Al-Durr Al-Manthur — مريم 19:69 – طه 20:45
المحتويات
- مريم 19:69
- مريم 19:70
- مريم 19:71
- مريم 19:72
- مريم 19:73
- مريم 19:74
- مريم 19:75
- مريم 19:76
- مريم 19:77
- مريم 19:78
- مريم 19:80
- مريم 19:82
- مريم 19:83
- مريم 19:84
- مريم 19:85
- مريم 19:86
- مريم 19:87
- مريم 19:88
- مريم 19:89
- مريم 19:90
- مريم 19:96
- مريم 19:97
- مريم 19:98
- طه 20:1
- طه 20:2
- طه 20:3
- طه 20:6
- طه 20:7
- طه 20:9
- طه 20:10
- طه 20:12
- طه 20:14
- طه 20:15
- طه 20:16
- طه 20:17
- طه 20:18
- طه 20:19
- طه 20:20
- طه 20:21
- طه 20:22
- طه 20:23
- طه 20:25
- طه 20:26
- طه 20:27
- طه 20:28
- طه 20:29
- طه 20:30
- طه 20:31
- طه 20:32
- طه 20:33
- طه 20:34
- طه 20:35
- طه 20:39
- طه 20:40
- طه 20:41
- طه 20:42
- طه 20:43
- طه 20:44
- طه 20:45
مريم 19:69
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَوَرَبِّكَ﴾ الآياتِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿جِثِيًّا﴾ قالَ: قُعُودًا، وفي قَوْلِهِ: ﴿عِتِيًّا﴾ قالَ: مَعْصِيَةً.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿عِتِيًّا﴾ قالَ: عَصْيًا.
وأخْرَجَ الحاكِمُ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: لا أدْرِي كَيْفَ قَرَأ النَّبِيُّ ﷺ: ( عُتِيًّا ) أوْ: ( جُثِيًّا ) فَإنَّهُما جَمِيعًا بِالضَّمِّ.
وأخْرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ في زَوائِدِ ”الزُّهْدِ“ والبَيْهَقِيُّ في ”البَعْثِ“ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ باباهْ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «كَأنِّي أراكم بِالكَوْمِ دُونَ جَهَنَّمَ جاثِينَ» .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ عاصِمٍ أنَّهُ قَرَأ: ( جُثِيًّا ) بِرَفْعِ الجِيمِ و: ( عُتِيًّا ) بِرَفْعِ العَيْنِ و( صُلِيًّا ) بِرَفْعِ الصّادِ.
(p-١١٠)وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا﴾ قالَ: قِيامًا.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ: ﴿ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ﴾ قالَ لَنَبْدَأنَّ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ﴾ الآيَةَ: قالَ: لَنَنْزِعَنَّ مِن كُلِّ أهْلِ دِينٍ قادَتَهم ورُءُوسَهم في الشَّرِّ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عِكْرِمَةَ في قَوْلِهِ: ﴿أيُّهم أشَدُّ عَلى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا﴾ قالَ: في الدُّنْيا.
وأخْرَجَ هَنّادٌ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أبِي الأحْوَصِ: ﴿ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِن كُلِّ شِيعَةٍ﴾ الآيَةَ، قالَ: يَبْدَأُ بِالأكابِرِ فالأكابِرِ جُرْمًا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ في ”البَعْثِ“، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: يُحْشَرُ الأوَّلُ عَلى الآخِرِ، حَتّى إذا تَكامَلَتِ العِدَّةُ أثارَهم جَمِيعًا، ثُمَّ بَدَأ بِالأكابِرِ فالأكابِرِ جُرْمًا ثُمَّ قَرَأ: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿عِتِيًّا﴾ .
وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿لَنَنْزِعَنَّ مِن كُلِّ شِيعَةٍ﴾ قالَ: مِن كُلِّ أُمَّةٍ ﴿أيُّهم أشَدُّ عَلى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا﴾ قالَ: كُفْرًا.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ لَنَحْنُ أعْلَمُ بِالَّذِينَ هم أوْلى (p-١١١)بِها صِلِيًّا﴾ قالَ: يَقُولُ: إنَّهم أوْلى بِالخُلُودِ في جَهَنَّمَ.
وأخْرَجَ الحارِثُ بْنُ أبِي أُسامَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ بِسَنَدٍ حَسَنٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: إذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ مُدَّتِ الأرْضُ مَدَّ الأدِيمِ، وزِيدَ في سِعَتِها كَذا وكَذا، وجُمِعَ الخَلائِقُ بِصَعِيدٍ واحِدٍ، جِنُّهم وإنْسُهُمْ، فَإذا كانَ ذَلِكَ اليَوْمُ قَيَّضَتْ هَذِهِ السَّماءُ الدُّنْيا عَنْ أهْلِها عَلى وجْهِ الأرْضِ، ولَأهْلُ السَّماءِ وحْدَهم أكْثَرُ مِن أهْلِ الأرْضِ؛ جِنِّهِمْ وإنْسِهِمْ بِضَعْفٍ، فَإذا نُثِرُوا عَلى وجْهِ الأرْضِ، فَزِعُوا إلَيْهِمْ فَيَقُولُونَ: أفَيَكِمُ رَبُّنا؟ فَيَفْزَعُونَ مِن قَوْلِهِمْ ويَقُولُونَ: سُبْحانَ رَبِّنا! لَيْسَ فِينا وهو آتٍ، ثُمَّ تُقاضُ السَّماءُ الثّانِيَةُ، ولَأهْلُ السَّماءِ الثّانِيَةِ وحْدَهم أكْثَرُ مِن أهْلِ السَّماءِ الدُّنْيا ومِن جَمِيعِ أهْلِ الأرْضِ بِضِعْفٍ؛ جِنِّهِمْ وإنْسِهِمْ، فَإذا نُثِرُوا عَلى وجْهِ الأرْضِ فَزِعَ إلَيْهِمْ أهْلُ الأرْضِ فَيَقُولُونَ: أفَيَكِمُ رَبُّنا؟ فَيَفْزَعُونَ مِن قَوْلِهِمْ ويَقُولُونَ: سُبْحانَ رَبِّنا! لَيْسَ فِينا وهو آتٍ. ثُمَّ تُقاضُ السَّماواتُ: سَماءً سَماءً، كُلَّما قِيضَتْ سَماءٌ عَنْ أهْلِها كانَتْ أكْثَرَ مِن أهْلِ السَّماواتِ الَّتِي تَحْتَها ومِن جَمِيعِ أهْلِ الأرْضِ بِضِعْفٍ، فَإذا نُثِرُوا عَلى وجْهِ الأرْضِ، يَفْزَعُ إلَيْهِمْ أهْلُ الأرْضِ، فَيَقُولُونَ لَهم مِثْلَ ذَلِكَ، ويَرْجِعُونَ إلَيْهِمْ مِثْلَ ذَلِكَ، حَتّى تُقاضَ السَّماءُ السّابِعَةُ، فَلَأهْلُ السَّماءِ السّابِعَةِ أكْثَرُ مِن أهْلِ سِتِّ سَماواتٍ ومِن جَمِيعِ أهْلِ الأرْضِ بِضِعْفٍ، فَيَجِيءُ اللَّهُ فِيهِمْ، والأُمَمُ جُثًا صُفُوفٌ، ويُنادِي مُنادٍ: سَتَعْلَمُونَ اليَوْمَ مَن أصْحابُ الكَرَمِ لِيَقُمِ الحَمّادُونَ لِلَّهِ (p-١١٢)عَلى كُلِّ حالٍ فَيَقُومُونَ فَيَسْرَحُونَ إلى الجَنَّةِ، ثُمَّ يُنادِي الثّانِيَةَ: سَتَعْلَمُونَ اليَوْمَ مَن أصْحابُ الكَرَمِ أيْنَ الَّذِينَ كانَتْ تَتَجافى جُنُوبُهم عَنِ المَضاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهم خَوْفًا وطَمَعًا ومِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ ؟ فَيَقُومُونَ فَيَسْرَحُونَ إلى الجَنَّةِ، ثُمَّ يُنادِي الثّالِثَةَ: سَتَعْلَمُونَ اليَوْمَ مَن أصْحابُ الكَرَمِ، أيْنَ الَّذِينَ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ ولا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وإقامِ الصَّلاةِ وإيتاءِ الزَّكاةِ، يَخافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ القُلُوبُ والأبْصارُ ؟ فَيَقُومُونَ فَيَسْرَحُونَ إلى الجَنَّةِ، فَإذا أُخِذَ مِن هَؤُلاءِ الثَّلاثَةِ، خَرَجَ عُنُقٌ مِنَ النّارِ فَأشْرَفَ عَلى الخَلائِقِ لَهُ عَيْنانِ تُبْصِرانِ ولِسانٌ فَصِيحٌ، فَيَقُولُ: إنِّي وُكِّلْتُ مِنكم بِثَلاثَةٍ: بِكُلِّ جَبّارٍ عَنِيدٍ. فَيَلْقُطُهم مِنَ الصُّفُوفِ لَقْطَ الطَّيْرِ حَبَّ السِّمْسِمِ، فَيَجْلِسُ بِهِمْ في جَهَنَّمَ ثُمَّ يَخْرُجُ ثانِيَةً فَتَقُولُ: إنِّي وُكِّلْتُ مِنكم بِمَن آذى اللَّهَ ورَسُولَهُ. فَيَلْقُطُهم مِنَ الصُّفُوفِ لَقْطَ الطَّيْرِ حَبَّ السِّمْسِمِ، فَيَجْلِسُ بِهِمْ في جَهَنَّمَ، ثُمَّ يَخْرُجُ ثالِثَةً فَتَقُولُ: إنِّي وُكِّلْتُ بِأصْحابِ التَّصاوِيرِ فَيَلْقُطُهم مِنَ الصُّفُوفِ لَقْطَ الطَّيْرِ حَبَّ السِّمْسِمِ، فَيَجْلِسُ بِهِمْ في جَهَنَّمَ، فَإذا أُخِذَ مِن هَؤُلاءِ الثَّلاثَةِ ومِن هَؤُلاءِ الثَّلاثَةِ: نُشِرَتِ الصُّحُفُ ووُضِعَتِ المُوازِينُ، ودُعِيَ الخَلائِقُ لِلْحِسابِ.
مريم 19:70
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَوَرَبِّكَ﴾ الآياتِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿جِثِيًّا﴾ قالَ: قُعُودًا، وفي قَوْلِهِ: ﴿عِتِيًّا﴾ قالَ: مَعْصِيَةً.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿عِتِيًّا﴾ قالَ: عَصْيًا.
وأخْرَجَ الحاكِمُ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: لا أدْرِي كَيْفَ قَرَأ النَّبِيُّ ﷺ: ( عُتِيًّا ) أوْ: ( جُثِيًّا ) فَإنَّهُما جَمِيعًا بِالضَّمِّ.
وأخْرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ في زَوائِدِ ”الزُّهْدِ“ والبَيْهَقِيُّ في ”البَعْثِ“ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ باباهْ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «كَأنِّي أراكم بِالكَوْمِ دُونَ جَهَنَّمَ جاثِينَ» .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ عاصِمٍ أنَّهُ قَرَأ: ( جُثِيًّا ) بِرَفْعِ الجِيمِ و: ( عُتِيًّا ) بِرَفْعِ العَيْنِ و( صُلِيًّا ) بِرَفْعِ الصّادِ.
(p-١١٠)وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا﴾ قالَ: قِيامًا.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ: ﴿ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ﴾ قالَ لَنَبْدَأنَّ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ﴾ الآيَةَ: قالَ: لَنَنْزِعَنَّ مِن كُلِّ أهْلِ دِينٍ قادَتَهم ورُءُوسَهم في الشَّرِّ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عِكْرِمَةَ في قَوْلِهِ: ﴿أيُّهم أشَدُّ عَلى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا﴾ قالَ: في الدُّنْيا.
وأخْرَجَ هَنّادٌ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أبِي الأحْوَصِ: ﴿ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِن كُلِّ شِيعَةٍ﴾ الآيَةَ، قالَ: يَبْدَأُ بِالأكابِرِ فالأكابِرِ جُرْمًا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ في ”البَعْثِ“، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: يُحْشَرُ الأوَّلُ عَلى الآخِرِ، حَتّى إذا تَكامَلَتِ العِدَّةُ أثارَهم جَمِيعًا، ثُمَّ بَدَأ بِالأكابِرِ فالأكابِرِ جُرْمًا ثُمَّ قَرَأ: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿عِتِيًّا﴾ .
وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿لَنَنْزِعَنَّ مِن كُلِّ شِيعَةٍ﴾ قالَ: مِن كُلِّ أُمَّةٍ ﴿أيُّهم أشَدُّ عَلى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا﴾ قالَ: كُفْرًا.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ لَنَحْنُ أعْلَمُ بِالَّذِينَ هم أوْلى (p-١١١)بِها صِلِيًّا﴾ قالَ: يَقُولُ: إنَّهم أوْلى بِالخُلُودِ في جَهَنَّمَ.
وأخْرَجَ الحارِثُ بْنُ أبِي أُسامَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ بِسَنَدٍ حَسَنٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: إذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ مُدَّتِ الأرْضُ مَدَّ الأدِيمِ، وزِيدَ في سِعَتِها كَذا وكَذا، وجُمِعَ الخَلائِقُ بِصَعِيدٍ واحِدٍ، جِنُّهم وإنْسُهُمْ، فَإذا كانَ ذَلِكَ اليَوْمُ قَيَّضَتْ هَذِهِ السَّماءُ الدُّنْيا عَنْ أهْلِها عَلى وجْهِ الأرْضِ، ولَأهْلُ السَّماءِ وحْدَهم أكْثَرُ مِن أهْلِ الأرْضِ؛ جِنِّهِمْ وإنْسِهِمْ بِضَعْفٍ، فَإذا نُثِرُوا عَلى وجْهِ الأرْضِ، فَزِعُوا إلَيْهِمْ فَيَقُولُونَ: أفَيَكِمُ رَبُّنا؟ فَيَفْزَعُونَ مِن قَوْلِهِمْ ويَقُولُونَ: سُبْحانَ رَبِّنا! لَيْسَ فِينا وهو آتٍ، ثُمَّ تُقاضُ السَّماءُ الثّانِيَةُ، ولَأهْلُ السَّماءِ الثّانِيَةِ وحْدَهم أكْثَرُ مِن أهْلِ السَّماءِ الدُّنْيا ومِن جَمِيعِ أهْلِ الأرْضِ بِضِعْفٍ؛ جِنِّهِمْ وإنْسِهِمْ، فَإذا نُثِرُوا عَلى وجْهِ الأرْضِ فَزِعَ إلَيْهِمْ أهْلُ الأرْضِ فَيَقُولُونَ: أفَيَكِمُ رَبُّنا؟ فَيَفْزَعُونَ مِن قَوْلِهِمْ ويَقُولُونَ: سُبْحانَ رَبِّنا! لَيْسَ فِينا وهو آتٍ. ثُمَّ تُقاضُ السَّماواتُ: سَماءً سَماءً، كُلَّما قِيضَتْ سَماءٌ عَنْ أهْلِها كانَتْ أكْثَرَ مِن أهْلِ السَّماواتِ الَّتِي تَحْتَها ومِن جَمِيعِ أهْلِ الأرْضِ بِضِعْفٍ، فَإذا نُثِرُوا عَلى وجْهِ الأرْضِ، يَفْزَعُ إلَيْهِمْ أهْلُ الأرْضِ، فَيَقُولُونَ لَهم مِثْلَ ذَلِكَ، ويَرْجِعُونَ إلَيْهِمْ مِثْلَ ذَلِكَ، حَتّى تُقاضَ السَّماءُ السّابِعَةُ، فَلَأهْلُ السَّماءِ السّابِعَةِ أكْثَرُ مِن أهْلِ سِتِّ سَماواتٍ ومِن جَمِيعِ أهْلِ الأرْضِ بِضِعْفٍ، فَيَجِيءُ اللَّهُ فِيهِمْ، والأُمَمُ جُثًا صُفُوفٌ، ويُنادِي مُنادٍ: سَتَعْلَمُونَ اليَوْمَ مَن أصْحابُ الكَرَمِ لِيَقُمِ الحَمّادُونَ لِلَّهِ (p-١١٢)عَلى كُلِّ حالٍ فَيَقُومُونَ فَيَسْرَحُونَ إلى الجَنَّةِ، ثُمَّ يُنادِي الثّانِيَةَ: سَتَعْلَمُونَ اليَوْمَ مَن أصْحابُ الكَرَمِ أيْنَ الَّذِينَ كانَتْ تَتَجافى جُنُوبُهم عَنِ المَضاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهم خَوْفًا وطَمَعًا ومِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ ؟ فَيَقُومُونَ فَيَسْرَحُونَ إلى الجَنَّةِ، ثُمَّ يُنادِي الثّالِثَةَ: سَتَعْلَمُونَ اليَوْمَ مَن أصْحابُ الكَرَمِ، أيْنَ الَّذِينَ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ ولا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وإقامِ الصَّلاةِ وإيتاءِ الزَّكاةِ، يَخافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ القُلُوبُ والأبْصارُ ؟ فَيَقُومُونَ فَيَسْرَحُونَ إلى الجَنَّةِ، فَإذا أُخِذَ مِن هَؤُلاءِ الثَّلاثَةِ، خَرَجَ عُنُقٌ مِنَ النّارِ فَأشْرَفَ عَلى الخَلائِقِ لَهُ عَيْنانِ تُبْصِرانِ ولِسانٌ فَصِيحٌ، فَيَقُولُ: إنِّي وُكِّلْتُ مِنكم بِثَلاثَةٍ: بِكُلِّ جَبّارٍ عَنِيدٍ. فَيَلْقُطُهم مِنَ الصُّفُوفِ لَقْطَ الطَّيْرِ حَبَّ السِّمْسِمِ، فَيَجْلِسُ بِهِمْ في جَهَنَّمَ ثُمَّ يَخْرُجُ ثانِيَةً فَتَقُولُ: إنِّي وُكِّلْتُ مِنكم بِمَن آذى اللَّهَ ورَسُولَهُ. فَيَلْقُطُهم مِنَ الصُّفُوفِ لَقْطَ الطَّيْرِ حَبَّ السِّمْسِمِ، فَيَجْلِسُ بِهِمْ في جَهَنَّمَ، ثُمَّ يَخْرُجُ ثالِثَةً فَتَقُولُ: إنِّي وُكِّلْتُ بِأصْحابِ التَّصاوِيرِ فَيَلْقُطُهم مِنَ الصُّفُوفِ لَقْطَ الطَّيْرِ حَبَّ السِّمْسِمِ، فَيَجْلِسُ بِهِمْ في جَهَنَّمَ، فَإذا أُخِذَ مِن هَؤُلاءِ الثَّلاثَةِ ومِن هَؤُلاءِ الثَّلاثَةِ: نُشِرَتِ الصُّحُفُ ووُضِعَتِ المُوازِينُ، ودُعِيَ الخَلائِقُ لِلْحِسابِ.
مريم 19:71
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنْ مِنكم إلا وارِدُها﴾ .
أخْرَجَ أحْمَدُ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في ”البَعْثِ“ عَنْ أبِي سُمَيَّةَ قالَ: «ْاختَلَفْنا في الوُرُودِ، فَقالَ بَعْضُنا: لا يَدْخُلُها مُؤْمِنٌ، وقالَ بَعْضُهم: (p-١١٣)يَدْخُلُونَها جَمِيعًا ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا. فَلَقِيتُ جابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ فَذَكَرْتُ لَهُ فَقالَ وأهْوى بِإصْبَعَيْهِ إلى أُذُنَيْهِ: صَمْتًا إنْ لَمْ أكُنْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: لا يَبْقى بَرٌّ ولا فاجِرٌ إلّا دَخَلَها، فَتَكُونُ عَلى المُؤْمِنِ بَرْدًا وسَلامًا كَما كانَتْ عَلى إبْراهِيمَ، حَتّى إنَّ لِلنّارِ ضَجِيجًا مَن بَرْدِهِمْ: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا ونَذَرُ الظّالِمِينَ فِيها جِثِيًّا﴾ [مريم»: ٧٢] .
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وهَنّادٌ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ في ”البَعْثِ“ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: خاصَمَ نافِعُ بْنُ الأزْرَقِ ابْنَ عَبّاسٍ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الوُرُودُ الدُّخُولُ. وقالَ نافِعٌ: لا، فَقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ: ﴿إنَّكم وما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أنْتُمْ لَها وارِدُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٨] [ الأنْبِياءِ: ٩٨ ] وقالَ: أوَرَدُوا أمْ لا؟ وقَرَأ: ( ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ القِيامَةِ فَأوْرَدَهُمُ النّارَ وبِئْسَ الوِرْدُ المَوْرُودُ﴾ [هود: ٩٨] ) [ هُودٍ: ٩٨ ] أوَرَدُوا أمْ لا؟ أمّا أنا وأنْتَ فَسَنَدْخُلُها، فانْظُرْ هَلْ نَخْرُجُ مِنها أمْ لا؟
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وإنْ مِنكم إلا وارِدُها﴾ قالَ: يَرِدُها البَرُّ والفاجِرُ، ألَمْ تَسْمَعْ قَوْلَهُ: ﴿فَأوْرَدَهُمُ النّارَ وبِئْسَ الوِرْدُ المَوْرُودُ﴾ [هود: ٩٨] وقَوْلَهُ: ﴿ونَسُوقُ المُجْرِمِينَ إلى جَهَنَّمَ وِرْدًا﴾ [مريم: ٨٦] [ مَرْيَمَ: ٨٦ ] .
(p-١١٤)وأخْرَجَ الحاكِمُ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ سُئِلَ عَنْ قَوْلِهِ: ( ﴿وإنْ مِنكم إلا وارِدُها﴾ ) قالَ: وإنْ مِنكم إلّا داخِلُها.
وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في ”البَعْثِ“ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في الآيَةِ قالَ: لا يَبْقى أحَدٌ إلّا دَخِلُها.
وأخْرَجَ هَنّادٌ، والطَّبَرانِيُّ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في قَوْلِهِ: ( ﴿وإنْ مِنكم إلا وارِدُها﴾ ) قالَ: وُرُودُها الصِّراطُ. وأخْرَجَ أحْمَدُ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والتِّرْمِذِيُّ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ في ”البَعْثِ“، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ «فِي قَوْلِهِ: ( ﴿وإنْ مِنكم إلا وارِدُها﴾ ) قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: يَرِدُ النّاسُ كُلُّهُمُ النّارَ، ثُمَّ يُصْدُرُونَ عَنْها بِأعْمالِهِمْ، فَأوَّلُهم كَلَمْحِ البَرْقِ، ثُمَّ كالرِّيحِ، ثُمَّ كَحُضْرِ الفَرَسِ، ثُمَّ كالرّاكِبِ في رَحْلِهِ، ثُمَّ كَشَدِّ الرَّجُلِ، ثُمَّ كَمَشْيِهِ» .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنِ (p-١١٥)ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: يَرِدُ النّاسُ الصِّراطَ جَمِيعًا، ووُرُودُهم قِيامُهم حَوْلَ النّارِ، ثُمَّ يَصْدُرُونَ عَنِ الصِّراطِ بِأعْمالِهِمْ، فَمِنهم مَن يَمُرُّ مِثْلَ البَرْقِ، ومِنهم مَن يَمُرُّ مِثْلَ الرِّيحِ، ومِنهم مَن يَمُرُّ مِثْلَ الطَّيْرِ، ومِنهم مَن يَمُرُّ كَأجْوَدِ الخَيْلِ، ومِنهم مَن يَمُرُّ كَأجْوَدِ الإبِلِ، ومِنهم مَن يَمُرُّ كَعَدْوِ الرَّجُلِ، حَتّى أنَّ آخِرَهم مَرًّا رَجُلٌ نُورُهُ عَلى مَوْضِعِ إبْهامِ قَدَمَيْهِ، يَمُرُّ مُتَكَفِّئًا بِهِ الصِّراطُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في قَوْلِهِ: ( ﴿وإنْ مِنكم إلا وارِدُها﴾ ) قالَ: الصِّراطُ عَلى جَهَنَّمَ مِثْلُ حَدِّ السَّيْفِ، فَتَمُرُّ الطَّبَقَةُ الأُولى كالبَرْقِ، والثّانِيَةُ كالرِّيحِ، والثّالِثَةُ كَأجْوَدِ الخَيْلِ، والرّابِعَةُ كَأجْوَدِ الإبِلِ والبَهائِمِ، ثُمَّ يَمُرُّونَ عَلى مَنازِلِهِمْ، والمَلائِكَةُ يَقُولُونَ: رَبِّ سَلِّمْ سَلِّمْ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، عَنِ المُغِيرَةِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «شِعارُ المُسْلِمِينَ عَلى الصِّراطِ يَوْمَ القِيامَةِ: اللَّهُمَّ سَلِّمْ سَلِّمْ» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «﴿وإنْ مِنكم إلا وارِدُها﴾ يَقُولُ: مُجْتازٌ فِيها» .
وأخْرَجَ هَنّادٌ في ”الزُّهْدِ“ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ في الآيَةِ قالَ: (p-١١٦)الصِّراطُ عَلى جَهَنَّمَ يَرِدُونَ عَلَيْهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وهَنّادٌ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ، وابْنُ الأنْبارِيِّ في ”المَصاحِفِ“ عَنْ خالِدِ بْنِ مَعْدانَ قالَ: إذا دَخَلَ أهْلُ الجَنَّةِ الجَنَّةَ قالُوا: رَبَّنا، ألَمْ تَعِدْنا أنّا نَرِدُ النّارَ؟ قالَ: بَلى، ولَكِنَّكم مَرَرْتُمْ عَلَيْها وهي خامِدَةٌ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ الأنْبارِيِّ، والبَيْهَقِيُّ في ”البَعْثِ“ عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ( ﴿وإنْ مِنكم إلا وارِدُها﴾ ) قالَ: الوُرُودَ المَمَرُّ عَلَيْها مِن غَيْرِ أنْ يَدْخُلَها.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ ( ﴿وإنْ مِنكم إلا وارِدُها﴾ ) قالَ: هو المَمَرُّ عَلَيْها.
وأخْرَجَ ابْنُ الأنْبارِيِّ عَنْ أبِي نَضْرَةَ في قَوْلِهِ: ( ﴿وإنْ مِنكم إلا وارِدُها﴾ ) قالَ يُحْمَلُونَ عَلى الصِّراطِ إلى جَهَنَّمَ، وهي كَأنَّها مَتْنُ إهالَةٍ، فَتَمِيلُ بِهِمْ فَيَقُولُ اللَّهُ لِجَهَنَّمَ: خُذِي أصْحابَكِ، ودَعِي أصْحابِي. فَيَخْسِفُ بِهِمُ الصِّراطُ، ويَنْجُو المُؤْمِنُونَ، وهو قَوْلُ اللَّهِ ( ﴿فاسْتَبَقُوا الصِّراطَ فَأنّى يُبْصِرُونَ﴾ [يس: ٦٦] ) [ يس: ٦٦ ] .
(p-١١٧)وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي العَوّامِ قالَ: قالَ كَعْبٌ: هَلْ تَدْرُونَ ما قَوْلُهُ ( ﴿وإنْ مِنكم إلا وارِدُها﴾ )؟ قالُوا: ما كُنّا نَرى وُرُودَها إلّا دُخُولَها، قالَ: لا، ولَكِنَّ وُرُودَها أنْ يُجاءَ بِجَهَنَّمَ كَأنَّها مَتْنُ إهالَةٍ؛ حَتّى اسْتَوَتْ عَلَيْها أقْدامُ الخَلائِقِ بَرِّهِمْ وفاجِرِهِمْ، ناداها مُنادٍ: خُذِي أصْحابَكِ وذَرِي أصْحابِي. فَيُخْسَفُ بِكُلِّ ولِيٍّ لَها، لَهي أعْلَمُ بِهِمْ مِنَ الوالِدِ بِوَلَدِهِ، ويَنْجُو المُؤْمِنُونَ نَدِيَّةً ثِيابُهم. قالَ: وإنَّ الخازِنَ مِن خَزَنَةِ جَهَنَّمَ ما بَيْنَ مَنكِبَيْهِ مَسِيرَةُ سَنَةٍ، مَعَهُ عَمُودٌ مِن حَدِيدٍ لَهُ شُعْبَتانِ، يَدْفَعُ الدَّفْعَةَ فَيَكُبُّ في النّارِ تِسْعَمِائَةِ ألْفٍ. أوْ كَما قالَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ زَيْدٍ في قَوْلِهِ: ( ﴿وإنْ مِنكم إلا وارِدُها﴾ ) قالَ: وُرُودُ المُسْلِمِينَ المُرُورُ عَلى الجِسْرِ بَيْنَ ظَهْرَيْها، ووُرُودُ المُشْرِكِينَ أنْ يَدْخُلُوها، وقَدْ أحاطَ بِالجِسْرِ مِنَ المَلائِكَةِ، دُعاؤُهم يَوْمَئِذٍ: يا اللَّهُ سَلِّمْ سَلِّمْ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ قالَ: حُضُورُها وُرُودُها.
وأخْرَجَ ابْنُ الأنْبارِيِّ في ”المَصاحِفِ“ عَنْ مَرْزُوقِ بْنِ أبِي سَلامَةَ قالَ: قالَ نافِعُ بْنُ الأزْرَقِ لِابْنِ عَبّاسٍ: ما الوُرُودُ؟ قالَ: الدُّخُولُ. قالَ: لا، الوُرُودُ الوُقُوفُ عَلى شَفِيرِها. فَقالَ: ويْحَكَ! أما تَقْرَأُ كِتابَ اللَّهِ: ﴿وما أمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾ [هود: ٩٧] ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ القِيامَةِ فَأوْرَدَهُمُ النّارَ﴾ [هود: ٩٨] ) [ هُودٍ: ٩٧، ٩٨ ] أفَتُراهُ – ويْحَكَ- إنَّما أوْقَفَهم عَلى شَفِيرِها؟ واللَّهُ تَعالى يَقُولُ ﴿ويَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ أدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أشَدَّ العَذابِ﴾ [غافر: ٤٦] ) [ غافِرٍ: ٤٦ ] .
(p-١١٨)وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنْ أبِي أيُّوبَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أوَّلُ مَن يَخْتَصِمُ يَوْمَ القِيامَةِ الرَّجُلُ وامْرَأتُهُ، وما يَنْطِقُ لِسانُها ولا لِسانُهُ ولَكِنْ يَداها ورِجْلاها يَشْهَدانِ عَلَيْها بِما كانَتْ تُغَيَّبُ لَهُ، ويَداهُ ورِجْلاهُ يَشْهَدانِ عَلَيْهِ بِما كانَ يُوَلِّيها، ثُمَّ يُدْعى الرَّجُلُ وخَوَلُهُ وخَدَمُهُ كَمِثْلِ ذَلِكَ، ثُمَّ يُؤْتى بِأهْلِ الأسْواقِ، فَما هي بِقَرارِيطَ تُؤْخَذُ مِنهم ولا دَوانِقَ، إلّا حَسَناتُ ذا تُدْفَعُ إلى ذا، وسَيِّئاتُ ذا تُدْفَعُ إلى ذا، ثُمَّ يُؤْتى بِالجَبابِرَةِ في مَقامِعَ مِن حَدِيدٍ فَيُوقَفُونَ عِنْدَ رَبِّ العالَمِينَ، فَيَقُولُ سُوقُوهم إلى النّارِ. فَما أدْرِي أيَدْخُلُونَها، أوْ كَما قالَ اللَّهُ ( ﴿وإنْ مِنكم إلا وارِدُها كانَ عَلى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا﴾ [مريم»: ٧١] ) .
وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ عُمَرَ لَمّا طُعِنَ قالَ: واللَّهِ لَوْ أنَّ لِي ما عَلى الأرْضِ مِن شَيْءٍ لافْتَدَيْتُ بِهِ مِن هَوْلِ المُطَّلَعِ. فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: فَقُلْتُ لَهُ واللَّهِ إنِّي لَأرْجُو ألّا تَراها إلّا مِقْدارَ ما قالَ اللَّهُ: ( ﴿وإنْ مِنكم إلا وارِدُها﴾ ) .
(p-١١٩)وأخْرَجَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ والخَطِيبُ، والبَيْهَقِيُّ في ”الشُّعَبِ“ عَنْ يَعْلى ابْنِ مُنْيَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «تَقُولُ النّارُ لِلْمُؤْمِنِ يَوْمَ القِيامَةِ: جُزْ يا مُؤْمِنُ، فَقَدْ أطْفَأ نُورُكَ لَهَبِي» .
وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، وأحْمَدُ، وهَنّادٌ، ومُسْلِمٌ، وابْنُ ماجَهْ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ الأنْبارِيِّ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنْ أُمِّ مُبَشِّرٍ قالَتْ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لا يَدْخُلُ النّارَ أحَدٌ شَهِدَ بَدْرًا والحُدَيْبِيَةَ. قالَتْ حَفْصَةُ: ألَيْسَ اللَّهُ يَقُولُ: ( ﴿وإنْ مِنكم إلا وارِدُها﴾ ) قالَ ألَمْ: تَسْمَعِيهِ يَقُولُ: ( ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ [مريم»: ٧٢] )؟ .
وأخْرَجَ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ والتِّرْمِذِيُّ والنَّسائِيُّ، وابْنُ ماجَهْ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لا يَمُوتُ لِمُسْلِمٍ ثَلاثَةٌ مِنَ الوَلَدِ فَيَلِجَ النّارَ إلّا تَحِلَّةَ القَسَمِ. ثُمَّ قَرَأ سُفْيانُ: ( ﴿وإنْ مِنكم إلا وارِدُها﴾ [مريم»: ٧١] ) .
(p-١٢٠)وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ بَشِيرٍ الأنْصارِيِّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَن ماتَ لَهُ ثَلاثَةٌ مِنَ الوَلَدِ لَمْ يَبْلُغُوا الحِنْثَ، لَمْ يَرِدِ النّارَ إلّا عابِرَ سَبِيلٍ. يَعْنِي الجَوازَ عَلى الصِّراطِ» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ، والبُخارِيُّ في ”تارِيخِهِ“، وأبُو يَعْلى والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنْ مُعاذِ بْنِ أنَسٍ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قالَ: «مَن حَرَسَ مِن وراءِ المُسْلِمِينَ في سَبِيلِ اللَّهِ مُتَطَوِّعًا لا يَأْخُذُهُ سُلْطانٌ، لَمْ يَرَ النّارَ بِعَيْنِهِ إلّا تَحِلَّةَ القَسَمِ فَإنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ( ﴿وإنْ مِنكم إلا وارِدُها﴾ [مريم»: ٧١] ) .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ الأنْبارِيِّ، والبَيْهَقِيُّ في ”البَعْثِ“، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قَرَأ: ”وإنْ مِنهم إلّا وارِدُها“ يَعْنِي الكُفّارَ قالَ: لا يَرِدُها مُؤْمِنٌ. كَذا قَرَأها.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عِكْرِمَةَ، أنَّهُ قَرَأ: ”وإنْ مِنهم إلّا وارِدُها“ . قالَ: (p-١٢١)وهُمُ الظَّلَمَةُ. كَذَلِكَ كُنّا نَقْرَؤُها.
وأخْرَجَ ابْنُ المُبارَكِ وأحْمَدُ في ”الزُّهْدِ“، وابْنُ عَساكِرَ عَنْ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ المُزَنِيِّ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ( ﴿وإنْ مِنكم إلا وارِدُها﴾ ) ذَهَبَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَواحَةَ إلى بَيْتِهِ فَبَكى، فَجاءَتِ المَرْأةُ فَبَكَتْ، وجاءَتِ الخادِمُ فَبَكَتْ، وجاءَ أهْلُ البَيْتِ فَجَعَلُوا يَبْكُونَ، فَلَمّا انْقَطَعَتْ عَبْرَتُهم قالَ: يا أهْلاهُ، ما الَّذِي أبْكاكم قالُوا: لا نَدْرِي، ولَكِنْ رَأيْناكَ بِكَيْتَ فَبَكَيْنا. قالَ: إنَّهُ أُنْزِلَتْ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ آيَةٌ يُنْبِئُنِي فِيها رُبِّي تَبارَكَ وتَعالى أنِّي وارِدٌ النّارَ، ولَمْ يُنْبِئْنِي أنِّي صادِرٌ عَنْها، فَذاكَ الَّذِي أبْكانِي» .
وأخْرَجَ أبُو نُعَيْمٍ في ”الحِلْيَةِ“ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ قالَ: «لَمّا أرادَ ابْنُ رَواحَةَ الخُرُوجَ إلى أرْضِ مُؤْتَةَ مِنَ الشّامِ، أتاهُ المُسْلِمُونَ يُوَدِّعُونَهُ، فَبَكى فَقالَ: أما واللَّهِ ما بِي حُبُّ الدُّنْيا ولا صَبابَةٌ لَكُمْ، ولَكِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ: ( ﴿وإنْ مِنكم إلا وارِدُها كانَ عَلى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا﴾ ) فَقَدْ عَلِمْتُ أنِّي وارِدٌ النّارَ، ولا أدْرِي كَيْفَ الصُّدُورُ بَعْدَ الوُرُودِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ المُبارَكِ وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وأحْمَدُ وهَنّادُ بْنُ السَّرِيِّ مَعًا في ”الزُّهْدِ“، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والحاكِمُ، والبَيْهَقِيُّ في ”البَعْثِ“ عَنْ قَيْسِ بْنِ أبِي حازِمٍ قالَ: بَكى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَواحَةَ، فَقالَتِ (p-١٢٢)امْرَأتُهُ: ما يُبْكِيكَ؟ قالَ: إنِّي أُنْبِئْتُ أنّى وارِدُ النّارَ، ولَمْ أُنْبَأْ أنِّي صادِرٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنِ الحَسَنِ قالَ: كانَ أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إذا التَقَوْا يَقُولُ الرَّجُلُ لِصاحِبِهِ: هَلْ أتاكَ أنَّكَ وارِدٌ؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ. فَيَقُولُ: هَلْ أتاكَ أنَّكَ خارِجٌ؟ فَيَقُولُ: لا. فَيَقُولُ: فَفِيمَ الضَّحِكُ إذَنْ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُبارَكِ، وهَنّادٌ عَنْ أبِي مَيْسَرَةَ، أنَّهُ أوى إلى فِراشِهِ فَقالَ: يا لَيْتَ أُمِّي لَمْ تَلِدْنِي. فَقالَتِ امْرَأتُهُ: يا أبا مَيْسَرَةَ، إنِّ اللَّهَ قَدْ أحْسَنَ إلَيْكَ؛ هَداكَ إلى الإسْلامِ، فَقالَ: أجَلْ ولَكِنَّ اللَّهَ قَدْ بَيَّنَ لَنا أنّا وارِدُو النّارِ، ولَمْ يُبَيِّنْ لَنا أنّا صادِرُونَ عَنْها.
وأخْرَجَ ابْنُ المُبارَكِ عَنِ الحَسَنِ قالَ: قالَ رَجُلٌ لِأخِيهِ: يا أخِي، هَلْ أتاكَ انْكَ وارِدٌ النّارَ؟ قالَ: نَعَمْ، قالَ: فَهَلْ أتاكَ أنَّكَ خارِجٌ مِنها؟ قالَ: لا. قالَ: فَفِيمَ الضَّحِكُ؟ فَما رُئِيَ ضاحِكًا حَتّى ماتَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: الحُمّى حَظُّ كَلِّ مُؤْمِنٍ مِنَ النّارِ ثُمَّ قَرَأ: ( ﴿وإنْ مِنكم إلا وارِدُها﴾ ) .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: الحُمّى في الدُّنْيا حَظُّ المُؤْمِنِ مِنَ (p-١٢٣)الوُرُودِ في الآخِرَةِ.
وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في ”شُعَبِ الإيمانِ“ عَنْ مُجاهِدٍ في الآيَةِ قالَ: مَن حُمَّ مِنَ المُسْلِمِينَ فَقَدْ ورَدَها.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَعُودُ رَجُلًا مِن أصْحابِهِ وعِكًا وأنا مَعَهُ، فَقالَ: إنَّ اللَّهَ يَقُولُ: هي نارِي أُسَلِّطُها عَلى عَبْدِي المُؤْمِنِ لِتَكُونَ حَظَّهُ مِنَ النّارِ في الآخِرَةِ» .
وأخْرَجَ الخَطِيبُ في ”تالِي التَّلْخِيصِ“ عَنْ عِكْرِمَةَ في قَوْلِهِ ( ﴿وإنْ مِنكم إلا وارِدُها﴾ ) قالَ: الدُّخُولُ، ( ﴿كانَ عَلى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا﴾ ) . قالَ: قَسَمًا واجِبًا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ( ﴿حَتْمًا مَقْضِيًّا﴾ ) قالَ: قَضاءً مِنَ اللَّهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ الأنْبارِيِّ في ”الوَقْفِ والِابْتِداءِ“ والطَّسْتِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أنَّ نافِعَ بْنَ الأزْرَقِ قالَ لَهُ: أخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِهِ: ( ﴿حَتْمًا مَقْضِيًّا﴾ ) قالَ: الحَتْمُ الواجِبُ. قالَ: وهَلْ تَعْرِفُ العَرَبُ ذَلِكَ؟ قالَ: نَعَمْ، أما سَمِعْتَ أُمَيَّةَ بْنَ أبِي الصَّلْتِ وهو يَقُولُ:(p-١٢٤)
؎عِبادُكَ يُخْطِئُونَ وأنْتَ رَبٌّ بِكَفَّيْكَ المَنايا والحُتُومُ
وأخْرَجَ ابْنُ الأنْبارِيِّ عَنْ أبِي سَلامَةَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أنَّهُ قَرَأ: ( ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا ) بِضَمِّ الثّاءِ.
وأخْرَجَ ابْنُ الأنْبارِيِّ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ: ”ثَمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا“ بِفَتْحِ الثّاءِ.
وأخْرَجَ ابْنُ الأنْبارِيِّ، عَنِ ابْنِ أبِي لَيْلى أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ: ”ثَمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا“ بِفَتْحِ الثّاءِ ويَقُولُ: الوُرُودُ الدُّخُولُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ( ﴿ونَذَرُ الظّالِمِينَ فِيها جِثِيًّا﴾ ) وكَذَلِكَ كانَ يَقْرَؤُها، يَعْنِي: باقِينَ فِيها.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ( ﴿ونَذَرُ الظّالِمِينَ فِيها جِثِيًّا﴾ ) قالَ: جِثِيًّا عَلى رُكَبِهِمْ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ زَيْدٍ في الآيَةِ قالَ: الجِثِيُّ شَرُّ الجُلُوسِ، ولا يَجْلِسُ الرَّجُلُ جاثِيًا إلّا عِنْدَ كَرْبٍ نَزَلَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ( ﴿جِثِيًّا﴾ ) قالَ: عَلى رُكَبِهِمْ.
(p-١٢٥)
مريم 19:72
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنْ مِنكم إلا وارِدُها﴾ .
أخْرَجَ أحْمَدُ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في ”البَعْثِ“ عَنْ أبِي سُمَيَّةَ قالَ: «ْاختَلَفْنا في الوُرُودِ، فَقالَ بَعْضُنا: لا يَدْخُلُها مُؤْمِنٌ، وقالَ بَعْضُهم: (p-١١٣)يَدْخُلُونَها جَمِيعًا ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا. فَلَقِيتُ جابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ فَذَكَرْتُ لَهُ فَقالَ وأهْوى بِإصْبَعَيْهِ إلى أُذُنَيْهِ: صَمْتًا إنْ لَمْ أكُنْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: لا يَبْقى بَرٌّ ولا فاجِرٌ إلّا دَخَلَها، فَتَكُونُ عَلى المُؤْمِنِ بَرْدًا وسَلامًا كَما كانَتْ عَلى إبْراهِيمَ، حَتّى إنَّ لِلنّارِ ضَجِيجًا مَن بَرْدِهِمْ: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا ونَذَرُ الظّالِمِينَ فِيها جِثِيًّا﴾ [مريم»: ٧٢] .
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وهَنّادٌ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ في ”البَعْثِ“ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: خاصَمَ نافِعُ بْنُ الأزْرَقِ ابْنَ عَبّاسٍ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الوُرُودُ الدُّخُولُ. وقالَ نافِعٌ: لا، فَقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ: ﴿إنَّكم وما تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أنْتُمْ لَها وارِدُونَ﴾ [الأنبياء: ٩٨] [ الأنْبِياءِ: ٩٨ ] وقالَ: أوَرَدُوا أمْ لا؟ وقَرَأ: ( ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ القِيامَةِ فَأوْرَدَهُمُ النّارَ وبِئْسَ الوِرْدُ المَوْرُودُ﴾ [هود: ٩٨] ) [ هُودٍ: ٩٨ ] أوَرَدُوا أمْ لا؟ أمّا أنا وأنْتَ فَسَنَدْخُلُها، فانْظُرْ هَلْ نَخْرُجُ مِنها أمْ لا؟
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وإنْ مِنكم إلا وارِدُها﴾ قالَ: يَرِدُها البَرُّ والفاجِرُ، ألَمْ تَسْمَعْ قَوْلَهُ: ﴿فَأوْرَدَهُمُ النّارَ وبِئْسَ الوِرْدُ المَوْرُودُ﴾ [هود: ٩٨] وقَوْلَهُ: ﴿ونَسُوقُ المُجْرِمِينَ إلى جَهَنَّمَ وِرْدًا﴾ [مريم: ٨٦] [ مَرْيَمَ: ٨٦ ] .
(p-١١٤)وأخْرَجَ الحاكِمُ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ سُئِلَ عَنْ قَوْلِهِ: ( ﴿وإنْ مِنكم إلا وارِدُها﴾ ) قالَ: وإنْ مِنكم إلّا داخِلُها.
وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في ”البَعْثِ“ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في الآيَةِ قالَ: لا يَبْقى أحَدٌ إلّا دَخِلُها.
وأخْرَجَ هَنّادٌ، والطَّبَرانِيُّ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في قَوْلِهِ: ( ﴿وإنْ مِنكم إلا وارِدُها﴾ ) قالَ: وُرُودُها الصِّراطُ. وأخْرَجَ أحْمَدُ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والتِّرْمِذِيُّ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ في ”البَعْثِ“، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ «فِي قَوْلِهِ: ( ﴿وإنْ مِنكم إلا وارِدُها﴾ ) قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: يَرِدُ النّاسُ كُلُّهُمُ النّارَ، ثُمَّ يُصْدُرُونَ عَنْها بِأعْمالِهِمْ، فَأوَّلُهم كَلَمْحِ البَرْقِ، ثُمَّ كالرِّيحِ، ثُمَّ كَحُضْرِ الفَرَسِ، ثُمَّ كالرّاكِبِ في رَحْلِهِ، ثُمَّ كَشَدِّ الرَّجُلِ، ثُمَّ كَمَشْيِهِ» .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنِ (p-١١٥)ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: يَرِدُ النّاسُ الصِّراطَ جَمِيعًا، ووُرُودُهم قِيامُهم حَوْلَ النّارِ، ثُمَّ يَصْدُرُونَ عَنِ الصِّراطِ بِأعْمالِهِمْ، فَمِنهم مَن يَمُرُّ مِثْلَ البَرْقِ، ومِنهم مَن يَمُرُّ مِثْلَ الرِّيحِ، ومِنهم مَن يَمُرُّ مِثْلَ الطَّيْرِ، ومِنهم مَن يَمُرُّ كَأجْوَدِ الخَيْلِ، ومِنهم مَن يَمُرُّ كَأجْوَدِ الإبِلِ، ومِنهم مَن يَمُرُّ كَعَدْوِ الرَّجُلِ، حَتّى أنَّ آخِرَهم مَرًّا رَجُلٌ نُورُهُ عَلى مَوْضِعِ إبْهامِ قَدَمَيْهِ، يَمُرُّ مُتَكَفِّئًا بِهِ الصِّراطُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في قَوْلِهِ: ( ﴿وإنْ مِنكم إلا وارِدُها﴾ ) قالَ: الصِّراطُ عَلى جَهَنَّمَ مِثْلُ حَدِّ السَّيْفِ، فَتَمُرُّ الطَّبَقَةُ الأُولى كالبَرْقِ، والثّانِيَةُ كالرِّيحِ، والثّالِثَةُ كَأجْوَدِ الخَيْلِ، والرّابِعَةُ كَأجْوَدِ الإبِلِ والبَهائِمِ، ثُمَّ يَمُرُّونَ عَلى مَنازِلِهِمْ، والمَلائِكَةُ يَقُولُونَ: رَبِّ سَلِّمْ سَلِّمْ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، عَنِ المُغِيرَةِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «شِعارُ المُسْلِمِينَ عَلى الصِّراطِ يَوْمَ القِيامَةِ: اللَّهُمَّ سَلِّمْ سَلِّمْ» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «﴿وإنْ مِنكم إلا وارِدُها﴾ يَقُولُ: مُجْتازٌ فِيها» .
وأخْرَجَ هَنّادٌ في ”الزُّهْدِ“ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ في الآيَةِ قالَ: (p-١١٦)الصِّراطُ عَلى جَهَنَّمَ يَرِدُونَ عَلَيْهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وهَنّادٌ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ، وابْنُ الأنْبارِيِّ في ”المَصاحِفِ“ عَنْ خالِدِ بْنِ مَعْدانَ قالَ: إذا دَخَلَ أهْلُ الجَنَّةِ الجَنَّةَ قالُوا: رَبَّنا، ألَمْ تَعِدْنا أنّا نَرِدُ النّارَ؟ قالَ: بَلى، ولَكِنَّكم مَرَرْتُمْ عَلَيْها وهي خامِدَةٌ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ الأنْبارِيِّ، والبَيْهَقِيُّ في ”البَعْثِ“ عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ( ﴿وإنْ مِنكم إلا وارِدُها﴾ ) قالَ: الوُرُودَ المَمَرُّ عَلَيْها مِن غَيْرِ أنْ يَدْخُلَها.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ ( ﴿وإنْ مِنكم إلا وارِدُها﴾ ) قالَ: هو المَمَرُّ عَلَيْها.
وأخْرَجَ ابْنُ الأنْبارِيِّ عَنْ أبِي نَضْرَةَ في قَوْلِهِ: ( ﴿وإنْ مِنكم إلا وارِدُها﴾ ) قالَ يُحْمَلُونَ عَلى الصِّراطِ إلى جَهَنَّمَ، وهي كَأنَّها مَتْنُ إهالَةٍ، فَتَمِيلُ بِهِمْ فَيَقُولُ اللَّهُ لِجَهَنَّمَ: خُذِي أصْحابَكِ، ودَعِي أصْحابِي. فَيَخْسِفُ بِهِمُ الصِّراطُ، ويَنْجُو المُؤْمِنُونَ، وهو قَوْلُ اللَّهِ ( ﴿فاسْتَبَقُوا الصِّراطَ فَأنّى يُبْصِرُونَ﴾ [يس: ٦٦] ) [ يس: ٦٦ ] .
(p-١١٧)وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي العَوّامِ قالَ: قالَ كَعْبٌ: هَلْ تَدْرُونَ ما قَوْلُهُ ( ﴿وإنْ مِنكم إلا وارِدُها﴾ )؟ قالُوا: ما كُنّا نَرى وُرُودَها إلّا دُخُولَها، قالَ: لا، ولَكِنَّ وُرُودَها أنْ يُجاءَ بِجَهَنَّمَ كَأنَّها مَتْنُ إهالَةٍ؛ حَتّى اسْتَوَتْ عَلَيْها أقْدامُ الخَلائِقِ بَرِّهِمْ وفاجِرِهِمْ، ناداها مُنادٍ: خُذِي أصْحابَكِ وذَرِي أصْحابِي. فَيُخْسَفُ بِكُلِّ ولِيٍّ لَها، لَهي أعْلَمُ بِهِمْ مِنَ الوالِدِ بِوَلَدِهِ، ويَنْجُو المُؤْمِنُونَ نَدِيَّةً ثِيابُهم. قالَ: وإنَّ الخازِنَ مِن خَزَنَةِ جَهَنَّمَ ما بَيْنَ مَنكِبَيْهِ مَسِيرَةُ سَنَةٍ، مَعَهُ عَمُودٌ مِن حَدِيدٍ لَهُ شُعْبَتانِ، يَدْفَعُ الدَّفْعَةَ فَيَكُبُّ في النّارِ تِسْعَمِائَةِ ألْفٍ. أوْ كَما قالَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ زَيْدٍ في قَوْلِهِ: ( ﴿وإنْ مِنكم إلا وارِدُها﴾ ) قالَ: وُرُودُ المُسْلِمِينَ المُرُورُ عَلى الجِسْرِ بَيْنَ ظَهْرَيْها، ووُرُودُ المُشْرِكِينَ أنْ يَدْخُلُوها، وقَدْ أحاطَ بِالجِسْرِ مِنَ المَلائِكَةِ، دُعاؤُهم يَوْمَئِذٍ: يا اللَّهُ سَلِّمْ سَلِّمْ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ قالَ: حُضُورُها وُرُودُها.
وأخْرَجَ ابْنُ الأنْبارِيِّ في ”المَصاحِفِ“ عَنْ مَرْزُوقِ بْنِ أبِي سَلامَةَ قالَ: قالَ نافِعُ بْنُ الأزْرَقِ لِابْنِ عَبّاسٍ: ما الوُرُودُ؟ قالَ: الدُّخُولُ. قالَ: لا، الوُرُودُ الوُقُوفُ عَلى شَفِيرِها. فَقالَ: ويْحَكَ! أما تَقْرَأُ كِتابَ اللَّهِ: ﴿وما أمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾ [هود: ٩٧] ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ القِيامَةِ فَأوْرَدَهُمُ النّارَ﴾ [هود: ٩٨] ) [ هُودٍ: ٩٧، ٩٨ ] أفَتُراهُ – ويْحَكَ- إنَّما أوْقَفَهم عَلى شَفِيرِها؟ واللَّهُ تَعالى يَقُولُ ﴿ويَوْمَ تَقُومُ السّاعَةُ أدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أشَدَّ العَذابِ﴾ [غافر: ٤٦] ) [ غافِرٍ: ٤٦ ] .
(p-١١٨)وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنْ أبِي أيُّوبَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أوَّلُ مَن يَخْتَصِمُ يَوْمَ القِيامَةِ الرَّجُلُ وامْرَأتُهُ، وما يَنْطِقُ لِسانُها ولا لِسانُهُ ولَكِنْ يَداها ورِجْلاها يَشْهَدانِ عَلَيْها بِما كانَتْ تُغَيَّبُ لَهُ، ويَداهُ ورِجْلاهُ يَشْهَدانِ عَلَيْهِ بِما كانَ يُوَلِّيها، ثُمَّ يُدْعى الرَّجُلُ وخَوَلُهُ وخَدَمُهُ كَمِثْلِ ذَلِكَ، ثُمَّ يُؤْتى بِأهْلِ الأسْواقِ، فَما هي بِقَرارِيطَ تُؤْخَذُ مِنهم ولا دَوانِقَ، إلّا حَسَناتُ ذا تُدْفَعُ إلى ذا، وسَيِّئاتُ ذا تُدْفَعُ إلى ذا، ثُمَّ يُؤْتى بِالجَبابِرَةِ في مَقامِعَ مِن حَدِيدٍ فَيُوقَفُونَ عِنْدَ رَبِّ العالَمِينَ، فَيَقُولُ سُوقُوهم إلى النّارِ. فَما أدْرِي أيَدْخُلُونَها، أوْ كَما قالَ اللَّهُ ( ﴿وإنْ مِنكم إلا وارِدُها كانَ عَلى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا﴾ [مريم»: ٧١] ) .
وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ عُمَرَ لَمّا طُعِنَ قالَ: واللَّهِ لَوْ أنَّ لِي ما عَلى الأرْضِ مِن شَيْءٍ لافْتَدَيْتُ بِهِ مِن هَوْلِ المُطَّلَعِ. فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: فَقُلْتُ لَهُ واللَّهِ إنِّي لَأرْجُو ألّا تَراها إلّا مِقْدارَ ما قالَ اللَّهُ: ( ﴿وإنْ مِنكم إلا وارِدُها﴾ ) .
(p-١١٩)وأخْرَجَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ والخَطِيبُ، والبَيْهَقِيُّ في ”الشُّعَبِ“ عَنْ يَعْلى ابْنِ مُنْيَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «تَقُولُ النّارُ لِلْمُؤْمِنِ يَوْمَ القِيامَةِ: جُزْ يا مُؤْمِنُ، فَقَدْ أطْفَأ نُورُكَ لَهَبِي» .
وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، وأحْمَدُ، وهَنّادٌ، ومُسْلِمٌ، وابْنُ ماجَهْ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ الأنْبارِيِّ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنْ أُمِّ مُبَشِّرٍ قالَتْ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لا يَدْخُلُ النّارَ أحَدٌ شَهِدَ بَدْرًا والحُدَيْبِيَةَ. قالَتْ حَفْصَةُ: ألَيْسَ اللَّهُ يَقُولُ: ( ﴿وإنْ مِنكم إلا وارِدُها﴾ ) قالَ ألَمْ: تَسْمَعِيهِ يَقُولُ: ( ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ [مريم»: ٧٢] )؟ .
وأخْرَجَ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ والتِّرْمِذِيُّ والنَّسائِيُّ، وابْنُ ماجَهْ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لا يَمُوتُ لِمُسْلِمٍ ثَلاثَةٌ مِنَ الوَلَدِ فَيَلِجَ النّارَ إلّا تَحِلَّةَ القَسَمِ. ثُمَّ قَرَأ سُفْيانُ: ( ﴿وإنْ مِنكم إلا وارِدُها﴾ [مريم»: ٧١] ) .
(p-١٢٠)وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ بَشِيرٍ الأنْصارِيِّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَن ماتَ لَهُ ثَلاثَةٌ مِنَ الوَلَدِ لَمْ يَبْلُغُوا الحِنْثَ، لَمْ يَرِدِ النّارَ إلّا عابِرَ سَبِيلٍ. يَعْنِي الجَوازَ عَلى الصِّراطِ» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ، والبُخارِيُّ في ”تارِيخِهِ“، وأبُو يَعْلى والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنْ مُعاذِ بْنِ أنَسٍ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قالَ: «مَن حَرَسَ مِن وراءِ المُسْلِمِينَ في سَبِيلِ اللَّهِ مُتَطَوِّعًا لا يَأْخُذُهُ سُلْطانٌ، لَمْ يَرَ النّارَ بِعَيْنِهِ إلّا تَحِلَّةَ القَسَمِ فَإنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ( ﴿وإنْ مِنكم إلا وارِدُها﴾ [مريم»: ٧١] ) .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ الأنْبارِيِّ، والبَيْهَقِيُّ في ”البَعْثِ“، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قَرَأ: ”وإنْ مِنهم إلّا وارِدُها“ يَعْنِي الكُفّارَ قالَ: لا يَرِدُها مُؤْمِنٌ. كَذا قَرَأها.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عِكْرِمَةَ، أنَّهُ قَرَأ: ”وإنْ مِنهم إلّا وارِدُها“ . قالَ: (p-١٢١)وهُمُ الظَّلَمَةُ. كَذَلِكَ كُنّا نَقْرَؤُها.
وأخْرَجَ ابْنُ المُبارَكِ وأحْمَدُ في ”الزُّهْدِ“، وابْنُ عَساكِرَ عَنْ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ المُزَنِيِّ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ( ﴿وإنْ مِنكم إلا وارِدُها﴾ ) ذَهَبَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَواحَةَ إلى بَيْتِهِ فَبَكى، فَجاءَتِ المَرْأةُ فَبَكَتْ، وجاءَتِ الخادِمُ فَبَكَتْ، وجاءَ أهْلُ البَيْتِ فَجَعَلُوا يَبْكُونَ، فَلَمّا انْقَطَعَتْ عَبْرَتُهم قالَ: يا أهْلاهُ، ما الَّذِي أبْكاكم قالُوا: لا نَدْرِي، ولَكِنْ رَأيْناكَ بِكَيْتَ فَبَكَيْنا. قالَ: إنَّهُ أُنْزِلَتْ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ آيَةٌ يُنْبِئُنِي فِيها رُبِّي تَبارَكَ وتَعالى أنِّي وارِدٌ النّارَ، ولَمْ يُنْبِئْنِي أنِّي صادِرٌ عَنْها، فَذاكَ الَّذِي أبْكانِي» .
وأخْرَجَ أبُو نُعَيْمٍ في ”الحِلْيَةِ“ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ قالَ: «لَمّا أرادَ ابْنُ رَواحَةَ الخُرُوجَ إلى أرْضِ مُؤْتَةَ مِنَ الشّامِ، أتاهُ المُسْلِمُونَ يُوَدِّعُونَهُ، فَبَكى فَقالَ: أما واللَّهِ ما بِي حُبُّ الدُّنْيا ولا صَبابَةٌ لَكُمْ، ولَكِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ: ( ﴿وإنْ مِنكم إلا وارِدُها كانَ عَلى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا﴾ ) فَقَدْ عَلِمْتُ أنِّي وارِدٌ النّارَ، ولا أدْرِي كَيْفَ الصُّدُورُ بَعْدَ الوُرُودِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ المُبارَكِ وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وأحْمَدُ وهَنّادُ بْنُ السَّرِيِّ مَعًا في ”الزُّهْدِ“، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والحاكِمُ، والبَيْهَقِيُّ في ”البَعْثِ“ عَنْ قَيْسِ بْنِ أبِي حازِمٍ قالَ: بَكى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَواحَةَ، فَقالَتِ (p-١٢٢)امْرَأتُهُ: ما يُبْكِيكَ؟ قالَ: إنِّي أُنْبِئْتُ أنّى وارِدُ النّارَ، ولَمْ أُنْبَأْ أنِّي صادِرٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنِ الحَسَنِ قالَ: كانَ أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إذا التَقَوْا يَقُولُ الرَّجُلُ لِصاحِبِهِ: هَلْ أتاكَ أنَّكَ وارِدٌ؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ. فَيَقُولُ: هَلْ أتاكَ أنَّكَ خارِجٌ؟ فَيَقُولُ: لا. فَيَقُولُ: فَفِيمَ الضَّحِكُ إذَنْ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُبارَكِ، وهَنّادٌ عَنْ أبِي مَيْسَرَةَ، أنَّهُ أوى إلى فِراشِهِ فَقالَ: يا لَيْتَ أُمِّي لَمْ تَلِدْنِي. فَقالَتِ امْرَأتُهُ: يا أبا مَيْسَرَةَ، إنِّ اللَّهَ قَدْ أحْسَنَ إلَيْكَ؛ هَداكَ إلى الإسْلامِ، فَقالَ: أجَلْ ولَكِنَّ اللَّهَ قَدْ بَيَّنَ لَنا أنّا وارِدُو النّارِ، ولَمْ يُبَيِّنْ لَنا أنّا صادِرُونَ عَنْها.
وأخْرَجَ ابْنُ المُبارَكِ عَنِ الحَسَنِ قالَ: قالَ رَجُلٌ لِأخِيهِ: يا أخِي، هَلْ أتاكَ انْكَ وارِدٌ النّارَ؟ قالَ: نَعَمْ، قالَ: فَهَلْ أتاكَ أنَّكَ خارِجٌ مِنها؟ قالَ: لا. قالَ: فَفِيمَ الضَّحِكُ؟ فَما رُئِيَ ضاحِكًا حَتّى ماتَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: الحُمّى حَظُّ كَلِّ مُؤْمِنٍ مِنَ النّارِ ثُمَّ قَرَأ: ( ﴿وإنْ مِنكم إلا وارِدُها﴾ ) .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: الحُمّى في الدُّنْيا حَظُّ المُؤْمِنِ مِنَ (p-١٢٣)الوُرُودِ في الآخِرَةِ.
وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في ”شُعَبِ الإيمانِ“ عَنْ مُجاهِدٍ في الآيَةِ قالَ: مَن حُمَّ مِنَ المُسْلِمِينَ فَقَدْ ورَدَها.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَعُودُ رَجُلًا مِن أصْحابِهِ وعِكًا وأنا مَعَهُ، فَقالَ: إنَّ اللَّهَ يَقُولُ: هي نارِي أُسَلِّطُها عَلى عَبْدِي المُؤْمِنِ لِتَكُونَ حَظَّهُ مِنَ النّارِ في الآخِرَةِ» .
وأخْرَجَ الخَطِيبُ في ”تالِي التَّلْخِيصِ“ عَنْ عِكْرِمَةَ في قَوْلِهِ ( ﴿وإنْ مِنكم إلا وارِدُها﴾ ) قالَ: الدُّخُولُ، ( ﴿كانَ عَلى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا﴾ ) . قالَ: قَسَمًا واجِبًا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ( ﴿حَتْمًا مَقْضِيًّا﴾ ) قالَ: قَضاءً مِنَ اللَّهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ الأنْبارِيِّ في ”الوَقْفِ والِابْتِداءِ“ والطَّسْتِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أنَّ نافِعَ بْنَ الأزْرَقِ قالَ لَهُ: أخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِهِ: ( ﴿حَتْمًا مَقْضِيًّا﴾ ) قالَ: الحَتْمُ الواجِبُ. قالَ: وهَلْ تَعْرِفُ العَرَبُ ذَلِكَ؟ قالَ: نَعَمْ، أما سَمِعْتَ أُمَيَّةَ بْنَ أبِي الصَّلْتِ وهو يَقُولُ:(p-١٢٤)
؎عِبادُكَ يُخْطِئُونَ وأنْتَ رَبٌّ بِكَفَّيْكَ المَنايا والحُتُومُ
وأخْرَجَ ابْنُ الأنْبارِيِّ عَنْ أبِي سَلامَةَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أنَّهُ قَرَأ: ( ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا ) بِضَمِّ الثّاءِ.
وأخْرَجَ ابْنُ الأنْبارِيِّ مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ: ”ثَمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا“ بِفَتْحِ الثّاءِ.
وأخْرَجَ ابْنُ الأنْبارِيِّ، عَنِ ابْنِ أبِي لَيْلى أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ: ”ثَمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا“ بِفَتْحِ الثّاءِ ويَقُولُ: الوُرُودُ الدُّخُولُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ( ﴿ونَذَرُ الظّالِمِينَ فِيها جِثِيًّا﴾ ) وكَذَلِكَ كانَ يَقْرَؤُها، يَعْنِي: باقِينَ فِيها.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ( ﴿ونَذَرُ الظّالِمِينَ فِيها جِثِيًّا﴾ ) قالَ: جِثِيًّا عَلى رُكَبِهِمْ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ زَيْدٍ في الآيَةِ قالَ: الجِثِيُّ شَرُّ الجُلُوسِ، ولا يَجْلِسُ الرَّجُلُ جاثِيًا إلّا عِنْدَ كَرْبٍ نَزَلَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ( ﴿جِثِيًّا﴾ ) قالَ: عَلى رُكَبِهِمْ.
(p-١٢٥)
مريم 19:73
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا تُتْلى﴾ الآياتِ.
أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ( ﴿أيُّ الفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ﴾ ) قالَ: قُرَيْشٌ تَقُولُهُ لَها ولِأصْحابِ مُحَمَّدٍ ﷺ .
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ( ﴿خَيْرٌ مَقامًا﴾ ) قالَ: المَنازِلُ: ( ﴿وأحْسَنُ نَدِيًّا﴾ ) قالَ: المَجالِسُ. وفي قَوْلِهِ: ( ﴿أحْسَنُ أثاثًا﴾ ) قالَ: المَتاعُ والمالُ ( ﴿ورِئْيًا﴾ ) قالَ: المَنظَرُ.
وأخْرَجَ الطَّسْتِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أنَّ نافِعَ بْنَ الأزْرَقِ قالَ لَهُ: أخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ( ﴿وأحْسَنُ نَدِيًّا﴾ ) قالَ: النّادِي المَجْلِسُ والتُّكَأةُ. قالَ: فَهَلْ تَعْرِفُ العَرَبُ ذَلِكَ؟ قالَ: نَعَمْ، أما سَمِعْتَ الشّاعِرَ وهو يَقُولُ:
؎يَوْمانِ يَوْمُ مُقاماتٍ وأنْدِيَةٍ ويَوْمُ سَيْرٍ إلى الأعْداءِ تَأْوِيبِ
قالَ: أخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِهِ ”أثاثًا ورِيًّا“ قالَ: الأثاثُ المَتاعُ والرِّيُّ مِنَ الشَّرابِ. (p-١٢٦)قالَ: وهَلْ تَعْرِفُ العَرَبُ ذَلِكَ؟ قالَ: نَعَمْ، أما سَمِعْتَ الشّاعِرَ وهو يَقُولُ:
؎كَأنَّ عَلى الحُمُولِ غَداةَ ولَّوْا ∗∗∗ مِنَ الرِّيِّ الكَرِيمِ مِنَ الأثاثِ
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ( ﴿خَيْرٌ مَقامًا وأحْسَنُ نَدِيًّا﴾ ) قالَ مَجالِسُهم وفي قَوْلِهِ: ( ﴿أحْسَنُ أثاثًا﴾ ) قالَ: زِينَةً ( ﴿ورِئْيًا﴾ ) قالَ: فِيما يَرى النّاسُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ( ﴿خَيْرٌ مَقامًا وأحْسَنُ نَدِيًّا﴾ ) قالَ: أكْرَمُ مَجْلِسًا. وفي قَوْلِهِ: ( ﴿أحْسَنُ أثاثًا ورِئْيًا﴾ ) قالَ: أحْسَنُ مَتاعًا وأحْسَنُ صُوَرًا.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ( ﴿خَيْرٌ مَقامًا وأحْسَنُ نَدِيًّا﴾ ) قالَ: خَيْرٌ مَكانًا وأحْسَنُ مَجْلِسًا. وفي قَوْلِهِ: ( ﴿أحْسَنُ أثاثًا ورِئْيًا﴾ ) قالَ: أكْثَرُ أمْوالًا وأحْسَنُ صُوَرًا.
مريم 19:74
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا تُتْلى﴾ الآياتِ.
أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ( ﴿أيُّ الفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ﴾ ) قالَ: قُرَيْشٌ تَقُولُهُ لَها ولِأصْحابِ مُحَمَّدٍ ﷺ .
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ( ﴿خَيْرٌ مَقامًا﴾ ) قالَ: المَنازِلُ: ( ﴿وأحْسَنُ نَدِيًّا﴾ ) قالَ: المَجالِسُ. وفي قَوْلِهِ: ( ﴿أحْسَنُ أثاثًا﴾ ) قالَ: المَتاعُ والمالُ ( ﴿ورِئْيًا﴾ ) قالَ: المَنظَرُ.
وأخْرَجَ الطَّسْتِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أنَّ نافِعَ بْنَ الأزْرَقِ قالَ لَهُ: أخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ( ﴿وأحْسَنُ نَدِيًّا﴾ ) قالَ: النّادِي المَجْلِسُ والتُّكَأةُ. قالَ: فَهَلْ تَعْرِفُ العَرَبُ ذَلِكَ؟ قالَ: نَعَمْ، أما سَمِعْتَ الشّاعِرَ وهو يَقُولُ:
؎يَوْمانِ يَوْمُ مُقاماتٍ وأنْدِيَةٍ ويَوْمُ سَيْرٍ إلى الأعْداءِ تَأْوِيبِ
قالَ: أخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِهِ ”أثاثًا ورِيًّا“ قالَ: الأثاثُ المَتاعُ والرِّيُّ مِنَ الشَّرابِ. (p-١٢٦)قالَ: وهَلْ تَعْرِفُ العَرَبُ ذَلِكَ؟ قالَ: نَعَمْ، أما سَمِعْتَ الشّاعِرَ وهو يَقُولُ:
؎كَأنَّ عَلى الحُمُولِ غَداةَ ولَّوْا ∗∗∗ مِنَ الرِّيِّ الكَرِيمِ مِنَ الأثاثِ
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ( ﴿خَيْرٌ مَقامًا وأحْسَنُ نَدِيًّا﴾ ) قالَ مَجالِسُهم وفي قَوْلِهِ: ( ﴿أحْسَنُ أثاثًا﴾ ) قالَ: زِينَةً ( ﴿ورِئْيًا﴾ ) قالَ: فِيما يَرى النّاسُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ( ﴿خَيْرٌ مَقامًا وأحْسَنُ نَدِيًّا﴾ ) قالَ: أكْرَمُ مَجْلِسًا. وفي قَوْلِهِ: ( ﴿أحْسَنُ أثاثًا ورِئْيًا﴾ ) قالَ: أحْسَنُ مَتاعًا وأحْسَنُ صُوَرًا.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ( ﴿خَيْرٌ مَقامًا وأحْسَنُ نَدِيًّا﴾ ) قالَ: خَيْرٌ مَكانًا وأحْسَنُ مَجْلِسًا. وفي قَوْلِهِ: ( ﴿أحْسَنُ أثاثًا ورِئْيًا﴾ ) قالَ: أكْثَرُ أمْوالًا وأحْسَنُ صُوَرًا.
مريم 19:75
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ مَن كانَ في الضَّلالَةِ﴾ الآياتِ.
أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ (p-١٢٧)﴿قُلْ مَن كانَ في الضَّلالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا﴾ ) فَلْيَدَعْهُ اللَّهُ في طُغْيانِهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أبِي ثابِتٍ قالَ: في حَرْفِ أُبَيٍّ: ( قُلْ مَن كانَ في الضَّلالَةِ فَإنَّهُ يَزِيدُهُ اللَّهُ ضَلالَةً ) .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الرَّبِيعِ: ( ﴿ويَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى﴾ ) قالَ: يَزِيدُهم إخْلاصًا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ في قَوْلِهِ: ( ﴿خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوابًا﴾ ) يَعْنِي: خَيْرٌ جَزاءً مِن جَزاءِ المُشْرِكِينَ، ( ﴿وخَيْرٌ مَرَدًّا﴾ ) يَعْنِي مَرْجِعًا مِن مَرْجِعِهِمْ إلى النّارِ.
مريم 19:76
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ مَن كانَ في الضَّلالَةِ﴾ الآياتِ.
أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ (p-١٢٧)﴿قُلْ مَن كانَ في الضَّلالَةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا﴾ ) فَلْيَدَعْهُ اللَّهُ في طُغْيانِهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ حَبِيبِ بْنِ أبِي ثابِتٍ قالَ: في حَرْفِ أُبَيٍّ: ( قُلْ مَن كانَ في الضَّلالَةِ فَإنَّهُ يَزِيدُهُ اللَّهُ ضَلالَةً ) .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الرَّبِيعِ: ( ﴿ويَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى﴾ ) قالَ: يَزِيدُهم إخْلاصًا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ في قَوْلِهِ: ( ﴿خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوابًا﴾ ) يَعْنِي: خَيْرٌ جَزاءً مِن جَزاءِ المُشْرِكِينَ، ( ﴿وخَيْرٌ مَرَدًّا﴾ ) يَعْنِي مَرْجِعًا مِن مَرْجِعِهِمْ إلى النّارِ.
مريم 19:77
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَرَأيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآياتِنا﴾ الآياتِ.
أخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وأحْمَدُ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والبُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ والتِّرْمِذِيُّ، والبَزّارُ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ حِبّانَ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ، عَنْ خَبّابِ بْنِ الأرَتِّ قالَ: كُنْتُ رَجُلًا قَيْنًا، وكانَ لِي عَلى العاصِ بْنِ وائِلٍ دَيْنٌ فَأتَيْتُهُ أتَقاضاهُ، فَقالَ: لا واللَّهِ لا أقْضِيكَ حَتّى تَكْفُرَ بِمُحَمَّدٍ. فَقُلْتُ لا واللَّهِ لا أكْفُرُ بِمُحَمَّدٍ حَتّى تَمُوتَ، ثُمَّ تُبْعَثَ، قالَ: فَإنِّي إذا مُتُّ ثُمَّ بُعِثْتُ جِئْتَنِي ولِي ثَمَّ مالٌ ووَلَدٌ فَأُعْطِيكَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ( ﴿أفَرَأيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآياتِنا﴾ ) إلى قَوْلِهِ: ( ﴿ويَأْتِينا فَرْدًا﴾ [مريم: ٨٠] ) .
(p-١٢٨)وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ عَنْ خَبّابٍ قالَ: عَمِلْتُ لِلْعاصِ بْنِ وائِلٍ عَمَلًا، فَأتَيْتُهُ أتَقاضاهُ، فَقالَ: إنَّكم تَزْعُمُونَ أنَّكم تَرْجِعُونَ إلى مالٍ ووُلِدَ، وإنِّي راجِعٌ إلى مالٍ ووَلَدٍ، فَإذا رَجَعْتَ إلَيَّ ثَمَّ أعْطَيْتُكَ. فَأنْزَلَ اللَّهُ: ( ﴿أفَرَأيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآياتِنا﴾ ) الآيَةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّ رِجالًا مِن أصْحابِ النَّبِيِّ ﷺ كانُوا يَطْلُبُونَ العاصَ بْنَ وائِلٍ بِدَيْنٍ فَأتَوْهُ يُقايِضُونَهُ، فَقالَ: ألَسْتُمْ تَزْعُمُونَ أنَّ في الجَنَّةِ ذَهَبًا وفِضَّةً وحَرِيرًا، ومِن كُلِّ الثَّمَراتِ؟ قالُوا: بَلى، قالَ: فَإنَّ مَوْعِدَكُمُ الآخِرَةُ، واللَّهِ لَأُوتَيَنَّ مالًا ووَلَدًا، ولَأُوتَيَنَّ مِثْلَ كِتابِكُمُ الَّذِي جِئْتُمْ بِهِ، فَقالَ اللَّهُ: ﴿أفَرَأيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآياتِنا﴾ الآياتِ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ عَنِ الحَسَنِ قالَ: كانَ لِرَجُلٍ مِن أصْحابِ النَّبِيِّ ﷺ دَيْنٌ عَلى رَجُلٍ مِنَ المُشْرِكِينَ، فَأتاهُ يَتَقاضاهُ، فَقالَ: ألَسْتَ مَعَ هَذا الرَّجُلِ؟ قالَ: نَعَمْ، قالَ: ألَيْسَ يَزْعُمُ أنَّ لَكم جَنَّةً ونارًا وأمْوالًا وبَنِينَ؟ قالَ: بَلى، قالَ: اذْهَبْ فَلَسْتُ بِقاضِيكَ إلّا ثَمَّةَ. فَأُنْزِلَتْ: ﴿أفَرَأيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآياتِنا﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ويَأْتِينا فَرْدًا﴾ [مريم: ٨٠] .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿أطَّلَعَ الغَيْبَ﴾ يَقُولُ: أطْلَعَهُ اللَّهُ الغَيْبَ؟ يَقُولُ: ما لَهُ فِيهِ؟ ﴿أمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ بِعَمَلٍ صالِحٍ قَدَّمَهُ ؟
(p-١٢٩)وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿أمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ قالَ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ يَرْجُو بِها.
مريم 19:78
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أفَرَأيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآياتِنا﴾ الآياتِ.
أخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وأحْمَدُ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والبُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ والتِّرْمِذِيُّ، والبَزّارُ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ حِبّانَ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ، عَنْ خَبّابِ بْنِ الأرَتِّ قالَ: كُنْتُ رَجُلًا قَيْنًا، وكانَ لِي عَلى العاصِ بْنِ وائِلٍ دَيْنٌ فَأتَيْتُهُ أتَقاضاهُ، فَقالَ: لا واللَّهِ لا أقْضِيكَ حَتّى تَكْفُرَ بِمُحَمَّدٍ. فَقُلْتُ لا واللَّهِ لا أكْفُرُ بِمُحَمَّدٍ حَتّى تَمُوتَ، ثُمَّ تُبْعَثَ، قالَ: فَإنِّي إذا مُتُّ ثُمَّ بُعِثْتُ جِئْتَنِي ولِي ثَمَّ مالٌ ووَلَدٌ فَأُعْطِيكَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ( ﴿أفَرَأيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآياتِنا﴾ ) إلى قَوْلِهِ: ( ﴿ويَأْتِينا فَرْدًا﴾ [مريم: ٨٠] ) .
(p-١٢٨)وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ عَنْ خَبّابٍ قالَ: عَمِلْتُ لِلْعاصِ بْنِ وائِلٍ عَمَلًا، فَأتَيْتُهُ أتَقاضاهُ، فَقالَ: إنَّكم تَزْعُمُونَ أنَّكم تَرْجِعُونَ إلى مالٍ ووُلِدَ، وإنِّي راجِعٌ إلى مالٍ ووَلَدٍ، فَإذا رَجَعْتَ إلَيَّ ثَمَّ أعْطَيْتُكَ. فَأنْزَلَ اللَّهُ: ( ﴿أفَرَأيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآياتِنا﴾ ) الآيَةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّ رِجالًا مِن أصْحابِ النَّبِيِّ ﷺ كانُوا يَطْلُبُونَ العاصَ بْنَ وائِلٍ بِدَيْنٍ فَأتَوْهُ يُقايِضُونَهُ، فَقالَ: ألَسْتُمْ تَزْعُمُونَ أنَّ في الجَنَّةِ ذَهَبًا وفِضَّةً وحَرِيرًا، ومِن كُلِّ الثَّمَراتِ؟ قالُوا: بَلى، قالَ: فَإنَّ مَوْعِدَكُمُ الآخِرَةُ، واللَّهِ لَأُوتَيَنَّ مالًا ووَلَدًا، ولَأُوتَيَنَّ مِثْلَ كِتابِكُمُ الَّذِي جِئْتُمْ بِهِ، فَقالَ اللَّهُ: ﴿أفَرَأيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآياتِنا﴾ الآياتِ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ عَنِ الحَسَنِ قالَ: كانَ لِرَجُلٍ مِن أصْحابِ النَّبِيِّ ﷺ دَيْنٌ عَلى رَجُلٍ مِنَ المُشْرِكِينَ، فَأتاهُ يَتَقاضاهُ، فَقالَ: ألَسْتَ مَعَ هَذا الرَّجُلِ؟ قالَ: نَعَمْ، قالَ: ألَيْسَ يَزْعُمُ أنَّ لَكم جَنَّةً ونارًا وأمْوالًا وبَنِينَ؟ قالَ: بَلى، قالَ: اذْهَبْ فَلَسْتُ بِقاضِيكَ إلّا ثَمَّةَ. فَأُنْزِلَتْ: ﴿أفَرَأيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآياتِنا﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ويَأْتِينا فَرْدًا﴾ [مريم: ٨٠] .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿أطَّلَعَ الغَيْبَ﴾ يَقُولُ: أطْلَعَهُ اللَّهُ الغَيْبَ؟ يَقُولُ: ما لَهُ فِيهِ؟ ﴿أمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ بِعَمَلٍ صالِحٍ قَدَّمَهُ ؟
(p-١٢٩)وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿أمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ قالَ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ يَرْجُو بِها.
مريم 19:80
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ونَرِثُهُ ما يَقُولُ﴾ الآيَةَ.
أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ونَرِثُهُ ما يَقُولُ﴾ قالَ: مالَهُ ووَلَدَهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ونَرِثُهُ ما يَقُولُ﴾ قالَ: مالَهُ ووَلَدَهُ، وذاكَ الَّذِي قالَ العاصُ بْنُ وائِلٍ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿ونَرِثُهُ ما يَقُولُ﴾ قالَ: ما عِنْدَهُ، وهو قَوْلُهُ: ﴿لأُوتَيَنَّ مالا ووَلَدًا﴾ [مريم: ٧٧] في حِرَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: ”ونَرِثُهُ ما عِنْدَهُ ويَأْتِينا فَرْدًا“ لا مالَ لَهُ ولا ولَدَ.
مريم 19:82
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَلا سَيَكْفُرُونَ بِعِبادَتِهِمْ﴾ الآيَةَ.
أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي نَهْيِكٍ أنَّهُ قَرَأ: ( ﴿كَلا سَيَكْفُرُونَ بِعِبادَتِهِمْ﴾ ) بِرَفْعِ الكافِ ويُنَوِّنُ، قالَ: يَعْنِي الآلِهَةَ كُلَّها أنَّهم سَيَكْفُرُونَ بِعِبادَتِهِمْ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ويَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾ (p-١٣٠)قالَ: أعْوانًا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ويَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾ قالَ: أوْثانُهم يَوْمَ القِيامَةِ في النّارِ تَكُونُ عَلَيْهِمْ عَوْنًا، يَعْنِي: أوْثانَهم تُخاصِمُهم وتُكَذِّبُهم يَوْمَ القِيامَةِ في النّارِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ويَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾ قالَ: حَسْرَةً.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عِكْرِمَةَ مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿ويَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾ قالَ: قُرَناءَ في النّارِ يَلْعَنُ بَعْضُهم بَعْضًا ويَتَبَرَّأُ بَعْضُهم مِن بَعْضٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الضَّحّاكِ في قَوْلِهِ: ﴿ويَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾ قالَ: أعْداءً.
وأخْرَجَ ابْنُ الأنْبارِيِّ في ( الوَقْفِ )، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ نافِعَ بْنَ الأزْرَقِ قالَ لَهُ: أخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِهِ: ﴿ويَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾ ما الضِّدُّ؟ قالَ: ثِقْلًا، قالَ فِيهِ حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ:(p-١٣١)
؎وإنْ تَكُونُوا لَهم ضِدًّا نَكُنْ لَكم ضِدًّا بِغَلْباءَ مِثْلِ اللَّيْلِ عُلْكُومِ
مريم 19:83
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ أنّا أرْسَلْنا الشَّياطِينَ﴾ الآيَةَ.
أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ألَمْ تَرَ أنّا أرْسَلْنا الشَّياطِينَ عَلى الكافِرِينَ تَؤُزُّهم أزًّا﴾ قالَ: تُغْوِيهِمْ إغْواءً.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿تَؤُزُّهُمْ﴾ قالَ: تُحَرِّضُ المُشْرِكِينَ عَلى مُحَمَّدٍ وأصْحابِهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿تَؤُزُّهم أزًّا﴾ تُشْلِيهِمْ إشْلاءً.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿تَؤُزُّهم أزًّا﴾ قالَ: تُزْعِجُهم إزْعاجًا إلى مَعاصِي اللَّهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ زَيْدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ألَمْ تَرَ أنّا أرْسَلْنا الشَّياطِينَ عَلى الكافِرِينَ تَؤُزُّهم أزًّا﴾ قالَ: كَقَوْلِهِ: ﴿ومَن يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطانًا﴾ [الزخرف: ٣٦] [ الزُّخْرُفِ: ٣٦ ] .
وأخْرَجَ ابْنُ الأنْبارِيِّ في الوَقْفِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّ نافِعَ بْنَ الأزْرَقِ قالَ (p-١٣٢)لَهُ: أخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِهِ: ﴿تَؤُزُّهم أزًّا﴾ قالَ: تُوقِدُهم وقُودًا، قالَ فِيهِ الشّاعِرُ:
؎حَكِيمٌ أمِينٌ لا يُبالِي مَخِيلَةً إذا أزَّهُ الأقْوامُ لَمْ يَتَرَمْرَمِ
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّما نَعُدُّ لَهم عَدًّا﴾ يَقُولُ: أنْفاسَهُمُ الَّتِي يَتَنَفَّسُونَ في الدُّنْيا، فَهي مَعْدُودَةٌ كَسِنِيهِمْ وآجالِهِمْ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ أبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّما نَعُدُّ لَهم عَدًّا﴾ قالَ: كُلُّ شَيْءٍ حَتّى النَّفَسَ.
مريم 19:84
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ أنّا أرْسَلْنا الشَّياطِينَ﴾ الآيَةَ.
أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ألَمْ تَرَ أنّا أرْسَلْنا الشَّياطِينَ عَلى الكافِرِينَ تَؤُزُّهم أزًّا﴾ قالَ: تُغْوِيهِمْ إغْواءً.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿تَؤُزُّهُمْ﴾ قالَ: تُحَرِّضُ المُشْرِكِينَ عَلى مُحَمَّدٍ وأصْحابِهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿تَؤُزُّهم أزًّا﴾ تُشْلِيهِمْ إشْلاءً.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿تَؤُزُّهم أزًّا﴾ قالَ: تُزْعِجُهم إزْعاجًا إلى مَعاصِي اللَّهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ زَيْدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ألَمْ تَرَ أنّا أرْسَلْنا الشَّياطِينَ عَلى الكافِرِينَ تَؤُزُّهم أزًّا﴾ قالَ: كَقَوْلِهِ: ﴿ومَن يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطانًا﴾ [الزخرف: ٣٦] [ الزُّخْرُفِ: ٣٦ ] .
وأخْرَجَ ابْنُ الأنْبارِيِّ في الوَقْفِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّ نافِعَ بْنَ الأزْرَقِ قالَ (p-١٣٢)لَهُ: أخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِهِ: ﴿تَؤُزُّهم أزًّا﴾ قالَ: تُوقِدُهم وقُودًا، قالَ فِيهِ الشّاعِرُ:
؎حَكِيمٌ أمِينٌ لا يُبالِي مَخِيلَةً إذا أزَّهُ الأقْوامُ لَمْ يَتَرَمْرَمِ
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّما نَعُدُّ لَهم عَدًّا﴾ يَقُولُ: أنْفاسَهُمُ الَّتِي يَتَنَفَّسُونَ في الدُّنْيا، فَهي مَعْدُودَةٌ كَسِنِيهِمْ وآجالِهِمْ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ أبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّما نَعُدُّ لَهم عَدًّا﴾ قالَ: كُلُّ شَيْءٍ حَتّى النَّفَسَ.
مريم 19:85
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ المُتَّقِينَ إلى الرَّحْمَنِ وفْدًا﴾ .
أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ في ”البَعْثِ“، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ المُتَّقِينَ إلى الرَّحْمَنِ وفْدًا﴾ قالَ: رُكْبانًا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ في قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ المُتَّقِينَ إلى الرَّحْمَنِ وفْدًا﴾ قالَ: عَلى الإبِلِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ أبِي سَعِيدٍ: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ المُتَّقِينَ إلى الرَّحْمَنِ وفْدًا﴾ قالَ: عَلى نَجائِبِ رَواحِلِها مِن زُمُرُّدٍ وياقُوتٍ، ومِن أيِّ لَوْنٍ شاءَ.
(p-١٣٣)وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ المُتَّقِينَ إلى الرَّحْمَنِ وفْدًا﴾ قالَ: إلى الجَنَّةِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ الرَّبِيعِ: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ المُتَّقِينَ إلى الرَّحْمَنِ وفْدًا﴾ قالَ: يَفِدُونَ إلى رَبِّهِمْ فَيُكْرَمُونَ ويُعْطَوْنَ ويُحَيَّوْنَ ويُشَفَّعُونَ.
وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «يُحْشَرُ النّاسُ يَوْمَ القِيامَةِ عَلى ثَلاثِ طَرائِقَ؛ راغِبِينَ وراهِبِينَ واثْنانِ عَلى بَعِيرٍ، وثَلاثَةٌ عَلى بَعِيرٍ، وأرْبَعَةٌ عَلى بَعِيرٍ، وعَشَرَةٌ عَلى بَعِيرٍ، وتَحْشُرُ بَقِيَّتَهُمُ النّارُ، تَقِيلُ مَعَهم حَيْثُ قالُوا، وتَبِيتُ مَعَهم حَيْثُ باتُوا» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنْ عَلِيٍّ، «عَنِ النَّبِيِّ ﷺ في قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ المُتَّقِينَ إلى الرَّحْمَنِ وفْدًا﴾ قالَ: أما واللَّهِ ما يُحْشَرُونَ عَلى أقْدامِهِمْ ولا يُساقُونَ سَوْقًا، ولَكِنَّهم يُؤْتَوْنَ بِنُوقٍ مِنَ الجَنَّةِ، لَمْ تَنْظُرِ الخَلائِقُ إلى مِثْلِها، رِحالُها الذَّهَبُ، وأزِمَّتُها الزَّبَرْجَدُ، فَيَقْعُدُونَ عَلَيْها حَتّى يَقْرَعُوا بابَ الجَنَّةِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ وفي زَوائِدِ ”المَسْنَدِ“، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، (p-١٣٤)والبَيْهَقِيُّ في ”البَعْثِ“ عَنْ عَلِيٍّ أنَّهُ قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ المُتَّقِينَ إلى الرَّحْمَنِ وفْدًا﴾ فَقالَ: أما واللَّهِ ما يُحْشَرُ الوَفْدُ عَلى أرْجُلِهِمْ ولا يُساقُونَ سَوْقًا ولَكِنَّهم يُؤْتَوْنَ بِنُوقٍ مِن نُوقِ الجَنَّةِ، لَمْ تَنْظُرِ الخَلائِقُ إلى مِثْلِها، عَلَيْها رِحالُ الذَّهَبِ، وأزِمَّتُها الزَّبَرْجَدُ، فَيَرْكَبُونَ عَلَيْها حَتّى يَطْرُقُوا بابَ الجَنَّةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا في ”صِفَةِ الجَنَّةِ“، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، مِن طُرُقٍ، عَنْ عَلِيٍّ قالَ: «سَألْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ المُتَّقِينَ إلى الرَّحْمَنِ وفْدًا﴾ قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، هَلِ الوَفْدُ إلّا الرَّكْبُ؟ قالَ النَّبِيُّ ﷺ: والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إنَّهم إذا خَرَجُوا مِن قُبُورِهِمُ اسْتُقْبِلُوا بِنُوقٍ بِيضٍ لَها أجْنِحَةٌ وعَلَيْها رِحالُ الذَّهَبِ، شُرُكُ نِعالِهِمْ نُورٌ يَتَلَأْلَأُ، كُلُّ خُطْوَةٍ مِنها مِثْلُ مَدِّ البَصَرِ، ويَنْتَهُونَ إلى بابِ الجَنَّةِ، فَإذا حَلْقَةٌ مِن ياقُوتَةٍ حَمْراءَ عَلى صَفائِحِ الذَّهَبِ، وإذا شَجَرَةٌ عَلى بابِ الجَنَّةِ، يَنْبُعُ مِن أصْلِها عَيْنانِ، فَإذا شَرِبُوا مِن إحْدى العَيْنَيْنِ، فَتَغْسِلُ ما في بُطُونِهِمْ مِن دَنَسٍ، ويَغْتَسِلُونَ مِنَ الأُخْرى، فَلا تَشْعُثُ أبْشارُهم ولا أشْعارُهم بَعْدَها أبَدًا، فَيَضْرِبُونَ بِالحَلْقَةِ (p-١٣٥)عَلى الصَّفِيحَةِ، فَلَوْ سَمِعْتَ طَنِينَ الحَلْقَةِ يا عَلِيُّ فَيَبْلُغُ كُلَّ حَوْراءَ أنَّ زَوْجَها قَدْ أقْبَلَ فَتَسْتَخِفُّها العَجَلَةُ، فَتَبْعَثُ قِيِّمَها فَيَفْتَحُ لَهُ البابَ، فَإذا رَآهُ خَرَّ لَهُ ساجِدًا، فَيَقُولُ: ارْفَعْ رَأْسَكَ إنَّما أنا قِيَمُكَ وُكِّلْتُ بِأمْرِكَ، فَيَتْبَعُهُ ويَقْفُو أثَرَهُ، فَتَسْتَخِفُّ الحَوْراءَ العَجَلَةُ، فَتَخْرُجُ مِن خِيامِ الدُّرِّ والياقُوتِ حَتّى تَعْتَنِقَهُ، ثُمَّ تَقُولُ: أنْتَ حِبِّي وأنا حِبُّكَ، وأنا الرّاضِيَةُ فَلا أسْخَطُ أبَدًا، وأنا النّاعِمَةُ فَلا أبْأسُ أبَدًا، وأنا الخالِدَةُ فَلا أمُوتُ أبَدًا، وأنا المُقِيمَةُ فَلا أظْعَنُ أبَدًا. فَيَدْخُلُ بَيْتًا مِن أساسِهِ إلى سَقْفِهِ مِائَةُ ألْفِ ذِراعٍ، بُنِيَ عَلى جَنْدَلِ اللُّؤْلُؤِ والياقُوتِ، طَرائِقُ حُمْرٌ وطَرائِقُ خُضْرٌ، وطَرائِقُ صُفْرٌ، ما مِنها طَرِيقَةٌ تُشاكِلُ صاحِبَتَها، وفي البَيْتِ سَبْعُونَ سَرِيرًا، عَلى كُلِّ سَرِيرٍ سَبْعُونَ فِراشًا، عَلَيْها سَبْعُونَ زَوْجَةً، عَلى كُلِّ زَوْجَةٍ سَبْعُونَ حُلَّةً، يُرى مُخُّ ساقِها مِن وراءِ الحُلَلِ، يَقْضِي جِماعَهُنَّ في مِقْدارِ لَيْلَةٍ مِن لَيالِيكم هَذِهِ، تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأنْهارُ مُطَّرِدَةً: أنْهارٌ مِن ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ، صافٍ لَيْسَ فِيهِ كَدَرٌ، وأنْهارٌ مِن لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ، ولَمْ يَخْرُجْ مِن ضُرُوعِ الماشِيَةِ، وأنْهارٌ مِن خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشّارِبِينَ، لَمْ تَعْصِرْها الرِّجالُ بِأقْدامِها، (p-١٣٦)وأنْهارٌ مِن عَسَلٍ مُصَفًّى لَمْ يَخْرُجْ مِن بُطُونِ النَّحْلِ، فَيَسْتَحْلِي الثِّمارَ فَإنْ شاءَ أكَلَ قائِمًا، وإنْ شاءَ أكَلَ قاعِدًا، وإنْ شاءَ أكَلَ مُتَّكِئًا، فَيَشْتَهِي الطَّعامَ فَتَأْتِيهِ طَيْرٌ بِيضٌ، فَتُرْفَعُ أجْنِحَتُها فَيَأْكُلُ مِن جَنُوبِها أيَّ لَوْنٍ شاءَ، ثُمَّ تَطِيرُ فَتَذْهَبُ، فَيَدْخُلُ المَلَكُ فَيَقُولُ: سَلامٌ عَلَيْكم، تِلْكُمُ الجَنَّةُ أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، مِن طَرِيقِ مَسْلَمَةَ بْنِ جَعْفَرٍ البَجَلِيِّ قالَ: سَمِعْتُ أبا مُعاذٍ البَصْرِيَّ يَقُولُ: إنَّ عَلِيًّا قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، إنَّهم إذا خَرَجُوا مِن قُبُورِهِمْ يُسْتَقْبَلُونَ بِنُوقٍ بِيضٍ لَها أجْنِحَةٌ، عَلَيْها رِحالُ الذَّهَبِ، شُرُكُ نِعالِهِمْ نُورٌ تَلَأْلَأُ، كُلُّ خُطْوَةٍ مِنها مَدَّ البَصَرِ، فَيَنْتَهُونَ إلى شَجَرَةٍ يَنْبُعُ مِن أصْلِها عَيْنانِ، فَيَشْرَبُونَ مِن إحْداهُما، فَيُغْسَلُ ما في بُطُونِهِمْ مِن دَنَسٍ، ويَغْتَسِلُونَ مِنَ الأُخْرى، فَلا تَشْعَثُ أبُشارُهم ولا أشْعارُهم بَعْدَها أبَدًا، وتَجْرِي عَلَيْهِمْ نَضْرَةُ النَّعِيمِ فَيَأْتُونَ بابَ الجَنَّةِ، فَإذا حَلْقَةٌ مِن ياقُوتَةٍ حَمْراءَ عَلى صَفائِحِ الذَّهَبِ، فَيَضْرِبُونَ بِالحَلْقَةِ عَلى الصَّفِيحَةِ فَيُسْمَعُ لَها طَنِينٌ، فَيَبْلُغُ كُلَّ حَوْراءَ أنْ زَوْجَها قَدْ أقْبَلَ، فَتَبْعَثُ قَيِّمَها فَيَفْتَحُ لَهُ، فَإذا رَآهُ خَرَّ لَهُ ساجِدًا، فَيَقُولُ: ارْفَعْ رَأْسَكَ إنَّما أنا قَيِّمُكَ وُكِّلْتُ بِأمْرِكَ، فَيَتْبَعُهُ ويَقْفُو أثَرَهُ، فَتَسْتَخِفُّ (p-١٣٧)الحَوْراءَ العَجَلَةُ، فَتَخْرُجُ مِن خِيامِ الدُّرِّ والياقُوتِ حَتّى تَعْتَنِقَهُ، ثُمَّ تَقُولُ: أنْتَ حِبِّي وأنا حِبُّكَ، وأنا الخالِدَةُ الَّتِي لا أمُوتُ، وأنا النّاعِمَةُ الَّتِي لا أبْؤُسُ، وأنا الرّاضِيَةُ الَّتِي لا أسْخَطُ، وأنا المُقِيمَةُ الَّتِي لا أظْعَنُ، فَيَدْخُلُ بَيْتًا مِن أُسِّهِ إلى سَقْفِهِ مِائَةُ ألْفِ ذِراعٍ، بِناؤُهُ عَلى جَنْدَلِ اللُّؤْلُؤِ طَرائِقَ؛ أصْفَرَ وأحْمَرَ وأخْضَرَ، لَيْسَ مِنها طَرِيقَةٌ تُشاكِلُ صاحِبَتَها، في البَيْتِ سَبْعُونَ سَرِيرًا، عَلى كُلِّ سَرِيرٍ سَبْعُونَ حَشِيَّةً، عَلى كُلِّ حَشِيَّةٍ سَبْعُونَ زَوْجَةً، عَلى كُلِّ زَوْجَةٍ سَبْعُونَ حُلَّةً، يُرى مُخُّ ساقِها مِن باطِنِ الحُلَلِ، يَقْضِي جِماعَها في مِقْدارِ لَيْلَةٍ مِن لَيالِيكم هَذِهِ، الأنْهارُ مِن تَحْتِهِمْ تَطَّرِدُ ﴿أنْهارٌ مِن ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ﴾ [محمد: ١٥] قالَ: صافٍ لا كَدَرَ فِيهِ: ﴿وأنْهارٌ مِن لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ﴾ [محمد: ١٥] قالَ: لَمْ يَخْرُجْ مِن ضُرُوعِ الماشِيَةِ: ﴿وأنْهارٌ مِن خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشّارِبِينَ﴾ [محمد: ١٥] قالَ: لَمْ تَعْصِرْها الرِّجالُ بِأقْدامِها: ﴿وأنْهارٌ مِن عَسَلٍ مُصَفًّى﴾ [محمد: ١٥] [ مُحَمَّدٍ: ١٥ ] قالَ: لَمْ يَخْرُجْ مِن بُطُونِ النَّحْلِ، فَيَسْتَحْلِي الثِّمارَ، فَإنْ شاءَ أكَلَ قائِمًا، وإنْ شاءَ أكَلَ قاعِدًا، وإنْ شاءَ أكَلَ مُتَّكِئًا. ثُمَّ تَلا: ﴿ودانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُها﴾ [الإنسان: ١٤] الآيَةَ [ الإنْسانِ: ١٤ ]، فَيَشْتَهِي الطَّعامَ، فَيَأْتِيهِ طَيْرٌ أبْيَضُ - ورُبَّما قالَ: أخْضَرُ، فَتَرْفَعُ (p-١٣٨)أجْنِحَتَها، فَيَأْكُلُ مِن جُنُوبِها أيَّ الألْوانِ شاءَ، ثُمَّ تَطِيرُ فَتَذْهَبُ، فَيَدْخُلُ المَلَكُ، فَيَقُولُ: سَلامٌ عَلَيْكم، تِلْكُمُ الجَنَّةُ أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ» .
مريم 19:86
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ونَسُوقُ المُجْرِمِينَ إلى جَهَنَّمَ وِرْدًا﴾ .
أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في ”البَعْثِ“، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ونَسُوقُ المُجْرِمِينَ إلى جَهَنَّمَ وِرْدًا﴾ قالَ: عِطاشًا.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿ونَسُوقُ المُجْرِمِينَ إلى جَهَنَّمَ وِرْدًا﴾ قالَ: ظِماءٌ إلى النّارِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ: ﴿ونَسُوقُ المُجْرِمِينَ إلى جَهَنَّمَ وِرْدًا﴾ قالَ: مُنْقَطِعَةً أعْناقُهم مِنَ العَطَشِ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ: ﴿ونَسُوقُ المُجْرِمِينَ إلى جَهَنَّمَ وِرْدًا﴾ قالَ: عِطاشًا.
(p-١٣٩)وأخْرَجَ هَنّادٌ عَنِ الحَسَنِ مِثْلَهُ.
مريم 19:87
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يَمْلِكُونَ الشَّفاعَةَ إلا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ .
أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ في ”الأسْماءِ والصِّفاتِ”، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إلا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ قالَ: شَهادَةُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وتَبْرَأُ مِنَ الحَوْلِ والقُوَّةِ، ولا تَرْجُو إلّا اللَّهَ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ في قَوْلِهِ: ﴿إلا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ قالَ: المُؤْمِنُونَ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهم لِبَعْضٍ شُفَعاءُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنْ مُقاتِلِ بْنِ حَيّانَ: ﴿إلا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ قالَ: العَهْدُ الصَّلاحُ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إلا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ قالَ: مَن ماتَ لا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا دَخَلَ الجَنَّةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَن أدْخَلَ عَلى مُؤْمِنٍ سُرُورًا فَقَدْ سَرَّنِي، ومَن سَرَّنِي فَقَدِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ (p-١٤٠)عَهْدًا، ومِنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا فَلا تَمَسُّهُ النّارُ، إنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ المِيعادَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ قَرَأ: ﴿إلا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ قالَ: إنَّ اللَّهَ يَقُولُ يَوْمَ القِيامَةِ: مَن كانَ لَهُ عِنْدِي عَهْدٌ فَلْيُقِمْ، فَلا يَقُومُ إلّا مَن قالَ هَذا في الدُّنْيا؛، قُولُوا اللَّهُمَّ فاطِرَ السَّماواتِ والأرْضِ عالِمَ الغَيْبِ والشَّهادَةِ إنِّي أعْهَدُ إلَيْكَ في هَذِهِ الحَياةِ الدُّنْيا أنَّكَ إنْ تَكِلْنِي إلى عَمَلِي تُقَرِّبْنِي مِنَ الشَّرِّ، وتُباعِدْنِي مِنَ الخَيْرِ، وإنِّي لا أثِقُ إلّا بِرَحْمَتِكَ، فاجْعَلْهُ لِي عِنْدَكَ عَهْدًا تُؤَدِّيهِ إلَيَّ يَوْمَ القِيامَةِ، إنَّكَ لا تُخْلِفُ المِيعادَ.
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ في“ الأوْسَطِ " عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَن جاءَ بِالصَّلَواتِ الخَمْسِ يَوْمَ القِيامَةِ - قَدْ حافَظَ عَلى وُضُوئِها ومَواقِيتِها ورُكُوعِها وسُجُودِها لَمْ يَنْقُصْ مِنها شَيْئًا - جاءَ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدٌ أنْ لا (p-١٤١)يُعَذِّبَهُ، ومَن جاءَ قَدِ انْتَقَصَ مِنهُنَّ شَيْئًا فَلَيْسَ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدٌ، إنْ شاءَ رَحِمَهُ وإنْ شاءَ عَذَّبَهُ» .
وأخْرَجَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَن قالَ في دُبُرِ كُلِّ صَلاةٍ - بَعْدَما سَلَّمَ - هَؤُلاءِ الكَلِماتِ كَتَبَهُ مَلَكٌ في رَقٍّ فَخُتِمَ بِخاتَمٍ ثُمَّ رَفَعَها إلى يَوْمِ القِيامَةِ، فَإذا بَعَثَ اللَّهُ العَبْدَ مِن قَبْرِهِ جاءَهُ المَلَكُ ومَعَهُ الكِتابُ يُنادِي: أيْنَ أهْلُ العُهُودِ؟ حَتّى يُدْفَعَ إلَيْهِمْ، والكَلِماتُ أنْ تَقُولَ: اللَّهُمَّ فاطِرَ السَّماواتِ والأرْضِ، عالِمَ الغَيْبِ والشَّهادَةِ الرَّحْمَنَ الرَّحِيمَ - إنِّي أعْهَدُ إلَيْكَ في هَذِهِ الحَياةِ الدُّنْيا بِأنَّكَ أنْتَ اللَّهُ الَّذِي لا إلَهَ إلّا أنْتَ وحْدَكَ لا شَرِيكَ لَكَ، وأنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُكَ ورَسُولُكَ، فَلا تَكِلْنِي إلى نَفْسِي، فَإنَّكَ إنْ تَكِلْنِي إلى نَفْسِي تُقَرِّبْنِي مِنَ الشَّرِّ، وتُباعِدْنِي مِنَ الخَيْرِ، وإنِّي لا أثِقُ إلّا بِرَحْمَتِكَ فاجْعَلْ رَحْمَتَكَ لِي عَهْدًا عِنْدَكَ تُؤَدِّيهِ إلَيَّ يَوْمَ القِيامَةِ: إنَّكَ لا تُخْلِفُ المِيعادَ. وعَنْ طاوُسٍ: أنَّهُ أمَرَ بِهَذِهِ الكَلِماتِ فَكُتِبَتْ في كَفَنِهِ» .
(p-١٤٢)
مريم 19:88
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ ولَدًا﴾ الآياتِ.
أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إدًّا﴾ قالَ: قَوْلًا عَظِيمًا، وفي قَوْلِهِ: ﴿تَكادُ السَّماواتُ﴾ الآيَةَ، قالَ: إنَّ الشِّرْكَ فَزِعَتْ مِنهُ السَّماواتُ والأرْضُ والجِبالُ وجَمِيعُ الخَلائِقِ إلّا الثَّقَلَيْنِ، وكادَتْ تَزُولُ مِنهُ لِعَظَمَةِ اللَّهِ: وكَما لا يَنْفَعُ مَعَ الشِّرْكِ إحْسانُ المُشْرِكِ، كَذَلِكَ نَرْجُو أنْ يَغْفِرَ اللَّهُ ذُنُوبَ المُوَحِّدِينَ، وفي قَوْلِهِ: ﴿وتَخِرُّ الجِبالُ هَدًّا﴾ قالَ: هَدْمًا.
وأخْرَجَ ابْنُ المُبارَكِ وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأحْمَدُ في ”الزُّهْدِ“، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ في ”العَظَمَةِ“ والطَّبَرانِيُّ والبَيْهَقِيُّ في ”شُعَبِ الإيمانِ“ مِن طَرِيقِ عَوْنٍ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: إنَّ الجَبَلَ لَيُنادِي الجَبَلَ بِاسْمِهِ: يا فُلانُ، هَلْ مَرَّ بِكَ اليَوْمَ أحَدٌ ذَكَرَ اللَّهَ؟ فَإذا قالَ: نَعَمِ اسْتَبْشَرَ، قالَ عَوْنٌ: أفَيَسْمَعْنَ الزُّورَ إذا قِيلَ، ولا يَسْمَعْنَ الخَيْرَ؟ هُنَّ لِلْخَيْرِ أسْمَعُ، وقَرَأ: ﴿وقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ ولَدًا﴾ الآياتِ.
(p-١٤٣)وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ في ”العَظَمَةِ“ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ المُنْكَدِرِ قالَ: بَلَغَنِي أنَّ الجَبَلَيْنِ إذا أصْبَحا نادى أحَدُهُما صاحِبَهُ يُنادِيهِ بِاسْمِهِ فَيَقُولُ: أيْ فُلانٍ، هَلْ مَرَّ بِكَ اليَوْمَ ذاكِرٌ لِلَّهِ، فَيَقُولُ: نَعَمْ، فَيَقُولُ: لَقَدْ أقَرَّ اللَّهُ عَيْنَكَ، لَكِنْ ما مَرَّ بِي ذاكِرٌ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ اليَوْمَ.
وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ أبِي أُمامَةَ: «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَرَأ: ”تَكادُ السَّماواتُ يَنْفَطِرْنَ“ بِالياءِ والنُّونِ: ﴿وتَخِرُّ الجِبالُ﴾ بِالتّاءِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ( يَنْفَطِرْنَ مِنهُ ) قالَ: الِانْقِطارُ الِانْشِقاقُ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنِ الضَّحّاكِ في قَوْلِهِ: ﴿تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنهُ﴾ قالَ: يَتَشَقَّقْنَ مِن عَظَمَةِ اللَّهِ.
(p-١٤٤)وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ هارُونَ قالَ: في قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ ”تَكادُ السَّماواتُ يَنْفَطِرْنَ“ بِالياءِ.
مريم 19:89
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ ولَدًا﴾ الآياتِ.
أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إدًّا﴾ قالَ: قَوْلًا عَظِيمًا، وفي قَوْلِهِ: ﴿تَكادُ السَّماواتُ﴾ الآيَةَ، قالَ: إنَّ الشِّرْكَ فَزِعَتْ مِنهُ السَّماواتُ والأرْضُ والجِبالُ وجَمِيعُ الخَلائِقِ إلّا الثَّقَلَيْنِ، وكادَتْ تَزُولُ مِنهُ لِعَظَمَةِ اللَّهِ: وكَما لا يَنْفَعُ مَعَ الشِّرْكِ إحْسانُ المُشْرِكِ، كَذَلِكَ نَرْجُو أنْ يَغْفِرَ اللَّهُ ذُنُوبَ المُوَحِّدِينَ، وفي قَوْلِهِ: ﴿وتَخِرُّ الجِبالُ هَدًّا﴾ قالَ: هَدْمًا.
وأخْرَجَ ابْنُ المُبارَكِ وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأحْمَدُ في ”الزُّهْدِ“، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ في ”العَظَمَةِ“ والطَّبَرانِيُّ والبَيْهَقِيُّ في ”شُعَبِ الإيمانِ“ مِن طَرِيقِ عَوْنٍ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: إنَّ الجَبَلَ لَيُنادِي الجَبَلَ بِاسْمِهِ: يا فُلانُ، هَلْ مَرَّ بِكَ اليَوْمَ أحَدٌ ذَكَرَ اللَّهَ؟ فَإذا قالَ: نَعَمِ اسْتَبْشَرَ، قالَ عَوْنٌ: أفَيَسْمَعْنَ الزُّورَ إذا قِيلَ، ولا يَسْمَعْنَ الخَيْرَ؟ هُنَّ لِلْخَيْرِ أسْمَعُ، وقَرَأ: ﴿وقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ ولَدًا﴾ الآياتِ.
(p-١٤٣)وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ في ”العَظَمَةِ“ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ المُنْكَدِرِ قالَ: بَلَغَنِي أنَّ الجَبَلَيْنِ إذا أصْبَحا نادى أحَدُهُما صاحِبَهُ يُنادِيهِ بِاسْمِهِ فَيَقُولُ: أيْ فُلانٍ، هَلْ مَرَّ بِكَ اليَوْمَ ذاكِرٌ لِلَّهِ، فَيَقُولُ: نَعَمْ، فَيَقُولُ: لَقَدْ أقَرَّ اللَّهُ عَيْنَكَ، لَكِنْ ما مَرَّ بِي ذاكِرٌ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ اليَوْمَ.
وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ أبِي أُمامَةَ: «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَرَأ: ”تَكادُ السَّماواتُ يَنْفَطِرْنَ“ بِالياءِ والنُّونِ: ﴿وتَخِرُّ الجِبالُ﴾ بِالتّاءِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ( يَنْفَطِرْنَ مِنهُ ) قالَ: الِانْقِطارُ الِانْشِقاقُ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنِ الضَّحّاكِ في قَوْلِهِ: ﴿تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنهُ﴾ قالَ: يَتَشَقَّقْنَ مِن عَظَمَةِ اللَّهِ.
(p-١٤٤)وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ هارُونَ قالَ: في قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ ”تَكادُ السَّماواتُ يَنْفَطِرْنَ“ بِالياءِ.
مريم 19:90
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ ولَدًا﴾ الآياتِ.
أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إدًّا﴾ قالَ: قَوْلًا عَظِيمًا، وفي قَوْلِهِ: ﴿تَكادُ السَّماواتُ﴾ الآيَةَ، قالَ: إنَّ الشِّرْكَ فَزِعَتْ مِنهُ السَّماواتُ والأرْضُ والجِبالُ وجَمِيعُ الخَلائِقِ إلّا الثَّقَلَيْنِ، وكادَتْ تَزُولُ مِنهُ لِعَظَمَةِ اللَّهِ: وكَما لا يَنْفَعُ مَعَ الشِّرْكِ إحْسانُ المُشْرِكِ، كَذَلِكَ نَرْجُو أنْ يَغْفِرَ اللَّهُ ذُنُوبَ المُوَحِّدِينَ، وفي قَوْلِهِ: ﴿وتَخِرُّ الجِبالُ هَدًّا﴾ قالَ: هَدْمًا.
وأخْرَجَ ابْنُ المُبارَكِ وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأحْمَدُ في ”الزُّهْدِ“، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ في ”العَظَمَةِ“ والطَّبَرانِيُّ والبَيْهَقِيُّ في ”شُعَبِ الإيمانِ“ مِن طَرِيقِ عَوْنٍ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: إنَّ الجَبَلَ لَيُنادِي الجَبَلَ بِاسْمِهِ: يا فُلانُ، هَلْ مَرَّ بِكَ اليَوْمَ أحَدٌ ذَكَرَ اللَّهَ؟ فَإذا قالَ: نَعَمِ اسْتَبْشَرَ، قالَ عَوْنٌ: أفَيَسْمَعْنَ الزُّورَ إذا قِيلَ، ولا يَسْمَعْنَ الخَيْرَ؟ هُنَّ لِلْخَيْرِ أسْمَعُ، وقَرَأ: ﴿وقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ ولَدًا﴾ الآياتِ.
(p-١٤٣)وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ في ”العَظَمَةِ“ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ المُنْكَدِرِ قالَ: بَلَغَنِي أنَّ الجَبَلَيْنِ إذا أصْبَحا نادى أحَدُهُما صاحِبَهُ يُنادِيهِ بِاسْمِهِ فَيَقُولُ: أيْ فُلانٍ، هَلْ مَرَّ بِكَ اليَوْمَ ذاكِرٌ لِلَّهِ، فَيَقُولُ: نَعَمْ، فَيَقُولُ: لَقَدْ أقَرَّ اللَّهُ عَيْنَكَ، لَكِنْ ما مَرَّ بِي ذاكِرٌ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ اليَوْمَ.
وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ أبِي أُمامَةَ: «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَرَأ: ”تَكادُ السَّماواتُ يَنْفَطِرْنَ“ بِالياءِ والنُّونِ: ﴿وتَخِرُّ الجِبالُ﴾ بِالتّاءِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ( يَنْفَطِرْنَ مِنهُ ) قالَ: الِانْقِطارُ الِانْشِقاقُ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنِ الضَّحّاكِ في قَوْلِهِ: ﴿تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنهُ﴾ قالَ: يَتَشَقَّقْنَ مِن عَظَمَةِ اللَّهِ.
(p-١٤٤)وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ هارُونَ قالَ: في قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ ”تَكادُ السَّماواتُ يَنْفَطِرْنَ“ بِالياءِ.
مريم 19:96
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾ .
أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ: أنَّهُ لَمّا هاجَرَ إلى المَدِينَةِ - وجَدَ في نَفْسِهِ عَلى فِراقِ أصْحابِهِ بِمَكَّةَ مِنهم: شَيْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ وعُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ وأُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ، والدَّيْلَمِيُّ عَنِ البَراءِ قالَ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِعَلِيٍّ: قُلِ: اللَّهُمَّ اجْعَلْ لِي عِنْدَكَ عَهْدًا، واجْعَلْ لِي عِنْدَكَ وُدًّا، واجْعَلْ لِي في صُدُورِ المُؤْمِنِينَ مَوَدَّةً، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾ (p-١٤٥)قالَ: فَنَزَلَتْ في عَلِيٍّ» .
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ في عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾ قالَ: مَحَبَّةٌ في قُلُوبِ المُؤْمِنِينَ.
وأخْرَجَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، «عَنْ عَلِيٍّ، قالَ: سَألْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾ ما هُوَ؟ قالَ: المَحِبَّةُ في صُدُورِ المُؤْمِنِينَ والمَلائِكَةِ المُقَرَّبِينَ، يا عَلِيُّ إنَّ اللَّهَ أعْطى المُؤْمِنَ ثَلاثًا؛ المِقَةَ والمَحَبَّةَ والحَلاوَةَ والمَهابَةَ في صُدُورِ الصّالِحِينَ» .
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، والفِرْيابِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾ قالَ: مَحَبَّةً في النّاسِ في الدُّنْيا.
(p-١٤٦)وأخْرَجَ هَنّادٌ عَنِ الضَّحّاكِ: ﴿سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾ قالَ: مَحَبَّةً في صُدُورِ المُؤْمِنِينَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وهَنّادٌ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾ قالَ: يُحِبُّهم ويُحَبِّبُهم.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والبُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، والتِّرْمِذِيُّ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ والبَيْهَقِيُّ في ”الأسْماءِ والصِّفاتِ” عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ: أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «إذا أحَبَّ اللَّهُ عَبْدًا نادى جِبْرِيلَ: أنِّي قَدْ أحْبَبْتُ فُلانًا فَأحِبَّهُ، فَيُنادِي في السَّماءِ، ثُمَّ تَنْزِلُ لَهُ المُحِبَّةُ في أهْلِ الأرْضِ، فَذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾ وإذا أبْغَضَ اللَّهُ عَبْدًا، نادى جِبْرِيلَ: إنِّي قَدْ أبْغَضْتُ فُلانًا، فَيُنادِي في أهْلِ السَّماءِ ثُمَّ تَنْزِلُ لَهُ البَغْضاءُ في الأرْضِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنْ ثَوْبانَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «إنَّ العَبْدَ لَيَلْتَمِسُ (p-١٤٧)مَرْضاةَ اللَّهِ فَلا يَزالُ كَذَلِكَ، فَيَقُولُ اللَّهُ لِجِبْرِيلَ: يا جِبْرِيلُ إنَّ عَبْدِي فُلانًا يَلْتَمِسُ أنْ يُرْضِيَنِي، فَرِضائِي عَلَيْهِ. فَيَقُولُ جِبْرِيلُ: رَحْمَةُ اللَّهِ عَلى فُلانٍ. ويَقُولُ حَمَلَةُ العَرْشِ، ويَقُولُ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، حَتّى يَقُولَ أهْلُ السَّماواتِ السَّبْعِ، ثُمَّ يَهْبِطُ إلى الأرْضِ. قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: وهي الآيَةُ الَّتِي أنْزَلَ اللَّهُ في كِتابِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾ وإنَّ العَبْدَ لَيَلْتَمِسُ سَخَطَ اللَّهِ فَيَقُولُ اللَّهُ: يا جِبْرِيلُ، إنْ فُلانًا يُسْخِطُنِي، ألا وإنَّ غَضَبِي عَلَيْهِ. فَيَقُولُ جِبْرِيلُ: غَضَبُ اللَّهِ عَلى فُلانٍ. ويَقُولُ حَمَلَةُ العَرْشِ، ويَقُولُ مَن دُونَهم حَتّى يَقُولَهُ أهْلُ السَّماواتِ السَّبْعِ، ثُمَّ يَهْبِطُ لَهُ إلى الأرْضِ» .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ كَعْبٍ قالَ: أجِدُ في التَّوْراةِ: أنَّهُ لَمْ تَكُنْ مَحَبَّةٌ لِأحَدٍ مِن أهْلِ الأرْضِ، حَتّى يَكُونَ بَدْؤُها مِنَ اللَّهِ تَعالى - يُنْزِلُها عَلى أهْلِ (p-١٤٨)الأرْضِ ثُمَّ قَرَأْتُ القُرْآنَ فَوَجَدْتُ فِيهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾ .
وأخْرَجَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ في“ نَوادِرِ الأُصُولِ ”، بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «إنَّ اللَّهَ أعْطى المُؤْمِنَ ثَلاثَةً: المِقَةَ والمَلاحَةَ والمَوَدَّةَ والمَحَبَّةَ في صُدُورِ المُؤْمِنِينَ. ثُمَّ تَلا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾ [مريم»: ٩٦] .
وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في“الأسْماءِ والصِّفاتِ” عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أبِي لَيْلى قالَ: كَتَبَ أبُو الدَّرْداءِ إلى مَسْلَمَةَ بْنِ مُخَلَّدٍ: سَلامٌ عَلَيْكَ أمّا بَعْدُ: فَإنَّ العَبْدَ إذا عَمِلَ بِطاعَةِ اللَّهِ أحَبَّهُ اللَّهُ، فَإذا أحَبَّهُ اللَّهُ حَبَّبَهُ إلى عِبادِهِ، وإنَّ العَبْدَ إذا عَمِلَ بِمَعْصِيَةِ اللَّهِ أبْغَضُهُ اللَّهُ، فَإذا أبْغَضَهُ اللَّهُ بَغَّضَهُ إلى عِبادِهِ.
وأخْرَجَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لِكُلِّ عَبْدٍ صِيتٌ فَإنْ كانَ صالِحًا وُضِعَ في الأرْضِ، وإنْ كانَ سَيِّئًا وُضِعَ في الأرْضِ» .
(p-١٤٩)وأخْرَجَ أحْمَدُ والحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ، عَنْ أبِي أُمامَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إنَّ المِقَةَ مِنَ اللَّهِ، والصِّيتَ مِنَ السَّماءِ، فَإذا أحَبَّ اللَّهُ عَبْدًا قالَ لِجِبْرِيلَ: إنِّي أحَبُّ فُلانًا. فَيُنادِي جِبْرِيلُ: إنَّ رَبَّكم يُحِبُّ فُلانًا فَأحِبُّوهُ. فَتُنْزَلُ لَهُ المَحِبَّةُ في الأرْضِ، وإذا أبْغَضَ عَبْدًا قالَ لِجِبْرِيلَ: إنِّي أُبْغِضُ فُلانًا فَأبْغِضْهُ فَيُنادِي جِبْرِيلُ: إنَّ رَبَّكم يُبْغِضُ فُلانًا، فَأبْغَضُوهُ فَيَجْرِي لَهُ البُغْضُ في الأرْضِ» .
مريم 19:97
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا﴾ .
أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا﴾ قالَ: فُجّارًا.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿قَوْمًا لُدًّا﴾ قالَ: صُمًّا.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الضَّحّاكِ في قَوْلِهِ: ﴿لُدًّا﴾ قالَ: خُصَماءَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿قَوْمًا لُدًّا﴾ (p-١٥٠)قالَ: جُدُلًا بِالباطِلِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ: ﴿قَوْمًا لُدًّا﴾ قالَ: هم قُرَيْشٌ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ: ﴿لُدًّا﴾ قالَ: لا يَسْتَقِيمُونَ.
مريم 19:98
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكَمْ أهْلَكْنا﴾ الآيَةَ.
أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ في قَوْلِهِ: ﴿هَلْ تُحِسُّ مِنهم مِن أحَدٍ﴾ قالَ: هَلْ تَرى مِنهم مِن أحَدٍ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ عاصِمٍ أنَّهُ قَرَأ: ﴿هَلْ تُحِسُّ مِنهُمْ﴾ بِرَفْعِ التّاءِ وكَسْرِ الحاءِ، ورَفْعِ السِّينِ، ولا يُدْغِمُها.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿هَلْ تُحِسُّ مِنهم مِن أحَدٍ أوْ تَسْمَعُ لَهم رِكْزًا﴾ قالَ: هَلْ تَرى عَيْنًا أوْ تَسْمَعُ صَوْتًا ؟
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ الحَسَنِ في الآيَةِ قالَ: ذَهَبَ القَوْمُ فَلا صَوْتَ ولا عَيْنَ.
(p-١٥١)وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿رِكْزًا﴾ قالَ: صَوْتًا.
وأخْرَجَ الطَّسْتِيُّ في ”مَسائِلِهِ“، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ نافِعَ بْنَ الأزْرَقِ سَألَهُ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿رِكْزًا﴾ فَقالَ: حِسًّا، قالَ: وهَلْ تَعْرِفُ العَرَبُ ذَلِكَ؟ قالَ: نَعَمْ، أما سَمِعْتَ قَوْلَ الشّاعِرِ:
؎وقَدْ تَوَجَّسَ رِكْزًا مُقْفِرٌ نَدِسٌ بِنَبْأةِ الصَّوْتِ ما في سَمْعِهِ كَذِبُ
(p-١٥٢)
طه 20:1
﷽
سُورَةُ طه.
مَكِّيَّةٌ أخْرَجَ النَّحّاسُ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ طه بِمَكَّةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ ”طه“ بِمَكَّةَ.
وأخْرَجَ الدّارِمِيُّ، وابْنُ خُزَيْمَةَ في ”التَّوْحِيدِ“ والعُقَيْلِيُّ في ”الضُّعَفاءِ“ والطَّبَرانِيُّ في ”الأوْسَطِ“، وابْنُ عَدِيِّ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في ”الشُّعَبِ“ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إنَّ اللَّهَ تَبارَكَ وتَعالى قَرَأ ”طه“ و”يس“ قَبْلَ أنْ يَخْلُقَ السَّمَواتِ والأرْضَ بِألْفَيْ عامٍ، فَلَمّا سَمِعَتِ المَلائِكَةُ القُرْآنَ قالَتْ: طُوبى لِأُمَّةٍ يَنْزِلُ عَلَيْها هَذا، وطُوبى لِأجْوافٍ تَحْمِلُ هَذا، وطُوبى لِألْسِنَةٍ تَتَكَلَّمُ بِهَذا» .
وأخْرَجَ الدَّيْلَمِيُّ عَنْ أنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «أُعْطِيتُ (p-١٥٣)السُّورَةَ الَّتِي ذُكِرَتْ فِيها ”الأنْعامُ“ مِنَ الذِّكْرِ الأوَّلِ، وأُعْطِيتُ ”طه“ و”الطَّواسِينَ“ مِن ألْواحِ مُوسى، وأُعْطِيتُ فَواتِحَ القُرْآنِ وخَواتِيمَ ”البَقَرَةِ“ مِن تَحْتِ العَرْشِ، وأُعْطِيتُ المُفَصَّلَ نافِلَةً» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنْ أبِي أُمامَةَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «كُلُّ قُرْآنٍ يُوضَعُ عَنْ أهْلِ الجَنَّةِ فَلا يَقْرَءُونَ مِنهُ شَيْئًا إلّا سُورَةَ ”طه“ و”يس“ فَإنَّهم يَقْرَءُونَ بِهِما في الجَنَّةِ» .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿طه﴾ ﴿ما أنْزَلْنا عَلَيْكَ القُرْآنَ لِتَشْقى﴾ الآيَةَ
أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في ”شُعَبِ الإيمانِ“، وابْنُ عَساكِرَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ أوَّلَ ما نَزَلَ عَلَيْهِ الوَحْيُ كانَ يَقُومُ عَلى صَدْرِ قَدَمَيْهِ إذا صَلّى، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿طه﴾ ﴿ما أنْزَلْنا عَلَيْكَ القُرْآنَ لِتَشْقى﴾ [طه»: ٢] .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالُوا: لَقَدْ شَقِيَ هَذا الرَّجُلُ بِرَبِّهِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿طه﴾ ﴿ما أنْزَلْنا عَلَيْكَ القُرْآنَ لِتَشْقى﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذا قامَ مِنَ اللَّيْلِ يَرْبِطُ نَفْسَهُ بِحَبْلٍ كَيْ لا يَنامَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿طه﴾ ﴿ما أنْزَلْنا عَلَيْكَ القُرْآنَ لِتَشْقى﴾ [طه»: ٢] .
(p-١٥٤)وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: «كانَ النَّبِيُّ ﷺ يَرْبِطُ نَفْسَهُ ويَضَعُ إحْدى رِجْلَيْهِ عَلى الأُخْرى، فَنَزَلَتْ: ﴿طه﴾ ﴿ما أنْزَلْنا عَلَيْكَ القُرْآنَ لِتَشْقى﴾ [طه»: ٢] .
وأخْرَجَ البَزّارُ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ عَلِيٍّ قالَ: «كانَ النَّبِيُّ ﷺ يُراوِحُ بَيْنَ قَدَمَيْهِ، يَقُومُ عَلى رَجُلٍ، حَتّى نَزَلَتْ: ﴿طه﴾ ﴿ما أنْزَلْنا عَلَيْكَ القُرْآنَ لِتَشْقى﴾ [طه»: ٢] .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنْ عَلِيٍّ قالَ: «لَمّا نَزَلَ عَلى النَّبِيِّ ﷺ: ﴿يا أيُّها المُزَّمِّلُ﴾ [المزمل: ١] ﴿قُمِ اللَّيْلَ إلا قَلِيلا﴾ [المزمل: ٢] [ المُزَّمِّلِ: ١، ٢ ] قامَ اللَّيْلَ كُلَّهُ حَتّى تَوَرَّمَتْ قَدَماهُ، فَجَعَلَ يَرْفَعُ رِجْلًا ويَضَعُ رِجْلًا فَهَبَطَ عَلَيْهِ جِبْرِيلُ فَقالَ: ( ﴿طه﴾ ) يَعْنِي: طَأِ الأرْضَ بِقَدَمَيْكَ يا مُحَمَّدُ: ﴿ما أنْزَلْنا عَلَيْكَ القُرْآنَ لِتَشْقى﴾ وأنْزَلَ: ﴿فاقْرَءُوا ما تَيَسَّرَ مِنَ القُرْآنِ﴾ [المزمل: ٢٠] [ المُزَّمِّلِ»: ٢٠ ] .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أنَسٍ قالَ: «كانَ النَّبِيُّ ﷺ إذا صَلّى قامَ عَلى رِجْلٍ ورَفَعَ الأُخْرى، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ( ﴿طه﴾ ) يَعْنِي طَأِ الأرْضَ يا مُحَمَّدُ: ﴿ما أنْزَلْنا عَلَيْكَ القُرْآنَ لِتَشْقى﴾ [طه»: ٢] .
(p-١٥٥)وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «فِي قَوْلِهِ: ﴿طه﴾ قالَ: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رُبَّما قَرَأ القُرْآنَ إذا صَلّى، فَقامَ عَلى رِجْلٍ واحِدَةٍ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ( ﴿طه﴾ ) بِرِجْلَيْكَ: ﴿ما أنْزَلْنا عَلَيْكَ القُرْآنَ لِتَشْقى﴾ [طه»: ٢] .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الضَّحّاكِ قالَ: «لَمّا أنْزَلَ اللَّهُ القُرْآنَ عَلى النَّبِيِّ ﷺ قامَ بِهِ وأصْحابُهُ، فَقالَ كُفّارُ قُرَيْشٍ: ما أُنْزِلَ هَذا القُرْآنُ عَلى مُحَمَّدٍ إلّا لِيَشْقى بِهِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿طه﴾ ﴿ما أنْزَلْنا عَلَيْكَ القُرْآنَ لِتَشْقى﴾ [طه»: ٢] .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿طه﴾ قالَ: يا رَجُلُ.
وأخْرَجَ الحارِثُ بْنُ أبِي أُسامَةَ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ( ﴿طه﴾ ) بِالنَّبَطِيَّةِ أيْ: طَأْ يا رَجُلُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ( ﴿طه﴾ ) قالَ: هو كَقَوْلِكَ: افْعَلْ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: ( ﴿طه﴾ ) بِالنَّبَطِيَّةِ؛ يا رَجُلُ.
(p-١٥٦)وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: ﴿طه﴾ يا رَجُلُ بِالنَّبَطِيَّةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنِ الضَّحّاكِ قالَ: ( ﴿طه﴾ ) يا رَجُلُ بِالنَّبَطِيَّةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: ﴿طه﴾ يا رَجُلُ بِالسُّرْيانِيَّةِ.
وأخْرَجَ الحاكِمُ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿طه﴾ قالَ: هو كَقَوْلِكَ: يا مُحَمَّدُ بِلِسانِ الحَبَشِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عِكْرِمَةَ في قَوْلِهِ: ﴿طه﴾ قالَ: هو كَقَوْلِكَ: يا رَجُلُ: بِلِسانِ الحَبَشَةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي صالِحٍ في قَوْلِهِ: ﴿طه﴾ قالَ: كَلِمَةٌ عُرِّبَتْ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: ﴿طه﴾ فَواتِحُ السُّوَرِ.
وأخْرَجَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ: ﴿طه﴾ قالَ: الطّاءُ مِن ذِي الطَّوْلِ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنْ أبِي الطُّفَيْلِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «إنَّ لِي عِنْدَ رَبِّي عَشَرَةَ أسْماءٍ. قالَ أبُو الطُّفَيْلِ: حَفِظْتُ مِنها ثَمانِيَةً: مُحَمَّدٌ، وأحْمَدُ وأبُو القاسِمِ والفاتِحُ والخاتَمُ والماحِي والعاقِبُ والحاشِرُ وزَعَمَ سَيْفٌ أنَّ أبا (p-١٥٧)جَعْفَرٍ» قالَ: الِاسْمانِ الباقِيانِ: ( طه ) و( يس ) .
وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنْ زِرٍّ قالَ: «قَرَأ رَجُلٌ عَلى ابْنِ مَسْعُودٍ: ﴿طه﴾ مَفْتُوحَةً. فَأخَذَها عَلَيْهِ عَبْدُ اللَّهِ: ( طِهْ ) مَكْسُورَةً فَقالَ لَهُ الرَّجُلُ: إنَّما يَعْنِي ضَعْ رِجْلَكَ، فَقالَ عَبْدُ اللَّهِ: هَكَذا قَرَأها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وهَكَذا أنْزَلَها جِبْرِيلُ» .
وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ «عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: أوَّلُ سُورَةٍ تَعَلَّمْتُها مِنَ القُرْآنِ: ﴿طه﴾ وكُنْتُ إذا قُلْتُ: ﴿طه﴾ ﴿ما أنْزَلْنا عَلَيْكَ القُرْآنَ لِتَشْقى﴾ قالَ النَّبِيُّ ﷺ: لا شَقِيتِ يا عائِشُ» .
وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في ”الدَّلائِلِ“ عَنْ أبِي صالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿طه﴾ ﴿ما أنْزَلْنا عَلَيْكَ القُرْآنَ لِتَشْقى﴾ قالَ: يا رَجُلُ، ما أنْزَلْنا عَلَيْكَ القُرْآنَ لِتَشْقى. وكانَ يَقُومُ اللَّيْلَ عَلى رِجْلَيْهِ، فَهي لُغَةٌ لِعَكٍّ؛ إنْ قُلْتَ لِعَكِّيٍّ: يا رَجُلُ، لَمْ يَلْتَفِتْ، وإذا قُلْتَ: ﴿طه﴾ التَفَتَ إلَيْكَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ قُرَّةَ بْنِ خالِدٍ قالَ: سَمِعْتُ الضَّحّاكَ، وقالَ رَجُلٌ مِن بَنِي مازِنِ بْنِ مالِكٍ: ما يَخْفى عَلَيَّ شَيْءٌ مِنَ القُرْآنِ. وكانَ قارِئًا لِلْقُرْآنِ (p-١٥٨)شاعِرًا، فَقالَ لَهُ الضَّحّاكُ: أنْتَ تَقُولُ ذَلِكَ؟ أخْبِرْنِي ما: ﴿طه﴾ قالَ: هي مِن أسْماءِ اللَّهِ الحُسْنى، نَحْوَ: ”طسم“ و”حم“ فَقالَ الضَّحّاكُ: إنَّما هي بِالنَّبَطِيَّةِ: يا رَجُلُ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: ﴿طه﴾ قَسَمٌ أقْسَمَهُ اللَّهُ وهو مِن أسْماءِ اللَّهِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ما أنْزَلْنا عَلَيْكَ القُرْآنَ لِتَشْقى﴾ يَقُولُ: في الصَّلاةِ، هي مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿فاقْرَءُوا ما تَيَسَّرَ مِنهُ﴾ [المزمل: ٢٠] [ المُزَّمِّلِ: ٢٠ ] قالَ: وكانُوا يُعَلِّقُونَ الحِبالَ بِصُدُورِهِمْ في الصَّلاةِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ قَتادَةَ: ﴿ما أنْزَلْنا عَلَيْكَ القُرْآنَ لِتَشْقى﴾ قالَ: لا واللَّهِ، ما جَعَلَهُ اللَّهُ شَقِيًّا، ولَكِنْ جَعَلَهُ رَحْمَةً ونُورًا ودَلِيلًا إلى الجَنَّةِ: ﴿إلا تَذْكِرَةً لِمَن يَخْشى﴾ قالَ: إنَّ اللَّهَ أنْزَلَ كِتابَهُ، وبَعَثَ رُسُلَهُ رَحْمَةً يَرْحَمُ بِها العِبادَ؛ لِيَتَذَكَّرَ ذاكِرٌ، ويَنْتَفِعَ رَجُلٌ بِما يَسْمَعُ مِن كِتابِ اللَّهِ، وهو ذِكْرٌ أنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ حَلالَهُ وحَرامَهُ.
طه 20:2
﷽
سُورَةُ طه.
مَكِّيَّةٌ أخْرَجَ النَّحّاسُ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ طه بِمَكَّةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ ”طه“ بِمَكَّةَ.
وأخْرَجَ الدّارِمِيُّ، وابْنُ خُزَيْمَةَ في ”التَّوْحِيدِ“ والعُقَيْلِيُّ في ”الضُّعَفاءِ“ والطَّبَرانِيُّ في ”الأوْسَطِ“، وابْنُ عَدِيِّ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في ”الشُّعَبِ“ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إنَّ اللَّهَ تَبارَكَ وتَعالى قَرَأ ”طه“ و”يس“ قَبْلَ أنْ يَخْلُقَ السَّمَواتِ والأرْضَ بِألْفَيْ عامٍ، فَلَمّا سَمِعَتِ المَلائِكَةُ القُرْآنَ قالَتْ: طُوبى لِأُمَّةٍ يَنْزِلُ عَلَيْها هَذا، وطُوبى لِأجْوافٍ تَحْمِلُ هَذا، وطُوبى لِألْسِنَةٍ تَتَكَلَّمُ بِهَذا» .
وأخْرَجَ الدَّيْلَمِيُّ عَنْ أنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «أُعْطِيتُ (p-١٥٣)السُّورَةَ الَّتِي ذُكِرَتْ فِيها ”الأنْعامُ“ مِنَ الذِّكْرِ الأوَّلِ، وأُعْطِيتُ ”طه“ و”الطَّواسِينَ“ مِن ألْواحِ مُوسى، وأُعْطِيتُ فَواتِحَ القُرْآنِ وخَواتِيمَ ”البَقَرَةِ“ مِن تَحْتِ العَرْشِ، وأُعْطِيتُ المُفَصَّلَ نافِلَةً» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنْ أبِي أُمامَةَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «كُلُّ قُرْآنٍ يُوضَعُ عَنْ أهْلِ الجَنَّةِ فَلا يَقْرَءُونَ مِنهُ شَيْئًا إلّا سُورَةَ ”طه“ و”يس“ فَإنَّهم يَقْرَءُونَ بِهِما في الجَنَّةِ» .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿طه﴾ ﴿ما أنْزَلْنا عَلَيْكَ القُرْآنَ لِتَشْقى﴾ الآيَةَ
أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في ”شُعَبِ الإيمانِ“، وابْنُ عَساكِرَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ أوَّلَ ما نَزَلَ عَلَيْهِ الوَحْيُ كانَ يَقُومُ عَلى صَدْرِ قَدَمَيْهِ إذا صَلّى، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿طه﴾ ﴿ما أنْزَلْنا عَلَيْكَ القُرْآنَ لِتَشْقى﴾ [طه»: ٢] .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالُوا: لَقَدْ شَقِيَ هَذا الرَّجُلُ بِرَبِّهِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿طه﴾ ﴿ما أنْزَلْنا عَلَيْكَ القُرْآنَ لِتَشْقى﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذا قامَ مِنَ اللَّيْلِ يَرْبِطُ نَفْسَهُ بِحَبْلٍ كَيْ لا يَنامَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿طه﴾ ﴿ما أنْزَلْنا عَلَيْكَ القُرْآنَ لِتَشْقى﴾ [طه»: ٢] .
(p-١٥٤)وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: «كانَ النَّبِيُّ ﷺ يَرْبِطُ نَفْسَهُ ويَضَعُ إحْدى رِجْلَيْهِ عَلى الأُخْرى، فَنَزَلَتْ: ﴿طه﴾ ﴿ما أنْزَلْنا عَلَيْكَ القُرْآنَ لِتَشْقى﴾ [طه»: ٢] .
وأخْرَجَ البَزّارُ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ عَلِيٍّ قالَ: «كانَ النَّبِيُّ ﷺ يُراوِحُ بَيْنَ قَدَمَيْهِ، يَقُومُ عَلى رَجُلٍ، حَتّى نَزَلَتْ: ﴿طه﴾ ﴿ما أنْزَلْنا عَلَيْكَ القُرْآنَ لِتَشْقى﴾ [طه»: ٢] .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنْ عَلِيٍّ قالَ: «لَمّا نَزَلَ عَلى النَّبِيِّ ﷺ: ﴿يا أيُّها المُزَّمِّلُ﴾ [المزمل: ١] ﴿قُمِ اللَّيْلَ إلا قَلِيلا﴾ [المزمل: ٢] [ المُزَّمِّلِ: ١، ٢ ] قامَ اللَّيْلَ كُلَّهُ حَتّى تَوَرَّمَتْ قَدَماهُ، فَجَعَلَ يَرْفَعُ رِجْلًا ويَضَعُ رِجْلًا فَهَبَطَ عَلَيْهِ جِبْرِيلُ فَقالَ: ( ﴿طه﴾ ) يَعْنِي: طَأِ الأرْضَ بِقَدَمَيْكَ يا مُحَمَّدُ: ﴿ما أنْزَلْنا عَلَيْكَ القُرْآنَ لِتَشْقى﴾ وأنْزَلَ: ﴿فاقْرَءُوا ما تَيَسَّرَ مِنَ القُرْآنِ﴾ [المزمل: ٢٠] [ المُزَّمِّلِ»: ٢٠ ] .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أنَسٍ قالَ: «كانَ النَّبِيُّ ﷺ إذا صَلّى قامَ عَلى رِجْلٍ ورَفَعَ الأُخْرى، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ( ﴿طه﴾ ) يَعْنِي طَأِ الأرْضَ يا مُحَمَّدُ: ﴿ما أنْزَلْنا عَلَيْكَ القُرْآنَ لِتَشْقى﴾ [طه»: ٢] .
(p-١٥٥)وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «فِي قَوْلِهِ: ﴿طه﴾ قالَ: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رُبَّما قَرَأ القُرْآنَ إذا صَلّى، فَقامَ عَلى رِجْلٍ واحِدَةٍ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ( ﴿طه﴾ ) بِرِجْلَيْكَ: ﴿ما أنْزَلْنا عَلَيْكَ القُرْآنَ لِتَشْقى﴾ [طه»: ٢] .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الضَّحّاكِ قالَ: «لَمّا أنْزَلَ اللَّهُ القُرْآنَ عَلى النَّبِيِّ ﷺ قامَ بِهِ وأصْحابُهُ، فَقالَ كُفّارُ قُرَيْشٍ: ما أُنْزِلَ هَذا القُرْآنُ عَلى مُحَمَّدٍ إلّا لِيَشْقى بِهِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿طه﴾ ﴿ما أنْزَلْنا عَلَيْكَ القُرْآنَ لِتَشْقى﴾ [طه»: ٢] .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿طه﴾ قالَ: يا رَجُلُ.
وأخْرَجَ الحارِثُ بْنُ أبِي أُسامَةَ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ( ﴿طه﴾ ) بِالنَّبَطِيَّةِ أيْ: طَأْ يا رَجُلُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ( ﴿طه﴾ ) قالَ: هو كَقَوْلِكَ: افْعَلْ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: ( ﴿طه﴾ ) بِالنَّبَطِيَّةِ؛ يا رَجُلُ.
(p-١٥٦)وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: ﴿طه﴾ يا رَجُلُ بِالنَّبَطِيَّةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنِ الضَّحّاكِ قالَ: ( ﴿طه﴾ ) يا رَجُلُ بِالنَّبَطِيَّةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: ﴿طه﴾ يا رَجُلُ بِالسُّرْيانِيَّةِ.
وأخْرَجَ الحاكِمُ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿طه﴾ قالَ: هو كَقَوْلِكَ: يا مُحَمَّدُ بِلِسانِ الحَبَشِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عِكْرِمَةَ في قَوْلِهِ: ﴿طه﴾ قالَ: هو كَقَوْلِكَ: يا رَجُلُ: بِلِسانِ الحَبَشَةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي صالِحٍ في قَوْلِهِ: ﴿طه﴾ قالَ: كَلِمَةٌ عُرِّبَتْ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: ﴿طه﴾ فَواتِحُ السُّوَرِ.
وأخْرَجَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ: ﴿طه﴾ قالَ: الطّاءُ مِن ذِي الطَّوْلِ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنْ أبِي الطُّفَيْلِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «إنَّ لِي عِنْدَ رَبِّي عَشَرَةَ أسْماءٍ. قالَ أبُو الطُّفَيْلِ: حَفِظْتُ مِنها ثَمانِيَةً: مُحَمَّدٌ، وأحْمَدُ وأبُو القاسِمِ والفاتِحُ والخاتَمُ والماحِي والعاقِبُ والحاشِرُ وزَعَمَ سَيْفٌ أنَّ أبا (p-١٥٧)جَعْفَرٍ» قالَ: الِاسْمانِ الباقِيانِ: ( طه ) و( يس ) .
وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنْ زِرٍّ قالَ: «قَرَأ رَجُلٌ عَلى ابْنِ مَسْعُودٍ: ﴿طه﴾ مَفْتُوحَةً. فَأخَذَها عَلَيْهِ عَبْدُ اللَّهِ: ( طِهْ ) مَكْسُورَةً فَقالَ لَهُ الرَّجُلُ: إنَّما يَعْنِي ضَعْ رِجْلَكَ، فَقالَ عَبْدُ اللَّهِ: هَكَذا قَرَأها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وهَكَذا أنْزَلَها جِبْرِيلُ» .
وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ «عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: أوَّلُ سُورَةٍ تَعَلَّمْتُها مِنَ القُرْآنِ: ﴿طه﴾ وكُنْتُ إذا قُلْتُ: ﴿طه﴾ ﴿ما أنْزَلْنا عَلَيْكَ القُرْآنَ لِتَشْقى﴾ قالَ النَّبِيُّ ﷺ: لا شَقِيتِ يا عائِشُ» .
وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في ”الدَّلائِلِ“ عَنْ أبِي صالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿طه﴾ ﴿ما أنْزَلْنا عَلَيْكَ القُرْآنَ لِتَشْقى﴾ قالَ: يا رَجُلُ، ما أنْزَلْنا عَلَيْكَ القُرْآنَ لِتَشْقى. وكانَ يَقُومُ اللَّيْلَ عَلى رِجْلَيْهِ، فَهي لُغَةٌ لِعَكٍّ؛ إنْ قُلْتَ لِعَكِّيٍّ: يا رَجُلُ، لَمْ يَلْتَفِتْ، وإذا قُلْتَ: ﴿طه﴾ التَفَتَ إلَيْكَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ قُرَّةَ بْنِ خالِدٍ قالَ: سَمِعْتُ الضَّحّاكَ، وقالَ رَجُلٌ مِن بَنِي مازِنِ بْنِ مالِكٍ: ما يَخْفى عَلَيَّ شَيْءٌ مِنَ القُرْآنِ. وكانَ قارِئًا لِلْقُرْآنِ (p-١٥٨)شاعِرًا، فَقالَ لَهُ الضَّحّاكُ: أنْتَ تَقُولُ ذَلِكَ؟ أخْبِرْنِي ما: ﴿طه﴾ قالَ: هي مِن أسْماءِ اللَّهِ الحُسْنى، نَحْوَ: ”طسم“ و”حم“ فَقالَ الضَّحّاكُ: إنَّما هي بِالنَّبَطِيَّةِ: يا رَجُلُ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: ﴿طه﴾ قَسَمٌ أقْسَمَهُ اللَّهُ وهو مِن أسْماءِ اللَّهِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ما أنْزَلْنا عَلَيْكَ القُرْآنَ لِتَشْقى﴾ يَقُولُ: في الصَّلاةِ، هي مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿فاقْرَءُوا ما تَيَسَّرَ مِنهُ﴾ [المزمل: ٢٠] [ المُزَّمِّلِ: ٢٠ ] قالَ: وكانُوا يُعَلِّقُونَ الحِبالَ بِصُدُورِهِمْ في الصَّلاةِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ قَتادَةَ: ﴿ما أنْزَلْنا عَلَيْكَ القُرْآنَ لِتَشْقى﴾ قالَ: لا واللَّهِ، ما جَعَلَهُ اللَّهُ شَقِيًّا، ولَكِنْ جَعَلَهُ رَحْمَةً ونُورًا ودَلِيلًا إلى الجَنَّةِ: ﴿إلا تَذْكِرَةً لِمَن يَخْشى﴾ قالَ: إنَّ اللَّهَ أنْزَلَ كِتابَهُ، وبَعَثَ رُسُلَهُ رَحْمَةً يَرْحَمُ بِها العِبادَ؛ لِيَتَذَكَّرَ ذاكِرٌ، ويَنْتَفِعَ رَجُلٌ بِما يَسْمَعُ مِن كِتابِ اللَّهِ، وهو ذِكْرٌ أنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ حَلالَهُ وحَرامَهُ.
طه 20:3
﷽
سُورَةُ طه.
مَكِّيَّةٌ أخْرَجَ النَّحّاسُ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ طه بِمَكَّةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ ”طه“ بِمَكَّةَ.
وأخْرَجَ الدّارِمِيُّ، وابْنُ خُزَيْمَةَ في ”التَّوْحِيدِ“ والعُقَيْلِيُّ في ”الضُّعَفاءِ“ والطَّبَرانِيُّ في ”الأوْسَطِ“، وابْنُ عَدِيِّ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في ”الشُّعَبِ“ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إنَّ اللَّهَ تَبارَكَ وتَعالى قَرَأ ”طه“ و”يس“ قَبْلَ أنْ يَخْلُقَ السَّمَواتِ والأرْضَ بِألْفَيْ عامٍ، فَلَمّا سَمِعَتِ المَلائِكَةُ القُرْآنَ قالَتْ: طُوبى لِأُمَّةٍ يَنْزِلُ عَلَيْها هَذا، وطُوبى لِأجْوافٍ تَحْمِلُ هَذا، وطُوبى لِألْسِنَةٍ تَتَكَلَّمُ بِهَذا» .
وأخْرَجَ الدَّيْلَمِيُّ عَنْ أنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ نَحْوَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «أُعْطِيتُ (p-١٥٣)السُّورَةَ الَّتِي ذُكِرَتْ فِيها ”الأنْعامُ“ مِنَ الذِّكْرِ الأوَّلِ، وأُعْطِيتُ ”طه“ و”الطَّواسِينَ“ مِن ألْواحِ مُوسى، وأُعْطِيتُ فَواتِحَ القُرْآنِ وخَواتِيمَ ”البَقَرَةِ“ مِن تَحْتِ العَرْشِ، وأُعْطِيتُ المُفَصَّلَ نافِلَةً» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنْ أبِي أُمامَةَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «كُلُّ قُرْآنٍ يُوضَعُ عَنْ أهْلِ الجَنَّةِ فَلا يَقْرَءُونَ مِنهُ شَيْئًا إلّا سُورَةَ ”طه“ و”يس“ فَإنَّهم يَقْرَءُونَ بِهِما في الجَنَّةِ» .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿طه﴾ ﴿ما أنْزَلْنا عَلَيْكَ القُرْآنَ لِتَشْقى﴾ الآيَةَ
أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في ”شُعَبِ الإيمانِ“، وابْنُ عَساكِرَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ أوَّلَ ما نَزَلَ عَلَيْهِ الوَحْيُ كانَ يَقُومُ عَلى صَدْرِ قَدَمَيْهِ إذا صَلّى، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿طه﴾ ﴿ما أنْزَلْنا عَلَيْكَ القُرْآنَ لِتَشْقى﴾ [طه»: ٢] .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالُوا: لَقَدْ شَقِيَ هَذا الرَّجُلُ بِرَبِّهِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿طه﴾ ﴿ما أنْزَلْنا عَلَيْكَ القُرْآنَ لِتَشْقى﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذا قامَ مِنَ اللَّيْلِ يَرْبِطُ نَفْسَهُ بِحَبْلٍ كَيْ لا يَنامَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿طه﴾ ﴿ما أنْزَلْنا عَلَيْكَ القُرْآنَ لِتَشْقى﴾ [طه»: ٢] .
(p-١٥٤)وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: «كانَ النَّبِيُّ ﷺ يَرْبِطُ نَفْسَهُ ويَضَعُ إحْدى رِجْلَيْهِ عَلى الأُخْرى، فَنَزَلَتْ: ﴿طه﴾ ﴿ما أنْزَلْنا عَلَيْكَ القُرْآنَ لِتَشْقى﴾ [طه»: ٢] .
وأخْرَجَ البَزّارُ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ عَلِيٍّ قالَ: «كانَ النَّبِيُّ ﷺ يُراوِحُ بَيْنَ قَدَمَيْهِ، يَقُومُ عَلى رَجُلٍ، حَتّى نَزَلَتْ: ﴿طه﴾ ﴿ما أنْزَلْنا عَلَيْكَ القُرْآنَ لِتَشْقى﴾ [طه»: ٢] .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنْ عَلِيٍّ قالَ: «لَمّا نَزَلَ عَلى النَّبِيِّ ﷺ: ﴿يا أيُّها المُزَّمِّلُ﴾ [المزمل: ١] ﴿قُمِ اللَّيْلَ إلا قَلِيلا﴾ [المزمل: ٢] [ المُزَّمِّلِ: ١، ٢ ] قامَ اللَّيْلَ كُلَّهُ حَتّى تَوَرَّمَتْ قَدَماهُ، فَجَعَلَ يَرْفَعُ رِجْلًا ويَضَعُ رِجْلًا فَهَبَطَ عَلَيْهِ جِبْرِيلُ فَقالَ: ( ﴿طه﴾ ) يَعْنِي: طَأِ الأرْضَ بِقَدَمَيْكَ يا مُحَمَّدُ: ﴿ما أنْزَلْنا عَلَيْكَ القُرْآنَ لِتَشْقى﴾ وأنْزَلَ: ﴿فاقْرَءُوا ما تَيَسَّرَ مِنَ القُرْآنِ﴾ [المزمل: ٢٠] [ المُزَّمِّلِ»: ٢٠ ] .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أنَسٍ قالَ: «كانَ النَّبِيُّ ﷺ إذا صَلّى قامَ عَلى رِجْلٍ ورَفَعَ الأُخْرى، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ( ﴿طه﴾ ) يَعْنِي طَأِ الأرْضَ يا مُحَمَّدُ: ﴿ما أنْزَلْنا عَلَيْكَ القُرْآنَ لِتَشْقى﴾ [طه»: ٢] .
(p-١٥٥)وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «فِي قَوْلِهِ: ﴿طه﴾ قالَ: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رُبَّما قَرَأ القُرْآنَ إذا صَلّى، فَقامَ عَلى رِجْلٍ واحِدَةٍ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ( ﴿طه﴾ ) بِرِجْلَيْكَ: ﴿ما أنْزَلْنا عَلَيْكَ القُرْآنَ لِتَشْقى﴾ [طه»: ٢] .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الضَّحّاكِ قالَ: «لَمّا أنْزَلَ اللَّهُ القُرْآنَ عَلى النَّبِيِّ ﷺ قامَ بِهِ وأصْحابُهُ، فَقالَ كُفّارُ قُرَيْشٍ: ما أُنْزِلَ هَذا القُرْآنُ عَلى مُحَمَّدٍ إلّا لِيَشْقى بِهِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿طه﴾ ﴿ما أنْزَلْنا عَلَيْكَ القُرْآنَ لِتَشْقى﴾ [طه»: ٢] .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿طه﴾ قالَ: يا رَجُلُ.
وأخْرَجَ الحارِثُ بْنُ أبِي أُسامَةَ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ( ﴿طه﴾ ) بِالنَّبَطِيَّةِ أيْ: طَأْ يا رَجُلُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ( ﴿طه﴾ ) قالَ: هو كَقَوْلِكَ: افْعَلْ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: ( ﴿طه﴾ ) بِالنَّبَطِيَّةِ؛ يا رَجُلُ.
(p-١٥٦)وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: ﴿طه﴾ يا رَجُلُ بِالنَّبَطِيَّةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنِ الضَّحّاكِ قالَ: ( ﴿طه﴾ ) يا رَجُلُ بِالنَّبَطِيَّةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: ﴿طه﴾ يا رَجُلُ بِالسُّرْيانِيَّةِ.
وأخْرَجَ الحاكِمُ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿طه﴾ قالَ: هو كَقَوْلِكَ: يا مُحَمَّدُ بِلِسانِ الحَبَشِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عِكْرِمَةَ في قَوْلِهِ: ﴿طه﴾ قالَ: هو كَقَوْلِكَ: يا رَجُلُ: بِلِسانِ الحَبَشَةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي صالِحٍ في قَوْلِهِ: ﴿طه﴾ قالَ: كَلِمَةٌ عُرِّبَتْ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: ﴿طه﴾ فَواتِحُ السُّوَرِ.
وأخْرَجَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ: ﴿طه﴾ قالَ: الطّاءُ مِن ذِي الطَّوْلِ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنْ أبِي الطُّفَيْلِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «إنَّ لِي عِنْدَ رَبِّي عَشَرَةَ أسْماءٍ. قالَ أبُو الطُّفَيْلِ: حَفِظْتُ مِنها ثَمانِيَةً: مُحَمَّدٌ، وأحْمَدُ وأبُو القاسِمِ والفاتِحُ والخاتَمُ والماحِي والعاقِبُ والحاشِرُ وزَعَمَ سَيْفٌ أنَّ أبا (p-١٥٧)جَعْفَرٍ» قالَ: الِاسْمانِ الباقِيانِ: ( طه ) و( يس ) .
وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنْ زِرٍّ قالَ: «قَرَأ رَجُلٌ عَلى ابْنِ مَسْعُودٍ: ﴿طه﴾ مَفْتُوحَةً. فَأخَذَها عَلَيْهِ عَبْدُ اللَّهِ: ( طِهْ ) مَكْسُورَةً فَقالَ لَهُ الرَّجُلُ: إنَّما يَعْنِي ضَعْ رِجْلَكَ، فَقالَ عَبْدُ اللَّهِ: هَكَذا قَرَأها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وهَكَذا أنْزَلَها جِبْرِيلُ» .
وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ «عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: أوَّلُ سُورَةٍ تَعَلَّمْتُها مِنَ القُرْآنِ: ﴿طه﴾ وكُنْتُ إذا قُلْتُ: ﴿طه﴾ ﴿ما أنْزَلْنا عَلَيْكَ القُرْآنَ لِتَشْقى﴾ قالَ النَّبِيُّ ﷺ: لا شَقِيتِ يا عائِشُ» .
وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في ”الدَّلائِلِ“ عَنْ أبِي صالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿طه﴾ ﴿ما أنْزَلْنا عَلَيْكَ القُرْآنَ لِتَشْقى﴾ قالَ: يا رَجُلُ، ما أنْزَلْنا عَلَيْكَ القُرْآنَ لِتَشْقى. وكانَ يَقُومُ اللَّيْلَ عَلى رِجْلَيْهِ، فَهي لُغَةٌ لِعَكٍّ؛ إنْ قُلْتَ لِعَكِّيٍّ: يا رَجُلُ، لَمْ يَلْتَفِتْ، وإذا قُلْتَ: ﴿طه﴾ التَفَتَ إلَيْكَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ قُرَّةَ بْنِ خالِدٍ قالَ: سَمِعْتُ الضَّحّاكَ، وقالَ رَجُلٌ مِن بَنِي مازِنِ بْنِ مالِكٍ: ما يَخْفى عَلَيَّ شَيْءٌ مِنَ القُرْآنِ. وكانَ قارِئًا لِلْقُرْآنِ (p-١٥٨)شاعِرًا، فَقالَ لَهُ الضَّحّاكُ: أنْتَ تَقُولُ ذَلِكَ؟ أخْبِرْنِي ما: ﴿طه﴾ قالَ: هي مِن أسْماءِ اللَّهِ الحُسْنى، نَحْوَ: ”طسم“ و”حم“ فَقالَ الضَّحّاكُ: إنَّما هي بِالنَّبَطِيَّةِ: يا رَجُلُ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: ﴿طه﴾ قَسَمٌ أقْسَمَهُ اللَّهُ وهو مِن أسْماءِ اللَّهِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ما أنْزَلْنا عَلَيْكَ القُرْآنَ لِتَشْقى﴾ يَقُولُ: في الصَّلاةِ، هي مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿فاقْرَءُوا ما تَيَسَّرَ مِنهُ﴾ [المزمل: ٢٠] [ المُزَّمِّلِ: ٢٠ ] قالَ: وكانُوا يُعَلِّقُونَ الحِبالَ بِصُدُورِهِمْ في الصَّلاةِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ قَتادَةَ: ﴿ما أنْزَلْنا عَلَيْكَ القُرْآنَ لِتَشْقى﴾ قالَ: لا واللَّهِ، ما جَعَلَهُ اللَّهُ شَقِيًّا، ولَكِنْ جَعَلَهُ رَحْمَةً ونُورًا ودَلِيلًا إلى الجَنَّةِ: ﴿إلا تَذْكِرَةً لِمَن يَخْشى﴾ قالَ: إنَّ اللَّهَ أنْزَلَ كِتابَهُ، وبَعَثَ رُسُلَهُ رَحْمَةً يَرْحَمُ بِها العِبادَ؛ لِيَتَذَكَّرَ ذاكِرٌ، ويَنْتَفِعَ رَجُلٌ بِما يَسْمَعُ مِن كِتابِ اللَّهِ، وهو ذِكْرٌ أنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ حَلالَهُ وحَرامَهُ.
طه 20:6
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما تَحْتَ الثَّرى﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ: ﴿وما تَحْتَ الثَّرى﴾ قالَ: ما تَحْتَ سَبْعِ أرَضِينَ.
(p-١٥٩)وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ قالَ: الثَّرى كُلُّ شَيْءٍ مُبْتَلٍّ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ: ﴿وما تَحْتَ الثَّرى﴾ قالَ: هي الصَّخْرَةُ الَّتِي تَحْتَ الأرْضِ السّابِعَةِ، وهي صَخْرَةٌ خَضْراءُ، وهي سِجِّينٌ، الَّذِي فِيهِ كِتابُ الكُفّارِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الضَّحّاكِ قالَ: الثَّرى ما حُفِرَ مِنَ التُّرابِ مُبْتَلًّا.
وأخْرَجَ أبُو يَعْلى، عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ: «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ سُئِلَ: ما تَحْتَ هَذِهِ الأرْضِ؟ قالَ: الماءُ. قِيلَ: فَما تَحْتَ الماءِ؟ قالَ: ظُلْمَةٌ. قِيلَ: فَما تَحْتَ الظُّلْمَةِ؟ قالَ: الهَواءُ. قِيلَ: فَما تَحْتَ الهَواءِ؟ قالَ: الثَّرى. قِيلَ: فَما تَحْتَ الثَّرى؟ قالَ: انْقَطَعَ عِلْمُ المَخْلُوقِينَ عِنْدَ عِلْمِ الخالِقِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: «كُنْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في غَزْوَةِ تَبُوكَ، إذْ عارَضَنا رَجُلٌ مُتَرَجَّبٌ - يَعْنِي طَوِيلًا- فَلَمَّ فَدَنا مِنَ النَّبِيِّ ﷺ فَأخَذَ بِخِطامِ راحِلَتِهِ فَقالَ: أنْتَ مُحَمَّدٌ؟ قالَ: نَعَمْ، قالَ: إنِّي أُرِيدُ (p-١٦٠)أنْ أسْألَكَ عَنْ خِصالٍ لا يَعْلَمُها أحَدٌ مِن أهْلِ الأرْضِ إلّا رَجُلٌ أوْ رَجُلانِ. فَقالَ: سَلْ عَمّا شِئْتَ. قالَ: يا مُحَمَّدُ ما تَحْتَ هَذِهِ؟ - يَعْنِي الأرْضَ - قالَ: خَلْقٌ، قالَ: فَما تَحْتَهُمْ؟ قالَ: أرْضٌ. قالَ: فَما تَحْتَها؟ قالَ: خَلْقٌ. قالَ: فَما تَحْتَهُمْ؟ قالَ: أرْضٌ. حَتّى انْتَهى إلى السّابِعَةِ. قالَ: فَما تَحْتَ السّابِعَةِ؟ قالَ: صَخْرَةٌ. قالَ: فَما تَحْتَ الصَّخْرَةِ؟ قالَ: الحُوتُ. قالَ: فَما تَحْتَ الحُوتِ؟ قالَ: الماءُ. قالَ: فَما تَحْتَ الماءِ؟ قالَ: الظَّلَمَةُ. قالَ: فَما تَحْتَ الظُّلْمَةِ؟ قالَ: الهَواءُ. قالَ: فَما تَحْتَ الهَواءِ؟ قالَ: الثَّرى. قالَ: فَما تَحْتَ الثَّرى؟ فَفاضَتْ عَيْنا رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالبُكاءِ، فَقالَ: انْقَطَعَ عِلْمُ المَخْلُوقِينَ عِنْدَ عِلْمِ الخالِقِ، أيُّها السّائِلُ، ما المَسْؤُولُ بِأعْلَمَ مِنَ السّائِلِ. قالَ: صَدَقْتَ، أشْهَدُ أنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ يا مُحَمَّدُ، أما إنَّكَ لَوِ ادَّعَيْتَ تَحْتَ الثَّرى شَيْئًا، لَقُلْتُ: ساحِرٌ كَذّابٌ. أشْهَدُ أنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ، ثُمَّ ولّى الرَّجُلُ. فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: يا أيُّها النّاسُ، هَلْ تَدْرُونَ ما هَذا؟ قالُوا: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ، قالَ: هَذا جِبْرِيلُ» .
طه 20:7
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإنْ تَجْهَرْ بِالقَوْلِ فَإنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وأخْفى﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في ”الأسْماءِ والصِّفاتِ”، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿يَعْلَمُ السِّرَّ وأخْفى﴾ قالَ: السِّرُّ ما أسَرَّهُ ابْنُ آدَمَ في نَفْسِهِ: ﴿وأخْفى﴾ ما خَفِيَ عَلى ابْنِ آدَمَ مِمّا هو فاعِلُهُ قَبْلَ أنْ يَعْلَمَهُ، فَإنَّهُ يَعْلَمُ ذَلِكَ كُلَّهُ فَعِلْمُهُ فِيما مَضى مِن ذَلِكَ وما بَقِيَ، عِلْمٌ واحِدٌ، وجَمِيعُ (p-١٦١)الخَلائِقِ عِنْدَهُ في ذَلِكَ كَنَفْسٍ واحِدَةٍ وهو كَقَوْلِهِ: ﴿ما خَلْقُكم ولا بَعْثُكم إلا كَنَفْسٍ واحِدَةٍ﴾ [لقمان: ٢٨] [ لُقْمانَ: ٢٨ ] .
وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿يَعْلَمُ السِّرَّ وأخْفى﴾ قالَ: ( ﴿السِّرَّ﴾ ) ما عَلِمْتَهُ أنْتَ، ( ﴿وأخْفى﴾ ) ما قَذَفَ اللَّهُ في قَلْبِكَ مِمّا لَمْ تَعْلَمْهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ في زَوائِدِ“ الزُّهْدِ ”وأبُو الشَّيْخِ في“ العَظَمَةِ ”، والبَيْهَقِيُّ بِلَفْظِ: يَعْلَمُ ما تُسِرُّ في نَفْسِكَ ويَعْلَمُ ما تَعْمَلُ غَدًا.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿يَعْلَمُ السِّرَّ وأخْفى﴾ قالَ: أخْفى مِنَ السِّرِّ ما حَدَّثْتَ بِهِ نَفْسَكَ، وما لَمْ تُحَدِّثْ بِهِ نَفْسَكَ أيْضًا مِمّا هو كائِنٌ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿يَعْلَمُ السِّرَّ وأخْفى﴾ قالَ: الوَسْوَسَةُ، والسِّرُّ، العَمَلُ الَّذِي تُسِرُّونَ مِنَ النّاسِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنِ الحَسَنِ قالَ: السِّرُّ ما أسَرَّ الرَّجُلُ إلى غَيْرِهِ وأخْفى مِن ذَلِكَ ما أسَرَّ في نَفْسِهِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ في الآيَةِ، قالَ: (p-١٦٢)السِّرُّ ما تُسِرُّ في نَفْسِكَ، وأخْفى مِنَ السِّرِّ ما لَمْ يَكُنْ بَعْدُ وهو كائِنٌ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ عِكْرِمَةَ في الآيَةِ، قالَ: ( السِّرَّ ) ما حَدَّثَ بِهِ الرَّجُلُ أهْلَهُ، ( ﴿وأخْفى﴾ ) ما تَكَلَّمْتَ بِهِ في نَفْسِكَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنِ الضَّحّاكِ في قَوْلِهِ: ﴿يَعْلَمُ السِّرَّ وأخْفى﴾ قالَ: ( ﴿السِّرَّ﴾ ) ما أسْرَرْتَ في نَفْسِكَ: ﴿وأخْفى﴾ ما لَمْ تُحَدِّثْ بِهِ نَفْسَكَ.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ في“ العَظَمَةِ " عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ في قَوْلِهِ: ﴿يَعْلَمُ السِّرَّ وأخْفى﴾ قالَ: يَعْلَمُ أسْرارَ العِبادِ: ﴿وأخْفى﴾ سِرَّهُ فَلا نَعْلَمُهُ. واللَّهُ أعْلَمُ
طه 20:9
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهَلْ أتاكَ حَدِيثُ مُوسى﴾ الآيَةَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿إنِّي آنَسْتُ نارًا﴾ أيْ أحْسَسْتُ نارًا،: ﴿أوْ أجِدُ عَلى النّارِ هُدًى﴾ قالَ: مَن يَهْدِينِي الطَّرِيقَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿أوْ أجِدُ عَلى النّارِ هُدًى﴾ قالَ: مَن يَهْدِينِي إلى الطَّرِيقِ وكانُوا شاتِّينَ فَضَلُّوا الطَّرِيقَ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿أوْ أجِدُ عَلى النّارِ هُدًى﴾ يَقُولُ: مَن يَدُلُّ عَلى الطَّرِيقِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: (p-١٦٣)﴿أوْ أجِدُ عَلى النّارِ هُدًى﴾ قالَ: يَهْدِيهِ إلى الطَّرِيقِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ عِكْرِمَةَ في قَوْلِهِ: ﴿أوْ أجِدُ عَلى النّارِ هُدًى﴾ قالَ: هادٍ يَهْدِيهِ إلى الماءِ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ في ”الزُّهْدِ“، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ وهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ قالَ: لَمّا رَأى مُوسى النّارَ، انْطَلَقَ يَسِيرُ حَتّى وقَفَ مِنها قَرِيبًا، فَإذا هو بِنارٍ عَظِيمَةٍ: تَفُورُ مِن ورَقِ شَجَرَةٍ خَضْراءَ شَدِيدَةِ الخُضْرَةِ يُقالُ لَها: العُلَّيْقُ. لا تَزْدادُ النّارُ فِيما يُرى إلّا عِظَمًا وتَضَرُّمًا، ولا تَزْدادُ الشَّجَرَةُ عَلى شِدَّةِ الحَرِيقِ إلّا خُضْرَةً وحُسْنًا، فَوَقَفَ يَنْظُرُ لا يَدْرِي عَلى ما يَضَعُ أمْرَها، إلّا أنَّهُ قَدْ ظَنَّ أنَّها شَجَرَةٌ تَحْتَرِقُ وأُوقِدَ إلَيْها مَوْقِدٌ، فَنالَها فاحْتَرَقَتْ وأنَّهُ إنَّما يَمْنَعُ النّارَ شِدَّةُ خُضْرَتِها، وكَثْرَةُ مائِها، وكَثافَةُ ورَقِها، وعِظَمُ جِذْعِها، فَوَضَعَ أمْرَها عَلى هَذا، فَوَقَفَ وهو يَطْمَعُ أنْ يَسْقُطَ مِنها شَيْءٌ فَيَقْتَبِسَهُ، فَلَمّا طالَ عَلَيْهِ ذَلِكَ، أهْوى إلَيْها بِضِغْثٍ في يَدِهِ، وهو يُرِيدُ أنْ يَقْتَبِسَ مِن لَهَبِها، فَلَمّا فَعَلَ ذَلِكَ مُوسى مالَتْ نَحْوَهُ، كَأنَّها تُرِيدُهُ، فاسْتَأْخَرَ عَنْها وهابَ، ثُمَّ عادَ فَطافَ بِها، فَلَمْ تَزَلْ تُطْمِعُهُ ويَطْمَعُ بِها، ثُمَّ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ بِأوْشَكَ مِن خُمُودِها، فاشْتَدَّ عِنْدَ ذَلِكَ عَجَبُهُ، وفَكَّرَ مُوسى في (p-١٦٤)أمْرِها فَقالَ: هي نارٌ مُمْتَنِعَةٌ لا يُقْتَبَسُ مِنها ولَكِنَّها تَتَضَرَّمُ في جَوْفِ شَجَرَةٍ، فَلا تَحْرِقُها ثُمَّ خُمُودُها عَلى قَدْرِ عَظَمَتِها في أوْشَكَ مِن طَرْفَةِ عَيْنٍ. فَلَمّا رَأى ذَلِكَ مُوسى، قالَ: إنَّ لِهَذِهِ لَشَأْنًا، ثُمَّ وضَعَ أمْرَها عَلى أنَّها مَأْمُورَةٌ أوْ مَصْنُوعَةٌ، لا يَدْرِي مَن أمَرَها ولا بِما أُمِرَتْ ولا مَن صَنَعَها، ولا لِمَ صُنِعَتْ، فَوَقَفَ مُتَحَيِّرًا، لا يَدْرِي أيَرْجِعُ أمْ يُقِيمُ ؟ فَبَيْنَما هو عَلى ذَلِكَ إذْ رَمى بِطَرْفِهِ نَحْوَ فَرْعِها، فَإذا هو أشَدُّ ما كانَ خُضْرَةً، وإذا الخُضْرَةُ ساطِعَةٌ في السَّماءِ يَنْظُرُ إلَيْها تَغْشى الظَّلامَ، ثُمَّ لَمْ تَزَلِ الخُضْرَةُ تُنَوِّرُ وتَصْفَرُّ وتَبْيَضُّ، حَتّى صارَتْ نُورًا ساطِعًا عَمُودًا بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ، عَلَيْهِ مِثْلُ شُعاعِ الشَّمْسِ، تَكِلُّ دُونَهُ الأبْصارُ، كُلَّما نَظَرَ إلَيْهِ يَكادُ يَخْطَفُ بَصَرَهُ، فَعِنْدَ ذَلِكَ اشْتَدَّ خَوْفُهُ وحُزْنُهُ، فَرَدَّ يَدَهُ عَلى عَيْنَيْهِ ولَصِقَ بِالأرْضِ، وسَمِعَ الحِسَّ والوَجْسَ، إلّا أنَّهُ سَمِعَ حِينَئِذٍ شَيْئًا لَمْ يَسْمَعِ السّامِعُونَ بِمِثْلِهِ عِظَمًا، فَلَمّا بَلَغَ مُوسى الكَرْبُ، واشْتَدَّ عَلَيْهِ الهَوْلُ، نُودِيَ مِنَ الشَّجَرَةِ، فَقِيلَ: يا مُوسى، فَأجابَ سَرِيعًا وما يَدْرِي مَن دَعاهُ، وما كانَ سُرْعَةُ إجابَتِهِ إلّا اسْتِئْناسًا بِالإنْسِ، فَقالَ: لَبَّيْكَ- مِرارًا- إنِّي لَأسْمَعُ صَوْتَكَ وأحِسُّ حِسَّكَ ولا أرى مَكانَكَ، فَأيْنَ أنْتَ ؟ قالَ: أنا فَوْقَكَ ومَعَكَ وأمامَكَ، وأقْرَبُ إلَيْكَ مِن نَفْسِكَ.
(p-١٦٥)فَلَمّا سَمِعَ هَذا مُوسى عَلِمَ أنَّهُ لا يَنْبَغِي ذَلِكَ إلّا لِرَبِّهِ، فَأيْقَنَ بِهِ، فَقالَ: كَذَلِكَ أنْتَ يا إلَهِي، فَكَلامَكَ أسْمَعُ أمْ رَسُولَكَ ؟ قالَ: بَلْ أنا الَّذِي أُكَلِّمُكَ فادْنُ مِنِّي، فَجَمَعَ مُوسى يَدَيْهِ في العَصا، ثُمَّ تَحامَلَ حَتّى اسْتَقَلَّ قائِمًا، فَرُعِدَتْ فَرائِصُهُ حَتّى اخْتَلَفَتْ واضْطَرَبَتْ رِجْلاهُ، وانْقَطَعَ لِسانُهُ، وانْكَسَرَ قَلْبُهُ، ولَمْ يَبْقَ مِنهُ عَظْمٌ يَحْمِلُ آخَرَ، فَهو بِمَنزِلَةِ المَيِّتِ، إلّا أنَّ رُوحَ الحَياةِ تَجْرِي فِيهِ، ثُمَّ زَحَفَ عَلى ذَلِكَ وهو مَرْعُوبٌ، حَتّى وقَفَ قَرِيبًا مِنَ الشَّجَرَةِ الَّتِي نُودِيَ مِنها، قالَ لَهُ الرَّبُّ تَبارَكَ وتَعالى: وما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا مُوسى. قالَ: هي عَصايَ، قالَ: ما تَصْنَعُ بِها ؟ ولا أحَدَ أعْلَمُ مِنهُ بِذَلِكَ - قالَ مُوسى: أتَوَكَّأُ عَلَيْها وأهُشُّ بِها عَلى غَنَمِي ولِيَ فِيها مَآرِبُ أُخْرى قَدْ عَلِمْتَها، وكانَ لِمُوسى في العَصا مَآرِبُ، كانَ لَها شُعْبَتانِ، ومِحْجَنٌ تَحْتَ الشُّعْبَتَيْنِ، فَإذا طالَ الغُصْنُ حَناهُ بِالمِحْجَنِ، وإذا أرادَ كَسْرَهُ لَواهُ بِالشُّعْبَتَيْنِ، وكانَ يَتَوَكَّأُ عَلَيْها ويَهُشُّ بِها، وكانَ إذا شاءَ ألْقاها عَلى عاتِقِهِ، فَعَلَّقَ بِها قَوْسَهُ وكِنانَتَهُ ومِرْجامَهُ ومِخْلاتَهُ وثَوْبَهُ وزادًا إنْ كانَ مَعَهُ، وكانَ إذا أرْتَعَ في البَرِّيَّةِ حَيْثُ لا ظِلَّ لَهُ رَكَزَها، ثُمَّ عَرَضَ بِالوَتَدِ بَيْنَ شُعْبَتَيْها، وألْقى فَوْقَها كِساءَهُ، فاسْتَظَلَّ بِها ما كانَ مُرْتِعًا، وكانَ إذا ورَدَ ماءً يَقْصُرُ عَنْهُ رِشاؤُهُ وصَلَ بِها، وكانَ يُقاتِلُ بِها السِّباعَ عَنْ غَنَمِهِ.
قالَ لَهُ الرَّبُّ: ( ﴿ألْقِها يا مُوسى﴾ [طه: ١٩] ) فَظَنَّ مُوسى أنَّهُ يَقُولُ: ارْفُضْها، فَألْقاها (p-١٦٦)عَلى وجْهِ الرَّفْضِ، ثُمَّ حانَتْ مِنهُ نَظْرَةٌ، فَإذا بِأعْظَمِ ثُعْبانٍ نَظَرَ إلَيْهِ النّاظِرُونَ، يُرى يَلْتَمِسُ كَأنَّهُ يَبْتَغِي شَيْئًا يُرِيدُ أخْذَهُ، يَمُرُّ بِالصَّخْرَةِ مِثْلَ الخَلِفَةِ مِنَ الإبِلِ فَيَلْتَقِمُها، ويَطْعُنُ بِالنّابِ مِن أنْيابِهِ في أصْلِ الشَّجَرَةِ العَظِيمَةِ فَيَجْتَثُّها، عَيْناهُ تَوَقَّدانِ نارًا، وقَدْ عادَ المِحْجَنُ عُرْقًا فِيهِ شَعَرٌ مِثْلُ النَّيازِكِ، وعادَ الشُّعْبَتانِ فَمًا مِثْلَ القَلِيبِ الواسِعِ فِيهِ أضْراسٌ وأنْيابٌ لَها صَرِيفٌ، فَلَمّا عايَنَ ذَلِكَ مُوسى: ولّى مُدْبِرًا ولَمْ يُعَقِّبْ، فَذَهَبَ حَتّى أمْعَنَ ورَأى أنَّهُ قَدْ أعْجَزَ الحَيَّةَ، ثُمَّ ذَكَرَ رَبَّهُ فَوَقَفَ اسْتِحْياءً مِنهُ، ثُمَّ نُودِيَ: يا مُوسى إلَيَّ ارْجِعْ حَيْثُ كُنْتَ، فَرَجَعَ وهو شَدِيدُ الخَوْفِ فَقالَ: خُذْها بِيَمِينِكَ ولا تَخَفْ سَنُعِيدُها سِيرَتَها الأُولى، قالَ: وكانَ عَلى مُوسى حِينَئِذٍ مِدْرَعَةٌ مِن صُوفٍ، قَدْ خَلَّها بِخِلالٍ مِن عِيدانٍ، فَلَمّا أمَرَهُ بِأخْذِها أدْنى طَرَفَ المِدْرَعَةِ عَلى يَدِهِ، فَقالَ لَهُ مَلَكٌ: أرَأيْتَ يا مُوسى لَوْ أذِنَ اللَّهُ بِما تُحاذِرُ، أكانَتِ المِدْرَعَةُ تُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا؟ قالَ: لا، ولَكِنِّي ضَعِيفٌ، ومِن ضَعْفٍ خُلِقْتَ، فَكَشَفَ عَنْ يَدِهِ، ثُمَّ وضَعَها عَلى فَمِ الحَيَّةِ، ثُمَّ سَمِعَ حِسَّ الأضْراسِ والأنْيابِ، ثُمَّ قَبَضَ، فَإذا هي عَصاهُ الَّتِي عَهِدَها، وإذا يَدُهُ في مَوْضِعِها الَّذِي (p-١٦٧)كانَ يَضَعُها إذا تَوَكَّأ بَيْنَ الشُّعْبَتَيْنِ.
قالَ لَهُ رَبُّهُ: ادْنُ، فَلَمْ يَزَلْ يُدْنِيهِ - حَتّى أسْنَدَ ظَهْرَهُ بِجِذْعِ الشَّجَرَةِ، فاسْتَقَرَّ، وذَهَبَتْ عَنْهُ الرِّعْدَةُ، وجَمَعَ يَدَيْهِ في العَصا، وخَضَعَ بِرَأْسِهِ وعُنُقِهِ، ثُمَّ قالَ لَهُ: إنِّي قَدْ أقَمْتُكَ اليَوْمَ في مَقامٍ لا يَنْبَغِي لِبَشَرٍ بَعْدَكَ أنْ يَقُومَ مَقامَكَ؛ أدْنَيْتُكَ وقَرَّبْتُكَ حَتّى سَمِعْتَ كَلامِي وكُنْتَ بِأقْرَبِ الأمْكِنَةِ مِنِّي، فانْطَلِقْ بِرِسالَتِي؛ فَإنَّكَ بِعَيْنِي وسَمْعِي، وإنَّ مَعَكَ أيْدِي وبَصَرِي، وإنِّي قَدْ ألْبَسْتُكَ جُنَّةً مِن سُلْطانِي؛ تَسْتَكْمِلُ بِها القُوَّةَ في أمْرِي، فَأنْتَ جُنْدٌ عَظِيمٌ مِن جُنُودِي بَعَثْتُكَ إلى خَلْقٍ ضَعِيفٍ مِن خَلْقِي، بَطِرَ نِعْمَتِي، وأمِنَ مَكْرِي، وغَرَّتْهُ الدُّنْيا حَتّى جَحَدَ حَقِّي، وأنْكَرَ رُبُوبِيَّتِي، وعَبَدَ مَن دُونِي، وزَعَمَ أنَّهُ لا يَعْرِفُنِي، وإنِّي لَأُقْسِمُ بِعِزَّتِي، لَوْلا العُذْرُ والحُجَّةُ اللَّذانِ وضَعْتُ بَيْنِي وبَيْنَ خَلْقِي، لَبَطَشْتُ بِهِ بَطْشَةَ جَبّارٍ تَغْضَبُ لِغَضَبِهِ السَّماواتُ والأرْضُ والجِبالُ والبِحارُ، فَإنْ أمَرْتُ السَّماءَ حَصَبَتْهُ، وإنْ أمَرْتُ الأرْضَ ابْتَلَعَتْهُ، وإنْ أمَرْتُ البِحارَ غَرَّقَتْهُ، وإنْ أمَرْتُ الجِبالَ دَمَّرَتْهُ، ولَكِنَّهُ هانَ عَلَيَّ وسَقَطَ مِن عَيْنِي، ووَسِعَهُ حِلْمِي، واسْتَغْنَيْتُ بِما عِنْدِي، وحَقَّ لِي أنِّي أنا الغَنِيُّ لا غَنِيَّ غَيْرِي، فَبَلِّغْهُ رِسالَتِي، وادْعُهُ إلى عِبادَتِي وتَوْحِيدِي وإخْلاصِ اسْمِي، وذَكِّرْهُ بِأيّامِي، وحَذِّرْهُ نِقْمَتِي (p-١٦٨)وبَأْسِي، وأخْبِرْهُ أنَّهُ لا يَقُومُ شَيْءٌ لِغَضَبِي، وقُلْ لَهُ فِيما بَيْنِ ذَلِكَ قَوْلًا لَيِّنًا، لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أوْ يَخْشى، وأخْبِرْهُ أنِّي إلى العَفْوِ والمَغْفِرَةِ أسْرَعُ مِنِّي إلى الغَضَبِ والعُقُوبَةِ، ولا يَرُوعَنَّكَ ما ألْبَسْتُهُ مِن لِباسِ الدُّنْيا؛ فَإنَّ ناصِيَتَهُ بِيَدَيَّ لَيْسَ يَطْرِفُ ولا يَنْطِقُ ولا يَتَنَفَّسُ إلّا بِإذْنِي، وقُلْ لَهُ: أجِبْ رَبَّكَ، فَإنَّهُ واسِعُ المَغْفِرَةِ، فَإنَّهُ قَدْ أمْهَلَكَ أرْبَعَمِائَةِ سَنَةٍ، في كُلِّها أنْتَ مُبارِزُهُ بِالمُحارَبَةِ، تَتَشَبَّهُ وتَتَمَثَّلُ بِهِ، وتَصُدُّ عِبادَهُ عَنْ سَبِيلِهِ، وهو يُمْطِرُ عَلَيْكَ السَّماءَ، ويُنْبِتُ لَكَ الأرْضَ، لَمْ تَسْقَمْ، ولَمْ تَهْرَمْ، ولَمْ تَفْتَقِرْ، ولَمْ تُغْلَبْ، ولَوْ شاءَ أنْ يَجْعَلَ لَكَ ذَلِكَ أوْ يَسْلُبَكَهُ فَعَلَ، ولَكِنَّهُ ذُو أناةٍ وحِلْمٍ عَظِيمٍ، وجاهِدْهُ بِنَفْسِكَ وأخِيكَ وأنْتُما مُحْتَسِبانِ بِجِهادِهِ، فَإنِّي لَوْ شِئْتُ أنْ آتِيهِ بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لَهُ بِها لَفَعَلْتُ، ولَكِنْ لِيَعْلَمَ هَذا العَبْدُ الضَّعِيفُ الَّذِي قَدْ أعْجَبَتْهُ نَفْسُهُ وجُمُوعُهُ أنَّ الفِئَةَ القَلِيلَةَ- ولا قَلِيلَ مِنِّي- تَغْلِبُ الفِئَةَ الكَثِيرَةَ بِإذْنِي، ولا تُعْجِبْكُما زِينَتُهُ ولا ما مُتِّعَ بِهِ، ولا تَمُدّانِ إلى ذَلِكَ أعْيُنَكُما، فَإنَّها زَهْرَةُ الحَياةِ الدُّنْيا، وزِينَةُ المُتْرَفِينَ، وإنِّي لَوْ شِئْتُ أنْ أُزَيِّنَكُما مِنَ الدُّنْيا بِزِينَةٍ يَعْلَمُ فِرْعَوْنُ حِينَ يَنْظُرُ إلَيْها أنَّ مَقْدِرَتَهُ تَعْجِزُ عَنْ مِثْلِ ما أُوتِيتُما فَعَلْتُ، ولَكِنِّي أرْغَبُ بِكُما عَنْ ذَلِكَ وأزْوِيهِ عَنْكُما، وكَذَلِكَ أفْعَلُ بِأوْلِيائِي، وقَدِيمًا ما خِرْتُ لَهم عَنْ ذَلِكَ، فَإنِّي لَأذُودُهم عَنْ نَعِيمِها ورَخائِها، كَما يَذُودُ الرّاعِي الشَّفِيقُ غَنَمَهُ عَنْ (p-١٦٩)مَراقِعِ الهَلَكَةِ، وإنِّي لَأُجَنِّبُهم سُلْوَتَها وعَيْشَها كَما يُجَنِّبُ الرّاعِي الشَّفِيقُ إبِلَهُ عَنْ مَبارِكِ العُرَّةِ، وما ذَلِكَ لِهَوانِهِمْ عَلَيَّ ولَكِنْ لِيَسْتَكْمِلُوا نَصِيبَهم مِن كَرامَتِي سالِمًا مَوْفُورًا لَمْ تُكْلِمْهُ الدُّنْيا، ولَمْ يُطْغِهِ الهَوى، واعْلَمْ أنَّهُ لَمْ يَتَزَيَّنْ لِيَ العِبادُ بِزِينَةٍ هي أبْلَغُ فِيما عِنْدِي مِنَ الزُّهْدِ في الدُّنْيا، فَإنَّها زِينَةُ المُتَّقِينَ، عَلَيْهِمْ مِنها لِباسٌ يُعْرَفُونَ بِهِ مِنَ السَّكِينَةِ والخُشُوعِ، سِيماهم في وُجُوهِهِمْ مِن أثَرِ السُّجُودِ، أُولَئِكَ أوْلِيائِي حَقًّا،، فَإذا لَقِيتَهم فاخْفِضْ لَهم جَناحَكَ، وذَلِّلْ لَهم قَلْبَكَ ولِسانَكَ، واعْلَمْ أنَّهُ مَن أهانَ لِي ولِيًّا وأخافَهُ فَقَدْ بارَزَنِي بِالمُحارَبَةِ وبادَأنِي، وعَرَّضَ لِي نَفْسَهُ ودَعانِي إلَيْها، وأنا أسْرَعُ شَيْءٍ إلى نُصْرَةِ أوْلِيائِي، أفَيَظُنُّ الَّذِي يُحارِبُنِي أنْ يَقُومَ لِي ؟ أوْ يَظُنُّ الَّذِي يُحادُّنِي أوْ يُعادِينِي أنْ يُعْجِزَنِي ؟ أوْ يَظُنُّ الَّذِي يُبارِزُنِي أنْ يَسْبِقَنِي أوْ يَفُوتَنِي ؟ وكَيْفَ وأنا الثّائِرُ لَهم في الدُّنْيا والآخِرَةِ، لا أكِلُ نُصْرَتَهم إلى غَيْرِي؟
قالَ: فَأقْبَلَ مُوسى إلى فِرْعَوْنَ في مَدِينَةٍ، قَدْ جَعَلَ حَوْلَها الأُسْدَ في غَيْضَةٍ قَدْ غَرَسَها، فالأُسْدُ فِيها مَعَ ساسَتِها، إذا أشْلَتْها عَلى أحَدٍ أُكِلَ، ولِلْمَدِينَةِ أرْبَعَةُ أبْوابٍ في الغَيْضَةِ، فَأقْبَلَ مُوسى مِنَ الطَّرِيقِ الأعْظَمِ الَّذِي يَراهُ فِرْعَوْنُ، فَلَمّا رَأتْهُ الأُسْدُ صاحَتْ صِياحَ الثَّعالِبِ، فَأنْكَرَ ذَلِكَ السّاسَةُ، وفَرِقُوا (p-١٧٠)مِن فِرْعَوْنَ، وأقْبَلَ مُوسى حَتّى انْتَهى إلى البابِ الَّذِي فِيهِ فِرْعَوْنُ فَقَرَعَهُ بِعَصاهُ، وعَلَيْهِ جُبَّةُ صُوفٍ وسَراوِيلُ، فَلَمّا رَآهُ البَوّابُ عَجِبَ مِن جُرْأتِهِ فَتَرَكَهُ ولَمْ يَأْذَنْ لَهُ، فَقالَ: هَلْ تَدْرِي بابَ مَن أنْتَ تَضْرِبُ ؟ إنَّما تَضْرِبُ بابَ سَيِّدِكَ.
قالَ: أنْتَ وأنا وفِرْعَوْنُ عَبِيدٌ لِرَبِّي، فَأنا ناصِرُهُ، فَأخْبَرَ البَوّابُ الَّذِي يَلِيهِ مِنَ البَوّابِينَ، حَتّى بَلَغَ ذَلِكَ أدْناهم، ودُونَهُ سَبْعُونَ حاجِبًا، كُلُّ حاجِبٍ مِنهم تَحْتَ يَدَيْهِ مِنَ الجُنُودِ ما شاءَ اللَّهُ، حَتّى خَلَصَ الخَبَرُ إلى فِرْعَوْنَ، فَقالَ: أدْخِلُوهُ عَلَيَّ.
فَأُدْخِلَ فَلَمّا أتاهُ، قالَ لَهُ فِرْعَوْنُ: أعْرِفُكَ ؟ قالَ: نَعَمْ، قالَ: ألَمْ نُرَبِّكَ فِينا ولِيدًا ؟ قالَ: فَرَدَّ إلَيْهِ مُوسى الَّذِي رَدَّ، قالَ فِرْعَوْنُ: خُذُوهُ، فَبادَرَ مُوسى فَألْقى عَصاهُ فَإذا هي ثُعْبانٌ مُبِينٌ، فَحَمَلَتْ عَلى النّاسِ فانْهَزَمُوا مِنها، فَماتَ مِنهم خَمْسَةٌ وعِشْرُونَ ألْفًا، قَتَلَ بَعْضُهم بَعْضًا، وقامَ فِرْعَوْنُ مُنْهَزِمًا حَتّى دَخَلَ البَيْتَ، فَقالَ: يا مُوسى، اجْعَلْ بَيْنَنا وبَيْنَكَ أجَلًا نَنْظُرُ فِيهِ.
قالَ مُوسى: لَمْ أُومَرْ بِذَلِكَ، وإنَّما أُمِرْتُ بِمُناجَزَتِكَ، وإنْ أنْتَ لَمْ تَخْرُجْ إلَيَّ دَخَلْتُ عَلَيْكَ.
فَأوْحى اللَّهُ إلى مُوسى: أنِ اجْعَلْ بَيْنَكَ وبَيْنَهُ أجَلًا، وقُلْ لَهُ: أنْ يَجْعَلَهُ هو. قالَ فِرْعَوْنُ: اجْعَلْهُ إلى أرْبَعِينَ يَوْمًا، فَفَعَلَ، وكانَ فِرْعَوْنُ لا يَأْتِي الخَلاءَ إلّا في كُلِّ أرْبَعِينَ يَوْمًا مَرَّةً، فاخْتَلَفَ ذَلِكَ اليَوْمُ أرْبَعِينَ مَرَّةً، قالَ: وخَرَجَ مُوسى مِنَ المَدِينَةِ، فَلَمّا مَرَّ بِالأُسْدِ خَضَعَتْ بِأذْنابِها، وسارَتْ مَعَ مُوسى تُشَيِّعُهُ ولا تُهَيِّجُهُ ولا أحَدًا مِن بَنِي إسْرائِيلَ.
طه 20:10
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهَلْ أتاكَ حَدِيثُ مُوسى﴾ الآيَةَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿إنِّي آنَسْتُ نارًا﴾ أيْ أحْسَسْتُ نارًا،: ﴿أوْ أجِدُ عَلى النّارِ هُدًى﴾ قالَ: مَن يَهْدِينِي الطَّرِيقَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿أوْ أجِدُ عَلى النّارِ هُدًى﴾ قالَ: مَن يَهْدِينِي إلى الطَّرِيقِ وكانُوا شاتِّينَ فَضَلُّوا الطَّرِيقَ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿أوْ أجِدُ عَلى النّارِ هُدًى﴾ يَقُولُ: مَن يَدُلُّ عَلى الطَّرِيقِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: (p-١٦٣)﴿أوْ أجِدُ عَلى النّارِ هُدًى﴾ قالَ: يَهْدِيهِ إلى الطَّرِيقِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ عِكْرِمَةَ في قَوْلِهِ: ﴿أوْ أجِدُ عَلى النّارِ هُدًى﴾ قالَ: هادٍ يَهْدِيهِ إلى الماءِ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ في ”الزُّهْدِ“، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ وهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ قالَ: لَمّا رَأى مُوسى النّارَ، انْطَلَقَ يَسِيرُ حَتّى وقَفَ مِنها قَرِيبًا، فَإذا هو بِنارٍ عَظِيمَةٍ: تَفُورُ مِن ورَقِ شَجَرَةٍ خَضْراءَ شَدِيدَةِ الخُضْرَةِ يُقالُ لَها: العُلَّيْقُ. لا تَزْدادُ النّارُ فِيما يُرى إلّا عِظَمًا وتَضَرُّمًا، ولا تَزْدادُ الشَّجَرَةُ عَلى شِدَّةِ الحَرِيقِ إلّا خُضْرَةً وحُسْنًا، فَوَقَفَ يَنْظُرُ لا يَدْرِي عَلى ما يَضَعُ أمْرَها، إلّا أنَّهُ قَدْ ظَنَّ أنَّها شَجَرَةٌ تَحْتَرِقُ وأُوقِدَ إلَيْها مَوْقِدٌ، فَنالَها فاحْتَرَقَتْ وأنَّهُ إنَّما يَمْنَعُ النّارَ شِدَّةُ خُضْرَتِها، وكَثْرَةُ مائِها، وكَثافَةُ ورَقِها، وعِظَمُ جِذْعِها، فَوَضَعَ أمْرَها عَلى هَذا، فَوَقَفَ وهو يَطْمَعُ أنْ يَسْقُطَ مِنها شَيْءٌ فَيَقْتَبِسَهُ، فَلَمّا طالَ عَلَيْهِ ذَلِكَ، أهْوى إلَيْها بِضِغْثٍ في يَدِهِ، وهو يُرِيدُ أنْ يَقْتَبِسَ مِن لَهَبِها، فَلَمّا فَعَلَ ذَلِكَ مُوسى مالَتْ نَحْوَهُ، كَأنَّها تُرِيدُهُ، فاسْتَأْخَرَ عَنْها وهابَ، ثُمَّ عادَ فَطافَ بِها، فَلَمْ تَزَلْ تُطْمِعُهُ ويَطْمَعُ بِها، ثُمَّ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ بِأوْشَكَ مِن خُمُودِها، فاشْتَدَّ عِنْدَ ذَلِكَ عَجَبُهُ، وفَكَّرَ مُوسى في (p-١٦٤)أمْرِها فَقالَ: هي نارٌ مُمْتَنِعَةٌ لا يُقْتَبَسُ مِنها ولَكِنَّها تَتَضَرَّمُ في جَوْفِ شَجَرَةٍ، فَلا تَحْرِقُها ثُمَّ خُمُودُها عَلى قَدْرِ عَظَمَتِها في أوْشَكَ مِن طَرْفَةِ عَيْنٍ. فَلَمّا رَأى ذَلِكَ مُوسى، قالَ: إنَّ لِهَذِهِ لَشَأْنًا، ثُمَّ وضَعَ أمْرَها عَلى أنَّها مَأْمُورَةٌ أوْ مَصْنُوعَةٌ، لا يَدْرِي مَن أمَرَها ولا بِما أُمِرَتْ ولا مَن صَنَعَها، ولا لِمَ صُنِعَتْ، فَوَقَفَ مُتَحَيِّرًا، لا يَدْرِي أيَرْجِعُ أمْ يُقِيمُ ؟ فَبَيْنَما هو عَلى ذَلِكَ إذْ رَمى بِطَرْفِهِ نَحْوَ فَرْعِها، فَإذا هو أشَدُّ ما كانَ خُضْرَةً، وإذا الخُضْرَةُ ساطِعَةٌ في السَّماءِ يَنْظُرُ إلَيْها تَغْشى الظَّلامَ، ثُمَّ لَمْ تَزَلِ الخُضْرَةُ تُنَوِّرُ وتَصْفَرُّ وتَبْيَضُّ، حَتّى صارَتْ نُورًا ساطِعًا عَمُودًا بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ، عَلَيْهِ مِثْلُ شُعاعِ الشَّمْسِ، تَكِلُّ دُونَهُ الأبْصارُ، كُلَّما نَظَرَ إلَيْهِ يَكادُ يَخْطَفُ بَصَرَهُ، فَعِنْدَ ذَلِكَ اشْتَدَّ خَوْفُهُ وحُزْنُهُ، فَرَدَّ يَدَهُ عَلى عَيْنَيْهِ ولَصِقَ بِالأرْضِ، وسَمِعَ الحِسَّ والوَجْسَ، إلّا أنَّهُ سَمِعَ حِينَئِذٍ شَيْئًا لَمْ يَسْمَعِ السّامِعُونَ بِمِثْلِهِ عِظَمًا، فَلَمّا بَلَغَ مُوسى الكَرْبُ، واشْتَدَّ عَلَيْهِ الهَوْلُ، نُودِيَ مِنَ الشَّجَرَةِ، فَقِيلَ: يا مُوسى، فَأجابَ سَرِيعًا وما يَدْرِي مَن دَعاهُ، وما كانَ سُرْعَةُ إجابَتِهِ إلّا اسْتِئْناسًا بِالإنْسِ، فَقالَ: لَبَّيْكَ- مِرارًا- إنِّي لَأسْمَعُ صَوْتَكَ وأحِسُّ حِسَّكَ ولا أرى مَكانَكَ، فَأيْنَ أنْتَ ؟ قالَ: أنا فَوْقَكَ ومَعَكَ وأمامَكَ، وأقْرَبُ إلَيْكَ مِن نَفْسِكَ.
(p-١٦٥)فَلَمّا سَمِعَ هَذا مُوسى عَلِمَ أنَّهُ لا يَنْبَغِي ذَلِكَ إلّا لِرَبِّهِ، فَأيْقَنَ بِهِ، فَقالَ: كَذَلِكَ أنْتَ يا إلَهِي، فَكَلامَكَ أسْمَعُ أمْ رَسُولَكَ ؟ قالَ: بَلْ أنا الَّذِي أُكَلِّمُكَ فادْنُ مِنِّي، فَجَمَعَ مُوسى يَدَيْهِ في العَصا، ثُمَّ تَحامَلَ حَتّى اسْتَقَلَّ قائِمًا، فَرُعِدَتْ فَرائِصُهُ حَتّى اخْتَلَفَتْ واضْطَرَبَتْ رِجْلاهُ، وانْقَطَعَ لِسانُهُ، وانْكَسَرَ قَلْبُهُ، ولَمْ يَبْقَ مِنهُ عَظْمٌ يَحْمِلُ آخَرَ، فَهو بِمَنزِلَةِ المَيِّتِ، إلّا أنَّ رُوحَ الحَياةِ تَجْرِي فِيهِ، ثُمَّ زَحَفَ عَلى ذَلِكَ وهو مَرْعُوبٌ، حَتّى وقَفَ قَرِيبًا مِنَ الشَّجَرَةِ الَّتِي نُودِيَ مِنها، قالَ لَهُ الرَّبُّ تَبارَكَ وتَعالى: وما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا مُوسى. قالَ: هي عَصايَ، قالَ: ما تَصْنَعُ بِها ؟ ولا أحَدَ أعْلَمُ مِنهُ بِذَلِكَ - قالَ مُوسى: أتَوَكَّأُ عَلَيْها وأهُشُّ بِها عَلى غَنَمِي ولِيَ فِيها مَآرِبُ أُخْرى قَدْ عَلِمْتَها، وكانَ لِمُوسى في العَصا مَآرِبُ، كانَ لَها شُعْبَتانِ، ومِحْجَنٌ تَحْتَ الشُّعْبَتَيْنِ، فَإذا طالَ الغُصْنُ حَناهُ بِالمِحْجَنِ، وإذا أرادَ كَسْرَهُ لَواهُ بِالشُّعْبَتَيْنِ، وكانَ يَتَوَكَّأُ عَلَيْها ويَهُشُّ بِها، وكانَ إذا شاءَ ألْقاها عَلى عاتِقِهِ، فَعَلَّقَ بِها قَوْسَهُ وكِنانَتَهُ ومِرْجامَهُ ومِخْلاتَهُ وثَوْبَهُ وزادًا إنْ كانَ مَعَهُ، وكانَ إذا أرْتَعَ في البَرِّيَّةِ حَيْثُ لا ظِلَّ لَهُ رَكَزَها، ثُمَّ عَرَضَ بِالوَتَدِ بَيْنَ شُعْبَتَيْها، وألْقى فَوْقَها كِساءَهُ، فاسْتَظَلَّ بِها ما كانَ مُرْتِعًا، وكانَ إذا ورَدَ ماءً يَقْصُرُ عَنْهُ رِشاؤُهُ وصَلَ بِها، وكانَ يُقاتِلُ بِها السِّباعَ عَنْ غَنَمِهِ.
قالَ لَهُ الرَّبُّ: ( ﴿ألْقِها يا مُوسى﴾ [طه: ١٩] ) فَظَنَّ مُوسى أنَّهُ يَقُولُ: ارْفُضْها، فَألْقاها (p-١٦٦)عَلى وجْهِ الرَّفْضِ، ثُمَّ حانَتْ مِنهُ نَظْرَةٌ، فَإذا بِأعْظَمِ ثُعْبانٍ نَظَرَ إلَيْهِ النّاظِرُونَ، يُرى يَلْتَمِسُ كَأنَّهُ يَبْتَغِي شَيْئًا يُرِيدُ أخْذَهُ، يَمُرُّ بِالصَّخْرَةِ مِثْلَ الخَلِفَةِ مِنَ الإبِلِ فَيَلْتَقِمُها، ويَطْعُنُ بِالنّابِ مِن أنْيابِهِ في أصْلِ الشَّجَرَةِ العَظِيمَةِ فَيَجْتَثُّها، عَيْناهُ تَوَقَّدانِ نارًا، وقَدْ عادَ المِحْجَنُ عُرْقًا فِيهِ شَعَرٌ مِثْلُ النَّيازِكِ، وعادَ الشُّعْبَتانِ فَمًا مِثْلَ القَلِيبِ الواسِعِ فِيهِ أضْراسٌ وأنْيابٌ لَها صَرِيفٌ، فَلَمّا عايَنَ ذَلِكَ مُوسى: ولّى مُدْبِرًا ولَمْ يُعَقِّبْ، فَذَهَبَ حَتّى أمْعَنَ ورَأى أنَّهُ قَدْ أعْجَزَ الحَيَّةَ، ثُمَّ ذَكَرَ رَبَّهُ فَوَقَفَ اسْتِحْياءً مِنهُ، ثُمَّ نُودِيَ: يا مُوسى إلَيَّ ارْجِعْ حَيْثُ كُنْتَ، فَرَجَعَ وهو شَدِيدُ الخَوْفِ فَقالَ: خُذْها بِيَمِينِكَ ولا تَخَفْ سَنُعِيدُها سِيرَتَها الأُولى، قالَ: وكانَ عَلى مُوسى حِينَئِذٍ مِدْرَعَةٌ مِن صُوفٍ، قَدْ خَلَّها بِخِلالٍ مِن عِيدانٍ، فَلَمّا أمَرَهُ بِأخْذِها أدْنى طَرَفَ المِدْرَعَةِ عَلى يَدِهِ، فَقالَ لَهُ مَلَكٌ: أرَأيْتَ يا مُوسى لَوْ أذِنَ اللَّهُ بِما تُحاذِرُ، أكانَتِ المِدْرَعَةُ تُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا؟ قالَ: لا، ولَكِنِّي ضَعِيفٌ، ومِن ضَعْفٍ خُلِقْتَ، فَكَشَفَ عَنْ يَدِهِ، ثُمَّ وضَعَها عَلى فَمِ الحَيَّةِ، ثُمَّ سَمِعَ حِسَّ الأضْراسِ والأنْيابِ، ثُمَّ قَبَضَ، فَإذا هي عَصاهُ الَّتِي عَهِدَها، وإذا يَدُهُ في مَوْضِعِها الَّذِي (p-١٦٧)كانَ يَضَعُها إذا تَوَكَّأ بَيْنَ الشُّعْبَتَيْنِ.
قالَ لَهُ رَبُّهُ: ادْنُ، فَلَمْ يَزَلْ يُدْنِيهِ - حَتّى أسْنَدَ ظَهْرَهُ بِجِذْعِ الشَّجَرَةِ، فاسْتَقَرَّ، وذَهَبَتْ عَنْهُ الرِّعْدَةُ، وجَمَعَ يَدَيْهِ في العَصا، وخَضَعَ بِرَأْسِهِ وعُنُقِهِ، ثُمَّ قالَ لَهُ: إنِّي قَدْ أقَمْتُكَ اليَوْمَ في مَقامٍ لا يَنْبَغِي لِبَشَرٍ بَعْدَكَ أنْ يَقُومَ مَقامَكَ؛ أدْنَيْتُكَ وقَرَّبْتُكَ حَتّى سَمِعْتَ كَلامِي وكُنْتَ بِأقْرَبِ الأمْكِنَةِ مِنِّي، فانْطَلِقْ بِرِسالَتِي؛ فَإنَّكَ بِعَيْنِي وسَمْعِي، وإنَّ مَعَكَ أيْدِي وبَصَرِي، وإنِّي قَدْ ألْبَسْتُكَ جُنَّةً مِن سُلْطانِي؛ تَسْتَكْمِلُ بِها القُوَّةَ في أمْرِي، فَأنْتَ جُنْدٌ عَظِيمٌ مِن جُنُودِي بَعَثْتُكَ إلى خَلْقٍ ضَعِيفٍ مِن خَلْقِي، بَطِرَ نِعْمَتِي، وأمِنَ مَكْرِي، وغَرَّتْهُ الدُّنْيا حَتّى جَحَدَ حَقِّي، وأنْكَرَ رُبُوبِيَّتِي، وعَبَدَ مَن دُونِي، وزَعَمَ أنَّهُ لا يَعْرِفُنِي، وإنِّي لَأُقْسِمُ بِعِزَّتِي، لَوْلا العُذْرُ والحُجَّةُ اللَّذانِ وضَعْتُ بَيْنِي وبَيْنَ خَلْقِي، لَبَطَشْتُ بِهِ بَطْشَةَ جَبّارٍ تَغْضَبُ لِغَضَبِهِ السَّماواتُ والأرْضُ والجِبالُ والبِحارُ، فَإنْ أمَرْتُ السَّماءَ حَصَبَتْهُ، وإنْ أمَرْتُ الأرْضَ ابْتَلَعَتْهُ، وإنْ أمَرْتُ البِحارَ غَرَّقَتْهُ، وإنْ أمَرْتُ الجِبالَ دَمَّرَتْهُ، ولَكِنَّهُ هانَ عَلَيَّ وسَقَطَ مِن عَيْنِي، ووَسِعَهُ حِلْمِي، واسْتَغْنَيْتُ بِما عِنْدِي، وحَقَّ لِي أنِّي أنا الغَنِيُّ لا غَنِيَّ غَيْرِي، فَبَلِّغْهُ رِسالَتِي، وادْعُهُ إلى عِبادَتِي وتَوْحِيدِي وإخْلاصِ اسْمِي، وذَكِّرْهُ بِأيّامِي، وحَذِّرْهُ نِقْمَتِي (p-١٦٨)وبَأْسِي، وأخْبِرْهُ أنَّهُ لا يَقُومُ شَيْءٌ لِغَضَبِي، وقُلْ لَهُ فِيما بَيْنِ ذَلِكَ قَوْلًا لَيِّنًا، لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أوْ يَخْشى، وأخْبِرْهُ أنِّي إلى العَفْوِ والمَغْفِرَةِ أسْرَعُ مِنِّي إلى الغَضَبِ والعُقُوبَةِ، ولا يَرُوعَنَّكَ ما ألْبَسْتُهُ مِن لِباسِ الدُّنْيا؛ فَإنَّ ناصِيَتَهُ بِيَدَيَّ لَيْسَ يَطْرِفُ ولا يَنْطِقُ ولا يَتَنَفَّسُ إلّا بِإذْنِي، وقُلْ لَهُ: أجِبْ رَبَّكَ، فَإنَّهُ واسِعُ المَغْفِرَةِ، فَإنَّهُ قَدْ أمْهَلَكَ أرْبَعَمِائَةِ سَنَةٍ، في كُلِّها أنْتَ مُبارِزُهُ بِالمُحارَبَةِ، تَتَشَبَّهُ وتَتَمَثَّلُ بِهِ، وتَصُدُّ عِبادَهُ عَنْ سَبِيلِهِ، وهو يُمْطِرُ عَلَيْكَ السَّماءَ، ويُنْبِتُ لَكَ الأرْضَ، لَمْ تَسْقَمْ، ولَمْ تَهْرَمْ، ولَمْ تَفْتَقِرْ، ولَمْ تُغْلَبْ، ولَوْ شاءَ أنْ يَجْعَلَ لَكَ ذَلِكَ أوْ يَسْلُبَكَهُ فَعَلَ، ولَكِنَّهُ ذُو أناةٍ وحِلْمٍ عَظِيمٍ، وجاهِدْهُ بِنَفْسِكَ وأخِيكَ وأنْتُما مُحْتَسِبانِ بِجِهادِهِ، فَإنِّي لَوْ شِئْتُ أنْ آتِيهِ بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لَهُ بِها لَفَعَلْتُ، ولَكِنْ لِيَعْلَمَ هَذا العَبْدُ الضَّعِيفُ الَّذِي قَدْ أعْجَبَتْهُ نَفْسُهُ وجُمُوعُهُ أنَّ الفِئَةَ القَلِيلَةَ- ولا قَلِيلَ مِنِّي- تَغْلِبُ الفِئَةَ الكَثِيرَةَ بِإذْنِي، ولا تُعْجِبْكُما زِينَتُهُ ولا ما مُتِّعَ بِهِ، ولا تَمُدّانِ إلى ذَلِكَ أعْيُنَكُما، فَإنَّها زَهْرَةُ الحَياةِ الدُّنْيا، وزِينَةُ المُتْرَفِينَ، وإنِّي لَوْ شِئْتُ أنْ أُزَيِّنَكُما مِنَ الدُّنْيا بِزِينَةٍ يَعْلَمُ فِرْعَوْنُ حِينَ يَنْظُرُ إلَيْها أنَّ مَقْدِرَتَهُ تَعْجِزُ عَنْ مِثْلِ ما أُوتِيتُما فَعَلْتُ، ولَكِنِّي أرْغَبُ بِكُما عَنْ ذَلِكَ وأزْوِيهِ عَنْكُما، وكَذَلِكَ أفْعَلُ بِأوْلِيائِي، وقَدِيمًا ما خِرْتُ لَهم عَنْ ذَلِكَ، فَإنِّي لَأذُودُهم عَنْ نَعِيمِها ورَخائِها، كَما يَذُودُ الرّاعِي الشَّفِيقُ غَنَمَهُ عَنْ (p-١٦٩)مَراقِعِ الهَلَكَةِ، وإنِّي لَأُجَنِّبُهم سُلْوَتَها وعَيْشَها كَما يُجَنِّبُ الرّاعِي الشَّفِيقُ إبِلَهُ عَنْ مَبارِكِ العُرَّةِ، وما ذَلِكَ لِهَوانِهِمْ عَلَيَّ ولَكِنْ لِيَسْتَكْمِلُوا نَصِيبَهم مِن كَرامَتِي سالِمًا مَوْفُورًا لَمْ تُكْلِمْهُ الدُّنْيا، ولَمْ يُطْغِهِ الهَوى، واعْلَمْ أنَّهُ لَمْ يَتَزَيَّنْ لِيَ العِبادُ بِزِينَةٍ هي أبْلَغُ فِيما عِنْدِي مِنَ الزُّهْدِ في الدُّنْيا، فَإنَّها زِينَةُ المُتَّقِينَ، عَلَيْهِمْ مِنها لِباسٌ يُعْرَفُونَ بِهِ مِنَ السَّكِينَةِ والخُشُوعِ، سِيماهم في وُجُوهِهِمْ مِن أثَرِ السُّجُودِ، أُولَئِكَ أوْلِيائِي حَقًّا،، فَإذا لَقِيتَهم فاخْفِضْ لَهم جَناحَكَ، وذَلِّلْ لَهم قَلْبَكَ ولِسانَكَ، واعْلَمْ أنَّهُ مَن أهانَ لِي ولِيًّا وأخافَهُ فَقَدْ بارَزَنِي بِالمُحارَبَةِ وبادَأنِي، وعَرَّضَ لِي نَفْسَهُ ودَعانِي إلَيْها، وأنا أسْرَعُ شَيْءٍ إلى نُصْرَةِ أوْلِيائِي، أفَيَظُنُّ الَّذِي يُحارِبُنِي أنْ يَقُومَ لِي ؟ أوْ يَظُنُّ الَّذِي يُحادُّنِي أوْ يُعادِينِي أنْ يُعْجِزَنِي ؟ أوْ يَظُنُّ الَّذِي يُبارِزُنِي أنْ يَسْبِقَنِي أوْ يَفُوتَنِي ؟ وكَيْفَ وأنا الثّائِرُ لَهم في الدُّنْيا والآخِرَةِ، لا أكِلُ نُصْرَتَهم إلى غَيْرِي؟
قالَ: فَأقْبَلَ مُوسى إلى فِرْعَوْنَ في مَدِينَةٍ، قَدْ جَعَلَ حَوْلَها الأُسْدَ في غَيْضَةٍ قَدْ غَرَسَها، فالأُسْدُ فِيها مَعَ ساسَتِها، إذا أشْلَتْها عَلى أحَدٍ أُكِلَ، ولِلْمَدِينَةِ أرْبَعَةُ أبْوابٍ في الغَيْضَةِ، فَأقْبَلَ مُوسى مِنَ الطَّرِيقِ الأعْظَمِ الَّذِي يَراهُ فِرْعَوْنُ، فَلَمّا رَأتْهُ الأُسْدُ صاحَتْ صِياحَ الثَّعالِبِ، فَأنْكَرَ ذَلِكَ السّاسَةُ، وفَرِقُوا (p-١٧٠)مِن فِرْعَوْنَ، وأقْبَلَ مُوسى حَتّى انْتَهى إلى البابِ الَّذِي فِيهِ فِرْعَوْنُ فَقَرَعَهُ بِعَصاهُ، وعَلَيْهِ جُبَّةُ صُوفٍ وسَراوِيلُ، فَلَمّا رَآهُ البَوّابُ عَجِبَ مِن جُرْأتِهِ فَتَرَكَهُ ولَمْ يَأْذَنْ لَهُ، فَقالَ: هَلْ تَدْرِي بابَ مَن أنْتَ تَضْرِبُ ؟ إنَّما تَضْرِبُ بابَ سَيِّدِكَ.
قالَ: أنْتَ وأنا وفِرْعَوْنُ عَبِيدٌ لِرَبِّي، فَأنا ناصِرُهُ، فَأخْبَرَ البَوّابُ الَّذِي يَلِيهِ مِنَ البَوّابِينَ، حَتّى بَلَغَ ذَلِكَ أدْناهم، ودُونَهُ سَبْعُونَ حاجِبًا، كُلُّ حاجِبٍ مِنهم تَحْتَ يَدَيْهِ مِنَ الجُنُودِ ما شاءَ اللَّهُ، حَتّى خَلَصَ الخَبَرُ إلى فِرْعَوْنَ، فَقالَ: أدْخِلُوهُ عَلَيَّ.
فَأُدْخِلَ فَلَمّا أتاهُ، قالَ لَهُ فِرْعَوْنُ: أعْرِفُكَ ؟ قالَ: نَعَمْ، قالَ: ألَمْ نُرَبِّكَ فِينا ولِيدًا ؟ قالَ: فَرَدَّ إلَيْهِ مُوسى الَّذِي رَدَّ، قالَ فِرْعَوْنُ: خُذُوهُ، فَبادَرَ مُوسى فَألْقى عَصاهُ فَإذا هي ثُعْبانٌ مُبِينٌ، فَحَمَلَتْ عَلى النّاسِ فانْهَزَمُوا مِنها، فَماتَ مِنهم خَمْسَةٌ وعِشْرُونَ ألْفًا، قَتَلَ بَعْضُهم بَعْضًا، وقامَ فِرْعَوْنُ مُنْهَزِمًا حَتّى دَخَلَ البَيْتَ، فَقالَ: يا مُوسى، اجْعَلْ بَيْنَنا وبَيْنَكَ أجَلًا نَنْظُرُ فِيهِ.
قالَ مُوسى: لَمْ أُومَرْ بِذَلِكَ، وإنَّما أُمِرْتُ بِمُناجَزَتِكَ، وإنْ أنْتَ لَمْ تَخْرُجْ إلَيَّ دَخَلْتُ عَلَيْكَ.
فَأوْحى اللَّهُ إلى مُوسى: أنِ اجْعَلْ بَيْنَكَ وبَيْنَهُ أجَلًا، وقُلْ لَهُ: أنْ يَجْعَلَهُ هو. قالَ فِرْعَوْنُ: اجْعَلْهُ إلى أرْبَعِينَ يَوْمًا، فَفَعَلَ، وكانَ فِرْعَوْنُ لا يَأْتِي الخَلاءَ إلّا في كُلِّ أرْبَعِينَ يَوْمًا مَرَّةً، فاخْتَلَفَ ذَلِكَ اليَوْمُ أرْبَعِينَ مَرَّةً، قالَ: وخَرَجَ مُوسى مِنَ المَدِينَةِ، فَلَمّا مَرَّ بِالأُسْدِ خَضَعَتْ بِأذْنابِها، وسارَتْ مَعَ مُوسى تُشَيِّعُهُ ولا تُهَيِّجُهُ ولا أحَدًا مِن بَنِي إسْرائِيلَ.
طه 20:12
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاخْلَعْ نَعْلَيْكَ﴾ .
(p-١٧١)أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، والفِرْيابِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عَلِيٍّ في قَوْلِهِ: ﴿فاخْلَعْ نَعْلَيْكَ﴾ قالَ: كانَتا مِن جِلْدِ حِمارٍ مَيِّتٍ، فَقِيلَ لَهُ: اخْلَعْهُما.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ الحَسَنِ قالَ: ما بالُ خَلْعِ النَّعْلَيْنِ في الصَّلاةِ؟ إنَّما أُمِرُ مُوسى أنْ يَخْلَعَ نَعْلَيْهِ أنَّهُما كانَتا مِن جِلْدِ حِمارٍ مَيِّتٍ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ كَعْبٍ في قَوْلِهِ: ﴿فاخْلَعْ نَعْلَيْكَ﴾ قالَ: كانَ نَعْلا مُوسى مِن جِلْدِ حِمارٍ مَيِّتٍ، فَأرادَ رَبُّكَ أنْ يَمَسَّهُ القُدْسُ كُلُّهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ في قَوْلِهِ: ﴿فاخْلَعْ نَعْلَيْكَ﴾ قالَ: كانَتا مِن جِلْدِ حِمارٍ أهْلِيٍّ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: كانَتْ نَعْلا مُوسى الَّتِي قِيلَ لَهُ: اخْلَعْهُما مِن جِلْدِ خِنْزِيرٍ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عِكْرِمَةَ في قَوْلِهِ: ﴿فاخْلَعْ نَعْلَيْكَ﴾ قالَ: كَيْ تَمَسَّ راحَةُ قَدَمَيْكَ الأرْضَ الطَّيِّبَةَ.
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ عَنْ عَلْقَمَةَ، «أنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ أتى أبا مُوسى الأشْعَرِيَّ في مَنزِلِهِ فَحَضَرَتِ الصَّلاةُ فَقالَ لَهُ أبُو مُوسى: - تَقَدَّمْ يا أبا عَبْدِ الرَّحْمَنِ؛ فَإنَّكَ أقْدَمُ سِنًّا وأعْلَمُ، قالَ: لا، بَلْ تَقَدَّمْ أنْتَ، فَإنَّما أتَيْناكَ في مَنزِلِكَ. فَتَقَدَّمَ أبُو مُوسى فَخَلَعَ نَعْلَيْهِ، فَلَمّا صَلّى قالَ لَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ: - لِمَ خَلَعْتَ نَعْلَيْكَ؟ أبِالوادِ المُقَدَّسِ أنْتَ؟ لَقَدْ رَأيْتُ رَسُولَ اللَّهِ (p-١٧٢)ﷺ يُصَلِّي في الخُفَّيْنِ والنَّعْلَيْنِ» .
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّكَ بِالوادِ المُقَدَّسِ طُوًى﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّكَ بِالوادِ المُقَدَّسِ﴾ قالَ: المُبارَكِ ﴿طُوًى﴾ قالَ: اسْمُ الوادِي.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عِكْرِمَةَ في قَوْلِهِ: ﴿بِالوادِ المُقَدَّسِ﴾ قالَ: الطّاهِرُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿بِالوادِ المُقَدَّسِ﴾ قالَ: وادٍ بِفَلَسْطِينَ قُدِّسَ مَرَّتَيْنِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿بِالوادِ المُقَدَّسِ طُوًى﴾ يَعْنِي الأرْضَ المُقَدَّسَةَ؛ وذَلِكَ أنَّهُ مَرَّ بِوادِيها لَيْلًا فَطُوِيَ، يُقالُ: طَوَيْتُ وادِيَ كَذا وكَذا، والطّاوِي مِنَ اللَّيْلِ، وارْتَفَعَ إلى أعْلى الوادِي. وذَلِكَ نَبِيُّ اللَّهِ مُوسى.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّكَ بِالوادِ المُقَدَّسِ﴾ قالَ: المُبارَكِ: ﴿طُوًى﴾ قالَ: اسْمُ الوادِي.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُبَشِّرِ بْنِ عُبَيْدٍ: ﴿طُوًى﴾ بِغَيْرِ نُونٍ وادٍ بِأيْلَةَ زُعِمَ أنَّهُ طُوِيَ بِالبَرَكَةِ مَرَّتَيْنِ.
(p-١٧٣)وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿طُوًى﴾ قالَ: طَأِ الوادِيَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ أبِي نَجِيحٍ في قَوْلِهِ: ﴿طُوًى﴾ قالَ طَإ الأرْضَ حافِيًا، كَما تَدْخُلُ الكَعْبَةَ حافِيًا، يَقُولُ: مِن بِرْكَةِ الوادِي. هَذا قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قالَ: وكانَ مُجاهِدٌ يَقُولُ: ﴿طُوًى﴾ اسْمُ الوادِي.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿بِالوادِ المُقَدَّسِ طُوًى﴾ قالَ: وادٍ قُدِّسَ مَرَّتَيْنِ واسْمُهُ: ﴿طُوًى﴾ .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ عاصِمٍ أنَّهُ قَرَأ: ”طُوًى“ بِرَفْعِ الطّاءِ ويُنَوَّنُ فِيها.
طه 20:14
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّنِي أنا اللَّهُ لا إلَهَ إلا أنا فاعْبُدْنِي﴾ .
أخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «مَكْتُوبٌ عَلى بابِ الجَنَّةِ: إنَّنِي أنا اللَّهُ لا إلَهَ إلّا أنا، لا أُعَذِّبُ مَن قالَها» .
وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، وأبُو يَعْلى، والحاكِمُ، والبَيْهَقِيُّ في ”الدَّلائِلِ“ عَنْ أنَسٍ قالَ: «خَرَجَ عُمَرُ مُتَقَلِّدًا بِالسَّيْفِ فَلَقِيَهُ رَجُلٌ مِن بَنِي زُهْرَةَ فَقالَ لَهُ: أيْنَ (p-١٧٤)تَعْمِدُ يا عُمَرُ؟ قالَ: أُرِيدُ أنْ أقْتُلَ مُحَمَّدًا، قالَ: وكَيْفَ تَأْمَنُ بَنِي هاشِمٍ وبَنِي زُهْرَةَ؟ فَقالَ لَهُ عُمَرُ: ما أراكَ إلّا قَدْ صَبَوْتَ وتَرَكْتَ دِينَكَ! قالَ: أفَلا أدُلُّكَ عَلى العَجَبِ؟ إنَّ أُخْتَكَ وخَتَنَكَ قَدْ صَبَوا وتَرَكا دِينَكَ، فَمَشىعُمَرُ زامِرًا حَتّى أتاهُما، وعِنْدَهُما خَبّابٌ، فَلَمّا سَمِعَ خَبّابٌ بِحِسِّ عُمَرَ، تَوارى في البَيْتِ فَدَخَلَ عَلَيْهِما فَقالَ: ما هَذِهِ الهَيْنَمَةُ الَّتِي سَمِعْتُها عِنْدَكُمْ؟ وكانُوا يَقْرَءُونَ: ﴿طه﴾ [طه: ١] فَقالا: ما عَدا حَدِيثًا تَحَدَّثْنا بِهِ، قالَ: فَلَعَلَّكُما قَدْ صَبَوْتُما، فَقالَ لَهُ خَتَنُهُ: يا عُمَرُ إنْ كانَ الحَقُّ في غَيْرِ دِينِكَ؟ فَوَثَبَ عُمَرُ عَلى خَتَنِهِ فَوَطِئَهُ وطْئًا شَدِيدًا، فَجاءَتْ أُخْتُهُ لِتَدْفَعَهُ عَنْ زَوْجِها، فَنَفَخَها نَفْخَةً بِيَدِهِ فَدَمّى وجْهَها، فَقالَ عُمَرُ: أعْطُونِي الكِتابَ الَّذِي هو عِنْدَكم فَأقْرَأهُ. فَقالَتْ أُخْتُهُ: إنَّكَ رِجْسٌ وإنَّهُ: لا يَمَسُّهُ إلّا المُطَهَّرُونَ، فَقُمْ فَتَوَضَّأْ، فَقامَ فَتَوَضَّأ ثُمَّ أخَذَ الكِتابَ فَقَرَأ: ﴿طه﴾ [طه: ١] حَتّى انْتَهى إلى: ﴿إنَّنِي أنا اللَّهُ لا إلَهَ إلا أنا فاعْبُدْنِي وأقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾ . فَقالَ عُمَرُ: دُلُّونِي عَلى مُحَمَّدٍ، فَلَمّا سَمِعَ خَبّابٌ قَوْلَ عُمَرَ خَرَجَ مِنَ البَيْتِ فَقالَ: أبْشِرْ يا عُمَرُ، فَإنِّي أرْجُو أنْ تَكُونَ دَعْوَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَكَ - لَيْلَةَ الخَمِيسِ - اللَّهُمَّ أعِزَّ الإسْلامَ بِعُمَرَ بْنِ الخَطّابِ، أوْ بِعَمْرِو بْنِ هِشامٍ. فَخَرَجَ حَتّى أتى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَأسْلَمَ» .
(p-١٧٥)وأخْرَجَ أبُو نُعَيْمٍ في ”الحِلْيَةِ“ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ قالَ: «حَدَّثَنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ: قالَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿إنَّنِي أنا اللَّهُ لا إلَهَ إلا أنا فاعْبُدْنِي﴾ مَن جاءَنِي مِنكم بِشَهادَةٍ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ بِالإخْلاصِ دَخَلَ حِصْنِي، ومَن دَخَلَ حِصْنَيْ أمِنَ عَذابِي» .
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وأقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾ قالَ: إذا صَلّى عَبْدٌ ذَكَرَ رَبَّهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ إبْراهِيمَ في قَوْلِهِ: ﴿وأقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾ قالَ: حِينَ تَذْكُرُ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والبُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وأبُو داوُدَ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنْ أنَسٍ: أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «إذا رَقَدَ أحَدُكم عَنِ الصَّلاةِ أوْ غَفَلَ عَنْها فَلْيُصَلِّها إذا ذَكَرَها؛ فَإنَّ اللَّهَ قالَ: ( ﴿وأقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه»: ١٤] ) .
وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ، وابْنُ ماجَهْ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ حِبّانَ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «لَمّا قَفَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِن خَيْبَرَ أسْرى لَيْلَةً حَتّى أدْرَكَهُ الكَرى، أناخَ فَعَرَّسَ ثُمَّ قالَ: يا بِلالُ، اكْلَأْ لَنا اللَّيْلَةَ. قالَ: فَصَلّى بِلالٌ ثُمَّ تَسانَدَ إلى راحِلَتِهِ مُسْتَقْبِلَ الفَجْرِ، فَغَلَبَتْهُ عَيْناهُ فَنامَ، فَلَمْ يَسْتَيْقِظْ (p-١٧٦)أحَدٌ مِنهم حَتّى ضَرَبَتْهُمُ الشَّمْسُ، وكانَ أوَّلَهُمُ اسْتِيقاظًا النَّبِيُّ ﷺ فَقالَ: أيْ بِلالُ فَقالَ بِلالٌ: بِأبِي أنْتَ يا رَسُولُ اللَّهِ، أخَذَ بِنَفْسَيِ الَّذِي أخَذَ بِنَفْسِكَ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: اقْتادُوا. ثُمَّ أناخَ فَتَوَضَّأ، وأقامَ الصَّلاةَ ثُمَّ صَلّى مِثْلَ صَلاتِهِ لِلْوَقْتِ في تَمَكُّثٍ، ثُمَّ قالَ: مَن نَسِيَ صَلاةً فَلْيُصَلِّها إذا ذَكَرَها فَإنَّ اللَّهَ قالَ: ﴿وأقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾ وكانَ ابْنُ شِهابٍ يَقْرَؤُها: ( لِلذِّكْرى» ) .
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنْ عُبادَةَ بْنِ الصّامِتِ قالَ: «سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ رَجُلٍ غَفَلَ عَنِ الصَّلاةِ حَتّى طَلَعَتِ الشَّمْسُ أوْ غَرَبَتْ، ما كَفّارَتُها؟ قالَ: يَتَقَرَّبُ إلى اللَّهِ ويُحْسِنُ وُضُوءَهُ ويُصَلِّي فَيُحْسِنُ الصَّلاةَ، ويَسْتَغْفِرُ اللَّهَ، فَلا كَفّارَةَ لَها إلّا ذَلِكَ، إنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿وأقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه»: ١٤] .
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ سَمُرَةَ بْنِ يَحْيى قالَ: نَسِيتُ صَلاةَ العَتَمَةِ حَتّى أصْبَحْتُ فَغَدَوْتُ إلى ابْنِ عَبّاسٍ فَأخْبَرْتُهُ فَقالَ: قُمْ فَصَلِّها ثُمَّ قَرَأ: ﴿وأقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾ .
(p-١٧٧)وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: إذا نَسِيتَ صَلاةً فاقْضِها مَتى ما ذَكَرْتَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنِ الشَّعْبِيِّ وإبْراهِيمَ في قَوْلِهِ: ﴿وأقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾، قالا: صَلِّها إذا ذَكَرْتَها وقَدْ نَسِيتَها.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنْ إبْراهِيمَ قالَ: مَن نامَ عَنْ صَلاةٍ أوْ نَسِيَها، يُصَلِّي مَتى ذَكَرَها، عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وعِنْدَ غُرُوبِها ثُمَّ قَرَأ: ﴿وأقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾ قالَ: إذا ذَكَرْتَها فَصَلِّها في أيِّ ساعَةٍ كُنْتَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قالَ: «أقْبَلْنا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنَ الحُدَيْبِيَةِ فَنَزَلْنا دَهاسًا مِنَ الأرْضِ – والدَّهاسُ: الرَّمْلُ - فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: مَن يَكْلَؤُنا؟ قالَ بِلالٌ: أنا. فَنامُوا حَتّى طَلَعَتْ عَلَيْهِمُ الشَّمْسُ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: افْعَلُوا كَما كُنْتُمْ تَفْعَلُونَ، كَذَلِكَ لِمَن نامَ أوْ نَسِيَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنْ أبِي جُحَيْفَةَ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في سَفَرِهِ الَّذِي نامُوا فِيهِ حَتّى طَلَعَتِ الشَّمْسُ، ثُمَّ قالَ: إنَّكم كُنْتُمْ أمْواتًا فَرَدَّ اللَّهُ إلَيْكم أرْواحَكُمْ، فَمَن نامَ عَنِ الصَّلاةِ أوْ نَسِيَ صَلاةً فَلْيُصَلِّها إذا ذَكَرَها، وإذا (p-١٧٨)اسْتَيْقَظَ» .
طه 20:15
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ السّاعَةَ آتِيَةٌ﴾ الآيَةَ.
أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ السّاعَةَ آتِيَةٌ أكادُ أُخْفِيها﴾ يَقُولُ: لا أُظْهِرُ عَلَيْها أحَدًا غَيْرِي.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ السّاعَةَ آتِيَةٌ أكادُ أُخْفِيها﴾ قالَ: أكادُ أُخْفِيها مِن نَفْسِي.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ الأنْبارِيِّ في ”المَصاحِفِ“ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿أكادُ أُخْفِيها﴾ قالَ: مِن نَفْسِي.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ الأنْبارِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قَرَأ: ( أكادُ أُخْفِيها مِن نَفْسِي )، يَقُولُ: لِأنَّها لا تَخْفى مِن نَفْسِ اللَّهِ أبَدًا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ قالَ: لَيْسَ مِن أهْلِ السَّماواتِ والأرْضِ أحَدٌ إلّا وقَدْ أخْفى اللَّهُ عَنْهُ عَلِمَ السّاعَةَ، وهي في قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: ( أكادُ أُخْفِيها مِن نَفْسِي )، يَقُولُ: كَتَمْتُها مِنَ الخَلائِقِ حَتّى لَوِ اسْتَطَعْتُ أنْ أكْتُمَها مِن نَفْسِي لَفَعَلْتُ.
(p-١٧٩)وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ قالَ: في بَعْضِ القِراءَةِ: ( أكادُ أُخْفِيها مِن نَفْسِي )، قالَ: لَعَمْرِي لَقَدْ أخْفاها اللَّهُ مِنَ المَلائِكَةِ المُقَرَّبِينَ ومِنَ الأنْبِياءِ والمُرْسَلِينَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ أبِي صالِحٍ في قَوْلِهِ: ﴿أكادُ أُخْفِيها﴾ قالَ: يُخْفِيها مِن نَفْسِهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ الأنْبارِيِّ عَنْ ورْقاءَ قالَ: أقْرَأنِيها سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: ( أكادُ أخْفِيها ) يَعْنِي بِنَصْبِ الألْفِ وخَفْضِ الفاءِ، يَقُولُ: أظْهَرُها، ثُمَّ قالَ: أما سَمِعْتَ قَوْلَ الشّاعِرِ:
؎دَأْبَ شَهْرَيْنِ ثُمَّ شَهْرًا دَمِيكًا بِأرْيَكَيْنِ يَخْفَيانِ غَمِيرًا
وأخْرَجَ ابْنُ الأنْبارِيِّ عَنِ الفِراءِ قالَ: في قِراءَةِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: أكادُ أُخْفِيها مِن نَفْسِي فَكَيْفَ أُطْلِعُكم عَلَيْها.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿لِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما تَسْعى﴾ (p-١٨٠)قالَ: لِتُعْطى ثَوابَ ما تَعْمَلُ.
طه 20:16
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واتَّبَعَ هَواهُ﴾ . أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ، وابْنُ شُبْرُمَةَ قالا: إنَّما سُمِّيَ هَوًى لِأنَّهُ يَهْوِي بِصاحِبِهِ في النّارِ.
طه 20:17
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما تِلْكَ بِيَمِينِكَ﴾ الآياتِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في عَصا مُوسى - قالَ -: أعْطاهُ إيّاها مَلَكٌ مِنَ المَلائِكَةِ، إذْ تَوَجَّهَ إلى مَدْيَنَ فَكانَتْ تُضِيءُ لَهُ بِاللَّيْلِ، ويَضْرِبُ بِها الأرْضَ فَيَخْرُجُ لَهُ النَّباتُ، ويَهُشُّ بِها عَلى غَنَمِهِ ورَقَ الشَّجَرِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ زَيْدٍ في قَوْلِهِ: ﴿هِيَ عَصايَ أتَوَكَّأُ عَلَيْها﴾ قالَ: إذا مَشى مَعَ غَنَمِهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عِكْرِمَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وأهُشُّ بِها عَلى غَنَمِي﴾ قالَ: أضْرِبُ بِها الشَّجَرَ فَيَتَساقَطُ مِنهُ الوَرَقُ عَلى غَنَمِي.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ في قَوْلِهِ: ﴿وأهُشُّ بِها عَلى غَنَمِي﴾ (p-١٨١)قالَ: الهَشُّ أنْ يَخْبِطَ الرَّجُلُ بِعَصاهُ الشَّجَرَ فَيَتَناثَرُ الوَرَقُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرانَ قالَ: الهَشُّ أنْ يُولِجَ العَصا بَيْنَ الشُّعْبَيْنِ ثُمَّ يُحَرِّكُها حَتّى يَسْقُطَ الوَرَقُ، والخَبْطُ أنْ يَخْبِطَ حَتّى يَسْقُطَ الوَرَقُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مالِكِ بْنِ أنَسٍ قالَ: الهَشُّ أنْ يَضَعَ الرَّجُلُ المِحْجَنَ في الغُصْنِ، ثُمَّ يُحَرِّكَهُ حَتّى يَسْقُطَ ورَقُهُ وثَمَرُهُ ولا يَكْسِرَ العُودَ فَهَذا الهَشُّ ولا يَخْبِطُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وأهُشُّ بِها عَلى غَنَمِي﴾ قالَ: أخَبِطُ بِها الشَّجَرَ،: ﴿ولِيَ فِيها مَآرِبُ أُخْرى﴾ قالَ: حاجاتٌ أُخْرى؛ مَنافِعُ أُخْرى.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولِيَ فِيها مَآرِبُ أُخْرى﴾ قالَ: حَوائِجُ.
(p-١٨٢)وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿مَآرِبُ أُخْرى﴾ قالَ: حاجاتٌ ومَنافِعُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿مَآرِبُ أُخْرى﴾ يَقُولُ: حَوائِجُ أُخْرى أحْمِلُ عَلَيْها المِزْوَدَ والسِّقاءَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿ولِيَ فِيها مَآرِبُ أُخْرى﴾ قالَ: كانَتْ تُضِيءُ لَهُ بِاللَّيْلِ، وكانَتْ عَصا آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ.
وأخْرَجَ ابْنً أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿فَألْقاها فَإذا هي حَيَّةٌ تَسْعى﴾ ولَمْ تَكُنْ قَبْلَ ذَلِكَ حَيَّةً، فَمَرَّتْ بِشَجَرَةٍ فَأكَلَتْها ومَرَّتْ بِصَخْرَةٍ فابْتَلَعَتْها، فَجَعَلَ مُوسى يَسْمَعُ وقْعَ الصَّخْرَةِ في جَوْفِها فَوَلّى مُدْبِرًا، فَنُودِيَ: أنْ يا مُوسى خُذْها، فَلَمْ يَأْخُذْها، ثُمَّ نُودِيَ الثّانِيَةَ: أنْ خُذْها ولا تَخَفْ، فَقِيلَ لَهُ في الثّالِثَةِ: إنَّكَ مِنَ الآمِنِينَ. فَأخَذَها.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿سَنُعِيدُها سِيرَتَها الأُولى﴾ قالَ: حالَتَها الأُولى.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿سَنُعِيدُها سِيرَتَها الأُولى﴾ قالَ: هَيْئَتَها الأُولى: ﴿واضْمُمْ يَدَكَ إلى جَناحِكَ﴾ قالَ: أدْخِلْ كَفَّكَ تَحْتَ عَضُدِكَ: ﴿تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِن غَيْرِ سُوءٍ﴾ . (p-١٨٣)قالَ: مِن غَيْرِ بَرَصٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿مِن غَيْرِ سُوءٍ﴾ قالَ: مِن غَيْرِ بَرَصٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ قالَ: أخْرَجَها كَأنَّها مِصْباحٌ، فَعَلِمَ مُوسى أنَّهُ قَدْ لَقِيَ رَبَّهُ، ولِهَذا قالَ تَعالى: ﴿لِنُرِيَكَ مِن آياتِنا الكُبْرى﴾ .
طه 20:18
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما تِلْكَ بِيَمِينِكَ﴾ الآياتِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في عَصا مُوسى - قالَ -: أعْطاهُ إيّاها مَلَكٌ مِنَ المَلائِكَةِ، إذْ تَوَجَّهَ إلى مَدْيَنَ فَكانَتْ تُضِيءُ لَهُ بِاللَّيْلِ، ويَضْرِبُ بِها الأرْضَ فَيَخْرُجُ لَهُ النَّباتُ، ويَهُشُّ بِها عَلى غَنَمِهِ ورَقَ الشَّجَرِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ زَيْدٍ في قَوْلِهِ: ﴿هِيَ عَصايَ أتَوَكَّأُ عَلَيْها﴾ قالَ: إذا مَشى مَعَ غَنَمِهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عِكْرِمَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وأهُشُّ بِها عَلى غَنَمِي﴾ قالَ: أضْرِبُ بِها الشَّجَرَ فَيَتَساقَطُ مِنهُ الوَرَقُ عَلى غَنَمِي.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ في قَوْلِهِ: ﴿وأهُشُّ بِها عَلى غَنَمِي﴾ (p-١٨١)قالَ: الهَشُّ أنْ يَخْبِطَ الرَّجُلُ بِعَصاهُ الشَّجَرَ فَيَتَناثَرُ الوَرَقُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرانَ قالَ: الهَشُّ أنْ يُولِجَ العَصا بَيْنَ الشُّعْبَيْنِ ثُمَّ يُحَرِّكُها حَتّى يَسْقُطَ الوَرَقُ، والخَبْطُ أنْ يَخْبِطَ حَتّى يَسْقُطَ الوَرَقُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مالِكِ بْنِ أنَسٍ قالَ: الهَشُّ أنْ يَضَعَ الرَّجُلُ المِحْجَنَ في الغُصْنِ، ثُمَّ يُحَرِّكَهُ حَتّى يَسْقُطَ ورَقُهُ وثَمَرُهُ ولا يَكْسِرَ العُودَ فَهَذا الهَشُّ ولا يَخْبِطُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وأهُشُّ بِها عَلى غَنَمِي﴾ قالَ: أخَبِطُ بِها الشَّجَرَ،: ﴿ولِيَ فِيها مَآرِبُ أُخْرى﴾ قالَ: حاجاتٌ أُخْرى؛ مَنافِعُ أُخْرى.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولِيَ فِيها مَآرِبُ أُخْرى﴾ قالَ: حَوائِجُ.
(p-١٨٢)وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿مَآرِبُ أُخْرى﴾ قالَ: حاجاتٌ ومَنافِعُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿مَآرِبُ أُخْرى﴾ يَقُولُ: حَوائِجُ أُخْرى أحْمِلُ عَلَيْها المِزْوَدَ والسِّقاءَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿ولِيَ فِيها مَآرِبُ أُخْرى﴾ قالَ: كانَتْ تُضِيءُ لَهُ بِاللَّيْلِ، وكانَتْ عَصا آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ.
وأخْرَجَ ابْنً أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿فَألْقاها فَإذا هي حَيَّةٌ تَسْعى﴾ ولَمْ تَكُنْ قَبْلَ ذَلِكَ حَيَّةً، فَمَرَّتْ بِشَجَرَةٍ فَأكَلَتْها ومَرَّتْ بِصَخْرَةٍ فابْتَلَعَتْها، فَجَعَلَ مُوسى يَسْمَعُ وقْعَ الصَّخْرَةِ في جَوْفِها فَوَلّى مُدْبِرًا، فَنُودِيَ: أنْ يا مُوسى خُذْها، فَلَمْ يَأْخُذْها، ثُمَّ نُودِيَ الثّانِيَةَ: أنْ خُذْها ولا تَخَفْ، فَقِيلَ لَهُ في الثّالِثَةِ: إنَّكَ مِنَ الآمِنِينَ. فَأخَذَها.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿سَنُعِيدُها سِيرَتَها الأُولى﴾ قالَ: حالَتَها الأُولى.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿سَنُعِيدُها سِيرَتَها الأُولى﴾ قالَ: هَيْئَتَها الأُولى: ﴿واضْمُمْ يَدَكَ إلى جَناحِكَ﴾ قالَ: أدْخِلْ كَفَّكَ تَحْتَ عَضُدِكَ: ﴿تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِن غَيْرِ سُوءٍ﴾ . (p-١٨٣)قالَ: مِن غَيْرِ بَرَصٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿مِن غَيْرِ سُوءٍ﴾ قالَ: مِن غَيْرِ بَرَصٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ قالَ: أخْرَجَها كَأنَّها مِصْباحٌ، فَعَلِمَ مُوسى أنَّهُ قَدْ لَقِيَ رَبَّهُ، ولِهَذا قالَ تَعالى: ﴿لِنُرِيَكَ مِن آياتِنا الكُبْرى﴾ .
طه 20:19
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما تِلْكَ بِيَمِينِكَ﴾ الآياتِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في عَصا مُوسى - قالَ -: أعْطاهُ إيّاها مَلَكٌ مِنَ المَلائِكَةِ، إذْ تَوَجَّهَ إلى مَدْيَنَ فَكانَتْ تُضِيءُ لَهُ بِاللَّيْلِ، ويَضْرِبُ بِها الأرْضَ فَيَخْرُجُ لَهُ النَّباتُ، ويَهُشُّ بِها عَلى غَنَمِهِ ورَقَ الشَّجَرِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ زَيْدٍ في قَوْلِهِ: ﴿هِيَ عَصايَ أتَوَكَّأُ عَلَيْها﴾ قالَ: إذا مَشى مَعَ غَنَمِهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عِكْرِمَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وأهُشُّ بِها عَلى غَنَمِي﴾ قالَ: أضْرِبُ بِها الشَّجَرَ فَيَتَساقَطُ مِنهُ الوَرَقُ عَلى غَنَمِي.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ في قَوْلِهِ: ﴿وأهُشُّ بِها عَلى غَنَمِي﴾ (p-١٨١)قالَ: الهَشُّ أنْ يَخْبِطَ الرَّجُلُ بِعَصاهُ الشَّجَرَ فَيَتَناثَرُ الوَرَقُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرانَ قالَ: الهَشُّ أنْ يُولِجَ العَصا بَيْنَ الشُّعْبَيْنِ ثُمَّ يُحَرِّكُها حَتّى يَسْقُطَ الوَرَقُ، والخَبْطُ أنْ يَخْبِطَ حَتّى يَسْقُطَ الوَرَقُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مالِكِ بْنِ أنَسٍ قالَ: الهَشُّ أنْ يَضَعَ الرَّجُلُ المِحْجَنَ في الغُصْنِ، ثُمَّ يُحَرِّكَهُ حَتّى يَسْقُطَ ورَقُهُ وثَمَرُهُ ولا يَكْسِرَ العُودَ فَهَذا الهَشُّ ولا يَخْبِطُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وأهُشُّ بِها عَلى غَنَمِي﴾ قالَ: أخَبِطُ بِها الشَّجَرَ،: ﴿ولِيَ فِيها مَآرِبُ أُخْرى﴾ قالَ: حاجاتٌ أُخْرى؛ مَنافِعُ أُخْرى.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولِيَ فِيها مَآرِبُ أُخْرى﴾ قالَ: حَوائِجُ.
(p-١٨٢)وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿مَآرِبُ أُخْرى﴾ قالَ: حاجاتٌ ومَنافِعُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿مَآرِبُ أُخْرى﴾ يَقُولُ: حَوائِجُ أُخْرى أحْمِلُ عَلَيْها المِزْوَدَ والسِّقاءَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿ولِيَ فِيها مَآرِبُ أُخْرى﴾ قالَ: كانَتْ تُضِيءُ لَهُ بِاللَّيْلِ، وكانَتْ عَصا آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ.
وأخْرَجَ ابْنً أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿فَألْقاها فَإذا هي حَيَّةٌ تَسْعى﴾ ولَمْ تَكُنْ قَبْلَ ذَلِكَ حَيَّةً، فَمَرَّتْ بِشَجَرَةٍ فَأكَلَتْها ومَرَّتْ بِصَخْرَةٍ فابْتَلَعَتْها، فَجَعَلَ مُوسى يَسْمَعُ وقْعَ الصَّخْرَةِ في جَوْفِها فَوَلّى مُدْبِرًا، فَنُودِيَ: أنْ يا مُوسى خُذْها، فَلَمْ يَأْخُذْها، ثُمَّ نُودِيَ الثّانِيَةَ: أنْ خُذْها ولا تَخَفْ، فَقِيلَ لَهُ في الثّالِثَةِ: إنَّكَ مِنَ الآمِنِينَ. فَأخَذَها.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿سَنُعِيدُها سِيرَتَها الأُولى﴾ قالَ: حالَتَها الأُولى.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿سَنُعِيدُها سِيرَتَها الأُولى﴾ قالَ: هَيْئَتَها الأُولى: ﴿واضْمُمْ يَدَكَ إلى جَناحِكَ﴾ قالَ: أدْخِلْ كَفَّكَ تَحْتَ عَضُدِكَ: ﴿تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِن غَيْرِ سُوءٍ﴾ . (p-١٨٣)قالَ: مِن غَيْرِ بَرَصٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿مِن غَيْرِ سُوءٍ﴾ قالَ: مِن غَيْرِ بَرَصٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ قالَ: أخْرَجَها كَأنَّها مِصْباحٌ، فَعَلِمَ مُوسى أنَّهُ قَدْ لَقِيَ رَبَّهُ، ولِهَذا قالَ تَعالى: ﴿لِنُرِيَكَ مِن آياتِنا الكُبْرى﴾ .
طه 20:20
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما تِلْكَ بِيَمِينِكَ﴾ الآياتِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في عَصا مُوسى - قالَ -: أعْطاهُ إيّاها مَلَكٌ مِنَ المَلائِكَةِ، إذْ تَوَجَّهَ إلى مَدْيَنَ فَكانَتْ تُضِيءُ لَهُ بِاللَّيْلِ، ويَضْرِبُ بِها الأرْضَ فَيَخْرُجُ لَهُ النَّباتُ، ويَهُشُّ بِها عَلى غَنَمِهِ ورَقَ الشَّجَرِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ زَيْدٍ في قَوْلِهِ: ﴿هِيَ عَصايَ أتَوَكَّأُ عَلَيْها﴾ قالَ: إذا مَشى مَعَ غَنَمِهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عِكْرِمَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وأهُشُّ بِها عَلى غَنَمِي﴾ قالَ: أضْرِبُ بِها الشَّجَرَ فَيَتَساقَطُ مِنهُ الوَرَقُ عَلى غَنَمِي.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ في قَوْلِهِ: ﴿وأهُشُّ بِها عَلى غَنَمِي﴾ (p-١٨١)قالَ: الهَشُّ أنْ يَخْبِطَ الرَّجُلُ بِعَصاهُ الشَّجَرَ فَيَتَناثَرُ الوَرَقُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرانَ قالَ: الهَشُّ أنْ يُولِجَ العَصا بَيْنَ الشُّعْبَيْنِ ثُمَّ يُحَرِّكُها حَتّى يَسْقُطَ الوَرَقُ، والخَبْطُ أنْ يَخْبِطَ حَتّى يَسْقُطَ الوَرَقُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مالِكِ بْنِ أنَسٍ قالَ: الهَشُّ أنْ يَضَعَ الرَّجُلُ المِحْجَنَ في الغُصْنِ، ثُمَّ يُحَرِّكَهُ حَتّى يَسْقُطَ ورَقُهُ وثَمَرُهُ ولا يَكْسِرَ العُودَ فَهَذا الهَشُّ ولا يَخْبِطُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وأهُشُّ بِها عَلى غَنَمِي﴾ قالَ: أخَبِطُ بِها الشَّجَرَ،: ﴿ولِيَ فِيها مَآرِبُ أُخْرى﴾ قالَ: حاجاتٌ أُخْرى؛ مَنافِعُ أُخْرى.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولِيَ فِيها مَآرِبُ أُخْرى﴾ قالَ: حَوائِجُ.
(p-١٨٢)وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿مَآرِبُ أُخْرى﴾ قالَ: حاجاتٌ ومَنافِعُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿مَآرِبُ أُخْرى﴾ يَقُولُ: حَوائِجُ أُخْرى أحْمِلُ عَلَيْها المِزْوَدَ والسِّقاءَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿ولِيَ فِيها مَآرِبُ أُخْرى﴾ قالَ: كانَتْ تُضِيءُ لَهُ بِاللَّيْلِ، وكانَتْ عَصا آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ.
وأخْرَجَ ابْنً أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿فَألْقاها فَإذا هي حَيَّةٌ تَسْعى﴾ ولَمْ تَكُنْ قَبْلَ ذَلِكَ حَيَّةً، فَمَرَّتْ بِشَجَرَةٍ فَأكَلَتْها ومَرَّتْ بِصَخْرَةٍ فابْتَلَعَتْها، فَجَعَلَ مُوسى يَسْمَعُ وقْعَ الصَّخْرَةِ في جَوْفِها فَوَلّى مُدْبِرًا، فَنُودِيَ: أنْ يا مُوسى خُذْها، فَلَمْ يَأْخُذْها، ثُمَّ نُودِيَ الثّانِيَةَ: أنْ خُذْها ولا تَخَفْ، فَقِيلَ لَهُ في الثّالِثَةِ: إنَّكَ مِنَ الآمِنِينَ. فَأخَذَها.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿سَنُعِيدُها سِيرَتَها الأُولى﴾ قالَ: حالَتَها الأُولى.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿سَنُعِيدُها سِيرَتَها الأُولى﴾ قالَ: هَيْئَتَها الأُولى: ﴿واضْمُمْ يَدَكَ إلى جَناحِكَ﴾ قالَ: أدْخِلْ كَفَّكَ تَحْتَ عَضُدِكَ: ﴿تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِن غَيْرِ سُوءٍ﴾ . (p-١٨٣)قالَ: مِن غَيْرِ بَرَصٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿مِن غَيْرِ سُوءٍ﴾ قالَ: مِن غَيْرِ بَرَصٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ قالَ: أخْرَجَها كَأنَّها مِصْباحٌ، فَعَلِمَ مُوسى أنَّهُ قَدْ لَقِيَ رَبَّهُ، ولِهَذا قالَ تَعالى: ﴿لِنُرِيَكَ مِن آياتِنا الكُبْرى﴾ .
طه 20:21
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما تِلْكَ بِيَمِينِكَ﴾ الآياتِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في عَصا مُوسى - قالَ -: أعْطاهُ إيّاها مَلَكٌ مِنَ المَلائِكَةِ، إذْ تَوَجَّهَ إلى مَدْيَنَ فَكانَتْ تُضِيءُ لَهُ بِاللَّيْلِ، ويَضْرِبُ بِها الأرْضَ فَيَخْرُجُ لَهُ النَّباتُ، ويَهُشُّ بِها عَلى غَنَمِهِ ورَقَ الشَّجَرِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ زَيْدٍ في قَوْلِهِ: ﴿هِيَ عَصايَ أتَوَكَّأُ عَلَيْها﴾ قالَ: إذا مَشى مَعَ غَنَمِهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عِكْرِمَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وأهُشُّ بِها عَلى غَنَمِي﴾ قالَ: أضْرِبُ بِها الشَّجَرَ فَيَتَساقَطُ مِنهُ الوَرَقُ عَلى غَنَمِي.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ في قَوْلِهِ: ﴿وأهُشُّ بِها عَلى غَنَمِي﴾ (p-١٨١)قالَ: الهَشُّ أنْ يَخْبِطَ الرَّجُلُ بِعَصاهُ الشَّجَرَ فَيَتَناثَرُ الوَرَقُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرانَ قالَ: الهَشُّ أنْ يُولِجَ العَصا بَيْنَ الشُّعْبَيْنِ ثُمَّ يُحَرِّكُها حَتّى يَسْقُطَ الوَرَقُ، والخَبْطُ أنْ يَخْبِطَ حَتّى يَسْقُطَ الوَرَقُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مالِكِ بْنِ أنَسٍ قالَ: الهَشُّ أنْ يَضَعَ الرَّجُلُ المِحْجَنَ في الغُصْنِ، ثُمَّ يُحَرِّكَهُ حَتّى يَسْقُطَ ورَقُهُ وثَمَرُهُ ولا يَكْسِرَ العُودَ فَهَذا الهَشُّ ولا يَخْبِطُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وأهُشُّ بِها عَلى غَنَمِي﴾ قالَ: أخَبِطُ بِها الشَّجَرَ،: ﴿ولِيَ فِيها مَآرِبُ أُخْرى﴾ قالَ: حاجاتٌ أُخْرى؛ مَنافِعُ أُخْرى.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولِيَ فِيها مَآرِبُ أُخْرى﴾ قالَ: حَوائِجُ.
(p-١٨٢)وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿مَآرِبُ أُخْرى﴾ قالَ: حاجاتٌ ومَنافِعُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿مَآرِبُ أُخْرى﴾ يَقُولُ: حَوائِجُ أُخْرى أحْمِلُ عَلَيْها المِزْوَدَ والسِّقاءَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿ولِيَ فِيها مَآرِبُ أُخْرى﴾ قالَ: كانَتْ تُضِيءُ لَهُ بِاللَّيْلِ، وكانَتْ عَصا آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ.
وأخْرَجَ ابْنً أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿فَألْقاها فَإذا هي حَيَّةٌ تَسْعى﴾ ولَمْ تَكُنْ قَبْلَ ذَلِكَ حَيَّةً، فَمَرَّتْ بِشَجَرَةٍ فَأكَلَتْها ومَرَّتْ بِصَخْرَةٍ فابْتَلَعَتْها، فَجَعَلَ مُوسى يَسْمَعُ وقْعَ الصَّخْرَةِ في جَوْفِها فَوَلّى مُدْبِرًا، فَنُودِيَ: أنْ يا مُوسى خُذْها، فَلَمْ يَأْخُذْها، ثُمَّ نُودِيَ الثّانِيَةَ: أنْ خُذْها ولا تَخَفْ، فَقِيلَ لَهُ في الثّالِثَةِ: إنَّكَ مِنَ الآمِنِينَ. فَأخَذَها.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿سَنُعِيدُها سِيرَتَها الأُولى﴾ قالَ: حالَتَها الأُولى.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿سَنُعِيدُها سِيرَتَها الأُولى﴾ قالَ: هَيْئَتَها الأُولى: ﴿واضْمُمْ يَدَكَ إلى جَناحِكَ﴾ قالَ: أدْخِلْ كَفَّكَ تَحْتَ عَضُدِكَ: ﴿تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِن غَيْرِ سُوءٍ﴾ . (p-١٨٣)قالَ: مِن غَيْرِ بَرَصٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿مِن غَيْرِ سُوءٍ﴾ قالَ: مِن غَيْرِ بَرَصٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ قالَ: أخْرَجَها كَأنَّها مِصْباحٌ، فَعَلِمَ مُوسى أنَّهُ قَدْ لَقِيَ رَبَّهُ، ولِهَذا قالَ تَعالى: ﴿لِنُرِيَكَ مِن آياتِنا الكُبْرى﴾ .
طه 20:22
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما تِلْكَ بِيَمِينِكَ﴾ الآياتِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في عَصا مُوسى - قالَ -: أعْطاهُ إيّاها مَلَكٌ مِنَ المَلائِكَةِ، إذْ تَوَجَّهَ إلى مَدْيَنَ فَكانَتْ تُضِيءُ لَهُ بِاللَّيْلِ، ويَضْرِبُ بِها الأرْضَ فَيَخْرُجُ لَهُ النَّباتُ، ويَهُشُّ بِها عَلى غَنَمِهِ ورَقَ الشَّجَرِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ زَيْدٍ في قَوْلِهِ: ﴿هِيَ عَصايَ أتَوَكَّأُ عَلَيْها﴾ قالَ: إذا مَشى مَعَ غَنَمِهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عِكْرِمَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وأهُشُّ بِها عَلى غَنَمِي﴾ قالَ: أضْرِبُ بِها الشَّجَرَ فَيَتَساقَطُ مِنهُ الوَرَقُ عَلى غَنَمِي.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ في قَوْلِهِ: ﴿وأهُشُّ بِها عَلى غَنَمِي﴾ (p-١٨١)قالَ: الهَشُّ أنْ يَخْبِطَ الرَّجُلُ بِعَصاهُ الشَّجَرَ فَيَتَناثَرُ الوَرَقُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرانَ قالَ: الهَشُّ أنْ يُولِجَ العَصا بَيْنَ الشُّعْبَيْنِ ثُمَّ يُحَرِّكُها حَتّى يَسْقُطَ الوَرَقُ، والخَبْطُ أنْ يَخْبِطَ حَتّى يَسْقُطَ الوَرَقُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مالِكِ بْنِ أنَسٍ قالَ: الهَشُّ أنْ يَضَعَ الرَّجُلُ المِحْجَنَ في الغُصْنِ، ثُمَّ يُحَرِّكَهُ حَتّى يَسْقُطَ ورَقُهُ وثَمَرُهُ ولا يَكْسِرَ العُودَ فَهَذا الهَشُّ ولا يَخْبِطُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وأهُشُّ بِها عَلى غَنَمِي﴾ قالَ: أخَبِطُ بِها الشَّجَرَ،: ﴿ولِيَ فِيها مَآرِبُ أُخْرى﴾ قالَ: حاجاتٌ أُخْرى؛ مَنافِعُ أُخْرى.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولِيَ فِيها مَآرِبُ أُخْرى﴾ قالَ: حَوائِجُ.
(p-١٨٢)وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿مَآرِبُ أُخْرى﴾ قالَ: حاجاتٌ ومَنافِعُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿مَآرِبُ أُخْرى﴾ يَقُولُ: حَوائِجُ أُخْرى أحْمِلُ عَلَيْها المِزْوَدَ والسِّقاءَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿ولِيَ فِيها مَآرِبُ أُخْرى﴾ قالَ: كانَتْ تُضِيءُ لَهُ بِاللَّيْلِ، وكانَتْ عَصا آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ.
وأخْرَجَ ابْنً أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿فَألْقاها فَإذا هي حَيَّةٌ تَسْعى﴾ ولَمْ تَكُنْ قَبْلَ ذَلِكَ حَيَّةً، فَمَرَّتْ بِشَجَرَةٍ فَأكَلَتْها ومَرَّتْ بِصَخْرَةٍ فابْتَلَعَتْها، فَجَعَلَ مُوسى يَسْمَعُ وقْعَ الصَّخْرَةِ في جَوْفِها فَوَلّى مُدْبِرًا، فَنُودِيَ: أنْ يا مُوسى خُذْها، فَلَمْ يَأْخُذْها، ثُمَّ نُودِيَ الثّانِيَةَ: أنْ خُذْها ولا تَخَفْ، فَقِيلَ لَهُ في الثّالِثَةِ: إنَّكَ مِنَ الآمِنِينَ. فَأخَذَها.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿سَنُعِيدُها سِيرَتَها الأُولى﴾ قالَ: حالَتَها الأُولى.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿سَنُعِيدُها سِيرَتَها الأُولى﴾ قالَ: هَيْئَتَها الأُولى: ﴿واضْمُمْ يَدَكَ إلى جَناحِكَ﴾ قالَ: أدْخِلْ كَفَّكَ تَحْتَ عَضُدِكَ: ﴿تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِن غَيْرِ سُوءٍ﴾ . (p-١٨٣)قالَ: مِن غَيْرِ بَرَصٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿مِن غَيْرِ سُوءٍ﴾ قالَ: مِن غَيْرِ بَرَصٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ قالَ: أخْرَجَها كَأنَّها مِصْباحٌ، فَعَلِمَ مُوسى أنَّهُ قَدْ لَقِيَ رَبَّهُ، ولِهَذا قالَ تَعالى: ﴿لِنُرِيَكَ مِن آياتِنا الكُبْرى﴾ .
طه 20:23
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما تِلْكَ بِيَمِينِكَ﴾ الآياتِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في عَصا مُوسى - قالَ -: أعْطاهُ إيّاها مَلَكٌ مِنَ المَلائِكَةِ، إذْ تَوَجَّهَ إلى مَدْيَنَ فَكانَتْ تُضِيءُ لَهُ بِاللَّيْلِ، ويَضْرِبُ بِها الأرْضَ فَيَخْرُجُ لَهُ النَّباتُ، ويَهُشُّ بِها عَلى غَنَمِهِ ورَقَ الشَّجَرِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ زَيْدٍ في قَوْلِهِ: ﴿هِيَ عَصايَ أتَوَكَّأُ عَلَيْها﴾ قالَ: إذا مَشى مَعَ غَنَمِهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عِكْرِمَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وأهُشُّ بِها عَلى غَنَمِي﴾ قالَ: أضْرِبُ بِها الشَّجَرَ فَيَتَساقَطُ مِنهُ الوَرَقُ عَلى غَنَمِي.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ في قَوْلِهِ: ﴿وأهُشُّ بِها عَلى غَنَمِي﴾ (p-١٨١)قالَ: الهَشُّ أنْ يَخْبِطَ الرَّجُلُ بِعَصاهُ الشَّجَرَ فَيَتَناثَرُ الوَرَقُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرانَ قالَ: الهَشُّ أنْ يُولِجَ العَصا بَيْنَ الشُّعْبَيْنِ ثُمَّ يُحَرِّكُها حَتّى يَسْقُطَ الوَرَقُ، والخَبْطُ أنْ يَخْبِطَ حَتّى يَسْقُطَ الوَرَقُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مالِكِ بْنِ أنَسٍ قالَ: الهَشُّ أنْ يَضَعَ الرَّجُلُ المِحْجَنَ في الغُصْنِ، ثُمَّ يُحَرِّكَهُ حَتّى يَسْقُطَ ورَقُهُ وثَمَرُهُ ولا يَكْسِرَ العُودَ فَهَذا الهَشُّ ولا يَخْبِطُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وأهُشُّ بِها عَلى غَنَمِي﴾ قالَ: أخَبِطُ بِها الشَّجَرَ،: ﴿ولِيَ فِيها مَآرِبُ أُخْرى﴾ قالَ: حاجاتٌ أُخْرى؛ مَنافِعُ أُخْرى.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولِيَ فِيها مَآرِبُ أُخْرى﴾ قالَ: حَوائِجُ.
(p-١٨٢)وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿مَآرِبُ أُخْرى﴾ قالَ: حاجاتٌ ومَنافِعُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿مَآرِبُ أُخْرى﴾ يَقُولُ: حَوائِجُ أُخْرى أحْمِلُ عَلَيْها المِزْوَدَ والسِّقاءَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿ولِيَ فِيها مَآرِبُ أُخْرى﴾ قالَ: كانَتْ تُضِيءُ لَهُ بِاللَّيْلِ، وكانَتْ عَصا آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ.
وأخْرَجَ ابْنً أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿فَألْقاها فَإذا هي حَيَّةٌ تَسْعى﴾ ولَمْ تَكُنْ قَبْلَ ذَلِكَ حَيَّةً، فَمَرَّتْ بِشَجَرَةٍ فَأكَلَتْها ومَرَّتْ بِصَخْرَةٍ فابْتَلَعَتْها، فَجَعَلَ مُوسى يَسْمَعُ وقْعَ الصَّخْرَةِ في جَوْفِها فَوَلّى مُدْبِرًا، فَنُودِيَ: أنْ يا مُوسى خُذْها، فَلَمْ يَأْخُذْها، ثُمَّ نُودِيَ الثّانِيَةَ: أنْ خُذْها ولا تَخَفْ، فَقِيلَ لَهُ في الثّالِثَةِ: إنَّكَ مِنَ الآمِنِينَ. فَأخَذَها.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿سَنُعِيدُها سِيرَتَها الأُولى﴾ قالَ: حالَتَها الأُولى.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿سَنُعِيدُها سِيرَتَها الأُولى﴾ قالَ: هَيْئَتَها الأُولى: ﴿واضْمُمْ يَدَكَ إلى جَناحِكَ﴾ قالَ: أدْخِلْ كَفَّكَ تَحْتَ عَضُدِكَ: ﴿تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِن غَيْرِ سُوءٍ﴾ . (p-١٨٣)قالَ: مِن غَيْرِ بَرَصٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿مِن غَيْرِ سُوءٍ﴾ قالَ: مِن غَيْرِ بَرَصٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ قالَ: أخْرَجَها كَأنَّها مِصْباحٌ، فَعَلِمَ مُوسى أنَّهُ قَدْ لَقِيَ رَبَّهُ، ولِهَذا قالَ تَعالى: ﴿لِنُرِيَكَ مِن آياتِنا الكُبْرى﴾ .
طه 20:25
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾ الآياتِ.
أخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ، والخَطِيبُ، وابْنُ عَساكِرَ عَنْ أسْماءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ قالَتْ: «رَأيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِإزاءٍ ثَبِيرٍ وهو يَقُولُ: أشْرِقْ ثَبِيرُ أشْرِقْ ثَبِيرُ، اللَّهُمَّ إنِّي أسْألُكَ بِما سَألَكَ أخِي مُوسى أنْ تَشْرَحَ لِي صَدْرِي، وأنَّ تُيَسِّرَ لِي أمْرِي، وأنْ تَحُلَّ عُقْدَةً مِن لِسانِي يُفْقَهُ قَوْلِي، واجْعَلْ لِي وزِيرًا مِن أهْلِي، عَلِيًّا أخِي، اشْدُدْ بِهِ أزْرِي، وأشْرِكْهُ في أمْرِي، كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا، ونَذْكُرَكَ كَثِيرًا، إنَّكَ كُنْتَ بِنا بَصِيرًا» .
(p-١٨٤)وأخْرَجَ السِّلَفِيُّ في ”الطُّيُورِيّاتِ“ بِسَنَدٍ واهٍ عَنْ أبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ: ﴿واجْعَلْ لِي وزِيرًا مِن أهْلِي﴾ ﴿هارُونَ أخِي﴾ ﴿اشْدُدْ بِهِ أزْرِي﴾ كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلى جَبَلٍ، ثُمَّ دَعا رَبَّهُ وقالَ: اللَّهُمَّ اشْدُدْ أزْرِي بِأخِي عَلِيٍّ. فَأجابَهُ إلى ذَلِكَ» .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ في قَوْلِهِ: ﴿واحْلُلْ عُقْدَةً مِن لِسانِي﴾ قالَ: عُجْمَةً بِجَمْرَةِ نارٍ أدْخَلَها في فِيهِ عَنْ أمْرِ امْرَأةِ فِرْعَوْنَ تَدْرَأُ بِهِ عَنْهُ عُقُوبَةَ فِرْعَوْنَ حِينَ أخَذَ مُوسى بِلِحْيَتِهِ، وهو لا يَعْقِلُ،، فَقالَ: هَذا عَدُوٌّ لِي. فَقالَتِ لَهُ امْرَأتُهُ: إنَّهُ لا يَعْقِلُ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿واجْعَلْ لِي وزِيرًا مِن أهْلِي﴾ ﴿هارُونَ أخِي﴾ قالَ: كانَ أكْبَرَ مِن مُوسى.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عَطِيَّةَ في قَوْلِهِ: ﴿اشْدُدْ بِهِ أزْرِي﴾ قالَ ظَهْرِي.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ زَيْدٍ في قَوْلِهِ: ﴿اشْدُدْ بِهِ أزْرِي﴾ يَقُولُ: اشْدُدْ بِهِ أمْرِي وقَوِّنِي بِهِ، فَإنَّ لِي بِهِ قُوَّةً.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وأشْرِكْهُ في أمْرِي﴾ قالَ: نُبِّئَ هارُونُ ساعَتَئِذٍ حِينَ نُبِّئَ مُوسى عَلَيْهِما السَّلامُ.
(p-١٨٥)وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عُرْوَةَ أنَّ عائِشَةَ سَمِعَتْ رَجُلًا يَقُولُ: إنِّي لَأدْرِي أيَّ أخٍ في الدُّنْيا كانَ أنْفَعَ لِأخِيهِ: مُوسى حِينَ سَألَ لِأخِيهِ النُّبُوَّةَ، فَقالَتْ: صَدَقَ واللَّهِ.
وأخْرَجَ الحاكِمُ عَنْ وهْبٍ قالَ: «كانَ هارُونُ فَصِيحًا بَيْنَ النُّطْقِ يَتَكَلَّمُ في تُؤَدَةٍ ويَقُولُ بِعِلْمٍ وحُلْمٍ، وكانَ أطْوَلَ مِن مُوسى طُولًا وأكْبَرَهُما في السِّنِّ، وأكْثَرَهُما لَحْمًا، وأبْيَضَهُما جِسْمًا، وأعْظَمَهُما ألْواحًا، وكانَ مُوسى رَجُلًا جَعْدًا آدَمَ طُوالًا، كَأنَّهُ مِن رِجالِ شَنُوءَةَ، " ولَمْ يَبْعَثِ اللَّهُ نَبِيًّا إلّا وقَدْ كانَتْ عَلَيْهِ شامَةُ النُّبُوَّةِ في يَدِهِ اليُمْنى، إلّا أنْ يَكُونَ نَبِيُّنا مُحَمَّدٌ ﷺ، فَإنَّ شامَةَ النُّبُوَّةِ كانَتْ بَيْنَ كَتِفَيْهِ» .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ عاصِمِ بْنِ أبِي النَّجُودِ أنَّهُ قَرَأ: ﴿كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا﴾ ﴿ونَذْكُرَكَ كَثِيرًا﴾ ﴿إنَّكَ كُنْتَ بِنا بَصِيرًا﴾ بِنَصْبِ الكافِ الأُولى في كُلِّهِنَّ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ الأعْمَشِ: أنَّهُ كانَ يَجْزِمُ هَذِهِ الكافاتِ كُلَّها.
طه 20:26
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾ الآياتِ.
أخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ، والخَطِيبُ، وابْنُ عَساكِرَ عَنْ أسْماءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ قالَتْ: «رَأيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِإزاءٍ ثَبِيرٍ وهو يَقُولُ: أشْرِقْ ثَبِيرُ أشْرِقْ ثَبِيرُ، اللَّهُمَّ إنِّي أسْألُكَ بِما سَألَكَ أخِي مُوسى أنْ تَشْرَحَ لِي صَدْرِي، وأنَّ تُيَسِّرَ لِي أمْرِي، وأنْ تَحُلَّ عُقْدَةً مِن لِسانِي يُفْقَهُ قَوْلِي، واجْعَلْ لِي وزِيرًا مِن أهْلِي، عَلِيًّا أخِي، اشْدُدْ بِهِ أزْرِي، وأشْرِكْهُ في أمْرِي، كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا، ونَذْكُرَكَ كَثِيرًا، إنَّكَ كُنْتَ بِنا بَصِيرًا» .
(p-١٨٤)وأخْرَجَ السِّلَفِيُّ في ”الطُّيُورِيّاتِ“ بِسَنَدٍ واهٍ عَنْ أبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ: ﴿واجْعَلْ لِي وزِيرًا مِن أهْلِي﴾ ﴿هارُونَ أخِي﴾ ﴿اشْدُدْ بِهِ أزْرِي﴾ كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلى جَبَلٍ، ثُمَّ دَعا رَبَّهُ وقالَ: اللَّهُمَّ اشْدُدْ أزْرِي بِأخِي عَلِيٍّ. فَأجابَهُ إلى ذَلِكَ» .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ في قَوْلِهِ: ﴿واحْلُلْ عُقْدَةً مِن لِسانِي﴾ قالَ: عُجْمَةً بِجَمْرَةِ نارٍ أدْخَلَها في فِيهِ عَنْ أمْرِ امْرَأةِ فِرْعَوْنَ تَدْرَأُ بِهِ عَنْهُ عُقُوبَةَ فِرْعَوْنَ حِينَ أخَذَ مُوسى بِلِحْيَتِهِ، وهو لا يَعْقِلُ،، فَقالَ: هَذا عَدُوٌّ لِي. فَقالَتِ لَهُ امْرَأتُهُ: إنَّهُ لا يَعْقِلُ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿واجْعَلْ لِي وزِيرًا مِن أهْلِي﴾ ﴿هارُونَ أخِي﴾ قالَ: كانَ أكْبَرَ مِن مُوسى.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عَطِيَّةَ في قَوْلِهِ: ﴿اشْدُدْ بِهِ أزْرِي﴾ قالَ ظَهْرِي.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ زَيْدٍ في قَوْلِهِ: ﴿اشْدُدْ بِهِ أزْرِي﴾ يَقُولُ: اشْدُدْ بِهِ أمْرِي وقَوِّنِي بِهِ، فَإنَّ لِي بِهِ قُوَّةً.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وأشْرِكْهُ في أمْرِي﴾ قالَ: نُبِّئَ هارُونُ ساعَتَئِذٍ حِينَ نُبِّئَ مُوسى عَلَيْهِما السَّلامُ.
(p-١٨٥)وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عُرْوَةَ أنَّ عائِشَةَ سَمِعَتْ رَجُلًا يَقُولُ: إنِّي لَأدْرِي أيَّ أخٍ في الدُّنْيا كانَ أنْفَعَ لِأخِيهِ: مُوسى حِينَ سَألَ لِأخِيهِ النُّبُوَّةَ، فَقالَتْ: صَدَقَ واللَّهِ.
وأخْرَجَ الحاكِمُ عَنْ وهْبٍ قالَ: «كانَ هارُونُ فَصِيحًا بَيْنَ النُّطْقِ يَتَكَلَّمُ في تُؤَدَةٍ ويَقُولُ بِعِلْمٍ وحُلْمٍ، وكانَ أطْوَلَ مِن مُوسى طُولًا وأكْبَرَهُما في السِّنِّ، وأكْثَرَهُما لَحْمًا، وأبْيَضَهُما جِسْمًا، وأعْظَمَهُما ألْواحًا، وكانَ مُوسى رَجُلًا جَعْدًا آدَمَ طُوالًا، كَأنَّهُ مِن رِجالِ شَنُوءَةَ، " ولَمْ يَبْعَثِ اللَّهُ نَبِيًّا إلّا وقَدْ كانَتْ عَلَيْهِ شامَةُ النُّبُوَّةِ في يَدِهِ اليُمْنى، إلّا أنْ يَكُونَ نَبِيُّنا مُحَمَّدٌ ﷺ، فَإنَّ شامَةَ النُّبُوَّةِ كانَتْ بَيْنَ كَتِفَيْهِ» .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ عاصِمِ بْنِ أبِي النَّجُودِ أنَّهُ قَرَأ: ﴿كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا﴾ ﴿ونَذْكُرَكَ كَثِيرًا﴾ ﴿إنَّكَ كُنْتَ بِنا بَصِيرًا﴾ بِنَصْبِ الكافِ الأُولى في كُلِّهِنَّ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ الأعْمَشِ: أنَّهُ كانَ يَجْزِمُ هَذِهِ الكافاتِ كُلَّها.
طه 20:27
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾ الآياتِ.
أخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ، والخَطِيبُ، وابْنُ عَساكِرَ عَنْ أسْماءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ قالَتْ: «رَأيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِإزاءٍ ثَبِيرٍ وهو يَقُولُ: أشْرِقْ ثَبِيرُ أشْرِقْ ثَبِيرُ، اللَّهُمَّ إنِّي أسْألُكَ بِما سَألَكَ أخِي مُوسى أنْ تَشْرَحَ لِي صَدْرِي، وأنَّ تُيَسِّرَ لِي أمْرِي، وأنْ تَحُلَّ عُقْدَةً مِن لِسانِي يُفْقَهُ قَوْلِي، واجْعَلْ لِي وزِيرًا مِن أهْلِي، عَلِيًّا أخِي، اشْدُدْ بِهِ أزْرِي، وأشْرِكْهُ في أمْرِي، كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا، ونَذْكُرَكَ كَثِيرًا، إنَّكَ كُنْتَ بِنا بَصِيرًا» .
(p-١٨٤)وأخْرَجَ السِّلَفِيُّ في ”الطُّيُورِيّاتِ“ بِسَنَدٍ واهٍ عَنْ أبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ: ﴿واجْعَلْ لِي وزِيرًا مِن أهْلِي﴾ ﴿هارُونَ أخِي﴾ ﴿اشْدُدْ بِهِ أزْرِي﴾ كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلى جَبَلٍ، ثُمَّ دَعا رَبَّهُ وقالَ: اللَّهُمَّ اشْدُدْ أزْرِي بِأخِي عَلِيٍّ. فَأجابَهُ إلى ذَلِكَ» .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ في قَوْلِهِ: ﴿واحْلُلْ عُقْدَةً مِن لِسانِي﴾ قالَ: عُجْمَةً بِجَمْرَةِ نارٍ أدْخَلَها في فِيهِ عَنْ أمْرِ امْرَأةِ فِرْعَوْنَ تَدْرَأُ بِهِ عَنْهُ عُقُوبَةَ فِرْعَوْنَ حِينَ أخَذَ مُوسى بِلِحْيَتِهِ، وهو لا يَعْقِلُ،، فَقالَ: هَذا عَدُوٌّ لِي. فَقالَتِ لَهُ امْرَأتُهُ: إنَّهُ لا يَعْقِلُ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿واجْعَلْ لِي وزِيرًا مِن أهْلِي﴾ ﴿هارُونَ أخِي﴾ قالَ: كانَ أكْبَرَ مِن مُوسى.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عَطِيَّةَ في قَوْلِهِ: ﴿اشْدُدْ بِهِ أزْرِي﴾ قالَ ظَهْرِي.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ زَيْدٍ في قَوْلِهِ: ﴿اشْدُدْ بِهِ أزْرِي﴾ يَقُولُ: اشْدُدْ بِهِ أمْرِي وقَوِّنِي بِهِ، فَإنَّ لِي بِهِ قُوَّةً.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وأشْرِكْهُ في أمْرِي﴾ قالَ: نُبِّئَ هارُونُ ساعَتَئِذٍ حِينَ نُبِّئَ مُوسى عَلَيْهِما السَّلامُ.
(p-١٨٥)وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عُرْوَةَ أنَّ عائِشَةَ سَمِعَتْ رَجُلًا يَقُولُ: إنِّي لَأدْرِي أيَّ أخٍ في الدُّنْيا كانَ أنْفَعَ لِأخِيهِ: مُوسى حِينَ سَألَ لِأخِيهِ النُّبُوَّةَ، فَقالَتْ: صَدَقَ واللَّهِ.
وأخْرَجَ الحاكِمُ عَنْ وهْبٍ قالَ: «كانَ هارُونُ فَصِيحًا بَيْنَ النُّطْقِ يَتَكَلَّمُ في تُؤَدَةٍ ويَقُولُ بِعِلْمٍ وحُلْمٍ، وكانَ أطْوَلَ مِن مُوسى طُولًا وأكْبَرَهُما في السِّنِّ، وأكْثَرَهُما لَحْمًا، وأبْيَضَهُما جِسْمًا، وأعْظَمَهُما ألْواحًا، وكانَ مُوسى رَجُلًا جَعْدًا آدَمَ طُوالًا، كَأنَّهُ مِن رِجالِ شَنُوءَةَ، " ولَمْ يَبْعَثِ اللَّهُ نَبِيًّا إلّا وقَدْ كانَتْ عَلَيْهِ شامَةُ النُّبُوَّةِ في يَدِهِ اليُمْنى، إلّا أنْ يَكُونَ نَبِيُّنا مُحَمَّدٌ ﷺ، فَإنَّ شامَةَ النُّبُوَّةِ كانَتْ بَيْنَ كَتِفَيْهِ» .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ عاصِمِ بْنِ أبِي النَّجُودِ أنَّهُ قَرَأ: ﴿كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا﴾ ﴿ونَذْكُرَكَ كَثِيرًا﴾ ﴿إنَّكَ كُنْتَ بِنا بَصِيرًا﴾ بِنَصْبِ الكافِ الأُولى في كُلِّهِنَّ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ الأعْمَشِ: أنَّهُ كانَ يَجْزِمُ هَذِهِ الكافاتِ كُلَّها.
طه 20:28
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾ الآياتِ.
أخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ، والخَطِيبُ، وابْنُ عَساكِرَ عَنْ أسْماءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ قالَتْ: «رَأيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِإزاءٍ ثَبِيرٍ وهو يَقُولُ: أشْرِقْ ثَبِيرُ أشْرِقْ ثَبِيرُ، اللَّهُمَّ إنِّي أسْألُكَ بِما سَألَكَ أخِي مُوسى أنْ تَشْرَحَ لِي صَدْرِي، وأنَّ تُيَسِّرَ لِي أمْرِي، وأنْ تَحُلَّ عُقْدَةً مِن لِسانِي يُفْقَهُ قَوْلِي، واجْعَلْ لِي وزِيرًا مِن أهْلِي، عَلِيًّا أخِي، اشْدُدْ بِهِ أزْرِي، وأشْرِكْهُ في أمْرِي، كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا، ونَذْكُرَكَ كَثِيرًا، إنَّكَ كُنْتَ بِنا بَصِيرًا» .
(p-١٨٤)وأخْرَجَ السِّلَفِيُّ في ”الطُّيُورِيّاتِ“ بِسَنَدٍ واهٍ عَنْ أبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ: ﴿واجْعَلْ لِي وزِيرًا مِن أهْلِي﴾ ﴿هارُونَ أخِي﴾ ﴿اشْدُدْ بِهِ أزْرِي﴾ كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلى جَبَلٍ، ثُمَّ دَعا رَبَّهُ وقالَ: اللَّهُمَّ اشْدُدْ أزْرِي بِأخِي عَلِيٍّ. فَأجابَهُ إلى ذَلِكَ» .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ في قَوْلِهِ: ﴿واحْلُلْ عُقْدَةً مِن لِسانِي﴾ قالَ: عُجْمَةً بِجَمْرَةِ نارٍ أدْخَلَها في فِيهِ عَنْ أمْرِ امْرَأةِ فِرْعَوْنَ تَدْرَأُ بِهِ عَنْهُ عُقُوبَةَ فِرْعَوْنَ حِينَ أخَذَ مُوسى بِلِحْيَتِهِ، وهو لا يَعْقِلُ،، فَقالَ: هَذا عَدُوٌّ لِي. فَقالَتِ لَهُ امْرَأتُهُ: إنَّهُ لا يَعْقِلُ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿واجْعَلْ لِي وزِيرًا مِن أهْلِي﴾ ﴿هارُونَ أخِي﴾ قالَ: كانَ أكْبَرَ مِن مُوسى.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عَطِيَّةَ في قَوْلِهِ: ﴿اشْدُدْ بِهِ أزْرِي﴾ قالَ ظَهْرِي.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ زَيْدٍ في قَوْلِهِ: ﴿اشْدُدْ بِهِ أزْرِي﴾ يَقُولُ: اشْدُدْ بِهِ أمْرِي وقَوِّنِي بِهِ، فَإنَّ لِي بِهِ قُوَّةً.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وأشْرِكْهُ في أمْرِي﴾ قالَ: نُبِّئَ هارُونُ ساعَتَئِذٍ حِينَ نُبِّئَ مُوسى عَلَيْهِما السَّلامُ.
(p-١٨٥)وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عُرْوَةَ أنَّ عائِشَةَ سَمِعَتْ رَجُلًا يَقُولُ: إنِّي لَأدْرِي أيَّ أخٍ في الدُّنْيا كانَ أنْفَعَ لِأخِيهِ: مُوسى حِينَ سَألَ لِأخِيهِ النُّبُوَّةَ، فَقالَتْ: صَدَقَ واللَّهِ.
وأخْرَجَ الحاكِمُ عَنْ وهْبٍ قالَ: «كانَ هارُونُ فَصِيحًا بَيْنَ النُّطْقِ يَتَكَلَّمُ في تُؤَدَةٍ ويَقُولُ بِعِلْمٍ وحُلْمٍ، وكانَ أطْوَلَ مِن مُوسى طُولًا وأكْبَرَهُما في السِّنِّ، وأكْثَرَهُما لَحْمًا، وأبْيَضَهُما جِسْمًا، وأعْظَمَهُما ألْواحًا، وكانَ مُوسى رَجُلًا جَعْدًا آدَمَ طُوالًا، كَأنَّهُ مِن رِجالِ شَنُوءَةَ، " ولَمْ يَبْعَثِ اللَّهُ نَبِيًّا إلّا وقَدْ كانَتْ عَلَيْهِ شامَةُ النُّبُوَّةِ في يَدِهِ اليُمْنى، إلّا أنْ يَكُونَ نَبِيُّنا مُحَمَّدٌ ﷺ، فَإنَّ شامَةَ النُّبُوَّةِ كانَتْ بَيْنَ كَتِفَيْهِ» .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ عاصِمِ بْنِ أبِي النَّجُودِ أنَّهُ قَرَأ: ﴿كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا﴾ ﴿ونَذْكُرَكَ كَثِيرًا﴾ ﴿إنَّكَ كُنْتَ بِنا بَصِيرًا﴾ بِنَصْبِ الكافِ الأُولى في كُلِّهِنَّ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ الأعْمَشِ: أنَّهُ كانَ يَجْزِمُ هَذِهِ الكافاتِ كُلَّها.
طه 20:29
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾ الآياتِ.
أخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ، والخَطِيبُ، وابْنُ عَساكِرَ عَنْ أسْماءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ قالَتْ: «رَأيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِإزاءٍ ثَبِيرٍ وهو يَقُولُ: أشْرِقْ ثَبِيرُ أشْرِقْ ثَبِيرُ، اللَّهُمَّ إنِّي أسْألُكَ بِما سَألَكَ أخِي مُوسى أنْ تَشْرَحَ لِي صَدْرِي، وأنَّ تُيَسِّرَ لِي أمْرِي، وأنْ تَحُلَّ عُقْدَةً مِن لِسانِي يُفْقَهُ قَوْلِي، واجْعَلْ لِي وزِيرًا مِن أهْلِي، عَلِيًّا أخِي، اشْدُدْ بِهِ أزْرِي، وأشْرِكْهُ في أمْرِي، كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا، ونَذْكُرَكَ كَثِيرًا، إنَّكَ كُنْتَ بِنا بَصِيرًا» .
(p-١٨٤)وأخْرَجَ السِّلَفِيُّ في ”الطُّيُورِيّاتِ“ بِسَنَدٍ واهٍ عَنْ أبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ: ﴿واجْعَلْ لِي وزِيرًا مِن أهْلِي﴾ ﴿هارُونَ أخِي﴾ ﴿اشْدُدْ بِهِ أزْرِي﴾ كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلى جَبَلٍ، ثُمَّ دَعا رَبَّهُ وقالَ: اللَّهُمَّ اشْدُدْ أزْرِي بِأخِي عَلِيٍّ. فَأجابَهُ إلى ذَلِكَ» .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ في قَوْلِهِ: ﴿واحْلُلْ عُقْدَةً مِن لِسانِي﴾ قالَ: عُجْمَةً بِجَمْرَةِ نارٍ أدْخَلَها في فِيهِ عَنْ أمْرِ امْرَأةِ فِرْعَوْنَ تَدْرَأُ بِهِ عَنْهُ عُقُوبَةَ فِرْعَوْنَ حِينَ أخَذَ مُوسى بِلِحْيَتِهِ، وهو لا يَعْقِلُ،، فَقالَ: هَذا عَدُوٌّ لِي. فَقالَتِ لَهُ امْرَأتُهُ: إنَّهُ لا يَعْقِلُ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿واجْعَلْ لِي وزِيرًا مِن أهْلِي﴾ ﴿هارُونَ أخِي﴾ قالَ: كانَ أكْبَرَ مِن مُوسى.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عَطِيَّةَ في قَوْلِهِ: ﴿اشْدُدْ بِهِ أزْرِي﴾ قالَ ظَهْرِي.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ زَيْدٍ في قَوْلِهِ: ﴿اشْدُدْ بِهِ أزْرِي﴾ يَقُولُ: اشْدُدْ بِهِ أمْرِي وقَوِّنِي بِهِ، فَإنَّ لِي بِهِ قُوَّةً.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وأشْرِكْهُ في أمْرِي﴾ قالَ: نُبِّئَ هارُونُ ساعَتَئِذٍ حِينَ نُبِّئَ مُوسى عَلَيْهِما السَّلامُ.
(p-١٨٥)وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عُرْوَةَ أنَّ عائِشَةَ سَمِعَتْ رَجُلًا يَقُولُ: إنِّي لَأدْرِي أيَّ أخٍ في الدُّنْيا كانَ أنْفَعَ لِأخِيهِ: مُوسى حِينَ سَألَ لِأخِيهِ النُّبُوَّةَ، فَقالَتْ: صَدَقَ واللَّهِ.
وأخْرَجَ الحاكِمُ عَنْ وهْبٍ قالَ: «كانَ هارُونُ فَصِيحًا بَيْنَ النُّطْقِ يَتَكَلَّمُ في تُؤَدَةٍ ويَقُولُ بِعِلْمٍ وحُلْمٍ، وكانَ أطْوَلَ مِن مُوسى طُولًا وأكْبَرَهُما في السِّنِّ، وأكْثَرَهُما لَحْمًا، وأبْيَضَهُما جِسْمًا، وأعْظَمَهُما ألْواحًا، وكانَ مُوسى رَجُلًا جَعْدًا آدَمَ طُوالًا، كَأنَّهُ مِن رِجالِ شَنُوءَةَ، " ولَمْ يَبْعَثِ اللَّهُ نَبِيًّا إلّا وقَدْ كانَتْ عَلَيْهِ شامَةُ النُّبُوَّةِ في يَدِهِ اليُمْنى، إلّا أنْ يَكُونَ نَبِيُّنا مُحَمَّدٌ ﷺ، فَإنَّ شامَةَ النُّبُوَّةِ كانَتْ بَيْنَ كَتِفَيْهِ» .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ عاصِمِ بْنِ أبِي النَّجُودِ أنَّهُ قَرَأ: ﴿كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا﴾ ﴿ونَذْكُرَكَ كَثِيرًا﴾ ﴿إنَّكَ كُنْتَ بِنا بَصِيرًا﴾ بِنَصْبِ الكافِ الأُولى في كُلِّهِنَّ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ الأعْمَشِ: أنَّهُ كانَ يَجْزِمُ هَذِهِ الكافاتِ كُلَّها.
طه 20:30
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾ الآياتِ.
أخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ، والخَطِيبُ، وابْنُ عَساكِرَ عَنْ أسْماءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ قالَتْ: «رَأيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِإزاءٍ ثَبِيرٍ وهو يَقُولُ: أشْرِقْ ثَبِيرُ أشْرِقْ ثَبِيرُ، اللَّهُمَّ إنِّي أسْألُكَ بِما سَألَكَ أخِي مُوسى أنْ تَشْرَحَ لِي صَدْرِي، وأنَّ تُيَسِّرَ لِي أمْرِي، وأنْ تَحُلَّ عُقْدَةً مِن لِسانِي يُفْقَهُ قَوْلِي، واجْعَلْ لِي وزِيرًا مِن أهْلِي، عَلِيًّا أخِي، اشْدُدْ بِهِ أزْرِي، وأشْرِكْهُ في أمْرِي، كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا، ونَذْكُرَكَ كَثِيرًا، إنَّكَ كُنْتَ بِنا بَصِيرًا» .
(p-١٨٤)وأخْرَجَ السِّلَفِيُّ في ”الطُّيُورِيّاتِ“ بِسَنَدٍ واهٍ عَنْ أبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ: ﴿واجْعَلْ لِي وزِيرًا مِن أهْلِي﴾ ﴿هارُونَ أخِي﴾ ﴿اشْدُدْ بِهِ أزْرِي﴾ كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلى جَبَلٍ، ثُمَّ دَعا رَبَّهُ وقالَ: اللَّهُمَّ اشْدُدْ أزْرِي بِأخِي عَلِيٍّ. فَأجابَهُ إلى ذَلِكَ» .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ في قَوْلِهِ: ﴿واحْلُلْ عُقْدَةً مِن لِسانِي﴾ قالَ: عُجْمَةً بِجَمْرَةِ نارٍ أدْخَلَها في فِيهِ عَنْ أمْرِ امْرَأةِ فِرْعَوْنَ تَدْرَأُ بِهِ عَنْهُ عُقُوبَةَ فِرْعَوْنَ حِينَ أخَذَ مُوسى بِلِحْيَتِهِ، وهو لا يَعْقِلُ،، فَقالَ: هَذا عَدُوٌّ لِي. فَقالَتِ لَهُ امْرَأتُهُ: إنَّهُ لا يَعْقِلُ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿واجْعَلْ لِي وزِيرًا مِن أهْلِي﴾ ﴿هارُونَ أخِي﴾ قالَ: كانَ أكْبَرَ مِن مُوسى.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عَطِيَّةَ في قَوْلِهِ: ﴿اشْدُدْ بِهِ أزْرِي﴾ قالَ ظَهْرِي.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ زَيْدٍ في قَوْلِهِ: ﴿اشْدُدْ بِهِ أزْرِي﴾ يَقُولُ: اشْدُدْ بِهِ أمْرِي وقَوِّنِي بِهِ، فَإنَّ لِي بِهِ قُوَّةً.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وأشْرِكْهُ في أمْرِي﴾ قالَ: نُبِّئَ هارُونُ ساعَتَئِذٍ حِينَ نُبِّئَ مُوسى عَلَيْهِما السَّلامُ.
(p-١٨٥)وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عُرْوَةَ أنَّ عائِشَةَ سَمِعَتْ رَجُلًا يَقُولُ: إنِّي لَأدْرِي أيَّ أخٍ في الدُّنْيا كانَ أنْفَعَ لِأخِيهِ: مُوسى حِينَ سَألَ لِأخِيهِ النُّبُوَّةَ، فَقالَتْ: صَدَقَ واللَّهِ.
وأخْرَجَ الحاكِمُ عَنْ وهْبٍ قالَ: «كانَ هارُونُ فَصِيحًا بَيْنَ النُّطْقِ يَتَكَلَّمُ في تُؤَدَةٍ ويَقُولُ بِعِلْمٍ وحُلْمٍ، وكانَ أطْوَلَ مِن مُوسى طُولًا وأكْبَرَهُما في السِّنِّ، وأكْثَرَهُما لَحْمًا، وأبْيَضَهُما جِسْمًا، وأعْظَمَهُما ألْواحًا، وكانَ مُوسى رَجُلًا جَعْدًا آدَمَ طُوالًا، كَأنَّهُ مِن رِجالِ شَنُوءَةَ، " ولَمْ يَبْعَثِ اللَّهُ نَبِيًّا إلّا وقَدْ كانَتْ عَلَيْهِ شامَةُ النُّبُوَّةِ في يَدِهِ اليُمْنى، إلّا أنْ يَكُونَ نَبِيُّنا مُحَمَّدٌ ﷺ، فَإنَّ شامَةَ النُّبُوَّةِ كانَتْ بَيْنَ كَتِفَيْهِ» .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ عاصِمِ بْنِ أبِي النَّجُودِ أنَّهُ قَرَأ: ﴿كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا﴾ ﴿ونَذْكُرَكَ كَثِيرًا﴾ ﴿إنَّكَ كُنْتَ بِنا بَصِيرًا﴾ بِنَصْبِ الكافِ الأُولى في كُلِّهِنَّ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ الأعْمَشِ: أنَّهُ كانَ يَجْزِمُ هَذِهِ الكافاتِ كُلَّها.
طه 20:31
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾ الآياتِ.
أخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ، والخَطِيبُ، وابْنُ عَساكِرَ عَنْ أسْماءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ قالَتْ: «رَأيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِإزاءٍ ثَبِيرٍ وهو يَقُولُ: أشْرِقْ ثَبِيرُ أشْرِقْ ثَبِيرُ، اللَّهُمَّ إنِّي أسْألُكَ بِما سَألَكَ أخِي مُوسى أنْ تَشْرَحَ لِي صَدْرِي، وأنَّ تُيَسِّرَ لِي أمْرِي، وأنْ تَحُلَّ عُقْدَةً مِن لِسانِي يُفْقَهُ قَوْلِي، واجْعَلْ لِي وزِيرًا مِن أهْلِي، عَلِيًّا أخِي، اشْدُدْ بِهِ أزْرِي، وأشْرِكْهُ في أمْرِي، كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا، ونَذْكُرَكَ كَثِيرًا، إنَّكَ كُنْتَ بِنا بَصِيرًا» .
(p-١٨٤)وأخْرَجَ السِّلَفِيُّ في ”الطُّيُورِيّاتِ“ بِسَنَدٍ واهٍ عَنْ أبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ: ﴿واجْعَلْ لِي وزِيرًا مِن أهْلِي﴾ ﴿هارُونَ أخِي﴾ ﴿اشْدُدْ بِهِ أزْرِي﴾ كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلى جَبَلٍ، ثُمَّ دَعا رَبَّهُ وقالَ: اللَّهُمَّ اشْدُدْ أزْرِي بِأخِي عَلِيٍّ. فَأجابَهُ إلى ذَلِكَ» .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ في قَوْلِهِ: ﴿واحْلُلْ عُقْدَةً مِن لِسانِي﴾ قالَ: عُجْمَةً بِجَمْرَةِ نارٍ أدْخَلَها في فِيهِ عَنْ أمْرِ امْرَأةِ فِرْعَوْنَ تَدْرَأُ بِهِ عَنْهُ عُقُوبَةَ فِرْعَوْنَ حِينَ أخَذَ مُوسى بِلِحْيَتِهِ، وهو لا يَعْقِلُ،، فَقالَ: هَذا عَدُوٌّ لِي. فَقالَتِ لَهُ امْرَأتُهُ: إنَّهُ لا يَعْقِلُ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿واجْعَلْ لِي وزِيرًا مِن أهْلِي﴾ ﴿هارُونَ أخِي﴾ قالَ: كانَ أكْبَرَ مِن مُوسى.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عَطِيَّةَ في قَوْلِهِ: ﴿اشْدُدْ بِهِ أزْرِي﴾ قالَ ظَهْرِي.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ زَيْدٍ في قَوْلِهِ: ﴿اشْدُدْ بِهِ أزْرِي﴾ يَقُولُ: اشْدُدْ بِهِ أمْرِي وقَوِّنِي بِهِ، فَإنَّ لِي بِهِ قُوَّةً.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وأشْرِكْهُ في أمْرِي﴾ قالَ: نُبِّئَ هارُونُ ساعَتَئِذٍ حِينَ نُبِّئَ مُوسى عَلَيْهِما السَّلامُ.
(p-١٨٥)وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عُرْوَةَ أنَّ عائِشَةَ سَمِعَتْ رَجُلًا يَقُولُ: إنِّي لَأدْرِي أيَّ أخٍ في الدُّنْيا كانَ أنْفَعَ لِأخِيهِ: مُوسى حِينَ سَألَ لِأخِيهِ النُّبُوَّةَ، فَقالَتْ: صَدَقَ واللَّهِ.
وأخْرَجَ الحاكِمُ عَنْ وهْبٍ قالَ: «كانَ هارُونُ فَصِيحًا بَيْنَ النُّطْقِ يَتَكَلَّمُ في تُؤَدَةٍ ويَقُولُ بِعِلْمٍ وحُلْمٍ، وكانَ أطْوَلَ مِن مُوسى طُولًا وأكْبَرَهُما في السِّنِّ، وأكْثَرَهُما لَحْمًا، وأبْيَضَهُما جِسْمًا، وأعْظَمَهُما ألْواحًا، وكانَ مُوسى رَجُلًا جَعْدًا آدَمَ طُوالًا، كَأنَّهُ مِن رِجالِ شَنُوءَةَ، " ولَمْ يَبْعَثِ اللَّهُ نَبِيًّا إلّا وقَدْ كانَتْ عَلَيْهِ شامَةُ النُّبُوَّةِ في يَدِهِ اليُمْنى، إلّا أنْ يَكُونَ نَبِيُّنا مُحَمَّدٌ ﷺ، فَإنَّ شامَةَ النُّبُوَّةِ كانَتْ بَيْنَ كَتِفَيْهِ» .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ عاصِمِ بْنِ أبِي النَّجُودِ أنَّهُ قَرَأ: ﴿كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا﴾ ﴿ونَذْكُرَكَ كَثِيرًا﴾ ﴿إنَّكَ كُنْتَ بِنا بَصِيرًا﴾ بِنَصْبِ الكافِ الأُولى في كُلِّهِنَّ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ الأعْمَشِ: أنَّهُ كانَ يَجْزِمُ هَذِهِ الكافاتِ كُلَّها.
طه 20:32
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾ الآياتِ.
أخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ، والخَطِيبُ، وابْنُ عَساكِرَ عَنْ أسْماءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ قالَتْ: «رَأيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِإزاءٍ ثَبِيرٍ وهو يَقُولُ: أشْرِقْ ثَبِيرُ أشْرِقْ ثَبِيرُ، اللَّهُمَّ إنِّي أسْألُكَ بِما سَألَكَ أخِي مُوسى أنْ تَشْرَحَ لِي صَدْرِي، وأنَّ تُيَسِّرَ لِي أمْرِي، وأنْ تَحُلَّ عُقْدَةً مِن لِسانِي يُفْقَهُ قَوْلِي، واجْعَلْ لِي وزِيرًا مِن أهْلِي، عَلِيًّا أخِي، اشْدُدْ بِهِ أزْرِي، وأشْرِكْهُ في أمْرِي، كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا، ونَذْكُرَكَ كَثِيرًا، إنَّكَ كُنْتَ بِنا بَصِيرًا» .
(p-١٨٤)وأخْرَجَ السِّلَفِيُّ في ”الطُّيُورِيّاتِ“ بِسَنَدٍ واهٍ عَنْ أبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ: ﴿واجْعَلْ لِي وزِيرًا مِن أهْلِي﴾ ﴿هارُونَ أخِي﴾ ﴿اشْدُدْ بِهِ أزْرِي﴾ كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلى جَبَلٍ، ثُمَّ دَعا رَبَّهُ وقالَ: اللَّهُمَّ اشْدُدْ أزْرِي بِأخِي عَلِيٍّ. فَأجابَهُ إلى ذَلِكَ» .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ في قَوْلِهِ: ﴿واحْلُلْ عُقْدَةً مِن لِسانِي﴾ قالَ: عُجْمَةً بِجَمْرَةِ نارٍ أدْخَلَها في فِيهِ عَنْ أمْرِ امْرَأةِ فِرْعَوْنَ تَدْرَأُ بِهِ عَنْهُ عُقُوبَةَ فِرْعَوْنَ حِينَ أخَذَ مُوسى بِلِحْيَتِهِ، وهو لا يَعْقِلُ،، فَقالَ: هَذا عَدُوٌّ لِي. فَقالَتِ لَهُ امْرَأتُهُ: إنَّهُ لا يَعْقِلُ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿واجْعَلْ لِي وزِيرًا مِن أهْلِي﴾ ﴿هارُونَ أخِي﴾ قالَ: كانَ أكْبَرَ مِن مُوسى.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عَطِيَّةَ في قَوْلِهِ: ﴿اشْدُدْ بِهِ أزْرِي﴾ قالَ ظَهْرِي.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ زَيْدٍ في قَوْلِهِ: ﴿اشْدُدْ بِهِ أزْرِي﴾ يَقُولُ: اشْدُدْ بِهِ أمْرِي وقَوِّنِي بِهِ، فَإنَّ لِي بِهِ قُوَّةً.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وأشْرِكْهُ في أمْرِي﴾ قالَ: نُبِّئَ هارُونُ ساعَتَئِذٍ حِينَ نُبِّئَ مُوسى عَلَيْهِما السَّلامُ.
(p-١٨٥)وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عُرْوَةَ أنَّ عائِشَةَ سَمِعَتْ رَجُلًا يَقُولُ: إنِّي لَأدْرِي أيَّ أخٍ في الدُّنْيا كانَ أنْفَعَ لِأخِيهِ: مُوسى حِينَ سَألَ لِأخِيهِ النُّبُوَّةَ، فَقالَتْ: صَدَقَ واللَّهِ.
وأخْرَجَ الحاكِمُ عَنْ وهْبٍ قالَ: «كانَ هارُونُ فَصِيحًا بَيْنَ النُّطْقِ يَتَكَلَّمُ في تُؤَدَةٍ ويَقُولُ بِعِلْمٍ وحُلْمٍ، وكانَ أطْوَلَ مِن مُوسى طُولًا وأكْبَرَهُما في السِّنِّ، وأكْثَرَهُما لَحْمًا، وأبْيَضَهُما جِسْمًا، وأعْظَمَهُما ألْواحًا، وكانَ مُوسى رَجُلًا جَعْدًا آدَمَ طُوالًا، كَأنَّهُ مِن رِجالِ شَنُوءَةَ، " ولَمْ يَبْعَثِ اللَّهُ نَبِيًّا إلّا وقَدْ كانَتْ عَلَيْهِ شامَةُ النُّبُوَّةِ في يَدِهِ اليُمْنى، إلّا أنْ يَكُونَ نَبِيُّنا مُحَمَّدٌ ﷺ، فَإنَّ شامَةَ النُّبُوَّةِ كانَتْ بَيْنَ كَتِفَيْهِ» .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ عاصِمِ بْنِ أبِي النَّجُودِ أنَّهُ قَرَأ: ﴿كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا﴾ ﴿ونَذْكُرَكَ كَثِيرًا﴾ ﴿إنَّكَ كُنْتَ بِنا بَصِيرًا﴾ بِنَصْبِ الكافِ الأُولى في كُلِّهِنَّ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ الأعْمَشِ: أنَّهُ كانَ يَجْزِمُ هَذِهِ الكافاتِ كُلَّها.
طه 20:33
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾ الآياتِ.
أخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ، والخَطِيبُ، وابْنُ عَساكِرَ عَنْ أسْماءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ قالَتْ: «رَأيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِإزاءٍ ثَبِيرٍ وهو يَقُولُ: أشْرِقْ ثَبِيرُ أشْرِقْ ثَبِيرُ، اللَّهُمَّ إنِّي أسْألُكَ بِما سَألَكَ أخِي مُوسى أنْ تَشْرَحَ لِي صَدْرِي، وأنَّ تُيَسِّرَ لِي أمْرِي، وأنْ تَحُلَّ عُقْدَةً مِن لِسانِي يُفْقَهُ قَوْلِي، واجْعَلْ لِي وزِيرًا مِن أهْلِي، عَلِيًّا أخِي، اشْدُدْ بِهِ أزْرِي، وأشْرِكْهُ في أمْرِي، كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا، ونَذْكُرَكَ كَثِيرًا، إنَّكَ كُنْتَ بِنا بَصِيرًا» .
(p-١٨٤)وأخْرَجَ السِّلَفِيُّ في ”الطُّيُورِيّاتِ“ بِسَنَدٍ واهٍ عَنْ أبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ: ﴿واجْعَلْ لِي وزِيرًا مِن أهْلِي﴾ ﴿هارُونَ أخِي﴾ ﴿اشْدُدْ بِهِ أزْرِي﴾ كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلى جَبَلٍ، ثُمَّ دَعا رَبَّهُ وقالَ: اللَّهُمَّ اشْدُدْ أزْرِي بِأخِي عَلِيٍّ. فَأجابَهُ إلى ذَلِكَ» .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ في قَوْلِهِ: ﴿واحْلُلْ عُقْدَةً مِن لِسانِي﴾ قالَ: عُجْمَةً بِجَمْرَةِ نارٍ أدْخَلَها في فِيهِ عَنْ أمْرِ امْرَأةِ فِرْعَوْنَ تَدْرَأُ بِهِ عَنْهُ عُقُوبَةَ فِرْعَوْنَ حِينَ أخَذَ مُوسى بِلِحْيَتِهِ، وهو لا يَعْقِلُ،، فَقالَ: هَذا عَدُوٌّ لِي. فَقالَتِ لَهُ امْرَأتُهُ: إنَّهُ لا يَعْقِلُ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿واجْعَلْ لِي وزِيرًا مِن أهْلِي﴾ ﴿هارُونَ أخِي﴾ قالَ: كانَ أكْبَرَ مِن مُوسى.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عَطِيَّةَ في قَوْلِهِ: ﴿اشْدُدْ بِهِ أزْرِي﴾ قالَ ظَهْرِي.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ زَيْدٍ في قَوْلِهِ: ﴿اشْدُدْ بِهِ أزْرِي﴾ يَقُولُ: اشْدُدْ بِهِ أمْرِي وقَوِّنِي بِهِ، فَإنَّ لِي بِهِ قُوَّةً.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وأشْرِكْهُ في أمْرِي﴾ قالَ: نُبِّئَ هارُونُ ساعَتَئِذٍ حِينَ نُبِّئَ مُوسى عَلَيْهِما السَّلامُ.
(p-١٨٥)وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عُرْوَةَ أنَّ عائِشَةَ سَمِعَتْ رَجُلًا يَقُولُ: إنِّي لَأدْرِي أيَّ أخٍ في الدُّنْيا كانَ أنْفَعَ لِأخِيهِ: مُوسى حِينَ سَألَ لِأخِيهِ النُّبُوَّةَ، فَقالَتْ: صَدَقَ واللَّهِ.
وأخْرَجَ الحاكِمُ عَنْ وهْبٍ قالَ: «كانَ هارُونُ فَصِيحًا بَيْنَ النُّطْقِ يَتَكَلَّمُ في تُؤَدَةٍ ويَقُولُ بِعِلْمٍ وحُلْمٍ، وكانَ أطْوَلَ مِن مُوسى طُولًا وأكْبَرَهُما في السِّنِّ، وأكْثَرَهُما لَحْمًا، وأبْيَضَهُما جِسْمًا، وأعْظَمَهُما ألْواحًا، وكانَ مُوسى رَجُلًا جَعْدًا آدَمَ طُوالًا، كَأنَّهُ مِن رِجالِ شَنُوءَةَ، " ولَمْ يَبْعَثِ اللَّهُ نَبِيًّا إلّا وقَدْ كانَتْ عَلَيْهِ شامَةُ النُّبُوَّةِ في يَدِهِ اليُمْنى، إلّا أنْ يَكُونَ نَبِيُّنا مُحَمَّدٌ ﷺ، فَإنَّ شامَةَ النُّبُوَّةِ كانَتْ بَيْنَ كَتِفَيْهِ» .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ عاصِمِ بْنِ أبِي النَّجُودِ أنَّهُ قَرَأ: ﴿كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا﴾ ﴿ونَذْكُرَكَ كَثِيرًا﴾ ﴿إنَّكَ كُنْتَ بِنا بَصِيرًا﴾ بِنَصْبِ الكافِ الأُولى في كُلِّهِنَّ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ الأعْمَشِ: أنَّهُ كانَ يَجْزِمُ هَذِهِ الكافاتِ كُلَّها.
طه 20:34
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾ الآياتِ.
أخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ، والخَطِيبُ، وابْنُ عَساكِرَ عَنْ أسْماءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ قالَتْ: «رَأيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِإزاءٍ ثَبِيرٍ وهو يَقُولُ: أشْرِقْ ثَبِيرُ أشْرِقْ ثَبِيرُ، اللَّهُمَّ إنِّي أسْألُكَ بِما سَألَكَ أخِي مُوسى أنْ تَشْرَحَ لِي صَدْرِي، وأنَّ تُيَسِّرَ لِي أمْرِي، وأنْ تَحُلَّ عُقْدَةً مِن لِسانِي يُفْقَهُ قَوْلِي، واجْعَلْ لِي وزِيرًا مِن أهْلِي، عَلِيًّا أخِي، اشْدُدْ بِهِ أزْرِي، وأشْرِكْهُ في أمْرِي، كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا، ونَذْكُرَكَ كَثِيرًا، إنَّكَ كُنْتَ بِنا بَصِيرًا» .
(p-١٨٤)وأخْرَجَ السِّلَفِيُّ في ”الطُّيُورِيّاتِ“ بِسَنَدٍ واهٍ عَنْ أبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ: ﴿واجْعَلْ لِي وزِيرًا مِن أهْلِي﴾ ﴿هارُونَ أخِي﴾ ﴿اشْدُدْ بِهِ أزْرِي﴾ كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلى جَبَلٍ، ثُمَّ دَعا رَبَّهُ وقالَ: اللَّهُمَّ اشْدُدْ أزْرِي بِأخِي عَلِيٍّ. فَأجابَهُ إلى ذَلِكَ» .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ في قَوْلِهِ: ﴿واحْلُلْ عُقْدَةً مِن لِسانِي﴾ قالَ: عُجْمَةً بِجَمْرَةِ نارٍ أدْخَلَها في فِيهِ عَنْ أمْرِ امْرَأةِ فِرْعَوْنَ تَدْرَأُ بِهِ عَنْهُ عُقُوبَةَ فِرْعَوْنَ حِينَ أخَذَ مُوسى بِلِحْيَتِهِ، وهو لا يَعْقِلُ،، فَقالَ: هَذا عَدُوٌّ لِي. فَقالَتِ لَهُ امْرَأتُهُ: إنَّهُ لا يَعْقِلُ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿واجْعَلْ لِي وزِيرًا مِن أهْلِي﴾ ﴿هارُونَ أخِي﴾ قالَ: كانَ أكْبَرَ مِن مُوسى.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عَطِيَّةَ في قَوْلِهِ: ﴿اشْدُدْ بِهِ أزْرِي﴾ قالَ ظَهْرِي.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ زَيْدٍ في قَوْلِهِ: ﴿اشْدُدْ بِهِ أزْرِي﴾ يَقُولُ: اشْدُدْ بِهِ أمْرِي وقَوِّنِي بِهِ، فَإنَّ لِي بِهِ قُوَّةً.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وأشْرِكْهُ في أمْرِي﴾ قالَ: نُبِّئَ هارُونُ ساعَتَئِذٍ حِينَ نُبِّئَ مُوسى عَلَيْهِما السَّلامُ.
(p-١٨٥)وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عُرْوَةَ أنَّ عائِشَةَ سَمِعَتْ رَجُلًا يَقُولُ: إنِّي لَأدْرِي أيَّ أخٍ في الدُّنْيا كانَ أنْفَعَ لِأخِيهِ: مُوسى حِينَ سَألَ لِأخِيهِ النُّبُوَّةَ، فَقالَتْ: صَدَقَ واللَّهِ.
وأخْرَجَ الحاكِمُ عَنْ وهْبٍ قالَ: «كانَ هارُونُ فَصِيحًا بَيْنَ النُّطْقِ يَتَكَلَّمُ في تُؤَدَةٍ ويَقُولُ بِعِلْمٍ وحُلْمٍ، وكانَ أطْوَلَ مِن مُوسى طُولًا وأكْبَرَهُما في السِّنِّ، وأكْثَرَهُما لَحْمًا، وأبْيَضَهُما جِسْمًا، وأعْظَمَهُما ألْواحًا، وكانَ مُوسى رَجُلًا جَعْدًا آدَمَ طُوالًا، كَأنَّهُ مِن رِجالِ شَنُوءَةَ، " ولَمْ يَبْعَثِ اللَّهُ نَبِيًّا إلّا وقَدْ كانَتْ عَلَيْهِ شامَةُ النُّبُوَّةِ في يَدِهِ اليُمْنى، إلّا أنْ يَكُونَ نَبِيُّنا مُحَمَّدٌ ﷺ، فَإنَّ شامَةَ النُّبُوَّةِ كانَتْ بَيْنَ كَتِفَيْهِ» .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ عاصِمِ بْنِ أبِي النَّجُودِ أنَّهُ قَرَأ: ﴿كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا﴾ ﴿ونَذْكُرَكَ كَثِيرًا﴾ ﴿إنَّكَ كُنْتَ بِنا بَصِيرًا﴾ بِنَصْبِ الكافِ الأُولى في كُلِّهِنَّ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ الأعْمَشِ: أنَّهُ كانَ يَجْزِمُ هَذِهِ الكافاتِ كُلَّها.
طه 20:35
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾ الآياتِ.
أخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ، والخَطِيبُ، وابْنُ عَساكِرَ عَنْ أسْماءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ قالَتْ: «رَأيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِإزاءٍ ثَبِيرٍ وهو يَقُولُ: أشْرِقْ ثَبِيرُ أشْرِقْ ثَبِيرُ، اللَّهُمَّ إنِّي أسْألُكَ بِما سَألَكَ أخِي مُوسى أنْ تَشْرَحَ لِي صَدْرِي، وأنَّ تُيَسِّرَ لِي أمْرِي، وأنْ تَحُلَّ عُقْدَةً مِن لِسانِي يُفْقَهُ قَوْلِي، واجْعَلْ لِي وزِيرًا مِن أهْلِي، عَلِيًّا أخِي، اشْدُدْ بِهِ أزْرِي، وأشْرِكْهُ في أمْرِي، كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا، ونَذْكُرَكَ كَثِيرًا، إنَّكَ كُنْتَ بِنا بَصِيرًا» .
(p-١٨٤)وأخْرَجَ السِّلَفِيُّ في ”الطُّيُورِيّاتِ“ بِسَنَدٍ واهٍ عَنْ أبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ: ﴿واجْعَلْ لِي وزِيرًا مِن أهْلِي﴾ ﴿هارُونَ أخِي﴾ ﴿اشْدُدْ بِهِ أزْرِي﴾ كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلى جَبَلٍ، ثُمَّ دَعا رَبَّهُ وقالَ: اللَّهُمَّ اشْدُدْ أزْرِي بِأخِي عَلِيٍّ. فَأجابَهُ إلى ذَلِكَ» .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ في قَوْلِهِ: ﴿واحْلُلْ عُقْدَةً مِن لِسانِي﴾ قالَ: عُجْمَةً بِجَمْرَةِ نارٍ أدْخَلَها في فِيهِ عَنْ أمْرِ امْرَأةِ فِرْعَوْنَ تَدْرَأُ بِهِ عَنْهُ عُقُوبَةَ فِرْعَوْنَ حِينَ أخَذَ مُوسى بِلِحْيَتِهِ، وهو لا يَعْقِلُ،، فَقالَ: هَذا عَدُوٌّ لِي. فَقالَتِ لَهُ امْرَأتُهُ: إنَّهُ لا يَعْقِلُ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿واجْعَلْ لِي وزِيرًا مِن أهْلِي﴾ ﴿هارُونَ أخِي﴾ قالَ: كانَ أكْبَرَ مِن مُوسى.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عَطِيَّةَ في قَوْلِهِ: ﴿اشْدُدْ بِهِ أزْرِي﴾ قالَ ظَهْرِي.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ زَيْدٍ في قَوْلِهِ: ﴿اشْدُدْ بِهِ أزْرِي﴾ يَقُولُ: اشْدُدْ بِهِ أمْرِي وقَوِّنِي بِهِ، فَإنَّ لِي بِهِ قُوَّةً.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وأشْرِكْهُ في أمْرِي﴾ قالَ: نُبِّئَ هارُونُ ساعَتَئِذٍ حِينَ نُبِّئَ مُوسى عَلَيْهِما السَّلامُ.
(p-١٨٥)وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عُرْوَةَ أنَّ عائِشَةَ سَمِعَتْ رَجُلًا يَقُولُ: إنِّي لَأدْرِي أيَّ أخٍ في الدُّنْيا كانَ أنْفَعَ لِأخِيهِ: مُوسى حِينَ سَألَ لِأخِيهِ النُّبُوَّةَ، فَقالَتْ: صَدَقَ واللَّهِ.
وأخْرَجَ الحاكِمُ عَنْ وهْبٍ قالَ: «كانَ هارُونُ فَصِيحًا بَيْنَ النُّطْقِ يَتَكَلَّمُ في تُؤَدَةٍ ويَقُولُ بِعِلْمٍ وحُلْمٍ، وكانَ أطْوَلَ مِن مُوسى طُولًا وأكْبَرَهُما في السِّنِّ، وأكْثَرَهُما لَحْمًا، وأبْيَضَهُما جِسْمًا، وأعْظَمَهُما ألْواحًا، وكانَ مُوسى رَجُلًا جَعْدًا آدَمَ طُوالًا، كَأنَّهُ مِن رِجالِ شَنُوءَةَ، " ولَمْ يَبْعَثِ اللَّهُ نَبِيًّا إلّا وقَدْ كانَتْ عَلَيْهِ شامَةُ النُّبُوَّةِ في يَدِهِ اليُمْنى، إلّا أنْ يَكُونَ نَبِيُّنا مُحَمَّدٌ ﷺ، فَإنَّ شامَةَ النُّبُوَّةِ كانَتْ بَيْنَ كَتِفَيْهِ» .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ عاصِمِ بْنِ أبِي النَّجُودِ أنَّهُ قَرَأ: ﴿كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا﴾ ﴿ونَذْكُرَكَ كَثِيرًا﴾ ﴿إنَّكَ كُنْتَ بِنا بَصِيرًا﴾ بِنَصْبِ الكافِ الأُولى في كُلِّهِنَّ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ الأعْمَشِ: أنَّهُ كانَ يَجْزِمُ هَذِهِ الكافاتِ كُلَّها.
طه 20:39
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاقْذِفِيهِ في اليَمِّ﴾ وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿فاقْذِفِيهِ في اليَمِّ﴾ قالَ هو (p-١٨٦)النِّيلُ.
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وألْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي﴾ .
أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وألْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي﴾ قالَ: كانَ كُلُّ مَن رَآهُ أُلْقِيَتْ عَلَيْهِ مِنهُ مَحَبَّةٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ في قَوْلِهِ: ﴿وألْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي﴾ قالَ: حَبَّبْتُكَ إلى عِبادِي.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ عِكْرِمَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وألْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي﴾ قالَ: حَيْثُ نَظَرَتْ آسِيَةُ وجْهَ مُوسى فَرَأتْ حُسْنًا ومَلاحَةً فَعِنْدَها قالَتْ لِفِرْعَوْنَ: ﴿قُرَّتُ عَيْنٍ لِي ولَكَ لا تَقْتُلُوهُ﴾ [القصص: ٩] [ القَصَصِ: ٩ ] .
وأخْرَجَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ أبِي رَجاءٍ في قَوْلِهِ: ﴿وألْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي﴾ قالَ: المَلاحَةَ والحَلاوَةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وألْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي﴾ قالَ: حَلاوَةً في عَيْنَيْ مُوسى، لَمْ يَنْظُرْ إلَيْهِ خَلْقٌ إلّا أحَبَّهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: كُنْتُ مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ فَتَلَقّاهُ النّاسُ (p-١٨٧)يُسَلِّمُونَ عَلَيْهِ ويُحَيُّونَهُ ويَثْنُونَ عَلَيْهِ ويَدْعُونَ لَهُ - فَيَضْحَكُ ابْنُ عُمَرَ - فَإذا انْصَرَفُوا عَنْهُ أقْبَلَ عَلَيَّ فَقالَ: إنَّ النّاسَ لِيُحِبُّونِي حَتّى لَوْ كُنْتُ أُعْطِيهِمُ الذَّهَبَ والفِضَّةَ ما زادُوا عَلَيْهِ. ثُمَّ تَلا هَذِهِ الآيَةَ: ﴿وألْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي﴾ .
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي﴾ .
أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي نَهِيكٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي﴾ قالَ: ولِتُعْمَلَ عَلى عَيْنِي.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي عُمْرانَ الجَوْنِيِّ في قَوْلِهِ: ﴿ولِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي﴾ قالَ: تُرَبّى بِعَيْنِ اللَّهِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿ولِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي﴾ قالَ: ولِتُغَذّى عَلى عَيْنِي.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ في الآيَةِ يَقُولُ: أنْتَ بِعَيْنِي إذْ جَعَلَتْكَ أُمُّكَ في التّابُوتِ ثُمَّ في البَحْرِ و﴿إذْ تَمْشِي أُخْتُكَ﴾ [طه: ٤٠] .
طه 20:40
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقَتَلْتَ نَفْسًا فَنَجَّيْناكَ مِنَ الغَمِّ وفَتَنّاكَ فُتُونًا﴾ .
أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، والخَطِيبُ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إنَّما قَتَلَ مُوسى الَّذِي قَتَلَ مِن آلِ فِرْعَوْنَ خَطَأً.
(p-١٨٨)يَقُولُ اللَّهُ: ﴿وقَتَلْتَ نَفْسًا فَنَجَّيْناكَ مِنَ الغَمِّ﴾ [طه»: ٤٠] .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَنَجَّيْناكَ مِنَ الغَمِّ﴾ قالَ: مِن قَتْلِ النَّفْسِ: ﴿وفَتَنّاكَ فُتُونًا﴾ قالَ: أخْلَصْناكَ إخْلاصًا.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وفَتَنّاكَ فُتُونًا﴾ قالَ: أبْتَلَيْناكَ ابْتِلاءً.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وفَتَنّاكَ فُتُونًا﴾ قالَ: ابْتَلَيْناكَ بِبَلاءِ نِعْمَةٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وفَتَنّاكَ فُتُونًا﴾ قالَ: اخْتَبَرْناكَ اخْتِبارًا.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وفَتَنّاكَ فُتُونًا﴾ قالَ: بَلاءُ إلْقائِهِ في التّابُوتِ، ثُمَّ في اليَمِّ، ثُمَّ التِقاطُ آلِ فِرْعَوْنَ إيّاهُ ثُمَّ خُرُوجُهُ خائِفًا يَتَرَقَّبُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي عُمَرَ العَدَنِيُّ في ”مَسْنَدِهِ“، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والنَّسائِيُّ، وأبُو يَعْلى، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ «عَنْ سَعِيدِ بْنِ (p-١٨٩)جِبِّيرٍ» قالَ: سَألْتُ ابْنَ عَبّاسٍ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ تَعالى لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿وفَتَنّاكَ فُتُونًا﴾ . فَسَألَتْ عَنِ الفُتُونِ ما هو فَقالَ: اسْتَأْنِفِ النَّهارَ يا ابْنَ جُبَيْرٍ؛ فَإنَّ لَها حَدِيثًا طَوِيلًا. فَلَمّا أصْبَحْتُ غَدَوْتُ عَلى ابْنِ عَبّاسٍ لِأتَنَجَّزَ ما وعَدَنِي مِن حَدِيثِ الفُتُونِ، فَقالَ: تَذاكَرَ فِرْعَوْنُ وجُلَساؤُهُ ما كانَ اللَّهُ وعَدَ إبْراهِيمَ مِن أنْ يَجْعَلَ في ذُرِّيَّتِهِ أنْبِياءَ ومُلُوكًا، فَقالَ بَعْضُهم: إنَّ بَنِي إسْرائِيلَ يَنْتَظِرُونَ ذَلِكَ وما يَشُكُّونَ فِيهِ، ولَقَدْ كانُوا يَظُنُّونَ أنَّهُ يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ، فَلَمّا هَلَكَ، قالُوا: لَيْسَ هَذا كانَ وعْدَ اللَّهِ إبْراهِيمَ. قالَ فِرْعَوْنُ: فَكَيْفَ تَرَوْنَ ؟ فَأْتَمَرُوا بَيْنَهم، وأجْمَعُوا أمْرَهم عَلى أنْ يَبْعَثَ رِجالًا مَعَهُمُ الشِّفارُ، يَطُوفُونَ في بَنِي إسْرائِيلَ؛ فَلا يَجِدُونَ مَوْلُودًا ذَكَرًا إلّا ذَبَحُوهُ، فَفَعَلُوا، فَلَمّا رَأوْا أنَّ الكِبارَ يَمُوتُونَ بِآجالِهِمْ، وأنَّ الصَّغارَ يُذْبَحُونَ، قالُوا: يُوشِكُ أنْ يَفْنى بَنُو إسْرائِيلَ، فَتَصِيرُوا أنْ تُباشِرُوا الأعْمالَ والخِدْمَةَ الَّتِي كانُوا يَكْفُونَكم، فاقْتُلُوا عامًا كُلَّ مَوْلُودٍ ذَكَرٍ، فَيَقِلَّ أبَناؤُهم، ودَعُوا عامًا لا تَقْتَلُوا مِنهم أحَدًا، فَتَشُبُّ الصِّغارُ مَكانَ مَن يَمُوتُ مِنَ الكِبارِ، فَإنَّهم لَنْ يَكْثُرُوا فَتَخافُونَ مُكاثَرَتَهم إيّاكم، ولَنْ يَفْنَوْا بِمَن تَقْتُلُونَ، فَتَحْتاجُونَ إلَيْهِمْ. فَأجْمَعُوا أمْرَهم عَلى ذَلِكَ، فَحَمَلَتْ أُمُّ مُوسى بِهارُونَ في العامِ الَّذِي لا يُذْبَحُ فِيهِ الغِلْمانُ، فَوَلَدَتْهُ عَلانِيَةً آمِنَةً، حَتّى إذا كانَ في قابِلٍ حَمَلَتْ بِمُوسى، فَوَقَعَ في قَلْبِها الهَمُّ (p-١٩٠)والحُزْنُ، وذَلِكَ مِنَ الفُتُونِ يا ابْنَ جُبَيْرٍ؛ ما دَخَلَ عَلَيْهِ في بَطْنِ أُمِّهِ مِمّا يُرادُ بِهِ، فَأوْحى اللَّهُ إلَيْها أنْ: ﴿ولا تَخافِي ولا تَحْزَنِي إنّا رادُّوهُ إلَيْكِ وجاعِلُوهُ مِنَ المُرْسَلِينَ﴾ [القصص: ٧] [ القَصَصِ: ٧ ]، وأمَرَها إذا ولَدَتْهُ أنْ تَجْعَلَهُ في تابُوتٍ، ثُمَّ تُلْقِيَهِ في اليَمِّ، فَلَمّا ولَدَتْهُ فَعَلَتْ ما أُمِرَتْ بِهِ، حَتّى إذا تَوارى عَنْها ابْنُها أتاها الشَّيْطانُ، وقالَتْ في نَفْسِها: ما فَعَلْتُ بِابْنِي ؟ لَوْ ذُبِحَ عِنْدِي فَوارَيْتُهُ وكَفَّنْتُهُ كانَ أحَبَّ إلَيَّ مِن أنْ أُلْقِيَهُ بِيَدِي إلى دَوابِّ البَحْرِ وحِيتانِهِ.
فانْطَلَقَ بِهِ الماءُ حَتّى أوْفى بِهِ عِنْدَ فُرْضَةِ مُسْتَقى جَوارِي امْرَأةِ فِرْعَوْنَ، فَرَأيْنَهُ فَأخَذْنَهُ، فَهَمَمْنَ أنْ يَفْتَحْنَ البابَ، فَقالَ بَعْضُهُنَّ لِبَعْضٍ: إنَّ في هَذا لَمالًا، وإنّا إنْ فَتَحْناهُ لَمْ تُصَدِّقْنا امْرَأةُ فِرْعَوْنَ بِما وجَدْنا فِيهِ. فَحَمَلْنَهُ بِهَيْئَتِهِ لَمْ يُحَرِّكْنَ مِنهُ شَيْئًا حَتّى دَفَعْنَهُ إلَيْها، فَلَمّا فَتَحَتْهُ رَأتْ فِيهِ الغُلامَ، فَأُلْقِيَ عَلَيْهِ مِنها مَحَبَّةٌ لَمْ يُلْقَ مِنها عَلى أحَدٍ مِنَ البَشَرِ قَطُّ ﴿وأصْبَحَ فُؤادُ أُمِّ مُوسى فارِغًا﴾ [القصص: ١٠] [ القَصَصِ: ١٠ ] مِن ذِكْرِ كُلِّ شَيْءٍ إلّا مِن ذِكْرِ مُوسى.
فَلَمّا سَمِعَ الذَّبّاحُونَ بِأمْرِهِ، أقْبَلُوا إلى امْرَأةِ فِرْعَوْنَ بِشِفارِهِمْ، يُرِيدُونَ أنْ يَذْبَحُوهُ - وذَلِكَ مِنَ الفُتُونِ يا ابْنَ جُبَيْرٍ. فَقالَتْ لِلذَّبّاحِينَ: آمِرُونِي، فَإنَّ هَذا (p-١٩١)الواحِدَ لا يَزِيدُ في بَنِي إسْرائِيلَ، فَإنِّي آتِي فِرْعَوْنَ فَأسْتَوْهِبُهُ إيّاهُ، فَإنْ وهَبَهُ لِي فَقَدْ أحْسَنْتُمْ وأجْمَلْتُمْ، وإنْ أمَرَ بِذَبْحِهِ لَمْ ألُمْكم. فَلَمّا أتَتْ بِهِ فِرْعَوْنَ، قالَتْ: ﴿قُرَّتُ عَيْنٍ لِي ولَكَ﴾ [القصص: ٩] [ القَصَصِ: ٩ ]، قالَ فِرْعَوْنُ: يَكُونُ لَكِ، وأمّا أنا فَلا حاجَةَ لِي فِيهِ.
فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: والَّذِي يُحْلَفُ بِهِ، لَوْ أقَرَّ فِرْعَوْنُ أنْ يَكُونَ قُرَّةَ عَيْنٍ لَهُ كَما قالَتِ امْرَأتُهُ، لَهَداهُ اللَّهُ بِهِ كَما هَدى بِهِ امْرَأتَهُ، ولَكِنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ حَرَمَهُ ذَلِكَ.
فَأرْسَلَتْ إلى مَن حَوْلَها مِن كُلِّ امْرَأةٍ لَها لَبَنٌ، لِتَخْتارَ لَهُ ظِئْرًا، فَكُلَّما أخَذَتْهُ امْرَأةٌ مِنهُنَّ لِتُرْضِعَهُ لَمْ يَقْبَلْ ثَدْيَها، حَتّى أشْفَقَتِ امْرَأةُ فِرْعَوْنَ أنْ يَمْتَنِعَ مِنَ اللَّبَنِ فَيَمُوتَ، فَأحْزَنَها ذَلِكَ، فَأمَرَتْ بِهِ فَأُخْرِجَ إلى السُّوقِ ومَجْمَعِ النّاسِ، تَرْجُو أنْ تَجِدَ لَهُ ظِئْرًا يَأْخُذُ مِنها، فَلَمْ يَفْعَلْ، وأصْبَحَتْ أُمُّ مُوسى والِهًا، فَقالَتْ لِأُخْتِهِ: قُصِّي أثَرَهُ واطْلُبِيهِ، هَلْ تَسْمَعِينَ لَهُ ذِكْرًا ؟ أحَيٌّ ابْنِي أمْ قَدْ أكَلَتْهُ الدَّوابُّ؟ ونَسِيَتِ الَّذِي كانَ وعَدَها اللَّهُ.
فَبَصُرَتْ بِهِ أُخْتُهُ عَنْ جُنُبٍ وهم لا يَشْعُرُونَ - والجُنُبُ أنْ يَسْمُوَ بَصَرُ الإنْسانِ إلى شَيْءٍ بَعِيدٍ وهو إلى جَنْبِهِ، وهو لا يَشْعُرُ بِهِ - فَقالَتْ مِنَ الفَرَحِ حِينَ (p-١٩٢)أعْياهُمُ الظُّئُوراتُ: أنا أدُلُّكم عَلى أهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكم وهم لَهُ ناصِحُونَ، فَأخَذُوها، فَقالُوا: وما يُدْرِيكِ ما نُصْحُهم لَهُ ؟ هَلْ يَعْرِفُونَهُ ؟ حَتّى شَكُّوا في ذَلِكَ - وذَلِكَ مِنَ الفُتُونِ يا ابْنَ جُبَيْرٍ - فَقالَتْ: نُصْحُهم لَهُ وشَفَقَتُهم عَلَيْهِ رَغْبَتُهم في صِهْرِ المَلِكِ رَجاءَ مَنفَعَتِهِ. فَتَرَكُوها، فانْطَلَقَتْ إلى أُمِّهِ فَأخْبَرَتْها الخَبَرَ، فَجاءَتْ، فَلَمّا وضَعَتْهُ في حَجْرِها نَزا إلى ثَدْيِها فَمَصَّهُ حَتّى امْتَلَأ جَنْباهُ رِيًّا، وانْطَلَقَ البُشَراءُ إلى امْرَأةِ فِرْعَوْنَ يُبَشِّرُونَها: إنّا قَدْ وجَدْنا لِابْنِكِ ظِئْرًا. فَأرْسَلَتْ إلَيْها فَأُتِيَتْ بِها وبِهِ، فَلَمّا رَأتْ ما يَصْنَعُ بِها، قالَتِ لَها: امْكُثِي عِنْدِي أرْضِعِي ابْنِي هَذا، فَإنِّي لَمْ أُحِبَّ حُبَّهُ شَيْئًا قَطُّ، قالَتْ: لا أسْتَطِيعُ أنْ أدَعَ بَيْتِي ووَلَدِي فَيَضِيعَ، فَإنْ طابَتْ نَفْسُكِ أنْ تُعْطِينِيهِ فَأذْهَبَ بِهِ إلى بَيْتِي فَيَكُونَ مَعِي لا آلُوهُ خَيْرًا- فَعَلْتُ، وإلّا فَإنِّي غَيْرُ تارِكَةٍ بَيْتِي ووَلَدِي. فَذَكَرَتْ أُمُّ مُوسى ما كانَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ وعَدَها، فَتَعاسَرَتْ عَلى امْرَأةِ فِرْعَوْنَ لِذَلِكَ، وأيْقَنَتْ أنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ مُنْجِزٌ وعْدَهُ.
فَرَجَعَتْ بِابْنِها إلى بَيْتِها مِن يَوْمِها، فَأنْبَتَهُ اللَّهُ نَباتًا حَسَنًا، وحَفِظَهُ لِما قَضى فِيهِ،، فَلَمْ يَزَلْ بَنُو إسْرائِيلَ وهم مُجْتَمِعُونَ في ناحِيَةِ القَرْيَةِ، يَمْتَنِعُونَ بِهِ مِنَ الظُّلْمِ والسُّخْرَةِ مُنْذُ كانَ فِيهِمْ. فَلَمّا تَرَعْرَعَ، قالَتِ امْرَأةُ فِرْعَوْنَ لِأُمِّ مُوسى: أزِيرِينِي ابْنِي. فَوَعَدَتْها يَوْمًا تَزُورُها فِيهِ بِهِ، فَقالَتْ لِخُزّانِها (p-١٩٣)وظُئُورِها وقَهارِمَتِها: لا يَبْقَيَنَّ أحَدٌ مِنكُمُ اليَوْمَ أحَدٌ إلّا اسْتَقْبَلَ ابْنِي بِهَدِيَّةٍ وكَرامَةٍ أرى ذَلِكَ فِيهِ، وأنا باعِثَةٌ أمِينًا يُحْصِي ما يَصْنَعُ كُلُّ إنْسانٍ مِنكم، فَلَمْ تَزَلِ الهَدايا والنِّحَلُ والكَرامَةُ تَسْتَقْبِلُهُ مِن حِينِ خَرَجَ مِن بَيْتِ أُمِّهِ إلى أنْ دَخَلَ عَلَيْها. فَلَمّا دَخَلَ عَلَيْها أكْرَمَتْهُ ونَحَلَتْهُ وفَرِحَتْ بِهِ، وأعْجَبَها، ونَحَلَتْ أُمَّهُ لِحُسْنِ أثَرِها عَلَيْهِ، ثُمَّ قالَتِ: لَأنْطَلِقَنَّ بِهِ إلى فِرْعَوْنَ، فَلَيَنْحِلَنَّهُ ولَيُكْرِمَنَّهُ.
فَلَمّا دَخَلَتْ بِهِ عَلَيْهِ جَعَلَتْهُ في حِجْرِهِ، فَتَناوَلَ مُوسى لِحْيَةَ فِرْعَوْنَ فَمَدَّها إلى الأرْضِ، فَقالَتْ لَهُ الغُواةُ مِن أعْداءِ اللَّهِ: ألا تَرى ما وعَدَ اللَّهُ إبْراهِيمَ! إنَّهُ يَرِثُكَ ويَصْرَعُكَ ويَعْلُوكَ، فَأرْسَلَ إلى الذَّبّاحِينَ لِيَذْبَحُوهُ - وذَلِكَ مِنَ الفُتُونِ يا ابْنَ جُبَيْرٍ، بَعْدَ كُلِّ بَلاءٍ ابْتُلِيَ بِهِ وأُرِيدَ بِهِ فُتُونًا - فَجاءَتِ امْرَأةُ فِرْعَوْنَ تَسْعى إلى فِرْعَوْنَ، فَقالَتْ: ما بَدا لَكَ في هَذا الصَّبِيِّ الَّذِي وهَبْتَهُ لِي ؟ قالَ: ألا تَرَيْنَهُ يَزْعُمُ أنَّهُ سَيَصْرَعُنِي ويَعْلُونِي ! قالَتْ لَهُ: اجْعَلْ بَيْنِي وبَيْنَكَ أمْرًا تَعْرِفُ فِيهِ الحَقَّ، ائْتِ بِجَمْرَتَيْنِ ولُؤْلُؤَتَيْنِ فَقَرِّبْهُنَّ إلَيْهِ، فَإنْ بَطَشَ بِاللُّؤْلُؤَتَيْنِ واجْتَنَبَ الجَمْرَتَيْنِ عَلِمْتَ أنَّهُ يَعْقِلُ، وإنْ تَناوَلَ الجَمْرَتَيْنِ ولَمْ يُرِدِ اللُّؤْلُؤَتَيْنِ، فاعْلَمْ أنَّ أحَدًا لا يُؤْثِرُ الجَمْرَتَيْنِ عَلى اللُّؤْلُؤَتَيْنِ وهو يَعْقِلُ. فَقَرَّبَ ذَلِكَ إلَيْهِ، فَتَناوَلَ الجَمْرَتَيْنِ، (p-١٩٤)فانْتَزَعُوهُما مِنهُ مَخافَةَ أنْ يَحْرِقا بَدَنَهُ، فَقالَتِ المَرْأةُ: ألا تَرى ؟ وصَرَفَهُ اللَّهُ عَنْهُ بَعْدَما كانَ قَدْ هَمَّ بِهِ، وكانَ اللَّهُ بالِغَ أمْرِهِ فِيهِ. فَلَمّا بَلَغَ أشُدَّهُ، وكانَ مِنَ الرِّجالِ، لَمْ يَكُنْ أحَدٌ مِن آلِ فِرْعَوْنَ يَخْلُصُ إلى أحَدٍ مِن بَنِي إسْرائِيلَ مَعَهُ بِظُلْمٍ ولا سُخْرَةٍ، حَتّى امْتَنَعُوا كُلَّ امْتِناعٍ.
فَبَيْنَما هو يَمْشِي في ناحِيَةِ المَدِينَةِ، إذْ هو بِرَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ، أحَدُهُما مِن بَنِي إسْرائِيلَ، والآخَرُ مِن آلِ فِرْعَوْنَ، فاسْتَغاثَهُ الإسْرائِيلِيُّ عَلى الفِرْعَوْنِيِّ، فَغَضِبَ مُوسى واشْتَدَّ غَضَبُهُ؛ لِأنَّهُ تَناوَلَهُ وهو يَعْلَمُ مَنزِلَةَ مُوسى مِن بَنِي إسْرائِيلَ، وحِفْظَهُ لَهم، ولا يُعْلَمُ إلّا أنَّما ذَلِكَ مِنَ الرَّضاعِ، غَيْرَ أُمِّ مُوسى، إلّا أنْ يَكُونَ اللَّهُ تَعالى أطْلَعَ مُوسى مِن ذَلِكَ عَلى ما لَمْ يُطْلِعْ غَيْرَهُ عَلَيْهِ، فَوَكَزَ مُوسى الفِرْعَوْنِيَّ فَقَتَلَهُ ولَيْسَ يَراهُما أحَدٌ إلّا اللَّهُ والإسْرائِيلِيُّ، فَقالَ مُوسى حِينَ قَتَلَ الرَّجُلَ: ﴿هَذا مِن عَمَلِ الشَّيْطانِ إنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ﴾ [القصص: ١٥] [ القَصَصِ: ١٥ ]، ثُمَّ قالَ: ﴿رَبِّ إنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ﴾ [القصص: ١٦] [ القَصَصِ: ١٦ ] . وأصْبَحَ في المَدِينَةِ خائِفًا يَتَرَقَّبُ الأخْبارَ، فَأُتِيَ فِرْعَوْنُ، فَقِيلَ لَهُ: إنَّ بَنِي إسْرائِيلَ قَتَلُوا رَجُلًا مِن آلِ فِرْعَوْنَ، فَخُذْ لَنا بِحَقِّنا ولا تُرَخِّصْ لَهم. فَقالَ: ائْتُونِي قاتِلَهُ ومَن شَهِدُ عَلَيْهِ؛ لَأنَّهُ لا يَسْتَقِيمُ أنْ يُقِيدَ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ (p-١٩٥)ولا ثَبَتٍ، فاطْلُبُوا عِلْمَ ذَلِكَ آخُذْ لَكم بِحَقِّكم.
فَبَيْنَما هم يَطُوفُونَ لا يَجِدُونَ ثَبَتًا، إذْ مَرَّ مُوسى مِنَ الغَدِ قَدْ رَأى ذَلِكَ الإسْرائِيلِيَّ يُقاتِلُ فِرْعَوْنِيًّا آخَرَ، فاسْتَغاثَهُ الإسْرائِيلِيُّ عَلى الفِرْعَوْنِيِّ، فَصادَفَ مُوسى قَدْ نَدِمَ عَلى ما كانَ، وكَرِهَ الَّذِي رَأى، فَغَضِبَ الإسْرائِيلِيُّ، وهو يُرِيدُ أنْ يَبْطِشَ بِالفِرْعَوْنِيِّ، فَقالَ لِلْإسْرائِيلِيِّ لِما فَعَلَ بِالأمْسِ واليَوْمَ: ﴿إنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾ [القصص: ١٨] [ القَصَصِ: ١٨ ] . فَنَظَرَ الإسْرائِيلِيُّ إلى مُوسى حِينَ قالَ ما قالَ، فَإذا هو غَضْبانُ كَغَضَبِهِ بِالأمْسِ، فَخافَ بَعْدَما قالَ لَهُ: ﴿إنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾ [القصص: ١٨] . أنْ يَكُونَ إيّاهُ أرادَ، وإنَّما أرادَ الفِرْعَوْنِيَّ - فَقالَ: ﴿يا مُوسى أتُرِيدُ أنْ تَقْتُلَنِي كَما قَتَلْتَ نَفْسًا بِالأمْسِ﴾ [القصص: ١٩] [ القَصَصِ: ١٩ ] . وإنَّما قالَ ذَلِكَ مَخافَةَ أنْ يَكُونَ إيّاهُ أرادَ مُوسى لِيَقْتُلَهُ، فَتَتارَكا، فانْطَلَقَ الفِرْعَوْنِيُّ إلى قَوْمِهِ، فَأخْبَرَهم بِما سَمِعَ مِنَ الإسْرائِيلِيِّ حِينَ يَقُولُ: ﴿أتُرِيدُ أنْ تَقْتُلَنِي كَما قَتَلْتَ نَفْسًا بِالأمْسِ﴾ [القصص: ١٩] . فَأرْسَلَ فِرْعَوْنُ إلى الذَّبّاحِينَ لِيَقْتُلُوا مُوسى، فَأخَذَ رُسُلُ فِرْعَوْنَ في الطَّرِيقِ الأعْظَمِ يَمْشُونَ عَلى هَيْئَتِهِمْ يَطْلُبُونَ مُوسى وهم لا يَخافُونَ أنْ يَفُوتَهم، وجاءَ رَجُلٌ مِن شِيعَةِ مُوسى مِن أقْصى المَدِينَةِ، فاخْتَصَرَ طَرِيقًا قَرِيبًا حَتّى سَبَقَهم إلى مُوسى، فَأخْبَرَهُ الخَبَرَ - وذَلِكَ مِنَ الفُتُونِ يا ابْنَ جُبَيْرٍ ”.
(p-١٩٦)فَخَرَجَ مُوسى مُتَوَجِّهًا نَحْوَ مَدْيَنَ، لَمْ يَلْقَ بَلاءً مِثْلَ ذَلِكَ، ولَيْسَ لَهُ بِالطَّرِيقِ عِلْمٌ إلّا حُسْنُ ظَنِّهِ بِرَبِّهِ، فَإنَّهُ قالَ: ﴿عَسى رَبِّي أنْ يَهْدِيَنِي سَواءَ السَّبِيلِ﴾ [القصص: ٢٢] . ﴿ولَمّا ورَدَ ماءَ مَدْيَنَ وجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النّاسِ يَسْقُونَ ووَجَدَ مِن دُونِهِمُ امْرَأتَيْنِ تَذُودانِ﴾ [القصص: ٢٣] [ القَصَصِ: ٢٢، ٢٣ ] .
يَعْنِي حابِسَتَيْ غَنَمِهِما، قالَ: ما خَطْبُكُما مُعْتَزِلَتَيْنِ لا تَسْقِيانِ مَعَ النّاسِ ؟ قالَتا: لَيْسَتْ لَنا قُوَّةٌ نُزاحِمُ القَوْمَ، وإنَّما نَنْتَظِرُ فُضُولَ حِياضِهِمْ. فَسَقى لَهُما؛ فَجَعَلَ يَغْرِفُ في الدَّلْوِ ماءً كَثِيرًا، حَتّى كانَتا أوَّلَ الرِّعاءِ فَراغًا، فانْصَرَفَتا إلى أبِيهِما بِغَنَمِهِما، وانْصَرَفَ مُوسى إلى الشَّجَرَةِ فاسْتَظَلَّ بِها، وقالَ: ﴿رَبِّ إنِّي لِما أنْزَلْتَ إلَيَّ مِن خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ [القصص: ٢٤] [ القَصَصِ: ٢٤ ] . واسْتَنْكَرَ أبُو الجارِيَتَيْنِ سُرْعَةَ صُدُورِهِما بِغَنَمِهِما حُفَّلًا بِطانًا، وقالَ: إنَّ لَكُما اليَوْمَ لَشَأْنًا، فَحَدَّثَتاهُ بِما صَنَعَ مُوسى، فَأمَرَ إحْداهُما أنْ تَدْعُوَهُ لَهُ، فَأتَتْهُ فَدَعَتْهُ، فَلَمّا كَلَّمَهُ قالَ: ﴿لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ [القصص: ٢٥] [ القَصَصِ: ٢٥ ] . لَيْسَ لِفِرْعَوْنَ ولا لِقَوْمِهِ عَلَيْنا سُلْطانٌ ولَسْنا في مَمْلَكَتِهِ، قالَتِ ابْنَتُهُ: ﴿يا أبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ القَوِيُّ الأمِينُ﴾ [القصص: ٢٦] [ القَصَصِ: ٢٦ ] فَحَمَلَتْهُ الغَيْرَةُ أنْ قالَ: وما يُدْرِيكِ ما قُوَّتُهُ ؟ وما أمانَتُهُ ؟ قالَتْ: أمّا قُوَّتُهُ، فَما رَأيْتُ مِنهُ حِينَ سَقى لَنا؛ لَمْ أرَ رَجُلًا قَطُّ أقْوى في ذَلِكَ السَّقْيِ مِنهُ حِينَ سَقى لَنا، وأمّا الأمانَةُ: فَإنَّهُ نَظَرَ حِينَ أقْبَلْتُ إلَيْهِ وشَخَصْتُ لَهُ، (p-١٩٧)فَلَمّا عَلِمَ أنِّي امْرَأةٌ صَوَّبَ رَأْسَهُ ولَمْ يَرْفَعْهُ، ولَمْ يَنْظُرْ إلَيَّ حِينَ أقْبَلْتُ إلَيْهِ، حَتّى بَلَّغْتُهُ رِسالَتَكَ. فَقالَ لِي: امْشِي خَلْفِي، وانْعُتِي لِيَ الطَّرِيقَ. فَلَمْ يَقُلْ هَذا إلّا وهو أمِينٌ، فَسُرِّيَ عَنْ أبِيها وصَدَّقَها، وظَنَّ بِهِ الَّذِي قالَتْ.
فَقالَ: هَلْ لَكَ ﴿أنْ أُنْكِحَكَ إحْدى ابْنَتَيَّ هاتَيْنِ عَلى أنْ تَأْجُرَنِي ثَمانِيَ حِجَجٍ فَإنْ أتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِن عِنْدِكَ وما أُرِيدُ أنْ أشُقَّ عَلَيْكَ﴾ [القصص: ٢٧] [ القَصَصِ: ٢٧ ] فَفَعَلَ، فَكانَتْ عَلى مُوسى ثَمانِيَ سِنِينَ واجِبَةً، وكانَتْ سَنَتانِ عِدَةً مِنهُ، فَقَضى اللَّهُ عَنْهُ عِدَتَهُ فَأتَمَّها عَشْرًا.
قالَ سَعِيدٌ: فَسَألَنِي رَجُلٌ مِن أهْلِ النَّصْرانِيَّةِ مِن عُلَمائِهِمْ: هَلْ تَدْرِي أيَّ الأجَلَيْنِ قَضى مُوسى ؟ قُلْتُ: لا. وأنا يَوْمَئِذٌ لا أعْلَمُ. فَلَقِيتُ ابْنَ عَبّاسٍ، فَذَكَرْتُ لَهُ الَّذِي قالَ النَّصْرانِيُّ، فَقالَ: أما كُنْتَ تَعْلَمُ أنَّ ثَمانِيًا واجِبَةٌ، لَمْ يَكُنْ لِمُوسى لِيَنْقُصَ مِنها شَيْئًا، وتَعْلَمُ أنَّ اللَّهَ تَعالى كانَ قاضِيًا عَنْ مُوسى عِدَتَهُ الَّتِي وعَدَ؟ فَإنَّهُ قَضى عَشْرًا. فَأخْبَرْتُ النَّصْرانِيَّ، فَقالَ: الَّذِي أخْبَرَكَ بِهَذا هو أعْلَمُ مِنكَ. قُلْتُ: أجَلْ، وأوْلى.
فَلَمّا سارَ مُوسى بِأهْلِهِ كانَ مِن أمْرِ النّارِ ما قَصَّ اللَّهُ عَلَيْكَ في القُرْآنِ وأمْرِ العَصا ويَدِهِ، فَشَكا إلى رَبِّهِ ما يَتَخَوَّفُ مِن آلِ فِرْعَوْنَ في القَتِيلِ، وعُقْدَةَ لِسانِهِ؛ فَإنَّهُ كانَ في لِسانِهِ عُقْدَةٌ تَمْنَعُهُ مِن كَثِيرٍ مِنَ الكَلامِ، فَسَألَ رَبَّهُ أنْ يُعِينَهُ بِأخِيهِ هارُونَ، لِيَكُونَ لَهُ رِدْءًا، ويَتَكَلَّمَ عَنْهُ بِكَثِيرٍ مِمّا لا يُفْصِحُ بِهِ. فَآتاهُ اللَّهُ سُؤْلَهُ، وحَلَّ عُقْدَةً مِن لِسانِهِ، وأوْحى إلى هارُونَ وأمَرَهُ أنْ يَلْقى مُوسى.
(p-١٩٨)فانْدَفَعَ مُوسى بِالعَصا ولَقِيَ هارُونَ. فانْطَلَقا جَمِيعًا إلى فِرْعَوْنَ، فَأقاما بِبابِهِ حِينًا لا يُؤْذَنُ لَهُما، ثُمَّ أُذِنَ لَهُما بَعْدَ حِجابٍ شَدِيدٍ، فَقالا ﴿إنّا رَسُولا رَبِّكَ﴾ [طه: ٤٧] . قالَ: ومَن رَبُّكُما يا مُوسى ؟ فَأخْبَرَهُ بِالَّذِي قَصَّ اللَّهُ في القُرْآنِ، قالَ: فَما تُرِيدانِ ؟ وذَكَّرَهُ القَتِيلَ، فاعْتَذَرَ بِما قَدْ سَمِعْتَ. قالَ: أُرِيدُ أنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ، وتُرْسِلَ مَعِيَ بَنِي إسْرائِيلَ، فَأبى عَلَيْهِ ذَلِكَ وقالَ: ائْتِ بِآيَةٍ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ. فَألْقى عَصاهُ فَتَحَوَّلَتْ حَيَّةً عَظِيمَةً فاغِرَةً فاها، مُسْرِعَةً إلى فِرْعَوْنَ. فَلَمّا رَأى فِرْعَوْنُ أنَّها قاصِدَةٌ إلَيْهِ خافَها، فاقْتَحَمَ عَنْ سَرِيرِهِ، واسْتَغاثَ بِمُوسى أنْ يَكُفَّها عَنْهُ. فَفَعَلَ، وأخْرَجَ يَدَهُ مِن جَيْبِهِ بَيْضاءَ مِن غَيْرِ سُوءٍ - يَعْنِي مِن غَيْرِ بَرَصٍ - ثُمَّ أعادَها إلى كُمِّهِ فَصارَتْ إلى لَوْنِها الأوَّلِ. فاسْتَشارَ المَلَأ فِيما رَأى، فَقالُوا لَهُ: هَذانِ ساحِرانِ يُرِيدانِ أنْ يُخْرِجاكم مِن أرْضِكم بِسِحْرِهِما ويَذْهَبا بِطَرِيقَتِكُمُ المُثْلى. يَعْنُونَ مُلْكَهُمُ الَّذِي هم فِيهِ والعَيْشَ، وأبَوْا عَلى مُوسى أنْ يُعْطُوهُ شَيْئًا مِمّا طَلَبَ، وقالُوا لَهُ: اجْمَعْ لَهُمُ السَّحَرَةَ فَإنَّهم بِأرْضِنا كَثِيرٌ حَتّى تَغْلِبَ بِسِحْرِهِمْ سِحْرَهُما. ﴿فَأرْسَلَ فِرْعَوْنُ في المَدائِنِ حاشِرِينَ﴾ [الشعراء: ٥٣] [الشُّعَراءِ: ٥٣ ]، فَحُشِرَ لَهُ كُلُّ ساحِرٍ مُتَعالِمٍ، فَلَمّا أتَوْا فِرْعَوْنَ قالُوا: بِمَ يَعْمَلُ هَذا السّاحِرُ ؟ قالُوا: يَعْمَلُ بِالحَيّاتِ والحِبالِ. قالُوا: فَلا واللَّهِ ما في الأرْضِ قَوْمٌ يَعْمَلُونَ بِالحَيّاتِ والحِبالِ والعِصِيِّ بِالسِّحْرِ ما نَعْمَلُ بِهِ ! فَما أجْرُنا إنْ غَلَبْنا ؟ قالَ لَهم: أنْتُمْ أقارِبِي وخاصَّتِي، وأنا صانِعٌ بِكم كُلَّ شَيْءٍ (p-١٩٩)أحْبَبْتُمْ، فَتَواعَدُوا لِيَوْمِ الزِّينَةِ، وأنْ يُحْشَرَ النّاسُ ضُحًى.
قالَ سَعِيدٌ: فَحَدَّثَنِي ابْنُ عَبّاسٍ: أنَّ يَوْمَ الزِّينَةِ اليَوْمُ الَّذِي أظْهَرَ اللَّهُ فِيهِ مُوسى عَلى فِرْعَوْنَ والسَّحَرَةِ، هو يَوْمُ عاشُوراءَ.
فَلَمّا اجْتَمَعُوا في صَعِيدٍ واحِدٍ قالَ النّاسُ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: اذْهَبُوا فَلْنَحْضُرْ هَذا الأمْرَ، ونَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إنْ كانُوا هُمُ الغالِبِينَ. يَعْنُونَ بِذَلِكَ مُوسى وهارُونَ اسْتِهْزاءً بِهِما، فَقالُوا: يا مُوسى - لِقُدْرَتِهِمْ بِسِحْرِهِمْ - إمّا أنْ تُلْقِيَ وإمّا أنْ نَكُونَ نَحْنُ المُلْقِينَ. قالَ: ألْقُوا. فَألْقَوْا حِبالَهم وعِصِيَّهم وقالُوا: بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إنّا لَنَحْنُ الغالِبُونَ فَرَأى مُوسى مِن سِحْرِهِمْ ما أوْجَسَ في نَفْسِهِ خِيفَةً، فَأوْحى اللَّهُ إلَيْهِ: أنْ ألْقِ عَصاكَ، فَلَمّا ألْقاها صارَتْ ثُعْبانًا عَظِيمًا فاغِرَةً فاها، فَجَعَلَ العَصا، بِدَعْوَةِ مُوسى، تَلْتَبِسُ بِالحِبالِ حَتّى صارَتْ جَزَرًا إلى الثُّعْبانِ، تَدْخُلُ فِيهِ، حَتّى ما أبْقَتْ عَصًا ولا حِبالًا إلّا ابْتَلَعَتْهُ، فَلَمّا عَرَفَ السَّحَرَةُ ذَلِكَ قالُوا: لَوْ كانَ هَذا سِحْرًا لَمْ تَبْتَلِعْ مِن سِحْرِنا كُلَّ هَذا، ولَكِنَّ هَذا أمْرٌ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، آمَنّا بِاللَّهِ وبِما جاءَ بِهِ مُوسى، ونَتُوبُ إلى اللَّهِ مِمّا كُنّا عَلَيْهِ. فَكَسَرَ اللَّهُ ظَهْرَ فِرْعَوْنَ في ذَلِكَ المَوْطِنِ وأشْياعِهِ، وظَهَرَ الحَقُّ، وبَطَلَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ، فَغُلِبُوا هُنالِكَ وانْقَلَبُوا صاغِرِينَ، وامْرَأةُ فِرْعَوْنَ بارِزَةٌ مُتَبَذِّلَةٌ تَدْعُو اللَّهَ بِالنَّصْرِ لِمُوسى عَلى فِرْعَوْنَ (p-٢٠٠)فَمَن رَآها مِن آلِ فِرْعَوْنَ ظَنَّ أنَّها تَبَذَّلَتْ شَفَقَةً عَلى فِرْعَوْنَ وأشْياعِهِ، وإنَّما كانَ حُزْنُها وهَمُّها لِمُوسى.
فَلَمّا طالَ مُكْثُ مُوسى لِمَواعِدِ فِرْعَوْنَ الكاذِبَةِ، كُلَّما جاءَ بِآيَةٍ وعَدَ عِنْدَها أنْ يُرْسِلَ مَعَهُ بَنِي إسْرائِيلَ، فَإذا كُشِفَ ذَلِكَ نَكَثَ عَهْدَهُ، وأخْلَفَ وعْدَهُ.
حَتّى أُمِرَ مُوسى بِقَوْمِهِ فَخَرَجَ بِهِمْ لَيْلًا، فَلَمّا أصْبَحَ فِرْعَوْنُ ورَأى أنَّهم قَدْ مَضَوْا بَعَثَ في المَدائِنِ حاشِرِينَ، فَتَبِعَهم جُنُودٌ عَظِيمَةٌ كَثِيرَةٌ، وأوْحى اللَّهُ إلى البَحْرِ: إذا ضَرَبَكَ عَبْدِي مُوسى بِعَصاهُ فانْفَرِقْ لَهُ اثْنَيْ عَشَرَ فِرْقًا، حَتّى يَجُوزَ مُوسى ومَن مَعَهُ، ثُمَّ التَقِ بَعْدُ عَلى مَن بَقِيَ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ وأشْياعِهِ. فَنَسِيَ مُوسى أنْ يَضْرِبَ بِعَصاهُ فَدَفَعَ إلى البَحْرِ بِالعَصا ولَهُ قَصِيفٌ، مَخافَةَ أنْ يَضْرِبَهُ مُوسى بِعَصاهُ وهو غافِلٌ فَيَصِيرَ عاصِيًا.
فَلَمّا تَراءى الجَمْعانِ وتَقارَبا، قالَ أصْحابُ مُوسى: إنّا لَمُدْرَكُونَ، فافْعَلْ ما أمَرَكَ بِهِ رَبُّكَ فَإنَّكَ لَمْ تُكْذَبْ ولَمْ تَكْذِبْ، قالَ: وعَدَنِي رَبِّي إذا انْتَهَيْتُ إلى البَحْرِ أنْ يَنْفَرِقَ لِي حَتّى أجُوزَ، ثُمَّ ذَكَرَ بَعْدَ ذَلِكَ العَصا، فَضَرَبَ البَحْرَ حِينَ دَنا أوائِلُ جُنْدِ فِرْعَوْنَ مِن أواخِرِ جُنْدِ مُوسى، فانْفَرَقَ البَحْرُ كَما أمَرَ اللَّهُ، وكَما وُعِدَ مُوسى، فَلَمّا جازَ أصْحابُ مُوسى كُلُّهُمُ ودَخَلَ أصْحابُ فِرْعَوْنَ كُلُّهُمُ، التَقى البَحْرُ عَلَيْهِمُ كَما أمَرَهُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، فَلَمّا أنْ جاوَزَ البَحْرَ قالَ أصْحابُ مُوسى: إنّا لَمُدْرَكُونَ؛ إنّا نَخافُ ألّا يَكُونَ فِرْعَوْنُ غَرِقَ ولا نُؤْمِنُ بِهَلاكِهِ ! فَدَعا رَبَّهُ فَأخْرَجَهُ لَهُ (p-٢٠١)بِبَدَنِهِ مِنَ البَحْرِ حَتّى اسْتَيْقَنُوا.
ثُمَّ مَرُّوا بَعْدَ ذَلِكَ عَلى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلى أصْنامٍ لَهم: قالُوا: يا مُوسى اجْعَلْ لَنا إلَهًا كَما لَهم آلِهَةٌ. قالَ: إنَّكم قَوْمٌ تَجْهَلُونَ، إنَّ هَؤُلاءِ مُتَبَّرٌ ما هم فِيهِ، وباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ، قَدْ رَأيْتُمْ مِنَ العِبَرِ ما يَكْفِيكم وسَمِعْتُمْ بِهِ. فَمَضى، حَتّى أنْزَلَهم مَنزِلًا، ثُمَّ قالَ لَهم: أطِيعُوا هارُونَ، فَإنِّي قَدِ اسْتَخْلَفْتُهُ عَلَيْكم، وإنِّي ذاهِبٌ إلى رَبِّي. وأجَّلَهم ثَلاثِينَ يَوْمًا أنْ يَرْجِعَ إلَيْهِمْ فِيها، فَلَمّا أتى رَبَّهُ وأرادَ أنْ يُكَلِّمَهُ في ثَلاثِينَ يَوْمًا قَدْ صامَهُنَّ لَيْلَهُنَّ ونَهارَهُنَّ، كَرِهَ أنْ يُكَلِّمَ رَبَّهُ ورِيحُ فَمِهِ رِيحُ فَمِ الصّائِمِ، فَتَناوَلَ مُوسى مِن نَباتِ الأرْضِ شَيْئًا فَمَضَغَهُ، فَقالَ لَهُ رَبُّهُ حِينَ أتاهُ: لِمَ أفْطَرْتَ ؟ وهو أعْلَمُ بِالَّذِي كانَ، قالَ: يا رَبِّ، إنِّي كَرِهْتُ أنْ أُكَلِّمَكَ إلّا وفَمِي طَيِّبُ الرِّيحِ. قالَ: أوَما عَلِمْتَ يا مُوسى أنَّ رِيحَ فَمِ الصّائِمِ أطْيَبُ عِنْدِي مِن رِيحِ المِسْكِ، ارْجِعْ حَتّى تَصُومَ عَشَرَةَ أيّامٍ ثُمَّ ائْتِنِي. فَفَعَلَ مُوسى الَّذِي أمَرَهُ اللَّهُ بِهِ.
فَلَمّا رَأى قَوْمُ مُوسى أنَّهُ لَمْ يَأْتِهِمْ لِلْأجَلِ، ساءَهم ذَلِكَ. وكانَ هارُونُ قَدْ خَطَبَهم وقالَ لَهم: إنَّكم خَرَجْتُمْ مِن مِصْرَ، وعِنْدَكم ودائِعُ لِقَوْمِ فِرْعَوْنَ وعَوارِي، ولَكم فِيهِمْ مِثْلُ ذَلِكَ، وأنا أرى أنْ تَحْتَسِبُوا ما كانَ لَكَمَ عِنْدَهم، ولا أحِلُّ لَكم ودِيعَةً اسْتُودِعْتُمُوها ولا عارِيَةً، ولَسْنا نَرى أداءَ شَيْءٍ مِن ذَلِكَ (p-٢٠٢)إلَيْهِمْ ولا مُمْسِكِيهِ، فَحَفَرَ حُفَيْرَةً، وأمَرَ كُلَّ قَوْمٍ عِنْدَهم شَيْءٌ مِن ذَلِكَ مِن مَتاعٍ أوْ حِلْيَةٍ بِأنْ يَدْفِنُوهُ في الحُفَيْرَةِ، ثُمَّ أوْقَدَ عَلَيْهِ النّارَ فَأحْرَقَهُ، وقالَ: لا يَكُونُ لَنا ولا لَهم.
وكانَ السّامِرِيُّ مَن قَوْمٍ يَعْبُدُونَ البَقَرَ، لَيْسَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ بَلْ جارٌ لَهُمْ، فاحْتَمَلَ مَعَ بَنِي إسْرائِيلَ حِينَ احْتَمَلُوا، فَقُضِيَ لَهُ أنْ رَأى أثَرَ الفَرَسِ، فَقَبَضَ مِنهُ قَبْضَةً، فَمَرَّ بِهارُونَ، فَقالَ لَهُ هارُونُ: يا سامِرِيُّ، ألا تُلْقِي ما في يَدَيْكَ ؟ وهو قابِضٌ عَلَيْهِ، لا يَراهُ أحَدٌ طِوالَ ذَلِكَ، فَقالَ: هَذِهِ قَبْضَةٌ مِن أثَرِ الرَّسُولِ الَّذِي جاوَزَ بِكُمُ البَحْرَ، فَلا أُلْقِيها لِشَيْءٍ إلّا أنْ تَدْعُوَ اللَّهَ إذا ألْقَيْتُها أنْ يَكُونَ ما أُرِيدُ. قالَ: فَألْقاها ودَعا لَهُ هارُونُ، فَقالَ: أُرِيدُ أنْ يَكُونَ عِجْلًا. فاجْتَمَعَ ما كانَ في الحُفَيْرَةِ مِن مَتاعٍ؛ نُحاسٍ أوْ حَدِيدٍ أوْ حُلِيٍّ، فَصارَ عِجْلًا أجْوَفَ. لَيْسَ فِيهِ رُوحٌ، لَهُ خُوارٌ.
فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: واللَّهِ، ما كانَ لَهُ صَوْتٌ، ولَكِنَّ الرِّيحَ كانَتْ تَدْخُلُ مِن دُبُرِهِ وتَخْرُجُ مِن فِيهِ، فَكانَ ذَلِكَ الصَّوْتُ مِن ذَلِكَ.
فَتَفَرَّقَ بَنُو إسْرائِيلَ فِرَقًا، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: يا سامِرِيُّ، ما هَذا فَإنَّكَ أنْتَ أعْلَمُ بِهِ ؟ فَقالَ: هَذا رَبُّكم ولَكِنَّ مُوسى أخْطَأ الطَّرِيقَ. فَقالُوا: لا نُكَذِّبُ بِهَذا حَتّى (p-٢٠٣)يَرْجِعَ إلَيْنا مُوسى، فَإنْ يَكُ رَبَّنا لَمْ نَكُنْ ضَيَّعْنا وعَجَزْنا فِيهِ حِينَ رَأيْناهُ، وإنْ لَمْ يَكُنْ رَبَّنا فَإنّا نَتْبَعُ قَوْلَ مُوسى. وقالَتْ فِرْقَةٌ: هَذا مِن عَمَلِ الشَّيْطانِ، ولَيْسَ رَبَّنا ولا نُصَدِّقُ بِهِ ولا نُؤْمِنُ، وأُشْرِبَ فِرْقَةٌ في قُلُوبِهِمُ التَّصْدِيقَ بِما قالَ السّامِرِيُّ في العِجْلِ، وأعْلَنُوا التَّكْذِيبَ، فَقالَ لَهم هارُونُ: ﴿يا قَوْمِ إنَّما فُتِنْتُمْ بِهِ وإنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ﴾ [طه: ٩٠]، ولَيْسَ هَكَذا، قالُوا: فَما بالُ مُوسى وعَدَنا ثَلاثِينَ يَوْمًا، ثُمَّ أخْلَفَنا، فَهَذِهِ أرْبَعُونَ لَيْلَةً ؟ فَقالَ سُفَهاؤُهم: أخْطَأ رَبَّهُ فَهو يَطْلُبُهُ ويَتْبَعُهُ.
فَلَمّا كَلَّمَ اللَّهُ مُوسى وقالَ ما قالَ لَهُ، أخْبَرَهُ بِما لَقِيَ قَوْمُهُ مِن بَعْدِهِ، ﴿فَرَجَعَ مُوسى إلى قَوْمِهِ غَضْبانَ أسِفًا﴾ [طه: ٨٦]، فَقالَ لَهم ما سَمِعْتُمْ في القُرْآنِ، وألْقى الألْواحَ وأخَذَ بِرَأْسِ أخِيهِ يَجُرُّهُ إلَيْهِ مِنَ الغَضَبِ، غَيْرَ أنَّهُ عَذَرَ أخاهُ واسْتَغْفَرَ رَبَّهُ، ثُمَّ انْصَرَفَ إلى السّامِرِيِّ فَقالَ لَهُ: ما حَمَلَكَ عَلى ما صَنَعْتَ ؟ فَقالَ: قَبَضْتُ قَبْضَةً مِن أثَرِ الرَّسُولِ، وفَطِنْتُ لَها وعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ، فَقَذَفْتُها، وكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي، قالَ: ﴿فاذْهَبْ فَإنَّ لَكَ في الحَياةِ أنْ تَقُولَ لا مِساسَ﴾ [طه: ٩٧] إلى قَوْلِهِ: ﴿فِي اليَمِّ نَسْفًا﴾ [طه: ٩٧] ولَوْ كانَ إلَهًا لَمْ يَخْلُصْ إلى ذَلِكَ مِنهُ.
فاسْتَيْقَنَ بَنُو إسْرائِيلَ بِالفِتْنَةِ، واغْتَبَطَ الَّذِينَ كانَ رَأْيُهم فِيهِ رَأْيَ هارُونَ، فَقالُوا: يا مُوسى، سَلْ رَبَّكَ أنْ يَفْتَحَ لَنا بابَ تَوْبَةٍ نَعْمَلُها وتُكَفِّرُ عَنّا ما عَمِلْنا. فاخْتارَ مُوسى مِن قَوْمِهِ سَبْعِينَ رَجُلًا لِذَلِكَ، لا يَأْلُو الخَيْرَ؛ خِيارَ بَنِي إسْرائِيلَ، ومَن لَمْ يُشْرِكْ في العِجْلِ، فانْطَلَقَ بِهِمْ لِيَسْألَ رَبَّهَمُ التَّوْبَةَ، فَرَجَفَتِ الأرْضُ بِهِمْ، فاسْتَحْيا مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ مِن قَوْمِهِ ووَفْدِهِ حِينَ فُعِلَ بِهِمْ ذَلِكَ، فَقالَ: ﴿رَبِّ لَوْ شِئْتَ أهْلَكْتَهم مِن قَبْلُ وإيّايَ أتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ مِنّا﴾ [الأعراف: ١٥٥] (p-٢٠٤)الآيَةَ [ الأعْرافِ: ١٥٥ ] ومِنهم مَن قَدِ اطَّلَعَ اللَّهُ مِنهُ عَلى ما أُشْرِبَ قَلْبُهُ العِجْلَ والإيمانَ بِهِ؛ فَلِذَلِكَ رَجَفَتْ بِهِمُ الأرْضُ، فَقالَ: ﴿ورَحْمَتِي وسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٦] إلى قَوْلِهِ: ﴿والإنْجِيلِ﴾ [الأعراف: ١٥٧] [ الأعْرافِ: ١٥٦ ] . فَقالَ: رَبِّ، سَألْتُكَ التَّوْبَةَ لِقَوْمِي، فَقُلْتَ: إنَّ رَحْمَتِكَ كَتَبْتُها لِقَوْمٍ غَيْرِ قَوْمِي، فَلَيْتَكَ أخَّرْتَنِي حَتّى أخْرُجَ في أُمَّةِ ذَلِكَ الرَّجُلِ المَرْحُومَةِ. قالَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: فَإنَّ تَوْبَتَهم أنْ يَقْتُلَ كُلُّ رَجُلٍ مِنهم كُلَّ مَن لَقِيَ مِن والِدٍ ووَلَدٍ، فَيَقْتُلَهُ بِالسَّيْفِ، ولا يُبالِي مَن قَتَلَ في ذَلِكَ المَوْطِنِ. فَتابَ أُولَئِكَ الَّذِينَ كانَ خَفِيَ عَلى مُوسى وهارُونَ، وما اطَّلَعَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِن ذُنُوبِهِمْ فاعْتَرَفُوا بِها، وفَعَلُوا ما أُمِرُوا بِهِ، فَغَفَرَ اللَّهُ لِلْقاتِلِ والمَقْتُولِ.
ثُمَّ سارَ بِهِمْ مُوسى مُتَوَجِّهًا نَحْوَ الأرْضِ المُقَدَّسَةِ، فَأخَذَ الألْواحَ بَعْدَ ما سَكَتَ عَنْهُ الغَضَبُ، وأمَرَهم بِالَّذِي أمَرَهُ اللَّهُ أنْ يُبَلِّغَهم مِنَ الوَظائِفِ، فَثَقُلَتْ عَلَيْهِمْ، وأبَوْا أنْ يُقِرُّوا بِها، حَتّى نَتَقَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الجَبَلَ كَأنَّهُ ظُلَّةٌ، ودَنا مِنهم حَتّى خافُوا أنْ يَقَعَ عَلَيْهِمْ، فَأخَذُوا الكِتابَ بِأيْمانِهِمْ وهم مُصْغُونَ يَنْظُرُونَ إلى الأرْضِ، والكِتابُ الَّذِي أخَذُوهُ بِأيْدِيهِمْ، وهم يَنْظُرُونَ إلى الجَبَلِ مَخافَةَ أنْ يَقَعَ عَلَيْهِمْ.
ثُمَّ مَضَوْا حَتّى أتَوُا الأرْضَ المُقَدَّسَةَ، فَوَجَدُوا فِيها مَدِينَةَ جَبّارِينَ خَلْقُهم خَلْقٌ (p-٢٠٥)مُنْكَرٌ، وذَكَرُوا مِن ثِمارِهِمْ أمْرًا عَجِيبًا مِن عِظَمِها - فَقالُوا: يا مُوسى إنَّ فِيها قَوْمًا جَبّارِينَ، لا طاقَةَ لَنا اليَوْمَ بِهِمْ، ولا نَدْخُلُها ما دامُوا فِيها، فَإنْ يَخْرُجُوا مِنها فَإنّا داخِلُونَ. قالَ رَجُلانِ مِنَ الجَبّارِينَ، آمَنا بِمُوسى، فَخَرَجا إلَيْهِ، فَقالا: نَحْنُ أعْلَمُ بِقَوْمِنا، إنْ كُنْتُمْ تَخافُونَ ما رَأيْتُمْ مِن أجْسامِهِمْ وعَدَدِهِمْ، فَإنَّهم لَيْسَ لَهم قُلُوبٌ، ولا مَنعَةَ عِنْدَهم، فادْخُلُوا عَلَيْهِمُ البابَ، فَإذا دَخَلْتُمُوهُ فَإنَّكم غالِبُونَ. ويَقُولُ أُناسٌ: إنَّهُما مِن قَوْمِ مُوسى. وزَعَمَ سَعِيدٌ أنَّهُما مِنَ الجَبّارِينَ آمَنا بِمُوسى، يَقُولُ: ﴿مِنَ الَّذِينَ يَخافُونَ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِما﴾ [المائدة: ٢٣] [ المائِدَةِ: ٢٣ ] وإنَّما يَعْنِي بِذَلِكَ الَّذِينَ يَخافُهم بَنُو إسْرائِيلَ، فَقالُوا: ﴿قالُوا يا مُوسى إنّا لَنْ نَدْخُلَها أبَدًا ما دامُوا فِيها فاذْهَبْ أنْتَ ورَبُّكَ فَقاتِلا إنّا ها هُنا قاعِدُونَ﴾ [المائدة: ٢٤] [ المائِدَةِ: ٢٤ ] . فَأغْضَبُوا مُوسى، فَدَعا عَلَيْهِمْ فَسَمّاهم فاسِقِينَ، ولَمْ يَدْعُ عَلَيْهِمْ قَبْلَ ذَلِكَ، لِما رَأى فِيهِمْ مِنَ المَعْصِيَةِ وإساءَتِهِمْ حَتّى كانَ يَوْمَئِذٍ، فاسْتَجابَ اللَّهُ لَهُ وسَمّاهم كَما سَمّاهم مُوسى فاسِقِينَ، فَحَرَّمَها عَلَيْهِمْ أرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ في الأرْضِ، يُصْبِحُونَ كُلَّ يَوْمٍ فَيَسِيرُونَ، لَيْسَ لَهم قَرارٌ.
ثُمَّ ظَلَّلَ عَلَيْهِمُ في التِّيهِ بِالغَمامِ، وأنْزَلَ عَلَيْهِمُ المَنَّ والسَّلْوى، وجَعَلَ لَهم ثِيابًا لا تَبْلى ولا تَتَّسِخُ، وجَعَلَ بَيْنَ ظَهْرانِيهِمْ حَجَرًا مُرَبَّعًا، وأمَرَ مُوسى فَضَرَبَهُ بِعَصاهُ. فانْفَجَرَتْ مِنهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْنًا، في كُلِّ ناحِيَةٍ ثَلاثُ عُيُونٍ، وأعْلَمَ كُلَّ سِبْطٍ عَيْنَهُمُ الَّتِي يَشْرَبُونَ مِنها، لا يَرْتَحِلُونَ مِن مَنقَلَةٍ إلّا وجَدُوا ذَلِكَ الحَجَرَ مِنهم بِالمَكانِ الَّذِي كانَ مِنهم بِالمَنزِلِ الأوَّلِ.
(p-٢٠٦)رَفَعَ ابْنُ عَبّاسٍ هَذا الحَدِيثَ إلى النَّبِيِّ ﷺ، وصَدَّقَ ذَلِكَ عِنْدِي أنَّ مُعاوِيَةَ بْنَ أبِي سُفْيانَ سَمِعَ مِنِ ابْنِ عَبّاسٍ هَذا الحَدِيثَ، فَأنْكَرَ عَلَيْهِ أنْ يَكُونَ الفِرْعَوْنِيُّ هو الَّذِي أفْشى عَلى مُوسى أمْرَ القَتِيلِ. وقالَ: إنَّما أفْشى عَلَيْهِ الإسْرائِيلِيُّ. فَأخَذَ ابْنُ عَبّاسٍ بِيَدِهِ فانْطَلَقَ بِهِ إلى سَعْدِ بْنِ مالِكٍ الزُّهْرِيِّ، فَقالَ: «أرَأيْتَ يَوْمَ حَدَّثَنا النَّبِيُّ ﷺ عَنْ قَتِيلِ مُوسى مِن آلِ فِرْعَوْنَ ؟ مَن أفْشى عَلَيْهِ، الإسْرائِيلِيُّ أمِ الفِرْعَوْنِيُّ ؟ قالَ: أفْشى عَلَيْهِ الفِرْعَوْنِيُّ، بِما سَمِعَ مِنَ الإسْرائِيلِيِّ الَّذِي شَهِدَ عَلى ذَلِكَ وحَضَرَهُ» .
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَبِثْتَ سِنِينَ﴾ الآياتِ.
أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿فَلَبِثْتَ سِنِينَ في أهْلِ مَدْيَنَ﴾ قالَ: عَشْرَ سِنِينَ: ﴿ثُمَّ جِئْتَ عَلى قَدَرٍ يا مُوسى﴾ قالَ: عَلى قَدَرِ الرِّسالَةِ والنُّبُوَّةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ جِئْتَ عَلى قَدَرٍ﴾ قالَ: لِمِيقاتٍ.
(p-٢٠٧)وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ جِئْتَ عَلى قَدَرٍ﴾ قالَ: عَلى مَوْعِدٍ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولا تَنِيا في ذِكْرِي﴾ قالَ: لا تَضْعُفا.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ قَتادَةَ مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ مُجاهِدٍ مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ الطَّسْتِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّ نافِعَ بْنَ الأزْرَقِ قالَ لَهُ: أخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِهِ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ولا تَنِيا في ذِكْرِي﴾ قالَ: ولا تَضْعُفا عَنْ أمْرِي، قالَ: وهَلْ تَعْرِفُ العَرَبُ ذَلِكَ؟ قالَ: نَعَمْ، أما سَمِعْتَ الشّاعِرَ وهو يَقُولُ:
؎إنِّي وجَدِّكَ مَلَّ ونَيْتُ وإنَّنِي أبْغِي الفِكاكَ لَهُ بِكُلِّ سَبِيلِ
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولا تَنِيا﴾ قالَ: لا تُبْطِئا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عَلِيِّ في قَوْلِهِ: ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلا لَيِّنًا﴾ قالَ: كَنِّهِ.
(p-٢٠٨)وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلا لَيِّنًا﴾ قالَ: كَنِّياهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سُفْيانَ الثَّوْرِيِّ: ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلا لَيِّنًا﴾ قالَ: كَنِّياهُ: يا أبا مُرَّةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ عِكْرِمَةَ: ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلا لَيِّنًا﴾ قالَ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ: ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلا لَيِّنًا﴾ قالَ أعْذِرا إلَيْهِ وقُولا لَهُ: إنَّ لَكَ رِبًّا ولَكَ مَعادًا وإنَّ بَيْنَ يَدَيْكَ جَنَّةً ونارًا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الفَضْلِ بْنِ عِيسى الرَّقاشِيِّ، أنَّهُ تَلا هَذِهِ الآيَةَ: ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلا لَيِّنًا﴾ فَقالَ: يا مَن يَتَحَبَّبُ إلى أعادِيهِ، فَكَيْفَ بِمَن يَتَوَلّى ويُنادِيهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ﴾ قالَ: هَلْ يَتَذَكَّرُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّنا نَخافُ أنْ يَفْرُطَ عَلَيْنا﴾ قالَ: يَعْجَلَ: ﴿أوْ أنْ يَطْغى﴾ قالَ: يَعْتَدِيَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّنا نَخافُ أنْ يَفْرُطَ عَلَيْنا أوْ أنْ يَطْغى﴾ قالَ: عُقُوبَةً مِنهُ.
(p-٢٠٩)وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ في قَوْلِهِ: ﴿لا تَخافا إنَّنِي مَعَكُما أسْمَعُ وأرى﴾ قالَ: أسْمَعُ ما يَقُولُ: وأرى ما يُجاوِبُكُما بِهِ، فَأُوحِي إلَيْكُما فَتُجاوِباهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: لَمّا بَعَثَ اللَّهُ مُوسى إلى فِرْعَوْنَ قالَ: رَبِّ أيَّ شَيْءٍ أقُولُ؟ قالَ: قُلْ: هَيّا شَرًّا هَيّا، قالَ الأعْمَشُ: تَفْسِيرُ ذَلِكَ: الحَيُّ قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ، والحَيُّ بَعْدَ كُلِّ شَيْءٍ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ في“ الزُّهْدِ "، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: لَمّا بَعَثَ اللَّهُ مُوسى إلى فِرْعَوْنَ قالَ: لا يَغُرَّنَّكُما لِباسُهُ الَّذِي ألْبَسْتُهُ، فَإنَّ ناصِيَتَهُ بِيَدِي، فَلا يَنْطِقُ ولا يَطْرِفُ إلّا بِإذْنِي، ولا يَغُرَّنَّكُما ما مُتِّعَ بِهِ مِن زَهْرَةِ الدُّنْيا وزِينَةِ المُتْرَفِينَ، فَلَوْ شِئْتُ أنْ أُزَيِّنَكُما مِن زِينَةِ الدُّنْيا بِشَيْءٍ يِعْرِفُ فِرْعَوْنُ أنَّ قُدْرَتَهُ تَعْجِزُ عَنْ ذَلِكَ لَفَعَلْتُ، ولَيْسَ ذَلِكَ لِهَوانِكُما عَلَيَّ، ولَكِنِّي ألْبَسْتُكُما نَصِيبَكُما مِنَ الكَرامَةِ عَلى ألّا تَنْقُصَكُما الدُّنْيا شَيْئًا وإنِّي لَأذُودَ أوْلِيائِي عَنِ الدُّنْيا كَما يَذُودُ الرّاعِي إبِلَهُ عَنْ مَبارِكِ العُرَّةِ، وإنِّي لَأُجَنِّبُهم كَما يُجَنِّبُ الرّاعِي إبِلَهُ عَنْ مَراتِعِ الهِلْكَةِ، أُرِيدُ أنْ أُنَوِّرَ بِذَلِكَ صُدُورَهُمْ، وأُطَهِّرَ بِذَلِكَ قُلُوبَهم في سِيماهُمُ الَّذِي (p-٢١٠)يُعْرَفُونَ بِهِ، وأمَرُهُمُ الَّذِي يَفْتَخِرُونَ بِهِ. واعْلَمْ: أنَّ مَن أخافَ لِي ولِيًّا فَقَدْ بارَزَنِي بِالعَداوَةِ، وأنا الثّائِرُ لِأوْلِيائِي يَوْمَ القِيامَةِ.
طه 20:41
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقَتَلْتَ نَفْسًا فَنَجَّيْناكَ مِنَ الغَمِّ وفَتَنّاكَ فُتُونًا﴾ .
أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، والخَطِيبُ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إنَّما قَتَلَ مُوسى الَّذِي قَتَلَ مِن آلِ فِرْعَوْنَ خَطَأً.
(p-١٨٨)يَقُولُ اللَّهُ: ﴿وقَتَلْتَ نَفْسًا فَنَجَّيْناكَ مِنَ الغَمِّ﴾ [طه»: ٤٠] .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَنَجَّيْناكَ مِنَ الغَمِّ﴾ قالَ: مِن قَتْلِ النَّفْسِ: ﴿وفَتَنّاكَ فُتُونًا﴾ قالَ: أخْلَصْناكَ إخْلاصًا.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وفَتَنّاكَ فُتُونًا﴾ قالَ: أبْتَلَيْناكَ ابْتِلاءً.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وفَتَنّاكَ فُتُونًا﴾ قالَ: ابْتَلَيْناكَ بِبَلاءِ نِعْمَةٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وفَتَنّاكَ فُتُونًا﴾ قالَ: اخْتَبَرْناكَ اخْتِبارًا.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وفَتَنّاكَ فُتُونًا﴾ قالَ: بَلاءُ إلْقائِهِ في التّابُوتِ، ثُمَّ في اليَمِّ، ثُمَّ التِقاطُ آلِ فِرْعَوْنَ إيّاهُ ثُمَّ خُرُوجُهُ خائِفًا يَتَرَقَّبُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي عُمَرَ العَدَنِيُّ في ”مَسْنَدِهِ“، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والنَّسائِيُّ، وأبُو يَعْلى، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ «عَنْ سَعِيدِ بْنِ (p-١٨٩)جِبِّيرٍ» قالَ: سَألْتُ ابْنَ عَبّاسٍ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ تَعالى لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿وفَتَنّاكَ فُتُونًا﴾ . فَسَألَتْ عَنِ الفُتُونِ ما هو فَقالَ: اسْتَأْنِفِ النَّهارَ يا ابْنَ جُبَيْرٍ؛ فَإنَّ لَها حَدِيثًا طَوِيلًا. فَلَمّا أصْبَحْتُ غَدَوْتُ عَلى ابْنِ عَبّاسٍ لِأتَنَجَّزَ ما وعَدَنِي مِن حَدِيثِ الفُتُونِ، فَقالَ: تَذاكَرَ فِرْعَوْنُ وجُلَساؤُهُ ما كانَ اللَّهُ وعَدَ إبْراهِيمَ مِن أنْ يَجْعَلَ في ذُرِّيَّتِهِ أنْبِياءَ ومُلُوكًا، فَقالَ بَعْضُهم: إنَّ بَنِي إسْرائِيلَ يَنْتَظِرُونَ ذَلِكَ وما يَشُكُّونَ فِيهِ، ولَقَدْ كانُوا يَظُنُّونَ أنَّهُ يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ، فَلَمّا هَلَكَ، قالُوا: لَيْسَ هَذا كانَ وعْدَ اللَّهِ إبْراهِيمَ. قالَ فِرْعَوْنُ: فَكَيْفَ تَرَوْنَ ؟ فَأْتَمَرُوا بَيْنَهم، وأجْمَعُوا أمْرَهم عَلى أنْ يَبْعَثَ رِجالًا مَعَهُمُ الشِّفارُ، يَطُوفُونَ في بَنِي إسْرائِيلَ؛ فَلا يَجِدُونَ مَوْلُودًا ذَكَرًا إلّا ذَبَحُوهُ، فَفَعَلُوا، فَلَمّا رَأوْا أنَّ الكِبارَ يَمُوتُونَ بِآجالِهِمْ، وأنَّ الصَّغارَ يُذْبَحُونَ، قالُوا: يُوشِكُ أنْ يَفْنى بَنُو إسْرائِيلَ، فَتَصِيرُوا أنْ تُباشِرُوا الأعْمالَ والخِدْمَةَ الَّتِي كانُوا يَكْفُونَكم، فاقْتُلُوا عامًا كُلَّ مَوْلُودٍ ذَكَرٍ، فَيَقِلَّ أبَناؤُهم، ودَعُوا عامًا لا تَقْتَلُوا مِنهم أحَدًا، فَتَشُبُّ الصِّغارُ مَكانَ مَن يَمُوتُ مِنَ الكِبارِ، فَإنَّهم لَنْ يَكْثُرُوا فَتَخافُونَ مُكاثَرَتَهم إيّاكم، ولَنْ يَفْنَوْا بِمَن تَقْتُلُونَ، فَتَحْتاجُونَ إلَيْهِمْ. فَأجْمَعُوا أمْرَهم عَلى ذَلِكَ، فَحَمَلَتْ أُمُّ مُوسى بِهارُونَ في العامِ الَّذِي لا يُذْبَحُ فِيهِ الغِلْمانُ، فَوَلَدَتْهُ عَلانِيَةً آمِنَةً، حَتّى إذا كانَ في قابِلٍ حَمَلَتْ بِمُوسى، فَوَقَعَ في قَلْبِها الهَمُّ (p-١٩٠)والحُزْنُ، وذَلِكَ مِنَ الفُتُونِ يا ابْنَ جُبَيْرٍ؛ ما دَخَلَ عَلَيْهِ في بَطْنِ أُمِّهِ مِمّا يُرادُ بِهِ، فَأوْحى اللَّهُ إلَيْها أنْ: ﴿ولا تَخافِي ولا تَحْزَنِي إنّا رادُّوهُ إلَيْكِ وجاعِلُوهُ مِنَ المُرْسَلِينَ﴾ [القصص: ٧] [ القَصَصِ: ٧ ]، وأمَرَها إذا ولَدَتْهُ أنْ تَجْعَلَهُ في تابُوتٍ، ثُمَّ تُلْقِيَهِ في اليَمِّ، فَلَمّا ولَدَتْهُ فَعَلَتْ ما أُمِرَتْ بِهِ، حَتّى إذا تَوارى عَنْها ابْنُها أتاها الشَّيْطانُ، وقالَتْ في نَفْسِها: ما فَعَلْتُ بِابْنِي ؟ لَوْ ذُبِحَ عِنْدِي فَوارَيْتُهُ وكَفَّنْتُهُ كانَ أحَبَّ إلَيَّ مِن أنْ أُلْقِيَهُ بِيَدِي إلى دَوابِّ البَحْرِ وحِيتانِهِ.
فانْطَلَقَ بِهِ الماءُ حَتّى أوْفى بِهِ عِنْدَ فُرْضَةِ مُسْتَقى جَوارِي امْرَأةِ فِرْعَوْنَ، فَرَأيْنَهُ فَأخَذْنَهُ، فَهَمَمْنَ أنْ يَفْتَحْنَ البابَ، فَقالَ بَعْضُهُنَّ لِبَعْضٍ: إنَّ في هَذا لَمالًا، وإنّا إنْ فَتَحْناهُ لَمْ تُصَدِّقْنا امْرَأةُ فِرْعَوْنَ بِما وجَدْنا فِيهِ. فَحَمَلْنَهُ بِهَيْئَتِهِ لَمْ يُحَرِّكْنَ مِنهُ شَيْئًا حَتّى دَفَعْنَهُ إلَيْها، فَلَمّا فَتَحَتْهُ رَأتْ فِيهِ الغُلامَ، فَأُلْقِيَ عَلَيْهِ مِنها مَحَبَّةٌ لَمْ يُلْقَ مِنها عَلى أحَدٍ مِنَ البَشَرِ قَطُّ ﴿وأصْبَحَ فُؤادُ أُمِّ مُوسى فارِغًا﴾ [القصص: ١٠] [ القَصَصِ: ١٠ ] مِن ذِكْرِ كُلِّ شَيْءٍ إلّا مِن ذِكْرِ مُوسى.
فَلَمّا سَمِعَ الذَّبّاحُونَ بِأمْرِهِ، أقْبَلُوا إلى امْرَأةِ فِرْعَوْنَ بِشِفارِهِمْ، يُرِيدُونَ أنْ يَذْبَحُوهُ - وذَلِكَ مِنَ الفُتُونِ يا ابْنَ جُبَيْرٍ. فَقالَتْ لِلذَّبّاحِينَ: آمِرُونِي، فَإنَّ هَذا (p-١٩١)الواحِدَ لا يَزِيدُ في بَنِي إسْرائِيلَ، فَإنِّي آتِي فِرْعَوْنَ فَأسْتَوْهِبُهُ إيّاهُ، فَإنْ وهَبَهُ لِي فَقَدْ أحْسَنْتُمْ وأجْمَلْتُمْ، وإنْ أمَرَ بِذَبْحِهِ لَمْ ألُمْكم. فَلَمّا أتَتْ بِهِ فِرْعَوْنَ، قالَتْ: ﴿قُرَّتُ عَيْنٍ لِي ولَكَ﴾ [القصص: ٩] [ القَصَصِ: ٩ ]، قالَ فِرْعَوْنُ: يَكُونُ لَكِ، وأمّا أنا فَلا حاجَةَ لِي فِيهِ.
فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: والَّذِي يُحْلَفُ بِهِ، لَوْ أقَرَّ فِرْعَوْنُ أنْ يَكُونَ قُرَّةَ عَيْنٍ لَهُ كَما قالَتِ امْرَأتُهُ، لَهَداهُ اللَّهُ بِهِ كَما هَدى بِهِ امْرَأتَهُ، ولَكِنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ حَرَمَهُ ذَلِكَ.
فَأرْسَلَتْ إلى مَن حَوْلَها مِن كُلِّ امْرَأةٍ لَها لَبَنٌ، لِتَخْتارَ لَهُ ظِئْرًا، فَكُلَّما أخَذَتْهُ امْرَأةٌ مِنهُنَّ لِتُرْضِعَهُ لَمْ يَقْبَلْ ثَدْيَها، حَتّى أشْفَقَتِ امْرَأةُ فِرْعَوْنَ أنْ يَمْتَنِعَ مِنَ اللَّبَنِ فَيَمُوتَ، فَأحْزَنَها ذَلِكَ، فَأمَرَتْ بِهِ فَأُخْرِجَ إلى السُّوقِ ومَجْمَعِ النّاسِ، تَرْجُو أنْ تَجِدَ لَهُ ظِئْرًا يَأْخُذُ مِنها، فَلَمْ يَفْعَلْ، وأصْبَحَتْ أُمُّ مُوسى والِهًا، فَقالَتْ لِأُخْتِهِ: قُصِّي أثَرَهُ واطْلُبِيهِ، هَلْ تَسْمَعِينَ لَهُ ذِكْرًا ؟ أحَيٌّ ابْنِي أمْ قَدْ أكَلَتْهُ الدَّوابُّ؟ ونَسِيَتِ الَّذِي كانَ وعَدَها اللَّهُ.
فَبَصُرَتْ بِهِ أُخْتُهُ عَنْ جُنُبٍ وهم لا يَشْعُرُونَ - والجُنُبُ أنْ يَسْمُوَ بَصَرُ الإنْسانِ إلى شَيْءٍ بَعِيدٍ وهو إلى جَنْبِهِ، وهو لا يَشْعُرُ بِهِ - فَقالَتْ مِنَ الفَرَحِ حِينَ (p-١٩٢)أعْياهُمُ الظُّئُوراتُ: أنا أدُلُّكم عَلى أهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكم وهم لَهُ ناصِحُونَ، فَأخَذُوها، فَقالُوا: وما يُدْرِيكِ ما نُصْحُهم لَهُ ؟ هَلْ يَعْرِفُونَهُ ؟ حَتّى شَكُّوا في ذَلِكَ - وذَلِكَ مِنَ الفُتُونِ يا ابْنَ جُبَيْرٍ - فَقالَتْ: نُصْحُهم لَهُ وشَفَقَتُهم عَلَيْهِ رَغْبَتُهم في صِهْرِ المَلِكِ رَجاءَ مَنفَعَتِهِ. فَتَرَكُوها، فانْطَلَقَتْ إلى أُمِّهِ فَأخْبَرَتْها الخَبَرَ، فَجاءَتْ، فَلَمّا وضَعَتْهُ في حَجْرِها نَزا إلى ثَدْيِها فَمَصَّهُ حَتّى امْتَلَأ جَنْباهُ رِيًّا، وانْطَلَقَ البُشَراءُ إلى امْرَأةِ فِرْعَوْنَ يُبَشِّرُونَها: إنّا قَدْ وجَدْنا لِابْنِكِ ظِئْرًا. فَأرْسَلَتْ إلَيْها فَأُتِيَتْ بِها وبِهِ، فَلَمّا رَأتْ ما يَصْنَعُ بِها، قالَتِ لَها: امْكُثِي عِنْدِي أرْضِعِي ابْنِي هَذا، فَإنِّي لَمْ أُحِبَّ حُبَّهُ شَيْئًا قَطُّ، قالَتْ: لا أسْتَطِيعُ أنْ أدَعَ بَيْتِي ووَلَدِي فَيَضِيعَ، فَإنْ طابَتْ نَفْسُكِ أنْ تُعْطِينِيهِ فَأذْهَبَ بِهِ إلى بَيْتِي فَيَكُونَ مَعِي لا آلُوهُ خَيْرًا- فَعَلْتُ، وإلّا فَإنِّي غَيْرُ تارِكَةٍ بَيْتِي ووَلَدِي. فَذَكَرَتْ أُمُّ مُوسى ما كانَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ وعَدَها، فَتَعاسَرَتْ عَلى امْرَأةِ فِرْعَوْنَ لِذَلِكَ، وأيْقَنَتْ أنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ مُنْجِزٌ وعْدَهُ.
فَرَجَعَتْ بِابْنِها إلى بَيْتِها مِن يَوْمِها، فَأنْبَتَهُ اللَّهُ نَباتًا حَسَنًا، وحَفِظَهُ لِما قَضى فِيهِ،، فَلَمْ يَزَلْ بَنُو إسْرائِيلَ وهم مُجْتَمِعُونَ في ناحِيَةِ القَرْيَةِ، يَمْتَنِعُونَ بِهِ مِنَ الظُّلْمِ والسُّخْرَةِ مُنْذُ كانَ فِيهِمْ. فَلَمّا تَرَعْرَعَ، قالَتِ امْرَأةُ فِرْعَوْنَ لِأُمِّ مُوسى: أزِيرِينِي ابْنِي. فَوَعَدَتْها يَوْمًا تَزُورُها فِيهِ بِهِ، فَقالَتْ لِخُزّانِها (p-١٩٣)وظُئُورِها وقَهارِمَتِها: لا يَبْقَيَنَّ أحَدٌ مِنكُمُ اليَوْمَ أحَدٌ إلّا اسْتَقْبَلَ ابْنِي بِهَدِيَّةٍ وكَرامَةٍ أرى ذَلِكَ فِيهِ، وأنا باعِثَةٌ أمِينًا يُحْصِي ما يَصْنَعُ كُلُّ إنْسانٍ مِنكم، فَلَمْ تَزَلِ الهَدايا والنِّحَلُ والكَرامَةُ تَسْتَقْبِلُهُ مِن حِينِ خَرَجَ مِن بَيْتِ أُمِّهِ إلى أنْ دَخَلَ عَلَيْها. فَلَمّا دَخَلَ عَلَيْها أكْرَمَتْهُ ونَحَلَتْهُ وفَرِحَتْ بِهِ، وأعْجَبَها، ونَحَلَتْ أُمَّهُ لِحُسْنِ أثَرِها عَلَيْهِ، ثُمَّ قالَتِ: لَأنْطَلِقَنَّ بِهِ إلى فِرْعَوْنَ، فَلَيَنْحِلَنَّهُ ولَيُكْرِمَنَّهُ.
فَلَمّا دَخَلَتْ بِهِ عَلَيْهِ جَعَلَتْهُ في حِجْرِهِ، فَتَناوَلَ مُوسى لِحْيَةَ فِرْعَوْنَ فَمَدَّها إلى الأرْضِ، فَقالَتْ لَهُ الغُواةُ مِن أعْداءِ اللَّهِ: ألا تَرى ما وعَدَ اللَّهُ إبْراهِيمَ! إنَّهُ يَرِثُكَ ويَصْرَعُكَ ويَعْلُوكَ، فَأرْسَلَ إلى الذَّبّاحِينَ لِيَذْبَحُوهُ - وذَلِكَ مِنَ الفُتُونِ يا ابْنَ جُبَيْرٍ، بَعْدَ كُلِّ بَلاءٍ ابْتُلِيَ بِهِ وأُرِيدَ بِهِ فُتُونًا - فَجاءَتِ امْرَأةُ فِرْعَوْنَ تَسْعى إلى فِرْعَوْنَ، فَقالَتْ: ما بَدا لَكَ في هَذا الصَّبِيِّ الَّذِي وهَبْتَهُ لِي ؟ قالَ: ألا تَرَيْنَهُ يَزْعُمُ أنَّهُ سَيَصْرَعُنِي ويَعْلُونِي ! قالَتْ لَهُ: اجْعَلْ بَيْنِي وبَيْنَكَ أمْرًا تَعْرِفُ فِيهِ الحَقَّ، ائْتِ بِجَمْرَتَيْنِ ولُؤْلُؤَتَيْنِ فَقَرِّبْهُنَّ إلَيْهِ، فَإنْ بَطَشَ بِاللُّؤْلُؤَتَيْنِ واجْتَنَبَ الجَمْرَتَيْنِ عَلِمْتَ أنَّهُ يَعْقِلُ، وإنْ تَناوَلَ الجَمْرَتَيْنِ ولَمْ يُرِدِ اللُّؤْلُؤَتَيْنِ، فاعْلَمْ أنَّ أحَدًا لا يُؤْثِرُ الجَمْرَتَيْنِ عَلى اللُّؤْلُؤَتَيْنِ وهو يَعْقِلُ. فَقَرَّبَ ذَلِكَ إلَيْهِ، فَتَناوَلَ الجَمْرَتَيْنِ، (p-١٩٤)فانْتَزَعُوهُما مِنهُ مَخافَةَ أنْ يَحْرِقا بَدَنَهُ، فَقالَتِ المَرْأةُ: ألا تَرى ؟ وصَرَفَهُ اللَّهُ عَنْهُ بَعْدَما كانَ قَدْ هَمَّ بِهِ، وكانَ اللَّهُ بالِغَ أمْرِهِ فِيهِ. فَلَمّا بَلَغَ أشُدَّهُ، وكانَ مِنَ الرِّجالِ، لَمْ يَكُنْ أحَدٌ مِن آلِ فِرْعَوْنَ يَخْلُصُ إلى أحَدٍ مِن بَنِي إسْرائِيلَ مَعَهُ بِظُلْمٍ ولا سُخْرَةٍ، حَتّى امْتَنَعُوا كُلَّ امْتِناعٍ.
فَبَيْنَما هو يَمْشِي في ناحِيَةِ المَدِينَةِ، إذْ هو بِرَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ، أحَدُهُما مِن بَنِي إسْرائِيلَ، والآخَرُ مِن آلِ فِرْعَوْنَ، فاسْتَغاثَهُ الإسْرائِيلِيُّ عَلى الفِرْعَوْنِيِّ، فَغَضِبَ مُوسى واشْتَدَّ غَضَبُهُ؛ لِأنَّهُ تَناوَلَهُ وهو يَعْلَمُ مَنزِلَةَ مُوسى مِن بَنِي إسْرائِيلَ، وحِفْظَهُ لَهم، ولا يُعْلَمُ إلّا أنَّما ذَلِكَ مِنَ الرَّضاعِ، غَيْرَ أُمِّ مُوسى، إلّا أنْ يَكُونَ اللَّهُ تَعالى أطْلَعَ مُوسى مِن ذَلِكَ عَلى ما لَمْ يُطْلِعْ غَيْرَهُ عَلَيْهِ، فَوَكَزَ مُوسى الفِرْعَوْنِيَّ فَقَتَلَهُ ولَيْسَ يَراهُما أحَدٌ إلّا اللَّهُ والإسْرائِيلِيُّ، فَقالَ مُوسى حِينَ قَتَلَ الرَّجُلَ: ﴿هَذا مِن عَمَلِ الشَّيْطانِ إنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ﴾ [القصص: ١٥] [ القَصَصِ: ١٥ ]، ثُمَّ قالَ: ﴿رَبِّ إنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ﴾ [القصص: ١٦] [ القَصَصِ: ١٦ ] . وأصْبَحَ في المَدِينَةِ خائِفًا يَتَرَقَّبُ الأخْبارَ، فَأُتِيَ فِرْعَوْنُ، فَقِيلَ لَهُ: إنَّ بَنِي إسْرائِيلَ قَتَلُوا رَجُلًا مِن آلِ فِرْعَوْنَ، فَخُذْ لَنا بِحَقِّنا ولا تُرَخِّصْ لَهم. فَقالَ: ائْتُونِي قاتِلَهُ ومَن شَهِدُ عَلَيْهِ؛ لَأنَّهُ لا يَسْتَقِيمُ أنْ يُقِيدَ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ (p-١٩٥)ولا ثَبَتٍ، فاطْلُبُوا عِلْمَ ذَلِكَ آخُذْ لَكم بِحَقِّكم.
فَبَيْنَما هم يَطُوفُونَ لا يَجِدُونَ ثَبَتًا، إذْ مَرَّ مُوسى مِنَ الغَدِ قَدْ رَأى ذَلِكَ الإسْرائِيلِيَّ يُقاتِلُ فِرْعَوْنِيًّا آخَرَ، فاسْتَغاثَهُ الإسْرائِيلِيُّ عَلى الفِرْعَوْنِيِّ، فَصادَفَ مُوسى قَدْ نَدِمَ عَلى ما كانَ، وكَرِهَ الَّذِي رَأى، فَغَضِبَ الإسْرائِيلِيُّ، وهو يُرِيدُ أنْ يَبْطِشَ بِالفِرْعَوْنِيِّ، فَقالَ لِلْإسْرائِيلِيِّ لِما فَعَلَ بِالأمْسِ واليَوْمَ: ﴿إنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾ [القصص: ١٨] [ القَصَصِ: ١٨ ] . فَنَظَرَ الإسْرائِيلِيُّ إلى مُوسى حِينَ قالَ ما قالَ، فَإذا هو غَضْبانُ كَغَضَبِهِ بِالأمْسِ، فَخافَ بَعْدَما قالَ لَهُ: ﴿إنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾ [القصص: ١٨] . أنْ يَكُونَ إيّاهُ أرادَ، وإنَّما أرادَ الفِرْعَوْنِيَّ - فَقالَ: ﴿يا مُوسى أتُرِيدُ أنْ تَقْتُلَنِي كَما قَتَلْتَ نَفْسًا بِالأمْسِ﴾ [القصص: ١٩] [ القَصَصِ: ١٩ ] . وإنَّما قالَ ذَلِكَ مَخافَةَ أنْ يَكُونَ إيّاهُ أرادَ مُوسى لِيَقْتُلَهُ، فَتَتارَكا، فانْطَلَقَ الفِرْعَوْنِيُّ إلى قَوْمِهِ، فَأخْبَرَهم بِما سَمِعَ مِنَ الإسْرائِيلِيِّ حِينَ يَقُولُ: ﴿أتُرِيدُ أنْ تَقْتُلَنِي كَما قَتَلْتَ نَفْسًا بِالأمْسِ﴾ [القصص: ١٩] . فَأرْسَلَ فِرْعَوْنُ إلى الذَّبّاحِينَ لِيَقْتُلُوا مُوسى، فَأخَذَ رُسُلُ فِرْعَوْنَ في الطَّرِيقِ الأعْظَمِ يَمْشُونَ عَلى هَيْئَتِهِمْ يَطْلُبُونَ مُوسى وهم لا يَخافُونَ أنْ يَفُوتَهم، وجاءَ رَجُلٌ مِن شِيعَةِ مُوسى مِن أقْصى المَدِينَةِ، فاخْتَصَرَ طَرِيقًا قَرِيبًا حَتّى سَبَقَهم إلى مُوسى، فَأخْبَرَهُ الخَبَرَ - وذَلِكَ مِنَ الفُتُونِ يا ابْنَ جُبَيْرٍ ”.
(p-١٩٦)فَخَرَجَ مُوسى مُتَوَجِّهًا نَحْوَ مَدْيَنَ، لَمْ يَلْقَ بَلاءً مِثْلَ ذَلِكَ، ولَيْسَ لَهُ بِالطَّرِيقِ عِلْمٌ إلّا حُسْنُ ظَنِّهِ بِرَبِّهِ، فَإنَّهُ قالَ: ﴿عَسى رَبِّي أنْ يَهْدِيَنِي سَواءَ السَّبِيلِ﴾ [القصص: ٢٢] . ﴿ولَمّا ورَدَ ماءَ مَدْيَنَ وجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النّاسِ يَسْقُونَ ووَجَدَ مِن دُونِهِمُ امْرَأتَيْنِ تَذُودانِ﴾ [القصص: ٢٣] [ القَصَصِ: ٢٢، ٢٣ ] .
يَعْنِي حابِسَتَيْ غَنَمِهِما، قالَ: ما خَطْبُكُما مُعْتَزِلَتَيْنِ لا تَسْقِيانِ مَعَ النّاسِ ؟ قالَتا: لَيْسَتْ لَنا قُوَّةٌ نُزاحِمُ القَوْمَ، وإنَّما نَنْتَظِرُ فُضُولَ حِياضِهِمْ. فَسَقى لَهُما؛ فَجَعَلَ يَغْرِفُ في الدَّلْوِ ماءً كَثِيرًا، حَتّى كانَتا أوَّلَ الرِّعاءِ فَراغًا، فانْصَرَفَتا إلى أبِيهِما بِغَنَمِهِما، وانْصَرَفَ مُوسى إلى الشَّجَرَةِ فاسْتَظَلَّ بِها، وقالَ: ﴿رَبِّ إنِّي لِما أنْزَلْتَ إلَيَّ مِن خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ [القصص: ٢٤] [ القَصَصِ: ٢٤ ] . واسْتَنْكَرَ أبُو الجارِيَتَيْنِ سُرْعَةَ صُدُورِهِما بِغَنَمِهِما حُفَّلًا بِطانًا، وقالَ: إنَّ لَكُما اليَوْمَ لَشَأْنًا، فَحَدَّثَتاهُ بِما صَنَعَ مُوسى، فَأمَرَ إحْداهُما أنْ تَدْعُوَهُ لَهُ، فَأتَتْهُ فَدَعَتْهُ، فَلَمّا كَلَّمَهُ قالَ: ﴿لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ [القصص: ٢٥] [ القَصَصِ: ٢٥ ] . لَيْسَ لِفِرْعَوْنَ ولا لِقَوْمِهِ عَلَيْنا سُلْطانٌ ولَسْنا في مَمْلَكَتِهِ، قالَتِ ابْنَتُهُ: ﴿يا أبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ القَوِيُّ الأمِينُ﴾ [القصص: ٢٦] [ القَصَصِ: ٢٦ ] فَحَمَلَتْهُ الغَيْرَةُ أنْ قالَ: وما يُدْرِيكِ ما قُوَّتُهُ ؟ وما أمانَتُهُ ؟ قالَتْ: أمّا قُوَّتُهُ، فَما رَأيْتُ مِنهُ حِينَ سَقى لَنا؛ لَمْ أرَ رَجُلًا قَطُّ أقْوى في ذَلِكَ السَّقْيِ مِنهُ حِينَ سَقى لَنا، وأمّا الأمانَةُ: فَإنَّهُ نَظَرَ حِينَ أقْبَلْتُ إلَيْهِ وشَخَصْتُ لَهُ، (p-١٩٧)فَلَمّا عَلِمَ أنِّي امْرَأةٌ صَوَّبَ رَأْسَهُ ولَمْ يَرْفَعْهُ، ولَمْ يَنْظُرْ إلَيَّ حِينَ أقْبَلْتُ إلَيْهِ، حَتّى بَلَّغْتُهُ رِسالَتَكَ. فَقالَ لِي: امْشِي خَلْفِي، وانْعُتِي لِيَ الطَّرِيقَ. فَلَمْ يَقُلْ هَذا إلّا وهو أمِينٌ، فَسُرِّيَ عَنْ أبِيها وصَدَّقَها، وظَنَّ بِهِ الَّذِي قالَتْ.
فَقالَ: هَلْ لَكَ ﴿أنْ أُنْكِحَكَ إحْدى ابْنَتَيَّ هاتَيْنِ عَلى أنْ تَأْجُرَنِي ثَمانِيَ حِجَجٍ فَإنْ أتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِن عِنْدِكَ وما أُرِيدُ أنْ أشُقَّ عَلَيْكَ﴾ [القصص: ٢٧] [ القَصَصِ: ٢٧ ] فَفَعَلَ، فَكانَتْ عَلى مُوسى ثَمانِيَ سِنِينَ واجِبَةً، وكانَتْ سَنَتانِ عِدَةً مِنهُ، فَقَضى اللَّهُ عَنْهُ عِدَتَهُ فَأتَمَّها عَشْرًا.
قالَ سَعِيدٌ: فَسَألَنِي رَجُلٌ مِن أهْلِ النَّصْرانِيَّةِ مِن عُلَمائِهِمْ: هَلْ تَدْرِي أيَّ الأجَلَيْنِ قَضى مُوسى ؟ قُلْتُ: لا. وأنا يَوْمَئِذٌ لا أعْلَمُ. فَلَقِيتُ ابْنَ عَبّاسٍ، فَذَكَرْتُ لَهُ الَّذِي قالَ النَّصْرانِيُّ، فَقالَ: أما كُنْتَ تَعْلَمُ أنَّ ثَمانِيًا واجِبَةٌ، لَمْ يَكُنْ لِمُوسى لِيَنْقُصَ مِنها شَيْئًا، وتَعْلَمُ أنَّ اللَّهَ تَعالى كانَ قاضِيًا عَنْ مُوسى عِدَتَهُ الَّتِي وعَدَ؟ فَإنَّهُ قَضى عَشْرًا. فَأخْبَرْتُ النَّصْرانِيَّ، فَقالَ: الَّذِي أخْبَرَكَ بِهَذا هو أعْلَمُ مِنكَ. قُلْتُ: أجَلْ، وأوْلى.
فَلَمّا سارَ مُوسى بِأهْلِهِ كانَ مِن أمْرِ النّارِ ما قَصَّ اللَّهُ عَلَيْكَ في القُرْآنِ وأمْرِ العَصا ويَدِهِ، فَشَكا إلى رَبِّهِ ما يَتَخَوَّفُ مِن آلِ فِرْعَوْنَ في القَتِيلِ، وعُقْدَةَ لِسانِهِ؛ فَإنَّهُ كانَ في لِسانِهِ عُقْدَةٌ تَمْنَعُهُ مِن كَثِيرٍ مِنَ الكَلامِ، فَسَألَ رَبَّهُ أنْ يُعِينَهُ بِأخِيهِ هارُونَ، لِيَكُونَ لَهُ رِدْءًا، ويَتَكَلَّمَ عَنْهُ بِكَثِيرٍ مِمّا لا يُفْصِحُ بِهِ. فَآتاهُ اللَّهُ سُؤْلَهُ، وحَلَّ عُقْدَةً مِن لِسانِهِ، وأوْحى إلى هارُونَ وأمَرَهُ أنْ يَلْقى مُوسى.
(p-١٩٨)فانْدَفَعَ مُوسى بِالعَصا ولَقِيَ هارُونَ. فانْطَلَقا جَمِيعًا إلى فِرْعَوْنَ، فَأقاما بِبابِهِ حِينًا لا يُؤْذَنُ لَهُما، ثُمَّ أُذِنَ لَهُما بَعْدَ حِجابٍ شَدِيدٍ، فَقالا ﴿إنّا رَسُولا رَبِّكَ﴾ [طه: ٤٧] . قالَ: ومَن رَبُّكُما يا مُوسى ؟ فَأخْبَرَهُ بِالَّذِي قَصَّ اللَّهُ في القُرْآنِ، قالَ: فَما تُرِيدانِ ؟ وذَكَّرَهُ القَتِيلَ، فاعْتَذَرَ بِما قَدْ سَمِعْتَ. قالَ: أُرِيدُ أنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ، وتُرْسِلَ مَعِيَ بَنِي إسْرائِيلَ، فَأبى عَلَيْهِ ذَلِكَ وقالَ: ائْتِ بِآيَةٍ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ. فَألْقى عَصاهُ فَتَحَوَّلَتْ حَيَّةً عَظِيمَةً فاغِرَةً فاها، مُسْرِعَةً إلى فِرْعَوْنَ. فَلَمّا رَأى فِرْعَوْنُ أنَّها قاصِدَةٌ إلَيْهِ خافَها، فاقْتَحَمَ عَنْ سَرِيرِهِ، واسْتَغاثَ بِمُوسى أنْ يَكُفَّها عَنْهُ. فَفَعَلَ، وأخْرَجَ يَدَهُ مِن جَيْبِهِ بَيْضاءَ مِن غَيْرِ سُوءٍ - يَعْنِي مِن غَيْرِ بَرَصٍ - ثُمَّ أعادَها إلى كُمِّهِ فَصارَتْ إلى لَوْنِها الأوَّلِ. فاسْتَشارَ المَلَأ فِيما رَأى، فَقالُوا لَهُ: هَذانِ ساحِرانِ يُرِيدانِ أنْ يُخْرِجاكم مِن أرْضِكم بِسِحْرِهِما ويَذْهَبا بِطَرِيقَتِكُمُ المُثْلى. يَعْنُونَ مُلْكَهُمُ الَّذِي هم فِيهِ والعَيْشَ، وأبَوْا عَلى مُوسى أنْ يُعْطُوهُ شَيْئًا مِمّا طَلَبَ، وقالُوا لَهُ: اجْمَعْ لَهُمُ السَّحَرَةَ فَإنَّهم بِأرْضِنا كَثِيرٌ حَتّى تَغْلِبَ بِسِحْرِهِمْ سِحْرَهُما. ﴿فَأرْسَلَ فِرْعَوْنُ في المَدائِنِ حاشِرِينَ﴾ [الشعراء: ٥٣] [الشُّعَراءِ: ٥٣ ]، فَحُشِرَ لَهُ كُلُّ ساحِرٍ مُتَعالِمٍ، فَلَمّا أتَوْا فِرْعَوْنَ قالُوا: بِمَ يَعْمَلُ هَذا السّاحِرُ ؟ قالُوا: يَعْمَلُ بِالحَيّاتِ والحِبالِ. قالُوا: فَلا واللَّهِ ما في الأرْضِ قَوْمٌ يَعْمَلُونَ بِالحَيّاتِ والحِبالِ والعِصِيِّ بِالسِّحْرِ ما نَعْمَلُ بِهِ ! فَما أجْرُنا إنْ غَلَبْنا ؟ قالَ لَهم: أنْتُمْ أقارِبِي وخاصَّتِي، وأنا صانِعٌ بِكم كُلَّ شَيْءٍ (p-١٩٩)أحْبَبْتُمْ، فَتَواعَدُوا لِيَوْمِ الزِّينَةِ، وأنْ يُحْشَرَ النّاسُ ضُحًى.
قالَ سَعِيدٌ: فَحَدَّثَنِي ابْنُ عَبّاسٍ: أنَّ يَوْمَ الزِّينَةِ اليَوْمُ الَّذِي أظْهَرَ اللَّهُ فِيهِ مُوسى عَلى فِرْعَوْنَ والسَّحَرَةِ، هو يَوْمُ عاشُوراءَ.
فَلَمّا اجْتَمَعُوا في صَعِيدٍ واحِدٍ قالَ النّاسُ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: اذْهَبُوا فَلْنَحْضُرْ هَذا الأمْرَ، ونَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إنْ كانُوا هُمُ الغالِبِينَ. يَعْنُونَ بِذَلِكَ مُوسى وهارُونَ اسْتِهْزاءً بِهِما، فَقالُوا: يا مُوسى - لِقُدْرَتِهِمْ بِسِحْرِهِمْ - إمّا أنْ تُلْقِيَ وإمّا أنْ نَكُونَ نَحْنُ المُلْقِينَ. قالَ: ألْقُوا. فَألْقَوْا حِبالَهم وعِصِيَّهم وقالُوا: بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إنّا لَنَحْنُ الغالِبُونَ فَرَأى مُوسى مِن سِحْرِهِمْ ما أوْجَسَ في نَفْسِهِ خِيفَةً، فَأوْحى اللَّهُ إلَيْهِ: أنْ ألْقِ عَصاكَ، فَلَمّا ألْقاها صارَتْ ثُعْبانًا عَظِيمًا فاغِرَةً فاها، فَجَعَلَ العَصا، بِدَعْوَةِ مُوسى، تَلْتَبِسُ بِالحِبالِ حَتّى صارَتْ جَزَرًا إلى الثُّعْبانِ، تَدْخُلُ فِيهِ، حَتّى ما أبْقَتْ عَصًا ولا حِبالًا إلّا ابْتَلَعَتْهُ، فَلَمّا عَرَفَ السَّحَرَةُ ذَلِكَ قالُوا: لَوْ كانَ هَذا سِحْرًا لَمْ تَبْتَلِعْ مِن سِحْرِنا كُلَّ هَذا، ولَكِنَّ هَذا أمْرٌ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، آمَنّا بِاللَّهِ وبِما جاءَ بِهِ مُوسى، ونَتُوبُ إلى اللَّهِ مِمّا كُنّا عَلَيْهِ. فَكَسَرَ اللَّهُ ظَهْرَ فِرْعَوْنَ في ذَلِكَ المَوْطِنِ وأشْياعِهِ، وظَهَرَ الحَقُّ، وبَطَلَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ، فَغُلِبُوا هُنالِكَ وانْقَلَبُوا صاغِرِينَ، وامْرَأةُ فِرْعَوْنَ بارِزَةٌ مُتَبَذِّلَةٌ تَدْعُو اللَّهَ بِالنَّصْرِ لِمُوسى عَلى فِرْعَوْنَ (p-٢٠٠)فَمَن رَآها مِن آلِ فِرْعَوْنَ ظَنَّ أنَّها تَبَذَّلَتْ شَفَقَةً عَلى فِرْعَوْنَ وأشْياعِهِ، وإنَّما كانَ حُزْنُها وهَمُّها لِمُوسى.
فَلَمّا طالَ مُكْثُ مُوسى لِمَواعِدِ فِرْعَوْنَ الكاذِبَةِ، كُلَّما جاءَ بِآيَةٍ وعَدَ عِنْدَها أنْ يُرْسِلَ مَعَهُ بَنِي إسْرائِيلَ، فَإذا كُشِفَ ذَلِكَ نَكَثَ عَهْدَهُ، وأخْلَفَ وعْدَهُ.
حَتّى أُمِرَ مُوسى بِقَوْمِهِ فَخَرَجَ بِهِمْ لَيْلًا، فَلَمّا أصْبَحَ فِرْعَوْنُ ورَأى أنَّهم قَدْ مَضَوْا بَعَثَ في المَدائِنِ حاشِرِينَ، فَتَبِعَهم جُنُودٌ عَظِيمَةٌ كَثِيرَةٌ، وأوْحى اللَّهُ إلى البَحْرِ: إذا ضَرَبَكَ عَبْدِي مُوسى بِعَصاهُ فانْفَرِقْ لَهُ اثْنَيْ عَشَرَ فِرْقًا، حَتّى يَجُوزَ مُوسى ومَن مَعَهُ، ثُمَّ التَقِ بَعْدُ عَلى مَن بَقِيَ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ وأشْياعِهِ. فَنَسِيَ مُوسى أنْ يَضْرِبَ بِعَصاهُ فَدَفَعَ إلى البَحْرِ بِالعَصا ولَهُ قَصِيفٌ، مَخافَةَ أنْ يَضْرِبَهُ مُوسى بِعَصاهُ وهو غافِلٌ فَيَصِيرَ عاصِيًا.
فَلَمّا تَراءى الجَمْعانِ وتَقارَبا، قالَ أصْحابُ مُوسى: إنّا لَمُدْرَكُونَ، فافْعَلْ ما أمَرَكَ بِهِ رَبُّكَ فَإنَّكَ لَمْ تُكْذَبْ ولَمْ تَكْذِبْ، قالَ: وعَدَنِي رَبِّي إذا انْتَهَيْتُ إلى البَحْرِ أنْ يَنْفَرِقَ لِي حَتّى أجُوزَ، ثُمَّ ذَكَرَ بَعْدَ ذَلِكَ العَصا، فَضَرَبَ البَحْرَ حِينَ دَنا أوائِلُ جُنْدِ فِرْعَوْنَ مِن أواخِرِ جُنْدِ مُوسى، فانْفَرَقَ البَحْرُ كَما أمَرَ اللَّهُ، وكَما وُعِدَ مُوسى، فَلَمّا جازَ أصْحابُ مُوسى كُلُّهُمُ ودَخَلَ أصْحابُ فِرْعَوْنَ كُلُّهُمُ، التَقى البَحْرُ عَلَيْهِمُ كَما أمَرَهُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، فَلَمّا أنْ جاوَزَ البَحْرَ قالَ أصْحابُ مُوسى: إنّا لَمُدْرَكُونَ؛ إنّا نَخافُ ألّا يَكُونَ فِرْعَوْنُ غَرِقَ ولا نُؤْمِنُ بِهَلاكِهِ ! فَدَعا رَبَّهُ فَأخْرَجَهُ لَهُ (p-٢٠١)بِبَدَنِهِ مِنَ البَحْرِ حَتّى اسْتَيْقَنُوا.
ثُمَّ مَرُّوا بَعْدَ ذَلِكَ عَلى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلى أصْنامٍ لَهم: قالُوا: يا مُوسى اجْعَلْ لَنا إلَهًا كَما لَهم آلِهَةٌ. قالَ: إنَّكم قَوْمٌ تَجْهَلُونَ، إنَّ هَؤُلاءِ مُتَبَّرٌ ما هم فِيهِ، وباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ، قَدْ رَأيْتُمْ مِنَ العِبَرِ ما يَكْفِيكم وسَمِعْتُمْ بِهِ. فَمَضى، حَتّى أنْزَلَهم مَنزِلًا، ثُمَّ قالَ لَهم: أطِيعُوا هارُونَ، فَإنِّي قَدِ اسْتَخْلَفْتُهُ عَلَيْكم، وإنِّي ذاهِبٌ إلى رَبِّي. وأجَّلَهم ثَلاثِينَ يَوْمًا أنْ يَرْجِعَ إلَيْهِمْ فِيها، فَلَمّا أتى رَبَّهُ وأرادَ أنْ يُكَلِّمَهُ في ثَلاثِينَ يَوْمًا قَدْ صامَهُنَّ لَيْلَهُنَّ ونَهارَهُنَّ، كَرِهَ أنْ يُكَلِّمَ رَبَّهُ ورِيحُ فَمِهِ رِيحُ فَمِ الصّائِمِ، فَتَناوَلَ مُوسى مِن نَباتِ الأرْضِ شَيْئًا فَمَضَغَهُ، فَقالَ لَهُ رَبُّهُ حِينَ أتاهُ: لِمَ أفْطَرْتَ ؟ وهو أعْلَمُ بِالَّذِي كانَ، قالَ: يا رَبِّ، إنِّي كَرِهْتُ أنْ أُكَلِّمَكَ إلّا وفَمِي طَيِّبُ الرِّيحِ. قالَ: أوَما عَلِمْتَ يا مُوسى أنَّ رِيحَ فَمِ الصّائِمِ أطْيَبُ عِنْدِي مِن رِيحِ المِسْكِ، ارْجِعْ حَتّى تَصُومَ عَشَرَةَ أيّامٍ ثُمَّ ائْتِنِي. فَفَعَلَ مُوسى الَّذِي أمَرَهُ اللَّهُ بِهِ.
فَلَمّا رَأى قَوْمُ مُوسى أنَّهُ لَمْ يَأْتِهِمْ لِلْأجَلِ، ساءَهم ذَلِكَ. وكانَ هارُونُ قَدْ خَطَبَهم وقالَ لَهم: إنَّكم خَرَجْتُمْ مِن مِصْرَ، وعِنْدَكم ودائِعُ لِقَوْمِ فِرْعَوْنَ وعَوارِي، ولَكم فِيهِمْ مِثْلُ ذَلِكَ، وأنا أرى أنْ تَحْتَسِبُوا ما كانَ لَكَمَ عِنْدَهم، ولا أحِلُّ لَكم ودِيعَةً اسْتُودِعْتُمُوها ولا عارِيَةً، ولَسْنا نَرى أداءَ شَيْءٍ مِن ذَلِكَ (p-٢٠٢)إلَيْهِمْ ولا مُمْسِكِيهِ، فَحَفَرَ حُفَيْرَةً، وأمَرَ كُلَّ قَوْمٍ عِنْدَهم شَيْءٌ مِن ذَلِكَ مِن مَتاعٍ أوْ حِلْيَةٍ بِأنْ يَدْفِنُوهُ في الحُفَيْرَةِ، ثُمَّ أوْقَدَ عَلَيْهِ النّارَ فَأحْرَقَهُ، وقالَ: لا يَكُونُ لَنا ولا لَهم.
وكانَ السّامِرِيُّ مَن قَوْمٍ يَعْبُدُونَ البَقَرَ، لَيْسَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ بَلْ جارٌ لَهُمْ، فاحْتَمَلَ مَعَ بَنِي إسْرائِيلَ حِينَ احْتَمَلُوا، فَقُضِيَ لَهُ أنْ رَأى أثَرَ الفَرَسِ، فَقَبَضَ مِنهُ قَبْضَةً، فَمَرَّ بِهارُونَ، فَقالَ لَهُ هارُونُ: يا سامِرِيُّ، ألا تُلْقِي ما في يَدَيْكَ ؟ وهو قابِضٌ عَلَيْهِ، لا يَراهُ أحَدٌ طِوالَ ذَلِكَ، فَقالَ: هَذِهِ قَبْضَةٌ مِن أثَرِ الرَّسُولِ الَّذِي جاوَزَ بِكُمُ البَحْرَ، فَلا أُلْقِيها لِشَيْءٍ إلّا أنْ تَدْعُوَ اللَّهَ إذا ألْقَيْتُها أنْ يَكُونَ ما أُرِيدُ. قالَ: فَألْقاها ودَعا لَهُ هارُونُ، فَقالَ: أُرِيدُ أنْ يَكُونَ عِجْلًا. فاجْتَمَعَ ما كانَ في الحُفَيْرَةِ مِن مَتاعٍ؛ نُحاسٍ أوْ حَدِيدٍ أوْ حُلِيٍّ، فَصارَ عِجْلًا أجْوَفَ. لَيْسَ فِيهِ رُوحٌ، لَهُ خُوارٌ.
فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: واللَّهِ، ما كانَ لَهُ صَوْتٌ، ولَكِنَّ الرِّيحَ كانَتْ تَدْخُلُ مِن دُبُرِهِ وتَخْرُجُ مِن فِيهِ، فَكانَ ذَلِكَ الصَّوْتُ مِن ذَلِكَ.
فَتَفَرَّقَ بَنُو إسْرائِيلَ فِرَقًا، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: يا سامِرِيُّ، ما هَذا فَإنَّكَ أنْتَ أعْلَمُ بِهِ ؟ فَقالَ: هَذا رَبُّكم ولَكِنَّ مُوسى أخْطَأ الطَّرِيقَ. فَقالُوا: لا نُكَذِّبُ بِهَذا حَتّى (p-٢٠٣)يَرْجِعَ إلَيْنا مُوسى، فَإنْ يَكُ رَبَّنا لَمْ نَكُنْ ضَيَّعْنا وعَجَزْنا فِيهِ حِينَ رَأيْناهُ، وإنْ لَمْ يَكُنْ رَبَّنا فَإنّا نَتْبَعُ قَوْلَ مُوسى. وقالَتْ فِرْقَةٌ: هَذا مِن عَمَلِ الشَّيْطانِ، ولَيْسَ رَبَّنا ولا نُصَدِّقُ بِهِ ولا نُؤْمِنُ، وأُشْرِبَ فِرْقَةٌ في قُلُوبِهِمُ التَّصْدِيقَ بِما قالَ السّامِرِيُّ في العِجْلِ، وأعْلَنُوا التَّكْذِيبَ، فَقالَ لَهم هارُونُ: ﴿يا قَوْمِ إنَّما فُتِنْتُمْ بِهِ وإنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ﴾ [طه: ٩٠]، ولَيْسَ هَكَذا، قالُوا: فَما بالُ مُوسى وعَدَنا ثَلاثِينَ يَوْمًا، ثُمَّ أخْلَفَنا، فَهَذِهِ أرْبَعُونَ لَيْلَةً ؟ فَقالَ سُفَهاؤُهم: أخْطَأ رَبَّهُ فَهو يَطْلُبُهُ ويَتْبَعُهُ.
فَلَمّا كَلَّمَ اللَّهُ مُوسى وقالَ ما قالَ لَهُ، أخْبَرَهُ بِما لَقِيَ قَوْمُهُ مِن بَعْدِهِ، ﴿فَرَجَعَ مُوسى إلى قَوْمِهِ غَضْبانَ أسِفًا﴾ [طه: ٨٦]، فَقالَ لَهم ما سَمِعْتُمْ في القُرْآنِ، وألْقى الألْواحَ وأخَذَ بِرَأْسِ أخِيهِ يَجُرُّهُ إلَيْهِ مِنَ الغَضَبِ، غَيْرَ أنَّهُ عَذَرَ أخاهُ واسْتَغْفَرَ رَبَّهُ، ثُمَّ انْصَرَفَ إلى السّامِرِيِّ فَقالَ لَهُ: ما حَمَلَكَ عَلى ما صَنَعْتَ ؟ فَقالَ: قَبَضْتُ قَبْضَةً مِن أثَرِ الرَّسُولِ، وفَطِنْتُ لَها وعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ، فَقَذَفْتُها، وكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي، قالَ: ﴿فاذْهَبْ فَإنَّ لَكَ في الحَياةِ أنْ تَقُولَ لا مِساسَ﴾ [طه: ٩٧] إلى قَوْلِهِ: ﴿فِي اليَمِّ نَسْفًا﴾ [طه: ٩٧] ولَوْ كانَ إلَهًا لَمْ يَخْلُصْ إلى ذَلِكَ مِنهُ.
فاسْتَيْقَنَ بَنُو إسْرائِيلَ بِالفِتْنَةِ، واغْتَبَطَ الَّذِينَ كانَ رَأْيُهم فِيهِ رَأْيَ هارُونَ، فَقالُوا: يا مُوسى، سَلْ رَبَّكَ أنْ يَفْتَحَ لَنا بابَ تَوْبَةٍ نَعْمَلُها وتُكَفِّرُ عَنّا ما عَمِلْنا. فاخْتارَ مُوسى مِن قَوْمِهِ سَبْعِينَ رَجُلًا لِذَلِكَ، لا يَأْلُو الخَيْرَ؛ خِيارَ بَنِي إسْرائِيلَ، ومَن لَمْ يُشْرِكْ في العِجْلِ، فانْطَلَقَ بِهِمْ لِيَسْألَ رَبَّهَمُ التَّوْبَةَ، فَرَجَفَتِ الأرْضُ بِهِمْ، فاسْتَحْيا مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ مِن قَوْمِهِ ووَفْدِهِ حِينَ فُعِلَ بِهِمْ ذَلِكَ، فَقالَ: ﴿رَبِّ لَوْ شِئْتَ أهْلَكْتَهم مِن قَبْلُ وإيّايَ أتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ مِنّا﴾ [الأعراف: ١٥٥] (p-٢٠٤)الآيَةَ [ الأعْرافِ: ١٥٥ ] ومِنهم مَن قَدِ اطَّلَعَ اللَّهُ مِنهُ عَلى ما أُشْرِبَ قَلْبُهُ العِجْلَ والإيمانَ بِهِ؛ فَلِذَلِكَ رَجَفَتْ بِهِمُ الأرْضُ، فَقالَ: ﴿ورَحْمَتِي وسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٦] إلى قَوْلِهِ: ﴿والإنْجِيلِ﴾ [الأعراف: ١٥٧] [ الأعْرافِ: ١٥٦ ] . فَقالَ: رَبِّ، سَألْتُكَ التَّوْبَةَ لِقَوْمِي، فَقُلْتَ: إنَّ رَحْمَتِكَ كَتَبْتُها لِقَوْمٍ غَيْرِ قَوْمِي، فَلَيْتَكَ أخَّرْتَنِي حَتّى أخْرُجَ في أُمَّةِ ذَلِكَ الرَّجُلِ المَرْحُومَةِ. قالَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: فَإنَّ تَوْبَتَهم أنْ يَقْتُلَ كُلُّ رَجُلٍ مِنهم كُلَّ مَن لَقِيَ مِن والِدٍ ووَلَدٍ، فَيَقْتُلَهُ بِالسَّيْفِ، ولا يُبالِي مَن قَتَلَ في ذَلِكَ المَوْطِنِ. فَتابَ أُولَئِكَ الَّذِينَ كانَ خَفِيَ عَلى مُوسى وهارُونَ، وما اطَّلَعَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِن ذُنُوبِهِمْ فاعْتَرَفُوا بِها، وفَعَلُوا ما أُمِرُوا بِهِ، فَغَفَرَ اللَّهُ لِلْقاتِلِ والمَقْتُولِ.
ثُمَّ سارَ بِهِمْ مُوسى مُتَوَجِّهًا نَحْوَ الأرْضِ المُقَدَّسَةِ، فَأخَذَ الألْواحَ بَعْدَ ما سَكَتَ عَنْهُ الغَضَبُ، وأمَرَهم بِالَّذِي أمَرَهُ اللَّهُ أنْ يُبَلِّغَهم مِنَ الوَظائِفِ، فَثَقُلَتْ عَلَيْهِمْ، وأبَوْا أنْ يُقِرُّوا بِها، حَتّى نَتَقَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الجَبَلَ كَأنَّهُ ظُلَّةٌ، ودَنا مِنهم حَتّى خافُوا أنْ يَقَعَ عَلَيْهِمْ، فَأخَذُوا الكِتابَ بِأيْمانِهِمْ وهم مُصْغُونَ يَنْظُرُونَ إلى الأرْضِ، والكِتابُ الَّذِي أخَذُوهُ بِأيْدِيهِمْ، وهم يَنْظُرُونَ إلى الجَبَلِ مَخافَةَ أنْ يَقَعَ عَلَيْهِمْ.
ثُمَّ مَضَوْا حَتّى أتَوُا الأرْضَ المُقَدَّسَةَ، فَوَجَدُوا فِيها مَدِينَةَ جَبّارِينَ خَلْقُهم خَلْقٌ (p-٢٠٥)مُنْكَرٌ، وذَكَرُوا مِن ثِمارِهِمْ أمْرًا عَجِيبًا مِن عِظَمِها - فَقالُوا: يا مُوسى إنَّ فِيها قَوْمًا جَبّارِينَ، لا طاقَةَ لَنا اليَوْمَ بِهِمْ، ولا نَدْخُلُها ما دامُوا فِيها، فَإنْ يَخْرُجُوا مِنها فَإنّا داخِلُونَ. قالَ رَجُلانِ مِنَ الجَبّارِينَ، آمَنا بِمُوسى، فَخَرَجا إلَيْهِ، فَقالا: نَحْنُ أعْلَمُ بِقَوْمِنا، إنْ كُنْتُمْ تَخافُونَ ما رَأيْتُمْ مِن أجْسامِهِمْ وعَدَدِهِمْ، فَإنَّهم لَيْسَ لَهم قُلُوبٌ، ولا مَنعَةَ عِنْدَهم، فادْخُلُوا عَلَيْهِمُ البابَ، فَإذا دَخَلْتُمُوهُ فَإنَّكم غالِبُونَ. ويَقُولُ أُناسٌ: إنَّهُما مِن قَوْمِ مُوسى. وزَعَمَ سَعِيدٌ أنَّهُما مِنَ الجَبّارِينَ آمَنا بِمُوسى، يَقُولُ: ﴿مِنَ الَّذِينَ يَخافُونَ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِما﴾ [المائدة: ٢٣] [ المائِدَةِ: ٢٣ ] وإنَّما يَعْنِي بِذَلِكَ الَّذِينَ يَخافُهم بَنُو إسْرائِيلَ، فَقالُوا: ﴿قالُوا يا مُوسى إنّا لَنْ نَدْخُلَها أبَدًا ما دامُوا فِيها فاذْهَبْ أنْتَ ورَبُّكَ فَقاتِلا إنّا ها هُنا قاعِدُونَ﴾ [المائدة: ٢٤] [ المائِدَةِ: ٢٤ ] . فَأغْضَبُوا مُوسى، فَدَعا عَلَيْهِمْ فَسَمّاهم فاسِقِينَ، ولَمْ يَدْعُ عَلَيْهِمْ قَبْلَ ذَلِكَ، لِما رَأى فِيهِمْ مِنَ المَعْصِيَةِ وإساءَتِهِمْ حَتّى كانَ يَوْمَئِذٍ، فاسْتَجابَ اللَّهُ لَهُ وسَمّاهم كَما سَمّاهم مُوسى فاسِقِينَ، فَحَرَّمَها عَلَيْهِمْ أرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ في الأرْضِ، يُصْبِحُونَ كُلَّ يَوْمٍ فَيَسِيرُونَ، لَيْسَ لَهم قَرارٌ.
ثُمَّ ظَلَّلَ عَلَيْهِمُ في التِّيهِ بِالغَمامِ، وأنْزَلَ عَلَيْهِمُ المَنَّ والسَّلْوى، وجَعَلَ لَهم ثِيابًا لا تَبْلى ولا تَتَّسِخُ، وجَعَلَ بَيْنَ ظَهْرانِيهِمْ حَجَرًا مُرَبَّعًا، وأمَرَ مُوسى فَضَرَبَهُ بِعَصاهُ. فانْفَجَرَتْ مِنهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْنًا، في كُلِّ ناحِيَةٍ ثَلاثُ عُيُونٍ، وأعْلَمَ كُلَّ سِبْطٍ عَيْنَهُمُ الَّتِي يَشْرَبُونَ مِنها، لا يَرْتَحِلُونَ مِن مَنقَلَةٍ إلّا وجَدُوا ذَلِكَ الحَجَرَ مِنهم بِالمَكانِ الَّذِي كانَ مِنهم بِالمَنزِلِ الأوَّلِ.
(p-٢٠٦)رَفَعَ ابْنُ عَبّاسٍ هَذا الحَدِيثَ إلى النَّبِيِّ ﷺ، وصَدَّقَ ذَلِكَ عِنْدِي أنَّ مُعاوِيَةَ بْنَ أبِي سُفْيانَ سَمِعَ مِنِ ابْنِ عَبّاسٍ هَذا الحَدِيثَ، فَأنْكَرَ عَلَيْهِ أنْ يَكُونَ الفِرْعَوْنِيُّ هو الَّذِي أفْشى عَلى مُوسى أمْرَ القَتِيلِ. وقالَ: إنَّما أفْشى عَلَيْهِ الإسْرائِيلِيُّ. فَأخَذَ ابْنُ عَبّاسٍ بِيَدِهِ فانْطَلَقَ بِهِ إلى سَعْدِ بْنِ مالِكٍ الزُّهْرِيِّ، فَقالَ: «أرَأيْتَ يَوْمَ حَدَّثَنا النَّبِيُّ ﷺ عَنْ قَتِيلِ مُوسى مِن آلِ فِرْعَوْنَ ؟ مَن أفْشى عَلَيْهِ، الإسْرائِيلِيُّ أمِ الفِرْعَوْنِيُّ ؟ قالَ: أفْشى عَلَيْهِ الفِرْعَوْنِيُّ، بِما سَمِعَ مِنَ الإسْرائِيلِيِّ الَّذِي شَهِدَ عَلى ذَلِكَ وحَضَرَهُ» .
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَبِثْتَ سِنِينَ﴾ الآياتِ.
أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿فَلَبِثْتَ سِنِينَ في أهْلِ مَدْيَنَ﴾ قالَ: عَشْرَ سِنِينَ: ﴿ثُمَّ جِئْتَ عَلى قَدَرٍ يا مُوسى﴾ قالَ: عَلى قَدَرِ الرِّسالَةِ والنُّبُوَّةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ جِئْتَ عَلى قَدَرٍ﴾ قالَ: لِمِيقاتٍ.
(p-٢٠٧)وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ جِئْتَ عَلى قَدَرٍ﴾ قالَ: عَلى مَوْعِدٍ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولا تَنِيا في ذِكْرِي﴾ قالَ: لا تَضْعُفا.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ قَتادَةَ مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ مُجاهِدٍ مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ الطَّسْتِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّ نافِعَ بْنَ الأزْرَقِ قالَ لَهُ: أخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِهِ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ولا تَنِيا في ذِكْرِي﴾ قالَ: ولا تَضْعُفا عَنْ أمْرِي، قالَ: وهَلْ تَعْرِفُ العَرَبُ ذَلِكَ؟ قالَ: نَعَمْ، أما سَمِعْتَ الشّاعِرَ وهو يَقُولُ:
؎إنِّي وجَدِّكَ مَلَّ ونَيْتُ وإنَّنِي أبْغِي الفِكاكَ لَهُ بِكُلِّ سَبِيلِ
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولا تَنِيا﴾ قالَ: لا تُبْطِئا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عَلِيِّ في قَوْلِهِ: ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلا لَيِّنًا﴾ قالَ: كَنِّهِ.
(p-٢٠٨)وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلا لَيِّنًا﴾ قالَ: كَنِّياهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سُفْيانَ الثَّوْرِيِّ: ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلا لَيِّنًا﴾ قالَ: كَنِّياهُ: يا أبا مُرَّةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ عِكْرِمَةَ: ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلا لَيِّنًا﴾ قالَ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ: ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلا لَيِّنًا﴾ قالَ أعْذِرا إلَيْهِ وقُولا لَهُ: إنَّ لَكَ رِبًّا ولَكَ مَعادًا وإنَّ بَيْنَ يَدَيْكَ جَنَّةً ونارًا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الفَضْلِ بْنِ عِيسى الرَّقاشِيِّ، أنَّهُ تَلا هَذِهِ الآيَةَ: ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلا لَيِّنًا﴾ فَقالَ: يا مَن يَتَحَبَّبُ إلى أعادِيهِ، فَكَيْفَ بِمَن يَتَوَلّى ويُنادِيهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ﴾ قالَ: هَلْ يَتَذَكَّرُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّنا نَخافُ أنْ يَفْرُطَ عَلَيْنا﴾ قالَ: يَعْجَلَ: ﴿أوْ أنْ يَطْغى﴾ قالَ: يَعْتَدِيَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّنا نَخافُ أنْ يَفْرُطَ عَلَيْنا أوْ أنْ يَطْغى﴾ قالَ: عُقُوبَةً مِنهُ.
(p-٢٠٩)وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ في قَوْلِهِ: ﴿لا تَخافا إنَّنِي مَعَكُما أسْمَعُ وأرى﴾ قالَ: أسْمَعُ ما يَقُولُ: وأرى ما يُجاوِبُكُما بِهِ، فَأُوحِي إلَيْكُما فَتُجاوِباهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: لَمّا بَعَثَ اللَّهُ مُوسى إلى فِرْعَوْنَ قالَ: رَبِّ أيَّ شَيْءٍ أقُولُ؟ قالَ: قُلْ: هَيّا شَرًّا هَيّا، قالَ الأعْمَشُ: تَفْسِيرُ ذَلِكَ: الحَيُّ قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ، والحَيُّ بَعْدَ كُلِّ شَيْءٍ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ في“ الزُّهْدِ "، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: لَمّا بَعَثَ اللَّهُ مُوسى إلى فِرْعَوْنَ قالَ: لا يَغُرَّنَّكُما لِباسُهُ الَّذِي ألْبَسْتُهُ، فَإنَّ ناصِيَتَهُ بِيَدِي، فَلا يَنْطِقُ ولا يَطْرِفُ إلّا بِإذْنِي، ولا يَغُرَّنَّكُما ما مُتِّعَ بِهِ مِن زَهْرَةِ الدُّنْيا وزِينَةِ المُتْرَفِينَ، فَلَوْ شِئْتُ أنْ أُزَيِّنَكُما مِن زِينَةِ الدُّنْيا بِشَيْءٍ يِعْرِفُ فِرْعَوْنُ أنَّ قُدْرَتَهُ تَعْجِزُ عَنْ ذَلِكَ لَفَعَلْتُ، ولَيْسَ ذَلِكَ لِهَوانِكُما عَلَيَّ، ولَكِنِّي ألْبَسْتُكُما نَصِيبَكُما مِنَ الكَرامَةِ عَلى ألّا تَنْقُصَكُما الدُّنْيا شَيْئًا وإنِّي لَأذُودَ أوْلِيائِي عَنِ الدُّنْيا كَما يَذُودُ الرّاعِي إبِلَهُ عَنْ مَبارِكِ العُرَّةِ، وإنِّي لَأُجَنِّبُهم كَما يُجَنِّبُ الرّاعِي إبِلَهُ عَنْ مَراتِعِ الهِلْكَةِ، أُرِيدُ أنْ أُنَوِّرَ بِذَلِكَ صُدُورَهُمْ، وأُطَهِّرَ بِذَلِكَ قُلُوبَهم في سِيماهُمُ الَّذِي (p-٢١٠)يُعْرَفُونَ بِهِ، وأمَرُهُمُ الَّذِي يَفْتَخِرُونَ بِهِ. واعْلَمْ: أنَّ مَن أخافَ لِي ولِيًّا فَقَدْ بارَزَنِي بِالعَداوَةِ، وأنا الثّائِرُ لِأوْلِيائِي يَوْمَ القِيامَةِ.
طه 20:42
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقَتَلْتَ نَفْسًا فَنَجَّيْناكَ مِنَ الغَمِّ وفَتَنّاكَ فُتُونًا﴾ .
أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، والخَطِيبُ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إنَّما قَتَلَ مُوسى الَّذِي قَتَلَ مِن آلِ فِرْعَوْنَ خَطَأً.
(p-١٨٨)يَقُولُ اللَّهُ: ﴿وقَتَلْتَ نَفْسًا فَنَجَّيْناكَ مِنَ الغَمِّ﴾ [طه»: ٤٠] .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَنَجَّيْناكَ مِنَ الغَمِّ﴾ قالَ: مِن قَتْلِ النَّفْسِ: ﴿وفَتَنّاكَ فُتُونًا﴾ قالَ: أخْلَصْناكَ إخْلاصًا.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وفَتَنّاكَ فُتُونًا﴾ قالَ: أبْتَلَيْناكَ ابْتِلاءً.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وفَتَنّاكَ فُتُونًا﴾ قالَ: ابْتَلَيْناكَ بِبَلاءِ نِعْمَةٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وفَتَنّاكَ فُتُونًا﴾ قالَ: اخْتَبَرْناكَ اخْتِبارًا.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وفَتَنّاكَ فُتُونًا﴾ قالَ: بَلاءُ إلْقائِهِ في التّابُوتِ، ثُمَّ في اليَمِّ، ثُمَّ التِقاطُ آلِ فِرْعَوْنَ إيّاهُ ثُمَّ خُرُوجُهُ خائِفًا يَتَرَقَّبُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي عُمَرَ العَدَنِيُّ في ”مَسْنَدِهِ“، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والنَّسائِيُّ، وأبُو يَعْلى، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ «عَنْ سَعِيدِ بْنِ (p-١٨٩)جِبِّيرٍ» قالَ: سَألْتُ ابْنَ عَبّاسٍ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ تَعالى لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿وفَتَنّاكَ فُتُونًا﴾ . فَسَألَتْ عَنِ الفُتُونِ ما هو فَقالَ: اسْتَأْنِفِ النَّهارَ يا ابْنَ جُبَيْرٍ؛ فَإنَّ لَها حَدِيثًا طَوِيلًا. فَلَمّا أصْبَحْتُ غَدَوْتُ عَلى ابْنِ عَبّاسٍ لِأتَنَجَّزَ ما وعَدَنِي مِن حَدِيثِ الفُتُونِ، فَقالَ: تَذاكَرَ فِرْعَوْنُ وجُلَساؤُهُ ما كانَ اللَّهُ وعَدَ إبْراهِيمَ مِن أنْ يَجْعَلَ في ذُرِّيَّتِهِ أنْبِياءَ ومُلُوكًا، فَقالَ بَعْضُهم: إنَّ بَنِي إسْرائِيلَ يَنْتَظِرُونَ ذَلِكَ وما يَشُكُّونَ فِيهِ، ولَقَدْ كانُوا يَظُنُّونَ أنَّهُ يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ، فَلَمّا هَلَكَ، قالُوا: لَيْسَ هَذا كانَ وعْدَ اللَّهِ إبْراهِيمَ. قالَ فِرْعَوْنُ: فَكَيْفَ تَرَوْنَ ؟ فَأْتَمَرُوا بَيْنَهم، وأجْمَعُوا أمْرَهم عَلى أنْ يَبْعَثَ رِجالًا مَعَهُمُ الشِّفارُ، يَطُوفُونَ في بَنِي إسْرائِيلَ؛ فَلا يَجِدُونَ مَوْلُودًا ذَكَرًا إلّا ذَبَحُوهُ، فَفَعَلُوا، فَلَمّا رَأوْا أنَّ الكِبارَ يَمُوتُونَ بِآجالِهِمْ، وأنَّ الصَّغارَ يُذْبَحُونَ، قالُوا: يُوشِكُ أنْ يَفْنى بَنُو إسْرائِيلَ، فَتَصِيرُوا أنْ تُباشِرُوا الأعْمالَ والخِدْمَةَ الَّتِي كانُوا يَكْفُونَكم، فاقْتُلُوا عامًا كُلَّ مَوْلُودٍ ذَكَرٍ، فَيَقِلَّ أبَناؤُهم، ودَعُوا عامًا لا تَقْتَلُوا مِنهم أحَدًا، فَتَشُبُّ الصِّغارُ مَكانَ مَن يَمُوتُ مِنَ الكِبارِ، فَإنَّهم لَنْ يَكْثُرُوا فَتَخافُونَ مُكاثَرَتَهم إيّاكم، ولَنْ يَفْنَوْا بِمَن تَقْتُلُونَ، فَتَحْتاجُونَ إلَيْهِمْ. فَأجْمَعُوا أمْرَهم عَلى ذَلِكَ، فَحَمَلَتْ أُمُّ مُوسى بِهارُونَ في العامِ الَّذِي لا يُذْبَحُ فِيهِ الغِلْمانُ، فَوَلَدَتْهُ عَلانِيَةً آمِنَةً، حَتّى إذا كانَ في قابِلٍ حَمَلَتْ بِمُوسى، فَوَقَعَ في قَلْبِها الهَمُّ (p-١٩٠)والحُزْنُ، وذَلِكَ مِنَ الفُتُونِ يا ابْنَ جُبَيْرٍ؛ ما دَخَلَ عَلَيْهِ في بَطْنِ أُمِّهِ مِمّا يُرادُ بِهِ، فَأوْحى اللَّهُ إلَيْها أنْ: ﴿ولا تَخافِي ولا تَحْزَنِي إنّا رادُّوهُ إلَيْكِ وجاعِلُوهُ مِنَ المُرْسَلِينَ﴾ [القصص: ٧] [ القَصَصِ: ٧ ]، وأمَرَها إذا ولَدَتْهُ أنْ تَجْعَلَهُ في تابُوتٍ، ثُمَّ تُلْقِيَهِ في اليَمِّ، فَلَمّا ولَدَتْهُ فَعَلَتْ ما أُمِرَتْ بِهِ، حَتّى إذا تَوارى عَنْها ابْنُها أتاها الشَّيْطانُ، وقالَتْ في نَفْسِها: ما فَعَلْتُ بِابْنِي ؟ لَوْ ذُبِحَ عِنْدِي فَوارَيْتُهُ وكَفَّنْتُهُ كانَ أحَبَّ إلَيَّ مِن أنْ أُلْقِيَهُ بِيَدِي إلى دَوابِّ البَحْرِ وحِيتانِهِ.
فانْطَلَقَ بِهِ الماءُ حَتّى أوْفى بِهِ عِنْدَ فُرْضَةِ مُسْتَقى جَوارِي امْرَأةِ فِرْعَوْنَ، فَرَأيْنَهُ فَأخَذْنَهُ، فَهَمَمْنَ أنْ يَفْتَحْنَ البابَ، فَقالَ بَعْضُهُنَّ لِبَعْضٍ: إنَّ في هَذا لَمالًا، وإنّا إنْ فَتَحْناهُ لَمْ تُصَدِّقْنا امْرَأةُ فِرْعَوْنَ بِما وجَدْنا فِيهِ. فَحَمَلْنَهُ بِهَيْئَتِهِ لَمْ يُحَرِّكْنَ مِنهُ شَيْئًا حَتّى دَفَعْنَهُ إلَيْها، فَلَمّا فَتَحَتْهُ رَأتْ فِيهِ الغُلامَ، فَأُلْقِيَ عَلَيْهِ مِنها مَحَبَّةٌ لَمْ يُلْقَ مِنها عَلى أحَدٍ مِنَ البَشَرِ قَطُّ ﴿وأصْبَحَ فُؤادُ أُمِّ مُوسى فارِغًا﴾ [القصص: ١٠] [ القَصَصِ: ١٠ ] مِن ذِكْرِ كُلِّ شَيْءٍ إلّا مِن ذِكْرِ مُوسى.
فَلَمّا سَمِعَ الذَّبّاحُونَ بِأمْرِهِ، أقْبَلُوا إلى امْرَأةِ فِرْعَوْنَ بِشِفارِهِمْ، يُرِيدُونَ أنْ يَذْبَحُوهُ - وذَلِكَ مِنَ الفُتُونِ يا ابْنَ جُبَيْرٍ. فَقالَتْ لِلذَّبّاحِينَ: آمِرُونِي، فَإنَّ هَذا (p-١٩١)الواحِدَ لا يَزِيدُ في بَنِي إسْرائِيلَ، فَإنِّي آتِي فِرْعَوْنَ فَأسْتَوْهِبُهُ إيّاهُ، فَإنْ وهَبَهُ لِي فَقَدْ أحْسَنْتُمْ وأجْمَلْتُمْ، وإنْ أمَرَ بِذَبْحِهِ لَمْ ألُمْكم. فَلَمّا أتَتْ بِهِ فِرْعَوْنَ، قالَتْ: ﴿قُرَّتُ عَيْنٍ لِي ولَكَ﴾ [القصص: ٩] [ القَصَصِ: ٩ ]، قالَ فِرْعَوْنُ: يَكُونُ لَكِ، وأمّا أنا فَلا حاجَةَ لِي فِيهِ.
فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: والَّذِي يُحْلَفُ بِهِ، لَوْ أقَرَّ فِرْعَوْنُ أنْ يَكُونَ قُرَّةَ عَيْنٍ لَهُ كَما قالَتِ امْرَأتُهُ، لَهَداهُ اللَّهُ بِهِ كَما هَدى بِهِ امْرَأتَهُ، ولَكِنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ حَرَمَهُ ذَلِكَ.
فَأرْسَلَتْ إلى مَن حَوْلَها مِن كُلِّ امْرَأةٍ لَها لَبَنٌ، لِتَخْتارَ لَهُ ظِئْرًا، فَكُلَّما أخَذَتْهُ امْرَأةٌ مِنهُنَّ لِتُرْضِعَهُ لَمْ يَقْبَلْ ثَدْيَها، حَتّى أشْفَقَتِ امْرَأةُ فِرْعَوْنَ أنْ يَمْتَنِعَ مِنَ اللَّبَنِ فَيَمُوتَ، فَأحْزَنَها ذَلِكَ، فَأمَرَتْ بِهِ فَأُخْرِجَ إلى السُّوقِ ومَجْمَعِ النّاسِ، تَرْجُو أنْ تَجِدَ لَهُ ظِئْرًا يَأْخُذُ مِنها، فَلَمْ يَفْعَلْ، وأصْبَحَتْ أُمُّ مُوسى والِهًا، فَقالَتْ لِأُخْتِهِ: قُصِّي أثَرَهُ واطْلُبِيهِ، هَلْ تَسْمَعِينَ لَهُ ذِكْرًا ؟ أحَيٌّ ابْنِي أمْ قَدْ أكَلَتْهُ الدَّوابُّ؟ ونَسِيَتِ الَّذِي كانَ وعَدَها اللَّهُ.
فَبَصُرَتْ بِهِ أُخْتُهُ عَنْ جُنُبٍ وهم لا يَشْعُرُونَ - والجُنُبُ أنْ يَسْمُوَ بَصَرُ الإنْسانِ إلى شَيْءٍ بَعِيدٍ وهو إلى جَنْبِهِ، وهو لا يَشْعُرُ بِهِ - فَقالَتْ مِنَ الفَرَحِ حِينَ (p-١٩٢)أعْياهُمُ الظُّئُوراتُ: أنا أدُلُّكم عَلى أهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكم وهم لَهُ ناصِحُونَ، فَأخَذُوها، فَقالُوا: وما يُدْرِيكِ ما نُصْحُهم لَهُ ؟ هَلْ يَعْرِفُونَهُ ؟ حَتّى شَكُّوا في ذَلِكَ - وذَلِكَ مِنَ الفُتُونِ يا ابْنَ جُبَيْرٍ - فَقالَتْ: نُصْحُهم لَهُ وشَفَقَتُهم عَلَيْهِ رَغْبَتُهم في صِهْرِ المَلِكِ رَجاءَ مَنفَعَتِهِ. فَتَرَكُوها، فانْطَلَقَتْ إلى أُمِّهِ فَأخْبَرَتْها الخَبَرَ، فَجاءَتْ، فَلَمّا وضَعَتْهُ في حَجْرِها نَزا إلى ثَدْيِها فَمَصَّهُ حَتّى امْتَلَأ جَنْباهُ رِيًّا، وانْطَلَقَ البُشَراءُ إلى امْرَأةِ فِرْعَوْنَ يُبَشِّرُونَها: إنّا قَدْ وجَدْنا لِابْنِكِ ظِئْرًا. فَأرْسَلَتْ إلَيْها فَأُتِيَتْ بِها وبِهِ، فَلَمّا رَأتْ ما يَصْنَعُ بِها، قالَتِ لَها: امْكُثِي عِنْدِي أرْضِعِي ابْنِي هَذا، فَإنِّي لَمْ أُحِبَّ حُبَّهُ شَيْئًا قَطُّ، قالَتْ: لا أسْتَطِيعُ أنْ أدَعَ بَيْتِي ووَلَدِي فَيَضِيعَ، فَإنْ طابَتْ نَفْسُكِ أنْ تُعْطِينِيهِ فَأذْهَبَ بِهِ إلى بَيْتِي فَيَكُونَ مَعِي لا آلُوهُ خَيْرًا- فَعَلْتُ، وإلّا فَإنِّي غَيْرُ تارِكَةٍ بَيْتِي ووَلَدِي. فَذَكَرَتْ أُمُّ مُوسى ما كانَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ وعَدَها، فَتَعاسَرَتْ عَلى امْرَأةِ فِرْعَوْنَ لِذَلِكَ، وأيْقَنَتْ أنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ مُنْجِزٌ وعْدَهُ.
فَرَجَعَتْ بِابْنِها إلى بَيْتِها مِن يَوْمِها، فَأنْبَتَهُ اللَّهُ نَباتًا حَسَنًا، وحَفِظَهُ لِما قَضى فِيهِ،، فَلَمْ يَزَلْ بَنُو إسْرائِيلَ وهم مُجْتَمِعُونَ في ناحِيَةِ القَرْيَةِ، يَمْتَنِعُونَ بِهِ مِنَ الظُّلْمِ والسُّخْرَةِ مُنْذُ كانَ فِيهِمْ. فَلَمّا تَرَعْرَعَ، قالَتِ امْرَأةُ فِرْعَوْنَ لِأُمِّ مُوسى: أزِيرِينِي ابْنِي. فَوَعَدَتْها يَوْمًا تَزُورُها فِيهِ بِهِ، فَقالَتْ لِخُزّانِها (p-١٩٣)وظُئُورِها وقَهارِمَتِها: لا يَبْقَيَنَّ أحَدٌ مِنكُمُ اليَوْمَ أحَدٌ إلّا اسْتَقْبَلَ ابْنِي بِهَدِيَّةٍ وكَرامَةٍ أرى ذَلِكَ فِيهِ، وأنا باعِثَةٌ أمِينًا يُحْصِي ما يَصْنَعُ كُلُّ إنْسانٍ مِنكم، فَلَمْ تَزَلِ الهَدايا والنِّحَلُ والكَرامَةُ تَسْتَقْبِلُهُ مِن حِينِ خَرَجَ مِن بَيْتِ أُمِّهِ إلى أنْ دَخَلَ عَلَيْها. فَلَمّا دَخَلَ عَلَيْها أكْرَمَتْهُ ونَحَلَتْهُ وفَرِحَتْ بِهِ، وأعْجَبَها، ونَحَلَتْ أُمَّهُ لِحُسْنِ أثَرِها عَلَيْهِ، ثُمَّ قالَتِ: لَأنْطَلِقَنَّ بِهِ إلى فِرْعَوْنَ، فَلَيَنْحِلَنَّهُ ولَيُكْرِمَنَّهُ.
فَلَمّا دَخَلَتْ بِهِ عَلَيْهِ جَعَلَتْهُ في حِجْرِهِ، فَتَناوَلَ مُوسى لِحْيَةَ فِرْعَوْنَ فَمَدَّها إلى الأرْضِ، فَقالَتْ لَهُ الغُواةُ مِن أعْداءِ اللَّهِ: ألا تَرى ما وعَدَ اللَّهُ إبْراهِيمَ! إنَّهُ يَرِثُكَ ويَصْرَعُكَ ويَعْلُوكَ، فَأرْسَلَ إلى الذَّبّاحِينَ لِيَذْبَحُوهُ - وذَلِكَ مِنَ الفُتُونِ يا ابْنَ جُبَيْرٍ، بَعْدَ كُلِّ بَلاءٍ ابْتُلِيَ بِهِ وأُرِيدَ بِهِ فُتُونًا - فَجاءَتِ امْرَأةُ فِرْعَوْنَ تَسْعى إلى فِرْعَوْنَ، فَقالَتْ: ما بَدا لَكَ في هَذا الصَّبِيِّ الَّذِي وهَبْتَهُ لِي ؟ قالَ: ألا تَرَيْنَهُ يَزْعُمُ أنَّهُ سَيَصْرَعُنِي ويَعْلُونِي ! قالَتْ لَهُ: اجْعَلْ بَيْنِي وبَيْنَكَ أمْرًا تَعْرِفُ فِيهِ الحَقَّ، ائْتِ بِجَمْرَتَيْنِ ولُؤْلُؤَتَيْنِ فَقَرِّبْهُنَّ إلَيْهِ، فَإنْ بَطَشَ بِاللُّؤْلُؤَتَيْنِ واجْتَنَبَ الجَمْرَتَيْنِ عَلِمْتَ أنَّهُ يَعْقِلُ، وإنْ تَناوَلَ الجَمْرَتَيْنِ ولَمْ يُرِدِ اللُّؤْلُؤَتَيْنِ، فاعْلَمْ أنَّ أحَدًا لا يُؤْثِرُ الجَمْرَتَيْنِ عَلى اللُّؤْلُؤَتَيْنِ وهو يَعْقِلُ. فَقَرَّبَ ذَلِكَ إلَيْهِ، فَتَناوَلَ الجَمْرَتَيْنِ، (p-١٩٤)فانْتَزَعُوهُما مِنهُ مَخافَةَ أنْ يَحْرِقا بَدَنَهُ، فَقالَتِ المَرْأةُ: ألا تَرى ؟ وصَرَفَهُ اللَّهُ عَنْهُ بَعْدَما كانَ قَدْ هَمَّ بِهِ، وكانَ اللَّهُ بالِغَ أمْرِهِ فِيهِ. فَلَمّا بَلَغَ أشُدَّهُ، وكانَ مِنَ الرِّجالِ، لَمْ يَكُنْ أحَدٌ مِن آلِ فِرْعَوْنَ يَخْلُصُ إلى أحَدٍ مِن بَنِي إسْرائِيلَ مَعَهُ بِظُلْمٍ ولا سُخْرَةٍ، حَتّى امْتَنَعُوا كُلَّ امْتِناعٍ.
فَبَيْنَما هو يَمْشِي في ناحِيَةِ المَدِينَةِ، إذْ هو بِرَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ، أحَدُهُما مِن بَنِي إسْرائِيلَ، والآخَرُ مِن آلِ فِرْعَوْنَ، فاسْتَغاثَهُ الإسْرائِيلِيُّ عَلى الفِرْعَوْنِيِّ، فَغَضِبَ مُوسى واشْتَدَّ غَضَبُهُ؛ لِأنَّهُ تَناوَلَهُ وهو يَعْلَمُ مَنزِلَةَ مُوسى مِن بَنِي إسْرائِيلَ، وحِفْظَهُ لَهم، ولا يُعْلَمُ إلّا أنَّما ذَلِكَ مِنَ الرَّضاعِ، غَيْرَ أُمِّ مُوسى، إلّا أنْ يَكُونَ اللَّهُ تَعالى أطْلَعَ مُوسى مِن ذَلِكَ عَلى ما لَمْ يُطْلِعْ غَيْرَهُ عَلَيْهِ، فَوَكَزَ مُوسى الفِرْعَوْنِيَّ فَقَتَلَهُ ولَيْسَ يَراهُما أحَدٌ إلّا اللَّهُ والإسْرائِيلِيُّ، فَقالَ مُوسى حِينَ قَتَلَ الرَّجُلَ: ﴿هَذا مِن عَمَلِ الشَّيْطانِ إنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ﴾ [القصص: ١٥] [ القَصَصِ: ١٥ ]، ثُمَّ قالَ: ﴿رَبِّ إنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ﴾ [القصص: ١٦] [ القَصَصِ: ١٦ ] . وأصْبَحَ في المَدِينَةِ خائِفًا يَتَرَقَّبُ الأخْبارَ، فَأُتِيَ فِرْعَوْنُ، فَقِيلَ لَهُ: إنَّ بَنِي إسْرائِيلَ قَتَلُوا رَجُلًا مِن آلِ فِرْعَوْنَ، فَخُذْ لَنا بِحَقِّنا ولا تُرَخِّصْ لَهم. فَقالَ: ائْتُونِي قاتِلَهُ ومَن شَهِدُ عَلَيْهِ؛ لَأنَّهُ لا يَسْتَقِيمُ أنْ يُقِيدَ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ (p-١٩٥)ولا ثَبَتٍ، فاطْلُبُوا عِلْمَ ذَلِكَ آخُذْ لَكم بِحَقِّكم.
فَبَيْنَما هم يَطُوفُونَ لا يَجِدُونَ ثَبَتًا، إذْ مَرَّ مُوسى مِنَ الغَدِ قَدْ رَأى ذَلِكَ الإسْرائِيلِيَّ يُقاتِلُ فِرْعَوْنِيًّا آخَرَ، فاسْتَغاثَهُ الإسْرائِيلِيُّ عَلى الفِرْعَوْنِيِّ، فَصادَفَ مُوسى قَدْ نَدِمَ عَلى ما كانَ، وكَرِهَ الَّذِي رَأى، فَغَضِبَ الإسْرائِيلِيُّ، وهو يُرِيدُ أنْ يَبْطِشَ بِالفِرْعَوْنِيِّ، فَقالَ لِلْإسْرائِيلِيِّ لِما فَعَلَ بِالأمْسِ واليَوْمَ: ﴿إنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾ [القصص: ١٨] [ القَصَصِ: ١٨ ] . فَنَظَرَ الإسْرائِيلِيُّ إلى مُوسى حِينَ قالَ ما قالَ، فَإذا هو غَضْبانُ كَغَضَبِهِ بِالأمْسِ، فَخافَ بَعْدَما قالَ لَهُ: ﴿إنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾ [القصص: ١٨] . أنْ يَكُونَ إيّاهُ أرادَ، وإنَّما أرادَ الفِرْعَوْنِيَّ - فَقالَ: ﴿يا مُوسى أتُرِيدُ أنْ تَقْتُلَنِي كَما قَتَلْتَ نَفْسًا بِالأمْسِ﴾ [القصص: ١٩] [ القَصَصِ: ١٩ ] . وإنَّما قالَ ذَلِكَ مَخافَةَ أنْ يَكُونَ إيّاهُ أرادَ مُوسى لِيَقْتُلَهُ، فَتَتارَكا، فانْطَلَقَ الفِرْعَوْنِيُّ إلى قَوْمِهِ، فَأخْبَرَهم بِما سَمِعَ مِنَ الإسْرائِيلِيِّ حِينَ يَقُولُ: ﴿أتُرِيدُ أنْ تَقْتُلَنِي كَما قَتَلْتَ نَفْسًا بِالأمْسِ﴾ [القصص: ١٩] . فَأرْسَلَ فِرْعَوْنُ إلى الذَّبّاحِينَ لِيَقْتُلُوا مُوسى، فَأخَذَ رُسُلُ فِرْعَوْنَ في الطَّرِيقِ الأعْظَمِ يَمْشُونَ عَلى هَيْئَتِهِمْ يَطْلُبُونَ مُوسى وهم لا يَخافُونَ أنْ يَفُوتَهم، وجاءَ رَجُلٌ مِن شِيعَةِ مُوسى مِن أقْصى المَدِينَةِ، فاخْتَصَرَ طَرِيقًا قَرِيبًا حَتّى سَبَقَهم إلى مُوسى، فَأخْبَرَهُ الخَبَرَ - وذَلِكَ مِنَ الفُتُونِ يا ابْنَ جُبَيْرٍ ”.
(p-١٩٦)فَخَرَجَ مُوسى مُتَوَجِّهًا نَحْوَ مَدْيَنَ، لَمْ يَلْقَ بَلاءً مِثْلَ ذَلِكَ، ولَيْسَ لَهُ بِالطَّرِيقِ عِلْمٌ إلّا حُسْنُ ظَنِّهِ بِرَبِّهِ، فَإنَّهُ قالَ: ﴿عَسى رَبِّي أنْ يَهْدِيَنِي سَواءَ السَّبِيلِ﴾ [القصص: ٢٢] . ﴿ولَمّا ورَدَ ماءَ مَدْيَنَ وجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النّاسِ يَسْقُونَ ووَجَدَ مِن دُونِهِمُ امْرَأتَيْنِ تَذُودانِ﴾ [القصص: ٢٣] [ القَصَصِ: ٢٢، ٢٣ ] .
يَعْنِي حابِسَتَيْ غَنَمِهِما، قالَ: ما خَطْبُكُما مُعْتَزِلَتَيْنِ لا تَسْقِيانِ مَعَ النّاسِ ؟ قالَتا: لَيْسَتْ لَنا قُوَّةٌ نُزاحِمُ القَوْمَ، وإنَّما نَنْتَظِرُ فُضُولَ حِياضِهِمْ. فَسَقى لَهُما؛ فَجَعَلَ يَغْرِفُ في الدَّلْوِ ماءً كَثِيرًا، حَتّى كانَتا أوَّلَ الرِّعاءِ فَراغًا، فانْصَرَفَتا إلى أبِيهِما بِغَنَمِهِما، وانْصَرَفَ مُوسى إلى الشَّجَرَةِ فاسْتَظَلَّ بِها، وقالَ: ﴿رَبِّ إنِّي لِما أنْزَلْتَ إلَيَّ مِن خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ [القصص: ٢٤] [ القَصَصِ: ٢٤ ] . واسْتَنْكَرَ أبُو الجارِيَتَيْنِ سُرْعَةَ صُدُورِهِما بِغَنَمِهِما حُفَّلًا بِطانًا، وقالَ: إنَّ لَكُما اليَوْمَ لَشَأْنًا، فَحَدَّثَتاهُ بِما صَنَعَ مُوسى، فَأمَرَ إحْداهُما أنْ تَدْعُوَهُ لَهُ، فَأتَتْهُ فَدَعَتْهُ، فَلَمّا كَلَّمَهُ قالَ: ﴿لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ [القصص: ٢٥] [ القَصَصِ: ٢٥ ] . لَيْسَ لِفِرْعَوْنَ ولا لِقَوْمِهِ عَلَيْنا سُلْطانٌ ولَسْنا في مَمْلَكَتِهِ، قالَتِ ابْنَتُهُ: ﴿يا أبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ القَوِيُّ الأمِينُ﴾ [القصص: ٢٦] [ القَصَصِ: ٢٦ ] فَحَمَلَتْهُ الغَيْرَةُ أنْ قالَ: وما يُدْرِيكِ ما قُوَّتُهُ ؟ وما أمانَتُهُ ؟ قالَتْ: أمّا قُوَّتُهُ، فَما رَأيْتُ مِنهُ حِينَ سَقى لَنا؛ لَمْ أرَ رَجُلًا قَطُّ أقْوى في ذَلِكَ السَّقْيِ مِنهُ حِينَ سَقى لَنا، وأمّا الأمانَةُ: فَإنَّهُ نَظَرَ حِينَ أقْبَلْتُ إلَيْهِ وشَخَصْتُ لَهُ، (p-١٩٧)فَلَمّا عَلِمَ أنِّي امْرَأةٌ صَوَّبَ رَأْسَهُ ولَمْ يَرْفَعْهُ، ولَمْ يَنْظُرْ إلَيَّ حِينَ أقْبَلْتُ إلَيْهِ، حَتّى بَلَّغْتُهُ رِسالَتَكَ. فَقالَ لِي: امْشِي خَلْفِي، وانْعُتِي لِيَ الطَّرِيقَ. فَلَمْ يَقُلْ هَذا إلّا وهو أمِينٌ، فَسُرِّيَ عَنْ أبِيها وصَدَّقَها، وظَنَّ بِهِ الَّذِي قالَتْ.
فَقالَ: هَلْ لَكَ ﴿أنْ أُنْكِحَكَ إحْدى ابْنَتَيَّ هاتَيْنِ عَلى أنْ تَأْجُرَنِي ثَمانِيَ حِجَجٍ فَإنْ أتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِن عِنْدِكَ وما أُرِيدُ أنْ أشُقَّ عَلَيْكَ﴾ [القصص: ٢٧] [ القَصَصِ: ٢٧ ] فَفَعَلَ، فَكانَتْ عَلى مُوسى ثَمانِيَ سِنِينَ واجِبَةً، وكانَتْ سَنَتانِ عِدَةً مِنهُ، فَقَضى اللَّهُ عَنْهُ عِدَتَهُ فَأتَمَّها عَشْرًا.
قالَ سَعِيدٌ: فَسَألَنِي رَجُلٌ مِن أهْلِ النَّصْرانِيَّةِ مِن عُلَمائِهِمْ: هَلْ تَدْرِي أيَّ الأجَلَيْنِ قَضى مُوسى ؟ قُلْتُ: لا. وأنا يَوْمَئِذٌ لا أعْلَمُ. فَلَقِيتُ ابْنَ عَبّاسٍ، فَذَكَرْتُ لَهُ الَّذِي قالَ النَّصْرانِيُّ، فَقالَ: أما كُنْتَ تَعْلَمُ أنَّ ثَمانِيًا واجِبَةٌ، لَمْ يَكُنْ لِمُوسى لِيَنْقُصَ مِنها شَيْئًا، وتَعْلَمُ أنَّ اللَّهَ تَعالى كانَ قاضِيًا عَنْ مُوسى عِدَتَهُ الَّتِي وعَدَ؟ فَإنَّهُ قَضى عَشْرًا. فَأخْبَرْتُ النَّصْرانِيَّ، فَقالَ: الَّذِي أخْبَرَكَ بِهَذا هو أعْلَمُ مِنكَ. قُلْتُ: أجَلْ، وأوْلى.
فَلَمّا سارَ مُوسى بِأهْلِهِ كانَ مِن أمْرِ النّارِ ما قَصَّ اللَّهُ عَلَيْكَ في القُرْآنِ وأمْرِ العَصا ويَدِهِ، فَشَكا إلى رَبِّهِ ما يَتَخَوَّفُ مِن آلِ فِرْعَوْنَ في القَتِيلِ، وعُقْدَةَ لِسانِهِ؛ فَإنَّهُ كانَ في لِسانِهِ عُقْدَةٌ تَمْنَعُهُ مِن كَثِيرٍ مِنَ الكَلامِ، فَسَألَ رَبَّهُ أنْ يُعِينَهُ بِأخِيهِ هارُونَ، لِيَكُونَ لَهُ رِدْءًا، ويَتَكَلَّمَ عَنْهُ بِكَثِيرٍ مِمّا لا يُفْصِحُ بِهِ. فَآتاهُ اللَّهُ سُؤْلَهُ، وحَلَّ عُقْدَةً مِن لِسانِهِ، وأوْحى إلى هارُونَ وأمَرَهُ أنْ يَلْقى مُوسى.
(p-١٩٨)فانْدَفَعَ مُوسى بِالعَصا ولَقِيَ هارُونَ. فانْطَلَقا جَمِيعًا إلى فِرْعَوْنَ، فَأقاما بِبابِهِ حِينًا لا يُؤْذَنُ لَهُما، ثُمَّ أُذِنَ لَهُما بَعْدَ حِجابٍ شَدِيدٍ، فَقالا ﴿إنّا رَسُولا رَبِّكَ﴾ [طه: ٤٧] . قالَ: ومَن رَبُّكُما يا مُوسى ؟ فَأخْبَرَهُ بِالَّذِي قَصَّ اللَّهُ في القُرْآنِ، قالَ: فَما تُرِيدانِ ؟ وذَكَّرَهُ القَتِيلَ، فاعْتَذَرَ بِما قَدْ سَمِعْتَ. قالَ: أُرِيدُ أنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ، وتُرْسِلَ مَعِيَ بَنِي إسْرائِيلَ، فَأبى عَلَيْهِ ذَلِكَ وقالَ: ائْتِ بِآيَةٍ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ. فَألْقى عَصاهُ فَتَحَوَّلَتْ حَيَّةً عَظِيمَةً فاغِرَةً فاها، مُسْرِعَةً إلى فِرْعَوْنَ. فَلَمّا رَأى فِرْعَوْنُ أنَّها قاصِدَةٌ إلَيْهِ خافَها، فاقْتَحَمَ عَنْ سَرِيرِهِ، واسْتَغاثَ بِمُوسى أنْ يَكُفَّها عَنْهُ. فَفَعَلَ، وأخْرَجَ يَدَهُ مِن جَيْبِهِ بَيْضاءَ مِن غَيْرِ سُوءٍ - يَعْنِي مِن غَيْرِ بَرَصٍ - ثُمَّ أعادَها إلى كُمِّهِ فَصارَتْ إلى لَوْنِها الأوَّلِ. فاسْتَشارَ المَلَأ فِيما رَأى، فَقالُوا لَهُ: هَذانِ ساحِرانِ يُرِيدانِ أنْ يُخْرِجاكم مِن أرْضِكم بِسِحْرِهِما ويَذْهَبا بِطَرِيقَتِكُمُ المُثْلى. يَعْنُونَ مُلْكَهُمُ الَّذِي هم فِيهِ والعَيْشَ، وأبَوْا عَلى مُوسى أنْ يُعْطُوهُ شَيْئًا مِمّا طَلَبَ، وقالُوا لَهُ: اجْمَعْ لَهُمُ السَّحَرَةَ فَإنَّهم بِأرْضِنا كَثِيرٌ حَتّى تَغْلِبَ بِسِحْرِهِمْ سِحْرَهُما. ﴿فَأرْسَلَ فِرْعَوْنُ في المَدائِنِ حاشِرِينَ﴾ [الشعراء: ٥٣] [الشُّعَراءِ: ٥٣ ]، فَحُشِرَ لَهُ كُلُّ ساحِرٍ مُتَعالِمٍ، فَلَمّا أتَوْا فِرْعَوْنَ قالُوا: بِمَ يَعْمَلُ هَذا السّاحِرُ ؟ قالُوا: يَعْمَلُ بِالحَيّاتِ والحِبالِ. قالُوا: فَلا واللَّهِ ما في الأرْضِ قَوْمٌ يَعْمَلُونَ بِالحَيّاتِ والحِبالِ والعِصِيِّ بِالسِّحْرِ ما نَعْمَلُ بِهِ ! فَما أجْرُنا إنْ غَلَبْنا ؟ قالَ لَهم: أنْتُمْ أقارِبِي وخاصَّتِي، وأنا صانِعٌ بِكم كُلَّ شَيْءٍ (p-١٩٩)أحْبَبْتُمْ، فَتَواعَدُوا لِيَوْمِ الزِّينَةِ، وأنْ يُحْشَرَ النّاسُ ضُحًى.
قالَ سَعِيدٌ: فَحَدَّثَنِي ابْنُ عَبّاسٍ: أنَّ يَوْمَ الزِّينَةِ اليَوْمُ الَّذِي أظْهَرَ اللَّهُ فِيهِ مُوسى عَلى فِرْعَوْنَ والسَّحَرَةِ، هو يَوْمُ عاشُوراءَ.
فَلَمّا اجْتَمَعُوا في صَعِيدٍ واحِدٍ قالَ النّاسُ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: اذْهَبُوا فَلْنَحْضُرْ هَذا الأمْرَ، ونَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إنْ كانُوا هُمُ الغالِبِينَ. يَعْنُونَ بِذَلِكَ مُوسى وهارُونَ اسْتِهْزاءً بِهِما، فَقالُوا: يا مُوسى - لِقُدْرَتِهِمْ بِسِحْرِهِمْ - إمّا أنْ تُلْقِيَ وإمّا أنْ نَكُونَ نَحْنُ المُلْقِينَ. قالَ: ألْقُوا. فَألْقَوْا حِبالَهم وعِصِيَّهم وقالُوا: بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إنّا لَنَحْنُ الغالِبُونَ فَرَأى مُوسى مِن سِحْرِهِمْ ما أوْجَسَ في نَفْسِهِ خِيفَةً، فَأوْحى اللَّهُ إلَيْهِ: أنْ ألْقِ عَصاكَ، فَلَمّا ألْقاها صارَتْ ثُعْبانًا عَظِيمًا فاغِرَةً فاها، فَجَعَلَ العَصا، بِدَعْوَةِ مُوسى، تَلْتَبِسُ بِالحِبالِ حَتّى صارَتْ جَزَرًا إلى الثُّعْبانِ، تَدْخُلُ فِيهِ، حَتّى ما أبْقَتْ عَصًا ولا حِبالًا إلّا ابْتَلَعَتْهُ، فَلَمّا عَرَفَ السَّحَرَةُ ذَلِكَ قالُوا: لَوْ كانَ هَذا سِحْرًا لَمْ تَبْتَلِعْ مِن سِحْرِنا كُلَّ هَذا، ولَكِنَّ هَذا أمْرٌ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، آمَنّا بِاللَّهِ وبِما جاءَ بِهِ مُوسى، ونَتُوبُ إلى اللَّهِ مِمّا كُنّا عَلَيْهِ. فَكَسَرَ اللَّهُ ظَهْرَ فِرْعَوْنَ في ذَلِكَ المَوْطِنِ وأشْياعِهِ، وظَهَرَ الحَقُّ، وبَطَلَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ، فَغُلِبُوا هُنالِكَ وانْقَلَبُوا صاغِرِينَ، وامْرَأةُ فِرْعَوْنَ بارِزَةٌ مُتَبَذِّلَةٌ تَدْعُو اللَّهَ بِالنَّصْرِ لِمُوسى عَلى فِرْعَوْنَ (p-٢٠٠)فَمَن رَآها مِن آلِ فِرْعَوْنَ ظَنَّ أنَّها تَبَذَّلَتْ شَفَقَةً عَلى فِرْعَوْنَ وأشْياعِهِ، وإنَّما كانَ حُزْنُها وهَمُّها لِمُوسى.
فَلَمّا طالَ مُكْثُ مُوسى لِمَواعِدِ فِرْعَوْنَ الكاذِبَةِ، كُلَّما جاءَ بِآيَةٍ وعَدَ عِنْدَها أنْ يُرْسِلَ مَعَهُ بَنِي إسْرائِيلَ، فَإذا كُشِفَ ذَلِكَ نَكَثَ عَهْدَهُ، وأخْلَفَ وعْدَهُ.
حَتّى أُمِرَ مُوسى بِقَوْمِهِ فَخَرَجَ بِهِمْ لَيْلًا، فَلَمّا أصْبَحَ فِرْعَوْنُ ورَأى أنَّهم قَدْ مَضَوْا بَعَثَ في المَدائِنِ حاشِرِينَ، فَتَبِعَهم جُنُودٌ عَظِيمَةٌ كَثِيرَةٌ، وأوْحى اللَّهُ إلى البَحْرِ: إذا ضَرَبَكَ عَبْدِي مُوسى بِعَصاهُ فانْفَرِقْ لَهُ اثْنَيْ عَشَرَ فِرْقًا، حَتّى يَجُوزَ مُوسى ومَن مَعَهُ، ثُمَّ التَقِ بَعْدُ عَلى مَن بَقِيَ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ وأشْياعِهِ. فَنَسِيَ مُوسى أنْ يَضْرِبَ بِعَصاهُ فَدَفَعَ إلى البَحْرِ بِالعَصا ولَهُ قَصِيفٌ، مَخافَةَ أنْ يَضْرِبَهُ مُوسى بِعَصاهُ وهو غافِلٌ فَيَصِيرَ عاصِيًا.
فَلَمّا تَراءى الجَمْعانِ وتَقارَبا، قالَ أصْحابُ مُوسى: إنّا لَمُدْرَكُونَ، فافْعَلْ ما أمَرَكَ بِهِ رَبُّكَ فَإنَّكَ لَمْ تُكْذَبْ ولَمْ تَكْذِبْ، قالَ: وعَدَنِي رَبِّي إذا انْتَهَيْتُ إلى البَحْرِ أنْ يَنْفَرِقَ لِي حَتّى أجُوزَ، ثُمَّ ذَكَرَ بَعْدَ ذَلِكَ العَصا، فَضَرَبَ البَحْرَ حِينَ دَنا أوائِلُ جُنْدِ فِرْعَوْنَ مِن أواخِرِ جُنْدِ مُوسى، فانْفَرَقَ البَحْرُ كَما أمَرَ اللَّهُ، وكَما وُعِدَ مُوسى، فَلَمّا جازَ أصْحابُ مُوسى كُلُّهُمُ ودَخَلَ أصْحابُ فِرْعَوْنَ كُلُّهُمُ، التَقى البَحْرُ عَلَيْهِمُ كَما أمَرَهُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، فَلَمّا أنْ جاوَزَ البَحْرَ قالَ أصْحابُ مُوسى: إنّا لَمُدْرَكُونَ؛ إنّا نَخافُ ألّا يَكُونَ فِرْعَوْنُ غَرِقَ ولا نُؤْمِنُ بِهَلاكِهِ ! فَدَعا رَبَّهُ فَأخْرَجَهُ لَهُ (p-٢٠١)بِبَدَنِهِ مِنَ البَحْرِ حَتّى اسْتَيْقَنُوا.
ثُمَّ مَرُّوا بَعْدَ ذَلِكَ عَلى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلى أصْنامٍ لَهم: قالُوا: يا مُوسى اجْعَلْ لَنا إلَهًا كَما لَهم آلِهَةٌ. قالَ: إنَّكم قَوْمٌ تَجْهَلُونَ، إنَّ هَؤُلاءِ مُتَبَّرٌ ما هم فِيهِ، وباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ، قَدْ رَأيْتُمْ مِنَ العِبَرِ ما يَكْفِيكم وسَمِعْتُمْ بِهِ. فَمَضى، حَتّى أنْزَلَهم مَنزِلًا، ثُمَّ قالَ لَهم: أطِيعُوا هارُونَ، فَإنِّي قَدِ اسْتَخْلَفْتُهُ عَلَيْكم، وإنِّي ذاهِبٌ إلى رَبِّي. وأجَّلَهم ثَلاثِينَ يَوْمًا أنْ يَرْجِعَ إلَيْهِمْ فِيها، فَلَمّا أتى رَبَّهُ وأرادَ أنْ يُكَلِّمَهُ في ثَلاثِينَ يَوْمًا قَدْ صامَهُنَّ لَيْلَهُنَّ ونَهارَهُنَّ، كَرِهَ أنْ يُكَلِّمَ رَبَّهُ ورِيحُ فَمِهِ رِيحُ فَمِ الصّائِمِ، فَتَناوَلَ مُوسى مِن نَباتِ الأرْضِ شَيْئًا فَمَضَغَهُ، فَقالَ لَهُ رَبُّهُ حِينَ أتاهُ: لِمَ أفْطَرْتَ ؟ وهو أعْلَمُ بِالَّذِي كانَ، قالَ: يا رَبِّ، إنِّي كَرِهْتُ أنْ أُكَلِّمَكَ إلّا وفَمِي طَيِّبُ الرِّيحِ. قالَ: أوَما عَلِمْتَ يا مُوسى أنَّ رِيحَ فَمِ الصّائِمِ أطْيَبُ عِنْدِي مِن رِيحِ المِسْكِ، ارْجِعْ حَتّى تَصُومَ عَشَرَةَ أيّامٍ ثُمَّ ائْتِنِي. فَفَعَلَ مُوسى الَّذِي أمَرَهُ اللَّهُ بِهِ.
فَلَمّا رَأى قَوْمُ مُوسى أنَّهُ لَمْ يَأْتِهِمْ لِلْأجَلِ، ساءَهم ذَلِكَ. وكانَ هارُونُ قَدْ خَطَبَهم وقالَ لَهم: إنَّكم خَرَجْتُمْ مِن مِصْرَ، وعِنْدَكم ودائِعُ لِقَوْمِ فِرْعَوْنَ وعَوارِي، ولَكم فِيهِمْ مِثْلُ ذَلِكَ، وأنا أرى أنْ تَحْتَسِبُوا ما كانَ لَكَمَ عِنْدَهم، ولا أحِلُّ لَكم ودِيعَةً اسْتُودِعْتُمُوها ولا عارِيَةً، ولَسْنا نَرى أداءَ شَيْءٍ مِن ذَلِكَ (p-٢٠٢)إلَيْهِمْ ولا مُمْسِكِيهِ، فَحَفَرَ حُفَيْرَةً، وأمَرَ كُلَّ قَوْمٍ عِنْدَهم شَيْءٌ مِن ذَلِكَ مِن مَتاعٍ أوْ حِلْيَةٍ بِأنْ يَدْفِنُوهُ في الحُفَيْرَةِ، ثُمَّ أوْقَدَ عَلَيْهِ النّارَ فَأحْرَقَهُ، وقالَ: لا يَكُونُ لَنا ولا لَهم.
وكانَ السّامِرِيُّ مَن قَوْمٍ يَعْبُدُونَ البَقَرَ، لَيْسَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ بَلْ جارٌ لَهُمْ، فاحْتَمَلَ مَعَ بَنِي إسْرائِيلَ حِينَ احْتَمَلُوا، فَقُضِيَ لَهُ أنْ رَأى أثَرَ الفَرَسِ، فَقَبَضَ مِنهُ قَبْضَةً، فَمَرَّ بِهارُونَ، فَقالَ لَهُ هارُونُ: يا سامِرِيُّ، ألا تُلْقِي ما في يَدَيْكَ ؟ وهو قابِضٌ عَلَيْهِ، لا يَراهُ أحَدٌ طِوالَ ذَلِكَ، فَقالَ: هَذِهِ قَبْضَةٌ مِن أثَرِ الرَّسُولِ الَّذِي جاوَزَ بِكُمُ البَحْرَ، فَلا أُلْقِيها لِشَيْءٍ إلّا أنْ تَدْعُوَ اللَّهَ إذا ألْقَيْتُها أنْ يَكُونَ ما أُرِيدُ. قالَ: فَألْقاها ودَعا لَهُ هارُونُ، فَقالَ: أُرِيدُ أنْ يَكُونَ عِجْلًا. فاجْتَمَعَ ما كانَ في الحُفَيْرَةِ مِن مَتاعٍ؛ نُحاسٍ أوْ حَدِيدٍ أوْ حُلِيٍّ، فَصارَ عِجْلًا أجْوَفَ. لَيْسَ فِيهِ رُوحٌ، لَهُ خُوارٌ.
فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: واللَّهِ، ما كانَ لَهُ صَوْتٌ، ولَكِنَّ الرِّيحَ كانَتْ تَدْخُلُ مِن دُبُرِهِ وتَخْرُجُ مِن فِيهِ، فَكانَ ذَلِكَ الصَّوْتُ مِن ذَلِكَ.
فَتَفَرَّقَ بَنُو إسْرائِيلَ فِرَقًا، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: يا سامِرِيُّ، ما هَذا فَإنَّكَ أنْتَ أعْلَمُ بِهِ ؟ فَقالَ: هَذا رَبُّكم ولَكِنَّ مُوسى أخْطَأ الطَّرِيقَ. فَقالُوا: لا نُكَذِّبُ بِهَذا حَتّى (p-٢٠٣)يَرْجِعَ إلَيْنا مُوسى، فَإنْ يَكُ رَبَّنا لَمْ نَكُنْ ضَيَّعْنا وعَجَزْنا فِيهِ حِينَ رَأيْناهُ، وإنْ لَمْ يَكُنْ رَبَّنا فَإنّا نَتْبَعُ قَوْلَ مُوسى. وقالَتْ فِرْقَةٌ: هَذا مِن عَمَلِ الشَّيْطانِ، ولَيْسَ رَبَّنا ولا نُصَدِّقُ بِهِ ولا نُؤْمِنُ، وأُشْرِبَ فِرْقَةٌ في قُلُوبِهِمُ التَّصْدِيقَ بِما قالَ السّامِرِيُّ في العِجْلِ، وأعْلَنُوا التَّكْذِيبَ، فَقالَ لَهم هارُونُ: ﴿يا قَوْمِ إنَّما فُتِنْتُمْ بِهِ وإنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ﴾ [طه: ٩٠]، ولَيْسَ هَكَذا، قالُوا: فَما بالُ مُوسى وعَدَنا ثَلاثِينَ يَوْمًا، ثُمَّ أخْلَفَنا، فَهَذِهِ أرْبَعُونَ لَيْلَةً ؟ فَقالَ سُفَهاؤُهم: أخْطَأ رَبَّهُ فَهو يَطْلُبُهُ ويَتْبَعُهُ.
فَلَمّا كَلَّمَ اللَّهُ مُوسى وقالَ ما قالَ لَهُ، أخْبَرَهُ بِما لَقِيَ قَوْمُهُ مِن بَعْدِهِ، ﴿فَرَجَعَ مُوسى إلى قَوْمِهِ غَضْبانَ أسِفًا﴾ [طه: ٨٦]، فَقالَ لَهم ما سَمِعْتُمْ في القُرْآنِ، وألْقى الألْواحَ وأخَذَ بِرَأْسِ أخِيهِ يَجُرُّهُ إلَيْهِ مِنَ الغَضَبِ، غَيْرَ أنَّهُ عَذَرَ أخاهُ واسْتَغْفَرَ رَبَّهُ، ثُمَّ انْصَرَفَ إلى السّامِرِيِّ فَقالَ لَهُ: ما حَمَلَكَ عَلى ما صَنَعْتَ ؟ فَقالَ: قَبَضْتُ قَبْضَةً مِن أثَرِ الرَّسُولِ، وفَطِنْتُ لَها وعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ، فَقَذَفْتُها، وكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي، قالَ: ﴿فاذْهَبْ فَإنَّ لَكَ في الحَياةِ أنْ تَقُولَ لا مِساسَ﴾ [طه: ٩٧] إلى قَوْلِهِ: ﴿فِي اليَمِّ نَسْفًا﴾ [طه: ٩٧] ولَوْ كانَ إلَهًا لَمْ يَخْلُصْ إلى ذَلِكَ مِنهُ.
فاسْتَيْقَنَ بَنُو إسْرائِيلَ بِالفِتْنَةِ، واغْتَبَطَ الَّذِينَ كانَ رَأْيُهم فِيهِ رَأْيَ هارُونَ، فَقالُوا: يا مُوسى، سَلْ رَبَّكَ أنْ يَفْتَحَ لَنا بابَ تَوْبَةٍ نَعْمَلُها وتُكَفِّرُ عَنّا ما عَمِلْنا. فاخْتارَ مُوسى مِن قَوْمِهِ سَبْعِينَ رَجُلًا لِذَلِكَ، لا يَأْلُو الخَيْرَ؛ خِيارَ بَنِي إسْرائِيلَ، ومَن لَمْ يُشْرِكْ في العِجْلِ، فانْطَلَقَ بِهِمْ لِيَسْألَ رَبَّهَمُ التَّوْبَةَ، فَرَجَفَتِ الأرْضُ بِهِمْ، فاسْتَحْيا مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ مِن قَوْمِهِ ووَفْدِهِ حِينَ فُعِلَ بِهِمْ ذَلِكَ، فَقالَ: ﴿رَبِّ لَوْ شِئْتَ أهْلَكْتَهم مِن قَبْلُ وإيّايَ أتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ مِنّا﴾ [الأعراف: ١٥٥] (p-٢٠٤)الآيَةَ [ الأعْرافِ: ١٥٥ ] ومِنهم مَن قَدِ اطَّلَعَ اللَّهُ مِنهُ عَلى ما أُشْرِبَ قَلْبُهُ العِجْلَ والإيمانَ بِهِ؛ فَلِذَلِكَ رَجَفَتْ بِهِمُ الأرْضُ، فَقالَ: ﴿ورَحْمَتِي وسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٦] إلى قَوْلِهِ: ﴿والإنْجِيلِ﴾ [الأعراف: ١٥٧] [ الأعْرافِ: ١٥٦ ] . فَقالَ: رَبِّ، سَألْتُكَ التَّوْبَةَ لِقَوْمِي، فَقُلْتَ: إنَّ رَحْمَتِكَ كَتَبْتُها لِقَوْمٍ غَيْرِ قَوْمِي، فَلَيْتَكَ أخَّرْتَنِي حَتّى أخْرُجَ في أُمَّةِ ذَلِكَ الرَّجُلِ المَرْحُومَةِ. قالَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: فَإنَّ تَوْبَتَهم أنْ يَقْتُلَ كُلُّ رَجُلٍ مِنهم كُلَّ مَن لَقِيَ مِن والِدٍ ووَلَدٍ، فَيَقْتُلَهُ بِالسَّيْفِ، ولا يُبالِي مَن قَتَلَ في ذَلِكَ المَوْطِنِ. فَتابَ أُولَئِكَ الَّذِينَ كانَ خَفِيَ عَلى مُوسى وهارُونَ، وما اطَّلَعَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِن ذُنُوبِهِمْ فاعْتَرَفُوا بِها، وفَعَلُوا ما أُمِرُوا بِهِ، فَغَفَرَ اللَّهُ لِلْقاتِلِ والمَقْتُولِ.
ثُمَّ سارَ بِهِمْ مُوسى مُتَوَجِّهًا نَحْوَ الأرْضِ المُقَدَّسَةِ، فَأخَذَ الألْواحَ بَعْدَ ما سَكَتَ عَنْهُ الغَضَبُ، وأمَرَهم بِالَّذِي أمَرَهُ اللَّهُ أنْ يُبَلِّغَهم مِنَ الوَظائِفِ، فَثَقُلَتْ عَلَيْهِمْ، وأبَوْا أنْ يُقِرُّوا بِها، حَتّى نَتَقَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الجَبَلَ كَأنَّهُ ظُلَّةٌ، ودَنا مِنهم حَتّى خافُوا أنْ يَقَعَ عَلَيْهِمْ، فَأخَذُوا الكِتابَ بِأيْمانِهِمْ وهم مُصْغُونَ يَنْظُرُونَ إلى الأرْضِ، والكِتابُ الَّذِي أخَذُوهُ بِأيْدِيهِمْ، وهم يَنْظُرُونَ إلى الجَبَلِ مَخافَةَ أنْ يَقَعَ عَلَيْهِمْ.
ثُمَّ مَضَوْا حَتّى أتَوُا الأرْضَ المُقَدَّسَةَ، فَوَجَدُوا فِيها مَدِينَةَ جَبّارِينَ خَلْقُهم خَلْقٌ (p-٢٠٥)مُنْكَرٌ، وذَكَرُوا مِن ثِمارِهِمْ أمْرًا عَجِيبًا مِن عِظَمِها - فَقالُوا: يا مُوسى إنَّ فِيها قَوْمًا جَبّارِينَ، لا طاقَةَ لَنا اليَوْمَ بِهِمْ، ولا نَدْخُلُها ما دامُوا فِيها، فَإنْ يَخْرُجُوا مِنها فَإنّا داخِلُونَ. قالَ رَجُلانِ مِنَ الجَبّارِينَ، آمَنا بِمُوسى، فَخَرَجا إلَيْهِ، فَقالا: نَحْنُ أعْلَمُ بِقَوْمِنا، إنْ كُنْتُمْ تَخافُونَ ما رَأيْتُمْ مِن أجْسامِهِمْ وعَدَدِهِمْ، فَإنَّهم لَيْسَ لَهم قُلُوبٌ، ولا مَنعَةَ عِنْدَهم، فادْخُلُوا عَلَيْهِمُ البابَ، فَإذا دَخَلْتُمُوهُ فَإنَّكم غالِبُونَ. ويَقُولُ أُناسٌ: إنَّهُما مِن قَوْمِ مُوسى. وزَعَمَ سَعِيدٌ أنَّهُما مِنَ الجَبّارِينَ آمَنا بِمُوسى، يَقُولُ: ﴿مِنَ الَّذِينَ يَخافُونَ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِما﴾ [المائدة: ٢٣] [ المائِدَةِ: ٢٣ ] وإنَّما يَعْنِي بِذَلِكَ الَّذِينَ يَخافُهم بَنُو إسْرائِيلَ، فَقالُوا: ﴿قالُوا يا مُوسى إنّا لَنْ نَدْخُلَها أبَدًا ما دامُوا فِيها فاذْهَبْ أنْتَ ورَبُّكَ فَقاتِلا إنّا ها هُنا قاعِدُونَ﴾ [المائدة: ٢٤] [ المائِدَةِ: ٢٤ ] . فَأغْضَبُوا مُوسى، فَدَعا عَلَيْهِمْ فَسَمّاهم فاسِقِينَ، ولَمْ يَدْعُ عَلَيْهِمْ قَبْلَ ذَلِكَ، لِما رَأى فِيهِمْ مِنَ المَعْصِيَةِ وإساءَتِهِمْ حَتّى كانَ يَوْمَئِذٍ، فاسْتَجابَ اللَّهُ لَهُ وسَمّاهم كَما سَمّاهم مُوسى فاسِقِينَ، فَحَرَّمَها عَلَيْهِمْ أرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ في الأرْضِ، يُصْبِحُونَ كُلَّ يَوْمٍ فَيَسِيرُونَ، لَيْسَ لَهم قَرارٌ.
ثُمَّ ظَلَّلَ عَلَيْهِمُ في التِّيهِ بِالغَمامِ، وأنْزَلَ عَلَيْهِمُ المَنَّ والسَّلْوى، وجَعَلَ لَهم ثِيابًا لا تَبْلى ولا تَتَّسِخُ، وجَعَلَ بَيْنَ ظَهْرانِيهِمْ حَجَرًا مُرَبَّعًا، وأمَرَ مُوسى فَضَرَبَهُ بِعَصاهُ. فانْفَجَرَتْ مِنهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْنًا، في كُلِّ ناحِيَةٍ ثَلاثُ عُيُونٍ، وأعْلَمَ كُلَّ سِبْطٍ عَيْنَهُمُ الَّتِي يَشْرَبُونَ مِنها، لا يَرْتَحِلُونَ مِن مَنقَلَةٍ إلّا وجَدُوا ذَلِكَ الحَجَرَ مِنهم بِالمَكانِ الَّذِي كانَ مِنهم بِالمَنزِلِ الأوَّلِ.
(p-٢٠٦)رَفَعَ ابْنُ عَبّاسٍ هَذا الحَدِيثَ إلى النَّبِيِّ ﷺ، وصَدَّقَ ذَلِكَ عِنْدِي أنَّ مُعاوِيَةَ بْنَ أبِي سُفْيانَ سَمِعَ مِنِ ابْنِ عَبّاسٍ هَذا الحَدِيثَ، فَأنْكَرَ عَلَيْهِ أنْ يَكُونَ الفِرْعَوْنِيُّ هو الَّذِي أفْشى عَلى مُوسى أمْرَ القَتِيلِ. وقالَ: إنَّما أفْشى عَلَيْهِ الإسْرائِيلِيُّ. فَأخَذَ ابْنُ عَبّاسٍ بِيَدِهِ فانْطَلَقَ بِهِ إلى سَعْدِ بْنِ مالِكٍ الزُّهْرِيِّ، فَقالَ: «أرَأيْتَ يَوْمَ حَدَّثَنا النَّبِيُّ ﷺ عَنْ قَتِيلِ مُوسى مِن آلِ فِرْعَوْنَ ؟ مَن أفْشى عَلَيْهِ، الإسْرائِيلِيُّ أمِ الفِرْعَوْنِيُّ ؟ قالَ: أفْشى عَلَيْهِ الفِرْعَوْنِيُّ، بِما سَمِعَ مِنَ الإسْرائِيلِيِّ الَّذِي شَهِدَ عَلى ذَلِكَ وحَضَرَهُ» .
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَبِثْتَ سِنِينَ﴾ الآياتِ.
أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿فَلَبِثْتَ سِنِينَ في أهْلِ مَدْيَنَ﴾ قالَ: عَشْرَ سِنِينَ: ﴿ثُمَّ جِئْتَ عَلى قَدَرٍ يا مُوسى﴾ قالَ: عَلى قَدَرِ الرِّسالَةِ والنُّبُوَّةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ جِئْتَ عَلى قَدَرٍ﴾ قالَ: لِمِيقاتٍ.
(p-٢٠٧)وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ جِئْتَ عَلى قَدَرٍ﴾ قالَ: عَلى مَوْعِدٍ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولا تَنِيا في ذِكْرِي﴾ قالَ: لا تَضْعُفا.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ قَتادَةَ مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ مُجاهِدٍ مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ الطَّسْتِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّ نافِعَ بْنَ الأزْرَقِ قالَ لَهُ: أخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِهِ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ولا تَنِيا في ذِكْرِي﴾ قالَ: ولا تَضْعُفا عَنْ أمْرِي، قالَ: وهَلْ تَعْرِفُ العَرَبُ ذَلِكَ؟ قالَ: نَعَمْ، أما سَمِعْتَ الشّاعِرَ وهو يَقُولُ:
؎إنِّي وجَدِّكَ مَلَّ ونَيْتُ وإنَّنِي أبْغِي الفِكاكَ لَهُ بِكُلِّ سَبِيلِ
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولا تَنِيا﴾ قالَ: لا تُبْطِئا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عَلِيِّ في قَوْلِهِ: ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلا لَيِّنًا﴾ قالَ: كَنِّهِ.
(p-٢٠٨)وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلا لَيِّنًا﴾ قالَ: كَنِّياهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سُفْيانَ الثَّوْرِيِّ: ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلا لَيِّنًا﴾ قالَ: كَنِّياهُ: يا أبا مُرَّةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ عِكْرِمَةَ: ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلا لَيِّنًا﴾ قالَ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ: ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلا لَيِّنًا﴾ قالَ أعْذِرا إلَيْهِ وقُولا لَهُ: إنَّ لَكَ رِبًّا ولَكَ مَعادًا وإنَّ بَيْنَ يَدَيْكَ جَنَّةً ونارًا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الفَضْلِ بْنِ عِيسى الرَّقاشِيِّ، أنَّهُ تَلا هَذِهِ الآيَةَ: ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلا لَيِّنًا﴾ فَقالَ: يا مَن يَتَحَبَّبُ إلى أعادِيهِ، فَكَيْفَ بِمَن يَتَوَلّى ويُنادِيهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ﴾ قالَ: هَلْ يَتَذَكَّرُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّنا نَخافُ أنْ يَفْرُطَ عَلَيْنا﴾ قالَ: يَعْجَلَ: ﴿أوْ أنْ يَطْغى﴾ قالَ: يَعْتَدِيَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّنا نَخافُ أنْ يَفْرُطَ عَلَيْنا أوْ أنْ يَطْغى﴾ قالَ: عُقُوبَةً مِنهُ.
(p-٢٠٩)وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ في قَوْلِهِ: ﴿لا تَخافا إنَّنِي مَعَكُما أسْمَعُ وأرى﴾ قالَ: أسْمَعُ ما يَقُولُ: وأرى ما يُجاوِبُكُما بِهِ، فَأُوحِي إلَيْكُما فَتُجاوِباهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: لَمّا بَعَثَ اللَّهُ مُوسى إلى فِرْعَوْنَ قالَ: رَبِّ أيَّ شَيْءٍ أقُولُ؟ قالَ: قُلْ: هَيّا شَرًّا هَيّا، قالَ الأعْمَشُ: تَفْسِيرُ ذَلِكَ: الحَيُّ قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ، والحَيُّ بَعْدَ كُلِّ شَيْءٍ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ في“ الزُّهْدِ "، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: لَمّا بَعَثَ اللَّهُ مُوسى إلى فِرْعَوْنَ قالَ: لا يَغُرَّنَّكُما لِباسُهُ الَّذِي ألْبَسْتُهُ، فَإنَّ ناصِيَتَهُ بِيَدِي، فَلا يَنْطِقُ ولا يَطْرِفُ إلّا بِإذْنِي، ولا يَغُرَّنَّكُما ما مُتِّعَ بِهِ مِن زَهْرَةِ الدُّنْيا وزِينَةِ المُتْرَفِينَ، فَلَوْ شِئْتُ أنْ أُزَيِّنَكُما مِن زِينَةِ الدُّنْيا بِشَيْءٍ يِعْرِفُ فِرْعَوْنُ أنَّ قُدْرَتَهُ تَعْجِزُ عَنْ ذَلِكَ لَفَعَلْتُ، ولَيْسَ ذَلِكَ لِهَوانِكُما عَلَيَّ، ولَكِنِّي ألْبَسْتُكُما نَصِيبَكُما مِنَ الكَرامَةِ عَلى ألّا تَنْقُصَكُما الدُّنْيا شَيْئًا وإنِّي لَأذُودَ أوْلِيائِي عَنِ الدُّنْيا كَما يَذُودُ الرّاعِي إبِلَهُ عَنْ مَبارِكِ العُرَّةِ، وإنِّي لَأُجَنِّبُهم كَما يُجَنِّبُ الرّاعِي إبِلَهُ عَنْ مَراتِعِ الهِلْكَةِ، أُرِيدُ أنْ أُنَوِّرَ بِذَلِكَ صُدُورَهُمْ، وأُطَهِّرَ بِذَلِكَ قُلُوبَهم في سِيماهُمُ الَّذِي (p-٢١٠)يُعْرَفُونَ بِهِ، وأمَرُهُمُ الَّذِي يَفْتَخِرُونَ بِهِ. واعْلَمْ: أنَّ مَن أخافَ لِي ولِيًّا فَقَدْ بارَزَنِي بِالعَداوَةِ، وأنا الثّائِرُ لِأوْلِيائِي يَوْمَ القِيامَةِ.
طه 20:43
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقَتَلْتَ نَفْسًا فَنَجَّيْناكَ مِنَ الغَمِّ وفَتَنّاكَ فُتُونًا﴾ .
أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، والخَطِيبُ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إنَّما قَتَلَ مُوسى الَّذِي قَتَلَ مِن آلِ فِرْعَوْنَ خَطَأً.
(p-١٨٨)يَقُولُ اللَّهُ: ﴿وقَتَلْتَ نَفْسًا فَنَجَّيْناكَ مِنَ الغَمِّ﴾ [طه»: ٤٠] .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَنَجَّيْناكَ مِنَ الغَمِّ﴾ قالَ: مِن قَتْلِ النَّفْسِ: ﴿وفَتَنّاكَ فُتُونًا﴾ قالَ: أخْلَصْناكَ إخْلاصًا.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وفَتَنّاكَ فُتُونًا﴾ قالَ: أبْتَلَيْناكَ ابْتِلاءً.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وفَتَنّاكَ فُتُونًا﴾ قالَ: ابْتَلَيْناكَ بِبَلاءِ نِعْمَةٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وفَتَنّاكَ فُتُونًا﴾ قالَ: اخْتَبَرْناكَ اخْتِبارًا.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وفَتَنّاكَ فُتُونًا﴾ قالَ: بَلاءُ إلْقائِهِ في التّابُوتِ، ثُمَّ في اليَمِّ، ثُمَّ التِقاطُ آلِ فِرْعَوْنَ إيّاهُ ثُمَّ خُرُوجُهُ خائِفًا يَتَرَقَّبُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي عُمَرَ العَدَنِيُّ في ”مَسْنَدِهِ“، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والنَّسائِيُّ، وأبُو يَعْلى، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ «عَنْ سَعِيدِ بْنِ (p-١٨٩)جِبِّيرٍ» قالَ: سَألْتُ ابْنَ عَبّاسٍ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ تَعالى لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿وفَتَنّاكَ فُتُونًا﴾ . فَسَألَتْ عَنِ الفُتُونِ ما هو فَقالَ: اسْتَأْنِفِ النَّهارَ يا ابْنَ جُبَيْرٍ؛ فَإنَّ لَها حَدِيثًا طَوِيلًا. فَلَمّا أصْبَحْتُ غَدَوْتُ عَلى ابْنِ عَبّاسٍ لِأتَنَجَّزَ ما وعَدَنِي مِن حَدِيثِ الفُتُونِ، فَقالَ: تَذاكَرَ فِرْعَوْنُ وجُلَساؤُهُ ما كانَ اللَّهُ وعَدَ إبْراهِيمَ مِن أنْ يَجْعَلَ في ذُرِّيَّتِهِ أنْبِياءَ ومُلُوكًا، فَقالَ بَعْضُهم: إنَّ بَنِي إسْرائِيلَ يَنْتَظِرُونَ ذَلِكَ وما يَشُكُّونَ فِيهِ، ولَقَدْ كانُوا يَظُنُّونَ أنَّهُ يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ، فَلَمّا هَلَكَ، قالُوا: لَيْسَ هَذا كانَ وعْدَ اللَّهِ إبْراهِيمَ. قالَ فِرْعَوْنُ: فَكَيْفَ تَرَوْنَ ؟ فَأْتَمَرُوا بَيْنَهم، وأجْمَعُوا أمْرَهم عَلى أنْ يَبْعَثَ رِجالًا مَعَهُمُ الشِّفارُ، يَطُوفُونَ في بَنِي إسْرائِيلَ؛ فَلا يَجِدُونَ مَوْلُودًا ذَكَرًا إلّا ذَبَحُوهُ، فَفَعَلُوا، فَلَمّا رَأوْا أنَّ الكِبارَ يَمُوتُونَ بِآجالِهِمْ، وأنَّ الصَّغارَ يُذْبَحُونَ، قالُوا: يُوشِكُ أنْ يَفْنى بَنُو إسْرائِيلَ، فَتَصِيرُوا أنْ تُباشِرُوا الأعْمالَ والخِدْمَةَ الَّتِي كانُوا يَكْفُونَكم، فاقْتُلُوا عامًا كُلَّ مَوْلُودٍ ذَكَرٍ، فَيَقِلَّ أبَناؤُهم، ودَعُوا عامًا لا تَقْتَلُوا مِنهم أحَدًا، فَتَشُبُّ الصِّغارُ مَكانَ مَن يَمُوتُ مِنَ الكِبارِ، فَإنَّهم لَنْ يَكْثُرُوا فَتَخافُونَ مُكاثَرَتَهم إيّاكم، ولَنْ يَفْنَوْا بِمَن تَقْتُلُونَ، فَتَحْتاجُونَ إلَيْهِمْ. فَأجْمَعُوا أمْرَهم عَلى ذَلِكَ، فَحَمَلَتْ أُمُّ مُوسى بِهارُونَ في العامِ الَّذِي لا يُذْبَحُ فِيهِ الغِلْمانُ، فَوَلَدَتْهُ عَلانِيَةً آمِنَةً، حَتّى إذا كانَ في قابِلٍ حَمَلَتْ بِمُوسى، فَوَقَعَ في قَلْبِها الهَمُّ (p-١٩٠)والحُزْنُ، وذَلِكَ مِنَ الفُتُونِ يا ابْنَ جُبَيْرٍ؛ ما دَخَلَ عَلَيْهِ في بَطْنِ أُمِّهِ مِمّا يُرادُ بِهِ، فَأوْحى اللَّهُ إلَيْها أنْ: ﴿ولا تَخافِي ولا تَحْزَنِي إنّا رادُّوهُ إلَيْكِ وجاعِلُوهُ مِنَ المُرْسَلِينَ﴾ [القصص: ٧] [ القَصَصِ: ٧ ]، وأمَرَها إذا ولَدَتْهُ أنْ تَجْعَلَهُ في تابُوتٍ، ثُمَّ تُلْقِيَهِ في اليَمِّ، فَلَمّا ولَدَتْهُ فَعَلَتْ ما أُمِرَتْ بِهِ، حَتّى إذا تَوارى عَنْها ابْنُها أتاها الشَّيْطانُ، وقالَتْ في نَفْسِها: ما فَعَلْتُ بِابْنِي ؟ لَوْ ذُبِحَ عِنْدِي فَوارَيْتُهُ وكَفَّنْتُهُ كانَ أحَبَّ إلَيَّ مِن أنْ أُلْقِيَهُ بِيَدِي إلى دَوابِّ البَحْرِ وحِيتانِهِ.
فانْطَلَقَ بِهِ الماءُ حَتّى أوْفى بِهِ عِنْدَ فُرْضَةِ مُسْتَقى جَوارِي امْرَأةِ فِرْعَوْنَ، فَرَأيْنَهُ فَأخَذْنَهُ، فَهَمَمْنَ أنْ يَفْتَحْنَ البابَ، فَقالَ بَعْضُهُنَّ لِبَعْضٍ: إنَّ في هَذا لَمالًا، وإنّا إنْ فَتَحْناهُ لَمْ تُصَدِّقْنا امْرَأةُ فِرْعَوْنَ بِما وجَدْنا فِيهِ. فَحَمَلْنَهُ بِهَيْئَتِهِ لَمْ يُحَرِّكْنَ مِنهُ شَيْئًا حَتّى دَفَعْنَهُ إلَيْها، فَلَمّا فَتَحَتْهُ رَأتْ فِيهِ الغُلامَ، فَأُلْقِيَ عَلَيْهِ مِنها مَحَبَّةٌ لَمْ يُلْقَ مِنها عَلى أحَدٍ مِنَ البَشَرِ قَطُّ ﴿وأصْبَحَ فُؤادُ أُمِّ مُوسى فارِغًا﴾ [القصص: ١٠] [ القَصَصِ: ١٠ ] مِن ذِكْرِ كُلِّ شَيْءٍ إلّا مِن ذِكْرِ مُوسى.
فَلَمّا سَمِعَ الذَّبّاحُونَ بِأمْرِهِ، أقْبَلُوا إلى امْرَأةِ فِرْعَوْنَ بِشِفارِهِمْ، يُرِيدُونَ أنْ يَذْبَحُوهُ - وذَلِكَ مِنَ الفُتُونِ يا ابْنَ جُبَيْرٍ. فَقالَتْ لِلذَّبّاحِينَ: آمِرُونِي، فَإنَّ هَذا (p-١٩١)الواحِدَ لا يَزِيدُ في بَنِي إسْرائِيلَ، فَإنِّي آتِي فِرْعَوْنَ فَأسْتَوْهِبُهُ إيّاهُ، فَإنْ وهَبَهُ لِي فَقَدْ أحْسَنْتُمْ وأجْمَلْتُمْ، وإنْ أمَرَ بِذَبْحِهِ لَمْ ألُمْكم. فَلَمّا أتَتْ بِهِ فِرْعَوْنَ، قالَتْ: ﴿قُرَّتُ عَيْنٍ لِي ولَكَ﴾ [القصص: ٩] [ القَصَصِ: ٩ ]، قالَ فِرْعَوْنُ: يَكُونُ لَكِ، وأمّا أنا فَلا حاجَةَ لِي فِيهِ.
فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: والَّذِي يُحْلَفُ بِهِ، لَوْ أقَرَّ فِرْعَوْنُ أنْ يَكُونَ قُرَّةَ عَيْنٍ لَهُ كَما قالَتِ امْرَأتُهُ، لَهَداهُ اللَّهُ بِهِ كَما هَدى بِهِ امْرَأتَهُ، ولَكِنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ حَرَمَهُ ذَلِكَ.
فَأرْسَلَتْ إلى مَن حَوْلَها مِن كُلِّ امْرَأةٍ لَها لَبَنٌ، لِتَخْتارَ لَهُ ظِئْرًا، فَكُلَّما أخَذَتْهُ امْرَأةٌ مِنهُنَّ لِتُرْضِعَهُ لَمْ يَقْبَلْ ثَدْيَها، حَتّى أشْفَقَتِ امْرَأةُ فِرْعَوْنَ أنْ يَمْتَنِعَ مِنَ اللَّبَنِ فَيَمُوتَ، فَأحْزَنَها ذَلِكَ، فَأمَرَتْ بِهِ فَأُخْرِجَ إلى السُّوقِ ومَجْمَعِ النّاسِ، تَرْجُو أنْ تَجِدَ لَهُ ظِئْرًا يَأْخُذُ مِنها، فَلَمْ يَفْعَلْ، وأصْبَحَتْ أُمُّ مُوسى والِهًا، فَقالَتْ لِأُخْتِهِ: قُصِّي أثَرَهُ واطْلُبِيهِ، هَلْ تَسْمَعِينَ لَهُ ذِكْرًا ؟ أحَيٌّ ابْنِي أمْ قَدْ أكَلَتْهُ الدَّوابُّ؟ ونَسِيَتِ الَّذِي كانَ وعَدَها اللَّهُ.
فَبَصُرَتْ بِهِ أُخْتُهُ عَنْ جُنُبٍ وهم لا يَشْعُرُونَ - والجُنُبُ أنْ يَسْمُوَ بَصَرُ الإنْسانِ إلى شَيْءٍ بَعِيدٍ وهو إلى جَنْبِهِ، وهو لا يَشْعُرُ بِهِ - فَقالَتْ مِنَ الفَرَحِ حِينَ (p-١٩٢)أعْياهُمُ الظُّئُوراتُ: أنا أدُلُّكم عَلى أهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكم وهم لَهُ ناصِحُونَ، فَأخَذُوها، فَقالُوا: وما يُدْرِيكِ ما نُصْحُهم لَهُ ؟ هَلْ يَعْرِفُونَهُ ؟ حَتّى شَكُّوا في ذَلِكَ - وذَلِكَ مِنَ الفُتُونِ يا ابْنَ جُبَيْرٍ - فَقالَتْ: نُصْحُهم لَهُ وشَفَقَتُهم عَلَيْهِ رَغْبَتُهم في صِهْرِ المَلِكِ رَجاءَ مَنفَعَتِهِ. فَتَرَكُوها، فانْطَلَقَتْ إلى أُمِّهِ فَأخْبَرَتْها الخَبَرَ، فَجاءَتْ، فَلَمّا وضَعَتْهُ في حَجْرِها نَزا إلى ثَدْيِها فَمَصَّهُ حَتّى امْتَلَأ جَنْباهُ رِيًّا، وانْطَلَقَ البُشَراءُ إلى امْرَأةِ فِرْعَوْنَ يُبَشِّرُونَها: إنّا قَدْ وجَدْنا لِابْنِكِ ظِئْرًا. فَأرْسَلَتْ إلَيْها فَأُتِيَتْ بِها وبِهِ، فَلَمّا رَأتْ ما يَصْنَعُ بِها، قالَتِ لَها: امْكُثِي عِنْدِي أرْضِعِي ابْنِي هَذا، فَإنِّي لَمْ أُحِبَّ حُبَّهُ شَيْئًا قَطُّ، قالَتْ: لا أسْتَطِيعُ أنْ أدَعَ بَيْتِي ووَلَدِي فَيَضِيعَ، فَإنْ طابَتْ نَفْسُكِ أنْ تُعْطِينِيهِ فَأذْهَبَ بِهِ إلى بَيْتِي فَيَكُونَ مَعِي لا آلُوهُ خَيْرًا- فَعَلْتُ، وإلّا فَإنِّي غَيْرُ تارِكَةٍ بَيْتِي ووَلَدِي. فَذَكَرَتْ أُمُّ مُوسى ما كانَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ وعَدَها، فَتَعاسَرَتْ عَلى امْرَأةِ فِرْعَوْنَ لِذَلِكَ، وأيْقَنَتْ أنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ مُنْجِزٌ وعْدَهُ.
فَرَجَعَتْ بِابْنِها إلى بَيْتِها مِن يَوْمِها، فَأنْبَتَهُ اللَّهُ نَباتًا حَسَنًا، وحَفِظَهُ لِما قَضى فِيهِ،، فَلَمْ يَزَلْ بَنُو إسْرائِيلَ وهم مُجْتَمِعُونَ في ناحِيَةِ القَرْيَةِ، يَمْتَنِعُونَ بِهِ مِنَ الظُّلْمِ والسُّخْرَةِ مُنْذُ كانَ فِيهِمْ. فَلَمّا تَرَعْرَعَ، قالَتِ امْرَأةُ فِرْعَوْنَ لِأُمِّ مُوسى: أزِيرِينِي ابْنِي. فَوَعَدَتْها يَوْمًا تَزُورُها فِيهِ بِهِ، فَقالَتْ لِخُزّانِها (p-١٩٣)وظُئُورِها وقَهارِمَتِها: لا يَبْقَيَنَّ أحَدٌ مِنكُمُ اليَوْمَ أحَدٌ إلّا اسْتَقْبَلَ ابْنِي بِهَدِيَّةٍ وكَرامَةٍ أرى ذَلِكَ فِيهِ، وأنا باعِثَةٌ أمِينًا يُحْصِي ما يَصْنَعُ كُلُّ إنْسانٍ مِنكم، فَلَمْ تَزَلِ الهَدايا والنِّحَلُ والكَرامَةُ تَسْتَقْبِلُهُ مِن حِينِ خَرَجَ مِن بَيْتِ أُمِّهِ إلى أنْ دَخَلَ عَلَيْها. فَلَمّا دَخَلَ عَلَيْها أكْرَمَتْهُ ونَحَلَتْهُ وفَرِحَتْ بِهِ، وأعْجَبَها، ونَحَلَتْ أُمَّهُ لِحُسْنِ أثَرِها عَلَيْهِ، ثُمَّ قالَتِ: لَأنْطَلِقَنَّ بِهِ إلى فِرْعَوْنَ، فَلَيَنْحِلَنَّهُ ولَيُكْرِمَنَّهُ.
فَلَمّا دَخَلَتْ بِهِ عَلَيْهِ جَعَلَتْهُ في حِجْرِهِ، فَتَناوَلَ مُوسى لِحْيَةَ فِرْعَوْنَ فَمَدَّها إلى الأرْضِ، فَقالَتْ لَهُ الغُواةُ مِن أعْداءِ اللَّهِ: ألا تَرى ما وعَدَ اللَّهُ إبْراهِيمَ! إنَّهُ يَرِثُكَ ويَصْرَعُكَ ويَعْلُوكَ، فَأرْسَلَ إلى الذَّبّاحِينَ لِيَذْبَحُوهُ - وذَلِكَ مِنَ الفُتُونِ يا ابْنَ جُبَيْرٍ، بَعْدَ كُلِّ بَلاءٍ ابْتُلِيَ بِهِ وأُرِيدَ بِهِ فُتُونًا - فَجاءَتِ امْرَأةُ فِرْعَوْنَ تَسْعى إلى فِرْعَوْنَ، فَقالَتْ: ما بَدا لَكَ في هَذا الصَّبِيِّ الَّذِي وهَبْتَهُ لِي ؟ قالَ: ألا تَرَيْنَهُ يَزْعُمُ أنَّهُ سَيَصْرَعُنِي ويَعْلُونِي ! قالَتْ لَهُ: اجْعَلْ بَيْنِي وبَيْنَكَ أمْرًا تَعْرِفُ فِيهِ الحَقَّ، ائْتِ بِجَمْرَتَيْنِ ولُؤْلُؤَتَيْنِ فَقَرِّبْهُنَّ إلَيْهِ، فَإنْ بَطَشَ بِاللُّؤْلُؤَتَيْنِ واجْتَنَبَ الجَمْرَتَيْنِ عَلِمْتَ أنَّهُ يَعْقِلُ، وإنْ تَناوَلَ الجَمْرَتَيْنِ ولَمْ يُرِدِ اللُّؤْلُؤَتَيْنِ، فاعْلَمْ أنَّ أحَدًا لا يُؤْثِرُ الجَمْرَتَيْنِ عَلى اللُّؤْلُؤَتَيْنِ وهو يَعْقِلُ. فَقَرَّبَ ذَلِكَ إلَيْهِ، فَتَناوَلَ الجَمْرَتَيْنِ، (p-١٩٤)فانْتَزَعُوهُما مِنهُ مَخافَةَ أنْ يَحْرِقا بَدَنَهُ، فَقالَتِ المَرْأةُ: ألا تَرى ؟ وصَرَفَهُ اللَّهُ عَنْهُ بَعْدَما كانَ قَدْ هَمَّ بِهِ، وكانَ اللَّهُ بالِغَ أمْرِهِ فِيهِ. فَلَمّا بَلَغَ أشُدَّهُ، وكانَ مِنَ الرِّجالِ، لَمْ يَكُنْ أحَدٌ مِن آلِ فِرْعَوْنَ يَخْلُصُ إلى أحَدٍ مِن بَنِي إسْرائِيلَ مَعَهُ بِظُلْمٍ ولا سُخْرَةٍ، حَتّى امْتَنَعُوا كُلَّ امْتِناعٍ.
فَبَيْنَما هو يَمْشِي في ناحِيَةِ المَدِينَةِ، إذْ هو بِرَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ، أحَدُهُما مِن بَنِي إسْرائِيلَ، والآخَرُ مِن آلِ فِرْعَوْنَ، فاسْتَغاثَهُ الإسْرائِيلِيُّ عَلى الفِرْعَوْنِيِّ، فَغَضِبَ مُوسى واشْتَدَّ غَضَبُهُ؛ لِأنَّهُ تَناوَلَهُ وهو يَعْلَمُ مَنزِلَةَ مُوسى مِن بَنِي إسْرائِيلَ، وحِفْظَهُ لَهم، ولا يُعْلَمُ إلّا أنَّما ذَلِكَ مِنَ الرَّضاعِ، غَيْرَ أُمِّ مُوسى، إلّا أنْ يَكُونَ اللَّهُ تَعالى أطْلَعَ مُوسى مِن ذَلِكَ عَلى ما لَمْ يُطْلِعْ غَيْرَهُ عَلَيْهِ، فَوَكَزَ مُوسى الفِرْعَوْنِيَّ فَقَتَلَهُ ولَيْسَ يَراهُما أحَدٌ إلّا اللَّهُ والإسْرائِيلِيُّ، فَقالَ مُوسى حِينَ قَتَلَ الرَّجُلَ: ﴿هَذا مِن عَمَلِ الشَّيْطانِ إنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ﴾ [القصص: ١٥] [ القَصَصِ: ١٥ ]، ثُمَّ قالَ: ﴿رَبِّ إنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ﴾ [القصص: ١٦] [ القَصَصِ: ١٦ ] . وأصْبَحَ في المَدِينَةِ خائِفًا يَتَرَقَّبُ الأخْبارَ، فَأُتِيَ فِرْعَوْنُ، فَقِيلَ لَهُ: إنَّ بَنِي إسْرائِيلَ قَتَلُوا رَجُلًا مِن آلِ فِرْعَوْنَ، فَخُذْ لَنا بِحَقِّنا ولا تُرَخِّصْ لَهم. فَقالَ: ائْتُونِي قاتِلَهُ ومَن شَهِدُ عَلَيْهِ؛ لَأنَّهُ لا يَسْتَقِيمُ أنْ يُقِيدَ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ (p-١٩٥)ولا ثَبَتٍ، فاطْلُبُوا عِلْمَ ذَلِكَ آخُذْ لَكم بِحَقِّكم.
فَبَيْنَما هم يَطُوفُونَ لا يَجِدُونَ ثَبَتًا، إذْ مَرَّ مُوسى مِنَ الغَدِ قَدْ رَأى ذَلِكَ الإسْرائِيلِيَّ يُقاتِلُ فِرْعَوْنِيًّا آخَرَ، فاسْتَغاثَهُ الإسْرائِيلِيُّ عَلى الفِرْعَوْنِيِّ، فَصادَفَ مُوسى قَدْ نَدِمَ عَلى ما كانَ، وكَرِهَ الَّذِي رَأى، فَغَضِبَ الإسْرائِيلِيُّ، وهو يُرِيدُ أنْ يَبْطِشَ بِالفِرْعَوْنِيِّ، فَقالَ لِلْإسْرائِيلِيِّ لِما فَعَلَ بِالأمْسِ واليَوْمَ: ﴿إنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾ [القصص: ١٨] [ القَصَصِ: ١٨ ] . فَنَظَرَ الإسْرائِيلِيُّ إلى مُوسى حِينَ قالَ ما قالَ، فَإذا هو غَضْبانُ كَغَضَبِهِ بِالأمْسِ، فَخافَ بَعْدَما قالَ لَهُ: ﴿إنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾ [القصص: ١٨] . أنْ يَكُونَ إيّاهُ أرادَ، وإنَّما أرادَ الفِرْعَوْنِيَّ - فَقالَ: ﴿يا مُوسى أتُرِيدُ أنْ تَقْتُلَنِي كَما قَتَلْتَ نَفْسًا بِالأمْسِ﴾ [القصص: ١٩] [ القَصَصِ: ١٩ ] . وإنَّما قالَ ذَلِكَ مَخافَةَ أنْ يَكُونَ إيّاهُ أرادَ مُوسى لِيَقْتُلَهُ، فَتَتارَكا، فانْطَلَقَ الفِرْعَوْنِيُّ إلى قَوْمِهِ، فَأخْبَرَهم بِما سَمِعَ مِنَ الإسْرائِيلِيِّ حِينَ يَقُولُ: ﴿أتُرِيدُ أنْ تَقْتُلَنِي كَما قَتَلْتَ نَفْسًا بِالأمْسِ﴾ [القصص: ١٩] . فَأرْسَلَ فِرْعَوْنُ إلى الذَّبّاحِينَ لِيَقْتُلُوا مُوسى، فَأخَذَ رُسُلُ فِرْعَوْنَ في الطَّرِيقِ الأعْظَمِ يَمْشُونَ عَلى هَيْئَتِهِمْ يَطْلُبُونَ مُوسى وهم لا يَخافُونَ أنْ يَفُوتَهم، وجاءَ رَجُلٌ مِن شِيعَةِ مُوسى مِن أقْصى المَدِينَةِ، فاخْتَصَرَ طَرِيقًا قَرِيبًا حَتّى سَبَقَهم إلى مُوسى، فَأخْبَرَهُ الخَبَرَ - وذَلِكَ مِنَ الفُتُونِ يا ابْنَ جُبَيْرٍ ”.
(p-١٩٦)فَخَرَجَ مُوسى مُتَوَجِّهًا نَحْوَ مَدْيَنَ، لَمْ يَلْقَ بَلاءً مِثْلَ ذَلِكَ، ولَيْسَ لَهُ بِالطَّرِيقِ عِلْمٌ إلّا حُسْنُ ظَنِّهِ بِرَبِّهِ، فَإنَّهُ قالَ: ﴿عَسى رَبِّي أنْ يَهْدِيَنِي سَواءَ السَّبِيلِ﴾ [القصص: ٢٢] . ﴿ولَمّا ورَدَ ماءَ مَدْيَنَ وجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النّاسِ يَسْقُونَ ووَجَدَ مِن دُونِهِمُ امْرَأتَيْنِ تَذُودانِ﴾ [القصص: ٢٣] [ القَصَصِ: ٢٢، ٢٣ ] .
يَعْنِي حابِسَتَيْ غَنَمِهِما، قالَ: ما خَطْبُكُما مُعْتَزِلَتَيْنِ لا تَسْقِيانِ مَعَ النّاسِ ؟ قالَتا: لَيْسَتْ لَنا قُوَّةٌ نُزاحِمُ القَوْمَ، وإنَّما نَنْتَظِرُ فُضُولَ حِياضِهِمْ. فَسَقى لَهُما؛ فَجَعَلَ يَغْرِفُ في الدَّلْوِ ماءً كَثِيرًا، حَتّى كانَتا أوَّلَ الرِّعاءِ فَراغًا، فانْصَرَفَتا إلى أبِيهِما بِغَنَمِهِما، وانْصَرَفَ مُوسى إلى الشَّجَرَةِ فاسْتَظَلَّ بِها، وقالَ: ﴿رَبِّ إنِّي لِما أنْزَلْتَ إلَيَّ مِن خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ [القصص: ٢٤] [ القَصَصِ: ٢٤ ] . واسْتَنْكَرَ أبُو الجارِيَتَيْنِ سُرْعَةَ صُدُورِهِما بِغَنَمِهِما حُفَّلًا بِطانًا، وقالَ: إنَّ لَكُما اليَوْمَ لَشَأْنًا، فَحَدَّثَتاهُ بِما صَنَعَ مُوسى، فَأمَرَ إحْداهُما أنْ تَدْعُوَهُ لَهُ، فَأتَتْهُ فَدَعَتْهُ، فَلَمّا كَلَّمَهُ قالَ: ﴿لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ [القصص: ٢٥] [ القَصَصِ: ٢٥ ] . لَيْسَ لِفِرْعَوْنَ ولا لِقَوْمِهِ عَلَيْنا سُلْطانٌ ولَسْنا في مَمْلَكَتِهِ، قالَتِ ابْنَتُهُ: ﴿يا أبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ القَوِيُّ الأمِينُ﴾ [القصص: ٢٦] [ القَصَصِ: ٢٦ ] فَحَمَلَتْهُ الغَيْرَةُ أنْ قالَ: وما يُدْرِيكِ ما قُوَّتُهُ ؟ وما أمانَتُهُ ؟ قالَتْ: أمّا قُوَّتُهُ، فَما رَأيْتُ مِنهُ حِينَ سَقى لَنا؛ لَمْ أرَ رَجُلًا قَطُّ أقْوى في ذَلِكَ السَّقْيِ مِنهُ حِينَ سَقى لَنا، وأمّا الأمانَةُ: فَإنَّهُ نَظَرَ حِينَ أقْبَلْتُ إلَيْهِ وشَخَصْتُ لَهُ، (p-١٩٧)فَلَمّا عَلِمَ أنِّي امْرَأةٌ صَوَّبَ رَأْسَهُ ولَمْ يَرْفَعْهُ، ولَمْ يَنْظُرْ إلَيَّ حِينَ أقْبَلْتُ إلَيْهِ، حَتّى بَلَّغْتُهُ رِسالَتَكَ. فَقالَ لِي: امْشِي خَلْفِي، وانْعُتِي لِيَ الطَّرِيقَ. فَلَمْ يَقُلْ هَذا إلّا وهو أمِينٌ، فَسُرِّيَ عَنْ أبِيها وصَدَّقَها، وظَنَّ بِهِ الَّذِي قالَتْ.
فَقالَ: هَلْ لَكَ ﴿أنْ أُنْكِحَكَ إحْدى ابْنَتَيَّ هاتَيْنِ عَلى أنْ تَأْجُرَنِي ثَمانِيَ حِجَجٍ فَإنْ أتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِن عِنْدِكَ وما أُرِيدُ أنْ أشُقَّ عَلَيْكَ﴾ [القصص: ٢٧] [ القَصَصِ: ٢٧ ] فَفَعَلَ، فَكانَتْ عَلى مُوسى ثَمانِيَ سِنِينَ واجِبَةً، وكانَتْ سَنَتانِ عِدَةً مِنهُ، فَقَضى اللَّهُ عَنْهُ عِدَتَهُ فَأتَمَّها عَشْرًا.
قالَ سَعِيدٌ: فَسَألَنِي رَجُلٌ مِن أهْلِ النَّصْرانِيَّةِ مِن عُلَمائِهِمْ: هَلْ تَدْرِي أيَّ الأجَلَيْنِ قَضى مُوسى ؟ قُلْتُ: لا. وأنا يَوْمَئِذٌ لا أعْلَمُ. فَلَقِيتُ ابْنَ عَبّاسٍ، فَذَكَرْتُ لَهُ الَّذِي قالَ النَّصْرانِيُّ، فَقالَ: أما كُنْتَ تَعْلَمُ أنَّ ثَمانِيًا واجِبَةٌ، لَمْ يَكُنْ لِمُوسى لِيَنْقُصَ مِنها شَيْئًا، وتَعْلَمُ أنَّ اللَّهَ تَعالى كانَ قاضِيًا عَنْ مُوسى عِدَتَهُ الَّتِي وعَدَ؟ فَإنَّهُ قَضى عَشْرًا. فَأخْبَرْتُ النَّصْرانِيَّ، فَقالَ: الَّذِي أخْبَرَكَ بِهَذا هو أعْلَمُ مِنكَ. قُلْتُ: أجَلْ، وأوْلى.
فَلَمّا سارَ مُوسى بِأهْلِهِ كانَ مِن أمْرِ النّارِ ما قَصَّ اللَّهُ عَلَيْكَ في القُرْآنِ وأمْرِ العَصا ويَدِهِ، فَشَكا إلى رَبِّهِ ما يَتَخَوَّفُ مِن آلِ فِرْعَوْنَ في القَتِيلِ، وعُقْدَةَ لِسانِهِ؛ فَإنَّهُ كانَ في لِسانِهِ عُقْدَةٌ تَمْنَعُهُ مِن كَثِيرٍ مِنَ الكَلامِ، فَسَألَ رَبَّهُ أنْ يُعِينَهُ بِأخِيهِ هارُونَ، لِيَكُونَ لَهُ رِدْءًا، ويَتَكَلَّمَ عَنْهُ بِكَثِيرٍ مِمّا لا يُفْصِحُ بِهِ. فَآتاهُ اللَّهُ سُؤْلَهُ، وحَلَّ عُقْدَةً مِن لِسانِهِ، وأوْحى إلى هارُونَ وأمَرَهُ أنْ يَلْقى مُوسى.
(p-١٩٨)فانْدَفَعَ مُوسى بِالعَصا ولَقِيَ هارُونَ. فانْطَلَقا جَمِيعًا إلى فِرْعَوْنَ، فَأقاما بِبابِهِ حِينًا لا يُؤْذَنُ لَهُما، ثُمَّ أُذِنَ لَهُما بَعْدَ حِجابٍ شَدِيدٍ، فَقالا ﴿إنّا رَسُولا رَبِّكَ﴾ [طه: ٤٧] . قالَ: ومَن رَبُّكُما يا مُوسى ؟ فَأخْبَرَهُ بِالَّذِي قَصَّ اللَّهُ في القُرْآنِ، قالَ: فَما تُرِيدانِ ؟ وذَكَّرَهُ القَتِيلَ، فاعْتَذَرَ بِما قَدْ سَمِعْتَ. قالَ: أُرِيدُ أنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ، وتُرْسِلَ مَعِيَ بَنِي إسْرائِيلَ، فَأبى عَلَيْهِ ذَلِكَ وقالَ: ائْتِ بِآيَةٍ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ. فَألْقى عَصاهُ فَتَحَوَّلَتْ حَيَّةً عَظِيمَةً فاغِرَةً فاها، مُسْرِعَةً إلى فِرْعَوْنَ. فَلَمّا رَأى فِرْعَوْنُ أنَّها قاصِدَةٌ إلَيْهِ خافَها، فاقْتَحَمَ عَنْ سَرِيرِهِ، واسْتَغاثَ بِمُوسى أنْ يَكُفَّها عَنْهُ. فَفَعَلَ، وأخْرَجَ يَدَهُ مِن جَيْبِهِ بَيْضاءَ مِن غَيْرِ سُوءٍ - يَعْنِي مِن غَيْرِ بَرَصٍ - ثُمَّ أعادَها إلى كُمِّهِ فَصارَتْ إلى لَوْنِها الأوَّلِ. فاسْتَشارَ المَلَأ فِيما رَأى، فَقالُوا لَهُ: هَذانِ ساحِرانِ يُرِيدانِ أنْ يُخْرِجاكم مِن أرْضِكم بِسِحْرِهِما ويَذْهَبا بِطَرِيقَتِكُمُ المُثْلى. يَعْنُونَ مُلْكَهُمُ الَّذِي هم فِيهِ والعَيْشَ، وأبَوْا عَلى مُوسى أنْ يُعْطُوهُ شَيْئًا مِمّا طَلَبَ، وقالُوا لَهُ: اجْمَعْ لَهُمُ السَّحَرَةَ فَإنَّهم بِأرْضِنا كَثِيرٌ حَتّى تَغْلِبَ بِسِحْرِهِمْ سِحْرَهُما. ﴿فَأرْسَلَ فِرْعَوْنُ في المَدائِنِ حاشِرِينَ﴾ [الشعراء: ٥٣] [الشُّعَراءِ: ٥٣ ]، فَحُشِرَ لَهُ كُلُّ ساحِرٍ مُتَعالِمٍ، فَلَمّا أتَوْا فِرْعَوْنَ قالُوا: بِمَ يَعْمَلُ هَذا السّاحِرُ ؟ قالُوا: يَعْمَلُ بِالحَيّاتِ والحِبالِ. قالُوا: فَلا واللَّهِ ما في الأرْضِ قَوْمٌ يَعْمَلُونَ بِالحَيّاتِ والحِبالِ والعِصِيِّ بِالسِّحْرِ ما نَعْمَلُ بِهِ ! فَما أجْرُنا إنْ غَلَبْنا ؟ قالَ لَهم: أنْتُمْ أقارِبِي وخاصَّتِي، وأنا صانِعٌ بِكم كُلَّ شَيْءٍ (p-١٩٩)أحْبَبْتُمْ، فَتَواعَدُوا لِيَوْمِ الزِّينَةِ، وأنْ يُحْشَرَ النّاسُ ضُحًى.
قالَ سَعِيدٌ: فَحَدَّثَنِي ابْنُ عَبّاسٍ: أنَّ يَوْمَ الزِّينَةِ اليَوْمُ الَّذِي أظْهَرَ اللَّهُ فِيهِ مُوسى عَلى فِرْعَوْنَ والسَّحَرَةِ، هو يَوْمُ عاشُوراءَ.
فَلَمّا اجْتَمَعُوا في صَعِيدٍ واحِدٍ قالَ النّاسُ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: اذْهَبُوا فَلْنَحْضُرْ هَذا الأمْرَ، ونَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إنْ كانُوا هُمُ الغالِبِينَ. يَعْنُونَ بِذَلِكَ مُوسى وهارُونَ اسْتِهْزاءً بِهِما، فَقالُوا: يا مُوسى - لِقُدْرَتِهِمْ بِسِحْرِهِمْ - إمّا أنْ تُلْقِيَ وإمّا أنْ نَكُونَ نَحْنُ المُلْقِينَ. قالَ: ألْقُوا. فَألْقَوْا حِبالَهم وعِصِيَّهم وقالُوا: بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إنّا لَنَحْنُ الغالِبُونَ فَرَأى مُوسى مِن سِحْرِهِمْ ما أوْجَسَ في نَفْسِهِ خِيفَةً، فَأوْحى اللَّهُ إلَيْهِ: أنْ ألْقِ عَصاكَ، فَلَمّا ألْقاها صارَتْ ثُعْبانًا عَظِيمًا فاغِرَةً فاها، فَجَعَلَ العَصا، بِدَعْوَةِ مُوسى، تَلْتَبِسُ بِالحِبالِ حَتّى صارَتْ جَزَرًا إلى الثُّعْبانِ، تَدْخُلُ فِيهِ، حَتّى ما أبْقَتْ عَصًا ولا حِبالًا إلّا ابْتَلَعَتْهُ، فَلَمّا عَرَفَ السَّحَرَةُ ذَلِكَ قالُوا: لَوْ كانَ هَذا سِحْرًا لَمْ تَبْتَلِعْ مِن سِحْرِنا كُلَّ هَذا، ولَكِنَّ هَذا أمْرٌ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، آمَنّا بِاللَّهِ وبِما جاءَ بِهِ مُوسى، ونَتُوبُ إلى اللَّهِ مِمّا كُنّا عَلَيْهِ. فَكَسَرَ اللَّهُ ظَهْرَ فِرْعَوْنَ في ذَلِكَ المَوْطِنِ وأشْياعِهِ، وظَهَرَ الحَقُّ، وبَطَلَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ، فَغُلِبُوا هُنالِكَ وانْقَلَبُوا صاغِرِينَ، وامْرَأةُ فِرْعَوْنَ بارِزَةٌ مُتَبَذِّلَةٌ تَدْعُو اللَّهَ بِالنَّصْرِ لِمُوسى عَلى فِرْعَوْنَ (p-٢٠٠)فَمَن رَآها مِن آلِ فِرْعَوْنَ ظَنَّ أنَّها تَبَذَّلَتْ شَفَقَةً عَلى فِرْعَوْنَ وأشْياعِهِ، وإنَّما كانَ حُزْنُها وهَمُّها لِمُوسى.
فَلَمّا طالَ مُكْثُ مُوسى لِمَواعِدِ فِرْعَوْنَ الكاذِبَةِ، كُلَّما جاءَ بِآيَةٍ وعَدَ عِنْدَها أنْ يُرْسِلَ مَعَهُ بَنِي إسْرائِيلَ، فَإذا كُشِفَ ذَلِكَ نَكَثَ عَهْدَهُ، وأخْلَفَ وعْدَهُ.
حَتّى أُمِرَ مُوسى بِقَوْمِهِ فَخَرَجَ بِهِمْ لَيْلًا، فَلَمّا أصْبَحَ فِرْعَوْنُ ورَأى أنَّهم قَدْ مَضَوْا بَعَثَ في المَدائِنِ حاشِرِينَ، فَتَبِعَهم جُنُودٌ عَظِيمَةٌ كَثِيرَةٌ، وأوْحى اللَّهُ إلى البَحْرِ: إذا ضَرَبَكَ عَبْدِي مُوسى بِعَصاهُ فانْفَرِقْ لَهُ اثْنَيْ عَشَرَ فِرْقًا، حَتّى يَجُوزَ مُوسى ومَن مَعَهُ، ثُمَّ التَقِ بَعْدُ عَلى مَن بَقِيَ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ وأشْياعِهِ. فَنَسِيَ مُوسى أنْ يَضْرِبَ بِعَصاهُ فَدَفَعَ إلى البَحْرِ بِالعَصا ولَهُ قَصِيفٌ، مَخافَةَ أنْ يَضْرِبَهُ مُوسى بِعَصاهُ وهو غافِلٌ فَيَصِيرَ عاصِيًا.
فَلَمّا تَراءى الجَمْعانِ وتَقارَبا، قالَ أصْحابُ مُوسى: إنّا لَمُدْرَكُونَ، فافْعَلْ ما أمَرَكَ بِهِ رَبُّكَ فَإنَّكَ لَمْ تُكْذَبْ ولَمْ تَكْذِبْ، قالَ: وعَدَنِي رَبِّي إذا انْتَهَيْتُ إلى البَحْرِ أنْ يَنْفَرِقَ لِي حَتّى أجُوزَ، ثُمَّ ذَكَرَ بَعْدَ ذَلِكَ العَصا، فَضَرَبَ البَحْرَ حِينَ دَنا أوائِلُ جُنْدِ فِرْعَوْنَ مِن أواخِرِ جُنْدِ مُوسى، فانْفَرَقَ البَحْرُ كَما أمَرَ اللَّهُ، وكَما وُعِدَ مُوسى، فَلَمّا جازَ أصْحابُ مُوسى كُلُّهُمُ ودَخَلَ أصْحابُ فِرْعَوْنَ كُلُّهُمُ، التَقى البَحْرُ عَلَيْهِمُ كَما أمَرَهُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، فَلَمّا أنْ جاوَزَ البَحْرَ قالَ أصْحابُ مُوسى: إنّا لَمُدْرَكُونَ؛ إنّا نَخافُ ألّا يَكُونَ فِرْعَوْنُ غَرِقَ ولا نُؤْمِنُ بِهَلاكِهِ ! فَدَعا رَبَّهُ فَأخْرَجَهُ لَهُ (p-٢٠١)بِبَدَنِهِ مِنَ البَحْرِ حَتّى اسْتَيْقَنُوا.
ثُمَّ مَرُّوا بَعْدَ ذَلِكَ عَلى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلى أصْنامٍ لَهم: قالُوا: يا مُوسى اجْعَلْ لَنا إلَهًا كَما لَهم آلِهَةٌ. قالَ: إنَّكم قَوْمٌ تَجْهَلُونَ، إنَّ هَؤُلاءِ مُتَبَّرٌ ما هم فِيهِ، وباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ، قَدْ رَأيْتُمْ مِنَ العِبَرِ ما يَكْفِيكم وسَمِعْتُمْ بِهِ. فَمَضى، حَتّى أنْزَلَهم مَنزِلًا، ثُمَّ قالَ لَهم: أطِيعُوا هارُونَ، فَإنِّي قَدِ اسْتَخْلَفْتُهُ عَلَيْكم، وإنِّي ذاهِبٌ إلى رَبِّي. وأجَّلَهم ثَلاثِينَ يَوْمًا أنْ يَرْجِعَ إلَيْهِمْ فِيها، فَلَمّا أتى رَبَّهُ وأرادَ أنْ يُكَلِّمَهُ في ثَلاثِينَ يَوْمًا قَدْ صامَهُنَّ لَيْلَهُنَّ ونَهارَهُنَّ، كَرِهَ أنْ يُكَلِّمَ رَبَّهُ ورِيحُ فَمِهِ رِيحُ فَمِ الصّائِمِ، فَتَناوَلَ مُوسى مِن نَباتِ الأرْضِ شَيْئًا فَمَضَغَهُ، فَقالَ لَهُ رَبُّهُ حِينَ أتاهُ: لِمَ أفْطَرْتَ ؟ وهو أعْلَمُ بِالَّذِي كانَ، قالَ: يا رَبِّ، إنِّي كَرِهْتُ أنْ أُكَلِّمَكَ إلّا وفَمِي طَيِّبُ الرِّيحِ. قالَ: أوَما عَلِمْتَ يا مُوسى أنَّ رِيحَ فَمِ الصّائِمِ أطْيَبُ عِنْدِي مِن رِيحِ المِسْكِ، ارْجِعْ حَتّى تَصُومَ عَشَرَةَ أيّامٍ ثُمَّ ائْتِنِي. فَفَعَلَ مُوسى الَّذِي أمَرَهُ اللَّهُ بِهِ.
فَلَمّا رَأى قَوْمُ مُوسى أنَّهُ لَمْ يَأْتِهِمْ لِلْأجَلِ، ساءَهم ذَلِكَ. وكانَ هارُونُ قَدْ خَطَبَهم وقالَ لَهم: إنَّكم خَرَجْتُمْ مِن مِصْرَ، وعِنْدَكم ودائِعُ لِقَوْمِ فِرْعَوْنَ وعَوارِي، ولَكم فِيهِمْ مِثْلُ ذَلِكَ، وأنا أرى أنْ تَحْتَسِبُوا ما كانَ لَكَمَ عِنْدَهم، ولا أحِلُّ لَكم ودِيعَةً اسْتُودِعْتُمُوها ولا عارِيَةً، ولَسْنا نَرى أداءَ شَيْءٍ مِن ذَلِكَ (p-٢٠٢)إلَيْهِمْ ولا مُمْسِكِيهِ، فَحَفَرَ حُفَيْرَةً، وأمَرَ كُلَّ قَوْمٍ عِنْدَهم شَيْءٌ مِن ذَلِكَ مِن مَتاعٍ أوْ حِلْيَةٍ بِأنْ يَدْفِنُوهُ في الحُفَيْرَةِ، ثُمَّ أوْقَدَ عَلَيْهِ النّارَ فَأحْرَقَهُ، وقالَ: لا يَكُونُ لَنا ولا لَهم.
وكانَ السّامِرِيُّ مَن قَوْمٍ يَعْبُدُونَ البَقَرَ، لَيْسَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ بَلْ جارٌ لَهُمْ، فاحْتَمَلَ مَعَ بَنِي إسْرائِيلَ حِينَ احْتَمَلُوا، فَقُضِيَ لَهُ أنْ رَأى أثَرَ الفَرَسِ، فَقَبَضَ مِنهُ قَبْضَةً، فَمَرَّ بِهارُونَ، فَقالَ لَهُ هارُونُ: يا سامِرِيُّ، ألا تُلْقِي ما في يَدَيْكَ ؟ وهو قابِضٌ عَلَيْهِ، لا يَراهُ أحَدٌ طِوالَ ذَلِكَ، فَقالَ: هَذِهِ قَبْضَةٌ مِن أثَرِ الرَّسُولِ الَّذِي جاوَزَ بِكُمُ البَحْرَ، فَلا أُلْقِيها لِشَيْءٍ إلّا أنْ تَدْعُوَ اللَّهَ إذا ألْقَيْتُها أنْ يَكُونَ ما أُرِيدُ. قالَ: فَألْقاها ودَعا لَهُ هارُونُ، فَقالَ: أُرِيدُ أنْ يَكُونَ عِجْلًا. فاجْتَمَعَ ما كانَ في الحُفَيْرَةِ مِن مَتاعٍ؛ نُحاسٍ أوْ حَدِيدٍ أوْ حُلِيٍّ، فَصارَ عِجْلًا أجْوَفَ. لَيْسَ فِيهِ رُوحٌ، لَهُ خُوارٌ.
فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: واللَّهِ، ما كانَ لَهُ صَوْتٌ، ولَكِنَّ الرِّيحَ كانَتْ تَدْخُلُ مِن دُبُرِهِ وتَخْرُجُ مِن فِيهِ، فَكانَ ذَلِكَ الصَّوْتُ مِن ذَلِكَ.
فَتَفَرَّقَ بَنُو إسْرائِيلَ فِرَقًا، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: يا سامِرِيُّ، ما هَذا فَإنَّكَ أنْتَ أعْلَمُ بِهِ ؟ فَقالَ: هَذا رَبُّكم ولَكِنَّ مُوسى أخْطَأ الطَّرِيقَ. فَقالُوا: لا نُكَذِّبُ بِهَذا حَتّى (p-٢٠٣)يَرْجِعَ إلَيْنا مُوسى، فَإنْ يَكُ رَبَّنا لَمْ نَكُنْ ضَيَّعْنا وعَجَزْنا فِيهِ حِينَ رَأيْناهُ، وإنْ لَمْ يَكُنْ رَبَّنا فَإنّا نَتْبَعُ قَوْلَ مُوسى. وقالَتْ فِرْقَةٌ: هَذا مِن عَمَلِ الشَّيْطانِ، ولَيْسَ رَبَّنا ولا نُصَدِّقُ بِهِ ولا نُؤْمِنُ، وأُشْرِبَ فِرْقَةٌ في قُلُوبِهِمُ التَّصْدِيقَ بِما قالَ السّامِرِيُّ في العِجْلِ، وأعْلَنُوا التَّكْذِيبَ، فَقالَ لَهم هارُونُ: ﴿يا قَوْمِ إنَّما فُتِنْتُمْ بِهِ وإنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ﴾ [طه: ٩٠]، ولَيْسَ هَكَذا، قالُوا: فَما بالُ مُوسى وعَدَنا ثَلاثِينَ يَوْمًا، ثُمَّ أخْلَفَنا، فَهَذِهِ أرْبَعُونَ لَيْلَةً ؟ فَقالَ سُفَهاؤُهم: أخْطَأ رَبَّهُ فَهو يَطْلُبُهُ ويَتْبَعُهُ.
فَلَمّا كَلَّمَ اللَّهُ مُوسى وقالَ ما قالَ لَهُ، أخْبَرَهُ بِما لَقِيَ قَوْمُهُ مِن بَعْدِهِ، ﴿فَرَجَعَ مُوسى إلى قَوْمِهِ غَضْبانَ أسِفًا﴾ [طه: ٨٦]، فَقالَ لَهم ما سَمِعْتُمْ في القُرْآنِ، وألْقى الألْواحَ وأخَذَ بِرَأْسِ أخِيهِ يَجُرُّهُ إلَيْهِ مِنَ الغَضَبِ، غَيْرَ أنَّهُ عَذَرَ أخاهُ واسْتَغْفَرَ رَبَّهُ، ثُمَّ انْصَرَفَ إلى السّامِرِيِّ فَقالَ لَهُ: ما حَمَلَكَ عَلى ما صَنَعْتَ ؟ فَقالَ: قَبَضْتُ قَبْضَةً مِن أثَرِ الرَّسُولِ، وفَطِنْتُ لَها وعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ، فَقَذَفْتُها، وكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي، قالَ: ﴿فاذْهَبْ فَإنَّ لَكَ في الحَياةِ أنْ تَقُولَ لا مِساسَ﴾ [طه: ٩٧] إلى قَوْلِهِ: ﴿فِي اليَمِّ نَسْفًا﴾ [طه: ٩٧] ولَوْ كانَ إلَهًا لَمْ يَخْلُصْ إلى ذَلِكَ مِنهُ.
فاسْتَيْقَنَ بَنُو إسْرائِيلَ بِالفِتْنَةِ، واغْتَبَطَ الَّذِينَ كانَ رَأْيُهم فِيهِ رَأْيَ هارُونَ، فَقالُوا: يا مُوسى، سَلْ رَبَّكَ أنْ يَفْتَحَ لَنا بابَ تَوْبَةٍ نَعْمَلُها وتُكَفِّرُ عَنّا ما عَمِلْنا. فاخْتارَ مُوسى مِن قَوْمِهِ سَبْعِينَ رَجُلًا لِذَلِكَ، لا يَأْلُو الخَيْرَ؛ خِيارَ بَنِي إسْرائِيلَ، ومَن لَمْ يُشْرِكْ في العِجْلِ، فانْطَلَقَ بِهِمْ لِيَسْألَ رَبَّهَمُ التَّوْبَةَ، فَرَجَفَتِ الأرْضُ بِهِمْ، فاسْتَحْيا مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ مِن قَوْمِهِ ووَفْدِهِ حِينَ فُعِلَ بِهِمْ ذَلِكَ، فَقالَ: ﴿رَبِّ لَوْ شِئْتَ أهْلَكْتَهم مِن قَبْلُ وإيّايَ أتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ مِنّا﴾ [الأعراف: ١٥٥] (p-٢٠٤)الآيَةَ [ الأعْرافِ: ١٥٥ ] ومِنهم مَن قَدِ اطَّلَعَ اللَّهُ مِنهُ عَلى ما أُشْرِبَ قَلْبُهُ العِجْلَ والإيمانَ بِهِ؛ فَلِذَلِكَ رَجَفَتْ بِهِمُ الأرْضُ، فَقالَ: ﴿ورَحْمَتِي وسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٦] إلى قَوْلِهِ: ﴿والإنْجِيلِ﴾ [الأعراف: ١٥٧] [ الأعْرافِ: ١٥٦ ] . فَقالَ: رَبِّ، سَألْتُكَ التَّوْبَةَ لِقَوْمِي، فَقُلْتَ: إنَّ رَحْمَتِكَ كَتَبْتُها لِقَوْمٍ غَيْرِ قَوْمِي، فَلَيْتَكَ أخَّرْتَنِي حَتّى أخْرُجَ في أُمَّةِ ذَلِكَ الرَّجُلِ المَرْحُومَةِ. قالَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: فَإنَّ تَوْبَتَهم أنْ يَقْتُلَ كُلُّ رَجُلٍ مِنهم كُلَّ مَن لَقِيَ مِن والِدٍ ووَلَدٍ، فَيَقْتُلَهُ بِالسَّيْفِ، ولا يُبالِي مَن قَتَلَ في ذَلِكَ المَوْطِنِ. فَتابَ أُولَئِكَ الَّذِينَ كانَ خَفِيَ عَلى مُوسى وهارُونَ، وما اطَّلَعَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِن ذُنُوبِهِمْ فاعْتَرَفُوا بِها، وفَعَلُوا ما أُمِرُوا بِهِ، فَغَفَرَ اللَّهُ لِلْقاتِلِ والمَقْتُولِ.
ثُمَّ سارَ بِهِمْ مُوسى مُتَوَجِّهًا نَحْوَ الأرْضِ المُقَدَّسَةِ، فَأخَذَ الألْواحَ بَعْدَ ما سَكَتَ عَنْهُ الغَضَبُ، وأمَرَهم بِالَّذِي أمَرَهُ اللَّهُ أنْ يُبَلِّغَهم مِنَ الوَظائِفِ، فَثَقُلَتْ عَلَيْهِمْ، وأبَوْا أنْ يُقِرُّوا بِها، حَتّى نَتَقَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الجَبَلَ كَأنَّهُ ظُلَّةٌ، ودَنا مِنهم حَتّى خافُوا أنْ يَقَعَ عَلَيْهِمْ، فَأخَذُوا الكِتابَ بِأيْمانِهِمْ وهم مُصْغُونَ يَنْظُرُونَ إلى الأرْضِ، والكِتابُ الَّذِي أخَذُوهُ بِأيْدِيهِمْ، وهم يَنْظُرُونَ إلى الجَبَلِ مَخافَةَ أنْ يَقَعَ عَلَيْهِمْ.
ثُمَّ مَضَوْا حَتّى أتَوُا الأرْضَ المُقَدَّسَةَ، فَوَجَدُوا فِيها مَدِينَةَ جَبّارِينَ خَلْقُهم خَلْقٌ (p-٢٠٥)مُنْكَرٌ، وذَكَرُوا مِن ثِمارِهِمْ أمْرًا عَجِيبًا مِن عِظَمِها - فَقالُوا: يا مُوسى إنَّ فِيها قَوْمًا جَبّارِينَ، لا طاقَةَ لَنا اليَوْمَ بِهِمْ، ولا نَدْخُلُها ما دامُوا فِيها، فَإنْ يَخْرُجُوا مِنها فَإنّا داخِلُونَ. قالَ رَجُلانِ مِنَ الجَبّارِينَ، آمَنا بِمُوسى، فَخَرَجا إلَيْهِ، فَقالا: نَحْنُ أعْلَمُ بِقَوْمِنا، إنْ كُنْتُمْ تَخافُونَ ما رَأيْتُمْ مِن أجْسامِهِمْ وعَدَدِهِمْ، فَإنَّهم لَيْسَ لَهم قُلُوبٌ، ولا مَنعَةَ عِنْدَهم، فادْخُلُوا عَلَيْهِمُ البابَ، فَإذا دَخَلْتُمُوهُ فَإنَّكم غالِبُونَ. ويَقُولُ أُناسٌ: إنَّهُما مِن قَوْمِ مُوسى. وزَعَمَ سَعِيدٌ أنَّهُما مِنَ الجَبّارِينَ آمَنا بِمُوسى، يَقُولُ: ﴿مِنَ الَّذِينَ يَخافُونَ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِما﴾ [المائدة: ٢٣] [ المائِدَةِ: ٢٣ ] وإنَّما يَعْنِي بِذَلِكَ الَّذِينَ يَخافُهم بَنُو إسْرائِيلَ، فَقالُوا: ﴿قالُوا يا مُوسى إنّا لَنْ نَدْخُلَها أبَدًا ما دامُوا فِيها فاذْهَبْ أنْتَ ورَبُّكَ فَقاتِلا إنّا ها هُنا قاعِدُونَ﴾ [المائدة: ٢٤] [ المائِدَةِ: ٢٤ ] . فَأغْضَبُوا مُوسى، فَدَعا عَلَيْهِمْ فَسَمّاهم فاسِقِينَ، ولَمْ يَدْعُ عَلَيْهِمْ قَبْلَ ذَلِكَ، لِما رَأى فِيهِمْ مِنَ المَعْصِيَةِ وإساءَتِهِمْ حَتّى كانَ يَوْمَئِذٍ، فاسْتَجابَ اللَّهُ لَهُ وسَمّاهم كَما سَمّاهم مُوسى فاسِقِينَ، فَحَرَّمَها عَلَيْهِمْ أرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ في الأرْضِ، يُصْبِحُونَ كُلَّ يَوْمٍ فَيَسِيرُونَ، لَيْسَ لَهم قَرارٌ.
ثُمَّ ظَلَّلَ عَلَيْهِمُ في التِّيهِ بِالغَمامِ، وأنْزَلَ عَلَيْهِمُ المَنَّ والسَّلْوى، وجَعَلَ لَهم ثِيابًا لا تَبْلى ولا تَتَّسِخُ، وجَعَلَ بَيْنَ ظَهْرانِيهِمْ حَجَرًا مُرَبَّعًا، وأمَرَ مُوسى فَضَرَبَهُ بِعَصاهُ. فانْفَجَرَتْ مِنهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْنًا، في كُلِّ ناحِيَةٍ ثَلاثُ عُيُونٍ، وأعْلَمَ كُلَّ سِبْطٍ عَيْنَهُمُ الَّتِي يَشْرَبُونَ مِنها، لا يَرْتَحِلُونَ مِن مَنقَلَةٍ إلّا وجَدُوا ذَلِكَ الحَجَرَ مِنهم بِالمَكانِ الَّذِي كانَ مِنهم بِالمَنزِلِ الأوَّلِ.
(p-٢٠٦)رَفَعَ ابْنُ عَبّاسٍ هَذا الحَدِيثَ إلى النَّبِيِّ ﷺ، وصَدَّقَ ذَلِكَ عِنْدِي أنَّ مُعاوِيَةَ بْنَ أبِي سُفْيانَ سَمِعَ مِنِ ابْنِ عَبّاسٍ هَذا الحَدِيثَ، فَأنْكَرَ عَلَيْهِ أنْ يَكُونَ الفِرْعَوْنِيُّ هو الَّذِي أفْشى عَلى مُوسى أمْرَ القَتِيلِ. وقالَ: إنَّما أفْشى عَلَيْهِ الإسْرائِيلِيُّ. فَأخَذَ ابْنُ عَبّاسٍ بِيَدِهِ فانْطَلَقَ بِهِ إلى سَعْدِ بْنِ مالِكٍ الزُّهْرِيِّ، فَقالَ: «أرَأيْتَ يَوْمَ حَدَّثَنا النَّبِيُّ ﷺ عَنْ قَتِيلِ مُوسى مِن آلِ فِرْعَوْنَ ؟ مَن أفْشى عَلَيْهِ، الإسْرائِيلِيُّ أمِ الفِرْعَوْنِيُّ ؟ قالَ: أفْشى عَلَيْهِ الفِرْعَوْنِيُّ، بِما سَمِعَ مِنَ الإسْرائِيلِيِّ الَّذِي شَهِدَ عَلى ذَلِكَ وحَضَرَهُ» .
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَبِثْتَ سِنِينَ﴾ الآياتِ.
أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿فَلَبِثْتَ سِنِينَ في أهْلِ مَدْيَنَ﴾ قالَ: عَشْرَ سِنِينَ: ﴿ثُمَّ جِئْتَ عَلى قَدَرٍ يا مُوسى﴾ قالَ: عَلى قَدَرِ الرِّسالَةِ والنُّبُوَّةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ جِئْتَ عَلى قَدَرٍ﴾ قالَ: لِمِيقاتٍ.
(p-٢٠٧)وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ جِئْتَ عَلى قَدَرٍ﴾ قالَ: عَلى مَوْعِدٍ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولا تَنِيا في ذِكْرِي﴾ قالَ: لا تَضْعُفا.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ قَتادَةَ مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ مُجاهِدٍ مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ الطَّسْتِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّ نافِعَ بْنَ الأزْرَقِ قالَ لَهُ: أخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِهِ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ولا تَنِيا في ذِكْرِي﴾ قالَ: ولا تَضْعُفا عَنْ أمْرِي، قالَ: وهَلْ تَعْرِفُ العَرَبُ ذَلِكَ؟ قالَ: نَعَمْ، أما سَمِعْتَ الشّاعِرَ وهو يَقُولُ:
؎إنِّي وجَدِّكَ مَلَّ ونَيْتُ وإنَّنِي أبْغِي الفِكاكَ لَهُ بِكُلِّ سَبِيلِ
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولا تَنِيا﴾ قالَ: لا تُبْطِئا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عَلِيِّ في قَوْلِهِ: ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلا لَيِّنًا﴾ قالَ: كَنِّهِ.
(p-٢٠٨)وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلا لَيِّنًا﴾ قالَ: كَنِّياهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سُفْيانَ الثَّوْرِيِّ: ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلا لَيِّنًا﴾ قالَ: كَنِّياهُ: يا أبا مُرَّةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ عِكْرِمَةَ: ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلا لَيِّنًا﴾ قالَ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ: ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلا لَيِّنًا﴾ قالَ أعْذِرا إلَيْهِ وقُولا لَهُ: إنَّ لَكَ رِبًّا ولَكَ مَعادًا وإنَّ بَيْنَ يَدَيْكَ جَنَّةً ونارًا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الفَضْلِ بْنِ عِيسى الرَّقاشِيِّ، أنَّهُ تَلا هَذِهِ الآيَةَ: ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلا لَيِّنًا﴾ فَقالَ: يا مَن يَتَحَبَّبُ إلى أعادِيهِ، فَكَيْفَ بِمَن يَتَوَلّى ويُنادِيهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ﴾ قالَ: هَلْ يَتَذَكَّرُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّنا نَخافُ أنْ يَفْرُطَ عَلَيْنا﴾ قالَ: يَعْجَلَ: ﴿أوْ أنْ يَطْغى﴾ قالَ: يَعْتَدِيَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّنا نَخافُ أنْ يَفْرُطَ عَلَيْنا أوْ أنْ يَطْغى﴾ قالَ: عُقُوبَةً مِنهُ.
(p-٢٠٩)وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ في قَوْلِهِ: ﴿لا تَخافا إنَّنِي مَعَكُما أسْمَعُ وأرى﴾ قالَ: أسْمَعُ ما يَقُولُ: وأرى ما يُجاوِبُكُما بِهِ، فَأُوحِي إلَيْكُما فَتُجاوِباهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: لَمّا بَعَثَ اللَّهُ مُوسى إلى فِرْعَوْنَ قالَ: رَبِّ أيَّ شَيْءٍ أقُولُ؟ قالَ: قُلْ: هَيّا شَرًّا هَيّا، قالَ الأعْمَشُ: تَفْسِيرُ ذَلِكَ: الحَيُّ قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ، والحَيُّ بَعْدَ كُلِّ شَيْءٍ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ في“ الزُّهْدِ "، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: لَمّا بَعَثَ اللَّهُ مُوسى إلى فِرْعَوْنَ قالَ: لا يَغُرَّنَّكُما لِباسُهُ الَّذِي ألْبَسْتُهُ، فَإنَّ ناصِيَتَهُ بِيَدِي، فَلا يَنْطِقُ ولا يَطْرِفُ إلّا بِإذْنِي، ولا يَغُرَّنَّكُما ما مُتِّعَ بِهِ مِن زَهْرَةِ الدُّنْيا وزِينَةِ المُتْرَفِينَ، فَلَوْ شِئْتُ أنْ أُزَيِّنَكُما مِن زِينَةِ الدُّنْيا بِشَيْءٍ يِعْرِفُ فِرْعَوْنُ أنَّ قُدْرَتَهُ تَعْجِزُ عَنْ ذَلِكَ لَفَعَلْتُ، ولَيْسَ ذَلِكَ لِهَوانِكُما عَلَيَّ، ولَكِنِّي ألْبَسْتُكُما نَصِيبَكُما مِنَ الكَرامَةِ عَلى ألّا تَنْقُصَكُما الدُّنْيا شَيْئًا وإنِّي لَأذُودَ أوْلِيائِي عَنِ الدُّنْيا كَما يَذُودُ الرّاعِي إبِلَهُ عَنْ مَبارِكِ العُرَّةِ، وإنِّي لَأُجَنِّبُهم كَما يُجَنِّبُ الرّاعِي إبِلَهُ عَنْ مَراتِعِ الهِلْكَةِ، أُرِيدُ أنْ أُنَوِّرَ بِذَلِكَ صُدُورَهُمْ، وأُطَهِّرَ بِذَلِكَ قُلُوبَهم في سِيماهُمُ الَّذِي (p-٢١٠)يُعْرَفُونَ بِهِ، وأمَرُهُمُ الَّذِي يَفْتَخِرُونَ بِهِ. واعْلَمْ: أنَّ مَن أخافَ لِي ولِيًّا فَقَدْ بارَزَنِي بِالعَداوَةِ، وأنا الثّائِرُ لِأوْلِيائِي يَوْمَ القِيامَةِ.
طه 20:44
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقَتَلْتَ نَفْسًا فَنَجَّيْناكَ مِنَ الغَمِّ وفَتَنّاكَ فُتُونًا﴾ .
أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، والخَطِيبُ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إنَّما قَتَلَ مُوسى الَّذِي قَتَلَ مِن آلِ فِرْعَوْنَ خَطَأً.
(p-١٨٨)يَقُولُ اللَّهُ: ﴿وقَتَلْتَ نَفْسًا فَنَجَّيْناكَ مِنَ الغَمِّ﴾ [طه»: ٤٠] .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَنَجَّيْناكَ مِنَ الغَمِّ﴾ قالَ: مِن قَتْلِ النَّفْسِ: ﴿وفَتَنّاكَ فُتُونًا﴾ قالَ: أخْلَصْناكَ إخْلاصًا.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وفَتَنّاكَ فُتُونًا﴾ قالَ: أبْتَلَيْناكَ ابْتِلاءً.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وفَتَنّاكَ فُتُونًا﴾ قالَ: ابْتَلَيْناكَ بِبَلاءِ نِعْمَةٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وفَتَنّاكَ فُتُونًا﴾ قالَ: اخْتَبَرْناكَ اخْتِبارًا.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وفَتَنّاكَ فُتُونًا﴾ قالَ: بَلاءُ إلْقائِهِ في التّابُوتِ، ثُمَّ في اليَمِّ، ثُمَّ التِقاطُ آلِ فِرْعَوْنَ إيّاهُ ثُمَّ خُرُوجُهُ خائِفًا يَتَرَقَّبُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي عُمَرَ العَدَنِيُّ في ”مَسْنَدِهِ“، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والنَّسائِيُّ، وأبُو يَعْلى، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ «عَنْ سَعِيدِ بْنِ (p-١٨٩)جِبِّيرٍ» قالَ: سَألْتُ ابْنَ عَبّاسٍ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ تَعالى لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿وفَتَنّاكَ فُتُونًا﴾ . فَسَألَتْ عَنِ الفُتُونِ ما هو فَقالَ: اسْتَأْنِفِ النَّهارَ يا ابْنَ جُبَيْرٍ؛ فَإنَّ لَها حَدِيثًا طَوِيلًا. فَلَمّا أصْبَحْتُ غَدَوْتُ عَلى ابْنِ عَبّاسٍ لِأتَنَجَّزَ ما وعَدَنِي مِن حَدِيثِ الفُتُونِ، فَقالَ: تَذاكَرَ فِرْعَوْنُ وجُلَساؤُهُ ما كانَ اللَّهُ وعَدَ إبْراهِيمَ مِن أنْ يَجْعَلَ في ذُرِّيَّتِهِ أنْبِياءَ ومُلُوكًا، فَقالَ بَعْضُهم: إنَّ بَنِي إسْرائِيلَ يَنْتَظِرُونَ ذَلِكَ وما يَشُكُّونَ فِيهِ، ولَقَدْ كانُوا يَظُنُّونَ أنَّهُ يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ، فَلَمّا هَلَكَ، قالُوا: لَيْسَ هَذا كانَ وعْدَ اللَّهِ إبْراهِيمَ. قالَ فِرْعَوْنُ: فَكَيْفَ تَرَوْنَ ؟ فَأْتَمَرُوا بَيْنَهم، وأجْمَعُوا أمْرَهم عَلى أنْ يَبْعَثَ رِجالًا مَعَهُمُ الشِّفارُ، يَطُوفُونَ في بَنِي إسْرائِيلَ؛ فَلا يَجِدُونَ مَوْلُودًا ذَكَرًا إلّا ذَبَحُوهُ، فَفَعَلُوا، فَلَمّا رَأوْا أنَّ الكِبارَ يَمُوتُونَ بِآجالِهِمْ، وأنَّ الصَّغارَ يُذْبَحُونَ، قالُوا: يُوشِكُ أنْ يَفْنى بَنُو إسْرائِيلَ، فَتَصِيرُوا أنْ تُباشِرُوا الأعْمالَ والخِدْمَةَ الَّتِي كانُوا يَكْفُونَكم، فاقْتُلُوا عامًا كُلَّ مَوْلُودٍ ذَكَرٍ، فَيَقِلَّ أبَناؤُهم، ودَعُوا عامًا لا تَقْتَلُوا مِنهم أحَدًا، فَتَشُبُّ الصِّغارُ مَكانَ مَن يَمُوتُ مِنَ الكِبارِ، فَإنَّهم لَنْ يَكْثُرُوا فَتَخافُونَ مُكاثَرَتَهم إيّاكم، ولَنْ يَفْنَوْا بِمَن تَقْتُلُونَ، فَتَحْتاجُونَ إلَيْهِمْ. فَأجْمَعُوا أمْرَهم عَلى ذَلِكَ، فَحَمَلَتْ أُمُّ مُوسى بِهارُونَ في العامِ الَّذِي لا يُذْبَحُ فِيهِ الغِلْمانُ، فَوَلَدَتْهُ عَلانِيَةً آمِنَةً، حَتّى إذا كانَ في قابِلٍ حَمَلَتْ بِمُوسى، فَوَقَعَ في قَلْبِها الهَمُّ (p-١٩٠)والحُزْنُ، وذَلِكَ مِنَ الفُتُونِ يا ابْنَ جُبَيْرٍ؛ ما دَخَلَ عَلَيْهِ في بَطْنِ أُمِّهِ مِمّا يُرادُ بِهِ، فَأوْحى اللَّهُ إلَيْها أنْ: ﴿ولا تَخافِي ولا تَحْزَنِي إنّا رادُّوهُ إلَيْكِ وجاعِلُوهُ مِنَ المُرْسَلِينَ﴾ [القصص: ٧] [ القَصَصِ: ٧ ]، وأمَرَها إذا ولَدَتْهُ أنْ تَجْعَلَهُ في تابُوتٍ، ثُمَّ تُلْقِيَهِ في اليَمِّ، فَلَمّا ولَدَتْهُ فَعَلَتْ ما أُمِرَتْ بِهِ، حَتّى إذا تَوارى عَنْها ابْنُها أتاها الشَّيْطانُ، وقالَتْ في نَفْسِها: ما فَعَلْتُ بِابْنِي ؟ لَوْ ذُبِحَ عِنْدِي فَوارَيْتُهُ وكَفَّنْتُهُ كانَ أحَبَّ إلَيَّ مِن أنْ أُلْقِيَهُ بِيَدِي إلى دَوابِّ البَحْرِ وحِيتانِهِ.
فانْطَلَقَ بِهِ الماءُ حَتّى أوْفى بِهِ عِنْدَ فُرْضَةِ مُسْتَقى جَوارِي امْرَأةِ فِرْعَوْنَ، فَرَأيْنَهُ فَأخَذْنَهُ، فَهَمَمْنَ أنْ يَفْتَحْنَ البابَ، فَقالَ بَعْضُهُنَّ لِبَعْضٍ: إنَّ في هَذا لَمالًا، وإنّا إنْ فَتَحْناهُ لَمْ تُصَدِّقْنا امْرَأةُ فِرْعَوْنَ بِما وجَدْنا فِيهِ. فَحَمَلْنَهُ بِهَيْئَتِهِ لَمْ يُحَرِّكْنَ مِنهُ شَيْئًا حَتّى دَفَعْنَهُ إلَيْها، فَلَمّا فَتَحَتْهُ رَأتْ فِيهِ الغُلامَ، فَأُلْقِيَ عَلَيْهِ مِنها مَحَبَّةٌ لَمْ يُلْقَ مِنها عَلى أحَدٍ مِنَ البَشَرِ قَطُّ ﴿وأصْبَحَ فُؤادُ أُمِّ مُوسى فارِغًا﴾ [القصص: ١٠] [ القَصَصِ: ١٠ ] مِن ذِكْرِ كُلِّ شَيْءٍ إلّا مِن ذِكْرِ مُوسى.
فَلَمّا سَمِعَ الذَّبّاحُونَ بِأمْرِهِ، أقْبَلُوا إلى امْرَأةِ فِرْعَوْنَ بِشِفارِهِمْ، يُرِيدُونَ أنْ يَذْبَحُوهُ - وذَلِكَ مِنَ الفُتُونِ يا ابْنَ جُبَيْرٍ. فَقالَتْ لِلذَّبّاحِينَ: آمِرُونِي، فَإنَّ هَذا (p-١٩١)الواحِدَ لا يَزِيدُ في بَنِي إسْرائِيلَ، فَإنِّي آتِي فِرْعَوْنَ فَأسْتَوْهِبُهُ إيّاهُ، فَإنْ وهَبَهُ لِي فَقَدْ أحْسَنْتُمْ وأجْمَلْتُمْ، وإنْ أمَرَ بِذَبْحِهِ لَمْ ألُمْكم. فَلَمّا أتَتْ بِهِ فِرْعَوْنَ، قالَتْ: ﴿قُرَّتُ عَيْنٍ لِي ولَكَ﴾ [القصص: ٩] [ القَصَصِ: ٩ ]، قالَ فِرْعَوْنُ: يَكُونُ لَكِ، وأمّا أنا فَلا حاجَةَ لِي فِيهِ.
فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: والَّذِي يُحْلَفُ بِهِ، لَوْ أقَرَّ فِرْعَوْنُ أنْ يَكُونَ قُرَّةَ عَيْنٍ لَهُ كَما قالَتِ امْرَأتُهُ، لَهَداهُ اللَّهُ بِهِ كَما هَدى بِهِ امْرَأتَهُ، ولَكِنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ حَرَمَهُ ذَلِكَ.
فَأرْسَلَتْ إلى مَن حَوْلَها مِن كُلِّ امْرَأةٍ لَها لَبَنٌ، لِتَخْتارَ لَهُ ظِئْرًا، فَكُلَّما أخَذَتْهُ امْرَأةٌ مِنهُنَّ لِتُرْضِعَهُ لَمْ يَقْبَلْ ثَدْيَها، حَتّى أشْفَقَتِ امْرَأةُ فِرْعَوْنَ أنْ يَمْتَنِعَ مِنَ اللَّبَنِ فَيَمُوتَ، فَأحْزَنَها ذَلِكَ، فَأمَرَتْ بِهِ فَأُخْرِجَ إلى السُّوقِ ومَجْمَعِ النّاسِ، تَرْجُو أنْ تَجِدَ لَهُ ظِئْرًا يَأْخُذُ مِنها، فَلَمْ يَفْعَلْ، وأصْبَحَتْ أُمُّ مُوسى والِهًا، فَقالَتْ لِأُخْتِهِ: قُصِّي أثَرَهُ واطْلُبِيهِ، هَلْ تَسْمَعِينَ لَهُ ذِكْرًا ؟ أحَيٌّ ابْنِي أمْ قَدْ أكَلَتْهُ الدَّوابُّ؟ ونَسِيَتِ الَّذِي كانَ وعَدَها اللَّهُ.
فَبَصُرَتْ بِهِ أُخْتُهُ عَنْ جُنُبٍ وهم لا يَشْعُرُونَ - والجُنُبُ أنْ يَسْمُوَ بَصَرُ الإنْسانِ إلى شَيْءٍ بَعِيدٍ وهو إلى جَنْبِهِ، وهو لا يَشْعُرُ بِهِ - فَقالَتْ مِنَ الفَرَحِ حِينَ (p-١٩٢)أعْياهُمُ الظُّئُوراتُ: أنا أدُلُّكم عَلى أهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكم وهم لَهُ ناصِحُونَ، فَأخَذُوها، فَقالُوا: وما يُدْرِيكِ ما نُصْحُهم لَهُ ؟ هَلْ يَعْرِفُونَهُ ؟ حَتّى شَكُّوا في ذَلِكَ - وذَلِكَ مِنَ الفُتُونِ يا ابْنَ جُبَيْرٍ - فَقالَتْ: نُصْحُهم لَهُ وشَفَقَتُهم عَلَيْهِ رَغْبَتُهم في صِهْرِ المَلِكِ رَجاءَ مَنفَعَتِهِ. فَتَرَكُوها، فانْطَلَقَتْ إلى أُمِّهِ فَأخْبَرَتْها الخَبَرَ، فَجاءَتْ، فَلَمّا وضَعَتْهُ في حَجْرِها نَزا إلى ثَدْيِها فَمَصَّهُ حَتّى امْتَلَأ جَنْباهُ رِيًّا، وانْطَلَقَ البُشَراءُ إلى امْرَأةِ فِرْعَوْنَ يُبَشِّرُونَها: إنّا قَدْ وجَدْنا لِابْنِكِ ظِئْرًا. فَأرْسَلَتْ إلَيْها فَأُتِيَتْ بِها وبِهِ، فَلَمّا رَأتْ ما يَصْنَعُ بِها، قالَتِ لَها: امْكُثِي عِنْدِي أرْضِعِي ابْنِي هَذا، فَإنِّي لَمْ أُحِبَّ حُبَّهُ شَيْئًا قَطُّ، قالَتْ: لا أسْتَطِيعُ أنْ أدَعَ بَيْتِي ووَلَدِي فَيَضِيعَ، فَإنْ طابَتْ نَفْسُكِ أنْ تُعْطِينِيهِ فَأذْهَبَ بِهِ إلى بَيْتِي فَيَكُونَ مَعِي لا آلُوهُ خَيْرًا- فَعَلْتُ، وإلّا فَإنِّي غَيْرُ تارِكَةٍ بَيْتِي ووَلَدِي. فَذَكَرَتْ أُمُّ مُوسى ما كانَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ وعَدَها، فَتَعاسَرَتْ عَلى امْرَأةِ فِرْعَوْنَ لِذَلِكَ، وأيْقَنَتْ أنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ مُنْجِزٌ وعْدَهُ.
فَرَجَعَتْ بِابْنِها إلى بَيْتِها مِن يَوْمِها، فَأنْبَتَهُ اللَّهُ نَباتًا حَسَنًا، وحَفِظَهُ لِما قَضى فِيهِ،، فَلَمْ يَزَلْ بَنُو إسْرائِيلَ وهم مُجْتَمِعُونَ في ناحِيَةِ القَرْيَةِ، يَمْتَنِعُونَ بِهِ مِنَ الظُّلْمِ والسُّخْرَةِ مُنْذُ كانَ فِيهِمْ. فَلَمّا تَرَعْرَعَ، قالَتِ امْرَأةُ فِرْعَوْنَ لِأُمِّ مُوسى: أزِيرِينِي ابْنِي. فَوَعَدَتْها يَوْمًا تَزُورُها فِيهِ بِهِ، فَقالَتْ لِخُزّانِها (p-١٩٣)وظُئُورِها وقَهارِمَتِها: لا يَبْقَيَنَّ أحَدٌ مِنكُمُ اليَوْمَ أحَدٌ إلّا اسْتَقْبَلَ ابْنِي بِهَدِيَّةٍ وكَرامَةٍ أرى ذَلِكَ فِيهِ، وأنا باعِثَةٌ أمِينًا يُحْصِي ما يَصْنَعُ كُلُّ إنْسانٍ مِنكم، فَلَمْ تَزَلِ الهَدايا والنِّحَلُ والكَرامَةُ تَسْتَقْبِلُهُ مِن حِينِ خَرَجَ مِن بَيْتِ أُمِّهِ إلى أنْ دَخَلَ عَلَيْها. فَلَمّا دَخَلَ عَلَيْها أكْرَمَتْهُ ونَحَلَتْهُ وفَرِحَتْ بِهِ، وأعْجَبَها، ونَحَلَتْ أُمَّهُ لِحُسْنِ أثَرِها عَلَيْهِ، ثُمَّ قالَتِ: لَأنْطَلِقَنَّ بِهِ إلى فِرْعَوْنَ، فَلَيَنْحِلَنَّهُ ولَيُكْرِمَنَّهُ.
فَلَمّا دَخَلَتْ بِهِ عَلَيْهِ جَعَلَتْهُ في حِجْرِهِ، فَتَناوَلَ مُوسى لِحْيَةَ فِرْعَوْنَ فَمَدَّها إلى الأرْضِ، فَقالَتْ لَهُ الغُواةُ مِن أعْداءِ اللَّهِ: ألا تَرى ما وعَدَ اللَّهُ إبْراهِيمَ! إنَّهُ يَرِثُكَ ويَصْرَعُكَ ويَعْلُوكَ، فَأرْسَلَ إلى الذَّبّاحِينَ لِيَذْبَحُوهُ - وذَلِكَ مِنَ الفُتُونِ يا ابْنَ جُبَيْرٍ، بَعْدَ كُلِّ بَلاءٍ ابْتُلِيَ بِهِ وأُرِيدَ بِهِ فُتُونًا - فَجاءَتِ امْرَأةُ فِرْعَوْنَ تَسْعى إلى فِرْعَوْنَ، فَقالَتْ: ما بَدا لَكَ في هَذا الصَّبِيِّ الَّذِي وهَبْتَهُ لِي ؟ قالَ: ألا تَرَيْنَهُ يَزْعُمُ أنَّهُ سَيَصْرَعُنِي ويَعْلُونِي ! قالَتْ لَهُ: اجْعَلْ بَيْنِي وبَيْنَكَ أمْرًا تَعْرِفُ فِيهِ الحَقَّ، ائْتِ بِجَمْرَتَيْنِ ولُؤْلُؤَتَيْنِ فَقَرِّبْهُنَّ إلَيْهِ، فَإنْ بَطَشَ بِاللُّؤْلُؤَتَيْنِ واجْتَنَبَ الجَمْرَتَيْنِ عَلِمْتَ أنَّهُ يَعْقِلُ، وإنْ تَناوَلَ الجَمْرَتَيْنِ ولَمْ يُرِدِ اللُّؤْلُؤَتَيْنِ، فاعْلَمْ أنَّ أحَدًا لا يُؤْثِرُ الجَمْرَتَيْنِ عَلى اللُّؤْلُؤَتَيْنِ وهو يَعْقِلُ. فَقَرَّبَ ذَلِكَ إلَيْهِ، فَتَناوَلَ الجَمْرَتَيْنِ، (p-١٩٤)فانْتَزَعُوهُما مِنهُ مَخافَةَ أنْ يَحْرِقا بَدَنَهُ، فَقالَتِ المَرْأةُ: ألا تَرى ؟ وصَرَفَهُ اللَّهُ عَنْهُ بَعْدَما كانَ قَدْ هَمَّ بِهِ، وكانَ اللَّهُ بالِغَ أمْرِهِ فِيهِ. فَلَمّا بَلَغَ أشُدَّهُ، وكانَ مِنَ الرِّجالِ، لَمْ يَكُنْ أحَدٌ مِن آلِ فِرْعَوْنَ يَخْلُصُ إلى أحَدٍ مِن بَنِي إسْرائِيلَ مَعَهُ بِظُلْمٍ ولا سُخْرَةٍ، حَتّى امْتَنَعُوا كُلَّ امْتِناعٍ.
فَبَيْنَما هو يَمْشِي في ناحِيَةِ المَدِينَةِ، إذْ هو بِرَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ، أحَدُهُما مِن بَنِي إسْرائِيلَ، والآخَرُ مِن آلِ فِرْعَوْنَ، فاسْتَغاثَهُ الإسْرائِيلِيُّ عَلى الفِرْعَوْنِيِّ، فَغَضِبَ مُوسى واشْتَدَّ غَضَبُهُ؛ لِأنَّهُ تَناوَلَهُ وهو يَعْلَمُ مَنزِلَةَ مُوسى مِن بَنِي إسْرائِيلَ، وحِفْظَهُ لَهم، ولا يُعْلَمُ إلّا أنَّما ذَلِكَ مِنَ الرَّضاعِ، غَيْرَ أُمِّ مُوسى، إلّا أنْ يَكُونَ اللَّهُ تَعالى أطْلَعَ مُوسى مِن ذَلِكَ عَلى ما لَمْ يُطْلِعْ غَيْرَهُ عَلَيْهِ، فَوَكَزَ مُوسى الفِرْعَوْنِيَّ فَقَتَلَهُ ولَيْسَ يَراهُما أحَدٌ إلّا اللَّهُ والإسْرائِيلِيُّ، فَقالَ مُوسى حِينَ قَتَلَ الرَّجُلَ: ﴿هَذا مِن عَمَلِ الشَّيْطانِ إنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ﴾ [القصص: ١٥] [ القَصَصِ: ١٥ ]، ثُمَّ قالَ: ﴿رَبِّ إنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ﴾ [القصص: ١٦] [ القَصَصِ: ١٦ ] . وأصْبَحَ في المَدِينَةِ خائِفًا يَتَرَقَّبُ الأخْبارَ، فَأُتِيَ فِرْعَوْنُ، فَقِيلَ لَهُ: إنَّ بَنِي إسْرائِيلَ قَتَلُوا رَجُلًا مِن آلِ فِرْعَوْنَ، فَخُذْ لَنا بِحَقِّنا ولا تُرَخِّصْ لَهم. فَقالَ: ائْتُونِي قاتِلَهُ ومَن شَهِدُ عَلَيْهِ؛ لَأنَّهُ لا يَسْتَقِيمُ أنْ يُقِيدَ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ (p-١٩٥)ولا ثَبَتٍ، فاطْلُبُوا عِلْمَ ذَلِكَ آخُذْ لَكم بِحَقِّكم.
فَبَيْنَما هم يَطُوفُونَ لا يَجِدُونَ ثَبَتًا، إذْ مَرَّ مُوسى مِنَ الغَدِ قَدْ رَأى ذَلِكَ الإسْرائِيلِيَّ يُقاتِلُ فِرْعَوْنِيًّا آخَرَ، فاسْتَغاثَهُ الإسْرائِيلِيُّ عَلى الفِرْعَوْنِيِّ، فَصادَفَ مُوسى قَدْ نَدِمَ عَلى ما كانَ، وكَرِهَ الَّذِي رَأى، فَغَضِبَ الإسْرائِيلِيُّ، وهو يُرِيدُ أنْ يَبْطِشَ بِالفِرْعَوْنِيِّ، فَقالَ لِلْإسْرائِيلِيِّ لِما فَعَلَ بِالأمْسِ واليَوْمَ: ﴿إنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾ [القصص: ١٨] [ القَصَصِ: ١٨ ] . فَنَظَرَ الإسْرائِيلِيُّ إلى مُوسى حِينَ قالَ ما قالَ، فَإذا هو غَضْبانُ كَغَضَبِهِ بِالأمْسِ، فَخافَ بَعْدَما قالَ لَهُ: ﴿إنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾ [القصص: ١٨] . أنْ يَكُونَ إيّاهُ أرادَ، وإنَّما أرادَ الفِرْعَوْنِيَّ - فَقالَ: ﴿يا مُوسى أتُرِيدُ أنْ تَقْتُلَنِي كَما قَتَلْتَ نَفْسًا بِالأمْسِ﴾ [القصص: ١٩] [ القَصَصِ: ١٩ ] . وإنَّما قالَ ذَلِكَ مَخافَةَ أنْ يَكُونَ إيّاهُ أرادَ مُوسى لِيَقْتُلَهُ، فَتَتارَكا، فانْطَلَقَ الفِرْعَوْنِيُّ إلى قَوْمِهِ، فَأخْبَرَهم بِما سَمِعَ مِنَ الإسْرائِيلِيِّ حِينَ يَقُولُ: ﴿أتُرِيدُ أنْ تَقْتُلَنِي كَما قَتَلْتَ نَفْسًا بِالأمْسِ﴾ [القصص: ١٩] . فَأرْسَلَ فِرْعَوْنُ إلى الذَّبّاحِينَ لِيَقْتُلُوا مُوسى، فَأخَذَ رُسُلُ فِرْعَوْنَ في الطَّرِيقِ الأعْظَمِ يَمْشُونَ عَلى هَيْئَتِهِمْ يَطْلُبُونَ مُوسى وهم لا يَخافُونَ أنْ يَفُوتَهم، وجاءَ رَجُلٌ مِن شِيعَةِ مُوسى مِن أقْصى المَدِينَةِ، فاخْتَصَرَ طَرِيقًا قَرِيبًا حَتّى سَبَقَهم إلى مُوسى، فَأخْبَرَهُ الخَبَرَ - وذَلِكَ مِنَ الفُتُونِ يا ابْنَ جُبَيْرٍ ”.
(p-١٩٦)فَخَرَجَ مُوسى مُتَوَجِّهًا نَحْوَ مَدْيَنَ، لَمْ يَلْقَ بَلاءً مِثْلَ ذَلِكَ، ولَيْسَ لَهُ بِالطَّرِيقِ عِلْمٌ إلّا حُسْنُ ظَنِّهِ بِرَبِّهِ، فَإنَّهُ قالَ: ﴿عَسى رَبِّي أنْ يَهْدِيَنِي سَواءَ السَّبِيلِ﴾ [القصص: ٢٢] . ﴿ولَمّا ورَدَ ماءَ مَدْيَنَ وجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النّاسِ يَسْقُونَ ووَجَدَ مِن دُونِهِمُ امْرَأتَيْنِ تَذُودانِ﴾ [القصص: ٢٣] [ القَصَصِ: ٢٢، ٢٣ ] .
يَعْنِي حابِسَتَيْ غَنَمِهِما، قالَ: ما خَطْبُكُما مُعْتَزِلَتَيْنِ لا تَسْقِيانِ مَعَ النّاسِ ؟ قالَتا: لَيْسَتْ لَنا قُوَّةٌ نُزاحِمُ القَوْمَ، وإنَّما نَنْتَظِرُ فُضُولَ حِياضِهِمْ. فَسَقى لَهُما؛ فَجَعَلَ يَغْرِفُ في الدَّلْوِ ماءً كَثِيرًا، حَتّى كانَتا أوَّلَ الرِّعاءِ فَراغًا، فانْصَرَفَتا إلى أبِيهِما بِغَنَمِهِما، وانْصَرَفَ مُوسى إلى الشَّجَرَةِ فاسْتَظَلَّ بِها، وقالَ: ﴿رَبِّ إنِّي لِما أنْزَلْتَ إلَيَّ مِن خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ [القصص: ٢٤] [ القَصَصِ: ٢٤ ] . واسْتَنْكَرَ أبُو الجارِيَتَيْنِ سُرْعَةَ صُدُورِهِما بِغَنَمِهِما حُفَّلًا بِطانًا، وقالَ: إنَّ لَكُما اليَوْمَ لَشَأْنًا، فَحَدَّثَتاهُ بِما صَنَعَ مُوسى، فَأمَرَ إحْداهُما أنْ تَدْعُوَهُ لَهُ، فَأتَتْهُ فَدَعَتْهُ، فَلَمّا كَلَّمَهُ قالَ: ﴿لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ [القصص: ٢٥] [ القَصَصِ: ٢٥ ] . لَيْسَ لِفِرْعَوْنَ ولا لِقَوْمِهِ عَلَيْنا سُلْطانٌ ولَسْنا في مَمْلَكَتِهِ، قالَتِ ابْنَتُهُ: ﴿يا أبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ القَوِيُّ الأمِينُ﴾ [القصص: ٢٦] [ القَصَصِ: ٢٦ ] فَحَمَلَتْهُ الغَيْرَةُ أنْ قالَ: وما يُدْرِيكِ ما قُوَّتُهُ ؟ وما أمانَتُهُ ؟ قالَتْ: أمّا قُوَّتُهُ، فَما رَأيْتُ مِنهُ حِينَ سَقى لَنا؛ لَمْ أرَ رَجُلًا قَطُّ أقْوى في ذَلِكَ السَّقْيِ مِنهُ حِينَ سَقى لَنا، وأمّا الأمانَةُ: فَإنَّهُ نَظَرَ حِينَ أقْبَلْتُ إلَيْهِ وشَخَصْتُ لَهُ، (p-١٩٧)فَلَمّا عَلِمَ أنِّي امْرَأةٌ صَوَّبَ رَأْسَهُ ولَمْ يَرْفَعْهُ، ولَمْ يَنْظُرْ إلَيَّ حِينَ أقْبَلْتُ إلَيْهِ، حَتّى بَلَّغْتُهُ رِسالَتَكَ. فَقالَ لِي: امْشِي خَلْفِي، وانْعُتِي لِيَ الطَّرِيقَ. فَلَمْ يَقُلْ هَذا إلّا وهو أمِينٌ، فَسُرِّيَ عَنْ أبِيها وصَدَّقَها، وظَنَّ بِهِ الَّذِي قالَتْ.
فَقالَ: هَلْ لَكَ ﴿أنْ أُنْكِحَكَ إحْدى ابْنَتَيَّ هاتَيْنِ عَلى أنْ تَأْجُرَنِي ثَمانِيَ حِجَجٍ فَإنْ أتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِن عِنْدِكَ وما أُرِيدُ أنْ أشُقَّ عَلَيْكَ﴾ [القصص: ٢٧] [ القَصَصِ: ٢٧ ] فَفَعَلَ، فَكانَتْ عَلى مُوسى ثَمانِيَ سِنِينَ واجِبَةً، وكانَتْ سَنَتانِ عِدَةً مِنهُ، فَقَضى اللَّهُ عَنْهُ عِدَتَهُ فَأتَمَّها عَشْرًا.
قالَ سَعِيدٌ: فَسَألَنِي رَجُلٌ مِن أهْلِ النَّصْرانِيَّةِ مِن عُلَمائِهِمْ: هَلْ تَدْرِي أيَّ الأجَلَيْنِ قَضى مُوسى ؟ قُلْتُ: لا. وأنا يَوْمَئِذٌ لا أعْلَمُ. فَلَقِيتُ ابْنَ عَبّاسٍ، فَذَكَرْتُ لَهُ الَّذِي قالَ النَّصْرانِيُّ، فَقالَ: أما كُنْتَ تَعْلَمُ أنَّ ثَمانِيًا واجِبَةٌ، لَمْ يَكُنْ لِمُوسى لِيَنْقُصَ مِنها شَيْئًا، وتَعْلَمُ أنَّ اللَّهَ تَعالى كانَ قاضِيًا عَنْ مُوسى عِدَتَهُ الَّتِي وعَدَ؟ فَإنَّهُ قَضى عَشْرًا. فَأخْبَرْتُ النَّصْرانِيَّ، فَقالَ: الَّذِي أخْبَرَكَ بِهَذا هو أعْلَمُ مِنكَ. قُلْتُ: أجَلْ، وأوْلى.
فَلَمّا سارَ مُوسى بِأهْلِهِ كانَ مِن أمْرِ النّارِ ما قَصَّ اللَّهُ عَلَيْكَ في القُرْآنِ وأمْرِ العَصا ويَدِهِ، فَشَكا إلى رَبِّهِ ما يَتَخَوَّفُ مِن آلِ فِرْعَوْنَ في القَتِيلِ، وعُقْدَةَ لِسانِهِ؛ فَإنَّهُ كانَ في لِسانِهِ عُقْدَةٌ تَمْنَعُهُ مِن كَثِيرٍ مِنَ الكَلامِ، فَسَألَ رَبَّهُ أنْ يُعِينَهُ بِأخِيهِ هارُونَ، لِيَكُونَ لَهُ رِدْءًا، ويَتَكَلَّمَ عَنْهُ بِكَثِيرٍ مِمّا لا يُفْصِحُ بِهِ. فَآتاهُ اللَّهُ سُؤْلَهُ، وحَلَّ عُقْدَةً مِن لِسانِهِ، وأوْحى إلى هارُونَ وأمَرَهُ أنْ يَلْقى مُوسى.
(p-١٩٨)فانْدَفَعَ مُوسى بِالعَصا ولَقِيَ هارُونَ. فانْطَلَقا جَمِيعًا إلى فِرْعَوْنَ، فَأقاما بِبابِهِ حِينًا لا يُؤْذَنُ لَهُما، ثُمَّ أُذِنَ لَهُما بَعْدَ حِجابٍ شَدِيدٍ، فَقالا ﴿إنّا رَسُولا رَبِّكَ﴾ [طه: ٤٧] . قالَ: ومَن رَبُّكُما يا مُوسى ؟ فَأخْبَرَهُ بِالَّذِي قَصَّ اللَّهُ في القُرْآنِ، قالَ: فَما تُرِيدانِ ؟ وذَكَّرَهُ القَتِيلَ، فاعْتَذَرَ بِما قَدْ سَمِعْتَ. قالَ: أُرِيدُ أنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ، وتُرْسِلَ مَعِيَ بَنِي إسْرائِيلَ، فَأبى عَلَيْهِ ذَلِكَ وقالَ: ائْتِ بِآيَةٍ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ. فَألْقى عَصاهُ فَتَحَوَّلَتْ حَيَّةً عَظِيمَةً فاغِرَةً فاها، مُسْرِعَةً إلى فِرْعَوْنَ. فَلَمّا رَأى فِرْعَوْنُ أنَّها قاصِدَةٌ إلَيْهِ خافَها، فاقْتَحَمَ عَنْ سَرِيرِهِ، واسْتَغاثَ بِمُوسى أنْ يَكُفَّها عَنْهُ. فَفَعَلَ، وأخْرَجَ يَدَهُ مِن جَيْبِهِ بَيْضاءَ مِن غَيْرِ سُوءٍ - يَعْنِي مِن غَيْرِ بَرَصٍ - ثُمَّ أعادَها إلى كُمِّهِ فَصارَتْ إلى لَوْنِها الأوَّلِ. فاسْتَشارَ المَلَأ فِيما رَأى، فَقالُوا لَهُ: هَذانِ ساحِرانِ يُرِيدانِ أنْ يُخْرِجاكم مِن أرْضِكم بِسِحْرِهِما ويَذْهَبا بِطَرِيقَتِكُمُ المُثْلى. يَعْنُونَ مُلْكَهُمُ الَّذِي هم فِيهِ والعَيْشَ، وأبَوْا عَلى مُوسى أنْ يُعْطُوهُ شَيْئًا مِمّا طَلَبَ، وقالُوا لَهُ: اجْمَعْ لَهُمُ السَّحَرَةَ فَإنَّهم بِأرْضِنا كَثِيرٌ حَتّى تَغْلِبَ بِسِحْرِهِمْ سِحْرَهُما. ﴿فَأرْسَلَ فِرْعَوْنُ في المَدائِنِ حاشِرِينَ﴾ [الشعراء: ٥٣] [الشُّعَراءِ: ٥٣ ]، فَحُشِرَ لَهُ كُلُّ ساحِرٍ مُتَعالِمٍ، فَلَمّا أتَوْا فِرْعَوْنَ قالُوا: بِمَ يَعْمَلُ هَذا السّاحِرُ ؟ قالُوا: يَعْمَلُ بِالحَيّاتِ والحِبالِ. قالُوا: فَلا واللَّهِ ما في الأرْضِ قَوْمٌ يَعْمَلُونَ بِالحَيّاتِ والحِبالِ والعِصِيِّ بِالسِّحْرِ ما نَعْمَلُ بِهِ ! فَما أجْرُنا إنْ غَلَبْنا ؟ قالَ لَهم: أنْتُمْ أقارِبِي وخاصَّتِي، وأنا صانِعٌ بِكم كُلَّ شَيْءٍ (p-١٩٩)أحْبَبْتُمْ، فَتَواعَدُوا لِيَوْمِ الزِّينَةِ، وأنْ يُحْشَرَ النّاسُ ضُحًى.
قالَ سَعِيدٌ: فَحَدَّثَنِي ابْنُ عَبّاسٍ: أنَّ يَوْمَ الزِّينَةِ اليَوْمُ الَّذِي أظْهَرَ اللَّهُ فِيهِ مُوسى عَلى فِرْعَوْنَ والسَّحَرَةِ، هو يَوْمُ عاشُوراءَ.
فَلَمّا اجْتَمَعُوا في صَعِيدٍ واحِدٍ قالَ النّاسُ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: اذْهَبُوا فَلْنَحْضُرْ هَذا الأمْرَ، ونَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إنْ كانُوا هُمُ الغالِبِينَ. يَعْنُونَ بِذَلِكَ مُوسى وهارُونَ اسْتِهْزاءً بِهِما، فَقالُوا: يا مُوسى - لِقُدْرَتِهِمْ بِسِحْرِهِمْ - إمّا أنْ تُلْقِيَ وإمّا أنْ نَكُونَ نَحْنُ المُلْقِينَ. قالَ: ألْقُوا. فَألْقَوْا حِبالَهم وعِصِيَّهم وقالُوا: بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إنّا لَنَحْنُ الغالِبُونَ فَرَأى مُوسى مِن سِحْرِهِمْ ما أوْجَسَ في نَفْسِهِ خِيفَةً، فَأوْحى اللَّهُ إلَيْهِ: أنْ ألْقِ عَصاكَ، فَلَمّا ألْقاها صارَتْ ثُعْبانًا عَظِيمًا فاغِرَةً فاها، فَجَعَلَ العَصا، بِدَعْوَةِ مُوسى، تَلْتَبِسُ بِالحِبالِ حَتّى صارَتْ جَزَرًا إلى الثُّعْبانِ، تَدْخُلُ فِيهِ، حَتّى ما أبْقَتْ عَصًا ولا حِبالًا إلّا ابْتَلَعَتْهُ، فَلَمّا عَرَفَ السَّحَرَةُ ذَلِكَ قالُوا: لَوْ كانَ هَذا سِحْرًا لَمْ تَبْتَلِعْ مِن سِحْرِنا كُلَّ هَذا، ولَكِنَّ هَذا أمْرٌ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، آمَنّا بِاللَّهِ وبِما جاءَ بِهِ مُوسى، ونَتُوبُ إلى اللَّهِ مِمّا كُنّا عَلَيْهِ. فَكَسَرَ اللَّهُ ظَهْرَ فِرْعَوْنَ في ذَلِكَ المَوْطِنِ وأشْياعِهِ، وظَهَرَ الحَقُّ، وبَطَلَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ، فَغُلِبُوا هُنالِكَ وانْقَلَبُوا صاغِرِينَ، وامْرَأةُ فِرْعَوْنَ بارِزَةٌ مُتَبَذِّلَةٌ تَدْعُو اللَّهَ بِالنَّصْرِ لِمُوسى عَلى فِرْعَوْنَ (p-٢٠٠)فَمَن رَآها مِن آلِ فِرْعَوْنَ ظَنَّ أنَّها تَبَذَّلَتْ شَفَقَةً عَلى فِرْعَوْنَ وأشْياعِهِ، وإنَّما كانَ حُزْنُها وهَمُّها لِمُوسى.
فَلَمّا طالَ مُكْثُ مُوسى لِمَواعِدِ فِرْعَوْنَ الكاذِبَةِ، كُلَّما جاءَ بِآيَةٍ وعَدَ عِنْدَها أنْ يُرْسِلَ مَعَهُ بَنِي إسْرائِيلَ، فَإذا كُشِفَ ذَلِكَ نَكَثَ عَهْدَهُ، وأخْلَفَ وعْدَهُ.
حَتّى أُمِرَ مُوسى بِقَوْمِهِ فَخَرَجَ بِهِمْ لَيْلًا، فَلَمّا أصْبَحَ فِرْعَوْنُ ورَأى أنَّهم قَدْ مَضَوْا بَعَثَ في المَدائِنِ حاشِرِينَ، فَتَبِعَهم جُنُودٌ عَظِيمَةٌ كَثِيرَةٌ، وأوْحى اللَّهُ إلى البَحْرِ: إذا ضَرَبَكَ عَبْدِي مُوسى بِعَصاهُ فانْفَرِقْ لَهُ اثْنَيْ عَشَرَ فِرْقًا، حَتّى يَجُوزَ مُوسى ومَن مَعَهُ، ثُمَّ التَقِ بَعْدُ عَلى مَن بَقِيَ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ وأشْياعِهِ. فَنَسِيَ مُوسى أنْ يَضْرِبَ بِعَصاهُ فَدَفَعَ إلى البَحْرِ بِالعَصا ولَهُ قَصِيفٌ، مَخافَةَ أنْ يَضْرِبَهُ مُوسى بِعَصاهُ وهو غافِلٌ فَيَصِيرَ عاصِيًا.
فَلَمّا تَراءى الجَمْعانِ وتَقارَبا، قالَ أصْحابُ مُوسى: إنّا لَمُدْرَكُونَ، فافْعَلْ ما أمَرَكَ بِهِ رَبُّكَ فَإنَّكَ لَمْ تُكْذَبْ ولَمْ تَكْذِبْ، قالَ: وعَدَنِي رَبِّي إذا انْتَهَيْتُ إلى البَحْرِ أنْ يَنْفَرِقَ لِي حَتّى أجُوزَ، ثُمَّ ذَكَرَ بَعْدَ ذَلِكَ العَصا، فَضَرَبَ البَحْرَ حِينَ دَنا أوائِلُ جُنْدِ فِرْعَوْنَ مِن أواخِرِ جُنْدِ مُوسى، فانْفَرَقَ البَحْرُ كَما أمَرَ اللَّهُ، وكَما وُعِدَ مُوسى، فَلَمّا جازَ أصْحابُ مُوسى كُلُّهُمُ ودَخَلَ أصْحابُ فِرْعَوْنَ كُلُّهُمُ، التَقى البَحْرُ عَلَيْهِمُ كَما أمَرَهُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، فَلَمّا أنْ جاوَزَ البَحْرَ قالَ أصْحابُ مُوسى: إنّا لَمُدْرَكُونَ؛ إنّا نَخافُ ألّا يَكُونَ فِرْعَوْنُ غَرِقَ ولا نُؤْمِنُ بِهَلاكِهِ ! فَدَعا رَبَّهُ فَأخْرَجَهُ لَهُ (p-٢٠١)بِبَدَنِهِ مِنَ البَحْرِ حَتّى اسْتَيْقَنُوا.
ثُمَّ مَرُّوا بَعْدَ ذَلِكَ عَلى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلى أصْنامٍ لَهم: قالُوا: يا مُوسى اجْعَلْ لَنا إلَهًا كَما لَهم آلِهَةٌ. قالَ: إنَّكم قَوْمٌ تَجْهَلُونَ، إنَّ هَؤُلاءِ مُتَبَّرٌ ما هم فِيهِ، وباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ، قَدْ رَأيْتُمْ مِنَ العِبَرِ ما يَكْفِيكم وسَمِعْتُمْ بِهِ. فَمَضى، حَتّى أنْزَلَهم مَنزِلًا، ثُمَّ قالَ لَهم: أطِيعُوا هارُونَ، فَإنِّي قَدِ اسْتَخْلَفْتُهُ عَلَيْكم، وإنِّي ذاهِبٌ إلى رَبِّي. وأجَّلَهم ثَلاثِينَ يَوْمًا أنْ يَرْجِعَ إلَيْهِمْ فِيها، فَلَمّا أتى رَبَّهُ وأرادَ أنْ يُكَلِّمَهُ في ثَلاثِينَ يَوْمًا قَدْ صامَهُنَّ لَيْلَهُنَّ ونَهارَهُنَّ، كَرِهَ أنْ يُكَلِّمَ رَبَّهُ ورِيحُ فَمِهِ رِيحُ فَمِ الصّائِمِ، فَتَناوَلَ مُوسى مِن نَباتِ الأرْضِ شَيْئًا فَمَضَغَهُ، فَقالَ لَهُ رَبُّهُ حِينَ أتاهُ: لِمَ أفْطَرْتَ ؟ وهو أعْلَمُ بِالَّذِي كانَ، قالَ: يا رَبِّ، إنِّي كَرِهْتُ أنْ أُكَلِّمَكَ إلّا وفَمِي طَيِّبُ الرِّيحِ. قالَ: أوَما عَلِمْتَ يا مُوسى أنَّ رِيحَ فَمِ الصّائِمِ أطْيَبُ عِنْدِي مِن رِيحِ المِسْكِ، ارْجِعْ حَتّى تَصُومَ عَشَرَةَ أيّامٍ ثُمَّ ائْتِنِي. فَفَعَلَ مُوسى الَّذِي أمَرَهُ اللَّهُ بِهِ.
فَلَمّا رَأى قَوْمُ مُوسى أنَّهُ لَمْ يَأْتِهِمْ لِلْأجَلِ، ساءَهم ذَلِكَ. وكانَ هارُونُ قَدْ خَطَبَهم وقالَ لَهم: إنَّكم خَرَجْتُمْ مِن مِصْرَ، وعِنْدَكم ودائِعُ لِقَوْمِ فِرْعَوْنَ وعَوارِي، ولَكم فِيهِمْ مِثْلُ ذَلِكَ، وأنا أرى أنْ تَحْتَسِبُوا ما كانَ لَكَمَ عِنْدَهم، ولا أحِلُّ لَكم ودِيعَةً اسْتُودِعْتُمُوها ولا عارِيَةً، ولَسْنا نَرى أداءَ شَيْءٍ مِن ذَلِكَ (p-٢٠٢)إلَيْهِمْ ولا مُمْسِكِيهِ، فَحَفَرَ حُفَيْرَةً، وأمَرَ كُلَّ قَوْمٍ عِنْدَهم شَيْءٌ مِن ذَلِكَ مِن مَتاعٍ أوْ حِلْيَةٍ بِأنْ يَدْفِنُوهُ في الحُفَيْرَةِ، ثُمَّ أوْقَدَ عَلَيْهِ النّارَ فَأحْرَقَهُ، وقالَ: لا يَكُونُ لَنا ولا لَهم.
وكانَ السّامِرِيُّ مَن قَوْمٍ يَعْبُدُونَ البَقَرَ، لَيْسَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ بَلْ جارٌ لَهُمْ، فاحْتَمَلَ مَعَ بَنِي إسْرائِيلَ حِينَ احْتَمَلُوا، فَقُضِيَ لَهُ أنْ رَأى أثَرَ الفَرَسِ، فَقَبَضَ مِنهُ قَبْضَةً، فَمَرَّ بِهارُونَ، فَقالَ لَهُ هارُونُ: يا سامِرِيُّ، ألا تُلْقِي ما في يَدَيْكَ ؟ وهو قابِضٌ عَلَيْهِ، لا يَراهُ أحَدٌ طِوالَ ذَلِكَ، فَقالَ: هَذِهِ قَبْضَةٌ مِن أثَرِ الرَّسُولِ الَّذِي جاوَزَ بِكُمُ البَحْرَ، فَلا أُلْقِيها لِشَيْءٍ إلّا أنْ تَدْعُوَ اللَّهَ إذا ألْقَيْتُها أنْ يَكُونَ ما أُرِيدُ. قالَ: فَألْقاها ودَعا لَهُ هارُونُ، فَقالَ: أُرِيدُ أنْ يَكُونَ عِجْلًا. فاجْتَمَعَ ما كانَ في الحُفَيْرَةِ مِن مَتاعٍ؛ نُحاسٍ أوْ حَدِيدٍ أوْ حُلِيٍّ، فَصارَ عِجْلًا أجْوَفَ. لَيْسَ فِيهِ رُوحٌ، لَهُ خُوارٌ.
فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: واللَّهِ، ما كانَ لَهُ صَوْتٌ، ولَكِنَّ الرِّيحَ كانَتْ تَدْخُلُ مِن دُبُرِهِ وتَخْرُجُ مِن فِيهِ، فَكانَ ذَلِكَ الصَّوْتُ مِن ذَلِكَ.
فَتَفَرَّقَ بَنُو إسْرائِيلَ فِرَقًا، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: يا سامِرِيُّ، ما هَذا فَإنَّكَ أنْتَ أعْلَمُ بِهِ ؟ فَقالَ: هَذا رَبُّكم ولَكِنَّ مُوسى أخْطَأ الطَّرِيقَ. فَقالُوا: لا نُكَذِّبُ بِهَذا حَتّى (p-٢٠٣)يَرْجِعَ إلَيْنا مُوسى، فَإنْ يَكُ رَبَّنا لَمْ نَكُنْ ضَيَّعْنا وعَجَزْنا فِيهِ حِينَ رَأيْناهُ، وإنْ لَمْ يَكُنْ رَبَّنا فَإنّا نَتْبَعُ قَوْلَ مُوسى. وقالَتْ فِرْقَةٌ: هَذا مِن عَمَلِ الشَّيْطانِ، ولَيْسَ رَبَّنا ولا نُصَدِّقُ بِهِ ولا نُؤْمِنُ، وأُشْرِبَ فِرْقَةٌ في قُلُوبِهِمُ التَّصْدِيقَ بِما قالَ السّامِرِيُّ في العِجْلِ، وأعْلَنُوا التَّكْذِيبَ، فَقالَ لَهم هارُونُ: ﴿يا قَوْمِ إنَّما فُتِنْتُمْ بِهِ وإنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ﴾ [طه: ٩٠]، ولَيْسَ هَكَذا، قالُوا: فَما بالُ مُوسى وعَدَنا ثَلاثِينَ يَوْمًا، ثُمَّ أخْلَفَنا، فَهَذِهِ أرْبَعُونَ لَيْلَةً ؟ فَقالَ سُفَهاؤُهم: أخْطَأ رَبَّهُ فَهو يَطْلُبُهُ ويَتْبَعُهُ.
فَلَمّا كَلَّمَ اللَّهُ مُوسى وقالَ ما قالَ لَهُ، أخْبَرَهُ بِما لَقِيَ قَوْمُهُ مِن بَعْدِهِ، ﴿فَرَجَعَ مُوسى إلى قَوْمِهِ غَضْبانَ أسِفًا﴾ [طه: ٨٦]، فَقالَ لَهم ما سَمِعْتُمْ في القُرْآنِ، وألْقى الألْواحَ وأخَذَ بِرَأْسِ أخِيهِ يَجُرُّهُ إلَيْهِ مِنَ الغَضَبِ، غَيْرَ أنَّهُ عَذَرَ أخاهُ واسْتَغْفَرَ رَبَّهُ، ثُمَّ انْصَرَفَ إلى السّامِرِيِّ فَقالَ لَهُ: ما حَمَلَكَ عَلى ما صَنَعْتَ ؟ فَقالَ: قَبَضْتُ قَبْضَةً مِن أثَرِ الرَّسُولِ، وفَطِنْتُ لَها وعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ، فَقَذَفْتُها، وكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي، قالَ: ﴿فاذْهَبْ فَإنَّ لَكَ في الحَياةِ أنْ تَقُولَ لا مِساسَ﴾ [طه: ٩٧] إلى قَوْلِهِ: ﴿فِي اليَمِّ نَسْفًا﴾ [طه: ٩٧] ولَوْ كانَ إلَهًا لَمْ يَخْلُصْ إلى ذَلِكَ مِنهُ.
فاسْتَيْقَنَ بَنُو إسْرائِيلَ بِالفِتْنَةِ، واغْتَبَطَ الَّذِينَ كانَ رَأْيُهم فِيهِ رَأْيَ هارُونَ، فَقالُوا: يا مُوسى، سَلْ رَبَّكَ أنْ يَفْتَحَ لَنا بابَ تَوْبَةٍ نَعْمَلُها وتُكَفِّرُ عَنّا ما عَمِلْنا. فاخْتارَ مُوسى مِن قَوْمِهِ سَبْعِينَ رَجُلًا لِذَلِكَ، لا يَأْلُو الخَيْرَ؛ خِيارَ بَنِي إسْرائِيلَ، ومَن لَمْ يُشْرِكْ في العِجْلِ، فانْطَلَقَ بِهِمْ لِيَسْألَ رَبَّهَمُ التَّوْبَةَ، فَرَجَفَتِ الأرْضُ بِهِمْ، فاسْتَحْيا مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ مِن قَوْمِهِ ووَفْدِهِ حِينَ فُعِلَ بِهِمْ ذَلِكَ، فَقالَ: ﴿رَبِّ لَوْ شِئْتَ أهْلَكْتَهم مِن قَبْلُ وإيّايَ أتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ مِنّا﴾ [الأعراف: ١٥٥] (p-٢٠٤)الآيَةَ [ الأعْرافِ: ١٥٥ ] ومِنهم مَن قَدِ اطَّلَعَ اللَّهُ مِنهُ عَلى ما أُشْرِبَ قَلْبُهُ العِجْلَ والإيمانَ بِهِ؛ فَلِذَلِكَ رَجَفَتْ بِهِمُ الأرْضُ، فَقالَ: ﴿ورَحْمَتِي وسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٦] إلى قَوْلِهِ: ﴿والإنْجِيلِ﴾ [الأعراف: ١٥٧] [ الأعْرافِ: ١٥٦ ] . فَقالَ: رَبِّ، سَألْتُكَ التَّوْبَةَ لِقَوْمِي، فَقُلْتَ: إنَّ رَحْمَتِكَ كَتَبْتُها لِقَوْمٍ غَيْرِ قَوْمِي، فَلَيْتَكَ أخَّرْتَنِي حَتّى أخْرُجَ في أُمَّةِ ذَلِكَ الرَّجُلِ المَرْحُومَةِ. قالَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: فَإنَّ تَوْبَتَهم أنْ يَقْتُلَ كُلُّ رَجُلٍ مِنهم كُلَّ مَن لَقِيَ مِن والِدٍ ووَلَدٍ، فَيَقْتُلَهُ بِالسَّيْفِ، ولا يُبالِي مَن قَتَلَ في ذَلِكَ المَوْطِنِ. فَتابَ أُولَئِكَ الَّذِينَ كانَ خَفِيَ عَلى مُوسى وهارُونَ، وما اطَّلَعَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِن ذُنُوبِهِمْ فاعْتَرَفُوا بِها، وفَعَلُوا ما أُمِرُوا بِهِ، فَغَفَرَ اللَّهُ لِلْقاتِلِ والمَقْتُولِ.
ثُمَّ سارَ بِهِمْ مُوسى مُتَوَجِّهًا نَحْوَ الأرْضِ المُقَدَّسَةِ، فَأخَذَ الألْواحَ بَعْدَ ما سَكَتَ عَنْهُ الغَضَبُ، وأمَرَهم بِالَّذِي أمَرَهُ اللَّهُ أنْ يُبَلِّغَهم مِنَ الوَظائِفِ، فَثَقُلَتْ عَلَيْهِمْ، وأبَوْا أنْ يُقِرُّوا بِها، حَتّى نَتَقَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الجَبَلَ كَأنَّهُ ظُلَّةٌ، ودَنا مِنهم حَتّى خافُوا أنْ يَقَعَ عَلَيْهِمْ، فَأخَذُوا الكِتابَ بِأيْمانِهِمْ وهم مُصْغُونَ يَنْظُرُونَ إلى الأرْضِ، والكِتابُ الَّذِي أخَذُوهُ بِأيْدِيهِمْ، وهم يَنْظُرُونَ إلى الجَبَلِ مَخافَةَ أنْ يَقَعَ عَلَيْهِمْ.
ثُمَّ مَضَوْا حَتّى أتَوُا الأرْضَ المُقَدَّسَةَ، فَوَجَدُوا فِيها مَدِينَةَ جَبّارِينَ خَلْقُهم خَلْقٌ (p-٢٠٥)مُنْكَرٌ، وذَكَرُوا مِن ثِمارِهِمْ أمْرًا عَجِيبًا مِن عِظَمِها - فَقالُوا: يا مُوسى إنَّ فِيها قَوْمًا جَبّارِينَ، لا طاقَةَ لَنا اليَوْمَ بِهِمْ، ولا نَدْخُلُها ما دامُوا فِيها، فَإنْ يَخْرُجُوا مِنها فَإنّا داخِلُونَ. قالَ رَجُلانِ مِنَ الجَبّارِينَ، آمَنا بِمُوسى، فَخَرَجا إلَيْهِ، فَقالا: نَحْنُ أعْلَمُ بِقَوْمِنا، إنْ كُنْتُمْ تَخافُونَ ما رَأيْتُمْ مِن أجْسامِهِمْ وعَدَدِهِمْ، فَإنَّهم لَيْسَ لَهم قُلُوبٌ، ولا مَنعَةَ عِنْدَهم، فادْخُلُوا عَلَيْهِمُ البابَ، فَإذا دَخَلْتُمُوهُ فَإنَّكم غالِبُونَ. ويَقُولُ أُناسٌ: إنَّهُما مِن قَوْمِ مُوسى. وزَعَمَ سَعِيدٌ أنَّهُما مِنَ الجَبّارِينَ آمَنا بِمُوسى، يَقُولُ: ﴿مِنَ الَّذِينَ يَخافُونَ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِما﴾ [المائدة: ٢٣] [ المائِدَةِ: ٢٣ ] وإنَّما يَعْنِي بِذَلِكَ الَّذِينَ يَخافُهم بَنُو إسْرائِيلَ، فَقالُوا: ﴿قالُوا يا مُوسى إنّا لَنْ نَدْخُلَها أبَدًا ما دامُوا فِيها فاذْهَبْ أنْتَ ورَبُّكَ فَقاتِلا إنّا ها هُنا قاعِدُونَ﴾ [المائدة: ٢٤] [ المائِدَةِ: ٢٤ ] . فَأغْضَبُوا مُوسى، فَدَعا عَلَيْهِمْ فَسَمّاهم فاسِقِينَ، ولَمْ يَدْعُ عَلَيْهِمْ قَبْلَ ذَلِكَ، لِما رَأى فِيهِمْ مِنَ المَعْصِيَةِ وإساءَتِهِمْ حَتّى كانَ يَوْمَئِذٍ، فاسْتَجابَ اللَّهُ لَهُ وسَمّاهم كَما سَمّاهم مُوسى فاسِقِينَ، فَحَرَّمَها عَلَيْهِمْ أرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ في الأرْضِ، يُصْبِحُونَ كُلَّ يَوْمٍ فَيَسِيرُونَ، لَيْسَ لَهم قَرارٌ.
ثُمَّ ظَلَّلَ عَلَيْهِمُ في التِّيهِ بِالغَمامِ، وأنْزَلَ عَلَيْهِمُ المَنَّ والسَّلْوى، وجَعَلَ لَهم ثِيابًا لا تَبْلى ولا تَتَّسِخُ، وجَعَلَ بَيْنَ ظَهْرانِيهِمْ حَجَرًا مُرَبَّعًا، وأمَرَ مُوسى فَضَرَبَهُ بِعَصاهُ. فانْفَجَرَتْ مِنهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْنًا، في كُلِّ ناحِيَةٍ ثَلاثُ عُيُونٍ، وأعْلَمَ كُلَّ سِبْطٍ عَيْنَهُمُ الَّتِي يَشْرَبُونَ مِنها، لا يَرْتَحِلُونَ مِن مَنقَلَةٍ إلّا وجَدُوا ذَلِكَ الحَجَرَ مِنهم بِالمَكانِ الَّذِي كانَ مِنهم بِالمَنزِلِ الأوَّلِ.
(p-٢٠٦)رَفَعَ ابْنُ عَبّاسٍ هَذا الحَدِيثَ إلى النَّبِيِّ ﷺ، وصَدَّقَ ذَلِكَ عِنْدِي أنَّ مُعاوِيَةَ بْنَ أبِي سُفْيانَ سَمِعَ مِنِ ابْنِ عَبّاسٍ هَذا الحَدِيثَ، فَأنْكَرَ عَلَيْهِ أنْ يَكُونَ الفِرْعَوْنِيُّ هو الَّذِي أفْشى عَلى مُوسى أمْرَ القَتِيلِ. وقالَ: إنَّما أفْشى عَلَيْهِ الإسْرائِيلِيُّ. فَأخَذَ ابْنُ عَبّاسٍ بِيَدِهِ فانْطَلَقَ بِهِ إلى سَعْدِ بْنِ مالِكٍ الزُّهْرِيِّ، فَقالَ: «أرَأيْتَ يَوْمَ حَدَّثَنا النَّبِيُّ ﷺ عَنْ قَتِيلِ مُوسى مِن آلِ فِرْعَوْنَ ؟ مَن أفْشى عَلَيْهِ، الإسْرائِيلِيُّ أمِ الفِرْعَوْنِيُّ ؟ قالَ: أفْشى عَلَيْهِ الفِرْعَوْنِيُّ، بِما سَمِعَ مِنَ الإسْرائِيلِيِّ الَّذِي شَهِدَ عَلى ذَلِكَ وحَضَرَهُ» .
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَبِثْتَ سِنِينَ﴾ الآياتِ.
أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿فَلَبِثْتَ سِنِينَ في أهْلِ مَدْيَنَ﴾ قالَ: عَشْرَ سِنِينَ: ﴿ثُمَّ جِئْتَ عَلى قَدَرٍ يا مُوسى﴾ قالَ: عَلى قَدَرِ الرِّسالَةِ والنُّبُوَّةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ جِئْتَ عَلى قَدَرٍ﴾ قالَ: لِمِيقاتٍ.
(p-٢٠٧)وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ جِئْتَ عَلى قَدَرٍ﴾ قالَ: عَلى مَوْعِدٍ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولا تَنِيا في ذِكْرِي﴾ قالَ: لا تَضْعُفا.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ قَتادَةَ مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ مُجاهِدٍ مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ الطَّسْتِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّ نافِعَ بْنَ الأزْرَقِ قالَ لَهُ: أخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِهِ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ولا تَنِيا في ذِكْرِي﴾ قالَ: ولا تَضْعُفا عَنْ أمْرِي، قالَ: وهَلْ تَعْرِفُ العَرَبُ ذَلِكَ؟ قالَ: نَعَمْ، أما سَمِعْتَ الشّاعِرَ وهو يَقُولُ:
؎إنِّي وجَدِّكَ مَلَّ ونَيْتُ وإنَّنِي أبْغِي الفِكاكَ لَهُ بِكُلِّ سَبِيلِ
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولا تَنِيا﴾ قالَ: لا تُبْطِئا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عَلِيِّ في قَوْلِهِ: ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلا لَيِّنًا﴾ قالَ: كَنِّهِ.
(p-٢٠٨)وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلا لَيِّنًا﴾ قالَ: كَنِّياهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سُفْيانَ الثَّوْرِيِّ: ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلا لَيِّنًا﴾ قالَ: كَنِّياهُ: يا أبا مُرَّةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ عِكْرِمَةَ: ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلا لَيِّنًا﴾ قالَ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ: ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلا لَيِّنًا﴾ قالَ أعْذِرا إلَيْهِ وقُولا لَهُ: إنَّ لَكَ رِبًّا ولَكَ مَعادًا وإنَّ بَيْنَ يَدَيْكَ جَنَّةً ونارًا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الفَضْلِ بْنِ عِيسى الرَّقاشِيِّ، أنَّهُ تَلا هَذِهِ الآيَةَ: ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلا لَيِّنًا﴾ فَقالَ: يا مَن يَتَحَبَّبُ إلى أعادِيهِ، فَكَيْفَ بِمَن يَتَوَلّى ويُنادِيهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ﴾ قالَ: هَلْ يَتَذَكَّرُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّنا نَخافُ أنْ يَفْرُطَ عَلَيْنا﴾ قالَ: يَعْجَلَ: ﴿أوْ أنْ يَطْغى﴾ قالَ: يَعْتَدِيَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّنا نَخافُ أنْ يَفْرُطَ عَلَيْنا أوْ أنْ يَطْغى﴾ قالَ: عُقُوبَةً مِنهُ.
(p-٢٠٩)وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ في قَوْلِهِ: ﴿لا تَخافا إنَّنِي مَعَكُما أسْمَعُ وأرى﴾ قالَ: أسْمَعُ ما يَقُولُ: وأرى ما يُجاوِبُكُما بِهِ، فَأُوحِي إلَيْكُما فَتُجاوِباهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: لَمّا بَعَثَ اللَّهُ مُوسى إلى فِرْعَوْنَ قالَ: رَبِّ أيَّ شَيْءٍ أقُولُ؟ قالَ: قُلْ: هَيّا شَرًّا هَيّا، قالَ الأعْمَشُ: تَفْسِيرُ ذَلِكَ: الحَيُّ قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ، والحَيُّ بَعْدَ كُلِّ شَيْءٍ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ في“ الزُّهْدِ "، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: لَمّا بَعَثَ اللَّهُ مُوسى إلى فِرْعَوْنَ قالَ: لا يَغُرَّنَّكُما لِباسُهُ الَّذِي ألْبَسْتُهُ، فَإنَّ ناصِيَتَهُ بِيَدِي، فَلا يَنْطِقُ ولا يَطْرِفُ إلّا بِإذْنِي، ولا يَغُرَّنَّكُما ما مُتِّعَ بِهِ مِن زَهْرَةِ الدُّنْيا وزِينَةِ المُتْرَفِينَ، فَلَوْ شِئْتُ أنْ أُزَيِّنَكُما مِن زِينَةِ الدُّنْيا بِشَيْءٍ يِعْرِفُ فِرْعَوْنُ أنَّ قُدْرَتَهُ تَعْجِزُ عَنْ ذَلِكَ لَفَعَلْتُ، ولَيْسَ ذَلِكَ لِهَوانِكُما عَلَيَّ، ولَكِنِّي ألْبَسْتُكُما نَصِيبَكُما مِنَ الكَرامَةِ عَلى ألّا تَنْقُصَكُما الدُّنْيا شَيْئًا وإنِّي لَأذُودَ أوْلِيائِي عَنِ الدُّنْيا كَما يَذُودُ الرّاعِي إبِلَهُ عَنْ مَبارِكِ العُرَّةِ، وإنِّي لَأُجَنِّبُهم كَما يُجَنِّبُ الرّاعِي إبِلَهُ عَنْ مَراتِعِ الهِلْكَةِ، أُرِيدُ أنْ أُنَوِّرَ بِذَلِكَ صُدُورَهُمْ، وأُطَهِّرَ بِذَلِكَ قُلُوبَهم في سِيماهُمُ الَّذِي (p-٢١٠)يُعْرَفُونَ بِهِ، وأمَرُهُمُ الَّذِي يَفْتَخِرُونَ بِهِ. واعْلَمْ: أنَّ مَن أخافَ لِي ولِيًّا فَقَدْ بارَزَنِي بِالعَداوَةِ، وأنا الثّائِرُ لِأوْلِيائِي يَوْمَ القِيامَةِ.
طه 20:45
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقَتَلْتَ نَفْسًا فَنَجَّيْناكَ مِنَ الغَمِّ وفَتَنّاكَ فُتُونًا﴾ .
أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، والخَطِيبُ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إنَّما قَتَلَ مُوسى الَّذِي قَتَلَ مِن آلِ فِرْعَوْنَ خَطَأً.
(p-١٨٨)يَقُولُ اللَّهُ: ﴿وقَتَلْتَ نَفْسًا فَنَجَّيْناكَ مِنَ الغَمِّ﴾ [طه»: ٤٠] .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَنَجَّيْناكَ مِنَ الغَمِّ﴾ قالَ: مِن قَتْلِ النَّفْسِ: ﴿وفَتَنّاكَ فُتُونًا﴾ قالَ: أخْلَصْناكَ إخْلاصًا.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وفَتَنّاكَ فُتُونًا﴾ قالَ: أبْتَلَيْناكَ ابْتِلاءً.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وفَتَنّاكَ فُتُونًا﴾ قالَ: ابْتَلَيْناكَ بِبَلاءِ نِعْمَةٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وفَتَنّاكَ فُتُونًا﴾ قالَ: اخْتَبَرْناكَ اخْتِبارًا.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وفَتَنّاكَ فُتُونًا﴾ قالَ: بَلاءُ إلْقائِهِ في التّابُوتِ، ثُمَّ في اليَمِّ، ثُمَّ التِقاطُ آلِ فِرْعَوْنَ إيّاهُ ثُمَّ خُرُوجُهُ خائِفًا يَتَرَقَّبُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي عُمَرَ العَدَنِيُّ في ”مَسْنَدِهِ“، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والنَّسائِيُّ، وأبُو يَعْلى، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ «عَنْ سَعِيدِ بْنِ (p-١٨٩)جِبِّيرٍ» قالَ: سَألْتُ ابْنَ عَبّاسٍ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ تَعالى لِمُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ: ﴿وفَتَنّاكَ فُتُونًا﴾ . فَسَألَتْ عَنِ الفُتُونِ ما هو فَقالَ: اسْتَأْنِفِ النَّهارَ يا ابْنَ جُبَيْرٍ؛ فَإنَّ لَها حَدِيثًا طَوِيلًا. فَلَمّا أصْبَحْتُ غَدَوْتُ عَلى ابْنِ عَبّاسٍ لِأتَنَجَّزَ ما وعَدَنِي مِن حَدِيثِ الفُتُونِ، فَقالَ: تَذاكَرَ فِرْعَوْنُ وجُلَساؤُهُ ما كانَ اللَّهُ وعَدَ إبْراهِيمَ مِن أنْ يَجْعَلَ في ذُرِّيَّتِهِ أنْبِياءَ ومُلُوكًا، فَقالَ بَعْضُهم: إنَّ بَنِي إسْرائِيلَ يَنْتَظِرُونَ ذَلِكَ وما يَشُكُّونَ فِيهِ، ولَقَدْ كانُوا يَظُنُّونَ أنَّهُ يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ، فَلَمّا هَلَكَ، قالُوا: لَيْسَ هَذا كانَ وعْدَ اللَّهِ إبْراهِيمَ. قالَ فِرْعَوْنُ: فَكَيْفَ تَرَوْنَ ؟ فَأْتَمَرُوا بَيْنَهم، وأجْمَعُوا أمْرَهم عَلى أنْ يَبْعَثَ رِجالًا مَعَهُمُ الشِّفارُ، يَطُوفُونَ في بَنِي إسْرائِيلَ؛ فَلا يَجِدُونَ مَوْلُودًا ذَكَرًا إلّا ذَبَحُوهُ، فَفَعَلُوا، فَلَمّا رَأوْا أنَّ الكِبارَ يَمُوتُونَ بِآجالِهِمْ، وأنَّ الصَّغارَ يُذْبَحُونَ، قالُوا: يُوشِكُ أنْ يَفْنى بَنُو إسْرائِيلَ، فَتَصِيرُوا أنْ تُباشِرُوا الأعْمالَ والخِدْمَةَ الَّتِي كانُوا يَكْفُونَكم، فاقْتُلُوا عامًا كُلَّ مَوْلُودٍ ذَكَرٍ، فَيَقِلَّ أبَناؤُهم، ودَعُوا عامًا لا تَقْتَلُوا مِنهم أحَدًا، فَتَشُبُّ الصِّغارُ مَكانَ مَن يَمُوتُ مِنَ الكِبارِ، فَإنَّهم لَنْ يَكْثُرُوا فَتَخافُونَ مُكاثَرَتَهم إيّاكم، ولَنْ يَفْنَوْا بِمَن تَقْتُلُونَ، فَتَحْتاجُونَ إلَيْهِمْ. فَأجْمَعُوا أمْرَهم عَلى ذَلِكَ، فَحَمَلَتْ أُمُّ مُوسى بِهارُونَ في العامِ الَّذِي لا يُذْبَحُ فِيهِ الغِلْمانُ، فَوَلَدَتْهُ عَلانِيَةً آمِنَةً، حَتّى إذا كانَ في قابِلٍ حَمَلَتْ بِمُوسى، فَوَقَعَ في قَلْبِها الهَمُّ (p-١٩٠)والحُزْنُ، وذَلِكَ مِنَ الفُتُونِ يا ابْنَ جُبَيْرٍ؛ ما دَخَلَ عَلَيْهِ في بَطْنِ أُمِّهِ مِمّا يُرادُ بِهِ، فَأوْحى اللَّهُ إلَيْها أنْ: ﴿ولا تَخافِي ولا تَحْزَنِي إنّا رادُّوهُ إلَيْكِ وجاعِلُوهُ مِنَ المُرْسَلِينَ﴾ [القصص: ٧] [ القَصَصِ: ٧ ]، وأمَرَها إذا ولَدَتْهُ أنْ تَجْعَلَهُ في تابُوتٍ، ثُمَّ تُلْقِيَهِ في اليَمِّ، فَلَمّا ولَدَتْهُ فَعَلَتْ ما أُمِرَتْ بِهِ، حَتّى إذا تَوارى عَنْها ابْنُها أتاها الشَّيْطانُ، وقالَتْ في نَفْسِها: ما فَعَلْتُ بِابْنِي ؟ لَوْ ذُبِحَ عِنْدِي فَوارَيْتُهُ وكَفَّنْتُهُ كانَ أحَبَّ إلَيَّ مِن أنْ أُلْقِيَهُ بِيَدِي إلى دَوابِّ البَحْرِ وحِيتانِهِ.
فانْطَلَقَ بِهِ الماءُ حَتّى أوْفى بِهِ عِنْدَ فُرْضَةِ مُسْتَقى جَوارِي امْرَأةِ فِرْعَوْنَ، فَرَأيْنَهُ فَأخَذْنَهُ، فَهَمَمْنَ أنْ يَفْتَحْنَ البابَ، فَقالَ بَعْضُهُنَّ لِبَعْضٍ: إنَّ في هَذا لَمالًا، وإنّا إنْ فَتَحْناهُ لَمْ تُصَدِّقْنا امْرَأةُ فِرْعَوْنَ بِما وجَدْنا فِيهِ. فَحَمَلْنَهُ بِهَيْئَتِهِ لَمْ يُحَرِّكْنَ مِنهُ شَيْئًا حَتّى دَفَعْنَهُ إلَيْها، فَلَمّا فَتَحَتْهُ رَأتْ فِيهِ الغُلامَ، فَأُلْقِيَ عَلَيْهِ مِنها مَحَبَّةٌ لَمْ يُلْقَ مِنها عَلى أحَدٍ مِنَ البَشَرِ قَطُّ ﴿وأصْبَحَ فُؤادُ أُمِّ مُوسى فارِغًا﴾ [القصص: ١٠] [ القَصَصِ: ١٠ ] مِن ذِكْرِ كُلِّ شَيْءٍ إلّا مِن ذِكْرِ مُوسى.
فَلَمّا سَمِعَ الذَّبّاحُونَ بِأمْرِهِ، أقْبَلُوا إلى امْرَأةِ فِرْعَوْنَ بِشِفارِهِمْ، يُرِيدُونَ أنْ يَذْبَحُوهُ - وذَلِكَ مِنَ الفُتُونِ يا ابْنَ جُبَيْرٍ. فَقالَتْ لِلذَّبّاحِينَ: آمِرُونِي، فَإنَّ هَذا (p-١٩١)الواحِدَ لا يَزِيدُ في بَنِي إسْرائِيلَ، فَإنِّي آتِي فِرْعَوْنَ فَأسْتَوْهِبُهُ إيّاهُ، فَإنْ وهَبَهُ لِي فَقَدْ أحْسَنْتُمْ وأجْمَلْتُمْ، وإنْ أمَرَ بِذَبْحِهِ لَمْ ألُمْكم. فَلَمّا أتَتْ بِهِ فِرْعَوْنَ، قالَتْ: ﴿قُرَّتُ عَيْنٍ لِي ولَكَ﴾ [القصص: ٩] [ القَصَصِ: ٩ ]، قالَ فِرْعَوْنُ: يَكُونُ لَكِ، وأمّا أنا فَلا حاجَةَ لِي فِيهِ.
فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: والَّذِي يُحْلَفُ بِهِ، لَوْ أقَرَّ فِرْعَوْنُ أنْ يَكُونَ قُرَّةَ عَيْنٍ لَهُ كَما قالَتِ امْرَأتُهُ، لَهَداهُ اللَّهُ بِهِ كَما هَدى بِهِ امْرَأتَهُ، ولَكِنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ حَرَمَهُ ذَلِكَ.
فَأرْسَلَتْ إلى مَن حَوْلَها مِن كُلِّ امْرَأةٍ لَها لَبَنٌ، لِتَخْتارَ لَهُ ظِئْرًا، فَكُلَّما أخَذَتْهُ امْرَأةٌ مِنهُنَّ لِتُرْضِعَهُ لَمْ يَقْبَلْ ثَدْيَها، حَتّى أشْفَقَتِ امْرَأةُ فِرْعَوْنَ أنْ يَمْتَنِعَ مِنَ اللَّبَنِ فَيَمُوتَ، فَأحْزَنَها ذَلِكَ، فَأمَرَتْ بِهِ فَأُخْرِجَ إلى السُّوقِ ومَجْمَعِ النّاسِ، تَرْجُو أنْ تَجِدَ لَهُ ظِئْرًا يَأْخُذُ مِنها، فَلَمْ يَفْعَلْ، وأصْبَحَتْ أُمُّ مُوسى والِهًا، فَقالَتْ لِأُخْتِهِ: قُصِّي أثَرَهُ واطْلُبِيهِ، هَلْ تَسْمَعِينَ لَهُ ذِكْرًا ؟ أحَيٌّ ابْنِي أمْ قَدْ أكَلَتْهُ الدَّوابُّ؟ ونَسِيَتِ الَّذِي كانَ وعَدَها اللَّهُ.
فَبَصُرَتْ بِهِ أُخْتُهُ عَنْ جُنُبٍ وهم لا يَشْعُرُونَ - والجُنُبُ أنْ يَسْمُوَ بَصَرُ الإنْسانِ إلى شَيْءٍ بَعِيدٍ وهو إلى جَنْبِهِ، وهو لا يَشْعُرُ بِهِ - فَقالَتْ مِنَ الفَرَحِ حِينَ (p-١٩٢)أعْياهُمُ الظُّئُوراتُ: أنا أدُلُّكم عَلى أهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكم وهم لَهُ ناصِحُونَ، فَأخَذُوها، فَقالُوا: وما يُدْرِيكِ ما نُصْحُهم لَهُ ؟ هَلْ يَعْرِفُونَهُ ؟ حَتّى شَكُّوا في ذَلِكَ - وذَلِكَ مِنَ الفُتُونِ يا ابْنَ جُبَيْرٍ - فَقالَتْ: نُصْحُهم لَهُ وشَفَقَتُهم عَلَيْهِ رَغْبَتُهم في صِهْرِ المَلِكِ رَجاءَ مَنفَعَتِهِ. فَتَرَكُوها، فانْطَلَقَتْ إلى أُمِّهِ فَأخْبَرَتْها الخَبَرَ، فَجاءَتْ، فَلَمّا وضَعَتْهُ في حَجْرِها نَزا إلى ثَدْيِها فَمَصَّهُ حَتّى امْتَلَأ جَنْباهُ رِيًّا، وانْطَلَقَ البُشَراءُ إلى امْرَأةِ فِرْعَوْنَ يُبَشِّرُونَها: إنّا قَدْ وجَدْنا لِابْنِكِ ظِئْرًا. فَأرْسَلَتْ إلَيْها فَأُتِيَتْ بِها وبِهِ، فَلَمّا رَأتْ ما يَصْنَعُ بِها، قالَتِ لَها: امْكُثِي عِنْدِي أرْضِعِي ابْنِي هَذا، فَإنِّي لَمْ أُحِبَّ حُبَّهُ شَيْئًا قَطُّ، قالَتْ: لا أسْتَطِيعُ أنْ أدَعَ بَيْتِي ووَلَدِي فَيَضِيعَ، فَإنْ طابَتْ نَفْسُكِ أنْ تُعْطِينِيهِ فَأذْهَبَ بِهِ إلى بَيْتِي فَيَكُونَ مَعِي لا آلُوهُ خَيْرًا- فَعَلْتُ، وإلّا فَإنِّي غَيْرُ تارِكَةٍ بَيْتِي ووَلَدِي. فَذَكَرَتْ أُمُّ مُوسى ما كانَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ وعَدَها، فَتَعاسَرَتْ عَلى امْرَأةِ فِرْعَوْنَ لِذَلِكَ، وأيْقَنَتْ أنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ مُنْجِزٌ وعْدَهُ.
فَرَجَعَتْ بِابْنِها إلى بَيْتِها مِن يَوْمِها، فَأنْبَتَهُ اللَّهُ نَباتًا حَسَنًا، وحَفِظَهُ لِما قَضى فِيهِ،، فَلَمْ يَزَلْ بَنُو إسْرائِيلَ وهم مُجْتَمِعُونَ في ناحِيَةِ القَرْيَةِ، يَمْتَنِعُونَ بِهِ مِنَ الظُّلْمِ والسُّخْرَةِ مُنْذُ كانَ فِيهِمْ. فَلَمّا تَرَعْرَعَ، قالَتِ امْرَأةُ فِرْعَوْنَ لِأُمِّ مُوسى: أزِيرِينِي ابْنِي. فَوَعَدَتْها يَوْمًا تَزُورُها فِيهِ بِهِ، فَقالَتْ لِخُزّانِها (p-١٩٣)وظُئُورِها وقَهارِمَتِها: لا يَبْقَيَنَّ أحَدٌ مِنكُمُ اليَوْمَ أحَدٌ إلّا اسْتَقْبَلَ ابْنِي بِهَدِيَّةٍ وكَرامَةٍ أرى ذَلِكَ فِيهِ، وأنا باعِثَةٌ أمِينًا يُحْصِي ما يَصْنَعُ كُلُّ إنْسانٍ مِنكم، فَلَمْ تَزَلِ الهَدايا والنِّحَلُ والكَرامَةُ تَسْتَقْبِلُهُ مِن حِينِ خَرَجَ مِن بَيْتِ أُمِّهِ إلى أنْ دَخَلَ عَلَيْها. فَلَمّا دَخَلَ عَلَيْها أكْرَمَتْهُ ونَحَلَتْهُ وفَرِحَتْ بِهِ، وأعْجَبَها، ونَحَلَتْ أُمَّهُ لِحُسْنِ أثَرِها عَلَيْهِ، ثُمَّ قالَتِ: لَأنْطَلِقَنَّ بِهِ إلى فِرْعَوْنَ، فَلَيَنْحِلَنَّهُ ولَيُكْرِمَنَّهُ.
فَلَمّا دَخَلَتْ بِهِ عَلَيْهِ جَعَلَتْهُ في حِجْرِهِ، فَتَناوَلَ مُوسى لِحْيَةَ فِرْعَوْنَ فَمَدَّها إلى الأرْضِ، فَقالَتْ لَهُ الغُواةُ مِن أعْداءِ اللَّهِ: ألا تَرى ما وعَدَ اللَّهُ إبْراهِيمَ! إنَّهُ يَرِثُكَ ويَصْرَعُكَ ويَعْلُوكَ، فَأرْسَلَ إلى الذَّبّاحِينَ لِيَذْبَحُوهُ - وذَلِكَ مِنَ الفُتُونِ يا ابْنَ جُبَيْرٍ، بَعْدَ كُلِّ بَلاءٍ ابْتُلِيَ بِهِ وأُرِيدَ بِهِ فُتُونًا - فَجاءَتِ امْرَأةُ فِرْعَوْنَ تَسْعى إلى فِرْعَوْنَ، فَقالَتْ: ما بَدا لَكَ في هَذا الصَّبِيِّ الَّذِي وهَبْتَهُ لِي ؟ قالَ: ألا تَرَيْنَهُ يَزْعُمُ أنَّهُ سَيَصْرَعُنِي ويَعْلُونِي ! قالَتْ لَهُ: اجْعَلْ بَيْنِي وبَيْنَكَ أمْرًا تَعْرِفُ فِيهِ الحَقَّ، ائْتِ بِجَمْرَتَيْنِ ولُؤْلُؤَتَيْنِ فَقَرِّبْهُنَّ إلَيْهِ، فَإنْ بَطَشَ بِاللُّؤْلُؤَتَيْنِ واجْتَنَبَ الجَمْرَتَيْنِ عَلِمْتَ أنَّهُ يَعْقِلُ، وإنْ تَناوَلَ الجَمْرَتَيْنِ ولَمْ يُرِدِ اللُّؤْلُؤَتَيْنِ، فاعْلَمْ أنَّ أحَدًا لا يُؤْثِرُ الجَمْرَتَيْنِ عَلى اللُّؤْلُؤَتَيْنِ وهو يَعْقِلُ. فَقَرَّبَ ذَلِكَ إلَيْهِ، فَتَناوَلَ الجَمْرَتَيْنِ، (p-١٩٤)فانْتَزَعُوهُما مِنهُ مَخافَةَ أنْ يَحْرِقا بَدَنَهُ، فَقالَتِ المَرْأةُ: ألا تَرى ؟ وصَرَفَهُ اللَّهُ عَنْهُ بَعْدَما كانَ قَدْ هَمَّ بِهِ، وكانَ اللَّهُ بالِغَ أمْرِهِ فِيهِ. فَلَمّا بَلَغَ أشُدَّهُ، وكانَ مِنَ الرِّجالِ، لَمْ يَكُنْ أحَدٌ مِن آلِ فِرْعَوْنَ يَخْلُصُ إلى أحَدٍ مِن بَنِي إسْرائِيلَ مَعَهُ بِظُلْمٍ ولا سُخْرَةٍ، حَتّى امْتَنَعُوا كُلَّ امْتِناعٍ.
فَبَيْنَما هو يَمْشِي في ناحِيَةِ المَدِينَةِ، إذْ هو بِرَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ، أحَدُهُما مِن بَنِي إسْرائِيلَ، والآخَرُ مِن آلِ فِرْعَوْنَ، فاسْتَغاثَهُ الإسْرائِيلِيُّ عَلى الفِرْعَوْنِيِّ، فَغَضِبَ مُوسى واشْتَدَّ غَضَبُهُ؛ لِأنَّهُ تَناوَلَهُ وهو يَعْلَمُ مَنزِلَةَ مُوسى مِن بَنِي إسْرائِيلَ، وحِفْظَهُ لَهم، ولا يُعْلَمُ إلّا أنَّما ذَلِكَ مِنَ الرَّضاعِ، غَيْرَ أُمِّ مُوسى، إلّا أنْ يَكُونَ اللَّهُ تَعالى أطْلَعَ مُوسى مِن ذَلِكَ عَلى ما لَمْ يُطْلِعْ غَيْرَهُ عَلَيْهِ، فَوَكَزَ مُوسى الفِرْعَوْنِيَّ فَقَتَلَهُ ولَيْسَ يَراهُما أحَدٌ إلّا اللَّهُ والإسْرائِيلِيُّ، فَقالَ مُوسى حِينَ قَتَلَ الرَّجُلَ: ﴿هَذا مِن عَمَلِ الشَّيْطانِ إنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ﴾ [القصص: ١٥] [ القَصَصِ: ١٥ ]، ثُمَّ قالَ: ﴿رَبِّ إنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ﴾ [القصص: ١٦] [ القَصَصِ: ١٦ ] . وأصْبَحَ في المَدِينَةِ خائِفًا يَتَرَقَّبُ الأخْبارَ، فَأُتِيَ فِرْعَوْنُ، فَقِيلَ لَهُ: إنَّ بَنِي إسْرائِيلَ قَتَلُوا رَجُلًا مِن آلِ فِرْعَوْنَ، فَخُذْ لَنا بِحَقِّنا ولا تُرَخِّصْ لَهم. فَقالَ: ائْتُونِي قاتِلَهُ ومَن شَهِدُ عَلَيْهِ؛ لَأنَّهُ لا يَسْتَقِيمُ أنْ يُقِيدَ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ (p-١٩٥)ولا ثَبَتٍ، فاطْلُبُوا عِلْمَ ذَلِكَ آخُذْ لَكم بِحَقِّكم.
فَبَيْنَما هم يَطُوفُونَ لا يَجِدُونَ ثَبَتًا، إذْ مَرَّ مُوسى مِنَ الغَدِ قَدْ رَأى ذَلِكَ الإسْرائِيلِيَّ يُقاتِلُ فِرْعَوْنِيًّا آخَرَ، فاسْتَغاثَهُ الإسْرائِيلِيُّ عَلى الفِرْعَوْنِيِّ، فَصادَفَ مُوسى قَدْ نَدِمَ عَلى ما كانَ، وكَرِهَ الَّذِي رَأى، فَغَضِبَ الإسْرائِيلِيُّ، وهو يُرِيدُ أنْ يَبْطِشَ بِالفِرْعَوْنِيِّ، فَقالَ لِلْإسْرائِيلِيِّ لِما فَعَلَ بِالأمْسِ واليَوْمَ: ﴿إنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾ [القصص: ١٨] [ القَصَصِ: ١٨ ] . فَنَظَرَ الإسْرائِيلِيُّ إلى مُوسى حِينَ قالَ ما قالَ، فَإذا هو غَضْبانُ كَغَضَبِهِ بِالأمْسِ، فَخافَ بَعْدَما قالَ لَهُ: ﴿إنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾ [القصص: ١٨] . أنْ يَكُونَ إيّاهُ أرادَ، وإنَّما أرادَ الفِرْعَوْنِيَّ - فَقالَ: ﴿يا مُوسى أتُرِيدُ أنْ تَقْتُلَنِي كَما قَتَلْتَ نَفْسًا بِالأمْسِ﴾ [القصص: ١٩] [ القَصَصِ: ١٩ ] . وإنَّما قالَ ذَلِكَ مَخافَةَ أنْ يَكُونَ إيّاهُ أرادَ مُوسى لِيَقْتُلَهُ، فَتَتارَكا، فانْطَلَقَ الفِرْعَوْنِيُّ إلى قَوْمِهِ، فَأخْبَرَهم بِما سَمِعَ مِنَ الإسْرائِيلِيِّ حِينَ يَقُولُ: ﴿أتُرِيدُ أنْ تَقْتُلَنِي كَما قَتَلْتَ نَفْسًا بِالأمْسِ﴾ [القصص: ١٩] . فَأرْسَلَ فِرْعَوْنُ إلى الذَّبّاحِينَ لِيَقْتُلُوا مُوسى، فَأخَذَ رُسُلُ فِرْعَوْنَ في الطَّرِيقِ الأعْظَمِ يَمْشُونَ عَلى هَيْئَتِهِمْ يَطْلُبُونَ مُوسى وهم لا يَخافُونَ أنْ يَفُوتَهم، وجاءَ رَجُلٌ مِن شِيعَةِ مُوسى مِن أقْصى المَدِينَةِ، فاخْتَصَرَ طَرِيقًا قَرِيبًا حَتّى سَبَقَهم إلى مُوسى، فَأخْبَرَهُ الخَبَرَ - وذَلِكَ مِنَ الفُتُونِ يا ابْنَ جُبَيْرٍ ”.
(p-١٩٦)فَخَرَجَ مُوسى مُتَوَجِّهًا نَحْوَ مَدْيَنَ، لَمْ يَلْقَ بَلاءً مِثْلَ ذَلِكَ، ولَيْسَ لَهُ بِالطَّرِيقِ عِلْمٌ إلّا حُسْنُ ظَنِّهِ بِرَبِّهِ، فَإنَّهُ قالَ: ﴿عَسى رَبِّي أنْ يَهْدِيَنِي سَواءَ السَّبِيلِ﴾ [القصص: ٢٢] . ﴿ولَمّا ورَدَ ماءَ مَدْيَنَ وجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النّاسِ يَسْقُونَ ووَجَدَ مِن دُونِهِمُ امْرَأتَيْنِ تَذُودانِ﴾ [القصص: ٢٣] [ القَصَصِ: ٢٢، ٢٣ ] .
يَعْنِي حابِسَتَيْ غَنَمِهِما، قالَ: ما خَطْبُكُما مُعْتَزِلَتَيْنِ لا تَسْقِيانِ مَعَ النّاسِ ؟ قالَتا: لَيْسَتْ لَنا قُوَّةٌ نُزاحِمُ القَوْمَ، وإنَّما نَنْتَظِرُ فُضُولَ حِياضِهِمْ. فَسَقى لَهُما؛ فَجَعَلَ يَغْرِفُ في الدَّلْوِ ماءً كَثِيرًا، حَتّى كانَتا أوَّلَ الرِّعاءِ فَراغًا، فانْصَرَفَتا إلى أبِيهِما بِغَنَمِهِما، وانْصَرَفَ مُوسى إلى الشَّجَرَةِ فاسْتَظَلَّ بِها، وقالَ: ﴿رَبِّ إنِّي لِما أنْزَلْتَ إلَيَّ مِن خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ [القصص: ٢٤] [ القَصَصِ: ٢٤ ] . واسْتَنْكَرَ أبُو الجارِيَتَيْنِ سُرْعَةَ صُدُورِهِما بِغَنَمِهِما حُفَّلًا بِطانًا، وقالَ: إنَّ لَكُما اليَوْمَ لَشَأْنًا، فَحَدَّثَتاهُ بِما صَنَعَ مُوسى، فَأمَرَ إحْداهُما أنْ تَدْعُوَهُ لَهُ، فَأتَتْهُ فَدَعَتْهُ، فَلَمّا كَلَّمَهُ قالَ: ﴿لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ القَوْمِ الظّالِمِينَ﴾ [القصص: ٢٥] [ القَصَصِ: ٢٥ ] . لَيْسَ لِفِرْعَوْنَ ولا لِقَوْمِهِ عَلَيْنا سُلْطانٌ ولَسْنا في مَمْلَكَتِهِ، قالَتِ ابْنَتُهُ: ﴿يا أبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ القَوِيُّ الأمِينُ﴾ [القصص: ٢٦] [ القَصَصِ: ٢٦ ] فَحَمَلَتْهُ الغَيْرَةُ أنْ قالَ: وما يُدْرِيكِ ما قُوَّتُهُ ؟ وما أمانَتُهُ ؟ قالَتْ: أمّا قُوَّتُهُ، فَما رَأيْتُ مِنهُ حِينَ سَقى لَنا؛ لَمْ أرَ رَجُلًا قَطُّ أقْوى في ذَلِكَ السَّقْيِ مِنهُ حِينَ سَقى لَنا، وأمّا الأمانَةُ: فَإنَّهُ نَظَرَ حِينَ أقْبَلْتُ إلَيْهِ وشَخَصْتُ لَهُ، (p-١٩٧)فَلَمّا عَلِمَ أنِّي امْرَأةٌ صَوَّبَ رَأْسَهُ ولَمْ يَرْفَعْهُ، ولَمْ يَنْظُرْ إلَيَّ حِينَ أقْبَلْتُ إلَيْهِ، حَتّى بَلَّغْتُهُ رِسالَتَكَ. فَقالَ لِي: امْشِي خَلْفِي، وانْعُتِي لِيَ الطَّرِيقَ. فَلَمْ يَقُلْ هَذا إلّا وهو أمِينٌ، فَسُرِّيَ عَنْ أبِيها وصَدَّقَها، وظَنَّ بِهِ الَّذِي قالَتْ.
فَقالَ: هَلْ لَكَ ﴿أنْ أُنْكِحَكَ إحْدى ابْنَتَيَّ هاتَيْنِ عَلى أنْ تَأْجُرَنِي ثَمانِيَ حِجَجٍ فَإنْ أتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِن عِنْدِكَ وما أُرِيدُ أنْ أشُقَّ عَلَيْكَ﴾ [القصص: ٢٧] [ القَصَصِ: ٢٧ ] فَفَعَلَ، فَكانَتْ عَلى مُوسى ثَمانِيَ سِنِينَ واجِبَةً، وكانَتْ سَنَتانِ عِدَةً مِنهُ، فَقَضى اللَّهُ عَنْهُ عِدَتَهُ فَأتَمَّها عَشْرًا.
قالَ سَعِيدٌ: فَسَألَنِي رَجُلٌ مِن أهْلِ النَّصْرانِيَّةِ مِن عُلَمائِهِمْ: هَلْ تَدْرِي أيَّ الأجَلَيْنِ قَضى مُوسى ؟ قُلْتُ: لا. وأنا يَوْمَئِذٌ لا أعْلَمُ. فَلَقِيتُ ابْنَ عَبّاسٍ، فَذَكَرْتُ لَهُ الَّذِي قالَ النَّصْرانِيُّ، فَقالَ: أما كُنْتَ تَعْلَمُ أنَّ ثَمانِيًا واجِبَةٌ، لَمْ يَكُنْ لِمُوسى لِيَنْقُصَ مِنها شَيْئًا، وتَعْلَمُ أنَّ اللَّهَ تَعالى كانَ قاضِيًا عَنْ مُوسى عِدَتَهُ الَّتِي وعَدَ؟ فَإنَّهُ قَضى عَشْرًا. فَأخْبَرْتُ النَّصْرانِيَّ، فَقالَ: الَّذِي أخْبَرَكَ بِهَذا هو أعْلَمُ مِنكَ. قُلْتُ: أجَلْ، وأوْلى.
فَلَمّا سارَ مُوسى بِأهْلِهِ كانَ مِن أمْرِ النّارِ ما قَصَّ اللَّهُ عَلَيْكَ في القُرْآنِ وأمْرِ العَصا ويَدِهِ، فَشَكا إلى رَبِّهِ ما يَتَخَوَّفُ مِن آلِ فِرْعَوْنَ في القَتِيلِ، وعُقْدَةَ لِسانِهِ؛ فَإنَّهُ كانَ في لِسانِهِ عُقْدَةٌ تَمْنَعُهُ مِن كَثِيرٍ مِنَ الكَلامِ، فَسَألَ رَبَّهُ أنْ يُعِينَهُ بِأخِيهِ هارُونَ، لِيَكُونَ لَهُ رِدْءًا، ويَتَكَلَّمَ عَنْهُ بِكَثِيرٍ مِمّا لا يُفْصِحُ بِهِ. فَآتاهُ اللَّهُ سُؤْلَهُ، وحَلَّ عُقْدَةً مِن لِسانِهِ، وأوْحى إلى هارُونَ وأمَرَهُ أنْ يَلْقى مُوسى.
(p-١٩٨)فانْدَفَعَ مُوسى بِالعَصا ولَقِيَ هارُونَ. فانْطَلَقا جَمِيعًا إلى فِرْعَوْنَ، فَأقاما بِبابِهِ حِينًا لا يُؤْذَنُ لَهُما، ثُمَّ أُذِنَ لَهُما بَعْدَ حِجابٍ شَدِيدٍ، فَقالا ﴿إنّا رَسُولا رَبِّكَ﴾ [طه: ٤٧] . قالَ: ومَن رَبُّكُما يا مُوسى ؟ فَأخْبَرَهُ بِالَّذِي قَصَّ اللَّهُ في القُرْآنِ، قالَ: فَما تُرِيدانِ ؟ وذَكَّرَهُ القَتِيلَ، فاعْتَذَرَ بِما قَدْ سَمِعْتَ. قالَ: أُرِيدُ أنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ، وتُرْسِلَ مَعِيَ بَنِي إسْرائِيلَ، فَأبى عَلَيْهِ ذَلِكَ وقالَ: ائْتِ بِآيَةٍ إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ. فَألْقى عَصاهُ فَتَحَوَّلَتْ حَيَّةً عَظِيمَةً فاغِرَةً فاها، مُسْرِعَةً إلى فِرْعَوْنَ. فَلَمّا رَأى فِرْعَوْنُ أنَّها قاصِدَةٌ إلَيْهِ خافَها، فاقْتَحَمَ عَنْ سَرِيرِهِ، واسْتَغاثَ بِمُوسى أنْ يَكُفَّها عَنْهُ. فَفَعَلَ، وأخْرَجَ يَدَهُ مِن جَيْبِهِ بَيْضاءَ مِن غَيْرِ سُوءٍ - يَعْنِي مِن غَيْرِ بَرَصٍ - ثُمَّ أعادَها إلى كُمِّهِ فَصارَتْ إلى لَوْنِها الأوَّلِ. فاسْتَشارَ المَلَأ فِيما رَأى، فَقالُوا لَهُ: هَذانِ ساحِرانِ يُرِيدانِ أنْ يُخْرِجاكم مِن أرْضِكم بِسِحْرِهِما ويَذْهَبا بِطَرِيقَتِكُمُ المُثْلى. يَعْنُونَ مُلْكَهُمُ الَّذِي هم فِيهِ والعَيْشَ، وأبَوْا عَلى مُوسى أنْ يُعْطُوهُ شَيْئًا مِمّا طَلَبَ، وقالُوا لَهُ: اجْمَعْ لَهُمُ السَّحَرَةَ فَإنَّهم بِأرْضِنا كَثِيرٌ حَتّى تَغْلِبَ بِسِحْرِهِمْ سِحْرَهُما. ﴿فَأرْسَلَ فِرْعَوْنُ في المَدائِنِ حاشِرِينَ﴾ [الشعراء: ٥٣] [الشُّعَراءِ: ٥٣ ]، فَحُشِرَ لَهُ كُلُّ ساحِرٍ مُتَعالِمٍ، فَلَمّا أتَوْا فِرْعَوْنَ قالُوا: بِمَ يَعْمَلُ هَذا السّاحِرُ ؟ قالُوا: يَعْمَلُ بِالحَيّاتِ والحِبالِ. قالُوا: فَلا واللَّهِ ما في الأرْضِ قَوْمٌ يَعْمَلُونَ بِالحَيّاتِ والحِبالِ والعِصِيِّ بِالسِّحْرِ ما نَعْمَلُ بِهِ ! فَما أجْرُنا إنْ غَلَبْنا ؟ قالَ لَهم: أنْتُمْ أقارِبِي وخاصَّتِي، وأنا صانِعٌ بِكم كُلَّ شَيْءٍ (p-١٩٩)أحْبَبْتُمْ، فَتَواعَدُوا لِيَوْمِ الزِّينَةِ، وأنْ يُحْشَرَ النّاسُ ضُحًى.
قالَ سَعِيدٌ: فَحَدَّثَنِي ابْنُ عَبّاسٍ: أنَّ يَوْمَ الزِّينَةِ اليَوْمُ الَّذِي أظْهَرَ اللَّهُ فِيهِ مُوسى عَلى فِرْعَوْنَ والسَّحَرَةِ، هو يَوْمُ عاشُوراءَ.
فَلَمّا اجْتَمَعُوا في صَعِيدٍ واحِدٍ قالَ النّاسُ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: اذْهَبُوا فَلْنَحْضُرْ هَذا الأمْرَ، ونَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إنْ كانُوا هُمُ الغالِبِينَ. يَعْنُونَ بِذَلِكَ مُوسى وهارُونَ اسْتِهْزاءً بِهِما، فَقالُوا: يا مُوسى - لِقُدْرَتِهِمْ بِسِحْرِهِمْ - إمّا أنْ تُلْقِيَ وإمّا أنْ نَكُونَ نَحْنُ المُلْقِينَ. قالَ: ألْقُوا. فَألْقَوْا حِبالَهم وعِصِيَّهم وقالُوا: بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إنّا لَنَحْنُ الغالِبُونَ فَرَأى مُوسى مِن سِحْرِهِمْ ما أوْجَسَ في نَفْسِهِ خِيفَةً، فَأوْحى اللَّهُ إلَيْهِ: أنْ ألْقِ عَصاكَ، فَلَمّا ألْقاها صارَتْ ثُعْبانًا عَظِيمًا فاغِرَةً فاها، فَجَعَلَ العَصا، بِدَعْوَةِ مُوسى، تَلْتَبِسُ بِالحِبالِ حَتّى صارَتْ جَزَرًا إلى الثُّعْبانِ، تَدْخُلُ فِيهِ، حَتّى ما أبْقَتْ عَصًا ولا حِبالًا إلّا ابْتَلَعَتْهُ، فَلَمّا عَرَفَ السَّحَرَةُ ذَلِكَ قالُوا: لَوْ كانَ هَذا سِحْرًا لَمْ تَبْتَلِعْ مِن سِحْرِنا كُلَّ هَذا، ولَكِنَّ هَذا أمْرٌ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، آمَنّا بِاللَّهِ وبِما جاءَ بِهِ مُوسى، ونَتُوبُ إلى اللَّهِ مِمّا كُنّا عَلَيْهِ. فَكَسَرَ اللَّهُ ظَهْرَ فِرْعَوْنَ في ذَلِكَ المَوْطِنِ وأشْياعِهِ، وظَهَرَ الحَقُّ، وبَطَلَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ، فَغُلِبُوا هُنالِكَ وانْقَلَبُوا صاغِرِينَ، وامْرَأةُ فِرْعَوْنَ بارِزَةٌ مُتَبَذِّلَةٌ تَدْعُو اللَّهَ بِالنَّصْرِ لِمُوسى عَلى فِرْعَوْنَ (p-٢٠٠)فَمَن رَآها مِن آلِ فِرْعَوْنَ ظَنَّ أنَّها تَبَذَّلَتْ شَفَقَةً عَلى فِرْعَوْنَ وأشْياعِهِ، وإنَّما كانَ حُزْنُها وهَمُّها لِمُوسى.
فَلَمّا طالَ مُكْثُ مُوسى لِمَواعِدِ فِرْعَوْنَ الكاذِبَةِ، كُلَّما جاءَ بِآيَةٍ وعَدَ عِنْدَها أنْ يُرْسِلَ مَعَهُ بَنِي إسْرائِيلَ، فَإذا كُشِفَ ذَلِكَ نَكَثَ عَهْدَهُ، وأخْلَفَ وعْدَهُ.
حَتّى أُمِرَ مُوسى بِقَوْمِهِ فَخَرَجَ بِهِمْ لَيْلًا، فَلَمّا أصْبَحَ فِرْعَوْنُ ورَأى أنَّهم قَدْ مَضَوْا بَعَثَ في المَدائِنِ حاشِرِينَ، فَتَبِعَهم جُنُودٌ عَظِيمَةٌ كَثِيرَةٌ، وأوْحى اللَّهُ إلى البَحْرِ: إذا ضَرَبَكَ عَبْدِي مُوسى بِعَصاهُ فانْفَرِقْ لَهُ اثْنَيْ عَشَرَ فِرْقًا، حَتّى يَجُوزَ مُوسى ومَن مَعَهُ، ثُمَّ التَقِ بَعْدُ عَلى مَن بَقِيَ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ وأشْياعِهِ. فَنَسِيَ مُوسى أنْ يَضْرِبَ بِعَصاهُ فَدَفَعَ إلى البَحْرِ بِالعَصا ولَهُ قَصِيفٌ، مَخافَةَ أنْ يَضْرِبَهُ مُوسى بِعَصاهُ وهو غافِلٌ فَيَصِيرَ عاصِيًا.
فَلَمّا تَراءى الجَمْعانِ وتَقارَبا، قالَ أصْحابُ مُوسى: إنّا لَمُدْرَكُونَ، فافْعَلْ ما أمَرَكَ بِهِ رَبُّكَ فَإنَّكَ لَمْ تُكْذَبْ ولَمْ تَكْذِبْ، قالَ: وعَدَنِي رَبِّي إذا انْتَهَيْتُ إلى البَحْرِ أنْ يَنْفَرِقَ لِي حَتّى أجُوزَ، ثُمَّ ذَكَرَ بَعْدَ ذَلِكَ العَصا، فَضَرَبَ البَحْرَ حِينَ دَنا أوائِلُ جُنْدِ فِرْعَوْنَ مِن أواخِرِ جُنْدِ مُوسى، فانْفَرَقَ البَحْرُ كَما أمَرَ اللَّهُ، وكَما وُعِدَ مُوسى، فَلَمّا جازَ أصْحابُ مُوسى كُلُّهُمُ ودَخَلَ أصْحابُ فِرْعَوْنَ كُلُّهُمُ، التَقى البَحْرُ عَلَيْهِمُ كَما أمَرَهُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، فَلَمّا أنْ جاوَزَ البَحْرَ قالَ أصْحابُ مُوسى: إنّا لَمُدْرَكُونَ؛ إنّا نَخافُ ألّا يَكُونَ فِرْعَوْنُ غَرِقَ ولا نُؤْمِنُ بِهَلاكِهِ ! فَدَعا رَبَّهُ فَأخْرَجَهُ لَهُ (p-٢٠١)بِبَدَنِهِ مِنَ البَحْرِ حَتّى اسْتَيْقَنُوا.
ثُمَّ مَرُّوا بَعْدَ ذَلِكَ عَلى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلى أصْنامٍ لَهم: قالُوا: يا مُوسى اجْعَلْ لَنا إلَهًا كَما لَهم آلِهَةٌ. قالَ: إنَّكم قَوْمٌ تَجْهَلُونَ، إنَّ هَؤُلاءِ مُتَبَّرٌ ما هم فِيهِ، وباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ، قَدْ رَأيْتُمْ مِنَ العِبَرِ ما يَكْفِيكم وسَمِعْتُمْ بِهِ. فَمَضى، حَتّى أنْزَلَهم مَنزِلًا، ثُمَّ قالَ لَهم: أطِيعُوا هارُونَ، فَإنِّي قَدِ اسْتَخْلَفْتُهُ عَلَيْكم، وإنِّي ذاهِبٌ إلى رَبِّي. وأجَّلَهم ثَلاثِينَ يَوْمًا أنْ يَرْجِعَ إلَيْهِمْ فِيها، فَلَمّا أتى رَبَّهُ وأرادَ أنْ يُكَلِّمَهُ في ثَلاثِينَ يَوْمًا قَدْ صامَهُنَّ لَيْلَهُنَّ ونَهارَهُنَّ، كَرِهَ أنْ يُكَلِّمَ رَبَّهُ ورِيحُ فَمِهِ رِيحُ فَمِ الصّائِمِ، فَتَناوَلَ مُوسى مِن نَباتِ الأرْضِ شَيْئًا فَمَضَغَهُ، فَقالَ لَهُ رَبُّهُ حِينَ أتاهُ: لِمَ أفْطَرْتَ ؟ وهو أعْلَمُ بِالَّذِي كانَ، قالَ: يا رَبِّ، إنِّي كَرِهْتُ أنْ أُكَلِّمَكَ إلّا وفَمِي طَيِّبُ الرِّيحِ. قالَ: أوَما عَلِمْتَ يا مُوسى أنَّ رِيحَ فَمِ الصّائِمِ أطْيَبُ عِنْدِي مِن رِيحِ المِسْكِ، ارْجِعْ حَتّى تَصُومَ عَشَرَةَ أيّامٍ ثُمَّ ائْتِنِي. فَفَعَلَ مُوسى الَّذِي أمَرَهُ اللَّهُ بِهِ.
فَلَمّا رَأى قَوْمُ مُوسى أنَّهُ لَمْ يَأْتِهِمْ لِلْأجَلِ، ساءَهم ذَلِكَ. وكانَ هارُونُ قَدْ خَطَبَهم وقالَ لَهم: إنَّكم خَرَجْتُمْ مِن مِصْرَ، وعِنْدَكم ودائِعُ لِقَوْمِ فِرْعَوْنَ وعَوارِي، ولَكم فِيهِمْ مِثْلُ ذَلِكَ، وأنا أرى أنْ تَحْتَسِبُوا ما كانَ لَكَمَ عِنْدَهم، ولا أحِلُّ لَكم ودِيعَةً اسْتُودِعْتُمُوها ولا عارِيَةً، ولَسْنا نَرى أداءَ شَيْءٍ مِن ذَلِكَ (p-٢٠٢)إلَيْهِمْ ولا مُمْسِكِيهِ، فَحَفَرَ حُفَيْرَةً، وأمَرَ كُلَّ قَوْمٍ عِنْدَهم شَيْءٌ مِن ذَلِكَ مِن مَتاعٍ أوْ حِلْيَةٍ بِأنْ يَدْفِنُوهُ في الحُفَيْرَةِ، ثُمَّ أوْقَدَ عَلَيْهِ النّارَ فَأحْرَقَهُ، وقالَ: لا يَكُونُ لَنا ولا لَهم.
وكانَ السّامِرِيُّ مَن قَوْمٍ يَعْبُدُونَ البَقَرَ، لَيْسَ مِن بَنِي إسْرائِيلَ بَلْ جارٌ لَهُمْ، فاحْتَمَلَ مَعَ بَنِي إسْرائِيلَ حِينَ احْتَمَلُوا، فَقُضِيَ لَهُ أنْ رَأى أثَرَ الفَرَسِ، فَقَبَضَ مِنهُ قَبْضَةً، فَمَرَّ بِهارُونَ، فَقالَ لَهُ هارُونُ: يا سامِرِيُّ، ألا تُلْقِي ما في يَدَيْكَ ؟ وهو قابِضٌ عَلَيْهِ، لا يَراهُ أحَدٌ طِوالَ ذَلِكَ، فَقالَ: هَذِهِ قَبْضَةٌ مِن أثَرِ الرَّسُولِ الَّذِي جاوَزَ بِكُمُ البَحْرَ، فَلا أُلْقِيها لِشَيْءٍ إلّا أنْ تَدْعُوَ اللَّهَ إذا ألْقَيْتُها أنْ يَكُونَ ما أُرِيدُ. قالَ: فَألْقاها ودَعا لَهُ هارُونُ، فَقالَ: أُرِيدُ أنْ يَكُونَ عِجْلًا. فاجْتَمَعَ ما كانَ في الحُفَيْرَةِ مِن مَتاعٍ؛ نُحاسٍ أوْ حَدِيدٍ أوْ حُلِيٍّ، فَصارَ عِجْلًا أجْوَفَ. لَيْسَ فِيهِ رُوحٌ، لَهُ خُوارٌ.
فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: واللَّهِ، ما كانَ لَهُ صَوْتٌ، ولَكِنَّ الرِّيحَ كانَتْ تَدْخُلُ مِن دُبُرِهِ وتَخْرُجُ مِن فِيهِ، فَكانَ ذَلِكَ الصَّوْتُ مِن ذَلِكَ.
فَتَفَرَّقَ بَنُو إسْرائِيلَ فِرَقًا، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: يا سامِرِيُّ، ما هَذا فَإنَّكَ أنْتَ أعْلَمُ بِهِ ؟ فَقالَ: هَذا رَبُّكم ولَكِنَّ مُوسى أخْطَأ الطَّرِيقَ. فَقالُوا: لا نُكَذِّبُ بِهَذا حَتّى (p-٢٠٣)يَرْجِعَ إلَيْنا مُوسى، فَإنْ يَكُ رَبَّنا لَمْ نَكُنْ ضَيَّعْنا وعَجَزْنا فِيهِ حِينَ رَأيْناهُ، وإنْ لَمْ يَكُنْ رَبَّنا فَإنّا نَتْبَعُ قَوْلَ مُوسى. وقالَتْ فِرْقَةٌ: هَذا مِن عَمَلِ الشَّيْطانِ، ولَيْسَ رَبَّنا ولا نُصَدِّقُ بِهِ ولا نُؤْمِنُ، وأُشْرِبَ فِرْقَةٌ في قُلُوبِهِمُ التَّصْدِيقَ بِما قالَ السّامِرِيُّ في العِجْلِ، وأعْلَنُوا التَّكْذِيبَ، فَقالَ لَهم هارُونُ: ﴿يا قَوْمِ إنَّما فُتِنْتُمْ بِهِ وإنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ﴾ [طه: ٩٠]، ولَيْسَ هَكَذا، قالُوا: فَما بالُ مُوسى وعَدَنا ثَلاثِينَ يَوْمًا، ثُمَّ أخْلَفَنا، فَهَذِهِ أرْبَعُونَ لَيْلَةً ؟ فَقالَ سُفَهاؤُهم: أخْطَأ رَبَّهُ فَهو يَطْلُبُهُ ويَتْبَعُهُ.
فَلَمّا كَلَّمَ اللَّهُ مُوسى وقالَ ما قالَ لَهُ، أخْبَرَهُ بِما لَقِيَ قَوْمُهُ مِن بَعْدِهِ، ﴿فَرَجَعَ مُوسى إلى قَوْمِهِ غَضْبانَ أسِفًا﴾ [طه: ٨٦]، فَقالَ لَهم ما سَمِعْتُمْ في القُرْآنِ، وألْقى الألْواحَ وأخَذَ بِرَأْسِ أخِيهِ يَجُرُّهُ إلَيْهِ مِنَ الغَضَبِ، غَيْرَ أنَّهُ عَذَرَ أخاهُ واسْتَغْفَرَ رَبَّهُ، ثُمَّ انْصَرَفَ إلى السّامِرِيِّ فَقالَ لَهُ: ما حَمَلَكَ عَلى ما صَنَعْتَ ؟ فَقالَ: قَبَضْتُ قَبْضَةً مِن أثَرِ الرَّسُولِ، وفَطِنْتُ لَها وعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ، فَقَذَفْتُها، وكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي، قالَ: ﴿فاذْهَبْ فَإنَّ لَكَ في الحَياةِ أنْ تَقُولَ لا مِساسَ﴾ [طه: ٩٧] إلى قَوْلِهِ: ﴿فِي اليَمِّ نَسْفًا﴾ [طه: ٩٧] ولَوْ كانَ إلَهًا لَمْ يَخْلُصْ إلى ذَلِكَ مِنهُ.
فاسْتَيْقَنَ بَنُو إسْرائِيلَ بِالفِتْنَةِ، واغْتَبَطَ الَّذِينَ كانَ رَأْيُهم فِيهِ رَأْيَ هارُونَ، فَقالُوا: يا مُوسى، سَلْ رَبَّكَ أنْ يَفْتَحَ لَنا بابَ تَوْبَةٍ نَعْمَلُها وتُكَفِّرُ عَنّا ما عَمِلْنا. فاخْتارَ مُوسى مِن قَوْمِهِ سَبْعِينَ رَجُلًا لِذَلِكَ، لا يَأْلُو الخَيْرَ؛ خِيارَ بَنِي إسْرائِيلَ، ومَن لَمْ يُشْرِكْ في العِجْلِ، فانْطَلَقَ بِهِمْ لِيَسْألَ رَبَّهَمُ التَّوْبَةَ، فَرَجَفَتِ الأرْضُ بِهِمْ، فاسْتَحْيا مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ مِن قَوْمِهِ ووَفْدِهِ حِينَ فُعِلَ بِهِمْ ذَلِكَ، فَقالَ: ﴿رَبِّ لَوْ شِئْتَ أهْلَكْتَهم مِن قَبْلُ وإيّايَ أتُهْلِكُنا بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ مِنّا﴾ [الأعراف: ١٥٥] (p-٢٠٤)الآيَةَ [ الأعْرافِ: ١٥٥ ] ومِنهم مَن قَدِ اطَّلَعَ اللَّهُ مِنهُ عَلى ما أُشْرِبَ قَلْبُهُ العِجْلَ والإيمانَ بِهِ؛ فَلِذَلِكَ رَجَفَتْ بِهِمُ الأرْضُ، فَقالَ: ﴿ورَحْمَتِي وسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٦] إلى قَوْلِهِ: ﴿والإنْجِيلِ﴾ [الأعراف: ١٥٧] [ الأعْرافِ: ١٥٦ ] . فَقالَ: رَبِّ، سَألْتُكَ التَّوْبَةَ لِقَوْمِي، فَقُلْتَ: إنَّ رَحْمَتِكَ كَتَبْتُها لِقَوْمٍ غَيْرِ قَوْمِي، فَلَيْتَكَ أخَّرْتَنِي حَتّى أخْرُجَ في أُمَّةِ ذَلِكَ الرَّجُلِ المَرْحُومَةِ. قالَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: فَإنَّ تَوْبَتَهم أنْ يَقْتُلَ كُلُّ رَجُلٍ مِنهم كُلَّ مَن لَقِيَ مِن والِدٍ ووَلَدٍ، فَيَقْتُلَهُ بِالسَّيْفِ، ولا يُبالِي مَن قَتَلَ في ذَلِكَ المَوْطِنِ. فَتابَ أُولَئِكَ الَّذِينَ كانَ خَفِيَ عَلى مُوسى وهارُونَ، وما اطَّلَعَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِن ذُنُوبِهِمْ فاعْتَرَفُوا بِها، وفَعَلُوا ما أُمِرُوا بِهِ، فَغَفَرَ اللَّهُ لِلْقاتِلِ والمَقْتُولِ.
ثُمَّ سارَ بِهِمْ مُوسى مُتَوَجِّهًا نَحْوَ الأرْضِ المُقَدَّسَةِ، فَأخَذَ الألْواحَ بَعْدَ ما سَكَتَ عَنْهُ الغَضَبُ، وأمَرَهم بِالَّذِي أمَرَهُ اللَّهُ أنْ يُبَلِّغَهم مِنَ الوَظائِفِ، فَثَقُلَتْ عَلَيْهِمْ، وأبَوْا أنْ يُقِرُّوا بِها، حَتّى نَتَقَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الجَبَلَ كَأنَّهُ ظُلَّةٌ، ودَنا مِنهم حَتّى خافُوا أنْ يَقَعَ عَلَيْهِمْ، فَأخَذُوا الكِتابَ بِأيْمانِهِمْ وهم مُصْغُونَ يَنْظُرُونَ إلى الأرْضِ، والكِتابُ الَّذِي أخَذُوهُ بِأيْدِيهِمْ، وهم يَنْظُرُونَ إلى الجَبَلِ مَخافَةَ أنْ يَقَعَ عَلَيْهِمْ.
ثُمَّ مَضَوْا حَتّى أتَوُا الأرْضَ المُقَدَّسَةَ، فَوَجَدُوا فِيها مَدِينَةَ جَبّارِينَ خَلْقُهم خَلْقٌ (p-٢٠٥)مُنْكَرٌ، وذَكَرُوا مِن ثِمارِهِمْ أمْرًا عَجِيبًا مِن عِظَمِها - فَقالُوا: يا مُوسى إنَّ فِيها قَوْمًا جَبّارِينَ، لا طاقَةَ لَنا اليَوْمَ بِهِمْ، ولا نَدْخُلُها ما دامُوا فِيها، فَإنْ يَخْرُجُوا مِنها فَإنّا داخِلُونَ. قالَ رَجُلانِ مِنَ الجَبّارِينَ، آمَنا بِمُوسى، فَخَرَجا إلَيْهِ، فَقالا: نَحْنُ أعْلَمُ بِقَوْمِنا، إنْ كُنْتُمْ تَخافُونَ ما رَأيْتُمْ مِن أجْسامِهِمْ وعَدَدِهِمْ، فَإنَّهم لَيْسَ لَهم قُلُوبٌ، ولا مَنعَةَ عِنْدَهم، فادْخُلُوا عَلَيْهِمُ البابَ، فَإذا دَخَلْتُمُوهُ فَإنَّكم غالِبُونَ. ويَقُولُ أُناسٌ: إنَّهُما مِن قَوْمِ مُوسى. وزَعَمَ سَعِيدٌ أنَّهُما مِنَ الجَبّارِينَ آمَنا بِمُوسى، يَقُولُ: ﴿مِنَ الَّذِينَ يَخافُونَ أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِما﴾ [المائدة: ٢٣] [ المائِدَةِ: ٢٣ ] وإنَّما يَعْنِي بِذَلِكَ الَّذِينَ يَخافُهم بَنُو إسْرائِيلَ، فَقالُوا: ﴿قالُوا يا مُوسى إنّا لَنْ نَدْخُلَها أبَدًا ما دامُوا فِيها فاذْهَبْ أنْتَ ورَبُّكَ فَقاتِلا إنّا ها هُنا قاعِدُونَ﴾ [المائدة: ٢٤] [ المائِدَةِ: ٢٤ ] . فَأغْضَبُوا مُوسى، فَدَعا عَلَيْهِمْ فَسَمّاهم فاسِقِينَ، ولَمْ يَدْعُ عَلَيْهِمْ قَبْلَ ذَلِكَ، لِما رَأى فِيهِمْ مِنَ المَعْصِيَةِ وإساءَتِهِمْ حَتّى كانَ يَوْمَئِذٍ، فاسْتَجابَ اللَّهُ لَهُ وسَمّاهم كَما سَمّاهم مُوسى فاسِقِينَ، فَحَرَّمَها عَلَيْهِمْ أرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ في الأرْضِ، يُصْبِحُونَ كُلَّ يَوْمٍ فَيَسِيرُونَ، لَيْسَ لَهم قَرارٌ.
ثُمَّ ظَلَّلَ عَلَيْهِمُ في التِّيهِ بِالغَمامِ، وأنْزَلَ عَلَيْهِمُ المَنَّ والسَّلْوى، وجَعَلَ لَهم ثِيابًا لا تَبْلى ولا تَتَّسِخُ، وجَعَلَ بَيْنَ ظَهْرانِيهِمْ حَجَرًا مُرَبَّعًا، وأمَرَ مُوسى فَضَرَبَهُ بِعَصاهُ. فانْفَجَرَتْ مِنهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْنًا، في كُلِّ ناحِيَةٍ ثَلاثُ عُيُونٍ، وأعْلَمَ كُلَّ سِبْطٍ عَيْنَهُمُ الَّتِي يَشْرَبُونَ مِنها، لا يَرْتَحِلُونَ مِن مَنقَلَةٍ إلّا وجَدُوا ذَلِكَ الحَجَرَ مِنهم بِالمَكانِ الَّذِي كانَ مِنهم بِالمَنزِلِ الأوَّلِ.
(p-٢٠٦)رَفَعَ ابْنُ عَبّاسٍ هَذا الحَدِيثَ إلى النَّبِيِّ ﷺ، وصَدَّقَ ذَلِكَ عِنْدِي أنَّ مُعاوِيَةَ بْنَ أبِي سُفْيانَ سَمِعَ مِنِ ابْنِ عَبّاسٍ هَذا الحَدِيثَ، فَأنْكَرَ عَلَيْهِ أنْ يَكُونَ الفِرْعَوْنِيُّ هو الَّذِي أفْشى عَلى مُوسى أمْرَ القَتِيلِ. وقالَ: إنَّما أفْشى عَلَيْهِ الإسْرائِيلِيُّ. فَأخَذَ ابْنُ عَبّاسٍ بِيَدِهِ فانْطَلَقَ بِهِ إلى سَعْدِ بْنِ مالِكٍ الزُّهْرِيِّ، فَقالَ: «أرَأيْتَ يَوْمَ حَدَّثَنا النَّبِيُّ ﷺ عَنْ قَتِيلِ مُوسى مِن آلِ فِرْعَوْنَ ؟ مَن أفْشى عَلَيْهِ، الإسْرائِيلِيُّ أمِ الفِرْعَوْنِيُّ ؟ قالَ: أفْشى عَلَيْهِ الفِرْعَوْنِيُّ، بِما سَمِعَ مِنَ الإسْرائِيلِيِّ الَّذِي شَهِدَ عَلى ذَلِكَ وحَضَرَهُ» .
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَبِثْتَ سِنِينَ﴾ الآياتِ.
أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿فَلَبِثْتَ سِنِينَ في أهْلِ مَدْيَنَ﴾ قالَ: عَشْرَ سِنِينَ: ﴿ثُمَّ جِئْتَ عَلى قَدَرٍ يا مُوسى﴾ قالَ: عَلى قَدَرِ الرِّسالَةِ والنُّبُوَّةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ جِئْتَ عَلى قَدَرٍ﴾ قالَ: لِمِيقاتٍ.
(p-٢٠٧)وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ جِئْتَ عَلى قَدَرٍ﴾ قالَ: عَلى مَوْعِدٍ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولا تَنِيا في ذِكْرِي﴾ قالَ: لا تَضْعُفا.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ قَتادَةَ مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ مُجاهِدٍ مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ الطَّسْتِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّ نافِعَ بْنَ الأزْرَقِ قالَ لَهُ: أخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِهِ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ولا تَنِيا في ذِكْرِي﴾ قالَ: ولا تَضْعُفا عَنْ أمْرِي، قالَ: وهَلْ تَعْرِفُ العَرَبُ ذَلِكَ؟ قالَ: نَعَمْ، أما سَمِعْتَ الشّاعِرَ وهو يَقُولُ:
؎إنِّي وجَدِّكَ مَلَّ ونَيْتُ وإنَّنِي أبْغِي الفِكاكَ لَهُ بِكُلِّ سَبِيلِ
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولا تَنِيا﴾ قالَ: لا تُبْطِئا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عَلِيِّ في قَوْلِهِ: ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلا لَيِّنًا﴾ قالَ: كَنِّهِ.
(p-٢٠٨)وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلا لَيِّنًا﴾ قالَ: كَنِّياهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سُفْيانَ الثَّوْرِيِّ: ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلا لَيِّنًا﴾ قالَ: كَنِّياهُ: يا أبا مُرَّةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ عِكْرِمَةَ: ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلا لَيِّنًا﴾ قالَ: لا إلَهَ إلّا اللَّهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ: ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلا لَيِّنًا﴾ قالَ أعْذِرا إلَيْهِ وقُولا لَهُ: إنَّ لَكَ رِبًّا ولَكَ مَعادًا وإنَّ بَيْنَ يَدَيْكَ جَنَّةً ونارًا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الفَضْلِ بْنِ عِيسى الرَّقاشِيِّ، أنَّهُ تَلا هَذِهِ الآيَةَ: ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلا لَيِّنًا﴾ فَقالَ: يا مَن يَتَحَبَّبُ إلى أعادِيهِ، فَكَيْفَ بِمَن يَتَوَلّى ويُنادِيهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ﴾ قالَ: هَلْ يَتَذَكَّرُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّنا نَخافُ أنْ يَفْرُطَ عَلَيْنا﴾ قالَ: يَعْجَلَ: ﴿أوْ أنْ يَطْغى﴾ قالَ: يَعْتَدِيَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّنا نَخافُ أنْ يَفْرُطَ عَلَيْنا أوْ أنْ يَطْغى﴾ قالَ: عُقُوبَةً مِنهُ.
(p-٢٠٩)وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ في قَوْلِهِ: ﴿لا تَخافا إنَّنِي مَعَكُما أسْمَعُ وأرى﴾ قالَ: أسْمَعُ ما يَقُولُ: وأرى ما يُجاوِبُكُما بِهِ، فَأُوحِي إلَيْكُما فَتُجاوِباهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: لَمّا بَعَثَ اللَّهُ مُوسى إلى فِرْعَوْنَ قالَ: رَبِّ أيَّ شَيْءٍ أقُولُ؟ قالَ: قُلْ: هَيّا شَرًّا هَيّا، قالَ الأعْمَشُ: تَفْسِيرُ ذَلِكَ: الحَيُّ قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ، والحَيُّ بَعْدَ كُلِّ شَيْءٍ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ في“ الزُّهْدِ "، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: لَمّا بَعَثَ اللَّهُ مُوسى إلى فِرْعَوْنَ قالَ: لا يَغُرَّنَّكُما لِباسُهُ الَّذِي ألْبَسْتُهُ، فَإنَّ ناصِيَتَهُ بِيَدِي، فَلا يَنْطِقُ ولا يَطْرِفُ إلّا بِإذْنِي، ولا يَغُرَّنَّكُما ما مُتِّعَ بِهِ مِن زَهْرَةِ الدُّنْيا وزِينَةِ المُتْرَفِينَ، فَلَوْ شِئْتُ أنْ أُزَيِّنَكُما مِن زِينَةِ الدُّنْيا بِشَيْءٍ يِعْرِفُ فِرْعَوْنُ أنَّ قُدْرَتَهُ تَعْجِزُ عَنْ ذَلِكَ لَفَعَلْتُ، ولَيْسَ ذَلِكَ لِهَوانِكُما عَلَيَّ، ولَكِنِّي ألْبَسْتُكُما نَصِيبَكُما مِنَ الكَرامَةِ عَلى ألّا تَنْقُصَكُما الدُّنْيا شَيْئًا وإنِّي لَأذُودَ أوْلِيائِي عَنِ الدُّنْيا كَما يَذُودُ الرّاعِي إبِلَهُ عَنْ مَبارِكِ العُرَّةِ، وإنِّي لَأُجَنِّبُهم كَما يُجَنِّبُ الرّاعِي إبِلَهُ عَنْ مَراتِعِ الهِلْكَةِ، أُرِيدُ أنْ أُنَوِّرَ بِذَلِكَ صُدُورَهُمْ، وأُطَهِّرَ بِذَلِكَ قُلُوبَهم في سِيماهُمُ الَّذِي (p-٢١٠)يُعْرَفُونَ بِهِ، وأمَرُهُمُ الَّذِي يَفْتَخِرُونَ بِهِ. واعْلَمْ: أنَّ مَن أخافَ لِي ولِيًّا فَقَدْ بارَزَنِي بِالعَداوَةِ، وأنا الثّائِرُ لِأوْلِيائِي يَوْمَ القِيامَةِ.