Lafzullah

Al-Durr Al-Manthur — الإسراء 17:1 – الإسراء 17:59

المؤلف / المصدر: Al-Durr Al-Manthur

المحتويات
  1. الإسراء 17:1
  2. الإسراء 17:2
  3. الإسراء 17:3
  4. الإسراء 17:4
  5. الإسراء 17:5
  6. الإسراء 17:6
  7. الإسراء 17:7
  8. الإسراء 17:8
  9. الإسراء 17:9
  10. الإسراء 17:11
  11. الإسراء 17:12
  12. الإسراء 17:13
  13. الإسراء 17:14
  14. الإسراء 17:15
  15. الإسراء 17:16
  16. الإسراء 17:18
  17. الإسراء 17:19
  18. الإسراء 17:20
  19. الإسراء 17:21
  20. الإسراء 17:22
  21. الإسراء 17:23
  22. الإسراء 17:24
  23. الإسراء 17:25
  24. الإسراء 17:26
  25. الإسراء 17:27
  26. الإسراء 17:28
  27. الإسراء 17:29
  28. الإسراء 17:30
  29. الإسراء 17:31
  30. الإسراء 17:32
  31. الإسراء 17:33
  32. الإسراء 17:34
  33. الإسراء 17:35
  34. الإسراء 17:36
  35. الإسراء 17:37
  36. الإسراء 17:38
  37. الإسراء 17:39
  38. الإسراء 17:40
  39. الإسراء 17:41
  40. الإسراء 17:42
  41. الإسراء 17:44
  42. الإسراء 17:45
  43. الإسراء 17:46
  44. الإسراء 17:47
  45. الإسراء 17:48
  46. الإسراء 17:49
  47. الإسراء 17:50
  48. الإسراء 17:51
  49. الإسراء 17:52
  50. الإسراء 17:53
  51. الإسراء 17:54
  52. الإسراء 17:55
  53. الإسراء 17:56
  54. الإسراء 17:57
  55. الإسراء 17:58
  56. الإسراء 17:59

الإسراء 17:1

(p-١٣٨)سُورَةُ بَنِي إسْرائِيلَ مَكِّيَّةٌ أخْرَجَ النَّحّاسُ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ ”بَنِي إسْرائِيلَ“ بِمَكَّةَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ عَنِ اِبْنِ الزُّبَيْرِ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ ”بَنِي إسْرائِيلَ“ بِمَكَّةَ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ، وابْنُ الضُّرَيْسِ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنِ اِبْنِ مَسْعُودٍ، أنَّهُ قالَ في ”بَنِي إسْرائِيلَ“، و”الكَهْفِ“، و”مَرْيَمَ“: أنَّهُنَّ مِنَ العِتاقِ الأُوَلِ، وهُنَّ مِن تِلادِي. وأخْرَجَ أحْمَدُ، والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ، والنَّسائِيُّ، والحاكِمُ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقْرَأُ كُلَّ لَيْلَةٍ ”بَنِي إسْرائِيلَ“، و”الزَّمْرَ“» . (p-١٣٩)وأخْرَجَ اِبْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنْ أبِي عَمْرٍو الشَّيْبانِيِّ قالَ: صَلّى بِنا عَبْدُ اللَّهِ الفَجْرَ فَقَرَأ السُّورَتَيْنِ، الآخِرَةُ مِنهُما ”بَنُو إسْرائِيلَ“ . قَوْلُهُ تَعالى: ﴿سُبْحانَ الَّذِي أسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلا﴾ . أخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ عَنْ حُذَيْفَةَ، أنَّهُ قَرَأ: ( سُبْحانَ الَّذِي أسْرى بِعَبْدِهِ مِنَ اللَّيْلِ مِنَ المَسْجِدِ الحَرامِ إلى المَسْجِدِ الأقْصى ) . وأخْرَجَ الطَّسْتِيُّ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ، أنَّ نافِعَ بْنَ الأزْرَقِ سَألَهُ عَنْ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿سُبْحانَ الَّذِي أسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلا﴾ . قالَ: ﴿سُبْحانَ﴾ تَنْزِيهُ اللَّهِ تَعالى، الَّذِي أسْرى بِمُحَمَّدٍ ﷺ مِنَ المَسْجِدِ الحَرامِ إلى بَيْتِ المَقْدِسِ، ثُمَّ رَدَّهُ إلى المَسْجِدِ الحَرامَ. قالَ: وهَلْ تَعْرِفُ العَرَبُ ذَلِكَ؟ قالَ: نَعَمْ، أما سَمِعْتَ الأعْشى وهو يَقُولُ: ؎قُلْتُ لَهُ لَمّا عَلا فَخْرُهُ سُبْحانَ مِن عَلْقَمَةَ الفاخِرِ وأخْرَجَ اِبْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، مِن طَرِيقِ ثابِتٍ، عَنْ أنَسٍ، «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: ”أُتِيتُ بِالبُراقِ، وهو دابَّةٌ، أبْيَضُ طَوِيلٌ، فَوْقَ الحِمارِ ودُونَ البَغْلِ، يَضَعُ حافِرَهُ عِنْدَ مُنْتَهى طَرْفِهِ، فَرَكِبْتُهُ حَتّى أتَيْتُ بَيْتَ المَقْدِسِ (p-١٤٠)فَرَبَطْتُهُ بِالحَلْقَةِ الَّتِي يَرْبِطُ بِها الأنْبِياءُ، ثُمَّ دَخَلْتُ المَسْجِدَ فَصَلَّيْتُ فِيهِ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ خَرَجْتُ، فَجاءَنِي جِبْرِيلُ بِإناءٍ مِن خَمْرٍ، وإناءٍ مِن لَبَنٍ، فاخْتَرْتُ اللَّبَنَ، فَقالَ جِبْرِيلُ: اِخْتَرْتَ الفِطْرَةَ. ثُمَّ عَرَجَ بِنا إلى السَّماءِ الدُّنْيا، فاسْتَفْتَحَ جِبْرِيلُ، فَقِيلَ: مَن أنْتَ؟ قالَ: جِبْرِيلُ. قِيلَ: ومَن مَعَكَ؟ قالَ: مُحَمَّدٌ. قِيلَ: وقَدْ بُعِثَ إلَيْهِ؟ قالَ: قَدْ بُعِثَ إلَيْهِ. فَفُتِحَ لَنا فَإذا أنا بِآدَمَ، فَرَحَّبَ بِي ودَعا لِي بِخَيْرٍ. ثُمَّ عُرِجَ بِنا إلى السَّماءِ الثّانِيَةِ، فاسْتَفْتَحَ جِبْرِيلُ، فَقِيلَ: مَن أنْتَ؟ قالَ: جِبْرِيلُ. قِيلَ: ومَن مَعَكَ؟ قالَ: مُحَمَّدٌ. قِيلَ: وقَدْ بُعِثَ إلَيْهِ؟ قالَ: قَدْ بُعِثَ إلَيْهِ. فَفُتِحَ لَنا فَإذا أنا بِابْنَيِ الخالَةِ؛ عِيسى اِبْنِ مَرْيَمَ، ويَحْيى بْنِ زَكَرِيّا، فَرَحَّبا بِي ودَعَوْا لِي بِخَيْرٍ. ثُمَّ عُرِجَ بِنا إلى السَّماءِ الثّالِثَةِ، فاسْتَفْتَحَ جِبْرِيلُ، فَقِيلَ: مَن أنْتَ؟ قالَ: جِبْرِيلُ. قِيلَ: ومَن مَعَكَ؟ قالَ: مُحَمَّدٌ. قِيلَ: وقَدْ بُعِثَ إلَيْهِ؟ قالَ: قَدْ بُعِثَ إلَيْهِ. فَفُتِحَ لَنا فَإذا أنا بِيُوسُفَ، وإذا هو قَدْ أُعْطِيَ شَطْرَ الحُسْنِ، فَرَحَّبَ بِي ودَعا لِي بِخَيْرٍ. ثُمَّ عُرِجَ بِنا إلى السَّماءِ الرّابِعَةِ، فاسْتَفْتَحَ جِبْرِيلُ، فَقِيلَ: مَن هَذا؟ قالَ: جِبْرِيلُ. قِيلَ: ومَن مَعَكَ؟ قالَ: مُحَمَّدٌ. قِيلَ: وقَدْ بُعِثَ إلَيْهِ؟ قالَ: قَدْ بُعِثَ إلَيْهِ. فَفُتِحَ لَنا فَإذا أنا بِإدْرِيسَ، فَرَحَّبَ بِي ودَعا لِي بِخَيْرٍ. ثُمَّ عُرِجَ بِنا إلى السَّماءِ الخامِسَةِ، فاسْتَفْتَحَ جِبْرِيلُ، فَقِيلَ: مَن هَذا؟ قالَ: (p-١٤١)جِبْرِيلُ. قِيلَ: ومَن مَعَكَ؟ قالَ: مُحَمَّدٌ. قِيلَ: وقَدْ بُعِثَ إلَيْهِ؟ قالَ: قَدْ بُعِثَ إلَيْهِ. [٢٤٩ظ] فَفُتِحَ لَنا فَإذا أنا بِهارُونَ، فَرَحَّبَ بِي ودَعا لِي بِخَيْرٍ. ثُمَّ عُرِجَ بِنا إلى السَّماءِ السّادِسَةِ، فاسْتَفْتَحَ جِبْرِيلُ، فَقِيلَ: مَن هَذا؟ قالَ: جِبْرِيلُ. قِيلَ: ومَن مَعَكَ؟ قالَ: مُحَمَّدٌ. قِيلَ: وقَدْ بُعِثَ إلَيْهِ؟ قالَ: قَدْ بُعِثَ إلَيْهِ. فَفُتِحَ لَنا فَإذا أنا بِمُوسى، فَرَحَّبَ بِي ودَعا لِي بِخَيْرٍ. ثُمَّ عُرِجَ بِنا إلى السَّماءِ السّابِعَةِ، فاسْتَفْتَحَ جِبْرِيلُ، فَقِيلَ: مَن هَذا؟ قالَ: جِبْرِيلُ. قِيلَ: ومَن مَعَكَ؟ قالَ: مُحَمَّدٌ. قِيلَ: وقَدْ بُعِثَ إلَيْهِ؟ قالَ: قَدْ بُعِثَ إلَيْهِ. فَفُتِحَ لَنا فَإذا أنا بِإبْراهِيمَ مُسْنِدًا ظَهْرَهُ إلى البَيْتِ المَعْمُورِ، وإذا هو يَدْخُلُهُ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعُونَ ألْفَ مَلِكٍ لا يَعُودُونَ إلَيْهِ، ثُمَّ ذَهَبَ بِي إلى سِدْرَةِ المُنْتَهى، فَإذا ورَقُها فِيها كَآذانِ الفِيَلَةِ، وإذا ثَمَرُها كالقِلالِ، فَلَمّا غَشِيَها مِن أمْرِ اللَّهِ ما غَشِيَ تَغَيَّرَتْ، فَما أحَدٌ مِن خَلْقِ اللَّهِ يَسْتَطِيعُ أنْ يَنْعَتَها مِن حُسْنِها، فَأوْحى إلَيَّ ما أوْحى، وفَرَضَ عَلَيَّ خَمْسِينَ صَلاةً في كُلِّ يَوْمٍ ولَيْلَةٍ، فَنَزَلْتُ حَتّى اِنْتَهَيْتُ إلى مُوسى، فَقالَ: ما فَرَضَ رَبُّكَ عَلى أُمَّتِكَ؟ قُلْتُ: خَمْسِينَ صَلاةً. قالَ: اِرْجِعْ إلى رَبِّكَ فاسْألْهُ التَّخْفِيفَ، فَإنَّ أُمَّتَكَ لا تُطِيقُ ذَلِكَ، فَإنِّي (p-١٤٢)قَدْ بَلَوْتُ بَنِي إسْرائِيلَ وخَبَرْتُهُمْ، فَرَجَعْتُ إلى رَبِّي فَقُلْتُ: يا رَبِّ خَفِّفْ عَنْ أُمَّتِي. فَحَطَّ عَنِّي خَمْسًا، فَرَجَعْتُ إلى مُوسى فَقُلْتُ: حَطَّ عَنِّي خَمْسًا. قالَ: إنْ أُمَّتَكَ لا يُطِيقُونَ ذَلِكَ، فارْجِعْ إلى رَبِّكَ فاسْألْهُ التَّخْفِيفَ. قالَ: فَلَمْ أزَلْ أرْجِعُ بَيْنَ رَبِّي ومُوسى حَتّى قالَ: يا مُحَمَّدُ، إنَّهُنَّ خَمْسُ صَلَواتٍ لِكُلِّ يَوْمٍ ولَيْلَةٍ، بِكُلِّ صَلاةٍ عَشْرٌ، فَتِلْكَ خَمْسُونَ صَلاةً، ومَن هَمَّ بِحَسَنَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْها كُتِبَتْ لَهُ حَسَنَةً، فَإنْ عَمِلَها كُتِبَتْ لَهُ عَشْرًا، ومَن هَمَّ بِسَيِّئَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْها لَمْ تُكْتَبْ شَيْئًا، فَإنْ عَمِلَها كُتِبَتْ سَيِّئَةً واحِدَةً، فَنَزَلْتُ حَتّى اِنْتَهَيْتُ إلى مُوسى فَأخْبَرْتُهُ، فَقالَ: اِرْجِعْ إلى رَبِّكَ فاسْألْهُ التَّخْفِيفَ. فَقُلْتُ: قَدْ رَجَعْتُ إلى رَبِّي حَتّى اِسْتَحْيَيْتُ مِنهُ» . وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، مِن طَرِيقِ شَرِيكِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي نَمِرٍ، عَنْ أنَسٍ قالَ: «لَيْلَةُ أسْرِيَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِن مَسْجِدِ الكَعْبَةِ جاءَهُ ثَلاثَةُ نَفَرٍ قَبْلَ أنْ يُوحى إلَيْهِ وهو نائِمٌ في المَسْجِدِ الحَرامِ، فَقالَ أوَّلُهم: أيَهُمُّ هُوَ؟ فَقالَ أوْسَطُهم: هو خَيْرُهُمْ، فَقالَ أحَدُهم: خُذُوا خَيْرُهُمْ، فَكانَتْ تِلْكَ اللَّيْلَةَ، فَلَمْ يَرَهم حَتّى أتَوْهُ لَيْلَةً أُخْرى، فِيما يَرى قَلْبُهُ، وتَنامُ عَيْناهُ ولا يَنامُ قَلْبُهُ، وكَذَلِكَ الأنْبِياءُ تَنامُ أعْيُنُهم ولا تَنامُ قُلُوبُهُمْ، فَلَمْ يُكَلِّمُوهُ حَتّى اِحْتَمَلُوهُ فَوَضَعُوهُ عِنْدَ بِئْرِ زَمْزَمَ، فَتَوَلّاهُ مِنهم جِبْرِيلُ فَشَقَّ جِبْرِيلُ ما بَيْنَ نَحْرِهِ إلى لَبَتِّهِ (p-١٤٣)حَتّى فَرَغَ مِن صَدْرِهِ وجَوْفِهِ، فَغَسَلَهُ مِن ماءِ زَمْزَمَ بِيَدِهِ حَتّى أنْقى جَوْفَهُ، ثُمَّ أتى بِطَسْتٍ مِن ذَهَبٍ فِيهِ تَوْرٌ مِن ذَهَبٍ مَحْشُوًّا إيمانًا وحِكْمَةً، فَحَشا بِهِ صَدْرَهُ ولَغادِيدَهُ - يَعْنِي عُرُوقَ حَلْقِهِ - ثُمَّ أطْبَقَهُ، ثُمَّ عَرَجَ بِهِ إلى السَّماءِ الدُّنْيا، فَضَرَبَ بابًا مِن أبْوابِها فَقِيلَ: مَن هَذا؟ قالَ: جِبْرِيلُ. قِيلَ: ومَن مَعَكَ؟ قالَ: مُحَمَّدٌ. قِيلَ: وقَدْ بُعِثَ إلَيْهِ؟ قالَ: نَعَمْ. قالُوا: مَرْحَبًا بِهِ وأهْلًا. ووَجَدَ في السَّماءِ الدُّنْيا آدَمَ، فَقالَ لَهُ جِبْرِيلُ: هَذا أبُوكَ آدَمُ فَسَلِّمْ عَلَيْهِ. فَسَلَّمَ عَلَيْهِ ورَدَّ عَلَيْهِ آدَمُ وقالَ: مَرْحَبًا وأهْلًا بِابْنِي، نِعْمَ الِابْنُ أنْتَ. فَإذا هو في السَّماءِ الدُّنْيا بِنَهْرَيْنِ يَطَّرِدانِ فَقالَ:“ما هَذانِ النَّهْرانِ يا جِبْرِيلُ ؟”. قالَ: هَذا النِّيلُ والفُراتُ عُنْصَرُهُما. ثُمَّ مَضى بِهِ في السَّماءِ فَإذا هو بِنَهْرٍ آخَرَ عَلَيْهِ قَصْرٌ مِن لُؤْلُؤٍ وزَبَرْجَدٍ، فَضَرَبَ بِيَدِهِ فَإذا هو مِسْكٌ أذْفَرُ. قالَ:“ما هَذا يا جِبْرِيلُ ؟”. قالَ: هَذا الكَوْثَرُ الَّذِي خَبَّأ لَكَ رَبُّكَ. ثُمَّ عَرَجَ بِهِ إلى السَّماءِ الثّانِيَةِ فَقالَتِ المَلائِكَةُ لَهُ مِثْلَ ما قالَتْ لَهُ الأُولى: مَن هَذا؟ قالَ: جِبْرِيلُ. قالُوا: ومَن مَعَكَ؟ قالَ: مُحَمَّدٌ. قالُوا: وقَدْ بُعِثَ إلَيْهِ؟ قالَ: نَعَمْ، قالُوا: مَرْحَبًا بِهِ وأهْلًا. (p-١٤٤)ثُمَّ عَرَجَ بِهِ إلى السَّماءِ الثّالِثَةِ فَقالُوا لَهُ مِثْلَ ما قالَتِ الأوْلى والثّانِيَةُ، ثُمَّ عَرَجَ بِهِ إلى السَّماءِ الرّابِعَةِ فَقالُوا لَهُ مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ عَرَجَ بِهِ إلى الخامِسَةِ فَقالُوا لَهُ مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ عَرَجَ بِهِ إلى السّادِسَةِ فَقالُوا لَهُ مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ عَرَجَ بِهِ إلى السّابِعَةِ فَقالُوا لَهُ مِثْلَ ذَلِكَ، كُلُّ سَماءٍ فِيها أنْبِياءُ قَدْ سَمّاهُمْ؛ مِنهم إدْرِيسُ في الثّانِيَةِ، وهارُونُ في الرّابِعَةِ، وآخَرُ في الخامِسَةِ ولَمْ أحْفَظِ اِسْمَهُ، وإبْراهِيمُ في السّادِسَةِ، ومُوسى في السّابِعَةِ بِتَفْضِيلِ كَلامِ اللَّهِ، فَقالَ مُوسى: رَبِّ لَمْ أظُنَّ أنْ تَرْفَعَ عَلَيَّ أحَدًا. ثُمَّ عَلا بِهِ فَوْقَ ذَلِكَ بِما لا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ، حَتّى جاءَ سِدْرَةَ المُنْتَهى، ودَنا الجَبّارُ رَبُّ العِزَّةِ فَتَدَلّى حَتّى كانَ مِنهُ قابَ قَوْسَيْنِ أوْ أدْنى، فَأوْحى اللَّهُ فِيما يُوحِي إلَيْهِ خَمْسِينَ صَلاةً عَلى أُمَّتِكَ كُلَّ يَوْمٍ ولَيْلَةٍ، ثُمَّ هَبَطَ حَتّى بَلَغَ مُوسى فاحْتَبَسَهُ مُوسى فَقالَ: يا مُحَمَّدُ، ماذا عَهِدَ إلَيْكَ رَبُّكَ؟ قالَ:“عَهِدَ إلَيَّ خَمْسِينَ صَلاةً كُلَّ يَوْمٍ ولَيْلَةٍ”. قالَ: إنْ أُمَّتَكَ لا تَسْتَطِيعُ ذَلِكَ، اِرْجِعْ فَلْيُخَفِّفْ عَنْكَ رَبُّكَ وعَنْهم. فالتَفَتَ النَّبِيُّ ﷺ إلى جِبْرِيلَ كَأنَّهُ يَسْتَشِيرُهُ، فَأشارَ إلَيْهِ جِبْرِيلُ، أنْ نَعَمْ إنْ شِئْتَ. فَعَلا بِهِ إلى الجَبّارِ تَبارَكَ وتَعالى، فَقالَ وهو مَكانَهُ: (p-١٤٥)“يا رَبِّ، خَفِّفْ عَنّا؛ فَإنَّ أُمَّتِي لا تَسْتَطِيعُ هَذا”. فَوَضَعَ عَنْهُ عَشْرَ صَلَواتٍ. ثُمَّ رَجَعَ إلى مُوسى فاحْتَبَسَهُ، فَلَمْ يَزَلْ يُرَدِّدُهُ مُوسى إلى رَبِّهِ حَتّى صارَتْ إلى خَمْسِ صَلَواتٍ، ثُمَّ اِحْتَبَسَهُ مُوسى عِنْدَ الخَمْسِ فَقالَ: يا مُحَمَّدُ، واللَّهِ لَقَدْ راوَدْتُ بَنِي إسْرائِيلَ عَلى أدْنى مِن هَذا فَضَعُفُوا وتَرَكُوهُ، فَأمَتُّكَ أضْعَفُ أجْسادًا وقُلُوبًا وأبْدانًا وأبْصارًا وأسْماعًا فارْجِعْ فَلْيُخَفِّفْ عَنْكَ رَبُّكَ. كُلَّ ذَلِكَ يَلْتَفِتُ النَّبِيُّ ﷺ إلى جِبْرِيلَ لِيُشِيرَ عَلَيْهِ ولا يَكْرَهَ ذَلِكَ جِبْرِيلُ، فَرَفَعَهُ عِنْدَ الخامِسَةِ فَقالَ:“يا رَبِّ، إنَّ أُمَّتِي ضُعَفاءُ أجْسادُهم وقُلُوبُهم وأسْماعُهم وأبْدانُهُمْ، فَخَفِّفْ عَنّا”. فَقالَ الجَبّارُ: يا مُحَمَّدُ. قالَ:“لَبَّيْكَ وسَعْدَيْكَ”. قالَ: إنَّهُ لا يُبَدَّلُ القَوْلُ لَدَيَّ؛ كَما فَرَضْتُ عَلَيْكَ في أُمِّ الكِتابِ، وكُلُّ حَسَنَةٍ بِعَشْرِ أمْثالِها، فَهي خَمْسُونَ في أُمِّ الكِتابِ وهي خُمْسٌ عَلَيْكَ. فَرَجَعَ إلى مُوسى فَقالَ: كَيْفَ فَعَلْتَ؟ فَقالَ:“خَفَّفَ عَنّا؛ أعْطانا بِكُلِّ حَسَنَةٍ عَشْرَ أمْثالِها”. فَقالَ مُوسى: قَدْ واللَّهِ راوَدْتُ بَنِي إسْرائِيلَ عَلى أدْنى مِن ذَلِكَ فَتَرَكُوهُ، اِرْجِعْ إلى رَبِّكَ فَلْيُخَفِّفْ عَنْكَ. فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:“يا مُوسى، قَدْ واللَّهِ اِسْتَحْيَيْتُ مِن رَبِّي مِمّا اِخْتَلَفْتُ إلَيْهِ”. قالَ: فاهْبِطْ بِاسْمِ اللَّهِ. واسْتَيْقَظَ وهو في المَسْجِدِ الحَرامِ» . (p-١٤٦)وأخْرَجَ النَّسائِيُّ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، مِن طَرِيقِ يَزِيدَ بْنِ أبِي مالِكٍ، عَنْ أنَسٍ، أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «“أُتِيتُ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي بِدابَّةٍ فَوْقَ الحِمارِ ودُونَ البَغْلِ، خَطْوُها عِنْدَ مُنْتَهى طَرْفِها، كانَتْ تُسَخَّرُ لِلْأنْبِياءِ قَبْلِي، فَرَكِبْتُهُ ومَعِي جِبْرِيلُ فَسِرْتُ، فَقالَ: اِنْزِلْ فَصَلِّ. فَفَعَلْتُ، فَقالَ: أتَدْرِي أيْنَ صَلَّيْتَ؟ صَلَّيْتَ بِطَيْبَةَ وإلَيْها المُهاجَرُ إنْ شاءَ اللَّهُ. ثُمَّ قالَ: اِنْزِلْ فَصَلِّ. فَفَعَلْتُ، فَقالَ: أتَدْرِي أيْنَ صَلَّيْتَ؟ صَلَّيْتَ بِطُورِ سَيْناءَ حَيْثُ كَلَّمَ اللَّهُ مُوسى. ثُمَّ قالَ: اِنْزِلْ فَصَلِّ، فَصَلَّيْتُ، فَقالَ أتَدْرِي أيْنَ صَلَّيْتَ؟ صَلَّيْتَ بِبَيْتِ لَحْمٍ حَيْثُ وُلِدَ عِيسى. ثُمَّ دَخَلْتُ بَيْتَ المَقْدِسِ فَجُمِعَ لِيَ الأنْبِياءُ عَلَيْهِمُ السَّلامُ، فَقَدَّمَنِي جِبْرِيلُ فَصَلَّيْتُ بِهِمْ. ثُمَّ صَعِدَ بِي إلى السَّماءِ الدُّنْيا، فَإذا فِيها آدَمُ فَقالَ لِي: سَلِّمْ عَلَيْهِ. فَقالَ: مَرْحَبًا بِابْنِي والنَّبِيِّ الصّالِحِ. ثُمَّ صَعِدَ بِي إلى السَّماءِ الثّانِيَةِ، فَإذا فِيها اِبْنا الخالَةِ عِيسى ويَحْيى، ثُمَّ صَعِدَ بِي إلى السَّماءِ الثّالِثَةِ، فَإذا فِيها يُوسُفُ، ثُمَّ صَعِدَ بِي إلى السَّماءِ الرّابِعَةِ، فَإذا فِيها هارُونُ، ثُمَّ صَعِدَ بِي إلى السَّماءِ الخامِسَةِ، فَإذا فِيها إدْرِيسُ، ثُمَّ صَعِدَ بِي إلى السَّماءِ السّادِسَةِ، فَإذا فِيها مُوسى ثُمَّ صَعِدَ بِي إلى السَّماءِ السّابِعَةِ، فَإذا فِيها إبْراهِيمُ، ثُمَّ صَعِدَ بِي فَوْقَ سَبْعِ سَماواتٍ، وأتَيْتُ سِدْرَةَ المُنْتَهى فَغَشِيَتْنِي (p-١٤٧)ضَبابَةٌ فَخَرَرْتُ ساجِدًا، فَقِيلَ لِي: إنِّي يَوْمَ خَلَقْتُ السَّماواتِ والأرْضَ فَرَضْتُ عَلَيْكَ وعَلى أُمَّتِكَ خَمْسِينَ صَلاةً، فَقُمْ بِها أنْتَ وأُمَّتُكَ. فَمَرَرْتُ عَلى إبْراهِيمَ فَلَمْ يَسْألْنِي شَيْئًا، ثُمَّ مَرَرْتُ عَلى مُوسى فَقالَ لِي: كَمْ فَرَضَ عَلَيْكَ وعَلى أُمَّتِكَ؟ قُلْتُ: خَمْسِينَ صَلاةً. قالَ: إنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ أنْ تَقُومَ بِها أنْتَ ولا أُمَّتُكَ، فاسْألْ رَبَّكَ التَّخْفِيفَ. فَرَجَعْتُ فَأتَيْتُ سِدْرَةَ المُنْتَهى فَخَرَرْتُ ساجِدًا فَقُلْتُ: يا رَبِّ، فَرَضْتَ عَلَيَّ وعَلى أُمَّتِي خَمْسِينَ صَلاةً، فَلَنْ أسْتَطِيعَ أنْ أقُومَ بِها أنا ولا أُمَّتِي. فَخَفِّفْ عَنِّي عَشْرًا، فَمَرَرْتُ عَلى مُوسى فَسَألَنِي فَقُلْتُ: خَفَّفَ عَنِّي عَشْرًا، قالَ: اِرْجِعْ إلى رَبِّكَ فاسْألْهُ التَّخْفِيفَ. فَخَفَّفَ عَنِّي عَشْرًا ثُمَّ عَشْرًا، حَتّى قالَ: هُنَّ خَمْسٌ بِخَمْسِينَ، فَقُمْ بِها أنْتَ وأُمَّتُكَ. فَعَلِمْتُ أنَّها مِنَ اللَّهِ صِرّى، فَمَرَرْتُ عَلى مُوسى فَقالَ لِي: كَمْ فَرَضَ عَلَيْكَ؟ فَقُلْتُ: خَمْسَ صَلَواتٍ. فَقالَ: فُرِضَ عَلى بَنِي إسْرائِيلَ صَلاتانِ فَما قامُوا بِهِما، فَقُلْتُ: إنَّها مِنَ اللَّهِ. فَلَمْ أرْجِعْ» . وأخْرَجَ اِبْنُ أبِي حاتِمٍ، مِن وجْهٍ آخَرَ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أبِي مالِكٍ، عَنْ أنَسٍ قالَ: «لَمّا كانَ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ أتاهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِدابَّةٍ فَوْقَ الحِمارِ ودُونَ البَغْلِ، حَمَلَهُ جِبْرِيلُ عَلَيْها، يَنْتَهِي خُفُّها حَيْثُ يَنْتَهِي طَرْفُها. (p-١٤٨)فَلَمّا بَلَغَ بَيْتَ المَقْدِسِ أتى إلى الحَجَرِ الَّذِي ثَمَّةَ، فَغَمَزَهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِأُصْبُعِهِ فَثَقَبَهُ، ثُمَّ رَبَطَها ثُمَّ صَعِدَ، فَلَمّا اِسْتَوَيا في صَرْحَةِ المَسْجِدِ قالَ جِبْرِيلُ: يا مُحَمَّدُ، هَلْ سَألْتَ رَبَّكَ أنْ يُرِيَكَ الحُورَ العِينَ؟ قالَ: ”نَعَمْ“ . قالَ: فانْطَلِقْ إلى أُولَئِكَ النِّسْوَةِ، فَسَلِّمْ عَلَيْهِنَّ، وهُنَّ جُلُوسٌ عَنْ يَسارِ الصَّخْرَةِ، ”فَأتَيْتُهُنَّ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِنَّ فَرَدَدْنَ عَلَيَّ السَّلامَ، فَقُلْتُ: مَن أنْتُنَّ؟ فَقُلْنَ: خَيْراتٌ حِسانٌ نِساءُ قَوْمٍ أبْرارٍ؛ نَقُوا فَلَمْ يَدْرَنُوا، وأقامُوا فَلَمَّ يَظْعَنُوا، وخَلَدُوا فَلَمْ يَمُوتُوا. ثُمَّ اِنْصَرَفْتُ فَلَمْ ألْبَثْ إلّا يَسِيرًا حَتّى اِجْتَمَعَ ناسٌ كَثِيرٌ، ثُمَّ أذَّنَ مُؤَذِّنٌ وأُقِيمَتِ الصَّلاةُ، فَقُمْنا صُفُوفًا نَنْتَظِرُ مَن يَؤُمُّنا، فَأخَذَ بِيَدِي جِبْرِيلُ فَقَدَّمَنِي فَصَلَّيْتُ بِهِمْ، فَلَمّا اِنْصَرَفْتُ قالَ جِبْرِيلُ: يا مُحَمَّدُ أتُدْرِي مَن صَلّى خَلْفَكَ؟ قُلْتُ: لا. قالَ: صَلّى خَلْفَكَ كُلُّ نَبِيٍّ بَعَثَهُ اللَّهُ. ثُمَّ أخَذَ بِيَدِي فَصَعِدَ بِي إلى السَّماءِ، فَلَمّا اِنْتَهَيْنا إلى البابِ اِسْتَفْتَحَ، قالُوا: مَن أنْتَ؟ قالَ: جِبْرِيلُ. قالُوا: ومَن مَعَكَ؟ قالَ: مُحَمَّدٌ. قالُوا: وقَدْ بُعِثَ إلَيْهِ؟ قالَ: نَعَمْ. فَفَتَحُوا لَهُ وقالُوا: مَرْحَبًا بِكَ وبِمَن مَعَكَ. فَلَمّا اِسْتَوى عَلى ظَهْرِها إذا فِيها آدَمُ. فَقالَ لِي جِبْرِيلُ: ألا تُسَلِّمْ عَلى أبِيكَ آدَمَ؟ قُلْتُ: بَلى. فَأتَيْتُهُ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَرَدَّ عَلَيَّ وقالَ: مَرْحَبًا بِابْنِي والنَّبِيِّ الصّالِحِ. ثُمَّ عَرَجَ بِي إلى السَّماءِ الثّانِيَةِ فاسْتَفْتَحَ، فَقالُوا مِثْلَ ذَلِكَ، فَإذا فِيها عِيسى (p-١٤٩)ويَحْيى. ثُمَّ عَرَجَ بِي إلى السَّماءِ الثّالِثَةِ فاسْتَفْتَحَ، فَقالُوا مِثْلَ ذَلِكَ، فَإذا فِيها يُوسُفُ. ثُمَّ عَرَجَ بِي إلى السَّماءِ الرّابِعَةِ فاسْتَفْتَحَ، قالُوا مِثْلَ ذَلِكَ، فَإذا فِيها إدْرِيسُ. ثُمَّ عَرَجَ بِي إلى السَّماءِ الخامِسَةِ فاسْتَفْتَحَ، فَقالُوا مِثْلَ ذَلِكَ، فَإذا فِيها هارُونُ. ثُمَّ عَرَجَ بِي إلى السَّماءِ السّادِسَةِ فاسْتَفْتَحَ، فَقالُوا مِثْلَ ذَلِكَ، فَإذا فِيها مُوسى. ثُمَّ عَرَجَ بِي إلى السَّماءِ السّابِعَةِ فاسْتَفْتَحَ، فَقالُوا مِثْلَ ذَلِكَ، فَإذا فِيها إبْراهِيمُ. ثُمَّ اِنْطَلَقَ بِي عَلى ظَهْرِ السَّماءِ السّابِعَةِ حَتّى اِنْتَهى بِي إلى نَهْرٍ عَلَيْهِ خِيامُ الياقُوتِ واللُّؤْلُؤِ والزَّبَرْجَدِ، وعَلَيْهِ طَيْرٌ خُضْرٌ؛ أنْعَمُ طَيْرٍ رَأيْتُ. فَقُلْتُ: يا جِبْرِيلُ إنَّ هَذا الطَّيْرَ لَناعِمٌ. فَقالَ: يا مُحَمَّدُ، آكِلُهُ أنْعَمُ مِنهُ. ثُمَّ قالَ: أتُدْرِي أيُّ نَهْرٍ هَذا؟ قُلْتُ: لا. قالَ: الكَوْثَرُ الَّذِي أعْطاكَ اللَّهُ إيّاهُ، فَإذا فِيهِ آنِيَةُ الذَّهَبِ والفِضَّةِ، يَجْرِي عَلى رَضْراضٍ مِنَ الياقُوتِ والزُّمُرُّدِ، ماؤُهُ أشَدُّ بَياضًا مِنَ اللَّبَنِ، فَأخَذْتُ مِن آنِيَتِهِ فاغْتَرَفْتُ مِن ذَلِكَ الماءِ فَشَرِبْتُ، فَإذا هو أحْلى مِنَ العَسَلِ، وأشَدُّ رائِحَةً مِنَ المِسْكِ. ثُمَّ اِنْطَلَقَ بِي حَتّى اِنْتَهى إلى الشَّجَرَةِ، فَغَشِيَتْنِي سَحابَةٌ فِيها مِن كُلِّ لَوْنٍ، فَرَفَضَنِي جِبْرِيلُ، وخَرَرْتُ ساجِدًا لِلَّهِ. (p-١٥٠)فَقالَ اللَّهُ لِي: يا مُحَمَّدُ، إنِّي يَوْمَ خَلَقْتُ السَّماواتِ والأرْضَ فَرَضْتُ عَلَيْكَ وعَلى أُمَّتِكَ خَمْسِينَ صَلاةً، فَقُمْ بِها أنْتَ وأُمَّتُكَ. ثُمَّ اِنْجَلَتْ عَنِّي السَّحابَةُ، وأخَذَ بِيَدِي جِبْرِيلُ فانْصَرَفْتُ سَرِيعًا، فَأتَيْتُ عَلى إبْراهِيمَ فَلَمْ يَقُلْ لِي شَيْئًا، ثُمَّ أتَيْتُ عَلى مُوسى فَقالَ: ما صَنَعْتَ يا مُحَمَّدُ؟ قُلْتُ: فَرَضَ عَلَيَّ رَبِّي وعَلى أُمَّتِي خَمْسِينَ صَلاةً. قالَ: فَلَنْ تَسْتَطِيعَها أنْتَ ولا أُمَّتُكَ. فارْجِعْ إلى رَبِّكَ فاسْألْهُ أنْ يُخَفِّفَ عَنْكَ. فَرَجَعْتُ سَرِيعًا حَتّى اِنْتَهَيْتُ إلى الشَّجَرَةِ، فَغَشِيَتْنِي السَّحابَةُ، وخَرَرْتُ ساجِدًا، وقُلْتُ: رَبِّ، خَفِّفْ عَنّا. قالَ: قَدْ وضَعْتُ عَنْكم عَشْرًا. ثُمَّ اِنْجَلَتْ عَنِّي السَّحابَةُ، فَرَجَعْتُ إلى مُوسى فَقُلْتُ: وضَعَ عَنِّي عَشْرًا. قالَ: اِرْجِعْ إلى رَبِّكَ فاسْألْهُ أنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ“ . فَوَضَعَ عَشْرًا إلى أنْ قالَ: هُنَّ خَمْسٌ بِخَمْسِينَ. ثُمَّ اِنْحَدَرَ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِجِبْرِيلَ: ”ما لِي لَمْ آتِ عَلى أهْلِ سَماءٍ إلّا رَحَّبُوا بِي وضَحِكُوا إلَيَّ، غَيْرَ رَجُلٍ واحِدٍ سَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَرَدَّ عَلَيَّ السَّلامَ، ورَحَّبَ بِي ولَمْ يَضْحَكْ إلَيَّ؟! قالَ: ذاكَ مالِكٌ خازِنُ جَهَنَّمَ، لَمْ يَضْحَكْ مُنْذُ خُلِقَ ولَوْ [٢٥٠و] ضَحِكَ إلى أحَدٍ ضَحِكَ إلَيْكَ“ . قالَ: ”ثُمَّ رَكِبْتُ مُنْصَرِفًا“ . فَبَيْنا هو في بَعْضِ طَرِيقِهِ مَرَّ بِعِيرٍ لِقُرَيْشٍ تَحْمِلُ طَعامًا، مِنها جَمَلٌ عَلَيْهِ غِرارَتانِ، غِرارَةٌ سَوْداءُ، وغَرّارَةٌ بَيْضاءُ، فَلَمّا حاذى العِيرَ نَفَرَتْ مِنهُ واسْتَدارَتْ، وصُرِعَ ذَلِكَ البَعِيرُ وانْكَسَرَ، ثُمَّ إنَّهُ مَضى فَأصْبَحَ فَأخْبَرَ عَمّا كانَ، فَلَمّا سَمِعَ المُشْرِكُونَ قَوْلَهُ أتَوْا أبا بَكْرٍ فَقالُوا: يا أبا بَكْرٍ، هَلْ لَكَ في (p-١٥١)صاحِبِكَ؟ يُخْبِرُ أنَّهُ أتى في لَيْلَتِهِ هَذِهِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ ثُمَّ رَجَعَ في لَيْلَتِهِ! فَقالَ أبُو بَكْرٍ: إنْ كانَ قالَهُ فَقَدْ صَدَقَ وإنّا لَنُصَدِّقُهُ فِيما هو أبْعَدُ مِن هَذا؛ نُصَدِّقُهُ عَلى خَبَرِ السَّماءِ. فَقالَ المُشْرِكُونَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: ما عَلامَةُ ما تَقُولُ؟ قالَ: ”مَرَرْتُ بِعِيرٍ لِقُرَيْشٍ وهي في مَكانِ كَذا وكَذا، فَنَفَرَتِ الإبِلُ مِنّا واسْتَدارَتْ، وفِيها بَعِيرٌ عَلَيْهِ غِرارَتانِ: غِرارَةٌ سَوْداءُ، وغَرّارَةٌ بَيْضاءُ، فَصُرِعَ فانْكَسَرَ“ . فَلَمّا قَدِمَتِ العِيرُ سَألُوهم فَأخْبَرُوهُمُ الخَبَرَ عَلى مِثْلِ ما حَدَّثَهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، ومِن ذَلِكَ سُمِّيَ أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقَ، وسَألُوهُ: هَلْ كانَ فِيمَن حَضَرَ مَعَكَ مُوسى وعِيسى؟ قالَ: ”نَعَمْ“ . قالُوا: فَصِفْهُما. قالَ: ”أمّا مُوسى، فَرَجُلٌ آدَمُ كَأنَّهُ مِن رِجالِ أزْدِ عُمانَ وأمّا عِيسى، فَرَجُلٌ رَبْعَةٌ سَبِطٌ، تَعْلُوهُ حُمْرَةٌ كَأنَّهُ يَتَحادَرُ مِن لِحْيَتِهِ الجُمانُ“» . وأخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، والبَيْهَقِيُّ في ”الدَّلائِلِ“، مِن طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هاشِمِ بْنِ عُتْبَةَ، عَنْ أنَسٍ قالَ: «لَمّا جاءَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ (p-١٥٢)بِالبُراقِ، فَكَأنَّها صَرَّتْ أُذُنَيْها، فَقالَ جِبْرِيلُ: يا بُراقُ، فَواللَّهِ ما رَكِبَكَ مِثْلُهُ. وسارَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَإذا هو بِعَجُوزٍ عَلى جانِبِ الطَّرِيقِ، فَقالَ: ”ما هَذِهِ يا جِبْرِيلُ ؟“ قالَ: سِرْ يا مُحَمَّدُ. فَسارَ ما شاءَ اللَّهُ أنَّ يَسِيرَ، فَإذا شَيْءٌ يَدْعُوهُ مُتَنَحِّيًا عَنِ الطَّرِيقِ يَقُولُ: هَلُمَّ يا مُحَمَّدُ. فَقالَ لَهُ جِبْرِيلُ: سِرْ يا مُحَمَّدُ. فَسارَ ما شاءَ اللَّهُ أنَّ يَسِيرَ، فَلَقِيَهُ خَلْقٌ مِن خَلْقِ اللَّهِ فَقالُوا: السَّلامُ عَلَيْكَ يا أوَّلُ، السَّلامُ عَلَيْكَ يا آخِرُ، السَّلامُ عَلَيْكَ يا حاشِرُ. فَقالَ لَهُ جِبْرِيلُ: اُرْدُدِ السَّلامَ. فَرَدَّ السَّلامَ، ثُمَّ لَقِيَهُ الثّانِيَةَ فَقالَ لَهُ مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ الثّالِثَةَ كَذَلِكَ حَتّى اِنْتَهى إلى بَيْتِ المَقْدِسِ، فَعَرَضَ عَلَيْهِ الماءَ والخَمْرَ واللَّبَنَ، فَتَناوَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ اللَّبَنَ. فَقالَ لَهُ جِبْرِيلُ: أصَبْتَ الفِطْرَةَ، ولَوْ شَرِبْتَ الماءَ لَغَرِقَتْ أُمَّتُكَ، ولَوْ شَرِبْتَ الخَمْرَ لَغَوَتْ أُمَّتُكَ. ثُمَّ بُعِثَ لَهُ آدَمُ فَمَن دُونَهُ مِنَ الأنْبِياءِ، فَأمَّهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ تِلْكَ اللَّيْلَةَ، ثُمَّ قالَ لَهُ جِبْرِيلُ: أمّا العَجُوزُ الَّتِي رَأيْتَ عَلى جانِبِ الطَّرِيقِ، فَلَمْ يَبْقَ مِنَ الدُّنْيا إلّا ما بَقِيَ مِن عُمْرِ تِلْكَ العَجُوزِ، وأمّا الَّذِي أرادَ أنْ تَمِيلَ إلَيْهِ، فَذاكَ عَدُوُّ اللَّهِ إبْلِيسُ، أرادَ أنْ تَمِيلَ إلَيْهِ، وأمّا الَّذِينَ سَلَّمُوا عَلَيْكَ فَإبْراهِيمُ ومُوسى وعِيسى» . (p-١٥٣)وأخْرَجَ اِبْنُ مَرْدُويَهْ، مِن طَرِيقِ كَثِيرِ بْنِ خُنَيْسٍ، عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «”بَيْنَما أنا مُضْطَجِعٌ في المَسْجِدِ لَيْلَةً نائِمًا، إذْ رَأيْتُ ثَلاثَةَ نَفَرٍ أقْبَلُوا نَحْوِي، فَقالَ الأوَّلُ: هو هو. قالَ الأوْسَطُ: نَعَمْ. قالَ الآخَرُ: خُذُوا سَيِّدَ القَوْمِ. فَرَجَعُوا عَنِّي، ثُمَّ رَأيْتُهُمُ اللَّيْلَةَ الثّانِيَةَ، فَقالَ الأوَّلُ: هو هو. فَقالَ الأوْسَطُ: نَعَمْ، وقالَ الآخَرُ: خُذُوا سَيِّدَ القَوْمِ. فَرَجَعُوا عَنِّي حَتّى إذا كانَتِ اللَّيْلَةُ الثّالِثَةُ رَأيْتُهُمْ، فَقالَ الأوَّلُ: هو هو. وقالَ الآخَرُ: خُذُوا سَيِّدَ القَوْمِ. حَتّى جاؤُوا بِي زَمْزَمَ فاسْتَلْقُونِي عَلى ظَهْرِي، ثُمَّ غَسَلُوا حُشْوَةَ بَطْنِي، ثُمَّ قالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: أنْقُوا. ثُمَّ أتى بِطَسْتٍ مِن ذَهَبٍ مَمْلُوءَةٍ حِكْمَةً وإيمانًا، فَأفْرَغَ في جَوْفِي. ثُمَّ عَرَجَ بِي إلى السَّماءِ فاسْتَفْتَحَ فَقالُوا: مَن هَذا؟ قالَ: جِبْرِيلُ. قالُوا: ومَن مَعَكَ؟ قالَ: مُحَمَّدٌ. قالُوا: وقَدْ أُرْسِلَ إلَيْهِ. قالَ: نَعَمْ. فَفُتِحَ، فَإذا آدَمُ إذا نَظَرَ عَنْ يَمِينِهِ ضَحِكَ، وإذا نَظَرَ عَنْ يَسارِهِ بَكى. قُلْتُ: يا جِبْرِيلُ، مَن هَذا؟! قالَ: هَذا أبُوكَ آدَمُ، إذا نَظَرَ عَنْ يَمِينِهِ رَأى مَن في الجَنَّةِ مِن ذُرِّيَّتِهِ ضَحِكَ، وإذا نَظَرَ عَنْ يَسارِهِ رَأى مَن في النّارِ مِن ذُرِّيَّتِهِ بَكى“ . ثُمَّ قالَ أنَسُ بْنُ مالِكٍ: يا بْنَ أخِي إنَّهُ يَطُولُ عَلَيَّ الحَدِيثُ. ثُمَّ عُرِجَ بِهِ (p-١٥٤)حَتّى جاءَ السَّماءَ السّادِسَةَ فاسْتَفْتَحَ، فَقالَ: مَن هَذا؟ قالَ: جِبْرِيلُ، قالَ: ومَن مَعَكَ؟ قالَ: مُحَمَّدٌ. قالَ: وقَدْ أُرْسِلَ إلَيْهِ؟ قالَ: نَعَمْ. فَفُتِحَ فَإذا مُوسى. ثُمَّ عُرِجَ بِهِ إلى السَّماءِ السّابِعَةِ فاسْتَفْتَحَ، قِيلَ: مَن هَذا؟ قالَ: جِبْرِيلُ. قِيلَ: ومَن مَعَكَ؟ قالَ: مُحَمَّدٌ. قالَ: وقَدْ أُرْسِلَ إلَيْهِ؟ قالَ: نَعَمْ. فَفُتِحَ فَإذا إبْراهِيمُ، فَقالَ مَرْحَبًا بِالِابْنِ والرَّسُولِ. ثُمَّ مَضى حَتّى جاءَ الجَنَّةَ فاسْتَفْتَحَ فَقِيلَ: مَن هَذا؟ قالَ: جِبْرِيلُ. قالَ: ومَن مَعَكَ؟ قالَ: مُحَمَّدٌ. قالَ: وقَدْ أُرْسِلَ إلَيْهِ؟ قالَ: نَعَمْ. فَفُتِحَ. قالَ: ”فَدَخَلْتُ الجَنَّةَ فَأُعْطِيتُ الكَوْثَرَ، فَإذا نَهْرٌ في الجَنَّةِ عِضادَتاهُ بُيُوتٌ مُجَوَّفَةٌ مِن لُؤْلُؤٍ، ثُمَّ مَضى حَتّى جاءَ سِدْرَةَ المُنْتَهى ﴿فَتَدَلّى﴾ [النجم: ٨] ﴿فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أوْ أدْنى﴾ [النجم: ٩] ﴿فَأوْحى إلى عَبْدِهِ ما أوْحى﴾ [النجم: ١٠] [النَّجْمِ: ٨-١٠] . فَفَرَضَ عَلَيَّ وعَلى أُمَّتِي خَمْسِينَ صَلاةً، فَرَجَعْتُ حَتّى أمُرَّ بِمُوسى، فَقالَ: كَمْ فَرَضَ عَلَيْكَ وعَلى أُمَّتِكَ؟ قُلْتُ: خَمْسِينَ صَلاةً. قالَ: فارْجِعْ إلى رَبِّكَ فاسْألْهُ يُخَفِّفْ عَنْكَ وعَنْ أُمَّتِكَ. فَرَجَعْتُ إلَيْهِ فَوَضَعَ عَنِّي عَشْرًا، فَمَرَرْتُ عَلى مُوسى فَقالَ: كَمْ فَرَضَ عَلَيْكَ وعَلى أُمَّتِكَ؟ قُلْتُ: أرْبَعِينَ صَلاةً. قالَ: فارْجِعْ إلى رَبِّكَ فاسْألْهُ يُخَفِّفْ عَنْكَ وعَنْ أُمَّتِكَ. فَرَجَعْتُ إلَيْهِ فَوَضَعَ عَنِّي عَشْرًا، فَمَرَرْتُ عَلى مُوسى، فَقالَ: كَمْ فَرَضَ عَلَيْكَ وعَلى أُمَّتِكَ؟ قُلْتُ: ثَلاثِينَ صَلاةً. قالَ: فارْجِعْ إلى رَبِّكَ فاسْألْهُ يُخَفِّفْ عَنْكَ وعَنْ أُمَّتِكَ. فَرَجَعْتُ إلَيْهِ فَوَضَعَ عَنِّي عَشْرًا، ثُمَّ رَجَعْتُ إلى مُوسى، فَقالَ: كَمْ فَرَضَ عَلَيْكَ (p-١٥٥)وعَلى أُمَّتِكَ؟ قُلْتُ: عِشْرِينَ صَلاةً، قالَ: فارْجِعْ إلى رَبِّكَ فاسْألْهُ يُخَفِّفْ عَنْكَ وعَنْ أُمَّتِكَ. فَرَجَعْتُ فَوَضَعَ عَنِّي عَشْرًا، ثُمَّ مَرَرْتُ عَلى مُوسى، فَقالَ: كَمْ فَرَضَ عَلَيْكَ وعَلى أُمَّتِكَ؟ قُلْتُ: عَشْرَ صَلَواتٍ. قالَ: فارْجِعْ إلى رَبِّكَ فاسْألْهُ يُخَفِّفْ عَنْكَ وعَنْ أُمَّتِكَ. فَرَجَعْتُ فَوَضَعَ عَنِّي خَمْسًا. ثُمَّ قالَ: إنَّهُ لا يُبَدَّلُ قَوْلِي ولا يُنْسَخُ كِتابِي، تَخْفِيفُها عَنْكم كَتَخْفِيفِ خَمْسِ صَلَواتٍ، وإنَّها لَكم كَأجْرِ خَمْسِينَ صَلاةً. فَمَرَرْتُ عَلى مُوسى فَقالَ: كَمْ فَرَضَ عَلَيْكَ وعَلى أُمَّتِكَ؟ قُلْتُ: خَمْسَ صَلَواتٍ. قالَ: ارْجِعْ إلى رَبِّكَ فاسْألْهُ يُخَفِّفْ عَنْكَ وعَنْ أُمَّتِكَ؛ فَإنَّ بَنِي إسْرائِيلَ قَدْ أُمِرُوا بِأيْسَرَ مِن هَذا فَلَمْ يُطِيقُوهُ“ . قالَ: ”لَقَدْ رَجَعْتُ إلى رَبِّي حَتّى إنِّي لِأسْتَحِي مِنهُ“» . وأخْرَجَ البَزّارُ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، والبَيْهَقِيُّ في ”الدَّلائِلِ“ وصَحَّحَهُ، عَنْ شَدّادِ بْنِ أوْسٍ قالَ: «قُلْنا يا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ أُسْرِيَ بِكَ؟ فَقالَ: ”صَلَّيْتُ لِأصْحابِي العَتَمَةَ بِمَكَّةَ مُعْتِمًا، فَأتانِي جِبْرِيلُ بِدابَّةٍ بَيْضاءَ فَوْقَ الحِمارِ ودُونَ البَغْلِ، فَقالَ: اِرْكَبْ، فاسْتَصْعَبَتْ عَلَيَّ، فَأدارَها بِأُذُنِها، ثُمَّ حَمَلَنِي عَلَيْها، فانْطَلَقَتْ تَهْوِي بِنا، يَقَعُ حافِرُها حَيْثُ أدْرَكَ طَرْفُها، حَتّى بَلَغْنا أرْضًا ذاتَ نَخْلٍ، فَقالَ: اِنْزِلْ. فَنَزَلْتُ فَقالَ: صَلِّ. فَصَلَّيْتُ، ثُمَّ رَكِبْنا فَقالَ: أتُدْرِي أيْنَ صَلَّيْتَ؟ قُلْتُ: اللَّهُ أعْلَمُ، قالَ: صَلَّيْتَ بِيَثْرِبَ، (p-١٥٦)صَلَّيْتَ بِطَيْبَةَ. ثُمَّ اِنْطَلَقَتْ تَهْوِي بِنا، يَقَعُ حافِرُها حَيْثُ أدْرَكَ طَرْفُها، ثُمَّ بَلَغْنا أرْضًا فَقالَ: اِنْزِلْ. فَنَزَلْتُ فَقالَ: صَلِّ. فَصَلَّيْتُ، ثُمَّ رَكِبْنا فَقالَ: أتُدْرِي أيْنَ صَلَّيْتَ؟ قُلْتُ: اللَّهُ أعْلَمُ. قالَ: صَلَّيْتَ بِمَدْيَنَ، صَلَّيْتَ عِنْدَ شَجَرَةِ مُوسى، ثُمَّ اِنْطَلَقَتْ تَهْوِي بِنا، يَقَعُ حافِرُها حَيْثُ أدْرَكَ طَرْفُها، ثُمَّ بَلَغْنا أرْضًا بَدَتْ لَنا قُصُورُها، فَقالَ: اِنْزِلْ. فَنَزَلْتُ، ثُمَّ قالَ: صَلِّ. فَصَلَّيْتُ، ثُمَّ رَكِبْنا فَقالَ: أتُدْرِي أيْنَ صَلَّيْتَ؟ فَقُلْتُ: اللَّهُ أعْلَمُ. قالَ: صَلَّيْتَ بِبَيْتِ لَحْمٍ حَيْثُ وُلِدَ عِيسى المَسِيحُ اِبْنُ مَرْيَمَ. ثُمَّ اِنْطَلَقَ بِي حَتّى دَخَلْنا المَدِينَةَ مِن بابِها اليَمانِيِّ، فَأتى قِبْلَةَ المَسْجِدِ فَرَبَطَ فِيهِ دابَّتَهُ، ودَخَلْنا المَسْجِدَ مِن بابٍ فِيهِ تَمِيلُ الشَّمْسُ والقَمَرُ، فَصَلَّيْتُ مِنَ المَسْجِدِ حَيْثُ شاءَ اللَّهُ، وأخَذَنِي مِنَ العَطَشِ أشَدُّ ما أخَذَنِي، فَأُتِيتُ بِإناءَيْنِ؛ في أحَدِهِما لَبَنٌ، وفي الآخَرِ عَسَلٌ، أُرْسِلَ إلَيَّ بِهِما جَمِيعًا، فَعَدَلْتُ بَيْنَهُما، ثُمَّ هَدانِي اللَّهُ فَأخَذْتُ اللَّبَنَ فَشَرِبْتُ حَتّى قَرَعْتُ بِهِ جَبِينِي، وبَيْنَ يَدَيْهِ شَيْخٌ مُتَّكِئٌ عَلى مِنبَرٍ لَهُ، فَقالَ: أخَذَ صاحِبُكَ الفِطْرَةَ وإنَّهُ لَمَهْدِيٌّ. ثُمَّ اِنْطَلَقَ بِي حَتّى أتَيْنا الوادِيَ الَّذِي في المَدِينَةِ، فَإذا جَهَنَّمُ تَنْكَشِفُ عَنْ مِثْلِ الزَّرابِيِّ“ . فَقُلْنا: يا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ وجَدْتَها؟ قالَ: ”مِثْلَ الحَمَّةِ (p-١٥٧)السُّخْنَةِ، ثُمَّ اِنْصَرَفَ بِي فَمَرَرْنا بِعِيرٍ لِقُرَيْشٍ بِمَكانِ كَذا وكَذا، وقَدْ أضَلُّوا بَعِيرًا لَهم قَدْ جَمَعَهُ فُلانٌ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِمْ فَقالَ بَعْضُهم: هَذا صَوْتُ مُحَمَّدٍ، ثُمَّ أتَيْتُ أصْحابِي قَبْلَ الصُّبْحِ بِمَكَّةَ، فَأتانِي أبُو بَكْرٍ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، أيْنَ كُنْتَ اللَّيْلَةَ؟ فَقَدِ اِلْتَمَسْتُكَ في مَكانِكَ. فَقُلْتُ: أعَلِمْتَ أنِّي أتَيْتُ بَيْتَ المَقْدِسِ اللَّيْلَةَ؟ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّهُ مَسِيرَةُ شَهْرٍ فَصِفْهُ لِي“ . قالَ: ”فَفُتِحَ لِي صِراطٌ كَأنِّي أنْظُرُ إلَيْهِ، لا يَسْألُونِي عَنْ شَيْءٍ إلّا أنْبَأْتُهم عَنْهُ“ . فَقالَ أبُو بَكْرٍ: أشْهَدُ أنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ. وقالَ المُشْرِكُونَ: اُنْظُرُوا إلى اِبْنِ أبِي كَبْشَةَ، زَعَمَ أنَّهُ أتى بَيْتَ المَقْدِسِ اللَّيْلَةَ. فَقالَ: ”إنَّ مِن آيَةِ ما أقُولُ لَكم أنِّي مَرَرْتُ بِعِيرٍ لَكم بِمَكانِ كَذا وكَذا وقَدْ أضَلُّوا بَعِيرًا لَهُمْ، فَجَمَعَهُ فُلانٌ، وإنَّ مَسِيرَهم يَنْزِلُونَ بِكَذا ثُمَّ كَذا، ويَأْتُونَكم يَوْمَ كَذا وكَذا يَقْدُمُهم جَمَلٌ آدَمُ، عَلَيْهِ مِسْحٌ أسْوَدُ وغِرارَتانِ سَوْداوانِ“ . فَلَمّا كانَ ذَلِكَ اليَوْمُ أشْرَفَ القَوْمُ يَنْظُرُونَ حَتّى كانَ قَرِيبًا مِن نِصْفِ النَّهارِ أقْبَلَتِ العِيرُ يَقْدُمُهم ذَلِكَ الجَمَلُ الَّذِي وصَفَهُ رَسُولُ اللَّهِ» ﷺ . * * وأخْرَجَ أحْمَدُ، والبُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ (p-١٥٨)جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، مِن طَرِيقِ قَتادَةَ، عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ، أنَّ مالِكَ بْنَ صَعْصَعَةَ حَدَّثَهُ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حَدَّثَهم عَنْ لَيْلَةِ أُسْرِيَ بِهِ قالَ: «”بَيْنَما أنا في الحَطِيمِ - ورُبَّما قالَ قَتادَةُ: في الحِجْرِ – مُضْطَجِعًا، إذْ أتانِي آتٍ فَجَعَلَ يَقُولُ لِصاحِبِهِ: الأوْسَطُ بَيْنَ الثَّلاثَةِ. فَأتانِي فَشَقَّ ما بَيْنَ هَذِهِ إلى هَذِهِ - يَعْنِي مِن ثُغْرَةِ نَحْرِهِ إلى شِعْرَتِهِ - فاسْتَخْرَجَ قَلْبِي، فَأُوتِيتُ بِطَسْتٍ مِن ذَهَبٍ مَمْلُوءَةٍ إيمانًا وحِكْمَةً، فَغُسِلَ قَلْبِي بِماءِ زَمْزَمَ، ثُمَّ حُشِيَ ثُمَّ أُعِيدَ مَكانَهُ. ثُمَّ أُوتِيتُ بِدابَّةٍ أبْيَضَ دُونَ البَغْلِ وفَوْقَ الحِمارِ يُقالُ لَهُ: البُراقُ. يَقَعُ خَطْوُهُ عِنْدَ أقْصى طَرْفِهِ، فَحُمِلْتُ عَلَيْهِ فانْطَلَقَ بِي جِبْرِيلُ حَتّى أتى بِيَ السَّماءَ الدُّنْيا فاسْتَفْتَحَ، فَقِيلَ: مَن هَذا؟ قالَ: جِبْرِيلُ، قِيلَ: ومَن مَعَكَ؟ قالَ: مُحَمَّدٌ. قِيلَ: أوَقَدْ أُرْسِلَ إلَيْهِ؟ قالَ: نَعَمْ. قِيلَ: مَرْحَبًا بِهِ، ولَنِعْمَ المَجِيءُ جاءَ. فَفُتِحَ لَنا فَلَمّا خَلَصْتُ إذا فِيها آدَمُ، فَقُلْتُ: يا جِبْرِيلُ، مَن هَذا؟ قالَ: هَذا أبُوكَ آدَمُ، فَسَلِّمْ عَلَيْهِ. فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَرَدَّ السَّلامَ ثُمَّ قالَ: مَرْحَبًا بِالِابْنِ الصّالِحِ والنَّبِيِّ الصّالِحِ. ثُمَّ صَعِدَ حَتّى أتى إلى السَّماءِ الثّانِيَةِ فاسْتَفْتَحَ، فَقِيلَ: مَن هَذا؟ قالَ: جِبْرِيلُ. قِيلَ: ومَن مَعَكَ؟ قالَ: مُحَمَّدٌ. قِيلَ: أوَقَدْ أُرْسِلَ إلَيْهِ؟ قالَ: نَعَمْ. قِيلَ: مَرْحَبًا (p-١٥٩)بِهِ ولَنِعْمَ المَجِيءُ جاءَ. فَفُتِحَ لَنا، فَلَمّا خَلَصْتُ إذا يَحْيى وعِيسى وهُما اِبْنا الخالَةِ، فَقُلْتُ: يا جِبْرِيلُ، مَن هَذانِ؟ قالَ: هَذانِ يَحْيى وعِيسى، فَسَلِّمْ عَلَيْهِما. فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِما فَرَدّا السَّلامَ، ثُمَّ قالا: مَرْحَبًا بِالأخِ الصّالِحِ والنَّبِيِّ الصّالِحِ. ثُمَّ صَعِدَ حَتّى أتى السَّماءَ الثّالِثَةَ فاسْتَفْتَحَ، قِيلَ: مَن هَذا؟ قالَ: جِبْرِيلُ. قِيلَ: ومَن مَعَكَ؟ قالَ: مُحَمَّدٌ. قِيلَ: وقَدْ أُرْسِلَ إلَيْهِ؟ قالَ: نَعَمْ. قِيلَ: مَرْحَبًا بِهِ، ولَنِعْمَ المَجِيءُ جاءَ. فَفُتِحَ لَنا، فَلَمّا خَلَصْتُ إذا يُوسُفُ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَرَدَّ السَّلامَ، ثُمَّ قالَ: مَرْحَبًا بِالأخِ الصّالِحِ والنَّبِيِّ الصّالِحِ. ثُمَّ صَعِدَ حَتّى أتى السَّماءَ الرّابِعَةَ فاسْتَفْتَحَ، فَقِيلَ: مَن هَذا؟ قالَ: جِبْرِيلُ. قِيلَ: ومَن مَعَكَ؟ قالَ: مُحَمَّدٌ. قِيلَ: أوَقَدْ أُرْسِلَ إلَيْهِ؟ قالَ: نَعَمْ. قِيلَ: مَرْحَبًا بِهِ، ولَنِعْمَ المَجِيءُ جاءَ. فَفُتِحَ لَنا، فَلَمّا خَلَصْتُ إذا إدْرِيسُ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَرَدَّ السَّلامَ، ثُمَّ قالَ: مَرْحَبًا بِالأخِ الصّالِحِ والنَّبِيِّ الصّالِحِ. ثُمَّ صَعِدَ حَتّى أتى السَّماءَ الخامِسَةَ فاسْتَفْتَحَ، فَقِيلَ: مَن هَذا؟ قالَ: جِبْرِيلُ. قِيلَ: ومَن مَعَكَ؟ قالَ: مُحَمَّدٌ. قِيلَ: أوَقَدْ أُرْسِلَ إلَيْهِ؟ قالَ: نَعَمْ. قِيلَ: مَرْحَبًا بِهِ، ولَنِعْمَ المَجِيءُ جاءَ. فَلَمّا خَلَصْتُ إذا هارُونُ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَرَدَّ السَّلامَ، ثُمَّ قالَ: مَرْحَبًا بِالأخِ الصّالِحِ والنَّبِيِّ الصّالِحِ، ثُمَّ صَعِدَ حَتّى أتى السَّماءَ السّادِسَةَ فاسْتَفْتَحَ، فَقِيلَ: مَن هَذا؟ قالَ: جِبْرِيلُ. قِيلَ: ومَن مَعَكَ؟ قالَ: مُحَمَّدٌ. قِيلَ: أوَقَدْ أُرْسِلَ إلَيْهِ؟ قالَ: نَعَمْ. قِيلَ: مَرْحَبًا بِهِ، ولَنِعْمَ المَجِيءُ جاءَ. فَفُتِحَ لَنا، فَلَمّا خَلَصْتُ إذا أنا بِمُوسى، (p-١٦٠)فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَرَدَّ السَّلامَ، ثُمَّ قالَ: مَرْحَبًا بِالأخِ الصّالِحِ والنَّبِيِّ الصّالِحِ. فَلَمّا تَجاوَزْتُ بَكى. قِيلَ لَهُ: ما يُبْكِيكَ؟ قالَ: أبْكِي لِأنَّ غُلامًا بُعِثَ بَعْدِي يَدْخُلُ الجَنَّةَ مِن أُمَّتِهِ أكْثَرُ مِمّا يَدْخُلُها مِن أُمَّتِي. ثُمَّ صَعِدَ حَتّى أتى السَّماءَ السّابِعَةَ فاسْتَفْتَحَ، قِيلَ: مَن هَذا؟ قالَ: جِبْرِيلُ. قِيلَ: ومَن مَعَكَ؟ قالَ: مُحَمَّدٌ، قِيلَ: أوَقَدْ أُرْسِلَ إلَيْهِ؟ قالَ: نَعَمْ. قِيلَ: مَرْحَبًا بِهِ، ولَنِعْمَ المَجِيءُ جاءَ. فَفُتِحَ لَنا فَلَمّا خَلَصْتُ إذا إبْراهِيمُ، قُلْتُ: [٢٥٠ظ] مَن هَذا يا جِبْرِيلُ ؟ قالَ: هَذا أبُوكَ إبْراهِيمُ فَسَلِّمْ عَلَيْهِ. فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَرَدَّ السَّلامَ، ثُمَّ قالَ: مَرْحَبًا بِالِابْنِ الصّالِحِ والنَّبِيِّ الصّالِحِ. ثُمَّ رُفِعْتُ إلى سِدْرَةِ المُنْتَهى، فَإذا نَبْقُها مِثْلُ قِلالِ هَجَرَ، وإذا ورَقُها مِثْلُ آذانِ الفِيَلَةِ، وإذا أرْبَعَةُ أنْهارٍ يَخْرُجْنَ مِن أصْلِها؛ نَهْرانِ باطِنانِ، ونَهْرانِ ظاهِرانِ، فَقُلْتُ: يا جِبْرِيلُ، ما هَذِهِ الأنْهارُ؟ فَقالَ: أمّا الباطِنانِ؛ فَنَهْرانِ في الجَنَّةِ، وأمّا الظّاهِرانِ؛ فالنِّيلُ والفُراتُ. ثُمَّ رُفِعَ لِيَ البَيْتُ المَعْمُورُ، قُلْتُ: يا جِبْرِيلُ، ما هَذا؟ قالَ: هَذا البَيْتُ المَعْمُورُ يَدْخُلُهُ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعُونَ ألْفَ مَلَكٍ، إذا خَرَجُوا مِنهُ لَمْ يَعُودُوا فِيهِ، آخِرَ ما عَلَيْهِمْ. ثُمَّ أُتِيتُ بِإناءَيْنِ؛ أحَدُهُما خَمْرٌ والآخُرُ لَبَنٌ، فَعُرِضا عَلَيَّ، فَقِيلَ: خُذْ (p-١٦١)أيَّهُما شِئْتَ. فَأخَذْتُ اللَّبَنَ، فَقِيلَ لِي: أصَبْتَ الفِطْرَةَ، أنْتَ عَلَيْها وأُمَّتُكَ. ثُمَّ فُرِضَتْ عَلَيَّ الصَّلاةُ؛ خَمْسُونَ صَلاةً كُلَّ يَوْمٍ، فَنَزَلْتُ حَتّى اِنْتَهَيْتُ إلى مُوسى، فَقالَ: ما فَرَضَ رَبُّكَ عَلى أُمَّتِكَ؟ قُلْتُ: خَمْسِينَ صَلاةً كُلَّ يَوْمٍ. قالَ: إنَّ أُمَّتَكَ لا تَسْتَطِيعُ ذَلِكَ، وإنِّي قَدْ خَبَرْتُ النّاسَ قَبْلَكَ، وعالَجْتُ بَنِي إسْرائِيلَ أشَدَّ المُعالَجَةِ، فارْجِعْ إلى رَبِّكَ فاسْألْهُ التَّخْفِيفَ لِأُمَّتِكَ. فَرَجَعْتُ إلى رَبِّي فَحَطَّ عَنِّي خَمْسًا، فَأقْبَلْتُ حَتّى أتَيْتُ عَلى مُوسى فَأنْبَأْتُهُ بِما حَطَّ عَنِّي، فَقالَ: اِرْجِعْ إلى رَبِّكَ فاسْألْهُ التَّخْفِيفَ لِأُمَّتِكَ، فَإنَّ أُمَّتَكَ لا يُطِيقُونَ ذَلِكَ. قالَ: فَما زِلْتُ بَيْنَ مُوسى وبَيْنَ رَبِّي يَحُطُّ عَنِّي خَمْسًا خَمْسًا، حَتّى أقْبَلْتُ بِخَمْسِ صَلَواتٍ، فَأتَيْتُ عَلى مُوسى فَقالَ: بِمَ أُمِرْتَ؟ قُلْتُ: بِخَمْسِ صَلَواتٍ كُلَّ يَوْمٍ. قالَ: إنَّ أُمَّتَكَ لا يُطِيقُونَ ذَلِكَ، إنِّي بَلَوْتُ النّاسَ قَبْلَكَ، وعالَجْتُ بَنِي إسْرائِيلَ أشَدَّ المُعالَجَةِ، اِرْجِعْ إلى رَبِّكَ فاسْألْهُ التَّخْفِيفَ لِأُمَّتِكَ. فَقُلْتُ: لَقَدْ رَجَعْتُ إلى رَبِّي حَتّى لَقَدِ اِسْتَحَيْتُ، ولَكِنْ أرْضى وأُسَلِّمُ، فَنُودِيتُ: أنْ يا مُحَمَّدُ، إنِّي قَدْ أمْضَيْتُ فَرِيضَتِي وخَفَّفْتُ عَنْ عِبادِي؛ وجَعَلْتُ الحَسَنَةَ بِعَشْرِ أمْثالِها“» . (p-١٦٢)وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ ماجَهْ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، مِن طَرِيقِ يُونُسَ، عَنِ اِبْنِ شِهابٍ، عَنْ أنَسٍ قالَ: كانَ أبُو ذَرٍّ يُحَدِّثُ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «”فُرِجَ سَقْفُ بَيْتِي وأنا بِمَكَّةَ، فَنَزَلَ جِبْرِيلُ فَفَرَجَ صَدْرِي ثُمَّ غَسَلَهُ بِماءِ زَمْزَمَ، ثُمَّ جاءَ بِطَسْتٍ مِن ذَهَبٍ مُمْتَلِئٍ حِكْمَةً وإيمانًا، فَأفْرَغَهُ في صَدْرِي ثُمَّ أطْبَقَهُ، ثُمَّ أخَذَ بِيَدِي فَعَرَجَ بِي إلى السَّماءِ، فَلَمّا جِئْنا السَّماءَ الدُّنْيا قالَ جِبْرِيلُ لِخازِنِ السَّماءِ: اِفْتَحْ. قالَ: مَن هَذا؟ قالَ: جِبْرِيلُ. قالَ: هَلْ مَعَكَ أحَدٌ؟ قالَ: نَعَمْ، مَعِي مُحَمَّدٌ. قالَ: أُرْسِلَ إلَيْهِ؟ قالَ: نَعَمْ. فَفَتَحَ، فَلَمّا عَلَوْنا السَّماءَ الدُّنْيا، إذا رَجُلٌ قاعِدٌ عَلى يَمِينِهِ أسْوِدَةٌ وعَلى يَسارِهِ أسْوِدَةٌ، فَإذا نَظَرَ قِبَلَ يَمِينِهِ تَبَسَّمَ، وإذا نَظَرَ قِبَلَ شِمالِهِ بَكى، فَقالَ: مَرْحَبًا بِالنَّبِيِّ الصّالِحِ والِابْنِ الصّالِحِ. قُلْتُ لِجِبْرِيلَ: مَن هَذا؟ قالَ: هَذا آدَمُ، وهَذِهِ الأسْوِدَةُ عَنْ يَمِينِهِ وعَنْ شِمالِهِ نَسَمُ بَنِيهِ، فَأهْلُ اليَمِينِ مِنهم أهْلُ الجَنَّةِ، والأسْوِدَةُ الَّتِي عَنْ شِمالِهِ أهْلُ النّارِ، فَإذا نَظَرَ عَنْ يَمِينِهِ ضَحِكَ، وإذا نَظَرَ عَنْ شِمالِهِ بَكى، ثُمَّ عُرِجَ بِي إلى السَّماءِ الثّانِيَةِ فَقالَ لِخازِنِها: اِفْتَحْ. فَقالَ لَهُ خازِنُها مِثْلَ ما قالَ الأوَّلُ، فَفَتَحَ“ . قالَ أنَسٌ: فَذَكَرَ أنَّهُ وجَدَ في السَّماواتِ آدَمَ، وإدْرِيسَ، ومُوسى، وعِيسى وإبْراهِيمَ، ولَمْ يُثْبِتْ كَيْفَ مَنازِلُهم. قالَ اِبْنُ شِهابٍ: وأخْبَرَنِي اِبْنُ حَزْمٍ أنَّ اِبْنَ عَبّاسٍ وأبا حَبَّةَ الأنْصارِيَّ كانا (p-١٦٣)يَقُولانِ: قالَ النَّبِيُّ ﷺ: ”ثُمَّ عَرَجَ بِي حَتّى ظَهَرَتْ بِمُسْتَوًى أسْمَعُ فِيهِ صَرِيفَ الأقْلامِ“ . قالَ اِبْنُ حَزْمٍ وأنَسٌ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”فَفَرَضَ اللَّهُ عَلى أُمَّتِي خَمْسِينَ صَلاةً، فَرَجَعْتُ بِذَلِكَ حَتّى مَرَرْتُ عَلى مُوسى، فَقالَ: ما فَرَضَ اللَّهُ عَلى أُمَّتِكَ؟ قُلْتُ: فَرَضَ خَمْسِينَ صَلاةً. قالَ: فارْجِعْ إلى رَبِّكَ فَإنَّ أُمَّتَكَ لا تُطِيقُ ذَلِكَ. فَراجَعْتُ رَبِّي فَوَضَعَ شَطْرَها، فَرَجَعْتُ إلى مُوسى فَأخْبَرْتُهُ فَقالَ: راجِعْ رَبَّكَ؛ فَإنَّ أُمَّتَكَ لا تُطِيقُ ذَلِكَ. فَراجَعْتُ رَبِّي فَقالَ: هي خَمْسٌ وهي خَمْسُونَ، لا يُبَدَّلُ القَوْلُ لَدَيَّ. فَرَجَعْتُ إلى مُوسى فَقالَ: اِرْجِعْ إلى رَبِّكَ. قُلْتُ: قَدِ اِسْتَحْيَيْتُ مِن رَبِّي. ثُمَّ اِنْطَلَقَ بِي حَتّى اِنْتَهى بِي إلى سِدْرَةِ المُنْتَهى، فَغَشِيَها ألْوانٌ لا أدْرِي ما هِيَ، ثُمَّ أُدْخِلْتُ الجَنَّةَ فَإذا فِيها جَنابِذُ اللُّؤْلُؤِ، وإذا تُرابُها مِسْكٌ“» . وأخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، والبَيْهَقِيُّ في ”الدَّلائِلِ“، وابْنُ عَساكِرَ، عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قالَ: حَدَّثَنا رَسُولُ اللَّهِ بِالمَدِينَةِ عَنْ لَيْلَةِ أُسْرِيَ بِهِ مِن مَكَّةَ إلى المَسْجِدِ الأقْصى قالَ: «”بَيْنا أنا نائِمٌ عِشاءً في المَسْجِدِ الحَرامِ إذْ أتانِي آتٍ فَأيْقَظَنِي، فاسْتَيْقَظْتُ فَلَمْ أرَ شَيْئًا، وإذا أنا (p-١٦٤)بِكَهَيْئَةِ خَيالٍ فَأتْبَعْتُهُ بَصَرِي حَتّى خَرَجْتُ مِنَ المَسْجِدِ، فَإذا أنا بِدابَّةٍ أدْنى شِبْهِهِ بِدَوابِّكم هَذِهِ بِغالُكُمْ، غَيْرَ أنَّهُ مُضْطَرِبُ الأُذُنَيْنِ يُقالُ لَهُ: البُراقُ. وكانَتِ الأنْبِياءُ تَرْكَبُهُ قَبْلِي، يَقَعُ حافِرُهُ عِنْدَ مَدِّ بَصَرِهِ فَرَكِبْتُهُ، فَبَيْنا أنا أسِيرُ عَلَيْهِ إذْ دَعانِي داعٍ عَنْ يَمِينِي: يا مُحَمَّدُ، اُنْظُرْنِي أسْألْكَ. فَلَمْ أُجِبْهُ، ثُمَّ دَعانِي داعٍ عَنْ شِمالِي: يا مُحَمَّدُ، اُنْظُرْنِي أسْألْكَ. فَلَمْ أُجِبْهُ، فَبَيْنا أنا أسِيرُ عَلَيْهِ إذا أنا بِاِمْرَأةٍ حاسِرَةٍ عَنْ ذِراعَيْها، وعَلَيْها مِن كُلِّ زِينَةٍ خَلَقَها اللَّهُ، فَقالَتْ: يا مُحَمَّدُ، اُنْظُرْنِي أسْألْكَ. فَلَمّا ألْتَفِتْ إلَيْها، حَتّى أتَيْتُ بَيْتَ المَقْدِسِ، فَأوْثَقْتُ دابَّتِي بِالحَلْقَةِ الَّتِي كانَتِ الأنْبِياءُ تُوثِقُها بِها، ثُمَّ أتانِي جِبْرِيلُ بِإناءَيْنِ؛ أحَدُهُما خَمْرٌ والآخَرُ لَبَنٌ، فَشَرِبْتُ اللَّبَنَ وتَرَكْتُ الخَمْرَ، فَقالَ جِبْرِيلُ: أصَبْتَ الفِطْرَةَ، أما إنَّكَ لَوْ أخَذْتَ الخَمْرَ غَوَتْ أُمَّتُكَ. فَقُلْتُ: اللَّهُ أكْبَرُ اللَّهُ أكْبَرُ. فَقالَ جِبْرِيلُ: ما رَأيْتُ في وجْهِكَ هَذا؟ قُلْتُ: بَيْنَما أنا أسِيرُ إذْ دَعانِي داعٍ عَنْ يَمِينِي: يا مُحَمَّدُ، اُنْظُرْنِي أسْألْكَ. فَلَمْ أُجِبْهُ. قالَ: ذاكَ داعِي اليَهُودِ، أما إنَّكَ لَوْ أجَبْتَهُ لَتَهَوَّدَتْ أُمَّتُكَ. قُلْتُ: وبَيْنَما أنا أسِيرُ إذْ دَعانِي داعٍ عَنْ يَسارِي: يا مُحَمَّدُ، اُنْظُرْنِي أسْألْكَ. فَلَمْ أُجِبْهُ. قالَ: ذاكَ داعِي النَّصارى، أما إنَّكَ لَوْ أجَبْتَهُ لَتَنَصَّرَتْ أُمَّتُكَ، فَبَيْنَما أنا أسِيرُ إذا أنا بِاِمْرَأةٍ حاسِرَةٍ عَنْ ذِراعَيْها عَلَيْها مِن كُلِّ زِينَةٍ، تَقُولُ: يا مُحَمَّدُ، اُنْظُرْنِي أسْألْكَ. فَلَمْ أُجِبْها. قالَ: تِلْكَ الدُّنْيا، أما إنَّكَ (p-١٦٥)لَوْ أجَبْتَها لاخْتارَتْ أُمَّتُكَ الدُّنْيا عَلى الآخِرَةِ. ثُمَّ دَخَلْتُ أنا وجِبْرِيلُ بَيْتَ المَقْدِسِ فَصَلّى كُلُّ واحِدٍ مِنّا رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ أُتِيتُ بِالمِعْراجِ الَّذِي تَعْرُجُ عَلَيْهِ أرْواحُ بَنِي آدَمَ، فَلَمْ تَرَ الخَلائِقُ أحْسَنَ مِنَ المِعْراجِ؛ أما رَأيْتَ المَيِّتَ حِينَ رَبا بَصَرُهُ طامِحًا إلى السَّماءِ عُجْبَهُ بِالمِعْراجِ فَصَعِدْتُ أنا وجِبْرِيلُ، فَإذا أنا بِمَلَكٍ يُقالُ لَهُ: إسْماعِيلُ. وهو صاحِبُ سَماءِ الدُّنْيا، وبَيْنَ يَدَيْهِ سَبْعُونَ ألْفَ مَلَكٍ، مَعَ كُلِّ مَلَكٍ جُنْدُهُ مِائَةُ ألْفٍ. فاسْتَفْتَحَ جِبْرِيلُ بابَ السَّماءِ، قِيلَ: مَن هَذا؟ قالَ: جِبْرِيلُ. قِيلَ: ومَن مَعَكَ؟ قالَ: مُحَمَّدٌ. قِيلَ: أوَقَدْ بُعِثَ إلَيْهِ؟ قالَ: نَعَمْ. فَإذا أنا بِآدَمَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَهُ اللَّهُ عَلى صُورَتِهِ لَمْ يَتَغَيَّرْ مِنهُ شَيْءٌ، وإذا هو تُعْرَضُ عَلَيْهِ أرْواحُ ذُرِّيَّتِهِ المُؤْمِنِينَ، فَيَقُولُ: رُوحٌ طَيِّبَةٌ ونَفْسٌ طَيِّبَةٌ، اِجْعَلُوها في عِلِّيِّينَ. ثُمَّ تُعْرَضُ عَلَيْهِ أرْواحُ ذُرِّيَّتِهِ الفُجّارِ، فَيَقُولُ: رُوحٌ خَبِيثَةٌ ونَفْسٌ خَبِيثَةٌ، اِجْعَلُوها في سِجِّينٍ. فَقُلْتُ: يا جِبْرِيلُ، مَن هَذا؟ قالَ: هَذا أبُوكَ آدَمُ. فَسَلَّمَ عَلَيَّ ورَحَّبَ بِي، فَقالَ: مَرْحَبًا بِالِابْنِ الصّالِحِ والنَّبِيِّ الصّالِحِ. ثُمَّ مَضَيْتُ هُنَيْهَةً، فَإذا أنا بِأخْوِنَةٍ عَلَيْها لَحْمٌ قَدْ أرْوَحَ وأنْتَنَ، عِنْدَها أُناسٌ يَأْكُلُونَ مِنها، قُلْتُ: يا جِبْرِيلُ، مَن هَؤُلاءِ؟ قالَ: هَؤُلاءِ مِن أُمَّتِكَ يَتْرُكُونَ الحَلالَ ويَأْتُونَ الحَرامَ“ . وفي لَفْظٍ: ”فَإذا أنا بِقَوْمٍ عَلى مائِدَةٍ عَلَيْها لَحْمٌ (p-١٦٦)مَشْوِيٌّ كَأحْسَنِ ما رَأيْتُ مِنَ اللَّحْمِ، وإذا حَوْلَهُ جِيَفٌ، فَجَعَلُوا يُقْبِلُونَ عَلى الجِيَفِ يَأْكُلُونَ مِنها ويَدَعُونَ اللَّحْمَ، فَقُلْتُ: مَن هَؤُلاءِ يا جِبْرِيلُ ؟ قالَ: هَؤُلاءِ الزُّناةُ، عَمَدُوا إلى ما حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وتَرَكُوا ما أحَلَّ اللَّهُ لَهم. ثُمَّ مَضَيْتُ هُنَيْهَةً، فَإذا أنا بِأقْوامٍ بُطُونُهم أمْثالُ البُيُوتِ، كُلَّما نَهَضَ أحَدُهم خَرَّ، يَقُولُ: اللَّهُمَّ لا تُقِمِ السّاعَةَ. وهم عَلى سابِلَةِ آلِ فِرْعَوْنَ، فَتَجِيءُ السّابِلَةُ فَتَطَؤُهُمْ، فَسَمِعْتُهم يَضِجُّونَ إلى اللَّهِ، قُلْتُ: مَن هَؤُلاءِ يا جِبْرِيلُ ؟ قالَ: هَؤُلاءِ مِن أُمَّتِكَ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا، ﴿لا يَقُومُونَ إلا كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ المَسِّ﴾ [البقرة: ٢٧٥] [البَقَرَةِ: ٢٧٥] . ثُمَّ مَضَيْتُ هُنَيْهَةً، فَإذا أنا بِأقْوامٍ لَهم مَشافِرُ كَمَشافِرِ الإبِلِ، قَدْ وُكِّلَ بِهِمْ مَن يَأْخُذُ بِمَشافِرِهِمْ، ثُمَّ يَجْعَلُ في أفْواهِهِمْ صَخْرًا مِن نارٍ، ثُمَّ يَخْرُجُ مِن أسافِلِهِمْ فَسَمِعْتُهم يَضِجُّونَ إلى اللَّهِ، قُلْتُ: يا جِبْرِيلُ، مَن هَؤُلاءِ؟ قالَ: هَؤُلاءِ مِن أُمَّتِكَ ﴿إنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أمْوالَ اليَتامى ظُلْمًا إنَّما يَأْكُلُونَ في بُطُونِهِمْ نارًا وسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ [النساء: ١٠] [النِّساءِ: ١٠] . ثُمَّ مَضَيْتُ هُنَيْهَةً فَإذا أنا بِنِساءٍ يُعَلَّقْنَ بِثُدِيِّهِنَّ، ونِساءٍ مُنَكَّساتٍ بِأرْجُلِهِنَّ، فَسَمِعْتُهُنَّ يَضْجِجْنَ إلى اللَّهِ، قُلْتُ: يا جِبْرِيلُ، مَن هَؤُلاءِ النِّساءُ؟ قالَ: هَؤُلاءِ اللّاتِي يَزْنِينَ ويَقْتُلْنَ أوْلادَهُنَّ. ثُمَّ مَضَيْتُ هُنَيْهَةً، فَإذا أنا بِأقْوامٍ يُقْطَعُ مِن جُنُوبِهِمُ اللَّحْمُ، ثُمَّ يُدَسُّ في (p-١٦٧)أفْواهِهِمْ، ويُقالُ: كُلُوا كَما أكَلْتُمْ. فَإذا أكْرَهُ ما خَلَقَ اللَّهُ لَهم ذَلِكَ. قُلْتُ: يا جِبْرِيلُ مَن هَؤُلاءِ؟ قالَ: هَؤُلاءِ الهَمّازُونَ مِن أُمَّتِكَ اللَّمّازُونَ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ لُحُومَ النّاسِ. ثُمَّ صَعِدْنا إلى السَّماءِ الثّانِيَةِ، فَإذا أنا بَرْجَلٌ أحْسَنِ ما خَلَقَ اللَّهُ، قَدْ فَضَلَ النّاسَ بِالحُسْنِ؛ كالقَمَرِ لَيْلَةَ البَدْرِ عَلى سائِرِ الكَواكِبِ، قُلْتُ: يا جِبْرِيلُ، مَن هَذا؟ قالَ: هَذا أخُوكَ يُوسُفُ ومَعَهُ نَفَرٌ مِن قَوْمِهِ. فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَلَيَّ ورَحَّبَ بِي. ثُمَّ صَعِدْنا إلى السَّماءِ الثّالِثَةِ، فَإذا أنا بِابْنَيِ الخالَةِ يَحْيى وعِيسى، ومَعَهُما نَفَرٌ مِن قَوْمِهِما شَبِيهٌ أحَدُهُما بِصاحِبِهِ؛ ثِيابِهِما وشَعْرِهِما، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِما وسَلَّما عَلَيَّ ورَحَّبا بِي. ثُمَّ صَعِدْنا إلى السَّماءِ الرّابِعَةِ، فَإذا أنا بِإدْرِيسَ قَدْ رَفَعَهُ اللَّهُ مَكانًا عَلِيًّا، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَلَيَّ ورَحَّبَ بِي. ثُمَّ صَعِدْنا إلى السَّماءِ الخامِسَةِ، فَإذا أنا بِهارُونَ، ونِصْفُ لِحْيَتِهِ بَيْضاءُ ونِصْفُها سَوْداءُ، تَكادُ لِحْيَتُهُ تُصِيبُ سُرَّتَهُ مِن طُولِها، قُلْتُ: يا جِبْرِيلُ، مَن هَذا؟ قالَ: هَذا المُحَبَّبُ في قَوْمِهِ، هَذا هارُونُ بْنُ عِمْرانَ ومَعَهُ نَفَرٌ كَثِيرٌ مِن قَوْمِهِ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَلَيَّ ورَحَّبَ بِي. ثُمَّ صَعِدْنا إلى السَّماءِ السّادِسَةِ فَإذا أنا بِمُوسى بْنِ عِمْرانَ، رَجُلٍ آدَمَ، كَثِيرِ الشَّعْرِ، لَوْ كانَ عَلَيْهِ قَمِيصانِ خَرَجَ شَعْرُهُ مِنهُما، وإذا (p-١٦٨)هُوَ يَقُولُ: يَزْعُمُ النّاسُ أنِّي أكْرَمُ الخَلْقِ عَلى اللَّهِ وهَذا أكْرَمُ عَلى اللَّهِ مِنِّي، ولَوْ كانَ وحْدَهُ لَمْ أُبالِ، ولَكِنْ كُلُّ نَبِيٍّ ومَن تَبِعَهُ مِن أُمَّتِهِ. قُلْتُ: يا جِبْرِيلُ، مَن هَذا؟ قالَ: هَذا أخُوكَ مُوسى بْنُ عِمْرانَ ومَعَهُ نَفَرٌ مِن قَوْمِهِ. فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَلَيَّ ورَحَّبَ بِي. ثُمَّ صَعِدْنا إلى السَّماءِ السّابِعَةِ، فَإذا أنا بِإبْراهِيمَ، وإذا هو جالِسٌ مُسْنِدٌ ظَهْرَهُ إلى البَيْتِ المَعْمُورِ ومَعَهُ نَفَرٌ مِن قَوْمِهِ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ عَلَيَّ وقالَ: مَرْحَبًا بِالِابْنِ الصّالِحِ. فَقِيلَ لِي: هَذا مَكانُكَ ومَكانُ أُمَّتِكَ. ثُمَّ تَلا ﴿إنَّ أوْلى النّاسِ بِإبْراهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وهَذا النَّبِيُّ والَّذِينَ آمَنُوا واللَّهُ ولِيُّ المُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ٦٨] [آلِ عِمْرانَ: ٦٨] . وإذا بِأُمَّتِي شَطْرَيْنِ؛ شَطْرٌ عَلَيْهِمْ ثِيابٌ بِيضٌ كَأنَّها القَراطِيسُ، وشَطْرٌ عَلَيْهِمْ ثِيابٌ رُمْدٌ. ثُمَّ دَخَلْتُ البَيْتَ المَعْمُورَ، ودَخَلَ مَعِيَ الَّذِينَ عَلَيْهِمُ الثِّيابُ البِيضُ، وحُجِبَ الآخَرُونَ الَّذِينَ عَلَيْهِمْ ثِيابٌ رُمْدٌ، وهم عَلى خَيْرٍ، فَصَلَّيْتُ أنا ومَن مَعِي في البَيْتِ المَعْمُورِ، ثُمَّ خَرَجْتُ أنا ومَن مَعِي“ . قالَ: ”والبَيْتُ المَعْمُورُ يُصَلِّي فِيهِ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعُونَ ألْفَ مَلِكٍ، لا يَعُودُونَ فِيهِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ. ثُمَّ دُفِعْتُ إلى سِدْرَةِ المُنْتَهى، فَإذا كُلُّ ورَقَةٍ مِنها تَكادُ تُغَطِّي هَذِهِ الأُمَّةَ، وإذا في أصْلِها عَيْنٌ تَجْرِي يُقالُ لَها: سَلْسَبِيلٌ. فَيَنْشَقُّ مِنها نَهْرانِ، فَقُلْتُ: ما هَذا يا جِبْرِيلُ ؟ قالَ: أمّا هَذا، فَهو نَهْرُ الرَّحْمَةِ، وأمّا هَذا، فَهو (p-١٦٩)نَهْرُ الكَوْثَرِ الَّذِي أعْطاكَهُ اللَّهُ. فاغْتَسَلْتُ في نَهْرِ الرَّحْمَةِ، فَغُفِرَ لِي مِن ذَنْبِي ما تَقَدَّمَ وما تَأخَّرَ، ثُمَّ أُخِذْتُ عَلى الكَوْثَرِ حَتّى دَخَلْتُ الجَنَّةَ، فَإذا فِيها ما لا عَيْنٌ رَأتْ، ولا أُذُنٌ سَمِعَتْ، ولا خَطَرَ عَلى قَلْبِ بَشَرٍ، وإذا أنا بِأنْهارٍ مِن ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ، وأنْهارٍ مِن لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ، وأنْهارٍ مِن خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشّارِبِينَ، وأنْهارٍ مِن عَسَلٍ مُصَفًّى، وإذا فِيها رُمّانٌ كَأنَّهُ جُلُودُ الإبِلِ المُقَتَّبَةِ، وإذا فِيها طَيْرٌ كَأنَّها البُخْتُ“ . قالَ أبُو بَكْرٍ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّ تِلْكَ الطَّيْرَ لَناعِمَةٌ؟ قالَ: [٢٥١و] ”آكِلُها أنْعَمُ مِنها يا أبا بَكْرٍ، وإنِّي لَأرْجُوَ أنْ تَأْكُلَ مِنها“ . قالَ: ”ورَأيْتُ فِيها جارِيَةً لَعْساءَ، فَسَألْتُها: لِمَن أنْتِ؟ فَقالَتْ: لِزَيْدِ بْنِ حارِثَةَ“ . فَبَشَّرَ بِها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ زَيْدًا. ”ثُمَّ عُرِضَتْ عَلَيَّ النّارُ، فَإذا فِيها غَضَبُ اللَّهِ وزَجْرُهُ ونِقْمَتُهُ، ولَوْ طُرِحَ فِيها الحِجارَةُ والحَدِيدُ لَأكَلَتْها، ثُمَّ غُلِّقَتْ دُونِي. ثُمَّ إنِّي رُفِعْتُ إلى سِدْرَةِ المُنْتَهى، فَتَغَشّاها، فَكانَ بَيْنِي وبَيْنَهُ قابَ قَوْسَيْنِ أوْ أدْنى، ونَزَلَ عَلى كُلِّ ورَقَةٍ مَلَكٌ مِنَ المَلائِكَةِ، ثُمَّ إنَّ اللَّهَ أمَرَنِي بِأمْرِهِ وفَرَضَ (p-١٧٠)عَلَيَّ خَمْسِينَ صَلاةً، وقالَ: لَكَ بِكُلِّ حَسَنَةٍ عَشْرٌ، وإذا هَمَمْتَ بِالحَسَنَةِ فَلَمْ تَعْمَلْها كُتِبَتْ لَكَ حَسَنَةً، فَإذا عَمِلْتَها كُتِبَتْ لَكَ عَشْرًا، وإذا هَمَمْتَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَمْ تَعْمَلْها لَمْ يُكْتَبْ عَلَيْكَ شَيْءٌ، فَإنْ عَمِلْتَها كُتِبَتْ عَلَيْكَ سَيِّئَةً واحِدَةً. ثُمَّ دُفِعْتُ إلى مُوسى فَقالَ: بِمَ أمَرَكَ رَبُّكَ؟ قُلْتُ: بِخَمْسِينَ صَلاةً. قالَ: اِرْجِعْ إلى رَبِّكَ فاسْألْهُ التَّخْفِيفَ لِأُمَّتِكَ، فَإنَّ أُمَّتَكَ لا يُطِيقُونَ ذَلِكَ. فَرَجَعْتُ إلى رَبِّي فَقُلْتُ: يا رَبِّ، خَفِّفْ عَنْ أُمَّتِي فَإنَّها أضْعَفُ الأُمَمِ. فَوَضَعَ عَنِّي عَشْرًا فَما زِلْتُ أخْتَلِفُ بَيْنَ مُوسى ورَبِّي حَتّى جَعَلَها خَمْسًا، فَنادانِي مَلَكٌ عِنْدَها: تَمَّتْ فَرِيضَتِي وخَفَّفْتُ عَنْ عِبادِي، وأعْطَيْتُهم لِكُلِّ حَسَنَةٍ عَشْرَ أمْثالِها. ثُمَّ رَجَعْتُ إلى مُوسى فَقالَ: بِمَ أُمِرْتَ؟ قُلْتُ: بِخَمْسِ صَلَواتٍ: قالَ: اِرْجِعْ إلى رَبِّكَ فاسْألْهُ التَّخْفِيفَ لِأُمَّتِكَ. قُلْتُ: قَدْ رَجَعْتُ إلى رَبِّي حَتّى اِسْتَحْيَيْتُهُ“ . ثُمَّ أصْبَحَ بِمَكَّةَ يُخْبِرُهم بِالعَجائِبِ: ”إنِّي أتَيْتُ البارِحَةَ بَيْتَ المَقْدِسِ وعُرِجَ بِي إلى السَّماءِ ثُمَّ رَأيْتُ كَذا وكَذا“ . فَقالَ أبُو جَهْلٍ: ألا تَعْجَبُونَ مِمّا (p-١٧١)يَقُولُ مُحَمَّدٌ؟ قالَ: ”فَأخْبَرْتُهم بِعِيرٍ لِقُرَيْشٍ لَمّا كانَتْ في مَصْعَدِي رَأيْتُها في مَكانِ كَذا وكَذا وإنَّها نَفَرَتْ، فَلَمّا رَجَعْتُ رَأيْتُها عِنْدَ العَقَبَةِ“ . وأخْبَرْتُهم بِكُلِّ رَجُلٍ، وبَعِيرُهُ كَذا ومَتاعُهُ كَذا، فَقالَ رَجُلٌ: أنا أعْلَمُ النّاسِ بِبَيْتِ المَقْدِسِ، فَكَيْفَ بِناؤُهُ، وكَيْفَ هَيْئَتُهُ، وكَيْفَ قَرْبُهُ مِنَ الجَبَلِ؟ فَرُفِعَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ بَيْتُ المَقْدِسِ فَنَظَرَ إلَيْهِ فَقالَ: ”بِناؤُهُ كَذا، وهَيْئَتُهُ كَذا، وقُرْبُهُ مِنَ الجَبَلِ كَذا“ . فَقالَ: صَدَقْتَ» . وأخْرَجَ البَزّارُ، وأبُو يَعْلى، وابْنُ جَرِيرٍ، ومُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ المَرْوَزِيُّ في كِتابِ ”الصَّلاةِ“، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ عَدِيٍّ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، والبَيْهَقِيُّ في ”الدَّلائِلِ“، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ «فِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿سُبْحانَ الَّذِي أسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلا مِنَ المَسْجِدِ الحَرامِ إلى المَسْجِدِ الأقْصى الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِن آياتِنا إنَّهُ هو السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ . قالَ: جاءَ جِبْرِيلُ إلى النَّبِيِّ ومَعَهُ مِيكائِيلُ، فَقالَ جِبْرِيلُ لِمِيكائِيلَ: اِئْتِنِي بِطَسْتٍ مِن ماءِ زَمْزَمَ كَيْما أُطَهِّرَ قَلْبَهُ وأشْرَحَ صَدْرَهُ. فَشَقَّ عَنْ بَطْنِهِ، فَغَسَلَهُ ثَلاثَ مَرّاتٍ، واخْتَلَفَ إلَيْهِ (p-١٧٢)مِيكائِيلُ بِثَلاثِ طِساسٍ مِن ماءِ زَمْزَمَ، فَشَرَحَ صَدْرَهُ ونَزَعَ ما كانَ فِيهِ مَن غِلٍّ، ومَلَأهُ حِلْمًا وعِلْمًا وإيمانًا ويَقِينًا وإسْلامًا، وخَتَمَ بَيْنَ كَتِفَيْهِ بِخاتَمِ النُّبُوَّةِ، ثُمَّ أتاهُ بِفَرَسٍ فَحُمِلَ عَلَيْهِ، كُلُّ خُطْوَةِ مِنهُ مُنْتَهى بَصَرِهِ. فَسارَ وسارَ مَعَهُ جِبْرِيلُ، فَأتى عَلى قَوْمٍ يَزْرَعُونَ في يَوْمٍ ويَحْصُدُونَ في يَوْمٍ، كُلَّما حَصَدُوا عادَ كَما كانَ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: ”يا جِبْرِيلُ، ما هَذا؟!“ . قالَ: هَؤُلاءِ المُجاهِدُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ تُضاعَفُ لَهُمُ الحَسَنَةُ بِسَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ، وما أنْفَقُوا مِن شَيْءٍ فَهو يُخْلِفُهُ. ثُمَّ أتى عَلى قَوْمٍ تُرْضَخُ رُؤُوسُهم بِالصَّخْرِ، كُلَّما رُضِخَتْ عادَتْ كَما كانَتْ، ولا يُفَتَّرُ عَنْهم مِن ذَلِكَ شَيْءٌ، فَقالَ: ”ما هَؤُلاءِ يا جِبْرِيلُ ؟!“ . قالَ: هَؤُلاءِ الَّذِينَ تَتَثاقَلُ رُؤُوسُهم عَنِ الصَّلاةِ المَكْتُوبَةِ. ثُمَّ أتى عَلى قَوْمٍ عَلى أقْبالِهِمْ رِقاعٌ، وعَلى أدْبارِهِمْ رِقاعٌ، يَسْرَحُونَ كَما تَسْرَحُ الإبِلُ والنَّعَمُ، ويَأْكُلُونَ الضَّرِيعَ والزَّقُّومَ ورَضْفَ جَهَنَّمَ وحِجارَتَها، قالَ: ”ما هَؤُلاءِ يا جِبْرِيلُ ؟!“ . قالَ: هَؤُلاءِ الَّذِينَ لا يُؤَدُّونَ صَدَقاتِ أمْوالِهِمْ وما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ شَيْئًا. ثُمَّ أتى عَلى قَوْمٍ بَيْنَ أيْدِيهِمْ لَحْمٌ نَضِيجٌ في قِدْرٍ، ولَحْمٌ آخَرُ نِيءٌ خَبِيثٌ، (p-١٧٣)فَجَعَلُوا يَأْكُلُونَ مِنَ النِّيءِ الخَبِيثِ ويَدَعُونَ النَّضِيجَ الطَّيِّبَ. قالَ: ”ما هَؤُلاءِ يا جِبْرِيلُ ؟!“ . قالَ: هَذا الرَّجُلُ مِن أُمَّتِكَ تَكُونُ عِنْدَهُ المَرْأةُ الحَلالُ الطَّيِّبُ، فَيَأْتِي اِمْرَأةً خَبِيثَةً فَيَبِيتُ عِنْدَها حَتّى يُصْبِحَ، والمَرْأةُ تَقُومُ مِن عِنْدِ زَوْجِها حَلالًا طَيِّبًا، فَتَأْتِي رَجُلًا خَبِيثًا فَتَبِيتُ مَعَهُ حَتّى تُصْبِحَ. ثُمَّ أتى عَلى خَشَبَةٍ عَلى الطَّرِيقِ لا يُمَرُّ بِها ثَوْبٌ إلّا شَقَّتْهُ ولا شَيْءٌ إلّا خَرَقَتْهُ، قالَ: ”ما هَذا يا جِبْرِيلُ ؟!“ . قالَ: هَذا مَثَلُ أقْوامٍ مِن أُمَّتِكَ يَقْعُدُونَ عَلى الطَّرِيقِ فَيَقْطَعُونَهُ. ثُمَّ أتى عَلى رَجُلٍ قَدْ جَمَعَ حُزْمَةً عَظِيمَةً لا يَسْتَطِيعُ حَمْلَها وهو يُزِيدُ عَلَيْها، فَقالَ: ”ما هَذا يا جِبْرِيلُ ؟!“ . قالَ: هَذا الرَّجُلُ مِن أُمَّتِكَ؛ يَكُونُ عَلَيْهِ أماناتُ النّاسِ لا يَقْدِرُ عَلى أدائِها وهو يُرِيدُ أنْ يَحْمِلَ عَلَيْها. ثُمَّ أتى عَلى قَوْمٍ تُقْرَضُ ألْسِنَتُهم وشِفاهُهم بِمَقارِيضَ مِن حَدِيدٍ كُلَّما قُرِضَتْ عادَتْ كَما كانَتْ، لا يُفَتَّرُ عَنْهم مِن ذَلِكَ شَيْءٌ قالَ: ”ما هَؤُلاءِ يا جِبْرِيلُ ؟!“ . قالَ: هَؤُلاءِ خَطْباءُ الفِتْنَةِ. ثُمَّ أتى عَلى جُحْرٍ صَغِيرٍ يَخْرُجُ مِنهُ ثَوْرٌ عَظِيمٌ، فَجَعَلَ الثَّوْرُ يُرِيدُ أنْ يَرْجِعَ مِن حَيْثُ خَرَجَ فَلا يَسْتَطِيعُ. قالَ: ”ما هَذا يا جِبْرِيلُ ؟!“ . قالَ: هَذا الرَّجُلُ يَتَكَلَّمُ بِالكَلِمَةِ العَظِيمَةِ، ثُمَّ يَنْدَمُ عَلَيْها فَلا يَسْتَطِيعُ أنْ يَرُدَّها. (p-١٧٤)ثُمَّ أتى عَلى وادٍ، فَوَجَدَ رِيحًا طَيِّبَةً بارِدَةً، ورِيحَ مِسْكٍ، وسَمِعَ صَوْتًا فَقالَ: ”يا جِبْرِيلُ، ما هَذا؟!“ . قالَ: هَذا صَوْتُ الجَنَّةِ، تَقُولُ: يا رَبِّ، اِئْتِنِي ما وعَدْتَنِي، فَقَدْ كَثُرَتْ غُرَفِي وإسْتَبْرَقِي وحَرِيرِي وسُنْدُسِي وعَبْقَرِيِّي ولُؤْلُؤِي ومَرْجانِي وفِضَّتِي وذَهَبِي وأكْوابِي وصِحافِي وأبارِيقِي ومَراكِبِي وعَسَلِي ومائِي ولَبَنِي وخَمْرِي، فائْتِنِي ما وعَدْتَنِي. فَقالَ: لَكِ كُلُّ مُسْلِمٍ ومُسْلِمَةٍ، ومُؤْمِنٍ ومُؤْمِنَةٍ. قالَتْ: رَضِيتُ. ثُمَّ أتى عَلى وادٍ فَسَمِعَ صَوْتًا مُنْكَرًا، ووَجَدَ رِيحًا مُنْتِنَةً، فَقالَ: ”ما هَذا يا جِبْرِيلُ ؟!“ . قالَ: هَذا صَوْتُ جَهَنَّمَ، تَقُولُ: رَبِّ اِئْتِنِي ما وعَدْتَنِي فَلَقَدْ كَثُرَتْ سَلاسِلِي وأغْلالِي وسَعِيرِي وحَمِيمِي وضَرِيعِي وغَسّاقِي وعَذابِي، وقَدْ بَعُدَ قَعْرِي، واشْتَدَّ حَرِّي، فائْتِنِي ما وعَدْتَنِي. قالَ: لَكِ كُلُّ مُشْرِكٍ ومُشْرِكَةٍ، وكافِرٍ وكافِرَةٍ، وكُلُّ خَبِيثٍ وخَبِيثَةٍ، وكُلُّ جَبّارٍ لا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الحِسابِ. قالَتْ: قَدْ رَضِيتُ. ثُمَّ سارَ حَتّى أتى بَيْتَ المَقْدِسِ، فَنَزَلَ فَرَبَطَ فَرَسَهُ إلى صَخْرَةٍ، ثُمَّ دَخَلَ فَصَلّى مَعَ المَلائِكَةِ، فَلَمّا قُضِيَتِ الصَّلاةُ قالُوا: يا جِبْرِيلُ، مَن هَذا مَعَكَ؟ قالَ: مُحَمَّدٌ ﷺ . قالُوا: أوَقَدْ بُعِثَ إلَيْهِ؟! قالَ: نَعَمْ. قالُوا: حَيّاهُ اللَّهُ مِن أخٍ ومِن خَلِيفَةٍ، فَنِعْمَ الأخُ ونِعْمَ الخَلِيفَةُ ونِعْمَ المَجِيءُ جاءَ. ثُمَّ لَقِيَ أرْواحَ الأنْبِياءِ، فَأثْنَوْا عَلى رَبِّهِمْ، فَقالَ إبْراهِيمُ: الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي (p-١٧٥)اِتَّخَذَنِي خَلِيلًا، وأعْطانِي مُلْكًا عَظِيمًا، وجَعَلَنِي أُمَّةً قانِتًا يُؤْتَمُّ بِي، وأنْقَذَنِي مِنَ النّارِ، وجَعَلَها عَلَيَّ بَرْدًا وسَلامًا. ثُمَّ إنَّ مُوسى أثْنى عَلى رَبِّهِ فَقالَ: الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي كَلَّمَنِي تَكْلِيمًا، وجَعَلَ هَلاكَ آلِ فِرْعَوْنَ ونَجاةَ بَنِي إسْرائِيلَ عَلى يَدَيَّ، وجَعَلَ مِن أُمَّتِي قَوْمًا يَهْدُونَ بِالحَقِّ وبِهِ يَعْدِلُونَ. ثُمَّ إنَّ داوُدَ أثْنى عَلى رَبِّهِ فَقالَ: الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ لِي مُلْكًا عَظِيمًا، وعَلَّمَنِي الزَّبُورَ، وألانَ لِيَ الحَدِيدَ، وسَخَّرَ لِيَ الجِبالَ يُسَبِّحْنَ والطَّيْرَ، وأعْطانِي الحِكْمَةَ وفَصْلَ الخِطابِ. ثُمَّ إنَّ سُلَيْمانَ أثْنى عَلى رَبِّهِ فَقالَ: الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي سَخَّرَ لِيَ الرِّياحَ، وسَخَّرَ لِيَ الشَّياطِينَ؛ يَعْمَلُونَ ما شِئْتُ مِن مَحارِيبَ وتَماثِيلَ وجِفانٍ كالجَوابِ وقُدُورٍ راسِياتٍ، وعَلَّمَنِي مَنطِقَ الطَّيْرِ، وآتانِي مِن كُلِّ شَيْءٍ فَضْلًا، وسَخَّرَ لِي جُنُودَ الشَّياطِينِ والإنْسَ والطَّيْرَ، وفَضَّلَنِي عَلى كَثِيرٍ مِن عِبادِهِ المُؤْمِنِينَ، وآتانِي مُلْكًا عَظِيمًا لا يَنْبَغِي لِأحَدٍ مِن بَعْدِي، وجَعَلَ مُلْكِي مُلْكًا طَيِّبًا، لَيْسَ فِيهِ حِسابٌ. ثُمَّ إنَّ عِيسى أثْنى عَلى رَبِّهِ، فَقالَ: الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَنِي كَلِمَتَهُ، وجَعَلَ مَثَلِي مَثَلَ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرابٍ، ثُمَّ قالَ لَهُ: كُنْ. فَيَكُونَ. وعَلَّمَنِيَ الكِتابَ والحِكْمَةَ والتَّوْراةَ والإنْجِيلَ، وجَعَلَنِي أخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ، فَأنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإذْنِ اللَّهِ، وجَعَلَنِي أُبْرِئُ الأكْمَهَ والأبْرَصَ وأُحْيِي المَوْتى بِإذْنِهِ، ورَفَعَنِي وطَهَّرَنِي وأعاذَنِي وأُمِّي مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ، فَلَمْ يَكُنْ لِلشَّيْطانِ عَلَيْنا سَبِيلٌ. ثُمَّ إنَّ مُحَمَّدًا ﷺ أثْنى عَلى رَبِّهِ عَزَّ وجَلَّ فَقالَ: ”كُلُّكم أثْنى عَلى رَبِّهِ، وإنِّي مُثْنٍ (p-١٧٦)عَلى رَبِّي“ . فَقالَ: ”الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أرْسَلَنِي رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ، وكافَّةً لِلنّاسِ بَشِيرًا ونَذِيرًا، وأنْزَلَ عَلَيَّ الفَرْقانَ فِيهِ بَيانٌ لِكُلِّ شَيْءٍ، وجَعَلَ أُمَّتِي خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ، وجَعَلَ أُمَّتِي أُمَّةً وسَطًا، وجَعَلَ أُمَّتِي هُمُ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ، وشَرَحَ لِي صَدْرِي، ووَضَعَ عَنِّي وِزْرِي، ورَفَعَ لِي ذِكْرِي، وجَعَلَنِي فاتِحًا وخاتَمًا“ . فَقالَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ: بِهَذا فَضَلَكم مُحَمَّدٌ. ثُمَّ: أُتِيَ بِآنِيَةٍ ثَلاثَةٍ مُغَطّاةٍ أفْواهُها، فَأُتِيَ بِإناءٍ مِنها فِيهِ ماءٌ، فَقِيلَ: اِشْرَبْ. فَشَرِبَ مِنهُ يَسِيرًا، ثُمَّ دُفِعَ إلَيْهِ إناءٌ آخَرُ فِيهِ لَبَنٌ، فَقِيلَ لَهُ: اِشْرَبْ. فَشَرِبَ مِنهُ حَتّى رَوِيَ، ثُمَّ دُفِعَ إلَيْهِ إناءٌ آخَرُ فِيهِ الخَمْرُ، فَقِيلَ لَهُ: اِشْرَبْ. فَقالَ: لا أُرِيدُهُ، قَدْ رَوِيتُ. فَقالَ لَهُ جِبْرِيلُ: أما إنَّها سَتَحْرُمُ عَلى أُمَّتِكَ، ولَوْ شَرِبْتَ مِنها لَمْ يَتْبَعْكَ مِن أُمَّتِكَ إلّا قَلِيلٌ. ثُمَّ صَعِدَ بِي إلى السَّماءِ فاسْتَفْتَحَ، فَقِيلَ: مَن هَذا يا جِبْرِيلُ ؟ قالَ: مُحَمَّدٌ. قالُوا: وقَدْ أُرْسِلَ إلَيْهِ؟! قالَ: نَعَمْ. قالُوا: حَيّاهُ اللَّهُ مِن أخٍ ومِن خَلِيفَةٍ، فَنِعْمَ الأخُ ونِعْمَ الخَلِيفَةُ ونِعْمَ المَجِيءُ جاءَ. فَدَخَلَ، فَإذا هو بِرَجُلٍ تامُّ الخَلْقِ لَمْ يُنْقَصْ مِن خَلْقِهِ شَيْءٌ، كَما يُنْقَصُ مِن خَلْقِ النّاسِ، عَلى يَمِينِهِ بابٌ يَخْرُجُ مِنهُ رِيحٌ طَيِّبَةٌ، (p-١٧٧)وعَنْ شِمالِهِ بابٌ يَخْرُجُ مِنهُ رِيحٌ خَبِيثَةٌ، إذا نَظَرَ إلى البابِ الَّذِي عَنْ يَمِينِهِ ضَحِكَ واسْتَبْشَرَ، وإذا نَظَرَ إلى البابِ الَّذِي عَنْ يَسارِهِ بَكى وحَزِنَ، فَقُلْتُ: ”يا جِبْرِيلُ، مَن هَذا؟“ . قالَ: هَذا أبُوكَ آدَمُ، وهَذا البابُ الَّذِي يَمِينِهِ بابُ الجَنَّةِ، إذا نَظَرَ إلى مَن يَدْخُلُهُ مِن ذُرِّيَّتِهِ ضَحِكَ واسْتَبْشَرَ، والبابِ الَّذِي عَنْ شِمالِهِ بابُ جَهَنَّمَ، إذا نَظَرَ إلى مَن يَدْخُلُهُ مِن ذُرِّيَّتِهِ بَكى وحَزِنَ. ثُمَّ صَعِدَ بِي جِبْرِيلُ إلى السَّماءِ الثّانِيَةِ، فاسْتَفْتَحَ، قِيلَ: مَن هَذا مَعَكَ؟ قالَ: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ. قالُوا: وقَدْ أُرْسِلَ مُحَمَّدٌ؟ قالَ: نَعَمْ. قالُوا: حَيّاهُ اللَّهُ مِن أخٍ وخَلِيفَةٍ، فَنِعْمَ الأخُ ونِعْمَ الخَلِيفَةُ ونِعْمَ المَجِيءُ جاءَ، فَإذا هو بِشابَّيْنِ، قالَ: ”يا جِبْرِيلُ مَن هَذانِ؟“ . قالَ: عِيسى اِبْنُ مَرْيَمَ، ويَحْيى بْنُ زَكَرِيّا. فَصَعِدَ بِهِ إلى السَّماءِ الثّالِثَةِ، فاسْتَفْتَحَ، فَقالُوا: مَن هَذا؟ قالَ: جِبْرِيلُ. (p-١٧٨)قالُوا: ومَن مَعَكَ؟ قالَ: مُحَمَّدٌ. قالُوا: أوَقَدْ أُرْسِلَ؟ قالَ: نَعَمْ. قالُوا: حَيّاهُ اللَّهُ مِن أخٍ ومِن خَلِيفَةٍ، فَنِعْمَ الأخُ ونِعْمَ الخَلِيفَةُ ونِعْمَ المَجِيءُ جاءَ. فَدَخَلَ، فَإذا هو بِرَجُلٍ قَدْ فُضِّلَ عَلى النّاسِ في الحُسْنِ كَما فُضِّلَ القَمَرُ لَيْلَةَ البَدْرِ عَلى سائِرِ الكَواكِبِ، قالَ: مَن هَذا يا جِبْرِيلُ ؟ قالَ: هَذا أخُوكَ يُوسُفُ. ثُمَّ صَعِدَ بِهِ إلى السَّماءِ الرّابِعَةِ، فاسْتَفْتَحَ، فَقِيلَ: مَن هَذا؟ قالَ: جِبْرِيلُ. قالُوا: ومَن مَعَكَ؟ قالَ: مُحَمَّدٌ. قالُوا: أوَقَدْ أُرْسِلَ؟ قالَ: نَعَمْ. قالُوا: حَيّاهُ اللَّهُ مِن أخٍ ومِن خَلِيفَةٍ، فَنِعْمَ الأخُ ونِعْمَ الخَلِيفَةُ ونِعْمَ المَجِيءُ جاءَ. فَدَخَلَ فَإذا هو بِرَجُلٍ، قالَ: ”مَن هَذا يا جِبْرِيلُ ؟“ . قالَ: هَذا إدْرِيسُ، رَفَعَهُ اللَّهُ مَكانًا عَلِيًّا. ثُمَّ صَعِدَ بِهِ إلى السَّماءِ الخامِسَةِ، فاسْتَفْتَحَ، قالُوا: مَن هَذا؟ قالَ: جِبْرِيلُ. قالُوا: ومَن مَعَكَ؟ قالَ: مُحَمَّدٌ قالُوا: وقَدْ أُرْسِلَ إلَيْهِ؟ قالَ: نَعَمْ. قالُوا: حَيّاهُ اللَّهُ مِن أخٍ ومِن خَلِيفَةٍ، فَنِعْمَ الأخُ ونِعْمَ الخَلِيفَةُ ونِعْمَ المَجِيءُ جاءَ. ثُمَّ دَخَلَ فَإذا هو بِرَجُلٍ جالِسٍ وحَوْلَهُ قَوْمٌ يَقُصُّ عَلَيْهِمْ، قالَ: ”مَن هَذا يا جِبْرِيلُ، ومَن هَؤُلاءِ الَّذِينَ حَوْلَهُ؟“ . قالَ: (p-١٧٩)هَذا هارُونُ المُحَبَّبُ، وهَؤُلاءِ بَنُو إسْرائِيلَ. ثُمَّ صَعِدَ بِهِ إلى السَّماءِ السّادِسَةِ، فاسْتَفْتَحَ، فَقِيلَ لَهُ: مَن هَذا؟ قالَ: جِبْرِيلُ. قالُوا: ومَن مَعَكَ؟ قالَ: مُحَمَّدٌ. قالُوا: أوَقَدْ أُرْسِلَ؟ قالَ: نَعَمْ. قالُوا: حَيّاهُ اللَّهُ مِن أخٍ ومِن خَلِيفَةٍ فَنِعْمَ الأخُ ونِعْمَ الخَلِيفَةُ ونِعْمَ المَجِيءُ جاءَ. فَإذا هو بِرَجُلٍ جالِسٍ فَجاوَزَهُ فَبَكى الرَّجُلُ، قالَ: ”يا جِبْرِيلُ مَن هَذا؟“ . قالَ: مُوسى”. قالَ:“فَما بالُهُ يَبْكِي؟”. قالَ: يَزْعُمُ بَنُو إسْرائِيلَ أنِّي أكْرَمُ بَنِي آدَمَ عَلى اللَّهِ، وهَذا رَجُلٌ مِن بَنِي آدَمَ قَدْ خَلَفَنِي في دُنْيا وأنا في أُخْرى، فَلَوْ أنَّهُ بِنَفْسِهِ لَمْ أُبالِ، ولَكِنْ مَعَ كُلِّ نَبِيٍّ أُمَّتُهُ. ثُمَّ صَعِدَ بِهِ إلى السَّماءِ السّابِعَةِ، فاسْتَفْتَحَ، فَقِيلَ: مَن هَذا؟ قالَ: جِبْرِيلُ. قِيلَ: ومَن مَعَكَ؟ قالَ: مُحَمَّدٌ. قالُوا: وقَدْ أُرْسِلَ؟ قالَ: نَعَمْ. قالُوا: حَيّاهُ اللَّهُ مِن أخٍ وخَلِيفَةٍ، فَنِعْمَ الأخُ ونِعْمَ الخَلِيفَةُ ونِعْمَ المَجِيءُ جاءَ، فَدَخَلَ فَإذا هو بِرَجُلٍ أشْمَطَ، جالِسٍ عِنْدَ بابِ الجَنَّةِ عَلى كُرْسِيٍّ، وعِنْدَهُ قَوْمٌ جُلُوسٌ بِيضُ الوُجُوهِ أمْثالُ القَراطِيسِ، وقَوْمٌ في ألْوانِهِمْ شَيْءٌ، فَقامَ هَؤُلاءِ الَّذِينَ في ألْوانِهِمْ شَيْءٌ، فَدَخَلُوا نَهْرًا فاغْتَسَلُوا فِيهِ، فَخَرَجُوا وقَدْ خَلَصَ مِن ألْوانِهِمْ شَيْءٌ، ثُمَّ دَخَلُوا نَهْرًا آخَرَ فاغْتَسَلُوا فِيهِ، فَخَرَجُوا وقَدْ خَلَصَ مِن ألْوانِهِمْ شَيْءٌ، ثُمَّ دَخَلُوا نَهْرًا آخَرَ فاغْتَسَلُوا فِيهِ، فَخَرَجُوا وقَدْ خَلَصَتْ ألْوانُهُمْ، فَصارَتْ مِثْلَ (p-١٨٠)ألْوانِ أصْحابِهِمْ، فَجاءُوا فَجَلَسُوا إلى أصْحابِهِمْ، فَقالَ:“يا جِبْرِيلُ، مَن هَذا الأشْمَطُ، ومَن هَؤُلاءِ البِيضُ الوُجُوهِ، ومَن هَؤُلاءِ الَّذِينَ في ألْوانِهِمْ شَيْءٌ، وما هَذِهِ الأنْهارُ الَّتِي دَخَلُوا؟”. قالَ: هَذا أبُوكَ إبْراهِيمُ أوَّلُ مَن شَمِطَ عَلى الأرْضِ، وأمّا هَؤُلاءِ البَيْضُ الوُجُوهِ، فَقَوْمٌ لَمْ يَلْبِسُوا إيمانَهم بِظُلْمٍ، وأمّا هَؤُلاءِ الَّذِينَ في ألْوانِهِمْ شَيْءٌ فَقَوْمٌ خَلَطُوا عَمَلًا صالِحًا وآخَرَ سَيِّئًا، فَتابُوا فَتابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، وأمّا الأنْهارُ؛ فَأوَّلُها رَحْمَةُ اللَّهِ، والثّانِي نِعْمَةُ اللَّهِ، والثّالِثُ سَقاهم رَبُّهم شَرابًا طَهُورًا. ثُمَّ اِنْتَهى إلى السِّدْرَةِ، قِيلَ لَهُ: هَذِهِ السِّدْرَةُ يَنْتَهِي إلَيْها كُلُّ أحَدٍ خَلا مِن أُمَّتِكَ عَلى سُنَّتِكَ. فَإذا هي شَجَرَةٌ يَخْرُجُ مِن أصْلِها أنْهارٌ مِن ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ، وأنْهارٌ مِن لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ، وأنْهارٌ مِن خَمْرَةٍ لَذَّةٍ لِلشّارِبِينَ، وأنْهارٌ مِن عَسَلٍ مُصَفًّى، وهي شَجَرَةٌ يَسِيرُ الرّاكِبُ في ظِلِّها سَبْعِينَ عامًا [٢٥١ظ] لا يَقْطَعُها، والوَرَقَةُ مِنها مُغَطِّيَةٌ لِلْأُمَّةِ كُلِّها، فَغَشِيَها نُورُ الخَلّاقِ عَزَّ وجَلَّ، وغَشِيَتْها المَلائِكَةُ أمْثالَ الغِرْبانِ حِينَ تَقَعُ عَلى الشَّجَرَ. فَكَلَّمَهُ تَعالى عِنْدَ ذَلِكَ فَقالَ لَهُ: سَلْ. فَقالَ:“اِتَّخَذْتَ إبْراهِيمَ خَلِيلًا، وأعْطَيْتَهُ مُلْكًا عَظِيمًا، وكَلَّمْتَ مُوسى تَكْلِيمًا، وأعْطَيْتَ داوُدَ مُلْكًا عَظِيمًا، وألَنْتَ لَهُ الحَدِيدَ، وسَخَّرْتَ لَهُ الجِبالَ، وأعْطَيْتَ سُلَيْمانَ مُلْكًا عَظِيمًا، وسَخَّرْتَ لَهُ الجِنَّ والإنْسَ والشَّياطِينَ، وسَخَّرْتَ لَهُ الرِّياحَ، وأعْطَيْتَهُ مُلْكًا لا (p-١٨١)يَنْبَغِي لِأحَدٍ مِن بَعْدِهِ، وعَلَّمْتَ عِيسى التَّوْراةَ والإنْجِيلَ، وجَعَلْتَهُ يُبْرِئُ الأكْمَهَ والأبْرَصَ، ويُحْيِي المَوْتى بِإذْنِكَ، وأعَذْتَهُ وأُمَّهُ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ، فَلَمْ يَكُنْ لِلشَّيْطانِ عَلَيْهِما سَبِيلٌ”. فَقالَ لَهُ رَبُّهُ: وقَدِ اِتَّخَذْتُكَ خَلِيلًا، وهو مَكْتُوبٌ في التَّوْراةِ: حَبِيبُ الرَّحْمَنِ، وأرْسَلْتُكَ إلى النّاسِ كافَّةً بَشِيرًا ونَذِيرًا، وشَرَحْتُ لَكَ صَدْرَكَ، ووَضَعْتُ عَنْكَ وِزْرَكَ، ورَفَعْتُ لَكَ ذِكْرَكَ، فَلا أُذْكَرُ إلّا وذُكِرْتَ مَعِي، وجَعَلْتُ أُمَّتَكَ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ، وجَعَلْتُ أُمَّتَكَ أُمَّةً وسَطًا، وجَعَلْتُ أُمَّتَكَ هُمُ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ، وجَعَلْتُ أُمَّتَكَ لا تَجُوزُ لَهم خُطْبَةٌ حَتّى يَشْهَدُوا أنَّكَ عَبْدِي ورَسُولِي، وجَعَلْتُ مِن أُمَّتِكَ أقْوامًا قُلُوبُهم أناجِيلُهُمْ، وجَعَلْتُكَ أوَّلَ النَّبِيِّينَ خَلْقًا، وآخِرَهم بَعْثًا، وأوَّلَهم يُقْضى لَهُ، وأعْطَيْتُكَ سَبْعًا مِنَ المَثانِي لَمْ أُعْطِها نَبِيًّا قَبْلَكَ، وأعْطَيْتُكَ خَواتِيمَ سُورَةِ“البَقَرَةِ”مِن كَنْزٍ تَحْتَ العَرْشِ لَمْ أُعْطِها نَبِيًّا قَبْلَكَ، وأعْطَيْتُكَ الكَوْثَرَ، وأعْطَيْتُكَ ثَمانِيَةَ أسْهُمٍ؛ الإسْلامَ والهِجْرَةَ والجِهادَ والصَّلاةَ والصَّدَقَةَ وصَوْمَ رَمَضانَ والأمْرَ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيَ عَنِ المُنْكَرِ، وجَعَلْتُكَ فاتِحًا وخاتَمًا. قالَ النَّبِيُّ ﷺ:“فَضَّلَنِي رَبِّي وأرْسَلَنِي رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ، وكافَّةً لِلنّاسِ بَشِيرًا ونَذِيرًا، وألْقى في قَلْبِ عَدُوِّي الرُّعْبَ مِن مَسِيرَةِ شَهْرٍ، وأحَلَّ لِيَ الغَنائِمَ، ولَمْ (p-١٨٢)تَحِلَّ لِأحَدٍ قَبْلِي، وجُعِلَتْ لِيَ الأرْضُ كُلُّها مَسْجِدًا وطَهُورًا، وأُعْطِيتُ فَواتِحَ الكَلامِ وخَواتِمَهُ وجَوامِعَهُ، وعُرِضَتْ عَلَيَّ أُمَّتِي فَلَمْ يَخْفَ عَلَيَّ التّابِعُ والمَتْبُوعُ، ورَأيْتُهم أتَوْا عَلى قَوْمٍ يَنْتَعِلُونَ الشَّعْرَ، ورَأيْتُهم أتَوْا عَلى قَوْمٍ عِراضِ الوُجُوهِ صِغارِ الأعْيُنِ، كَأنَّما خُرِمَتْ أعْيُنُهم بِالمِخْيَطِ، فَلَمْ يَخْفَ عَلَيَّ ما هم لاقُونَ مِن بَعْدِي، وأُمِرْتُ بِخَمْسِينَ صَلاةً”. فَلَمّا رَجَعَ إلى مُوسى قالَ: بِمَ أُمِرْتَ؟ قالَ:“بِخَمْسِينَ صَلاةً”. قالَ: اِرْجِعْ إلى رَبِّكَ فاسْألْهُ التَّخْفِيفَ، فَإنَّ أُمَّتَكَ أضْعَفُ الأُمَمِ، فَقَدْ لَقِيتُ مِن بَنِي إسْرائِيلَ شِدَّةً. فَرَجَعَ النَّبِيُّ ﷺ إلى رَبِّهِ فَسَألَهُ التَّخْفِيفَ، فَوَضَعَ عَنْهُ عَشْرًا، ثُمَّ رَجَعَ إلى مُوسى فَقالَ: بِكم أُمِرْتَ؟ قالَ:“بِأرْبَعِينَ”. قالَ: اِرْجِعْ إلى رَبِّكَ فاسْألْهُ التَّخْفِيفَ. فَرَجَعَ فَوَضَعَ عَنْهُ عَشْرًا، إلى أنْ جَعَلَها خَمْسًا، قالَ: اِرْجِعْ إلى رَبِّكَ فاسْألْهُ التَّخْفِيفَ. قالَ:“قَدْ رَجَعْتُ إلى رَبِّي حَتّى اِسْتَحْيَيْتُ، فَما أنا بِراجِعٍ إلَيْهِ”. قِيلَ لَهُ: أما إنَّكَ كَما صَبَرْتَ نَفْسَكَ عَلى خَمْسِ صَلَواتٍ، فَإنَّهُنَّ يَجْزِينَ عَنْكَ خَمْسِينَ صَلاةً، فَإنَّ كُلَّ حَسَنَةٍ بِعَشْرِ أمْثالِها. فَرَضِيَ مُحَمَّدٌ ﷺ كُلَّ الرِّضا. قالَ: وكانَ مُوسى مِن أشَدِّهِمْ عَلَيْهِ حِينَ مَرَّ بِهِ، وخَيْرِهِمْ لَهُ حِينَ رَجَعَ إلَيْهِ» . [[اختُصِرَ كلام المؤلف لشدة طوله]]

الإسراء 17:2

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وآتَيْنا مُوسى الكِتابَ﴾ أخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وآتَيْنا مُوسى الكِتابَ وجَعَلْناهُ هُدًى لِبَنِي إسْرائِيلَ﴾ . قالَ: جَعَلَهُ اللَّهُ لَهم هُدًى، يُخْرِجُهم مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ، وجَعَلَهُ رَحْمَةً لَهم. وأخْرَجَ اِبْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ألا تَتَّخِذُوا مِن دُونِي وكِيلا﴾ . قالَ: شَرِيكًا.

الإسراء 17:3

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذُرِّيَّةَ مَن حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ﴾ الآيَةَ. أخْرَجَ اِبْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ذُرِّيَّةَ مَن حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ﴾ . قالَ: هو عَلى النِّداءِ: يا ذَرِّيَّةَ مَن حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ. (p-٢٤٧)وأخْرَجَ اِبْنُ مَرْدُويَهْ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ الأنْصارِيِّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «”﴿ذُرِّيَّةَ مَن حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ﴾ ما كانَ مَعَ نُوحٍ إلّا أرْبَعَةُ أوْلادٍ؛ حامٌ وِسامٌ ويافِثُ وكُوشٌ، فَذَلِكَ أرْبَعَةُ أوْلادٍ اِنْتَسَلُوا هَذا الخَلْقَ“» . * * قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهُ كانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾ أخْرَجَ اِبْنُ مَرْدُويَهْ عَنْ أبِي فاطِمَةَ، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «”كانَ نُوحٌ لا يَحْمِلُ شَيْئًا صَغِيرًا ولا كَبِيرًا إلّا قالَ: بِاسْمِ اللَّهِ والحَمْدُ لِلَّهِ. فَسَمّاهُ اللَّهُ عَبْدًا شَكُورًا“» . وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ في ”شُعَبِ الإيمانِ“، عَنْ سَلْمانَ قالَ: كانَ نُوحٌ إذا لَبِسَ ثَوْبًا أوْ طَعِمَ طَعامًا حَمِدَ اللَّهَ، فَسُمِّيَ عَبْدًا شَكُورًا. وأخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ، عَنْ سَعْدِ بْنِ مَسْعُودٍ الثَّقَفِيِّ الصَّحابِيِّ قالَ: إنَّما سُمِّيَ نُوحٌ عَبْدًا شَكُورًا لِأنَّهُ كانَ إذا أكَلَ أوْ شَرِبَ أوْ لَبِسَ ثَوْبًا حَمِدَ اللَّهَ. (p-٢٤٨)وأخْرَجَ اِبْنُ أبِي الدُّنْيا، والبَيْهَقِيُّ في ”شُعَبِ [٢٥٥و] الإيمانِ“، عَنْ عائِشَةَ، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «”إنَّ نُوحًا لَمْ يَقُمْ عَنْ خَلاءٍ قَطُّ إلّا قالَ: الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أذاقَنِي لَذَّتَهُ، وأبْقى مَنفَعَتَهُ في جَسَدِي، وأخْرَجَ عَنِّي أذاهُ“» . وأخْرَجَ اِبْنُ أبِي شَيْبَةَ في ”المُصَنَّفِ“ عَنِ العَوامِّ قالَ: حُدِّثْتُ أنَّ نُوحًا كانَ يَقُولُ: الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أذاقَنِي لَذَّتَهُ، وأبْقى فِيَّ مَنفَعَتَهُ، وأذْهَبَ عَنِّي أذاهُ. وأخْرَجَ اِبْنُ أبِي الدُّنْيا، والبَيْهَقِيُّ في ”شُعَبِ الإيمانِ“، عَنْ أصْبَغَ بْنِ زَيْدٍ، أنَّ نُوحًا كانَ إذا خَرَجَ مِنَ الكَنِيفِ قالَ ذَلِكَ، فَسُمِّيَ عَبْدًا شَكُورًا. وأخْرَجَ اِبْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنْ إبْراهِيمَ التَّيْمِيِّ، أنَّ نُوحًا كانَ إذا خَرَجَ مِنَ الغائِطِ قالَ: الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أذْهَبَ عَنِّي الأذى وعافانِي. وأخْرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ في زَوائِدِ ”الزُّهْدِ“ عَنْ إبْراهِيمَ قالَ: شُكْرُهُ أنْ يُسَمِّيَ إذا أكَلَ، ويَحْمَدَ اللَّهَ إذا فَرَغَ. وأخْرَجَ اِبْنُ أبِي الدُّنْيا، والبَيْهَقِيُّ في ”شُعَبِ الإيمانِ“، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ كانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾ . قالَ: لَمْ يَأْكُلْ شَيْئًا قَطُّ إلّا حَمِدَ اللَّهَ، ولَمْ يَشْرَبْ (p-٢٤٩)شَرابًا قَطُّ إلّا حَمِدَ اللَّهَ عَلَيْهِ، ولَمْ يَمْشِ مَشْيًا قَطُّ إلّا حَمِدَ اللَّهَ عَلَيْهِ، ولَمْ يَبْطِشْ بِشَيْءٍ قَطُّ إلّا حَمِدَ اللَّهَ عَلَيْهِ، فَأثْنى اللَّهُ عَلَيْهِ: ﴿إنَّهُ كانَ عَبْدًا شَكُورًا﴾ . وأخْرَجَ أحْمَدُ في ”الزُّهْدِ“، وابْنُ أبِي الدُّنْيا، والبَيْهَقِيُّ في ”الشُّعَبِ“، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ قالَ: كانَ نُوحٌ إذا أكَلَ قالَ: الحَمْدُ لِلَّهِ. وإذا شَرِبَ قالَ: الحَمْدُ لِلَّهِ. وإذا لَبِسَ قالَ: الحَمْدُ لِلَّهِ. وإذا رَكِبَ قالَ: الحَمْدُ لِلَّهِ. فَسَمّاهُ اللَّهُ عَبْدًا شَكُورًا. وأخْرَجَ اِبْنُ مَرْدُويَهْ عَنْ مُعاذِ بْنِ أنَسٍ الجُهَنِيِّ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «”إنَّما سَمّى اللَّهُ نُوحًا عَبْدًا شَكُورًا؛ لِأنَّهُ كانَ إذا أمْسى وأصْبَحَ قالَ: سُبْحانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وحِينَ تُصْبِحُونَ، ولَهُ الحَمْدُ في السَّماواتِ والأرْضِ وعَشِيًّا وحِينَ تُظْهِرُونَ“» . وأخْرَجَ اِبْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنْ عَلِيٍّ، أنَّهُ قالَ: حَقُّ الطَّعامِ أنْ يَقُولَ العَبْدُ: بِاسْمِ اللَّهِ، اللَّهُمَّ بارِكْ لَنا فِيما رَزَقْتَنا. وشُكْرُهُ أنْ يَقُولَ: الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أطْعَمَنا وسَقانا. وأخْرَجَ اِبْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنْ تَمِيمِ بْنِ سَلَمَةَ قالَ: حُدِّثْتُ أنَّ الرَّجُلَ إذا ذَكَرَ (p-٢٥٠)اِسْمَ اللَّهِ عَلى طَعامِهِ، وحَمِدَهُ عَلى آخِرِهِ، لَمْ يُسْألْ عَنْ نَعِيمِ لَذَّةِ الطَّعامِ. وأخْرَجَ اِبْنُ أبِي شَيْبَةَ، والتِّرْمِذِيُّ، وابْنُ ماجَهْ، والطَّبَرانِيُّ في ”الدُّعاءِ“، والحاكِمُ، «عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ، أنَّهُ لَبِسَ ثَوْبًا جَدِيدًا فَقالَ: الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي كَسانِي ما أُوارِي بِهِ عَوْرَتِي وأتَجَمَّلُ بِهِ في حَياتِي. ثُمَّ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ”مَن لَبِسَ ثَوْبًا جَدِيدًا فَقالَ: الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي كَسانِي ما أُوارِي بِهِ عَوْرَتِي وأتَجَمَّلُ بِهِ في حَياتِي. ثُمَّ عَمَدَ إلى الثَّوْبِ الَّذِي خَلِقَ فَتَصَدَّقَ بِهِ، كانَ في كَنَفِ اللَّهِ، وفي حِفْظِ اللَّهِ، وفي سَتْرِ اللَّهِ، حَيًّا ومَيِّتًا“ . قالَها ثَلاثًا» . وأخْرَجَ اِبْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أبِي لَيْلى قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «”إذا لَبِسَ أحَدُكم ثَوْبًا جَدِيدًا، فَلْيَقُلِ: الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي كَسانِي ما أُوارِي بِهِ عَوْرَتِي وأتَجَمَّلُ بِهِ في النّاسِ“» . وأخْرَجَ اِبْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنْ عَوْنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: لَبِسَ رَجُلٌ ثَوْبًا جَدِيدًا، فَحَمِدَ اللَّهَ، فَأُدْخِلَ الجَنَّةَ، أوْ غُفِرَ لَهُ.

الإسراء 17:4

(p-٢٥١)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقَضَيْنا إلى بَنِي إسْرائِيلَ﴾ الآيَةَ. أخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وقَضَيْنا إلى بَنِي إسْرائِيلَ﴾ . قالَ: أعْلَمْناهم. وأخْرَجَ اِبْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وقَضَيْنا إلى بَنِي إسْرائِيلَ﴾ . قالَ: أخْبَرْناهم. وأخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وقَضَيْنا إلى بَنِي إسْرائِيلَ﴾ . قالَ: قَضَيْنا عَلَيْهِمْ. وأخْرَجَ اِبْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وقَضَيْنا إلى بَنِي إسْرائِيلَ في الكِتابِ لَتُفْسِدُنَّ في الأرْضِ مَرَّتَيْنِ﴾ . قالَ: هَذا تَفْسِيرُ الَّذِي قَبْلَهُ. وأخْرَجَ اِبْنُ المُنْذِرِ، والحاكِمُ، عَنْ طاوُسٍ قالَ: كُنْتُ عِنْدَ اِبْنِ عَبّاسٍ ومَعَنا رَجُلٌ مِنَ القَدَرِيَّةِ، فَقُلْتُ: إنَّ أُناسًا يَقُولُونَ: لا قَدَرَ. قالَ: أوَفِي القَوْمِ أحَدٌ مِنهُمْ؟ قُلْتُ: لَوْ كانَ، ما كُنْتَ تَصْنَعُ بِهِ؟ قالَ: لَوْ كانَ فِيهِمْ أحَدٌ مِنهم لَأخَذْتُ بِرَأْسِهِ، ثُمَّ قَرَأْتُ عَلَيْهِ: ﴿وقَضَيْنا إلى بَنِي إسْرائِيلَ في الكِتابِ لَتُفْسِدُنَّ في الأرْضِ مَرَّتَيْنِ ولَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾ . وأخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ عَنِ اِبْنِ مَسْعُودٍ قالَ: إنَّ اللَّهَ عَهِدَ إلى بَنِي إسْرائِيلَ في (p-٢٥٢)التَّوْراةِ: لَتُفْسِدُنَّ في الأرْضِ مَرَّتَيْنِ. فَكانَ أوَّلَ الفَسادَيْنِ قَتْلُ زَكَرِيّا، فَبَعَثَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مَلِكَ النَّبَطِ، فَبَعَثَ الجُنُودَ وكانَتْ أساوِرَتُهُ أهْلَ فارِسَ، فَهم أُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ. فَتَحَصَّنَتْ بَنُو إسْرائِيلَ، وخَرَجَ فِيهِمْ بُخْتُنَصَّرَ يَتِيمًا مِسْكِينًا، إنَّما خَرَجَ يَسْتَطْعِمُ، وتَلَطَّفَ حَتّى دَخَلَ المَدِينَةَ، فَأتى مَجالِسَهم وهم يَقُولُونَ: لَوْ يَعْلَمُ عَدُوُّنا ما قُذِفَ في قُلُوبِنا مِنَ الرُّعْبِ بِذُنُوبِنا ما أرادُوا قِتالَنا. فَخَرَجَ بُخْتُنَصَّرَ حِينَ سَمِعَ ذَلِكَ مِنهُمْ، واشْتَدَّ القِيامُ عَلى الجَيْشِ، فَرَجَعُوا، وذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ: ﴿فَإذا جاءَ وعْدُ أُولاهُما بَعَثْنا عَلَيْكم عِبادًا لَنا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ الآيَةَ. ثُمَّ إنَّ بَنِي إسْرائِيلَ تَجَهَّزُوا فَغَزَوُا النَّبَطَ، فَأصابُوا مِنهُمْ، واسْتَنْقَذُوا ما في أيْدِيهِمْ، فَذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ: ﴿ثُمَّ رَدَدْنا لَكُمُ الكَرَّةَ عَلَيْهِمْ﴾ الآيَةَ. وأخْرَجَ اِبْنُ عَساكِرَ في ”تارِيخِهِ“ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ في قَوْلِهِ: ﴿لَتُفْسِدُنَّ في الأرْضِ مَرَّتَيْنِ﴾ . قالَ: الأُولى قَتْلُ زَكَرِيّا، والآخِرَةُ قَتْلُ يَحْيى. وأخْرَجَ اِبْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عَطِيَّةَ في قَوْلِهِ: ﴿لَتُفْسِدُنَّ في الأرْضِ مَرَّتَيْنِ﴾ . قالَ: أفْسَدُوا في المَرَّةِ الأُولى، فَأرْسَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ جالُوتَ فَقَتَلَهُمْ، وأفْسَدُوا (p-٢٥٣)المَرَّةَ الثّانِيَةَ فَقَتَلُوا يَحْيى بْنَ زَكَرِيّا، فَبَعَثَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بُخْتُنَصَّرَ. وأخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ قالَ: بَعَثَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ في الأُولى جالُوتَ، فَجاسَ خِلالَ دِيارِهِمْ، وضَرَبَ عَلَيْهِمُ الخَراجَ والذُّلَّ، فَسَألُوا اللَّهَ أنْ يَبْعَثَ إلَيْهِمْ مَلِكًا يُقاتِلُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ، فَبَعَثَ اللَّهُ طالُوتَ، فَقاتَلُوا جالُوتَ، فَنَصَرَ اللَّهُ بَنِي إسْرائِيلَ، وقُتِلَ جالُوتُ بِيَدَيْ داوُدَ، ورَجَعَ إلى بَنِي إسْرائِيلَ مُلْكُهُمْ، فَلَمّا أفْسَدُوا بَعَثَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ في المَرَّةِ الآخِرَةِ بُخْتُنَصَّرَ، فَخَرَّبَ المَساجِدَ وتَبَّرَ ما عَلَوْا تَتْبِيرًا. قالَ اللَّهُ بَعْدَ الأُولى والآخِرَةِ: ﴿عَسى رَبُّكم أنْ يَرْحَمَكم وإنْ عُدْتُمْ عُدْنا﴾ . قالَ: فَعادُوا فَسَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ المُؤْمِنِينَ. وأخْرَجَ اِبْنُ أبِي حاتِمٍ، مِن طَرِيقِ أبِي هاشِمٍ العَبْدِيِّ، عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ قالَ: مَلَكَ ما بَيْنَ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ أرْبَعَةٌ، مُؤْمِنانِ وكافِرانِ؛ أمّا الكافِرانِ، فالفَرُّخانُ وبُخْتُنَصَّرَ. فَأنْشَأ أبُو هاشِمٍ يُحَدِّثُ قالَ: وكانَ رَجُلًا مِن أهْلِ الشّامِ صالِحًا، فَقَرَأ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿وقَضَيْنا إلى بَنِي إسْرائِيلَ في الكِتابِ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿عُلُوًّا (p-٢٥٤)كَبِيرًا﴾ . قالَ: يا رَبِّ، أمّا الأُولى فَقَدْ فاتَتْنِي، فَأرِنِي الآخِرَةَ. فَأُتِيَ وهو قاعِدٌ في مُصَلّاهُ قَدْ خَفَقَ بِرَأْسِهِ، فَقِيلَ: الَّذِي سَألْتَ عَنْهُ بِبابِلَ واسْمُهُ بُخْتُنَصَّرَ، فَعَرَفَ الرَّجُلُ أنَّهُ قَدِ اُسْتُجِيبَ لَهُ، فاحْتَمَلَ جِرابًا مِن دَنانِيرَ، فَأقْبَلَ حَتّى اِنْتَهى إلى بابِلَ، فَدَخَلَ عَلى الفَرُّخانِ فَقالَ: إنِّي قَدْ جِئْتُ بِمالٍ، فَأقْسِمُهُ بَيْنَ المَساكِينِ؟ فَأمَرَ بِهِ فَأُنْزِلَ، ثُمَّ جَمَعُوهم لَهُ، فَجَعَلَ يُعْطِيهِمْ ويَسْألُهُ عَنْ أسْمائِهِمْ، حَتّى إذا فَرَغَ مِمَّنْ بِحَضْرَتِهِ قِيلَ لَهُ: فَإنَّهُ قَدْ بَقِيَتْ مِنهم بَقايا في الرَّساتِيقِ. فَجَعَلَ يَبْعَثُ فَتاهَ، حَتّى إذا كانَ اللَّيْلُ رَجَعَ إلَيْهِ، وأقْرَأهُ رَجُلًا رَجُلًا، فَأتى عَلى ذِكْرِ بُخْتُنَصَّرَ فَقالَ: قِفْ، قِفْ، كَيْفَ قُلْتَ؟ قالَ: بُخْتُنَصَّرَ. قالَ: وما بُخْتُنَصَّرَ هَذا؟ قالَ: هو أشَدُّهم فاقَةً، وهو مُقْعَدٌ يَأْتِي عَلَيْهِ السَّفّارُونَ، فَيُلْقِي أحَدُهم إلَيْهِ الكِسْرَةَ، ويَأْخُذُ بِأنَفَةٍ. قالَ: فَإنِّي مُلِمٌّ بِهِ لا بُدَّ. قالَ الآخَرُ: فَإنَّما هو في خَيْمَةٍ لَهُ يُحْدِثُ فِيها، حَتّى أذْهَبَ (p-٢٥٥)فَأقْلِبَها وأغْسِلَهُ. قالَ: دُونَكَ هَذِهِ الدَّنانِيرَ. فَأقْبَلَ إلَيْهِ بِالدَّنانِيرِ فَأعْطاهُ إيّاها، ثُمَّ رَجَعَ إلى صاحِبِهِ فَجاءَ مَعَهُ، فَدَخَلَ الخَيْمَةَ، فَقالَ: ما اِسْمُكَ؟ قالَ: بُخْتُنَصَّرَ. قالَ: مَن سَمّاكَ بُخْتُنَصَّرَ؟ قالَ: مَن عَسى أنْ يُسَمِّيَنِي إلّا أُمِّي؟ قالَ: فَهَلْ لَكَ أحَدٌ؟ قالَ: لا واللَّهِ، إنِّي لَهَهُنا أخافُ بِاللَّيْلِ أنْ تَأْكُلَنِي الذِّئابُ. قالَ: فَأيُّ النّاسِ أحْسَنُ بَلاءً؟ قالَ: أنْتَ. قالَ: أفَرَأيْتَ إنْ مُلِّكْتَ يَوْمًا مِن دَهْرٍ، أتَجْعَلُ لِي ألّا تَعْصِيَنِي؟ قالَ: أيْ سَيِّدِي، لا يَضُرُّكَ ألّا تَهْزَأ بِي. قالَ: أرَأيْتَ إنْ مُلِّكْتَ مَرَّةً، أتَجْعَلُ لِي ألّا تَعْصِيَنِي؟ قالَ: أمّا هَذِهِ فَلا أجْعَلُها لَكَ، ولَكِنْ سَوْفَ أُكْرِمُكَ كَرامَةً لا أُكْرِمُها أحَدًا. قالَ: دُونَكَ هَذِهِ الدَّنانِيرَ. ثُمَّ اِنْطَلَقَ فَلَحِقَ بِأرْضِهِ، فَقامَ الآخَرُ فاسْتَوى عَلى رِجْلَيْهِ، ثُمَّ اِنْطَلَقَ فاشْتَرى حِمارًا وأرْسانًا، ثُمَّ جَعَلَ يَسْتَعْرِضُ تِلْكَ الأُجُمَ فَيَجُزُّها فَيَبِيعُهُ، ثُمَّ قالَ: إلى مَتى هَذا الشَّقاءُ؟ فَعَمَدَ فَباعَ ذَلِكَ الحِمارَ وتِلْكَ الأرْسانَ واكْتَسى كِسْوَةً، ثُمَّ أتى بابَ المَلِكِ، فَجَعَلَ يُشِيرُ عَلَيْهِمْ بِالرَّأْيِ (p-٢٥٦)وتَرْتَفِعُ مَنزِلَتُهُ، حَتّى اِنْتَهى إلى بَوّابِ الفَرُّخانِ الَّذِي يَلِيهِ، فَقالَ لَهُ الفَرُّخانُ: قَدْ ذُكِرَ لِي رَجُلٌ عِنْدَكَ، فَما هُوَ؟ قالَ: ما رَأيْتُ مِثْلَهُ قَطُّ. قالَ: اِئْتِنِي بِهِ. فَكَلَّمَهُ فَأُعْجِبَ بِهِ. قالَ: إنَّ بَيْتَ المَقْدِسِ تِلْكَ البِلادَ قَدِ اِسْتَعْصَوُا عَلَيْنا، وإنّا باعِثُونَ إلَيْهِمْ بَعْثًا، وإنِّي باعِثٌ إلى البِلادِ مَن يَخْتَبِرُها. فَنَظَرَ حِينَئِذٍ إلى رِجالٍ مِن أهْلِ الإرْبِ والمَكِيدَةِ، فَبَعَثَهم جَواسِيسَ، فَلَمّا فَصَلُوا إذا بُخْتُنَصَّرَ قَدْ أتى بِخُرْجَيْهِ عَلى بَغْلَةٍ، قالَ: أيْنَ تُرِيدُ؟ قالَ: مَعَهم. قالَ: أفَلا آذَنْتَنِي فَأبْعَثَكَ عَلَيْهِمْ؟ قالَ: لا. حَتّى إذا وقَفُوا بِالأرْضِ، قالَ: تَفَرَّقُوا. وسَألَ بُخْتُنَصَّرَ عَنْ أفْضَلِ أهْلِ البَلَدِ فَدُلَّ عَلَيْهِ، فَألْقى خُرْجَيْهِ في دارِهِ، قالَ لِصاحِبِ المَنزِلِ: ألا تُخْبِرُنِي عَنْ أهْلِ بِلادِكَ. قالَ: عَلى الخَبِيرِ سَقَطْتَ، هم قَوْمٌ فِيهِمْ كِتابٌ فَلا يُقِيمُونَهُ، وأنْبِياءُ فَلا يُطِيعُونَهُمْ، وهم مُتَفَرِّقُونَ. قالَ بُخْتُنَصَّرَ كالمُتَعَجِّبِ مِنهم: كِتابٌ لا يُقِيمُونَهُ، وأنْبِياءُ لا يُطِيعُونَهُمْ، وهم مُتَفَرِّقُونَ! فَكَتَبَهُنَّ في ورَقَةٍ وألْقاها في خُرْجَيْهِ وقالَ: اِرْتَحِلُوا. فَأقْبَلُوا، حَتّى قَدِمُوا عَلى الفَرُّخانِ (p-٢٥٧)فَجَعَلَ يَسْألُ كُلَّ رَجُلٍ مِنهُمْ، فَجُعِلَ الرَّجُلُ يَقُولُ: أتَيْنا بِلادَ كَذا، ولَها حِصْنُ كَذا، ولَها نَهْرُ كَذا. قالَ: يا بُخْتُنَصَّرَ، ما تَقُولُ؟ قالَ: قَدِمْنا أرْضًا عَلى قَوْمٍ لَهم كِتابٌ لا يُقِيمُونَهُ، وأنْبِياءُ لا يُطِيعُونَهُمْ، وهم مُتَفَرِّقُونَ. فَأمِنَ حِينَئِذٍ، فَنَدَبَ النّاسَ، وبَعَثَ إلَيْهِمْ سَبْعِينَ ألْفًا، وأمَّرَ عَلَيْهِمْ بُخْتُنَصَّرَ، فَسارُوا حَتّى إذا عَلَوْا في الأرْضِ أدْرَكَهُمُ البَرِيدُ أنَّ الفَرُّخانُ قَدْ ماتَ ولَمْ يَسْتَخْلِفْ أحَدًا. قالَ لِلنّاسِ: مَكانَكم. ثُمَّ أقْبَلَ عَلى البَرِيدِ حِينَ قَدِمَ عَلى النّاسِ فَقالَ: وكَيْفَ صَنَعْتُمْ؟ قالُوا: كَرِهْنا أنْ نَقْطَعَ أمْرًا دُونَكَ. قالَ: إنَّ النّاسَ قَدْ بايَعُونِي. فَبايَعُوهُ، ثُمَّ اِسْتَخْلَفَ عَلَيْهِمْ وكَتَبَ بَيْنَهم كِتابًا، ثُمَّ اِنْطَلَقَ بِهِمْ سَرِيعًا حَتّى قَدِمَ عَلى أصْحابِهِ، فَأراهُمُ الكِتابَ، فَبايَعُوهُ وقالُوا: ما بِنا عَنْكَ رَغْبَةٌ. فَسارُوا، فَلَمّا سَمِعَ أهْلُ بَيْتِ المَقْدِسِ تَفَرَّقُوا وطارُوا تَحْتَ كُلِّ كَوْكَبٍ، فَشَعَّثَ ما هُناكَ، أيْ أفْسَدَ، وقَتَلَ مَن قَتَلَ، وخَرَّبَ بَيْتَ المَقْدِسِ، واسْتَبى أبْناءَ الأنْبِياءِ، فِيهِمْ دانْيالُ. فَسَمِعَ بِهِ صاحِبُ [٢٥٥ظ] الدَّنانِيرِ، فَأتاهُ فَقالَ: هَلْ تَعْرِفُنِي؟ قالَ: نَعَمْ. فَأدْنى مَجْلِسَهُ ولَمْ يُشَفِّعْهُ في شَيْءٍ حَتّى إذا نَزَلَ بابِلَ لا تُرَدُّ لَهُ رايَةٌ، فَكانَ كَذَلِكَ ما شاءَ اللَّهُ، (p-٢٥٨)ثُمَّ إنَّهُ رَأى رُؤْيا أفْظَعَتْهُ، فَأصْبَحَ قَدْ نَسِيَها، قالَ: عَلَيَّ بِالسَّحَرَةِ والكَهَنَةِ. قالَ: أخْبِرُونِي عَنْ رُؤْيا رَأيْتُها اللَّيْلَةَ، واللَّهِ لَتُخْبِرُنِّي بِها أوْ لَأقْتُلَنَّكم. قالُوا: ما هِيَ؟ قالَ: قَدْ نَسِيتُها. قالُوا: ما عِنْدَنا مِن هَذا عِلْمٌ، إلّا أنْ تُرْسِلَ إلى أبْناءِ الأنْبِياءِ. فَأرْسَلَ إلى أبْناءِ الأنْبِياءِ، قالَ: أخْبَرُونِي عَنْ رُؤْيا رَأيْتُها. قالُوا: وما هِيَ؟ قالَ: نَسِيتُها. قالُوا: غَيْبٌ، ولا يَعْلَمُ الغَيْبَ إلّا اللَّهُ. قالَ: واللَّهِ لَتُخْبِرُنِّي بِها أوْ لَأضْرِبَنَّ أعْناقَكم. قالُوا: فَدَعْنا حَتّى نَتَوَضَّأ ونُصْلِيَ ونَدْعُوَ اللَّهَ. قالَ: فافْعَلُوا. فانْطَلَقُوا فَأحْسَنُوا الوُضُوءَ، وأتَوْا صَعِيدًا طَيِّبًا، فَدَعَوُا اللَّهَ فَأُخْبِرُوا بِها، ثُمَّ رَجَعُوا إلَيْهِ فَقالُوا: رَأيْتَ كَأنَّ رَأْسَكَ مِن ذَهَبٍ، وصَدْرَكَ مِن فَخّارٍ، وبَطْنَكَ مِن نُحاسٍ، ورِجْلَيْكَ مِن حَدِيدٍ. قالَ: نَعَمْ. قالَ: فَأخْبِرُونِي بِعِبارَتِها أوْ لَأقْتُلَنَّكم. قالُوا: فَدَعْنا نَدْعُو رَبَّنا. قالَ اِذْهَبُوا. فَدَعَوا رَبَّهم فاسْتَجابَ لَهُمْ، فَرَجَعُوا إلَيْهِ قالُوا: رَأيْتَ كَأنَّ رَأْسَكَ مِن ذَهَبٍ، مُلْكُكَ هَذا يَذْهَبُ عِنْدَ رَأْسِ الحَوْلِ مِن هَذِهِ اللَّيْلَةِ. قالَ: ثُمَّ مَهْ؟ قالُوا: ثُمَّ يَكُونُ بَعْدَكَ مَلِكٌ يَفْخَرُ عَلى النّاسِ، ثُمَّ يَكُونُ مَلِكٌ يُخْشى عَلى النّاسِ شِدَّتُهُ، ثُمَّ يَكُونُ (p-٢٥٩)مُلْكٌ لا يُقِلُّهُ شَيْءٌ، إنَّما هو مِثْلُ الحَدِيدِ. يَعْنِي الإسْلامَ. فَأمَرَ بِحِصْنٍ فَبُنِيَ لَهُ بَيْنَهُ وبَيْنَ السَّماءِ، ثُمَّ جَعَلَ يَنَطِّقُهُ بِمَقاعِدِ الرِّجالِ والأحْراسِ، وقالَ لَهم: إنَّما هي هَذِهِ اللَّيْلَةُ لا يَجُوزَنَّ عَلَيْكم أحَدٌ وإنْ قالَ: أنا بُخْتُنَصَّرَ. إلّا قَتَلْتُمُوهُ مَكانَهُ مَن كانَ مِنَ النّاسِ. فَقَعَدَ كُلُّ أُناسٍ في مَكانِهِمُ الَّذِي وُكِّلُوا بِهِ، واهْتاجَ بَطْنُهُ مِنَ اللَّيْلِ، فَكَرِهَ أنْ يُرى مَقْعَدُهُ هُناكَ، وضُرِبَ عَلى أصْمِخَةِ القَوْمِ فاسْتَثْقَلُوا نُوَّمًا، فَأتى عَلَيْهِمْ وهم نِيامٌ، ثُمَّ أتى عَلَيْهِمْ فاسْتَيْقَظَ بَعْضُهم فَقالَ: مَن هَذا؟ قالَ: بُخْتُنَصَّرَ. قالَ: هَذا الَّذِي حُفِيَ إلَيْنا فِيهِ اللَّيْلَةَ. فَضَرَبَهُ فَقَتَلَهُ، فَأصْبَحَ الخَبِيثُ قَتِيلًا. وأخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ نَحْوَهُ أخْصَرَ مِنهُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وعَنِ السُّدِّيِّ، وعَنْ وهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ. وأخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ قالَ: ظَهَرَ بُخْتُنَصَّرَ عَلى الشّامِ، (p-٢٦٠)فَخَرَّبَ بَيْتَ المَقْدِسِ وقَتَلَهُمْ، ثُمَّ أتى دِمَشْقَ فَوَجَدَ بِها دَمًا يَغْلِي عَلى كِبًا، فَسَألَهم ما هَذا الدَّمُ؟ قالُوا: أدْرَكْنا آباءَنا عَلى هَذا، وكُلَّما ظَهَرَ عَلَيْهِ الكِبا ظَهَرَ. فَقَتَلَ عَلى ذَلِكَ الدَّمِ سَبْعِينَ ألْفًا مِنَ المُسْلِمِينَ وغَيْرِهِمْ فَسَكَنَ. وأخْرَجَ اِبْنُ عَساكِرَ عَنِ الحَسَنِ: أنَّ بُخْتُنَصَّرَ لَمّا قَتَلَ بَنِي إسْرائِيلَ، وهَدَمَ بَيْتَ المَقْدِسِ، وسارَ بِسَبايا بَنِي إسْرائِيلَ إلى أرْضِ بابِلَ، فَسامَهم سُوءَ العَذابِ، أرادَ أنْ يَتَناوَلَ السَّماءَ، فَطَلَبَ حِيلَةً يَصْعَدُ بِها، فَسَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِ بَعُوضَةً، فَدَخَلَتْ في مِنخَرِهِ فَوَقَعَتْ في دِماغِهِ، فَلَمْ تَزَلْ تَأْكُلُ دِماغَهُ وهو يَضْرِبُ رَأْسَهُ بِالحَجَرِ حَتّى ماتَ. وأخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ اليَمانِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «”إنَّ بَنِي إسْرائِيلَ لَمّا اِعْتَدَوْا في السَّبْتِ وعَلَوْا وقَتَلُوا الأنْبِياءَ، بَعَثَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مَلِكَ فارِسَ بُخْتَنْصَّرَ، وكانَ اللَّهُ مَلَّكَهُ سَبْعَمِائَةِ سَنَةٍ، فَسارَ إلَيْهِمْ حَتّى دَخَلَ بَيْتَ المَقْدِسِ، فَحاصَرَها وفَتَحَها، وقَتَلَ عَلى دَمِ زَكَرِيّا سَبْعِينَ ألْفًا، ثُمَّ سَبى أهْلَها والأبْناءَ، وسَلَبَ حَلْيَ بَيْتِ المَقْدِسِ، واسْتَخْرَجَ مِنها سَبْعِينَ ألْفًا ومِائَةَ ألْفِ عَجَلَةٍ مِن حَلْيٍ، حَتّى أوْرَدَهُ بابِلَ“ . قالَ حُذَيْفَةُ: فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، لَقَدْ كانَ بَيْتُ المَقْدِسِ عَظِيمًا عِنْدَ اللَّهِ؟ قالَ: ”أجَلْ. بَناهُ سُلَيْمانُ بْنُ داوُدَ مِن ذَهَبٍ ودُرٍّ وياقُوتٍ (p-٢٦١)وزَبَرْجَدٍ، وكانَ بَلاطَةً ذَهَبًا وبَلاطَةً فِضَّةً، وعُمُدُهُ ذَهَبًا، أعْطاهُ اللَّهُ ذَلِكَ وسَخَّرَ لَهُ الشَّياطِينَ يَأْتُونَهُ بِهَذِهِ الأشْياءِ في طَرْفَةِ عَيْنٍ، فَسارَ بُخْتُنَصَّرَ بِهَذِهِ الأشْياءِ حَتّى نَزَلَ بِها بابِلَ، فَأقامَ بَنُو إسْرائِيلَ في يَدَيْهِ مِائَةَ سَنَةٍ يُعَذِّبُهُمُ المَجُوسُ وأبْناءُ المَجُوسِ، فِيهِمُ الأنْبِياءُ وأبْناءُ الأنْبِياءِ، ثُمَّ إنَّ اللَّهَ رَحِمَهُمْ، فَأوْحى إلى مَلِكٍ مِن مُلُوكِ فارِسَ يُقالُ لَهُ: كُورَسُ. وكانَ مُؤْمِنًا، أنَّ سِرْ إلى بَقايا بَنِي إسْرائِيلَ حَتّى تَسْتَنْقِذَهم. فَسارَ كُورَسُ بِبَنِي إسْرائِيلَ وحَلْيِ بَيْتِ المَقْدِسِ حَتّى رَدَّهُ إلَيْهِ، فَأقامَ بَنُو إسْرائِيلَ مُطِيعِينَ لِلَّهِ مِائَةَ سَنَةٍ، ثُمَّ إنَّهم عادُوا في المَعاصِي، فَسَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ إبْطَنانْحُوسَ، فَغَزا ثانِيًا بِمَن غَزا مَعَ بُخْتِنَصَّرَ، فَغَزا بَنِي إسْرائِيلَ، حَتّى أتاهم بَيْتَ المَقْدِسِ، فَسَبى أهْلَها، وأحْرَقَ بَيْتَ المَقْدِسِ، وقالَ لَهم: يا بَنِي إسْرائِيلَ، إنْ عُدْتُمْ في المَعاصِي، عُدْنا عَلَيْكم بِالسِّباءِ. فَعادُوا في المَعاصِي، فَسَيَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ السِّباءَ الثّالِثَ؛ مَلِكَ رُومِيَّةَ يُقالُ لَهُ: فاقِسُ بْنُ إسْبايُوسَ فَغَزاهم في البَرِّ والبَحْرِ، فَسَباهُمْ، وسَيَّرَ حَلْيَ بَيْتِ المَقْدِسِ، وأحْرَقَ بَيْتَ المَقْدِسِ بِالنِّيرانِ“ . فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”فَهَذا مِن صِفَةِ حَلْيِ بَيْتِ المَقْدِسِ، ويَرُدُّهُ (p-٢٦٢)المَهْدِيُّ إلى بَيْتِ المَقْدِسِ، وهو ألْفُ سَفِينَةٍ وسَبْعُمِائَةِ سَفِينَةٍ، يُرْسى بِها عَلى يافا حَتّى تُنْقَلَ إلى بَيْتِ المَقْدِسِ، وبِها يَجْتَمِعُ إلَيْهِ الأوَّلُونَ والآخِرُونَ“» . وأخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ عَنِ اِبْنِ زَيْدٍ قالَ: كانَ إفْسادُهُمُ الَّذِي يُفْسِدُونَ في الأرْضِ مَرَّتَيْنِ؛ قَتْلَ زَكَرِيّا ويَحْيى بْنِ زَكَرِيّا، فَسَلَّطَ عَلَيْهِمْ سابُورَ ذا الأكْتافِ، مَلِكًا مِن مُلُوكِ فارِسَ، مِن قِبَلِ زَكَرِيّا، وسَلَّطَ عَلَيْهِمْ بُخْتَنَصَّرَ مِن قِبَلِ يَحْيى. وأخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ اِبْنِ زَيْدٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَإذا جاءَ وعْدُ أُولاهُما﴾ . قالَ: إذا جاءَ وعْدُ أُولى تَيْنِكَ المَرَّتَيْنِ اللَّتَيْنِ قَضَيْنا إلى بَنِي إسْرائِيلَ: ﴿لَتُفْسِدُنَّ في الأرْضِ مَرَّتَيْنِ﴾ . وأخْرَجَ اِبْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿بَعَثْنا عَلَيْكم عِبادًا لَنا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ . قالَ جُنْدٌ أتَوْا مِن فارِسَ يَتَجَسَّسُونَ مِن أخْبارِهِمْ، ويَسْمَعُونَ حَدِيثَهُمْ، مَعَهم (p-٢٦٣)بُخْتُنَصَّرَ، فَوَعى أحادِيثَهم مِن بَيْنِ أصْحابِهِ، ثُمَّ رَجَعَتْ فارِسُ ولَمْ يَكُنْ قِتالٌ، ونُصِرَتْ عَلَيْهِمْ بَنُو إسْرائِيلَ، فَهَذا وعْدُ الأُولى، فَإذا جاءَ وعْدُ الآخِرَةِ بَعَثَ مَلَكُ فارِسَ بِبابِلَ جَيْشًا، وأمَّرَ عَلَيْهِمْ بُخْتَنَصَّرَ، فَدَمَّرُوهُمْ، فَهَذا وعْدُ الآخِرَةِ. وأخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَجاسُوا﴾ . قالَ فَمَشَوْا. وأخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ قالَ: أمّا المَرَّةُ الأُولى، فَسَلَّطَ عَلَيْهِمْ جالُوتَ، حَتّى بَعَثَ طالُوتَ ومَعَهُ داوُدُ، فَقَتَلَهُ داوُدُ، ثُمَّ رَدَّ الكَرَّةَ لِبَنِي إسْرائِيلَ ﴿وجَعَلْناكم أكْثَرَ نَفِيرًا﴾ . أيْ عَدَدًا. وذَلِكَ في زَمانِ داوُدَ، ﴿فَإذا جاءَ وعْدُ الآخِرَةِ﴾ آخِرِ العُقُوبَتَيْنِ، ﴿لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ﴾ . قالَ لِيُقَبِّحُوا وُجُوهَكُمْ، ﴿ولِيَدْخُلُوا المَسْجِدَ كَما دَخَلُوهُ أوَّلَ مَرَّةٍ﴾ . قالَ: كَما دَخَلَ عَدُوُّهم قَبْلَ ذَلِكَ، ﴿ولِيُتَبِّرُوا ما عَلَوْا تَتْبِيرًا﴾ . قالَ: يُدَمِّرُوا ما عَلَوْا تَدْمِيرًا، فَبَعَثَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ في الآخِرَةِ بُخْتَنَصَّرَ البابِلِيَّ المَجُوسِيَّ أبْغَضَ خَلْقِ اللَّهِ إلَيْهِ، فَسَبى وقَتَلَ وخَرَّبَ بَيْتَ المَقْدِسِ، وسامَهم سُوءَ العَذابِ. وأخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ عَنِ اِبْنِ زَيْدٍ في الآيَةِ قالَ: كانَتِ الآخِرَةُ أشَدَّ مِنَ الأُولى بِكَثِيرٍ، فَإنَّ الأُولى كانَتْ هَزِيمَةً فَقَطْ، والآخِرَةَ كانَ التَّدْمِيرَ، وأحْرَقَ بُخْتُنَصَّرَ (p-٢٦٤)التَّوْراةَ حَتّى لَمْ يَتْرُكْ فِيها حَرْفًا، وخَرَّبَ المَسْجِدَ. وأخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿تَتْبِيرًا﴾ . قالَ: تَدْمِيرًا. وأخْرَجَ اِبْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: تَبَّرَهُ وتَبَّرْنا، بِالنَّبَطِيَّةِ. وأخْرَجَ اِبْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الضَّحّاكِ في قَوْلِهِ: ﴿عَسى رَبُّكم أنْ يَرْحَمَكُمْ﴾ . قالَ: كانَتِ الرَّحْمَةُ الَّتِي وعَدَهم بَعْثَ مُحَمَّدٍ ﷺ . وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وإنْ عُدْتُمْ عُدْنا﴾ . قالَ: فَعادُوا، فَبَعَثَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مُحَمَّدًا ﷺ، فَهم يُعْطُونَ الجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وهم صاغِرُونَ. وأخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ حَصِيرًا﴾ . قالَ: سِجْنًا. وأخْرَجَ اِبْنُ النَّجّارِ /فِي ”تارِيخِهِ“ عَنْ أبِي عِمْرانَ الجَوْنِيِّ في قَوْلِهِ: (p-٢٦٥)﴿وجَعَلْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ حَصِيرًا﴾ . قالَ: سِجْنًا. وأخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ حَصِيرًا﴾ . يَقُولُ: جَعَلَ اللَّهُ مَأْواهم فِيها. وأخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿حَصِيرًا﴾ . قالَ: يُحْصَرُونَ فِيها. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿حَصِيرًا﴾ . قالَ: فِراشًا ومِهادًا.

الإسراء 17:5

(p-٢٥١)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقَضَيْنا إلى بَنِي إسْرائِيلَ﴾ الآيَةَ. أخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وقَضَيْنا إلى بَنِي إسْرائِيلَ﴾ . قالَ: أعْلَمْناهم. وأخْرَجَ اِبْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وقَضَيْنا إلى بَنِي إسْرائِيلَ﴾ . قالَ: أخْبَرْناهم. وأخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وقَضَيْنا إلى بَنِي إسْرائِيلَ﴾ . قالَ: قَضَيْنا عَلَيْهِمْ. وأخْرَجَ اِبْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وقَضَيْنا إلى بَنِي إسْرائِيلَ في الكِتابِ لَتُفْسِدُنَّ في الأرْضِ مَرَّتَيْنِ﴾ . قالَ: هَذا تَفْسِيرُ الَّذِي قَبْلَهُ. وأخْرَجَ اِبْنُ المُنْذِرِ، والحاكِمُ، عَنْ طاوُسٍ قالَ: كُنْتُ عِنْدَ اِبْنِ عَبّاسٍ ومَعَنا رَجُلٌ مِنَ القَدَرِيَّةِ، فَقُلْتُ: إنَّ أُناسًا يَقُولُونَ: لا قَدَرَ. قالَ: أوَفِي القَوْمِ أحَدٌ مِنهُمْ؟ قُلْتُ: لَوْ كانَ، ما كُنْتَ تَصْنَعُ بِهِ؟ قالَ: لَوْ كانَ فِيهِمْ أحَدٌ مِنهم لَأخَذْتُ بِرَأْسِهِ، ثُمَّ قَرَأْتُ عَلَيْهِ: ﴿وقَضَيْنا إلى بَنِي إسْرائِيلَ في الكِتابِ لَتُفْسِدُنَّ في الأرْضِ مَرَّتَيْنِ ولَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾ . وأخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ عَنِ اِبْنِ مَسْعُودٍ قالَ: إنَّ اللَّهَ عَهِدَ إلى بَنِي إسْرائِيلَ في (p-٢٥٢)التَّوْراةِ: لَتُفْسِدُنَّ في الأرْضِ مَرَّتَيْنِ. فَكانَ أوَّلَ الفَسادَيْنِ قَتْلُ زَكَرِيّا، فَبَعَثَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مَلِكَ النَّبَطِ، فَبَعَثَ الجُنُودَ وكانَتْ أساوِرَتُهُ أهْلَ فارِسَ، فَهم أُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ. فَتَحَصَّنَتْ بَنُو إسْرائِيلَ، وخَرَجَ فِيهِمْ بُخْتُنَصَّرَ يَتِيمًا مِسْكِينًا، إنَّما خَرَجَ يَسْتَطْعِمُ، وتَلَطَّفَ حَتّى دَخَلَ المَدِينَةَ، فَأتى مَجالِسَهم وهم يَقُولُونَ: لَوْ يَعْلَمُ عَدُوُّنا ما قُذِفَ في قُلُوبِنا مِنَ الرُّعْبِ بِذُنُوبِنا ما أرادُوا قِتالَنا. فَخَرَجَ بُخْتُنَصَّرَ حِينَ سَمِعَ ذَلِكَ مِنهُمْ، واشْتَدَّ القِيامُ عَلى الجَيْشِ، فَرَجَعُوا، وذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ: ﴿فَإذا جاءَ وعْدُ أُولاهُما بَعَثْنا عَلَيْكم عِبادًا لَنا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ الآيَةَ. ثُمَّ إنَّ بَنِي إسْرائِيلَ تَجَهَّزُوا فَغَزَوُا النَّبَطَ، فَأصابُوا مِنهُمْ، واسْتَنْقَذُوا ما في أيْدِيهِمْ، فَذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ: ﴿ثُمَّ رَدَدْنا لَكُمُ الكَرَّةَ عَلَيْهِمْ﴾ الآيَةَ. وأخْرَجَ اِبْنُ عَساكِرَ في ”تارِيخِهِ“ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ في قَوْلِهِ: ﴿لَتُفْسِدُنَّ في الأرْضِ مَرَّتَيْنِ﴾ . قالَ: الأُولى قَتْلُ زَكَرِيّا، والآخِرَةُ قَتْلُ يَحْيى. وأخْرَجَ اِبْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عَطِيَّةَ في قَوْلِهِ: ﴿لَتُفْسِدُنَّ في الأرْضِ مَرَّتَيْنِ﴾ . قالَ: أفْسَدُوا في المَرَّةِ الأُولى، فَأرْسَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ جالُوتَ فَقَتَلَهُمْ، وأفْسَدُوا (p-٢٥٣)المَرَّةَ الثّانِيَةَ فَقَتَلُوا يَحْيى بْنَ زَكَرِيّا، فَبَعَثَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بُخْتُنَصَّرَ. وأخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ قالَ: بَعَثَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ في الأُولى جالُوتَ، فَجاسَ خِلالَ دِيارِهِمْ، وضَرَبَ عَلَيْهِمُ الخَراجَ والذُّلَّ، فَسَألُوا اللَّهَ أنْ يَبْعَثَ إلَيْهِمْ مَلِكًا يُقاتِلُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ، فَبَعَثَ اللَّهُ طالُوتَ، فَقاتَلُوا جالُوتَ، فَنَصَرَ اللَّهُ بَنِي إسْرائِيلَ، وقُتِلَ جالُوتُ بِيَدَيْ داوُدَ، ورَجَعَ إلى بَنِي إسْرائِيلَ مُلْكُهُمْ، فَلَمّا أفْسَدُوا بَعَثَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ في المَرَّةِ الآخِرَةِ بُخْتُنَصَّرَ، فَخَرَّبَ المَساجِدَ وتَبَّرَ ما عَلَوْا تَتْبِيرًا. قالَ اللَّهُ بَعْدَ الأُولى والآخِرَةِ: ﴿عَسى رَبُّكم أنْ يَرْحَمَكم وإنْ عُدْتُمْ عُدْنا﴾ . قالَ: فَعادُوا فَسَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ المُؤْمِنِينَ. وأخْرَجَ اِبْنُ أبِي حاتِمٍ، مِن طَرِيقِ أبِي هاشِمٍ العَبْدِيِّ، عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ قالَ: مَلَكَ ما بَيْنَ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ أرْبَعَةٌ، مُؤْمِنانِ وكافِرانِ؛ أمّا الكافِرانِ، فالفَرُّخانُ وبُخْتُنَصَّرَ. فَأنْشَأ أبُو هاشِمٍ يُحَدِّثُ قالَ: وكانَ رَجُلًا مِن أهْلِ الشّامِ صالِحًا، فَقَرَأ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿وقَضَيْنا إلى بَنِي إسْرائِيلَ في الكِتابِ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿عُلُوًّا (p-٢٥٤)كَبِيرًا﴾ . قالَ: يا رَبِّ، أمّا الأُولى فَقَدْ فاتَتْنِي، فَأرِنِي الآخِرَةَ. فَأُتِيَ وهو قاعِدٌ في مُصَلّاهُ قَدْ خَفَقَ بِرَأْسِهِ، فَقِيلَ: الَّذِي سَألْتَ عَنْهُ بِبابِلَ واسْمُهُ بُخْتُنَصَّرَ، فَعَرَفَ الرَّجُلُ أنَّهُ قَدِ اُسْتُجِيبَ لَهُ، فاحْتَمَلَ جِرابًا مِن دَنانِيرَ، فَأقْبَلَ حَتّى اِنْتَهى إلى بابِلَ، فَدَخَلَ عَلى الفَرُّخانِ فَقالَ: إنِّي قَدْ جِئْتُ بِمالٍ، فَأقْسِمُهُ بَيْنَ المَساكِينِ؟ فَأمَرَ بِهِ فَأُنْزِلَ، ثُمَّ جَمَعُوهم لَهُ، فَجَعَلَ يُعْطِيهِمْ ويَسْألُهُ عَنْ أسْمائِهِمْ، حَتّى إذا فَرَغَ مِمَّنْ بِحَضْرَتِهِ قِيلَ لَهُ: فَإنَّهُ قَدْ بَقِيَتْ مِنهم بَقايا في الرَّساتِيقِ. فَجَعَلَ يَبْعَثُ فَتاهَ، حَتّى إذا كانَ اللَّيْلُ رَجَعَ إلَيْهِ، وأقْرَأهُ رَجُلًا رَجُلًا، فَأتى عَلى ذِكْرِ بُخْتُنَصَّرَ فَقالَ: قِفْ، قِفْ، كَيْفَ قُلْتَ؟ قالَ: بُخْتُنَصَّرَ. قالَ: وما بُخْتُنَصَّرَ هَذا؟ قالَ: هو أشَدُّهم فاقَةً، وهو مُقْعَدٌ يَأْتِي عَلَيْهِ السَّفّارُونَ، فَيُلْقِي أحَدُهم إلَيْهِ الكِسْرَةَ، ويَأْخُذُ بِأنَفَةٍ. قالَ: فَإنِّي مُلِمٌّ بِهِ لا بُدَّ. قالَ الآخَرُ: فَإنَّما هو في خَيْمَةٍ لَهُ يُحْدِثُ فِيها، حَتّى أذْهَبَ (p-٢٥٥)فَأقْلِبَها وأغْسِلَهُ. قالَ: دُونَكَ هَذِهِ الدَّنانِيرَ. فَأقْبَلَ إلَيْهِ بِالدَّنانِيرِ فَأعْطاهُ إيّاها، ثُمَّ رَجَعَ إلى صاحِبِهِ فَجاءَ مَعَهُ، فَدَخَلَ الخَيْمَةَ، فَقالَ: ما اِسْمُكَ؟ قالَ: بُخْتُنَصَّرَ. قالَ: مَن سَمّاكَ بُخْتُنَصَّرَ؟ قالَ: مَن عَسى أنْ يُسَمِّيَنِي إلّا أُمِّي؟ قالَ: فَهَلْ لَكَ أحَدٌ؟ قالَ: لا واللَّهِ، إنِّي لَهَهُنا أخافُ بِاللَّيْلِ أنْ تَأْكُلَنِي الذِّئابُ. قالَ: فَأيُّ النّاسِ أحْسَنُ بَلاءً؟ قالَ: أنْتَ. قالَ: أفَرَأيْتَ إنْ مُلِّكْتَ يَوْمًا مِن دَهْرٍ، أتَجْعَلُ لِي ألّا تَعْصِيَنِي؟ قالَ: أيْ سَيِّدِي، لا يَضُرُّكَ ألّا تَهْزَأ بِي. قالَ: أرَأيْتَ إنْ مُلِّكْتَ مَرَّةً، أتَجْعَلُ لِي ألّا تَعْصِيَنِي؟ قالَ: أمّا هَذِهِ فَلا أجْعَلُها لَكَ، ولَكِنْ سَوْفَ أُكْرِمُكَ كَرامَةً لا أُكْرِمُها أحَدًا. قالَ: دُونَكَ هَذِهِ الدَّنانِيرَ. ثُمَّ اِنْطَلَقَ فَلَحِقَ بِأرْضِهِ، فَقامَ الآخَرُ فاسْتَوى عَلى رِجْلَيْهِ، ثُمَّ اِنْطَلَقَ فاشْتَرى حِمارًا وأرْسانًا، ثُمَّ جَعَلَ يَسْتَعْرِضُ تِلْكَ الأُجُمَ فَيَجُزُّها فَيَبِيعُهُ، ثُمَّ قالَ: إلى مَتى هَذا الشَّقاءُ؟ فَعَمَدَ فَباعَ ذَلِكَ الحِمارَ وتِلْكَ الأرْسانَ واكْتَسى كِسْوَةً، ثُمَّ أتى بابَ المَلِكِ، فَجَعَلَ يُشِيرُ عَلَيْهِمْ بِالرَّأْيِ (p-٢٥٦)وتَرْتَفِعُ مَنزِلَتُهُ، حَتّى اِنْتَهى إلى بَوّابِ الفَرُّخانِ الَّذِي يَلِيهِ، فَقالَ لَهُ الفَرُّخانُ: قَدْ ذُكِرَ لِي رَجُلٌ عِنْدَكَ، فَما هُوَ؟ قالَ: ما رَأيْتُ مِثْلَهُ قَطُّ. قالَ: اِئْتِنِي بِهِ. فَكَلَّمَهُ فَأُعْجِبَ بِهِ. قالَ: إنَّ بَيْتَ المَقْدِسِ تِلْكَ البِلادَ قَدِ اِسْتَعْصَوُا عَلَيْنا، وإنّا باعِثُونَ إلَيْهِمْ بَعْثًا، وإنِّي باعِثٌ إلى البِلادِ مَن يَخْتَبِرُها. فَنَظَرَ حِينَئِذٍ إلى رِجالٍ مِن أهْلِ الإرْبِ والمَكِيدَةِ، فَبَعَثَهم جَواسِيسَ، فَلَمّا فَصَلُوا إذا بُخْتُنَصَّرَ قَدْ أتى بِخُرْجَيْهِ عَلى بَغْلَةٍ، قالَ: أيْنَ تُرِيدُ؟ قالَ: مَعَهم. قالَ: أفَلا آذَنْتَنِي فَأبْعَثَكَ عَلَيْهِمْ؟ قالَ: لا. حَتّى إذا وقَفُوا بِالأرْضِ، قالَ: تَفَرَّقُوا. وسَألَ بُخْتُنَصَّرَ عَنْ أفْضَلِ أهْلِ البَلَدِ فَدُلَّ عَلَيْهِ، فَألْقى خُرْجَيْهِ في دارِهِ، قالَ لِصاحِبِ المَنزِلِ: ألا تُخْبِرُنِي عَنْ أهْلِ بِلادِكَ. قالَ: عَلى الخَبِيرِ سَقَطْتَ، هم قَوْمٌ فِيهِمْ كِتابٌ فَلا يُقِيمُونَهُ، وأنْبِياءُ فَلا يُطِيعُونَهُمْ، وهم مُتَفَرِّقُونَ. قالَ بُخْتُنَصَّرَ كالمُتَعَجِّبِ مِنهم: كِتابٌ لا يُقِيمُونَهُ، وأنْبِياءُ لا يُطِيعُونَهُمْ، وهم مُتَفَرِّقُونَ! فَكَتَبَهُنَّ في ورَقَةٍ وألْقاها في خُرْجَيْهِ وقالَ: اِرْتَحِلُوا. فَأقْبَلُوا، حَتّى قَدِمُوا عَلى الفَرُّخانِ (p-٢٥٧)فَجَعَلَ يَسْألُ كُلَّ رَجُلٍ مِنهُمْ، فَجُعِلَ الرَّجُلُ يَقُولُ: أتَيْنا بِلادَ كَذا، ولَها حِصْنُ كَذا، ولَها نَهْرُ كَذا. قالَ: يا بُخْتُنَصَّرَ، ما تَقُولُ؟ قالَ: قَدِمْنا أرْضًا عَلى قَوْمٍ لَهم كِتابٌ لا يُقِيمُونَهُ، وأنْبِياءُ لا يُطِيعُونَهُمْ، وهم مُتَفَرِّقُونَ. فَأمِنَ حِينَئِذٍ، فَنَدَبَ النّاسَ، وبَعَثَ إلَيْهِمْ سَبْعِينَ ألْفًا، وأمَّرَ عَلَيْهِمْ بُخْتُنَصَّرَ، فَسارُوا حَتّى إذا عَلَوْا في الأرْضِ أدْرَكَهُمُ البَرِيدُ أنَّ الفَرُّخانُ قَدْ ماتَ ولَمْ يَسْتَخْلِفْ أحَدًا. قالَ لِلنّاسِ: مَكانَكم. ثُمَّ أقْبَلَ عَلى البَرِيدِ حِينَ قَدِمَ عَلى النّاسِ فَقالَ: وكَيْفَ صَنَعْتُمْ؟ قالُوا: كَرِهْنا أنْ نَقْطَعَ أمْرًا دُونَكَ. قالَ: إنَّ النّاسَ قَدْ بايَعُونِي. فَبايَعُوهُ، ثُمَّ اِسْتَخْلَفَ عَلَيْهِمْ وكَتَبَ بَيْنَهم كِتابًا، ثُمَّ اِنْطَلَقَ بِهِمْ سَرِيعًا حَتّى قَدِمَ عَلى أصْحابِهِ، فَأراهُمُ الكِتابَ، فَبايَعُوهُ وقالُوا: ما بِنا عَنْكَ رَغْبَةٌ. فَسارُوا، فَلَمّا سَمِعَ أهْلُ بَيْتِ المَقْدِسِ تَفَرَّقُوا وطارُوا تَحْتَ كُلِّ كَوْكَبٍ، فَشَعَّثَ ما هُناكَ، أيْ أفْسَدَ، وقَتَلَ مَن قَتَلَ، وخَرَّبَ بَيْتَ المَقْدِسِ، واسْتَبى أبْناءَ الأنْبِياءِ، فِيهِمْ دانْيالُ. فَسَمِعَ بِهِ صاحِبُ [٢٥٥ظ] الدَّنانِيرِ، فَأتاهُ فَقالَ: هَلْ تَعْرِفُنِي؟ قالَ: نَعَمْ. فَأدْنى مَجْلِسَهُ ولَمْ يُشَفِّعْهُ في شَيْءٍ حَتّى إذا نَزَلَ بابِلَ لا تُرَدُّ لَهُ رايَةٌ، فَكانَ كَذَلِكَ ما شاءَ اللَّهُ، (p-٢٥٨)ثُمَّ إنَّهُ رَأى رُؤْيا أفْظَعَتْهُ، فَأصْبَحَ قَدْ نَسِيَها، قالَ: عَلَيَّ بِالسَّحَرَةِ والكَهَنَةِ. قالَ: أخْبِرُونِي عَنْ رُؤْيا رَأيْتُها اللَّيْلَةَ، واللَّهِ لَتُخْبِرُنِّي بِها أوْ لَأقْتُلَنَّكم. قالُوا: ما هِيَ؟ قالَ: قَدْ نَسِيتُها. قالُوا: ما عِنْدَنا مِن هَذا عِلْمٌ، إلّا أنْ تُرْسِلَ إلى أبْناءِ الأنْبِياءِ. فَأرْسَلَ إلى أبْناءِ الأنْبِياءِ، قالَ: أخْبَرُونِي عَنْ رُؤْيا رَأيْتُها. قالُوا: وما هِيَ؟ قالَ: نَسِيتُها. قالُوا: غَيْبٌ، ولا يَعْلَمُ الغَيْبَ إلّا اللَّهُ. قالَ: واللَّهِ لَتُخْبِرُنِّي بِها أوْ لَأضْرِبَنَّ أعْناقَكم. قالُوا: فَدَعْنا حَتّى نَتَوَضَّأ ونُصْلِيَ ونَدْعُوَ اللَّهَ. قالَ: فافْعَلُوا. فانْطَلَقُوا فَأحْسَنُوا الوُضُوءَ، وأتَوْا صَعِيدًا طَيِّبًا، فَدَعَوُا اللَّهَ فَأُخْبِرُوا بِها، ثُمَّ رَجَعُوا إلَيْهِ فَقالُوا: رَأيْتَ كَأنَّ رَأْسَكَ مِن ذَهَبٍ، وصَدْرَكَ مِن فَخّارٍ، وبَطْنَكَ مِن نُحاسٍ، ورِجْلَيْكَ مِن حَدِيدٍ. قالَ: نَعَمْ. قالَ: فَأخْبِرُونِي بِعِبارَتِها أوْ لَأقْتُلَنَّكم. قالُوا: فَدَعْنا نَدْعُو رَبَّنا. قالَ اِذْهَبُوا. فَدَعَوا رَبَّهم فاسْتَجابَ لَهُمْ، فَرَجَعُوا إلَيْهِ قالُوا: رَأيْتَ كَأنَّ رَأْسَكَ مِن ذَهَبٍ، مُلْكُكَ هَذا يَذْهَبُ عِنْدَ رَأْسِ الحَوْلِ مِن هَذِهِ اللَّيْلَةِ. قالَ: ثُمَّ مَهْ؟ قالُوا: ثُمَّ يَكُونُ بَعْدَكَ مَلِكٌ يَفْخَرُ عَلى النّاسِ، ثُمَّ يَكُونُ مَلِكٌ يُخْشى عَلى النّاسِ شِدَّتُهُ، ثُمَّ يَكُونُ (p-٢٥٩)مُلْكٌ لا يُقِلُّهُ شَيْءٌ، إنَّما هو مِثْلُ الحَدِيدِ. يَعْنِي الإسْلامَ. فَأمَرَ بِحِصْنٍ فَبُنِيَ لَهُ بَيْنَهُ وبَيْنَ السَّماءِ، ثُمَّ جَعَلَ يَنَطِّقُهُ بِمَقاعِدِ الرِّجالِ والأحْراسِ، وقالَ لَهم: إنَّما هي هَذِهِ اللَّيْلَةُ لا يَجُوزَنَّ عَلَيْكم أحَدٌ وإنْ قالَ: أنا بُخْتُنَصَّرَ. إلّا قَتَلْتُمُوهُ مَكانَهُ مَن كانَ مِنَ النّاسِ. فَقَعَدَ كُلُّ أُناسٍ في مَكانِهِمُ الَّذِي وُكِّلُوا بِهِ، واهْتاجَ بَطْنُهُ مِنَ اللَّيْلِ، فَكَرِهَ أنْ يُرى مَقْعَدُهُ هُناكَ، وضُرِبَ عَلى أصْمِخَةِ القَوْمِ فاسْتَثْقَلُوا نُوَّمًا، فَأتى عَلَيْهِمْ وهم نِيامٌ، ثُمَّ أتى عَلَيْهِمْ فاسْتَيْقَظَ بَعْضُهم فَقالَ: مَن هَذا؟ قالَ: بُخْتُنَصَّرَ. قالَ: هَذا الَّذِي حُفِيَ إلَيْنا فِيهِ اللَّيْلَةَ. فَضَرَبَهُ فَقَتَلَهُ، فَأصْبَحَ الخَبِيثُ قَتِيلًا. وأخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ نَحْوَهُ أخْصَرَ مِنهُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وعَنِ السُّدِّيِّ، وعَنْ وهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ. وأخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ قالَ: ظَهَرَ بُخْتُنَصَّرَ عَلى الشّامِ، (p-٢٦٠)فَخَرَّبَ بَيْتَ المَقْدِسِ وقَتَلَهُمْ، ثُمَّ أتى دِمَشْقَ فَوَجَدَ بِها دَمًا يَغْلِي عَلى كِبًا، فَسَألَهم ما هَذا الدَّمُ؟ قالُوا: أدْرَكْنا آباءَنا عَلى هَذا، وكُلَّما ظَهَرَ عَلَيْهِ الكِبا ظَهَرَ. فَقَتَلَ عَلى ذَلِكَ الدَّمِ سَبْعِينَ ألْفًا مِنَ المُسْلِمِينَ وغَيْرِهِمْ فَسَكَنَ. وأخْرَجَ اِبْنُ عَساكِرَ عَنِ الحَسَنِ: أنَّ بُخْتُنَصَّرَ لَمّا قَتَلَ بَنِي إسْرائِيلَ، وهَدَمَ بَيْتَ المَقْدِسِ، وسارَ بِسَبايا بَنِي إسْرائِيلَ إلى أرْضِ بابِلَ، فَسامَهم سُوءَ العَذابِ، أرادَ أنْ يَتَناوَلَ السَّماءَ، فَطَلَبَ حِيلَةً يَصْعَدُ بِها، فَسَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِ بَعُوضَةً، فَدَخَلَتْ في مِنخَرِهِ فَوَقَعَتْ في دِماغِهِ، فَلَمْ تَزَلْ تَأْكُلُ دِماغَهُ وهو يَضْرِبُ رَأْسَهُ بِالحَجَرِ حَتّى ماتَ. وأخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ اليَمانِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «”إنَّ بَنِي إسْرائِيلَ لَمّا اِعْتَدَوْا في السَّبْتِ وعَلَوْا وقَتَلُوا الأنْبِياءَ، بَعَثَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مَلِكَ فارِسَ بُخْتَنْصَّرَ، وكانَ اللَّهُ مَلَّكَهُ سَبْعَمِائَةِ سَنَةٍ، فَسارَ إلَيْهِمْ حَتّى دَخَلَ بَيْتَ المَقْدِسِ، فَحاصَرَها وفَتَحَها، وقَتَلَ عَلى دَمِ زَكَرِيّا سَبْعِينَ ألْفًا، ثُمَّ سَبى أهْلَها والأبْناءَ، وسَلَبَ حَلْيَ بَيْتِ المَقْدِسِ، واسْتَخْرَجَ مِنها سَبْعِينَ ألْفًا ومِائَةَ ألْفِ عَجَلَةٍ مِن حَلْيٍ، حَتّى أوْرَدَهُ بابِلَ“ . قالَ حُذَيْفَةُ: فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، لَقَدْ كانَ بَيْتُ المَقْدِسِ عَظِيمًا عِنْدَ اللَّهِ؟ قالَ: ”أجَلْ. بَناهُ سُلَيْمانُ بْنُ داوُدَ مِن ذَهَبٍ ودُرٍّ وياقُوتٍ (p-٢٦١)وزَبَرْجَدٍ، وكانَ بَلاطَةً ذَهَبًا وبَلاطَةً فِضَّةً، وعُمُدُهُ ذَهَبًا، أعْطاهُ اللَّهُ ذَلِكَ وسَخَّرَ لَهُ الشَّياطِينَ يَأْتُونَهُ بِهَذِهِ الأشْياءِ في طَرْفَةِ عَيْنٍ، فَسارَ بُخْتُنَصَّرَ بِهَذِهِ الأشْياءِ حَتّى نَزَلَ بِها بابِلَ، فَأقامَ بَنُو إسْرائِيلَ في يَدَيْهِ مِائَةَ سَنَةٍ يُعَذِّبُهُمُ المَجُوسُ وأبْناءُ المَجُوسِ، فِيهِمُ الأنْبِياءُ وأبْناءُ الأنْبِياءِ، ثُمَّ إنَّ اللَّهَ رَحِمَهُمْ، فَأوْحى إلى مَلِكٍ مِن مُلُوكِ فارِسَ يُقالُ لَهُ: كُورَسُ. وكانَ مُؤْمِنًا، أنَّ سِرْ إلى بَقايا بَنِي إسْرائِيلَ حَتّى تَسْتَنْقِذَهم. فَسارَ كُورَسُ بِبَنِي إسْرائِيلَ وحَلْيِ بَيْتِ المَقْدِسِ حَتّى رَدَّهُ إلَيْهِ، فَأقامَ بَنُو إسْرائِيلَ مُطِيعِينَ لِلَّهِ مِائَةَ سَنَةٍ، ثُمَّ إنَّهم عادُوا في المَعاصِي، فَسَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ إبْطَنانْحُوسَ، فَغَزا ثانِيًا بِمَن غَزا مَعَ بُخْتِنَصَّرَ، فَغَزا بَنِي إسْرائِيلَ، حَتّى أتاهم بَيْتَ المَقْدِسِ، فَسَبى أهْلَها، وأحْرَقَ بَيْتَ المَقْدِسِ، وقالَ لَهم: يا بَنِي إسْرائِيلَ، إنْ عُدْتُمْ في المَعاصِي، عُدْنا عَلَيْكم بِالسِّباءِ. فَعادُوا في المَعاصِي، فَسَيَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ السِّباءَ الثّالِثَ؛ مَلِكَ رُومِيَّةَ يُقالُ لَهُ: فاقِسُ بْنُ إسْبايُوسَ فَغَزاهم في البَرِّ والبَحْرِ، فَسَباهُمْ، وسَيَّرَ حَلْيَ بَيْتِ المَقْدِسِ، وأحْرَقَ بَيْتَ المَقْدِسِ بِالنِّيرانِ“ . فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”فَهَذا مِن صِفَةِ حَلْيِ بَيْتِ المَقْدِسِ، ويَرُدُّهُ (p-٢٦٢)المَهْدِيُّ إلى بَيْتِ المَقْدِسِ، وهو ألْفُ سَفِينَةٍ وسَبْعُمِائَةِ سَفِينَةٍ، يُرْسى بِها عَلى يافا حَتّى تُنْقَلَ إلى بَيْتِ المَقْدِسِ، وبِها يَجْتَمِعُ إلَيْهِ الأوَّلُونَ والآخِرُونَ“» . وأخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ عَنِ اِبْنِ زَيْدٍ قالَ: كانَ إفْسادُهُمُ الَّذِي يُفْسِدُونَ في الأرْضِ مَرَّتَيْنِ؛ قَتْلَ زَكَرِيّا ويَحْيى بْنِ زَكَرِيّا، فَسَلَّطَ عَلَيْهِمْ سابُورَ ذا الأكْتافِ، مَلِكًا مِن مُلُوكِ فارِسَ، مِن قِبَلِ زَكَرِيّا، وسَلَّطَ عَلَيْهِمْ بُخْتَنَصَّرَ مِن قِبَلِ يَحْيى. وأخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ اِبْنِ زَيْدٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَإذا جاءَ وعْدُ أُولاهُما﴾ . قالَ: إذا جاءَ وعْدُ أُولى تَيْنِكَ المَرَّتَيْنِ اللَّتَيْنِ قَضَيْنا إلى بَنِي إسْرائِيلَ: ﴿لَتُفْسِدُنَّ في الأرْضِ مَرَّتَيْنِ﴾ . وأخْرَجَ اِبْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿بَعَثْنا عَلَيْكم عِبادًا لَنا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ . قالَ جُنْدٌ أتَوْا مِن فارِسَ يَتَجَسَّسُونَ مِن أخْبارِهِمْ، ويَسْمَعُونَ حَدِيثَهُمْ، مَعَهم (p-٢٦٣)بُخْتُنَصَّرَ، فَوَعى أحادِيثَهم مِن بَيْنِ أصْحابِهِ، ثُمَّ رَجَعَتْ فارِسُ ولَمْ يَكُنْ قِتالٌ، ونُصِرَتْ عَلَيْهِمْ بَنُو إسْرائِيلَ، فَهَذا وعْدُ الأُولى، فَإذا جاءَ وعْدُ الآخِرَةِ بَعَثَ مَلَكُ فارِسَ بِبابِلَ جَيْشًا، وأمَّرَ عَلَيْهِمْ بُخْتَنَصَّرَ، فَدَمَّرُوهُمْ، فَهَذا وعْدُ الآخِرَةِ. وأخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَجاسُوا﴾ . قالَ فَمَشَوْا. وأخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ قالَ: أمّا المَرَّةُ الأُولى، فَسَلَّطَ عَلَيْهِمْ جالُوتَ، حَتّى بَعَثَ طالُوتَ ومَعَهُ داوُدُ، فَقَتَلَهُ داوُدُ، ثُمَّ رَدَّ الكَرَّةَ لِبَنِي إسْرائِيلَ ﴿وجَعَلْناكم أكْثَرَ نَفِيرًا﴾ . أيْ عَدَدًا. وذَلِكَ في زَمانِ داوُدَ، ﴿فَإذا جاءَ وعْدُ الآخِرَةِ﴾ آخِرِ العُقُوبَتَيْنِ، ﴿لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ﴾ . قالَ لِيُقَبِّحُوا وُجُوهَكُمْ، ﴿ولِيَدْخُلُوا المَسْجِدَ كَما دَخَلُوهُ أوَّلَ مَرَّةٍ﴾ . قالَ: كَما دَخَلَ عَدُوُّهم قَبْلَ ذَلِكَ، ﴿ولِيُتَبِّرُوا ما عَلَوْا تَتْبِيرًا﴾ . قالَ: يُدَمِّرُوا ما عَلَوْا تَدْمِيرًا، فَبَعَثَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ في الآخِرَةِ بُخْتَنَصَّرَ البابِلِيَّ المَجُوسِيَّ أبْغَضَ خَلْقِ اللَّهِ إلَيْهِ، فَسَبى وقَتَلَ وخَرَّبَ بَيْتَ المَقْدِسِ، وسامَهم سُوءَ العَذابِ. وأخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ عَنِ اِبْنِ زَيْدٍ في الآيَةِ قالَ: كانَتِ الآخِرَةُ أشَدَّ مِنَ الأُولى بِكَثِيرٍ، فَإنَّ الأُولى كانَتْ هَزِيمَةً فَقَطْ، والآخِرَةَ كانَ التَّدْمِيرَ، وأحْرَقَ بُخْتُنَصَّرَ (p-٢٦٤)التَّوْراةَ حَتّى لَمْ يَتْرُكْ فِيها حَرْفًا، وخَرَّبَ المَسْجِدَ. وأخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿تَتْبِيرًا﴾ . قالَ: تَدْمِيرًا. وأخْرَجَ اِبْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: تَبَّرَهُ وتَبَّرْنا، بِالنَّبَطِيَّةِ. وأخْرَجَ اِبْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الضَّحّاكِ في قَوْلِهِ: ﴿عَسى رَبُّكم أنْ يَرْحَمَكُمْ﴾ . قالَ: كانَتِ الرَّحْمَةُ الَّتِي وعَدَهم بَعْثَ مُحَمَّدٍ ﷺ . وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وإنْ عُدْتُمْ عُدْنا﴾ . قالَ: فَعادُوا، فَبَعَثَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مُحَمَّدًا ﷺ، فَهم يُعْطُونَ الجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وهم صاغِرُونَ. وأخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ حَصِيرًا﴾ . قالَ: سِجْنًا. وأخْرَجَ اِبْنُ النَّجّارِ /فِي ”تارِيخِهِ“ عَنْ أبِي عِمْرانَ الجَوْنِيِّ في قَوْلِهِ: (p-٢٦٥)﴿وجَعَلْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ حَصِيرًا﴾ . قالَ: سِجْنًا. وأخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ حَصِيرًا﴾ . يَقُولُ: جَعَلَ اللَّهُ مَأْواهم فِيها. وأخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿حَصِيرًا﴾ . قالَ: يُحْصَرُونَ فِيها. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿حَصِيرًا﴾ . قالَ: فِراشًا ومِهادًا.

الإسراء 17:6

(p-٢٥١)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقَضَيْنا إلى بَنِي إسْرائِيلَ﴾ الآيَةَ. أخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وقَضَيْنا إلى بَنِي إسْرائِيلَ﴾ . قالَ: أعْلَمْناهم. وأخْرَجَ اِبْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وقَضَيْنا إلى بَنِي إسْرائِيلَ﴾ . قالَ: أخْبَرْناهم. وأخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وقَضَيْنا إلى بَنِي إسْرائِيلَ﴾ . قالَ: قَضَيْنا عَلَيْهِمْ. وأخْرَجَ اِبْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وقَضَيْنا إلى بَنِي إسْرائِيلَ في الكِتابِ لَتُفْسِدُنَّ في الأرْضِ مَرَّتَيْنِ﴾ . قالَ: هَذا تَفْسِيرُ الَّذِي قَبْلَهُ. وأخْرَجَ اِبْنُ المُنْذِرِ، والحاكِمُ، عَنْ طاوُسٍ قالَ: كُنْتُ عِنْدَ اِبْنِ عَبّاسٍ ومَعَنا رَجُلٌ مِنَ القَدَرِيَّةِ، فَقُلْتُ: إنَّ أُناسًا يَقُولُونَ: لا قَدَرَ. قالَ: أوَفِي القَوْمِ أحَدٌ مِنهُمْ؟ قُلْتُ: لَوْ كانَ، ما كُنْتَ تَصْنَعُ بِهِ؟ قالَ: لَوْ كانَ فِيهِمْ أحَدٌ مِنهم لَأخَذْتُ بِرَأْسِهِ، ثُمَّ قَرَأْتُ عَلَيْهِ: ﴿وقَضَيْنا إلى بَنِي إسْرائِيلَ في الكِتابِ لَتُفْسِدُنَّ في الأرْضِ مَرَّتَيْنِ ولَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾ . وأخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ عَنِ اِبْنِ مَسْعُودٍ قالَ: إنَّ اللَّهَ عَهِدَ إلى بَنِي إسْرائِيلَ في (p-٢٥٢)التَّوْراةِ: لَتُفْسِدُنَّ في الأرْضِ مَرَّتَيْنِ. فَكانَ أوَّلَ الفَسادَيْنِ قَتْلُ زَكَرِيّا، فَبَعَثَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مَلِكَ النَّبَطِ، فَبَعَثَ الجُنُودَ وكانَتْ أساوِرَتُهُ أهْلَ فارِسَ، فَهم أُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ. فَتَحَصَّنَتْ بَنُو إسْرائِيلَ، وخَرَجَ فِيهِمْ بُخْتُنَصَّرَ يَتِيمًا مِسْكِينًا، إنَّما خَرَجَ يَسْتَطْعِمُ، وتَلَطَّفَ حَتّى دَخَلَ المَدِينَةَ، فَأتى مَجالِسَهم وهم يَقُولُونَ: لَوْ يَعْلَمُ عَدُوُّنا ما قُذِفَ في قُلُوبِنا مِنَ الرُّعْبِ بِذُنُوبِنا ما أرادُوا قِتالَنا. فَخَرَجَ بُخْتُنَصَّرَ حِينَ سَمِعَ ذَلِكَ مِنهُمْ، واشْتَدَّ القِيامُ عَلى الجَيْشِ، فَرَجَعُوا، وذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ: ﴿فَإذا جاءَ وعْدُ أُولاهُما بَعَثْنا عَلَيْكم عِبادًا لَنا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ الآيَةَ. ثُمَّ إنَّ بَنِي إسْرائِيلَ تَجَهَّزُوا فَغَزَوُا النَّبَطَ، فَأصابُوا مِنهُمْ، واسْتَنْقَذُوا ما في أيْدِيهِمْ، فَذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ: ﴿ثُمَّ رَدَدْنا لَكُمُ الكَرَّةَ عَلَيْهِمْ﴾ الآيَةَ. وأخْرَجَ اِبْنُ عَساكِرَ في ”تارِيخِهِ“ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ في قَوْلِهِ: ﴿لَتُفْسِدُنَّ في الأرْضِ مَرَّتَيْنِ﴾ . قالَ: الأُولى قَتْلُ زَكَرِيّا، والآخِرَةُ قَتْلُ يَحْيى. وأخْرَجَ اِبْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عَطِيَّةَ في قَوْلِهِ: ﴿لَتُفْسِدُنَّ في الأرْضِ مَرَّتَيْنِ﴾ . قالَ: أفْسَدُوا في المَرَّةِ الأُولى، فَأرْسَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ جالُوتَ فَقَتَلَهُمْ، وأفْسَدُوا (p-٢٥٣)المَرَّةَ الثّانِيَةَ فَقَتَلُوا يَحْيى بْنَ زَكَرِيّا، فَبَعَثَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بُخْتُنَصَّرَ. وأخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ قالَ: بَعَثَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ في الأُولى جالُوتَ، فَجاسَ خِلالَ دِيارِهِمْ، وضَرَبَ عَلَيْهِمُ الخَراجَ والذُّلَّ، فَسَألُوا اللَّهَ أنْ يَبْعَثَ إلَيْهِمْ مَلِكًا يُقاتِلُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ، فَبَعَثَ اللَّهُ طالُوتَ، فَقاتَلُوا جالُوتَ، فَنَصَرَ اللَّهُ بَنِي إسْرائِيلَ، وقُتِلَ جالُوتُ بِيَدَيْ داوُدَ، ورَجَعَ إلى بَنِي إسْرائِيلَ مُلْكُهُمْ، فَلَمّا أفْسَدُوا بَعَثَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ في المَرَّةِ الآخِرَةِ بُخْتُنَصَّرَ، فَخَرَّبَ المَساجِدَ وتَبَّرَ ما عَلَوْا تَتْبِيرًا. قالَ اللَّهُ بَعْدَ الأُولى والآخِرَةِ: ﴿عَسى رَبُّكم أنْ يَرْحَمَكم وإنْ عُدْتُمْ عُدْنا﴾ . قالَ: فَعادُوا فَسَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ المُؤْمِنِينَ. وأخْرَجَ اِبْنُ أبِي حاتِمٍ، مِن طَرِيقِ أبِي هاشِمٍ العَبْدِيِّ، عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ قالَ: مَلَكَ ما بَيْنَ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ أرْبَعَةٌ، مُؤْمِنانِ وكافِرانِ؛ أمّا الكافِرانِ، فالفَرُّخانُ وبُخْتُنَصَّرَ. فَأنْشَأ أبُو هاشِمٍ يُحَدِّثُ قالَ: وكانَ رَجُلًا مِن أهْلِ الشّامِ صالِحًا، فَقَرَأ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿وقَضَيْنا إلى بَنِي إسْرائِيلَ في الكِتابِ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿عُلُوًّا (p-٢٥٤)كَبِيرًا﴾ . قالَ: يا رَبِّ، أمّا الأُولى فَقَدْ فاتَتْنِي، فَأرِنِي الآخِرَةَ. فَأُتِيَ وهو قاعِدٌ في مُصَلّاهُ قَدْ خَفَقَ بِرَأْسِهِ، فَقِيلَ: الَّذِي سَألْتَ عَنْهُ بِبابِلَ واسْمُهُ بُخْتُنَصَّرَ، فَعَرَفَ الرَّجُلُ أنَّهُ قَدِ اُسْتُجِيبَ لَهُ، فاحْتَمَلَ جِرابًا مِن دَنانِيرَ، فَأقْبَلَ حَتّى اِنْتَهى إلى بابِلَ، فَدَخَلَ عَلى الفَرُّخانِ فَقالَ: إنِّي قَدْ جِئْتُ بِمالٍ، فَأقْسِمُهُ بَيْنَ المَساكِينِ؟ فَأمَرَ بِهِ فَأُنْزِلَ، ثُمَّ جَمَعُوهم لَهُ، فَجَعَلَ يُعْطِيهِمْ ويَسْألُهُ عَنْ أسْمائِهِمْ، حَتّى إذا فَرَغَ مِمَّنْ بِحَضْرَتِهِ قِيلَ لَهُ: فَإنَّهُ قَدْ بَقِيَتْ مِنهم بَقايا في الرَّساتِيقِ. فَجَعَلَ يَبْعَثُ فَتاهَ، حَتّى إذا كانَ اللَّيْلُ رَجَعَ إلَيْهِ، وأقْرَأهُ رَجُلًا رَجُلًا، فَأتى عَلى ذِكْرِ بُخْتُنَصَّرَ فَقالَ: قِفْ، قِفْ، كَيْفَ قُلْتَ؟ قالَ: بُخْتُنَصَّرَ. قالَ: وما بُخْتُنَصَّرَ هَذا؟ قالَ: هو أشَدُّهم فاقَةً، وهو مُقْعَدٌ يَأْتِي عَلَيْهِ السَّفّارُونَ، فَيُلْقِي أحَدُهم إلَيْهِ الكِسْرَةَ، ويَأْخُذُ بِأنَفَةٍ. قالَ: فَإنِّي مُلِمٌّ بِهِ لا بُدَّ. قالَ الآخَرُ: فَإنَّما هو في خَيْمَةٍ لَهُ يُحْدِثُ فِيها، حَتّى أذْهَبَ (p-٢٥٥)فَأقْلِبَها وأغْسِلَهُ. قالَ: دُونَكَ هَذِهِ الدَّنانِيرَ. فَأقْبَلَ إلَيْهِ بِالدَّنانِيرِ فَأعْطاهُ إيّاها، ثُمَّ رَجَعَ إلى صاحِبِهِ فَجاءَ مَعَهُ، فَدَخَلَ الخَيْمَةَ، فَقالَ: ما اِسْمُكَ؟ قالَ: بُخْتُنَصَّرَ. قالَ: مَن سَمّاكَ بُخْتُنَصَّرَ؟ قالَ: مَن عَسى أنْ يُسَمِّيَنِي إلّا أُمِّي؟ قالَ: فَهَلْ لَكَ أحَدٌ؟ قالَ: لا واللَّهِ، إنِّي لَهَهُنا أخافُ بِاللَّيْلِ أنْ تَأْكُلَنِي الذِّئابُ. قالَ: فَأيُّ النّاسِ أحْسَنُ بَلاءً؟ قالَ: أنْتَ. قالَ: أفَرَأيْتَ إنْ مُلِّكْتَ يَوْمًا مِن دَهْرٍ، أتَجْعَلُ لِي ألّا تَعْصِيَنِي؟ قالَ: أيْ سَيِّدِي، لا يَضُرُّكَ ألّا تَهْزَأ بِي. قالَ: أرَأيْتَ إنْ مُلِّكْتَ مَرَّةً، أتَجْعَلُ لِي ألّا تَعْصِيَنِي؟ قالَ: أمّا هَذِهِ فَلا أجْعَلُها لَكَ، ولَكِنْ سَوْفَ أُكْرِمُكَ كَرامَةً لا أُكْرِمُها أحَدًا. قالَ: دُونَكَ هَذِهِ الدَّنانِيرَ. ثُمَّ اِنْطَلَقَ فَلَحِقَ بِأرْضِهِ، فَقامَ الآخَرُ فاسْتَوى عَلى رِجْلَيْهِ، ثُمَّ اِنْطَلَقَ فاشْتَرى حِمارًا وأرْسانًا، ثُمَّ جَعَلَ يَسْتَعْرِضُ تِلْكَ الأُجُمَ فَيَجُزُّها فَيَبِيعُهُ، ثُمَّ قالَ: إلى مَتى هَذا الشَّقاءُ؟ فَعَمَدَ فَباعَ ذَلِكَ الحِمارَ وتِلْكَ الأرْسانَ واكْتَسى كِسْوَةً، ثُمَّ أتى بابَ المَلِكِ، فَجَعَلَ يُشِيرُ عَلَيْهِمْ بِالرَّأْيِ (p-٢٥٦)وتَرْتَفِعُ مَنزِلَتُهُ، حَتّى اِنْتَهى إلى بَوّابِ الفَرُّخانِ الَّذِي يَلِيهِ، فَقالَ لَهُ الفَرُّخانُ: قَدْ ذُكِرَ لِي رَجُلٌ عِنْدَكَ، فَما هُوَ؟ قالَ: ما رَأيْتُ مِثْلَهُ قَطُّ. قالَ: اِئْتِنِي بِهِ. فَكَلَّمَهُ فَأُعْجِبَ بِهِ. قالَ: إنَّ بَيْتَ المَقْدِسِ تِلْكَ البِلادَ قَدِ اِسْتَعْصَوُا عَلَيْنا، وإنّا باعِثُونَ إلَيْهِمْ بَعْثًا، وإنِّي باعِثٌ إلى البِلادِ مَن يَخْتَبِرُها. فَنَظَرَ حِينَئِذٍ إلى رِجالٍ مِن أهْلِ الإرْبِ والمَكِيدَةِ، فَبَعَثَهم جَواسِيسَ، فَلَمّا فَصَلُوا إذا بُخْتُنَصَّرَ قَدْ أتى بِخُرْجَيْهِ عَلى بَغْلَةٍ، قالَ: أيْنَ تُرِيدُ؟ قالَ: مَعَهم. قالَ: أفَلا آذَنْتَنِي فَأبْعَثَكَ عَلَيْهِمْ؟ قالَ: لا. حَتّى إذا وقَفُوا بِالأرْضِ، قالَ: تَفَرَّقُوا. وسَألَ بُخْتُنَصَّرَ عَنْ أفْضَلِ أهْلِ البَلَدِ فَدُلَّ عَلَيْهِ، فَألْقى خُرْجَيْهِ في دارِهِ، قالَ لِصاحِبِ المَنزِلِ: ألا تُخْبِرُنِي عَنْ أهْلِ بِلادِكَ. قالَ: عَلى الخَبِيرِ سَقَطْتَ، هم قَوْمٌ فِيهِمْ كِتابٌ فَلا يُقِيمُونَهُ، وأنْبِياءُ فَلا يُطِيعُونَهُمْ، وهم مُتَفَرِّقُونَ. قالَ بُخْتُنَصَّرَ كالمُتَعَجِّبِ مِنهم: كِتابٌ لا يُقِيمُونَهُ، وأنْبِياءُ لا يُطِيعُونَهُمْ، وهم مُتَفَرِّقُونَ! فَكَتَبَهُنَّ في ورَقَةٍ وألْقاها في خُرْجَيْهِ وقالَ: اِرْتَحِلُوا. فَأقْبَلُوا، حَتّى قَدِمُوا عَلى الفَرُّخانِ (p-٢٥٧)فَجَعَلَ يَسْألُ كُلَّ رَجُلٍ مِنهُمْ، فَجُعِلَ الرَّجُلُ يَقُولُ: أتَيْنا بِلادَ كَذا، ولَها حِصْنُ كَذا، ولَها نَهْرُ كَذا. قالَ: يا بُخْتُنَصَّرَ، ما تَقُولُ؟ قالَ: قَدِمْنا أرْضًا عَلى قَوْمٍ لَهم كِتابٌ لا يُقِيمُونَهُ، وأنْبِياءُ لا يُطِيعُونَهُمْ، وهم مُتَفَرِّقُونَ. فَأمِنَ حِينَئِذٍ، فَنَدَبَ النّاسَ، وبَعَثَ إلَيْهِمْ سَبْعِينَ ألْفًا، وأمَّرَ عَلَيْهِمْ بُخْتُنَصَّرَ، فَسارُوا حَتّى إذا عَلَوْا في الأرْضِ أدْرَكَهُمُ البَرِيدُ أنَّ الفَرُّخانُ قَدْ ماتَ ولَمْ يَسْتَخْلِفْ أحَدًا. قالَ لِلنّاسِ: مَكانَكم. ثُمَّ أقْبَلَ عَلى البَرِيدِ حِينَ قَدِمَ عَلى النّاسِ فَقالَ: وكَيْفَ صَنَعْتُمْ؟ قالُوا: كَرِهْنا أنْ نَقْطَعَ أمْرًا دُونَكَ. قالَ: إنَّ النّاسَ قَدْ بايَعُونِي. فَبايَعُوهُ، ثُمَّ اِسْتَخْلَفَ عَلَيْهِمْ وكَتَبَ بَيْنَهم كِتابًا، ثُمَّ اِنْطَلَقَ بِهِمْ سَرِيعًا حَتّى قَدِمَ عَلى أصْحابِهِ، فَأراهُمُ الكِتابَ، فَبايَعُوهُ وقالُوا: ما بِنا عَنْكَ رَغْبَةٌ. فَسارُوا، فَلَمّا سَمِعَ أهْلُ بَيْتِ المَقْدِسِ تَفَرَّقُوا وطارُوا تَحْتَ كُلِّ كَوْكَبٍ، فَشَعَّثَ ما هُناكَ، أيْ أفْسَدَ، وقَتَلَ مَن قَتَلَ، وخَرَّبَ بَيْتَ المَقْدِسِ، واسْتَبى أبْناءَ الأنْبِياءِ، فِيهِمْ دانْيالُ. فَسَمِعَ بِهِ صاحِبُ [٢٥٥ظ] الدَّنانِيرِ، فَأتاهُ فَقالَ: هَلْ تَعْرِفُنِي؟ قالَ: نَعَمْ. فَأدْنى مَجْلِسَهُ ولَمْ يُشَفِّعْهُ في شَيْءٍ حَتّى إذا نَزَلَ بابِلَ لا تُرَدُّ لَهُ رايَةٌ، فَكانَ كَذَلِكَ ما شاءَ اللَّهُ، (p-٢٥٨)ثُمَّ إنَّهُ رَأى رُؤْيا أفْظَعَتْهُ، فَأصْبَحَ قَدْ نَسِيَها، قالَ: عَلَيَّ بِالسَّحَرَةِ والكَهَنَةِ. قالَ: أخْبِرُونِي عَنْ رُؤْيا رَأيْتُها اللَّيْلَةَ، واللَّهِ لَتُخْبِرُنِّي بِها أوْ لَأقْتُلَنَّكم. قالُوا: ما هِيَ؟ قالَ: قَدْ نَسِيتُها. قالُوا: ما عِنْدَنا مِن هَذا عِلْمٌ، إلّا أنْ تُرْسِلَ إلى أبْناءِ الأنْبِياءِ. فَأرْسَلَ إلى أبْناءِ الأنْبِياءِ، قالَ: أخْبَرُونِي عَنْ رُؤْيا رَأيْتُها. قالُوا: وما هِيَ؟ قالَ: نَسِيتُها. قالُوا: غَيْبٌ، ولا يَعْلَمُ الغَيْبَ إلّا اللَّهُ. قالَ: واللَّهِ لَتُخْبِرُنِّي بِها أوْ لَأضْرِبَنَّ أعْناقَكم. قالُوا: فَدَعْنا حَتّى نَتَوَضَّأ ونُصْلِيَ ونَدْعُوَ اللَّهَ. قالَ: فافْعَلُوا. فانْطَلَقُوا فَأحْسَنُوا الوُضُوءَ، وأتَوْا صَعِيدًا طَيِّبًا، فَدَعَوُا اللَّهَ فَأُخْبِرُوا بِها، ثُمَّ رَجَعُوا إلَيْهِ فَقالُوا: رَأيْتَ كَأنَّ رَأْسَكَ مِن ذَهَبٍ، وصَدْرَكَ مِن فَخّارٍ، وبَطْنَكَ مِن نُحاسٍ، ورِجْلَيْكَ مِن حَدِيدٍ. قالَ: نَعَمْ. قالَ: فَأخْبِرُونِي بِعِبارَتِها أوْ لَأقْتُلَنَّكم. قالُوا: فَدَعْنا نَدْعُو رَبَّنا. قالَ اِذْهَبُوا. فَدَعَوا رَبَّهم فاسْتَجابَ لَهُمْ، فَرَجَعُوا إلَيْهِ قالُوا: رَأيْتَ كَأنَّ رَأْسَكَ مِن ذَهَبٍ، مُلْكُكَ هَذا يَذْهَبُ عِنْدَ رَأْسِ الحَوْلِ مِن هَذِهِ اللَّيْلَةِ. قالَ: ثُمَّ مَهْ؟ قالُوا: ثُمَّ يَكُونُ بَعْدَكَ مَلِكٌ يَفْخَرُ عَلى النّاسِ، ثُمَّ يَكُونُ مَلِكٌ يُخْشى عَلى النّاسِ شِدَّتُهُ، ثُمَّ يَكُونُ (p-٢٥٩)مُلْكٌ لا يُقِلُّهُ شَيْءٌ، إنَّما هو مِثْلُ الحَدِيدِ. يَعْنِي الإسْلامَ. فَأمَرَ بِحِصْنٍ فَبُنِيَ لَهُ بَيْنَهُ وبَيْنَ السَّماءِ، ثُمَّ جَعَلَ يَنَطِّقُهُ بِمَقاعِدِ الرِّجالِ والأحْراسِ، وقالَ لَهم: إنَّما هي هَذِهِ اللَّيْلَةُ لا يَجُوزَنَّ عَلَيْكم أحَدٌ وإنْ قالَ: أنا بُخْتُنَصَّرَ. إلّا قَتَلْتُمُوهُ مَكانَهُ مَن كانَ مِنَ النّاسِ. فَقَعَدَ كُلُّ أُناسٍ في مَكانِهِمُ الَّذِي وُكِّلُوا بِهِ، واهْتاجَ بَطْنُهُ مِنَ اللَّيْلِ، فَكَرِهَ أنْ يُرى مَقْعَدُهُ هُناكَ، وضُرِبَ عَلى أصْمِخَةِ القَوْمِ فاسْتَثْقَلُوا نُوَّمًا، فَأتى عَلَيْهِمْ وهم نِيامٌ، ثُمَّ أتى عَلَيْهِمْ فاسْتَيْقَظَ بَعْضُهم فَقالَ: مَن هَذا؟ قالَ: بُخْتُنَصَّرَ. قالَ: هَذا الَّذِي حُفِيَ إلَيْنا فِيهِ اللَّيْلَةَ. فَضَرَبَهُ فَقَتَلَهُ، فَأصْبَحَ الخَبِيثُ قَتِيلًا. وأخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ نَحْوَهُ أخْصَرَ مِنهُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وعَنِ السُّدِّيِّ، وعَنْ وهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ. وأخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ قالَ: ظَهَرَ بُخْتُنَصَّرَ عَلى الشّامِ، (p-٢٦٠)فَخَرَّبَ بَيْتَ المَقْدِسِ وقَتَلَهُمْ، ثُمَّ أتى دِمَشْقَ فَوَجَدَ بِها دَمًا يَغْلِي عَلى كِبًا، فَسَألَهم ما هَذا الدَّمُ؟ قالُوا: أدْرَكْنا آباءَنا عَلى هَذا، وكُلَّما ظَهَرَ عَلَيْهِ الكِبا ظَهَرَ. فَقَتَلَ عَلى ذَلِكَ الدَّمِ سَبْعِينَ ألْفًا مِنَ المُسْلِمِينَ وغَيْرِهِمْ فَسَكَنَ. وأخْرَجَ اِبْنُ عَساكِرَ عَنِ الحَسَنِ: أنَّ بُخْتُنَصَّرَ لَمّا قَتَلَ بَنِي إسْرائِيلَ، وهَدَمَ بَيْتَ المَقْدِسِ، وسارَ بِسَبايا بَنِي إسْرائِيلَ إلى أرْضِ بابِلَ، فَسامَهم سُوءَ العَذابِ، أرادَ أنْ يَتَناوَلَ السَّماءَ، فَطَلَبَ حِيلَةً يَصْعَدُ بِها، فَسَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِ بَعُوضَةً، فَدَخَلَتْ في مِنخَرِهِ فَوَقَعَتْ في دِماغِهِ، فَلَمْ تَزَلْ تَأْكُلُ دِماغَهُ وهو يَضْرِبُ رَأْسَهُ بِالحَجَرِ حَتّى ماتَ. وأخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ اليَمانِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «”إنَّ بَنِي إسْرائِيلَ لَمّا اِعْتَدَوْا في السَّبْتِ وعَلَوْا وقَتَلُوا الأنْبِياءَ، بَعَثَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مَلِكَ فارِسَ بُخْتَنْصَّرَ، وكانَ اللَّهُ مَلَّكَهُ سَبْعَمِائَةِ سَنَةٍ، فَسارَ إلَيْهِمْ حَتّى دَخَلَ بَيْتَ المَقْدِسِ، فَحاصَرَها وفَتَحَها، وقَتَلَ عَلى دَمِ زَكَرِيّا سَبْعِينَ ألْفًا، ثُمَّ سَبى أهْلَها والأبْناءَ، وسَلَبَ حَلْيَ بَيْتِ المَقْدِسِ، واسْتَخْرَجَ مِنها سَبْعِينَ ألْفًا ومِائَةَ ألْفِ عَجَلَةٍ مِن حَلْيٍ، حَتّى أوْرَدَهُ بابِلَ“ . قالَ حُذَيْفَةُ: فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، لَقَدْ كانَ بَيْتُ المَقْدِسِ عَظِيمًا عِنْدَ اللَّهِ؟ قالَ: ”أجَلْ. بَناهُ سُلَيْمانُ بْنُ داوُدَ مِن ذَهَبٍ ودُرٍّ وياقُوتٍ (p-٢٦١)وزَبَرْجَدٍ، وكانَ بَلاطَةً ذَهَبًا وبَلاطَةً فِضَّةً، وعُمُدُهُ ذَهَبًا، أعْطاهُ اللَّهُ ذَلِكَ وسَخَّرَ لَهُ الشَّياطِينَ يَأْتُونَهُ بِهَذِهِ الأشْياءِ في طَرْفَةِ عَيْنٍ، فَسارَ بُخْتُنَصَّرَ بِهَذِهِ الأشْياءِ حَتّى نَزَلَ بِها بابِلَ، فَأقامَ بَنُو إسْرائِيلَ في يَدَيْهِ مِائَةَ سَنَةٍ يُعَذِّبُهُمُ المَجُوسُ وأبْناءُ المَجُوسِ، فِيهِمُ الأنْبِياءُ وأبْناءُ الأنْبِياءِ، ثُمَّ إنَّ اللَّهَ رَحِمَهُمْ، فَأوْحى إلى مَلِكٍ مِن مُلُوكِ فارِسَ يُقالُ لَهُ: كُورَسُ. وكانَ مُؤْمِنًا، أنَّ سِرْ إلى بَقايا بَنِي إسْرائِيلَ حَتّى تَسْتَنْقِذَهم. فَسارَ كُورَسُ بِبَنِي إسْرائِيلَ وحَلْيِ بَيْتِ المَقْدِسِ حَتّى رَدَّهُ إلَيْهِ، فَأقامَ بَنُو إسْرائِيلَ مُطِيعِينَ لِلَّهِ مِائَةَ سَنَةٍ، ثُمَّ إنَّهم عادُوا في المَعاصِي، فَسَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ إبْطَنانْحُوسَ، فَغَزا ثانِيًا بِمَن غَزا مَعَ بُخْتِنَصَّرَ، فَغَزا بَنِي إسْرائِيلَ، حَتّى أتاهم بَيْتَ المَقْدِسِ، فَسَبى أهْلَها، وأحْرَقَ بَيْتَ المَقْدِسِ، وقالَ لَهم: يا بَنِي إسْرائِيلَ، إنْ عُدْتُمْ في المَعاصِي، عُدْنا عَلَيْكم بِالسِّباءِ. فَعادُوا في المَعاصِي، فَسَيَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ السِّباءَ الثّالِثَ؛ مَلِكَ رُومِيَّةَ يُقالُ لَهُ: فاقِسُ بْنُ إسْبايُوسَ فَغَزاهم في البَرِّ والبَحْرِ، فَسَباهُمْ، وسَيَّرَ حَلْيَ بَيْتِ المَقْدِسِ، وأحْرَقَ بَيْتَ المَقْدِسِ بِالنِّيرانِ“ . فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”فَهَذا مِن صِفَةِ حَلْيِ بَيْتِ المَقْدِسِ، ويَرُدُّهُ (p-٢٦٢)المَهْدِيُّ إلى بَيْتِ المَقْدِسِ، وهو ألْفُ سَفِينَةٍ وسَبْعُمِائَةِ سَفِينَةٍ، يُرْسى بِها عَلى يافا حَتّى تُنْقَلَ إلى بَيْتِ المَقْدِسِ، وبِها يَجْتَمِعُ إلَيْهِ الأوَّلُونَ والآخِرُونَ“» . وأخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ عَنِ اِبْنِ زَيْدٍ قالَ: كانَ إفْسادُهُمُ الَّذِي يُفْسِدُونَ في الأرْضِ مَرَّتَيْنِ؛ قَتْلَ زَكَرِيّا ويَحْيى بْنِ زَكَرِيّا، فَسَلَّطَ عَلَيْهِمْ سابُورَ ذا الأكْتافِ، مَلِكًا مِن مُلُوكِ فارِسَ، مِن قِبَلِ زَكَرِيّا، وسَلَّطَ عَلَيْهِمْ بُخْتَنَصَّرَ مِن قِبَلِ يَحْيى. وأخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ اِبْنِ زَيْدٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَإذا جاءَ وعْدُ أُولاهُما﴾ . قالَ: إذا جاءَ وعْدُ أُولى تَيْنِكَ المَرَّتَيْنِ اللَّتَيْنِ قَضَيْنا إلى بَنِي إسْرائِيلَ: ﴿لَتُفْسِدُنَّ في الأرْضِ مَرَّتَيْنِ﴾ . وأخْرَجَ اِبْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿بَعَثْنا عَلَيْكم عِبادًا لَنا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ . قالَ جُنْدٌ أتَوْا مِن فارِسَ يَتَجَسَّسُونَ مِن أخْبارِهِمْ، ويَسْمَعُونَ حَدِيثَهُمْ، مَعَهم (p-٢٦٣)بُخْتُنَصَّرَ، فَوَعى أحادِيثَهم مِن بَيْنِ أصْحابِهِ، ثُمَّ رَجَعَتْ فارِسُ ولَمْ يَكُنْ قِتالٌ، ونُصِرَتْ عَلَيْهِمْ بَنُو إسْرائِيلَ، فَهَذا وعْدُ الأُولى، فَإذا جاءَ وعْدُ الآخِرَةِ بَعَثَ مَلَكُ فارِسَ بِبابِلَ جَيْشًا، وأمَّرَ عَلَيْهِمْ بُخْتَنَصَّرَ، فَدَمَّرُوهُمْ، فَهَذا وعْدُ الآخِرَةِ. وأخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَجاسُوا﴾ . قالَ فَمَشَوْا. وأخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ قالَ: أمّا المَرَّةُ الأُولى، فَسَلَّطَ عَلَيْهِمْ جالُوتَ، حَتّى بَعَثَ طالُوتَ ومَعَهُ داوُدُ، فَقَتَلَهُ داوُدُ، ثُمَّ رَدَّ الكَرَّةَ لِبَنِي إسْرائِيلَ ﴿وجَعَلْناكم أكْثَرَ نَفِيرًا﴾ . أيْ عَدَدًا. وذَلِكَ في زَمانِ داوُدَ، ﴿فَإذا جاءَ وعْدُ الآخِرَةِ﴾ آخِرِ العُقُوبَتَيْنِ، ﴿لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ﴾ . قالَ لِيُقَبِّحُوا وُجُوهَكُمْ، ﴿ولِيَدْخُلُوا المَسْجِدَ كَما دَخَلُوهُ أوَّلَ مَرَّةٍ﴾ . قالَ: كَما دَخَلَ عَدُوُّهم قَبْلَ ذَلِكَ، ﴿ولِيُتَبِّرُوا ما عَلَوْا تَتْبِيرًا﴾ . قالَ: يُدَمِّرُوا ما عَلَوْا تَدْمِيرًا، فَبَعَثَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ في الآخِرَةِ بُخْتَنَصَّرَ البابِلِيَّ المَجُوسِيَّ أبْغَضَ خَلْقِ اللَّهِ إلَيْهِ، فَسَبى وقَتَلَ وخَرَّبَ بَيْتَ المَقْدِسِ، وسامَهم سُوءَ العَذابِ. وأخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ عَنِ اِبْنِ زَيْدٍ في الآيَةِ قالَ: كانَتِ الآخِرَةُ أشَدَّ مِنَ الأُولى بِكَثِيرٍ، فَإنَّ الأُولى كانَتْ هَزِيمَةً فَقَطْ، والآخِرَةَ كانَ التَّدْمِيرَ، وأحْرَقَ بُخْتُنَصَّرَ (p-٢٦٤)التَّوْراةَ حَتّى لَمْ يَتْرُكْ فِيها حَرْفًا، وخَرَّبَ المَسْجِدَ. وأخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿تَتْبِيرًا﴾ . قالَ: تَدْمِيرًا. وأخْرَجَ اِبْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: تَبَّرَهُ وتَبَّرْنا، بِالنَّبَطِيَّةِ. وأخْرَجَ اِبْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الضَّحّاكِ في قَوْلِهِ: ﴿عَسى رَبُّكم أنْ يَرْحَمَكُمْ﴾ . قالَ: كانَتِ الرَّحْمَةُ الَّتِي وعَدَهم بَعْثَ مُحَمَّدٍ ﷺ . وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وإنْ عُدْتُمْ عُدْنا﴾ . قالَ: فَعادُوا، فَبَعَثَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مُحَمَّدًا ﷺ، فَهم يُعْطُونَ الجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وهم صاغِرُونَ. وأخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ حَصِيرًا﴾ . قالَ: سِجْنًا. وأخْرَجَ اِبْنُ النَّجّارِ /فِي ”تارِيخِهِ“ عَنْ أبِي عِمْرانَ الجَوْنِيِّ في قَوْلِهِ: (p-٢٦٥)﴿وجَعَلْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ حَصِيرًا﴾ . قالَ: سِجْنًا. وأخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ حَصِيرًا﴾ . يَقُولُ: جَعَلَ اللَّهُ مَأْواهم فِيها. وأخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿حَصِيرًا﴾ . قالَ: يُحْصَرُونَ فِيها. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿حَصِيرًا﴾ . قالَ: فِراشًا ومِهادًا.

الإسراء 17:7

(p-٢٥١)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقَضَيْنا إلى بَنِي إسْرائِيلَ﴾ الآيَةَ. أخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وقَضَيْنا إلى بَنِي إسْرائِيلَ﴾ . قالَ: أعْلَمْناهم. وأخْرَجَ اِبْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وقَضَيْنا إلى بَنِي إسْرائِيلَ﴾ . قالَ: أخْبَرْناهم. وأخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وقَضَيْنا إلى بَنِي إسْرائِيلَ﴾ . قالَ: قَضَيْنا عَلَيْهِمْ. وأخْرَجَ اِبْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وقَضَيْنا إلى بَنِي إسْرائِيلَ في الكِتابِ لَتُفْسِدُنَّ في الأرْضِ مَرَّتَيْنِ﴾ . قالَ: هَذا تَفْسِيرُ الَّذِي قَبْلَهُ. وأخْرَجَ اِبْنُ المُنْذِرِ، والحاكِمُ، عَنْ طاوُسٍ قالَ: كُنْتُ عِنْدَ اِبْنِ عَبّاسٍ ومَعَنا رَجُلٌ مِنَ القَدَرِيَّةِ، فَقُلْتُ: إنَّ أُناسًا يَقُولُونَ: لا قَدَرَ. قالَ: أوَفِي القَوْمِ أحَدٌ مِنهُمْ؟ قُلْتُ: لَوْ كانَ، ما كُنْتَ تَصْنَعُ بِهِ؟ قالَ: لَوْ كانَ فِيهِمْ أحَدٌ مِنهم لَأخَذْتُ بِرَأْسِهِ، ثُمَّ قَرَأْتُ عَلَيْهِ: ﴿وقَضَيْنا إلى بَنِي إسْرائِيلَ في الكِتابِ لَتُفْسِدُنَّ في الأرْضِ مَرَّتَيْنِ ولَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾ . وأخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ عَنِ اِبْنِ مَسْعُودٍ قالَ: إنَّ اللَّهَ عَهِدَ إلى بَنِي إسْرائِيلَ في (p-٢٥٢)التَّوْراةِ: لَتُفْسِدُنَّ في الأرْضِ مَرَّتَيْنِ. فَكانَ أوَّلَ الفَسادَيْنِ قَتْلُ زَكَرِيّا، فَبَعَثَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مَلِكَ النَّبَطِ، فَبَعَثَ الجُنُودَ وكانَتْ أساوِرَتُهُ أهْلَ فارِسَ، فَهم أُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ. فَتَحَصَّنَتْ بَنُو إسْرائِيلَ، وخَرَجَ فِيهِمْ بُخْتُنَصَّرَ يَتِيمًا مِسْكِينًا، إنَّما خَرَجَ يَسْتَطْعِمُ، وتَلَطَّفَ حَتّى دَخَلَ المَدِينَةَ، فَأتى مَجالِسَهم وهم يَقُولُونَ: لَوْ يَعْلَمُ عَدُوُّنا ما قُذِفَ في قُلُوبِنا مِنَ الرُّعْبِ بِذُنُوبِنا ما أرادُوا قِتالَنا. فَخَرَجَ بُخْتُنَصَّرَ حِينَ سَمِعَ ذَلِكَ مِنهُمْ، واشْتَدَّ القِيامُ عَلى الجَيْشِ، فَرَجَعُوا، وذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ: ﴿فَإذا جاءَ وعْدُ أُولاهُما بَعَثْنا عَلَيْكم عِبادًا لَنا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ الآيَةَ. ثُمَّ إنَّ بَنِي إسْرائِيلَ تَجَهَّزُوا فَغَزَوُا النَّبَطَ، فَأصابُوا مِنهُمْ، واسْتَنْقَذُوا ما في أيْدِيهِمْ، فَذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ: ﴿ثُمَّ رَدَدْنا لَكُمُ الكَرَّةَ عَلَيْهِمْ﴾ الآيَةَ. وأخْرَجَ اِبْنُ عَساكِرَ في ”تارِيخِهِ“ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ في قَوْلِهِ: ﴿لَتُفْسِدُنَّ في الأرْضِ مَرَّتَيْنِ﴾ . قالَ: الأُولى قَتْلُ زَكَرِيّا، والآخِرَةُ قَتْلُ يَحْيى. وأخْرَجَ اِبْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عَطِيَّةَ في قَوْلِهِ: ﴿لَتُفْسِدُنَّ في الأرْضِ مَرَّتَيْنِ﴾ . قالَ: أفْسَدُوا في المَرَّةِ الأُولى، فَأرْسَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ جالُوتَ فَقَتَلَهُمْ، وأفْسَدُوا (p-٢٥٣)المَرَّةَ الثّانِيَةَ فَقَتَلُوا يَحْيى بْنَ زَكَرِيّا، فَبَعَثَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بُخْتُنَصَّرَ. وأخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ قالَ: بَعَثَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ في الأُولى جالُوتَ، فَجاسَ خِلالَ دِيارِهِمْ، وضَرَبَ عَلَيْهِمُ الخَراجَ والذُّلَّ، فَسَألُوا اللَّهَ أنْ يَبْعَثَ إلَيْهِمْ مَلِكًا يُقاتِلُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ، فَبَعَثَ اللَّهُ طالُوتَ، فَقاتَلُوا جالُوتَ، فَنَصَرَ اللَّهُ بَنِي إسْرائِيلَ، وقُتِلَ جالُوتُ بِيَدَيْ داوُدَ، ورَجَعَ إلى بَنِي إسْرائِيلَ مُلْكُهُمْ، فَلَمّا أفْسَدُوا بَعَثَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ في المَرَّةِ الآخِرَةِ بُخْتُنَصَّرَ، فَخَرَّبَ المَساجِدَ وتَبَّرَ ما عَلَوْا تَتْبِيرًا. قالَ اللَّهُ بَعْدَ الأُولى والآخِرَةِ: ﴿عَسى رَبُّكم أنْ يَرْحَمَكم وإنْ عُدْتُمْ عُدْنا﴾ . قالَ: فَعادُوا فَسَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ المُؤْمِنِينَ. وأخْرَجَ اِبْنُ أبِي حاتِمٍ، مِن طَرِيقِ أبِي هاشِمٍ العَبْدِيِّ، عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ قالَ: مَلَكَ ما بَيْنَ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ أرْبَعَةٌ، مُؤْمِنانِ وكافِرانِ؛ أمّا الكافِرانِ، فالفَرُّخانُ وبُخْتُنَصَّرَ. فَأنْشَأ أبُو هاشِمٍ يُحَدِّثُ قالَ: وكانَ رَجُلًا مِن أهْلِ الشّامِ صالِحًا، فَقَرَأ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿وقَضَيْنا إلى بَنِي إسْرائِيلَ في الكِتابِ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿عُلُوًّا (p-٢٥٤)كَبِيرًا﴾ . قالَ: يا رَبِّ، أمّا الأُولى فَقَدْ فاتَتْنِي، فَأرِنِي الآخِرَةَ. فَأُتِيَ وهو قاعِدٌ في مُصَلّاهُ قَدْ خَفَقَ بِرَأْسِهِ، فَقِيلَ: الَّذِي سَألْتَ عَنْهُ بِبابِلَ واسْمُهُ بُخْتُنَصَّرَ، فَعَرَفَ الرَّجُلُ أنَّهُ قَدِ اُسْتُجِيبَ لَهُ، فاحْتَمَلَ جِرابًا مِن دَنانِيرَ، فَأقْبَلَ حَتّى اِنْتَهى إلى بابِلَ، فَدَخَلَ عَلى الفَرُّخانِ فَقالَ: إنِّي قَدْ جِئْتُ بِمالٍ، فَأقْسِمُهُ بَيْنَ المَساكِينِ؟ فَأمَرَ بِهِ فَأُنْزِلَ، ثُمَّ جَمَعُوهم لَهُ، فَجَعَلَ يُعْطِيهِمْ ويَسْألُهُ عَنْ أسْمائِهِمْ، حَتّى إذا فَرَغَ مِمَّنْ بِحَضْرَتِهِ قِيلَ لَهُ: فَإنَّهُ قَدْ بَقِيَتْ مِنهم بَقايا في الرَّساتِيقِ. فَجَعَلَ يَبْعَثُ فَتاهَ، حَتّى إذا كانَ اللَّيْلُ رَجَعَ إلَيْهِ، وأقْرَأهُ رَجُلًا رَجُلًا، فَأتى عَلى ذِكْرِ بُخْتُنَصَّرَ فَقالَ: قِفْ، قِفْ، كَيْفَ قُلْتَ؟ قالَ: بُخْتُنَصَّرَ. قالَ: وما بُخْتُنَصَّرَ هَذا؟ قالَ: هو أشَدُّهم فاقَةً، وهو مُقْعَدٌ يَأْتِي عَلَيْهِ السَّفّارُونَ، فَيُلْقِي أحَدُهم إلَيْهِ الكِسْرَةَ، ويَأْخُذُ بِأنَفَةٍ. قالَ: فَإنِّي مُلِمٌّ بِهِ لا بُدَّ. قالَ الآخَرُ: فَإنَّما هو في خَيْمَةٍ لَهُ يُحْدِثُ فِيها، حَتّى أذْهَبَ (p-٢٥٥)فَأقْلِبَها وأغْسِلَهُ. قالَ: دُونَكَ هَذِهِ الدَّنانِيرَ. فَأقْبَلَ إلَيْهِ بِالدَّنانِيرِ فَأعْطاهُ إيّاها، ثُمَّ رَجَعَ إلى صاحِبِهِ فَجاءَ مَعَهُ، فَدَخَلَ الخَيْمَةَ، فَقالَ: ما اِسْمُكَ؟ قالَ: بُخْتُنَصَّرَ. قالَ: مَن سَمّاكَ بُخْتُنَصَّرَ؟ قالَ: مَن عَسى أنْ يُسَمِّيَنِي إلّا أُمِّي؟ قالَ: فَهَلْ لَكَ أحَدٌ؟ قالَ: لا واللَّهِ، إنِّي لَهَهُنا أخافُ بِاللَّيْلِ أنْ تَأْكُلَنِي الذِّئابُ. قالَ: فَأيُّ النّاسِ أحْسَنُ بَلاءً؟ قالَ: أنْتَ. قالَ: أفَرَأيْتَ إنْ مُلِّكْتَ يَوْمًا مِن دَهْرٍ، أتَجْعَلُ لِي ألّا تَعْصِيَنِي؟ قالَ: أيْ سَيِّدِي، لا يَضُرُّكَ ألّا تَهْزَأ بِي. قالَ: أرَأيْتَ إنْ مُلِّكْتَ مَرَّةً، أتَجْعَلُ لِي ألّا تَعْصِيَنِي؟ قالَ: أمّا هَذِهِ فَلا أجْعَلُها لَكَ، ولَكِنْ سَوْفَ أُكْرِمُكَ كَرامَةً لا أُكْرِمُها أحَدًا. قالَ: دُونَكَ هَذِهِ الدَّنانِيرَ. ثُمَّ اِنْطَلَقَ فَلَحِقَ بِأرْضِهِ، فَقامَ الآخَرُ فاسْتَوى عَلى رِجْلَيْهِ، ثُمَّ اِنْطَلَقَ فاشْتَرى حِمارًا وأرْسانًا، ثُمَّ جَعَلَ يَسْتَعْرِضُ تِلْكَ الأُجُمَ فَيَجُزُّها فَيَبِيعُهُ، ثُمَّ قالَ: إلى مَتى هَذا الشَّقاءُ؟ فَعَمَدَ فَباعَ ذَلِكَ الحِمارَ وتِلْكَ الأرْسانَ واكْتَسى كِسْوَةً، ثُمَّ أتى بابَ المَلِكِ، فَجَعَلَ يُشِيرُ عَلَيْهِمْ بِالرَّأْيِ (p-٢٥٦)وتَرْتَفِعُ مَنزِلَتُهُ، حَتّى اِنْتَهى إلى بَوّابِ الفَرُّخانِ الَّذِي يَلِيهِ، فَقالَ لَهُ الفَرُّخانُ: قَدْ ذُكِرَ لِي رَجُلٌ عِنْدَكَ، فَما هُوَ؟ قالَ: ما رَأيْتُ مِثْلَهُ قَطُّ. قالَ: اِئْتِنِي بِهِ. فَكَلَّمَهُ فَأُعْجِبَ بِهِ. قالَ: إنَّ بَيْتَ المَقْدِسِ تِلْكَ البِلادَ قَدِ اِسْتَعْصَوُا عَلَيْنا، وإنّا باعِثُونَ إلَيْهِمْ بَعْثًا، وإنِّي باعِثٌ إلى البِلادِ مَن يَخْتَبِرُها. فَنَظَرَ حِينَئِذٍ إلى رِجالٍ مِن أهْلِ الإرْبِ والمَكِيدَةِ، فَبَعَثَهم جَواسِيسَ، فَلَمّا فَصَلُوا إذا بُخْتُنَصَّرَ قَدْ أتى بِخُرْجَيْهِ عَلى بَغْلَةٍ، قالَ: أيْنَ تُرِيدُ؟ قالَ: مَعَهم. قالَ: أفَلا آذَنْتَنِي فَأبْعَثَكَ عَلَيْهِمْ؟ قالَ: لا. حَتّى إذا وقَفُوا بِالأرْضِ، قالَ: تَفَرَّقُوا. وسَألَ بُخْتُنَصَّرَ عَنْ أفْضَلِ أهْلِ البَلَدِ فَدُلَّ عَلَيْهِ، فَألْقى خُرْجَيْهِ في دارِهِ، قالَ لِصاحِبِ المَنزِلِ: ألا تُخْبِرُنِي عَنْ أهْلِ بِلادِكَ. قالَ: عَلى الخَبِيرِ سَقَطْتَ، هم قَوْمٌ فِيهِمْ كِتابٌ فَلا يُقِيمُونَهُ، وأنْبِياءُ فَلا يُطِيعُونَهُمْ، وهم مُتَفَرِّقُونَ. قالَ بُخْتُنَصَّرَ كالمُتَعَجِّبِ مِنهم: كِتابٌ لا يُقِيمُونَهُ، وأنْبِياءُ لا يُطِيعُونَهُمْ، وهم مُتَفَرِّقُونَ! فَكَتَبَهُنَّ في ورَقَةٍ وألْقاها في خُرْجَيْهِ وقالَ: اِرْتَحِلُوا. فَأقْبَلُوا، حَتّى قَدِمُوا عَلى الفَرُّخانِ (p-٢٥٧)فَجَعَلَ يَسْألُ كُلَّ رَجُلٍ مِنهُمْ، فَجُعِلَ الرَّجُلُ يَقُولُ: أتَيْنا بِلادَ كَذا، ولَها حِصْنُ كَذا، ولَها نَهْرُ كَذا. قالَ: يا بُخْتُنَصَّرَ، ما تَقُولُ؟ قالَ: قَدِمْنا أرْضًا عَلى قَوْمٍ لَهم كِتابٌ لا يُقِيمُونَهُ، وأنْبِياءُ لا يُطِيعُونَهُمْ، وهم مُتَفَرِّقُونَ. فَأمِنَ حِينَئِذٍ، فَنَدَبَ النّاسَ، وبَعَثَ إلَيْهِمْ سَبْعِينَ ألْفًا، وأمَّرَ عَلَيْهِمْ بُخْتُنَصَّرَ، فَسارُوا حَتّى إذا عَلَوْا في الأرْضِ أدْرَكَهُمُ البَرِيدُ أنَّ الفَرُّخانُ قَدْ ماتَ ولَمْ يَسْتَخْلِفْ أحَدًا. قالَ لِلنّاسِ: مَكانَكم. ثُمَّ أقْبَلَ عَلى البَرِيدِ حِينَ قَدِمَ عَلى النّاسِ فَقالَ: وكَيْفَ صَنَعْتُمْ؟ قالُوا: كَرِهْنا أنْ نَقْطَعَ أمْرًا دُونَكَ. قالَ: إنَّ النّاسَ قَدْ بايَعُونِي. فَبايَعُوهُ، ثُمَّ اِسْتَخْلَفَ عَلَيْهِمْ وكَتَبَ بَيْنَهم كِتابًا، ثُمَّ اِنْطَلَقَ بِهِمْ سَرِيعًا حَتّى قَدِمَ عَلى أصْحابِهِ، فَأراهُمُ الكِتابَ، فَبايَعُوهُ وقالُوا: ما بِنا عَنْكَ رَغْبَةٌ. فَسارُوا، فَلَمّا سَمِعَ أهْلُ بَيْتِ المَقْدِسِ تَفَرَّقُوا وطارُوا تَحْتَ كُلِّ كَوْكَبٍ، فَشَعَّثَ ما هُناكَ، أيْ أفْسَدَ، وقَتَلَ مَن قَتَلَ، وخَرَّبَ بَيْتَ المَقْدِسِ، واسْتَبى أبْناءَ الأنْبِياءِ، فِيهِمْ دانْيالُ. فَسَمِعَ بِهِ صاحِبُ [٢٥٥ظ] الدَّنانِيرِ، فَأتاهُ فَقالَ: هَلْ تَعْرِفُنِي؟ قالَ: نَعَمْ. فَأدْنى مَجْلِسَهُ ولَمْ يُشَفِّعْهُ في شَيْءٍ حَتّى إذا نَزَلَ بابِلَ لا تُرَدُّ لَهُ رايَةٌ، فَكانَ كَذَلِكَ ما شاءَ اللَّهُ، (p-٢٥٨)ثُمَّ إنَّهُ رَأى رُؤْيا أفْظَعَتْهُ، فَأصْبَحَ قَدْ نَسِيَها، قالَ: عَلَيَّ بِالسَّحَرَةِ والكَهَنَةِ. قالَ: أخْبِرُونِي عَنْ رُؤْيا رَأيْتُها اللَّيْلَةَ، واللَّهِ لَتُخْبِرُنِّي بِها أوْ لَأقْتُلَنَّكم. قالُوا: ما هِيَ؟ قالَ: قَدْ نَسِيتُها. قالُوا: ما عِنْدَنا مِن هَذا عِلْمٌ، إلّا أنْ تُرْسِلَ إلى أبْناءِ الأنْبِياءِ. فَأرْسَلَ إلى أبْناءِ الأنْبِياءِ، قالَ: أخْبَرُونِي عَنْ رُؤْيا رَأيْتُها. قالُوا: وما هِيَ؟ قالَ: نَسِيتُها. قالُوا: غَيْبٌ، ولا يَعْلَمُ الغَيْبَ إلّا اللَّهُ. قالَ: واللَّهِ لَتُخْبِرُنِّي بِها أوْ لَأضْرِبَنَّ أعْناقَكم. قالُوا: فَدَعْنا حَتّى نَتَوَضَّأ ونُصْلِيَ ونَدْعُوَ اللَّهَ. قالَ: فافْعَلُوا. فانْطَلَقُوا فَأحْسَنُوا الوُضُوءَ، وأتَوْا صَعِيدًا طَيِّبًا، فَدَعَوُا اللَّهَ فَأُخْبِرُوا بِها، ثُمَّ رَجَعُوا إلَيْهِ فَقالُوا: رَأيْتَ كَأنَّ رَأْسَكَ مِن ذَهَبٍ، وصَدْرَكَ مِن فَخّارٍ، وبَطْنَكَ مِن نُحاسٍ، ورِجْلَيْكَ مِن حَدِيدٍ. قالَ: نَعَمْ. قالَ: فَأخْبِرُونِي بِعِبارَتِها أوْ لَأقْتُلَنَّكم. قالُوا: فَدَعْنا نَدْعُو رَبَّنا. قالَ اِذْهَبُوا. فَدَعَوا رَبَّهم فاسْتَجابَ لَهُمْ، فَرَجَعُوا إلَيْهِ قالُوا: رَأيْتَ كَأنَّ رَأْسَكَ مِن ذَهَبٍ، مُلْكُكَ هَذا يَذْهَبُ عِنْدَ رَأْسِ الحَوْلِ مِن هَذِهِ اللَّيْلَةِ. قالَ: ثُمَّ مَهْ؟ قالُوا: ثُمَّ يَكُونُ بَعْدَكَ مَلِكٌ يَفْخَرُ عَلى النّاسِ، ثُمَّ يَكُونُ مَلِكٌ يُخْشى عَلى النّاسِ شِدَّتُهُ، ثُمَّ يَكُونُ (p-٢٥٩)مُلْكٌ لا يُقِلُّهُ شَيْءٌ، إنَّما هو مِثْلُ الحَدِيدِ. يَعْنِي الإسْلامَ. فَأمَرَ بِحِصْنٍ فَبُنِيَ لَهُ بَيْنَهُ وبَيْنَ السَّماءِ، ثُمَّ جَعَلَ يَنَطِّقُهُ بِمَقاعِدِ الرِّجالِ والأحْراسِ، وقالَ لَهم: إنَّما هي هَذِهِ اللَّيْلَةُ لا يَجُوزَنَّ عَلَيْكم أحَدٌ وإنْ قالَ: أنا بُخْتُنَصَّرَ. إلّا قَتَلْتُمُوهُ مَكانَهُ مَن كانَ مِنَ النّاسِ. فَقَعَدَ كُلُّ أُناسٍ في مَكانِهِمُ الَّذِي وُكِّلُوا بِهِ، واهْتاجَ بَطْنُهُ مِنَ اللَّيْلِ، فَكَرِهَ أنْ يُرى مَقْعَدُهُ هُناكَ، وضُرِبَ عَلى أصْمِخَةِ القَوْمِ فاسْتَثْقَلُوا نُوَّمًا، فَأتى عَلَيْهِمْ وهم نِيامٌ، ثُمَّ أتى عَلَيْهِمْ فاسْتَيْقَظَ بَعْضُهم فَقالَ: مَن هَذا؟ قالَ: بُخْتُنَصَّرَ. قالَ: هَذا الَّذِي حُفِيَ إلَيْنا فِيهِ اللَّيْلَةَ. فَضَرَبَهُ فَقَتَلَهُ، فَأصْبَحَ الخَبِيثُ قَتِيلًا. وأخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ نَحْوَهُ أخْصَرَ مِنهُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وعَنِ السُّدِّيِّ، وعَنْ وهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ. وأخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ قالَ: ظَهَرَ بُخْتُنَصَّرَ عَلى الشّامِ، (p-٢٦٠)فَخَرَّبَ بَيْتَ المَقْدِسِ وقَتَلَهُمْ، ثُمَّ أتى دِمَشْقَ فَوَجَدَ بِها دَمًا يَغْلِي عَلى كِبًا، فَسَألَهم ما هَذا الدَّمُ؟ قالُوا: أدْرَكْنا آباءَنا عَلى هَذا، وكُلَّما ظَهَرَ عَلَيْهِ الكِبا ظَهَرَ. فَقَتَلَ عَلى ذَلِكَ الدَّمِ سَبْعِينَ ألْفًا مِنَ المُسْلِمِينَ وغَيْرِهِمْ فَسَكَنَ. وأخْرَجَ اِبْنُ عَساكِرَ عَنِ الحَسَنِ: أنَّ بُخْتُنَصَّرَ لَمّا قَتَلَ بَنِي إسْرائِيلَ، وهَدَمَ بَيْتَ المَقْدِسِ، وسارَ بِسَبايا بَنِي إسْرائِيلَ إلى أرْضِ بابِلَ، فَسامَهم سُوءَ العَذابِ، أرادَ أنْ يَتَناوَلَ السَّماءَ، فَطَلَبَ حِيلَةً يَصْعَدُ بِها، فَسَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِ بَعُوضَةً، فَدَخَلَتْ في مِنخَرِهِ فَوَقَعَتْ في دِماغِهِ، فَلَمْ تَزَلْ تَأْكُلُ دِماغَهُ وهو يَضْرِبُ رَأْسَهُ بِالحَجَرِ حَتّى ماتَ. وأخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ اليَمانِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «”إنَّ بَنِي إسْرائِيلَ لَمّا اِعْتَدَوْا في السَّبْتِ وعَلَوْا وقَتَلُوا الأنْبِياءَ، بَعَثَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مَلِكَ فارِسَ بُخْتَنْصَّرَ، وكانَ اللَّهُ مَلَّكَهُ سَبْعَمِائَةِ سَنَةٍ، فَسارَ إلَيْهِمْ حَتّى دَخَلَ بَيْتَ المَقْدِسِ، فَحاصَرَها وفَتَحَها، وقَتَلَ عَلى دَمِ زَكَرِيّا سَبْعِينَ ألْفًا، ثُمَّ سَبى أهْلَها والأبْناءَ، وسَلَبَ حَلْيَ بَيْتِ المَقْدِسِ، واسْتَخْرَجَ مِنها سَبْعِينَ ألْفًا ومِائَةَ ألْفِ عَجَلَةٍ مِن حَلْيٍ، حَتّى أوْرَدَهُ بابِلَ“ . قالَ حُذَيْفَةُ: فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، لَقَدْ كانَ بَيْتُ المَقْدِسِ عَظِيمًا عِنْدَ اللَّهِ؟ قالَ: ”أجَلْ. بَناهُ سُلَيْمانُ بْنُ داوُدَ مِن ذَهَبٍ ودُرٍّ وياقُوتٍ (p-٢٦١)وزَبَرْجَدٍ، وكانَ بَلاطَةً ذَهَبًا وبَلاطَةً فِضَّةً، وعُمُدُهُ ذَهَبًا، أعْطاهُ اللَّهُ ذَلِكَ وسَخَّرَ لَهُ الشَّياطِينَ يَأْتُونَهُ بِهَذِهِ الأشْياءِ في طَرْفَةِ عَيْنٍ، فَسارَ بُخْتُنَصَّرَ بِهَذِهِ الأشْياءِ حَتّى نَزَلَ بِها بابِلَ، فَأقامَ بَنُو إسْرائِيلَ في يَدَيْهِ مِائَةَ سَنَةٍ يُعَذِّبُهُمُ المَجُوسُ وأبْناءُ المَجُوسِ، فِيهِمُ الأنْبِياءُ وأبْناءُ الأنْبِياءِ، ثُمَّ إنَّ اللَّهَ رَحِمَهُمْ، فَأوْحى إلى مَلِكٍ مِن مُلُوكِ فارِسَ يُقالُ لَهُ: كُورَسُ. وكانَ مُؤْمِنًا، أنَّ سِرْ إلى بَقايا بَنِي إسْرائِيلَ حَتّى تَسْتَنْقِذَهم. فَسارَ كُورَسُ بِبَنِي إسْرائِيلَ وحَلْيِ بَيْتِ المَقْدِسِ حَتّى رَدَّهُ إلَيْهِ، فَأقامَ بَنُو إسْرائِيلَ مُطِيعِينَ لِلَّهِ مِائَةَ سَنَةٍ، ثُمَّ إنَّهم عادُوا في المَعاصِي، فَسَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ إبْطَنانْحُوسَ، فَغَزا ثانِيًا بِمَن غَزا مَعَ بُخْتِنَصَّرَ، فَغَزا بَنِي إسْرائِيلَ، حَتّى أتاهم بَيْتَ المَقْدِسِ، فَسَبى أهْلَها، وأحْرَقَ بَيْتَ المَقْدِسِ، وقالَ لَهم: يا بَنِي إسْرائِيلَ، إنْ عُدْتُمْ في المَعاصِي، عُدْنا عَلَيْكم بِالسِّباءِ. فَعادُوا في المَعاصِي، فَسَيَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ السِّباءَ الثّالِثَ؛ مَلِكَ رُومِيَّةَ يُقالُ لَهُ: فاقِسُ بْنُ إسْبايُوسَ فَغَزاهم في البَرِّ والبَحْرِ، فَسَباهُمْ، وسَيَّرَ حَلْيَ بَيْتِ المَقْدِسِ، وأحْرَقَ بَيْتَ المَقْدِسِ بِالنِّيرانِ“ . فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”فَهَذا مِن صِفَةِ حَلْيِ بَيْتِ المَقْدِسِ، ويَرُدُّهُ (p-٢٦٢)المَهْدِيُّ إلى بَيْتِ المَقْدِسِ، وهو ألْفُ سَفِينَةٍ وسَبْعُمِائَةِ سَفِينَةٍ، يُرْسى بِها عَلى يافا حَتّى تُنْقَلَ إلى بَيْتِ المَقْدِسِ، وبِها يَجْتَمِعُ إلَيْهِ الأوَّلُونَ والآخِرُونَ“» . وأخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ عَنِ اِبْنِ زَيْدٍ قالَ: كانَ إفْسادُهُمُ الَّذِي يُفْسِدُونَ في الأرْضِ مَرَّتَيْنِ؛ قَتْلَ زَكَرِيّا ويَحْيى بْنِ زَكَرِيّا، فَسَلَّطَ عَلَيْهِمْ سابُورَ ذا الأكْتافِ، مَلِكًا مِن مُلُوكِ فارِسَ، مِن قِبَلِ زَكَرِيّا، وسَلَّطَ عَلَيْهِمْ بُخْتَنَصَّرَ مِن قِبَلِ يَحْيى. وأخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ اِبْنِ زَيْدٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَإذا جاءَ وعْدُ أُولاهُما﴾ . قالَ: إذا جاءَ وعْدُ أُولى تَيْنِكَ المَرَّتَيْنِ اللَّتَيْنِ قَضَيْنا إلى بَنِي إسْرائِيلَ: ﴿لَتُفْسِدُنَّ في الأرْضِ مَرَّتَيْنِ﴾ . وأخْرَجَ اِبْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿بَعَثْنا عَلَيْكم عِبادًا لَنا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ . قالَ جُنْدٌ أتَوْا مِن فارِسَ يَتَجَسَّسُونَ مِن أخْبارِهِمْ، ويَسْمَعُونَ حَدِيثَهُمْ، مَعَهم (p-٢٦٣)بُخْتُنَصَّرَ، فَوَعى أحادِيثَهم مِن بَيْنِ أصْحابِهِ، ثُمَّ رَجَعَتْ فارِسُ ولَمْ يَكُنْ قِتالٌ، ونُصِرَتْ عَلَيْهِمْ بَنُو إسْرائِيلَ، فَهَذا وعْدُ الأُولى، فَإذا جاءَ وعْدُ الآخِرَةِ بَعَثَ مَلَكُ فارِسَ بِبابِلَ جَيْشًا، وأمَّرَ عَلَيْهِمْ بُخْتَنَصَّرَ، فَدَمَّرُوهُمْ، فَهَذا وعْدُ الآخِرَةِ. وأخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَجاسُوا﴾ . قالَ فَمَشَوْا. وأخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ قالَ: أمّا المَرَّةُ الأُولى، فَسَلَّطَ عَلَيْهِمْ جالُوتَ، حَتّى بَعَثَ طالُوتَ ومَعَهُ داوُدُ، فَقَتَلَهُ داوُدُ، ثُمَّ رَدَّ الكَرَّةَ لِبَنِي إسْرائِيلَ ﴿وجَعَلْناكم أكْثَرَ نَفِيرًا﴾ . أيْ عَدَدًا. وذَلِكَ في زَمانِ داوُدَ، ﴿فَإذا جاءَ وعْدُ الآخِرَةِ﴾ آخِرِ العُقُوبَتَيْنِ، ﴿لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ﴾ . قالَ لِيُقَبِّحُوا وُجُوهَكُمْ، ﴿ولِيَدْخُلُوا المَسْجِدَ كَما دَخَلُوهُ أوَّلَ مَرَّةٍ﴾ . قالَ: كَما دَخَلَ عَدُوُّهم قَبْلَ ذَلِكَ، ﴿ولِيُتَبِّرُوا ما عَلَوْا تَتْبِيرًا﴾ . قالَ: يُدَمِّرُوا ما عَلَوْا تَدْمِيرًا، فَبَعَثَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ في الآخِرَةِ بُخْتَنَصَّرَ البابِلِيَّ المَجُوسِيَّ أبْغَضَ خَلْقِ اللَّهِ إلَيْهِ، فَسَبى وقَتَلَ وخَرَّبَ بَيْتَ المَقْدِسِ، وسامَهم سُوءَ العَذابِ. وأخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ عَنِ اِبْنِ زَيْدٍ في الآيَةِ قالَ: كانَتِ الآخِرَةُ أشَدَّ مِنَ الأُولى بِكَثِيرٍ، فَإنَّ الأُولى كانَتْ هَزِيمَةً فَقَطْ، والآخِرَةَ كانَ التَّدْمِيرَ، وأحْرَقَ بُخْتُنَصَّرَ (p-٢٦٤)التَّوْراةَ حَتّى لَمْ يَتْرُكْ فِيها حَرْفًا، وخَرَّبَ المَسْجِدَ. وأخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿تَتْبِيرًا﴾ . قالَ: تَدْمِيرًا. وأخْرَجَ اِبْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: تَبَّرَهُ وتَبَّرْنا، بِالنَّبَطِيَّةِ. وأخْرَجَ اِبْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الضَّحّاكِ في قَوْلِهِ: ﴿عَسى رَبُّكم أنْ يَرْحَمَكُمْ﴾ . قالَ: كانَتِ الرَّحْمَةُ الَّتِي وعَدَهم بَعْثَ مُحَمَّدٍ ﷺ . وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وإنْ عُدْتُمْ عُدْنا﴾ . قالَ: فَعادُوا، فَبَعَثَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مُحَمَّدًا ﷺ، فَهم يُعْطُونَ الجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وهم صاغِرُونَ. وأخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ حَصِيرًا﴾ . قالَ: سِجْنًا. وأخْرَجَ اِبْنُ النَّجّارِ /فِي ”تارِيخِهِ“ عَنْ أبِي عِمْرانَ الجَوْنِيِّ في قَوْلِهِ: (p-٢٦٥)﴿وجَعَلْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ حَصِيرًا﴾ . قالَ: سِجْنًا. وأخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ حَصِيرًا﴾ . يَقُولُ: جَعَلَ اللَّهُ مَأْواهم فِيها. وأخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿حَصِيرًا﴾ . قالَ: يُحْصَرُونَ فِيها. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿حَصِيرًا﴾ . قالَ: فِراشًا ومِهادًا.

الإسراء 17:8

(p-٢٥١)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقَضَيْنا إلى بَنِي إسْرائِيلَ﴾ الآيَةَ. أخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وقَضَيْنا إلى بَنِي إسْرائِيلَ﴾ . قالَ: أعْلَمْناهم. وأخْرَجَ اِبْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وقَضَيْنا إلى بَنِي إسْرائِيلَ﴾ . قالَ: أخْبَرْناهم. وأخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وقَضَيْنا إلى بَنِي إسْرائِيلَ﴾ . قالَ: قَضَيْنا عَلَيْهِمْ. وأخْرَجَ اِبْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وقَضَيْنا إلى بَنِي إسْرائِيلَ في الكِتابِ لَتُفْسِدُنَّ في الأرْضِ مَرَّتَيْنِ﴾ . قالَ: هَذا تَفْسِيرُ الَّذِي قَبْلَهُ. وأخْرَجَ اِبْنُ المُنْذِرِ، والحاكِمُ، عَنْ طاوُسٍ قالَ: كُنْتُ عِنْدَ اِبْنِ عَبّاسٍ ومَعَنا رَجُلٌ مِنَ القَدَرِيَّةِ، فَقُلْتُ: إنَّ أُناسًا يَقُولُونَ: لا قَدَرَ. قالَ: أوَفِي القَوْمِ أحَدٌ مِنهُمْ؟ قُلْتُ: لَوْ كانَ، ما كُنْتَ تَصْنَعُ بِهِ؟ قالَ: لَوْ كانَ فِيهِمْ أحَدٌ مِنهم لَأخَذْتُ بِرَأْسِهِ، ثُمَّ قَرَأْتُ عَلَيْهِ: ﴿وقَضَيْنا إلى بَنِي إسْرائِيلَ في الكِتابِ لَتُفْسِدُنَّ في الأرْضِ مَرَّتَيْنِ ولَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾ . وأخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ عَنِ اِبْنِ مَسْعُودٍ قالَ: إنَّ اللَّهَ عَهِدَ إلى بَنِي إسْرائِيلَ في (p-٢٥٢)التَّوْراةِ: لَتُفْسِدُنَّ في الأرْضِ مَرَّتَيْنِ. فَكانَ أوَّلَ الفَسادَيْنِ قَتْلُ زَكَرِيّا، فَبَعَثَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مَلِكَ النَّبَطِ، فَبَعَثَ الجُنُودَ وكانَتْ أساوِرَتُهُ أهْلَ فارِسَ، فَهم أُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ. فَتَحَصَّنَتْ بَنُو إسْرائِيلَ، وخَرَجَ فِيهِمْ بُخْتُنَصَّرَ يَتِيمًا مِسْكِينًا، إنَّما خَرَجَ يَسْتَطْعِمُ، وتَلَطَّفَ حَتّى دَخَلَ المَدِينَةَ، فَأتى مَجالِسَهم وهم يَقُولُونَ: لَوْ يَعْلَمُ عَدُوُّنا ما قُذِفَ في قُلُوبِنا مِنَ الرُّعْبِ بِذُنُوبِنا ما أرادُوا قِتالَنا. فَخَرَجَ بُخْتُنَصَّرَ حِينَ سَمِعَ ذَلِكَ مِنهُمْ، واشْتَدَّ القِيامُ عَلى الجَيْشِ، فَرَجَعُوا، وذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ: ﴿فَإذا جاءَ وعْدُ أُولاهُما بَعَثْنا عَلَيْكم عِبادًا لَنا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ الآيَةَ. ثُمَّ إنَّ بَنِي إسْرائِيلَ تَجَهَّزُوا فَغَزَوُا النَّبَطَ، فَأصابُوا مِنهُمْ، واسْتَنْقَذُوا ما في أيْدِيهِمْ، فَذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ: ﴿ثُمَّ رَدَدْنا لَكُمُ الكَرَّةَ عَلَيْهِمْ﴾ الآيَةَ. وأخْرَجَ اِبْنُ عَساكِرَ في ”تارِيخِهِ“ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ في قَوْلِهِ: ﴿لَتُفْسِدُنَّ في الأرْضِ مَرَّتَيْنِ﴾ . قالَ: الأُولى قَتْلُ زَكَرِيّا، والآخِرَةُ قَتْلُ يَحْيى. وأخْرَجَ اِبْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عَطِيَّةَ في قَوْلِهِ: ﴿لَتُفْسِدُنَّ في الأرْضِ مَرَّتَيْنِ﴾ . قالَ: أفْسَدُوا في المَرَّةِ الأُولى، فَأرْسَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ جالُوتَ فَقَتَلَهُمْ، وأفْسَدُوا (p-٢٥٣)المَرَّةَ الثّانِيَةَ فَقَتَلُوا يَحْيى بْنَ زَكَرِيّا، فَبَعَثَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بُخْتُنَصَّرَ. وأخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ قالَ: بَعَثَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ في الأُولى جالُوتَ، فَجاسَ خِلالَ دِيارِهِمْ، وضَرَبَ عَلَيْهِمُ الخَراجَ والذُّلَّ، فَسَألُوا اللَّهَ أنْ يَبْعَثَ إلَيْهِمْ مَلِكًا يُقاتِلُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ، فَبَعَثَ اللَّهُ طالُوتَ، فَقاتَلُوا جالُوتَ، فَنَصَرَ اللَّهُ بَنِي إسْرائِيلَ، وقُتِلَ جالُوتُ بِيَدَيْ داوُدَ، ورَجَعَ إلى بَنِي إسْرائِيلَ مُلْكُهُمْ، فَلَمّا أفْسَدُوا بَعَثَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ في المَرَّةِ الآخِرَةِ بُخْتُنَصَّرَ، فَخَرَّبَ المَساجِدَ وتَبَّرَ ما عَلَوْا تَتْبِيرًا. قالَ اللَّهُ بَعْدَ الأُولى والآخِرَةِ: ﴿عَسى رَبُّكم أنْ يَرْحَمَكم وإنْ عُدْتُمْ عُدْنا﴾ . قالَ: فَعادُوا فَسَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ المُؤْمِنِينَ. وأخْرَجَ اِبْنُ أبِي حاتِمٍ، مِن طَرِيقِ أبِي هاشِمٍ العَبْدِيِّ، عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ قالَ: مَلَكَ ما بَيْنَ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ أرْبَعَةٌ، مُؤْمِنانِ وكافِرانِ؛ أمّا الكافِرانِ، فالفَرُّخانُ وبُخْتُنَصَّرَ. فَأنْشَأ أبُو هاشِمٍ يُحَدِّثُ قالَ: وكانَ رَجُلًا مِن أهْلِ الشّامِ صالِحًا، فَقَرَأ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿وقَضَيْنا إلى بَنِي إسْرائِيلَ في الكِتابِ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿عُلُوًّا (p-٢٥٤)كَبِيرًا﴾ . قالَ: يا رَبِّ، أمّا الأُولى فَقَدْ فاتَتْنِي، فَأرِنِي الآخِرَةَ. فَأُتِيَ وهو قاعِدٌ في مُصَلّاهُ قَدْ خَفَقَ بِرَأْسِهِ، فَقِيلَ: الَّذِي سَألْتَ عَنْهُ بِبابِلَ واسْمُهُ بُخْتُنَصَّرَ، فَعَرَفَ الرَّجُلُ أنَّهُ قَدِ اُسْتُجِيبَ لَهُ، فاحْتَمَلَ جِرابًا مِن دَنانِيرَ، فَأقْبَلَ حَتّى اِنْتَهى إلى بابِلَ، فَدَخَلَ عَلى الفَرُّخانِ فَقالَ: إنِّي قَدْ جِئْتُ بِمالٍ، فَأقْسِمُهُ بَيْنَ المَساكِينِ؟ فَأمَرَ بِهِ فَأُنْزِلَ، ثُمَّ جَمَعُوهم لَهُ، فَجَعَلَ يُعْطِيهِمْ ويَسْألُهُ عَنْ أسْمائِهِمْ، حَتّى إذا فَرَغَ مِمَّنْ بِحَضْرَتِهِ قِيلَ لَهُ: فَإنَّهُ قَدْ بَقِيَتْ مِنهم بَقايا في الرَّساتِيقِ. فَجَعَلَ يَبْعَثُ فَتاهَ، حَتّى إذا كانَ اللَّيْلُ رَجَعَ إلَيْهِ، وأقْرَأهُ رَجُلًا رَجُلًا، فَأتى عَلى ذِكْرِ بُخْتُنَصَّرَ فَقالَ: قِفْ، قِفْ، كَيْفَ قُلْتَ؟ قالَ: بُخْتُنَصَّرَ. قالَ: وما بُخْتُنَصَّرَ هَذا؟ قالَ: هو أشَدُّهم فاقَةً، وهو مُقْعَدٌ يَأْتِي عَلَيْهِ السَّفّارُونَ، فَيُلْقِي أحَدُهم إلَيْهِ الكِسْرَةَ، ويَأْخُذُ بِأنَفَةٍ. قالَ: فَإنِّي مُلِمٌّ بِهِ لا بُدَّ. قالَ الآخَرُ: فَإنَّما هو في خَيْمَةٍ لَهُ يُحْدِثُ فِيها، حَتّى أذْهَبَ (p-٢٥٥)فَأقْلِبَها وأغْسِلَهُ. قالَ: دُونَكَ هَذِهِ الدَّنانِيرَ. فَأقْبَلَ إلَيْهِ بِالدَّنانِيرِ فَأعْطاهُ إيّاها، ثُمَّ رَجَعَ إلى صاحِبِهِ فَجاءَ مَعَهُ، فَدَخَلَ الخَيْمَةَ، فَقالَ: ما اِسْمُكَ؟ قالَ: بُخْتُنَصَّرَ. قالَ: مَن سَمّاكَ بُخْتُنَصَّرَ؟ قالَ: مَن عَسى أنْ يُسَمِّيَنِي إلّا أُمِّي؟ قالَ: فَهَلْ لَكَ أحَدٌ؟ قالَ: لا واللَّهِ، إنِّي لَهَهُنا أخافُ بِاللَّيْلِ أنْ تَأْكُلَنِي الذِّئابُ. قالَ: فَأيُّ النّاسِ أحْسَنُ بَلاءً؟ قالَ: أنْتَ. قالَ: أفَرَأيْتَ إنْ مُلِّكْتَ يَوْمًا مِن دَهْرٍ، أتَجْعَلُ لِي ألّا تَعْصِيَنِي؟ قالَ: أيْ سَيِّدِي، لا يَضُرُّكَ ألّا تَهْزَأ بِي. قالَ: أرَأيْتَ إنْ مُلِّكْتَ مَرَّةً، أتَجْعَلُ لِي ألّا تَعْصِيَنِي؟ قالَ: أمّا هَذِهِ فَلا أجْعَلُها لَكَ، ولَكِنْ سَوْفَ أُكْرِمُكَ كَرامَةً لا أُكْرِمُها أحَدًا. قالَ: دُونَكَ هَذِهِ الدَّنانِيرَ. ثُمَّ اِنْطَلَقَ فَلَحِقَ بِأرْضِهِ، فَقامَ الآخَرُ فاسْتَوى عَلى رِجْلَيْهِ، ثُمَّ اِنْطَلَقَ فاشْتَرى حِمارًا وأرْسانًا، ثُمَّ جَعَلَ يَسْتَعْرِضُ تِلْكَ الأُجُمَ فَيَجُزُّها فَيَبِيعُهُ، ثُمَّ قالَ: إلى مَتى هَذا الشَّقاءُ؟ فَعَمَدَ فَباعَ ذَلِكَ الحِمارَ وتِلْكَ الأرْسانَ واكْتَسى كِسْوَةً، ثُمَّ أتى بابَ المَلِكِ، فَجَعَلَ يُشِيرُ عَلَيْهِمْ بِالرَّأْيِ (p-٢٥٦)وتَرْتَفِعُ مَنزِلَتُهُ، حَتّى اِنْتَهى إلى بَوّابِ الفَرُّخانِ الَّذِي يَلِيهِ، فَقالَ لَهُ الفَرُّخانُ: قَدْ ذُكِرَ لِي رَجُلٌ عِنْدَكَ، فَما هُوَ؟ قالَ: ما رَأيْتُ مِثْلَهُ قَطُّ. قالَ: اِئْتِنِي بِهِ. فَكَلَّمَهُ فَأُعْجِبَ بِهِ. قالَ: إنَّ بَيْتَ المَقْدِسِ تِلْكَ البِلادَ قَدِ اِسْتَعْصَوُا عَلَيْنا، وإنّا باعِثُونَ إلَيْهِمْ بَعْثًا، وإنِّي باعِثٌ إلى البِلادِ مَن يَخْتَبِرُها. فَنَظَرَ حِينَئِذٍ إلى رِجالٍ مِن أهْلِ الإرْبِ والمَكِيدَةِ، فَبَعَثَهم جَواسِيسَ، فَلَمّا فَصَلُوا إذا بُخْتُنَصَّرَ قَدْ أتى بِخُرْجَيْهِ عَلى بَغْلَةٍ، قالَ: أيْنَ تُرِيدُ؟ قالَ: مَعَهم. قالَ: أفَلا آذَنْتَنِي فَأبْعَثَكَ عَلَيْهِمْ؟ قالَ: لا. حَتّى إذا وقَفُوا بِالأرْضِ، قالَ: تَفَرَّقُوا. وسَألَ بُخْتُنَصَّرَ عَنْ أفْضَلِ أهْلِ البَلَدِ فَدُلَّ عَلَيْهِ، فَألْقى خُرْجَيْهِ في دارِهِ، قالَ لِصاحِبِ المَنزِلِ: ألا تُخْبِرُنِي عَنْ أهْلِ بِلادِكَ. قالَ: عَلى الخَبِيرِ سَقَطْتَ، هم قَوْمٌ فِيهِمْ كِتابٌ فَلا يُقِيمُونَهُ، وأنْبِياءُ فَلا يُطِيعُونَهُمْ، وهم مُتَفَرِّقُونَ. قالَ بُخْتُنَصَّرَ كالمُتَعَجِّبِ مِنهم: كِتابٌ لا يُقِيمُونَهُ، وأنْبِياءُ لا يُطِيعُونَهُمْ، وهم مُتَفَرِّقُونَ! فَكَتَبَهُنَّ في ورَقَةٍ وألْقاها في خُرْجَيْهِ وقالَ: اِرْتَحِلُوا. فَأقْبَلُوا، حَتّى قَدِمُوا عَلى الفَرُّخانِ (p-٢٥٧)فَجَعَلَ يَسْألُ كُلَّ رَجُلٍ مِنهُمْ، فَجُعِلَ الرَّجُلُ يَقُولُ: أتَيْنا بِلادَ كَذا، ولَها حِصْنُ كَذا، ولَها نَهْرُ كَذا. قالَ: يا بُخْتُنَصَّرَ، ما تَقُولُ؟ قالَ: قَدِمْنا أرْضًا عَلى قَوْمٍ لَهم كِتابٌ لا يُقِيمُونَهُ، وأنْبِياءُ لا يُطِيعُونَهُمْ، وهم مُتَفَرِّقُونَ. فَأمِنَ حِينَئِذٍ، فَنَدَبَ النّاسَ، وبَعَثَ إلَيْهِمْ سَبْعِينَ ألْفًا، وأمَّرَ عَلَيْهِمْ بُخْتُنَصَّرَ، فَسارُوا حَتّى إذا عَلَوْا في الأرْضِ أدْرَكَهُمُ البَرِيدُ أنَّ الفَرُّخانُ قَدْ ماتَ ولَمْ يَسْتَخْلِفْ أحَدًا. قالَ لِلنّاسِ: مَكانَكم. ثُمَّ أقْبَلَ عَلى البَرِيدِ حِينَ قَدِمَ عَلى النّاسِ فَقالَ: وكَيْفَ صَنَعْتُمْ؟ قالُوا: كَرِهْنا أنْ نَقْطَعَ أمْرًا دُونَكَ. قالَ: إنَّ النّاسَ قَدْ بايَعُونِي. فَبايَعُوهُ، ثُمَّ اِسْتَخْلَفَ عَلَيْهِمْ وكَتَبَ بَيْنَهم كِتابًا، ثُمَّ اِنْطَلَقَ بِهِمْ سَرِيعًا حَتّى قَدِمَ عَلى أصْحابِهِ، فَأراهُمُ الكِتابَ، فَبايَعُوهُ وقالُوا: ما بِنا عَنْكَ رَغْبَةٌ. فَسارُوا، فَلَمّا سَمِعَ أهْلُ بَيْتِ المَقْدِسِ تَفَرَّقُوا وطارُوا تَحْتَ كُلِّ كَوْكَبٍ، فَشَعَّثَ ما هُناكَ، أيْ أفْسَدَ، وقَتَلَ مَن قَتَلَ، وخَرَّبَ بَيْتَ المَقْدِسِ، واسْتَبى أبْناءَ الأنْبِياءِ، فِيهِمْ دانْيالُ. فَسَمِعَ بِهِ صاحِبُ [٢٥٥ظ] الدَّنانِيرِ، فَأتاهُ فَقالَ: هَلْ تَعْرِفُنِي؟ قالَ: نَعَمْ. فَأدْنى مَجْلِسَهُ ولَمْ يُشَفِّعْهُ في شَيْءٍ حَتّى إذا نَزَلَ بابِلَ لا تُرَدُّ لَهُ رايَةٌ، فَكانَ كَذَلِكَ ما شاءَ اللَّهُ، (p-٢٥٨)ثُمَّ إنَّهُ رَأى رُؤْيا أفْظَعَتْهُ، فَأصْبَحَ قَدْ نَسِيَها، قالَ: عَلَيَّ بِالسَّحَرَةِ والكَهَنَةِ. قالَ: أخْبِرُونِي عَنْ رُؤْيا رَأيْتُها اللَّيْلَةَ، واللَّهِ لَتُخْبِرُنِّي بِها أوْ لَأقْتُلَنَّكم. قالُوا: ما هِيَ؟ قالَ: قَدْ نَسِيتُها. قالُوا: ما عِنْدَنا مِن هَذا عِلْمٌ، إلّا أنْ تُرْسِلَ إلى أبْناءِ الأنْبِياءِ. فَأرْسَلَ إلى أبْناءِ الأنْبِياءِ، قالَ: أخْبَرُونِي عَنْ رُؤْيا رَأيْتُها. قالُوا: وما هِيَ؟ قالَ: نَسِيتُها. قالُوا: غَيْبٌ، ولا يَعْلَمُ الغَيْبَ إلّا اللَّهُ. قالَ: واللَّهِ لَتُخْبِرُنِّي بِها أوْ لَأضْرِبَنَّ أعْناقَكم. قالُوا: فَدَعْنا حَتّى نَتَوَضَّأ ونُصْلِيَ ونَدْعُوَ اللَّهَ. قالَ: فافْعَلُوا. فانْطَلَقُوا فَأحْسَنُوا الوُضُوءَ، وأتَوْا صَعِيدًا طَيِّبًا، فَدَعَوُا اللَّهَ فَأُخْبِرُوا بِها، ثُمَّ رَجَعُوا إلَيْهِ فَقالُوا: رَأيْتَ كَأنَّ رَأْسَكَ مِن ذَهَبٍ، وصَدْرَكَ مِن فَخّارٍ، وبَطْنَكَ مِن نُحاسٍ، ورِجْلَيْكَ مِن حَدِيدٍ. قالَ: نَعَمْ. قالَ: فَأخْبِرُونِي بِعِبارَتِها أوْ لَأقْتُلَنَّكم. قالُوا: فَدَعْنا نَدْعُو رَبَّنا. قالَ اِذْهَبُوا. فَدَعَوا رَبَّهم فاسْتَجابَ لَهُمْ، فَرَجَعُوا إلَيْهِ قالُوا: رَأيْتَ كَأنَّ رَأْسَكَ مِن ذَهَبٍ، مُلْكُكَ هَذا يَذْهَبُ عِنْدَ رَأْسِ الحَوْلِ مِن هَذِهِ اللَّيْلَةِ. قالَ: ثُمَّ مَهْ؟ قالُوا: ثُمَّ يَكُونُ بَعْدَكَ مَلِكٌ يَفْخَرُ عَلى النّاسِ، ثُمَّ يَكُونُ مَلِكٌ يُخْشى عَلى النّاسِ شِدَّتُهُ، ثُمَّ يَكُونُ (p-٢٥٩)مُلْكٌ لا يُقِلُّهُ شَيْءٌ، إنَّما هو مِثْلُ الحَدِيدِ. يَعْنِي الإسْلامَ. فَأمَرَ بِحِصْنٍ فَبُنِيَ لَهُ بَيْنَهُ وبَيْنَ السَّماءِ، ثُمَّ جَعَلَ يَنَطِّقُهُ بِمَقاعِدِ الرِّجالِ والأحْراسِ، وقالَ لَهم: إنَّما هي هَذِهِ اللَّيْلَةُ لا يَجُوزَنَّ عَلَيْكم أحَدٌ وإنْ قالَ: أنا بُخْتُنَصَّرَ. إلّا قَتَلْتُمُوهُ مَكانَهُ مَن كانَ مِنَ النّاسِ. فَقَعَدَ كُلُّ أُناسٍ في مَكانِهِمُ الَّذِي وُكِّلُوا بِهِ، واهْتاجَ بَطْنُهُ مِنَ اللَّيْلِ، فَكَرِهَ أنْ يُرى مَقْعَدُهُ هُناكَ، وضُرِبَ عَلى أصْمِخَةِ القَوْمِ فاسْتَثْقَلُوا نُوَّمًا، فَأتى عَلَيْهِمْ وهم نِيامٌ، ثُمَّ أتى عَلَيْهِمْ فاسْتَيْقَظَ بَعْضُهم فَقالَ: مَن هَذا؟ قالَ: بُخْتُنَصَّرَ. قالَ: هَذا الَّذِي حُفِيَ إلَيْنا فِيهِ اللَّيْلَةَ. فَضَرَبَهُ فَقَتَلَهُ، فَأصْبَحَ الخَبِيثُ قَتِيلًا. وأخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ نَحْوَهُ أخْصَرَ مِنهُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وعَنِ السُّدِّيِّ، وعَنْ وهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ. وأخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ قالَ: ظَهَرَ بُخْتُنَصَّرَ عَلى الشّامِ، (p-٢٦٠)فَخَرَّبَ بَيْتَ المَقْدِسِ وقَتَلَهُمْ، ثُمَّ أتى دِمَشْقَ فَوَجَدَ بِها دَمًا يَغْلِي عَلى كِبًا، فَسَألَهم ما هَذا الدَّمُ؟ قالُوا: أدْرَكْنا آباءَنا عَلى هَذا، وكُلَّما ظَهَرَ عَلَيْهِ الكِبا ظَهَرَ. فَقَتَلَ عَلى ذَلِكَ الدَّمِ سَبْعِينَ ألْفًا مِنَ المُسْلِمِينَ وغَيْرِهِمْ فَسَكَنَ. وأخْرَجَ اِبْنُ عَساكِرَ عَنِ الحَسَنِ: أنَّ بُخْتُنَصَّرَ لَمّا قَتَلَ بَنِي إسْرائِيلَ، وهَدَمَ بَيْتَ المَقْدِسِ، وسارَ بِسَبايا بَنِي إسْرائِيلَ إلى أرْضِ بابِلَ، فَسامَهم سُوءَ العَذابِ، أرادَ أنْ يَتَناوَلَ السَّماءَ، فَطَلَبَ حِيلَةً يَصْعَدُ بِها، فَسَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِ بَعُوضَةً، فَدَخَلَتْ في مِنخَرِهِ فَوَقَعَتْ في دِماغِهِ، فَلَمْ تَزَلْ تَأْكُلُ دِماغَهُ وهو يَضْرِبُ رَأْسَهُ بِالحَجَرِ حَتّى ماتَ. وأخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ اليَمانِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «”إنَّ بَنِي إسْرائِيلَ لَمّا اِعْتَدَوْا في السَّبْتِ وعَلَوْا وقَتَلُوا الأنْبِياءَ، بَعَثَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مَلِكَ فارِسَ بُخْتَنْصَّرَ، وكانَ اللَّهُ مَلَّكَهُ سَبْعَمِائَةِ سَنَةٍ، فَسارَ إلَيْهِمْ حَتّى دَخَلَ بَيْتَ المَقْدِسِ، فَحاصَرَها وفَتَحَها، وقَتَلَ عَلى دَمِ زَكَرِيّا سَبْعِينَ ألْفًا، ثُمَّ سَبى أهْلَها والأبْناءَ، وسَلَبَ حَلْيَ بَيْتِ المَقْدِسِ، واسْتَخْرَجَ مِنها سَبْعِينَ ألْفًا ومِائَةَ ألْفِ عَجَلَةٍ مِن حَلْيٍ، حَتّى أوْرَدَهُ بابِلَ“ . قالَ حُذَيْفَةُ: فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، لَقَدْ كانَ بَيْتُ المَقْدِسِ عَظِيمًا عِنْدَ اللَّهِ؟ قالَ: ”أجَلْ. بَناهُ سُلَيْمانُ بْنُ داوُدَ مِن ذَهَبٍ ودُرٍّ وياقُوتٍ (p-٢٦١)وزَبَرْجَدٍ، وكانَ بَلاطَةً ذَهَبًا وبَلاطَةً فِضَّةً، وعُمُدُهُ ذَهَبًا، أعْطاهُ اللَّهُ ذَلِكَ وسَخَّرَ لَهُ الشَّياطِينَ يَأْتُونَهُ بِهَذِهِ الأشْياءِ في طَرْفَةِ عَيْنٍ، فَسارَ بُخْتُنَصَّرَ بِهَذِهِ الأشْياءِ حَتّى نَزَلَ بِها بابِلَ، فَأقامَ بَنُو إسْرائِيلَ في يَدَيْهِ مِائَةَ سَنَةٍ يُعَذِّبُهُمُ المَجُوسُ وأبْناءُ المَجُوسِ، فِيهِمُ الأنْبِياءُ وأبْناءُ الأنْبِياءِ، ثُمَّ إنَّ اللَّهَ رَحِمَهُمْ، فَأوْحى إلى مَلِكٍ مِن مُلُوكِ فارِسَ يُقالُ لَهُ: كُورَسُ. وكانَ مُؤْمِنًا، أنَّ سِرْ إلى بَقايا بَنِي إسْرائِيلَ حَتّى تَسْتَنْقِذَهم. فَسارَ كُورَسُ بِبَنِي إسْرائِيلَ وحَلْيِ بَيْتِ المَقْدِسِ حَتّى رَدَّهُ إلَيْهِ، فَأقامَ بَنُو إسْرائِيلَ مُطِيعِينَ لِلَّهِ مِائَةَ سَنَةٍ، ثُمَّ إنَّهم عادُوا في المَعاصِي، فَسَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ إبْطَنانْحُوسَ، فَغَزا ثانِيًا بِمَن غَزا مَعَ بُخْتِنَصَّرَ، فَغَزا بَنِي إسْرائِيلَ، حَتّى أتاهم بَيْتَ المَقْدِسِ، فَسَبى أهْلَها، وأحْرَقَ بَيْتَ المَقْدِسِ، وقالَ لَهم: يا بَنِي إسْرائِيلَ، إنْ عُدْتُمْ في المَعاصِي، عُدْنا عَلَيْكم بِالسِّباءِ. فَعادُوا في المَعاصِي، فَسَيَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ السِّباءَ الثّالِثَ؛ مَلِكَ رُومِيَّةَ يُقالُ لَهُ: فاقِسُ بْنُ إسْبايُوسَ فَغَزاهم في البَرِّ والبَحْرِ، فَسَباهُمْ، وسَيَّرَ حَلْيَ بَيْتِ المَقْدِسِ، وأحْرَقَ بَيْتَ المَقْدِسِ بِالنِّيرانِ“ . فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”فَهَذا مِن صِفَةِ حَلْيِ بَيْتِ المَقْدِسِ، ويَرُدُّهُ (p-٢٦٢)المَهْدِيُّ إلى بَيْتِ المَقْدِسِ، وهو ألْفُ سَفِينَةٍ وسَبْعُمِائَةِ سَفِينَةٍ، يُرْسى بِها عَلى يافا حَتّى تُنْقَلَ إلى بَيْتِ المَقْدِسِ، وبِها يَجْتَمِعُ إلَيْهِ الأوَّلُونَ والآخِرُونَ“» . وأخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ عَنِ اِبْنِ زَيْدٍ قالَ: كانَ إفْسادُهُمُ الَّذِي يُفْسِدُونَ في الأرْضِ مَرَّتَيْنِ؛ قَتْلَ زَكَرِيّا ويَحْيى بْنِ زَكَرِيّا، فَسَلَّطَ عَلَيْهِمْ سابُورَ ذا الأكْتافِ، مَلِكًا مِن مُلُوكِ فارِسَ، مِن قِبَلِ زَكَرِيّا، وسَلَّطَ عَلَيْهِمْ بُخْتَنَصَّرَ مِن قِبَلِ يَحْيى. وأخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ اِبْنِ زَيْدٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَإذا جاءَ وعْدُ أُولاهُما﴾ . قالَ: إذا جاءَ وعْدُ أُولى تَيْنِكَ المَرَّتَيْنِ اللَّتَيْنِ قَضَيْنا إلى بَنِي إسْرائِيلَ: ﴿لَتُفْسِدُنَّ في الأرْضِ مَرَّتَيْنِ﴾ . وأخْرَجَ اِبْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿بَعَثْنا عَلَيْكم عِبادًا لَنا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ . قالَ جُنْدٌ أتَوْا مِن فارِسَ يَتَجَسَّسُونَ مِن أخْبارِهِمْ، ويَسْمَعُونَ حَدِيثَهُمْ، مَعَهم (p-٢٦٣)بُخْتُنَصَّرَ، فَوَعى أحادِيثَهم مِن بَيْنِ أصْحابِهِ، ثُمَّ رَجَعَتْ فارِسُ ولَمْ يَكُنْ قِتالٌ، ونُصِرَتْ عَلَيْهِمْ بَنُو إسْرائِيلَ، فَهَذا وعْدُ الأُولى، فَإذا جاءَ وعْدُ الآخِرَةِ بَعَثَ مَلَكُ فارِسَ بِبابِلَ جَيْشًا، وأمَّرَ عَلَيْهِمْ بُخْتَنَصَّرَ، فَدَمَّرُوهُمْ، فَهَذا وعْدُ الآخِرَةِ. وأخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَجاسُوا﴾ . قالَ فَمَشَوْا. وأخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ قالَ: أمّا المَرَّةُ الأُولى، فَسَلَّطَ عَلَيْهِمْ جالُوتَ، حَتّى بَعَثَ طالُوتَ ومَعَهُ داوُدُ، فَقَتَلَهُ داوُدُ، ثُمَّ رَدَّ الكَرَّةَ لِبَنِي إسْرائِيلَ ﴿وجَعَلْناكم أكْثَرَ نَفِيرًا﴾ . أيْ عَدَدًا. وذَلِكَ في زَمانِ داوُدَ، ﴿فَإذا جاءَ وعْدُ الآخِرَةِ﴾ آخِرِ العُقُوبَتَيْنِ، ﴿لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ﴾ . قالَ لِيُقَبِّحُوا وُجُوهَكُمْ، ﴿ولِيَدْخُلُوا المَسْجِدَ كَما دَخَلُوهُ أوَّلَ مَرَّةٍ﴾ . قالَ: كَما دَخَلَ عَدُوُّهم قَبْلَ ذَلِكَ، ﴿ولِيُتَبِّرُوا ما عَلَوْا تَتْبِيرًا﴾ . قالَ: يُدَمِّرُوا ما عَلَوْا تَدْمِيرًا، فَبَعَثَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ في الآخِرَةِ بُخْتَنَصَّرَ البابِلِيَّ المَجُوسِيَّ أبْغَضَ خَلْقِ اللَّهِ إلَيْهِ، فَسَبى وقَتَلَ وخَرَّبَ بَيْتَ المَقْدِسِ، وسامَهم سُوءَ العَذابِ. وأخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ عَنِ اِبْنِ زَيْدٍ في الآيَةِ قالَ: كانَتِ الآخِرَةُ أشَدَّ مِنَ الأُولى بِكَثِيرٍ، فَإنَّ الأُولى كانَتْ هَزِيمَةً فَقَطْ، والآخِرَةَ كانَ التَّدْمِيرَ، وأحْرَقَ بُخْتُنَصَّرَ (p-٢٦٤)التَّوْراةَ حَتّى لَمْ يَتْرُكْ فِيها حَرْفًا، وخَرَّبَ المَسْجِدَ. وأخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿تَتْبِيرًا﴾ . قالَ: تَدْمِيرًا. وأخْرَجَ اِبْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: تَبَّرَهُ وتَبَّرْنا، بِالنَّبَطِيَّةِ. وأخْرَجَ اِبْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الضَّحّاكِ في قَوْلِهِ: ﴿عَسى رَبُّكم أنْ يَرْحَمَكُمْ﴾ . قالَ: كانَتِ الرَّحْمَةُ الَّتِي وعَدَهم بَعْثَ مُحَمَّدٍ ﷺ . وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وإنْ عُدْتُمْ عُدْنا﴾ . قالَ: فَعادُوا، فَبَعَثَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مُحَمَّدًا ﷺ، فَهم يُعْطُونَ الجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وهم صاغِرُونَ. وأخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ حَصِيرًا﴾ . قالَ: سِجْنًا. وأخْرَجَ اِبْنُ النَّجّارِ /فِي ”تارِيخِهِ“ عَنْ أبِي عِمْرانَ الجَوْنِيِّ في قَوْلِهِ: (p-٢٦٥)﴿وجَعَلْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ حَصِيرًا﴾ . قالَ: سِجْنًا. وأخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلْنا جَهَنَّمَ لِلْكافِرِينَ حَصِيرًا﴾ . يَقُولُ: جَعَلَ اللَّهُ مَأْواهم فِيها. وأخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿حَصِيرًا﴾ . قالَ: يُحْصَرُونَ فِيها. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿حَصِيرًا﴾ . قالَ: فِراشًا ومِهادًا.

الإسراء 17:9

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ هَذا القُرْآنَ﴾ الآيَةَ. أخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ عَنِ اِبْنِ زَيْدٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ هَذا القُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هي أقْوَمُ﴾ . قالَ: لِلَّتِي هي أصْوَبُ. وأخْرَجَ اِبْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ في الآيَةِ قالَ: إنَّ هَذا القُرْآنَ يَدُلُّكم عَلى دائِكم ودَوائِكُمْ؛ فَأمّا داؤُكم فالذُّنُوبُ والخَطايا، وأمّا دَواؤُكم فالِاسْتِغْفارُ. وأخْرَجَ الحاكِمُ عَنِ اِبْنِ مَسْعُودٍ، أنَّهُ كانَ يَتْلُو كَثِيرًا: ﴿إنَّ هَذا القُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هي أقْوَمُ ويُبَشِّرُ المُؤْمِنِينَ﴾ خَفِيفٌ. (p-٢٦٦)وأخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ اِبْنِ جُرَيْجٍ في قَوْلِهِ: ﴿أنَّ لَهم أجْرًا كَبِيرًا﴾ . قالَ: الجَنَّةَ. وكُلُّ شَيْءٍ في القُرْآنِ (أجْرٌ كَبِيرٌ) و(رِزْقٌ كَرِيمٌ)، فَهو الجَنَّةُ.

الإسراء 17:11

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَدْعُ الإنْسانُ بِالشَّرِّ﴾ الآيَةَ. أخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ويَدْعُ الإنْسانُ بِالشَّرِّ دُعاءَهُ بِالخَيْرِ﴾: يَعْنِي قَوْلَ الإنْسانِ: اللَّهُمَّ اِلْعَنْهُ واغْضَبْ عَلَيْهِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿ويَدْعُ الإنْسانُ بِالشَّرِّ دُعاءَهُ بِالخَيْرِ﴾ . قالَ: يَغْضَبُ أحَدُهُمْ، فَيَسُبُّ نَفْسَهُ ويَسُبُّ زَوْجَتَهُ ومالَهُ ووَلَدَهُ، فَإنْ أعْطاهُ اللَّهُ ذَلِكَ شَقَّ عَلَيْهِ، فَيَمْنَعُهُ ذاكَ، ثُمَّ يَدْعُو بِالخَيْرِ فَيُعْطِيهِ. وأخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ: في قَوْلِهِ: ﴿ويَدْعُ الإنْسانُ بِالشَّرِّ دُعاءَهُ بِالخَيْرِ﴾ . قالَ: ذَلِكَ دُعاءُ الإنْسانِ بِالشَّرِّ عَلى [٢٥٦و] ولَدِهِ وعَلى اِمْرَأتِهِ، يَعْجَلُ فَيَدْعُو عَلَيْهِ، لا يُحِبُّ أنْ يُصِيبَهُ. (p-٢٦٧)وأخْرَجَ أبُو داوُدَ والبَزّارُ، عَنْ جابِرٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «”لا تَدْعُوا عَلى أنْفُسِكُمْ، لا تَدْعُوا عَلى أوْلادِكُمْ، لا تَدْعُوا عَلى أمْوالِكُمْ، لا تُوافِقُوا مِنَ اللَّهِ ساعَةً فِيها إجابَةٌ فَيَسْتَجِيبَ لَكُمْ“» . وأخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وكانَ الإنْسانُ عَجُولا﴾ . قالَ: ضَجِرًا لا صَبْرَ لَهُ عَلى سَرّاءَ ولا ضَرّاءَ. وأخْرَجَ اِبْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ عَساكِرَ، عَنْ سَلْمانَ الفارِسِيِّ قالَ: أوَّلُ ما خَلَقَ اللَّهُ مِن آدَمَ رَأْسُهُ، فَجَعَلَ يَنْظُرُ وهو يُخْلَقُ، وبَقِيَتْ رِجْلاهُ، فَلَمّا كانَ بَعْدَ العَصْرِ قالَ: يا رَبِّ، عَجِّلْ قَبْلَ اللَّيْلِ. فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وكانَ الإنْسانُ عَجُولا﴾ . وأخْرَجَ اِبْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: لَمّا خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ خَلَقَ عَيْنَيْهِ قَبْلَ بَقِيَّةِ جَسَدِهِ، فَقالَ: أيْ رَبِّ، أتِمَّ بَقِيَّةَ خَلْقِي قَبْلَ غَيْبُوبَةِ الشَّمْسِ. فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وكانَ الإنْسانُ عَجُولا﴾ .

الإسراء 17:12

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وجَعَلْنا اللَّيْلَ والنَّهارَ آيَتَيْنِ﴾ الآيَةَ. أخْرَجَ اِبْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، بِسَنَدٍ واهٍ، عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «”إنَّ اللَّهَ خَلَقَ شَمْسَيْنِ مِن نُورِ عَرْشِهِ، فَأمّا ما كانَ في سابِقِ عِلْمِهِ أنَّهُ (p-٢٦٨)يَدَعُها شَمْسًا، فَإنَّهُ خَلَقَها مِثْلَ الدُّنْيا عَلى قَدْرِها، ما بَيْنَ مَشارِقِها ومَغارِبِها، وأمّا ما كانَ في سابِقِ عِلْمِهِ أنَّهُ يَطْمِسُها ويَجْعَلُها قَمَرًا، فَإنَّهُ خَلَقَها دُونَ الشَّمْسِ في العِظَمِ، ولَكِنْ إنَّما يُرى صِغَرُها لِشِدَّةِ اِرْتِفاعِ السَّماءِ وبُعْدِها مِنَ الأرْضِ، فَلَوْ تَرَكَ الشَّمْسَ كَما كانَ خَلَقَها أوَّلَ مَرَّةٍ لَمْ يُعْرَفِ اللَّيْلُ مِنَ النَّهارِ، ولا النَّهارُ مِنَ اللَّيْلِ، ولَمْ يَدْرِ الصّائِمُ مَتى يَصُومُ ومَتى يُفْطِرُ، ولَمْ يَدْرِ المُسْلِمُونَ مَتى وقْتُ حَجِّهِمْ، وكَيْفَ عَدَدُ الأيّامِ والشُّهُورِ والسِّنِينَ والحِسابِ، فَأرْسَلَ جِبْرِيلَ، فَأمَرَّ جَناحَهُ عَنْ وجْهِ القَمَرِ، وهو يَوْمَئِذٍ شَمْسٌ، ثَلاثَ مَرّاتٍ، فَطَمَسَ عَنْهُ الضَّوْءَ وبَقِيَ فِيهِ النُّورُ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وجَعَلْنا اللَّيْلَ والنَّهارَ آيَتَيْنِ﴾“ الآيَةَ» . وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في ”دَلائِلِ النُّبُوَّةِ“، وابْنُ عَساكِرَ، عَنْ سَعِيدٍ المَقْبُرِيِّ، «أنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَلامٍ سَألَ النَّبِيَّ ﷺ عَنِ السَّوادِ الَّذِي في القَمَرِ، فَقالَ: ”كانا شَمْسَيْنِ“ . فَقالَ: ”قالَ اللَّهُ: ﴿وجَعَلْنا اللَّيْلَ والنَّهارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ﴾ . فالسَّوادُ الَّذِي رَأيْتَ هو المَحْوُ“» . وأخْرَجَ اِبْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ الأنْبارِيِّ في ”المَصاحِفِ“، عَنْ عَلِيٍّ في قَوْلِهِ: ﴿فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ﴾ . قالَ: هو السَّوادُ الَّذِي في القَمَرِ. (p-٢٦٩)وأخْرَجَ اِبْنُ مَرْدُويَهْ عَنْ عَلِيٍّ في الآيَةِ قالَ: كانَ اللَّيْلُ والنَّهارُ سَواءً، فَمَحا اللَّهُ آيَةَ اللَّيْلِ فَجَعَلَها مُظْلِمَةً، وتَرَكَ آيَةَ النَّهارِ كَما هي. وأخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ﴾ . قالَ: هو السَّوادُ بِاللَّيْلِ. وأخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلْنا اللَّيْلَ والنَّهارَ آيَتَيْنِ﴾ . قالَ: كانَ القَمَرُ يُضِيءُ كَما تُضِيءُ الشَّمْسُ، والقَمَرُ آيَةُ اللَّيْلِ، والشَّمْسُ آيَةُ النَّهارِ، ﴿فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ﴾ . قالَ: السَّوادُ الَّذِي في القَمَرِ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ في ”المُصَنَّفِ“، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: كَتَبَ هِرَقْلُ إلى مُعاوِيَةَ يَسْألُهُ عَنْ ثَلاثَةِ أشْياءَ؛ أيُّ مَكانٍ إذا صَلَّيْتَ فِيهِ ظَنَنْتَ أنَّكَ لَمْ تُصَلِّ إلى قِبْلَةٍ؟ وأيُّ مَكانٍ طَلَعَتْ فِيهِ الشَّمْسُ ولَمْ تَطْلُعْ فِيهِ قَبْلُ ولا بَعْدُ؟ وعَنِ السَّوادِ الَّذِي في القَمَرِ. فَسَألَ اِبْنَ عَبّاسٍ، فَكَتَبَ إلَيْهِ: أمّا المَكانُ الأوَّلُ فَهو ظَهْرُ الكَعْبَةِ، وأمّا الثّانِي: فالبَحْرُ حِينَ فَرَقَهُ اللَّهُ لِمُوسى، وأمّا السَّوادُ الَّذِي في القَمَرِ فَهو المَحْوُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ عِكْرِمَةَ في الآيَةِ قالَ: خَلَقَ اللَّهُ نُورَ الشَّمْسِ سَبْعِينَ جُزْءًا، ونُورَ القَمَرِ سَبْعِينَ جُزْءًا، فَمَحا مِن نُورِ القَمَرِ تِسْعَةً وسِتِّينَ جُزْءًا، فَجَعَلَهُ مَعَ نُورِ الشَّمْسِ، فالشَّمْسُ عَلى مِائَةٍ وتِسْعَةٍ وثَلاثِينَ جُزْءًا، والقَمَرُ (p-٢٧٠)عَلى جُزْءٍ واحِدٍ. وأخْرَجَ اِبْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ في الآيَةِ قالَ: كانَتْ شَمْسٌ بِاللَّيْلِ وشَمْسٌ بِالنَّهارِ، فَمَحا اللَّهُ شَمْسَ اللَّيْلِ، فَهو المَحْوُ الَّذِي في القَمَرِ. وأخْرَجَ اِبْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ﴾ . قالَ: اُنْظُرْ إلى الهِلالِ لَيْلَةَ ثَلاثَ عَشْرَةَ، أوْ أرْبَعَ عَشْرَةَ، فَإنَّكَ تَرى فِيهِ كَهَيْئَةِ الرَّجُلِ آخِذًا بِرَأْسِ رَجُلٍ. وأخْرَجَ اِبْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ وجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً﴾ . قالَ: ظُلْمَةَ اللَّيْلِ وسَدَفَ النَّهارِ. وأخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿لِتَبْتَغُوا فَضْلا مِن رَبِّكُمْ﴾ . قالَ: جَعَلَ لَكم سَبْحًا طَوِيلًا. وأخْرَجَ اِبْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنْ عَطاءِ بْنِ السّائِبِ قالَ: أخْبَرَنِي غَيْرُ واحِدٍ أنَّ قاضِيًا مِن قُضاةِ الشّامِ أتى عُمَرَ فَقالَ: يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ، رَأيْتُ رُؤْيا أفْظَعَتْنِي. قالَ: وما رَأيْتَ؟ قالَ: رَأيْتُ الشَّمْسَ والقَمَرَ يَقْتَتِلانِ والنُّجُومَ مَعَهُما نِصْفَيْنِ. قالَ: فَمَعَ (p-٢٧١)أيِّهِما كُنْتَ؟ قالَ: مَعَ القَمَرِ عَلى الشَّمْسِ. قالَ عُمَرُ: ﴿وجَعَلْنا اللَّيْلَ والنَّهارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ وجَعَلْنا آيَةَ النَّهارِ مُبْصِرَةً﴾ . فانْطَلِقْ فَواللَّهِ لا تَعْمَلُ لِي عَمَلًا أبَدًا. قالَ عَطاءٌ: فَبَلَغَنِي أنَّهُ قُتِلَ مَعَ مُعاوِيَةَ يَوْمَ صِفِّينَ. وأخْرَجَ اِبْنُ عَساكِرَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ رَبِيعَةَ قالَ: سَألَ اِبْنُ الكَوّاءِ عَلِيًّا عَنِ السَّوادِ الَّذِي في القَمَرِ. قالَ: هو قَوْلُ اللَّهِ تَعالى: ﴿فَمَحَوْنا آيَةَ اللَّيْلِ﴾ . وأخْرَجَ اِبْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَصَّلْناهُ﴾ يَقُولُ: بَيَّناهُ.

الإسراء 17:13

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكُلَّ إنْسانٍ ألْزَمْناهُ طائِرَهُ في عُنُقِهِ﴾ وأخْرَجَ أحْمَدُ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، بِسَنَدٍ حَسَنٍ، عَنْ جابِرٍ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «”طائِرُ كُلِّ إنْسانٍ في عُنُقِهِ“» . وأخْرَجَ اِبْنُ مَرْدُويَهْ عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ أسِيدٍ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «”إنَّ النُّطْفَةَ الَّتِي تُخْلَقُ مِنها النَّسَمَةُ تَطِيرُ في المَرْأةِ أرْبَعِينَ يَوْمًا وأرْبَعِينَ لَيْلَةً، فَلا يَبْقى مِنها شَعَرٌ ولا بَشَرٌ ولا عِرْقٌ ولا عَظْمٌ إلّا دَخَلَهُ، حَتّى إنَّها لَتَدْخُلُ بَيْنَ الظُّفُرِ واللَّحْمِ، فَإذا مَضى لَها أرْبَعُونَ لَيْلَةً وأرْبَعُونَ يَوْمًا أهْبَطَهُ اللَّهُ إلى الرَّحِمِ، فَكانَ (p-٢٧٢)عَلَقَةً أرْبَعِينَ يَوْمًا وأرْبَعِينَ لَيْلَةً، ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً أرْبَعِينَ يَوْمًا وأرْبَعِينَ لَيْلَةً، فَإذا تَمَّتْ لَها أرْبَعَةُ أشْهُرٍ، بَعَثَ اللَّهُ إلَيْها مَلَكَ الأرْحامِ، فَيَخْلُقُ عَلى يَدِهِ لَحْمَها ودَمَها وشَعَرَها وبَشَرَها، ثُمَّ يَقُولُ: صَوِّرْ. فَيَقُولُ: يا رَبِّ، ما أُصَوِّرُ؟ أزائِدٌ أمْ ناقِصٌ؟ أذَكَرٌ أمْ أُنْثى؟ أجَمِيلٌ أمْ ذَمِيمٌ؟ أجَعْدٌ أمْ سَبِطٌ؟ أقَصِيرٌ أمْ طَوِيلٌ؟ أبْيَضُ أمْ آدَمُ؟ أسَوِيٌّ أمْ غَيْرُ سَوِيٍّ؟ فَيَكْتُبُ مِن ذَلِكَ ما يَأْمُرُهُ اللَّهُ بِهِ، ثُمَّ يَقُولُ المَلَكُ: يا رَبِّ أشَقِيٌّ أمْ سَعِيدٌ؟ فَإنْ كانَ سَعِيدًا نَفَخَ فِيهِ بِالسَّعادَةِ في آخِرِ أجْلِهِ، وإنْ كانَ شَقِيًّا نَفَخَ فِيهِ بِالشَّقاوَةِ في آخِرِ أجْلِهِ، ثُمَّ يَقُولُ: اُكْتُبْ أثَرَها ورِزْقَها ومُصِيبَتَها، وعَمَلَها بِالطّاعَةِ والمَعْصِيَةِ. فَيَكْتُبُ مِن ذَلِكَ ما يَأْمُرُهُ اللَّهُ، ثُمَّ يَقُولُ المَلَكُ: يا رَبِّ، ما أصْنَعُ بِهَذا الكِتابِ؟ فَيَقُولُ: عَلِّقْهُ في عُنُقِهِ إلى قَضائِي عَلَيْهِ. فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وكُلَّ إنْسانٍ ألْزَمْناهُ طائِرَهُ في عُنُقِهِ﴾“» . وأخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ألْزَمْناهُ طائِرَهُ في عُنُقِهِ﴾ . قالَ: سَعادَتَهُ وشَقاوَتَهُ وما قَدَّرَ اللَّهُ لَهُ وعَلَيْهِ، فَهو لازِمُهُ أيْنَ كانَ. وأخْرَجَ اِبْنُ أبِي حاتِمٍ، مِن طَرِيقٍ جُوَيْبِرٍ، عَنِ الضَّحّاكِ في قَوْلِهِ: ﴿طائِرَهُ في عُنُقِهِ﴾ . قالَ: قالَ عَبْدُ اللَّهِ: الشَّقاءَ والسَّعادَةَ، والرِّزْقَ والأجَلَ. (p-٢٧٣)وأخْرَجَ اِبْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ أنَسٍ في قَوْلِهِ: ﴿طائِرَهُ﴾ . قالَ: كِتابَهُ. وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في ”شُعَبِ الإيمانِ“ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وكُلَّ إنْسانٍ ألْزَمْناهُ طائِرَهُ﴾ . أيْ: عَمَلَهُ. وأخْرَجَ أبُو داوُدَ في كِتابِ ”القَدَرِ“، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وكُلَّ إنْسانٍ ألْزَمْناهُ طائِرَهُ في عُنُقِهِ﴾ . قالَ: ما مِن مَوْلُودٍ يُولَدُ إلّا وفي عُنُقِهِ ورَقَةٌ مَكْتُوبٌ فِيها شَقِيٌّ أوْ سَعِيدٌ. وأخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ألْزَمْناهُ طائِرَهُ﴾ . قالَ: عَمَلَهُ، ﴿ونُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ القِيامَةِ كِتابًا يَلْقاهُ مَنشُورًا﴾ . قالَ: هو عَمَلُهُ الَّذِي عَمِلَ، أُحْصِيَ عَلَيْهِ، فَأُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ القِيامَةِ ما كُتِبَ عَلَيْهِ مِنَ العَمَلِ، فَقَرَأهُ مَنشُورًا.

الإسراء 17:14

وأخْرَجَ اِبْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ في الآيَةِ قالَ: الكافِرُ يُخْرَجُ لَهُ يَوْمَ القِيامَةِ كِتابٌ، فَيَقُولُ: رَبِّ، إنَّكَ قَدْ قَضَيْتَ إنَّكَ لَسْتَ بِظَلّامٍ لِلْعَبِيدِ، فاجْعَلْنِي أُحاسِبُ نَفْسِي. فَيُقالُ لَهُ: ﴿اقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ اليَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ . وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ هارُونَ قالَ: في قِراءَةِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: (p-٢٧٤)(وكُلَّ إنْسانٍ ألْزَمْناهُ طائِرَهُ في عُنُقِهِ يَقْرَؤُهُ يَوْمَ القِيامَةِ كِتابًا يَلْقاهُ مَنشُورًا) . وأخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ، أنَّهُ قَرَأها: (ويَخْرُجُ لَهُ يَوْمَ القِيامَةِ كِتابًا) بِفَتْحِ الياءِ. يَعْنِي يَخْرُجُ الطّائِرُ كِتابًا. وأخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿اقْرَأْ كِتابَكَ﴾ . قالَ: سَيَقْرَأُ يَوْمَئِذٍ مَن لَمْ يَكُنْ قارِئًا في الدُّنْيا. وأخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ عَنِ الحَسَنِ قالَ: يا اِبْنَ آدَمَ، بُسِطَتْ لَكَ صَحِيفَةٌ، ووُكِّلَ بِكَ مَلَكانِ كَرِيمانِ؛ أحَدُهُما عَنْ يَمِينِكَ والآخَرُ عَنْ يَسارِكَ، حَتّى إذا مِتَّ طُوِيَتْ صَحِيفَتُكَ، فَجُعِلَتْ في عُنُقِكَ مَعَكَ في قَبْرِكَ، حَتّى تَخْرُجَ يَوْمَ القِيامَةِ. فَعِنْدَ ذَلِكَ يَقُولُ: ﴿وكُلَّ إنْسانٍ ألْزَمْناهُ طائِرَهُ في عُنُقِهِ﴾ [الإسراء: ١٣] . حَتّى بَلَغَ: ﴿عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ .

الإسراء 17:15

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ وأخْرَجَ اِبْنُ عَبْدِ البَرِّ في ”التَّمْهِيدِ“ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ، عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: «سَألَتْ خَدِيجَةُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ أوْلادِ المُشْرِكِينَ، فَقالَ: ”هم مَعَ آبائِهِمْ“ . ثُمَّ سَألَتْهُ بَعْدَ ذَلِكَ، فَقالَ: ”اللَّهُ أعْلَمُ بِما كانُوا عامِلِينَ“ . ثُمَّ سَألَتْهُ بَعْدَما اِسْتَحْكَمَ الإسْلامُ، فَنَزَلَتْ: ﴿ولا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ . فَقالَ: ”هم عَلى الفِطْرَةِ“ . أوْ قالَ: ”فِي الجَنَّةِ“» . (p-٢٧٥)وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ في ”المُصَنَّفِ“، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، والبُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، وأبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ ماجَهْ، عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ قالَ: حَدَّثَنِي الصَّعْبُ بْنُ جَثّامَةَ قالَ: «قُلْتُ يا رَسُولَ اللَّهِ، إنّا نُصِيبُ في البَياتِ مِن ذَرارِيِّ المُشْرِكِينَ؟ قالَ: ”هم مِنهُمْ“» . وأخْرَجَ اِبْنُ سَعْدٍ، وأحْمَدُ، وقاسِمُ بْنُ أصْبَغَ، وابْنُ عَبْدِ البَرِّ، عَنْ حَسْناءَ بِنْتِ مُعاوِيَةَ الصُّرَيْمِيَّةِ، عَنْ عَمِّها قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «”النَّبِيُّ في الجَنَّةِ، والشَّهِيدُ [٢٥٦ظ] في الجَنَّةِ، والمَوْلُودُ في الجَنَّةِ، والوَئِيدُ في الجَنَّةِ“» . وأخْرَجَ قاسِمُ بْنُ أصْبَغَ، وابْنُ عَبْدِ البَرِّ، عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «”سَألْتُ رَبِّي اللّاهِينَ مِن ذُرِّيَّةِ البَشَرِ ألّا يُعَذِّبَهُمْ، فَأعْطانِيهِمْ“» . (p-٢٧٦)وأخْرَجَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ في ”نَوادِرِ الأُصُولِ“، وابْنُ عَبْدِ البَرِّ، عَنْ أنَسٍ قالَ: «سَألْنا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ أوْلادِ المُشْرِكِينَ، قالَ: ”هم خَدَمُ أهْلِ الجَنَّةِ“» . وأخْرَجَ عَنْ سَلْمانَ الفارِسِيِّ قالَ: أطْفالُ المُشْرِكِينَ خَدَمُ أهْلِ الجَنَّةِ. وأخْرَجَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ في ”نَوادِرِ الأُصُولِ“، وابْنُ عَبْدِ البَرِّ وضَعَّفَهُ، عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: «سَألْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ وِلْدانِ المُسْلِمِينَ، أيْنَ هُمْ؟ قالَ: ”فِي الجَنَّةِ“ . وسَألْتُهُ عَنْ وِلْدانِ المُشْرِكِينَ، أيْنَ هُمْ؟ قالَ: ”فِي النّارِ“ . قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، لَمْ يُدْرِكُوا الأعْمالَ ولَمْ تَجْرِ عَلَيْهِمُ الأقْلامُ. قالَ: ”رَبُّكِ أعْلَمُ بِما كانُوا عامِلِينَ، والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَئِنْ شِئْتِ أسْمَعْتُكِ تَضاغِيَهم في النّارِ“» . وأخْرَجَ أحْمَدُ، وقاسِمُ بْنُ أصْبَغَ، وابْنُ عَبْدِ البَرِّ، «عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ قالَ: كُنْتُ أقُولُ في أطْفالِ المُشْرِكِينَ: هم مَعَ آبائِهِمْ. حَتّى حَدَّثَنِي رَجُلٌ مِن أصْحابِ النَّبِيِّ ﷺ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، أنَّهُ سُئِلَ عَنْهُمْ، فَقالَ: ”رَبُّهم أعْلَمُ (p-٢٧٧)بِهِمْ، هو خَلَقَهُمْ، وهو أعْلَمُ بِهِمْ وبِما كانُوا عامِلِينَ“ . فَأمْسَكْتُ عَنْ قَوْلِي» . وأخْرَجَ قاسِمُ بْنُ أصْبَغَ، وابْنُ عَبْدِ البَرِّ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سُئِلَ عَنْ أوْلادِ المُشْرِكِينَ، فَقالَ: ”اللَّهُ أعْلَمُ بِما كانُوا عامِلِينَ“» . * * قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولا﴾ أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: إذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ جَمَعَ اللَّهُ أهْلَ الفَتْرَةِ، والمَعْتُوهَ، والأصَمَّ، والأبْكَمَ، والشُّيُوخَ الَّذِينَ لَمْ يُدْرِكُوا الإسْلامَ، ثُمَّ أرْسَلَ إلَيْهِمْ رَسُولًا أنِ اُدْخُلُوا النّارَ. فَيَقُولُونَ: كَيْفَ ولَمْ تَأْتِنا رُسُلٌ؟ قالَ: وايْمُ اللَّهِ، لَوْ دَخَلُوها لَكانَتْ عَلَيْهِمْ بَرْدًا وسَلامًا. ثُمَّ يُرْسِلُ إلَيْهِمْ، فَيُطِيعُهُ مَن كانَ يُرِيدُ أنْ يُطِيعَهُ. قالَ أبُو هُرَيْرَةَ: اِقْرَءُوا إنْ شِئْتُمْ: ﴿وما كُنّا مُعَذِّبِينَ حَتّى نَبْعَثَ رَسُولا﴾ . وأخْرَجَ إسْحاقُ بْنُ راهُوَيْهِ، وأحْمَدُ، وابْنُ حِبّانَ، وأبُو نُعَيْمٍ في ”المَعْرِفَةِ“، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، والبَيْهَقِيُّ في كِتابِ ”الِاعْتِقادِ“، عَنِ (p-٢٧٨)الأسْوَدِ بْنِ سَرِيعٍ، «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: ”أرْبَعَةٌ يَحْتَجُّونَ يَوْمَ القِيامَةِ؛ رَجُلٌ أصَمُّ لا يَسْمَعُ شَيْئًا، ورَجُلٌ أحْمَقُ، ورَجُلٌ هَرِمٌ، ورَجُلٌ ماتَ في الفَتْرَةِ، فَأمّا الأصَمُّ فَيَقُولُ: رَبِّ، لَقَدْ جاءَ الإسْلامُ وما أسْمَعُ شَيْئًا. وأمّا الأحْمَقُ فَيَقُولُ: رَبِّ، جاءَ الإسْلامُ والصِّبْيانُ يَحْذِفُونَنِي بِالبَعْرِ. وأمّا الهَرِمُ فَيَقُولُ: رَبِّ، لَقَدْ جاءَ الإسْلامُ وما أعْقِلَ شَيْئًا. وأمّا الَّذِي ماتَ في الفَتْرَةِ فَيَقُولُ: رَبِّ، ما آتانِي لَكَ رَسُولٌ. فَيَأْخُذُ مَواثِيقَهم لَيُطِيعُنَّهُ، فَيُرْسِلُ إلَيْهِمْ رَسُولًا أنِ اُدْخُلُوا النّارَ“ . قالَ: ”فَوالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَوْ دَخَلُوها كانَتْ عَلَيْهِمْ بَرْدًا وسَلامًا، ومَن لَمْ يَدْخُلْها سُحِبَ إلَيْها“» . وأخْرَجَ اِبْنُ راهُوَيْهِ، وأحْمَدُ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ مِثْلَهُ، غَيْرَ أنَّهُ قالَ في آخِرِهِ: «”فَمَن دَخَلَها كانَتْ عَلَيْهِ بَرْدًا وسَلامًا، ومَن لَمْ يَدْخُلْها سُحِبَ إلَيْها» . وأخْرَجَ قاسِمُ بْنُ أصْبَغَ، والبَزّارُ، وأبُو يَعْلى، وابْنُ عَبْدِ البَرِّ في“التَّمْهِيدِ”، عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «“يُؤْتى يَوْمَ القِيامَةِ بِأرْبَعَةٍ؛ بِالمَوْلُودِ، (p-٢٧٩)والمَعْتُوهِ، ومَن ماتَ في الفَتْرَةِ، وبِالشَّيْخِ الهَرِمِ الفانِي، كُلُّهم يَتَكَلَّمُ بِحُجَّتِهِ، فَيَقُولُ الرَّبُّ تَبارَكَ وتَعالى لِعُنُقٍ مِن جَهَنَّمَ: اُبْرُزِي. ويَقُولُ لَهم: إنِّي كُنْتُ أبْعَثُ إلى عِبادِي رُسُلًا مِن أنْفُسِهِمْ، وإنِّي رَسُولُ نَفْسِي إلَيْكم. فَيَقُولُ لَهُمُ: اُدْخُلُوا هَذِهِ. فَيَقُولُ: مَن كُتِبَ عَلَيْهِ الشَّقاءُ: يا رَبِّ أتُدْخِلُناها ومِنها كُنّا نَفِرُّ؟ قالَ: وأمّا مَن كُتِبَ لَهُ السَّعادَةُ فَيَمْضِي فِيها فَيَقْتَحِمُ فِيها، فَيَقُولُ الرَّبُّ تَعالى: قَدْ عايَنْتُمُونِي فَعَصَيْتُمُونِي، فَأنْتُمْ لِرُسُلِي أشَدُّ تَكْذِيبًا ومَعْصِيَةً. فَيُدْخِلُ هَؤُلاءِ الجَنَّةَ، وهَؤُلاءِ النّارَ”» . وأخْرَجَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ في“نَوادِرِ الأُصُولِ”، والطَّبَرانِيُّ، وأبُو نُعَيْمٍ، عَنْ مُعاذِ بْنِ جَبَلٍ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قالَ: «“يُؤْتى يَوْمَ القِيامَةِ بِالمَمْسُوخِ عَقْلًا، وبِالهالِكِ في الفَتْرَةِ، وبِالهالِكِ صَغِيرًا، فَيَقُولُ المَمْسُوخُ عَقْلًا: يا رَبِّ، لَوْ آتَيْتَنِي عَقْلًا، ما كانَ مَن آتَيْتَهُ عَقْلًا بِأسْعَدَ بِعَقْلِهِ مِنِّي. ويَقُولُ الهالِكُ في الفَتْرَةِ: يا رَبِّ، لَوْ أتانِي مِنكَ عَهْدٌ، ما كانَ مَن أتاهُ مِنكَ عَهْدٌ بِأسْعَدَ بِعَهْدِكَ مِنِّي. ويَقُولُ الهالِكُ صَغِيرًا: يا رَبِّ، لَوْ آتَيْتَنِي عُمْرًا، ما كانَ مَن آتَيْتَهُ عُمْرًا بِأسْعَدَ بِعُمُرِهِ مِنِّي. فَيَقُولُ الرَّبُّ تَبارَكَ وتَعالى: فَإنِّي آمُرُكم بِأمْرٍ، أفَتُطِيعُونَنِي؟ فَيَقُولُونَ: (p-٢٨٠)نَعَمْ وعِزَّتِكَ. فَيَقُولُ: اِذْهَبُوا فادْخُلُوا جَهَنَّمَ. ولَوْ دَخَلُوها ما ضَرَّتْهم شَيْئًا، فَيَخْرُجُ عَلَيْهِمْ قَوابِصُ مِن نارٍ، يَظُنُّونَ أنَّها قَدْ أهْلَكَتْ ما خَلَقَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ، فَيَرْجِعُونَ سِراعًا ويَقُولُونَ: يا رَبَّنا، خَرَجْنا وعِزَّتِكَ نُرِيدُ دُخُولَها، فَخَرَجَتْ عَلَيْنا قَوابِصُ مِن نارٍ، ظَنَنّا أنْ قَدْ أهْلَكَتْ ما خَلَقَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ. ثُمَّ يَأْمُرُهم ثانِيَةً فَيَرْجِعُونَ كَذَلِكَ، ويَقُولُونَ كَذَلِكَ، فَيَقُولُ الرَّبُّ: خَلَقْتُكم عَلى عِلْمِي، وإلى عِلْمِي تَصِيرُونَ، ضُمِّيهِمْ. فَتَأْخُذُهُمُ النّارُ”» . وأخْرَجَ اِبْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنْ أبِي صالِحٍ قالَ: يُحاسَبُ يَوْمَ القِيامَةِ الَّذِينَ أُرْسِلَ إلَيْهِمُ الرُّسُلُ، فَيُدْخِلُ اللَّهُ الجَنَّةَ مَن أطاعَهُ، ويُدْخِلُ النّارَ مَن عَصاهُ، ويَبْقى قَوْمٌ مِنَ الوِلْدانِ والَّذِينَ هَلَكُوا في الفَتْرَةِ ومَن غُلِبَ عَلى عَقْلِهِ، فَيَقُولُ الرَّبُّ تَبارَكَ وتَعالى لَهم: قَدْ رَأيْتُمْ، إنَّما أدْخَلْتُ الجَنَّةَ مَن أطاعَنِي، وأدْخَلْتُ النّارَ مَن عَصانِي، (p-٢٨١)وإنِّي آمُرُكم أنْ تَدْخُلُوا هَذِهِ النّارَ. فَيَخْرُجُ لَهم عُنُقٌ مِنها، فَمَن دَخَلَها كانَتْ نَجاتَهُ، ومَن نَكَصَ فَلَمْ يَدْخُلْها كانَتْ هَلَكَتَهُ. وأخْرَجَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ في“نَوادِرِ الأُصُولِ”عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدّادٍ، «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أتاهُ رَجُلٌ فَسَألَهُ عَنْ ذَرارِيِّ المُشْرِكِينَ الَّذِينَ هَلَكُوا صِغارًا، فَوَضَعَ رَأْسَهُ ساعَةً، ثُمَّ قالَ:“أيْنَ السّائِلُ؟”. فَقالَ: هَأنَذا يا رَسُولَ اللَّهِ. فَقالَ:“إنَّ اللَّهَ تَبارَكَ وتَعالى إذا قَضى بَيْنَ أهْلِ الجَنَّةِ والنّارِ، لَمْ يَبْقَ غَيْرُهُمْ، عَجُّوا فَقالُوا: اللَّهُمَّ رَبَّنا، لَمْ تَأْتِنا رُسُلُكَ، ولَمْ نَعْلَمْ شَيْئًا. فَأرْسَلَ إلَيْهِمْ مَلَكًا، واللَّهُ أعْلَمُ بِما كانُوا عامِلِينَ، فَقالَ: إنِّي رَسُولُ رَبِّكم إلَيْكم. فانْطَلَقُوا فاتَّبَعُوا حَتّى أتَوُا النّارَ، فَقالَ: إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكم أنْ تَقْتَحِمُوا فِيها. فاقْتَحَمَتْ طائِفَةٌ مِنهُمْ، ثُمَّ أُخْرِجُوا مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُ أصْحابُهُمْ، فَجُعِلُوا في السّابِقِينَ المُقَرَّبِينَ، ثُمَّ جاءَهُمُ الرَّسُولُ فَقالَ: إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكم أنْ تَقْتَحِمُوا في النّارِ. فاقْتَحَمَتْ طائِفَةٌ أُخْرى، ثُمَّ أُخْرِجُوا مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ، فَجُعِلُوا في أصْحابِ اليَمِينِ، ثُمَّ جاءَ الرَّسُولُ فَقالَ: إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكم أنْ تَقْتَحِمُوا في النّارِ. فَقالُوا: رَبَّنا، لا طاقَةَ لَنا بِعَذابِكَ. فَأمَرَ بِهِمْ فَجُمِعَتْ نَواصِيهِمْ وأقْدامُهم ثُمَّ أُلْقُوا في النّارِ"» .

الإسراء 17:16

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا أرَدْنا أنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً﴾ الآيَةَ. (p-٢٨٢)أخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ، مِن طَرِيقِ اِبْنِ جُرَيْجٍ، عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿أمَرْنا مُتْرَفِيها﴾ . قالَ: بِطاعَةِ اللَّهِ فَعَصَوْا. وأخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ في قَوْلِهِ: ﴿أمَرْنا مُتْرَفِيها﴾ . قالَ: أُمِرُوا بِالطّاعَةِ فَعَصَوْا. وأخْرَجَ اِبْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ قالَ: سَمِعْتُ اِبْنَ عَبّاسٍ يَقُولُ في قَوْلِهِ: ﴿وإذا أرَدْنا أنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً﴾ الآيَةَ. قالَ: أمَرْنا مُتْرَفِيها بِحَقٍّ فَخالَفُوهُ، فَحَقَّ عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ التَّدْمِيرُ. وأخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في ”الأسْماءِ والصِّفاتِ“، عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وإذا أرَدْنا أنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أمَرْنا مُتْرَفِيها﴾ . قالَ: سَلَّطْنا شَرارَها فَعَصَوْا فِيها، فَإذا فَعَلُوا ذَلِكَ أهْلَكْناهم بِالعَذابِ، وهو قَوْلُهُ: ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْنا في كُلِّ قَرْيَةٍ أكابِرَ مُجْرِمِيها لِيَمْكُرُوا فِيها﴾ [الأنعام: ١٢٣] [الأنْعامِ: ١٢٣] . وأخْرَجَ الطَّسْتِيُّ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ، أنَّ نافِعَ بْنَ الأزْرَقِ قالَ لَهُ: أخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿أمَرْنا مُتْرَفِيها﴾ . قالَ: سَلَّطْنا عَلَيْهِمُ الجَبابِرَةَ فَسامُوهم سُوءَ العَذابِ. قالَ: وهَلْ تَعْرِفُ العَرَبُ ذَلِكَ؟ قالَ: نَعَمْ، أما سَمِعْتَ قَوْلَ لَبِيدِ بْنِ رَبِيعَةَ: (p-٢٨٣) ؎إنْ يُغْبِطُوا يَيْسِرُوا وإنْ أُمِرُوا يَوْمًا يَصِيرُوا لِلْهُلْكِ والفَقَدِ. وأخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أبِي العالِيَةِ، كانَ يَقْرَأُ: (أمَّرْنا مُتْرَفِيها) مُثَقَّلَةٌ. يَقُولُ: أمَّرْناهم عَلَيْهِمْ أُمَراءَ. وأخْرَجَ اِبْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ، أنَّهُ قَرَأ: (آمَرْنا مُتْرَفِيها) يَعْنِي بِالمَدِّ. قالَ: أكْثَرْنا فُسّاقَها. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ عِكْرِمَةَ، أنَّهُ قَرَأ (آمَرْنا مُتْرَفِيها) . قالَ: أكْثَرْناهم. وأخْرَجَ اِبْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي الدَّرْداءِ (آمَرْنا مُتْرَفِيها) . قالَ: أكْثَرْنا. وأخْرَجَ البُخارِيُّ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنِ اِبْنِ مَسْعُودٍ قالَ: كُنّا نَقُولُ لِلْحَيِّ إذا كَثُرُوا في الجاهِلِيَّةِ: قَدْ أمِرَ بَنُو فُلانٍ.

الإسراء 17:18

(p-٢٨٤)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَن كانَ يُرِيدُ العاجِلَةَ﴾ الآياتِ. أخْرَجَ اِبْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الضَّحّاكِ في قَوْلِهِ: ﴿مَن كانَ يُرِيدُ العاجِلَةَ﴾ . قالَ: مَن كانَ يُرِيدُ بِعَمَلِهِ الدُّنْيا، عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ لِمَن نُرِيدُ ذاكَ بِهِ. وأخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿مَن كانَ يُرِيدُ العاجِلَةَ﴾ . قالَ: مَن كانَتِ الدُّنْيا هَمَّهُ ورَغْبَتَهُ وطَلِبَتَهُ ونِيَّتَهُ، عَجَّلَ اللَّهُ لَهُ فِيها ما يَشاءُ، ثُمَّ اِضْطَرَّهُ إلى جَهَنَّمَ، ﴿يَصْلاها مَذْمُومًا﴾ في نِقْمَةِ اللَّهِ، ﴿مَدْحُورًا﴾ في عَذابِ اللَّهِ. وفي قَوْلِهِ: ﴿ومَن أرادَ الآخِرَةَ وسَعى لَها سَعْيَها وهو مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كانَ سَعْيُهم مَشْكُورًا﴾ . قالَ: شَكَرَ اللَّهُ لَهُ اليَسِيرَ، وتَجاوَزَ عَنْهُ الكَثِيرَ. وفي قَوْلِهِ: ﴿كُلا نُمِدُّ هَؤُلاءِ وهَؤُلاءِ مِن عَطاءِ رَبِّكَ﴾ . أيْ: أنَّ اللَّهَ قَسَمَ الدُّنْيا بَيْنَ البَرِّ والفاجِرِ، والآخِرَةُ خُصُوصًا عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ. وأخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو نُعَيْمٍ في ”الحِلْيَةِ“، عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿كُلا نُمِدُّ هَؤُلاءِ﴾ الآيَةَ. قالَ: كُلًّا نَرْزُقُ في الدُّنْيا، البَرَّ والفاجِرَ. وأخْرَجَ اِبْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿كُلا نُمِدُّ هَؤُلاءِ وهَؤُلاءِ﴾ يَقُولُ: نُمِدُّ الكُفّارَ والمُؤْمِنِينَ، ﴿مِن عَطاءِ رَبِّكَ﴾ . يَقُولُ: مِنَ الرِّزْقِ. وأخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، [٢٥٧ظ] عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿كُلًّا (p-٢٨٥)نَمُدُّ هؤلاء﴾ الآيَةَ. قالَ: يَرْزُقُ مَن أرادَ الدُّنْيا، ويَرْزُقُ مَن أرادَ الآخِرَةَ. وأخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ اِبْنِ زَيْدٍ في قَوْلِهِ: ﴿كُلا نُمِدُّ هَؤُلاءِ وهَؤُلاءِ﴾ . قالَ: هَؤُلاءِ أهْلُ الدُّنْيا، وهَؤُلاءِ أهْلُ الآخِرَةِ، ﴿وما كانَ عَطاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا﴾ . قالَ: مَمْنُوعًا. وأخْرَجَ اِبْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الضَّحّاكِ في قَوْلِهِ: ﴿مَحْظُورًا﴾ . قالَ: مَمْنُوعًا. وأخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنا بَعْضَهم عَلى بَعْضٍ﴾ . أيْ: في الدُّنْيا، ﴿ولَلآخِرَةُ أكْبَرُ دَرَجاتٍ وأكْبَرُ تَفْضِيلا﴾ . وإنَّ لِلْمُؤْمِنِينَ في الجَنَّةِ مُنازِلَ، وإنَّ لَهم فَضائِلَ بِأعْمالِهِمْ، وذُكِرَ لَنا أنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ قالَ: «”إنَّ بَيْنَ أعْلى أهْلِ الجَنَّةِ وأسْفَلِهِمْ دَرَجَةً كالنَّجْمِ يُرى في مَشارِقِ الأرْضِ ومَغارِبِها“» . وأخْرَجَ اِبْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الضَّحّاكِ في قَوْلِهِ: ﴿ولَلآخِرَةُ أكْبَرُ دَرَجاتٍ وأكْبَرُ تَفْضِيلا﴾ . قالَ: إنَّ أهْلَ الجَنَّةِ بَعْضُهم فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ، الأعْلى يَرى فَضْلَهُ عَلى مَن هو أسْفَلَ مِنهُ، والأسْفَلُ لا يَرى أنَّ فَوْقَهُ أحَدًا. وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، وأبُو نُعَيْمٍ في ”الحِلْيَةِ“، عَنْ سَلْمانَ، عَنِ (p-٢٨٦)النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «”ما مِن عَبْدٍ يُرِيدُ أنْ يَرْتَفِعَ في الدُّنْيا دَرَجَةً فارْتَفَعَ، إلّا وضَعَهُ اللَّهُ في الآخِرَةِ دَرَجَةً أكْبَرَ مِنها وأطْوَلَ“ . ثُمَّ قَرَأ: ﴿ولَلآخِرَةُ أكْبَرُ دَرَجاتٍ وأكْبَرُ تَفْضِيلا﴾ ”» . وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأحْمَدُ في“الزُّهْدِ”، وهَنّادٌ، وابْنُ أبِي الدُّنْيا في“صِفَةِ الجَنَّةِ”، والبَيْهَقِيُّ في“شُعَبِ الإيمانِ"، عَنِ اِبْنِ عُمَرَ قالَ: لا يُصِيبُ عَبْدٌ مِنَ الدُّنْيا شَيْئًا إلّا نَقَصَ مِن دَرَجاتِهِ عِنْدَ اللَّهِ، وإنْ كانَ عَلَيْهِ كَرِيمًا.

الإسراء 17:19

(p-٢٨٤)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَن كانَ يُرِيدُ العاجِلَةَ﴾ الآياتِ. أخْرَجَ اِبْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الضَّحّاكِ في قَوْلِهِ: ﴿مَن كانَ يُرِيدُ العاجِلَةَ﴾ . قالَ: مَن كانَ يُرِيدُ بِعَمَلِهِ الدُّنْيا، عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ لِمَن نُرِيدُ ذاكَ بِهِ. وأخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿مَن كانَ يُرِيدُ العاجِلَةَ﴾ . قالَ: مَن كانَتِ الدُّنْيا هَمَّهُ ورَغْبَتَهُ وطَلِبَتَهُ ونِيَّتَهُ، عَجَّلَ اللَّهُ لَهُ فِيها ما يَشاءُ، ثُمَّ اِضْطَرَّهُ إلى جَهَنَّمَ، ﴿يَصْلاها مَذْمُومًا﴾ في نِقْمَةِ اللَّهِ، ﴿مَدْحُورًا﴾ في عَذابِ اللَّهِ. وفي قَوْلِهِ: ﴿ومَن أرادَ الآخِرَةَ وسَعى لَها سَعْيَها وهو مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كانَ سَعْيُهم مَشْكُورًا﴾ . قالَ: شَكَرَ اللَّهُ لَهُ اليَسِيرَ، وتَجاوَزَ عَنْهُ الكَثِيرَ. وفي قَوْلِهِ: ﴿كُلا نُمِدُّ هَؤُلاءِ وهَؤُلاءِ مِن عَطاءِ رَبِّكَ﴾ . أيْ: أنَّ اللَّهَ قَسَمَ الدُّنْيا بَيْنَ البَرِّ والفاجِرِ، والآخِرَةُ خُصُوصًا عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ. وأخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو نُعَيْمٍ في ”الحِلْيَةِ“، عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿كُلا نُمِدُّ هَؤُلاءِ﴾ الآيَةَ. قالَ: كُلًّا نَرْزُقُ في الدُّنْيا، البَرَّ والفاجِرَ. وأخْرَجَ اِبْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿كُلا نُمِدُّ هَؤُلاءِ وهَؤُلاءِ﴾ يَقُولُ: نُمِدُّ الكُفّارَ والمُؤْمِنِينَ، ﴿مِن عَطاءِ رَبِّكَ﴾ . يَقُولُ: مِنَ الرِّزْقِ. وأخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، [٢٥٧ظ] عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿كُلًّا (p-٢٨٥)نَمُدُّ هؤلاء﴾ الآيَةَ. قالَ: يَرْزُقُ مَن أرادَ الدُّنْيا، ويَرْزُقُ مَن أرادَ الآخِرَةَ. وأخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ اِبْنِ زَيْدٍ في قَوْلِهِ: ﴿كُلا نُمِدُّ هَؤُلاءِ وهَؤُلاءِ﴾ . قالَ: هَؤُلاءِ أهْلُ الدُّنْيا، وهَؤُلاءِ أهْلُ الآخِرَةِ، ﴿وما كانَ عَطاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا﴾ . قالَ: مَمْنُوعًا. وأخْرَجَ اِبْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الضَّحّاكِ في قَوْلِهِ: ﴿مَحْظُورًا﴾ . قالَ: مَمْنُوعًا. وأخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنا بَعْضَهم عَلى بَعْضٍ﴾ . أيْ: في الدُّنْيا، ﴿ولَلآخِرَةُ أكْبَرُ دَرَجاتٍ وأكْبَرُ تَفْضِيلا﴾ . وإنَّ لِلْمُؤْمِنِينَ في الجَنَّةِ مُنازِلَ، وإنَّ لَهم فَضائِلَ بِأعْمالِهِمْ، وذُكِرَ لَنا أنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ قالَ: «”إنَّ بَيْنَ أعْلى أهْلِ الجَنَّةِ وأسْفَلِهِمْ دَرَجَةً كالنَّجْمِ يُرى في مَشارِقِ الأرْضِ ومَغارِبِها“» . وأخْرَجَ اِبْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الضَّحّاكِ في قَوْلِهِ: ﴿ولَلآخِرَةُ أكْبَرُ دَرَجاتٍ وأكْبَرُ تَفْضِيلا﴾ . قالَ: إنَّ أهْلَ الجَنَّةِ بَعْضُهم فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ، الأعْلى يَرى فَضْلَهُ عَلى مَن هو أسْفَلَ مِنهُ، والأسْفَلُ لا يَرى أنَّ فَوْقَهُ أحَدًا. وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، وأبُو نُعَيْمٍ في ”الحِلْيَةِ“، عَنْ سَلْمانَ، عَنِ (p-٢٨٦)النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «”ما مِن عَبْدٍ يُرِيدُ أنْ يَرْتَفِعَ في الدُّنْيا دَرَجَةً فارْتَفَعَ، إلّا وضَعَهُ اللَّهُ في الآخِرَةِ دَرَجَةً أكْبَرَ مِنها وأطْوَلَ“ . ثُمَّ قَرَأ: ﴿ولَلآخِرَةُ أكْبَرُ دَرَجاتٍ وأكْبَرُ تَفْضِيلا﴾ ”» . وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأحْمَدُ في“الزُّهْدِ”، وهَنّادٌ، وابْنُ أبِي الدُّنْيا في“صِفَةِ الجَنَّةِ”، والبَيْهَقِيُّ في“شُعَبِ الإيمانِ"، عَنِ اِبْنِ عُمَرَ قالَ: لا يُصِيبُ عَبْدٌ مِنَ الدُّنْيا شَيْئًا إلّا نَقَصَ مِن دَرَجاتِهِ عِنْدَ اللَّهِ، وإنْ كانَ عَلَيْهِ كَرِيمًا.

الإسراء 17:20

(p-٢٨٤)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَن كانَ يُرِيدُ العاجِلَةَ﴾ الآياتِ. أخْرَجَ اِبْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الضَّحّاكِ في قَوْلِهِ: ﴿مَن كانَ يُرِيدُ العاجِلَةَ﴾ . قالَ: مَن كانَ يُرِيدُ بِعَمَلِهِ الدُّنْيا، عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ لِمَن نُرِيدُ ذاكَ بِهِ. وأخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿مَن كانَ يُرِيدُ العاجِلَةَ﴾ . قالَ: مَن كانَتِ الدُّنْيا هَمَّهُ ورَغْبَتَهُ وطَلِبَتَهُ ونِيَّتَهُ، عَجَّلَ اللَّهُ لَهُ فِيها ما يَشاءُ، ثُمَّ اِضْطَرَّهُ إلى جَهَنَّمَ، ﴿يَصْلاها مَذْمُومًا﴾ في نِقْمَةِ اللَّهِ، ﴿مَدْحُورًا﴾ في عَذابِ اللَّهِ. وفي قَوْلِهِ: ﴿ومَن أرادَ الآخِرَةَ وسَعى لَها سَعْيَها وهو مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كانَ سَعْيُهم مَشْكُورًا﴾ . قالَ: شَكَرَ اللَّهُ لَهُ اليَسِيرَ، وتَجاوَزَ عَنْهُ الكَثِيرَ. وفي قَوْلِهِ: ﴿كُلا نُمِدُّ هَؤُلاءِ وهَؤُلاءِ مِن عَطاءِ رَبِّكَ﴾ . أيْ: أنَّ اللَّهَ قَسَمَ الدُّنْيا بَيْنَ البَرِّ والفاجِرِ، والآخِرَةُ خُصُوصًا عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ. وأخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو نُعَيْمٍ في ”الحِلْيَةِ“، عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿كُلا نُمِدُّ هَؤُلاءِ﴾ الآيَةَ. قالَ: كُلًّا نَرْزُقُ في الدُّنْيا، البَرَّ والفاجِرَ. وأخْرَجَ اِبْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿كُلا نُمِدُّ هَؤُلاءِ وهَؤُلاءِ﴾ يَقُولُ: نُمِدُّ الكُفّارَ والمُؤْمِنِينَ، ﴿مِن عَطاءِ رَبِّكَ﴾ . يَقُولُ: مِنَ الرِّزْقِ. وأخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، [٢٥٧ظ] عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿كُلًّا (p-٢٨٥)نَمُدُّ هؤلاء﴾ الآيَةَ. قالَ: يَرْزُقُ مَن أرادَ الدُّنْيا، ويَرْزُقُ مَن أرادَ الآخِرَةَ. وأخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ اِبْنِ زَيْدٍ في قَوْلِهِ: ﴿كُلا نُمِدُّ هَؤُلاءِ وهَؤُلاءِ﴾ . قالَ: هَؤُلاءِ أهْلُ الدُّنْيا، وهَؤُلاءِ أهْلُ الآخِرَةِ، ﴿وما كانَ عَطاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا﴾ . قالَ: مَمْنُوعًا. وأخْرَجَ اِبْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الضَّحّاكِ في قَوْلِهِ: ﴿مَحْظُورًا﴾ . قالَ: مَمْنُوعًا. وأخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنا بَعْضَهم عَلى بَعْضٍ﴾ . أيْ: في الدُّنْيا، ﴿ولَلآخِرَةُ أكْبَرُ دَرَجاتٍ وأكْبَرُ تَفْضِيلا﴾ . وإنَّ لِلْمُؤْمِنِينَ في الجَنَّةِ مُنازِلَ، وإنَّ لَهم فَضائِلَ بِأعْمالِهِمْ، وذُكِرَ لَنا أنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ قالَ: «”إنَّ بَيْنَ أعْلى أهْلِ الجَنَّةِ وأسْفَلِهِمْ دَرَجَةً كالنَّجْمِ يُرى في مَشارِقِ الأرْضِ ومَغارِبِها“» . وأخْرَجَ اِبْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الضَّحّاكِ في قَوْلِهِ: ﴿ولَلآخِرَةُ أكْبَرُ دَرَجاتٍ وأكْبَرُ تَفْضِيلا﴾ . قالَ: إنَّ أهْلَ الجَنَّةِ بَعْضُهم فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ، الأعْلى يَرى فَضْلَهُ عَلى مَن هو أسْفَلَ مِنهُ، والأسْفَلُ لا يَرى أنَّ فَوْقَهُ أحَدًا. وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، وأبُو نُعَيْمٍ في ”الحِلْيَةِ“، عَنْ سَلْمانَ، عَنِ (p-٢٨٦)النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «”ما مِن عَبْدٍ يُرِيدُ أنْ يَرْتَفِعَ في الدُّنْيا دَرَجَةً فارْتَفَعَ، إلّا وضَعَهُ اللَّهُ في الآخِرَةِ دَرَجَةً أكْبَرَ مِنها وأطْوَلَ“ . ثُمَّ قَرَأ: ﴿ولَلآخِرَةُ أكْبَرُ دَرَجاتٍ وأكْبَرُ تَفْضِيلا﴾ ”» . وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأحْمَدُ في“الزُّهْدِ”، وهَنّادٌ، وابْنُ أبِي الدُّنْيا في“صِفَةِ الجَنَّةِ”، والبَيْهَقِيُّ في“شُعَبِ الإيمانِ"، عَنِ اِبْنِ عُمَرَ قالَ: لا يُصِيبُ عَبْدٌ مِنَ الدُّنْيا شَيْئًا إلّا نَقَصَ مِن دَرَجاتِهِ عِنْدَ اللَّهِ، وإنْ كانَ عَلَيْهِ كَرِيمًا.

الإسراء 17:21

(p-٢٨٤)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مَن كانَ يُرِيدُ العاجِلَةَ﴾ الآياتِ. أخْرَجَ اِبْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الضَّحّاكِ في قَوْلِهِ: ﴿مَن كانَ يُرِيدُ العاجِلَةَ﴾ . قالَ: مَن كانَ يُرِيدُ بِعَمَلِهِ الدُّنْيا، عَجَّلْنا لَهُ فِيها ما نَشاءُ لِمَن نُرِيدُ ذاكَ بِهِ. وأخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿مَن كانَ يُرِيدُ العاجِلَةَ﴾ . قالَ: مَن كانَتِ الدُّنْيا هَمَّهُ ورَغْبَتَهُ وطَلِبَتَهُ ونِيَّتَهُ، عَجَّلَ اللَّهُ لَهُ فِيها ما يَشاءُ، ثُمَّ اِضْطَرَّهُ إلى جَهَنَّمَ، ﴿يَصْلاها مَذْمُومًا﴾ في نِقْمَةِ اللَّهِ، ﴿مَدْحُورًا﴾ في عَذابِ اللَّهِ. وفي قَوْلِهِ: ﴿ومَن أرادَ الآخِرَةَ وسَعى لَها سَعْيَها وهو مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كانَ سَعْيُهم مَشْكُورًا﴾ . قالَ: شَكَرَ اللَّهُ لَهُ اليَسِيرَ، وتَجاوَزَ عَنْهُ الكَثِيرَ. وفي قَوْلِهِ: ﴿كُلا نُمِدُّ هَؤُلاءِ وهَؤُلاءِ مِن عَطاءِ رَبِّكَ﴾ . أيْ: أنَّ اللَّهَ قَسَمَ الدُّنْيا بَيْنَ البَرِّ والفاجِرِ، والآخِرَةُ خُصُوصًا عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ. وأخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو نُعَيْمٍ في ”الحِلْيَةِ“، عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿كُلا نُمِدُّ هَؤُلاءِ﴾ الآيَةَ. قالَ: كُلًّا نَرْزُقُ في الدُّنْيا، البَرَّ والفاجِرَ. وأخْرَجَ اِبْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿كُلا نُمِدُّ هَؤُلاءِ وهَؤُلاءِ﴾ يَقُولُ: نُمِدُّ الكُفّارَ والمُؤْمِنِينَ، ﴿مِن عَطاءِ رَبِّكَ﴾ . يَقُولُ: مِنَ الرِّزْقِ. وأخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، [٢٥٧ظ] عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿كُلًّا (p-٢٨٥)نَمُدُّ هؤلاء﴾ الآيَةَ. قالَ: يَرْزُقُ مَن أرادَ الدُّنْيا، ويَرْزُقُ مَن أرادَ الآخِرَةَ. وأخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ اِبْنِ زَيْدٍ في قَوْلِهِ: ﴿كُلا نُمِدُّ هَؤُلاءِ وهَؤُلاءِ﴾ . قالَ: هَؤُلاءِ أهْلُ الدُّنْيا، وهَؤُلاءِ أهْلُ الآخِرَةِ، ﴿وما كانَ عَطاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا﴾ . قالَ: مَمْنُوعًا. وأخْرَجَ اِبْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الضَّحّاكِ في قَوْلِهِ: ﴿مَحْظُورًا﴾ . قالَ: مَمْنُوعًا. وأخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنا بَعْضَهم عَلى بَعْضٍ﴾ . أيْ: في الدُّنْيا، ﴿ولَلآخِرَةُ أكْبَرُ دَرَجاتٍ وأكْبَرُ تَفْضِيلا﴾ . وإنَّ لِلْمُؤْمِنِينَ في الجَنَّةِ مُنازِلَ، وإنَّ لَهم فَضائِلَ بِأعْمالِهِمْ، وذُكِرَ لَنا أنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ قالَ: «”إنَّ بَيْنَ أعْلى أهْلِ الجَنَّةِ وأسْفَلِهِمْ دَرَجَةً كالنَّجْمِ يُرى في مَشارِقِ الأرْضِ ومَغارِبِها“» . وأخْرَجَ اِبْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الضَّحّاكِ في قَوْلِهِ: ﴿ولَلآخِرَةُ أكْبَرُ دَرَجاتٍ وأكْبَرُ تَفْضِيلا﴾ . قالَ: إنَّ أهْلَ الجَنَّةِ بَعْضُهم فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ، الأعْلى يَرى فَضْلَهُ عَلى مَن هو أسْفَلَ مِنهُ، والأسْفَلُ لا يَرى أنَّ فَوْقَهُ أحَدًا. وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، وأبُو نُعَيْمٍ في ”الحِلْيَةِ“، عَنْ سَلْمانَ، عَنِ (p-٢٨٦)النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «”ما مِن عَبْدٍ يُرِيدُ أنْ يَرْتَفِعَ في الدُّنْيا دَرَجَةً فارْتَفَعَ، إلّا وضَعَهُ اللَّهُ في الآخِرَةِ دَرَجَةً أكْبَرَ مِنها وأطْوَلَ“ . ثُمَّ قَرَأ: ﴿ولَلآخِرَةُ أكْبَرُ دَرَجاتٍ وأكْبَرُ تَفْضِيلا﴾ ”» . وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأحْمَدُ في“الزُّهْدِ”، وهَنّادٌ، وابْنُ أبِي الدُّنْيا في“صِفَةِ الجَنَّةِ”، والبَيْهَقِيُّ في“شُعَبِ الإيمانِ"، عَنِ اِبْنِ عُمَرَ قالَ: لا يُصِيبُ عَبْدٌ مِنَ الدُّنْيا شَيْئًا إلّا نَقَصَ مِن دَرَجاتِهِ عِنْدَ اللَّهِ، وإنْ كانَ عَلَيْهِ كَرِيمًا.

الإسراء 17:22

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ﴾ الآيَةَ. أخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿مَذْمُومًا﴾ . يَقُولُ: مَلُومًا. وأخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا﴾ . يَقُولُ: في نِقْمَةِ اللَّهِ، ﴿مَخْذُولا﴾ في عَذابِ اللَّهِ.

الإسراء 17:23

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقَضى رَبُّكَ﴾ الآيَةَ. أخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ الأنْبارِيِّ (p-٢٨٧)فِي ”المَصاحِفِ“، مِن طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قَرَأ: ( ووَصّى رَبُّكَ ألّا تَعْبُدُوا إلّا إيّاهُ) . وقالَ: اِلْتَزَقَتِ الواوُ والصّادُ، وأنْتُمْ تَقْرَءُونَها: ﴿وقَضى رَبُّكَ﴾ . وأخْرَجَ اِبْنُ أبِي حاتِمٍ، مِن طَرِيقِ الضَّحّاكِ، عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ، مِثْلَهُ. وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ، وابْنُ مَنِيعٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، مِن طَرِيقِ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرانَ، عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ قالَ: أنْزَلَ اللَّهُ هَذا الحَرْفَ عَلى لِسانِ نَبِيِّكم ﷺ: (ووَصّى رَبُّكَ ألّا تَعْبُدُوا إلّا إيّاهُ) فَلَصِقَتْ إحْدى الواوَيْنِ بِالصّادِ، فَقَرَأ النّاسُ: ﴿وقَضى رَبُّكَ﴾ . ولَوْ نَزَلَتْ عَلى القَضاءِ ما أشْرَكَ بِهِ أحَدٌ. وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ عَنِ الأعْمَشِ قالَ: كانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ يَقْرَأُ: (ووَصّى رَبُّكَ ألّا تَعْبُدُوا إلّا إيّاهُ) . وأخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ عَنْ حَبِيبِ بْنِ أبِي ثابِتٍ قالَ: أعْطانِي اِبْنُ عَبّاسٍ مُصْحَفًا فَقالَ: هَذا عَلى قِراءَةِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ. فَرَأيْتُ فِيهِ: (ووَصّى رَبُّكَ) . (p-٢٨٨)وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ قَتادَةَ قالَ: في حَرْفِ اِبْنِ مَسْعُودٍ: ووَصّى رَبُّكَ ألّا تَعْبُدُوا إلّا إيّاهُ) . وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ /المُنْذِرِ، عَنِ الضَّحّاكِ بْنِ مُزاحِمٍ، أنَّهُ قَرَأها: (ووَصّى رَبُّكَ) . وقالَ: إنَّهم ألْصَقُوا الواوَ بِالصّادِ فَصارَتْ قافًا. وأخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، مِن طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أبِي طَلْحَةَ، عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وقَضى رَبُّكَ﴾ قالَ: أمَرَ. وأخْرَجَ اِبْنُ المُنْذِرِ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وقَضى رَبُّكَ ألا تَعْبُدُوا إلا إيّاهُ﴾ . قالَ: عَهِدَ رَبُّكَ ألّا تَعْبُدُوا إلّا إيّاهُ. وأخْرَجَ اِبْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿وبِالوالِدَيْنِ إحْسانًا﴾ . يَقُولُ: بِرًّا. وأخْرَجَ اِبْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿إمّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الكِبَرَ أحَدُهُما أوْ كِلاهُما فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ﴾ لِما تُمِيطُ عَنْهُما مِنَ الأذى؛ الخَلاءِ والبَوْلِ، كَما كانا لا (p-٢٨٩)يَقُولانِهِ، فِيما كانا يُمِيطانِ عَنْكَ مِنَ الخَلاءِ والبَوْلِ. وأخْرَجَ اِبْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ في الآيَةِ قالَ: لا تَقُلْ لَهُما: أُفٍّ. فَما سِواهُ. وأخْرَجَ الدَّيْلَمِيُّ عَنِ الحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ مَرْفُوعًا: ”لَوْ عَلِمَ اللَّهُ شَيْئًا مِنَ العُقُوقِ أدْنى مِن أُفٍّ لَحَرَّمَهُ“ . وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عُرْوَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وقُلْ لَهُما قَوْلا كَرِيمًا﴾ . قالَ: لا تَمْنَعْهُما شَيْئًا أرادا. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ في ”المُصَنَّفِ“ عَنِ الحَسَنِ، أنَّهُ سُئِلَ: ما بِرُّ الوالِدَيْنِ؟ قالَ: أنْ تَبْذُلَ لَهُما ما مَلَكْتَ، وأنْ تُطِيعَهُما فِيما أمَراكَ بِهِ، إلّا أنْ يَكُونَ مَعْصِيَةً. وأخْرَجَ اِبْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنِ الحَسَنِ، أنَّهُ قِيلَ لَهُ: إلامَ يَنْتَهِي العُقُوقُ؟ قالَ: أنْ يَحْرِمَهُما ويَهْجُرَهُما ويَحِدَّ النَّظَرَ إلى وجْهِهِما. (p-٢٩٠)وأخْرَجَ اِبْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿وقُلْ لَهُما قَوْلا كَرِيمًا﴾ . قالَ: يَقُولُ: يا أبَهْ، يا أُمَّهْ. ولا يُسَمِّيهِما بِأسْمائِهِما. وأخْرَجَ اِبْنُ مَرْدُويَهْ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: أتى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَجُلٌ ومَعَهُ شَيْخٌ فَقالَ: ”مَن هَذا مَعَكَ؟“ . قالَ: أبِي. قالَ: ”لا تَمْشِيَنَّ أمامَهُ، ولا تَقْعُدَنَّ قَبْلَهُ، ولا تَدْعُهُ بِاسْمِهِ، ولا تَسْتَسِبَّ لَهُ. وأخْرَجَ اِبْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ زُهَيْرِ بْنِ مُحَمَّدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وقُلْ لَهُما قَوْلا كَرِيمًا﴾ . قالَ: إذا دَعَواكَ فَقُلْ لَهُما: لَبَّيْكُما وسَعْدَيْكُما. وأخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وقُلْ لَهُما قَوْلا كَرِيمًا﴾ قالَ: قَوْلًا لَيِّنًا سَهْلًا. وأخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أبِي الهَدّاجِ التُّجِيبِيِّ قالَ: قُلْتُ لِسَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ: كُلُّ ما ذَكَرَ اللَّهُ في القُرْآنِ مِن بِرِّ الوالِدَيْنِ فَقَدْ عَرَفْتُهُ إلّا قَوْلَهُ: ﴿وقُلْ لَهُما قَوْلا كَرِيمًا﴾ ما هَذا القَوْلُ الكَرِيمُ؟ قالَ اِبْنُ المُسَيَّبِ: قَوْلُ العَبْدِ المُذْنِبِ لِلسَّيِّدِ الفَظِّ. (p-٢٩١)وأخْرَجَ البُخارِيُّ في“الأدَبِ المُفْرَدِ”، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عُرْوَةَ في قَوْلِهِ: ﴿واخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾ . قالَ: يَلِينُ لَهُما حَتّى لا يَمْتَنِعَ مِن شَيْءٍ أحَبّاهُ. وأخْرَجَ اِبْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ في قَوْلِهِ: ﴿واخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾ . يَقُولُ: اِخْضَعْ لِوالِدَيْكَ كَما يَخْضَعُ العَبْدُ لِلسَّيِّدِ الفَظِّ الغَلِيظِ. وأخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عَطاءِ بْنِ أبِي رَباحٍ في قَوْلِهِ: ﴿واخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾ . قالَ: لا تَرْفَعْ يَدَيْكَ عَلَيْهِما إذا كَلَّمْتَهُما. وأخْرَجَ اِبْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عُرْوَةَ في قَوْلِهِ: ﴿واخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾ . قالَ: إنْ أغْضَباكَ فَلا تَنْظُرْ إلَيْهِما شَزَرًا، فَإنَّهُ أوَّلُ ما يُعْرَفُ غَضَبُ المَرْءِ بِشِدَّةِ نَظَرِهِ إلى مَن غَضِبَ عَلَيْهِ. وأخْرَجَ اِبْنُ مَرْدُويَهْ، والبَيْهَقِيُّ في“شُعَبِ الإيمانِ”، عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:“ما بَرَّ أباهُ مَن شَدَّ إلَيْهِ الطَّرْفَ”. (p-٢٩٢)وأخْرَجَ اِبْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ زُهَيْرِ بْنِ مُحَمَّدٍ في قَوْلِهِ: ﴿واخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾ . قالَ: إنْ سَبّاكَ أوْ لَعَناكَ، فَقُلْ رَحِمَكُما اللَّهُ، غَفَرَ اللَّهُ لَكُما. وأخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أنَّهُ قَرَأ (واخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذِّلِّ) بِكَسْرِ الذّالِ. وأخْرَجَ عَنْ عاصِمٍ الجَحْدَرِيِّ، مِثْلَهُ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ في“الأدَبِ المُفْرَدِ”عَنْ أبِي مُرَّةَ مَوْلى عَقِيلٍ، أنَّ أبا هُرَيْرَةَ كانَتْ أُمُّهُ في بَيْتٍ وهو في آخَرَ، فَكانَ يَقِفُ عَلى بابِها ويَقُولُ: السَّلامُ عَلَيْكِ يا أُمَّتاهُ ورَحْمَةُ اللَّهِ وبَرَكاتُهُ. فَتَقُولُ: وعَلَيْكَ يا بُنَيَّ. فَيَقُولُ: رَحِمَكِ اللَّهُ كَما رَبَّيْتِنِي صَغِيرًا. فَتَقُولُ: رَحِمَكَ اللَّهُ كَما بَرَرْتَنِي كَبِيرًا. وأخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، مِن طَرِيقِ عَلِيٍّ، عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وقُلْ رَبِّي ارْحَمْهُما كَما رَبَّيانِي صَغِيرًا﴾ . ثُمَّ أنْزَلَ اللَّهُ بَعْدَ هَذا: ﴿ما كانَ لِلنَّبِيِّ والَّذِينَ آمَنُوا أنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ ولَوْ كانُوا أُولِي قُرْبى﴾ [التوبة: ١١٣] [التَّوْبَةِ: ١١٣] . وأخْرَجَ البُخارِيُّ في“الأدَبِ المُفْرَدِ”، وأبُو داوُدَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، (p-٢٩٣)مِن طُرُقٍ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إمّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الكِبَرَ﴾ . إلى قَوْلِهِ: ﴿كَما رَبَّيانِي صَغِيرًا﴾ . قَدْ نَسَخَتْها الآيَةُ الَّتِي في“بَراءَةَ”: ﴿ما كانَ لِلنَّبِيِّ والَّذِينَ آمَنُوا أنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ١١٣] الآيَةَ [التَّوْبَةِ: ١١٣] . وأخْرَجَ اِبْنُ المُنْذِرِ، والنَّحّاسُ، وابْنُ الأنْبارِيِّ في“المَصاحِفِ”، عَنْ قَتادَةَ قالَ: نُسِخَ مِن هَذِهِ الآيَةِ /حَرْفٌ واحِدٌ، لا يَنْبَغِي لِأحَدٍ مِنَ المُسْلِمِينَ أنْ يَسْتَغْفِرَ لِوالِدَيْهِ إذا كانا مُشْرِكَيْنِ، ولا يَقُلْ: رَبِّ اِرْحَمْهُما كَما رَبَّيانِي صَغِيرًا. ولَكِنْ لِيَخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ، ولْيَقُلْ لَهُما قَوْلًا مَعْرُوفًا، قالَ اللَّهُ: ﴿ما كانَ لِلنَّبِيِّ والَّذِينَ آمَنُوا أنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ١١٣] . وأخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ في قَوْلِهِ: ﴿رَبُّكم أعْلَمُ بِما في نُفُوسِكُمْ﴾ . قالَ: تَكُونُ البادِرَةُ مِنَ الوَلَدِ إلى الوالِدِ، فَقالَ اللَّهُ: ﴿إنْ تَكُونُوا صالِحِينَ﴾ إنْ تَكُنِ النِّيَّةُ صادِقَةً بِبَرِّهِ، ﴿فَإنَّهُ كانَ لِلأوّابِينَ غَفُورًا﴾ لِلْبادِرَةِ الَّتِي بَدَرَتْ مِنهُ. (p-٢٩٤)وأخْرَجَ اِبْنُ أبِي الدُّنْيا، والبَيْهَقِيُّ في“شُعَبِ الإيمانِ”، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَإنَّهُ كانَ لِلأوّابِينَ﴾ . قالَ: الرَّجّاعِينَ إلى الخَيْرِ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وهَنّادٌ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ، عَنِ الضَّحّاكِ في قَوْلِهِ: ﴿فَإنَّهُ كانَ لِلأوّابِينَ﴾ . قالَ: الرِّجّاعِينَ مِنَ الذَّنْبِ إلى التَّوْبَةِ، ومِنَ السَّيِّئاتِ إلى الحَسَناتِ. وأخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿لِلأوّابِينَ﴾ . قالَ: لِلْمُطِيعِينَ المُحْسِنِينَ. وأخْرَجَ اِبْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في“شُعَبِ الإيمانِ”، عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿لِلأوّابِينَ﴾ . قالَ: لِلتَّوّابِينَ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: الأوّابُ التَّوّابُ. وأخْرَجَ اِبْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأحْمَدُ، والبُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنِ اِبْنِ مَسْعُودٍ قالَ: سَألْتُ النَّبِيَّ ﷺ: أيُّ العَمَلِ أحَبُّ إلى اللَّهِ؟ قالَ:“الصَّلاةُ عَلى وقْتِها”. قُلْتُ: ثُمَّ أيُّ؟ قالَ:“ثُمَّ بِرُّ (p-٢٩٥)الوالِدَيْنِ”. قُلْتُ: ثُمَّ أيُّ؟ قالَ:“ثُمَّ الجِهادُ في سَبِيلِ اللَّهِ”. وأخْرَجَ البُخارِيُّ في“الأدَبِ المُفْرَدِ”، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قالَ: رِضا الرَّبِّ في رِضا الوالِدِ، وسَخَطُ الرَّبِّ في سَخَطِ الوالِدِ. وأخْرَجَ أحْمَدُ، والبُخارِيُّ في“الأدَبِ المُفْرَدِ”، وأبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ في“شُعَبِ الإيمانِ”، عَنْ بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ، عَنْ أبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ قالَ: قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، مَن أبَرُّ؟ قالَ:“أُمَّكَ”. قُلْتُ: مَن أبَرُّ؟ قالَ:“أُمَّكَ”. قُلْتُ: مَن أبَرُّ؟ قالَ:“أُمَّكَ”. قُلْتُ: مَن أبَرُّ؟ قالَ:“أباكَ، ثُمَّ الأقْرَبَ فالأقْرَبَ”. وأخْرَجَ البُخارِيُّ في“الأدَبِ المُفْرَدِ”، والبَيْهَقِيُّ، عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ، أنَّهُ أتاهُ رَجُلٌ فَقالَ: إنِّي خَطَبْتُ اِمْرَأةً فَأبَتْ أنْ تَنْكِحَنِي، [٢٥٧ظ] وخَطَبَها غَيْرِي، فَأحَبَّتْ أنْ تَنْكِحَهُ، فَغِرْتُ عَلَيْها فَقَتَلْتُها، فَهَلْ لِي مِن تَوْبَةٍ؟ قالَ: أُمُّكَ حَيَّةٌ؟ قالَ: لا. قالَ: تُبْ إلى اللَّهِ، وتَقَرَّبْ إلَيْهِ ما اِسْتَطَعْتَ. فَذَهَبْتُ فَسَألْتُ اِبْنَ (p-٢٩٦)عَبّاسٍ: لِمَ سَألْتَ عَنْ حَياةِ أُمِّهِ؟ فَقالَ: إنِّي لا أعْلَمُ عَمَلًا أقْرَبَ إلى اللَّهِ مِن بَرِّ الوالِدَةِ. وأخْرَجَ اِبْنُ أبِي شَيْبَةَ، والبُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، وابْنُ ماجَهْ، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: أتى رَجُلٌ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ قالَ: ما تَأْمُرُنِي؟ قالَ:“بَرَّ أُمَّكَ”. ثُمَّ عادَ فَقالَ:“بَرَّ أُمَّكَ”. ثُمَّ عادَ فَقالَ:“بَرَّ أُمَّكَ”. ثُمَّ عادَ الرّابِعَةَ فَقالَ:“بَرَّ أباكَ”. وأخْرَجَ البُخارِيُّ في“الأدَبِ المُفْرَدِ”، عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ قالَ: ما مِن مُسْلِمٍ لَهُ والِدانِ مُسْلِمانِ يُصْبِحُ إلَيْهِما مُحْسِنًا إلّا فَتَحَ اللَّهُ لَهُ بابَيْنِ - يَعْنِي مِنَ الجَنَّةِ - وإنْ كانَ واحِدًا فَواحِدٌ، وإنْ أغْضَبَ أحَدَهُما، لَمْ يَرْضَ اللَّهُ عَنْهُ، حَتّى يَرْضى عَنْهُ. قِيلَ: وإنْ ظَلَماهُ؟ قالَ: وإنْ ظَلَماهُ. وأخْرَجَ اِبْنُ أبِي شَيْبَةَ، والبُخارِيُّ في“الأدَبِ المُفْرَدِ”، ومُسْلِمٌ، والتِّرْمِذِيُّ، (p-٢٩٧)والنَّسائِيُّ، وابْنُ ماجَهْ، وابْنُ المُنْذِرِ، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ:“لا يَجْزِي ولَدٌ والِدَهُ، إلّا أنْ يَجِدَهُ مَمْلُوكًا فَيَشْتَرِيَهُ فَيُعْتِقَهُ”. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ في“المُصَنَّفِ”، والبُخارِيُّ في“الأدَبِ”، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قالَ: جاءَ رَجُلٌ إلى النَّبِيِّ ﷺ يُبايِعُهُ عَلى الهِجْرَةِ، وتَرَكَ أبَوَيْهِ يَبْكِيانِ فَقالَ:“اِرْجِعْ إلَيْهِما فَأضْحِكْهُما كَما أبْكَيْتَهُما”. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، والبُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قالَ: جاءَ رَجُلٌ إلى النَّبِيِّ ﷺ يُرِيدُ الجِهادَ، فَقالَ:“أحَيٌّ والِداكَ؟”. قالَ: نَعَمْ، قالَ:“فَفِيهِما فَجاهِدْ”. وأخْرَجَ البُخارِيُّ في“الأدَبِ”، ومُسْلِمٌ، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ:“رَغِمَ أنْفُهُ، رَغِمَ أنْفُهُ، رَغِمَ أنْفُهُ”. قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، مَن؟ قالَ:“مَن أدْرَكَ والِدَيْهِ عِنْدَهُ الكِبَرُ أوْ أحَدَهُما فَدَخَلَ النّارَ”. (p-٢٩٨)وأخْرَجَ البُخارِيُّ في“الأدَبِ”، والحاكِمُ، والبَيْهَقِيُّ في“شُعَبِ الإيمانِ”، عَنْ مُعاذِ بْنِ أنَسٍ قالَ: قالَ النَّبِيُّ ﷺ:“مَن بَرَّ والِدَيْهِ طُوبى لَهُ، زادَ اللَّهُ في عُمُرِهِ”. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ في“المُصَنَّفِ”، والبُخارِيُّ في“الأدَبِ”، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، أنَّهُ أبْصَرَ رَجُلَيْنِ، فَقالَ: لِأحَدِهِما: ما هَذا مِنكَ؟ فَقالَ: أبِي. فَقالَ: لا تُسَمِّهِ - وفي لَفْظٍ: لا تَدْعُهُ بِاسْمِهِ - ولا تَمْشِ أمامَهُ، ولا تَجْلِسْ قَبْلَهُ حَتّى يَجْلِسَ، ولا تَسْتَسِبَّ لَهُ. وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:“رِضا اللَّهِ في رِضا الوالِدَيْنِ، وسَخَطُ اللَّهِ في سَخَطِ الوالِدَيْنِ”. وأخْرَجَ اِبْنُ سَعْدٍ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأحْمَدُ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ ماجَهْ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ مُعاوِيَةَ بْنِ جاهِمَةَ، عَنْ /أبِيهِ قالَ: أتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ أسْتَشِيرُهُ في الجِهادِ، فَقالَ:“ألَكَ والِدَةٌ؟”. قُلْتُ: نَعَمْ. قالَ: (p-٢٩٩)“اِذْهَبْ فالزَمْها؛ فَإنَّ الجَنَّةَ تَحْتَ رِجْلَيْها”. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ طَلْحَةَ، أنَّ رَجُلًا جاءَ إلى النَّبِيِّ ﷺ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنِّي أُرِيدُ الغَزْوَ، وقَدْ جِئْتُكَ أسْتَشِيرُكَ. قالَ:“هَلْ لَكَ مِن أُمٍّ؟”. قالَ: نَعَمْ. قالَ:“فالزَمْها؛ فَإنَّ الجَنَّةَ عِنْدَ رِجْلَيْها”. ثُمَّ الثّانِيَةَ، ثُمَّ الثّالِثَةَ كَمِثْلِ ذَلِكَ. وأخْرَجَ اِبْنُ مَرْدُويَهْ، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ أنَسٍ قالَ: أتى رَجُلٌ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: إنِّي أشْتَهِي الجِهادَ ولا أقْدِرُ عَلَيْهِ. فَقالَ:“هَلْ بَقِيَ أحَدٌ مِن والِدَيْكَ؟”. قالَ: أُمِّي. قالَ:“فاتَّقِ اللَّهَ فِيها، فَإذا فَعَلْتَ ذَلِكَ فَأنْتَ حاجٌّ ومُعْتَمِرٌ ومُجاهِدٌ، فَإذا دَعَتْكَ أُمُّكَ فاتَّقِ اللَّهَ وبَرَّها”. وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ عَنِ اِبْنِ عُمَرَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:“لَنَوْمُكَ عَلى (p-٣٠٠)السَّرِيرِ بِرًّا بِوالِدَيْكَ، تُضْحِكُهُما ويُضْحِكانِكَ أفْضَلُ مِن جِهادِكَ بِالسَّيْفِ في سَبِيلِ اللَّهِ”. وأخْرَجَ اِبْنُ أبِي شَيْبَةَ، والحاكِمُ، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ خِداشِ بْنِ أبِي سَلامَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:“أُوصِي اِمْرَأً بِأُمِّهِ”. ثَلاثَ مِرارٍ،“أُوصِي اِمْرَأً بِأبِيهِ”مَرَّتَيْنِ،“أُوصِي اِمْرَأً بِمَوْلاهُ الَّذِي يَلِيهِ، وإنْ كانَ عَلَيْهِ مِنهُ أذًى يُؤْذِيهِ”. وأخْرَجَ اِبْنُ أبِي شَيْبَةَ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ أبِي الدَّرْداءِ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ:“الوالِدُ أوْسَطُ أبْوابِ الجَنَّةِ، فاحْفَظْ ذَلِكَ البابَ، أوْ ضَيِّعْهُ”. وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:“إنِّي أرانِي في (p-٣٠١)الجَنَّةِ، فَبَيْنَما أنا فِيها سَمِعْتُ صَوْتَ رَجُلٍ بِالقُرْآنِ، فَقُلْتُ: مَن هَذا؟ قالُوا: حارِثَةُ بْنُ النُّعْمانِ، كَذَلِكَ البِرُّ كَذَلِكَ البِرُّ”. وأخْرَجَ أحْمَدُ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:“نِمْتُ فَرَأيْتُنِي في الجَنَّةِ، فَسَمِعْتُ صَوْتَ قارِئٍ يَقْرَأُ، فَقُلْتُ: مَن هَذا؟ قالُوا: حارِثَةُ بْنُ النُّعْمانِ”. فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:“كَذاكَ البِرُّ، كَذاكَ البِرُّ، كَذاكَ البِرُّ”. قالَ:“وكانَ أبَرَّ النّاسِ بِأُمِّهِ”. وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ عَنِ اِبْنِ عُمَرَ قالَ: مَرَّ رَجُلٌ لَهُ جِسْمٌ، يَعْنِي خَلْقًا، فَقالُوا: لَوْ كانَ هَذا في سَبِيلِ اللَّهِ. فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ:“لَعَلَّهُ يَكِدُّ عَلى أبَوَيْنِ شَيْخَيْنِ كَبِيرَيْنِ فَهو في سَبِيلِ اللَّهِ، لَعَلَّهُ يَكِدُّ عَلى صِبْيَةٍ صِغارٍ فَهو في سَبِيلِ اللَّهِ، لَعَلَّهُ يَكِدُّ عَلى نَفْسِهِ لِيُغْنِيَها عَنِ النّاسِ فَهو في سَبِيلِ اللَّهِ”. (p-٣٠٢)وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:“مَن أحَبَّ أنْ يُمِدَّ اللَّهُ في عُمُرِهِ، ويَزِيدَ في رِزْقِهِ، فَلْيَبَرَّ والِدَيْهِ ولِيَصِلْ رَحِمَهُ”. وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ، أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ:“ما مِن ولَدٍ بارٍّ يَنْظُرُ إلى والِدَيْهِ نَظْرَةَ رَحْمَةٍ، إلّا كَتَبَ اللَّهُ لَهُ بِكُلِّ نَظْرَةٍ حِجَّةً مَبْرُورَةً”. قالُوا: وإنْ نَظَرَ كُلَّ يَوْمٍ مِائَةَ مَرَّةٍ؟ قالَ:“نَعَمْ، اللَّهُ أكْبَرُ وأطْيَبُ”. وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:“إذا نَظَرَ الوالِدُ إلى ولَدِهِ - يَعْنِي فَسُرَّ بِهِ - كانَ لِلْوَلَدِ، عِتْقُ نَسَمَةٍ”. قِيلَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، وإنْ نَظَرَ سِتِّينَ وثَلاثَمِائَةِ نَظْرَةٍ؟ قالَ:“اللَّهُ أكْبَرُ مِن ذَلِكَ”. (p-٣٠٣)وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ عَنِ اِبْنِ مَسْعُودٍ قالَ: النَّظَرُ إلى الوالِدِ عِبادَةٌ، والنَّظَرُ إلى الكَعْبَةِ عِبادَةٌ، والنَّظَرُ إلى المُصْحَفِ عِبادَةٌ، والنَّظَرُ إلى أخِيكَ حُبًّا لَهُ في اللَّهِ عِبادَةٌ. وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ وضَعَّفَهُ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ، أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ:“مَن قَبَّلَ بَيْنَ عَيْنَيْ أُمِّهِ كانَ لَهُ سِتْرًا مِنَ النّارِ”. وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ، عَنِ اِبْنِ عُمَرَ قالَ: جاءَ رَجُلٌ إلى النَّبِيِّ ﷺ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنِّي أذْنَبْتُ ذَنْبًا عَظِيمًا فَهَلْ لِي مِن تَوْبَةٍ؟ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:“ألَكَ والِدانِ؟”. قالَ: لا. قالَ:“ألَكَ خالَةٌ؟”. قالَ: نَعَمْ. قالَ:“فَبَرَّها إذَنْ”. وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ عَنْ أُمِّ أيْمَنَ، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ أوْصى بَعْضَ أهْلِ بَيْتِهِ فَقالَ:“لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ وإنْ عُذِّبْتَ وإنْ حُرِقْتَ، وأطِعْ رَبَّكَ ووالِدَيْكَ وإنْ أمَراكَ أنْ تَخْرُجَ مَن كُلِّ شَيْءٍ فاخْرُجْ، ولا تَتْرُكِ الصَّلاةَ مُتَعَمِّدًا، فَإنَّ مَن تَرَكَ الصَّلاةَ مُتَعَمِّدًا فَقَدْ بَرِئَتْ مِنهُ ذِمَّةُ اللَّهِ، إيّاكَ والخَمْرَ؛ فَإنَّها مِفْتاحُ كُلِّ شَرٍّ، وإيّاكَ والمَعْصِيَةَ، فَإنَّها تُسْخِطُ اللَّهَ، لا تُنازِعَنَّ الأمْرَ أهْلَهُ وإنْ رَأيْتَ أنَّ لَكَ، لا تَفِرَّ مِنَ الزَّحْفِ، وإنْ (p-٣٠٤)أصابَ النّاسَ مَوْتٌ وأنْتَ فِيهِمْ فاثْبُتْ، أنْفِقْ عَلى أهْلِكَ مِن طَوْلِكَ، ولا تَرْفَعْ عَصاكَ عَنْهُمْ، وأخِفْهم في اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ”. وأخْرَجَ أحْمَدُ، والبُخارِيُّ في“الأدَبِ”، وأبُو داوُدَ، وابْنُ ماجَهْ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ أبِي أُسَيْدٍ السّاعِدِيِّ قالَ: كُنّا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَقالَ رَجُلٌ: يا رَسُولَ اللَّهِ، هَلْ بَقِيَ عَلَيَّ مِن بِرِّ أبَوَيَّ شَيْءٌ بَعْدَ مَوْتِهِما أبَرُّهُما بِهِ؟ قالَ:“نَعَمْ، خِصالٌ أرْبَعُ؛ الدُّعاءُ لَهُما، والِاسْتِغْفارُ لَهُما، وإنْفاذُ عَهْدِهِما، وإكْرامُ صَدِيقِهِما، وصِلَةُ الرَّحِمِ الَّتِي لا رَحِمَ لَكَ إلّا مِن قِبَلِهِما”. وأخْرَجَ البُخارِيُّ في“الأدَبِ”، ومُسْلِمٌ، وأبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ، وابْنُ حِبّانَ، والبَيْهَقِيُّ، عَنِ اِبْنِ عُمَرَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قالَ:“ /إنَّ أبَرَّ البِرِّ أنْ يَصِلَ الرَّجُلُ أهْلَ وُدِّ أبِيهِ بَعْدَ أنْ يُوَلِّيَ الأبُ”. وأخْرَجَ البُخارِيُّ في“الأدَبِ”عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ قالَ: والَّذِي بَعَثَ مُحَمَّدًا بِالحَقِّ، إنَّهُ لَفي كِتابِ اللَّهِ: لا تَقْطَعْ مَن كانَ يَصِلُ أباكَ، فَتُطْفِئَ بِذَلِكَ نُورَكَ. (p-٣٠٥)وأخْرَجَ الحاكِمُ، والبَيْهَقِيُّ، مِن طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ طَلْحَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، عَنْ أبِيهِ، أنَّ أبا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ قالَ لِرَجُلٍ مِنَ العَرَبِ كانَ يَصْحَبُهُ يُقالُ لَهُ عُفَيْرٌ: يا عُفَيْرُ، كَيْفَ سَمِعْتَ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ في الوُدِّ؟ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ:“الوُدُّ يُتَوارَثُ، والعَداوَةُ كَذَلِكَ”. وأخْرَجَ اِبْنُ أبِي شَيْبَةَ، والنَّسائِيُّ، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ:“لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ عاقٌّ، ولا ولَدُ زِنًى، ولا مُدْمِنُ خَمْرٍ، ولا مَنّانٌ”. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، والنَّسائِيُّ، والبَيْهَقِيُّ، عَنِ اِبْنِ عَمْرٍو، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ:“لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ عاقُّ والِدَيْهِ، ولا مَنّانٌ، ولا ولَدُ زانِيَةٍ، ولا مُدْمِنُ خَمْرٍ، ولا قاطِعُ رَحِمٍ، ولا مَن أتى ذاتَ مَحْرَمٍ”. وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ وضَعَّفَهُ عَنْ طَلْقِ بْنِ عَلِيٍّ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ:“لَوْ أدْرَكْتُ والِدَيَّ أوْ أحَدَهُما وأنا في صَلاةِ العِشاءِ، وقَدْ قَرَأْتُ فِيها (p-٣٠٦)بِفاتِحَةِ الكِتابِ، تُنادِي: يا مُحَمَّدُ. لَأجَبْتُها: لَبَّيْكِ”. وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ وضَعَّفَهُ، مِن طَرِيقِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ: حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَوْشَبٍ الفِهْرِيُّ، عَنْ أبِيهِ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ:“لَوْ كانَ جُرَيْجٌ الرّاهِبُ فَقِيهًا عالِمًا، لَعَلِمَ أنَّ إجابَتَهُ أُمَّهُ أفْضَلُ مِن عِبادَةِ رَبِّهِ”. وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ عَنْ مَكْحُولٍ قالَ: إذا دَعَتْكَ والِدَتُكَ وأنْتَ في الصَّلاةِ فَأجِبْها، وإذا دَعاكَ أبُوكَ فَلا تُجِبْهُ حَتّى تَفْرُغَ مِن صَلاتِكَ. وأخْرَجَ اِبْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ المُنْكَدِرِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:“إذا دَعَتْكَ أُمُّكَ في الصَّلاةِ فَأجِبْها، وإذا دَعاكَ أبُوكَ فَلا تُجِبْهُ”. وأخْرَجَ أحْمَدُ، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ مالِكٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ:“مَن أدْرَكَ والِدَيْهِ أوْ أحَدَهُما، ثُمَّ دَخَلَ النّارَ مِن بَعْدِ ذَلِكَ، فَأبْعَدَهُ اللَّهُ وأسْحَقُهُ”. وأخْرَجَ أحْمَدُ، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ سَهْلِ بْنِ مُعاذٍ، عَنْ أبِيهِ، أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ (p-٣٠٧)قالَ:“مِنَ العِبادِ عِبادٌ لا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ القِيامَةِ، ولا يَنْظُرُ إلَيْهِمْ، ولا يُزَكِّيهِمْ، ولا يُطَهِّرُهُمْ”. قالَ: مَن أُولَئِكَ [٢٥٨و] يا رَسُولَ اللَّهِ؟ قالَ:“المُتَبَرِّئُ مِن والِدَيْهِ رَغْبَةً عَنْهُما، والمُتَبَرِّئُ مِن ولَدِهِ، ورَجُلٌ أنْعَمَ عَلَيْهِ قَوْمٌ فَكَفَرَ نِعْمَتَهم وتَبَرَّأ مِنهُمْ”. وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:“إنَّ أشَدَّ النّاسِ عَذابًا يَوْمَ القِيامَةِ مَن قَتَلَ نَبِيًّا، أوْ قَتَلَهُ نَبِيٌّ، أوْ قَتَلَ أحَدَ والِدَيْهِ، والمُصَوِّرُونَ، وعالِمٌ لَمْ يَنْتَفِعْ بِعِلْمِهِ”. وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ وتَعَقُّبَهُ الذَّهَبِيُّ، والبَيْهَقِيُّ، والطَّبَرانِيُّ، والخَرائِطِيُّ في“مَساوِئِ الأخْلاقِ”، مِن طَرِيقِ بَكّارِ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ بْنِ أبِي بَكْرَةَ، عَنْ أبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ أبِي بَكْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ:“كُلُّ الذُّنُوبِ يُؤَخِّرُ اللَّهُ مِنها ما شاءَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، إلّا عُقُوقَ الوالِدَيْنِ؛ فَإنَّهُ يُعَجِّلُهُ لِصاحِبِهِ في الحَياةِ قَبْلَ المَماتِ، ومَن رايا رايا اللَّهُ بِهِ، ومَن سَمَّعَ سَمَّعَ اللَّهُ بِهِ”. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ في“المُصَنَّفِ”، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ طاوُسٍ قالَ: إنَّ مِنَ (p-٣٠٨)السُّنَّةِ أنْ تُوَقِّرَ أرْبَعَةً؛ العالِمُ، وذُو الشَّيْبَةِ، والسُّلْطانُ، والوالِدُ. قالَ: ويُقالُ: أنَّ مِنَ الجَفاءِ أنْ يَدْعُوَ الرَّجُلُ والِدَهُ بِاسْمِهِ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ كَعْبٍ، أنَّهُ سُئِلَ عَنِ العُقُوقِ: ما تَجِدُونَهُ في كِتابِ اللَّهِ عُقُوقَ الوالِدَيْنِ؟ قالَ: إذا أقْسَمَ عَلَيْهِ لَمْ يَبَرَّهُ، وإذا سَألَهُ لَمْ يُعْطِهِ، وإذا اِئْتَمَنَهُ خانَ، فَذَلِكَ العُقُوقُ. وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:“ثَلاثُ دَعَواتٍ مُسْتَجاباتٍ؛ دُعاءُ الوالِدِ عَلى ولَدِهِ، ودَعْوَةُ المَظْلُومِ، ودَعْوَةُ المُسافِرِ”. وأخْرَجَ اِبْنُ أبِي الدُّنْيا، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ النُّعْمانِ، يَرْفَعُ الحَدِيثَ إلى النَّبِيِّ ﷺ قالَ:“مَن زارَ قَبْرَ أبَوَيْهِ أوْ أحَدِهِما في كُلِّ جُمُعَةٍ، غُفِرَ لَهُ وكُتِبَ بَرًّا”. وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:“إنَّ الرَّجُلَ لَيَمُوتُ والِداهُ وهو عاقٌّ لَهُما، فَيَدْعُو لَهُما مِن بُعْدِهِما، فَيَكْتُبُهُ اللَّهُ مِنَ البارِّينَ”. وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:“إنَّ العَبْدَ يَمُوتُ (p-٣٠٩)والِداهُ أوْ أحَدُهُما، وإنَّهُ لَهُما لَعاقٌّ، فَلا يَزالُ يَدْعُو لَهُما ويَسْتَغْفِرُ لَهُما حَتّى يَكْتُبَهُ اللَّهُ بارًّا”. وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ عَنِ الأوْزاعِيِّ قالَ: بَلَغَنِي أنَّ مَن عَقَّ والِدَيْهِ في حَياتِهِما، ثُمَّ قَضى دَيْنًا إنْ كانَ عَلَيْهِما واسْتَغْفَرَ لَهُما، ولَمْ يَسْتَسِبَّ لَهُما، كُتِبَ بارًّا، ومَن بَرَّ والِدَيْهِ في حَياتِهِما، ثُمَّ لَمْ يَقْضِ دَيْنًا إذا كانَ عَلَيْهِما ولَمْ يَسْتَغْفِرْ لَهُما، واسْتَسَبَّ لَهُما، كُتِبَ عاقًّا. وأخْرَجَ اِبْنُ أبِي شَيْبَةَ، والبَيْهَقِيُّ، عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:“مَن أصْبَحَ مُطِيعًا لِلَّهِ في والِدَيْهِ أصْبَحَ لَهُ بابانِ مَفْتُوحانِ مِنَ الجَنَّةِ، وإنْ كانَ واحِدًا فَواحِدًا، ومَن أمْسى /عاصِيًا لِلَّهِ في والِدَيْهِ أصْبَحَ لَهُ بابانِ مَفْتُوحانِ مِنَ النّارِ، وإنْ كانَ واحِدًا فَواحِدًا”. فَقالَ رَجُلٌ: وإنْ ظَلَماهُ؟ قالَ:“وإنْ ظَلَماهُ، وإنْ ظَلَماهُ، وإنْ ظَلَماهُ”. وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ عَنِ المُنْكَدِرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ المُنْكَدِرِ قالَ: كانَ أبِي يَبِيتُ عَلى السَّطْحِ يُرَوِّحُ عَنْ أُمِّهِ، وعَمِّي يُصَلِّي إلى الصَّباحِ، فَقالَ لَهُ أبِي: ما يَسُرُّنِي (p-٣١٠)لَيْلَتِي بِلَيْلَتِكَ. وأخْرَجَ اِبْنُ سَعْدٍ، وأحْمَدُ في“الزُّهْدِ”والبَيْهَقِيُّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ المُبارَكِ قالَ: قالَ مُحَمَّدُ بْنُ المُنْكَدِرِ: باتَ عُمَرُ – أخُوهُ – يُصَلِّي، وبِتُّ أغْمِزُ رِجْلَ أُمِّي، وما أُحِبُّ أنَّ لَيْلَتِي بِلَيْلَتِهِ. وأخْرَجَ اِبْنُ سَعْدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ المُنْكَدِرِ، أنَّهُ كانَ يَضَعُ خَدَّهُ عَلى الأرْضِ ثُمَّ يَقُولُ لِأُمِّهِ: يا أُمَّهْ، قُومِي فَضَعِي قَدَمَكِ عَلى خَدِّي. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ في“المُصَنَّفِ”، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ طاوُسٍ قالَ: كانَ رَجُلٌ لَهُ أرْبَعَةُ بَنِينَ، فَمَرِضَ فَقالَ أحَدُهم: إمّا أنْ تُمَرِّضُوهُ ولَيْسَ لَكم مِن مِيراثِهِ شَيْءٌ، وإمّا أنْ أُمَرِّضَهُ ولَيْسَ لِي مِن مِيراثِهِ شَيْءٌ؟ قالُوا: بَلْ مَرِّضْهُ ولَيْسَ لَكَ مِن مِيراثِهِ شَيْءٌ. فَمَرَّضَهُ حَتّى ماتَ ولَمْ يَأْخُذْ مِن مالِهِ شَيْئًا، فَأُتِيَ في النَّوْمِ، فَقِيلَ لَهُ: اِئْتِ مَكانَ كَذا وكَذا، فَخُذْ مِنهُ مِائَةَ دِينارٍ. فَقالَ في نَوْمِهِ: أفِيها بَرَكَةٌ؟ قالُوا: لا. فَأصْبَحَ فَذَكَرَ ذَلِكَ لِاِمْرَأتِهِ، فَقالَتْ لَهُ: خُذْها، فَإنَّ مِن بَرَكَتِها أنْ تَكْتَسِيَ مِنها وتَعِيشَ مِنها. فَأبى، فَلَمّا أمْسى أُتِيَ في النَّوْمِ فَقِيلَ لَهُ: اِئْتِ مَكانَ كَذا وكَذا، فَخُذْ مِنهُ عَشَرَةَ دَنانِيرَ. فَقالَ: أفِيها بَرَكَةٌ؟ قالُوا: لا. فَلَمّا أصْبَحَ ذَكَرَ ذَلِكَ (p-٣١١)لِاِمْرَأتِهِ، فَقالَتْ لَهُ مِثْلَ مَقالَتِها الأُولى، فَأبى أنْ يَأْخُذَها، فَأُتِيَ في النَّوْمِ في اللَّيْلَةِ الثّالِثَةِ: أنِ اِئْتِ مَكانَ كَذا وكَذا، فَخُذْ مِنهُ دِينارًا. فَقالَ: أفِيهِ بَرَكَةٌ؟ قالُوا: نَعَمْ. فَذَهَبَ فَأخَذَ الدِّينارَ، ثُمَّ خَرَجَ بِهِ إلى السُّوقِ، فَإذا هو بِرَجُلٍ يَحْمِلُ حُوتَيْنِ، فَقالَ: بِكَمْ هَذا؟ قالَ: بِدِينارٍ. فَأخَذَهُما مِنهُ بِالدِّينارِ، ثُمَّ اِنْطَلَقَ بِهِما، فَلَمّا دَخَلَ بَيْتَهُ شَقَّ الحُوتَيْنِ، فَوَجَدَ في بَطْنِ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما دُرَّةً لَمْ يَرَ النّاسَ مِثْلَها، فَبَعَثَ المَلِكُ بِدُرَّةٍ يَشْتَرِيها، فَلَمْ تُوجَدْ إلّا عِنْدَهُ، فَباعَها بِوَقْرِ ثَلاثِينَ بَغْلًا ذَهَبًا، فَلَمّا رَآها المَلِكُ قالَ: ما تَصْلُحُ هَذِهِ إلّا بِأُخْتٍ؟ فاطْلُبُوا مِثْلَها وإنْ أضْعَفْتُمْ. قالَ: فَجاءُوهُ فَقالُوا: عِنْدَكَ أُخْتُها نُعْطِيكَ ضِعْفَ ما أعْطَيْناكَ؟ قالَ: أوَتَفْعَلُونَ؟ قالُوا: نَعَمْ. فَأعْطاهم أُخْتَها بِضِعْفِ ما أخَذُوا الأُولى. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ في“المُصَنَّفِ”، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ يَحْيى بْنِ أبِي كَثِيرٍ قالَ: لَمّا قَدِمَ أبُو مُوسى وأبُو عامِرٍ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَبايَعُوهُ وأسْلَمُوا، قالَ:“ما فَعَلَتِ اِمْرَأةٌ مِنكم تُدْعى كَذا وكَذا؟”. قالُوا: تَرَكْناها في أهْلِها. قالَ:“فَإنَّهُ قَدْ غُفِرَ لَها”. قالُوا: بِمَ يا رَسُولَ اللَّهِ؟ قالَ:“بِبَرِّها والِدَتَها”. قالَ:“كانَتْ لَها أُمٌّ عَجُوزٌ كَبِيرَةٌ، فَجاءَهُمُ النَّذِيرُ: إنَّ العَدُوَّ يُرِيدُ أنْ يُغِيرُوا عَلَيْكُمُ اللَّيْلَةَ. (p-٣١٢)فارْتَحَلُوا لِيَلْحَقُوا بِعَظِيمِ قَوْمِهِمْ، ولَمْ يَكُنْ مَعَها ما تَحْتَمِلُ عَلَيْهِ، فَعَمَدَتْ إلى أُمِّها، فَجَعَلَتْ تَحْمِلُها عَلى ظَهْرِها، فَإذا أعْيَتْ وضَعَتْها، ثُمَّ ألْصَقَتْ بَطْنَها بِبَطْنِ أُمِّها، وجَعَلَتْ رِجْلَيْها تَحْتَ رِجْلَيْ أُمِّها مِنَ الرَّمْضاءِ حَتّى نَجَتْ”. وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: بَيْنَما نَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إذْ طَلَعَ شابٌّ، فَقُلْنا: لَوْ كانَ هَذا الشّابُّ جَعَلَ شَبابَهُ ونَشاطَهُ وقُوَّتَهُ في سَبِيلِ اللَّهِ. فَسَمِعَ النَّبِيُّ ﷺ مَقالَتَنا، فَقالَ:“وما في سَبِيلِ اللَّهِ إلّا مَن قُتِلَ؟ مَن سَعى عَلى والِدَيْهِ فَفي سَبِيلِ اللَّهِ، ومَن سَعى عَلى عِيالِهِ فَفي سَبِيلِ اللَّهِ، ومَن سَعى عَلى نَفْسِهِ يُغْنِيها فَفي سَبِيلِ اللَّهِ”. وأخْرَجَ الحاكِمُ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، أيُّ النّاسِ أعْظَمُ حَقًّا عَلى المَرْأةِ؟ قالَ:“زَوْجُها”. قُلْتُ: فَأيُّ النّاسِ أعْظَمُ حَقًّا عَلى الرَّجُلِ؟ قالَ:“أُمُّهُ”. وأخْرَجَ الحاكِمُ عَنْ عَلِيٍّ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ:“لَعَنَ اللَّهُ مَن ذَبَحَ (p-٣١٣)لِغَيْرِ اللَّهِ، ومَن تَوَلّى غَيْرَ مَوالِيهِ، ولَعَنَ اللَّهُ العاقَّ لِوالِدَيْهِ، ولَعَنَ اللَّهُ مَن مُنْتَقِضَ مَنارِ الأرْضِ”. وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وضَعَّفَهُ الذَّهَبِيُّ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا:“عِفُّوا عَنْ نِساءِ النّاسِ تَعِفَّ نِساؤُكُمْ، وبَرُّوا آباءَكم تَبَرَّكم أبْناؤُكُمْ، ومَن أتاهُ أخُوهُ مُتَنَصِّلًا فَلْيَقْبَلْ ذَلِكَ مِنهُ؛ مُحِقًّا كانَ أوْ مُبْطِلًا، فَإنْ لَمْ يَفْعَلْ لَمْ يَرِدْ عَلَيَّ الحَوْضَ”. وأخْرَجَ الحاكِمُ عَنْ جابِرٍ مَرْفُوعًا:“بَرُّوا آباءَكُمْ”. وأخْرَجَ أحْمَدُ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ: إنْ رَجُلًا هاجَرَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنَ اليَمَنِ، فَقالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:“قَدْ هَجَرْتَ مِنَ الشِّرْكِ، ولَكِنَّهُ الجِهادُ، هَلْ لَكَ أحَدٌ بِاليَمَنِ؟”. قالَ: أبَوايَ. قالَ:“أذِنا لَكَ؟”. قالَ: لا. قالَ:“فارْجِعْ فاسْتَأْذِنْهُما، فَإنْ أذِنا لَكَ فَجاهِدْ، وإلّا فَبَرَّهُما”. وأخْرَجَ أحْمَدُ في“الزُّهْدِ”، عَنْ وهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ، أنَّ مُوسى سَألَ رَبَّهُ عَزَّ وجَلَّ (p-٣١٤)فَقالَ: يا رَبِّ، بِمَ تَأْمُرُنِي؟ قالَ: بِألّا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا. قالَ: وبِمَهْ؟ قالَ: وبَرَّ والِدَتَكَ. قالَ: وبِمَهْ؟ قالَ: بَرَّ والِدَتَكَ. قالَ: وبِمَهْ؟ قالَ: وبِوالِدَتِكَ. قالَ وهْبٌ: إنَّ البِرَّ بِالوالِدَيْنِ يَزِيدُ في العُمُرِ، والبَرَّ بِالوالِدَةِ يُثْبِتُ الأصْلَ. وأخْرَجَ أحْمَدُ في“الزُّهْدِ”عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ قالَ: رَأى مُوسى رَجُلًا عِنْدَ العَرْشِ، فَغَبَطَهُ بِمَكانِهِ، فَسَألَ عَنْهُ، فَقالُوا: نُخْبِرُكَ بِعَمَلِهِ؛ لا يَحْسُدُ النّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ، ولا /يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ، ولا يَعُقُّ والِدَيْهِ. قالَ: أيْ رَبِّ، ومَن يَعُقُّ والِدَيْهِ؟ قالَ: يَسْتَسِبُّ لَهُما حَتّى يُسَبّا. وأخْرَجَ أحْمَدُ، والتِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ، وابْنُ ماجَهْ، عَنْ أبِي الدَّرْداءِ، أنَّ رَجُلًا أتاهُ فَقالَ: إنَّ اِمْرَأتِي بِنْتُ عَمِّي وإنِّي أُحِبُّها، وإنَّ والِدَتِي تَأْمُرُنِي أنْ أُطَلِّقَها. فَقالَ: لا آمُرُكَ أنْ تُطَلِّقَها، ولا آمُرُكَ أنْ تَعْصِيَ والِدَتَكَ، ولَكِنْ أُحَدِّثُكَ حَدِيثًا سَمِعْتُهُ مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، سَمِعْتُهُ يَقُولُ:“إنَّ الوالِدَةَ أوْسَطُ بابٍ مِن أبْوابِ الجَنَّةِ”. فَإنْ شِئْتَ فَأمْسِكْ وإنْ شِئْتَ فَدَعْ. (p-٣١٥)وأخْرَجَ اِبْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنِ الحَسَنِ قالَ: لِلْأُمِّ ثُلُثا البِرِّ ولِلْأبِ الثُّلُثُ. وأخْرَجَ أحْمَدُ، وابْنُ ماجَهْ، عَنْ أبِي الدَّرْداءِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ:“لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ عاقٌّ، ولا مُدْمِنُ خَمْرٍ، ولا مُكَذِّبٌ بِقَدَرٍ”. وأخْرَجَ اِبْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنِ الحَسَنِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:“بِرُّ الوالِدَيْنِ يُجْزِئُ مِنَ الجِهادِ" . وأخْرَجَ اِبْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنْ مُعاذِ بْنِ جَبَلٍ، أنَّهُ قِيلَ لَهُ: ما حَقُّ الوالِدِ عَلى الوَلَدِ؟ قالَ: لَوْ خَرَجْتَ مِن أهْلِكَ ومالِكَ ما أدَّيْتَ حَقَّهُما. وأخْرَجَ اِبْنُ أبِي شَيْبَةَ، وهَنّادٌ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ قالَ: إذا مالَتِ الأفْياءُ، وراحَتِ الأرْواحُ، فاطْلُبُوا الحَوائِجَ إلى اللَّهِ، فَإنَّها ساعَةُ الأوّابِينَ. وقَرَأ ﴿فَإنَّهُ كانَ لِلأوّابِينَ غَفُورًا﴾ . وأخْرَجَ هَنّادٌ عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ في قَوْلِهِ: ﴿فَإنَّهُ كانَ لِلأوّابِينَ غَفُورًا﴾ . قالَ: الأوّابُ الَّذِي يُذْنِبُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرُ، ثُمَّ يُذْنِبُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرُ. (p-٣١٦)وأخْرَجَ هَنّادٌ عَنْ عَبِيدِ بْنِ عُمَيْرٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَإنَّهُ كانَ لِلأوّابِينَ غَفُورًا﴾ . قالَ: الأوّابُ الَّذِي يَتَذَكَّرُ ذُنُوبَهُ في الخَلاءِ فَيَسْتَغْفِرُ مِنها.

الإسراء 17:24

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقَضى رَبُّكَ﴾ الآيَةَ. أخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ الأنْبارِيِّ (p-٢٨٧)فِي ”المَصاحِفِ“، مِن طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قَرَأ: ( ووَصّى رَبُّكَ ألّا تَعْبُدُوا إلّا إيّاهُ) . وقالَ: اِلْتَزَقَتِ الواوُ والصّادُ، وأنْتُمْ تَقْرَءُونَها: ﴿وقَضى رَبُّكَ﴾ . وأخْرَجَ اِبْنُ أبِي حاتِمٍ، مِن طَرِيقِ الضَّحّاكِ، عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ، مِثْلَهُ. وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ، وابْنُ مَنِيعٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، مِن طَرِيقِ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرانَ، عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ قالَ: أنْزَلَ اللَّهُ هَذا الحَرْفَ عَلى لِسانِ نَبِيِّكم ﷺ: (ووَصّى رَبُّكَ ألّا تَعْبُدُوا إلّا إيّاهُ) فَلَصِقَتْ إحْدى الواوَيْنِ بِالصّادِ، فَقَرَأ النّاسُ: ﴿وقَضى رَبُّكَ﴾ . ولَوْ نَزَلَتْ عَلى القَضاءِ ما أشْرَكَ بِهِ أحَدٌ. وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ عَنِ الأعْمَشِ قالَ: كانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ يَقْرَأُ: (ووَصّى رَبُّكَ ألّا تَعْبُدُوا إلّا إيّاهُ) . وأخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ عَنْ حَبِيبِ بْنِ أبِي ثابِتٍ قالَ: أعْطانِي اِبْنُ عَبّاسٍ مُصْحَفًا فَقالَ: هَذا عَلى قِراءَةِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ. فَرَأيْتُ فِيهِ: (ووَصّى رَبُّكَ) . (p-٢٨٨)وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ قَتادَةَ قالَ: في حَرْفِ اِبْنِ مَسْعُودٍ: ووَصّى رَبُّكَ ألّا تَعْبُدُوا إلّا إيّاهُ) . وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ /المُنْذِرِ، عَنِ الضَّحّاكِ بْنِ مُزاحِمٍ، أنَّهُ قَرَأها: (ووَصّى رَبُّكَ) . وقالَ: إنَّهم ألْصَقُوا الواوَ بِالصّادِ فَصارَتْ قافًا. وأخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، مِن طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أبِي طَلْحَةَ، عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وقَضى رَبُّكَ﴾ قالَ: أمَرَ. وأخْرَجَ اِبْنُ المُنْذِرِ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وقَضى رَبُّكَ ألا تَعْبُدُوا إلا إيّاهُ﴾ . قالَ: عَهِدَ رَبُّكَ ألّا تَعْبُدُوا إلّا إيّاهُ. وأخْرَجَ اِبْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿وبِالوالِدَيْنِ إحْسانًا﴾ . يَقُولُ: بِرًّا. وأخْرَجَ اِبْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿إمّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الكِبَرَ أحَدُهُما أوْ كِلاهُما فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ﴾ لِما تُمِيطُ عَنْهُما مِنَ الأذى؛ الخَلاءِ والبَوْلِ، كَما كانا لا (p-٢٨٩)يَقُولانِهِ، فِيما كانا يُمِيطانِ عَنْكَ مِنَ الخَلاءِ والبَوْلِ. وأخْرَجَ اِبْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ في الآيَةِ قالَ: لا تَقُلْ لَهُما: أُفٍّ. فَما سِواهُ. وأخْرَجَ الدَّيْلَمِيُّ عَنِ الحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ مَرْفُوعًا: ”لَوْ عَلِمَ اللَّهُ شَيْئًا مِنَ العُقُوقِ أدْنى مِن أُفٍّ لَحَرَّمَهُ“ . وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عُرْوَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وقُلْ لَهُما قَوْلا كَرِيمًا﴾ . قالَ: لا تَمْنَعْهُما شَيْئًا أرادا. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ في ”المُصَنَّفِ“ عَنِ الحَسَنِ، أنَّهُ سُئِلَ: ما بِرُّ الوالِدَيْنِ؟ قالَ: أنْ تَبْذُلَ لَهُما ما مَلَكْتَ، وأنْ تُطِيعَهُما فِيما أمَراكَ بِهِ، إلّا أنْ يَكُونَ مَعْصِيَةً. وأخْرَجَ اِبْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنِ الحَسَنِ، أنَّهُ قِيلَ لَهُ: إلامَ يَنْتَهِي العُقُوقُ؟ قالَ: أنْ يَحْرِمَهُما ويَهْجُرَهُما ويَحِدَّ النَّظَرَ إلى وجْهِهِما. (p-٢٩٠)وأخْرَجَ اِبْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿وقُلْ لَهُما قَوْلا كَرِيمًا﴾ . قالَ: يَقُولُ: يا أبَهْ، يا أُمَّهْ. ولا يُسَمِّيهِما بِأسْمائِهِما. وأخْرَجَ اِبْنُ مَرْدُويَهْ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: أتى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَجُلٌ ومَعَهُ شَيْخٌ فَقالَ: ”مَن هَذا مَعَكَ؟“ . قالَ: أبِي. قالَ: ”لا تَمْشِيَنَّ أمامَهُ، ولا تَقْعُدَنَّ قَبْلَهُ، ولا تَدْعُهُ بِاسْمِهِ، ولا تَسْتَسِبَّ لَهُ. وأخْرَجَ اِبْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ زُهَيْرِ بْنِ مُحَمَّدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وقُلْ لَهُما قَوْلا كَرِيمًا﴾ . قالَ: إذا دَعَواكَ فَقُلْ لَهُما: لَبَّيْكُما وسَعْدَيْكُما. وأخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وقُلْ لَهُما قَوْلا كَرِيمًا﴾ قالَ: قَوْلًا لَيِّنًا سَهْلًا. وأخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أبِي الهَدّاجِ التُّجِيبِيِّ قالَ: قُلْتُ لِسَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ: كُلُّ ما ذَكَرَ اللَّهُ في القُرْآنِ مِن بِرِّ الوالِدَيْنِ فَقَدْ عَرَفْتُهُ إلّا قَوْلَهُ: ﴿وقُلْ لَهُما قَوْلا كَرِيمًا﴾ ما هَذا القَوْلُ الكَرِيمُ؟ قالَ اِبْنُ المُسَيَّبِ: قَوْلُ العَبْدِ المُذْنِبِ لِلسَّيِّدِ الفَظِّ. (p-٢٩١)وأخْرَجَ البُخارِيُّ في“الأدَبِ المُفْرَدِ”، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عُرْوَةَ في قَوْلِهِ: ﴿واخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾ . قالَ: يَلِينُ لَهُما حَتّى لا يَمْتَنِعَ مِن شَيْءٍ أحَبّاهُ. وأخْرَجَ اِبْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ في قَوْلِهِ: ﴿واخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾ . يَقُولُ: اِخْضَعْ لِوالِدَيْكَ كَما يَخْضَعُ العَبْدُ لِلسَّيِّدِ الفَظِّ الغَلِيظِ. وأخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عَطاءِ بْنِ أبِي رَباحٍ في قَوْلِهِ: ﴿واخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾ . قالَ: لا تَرْفَعْ يَدَيْكَ عَلَيْهِما إذا كَلَّمْتَهُما. وأخْرَجَ اِبْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عُرْوَةَ في قَوْلِهِ: ﴿واخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾ . قالَ: إنْ أغْضَباكَ فَلا تَنْظُرْ إلَيْهِما شَزَرًا، فَإنَّهُ أوَّلُ ما يُعْرَفُ غَضَبُ المَرْءِ بِشِدَّةِ نَظَرِهِ إلى مَن غَضِبَ عَلَيْهِ. وأخْرَجَ اِبْنُ مَرْدُويَهْ، والبَيْهَقِيُّ في“شُعَبِ الإيمانِ”، عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:“ما بَرَّ أباهُ مَن شَدَّ إلَيْهِ الطَّرْفَ”. (p-٢٩٢)وأخْرَجَ اِبْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ زُهَيْرِ بْنِ مُحَمَّدٍ في قَوْلِهِ: ﴿واخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾ . قالَ: إنْ سَبّاكَ أوْ لَعَناكَ، فَقُلْ رَحِمَكُما اللَّهُ، غَفَرَ اللَّهُ لَكُما. وأخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أنَّهُ قَرَأ (واخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذِّلِّ) بِكَسْرِ الذّالِ. وأخْرَجَ عَنْ عاصِمٍ الجَحْدَرِيِّ، مِثْلَهُ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ في“الأدَبِ المُفْرَدِ”عَنْ أبِي مُرَّةَ مَوْلى عَقِيلٍ، أنَّ أبا هُرَيْرَةَ كانَتْ أُمُّهُ في بَيْتٍ وهو في آخَرَ، فَكانَ يَقِفُ عَلى بابِها ويَقُولُ: السَّلامُ عَلَيْكِ يا أُمَّتاهُ ورَحْمَةُ اللَّهِ وبَرَكاتُهُ. فَتَقُولُ: وعَلَيْكَ يا بُنَيَّ. فَيَقُولُ: رَحِمَكِ اللَّهُ كَما رَبَّيْتِنِي صَغِيرًا. فَتَقُولُ: رَحِمَكَ اللَّهُ كَما بَرَرْتَنِي كَبِيرًا. وأخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، مِن طَرِيقِ عَلِيٍّ، عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وقُلْ رَبِّي ارْحَمْهُما كَما رَبَّيانِي صَغِيرًا﴾ . ثُمَّ أنْزَلَ اللَّهُ بَعْدَ هَذا: ﴿ما كانَ لِلنَّبِيِّ والَّذِينَ آمَنُوا أنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ ولَوْ كانُوا أُولِي قُرْبى﴾ [التوبة: ١١٣] [التَّوْبَةِ: ١١٣] . وأخْرَجَ البُخارِيُّ في“الأدَبِ المُفْرَدِ”، وأبُو داوُدَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، (p-٢٩٣)مِن طُرُقٍ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إمّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الكِبَرَ﴾ . إلى قَوْلِهِ: ﴿كَما رَبَّيانِي صَغِيرًا﴾ . قَدْ نَسَخَتْها الآيَةُ الَّتِي في“بَراءَةَ”: ﴿ما كانَ لِلنَّبِيِّ والَّذِينَ آمَنُوا أنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ١١٣] الآيَةَ [التَّوْبَةِ: ١١٣] . وأخْرَجَ اِبْنُ المُنْذِرِ، والنَّحّاسُ، وابْنُ الأنْبارِيِّ في“المَصاحِفِ”، عَنْ قَتادَةَ قالَ: نُسِخَ مِن هَذِهِ الآيَةِ /حَرْفٌ واحِدٌ، لا يَنْبَغِي لِأحَدٍ مِنَ المُسْلِمِينَ أنْ يَسْتَغْفِرَ لِوالِدَيْهِ إذا كانا مُشْرِكَيْنِ، ولا يَقُلْ: رَبِّ اِرْحَمْهُما كَما رَبَّيانِي صَغِيرًا. ولَكِنْ لِيَخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ، ولْيَقُلْ لَهُما قَوْلًا مَعْرُوفًا، قالَ اللَّهُ: ﴿ما كانَ لِلنَّبِيِّ والَّذِينَ آمَنُوا أنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ١١٣] . وأخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ في قَوْلِهِ: ﴿رَبُّكم أعْلَمُ بِما في نُفُوسِكُمْ﴾ . قالَ: تَكُونُ البادِرَةُ مِنَ الوَلَدِ إلى الوالِدِ، فَقالَ اللَّهُ: ﴿إنْ تَكُونُوا صالِحِينَ﴾ إنْ تَكُنِ النِّيَّةُ صادِقَةً بِبَرِّهِ، ﴿فَإنَّهُ كانَ لِلأوّابِينَ غَفُورًا﴾ لِلْبادِرَةِ الَّتِي بَدَرَتْ مِنهُ. (p-٢٩٤)وأخْرَجَ اِبْنُ أبِي الدُّنْيا، والبَيْهَقِيُّ في“شُعَبِ الإيمانِ”، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَإنَّهُ كانَ لِلأوّابِينَ﴾ . قالَ: الرَّجّاعِينَ إلى الخَيْرِ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وهَنّادٌ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ، عَنِ الضَّحّاكِ في قَوْلِهِ: ﴿فَإنَّهُ كانَ لِلأوّابِينَ﴾ . قالَ: الرِّجّاعِينَ مِنَ الذَّنْبِ إلى التَّوْبَةِ، ومِنَ السَّيِّئاتِ إلى الحَسَناتِ. وأخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿لِلأوّابِينَ﴾ . قالَ: لِلْمُطِيعِينَ المُحْسِنِينَ. وأخْرَجَ اِبْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في“شُعَبِ الإيمانِ”، عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿لِلأوّابِينَ﴾ . قالَ: لِلتَّوّابِينَ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: الأوّابُ التَّوّابُ. وأخْرَجَ اِبْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأحْمَدُ، والبُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنِ اِبْنِ مَسْعُودٍ قالَ: سَألْتُ النَّبِيَّ ﷺ: أيُّ العَمَلِ أحَبُّ إلى اللَّهِ؟ قالَ:“الصَّلاةُ عَلى وقْتِها”. قُلْتُ: ثُمَّ أيُّ؟ قالَ:“ثُمَّ بِرُّ (p-٢٩٥)الوالِدَيْنِ”. قُلْتُ: ثُمَّ أيُّ؟ قالَ:“ثُمَّ الجِهادُ في سَبِيلِ اللَّهِ”. وأخْرَجَ البُخارِيُّ في“الأدَبِ المُفْرَدِ”، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قالَ: رِضا الرَّبِّ في رِضا الوالِدِ، وسَخَطُ الرَّبِّ في سَخَطِ الوالِدِ. وأخْرَجَ أحْمَدُ، والبُخارِيُّ في“الأدَبِ المُفْرَدِ”، وأبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ في“شُعَبِ الإيمانِ”، عَنْ بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ، عَنْ أبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ قالَ: قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، مَن أبَرُّ؟ قالَ:“أُمَّكَ”. قُلْتُ: مَن أبَرُّ؟ قالَ:“أُمَّكَ”. قُلْتُ: مَن أبَرُّ؟ قالَ:“أُمَّكَ”. قُلْتُ: مَن أبَرُّ؟ قالَ:“أباكَ، ثُمَّ الأقْرَبَ فالأقْرَبَ”. وأخْرَجَ البُخارِيُّ في“الأدَبِ المُفْرَدِ”، والبَيْهَقِيُّ، عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ، أنَّهُ أتاهُ رَجُلٌ فَقالَ: إنِّي خَطَبْتُ اِمْرَأةً فَأبَتْ أنْ تَنْكِحَنِي، [٢٥٧ظ] وخَطَبَها غَيْرِي، فَأحَبَّتْ أنْ تَنْكِحَهُ، فَغِرْتُ عَلَيْها فَقَتَلْتُها، فَهَلْ لِي مِن تَوْبَةٍ؟ قالَ: أُمُّكَ حَيَّةٌ؟ قالَ: لا. قالَ: تُبْ إلى اللَّهِ، وتَقَرَّبْ إلَيْهِ ما اِسْتَطَعْتَ. فَذَهَبْتُ فَسَألْتُ اِبْنَ (p-٢٩٦)عَبّاسٍ: لِمَ سَألْتَ عَنْ حَياةِ أُمِّهِ؟ فَقالَ: إنِّي لا أعْلَمُ عَمَلًا أقْرَبَ إلى اللَّهِ مِن بَرِّ الوالِدَةِ. وأخْرَجَ اِبْنُ أبِي شَيْبَةَ، والبُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، وابْنُ ماجَهْ، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: أتى رَجُلٌ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ قالَ: ما تَأْمُرُنِي؟ قالَ:“بَرَّ أُمَّكَ”. ثُمَّ عادَ فَقالَ:“بَرَّ أُمَّكَ”. ثُمَّ عادَ فَقالَ:“بَرَّ أُمَّكَ”. ثُمَّ عادَ الرّابِعَةَ فَقالَ:“بَرَّ أباكَ”. وأخْرَجَ البُخارِيُّ في“الأدَبِ المُفْرَدِ”، عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ قالَ: ما مِن مُسْلِمٍ لَهُ والِدانِ مُسْلِمانِ يُصْبِحُ إلَيْهِما مُحْسِنًا إلّا فَتَحَ اللَّهُ لَهُ بابَيْنِ - يَعْنِي مِنَ الجَنَّةِ - وإنْ كانَ واحِدًا فَواحِدٌ، وإنْ أغْضَبَ أحَدَهُما، لَمْ يَرْضَ اللَّهُ عَنْهُ، حَتّى يَرْضى عَنْهُ. قِيلَ: وإنْ ظَلَماهُ؟ قالَ: وإنْ ظَلَماهُ. وأخْرَجَ اِبْنُ أبِي شَيْبَةَ، والبُخارِيُّ في“الأدَبِ المُفْرَدِ”، ومُسْلِمٌ، والتِّرْمِذِيُّ، (p-٢٩٧)والنَّسائِيُّ، وابْنُ ماجَهْ، وابْنُ المُنْذِرِ، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ:“لا يَجْزِي ولَدٌ والِدَهُ، إلّا أنْ يَجِدَهُ مَمْلُوكًا فَيَشْتَرِيَهُ فَيُعْتِقَهُ”. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ في“المُصَنَّفِ”، والبُخارِيُّ في“الأدَبِ”، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قالَ: جاءَ رَجُلٌ إلى النَّبِيِّ ﷺ يُبايِعُهُ عَلى الهِجْرَةِ، وتَرَكَ أبَوَيْهِ يَبْكِيانِ فَقالَ:“اِرْجِعْ إلَيْهِما فَأضْحِكْهُما كَما أبْكَيْتَهُما”. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، والبُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قالَ: جاءَ رَجُلٌ إلى النَّبِيِّ ﷺ يُرِيدُ الجِهادَ، فَقالَ:“أحَيٌّ والِداكَ؟”. قالَ: نَعَمْ، قالَ:“فَفِيهِما فَجاهِدْ”. وأخْرَجَ البُخارِيُّ في“الأدَبِ”، ومُسْلِمٌ، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ:“رَغِمَ أنْفُهُ، رَغِمَ أنْفُهُ، رَغِمَ أنْفُهُ”. قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، مَن؟ قالَ:“مَن أدْرَكَ والِدَيْهِ عِنْدَهُ الكِبَرُ أوْ أحَدَهُما فَدَخَلَ النّارَ”. (p-٢٩٨)وأخْرَجَ البُخارِيُّ في“الأدَبِ”، والحاكِمُ، والبَيْهَقِيُّ في“شُعَبِ الإيمانِ”، عَنْ مُعاذِ بْنِ أنَسٍ قالَ: قالَ النَّبِيُّ ﷺ:“مَن بَرَّ والِدَيْهِ طُوبى لَهُ، زادَ اللَّهُ في عُمُرِهِ”. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ في“المُصَنَّفِ”، والبُخارِيُّ في“الأدَبِ”، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، أنَّهُ أبْصَرَ رَجُلَيْنِ، فَقالَ: لِأحَدِهِما: ما هَذا مِنكَ؟ فَقالَ: أبِي. فَقالَ: لا تُسَمِّهِ - وفي لَفْظٍ: لا تَدْعُهُ بِاسْمِهِ - ولا تَمْشِ أمامَهُ، ولا تَجْلِسْ قَبْلَهُ حَتّى يَجْلِسَ، ولا تَسْتَسِبَّ لَهُ. وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:“رِضا اللَّهِ في رِضا الوالِدَيْنِ، وسَخَطُ اللَّهِ في سَخَطِ الوالِدَيْنِ”. وأخْرَجَ اِبْنُ سَعْدٍ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأحْمَدُ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ ماجَهْ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ مُعاوِيَةَ بْنِ جاهِمَةَ، عَنْ /أبِيهِ قالَ: أتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ أسْتَشِيرُهُ في الجِهادِ، فَقالَ:“ألَكَ والِدَةٌ؟”. قُلْتُ: نَعَمْ. قالَ: (p-٢٩٩)“اِذْهَبْ فالزَمْها؛ فَإنَّ الجَنَّةَ تَحْتَ رِجْلَيْها”. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ طَلْحَةَ، أنَّ رَجُلًا جاءَ إلى النَّبِيِّ ﷺ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنِّي أُرِيدُ الغَزْوَ، وقَدْ جِئْتُكَ أسْتَشِيرُكَ. قالَ:“هَلْ لَكَ مِن أُمٍّ؟”. قالَ: نَعَمْ. قالَ:“فالزَمْها؛ فَإنَّ الجَنَّةَ عِنْدَ رِجْلَيْها”. ثُمَّ الثّانِيَةَ، ثُمَّ الثّالِثَةَ كَمِثْلِ ذَلِكَ. وأخْرَجَ اِبْنُ مَرْدُويَهْ، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ أنَسٍ قالَ: أتى رَجُلٌ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: إنِّي أشْتَهِي الجِهادَ ولا أقْدِرُ عَلَيْهِ. فَقالَ:“هَلْ بَقِيَ أحَدٌ مِن والِدَيْكَ؟”. قالَ: أُمِّي. قالَ:“فاتَّقِ اللَّهَ فِيها، فَإذا فَعَلْتَ ذَلِكَ فَأنْتَ حاجٌّ ومُعْتَمِرٌ ومُجاهِدٌ، فَإذا دَعَتْكَ أُمُّكَ فاتَّقِ اللَّهَ وبَرَّها”. وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ عَنِ اِبْنِ عُمَرَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:“لَنَوْمُكَ عَلى (p-٣٠٠)السَّرِيرِ بِرًّا بِوالِدَيْكَ، تُضْحِكُهُما ويُضْحِكانِكَ أفْضَلُ مِن جِهادِكَ بِالسَّيْفِ في سَبِيلِ اللَّهِ”. وأخْرَجَ اِبْنُ أبِي شَيْبَةَ، والحاكِمُ، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ خِداشِ بْنِ أبِي سَلامَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:“أُوصِي اِمْرَأً بِأُمِّهِ”. ثَلاثَ مِرارٍ،“أُوصِي اِمْرَأً بِأبِيهِ”مَرَّتَيْنِ،“أُوصِي اِمْرَأً بِمَوْلاهُ الَّذِي يَلِيهِ، وإنْ كانَ عَلَيْهِ مِنهُ أذًى يُؤْذِيهِ”. وأخْرَجَ اِبْنُ أبِي شَيْبَةَ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ أبِي الدَّرْداءِ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ:“الوالِدُ أوْسَطُ أبْوابِ الجَنَّةِ، فاحْفَظْ ذَلِكَ البابَ، أوْ ضَيِّعْهُ”. وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:“إنِّي أرانِي في (p-٣٠١)الجَنَّةِ، فَبَيْنَما أنا فِيها سَمِعْتُ صَوْتَ رَجُلٍ بِالقُرْآنِ، فَقُلْتُ: مَن هَذا؟ قالُوا: حارِثَةُ بْنُ النُّعْمانِ، كَذَلِكَ البِرُّ كَذَلِكَ البِرُّ”. وأخْرَجَ أحْمَدُ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:“نِمْتُ فَرَأيْتُنِي في الجَنَّةِ، فَسَمِعْتُ صَوْتَ قارِئٍ يَقْرَأُ، فَقُلْتُ: مَن هَذا؟ قالُوا: حارِثَةُ بْنُ النُّعْمانِ”. فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:“كَذاكَ البِرُّ، كَذاكَ البِرُّ، كَذاكَ البِرُّ”. قالَ:“وكانَ أبَرَّ النّاسِ بِأُمِّهِ”. وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ عَنِ اِبْنِ عُمَرَ قالَ: مَرَّ رَجُلٌ لَهُ جِسْمٌ، يَعْنِي خَلْقًا، فَقالُوا: لَوْ كانَ هَذا في سَبِيلِ اللَّهِ. فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ:“لَعَلَّهُ يَكِدُّ عَلى أبَوَيْنِ شَيْخَيْنِ كَبِيرَيْنِ فَهو في سَبِيلِ اللَّهِ، لَعَلَّهُ يَكِدُّ عَلى صِبْيَةٍ صِغارٍ فَهو في سَبِيلِ اللَّهِ، لَعَلَّهُ يَكِدُّ عَلى نَفْسِهِ لِيُغْنِيَها عَنِ النّاسِ فَهو في سَبِيلِ اللَّهِ”. (p-٣٠٢)وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:“مَن أحَبَّ أنْ يُمِدَّ اللَّهُ في عُمُرِهِ، ويَزِيدَ في رِزْقِهِ، فَلْيَبَرَّ والِدَيْهِ ولِيَصِلْ رَحِمَهُ”. وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ، أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ:“ما مِن ولَدٍ بارٍّ يَنْظُرُ إلى والِدَيْهِ نَظْرَةَ رَحْمَةٍ، إلّا كَتَبَ اللَّهُ لَهُ بِكُلِّ نَظْرَةٍ حِجَّةً مَبْرُورَةً”. قالُوا: وإنْ نَظَرَ كُلَّ يَوْمٍ مِائَةَ مَرَّةٍ؟ قالَ:“نَعَمْ، اللَّهُ أكْبَرُ وأطْيَبُ”. وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:“إذا نَظَرَ الوالِدُ إلى ولَدِهِ - يَعْنِي فَسُرَّ بِهِ - كانَ لِلْوَلَدِ، عِتْقُ نَسَمَةٍ”. قِيلَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، وإنْ نَظَرَ سِتِّينَ وثَلاثَمِائَةِ نَظْرَةٍ؟ قالَ:“اللَّهُ أكْبَرُ مِن ذَلِكَ”. (p-٣٠٣)وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ عَنِ اِبْنِ مَسْعُودٍ قالَ: النَّظَرُ إلى الوالِدِ عِبادَةٌ، والنَّظَرُ إلى الكَعْبَةِ عِبادَةٌ، والنَّظَرُ إلى المُصْحَفِ عِبادَةٌ، والنَّظَرُ إلى أخِيكَ حُبًّا لَهُ في اللَّهِ عِبادَةٌ. وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ وضَعَّفَهُ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ، أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ:“مَن قَبَّلَ بَيْنَ عَيْنَيْ أُمِّهِ كانَ لَهُ سِتْرًا مِنَ النّارِ”. وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ، عَنِ اِبْنِ عُمَرَ قالَ: جاءَ رَجُلٌ إلى النَّبِيِّ ﷺ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنِّي أذْنَبْتُ ذَنْبًا عَظِيمًا فَهَلْ لِي مِن تَوْبَةٍ؟ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:“ألَكَ والِدانِ؟”. قالَ: لا. قالَ:“ألَكَ خالَةٌ؟”. قالَ: نَعَمْ. قالَ:“فَبَرَّها إذَنْ”. وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ عَنْ أُمِّ أيْمَنَ، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ أوْصى بَعْضَ أهْلِ بَيْتِهِ فَقالَ:“لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ وإنْ عُذِّبْتَ وإنْ حُرِقْتَ، وأطِعْ رَبَّكَ ووالِدَيْكَ وإنْ أمَراكَ أنْ تَخْرُجَ مَن كُلِّ شَيْءٍ فاخْرُجْ، ولا تَتْرُكِ الصَّلاةَ مُتَعَمِّدًا، فَإنَّ مَن تَرَكَ الصَّلاةَ مُتَعَمِّدًا فَقَدْ بَرِئَتْ مِنهُ ذِمَّةُ اللَّهِ، إيّاكَ والخَمْرَ؛ فَإنَّها مِفْتاحُ كُلِّ شَرٍّ، وإيّاكَ والمَعْصِيَةَ، فَإنَّها تُسْخِطُ اللَّهَ، لا تُنازِعَنَّ الأمْرَ أهْلَهُ وإنْ رَأيْتَ أنَّ لَكَ، لا تَفِرَّ مِنَ الزَّحْفِ، وإنْ (p-٣٠٤)أصابَ النّاسَ مَوْتٌ وأنْتَ فِيهِمْ فاثْبُتْ، أنْفِقْ عَلى أهْلِكَ مِن طَوْلِكَ، ولا تَرْفَعْ عَصاكَ عَنْهُمْ، وأخِفْهم في اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ”. وأخْرَجَ أحْمَدُ، والبُخارِيُّ في“الأدَبِ”، وأبُو داوُدَ، وابْنُ ماجَهْ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ أبِي أُسَيْدٍ السّاعِدِيِّ قالَ: كُنّا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَقالَ رَجُلٌ: يا رَسُولَ اللَّهِ، هَلْ بَقِيَ عَلَيَّ مِن بِرِّ أبَوَيَّ شَيْءٌ بَعْدَ مَوْتِهِما أبَرُّهُما بِهِ؟ قالَ:“نَعَمْ، خِصالٌ أرْبَعُ؛ الدُّعاءُ لَهُما، والِاسْتِغْفارُ لَهُما، وإنْفاذُ عَهْدِهِما، وإكْرامُ صَدِيقِهِما، وصِلَةُ الرَّحِمِ الَّتِي لا رَحِمَ لَكَ إلّا مِن قِبَلِهِما”. وأخْرَجَ البُخارِيُّ في“الأدَبِ”، ومُسْلِمٌ، وأبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ، وابْنُ حِبّانَ، والبَيْهَقِيُّ، عَنِ اِبْنِ عُمَرَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قالَ:“ /إنَّ أبَرَّ البِرِّ أنْ يَصِلَ الرَّجُلُ أهْلَ وُدِّ أبِيهِ بَعْدَ أنْ يُوَلِّيَ الأبُ”. وأخْرَجَ البُخارِيُّ في“الأدَبِ”عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ قالَ: والَّذِي بَعَثَ مُحَمَّدًا بِالحَقِّ، إنَّهُ لَفي كِتابِ اللَّهِ: لا تَقْطَعْ مَن كانَ يَصِلُ أباكَ، فَتُطْفِئَ بِذَلِكَ نُورَكَ. (p-٣٠٥)وأخْرَجَ الحاكِمُ، والبَيْهَقِيُّ، مِن طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ طَلْحَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، عَنْ أبِيهِ، أنَّ أبا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ قالَ لِرَجُلٍ مِنَ العَرَبِ كانَ يَصْحَبُهُ يُقالُ لَهُ عُفَيْرٌ: يا عُفَيْرُ، كَيْفَ سَمِعْتَ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ في الوُدِّ؟ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ:“الوُدُّ يُتَوارَثُ، والعَداوَةُ كَذَلِكَ”. وأخْرَجَ اِبْنُ أبِي شَيْبَةَ، والنَّسائِيُّ، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ:“لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ عاقٌّ، ولا ولَدُ زِنًى، ولا مُدْمِنُ خَمْرٍ، ولا مَنّانٌ”. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، والنَّسائِيُّ، والبَيْهَقِيُّ، عَنِ اِبْنِ عَمْرٍو، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ:“لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ عاقُّ والِدَيْهِ، ولا مَنّانٌ، ولا ولَدُ زانِيَةٍ، ولا مُدْمِنُ خَمْرٍ، ولا قاطِعُ رَحِمٍ، ولا مَن أتى ذاتَ مَحْرَمٍ”. وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ وضَعَّفَهُ عَنْ طَلْقِ بْنِ عَلِيٍّ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ:“لَوْ أدْرَكْتُ والِدَيَّ أوْ أحَدَهُما وأنا في صَلاةِ العِشاءِ، وقَدْ قَرَأْتُ فِيها (p-٣٠٦)بِفاتِحَةِ الكِتابِ، تُنادِي: يا مُحَمَّدُ. لَأجَبْتُها: لَبَّيْكِ”. وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ وضَعَّفَهُ، مِن طَرِيقِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ: حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَوْشَبٍ الفِهْرِيُّ، عَنْ أبِيهِ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ:“لَوْ كانَ جُرَيْجٌ الرّاهِبُ فَقِيهًا عالِمًا، لَعَلِمَ أنَّ إجابَتَهُ أُمَّهُ أفْضَلُ مِن عِبادَةِ رَبِّهِ”. وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ عَنْ مَكْحُولٍ قالَ: إذا دَعَتْكَ والِدَتُكَ وأنْتَ في الصَّلاةِ فَأجِبْها، وإذا دَعاكَ أبُوكَ فَلا تُجِبْهُ حَتّى تَفْرُغَ مِن صَلاتِكَ. وأخْرَجَ اِبْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ المُنْكَدِرِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:“إذا دَعَتْكَ أُمُّكَ في الصَّلاةِ فَأجِبْها، وإذا دَعاكَ أبُوكَ فَلا تُجِبْهُ”. وأخْرَجَ أحْمَدُ، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ مالِكٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ:“مَن أدْرَكَ والِدَيْهِ أوْ أحَدَهُما، ثُمَّ دَخَلَ النّارَ مِن بَعْدِ ذَلِكَ، فَأبْعَدَهُ اللَّهُ وأسْحَقُهُ”. وأخْرَجَ أحْمَدُ، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ سَهْلِ بْنِ مُعاذٍ، عَنْ أبِيهِ، أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ (p-٣٠٧)قالَ:“مِنَ العِبادِ عِبادٌ لا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ القِيامَةِ، ولا يَنْظُرُ إلَيْهِمْ، ولا يُزَكِّيهِمْ، ولا يُطَهِّرُهُمْ”. قالَ: مَن أُولَئِكَ [٢٥٨و] يا رَسُولَ اللَّهِ؟ قالَ:“المُتَبَرِّئُ مِن والِدَيْهِ رَغْبَةً عَنْهُما، والمُتَبَرِّئُ مِن ولَدِهِ، ورَجُلٌ أنْعَمَ عَلَيْهِ قَوْمٌ فَكَفَرَ نِعْمَتَهم وتَبَرَّأ مِنهُمْ”. وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:“إنَّ أشَدَّ النّاسِ عَذابًا يَوْمَ القِيامَةِ مَن قَتَلَ نَبِيًّا، أوْ قَتَلَهُ نَبِيٌّ، أوْ قَتَلَ أحَدَ والِدَيْهِ، والمُصَوِّرُونَ، وعالِمٌ لَمْ يَنْتَفِعْ بِعِلْمِهِ”. وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ وتَعَقُّبَهُ الذَّهَبِيُّ، والبَيْهَقِيُّ، والطَّبَرانِيُّ، والخَرائِطِيُّ في“مَساوِئِ الأخْلاقِ”، مِن طَرِيقِ بَكّارِ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ بْنِ أبِي بَكْرَةَ، عَنْ أبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ أبِي بَكْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ:“كُلُّ الذُّنُوبِ يُؤَخِّرُ اللَّهُ مِنها ما شاءَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، إلّا عُقُوقَ الوالِدَيْنِ؛ فَإنَّهُ يُعَجِّلُهُ لِصاحِبِهِ في الحَياةِ قَبْلَ المَماتِ، ومَن رايا رايا اللَّهُ بِهِ، ومَن سَمَّعَ سَمَّعَ اللَّهُ بِهِ”. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ في“المُصَنَّفِ”، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ طاوُسٍ قالَ: إنَّ مِنَ (p-٣٠٨)السُّنَّةِ أنْ تُوَقِّرَ أرْبَعَةً؛ العالِمُ، وذُو الشَّيْبَةِ، والسُّلْطانُ، والوالِدُ. قالَ: ويُقالُ: أنَّ مِنَ الجَفاءِ أنْ يَدْعُوَ الرَّجُلُ والِدَهُ بِاسْمِهِ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ كَعْبٍ، أنَّهُ سُئِلَ عَنِ العُقُوقِ: ما تَجِدُونَهُ في كِتابِ اللَّهِ عُقُوقَ الوالِدَيْنِ؟ قالَ: إذا أقْسَمَ عَلَيْهِ لَمْ يَبَرَّهُ، وإذا سَألَهُ لَمْ يُعْطِهِ، وإذا اِئْتَمَنَهُ خانَ، فَذَلِكَ العُقُوقُ. وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:“ثَلاثُ دَعَواتٍ مُسْتَجاباتٍ؛ دُعاءُ الوالِدِ عَلى ولَدِهِ، ودَعْوَةُ المَظْلُومِ، ودَعْوَةُ المُسافِرِ”. وأخْرَجَ اِبْنُ أبِي الدُّنْيا، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ النُّعْمانِ، يَرْفَعُ الحَدِيثَ إلى النَّبِيِّ ﷺ قالَ:“مَن زارَ قَبْرَ أبَوَيْهِ أوْ أحَدِهِما في كُلِّ جُمُعَةٍ، غُفِرَ لَهُ وكُتِبَ بَرًّا”. وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:“إنَّ الرَّجُلَ لَيَمُوتُ والِداهُ وهو عاقٌّ لَهُما، فَيَدْعُو لَهُما مِن بُعْدِهِما، فَيَكْتُبُهُ اللَّهُ مِنَ البارِّينَ”. وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:“إنَّ العَبْدَ يَمُوتُ (p-٣٠٩)والِداهُ أوْ أحَدُهُما، وإنَّهُ لَهُما لَعاقٌّ، فَلا يَزالُ يَدْعُو لَهُما ويَسْتَغْفِرُ لَهُما حَتّى يَكْتُبَهُ اللَّهُ بارًّا”. وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ عَنِ الأوْزاعِيِّ قالَ: بَلَغَنِي أنَّ مَن عَقَّ والِدَيْهِ في حَياتِهِما، ثُمَّ قَضى دَيْنًا إنْ كانَ عَلَيْهِما واسْتَغْفَرَ لَهُما، ولَمْ يَسْتَسِبَّ لَهُما، كُتِبَ بارًّا، ومَن بَرَّ والِدَيْهِ في حَياتِهِما، ثُمَّ لَمْ يَقْضِ دَيْنًا إذا كانَ عَلَيْهِما ولَمْ يَسْتَغْفِرْ لَهُما، واسْتَسَبَّ لَهُما، كُتِبَ عاقًّا. وأخْرَجَ اِبْنُ أبِي شَيْبَةَ، والبَيْهَقِيُّ، عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:“مَن أصْبَحَ مُطِيعًا لِلَّهِ في والِدَيْهِ أصْبَحَ لَهُ بابانِ مَفْتُوحانِ مِنَ الجَنَّةِ، وإنْ كانَ واحِدًا فَواحِدًا، ومَن أمْسى /عاصِيًا لِلَّهِ في والِدَيْهِ أصْبَحَ لَهُ بابانِ مَفْتُوحانِ مِنَ النّارِ، وإنْ كانَ واحِدًا فَواحِدًا”. فَقالَ رَجُلٌ: وإنْ ظَلَماهُ؟ قالَ:“وإنْ ظَلَماهُ، وإنْ ظَلَماهُ، وإنْ ظَلَماهُ”. وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ عَنِ المُنْكَدِرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ المُنْكَدِرِ قالَ: كانَ أبِي يَبِيتُ عَلى السَّطْحِ يُرَوِّحُ عَنْ أُمِّهِ، وعَمِّي يُصَلِّي إلى الصَّباحِ، فَقالَ لَهُ أبِي: ما يَسُرُّنِي (p-٣١٠)لَيْلَتِي بِلَيْلَتِكَ. وأخْرَجَ اِبْنُ سَعْدٍ، وأحْمَدُ في“الزُّهْدِ”والبَيْهَقِيُّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ المُبارَكِ قالَ: قالَ مُحَمَّدُ بْنُ المُنْكَدِرِ: باتَ عُمَرُ – أخُوهُ – يُصَلِّي، وبِتُّ أغْمِزُ رِجْلَ أُمِّي، وما أُحِبُّ أنَّ لَيْلَتِي بِلَيْلَتِهِ. وأخْرَجَ اِبْنُ سَعْدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ المُنْكَدِرِ، أنَّهُ كانَ يَضَعُ خَدَّهُ عَلى الأرْضِ ثُمَّ يَقُولُ لِأُمِّهِ: يا أُمَّهْ، قُومِي فَضَعِي قَدَمَكِ عَلى خَدِّي. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ في“المُصَنَّفِ”، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ طاوُسٍ قالَ: كانَ رَجُلٌ لَهُ أرْبَعَةُ بَنِينَ، فَمَرِضَ فَقالَ أحَدُهم: إمّا أنْ تُمَرِّضُوهُ ولَيْسَ لَكم مِن مِيراثِهِ شَيْءٌ، وإمّا أنْ أُمَرِّضَهُ ولَيْسَ لِي مِن مِيراثِهِ شَيْءٌ؟ قالُوا: بَلْ مَرِّضْهُ ولَيْسَ لَكَ مِن مِيراثِهِ شَيْءٌ. فَمَرَّضَهُ حَتّى ماتَ ولَمْ يَأْخُذْ مِن مالِهِ شَيْئًا، فَأُتِيَ في النَّوْمِ، فَقِيلَ لَهُ: اِئْتِ مَكانَ كَذا وكَذا، فَخُذْ مِنهُ مِائَةَ دِينارٍ. فَقالَ في نَوْمِهِ: أفِيها بَرَكَةٌ؟ قالُوا: لا. فَأصْبَحَ فَذَكَرَ ذَلِكَ لِاِمْرَأتِهِ، فَقالَتْ لَهُ: خُذْها، فَإنَّ مِن بَرَكَتِها أنْ تَكْتَسِيَ مِنها وتَعِيشَ مِنها. فَأبى، فَلَمّا أمْسى أُتِيَ في النَّوْمِ فَقِيلَ لَهُ: اِئْتِ مَكانَ كَذا وكَذا، فَخُذْ مِنهُ عَشَرَةَ دَنانِيرَ. فَقالَ: أفِيها بَرَكَةٌ؟ قالُوا: لا. فَلَمّا أصْبَحَ ذَكَرَ ذَلِكَ (p-٣١١)لِاِمْرَأتِهِ، فَقالَتْ لَهُ مِثْلَ مَقالَتِها الأُولى، فَأبى أنْ يَأْخُذَها، فَأُتِيَ في النَّوْمِ في اللَّيْلَةِ الثّالِثَةِ: أنِ اِئْتِ مَكانَ كَذا وكَذا، فَخُذْ مِنهُ دِينارًا. فَقالَ: أفِيهِ بَرَكَةٌ؟ قالُوا: نَعَمْ. فَذَهَبَ فَأخَذَ الدِّينارَ، ثُمَّ خَرَجَ بِهِ إلى السُّوقِ، فَإذا هو بِرَجُلٍ يَحْمِلُ حُوتَيْنِ، فَقالَ: بِكَمْ هَذا؟ قالَ: بِدِينارٍ. فَأخَذَهُما مِنهُ بِالدِّينارِ، ثُمَّ اِنْطَلَقَ بِهِما، فَلَمّا دَخَلَ بَيْتَهُ شَقَّ الحُوتَيْنِ، فَوَجَدَ في بَطْنِ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما دُرَّةً لَمْ يَرَ النّاسَ مِثْلَها، فَبَعَثَ المَلِكُ بِدُرَّةٍ يَشْتَرِيها، فَلَمْ تُوجَدْ إلّا عِنْدَهُ، فَباعَها بِوَقْرِ ثَلاثِينَ بَغْلًا ذَهَبًا، فَلَمّا رَآها المَلِكُ قالَ: ما تَصْلُحُ هَذِهِ إلّا بِأُخْتٍ؟ فاطْلُبُوا مِثْلَها وإنْ أضْعَفْتُمْ. قالَ: فَجاءُوهُ فَقالُوا: عِنْدَكَ أُخْتُها نُعْطِيكَ ضِعْفَ ما أعْطَيْناكَ؟ قالَ: أوَتَفْعَلُونَ؟ قالُوا: نَعَمْ. فَأعْطاهم أُخْتَها بِضِعْفِ ما أخَذُوا الأُولى. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ في“المُصَنَّفِ”، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ يَحْيى بْنِ أبِي كَثِيرٍ قالَ: لَمّا قَدِمَ أبُو مُوسى وأبُو عامِرٍ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَبايَعُوهُ وأسْلَمُوا، قالَ:“ما فَعَلَتِ اِمْرَأةٌ مِنكم تُدْعى كَذا وكَذا؟”. قالُوا: تَرَكْناها في أهْلِها. قالَ:“فَإنَّهُ قَدْ غُفِرَ لَها”. قالُوا: بِمَ يا رَسُولَ اللَّهِ؟ قالَ:“بِبَرِّها والِدَتَها”. قالَ:“كانَتْ لَها أُمٌّ عَجُوزٌ كَبِيرَةٌ، فَجاءَهُمُ النَّذِيرُ: إنَّ العَدُوَّ يُرِيدُ أنْ يُغِيرُوا عَلَيْكُمُ اللَّيْلَةَ. (p-٣١٢)فارْتَحَلُوا لِيَلْحَقُوا بِعَظِيمِ قَوْمِهِمْ، ولَمْ يَكُنْ مَعَها ما تَحْتَمِلُ عَلَيْهِ، فَعَمَدَتْ إلى أُمِّها، فَجَعَلَتْ تَحْمِلُها عَلى ظَهْرِها، فَإذا أعْيَتْ وضَعَتْها، ثُمَّ ألْصَقَتْ بَطْنَها بِبَطْنِ أُمِّها، وجَعَلَتْ رِجْلَيْها تَحْتَ رِجْلَيْ أُمِّها مِنَ الرَّمْضاءِ حَتّى نَجَتْ”. وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: بَيْنَما نَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إذْ طَلَعَ شابٌّ، فَقُلْنا: لَوْ كانَ هَذا الشّابُّ جَعَلَ شَبابَهُ ونَشاطَهُ وقُوَّتَهُ في سَبِيلِ اللَّهِ. فَسَمِعَ النَّبِيُّ ﷺ مَقالَتَنا، فَقالَ:“وما في سَبِيلِ اللَّهِ إلّا مَن قُتِلَ؟ مَن سَعى عَلى والِدَيْهِ فَفي سَبِيلِ اللَّهِ، ومَن سَعى عَلى عِيالِهِ فَفي سَبِيلِ اللَّهِ، ومَن سَعى عَلى نَفْسِهِ يُغْنِيها فَفي سَبِيلِ اللَّهِ”. وأخْرَجَ الحاكِمُ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، أيُّ النّاسِ أعْظَمُ حَقًّا عَلى المَرْأةِ؟ قالَ:“زَوْجُها”. قُلْتُ: فَأيُّ النّاسِ أعْظَمُ حَقًّا عَلى الرَّجُلِ؟ قالَ:“أُمُّهُ”. وأخْرَجَ الحاكِمُ عَنْ عَلِيٍّ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ:“لَعَنَ اللَّهُ مَن ذَبَحَ (p-٣١٣)لِغَيْرِ اللَّهِ، ومَن تَوَلّى غَيْرَ مَوالِيهِ، ولَعَنَ اللَّهُ العاقَّ لِوالِدَيْهِ، ولَعَنَ اللَّهُ مَن مُنْتَقِضَ مَنارِ الأرْضِ”. وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وضَعَّفَهُ الذَّهَبِيُّ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا:“عِفُّوا عَنْ نِساءِ النّاسِ تَعِفَّ نِساؤُكُمْ، وبَرُّوا آباءَكم تَبَرَّكم أبْناؤُكُمْ، ومَن أتاهُ أخُوهُ مُتَنَصِّلًا فَلْيَقْبَلْ ذَلِكَ مِنهُ؛ مُحِقًّا كانَ أوْ مُبْطِلًا، فَإنْ لَمْ يَفْعَلْ لَمْ يَرِدْ عَلَيَّ الحَوْضَ”. وأخْرَجَ الحاكِمُ عَنْ جابِرٍ مَرْفُوعًا:“بَرُّوا آباءَكُمْ”. وأخْرَجَ أحْمَدُ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ: إنْ رَجُلًا هاجَرَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنَ اليَمَنِ، فَقالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:“قَدْ هَجَرْتَ مِنَ الشِّرْكِ، ولَكِنَّهُ الجِهادُ، هَلْ لَكَ أحَدٌ بِاليَمَنِ؟”. قالَ: أبَوايَ. قالَ:“أذِنا لَكَ؟”. قالَ: لا. قالَ:“فارْجِعْ فاسْتَأْذِنْهُما، فَإنْ أذِنا لَكَ فَجاهِدْ، وإلّا فَبَرَّهُما”. وأخْرَجَ أحْمَدُ في“الزُّهْدِ”، عَنْ وهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ، أنَّ مُوسى سَألَ رَبَّهُ عَزَّ وجَلَّ (p-٣١٤)فَقالَ: يا رَبِّ، بِمَ تَأْمُرُنِي؟ قالَ: بِألّا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا. قالَ: وبِمَهْ؟ قالَ: وبَرَّ والِدَتَكَ. قالَ: وبِمَهْ؟ قالَ: بَرَّ والِدَتَكَ. قالَ: وبِمَهْ؟ قالَ: وبِوالِدَتِكَ. قالَ وهْبٌ: إنَّ البِرَّ بِالوالِدَيْنِ يَزِيدُ في العُمُرِ، والبَرَّ بِالوالِدَةِ يُثْبِتُ الأصْلَ. وأخْرَجَ أحْمَدُ في“الزُّهْدِ”عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ قالَ: رَأى مُوسى رَجُلًا عِنْدَ العَرْشِ، فَغَبَطَهُ بِمَكانِهِ، فَسَألَ عَنْهُ، فَقالُوا: نُخْبِرُكَ بِعَمَلِهِ؛ لا يَحْسُدُ النّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ، ولا /يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ، ولا يَعُقُّ والِدَيْهِ. قالَ: أيْ رَبِّ، ومَن يَعُقُّ والِدَيْهِ؟ قالَ: يَسْتَسِبُّ لَهُما حَتّى يُسَبّا. وأخْرَجَ أحْمَدُ، والتِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ، وابْنُ ماجَهْ، عَنْ أبِي الدَّرْداءِ، أنَّ رَجُلًا أتاهُ فَقالَ: إنَّ اِمْرَأتِي بِنْتُ عَمِّي وإنِّي أُحِبُّها، وإنَّ والِدَتِي تَأْمُرُنِي أنْ أُطَلِّقَها. فَقالَ: لا آمُرُكَ أنْ تُطَلِّقَها، ولا آمُرُكَ أنْ تَعْصِيَ والِدَتَكَ، ولَكِنْ أُحَدِّثُكَ حَدِيثًا سَمِعْتُهُ مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، سَمِعْتُهُ يَقُولُ:“إنَّ الوالِدَةَ أوْسَطُ بابٍ مِن أبْوابِ الجَنَّةِ”. فَإنْ شِئْتَ فَأمْسِكْ وإنْ شِئْتَ فَدَعْ. (p-٣١٥)وأخْرَجَ اِبْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنِ الحَسَنِ قالَ: لِلْأُمِّ ثُلُثا البِرِّ ولِلْأبِ الثُّلُثُ. وأخْرَجَ أحْمَدُ، وابْنُ ماجَهْ، عَنْ أبِي الدَّرْداءِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ:“لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ عاقٌّ، ولا مُدْمِنُ خَمْرٍ، ولا مُكَذِّبٌ بِقَدَرٍ”. وأخْرَجَ اِبْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنِ الحَسَنِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:“بِرُّ الوالِدَيْنِ يُجْزِئُ مِنَ الجِهادِ" . وأخْرَجَ اِبْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنْ مُعاذِ بْنِ جَبَلٍ، أنَّهُ قِيلَ لَهُ: ما حَقُّ الوالِدِ عَلى الوَلَدِ؟ قالَ: لَوْ خَرَجْتَ مِن أهْلِكَ ومالِكَ ما أدَّيْتَ حَقَّهُما. وأخْرَجَ اِبْنُ أبِي شَيْبَةَ، وهَنّادٌ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ قالَ: إذا مالَتِ الأفْياءُ، وراحَتِ الأرْواحُ، فاطْلُبُوا الحَوائِجَ إلى اللَّهِ، فَإنَّها ساعَةُ الأوّابِينَ. وقَرَأ ﴿فَإنَّهُ كانَ لِلأوّابِينَ غَفُورًا﴾ . وأخْرَجَ هَنّادٌ عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ في قَوْلِهِ: ﴿فَإنَّهُ كانَ لِلأوّابِينَ غَفُورًا﴾ . قالَ: الأوّابُ الَّذِي يُذْنِبُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرُ، ثُمَّ يُذْنِبُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرُ. (p-٣١٦)وأخْرَجَ هَنّادٌ عَنْ عَبِيدِ بْنِ عُمَيْرٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَإنَّهُ كانَ لِلأوّابِينَ غَفُورًا﴾ . قالَ: الأوّابُ الَّذِي يَتَذَكَّرُ ذُنُوبَهُ في الخَلاءِ فَيَسْتَغْفِرُ مِنها.

الإسراء 17:25

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقَضى رَبُّكَ﴾ الآيَةَ. أخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ الأنْبارِيِّ (p-٢٨٧)فِي ”المَصاحِفِ“، مِن طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قَرَأ: ( ووَصّى رَبُّكَ ألّا تَعْبُدُوا إلّا إيّاهُ) . وقالَ: اِلْتَزَقَتِ الواوُ والصّادُ، وأنْتُمْ تَقْرَءُونَها: ﴿وقَضى رَبُّكَ﴾ . وأخْرَجَ اِبْنُ أبِي حاتِمٍ، مِن طَرِيقِ الضَّحّاكِ، عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ، مِثْلَهُ. وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ، وابْنُ مَنِيعٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، مِن طَرِيقِ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرانَ، عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ قالَ: أنْزَلَ اللَّهُ هَذا الحَرْفَ عَلى لِسانِ نَبِيِّكم ﷺ: (ووَصّى رَبُّكَ ألّا تَعْبُدُوا إلّا إيّاهُ) فَلَصِقَتْ إحْدى الواوَيْنِ بِالصّادِ، فَقَرَأ النّاسُ: ﴿وقَضى رَبُّكَ﴾ . ولَوْ نَزَلَتْ عَلى القَضاءِ ما أشْرَكَ بِهِ أحَدٌ. وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ عَنِ الأعْمَشِ قالَ: كانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ يَقْرَأُ: (ووَصّى رَبُّكَ ألّا تَعْبُدُوا إلّا إيّاهُ) . وأخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ عَنْ حَبِيبِ بْنِ أبِي ثابِتٍ قالَ: أعْطانِي اِبْنُ عَبّاسٍ مُصْحَفًا فَقالَ: هَذا عَلى قِراءَةِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ. فَرَأيْتُ فِيهِ: (ووَصّى رَبُّكَ) . (p-٢٨٨)وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ قَتادَةَ قالَ: في حَرْفِ اِبْنِ مَسْعُودٍ: ووَصّى رَبُّكَ ألّا تَعْبُدُوا إلّا إيّاهُ) . وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ /المُنْذِرِ، عَنِ الضَّحّاكِ بْنِ مُزاحِمٍ، أنَّهُ قَرَأها: (ووَصّى رَبُّكَ) . وقالَ: إنَّهم ألْصَقُوا الواوَ بِالصّادِ فَصارَتْ قافًا. وأخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، مِن طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ أبِي طَلْحَةَ، عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وقَضى رَبُّكَ﴾ قالَ: أمَرَ. وأخْرَجَ اِبْنُ المُنْذِرِ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وقَضى رَبُّكَ ألا تَعْبُدُوا إلا إيّاهُ﴾ . قالَ: عَهِدَ رَبُّكَ ألّا تَعْبُدُوا إلّا إيّاهُ. وأخْرَجَ اِبْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿وبِالوالِدَيْنِ إحْسانًا﴾ . يَقُولُ: بِرًّا. وأخْرَجَ اِبْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿إمّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الكِبَرَ أحَدُهُما أوْ كِلاهُما فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ﴾ لِما تُمِيطُ عَنْهُما مِنَ الأذى؛ الخَلاءِ والبَوْلِ، كَما كانا لا (p-٢٨٩)يَقُولانِهِ، فِيما كانا يُمِيطانِ عَنْكَ مِنَ الخَلاءِ والبَوْلِ. وأخْرَجَ اِبْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ في الآيَةِ قالَ: لا تَقُلْ لَهُما: أُفٍّ. فَما سِواهُ. وأخْرَجَ الدَّيْلَمِيُّ عَنِ الحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ مَرْفُوعًا: ”لَوْ عَلِمَ اللَّهُ شَيْئًا مِنَ العُقُوقِ أدْنى مِن أُفٍّ لَحَرَّمَهُ“ . وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عُرْوَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وقُلْ لَهُما قَوْلا كَرِيمًا﴾ . قالَ: لا تَمْنَعْهُما شَيْئًا أرادا. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ في ”المُصَنَّفِ“ عَنِ الحَسَنِ، أنَّهُ سُئِلَ: ما بِرُّ الوالِدَيْنِ؟ قالَ: أنْ تَبْذُلَ لَهُما ما مَلَكْتَ، وأنْ تُطِيعَهُما فِيما أمَراكَ بِهِ، إلّا أنْ يَكُونَ مَعْصِيَةً. وأخْرَجَ اِبْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنِ الحَسَنِ، أنَّهُ قِيلَ لَهُ: إلامَ يَنْتَهِي العُقُوقُ؟ قالَ: أنْ يَحْرِمَهُما ويَهْجُرَهُما ويَحِدَّ النَّظَرَ إلى وجْهِهِما. (p-٢٩٠)وأخْرَجَ اِبْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿وقُلْ لَهُما قَوْلا كَرِيمًا﴾ . قالَ: يَقُولُ: يا أبَهْ، يا أُمَّهْ. ولا يُسَمِّيهِما بِأسْمائِهِما. وأخْرَجَ اِبْنُ مَرْدُويَهْ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: أتى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَجُلٌ ومَعَهُ شَيْخٌ فَقالَ: ”مَن هَذا مَعَكَ؟“ . قالَ: أبِي. قالَ: ”لا تَمْشِيَنَّ أمامَهُ، ولا تَقْعُدَنَّ قَبْلَهُ، ولا تَدْعُهُ بِاسْمِهِ، ولا تَسْتَسِبَّ لَهُ. وأخْرَجَ اِبْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ زُهَيْرِ بْنِ مُحَمَّدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وقُلْ لَهُما قَوْلا كَرِيمًا﴾ . قالَ: إذا دَعَواكَ فَقُلْ لَهُما: لَبَّيْكُما وسَعْدَيْكُما. وأخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وقُلْ لَهُما قَوْلا كَرِيمًا﴾ قالَ: قَوْلًا لَيِّنًا سَهْلًا. وأخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أبِي الهَدّاجِ التُّجِيبِيِّ قالَ: قُلْتُ لِسَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ: كُلُّ ما ذَكَرَ اللَّهُ في القُرْآنِ مِن بِرِّ الوالِدَيْنِ فَقَدْ عَرَفْتُهُ إلّا قَوْلَهُ: ﴿وقُلْ لَهُما قَوْلا كَرِيمًا﴾ ما هَذا القَوْلُ الكَرِيمُ؟ قالَ اِبْنُ المُسَيَّبِ: قَوْلُ العَبْدِ المُذْنِبِ لِلسَّيِّدِ الفَظِّ. (p-٢٩١)وأخْرَجَ البُخارِيُّ في“الأدَبِ المُفْرَدِ”، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عُرْوَةَ في قَوْلِهِ: ﴿واخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾ . قالَ: يَلِينُ لَهُما حَتّى لا يَمْتَنِعَ مِن شَيْءٍ أحَبّاهُ. وأخْرَجَ اِبْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ في قَوْلِهِ: ﴿واخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾ . يَقُولُ: اِخْضَعْ لِوالِدَيْكَ كَما يَخْضَعُ العَبْدُ لِلسَّيِّدِ الفَظِّ الغَلِيظِ. وأخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عَطاءِ بْنِ أبِي رَباحٍ في قَوْلِهِ: ﴿واخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾ . قالَ: لا تَرْفَعْ يَدَيْكَ عَلَيْهِما إذا كَلَّمْتَهُما. وأخْرَجَ اِبْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عُرْوَةَ في قَوْلِهِ: ﴿واخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾ . قالَ: إنْ أغْضَباكَ فَلا تَنْظُرْ إلَيْهِما شَزَرًا، فَإنَّهُ أوَّلُ ما يُعْرَفُ غَضَبُ المَرْءِ بِشِدَّةِ نَظَرِهِ إلى مَن غَضِبَ عَلَيْهِ. وأخْرَجَ اِبْنُ مَرْدُويَهْ، والبَيْهَقِيُّ في“شُعَبِ الإيمانِ”، عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:“ما بَرَّ أباهُ مَن شَدَّ إلَيْهِ الطَّرْفَ”. (p-٢٩٢)وأخْرَجَ اِبْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ زُهَيْرِ بْنِ مُحَمَّدٍ في قَوْلِهِ: ﴿واخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾ . قالَ: إنْ سَبّاكَ أوْ لَعَناكَ، فَقُلْ رَحِمَكُما اللَّهُ، غَفَرَ اللَّهُ لَكُما. وأخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أنَّهُ قَرَأ (واخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذِّلِّ) بِكَسْرِ الذّالِ. وأخْرَجَ عَنْ عاصِمٍ الجَحْدَرِيِّ، مِثْلَهُ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ في“الأدَبِ المُفْرَدِ”عَنْ أبِي مُرَّةَ مَوْلى عَقِيلٍ، أنَّ أبا هُرَيْرَةَ كانَتْ أُمُّهُ في بَيْتٍ وهو في آخَرَ، فَكانَ يَقِفُ عَلى بابِها ويَقُولُ: السَّلامُ عَلَيْكِ يا أُمَّتاهُ ورَحْمَةُ اللَّهِ وبَرَكاتُهُ. فَتَقُولُ: وعَلَيْكَ يا بُنَيَّ. فَيَقُولُ: رَحِمَكِ اللَّهُ كَما رَبَّيْتِنِي صَغِيرًا. فَتَقُولُ: رَحِمَكَ اللَّهُ كَما بَرَرْتَنِي كَبِيرًا. وأخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، مِن طَرِيقِ عَلِيٍّ، عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وقُلْ رَبِّي ارْحَمْهُما كَما رَبَّيانِي صَغِيرًا﴾ . ثُمَّ أنْزَلَ اللَّهُ بَعْدَ هَذا: ﴿ما كانَ لِلنَّبِيِّ والَّذِينَ آمَنُوا أنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ ولَوْ كانُوا أُولِي قُرْبى﴾ [التوبة: ١١٣] [التَّوْبَةِ: ١١٣] . وأخْرَجَ البُخارِيُّ في“الأدَبِ المُفْرَدِ”، وأبُو داوُدَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، (p-٢٩٣)مِن طُرُقٍ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إمّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الكِبَرَ﴾ . إلى قَوْلِهِ: ﴿كَما رَبَّيانِي صَغِيرًا﴾ . قَدْ نَسَخَتْها الآيَةُ الَّتِي في“بَراءَةَ”: ﴿ما كانَ لِلنَّبِيِّ والَّذِينَ آمَنُوا أنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ١١٣] الآيَةَ [التَّوْبَةِ: ١١٣] . وأخْرَجَ اِبْنُ المُنْذِرِ، والنَّحّاسُ، وابْنُ الأنْبارِيِّ في“المَصاحِفِ”، عَنْ قَتادَةَ قالَ: نُسِخَ مِن هَذِهِ الآيَةِ /حَرْفٌ واحِدٌ، لا يَنْبَغِي لِأحَدٍ مِنَ المُسْلِمِينَ أنْ يَسْتَغْفِرَ لِوالِدَيْهِ إذا كانا مُشْرِكَيْنِ، ولا يَقُلْ: رَبِّ اِرْحَمْهُما كَما رَبَّيانِي صَغِيرًا. ولَكِنْ لِيَخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ، ولْيَقُلْ لَهُما قَوْلًا مَعْرُوفًا، قالَ اللَّهُ: ﴿ما كانَ لِلنَّبِيِّ والَّذِينَ آمَنُوا أنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ١١٣] . وأخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ في قَوْلِهِ: ﴿رَبُّكم أعْلَمُ بِما في نُفُوسِكُمْ﴾ . قالَ: تَكُونُ البادِرَةُ مِنَ الوَلَدِ إلى الوالِدِ، فَقالَ اللَّهُ: ﴿إنْ تَكُونُوا صالِحِينَ﴾ إنْ تَكُنِ النِّيَّةُ صادِقَةً بِبَرِّهِ، ﴿فَإنَّهُ كانَ لِلأوّابِينَ غَفُورًا﴾ لِلْبادِرَةِ الَّتِي بَدَرَتْ مِنهُ. (p-٢٩٤)وأخْرَجَ اِبْنُ أبِي الدُّنْيا، والبَيْهَقِيُّ في“شُعَبِ الإيمانِ”، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَإنَّهُ كانَ لِلأوّابِينَ﴾ . قالَ: الرَّجّاعِينَ إلى الخَيْرِ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وهَنّادٌ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ، عَنِ الضَّحّاكِ في قَوْلِهِ: ﴿فَإنَّهُ كانَ لِلأوّابِينَ﴾ . قالَ: الرِّجّاعِينَ مِنَ الذَّنْبِ إلى التَّوْبَةِ، ومِنَ السَّيِّئاتِ إلى الحَسَناتِ. وأخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿لِلأوّابِينَ﴾ . قالَ: لِلْمُطِيعِينَ المُحْسِنِينَ. وأخْرَجَ اِبْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في“شُعَبِ الإيمانِ”، عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿لِلأوّابِينَ﴾ . قالَ: لِلتَّوّابِينَ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: الأوّابُ التَّوّابُ. وأخْرَجَ اِبْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأحْمَدُ، والبُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنِ اِبْنِ مَسْعُودٍ قالَ: سَألْتُ النَّبِيَّ ﷺ: أيُّ العَمَلِ أحَبُّ إلى اللَّهِ؟ قالَ:“الصَّلاةُ عَلى وقْتِها”. قُلْتُ: ثُمَّ أيُّ؟ قالَ:“ثُمَّ بِرُّ (p-٢٩٥)الوالِدَيْنِ”. قُلْتُ: ثُمَّ أيُّ؟ قالَ:“ثُمَّ الجِهادُ في سَبِيلِ اللَّهِ”. وأخْرَجَ البُخارِيُّ في“الأدَبِ المُفْرَدِ”، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قالَ: رِضا الرَّبِّ في رِضا الوالِدِ، وسَخَطُ الرَّبِّ في سَخَطِ الوالِدِ. وأخْرَجَ أحْمَدُ، والبُخارِيُّ في“الأدَبِ المُفْرَدِ”، وأبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ في“شُعَبِ الإيمانِ”، عَنْ بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ، عَنْ أبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ قالَ: قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، مَن أبَرُّ؟ قالَ:“أُمَّكَ”. قُلْتُ: مَن أبَرُّ؟ قالَ:“أُمَّكَ”. قُلْتُ: مَن أبَرُّ؟ قالَ:“أُمَّكَ”. قُلْتُ: مَن أبَرُّ؟ قالَ:“أباكَ، ثُمَّ الأقْرَبَ فالأقْرَبَ”. وأخْرَجَ البُخارِيُّ في“الأدَبِ المُفْرَدِ”، والبَيْهَقِيُّ، عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ، أنَّهُ أتاهُ رَجُلٌ فَقالَ: إنِّي خَطَبْتُ اِمْرَأةً فَأبَتْ أنْ تَنْكِحَنِي، [٢٥٧ظ] وخَطَبَها غَيْرِي، فَأحَبَّتْ أنْ تَنْكِحَهُ، فَغِرْتُ عَلَيْها فَقَتَلْتُها، فَهَلْ لِي مِن تَوْبَةٍ؟ قالَ: أُمُّكَ حَيَّةٌ؟ قالَ: لا. قالَ: تُبْ إلى اللَّهِ، وتَقَرَّبْ إلَيْهِ ما اِسْتَطَعْتَ. فَذَهَبْتُ فَسَألْتُ اِبْنَ (p-٢٩٦)عَبّاسٍ: لِمَ سَألْتَ عَنْ حَياةِ أُمِّهِ؟ فَقالَ: إنِّي لا أعْلَمُ عَمَلًا أقْرَبَ إلى اللَّهِ مِن بَرِّ الوالِدَةِ. وأخْرَجَ اِبْنُ أبِي شَيْبَةَ، والبُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، وابْنُ ماجَهْ، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: أتى رَجُلٌ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ قالَ: ما تَأْمُرُنِي؟ قالَ:“بَرَّ أُمَّكَ”. ثُمَّ عادَ فَقالَ:“بَرَّ أُمَّكَ”. ثُمَّ عادَ فَقالَ:“بَرَّ أُمَّكَ”. ثُمَّ عادَ الرّابِعَةَ فَقالَ:“بَرَّ أباكَ”. وأخْرَجَ البُخارِيُّ في“الأدَبِ المُفْرَدِ”، عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ قالَ: ما مِن مُسْلِمٍ لَهُ والِدانِ مُسْلِمانِ يُصْبِحُ إلَيْهِما مُحْسِنًا إلّا فَتَحَ اللَّهُ لَهُ بابَيْنِ - يَعْنِي مِنَ الجَنَّةِ - وإنْ كانَ واحِدًا فَواحِدٌ، وإنْ أغْضَبَ أحَدَهُما، لَمْ يَرْضَ اللَّهُ عَنْهُ، حَتّى يَرْضى عَنْهُ. قِيلَ: وإنْ ظَلَماهُ؟ قالَ: وإنْ ظَلَماهُ. وأخْرَجَ اِبْنُ أبِي شَيْبَةَ، والبُخارِيُّ في“الأدَبِ المُفْرَدِ”، ومُسْلِمٌ، والتِّرْمِذِيُّ، (p-٢٩٧)والنَّسائِيُّ، وابْنُ ماجَهْ، وابْنُ المُنْذِرِ، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ:“لا يَجْزِي ولَدٌ والِدَهُ، إلّا أنْ يَجِدَهُ مَمْلُوكًا فَيَشْتَرِيَهُ فَيُعْتِقَهُ”. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ في“المُصَنَّفِ”، والبُخارِيُّ في“الأدَبِ”، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قالَ: جاءَ رَجُلٌ إلى النَّبِيِّ ﷺ يُبايِعُهُ عَلى الهِجْرَةِ، وتَرَكَ أبَوَيْهِ يَبْكِيانِ فَقالَ:“اِرْجِعْ إلَيْهِما فَأضْحِكْهُما كَما أبْكَيْتَهُما”. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، والبُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قالَ: جاءَ رَجُلٌ إلى النَّبِيِّ ﷺ يُرِيدُ الجِهادَ، فَقالَ:“أحَيٌّ والِداكَ؟”. قالَ: نَعَمْ، قالَ:“فَفِيهِما فَجاهِدْ”. وأخْرَجَ البُخارِيُّ في“الأدَبِ”، ومُسْلِمٌ، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ:“رَغِمَ أنْفُهُ، رَغِمَ أنْفُهُ، رَغِمَ أنْفُهُ”. قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، مَن؟ قالَ:“مَن أدْرَكَ والِدَيْهِ عِنْدَهُ الكِبَرُ أوْ أحَدَهُما فَدَخَلَ النّارَ”. (p-٢٩٨)وأخْرَجَ البُخارِيُّ في“الأدَبِ”، والحاكِمُ، والبَيْهَقِيُّ في“شُعَبِ الإيمانِ”، عَنْ مُعاذِ بْنِ أنَسٍ قالَ: قالَ النَّبِيُّ ﷺ:“مَن بَرَّ والِدَيْهِ طُوبى لَهُ، زادَ اللَّهُ في عُمُرِهِ”. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ في“المُصَنَّفِ”، والبُخارِيُّ في“الأدَبِ”، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، أنَّهُ أبْصَرَ رَجُلَيْنِ، فَقالَ: لِأحَدِهِما: ما هَذا مِنكَ؟ فَقالَ: أبِي. فَقالَ: لا تُسَمِّهِ - وفي لَفْظٍ: لا تَدْعُهُ بِاسْمِهِ - ولا تَمْشِ أمامَهُ، ولا تَجْلِسْ قَبْلَهُ حَتّى يَجْلِسَ، ولا تَسْتَسِبَّ لَهُ. وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:“رِضا اللَّهِ في رِضا الوالِدَيْنِ، وسَخَطُ اللَّهِ في سَخَطِ الوالِدَيْنِ”. وأخْرَجَ اِبْنُ سَعْدٍ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأحْمَدُ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ ماجَهْ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ مُعاوِيَةَ بْنِ جاهِمَةَ، عَنْ /أبِيهِ قالَ: أتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ أسْتَشِيرُهُ في الجِهادِ، فَقالَ:“ألَكَ والِدَةٌ؟”. قُلْتُ: نَعَمْ. قالَ: (p-٢٩٩)“اِذْهَبْ فالزَمْها؛ فَإنَّ الجَنَّةَ تَحْتَ رِجْلَيْها”. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ طَلْحَةَ، أنَّ رَجُلًا جاءَ إلى النَّبِيِّ ﷺ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنِّي أُرِيدُ الغَزْوَ، وقَدْ جِئْتُكَ أسْتَشِيرُكَ. قالَ:“هَلْ لَكَ مِن أُمٍّ؟”. قالَ: نَعَمْ. قالَ:“فالزَمْها؛ فَإنَّ الجَنَّةَ عِنْدَ رِجْلَيْها”. ثُمَّ الثّانِيَةَ، ثُمَّ الثّالِثَةَ كَمِثْلِ ذَلِكَ. وأخْرَجَ اِبْنُ مَرْدُويَهْ، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ أنَسٍ قالَ: أتى رَجُلٌ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: إنِّي أشْتَهِي الجِهادَ ولا أقْدِرُ عَلَيْهِ. فَقالَ:“هَلْ بَقِيَ أحَدٌ مِن والِدَيْكَ؟”. قالَ: أُمِّي. قالَ:“فاتَّقِ اللَّهَ فِيها، فَإذا فَعَلْتَ ذَلِكَ فَأنْتَ حاجٌّ ومُعْتَمِرٌ ومُجاهِدٌ، فَإذا دَعَتْكَ أُمُّكَ فاتَّقِ اللَّهَ وبَرَّها”. وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ عَنِ اِبْنِ عُمَرَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:“لَنَوْمُكَ عَلى (p-٣٠٠)السَّرِيرِ بِرًّا بِوالِدَيْكَ، تُضْحِكُهُما ويُضْحِكانِكَ أفْضَلُ مِن جِهادِكَ بِالسَّيْفِ في سَبِيلِ اللَّهِ”. وأخْرَجَ اِبْنُ أبِي شَيْبَةَ، والحاكِمُ، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ خِداشِ بْنِ أبِي سَلامَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:“أُوصِي اِمْرَأً بِأُمِّهِ”. ثَلاثَ مِرارٍ،“أُوصِي اِمْرَأً بِأبِيهِ”مَرَّتَيْنِ،“أُوصِي اِمْرَأً بِمَوْلاهُ الَّذِي يَلِيهِ، وإنْ كانَ عَلَيْهِ مِنهُ أذًى يُؤْذِيهِ”. وأخْرَجَ اِبْنُ أبِي شَيْبَةَ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ أبِي الدَّرْداءِ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ:“الوالِدُ أوْسَطُ أبْوابِ الجَنَّةِ، فاحْفَظْ ذَلِكَ البابَ، أوْ ضَيِّعْهُ”. وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:“إنِّي أرانِي في (p-٣٠١)الجَنَّةِ، فَبَيْنَما أنا فِيها سَمِعْتُ صَوْتَ رَجُلٍ بِالقُرْآنِ، فَقُلْتُ: مَن هَذا؟ قالُوا: حارِثَةُ بْنُ النُّعْمانِ، كَذَلِكَ البِرُّ كَذَلِكَ البِرُّ”. وأخْرَجَ أحْمَدُ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:“نِمْتُ فَرَأيْتُنِي في الجَنَّةِ، فَسَمِعْتُ صَوْتَ قارِئٍ يَقْرَأُ، فَقُلْتُ: مَن هَذا؟ قالُوا: حارِثَةُ بْنُ النُّعْمانِ”. فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:“كَذاكَ البِرُّ، كَذاكَ البِرُّ، كَذاكَ البِرُّ”. قالَ:“وكانَ أبَرَّ النّاسِ بِأُمِّهِ”. وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ عَنِ اِبْنِ عُمَرَ قالَ: مَرَّ رَجُلٌ لَهُ جِسْمٌ، يَعْنِي خَلْقًا، فَقالُوا: لَوْ كانَ هَذا في سَبِيلِ اللَّهِ. فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ:“لَعَلَّهُ يَكِدُّ عَلى أبَوَيْنِ شَيْخَيْنِ كَبِيرَيْنِ فَهو في سَبِيلِ اللَّهِ، لَعَلَّهُ يَكِدُّ عَلى صِبْيَةٍ صِغارٍ فَهو في سَبِيلِ اللَّهِ، لَعَلَّهُ يَكِدُّ عَلى نَفْسِهِ لِيُغْنِيَها عَنِ النّاسِ فَهو في سَبِيلِ اللَّهِ”. (p-٣٠٢)وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:“مَن أحَبَّ أنْ يُمِدَّ اللَّهُ في عُمُرِهِ، ويَزِيدَ في رِزْقِهِ، فَلْيَبَرَّ والِدَيْهِ ولِيَصِلْ رَحِمَهُ”. وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ، أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ:“ما مِن ولَدٍ بارٍّ يَنْظُرُ إلى والِدَيْهِ نَظْرَةَ رَحْمَةٍ، إلّا كَتَبَ اللَّهُ لَهُ بِكُلِّ نَظْرَةٍ حِجَّةً مَبْرُورَةً”. قالُوا: وإنْ نَظَرَ كُلَّ يَوْمٍ مِائَةَ مَرَّةٍ؟ قالَ:“نَعَمْ، اللَّهُ أكْبَرُ وأطْيَبُ”. وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:“إذا نَظَرَ الوالِدُ إلى ولَدِهِ - يَعْنِي فَسُرَّ بِهِ - كانَ لِلْوَلَدِ، عِتْقُ نَسَمَةٍ”. قِيلَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، وإنْ نَظَرَ سِتِّينَ وثَلاثَمِائَةِ نَظْرَةٍ؟ قالَ:“اللَّهُ أكْبَرُ مِن ذَلِكَ”. (p-٣٠٣)وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ عَنِ اِبْنِ مَسْعُودٍ قالَ: النَّظَرُ إلى الوالِدِ عِبادَةٌ، والنَّظَرُ إلى الكَعْبَةِ عِبادَةٌ، والنَّظَرُ إلى المُصْحَفِ عِبادَةٌ، والنَّظَرُ إلى أخِيكَ حُبًّا لَهُ في اللَّهِ عِبادَةٌ. وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ وضَعَّفَهُ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ، أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ:“مَن قَبَّلَ بَيْنَ عَيْنَيْ أُمِّهِ كانَ لَهُ سِتْرًا مِنَ النّارِ”. وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ، عَنِ اِبْنِ عُمَرَ قالَ: جاءَ رَجُلٌ إلى النَّبِيِّ ﷺ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنِّي أذْنَبْتُ ذَنْبًا عَظِيمًا فَهَلْ لِي مِن تَوْبَةٍ؟ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:“ألَكَ والِدانِ؟”. قالَ: لا. قالَ:“ألَكَ خالَةٌ؟”. قالَ: نَعَمْ. قالَ:“فَبَرَّها إذَنْ”. وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ عَنْ أُمِّ أيْمَنَ، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ أوْصى بَعْضَ أهْلِ بَيْتِهِ فَقالَ:“لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ وإنْ عُذِّبْتَ وإنْ حُرِقْتَ، وأطِعْ رَبَّكَ ووالِدَيْكَ وإنْ أمَراكَ أنْ تَخْرُجَ مَن كُلِّ شَيْءٍ فاخْرُجْ، ولا تَتْرُكِ الصَّلاةَ مُتَعَمِّدًا، فَإنَّ مَن تَرَكَ الصَّلاةَ مُتَعَمِّدًا فَقَدْ بَرِئَتْ مِنهُ ذِمَّةُ اللَّهِ، إيّاكَ والخَمْرَ؛ فَإنَّها مِفْتاحُ كُلِّ شَرٍّ، وإيّاكَ والمَعْصِيَةَ، فَإنَّها تُسْخِطُ اللَّهَ، لا تُنازِعَنَّ الأمْرَ أهْلَهُ وإنْ رَأيْتَ أنَّ لَكَ، لا تَفِرَّ مِنَ الزَّحْفِ، وإنْ (p-٣٠٤)أصابَ النّاسَ مَوْتٌ وأنْتَ فِيهِمْ فاثْبُتْ، أنْفِقْ عَلى أهْلِكَ مِن طَوْلِكَ، ولا تَرْفَعْ عَصاكَ عَنْهُمْ، وأخِفْهم في اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ”. وأخْرَجَ أحْمَدُ، والبُخارِيُّ في“الأدَبِ”، وأبُو داوُدَ، وابْنُ ماجَهْ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ أبِي أُسَيْدٍ السّاعِدِيِّ قالَ: كُنّا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَقالَ رَجُلٌ: يا رَسُولَ اللَّهِ، هَلْ بَقِيَ عَلَيَّ مِن بِرِّ أبَوَيَّ شَيْءٌ بَعْدَ مَوْتِهِما أبَرُّهُما بِهِ؟ قالَ:“نَعَمْ، خِصالٌ أرْبَعُ؛ الدُّعاءُ لَهُما، والِاسْتِغْفارُ لَهُما، وإنْفاذُ عَهْدِهِما، وإكْرامُ صَدِيقِهِما، وصِلَةُ الرَّحِمِ الَّتِي لا رَحِمَ لَكَ إلّا مِن قِبَلِهِما”. وأخْرَجَ البُخارِيُّ في“الأدَبِ”، ومُسْلِمٌ، وأبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ، وابْنُ حِبّانَ، والبَيْهَقِيُّ، عَنِ اِبْنِ عُمَرَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قالَ:“ /إنَّ أبَرَّ البِرِّ أنْ يَصِلَ الرَّجُلُ أهْلَ وُدِّ أبِيهِ بَعْدَ أنْ يُوَلِّيَ الأبُ”. وأخْرَجَ البُخارِيُّ في“الأدَبِ”عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ قالَ: والَّذِي بَعَثَ مُحَمَّدًا بِالحَقِّ، إنَّهُ لَفي كِتابِ اللَّهِ: لا تَقْطَعْ مَن كانَ يَصِلُ أباكَ، فَتُطْفِئَ بِذَلِكَ نُورَكَ. (p-٣٠٥)وأخْرَجَ الحاكِمُ، والبَيْهَقِيُّ، مِن طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ طَلْحَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، عَنْ أبِيهِ، أنَّ أبا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ قالَ لِرَجُلٍ مِنَ العَرَبِ كانَ يَصْحَبُهُ يُقالُ لَهُ عُفَيْرٌ: يا عُفَيْرُ، كَيْفَ سَمِعْتَ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ في الوُدِّ؟ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ:“الوُدُّ يُتَوارَثُ، والعَداوَةُ كَذَلِكَ”. وأخْرَجَ اِبْنُ أبِي شَيْبَةَ، والنَّسائِيُّ، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ:“لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ عاقٌّ، ولا ولَدُ زِنًى، ولا مُدْمِنُ خَمْرٍ، ولا مَنّانٌ”. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، والنَّسائِيُّ، والبَيْهَقِيُّ، عَنِ اِبْنِ عَمْرٍو، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ:“لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ عاقُّ والِدَيْهِ، ولا مَنّانٌ، ولا ولَدُ زانِيَةٍ، ولا مُدْمِنُ خَمْرٍ، ولا قاطِعُ رَحِمٍ، ولا مَن أتى ذاتَ مَحْرَمٍ”. وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ وضَعَّفَهُ عَنْ طَلْقِ بْنِ عَلِيٍّ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ:“لَوْ أدْرَكْتُ والِدَيَّ أوْ أحَدَهُما وأنا في صَلاةِ العِشاءِ، وقَدْ قَرَأْتُ فِيها (p-٣٠٦)بِفاتِحَةِ الكِتابِ، تُنادِي: يا مُحَمَّدُ. لَأجَبْتُها: لَبَّيْكِ”. وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ وضَعَّفَهُ، مِن طَرِيقِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ: حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ حَوْشَبٍ الفِهْرِيُّ، عَنْ أبِيهِ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ:“لَوْ كانَ جُرَيْجٌ الرّاهِبُ فَقِيهًا عالِمًا، لَعَلِمَ أنَّ إجابَتَهُ أُمَّهُ أفْضَلُ مِن عِبادَةِ رَبِّهِ”. وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ عَنْ مَكْحُولٍ قالَ: إذا دَعَتْكَ والِدَتُكَ وأنْتَ في الصَّلاةِ فَأجِبْها، وإذا دَعاكَ أبُوكَ فَلا تُجِبْهُ حَتّى تَفْرُغَ مِن صَلاتِكَ. وأخْرَجَ اِبْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ المُنْكَدِرِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:“إذا دَعَتْكَ أُمُّكَ في الصَّلاةِ فَأجِبْها، وإذا دَعاكَ أبُوكَ فَلا تُجِبْهُ”. وأخْرَجَ أحْمَدُ، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ مالِكٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ:“مَن أدْرَكَ والِدَيْهِ أوْ أحَدَهُما، ثُمَّ دَخَلَ النّارَ مِن بَعْدِ ذَلِكَ، فَأبْعَدَهُ اللَّهُ وأسْحَقُهُ”. وأخْرَجَ أحْمَدُ، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ سَهْلِ بْنِ مُعاذٍ، عَنْ أبِيهِ، أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ (p-٣٠٧)قالَ:“مِنَ العِبادِ عِبادٌ لا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ القِيامَةِ، ولا يَنْظُرُ إلَيْهِمْ، ولا يُزَكِّيهِمْ، ولا يُطَهِّرُهُمْ”. قالَ: مَن أُولَئِكَ [٢٥٨و] يا رَسُولَ اللَّهِ؟ قالَ:“المُتَبَرِّئُ مِن والِدَيْهِ رَغْبَةً عَنْهُما، والمُتَبَرِّئُ مِن ولَدِهِ، ورَجُلٌ أنْعَمَ عَلَيْهِ قَوْمٌ فَكَفَرَ نِعْمَتَهم وتَبَرَّأ مِنهُمْ”. وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:“إنَّ أشَدَّ النّاسِ عَذابًا يَوْمَ القِيامَةِ مَن قَتَلَ نَبِيًّا، أوْ قَتَلَهُ نَبِيٌّ، أوْ قَتَلَ أحَدَ والِدَيْهِ، والمُصَوِّرُونَ، وعالِمٌ لَمْ يَنْتَفِعْ بِعِلْمِهِ”. وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ وتَعَقُّبَهُ الذَّهَبِيُّ، والبَيْهَقِيُّ، والطَّبَرانِيُّ، والخَرائِطِيُّ في“مَساوِئِ الأخْلاقِ”، مِن طَرِيقِ بَكّارِ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ بْنِ أبِي بَكْرَةَ، عَنْ أبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ أبِي بَكْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ:“كُلُّ الذُّنُوبِ يُؤَخِّرُ اللَّهُ مِنها ما شاءَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ، إلّا عُقُوقَ الوالِدَيْنِ؛ فَإنَّهُ يُعَجِّلُهُ لِصاحِبِهِ في الحَياةِ قَبْلَ المَماتِ، ومَن رايا رايا اللَّهُ بِهِ، ومَن سَمَّعَ سَمَّعَ اللَّهُ بِهِ”. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ في“المُصَنَّفِ”، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ طاوُسٍ قالَ: إنَّ مِنَ (p-٣٠٨)السُّنَّةِ أنْ تُوَقِّرَ أرْبَعَةً؛ العالِمُ، وذُو الشَّيْبَةِ، والسُّلْطانُ، والوالِدُ. قالَ: ويُقالُ: أنَّ مِنَ الجَفاءِ أنْ يَدْعُوَ الرَّجُلُ والِدَهُ بِاسْمِهِ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ كَعْبٍ، أنَّهُ سُئِلَ عَنِ العُقُوقِ: ما تَجِدُونَهُ في كِتابِ اللَّهِ عُقُوقَ الوالِدَيْنِ؟ قالَ: إذا أقْسَمَ عَلَيْهِ لَمْ يَبَرَّهُ، وإذا سَألَهُ لَمْ يُعْطِهِ، وإذا اِئْتَمَنَهُ خانَ، فَذَلِكَ العُقُوقُ. وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:“ثَلاثُ دَعَواتٍ مُسْتَجاباتٍ؛ دُعاءُ الوالِدِ عَلى ولَدِهِ، ودَعْوَةُ المَظْلُومِ، ودَعْوَةُ المُسافِرِ”. وأخْرَجَ اِبْنُ أبِي الدُّنْيا، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ النُّعْمانِ، يَرْفَعُ الحَدِيثَ إلى النَّبِيِّ ﷺ قالَ:“مَن زارَ قَبْرَ أبَوَيْهِ أوْ أحَدِهِما في كُلِّ جُمُعَةٍ، غُفِرَ لَهُ وكُتِبَ بَرًّا”. وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:“إنَّ الرَّجُلَ لَيَمُوتُ والِداهُ وهو عاقٌّ لَهُما، فَيَدْعُو لَهُما مِن بُعْدِهِما، فَيَكْتُبُهُ اللَّهُ مِنَ البارِّينَ”. وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:“إنَّ العَبْدَ يَمُوتُ (p-٣٠٩)والِداهُ أوْ أحَدُهُما، وإنَّهُ لَهُما لَعاقٌّ، فَلا يَزالُ يَدْعُو لَهُما ويَسْتَغْفِرُ لَهُما حَتّى يَكْتُبَهُ اللَّهُ بارًّا”. وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ عَنِ الأوْزاعِيِّ قالَ: بَلَغَنِي أنَّ مَن عَقَّ والِدَيْهِ في حَياتِهِما، ثُمَّ قَضى دَيْنًا إنْ كانَ عَلَيْهِما واسْتَغْفَرَ لَهُما، ولَمْ يَسْتَسِبَّ لَهُما، كُتِبَ بارًّا، ومَن بَرَّ والِدَيْهِ في حَياتِهِما، ثُمَّ لَمْ يَقْضِ دَيْنًا إذا كانَ عَلَيْهِما ولَمْ يَسْتَغْفِرْ لَهُما، واسْتَسَبَّ لَهُما، كُتِبَ عاقًّا. وأخْرَجَ اِبْنُ أبِي شَيْبَةَ، والبَيْهَقِيُّ، عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:“مَن أصْبَحَ مُطِيعًا لِلَّهِ في والِدَيْهِ أصْبَحَ لَهُ بابانِ مَفْتُوحانِ مِنَ الجَنَّةِ، وإنْ كانَ واحِدًا فَواحِدًا، ومَن أمْسى /عاصِيًا لِلَّهِ في والِدَيْهِ أصْبَحَ لَهُ بابانِ مَفْتُوحانِ مِنَ النّارِ، وإنْ كانَ واحِدًا فَواحِدًا”. فَقالَ رَجُلٌ: وإنْ ظَلَماهُ؟ قالَ:“وإنْ ظَلَماهُ، وإنْ ظَلَماهُ، وإنْ ظَلَماهُ”. وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ عَنِ المُنْكَدِرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ المُنْكَدِرِ قالَ: كانَ أبِي يَبِيتُ عَلى السَّطْحِ يُرَوِّحُ عَنْ أُمِّهِ، وعَمِّي يُصَلِّي إلى الصَّباحِ، فَقالَ لَهُ أبِي: ما يَسُرُّنِي (p-٣١٠)لَيْلَتِي بِلَيْلَتِكَ. وأخْرَجَ اِبْنُ سَعْدٍ، وأحْمَدُ في“الزُّهْدِ”والبَيْهَقِيُّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ المُبارَكِ قالَ: قالَ مُحَمَّدُ بْنُ المُنْكَدِرِ: باتَ عُمَرُ – أخُوهُ – يُصَلِّي، وبِتُّ أغْمِزُ رِجْلَ أُمِّي، وما أُحِبُّ أنَّ لَيْلَتِي بِلَيْلَتِهِ. وأخْرَجَ اِبْنُ سَعْدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ المُنْكَدِرِ، أنَّهُ كانَ يَضَعُ خَدَّهُ عَلى الأرْضِ ثُمَّ يَقُولُ لِأُمِّهِ: يا أُمَّهْ، قُومِي فَضَعِي قَدَمَكِ عَلى خَدِّي. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ في“المُصَنَّفِ”، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ طاوُسٍ قالَ: كانَ رَجُلٌ لَهُ أرْبَعَةُ بَنِينَ، فَمَرِضَ فَقالَ أحَدُهم: إمّا أنْ تُمَرِّضُوهُ ولَيْسَ لَكم مِن مِيراثِهِ شَيْءٌ، وإمّا أنْ أُمَرِّضَهُ ولَيْسَ لِي مِن مِيراثِهِ شَيْءٌ؟ قالُوا: بَلْ مَرِّضْهُ ولَيْسَ لَكَ مِن مِيراثِهِ شَيْءٌ. فَمَرَّضَهُ حَتّى ماتَ ولَمْ يَأْخُذْ مِن مالِهِ شَيْئًا، فَأُتِيَ في النَّوْمِ، فَقِيلَ لَهُ: اِئْتِ مَكانَ كَذا وكَذا، فَخُذْ مِنهُ مِائَةَ دِينارٍ. فَقالَ في نَوْمِهِ: أفِيها بَرَكَةٌ؟ قالُوا: لا. فَأصْبَحَ فَذَكَرَ ذَلِكَ لِاِمْرَأتِهِ، فَقالَتْ لَهُ: خُذْها، فَإنَّ مِن بَرَكَتِها أنْ تَكْتَسِيَ مِنها وتَعِيشَ مِنها. فَأبى، فَلَمّا أمْسى أُتِيَ في النَّوْمِ فَقِيلَ لَهُ: اِئْتِ مَكانَ كَذا وكَذا، فَخُذْ مِنهُ عَشَرَةَ دَنانِيرَ. فَقالَ: أفِيها بَرَكَةٌ؟ قالُوا: لا. فَلَمّا أصْبَحَ ذَكَرَ ذَلِكَ (p-٣١١)لِاِمْرَأتِهِ، فَقالَتْ لَهُ مِثْلَ مَقالَتِها الأُولى، فَأبى أنْ يَأْخُذَها، فَأُتِيَ في النَّوْمِ في اللَّيْلَةِ الثّالِثَةِ: أنِ اِئْتِ مَكانَ كَذا وكَذا، فَخُذْ مِنهُ دِينارًا. فَقالَ: أفِيهِ بَرَكَةٌ؟ قالُوا: نَعَمْ. فَذَهَبَ فَأخَذَ الدِّينارَ، ثُمَّ خَرَجَ بِهِ إلى السُّوقِ، فَإذا هو بِرَجُلٍ يَحْمِلُ حُوتَيْنِ، فَقالَ: بِكَمْ هَذا؟ قالَ: بِدِينارٍ. فَأخَذَهُما مِنهُ بِالدِّينارِ، ثُمَّ اِنْطَلَقَ بِهِما، فَلَمّا دَخَلَ بَيْتَهُ شَقَّ الحُوتَيْنِ، فَوَجَدَ في بَطْنِ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما دُرَّةً لَمْ يَرَ النّاسَ مِثْلَها، فَبَعَثَ المَلِكُ بِدُرَّةٍ يَشْتَرِيها، فَلَمْ تُوجَدْ إلّا عِنْدَهُ، فَباعَها بِوَقْرِ ثَلاثِينَ بَغْلًا ذَهَبًا، فَلَمّا رَآها المَلِكُ قالَ: ما تَصْلُحُ هَذِهِ إلّا بِأُخْتٍ؟ فاطْلُبُوا مِثْلَها وإنْ أضْعَفْتُمْ. قالَ: فَجاءُوهُ فَقالُوا: عِنْدَكَ أُخْتُها نُعْطِيكَ ضِعْفَ ما أعْطَيْناكَ؟ قالَ: أوَتَفْعَلُونَ؟ قالُوا: نَعَمْ. فَأعْطاهم أُخْتَها بِضِعْفِ ما أخَذُوا الأُولى. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ في“المُصَنَّفِ”، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ يَحْيى بْنِ أبِي كَثِيرٍ قالَ: لَمّا قَدِمَ أبُو مُوسى وأبُو عامِرٍ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَبايَعُوهُ وأسْلَمُوا، قالَ:“ما فَعَلَتِ اِمْرَأةٌ مِنكم تُدْعى كَذا وكَذا؟”. قالُوا: تَرَكْناها في أهْلِها. قالَ:“فَإنَّهُ قَدْ غُفِرَ لَها”. قالُوا: بِمَ يا رَسُولَ اللَّهِ؟ قالَ:“بِبَرِّها والِدَتَها”. قالَ:“كانَتْ لَها أُمٌّ عَجُوزٌ كَبِيرَةٌ، فَجاءَهُمُ النَّذِيرُ: إنَّ العَدُوَّ يُرِيدُ أنْ يُغِيرُوا عَلَيْكُمُ اللَّيْلَةَ. (p-٣١٢)فارْتَحَلُوا لِيَلْحَقُوا بِعَظِيمِ قَوْمِهِمْ، ولَمْ يَكُنْ مَعَها ما تَحْتَمِلُ عَلَيْهِ، فَعَمَدَتْ إلى أُمِّها، فَجَعَلَتْ تَحْمِلُها عَلى ظَهْرِها، فَإذا أعْيَتْ وضَعَتْها، ثُمَّ ألْصَقَتْ بَطْنَها بِبَطْنِ أُمِّها، وجَعَلَتْ رِجْلَيْها تَحْتَ رِجْلَيْ أُمِّها مِنَ الرَّمْضاءِ حَتّى نَجَتْ”. وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: بَيْنَما نَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إذْ طَلَعَ شابٌّ، فَقُلْنا: لَوْ كانَ هَذا الشّابُّ جَعَلَ شَبابَهُ ونَشاطَهُ وقُوَّتَهُ في سَبِيلِ اللَّهِ. فَسَمِعَ النَّبِيُّ ﷺ مَقالَتَنا، فَقالَ:“وما في سَبِيلِ اللَّهِ إلّا مَن قُتِلَ؟ مَن سَعى عَلى والِدَيْهِ فَفي سَبِيلِ اللَّهِ، ومَن سَعى عَلى عِيالِهِ فَفي سَبِيلِ اللَّهِ، ومَن سَعى عَلى نَفْسِهِ يُغْنِيها فَفي سَبِيلِ اللَّهِ”. وأخْرَجَ الحاكِمُ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، أيُّ النّاسِ أعْظَمُ حَقًّا عَلى المَرْأةِ؟ قالَ:“زَوْجُها”. قُلْتُ: فَأيُّ النّاسِ أعْظَمُ حَقًّا عَلى الرَّجُلِ؟ قالَ:“أُمُّهُ”. وأخْرَجَ الحاكِمُ عَنْ عَلِيٍّ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ:“لَعَنَ اللَّهُ مَن ذَبَحَ (p-٣١٣)لِغَيْرِ اللَّهِ، ومَن تَوَلّى غَيْرَ مَوالِيهِ، ولَعَنَ اللَّهُ العاقَّ لِوالِدَيْهِ، ولَعَنَ اللَّهُ مَن مُنْتَقِضَ مَنارِ الأرْضِ”. وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وضَعَّفَهُ الذَّهَبِيُّ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا:“عِفُّوا عَنْ نِساءِ النّاسِ تَعِفَّ نِساؤُكُمْ، وبَرُّوا آباءَكم تَبَرَّكم أبْناؤُكُمْ، ومَن أتاهُ أخُوهُ مُتَنَصِّلًا فَلْيَقْبَلْ ذَلِكَ مِنهُ؛ مُحِقًّا كانَ أوْ مُبْطِلًا، فَإنْ لَمْ يَفْعَلْ لَمْ يَرِدْ عَلَيَّ الحَوْضَ”. وأخْرَجَ الحاكِمُ عَنْ جابِرٍ مَرْفُوعًا:“بَرُّوا آباءَكُمْ”. وأخْرَجَ أحْمَدُ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ: إنْ رَجُلًا هاجَرَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنَ اليَمَنِ، فَقالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:“قَدْ هَجَرْتَ مِنَ الشِّرْكِ، ولَكِنَّهُ الجِهادُ، هَلْ لَكَ أحَدٌ بِاليَمَنِ؟”. قالَ: أبَوايَ. قالَ:“أذِنا لَكَ؟”. قالَ: لا. قالَ:“فارْجِعْ فاسْتَأْذِنْهُما، فَإنْ أذِنا لَكَ فَجاهِدْ، وإلّا فَبَرَّهُما”. وأخْرَجَ أحْمَدُ في“الزُّهْدِ”، عَنْ وهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ، أنَّ مُوسى سَألَ رَبَّهُ عَزَّ وجَلَّ (p-٣١٤)فَقالَ: يا رَبِّ، بِمَ تَأْمُرُنِي؟ قالَ: بِألّا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا. قالَ: وبِمَهْ؟ قالَ: وبَرَّ والِدَتَكَ. قالَ: وبِمَهْ؟ قالَ: بَرَّ والِدَتَكَ. قالَ: وبِمَهْ؟ قالَ: وبِوالِدَتِكَ. قالَ وهْبٌ: إنَّ البِرَّ بِالوالِدَيْنِ يَزِيدُ في العُمُرِ، والبَرَّ بِالوالِدَةِ يُثْبِتُ الأصْلَ. وأخْرَجَ أحْمَدُ في“الزُّهْدِ”عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ قالَ: رَأى مُوسى رَجُلًا عِنْدَ العَرْشِ، فَغَبَطَهُ بِمَكانِهِ، فَسَألَ عَنْهُ، فَقالُوا: نُخْبِرُكَ بِعَمَلِهِ؛ لا يَحْسُدُ النّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ، ولا /يَمْشِي بِالنَّمِيمَةِ، ولا يَعُقُّ والِدَيْهِ. قالَ: أيْ رَبِّ، ومَن يَعُقُّ والِدَيْهِ؟ قالَ: يَسْتَسِبُّ لَهُما حَتّى يُسَبّا. وأخْرَجَ أحْمَدُ، والتِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ، وابْنُ ماجَهْ، عَنْ أبِي الدَّرْداءِ، أنَّ رَجُلًا أتاهُ فَقالَ: إنَّ اِمْرَأتِي بِنْتُ عَمِّي وإنِّي أُحِبُّها، وإنَّ والِدَتِي تَأْمُرُنِي أنْ أُطَلِّقَها. فَقالَ: لا آمُرُكَ أنْ تُطَلِّقَها، ولا آمُرُكَ أنْ تَعْصِيَ والِدَتَكَ، ولَكِنْ أُحَدِّثُكَ حَدِيثًا سَمِعْتُهُ مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، سَمِعْتُهُ يَقُولُ:“إنَّ الوالِدَةَ أوْسَطُ بابٍ مِن أبْوابِ الجَنَّةِ”. فَإنْ شِئْتَ فَأمْسِكْ وإنْ شِئْتَ فَدَعْ. (p-٣١٥)وأخْرَجَ اِبْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنِ الحَسَنِ قالَ: لِلْأُمِّ ثُلُثا البِرِّ ولِلْأبِ الثُّلُثُ. وأخْرَجَ أحْمَدُ، وابْنُ ماجَهْ، عَنْ أبِي الدَّرْداءِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ:“لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ عاقٌّ، ولا مُدْمِنُ خَمْرٍ، ولا مُكَذِّبٌ بِقَدَرٍ”. وأخْرَجَ اِبْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنِ الحَسَنِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:“بِرُّ الوالِدَيْنِ يُجْزِئُ مِنَ الجِهادِ" . وأخْرَجَ اِبْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنْ مُعاذِ بْنِ جَبَلٍ، أنَّهُ قِيلَ لَهُ: ما حَقُّ الوالِدِ عَلى الوَلَدِ؟ قالَ: لَوْ خَرَجْتَ مِن أهْلِكَ ومالِكَ ما أدَّيْتَ حَقَّهُما. وأخْرَجَ اِبْنُ أبِي شَيْبَةَ، وهَنّادٌ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ قالَ: إذا مالَتِ الأفْياءُ، وراحَتِ الأرْواحُ، فاطْلُبُوا الحَوائِجَ إلى اللَّهِ، فَإنَّها ساعَةُ الأوّابِينَ. وقَرَأ ﴿فَإنَّهُ كانَ لِلأوّابِينَ غَفُورًا﴾ . وأخْرَجَ هَنّادٌ عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ في قَوْلِهِ: ﴿فَإنَّهُ كانَ لِلأوّابِينَ غَفُورًا﴾ . قالَ: الأوّابُ الَّذِي يُذْنِبُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرُ، ثُمَّ يُذْنِبُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرُ. (p-٣١٦)وأخْرَجَ هَنّادٌ عَنْ عَبِيدِ بْنِ عُمَيْرٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَإنَّهُ كانَ لِلأوّابِينَ غَفُورًا﴾ . قالَ: الأوّابُ الَّذِي يَتَذَكَّرُ ذُنُوبَهُ في الخَلاءِ فَيَسْتَغْفِرُ مِنها.

الإسراء 17:26

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وآتِ ذا القُرْبى حَقَّهُ﴾ الآياتِ. أخْرَجَ البُخارِيُّ في ”تارِيخِهِ“، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وآتِ ذا القُرْبى حَقَّهُ﴾ قالَ: أمَرَهُ بِأحَقِّ الحُقُوقِ، وعَلَّمَهُ كَيْفَ يَصْنَعُ إذا كانَ عِنْدَهُ، وكَيْفَ يَصْنَعُ إذا لَمْ يَكُنْ، فَقالَ: ﴿وإمّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغاءَ رَحْمَةٍ مِن رَبِّكَ﴾ . قالَ: إذا سَألُوكَ ولَيْسَ عِنْدَكَ شَيْءٌ اِنْتَظَرْتَ رِزْقًا مِنَ اللَّهِ، ﴿فَقُلْ لَهم قَوْلا مَيْسُورًا﴾: يَكُونُ إنْ شاءَ اللَّهُ. ”يَكُونُ“ شِبْهُ العِدَةِ. قالَ سُفْيانُ: العِدَةُ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ دَيْنٌ. وأخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وآتِ ذا القُرْبى حَقَّهُ﴾ الآيَةَ. قالَ: هو أنْ تَصِلَ ذا القَرابَةِ، وتُطْعِمَ المِسْكِينَ، وتُحْسِنَ إلى اِبْنِ السَّبِيلِ. وأخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنِ، أنَّهُ قالَ لِرَجُلٍ مِن أهْلِ الشّامِ: أقَرَأْتَ القُرْآنَ؟ قالَ: نَعَمْ. قالَ: أفَما قَرَأْتَ في ”بَنِي إسْرائِيلَ“: ﴿وآتِ ذا القُرْبى حَقَّهُ﴾ ؟ قالَ: وإنَّكم لَلْقُرابَةُ الَّذِي أمَرَ اللَّهُ أنْ يُؤْتى حَقَّهُ؟ قالَ: نَعَمْ. (p-٣١٧)وأخْرَجَ اِبْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ في الآيَةِ قالَ: «كانَ ناسٌ مِن بَنِي عَبْدِ المُطَّلِبِ يَأْتُونَ النَّبِيَّ ﷺ يَسْألُونَهُ، فَإذا صادَفُوا عِنْدَهُ شَيْئًا أعْطاهُمْ، وإنْ لَمْ يُصادِفُوا عِنْدَهُ شَيْئًا سَكَتَ، ولَمْ يَقُلْ لَهم: نَعَمْ. ولا: لا. والقُرْبى قُرْبى بَنِي عَبْدِ المُطَّلِبِ» . وأخْرَجَ اِبْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿وآتِ ذا القُرْبى حَقَّهُ والمِسْكِينَ وابْنَ السَّبِيلِ﴾ . قالَ: هو أنْ تُوَفِّيَهِمْ حَقَّهم إنْ كانَ يَسِيرًا، وإنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَكَ فَقُلْ لَهم قَوْلًا مَيْسُورًا، وقُلْ لَهُمُ الخَيْرَ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ في ”الأدَبِ المُفْرَدِ“، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وآتِ ذا القُرْبى حَقَّهُ﴾ الآيَةَ. قالَ: بَدَأ فَأمَرَهُ بِأوْجَبِ الحُقُوقِ، ودَلَّهُ عَلى أفْضَلِ الأعْمالِ إذا كانَ عِنْدَهُ شَيْءٌ، فَقالَ: ﴿وآتِ ذا القُرْبى حَقَّهُ والمِسْكِينَ وابْنَ السَّبِيلِ﴾ . وعَلَّمَهُ إذا لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ شَيْءٌ كَيْفَ يَقُولُ فَقالَ: ﴿وإمّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغاءَ رَحْمَةٍ مِن رَبِّكَ تَرْجُوها فَقُلْ لَهم قَوْلا مَيْسُورًا﴾: عِدَةً حَسَنَةً، كَأنَّهُ قَدْ كانَ، ولَعَلَّهُ أنْ يَكُونَ إنْ شاءَ اللَّهُ، ﴿ولا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إلى عُنُقِكَ﴾ [الإسراء: ٢٩]: لا تُعْطِي شَيْئًا، ﴿ولا تَبْسُطْها كُلَّ البَسْطِ﴾ [الإسراء: ٢٩]: تُعْطِي ما عِنْدَكَ، ﴿فَتَقْعُدَ مَلُومًا﴾ [الإسراء: ٢٩] يَلُومُكَ مَن يَأْتِيكَ بَعْدُ ولا يَجِدُ عِنْدَكَ شَيْئًا، ﴿مَحْسُورًا﴾ [الإسراء: ٢٩] . قالَ: قَدْ حَسَرَكَ مَن قَدْ [٢٥٨ظ] أعْطَيْتَهُ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ في ”الأدَبِ“ عَنْ كُلَيْبِ بْنِ مَنفَعَةَ قالَ: «قالَ جَدِّي: يا رَسُولَ اللَّهِ، مَن أبَرُّ؟ قالَ: ”أُمَّكَ وأباكَ، وأُخْتَكَ وأخاكَ، ومَوْلاكَ الَّذِي يَلِي (p-٣١٨)ذاكَ؛ حَقٌّ واجِبٌ ورَحِمٌ مَوْصُولَةٌ“» . وأخْرَجَ أحْمَدُ، والبُخارِيُّ في ”الأدَبِ“، وابْنُ ماجَهْ، والحاكِمُ، والطَّبَرانِيُّ، والبَيْهَقِيُّ في ”شُعَبِ الإيمانِ“، عَنِ المِقْدامِ بْنِ مَعْدِيكَرِبَ، أنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «”إنَّ اللَّهَ يُوصِيكم بِأُمَّهاتِكُمْ، ثُمَّ يُوصِيكم بِأُمَّهاتِكُمْ، ثُمَّ يُوصِيكم بِآبائِكُمْ، ثُمَّ يُوصِيكم بِالأقْرَبِ فالأقْرَبِ“» . وأخْرَجَ البُخارِيُّ في ”الأدَبِ“ عَنِ اِبْنِ عُمَرَ قالَ: ما أنْفَقَ الرَّجُلُ نَفَقَةً عَلى نَفْسِهِ وأهْلِهِ يَحْتَسِبُها، إلّا آجَرَهُ اللَّهُ فِيها، وابْدَأْ بِمَن تَعُولُ، فَإنْ كانَ فَضْلٌ فالأقْرَبَ الأقْرَبَ، وإنْ كانَ فَضْلٌ فَناوِلْ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ في ”الأدَبِ“، والبَيْهَقِيُّ في ”شُعَبِ الإيمانِ“ واللَّفْظُ لَهُ، عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «”اِحْفَظُوا أنْسابَكم تَصِلُوا أرْحامَكُمْ، فَإنَّهُ لا بُعْدَ لِلرَّحِمِ إذا قَرُبَتْ وإنْ كانَتْ بَعِيدَةً، ولا قُرْبَ لَها إذا بَعُدَتْ وإنْ كانَتْ قَرِيبَةً، وكُلُّ رَحِمٍ آتِيَةٌ يَوْمَ القِيامَةِ أمامَ صاحِبِها تَشْهَدُ لَهُ بِصِلَةٍ إنْ كانَ وصَلَها، وعَلَيْهِ بِقَطِيعَةٍ إنْ كانَ قَطَعَها“» . (p-٣١٩)وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في ”شُعَبِ الإيمانِ“ عَنِ اِبْنِ مَسْعُودٍ، «أنَّ أعْرابِيًّا قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنِّي رَجُلٌ مُوسِرٌ، وإنَّ لِي أُمًّا وأبًا، وأُخْتًا وأخًا، وعَمًّا وعَمَّةً، وخالًا وخالَةً، فَأيُّهم أوْلى بِصِلَتِي؟ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”أُمَّكَ وأباكَ، وأُخْتَكَ وأخاكَ، وأدْناكَ أدْناكَ“» . وأخْرَجَ أحْمَدُ، والحاكِمُ، والبَيْهَقِيُّ، «عَنْ أبِي رِمْثَةَ التَّيْمِيِّ؛ تَيْمِ الرَّبابِ، قالَ: أتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ وهو يَخْطُبُ ويَقُولُ: ”يَدُ المُعْطِي العُلْيا؛ أُمَّكَ وأباكَ، وأُخْتَكَ وأخاكَ، ثُمَّ أدْناكَ أدْناكَ“» . وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، والحاكِمُ، والشِّيرازِيُّ في ”الألْقابِ“، والبَيْهَقِيُّ، عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «”إنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ لَيَعْمُرُ لِلْقَوْمِ الدِّيارَ، ويُكْثِرُ لَهُمُ الأمْوالَ، وما نَظَرَ إلَيْهِمْ مُنْذُ خَلَقَهم بُغْضًا لَهُمْ“ . قِيلَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، وبِمَ ذَلِكَ؟ قالَ: ”بِصِلَتِهِمْ أرْحامَهُمْ“» . وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ، وابْنُ عَدِيٍّ، وابْنُ لالٍ في ”مَكارِمِ الأخْلاقِ“، وابْنُ عَساكِرَ، عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ، أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «”إنَّ أهْلَ البَيْتِ إذا تَواصَلُوا (p-٣٢٠)أُجْرِيَ عَلَيْهِمُ الرِّزْقُ، وكانُوا في كَنَفِ الرَّحْمَنِ عَزَّ وجَلَّ“» . وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، والخَرائِطِيُّ في ”مَكارِمِ الأخْلاقِ“، مِن طَرِيقِ أبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أبِيهِ، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «”إنَّ أعْجَلَ الطّاعَةِ ثَوابًا صِلَةُ الرَّحِمِ، حَتّى إنَّ أهْلَ البَيْتِ لَيَكُونُونَ فُجّارًا، فَتَنْمِي أمْوالُهُمْ، ويَكْثُرُ عَدَدُهم إذا وصَلُوا الرَّحِمَ، وإنَّ أعْجَلَ المَعْصِيَةِ عِقابًا البَغْيُ، واليَمِينُ الفاجِرَةُ تُذْهِبُ المالَ، وتَعْقِمُ الرَّحِمَ، وتَدَعُ الدِّيارَ بَلاقِعَ“» . وأخْرَجَ اِبْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنْ ثَعْلَبَةَ بْنِ زَهْدَمٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وهو يَخْطُبُ: «”يَدُ المُعْطِي العُلْيا، ويَدُ السّائِلِ السُّفْلى، وابْدَأْ بِمَن تَعُولُ؛ أُمَّكَ وأباكَ، وأُخْتَكَ وأخاكَ، وأدْناكَ فَأدْناكَ“» . وأخْرَجَ البَزّارُ، وأبُو يَعْلى، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿وآتِ ذا القُرْبى حَقَّهُ﴾ دَعا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فاطِمَةَ فَأعْطاها فَدَكَ» . (p-٣٢١)وأخْرَجَ اِبْنُ مَرْدُويَهْ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ: ﴿وآتِ ذا القُرْبى حَقَّهُ﴾ أقْطَعَ رَسُولُ اللَّهِ فاطِمَةَ فَدَكَ» . وأخْرَجَ اِبْنُ مَرْدُويَهْ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ قالَ: «أمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَن يُعْطِي وكَيْفَ يُعْطِي وبِمَن يَبْدَأُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وآتِ ذا القُرْبى حَقَّهُ والمِسْكِينَ وابْنَ السَّبِيلِ﴾ فَأمَرَهُ اللَّهُ أنْ يَبْدَأ بِذِي القُرْبى، ثُمَّ بِالمِسْكِينِ وابْنِ السَّبِيلِ مِن بَعْدِهِمْ، وقالَ: ﴿ولا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا﴾ . يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ولا تُعْطِ مالَكَ كُلَّهُ فَتَقْعُدَ بِغَيْرِ شَيْءٍ. ثُمَّ قالَ: ﴿ولا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إلى عُنُقِكَ﴾ [الإسراء: ٢٩] فَتَمْنَعَ ما عِنْدَكَ، فَلا تُعْطِيَ أحَدًا، ﴿ولا تَبْسُطْها كُلَّ البَسْطِ﴾ [الإسراء: ٢٩] . فَنَهاهُ أنْ يُعْطِيَ إلّا ما بَيَّنَ لَهُ، وقالَ لَهُ: ﴿وإمّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ﴾ . يَقُولُ: تُمْسِكُ عَنْ عَطائِهِمْ، ﴿فَقُلْ لَهم قَوْلا مَيْسُورًا﴾ . يَعْنِي قَوْلًا مَعْرُوفًا؛ لَعَلَّهُ أنْ يَكُونَ، عَسى أنْ يَكُونَ» . وأخْرَجَ أحْمَدُ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، عَنْ أنَسٍ، «أنَّ رَجُلًا قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنِّي ذُو مالٍ كَثِيرٍ، وذُو أهْلٍ ووَلَدٍ وحاضِرَةٍ، فَأخْبِرْنِي كَيْفَ أُنْفِقَ وكَيْفَ أصْنَعُ؟ قالَ: ”تُخْرِجُ الزَّكاةَ المَفْرُوضَةَ، فَإنَّها طُهْرَةٌ تُطَهِّرُكَ، وتَصِلُ أقْرِباءَكَ، وتَعْرِفُ حَقَّ السّائِلِ والجارِ والمِسْكِينِ“ . فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، أقْلِلْ لِي؟ قالَ: ﴿وآتِ ذا القُرْبى حَقَّهُ والمِسْكِينَ وابْنَ السَّبِيلِ ولا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا﴾ قالَ: حَسْبِي (p-٣٢٢)يا رَسُولَ اللَّهِ» . وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، والبُخارِيُّ في ”الأدَبِ“، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ في ”الشُّعَبِ“، عَنِ اِبْنِ مَسْعُودٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا﴾ . قالَ: التَّبْذِيرُ إنْفاقُ المالِ في غَيْرِ حَقِّهِ. وأخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ عَنِ اِبْنِ مَسْعُودٍ قالَ: كُنّا أصْحابَ مُحَمَّدٍ نَتَحَدَّثُ أنَّ التَّبْذِيرَ النَّفَقَةُ في غَيْرِ حَقِّهِ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، والبُخارِيُّ في الأدَبِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والبَيْهَقِيُّ في ”الشُّعَبِ“، عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ المُبَذِّرِينَ﴾ . قالَ: هُمُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ المالَ في غَيْرِ حَقِّهِ. وأخْرَجَ اِبْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿ولا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا﴾ . يَقُولُ: لا تُعْطِ مالَكَ كُلَّهُ. وأخْرَجَ اِبْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ وهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ قالَ: مِنَ السَّرَفِ أنْ يَكْتَسِيَ الإنْسانُ (p-٣٢٣)ويَأْكُلُ ويَشْرَبُ مِمّا لَيْسَ عِنْدَهُ، وما جاوَزَ الكَفافَ فَهو التَّبْذِيرُ. وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في ”شُعَبِ الإيمانِ“ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ قالَ: ما أنْفَقْتَ عَلى نَفْسِكَ وأهْلِ بَيْتِكَ في غَيْرِ سَرِفٍ ولا تَبْذِيرٍ، وما تَصَدَّقْتَ فَلَكَ، وما أنْفَقْتَ رِياءً وسُمْعَةً فَذَلِكَ حَظُّ الشَّيْطانِ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ عَطاءٍ الخُراسانِيِّ قالَ: «جاءَ ناسٌ مِن مُزَيْنَةَ يَسْتَحْمِلُونَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: ”﴿لا أجِدُ ما أحْمِلُكم عَلَيْهِ﴾ [التوبة: ٩٢]“ . ﴿تَوَلَّوْا وأعْيُنُهم تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا﴾ [التوبة: ٩٢] [التَّوْبَةِ: ٩٢] . ظَنُّوا ذَلِكَ مِن غَضَبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَيْهِمْ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وإمّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغاءَ رَحْمَةٍ مِن رَبِّكَ﴾ الآيَةَ. قالَ: الرَّحْمَةُ الفَيْءُ» . وأخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ، مِن طَرِيقِ عَطاءٍ الخُراسانِيِّ، عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ابْتِغاءَ رَحْمَةٍ﴾ . قالَ: رِزْقٍ. وأخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وإمّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغاءَ رَحْمَةٍ مِن رَبِّكَ تَرْجُوها﴾ قالَ: اِنْتِظارَ رِزْقِ اللَّهِ. وأخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ عَنِ الضَّحّاكِ في قَوْلِهِ: ﴿وإمّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ﴾ يَقُولُ: لا (p-٣٢٤)تَجِدُ شَيْئًا تُعْطِيهِمْ، ﴿ابْتِغاءَ رَحْمَةٍ مِن رَبِّكَ﴾ . يَقُولُ: اِنْتِظارَ الرِّزْقِ مِن رَبِّكَ، نَزَلَتْ فِيمَن كانَ يَسْألُ النَّبِيَّ ﷺ مِنَ المَساكِينِ. وأخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿فَقُلْ لَهم قَوْلا مَيْسُورًا﴾ . قالَ: لَيِّنًا سَهْلًا؛ سَيَكُونُ إنْ شاءَ اللَّهُ فَأفْعَلُ، سَنُصِيبُ إنْ شاءَ اللَّهُ فَأفْعَلُ. وأخْرَجَ اِبْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿فَقُلْ لَهم قَوْلا مَيْسُورًا﴾ . يَقُولُ: قُلْ لَهم: نَعَمْ وكَرامَةٌ، ولَيْسَ عِنْدَنا اليَوْمَ، فَإنْ يَأْتِنا شَيْءٌ نَعْرِفْ حَقَّكم. وأخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ اِبْنِ زَيْدٍ في قَوْلِهِ: ﴿قَوْلا مَيْسُورًا﴾ . قالَ: قَوْلًا جَمِيلًا؛ رَزَقَنا اللَّهُ وإيّاكَ، بارَكَ اللَّهُ فِيكَ. وأخْرَجَ اِبْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَقُلْ لَهم قَوْلا مَيْسُورًا﴾ . قالَ: العِدَةُ. قالَ سُفْيانُ: والعِدَةُ مِن رَسُولِ اللَّهِ دَيْنٌ.

الإسراء 17:27

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وآتِ ذا القُرْبى حَقَّهُ﴾ الآياتِ. أخْرَجَ البُخارِيُّ في ”تارِيخِهِ“، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وآتِ ذا القُرْبى حَقَّهُ﴾ قالَ: أمَرَهُ بِأحَقِّ الحُقُوقِ، وعَلَّمَهُ كَيْفَ يَصْنَعُ إذا كانَ عِنْدَهُ، وكَيْفَ يَصْنَعُ إذا لَمْ يَكُنْ، فَقالَ: ﴿وإمّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغاءَ رَحْمَةٍ مِن رَبِّكَ﴾ . قالَ: إذا سَألُوكَ ولَيْسَ عِنْدَكَ شَيْءٌ اِنْتَظَرْتَ رِزْقًا مِنَ اللَّهِ، ﴿فَقُلْ لَهم قَوْلا مَيْسُورًا﴾: يَكُونُ إنْ شاءَ اللَّهُ. ”يَكُونُ“ شِبْهُ العِدَةِ. قالَ سُفْيانُ: العِدَةُ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ دَيْنٌ. وأخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وآتِ ذا القُرْبى حَقَّهُ﴾ الآيَةَ. قالَ: هو أنْ تَصِلَ ذا القَرابَةِ، وتُطْعِمَ المِسْكِينَ، وتُحْسِنَ إلى اِبْنِ السَّبِيلِ. وأخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنِ، أنَّهُ قالَ لِرَجُلٍ مِن أهْلِ الشّامِ: أقَرَأْتَ القُرْآنَ؟ قالَ: نَعَمْ. قالَ: أفَما قَرَأْتَ في ”بَنِي إسْرائِيلَ“: ﴿وآتِ ذا القُرْبى حَقَّهُ﴾ ؟ قالَ: وإنَّكم لَلْقُرابَةُ الَّذِي أمَرَ اللَّهُ أنْ يُؤْتى حَقَّهُ؟ قالَ: نَعَمْ. (p-٣١٧)وأخْرَجَ اِبْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ في الآيَةِ قالَ: «كانَ ناسٌ مِن بَنِي عَبْدِ المُطَّلِبِ يَأْتُونَ النَّبِيَّ ﷺ يَسْألُونَهُ، فَإذا صادَفُوا عِنْدَهُ شَيْئًا أعْطاهُمْ، وإنْ لَمْ يُصادِفُوا عِنْدَهُ شَيْئًا سَكَتَ، ولَمْ يَقُلْ لَهم: نَعَمْ. ولا: لا. والقُرْبى قُرْبى بَنِي عَبْدِ المُطَّلِبِ» . وأخْرَجَ اِبْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿وآتِ ذا القُرْبى حَقَّهُ والمِسْكِينَ وابْنَ السَّبِيلِ﴾ . قالَ: هو أنْ تُوَفِّيَهِمْ حَقَّهم إنْ كانَ يَسِيرًا، وإنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَكَ فَقُلْ لَهم قَوْلًا مَيْسُورًا، وقُلْ لَهُمُ الخَيْرَ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ في ”الأدَبِ المُفْرَدِ“، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وآتِ ذا القُرْبى حَقَّهُ﴾ الآيَةَ. قالَ: بَدَأ فَأمَرَهُ بِأوْجَبِ الحُقُوقِ، ودَلَّهُ عَلى أفْضَلِ الأعْمالِ إذا كانَ عِنْدَهُ شَيْءٌ، فَقالَ: ﴿وآتِ ذا القُرْبى حَقَّهُ والمِسْكِينَ وابْنَ السَّبِيلِ﴾ . وعَلَّمَهُ إذا لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ شَيْءٌ كَيْفَ يَقُولُ فَقالَ: ﴿وإمّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغاءَ رَحْمَةٍ مِن رَبِّكَ تَرْجُوها فَقُلْ لَهم قَوْلا مَيْسُورًا﴾: عِدَةً حَسَنَةً، كَأنَّهُ قَدْ كانَ، ولَعَلَّهُ أنْ يَكُونَ إنْ شاءَ اللَّهُ، ﴿ولا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إلى عُنُقِكَ﴾ [الإسراء: ٢٩]: لا تُعْطِي شَيْئًا، ﴿ولا تَبْسُطْها كُلَّ البَسْطِ﴾ [الإسراء: ٢٩]: تُعْطِي ما عِنْدَكَ، ﴿فَتَقْعُدَ مَلُومًا﴾ [الإسراء: ٢٩] يَلُومُكَ مَن يَأْتِيكَ بَعْدُ ولا يَجِدُ عِنْدَكَ شَيْئًا، ﴿مَحْسُورًا﴾ [الإسراء: ٢٩] . قالَ: قَدْ حَسَرَكَ مَن قَدْ [٢٥٨ظ] أعْطَيْتَهُ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ في ”الأدَبِ“ عَنْ كُلَيْبِ بْنِ مَنفَعَةَ قالَ: «قالَ جَدِّي: يا رَسُولَ اللَّهِ، مَن أبَرُّ؟ قالَ: ”أُمَّكَ وأباكَ، وأُخْتَكَ وأخاكَ، ومَوْلاكَ الَّذِي يَلِي (p-٣١٨)ذاكَ؛ حَقٌّ واجِبٌ ورَحِمٌ مَوْصُولَةٌ“» . وأخْرَجَ أحْمَدُ، والبُخارِيُّ في ”الأدَبِ“، وابْنُ ماجَهْ، والحاكِمُ، والطَّبَرانِيُّ، والبَيْهَقِيُّ في ”شُعَبِ الإيمانِ“، عَنِ المِقْدامِ بْنِ مَعْدِيكَرِبَ، أنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «”إنَّ اللَّهَ يُوصِيكم بِأُمَّهاتِكُمْ، ثُمَّ يُوصِيكم بِأُمَّهاتِكُمْ، ثُمَّ يُوصِيكم بِآبائِكُمْ، ثُمَّ يُوصِيكم بِالأقْرَبِ فالأقْرَبِ“» . وأخْرَجَ البُخارِيُّ في ”الأدَبِ“ عَنِ اِبْنِ عُمَرَ قالَ: ما أنْفَقَ الرَّجُلُ نَفَقَةً عَلى نَفْسِهِ وأهْلِهِ يَحْتَسِبُها، إلّا آجَرَهُ اللَّهُ فِيها، وابْدَأْ بِمَن تَعُولُ، فَإنْ كانَ فَضْلٌ فالأقْرَبَ الأقْرَبَ، وإنْ كانَ فَضْلٌ فَناوِلْ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ في ”الأدَبِ“، والبَيْهَقِيُّ في ”شُعَبِ الإيمانِ“ واللَّفْظُ لَهُ، عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «”اِحْفَظُوا أنْسابَكم تَصِلُوا أرْحامَكُمْ، فَإنَّهُ لا بُعْدَ لِلرَّحِمِ إذا قَرُبَتْ وإنْ كانَتْ بَعِيدَةً، ولا قُرْبَ لَها إذا بَعُدَتْ وإنْ كانَتْ قَرِيبَةً، وكُلُّ رَحِمٍ آتِيَةٌ يَوْمَ القِيامَةِ أمامَ صاحِبِها تَشْهَدُ لَهُ بِصِلَةٍ إنْ كانَ وصَلَها، وعَلَيْهِ بِقَطِيعَةٍ إنْ كانَ قَطَعَها“» . (p-٣١٩)وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في ”شُعَبِ الإيمانِ“ عَنِ اِبْنِ مَسْعُودٍ، «أنَّ أعْرابِيًّا قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنِّي رَجُلٌ مُوسِرٌ، وإنَّ لِي أُمًّا وأبًا، وأُخْتًا وأخًا، وعَمًّا وعَمَّةً، وخالًا وخالَةً، فَأيُّهم أوْلى بِصِلَتِي؟ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”أُمَّكَ وأباكَ، وأُخْتَكَ وأخاكَ، وأدْناكَ أدْناكَ“» . وأخْرَجَ أحْمَدُ، والحاكِمُ، والبَيْهَقِيُّ، «عَنْ أبِي رِمْثَةَ التَّيْمِيِّ؛ تَيْمِ الرَّبابِ، قالَ: أتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ وهو يَخْطُبُ ويَقُولُ: ”يَدُ المُعْطِي العُلْيا؛ أُمَّكَ وأباكَ، وأُخْتَكَ وأخاكَ، ثُمَّ أدْناكَ أدْناكَ“» . وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، والحاكِمُ، والشِّيرازِيُّ في ”الألْقابِ“، والبَيْهَقِيُّ، عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «”إنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ لَيَعْمُرُ لِلْقَوْمِ الدِّيارَ، ويُكْثِرُ لَهُمُ الأمْوالَ، وما نَظَرَ إلَيْهِمْ مُنْذُ خَلَقَهم بُغْضًا لَهُمْ“ . قِيلَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، وبِمَ ذَلِكَ؟ قالَ: ”بِصِلَتِهِمْ أرْحامَهُمْ“» . وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ، وابْنُ عَدِيٍّ، وابْنُ لالٍ في ”مَكارِمِ الأخْلاقِ“، وابْنُ عَساكِرَ، عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ، أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «”إنَّ أهْلَ البَيْتِ إذا تَواصَلُوا (p-٣٢٠)أُجْرِيَ عَلَيْهِمُ الرِّزْقُ، وكانُوا في كَنَفِ الرَّحْمَنِ عَزَّ وجَلَّ“» . وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، والخَرائِطِيُّ في ”مَكارِمِ الأخْلاقِ“، مِن طَرِيقِ أبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أبِيهِ، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «”إنَّ أعْجَلَ الطّاعَةِ ثَوابًا صِلَةُ الرَّحِمِ، حَتّى إنَّ أهْلَ البَيْتِ لَيَكُونُونَ فُجّارًا، فَتَنْمِي أمْوالُهُمْ، ويَكْثُرُ عَدَدُهم إذا وصَلُوا الرَّحِمَ، وإنَّ أعْجَلَ المَعْصِيَةِ عِقابًا البَغْيُ، واليَمِينُ الفاجِرَةُ تُذْهِبُ المالَ، وتَعْقِمُ الرَّحِمَ، وتَدَعُ الدِّيارَ بَلاقِعَ“» . وأخْرَجَ اِبْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنْ ثَعْلَبَةَ بْنِ زَهْدَمٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وهو يَخْطُبُ: «”يَدُ المُعْطِي العُلْيا، ويَدُ السّائِلِ السُّفْلى، وابْدَأْ بِمَن تَعُولُ؛ أُمَّكَ وأباكَ، وأُخْتَكَ وأخاكَ، وأدْناكَ فَأدْناكَ“» . وأخْرَجَ البَزّارُ، وأبُو يَعْلى، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿وآتِ ذا القُرْبى حَقَّهُ﴾ دَعا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فاطِمَةَ فَأعْطاها فَدَكَ» . (p-٣٢١)وأخْرَجَ اِبْنُ مَرْدُويَهْ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ: ﴿وآتِ ذا القُرْبى حَقَّهُ﴾ أقْطَعَ رَسُولُ اللَّهِ فاطِمَةَ فَدَكَ» . وأخْرَجَ اِبْنُ مَرْدُويَهْ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ قالَ: «أمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَن يُعْطِي وكَيْفَ يُعْطِي وبِمَن يَبْدَأُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وآتِ ذا القُرْبى حَقَّهُ والمِسْكِينَ وابْنَ السَّبِيلِ﴾ فَأمَرَهُ اللَّهُ أنْ يَبْدَأ بِذِي القُرْبى، ثُمَّ بِالمِسْكِينِ وابْنِ السَّبِيلِ مِن بَعْدِهِمْ، وقالَ: ﴿ولا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا﴾ . يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ولا تُعْطِ مالَكَ كُلَّهُ فَتَقْعُدَ بِغَيْرِ شَيْءٍ. ثُمَّ قالَ: ﴿ولا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إلى عُنُقِكَ﴾ [الإسراء: ٢٩] فَتَمْنَعَ ما عِنْدَكَ، فَلا تُعْطِيَ أحَدًا، ﴿ولا تَبْسُطْها كُلَّ البَسْطِ﴾ [الإسراء: ٢٩] . فَنَهاهُ أنْ يُعْطِيَ إلّا ما بَيَّنَ لَهُ، وقالَ لَهُ: ﴿وإمّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ﴾ . يَقُولُ: تُمْسِكُ عَنْ عَطائِهِمْ، ﴿فَقُلْ لَهم قَوْلا مَيْسُورًا﴾ . يَعْنِي قَوْلًا مَعْرُوفًا؛ لَعَلَّهُ أنْ يَكُونَ، عَسى أنْ يَكُونَ» . وأخْرَجَ أحْمَدُ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، عَنْ أنَسٍ، «أنَّ رَجُلًا قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنِّي ذُو مالٍ كَثِيرٍ، وذُو أهْلٍ ووَلَدٍ وحاضِرَةٍ، فَأخْبِرْنِي كَيْفَ أُنْفِقَ وكَيْفَ أصْنَعُ؟ قالَ: ”تُخْرِجُ الزَّكاةَ المَفْرُوضَةَ، فَإنَّها طُهْرَةٌ تُطَهِّرُكَ، وتَصِلُ أقْرِباءَكَ، وتَعْرِفُ حَقَّ السّائِلِ والجارِ والمِسْكِينِ“ . فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، أقْلِلْ لِي؟ قالَ: ﴿وآتِ ذا القُرْبى حَقَّهُ والمِسْكِينَ وابْنَ السَّبِيلِ ولا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا﴾ قالَ: حَسْبِي (p-٣٢٢)يا رَسُولَ اللَّهِ» . وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، والبُخارِيُّ في ”الأدَبِ“، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ في ”الشُّعَبِ“، عَنِ اِبْنِ مَسْعُودٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا﴾ . قالَ: التَّبْذِيرُ إنْفاقُ المالِ في غَيْرِ حَقِّهِ. وأخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ عَنِ اِبْنِ مَسْعُودٍ قالَ: كُنّا أصْحابَ مُحَمَّدٍ نَتَحَدَّثُ أنَّ التَّبْذِيرَ النَّفَقَةُ في غَيْرِ حَقِّهِ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، والبُخارِيُّ في الأدَبِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والبَيْهَقِيُّ في ”الشُّعَبِ“، عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ المُبَذِّرِينَ﴾ . قالَ: هُمُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ المالَ في غَيْرِ حَقِّهِ. وأخْرَجَ اِبْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿ولا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا﴾ . يَقُولُ: لا تُعْطِ مالَكَ كُلَّهُ. وأخْرَجَ اِبْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ وهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ قالَ: مِنَ السَّرَفِ أنْ يَكْتَسِيَ الإنْسانُ (p-٣٢٣)ويَأْكُلُ ويَشْرَبُ مِمّا لَيْسَ عِنْدَهُ، وما جاوَزَ الكَفافَ فَهو التَّبْذِيرُ. وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في ”شُعَبِ الإيمانِ“ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ قالَ: ما أنْفَقْتَ عَلى نَفْسِكَ وأهْلِ بَيْتِكَ في غَيْرِ سَرِفٍ ولا تَبْذِيرٍ، وما تَصَدَّقْتَ فَلَكَ، وما أنْفَقْتَ رِياءً وسُمْعَةً فَذَلِكَ حَظُّ الشَّيْطانِ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ عَطاءٍ الخُراسانِيِّ قالَ: «جاءَ ناسٌ مِن مُزَيْنَةَ يَسْتَحْمِلُونَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: ”﴿لا أجِدُ ما أحْمِلُكم عَلَيْهِ﴾ [التوبة: ٩٢]“ . ﴿تَوَلَّوْا وأعْيُنُهم تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا﴾ [التوبة: ٩٢] [التَّوْبَةِ: ٩٢] . ظَنُّوا ذَلِكَ مِن غَضَبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَيْهِمْ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وإمّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغاءَ رَحْمَةٍ مِن رَبِّكَ﴾ الآيَةَ. قالَ: الرَّحْمَةُ الفَيْءُ» . وأخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ، مِن طَرِيقِ عَطاءٍ الخُراسانِيِّ، عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ابْتِغاءَ رَحْمَةٍ﴾ . قالَ: رِزْقٍ. وأخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وإمّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغاءَ رَحْمَةٍ مِن رَبِّكَ تَرْجُوها﴾ قالَ: اِنْتِظارَ رِزْقِ اللَّهِ. وأخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ عَنِ الضَّحّاكِ في قَوْلِهِ: ﴿وإمّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ﴾ يَقُولُ: لا (p-٣٢٤)تَجِدُ شَيْئًا تُعْطِيهِمْ، ﴿ابْتِغاءَ رَحْمَةٍ مِن رَبِّكَ﴾ . يَقُولُ: اِنْتِظارَ الرِّزْقِ مِن رَبِّكَ، نَزَلَتْ فِيمَن كانَ يَسْألُ النَّبِيَّ ﷺ مِنَ المَساكِينِ. وأخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿فَقُلْ لَهم قَوْلا مَيْسُورًا﴾ . قالَ: لَيِّنًا سَهْلًا؛ سَيَكُونُ إنْ شاءَ اللَّهُ فَأفْعَلُ، سَنُصِيبُ إنْ شاءَ اللَّهُ فَأفْعَلُ. وأخْرَجَ اِبْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿فَقُلْ لَهم قَوْلا مَيْسُورًا﴾ . يَقُولُ: قُلْ لَهم: نَعَمْ وكَرامَةٌ، ولَيْسَ عِنْدَنا اليَوْمَ، فَإنْ يَأْتِنا شَيْءٌ نَعْرِفْ حَقَّكم. وأخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ اِبْنِ زَيْدٍ في قَوْلِهِ: ﴿قَوْلا مَيْسُورًا﴾ . قالَ: قَوْلًا جَمِيلًا؛ رَزَقَنا اللَّهُ وإيّاكَ، بارَكَ اللَّهُ فِيكَ. وأخْرَجَ اِبْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَقُلْ لَهم قَوْلا مَيْسُورًا﴾ . قالَ: العِدَةُ. قالَ سُفْيانُ: والعِدَةُ مِن رَسُولِ اللَّهِ دَيْنٌ.

الإسراء 17:28

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وآتِ ذا القُرْبى حَقَّهُ﴾ الآياتِ. أخْرَجَ البُخارِيُّ في ”تارِيخِهِ“، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وآتِ ذا القُرْبى حَقَّهُ﴾ قالَ: أمَرَهُ بِأحَقِّ الحُقُوقِ، وعَلَّمَهُ كَيْفَ يَصْنَعُ إذا كانَ عِنْدَهُ، وكَيْفَ يَصْنَعُ إذا لَمْ يَكُنْ، فَقالَ: ﴿وإمّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغاءَ رَحْمَةٍ مِن رَبِّكَ﴾ . قالَ: إذا سَألُوكَ ولَيْسَ عِنْدَكَ شَيْءٌ اِنْتَظَرْتَ رِزْقًا مِنَ اللَّهِ، ﴿فَقُلْ لَهم قَوْلا مَيْسُورًا﴾: يَكُونُ إنْ شاءَ اللَّهُ. ”يَكُونُ“ شِبْهُ العِدَةِ. قالَ سُفْيانُ: العِدَةُ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ دَيْنٌ. وأخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وآتِ ذا القُرْبى حَقَّهُ﴾ الآيَةَ. قالَ: هو أنْ تَصِلَ ذا القَرابَةِ، وتُطْعِمَ المِسْكِينَ، وتُحْسِنَ إلى اِبْنِ السَّبِيلِ. وأخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنِ، أنَّهُ قالَ لِرَجُلٍ مِن أهْلِ الشّامِ: أقَرَأْتَ القُرْآنَ؟ قالَ: نَعَمْ. قالَ: أفَما قَرَأْتَ في ”بَنِي إسْرائِيلَ“: ﴿وآتِ ذا القُرْبى حَقَّهُ﴾ ؟ قالَ: وإنَّكم لَلْقُرابَةُ الَّذِي أمَرَ اللَّهُ أنْ يُؤْتى حَقَّهُ؟ قالَ: نَعَمْ. (p-٣١٧)وأخْرَجَ اِبْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ في الآيَةِ قالَ: «كانَ ناسٌ مِن بَنِي عَبْدِ المُطَّلِبِ يَأْتُونَ النَّبِيَّ ﷺ يَسْألُونَهُ، فَإذا صادَفُوا عِنْدَهُ شَيْئًا أعْطاهُمْ، وإنْ لَمْ يُصادِفُوا عِنْدَهُ شَيْئًا سَكَتَ، ولَمْ يَقُلْ لَهم: نَعَمْ. ولا: لا. والقُرْبى قُرْبى بَنِي عَبْدِ المُطَّلِبِ» . وأخْرَجَ اِبْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿وآتِ ذا القُرْبى حَقَّهُ والمِسْكِينَ وابْنَ السَّبِيلِ﴾ . قالَ: هو أنْ تُوَفِّيَهِمْ حَقَّهم إنْ كانَ يَسِيرًا، وإنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَكَ فَقُلْ لَهم قَوْلًا مَيْسُورًا، وقُلْ لَهُمُ الخَيْرَ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ في ”الأدَبِ المُفْرَدِ“، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وآتِ ذا القُرْبى حَقَّهُ﴾ الآيَةَ. قالَ: بَدَأ فَأمَرَهُ بِأوْجَبِ الحُقُوقِ، ودَلَّهُ عَلى أفْضَلِ الأعْمالِ إذا كانَ عِنْدَهُ شَيْءٌ، فَقالَ: ﴿وآتِ ذا القُرْبى حَقَّهُ والمِسْكِينَ وابْنَ السَّبِيلِ﴾ . وعَلَّمَهُ إذا لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ شَيْءٌ كَيْفَ يَقُولُ فَقالَ: ﴿وإمّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغاءَ رَحْمَةٍ مِن رَبِّكَ تَرْجُوها فَقُلْ لَهم قَوْلا مَيْسُورًا﴾: عِدَةً حَسَنَةً، كَأنَّهُ قَدْ كانَ، ولَعَلَّهُ أنْ يَكُونَ إنْ شاءَ اللَّهُ، ﴿ولا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إلى عُنُقِكَ﴾ [الإسراء: ٢٩]: لا تُعْطِي شَيْئًا، ﴿ولا تَبْسُطْها كُلَّ البَسْطِ﴾ [الإسراء: ٢٩]: تُعْطِي ما عِنْدَكَ، ﴿فَتَقْعُدَ مَلُومًا﴾ [الإسراء: ٢٩] يَلُومُكَ مَن يَأْتِيكَ بَعْدُ ولا يَجِدُ عِنْدَكَ شَيْئًا، ﴿مَحْسُورًا﴾ [الإسراء: ٢٩] . قالَ: قَدْ حَسَرَكَ مَن قَدْ [٢٥٨ظ] أعْطَيْتَهُ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ في ”الأدَبِ“ عَنْ كُلَيْبِ بْنِ مَنفَعَةَ قالَ: «قالَ جَدِّي: يا رَسُولَ اللَّهِ، مَن أبَرُّ؟ قالَ: ”أُمَّكَ وأباكَ، وأُخْتَكَ وأخاكَ، ومَوْلاكَ الَّذِي يَلِي (p-٣١٨)ذاكَ؛ حَقٌّ واجِبٌ ورَحِمٌ مَوْصُولَةٌ“» . وأخْرَجَ أحْمَدُ، والبُخارِيُّ في ”الأدَبِ“، وابْنُ ماجَهْ، والحاكِمُ، والطَّبَرانِيُّ، والبَيْهَقِيُّ في ”شُعَبِ الإيمانِ“، عَنِ المِقْدامِ بْنِ مَعْدِيكَرِبَ، أنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «”إنَّ اللَّهَ يُوصِيكم بِأُمَّهاتِكُمْ، ثُمَّ يُوصِيكم بِأُمَّهاتِكُمْ، ثُمَّ يُوصِيكم بِآبائِكُمْ، ثُمَّ يُوصِيكم بِالأقْرَبِ فالأقْرَبِ“» . وأخْرَجَ البُخارِيُّ في ”الأدَبِ“ عَنِ اِبْنِ عُمَرَ قالَ: ما أنْفَقَ الرَّجُلُ نَفَقَةً عَلى نَفْسِهِ وأهْلِهِ يَحْتَسِبُها، إلّا آجَرَهُ اللَّهُ فِيها، وابْدَأْ بِمَن تَعُولُ، فَإنْ كانَ فَضْلٌ فالأقْرَبَ الأقْرَبَ، وإنْ كانَ فَضْلٌ فَناوِلْ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ في ”الأدَبِ“، والبَيْهَقِيُّ في ”شُعَبِ الإيمانِ“ واللَّفْظُ لَهُ، عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «”اِحْفَظُوا أنْسابَكم تَصِلُوا أرْحامَكُمْ، فَإنَّهُ لا بُعْدَ لِلرَّحِمِ إذا قَرُبَتْ وإنْ كانَتْ بَعِيدَةً، ولا قُرْبَ لَها إذا بَعُدَتْ وإنْ كانَتْ قَرِيبَةً، وكُلُّ رَحِمٍ آتِيَةٌ يَوْمَ القِيامَةِ أمامَ صاحِبِها تَشْهَدُ لَهُ بِصِلَةٍ إنْ كانَ وصَلَها، وعَلَيْهِ بِقَطِيعَةٍ إنْ كانَ قَطَعَها“» . (p-٣١٩)وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في ”شُعَبِ الإيمانِ“ عَنِ اِبْنِ مَسْعُودٍ، «أنَّ أعْرابِيًّا قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنِّي رَجُلٌ مُوسِرٌ، وإنَّ لِي أُمًّا وأبًا، وأُخْتًا وأخًا، وعَمًّا وعَمَّةً، وخالًا وخالَةً، فَأيُّهم أوْلى بِصِلَتِي؟ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”أُمَّكَ وأباكَ، وأُخْتَكَ وأخاكَ، وأدْناكَ أدْناكَ“» . وأخْرَجَ أحْمَدُ، والحاكِمُ، والبَيْهَقِيُّ، «عَنْ أبِي رِمْثَةَ التَّيْمِيِّ؛ تَيْمِ الرَّبابِ، قالَ: أتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ وهو يَخْطُبُ ويَقُولُ: ”يَدُ المُعْطِي العُلْيا؛ أُمَّكَ وأباكَ، وأُخْتَكَ وأخاكَ، ثُمَّ أدْناكَ أدْناكَ“» . وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، والحاكِمُ، والشِّيرازِيُّ في ”الألْقابِ“، والبَيْهَقِيُّ، عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «”إنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ لَيَعْمُرُ لِلْقَوْمِ الدِّيارَ، ويُكْثِرُ لَهُمُ الأمْوالَ، وما نَظَرَ إلَيْهِمْ مُنْذُ خَلَقَهم بُغْضًا لَهُمْ“ . قِيلَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، وبِمَ ذَلِكَ؟ قالَ: ”بِصِلَتِهِمْ أرْحامَهُمْ“» . وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ، وابْنُ عَدِيٍّ، وابْنُ لالٍ في ”مَكارِمِ الأخْلاقِ“، وابْنُ عَساكِرَ، عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ، أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «”إنَّ أهْلَ البَيْتِ إذا تَواصَلُوا (p-٣٢٠)أُجْرِيَ عَلَيْهِمُ الرِّزْقُ، وكانُوا في كَنَفِ الرَّحْمَنِ عَزَّ وجَلَّ“» . وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، والخَرائِطِيُّ في ”مَكارِمِ الأخْلاقِ“، مِن طَرِيقِ أبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أبِيهِ، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «”إنَّ أعْجَلَ الطّاعَةِ ثَوابًا صِلَةُ الرَّحِمِ، حَتّى إنَّ أهْلَ البَيْتِ لَيَكُونُونَ فُجّارًا، فَتَنْمِي أمْوالُهُمْ، ويَكْثُرُ عَدَدُهم إذا وصَلُوا الرَّحِمَ، وإنَّ أعْجَلَ المَعْصِيَةِ عِقابًا البَغْيُ، واليَمِينُ الفاجِرَةُ تُذْهِبُ المالَ، وتَعْقِمُ الرَّحِمَ، وتَدَعُ الدِّيارَ بَلاقِعَ“» . وأخْرَجَ اِبْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنْ ثَعْلَبَةَ بْنِ زَهْدَمٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وهو يَخْطُبُ: «”يَدُ المُعْطِي العُلْيا، ويَدُ السّائِلِ السُّفْلى، وابْدَأْ بِمَن تَعُولُ؛ أُمَّكَ وأباكَ، وأُخْتَكَ وأخاكَ، وأدْناكَ فَأدْناكَ“» . وأخْرَجَ البَزّارُ، وأبُو يَعْلى، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿وآتِ ذا القُرْبى حَقَّهُ﴾ دَعا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فاطِمَةَ فَأعْطاها فَدَكَ» . (p-٣٢١)وأخْرَجَ اِبْنُ مَرْدُويَهْ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ: ﴿وآتِ ذا القُرْبى حَقَّهُ﴾ أقْطَعَ رَسُولُ اللَّهِ فاطِمَةَ فَدَكَ» . وأخْرَجَ اِبْنُ مَرْدُويَهْ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ قالَ: «أمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَن يُعْطِي وكَيْفَ يُعْطِي وبِمَن يَبْدَأُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وآتِ ذا القُرْبى حَقَّهُ والمِسْكِينَ وابْنَ السَّبِيلِ﴾ فَأمَرَهُ اللَّهُ أنْ يَبْدَأ بِذِي القُرْبى، ثُمَّ بِالمِسْكِينِ وابْنِ السَّبِيلِ مِن بَعْدِهِمْ، وقالَ: ﴿ولا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا﴾ . يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ولا تُعْطِ مالَكَ كُلَّهُ فَتَقْعُدَ بِغَيْرِ شَيْءٍ. ثُمَّ قالَ: ﴿ولا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إلى عُنُقِكَ﴾ [الإسراء: ٢٩] فَتَمْنَعَ ما عِنْدَكَ، فَلا تُعْطِيَ أحَدًا، ﴿ولا تَبْسُطْها كُلَّ البَسْطِ﴾ [الإسراء: ٢٩] . فَنَهاهُ أنْ يُعْطِيَ إلّا ما بَيَّنَ لَهُ، وقالَ لَهُ: ﴿وإمّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ﴾ . يَقُولُ: تُمْسِكُ عَنْ عَطائِهِمْ، ﴿فَقُلْ لَهم قَوْلا مَيْسُورًا﴾ . يَعْنِي قَوْلًا مَعْرُوفًا؛ لَعَلَّهُ أنْ يَكُونَ، عَسى أنْ يَكُونَ» . وأخْرَجَ أحْمَدُ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، عَنْ أنَسٍ، «أنَّ رَجُلًا قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنِّي ذُو مالٍ كَثِيرٍ، وذُو أهْلٍ ووَلَدٍ وحاضِرَةٍ، فَأخْبِرْنِي كَيْفَ أُنْفِقَ وكَيْفَ أصْنَعُ؟ قالَ: ”تُخْرِجُ الزَّكاةَ المَفْرُوضَةَ، فَإنَّها طُهْرَةٌ تُطَهِّرُكَ، وتَصِلُ أقْرِباءَكَ، وتَعْرِفُ حَقَّ السّائِلِ والجارِ والمِسْكِينِ“ . فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، أقْلِلْ لِي؟ قالَ: ﴿وآتِ ذا القُرْبى حَقَّهُ والمِسْكِينَ وابْنَ السَّبِيلِ ولا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا﴾ قالَ: حَسْبِي (p-٣٢٢)يا رَسُولَ اللَّهِ» . وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، والبُخارِيُّ في ”الأدَبِ“، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ في ”الشُّعَبِ“، عَنِ اِبْنِ مَسْعُودٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا﴾ . قالَ: التَّبْذِيرُ إنْفاقُ المالِ في غَيْرِ حَقِّهِ. وأخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ عَنِ اِبْنِ مَسْعُودٍ قالَ: كُنّا أصْحابَ مُحَمَّدٍ نَتَحَدَّثُ أنَّ التَّبْذِيرَ النَّفَقَةُ في غَيْرِ حَقِّهِ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، والبُخارِيُّ في الأدَبِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والبَيْهَقِيُّ في ”الشُّعَبِ“، عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ المُبَذِّرِينَ﴾ . قالَ: هُمُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ المالَ في غَيْرِ حَقِّهِ. وأخْرَجَ اِبْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿ولا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا﴾ . يَقُولُ: لا تُعْطِ مالَكَ كُلَّهُ. وأخْرَجَ اِبْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ وهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ قالَ: مِنَ السَّرَفِ أنْ يَكْتَسِيَ الإنْسانُ (p-٣٢٣)ويَأْكُلُ ويَشْرَبُ مِمّا لَيْسَ عِنْدَهُ، وما جاوَزَ الكَفافَ فَهو التَّبْذِيرُ. وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في ”شُعَبِ الإيمانِ“ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ قالَ: ما أنْفَقْتَ عَلى نَفْسِكَ وأهْلِ بَيْتِكَ في غَيْرِ سَرِفٍ ولا تَبْذِيرٍ، وما تَصَدَّقْتَ فَلَكَ، وما أنْفَقْتَ رِياءً وسُمْعَةً فَذَلِكَ حَظُّ الشَّيْطانِ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ عَطاءٍ الخُراسانِيِّ قالَ: «جاءَ ناسٌ مِن مُزَيْنَةَ يَسْتَحْمِلُونَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: ”﴿لا أجِدُ ما أحْمِلُكم عَلَيْهِ﴾ [التوبة: ٩٢]“ . ﴿تَوَلَّوْا وأعْيُنُهم تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا﴾ [التوبة: ٩٢] [التَّوْبَةِ: ٩٢] . ظَنُّوا ذَلِكَ مِن غَضَبِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَيْهِمْ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وإمّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغاءَ رَحْمَةٍ مِن رَبِّكَ﴾ الآيَةَ. قالَ: الرَّحْمَةُ الفَيْءُ» . وأخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ، مِن طَرِيقِ عَطاءٍ الخُراسانِيِّ، عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ابْتِغاءَ رَحْمَةٍ﴾ . قالَ: رِزْقٍ. وأخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وإمّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغاءَ رَحْمَةٍ مِن رَبِّكَ تَرْجُوها﴾ قالَ: اِنْتِظارَ رِزْقِ اللَّهِ. وأخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ عَنِ الضَّحّاكِ في قَوْلِهِ: ﴿وإمّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ﴾ يَقُولُ: لا (p-٣٢٤)تَجِدُ شَيْئًا تُعْطِيهِمْ، ﴿ابْتِغاءَ رَحْمَةٍ مِن رَبِّكَ﴾ . يَقُولُ: اِنْتِظارَ الرِّزْقِ مِن رَبِّكَ، نَزَلَتْ فِيمَن كانَ يَسْألُ النَّبِيَّ ﷺ مِنَ المَساكِينِ. وأخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿فَقُلْ لَهم قَوْلا مَيْسُورًا﴾ . قالَ: لَيِّنًا سَهْلًا؛ سَيَكُونُ إنْ شاءَ اللَّهُ فَأفْعَلُ، سَنُصِيبُ إنْ شاءَ اللَّهُ فَأفْعَلُ. وأخْرَجَ اِبْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿فَقُلْ لَهم قَوْلا مَيْسُورًا﴾ . يَقُولُ: قُلْ لَهم: نَعَمْ وكَرامَةٌ، ولَيْسَ عِنْدَنا اليَوْمَ، فَإنْ يَأْتِنا شَيْءٌ نَعْرِفْ حَقَّكم. وأخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ اِبْنِ زَيْدٍ في قَوْلِهِ: ﴿قَوْلا مَيْسُورًا﴾ . قالَ: قَوْلًا جَمِيلًا؛ رَزَقَنا اللَّهُ وإيّاكَ، بارَكَ اللَّهُ فِيكَ. وأخْرَجَ اِبْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَقُلْ لَهم قَوْلا مَيْسُورًا﴾ . قالَ: العِدَةُ. قالَ سُفْيانُ: والعِدَةُ مِن رَسُولِ اللَّهِ دَيْنٌ.

الإسراء 17:29

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إلى عُنُقِكَ﴾ الآيَةَ. أخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ سَيّارِ بْنِ الحَكَمِ قالَ: «أتى رَسُولَ اللَّهِ بَزٌّ مِنَ العِراقِ، وكانَ مِعْطاءً كَرِيمًا، فَقَسَمَهُ بَيْنَ النّاسِ، فَبَلَغَ (p-٣٢٥)ذَلِكَ قَوْمًا مِنَ العَرَبِ، فَقالُوا: نَأْتِي النَّبِيَّ ﷺ فَنَسْألُهُ. فَوَجَدُوهُ قَدْ فَرَغَ مِنهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿ولا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إلى عُنُقِكَ﴾ . قالَ: مَحْبُوسَةً، ﴿ولا تَبْسُطْها كُلَّ البَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا﴾: يَلُومُكَ النّاسُ، ﴿مَحْسُورًا﴾: لَيْسَ بِيَدِكَ شَيْءٌ» . وأخْرَجَ اِبْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ المُنْهالِ بْنِ عَمْرٍو وقالَ: «بَعَثَتِ اِمْرَأةٌ إلى النَّبِيِّ ﷺ بِابْنِها فَقالَتْ: قُلْ لَهُ: اُكْسُنِي ثَوْبًا. فَقالَ: ”ما عِنْدِي شَيْءٌ“ . فَقالَتِ: اِرْجِعْ إلَيْهِ فَقُلْ لَهُ: اُكْسُنِي قَمِيصَكَ. فَرَجَعَ إلَيْهِ، فَنَزَعَ قَمِيصَهُ فَأعْطاهُ إيّاهُ، فَنَزَلَتْ: ﴿ولا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً﴾ الآيَةَ» . وأخْرَجَ اِبْنُ مَرْدُويَهْ عَنِ اِبْنِ مَسْعُودٍ قالَ: «جاءَ غُلامٌ إلى النَّبِيِّ ﷺ فَقالَ: إنَّ أُمِّي تَسْألُكَ كَذا وكَذا. فَقالَ: ”ما عِنْدَنا اليَوْمَ شَيْءٌ“ . قالَ: فَتَقُولُ لَكَ: اُكْسُنِي قَمِيصَكَ. فَخَلَعَ قَمِيصَهُ فَدَفَعَهُ إلَيْهِ، فَجَلَسَ في البَيْتِ حاسِرًا، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿ولا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً﴾ الآيَةَ» . وأخْرَجَ اِبْنُ مَرْدُويَهْ عَنْ أبِي أُمامَةَ، «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ لِعائِشَةَ: وضَرَبَ بِيَدِهِ: ”أنْفِقِي ما عَلى ظَهْرِ كَفِّي“ . قالَتْ: إذَنْ لا يَبْقى شَيْءٌ. قالَ ذَلِكَ ثَلاثَ مَرّاتٍ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿ولا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً﴾ الآيَةَ» . وأخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولا تُجْعَلُ يَدك (p-٣٢٦)مَغْلُولَة﴾ . قالَ: يَعْنِي بِذَلِكَ البُخْلَ. وأخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ: ﴿ولا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إلى عُنُقِكَ﴾ . قالَ: هَذا في النَّفَقَةِ. يَقُولُ: لا تَجْعَلْها مَغْلُولَةً؛ لا تَبْسُطُها بِخَيْرٍ، ﴿ولا تَبْسُطْها كُلَّ البَسْطِ﴾ . يَعْنِي التَّبْذِيرَ، ﴿فَتَقْعُدَ مَلُومًا﴾: يَلُومُ نَفْسَهُ عَلى ما فاتَهُ مِن مالِهِ، ﴿مَحْسُورًا﴾: ذَهَبَ مالُهُ كُلُّهُ. وأخْرَجَ اِبْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿ولا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إلى عُنُقِكَ ولا تَبْسُطْها كُلَّ البَسْطِ﴾ . قالَ: نَهاهُ عَنِ السَّرَفِ والبُخْلِ. وأخْرَجَ اِبْنُ المُنْذِرِ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا﴾ . قالَ: مَلُومًا عِنْدَ النّاسِ مَحْسُورًا مِنَ المالِ. وأخْرَجَ الطَّسْتِيُّ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ، أنَّ نافِعَ بْنَ الأزْرَقِ قالَ: أخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِهِ: ﴿مَلُومًا مَحْسُورًا﴾ . قالَ: مُسْتَحِيًا خَجِلًا. قالَ: وهَلْ تَعْرِفُ العَرَبُ ذَلِكَ؟ قالَ: نَعَمْ، أما سَمِعْتَ قَوْلَ الشّاعِرِ وهو يَقُولُ: ؎ما قادَ مِن عَرَبٍ يَمُوتُ جَوادُهم إلّا تَرَكْتُ جَوادَهم مَحْسُورًا وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في ”الشُّعَبِ“، عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: قالَ (p-٣٢٧)رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «”الرِّفْقُ في المَعِيشَةِ خَيْرٌ مِن بَعْضِ التِّجارَةِ“» . وأخْرَجَ اِبْنُ عَدِيٍّ، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «”مِن فِقْهِ الرَّجُلِ أنْ يُصْلِحَ مَعِيشَتَهُ“ . قالَ: ”ولَيْسَ مِن حُبِّكَ الدُّنْيا طَلَبُ ما يُصْلِحُكَ“» . وأخْرَجَ اِبْنُ عَدِيٍّ، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ أبِي الدَّرْداءِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «”مِن فِقْهِكَ رِفْقُكَ في مَعِيشَتِكَ“» . وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «”الِاقْتِصادُ في النَّفَقَةِ نِصْفُ المَعِيشَةِ“» . وأخْرَجَ اِبْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأحْمَدُ، والبَيْهَقِيُّ، عَنِ اِبْنِ مَسْعُودٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ عَلَيْهِ وسَلَّمَ: «”ما عالَ مَنِ اِقْتَصَدَ“» . وأخْرَجَ اِبْنُ عَدِيٍّ، والبَيْهَقِيُّ، عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (p-٣٢٨)«”ما عالَ مُقْتَصِدٌ قَطُّ“» . وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَبِيبٍ قالَ: يُقالُ: حُسْنُ التَّدْبِيرِ مَعَ العَفافِ خَيْرٌ مِنَ الغِنى مَعَ الإسْرافِ”. وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ عَنْ مُطَرِّفٍ قالَ: خَيْرُ الأُمُورِ أوْساطُها. وأخْرَجَ الدَّيْلَمِيُّ عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «“التَّدْبِيرُ نِصْفُ المَعِيشَةِ، والتَّوَدُّدُ نِصْفُ العَقْلِ، والهَمُّ نِصْفُ الهَرَمِ، وقِلَّةُ العِيالِ أحَدُ اليَسارَيْنِ”» . [٢٥٩و]وأخْرَجَ أحْمَدُ في“الزُّهْدِ" عَنْ يُونُسَ بْنِ عُبَيْدٍ قالَ: كانَ يُقالُ: التَّوَدُّدُ إلى النّاسِ نِصْفُ العَقْلِ، وحُسْنُ المَسْألَةِ نِصْفُ العِلْمِ، والِاقْتِصادُ في المَعِيشَةِ يُلْقِي عَنْكَ نِصْفَ المَئُونَةِ.

الإسراء 17:30

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ﴾ الآيَةَ. أخْرَجَ اِبْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ اِبْنِ زَيْدٍ قالَ: ثُمَّ أخْبَرَنا كَيْفَ يَصْنَعُ بِنا فَقالَ: ﴿إنَّ (p-٣٢٩)رَبّك يَبْسُطُ الرِّزْق لِمَن يَشاءُ ويَقْدِرُ﴾ . ثُمَّ أخْبَرَ عِبادَهُ أنَّهُ لا يَرْزَؤُهُ ولا يَئُودُهُ أنْ لَوْ بَسَطَ الرِّزْقَ عَلَيْهِمْ، ولَكِنْ نَظَرًا لَهم مِنهُ، فَقالَ: ﴿ولَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا في الأرْضِ ولَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ ما يَشاءُ إنَّهُ بِعِبادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾ [الشورى: ٢٧] [الشُّورى: ٢٧] . قالَ: والعَرَبُ إذا كانَ الخِصْبُ وبُسِطَ عَلَيْهِمْ أشِرُوا وقَتَلَ بَعْضُهم بَعْضًا، وجاءَ الفَسادُ، وإذا كانَ السَّنَةُ شُغِلُوا عَنْ ذَلِكَ. وأخْرَجَ اِبْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشاءُ ويَقْدِرُ﴾ . قالَ: يَنْظُرُ لَهُ، فَإنْ كانَ الغِنى خَيْرًا لَهُ أغْناهُ، وإنْ كانَ الفَقْرُ خَيْرًا لَهُ أفْقَرَهُ. وأخْرَجَ اِبْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ في الآيَةِ قالَ: يَبْسُطُ لِهَذا مَكْرًا بِهِ، ويَقْدِرُ لِهَذا نَظَرًا لَهُ. وأخْرَجَ اِبْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ اِبْنِ زَيْدٍ قالَ: كُلُّ شَيْءٍ في القُرْآنِ ”يَقْدِرُ“ فَمَعْناهُ يُقِلُّ.

الإسراء 17:31

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَقْتُلُوا أوْلادَكُمْ﴾ الآيَةَ. أخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿ولا تَقْتُلُوا (p-٣٣٠)أوْلادكم خَشْيَة إمْلاق﴾ . أيْ: خَشْيَةَ الفاقَةِ، وكانَ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ يَقْتُلُونَ البَناتِ خَشْيَةَ الفاقَةِ، فَوَعَظَهُمُ اللَّهُ في ذَلِكَ وأخْبَرَهم أنَّ رِزْقَهم ورِزْقَ أوْلادِهِمْ عَلى اللَّهِ، فَقالَ: ﴿نَحْنُ نَرْزُقُهم وإيّاكم إنَّ قَتْلَهم كانَ خِطْئًا كَبِيرًا﴾ . أيْ: إثْمًا كَبِيرًا. وأخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿خَشْيَةَ إمْلاقٍ﴾ . قالَ: مَخافَةَ الفاقَةِ والفَقْرِ. وأخْرَجَ الطَّسْتِيُّ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ، أنَّ نافِعَ بْنَ الأزْرَقِ قالَ لَهُ: أخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِهِ: ﴿خَشْيَةَ إمْلاقٍ﴾ . قالَ: مَخافَةَ الفَقْرِ. قالَ: وهَلْ تَعْرِفُ العَرَبُ ذَلِكَ؟ قالَ: نَعَمْ، أما سَمِعْتَ الشّاعِرَ وهو يَقُولُ: ؎وإنِّي عَلى الإمْلاقِ يا قَوْمِ ماجِدٌ أُعِدُّ لِأضْيافِي الشِّواءَ المُضَهَّبا وأخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿خِطْئًا﴾ قالَ: خَطِيئَةً. (p-٣٣١)وأخْرَجَ اِبْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ، أنَّهُ قَرَأ: (خِطاءً كَبِيرًا) مَهْمُوزَةً مِن قِبَلِ الخَطَأِ والصَّوابِ. وأخْرَجَ أحْمَدُ، وأبُو يَعْلى، عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «”مَن كانَ لَهُ ثَلاثُ بَناتٍ أوْ ثَلاثُ أخَواتٍ، اِتَّقى اللَّهَ، وقامَ عَلَيْهِنَّ، كانَ مَعِي في الجَنَّةِ هَكَذا“ . وأشارَ بِأصابِعِهِ الأرْبَعِ» . وأخْرَجَ أحْمَدُ، وابْنُ مَنِيعٍ، عَنْ جابِرٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «”مَن كُنَّ لَهُ ثَلاثُ بَناتٍ يَمُونُهُنَّ ويَرْحَمُهُنَّ ويَكْفُلُهُنَّ، وجَبَتْ لَهُ الجَنَّةُ ألْبَتَّةَ“ . قِيلَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، فَإنْ كُنَّ اِثْنَتَيْنِ؟ قالَ: ”وإنْ كُنَّ اِثْنَتَيْنِ“» . وأخْرَجَ أحْمَدُ، والتِّرْمِذِيُّ، عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «”لا يَكُونُ لِأحَدٍ ثَلاثُ بَناتٍ، أوْ ثَلاثُ أخَواتٍ، أوْ بِنْتانِ، أوْ أُخْتانِ، فَيَتَّقِي اللَّهَ فِيهِنَّ، ويُحْسِنُ إلَيْهِنَّ، إلّا دَخَلَ الجَنَّةَ“» . (p-٣٣٢)وأخْرَجَ أحْمَدُ، والطَّبَرانِيُّ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، عَنْ سُراقَةَ بْنِ مالِكٍ، «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ لَهُ: ”يا سُراقَةُ، ألا أدُلَّكَ عَلى أعْظَمِ الصَّدَقَةِ؟“ . قالَ: بَلى يا رَسُولَ اللَّهِ. قالَ: ”اِبْنَتُكَ مَرْدُودَةٌ إلَيْكَ لَيْسَ لَها كاسِبٌ غَيْرُكَ“» .

الإسراء 17:32

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَقْرَبُوا الزِّنا﴾ الآيَةَ. أخْرَجَ اِبْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿ولا تَقْرَبُوا الزِّنا﴾ . قالَ: يَوْمَ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ لَمْ تَكُنْ حُدُودٌ، فَجاءَتْ بَعْدَ ذَلِكَ الحُدُودُ في سُورَةِ ”النُّورِ“ . وأخْرَجَ أبُو يَعْلى، وابْنُ مَرْدُويَهْ، «عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، أنَّهُ قَرَأ: (ولا تَقْرَبُوا الزِّنى إنَّهُ كانَ فاحِشَةً ومَقْتًا وساءَ سَبِيلًا إلّا مَن تابَ فَإنَّ اللَّهَ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا) . فَذُكِرَ لِعُمَرَ، فَأتاهُ فَسَألَهُ فَقالَ: أخَذْتُها مِن في رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ولَيْسَ لَكَ عَمَلٌ إلّا الصَّفْقُ بِالنَّقِيعِ» . وأخْرَجَ اِبْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿ولا تَقْرَبُوا الزِّنا إنَّهُ كانَ فاحِشَةً﴾ . قالَ قَتادَةُ، عَنِ الحَسَنِ، أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ يَقُولُ: «”لا يَزْنِي (p-٣٣٣)العَبْدُ حِينَ يَزْنِي وهو مُؤْمِنٌ، ولا يَنْتَهِبُ حِينَ يَنْتَهِبُ وهو مُؤْمِنٌ، ولا يَسْرِقُ حِينَ يَسْرِقُ وهو مُؤْمِنٌ، ولا يَشْرَبُ الخَمْرَ حِينَ يَشْرَبُها وهو مُؤْمِنٌ، ولا يَغُلُّ حِينَ يَغُلُّ وهو مُؤْمِنٌ“ . قِيلَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، واللَّهِ إنْ كُنّا لَنَرى أنَّهُ يَأْتِي ذَلِكَ وهو مُؤْمِنٌ. فَقالَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ: ”إذا فَعَلَ شَيْئًا مِن ذَلِكَ نُزِعَ الإيمانُ مِن قَلْبِهِ، فَإنْ تابَ تابَ اللَّهُ عَلَيْهِ“» . وأخْرَجَ اِبْنُ أبِي شَيْبَةَ، والبُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «”لا يَزْنِي الزّانِي حِينَ يَزْنِي وهو مُؤْمِنٌ، ولا يَسْرِقُ السّارِقُ حِينَ يَسْرِقُ وهو مُؤْمِنٌ، ولا يَشْرَبُ الخَمْرَ حِينَ يَشْرَبُها وهو مُؤْمِنٌ، ولا يَنْتَهِبُ نُهْبَةً ذاتَ شَرَفٍ يَرْفَعُ المُؤْمِنُونَ إلَيْهِ فِيها أبْصارَهم وهو مُؤْمِنٌ“» . وأخْرَجَ أبُو داوُدَ، والحاكِمُ، والبَيْهَقِيُّ في ”شُعَبِ الإيمانِ“، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «”إذا زَنى الرَّجُلُ خَرَجَ مِنهُ الإيمانُ، فَكانَ عَلَيْهِ كالظُّلَّةِ، فَإذا اِنْقَلَعَ مِنها رَجَعَ إلَيْهِ الإيمانُ“» . (p-٣٣٤)وأخْرَجَ اِبْنُ أبِي شَيْبَةَ، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: الإيمانُ نَزِهٌ، فَمَن زَنى فارَقَهُ الإيمانُ، فَمَن لامَ نَفْسَهُ فَراجَعَ راجَعَهُ الإيمانُ. وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «”إنَّ الإيمانَ سِرْبالٌ يُسَرْبِلُهُ اللَّهُ مَن يَشاءُ، فَإذا زَنى العَبْدُ نُزِعَ مِنهُ سِرْبالُ الإيمانِ، فَإنْ تابَ رُدَّ عَلَيْهِ“» . وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ عَنْ أبِي صالِحٍ، «عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ وسَألَهُ عَنْ قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: ”لا يَزْنِي الزّانِي وهو مُؤْمِنٌ“ . فَأيْنَ يَكُونُ الإيمانُ مِنهُ؟ قالَ أبُو هُرَيْرَةَ: يَكُونُ هَكَذا عَلَيْهِ. وقالَ بِكَفَّيْهِ فَوْقَ رَأْسِهِ، فَإنْ تابَ ونَزَعَ رَجَعَ إلَيْهِ» . وأخْرَجَ اِبْنُ سَعْدٍ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، والبَيْهَقِيُّ، عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ، أنَّهُ كانَ يُسَمِّي عَبِيدَهُ بِأسْماءِ العَرَبِ؛ عِكْرِمَةُ وسُمَيْعٌ وكُرَيْبٌ، وأنَّهُ قالَ لَهم: تَزَوَّجُوا، فَإنَّ العَبْدَ إذا زَنى نُزِعَ مِنهُ نُورُ الإيمانِ؛ رَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِ بَعْدُ أوْ أمْسَكَهُ. (p-٣٣٥)وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «”يا شَبابَ قُرَيْشٍ، اِحْفَظُوا فُرُوجَكم لا تَزْنُوا، ألا مَن حَفِظَ اللَّهُ لَهُ فَرْجَهُ دَخَلَ الجَنَّةَ“» . وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، والحاكِمُ، والبَيْهَقِيُّ، عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «”إذا ظَهَرَ الزِّنى والرِّبا في قَرْيَةٍ، فَقَدْ أحَلُّوا بِأنْفُسِهِمْ كِتابَ اللَّهِ“ . ولَفْظُ الحاكِمِ: ”عَذابَ اللَّهِ“» . وأخْرَجَ البُخارِيُّ في ”تارِيخِهِ“، والقُضاعِيُّ، وابْنُ عَدِيٍّ، والبَيْهَقِيُّ، عَنِ اِبْنِ عُمَرَ، أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «”الزِّنى يُورِثُ الفَقْرَ“» . وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ بُرَيْدَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «”ما نَقَضَ قَوْمٌ العَهْدَ قَطُّ إلّا كانَ القَتْلُ بَيْنَهُمْ، ولا ظَهَرَتِ الفاحِشَةُ في قَوْمٍ قَطُّ إلّا سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ المَوْتَ، ولا مَنَعَ قَوْمٌ الزَّكاةَ إلّا حَبَسَ اللَّهُ عَنْهُمُ القَطْرَ“» . (p-٣٣٦)وأخْرَجَ أحْمَدُ، وابْنُ أبِي الدُّنْيا، عَنِ الهَيْثَمِ بْنِ مالِكٍ الطّائِيِّ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «”ما مِن ذَنْبٍ بَعْدَ الشِّرْكِ أعْظَمُ عِنْدَ اللَّهِ مِن نُطْفَةٍ وضَعَها رَجُلٌ في رَحِمٍ لا يَحِلُّ لَهُ“» . وأخْرَجَ أحْمَدُ عَنِ اِبْنِ عَمْرِو بْنِ العاصِ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «”ما مِن قَوْمٍ يَظْهَرُ فِيهِمُ الزِّنى إلّا أخَذُوا بِالسَّنَةِ، وما مِن قَوْمٍ يَظْهَرُ فِيهِمُ الرِّشا إلّا أُخِذُوا بِالرُّعْبِ“» . وأخْرَجَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ في ”نَوادِرِ الأُصُولِ“ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ قالَ: لَمْ يَزْنِ عَبْدٌ قَطُّ إلّا نَزَعَ اللَّهُ نُورَ الإيمانِ مِنهُ، ثُمَّ إنْ شاءَ رَدَّهُ وإنْ شاءَ مَنَعَهُ. وأخْرَجَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «”لا يَزْنِي الزّانِي حِينَ يَزْنِي وهو مُؤْمِنٌ، ولا يَسْرِقُ السّارِقُ حِينَ يَسْرِقُ وهو مُؤْمِنٌ، ولا يَشْرَبُ الخَمْرَ حِينَ يَشْرَبُ وهو مُؤْمِنٌ، ولا يَقْتُلُ وهو مُؤْمِنٌ، فَإذا فَعَلَ (p-٣٣٧)ذَلِكَ نُزِعَ مِنهُ نُورُ الإيمانِ كَما يُنْزَعُ مِنهُ قَمِيصُهُ، فَإنْ تابَ تابَ اللَّهُ عَلَيْهِ“» . وأخْرَجَ أحْمَدُ، ومُسْلِمٌ، والنَّسائِيُّ، والبَيْهَقِيُّ في ”الأسْماءِ والصِّفاتِ“، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «”ثَلاثَةٌ لا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ القِيامَةِ، ولا يُزَكِّيهِمْ، ولا يَنْظُرُ إلَيْهِمْ، ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ؛ شَيْخٌ زانٍ، ومَلِكٌ كَذّابٌ، وعائِلٌ مُسْتَكْبِرٌ“» . وأخْرَجَ اِبْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنْ عائِشَةَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «”لا يَزْنِي الزّانِي حِينَ يَزْنِي وهو مُؤْمِنٌ ولا يَسْرِقُ حِينَ يَسْرِقُ وهو مُؤْمِنٌ، ولا يَشْرَبُ حِينَ يَشْرَبُ وهو مُؤْمِنٌ“» . وأخْرَجَ اِبْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنْ أُسامَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «”ما تَرَكْتُ عَلى أُمَّتِي بَعْدِي فِتْنَةً أضَرَّ عَلى الرِّجالِ مِنَ النِّساءِ“» . وأخْرَجَ اِبْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ قالَ: لَمْ يَكُنْ كُفْرُ مَن مَضى إلّا مِن قِبَلِ النِّساءِ، وهو كائِنٌ، كُفْرُ مَن بَقِيَ مِن قِبَلِ النِّساءِ. (p-٣٣٨)وأخْرَجَ اِبْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنْ أبانِ بْنِ عُثْمانَ قالَ: تُعْرَفُ الزُّناةُ بِنَتَنِ فُرُوجِهِنَّ يَوْمَ القِيامَةِ. وأخْرَجَ اِبْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنْ أبِي صالِحٍ قالَ: بَلَغَنِي أنَّ أكْثَرَ ذُنُوبِ أهْلِ الجَنَّةِ النِّساءُ.

الإسراء 17:33

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَقْتُلُوا النَّفْسَ﴾ الآيَةَ. أخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ الضَّحّاكِ في قَوْلِهِ: ﴿ولا [٢٥٩ظ] تَقْتُلُوا النَّفْسَ﴾ الآيَةَ. قالَ: كانَ هَذا بِمَكَّةَ ونَبِيُّ اللَّهِ ﷺ بِها، وهو أوَّلُ شَيْءٍ نَزَلَ مِنَ القُرْآنِ في شَأْنِ القَتْلِ؛ كانَ المُشْرِكُونَ مِن أهْلِ مَكَّةَ يَغْتالُونَ أصْحابَ النَّبِيِّ ﷺ، فَقالَ اللَّهُ: مَن قَتَلَكم مِنَ المُشْرِكِينَ، فَلا يَحْمِلَنَّكم قَتْلُهُ إيّاكم عَلى أنْ تَقْتُلُوا لَهُ أبًا، أوْ وأخًا، وأحَدًا مِن عَشِيرَتِهِ، وإنْ كانُوا مُشْرِكِينَ فَلا تَقْتُلُوا إلّا قاتِلَكم. وهَذا قَبْلَ أنْ تَنْزِلَ ”بَراءَةُ“، وقَبْلَ أنْ يُؤْمَرُوا بِقِتالِ المُشْرِكِينَ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَلا يُسْرِفْ في القَتْلِ﴾ . يَقُولُ: لا تَقْتُلْ غَيْرَ قاتِلِكَ. وهي اليَوْمَ عَلى ذَلِكَ المَوْضِعِ مِنَ المُسْلِمِينَ، لا يَحِلُّ لَهم أنْ يَقْتُلُوا إلّا قاتِلَهم. (p-٣٣٩)وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في ”سُنَنِهِ“ عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ، أنَّ النّاسَ في الجاهِلِيَّةِ كانُوا إذا قَتَلَ الرَّجُلُ مِنَ القَوْمِ رَجُلًا، لَمْ يَرْضَوْا حَتّى يَقْتُلُوا بِهِ رَجُلًا شَرِيفًا، إذا كانَ قاتِلُهم غَيْرَ شَرِيفٍ، لَمْ يَقْتُلُوا قاتِلَهم وقَتَلُوا غَيْرَهُ، فَوُعِظُوا في ذَلِكَ بِقَوْلِ اللَّهِ تَعالى: ﴿ولا تَقْتُلُوا النَّفْسَ﴾ . إلى قَوْلِهِ: ﴿فَلا يُسْرِفْ في القَتْلِ﴾ . وأخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، مِن طَرِيقِ العَوْفِيِّ، عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ومَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطانًا﴾ . قالَ: بَيِّنَةً مِنَ اللَّهِ أنْزَلَها، يَطْلُبُها ولِيُّ المَقْتُولِ؛ القَوَدَ أوِ العَقْلَ، وذَلِكَ السُّلْطانُ. وأخْرَجَ اِبْنُ أبِي حاتِمٍ، مِن طَرِيقِ مُجاهِدٍ، عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَلا يُسْرِفْ في القَتْلِ﴾ . قالَ: لا يُكْثِرْ في القَتْلِ. وأخْرَجَ اِبْنُ المُنْذِرِ، مِن طَرِيقِ أبِي صالِحٍ، عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَلا يُسْرِفْ في القَتْلِ﴾ . قالَ: لا يَقْتُلْ إلّا قاتِلَ رَحِمِهِ. وأخْرَجَ اِبْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في ”سُنَنِهِ“، عَنْ طَلْقِ بْنِ حَبِيبٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَلا يُسْرِفْ في القَتْلِ﴾ . قالَ: (p-٣٤٠)لا يَقْتُلْ غَيْرَ قاتِلِهِ، ولا يُمَثِّلْ بِهِ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَلا يُسْرِفْ في القَتْلِ﴾ . قالَ: لا يَقْتُلِ اِثْنَيْنِ بِواحِدٍ. وأخْرَجَ اِبْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَلا يُسْرِفْ في القَتْلِ﴾ . قالَ: لا يَقْتُلْ غَيْرَ قاتِلِهِ. وأخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿فَلا يُسْرِفْ في القَتْلِ﴾ . قالَ: مَن قَتَلَ بِحَدِيدَةٍ قُتِلَ بِحَدِيدَةٍ، ومَن قَتَلَ بِخَشَبَةٍ قُتِلَ بِخَشَبَةٍ، ومَن قَتَلَ بِحَجَرٍ قُتِلَ بِحَجَرٍ، ولا يَقْتُلْ غَيْرَ قاتِلِهِ. وأخْرَجَ اِبْنُ أبِي شَيْبَةَ، ومُسْلِمٌ، وأبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ ماجَهْ، عَنْ شَدّادِ بْنِ أوْسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «”إنَّ اللَّهَ كَتَبَ الإحْسانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ، فَإذا قَتَلْتُمْ فَأحْسِنُوا القِتْلَةَ، وإذا ذَبَحْتُمْ فَأحْسِنُوا الذَّبْحَ“» . (p-٣٤١)وأخْرَجَ اِبْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأبُو داوُدَ، وابْنُ ماجَهْ، عَنِ اِبْنِ مَسْعُودٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «”أعَفُّ النّاسِ قِتْلَةً أهْلُ الإيمانِ“» . وأخْرَجَ اِبْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأبُو داوُدَ، عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ، وعِمْرانَ بْنِ حُصَيْنٍ، قالا: «نَهى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ المُثْلَةِ» . وأخْرَجَ اِبْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنْ يَعْلى بْنِ مُرَّةَ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «”قالَ اللَّهُ: لا تُمَثِّلُوا بِعِبادِي“» . وأخْرَجَ اِبْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَلا يُسْرِفْ في القَتْلِ إنَّهُ كانَ مَنصُورًا﴾ . يَقُولُ: يَنْصُرُهُ السُّلْطانُ حَتّى يُنْصِفَهُ مِن ظالِمِهِ، ومَنِ اِنْتَصَرَ لِنَفْسِهِ دُونَ السُّلْطانِ فَهو عاصٍ مُسْرِفٌ قَدْ عَمِلَ بِحَمِيَّةِ أهْلِ الجاهِلِيَّةِ، ولَمْ يَرْضَ بِحُكْمِ اللَّهِ تَعالى. وأخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ كانَ مَنصُورًا﴾ . قالَ: إنَّ المَقْتُولَ كانَ مَنصُورًا. (p-٣٤٢)وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ الكِسائِيِّ قالَ: هي في قِراءَةِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: (فَلا تُسْرِفُوا في القَتْلِ إنَّ ولِيَّهُ كانَ مَنصُورًا) . وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، وابْنُ عَساكِرَ، عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ قالَ: إنَّهُ لَمّا كانَ مِن أمْرِ هَذا الرَّجُلِ ما كانَ، يَعْنِي عُثْمانَ، قُلْتُ لِعَلِيٍّ: اِعْتَزِلْ، فَلَوْ كُنْتَ في جُحْرٍ طُلِبْتَ حَتّى تُسْتَخْرَجَ. فَعَصانِي، وايْمُ اللَّهِ لِيَتَأمَّرَنَّ عَلَيْكم مُعاوِيَةُ، وذَلِكَ أنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿ومَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطانًا فَلا يُسْرِفْ في القَتْلِ إنَّهُ كانَ مَنصُورًا﴾ .

الإسراء 17:34

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَقْرَبُوا مالَ اليَتِيمِ﴾ أخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿ولا تَقْرَبُوا مالَ اليَتِيمِ إلا بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾ . قالَ: كانُوا لا يُخالِطُونَهم في مالٍ ولا مَأْكَلٍ ولا مَرْكَبٍ، حَتّى نَزَلَتْ: ﴿وإنْ تُخالِطُوهم فَإخْوانُكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٠] [البَقَرَةِ: ٢٢٠] . * * قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأوْفُوا بِالعَهْدِ﴾ الآيَةَ. أخْرَجَ اِبْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿وأوْفُوا بِالعَهْدِ إنَّ العَهْدَ كانَ مَسْؤُولا﴾ . قالَ: يَوْمَ أُنْزِلَتْ هَذِهِ كانَ إنَّما يُسْألُ عَنْهُ، ثُمَّ يَدْخُلُ الجَنَّةَ، فَنَزَلَتْ ﴿إنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وأيْمانهمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لا خَلّاقَ لَهم في (p-٣٤٣)الآخِرَةِ﴾ [آل عمران: ٧٧] [آلِ عِمْرانَ: ٧٧] . وأخْرَجَ اِبْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ العَهْدَ كانَ مَسْؤُولا﴾ . قالَ: يَسْألُ اللَّهُ ناقِضَ العَهْدِ عَنْ نَقْضِهِ. وأخْرَجَ اِبْنُ المُنْذِرِ عَنِ اِبْنِ جُرَيْجٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ العَهْدَ كانَ مَسْؤُولا﴾ . قالَ: يَسْألُ عَهْدَهُ مَن أعْطاهُ إيّاهُ. وأخْرَجَ اِبْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرانَ قالَ: ثَلاثٌ تُؤَدّى إلى البَرِّ والفاجِرِ؛ العَهْدُ يُوفى إلى البَرِّ والفاجِرِ. وقَرَأ ﴿وأوْفُوا بِالعَهْدِ إنَّ العَهْدَ كانَ مَسْؤُولا﴾ . وأخْرَجَ اِبْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ كَعْبِ الأحْبارِ قالَ: مَن نَكَثَ بَيْعَةً، كانَتْ سِتْرًا بَيْنَهُ وبَيْنَ الجَنَّةِ. قالَ: وإنَّما تَهْلِكُ هَذِهِ الأُمَّةُ بِنَكْثِها عُهُودَها.

الإسراء 17:35

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأوْفُوا الكَيْلَ إذا كِلْتُمْ﴾ الآيَةَ. أخْرَجَ اِبْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ في قَوْلِهِ: ﴿وأوْفُوا الكَيْلَ إذا كِلْتُمْ﴾: يَعْنِي لِغَيْرِكُمْ، ﴿وزِنُوا بِالقِسْطاسِ المُسْتَقِيمِ﴾ . يَعْنِي: المِيزانَ، وبِلُغَةِ الرُّومِ المِيزانُ القِسْطاسُ، ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ . يَعْنِي: وفاءُ الكَيْلِ والمِيزانِ خَيْرٌ مِنَ النُّقْصانِ، ﴿وأحْسَنُ تَأْوِيلا﴾: عاقِبَةً. (p-٣٤٤)وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ وأحْسَنُ تَأْوِيلا﴾ . أيْ: خَيْرٌ ثَوابًا وعاقِبَةً.، وأُخْبِرْنا أنَّ اِبْنَ عَبّاسٍ كانَ يَقُولُ: يا مَعْشَرَ المَوالِي، إنَّكم ولِيتُمْ أمْرَيْنِ بِهِما هَلَكَ النّاسُ قَبْلَكُمْ؛ هَذا المِكْيالَ، وهَذا المِيزانَ. قالَ: وذُكِرَ لَنا أنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ كانَ يَقُولُ: «”لا يَقْدِرُ رَجُلٌ عَلى حَرامٍ ثُمَّ يَدَعُهُ، لَيْسَ بِهِ إلّا مَخافَةُ اللَّهِ، إلّا أبْدَلَهُ اللَّهُ في عاجِلِ الدُّنْيا قَبْلَ الآخِرَةِ ما هو خَيْرٌ لَهُ مِن ذَلِكَ“» . وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: القِسْطاسُ: العَدْلُ، بِالرُّومِيَّةِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ: ﴿وزِنُوا بِالقِسْطاسِ﴾ . قالَ: العَدْلِ. وأخْرَجَ اِبْنُ المُنْذِرِ عَنِ الضَّحّاكِ: ﴿وزِنُوا بِالقِسْطاسِ﴾ . قالَ: القَبّانِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الحَسَنِ: ﴿وزِنُوا بِالقِسْطاسِ﴾ . قالَ: القَبّانِ. (p-٣٤٥)وأخْرَجَ اِبْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ ﴿وزِنُوا بِالقِسْطاسِ﴾ . قالَ: بِالحَدِيدِ.

الإسراء 17:36

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ الآيَةَ. أخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولا تَقْفُ﴾ . قالَ: لا تَقُلْ. وأخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ . يَقُولُ: لا تَرْمِ أحَدًا بِما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ. وأخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ اِبْنِ الحَنَفِيَّةِ في قَوْلِهِ: ﴿ولا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ . قالَ: شَهادَةُ الزُّورِ. وأخْرَجَ اِبْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿ولا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ . قالَ: هَذا في الفِرْيَةِ، يَوْمَ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ لَمْ يَكُنْ فِيها حَدٌّ، إنَّما كانَ يُسْألُ عَنْهُ يَوْمَ القِيامَةِ، ثُمَّ يُغْفَرُ لَهُ، حَتّى نَزَلَتْ آيَةُ الفِرْيَةِ؛ جَلْدُ ثَمانِينَ. وأخْرَجَ اِبْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عِكْرِمَةَ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ السَّمْعَ والبَصَرَ والفُؤادَ كُلُّ أُولَئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُولا﴾ . يَقُولُ: سَمْعُهُ وبَصَرُهُ يَشْهَدُ عَلَيْهِ. (p-٣٤٦)وأخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿ولا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ . قالَ: لا تَقُلْ: سَمِعْتُ. ولَمْ تَسْمَعْ، ولا تَقُلْ: رَأيْتُ. ولَمْ تَرَ، فَإنَّ اللَّهَ سائِلُكَ عَنْ ذَلِكَ كُلِّهِ. وأخْرَجَ اِبْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ قَيْسٍ في قَوْلِهِ: ﴿كُلُّ أُولَئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُولا﴾ . قالَ: يُقالُ لِلْأُذُنِ يَوْمَ القِيامَةِ: هَلْ سَمِعْتِ؟ ويُقالُ لِلْعَيْنِ: هَلْ رَأيْتِ؟ ويُقالُ لِلْفُؤادِ مِثْلُ ذَلِكَ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿كُلُّ أُولَئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُولا﴾ . قالَ: يَوْمَ القِيامَةِ يُقالُ: أكَذَلِكَ كانَ أمْ لا. وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ أبِي ذَرٍّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «”مَن شانَ عَلى مُسْلِمٍ كَلِمَةً، يَشِينُهُ بِها بِغَيْرِ حَقٍّ، أشانَهُ اللَّهُ بِها في النّارِ يَوْمَ (p-٣٤٧)القِيامَةِ“» . وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ عَنْ أبِي الدَّرْداءِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «”أيُّما رَجُلٍ أشاعَ عَلى رَجُلٍ مُسْلِمٍ بِكَلِمَةٍ وهو مِنها بَرِيءٌ، كانَ حَقًّا عَلى اللَّهِ أنْ يُذِيبَهُ يَوْمَ القِيامَةِ في النّارِ، حَتّى يَأْتِيَ بِنَفاذِ ما قالَ“» . وأخْرَجَ أبُو داوُدَ، وابْنُ أبِي الدُّنْيا في ”الصَّمْتِ“، عَنْ مُعاذِ بْنِ أنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «”مَن حَمى مُؤْمِنًا مِن مُنافِقٍ، بَعَثَ اللَّهُ مَلَكًا يَحْمِي لَحْمَهُ يَوْمَ القِيامَةِ مِن نارِ جَهَنَّمَ، ومَن قَفا مُؤْمِنًا بِشَيْءٍ يُرِيدُ شَيْنَهُ، حَبَسَهُ اللَّهُ عَلى جِسْرِ جَهَنَّمَ حَتّى يَخْرُجَ مِمّا قالَ“» .

الإسراء 17:37

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَمْشِ في الأرْضِ مَرَحًا﴾ الآيَةَ. أخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿ولا تَمْشِ في الأرْضِ مَرَحًا﴾ . قالَ: لا تَمْشِ فَخْرًا وكِبْرًا، فَإنَّ ذَلِكَ لا يَبْلُغُ بِكَ الجِبالَ، ولا أنْ تَخْرِقَ الأرْضَ بِفَخْرِكَ وكِبْرِكَ. (p-٣٤٨)وأخْرَجَ اِبْنُ أبِي الدُّنْيا في كِتابِ ”التَّواضُعِ“ عَنْ يُحَنَّسَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «”إذا مَشَتْ أُمَّتِي المُطَيْطاءَ، وخَدَمَتْهم فارِسُ والرُّومُ، سُلِّطَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ“» . وأخْرَجَ اِبْنُ أبِي الدُّنْيا عَنِ اِبْنِ عُمَرَ، أنَّهُ رَأى رَجُلًا يَخْطِرُ في مِشْيَتِهِ، فَقالَ: إنَّ لِلشَّيْطانِ إخْوانًا. وأخْرَجَ اِبْنُ أبِي الدُّنْيا عَنْ خالِدِ بْنِ مَعْدانَ قالَ: إيّاكم والخَطْرَ، فَإنَّ الرَّجُلَ قَدْ تُنافِقُ يَدُهُ مِن دُونِ سائِرِ جَسَدِهِ.

الإسراء 17:38

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كُلُّ ذَلِكَ﴾ الآيَةَ. أخْرَجَ اِبْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَثِيرٍ، أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ: (كُلُّ ذَلِكَ كانَ سَيِّئَةً عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا) . عَلى واحِدٍ، يَقُولُ: هَذِهِ الأشْياءُ الَّتِي [٢٦٠و] نُهِيتَ عَنْها كُلُّها سَيِّئَةٌ.

الإسراء 17:39

(p-٣٤٩)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَلِكَ مِمّا أوْحى إلَيْكَ رَبُّكَ﴾ الآيَةَ. أخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ قالَ: إنَّ التَّوْراةَ كُلَّها في خَمْسَ عَشْرَةَ آيَةً مِن ”بَنِي إسْرائِيلَ“ . ثُمَّ تَلا: ﴿ولا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ﴾ . وأخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، مِن طَرِيقِ عَلِيٍّ، عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿مَدْحُورًا﴾ . قالَ: مَطْرُودًا.

الإسراء 17:40

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَأصْفاكم رَبُّكم بِالبَنِينَ﴾ الآياتِ. أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿واتَّخَذَ مِنَ المَلائِكَةِ إناثًا﴾ . قالَتِ اليَهُودُ: المَلائِكَةُ بَناتُ الجِنِّ. وفي قَوْلِهِ: ﴿قُلْ لَوْ كانَ مَعَهُ آلِهَةٌ﴾ الآيَةَ. يَقُولُ: ﴿لَوْ كانَ مَعَهُ آلِهَةٌ﴾ إذَنْ لَعَرَفُوا فَضْلَهُ ومَزِيَّتَهُ عَلَيْهِمْ، فابْتَغَوْا ما يُقَرِّبُهم إلَيْهِ، إنَّهم لَيْسَ كَما يَقُولُونَ. وأخْرَجَ اِبْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ في قَوْلِهِ: ﴿إذًا لابْتَغَوْا إلى ذِي العَرْشِ سَبِيلا﴾ قالَ: عَلى أنْ يُزِيلُوا مُلْكَهُ.

الإسراء 17:41

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَأصْفاكم رَبُّكم بِالبَنِينَ﴾ الآياتِ. أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿واتَّخَذَ مِنَ المَلائِكَةِ إناثًا﴾ . قالَتِ اليَهُودُ: المَلائِكَةُ بَناتُ الجِنِّ. وفي قَوْلِهِ: ﴿قُلْ لَوْ كانَ مَعَهُ آلِهَةٌ﴾ الآيَةَ. يَقُولُ: ﴿لَوْ كانَ مَعَهُ آلِهَةٌ﴾ إذَنْ لَعَرَفُوا فَضْلَهُ ومَزِيَّتَهُ عَلَيْهِمْ، فابْتَغَوْا ما يُقَرِّبُهم إلَيْهِ، إنَّهم لَيْسَ كَما يَقُولُونَ. وأخْرَجَ اِبْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ في قَوْلِهِ: ﴿إذًا لابْتَغَوْا إلى ذِي العَرْشِ سَبِيلا﴾ قالَ: عَلى أنْ يُزِيلُوا مُلْكَهُ.

الإسراء 17:42

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَأصْفاكم رَبُّكم بِالبَنِينَ﴾ الآياتِ. أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿واتَّخَذَ مِنَ المَلائِكَةِ إناثًا﴾ . قالَتِ اليَهُودُ: المَلائِكَةُ بَناتُ الجِنِّ. وفي قَوْلِهِ: ﴿قُلْ لَوْ كانَ مَعَهُ آلِهَةٌ﴾ الآيَةَ. يَقُولُ: ﴿لَوْ كانَ مَعَهُ آلِهَةٌ﴾ إذَنْ لَعَرَفُوا فَضْلَهُ ومَزِيَّتَهُ عَلَيْهِمْ، فابْتَغَوْا ما يُقَرِّبُهم إلَيْهِ، إنَّهم لَيْسَ كَما يَقُولُونَ. وأخْرَجَ اِبْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ في قَوْلِهِ: ﴿إذًا لابْتَغَوْا إلى ذِي العَرْشِ سَبِيلا﴾ قالَ: عَلى أنْ يُزِيلُوا مُلْكَهُ.

الإسراء 17:44

(p-٣٥٠)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّماواتُ السَّبْعُ والأرْضُ ومَن فِيهِنَّ﴾ . أخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ وأبُو نُعَيْمٍ في ”الحِلْيَةِ“، والبَيْهَقِيُّ في ”الأسْماءِ والصِّفاتِ“، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ قُرْطٍ، «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِهِ إلى المَسْجِدِ الأقْصى كانَ جِبْرِيلُ عَنْ يَمِينِهِ، ومِيكائِيلُ عَنْ يَسارِهِ، فَطارا بِهِ حَتّى بَلَغَ السَّماواتِ العُلا، فَلَمّا رَجَعَ قالَ: ”سَمِعْتُ تَسْبِيحًا في السَّماواتِ العُلا مَعَ تَسْبِيحٍ كَثِيرٍ؛ سَبَّحَتِ السَّماواتُ العُلى مِن ذِي المَهابَةِ مُشْفِقاتٍ لِذِي العُلُوِّ بِما عَلا، سُبْحانَ العَلِيِّ الأعْلى، سُبْحانَهُ وتَعالى“» . وأخْرَجَ اِبْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ لُوطِ بْنِ أبِي لُوطٍ قالَ: بَلَغَنِي أنَّ تَسْبِيحَ سَماءِ الدُّنْيا: سُبْحانَ رَبِّنا الأعْلى. والثّانِيَةِ: سُبْحانَهُ وتَعالى. والثّالِثَةِ: سُبْحانَهُ وبِحَمْدِهِ. والرّابِعَةِ: سُبْحانَهُ لا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلّا بِهِ. والخامِسَةِ: سُبْحانَ مُحْيِي المَوْتى وهو عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ. والسّادِسَةِ: سُبْحانَ المَلِكِ القُدُّوسِ. والسّابِعَةِ: سُبْحانَ الَّذِي مَلَأ السَّماواتِ السَّبْعَ والأرَضِينَ السَّبْعَ عِزَّةً ووَقارًا. وأخْرَجَ اِبْنُ مَرْدُويَهْ عَنْ أنَسٍ، «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ وهو جالِسٌ مَعَ (p-٣٥١)أصْحابِهِ إذْ سَمِعَ هَدَّةً، فَقالَ: ”أطَّتِ السَّماءُ وبِحَقِّها أنْ تَئِطَّ“ . قالُوا: وما الأطِيطُ؟ قالَ: ”تَناقَضَتِ السَّماءُ وبِحَقِّها أنْ تَنْقَضَّ، والَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، ما فِيها مَوْضِعُ شِبْرٍ إلّا فِيهِ جَبْهَةُ مَلَكٍ ساجِدٍ يُسَبِّحُ اللَّهَ بِحَمْدِهِ“» . وأخْرَجَ اِبْنُ مَرْدُويَهْ عَنْ عَلِيٍّ قالَ: «سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقْرَأُ: ”﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّماواتُ السَّبْعُ والأرْضُ﴾ بِالتّاءِ» . * * قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنْ مِن شَيْءٍ إلا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ ولَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ أخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ في“العَظَمَةِ”، عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «“ألا أُخْبِرُكم بِشَيْءٍ أمَرَ بِهِ نُوحٌ اِبْنَهُ؟ إنَّ نُوحًا قالَ لِابْنِهِ: يا بُنَيَّ، آمُرُكَ أنْ تَقُولَ: سُبْحانَ اللَّهِ. فَإنَّها صَلاةُ الخَلْقِ، وتَسْبِيحُ الخَلْقِ، وبِها يُرْزَقُ الخَلْقُ. قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وإنْ مِن شَيْءٍ إلا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ ”» . (p-٣٥٢)وأخْرَجَ أحْمَدُ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنِ اِبْنِ عَمْرٍو: أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «“إنَّ نُوحًا لَمّا حَضَرَتْهُ الوَفاةُ قالَ لِابْنَيْهِ: آمُرُكُما بِسُبْحانَ اللَّهِ وبِحَمْدِهِ، فَإنَّها صَلاةُ كُلِّ شَيْءٍ، وبِها يُرْزَقُ كُلُّ شَيْءٍ”» . وأخْرَجَ اِبْنُ مَرْدُويَهْ، وأبُو نُعَيْمٍ في“فَضْلِ الدِّيكِ”، عَنْ عائِشَةَ، أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «“صَوْتُ الدِّيكِ صَلاتُهُ، وضَرْبُهُ بِجَناحَيْهِ سُجُودُهُ ورُكُوعُهُ”. ثُمَّ تَلا هَذِهِ الآيَةَ:“ ﴿وإنْ مِن شَيْءٍ إلا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ ولَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ ”» . وأخْرَجَ اِبْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ قالَ: يُنادِي مُنادٍ مِنَ السَّماءِ: اُذْكُرُوا اللَّهَ يَذْكُرْكم. فَلا يَسْمَعُها أوَّلُ مِنَ الدِّيكِ، فَيَصِيحُ، فَذَلِكَ تَسْبِيحُهُ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ في“العَظَمَةِ”، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «“لا تَضْرِبُوا وُجُوهَ الدَّوابِّ؛ فَإنَّ كُلَّ شَيْءٍ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ”» . (p-٣٥٣)وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْ عُمَرَ قالَ: لا تَلْطِمُوا وُجُوهَ الدَّوابِّ؛ فَإنَّ كُلَّ شَيْءٍ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ. وأخْرَجَ أحْمَدُ عَنْ مُعاذِ بْنِ أنَسٍ، «عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، أنَّهُ مَرَّ عَلى قَوْمٍ وهم وُقُوفٌ عَلى دَوابَّ لَهم ورَواحِلَ، فَقالَ لَهُمُ:“اِرْكَبُوها سالِمَةً ودَعُوها سالِمَةً، ولا تَتَّخِذُوها كَراسِيَّ لِأحادِيثِكم في الطُّرُقِ والأسْواقِ، فَرُبَّ مَرْكُوبَةٍ خَيْرٌ مِن راكِبِها وأكْثَرُ ذِكْرًا لِلَّهِ مِنهُ”» . وأخْرَجَ اِبْنُ مَرْدُويَهْ عَنْ عَمْرِو بْنِ عَبَسَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قالَ: «“ما تَسْتَقِلُّ الشَّمْسُ فَيَفِيئُ شَيْءٌ مِن خَلْقِ اللَّهِ تَعالى إلّا سَبَّحَ اللَّهَ بِحَمْدِهِ، إلّا ما كانَ مِنَ الشَّيْطانِ وأغْبِياءِ بَنِي آدَمَ”» . وأخْرَجَ اِبْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي أُمامَةَ قالَ: ما مِن عَبْدٍ يُسَبِّحُ اللَّهَ (p-٣٥٤)تَسْبِيحَةً إلّا سَبَّحَ ما خَلَقَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ، قالَ اللَّهُ: ﴿وإنْ مِن شَيْءٍ إلا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ . وأخْرَجَ اِبْنُ مَرْدُويَهْ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «“إنَّ النَّمْلَ يُسَبِّحْنَ”» . وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، وأبُو داوُدَ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «“قَرَصَتْ نَمْلَةٌ نَبِيًّا مِنَ الأنْبِياءِ، فَأمَرَ بِقَرْيَةِ النَّمْلِ فَأُحْرِقَتْ، فَأوْحى اللَّهُ إلَيْهِ: مِن أجْلِ نَمْلَةٍ واحِدَةٍ أحْرَقْتَ أُمَّةً مِنَ الأُمَمِ تُسْبِّحُ”» . وأخْرَجَ النَّسائِيُّ، وأبُو الشَّيْخِ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنِ اِبْنِ عَمْرٍو قالَ: «نَهى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ قَتْلِ الضِّفْدِعِ، وقالَ:“نَقِيقُها تَسْبِيحٌ”» . وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ في“العَظَمَةِ”، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وإنْ مِن شَيْءٍ إلا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ . قالَ: الزَّرْعُ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وأجْرُهُ لِصاحِبِهِ، والثَّوْبُ يُسَبِّحُ، ويَقُولُ الوَسَخُ: إنْ كُنْتَ مُؤْمِنًا فاغْسِلْنِي إذَنْ. (p-٣٥٥)وأخْرَجَ اِبْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي قَبِيلٍ قالَ: الزَّرْعُ يُسَبِّحُ وثَوابُهُ لِلَّذِي زَرَعَ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ قالَ: كُلُّ شَيْءٍ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ إلّا الحِمارَ والكَلْبَ. وأخْرَجَ اِبْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عِكْرِمَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وإنْ مِن شَيْءٍ إلا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ . قالَ: الأُسْطُوانَةُ تُسَبِّحُ، والشَّجَرَةُ تُسَبِّحُ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: لا يَعِيبَنَّ أحَدُكم دابَّتَهُ ولا ثَوْبَهُ، فَإنَّ كُلَّ شَيْءٍ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ. وأخْرَجَ اِبْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، والخَطِيبُ، عَنْ أبِي صالِحٍ قالَ: صَرِيرُ البابِ تَسْبِيحُهُ. وأخْرَجَ اِبْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي غالِبٍ الشَّيْبانِيِّ قالَ: صَوْتُ البَحْرِ تَسْبِيحُهُ، وأمْواجُهُ صَلاتُهُ. وأخْرَجَ اِبْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ النَّخَعِيِّ قالَ: الطَّعامُ يُسَبِّحُ. (p-٣٥٦)وأخْرَجَ اِبْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأحْمَدُ في“الزُّهْدِ”، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرانَ قالَ: أُتِيَ أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ بِغُرابٍ وافِرِ الجَناحَيْنِ، فَجَعَلَ يَنْشُرُ جَناحَهُ ويَقُولُ: ما صِيدَ مِن صَيْدٍ، ولا عُضِدَتْ مِن شَجَرَةٍ، إلّا بِما ضَيَّعَتْ مِنَ التَّسْبِيحِ. وأخْرَجَ اِبْنُ راهُوَيْهِ في“مُسْنَدِهِ”، مِن طَرِيقِ الزُّهْرِيِّ قالَ: «أُتِيَ أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ بِغُرابٍ وافِرِ الجَناحَيْنِ، فَقالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ سَلَّمَ يَقُولُ:“ما صِيدَ صَيْدٌ، ولا عُضِدَتْ عِضاةٌ، ولا قُطِعَتْ وشِيجَةٌ، إلّا بِقِلَّةِ التَّسْبِيحِ”» . وأخْرَجَ أبُو نُعَيْمٍ في“الحِلْيَةِ”، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «“ما صِيدَ مِن صَيْدٍ، ولا وُشِجَ مِن وشِيجٍ، إلّا بِتَضْيِيعِهِ التَّسْبِيحَ”» . وأخْرَجَ اِبْنُ مَرْدُويَهْ عَنِ اِبْنِ مَسْعُودٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «“ما اُصْطِيدَ مِن طَيْرٍ في السَّماءِ، ولا سَمَكٍ في الماءِ، حَتّى يَدَعَ ما اِفْتَرَضَ اللَّهُ عَلَيْهِ (p-٣٥٧)مِنَ التَّسْبِيحِ”» . وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْ أبِي الدَّرْداءِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «“ما أُخِذَ طائِرٌ ولا حُوتٌ إلّا بِتَضْيِيعِ التَّسْبِيحِ”» . وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْ يَزِيدَ بْنِ مَرْثَدٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «“لا يُصْطادُ شَيْءٌ مِنَ الطَّيْرِ والحَيَّتانِ إلّا بِما يُضَيِّعُ مِن تَسْبِيحِ اللَّهِ”» . وأخْرَجَ اِبْنُ عَساكِرَ، مِن طَرِيقِ يَزِيدَ بْنِ مَرْثَدٍ، عَنْ أبِي رُهْمٍ قالَ: قالَ النَّبِيُّ ﷺ: «“ما اُصْطِيدَ صَيْدٌ في بَرٍّ ولا بَحْرٍ إلّا بِتَضْيِيعِهِ التَّسْبِيحَ”» . وأخْرَجَ العَقِيلِيُّ في“الضُّعَفاءِ”، وأبُو الشَّيْخِ، والدَّيْلَمِيُّ، عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «“آجالُ البَهائِمِ كُلِّها، وخِشاشِ الأرْضِ، والقَمْلِ، والبَراغِيثِ، والجَرادِ، والخَيْلِ، والبِغالِ، والدَّوابِّ (p-٣٥٨)كُلِّها، والبَقَرِ وغَيْرِ ذَلِكَ، آجالُها في التَّسْبِيحِ، فَإذا اِنْقَضى تَسْبِيحُها قَبَضَ اللَّهُ أرْواحَها، ولَيْسَ إلى مَلَكِ المَوْتِ مِنها شَيْءٌ”» . وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وإنْ مِن شَيْءٍ إلا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ . قالَ: كُلُّ شَيْءٍ فِيهِ الرُّوحُ يُسَبِّحُ؛ مِن شَجَرَةٍ أوْ شَيْءٍ فِيهِ الرُّوحُ. وأخْرَجَ اِبْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿وإنْ مِن شَيْءٍ إلا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ . قالَ: ما مِن شَيْءٍ في أصْلِهِ الأوَّلِ لَمْ يَمُتْ إلّا وهو يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ. وأخْرَجَ اِبْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ اِبْنِ شَوْذَبٍ قالَ: جَلَسَ الحَسَنُ مَعَ أصْحابِهِ عَلى مائِدَةٍ، فَقالَ بَعْضُهم: هَذِهِ المائِدَةُ تُسَبِّحُ الآنَ. فَقالَ الحَسَنُ: كَلّا، إنَّما ذاكَ كُلُّ شَيْءٍ عَلى أصْلِهِ. وأخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ إبْراهِيمَ قالَ: الطَّعامُ يُسَبِّحُ. وأخْرَجَ اِبْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العاصِ قالَ: لا (p-٣٥٩)تَقْتُلُوا الضَّفادِعَ؛ فَإنَّ أصْواتَها تَسْبِيحٌ. وأخْرَجَ اِبْنُ أبِي الدُّنْيا، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ، والبَيْهَقِيُّ في“شُعَبِ الإيمانِ”، عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ قالَ: ظَنَّ داوُدُ في نَفْسِهِ أنَّ أحَدًا لَمْ يَمْدَحْ خالِقَهُ أفْضَلَ مِمّا مَدَحَهُ، وإنَّ مَلَكًا نَزَلَ وهو قاعِدٌ في المِحْرابِ والبِرْكَةُ إلى جانِبِهِ فَقالَ: يا داوُدُ، اِفْهَمْ إلى ما تُصَوِّتُ بِهِ الضِّفْدِعُ. فَأنْصَتَ داوُدُ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَإذا الضِّفْدِعُ تَمْدَحُهُ بِمِدْحَةٍ لَمْ يَمْدَحْهُ بِها داوُدُ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَقالَ لَهُ المَلَكُ: كَيْفَ تَرى يا داوُدُ، أفْهِمْتَ ما قالَتْ؟ قالَ: نَعَمْ، قالَ: ماذا قالَتْ؟ قالَ: قالَتْ: سُبْحانَكَ وبِحَمْدِكَ مُنْتَهى عِلْمِكَ يا رَبِّ. قالَ داوُدُ عَلَيْهِ السَّلامُ: لا والَّذِي جَعَلَنِي نَبِيَّهُ، إنِّي لَمْ أمْدَحْهُ بِهَذا. وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في“شُعَبِ الإيمانِ”عَنْ صَدَقَةَ بْنِ يَسارٍ قالَ: كانَ داوُدُ عَلَيْهِ السَّلامُ في مِحْرابِهِ، فَأبْصَرَ دُودَةً صَغِيرَةً، فَفَكَّرَ في خَلْقِها وقالَ: ما يَعْبَأُ اللَّهُ بِخَلْقِ هَذِهِ؟ فَأنْطَقَها اللَّهُ فَقالَتْ: يا داوُدُ، أتُعْجِبُكَ نَفْسُكَ؟ لَأنا، عَلى قَدْرِ ما آتانِي اللَّهُ، أذْكَرُ لِلَّهِ وأشْكَرُ لَهُ مِنكَ، عَلى ما آتاكَ اللَّهُ. قالَ اللَّهُ: ﴿وإنْ مِن شَيْءٍ إلا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ . (p-٣٦٠)وأخْرَجَ اِبْنُ المُنْذِرِ عَنِ الحَسَنِ قالَ: هَذِهِ الآيَةُ في التَّوْراةِ كَقَدْرِ ألْفِ آيَةٍ: ﴿وإنْ مِن شَيْءٍ إلا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ . قالَ: في التَّوْراةِ: تُسَبِّحُ لَهُ الجِبالُ، وتُسَبِّحُ لَهُ الشَّجَرُ، ويُسَبِّحُ لَهُ كَذا، ويُسَبِّحُ لَهُ كَذا. وأخْرَجَ أحْمَدُ في“الزُّهْدِ”، وأبُو الشَّيْخِ، عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ قالَ: كانَ داوُدُ عَلَيْهِ السَّلامُ يُسَمّى النَّوّاحَ في كِتابِ اللَّهِ، وإنَّهُ اِنْطَلَقَ حَتّى أتى البَحْرَ فَقالَ: أيُّها البَحْرُ، إنِّي هارِبٌ فارٌّ مِنَ الطّالِبِ الَّذِي لا يَنْأى، طَلَبُهُ، فاجْعَلْنِي قَطْرَةً في [٢٦٠ظ] مائِكَ، أوْ دابَّةً مِمّا فِيكَ، أوْ تُرْبَةً مِن تُرْبِكَ، أوْ صَخْرَةً مِن صَخْرِكَ. قالَ: أيُّها العَبْدُ الهارِبُ الفارُّ مِنَ الطّالِبِ الَّذِي لا يَنْأى طَلَبُهُ، اِرْجِعْ مِن حَيْثُ جِئْتَ، فَإنَّهُ لَيْسَ مِنِّي شَيْءٌ إلّا بارِزٌ يَنْظُرُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ إلَيْهِ، قَدْ أحْصاهُ وعَدَّهُ عَدًّا، فَلَسْتُ أسْتَطِيعُ ذَلِكَ. ثُمَّ اِنْطَلَقَ حَتّى أتى الجَبَلَ، فَقالَ: أيُّها الجَبَلُ، اِجْعَلْنِي حَجَرًا مِن حِجارَتِكَ، أوْ تُرْبَةً مِن تُرْبِكَ، أوْ صَخْرَةً مِن صَخْرِكَ، أوْ شَيْئًا مِمّا في جَوْفِكَ. فَقالَ: أيُّها العَبْدُ الهارِبُ الفارُّ مِنَ الطّالِبِ الَّذِي لا يَنْأى طَلَبُهُ، إنَّهُ لَيْسَ مِنِّي شَيْءٌ إلّا (p-٣٦١)يَراهُ ويَنْظُرُ إلَيْهِ، وقَدْ أحْصاهُ وعَدَّهُ عَدًّا، فَلَيْسَ أسْتَطِيعُ ذَلِكَ. ثُمَّ اِنْطَلَقَ حَتّى أتى الأرْضَ، يَعْنِي الرَّمْلَ، فَقالَ: أيُّها الرَّمْلُ، اِجْعَلْنِي تُرْبَةً مِن تُرْبِكَ، أوْ صَخْرَةً مِن صَخْرِكَ، أوْ شَيْئًا مِمّا في جَوْفِكَ. فَأوْحى اللَّهُ إلى الرَّمْلِ: أنْ أجِبْهُ. فَقالَ: أيُّها العَبْدُ الفارُّ مِنَ الطّالِبِ الَّذِي لا يَنْأى طَلَبُهُ، اِرْجِعْ مِن حَيْثُ جِئْتَ، فاجْعَلْ عَمَلَكَ لِقِسْمَيْنِ؛ لِرَغْبَةٍ أوْ لِرَهْبَةٍ، فَعَلى أيِّهِما أخَذَكَ رَبُّكَ لَمْ تُبالِ. وخَرَجَ فَأتى البَحْرَ في ساعَةٍ، فَصَلّى فِيها، فَنادَتْهُ ضِفْدِعَةٌ فَقالَتْ: يا داوُدُ، إنَّكَ حَدَّثْتَ نَفْسَكَ أنَّكَ قَدْ سَبَّحْتَ في ساعَةٍ لَيْسَ يَذْكُرُ اللَّهَ فِيها غَيْرُكَ، وإنِّي في سَبْعِينَ ألْفَ ضِفْدِعٍ كُلُّها قائِمَةٌ عَلى رِجْلٍ تُسَبِّحُ اللَّهَ تَعالى وتُقَدِّسُهُ. وأخْرَجَ أحْمَدُ، وأبُو الشَّيْخِ، عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ قالَ: صَلّى داوُدُ لَيْلَةً حَتّى أصْبَحَ، فَلَمّا أنْ أصْبَحَ وجَدَ في نَفْسِهِ سُرُورًا، فَنادَتْهُ ضِفْدِعَةٌ: يا داوُدُ، (p-٣٦٢)كُنْتُ أدْأبَ مِنكَ قَدْ أغْفَيْتَ إغْفاءً. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ في“العَظَمَةِ”عَنْ أبِي بُرْدَةَ بْنِ أبِي مُوسى قالَ: بَلَغَنِي أنَّهُ لَيْسَ شَيْءٌ أكْثَرَ تَسْبِيحًا مِن هَذِهِ الدُّودَةِ الحَمْراءِ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنِ الحَسَنِ قالَ: التُّرابُ يُسَبِّحُ، فَإذا بُنِيَ بِهِ الحائِطُ سَبَّحَ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْ أبِي إدْرِيسَ الخَوْلانِيِّ قالَ: الزَّرْعُ يُسَبِّحُ، ويُكْتَبُ الأجْرُ لِصاحِبِهِ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: إذا سَمِعْتَ نَقِيضًا مِنَ البَيْتِ أوْ مِنَ الخَشَبِ أوِ الجَدْرِ فَهو تَسْبِيحٌ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْ خَيْثَمَةَ قالَ: كانَ أبُو الدَّرْداءِ يَطْبُخُ قِدْرًا، فَوَقَعَتْ عَلى (p-٣٦٣)وجْهِها فَجَعَلَتْ تُسَبِّحُ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْ سُلَيْمانَ بْنِ المُغِيرَةِ قالَ: كانَ مُطَرِّفٌ إذا دَخَلَ بَيْتَهُ فَسَبَّحَ سَبَّحَتْ مَعَهُ آنِيَةُ بَيْتِهِ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنِ الحَسَنِ قالَ: لَوْلا ما غُمِّيَ عَلَيْكم مِن تَسْبِيحِ ما مَعَكم في البُيُوتِ ما تَقارَرْتُمْ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْ مِسْعَرٍ قالَ: لَوْلا ما غَمَّ اللَّهُ عَلَيْكم مِن تَسْبِيحِ خَلْقِهِ ما تَقارَرْتُمْ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿وإنْ مِن شَيْءٍ إلا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ . قالَ: كُلُّ شَيْءٍ فِيهِ الرُّوحُ يُسَبِّحُ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْ مُجاهِدٍ: ﴿وإنْ مِن شَيْءٍ إلا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ . قالَ: صَلاةُ الخَلْقِ وتَسْبِيحُهم: سُبْحانَ اللَّهِ وبِحَمْدِهِ. (p-٣٦٤)وأخْرَجَ النَّسائِيُّ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنِ اِبْنِ مَسْعُودٍ قالَ: «كُنّا أصْحابَ مُحَمَّدٍ ﷺ نَعُدُّ الآياتِ بَرَكَةً، وأنْتُمْ تَعُدُّونَها تَخْوِيفًا، بَيْنَما نَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَيْسَ مَعَنا ماءٌ، فَقالَ لَنا:“اُطْلُبُوا مَن مَعَهُ فَضْلُ ماءٍ”. فَأُتِيَ بِماءٍ، فَوَضَعَهُ في إناءٍ، ثُمَّ وضَعَ يَدَهُ فِيهِ، فَجَعَلَ الماءُ يَخْرُجُ مِن بَيْنِ أصابِعِهِ، ثُمَّ قالَ:“حَيَّ عَلى الطَّهُورِ المُبارَكِ، والبَرَكَةُ مِنَ اللَّهِ”. فَشَرِبْنا مِنهُ. قالَ عَبْدُ اللَّهِ: كُنّا نَسْمَعُ صَوْتَ الماءِ وتَسْبِيحَهُ وهو يَشْرَبُ» . وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ في“العَظَمَةِ”، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنِ اِبْنِ مَسْعُودٍ قالَ: «كُنّا نَأْكُلُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فَنَسْمَعُ تَسْبِيحَ الطَّعامِ وهو يُؤْكَلُ» . وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنْ أنَسٍ قالَ: «أُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِطَعامِ ثَرِيدٍ، فَقالَ:“إنَّ هَذا الطَّعامَ يُسَبِّحُ”. قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، وتَفْقَهُ تَسْبِيحَهُ؟ قالَ:“نَعَمْ”. ثُمَّ قالَ لِرَجُلٍ:“أدْنِ هَذِهِ القَصْعَةَ مِن هَذا الرَّجُلِ”. فَأدْناها، فَقالَ: نَعَمْ يا رَسُولَ اللَّهِ، هَذا الطَّعامُ يُسَبِّحُ. فَقالَ:“أدْنِها مِن آخَرَ”. فَأدْناها مِنهُ، (p-٣٦٥)فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، هَذا الطَّعامُ يُسَبِّحُ. ثُمَّ قالَ:“رُدَّها”. فَقالَ رَجُلٌ: يا رَسُولَ اللَّهِ، لَوْ أُمِرَّتْ عَلى القَوْمِ جَمِيعًا؟ فَقالَ:“لا، إنَّها لَوْ سَكَتَتْ عِنْدَ رَجُلٍ لَقالُوا: مِن ذَنْبٍ. رُدَّها”. فَرَدَّها» . وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، وأبُو نُعَيْمٍ في“الحِلْيَةِ”، عَنْ أبِي حَمْزَةَ الثُّمالِيِّ قالَ: قالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنِ وسَمِعَ عَصافِيرَ يَصِحْنَ فَقالَ: تَدْرِي ما يَقُلْنَ؟ قُلْتُ: لا. قالَ: يُسَبِّحْنَ رَبَّهُنَّ عَزَّ وجَلَّ ويَسْألْنَ قُوتَ يَوْمِهِنَّ. وأخْرَجَ الخَطِيبُ عَنْ أبِي حَمْزَةَ قالَ: «كُنّا مَعَ عَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنِ، فَمَرَّ بِنا عَصافِيرُ يَصِحْنَ، فَقالَ: أتُدْرُونَ ما تَقُولُ هَذِهِ العَصافِيرُ؟ قُلْنا: لا. قالَ: أما إنِّي ما أقُولُ: إنّا نَعْلَمُ الغَيْبَ. ولَكِنِّي سَمِعْتُ أبِي يَقُولُ: سَمِعْتُ أمِيرَ المُؤْمِنِينَ عَلِيَّ بْنَ أبِي طالِبٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ:“إنَّ الطَّيْرَ إذا أصْبَحَتْ سَبَّحَتْ رَبَّها، وسَألَتْهُ قُوتَ يَوْمِها”. وإنَّ هَذِهِ تُسَبِّحُ رَبَّها، وتَسْألُهُ قُوتَ يَوْمِها» . (p-٣٦٦)وأخْرَجَ الخَطِيبُ في“تارِيخِهِ”عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: «دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقالَ لِي:“يا عائِشَةُ، اِغْسِلِي هَذَيْنِ البُرْدَيْنِ”. فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، بِالأمْسِ غَسَلْتُهُما. فَقالَ لِي:“أما عَلِمْتِ أنَّ الثَّوْبَ يُسَبِّحُ، فَإذا اِتَّسَخَ اِنْقَطَعَ تَسْبِيحُهُ"» . * * قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهُ كانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ أخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ كانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ . قالَ: حَلِيمًا عَنْ خَلْقِهِ، فَلا يَعْجَلُ كَعَجَلَةِ بَعْضِهِمْ عَلى بَعْضٍ، غَفُورًا لَهم إذا تابُوا.

الإسراء 17:45

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا قَرَأْتَ القُرْآنَ﴾ الآياتِ. أخْرَجَ أبُو يَعْلى، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، وأبُو نُعَيْمٍ، والبَيْهَقِيُّ، مَعًا في ”الدَّلائِلِ“، عَنْ أسْماءَ بِنْتِ أبِي بَكْرٍ قالَتْ: «لَمّا نَزَلَتْ ﴿تَبَّتْ يَدا أبِي لَهَبٍ﴾ [المسد: ١] [المَسَدِ: ١] . أقْبَلَتِ العَوْراءُ أُمُّ جَمِيلٍ ولَها ولْوَلَةٌ، وفي يَدِها فِهْرٌ وهي تَقُولُ: ؎مُذَمَّمًا أبَيْنا ودِينَهُ قَلَيْنا ∗∗∗ وأمْرَهُ عَصَيْنا (p-٣٦٧)ورَسُولُ اللَّهِ ﷺ جالِسٌ، وأبُو بَكْرٍ إلى جَنْبِهِ، فَقالَ أبُو بَكْرٍ: لَقَدْ أقْبَلَتْ هَذِهِ وأنا أخافُ أنْ تَراكَ. فَقالَ: ”إنَّها لَنْ تَرانِي“ . وقَرَأ قُرْآنًا اِعْتَصَمَ بِهِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وإذا قَرَأْتَ القُرْآنَ جَعَلْنا بَيْنَكَ وبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ حِجابًا مَسْتُورًا﴾ . فَجاءَتْ حَتّى قامَتْ عَلى أبِي بَكْرٍ، فَلَمْ تَرَ النَّبِيَّ ﷺ فَقالَتْ: يا أبا بَكْرٍ، بَلَغَنِي أنَّ صاحِبَكَ هَجانِي. فَقالَ أبُو بَكْرٍ: لا ورَبِّ هَذا البَيْتِ، ما هَجاكِ. فانْصَرَفَتْ وهي تَقُولُ: قَدْ عَلِمَتْ قُرَيْشٌ أنِّي بِنْتُ سَيِّدِها» . وأخْرَجَ اِبْنُ مَرْدُويَهْ، والبَيْهَقِيُّ في ”الدَّلائِلِ“، مِن وجْهٍ آخَرَ، عَنْ أسْماءَ بِنْتِ أبِي بَكْرٍ، «أنَّ أُمَّ جَمِيلٍ دَخَلَتْ عَلى أبِي بَكْرٍ وعِنْدَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقالَتْ: يا اِبْنَ أبِي قُحافَةَ، ما شَأْنُ صاحِبِكَ يُنْشِدُ فِيَّ الشِّعْرَ؟ فَقالَ: واللَّهِ ما صاحِبِي بِشاعِرٍ، وما يَدْرِي ما الشِّعْرُ. فَقالَتْ: ألَيْسَ قَدْ قالَ: ﴿فِي جِيدِها حَبْلٌ مِن مَسَدٍ﴾ [المسد: ٥] [المَسَدِ: ٥] . فَما يُدْرِيهِ ما في جِيدِي؟ فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: ”قُلْ لَها: هَلْ تَرَيِنَّ عِنْدِي أحَدًا؟ فَإنَّها لَنْ تَرانِي، جُعِلَ بَيْنِي وبَيْنَها حِجابٌ“ . فَسَألَها أبُو بَكْرٍ: فَقالَتْ: أتَهْزَأُ بِي؟ واللَّهِ ما أرى عِنْدَكَ أحَدًا» . وأخْرَجَ اِبْنُ مَرْدُويَهْ «عَنْ أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقَ قالَ: كُنْتُ جالِسًا عِنْدَ المَقامِ ورَسُولُ اللَّهِ ﷺ في ظِلِّ الكَعْبَةِ بَيْنَ يَدَيَّ، إذْ جاءَتْ أُمُّ جَمِيلٍ بِنْتُ حَرْبِ بْنِ أُمَيَّةَ زَوْجَةُ أبِي لَهَبٍ، ومَعَها فِهْرانِ، فَقالَتْ: أيْنَ الَّذِي هَجانِي وهَجا زَوْجِي؟ (p-٣٦٨)واللَّهِ لَئِنْ رَأيْتُهُ لَأرُضَّنَّ أُنْثَيَيْهِ بِهَذَيْنِ الفِهْرَيْنِ. وذَلِكَ عِنْدَ نُزُولِ: ﴿تَبَّتْ يَدا أبِي لَهَبٍ﴾ [المسد: ١] . قالَ أبُو بَكْرٍ: فَقُلْتُ لَها: يا أُمَّ جَمِيلٍ، واللَّهِ ما هَجاكِ ولا هَجا زَوْجَكِ. قالَتْ: واللَّهِ ما أنْتَ بِكَذّابٍ، وإنَّ النّاسَ لَيَقُولُونَ ذاكَ. ثُمَّ ولَّتْ ذاهِبَةً، فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّها لَمْ تَرَكَ! فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: ”حالَ بَيْنِي وبَيْنَها جِبْرِيلُ» “ . وأخْرَجَ اِبْنُ أبِي شَيْبَةَ، والدّارَقُطْنِيُّ في ”الأفْرادِ“، وأبُو نُعَيْمٍ في ”الدَّلائِلِ“، عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ ﴿تَبَّتْ يَدا أبِي لَهَبٍ﴾ [المسد: ١] . جاءَتِ اِمْرَأةُ أبِي لَهَبٍ، فَقالَ أبُو بَكْرٍ: يا رَسُولَ اللَّهِ، لَوْ تَنَحَّيْتَ عَنْها، فَإنَّها اِمْرَأةٌ بَذِيَّةٌ. قالَ: ”سَيُحالُ بَيْنِي وبَيْنَها“ . فَلَمْ تَرَهُ. فَقالَتْ: يا أبا بَكْرٍ، هَجانا صاحِبُكَ. قالَ: واللَّهِ ما يَنْطِقُ بِالشِّعْرِ ولا يَقُولُهُ. فَقالَتْ: إنَّكَ لَمُصَدَّقٌ. فانْدَفَعَتْ راجِعَةً، فَقالَ أبُو بَكْرٍ: يا رَسُولَ اللَّهِ، ما رَأتْكَ! قالَ: ”كانَ بَيْنِي وبَيْنَها (p-٣٦٩)مَلَكٌ يَسْتُرُنِي بِجَناحِهِ حَتّى ذَهَبَتْ“» . وأخْرَجَ اِبْنُ إسْحاقَ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ اِبْنِ شِهابٍ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذا تَلا القُرْآنَ عَلى مُشْرِكِي قُرَيْشٍ ودَعاهم إلى اللَّهِ قالُوا يَهْزَؤُونَ بِهِ: قُلُوبُنا في أكِنَّةٍ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ وفي آذانِنا وقْرٌ، ومِن بَيْنِنا وبَيْنِكَ حِجابٌ. فَأنْزَلَ اللَّهُ في ذَلِكَ مِن قَوْلِهِمْ: ﴿وإذا قَرَأْتَ القُرْآنَ﴾ الآياتِ» . وأخْرَجَ اِبْنُ عَساكِرَ، ووَلَدُهُ القاسِمُ في كِتابِ ”آياتِ الحِرْزِ“، عَنِ العَبّاسِ بْنِ مُحَمَّدٍ المِنقَرِيِّ قالَ: قَدِمَ حُسَيْنُ بْنُ زَيْدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ المَدِينَةَ حاجًّا، فاحْتَجْنا إلى أنْ نُوَجِّهَ رَسُولًا، وكانَ في الخَوْفِ، فَأبى الرَّسُولُ أنْ يَخْرُجَ، وخافَ عَلى نَفْسِهِ مِنَ الطَّرِيقِ، فَقالَ الحُسَيْنُ: أنا أكْتُبُ لَكَ رُقْعَةً فِيها حِرْزٌ، لَنْ يَضُرَّكَ شَيْءٌ إنْ شاءَ اللَّهُ. فَكَتَبَ لَهُ رُقْعَةً وجَعَلَها الرَّسُولُ في صُرَّتِهِ، فَذَهَبَ الرَّسُولُ فَلَمْ يَلْبَثْ أنْ جاءَ سالِمًا، فَقالَ: مَرَرْتُ بِالأعْرابِ يَمِينًا وشِمالًا فَما هَيَّجَنِي مِنهم أحَدٌ. والحِرْزُ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنِ، عَنْ أبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ، وإنَّ هَذا الحِرْزَ كانَ الأنْبِياءُ يَتَحَرَّزُونَ بِهِ مِنَ الفَراعِنَةِ: (﷽) . ﴿قالَ اخسئوا فِيها ولا (p-٣٧٠)تُكَلِّمُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٨] [المُؤْمِنُونَ: ١٠٨] . ﴿إنِّي أعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنكَ إنْ كُنْتَ تَقِيًّا﴾ [مريم: ١٨] [مَرْيَمَ: ١٨] . أخَذْتُ بِسَمْعِ اللَّهِ وبَصَرِهِ وقُوَّتِهِ عَلى أسْماعِكم وأبْصارِكم وقُوَّتِكم يا مَعْشَرَ الجِنِّ، والإنْسِ، والشَّياطِينِ، والأعْرابِ، والسِّباعِ، والهَوامِّ، واللُّصُوصِ - مِمّا يَخافُ ويَحْذَرُ فُلانُ بْنُ فُلانٍ، سَتَرْتُ بَيْنَهُ وبَيْنَكم بِسِتْرِ النُّبُوَّةِ [٢٦١و] الَّتِي اِسْتَتَرُوا بِها مِن سَطَواتِ الفَراعِنَةِ، جِبْرِيلُ عَنْ أيْمانِكُمْ، ومِيكائِيلُ عَنْ شَمائِلِكُمْ، ومُحَمَّدٌ ﷺ أمامَكُمْ، واللَّهُ تَعالى مِن فَوْقِكم يَمْنَعُكم مِن فُلانِ بْنِ فُلانٍ؛ في نَفْسِهِ، ووَلَدِهِ، وأهْلِهِ، وشَعَرِهِ، وبَشَرِهِ، ومالِهِ، وما عَلَيْهِ، وما مَعَهُ، وما تَحْتَهُ، وما فَوْقَهُ: ﴿وإذا قَرَأْتَ القُرْآنَ جَعَلْنا بَيْنَكَ وبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ حِجابًا مَسْتُورًا﴾ ﴿وجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أكِنَّةً﴾ . إلى قَوْلِهِ: ﴿نُفُورًا﴾ . وصَلّى اللَّهُ عَلى مُحَمَّدٍ وسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا. وأخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وإذا قَرَأْتَ القُرْآنَ جَعَلْنا بَيْنَكَ وبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ حِجابًا مَسْتُورًا﴾ . قالَ: الحِجابُ المَسْتُورُ أكِنَّةٌ عَلى قُلُوبِهِمْ أنْ يَفْقَهُوهُ وأنْ يَنْتَفِعُوا بِهِ؛ أطاعُوا الشَّيْطانَ فاسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمْ. وأخْرَجَ اِبْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ زُهَيْرِ بْنِ مُحَمَّدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وإذا قَرَأْتَ القُرْآنَ﴾ الآيَةَ. قالَ: ذاكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، إذا قَرَأ القُرْآنَ عَلى المُشْرِكِينَ بِمَكَّةَ سَمِعُوا قِراءَتَهُ ولا يَرَوْنَهُ. (p-٣٧١)وأخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ اِبْنِ زَيْدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وإذا ذَكَرْتَ رَبَّكَ في القُرْآنِ وحْدَهُ ولَّوْا عَلى أدْبارِهِمْ نُفُورًا﴾ . قالَ: بُغْضًا لِما تَكَلَّمَ بِهِ لِئَلّا يَسْمَعُوهُ، كَما كانَ قَوْمُ نُوحٍ يَجْعَلُونَ أصابِعَهم في آذانِهِمْ لِئَلّا يَسْمَعُوا ما يَأْمُرُهم بِهِ مِنَ الِاسْتِغْفارِ والتَّوْبَةِ. وأخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وإذا ذَكَرْتَ رَبَّكَ في القُرْآنِ وحْدَهُ ولَّوْا عَلى أدْبارِهِمْ نُفُورًا﴾ . قالَ: الشَّياطِينُ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ في ”تارِيخِهِ“ «عَنْ أبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ، أنَّهُ قالَ: لِمَ كَتَبْتُمْ: (﷽)؟ فَنِعْمَ الِاسْمُ واللَّهِ كَتَمُوا، فَإنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ إذا دَخَلَ مُنْزِلَهُ، اِجْتَمَعَتْ عَلَيْهِ قُرَيْشٌ، فَيَجْهَرُ بِـ (بَسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) ويَرْفَعُ صَوْتَهُ بِها، فَتُوَلِّي قُرَيْشٌ فِرارًا، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وإذا ذَكَرْتَ رَبَّكَ في القُرْآنِ وحْدَهُ ولَّوْا عَلى أدْبارِهِمْ نُفُورًا﴾ [الإسراء»: ٤٦] . وأخْرَجَ اِبْنُ مَرْدُويَهْ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إذْ يَسْتَمِعُونَ إلَيْكَ﴾ . قالَ: عُتْبَةُ وشَيْبَةُ اِبْنا رَبِيعَةَ، والوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ، والعاصِي بْنُ وائِلٍ. (p-٣٧٢)وأخْرَجَ اِبْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿إذْ يَسْتَمِعُونَ إلَيْكَ﴾ . قالَ: هي في مِثْلِ قَوْلِ الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ ومَن مَعَهُ في دارِ النَّدْوَةِ. وفي قَوْلِهِ: ﴿فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلا﴾ . قالَ: مَخْرَجًا يُخْرِجُهم مِنَ الأمْثالِ الَّتِي ضَرَبُوا لَكَ؛ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ وأصْحابُهُ. وأخْرَجَ اِبْنُ إسْحاقَ، والبَيْهَقِيُّ في ”الدَّلائِلِ“، عَنِ الزُّهْرِيِّ قالَ: «حُدِّثْتُ أنَّ أبا جَهْلٍ، وأبا سُفْيانَ، والأخْنَسَ بْنَ شَرِيقٍ، خَرَجُوا لَيْلَةً لِيَسْتَمِعُوا مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وهو يُصَلِّي بِاللَّيْلِ في بَيْتِهِ، فَأخَذَ كُلُّ رَجُلٍ مِنهم مَجْلِسًا يَسْتَمِعُ فِيهِ، وكُلٌّ لا يَعْلَمُ بِمَكانِ صاحِبِهِ، فَباتُوا يَسْتَمِعُونَ لَهُ، حَتّى إذا طَلَعَ الفَجْرُ تَفَرَّقُوا، فَجَمَعَتْهُمُ الطَّرِيقُ، فَتَلاوَمُوا، فَقالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: لا تَعُودُوا، فَلَوْ رَآكم بَعْضُ سُفَهائِكم لَأوْقَعْتُمْ في نَفْسِهِ شَيْئًا. ثُمَّ اِنْصَرَفُوا حَتّى إذا كانَتِ اللَّيْلَةُ الثّانِيَةُ، عادَ كُلُّ رَجُلٍ مِنهم إلى مَجْلِسِهِ، فَباتُوا يَسْتَمِعُونَ لَهُ، حَتّى طَلَعَ الفَجْرُ تَفَرَّقُوا، فَجَمَعَتْهُمُ الطَّرِيقُ، فَقالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ مِثْلَ ما قالُوا أوَّلَ مَرَّةٍ، ثُمَّ اِنْصَرَفُوا، حَتّى إذا كانَتِ اللَّيْلَةُ الثّالِثَةُ أخَذَ كُلُّ واحِدٍ مِنهم مَجْلِسَهُ، فَباتُوا يَسْتَمِعُونَ لَهُ، حَتّى إذا طَلَعَ الفَجْرُ تَفَرَّقُوا، فَجَمَعَتْهُمُ الطَّرِيقُ، فَقالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: لا نَبْرَحُ حَتّى نَتَعاهَدَ لا نَعُودُ. فَتَعاهَدُوا عَلى ذَلِكَ ثُمَّ تَفَرَّقُوا، فَلَمّا أصْبَحَ الأخْنَسُ أتى أبا سُفْيانَ في بَيْتِهِ فَقالَ: أخْبِرْنِي عَنْ رَأْيِكَ فِيما سَمِعْتَ مِن مُحَمَّدٍ. قالَ: واللَّهِ لَقَدْ (p-٣٧٣)سَمِعْتُ أشْياءَ أعْرِفُها وأعْرِفُ ما يُرادُ بِها، وسَمِعْتُ أشْياءَ ما عَرَفْتُ مَعْناها، ولا ما يُرادُ بِها. قالَ الأخْنَسُ: وأنا والَّذِي حَلَفْتَ بِهِ. ثُمَّ خَرَجَ مِن عِنْدِهِ حَتّى أتى أبا جَهْلٍ، فَقالَ: ما رَأْيُكَ فِيما سَمِعْتَ مِن مُحَمَّدٍ؟ قالَ: ماذا سَمِعْتُ؟ تَنازَعْنا نَحْنُ وبَنُو عَبْدِ مُنافٍ في الشَّرَفِ، أطْعَمُوا فَأطْعَمْنا، وحَمَلُوا فَحَمَلْنا، وأعْطَوْا فَأعْطَيْنا، حَتّى إذا تَجاثَيْنا عَلى الرُّكَبِ وكُنّا كَفَرَسَيْ رِهانٍ قالُوا: مِنّا نَبِيٌّ يَأْتِيهِ الوَحْيُ مِنَ السَّماءِ. فَمَتى نُدْرِكُ هَذِهِ؟! واللَّهِ لا نُؤْمِنُ بِهِ أبَدًا، ولا نُصَدِّقُهُ. فَقامَ عَنْهُ الأخْنَسُ وتَرَكَهُ» .

الإسراء 17:46

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا قَرَأْتَ القُرْآنَ﴾ الآياتِ. أخْرَجَ أبُو يَعْلى، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، وأبُو نُعَيْمٍ، والبَيْهَقِيُّ، مَعًا في ”الدَّلائِلِ“، عَنْ أسْماءَ بِنْتِ أبِي بَكْرٍ قالَتْ: «لَمّا نَزَلَتْ ﴿تَبَّتْ يَدا أبِي لَهَبٍ﴾ [المسد: ١] [المَسَدِ: ١] . أقْبَلَتِ العَوْراءُ أُمُّ جَمِيلٍ ولَها ولْوَلَةٌ، وفي يَدِها فِهْرٌ وهي تَقُولُ: ؎مُذَمَّمًا أبَيْنا ودِينَهُ قَلَيْنا ∗∗∗ وأمْرَهُ عَصَيْنا (p-٣٦٧)ورَسُولُ اللَّهِ ﷺ جالِسٌ، وأبُو بَكْرٍ إلى جَنْبِهِ، فَقالَ أبُو بَكْرٍ: لَقَدْ أقْبَلَتْ هَذِهِ وأنا أخافُ أنْ تَراكَ. فَقالَ: ”إنَّها لَنْ تَرانِي“ . وقَرَأ قُرْآنًا اِعْتَصَمَ بِهِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وإذا قَرَأْتَ القُرْآنَ جَعَلْنا بَيْنَكَ وبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ حِجابًا مَسْتُورًا﴾ . فَجاءَتْ حَتّى قامَتْ عَلى أبِي بَكْرٍ، فَلَمْ تَرَ النَّبِيَّ ﷺ فَقالَتْ: يا أبا بَكْرٍ، بَلَغَنِي أنَّ صاحِبَكَ هَجانِي. فَقالَ أبُو بَكْرٍ: لا ورَبِّ هَذا البَيْتِ، ما هَجاكِ. فانْصَرَفَتْ وهي تَقُولُ: قَدْ عَلِمَتْ قُرَيْشٌ أنِّي بِنْتُ سَيِّدِها» . وأخْرَجَ اِبْنُ مَرْدُويَهْ، والبَيْهَقِيُّ في ”الدَّلائِلِ“، مِن وجْهٍ آخَرَ، عَنْ أسْماءَ بِنْتِ أبِي بَكْرٍ، «أنَّ أُمَّ جَمِيلٍ دَخَلَتْ عَلى أبِي بَكْرٍ وعِنْدَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقالَتْ: يا اِبْنَ أبِي قُحافَةَ، ما شَأْنُ صاحِبِكَ يُنْشِدُ فِيَّ الشِّعْرَ؟ فَقالَ: واللَّهِ ما صاحِبِي بِشاعِرٍ، وما يَدْرِي ما الشِّعْرُ. فَقالَتْ: ألَيْسَ قَدْ قالَ: ﴿فِي جِيدِها حَبْلٌ مِن مَسَدٍ﴾ [المسد: ٥] [المَسَدِ: ٥] . فَما يُدْرِيهِ ما في جِيدِي؟ فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: ”قُلْ لَها: هَلْ تَرَيِنَّ عِنْدِي أحَدًا؟ فَإنَّها لَنْ تَرانِي، جُعِلَ بَيْنِي وبَيْنَها حِجابٌ“ . فَسَألَها أبُو بَكْرٍ: فَقالَتْ: أتَهْزَأُ بِي؟ واللَّهِ ما أرى عِنْدَكَ أحَدًا» . وأخْرَجَ اِبْنُ مَرْدُويَهْ «عَنْ أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقَ قالَ: كُنْتُ جالِسًا عِنْدَ المَقامِ ورَسُولُ اللَّهِ ﷺ في ظِلِّ الكَعْبَةِ بَيْنَ يَدَيَّ، إذْ جاءَتْ أُمُّ جَمِيلٍ بِنْتُ حَرْبِ بْنِ أُمَيَّةَ زَوْجَةُ أبِي لَهَبٍ، ومَعَها فِهْرانِ، فَقالَتْ: أيْنَ الَّذِي هَجانِي وهَجا زَوْجِي؟ (p-٣٦٨)واللَّهِ لَئِنْ رَأيْتُهُ لَأرُضَّنَّ أُنْثَيَيْهِ بِهَذَيْنِ الفِهْرَيْنِ. وذَلِكَ عِنْدَ نُزُولِ: ﴿تَبَّتْ يَدا أبِي لَهَبٍ﴾ [المسد: ١] . قالَ أبُو بَكْرٍ: فَقُلْتُ لَها: يا أُمَّ جَمِيلٍ، واللَّهِ ما هَجاكِ ولا هَجا زَوْجَكِ. قالَتْ: واللَّهِ ما أنْتَ بِكَذّابٍ، وإنَّ النّاسَ لَيَقُولُونَ ذاكَ. ثُمَّ ولَّتْ ذاهِبَةً، فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّها لَمْ تَرَكَ! فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: ”حالَ بَيْنِي وبَيْنَها جِبْرِيلُ» “ . وأخْرَجَ اِبْنُ أبِي شَيْبَةَ، والدّارَقُطْنِيُّ في ”الأفْرادِ“، وأبُو نُعَيْمٍ في ”الدَّلائِلِ“، عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ ﴿تَبَّتْ يَدا أبِي لَهَبٍ﴾ [المسد: ١] . جاءَتِ اِمْرَأةُ أبِي لَهَبٍ، فَقالَ أبُو بَكْرٍ: يا رَسُولَ اللَّهِ، لَوْ تَنَحَّيْتَ عَنْها، فَإنَّها اِمْرَأةٌ بَذِيَّةٌ. قالَ: ”سَيُحالُ بَيْنِي وبَيْنَها“ . فَلَمْ تَرَهُ. فَقالَتْ: يا أبا بَكْرٍ، هَجانا صاحِبُكَ. قالَ: واللَّهِ ما يَنْطِقُ بِالشِّعْرِ ولا يَقُولُهُ. فَقالَتْ: إنَّكَ لَمُصَدَّقٌ. فانْدَفَعَتْ راجِعَةً، فَقالَ أبُو بَكْرٍ: يا رَسُولَ اللَّهِ، ما رَأتْكَ! قالَ: ”كانَ بَيْنِي وبَيْنَها (p-٣٦٩)مَلَكٌ يَسْتُرُنِي بِجَناحِهِ حَتّى ذَهَبَتْ“» . وأخْرَجَ اِبْنُ إسْحاقَ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ اِبْنِ شِهابٍ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذا تَلا القُرْآنَ عَلى مُشْرِكِي قُرَيْشٍ ودَعاهم إلى اللَّهِ قالُوا يَهْزَؤُونَ بِهِ: قُلُوبُنا في أكِنَّةٍ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ وفي آذانِنا وقْرٌ، ومِن بَيْنِنا وبَيْنِكَ حِجابٌ. فَأنْزَلَ اللَّهُ في ذَلِكَ مِن قَوْلِهِمْ: ﴿وإذا قَرَأْتَ القُرْآنَ﴾ الآياتِ» . وأخْرَجَ اِبْنُ عَساكِرَ، ووَلَدُهُ القاسِمُ في كِتابِ ”آياتِ الحِرْزِ“، عَنِ العَبّاسِ بْنِ مُحَمَّدٍ المِنقَرِيِّ قالَ: قَدِمَ حُسَيْنُ بْنُ زَيْدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ المَدِينَةَ حاجًّا، فاحْتَجْنا إلى أنْ نُوَجِّهَ رَسُولًا، وكانَ في الخَوْفِ، فَأبى الرَّسُولُ أنْ يَخْرُجَ، وخافَ عَلى نَفْسِهِ مِنَ الطَّرِيقِ، فَقالَ الحُسَيْنُ: أنا أكْتُبُ لَكَ رُقْعَةً فِيها حِرْزٌ، لَنْ يَضُرَّكَ شَيْءٌ إنْ شاءَ اللَّهُ. فَكَتَبَ لَهُ رُقْعَةً وجَعَلَها الرَّسُولُ في صُرَّتِهِ، فَذَهَبَ الرَّسُولُ فَلَمْ يَلْبَثْ أنْ جاءَ سالِمًا، فَقالَ: مَرَرْتُ بِالأعْرابِ يَمِينًا وشِمالًا فَما هَيَّجَنِي مِنهم أحَدٌ. والحِرْزُ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنِ، عَنْ أبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ، وإنَّ هَذا الحِرْزَ كانَ الأنْبِياءُ يَتَحَرَّزُونَ بِهِ مِنَ الفَراعِنَةِ: (﷽) . ﴿قالَ اخسئوا فِيها ولا (p-٣٧٠)تُكَلِّمُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٨] [المُؤْمِنُونَ: ١٠٨] . ﴿إنِّي أعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنكَ إنْ كُنْتَ تَقِيًّا﴾ [مريم: ١٨] [مَرْيَمَ: ١٨] . أخَذْتُ بِسَمْعِ اللَّهِ وبَصَرِهِ وقُوَّتِهِ عَلى أسْماعِكم وأبْصارِكم وقُوَّتِكم يا مَعْشَرَ الجِنِّ، والإنْسِ، والشَّياطِينِ، والأعْرابِ، والسِّباعِ، والهَوامِّ، واللُّصُوصِ - مِمّا يَخافُ ويَحْذَرُ فُلانُ بْنُ فُلانٍ، سَتَرْتُ بَيْنَهُ وبَيْنَكم بِسِتْرِ النُّبُوَّةِ [٢٦١و] الَّتِي اِسْتَتَرُوا بِها مِن سَطَواتِ الفَراعِنَةِ، جِبْرِيلُ عَنْ أيْمانِكُمْ، ومِيكائِيلُ عَنْ شَمائِلِكُمْ، ومُحَمَّدٌ ﷺ أمامَكُمْ، واللَّهُ تَعالى مِن فَوْقِكم يَمْنَعُكم مِن فُلانِ بْنِ فُلانٍ؛ في نَفْسِهِ، ووَلَدِهِ، وأهْلِهِ، وشَعَرِهِ، وبَشَرِهِ، ومالِهِ، وما عَلَيْهِ، وما مَعَهُ، وما تَحْتَهُ، وما فَوْقَهُ: ﴿وإذا قَرَأْتَ القُرْآنَ جَعَلْنا بَيْنَكَ وبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ حِجابًا مَسْتُورًا﴾ ﴿وجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أكِنَّةً﴾ . إلى قَوْلِهِ: ﴿نُفُورًا﴾ . وصَلّى اللَّهُ عَلى مُحَمَّدٍ وسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا. وأخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وإذا قَرَأْتَ القُرْآنَ جَعَلْنا بَيْنَكَ وبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ حِجابًا مَسْتُورًا﴾ . قالَ: الحِجابُ المَسْتُورُ أكِنَّةٌ عَلى قُلُوبِهِمْ أنْ يَفْقَهُوهُ وأنْ يَنْتَفِعُوا بِهِ؛ أطاعُوا الشَّيْطانَ فاسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمْ. وأخْرَجَ اِبْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ زُهَيْرِ بْنِ مُحَمَّدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وإذا قَرَأْتَ القُرْآنَ﴾ الآيَةَ. قالَ: ذاكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، إذا قَرَأ القُرْآنَ عَلى المُشْرِكِينَ بِمَكَّةَ سَمِعُوا قِراءَتَهُ ولا يَرَوْنَهُ. (p-٣٧١)وأخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ اِبْنِ زَيْدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وإذا ذَكَرْتَ رَبَّكَ في القُرْآنِ وحْدَهُ ولَّوْا عَلى أدْبارِهِمْ نُفُورًا﴾ . قالَ: بُغْضًا لِما تَكَلَّمَ بِهِ لِئَلّا يَسْمَعُوهُ، كَما كانَ قَوْمُ نُوحٍ يَجْعَلُونَ أصابِعَهم في آذانِهِمْ لِئَلّا يَسْمَعُوا ما يَأْمُرُهم بِهِ مِنَ الِاسْتِغْفارِ والتَّوْبَةِ. وأخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وإذا ذَكَرْتَ رَبَّكَ في القُرْآنِ وحْدَهُ ولَّوْا عَلى أدْبارِهِمْ نُفُورًا﴾ . قالَ: الشَّياطِينُ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ في ”تارِيخِهِ“ «عَنْ أبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ، أنَّهُ قالَ: لِمَ كَتَبْتُمْ: (﷽)؟ فَنِعْمَ الِاسْمُ واللَّهِ كَتَمُوا، فَإنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ إذا دَخَلَ مُنْزِلَهُ، اِجْتَمَعَتْ عَلَيْهِ قُرَيْشٌ، فَيَجْهَرُ بِـ (بَسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) ويَرْفَعُ صَوْتَهُ بِها، فَتُوَلِّي قُرَيْشٌ فِرارًا، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وإذا ذَكَرْتَ رَبَّكَ في القُرْآنِ وحْدَهُ ولَّوْا عَلى أدْبارِهِمْ نُفُورًا﴾ [الإسراء»: ٤٦] . وأخْرَجَ اِبْنُ مَرْدُويَهْ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إذْ يَسْتَمِعُونَ إلَيْكَ﴾ . قالَ: عُتْبَةُ وشَيْبَةُ اِبْنا رَبِيعَةَ، والوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ، والعاصِي بْنُ وائِلٍ. (p-٣٧٢)وأخْرَجَ اِبْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿إذْ يَسْتَمِعُونَ إلَيْكَ﴾ . قالَ: هي في مِثْلِ قَوْلِ الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ ومَن مَعَهُ في دارِ النَّدْوَةِ. وفي قَوْلِهِ: ﴿فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلا﴾ . قالَ: مَخْرَجًا يُخْرِجُهم مِنَ الأمْثالِ الَّتِي ضَرَبُوا لَكَ؛ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ وأصْحابُهُ. وأخْرَجَ اِبْنُ إسْحاقَ، والبَيْهَقِيُّ في ”الدَّلائِلِ“، عَنِ الزُّهْرِيِّ قالَ: «حُدِّثْتُ أنَّ أبا جَهْلٍ، وأبا سُفْيانَ، والأخْنَسَ بْنَ شَرِيقٍ، خَرَجُوا لَيْلَةً لِيَسْتَمِعُوا مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وهو يُصَلِّي بِاللَّيْلِ في بَيْتِهِ، فَأخَذَ كُلُّ رَجُلٍ مِنهم مَجْلِسًا يَسْتَمِعُ فِيهِ، وكُلٌّ لا يَعْلَمُ بِمَكانِ صاحِبِهِ، فَباتُوا يَسْتَمِعُونَ لَهُ، حَتّى إذا طَلَعَ الفَجْرُ تَفَرَّقُوا، فَجَمَعَتْهُمُ الطَّرِيقُ، فَتَلاوَمُوا، فَقالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: لا تَعُودُوا، فَلَوْ رَآكم بَعْضُ سُفَهائِكم لَأوْقَعْتُمْ في نَفْسِهِ شَيْئًا. ثُمَّ اِنْصَرَفُوا حَتّى إذا كانَتِ اللَّيْلَةُ الثّانِيَةُ، عادَ كُلُّ رَجُلٍ مِنهم إلى مَجْلِسِهِ، فَباتُوا يَسْتَمِعُونَ لَهُ، حَتّى طَلَعَ الفَجْرُ تَفَرَّقُوا، فَجَمَعَتْهُمُ الطَّرِيقُ، فَقالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ مِثْلَ ما قالُوا أوَّلَ مَرَّةٍ، ثُمَّ اِنْصَرَفُوا، حَتّى إذا كانَتِ اللَّيْلَةُ الثّالِثَةُ أخَذَ كُلُّ واحِدٍ مِنهم مَجْلِسَهُ، فَباتُوا يَسْتَمِعُونَ لَهُ، حَتّى إذا طَلَعَ الفَجْرُ تَفَرَّقُوا، فَجَمَعَتْهُمُ الطَّرِيقُ، فَقالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: لا نَبْرَحُ حَتّى نَتَعاهَدَ لا نَعُودُ. فَتَعاهَدُوا عَلى ذَلِكَ ثُمَّ تَفَرَّقُوا، فَلَمّا أصْبَحَ الأخْنَسُ أتى أبا سُفْيانَ في بَيْتِهِ فَقالَ: أخْبِرْنِي عَنْ رَأْيِكَ فِيما سَمِعْتَ مِن مُحَمَّدٍ. قالَ: واللَّهِ لَقَدْ (p-٣٧٣)سَمِعْتُ أشْياءَ أعْرِفُها وأعْرِفُ ما يُرادُ بِها، وسَمِعْتُ أشْياءَ ما عَرَفْتُ مَعْناها، ولا ما يُرادُ بِها. قالَ الأخْنَسُ: وأنا والَّذِي حَلَفْتَ بِهِ. ثُمَّ خَرَجَ مِن عِنْدِهِ حَتّى أتى أبا جَهْلٍ، فَقالَ: ما رَأْيُكَ فِيما سَمِعْتَ مِن مُحَمَّدٍ؟ قالَ: ماذا سَمِعْتُ؟ تَنازَعْنا نَحْنُ وبَنُو عَبْدِ مُنافٍ في الشَّرَفِ، أطْعَمُوا فَأطْعَمْنا، وحَمَلُوا فَحَمَلْنا، وأعْطَوْا فَأعْطَيْنا، حَتّى إذا تَجاثَيْنا عَلى الرُّكَبِ وكُنّا كَفَرَسَيْ رِهانٍ قالُوا: مِنّا نَبِيٌّ يَأْتِيهِ الوَحْيُ مِنَ السَّماءِ. فَمَتى نُدْرِكُ هَذِهِ؟! واللَّهِ لا نُؤْمِنُ بِهِ أبَدًا، ولا نُصَدِّقُهُ. فَقامَ عَنْهُ الأخْنَسُ وتَرَكَهُ» .

الإسراء 17:47

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا قَرَأْتَ القُرْآنَ﴾ الآياتِ. أخْرَجَ أبُو يَعْلى، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، وأبُو نُعَيْمٍ، والبَيْهَقِيُّ، مَعًا في ”الدَّلائِلِ“، عَنْ أسْماءَ بِنْتِ أبِي بَكْرٍ قالَتْ: «لَمّا نَزَلَتْ ﴿تَبَّتْ يَدا أبِي لَهَبٍ﴾ [المسد: ١] [المَسَدِ: ١] . أقْبَلَتِ العَوْراءُ أُمُّ جَمِيلٍ ولَها ولْوَلَةٌ، وفي يَدِها فِهْرٌ وهي تَقُولُ: ؎مُذَمَّمًا أبَيْنا ودِينَهُ قَلَيْنا ∗∗∗ وأمْرَهُ عَصَيْنا (p-٣٦٧)ورَسُولُ اللَّهِ ﷺ جالِسٌ، وأبُو بَكْرٍ إلى جَنْبِهِ، فَقالَ أبُو بَكْرٍ: لَقَدْ أقْبَلَتْ هَذِهِ وأنا أخافُ أنْ تَراكَ. فَقالَ: ”إنَّها لَنْ تَرانِي“ . وقَرَأ قُرْآنًا اِعْتَصَمَ بِهِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وإذا قَرَأْتَ القُرْآنَ جَعَلْنا بَيْنَكَ وبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ حِجابًا مَسْتُورًا﴾ . فَجاءَتْ حَتّى قامَتْ عَلى أبِي بَكْرٍ، فَلَمْ تَرَ النَّبِيَّ ﷺ فَقالَتْ: يا أبا بَكْرٍ، بَلَغَنِي أنَّ صاحِبَكَ هَجانِي. فَقالَ أبُو بَكْرٍ: لا ورَبِّ هَذا البَيْتِ، ما هَجاكِ. فانْصَرَفَتْ وهي تَقُولُ: قَدْ عَلِمَتْ قُرَيْشٌ أنِّي بِنْتُ سَيِّدِها» . وأخْرَجَ اِبْنُ مَرْدُويَهْ، والبَيْهَقِيُّ في ”الدَّلائِلِ“، مِن وجْهٍ آخَرَ، عَنْ أسْماءَ بِنْتِ أبِي بَكْرٍ، «أنَّ أُمَّ جَمِيلٍ دَخَلَتْ عَلى أبِي بَكْرٍ وعِنْدَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقالَتْ: يا اِبْنَ أبِي قُحافَةَ، ما شَأْنُ صاحِبِكَ يُنْشِدُ فِيَّ الشِّعْرَ؟ فَقالَ: واللَّهِ ما صاحِبِي بِشاعِرٍ، وما يَدْرِي ما الشِّعْرُ. فَقالَتْ: ألَيْسَ قَدْ قالَ: ﴿فِي جِيدِها حَبْلٌ مِن مَسَدٍ﴾ [المسد: ٥] [المَسَدِ: ٥] . فَما يُدْرِيهِ ما في جِيدِي؟ فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: ”قُلْ لَها: هَلْ تَرَيِنَّ عِنْدِي أحَدًا؟ فَإنَّها لَنْ تَرانِي، جُعِلَ بَيْنِي وبَيْنَها حِجابٌ“ . فَسَألَها أبُو بَكْرٍ: فَقالَتْ: أتَهْزَأُ بِي؟ واللَّهِ ما أرى عِنْدَكَ أحَدًا» . وأخْرَجَ اِبْنُ مَرْدُويَهْ «عَنْ أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقَ قالَ: كُنْتُ جالِسًا عِنْدَ المَقامِ ورَسُولُ اللَّهِ ﷺ في ظِلِّ الكَعْبَةِ بَيْنَ يَدَيَّ، إذْ جاءَتْ أُمُّ جَمِيلٍ بِنْتُ حَرْبِ بْنِ أُمَيَّةَ زَوْجَةُ أبِي لَهَبٍ، ومَعَها فِهْرانِ، فَقالَتْ: أيْنَ الَّذِي هَجانِي وهَجا زَوْجِي؟ (p-٣٦٨)واللَّهِ لَئِنْ رَأيْتُهُ لَأرُضَّنَّ أُنْثَيَيْهِ بِهَذَيْنِ الفِهْرَيْنِ. وذَلِكَ عِنْدَ نُزُولِ: ﴿تَبَّتْ يَدا أبِي لَهَبٍ﴾ [المسد: ١] . قالَ أبُو بَكْرٍ: فَقُلْتُ لَها: يا أُمَّ جَمِيلٍ، واللَّهِ ما هَجاكِ ولا هَجا زَوْجَكِ. قالَتْ: واللَّهِ ما أنْتَ بِكَذّابٍ، وإنَّ النّاسَ لَيَقُولُونَ ذاكَ. ثُمَّ ولَّتْ ذاهِبَةً، فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّها لَمْ تَرَكَ! فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: ”حالَ بَيْنِي وبَيْنَها جِبْرِيلُ» “ . وأخْرَجَ اِبْنُ أبِي شَيْبَةَ، والدّارَقُطْنِيُّ في ”الأفْرادِ“، وأبُو نُعَيْمٍ في ”الدَّلائِلِ“، عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ ﴿تَبَّتْ يَدا أبِي لَهَبٍ﴾ [المسد: ١] . جاءَتِ اِمْرَأةُ أبِي لَهَبٍ، فَقالَ أبُو بَكْرٍ: يا رَسُولَ اللَّهِ، لَوْ تَنَحَّيْتَ عَنْها، فَإنَّها اِمْرَأةٌ بَذِيَّةٌ. قالَ: ”سَيُحالُ بَيْنِي وبَيْنَها“ . فَلَمْ تَرَهُ. فَقالَتْ: يا أبا بَكْرٍ، هَجانا صاحِبُكَ. قالَ: واللَّهِ ما يَنْطِقُ بِالشِّعْرِ ولا يَقُولُهُ. فَقالَتْ: إنَّكَ لَمُصَدَّقٌ. فانْدَفَعَتْ راجِعَةً، فَقالَ أبُو بَكْرٍ: يا رَسُولَ اللَّهِ، ما رَأتْكَ! قالَ: ”كانَ بَيْنِي وبَيْنَها (p-٣٦٩)مَلَكٌ يَسْتُرُنِي بِجَناحِهِ حَتّى ذَهَبَتْ“» . وأخْرَجَ اِبْنُ إسْحاقَ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ اِبْنِ شِهابٍ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذا تَلا القُرْآنَ عَلى مُشْرِكِي قُرَيْشٍ ودَعاهم إلى اللَّهِ قالُوا يَهْزَؤُونَ بِهِ: قُلُوبُنا في أكِنَّةٍ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ وفي آذانِنا وقْرٌ، ومِن بَيْنِنا وبَيْنِكَ حِجابٌ. فَأنْزَلَ اللَّهُ في ذَلِكَ مِن قَوْلِهِمْ: ﴿وإذا قَرَأْتَ القُرْآنَ﴾ الآياتِ» . وأخْرَجَ اِبْنُ عَساكِرَ، ووَلَدُهُ القاسِمُ في كِتابِ ”آياتِ الحِرْزِ“، عَنِ العَبّاسِ بْنِ مُحَمَّدٍ المِنقَرِيِّ قالَ: قَدِمَ حُسَيْنُ بْنُ زَيْدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ المَدِينَةَ حاجًّا، فاحْتَجْنا إلى أنْ نُوَجِّهَ رَسُولًا، وكانَ في الخَوْفِ، فَأبى الرَّسُولُ أنْ يَخْرُجَ، وخافَ عَلى نَفْسِهِ مِنَ الطَّرِيقِ، فَقالَ الحُسَيْنُ: أنا أكْتُبُ لَكَ رُقْعَةً فِيها حِرْزٌ، لَنْ يَضُرَّكَ شَيْءٌ إنْ شاءَ اللَّهُ. فَكَتَبَ لَهُ رُقْعَةً وجَعَلَها الرَّسُولُ في صُرَّتِهِ، فَذَهَبَ الرَّسُولُ فَلَمْ يَلْبَثْ أنْ جاءَ سالِمًا، فَقالَ: مَرَرْتُ بِالأعْرابِ يَمِينًا وشِمالًا فَما هَيَّجَنِي مِنهم أحَدٌ. والحِرْزُ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنِ، عَنْ أبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ، وإنَّ هَذا الحِرْزَ كانَ الأنْبِياءُ يَتَحَرَّزُونَ بِهِ مِنَ الفَراعِنَةِ: (﷽) . ﴿قالَ اخسئوا فِيها ولا (p-٣٧٠)تُكَلِّمُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٨] [المُؤْمِنُونَ: ١٠٨] . ﴿إنِّي أعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنكَ إنْ كُنْتَ تَقِيًّا﴾ [مريم: ١٨] [مَرْيَمَ: ١٨] . أخَذْتُ بِسَمْعِ اللَّهِ وبَصَرِهِ وقُوَّتِهِ عَلى أسْماعِكم وأبْصارِكم وقُوَّتِكم يا مَعْشَرَ الجِنِّ، والإنْسِ، والشَّياطِينِ، والأعْرابِ، والسِّباعِ، والهَوامِّ، واللُّصُوصِ - مِمّا يَخافُ ويَحْذَرُ فُلانُ بْنُ فُلانٍ، سَتَرْتُ بَيْنَهُ وبَيْنَكم بِسِتْرِ النُّبُوَّةِ [٢٦١و] الَّتِي اِسْتَتَرُوا بِها مِن سَطَواتِ الفَراعِنَةِ، جِبْرِيلُ عَنْ أيْمانِكُمْ، ومِيكائِيلُ عَنْ شَمائِلِكُمْ، ومُحَمَّدٌ ﷺ أمامَكُمْ، واللَّهُ تَعالى مِن فَوْقِكم يَمْنَعُكم مِن فُلانِ بْنِ فُلانٍ؛ في نَفْسِهِ، ووَلَدِهِ، وأهْلِهِ، وشَعَرِهِ، وبَشَرِهِ، ومالِهِ، وما عَلَيْهِ، وما مَعَهُ، وما تَحْتَهُ، وما فَوْقَهُ: ﴿وإذا قَرَأْتَ القُرْآنَ جَعَلْنا بَيْنَكَ وبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ حِجابًا مَسْتُورًا﴾ ﴿وجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أكِنَّةً﴾ . إلى قَوْلِهِ: ﴿نُفُورًا﴾ . وصَلّى اللَّهُ عَلى مُحَمَّدٍ وسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا. وأخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وإذا قَرَأْتَ القُرْآنَ جَعَلْنا بَيْنَكَ وبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ حِجابًا مَسْتُورًا﴾ . قالَ: الحِجابُ المَسْتُورُ أكِنَّةٌ عَلى قُلُوبِهِمْ أنْ يَفْقَهُوهُ وأنْ يَنْتَفِعُوا بِهِ؛ أطاعُوا الشَّيْطانَ فاسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمْ. وأخْرَجَ اِبْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ زُهَيْرِ بْنِ مُحَمَّدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وإذا قَرَأْتَ القُرْآنَ﴾ الآيَةَ. قالَ: ذاكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، إذا قَرَأ القُرْآنَ عَلى المُشْرِكِينَ بِمَكَّةَ سَمِعُوا قِراءَتَهُ ولا يَرَوْنَهُ. (p-٣٧١)وأخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ اِبْنِ زَيْدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وإذا ذَكَرْتَ رَبَّكَ في القُرْآنِ وحْدَهُ ولَّوْا عَلى أدْبارِهِمْ نُفُورًا﴾ . قالَ: بُغْضًا لِما تَكَلَّمَ بِهِ لِئَلّا يَسْمَعُوهُ، كَما كانَ قَوْمُ نُوحٍ يَجْعَلُونَ أصابِعَهم في آذانِهِمْ لِئَلّا يَسْمَعُوا ما يَأْمُرُهم بِهِ مِنَ الِاسْتِغْفارِ والتَّوْبَةِ. وأخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وإذا ذَكَرْتَ رَبَّكَ في القُرْآنِ وحْدَهُ ولَّوْا عَلى أدْبارِهِمْ نُفُورًا﴾ . قالَ: الشَّياطِينُ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ في ”تارِيخِهِ“ «عَنْ أبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ، أنَّهُ قالَ: لِمَ كَتَبْتُمْ: (﷽)؟ فَنِعْمَ الِاسْمُ واللَّهِ كَتَمُوا، فَإنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ إذا دَخَلَ مُنْزِلَهُ، اِجْتَمَعَتْ عَلَيْهِ قُرَيْشٌ، فَيَجْهَرُ بِـ (بَسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) ويَرْفَعُ صَوْتَهُ بِها، فَتُوَلِّي قُرَيْشٌ فِرارًا، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وإذا ذَكَرْتَ رَبَّكَ في القُرْآنِ وحْدَهُ ولَّوْا عَلى أدْبارِهِمْ نُفُورًا﴾ [الإسراء»: ٤٦] . وأخْرَجَ اِبْنُ مَرْدُويَهْ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إذْ يَسْتَمِعُونَ إلَيْكَ﴾ . قالَ: عُتْبَةُ وشَيْبَةُ اِبْنا رَبِيعَةَ، والوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ، والعاصِي بْنُ وائِلٍ. (p-٣٧٢)وأخْرَجَ اِبْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿إذْ يَسْتَمِعُونَ إلَيْكَ﴾ . قالَ: هي في مِثْلِ قَوْلِ الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ ومَن مَعَهُ في دارِ النَّدْوَةِ. وفي قَوْلِهِ: ﴿فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلا﴾ . قالَ: مَخْرَجًا يُخْرِجُهم مِنَ الأمْثالِ الَّتِي ضَرَبُوا لَكَ؛ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ وأصْحابُهُ. وأخْرَجَ اِبْنُ إسْحاقَ، والبَيْهَقِيُّ في ”الدَّلائِلِ“، عَنِ الزُّهْرِيِّ قالَ: «حُدِّثْتُ أنَّ أبا جَهْلٍ، وأبا سُفْيانَ، والأخْنَسَ بْنَ شَرِيقٍ، خَرَجُوا لَيْلَةً لِيَسْتَمِعُوا مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وهو يُصَلِّي بِاللَّيْلِ في بَيْتِهِ، فَأخَذَ كُلُّ رَجُلٍ مِنهم مَجْلِسًا يَسْتَمِعُ فِيهِ، وكُلٌّ لا يَعْلَمُ بِمَكانِ صاحِبِهِ، فَباتُوا يَسْتَمِعُونَ لَهُ، حَتّى إذا طَلَعَ الفَجْرُ تَفَرَّقُوا، فَجَمَعَتْهُمُ الطَّرِيقُ، فَتَلاوَمُوا، فَقالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: لا تَعُودُوا، فَلَوْ رَآكم بَعْضُ سُفَهائِكم لَأوْقَعْتُمْ في نَفْسِهِ شَيْئًا. ثُمَّ اِنْصَرَفُوا حَتّى إذا كانَتِ اللَّيْلَةُ الثّانِيَةُ، عادَ كُلُّ رَجُلٍ مِنهم إلى مَجْلِسِهِ، فَباتُوا يَسْتَمِعُونَ لَهُ، حَتّى طَلَعَ الفَجْرُ تَفَرَّقُوا، فَجَمَعَتْهُمُ الطَّرِيقُ، فَقالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ مِثْلَ ما قالُوا أوَّلَ مَرَّةٍ، ثُمَّ اِنْصَرَفُوا، حَتّى إذا كانَتِ اللَّيْلَةُ الثّالِثَةُ أخَذَ كُلُّ واحِدٍ مِنهم مَجْلِسَهُ، فَباتُوا يَسْتَمِعُونَ لَهُ، حَتّى إذا طَلَعَ الفَجْرُ تَفَرَّقُوا، فَجَمَعَتْهُمُ الطَّرِيقُ، فَقالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: لا نَبْرَحُ حَتّى نَتَعاهَدَ لا نَعُودُ. فَتَعاهَدُوا عَلى ذَلِكَ ثُمَّ تَفَرَّقُوا، فَلَمّا أصْبَحَ الأخْنَسُ أتى أبا سُفْيانَ في بَيْتِهِ فَقالَ: أخْبِرْنِي عَنْ رَأْيِكَ فِيما سَمِعْتَ مِن مُحَمَّدٍ. قالَ: واللَّهِ لَقَدْ (p-٣٧٣)سَمِعْتُ أشْياءَ أعْرِفُها وأعْرِفُ ما يُرادُ بِها، وسَمِعْتُ أشْياءَ ما عَرَفْتُ مَعْناها، ولا ما يُرادُ بِها. قالَ الأخْنَسُ: وأنا والَّذِي حَلَفْتَ بِهِ. ثُمَّ خَرَجَ مِن عِنْدِهِ حَتّى أتى أبا جَهْلٍ، فَقالَ: ما رَأْيُكَ فِيما سَمِعْتَ مِن مُحَمَّدٍ؟ قالَ: ماذا سَمِعْتُ؟ تَنازَعْنا نَحْنُ وبَنُو عَبْدِ مُنافٍ في الشَّرَفِ، أطْعَمُوا فَأطْعَمْنا، وحَمَلُوا فَحَمَلْنا، وأعْطَوْا فَأعْطَيْنا، حَتّى إذا تَجاثَيْنا عَلى الرُّكَبِ وكُنّا كَفَرَسَيْ رِهانٍ قالُوا: مِنّا نَبِيٌّ يَأْتِيهِ الوَحْيُ مِنَ السَّماءِ. فَمَتى نُدْرِكُ هَذِهِ؟! واللَّهِ لا نُؤْمِنُ بِهِ أبَدًا، ولا نُصَدِّقُهُ. فَقامَ عَنْهُ الأخْنَسُ وتَرَكَهُ» .

الإسراء 17:48

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا قَرَأْتَ القُرْآنَ﴾ الآياتِ. أخْرَجَ أبُو يَعْلى، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، وأبُو نُعَيْمٍ، والبَيْهَقِيُّ، مَعًا في ”الدَّلائِلِ“، عَنْ أسْماءَ بِنْتِ أبِي بَكْرٍ قالَتْ: «لَمّا نَزَلَتْ ﴿تَبَّتْ يَدا أبِي لَهَبٍ﴾ [المسد: ١] [المَسَدِ: ١] . أقْبَلَتِ العَوْراءُ أُمُّ جَمِيلٍ ولَها ولْوَلَةٌ، وفي يَدِها فِهْرٌ وهي تَقُولُ: ؎مُذَمَّمًا أبَيْنا ودِينَهُ قَلَيْنا ∗∗∗ وأمْرَهُ عَصَيْنا (p-٣٦٧)ورَسُولُ اللَّهِ ﷺ جالِسٌ، وأبُو بَكْرٍ إلى جَنْبِهِ، فَقالَ أبُو بَكْرٍ: لَقَدْ أقْبَلَتْ هَذِهِ وأنا أخافُ أنْ تَراكَ. فَقالَ: ”إنَّها لَنْ تَرانِي“ . وقَرَأ قُرْآنًا اِعْتَصَمَ بِهِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿وإذا قَرَأْتَ القُرْآنَ جَعَلْنا بَيْنَكَ وبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ حِجابًا مَسْتُورًا﴾ . فَجاءَتْ حَتّى قامَتْ عَلى أبِي بَكْرٍ، فَلَمْ تَرَ النَّبِيَّ ﷺ فَقالَتْ: يا أبا بَكْرٍ، بَلَغَنِي أنَّ صاحِبَكَ هَجانِي. فَقالَ أبُو بَكْرٍ: لا ورَبِّ هَذا البَيْتِ، ما هَجاكِ. فانْصَرَفَتْ وهي تَقُولُ: قَدْ عَلِمَتْ قُرَيْشٌ أنِّي بِنْتُ سَيِّدِها» . وأخْرَجَ اِبْنُ مَرْدُويَهْ، والبَيْهَقِيُّ في ”الدَّلائِلِ“، مِن وجْهٍ آخَرَ، عَنْ أسْماءَ بِنْتِ أبِي بَكْرٍ، «أنَّ أُمَّ جَمِيلٍ دَخَلَتْ عَلى أبِي بَكْرٍ وعِنْدَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقالَتْ: يا اِبْنَ أبِي قُحافَةَ، ما شَأْنُ صاحِبِكَ يُنْشِدُ فِيَّ الشِّعْرَ؟ فَقالَ: واللَّهِ ما صاحِبِي بِشاعِرٍ، وما يَدْرِي ما الشِّعْرُ. فَقالَتْ: ألَيْسَ قَدْ قالَ: ﴿فِي جِيدِها حَبْلٌ مِن مَسَدٍ﴾ [المسد: ٥] [المَسَدِ: ٥] . فَما يُدْرِيهِ ما في جِيدِي؟ فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: ”قُلْ لَها: هَلْ تَرَيِنَّ عِنْدِي أحَدًا؟ فَإنَّها لَنْ تَرانِي، جُعِلَ بَيْنِي وبَيْنَها حِجابٌ“ . فَسَألَها أبُو بَكْرٍ: فَقالَتْ: أتَهْزَأُ بِي؟ واللَّهِ ما أرى عِنْدَكَ أحَدًا» . وأخْرَجَ اِبْنُ مَرْدُويَهْ «عَنْ أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقَ قالَ: كُنْتُ جالِسًا عِنْدَ المَقامِ ورَسُولُ اللَّهِ ﷺ في ظِلِّ الكَعْبَةِ بَيْنَ يَدَيَّ، إذْ جاءَتْ أُمُّ جَمِيلٍ بِنْتُ حَرْبِ بْنِ أُمَيَّةَ زَوْجَةُ أبِي لَهَبٍ، ومَعَها فِهْرانِ، فَقالَتْ: أيْنَ الَّذِي هَجانِي وهَجا زَوْجِي؟ (p-٣٦٨)واللَّهِ لَئِنْ رَأيْتُهُ لَأرُضَّنَّ أُنْثَيَيْهِ بِهَذَيْنِ الفِهْرَيْنِ. وذَلِكَ عِنْدَ نُزُولِ: ﴿تَبَّتْ يَدا أبِي لَهَبٍ﴾ [المسد: ١] . قالَ أبُو بَكْرٍ: فَقُلْتُ لَها: يا أُمَّ جَمِيلٍ، واللَّهِ ما هَجاكِ ولا هَجا زَوْجَكِ. قالَتْ: واللَّهِ ما أنْتَ بِكَذّابٍ، وإنَّ النّاسَ لَيَقُولُونَ ذاكَ. ثُمَّ ولَّتْ ذاهِبَةً، فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّها لَمْ تَرَكَ! فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: ”حالَ بَيْنِي وبَيْنَها جِبْرِيلُ» “ . وأخْرَجَ اِبْنُ أبِي شَيْبَةَ، والدّارَقُطْنِيُّ في ”الأفْرادِ“، وأبُو نُعَيْمٍ في ”الدَّلائِلِ“، عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ ﴿تَبَّتْ يَدا أبِي لَهَبٍ﴾ [المسد: ١] . جاءَتِ اِمْرَأةُ أبِي لَهَبٍ، فَقالَ أبُو بَكْرٍ: يا رَسُولَ اللَّهِ، لَوْ تَنَحَّيْتَ عَنْها، فَإنَّها اِمْرَأةٌ بَذِيَّةٌ. قالَ: ”سَيُحالُ بَيْنِي وبَيْنَها“ . فَلَمْ تَرَهُ. فَقالَتْ: يا أبا بَكْرٍ، هَجانا صاحِبُكَ. قالَ: واللَّهِ ما يَنْطِقُ بِالشِّعْرِ ولا يَقُولُهُ. فَقالَتْ: إنَّكَ لَمُصَدَّقٌ. فانْدَفَعَتْ راجِعَةً، فَقالَ أبُو بَكْرٍ: يا رَسُولَ اللَّهِ، ما رَأتْكَ! قالَ: ”كانَ بَيْنِي وبَيْنَها (p-٣٦٩)مَلَكٌ يَسْتُرُنِي بِجَناحِهِ حَتّى ذَهَبَتْ“» . وأخْرَجَ اِبْنُ إسْحاقَ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ اِبْنِ شِهابٍ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذا تَلا القُرْآنَ عَلى مُشْرِكِي قُرَيْشٍ ودَعاهم إلى اللَّهِ قالُوا يَهْزَؤُونَ بِهِ: قُلُوبُنا في أكِنَّةٍ مِمّا تَدْعُونا إلَيْهِ وفي آذانِنا وقْرٌ، ومِن بَيْنِنا وبَيْنِكَ حِجابٌ. فَأنْزَلَ اللَّهُ في ذَلِكَ مِن قَوْلِهِمْ: ﴿وإذا قَرَأْتَ القُرْآنَ﴾ الآياتِ» . وأخْرَجَ اِبْنُ عَساكِرَ، ووَلَدُهُ القاسِمُ في كِتابِ ”آياتِ الحِرْزِ“، عَنِ العَبّاسِ بْنِ مُحَمَّدٍ المِنقَرِيِّ قالَ: قَدِمَ حُسَيْنُ بْنُ زَيْدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ المَدِينَةَ حاجًّا، فاحْتَجْنا إلى أنْ نُوَجِّهَ رَسُولًا، وكانَ في الخَوْفِ، فَأبى الرَّسُولُ أنْ يَخْرُجَ، وخافَ عَلى نَفْسِهِ مِنَ الطَّرِيقِ، فَقالَ الحُسَيْنُ: أنا أكْتُبُ لَكَ رُقْعَةً فِيها حِرْزٌ، لَنْ يَضُرَّكَ شَيْءٌ إنْ شاءَ اللَّهُ. فَكَتَبَ لَهُ رُقْعَةً وجَعَلَها الرَّسُولُ في صُرَّتِهِ، فَذَهَبَ الرَّسُولُ فَلَمْ يَلْبَثْ أنْ جاءَ سالِمًا، فَقالَ: مَرَرْتُ بِالأعْرابِ يَمِينًا وشِمالًا فَما هَيَّجَنِي مِنهم أحَدٌ. والحِرْزُ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنِ، عَنْ أبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ، وإنَّ هَذا الحِرْزَ كانَ الأنْبِياءُ يَتَحَرَّزُونَ بِهِ مِنَ الفَراعِنَةِ: (﷽) . ﴿قالَ اخسئوا فِيها ولا (p-٣٧٠)تُكَلِّمُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٨] [المُؤْمِنُونَ: ١٠٨] . ﴿إنِّي أعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنكَ إنْ كُنْتَ تَقِيًّا﴾ [مريم: ١٨] [مَرْيَمَ: ١٨] . أخَذْتُ بِسَمْعِ اللَّهِ وبَصَرِهِ وقُوَّتِهِ عَلى أسْماعِكم وأبْصارِكم وقُوَّتِكم يا مَعْشَرَ الجِنِّ، والإنْسِ، والشَّياطِينِ، والأعْرابِ، والسِّباعِ، والهَوامِّ، واللُّصُوصِ - مِمّا يَخافُ ويَحْذَرُ فُلانُ بْنُ فُلانٍ، سَتَرْتُ بَيْنَهُ وبَيْنَكم بِسِتْرِ النُّبُوَّةِ [٢٦١و] الَّتِي اِسْتَتَرُوا بِها مِن سَطَواتِ الفَراعِنَةِ، جِبْرِيلُ عَنْ أيْمانِكُمْ، ومِيكائِيلُ عَنْ شَمائِلِكُمْ، ومُحَمَّدٌ ﷺ أمامَكُمْ، واللَّهُ تَعالى مِن فَوْقِكم يَمْنَعُكم مِن فُلانِ بْنِ فُلانٍ؛ في نَفْسِهِ، ووَلَدِهِ، وأهْلِهِ، وشَعَرِهِ، وبَشَرِهِ، ومالِهِ، وما عَلَيْهِ، وما مَعَهُ، وما تَحْتَهُ، وما فَوْقَهُ: ﴿وإذا قَرَأْتَ القُرْآنَ جَعَلْنا بَيْنَكَ وبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ حِجابًا مَسْتُورًا﴾ ﴿وجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أكِنَّةً﴾ . إلى قَوْلِهِ: ﴿نُفُورًا﴾ . وصَلّى اللَّهُ عَلى مُحَمَّدٍ وسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا. وأخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وإذا قَرَأْتَ القُرْآنَ جَعَلْنا بَيْنَكَ وبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ حِجابًا مَسْتُورًا﴾ . قالَ: الحِجابُ المَسْتُورُ أكِنَّةٌ عَلى قُلُوبِهِمْ أنْ يَفْقَهُوهُ وأنْ يَنْتَفِعُوا بِهِ؛ أطاعُوا الشَّيْطانَ فاسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمْ. وأخْرَجَ اِبْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ زُهَيْرِ بْنِ مُحَمَّدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وإذا قَرَأْتَ القُرْآنَ﴾ الآيَةَ. قالَ: ذاكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، إذا قَرَأ القُرْآنَ عَلى المُشْرِكِينَ بِمَكَّةَ سَمِعُوا قِراءَتَهُ ولا يَرَوْنَهُ. (p-٣٧١)وأخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ اِبْنِ زَيْدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وإذا ذَكَرْتَ رَبَّكَ في القُرْآنِ وحْدَهُ ولَّوْا عَلى أدْبارِهِمْ نُفُورًا﴾ . قالَ: بُغْضًا لِما تَكَلَّمَ بِهِ لِئَلّا يَسْمَعُوهُ، كَما كانَ قَوْمُ نُوحٍ يَجْعَلُونَ أصابِعَهم في آذانِهِمْ لِئَلّا يَسْمَعُوا ما يَأْمُرُهم بِهِ مِنَ الِاسْتِغْفارِ والتَّوْبَةِ. وأخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وإذا ذَكَرْتَ رَبَّكَ في القُرْآنِ وحْدَهُ ولَّوْا عَلى أدْبارِهِمْ نُفُورًا﴾ . قالَ: الشَّياطِينُ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ في ”تارِيخِهِ“ «عَنْ أبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ، أنَّهُ قالَ: لِمَ كَتَبْتُمْ: (﷽)؟ فَنِعْمَ الِاسْمُ واللَّهِ كَتَمُوا، فَإنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ إذا دَخَلَ مُنْزِلَهُ، اِجْتَمَعَتْ عَلَيْهِ قُرَيْشٌ، فَيَجْهَرُ بِـ (بَسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) ويَرْفَعُ صَوْتَهُ بِها، فَتُوَلِّي قُرَيْشٌ فِرارًا، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وإذا ذَكَرْتَ رَبَّكَ في القُرْآنِ وحْدَهُ ولَّوْا عَلى أدْبارِهِمْ نُفُورًا﴾ [الإسراء»: ٤٦] . وأخْرَجَ اِبْنُ مَرْدُويَهْ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إذْ يَسْتَمِعُونَ إلَيْكَ﴾ . قالَ: عُتْبَةُ وشَيْبَةُ اِبْنا رَبِيعَةَ، والوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ، والعاصِي بْنُ وائِلٍ. (p-٣٧٢)وأخْرَجَ اِبْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿إذْ يَسْتَمِعُونَ إلَيْكَ﴾ . قالَ: هي في مِثْلِ قَوْلِ الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ ومَن مَعَهُ في دارِ النَّدْوَةِ. وفي قَوْلِهِ: ﴿فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلا﴾ . قالَ: مَخْرَجًا يُخْرِجُهم مِنَ الأمْثالِ الَّتِي ضَرَبُوا لَكَ؛ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ وأصْحابُهُ. وأخْرَجَ اِبْنُ إسْحاقَ، والبَيْهَقِيُّ في ”الدَّلائِلِ“، عَنِ الزُّهْرِيِّ قالَ: «حُدِّثْتُ أنَّ أبا جَهْلٍ، وأبا سُفْيانَ، والأخْنَسَ بْنَ شَرِيقٍ، خَرَجُوا لَيْلَةً لِيَسْتَمِعُوا مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وهو يُصَلِّي بِاللَّيْلِ في بَيْتِهِ، فَأخَذَ كُلُّ رَجُلٍ مِنهم مَجْلِسًا يَسْتَمِعُ فِيهِ، وكُلٌّ لا يَعْلَمُ بِمَكانِ صاحِبِهِ، فَباتُوا يَسْتَمِعُونَ لَهُ، حَتّى إذا طَلَعَ الفَجْرُ تَفَرَّقُوا، فَجَمَعَتْهُمُ الطَّرِيقُ، فَتَلاوَمُوا، فَقالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: لا تَعُودُوا، فَلَوْ رَآكم بَعْضُ سُفَهائِكم لَأوْقَعْتُمْ في نَفْسِهِ شَيْئًا. ثُمَّ اِنْصَرَفُوا حَتّى إذا كانَتِ اللَّيْلَةُ الثّانِيَةُ، عادَ كُلُّ رَجُلٍ مِنهم إلى مَجْلِسِهِ، فَباتُوا يَسْتَمِعُونَ لَهُ، حَتّى طَلَعَ الفَجْرُ تَفَرَّقُوا، فَجَمَعَتْهُمُ الطَّرِيقُ، فَقالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ مِثْلَ ما قالُوا أوَّلَ مَرَّةٍ، ثُمَّ اِنْصَرَفُوا، حَتّى إذا كانَتِ اللَّيْلَةُ الثّالِثَةُ أخَذَ كُلُّ واحِدٍ مِنهم مَجْلِسَهُ، فَباتُوا يَسْتَمِعُونَ لَهُ، حَتّى إذا طَلَعَ الفَجْرُ تَفَرَّقُوا، فَجَمَعَتْهُمُ الطَّرِيقُ، فَقالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: لا نَبْرَحُ حَتّى نَتَعاهَدَ لا نَعُودُ. فَتَعاهَدُوا عَلى ذَلِكَ ثُمَّ تَفَرَّقُوا، فَلَمّا أصْبَحَ الأخْنَسُ أتى أبا سُفْيانَ في بَيْتِهِ فَقالَ: أخْبِرْنِي عَنْ رَأْيِكَ فِيما سَمِعْتَ مِن مُحَمَّدٍ. قالَ: واللَّهِ لَقَدْ (p-٣٧٣)سَمِعْتُ أشْياءَ أعْرِفُها وأعْرِفُ ما يُرادُ بِها، وسَمِعْتُ أشْياءَ ما عَرَفْتُ مَعْناها، ولا ما يُرادُ بِها. قالَ الأخْنَسُ: وأنا والَّذِي حَلَفْتَ بِهِ. ثُمَّ خَرَجَ مِن عِنْدِهِ حَتّى أتى أبا جَهْلٍ، فَقالَ: ما رَأْيُكَ فِيما سَمِعْتَ مِن مُحَمَّدٍ؟ قالَ: ماذا سَمِعْتُ؟ تَنازَعْنا نَحْنُ وبَنُو عَبْدِ مُنافٍ في الشَّرَفِ، أطْعَمُوا فَأطْعَمْنا، وحَمَلُوا فَحَمَلْنا، وأعْطَوْا فَأعْطَيْنا، حَتّى إذا تَجاثَيْنا عَلى الرُّكَبِ وكُنّا كَفَرَسَيْ رِهانٍ قالُوا: مِنّا نَبِيٌّ يَأْتِيهِ الوَحْيُ مِنَ السَّماءِ. فَمَتى نُدْرِكُ هَذِهِ؟! واللَّهِ لا نُؤْمِنُ بِهِ أبَدًا، ولا نُصَدِّقُهُ. فَقامَ عَنْهُ الأخْنَسُ وتَرَكَهُ» .

الإسراء 17:49

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالُوا أإذا كُنّا عِظامًا﴾ الآيَتَيْنِ. أخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ورُفاتًا﴾ . قالَ غُبارًا. وأخْرَجَ اِبْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ورُفاتًا﴾ . قالَ: تُرابًا. وفي قَوْلِهِ: ﴿قُلْ كُونُوا حِجارَةً أوْ حَدِيدًا﴾ . قالَ: ما شِئْتُمْ فَكُونُوا، فَسَيُعِيدُكُمُ اللَّهُ كَما كُنْتُمْ. وأخْرَجَ اِبْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ في زَوائِدِ ”الزُّهْدِ“، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ اِبْنِ عُمَرَ في قَوْلِهِ: ﴿أوْ خُلُقًا مِمّا يَكْبُرُ في (p-٣٧٤)صُدُورِكُمْ﴾ . قالَ: المَوْتُ. قالَ: لَوْ كُنْتُمْ مَوْتًا لَأحْيَيْتُكم. وأخْرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ في زَوائِدِ ”الزُّهْدِ“، وابْنُ جَرِيرٍ، والحاكِمُ، عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿أوْ خَلْقًا مِمّا يَكْبُرُ في صُدُورِكُمْ﴾ . قالَ: المَوْتُ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ في ”العَظَمَةِ“ عَنِ الحَسَنِ، مِثْلَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ في زَوائِدِ ”الزُّهْدِ“، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ في قَوْلِهِ: ﴿أوْ خَلْقًا مِمّا يَكْبُرُ في صُدُورِكُمْ﴾ . قالَ: هو المَوْتُ، لَيْسَ شَيْءٌ أكْبَرَ في نَفْسِ اِبْنِ آدَمَ مِنَ المَوْتِ. قالَ: فَكُونُوا المَوْتَ إنِ اِسْتَطَعْتُمْ، فَإنَّ المَوْتَ سَيَمُوتُ. وأخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَسَيُنْغِضُونَ إلَيْكَ رُءُوسَهُمْ﴾ . قالَ: سَيُحَرِّكُونَها اِسْتِهْزاءً. وأخْرَجَ الطَّسْتِيُّ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ، أنَّ نافِعَ بْنَ الأزْرَقِ قالَ لَهُ: أخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَسَيُنْغِضُونَ إلَيْكَ رُءُوسَهُمْ﴾ . قالَ: يُحَرِّكُونَ رُءُوسَهُمُ اِسْتِهْزاءً بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ . قالَ: وهَلْ تَعْرِفُ العَرَبُ ذَلِكَ؟ قالَ: نَعَمْ، أما سَمِعْتَ (p-٣٧٥)الشّاعِرَ وهو يَقُولُ: ؎أتُنْغِضُ لِي يَوْمَ الفِجارِ وقَدْ تَرى خُيُولًا عَلَيْها كالأسْوَدِ ضَوارِيا. وأخْرَجَ اِبْنُ المُنْذِرِ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ويَقُولُونَ مَتى هُوَ﴾ . قالَ: الإعادَةُ.

الإسراء 17:50

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالُوا أإذا كُنّا عِظامًا﴾ الآيَتَيْنِ. أخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ورُفاتًا﴾ . قالَ غُبارًا. وأخْرَجَ اِبْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ورُفاتًا﴾ . قالَ: تُرابًا. وفي قَوْلِهِ: ﴿قُلْ كُونُوا حِجارَةً أوْ حَدِيدًا﴾ . قالَ: ما شِئْتُمْ فَكُونُوا، فَسَيُعِيدُكُمُ اللَّهُ كَما كُنْتُمْ. وأخْرَجَ اِبْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ في زَوائِدِ ”الزُّهْدِ“، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ اِبْنِ عُمَرَ في قَوْلِهِ: ﴿أوْ خُلُقًا مِمّا يَكْبُرُ في (p-٣٧٤)صُدُورِكُمْ﴾ . قالَ: المَوْتُ. قالَ: لَوْ كُنْتُمْ مَوْتًا لَأحْيَيْتُكم. وأخْرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ في زَوائِدِ ”الزُّهْدِ“، وابْنُ جَرِيرٍ، والحاكِمُ، عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿أوْ خَلْقًا مِمّا يَكْبُرُ في صُدُورِكُمْ﴾ . قالَ: المَوْتُ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ في ”العَظَمَةِ“ عَنِ الحَسَنِ، مِثْلَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ في زَوائِدِ ”الزُّهْدِ“، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ في قَوْلِهِ: ﴿أوْ خَلْقًا مِمّا يَكْبُرُ في صُدُورِكُمْ﴾ . قالَ: هو المَوْتُ، لَيْسَ شَيْءٌ أكْبَرَ في نَفْسِ اِبْنِ آدَمَ مِنَ المَوْتِ. قالَ: فَكُونُوا المَوْتَ إنِ اِسْتَطَعْتُمْ، فَإنَّ المَوْتَ سَيَمُوتُ. وأخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَسَيُنْغِضُونَ إلَيْكَ رُءُوسَهُمْ﴾ . قالَ: سَيُحَرِّكُونَها اِسْتِهْزاءً. وأخْرَجَ الطَّسْتِيُّ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ، أنَّ نافِعَ بْنَ الأزْرَقِ قالَ لَهُ: أخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَسَيُنْغِضُونَ إلَيْكَ رُءُوسَهُمْ﴾ . قالَ: يُحَرِّكُونَ رُءُوسَهُمُ اِسْتِهْزاءً بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ . قالَ: وهَلْ تَعْرِفُ العَرَبُ ذَلِكَ؟ قالَ: نَعَمْ، أما سَمِعْتَ (p-٣٧٥)الشّاعِرَ وهو يَقُولُ: ؎أتُنْغِضُ لِي يَوْمَ الفِجارِ وقَدْ تَرى خُيُولًا عَلَيْها كالأسْوَدِ ضَوارِيا. وأخْرَجَ اِبْنُ المُنْذِرِ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ويَقُولُونَ مَتى هُوَ﴾ . قالَ: الإعادَةُ.

الإسراء 17:51

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالُوا أإذا كُنّا عِظامًا﴾ الآيَتَيْنِ. أخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ورُفاتًا﴾ . قالَ غُبارًا. وأخْرَجَ اِبْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ورُفاتًا﴾ . قالَ: تُرابًا. وفي قَوْلِهِ: ﴿قُلْ كُونُوا حِجارَةً أوْ حَدِيدًا﴾ . قالَ: ما شِئْتُمْ فَكُونُوا، فَسَيُعِيدُكُمُ اللَّهُ كَما كُنْتُمْ. وأخْرَجَ اِبْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ في زَوائِدِ ”الزُّهْدِ“، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ اِبْنِ عُمَرَ في قَوْلِهِ: ﴿أوْ خُلُقًا مِمّا يَكْبُرُ في (p-٣٧٤)صُدُورِكُمْ﴾ . قالَ: المَوْتُ. قالَ: لَوْ كُنْتُمْ مَوْتًا لَأحْيَيْتُكم. وأخْرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ في زَوائِدِ ”الزُّهْدِ“، وابْنُ جَرِيرٍ، والحاكِمُ، عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿أوْ خَلْقًا مِمّا يَكْبُرُ في صُدُورِكُمْ﴾ . قالَ: المَوْتُ. وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ في ”العَظَمَةِ“ عَنِ الحَسَنِ، مِثْلَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ في زَوائِدِ ”الزُّهْدِ“، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ في قَوْلِهِ: ﴿أوْ خَلْقًا مِمّا يَكْبُرُ في صُدُورِكُمْ﴾ . قالَ: هو المَوْتُ، لَيْسَ شَيْءٌ أكْبَرَ في نَفْسِ اِبْنِ آدَمَ مِنَ المَوْتِ. قالَ: فَكُونُوا المَوْتَ إنِ اِسْتَطَعْتُمْ، فَإنَّ المَوْتَ سَيَمُوتُ. وأخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَسَيُنْغِضُونَ إلَيْكَ رُءُوسَهُمْ﴾ . قالَ: سَيُحَرِّكُونَها اِسْتِهْزاءً. وأخْرَجَ الطَّسْتِيُّ عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ، أنَّ نافِعَ بْنَ الأزْرَقِ قالَ لَهُ: أخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَسَيُنْغِضُونَ إلَيْكَ رُءُوسَهُمْ﴾ . قالَ: يُحَرِّكُونَ رُءُوسَهُمُ اِسْتِهْزاءً بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ . قالَ: وهَلْ تَعْرِفُ العَرَبُ ذَلِكَ؟ قالَ: نَعَمْ، أما سَمِعْتَ (p-٣٧٥)الشّاعِرَ وهو يَقُولُ: ؎أتُنْغِضُ لِي يَوْمَ الفِجارِ وقَدْ تَرى خُيُولًا عَلَيْها كالأسْوَدِ ضَوارِيا. وأخْرَجَ اِبْنُ المُنْذِرِ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ويَقُولُونَ مَتى هُوَ﴾ . قالَ: الإعادَةُ.

الإسراء 17:52

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ يَدْعُوكُمْ﴾ الآيَةَ. أخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، مِن طَرِيقِ عَلِيٍّ، عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ﴾ . قالَ: بِأمْرِهِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ﴾ . قالَ: يَخْرُجُونَ مِن قُبُورِهِمْ وهم يَقُولُونَ: سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وبِحَمْدِكَ. وأخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يَدْعُوكم فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ﴾ . أيْ: بِمَعْرِفَتِهِ وطاعَتِهِ، ﴿وتَظُنُّونَ إنْ لَبِثْتُمْ إلا قَلِيلا﴾ . أيْ: في الدُّنْيا؛ تَحاقَرْتِ الدُّنْيا في أنْفُسِهِمْ، وقَلَّتْ حِينَ عايَنُوا يَوْمَ القِيامَةِ. وأخْرَجَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، وأبُو يَعْلى، والبَيْهَقِيُّ في ”شُعَبِ الإيمانِ“، عَنِ اِبْنِ عُمَرَ قالَ: قالَ (p-٣٧٦)رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «”لَيْسَ عَلى أهْلِ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وحْشَةٌ في قُبُورِهِمْ ولا في مَنشَرِهِمْ، وكَأنِّي بِأهْلِ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ يَنْفُضُونَ التُّرابَ عَنْ رُءُوسِهِمْ ويَقُولُونَ: الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أذْهَبَ عَنّا الحَزَنَ“» . وأخْرَجَ اِبْنُ مَرْدُويَهْ عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ، أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «”لَيْسَ عَلى أهْلِ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وحْشَةٌ عِنْدَ المَوْتِ ولا في القُبُورِ، ولا في الحَشْرِ، كَأنِّي بِأهْلِ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ قَدْ خَرَجُوا مِن قُبُورِهِمْ يَنْفُضُونَ رُءُوسَهم مِنَ التُّرابِ، يَقُولُونَ: الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أذْهَبَ عَنّا الحَزَنَ“» . وأخْرَجَ الخَطِيبُ في ”التّارِيخِ“ عَنْ مُوسى بْنِ هارُونَ الحَمّالِ قالَ: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ أحْمَدَ بْنِ إبْراهِيمَ المَوْصِلِيُّ قالَ: «رَأيْتُ النَّبِيَّ ﷺ في النَّوْمِ فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّ يَحْيى الحِمّانِيَّ حَدَّثَنا عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ، عَنْ أبِيهِ، عَنِ اِبْنِ عُمَرَ، عَنْكَ صَلّى اللَّهُ عَلَيْكَ، أنَّكَ قُلْتَ: ”لَيْسَ عَلى أهْلِ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ وحْشَةٌ في قُبُورِهِمْ ولا في مَنشَرِهِمْ، وكَأنِّي بِأهْلِ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ يَنْفُضُونَ التُّرابَ عَنْ رُءُوسِهِمْ، ويَقُولُونَ: الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أذْهَبَ عَنّا الحَزَنَ“ . فَقالَ: صَدَقَ الحِمّانِيُّ» .

الإسراء 17:53

(p-٣٧٧)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقُلْ لِعِبادِي يَقُولُوا الَّتِي هي أحْسَنُ﴾ وأخْرَجَ اِبْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ اِبْنِ سِيرِينَ في قَوْلِهِ: ﴿وقُلْ لِعِبادِي يَقُولُوا الَّتِي هي أحْسَنُ﴾ . قالَ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ. وأخْرَجَ اِبْنُ المُنْذِرِ عَنِ اِبْنِ جُرَيْجٍ في قَوْلِهِ: ﴿وقُلْ لِعِبادِي يَقُولُوا الَّتِي هي أحْسَنُ﴾ . قالَ: يَعْفُوا عَنِ السَّيِّئَةِ. وأخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿وقُلْ لِعِبادِي يَقُولُوا الَّتِي هي أحْسَنُ﴾ . قالَ: لا يَقُولُ لَهُ مِثْلَ قَوْلِهِ، يَقُولُ لَهُ: يَرْحَمُكَ اللَّهُ، يَغْفِرُ اللَّهُ لَكَ. وأخْرَجَ اِبْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ قالَ: نَزْغُ الشَّيْطانِ تَحْرِيشُهُ. وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «”لا يُشِيرَنَّ أحَدُكم إلى أخِيهِ بِالسِّلاحِ، فَإنَّهُ لا يَدْرِي أحَدُكم لَعَلَّ الشَّيْطانَ يَنْزَغُ في يَدِهِ فَيَقَعُ في حُفْرَةٍ مِنَ النّارِ“» . (p-٣٧٨)وأخْرَجَ اِبْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ الشَّيْطانَ كانَ لِلإنْسانِ عَدُوًّا مُبِينًا﴾ . قالَ: عادُوهُ، فَإنَّهُ يَحِقُّ عَلى كُلِّ مُسْلِمٍ عَداوَتُهُ، وعَداوَتُهُ أنْ تُعادِيَهُ بِطاعَةِ اللَّهِ.

الإسراء 17:54

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿رَبُّكم أعْلَمُ بِكُمْ﴾ الآيَةَ. أخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ اِبْنِ جُرَيْجٍ في قَوْلِهِ: ﴿رَبُّكم أعْلَمُ بِكم إنْ يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ﴾ . قالَ: فَتُؤْمِنُوا، ﴿أوْ إنْ يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ﴾ فَتَمُوتُوا عَلى الشِّرْكِ كَما أنْتُمْ.

الإسراء 17:55

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ فَضَّلْنا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلى بَعْضٍ﴾ الآيَةَ. أخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ فَضَّلْنا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلى بَعْضٍ﴾ . قالَ: اِتَّخَذَ اللَّهُ إبْراهِيمَ خَلِيلًا، وكَلَّمَ مُوسى تَكْلِيمًا، وجَعْلَ عِيسى كَمَثَلِ آدَمَ، خَلَقَهُ مِن تُرابٍ، ثُمَّ قالَ لَهُ: كُنْ. فَيَكُونَ، وهو عَبْدُ اللَّهِ ورَسُولُهُ مِن كَلِمَةِ اللَّهِ ورُوحِهِ، وآتى سُلَيْمانَ مُلْكًا عَظِيمًا لا يَنْبَغِي لِأحَدٍ مِن بَعْدِهِ، وآتى داوُدَ زَبُورًا، وغَفَرَ لِمُحَمَّدٍ ﷺ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِهِ وما تَأخَّرَ. وأخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ اِبْنِ جُرَيْجٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ فَضَّلْنا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلى بَعْضٍ﴾ . قالَ: كَلَّمَ اللَّهُ مُوسى، وأرْسَلَ مُحَمَّدًا ﷺ إلى النّاسِ (p-٣٧٩)كافَّةً. وأخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وآتَيْنا داوُدَ زَبُورًا﴾ . قالَ: كُنّا نُحَدَّثُ أنَّهُ دُعاءٌ عُلِّمَهُ داوُدُ، وتَحْمِيدٌ، وتَمْجِيدٌ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ، لَيْسَ فِيهِ حَلالٌ ولا حَرامٌ، ولا فَرائِضُ ولا حُدُودٌ. وأخْرَجَ اِبْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أنَسٍ قالَ: الزَّبُورُ ثَناءٌ عَلى اللَّهِ، ودُعاءٌ، وتَسْبِيحٌ. وأخْرَجَ أحْمَدُ في ”الزُّهْدِ“ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ بُوذُوَيْهِ قالَ: في زَبُورِ آلِ داوُدَ ثَلاثَةُ أحْرُفٍ: طُوبى لِمَن لَمْ يَسْلُكْ سَبِيلَ الخاطِئِينَ، وطُوبى لِمَن لَمْ يَأْتَمِرْ بِأمْرِ الظّالِمِينَ، وطُوبى لِمَن لَمْ يُجالِسِ البَطّالِينَ. وأخْرَجَ أحْمَدُ عَنْ وهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ قالَ: في أوَّلِ شَيْءٍ مِن مَزامِيرِ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ: طُوبى لِرَجُلٍ لا يَسْلُكُ طَرِيقَ الخَطّائِينَ، ولا يُجالِسُ البَطّالِينَ، ويَسْتَقِيمُ عَلى عِبادَةِ رَبِّهِ عَزَّ وجَلَّ، فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ شَجَرَةٍ نابِتَةٍ عَلى ساقِيَةٍ، لا يَزالُ (p-٣٨٠)فِيها الماءُ، يَفْضُلُ ثَمَرُها في زَمانِ الثِّمارِ، ولا تَزالُ خَضْراءَ في غَيْرِ زَمانِ الثِّمارِ. وأخْرَجَ أحْمَدُ عَنْ مالِكِ بْنِ دِينارٍ قالَ: قَرَأْتُ في بَعْضِ زَبُورِ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ: تَساقَطَتِ القُرى وأُبْطِلَ ذِكْرُهُمْ، وأنا دائِمُ الدَّهْرِ، مُسْتَعِدٌّ كُرْسِيَّ لِلْقَضاءِ. وأخْرَجَ أحْمَدُ عَنْ وهْبٍ قالَ: وجَدْتُ في كِتابِ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ أنَّ اللَّهَ تَبارَكَ وتَعالى يَقُولُ: بِعِزَّتِي وجَلالِي إنَّهُ مَن أهانَ لِي ولِيًّا، فَقَدْ بارَزَنِي بِالمُحارَبَةِ، وما تَرَدَّدْتُ عَنْ شَيْءٍ أُرِيدُ، تَرَدُّدِي عَنْ مَوْتِ المُؤْمِنِ، قَدْ عَلِمْتُ أنَّهُ يَكْرَهُ المَوْتَ ولا بُدَّ لَهُ مِنهُ، وأنا أكْرَهُ أنْ أسُوءَهُ. قالَ: وقَرَأْتُ في كِتابٍ آخَرَ أنَّ اللَّهَ تَبارَكَ وتَعالى يَقُولُ: كَفانِي لِعَبْدِي مالًا، إذا كانَ عَبْدِي في طاعَتِي أعْطَيْتُهُ قَبْلَ أنْ يَسْألَنِي، وأسْتَجِيبُ لَهُ مِن قَبْلِ أنْ يَدْعُوَنِي، فَإنِّي أعْلَمُ بِحاجَتِهِ الَّتِي تَرْفُقُ بِهِ مِن نَفْسِهِ. قالَ: وقَرَأْتُ في كِتابٍ آخَرَ أنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ يَقُولُ: بِعِزَّتِي، إنَّهُ مَنِ اِعْتَصَمَ بِي وإنْ كادَتْهُ السَّماواتُ بِمَن فِيهِنَّ، والأرَضُونَ بِمَن فِيهِنَّ، فَإنِّي أجْعَلُ لَهُ مِن بَيْنِ ذَلِكَ مَخْرَجًا، ومَن لَمْ يَعْتَصِمْ بِي، فَإنِّي أقْطَعُ يَدَيْهِ مِن أسْبابِ السَّماءِ، (p-٣٨١)وأخْسِفُ بِهِ مِن تَحْتِ قَدَمَيْهِ الأرْضَ، فَأجْعَلُهُ في الهَواءِ، ثُمَّ أكِلُهُ إلى نَفْسِهِ. وأخْرَجَ أحْمَدُ عَنْ وهْبٍ قالَ: في حِكْمَةِ آلِ داوُدَ: حَقٌّ عَلى العاقِلِ ألّا يَشْتَغِلُ عَنْ أرْبَعِ ساعاتٍ؛ ساعَةٍ يُناجِي رَبَّهُ، وساعَةٍ يُحاسِبُ فِيها نَفْسَهُ، وساعَةٍ يُفْضِي فِيها إلى إخْوانِهِ الَّذِينَ يُخْبِرُونَهُ بِعُيُوبِهِ [٢٦١ظ] ويَصْدُقُونَهُ عَنْ نَفْسِهِ، وساعَةٍ يُخَلِّي بَيْنَ نَفْسِهِ وبَيْنَ لَذّاتِها فِيما يَحِلُّ ويَجْمُلُ، فَإنَّهُ هَذِهِ السّاعاتِ عَوْنٌ عَلى هَذِهِ السّاعاتِ وإجْماعٌ لِلْقُلُوبِ، وحَقٌّ عَلى العاقِلِ أنْ يَكُونَ عارِفًا بِزَمانِهِ، حافِظًا لِلِسانِهِ، مُقْبِلًا عَلى شَأْنِهِ، وحَقٌّ عَلى العاقِلِ ألّا يَظْعَنَ إلّا في إحْدى ثَلاثٍ؛ زادٍ لِمَعادٍ، أوْ مَرَمَّةٍ لِمَعاشٍ، أوْ لَذَّةٍ في غَيْرِ مُحَرَّمٍ. وأخْرَجَ اِبْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأحْمَدُ، عَنْ خالِدٍ الرَّبَعِيِّ قالَ: وجَدْتُ فاتِحَةَ الزَّبُورِ الَّذِي يُقالُ لَهُ: زَبُورُ داوُدَ عَلَيْهِ السَّلامُ. أنَّ رَأْسَ الحِكْمَةِ خَشْيَةُ الرَّبِّ تَعالى. وأخْرَجَ أحْمَدُ عَنْ أيُّوبَ الفِلَسْطِينِيِّ قالَ: مَكْتُوبٌ في مَزامِيرِ داوُدَ، يا داوُدُ: تَدْرِي لِمَن أغْفِرُ لَهُ مِن عِبادِي؟ قالَ: لِمَن يا رَبِّ؟ قالَ: لِلَّذِي إذا أذْنَبَ ذَنْبًا اِرْتَعَدَتْ لِذَلِكَ مَفاصِلُهُ، فَذَلِكَ الَّذِي آمُرُ مَلائِكَتِي ألّا تَكْتُبَ عَلَيْهِ (p-٣٨٢)ذَلِكَ الذَّنْبَ. وأخْرَجَ أحْمَدُ عَنْ مالِكِ بْنِ دِينارٍ قالَ: مَكْتُوبٌ في الزَّبُورِ: بَطَلَتِ الأمانَةُ والرَّجُلُ مَعَ صاحِبِهِ بِشَفَتَيْنِ مُخْتَلِفَتَيْنِ، يُهْلِكُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ كُلَّ ذِي شَفَتَيْنِ مُخْتَلِفَتَيْنِ. قالَ: ومَكْتُوبٌ في الزَّبُورِ: بِنارِ المُنافِقِ تَحْتَرِقُ المَدِينَةُ. وأخْرَجَ أحْمَدُ عَنْ مالِكِ بْنِ دِينارٍ قالَ: في الزَّبُورِ مَكْتُوبٌ، وهو أوَّلُ الزَّبُورِ: طُوبى لِمَن لَمْ يَسْلُكْ سَبِيلَ الآثِمِينَ، ولَمْ يُجالِسِ الخَطّائِينَ، ولِمَ يَقُمْ في هَمِّ المُسْتَهْزِئِينَ، ولَكِنَّ هَمَّهُ سُنَّةُ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، وإيّاها يَتَعَلَّمُ بِاللَّيْلِ والنَّهارِ، مَثَلُهُ مَثَلُ شَجَرَةٍ تَنْبُتُ عَلى شَطٍّ، تُؤْتِي ثَمَرَتَها في حِينِها، ولا يَتَناثَرُ مِن ورَقِها شَيْءٌ، وكُلُّ عَمَلِهِ بِأمْرٍ، لَيْسَ ذَلِكَ مِثْلَ عَمَلِ المُنافِقِينَ. وأخْرَجَ أحْمَدُ عَنْ مالِكِ بْنِ دِينارٍ قالَ: قَرَأْتُ في الزَّبُورِ: بِكِبْرِ المُنافِقِ يَحْتَرِقُ المِسْكِينُ. وأخْرَجَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ في ”نَوادِرِ الأُصُولِ“ عَنْ وهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ قالَ: قَرَأْتُ في آخِرِ زَبُورِ داوُدَ ثَلاثِينَ سَطْرًا: يا داوُدُ، هَلْ تَدْرِي أيَّ المُؤْمِنِينَ أحَبُّ إلَيَّ أنْ (p-٣٨٣)أُطِيلَ حَياتَهُ؟ الَّذِي قالَ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ. اِقْشَعَرَّ جِلْدُهُ، فَإنِّي أكْرَهُ لِذَلِكَ المَوْتَ، كَما تَكْرَهُ الوالِدَةُ لِوَلَدِها، ولا بُدَّ لَهُ مِنهُ، إنِّي أُرِيدُ أنْ أسُرَّهُ في دارٍ سِوى هَذِهِ الدّارِ، فَإنَّ نَعِيمَها بَلاءٌ، ورَخاءَها شِدَّةٌ، فِيها عَدُوٌّ لا يَأْلُوهم خَبالًا، يَجْرِي مِنهم مَجْرى الدَّمِ، مِن أجْلِ ذَلِكَ عَجَّلْتُ أوْلِيائِي إلى الجَنَّةِ. وأخْرَجَ اِبْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنْ مالِكِ بْنِ مِغْوَلٍ قالَ: في زَبُورِ داوُدَ مَكْتُوبٌ: إنِّي أنا اللَّهُ لا إلَهَ إلّا أنا، مَلِكُ المُلُوكِ، قُلُوبُ المُلُوكِ بِيَدِي، فَأيُّما قَوْمٍ كانُوا عَلى طاعَةٍ جَعَلْتُ المُلُوكَ عَلَيْهِمْ رَحْمَةً، وأيُّما قَوْمٍ كانُوا عَلى مَعْصِيَةٍ جَعَلْتُ المُلُوكَ عَلَيْهِمْ نِقْمَةً، لا تَشْغَلُوا أنْفُسَكم بِسَبِّ المُلُوكِ، ولا تَتُوبُوا إلَيْهِمْ، تُوبُوا إلَيَّ أعْطِفْ قُلُوبَهم عَلَيْكم.

الإسراء 17:56

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِن دُونِهِ﴾ الآيَتَيْنِ. أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، والفِرْيابِيُّ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، والبُخارِيُّ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ، والحاكِمُ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، وأبُو نُعَيْمٍ في ”الدَّلائِلِ“، عَنِ اِبْنِ مَسْعُودٍ في قَوْلِهِ: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِن دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكم ولا تَحْوِيلا﴾ . قالَ: كانَ نَفَرٌ مِنَ الإنْسِ يَعْبُدُونَ نَفَرًا مِنَ الجِنِّ، فَأسْلَمَ النَّفَرُ مِنَ الجِنِّ، وتَمَسَّكَ (p-٣٨٤)الإنْسِيُّونَ بِعِبادَتِهِمْ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إلى رَبِّهِمُ الوَسِيلَةَ﴾ . كِلاهُما بِالياءِ. وأخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، وأبُو نُعَيْمٍ، والبَيْهَقِيُّ، مَعًا في ”الدَّلائِلِ“، عَنِ اِبْنِ مَسْعُودٍ قالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في نَفَرٍ مِنَ العَرَبِ كانُوا يَعْبُدُونَ نَفَرًا مِنَ الجِنِّ، فَأسْلَمَ الجِنِّيُّونَ، والنَّفَرُ مِنَ العَرَبِ لا يَشْعُرُونَ بِذَلِكَ. وأخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ عَنِ اِبْنِ مَسْعُودٍ قالَ: كانَتْ قَبائِلُ مِنَ العَرَبِ يَعْبُدُونَ صِنْفًا مِنَ المَلائِكَةِ يُقالُ لَهُمُ: الجِنُّ. ويَقُولُونَ هم بَناتُ اللَّهِ. فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ﴾ . الآيَةَ. وأخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ في الآيَةِ قالَ: كانَ أهْلُ الشِّرْكِ يَعْبُدُونَ المَلائِكَةَ والمَسِيحَ وعُزَيْرًا. وأخْرَجَ اِبْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ﴾ . قالَ: عِيسى وأُمُّهُ وعُزَيْرٌ. (p-٣٨٥)وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ﴾ . قالَ: هم عِيسى وعُزَيْرٌ والشَّمْسُ والقَمَرُ. وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، واللَّفْظُ لَهُ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «”سَلُوا اللَّهَ لِي الوَسِيلَةَ“ . قالُوا: وما الوَسِيلَةُ؟ قالَ: ”القُرْبُ مِنَ اللَّهِ“ . ثُمَّ قَرَأ: ﴿يَبْتَغُونَ إلى رَبِّهِمُ الوَسِيلَةَ أيُّهم أقْرَبُ﴾ "» .

الإسراء 17:57

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِن دُونِهِ﴾ الآيَتَيْنِ. أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، والفِرْيابِيُّ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، والبُخارِيُّ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ، والحاكِمُ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، وأبُو نُعَيْمٍ في ”الدَّلائِلِ“، عَنِ اِبْنِ مَسْعُودٍ في قَوْلِهِ: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِن دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكم ولا تَحْوِيلا﴾ . قالَ: كانَ نَفَرٌ مِنَ الإنْسِ يَعْبُدُونَ نَفَرًا مِنَ الجِنِّ، فَأسْلَمَ النَّفَرُ مِنَ الجِنِّ، وتَمَسَّكَ (p-٣٨٤)الإنْسِيُّونَ بِعِبادَتِهِمْ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إلى رَبِّهِمُ الوَسِيلَةَ﴾ . كِلاهُما بِالياءِ. وأخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، وأبُو نُعَيْمٍ، والبَيْهَقِيُّ، مَعًا في ”الدَّلائِلِ“، عَنِ اِبْنِ مَسْعُودٍ قالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في نَفَرٍ مِنَ العَرَبِ كانُوا يَعْبُدُونَ نَفَرًا مِنَ الجِنِّ، فَأسْلَمَ الجِنِّيُّونَ، والنَّفَرُ مِنَ العَرَبِ لا يَشْعُرُونَ بِذَلِكَ. وأخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ عَنِ اِبْنِ مَسْعُودٍ قالَ: كانَتْ قَبائِلُ مِنَ العَرَبِ يَعْبُدُونَ صِنْفًا مِنَ المَلائِكَةِ يُقالُ لَهُمُ: الجِنُّ. ويَقُولُونَ هم بَناتُ اللَّهِ. فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ﴾ . الآيَةَ. وأخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ في الآيَةِ قالَ: كانَ أهْلُ الشِّرْكِ يَعْبُدُونَ المَلائِكَةَ والمَسِيحَ وعُزَيْرًا. وأخْرَجَ اِبْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ﴾ . قالَ: عِيسى وأُمُّهُ وعُزَيْرٌ. (p-٣٨٥)وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ﴾ . قالَ: هم عِيسى وعُزَيْرٌ والشَّمْسُ والقَمَرُ. وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، واللَّفْظُ لَهُ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «”سَلُوا اللَّهَ لِي الوَسِيلَةَ“ . قالُوا: وما الوَسِيلَةُ؟ قالَ: ”القُرْبُ مِنَ اللَّهِ“ . ثُمَّ قَرَأ: ﴿يَبْتَغُونَ إلى رَبِّهِمُ الوَسِيلَةَ أيُّهم أقْرَبُ﴾ "» .

الإسراء 17:58

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنْ مِن قَرْيَةٍ﴾ الآيَةَ. أخْرَجَ اِبْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وإنْ مِن قَرْيَةٍ إلا نَحْنُ مُهْلِكُوها قَبْلَ يَوْمِ القِيامَةِ﴾ . قالَ: مُبِيدُوها أوْ مُعَذِّبُوها. قالَ: بِالقَتْلِ والبَلاءِ، كُلُّ قَرْيَةٍ في الأرْضِ سَيُصِيبُها بَعْضُ هَذا. وأخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ، مِن طَرِيقِ سِماكِ بْنِ حَرْبٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: إذا ظَهَرَ الزِّنى والرِّبا في أهْلِ قَرْيَةٍ، أذِنَ اللَّهُ في هَلاكِها. وأخْرَجَ اِبْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ إبْراهِيمَ التَّيْمِيِّ في قَوْلِهِ: ﴿كانَ ذَلِكَ في الكِتابِ مَسْطُورًا﴾ . قالَ: في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ.

الإسراء 17:59

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما مَنَعَنا أنْ نُرْسِلَ بِالآياتِ﴾ الآيَةَ. أخْرَجَ أحْمَدُ، والبَزّارُ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والطَّبَرانِيُّ (p-٣٨٦)والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، والبَيْهَقِيُّ في ”الدَّلائِلِ“، والضِّياءُ في ”المُخْتارَةِ“، عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ قالَ: «سَألَ أهْلُ مَكَّةَ النَّبِيَّ ﷺ أنْ يَجْعَلَ لَهُمُ الصَّفا ذَهَبًا، وأنْ يُنَحِّيَ عَنْهُمُ الجِبالَ فَيَزْرَعُوا، فَقِيلَ لَهُ: إنْ شِئْتَ أنْ تَسْتَأْنِيَ بِهِمْ، وإنْ شِئْتَ أنْ نُؤْتِيَهُمُ الَّذِي سَألُوا، فَإنْ كَفَرُوا أُهْلِكُوا كَما أُهْلِكَتْ مَن قَبْلَهم مِنَ الأُمَمِ. قالَ: ”لا، بَلْ أسَتَأْنِي بِهِمْ“ . فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وما مَنَعَنا أنْ نُرْسِلَ بِالآياتِ إلا أنْ كَذَّبَ بِها الأوَّلُونَ﴾ [الإسراء»: ٥٩] . وأخْرَجَ أحْمَدُ، والبَيْهَقِيُّ في ”الدَّلائِلِ“، عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ قالَ: «قالَتْ قُرَيْشٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ: اُدْعُ لَنا رَبَّكَ أنْ يَجْعَلَ لَنا الصَّفا ذَهَبًا ونُؤْمِنَ لَكَ. قالَ: ”وتَفْعَلُونَ؟“ . قالُوا: نَعَمْ. فَدَعا، فَأتاهُ جِبْرِيلُ فَقالَ: إنَّ رَبَّكَ يَقْرَأُ عَلَيْكَ السَّلامَ، ويَقُولُ لَكَ: إنْ شِئْتَ أصْبَحَ الصَّفا لَهم ذَهَبًا، فَمَن كَفَرَ مِنهم بَعْدَ ذَلِكَ عَذَّبْتُهُ عَذابًا لا أُعَذِّبُهُ أحَدًا مِنَ العالَمِينَ، وإنْ شِئْتَ فَتَحْتُ لَهم بابَ التَّوْبَةِ والرَّحْمَةِ. قالَ: ”بَلْ بابُ التَّوْبَةِ والرَّحْمَةِ“» . (p-٣٨٧)وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في ”الدَّلائِلِ“ عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أنَسٍ قالَ: «قالَ النّاسُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: لَوْ جِئْتَنا بِآيَةٍ كَما جاءَ بِها صالِحٌ والنَّبِيُّونَ. فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”إنْ شِئْتُمْ دَعَوْتُ اللَّهَ فَأنْزَلَها عَلَيْكُمْ، وإنْ عَصَيْتُمْ هَلَكْتُمْ“ . فَقالُوا: لا نُرِيدُها» . وأخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ قالَ: «قالَ أهْلُ مَكَّةَ لِنَبِيِّ اللَّهِ ﷺ: إنْ كانَ ما تَقُولُ حَقًّا، ويَسُرُّكَ أنْ نُؤْمِنَ، فَحَوِّلْ لَنا الصَّفا ذَهَبًا. فَأتاهُ جِبْرِيلُ فَقالَ: إنْ شِئْتَ كانَ الَّذِي سَألَكَ قَوْمُكَ، ولَكِنَّهُ إنْ كانَ، ثُمَّ لَمْ يُؤْمِنُوا، لَمْ يُناظَرُوا، وإنْ شِئْتَ اِسْتَأْنَيْتَ بِقَوْمِكَ. قالَ: ”بَلْ أسَتَأْنِي بِقَوْمِي“ . فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وما مَنَعَنا أنْ نُرْسِلَ بِالآياتِ إلا أنْ كَذَّبَ بِها الأوَّلُونَ﴾ الآيَةَ. وأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿ما آمَنَتْ قَبْلَهم مِن قَرْيَةٍ أهْلَكْناها أفَهم يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنبياء: ٦] [الأنْبِياءِ»: ٦] . وأخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿وما مَنَعَنا أنْ نُرْسِلَ بِالآياتِ إلا أنْ كَذَّبَ بِها الأوَّلُونَ﴾ . قالَ: رَحْمَةً لَكم أيَّتُها الأُمَّةُ؛ إنّا لَوْ أرْسَلْنا بِالآياتِ فَكَذَّبْتُمْ بِها، أصابَكم ما أصابَ مَن قَبْلَكم. وأخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مُجاهِدٍ في الآيَةِ قالَ: لَمْ تُؤْتَ قَرْيَةٌ بِآيَةٍ فَكَذَّبُوا بِها إلّا عُذِّبُوا. وفي قَوْلِهِ: ﴿وآتَيْنا ثَمُودَ النّاقَةَ مُبْصِرَةً﴾ . قالَ: آيَةً. وأخْرَجَ اِبْنُ المُنْذِرِ، وأبُو الشَّيْخِ في ”العَظَمَةِ“، عَنِ اِبْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: (p-٣٨٨)﴿وما نُرْسِلُ بِالآياتِ إلا تَخْوِيفًا﴾ . قالَ: المَوْتُ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وأحْمَدُ في ”الزُّهْدِ“، وابْنُ أبِي الدُّنْيا في ”ذِكْرِ المَوْتِ“، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿وما نُرْسِلُ بِالآياتِ إلا تَخْوِيفًا﴾ . قالَ: هو المَوْتُ الذَّرِيعُ. وأخْرَجَ أبُو داوُدَ في ”البَعْثِ“ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وما نُرْسِلُ بِالآياتِ إلا تَخْوِيفًا﴾ . قالَ: المَوْتُ مِن ذَلِكَ. وأخْرَجَ اِبْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وما نُرْسِلُ بِالآياتِ إلا تَخْوِيفًا﴾ . قالَ: إنَّ اللَّهَ يُخَوِّفُ النّاسَ بِما شاءَ مِن آياتِهِ لَعَلَّهم يُعْتِبُونَ، أوْ يَذَّكَّرُونَ، أوْ يَرْجِعُونَ. ذُكِرَ لَنا أنَّ الكُوفَةَ رَجَفَتْ عَلى عَهْدِ اِبْنِ مَسْعُودٍ فَقالَ: يا أيُّها النّاسُ، إنَّ رَبَّكم يَسْتَعْتِبُكم فَأعْتِبُوهُ.