَّنِي حَيْثُ كُنْتُ.
(p-٦٢٥)