Al-Durr Al-Manthur — النور 24:29 – الفرقان 25:62
المحتويات
- النور 24:29
- النور 24:30
- النور 24:31
- النور 24:32
- النور 24:33
- النور 24:34
- النور 24:35
- النور 24:36
- النور 24:37
- النور 24:39
- النور 24:40
- النور 24:41
- النور 24:43
- النور 24:44
- النور 24:45
- النور 24:47
- النور 24:48
- النور 24:49
- النور 24:50
- النور 24:53
- النور 24:54
- النور 24:55
- النور 24:56
- النور 24:57
- النور 24:58
- النور 24:59
- النور 24:60
- النور 24:61
- النور 24:62
- النور 24:63
- النور 24:64
- الفرقان 25:1
- الفرقان 25:2
- الفرقان 25:3
- الفرقان 25:4
- الفرقان 25:5
- الفرقان 25:6
- الفرقان 25:7
- الفرقان 25:8
- الفرقان 25:9
- الفرقان 25:10
- الفرقان 25:12
- الفرقان 25:13
- الفرقان 25:14
- الفرقان 25:15
- الفرقان 25:16
- الفرقان 25:17
- الفرقان 25:18
- الفرقان 25:19
- الفرقان 25:20
- الفرقان 25:21
- الفرقان 25:22
- الفرقان 25:23
- الفرقان 25:24
- الفرقان 25:25
- الفرقان 25:27
- الفرقان 25:28
- الفرقان 25:29
- الفرقان 25:30
- الفرقان 25:31
- الفرقان 25:32
- الفرقان 25:33
- الفرقان 25:34
- الفرقان 25:35
- الفرقان 25:36
- الفرقان 25:38
- الفرقان 25:39
- الفرقان 25:40
- الفرقان 25:41
- الفرقان 25:42
- الفرقان 25:43
- الفرقان 25:44
- الفرقان 25:45
- الفرقان 25:46
- الفرقان 25:47
- الفرقان 25:48
- الفرقان 25:50
- الفرقان 25:51
- الفرقان 25:52
- الفرقان 25:53
- الفرقان 25:54
- الفرقان 25:55
- الفرقان 25:56
- الفرقان 25:57
- الفرقان 25:58
- الفرقان 25:59
- الفرقان 25:60
- الفرقان 25:61
- الفرقان 25:62
النور 24:29
(p-٥)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ﴾ الآياتِ.
أخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، مِن طَرِيقِ عَدِيِّ بْنِ ثابِتٍ، عَنْ رَجُلٍ مِنَ الأنْصارِ، قالَ: «قالَتِ امْرَأةٌ: يا رَسُولَ اللَّهِ: إنِّي أكُونُ في بَيْتِي عَلى الحالَةِ الَّتِي لا أُحِبُّ أنْ يَرانِي عَلَيْها أحَدٌ، ولَدٌ ولا والِدٌ، فَيَأْتِينِي الآتِي فَيَدْخُلُ عَلَيَّ، فَكَيْفَ أصْنَعُ؟ ولَفْظُ ابْنِ جَرِيرٍ: وأنَّهُ لا يَزالُ يَدْخُلُ عَلَيَّ رَجُلٌ مِن أهْلِي وأنا عَلى تِلْكَ الحالِ، فَنَزَلَتْ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ﴾ الآيَةَ» .
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ الأنْبارِيِّ في ”المَصاحِفِ“، وابْنُ مَندَهْ في ”غَرائِبِ شُعْبَةَ“، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في ”شُعَبِ الإيمانِ“، والضِّياءُ في ”المُخْتارَةِ“، مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿حَتّى تَسْتَأْنِسُوا وتُسَلِّمُوا عَلى أهْلِها﴾ قالَ: أخْطَأ الكاتِبُ إنَّما هي: حَتّى تَسْتَأْذِنُوا. (p-٦)وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، والبَيْهَقِيُّ في ”شُعَبِ الإيمانِ“، عَنْ إبْراهِيمَ قالَ: في مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ: (حَتّى تُسَلِّمُوا عَلى أهْلِها وتَسْتَأْذِنُوا) .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ عِكْرِمَةَ، قالَ: هي في قِراءَةِ أُبَيٍّ: (حَتّى تُسَلِّمُوا وتَسْتَأْذِنُوا) .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ الأنْبارِيِّ في ”المَصاحِفِ“، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿حَتّى تَسْتَأْنِسُوا﴾ قالَ: حَتّى تَسْتَأْذِنُوا.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الِاسْتِئْناسُ: الِاسْتِئْذانُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، والحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، «عَنْ أبِي أيُّوبَ قالَ: قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، أرَأيْتَ قَوْلَ اللَّهِ: ﴿حَتّى تَسْتَأْنِسُوا وتُسَلِّمُوا عَلى أهْلِها﴾ هَذا التَّسْلِيمُ قَدْ عَرَفْناهُ، فَما الِاسْتِئْناسُ؟ قالَ: «يَتَكَلَّمُ الرَّجُلُ بِتَسْبِيحَةٍ، وتَكْبِيرَةٍ، وتَحْمِيدَةٍ، ويَتَنَحْنَحُ، فَيُؤْذِنُ أهْلَ (p-٧)البَيْتِ»» .
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، عَنْ أبِي أيُّوبَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: ««الِاسْتِئْناسُ: أنْ تَدْعُوَ الخادِمَ حَتّى يَسْتَأْنِسَ أهْلُ البَيْتِ الَّذِينَ يُسَلِّمُ عَلَيْهِمْ»» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في ”شُعَبِ الإيمانِ“، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿حَتّى تَسْتَأْنِسُوا﴾ قالَ: تَنَحْنَحُوا وتَنَخَّمُوا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأحْمَدُ، والبُخارِيُّ في ”الأدَبِ“، وأبُو داوُدَ، والبَيْهَقِيُّ في ”سُنَنِهِ“، مِن طَرِيقِ رِبْعِيٍّ قالَ: «حَدَّثَنا رَجُلٌ مِن بَنِي عامِرٍ اسْتَأْذَنَ عَلى النَّبِيِّ ﷺ وهو في بَيْتٍ فَقالَ: أألِجُ؟ فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ لِخادِمِهِ: «اخْرُجْ إلى هَذا فَعَلِّمْهُ الِاسْتِئْذانَ فَقُلْ لَهُ: قُلِ: السَّلامُ عَلَيْكُمْ، أأدْخُلُ»؟»
(p-٨)وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ سَعِيدٍ الثَّقَفِيِّ، «أنَّ رَجُلًا اسْتَأْذَنَ عَلى النَّبِيِّ ﷺ فَقالَ: أألِجُ؟ فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ لِأمَةٍ لَهُ يُقالُ لَها رَوْضَةُ: «قُومِي إلى هَذا فَعَلِّمِيهِ؛ فَإنَّهُ لا يُحْسِنُ يَسْتَأْذِنُ، فَقُولِي لَهُ يَقُولُ: السَّلامُ عَلَيْكُمْ، أأدْخُلُ»» .
وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، وأحْمَدُ، والبُخارِيُّ في ”الأدَبِ“، وأبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ، والنَّسائِيُّ، والبَيْهَقِيُّ في ”شُعَبِ الإيمانِ“، مِن طَرِيقِ كَلَدَةَ، «أنَّ صَفْوانَ بْنَ أُمَيَّةَ بَعَثَهُ في الفَتْحِ بِلَبَأٍ وضَغابِيسَ والنَّبِيُّ ﷺ بِأعْلى الوادِي قالَ: فَدَخَلْتُ عَلَيْهِ ولَمْ أُسَلِّمْ، ولَمْ أسْتَأْذِنْ. فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: «ارْجِعْ فَقُلِ: السَّلامُ عَلَيْكُمْ، أأدْخُلُ»» .
وأخْرَجَ قاسِمُ بْنُ أصْبَغَ، وابْنُ عَبْدِ البَرِّ في ”التَّمْهِيدِ“، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «اسْتَأْذَنَ عُمَرُ عَلى النَّبِيِّ ﷺ فَقالَ: السَّلامُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ، السَّلامُ عَلَيْكُمْ، (p-٩)أيَدْخُلُ عُمَرُ»؟
وأخْرَجَ ابْنُ وهْبٍ في كِتابِ ”المَجالِسِ“، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ قالَ: أرْسَلَنِي أبِي إلى ابْنِ عُمَرَ فَجِئْتُهُ فَقُلْتُ: أألِجُ؟ فَقالَ: ادْخُلْ. فَلَمّا دَخَلْتُ قالَ: مَرْحَبًا يا ابْنَ أخِي، لا تَقُلْ: أألِجُ؟ ولَكِنْ قُلِ: السَّلامُ عَلَيْكُمْ، فَإذا قالُوا وعَلَيْكَ. فَقُلْ: أأدْخُلُ؟ فَإنْ قالُوا: ادْخُلْ. فادْخُلْ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أُمِّ إياسٍ قالَتْ: كُنْتُ في أرْبَعِ نِسْوَةٍ نَسْتَأْذِنُ عَلى عائِشَةَ فَقُلْتُ: نَدْخُلُ؟ فَقالَتْ: لا، فَقالَتْ واحِدَةٌ: السَّلامُ عَلَيْكُمْ، أنَدْخُلُ؟ قالَتِ: ادْخُلُوا. ثُمَّ قالَتْ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكم حَتّى تَسْتَأْنِسُوا وتُسَلِّمُوا عَلى أهْلِها﴾ .
وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ، عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««السَّلامُ قَبْلَ الكَلامِ»» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، والبُخارِيُّ في ”الأدَبِ“، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، فِيمَن يَسْتَأْذِنُ قَبْلَ أنْ يُسَلِّمَ قالَ: لا يُؤْذَنُ لَهُ حَتّى يَبْدَأ بِالسَّلامِ.
وأخْرَجَ البُخارِيُّ في ”الأدَبِ“، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: إذا دَخَلَ ولَمْ يَقُلْ: (p-١٠)السَّلامُ عَلَيْكم. فَقُلْ: لا، حَتّى تَأْتِيَ بِالمِفْتاحِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ قالَ: كانَ عَبْدُ اللَّهِ إذا دَخَلَ الدّارَ اسْتَأْنَسَ؛ تَكَلَّمَ ورَفَعَ صَوْتَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، والبَيْهَقِيُّ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، قالَ: عَلَيْكم أنْ تَسْتَأْذِنُوا عَلى أُمَّهاتِكم وأخَواتِكم.
وأخْرَجَ البُخارِيُّ في ”الأدَبِ“، وأبُو داوُدَ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: ««إذا دَخَلَ البَصَرُ فَلا إذَنْ لَهُ»» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنْ عُبادَةَ بْنِ الصّامِتِ، «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سُئِلَ عَنِ الِاسْتِئْذانِ في البُيُوتِ فَقالَ: «مَن دَخَلَتْ عَيْنُهُ قَبْلَ أنْ يَسْتَأْذِنَ ويُسَلِّمَ فَقَدْ عَصى اللَّهَ، ولا إذْنَ لَهُ»» .
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، عَنْ أبِي أُمامَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: ««مَن كانَ يَشْهَدُ أنِّي رَسُولُ اللَّهِ فَلا يَدْخُلْ عَلى أهْلِ بَيْتٍ حَتّى يَسْتَأْنِسَ ويُسَلِّمَ، فَإذا نَظَرَ في قَعْرِ البَيْتِ فَقَدْ دَخَلَ»» .
(p-١١)وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأبُو داوُدَ، والبَيْهَقِيُّ في ”شُعَبِ الإيمانِ“، عَنْ هُزَيْلٍ قالَ: «جاءَ رَجُلٌ فَوَقَفَ عَلى بابِ النَّبِيِّ ﷺ يَسْتَأْذِنُ، فَقامَ عَلى البابِ فَقالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: «هَكَذا عَنْكَ، فَإنَّما الِاسْتِئْذانُ مِنَ النَّظَرِ»» .
وأخْرَجَ البُخارِيُّ في ”الأدَبِ“، وأبُو داوُدَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُسْرٍ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذا أتى بابَ قَوْمٍ لَمْ يَسْتَقْبِلِ البابَ مِن تِلْقاءِ وجْهِهِ، ولَكِنْ مِن رُكْنِهِ الأيْمَنِ أوِ الأيْسَرِ ويَقُولُ: «السَّلامُ عَلَيْكُمْ، السَّلامُ عَلَيْكُمْ» . وذَلِكَ أنَّ الدُّورَ لَمْ يَكُنْ عَلَيْها يَوْمَئِذٍ سُتُورٌ» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ، والبُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قالَ: «اطَّلَعَ رَجُلٌ مِن حُجْرٍ في حُجْرَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، ومَعَهُ مِدْرًى يَحُكُّ بِها رَأْسَهُ فَقالَ: «لَوْ أعْلَمُ أنَّكَ تَنْظُرُ لَطَعَنْتُ بِها في عَيْنِكَ، إنَّما جُعِلَ (p-١٢)الِاسْتِئْذانُ مِن أجْلِ البَصَرِ»»، وفي لَفْظٍ: ««إنَّما جَعَلَ اللَّهُ الإذْنَ مِن أجْلِ البَصَرِ»» .
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبادَةَ قالَ: «جِئْتُ إلى النَّبِيِّ ﷺ وهو في بَيْتٍ، فَقُمْتُ مُقابِلَ البابِ فاسْتَأْذَنْتُ، فَأشارَ إلَيَّ؛ أنْ تَباعَدْ، وقالَ: «وهَلِ الِاسْتِئْذانُ إلّا مِن أجْلِ النَّظَرِ»» .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في ”شُعَبِ الإيمانِ“، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿حَتّى تَسْتَأْنِسُوا﴾ قالَ: هو الِاسْتِئْذانُ، قالَ: وكانَ يُقالُ: الِاسْتِئْذانُ ثَلاثٌ، فَمَن لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ فِيهِنَّ فَلْيَرْجِعْ، أمّا الأُولى فَيَسْمَعُ الحَيُّ، وأمّا الثّانِيَةُ فَيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ، وأمّا الثّالِثَةُ: فَإنْ شاءُوا أذِنُوا، وإنْ شاءُوا رَدُّوا.
وأخْرَجَ مالِكٌ، والبُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، وأبُو داوُدَ، «عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قالَ: كُنْتُ جالِسًا في مَجْلِسٍ مِن مَجالِسِ الأنْصارِ، فَجاءَ أبُو مُوسى فَزِعًا فَقُلْنا لَهُ: ما أفْزَعَكَ؟ قالَ: أمَرَنِي عُمَرُ أنْ آتِيَهُ فَأتَيْتُهُ فاسْتَأْذَنْتُ ثَلاثًا، فَلَمْ يُؤْذَنْ لِي، فَرَجَعَتْ، فَقالَ: ما مَنَعَكَ أنْ تَأْتِيَنِي؟ قُلْتُ: قَدْ جِئْتُ فاسْتَأْذَنْتُ ثَلاثًا فَلَمْ يُؤْذَنْ لِي، وقَدْ قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إذا اسْتَأْذَنَ أحَدُكم ثَلاثًا فَلَمْ يُؤْذَنْ لَهُ (p-١٣)فَلْيَرْجِعْ» . قالَ: لِتَأْتِيَنِّي عَلى هَذا بِالبَيِّنَةِ. فَقالُوا: لا يَقُومُ إلّا أصْغَرُ القَوْمِ. فَقامَ أبُو سَعِيدٍ مَعَهُ فَشَهِدَ لَهُ، فَقالَ عُمَرُ لِأبِي مُوسى: إنِّي لَمْ أتَّهِمْكَ، ولَكِنَّ الحَدِيثَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ شَدِيدٌ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ في قَوْلِهِ: ﴿لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ﴾ يَعْنِي: بُيُوتًا لَيْسَ لَكُمْ، ﴿حَتّى تَسْتَأْنِسُوا وتُسَلِّمُوا﴾ فِيها تَقْدِيمٌ، يَعْنِي: حَتّى تُسَلِّمُوا ثُمَّ تَسْتَأْذِنُوا، والسَّلامُ قَبْلَ الِاسْتِئْذانِ، ﴿ذَلِكُمْ﴾ يَعْنِي الِاسْتِئْذانُ والتَّسْلِيمُ، ﴿خَيْرٌ لَكُمْ﴾ يَعْنِي: أفْضَلُ مِن أنْ تَدْخُلُوا مِن غَيْرِ إذْنٍ، ألّا تَأْثَمُوا ويَأْخُذَ أهْلُ البَيْتِ حِذْرَهُمْ، ﴿لَعَلَّكم تَذَكَّرُونَ﴾، ﴿فَإنْ لَمْ تَجِدُوا فِيها أحَدًا فَلا تَدْخُلُوها حَتّى يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾ يَعْنِي: في الدُّخُولِ، ﴿وإنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فارْجِعُوا﴾ يَعْنِي: لا تَقْعُدُوا ولا تَقُومُوا عَلى أبْوابِ النّاسِ، ﴿هُوَ أزْكى لَكُمْ﴾ يَعْنِي: الرُّجُوعُ خَيْرٌ لَكم مِنَ القِيامِ والقُعُودِ عَلى أبْوابِهِمْ، ﴿واللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ يَعْنِي: بِما يَكُونُ عَلِيمٌ.
﴿لَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ﴾ يَعْنِي: لا حَرَجَ عَلَيْكُمْ، ﴿أنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ﴾ يَعْنِي: لَيْسَ بِها ساكِنٌ، وهي الخاناتُ الَّتِي عَلى طُرُقِ النّاسِ لِلْمُسافِرِ، لا جُناحَ عَلَيْكم أنْ تَدْخُلُوها بِغَيْرِ اسْتِئْذانٍ ولا تَسْلِيمٍ، ﴿فِيها مَتاعٌ لَكُمْ﴾ يَعْنِي: مَنافِعُ مِنَ البَرْدِ والحَرِّ.
(p-١٤)وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَإنْ لَمْ تَجِدُوا فِيها أحَدًا﴾ يَقُولُ: إنْ لَمْ يَكُنْ لَكم فِيها مَتاعٌ فَلا تَدْخُلُوها إلّا بِإذْنٍ. وفي قَوْلِهِ: ﴿لَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ﴾ الآيَةَ. قالَ: كانُوا يَضَعُونَ بِطُرُقِ المَدِينَةِ أقْتابًا وأمْتِعاتٍ في بُيُوتٍ لَيْسَ فِيها أحَدٌ، فَأُحِلَّتْ لَهم أنْ يَدْخُلُوها بِغَيْرِ إذْنٍ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ﴾ قالَ: هي بِالبُيُوتِ الَّتِي مَنزِلُها السَّفْرُ لا يَسْكُنُها أحَدٌ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الحَنَفِيَّةِ في قَوْلِهِ: ﴿بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ﴾ قالَ: هي هَذِهِ الخاناتُ الَّتِي في الطُّرُقِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عَطاءٍ في قَوْلِهِ: ﴿فِيها مَتاعٌ لَكُمْ﴾ قالَ: الخَلاءُ والبَوْلُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ في قَوْلِهِ: ﴿بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ﴾ قالَ: هي البُيُوتُ الخَرِبَةُ لِقَضاءِ الحاجَةِ.
(p-١٥)وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ إبْراهِيمَ النَّخَعِيِّ، مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنِ الضَّحّاكِ في قَوْلِهِ: ﴿فِيها مَتاعٌ لَكُمْ﴾ يَعْنِي: الخاناتُ، يُسْتَنْفَعُ بِها مِنَ المَطَرِ والحَرِّ والبَرْدِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ﴾ قالَ: هَذِهِ البُيُوتُ الَّتِي يَنْزِلُها النّاسُ في أسْفارِهِمْ، لا أحَدَ فِيها، وفي قَوْلِهِ: ﴿فِيها مَتاعٌ لَكُمْ﴾ قالَ: بُلْغَةٌ ومَنفَعَةٌ.
وأخْرَجَ أبُو يَعْلى، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَجُلٌ مِنَ المُهاجِرِينَ: لَقَدْ طَلَبْتُ عُمْرِي كُلَّهُ هَذِهِ الآيَةَ فَما أدْرَكْتُها، أنْ أسْتَأْذِنَ عَلى بَعْضِ إخْوانِي فَيَقُولُ لِي: ارْجِعْ، فَأرْجِعُ وأنا مُغْتَبِطٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فارْجِعُوا هو أزْكى لَكُمْ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، «عَنْ مُقاتِلِ بْنِ حَيّانَ قالَ: كانَ الرَّجُلُ في الجاهِلِيَّةِ إذا لَقِيَ صاحِبَهُ لا يُسَلِّمُ عَلَيْهِ، يَقُولُ: حُيِّيتَ صَباحًا، وحُيِّيَتَ مَساءً. وكانَ ذَلِكَ تَحِيَّةَ القَوْمِ بَيْنَهُمْ، وكانَ أحَدُهم يَنْطَلِقُ إلى صاحِبِهِ فَلا يَسْتَأْذِنُ حَتّى يَقْتَحِمَ ويَقُولُ: قَدْ دَخَلْتُ، فَيَشُقُّ ذَلِكَ عَلى الرَّجُلِ، ولَعَلَّهُ يَكُونُ مَعَ أهْلِهِ، فَغَيَّرَ اللَّهُ (p-١٦)ذَلِكَ كُلَّهُ في سِتْرٍ وعِفَّةٍ فَقالَ: ﴿لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ﴾ الآيَةَ. فَلَمّا نَزَلَتْ آيَةُ التَّسْلِيمِ والِاسْتِئْذانِ في البُيُوتِ، قالَ أبُو بَكْرٍ: يا رَسُولَ اللَّهِ، فَكَيْفَ بِتُجّارِ قُرَيْشٍ الَّذِينَ يَخْتَلِفُونَ بَيْنَ مَكَّةَ والمَدِينَةِ والشّامِ وبَيْتِ المَقْدِسِ، ولَهم بُيُوتٌ مَعْلُومَةٌ عَلى الطَّرِيقِ، فَكَيْفَ يَسْتَأْذِنُونَ ويُسَلِّمُونَ ولَيْسَ فِيها سُكّانٌ؟ فَرَخَّصَ اللَّهُ في ذَلِكَ، فَأنْزَلَ: ﴿لَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ أنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ﴾ بِغَيْرِ إذْنٍ» .
وأخْرَجَ البُخارِيُّ في ”الأدَبِ“، وأبُو داوُدَ في ”النّاسِخِ“، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكم حَتّى تَسْتَأْنِسُوا وتُسَلِّمُوا عَلى أهْلِها﴾ فَنَسَخَ واسْتَثْنى مِن ذَلِكَ فَقالَ: ﴿لَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ أنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيها مَتاعٌ لَكُمْ﴾ .
النور 24:30
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِن أبْصارِهِمْ﴾ الآيَةَ.
أخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ «عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ قالَ: مَرَّ رَجُلٌ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في طَرِيقٍ مِن طُرُقاتِ المَدِينَةِ فَنَظَرَ إلى امْرَأةٍ ونَظَرَتْ إلَيْهِ، فَوَسْوَسَ لَهُما الشَّيْطانُ: أنَّهُ لَمْ يَنْظُرْ أحَدُهُما إلى الآخَرِ إلّا إعْجابًا بِهِ، فَبَيْنا الرَّجُلُ يَمْشِي إلى جَنْبِ حائِطٍ وهو يَنْظُرُ إلَيْها، إذِ اسْتَقْبَلَهُ الحائِطُ فَشَقَّ أنْفَهُ، فَقالَ: واللَّهِ لا أغْسِلُ الدَّمَ حَتّى آتِيَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَأُعْلِمَهُ أمْرِي، فَأتاهُ فَقَصَّ عَلَيْهِ قِصَّتَهُ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: «هَذا عُقُوبَةُ ذَنْبِكَ» وأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِن أبْصارِهِمْ﴾ الآيَةَ» .
(p-١٧)وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ قَتادَةَ: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِن أبْصارِهِمْ﴾ أيْ: عَمّا لا يَحِلُّ لَهُمْ، ﴿ويَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾ أيْ: عَمّا لا يَحِلُّ لَهم.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِن أبْصارِهِمْ﴾ قالَ: مِن شَهَواتِهِمْ مِمّا يَكْرَهُ اللَّهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِن أبْصارِهِمْ﴾ يَعْنِي: يَحْفَظُوا أبْصارَهُمْ، فَ (مِن) هُنا صِلَةٌ في الكَلامِ. يَعْنِي: يَحْفَظُوا أبْصارَهم عَمّا لا يَحِلُّ لَهُمُ النَّظَرُ إلَيْهِ، ويَحْفَظُوا فُرُوجَهم عَنِ الفَواحِشِ، ﴿ذَلِكَ أزْكى لَهُمْ﴾ يَعْنِي غَضَّ البَصَرِ وحِفْظَ الفَرْجِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أبِي العالِيَةِ قالَ: كُلُّ آيَةٍ في القُرْآنِ يُذْكَرُ فِيها حِفْظُ الفَرْجِ فَهو مِنَ الزِّنى، إلّا هَذِهِ الآيَةَ في ”النُّورِ“: ﴿ويَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾، ﴿ويَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ﴾ [النور: ٣١] فَهو ألّا يَراها أحَدٌ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والبُخارِيُّ، وأبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ، (p-١٨)والنَّسائِيُّ، وابْنُ ماجَهْ، عَنْ بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ عَنْ أبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، قالَ: «قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، عَوْراتُنا ما نَأْتِي مِنها وما نَذَرُ؟ قالَ: «احْفَظْ عَوْرَتَكَ إلّا مِن زَوْجَتِكَ أوْ ما مَلَكَتْ يَمِينُكَ» قُلْتُ: يا نَبِيَّ اللَّهِ، إذا كانَ القَوْمُ بَعْضُهم في بَعْضٍ؟ قالَ: «إنِ اسْتَطَعْتَ ألّا يَراها أحَدٌ فَلا يَرَيَنَّها» . قُلْتُ: إذا كانَ أحَدُنا خالِيًا؟ قالَ: «فاللَّهُ أحَقُّ أنْ يُسْتَحْيا مِنهُ مِنَ النّاسِ»» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ العَلاءِ بْنِ زِيادٍ قالَ: كانَ يُقالُ: لا تُتْبِعَنَّ بَصَرَكَ حُسْنَ رِداءِ امْرَأةٍ، فَإنَّ النَّظَرَ يَجْعَلُ شَهْوَةً في القَلْبِ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الشَّيْطانُ مِنَ الرَّجُلِ عَلى ثَلاثَةِ مَنازِلَ؛ عَلى عَيْنِهِ وقَلْبِهِ وذَكَرِهِ. وهو مِنَ المَرْأةِ عَلى ثَلاثَةٍ: عَلى عَيْنِها وقَلْبِها وعَجُزِها.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، ومُسْلِمٌ، وأبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، «عَنْ جَرِيرٍ البَجَلِيِّ قالَ: سَألْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ نَظْرَةِ الفَجْأةِ، (p-١٩)فَأمَرَنِي أنْ أصْرِفَ بَصَرِي» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ، والبَيْهَقِيُّ في ”سُنَنِهِ“، عَنْ بُرَيْدَةَ قالَ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِعَلِيٍّ: «لا تُتْبِعِ النَّظْرَةَ النَّظْرَةَ؛ فَإنَّ لَكَ الأُولى، ولَيْسَتْ لَكَ الآخِرَةُ»» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، مِن حَدِيثِ عَلِيٍّ، مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ، والخَرائِطِيُّ في ”مَكارِمِ الأخْلاقِ“، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: ««لا تَجْلِسُوا في المَجالِسِ، فَإنْ كُنْتُمْ لابُدَّ فاعِلِينَ فَرُدُّوا السَّلامَ، وغُضُّوا الأبْصارَ، واهْدُوا السَّبِيلَ، وأعِينُوا عَلى الحَمُولَةِ»» .
وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، عَنْ أبِي سَعِيدٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««إيّاكم والجُلُوسَ عَلى الطُّرُقاتِ» . قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، ما لَنا بُدٌّ مِن مَجالِسِنا، نَتَحَدَّثُ فِيها. فَقالَ: «إنْ أبَيْتُمْ فَأعْطُوا الطَّرِيقَ حَقَّهُ» . قالُوا: وما حَقُّ الطَّرِيقِ (p-٢٠)يا رَسُولَ اللَّهِ؟ قالَ: «غَضُّ البَصَرِ، وكَفُّ الأذى، ورَدُّ السَّلامِ، والاَمْرُ بِالمَعْرُوفِ، والنَّهْيُ عَنِ المُنْكَرِ»» .
وأخْرَجَ أبُو القاسِمِ البَغَوِيُّ في ”مُعْجَمِهِ“، والطَّبَرانِيُّ، والخَطِيبُ وابْنُ النَّجّارِ، عَنْ أبِي أُمامَةَ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ، ﷺ يَقُولُ: ««اكْفُلُوا لِي بِسِتٍّ أكْفُلْ لَكم بِالجَنَّةِ: إذا حَدَّثَ أحَدُكم فَلا يَكْذِبْ، وإذِ اؤْتُمِنَ فَلا يَخُنْ، وإذا وعَدَ فَلا يُخْلِفْ، غُضُّوا أبْصارَكُمْ، وكُفُّوا أيْدِيَكُمْ، واحْفَظُوا فُرُوجَكُمْ»» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ، والحَكِيمُ في ”نَوادِرِ الأُصُولِ“، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في ”شُعَبِ الإيمانِ“، عَنْ أبِي أُمامَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: ««ما مِن مُسْلِمٍ يَنْظُرُ إلى امْرَأةٍ أوَّلَ رَمْقَةٍ، ثُمَّ يَغُضُّ بَصَرَهُ، إلّا أحْدَثَ اللَّهُ لَهُ عِبادَةً يَجِدُ حَلاوَتَها في قَلْبِهِ»» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ، والبُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، وأبُو داوُدَ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««إنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ كَتَبَ عَلى ابْنِ آدَمَ حَظَّهُ مِنَ الزِّنى، أدْرَكَ ذَلِكَ لا مَحالَةَ، فَزِنى العَيْنِ النَّظَرُ، وزِنى اللِّسانِ المَنطِقُ، وزِنى الأُذُنَيْنِ الِاسْتِماعُ، وزِنا اليَدَيْنِ البَطْشُ، وزِنى الرِّجْلَيْنِ الخَطْوُ، والنَّفْسُ تَمَنّى وتَشْتَهِي، والفَرْجُ (p-٢١)يُصَدِّقُ ذَلِكَ أوْ يُكَذِّبُهُ»» .
وأخْرَجَ الحاكِمُ، وصَحَّحَهُ، وتُعُقِّبَ، عَنْ حُذَيْفَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««النَّظْرَةُ سَهْمٌ مِن سِهامِ إبْلِيسَ مَسْمُومَةٌ، فَمَن تَرَكَها مِن خَوْفِ اللَّهِ أثابَهُ إيمانًا يَجِدُ حَلاوَتَهُ في قَلْبِهِ»» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا، والدَّيْلَمِيُّ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««كُلُّ عَيْنٍ باكِيَةٌ يَوْمَ القِيامَةِ إلّا عَيْنًا غَضَّتْ عَنْ مَحارِمِ اللَّهِ، وعَيْنًا سَهِرَتْ في سَبِيلِ اللَّهِ، وعَيْنًا خَرَجَ مِنها مِثْلُ رَأْسِ الذُّبابِ مِن خَشْيَةِ اللَّهِ»» .
النور 24:31
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقُلْ لِلْمُؤْمِناتِ﴾ الآيَةَ.
أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُقاتِلٍ، قالَ: بَلَغَنا - واللَّهُ أعْلَمُ - أنَّ جابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الأنْصارِيَّ حَدَّثَ: أنَّ أسْماءَ بِنْتَ مُرْشِدَةَ كانَتْ في نَخْلٍ لَها في بَنِي حارِثَةَ، (p-٢٢)فَجَعَلَ النِّساءُ يَدْخُلْنَ عَلَيْها غَيْرَ مُؤْتَزِراتٍ، فَيَبْدُو ما في أرْجُلِهِنَّ -يَعْنِي الخَلاخِلَ- ويَبْدُو صُدُورُهُنَّ وذَوائِبُهُنَّ، فَقالَتْ أسْماءُ: ما أقْبَحَ هَذا! فَأنْزَلَ اللَّهُ في ذَلِكَ: ﴿وقُلْ لِلْمُؤْمِناتِ يَغْضُضْنَ مِن أبْصارِهِنَّ﴾ الآيَةَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، والفِرْيابِيُّ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾ قالَ: الزِّينَةُ: السِّوارُ والدُّمْلُجُ، والخَلْخالُ، والقُرْطُ، والقِلادَةُ، ﴿إلا ما ظَهَرَ مِنها﴾ قالَ: الثِّيابُ والجِلْبابُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: الزِّينَةُ زِينَتانِ: زِينَةٌ ظاهِرَةٌ، وزِينَةٌ باطِنَةٌ لا يَراها إلّا الزَّوْجُ. فَأمّا الزِّينَةُ الظّاهِرَةُ: فالثِّيابُ.
وأمّا الزِّينَةُ الباطِنَةُ: فالكُحْلُ والسِّوارُ والخاتَمُ. ولَفْظُ ابْنِ جَرِيرٍ: فالظّاهِرَةُ مِنها: الثِّيابُ. وما خَفِيَ: فالخَلْخالانِ، والقُرْطانِ، والسِّوارَنِ.
(p-٢٣)وأخْرَجَ أحْمَدُ، والنَّسائِيُّ، والحاكِمُ، والبَيْهَقِيُّ في ”سُنَنِهِ“، عَنْ أبِي مُوسى، قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««أيُّما امْرَأةٍ اسْتَعْطَرَتْ فَمَرَّتْ فَمَرَّتْ عَلى قَوْمٍ لِيَجِدُوا رِيحَها فَهي زانِيَةٌ»» .
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ أنَسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلا ما ظَهَرَ مِنها﴾ قالَ: الكُحْلُ والخاتَمُ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والبَيْهَقِيُّ في ”سُنَنِهِ“، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿ولا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلا ما ظَهَرَ مِنها﴾ قالَ: الكُحْلُ والخاتَمُ والقُرْطُ والقِلادَةُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إلا ما ظَهَرَ مِنها﴾ قالَ: هو خِضابُ الكَفِّ والخاتَمُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قالَ: الزِّينَةُ الظّاهِرَةُ الوَجْهُ والكَفّانِ.
(p-٢٤)وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إلا ما ظَهَرَ مِنها﴾ قالَ: وجْهُها وكَفّاها والخاتَمُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إلا ما ظَهَرَ مِنها﴾ قالَ: رُقْعَةُ الوَجْهِ، وباطِنُ الكَفِّ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والبَيْهَقِيُّ في ”سُنَنِهِ“، عَنْ عائِشَةَ، أنَّها سُئِلَتْ عَنِ الزِّينَةِ الظّاهِرَةِ، فَقالَتِ: القُلْبُ والفَتَخُ، وضَمَّتْ طَرَفَ كُمِّها.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنْ عِكْرِمَةَ في قَوْلِهِ: ﴿إلا ما ظَهَرَ مِنها﴾ قالَ: الوَجْهُ وثَغْرُةُ النَّحْرِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ في قَوْلِهِ: ﴿إلا ما ظَهَرَ مِنها﴾ قالَ: الوَجْهُ والكَفُّ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ عَطاءٍ في قَوْلِهِ: ﴿إلا ما ظَهَرَ مِنها﴾ قالَ الكَفّانِ والوَجْهُ.
(p-٢٥)وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ قَتادَةَ، ﴿ولا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلا ما ظَهَرَ مِنها﴾ قالَ: المَسَكَتانِ والخاتَمُ والكُحْلُ. قالَ قَتادَةُ: وبَلَغَنِي أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: ««لا يَحِلُّ لِامْرَأةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ أنُ تُخْرِجَ يَدَها إلّا إلى هَهُنا»» وقَبَضَ نِصْفَ الذِّراعِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ المِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ في قَوْلِهِ: ﴿إلا ما ظَهَرَ مِنها﴾ قالَ: القُلْبَيْنِ -يَعْنِي السِّوارَ- والخاتَمَ والكُحْلَ.
وأخْرَجَ سُنَيْدٌ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قالَ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلا ما ظَهَرَ مِنها﴾ قالَ: الخاتَمُ والمَسَكَةُ، قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: «وقالَتْ عائِشَةُ: القَلْبُ والفَتَخَةُ. قالَتْ عائِشَةُ: دَخَلَتْ عَلَيَّ ابْنَةُ أخِي لِأُمِّي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الطُّفَيْلِ مُزَيَّنَةً، فَدَخَلَ عَلَيَّ النَّبِيُّ ﷺ فَأعْرَضَ. فَقالَتْ عائِشَةُ: إنَّها ابْنَةُ أخِي وجارِيَةٌ. فَقالَ: «إذا عَرَكَتِ المَرْأةُ لَمْ يَحِلَّ لَها أنْ تُظْهِرَ إلّا وجْهَها، وإلّا ما دُونَ هَذا» . وقَبَضَ عَلى ذِراعِ نَفْسِهِ، فَتَرَكَ بَيْنَ قَبْضَتِهِ وبَيْنَ الكَفِّ مِثْلَ قَبْضَةٍ أُخْرى» .
(p-٢٦)وأخْرَجَ أبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ، والنَّسائِيُّ، والبَيْهَقِيُّ في ”سُنَنِهِ“، «عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ أنَّها كانَتْ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ ومَيْمُونَةُ، فَقالَتْ: بَيْنا نَحْنُ عِنْدَهُ أقْبَلَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ فَدَخَلَ عَلَيْهِ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «احْتَجِبا مِنهُ» . فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، ألَيْسَ هو أعْمى لا يُبْصِرُنا؟ فَقالَ: «أفَعَمْياوانِ أنْتُما؟! ألَسْتُما تُبْصِرانِهِ»؟!» .
وأخْرَجَ أبُو داوُدَ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ عائِشَةَ، «أنَّ أسْماءَ بِنْتَ أبِي بَكْرٍ دَخَلَتْ عَلى النَّبِيِّ ﷺ وعَلَيْها ثِيابٌ رِقاقٌ، فَأعْرَضَ عَنْها وقالَ: «يا أسْماءُ، إنَّ المَرْأةَ إذا بَلَغَتِ المَحِيضَ لَمْ يَصْلُحْ أنْ يُرى مِنها إلّا هَذا، وأشارَ إلى وجْهِهِ وكَفِّهِ»» .
وأخْرَجَ أبُو داوُدَ في ”مَراسِيلِهِ“، عَنْ قَتادَةَ، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: ««إنَّ الجارِيَةَ إذا حاضَتْ لَمْ يَصْلُحْ أنْ يُرى مِنها إلّا وجْهُها ويَداها إلى المِفْصِلِ»» .
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلى جُيُوبِهِنَّ﴾ .
أخْرَجَ البُخارِيُّ، أبُو داوُدَ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي (p-٢٧)حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في ”سُنَنِهِ“، عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: رَحِمَ اللَّهُ نِساءَ المُهاجِراتِ الأُوَلَ، لَمّا أنْزَلَ اللَّهُ: ﴿ولْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلى جُيُوبِهِنَّ﴾ أخَذَ النِّساءُ أُزُرَهُنَّ فَشَقَقْنَها مِن قِبَلِ الحَواشِي فاخْتَمَرْنَ بِها.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿ولْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلى جُيُوبِهِنَّ﴾ شَقَقْنَ أكْتَفَ مُرُوطِهِنَّ فاخْتَمَرْنَ بِهِ.
وأخْرَجَ الطَّيالِسِيُّ، وأحْمَدُ، وأبُو داوُدَ، والطَّبَرانِيُّ، والبَيْهَقِيُّ في ”شُعَبِ الإيمانِ“، والحاكِمُ، وصَحَّحَهُ «عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَخَلَ عَلَيْها وهي تَخْتَمِرُ فَقالَ: «لَيَّةً لا لَيَّتَيْنِ»» .
وأخْرَجَ أبُو داوُدَ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، «عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ شَيْبَةَ قالَتْ: بَيْنا نَحْنُ عِنْدَ عائِشَةَ فَذَكَرَتْ نِساءَ قُرَيْشٍ وفَضْلَهُنَّ فَقالَتْ عائِشَةُ: (p-٢٨)إنَّ نِساءَ قُرَيْشٍ لَفُضْلى، وإنِّي –واللَّهِ- ما رَأيْتُ أفْضَلَ مِن نِساءِ الأنْصارِ؛ أشَدَّ تَصْدِيقًا بِكِتابِ اللَّهِ، ولا إيمانًا بِالتَّنْزِيلِ؛ لَقَدْ أُنْزِلَتْ سُورَةُ ”النُّورِ“: ﴿ولْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلى جُيُوبِهِنَّ﴾ فانْقَلَبَ رِجالُهُنَّ إلَيْهِنَّ يَتْلُونَ عَلَيْهِنَّ ما أُنْزِلَ إلَيْهِنَّ فِيها، ويَتْلُو الرَّجُلُ عَلى امْرَأتِهِ وبِنْتِهِ وأُخْتِهِ، وعَلى ذِي قَرابَتِهِ، فَما مِنهُنَّ امْرَأةٌ إلّا قامَتْ إلى مِرْطِها فاعْتَجَرَتْ بِهِ تَصْدِيقًا وإيمانًا بِما أنْزَلَ اللَّهُ مِن كِتابِهِ، فَأصْبَحْنَ وراءَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الصُّبْحَ مُعْتَجِراتٍ كَأنَّ عَلى رُؤُوسِهِنَّ الغِرْبانَ» .
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنْ عائِشَةَ، أنَّ امْرَأةً دَخَلَتْ عَلَيْها وعَلَيْها خِمارٌ رَقِيقٌ يَشِفُّ جَبِينَها، فَأخَذَتْهُ عائِشَةُ فَشَقَّتْهُ ثُمَّ قالَتْ: ألا تَعْلَمِينَ ما أنْزَلَ اللَّهُ في سُورَةِ ”النُّورِ“؟ فَدَعَتْ لَها بِخِمارٍ فَكَسَتْها إيّاهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: ﴿ولْيَضْرِبْنَ﴾ ولْيَشْدُدْنَ، ﴿بِخُمُرِهِنَّ عَلى جُيُوبِهِنَّ﴾ يَعْنِي: عَلى النَّحْرِ والصَّدْرِ، فَلا يُرى مِنهُ شَيْءٌ.
وأخْرَجَ أبُو داوُدَ في ”النّاسِخِ“ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: قالَ في سُورَةِ ”النُّورِ“: (p-٢٩)﴿ولا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلا ما ظَهَرَ مِنها ولْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلى جُيُوبِهِنَّ﴾ وقالَ: ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلابِيبِهِنَّ﴾ [الأحزاب: ٥٩] ثُمَّ اسْتَثْنى فَقالَ: ﴿والقَواعِدُ مِنَ النِّساءِ اللاتِي لا يَرْجُونَ نِكاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُناحٌ أنْ يَضَعْنَ ثِيابَهُنَّ﴾ [النور: ٦٠] [النُّورِ: ٦٠] . والمُتَبَرِّجاتُ اللّاتِي يَخْرُجْنَ غَيْرَ نُحُورِهِنَّ.
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلا ما ظَهَرَ مِنها﴾ الآيَةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في ”سُنَنِهِ“، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلا ما ظَهَرَ مِنها﴾ والزِّينَةُ الظّاهِرَةُ: الوَجْهُ وكُحْلُ العَيْنَيْنِ وخِضابُ الكَفِّ والخاتَمُ. فَهَذا تُظْهِرُهُ في بَيْتِها لِمَن دَخَلَ عَلَيْها، ثُمَّ قالَ: ﴿ولا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلا لِبُعُولَتِهِنَّ أوْ آبائِهِنَّ﴾ الآيَةَ. والزِّينَةُ الَّتِي تُبْدِيها لِهَؤُلاءِ: قُرْطاها وقِلادَتُها وسِوارُها، فَأمّا خَلْخالُها ومِعْضَدُها ونَحْرُها وشَعْرُها فَإنَّها لا تُبْدِيهِ إلّا لِزَوْجِها.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: ﴿ولا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾ يَعْنِي: ولا يَضَعْنَ الجِلْبابَ؛ وهو القِناعُ، مِن فَوْقِ الخِمارِ، ﴿إلا لِبُعُولَتِهِنَّ أوْ آبائِهِنَّ﴾ الآيَةَ. قالَ: فَهو مُحَرَّمٌ، وكَذَلِكَ العَمُّ والخالُ، ﴿أوْ نِسائِهِنَّ﴾ يَعْنِي نِساءَ المُؤْمِناتِ، ﴿أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهُنَّ﴾ يَعْنِي عَبْدَ المَرْأةِ.
(p-٣٠)وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، وعِكْرِمَةَ، في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿ولا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلا لِبُعُولَتِهِنَّ﴾ حَتّى فَرَغَ مِنها. قالَ: لَمْ يَذْكُرِ العَمَّ والخالَ؛ لِأنَّهُما يَنْعَتانِ لِأبْنائِهِما، فَلا تَضَعُ خِمارَها عِنْدَ العَمِّ والخالِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، مِن طَرِيقِ الكَلْبِيِّ، عَنْ أبِي صالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿أوْ نِسائِهِنَّ﴾ قالَ: هُنَّ المُسْلِماتُ، لا تُبْدِيهِ لِيَهُودِيَّةٍ ولا نَصْرانِيَّةٍ، وهو النَّحْرُ والقُرْطُ والوِشاحُ، وما يَحْرُمُ أنْ يَراهُ إلّا مَحْرَمٌ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والبَيْهَقِيُّ في ”سُنَنِهِ“، عَنْ مُجاهِدٍ، قالَ: لا تَضَعُ المُسْلِمَةُ خِمارَها عِنْدَ مُشْرِكَةٍ ولا تَقْبَلُها، -أيْ: لا تَكُونُ قابِلَةً لَها- لِأنَّ اللَّهَ تَعالى يَقُولُ: ﴿أوْ نِسائِهِنَّ﴾ فَلَسْنَ مِن نِسائِهِنَّ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والبَيْهَقِيُّ في ”سُنَنِهِ“، عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ، أنَّهُ كَتَبَ إلى أبِي عُبَيْدَةَ: أمّا بَعْدُ، فَإنَّهُ بَلَغَنِي أنَّ نِساءً مِن نِساءِ المُسْلِمِينَ يَدْخُلْنَ الحَمّاماتِ مَعَ نِساءِ أهْلِ الشِّرْكِ، فانْهَ مَن قِبَلَكَ عَنْ ذَلِكَ؛ (p-٣١)لا يَحِلُّ لِامْرَأةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ أنْ يَنْظُرَ إلى عَوْرَتِها إلّا أهْلُ مِلَّتِها.
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهُنَّ﴾ .
أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ في قَوْلِهِ: ﴿أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهُنَّ﴾ يَعْنِي عَبْدَ المَرْأةِ، لا يَحِلُّ لَها أنْ تَضَعَ جِلْبابَها عِنْدَ عَبْدِ زَوْجِها.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: لا بَأْسَ أنْ يَرى العَبْدُ شَعَرَ سَيِّدَتِهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ، قالَ: تَضَعُ المَرْأةُ الجِلْبابَ عِنْدَ المَمْلُوكِ.
وأخْرَجَ أبُو داوُدَ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ أنَسٍ، «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ أتى فاطِمَةَ بِعَبْدٍ قَدْ وهَبَهُ لَها، وعَلى فاطِمَةَ ثَوْبٌ إذا قَنَّعَتْ بِهِ رَأْسَها لَمْ يَبْلُغْ رِجْلَيْها، وإذا غَطَّتْ بِهِ رِجْلَيْها لَمْ يَبْلُغْ رَأْسَها، فَلَمّا رَأى النَّبِيُّ ﷺ ما تَلْقى قالَ: «إنَّهُ لَيْسَ عَلَيْكِ بَأْسٌ، إنَّما هو أبُوكِ وغُلامُكِ»» .
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وأحْمَدُ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: ««إذا (p-٣٢)كانَ لِإحْداكُنَّ مَكاتَبٌ، وكانَ لَهُ ما يُؤَدِّي فَلْتَحْتَجِبْ مِنهُ»» .
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، عَنْ مُجاهِدٍ، قالَ: كانَ العَبِيدُ يَدْخُلُونَ عَلى أزْواجِ النَّبِيِّ ﷺ .
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ في قَوْلِهِ: ﴿أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهُنَّ﴾ قالَ: في القِراءَةِ الأوْلى: (الَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الحُلُمَ مِمّا مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ) .
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ طاوُسٍ، ومُجاهِدٍ، قالا: لا يَنْظُرُ المَمْلُوكُ إلى شَعَرِ سَيِّدَتِهِ. قالا: وفي بَعْضِ القِراءَةِ: (أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُكُمُ الَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الحُلُمَ) .
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، عَنْ عَطاءٍ، أنَّهُ سُئِلَ: هَلْ يَرى غُلامُ المَرْأةِ رَأْسَها وقَدَمَها؟ قالَ: ما أُحِبُّ ذَلِكَ، إلّا أنْ يَكُونَ غُلامًا يَسِيرًا، فَأمّا رَجُلٌ ذُو لِحْيَةٍ فَلا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ قالَ: لا تَغُرَّنَّكم هَذِهِ الآيَةُ: (p-٣٣)﴿أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهُنَّ﴾ إنَّما عُنِيَ بِها الإماءُ، ولَمْ يُعْنَ بِها العَبِيدُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنْ إبْراهِيمَ قالَ: تَسْتَتِرُ المَرْأةُ مِن غُلامِها.
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوِ التّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الإرْبَةِ مِنَ الرِّجالِ﴾ .
أخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿أوِ التّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الإرْبَةِ مِنَ الرِّجالِ﴾ قالَ: هو الَّذِي لا يَسْتَحِي مِنهُ النِّساءُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في ”سُنَنِهِ“، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿أوِ التّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الإرْبَةِ﴾ قالَ: هَذا الرَّجُلُ يَتْبَعُ القَوْمَ وهو مُغَفَّلٌ في عَقْلِهِ، لا يَكْتَرِثُ لِلنِّساءِ ولا يَشْتَهِي النِّساءَ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿أوِ التّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الإرْبَةِ مِنَ الرِّجالِ﴾ قالَ: كانَ الرَّجُلُ يَتْبَعُ الرَّجُلَ في الزَّمانِ الأوَّلِ لا يَغارُ عَلَيْهِ، ولا تَرْهَبُ المَرْأةُ أنْ تَضَعَ خِمارَها عِنْدَهُ، وهو الأحْمَقُ الَّذِي لا حاجَةَ لَهُ في النِّساءِ.
(p-٣٤)وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ طاوُسٍ: ﴿غَيْرِ أُولِي الإرْبَةِ﴾ قالَ: هو الأحْمَقُ الَّذِي لَيْسَ لَهُ في النِّساءِ إرْبٌ ولا حاجَةٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ ﴿غَيْرِ أُولِي الإرْبَةِ﴾ قالَ: هو الأبْلَهُ الَّذِي لا يَعْرِفُ أمْرَ النِّساءِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿غَيْرِ أُولِي الإرْبَةِ﴾ قالَ: هو المُخَنَّثُ الَّذِي لا يَقُومُ زُبُّهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: ﴿غَيْرِ أُولِي الإرْبَةِ مِنَ الرِّجالِ﴾ قالَ: هو الشَّيْخُ الكَبِيرُ الَّذِي لا يُطِيقُ النِّساءَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ: ﴿غَيْرِ أُولِي الإرْبَةِ﴾ هو العِنِّينُ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ الكَلْبِيِّ: ﴿غَيْرِ أُولِي الإرْبَةِ﴾ قالَ: هو الخَصِيُّ والعِنِّينُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، قالَ: هو الَّذِي لا (p-٣٥)يَقُومُ زُبُّهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: هو المَعْتُوهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ قالَ: هو الَّذِي لَمْ يَبْلُغْ إرْبُهُ أنْ يَطَّلِعَ عَلى عَوْرَةِ النِّساءِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، ومُسْلِمٌ، وأبُو داوُدَ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: «كانَ رَجُلٌ يَدْخُلُ عَلى أزْواجِ النَّبِيِّ ﷺ مُخَنَّثٌ، فَكانُوا يَعُدُّونَهُ مِن غَيْرِ أُولِي الإرْبَةِ، فَدَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ يَوْمًا وهو عِنْدُ بَعْضِ نِسائِهِ وهو يَنْعَتُ امْرَأةً، قالَ: إذا أقْبَلَتْ أقْبَلَتْ بِأرْبَعٍ، وإذا أدْبَرَتْ أدْبَرَتْ بِثَمانٍ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: «ألا أرى هَذا يَعْرِفُ ما هَهُنا، لا يَدْخُلَنَّ عَلَيْكُمْ» فَحَجَبُوهُ» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: «كانَ يَدْخُلُ عَلى أزْواجِ النَّبِيِّ ﷺ هِيتٌ، وإنَّما كُنَّ يَعْدُدْنَهُ مِن غَيْرِ أُولِي الإرْبَةِ مِنَ الرِّجالِ، فَدَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ (p-٣٦)ﷺ ذاتُ يَوْمٍ وهو يَنْعَتُ امْرَأةً يَقُولُ: إنَّها إذا أقْبَلَتْ أقْبَلَتْ بِأرْبَعٍ، وإذا أدْبَرَتْ أدْبَرَتْ بِثَمانٍ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «ألا أسْمَعُ هَذا يَعْلَمُ ما هَهُنا، لا يَدْخُلَنَّ عَلَيْكُمْ» . فَأخْرَجَهُ، فَكانَ بِالبَيْداءِ يَدْخُلُ كُلَّ جُمْعَةٍ يَسْتَطْعِمُ» .
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلى عَوْراتِ النِّساءِ﴾ .
أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في ”سُنَنِهِ“، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿أوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلى عَوْراتِ النِّساءِ﴾ قالَ: هُمُ الَّذِينَ لا يَدْرُونَ ما النِّساءُ مِنَ الصِّغَرِ قَبْلَ الحُلُمِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ في قَوْلِهِ: ﴿أوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلى عَوْراتِ النِّساءِ﴾ قالَ: الغُلامُ الَّذِي لَمْ يَحْتَلِمْ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ قَتادَةَ، مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنْ أبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الحارِثِ بْنِ هِشامٍ قالَ: كُلُّ شَيْءٍ مِنَ المَرْأةِ عَوْرَةٌ حَتّى ظُفُرُها.
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا يَضْرِبْنَ بِأرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ ما يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ﴾ .
(p-٣٧)أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ حَضْرَمِيٍّ، أنَّ امْرَأةً اتَّخَذَتْ بُرَتَيْنِ مِن فِضَّةٍ، واتَّخَذَتْ جَزْعًا، فَمَرَّتْ عَلى قَوْمٍ، فَضَرَبَتْ بِرِجْلِها فَوَقَعَ الخَلْخالُ عَلى الجَزْعِ فَصَوَّتَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿ولا يَضْرِبْنَ بِأرْجُلِهِنَّ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولا يَضْرِبْنَ بِأرْجُلِهِنَّ﴾ وهو أنْ تَقْرَعَ الخَلْخالَ بِالآخَرِ عِنْدَ الرِّجالِ، أوْ يَكُونَ عَلى رِجْلَيْها خَلاخِلُ فَتُحَرِّكُهُنَّ عِنْدَ الرِّجالِ، فَنَهى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ؛ لِأنَّهُ مِن عَمَلِ الشَّيْطانِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ قَتادَةَ: ﴿ولا يَضْرِبْنَ بِأرْجُلِهِنَّ﴾ قالَ: كانَتِ المَرْأةُ تَضْرِبُ بِرِجْلِها لِيُسْمَعَ قَعْقَعَةُ الخَلْخالِ فِيها، فَنُهِيَ عَنْ ذَلِكَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ مُجاهِدٍ ﴿ولا يَضْرِبْنَ بِأرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ ما يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ﴾ قالَ: الخَلْخالُ، نَهى أنْ تَضْرِبَ بِرِجْلِها لِيُسْمَعَ صَوْتُ الخَلْخالِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ مُعاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ قالَ: كُنَّ نِساءُ الجاهِلِيَّةِ تَضْرِبُ (p-٣٨)الخَلاخِيلَ الصُّمَّ، فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿ولا يَضْرِبْنَ بِأرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ ما يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ﴾ .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أبِي مالِكٍ قالَ: كانَتِ المَرْأةُ تَمُرُّ عَلى المَجْلِسِ في رِجْلِها الخَرَزُ، فَإذا جاوَزَتِ المَجْلِسَ ضَرَبَتْ بِرِجْلِها، فَنَزَلَتْ: ﴿ولا يَضْرِبْنَ بِأرْجُلِهِنَّ﴾ الآيَةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: إنَّ المَرْأةَ كانَتْ يَكُونُ في رِجْلِها الخَلْخالُ فِيهِ جَلاجِلُ، فَإذا دَخَلَ عَلَيْها غَرِيبٌ تُحَرِّكُ رِجْلَها عَمْدًا، لِيُسْمَعَ صَوْتُ الخَلْخالِ، فَقالَ: ﴿ولا يَضْرِبْنَ﴾ يَعْنِي: لا يُحَرِّكْنَ أرْجُلَهُنَّ، ﴿لِيُعْلَمَ ما يُخْفِينَ﴾ يَعْنِي: لِيَعْلَمَ الغَرِيبُ إذا دَخَلَ عَلَيْها ما تُخْفِي مِن زِينَتِها.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: ﴿لِيُعْلَمَ ما يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ﴾ قالَ: الخَلْخالُ.
وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ، عَنْ مَيْمُونَةَ بِنْتِ سَعْدٍ، أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: ««الرّافِلَةُ في الزِّينَةِ في غَيْرِ أهْلِها كَمَثَلِ ظُلْمَةِ يَوْمِ القِيامَةِ، لا نُورَ لَها»» .
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وتُوبُوا إلى اللَّهِ جَمِيعًا أيُّهَ المُؤْمِنُونَ﴾ .
(p-٣٩)وأخْرَجَ أحْمَدُ، والبُخارِيُّ في ”الأدَبِ المُفْرَدِ“، ومُسْلِمٌ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في ”شُعَبِ الإيمانِ“، عَنِ الأغَرِّ قالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: ««يا أيُّها النّاسُ، تُوبُوا إلى اللَّهِ جَمِيعًا، فَإنِّي أتُوبُ إلَيْهِ كُلَّ يَوْمٍ مِائَةَ مَرَّةٍ»» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ، «عَنْ حُذَيْفَةَ قالَ: كانَ في لِسانِي ذَرَبٌ إلى أهْلِي فَلَمْ أعْدُهُ إلى غَيْرِهِ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَقالَ: «أيْنَ أنْتَ مِنَ الِاسْتِغْفارِ يا حُذَيْفَةُ؟ إنِّي لَأسْتَغْفَرُ اللَّهَ في كُلِّ يَوْمٍ مِائَةَ مَرَّةٍ وأتُوبُ إلَيْهِ»» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا، والبَيْهَقِيُّ في ”شُعَبِ الإيمانِ“، عَنْ أبِي رافِعٍ، «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سُئِلَ: كَمْ لِلْمُؤْمِنِينَ مِن سِتْرٍ؟ قالَ: «هِيَ أكْثَرُ مِن أنْ تُحْصى، ولَكِنَّ المُؤْمِنَ إذا عَمِلَ خَطِيئَةً هَتَكَ مِنها سِتْرًا، فَإذا تابَ رَجَعَ إلَيْهِ ذَلِكَ السِّتْرُ وتِسْعَةٌ مَعَهُ، وإذا لَمْ يَتُبْ هَتَكَ عَنْهُ مِنها سِتْرًا واحِدًا، حَتّى إذا لَمْ يَبْقَ عَلَيْهِ مِنها شَيْءٌ، قالَ اللَّهُ تَعالى لِمَن شاءَ مِن مَلائِكَتِهِ: إنَّ (p-٤٠)بَنِي آدَمَ يُعَيَّرُونَ ولا يَغْفِرُونَ، فَحُفُّوهُ بِأجْنِحَتِكُمْ، فَيَفْعَلُونَ بِهِ ذَلِكَ، فَإنْ تابَ رَجَعَتْ إلَيْهِ الأسْتارُ كُلُّها، وإذا لَمْ يَتُبْ عَجِبَ مِنهُ المَلائِكَةُ، فَيَقُولُ اللَّهُ لَهم: أسْلِمُوهُ، فَيُسْلِمُوهُ حَتّى لا يُسْتَرَ مِنهُ عَوْرَةٌ»» .
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ««النَّدَمُ تَوْبَةٌ»» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ، والبُخارِيُّ في ”التّارِيخِ“، وابْنُ ماجَهْ، وابْنُ حِبّانَ، والحاكِمُ، والبَيْهَقِيُّ في ”الشُّعَبِ“، وأبُو نُعَيْمٍ في ”الحِلْيَةِ“، والحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: ««النَّدَمُ تَوْبَةٌ»» .
وأخْرَجَ ابْنُ حِبّانَ، والدّارَقُطْنِيُّ في ”الأفْرادِ“، والحاكِمُ، والبَيْهَقِيُّ في ”الشُّعَبِ“، والضِّياءُ في ”المُخْتارَةِ“، والحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ، عَنْ أنَسٍ قالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: ««النَّدَمُ تَوْبَةٌ»» .
(p-٤١)وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ سُئِلَ عَنِ الرَّجُلِ يَزْنِي بِالمَرْأةِ ثُمَّ يَتَزَوَّجُها، فَقالَ: أوَّلُهُ سِفاحٌ، وآخِرُهُ نِكاحٌ، وتَوْبَتُهُما جَمِيعًا أحَبُّ إلَيَّ مِن تَوْبَتِهِما إلَيَّ مُتَفَرِّقِينَ، إنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿وتُوبُوا إلى اللَّهِ جَمِيعًا أيُّهَ المُؤْمِنُونَ﴾ .
النور 24:32
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأنْكِحُوا الأيامى مِنكُمْ﴾ الآيَةَ.
أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ قَتادَةَ: ﴿وأنْكِحُوا الأيامى مِنكُمْ﴾ قالَ: قَدْ أمَرَكُمُ اللَّهُ - كَما تَسْمَعُونَ - أنْ تُنْكِحُوهُنَّ؛ فَإنَّهُ أغُضُّ لِأبْصارِهِمْ، وأحْفَظُ لِفُرُوجِهِمْ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ الحَسَنِ، أنَّهُ قَرَأ: (وأنْكِحُوا الصّالِحِينَ مِن عَبِيدِكم وإمائِكُمْ) .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنْ عائِشَةَ، أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: ««وأنْكِحُوا الصّالِحِينَ والصّالِحاتِ، فَما تَبِعَهم بَعْدَ ذَلِكَ فَهو حَسَنٌ»» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿وأنْكِحُوا الأيامى مِنكُمْ﴾ الآيَةَ. قالَ: أمَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ بِالنِّكاحِ ورَغَّبَهم فِيهِ، وأمَرَهُمُ أنْ (p-٤٢)يُزَوِّجُوا أحْرارَهم وعَبِيدَهُمْ، ووَعَدَهم في ذَلِكَ الغِنى فَقالَ: ﴿إنْ يَكُونُوا فُقَراءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ قالَ: أطِيعُوا اللَّهَ فِيما أمَرَكم بِهِ مِنَ النِّكاحِ يُنْجِزْ لَكم ما وعَدَكم مِنَ الغِنى، قالَ تَعالِيَ: ﴿إنْ يَكُونُوا فُقَراءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ .
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ في ”المُصَنَّفِ“، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ قَتادَةَ قالَ: ذُكِرَ لَنا أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ قالَ: ما رَأيْتُ كَرَجُلٍ لَمْ يَلْتَمِسِ الغِنى في الباءَةِ وقَدْ وعَدَهُ اللَّهُ فِيها ما وعَدَهُ فَقالَ: ﴿إنْ يَكُونُوا فُقَراءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ .
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، مَعًا في ”المُصَنَّفِ“، عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ قالَ: ابْتَغُوا الغِنى في الباءَةِ. وفي لَفْظٍ: اطْلُبُوا الفَضْلَ في الباءَةِ. وتَلا: ﴿إنْ يَكُونُوا فُقَراءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: التَمِسُوا الغِنى في النِّكاحِ، يَقُولُ اللَّهُ: ﴿إنْ يَكُونُوا فُقَراءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ .
(p-٤٣)وأخْرَجَ الثَّعْلَبِيُّ، والدَّيْلَمِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: ««التَمِسُوا الرِّزْقَ بِالنِّكاحِ»» .
وأخْرَجَ البَزّارُ، والدّارَقُطْنِيُّ في ”العِلَلِ“، والحاكِمُ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، والدَّيْلَمِيُّ، مِن طَرِيقِ عُرْوَةَ، عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««انْكِحُوا النِّساءَ؛ فَإنَّهُنَّ يَأْتِينَكم بِالمالِ»» .
وأخْرَجَهُ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأبُو داوُدَ في ”مَراسِيلِهِ“، عَنْ عُرْوَةَ مَرْفُوعًا مُرْسَلًا.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وأحْمَدُ، والتِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ ماجَهْ، وابْنُ حِبّانَ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ في ”سُنَنِهِ“، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««ثَلاثَةٌ حَقٌّ عَلى اللَّهِ عَوْنُهُمُ: النّاكِحُ يُرِيدُ العَفافَ، والمَكاتَبُ يُرِيدُ الأداءَ، والغازِي في سَبِيلِ اللَّهِ»» .
(p-٤٤)وأخْرَجَ الخَطِيبُ في ”تارِيخِهِ“، عَنْ جابِرٍ قالَ: «جاءَ رَجُلٌ إلى النَّبِيِّ ﷺ يَشْكُو إلَيْهِ الفاقَةَ فَأمَرَهُ أنْ يَتَزَوَّجَ» .
النور 24:33
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكاحًا﴾ .
أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ في قَوْلِهِ: ﴿ولْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكاحًا﴾ قالَ: هو الرَّجُلُ يَرى المَرْأةَ فَكَأنَّهُ يَشْتَهِي، فَإنْ كانَتْ لَهُ امْرَأةٌ فَلْيَذْهَبْ إلَيْها فَلْيَقْضِ حاجَتَهُ مِنها، وإنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ امْرَأةٌ فَلْيَنْظُرْ في مَلَكُوتِ السَّماواتِ والأرْضِ حَتّى يُغْنِيَهُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أبِي رَوْقٍ: ﴿ولْيَسْتَعْفِفِ﴾ يَقُولُ: عَمّا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ حَتّى يَرْزُقَهُمُ اللَّهُ.
وأخْرَجَ الخَطِيبُ في ”تارِيخِهِ“، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكاحًا﴾ الآيَةَ. قالَ: لِيَتَزَوَّجْ مَن لا يَجِدُ؛ فَإنَّ اللَّهَ سَيُغْنِيهِ.
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ يَبْتَغُونَ الكِتابَ﴾ .
أخْرَجَ ابْنُ السَّكَنِ في ”مَعْرِفَةِ الصَّحابَةِ“، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صَبِيحٍ، عَنْ أبِيهِ قالَ: كُنْتُ مَمْلُوكًا لِحُوَيْطِبِ بْنِ عَبْدِ العُزّى، فَسَألْتُهُ الكِتابَ فَأبى فَنَزَلَتْ: (p-٤٥)﴿والَّذِينَ يَبْتَغُونَ الكِتابَ﴾ الآيَةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: ﴿والَّذِينَ يَبْتَغُونَ الكِتابَ﴾ يَعْنِي: الَّذِينَ يَطْلُبُونَ المُكاتَبَةَ مِنَ المَمْلُوكِينَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُقاتِلٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَكاتِبُوهُمْ﴾ قالَ: هَذا تَعْلِيمٌ ورُخْصَةٌ ولَيْسَتْ بِعَزِيمَةٍ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ عامِرٍ الشَّعْبِيِّ: ﴿فَكاتِبُوهُمْ﴾ قالَ: إنْ شاءَ كاتَبَ وإنْ شاءَ لَمْ يُكاتِبْ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ قالَ: سَألَنِي سِيرِينُ المُكاتَبَةَ فَأبَيْتُ عَلَيْهِ، فَأتى عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ فَأقْبَلَ عَلَيَّ بِالدِّرَّةِ وقالَ: كاتِبْهُ، وتَلا: ﴿فَكاتِبُوهم إنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ فَكاتَبْتُهُ.
وأخْرَجَ أبُو داوُدَ في ”المَراسِيلِ“، والبَيْهَقِيُّ في ”سُنَنِهِ“، عَنْ يَحْيى بْنِ أبِي كَثِيرٍ قالَ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ﴿فَكاتِبُوهم إنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ قالَ: «إنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ حِرْفَةً ولا تُرْسِلُوهم كَلًّا عَلى النّاسِ»» .
(p-٤٦)وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ قالَ: المالَ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنْ عَلِيٍّ، مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ مُجاهِدٍ، مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَكاتِبُوهم إنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ قالَ: أمانَةً ووَفاءً.
وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَكاتِبُوهم إنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ إنْ عَلِمْتَ أنَّ مُكاتَبَكَ يَقْضِيكَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والبَيْهَقِيُّ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قالَ: قُلْتُ لِعَطاءٍ: ما قَوْلُهُ: ﴿فَكاتِبُوهم إنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ ما الخَيْرُ؟ المالُ أمِ الصَّلاحُ، أمْ كُلُّ ذَلِكَ؟ قالَ: ما نَراهُ إلّا المالَ، كَقَوْلِهِ: (p-٤٧)﴿كُتِبَ عَلَيْكم إذا حَضَرَ أحَدَكُمُ المَوْتُ إنْ تَرَكَ خَيْرًا﴾ [البقرة: ١٨٠] الخَيْرُ: المالُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عَبِيدَةَ السَّلْمانِيِّ: ﴿إنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ قالَ: إنْ عَلِمْتُمْ عِنْدَهم أمانَةً.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ قَتادَةَ، وإبْراهِيمَ وأبِي صالِحٍ، مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ نافِعٍ قالَ: كانَ ابْنُ عُمَرَ يَكْرَهُ أنْ يُكاتِبُ عَبْدَهُ إذا لَمْ يَكُنْ لَهُ حِرْفَةٌ، ويَقُولُ: يُطْعِمُنِي مِن أوْساخِ النّاسِ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ مُجاهِدٍ، وطاوُسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ قالا: مالًا وأمانَةً.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنِ الحَسَنِ، مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ (p-٤٨)فِي قَوْلِهِ: ﴿إنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ قالَ: إنْ عَلِمْتُمْ لَهم حِيلَةً، ولا تُلْقُوا مُؤْنَتَهم عَلى المُسْلِمِينَ، ﴿وآتُوهم مِن مالِ اللَّهِ الَّذِي آتاكُمْ﴾ يَعْنِي: ضَعُوا عَنْهم مِن مُكاتَبَتِهِمْ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والرُّويانِيُّ في ”مُسْنَدِهِ“، والضِّياءُ المَقْدِسِيُّ في ”المُخْتارَةِ“، عَنْ بُرَيْدَةَ: ﴿وآتُوهم مِن مالِ اللَّهِ﴾ قالَ: حَثَّ النّاسَ عَلَيْهِ أنْ يُعْطُوهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنِ الحَسَنِ: ﴿وآتُوهم مِن مالِ اللَّهِ﴾ قالَ: حَثَّ النّاسَ عَلَيْهِ مَوْلًى وغَيْرَهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: يَتْرُكُ لِلْمُكاتَبِ طائِفَةً مِن كِتابَتِهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وآتُوهم مِن مالِ اللَّهِ﴾ أمَرَ اللَّهُ المُؤْمِنِينَ أنْ يُعِينُوا في الرِّقابِ، قالَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ: أمَرَ اللَّهُ السَّيِّدَ أنْ يَدَعَ لِلْمُكاتَبِ الرُّبُعَ مِن ثَمَنِهِ، وهَذا تَعْلِيمٌ مِنَ اللَّهِ لَيْسَ بِفَرِيضَةٍ، ولَكِنْ فِيهِ أجْرٌ.
(p-٤٩)وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ: مِن طَرِيقِ أبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ، أنَّ عَلِيَّ بْنَ أبِي طالِبٍ قالَ في قَوْلِهِ: ﴿إنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ قالَ: مالًا. ﴿وآتُوهم مِن مالِ اللَّهِ الَّذِي آتاكُمْ﴾ قالَ: يَتْرُكُ لِلْمُكاتَبِ الرُّبُعَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، والدَّيْلَمِيُّ، والبَيْهَقِيُّ، مِن طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَبِيبٍ، عَنْ عَلِيٍّ، «عَنِ النَّبِيِّ ﷺ في قَوْلِهِ: ﴿وآتُوهم مِن مالِ اللَّهِ الَّذِي آتاكُمْ﴾ قالَ: ”يَتْرُكُ لِلْمُكاتَبِ الرُّبُعَ“» .
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ قَتادَةَ قالَ: يَتْرُكُ لَهُ العُشْرَ مِن كِتابَتِهِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ سَعْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ عُمَرَ، أنَّهُ كاتَبَ عَبْدًا لَهُ يُكْنى أبا أُمَيَّةَ، فَجاءَ بِنَجْمِهِ حِينَ حَلَّ، قالَ: يا أبا أُمَيَّةَ، اذْهَبْ (p-٥٠)فاسْتَعِنْ بِهِ في مُكاتَبَتِكَ. قالَ: يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ، لَوْ تَرَكْتَهُ حَتّى يَكُونَ مِن آخِرِ نَجْمٍ. قالَ: أخافُ ألّا أُدْرِكَ ذَلِكَ. ثُمَّ قَرَأ: ﴿وآتُوهم مِن مالِ اللَّهِ الَّذِي آتاكُمْ﴾ .
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: كانَ ابْنُ عُمَرَ إذا كانَ لَهُ مَكاتَبٌ لَمْ يَضَعْ عَنْهُ شَيْئًا مِن أوَّلِ نُجُومِهِ؛ مَخافَةَ أنْ يَعْجِزَ فَيَرْجِعَ إلَيْهِ صَدَقَتُهُ، ولَكِنَّهُ إذا كانَ في آخِرِ مُكاتَبَتِهِ وضَعَ عَنْهُ ما أحَبَّ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ: ﴿وآتُوهم مِن مالِ اللَّهِ الَّذِي آتاكُمْ﴾ قالَ: ذَلِكَ عَلى الوُلاةِ، يُعْطُوهم مِنَ الزَّكاةِ، يَقُولُ اللَّهُ: ﴿وفِي الرِّقابِ﴾ [التوبة: ٦٠] [التَّوْبَةِ: ٦٠] .
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تُكْرِهُوا فَتَياتِكُمْ﴾ الآيَةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، ومُسْلِمٌ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، والبَزّارُ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ، مِن طَرِيقِ أبِي سُفْيانَ، عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: كانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ يَقُولُ لِجارِيَةٍ لَهُ: اذْهَبِي (p-٥١)فابْغِينا شَيْئًا، وكانَتْ كارِهَةً، فَأنْزَلَ اللَّهُ: (ولا تُكْرِهُوا فَتَياتِكم عَلى البِغاءِ إنْ أرَدْنَ تَحَصُّنًا لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الحَياةِ الدُّنْيا ومَن يُكْرِهُّنَّ فَإنَّ اللَّهَ مِن بَعْدِ إكْراهِهِنَّ لَهُنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ) هَكَذا كانَ يَقْرَأُها.
وأخْرَجَ مُسْلِمٌ مِن هَذا الطَّرِيقِ، عَنْ جابِرٍ، أنَّ جارِيَةً لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ يُقالُ لَها مُسَيْكَةُ، وأُخْرى يُقالُ لَها أُمَيْمَةُ، فَكانَ يُرِيدُهُما عَلى الزِّنى، فَشَكَتا ذَلِكَ إلى النَّبِيِّ ﷺ فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿ولا تُكْرِهُوا فَتَياتِكُمْ﴾ الآيَةَ.
وأخْرَجَ النَّسائِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، مِن طَرِيقِ أبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جابِرٍ قالَ: «كانَتْ مُسَيْكَةُ لِبَعْضِ الأنْصارِ، فَجاءَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقالَتْ: إنَّ سَيِّدِي يُكْرِهُنِي عَلى البِغاءِ. فَنَزَلَتْ: ﴿ولا تُكْرِهُوا فَتَياتِكم عَلى البِغاءِ﴾ [النور»: ٣٣] .
وأخْرَجَ البَزّارُ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنْ أنَسٍ قالَ: كانَتْ جارِيَةٌ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ (p-٥٢)يُقالُ لَها مُعاذَةُ. يُكْرِهُها عَلى الزِّنى، فَلَمّا جاءَ الإسْلامُ نَزَلَتْ: ﴿ولا تُكْرِهُوا فَتَياتِكم عَلى البِغاءِ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولا تُكْرِهُوا فَتَياتِكم عَلى البِغاءِ﴾ . قالَ: كانَ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ يُبَغِّينَ إماءَهُمْ، فَنُهُوا عَنْ ذَلِكَ في الإسْلامِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانُوا في الجاهِلِيَّةِ يُكْرِهُونَ إماءَهم عَلى الزِّنى، يَأْخُذُونَ أُجُورَهُنَّ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ.
وأخْرَجَ الطَّيالِسِيُّ، والبَزّارُ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، بِسَنَدٍ صَحِيحٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ جارِيَةً لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ كانَتْ تَزْنِي في الجاهِلِيَّةِ فَوَلَدَتْ لَهُ أوْلادًا مِنَ الزِّنى، فَلَمّا حَرَّمَ اللَّهُ الزِّنى قالَ لَها: ما لَكِ لا تَزْنِينَ؟ قالَتْ: لا واللَّهِ، لا أزْنِي أبَدًا. فَضَرَبَها، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿ولا تُكْرِهُوا فَتَياتِكم عَلى البِغاءِ﴾ .
(p-٥٣)وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، والفِرْيابِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، أنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ كانَتْ لَهُ أمَتانِ؛ مُسَيْكَةُ ومُعاذَةُ، وكانَ يُكْرِهُهُما عَلى الزِّنى، فَقالَتْ إحْداهُما: إنْ كانَ خَيْرًا فَقَدِ اسْتَكْثَرْتُ مِنهُ، وإنْ كانَ غَيْرَ ذَلِكَ فَإنَّهُ يَنْبَغِي أنْ أدَعَهُ. فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿ولا تُكْرِهُوا فَتَياتِكم عَلى البِغاءِ﴾ .
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ أبِي مالِكٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولا تُكْرِهُوا فَتَياتِكم عَلى البِغاءِ﴾ قالَ: نَزَلَتْ في عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ، وكانَتْ لَهُ جارِيَةٌ تَكْسِبُ عَلَيْهِ، فَأسْلَمَتْ وحَسُنَ إسْلامُها، فَأرادَها أنْ تَفْعَلَ كَما كانَتْ تَفْعَلُ، فَأبَتْ عَلَيْهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ قالَ: «كانَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ جارِيَةٌ تُدْعى مُعاذَةُ، فَكانَ إذا نَزَلَ بِهِ ضَيْفٌ أرْسَلَها إلَيْهِ لِيُواقِعَها؛ إرادَةَ الثَّوابِ مِنهُ والكَرامَةِ لَهُ، فَأقْبَلَتِ الجارِيَةُ إلى أبِي بَكْرٍ فَشَكَتْ ذَلِكَ إلَيْهِ، فَذَكَرَهُ أبُو بَكْرٍ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَأمَرَهُ بِقَبْضِها، فَصاحَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ: مَن يَعْذِرُنا مِن مُحَمَّدٍ؟ يَغْلِبُنا عَلى مَمالِيكِنا؟ فَنَزَلَتِ الآيَةُ» .
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، (p-٥٤)أنَّ رَجُلًا مِن قُرَيْشٍ أُسِرَ يَوْمَ بَدْرٍ، وكانَ عِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ أسِيرًا، وكانَتْ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ جارِيَةٌ يُقالُ لَها: مُعاذَةُ، وكانَ القُرَشِيُّ الأسِيرُ يُرِيدُها عَلى نَفْسِها، وكانَتْ مُسْلِمَةً، فَكانَتْ تَمْتَنِعُ مِنهُ لِإسْلامِها، وكانَ عَبْدُ اللَّهِ ابْنُ أُبَيٍّ يُكْرِهُها عَلى ذَلِكَ ويَضْرِبُها رَجاءَ أنْ تَحْمِلَ لِلْقُرَشِيِّ فَيَطْلُبَ فِداءَ ولَدِهِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿ولا تُكْرِهُوا فَتَياتِكم عَلى البِغاءِ﴾ .
وأخْرَجَ الخَطِيبُ في ”رُواةِ مالِكٍ“ مِن طَرِيقِ مالِكٍ، عَنِ ابْنِ شِهابٍ، أنَّ عُمَرَ بْنَ ثابِتٍ أخا بَنِي الحارِثِ بْنِ الخَزْرَجِ حَدَّثَهُ: أنَّ هَذِهِ الآيَةَ في سُورَةِ ”النُّورِ“: ﴿ولا تُكْرِهُوا فَتَياتِكم عَلى البِغاءِ﴾ نَزَلَتْ في مُعاذَةَ جارِيَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ ابْنِ سَلُولَ؛ وذَلِكَ أنَّ عَبّاسَ بْنَ عَبْدِ المُطَّلِبِ كانَ عِنْدَهم أسِيرًا، فَكانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ يَضْرِبُها عَلى أنْ تُمَكِّنَ عَبّاسًا مِن نَفْسِها، رَجاءَ أنْ تَحْمِلَ مِنهُ فَيَأْخُذَ في ولَدِهِ فِداءً، فَكانَتْ تَأْبى عَلَيْهِ. وقالَ: ذَلِكَ الغَرَضُ الَّذِي كانَ ابْنُ أُبَيٍّ يَبْتَغِي.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: كانُوا يَأْمُرُونَ ولائِدَهم أنْ يُباغُوا، فَكُنَّ يَفْعَلْنَ ذَلِكَ ويُصِبْنَ فَيَأْتِينَ بِكَسْبِهِنَّ. قالَ: وكانَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ جارِيَةٌ، فَكانَتْ تُباغِي، وكَرِهَتْ ذَلِكَ وحَلَفَتْ ألّا تَفْعَلَهُ، (p-٥٥)فَأكْرَهُها، فَأنْزَلَ اللَّهُ الآيَةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُقاتِلِ بْنِ حَيّانَ قالَ: بَلَغَنا، واللَّهُ أعْلَمُ، «أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في رَجُلَيْنِ كانا يُكْرِهانِ أمَتَيْنِ لَهُما؛ إحْداهُما اسْمُها مُسَيْكَةُ، وكانَتْ لِلْأنْصارِيِّ، والأُخْرى أُمَيْمَةُ، أُمُّ مُسَيْكَةَ، لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ، وكانَتْ مُعاذَةُ وأرْوى بِتِلْكَ المَنزِلَةِ، فَأتَتْ مُسَيْكَةُ وأُمُّها النَّبِيَّ ﷺ فَذَكَرَتا ذَلِكَ لَهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ في ذَلِكَ: ﴿ولا تُكْرِهُوا فَتَياتِكم عَلى البِغاءِ﴾ يَعْنِي الزِّنى» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنْ رافِعِ بْنِ خَدِيجٍ، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: ««كَسْبُ الحِجامِ خَبِيثٌ، ومَهْرُ البَغِيِّ خَبِيثٌ»» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنْ أبِي جُحَيْفَةَ قالَ: «نَهى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ مَهْرِ البَغِيِّ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنْ أبِي مَسْعُودٍ، وأبِي هُرَيْرَةَ، مِثْلَهُ.
(p-٥٦)وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، مِن طَرِيقٍ عَلِيٍّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿ولا تُكْرِهُوا فَتَياتِكم عَلى البِغاءِ﴾ قالَ: لا تُكْرِهُوا إماءَكم عَلى الزِّنى، فَإنْ فَعَلْتُمْ فَإنَّ اللَّهَ لَهُنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ، وإثْمُهُنَّ عَلى مَن يُكْرِهُهُنَّ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ: ﴿إنْ أرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾ أيْ: عِفَّةً وإسْلامًا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: ﴿لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الحَياةِ الدُّنْيا﴾ يَعْنِي: كَسْبَهُنَّ وأوْلادَهُنَّ مِنَ الزِّنى.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ ﴿فَإنَّ اللَّهَ مِن بَعْدِ إكْراهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ قالَ: لِلْمُكْرَهاتِ عَلى الزِّنى.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ قَتادَةَ: ﴿فَإنَّ اللَّهَ مِن بَعْدِ إكْراهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ قالَ: لَهُنَّ ولَيْسَتْ لَهم.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: في قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: (فَإنَّ اللَّهَ مِن بَعْدِ إكْراهِهِنَّ لَهُنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ) .
(p-٥٧)وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ: (فَإنَّ اللَّهَ مِن بَعْدِ إكْراهِهِنَّ لَهُنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ) .
النور 24:34
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ أنْزَلْنا﴾ الآيَةَ.
أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُقاتِلٍ: ﴿ولَقَدْ أنْزَلْنا إلَيْكم آياتٍ مُبَيِّناتٍ﴾ يَعْنِي: ما فَرَضَ عَلَيْهِمْ في هَذِهِ السُّورَةِ.
النور 24:35
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ .
أخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ ماجَهْ، والبَيْهَقِيُّ في ”الأسْماءِ والصِّفاتِ“، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «كانَ النَّبِيُّ ﷺ إذا تَهَجَّدَ في اللَّيْلِ يَدْعُو: «اللَّهُمَّ لَكَ الحَمْدُ، أنْتَ رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ ومَن فِيهِنَّ، ولَكَ الحَمْدُ، أنْتَ نُورُ السَّماواتِ والأرْضِ ومَن فِيهِنَّ، ولَكَ الحَمْدُ، أنْتَ قَيّامُ السَّماواتِ والأرْضِ ومَن فِيهِنَّ، أنْتَ الحَقُّ، وقَوْلُكَ الحَقٌّ ووَعْدُكَ حَقٌّ، ولِقاؤُكَ حَقٌّ، والجَنَّةُ حَقٌّ، والنّارُ حَقٌّ، والسّاعَةُ حَقٌّ، اللَّهُمَّ لَكَ أسْلَمْتُ، وبِكَ آمَنتُ، وعَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ، وإلَيْكَ أنَبْتُ، وبِكَ خاصَمْتُ، وإلَيْكَ حاكَمْتُ، فاغْفِرْ لِي ما قَدَّمْتُ وما أخَّرْتُ، وما أسْرَرْتُ وما أعْلَنْتُ، أنْتَ إلَهِي، لا إلَهَ إلّا أنْتَ»» .
(p-٥٨)وأخْرَجَ أبُو داوُدَ، والنَّسائِيُّ، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أرْقَمَ قالَ: «سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ في دُبُرِ صَلاةِ الغَداةِ أوْ في دُبُرِ الصَّلاةِ: «اللَّهُمَّ رَبَّنا ورَبَّ كُلِّ شَيْءٍ، أنا شَهِيدٌ بِأنَّكَ أنْتَ الرَّبُّ وحْدَكَ لا شَرِيكَ لَكَ، اللَّهُمَّ رَبَّنا ورَبَّ كُلِّ شَيْءٍ، أنا شَهِيدٌ أنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُكَ ورَسُولُكَ، اللَّهُمَّ رَبَّنا ورَبَّ كُلِّ شَيْءٍ، أنا شَهِيدٌ أنَّ العِبادَ كُلَّهم إخْوَةٌ، اللَّهُمَّ رَبَّنا ورَبَّ كُلِّ شَيْءٍ اجْعَلْنِي مُخْلِصًا لَكَ وأهْلِي في كُلِّ ساعَةٍ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، يا ذا الجَلالِ والإكْرامِ، اسْمَعْ واسْتَجِبِ، اللَّهُ أكْبَرُ الأكْبَرُ، اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ والأرْضِ، اللَّهُ أكْبَرُ الأكْبَرُ، حَسْبِيَ اللَّهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ، اللَّهُ أكْبَرُ، الأكْبَرُ»» .
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: كانَ ابْنُ عَبّاسٍ يَقُولُ: اللَّهُمَّ إنِّي أسْألُكَ بِنُورِ وجْهِكَ الَّذِي أشْرَقَتْ لَهُ السَّماواتُ والأرْضُ، أنْ تَجْعَلَنِي في حِرْزِكَ وحِفْظِكَ وجِوارِكَ وتَحْتَ كَنَفِكَ.
(p-٥٩)وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ يُدَبِّرُ الأمْرَ فِيهِما، نُجُومَهُما وشَمْسَهُما وقَمَرَهُما.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ والأرْضِ مَثَلُ نُورِهِ﴾ الَّذِي أعْطاهُ المُؤْمِنَ، ﴿كَمِشْكاةٍ﴾ مَثَلُ الكُوَّةِ، ﴿فِيها مِصْباحٌ المِصْباحُ في زُجاجَةٍ الزُّجاجَةُ كَأنَّها كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ ولا غَرْبِيَّةٍ﴾ زَيْتُونَةٍ في سَفْحِ جَبَلٍ لا تُصِيبُها الشَّمْسُ إذا طَلَعَتْ ولا إذا غَرَبَتْ، ﴿يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ ولَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ نُورٌ عَلى نُورٍ﴾ فَذَلِكَ مَثَلُ قَلْبِ المُؤْمِنِ، نُورٌ عَلى نُورٍ، ومَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا: ﴿أعْمالُهم كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ﴾ [النور: ٣٩] قالَ: أعْمالُ الكُفّارِ إذا جاءُوا رَأوْها مِثْلَ السَّرابِ، إذا أتاهُ الرَّجُلُ قَدِ احْتاجَ إلى الماءِ، فَأتاهُ فَلَمْ يَجِدْ شَيْئًا، فَذَلِكَ مَثَلُ عَمَلِ الكافِرِ، يَرى أنَّ لَهُ (p-٦٠)ثَوابًا ولَيْسَ لَهُ ثَوابٌ، ﴿أوْ كَظُلُماتٍ في بَحْرٍ لُجِّيٍّ﴾ [النور: ٤٠] إلى قَوْلِهِ: ﴿لَمْ يَكَدْ يَراها﴾ [النور: ٤٠] فَذَلِكَ مَثَلُ قَلْبِ الكافِرِ، ظُلْمَةٌ فَوْقَ ظُلْمَةٍ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ الأنْبارِيِّ في ”المَصاحِفِ“، عَنِ الشَّعْبِيِّ قالَ: في قِراءَةِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: ”مَثَلُ نُورِ المُؤْمِنِ كَمِشْكاةٍ“ .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ يَقُولُ: مَثَلُ نُورِ مَن آمَنَ بِاللَّهِ كَمِشْكاةٍ، قالَ: وهي القُتْرَةُ، يَعْنِي الكَوَّةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿مَثَلُ نُورِهِ﴾ قالَ: هي خَطَأٌ مِنَ الكاتِبِ، هو أعْظَمُ مِن أنْ يَكُونَ نُورُهُ مِثْلَ نُورِ المِشْكاةِ، قالَ: مَثَلُ نُورِ المُؤْمِنِ كَمِشْكاةٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في ”الأسْماءِ والصِّفاتِ“، مِن طَرِيقٍ عَلِيٍّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ (p-٦١)قالَ: هادِي أهْلِ السَّماواتِ والأرْضِ، ﴿مَثَلُ نُورِهِ﴾ مَثَلُ هُداهُ في قَلْبِ المُؤْمِنِ، ﴿كَمِشْكاةٍ﴾ يَقُولُ: مَوْضِعُ الفَتِيلَةِ، يَقُولُ: كَما يَكادُ الزَّيْتُ الصّافِي يُضِيءُ قَبْلَ أنْ تَمَسَّهُ النّارُ، فَإذا مَسَّتْهُ النّارُ ازْدادَ ضَوْءًا عَلى ضَوْئِهِ، كَذَلِكَ يَكُونُ قَلْبُ المُؤْمِنِ يَعْمَلُ بِالهُدى قَبْلَ أنْ يَأْتِيَهُ العِلْمُ، فَإذا جاءَهُ العِلْمُ ازْدادَ هُدًى عَلى هُدًى، ونُورًا عَلى نُورٍ.
وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ أبِي العالِيَةِ قالَ: هي في قِراءَةٍ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: (مَثَلُ نُورِ مَن آمَنَ بِهِ) أوْ قالَ: (مَثَلُ مَن آمَنَ بِهِ) .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ والأرْضِ مَثَلُ نُورِهِ﴾ قالَ: هو المُؤْمِنُ الَّذِي جُعِلَ الإيمانُ والقُرْآنُ في صَدْرِهِ، فَضَرَبَ (p-٦٢)اللَّهُ مَثَلَهُ فَقالَ: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ والأرْضِ مَثَلُ نُورِهِ﴾ فَبَدَأ بِنُورِ نَفْسِهِ، ثُمَّ ذَكَرَ نُورَ المُؤْمِنِ فَقالَ: مَثَلُ نُورِ مَن آمَنَ بِهِ. فَكانَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ يَقْرَؤُها: (مَثَلُ نُورِ مَن آمَنَ بِهِ)؛ فَهو المُؤْمِنُ، جُعِلَ الإيمانُ والقُرْآنُ في صَدْرِهِ، ﴿كَمِشْكاةٍ﴾ قالَ: فَصَدْرُ المُؤْمِنِ المِشْكاةُ، ﴿فِيها مِصْباحٌ﴾ والمِصْباحُ: النُّورُ، وهو القُرْآنُ والإيمانُ الَّذِي جُعِلَ في صَدْرِهِ، ﴿فِي زُجاجَةٍ﴾ والزُّجاجَةُ قَلْبُهُ، ﴿كَأنَّها كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ﴾ فَقَلْبُهُ مِمّا اسْتَنارَ فِيهِ القُرْآنُ والإيمانُ كَأنَّهُ كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يَقُولُ: كَوْكَبٌ مُضِيءٌ: (تَوَقَّدَ مِن شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ) . والشَّجَرَةُ المُبارَكَةُ أصْلُهُ المُبارَكُ؛ الإخْلاصُ لِلَّهِ وحْدَهُ، وعِبادَتُهُ لا شَرِيكَ لَهُ، ﴿زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ ولا غَرْبِيَّةٍ﴾ قالَ: فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ شَجَرَةٍ التَفَّ بِها الشَّجَرُ، فَهي خَضْراءُ ناعِمَةٌ لا تُصِيبُها الشَّمْسُ عَلى أيِّ حالٍ كانَتْ، لا إذا طَلَعَتْ ولا إذا غَرَبَتْ، فَكَذَلِكَ هَذا المُؤْمِنُ قَدْ أُجِيرَ مِن أنْ يُضِلَّهُ شَيْءٌ مِنَ الفِتَنِ، وقَدِ ابْتُلِيَ بِها فَثَبَّتَهُ اللَّهُ فِيها، فَهو بَيْنَ أرْبَعِ خِلالٍ: إنْ قالَ صَدَقَ، وإنْ حَكَمَ عَدَلَ، وإنْ أُعْطِيَ شَكَرَ، وإنِ ابْتُلِيَ صَبَرَ، فَهو في سائِرِ النّاسِ كالرَّجُلِ الحَيِّ، يَمْشِي بَيْنَ قُبُورِ الأمْواتِ، ﴿نُورٌ عَلى نُورٍ﴾ فَهو يَتَقَلَّبُ في خَمْسَةٍ مِنَ النُّورِ، فَكَلامُهُ نُورٌ، وعَمَلُهُ نُورٌ، (p-٦٣)ومَدْخَلُهُ نُورٌ، ومَخْرَجُهُ نُورٌ، ومَصِيرُهُ إلى النُّورِ يَوْمَ القِيامَةِ، إلى الجَنَّةِ.
ثُمَّ ضَرَبَ مَثَلَ الكافِرِ فَقالَ: ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا أعْمالُهم كَسَرابٍ﴾ [النور: ٣٩] الآيَةَ. قالَ: وكَذَلِكَ الكافِرُ يَجِيءُ يَوْمَ القِيامَةِ وهو يَحْسَبُ أنَّ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ خَيْرًا فَلا يَجِدُهُ، ويُدْخِلُهُ اللَّهُ النّارَ. قالَ: وضَرَبَ مَثَلًا آخَرَ لِلْكافِرِ، فَقالَ: ﴿أوْ كَظُلُماتٍ في بَحْرٍ لُجِّيٍّ﴾ [النور: ٤٠] الآيَةَ. قالَ: فَهو يَتَقَلَّبُ في خَمْسٍ مِنَ الظُّلَمِ: فَكَلامُهُ ظُلْمَةٌ، وعَمَلُهُ ظُلْمَةٌ، ومَدْخَلُهُ ظُلْمَةٌ، ومَخْرَجُهُ ظُلْمَةٌ، ومَصِيرُهُ يَوْمَ القِيامَةِ إلى الظُّلُماتِ إلى النّارِ، فَكَذَلِكَ مَيِّتُ الأحْياءِ، يَمْشِي في النّاسِ لا يَدْرِي ماذا لَهُ وماذا عَلَيْهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: إنَّ اليَهُودَ قالُوا لِمُحَمَّدٍ: كَيْفَ يَخْلُصُ نُورُ اللَّهِ مِن دُونِ السَّماءِ؟ فَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلَ ذَلِكَ لِنُورِهِ فَقالَ: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ والأرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍ﴾ والمِشْكاةُ: كَوَّةُ البَيْتِ، ﴿فِيها مِصْباحٌ﴾ وهو السِّراجُ يَكُونُ في الزُّجاجَةِ، وهو (p-٦٤)مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ لِطاعَتِهِ، فَسَمّى طاعَتَهُ نُورًا، ثُمَّ سَمّاها أنْواعًا شَتّى، ﴿لا شَرْقِيَّةٍ ولا غَرْبِيَّةٍ﴾ قالَ: هي وسَطُ الشَّجَرِ، لا تَنالُها الشَّمْسُ إذا طَلَعَتْ ولا إذا غَرَبَتْ؛ وذَلِكَ أجْوَدُ الزَّيْتِ، ﴿يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ﴾ يَقُولُ: بِغَيْرِ نارٍ، ﴿نُورٌ عَلى نُورٍ﴾ يَعْنِي بِذَلِكَ إيمانَ العَبْدِ وعَمَلَهُ، ﴿يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشاءُ﴾ وهو مَثَلُ المُؤْمِنِ.
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، وابْنُ عَدِيٍّ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، وابْنُ عَساكِرَ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ في قَوْلِهِ: ﴿كَمِشْكاةٍ فِيها مِصْباحٌ﴾ قالَ: المِشْكاةُ: جَوْفُ مُحَمَّدٍ ﷺ، والزُّجاجَةُ: قَلْبُهُ، والمِصْباحُ النُّورُ الَّذِي في قَلْبِهِ، (تَوَقَّدَ مِن شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ) الشَّجَرَةُ إبْراهِيمُ، ﴿زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ ولا غَرْبِيَّةٍ﴾ لا يَهُودِيَّةٍ ولا نَصْرانِيَّةٍ، ثُمَّ قَرَأ: ﴿ما كانَ إبْراهِيمُ يَهُودِيًّا ولا نَصْرانِيًّا ولَكِنْ كانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وما كانَ مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ [آل عمران: ٦٧] [آلِ عِمْرانَ: ٦٧] .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنْ شِمْرِ بْنِ عَطِيَّةَ قالَ: جاءَ ابْنُ عَبّاسٍ إلى كَعْبِ الأحْبارِ فَقالَ: حَدِّثْنِي عَنْ قَوْلِ اللَّهِ: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ والأرْضِ مَثَلُ نُورِهِ﴾ قالَ: مَثَلُ نُورِ مُحَمَّدٍ ﷺ ﴿كَمِشْكاةٍ﴾ قالَ: المِشْكاةُ: الكَوَّةُ، ضَرَبَها مَثَلًا لِفَمِهِ، ﴿فِيها مِصْباحٌ﴾ والمِصْباحُ: قَلْبُهُ، ﴿فِي زُجاجَةٍ﴾ والزُّجاجَةُ صَدْرُهُ، ﴿كَأنَّها كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ﴾ (p-٦٥)شَبَّهَ صَدْرَ مُحَمَّدٍ ﷺ بِالكَوْكَبِ الدُّرِّيِّ، ثُمَّ رَجَعَ إلى المِصْباحِ إلى قَلْبِهِ، فَقالَ: (تَوَقَّدَ مِن شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ)، ﴿يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ﴾ . قالَ: يَكادُ مُحَمَّدٌ ﷺ يَبِينُ لِلنّاسِ ولَوْ لَمْ يَتَكَلَّمْ أنَّهُ نَبِيٌّ، كَما يَكادُ ذَلِكَ الزَّيْتُ أنَّهُ يُضِيءُ ﴿ولَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ قالَ: اللَّهُ هادِي أهْلِ السَّماواتِ والأرْضِ، ﴿مَثَلُ نُورِهِ﴾ يا مُحَمَّدُ في قَلْبِكَ كَمَثَلِ هَذا المِصْباحِ في هَذِهِ المِشْكاةِ، فَكَما هَذا المِصْباحُ في هَذِهِ المِشْكاةِ، كَذَلِكَ فُؤادُكَ في قَلْبِكَ، وشَبَّهَ قَلْبَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالكَوْكَبِ الدُّرِّيِّ الَّذِي لا يَخْبُو (تَوَقَّدَ مِن شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ): تَأْخُذُ دِينَكَ عَنْ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وهي الزَّيْتُونَةُ، ﴿لا شَرْقِيَّةٍ ولا غَرْبِيَّةٍ﴾ لَيْسَ بِنَصْرانِيٍّ فَيُصَلِّيَ نَحْوَ المَشْرِقِ، ولا يَهُودِيٍّ فَيُصَلِّيَ نَحْوَ المَغْرِبِ، ﴿يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ﴾ فَيَقُولُ: يَكادُ مُحَمَّدٌ يَنْطِقُ بِالحِكْمَةِ قَبْلَ أنْ يُوحى إلَيْهِ بِالنُّورِ الَّذِي جَعَلَ اللَّهُ في قَلْبِهِ.
(p-٦٦)وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: ﴿مَثَلُ نُورِهِ﴾ قالَ: مُحَمَّدٌ ﷺ، ﴿يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ﴾ قالَ: يَكادُ مَن رَأى مُحَمَّدًا ﷺ يَعْلَمُ أنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ، وإنْ لَمْ يَتَكَلَّمْ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ والأرْضِ مَثَلُ نُورِهِ﴾ قالَ: مَثَلُ نُورِ المُؤْمِنِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ الحَسَنِ،: ﴿مَثَلُ نُورِهِ﴾ قالَ: مَثَلُ هَذا القُرْآنِ في القَلْبِ: ﴿كَمِشْكاةٍ﴾ قالَ: كَكَوَّةٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ أنَسٍ قالَ: إنَّ إلَهِي يَقُولُ: إنَّ نُورِي هُدايَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ في قَوْلِهِ: ﴿كَمِشْكاةٍ﴾ قالَ: هي مَوْضِعُ الفَتِيلَةِ مِنَ القِنْدِيلِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿كَمِشْكاةٍ﴾ قالَ: كَكَوَّةٍ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: ﴿كَمِشْكاةٍ﴾ الكَوَّةُ.
(p-٦٧)وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: المِشْكاةُ بِلِسانِ الحَبَشَةِ: الكَوَّةُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: المِشْكاةُ: الكَوَّةُ، بِلُغَةِ الحَبَشَةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ عِياضٍ: ﴿كَمِشْكاةٍ﴾ قالَ: كَكَوَّةٍ بِلِسانِ الحَبَشَةِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: ﴿كَمِشْكاةٍ﴾ قالَ: الكَوَّةُ الَّتِي لَيْسَتْ بِنافِذَةٍ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنِ الضَّحّاكِ، مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أبِي مالِكٍ: قالَ: المِشْكاةُ الكَوَّةُ الَّتِي لَيْسَ لَها مَنفَذٌ، والمِصْباحُ السِّراجُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ قَتادَةَ: ﴿مَثَلُ نُورِهِ﴾ قالَ: مَثَلُ نُورِ اللَّهِ في قَلْبِ المُؤْمِنِ، ﴿كَمِشْكاةٍ﴾ قالَ: الكَوَّةُ، ﴿كَأنَّها كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ﴾ قالَ: مُنِيرٌ مُضِيءُ، ﴿زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ ولا غَرْبِيَّةٍ﴾ . (p-٦٨)قالَ: لا يَفِيءُ عَلَيْها ظِلٌّ شَرْقِيٌّ ولا غَرْبِيٌّ، كُنّا نُحَدَّثُ أنَّها ضاحِيَةُ الشَّمْسِ، وهو أصْفى الزَّيْتِ وأطْيَبُهُ وأعْذَبُهُ، هَذا مَثَلٌ ضَرْبَهُ اللَّهُ لِلْقُرْآنِ، أيْ: قَدْ جاءَكم مِنَ اللَّهِ نُورٌ وهُدًى مُتَظاهِرانِ، المُؤْمِنُ يَسْمَعُ كِتابَ اللَّهِ فَوَعاهُ وحَفِظَهُ وانْتَفَعَ بِما فِيهِ وعِقَلَ بِهِ، فَهَذا مَثَلُ المُؤْمِنِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ مُجاهِدٍ ﴿كَمِشْكاةٍ﴾ قالَ: الصُّفْرُ الَّذِي في جَوْفِ القِنْدِيلِ، ﴿فِيها مِصْباحٌ﴾ قالَ: السِّراجُ، ﴿فِي زُجاجَةٍ﴾ قالَ: القِنْدِيلُ، ﴿لا شَرْقِيَّةٍ ولا غَرْبِيَّةٍ﴾ قالَ: في الشَّمْسِ مِن حِينِ تَطْلُعُ إلى أنْ تَغْرُبَ لَيْسَ لَها ظِلٌّ؛ وذَلِكَ أضْوَأُ لِزَيْتِها وأحْسَنُ لَهُنَّ وأنْوَرُ لَهُ، ﴿نُورٌ عَلى نُورٍ﴾ قالَ: النّارُ عَلى الزَّيْتِ جَوَّدَتْهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الضَّحّاكِ: ﴿كَأنَّها كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ﴾ قالَ: يَعْنِي الزُّهَرَةَ، ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلَ المُؤْمِنِ مَثَلَ ذَلِكَ النُّورِ، يَقُولُ: (p-٦٩)قَلْبُهُ نُورٌ، وجَوْفُهُ نُورٌ، ويَمْشِي في نُورٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ، ﴿كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ﴾ قالَ: ضَخْمٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، «عَنِ النَّبِيِّ ﷺ في قَوْلِهِ: ﴿زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ ولا غَرْبِيَّةٍ﴾ قالَ: «قَلْبُ إبْراهِيمَ لا يَهُودِيٌّ ولا نَصْرانِيٌّ»» .
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿لا شَرْقِيَّةٍ ولا غَرْبِيَّةٍ﴾ قالَ: شَجَرَةٌ بِالصَّحْراءِ لا يُظِلُّها كَهْفٌ ولا جَبَلٌ، ولا يُوارِيها شَيْءٌ، وهو أجْوَدُ لِزَيْتِها.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، والضَّحّاكِ، ومُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿لا شَرْقِيَّةٍ ولا غَرْبِيَّةٍ﴾ قالَ: لَيْسَتْ شَرْقِيَّةً لَيْسَ فِيها غَرْبٌ، ولا غَرْبِيَّةً لَيْسَ فِيها شَرْقٌ، ولَكِنَّها شَرْقِيَّةٌ غَرْبِيَّةٌ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، (p-٧٠)عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ في قَوْلِهِ: ﴿لا شَرْقِيَّةٍ ولا غَرْبِيَّةٍ﴾ قالَ: هي في وسَطِ الشَّجَرِ، لا تُصِيبُها الشَّمْسُ في شَرْقٍ ولا غَرْبٍ، وهي مِن أجْوَدِ الشَّجَرِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ أبِي مالِكٍ، ومُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ، مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الحَسَنِ، قالَ: لَوْ كانَتْ هَذِهِ الشَّجَرَةُ في الأرْضِ لَكانَتْ شَرْقِيَّةً أوْ غَرْبِيَّةً، ولَكِنَّهُ مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ لِنُورِهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، مِن طَرِيقِ الضَّحّاكِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ (تَوَقَّدَ مِن شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ) قالَ: رَجُلٍ صالِحٍ، ﴿لا شَرْقِيَّةٍ ولا غَرْبِيَّةٍ﴾ قالَ: لا يَهُودِيٍّ ولا نَصْرانِيٍّ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ في ”مُسْنَدِهِ“، والتِّرْمِذِيُّ، وابْنُ ماجَهْ، عَنْ عُمَرَ، أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: ««ائْتَدِمُوا بِالزَّيْتِ، وادَّهِنُوا بِهِ؛ فَإنَّهُ يَخْرُجُ مِن شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ»» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ في ”شُعَبِ الإيمانِ“، عَنْ (p-٧١)أبِي أسِيدٍ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قالَ: ««كُلُوا الزَّيْتَ وادَّهِنُوا بِهِ؛ فَإنَّهُ مِن شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ»» .
وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ عَنْ عُمَرَ، أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: ««ائْتَدِمُوا بِالزَّيْتِ، وادَّهِنُوا بِهِ؛ فَإنَّهُ يَخْرُجُ مِن شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ»» .
وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في ”الشُّعَبِ“، «عَنْ عائِشَةَ، أنَّها ذُكِرَ عِنْدِها الزَّيْتُ فَقالَتْ: كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَأْمُرُ أنْ يُؤْكَلَ ويُدَّهَنَ، ويُسْتَعَطَ بِهِ، ويَقُولُ: «إنَّهُ مِن شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ»» .
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، عَنْ شَرِيكِ بْنِ نَمْلَةَ قالَ: ضِفْتُ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ لَيْلَةً، فَأطْعَمَنِي كُسُورًا مِن رَأْسِ بَعِيرٍ بارِدٍ، وأطْعَمَنا زَيْتًا، وقالَ: هَذا الزَّيْتُ المُبارَكُ الَّذِي قالَ اللَّهُ لِنَبِيِّهِ.
(p-٧٢)وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ عِكْرِمَةَ: ﴿يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ﴾ يَقُولُ: مِن شِدَّةِ النُّورِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ زَيْدٍ: قالَ: الضَّوْءُ إشْراقُ الزَّيْتِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ: ﴿نُورٌ عَلى نُورٍ﴾ قالَ: نُورُ النّارِ ونُورُ الزَّيْتِ حِينَ اجْتَمَعا أضاءا، وكَذَلِكَ نُورُ القُرْآنِ ونُورُ الإيمانِ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنْ أبِي العالِيَةِ: ﴿نُورٌ عَلى نُورٍ﴾ قالَ: أتى نُورُ اللَّهِ عَلى نُورِ مُحَمَّدٍ.
النور 24:36
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ﴾ الآيَةَ.
أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿فِي بُيُوتٍ أذِنَ اللَّهُ أنْ تُرْفَعَ﴾ قالَ: هي المَساجِدُ تُكْرَمُ، ونُهِيَ عَنِ اللَّغْوِ فِيها، ﴿ويُذْكَرَ فِيها اسْمُهُ﴾ يُتْلى فِيها كِتابُهُ، ﴿يُسَبِّحُ﴾: يُصَلِّي لَهُ فِيها، ﴿بِالغُدُوِّ﴾ صَلاةُ الغَداةِ، ﴿والآصالِ﴾: صَلاةُ العَصْرِ، وهُما أوَّلُ ما فَرَضَ اللَّهُ مِنَ الصَّلاةِ، فَأحَبَّ أنْ يَذْكُرَهُما ويُذَكِّرَ بِهِما عِبادَهُ.
(p-٧٣)وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في ”الشُّعَبِ“، وأبُو نُعَيْمٍ في ”الحِلْيَةِ“، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عامِرٍ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قالَ: ««يُجْمَعُ النّاسُ في صَعِيدٍ واحِدٍ يَنْفُذُهُمُ البَصَرُ، ويُسْمِعُهُمُ الدّاعِي، فَيُنادِي مُنادٍ: سَيَعْلَمُ أهْلُ الجَمْعِ لِمَنِ الكَرَمُ اليَوْمَ. ثَلاثَ مَرّاتٍ، ثُمَّ يَقُولُ: أيْنَ الَّذِينَ كانَتْ تَتَجافى جُنُوبُهم عَنِ المَضاجِعِ؟ ثُمَّ يَقُولُ: أيْنَ الَّذِينَ كانُوا لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ ولا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ؟ ثُمَّ يَقُولُ: أيْنَ الحَمّادُونَ الَّذِينَ كانُوا يَحْمَدُونَ رَبَّهُمْ»؟» .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ قَتادَةَ: ﴿فِي بُيُوتٍ أذِنَ اللَّهُ أنْ تُرْفَعَ﴾ قالَ: هي المَساجِدُ، أذِنَ اللَّهُ في بِنائِها ورَفْعِها، وأمَرَ بِعِمارَتِها وتَطْهِيرِها.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ مُجاهِدٍ ﴿فِي بُيُوتٍ أذِنَ اللَّهُ أنْ تُرْفَعَ﴾ قالَ: مَساجِدُ أنْ تُبْنى.
(p-٧٤)وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿أذِنَ اللَّهُ أنْ تُرْفَعَ﴾ يَقُولُ: أنْ تُعَظَّمَ لِذِكْرِهِ، ﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيها﴾ يُصَلِّي لَهُ فِيها.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ ﴿فِي بُيُوتٍ أذِنَ اللَّهُ أنْ تُرْفَعَ﴾ قالَ: هي بُيُوتُ النَّبِيِّ ﷺ .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ: ﴿فِي بُيُوتٍ أذِنَ اللَّهُ أنْ تُرْفَعَ﴾ قالَ: إنَّما هي أرْبَعُ مَساجِدَ لَمْ يَبْنِهِنَّ إلّا نَبِيٌّ: الكَعْبَةُ بَناها إبْراهِيمُ وإسْماعِيلُ، وبَيْتُ المَقْدِسِ بَناهُ داوُدُ وسُلَيْمانُ، ومَسْجِدُ المَدِينَةِ بَناهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، ومَسْجِدُ قُباءَ، أُسِّسَ عَلى التَّقْوى، بَناهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنْ أنَسِ بْنِ مالِكٍ، وبُرَيْدَةَ قالَ: «قَرَأ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هَذِهِ الآيَةَ: «﴿فِي بُيُوتٍ أذِنَ اللَّهُ أنْ تُرْفَعَ﴾ [النور»: ٣٦] . فَقامَ إلَيْهِ رَجُلٌ فَقالَ: أيُّ بُيُوتٍ هَذِهِ؟ قالَ: «بُيُوتُ الأنْبِياءِ» فَقامَ إلَيْهِ أبُو بَكْرٍ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، هَذا البَيْتُ مِنها؟ -لِبَيْتِ عَلِيٍّ وفاطِمَةَ- قالَ: «نَعَمْ، مِن أفاضِلِها»» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، ومُسْلِمٌ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ ماجَهْ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، (p-٧٥)عَنِ بُرَيْدَةَ، «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سَمِعَ رَجُلًا يَقُولُ: مَن دَعا إلى الجَمَلِ الأحْمَرِ في المَسْجِدِ، فَقالَ: «لا وجَدْتَهُ – ثَلاثًا- إنَّما بُنِيَتْ هَذِهِ المَساجِدُ لِلَّذِي بُنِيَتْ لَهُ»» فَقالَ أبُو سِنانٍ الشَّيْبانِيُّ في قَوْلِ اللَّهِ: ﴿فِي بُيُوتٍ أذِنَ اللَّهُ أنْ تُرْفَعَ﴾ قالَ: تُعَظَّمَ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ، وأبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ، وابْنُ ماجَهْ، عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: «أمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِبِناءِ المَساجِدِ في الدُّورِ، وأنْ تُنَظَّفَ وتُطَيَّبَ» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَمَّنْ حَدَّثَهُ مِن أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قالُوا: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَأْمُرُنا أنْ نَصْنَعَ المَساجِدَ في دُورِنا، وأنْ نُصْلِحَ صَنْعَتَها ونُطَهِّرَها» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأبُو يَعْلى، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أنَّ عُمَرَ كانَ يُجَمِّرُ (p-٧٦)المَسْجِدَ في كُلِّ جُمُعَةٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««التَّفْلُ في المَسْجِدِ خَطِيئَةٌ، وكَفّارَتُهُ أنْ يُوارِيَهُ»» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأحْمَدُ، والطَّبَرانِيُّ، عَنْ أبِي أُمامَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««البُزاقُ في المَسْجِدِ خَطِيئَةٌ، ودَفْنُهُ حَسَنَةٌ»» .
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ في ”الأوْسَطِ“، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««البُزاقُ في المَسْجِدِ خَطِيئَةٌ، وكَفّارَتُهُ دَفْنُهُ»» .
وأخْرَجَ البَزّارُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««البُزاقُ في المَسْجِدِ خَطِيئَةٌ وكَفّارَتُهُ دَفْنُهُ»» .
وأخْرَجَ البَزّارُ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««تُبْعَثُ النُّخامَةُ يَوْمَ القِيامَةِ في القِبْلَةِ وهي في وجْهِ صاحِبِها»» .
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ عَنْ أبِي أُمامَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: ««مَن بَزَقَ في القِبْلَةِ ولَمْ يُوارِها جاءَتْ يَوْمَ القِيامَةِ أحْمى ما تَكُونُ حَتّى تَقَعَ بَيْنَ عَيْنَيْهِ»» .
(p-٧٧)وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنْ حُذَيْفَةَ قالَ: مَن صَلّى فَبَزَقَ تُجاهَ القِبْلَةِ، جاءَتِ بَزْقَتُهُ يَوْمَ القِيامَةِ في وجْهِهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: إذا بَزَقَ في القِبْلَةِ جاءَتْ أحْمى ما تَكُونُ يَوْمَ القِيامَةِ حَتّى تَقَعَ بَيْنَ عَيْنَيْهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: إنَّ المَسْجِدَ لَيَنْزَوِي مِنَ المُخاطِ أوِ النُّخامَةِ كَما تَنْزَوِي الجِلْدَةُ مِنَ النّارِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنِ العَبّاسِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الهاشِمِيِّ قالَ: «أوَّلُ ما خُلِقَتِ المَساجِدُ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَأى في المَسْجِدِ نُخامَةً فَحَكَّها، ثُمَّ أمَرَ بِخَلُوقٍ فَلَطَخَ مَكانَها، قالَ: فَخَلَّقَ النّاسُ المَساجِدَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنِ الشَّعْبِيِّ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَأى في قِبْلَةِ المَسْجِدِ نُخامَةً، فَقامَ إلَيْها فَحَكَّها بِيَدِهِ، ثُمَّ دَعا بِخَلُوقٍ، فَقالَ الشَّعْبِيُّ: هو سُنَّةٌ» .
(p-٧٨)وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ زَيْدٍ، «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ يَتْبَعُ غُبارَ المَسْجِدِ بِجَرِيدَةٍ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ قالَ: «كانَ المَسْجِدُ يُرَشُّ ويُقَمُّ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وأبِي بَكْرٍ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأحْمَدُ عَنْ رَجُلٍ مِنَ الأنْصارِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««إذا وجَدَ أحَدَكُمُ القَمْلَةَ في المَسْجِدِ فَلْيَصُرَّها في ثَوْبِهِ حَتّى يُخْرِجَها»» .
وأخْرَجَ ابْنُ ماجَهْ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««خِصالٌ لا يَنْبَغِينَ في المَسْجِدِ: لا يُتَّخَذُ طَرِيقًا، ولا يُشْهَرُ فِيهِ سِلاحٌ، ولا يُنْبَضُ فِيهِ بِقَوْسٍ، ولا يُتَّخَذُ سُوقًا»» .
وأخْرَجَ ابْنُ ماجَهْ، عَنْ واثِلَةَ بْنِ الأسْقَعِ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: ««جَنِّبُوا مَساجِدَكم صِبْيانَكم ومَجانِينَكُمْ، وشِراءَكم وبَيْعَكُمْ، وخُصُوماتِكُمْ، ورَفْعَ أصْواتِكُمْ، وإقامَةَ حُدُودِكم وسُلَّ سُيُوفِكُمْ، واتَّخِذُوا عَلى أبْوابِها (p-٧٩)المَطاهِرَ وجَمِّرُوها في الجُمَعِ»» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، والبُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، وأبُو داوُدَ، وابْنُ ماجَهْ، عَنْ أبِي مُوسى قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««إذا مَرَّ أحَدُكم بِالنَّبْلِ في المَسْجِدِ فَلْيُمْسِكْ عَلى نُصُولِها»» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأحْمَدُ، وأبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ ماجَهْ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ قالَ: «نَهى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ البَيْعِ والشِّراءِ في المَسْجِدِ، وعَنْ تَناشُدِ الأشْعارِ، ولَفْظُ ابْنِ أبِي شَيْبَةَ: عَنْ إنْشادِ الضَّوالِّ» .
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، وابْنُ السُّنِّيِّ، وابْنُ مَندَهْ، عَنْ ثَوْبانَ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ««مَن رَأيْتُمُوهُ يُنْشِدُ شِعْرًا في المَسْجِدِ فَقُولُوا لَهُ: فَضَّ اللَّهُ فاكَ -ثَلاثَ مَرّاتٍ- ومَن رَأيْتُمُوهُ يُنْشِدُ ضالَّةً في المَسْجِدِ فَقُولُوا: لا وجَدْتَها -ثَلاثَ مَرّاتٍ- ومَن رَأيْتُمُوهُ يَبِيعُ أوْ يَبْتاعُ في المَسْجِدِ فَقُولُوا: لا (p-٨٠)أرْبَحَ اللَّهُ تِجارَتَكَ»» .
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، عَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««لا تُسَلُّ السُّيُوفُ ولا تُنْثَرُ النَّبْلُ في المَساجِدِ، ولا يُحْلَفُ بِاللَّهِ في المَساجِدِ، ولا تُمْنَعُ القائِلَةُ في المَساجِدِ مُقِيمًا ولا ضَيْفًا، ولا تُبْنى التَّصاوِيرُ، ولا تُزَيَّنُ بِالقَوارِيرِ، فَإنَّما بُنِيَتْ بِالأمانَةِ وشَرُفَتْ بِالكَرامَةِ»» .
وأخْرَجَ ابْنُ ماجَهْ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، والطَّبَرانِيُّ، عَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ، قالا: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««لا تُقامُ الحُدُودُ في المَساجِدِ»» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أنَّهُ قالَ لِرَجُلٍ أخْرَجَ حَصاةً مِنَ المَسْجِدِ: رُدَّها وإلّا خاصَمَتْكَ يَوْمَ القِيامَةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنْ كَعْبٍ قالَ: إنَّ الحَصاةَ إذا أُخْرِجَتْ مِنَ المَسْجِدِ تُناشِدُ صاحِبَها.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: إذا أُخْرِجَتِ الحَصاةُ مِنَ المَسْجِدِ (p-٨١)صاحَتْ أوْ سَبَّحَتْ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: الحَصاةُ تَسُبُّ وتَلْعَنُ مَن يُخْرِجُها مِنَ المَسْجِدِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنْ سُلَيْمانَ بْنِ يَسارٍ قالَ: الحَصاةُ إذا خَرَجَتْ مِنَ المَسْجِدِ تَصِيحُ حَتّى تُرَدَّ إلى مَوْضِعِها.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، والتِّرْمِذِيُّ، وابْنُ ماجَهْ، عَنْ فاطِمَةَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قالَتْ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذا دَخَلَ المَسْجِدَ يَقُولُ: «بِاسْمِ اللَّهِ، والسَّلامُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي ذُنُوبِي، وافْتَحْ لِي أبْوابَ رَحْمَتِكَ» وإذا خَرَجَ قالَ: «بِاسْمِ اللَّهِ، والسَّلامُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي ذُنُوبِي، وافْتَحْ لِي أبْوابَ فَضْلِكَ»» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنْ أبِي قَتادَةَ، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: ««أعْطُوا المَساجِدَ حَقَّها» قِيلَ: وما حَقُّها؟ قالَ: «رَكْعَتانِ قَبْلَ أنْ تَجْلِسَ»» .
(p-٨٢)وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: مِن أشْراطِ السّاعَةِ أنَّ تُتَّخَذَ المَساجِدُ طُرُقًا.
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالغُدُوِّ والآصالِ﴾ .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ عاصِمٍ أنَّهُ قَرَأ: (يُسَبَّحُ) بِنَصْبِ الباءِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، والبَيْهَقِيُّ في ”شُعَبِ الإيمانِ“، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: إنَّ صَلاةَ الضُّحى لَفي القُرْآنِ، وما يَغُوصُ عَلَيْها إلّا غَوّاصٌ في قَوْلِهِ: ﴿فِي بُيُوتٍ أذِنَ اللَّهُ أنْ تُرْفَعَ ويُذْكَرَ فِيها اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالغُدُوِّ والآصالِ﴾ .
النور 24:37
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿رِجالٌ﴾ .
أخْرَجَ أحْمَدُ، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قالَ: ««خَيْرُ مَساجِدِ النِّساءِ قَعْرُ بُيُوتِهِنَّ»» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنْ عَبْدِ الحَمِيدِ بْنِ المُنْذِرِ بْنِ أبِي حُمَيْدٍ السّاعِدِيِّ، عَنْ أبِيهِ، «عَنْ جَدَّتِهِ أُمِّ حُمَيْدٍ قالَتْ: قُلْتُ يا رَسُولَ اللَّهِ، يَمْنَعُنا (p-٨٣)أزْواجُنا أنْ نُصَلِّيَ مَعَكَ، ونُحِبُّ الصَّلاةَ مَعَكَ. فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «صَلاتُكُنَّ في بُيُوتِكُنَّ أفْضَلُ مِن صَلاتِكُنَّ في حُجَرِكُنَّ، وصَلاتُكُنَّ في حُجَرِكُنَّ أفْضَلُ مِن صَلاتِكُنَّ في الجَماعَةِ»» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: ما صَلَّتِ امْرَأةٌ صَلاةً قَطُّ أفْضَلَ مِن صَلاةٍ تُصَلِّيها في بَيْتِها، إلّا أنْ تُصَلِّيَ عِنْدَ المَسْجِدِ الحَرامِ، إلّا عَجُوزٌ في مُنْقَلَبِها، يَعْنِي: خُفَّيْها.
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ﴾ الآيَةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، «عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ ولا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ قالَ: «هُمُ الَّذِينَ يَضْرِبُونَ في الأرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ اللَّهِ»» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ، والدَّيْلَمِيُّ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ، «عَنِ النَّبِيِّ ﷺ في قَوْلِهِ: ﴿رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ ولا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ قالَ: «هُمُ (p-٨٤)الَّذِينَ يَضْرِبُونَ في الأرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ اللَّهِ»» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ ولا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ قالَ: كانُوا رِجالًا يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ اللَّهِ، يَشْتَرُونَ ويَبِيعُونَ، فَإذا سَمِعُوا النِّداءَ بِالصَّلاةِ ألْقَوْا ما في أيْدِيهِمْ، وقامُوا إلى المَسْجِدِ فَصَلَّوْا.
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ ولا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ قالَ: أما واللَّهِ ولَقَدْ كانُوا تُجّارًا، فَلَمْ تَكُنْ تِجارَتُهم ولا بَيْعُهم يُلْهِيهِمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ في ”الشُّعَبِ“، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في الآيَةِ قالَ: ضَرَبَ اللَّهُ هَذا المَثَلَ قَوْلَهُ: ﴿مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍ﴾ [النور: ٣٥] لِأُولَئِكَ القَوْمِ الَّذِينَ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ ولا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ، وكانُوا أتْجَرَ النّاسِ وأبْيَعَهُمْ، ولَكِنْ لَمْ تَكُنْ تُلْهِيهِمْ تِجارَتُهم ولا بَيْعُهم عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ ولا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ قالَ: عَنْ شُهُودِ الصَّلاةِ المَكْتُوبَةِ.
(p-٨٥)وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ عَنْ عَطاءٍ، مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أنَّهُ كانَ في السُّوقِ فَأُقِيمَتِ الصَّلاةُ، فَأغْلَقُوا حَوانِيتَهم ثُمَّ دَخَلُوا المَسْجِدَ فَقالَ ابْنُ عُمَرَ: فِيهِمْ نَزَلَتْ: ﴿رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ ولا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ .
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، والطَّبَرانِيُّ، والبَيْهَقِيُّ في ”الشُّعَبِ“، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، أنَّهُ رَأى ناسًا مِن أهْلِ السُّوقِ سَمِعُوا الأذانَ فَتَرَكُوا أمْتِعَتَهم وقامُوا إلى الصَّلاةِ فَقالَ: هَؤُلاءِ الَّذِينَ قالَ اللَّهُ: ﴿لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ ولا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الضَّحّاكِ في قَوْلِهِ: ﴿رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ ولا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ قالَ: هم في أسْواقِهِمْ يَبِيعُونَ ويَشْتَرُونَ، فَإذا جاءَ وقْتُ الصَّلاةِ لَمْ يُلْهِهِمُ البَيْعُ والشِّراءُ عَنِ الصَّلاةِ، ﴿يَخافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ القُلُوبُ والأبْصارُ﴾ يَقُولُ: تَتَقَلَّبُ في الجَوْفِ، ولا تَقْدِرُ تَخْرُجُ حَتّى تَقَعَ في الحَنْجَرَةِ، فَهو قَوْلُهُ: ﴿إذِ القُلُوبُ لَدى الحَناجِرِ كاظِمِينَ﴾ [غافر: ١٨] [غافِرٍ: ١٨] .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ في قَوْلِهِ: ﴿يَخافُونَ يَوْمًا﴾ قالَ: يَوْمَ (p-٨٦)القِيامَةِ.
وأخْرَجَ أحْمَدُ في ”الزُّهْدِ“، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ أبِي الدَّرْداءِ قالَ: ما أُحِبُّ أنْ أُبايِعَ عَلى هَذا الدَّرَجِ وأرْبَحَ كُلَّ يَوْمٍ ثَلاثَمِائَةِ دِينارٍ، وأشْهَدَ الصَّلاةَ في الجَماعَةِ، أمّا إنِّي لا أزْعُمُ أنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِحَلالٍ، ولَكِنَّنِي أُحِبُّ أنْ أكُونَ مِنَ الَّذِينَ قالَ اللَّهُ: ﴿رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ ولا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ .
وأخْرَجَ هَنّادُ بْنُ السَّرِيِّ في ”الزُّهْدِ“، ومُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ في ”الصَّلاةِ“، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في ”شُعَبِ الإيمانِ“، عَنْ أسْماءَ بِنْتِ يَزِيدَ قالَتْ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««يَجْمَعُ اللَّهُ النّاسَ يَوْمَ القِيامَةِ في صَعِيدٍ واحِدٍ يُسْمِعُهُمُ الدّاعِي، ويَنْفُذُهُمُ البَصَرُ، فَيَقُومُ مُنادٍ فَيُنادِي: أيْنَ الَّذِينَ كانُوا يَحْمَدُونَ اللَّهَ في السَّرّاءِ والضَّرّاءِ؟ فَيَقُومُونَ وهم قَلِيلٌ، فَيَدْخُلُونَ الجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسابٍ، ثُمَّ يَعُودُ فَيُنادِي: أيْنَ الَّذِينَ كانَتْ تَتَجافى جُنُوبُهم عَنِ المَضاجِعِ؟ فَيَقُومُونَ وهم قَلِيلٌ، فَيَدْخُلُونَ الجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسابٍ، ثُمَّ يَعُودُ فَيُنادِي: أيْنَ الَّذِينَ كانُوا لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ ولا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ؟ فَيَقُومُونَ وهم قَلِيلٌ، فَيَدْخُلُونَ الجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسابٍ، ثُمَّ يَقُومُ سائِرُ النّاسِ فَيُحاسَبُونَ»» .
وأخْرَجَ الحاكِمُ، وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في ”شُعَبِ الإيمانِ“، (p-٨٧)عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عامِرٍ قالَ: «كُنّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في سَفَرٍ فَقالَ: «يُجْمَعُ النّاسُ في صَعِيدٍ واحِدٍ يَنْفُذُهُمُ البَصَرُ، ويُسْمِعُهُمُ الدّاعِي، فَنادى مُنادٍ: سَيَعْلَمُ أهْلُ المَوْقِفِ لِمَنِ الكَرَمُ اليَوْمَ. ثَلاثَ مَرّاتٍ، ثُمَّ يَقُولُ: أيْنَ الَّذِينَ كانَتْ تَتَجافى جُنُوبُهم عَنِ المَضاجِعِ؟ ثُمَّ يَقُولُ: أيْنَ الَّذِينَ كانُوا ﴿لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ ولا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وإقامِ الصَّلاةِ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ، ثُمَّ يَقُولُ: أيْنَ الحَمّادُونَ الَّذِينَ كانُوا يَحْمَدُونَ رَبَّهُمْ»؟» .
وأخْرَجَ أحْمَدُ، وأبُو يَعْلى، وابْنُ حِبّانَ، عَنْ أبِي سَعِيدٍ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قالَ: ««يَقُولُ الرَّبُّ عَزَّ وجَلَّ: سَيَعْلَمُ أهْلُ الجَمْعِ اليَوْمَ مَن أهْلُ الكَرَمِ» فَقِيلَ: ومَن أهْلُ الكَرَمِ يا رَسُولَ اللَّهِ؟ قالَ: «أهْلُ الذِّكْرِ في المَساجِدِ»» .
وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في ”شُعَبِ الإيمانِ“، عَنِ الحَسَنِ قالَ: إذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ، نادى مُنادٍ: سَيَعْلَمُ أهْلُ الجَمْعِ مَن أوْلى بِالكَرَمِ، أيْنَ الَّذِينَ كانَتْ تَتَجافى جُنُوبُهم عَنِ المَضاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهم خَوْفًا وطَمَعًا ومِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ؟ فَيَقُومُونَ فَيَتَخَطَّوْنَ رِقابَ النّاسِ، ثُمَّ يُنادِي مُنادٍ فَيَقُولُ: سَيَعْلَمُ أهْلُ الجَمْعِ مَن أوْلى بِالكَرَمِ، أيْنَ الَّذِينَ كانَتْ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ ولا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ؟ فَيَقُومُونَ (p-٨٨)فَيَتَخَطَّوْنَ رِقابَ النّاسِ، ثُمَّ يُنادِي أيْضًا فَيَقُولُ: سَيَعْلَمُ أهْلُ الجَمْعِ مَن أوْلى بِالكَرَمِ، أيْنَ الحَمّادُونَ اللَّهَ عَلى كُلِّ حالٍ؟ فَيَقُومُونَ وهم كَثِيرٌ، ثُمَّ تَكُونُ التَّبِعَةُ والحِسابُ عَلى مَن بَقِيَ.
النور 24:39
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا أعْمالُهم كَسَرابٍ﴾ الآيَتَيْنِ.
أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا أعْمالُهم كَسَرابٍ﴾ الآيَةَ. قالَ: هو مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ لِرَجُلٍ عَطِشَ، فاشْتَدَّ عَطَشُهُ فَرَأى سَرابًا فَحَسِبَهُ ماءً فَطَلَبَهُ، فَظَنَّ أنَّهُ قَدَرَ عَلَيْهِ حَتّى أتاهُ، فَلَمّا أتاهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا، وقُبِضَ عِنْدَ ذَلِكَ. يَقُولُ: الكافِرُ كَذَلِكَ السَّرابِ، يَحْسَبُ أنَّ عَمَلَهُ يُغْنِي عَنْهُ أوْ نافِعُهُ شَيْئًا، ولا يَكُونُ عَلى شَيْءٍ حَتّى يَأْتِيَهُ المَوْتُ، فَأتاهُ المَوْتُ لَمْ يَجِدْ عَمَلَهُ أغْنى عَنْهُ شَيْئًا، ولَمْ يَنْفَعْهُ إلّا كَما يَقَعُ العَطْشانُ المُشْتَدُّ إلى السَّرابِ: ﴿أوْ كَظُلُماتٍ في بَحْرٍ لُجِّيٍّ﴾ قالَ: يَعْنِي بِالظُّلُماتِ الأعْمالَ، وبِالبَحْرِ اللُّجِّيِّ: قَلْبَ الإنْسانِ، ﴿يَغْشاهُ مَوْجٌ﴾ يَعْنِي بِذَلِكَ الغِشاوَةَ الَّتِي عَلى القَلْبِ والسَّمْعِ والبَصَرِ.
(p-٨٩)وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ﴾ يَقُولُ: أرْضٍ مُسْتَوِيَةٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ﴾ قالَ: بِقاعٍ مِنَ الأرْضِ، والسَّرابُ عَمَلُ الكافِرِ، ﴿حَتّى إذا جاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا﴾ وإتِيانُهُ إيّاهُ: مَوْتُهُ وفِراقُهُ الدُّنْيا، ﴿ووَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ﴾ ووَجَدَ اللَّهَ عِنْدَ فِراقِهِ الدُّنْيا، ﴿فَوَفّاهُ حِسابَهُ﴾ .
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ قَتادَةَ: ﴿كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ﴾ قالَ: بِقِيعَةٍ مِنَ الأرْضِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، مِن طَرِيقِ السُّدِّيِّ، عَنْ أبِيهِ، عَنْ أصْحابِ مُحَمَّدٍ ﷺ قالَ: ««إنَّ الكُفّارَ يُبْعَثُونَ يَوْمَ القِيامَةِ وِرْدًا عِطاشًا، فَيَقُولُونَ: أيْنَ الماءُ؟ فَيُمَثَّلُ لَهُمُ السَّرابُ، فَيَحْسَبُونَهُ ماءً فَيَنْطَلِقُونَ إلَيْهِ فَيَجِدُونَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَيُوَفِّيهِمْ حِسابَهُمْ، واللَّهُ سَرِيعُ الحِسابِ»» .
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، (p-٩٠)وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ: ﴿أوْ كَظُلُماتٍ في بَحْرٍ لُجِّيٍّ﴾ قالَ: اللُّجِّيُّ: العَمِيقُ القَعْرِ: ﴿يَغْشاهُ مَوْجٌ مِن فَوْقِهِ مَوْجٌ﴾ الآيَةَ. قالَ: هَذا مَثَلُ عَمِلِ الكافِرِ، في ضَلالاتٍ، لَيْسَ لَهُ مَخْرَجٌ ولا مَنفَذٌ، أعْمى فِيها لا يُبْصِرُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ الحَسَنِ: ﴿إذا أخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَراها﴾ قالَ: أما رَأيْتَ الرَّجُلَ يَقُولُ: واللَّهِ ما رَأيْتُها وما كِدْتُ أنْ أراها؟
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ أبِي أُمامَةَ، أنَّهُ قالَ: أيُّها النّاسُ، إنَّكم قَدْ أصْبَحْتُمْ وأمْسَيْتُمْ في مَنزِلٍ تَقْتَسِمُونَ فِيهِ الحَسَناتِ والسَّيِّئاتِ، وتُوشِكُونَ أنْ تَظْعَنُوا مِنهُ إلى مَنزِلٍ آخَرَ وهو القَبْرُ، بَيْتُ الوَحْدَةِ، وبَيْتُ الظُّلْمَةِ، وبَيْتُ الضَّيِّقِ، إلّا ما وسَّعَ اللَّهُ، ثُمَّ تَنْتَقِلُونَ إلى مُواطِنِ يَوْمِ القِيامَةِ، وإنَّكم لَفي بَعْضِ المَواطِنِ حِينَ يَغْشى النّاسَ أمْرٌ مِن أمْرِ اللَّهِ فَتَبْيَضُّ وُجُوهٌ وتَسْوَدُّ وُجُوهٌ، ثُمَّ تَنْتَقِلُونَ إلى مَنزِلٍ آخَرَ فَيَغْشى النّاسَ ظُلْمَةٌ شَدِيدَةٌ، ثُمَّ يُقْسَمُ النُّورُ، فَيُعْطى المُؤْمِنُ نُورًا ويُتْرَكُ الكافِرُ والمُنافِقُ فَلا يُعْطى شَيْئًا، وهو المَثَلُ الَّذِي ضَرَبَهُ اللَّهُ في كِتابِهِ: ﴿أوْ كَظُلُماتٍ في بَحْرٍ لُجِّيٍّ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿فَما لَهُ مِن نُورٍ﴾ فَلا يَسْتَضِيءُ الكافِرُ والمُنافِقُ بِنُورِ المُؤْمِنِ، كَما لا يَسْتَضِيءُ الأعْمى بِبَصَرِ البَصِيرِ.
(p-٩١)
النور 24:40
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا أعْمالُهم كَسَرابٍ﴾ الآيَتَيْنِ.
أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا أعْمالُهم كَسَرابٍ﴾ الآيَةَ. قالَ: هو مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ لِرَجُلٍ عَطِشَ، فاشْتَدَّ عَطَشُهُ فَرَأى سَرابًا فَحَسِبَهُ ماءً فَطَلَبَهُ، فَظَنَّ أنَّهُ قَدَرَ عَلَيْهِ حَتّى أتاهُ، فَلَمّا أتاهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا، وقُبِضَ عِنْدَ ذَلِكَ. يَقُولُ: الكافِرُ كَذَلِكَ السَّرابِ، يَحْسَبُ أنَّ عَمَلَهُ يُغْنِي عَنْهُ أوْ نافِعُهُ شَيْئًا، ولا يَكُونُ عَلى شَيْءٍ حَتّى يَأْتِيَهُ المَوْتُ، فَأتاهُ المَوْتُ لَمْ يَجِدْ عَمَلَهُ أغْنى عَنْهُ شَيْئًا، ولَمْ يَنْفَعْهُ إلّا كَما يَقَعُ العَطْشانُ المُشْتَدُّ إلى السَّرابِ: ﴿أوْ كَظُلُماتٍ في بَحْرٍ لُجِّيٍّ﴾ قالَ: يَعْنِي بِالظُّلُماتِ الأعْمالَ، وبِالبَحْرِ اللُّجِّيِّ: قَلْبَ الإنْسانِ، ﴿يَغْشاهُ مَوْجٌ﴾ يَعْنِي بِذَلِكَ الغِشاوَةَ الَّتِي عَلى القَلْبِ والسَّمْعِ والبَصَرِ.
(p-٨٩)وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ﴾ يَقُولُ: أرْضٍ مُسْتَوِيَةٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ﴾ قالَ: بِقاعٍ مِنَ الأرْضِ، والسَّرابُ عَمَلُ الكافِرِ، ﴿حَتّى إذا جاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا﴾ وإتِيانُهُ إيّاهُ: مَوْتُهُ وفِراقُهُ الدُّنْيا، ﴿ووَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ﴾ ووَجَدَ اللَّهَ عِنْدَ فِراقِهِ الدُّنْيا، ﴿فَوَفّاهُ حِسابَهُ﴾ .
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ قَتادَةَ: ﴿كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ﴾ قالَ: بِقِيعَةٍ مِنَ الأرْضِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، مِن طَرِيقِ السُّدِّيِّ، عَنْ أبِيهِ، عَنْ أصْحابِ مُحَمَّدٍ ﷺ قالَ: ««إنَّ الكُفّارَ يُبْعَثُونَ يَوْمَ القِيامَةِ وِرْدًا عِطاشًا، فَيَقُولُونَ: أيْنَ الماءُ؟ فَيُمَثَّلُ لَهُمُ السَّرابُ، فَيَحْسَبُونَهُ ماءً فَيَنْطَلِقُونَ إلَيْهِ فَيَجِدُونَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَيُوَفِّيهِمْ حِسابَهُمْ، واللَّهُ سَرِيعُ الحِسابِ»» .
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، (p-٩٠)وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ: ﴿أوْ كَظُلُماتٍ في بَحْرٍ لُجِّيٍّ﴾ قالَ: اللُّجِّيُّ: العَمِيقُ القَعْرِ: ﴿يَغْشاهُ مَوْجٌ مِن فَوْقِهِ مَوْجٌ﴾ الآيَةَ. قالَ: هَذا مَثَلُ عَمِلِ الكافِرِ، في ضَلالاتٍ، لَيْسَ لَهُ مَخْرَجٌ ولا مَنفَذٌ، أعْمى فِيها لا يُبْصِرُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ الحَسَنِ: ﴿إذا أخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَراها﴾ قالَ: أما رَأيْتَ الرَّجُلَ يَقُولُ: واللَّهِ ما رَأيْتُها وما كِدْتُ أنْ أراها؟
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ أبِي أُمامَةَ، أنَّهُ قالَ: أيُّها النّاسُ، إنَّكم قَدْ أصْبَحْتُمْ وأمْسَيْتُمْ في مَنزِلٍ تَقْتَسِمُونَ فِيهِ الحَسَناتِ والسَّيِّئاتِ، وتُوشِكُونَ أنْ تَظْعَنُوا مِنهُ إلى مَنزِلٍ آخَرَ وهو القَبْرُ، بَيْتُ الوَحْدَةِ، وبَيْتُ الظُّلْمَةِ، وبَيْتُ الضَّيِّقِ، إلّا ما وسَّعَ اللَّهُ، ثُمَّ تَنْتَقِلُونَ إلى مُواطِنِ يَوْمِ القِيامَةِ، وإنَّكم لَفي بَعْضِ المَواطِنِ حِينَ يَغْشى النّاسَ أمْرٌ مِن أمْرِ اللَّهِ فَتَبْيَضُّ وُجُوهٌ وتَسْوَدُّ وُجُوهٌ، ثُمَّ تَنْتَقِلُونَ إلى مَنزِلٍ آخَرَ فَيَغْشى النّاسَ ظُلْمَةٌ شَدِيدَةٌ، ثُمَّ يُقْسَمُ النُّورُ، فَيُعْطى المُؤْمِنُ نُورًا ويُتْرَكُ الكافِرُ والمُنافِقُ فَلا يُعْطى شَيْئًا، وهو المَثَلُ الَّذِي ضَرَبَهُ اللَّهُ في كِتابِهِ: ﴿أوْ كَظُلُماتٍ في بَحْرٍ لُجِّيٍّ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿فَما لَهُ مِن نُورٍ﴾ فَلا يَسْتَضِيءُ الكافِرُ والمُنافِقُ بِنُورِ المُؤْمِنِ، كَما لا يَسْتَضِيءُ الأعْمى بِبَصَرِ البَصِيرِ.
(p-٩١)
النور 24:41
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ﴾ الآيَةَ.
أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ في ”العَظَمَةِ“، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ﴾ . إلى قَوْلِهِ: ﴿كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وتَسْبِيحَهُ﴾ قالَ: الصَّلاةُ لِلْإنْسانِ، والتَّسْبِيحُ لِما سِوى ذَلِكَ مِن خَلْقِهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿والطَّيْرُ صافّاتٍ﴾ قالَ: بَسْطُ أجْنِحَتِهِنَّ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ قَتادَةَ: ﴿والطَّيْرُ صافّاتٍ﴾ قالَ: صافّاتٍ بِأجْنِحَتِها.
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ في ”العَظَمَةِ“ عَنْ مِسْعَرٍ في قَوْلِهِ: ﴿والطَّيْرُ صافّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وتَسْبِيحَهُ﴾ قالَ: قَدْ سَمّى لَها صَلاةً، ولَمْ يَذْكُرْ رُكُوعًا ولا سُجُودًا.
النور 24:43
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحابًا﴾ الآيَةَ.
أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الضَّحّاكِ في قَوْلِهِ: ﴿فَتَرى الوَدْقَ﴾ قالَ: المَطَرَ.
(p-٩٢)وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَتَرى الوَدْقَ﴾ قالَ: القَطْرَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أبِي بَجِيلَةَ عَنْ أبِيهِ قالَ: الوَدْقُ البَرْقُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ زَيْدٍ في قَوْلِهِ: ﴿مِن خِلالِهِ﴾ قالَ: السَّحابِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قَرَأها: (مِن خَلَلِهِ) بِفَتْحِ الخاءِ مِن غَيْرِ ألِفٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ في ”العَظَمَةِ“، عَنْ كَعْبٍ قالَ: لَوْلا أنَّ الجَلِيدَ يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ الرّابِعَةِ لَمْ يَمُرَّ بِشَيْءٍ إلّا أهْلَكَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿يَكادُ سَنا بَرْقِهِ﴾ يَقُولُ: ضَوْءُ بَرْقِهِ.
وأخْرَجَ الطَّسْتِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أنَّ نافِعَ بْنَ الأزْرَقِ قالَ لَهُ: أخْبِرْنِي عَنْ (p-٩٣)قَوْلِهِ: ﴿يَكادُ سَنا بَرْقِهِ﴾ قالَ: السَّنا الضَّوْءُ، قالَ: وهَلْ تَعْرِفُ العَرَبُ ذَلِكَ؟ قالَ: نَعَمْ، أما سَمِعْتَ أبا سُفْيانَ بْنَ الحارِثِ وهو يَقُولُ:
؎يَدْعُو إلى الحَقِّ لا يَبْغِي بِهِ بَدَلًا يَجْلُو بِضَوْءٍ سَناهُ داجِيَ الظُّلَمِ
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ: ﴿يَكادُ سَنا بَرْقِهِ﴾ قالَ: لَمَعانُ البَرْقِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ أنَّ كَعْبًا سَألَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو عَنِ البَرْقِ، قالَ: هو ما يَسْبِقُ مِنَ البَرَدِ، وقَرَأ: ﴿جِبالٍ فِيها مِن بَرَدٍ﴾ ﴿يَكادُ سَنا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالأبْصارِ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ والنَّهارَ﴾ قالَ: يَأْتِي بِاللَّيْلِ ويَذْهَبُ بِالنَّهارِ، ويَأْتِي بِالنَّهارِ ويَذْهَبُ بِاللَّيْلِ.
النور 24:44
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحابًا﴾ الآيَةَ.
أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الضَّحّاكِ في قَوْلِهِ: ﴿فَتَرى الوَدْقَ﴾ قالَ: المَطَرَ.
(p-٩٢)وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَتَرى الوَدْقَ﴾ قالَ: القَطْرَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أبِي بَجِيلَةَ عَنْ أبِيهِ قالَ: الوَدْقُ البَرْقُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ زَيْدٍ في قَوْلِهِ: ﴿مِن خِلالِهِ﴾ قالَ: السَّحابِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قَرَأها: (مِن خَلَلِهِ) بِفَتْحِ الخاءِ مِن غَيْرِ ألِفٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ في ”العَظَمَةِ“، عَنْ كَعْبٍ قالَ: لَوْلا أنَّ الجَلِيدَ يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ الرّابِعَةِ لَمْ يَمُرَّ بِشَيْءٍ إلّا أهْلَكَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿يَكادُ سَنا بَرْقِهِ﴾ يَقُولُ: ضَوْءُ بَرْقِهِ.
وأخْرَجَ الطَّسْتِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أنَّ نافِعَ بْنَ الأزْرَقِ قالَ لَهُ: أخْبِرْنِي عَنْ (p-٩٣)قَوْلِهِ: ﴿يَكادُ سَنا بَرْقِهِ﴾ قالَ: السَّنا الضَّوْءُ، قالَ: وهَلْ تَعْرِفُ العَرَبُ ذَلِكَ؟ قالَ: نَعَمْ، أما سَمِعْتَ أبا سُفْيانَ بْنَ الحارِثِ وهو يَقُولُ:
؎يَدْعُو إلى الحَقِّ لا يَبْغِي بِهِ بَدَلًا يَجْلُو بِضَوْءٍ سَناهُ داجِيَ الظُّلَمِ
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ: ﴿يَكادُ سَنا بَرْقِهِ﴾ قالَ: لَمَعانُ البَرْقِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ أنَّ كَعْبًا سَألَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو عَنِ البَرْقِ، قالَ: هو ما يَسْبِقُ مِنَ البَرَدِ، وقَرَأ: ﴿جِبالٍ فِيها مِن بَرَدٍ﴾ ﴿يَكادُ سَنا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالأبْصارِ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ والنَّهارَ﴾ قالَ: يَأْتِي بِاللَّيْلِ ويَذْهَبُ بِالنَّهارِ، ويَأْتِي بِالنَّهارِ ويَذْهَبُ بِاللَّيْلِ.
النور 24:45
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دابَّةٍ مِن ماءٍ﴾ .
أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ زَيْدٍ: ﴿واللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دابَّةٍ مِن ماءٍ﴾ قالَ: النُّطْفَةَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ، أنَّهُ قَرَأ: (واللَّهُ خالِقُ كُلِّ دابَّةٍ (p-٩٤)مِن ماءٍ) .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كُلُّ شَيْءٍ يَمْشِي عَلى أرْبَعٍ إلّا الإنْسانَ.
النور 24:47
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَقُولُونَ آمَنّا بِاللَّهِ﴾ الآياتِ.
أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ: ﴿ويَقُولُونَ آمَنّا بِاللَّهِ وبِالرَّسُولِ وأطَعْنا ثُمَّ يَتَوَلّى فَرِيقٌ مِنهم مِن بَعْدِ ذَلِكَ وما أُولَئِكَ بِالمُؤْمِنِينَ﴾ قالَ: أُناسٌ مِنَ المُنافِقِينَ أظْهَرُوا الإيمانَ والطّاعَةَ وهم في ذَلِكَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وطاعَتِهِ وجِهادٍ مَعَ رَسُولِهِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الحَسَنِ قالَ: «إنَّ الرَّجُلَ كانَ يَكُونُ بَيْنَهُ وبَيْنَ الرَّجُلِ خُصُومَةٌ أوْ مُنازَعَةٌ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَإذا دُعِيَ إلى النَّبِيِّ ﷺ وهو مُحِقٌّ أذْعَنَ، وعَلِمَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ سَيَقْضِي لَهُ بِالحَقِّ، وإذا أرادَ أنْ يَظْلِمَ فَدُعِيَ إلى النَّبِيِّ ﷺ أعْرَضَ وقالَ: انْطَلِقْ إلى فُلانٍ. فَأنْزَلَ اللَّهُ:﴿وإذا دُعُوا إلى اللَّهِ ورَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿هُمُ الظّالِمُونَ﴾ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَن كانَ بَيْنَهُ وبَيْنَ أخِيهِ شَيْءٌ فَدَعاهُ إلى حَكَمٍ حُكّامِ المُسْلِمِينَ، فَلَمْ يُجِبْ، فَهو ظالِمٌ لا حَقَّ لَهُ»» .
(p-٩٥)وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ عَنِ الحَسَنِ، عَنْ سَمُرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««مَن دُعِيَ إلى سُلْطانٍ، فَلَمْ يُجِبْ، فَهو ظالِمٌ لا حَقَّ لَهُ»» .
النور 24:48
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَقُولُونَ آمَنّا بِاللَّهِ﴾ الآياتِ.
أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ: ﴿ويَقُولُونَ آمَنّا بِاللَّهِ وبِالرَّسُولِ وأطَعْنا ثُمَّ يَتَوَلّى فَرِيقٌ مِنهم مِن بَعْدِ ذَلِكَ وما أُولَئِكَ بِالمُؤْمِنِينَ﴾ قالَ: أُناسٌ مِنَ المُنافِقِينَ أظْهَرُوا الإيمانَ والطّاعَةَ وهم في ذَلِكَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وطاعَتِهِ وجِهادٍ مَعَ رَسُولِهِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الحَسَنِ قالَ: «إنَّ الرَّجُلَ كانَ يَكُونُ بَيْنَهُ وبَيْنَ الرَّجُلِ خُصُومَةٌ أوْ مُنازَعَةٌ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَإذا دُعِيَ إلى النَّبِيِّ ﷺ وهو مُحِقٌّ أذْعَنَ، وعَلِمَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ سَيَقْضِي لَهُ بِالحَقِّ، وإذا أرادَ أنْ يَظْلِمَ فَدُعِيَ إلى النَّبِيِّ ﷺ أعْرَضَ وقالَ: انْطَلِقْ إلى فُلانٍ. فَأنْزَلَ اللَّهُ:﴿وإذا دُعُوا إلى اللَّهِ ورَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿هُمُ الظّالِمُونَ﴾ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَن كانَ بَيْنَهُ وبَيْنَ أخِيهِ شَيْءٌ فَدَعاهُ إلى حَكَمٍ حُكّامِ المُسْلِمِينَ، فَلَمْ يُجِبْ، فَهو ظالِمٌ لا حَقَّ لَهُ»» .
(p-٩٥)وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ عَنِ الحَسَنِ، عَنْ سَمُرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««مَن دُعِيَ إلى سُلْطانٍ، فَلَمْ يُجِبْ، فَهو ظالِمٌ لا حَقَّ لَهُ»» .
النور 24:49
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَقُولُونَ آمَنّا بِاللَّهِ﴾ الآياتِ.
أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ: ﴿ويَقُولُونَ آمَنّا بِاللَّهِ وبِالرَّسُولِ وأطَعْنا ثُمَّ يَتَوَلّى فَرِيقٌ مِنهم مِن بَعْدِ ذَلِكَ وما أُولَئِكَ بِالمُؤْمِنِينَ﴾ قالَ: أُناسٌ مِنَ المُنافِقِينَ أظْهَرُوا الإيمانَ والطّاعَةَ وهم في ذَلِكَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وطاعَتِهِ وجِهادٍ مَعَ رَسُولِهِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الحَسَنِ قالَ: «إنَّ الرَّجُلَ كانَ يَكُونُ بَيْنَهُ وبَيْنَ الرَّجُلِ خُصُومَةٌ أوْ مُنازَعَةٌ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَإذا دُعِيَ إلى النَّبِيِّ ﷺ وهو مُحِقٌّ أذْعَنَ، وعَلِمَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ سَيَقْضِي لَهُ بِالحَقِّ، وإذا أرادَ أنْ يَظْلِمَ فَدُعِيَ إلى النَّبِيِّ ﷺ أعْرَضَ وقالَ: انْطَلِقْ إلى فُلانٍ. فَأنْزَلَ اللَّهُ:﴿وإذا دُعُوا إلى اللَّهِ ورَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿هُمُ الظّالِمُونَ﴾ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَن كانَ بَيْنَهُ وبَيْنَ أخِيهِ شَيْءٌ فَدَعاهُ إلى حَكَمٍ حُكّامِ المُسْلِمِينَ، فَلَمْ يُجِبْ، فَهو ظالِمٌ لا حَقَّ لَهُ»» .
(p-٩٥)وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ عَنِ الحَسَنِ، عَنْ سَمُرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««مَن دُعِيَ إلى سُلْطانٍ، فَلَمْ يُجِبْ، فَهو ظالِمٌ لا حَقَّ لَهُ»» .
النور 24:50
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَقُولُونَ آمَنّا بِاللَّهِ﴾ الآياتِ.
أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ: ﴿ويَقُولُونَ آمَنّا بِاللَّهِ وبِالرَّسُولِ وأطَعْنا ثُمَّ يَتَوَلّى فَرِيقٌ مِنهم مِن بَعْدِ ذَلِكَ وما أُولَئِكَ بِالمُؤْمِنِينَ﴾ قالَ: أُناسٌ مِنَ المُنافِقِينَ أظْهَرُوا الإيمانَ والطّاعَةَ وهم في ذَلِكَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وطاعَتِهِ وجِهادٍ مَعَ رَسُولِهِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الحَسَنِ قالَ: «إنَّ الرَّجُلَ كانَ يَكُونُ بَيْنَهُ وبَيْنَ الرَّجُلِ خُصُومَةٌ أوْ مُنازَعَةٌ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَإذا دُعِيَ إلى النَّبِيِّ ﷺ وهو مُحِقٌّ أذْعَنَ، وعَلِمَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ سَيَقْضِي لَهُ بِالحَقِّ، وإذا أرادَ أنْ يَظْلِمَ فَدُعِيَ إلى النَّبِيِّ ﷺ أعْرَضَ وقالَ: انْطَلِقْ إلى فُلانٍ. فَأنْزَلَ اللَّهُ:﴿وإذا دُعُوا إلى اللَّهِ ورَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿هُمُ الظّالِمُونَ﴾ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَن كانَ بَيْنَهُ وبَيْنَ أخِيهِ شَيْءٌ فَدَعاهُ إلى حَكَمٍ حُكّامِ المُسْلِمِينَ، فَلَمْ يُجِبْ، فَهو ظالِمٌ لا حَقَّ لَهُ»» .
(p-٩٥)وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ عَنِ الحَسَنِ، عَنْ سَمُرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««مَن دُعِيَ إلى سُلْطانٍ، فَلَمْ يُجِبْ، فَهو ظالِمٌ لا حَقَّ لَهُ»» .
النور 24:53
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأقْسَمُوا بِاللَّهِ﴾ الآيَةَ.
أخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «أتى قَوْمٌ النَّبِيَّ ﷺ فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، لَوْ أمَرْتَنا أنْ نَخْرُجَ مِن أمْوالِنا لَخَرَجْنا. فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وأقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ﴾ الآيَةَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُقاتِلٍ في قَوْلِهِ: ﴿وأقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ لَئِنْ أمَرْتَهم لَيَخْرُجُنَّ﴾ قالَ: ذَلِكَ في شَأْنِ الجِهادِ، ﴿قُلْ لا تُقْسِمُوا﴾ قالَ: يَأْمُرُهُمُ ألّا يَحْلِفُوا عَلى شَيْءٍ، ﴿طاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ﴾ قالَ: أمَرَهُمُ أنْ يَكُونَ مِنهم طاعَةٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ مِن غَيْرِ أنْ يُقْسِمُوا.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ مُجاهِدٍ ﴿طاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ﴾ يَقُولُ قَدْ عُرِفَتْ طاعَتُكُمْ، أيْ: أنَّكم تُكَذِّبُونَ بِهِ.
النور 24:54
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ أطِيعُوا اللَّهَ﴾ الآيَةَ.
أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿فَإنَّما عَلَيْهِ ما حُمِّلَ﴾ قالَ: يُبَلِّغُ ما أُرْسِلَ بِهِ إلَيْكُمْ، ﴿وعَلَيْكم ما حُمِّلْتُمْ﴾ قالَ: أنْ تُطِيعُوهُ (p-٩٦)وتَعْمَلُوا بِما أمَرَكم.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جابِرٍ: أنَّهُ سُئِلَ: إنْ كانَ عَلَيَّ إمامٌ فاجِرٌ، فَلَقِيتُ مَعَهُ أهْلَ ضَلالَةٍ، أُقاتِلُ أمْ لا؟ لَيْسَ بِي حُبُّهُ ولا مُظاهَرَتُهُ. قالَ: قاتِلْ أهْلَ الضَّلالَةِ، أيْنَما وجَدْتَهُمْ، وعَلى الإمامِ ما حُمِّلَ وعَلَيْكَ ما حُمِّلْتَ.
وأخْرَجَ البُخارِيُّ في ”تارِيخِهِ“، «عَنْ وائِلٍ، أنَّهُ قالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ: إنْ كانَ عَلَيْنا أُمَراءُ يَعْمَلُونَ بِغَيْرِ طاعَةِ اللَّهِ تَعالى؟ فَقالَ: «عَلَيْهِمْ ما حُمِّلُوا وعَلَيْكم ما حُمِّلْتُمْ»» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، ومُسْلِمٌ، والتِّرْمِذِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ في ”تَهْذِيبِهِ“، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ وائِلٍ الحَضْرَمِيِّ، عَنْ أبِيهِ قالَ: «قَدِمَ يَزِيدُ بْنُ سَلَمَةَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: أرَأيْتَ إنْ كانَ عَلَيْنا أُمَراءُ يَأْخُذُونَ مِنّا الحَقَّ ولا يُعْطُونا؟ فَقالَ: «إنَّما عَلَيْهِمْ ما حُمِّلُوا وعَلَيْكم ما حُمِّلْتُمْ»» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ نافِعٍ، والطَّبَرانِيُّ، عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ وائِلٍ الحَضْرَمِيِّ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ يَزِيدَ الجُعْفِيِّ قالَ: «قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، أرَأيْتَ إنْ كانَ عَلَيْنا أُمَراءُ (p-٩٧)مِن بَعْدِكَ يَأْخُذُونا بِالحَقِّ الَّذِي عَلَيْنا، ويَمْنَعُونا الحَقَّ الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ لَنا، نُقاتِلُهم ونَعْصِيهِمْ؟ فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: «عَلَيْهِمْ ما حُمِّلُوا، وعَلَيْكم ما حُمِّلْتُمْ»» .
النور 24:55
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ الآيَةَ.
أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنِ البَراءِ في قَوْلِهِ: ﴿وعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ﴾ الآيَةَ. قالَ: فِينا نَزَلَتْ ونَحْنُ في خَوْفٍ شَدِيدٍ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أبِي العالِيَةِ قالَ: «كانَ النَّبِيُّ ﷺ وأصْحابُهُ بِمَكَّةَ نَحْوًا مِن عَشْرِ سِنِينَ، يَدْعُونَ إلى اللَّهِ وحْدَهُ وعِبادَتِهِ وحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ سِرًّا وهم خائِفُونَ، لا يُؤْمَرُونَ بِالقِتالِ، حَتّى أُمِرُوا بِالهِجْرَةِ إلى المَدِينَةِ فَقَدِمُوا المَدِينَةَ فَأمَرَهُمُ اللَّهُ بِالقِتالِ، وكانُوا بِها خائِفِينَ، يُمْسُونَ في السِّلاحِ ويُصْبِحُونَ في السِّلاحِ، فَغَبَرُوا بِذَلِكَ ما شاءَ اللَّهُ، ثُمَّ إنَّ رَجُلًا مِن أصْحابِهِ قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، أبَدَ الدَّهْرِ نَحْنُ خائِفُونَ هَكَذا! أما يَأْتِي عَلَيْنا يَوْمٌ نَأْمَنُ فِيهِ ونَضَعُ فِيهِ السِّلاحَ؟ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَنْ تَغْبُرُوا إلّا يَسِيرًا، (p-٩٨)حَتّى يَجْلِسَ الرَّجُلُ مِنكم في المَلَأِ العَظِيمِ مُحْتَبِيًا لَيْسَتْ فِيهِمْ حَدِيدَةٌ» فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكم وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهم في الأرْضِ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ. فَأظْهَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ عَلى جَزِيرَةِ العَرَبِ، فَأمِنُوا ووَضَعُوا السِّلاحَ، ثُمَّ إنَّ اللَّهَ قَبَضَ نَبِيَّهُ، فَكانُوا كَذَلِكَ آمِنِينَ في إمارَةِ أبِي بَكْرٍ وعُمَرَ وعُثْمانَ، حَتّى وقَعُوا فِيما وقَعُوا وكَفَرُوا النِّعْمَةَ، فَأدْخَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الخَوْفَ الَّذِي كانَ رُفِعَ عَنْهُمْ، واتَّخَذُوا الحُجَرَ والشُّرَطَ، وغَيَّرُوا فَغُيِّرَ ما بِهِمْ» .
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، والطَّبَرانِيُّ في ”الأوْسَطِ“، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في ”الدَّلائِلِ“، والضِّياءُ في ”المُخْتارَةِ“، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قالَ: «لَمّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وأصْحابُهُ المَدِينَةَ وآوَتْهُمُ الأنْصارُ رَمَتْهُمُ العَرَبُ عَنْ قَوْسٍ واحِدَةٍ، فَكانُوا لا يَبِيتُونَ إلّا في السِّلاحِ، ولا يُصْبِحُونَ إلّا فِيهِ، فَقالُوا: تُرَوْنَ أنّا نَعِيشُ حَتّى نَبِيتَ آمِنِينَ مُطَمْئِنِينَ لا نَخافُ إلّا اللَّهَ؟ فَنَزَلَتْ: ﴿وعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكم وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ الآيَةَ» .
(p-٩٩)وأخْرَجَ أحْمَدُ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، واللَّفْظُ لَهُ، والبَيْهَقِيُّ في ”الدَّلائِلِ“، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ عَلى النَّبِيِّ ﷺ: ﴿وعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكم وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ قالَ: «بَشِّرْ هَذِهِ الأُمَّةَ بِالسَّنا والرِّفْعَةِ والدِّينِ والنَّصْرِ والتَّمْكِينِ في الأرْضِ، فَمَن عَمِلَ مِنهم عَمَلَ الآخِرَةِ لِلدُّنْيا، لَمْ يَكُنْ لَهُ في الآخِرَةِ نَصِيبٌ»» .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ عاصِمٍ، أنَّهُ قَرَأ: (لَيَسْتَخْلِفَنَّهم في الأرْضِ كَما اسْتُخْلِفَ) بِرَفْعِ التّاءِ وكَسْرِ اللّامِ، ﴿ولَيُمَكِّنَنَّ﴾ بِالياءِ مُثَقَّلَةً (ولَيُبْدِلَنَّهُمْ) مُخَفَّفَةً.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ عَطِيَّةَ: ﴿وعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكم وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهم في الأرْضِ﴾ قالَ: أهْلُ بَيْتٍ هَهُنا. وأشارَ بِيَدِهِ إلى القِبْلَةِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ: (p-١٠٠)﴿ولَيُمَكِّنَنَّ لَهم دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى لَهُمْ﴾ قالَ: هو الإسْلامُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ قالَ: لا يَخافُونَ أحَدًا غَيْرِي.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مُجاهِدٍ ﴿يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ قالَ: لا يَخافُونَ أحَدًا غَيْرِي، ﴿ومَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الفاسِقُونَ﴾ قالَ: العاصُونَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ أبِي العالِيَةِ: ﴿ومَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ﴾ قالَ: كَفَرَ بِهَذِهِ النِّعْمَةِ، لَيْسَ الكُفْرَ بِاللَّهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنْ أبِي الشَّعْثاءِ قالَ: كُنْتُ جالِسًا مَعَ حُذَيْفَةَ وابْنِ مَسْعُودٍ، فَقالَ حُذَيْفَةُ: ذَهَبَ النِّفاقُ، إنَّما كانَ النِّفاقُ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وإنَّما هو اليَوْمَ الكُفْرُ بَعْدَ الإيمانِ. فَضَحِكَ ابْنُ مَسْعُودٍ، ثُمَّ قالَ: بِمَ تَقُولُ؟ قالَ: بِهَذِهِ الآيَةِ: ﴿وعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكم وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ قَتادَةَ: ﴿لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ في الأرْضِ﴾ قالَ: سابِقِينَ في الأرْضِ.
النور 24:56
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ الآيَةَ.
أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنِ البَراءِ في قَوْلِهِ: ﴿وعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ﴾ الآيَةَ. قالَ: فِينا نَزَلَتْ ونَحْنُ في خَوْفٍ شَدِيدٍ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أبِي العالِيَةِ قالَ: «كانَ النَّبِيُّ ﷺ وأصْحابُهُ بِمَكَّةَ نَحْوًا مِن عَشْرِ سِنِينَ، يَدْعُونَ إلى اللَّهِ وحْدَهُ وعِبادَتِهِ وحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ سِرًّا وهم خائِفُونَ، لا يُؤْمَرُونَ بِالقِتالِ، حَتّى أُمِرُوا بِالهِجْرَةِ إلى المَدِينَةِ فَقَدِمُوا المَدِينَةَ فَأمَرَهُمُ اللَّهُ بِالقِتالِ، وكانُوا بِها خائِفِينَ، يُمْسُونَ في السِّلاحِ ويُصْبِحُونَ في السِّلاحِ، فَغَبَرُوا بِذَلِكَ ما شاءَ اللَّهُ، ثُمَّ إنَّ رَجُلًا مِن أصْحابِهِ قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، أبَدَ الدَّهْرِ نَحْنُ خائِفُونَ هَكَذا! أما يَأْتِي عَلَيْنا يَوْمٌ نَأْمَنُ فِيهِ ونَضَعُ فِيهِ السِّلاحَ؟ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَنْ تَغْبُرُوا إلّا يَسِيرًا، (p-٩٨)حَتّى يَجْلِسَ الرَّجُلُ مِنكم في المَلَأِ العَظِيمِ مُحْتَبِيًا لَيْسَتْ فِيهِمْ حَدِيدَةٌ» فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكم وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهم في الأرْضِ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ. فَأظْهَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ عَلى جَزِيرَةِ العَرَبِ، فَأمِنُوا ووَضَعُوا السِّلاحَ، ثُمَّ إنَّ اللَّهَ قَبَضَ نَبِيَّهُ، فَكانُوا كَذَلِكَ آمِنِينَ في إمارَةِ أبِي بَكْرٍ وعُمَرَ وعُثْمانَ، حَتّى وقَعُوا فِيما وقَعُوا وكَفَرُوا النِّعْمَةَ، فَأدْخَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الخَوْفَ الَّذِي كانَ رُفِعَ عَنْهُمْ، واتَّخَذُوا الحُجَرَ والشُّرَطَ، وغَيَّرُوا فَغُيِّرَ ما بِهِمْ» .
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، والطَّبَرانِيُّ في ”الأوْسَطِ“، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في ”الدَّلائِلِ“، والضِّياءُ في ”المُخْتارَةِ“، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قالَ: «لَمّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وأصْحابُهُ المَدِينَةَ وآوَتْهُمُ الأنْصارُ رَمَتْهُمُ العَرَبُ عَنْ قَوْسٍ واحِدَةٍ، فَكانُوا لا يَبِيتُونَ إلّا في السِّلاحِ، ولا يُصْبِحُونَ إلّا فِيهِ، فَقالُوا: تُرَوْنَ أنّا نَعِيشُ حَتّى نَبِيتَ آمِنِينَ مُطَمْئِنِينَ لا نَخافُ إلّا اللَّهَ؟ فَنَزَلَتْ: ﴿وعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكم وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ الآيَةَ» .
(p-٩٩)وأخْرَجَ أحْمَدُ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، واللَّفْظُ لَهُ، والبَيْهَقِيُّ في ”الدَّلائِلِ“، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ عَلى النَّبِيِّ ﷺ: ﴿وعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكم وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ قالَ: «بَشِّرْ هَذِهِ الأُمَّةَ بِالسَّنا والرِّفْعَةِ والدِّينِ والنَّصْرِ والتَّمْكِينِ في الأرْضِ، فَمَن عَمِلَ مِنهم عَمَلَ الآخِرَةِ لِلدُّنْيا، لَمْ يَكُنْ لَهُ في الآخِرَةِ نَصِيبٌ»» .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ عاصِمٍ، أنَّهُ قَرَأ: (لَيَسْتَخْلِفَنَّهم في الأرْضِ كَما اسْتُخْلِفَ) بِرَفْعِ التّاءِ وكَسْرِ اللّامِ، ﴿ولَيُمَكِّنَنَّ﴾ بِالياءِ مُثَقَّلَةً (ولَيُبْدِلَنَّهُمْ) مُخَفَّفَةً.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ عَطِيَّةَ: ﴿وعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكم وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهم في الأرْضِ﴾ قالَ: أهْلُ بَيْتٍ هَهُنا. وأشارَ بِيَدِهِ إلى القِبْلَةِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ: (p-١٠٠)﴿ولَيُمَكِّنَنَّ لَهم دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى لَهُمْ﴾ قالَ: هو الإسْلامُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ قالَ: لا يَخافُونَ أحَدًا غَيْرِي.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مُجاهِدٍ ﴿يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ قالَ: لا يَخافُونَ أحَدًا غَيْرِي، ﴿ومَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الفاسِقُونَ﴾ قالَ: العاصُونَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ أبِي العالِيَةِ: ﴿ومَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ﴾ قالَ: كَفَرَ بِهَذِهِ النِّعْمَةِ، لَيْسَ الكُفْرَ بِاللَّهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنْ أبِي الشَّعْثاءِ قالَ: كُنْتُ جالِسًا مَعَ حُذَيْفَةَ وابْنِ مَسْعُودٍ، فَقالَ حُذَيْفَةُ: ذَهَبَ النِّفاقُ، إنَّما كانَ النِّفاقُ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وإنَّما هو اليَوْمَ الكُفْرُ بَعْدَ الإيمانِ. فَضَحِكَ ابْنُ مَسْعُودٍ، ثُمَّ قالَ: بِمَ تَقُولُ؟ قالَ: بِهَذِهِ الآيَةِ: ﴿وعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكم وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ قَتادَةَ: ﴿لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ في الأرْضِ﴾ قالَ: سابِقِينَ في الأرْضِ.
النور 24:57
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ الآيَةَ.
أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنِ البَراءِ في قَوْلِهِ: ﴿وعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ﴾ الآيَةَ. قالَ: فِينا نَزَلَتْ ونَحْنُ في خَوْفٍ شَدِيدٍ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أبِي العالِيَةِ قالَ: «كانَ النَّبِيُّ ﷺ وأصْحابُهُ بِمَكَّةَ نَحْوًا مِن عَشْرِ سِنِينَ، يَدْعُونَ إلى اللَّهِ وحْدَهُ وعِبادَتِهِ وحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ سِرًّا وهم خائِفُونَ، لا يُؤْمَرُونَ بِالقِتالِ، حَتّى أُمِرُوا بِالهِجْرَةِ إلى المَدِينَةِ فَقَدِمُوا المَدِينَةَ فَأمَرَهُمُ اللَّهُ بِالقِتالِ، وكانُوا بِها خائِفِينَ، يُمْسُونَ في السِّلاحِ ويُصْبِحُونَ في السِّلاحِ، فَغَبَرُوا بِذَلِكَ ما شاءَ اللَّهُ، ثُمَّ إنَّ رَجُلًا مِن أصْحابِهِ قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، أبَدَ الدَّهْرِ نَحْنُ خائِفُونَ هَكَذا! أما يَأْتِي عَلَيْنا يَوْمٌ نَأْمَنُ فِيهِ ونَضَعُ فِيهِ السِّلاحَ؟ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لَنْ تَغْبُرُوا إلّا يَسِيرًا، (p-٩٨)حَتّى يَجْلِسَ الرَّجُلُ مِنكم في المَلَأِ العَظِيمِ مُحْتَبِيًا لَيْسَتْ فِيهِمْ حَدِيدَةٌ» فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكم وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهم في الأرْضِ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ. فَأظْهَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ عَلى جَزِيرَةِ العَرَبِ، فَأمِنُوا ووَضَعُوا السِّلاحَ، ثُمَّ إنَّ اللَّهَ قَبَضَ نَبِيَّهُ، فَكانُوا كَذَلِكَ آمِنِينَ في إمارَةِ أبِي بَكْرٍ وعُمَرَ وعُثْمانَ، حَتّى وقَعُوا فِيما وقَعُوا وكَفَرُوا النِّعْمَةَ، فَأدْخَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الخَوْفَ الَّذِي كانَ رُفِعَ عَنْهُمْ، واتَّخَذُوا الحُجَرَ والشُّرَطَ، وغَيَّرُوا فَغُيِّرَ ما بِهِمْ» .
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، والطَّبَرانِيُّ في ”الأوْسَطِ“، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في ”الدَّلائِلِ“، والضِّياءُ في ”المُخْتارَةِ“، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قالَ: «لَمّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وأصْحابُهُ المَدِينَةَ وآوَتْهُمُ الأنْصارُ رَمَتْهُمُ العَرَبُ عَنْ قَوْسٍ واحِدَةٍ، فَكانُوا لا يَبِيتُونَ إلّا في السِّلاحِ، ولا يُصْبِحُونَ إلّا فِيهِ، فَقالُوا: تُرَوْنَ أنّا نَعِيشُ حَتّى نَبِيتَ آمِنِينَ مُطَمْئِنِينَ لا نَخافُ إلّا اللَّهَ؟ فَنَزَلَتْ: ﴿وعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكم وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ الآيَةَ» .
(p-٩٩)وأخْرَجَ أحْمَدُ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، واللَّفْظُ لَهُ، والبَيْهَقِيُّ في ”الدَّلائِلِ“، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ عَلى النَّبِيِّ ﷺ: ﴿وعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكم وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ قالَ: «بَشِّرْ هَذِهِ الأُمَّةَ بِالسَّنا والرِّفْعَةِ والدِّينِ والنَّصْرِ والتَّمْكِينِ في الأرْضِ، فَمَن عَمِلَ مِنهم عَمَلَ الآخِرَةِ لِلدُّنْيا، لَمْ يَكُنْ لَهُ في الآخِرَةِ نَصِيبٌ»» .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ عاصِمٍ، أنَّهُ قَرَأ: (لَيَسْتَخْلِفَنَّهم في الأرْضِ كَما اسْتُخْلِفَ) بِرَفْعِ التّاءِ وكَسْرِ اللّامِ، ﴿ولَيُمَكِّنَنَّ﴾ بِالياءِ مُثَقَّلَةً (ولَيُبْدِلَنَّهُمْ) مُخَفَّفَةً.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ عَطِيَّةَ: ﴿وعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكم وعَمِلُوا الصّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهم في الأرْضِ﴾ قالَ: أهْلُ بَيْتٍ هَهُنا. وأشارَ بِيَدِهِ إلى القِبْلَةِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ: (p-١٠٠)﴿ولَيُمَكِّنَنَّ لَهم دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى لَهُمْ﴾ قالَ: هو الإسْلامُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ قالَ: لا يَخافُونَ أحَدًا غَيْرِي.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مُجاهِدٍ ﴿يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ قالَ: لا يَخافُونَ أحَدًا غَيْرِي، ﴿ومَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الفاسِقُونَ﴾ قالَ: العاصُونَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ أبِي العالِيَةِ: ﴿ومَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ﴾ قالَ: كَفَرَ بِهَذِهِ النِّعْمَةِ، لَيْسَ الكُفْرَ بِاللَّهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنْ أبِي الشَّعْثاءِ قالَ: كُنْتُ جالِسًا مَعَ حُذَيْفَةَ وابْنِ مَسْعُودٍ، فَقالَ حُذَيْفَةُ: ذَهَبَ النِّفاقُ، إنَّما كانَ النِّفاقُ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وإنَّما هو اليَوْمَ الكُفْرُ بَعْدَ الإيمانِ. فَضَحِكَ ابْنُ مَسْعُودٍ، ثُمَّ قالَ: بِمَ تَقُولُ؟ قالَ: بِهَذِهِ الآيَةِ: ﴿وعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكم وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ قَتادَةَ: ﴿لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ في الأرْضِ﴾ قالَ: سابِقِينَ في الأرْضِ.
النور 24:58
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ﴾ الآيَةَ.
(p-١٠١)أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُقاتِلِ بْنِ حَيّانَ قالَ: بَلَغَنا «أنَّ رَجُلًا مِنَ الأنْصارِ وامْرَأتَهُ أسْماءَ بِنْتَ مُرْشِدَةَ، صَنَعا لِلنَّبِيِّ ﷺ طَعامًا، فَقالَتْ أسْماءُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، ما أقْبَحَ هَذا! إنَّهُ لَيَدْخُلُ عَلى المَرْأةِ وزَوْجِها وهُما في ثَوْبٍ واحِدٍ غُلامُهُما بِغَيْرِ إذْنٍ. فَأنْزَلَ اللَّهُ في ذَلِكَ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ﴾ يَعْنِي العَبِيدَ والإماءَ، ﴿والَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الحُلُمَ مِنكُمْ﴾ قالَ: مِن أحْرارِكم مِنَ الرِّجالِ والنِّساءِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ في هَذِهِ الآيَةَ قالَ: كانَ أُناسٌ مِن أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يُعْجِبُهم أنْ يُواقِعُوا نِساءَهم في هَذِهِ السّاعاتِ لِيَغْتَسِلُوا، ثُمَّ يَخْرُجُوا إلى الصَّلاةِ، فَأمَرَهُمُ اللَّهُ أنْ يَأْمُرُوا المَمْلُوكِينَ والغِلْمانَ ألّا يَدْخُلُوا عَلَيْهِمْ في تِلْكَ السّاعاتِ إلّا بِإذْنٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنْ ثَعْلَبَةَ القُرَظِيِّ، «عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سُوَيْدٍ قالَ: سَألْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنِ العَوْراتِ الثَّلاثِ، فَقالَ: «إذا أنا وضَعْتُ ثِيابِي بَعْدَ الظَّهِيرَةِ لَمْ يَلِجْ عَلَيَّ أحَدٌ مِنَ الخَدَمِ مِنَ الَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الحُلُمَ، ولا أحَدٌ لَمْ يَبْلُغْ مِنَ الأحْرارِ إلّا بِإذْنٍ، وإذا وضَعْتُ ثِيابِي بَعْدَ صَلاةِ العِشاءِ ومِن قَبْلِ (p-١٠٢)صَلاةِ الصُّبْحِ»» .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والبُخارِيُّ في ”الأدَبِ“، عَنْ ثَعْلَبَةَ بْنِ أبِي مالِكٍ القُرَظِيِّ، أنَّهُ رَكِبَ إلى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سُوَيْدٍ، أخِي بَنِي حارِثَةَ بْنِ الحارِثِ، يَسْألُهُ عَنِ العَوْراتِ الثَّلاثِ، وكانَ يَعْمَلُ بِهِنَّ، فَقالَ: ما تُرِيدُ؟ فَقُلْتُ: أُرِيدُ أنْ أعْمَلَ بِهِنَّ. فَقالَ: إذا وضَعْتُ ثِيابِي مِنَ الظَّهِيرَةِ لَمْ يَدْخُلْ عَلَيَّ أحَدٌ مِن أهْلِي بَلَغَ الحُلُمَ إلّا بِإذْنِي، إلّا أنْ أدْعُوَهُ، فَذَلِكَ إذْنُهُ، ولا إذا طَلَعَ الفَجْرُ وتَحَرَّكَ النّاسُ حَتّى تُصَلّى الصَّلاةُ، ولا إذا صَلَّيْتُ العِشاءَ الآخِرَةَ ووَضَعْتُ ثِيابِي حَتّى أنامَ، قالَ: فَتِلْكَ العَوْراتُ الثَّلاثُ.
وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، عَنْ سُوَيْدِ بْنِ النُّعْمانِ، أنَّهُ سُئِلَ عَنِ العَوْراتِ الثَّلاثِ فَقالَ: إذا وضَعْتُ ثِيابِي مِنَ الظَّهِيرَةِ لَمْ يَدْخُلْ عَلَيَّ أحَدٌ مِن أهْلِي إلّا بِإذْنِي، إلّا أنْ أدْعُوَهُ فَذَلِكَ إذْنُهُ، وإذا طَلَعَ الفَجْرُ وتَحَرَّكَ النّاسُ، حَتّى يُصَلّى الصُّبْحُ، وإذا صَلَّيْتُ العِشاءَ وضَعْتُ ثِيابِي، فَتِلْكَ العَوْراتُ الثَّلاثُ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأبُو داوُدَ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في ”سُنَنِهِ“، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: آيَةٌ لَمْ يُؤْمِن بِها أكْثَرُ النّاسِ، آيَةُ الإذْنِ، (p-١٠٣)وإنِّي لَآمُرُ جارِيَتِي، هَذِهِ لِجارِيَةٍ قَصِيرَةٍ قائِمَةٍ عَلى رَأْسِهِ- أنْ تَسْتَأْذِنَ عَلَيَّ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: هَذِهِ الآيَةُ مِمّا تَهاوَنَ النّاسُ بِها: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ﴾ وما نُسِخَتْ قَطُّ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنِ الشَّعْبِيِّ في قَوْلِهِ: ﴿لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ﴾ قالَ: لَيْسَتْ بِمَنسُوخَةٍ، قِيلَ: فَإنَّ النّاسَ لا يَعْمَلُونَ بِها؟ قالَ: اللَّهُ المُسْتَعانُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: يَمْكُثُ الشَّيْطانُ عَلى النّاسِ في السّاعاتِ، ﴿الَّذِينَ مَلَكَتْ أيْمانُكم والَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الحُلُمَ مِنكُمْ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: تَرَكَ النّاسُ ثَلاثَ آياتٍ فَلَمْ يَعْمَلُوا بِهِنَّ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ﴾ الآيَةَ، والآيَةَ الَّتِي في سُورَةِ ”النِّساءِ“: ﴿وإذا حَضَرَ القِسْمَةَ﴾ [النساء: ٨] [النِّساءِ: ٨] . والآيَةَ الَّتِي في ”الحُجُراتِ“: ﴿إنَّ أكْرَمَكم عِنْدَ اللَّهِ أتْقاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣] [الحُجُراتِ: ١٣] .
(p-١٠٤)وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في ”السُّنَنِ“، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ﴾ قالَ: إذا خَلا الرَّجُلُ بِأهْلِهِ بَعْدَ العِشاءِ فَلا يَدْخُلْ عَلَيْهِ خادِمٌ ولا صَبِيٌّ إلّا بِإذْنِهِ حَتّى يُصَلِّيَ الغَداةَ، وإذا خَلا بِأهْلِهِ عِنْدَ الظُّهْرِ، فَمِثْلُ ذَلِكَ، ورَخَّصَ لَهم في الدُّخُولِ فِيما بَيْنَ ذَلِكَ بِغَيْرِ إذْنٍ، وهو قَوْلُهُ: ﴿لَيْسَ عَلَيْكم ولا عَلَيْهِمْ جُناحٌ بَعْدَهُنَّ﴾ فَأمّا مَن بَلَغَ الحُلُمَ فَإنَّهُ لا يَدْخُلُ عَلى الرَّجُلِ وأهْلِهِ إلّا بِإذْنٍ عَلى كُلِّ حالٍ، وهو قَوْلُهُ: ﴿وإذا بَلَغَ الأطْفالُ مِنكُمُ الحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَما اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ .
وأخْرَجَ أبُو داوُدَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في ”السُّنَنِ“، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ رَجُلَيْنِ سَألاهُ عَنِ الِاسْتِئْذانِ في الثَّلاثِ العَوْراتِ الَّتِي أمَرَ اللَّهُ بِها في القُرْآنِ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إنَّ اللَّهَ سِتِّيرٌ يُحِبُّ السِّتْرَ، وكانَ النّاسُ لَيْسَ لَهم سُتُورٌ عَلى أبْوابِهِمْ، ولا حِجالٌ في بُيُوتِهِمْ، فَرُبَّما فاجَأ الرَّجُلَ خادِمُهُ أوْ ولَدُهُ، أوْ يَتِيمُهُ في حِجْرِهِ وهو عَلى أهْلِهِ، فَأمَرَهُمُ اللَّهُ أنْ يَسْتَأْذِنُوا في تِلْكَ العَوْراتِ الَّتِي سَمّى اللَّهُ، ثُمَّ جاءَ اللَّهُ بَعْدُ بِالسُّتُورِ وبَسَطَ عَلَيْهِمْ في الرِّزْقِ، فاتَّخَذُوا السُّتُورَ، واتَّخَذُوا الحِجالَ، فَرَأى النّاسُ أنَّ ذَلِكَ قَدْ كَفاهم مِنَ الِاسْتِئْذانِ الَّذِي أُمِرُوا بِهِ.
(p-١٠٥)وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، والبُخارِيُّ في ”الأدَبِ“، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ في قَوْلِهِ: ﴿لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ﴾ قالَ: هي عَلى الذُّكُورِ دُونَ الإناثِ.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ في قَوْلِهِ: ﴿ثَلاثُ عَوْراتٍ لَكم لَيْسَ عَلَيْكم ولا عَلَيْهِمْ جُناحٌ بَعْدَهُنَّ طَوّافُونَ عَلَيْكُمْ﴾ قالَ: هو لِلْإناثِ دُونَ الذُّكُورِ، أنْ يَدْخُلُوا بِغَيْرِ إذْنٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنْ أبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ بَعْضِ أزْواجِ النَّبِيِّ ﷺ في قَوْلِهِ: ﴿لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ﴾ الآيَةَ. قالَ: نَزَلَتْ في النِّساءِ أنْ يَسْتَأْذِنَّ عَلَيْنا.
وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ في قَوْلِهِ: ﴿لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ﴾ قالَ: النِّساءُ؛ فَإنَّ الرِّجالَ يَسْتَأْذِنُونَ.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ في هَذِهِ الآيَةِ قالَ: هي في النِّساءِ خاصَّةً، الرِّجالُ يَسْتَأْذِنُونَ عَلى كُلِّ حالٍ بِاللَّيْلِ والنَّهارِ.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، عَنْ مُوسى بْنِ أبِي عائِشَةَ قالَ: سَألْتُ الشَّعْبِيَّ عَنْ هَذِهِ (p-١٠٦)الآيَةِ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ﴾ أمَنسُوخَةٌ هِيَ؟ قالَ: لا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الحُلُمَ مِنكُمْ﴾ قالَ: أبْناءَكم.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ في قَوْلِهِ: ﴿طَوّافُونَ﴾ قالَ: يَعْنِي بِالطَّوّافِينَ الدُّخُولَ والخُرُوجَ غُدْوَةً وعَشِيَّةً بِغَيْرِ إذْنٍ. وفي قَوْلِهِ: ﴿وإذا بَلَغَ الأطْفالُ﴾ يَعْنِي الصِّغارَ، ﴿مِنكُمُ الحُلُمَ﴾ يَعْنِي: مِنَ الأحْرارِ مِن ولَدِ الرَّجُلِ وأقارِبِهِ، ﴿فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَما اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ يَعْنِي: كَما اسْتَأْذَنَ الكِبارُ مِن ولَدِ الرَّجُلِ وأقارِبِهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُقاتِلٍ في قَوْلِهِ: ﴿كَما اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ قالَ: كَما اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ بَلَغُوا الحُلُمَ مِن قَبْلِهِمُ، الَّذِينَ أُمِرُوا بِالِاسْتِئْذانِ عَلى كُلِّ حالٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ قالَ: لِيَسْتَأْذِنِ الرَّجُلُ عَلى أُمِّهِ، فَإنَّما نَزَلَتْ: ﴿وإذا بَلَغَ الأطْفالُ مِنكُمُ الحُلُمَ﴾ في ذَلِكَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، والبَيْهَقِيُّ في ”السُّنَنِ“، عَنِ ابْنِ (p-١٠٧)مَسْعُودٍ قالَ: عَلَيْكم إذْنٌ عَلى أُمَّهاتِكم.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، والبُخارِيُّ في ”الأدَبِ“، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، أنَّ رَجُلًا سَألَهُ: أأسْتَأْذِنُ عَلى أُمِّي؟ فَقالَ: نَعَمْ، ما عَلى كُلِّ أحْيانِها تُحِبُّ أنْ تَراها.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، والبُخارِيُّ في ”الأدَبِ“، عَنْ جابِرٍ قالَ: لِيَسْتَأْذِنِ الرَّجُلُ عَلى ولَدِهِ وأُمِّهِ - وإنْ كانَتْ عَجُوزًا - وأخِيهِ وأُخْتِهِ وأبِيهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، والبُخارِيُّ في ”الأدَبِ“، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: يَسْتَأْذِنُ الرَّجُلُ عَلى أبِيهِ وأُمِّهِ، وأخِيهِ وأُخْتِهِ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، والبُخارِيُّ في ”الأدَبِ“، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنْ عَطاءٍ، أنَّهُ سَألَ ابْنَ عَبّاسٍ: أسْتَأْذِنُ عَلى أُخْتِي؟ قالَ: نَعَمْ. قُلْتُ: إنَّها في حِجْرِي، وإنِّي أُنْفِقُ عَلَيْها، وإنَّها مَعِي في البَيْتِ، أسْتَأْذِنُ عَلَيْها؟! قالَ: نَعَمْ، إنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أيْمانُكم والَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الحُلُمَ مِنكُمْ﴾ الآيَةَ. فَلَمْ يُؤْمَرْ هَؤُلاءِ بِالإذْنِ إلّا في هَؤُلاءِ العَوْراتِ الثَّلاثِ. قالَ: ﴿وإذا بَلَغَ الأطْفالُ مِنكُمُ الحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَما اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ (p-١٠٨)فالإذْنُ واجِبٌ عَلى خَلْقِ اللَّهِ أجْمَعِينَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ، «أنَّ رَجُلًا سَألَ النَّبِيَّ ﷺ: أسْتَأْذِنُ عَلى أُمِّي؟ قالَ: «نَعَمْ، أتُحِبُّ أنْ تَراها عُرْيانَةً»؟» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، والبَيْهَقِيُّ في ”السُّنَنِ“، عَنْ عَطاءِ بْنِ يَسارٍ، «أنَّ رَجُلًا قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، أسْتَأْذِنُ عَلى أُمِّي؟ قالَ: «نَعَمْ» . قالَ: إنِّي مَعَها في البَيْتِ! قالَ: «اسْتَأْذِنْ عَلَيْها» . قالَ: إنِّي خادِمُها، أفَأسْتَأْذِنُ عَلَيْها كُلَّما دَخَلْتُ؟ قالَ: «أتُحِبُّ أنْ تَراها عُرْيانَةً»؟ . قالَ: لا. قالَ: «فاسْتَأْذِنْ عَلَيْها»» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، والبُخارِيُّ في ”الأدَبِ“، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ حُذَيْفَةَ، أنَّهُ سُئِلَ: أيَسْتَأْذِنُ الرَّجُلُ عَلى والِدَتِهِ؟ قالَ: نَعَمْ، إنْ لَمْ تَفْعَلْ رَأيْتَ مِنها ما تَكْرَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ في قَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الحُلُمَ مِنكُمْ﴾ قالَ: كانُوا يُعَلِّمُونا إذا جاءَ أحَدُنا أنْ يَقُولَ: السَّلامُ عَلَيْكُمْ، أيَدْخُلُ فُلانٌ؟
(p-١٠٩)وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: ««لا يَغْلِبْنَّكُمُ الأعْرابُ عَلى اسْمِ صَلاتِكُمْ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ومِن بَعْدِ صَلاةِ العِشاءِ﴾ وإنَّما العَتَمَةُ عَتَمَةُ الإبِلِ»» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأحْمَدُ، وأبُو داوُدَ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ ماجَهْ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««لا تَغْلِبَنَّكُمُ الأعْرابُ عَلى اسْمِ صَلاتِكُمُ العِشاءِ، فَإنَّما هي في كِتابِ اللَّهِ العِشاءُ، وإنَّما يُعْتَمُ بِحِلابِ الإبِلِ»» .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ عاصِمٍ، أنَّهُ قَرَأ: (ثَلاثَ عَوْراتٍ) بِالنَّصْبِ.
النور 24:59
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ﴾ الآيَةَ.
(p-١٠١)أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُقاتِلِ بْنِ حَيّانَ قالَ: بَلَغَنا «أنَّ رَجُلًا مِنَ الأنْصارِ وامْرَأتَهُ أسْماءَ بِنْتَ مُرْشِدَةَ، صَنَعا لِلنَّبِيِّ ﷺ طَعامًا، فَقالَتْ أسْماءُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، ما أقْبَحَ هَذا! إنَّهُ لَيَدْخُلُ عَلى المَرْأةِ وزَوْجِها وهُما في ثَوْبٍ واحِدٍ غُلامُهُما بِغَيْرِ إذْنٍ. فَأنْزَلَ اللَّهُ في ذَلِكَ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ﴾ يَعْنِي العَبِيدَ والإماءَ، ﴿والَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الحُلُمَ مِنكُمْ﴾ قالَ: مِن أحْرارِكم مِنَ الرِّجالِ والنِّساءِ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ في هَذِهِ الآيَةَ قالَ: كانَ أُناسٌ مِن أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يُعْجِبُهم أنْ يُواقِعُوا نِساءَهم في هَذِهِ السّاعاتِ لِيَغْتَسِلُوا، ثُمَّ يَخْرُجُوا إلى الصَّلاةِ، فَأمَرَهُمُ اللَّهُ أنْ يَأْمُرُوا المَمْلُوكِينَ والغِلْمانَ ألّا يَدْخُلُوا عَلَيْهِمْ في تِلْكَ السّاعاتِ إلّا بِإذْنٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنْ ثَعْلَبَةَ القُرَظِيِّ، «عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سُوَيْدٍ قالَ: سَألْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنِ العَوْراتِ الثَّلاثِ، فَقالَ: «إذا أنا وضَعْتُ ثِيابِي بَعْدَ الظَّهِيرَةِ لَمْ يَلِجْ عَلَيَّ أحَدٌ مِنَ الخَدَمِ مِنَ الَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الحُلُمَ، ولا أحَدٌ لَمْ يَبْلُغْ مِنَ الأحْرارِ إلّا بِإذْنٍ، وإذا وضَعْتُ ثِيابِي بَعْدَ صَلاةِ العِشاءِ ومِن قَبْلِ (p-١٠٢)صَلاةِ الصُّبْحِ»» .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والبُخارِيُّ في ”الأدَبِ“، عَنْ ثَعْلَبَةَ بْنِ أبِي مالِكٍ القُرَظِيِّ، أنَّهُ رَكِبَ إلى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سُوَيْدٍ، أخِي بَنِي حارِثَةَ بْنِ الحارِثِ، يَسْألُهُ عَنِ العَوْراتِ الثَّلاثِ، وكانَ يَعْمَلُ بِهِنَّ، فَقالَ: ما تُرِيدُ؟ فَقُلْتُ: أُرِيدُ أنْ أعْمَلَ بِهِنَّ. فَقالَ: إذا وضَعْتُ ثِيابِي مِنَ الظَّهِيرَةِ لَمْ يَدْخُلْ عَلَيَّ أحَدٌ مِن أهْلِي بَلَغَ الحُلُمَ إلّا بِإذْنِي، إلّا أنْ أدْعُوَهُ، فَذَلِكَ إذْنُهُ، ولا إذا طَلَعَ الفَجْرُ وتَحَرَّكَ النّاسُ حَتّى تُصَلّى الصَّلاةُ، ولا إذا صَلَّيْتُ العِشاءَ الآخِرَةَ ووَضَعْتُ ثِيابِي حَتّى أنامَ، قالَ: فَتِلْكَ العَوْراتُ الثَّلاثُ.
وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، عَنْ سُوَيْدِ بْنِ النُّعْمانِ، أنَّهُ سُئِلَ عَنِ العَوْراتِ الثَّلاثِ فَقالَ: إذا وضَعْتُ ثِيابِي مِنَ الظَّهِيرَةِ لَمْ يَدْخُلْ عَلَيَّ أحَدٌ مِن أهْلِي إلّا بِإذْنِي، إلّا أنْ أدْعُوَهُ فَذَلِكَ إذْنُهُ، وإذا طَلَعَ الفَجْرُ وتَحَرَّكَ النّاسُ، حَتّى يُصَلّى الصُّبْحُ، وإذا صَلَّيْتُ العِشاءَ وضَعْتُ ثِيابِي، فَتِلْكَ العَوْراتُ الثَّلاثُ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأبُو داوُدَ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في ”سُنَنِهِ“، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: آيَةٌ لَمْ يُؤْمِن بِها أكْثَرُ النّاسِ، آيَةُ الإذْنِ، (p-١٠٣)وإنِّي لَآمُرُ جارِيَتِي، هَذِهِ لِجارِيَةٍ قَصِيرَةٍ قائِمَةٍ عَلى رَأْسِهِ- أنْ تَسْتَأْذِنَ عَلَيَّ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: هَذِهِ الآيَةُ مِمّا تَهاوَنَ النّاسُ بِها: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ﴾ وما نُسِخَتْ قَطُّ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنِ الشَّعْبِيِّ في قَوْلِهِ: ﴿لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ﴾ قالَ: لَيْسَتْ بِمَنسُوخَةٍ، قِيلَ: فَإنَّ النّاسَ لا يَعْمَلُونَ بِها؟ قالَ: اللَّهُ المُسْتَعانُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: يَمْكُثُ الشَّيْطانُ عَلى النّاسِ في السّاعاتِ، ﴿الَّذِينَ مَلَكَتْ أيْمانُكم والَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الحُلُمَ مِنكُمْ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: تَرَكَ النّاسُ ثَلاثَ آياتٍ فَلَمْ يَعْمَلُوا بِهِنَّ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ﴾ الآيَةَ، والآيَةَ الَّتِي في سُورَةِ ”النِّساءِ“: ﴿وإذا حَضَرَ القِسْمَةَ﴾ [النساء: ٨] [النِّساءِ: ٨] . والآيَةَ الَّتِي في ”الحُجُراتِ“: ﴿إنَّ أكْرَمَكم عِنْدَ اللَّهِ أتْقاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣] [الحُجُراتِ: ١٣] .
(p-١٠٤)وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في ”السُّنَنِ“، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ﴾ قالَ: إذا خَلا الرَّجُلُ بِأهْلِهِ بَعْدَ العِشاءِ فَلا يَدْخُلْ عَلَيْهِ خادِمٌ ولا صَبِيٌّ إلّا بِإذْنِهِ حَتّى يُصَلِّيَ الغَداةَ، وإذا خَلا بِأهْلِهِ عِنْدَ الظُّهْرِ، فَمِثْلُ ذَلِكَ، ورَخَّصَ لَهم في الدُّخُولِ فِيما بَيْنَ ذَلِكَ بِغَيْرِ إذْنٍ، وهو قَوْلُهُ: ﴿لَيْسَ عَلَيْكم ولا عَلَيْهِمْ جُناحٌ بَعْدَهُنَّ﴾ فَأمّا مَن بَلَغَ الحُلُمَ فَإنَّهُ لا يَدْخُلُ عَلى الرَّجُلِ وأهْلِهِ إلّا بِإذْنٍ عَلى كُلِّ حالٍ، وهو قَوْلُهُ: ﴿وإذا بَلَغَ الأطْفالُ مِنكُمُ الحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَما اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ .
وأخْرَجَ أبُو داوُدَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في ”السُّنَنِ“، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ رَجُلَيْنِ سَألاهُ عَنِ الِاسْتِئْذانِ في الثَّلاثِ العَوْراتِ الَّتِي أمَرَ اللَّهُ بِها في القُرْآنِ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إنَّ اللَّهَ سِتِّيرٌ يُحِبُّ السِّتْرَ، وكانَ النّاسُ لَيْسَ لَهم سُتُورٌ عَلى أبْوابِهِمْ، ولا حِجالٌ في بُيُوتِهِمْ، فَرُبَّما فاجَأ الرَّجُلَ خادِمُهُ أوْ ولَدُهُ، أوْ يَتِيمُهُ في حِجْرِهِ وهو عَلى أهْلِهِ، فَأمَرَهُمُ اللَّهُ أنْ يَسْتَأْذِنُوا في تِلْكَ العَوْراتِ الَّتِي سَمّى اللَّهُ، ثُمَّ جاءَ اللَّهُ بَعْدُ بِالسُّتُورِ وبَسَطَ عَلَيْهِمْ في الرِّزْقِ، فاتَّخَذُوا السُّتُورَ، واتَّخَذُوا الحِجالَ، فَرَأى النّاسُ أنَّ ذَلِكَ قَدْ كَفاهم مِنَ الِاسْتِئْذانِ الَّذِي أُمِرُوا بِهِ.
(p-١٠٥)وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، والبُخارِيُّ في ”الأدَبِ“، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ في قَوْلِهِ: ﴿لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ﴾ قالَ: هي عَلى الذُّكُورِ دُونَ الإناثِ.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ في قَوْلِهِ: ﴿ثَلاثُ عَوْراتٍ لَكم لَيْسَ عَلَيْكم ولا عَلَيْهِمْ جُناحٌ بَعْدَهُنَّ طَوّافُونَ عَلَيْكُمْ﴾ قالَ: هو لِلْإناثِ دُونَ الذُّكُورِ، أنْ يَدْخُلُوا بِغَيْرِ إذْنٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنْ أبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ بَعْضِ أزْواجِ النَّبِيِّ ﷺ في قَوْلِهِ: ﴿لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ﴾ الآيَةَ. قالَ: نَزَلَتْ في النِّساءِ أنْ يَسْتَأْذِنَّ عَلَيْنا.
وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ في قَوْلِهِ: ﴿لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ﴾ قالَ: النِّساءُ؛ فَإنَّ الرِّجالَ يَسْتَأْذِنُونَ.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ في هَذِهِ الآيَةِ قالَ: هي في النِّساءِ خاصَّةً، الرِّجالُ يَسْتَأْذِنُونَ عَلى كُلِّ حالٍ بِاللَّيْلِ والنَّهارِ.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، عَنْ مُوسى بْنِ أبِي عائِشَةَ قالَ: سَألْتُ الشَّعْبِيَّ عَنْ هَذِهِ (p-١٠٦)الآيَةِ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أيْمانُكُمْ﴾ أمَنسُوخَةٌ هِيَ؟ قالَ: لا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الحُلُمَ مِنكُمْ﴾ قالَ: أبْناءَكم.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ في قَوْلِهِ: ﴿طَوّافُونَ﴾ قالَ: يَعْنِي بِالطَّوّافِينَ الدُّخُولَ والخُرُوجَ غُدْوَةً وعَشِيَّةً بِغَيْرِ إذْنٍ. وفي قَوْلِهِ: ﴿وإذا بَلَغَ الأطْفالُ﴾ يَعْنِي الصِّغارَ، ﴿مِنكُمُ الحُلُمَ﴾ يَعْنِي: مِنَ الأحْرارِ مِن ولَدِ الرَّجُلِ وأقارِبِهِ، ﴿فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَما اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ يَعْنِي: كَما اسْتَأْذَنَ الكِبارُ مِن ولَدِ الرَّجُلِ وأقارِبِهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُقاتِلٍ في قَوْلِهِ: ﴿كَما اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ قالَ: كَما اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ بَلَغُوا الحُلُمَ مِن قَبْلِهِمُ، الَّذِينَ أُمِرُوا بِالِاسْتِئْذانِ عَلى كُلِّ حالٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ قالَ: لِيَسْتَأْذِنِ الرَّجُلُ عَلى أُمِّهِ، فَإنَّما نَزَلَتْ: ﴿وإذا بَلَغَ الأطْفالُ مِنكُمُ الحُلُمَ﴾ في ذَلِكَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، والبَيْهَقِيُّ في ”السُّنَنِ“، عَنِ ابْنِ (p-١٠٧)مَسْعُودٍ قالَ: عَلَيْكم إذْنٌ عَلى أُمَّهاتِكم.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، والبُخارِيُّ في ”الأدَبِ“، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، أنَّ رَجُلًا سَألَهُ: أأسْتَأْذِنُ عَلى أُمِّي؟ فَقالَ: نَعَمْ، ما عَلى كُلِّ أحْيانِها تُحِبُّ أنْ تَراها.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، والبُخارِيُّ في ”الأدَبِ“، عَنْ جابِرٍ قالَ: لِيَسْتَأْذِنِ الرَّجُلُ عَلى ولَدِهِ وأُمِّهِ - وإنْ كانَتْ عَجُوزًا - وأخِيهِ وأُخْتِهِ وأبِيهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، والبُخارِيُّ في ”الأدَبِ“، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: يَسْتَأْذِنُ الرَّجُلُ عَلى أبِيهِ وأُمِّهِ، وأخِيهِ وأُخْتِهِ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، والبُخارِيُّ في ”الأدَبِ“، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنْ عَطاءٍ، أنَّهُ سَألَ ابْنَ عَبّاسٍ: أسْتَأْذِنُ عَلى أُخْتِي؟ قالَ: نَعَمْ. قُلْتُ: إنَّها في حِجْرِي، وإنِّي أُنْفِقُ عَلَيْها، وإنَّها مَعِي في البَيْتِ، أسْتَأْذِنُ عَلَيْها؟! قالَ: نَعَمْ، إنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أيْمانُكم والَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الحُلُمَ مِنكُمْ﴾ الآيَةَ. فَلَمْ يُؤْمَرْ هَؤُلاءِ بِالإذْنِ إلّا في هَؤُلاءِ العَوْراتِ الثَّلاثِ. قالَ: ﴿وإذا بَلَغَ الأطْفالُ مِنكُمُ الحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَما اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ (p-١٠٨)فالإذْنُ واجِبٌ عَلى خَلْقِ اللَّهِ أجْمَعِينَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ، «أنَّ رَجُلًا سَألَ النَّبِيَّ ﷺ: أسْتَأْذِنُ عَلى أُمِّي؟ قالَ: «نَعَمْ، أتُحِبُّ أنْ تَراها عُرْيانَةً»؟» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، والبَيْهَقِيُّ في ”السُّنَنِ“، عَنْ عَطاءِ بْنِ يَسارٍ، «أنَّ رَجُلًا قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، أسْتَأْذِنُ عَلى أُمِّي؟ قالَ: «نَعَمْ» . قالَ: إنِّي مَعَها في البَيْتِ! قالَ: «اسْتَأْذِنْ عَلَيْها» . قالَ: إنِّي خادِمُها، أفَأسْتَأْذِنُ عَلَيْها كُلَّما دَخَلْتُ؟ قالَ: «أتُحِبُّ أنْ تَراها عُرْيانَةً»؟ . قالَ: لا. قالَ: «فاسْتَأْذِنْ عَلَيْها»» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، والبُخارِيُّ في ”الأدَبِ“، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ حُذَيْفَةَ، أنَّهُ سُئِلَ: أيَسْتَأْذِنُ الرَّجُلُ عَلى والِدَتِهِ؟ قالَ: نَعَمْ، إنْ لَمْ تَفْعَلْ رَأيْتَ مِنها ما تَكْرَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ في قَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الحُلُمَ مِنكُمْ﴾ قالَ: كانُوا يُعَلِّمُونا إذا جاءَ أحَدُنا أنْ يَقُولَ: السَّلامُ عَلَيْكُمْ، أيَدْخُلُ فُلانٌ؟
(p-١٠٩)وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: ««لا يَغْلِبْنَّكُمُ الأعْرابُ عَلى اسْمِ صَلاتِكُمْ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ومِن بَعْدِ صَلاةِ العِشاءِ﴾ وإنَّما العَتَمَةُ عَتَمَةُ الإبِلِ»» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأحْمَدُ، وأبُو داوُدَ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ ماجَهْ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««لا تَغْلِبَنَّكُمُ الأعْرابُ عَلى اسْمِ صَلاتِكُمُ العِشاءِ، فَإنَّما هي في كِتابِ اللَّهِ العِشاءُ، وإنَّما يُعْتَمُ بِحِلابِ الإبِلِ»» .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ عاصِمٍ، أنَّهُ قَرَأ: (ثَلاثَ عَوْراتٍ) بِالنَّصْبِ.
النور 24:60
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والقَواعِدُ مِنَ النِّساءِ﴾ الآيَةَ.
أخْرَجَ أبُو داوُدَ، والبَيْهَقِيُّ في ”السُّنَنِ“، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿وقُلْ لِلْمُؤْمِناتِ يَغْضُضْنَ مِن أبْصارِهِنَّ﴾ [النور: ٣١] الآيَةَ. فَنَسَخَ واسْتَثْنى مِن ذَلِكَ: ﴿والقَواعِدُ مِنَ النِّساءِ اللاتِي لا يَرْجُونَ نِكاحًا﴾ الآيَةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في ”السُّنَنِ“، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿والقَواعِدُ مِنَ النِّساءِ﴾ قالَ: هي المَرْأةُ لا جُناحَ عَلَيْها أنْ تَجْلِسَ (p-١١٠)فِي بَيْتِها بِدِرْعٍ وخِمارٍ، وتَضَعَ عَنْها الجِلْبابَ ما لَمْ تَتَبَرَّجْ لِما يَكْرَهُ اللَّهُ، وهو قَوْلُهُ: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُناحٌ أنْ يَضَعْنَ ثِيابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجاتٍ بِزِينَةٍ﴾ .
وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ في ”فَضائِلِهِ“، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ الأنْبارِيِّ في ”المَصاحِفِ“، والبَيْهَقِيُّ في ”السُّنَنِ“، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ: (أنْ يَضَعْنَ مِن ثِيابِهِنَّ) ويَقُولُ: هي الجِلْبابُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، والفِرْيابِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ، والبَيْهَقِيُّ في ”السُّنَنِ“، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُناحٌ أنْ يَضَعْنَ ثِيابَهُنَّ﴾ قالَ: الجِلْبابُ والرِّداءُ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ في الآيَةِ قالَ: تَضَعُ الجِلْبابَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الحَسَنِ: ﴿والقَواعِدُ مِنَ النِّساءِ﴾ يَقُولُ: المَرْأةُ إذا قَعَدَتْ عَنِ النِّكاحِ.
(p-١١١)وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: ﴿والقَواعِدُ مِنَ النِّساءِ﴾ يَعْنِي المَرْأةَ الكَبِيرَةَ الَّتِي لا تَحِيضُ مِنَ الكِبَرِ، ﴿اللاتِي لا يَرْجُونَ نِكاحًا﴾ يَعْنِي: تَزْوِيجًا.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿اللاتِي لا يَرْجُونَ نِكاحًا﴾ قالَ: لا يُرِدْنَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ قالَ: أخْبَرَنِي مُسْلِمٌ مَوْلى امْرَأةِ حُذَيْفَةَ بْنِ اليَمانِ، أنَّهُ خَضَبَ رَأْسَ مَوْلاتِهِ، فَدَخَلْتُ عَلَيْها فَسَألْتُها، فَقالَتْ: نَعَمْ يا بُنَيَّ، إنِّي مِنَ القَواعِدِ اللّاتِي لا يَرْجُونَ نِكاحًا، وقَدْ قالَ اللَّهُ في ذَلِكَ ما سَمِعْتَ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرانَ قالَ: في مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، ومُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: (فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُناحٌ أنْ يَضَعْنَ جَلابِيبَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجاتٍ) .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُما كانا يَقْرَآنِ: (فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُناحٌ أنْ يَضَعْنَ جَلابِيبَهُنَّ) .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عائِشَةَ، أنَّها سُئِلَتْ: عَنِ الخِضابِ والصِّباغِ، والقُرْطَيْنِ والخَلْخالِ وخاتَمِ الذَّهَبِ وثِيابِ الرِّقاقِ، فَقالَتْ: يا مَعْشَرَ النِّساءِ، (p-١١٢)قِصَّتُكُنَّ كُلُّها واحِدَةٌ، أحَلَّ اللَّهُ لَكِنَّ الزِّينَةَ غَيْرَ مُتَبَرِّجاتٍ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وأنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ﴾ قالَ: يَلْبَسْنَ جَلابِيبَهُنَّ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والبَيْهَقِيُّ في ”السُّنَنِ“، عَنْ عاصِمٍ الأحْوَلِ قالَ: دَخَلْتُ عَلى حَفْصَةَ بِنْتِ سِيرِينَ وقَدْ ألْقَتْ عَلَيْها ثِيابَها، فَقُلْتُ: ألَيْسَ يَقُولُ اللَّهُ: ﴿والقَواعِدُ مِنَ النِّساءِ اللاتِي لا يَرْجُونَ نِكاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُناحٌ أنْ يَضَعْنَ ثِيابَهُنَّ﴾ ؟ قالَتْ: اقْرَأْ ما بَعْدَهُ: ﴿وأنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ﴾ وهو إثْباتُ الجِلْبابِ.
النور 24:61
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَيْسَ عَلى الأعْمى حَرَجٌ﴾ الآيَةَ.
أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: لَمّا نَزَلَتْ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أمْوالَكم بَيْنَكم بِالباطِلِ﴾ [النساء: ٢٩] [النِّساءِ: ٢٩] . قالَتِ الأنْصارُ: ما بِالمَدِينَةِ مالُ أعَزَّ مِنَ الطَّعامِ. كانُوا يَتَحَرَّجُونَ أنْ يَأْكُلُوا مَعَ الأعْمى، يَقُولُونَ: إنَّهُ لا يُبْصِرُ مَوْضِعَ الطَّعامِ. وكانُوا يَتَحَرَّجُونَ الأكْلَ مَعَ الأعْرَجِ، يَقُولُونَ: الصَّحِيحُ يَسْبِقُهُ إلى المَكانِ، ولا يَسْتَطِيعُ أنْ يُزاحِمَ. ويَتَحَرَّجُونَ الأكْلَ مَعَ المَرِيضِ، يَقُولُونَ: لا يَسْتَطِيعُ أنْ يَأْكُلَ مِثْلَ الصَّحِيحِ. وكانُوا يَتَحَرَّجُونَ أنْ (p-١١٣)يَأْكُلُوا في بُيُوتِ أقْرِبائِهِمْ، فَنَزَلَتْ: ﴿لَيْسَ عَلى الأعْمى حَرَجٌ﴾ يَعْنِي: في الأكْلِ مَعَ الأعْمى.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مِقْسَمٍ قالَ: كانُوا يَكْرَهُونَ أنْ يَأْكُلُوا مَعَ الأعْمى والأعْرَجِ والمَرِيضِ؛ لِأنَّهم لا يَنالُونَ كَما يَنالُ الصَّحِيحُ، فَنَزَلَتْ: ﴿لَيْسَ عَلى الأعْمى حَرَجٌ﴾ الآيَةَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وآدَمُ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: كانَ الرَّجُلُ يَذْهَبُ بِالأعْمى أوِ الأعْرَجِ والمَرِيضِ إلى بَيْتِ أبِيهِ، أوْ بَيْتِ أخِيهِ، أوْ بَيْتِ أُخْتِهِ، أوْ بَيْتِ عَمِّهِ، أوْ بَيْتِ عَمَّتِهِ، أوْ بَيْتِ خالِهِ، أوْ بَيْتِ خالَتِهِ، فَكانَ الزَّمْنى يَتَحَرَّجُونَ مِن ذَلِكَ، يَقُولُونَ: إنَّما يَذْهَبُونَ بِنا إلى بُيُوتِ غَيْرِهِمْ. فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ رُخْصَةً لَهم.
وأخْرَجَ البَزّارُ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، وابْنُ النَّجّارِ، عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: كانَ المُسْلِمُونَ يَرْغَبُونَ في النَّفِيرِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَيَدْفَعُونَ مَفاتِيحَهم إلى أُمَنائِهِمْ ويَقُولُونَ لَهم: قَدْ أحْلَلْنا لَكم أنْ تَأْكُلُوا مِمّا احْتَجْتُمْ إلَيْهِ فَكانُوا (p-١١٤)يَقُولُونَ: إنَّهُ لا يَحِلُّ لَنا أنْ نَأْكُلَ، إنَّهم أذِنُوا لَنا عَنْ غَيْرِ طِيبِ أنْفُسِهِمْ، وإنَّما نَحْنُ أُمَناءُ. فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿ولا عَلى أنْفُسِكم أنْ تَأْكُلُوا﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿أوْ ما مَلَكْتُمْ مَفاتِحَهُ﴾ .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ ابْنِ شِهابٍ: أخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وابْنُ المُسَيَّبِ، أنَّهُ كانَ رِجالٌ مِن أهْلِ العِلْمِ يُحَدِّثُونَ: إنَّما نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في أنَّ المُسْلِمِينَ كانُوا يَرْغَبُونَ في النَّفِيرِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في سَبِيلِ اللَّهِ، فَيُعْطُونَ مَفاتِيحَهم أُمَناءَهم ويَقُولُونَ لَهم: قَدْ أحْلَلْنا لَكُمُ أنْ تَأْكُلُوا مِمّا في بُيُوتِنا. فَيَقُولُ الَّذِينَ اسْتَوْدَعُوهُمُ المَفاتِيحَ: واللَّهِ ما يَحِلُّ لَنا مِمّا في بُيُوتِهِمْ شَيْءٌ، وإنَّما أحَلُّوهُ لَنا حَتّى يَرْجِعُوا إلَيْنا، وإنَّها الأمانَةُ اؤْتُمِنّا عَلَيْها. فَلَمْ يَزالُوا عَلى ذَلِكَ حَتّى أنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ، فَطابَتْ نُفُوسُهم.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: لَمّا نَزَلَتْ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أمْوالَكم بَيْنَكم بِالباطِلِ﴾ [النساء: ٢٩] [النِّساءِ: ٢٩] . قالَ المُسْلِمُونَ: إنَّ اللَّهَ قَدْ نَهانا أنْ نَأْكُلَ أمْوالَنا بَيْنَنا (p-١١٥)بِالباطِلِ، والطَّعامُ هو أفْضَلُ الأمْوالِ، فَلا يَحِلُّ لِأحَدٍ مِنّا أنْ يَأْكُلَ عِنْدَ أحَدٍ. فَكَفَّ النّاسُ عَنْ ذَلِكَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿لَيْسَ عَلى الأعْمى حَرَجٌ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿أوْ ما مَلَكْتُمْ مَفاتِحَهُ﴾ وهو الرَّجُلُ يُوكِّلُ الرَّجُلَ بِضَيْعَتِهِ، والَّذِي رَخَّصَ اللَّهُ أنْ يَأْكُلَ مِن ذَلِكَ الطَّعامِ والتَّمْرِ، ويَشْرَبَ اللَّبَنَ، وكانُوا أيْضًا يَتَحَرَّجُونَ أنْ يَأْكُلَ الرَّجُلُ الطَّعامَ وحْدَهُ حَتّى يَكُونَ مَعَهُ غَيْرُهُ، فَرَخَّصَ اللَّهُ لَهم فَقالَ: ﴿لَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ أنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أوْ أشْتاتًا﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الضَّحّاكِ قالَ: كانَ أهْلُ المَدِينَةِ -قَبْلَ أنْ يُبْعَثَ النَّبِيُّ ﷺ- لا يُخالِطُهم في طَعامِهِمْ أعْمى ولا مَرِيضٌ ولا أعْرَجُ؛ لِأنَّ الأعْمى لا يُبْصِرُ طَيِّبَ الطَّعامِ، والمَرِيضَ لا يَسْتَوْفِي الطَّعامَ كَما يَسْتَوْفِي الصَّحِيحُ، والأعْرَجَ لا يَسْتَطِيعُ المُزاحَمَةَ عَلى الطَّعامِ، فَنَزَلَتْ رُخْصَةً في مُؤاكَلَتِهِمْ.
وأخْرَجَ الثَّعْلَبِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: خَرَجَ الحارِثُ غازِيًا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وخَلَّفَ عَلى أهْلِهِ خالِدَ بْنَ زَيْدٍ، فَتَحَرَّجَ أنْ يَأْكُلَ مِن طَعامِهِ، (p-١١٦)وكانَ مَجْهُودًا، فَنَزَلَتْ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وأبُو داوُدَ في ”مَراسِيلِهِ“، وابْنُ جَرِيرٍ، والبَيْهَقِيُّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ أنَّهُ سُئِلَ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿لَيْسَ عَلى الأعْمى حَرَجٌ﴾ الآيَةَ. ما بالُ الأعْمى والأعْرَجِ والمَرِيضِ ذُكِرُوا هُنا؟ فَقالَ: أخْبَرَنا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أنَّ المُسْلِمِينَ كانُوا إذا غَزَوْا خَلَّفُوا زَمْناهُمْ، وكانُوا يَدْفَعُونَ إلَيْهِمْ مَفاتِيحَ أبْوابِهِمْ يَقُولُونَ: قَدْ أحْلَلْنا لَكم أنْ تَأْكُلُوا مِمّا في بُيُوتِنا. وكانُوا يَتَحَرَّجُونَ مِن ذَلِكَ، يَقُولُونَ: لا نَدْخُلُها وهم غَيَبٌ. فَأُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ رُخْصَةً لَهم.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ قالَ: كانَ هَذا الحَيُّ مِن بَنِي كِنانَةَ بْنِ خُزَيْمَةَ، يَرى أحَدُهم أنَّ عَلَيْهِ مَخْزاةً أنْ يَأْكُلَ وحْدَهُ في الجاهِلِيَّةِ، حَتّى إنْ كانَ الرَّجُلُ يَسُوقُ الذَّوْدَ الحُفَّلَ وهو جائِعٌ حَتّى يَجِدَ مَن يُؤاكِلُهُ ويُشارِبُهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿لَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ أنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أوْ أشْتاتًا﴾ .
(p-١١٧)وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ عِكْرِمَةَ، وأبِي صالِحٍ قالا: كانَتِ الأنْصارُ إذا نَزَلَ بِهِمُ الضَّيْفُ لا يَأْكُلُونَ مَعَهُ حَتّى يَأْكُلَ الضَّيْفُ مَعَهُمْ، فَنَزَلَتْ رُخْصَةً لَهم.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿أوْ صَدِيقِكُمْ﴾ قالَ: إذا دَخَلْتَ بَيْتَ صَدِيقِكَ مِن غَيْرِ مُؤامَرَتِهِ، ثُمَّ أكَلْتَ مِن طَعامِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ، لَمْ يَكُنْ بِذَلِكَ بَأْسٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ في قَوْلِهِ: ﴿أوْ صَدِيقِكُمْ﴾ قالَ: هَذا شَيْءٌ قَدِ انْقَطَعَ، إنَّما كانَ هَذا في أوَّلِهِ ولَمْ يَكُنْ لَهم أبْوابٌ، وكانَتِ السُّتُورُ مُرْخاةً، فَرُبَّما دَخَلَ الرَّجُلُ البَيْتَ ولَيْسَ فِيهِ أحَدٌ، فَرُبَّما وجَدَ الطَّعامَ وهو جائِعٌ، فَسَوَّغَهُ اللَّهُ أنْ يَأْكُلَهُ. قالَ: وذَهَبَ ذَلِكَ، اليَوْمَ البُيُوتُ فِيها أهْلُها، فَإذا خَرَجُوا أغْلَقُوا، فَقَدْ ذَهَبَ ذَلِكَ.
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإذا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلى أنْفُسِكُمْ﴾ الآيَةَ.
أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في ”شُعَبِ الإيمانِ“، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَإذا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلى أنْفُسِكُمْ﴾ يَقُولُ: إذا دَخَلْتُمْ (p-١١٨)بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلى أهْلِها ﴿تَحِيَّةً مِن عِنْدِ اللَّهِ﴾ وهو السَّلامُ؛ لِأنَّهُ اسْمُ اللَّهِ، وهو تَحِيَّةُ أهْلِ الجَنَّةِ.
وأخْرَجَ البُخارِيُّ في ”الأدَبِ“، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، مِن طَرِيقِ أبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: إذا دَخَلْتَ عَلى أهْلِكَ فَسَلِّمْ عَلَيْهِمْ ﴿تَحِيَّةً مِن عِنْدِ اللَّهِ مُبارَكَةً طَيِّبَةً﴾ قالَ: ما رَأيْتُهُ إلّا أوْجَبَهُ.
وأخْرَجَ الحاكِمُ، وتَعَقَّبَ عَنْ جابِرٍ، أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: ««إذا دَخَلْتُمْ بُيُوتَكم فَسَلِّمُوا عَلى أهْلِها، وإذا طَعِمْتُمْ فاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ، وإذا سَلَّمَ أحَدُكم حِينَ يَدْخُلُ بَيْتَهُ وذَكَرَ اسْمَ اللَّهِ عَلى طَعامِهِ، يَقُولُ الشَّيْطانُ لِأصْحابِهِ: لا مَبِيتَ لَكم ولا عَشاءَ، وإذا لَمْ يُسَلِّمْ أحَدُكم ولَمْ يُسَمِّ، يَقُولُ الشَّيْطانُ لِأصْحابِهِ: أدْرَكْتُمُ المَبِيتَ والعَشاءَ»» .
(p-١١٩)وأخْرَجَ أحْمَدُ، ومُسْلِمٌ، والبُخارِيُّ في ”الأدَبِ“، وأبُو داوُدَ، وابْنُ ماجَهْ، وابْنُ حِبّانَ، عَنْ جابِرٍ، أنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: ««إذا دَخَلَ الرَّجُلُ بَيْتَهُ فَذَكَرَ اللَّهَ عِنْدَ دُخُولِهِ وعِنْدَ طَعامِهِ، قالَ الشَّيْطانُ: لا مَبِيتَ لَكم ولا عَشاءَ، وإذا دَخَلَ فَلَمْ يُذْكَرِ اللَّهَ عِنْدَ دُخُولِهِ، قالَ الشَّيْطانُ: أدْرَكْتُمُ المَبِيتَ، وإنْ لَمْ يَذْكُرِ اللَّهَ عِنْدَ طَعامِهِ قالَ الشَّيْطانُ: أدْرَكْتُمُ المَبِيتَ والعَشاءَ»» .
وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في ”شُعَبِ الإيمانِ“، وضَعَّفَهُ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ إذا دَخَلَ بَيْتَهُ يَقُولُ: «السَّلامُ عَلَيْنا مِن رَبِّنا، التَّحِيّاتُ الطَّيِّباتُ المُبارَكاتُ لِلَّهِ، سَلامٌ عَلَيْكُمْ»» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ عَطاءٍ قالَ: إذا دَخَلْتَ عَلى أهْلِكَ فَقُلْ: السَّلامُ عَلَيْكُمْ، تَحِيَّةً مِن عِنْدِ اللَّهِ مُبارَكَةً طَيِّبَةً، فَإذا لَمْ يَكُنْ فِيهِ أحَدٌ فَقُلْ: السَّلامُ عَلَيْنا مِن رَبِّنا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ ماهانَ في قَوْلِهِ: ﴿فَإذا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلى أنْفُسِكُمْ﴾ قالَ: يَقُولُ: السَّلامُ عَلَيْنا مِن رَبِّنا.
(p-١٢٠)وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، عَنْ أبِي البَخْتَرِيِّ قالَ: جاءَ الأشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ وجَرِيرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ البَجَلِيِّ إلى سَلْمانَ فَقالا: جِئْناكَ مِن عِنْدِ أخِيكَ أبِي الدَّرْداءِ. قالَ: فَأيْنَ هَدِيَّتُهُ الَّتِي أرْسَلَها مَعَكُما؟ قالا: ما أرْسَلَ مَعَنا بِهَدِيَّةٍ. قالَ: اتَّقِيا اللَّهَ وأدِّيا الأمانَةَ، ما جاءَنِي أحَدٌ مِن عِنْدِهِ إلّا جاءَ مَعَهُ بِهَدِيَّةٍ. قالا: واللَّهِ ما بَعَثَ مَعَنا بِشَيْءٍ إلّا أنَّهُ قالَ: أقْرِئُوهُ مِنِّي السَّلامَ. قالَ: فَأيُّ هَدِيَّةٍ كُنْتُ أُرِيدُ مِنكُما غَيْرُ هَذِهِ، وأيُّ هَدِيَّةٍ أفْضَلُ مِنَ السَّلامِ، تَحِيَّةً مِن عِنْدِ اللَّهِ مُبارَكَةً طَيِّبَةً؟
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ عَنْ سَلْمانَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: ««مَن سَرَّهُ ألّا يَجِدَ الشَّيْطانُ عِنْدَهُ طَعامًا، ولا مَقِيلًا، ولا مَبِيتًا، فَلْيُسَلِّمْ إذا دَخَلَ بَيْتَهُ، ولْيُسَمِّ عَلى طَعامِهِ»» .
وأخْرَجَ ابْنُ عَدِيٍّ، عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««إذا قامَ أحَدُكم عَلى حُجْرَتِهِ لِيَدْخُلَ فَلْيُسَمِّ اللَّهَ، فَإنَّهُ يَرْجِعُ قَرِينُهُ مِنَ الشَّيْطانِ الَّذِي مَعَهُ ولا يَدْخُلُ، فَإذا دَخَلْتُمْ فَسَلِّمُوا، فَإنَّهُ يَخْرُجُ ساكِنُهُ مِنهُمْ، وإذا وُضِعَ الطَّعامُ فَسَمُّوا، فَإنَّكم تَدْحَرُونَ الخَبِيثَ إبْلِيسَ عَنْ أرْزاقِكم ولا يَشْرَكُكم فِيها، وإذا ارْتَحَلْتُمْ دابَّةً فَسَمُّوا اللَّهَ حِينَ تَضَعُونَ أوَّلَ حِلْسٍ، فَإنَّ كُلَّ دابَّةٍ مُعْتَقَدَةٌ، (p-١٢١)وإنَّكم إذا سَمَّيْتُمْ حَطَطْتُمُوهُ عَنْ ظَهْرِها، وإنْ نَسِيتُمْ ذَلِكَ شَرِكَكم في مَراكِبِكُمْ، ولا تُبَيِّتُوا مَندِيلَ الغَمَرِ مَعَكم في البَيْتِ، فَإنَّهُ مَتْنُ الشَّيْطانِ ومَضْجَعُهُ، ولا تَتْرُكُوا القُمامَةَ مُمْسِيَةً إذا جُمِعَتْ في جانِبِ الحُجْرَةِ، فَإنَّها مَقْعَدُ الشَّيْطانِ، ولا تَسْكُنُوا بُيُوتًا غَيْرَ مُغْلَقَةٍ، ولا تَفْتَرِشُوا الوَلايا، الَّتِي تُفْضِي إلى ظُهُورِ الدَّوابِّ، ولا تَبِيتُوا عَلى سَطْحٍ لَيْسَ بِمَحْجُورٍ، وإذا سَمِعْتُمْ نُباحَ الكَلْبِ أوْ نَهِيقَ الحِمارِ، فاسْتَعِيذُوا بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ، فَإنَّهُما لا يَرَيانِ الشَّيْطانَ إلّا نَبَحَ الكَلْبُ ونَهَقَ الحِمارُ»» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنْ أبِي الدَّرْداءِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: ««لِلْإسْلامِ ضِياءٌ وعَلاماتٌ كَمَنارِ الطَّرِيقِ، فَرَأْسُها وجِماعُها شَهادَةُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وأنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ رَسُولُهُ، وإقامُ الصَّلاةِ، وإيتاءُ الزَّكاةِ وتَمامُ الوُضُوءِ (p-١٢٢)والحُكْمُ بِكِتابِ اللَّهِ وسُنَّةِ نَبِيِّهِ، وطاعَةُ وُلاةِ الأمْرِ، وتَسْلِيمُكم عَلى أنْفُسِكُمْ، وتَسْلِيمُكم إذا دَخَلْتُمْ بُيُوتَكُمْ، وتَسْلِيمُكم عَلى بَنِي آدَمَ إذا لَقِيتُمُوهُمْ»» .
وأخْرَجَ البَزّارُ، وابْنُ عَدِيٍّ، والبَيْهَقِيُّ في ”شُعَبِ الإيمانِ“، عَنْ أنَسٍ قالَ: «أوْصانِي النَّبِيُّ ﷺ بِخَمْسِ خِصالٍ، قالَ: «أسْبِغِ الوُضُوءَ يُزَدْ في عُمُرِكَ، وسَلِّمْ عَلى مَن لَقِيَكَ مِن أُمَّتِي تَكْثُرْ حَسَناتُكَ، وإذا دَخَلْتَ بَيْتَكَ فَسَلِّمْ عَلى أهْلِ بَيْتِكَ يَكْثُرْ خَيْرُ بَيْتِكَ، وصَلِّ صَلاةَ الضُّحى فَإنَّها صَلاةُ الأوّابِينَ قَبْلَكَ، يا أنَسُ ارْحَمِ الصَّغِيرَ، ووَقِّرِ الكَبِيرَ، تَكُنْ مِن رُفَقائِي يَوْمَ القِيامَةِ»» .
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ في ”شُعَبِ الإيمانِ“، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَإذا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلى أنْفُسِكُمْ﴾ قالَ: هو المَسْجِدُ، إذا دَخَلْتَهُ فَقُلْ: السَّلامُ عَلَيْنا وعَلى عِبادِ اللَّهِ الصّالِحِينَ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ أبِي مالِكٍ قالَ: إذا دَخَلْتَ بَيْتًا فِيهِ ناسٌ مِنَ المُسْلِمِينَ فَسَلِّمْ عَلَيْهِمْ، وإنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ (p-١٢٣)أحَدٌ، أوْ كانَ فِيهِ ناسٌ مِنَ المُشْرِكِينَ، فَقُلْ: السَّلامُ عَلَيْنا وعَلى عِبادِ اللَّهِ الصّالِحِينَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، والبُخارِيُّ في ”الأدَبِ“، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: إذا دَخَلَ البَيْتَ غَيْرَ المَسْكُونِ أوِ المَسْجِدَ فَلْيَقُلْ: السَّلامُ عَلَيْنا وعَلى عِبادِ اللَّهِ الصّالِحِينَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: إذا دَخَلْتَ بَيْتَكَ ولَيْسَ فِيهِ أحَدٌ، أوْ بَيْتَ غَيْرِكَ، فَقُلْ: بِاسْمِ اللَّهِ، والحَمْدُ لِلَّهِ، السَّلامُ عَلَيْنا مِن رَبِّنا، السَّلامُ عَلَيْنا وعَلى عِبادِ اللَّهِ الصّالِحِينَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿فَإذا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلى أنْفُسِكُمْ﴾ قالَ: إذا دَخَلْتَ بَيْتَكَ فَسَلِّمْ عَلى أهْلِكَ، وإذا دَخَلْتَ بَيْتًا لا أحَدَ فِيهِ فَقُلْ: السَّلامُ عَلَيْنا وعَلى عِبادِ اللَّهِ الصّالِحِينَ. فَإنَّهُ كانَ يُؤْمَرُ بِذَلِكَ، وحُدِّثْنا أنَّ المَلائِكَةَ تَرُدُّ عَلَيْهِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ (p-١٢٤)الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿فَسَلِّمُوا عَلى أنْفُسِكُمْ﴾ قالَ: لِيُسَلِّمْ بَعْضُكم عَلى بَعْضٍ، كَقَوْلِهِ: ﴿ولا تَقْتُلُوا أنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٢٩] [النِّساءِ. ٢٩] .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ زَيْدٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَسَلِّمُوا عَلى أنْفُسِكُمْ﴾ قالَ: إذا دَخَلَ المُسْلِمُ عَلى المُسْلِمِ سَلَّمَ عَلَيْهِ، مِثْلَ قَوْلِهِ: ﴿ولا تَقْتُلُوا أنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٢٩] [النِّساءِ: ٢٩] . إنَّما هو: لا تَقْتُلْ أخاكَ المُسْلِمَ. وقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ أنْتُمْ هَؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ٨٥] [البَقَرَةِ: ٨٥] . قالَ: يَقْتُلُ بَعْضُكم بَعْضًا، قُرَيْظَةُ والنَّضِيرُ، وقَوْلُهُ: ﴿خَلَقَ لَكم مِن أنْفُسِكم أزْواجًا﴾ [الروم: ٢١] [الرُّومِ: ٢١] . كَيْفَ يَكُونُ زَوْجُ الإنْسانِ مِن نَفْسِهِ؟ إنَّما هي: جَعَلَ لَكم أزْواجًا مِن بَنِي آدَمَ، ولَمْ يَجْعَلْ مِنَ الإبِلِ والبَقَرِ وكُلِّ شَيْءٍ في القُرْآنِ عَلى هَذا.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَسَلِّمُوا عَلى أنْفُسِكُمْ﴾ قالَ: بَعْضُكم عَلى بَعْضٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: ما أخَذْتُ التَّشَهُّدَ إلّا مِن كِتابِ اللَّهِ، سَمِعْتُ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿فَإذا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلى أنْفُسِكم تَحِيَّةً مِن عِنْدِ اللَّهِ مُبارَكَةً طَيِّبَةً﴾ فالتَّشَهُّدُ في الصَّلاةِ: التَّحِيّاتُ المُبارَكاتُ الطَّيِّباتُ لِلَّهِ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ عَنْ ثابِتِ بْنِ عُبَيْدٍ قالَ: أتَيْتُ ابْنَ عُمَرَ قَبْلَ الغَداةِ (p-١٢٥)وهُوَ جالِسٌ في المَسْجِدِ، فَقالَ لِي: ألا سَلَّمْتَ حِينَ جِئْتَ، فَإنَّها تَحِيَّةٌ مِن عِنْدِ اللَّهِ مُبارَكَةٌ!
النور 24:62
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّما المُؤْمِنُونَ﴾ الآيَةَ.
أخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ، وابْنُ المُنْذِرِ، والبَيْهَقِيُّ في ”الدَّلائِلِ“، عَنْ عُرْوَةَ، ومُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ، قالا: «لَمّا أقْبَلَتْ قُرَيْشٌ عامَ الأحْزابِ نَزَلُوا بِمَجْمَعِ الأسْيالِ مِن رُومَةَ، بِئْرٌ بِالمَدِينَةِ، قائِدُها أبُو سُفْيانَ، وأقْبَلَتْ غَطَفانُ حَتّى نَزَلُوا بِنَقَمَيْنِ إلى جانِبِ أُحُدٍ، وجاءَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ الخَبَرُ، فَضَرَبَ الخَنْدَقَ عَلى المَدِينَةِ، وعَمِلَ فِيهِ، وعَمِلَ المُسْلِمُونَ فِيهِ، وأبْطَأ رِجالٌ مِنَ المُنافِقِينَ، وجَعَلُوا يُوَرُّونَ بِالضَّعِيفِ مِنَ العَمَلِ، فَيَتَسَلَّلُونَ إلى أهْلِيهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ولا إذْنٍ، وجَعَلَ الرَّجُلُ مِنَ المُسْلِمِينَ، إذا نابَتْهُ النّائِبَةُ مِنَ الحاجَةِ الَّتِي لابُدَّ مِنها، يَذْكُرُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ويَسْتَأْذِنُهُ في اللُّحُوقِ لِحاجَتِهِ فَيَأْذَنُ لَهُ، فَإذا قَضى حاجَتَهُ رَجَعَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ في أُولَئِكَ مِنَ المُؤْمِنِينَ: ﴿إنَّما المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ وإذا كانُوا مَعَهُ عَلى أمْرٍ جامِعٍ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [النور»: ٦٤] .
(p-١٢٦)وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، والفِرْيابِيُّ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وإذا كانُوا مَعَهُ عَلى أمْرٍ جامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتّى يَسْتَأْذِنُوهُ﴾ قالَ: ذَلِكَ في الغَزْوِ والجُمُعَةِ، وإذْنُ الإمامِ يَوْمَ الجُمُعَةِ أنْ يُشِيرَ بِيَدِهِ.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ عَنْ مَكْحُولٍ في قَوْلِهِ: ﴿وإذا كانُوا مَعَهُ عَلى أمْرٍ جامِعٍ﴾ قالَ: إذا جَمَعَهم لِأمْرٍ حَزَبَهم مِنَ الحَرْبِ ونَحْوِهِ لَمْ يَذْهَبُوا حَتّى يَسْتَأْذِنُوهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ في الآيَةِ قالَ: هي في الجِهادِ والجُمُعَةِ والعِيدَيْنِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿عَلى أمْرٍ جامِعٍ﴾ قالَ: مِن طاعَةِ اللَّهِ، عامٌّ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ قالَ: كانَ النّاسُ يَسْتَأْذِنُونَ في الجُمُعَةِ ويَقُولُونَ هَكَذا، ويُشِيرُونَ بِثَلاثِ أصابِعَ، فَلَمّا كانَ زِيادٌ (p-١٢٧)كَثُرَ عَلَيْهِ فاغْتَمَّ، فَقالَ: مَن أمْسَكَ عَلى أنْفِهِ فَهو إذْنُهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ مَكْحُولٍ في الآيَةِ قالَ: يُعْمَلُ بِها الآنَ في الجُمُعَةِ والزَّحْفِ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، عَنْ إسْماعِيلَ بْنِ عَيّاشٍ قالَ: رَأيْتُ عَمْرَو بْنَ قَيْسٍ السَّكُونِيَّ يَخْطُبُ النّاسَ يَوْمَ الجُمُعَةِ، فَقامَ إلَيْهِ أبُو المُدِلَّةِ اليَحْصُبِيُّ في شَيْءٍ وجَدَهُ في بَطْنِهِ، فَأشارَ إلَيْهِ عَمْرٌو، أيِ انْصَرِفْ. فَسَألْتُ عَمْرًا أوْ أبا المُدِلَّةِ، فَقالَ: هَكَذا كانَ أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَصْنَعُونَ.
النور 24:63
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكم كَدُعاءِ بَعْضِكم بَعْضًا﴾ .
أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ في ”الدَّلائِلِ“، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكم كَدُعاءِ بَعْضِكم بَعْضًا﴾ قالَ: كانُوا يَقُولُونَ: يا مُحَمَّدُ، يا أبا القاسِمِ، فَنَهاهُمُ اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ إعْظامًا لِنَبِيِّهِ ﷺ، فَقالُوا: يا نَبِيَّ اللَّهِ، يا رَسُولَ اللَّهِ.
(p-١٢٨)وأخْرَجَ أبُو نَعِيمٍ في ”الدَّلائِلِ“، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكم كَدُعاءِ بَعْضِكم بَعْضًا﴾ يَعْنِي كَدُعاءِ أحَدِكم إذا دَعا أخاهُ بِاسْمِهِ، ولَكِنْ وقِّرُوهُ وعَظِّمُوهُ، وقُولُوا لَهُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، ويا نَبِيَّ اللَّهِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الغَنِيِّ بْنُ سَعِيدٍ في ”تَفْسِيرِهِ“، وأبُو نُعَيْمٍ في ”الدَّلائِلِ“، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكم كَدُعاءِ بَعْضِكم بَعْضًا﴾ يُرِيدُ ولا تَصِيحُوا بِهِ مِن بِعِيدٍ: يا أبا القاسِمِ. ولَكِنْ كَما قالَ اللَّهُ في ”الحُجُراتِ“: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أصْواتَهم عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ﴾ [الحجرات: ٣] [الحُجُراتِ: ٣] .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في الآيَةِ قالَ: أمَرَهُمُ اللَّهُ أنْ يَدْعُوهُ: يا رَسُولَ اللَّهِ. في لِينٍ وتَواضُعٍ، ولا يَقُولُوا: يا مُحَمَّدُ. في تَجَهُّمٍ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في الآيَةِ قالَ: أمَرَ اللَّهُ أنْ يُهابَ نَبِيُّهُ، وأنْ يُبَجَّلَ، وأنْ يُعَظَّمَ، وأنْ يُفَخَّمَ، ويُشَرَّفَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ في الآيَةِ قالَ: لا تَقُولُوا يا مُحَمَّدُ. ولَكِنْ (p-١٢٩)قُولُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، والحَسَنِ، مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ﴾ الآيَةَ. يَقُولُ: دَعْوَةُ الرَّسُولِ عَلَيْكم مُوجِبَةٌ، فاحْذَرُوها.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ في الآيَةِ قالَ: لا تَجْعَلُوا دُعاءَ الرَّسُولِ عَلَيْكم كَدُعاءِ بَعْضِكم عَلى بَعْضٍ.
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنكم لِواذًا﴾ الآيَةَ.
أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُقاتِلِ بْنِ حَيّانَ في قَوْلِهِ: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنكم لِواذًا﴾ قالَ: هُمُ المُنافِقُونَ، كانَ يَثْقُلُ عَلَيْهِمُ الحَدِيثُ في يَوْمِ الجُمُعَةِ، ويَعْنِي بِالحَدِيثِ الخُطْبَةَ، فَيَلُوذُونَ بِبَعْضِ الصَّحابَةِ حَتّى يَخْرُجُوا مِنَ المَسْجِدِ، وكانَ لا يَصْلُحُ لِلرَّجُلِ أنْ يَخْرُجَ مِنَ المَسْجِدِ إلّا بِإذْنٍ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ في يَوْمِ الجُمُعَةِ بَعْدَما يَأْخُذُ في الخُطْبَةِ، وكانَ إذا أرادَ أحَدُهُمُ الخُرُوجَ أشارَ بِإصْبَعِهِ إلى النَّبِيِّ ﷺ، فَيَأْذَنُ لَهُ مِن غَيْرِ أنْ يَتَكَلَّمَ الرَّجُلُ؛ لِأنَّ الرَّجُلَ مِنهم كانَ إذا تَكَلَّمَ والنَّبِيُّ ﷺ يَخْطُبُ بَطَلَتْ جُمْعَتُهُ.
وأخْرَجَ أبُو داوُدَ في ”مَراسِيلِهِ“، عَنْ مُقاتِلٍ قالَ: كانَ لا يَخْرُجُ أحَدٌ (p-١٣٠)لِرُعافٍ أوِ إحْداثٍ حَتّى يَسْتَأْذِنَ النَّبِيَّ ﷺ، يُشِيرُ إلَيْهِ بِإصْبَعِهِ الَّتِي تَلِي الإبْهامَ، فَيَأْذَنُ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ، يُشِيرُ إلَيْهِ بِيَدِهِ، وكانَ مِنَ المُنافِقِينَ مَن يَثْقُلُ عَلَيْهِ الخُطْبَةُ والجُلُوسُ في المَسْجِدِ، فَكانَ إذا اسْتَأْذَنَ رَجُلٌ مِنَ المُسْلِمِينَ قامَ المُنافِقُ إلى جَنْبِهِ، يَسْتَتِرُ بِهِ حَتّى يَخْرُجَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنكم لِواذًا﴾ الآيَةَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ قَتادَةَ: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنكم لِواذًا﴾ قالَ: يَتَسَلَّلُونَ عَنْ نَبِيِّ اللَّهِ، وعَنْ كِتابِهِ، وعَنْ ذِكْرِهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿لِواذًا﴾ قالَ: خِلافًا.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ سُفْيانَ: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنكم لِواذًا﴾ قالَ: يَتَسَلَّلُونَ مِنَ الصَّفِّ في القِتالِ، ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أمْرِهِ أنْ تُصِيبَهم فِتْنَةٌ﴾ . قالَ: أنْ يُطْبَعَ عَلى قُلُوبِهِمْ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الحَسَنِ بْنِ صالِحٍ قالَ: إنِّي لَخائِفٌ عَلى مَن تَرَكَ المَسْحَ عَلى الخُفَّيْنِ أنْ يَكُونَ داخِلًا في هَذِهِ الآيَةِ: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أمْرِهِ أنْ تُصِيبَهم فِتْنَةٌ أوْ يُصِيبَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ .
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ في ”المُصَنَّفِ“، عَنْ يَحْيى بْنِ أبِي كَثِيرٍ قالَ: «نَهى (p-١٣١)رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أصْحابَهُ أنْ يُقاتِلُوا مِن ناحِيَةٍ مِن خَيْبَرَ، فانْصَرَفَ الرِّجالُ عَنْهُمْ، وبَقِيَ رَجُلٌ، فَقاتَلَهم فَرَمَوْهُ فَقَتَلُوهُ، فَجِيءَ بِهِ إلى النَّبِيِّ ﷺ يُصَلِّي عَلَيْهِ، فَقالَ: «أبَعْدَ ما نَهَيْنا عَنِ القِتالِ»؟ فَقالُوا: نَعَمْ، فَتَرَكَهُ ولَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِ» .
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: «أشَدُّ حَدِيثٍ سَمِعْناهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ، قَوْلُهُ في سَعْدِ بْنِ مُعاذٍ، وقَوْلُهُ في أمْرِ القَبْرِ، ولَمّا كانَتْ غَزْوَةُ تَبُوكٍ قالَ: «لا يَخْرُجُ مَعَنا إلّا رَجُلٌ مُقْوٍ» . فَخَرَجَ رَجُلٌ عَلى بَكْرٍ لَهُ صَعْبٍ، فَصَرَعَهُ فَماتَ، فَقالَ النّاسُ: الشَّهِيدُ، الشَّهِيدُ، فَأمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِلالًا أنْ يُنادِيَ في النّاسِ: «لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ إلّا نَفْسٌ مُؤْمِنَةٌ، ولا يَدْخُلُ الجَنَّةَ عاصٍ»» .
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ: «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ لِأصْحابِهِ ذاتَ يَوْمٍ وهو مُسْتَقْبَلُ العَدُوِّ: «لا يُقاتِلْ أحَدٌ مِنكُمْ» . فَعَمَدَ رَجُلٌ مِنهم ورَمى العَدُوَّ وقاتَلَهم فَقَتَلُوهُ، فَقِيلَ لِلنَّبِيِّ ﷺ: اسْتُشْهُدَ فُلانٌ. فَقالَ: «أبَعْدَ ما نَهَيْتُ عَنِ القِتالِ»؟ . قالُوا: نَعَمْ. قالَ: «لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ عاصٍ»» .
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنِ الضَّحّاكِ في قَوْلِهِ: ﴿لا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [التوبة: ٤٤] الآيَةَ [التَّوْبَةِ: ٤٤] .
(p-١٣٢)قالَ: كانَ لا يَسْتَأْذِنُهُ إذا غَزا إلّا المُنافِقُونَ، فَكّانِ لا يَحِلُّ لِأحَدٍ أنْ يَسْتَأْذِنَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أوْ يَتَخَلَّفَ بَعْدَهُ إذا غَزا، ولا تَنْطَلِقَ سَرِيَّةٌ إلّا بِإذْنِهِ، ولَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لِلنَّبِيِّ ﷺ أنْ يَأْذَنَ لِأحَدٍ حَتّى نَزَلَتِ الآيَةُ: ﴿إنَّما المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ وإذا كانُوا مَعَهُ عَلى أمْرٍ جامِعٍ﴾ [النور: ٦٢] يَقُولُ: أمْرِ طاعَةٍ، ﴿لَمْ يَذْهَبُوا حَتّى يَسْتَأْذِنُوهُ﴾ [النور: ٦٢] الآيَةَ. فَجَعَلَ الإذْنَ إلَيْهِ يَأْذَنُ لِمَن يَشاءُ، فَكانَ إذا جَمَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ النّاسَ لِأمْرٍ يَأْمُرُهم ويَنْهاهم صَبَرَ المُؤْمِنُونَ في مَجالِسِهِمْ، وأحَبُّوا ما أحْدَثَ لَهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِما يُوحى إلَيْهِ، وبِما أحَبُّوا وكَرِهُوا فَإذا كانَ شَيْءٌ مِمّا يَكْرَهُ المُنافِقُونَ خَرَجُوا يَتَسَلَّلُونَ، يَلُوذُ الرَّجُلُ بِالرَّجُلِ، يَسْتَتِرُ لِكَيْ لا يَراهُ النَّبِيُّ ﷺ، فَقالَ اللَّهُ تَعالى: إنَّ اللَّهَ تَعالى يُبْصِرُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنكم لِواذًا.
النور 24:64
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألا إنَّ لِلَّهِ ما في السَّماواتِ﴾ الآيَةَ.
أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿قَدْ يَعْلَمُ ما أنْتُمْ عَلَيْهِ﴾ الآيَةَ. قالَ: ما كانَ قَوْمٌ قَطُّ عَلى أمْرٍ ولا عَلى حالٍ، إلّا كانُوا بِعَيْنِ اللَّهِ، وإلّا كانَ عَلَيْهِمْ شاهِدٌ مِنَ اللَّهِ.
وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ في ”فَضائِلِهِ“، والطَّبَرانِيُّ، بِسَنَدٍ حَسَنٍ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عامِرٍ قالَ: «رَأيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وهو يَقْرَأُ هَذِهِ الآيَةَ في خاتِمَةِ سُورَةِ ”النُّورِ“، وهو جاعِلٌ إصْبَعَيْهِ تَحْتَ عَيْنَيْهِ يَقُولُ: ﴿بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ﴾ [الملك»: ١٩] .
الفرقان 25:1
(p-١٣٣)سُورَةُ ”الفُرْقانِ“
مَكِّيَّةٌ
أخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ، والنَّحّاسُ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في ”الدَّلائِلِ“، مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ ”الفُرْقانِ“ بِمَكَّةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ قالَ: نَزَلَتْ بِمَكَّةَ سُورَةُ ”الفُرْقانِ“ .
وأخْرَجَ مالِكٌ، والشّافِعِيُّ، والبُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ حِبّانَ، والبَيْهَقِيُّ في ”سُنَنِهِ“، «عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ قالَ: سَمِعْتُ هِشامَ بْنَ حَكِيمٍ يَقْرَأُ سُورَةَ ”الفُرْقانِ“ في حَياةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فاسْتَمَعْتُ لِقِراءَتِهِ، فَإذا هو يَقْرَأُ عَلى حُرُوفٍ كَثِيرَةٍ لَمْ يُقْرِئْنِيها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَكِدْتُ أساوِرُهُ في الصَّلاةِ، فَتَصَبَّرْتُ حَتّى سَلَّمَ، فَلَبَّبَتْهُ بِرِدائِهِ فَقُلْتُ: مَن أقْرَأكَ هَذِهِ السُّورَةَ الَّتِي سَمِعْتُكَ تَقْرَأُ؟ قالَ: أقْرَأنِيها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقُلْتُ: كَذَبْتَ، فَإنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ أقْرَأنِيها عَلى غَيْرِ ما قَرَأْتَ. فانْطَلَقْتُ بِهِ أقُودُهُ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقُلْتُ: إنِّي سَمِعْتُ هَذا يَقْرَأُ سُورَةَ ”الفُرْقانِ“ عَلى حُرُوفٍ لَمْ تُقْرِئْنِيها. فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أرْسِلْهُ، اقْرَأْ يا هِشامُ» . (p-١٣٤)فَقَرَأ عَلَيْهِ القِراءَةَ الَّتِي سَمِعْتُهُ يَقْرَأُ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «كَذَلِكَ أُنْزِلَتْ» . ثُمَّ قالَ: «اقْرَأْ يا عُمَرُ» . فَقَرَأْتُ القِراءَةَ الَّتِي أقْرَأنِي، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «كَذَلِكَ أُنْزِلَتْ، إنَّ هَذا القُرْآنَ أُنْزِلَ عَلى سَبْعَةِ أحْرُفٍ، فاقْرَءُوا ما تَيَسَّرَ مِنهُ»» .
وأخْرَجَ ابْنُ الأنْبارِيِّ في ”المَصاحِفِ“، عَنْ حَمِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَلّى الصُّبْحَ فَقَرَأ سُورَةَ ”الفُرْقانِ“، فَأسْقَطَ آيَةً، فَلِما سَلَّمَ قالَ: «هَلْ في القَوْمِ أُبَيٌّ»؟ . فَقالَ أُبَيٌّ: ها أنا يا رَسُولَ اللَّهِ. فَقالَ: «ألَمْ أُسْقِطْ آيَةً»؟ . قالَ: بَلى. قالَ: «فَلِمَ لَمْ تَفْتَحْها عَلَيَّ»؟ . قالَ: حَسِبْتُها آيَةً نُسِخَتْ قالَ: «لا، ولَكِنِّي أسْقَطْتُها»» .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ﴾ الآياتِ.
أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: ﴿تَبارَكَ﴾ تَفاعَلَ مِنَ البَرَكَةِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ﴾ . قالَ: هو القُرْآنُ، فِيهِ حَلالُ اللَّهِ وحَرامُهُ، وشَرائِعُهُ ودِينُهُ، فَرَقَ اللَّهُ بِهِ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، ﴿لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيرًا﴾ قالَ: بَعَثَ اللَّهُ مُحَمَّدًا ﷺ نَذِيرًا مِنَ اللَّهِ لِيُنْذِرَ النّاسَ بَأْسَ اللَّهِ ووَقائِعَهُ (p-١٣٥)بِمَن خَلا قَبْلَكُمْ، ﴿وخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ قالَ: بَيَّنَ لِكُلِّ شَيْءٍ مِن خَلْقِهِ صَلاحَهُ، وجَعَلَ ذَلِكَ بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ، ﴿واتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً﴾ قالَ: هي هَذِهِ الأوْثانُ الَّتِي تُعْبَدُ مِن دُونِ اللَّهِ، ﴿لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وهم يُخْلَقُونَ﴾ وهو اللَّهُ الخالِقُ الرّازِقُ، وهَذِهِ الأوْثانُ تُخْلَقُ ولا تَخْلُقُ شَيْئًا، ولا تَضُرُّ ولا تَنْفَعُ، ولا تَمْلِكُ مَوْتًا ولا حَياةً، ﴿ولا نُشُورًا﴾ يَعْنِي بَعْثًا، ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إنْ هَذا﴾: هَذا قَوْلُ مُشْرِكِي العَرَبِ، ﴿إلا إفْكٌ﴾ هو الكَذِبُ، ﴿افْتَراهُ وأعانَهُ عَلَيْهِ﴾ أيْ: عَلى حَدِيثِهِ هَذا وأمْرِهِ، ﴿قَوْمٌ آخَرُونَ﴾، ﴿فَقَدْ جاءُوا﴾ فَقَدْ أتَوْا ﴿ظُلْمًا وزُورًا﴾، ﴿وقالُوا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ . قالَ: كَذِبُ الأوَّلِينَ وأحادِيثُهُمْ، ﴿وقالُوا مالِ هَذا الرَّسُولِ﴾ قالَ: عَجِبَ الكُفّارُ مِن ذَلِكَ أنْ يَكُونَ رَسُولٌ يَأْكُلُ الطَّعامَ ويَمْشِي في الأسْواقِ، ﴿لَوْلا أُنْزِلَ إلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا﴾ ﴿أوْ يُلْقى إلَيْهِ كَنْزٌ أوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنها﴾ قالَ اللَّهُ يَرُدُّ عَلَيْهِمْ: ﴿تَبارَكَ الَّذِي إنْ شاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِن ذَلِكَ﴾ يَقُولُ: خَيْرًا مِمّا قالَ الكُفّارُ مِنَ الكَنْزِ والجَنَّةِ، ﴿جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ ويَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا﴾ قالَ: وإنَّهُ واللَّهِ مَن دَخَلَ الجَنَّةَ لَيُصِيبَنَّ قُصُورًا لا تَبْلى ولا تُهْدَمُ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: كُلُّ شَيْءٍ في القُرْآنِ ﴿إفْكٌ﴾ فَهو كَذِبٌ.
(p-١٣٦)وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وأعانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ﴾ قالَ: يَهُودُ، ﴿فَقَدْ جاءُوا ظُلْمًا وزُورًا﴾ قالَ: كَذِبًا.
وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، «أنَّ عُتْبَةَ وشَيْبَةَ ابْنَيْ رَبِيعَةَ، وأبا سُفْيانَ بْنَ حَرْبٍ، والنَّضِرَ بْنَ الحارِثِ، وأبا البَخْتَرِيِّ، والأُسُودَ بْنَ المُطَّلِبِ، وزَمْعَةَ بْنَ الأسْوَدِ، والوَلِيدَ بْنَ المُغِيرَةِ، وأبا جَهِلِ بْنَ هِشامٍ، وعَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُمَيَّةَ، وأُمَيَّةَ بْنَ خَلَفٍ، والعاصِيَ بْنَ وائِلٍ، ونُبَيْهَ بْنَ الحَجّاجِ، ومُنَبِّهَ بْنَ الحَجّاجِ، اجْتَمَعُوا فَقالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: ابْعَثُوا إلى مُحَمَّدٍ فَكَلِّمُوهُ وخاصِمُوهُ حَتّى تُعْذِرُوا مِنهُ. فَبَعَثُوا إلَيْهِ: إنَّ أشْرافَ قَوْمِكَ قَدِ اجْتَمَعُوا لَكَ لِيُكَلِّمُوكَ. قالَ: فَجاءَهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقالُوا لَهُ: يا مُحَمَّدُ، إنّا بَعَثْنا إلَيْكَ لِنُعْذِرَ مِنكَ، فانٍ كُنْتَ إنَّما جِئْتَ بِهَذا الحَدِيثِ تَطْلُبُ بِهِ مالًا جَمَعْنا لَكَ مِن أمْوالِنا، وإنْ كُنْتَ تَطْلُبُ بِهِ الشَّرَفَ فَنَحْنُ نُسَوِّدُكَ، وإنْ كُنْتَ تُرِيدُ بِهِ مُلْكًا مَلَّكْناكَ. فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «ما بِي مِمّا تَقُولُونَ، ما جِئْتُكم بِما جِئْتُكم بِهِ أطْلُبُ أمْوالَكُمْ، ولا الشَّرَفَ فِيكُمْ، ولا المُلْكَ (p-١٣٧)عَلَيْكُمْ، ولَكِنَّ اللَّهَ بَعَثَنِي إلَيْكم رَسُولًا، وأنْزَلَ عَلَيَّ كِتابًا، وأمَرَنِي أنْ أكُونَ لَكم بَشِيرًا ونَذِيرًا، فَبَلَّغْتُكم رِسالَةَ رَبِّي، ونَصَحْتُ لَكُمْ، فَإنْ تَقْبَلُوا مِنِّي ما جِئْتُكم بِهِ، فَهو حَظُّكم في الدُّنْيا والآخِرَةِ، وإنْ تَرُدُّوهُ عَلَيَّ أصْبِرْ لِأمْرِ اللَّهِ حَتّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنِي وبَيْنَكُمْ» . قالُوا: يا مُحَمَّدُ، فَإنْ كُنْتَ غَيْرَ قابِلٍ مِنّا شَيْئًا مِمّا عَرَضْنا عَلَيْكَ – أوْ قالُوا: فَإذا لَمْ تَقْبَلْ هَذا- فَسَلْ لِنَفْسِكَ، وسَلْ رَبَّكَ أنْ يَبْعَثُ مَعَكَ مَلَكًا يُصَدِّقُكَ بِما تَقُولُ ويُراجِعُنا عَنْكَ، وسَلْهُ أنْ يَجْعَلَ لَكَ جِنانًا وقُصُورًا مِن ذَهَبٍ وفِضَّةٍ، تُغْنِيكَ عَمّا نَراكَ تَبْتَغِي، فَإنَّكَ تَقُومُ بِالأسْواقِ، وتَلْتَمِسُ المَعاشَ، كَما نَلْتَمِسُهُ، حَتّى نَعْرِفَ فَضْلَكَ ومَنزِلَتَكَ مِن رَبِّكَ إنْ كُنْتَ رَسُولًا كَما تَزْعُمُ. فَقالَ لَهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «ما أنا بِفاعِلٍ، ما أنا بِالَّذِي يَسْألُ رَبَّهُ هَذا، وما بُعِثْتُ إلَيْكم بِهَذا، ولَكِنَّ اللَّهَ بَعَثَنِي بَشِيرًا ونَذِيرًا» . فَأنْزَلَ اللَّهُ في قَوْلِهِمْ ذَلِكَ: ﴿وقالُوا مالِ هَذا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلْنا بَعْضَكم لِبَعْضٍ فِتْنَةً أتَصْبِرُونَ وكانَ رَبُّكَ بَصِيرًا﴾ [الفرقان: ٢٠] أيْ: جَعَلْتُ بَعْضَكم لِبَعْضِ بَلاءً لِتَصْبِرُوا، ولَوْ شِئْتُ أنْ أجْعَلَ الدُّنْيا مَعَ رَسُولِي فَلا تُخالِفُوهُ لَفَعَلْتُ» .
(p-١٣٨)وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ في قَوْلِهِ: ﴿وقالَ الظّالِمُونَ إنْ تَتَّبِعُونَ﴾ . قالَ: الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ وأصْحابُهُ يَوْمَ دارِ النَّدْوَةِ.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الأمْثالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلا﴾ قالَ: مَخْرَجًا يُخْرِجُهم مِنَ الأمْثالِ الَّتِي ضَرَبُوا لَكَ. وفي قَوْلِهِ: ﴿تَبارَكَ الَّذِي إنْ شاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِن ذَلِكَ جَنّاتٍ تَجْرِي﴾ قالَ: حَوائِطَ، ﴿ويَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا﴾ قالَ: بُيُوتًا مَبْيِنَّةً مُشَيَّدَةً، كانَتْ قُرَيْشٌ تَرى البَيْتَ مِن حِجارَةٍ قَصْرًا، كائِنًا ما كانَ.
وأخْرَجَ الواحِدِيُّ، وابْنُ عَساكِرَ، مِن طَرِيقِ جُوَيْبِرٍ، عَنِ الضَّحّاكِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «لَمّا عَيَّرَ المُشْرِكُونَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِالفاقَةِ قالُوا ﴿مالِ هَذا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ ويَمْشِي في الأسْواقِ﴾ حَزِنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَنَزَلَ جِبْرِيلُ فَقالَ: إنَّ رَبَّكَ يُقْرِئُكَ السَّلامَ ويَقُولُ: ﴿وما أرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنَ المُرْسَلِينَ إلا إنَّهم لَيَأْكُلُونَ الطَّعامَ ويَمْشُونَ في الأسْواقِ﴾ [الفرقان: ٢٠] ثُمَّ أتاهُ رِضْوانُ خازِنُ الجِنانِ ومَعَهُ سَفَطٌ مِن نُورٍ يَتَلَأْلَأُ، فَقالَ: هَذِهِ مَفاتِيحُ خَزائِنِ (p-١٣٩)الدُّنْيا. فَنَظَرَ النَّبِيُّ ﷺ إلى جِبْرِيلَ كالمُسْتَشِيرِ لَهُ، فَضَرَبَ جِبْرِيلُ بِيَدِهِ إلى الأرْضِ، أنْ تَواضَعْ. فَقالَ: يا رِضْوانُ، لا حاجَةَ لِي فِيها. فَنُودِيَ: أنِ ارْفَعْ بَصَرَكَ. فَرَفَعَ فَإذا السَّماواتُ فُتِحَتْ أبْوابُها إلى العَرْشِ، وبَدَتْ جَنَّةُ عَدْنٍ، فَرَأى مَنازِلَ الأنْبِياءِ وعَرَفَهُمْ، وإذا مَنازِلُهُ فَوْقَ مَنازِلِ الأنْبِياءِ، فَقالَ: «رَضِيتُ»» . ويُرَوْنَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ أنْزَلَها رِضْوانُ: ﴿تَبارَكَ الَّذِي إنْ شاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِن ذَلِكَ﴾ .
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ في ”المُصَنَّفِ“، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنْ خَيْثَمَةَ قالَ: «قِيلَ لِلنَّبِيِّ ﷺ: إنْ شِئْتَ أعْطَيْناكَ خَزائِنَ الأرْضِ ومَفاتِيحَها ما لَمْ يُعْطَ نَبِيٌّ قَبْلَكَ، ولا يُعْطاهُ أحَدٌ بَعْدَكَ، ولا يَنْقُصُكَ ذَلِكَ مِمّا لَكَ عِنْدَ اللَّهِ شَيْئًا، وإنْ شِئْتَ جَمَعَتُها لَكَ في الآخِرَةِ. فَقالَ: «اجْمَعُوها لِي في الآخِرَةِ» . فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿تَبارَكَ الَّذِي إنْ شاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِن ذَلِكَ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ ويَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا﴾ [الفرقان»: ١٠] .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «بَيْنَما جِبْرِيلُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إذْ (p-١٤٠)قالَ: هَذا مَلَكٌ يَتَدَلّى مِنَ السَّماءِ، لَمْ يَهْبِطْ إلى الأرْضِ قَطُّ قَبْلَها، اسْتَأْذَنَ رَبَّهُ في زِيارَتِكَ فَأذِنَ لَهُ. فَلَمْ يَلْبَثْ أنْ جاءَ فَقالَ: السَّلامُ عَلَيْكَ، يا رَسُولَ اللَّهِ. قالَ: «وعَلَيْكَ السَّلامُ» . قالَ: إنَّ اللَّهَ يُخَبِّرُكَ إنْ شِئْتَ أنْ يُعْطِيَكَ مِن خَزائِنِ كُلِّ شَيْءٍ ومَفاتِيحِ كُلَّ شَيْءٍ ما لَمْ يُعْطِ أحَدًا قَبْلَكَ، ولا يُعْطِيهِ أحَدًا بَعْدَكَ، ولا يَنْقُصُكَ مِمّا ذَخَرَ لَكَ عِنْدَهُ شَيْئًا. فَقالَ: «لا، بَلْ يَجْمَعُهُما لِي في الآخِرَةِ جَمِيعًا» . فَنَزَلَتْ: ﴿تَبارَكَ الَّذِي إنْ شاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِن ذَلِكَ﴾ [الفرقان»: ١٠] .
الفرقان 25:2
(p-١٣٣)سُورَةُ ”الفُرْقانِ“
مَكِّيَّةٌ
أخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ، والنَّحّاسُ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في ”الدَّلائِلِ“، مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ ”الفُرْقانِ“ بِمَكَّةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ قالَ: نَزَلَتْ بِمَكَّةَ سُورَةُ ”الفُرْقانِ“ .
وأخْرَجَ مالِكٌ، والشّافِعِيُّ، والبُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ حِبّانَ، والبَيْهَقِيُّ في ”سُنَنِهِ“، «عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ قالَ: سَمِعْتُ هِشامَ بْنَ حَكِيمٍ يَقْرَأُ سُورَةَ ”الفُرْقانِ“ في حَياةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فاسْتَمَعْتُ لِقِراءَتِهِ، فَإذا هو يَقْرَأُ عَلى حُرُوفٍ كَثِيرَةٍ لَمْ يُقْرِئْنِيها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَكِدْتُ أساوِرُهُ في الصَّلاةِ، فَتَصَبَّرْتُ حَتّى سَلَّمَ، فَلَبَّبَتْهُ بِرِدائِهِ فَقُلْتُ: مَن أقْرَأكَ هَذِهِ السُّورَةَ الَّتِي سَمِعْتُكَ تَقْرَأُ؟ قالَ: أقْرَأنِيها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقُلْتُ: كَذَبْتَ، فَإنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ أقْرَأنِيها عَلى غَيْرِ ما قَرَأْتَ. فانْطَلَقْتُ بِهِ أقُودُهُ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقُلْتُ: إنِّي سَمِعْتُ هَذا يَقْرَأُ سُورَةَ ”الفُرْقانِ“ عَلى حُرُوفٍ لَمْ تُقْرِئْنِيها. فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أرْسِلْهُ، اقْرَأْ يا هِشامُ» . (p-١٣٤)فَقَرَأ عَلَيْهِ القِراءَةَ الَّتِي سَمِعْتُهُ يَقْرَأُ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «كَذَلِكَ أُنْزِلَتْ» . ثُمَّ قالَ: «اقْرَأْ يا عُمَرُ» . فَقَرَأْتُ القِراءَةَ الَّتِي أقْرَأنِي، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «كَذَلِكَ أُنْزِلَتْ، إنَّ هَذا القُرْآنَ أُنْزِلَ عَلى سَبْعَةِ أحْرُفٍ، فاقْرَءُوا ما تَيَسَّرَ مِنهُ»» .
وأخْرَجَ ابْنُ الأنْبارِيِّ في ”المَصاحِفِ“، عَنْ حَمِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَلّى الصُّبْحَ فَقَرَأ سُورَةَ ”الفُرْقانِ“، فَأسْقَطَ آيَةً، فَلِما سَلَّمَ قالَ: «هَلْ في القَوْمِ أُبَيٌّ»؟ . فَقالَ أُبَيٌّ: ها أنا يا رَسُولَ اللَّهِ. فَقالَ: «ألَمْ أُسْقِطْ آيَةً»؟ . قالَ: بَلى. قالَ: «فَلِمَ لَمْ تَفْتَحْها عَلَيَّ»؟ . قالَ: حَسِبْتُها آيَةً نُسِخَتْ قالَ: «لا، ولَكِنِّي أسْقَطْتُها»» .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ﴾ الآياتِ.
أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: ﴿تَبارَكَ﴾ تَفاعَلَ مِنَ البَرَكَةِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ﴾ . قالَ: هو القُرْآنُ، فِيهِ حَلالُ اللَّهِ وحَرامُهُ، وشَرائِعُهُ ودِينُهُ، فَرَقَ اللَّهُ بِهِ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، ﴿لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيرًا﴾ قالَ: بَعَثَ اللَّهُ مُحَمَّدًا ﷺ نَذِيرًا مِنَ اللَّهِ لِيُنْذِرَ النّاسَ بَأْسَ اللَّهِ ووَقائِعَهُ (p-١٣٥)بِمَن خَلا قَبْلَكُمْ، ﴿وخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ قالَ: بَيَّنَ لِكُلِّ شَيْءٍ مِن خَلْقِهِ صَلاحَهُ، وجَعَلَ ذَلِكَ بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ، ﴿واتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً﴾ قالَ: هي هَذِهِ الأوْثانُ الَّتِي تُعْبَدُ مِن دُونِ اللَّهِ، ﴿لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وهم يُخْلَقُونَ﴾ وهو اللَّهُ الخالِقُ الرّازِقُ، وهَذِهِ الأوْثانُ تُخْلَقُ ولا تَخْلُقُ شَيْئًا، ولا تَضُرُّ ولا تَنْفَعُ، ولا تَمْلِكُ مَوْتًا ولا حَياةً، ﴿ولا نُشُورًا﴾ يَعْنِي بَعْثًا، ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إنْ هَذا﴾: هَذا قَوْلُ مُشْرِكِي العَرَبِ، ﴿إلا إفْكٌ﴾ هو الكَذِبُ، ﴿افْتَراهُ وأعانَهُ عَلَيْهِ﴾ أيْ: عَلى حَدِيثِهِ هَذا وأمْرِهِ، ﴿قَوْمٌ آخَرُونَ﴾، ﴿فَقَدْ جاءُوا﴾ فَقَدْ أتَوْا ﴿ظُلْمًا وزُورًا﴾، ﴿وقالُوا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ . قالَ: كَذِبُ الأوَّلِينَ وأحادِيثُهُمْ، ﴿وقالُوا مالِ هَذا الرَّسُولِ﴾ قالَ: عَجِبَ الكُفّارُ مِن ذَلِكَ أنْ يَكُونَ رَسُولٌ يَأْكُلُ الطَّعامَ ويَمْشِي في الأسْواقِ، ﴿لَوْلا أُنْزِلَ إلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا﴾ ﴿أوْ يُلْقى إلَيْهِ كَنْزٌ أوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنها﴾ قالَ اللَّهُ يَرُدُّ عَلَيْهِمْ: ﴿تَبارَكَ الَّذِي إنْ شاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِن ذَلِكَ﴾ يَقُولُ: خَيْرًا مِمّا قالَ الكُفّارُ مِنَ الكَنْزِ والجَنَّةِ، ﴿جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ ويَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا﴾ قالَ: وإنَّهُ واللَّهِ مَن دَخَلَ الجَنَّةَ لَيُصِيبَنَّ قُصُورًا لا تَبْلى ولا تُهْدَمُ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: كُلُّ شَيْءٍ في القُرْآنِ ﴿إفْكٌ﴾ فَهو كَذِبٌ.
(p-١٣٦)وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وأعانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ﴾ قالَ: يَهُودُ، ﴿فَقَدْ جاءُوا ظُلْمًا وزُورًا﴾ قالَ: كَذِبًا.
وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، «أنَّ عُتْبَةَ وشَيْبَةَ ابْنَيْ رَبِيعَةَ، وأبا سُفْيانَ بْنَ حَرْبٍ، والنَّضِرَ بْنَ الحارِثِ، وأبا البَخْتَرِيِّ، والأُسُودَ بْنَ المُطَّلِبِ، وزَمْعَةَ بْنَ الأسْوَدِ، والوَلِيدَ بْنَ المُغِيرَةِ، وأبا جَهِلِ بْنَ هِشامٍ، وعَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُمَيَّةَ، وأُمَيَّةَ بْنَ خَلَفٍ، والعاصِيَ بْنَ وائِلٍ، ونُبَيْهَ بْنَ الحَجّاجِ، ومُنَبِّهَ بْنَ الحَجّاجِ، اجْتَمَعُوا فَقالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: ابْعَثُوا إلى مُحَمَّدٍ فَكَلِّمُوهُ وخاصِمُوهُ حَتّى تُعْذِرُوا مِنهُ. فَبَعَثُوا إلَيْهِ: إنَّ أشْرافَ قَوْمِكَ قَدِ اجْتَمَعُوا لَكَ لِيُكَلِّمُوكَ. قالَ: فَجاءَهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقالُوا لَهُ: يا مُحَمَّدُ، إنّا بَعَثْنا إلَيْكَ لِنُعْذِرَ مِنكَ، فانٍ كُنْتَ إنَّما جِئْتَ بِهَذا الحَدِيثِ تَطْلُبُ بِهِ مالًا جَمَعْنا لَكَ مِن أمْوالِنا، وإنْ كُنْتَ تَطْلُبُ بِهِ الشَّرَفَ فَنَحْنُ نُسَوِّدُكَ، وإنْ كُنْتَ تُرِيدُ بِهِ مُلْكًا مَلَّكْناكَ. فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «ما بِي مِمّا تَقُولُونَ، ما جِئْتُكم بِما جِئْتُكم بِهِ أطْلُبُ أمْوالَكُمْ، ولا الشَّرَفَ فِيكُمْ، ولا المُلْكَ (p-١٣٧)عَلَيْكُمْ، ولَكِنَّ اللَّهَ بَعَثَنِي إلَيْكم رَسُولًا، وأنْزَلَ عَلَيَّ كِتابًا، وأمَرَنِي أنْ أكُونَ لَكم بَشِيرًا ونَذِيرًا، فَبَلَّغْتُكم رِسالَةَ رَبِّي، ونَصَحْتُ لَكُمْ، فَإنْ تَقْبَلُوا مِنِّي ما جِئْتُكم بِهِ، فَهو حَظُّكم في الدُّنْيا والآخِرَةِ، وإنْ تَرُدُّوهُ عَلَيَّ أصْبِرْ لِأمْرِ اللَّهِ حَتّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنِي وبَيْنَكُمْ» . قالُوا: يا مُحَمَّدُ، فَإنْ كُنْتَ غَيْرَ قابِلٍ مِنّا شَيْئًا مِمّا عَرَضْنا عَلَيْكَ – أوْ قالُوا: فَإذا لَمْ تَقْبَلْ هَذا- فَسَلْ لِنَفْسِكَ، وسَلْ رَبَّكَ أنْ يَبْعَثُ مَعَكَ مَلَكًا يُصَدِّقُكَ بِما تَقُولُ ويُراجِعُنا عَنْكَ، وسَلْهُ أنْ يَجْعَلَ لَكَ جِنانًا وقُصُورًا مِن ذَهَبٍ وفِضَّةٍ، تُغْنِيكَ عَمّا نَراكَ تَبْتَغِي، فَإنَّكَ تَقُومُ بِالأسْواقِ، وتَلْتَمِسُ المَعاشَ، كَما نَلْتَمِسُهُ، حَتّى نَعْرِفَ فَضْلَكَ ومَنزِلَتَكَ مِن رَبِّكَ إنْ كُنْتَ رَسُولًا كَما تَزْعُمُ. فَقالَ لَهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «ما أنا بِفاعِلٍ، ما أنا بِالَّذِي يَسْألُ رَبَّهُ هَذا، وما بُعِثْتُ إلَيْكم بِهَذا، ولَكِنَّ اللَّهَ بَعَثَنِي بَشِيرًا ونَذِيرًا» . فَأنْزَلَ اللَّهُ في قَوْلِهِمْ ذَلِكَ: ﴿وقالُوا مالِ هَذا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلْنا بَعْضَكم لِبَعْضٍ فِتْنَةً أتَصْبِرُونَ وكانَ رَبُّكَ بَصِيرًا﴾ [الفرقان: ٢٠] أيْ: جَعَلْتُ بَعْضَكم لِبَعْضِ بَلاءً لِتَصْبِرُوا، ولَوْ شِئْتُ أنْ أجْعَلَ الدُّنْيا مَعَ رَسُولِي فَلا تُخالِفُوهُ لَفَعَلْتُ» .
(p-١٣٨)وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ في قَوْلِهِ: ﴿وقالَ الظّالِمُونَ إنْ تَتَّبِعُونَ﴾ . قالَ: الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ وأصْحابُهُ يَوْمَ دارِ النَّدْوَةِ.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الأمْثالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلا﴾ قالَ: مَخْرَجًا يُخْرِجُهم مِنَ الأمْثالِ الَّتِي ضَرَبُوا لَكَ. وفي قَوْلِهِ: ﴿تَبارَكَ الَّذِي إنْ شاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِن ذَلِكَ جَنّاتٍ تَجْرِي﴾ قالَ: حَوائِطَ، ﴿ويَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا﴾ قالَ: بُيُوتًا مَبْيِنَّةً مُشَيَّدَةً، كانَتْ قُرَيْشٌ تَرى البَيْتَ مِن حِجارَةٍ قَصْرًا، كائِنًا ما كانَ.
وأخْرَجَ الواحِدِيُّ، وابْنُ عَساكِرَ، مِن طَرِيقِ جُوَيْبِرٍ، عَنِ الضَّحّاكِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «لَمّا عَيَّرَ المُشْرِكُونَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِالفاقَةِ قالُوا ﴿مالِ هَذا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ ويَمْشِي في الأسْواقِ﴾ حَزِنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَنَزَلَ جِبْرِيلُ فَقالَ: إنَّ رَبَّكَ يُقْرِئُكَ السَّلامَ ويَقُولُ: ﴿وما أرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنَ المُرْسَلِينَ إلا إنَّهم لَيَأْكُلُونَ الطَّعامَ ويَمْشُونَ في الأسْواقِ﴾ [الفرقان: ٢٠] ثُمَّ أتاهُ رِضْوانُ خازِنُ الجِنانِ ومَعَهُ سَفَطٌ مِن نُورٍ يَتَلَأْلَأُ، فَقالَ: هَذِهِ مَفاتِيحُ خَزائِنِ (p-١٣٩)الدُّنْيا. فَنَظَرَ النَّبِيُّ ﷺ إلى جِبْرِيلَ كالمُسْتَشِيرِ لَهُ، فَضَرَبَ جِبْرِيلُ بِيَدِهِ إلى الأرْضِ، أنْ تَواضَعْ. فَقالَ: يا رِضْوانُ، لا حاجَةَ لِي فِيها. فَنُودِيَ: أنِ ارْفَعْ بَصَرَكَ. فَرَفَعَ فَإذا السَّماواتُ فُتِحَتْ أبْوابُها إلى العَرْشِ، وبَدَتْ جَنَّةُ عَدْنٍ، فَرَأى مَنازِلَ الأنْبِياءِ وعَرَفَهُمْ، وإذا مَنازِلُهُ فَوْقَ مَنازِلِ الأنْبِياءِ، فَقالَ: «رَضِيتُ»» . ويُرَوْنَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ أنْزَلَها رِضْوانُ: ﴿تَبارَكَ الَّذِي إنْ شاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِن ذَلِكَ﴾ .
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ في ”المُصَنَّفِ“، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنْ خَيْثَمَةَ قالَ: «قِيلَ لِلنَّبِيِّ ﷺ: إنْ شِئْتَ أعْطَيْناكَ خَزائِنَ الأرْضِ ومَفاتِيحَها ما لَمْ يُعْطَ نَبِيٌّ قَبْلَكَ، ولا يُعْطاهُ أحَدٌ بَعْدَكَ، ولا يَنْقُصُكَ ذَلِكَ مِمّا لَكَ عِنْدَ اللَّهِ شَيْئًا، وإنْ شِئْتَ جَمَعَتُها لَكَ في الآخِرَةِ. فَقالَ: «اجْمَعُوها لِي في الآخِرَةِ» . فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿تَبارَكَ الَّذِي إنْ شاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِن ذَلِكَ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ ويَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا﴾ [الفرقان»: ١٠] .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «بَيْنَما جِبْرِيلُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إذْ (p-١٤٠)قالَ: هَذا مَلَكٌ يَتَدَلّى مِنَ السَّماءِ، لَمْ يَهْبِطْ إلى الأرْضِ قَطُّ قَبْلَها، اسْتَأْذَنَ رَبَّهُ في زِيارَتِكَ فَأذِنَ لَهُ. فَلَمْ يَلْبَثْ أنْ جاءَ فَقالَ: السَّلامُ عَلَيْكَ، يا رَسُولَ اللَّهِ. قالَ: «وعَلَيْكَ السَّلامُ» . قالَ: إنَّ اللَّهَ يُخَبِّرُكَ إنْ شِئْتَ أنْ يُعْطِيَكَ مِن خَزائِنِ كُلِّ شَيْءٍ ومَفاتِيحِ كُلَّ شَيْءٍ ما لَمْ يُعْطِ أحَدًا قَبْلَكَ، ولا يُعْطِيهِ أحَدًا بَعْدَكَ، ولا يَنْقُصُكَ مِمّا ذَخَرَ لَكَ عِنْدَهُ شَيْئًا. فَقالَ: «لا، بَلْ يَجْمَعُهُما لِي في الآخِرَةِ جَمِيعًا» . فَنَزَلَتْ: ﴿تَبارَكَ الَّذِي إنْ شاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِن ذَلِكَ﴾ [الفرقان»: ١٠] .
الفرقان 25:3
(p-١٣٣)سُورَةُ ”الفُرْقانِ“
مَكِّيَّةٌ
أخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ، والنَّحّاسُ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في ”الدَّلائِلِ“، مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ ”الفُرْقانِ“ بِمَكَّةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ قالَ: نَزَلَتْ بِمَكَّةَ سُورَةُ ”الفُرْقانِ“ .
وأخْرَجَ مالِكٌ، والشّافِعِيُّ، والبُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ حِبّانَ، والبَيْهَقِيُّ في ”سُنَنِهِ“، «عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ قالَ: سَمِعْتُ هِشامَ بْنَ حَكِيمٍ يَقْرَأُ سُورَةَ ”الفُرْقانِ“ في حَياةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فاسْتَمَعْتُ لِقِراءَتِهِ، فَإذا هو يَقْرَأُ عَلى حُرُوفٍ كَثِيرَةٍ لَمْ يُقْرِئْنِيها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَكِدْتُ أساوِرُهُ في الصَّلاةِ، فَتَصَبَّرْتُ حَتّى سَلَّمَ، فَلَبَّبَتْهُ بِرِدائِهِ فَقُلْتُ: مَن أقْرَأكَ هَذِهِ السُّورَةَ الَّتِي سَمِعْتُكَ تَقْرَأُ؟ قالَ: أقْرَأنِيها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقُلْتُ: كَذَبْتَ، فَإنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ أقْرَأنِيها عَلى غَيْرِ ما قَرَأْتَ. فانْطَلَقْتُ بِهِ أقُودُهُ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقُلْتُ: إنِّي سَمِعْتُ هَذا يَقْرَأُ سُورَةَ ”الفُرْقانِ“ عَلى حُرُوفٍ لَمْ تُقْرِئْنِيها. فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أرْسِلْهُ، اقْرَأْ يا هِشامُ» . (p-١٣٤)فَقَرَأ عَلَيْهِ القِراءَةَ الَّتِي سَمِعْتُهُ يَقْرَأُ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «كَذَلِكَ أُنْزِلَتْ» . ثُمَّ قالَ: «اقْرَأْ يا عُمَرُ» . فَقَرَأْتُ القِراءَةَ الَّتِي أقْرَأنِي، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «كَذَلِكَ أُنْزِلَتْ، إنَّ هَذا القُرْآنَ أُنْزِلَ عَلى سَبْعَةِ أحْرُفٍ، فاقْرَءُوا ما تَيَسَّرَ مِنهُ»» .
وأخْرَجَ ابْنُ الأنْبارِيِّ في ”المَصاحِفِ“، عَنْ حَمِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَلّى الصُّبْحَ فَقَرَأ سُورَةَ ”الفُرْقانِ“، فَأسْقَطَ آيَةً، فَلِما سَلَّمَ قالَ: «هَلْ في القَوْمِ أُبَيٌّ»؟ . فَقالَ أُبَيٌّ: ها أنا يا رَسُولَ اللَّهِ. فَقالَ: «ألَمْ أُسْقِطْ آيَةً»؟ . قالَ: بَلى. قالَ: «فَلِمَ لَمْ تَفْتَحْها عَلَيَّ»؟ . قالَ: حَسِبْتُها آيَةً نُسِخَتْ قالَ: «لا، ولَكِنِّي أسْقَطْتُها»» .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ﴾ الآياتِ.
أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: ﴿تَبارَكَ﴾ تَفاعَلَ مِنَ البَرَكَةِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ﴾ . قالَ: هو القُرْآنُ، فِيهِ حَلالُ اللَّهِ وحَرامُهُ، وشَرائِعُهُ ودِينُهُ، فَرَقَ اللَّهُ بِهِ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، ﴿لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيرًا﴾ قالَ: بَعَثَ اللَّهُ مُحَمَّدًا ﷺ نَذِيرًا مِنَ اللَّهِ لِيُنْذِرَ النّاسَ بَأْسَ اللَّهِ ووَقائِعَهُ (p-١٣٥)بِمَن خَلا قَبْلَكُمْ، ﴿وخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ قالَ: بَيَّنَ لِكُلِّ شَيْءٍ مِن خَلْقِهِ صَلاحَهُ، وجَعَلَ ذَلِكَ بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ، ﴿واتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً﴾ قالَ: هي هَذِهِ الأوْثانُ الَّتِي تُعْبَدُ مِن دُونِ اللَّهِ، ﴿لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وهم يُخْلَقُونَ﴾ وهو اللَّهُ الخالِقُ الرّازِقُ، وهَذِهِ الأوْثانُ تُخْلَقُ ولا تَخْلُقُ شَيْئًا، ولا تَضُرُّ ولا تَنْفَعُ، ولا تَمْلِكُ مَوْتًا ولا حَياةً، ﴿ولا نُشُورًا﴾ يَعْنِي بَعْثًا، ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إنْ هَذا﴾: هَذا قَوْلُ مُشْرِكِي العَرَبِ، ﴿إلا إفْكٌ﴾ هو الكَذِبُ، ﴿افْتَراهُ وأعانَهُ عَلَيْهِ﴾ أيْ: عَلى حَدِيثِهِ هَذا وأمْرِهِ، ﴿قَوْمٌ آخَرُونَ﴾، ﴿فَقَدْ جاءُوا﴾ فَقَدْ أتَوْا ﴿ظُلْمًا وزُورًا﴾، ﴿وقالُوا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ . قالَ: كَذِبُ الأوَّلِينَ وأحادِيثُهُمْ، ﴿وقالُوا مالِ هَذا الرَّسُولِ﴾ قالَ: عَجِبَ الكُفّارُ مِن ذَلِكَ أنْ يَكُونَ رَسُولٌ يَأْكُلُ الطَّعامَ ويَمْشِي في الأسْواقِ، ﴿لَوْلا أُنْزِلَ إلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا﴾ ﴿أوْ يُلْقى إلَيْهِ كَنْزٌ أوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنها﴾ قالَ اللَّهُ يَرُدُّ عَلَيْهِمْ: ﴿تَبارَكَ الَّذِي إنْ شاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِن ذَلِكَ﴾ يَقُولُ: خَيْرًا مِمّا قالَ الكُفّارُ مِنَ الكَنْزِ والجَنَّةِ، ﴿جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ ويَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا﴾ قالَ: وإنَّهُ واللَّهِ مَن دَخَلَ الجَنَّةَ لَيُصِيبَنَّ قُصُورًا لا تَبْلى ولا تُهْدَمُ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: كُلُّ شَيْءٍ في القُرْآنِ ﴿إفْكٌ﴾ فَهو كَذِبٌ.
(p-١٣٦)وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وأعانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ﴾ قالَ: يَهُودُ، ﴿فَقَدْ جاءُوا ظُلْمًا وزُورًا﴾ قالَ: كَذِبًا.
وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، «أنَّ عُتْبَةَ وشَيْبَةَ ابْنَيْ رَبِيعَةَ، وأبا سُفْيانَ بْنَ حَرْبٍ، والنَّضِرَ بْنَ الحارِثِ، وأبا البَخْتَرِيِّ، والأُسُودَ بْنَ المُطَّلِبِ، وزَمْعَةَ بْنَ الأسْوَدِ، والوَلِيدَ بْنَ المُغِيرَةِ، وأبا جَهِلِ بْنَ هِشامٍ، وعَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُمَيَّةَ، وأُمَيَّةَ بْنَ خَلَفٍ، والعاصِيَ بْنَ وائِلٍ، ونُبَيْهَ بْنَ الحَجّاجِ، ومُنَبِّهَ بْنَ الحَجّاجِ، اجْتَمَعُوا فَقالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: ابْعَثُوا إلى مُحَمَّدٍ فَكَلِّمُوهُ وخاصِمُوهُ حَتّى تُعْذِرُوا مِنهُ. فَبَعَثُوا إلَيْهِ: إنَّ أشْرافَ قَوْمِكَ قَدِ اجْتَمَعُوا لَكَ لِيُكَلِّمُوكَ. قالَ: فَجاءَهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقالُوا لَهُ: يا مُحَمَّدُ، إنّا بَعَثْنا إلَيْكَ لِنُعْذِرَ مِنكَ، فانٍ كُنْتَ إنَّما جِئْتَ بِهَذا الحَدِيثِ تَطْلُبُ بِهِ مالًا جَمَعْنا لَكَ مِن أمْوالِنا، وإنْ كُنْتَ تَطْلُبُ بِهِ الشَّرَفَ فَنَحْنُ نُسَوِّدُكَ، وإنْ كُنْتَ تُرِيدُ بِهِ مُلْكًا مَلَّكْناكَ. فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «ما بِي مِمّا تَقُولُونَ، ما جِئْتُكم بِما جِئْتُكم بِهِ أطْلُبُ أمْوالَكُمْ، ولا الشَّرَفَ فِيكُمْ، ولا المُلْكَ (p-١٣٧)عَلَيْكُمْ، ولَكِنَّ اللَّهَ بَعَثَنِي إلَيْكم رَسُولًا، وأنْزَلَ عَلَيَّ كِتابًا، وأمَرَنِي أنْ أكُونَ لَكم بَشِيرًا ونَذِيرًا، فَبَلَّغْتُكم رِسالَةَ رَبِّي، ونَصَحْتُ لَكُمْ، فَإنْ تَقْبَلُوا مِنِّي ما جِئْتُكم بِهِ، فَهو حَظُّكم في الدُّنْيا والآخِرَةِ، وإنْ تَرُدُّوهُ عَلَيَّ أصْبِرْ لِأمْرِ اللَّهِ حَتّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنِي وبَيْنَكُمْ» . قالُوا: يا مُحَمَّدُ، فَإنْ كُنْتَ غَيْرَ قابِلٍ مِنّا شَيْئًا مِمّا عَرَضْنا عَلَيْكَ – أوْ قالُوا: فَإذا لَمْ تَقْبَلْ هَذا- فَسَلْ لِنَفْسِكَ، وسَلْ رَبَّكَ أنْ يَبْعَثُ مَعَكَ مَلَكًا يُصَدِّقُكَ بِما تَقُولُ ويُراجِعُنا عَنْكَ، وسَلْهُ أنْ يَجْعَلَ لَكَ جِنانًا وقُصُورًا مِن ذَهَبٍ وفِضَّةٍ، تُغْنِيكَ عَمّا نَراكَ تَبْتَغِي، فَإنَّكَ تَقُومُ بِالأسْواقِ، وتَلْتَمِسُ المَعاشَ، كَما نَلْتَمِسُهُ، حَتّى نَعْرِفَ فَضْلَكَ ومَنزِلَتَكَ مِن رَبِّكَ إنْ كُنْتَ رَسُولًا كَما تَزْعُمُ. فَقالَ لَهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «ما أنا بِفاعِلٍ، ما أنا بِالَّذِي يَسْألُ رَبَّهُ هَذا، وما بُعِثْتُ إلَيْكم بِهَذا، ولَكِنَّ اللَّهَ بَعَثَنِي بَشِيرًا ونَذِيرًا» . فَأنْزَلَ اللَّهُ في قَوْلِهِمْ ذَلِكَ: ﴿وقالُوا مالِ هَذا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلْنا بَعْضَكم لِبَعْضٍ فِتْنَةً أتَصْبِرُونَ وكانَ رَبُّكَ بَصِيرًا﴾ [الفرقان: ٢٠] أيْ: جَعَلْتُ بَعْضَكم لِبَعْضِ بَلاءً لِتَصْبِرُوا، ولَوْ شِئْتُ أنْ أجْعَلَ الدُّنْيا مَعَ رَسُولِي فَلا تُخالِفُوهُ لَفَعَلْتُ» .
(p-١٣٨)وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ في قَوْلِهِ: ﴿وقالَ الظّالِمُونَ إنْ تَتَّبِعُونَ﴾ . قالَ: الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ وأصْحابُهُ يَوْمَ دارِ النَّدْوَةِ.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الأمْثالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلا﴾ قالَ: مَخْرَجًا يُخْرِجُهم مِنَ الأمْثالِ الَّتِي ضَرَبُوا لَكَ. وفي قَوْلِهِ: ﴿تَبارَكَ الَّذِي إنْ شاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِن ذَلِكَ جَنّاتٍ تَجْرِي﴾ قالَ: حَوائِطَ، ﴿ويَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا﴾ قالَ: بُيُوتًا مَبْيِنَّةً مُشَيَّدَةً، كانَتْ قُرَيْشٌ تَرى البَيْتَ مِن حِجارَةٍ قَصْرًا، كائِنًا ما كانَ.
وأخْرَجَ الواحِدِيُّ، وابْنُ عَساكِرَ، مِن طَرِيقِ جُوَيْبِرٍ، عَنِ الضَّحّاكِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «لَمّا عَيَّرَ المُشْرِكُونَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِالفاقَةِ قالُوا ﴿مالِ هَذا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ ويَمْشِي في الأسْواقِ﴾ حَزِنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَنَزَلَ جِبْرِيلُ فَقالَ: إنَّ رَبَّكَ يُقْرِئُكَ السَّلامَ ويَقُولُ: ﴿وما أرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنَ المُرْسَلِينَ إلا إنَّهم لَيَأْكُلُونَ الطَّعامَ ويَمْشُونَ في الأسْواقِ﴾ [الفرقان: ٢٠] ثُمَّ أتاهُ رِضْوانُ خازِنُ الجِنانِ ومَعَهُ سَفَطٌ مِن نُورٍ يَتَلَأْلَأُ، فَقالَ: هَذِهِ مَفاتِيحُ خَزائِنِ (p-١٣٩)الدُّنْيا. فَنَظَرَ النَّبِيُّ ﷺ إلى جِبْرِيلَ كالمُسْتَشِيرِ لَهُ، فَضَرَبَ جِبْرِيلُ بِيَدِهِ إلى الأرْضِ، أنْ تَواضَعْ. فَقالَ: يا رِضْوانُ، لا حاجَةَ لِي فِيها. فَنُودِيَ: أنِ ارْفَعْ بَصَرَكَ. فَرَفَعَ فَإذا السَّماواتُ فُتِحَتْ أبْوابُها إلى العَرْشِ، وبَدَتْ جَنَّةُ عَدْنٍ، فَرَأى مَنازِلَ الأنْبِياءِ وعَرَفَهُمْ، وإذا مَنازِلُهُ فَوْقَ مَنازِلِ الأنْبِياءِ، فَقالَ: «رَضِيتُ»» . ويُرَوْنَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ أنْزَلَها رِضْوانُ: ﴿تَبارَكَ الَّذِي إنْ شاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِن ذَلِكَ﴾ .
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ في ”المُصَنَّفِ“، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنْ خَيْثَمَةَ قالَ: «قِيلَ لِلنَّبِيِّ ﷺ: إنْ شِئْتَ أعْطَيْناكَ خَزائِنَ الأرْضِ ومَفاتِيحَها ما لَمْ يُعْطَ نَبِيٌّ قَبْلَكَ، ولا يُعْطاهُ أحَدٌ بَعْدَكَ، ولا يَنْقُصُكَ ذَلِكَ مِمّا لَكَ عِنْدَ اللَّهِ شَيْئًا، وإنْ شِئْتَ جَمَعَتُها لَكَ في الآخِرَةِ. فَقالَ: «اجْمَعُوها لِي في الآخِرَةِ» . فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿تَبارَكَ الَّذِي إنْ شاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِن ذَلِكَ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ ويَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا﴾ [الفرقان»: ١٠] .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «بَيْنَما جِبْرِيلُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إذْ (p-١٤٠)قالَ: هَذا مَلَكٌ يَتَدَلّى مِنَ السَّماءِ، لَمْ يَهْبِطْ إلى الأرْضِ قَطُّ قَبْلَها، اسْتَأْذَنَ رَبَّهُ في زِيارَتِكَ فَأذِنَ لَهُ. فَلَمْ يَلْبَثْ أنْ جاءَ فَقالَ: السَّلامُ عَلَيْكَ، يا رَسُولَ اللَّهِ. قالَ: «وعَلَيْكَ السَّلامُ» . قالَ: إنَّ اللَّهَ يُخَبِّرُكَ إنْ شِئْتَ أنْ يُعْطِيَكَ مِن خَزائِنِ كُلِّ شَيْءٍ ومَفاتِيحِ كُلَّ شَيْءٍ ما لَمْ يُعْطِ أحَدًا قَبْلَكَ، ولا يُعْطِيهِ أحَدًا بَعْدَكَ، ولا يَنْقُصُكَ مِمّا ذَخَرَ لَكَ عِنْدَهُ شَيْئًا. فَقالَ: «لا، بَلْ يَجْمَعُهُما لِي في الآخِرَةِ جَمِيعًا» . فَنَزَلَتْ: ﴿تَبارَكَ الَّذِي إنْ شاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِن ذَلِكَ﴾ [الفرقان»: ١٠] .
الفرقان 25:4
(p-١٣٣)سُورَةُ ”الفُرْقانِ“
مَكِّيَّةٌ
أخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ، والنَّحّاسُ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في ”الدَّلائِلِ“، مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ ”الفُرْقانِ“ بِمَكَّةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ قالَ: نَزَلَتْ بِمَكَّةَ سُورَةُ ”الفُرْقانِ“ .
وأخْرَجَ مالِكٌ، والشّافِعِيُّ، والبُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ حِبّانَ، والبَيْهَقِيُّ في ”سُنَنِهِ“، «عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ قالَ: سَمِعْتُ هِشامَ بْنَ حَكِيمٍ يَقْرَأُ سُورَةَ ”الفُرْقانِ“ في حَياةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فاسْتَمَعْتُ لِقِراءَتِهِ، فَإذا هو يَقْرَأُ عَلى حُرُوفٍ كَثِيرَةٍ لَمْ يُقْرِئْنِيها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَكِدْتُ أساوِرُهُ في الصَّلاةِ، فَتَصَبَّرْتُ حَتّى سَلَّمَ، فَلَبَّبَتْهُ بِرِدائِهِ فَقُلْتُ: مَن أقْرَأكَ هَذِهِ السُّورَةَ الَّتِي سَمِعْتُكَ تَقْرَأُ؟ قالَ: أقْرَأنِيها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقُلْتُ: كَذَبْتَ، فَإنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ أقْرَأنِيها عَلى غَيْرِ ما قَرَأْتَ. فانْطَلَقْتُ بِهِ أقُودُهُ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقُلْتُ: إنِّي سَمِعْتُ هَذا يَقْرَأُ سُورَةَ ”الفُرْقانِ“ عَلى حُرُوفٍ لَمْ تُقْرِئْنِيها. فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أرْسِلْهُ، اقْرَأْ يا هِشامُ» . (p-١٣٤)فَقَرَأ عَلَيْهِ القِراءَةَ الَّتِي سَمِعْتُهُ يَقْرَأُ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «كَذَلِكَ أُنْزِلَتْ» . ثُمَّ قالَ: «اقْرَأْ يا عُمَرُ» . فَقَرَأْتُ القِراءَةَ الَّتِي أقْرَأنِي، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «كَذَلِكَ أُنْزِلَتْ، إنَّ هَذا القُرْآنَ أُنْزِلَ عَلى سَبْعَةِ أحْرُفٍ، فاقْرَءُوا ما تَيَسَّرَ مِنهُ»» .
وأخْرَجَ ابْنُ الأنْبارِيِّ في ”المَصاحِفِ“، عَنْ حَمِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَلّى الصُّبْحَ فَقَرَأ سُورَةَ ”الفُرْقانِ“، فَأسْقَطَ آيَةً، فَلِما سَلَّمَ قالَ: «هَلْ في القَوْمِ أُبَيٌّ»؟ . فَقالَ أُبَيٌّ: ها أنا يا رَسُولَ اللَّهِ. فَقالَ: «ألَمْ أُسْقِطْ آيَةً»؟ . قالَ: بَلى. قالَ: «فَلِمَ لَمْ تَفْتَحْها عَلَيَّ»؟ . قالَ: حَسِبْتُها آيَةً نُسِخَتْ قالَ: «لا، ولَكِنِّي أسْقَطْتُها»» .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ﴾ الآياتِ.
أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: ﴿تَبارَكَ﴾ تَفاعَلَ مِنَ البَرَكَةِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ﴾ . قالَ: هو القُرْآنُ، فِيهِ حَلالُ اللَّهِ وحَرامُهُ، وشَرائِعُهُ ودِينُهُ، فَرَقَ اللَّهُ بِهِ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، ﴿لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيرًا﴾ قالَ: بَعَثَ اللَّهُ مُحَمَّدًا ﷺ نَذِيرًا مِنَ اللَّهِ لِيُنْذِرَ النّاسَ بَأْسَ اللَّهِ ووَقائِعَهُ (p-١٣٥)بِمَن خَلا قَبْلَكُمْ، ﴿وخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ قالَ: بَيَّنَ لِكُلِّ شَيْءٍ مِن خَلْقِهِ صَلاحَهُ، وجَعَلَ ذَلِكَ بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ، ﴿واتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً﴾ قالَ: هي هَذِهِ الأوْثانُ الَّتِي تُعْبَدُ مِن دُونِ اللَّهِ، ﴿لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وهم يُخْلَقُونَ﴾ وهو اللَّهُ الخالِقُ الرّازِقُ، وهَذِهِ الأوْثانُ تُخْلَقُ ولا تَخْلُقُ شَيْئًا، ولا تَضُرُّ ولا تَنْفَعُ، ولا تَمْلِكُ مَوْتًا ولا حَياةً، ﴿ولا نُشُورًا﴾ يَعْنِي بَعْثًا، ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إنْ هَذا﴾: هَذا قَوْلُ مُشْرِكِي العَرَبِ، ﴿إلا إفْكٌ﴾ هو الكَذِبُ، ﴿افْتَراهُ وأعانَهُ عَلَيْهِ﴾ أيْ: عَلى حَدِيثِهِ هَذا وأمْرِهِ، ﴿قَوْمٌ آخَرُونَ﴾، ﴿فَقَدْ جاءُوا﴾ فَقَدْ أتَوْا ﴿ظُلْمًا وزُورًا﴾، ﴿وقالُوا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ . قالَ: كَذِبُ الأوَّلِينَ وأحادِيثُهُمْ، ﴿وقالُوا مالِ هَذا الرَّسُولِ﴾ قالَ: عَجِبَ الكُفّارُ مِن ذَلِكَ أنْ يَكُونَ رَسُولٌ يَأْكُلُ الطَّعامَ ويَمْشِي في الأسْواقِ، ﴿لَوْلا أُنْزِلَ إلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا﴾ ﴿أوْ يُلْقى إلَيْهِ كَنْزٌ أوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنها﴾ قالَ اللَّهُ يَرُدُّ عَلَيْهِمْ: ﴿تَبارَكَ الَّذِي إنْ شاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِن ذَلِكَ﴾ يَقُولُ: خَيْرًا مِمّا قالَ الكُفّارُ مِنَ الكَنْزِ والجَنَّةِ، ﴿جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ ويَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا﴾ قالَ: وإنَّهُ واللَّهِ مَن دَخَلَ الجَنَّةَ لَيُصِيبَنَّ قُصُورًا لا تَبْلى ولا تُهْدَمُ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: كُلُّ شَيْءٍ في القُرْآنِ ﴿إفْكٌ﴾ فَهو كَذِبٌ.
(p-١٣٦)وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وأعانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ﴾ قالَ: يَهُودُ، ﴿فَقَدْ جاءُوا ظُلْمًا وزُورًا﴾ قالَ: كَذِبًا.
وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، «أنَّ عُتْبَةَ وشَيْبَةَ ابْنَيْ رَبِيعَةَ، وأبا سُفْيانَ بْنَ حَرْبٍ، والنَّضِرَ بْنَ الحارِثِ، وأبا البَخْتَرِيِّ، والأُسُودَ بْنَ المُطَّلِبِ، وزَمْعَةَ بْنَ الأسْوَدِ، والوَلِيدَ بْنَ المُغِيرَةِ، وأبا جَهِلِ بْنَ هِشامٍ، وعَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُمَيَّةَ، وأُمَيَّةَ بْنَ خَلَفٍ، والعاصِيَ بْنَ وائِلٍ، ونُبَيْهَ بْنَ الحَجّاجِ، ومُنَبِّهَ بْنَ الحَجّاجِ، اجْتَمَعُوا فَقالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: ابْعَثُوا إلى مُحَمَّدٍ فَكَلِّمُوهُ وخاصِمُوهُ حَتّى تُعْذِرُوا مِنهُ. فَبَعَثُوا إلَيْهِ: إنَّ أشْرافَ قَوْمِكَ قَدِ اجْتَمَعُوا لَكَ لِيُكَلِّمُوكَ. قالَ: فَجاءَهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقالُوا لَهُ: يا مُحَمَّدُ، إنّا بَعَثْنا إلَيْكَ لِنُعْذِرَ مِنكَ، فانٍ كُنْتَ إنَّما جِئْتَ بِهَذا الحَدِيثِ تَطْلُبُ بِهِ مالًا جَمَعْنا لَكَ مِن أمْوالِنا، وإنْ كُنْتَ تَطْلُبُ بِهِ الشَّرَفَ فَنَحْنُ نُسَوِّدُكَ، وإنْ كُنْتَ تُرِيدُ بِهِ مُلْكًا مَلَّكْناكَ. فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «ما بِي مِمّا تَقُولُونَ، ما جِئْتُكم بِما جِئْتُكم بِهِ أطْلُبُ أمْوالَكُمْ، ولا الشَّرَفَ فِيكُمْ، ولا المُلْكَ (p-١٣٧)عَلَيْكُمْ، ولَكِنَّ اللَّهَ بَعَثَنِي إلَيْكم رَسُولًا، وأنْزَلَ عَلَيَّ كِتابًا، وأمَرَنِي أنْ أكُونَ لَكم بَشِيرًا ونَذِيرًا، فَبَلَّغْتُكم رِسالَةَ رَبِّي، ونَصَحْتُ لَكُمْ، فَإنْ تَقْبَلُوا مِنِّي ما جِئْتُكم بِهِ، فَهو حَظُّكم في الدُّنْيا والآخِرَةِ، وإنْ تَرُدُّوهُ عَلَيَّ أصْبِرْ لِأمْرِ اللَّهِ حَتّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنِي وبَيْنَكُمْ» . قالُوا: يا مُحَمَّدُ، فَإنْ كُنْتَ غَيْرَ قابِلٍ مِنّا شَيْئًا مِمّا عَرَضْنا عَلَيْكَ – أوْ قالُوا: فَإذا لَمْ تَقْبَلْ هَذا- فَسَلْ لِنَفْسِكَ، وسَلْ رَبَّكَ أنْ يَبْعَثُ مَعَكَ مَلَكًا يُصَدِّقُكَ بِما تَقُولُ ويُراجِعُنا عَنْكَ، وسَلْهُ أنْ يَجْعَلَ لَكَ جِنانًا وقُصُورًا مِن ذَهَبٍ وفِضَّةٍ، تُغْنِيكَ عَمّا نَراكَ تَبْتَغِي، فَإنَّكَ تَقُومُ بِالأسْواقِ، وتَلْتَمِسُ المَعاشَ، كَما نَلْتَمِسُهُ، حَتّى نَعْرِفَ فَضْلَكَ ومَنزِلَتَكَ مِن رَبِّكَ إنْ كُنْتَ رَسُولًا كَما تَزْعُمُ. فَقالَ لَهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «ما أنا بِفاعِلٍ، ما أنا بِالَّذِي يَسْألُ رَبَّهُ هَذا، وما بُعِثْتُ إلَيْكم بِهَذا، ولَكِنَّ اللَّهَ بَعَثَنِي بَشِيرًا ونَذِيرًا» . فَأنْزَلَ اللَّهُ في قَوْلِهِمْ ذَلِكَ: ﴿وقالُوا مالِ هَذا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلْنا بَعْضَكم لِبَعْضٍ فِتْنَةً أتَصْبِرُونَ وكانَ رَبُّكَ بَصِيرًا﴾ [الفرقان: ٢٠] أيْ: جَعَلْتُ بَعْضَكم لِبَعْضِ بَلاءً لِتَصْبِرُوا، ولَوْ شِئْتُ أنْ أجْعَلَ الدُّنْيا مَعَ رَسُولِي فَلا تُخالِفُوهُ لَفَعَلْتُ» .
(p-١٣٨)وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ في قَوْلِهِ: ﴿وقالَ الظّالِمُونَ إنْ تَتَّبِعُونَ﴾ . قالَ: الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ وأصْحابُهُ يَوْمَ دارِ النَّدْوَةِ.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الأمْثالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلا﴾ قالَ: مَخْرَجًا يُخْرِجُهم مِنَ الأمْثالِ الَّتِي ضَرَبُوا لَكَ. وفي قَوْلِهِ: ﴿تَبارَكَ الَّذِي إنْ شاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِن ذَلِكَ جَنّاتٍ تَجْرِي﴾ قالَ: حَوائِطَ، ﴿ويَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا﴾ قالَ: بُيُوتًا مَبْيِنَّةً مُشَيَّدَةً، كانَتْ قُرَيْشٌ تَرى البَيْتَ مِن حِجارَةٍ قَصْرًا، كائِنًا ما كانَ.
وأخْرَجَ الواحِدِيُّ، وابْنُ عَساكِرَ، مِن طَرِيقِ جُوَيْبِرٍ، عَنِ الضَّحّاكِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «لَمّا عَيَّرَ المُشْرِكُونَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِالفاقَةِ قالُوا ﴿مالِ هَذا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ ويَمْشِي في الأسْواقِ﴾ حَزِنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَنَزَلَ جِبْرِيلُ فَقالَ: إنَّ رَبَّكَ يُقْرِئُكَ السَّلامَ ويَقُولُ: ﴿وما أرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنَ المُرْسَلِينَ إلا إنَّهم لَيَأْكُلُونَ الطَّعامَ ويَمْشُونَ في الأسْواقِ﴾ [الفرقان: ٢٠] ثُمَّ أتاهُ رِضْوانُ خازِنُ الجِنانِ ومَعَهُ سَفَطٌ مِن نُورٍ يَتَلَأْلَأُ، فَقالَ: هَذِهِ مَفاتِيحُ خَزائِنِ (p-١٣٩)الدُّنْيا. فَنَظَرَ النَّبِيُّ ﷺ إلى جِبْرِيلَ كالمُسْتَشِيرِ لَهُ، فَضَرَبَ جِبْرِيلُ بِيَدِهِ إلى الأرْضِ، أنْ تَواضَعْ. فَقالَ: يا رِضْوانُ، لا حاجَةَ لِي فِيها. فَنُودِيَ: أنِ ارْفَعْ بَصَرَكَ. فَرَفَعَ فَإذا السَّماواتُ فُتِحَتْ أبْوابُها إلى العَرْشِ، وبَدَتْ جَنَّةُ عَدْنٍ، فَرَأى مَنازِلَ الأنْبِياءِ وعَرَفَهُمْ، وإذا مَنازِلُهُ فَوْقَ مَنازِلِ الأنْبِياءِ، فَقالَ: «رَضِيتُ»» . ويُرَوْنَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ أنْزَلَها رِضْوانُ: ﴿تَبارَكَ الَّذِي إنْ شاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِن ذَلِكَ﴾ .
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ في ”المُصَنَّفِ“، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنْ خَيْثَمَةَ قالَ: «قِيلَ لِلنَّبِيِّ ﷺ: إنْ شِئْتَ أعْطَيْناكَ خَزائِنَ الأرْضِ ومَفاتِيحَها ما لَمْ يُعْطَ نَبِيٌّ قَبْلَكَ، ولا يُعْطاهُ أحَدٌ بَعْدَكَ، ولا يَنْقُصُكَ ذَلِكَ مِمّا لَكَ عِنْدَ اللَّهِ شَيْئًا، وإنْ شِئْتَ جَمَعَتُها لَكَ في الآخِرَةِ. فَقالَ: «اجْمَعُوها لِي في الآخِرَةِ» . فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿تَبارَكَ الَّذِي إنْ شاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِن ذَلِكَ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ ويَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا﴾ [الفرقان»: ١٠] .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «بَيْنَما جِبْرِيلُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إذْ (p-١٤٠)قالَ: هَذا مَلَكٌ يَتَدَلّى مِنَ السَّماءِ، لَمْ يَهْبِطْ إلى الأرْضِ قَطُّ قَبْلَها، اسْتَأْذَنَ رَبَّهُ في زِيارَتِكَ فَأذِنَ لَهُ. فَلَمْ يَلْبَثْ أنْ جاءَ فَقالَ: السَّلامُ عَلَيْكَ، يا رَسُولَ اللَّهِ. قالَ: «وعَلَيْكَ السَّلامُ» . قالَ: إنَّ اللَّهَ يُخَبِّرُكَ إنْ شِئْتَ أنْ يُعْطِيَكَ مِن خَزائِنِ كُلِّ شَيْءٍ ومَفاتِيحِ كُلَّ شَيْءٍ ما لَمْ يُعْطِ أحَدًا قَبْلَكَ، ولا يُعْطِيهِ أحَدًا بَعْدَكَ، ولا يَنْقُصُكَ مِمّا ذَخَرَ لَكَ عِنْدَهُ شَيْئًا. فَقالَ: «لا، بَلْ يَجْمَعُهُما لِي في الآخِرَةِ جَمِيعًا» . فَنَزَلَتْ: ﴿تَبارَكَ الَّذِي إنْ شاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِن ذَلِكَ﴾ [الفرقان»: ١٠] .
الفرقان 25:5
(p-١٣٣)سُورَةُ ”الفُرْقانِ“
مَكِّيَّةٌ
أخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ، والنَّحّاسُ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في ”الدَّلائِلِ“، مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ ”الفُرْقانِ“ بِمَكَّةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ قالَ: نَزَلَتْ بِمَكَّةَ سُورَةُ ”الفُرْقانِ“ .
وأخْرَجَ مالِكٌ، والشّافِعِيُّ، والبُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ حِبّانَ، والبَيْهَقِيُّ في ”سُنَنِهِ“، «عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ قالَ: سَمِعْتُ هِشامَ بْنَ حَكِيمٍ يَقْرَأُ سُورَةَ ”الفُرْقانِ“ في حَياةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فاسْتَمَعْتُ لِقِراءَتِهِ، فَإذا هو يَقْرَأُ عَلى حُرُوفٍ كَثِيرَةٍ لَمْ يُقْرِئْنِيها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَكِدْتُ أساوِرُهُ في الصَّلاةِ، فَتَصَبَّرْتُ حَتّى سَلَّمَ، فَلَبَّبَتْهُ بِرِدائِهِ فَقُلْتُ: مَن أقْرَأكَ هَذِهِ السُّورَةَ الَّتِي سَمِعْتُكَ تَقْرَأُ؟ قالَ: أقْرَأنِيها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقُلْتُ: كَذَبْتَ، فَإنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ أقْرَأنِيها عَلى غَيْرِ ما قَرَأْتَ. فانْطَلَقْتُ بِهِ أقُودُهُ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقُلْتُ: إنِّي سَمِعْتُ هَذا يَقْرَأُ سُورَةَ ”الفُرْقانِ“ عَلى حُرُوفٍ لَمْ تُقْرِئْنِيها. فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أرْسِلْهُ، اقْرَأْ يا هِشامُ» . (p-١٣٤)فَقَرَأ عَلَيْهِ القِراءَةَ الَّتِي سَمِعْتُهُ يَقْرَأُ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «كَذَلِكَ أُنْزِلَتْ» . ثُمَّ قالَ: «اقْرَأْ يا عُمَرُ» . فَقَرَأْتُ القِراءَةَ الَّتِي أقْرَأنِي، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «كَذَلِكَ أُنْزِلَتْ، إنَّ هَذا القُرْآنَ أُنْزِلَ عَلى سَبْعَةِ أحْرُفٍ، فاقْرَءُوا ما تَيَسَّرَ مِنهُ»» .
وأخْرَجَ ابْنُ الأنْبارِيِّ في ”المَصاحِفِ“، عَنْ حَمِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَلّى الصُّبْحَ فَقَرَأ سُورَةَ ”الفُرْقانِ“، فَأسْقَطَ آيَةً، فَلِما سَلَّمَ قالَ: «هَلْ في القَوْمِ أُبَيٌّ»؟ . فَقالَ أُبَيٌّ: ها أنا يا رَسُولَ اللَّهِ. فَقالَ: «ألَمْ أُسْقِطْ آيَةً»؟ . قالَ: بَلى. قالَ: «فَلِمَ لَمْ تَفْتَحْها عَلَيَّ»؟ . قالَ: حَسِبْتُها آيَةً نُسِخَتْ قالَ: «لا، ولَكِنِّي أسْقَطْتُها»» .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ﴾ الآياتِ.
أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: ﴿تَبارَكَ﴾ تَفاعَلَ مِنَ البَرَكَةِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ﴾ . قالَ: هو القُرْآنُ، فِيهِ حَلالُ اللَّهِ وحَرامُهُ، وشَرائِعُهُ ودِينُهُ، فَرَقَ اللَّهُ بِهِ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، ﴿لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيرًا﴾ قالَ: بَعَثَ اللَّهُ مُحَمَّدًا ﷺ نَذِيرًا مِنَ اللَّهِ لِيُنْذِرَ النّاسَ بَأْسَ اللَّهِ ووَقائِعَهُ (p-١٣٥)بِمَن خَلا قَبْلَكُمْ، ﴿وخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ قالَ: بَيَّنَ لِكُلِّ شَيْءٍ مِن خَلْقِهِ صَلاحَهُ، وجَعَلَ ذَلِكَ بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ، ﴿واتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً﴾ قالَ: هي هَذِهِ الأوْثانُ الَّتِي تُعْبَدُ مِن دُونِ اللَّهِ، ﴿لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وهم يُخْلَقُونَ﴾ وهو اللَّهُ الخالِقُ الرّازِقُ، وهَذِهِ الأوْثانُ تُخْلَقُ ولا تَخْلُقُ شَيْئًا، ولا تَضُرُّ ولا تَنْفَعُ، ولا تَمْلِكُ مَوْتًا ولا حَياةً، ﴿ولا نُشُورًا﴾ يَعْنِي بَعْثًا، ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إنْ هَذا﴾: هَذا قَوْلُ مُشْرِكِي العَرَبِ، ﴿إلا إفْكٌ﴾ هو الكَذِبُ، ﴿افْتَراهُ وأعانَهُ عَلَيْهِ﴾ أيْ: عَلى حَدِيثِهِ هَذا وأمْرِهِ، ﴿قَوْمٌ آخَرُونَ﴾، ﴿فَقَدْ جاءُوا﴾ فَقَدْ أتَوْا ﴿ظُلْمًا وزُورًا﴾، ﴿وقالُوا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ . قالَ: كَذِبُ الأوَّلِينَ وأحادِيثُهُمْ، ﴿وقالُوا مالِ هَذا الرَّسُولِ﴾ قالَ: عَجِبَ الكُفّارُ مِن ذَلِكَ أنْ يَكُونَ رَسُولٌ يَأْكُلُ الطَّعامَ ويَمْشِي في الأسْواقِ، ﴿لَوْلا أُنْزِلَ إلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا﴾ ﴿أوْ يُلْقى إلَيْهِ كَنْزٌ أوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنها﴾ قالَ اللَّهُ يَرُدُّ عَلَيْهِمْ: ﴿تَبارَكَ الَّذِي إنْ شاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِن ذَلِكَ﴾ يَقُولُ: خَيْرًا مِمّا قالَ الكُفّارُ مِنَ الكَنْزِ والجَنَّةِ، ﴿جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ ويَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا﴾ قالَ: وإنَّهُ واللَّهِ مَن دَخَلَ الجَنَّةَ لَيُصِيبَنَّ قُصُورًا لا تَبْلى ولا تُهْدَمُ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: كُلُّ شَيْءٍ في القُرْآنِ ﴿إفْكٌ﴾ فَهو كَذِبٌ.
(p-١٣٦)وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وأعانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ﴾ قالَ: يَهُودُ، ﴿فَقَدْ جاءُوا ظُلْمًا وزُورًا﴾ قالَ: كَذِبًا.
وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، «أنَّ عُتْبَةَ وشَيْبَةَ ابْنَيْ رَبِيعَةَ، وأبا سُفْيانَ بْنَ حَرْبٍ، والنَّضِرَ بْنَ الحارِثِ، وأبا البَخْتَرِيِّ، والأُسُودَ بْنَ المُطَّلِبِ، وزَمْعَةَ بْنَ الأسْوَدِ، والوَلِيدَ بْنَ المُغِيرَةِ، وأبا جَهِلِ بْنَ هِشامٍ، وعَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُمَيَّةَ، وأُمَيَّةَ بْنَ خَلَفٍ، والعاصِيَ بْنَ وائِلٍ، ونُبَيْهَ بْنَ الحَجّاجِ، ومُنَبِّهَ بْنَ الحَجّاجِ، اجْتَمَعُوا فَقالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: ابْعَثُوا إلى مُحَمَّدٍ فَكَلِّمُوهُ وخاصِمُوهُ حَتّى تُعْذِرُوا مِنهُ. فَبَعَثُوا إلَيْهِ: إنَّ أشْرافَ قَوْمِكَ قَدِ اجْتَمَعُوا لَكَ لِيُكَلِّمُوكَ. قالَ: فَجاءَهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقالُوا لَهُ: يا مُحَمَّدُ، إنّا بَعَثْنا إلَيْكَ لِنُعْذِرَ مِنكَ، فانٍ كُنْتَ إنَّما جِئْتَ بِهَذا الحَدِيثِ تَطْلُبُ بِهِ مالًا جَمَعْنا لَكَ مِن أمْوالِنا، وإنْ كُنْتَ تَطْلُبُ بِهِ الشَّرَفَ فَنَحْنُ نُسَوِّدُكَ، وإنْ كُنْتَ تُرِيدُ بِهِ مُلْكًا مَلَّكْناكَ. فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «ما بِي مِمّا تَقُولُونَ، ما جِئْتُكم بِما جِئْتُكم بِهِ أطْلُبُ أمْوالَكُمْ، ولا الشَّرَفَ فِيكُمْ، ولا المُلْكَ (p-١٣٧)عَلَيْكُمْ، ولَكِنَّ اللَّهَ بَعَثَنِي إلَيْكم رَسُولًا، وأنْزَلَ عَلَيَّ كِتابًا، وأمَرَنِي أنْ أكُونَ لَكم بَشِيرًا ونَذِيرًا، فَبَلَّغْتُكم رِسالَةَ رَبِّي، ونَصَحْتُ لَكُمْ، فَإنْ تَقْبَلُوا مِنِّي ما جِئْتُكم بِهِ، فَهو حَظُّكم في الدُّنْيا والآخِرَةِ، وإنْ تَرُدُّوهُ عَلَيَّ أصْبِرْ لِأمْرِ اللَّهِ حَتّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنِي وبَيْنَكُمْ» . قالُوا: يا مُحَمَّدُ، فَإنْ كُنْتَ غَيْرَ قابِلٍ مِنّا شَيْئًا مِمّا عَرَضْنا عَلَيْكَ – أوْ قالُوا: فَإذا لَمْ تَقْبَلْ هَذا- فَسَلْ لِنَفْسِكَ، وسَلْ رَبَّكَ أنْ يَبْعَثُ مَعَكَ مَلَكًا يُصَدِّقُكَ بِما تَقُولُ ويُراجِعُنا عَنْكَ، وسَلْهُ أنْ يَجْعَلَ لَكَ جِنانًا وقُصُورًا مِن ذَهَبٍ وفِضَّةٍ، تُغْنِيكَ عَمّا نَراكَ تَبْتَغِي، فَإنَّكَ تَقُومُ بِالأسْواقِ، وتَلْتَمِسُ المَعاشَ، كَما نَلْتَمِسُهُ، حَتّى نَعْرِفَ فَضْلَكَ ومَنزِلَتَكَ مِن رَبِّكَ إنْ كُنْتَ رَسُولًا كَما تَزْعُمُ. فَقالَ لَهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «ما أنا بِفاعِلٍ، ما أنا بِالَّذِي يَسْألُ رَبَّهُ هَذا، وما بُعِثْتُ إلَيْكم بِهَذا، ولَكِنَّ اللَّهَ بَعَثَنِي بَشِيرًا ونَذِيرًا» . فَأنْزَلَ اللَّهُ في قَوْلِهِمْ ذَلِكَ: ﴿وقالُوا مالِ هَذا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلْنا بَعْضَكم لِبَعْضٍ فِتْنَةً أتَصْبِرُونَ وكانَ رَبُّكَ بَصِيرًا﴾ [الفرقان: ٢٠] أيْ: جَعَلْتُ بَعْضَكم لِبَعْضِ بَلاءً لِتَصْبِرُوا، ولَوْ شِئْتُ أنْ أجْعَلَ الدُّنْيا مَعَ رَسُولِي فَلا تُخالِفُوهُ لَفَعَلْتُ» .
(p-١٣٨)وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ في قَوْلِهِ: ﴿وقالَ الظّالِمُونَ إنْ تَتَّبِعُونَ﴾ . قالَ: الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ وأصْحابُهُ يَوْمَ دارِ النَّدْوَةِ.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الأمْثالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلا﴾ قالَ: مَخْرَجًا يُخْرِجُهم مِنَ الأمْثالِ الَّتِي ضَرَبُوا لَكَ. وفي قَوْلِهِ: ﴿تَبارَكَ الَّذِي إنْ شاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِن ذَلِكَ جَنّاتٍ تَجْرِي﴾ قالَ: حَوائِطَ، ﴿ويَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا﴾ قالَ: بُيُوتًا مَبْيِنَّةً مُشَيَّدَةً، كانَتْ قُرَيْشٌ تَرى البَيْتَ مِن حِجارَةٍ قَصْرًا، كائِنًا ما كانَ.
وأخْرَجَ الواحِدِيُّ، وابْنُ عَساكِرَ، مِن طَرِيقِ جُوَيْبِرٍ، عَنِ الضَّحّاكِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «لَمّا عَيَّرَ المُشْرِكُونَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِالفاقَةِ قالُوا ﴿مالِ هَذا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ ويَمْشِي في الأسْواقِ﴾ حَزِنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَنَزَلَ جِبْرِيلُ فَقالَ: إنَّ رَبَّكَ يُقْرِئُكَ السَّلامَ ويَقُولُ: ﴿وما أرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنَ المُرْسَلِينَ إلا إنَّهم لَيَأْكُلُونَ الطَّعامَ ويَمْشُونَ في الأسْواقِ﴾ [الفرقان: ٢٠] ثُمَّ أتاهُ رِضْوانُ خازِنُ الجِنانِ ومَعَهُ سَفَطٌ مِن نُورٍ يَتَلَأْلَأُ، فَقالَ: هَذِهِ مَفاتِيحُ خَزائِنِ (p-١٣٩)الدُّنْيا. فَنَظَرَ النَّبِيُّ ﷺ إلى جِبْرِيلَ كالمُسْتَشِيرِ لَهُ، فَضَرَبَ جِبْرِيلُ بِيَدِهِ إلى الأرْضِ، أنْ تَواضَعْ. فَقالَ: يا رِضْوانُ، لا حاجَةَ لِي فِيها. فَنُودِيَ: أنِ ارْفَعْ بَصَرَكَ. فَرَفَعَ فَإذا السَّماواتُ فُتِحَتْ أبْوابُها إلى العَرْشِ، وبَدَتْ جَنَّةُ عَدْنٍ، فَرَأى مَنازِلَ الأنْبِياءِ وعَرَفَهُمْ، وإذا مَنازِلُهُ فَوْقَ مَنازِلِ الأنْبِياءِ، فَقالَ: «رَضِيتُ»» . ويُرَوْنَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ أنْزَلَها رِضْوانُ: ﴿تَبارَكَ الَّذِي إنْ شاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِن ذَلِكَ﴾ .
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ في ”المُصَنَّفِ“، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنْ خَيْثَمَةَ قالَ: «قِيلَ لِلنَّبِيِّ ﷺ: إنْ شِئْتَ أعْطَيْناكَ خَزائِنَ الأرْضِ ومَفاتِيحَها ما لَمْ يُعْطَ نَبِيٌّ قَبْلَكَ، ولا يُعْطاهُ أحَدٌ بَعْدَكَ، ولا يَنْقُصُكَ ذَلِكَ مِمّا لَكَ عِنْدَ اللَّهِ شَيْئًا، وإنْ شِئْتَ جَمَعَتُها لَكَ في الآخِرَةِ. فَقالَ: «اجْمَعُوها لِي في الآخِرَةِ» . فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿تَبارَكَ الَّذِي إنْ شاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِن ذَلِكَ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ ويَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا﴾ [الفرقان»: ١٠] .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «بَيْنَما جِبْرِيلُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إذْ (p-١٤٠)قالَ: هَذا مَلَكٌ يَتَدَلّى مِنَ السَّماءِ، لَمْ يَهْبِطْ إلى الأرْضِ قَطُّ قَبْلَها، اسْتَأْذَنَ رَبَّهُ في زِيارَتِكَ فَأذِنَ لَهُ. فَلَمْ يَلْبَثْ أنْ جاءَ فَقالَ: السَّلامُ عَلَيْكَ، يا رَسُولَ اللَّهِ. قالَ: «وعَلَيْكَ السَّلامُ» . قالَ: إنَّ اللَّهَ يُخَبِّرُكَ إنْ شِئْتَ أنْ يُعْطِيَكَ مِن خَزائِنِ كُلِّ شَيْءٍ ومَفاتِيحِ كُلَّ شَيْءٍ ما لَمْ يُعْطِ أحَدًا قَبْلَكَ، ولا يُعْطِيهِ أحَدًا بَعْدَكَ، ولا يَنْقُصُكَ مِمّا ذَخَرَ لَكَ عِنْدَهُ شَيْئًا. فَقالَ: «لا، بَلْ يَجْمَعُهُما لِي في الآخِرَةِ جَمِيعًا» . فَنَزَلَتْ: ﴿تَبارَكَ الَّذِي إنْ شاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِن ذَلِكَ﴾ [الفرقان»: ١٠] .
الفرقان 25:6
(p-١٣٣)سُورَةُ ”الفُرْقانِ“
مَكِّيَّةٌ
أخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ، والنَّحّاسُ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في ”الدَّلائِلِ“، مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ ”الفُرْقانِ“ بِمَكَّةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ قالَ: نَزَلَتْ بِمَكَّةَ سُورَةُ ”الفُرْقانِ“ .
وأخْرَجَ مالِكٌ، والشّافِعِيُّ، والبُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ حِبّانَ، والبَيْهَقِيُّ في ”سُنَنِهِ“، «عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ قالَ: سَمِعْتُ هِشامَ بْنَ حَكِيمٍ يَقْرَأُ سُورَةَ ”الفُرْقانِ“ في حَياةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فاسْتَمَعْتُ لِقِراءَتِهِ، فَإذا هو يَقْرَأُ عَلى حُرُوفٍ كَثِيرَةٍ لَمْ يُقْرِئْنِيها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَكِدْتُ أساوِرُهُ في الصَّلاةِ، فَتَصَبَّرْتُ حَتّى سَلَّمَ، فَلَبَّبَتْهُ بِرِدائِهِ فَقُلْتُ: مَن أقْرَأكَ هَذِهِ السُّورَةَ الَّتِي سَمِعْتُكَ تَقْرَأُ؟ قالَ: أقْرَأنِيها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقُلْتُ: كَذَبْتَ، فَإنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ أقْرَأنِيها عَلى غَيْرِ ما قَرَأْتَ. فانْطَلَقْتُ بِهِ أقُودُهُ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقُلْتُ: إنِّي سَمِعْتُ هَذا يَقْرَأُ سُورَةَ ”الفُرْقانِ“ عَلى حُرُوفٍ لَمْ تُقْرِئْنِيها. فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أرْسِلْهُ، اقْرَأْ يا هِشامُ» . (p-١٣٤)فَقَرَأ عَلَيْهِ القِراءَةَ الَّتِي سَمِعْتُهُ يَقْرَأُ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «كَذَلِكَ أُنْزِلَتْ» . ثُمَّ قالَ: «اقْرَأْ يا عُمَرُ» . فَقَرَأْتُ القِراءَةَ الَّتِي أقْرَأنِي، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «كَذَلِكَ أُنْزِلَتْ، إنَّ هَذا القُرْآنَ أُنْزِلَ عَلى سَبْعَةِ أحْرُفٍ، فاقْرَءُوا ما تَيَسَّرَ مِنهُ»» .
وأخْرَجَ ابْنُ الأنْبارِيِّ في ”المَصاحِفِ“، عَنْ حَمِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَلّى الصُّبْحَ فَقَرَأ سُورَةَ ”الفُرْقانِ“، فَأسْقَطَ آيَةً، فَلِما سَلَّمَ قالَ: «هَلْ في القَوْمِ أُبَيٌّ»؟ . فَقالَ أُبَيٌّ: ها أنا يا رَسُولَ اللَّهِ. فَقالَ: «ألَمْ أُسْقِطْ آيَةً»؟ . قالَ: بَلى. قالَ: «فَلِمَ لَمْ تَفْتَحْها عَلَيَّ»؟ . قالَ: حَسِبْتُها آيَةً نُسِخَتْ قالَ: «لا، ولَكِنِّي أسْقَطْتُها»» .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ﴾ الآياتِ.
أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: ﴿تَبارَكَ﴾ تَفاعَلَ مِنَ البَرَكَةِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ﴾ . قالَ: هو القُرْآنُ، فِيهِ حَلالُ اللَّهِ وحَرامُهُ، وشَرائِعُهُ ودِينُهُ، فَرَقَ اللَّهُ بِهِ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، ﴿لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيرًا﴾ قالَ: بَعَثَ اللَّهُ مُحَمَّدًا ﷺ نَذِيرًا مِنَ اللَّهِ لِيُنْذِرَ النّاسَ بَأْسَ اللَّهِ ووَقائِعَهُ (p-١٣٥)بِمَن خَلا قَبْلَكُمْ، ﴿وخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ قالَ: بَيَّنَ لِكُلِّ شَيْءٍ مِن خَلْقِهِ صَلاحَهُ، وجَعَلَ ذَلِكَ بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ، ﴿واتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً﴾ قالَ: هي هَذِهِ الأوْثانُ الَّتِي تُعْبَدُ مِن دُونِ اللَّهِ، ﴿لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وهم يُخْلَقُونَ﴾ وهو اللَّهُ الخالِقُ الرّازِقُ، وهَذِهِ الأوْثانُ تُخْلَقُ ولا تَخْلُقُ شَيْئًا، ولا تَضُرُّ ولا تَنْفَعُ، ولا تَمْلِكُ مَوْتًا ولا حَياةً، ﴿ولا نُشُورًا﴾ يَعْنِي بَعْثًا، ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إنْ هَذا﴾: هَذا قَوْلُ مُشْرِكِي العَرَبِ، ﴿إلا إفْكٌ﴾ هو الكَذِبُ، ﴿افْتَراهُ وأعانَهُ عَلَيْهِ﴾ أيْ: عَلى حَدِيثِهِ هَذا وأمْرِهِ، ﴿قَوْمٌ آخَرُونَ﴾، ﴿فَقَدْ جاءُوا﴾ فَقَدْ أتَوْا ﴿ظُلْمًا وزُورًا﴾، ﴿وقالُوا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ . قالَ: كَذِبُ الأوَّلِينَ وأحادِيثُهُمْ، ﴿وقالُوا مالِ هَذا الرَّسُولِ﴾ قالَ: عَجِبَ الكُفّارُ مِن ذَلِكَ أنْ يَكُونَ رَسُولٌ يَأْكُلُ الطَّعامَ ويَمْشِي في الأسْواقِ، ﴿لَوْلا أُنْزِلَ إلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا﴾ ﴿أوْ يُلْقى إلَيْهِ كَنْزٌ أوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنها﴾ قالَ اللَّهُ يَرُدُّ عَلَيْهِمْ: ﴿تَبارَكَ الَّذِي إنْ شاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِن ذَلِكَ﴾ يَقُولُ: خَيْرًا مِمّا قالَ الكُفّارُ مِنَ الكَنْزِ والجَنَّةِ، ﴿جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ ويَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا﴾ قالَ: وإنَّهُ واللَّهِ مَن دَخَلَ الجَنَّةَ لَيُصِيبَنَّ قُصُورًا لا تَبْلى ولا تُهْدَمُ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: كُلُّ شَيْءٍ في القُرْآنِ ﴿إفْكٌ﴾ فَهو كَذِبٌ.
(p-١٣٦)وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وأعانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ﴾ قالَ: يَهُودُ، ﴿فَقَدْ جاءُوا ظُلْمًا وزُورًا﴾ قالَ: كَذِبًا.
وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، «أنَّ عُتْبَةَ وشَيْبَةَ ابْنَيْ رَبِيعَةَ، وأبا سُفْيانَ بْنَ حَرْبٍ، والنَّضِرَ بْنَ الحارِثِ، وأبا البَخْتَرِيِّ، والأُسُودَ بْنَ المُطَّلِبِ، وزَمْعَةَ بْنَ الأسْوَدِ، والوَلِيدَ بْنَ المُغِيرَةِ، وأبا جَهِلِ بْنَ هِشامٍ، وعَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُمَيَّةَ، وأُمَيَّةَ بْنَ خَلَفٍ، والعاصِيَ بْنَ وائِلٍ، ونُبَيْهَ بْنَ الحَجّاجِ، ومُنَبِّهَ بْنَ الحَجّاجِ، اجْتَمَعُوا فَقالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: ابْعَثُوا إلى مُحَمَّدٍ فَكَلِّمُوهُ وخاصِمُوهُ حَتّى تُعْذِرُوا مِنهُ. فَبَعَثُوا إلَيْهِ: إنَّ أشْرافَ قَوْمِكَ قَدِ اجْتَمَعُوا لَكَ لِيُكَلِّمُوكَ. قالَ: فَجاءَهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقالُوا لَهُ: يا مُحَمَّدُ، إنّا بَعَثْنا إلَيْكَ لِنُعْذِرَ مِنكَ، فانٍ كُنْتَ إنَّما جِئْتَ بِهَذا الحَدِيثِ تَطْلُبُ بِهِ مالًا جَمَعْنا لَكَ مِن أمْوالِنا، وإنْ كُنْتَ تَطْلُبُ بِهِ الشَّرَفَ فَنَحْنُ نُسَوِّدُكَ، وإنْ كُنْتَ تُرِيدُ بِهِ مُلْكًا مَلَّكْناكَ. فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «ما بِي مِمّا تَقُولُونَ، ما جِئْتُكم بِما جِئْتُكم بِهِ أطْلُبُ أمْوالَكُمْ، ولا الشَّرَفَ فِيكُمْ، ولا المُلْكَ (p-١٣٧)عَلَيْكُمْ، ولَكِنَّ اللَّهَ بَعَثَنِي إلَيْكم رَسُولًا، وأنْزَلَ عَلَيَّ كِتابًا، وأمَرَنِي أنْ أكُونَ لَكم بَشِيرًا ونَذِيرًا، فَبَلَّغْتُكم رِسالَةَ رَبِّي، ونَصَحْتُ لَكُمْ، فَإنْ تَقْبَلُوا مِنِّي ما جِئْتُكم بِهِ، فَهو حَظُّكم في الدُّنْيا والآخِرَةِ، وإنْ تَرُدُّوهُ عَلَيَّ أصْبِرْ لِأمْرِ اللَّهِ حَتّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنِي وبَيْنَكُمْ» . قالُوا: يا مُحَمَّدُ، فَإنْ كُنْتَ غَيْرَ قابِلٍ مِنّا شَيْئًا مِمّا عَرَضْنا عَلَيْكَ – أوْ قالُوا: فَإذا لَمْ تَقْبَلْ هَذا- فَسَلْ لِنَفْسِكَ، وسَلْ رَبَّكَ أنْ يَبْعَثُ مَعَكَ مَلَكًا يُصَدِّقُكَ بِما تَقُولُ ويُراجِعُنا عَنْكَ، وسَلْهُ أنْ يَجْعَلَ لَكَ جِنانًا وقُصُورًا مِن ذَهَبٍ وفِضَّةٍ، تُغْنِيكَ عَمّا نَراكَ تَبْتَغِي، فَإنَّكَ تَقُومُ بِالأسْواقِ، وتَلْتَمِسُ المَعاشَ، كَما نَلْتَمِسُهُ، حَتّى نَعْرِفَ فَضْلَكَ ومَنزِلَتَكَ مِن رَبِّكَ إنْ كُنْتَ رَسُولًا كَما تَزْعُمُ. فَقالَ لَهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «ما أنا بِفاعِلٍ، ما أنا بِالَّذِي يَسْألُ رَبَّهُ هَذا، وما بُعِثْتُ إلَيْكم بِهَذا، ولَكِنَّ اللَّهَ بَعَثَنِي بَشِيرًا ونَذِيرًا» . فَأنْزَلَ اللَّهُ في قَوْلِهِمْ ذَلِكَ: ﴿وقالُوا مالِ هَذا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلْنا بَعْضَكم لِبَعْضٍ فِتْنَةً أتَصْبِرُونَ وكانَ رَبُّكَ بَصِيرًا﴾ [الفرقان: ٢٠] أيْ: جَعَلْتُ بَعْضَكم لِبَعْضِ بَلاءً لِتَصْبِرُوا، ولَوْ شِئْتُ أنْ أجْعَلَ الدُّنْيا مَعَ رَسُولِي فَلا تُخالِفُوهُ لَفَعَلْتُ» .
(p-١٣٨)وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ في قَوْلِهِ: ﴿وقالَ الظّالِمُونَ إنْ تَتَّبِعُونَ﴾ . قالَ: الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ وأصْحابُهُ يَوْمَ دارِ النَّدْوَةِ.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الأمْثالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلا﴾ قالَ: مَخْرَجًا يُخْرِجُهم مِنَ الأمْثالِ الَّتِي ضَرَبُوا لَكَ. وفي قَوْلِهِ: ﴿تَبارَكَ الَّذِي إنْ شاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِن ذَلِكَ جَنّاتٍ تَجْرِي﴾ قالَ: حَوائِطَ، ﴿ويَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا﴾ قالَ: بُيُوتًا مَبْيِنَّةً مُشَيَّدَةً، كانَتْ قُرَيْشٌ تَرى البَيْتَ مِن حِجارَةٍ قَصْرًا، كائِنًا ما كانَ.
وأخْرَجَ الواحِدِيُّ، وابْنُ عَساكِرَ، مِن طَرِيقِ جُوَيْبِرٍ، عَنِ الضَّحّاكِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «لَمّا عَيَّرَ المُشْرِكُونَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِالفاقَةِ قالُوا ﴿مالِ هَذا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ ويَمْشِي في الأسْواقِ﴾ حَزِنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَنَزَلَ جِبْرِيلُ فَقالَ: إنَّ رَبَّكَ يُقْرِئُكَ السَّلامَ ويَقُولُ: ﴿وما أرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنَ المُرْسَلِينَ إلا إنَّهم لَيَأْكُلُونَ الطَّعامَ ويَمْشُونَ في الأسْواقِ﴾ [الفرقان: ٢٠] ثُمَّ أتاهُ رِضْوانُ خازِنُ الجِنانِ ومَعَهُ سَفَطٌ مِن نُورٍ يَتَلَأْلَأُ، فَقالَ: هَذِهِ مَفاتِيحُ خَزائِنِ (p-١٣٩)الدُّنْيا. فَنَظَرَ النَّبِيُّ ﷺ إلى جِبْرِيلَ كالمُسْتَشِيرِ لَهُ، فَضَرَبَ جِبْرِيلُ بِيَدِهِ إلى الأرْضِ، أنْ تَواضَعْ. فَقالَ: يا رِضْوانُ، لا حاجَةَ لِي فِيها. فَنُودِيَ: أنِ ارْفَعْ بَصَرَكَ. فَرَفَعَ فَإذا السَّماواتُ فُتِحَتْ أبْوابُها إلى العَرْشِ، وبَدَتْ جَنَّةُ عَدْنٍ، فَرَأى مَنازِلَ الأنْبِياءِ وعَرَفَهُمْ، وإذا مَنازِلُهُ فَوْقَ مَنازِلِ الأنْبِياءِ، فَقالَ: «رَضِيتُ»» . ويُرَوْنَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ أنْزَلَها رِضْوانُ: ﴿تَبارَكَ الَّذِي إنْ شاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِن ذَلِكَ﴾ .
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ في ”المُصَنَّفِ“، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنْ خَيْثَمَةَ قالَ: «قِيلَ لِلنَّبِيِّ ﷺ: إنْ شِئْتَ أعْطَيْناكَ خَزائِنَ الأرْضِ ومَفاتِيحَها ما لَمْ يُعْطَ نَبِيٌّ قَبْلَكَ، ولا يُعْطاهُ أحَدٌ بَعْدَكَ، ولا يَنْقُصُكَ ذَلِكَ مِمّا لَكَ عِنْدَ اللَّهِ شَيْئًا، وإنْ شِئْتَ جَمَعَتُها لَكَ في الآخِرَةِ. فَقالَ: «اجْمَعُوها لِي في الآخِرَةِ» . فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿تَبارَكَ الَّذِي إنْ شاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِن ذَلِكَ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ ويَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا﴾ [الفرقان»: ١٠] .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «بَيْنَما جِبْرِيلُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إذْ (p-١٤٠)قالَ: هَذا مَلَكٌ يَتَدَلّى مِنَ السَّماءِ، لَمْ يَهْبِطْ إلى الأرْضِ قَطُّ قَبْلَها، اسْتَأْذَنَ رَبَّهُ في زِيارَتِكَ فَأذِنَ لَهُ. فَلَمْ يَلْبَثْ أنْ جاءَ فَقالَ: السَّلامُ عَلَيْكَ، يا رَسُولَ اللَّهِ. قالَ: «وعَلَيْكَ السَّلامُ» . قالَ: إنَّ اللَّهَ يُخَبِّرُكَ إنْ شِئْتَ أنْ يُعْطِيَكَ مِن خَزائِنِ كُلِّ شَيْءٍ ومَفاتِيحِ كُلَّ شَيْءٍ ما لَمْ يُعْطِ أحَدًا قَبْلَكَ، ولا يُعْطِيهِ أحَدًا بَعْدَكَ، ولا يَنْقُصُكَ مِمّا ذَخَرَ لَكَ عِنْدَهُ شَيْئًا. فَقالَ: «لا، بَلْ يَجْمَعُهُما لِي في الآخِرَةِ جَمِيعًا» . فَنَزَلَتْ: ﴿تَبارَكَ الَّذِي إنْ شاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِن ذَلِكَ﴾ [الفرقان»: ١٠] .
الفرقان 25:7
(p-١٣٣)سُورَةُ ”الفُرْقانِ“
مَكِّيَّةٌ
أخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ، والنَّحّاسُ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في ”الدَّلائِلِ“، مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ ”الفُرْقانِ“ بِمَكَّةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ قالَ: نَزَلَتْ بِمَكَّةَ سُورَةُ ”الفُرْقانِ“ .
وأخْرَجَ مالِكٌ، والشّافِعِيُّ، والبُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ حِبّانَ، والبَيْهَقِيُّ في ”سُنَنِهِ“، «عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ قالَ: سَمِعْتُ هِشامَ بْنَ حَكِيمٍ يَقْرَأُ سُورَةَ ”الفُرْقانِ“ في حَياةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فاسْتَمَعْتُ لِقِراءَتِهِ، فَإذا هو يَقْرَأُ عَلى حُرُوفٍ كَثِيرَةٍ لَمْ يُقْرِئْنِيها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَكِدْتُ أساوِرُهُ في الصَّلاةِ، فَتَصَبَّرْتُ حَتّى سَلَّمَ، فَلَبَّبَتْهُ بِرِدائِهِ فَقُلْتُ: مَن أقْرَأكَ هَذِهِ السُّورَةَ الَّتِي سَمِعْتُكَ تَقْرَأُ؟ قالَ: أقْرَأنِيها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقُلْتُ: كَذَبْتَ، فَإنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ أقْرَأنِيها عَلى غَيْرِ ما قَرَأْتَ. فانْطَلَقْتُ بِهِ أقُودُهُ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقُلْتُ: إنِّي سَمِعْتُ هَذا يَقْرَأُ سُورَةَ ”الفُرْقانِ“ عَلى حُرُوفٍ لَمْ تُقْرِئْنِيها. فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أرْسِلْهُ، اقْرَأْ يا هِشامُ» . (p-١٣٤)فَقَرَأ عَلَيْهِ القِراءَةَ الَّتِي سَمِعْتُهُ يَقْرَأُ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «كَذَلِكَ أُنْزِلَتْ» . ثُمَّ قالَ: «اقْرَأْ يا عُمَرُ» . فَقَرَأْتُ القِراءَةَ الَّتِي أقْرَأنِي، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «كَذَلِكَ أُنْزِلَتْ، إنَّ هَذا القُرْآنَ أُنْزِلَ عَلى سَبْعَةِ أحْرُفٍ، فاقْرَءُوا ما تَيَسَّرَ مِنهُ»» .
وأخْرَجَ ابْنُ الأنْبارِيِّ في ”المَصاحِفِ“، عَنْ حَمِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَلّى الصُّبْحَ فَقَرَأ سُورَةَ ”الفُرْقانِ“، فَأسْقَطَ آيَةً، فَلِما سَلَّمَ قالَ: «هَلْ في القَوْمِ أُبَيٌّ»؟ . فَقالَ أُبَيٌّ: ها أنا يا رَسُولَ اللَّهِ. فَقالَ: «ألَمْ أُسْقِطْ آيَةً»؟ . قالَ: بَلى. قالَ: «فَلِمَ لَمْ تَفْتَحْها عَلَيَّ»؟ . قالَ: حَسِبْتُها آيَةً نُسِخَتْ قالَ: «لا، ولَكِنِّي أسْقَطْتُها»» .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ﴾ الآياتِ.
أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: ﴿تَبارَكَ﴾ تَفاعَلَ مِنَ البَرَكَةِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ﴾ . قالَ: هو القُرْآنُ، فِيهِ حَلالُ اللَّهِ وحَرامُهُ، وشَرائِعُهُ ودِينُهُ، فَرَقَ اللَّهُ بِهِ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، ﴿لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيرًا﴾ قالَ: بَعَثَ اللَّهُ مُحَمَّدًا ﷺ نَذِيرًا مِنَ اللَّهِ لِيُنْذِرَ النّاسَ بَأْسَ اللَّهِ ووَقائِعَهُ (p-١٣٥)بِمَن خَلا قَبْلَكُمْ، ﴿وخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ قالَ: بَيَّنَ لِكُلِّ شَيْءٍ مِن خَلْقِهِ صَلاحَهُ، وجَعَلَ ذَلِكَ بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ، ﴿واتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً﴾ قالَ: هي هَذِهِ الأوْثانُ الَّتِي تُعْبَدُ مِن دُونِ اللَّهِ، ﴿لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وهم يُخْلَقُونَ﴾ وهو اللَّهُ الخالِقُ الرّازِقُ، وهَذِهِ الأوْثانُ تُخْلَقُ ولا تَخْلُقُ شَيْئًا، ولا تَضُرُّ ولا تَنْفَعُ، ولا تَمْلِكُ مَوْتًا ولا حَياةً، ﴿ولا نُشُورًا﴾ يَعْنِي بَعْثًا، ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إنْ هَذا﴾: هَذا قَوْلُ مُشْرِكِي العَرَبِ، ﴿إلا إفْكٌ﴾ هو الكَذِبُ، ﴿افْتَراهُ وأعانَهُ عَلَيْهِ﴾ أيْ: عَلى حَدِيثِهِ هَذا وأمْرِهِ، ﴿قَوْمٌ آخَرُونَ﴾، ﴿فَقَدْ جاءُوا﴾ فَقَدْ أتَوْا ﴿ظُلْمًا وزُورًا﴾، ﴿وقالُوا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ . قالَ: كَذِبُ الأوَّلِينَ وأحادِيثُهُمْ، ﴿وقالُوا مالِ هَذا الرَّسُولِ﴾ قالَ: عَجِبَ الكُفّارُ مِن ذَلِكَ أنْ يَكُونَ رَسُولٌ يَأْكُلُ الطَّعامَ ويَمْشِي في الأسْواقِ، ﴿لَوْلا أُنْزِلَ إلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا﴾ ﴿أوْ يُلْقى إلَيْهِ كَنْزٌ أوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنها﴾ قالَ اللَّهُ يَرُدُّ عَلَيْهِمْ: ﴿تَبارَكَ الَّذِي إنْ شاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِن ذَلِكَ﴾ يَقُولُ: خَيْرًا مِمّا قالَ الكُفّارُ مِنَ الكَنْزِ والجَنَّةِ، ﴿جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ ويَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا﴾ قالَ: وإنَّهُ واللَّهِ مَن دَخَلَ الجَنَّةَ لَيُصِيبَنَّ قُصُورًا لا تَبْلى ولا تُهْدَمُ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: كُلُّ شَيْءٍ في القُرْآنِ ﴿إفْكٌ﴾ فَهو كَذِبٌ.
(p-١٣٦)وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وأعانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ﴾ قالَ: يَهُودُ، ﴿فَقَدْ جاءُوا ظُلْمًا وزُورًا﴾ قالَ: كَذِبًا.
وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، «أنَّ عُتْبَةَ وشَيْبَةَ ابْنَيْ رَبِيعَةَ، وأبا سُفْيانَ بْنَ حَرْبٍ، والنَّضِرَ بْنَ الحارِثِ، وأبا البَخْتَرِيِّ، والأُسُودَ بْنَ المُطَّلِبِ، وزَمْعَةَ بْنَ الأسْوَدِ، والوَلِيدَ بْنَ المُغِيرَةِ، وأبا جَهِلِ بْنَ هِشامٍ، وعَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُمَيَّةَ، وأُمَيَّةَ بْنَ خَلَفٍ، والعاصِيَ بْنَ وائِلٍ، ونُبَيْهَ بْنَ الحَجّاجِ، ومُنَبِّهَ بْنَ الحَجّاجِ، اجْتَمَعُوا فَقالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: ابْعَثُوا إلى مُحَمَّدٍ فَكَلِّمُوهُ وخاصِمُوهُ حَتّى تُعْذِرُوا مِنهُ. فَبَعَثُوا إلَيْهِ: إنَّ أشْرافَ قَوْمِكَ قَدِ اجْتَمَعُوا لَكَ لِيُكَلِّمُوكَ. قالَ: فَجاءَهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقالُوا لَهُ: يا مُحَمَّدُ، إنّا بَعَثْنا إلَيْكَ لِنُعْذِرَ مِنكَ، فانٍ كُنْتَ إنَّما جِئْتَ بِهَذا الحَدِيثِ تَطْلُبُ بِهِ مالًا جَمَعْنا لَكَ مِن أمْوالِنا، وإنْ كُنْتَ تَطْلُبُ بِهِ الشَّرَفَ فَنَحْنُ نُسَوِّدُكَ، وإنْ كُنْتَ تُرِيدُ بِهِ مُلْكًا مَلَّكْناكَ. فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «ما بِي مِمّا تَقُولُونَ، ما جِئْتُكم بِما جِئْتُكم بِهِ أطْلُبُ أمْوالَكُمْ، ولا الشَّرَفَ فِيكُمْ، ولا المُلْكَ (p-١٣٧)عَلَيْكُمْ، ولَكِنَّ اللَّهَ بَعَثَنِي إلَيْكم رَسُولًا، وأنْزَلَ عَلَيَّ كِتابًا، وأمَرَنِي أنْ أكُونَ لَكم بَشِيرًا ونَذِيرًا، فَبَلَّغْتُكم رِسالَةَ رَبِّي، ونَصَحْتُ لَكُمْ، فَإنْ تَقْبَلُوا مِنِّي ما جِئْتُكم بِهِ، فَهو حَظُّكم في الدُّنْيا والآخِرَةِ، وإنْ تَرُدُّوهُ عَلَيَّ أصْبِرْ لِأمْرِ اللَّهِ حَتّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنِي وبَيْنَكُمْ» . قالُوا: يا مُحَمَّدُ، فَإنْ كُنْتَ غَيْرَ قابِلٍ مِنّا شَيْئًا مِمّا عَرَضْنا عَلَيْكَ – أوْ قالُوا: فَإذا لَمْ تَقْبَلْ هَذا- فَسَلْ لِنَفْسِكَ، وسَلْ رَبَّكَ أنْ يَبْعَثُ مَعَكَ مَلَكًا يُصَدِّقُكَ بِما تَقُولُ ويُراجِعُنا عَنْكَ، وسَلْهُ أنْ يَجْعَلَ لَكَ جِنانًا وقُصُورًا مِن ذَهَبٍ وفِضَّةٍ، تُغْنِيكَ عَمّا نَراكَ تَبْتَغِي، فَإنَّكَ تَقُومُ بِالأسْواقِ، وتَلْتَمِسُ المَعاشَ، كَما نَلْتَمِسُهُ، حَتّى نَعْرِفَ فَضْلَكَ ومَنزِلَتَكَ مِن رَبِّكَ إنْ كُنْتَ رَسُولًا كَما تَزْعُمُ. فَقالَ لَهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «ما أنا بِفاعِلٍ، ما أنا بِالَّذِي يَسْألُ رَبَّهُ هَذا، وما بُعِثْتُ إلَيْكم بِهَذا، ولَكِنَّ اللَّهَ بَعَثَنِي بَشِيرًا ونَذِيرًا» . فَأنْزَلَ اللَّهُ في قَوْلِهِمْ ذَلِكَ: ﴿وقالُوا مالِ هَذا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلْنا بَعْضَكم لِبَعْضٍ فِتْنَةً أتَصْبِرُونَ وكانَ رَبُّكَ بَصِيرًا﴾ [الفرقان: ٢٠] أيْ: جَعَلْتُ بَعْضَكم لِبَعْضِ بَلاءً لِتَصْبِرُوا، ولَوْ شِئْتُ أنْ أجْعَلَ الدُّنْيا مَعَ رَسُولِي فَلا تُخالِفُوهُ لَفَعَلْتُ» .
(p-١٣٨)وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ في قَوْلِهِ: ﴿وقالَ الظّالِمُونَ إنْ تَتَّبِعُونَ﴾ . قالَ: الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ وأصْحابُهُ يَوْمَ دارِ النَّدْوَةِ.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الأمْثالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلا﴾ قالَ: مَخْرَجًا يُخْرِجُهم مِنَ الأمْثالِ الَّتِي ضَرَبُوا لَكَ. وفي قَوْلِهِ: ﴿تَبارَكَ الَّذِي إنْ شاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِن ذَلِكَ جَنّاتٍ تَجْرِي﴾ قالَ: حَوائِطَ، ﴿ويَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا﴾ قالَ: بُيُوتًا مَبْيِنَّةً مُشَيَّدَةً، كانَتْ قُرَيْشٌ تَرى البَيْتَ مِن حِجارَةٍ قَصْرًا، كائِنًا ما كانَ.
وأخْرَجَ الواحِدِيُّ، وابْنُ عَساكِرَ، مِن طَرِيقِ جُوَيْبِرٍ، عَنِ الضَّحّاكِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «لَمّا عَيَّرَ المُشْرِكُونَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِالفاقَةِ قالُوا ﴿مالِ هَذا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ ويَمْشِي في الأسْواقِ﴾ حَزِنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَنَزَلَ جِبْرِيلُ فَقالَ: إنَّ رَبَّكَ يُقْرِئُكَ السَّلامَ ويَقُولُ: ﴿وما أرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنَ المُرْسَلِينَ إلا إنَّهم لَيَأْكُلُونَ الطَّعامَ ويَمْشُونَ في الأسْواقِ﴾ [الفرقان: ٢٠] ثُمَّ أتاهُ رِضْوانُ خازِنُ الجِنانِ ومَعَهُ سَفَطٌ مِن نُورٍ يَتَلَأْلَأُ، فَقالَ: هَذِهِ مَفاتِيحُ خَزائِنِ (p-١٣٩)الدُّنْيا. فَنَظَرَ النَّبِيُّ ﷺ إلى جِبْرِيلَ كالمُسْتَشِيرِ لَهُ، فَضَرَبَ جِبْرِيلُ بِيَدِهِ إلى الأرْضِ، أنْ تَواضَعْ. فَقالَ: يا رِضْوانُ، لا حاجَةَ لِي فِيها. فَنُودِيَ: أنِ ارْفَعْ بَصَرَكَ. فَرَفَعَ فَإذا السَّماواتُ فُتِحَتْ أبْوابُها إلى العَرْشِ، وبَدَتْ جَنَّةُ عَدْنٍ، فَرَأى مَنازِلَ الأنْبِياءِ وعَرَفَهُمْ، وإذا مَنازِلُهُ فَوْقَ مَنازِلِ الأنْبِياءِ، فَقالَ: «رَضِيتُ»» . ويُرَوْنَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ أنْزَلَها رِضْوانُ: ﴿تَبارَكَ الَّذِي إنْ شاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِن ذَلِكَ﴾ .
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ في ”المُصَنَّفِ“، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنْ خَيْثَمَةَ قالَ: «قِيلَ لِلنَّبِيِّ ﷺ: إنْ شِئْتَ أعْطَيْناكَ خَزائِنَ الأرْضِ ومَفاتِيحَها ما لَمْ يُعْطَ نَبِيٌّ قَبْلَكَ، ولا يُعْطاهُ أحَدٌ بَعْدَكَ، ولا يَنْقُصُكَ ذَلِكَ مِمّا لَكَ عِنْدَ اللَّهِ شَيْئًا، وإنْ شِئْتَ جَمَعَتُها لَكَ في الآخِرَةِ. فَقالَ: «اجْمَعُوها لِي في الآخِرَةِ» . فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿تَبارَكَ الَّذِي إنْ شاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِن ذَلِكَ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ ويَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا﴾ [الفرقان»: ١٠] .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «بَيْنَما جِبْرِيلُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إذْ (p-١٤٠)قالَ: هَذا مَلَكٌ يَتَدَلّى مِنَ السَّماءِ، لَمْ يَهْبِطْ إلى الأرْضِ قَطُّ قَبْلَها، اسْتَأْذَنَ رَبَّهُ في زِيارَتِكَ فَأذِنَ لَهُ. فَلَمْ يَلْبَثْ أنْ جاءَ فَقالَ: السَّلامُ عَلَيْكَ، يا رَسُولَ اللَّهِ. قالَ: «وعَلَيْكَ السَّلامُ» . قالَ: إنَّ اللَّهَ يُخَبِّرُكَ إنْ شِئْتَ أنْ يُعْطِيَكَ مِن خَزائِنِ كُلِّ شَيْءٍ ومَفاتِيحِ كُلَّ شَيْءٍ ما لَمْ يُعْطِ أحَدًا قَبْلَكَ، ولا يُعْطِيهِ أحَدًا بَعْدَكَ، ولا يَنْقُصُكَ مِمّا ذَخَرَ لَكَ عِنْدَهُ شَيْئًا. فَقالَ: «لا، بَلْ يَجْمَعُهُما لِي في الآخِرَةِ جَمِيعًا» . فَنَزَلَتْ: ﴿تَبارَكَ الَّذِي إنْ شاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِن ذَلِكَ﴾ [الفرقان»: ١٠] .
الفرقان 25:8
(p-١٣٣)سُورَةُ ”الفُرْقانِ“
مَكِّيَّةٌ
أخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ، والنَّحّاسُ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في ”الدَّلائِلِ“، مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ ”الفُرْقانِ“ بِمَكَّةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ قالَ: نَزَلَتْ بِمَكَّةَ سُورَةُ ”الفُرْقانِ“ .
وأخْرَجَ مالِكٌ، والشّافِعِيُّ، والبُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ حِبّانَ، والبَيْهَقِيُّ في ”سُنَنِهِ“، «عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ قالَ: سَمِعْتُ هِشامَ بْنَ حَكِيمٍ يَقْرَأُ سُورَةَ ”الفُرْقانِ“ في حَياةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فاسْتَمَعْتُ لِقِراءَتِهِ، فَإذا هو يَقْرَأُ عَلى حُرُوفٍ كَثِيرَةٍ لَمْ يُقْرِئْنِيها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَكِدْتُ أساوِرُهُ في الصَّلاةِ، فَتَصَبَّرْتُ حَتّى سَلَّمَ، فَلَبَّبَتْهُ بِرِدائِهِ فَقُلْتُ: مَن أقْرَأكَ هَذِهِ السُّورَةَ الَّتِي سَمِعْتُكَ تَقْرَأُ؟ قالَ: أقْرَأنِيها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقُلْتُ: كَذَبْتَ، فَإنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ أقْرَأنِيها عَلى غَيْرِ ما قَرَأْتَ. فانْطَلَقْتُ بِهِ أقُودُهُ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقُلْتُ: إنِّي سَمِعْتُ هَذا يَقْرَأُ سُورَةَ ”الفُرْقانِ“ عَلى حُرُوفٍ لَمْ تُقْرِئْنِيها. فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أرْسِلْهُ، اقْرَأْ يا هِشامُ» . (p-١٣٤)فَقَرَأ عَلَيْهِ القِراءَةَ الَّتِي سَمِعْتُهُ يَقْرَأُ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «كَذَلِكَ أُنْزِلَتْ» . ثُمَّ قالَ: «اقْرَأْ يا عُمَرُ» . فَقَرَأْتُ القِراءَةَ الَّتِي أقْرَأنِي، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «كَذَلِكَ أُنْزِلَتْ، إنَّ هَذا القُرْآنَ أُنْزِلَ عَلى سَبْعَةِ أحْرُفٍ، فاقْرَءُوا ما تَيَسَّرَ مِنهُ»» .
وأخْرَجَ ابْنُ الأنْبارِيِّ في ”المَصاحِفِ“، عَنْ حَمِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَلّى الصُّبْحَ فَقَرَأ سُورَةَ ”الفُرْقانِ“، فَأسْقَطَ آيَةً، فَلِما سَلَّمَ قالَ: «هَلْ في القَوْمِ أُبَيٌّ»؟ . فَقالَ أُبَيٌّ: ها أنا يا رَسُولَ اللَّهِ. فَقالَ: «ألَمْ أُسْقِطْ آيَةً»؟ . قالَ: بَلى. قالَ: «فَلِمَ لَمْ تَفْتَحْها عَلَيَّ»؟ . قالَ: حَسِبْتُها آيَةً نُسِخَتْ قالَ: «لا، ولَكِنِّي أسْقَطْتُها»» .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ﴾ الآياتِ.
أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: ﴿تَبارَكَ﴾ تَفاعَلَ مِنَ البَرَكَةِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ﴾ . قالَ: هو القُرْآنُ، فِيهِ حَلالُ اللَّهِ وحَرامُهُ، وشَرائِعُهُ ودِينُهُ، فَرَقَ اللَّهُ بِهِ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، ﴿لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيرًا﴾ قالَ: بَعَثَ اللَّهُ مُحَمَّدًا ﷺ نَذِيرًا مِنَ اللَّهِ لِيُنْذِرَ النّاسَ بَأْسَ اللَّهِ ووَقائِعَهُ (p-١٣٥)بِمَن خَلا قَبْلَكُمْ، ﴿وخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ قالَ: بَيَّنَ لِكُلِّ شَيْءٍ مِن خَلْقِهِ صَلاحَهُ، وجَعَلَ ذَلِكَ بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ، ﴿واتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً﴾ قالَ: هي هَذِهِ الأوْثانُ الَّتِي تُعْبَدُ مِن دُونِ اللَّهِ، ﴿لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وهم يُخْلَقُونَ﴾ وهو اللَّهُ الخالِقُ الرّازِقُ، وهَذِهِ الأوْثانُ تُخْلَقُ ولا تَخْلُقُ شَيْئًا، ولا تَضُرُّ ولا تَنْفَعُ، ولا تَمْلِكُ مَوْتًا ولا حَياةً، ﴿ولا نُشُورًا﴾ يَعْنِي بَعْثًا، ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إنْ هَذا﴾: هَذا قَوْلُ مُشْرِكِي العَرَبِ، ﴿إلا إفْكٌ﴾ هو الكَذِبُ، ﴿افْتَراهُ وأعانَهُ عَلَيْهِ﴾ أيْ: عَلى حَدِيثِهِ هَذا وأمْرِهِ، ﴿قَوْمٌ آخَرُونَ﴾، ﴿فَقَدْ جاءُوا﴾ فَقَدْ أتَوْا ﴿ظُلْمًا وزُورًا﴾، ﴿وقالُوا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ . قالَ: كَذِبُ الأوَّلِينَ وأحادِيثُهُمْ، ﴿وقالُوا مالِ هَذا الرَّسُولِ﴾ قالَ: عَجِبَ الكُفّارُ مِن ذَلِكَ أنْ يَكُونَ رَسُولٌ يَأْكُلُ الطَّعامَ ويَمْشِي في الأسْواقِ، ﴿لَوْلا أُنْزِلَ إلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا﴾ ﴿أوْ يُلْقى إلَيْهِ كَنْزٌ أوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنها﴾ قالَ اللَّهُ يَرُدُّ عَلَيْهِمْ: ﴿تَبارَكَ الَّذِي إنْ شاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِن ذَلِكَ﴾ يَقُولُ: خَيْرًا مِمّا قالَ الكُفّارُ مِنَ الكَنْزِ والجَنَّةِ، ﴿جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ ويَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا﴾ قالَ: وإنَّهُ واللَّهِ مَن دَخَلَ الجَنَّةَ لَيُصِيبَنَّ قُصُورًا لا تَبْلى ولا تُهْدَمُ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: كُلُّ شَيْءٍ في القُرْآنِ ﴿إفْكٌ﴾ فَهو كَذِبٌ.
(p-١٣٦)وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وأعانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ﴾ قالَ: يَهُودُ، ﴿فَقَدْ جاءُوا ظُلْمًا وزُورًا﴾ قالَ: كَذِبًا.
وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، «أنَّ عُتْبَةَ وشَيْبَةَ ابْنَيْ رَبِيعَةَ، وأبا سُفْيانَ بْنَ حَرْبٍ، والنَّضِرَ بْنَ الحارِثِ، وأبا البَخْتَرِيِّ، والأُسُودَ بْنَ المُطَّلِبِ، وزَمْعَةَ بْنَ الأسْوَدِ، والوَلِيدَ بْنَ المُغِيرَةِ، وأبا جَهِلِ بْنَ هِشامٍ، وعَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُمَيَّةَ، وأُمَيَّةَ بْنَ خَلَفٍ، والعاصِيَ بْنَ وائِلٍ، ونُبَيْهَ بْنَ الحَجّاجِ، ومُنَبِّهَ بْنَ الحَجّاجِ، اجْتَمَعُوا فَقالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: ابْعَثُوا إلى مُحَمَّدٍ فَكَلِّمُوهُ وخاصِمُوهُ حَتّى تُعْذِرُوا مِنهُ. فَبَعَثُوا إلَيْهِ: إنَّ أشْرافَ قَوْمِكَ قَدِ اجْتَمَعُوا لَكَ لِيُكَلِّمُوكَ. قالَ: فَجاءَهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقالُوا لَهُ: يا مُحَمَّدُ، إنّا بَعَثْنا إلَيْكَ لِنُعْذِرَ مِنكَ، فانٍ كُنْتَ إنَّما جِئْتَ بِهَذا الحَدِيثِ تَطْلُبُ بِهِ مالًا جَمَعْنا لَكَ مِن أمْوالِنا، وإنْ كُنْتَ تَطْلُبُ بِهِ الشَّرَفَ فَنَحْنُ نُسَوِّدُكَ، وإنْ كُنْتَ تُرِيدُ بِهِ مُلْكًا مَلَّكْناكَ. فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «ما بِي مِمّا تَقُولُونَ، ما جِئْتُكم بِما جِئْتُكم بِهِ أطْلُبُ أمْوالَكُمْ، ولا الشَّرَفَ فِيكُمْ، ولا المُلْكَ (p-١٣٧)عَلَيْكُمْ، ولَكِنَّ اللَّهَ بَعَثَنِي إلَيْكم رَسُولًا، وأنْزَلَ عَلَيَّ كِتابًا، وأمَرَنِي أنْ أكُونَ لَكم بَشِيرًا ونَذِيرًا، فَبَلَّغْتُكم رِسالَةَ رَبِّي، ونَصَحْتُ لَكُمْ، فَإنْ تَقْبَلُوا مِنِّي ما جِئْتُكم بِهِ، فَهو حَظُّكم في الدُّنْيا والآخِرَةِ، وإنْ تَرُدُّوهُ عَلَيَّ أصْبِرْ لِأمْرِ اللَّهِ حَتّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنِي وبَيْنَكُمْ» . قالُوا: يا مُحَمَّدُ، فَإنْ كُنْتَ غَيْرَ قابِلٍ مِنّا شَيْئًا مِمّا عَرَضْنا عَلَيْكَ – أوْ قالُوا: فَإذا لَمْ تَقْبَلْ هَذا- فَسَلْ لِنَفْسِكَ، وسَلْ رَبَّكَ أنْ يَبْعَثُ مَعَكَ مَلَكًا يُصَدِّقُكَ بِما تَقُولُ ويُراجِعُنا عَنْكَ، وسَلْهُ أنْ يَجْعَلَ لَكَ جِنانًا وقُصُورًا مِن ذَهَبٍ وفِضَّةٍ، تُغْنِيكَ عَمّا نَراكَ تَبْتَغِي، فَإنَّكَ تَقُومُ بِالأسْواقِ، وتَلْتَمِسُ المَعاشَ، كَما نَلْتَمِسُهُ، حَتّى نَعْرِفَ فَضْلَكَ ومَنزِلَتَكَ مِن رَبِّكَ إنْ كُنْتَ رَسُولًا كَما تَزْعُمُ. فَقالَ لَهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «ما أنا بِفاعِلٍ، ما أنا بِالَّذِي يَسْألُ رَبَّهُ هَذا، وما بُعِثْتُ إلَيْكم بِهَذا، ولَكِنَّ اللَّهَ بَعَثَنِي بَشِيرًا ونَذِيرًا» . فَأنْزَلَ اللَّهُ في قَوْلِهِمْ ذَلِكَ: ﴿وقالُوا مالِ هَذا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلْنا بَعْضَكم لِبَعْضٍ فِتْنَةً أتَصْبِرُونَ وكانَ رَبُّكَ بَصِيرًا﴾ [الفرقان: ٢٠] أيْ: جَعَلْتُ بَعْضَكم لِبَعْضِ بَلاءً لِتَصْبِرُوا، ولَوْ شِئْتُ أنْ أجْعَلَ الدُّنْيا مَعَ رَسُولِي فَلا تُخالِفُوهُ لَفَعَلْتُ» .
(p-١٣٨)وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ في قَوْلِهِ: ﴿وقالَ الظّالِمُونَ إنْ تَتَّبِعُونَ﴾ . قالَ: الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ وأصْحابُهُ يَوْمَ دارِ النَّدْوَةِ.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الأمْثالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلا﴾ قالَ: مَخْرَجًا يُخْرِجُهم مِنَ الأمْثالِ الَّتِي ضَرَبُوا لَكَ. وفي قَوْلِهِ: ﴿تَبارَكَ الَّذِي إنْ شاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِن ذَلِكَ جَنّاتٍ تَجْرِي﴾ قالَ: حَوائِطَ، ﴿ويَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا﴾ قالَ: بُيُوتًا مَبْيِنَّةً مُشَيَّدَةً، كانَتْ قُرَيْشٌ تَرى البَيْتَ مِن حِجارَةٍ قَصْرًا، كائِنًا ما كانَ.
وأخْرَجَ الواحِدِيُّ، وابْنُ عَساكِرَ، مِن طَرِيقِ جُوَيْبِرٍ، عَنِ الضَّحّاكِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «لَمّا عَيَّرَ المُشْرِكُونَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِالفاقَةِ قالُوا ﴿مالِ هَذا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ ويَمْشِي في الأسْواقِ﴾ حَزِنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَنَزَلَ جِبْرِيلُ فَقالَ: إنَّ رَبَّكَ يُقْرِئُكَ السَّلامَ ويَقُولُ: ﴿وما أرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنَ المُرْسَلِينَ إلا إنَّهم لَيَأْكُلُونَ الطَّعامَ ويَمْشُونَ في الأسْواقِ﴾ [الفرقان: ٢٠] ثُمَّ أتاهُ رِضْوانُ خازِنُ الجِنانِ ومَعَهُ سَفَطٌ مِن نُورٍ يَتَلَأْلَأُ، فَقالَ: هَذِهِ مَفاتِيحُ خَزائِنِ (p-١٣٩)الدُّنْيا. فَنَظَرَ النَّبِيُّ ﷺ إلى جِبْرِيلَ كالمُسْتَشِيرِ لَهُ، فَضَرَبَ جِبْرِيلُ بِيَدِهِ إلى الأرْضِ، أنْ تَواضَعْ. فَقالَ: يا رِضْوانُ، لا حاجَةَ لِي فِيها. فَنُودِيَ: أنِ ارْفَعْ بَصَرَكَ. فَرَفَعَ فَإذا السَّماواتُ فُتِحَتْ أبْوابُها إلى العَرْشِ، وبَدَتْ جَنَّةُ عَدْنٍ، فَرَأى مَنازِلَ الأنْبِياءِ وعَرَفَهُمْ، وإذا مَنازِلُهُ فَوْقَ مَنازِلِ الأنْبِياءِ، فَقالَ: «رَضِيتُ»» . ويُرَوْنَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ أنْزَلَها رِضْوانُ: ﴿تَبارَكَ الَّذِي إنْ شاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِن ذَلِكَ﴾ .
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ في ”المُصَنَّفِ“، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنْ خَيْثَمَةَ قالَ: «قِيلَ لِلنَّبِيِّ ﷺ: إنْ شِئْتَ أعْطَيْناكَ خَزائِنَ الأرْضِ ومَفاتِيحَها ما لَمْ يُعْطَ نَبِيٌّ قَبْلَكَ، ولا يُعْطاهُ أحَدٌ بَعْدَكَ، ولا يَنْقُصُكَ ذَلِكَ مِمّا لَكَ عِنْدَ اللَّهِ شَيْئًا، وإنْ شِئْتَ جَمَعَتُها لَكَ في الآخِرَةِ. فَقالَ: «اجْمَعُوها لِي في الآخِرَةِ» . فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿تَبارَكَ الَّذِي إنْ شاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِن ذَلِكَ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ ويَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا﴾ [الفرقان»: ١٠] .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «بَيْنَما جِبْرِيلُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إذْ (p-١٤٠)قالَ: هَذا مَلَكٌ يَتَدَلّى مِنَ السَّماءِ، لَمْ يَهْبِطْ إلى الأرْضِ قَطُّ قَبْلَها، اسْتَأْذَنَ رَبَّهُ في زِيارَتِكَ فَأذِنَ لَهُ. فَلَمْ يَلْبَثْ أنْ جاءَ فَقالَ: السَّلامُ عَلَيْكَ، يا رَسُولَ اللَّهِ. قالَ: «وعَلَيْكَ السَّلامُ» . قالَ: إنَّ اللَّهَ يُخَبِّرُكَ إنْ شِئْتَ أنْ يُعْطِيَكَ مِن خَزائِنِ كُلِّ شَيْءٍ ومَفاتِيحِ كُلَّ شَيْءٍ ما لَمْ يُعْطِ أحَدًا قَبْلَكَ، ولا يُعْطِيهِ أحَدًا بَعْدَكَ، ولا يَنْقُصُكَ مِمّا ذَخَرَ لَكَ عِنْدَهُ شَيْئًا. فَقالَ: «لا، بَلْ يَجْمَعُهُما لِي في الآخِرَةِ جَمِيعًا» . فَنَزَلَتْ: ﴿تَبارَكَ الَّذِي إنْ شاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِن ذَلِكَ﴾ [الفرقان»: ١٠] .
الفرقان 25:9
(p-١٣٣)سُورَةُ ”الفُرْقانِ“
مَكِّيَّةٌ
أخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ، والنَّحّاسُ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في ”الدَّلائِلِ“، مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ ”الفُرْقانِ“ بِمَكَّةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ قالَ: نَزَلَتْ بِمَكَّةَ سُورَةُ ”الفُرْقانِ“ .
وأخْرَجَ مالِكٌ، والشّافِعِيُّ، والبُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ حِبّانَ، والبَيْهَقِيُّ في ”سُنَنِهِ“، «عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ قالَ: سَمِعْتُ هِشامَ بْنَ حَكِيمٍ يَقْرَأُ سُورَةَ ”الفُرْقانِ“ في حَياةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فاسْتَمَعْتُ لِقِراءَتِهِ، فَإذا هو يَقْرَأُ عَلى حُرُوفٍ كَثِيرَةٍ لَمْ يُقْرِئْنِيها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَكِدْتُ أساوِرُهُ في الصَّلاةِ، فَتَصَبَّرْتُ حَتّى سَلَّمَ، فَلَبَّبَتْهُ بِرِدائِهِ فَقُلْتُ: مَن أقْرَأكَ هَذِهِ السُّورَةَ الَّتِي سَمِعْتُكَ تَقْرَأُ؟ قالَ: أقْرَأنِيها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقُلْتُ: كَذَبْتَ، فَإنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ أقْرَأنِيها عَلى غَيْرِ ما قَرَأْتَ. فانْطَلَقْتُ بِهِ أقُودُهُ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقُلْتُ: إنِّي سَمِعْتُ هَذا يَقْرَأُ سُورَةَ ”الفُرْقانِ“ عَلى حُرُوفٍ لَمْ تُقْرِئْنِيها. فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أرْسِلْهُ، اقْرَأْ يا هِشامُ» . (p-١٣٤)فَقَرَأ عَلَيْهِ القِراءَةَ الَّتِي سَمِعْتُهُ يَقْرَأُ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «كَذَلِكَ أُنْزِلَتْ» . ثُمَّ قالَ: «اقْرَأْ يا عُمَرُ» . فَقَرَأْتُ القِراءَةَ الَّتِي أقْرَأنِي، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «كَذَلِكَ أُنْزِلَتْ، إنَّ هَذا القُرْآنَ أُنْزِلَ عَلى سَبْعَةِ أحْرُفٍ، فاقْرَءُوا ما تَيَسَّرَ مِنهُ»» .
وأخْرَجَ ابْنُ الأنْبارِيِّ في ”المَصاحِفِ“، عَنْ حَمِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَلّى الصُّبْحَ فَقَرَأ سُورَةَ ”الفُرْقانِ“، فَأسْقَطَ آيَةً، فَلِما سَلَّمَ قالَ: «هَلْ في القَوْمِ أُبَيٌّ»؟ . فَقالَ أُبَيٌّ: ها أنا يا رَسُولَ اللَّهِ. فَقالَ: «ألَمْ أُسْقِطْ آيَةً»؟ . قالَ: بَلى. قالَ: «فَلِمَ لَمْ تَفْتَحْها عَلَيَّ»؟ . قالَ: حَسِبْتُها آيَةً نُسِخَتْ قالَ: «لا، ولَكِنِّي أسْقَطْتُها»» .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ﴾ الآياتِ.
أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: ﴿تَبارَكَ﴾ تَفاعَلَ مِنَ البَرَكَةِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ﴾ . قالَ: هو القُرْآنُ، فِيهِ حَلالُ اللَّهِ وحَرامُهُ، وشَرائِعُهُ ودِينُهُ، فَرَقَ اللَّهُ بِهِ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، ﴿لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيرًا﴾ قالَ: بَعَثَ اللَّهُ مُحَمَّدًا ﷺ نَذِيرًا مِنَ اللَّهِ لِيُنْذِرَ النّاسَ بَأْسَ اللَّهِ ووَقائِعَهُ (p-١٣٥)بِمَن خَلا قَبْلَكُمْ، ﴿وخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ قالَ: بَيَّنَ لِكُلِّ شَيْءٍ مِن خَلْقِهِ صَلاحَهُ، وجَعَلَ ذَلِكَ بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ، ﴿واتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً﴾ قالَ: هي هَذِهِ الأوْثانُ الَّتِي تُعْبَدُ مِن دُونِ اللَّهِ، ﴿لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وهم يُخْلَقُونَ﴾ وهو اللَّهُ الخالِقُ الرّازِقُ، وهَذِهِ الأوْثانُ تُخْلَقُ ولا تَخْلُقُ شَيْئًا، ولا تَضُرُّ ولا تَنْفَعُ، ولا تَمْلِكُ مَوْتًا ولا حَياةً، ﴿ولا نُشُورًا﴾ يَعْنِي بَعْثًا، ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إنْ هَذا﴾: هَذا قَوْلُ مُشْرِكِي العَرَبِ، ﴿إلا إفْكٌ﴾ هو الكَذِبُ، ﴿افْتَراهُ وأعانَهُ عَلَيْهِ﴾ أيْ: عَلى حَدِيثِهِ هَذا وأمْرِهِ، ﴿قَوْمٌ آخَرُونَ﴾، ﴿فَقَدْ جاءُوا﴾ فَقَدْ أتَوْا ﴿ظُلْمًا وزُورًا﴾، ﴿وقالُوا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ . قالَ: كَذِبُ الأوَّلِينَ وأحادِيثُهُمْ، ﴿وقالُوا مالِ هَذا الرَّسُولِ﴾ قالَ: عَجِبَ الكُفّارُ مِن ذَلِكَ أنْ يَكُونَ رَسُولٌ يَأْكُلُ الطَّعامَ ويَمْشِي في الأسْواقِ، ﴿لَوْلا أُنْزِلَ إلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا﴾ ﴿أوْ يُلْقى إلَيْهِ كَنْزٌ أوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنها﴾ قالَ اللَّهُ يَرُدُّ عَلَيْهِمْ: ﴿تَبارَكَ الَّذِي إنْ شاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِن ذَلِكَ﴾ يَقُولُ: خَيْرًا مِمّا قالَ الكُفّارُ مِنَ الكَنْزِ والجَنَّةِ، ﴿جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ ويَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا﴾ قالَ: وإنَّهُ واللَّهِ مَن دَخَلَ الجَنَّةَ لَيُصِيبَنَّ قُصُورًا لا تَبْلى ولا تُهْدَمُ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: كُلُّ شَيْءٍ في القُرْآنِ ﴿إفْكٌ﴾ فَهو كَذِبٌ.
(p-١٣٦)وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وأعانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ﴾ قالَ: يَهُودُ، ﴿فَقَدْ جاءُوا ظُلْمًا وزُورًا﴾ قالَ: كَذِبًا.
وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، «أنَّ عُتْبَةَ وشَيْبَةَ ابْنَيْ رَبِيعَةَ، وأبا سُفْيانَ بْنَ حَرْبٍ، والنَّضِرَ بْنَ الحارِثِ، وأبا البَخْتَرِيِّ، والأُسُودَ بْنَ المُطَّلِبِ، وزَمْعَةَ بْنَ الأسْوَدِ، والوَلِيدَ بْنَ المُغِيرَةِ، وأبا جَهِلِ بْنَ هِشامٍ، وعَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُمَيَّةَ، وأُمَيَّةَ بْنَ خَلَفٍ، والعاصِيَ بْنَ وائِلٍ، ونُبَيْهَ بْنَ الحَجّاجِ، ومُنَبِّهَ بْنَ الحَجّاجِ، اجْتَمَعُوا فَقالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: ابْعَثُوا إلى مُحَمَّدٍ فَكَلِّمُوهُ وخاصِمُوهُ حَتّى تُعْذِرُوا مِنهُ. فَبَعَثُوا إلَيْهِ: إنَّ أشْرافَ قَوْمِكَ قَدِ اجْتَمَعُوا لَكَ لِيُكَلِّمُوكَ. قالَ: فَجاءَهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقالُوا لَهُ: يا مُحَمَّدُ، إنّا بَعَثْنا إلَيْكَ لِنُعْذِرَ مِنكَ، فانٍ كُنْتَ إنَّما جِئْتَ بِهَذا الحَدِيثِ تَطْلُبُ بِهِ مالًا جَمَعْنا لَكَ مِن أمْوالِنا، وإنْ كُنْتَ تَطْلُبُ بِهِ الشَّرَفَ فَنَحْنُ نُسَوِّدُكَ، وإنْ كُنْتَ تُرِيدُ بِهِ مُلْكًا مَلَّكْناكَ. فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «ما بِي مِمّا تَقُولُونَ، ما جِئْتُكم بِما جِئْتُكم بِهِ أطْلُبُ أمْوالَكُمْ، ولا الشَّرَفَ فِيكُمْ، ولا المُلْكَ (p-١٣٧)عَلَيْكُمْ، ولَكِنَّ اللَّهَ بَعَثَنِي إلَيْكم رَسُولًا، وأنْزَلَ عَلَيَّ كِتابًا، وأمَرَنِي أنْ أكُونَ لَكم بَشِيرًا ونَذِيرًا، فَبَلَّغْتُكم رِسالَةَ رَبِّي، ونَصَحْتُ لَكُمْ، فَإنْ تَقْبَلُوا مِنِّي ما جِئْتُكم بِهِ، فَهو حَظُّكم في الدُّنْيا والآخِرَةِ، وإنْ تَرُدُّوهُ عَلَيَّ أصْبِرْ لِأمْرِ اللَّهِ حَتّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنِي وبَيْنَكُمْ» . قالُوا: يا مُحَمَّدُ، فَإنْ كُنْتَ غَيْرَ قابِلٍ مِنّا شَيْئًا مِمّا عَرَضْنا عَلَيْكَ – أوْ قالُوا: فَإذا لَمْ تَقْبَلْ هَذا- فَسَلْ لِنَفْسِكَ، وسَلْ رَبَّكَ أنْ يَبْعَثُ مَعَكَ مَلَكًا يُصَدِّقُكَ بِما تَقُولُ ويُراجِعُنا عَنْكَ، وسَلْهُ أنْ يَجْعَلَ لَكَ جِنانًا وقُصُورًا مِن ذَهَبٍ وفِضَّةٍ، تُغْنِيكَ عَمّا نَراكَ تَبْتَغِي، فَإنَّكَ تَقُومُ بِالأسْواقِ، وتَلْتَمِسُ المَعاشَ، كَما نَلْتَمِسُهُ، حَتّى نَعْرِفَ فَضْلَكَ ومَنزِلَتَكَ مِن رَبِّكَ إنْ كُنْتَ رَسُولًا كَما تَزْعُمُ. فَقالَ لَهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «ما أنا بِفاعِلٍ، ما أنا بِالَّذِي يَسْألُ رَبَّهُ هَذا، وما بُعِثْتُ إلَيْكم بِهَذا، ولَكِنَّ اللَّهَ بَعَثَنِي بَشِيرًا ونَذِيرًا» . فَأنْزَلَ اللَّهُ في قَوْلِهِمْ ذَلِكَ: ﴿وقالُوا مالِ هَذا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلْنا بَعْضَكم لِبَعْضٍ فِتْنَةً أتَصْبِرُونَ وكانَ رَبُّكَ بَصِيرًا﴾ [الفرقان: ٢٠] أيْ: جَعَلْتُ بَعْضَكم لِبَعْضِ بَلاءً لِتَصْبِرُوا، ولَوْ شِئْتُ أنْ أجْعَلَ الدُّنْيا مَعَ رَسُولِي فَلا تُخالِفُوهُ لَفَعَلْتُ» .
(p-١٣٨)وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ في قَوْلِهِ: ﴿وقالَ الظّالِمُونَ إنْ تَتَّبِعُونَ﴾ . قالَ: الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ وأصْحابُهُ يَوْمَ دارِ النَّدْوَةِ.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الأمْثالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلا﴾ قالَ: مَخْرَجًا يُخْرِجُهم مِنَ الأمْثالِ الَّتِي ضَرَبُوا لَكَ. وفي قَوْلِهِ: ﴿تَبارَكَ الَّذِي إنْ شاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِن ذَلِكَ جَنّاتٍ تَجْرِي﴾ قالَ: حَوائِطَ، ﴿ويَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا﴾ قالَ: بُيُوتًا مَبْيِنَّةً مُشَيَّدَةً، كانَتْ قُرَيْشٌ تَرى البَيْتَ مِن حِجارَةٍ قَصْرًا، كائِنًا ما كانَ.
وأخْرَجَ الواحِدِيُّ، وابْنُ عَساكِرَ، مِن طَرِيقِ جُوَيْبِرٍ، عَنِ الضَّحّاكِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «لَمّا عَيَّرَ المُشْرِكُونَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِالفاقَةِ قالُوا ﴿مالِ هَذا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ ويَمْشِي في الأسْواقِ﴾ حَزِنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَنَزَلَ جِبْرِيلُ فَقالَ: إنَّ رَبَّكَ يُقْرِئُكَ السَّلامَ ويَقُولُ: ﴿وما أرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنَ المُرْسَلِينَ إلا إنَّهم لَيَأْكُلُونَ الطَّعامَ ويَمْشُونَ في الأسْواقِ﴾ [الفرقان: ٢٠] ثُمَّ أتاهُ رِضْوانُ خازِنُ الجِنانِ ومَعَهُ سَفَطٌ مِن نُورٍ يَتَلَأْلَأُ، فَقالَ: هَذِهِ مَفاتِيحُ خَزائِنِ (p-١٣٩)الدُّنْيا. فَنَظَرَ النَّبِيُّ ﷺ إلى جِبْرِيلَ كالمُسْتَشِيرِ لَهُ، فَضَرَبَ جِبْرِيلُ بِيَدِهِ إلى الأرْضِ، أنْ تَواضَعْ. فَقالَ: يا رِضْوانُ، لا حاجَةَ لِي فِيها. فَنُودِيَ: أنِ ارْفَعْ بَصَرَكَ. فَرَفَعَ فَإذا السَّماواتُ فُتِحَتْ أبْوابُها إلى العَرْشِ، وبَدَتْ جَنَّةُ عَدْنٍ، فَرَأى مَنازِلَ الأنْبِياءِ وعَرَفَهُمْ، وإذا مَنازِلُهُ فَوْقَ مَنازِلِ الأنْبِياءِ، فَقالَ: «رَضِيتُ»» . ويُرَوْنَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ أنْزَلَها رِضْوانُ: ﴿تَبارَكَ الَّذِي إنْ شاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِن ذَلِكَ﴾ .
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ في ”المُصَنَّفِ“، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنْ خَيْثَمَةَ قالَ: «قِيلَ لِلنَّبِيِّ ﷺ: إنْ شِئْتَ أعْطَيْناكَ خَزائِنَ الأرْضِ ومَفاتِيحَها ما لَمْ يُعْطَ نَبِيٌّ قَبْلَكَ، ولا يُعْطاهُ أحَدٌ بَعْدَكَ، ولا يَنْقُصُكَ ذَلِكَ مِمّا لَكَ عِنْدَ اللَّهِ شَيْئًا، وإنْ شِئْتَ جَمَعَتُها لَكَ في الآخِرَةِ. فَقالَ: «اجْمَعُوها لِي في الآخِرَةِ» . فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿تَبارَكَ الَّذِي إنْ شاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِن ذَلِكَ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ ويَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا﴾ [الفرقان»: ١٠] .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «بَيْنَما جِبْرِيلُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إذْ (p-١٤٠)قالَ: هَذا مَلَكٌ يَتَدَلّى مِنَ السَّماءِ، لَمْ يَهْبِطْ إلى الأرْضِ قَطُّ قَبْلَها، اسْتَأْذَنَ رَبَّهُ في زِيارَتِكَ فَأذِنَ لَهُ. فَلَمْ يَلْبَثْ أنْ جاءَ فَقالَ: السَّلامُ عَلَيْكَ، يا رَسُولَ اللَّهِ. قالَ: «وعَلَيْكَ السَّلامُ» . قالَ: إنَّ اللَّهَ يُخَبِّرُكَ إنْ شِئْتَ أنْ يُعْطِيَكَ مِن خَزائِنِ كُلِّ شَيْءٍ ومَفاتِيحِ كُلَّ شَيْءٍ ما لَمْ يُعْطِ أحَدًا قَبْلَكَ، ولا يُعْطِيهِ أحَدًا بَعْدَكَ، ولا يَنْقُصُكَ مِمّا ذَخَرَ لَكَ عِنْدَهُ شَيْئًا. فَقالَ: «لا، بَلْ يَجْمَعُهُما لِي في الآخِرَةِ جَمِيعًا» . فَنَزَلَتْ: ﴿تَبارَكَ الَّذِي إنْ شاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِن ذَلِكَ﴾ [الفرقان»: ١٠] .
الفرقان 25:10
(p-١٣٣)سُورَةُ ”الفُرْقانِ“
مَكِّيَّةٌ
أخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ، والنَّحّاسُ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في ”الدَّلائِلِ“، مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ ”الفُرْقانِ“ بِمَكَّةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ قالَ: نَزَلَتْ بِمَكَّةَ سُورَةُ ”الفُرْقانِ“ .
وأخْرَجَ مالِكٌ، والشّافِعِيُّ، والبُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ حِبّانَ، والبَيْهَقِيُّ في ”سُنَنِهِ“، «عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ قالَ: سَمِعْتُ هِشامَ بْنَ حَكِيمٍ يَقْرَأُ سُورَةَ ”الفُرْقانِ“ في حَياةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فاسْتَمَعْتُ لِقِراءَتِهِ، فَإذا هو يَقْرَأُ عَلى حُرُوفٍ كَثِيرَةٍ لَمْ يُقْرِئْنِيها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَكِدْتُ أساوِرُهُ في الصَّلاةِ، فَتَصَبَّرْتُ حَتّى سَلَّمَ، فَلَبَّبَتْهُ بِرِدائِهِ فَقُلْتُ: مَن أقْرَأكَ هَذِهِ السُّورَةَ الَّتِي سَمِعْتُكَ تَقْرَأُ؟ قالَ: أقْرَأنِيها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقُلْتُ: كَذَبْتَ، فَإنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ أقْرَأنِيها عَلى غَيْرِ ما قَرَأْتَ. فانْطَلَقْتُ بِهِ أقُودُهُ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقُلْتُ: إنِّي سَمِعْتُ هَذا يَقْرَأُ سُورَةَ ”الفُرْقانِ“ عَلى حُرُوفٍ لَمْ تُقْرِئْنِيها. فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أرْسِلْهُ، اقْرَأْ يا هِشامُ» . (p-١٣٤)فَقَرَأ عَلَيْهِ القِراءَةَ الَّتِي سَمِعْتُهُ يَقْرَأُ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «كَذَلِكَ أُنْزِلَتْ» . ثُمَّ قالَ: «اقْرَأْ يا عُمَرُ» . فَقَرَأْتُ القِراءَةَ الَّتِي أقْرَأنِي، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «كَذَلِكَ أُنْزِلَتْ، إنَّ هَذا القُرْآنَ أُنْزِلَ عَلى سَبْعَةِ أحْرُفٍ، فاقْرَءُوا ما تَيَسَّرَ مِنهُ»» .
وأخْرَجَ ابْنُ الأنْبارِيِّ في ”المَصاحِفِ“، عَنْ حَمِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَلّى الصُّبْحَ فَقَرَأ سُورَةَ ”الفُرْقانِ“، فَأسْقَطَ آيَةً، فَلِما سَلَّمَ قالَ: «هَلْ في القَوْمِ أُبَيٌّ»؟ . فَقالَ أُبَيٌّ: ها أنا يا رَسُولَ اللَّهِ. فَقالَ: «ألَمْ أُسْقِطْ آيَةً»؟ . قالَ: بَلى. قالَ: «فَلِمَ لَمْ تَفْتَحْها عَلَيَّ»؟ . قالَ: حَسِبْتُها آيَةً نُسِخَتْ قالَ: «لا، ولَكِنِّي أسْقَطْتُها»» .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ﴾ الآياتِ.
أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: ﴿تَبارَكَ﴾ تَفاعَلَ مِنَ البَرَكَةِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿تَبارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الفُرْقانَ عَلى عَبْدِهِ﴾ . قالَ: هو القُرْآنُ، فِيهِ حَلالُ اللَّهِ وحَرامُهُ، وشَرائِعُهُ ودِينُهُ، فَرَقَ اللَّهُ بِهِ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، ﴿لِيَكُونَ لِلْعالَمِينَ نَذِيرًا﴾ قالَ: بَعَثَ اللَّهُ مُحَمَّدًا ﷺ نَذِيرًا مِنَ اللَّهِ لِيُنْذِرَ النّاسَ بَأْسَ اللَّهِ ووَقائِعَهُ (p-١٣٥)بِمَن خَلا قَبْلَكُمْ، ﴿وخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ قالَ: بَيَّنَ لِكُلِّ شَيْءٍ مِن خَلْقِهِ صَلاحَهُ، وجَعَلَ ذَلِكَ بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ، ﴿واتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً﴾ قالَ: هي هَذِهِ الأوْثانُ الَّتِي تُعْبَدُ مِن دُونِ اللَّهِ، ﴿لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وهم يُخْلَقُونَ﴾ وهو اللَّهُ الخالِقُ الرّازِقُ، وهَذِهِ الأوْثانُ تُخْلَقُ ولا تَخْلُقُ شَيْئًا، ولا تَضُرُّ ولا تَنْفَعُ، ولا تَمْلِكُ مَوْتًا ولا حَياةً، ﴿ولا نُشُورًا﴾ يَعْنِي بَعْثًا، ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إنْ هَذا﴾: هَذا قَوْلُ مُشْرِكِي العَرَبِ، ﴿إلا إفْكٌ﴾ هو الكَذِبُ، ﴿افْتَراهُ وأعانَهُ عَلَيْهِ﴾ أيْ: عَلى حَدِيثِهِ هَذا وأمْرِهِ، ﴿قَوْمٌ آخَرُونَ﴾، ﴿فَقَدْ جاءُوا﴾ فَقَدْ أتَوْا ﴿ظُلْمًا وزُورًا﴾، ﴿وقالُوا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾ . قالَ: كَذِبُ الأوَّلِينَ وأحادِيثُهُمْ، ﴿وقالُوا مالِ هَذا الرَّسُولِ﴾ قالَ: عَجِبَ الكُفّارُ مِن ذَلِكَ أنْ يَكُونَ رَسُولٌ يَأْكُلُ الطَّعامَ ويَمْشِي في الأسْواقِ، ﴿لَوْلا أُنْزِلَ إلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا﴾ ﴿أوْ يُلْقى إلَيْهِ كَنْزٌ أوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنها﴾ قالَ اللَّهُ يَرُدُّ عَلَيْهِمْ: ﴿تَبارَكَ الَّذِي إنْ شاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِن ذَلِكَ﴾ يَقُولُ: خَيْرًا مِمّا قالَ الكُفّارُ مِنَ الكَنْزِ والجَنَّةِ، ﴿جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ ويَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا﴾ قالَ: وإنَّهُ واللَّهِ مَن دَخَلَ الجَنَّةَ لَيُصِيبَنَّ قُصُورًا لا تَبْلى ولا تُهْدَمُ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: كُلُّ شَيْءٍ في القُرْآنِ ﴿إفْكٌ﴾ فَهو كَذِبٌ.
(p-١٣٦)وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وأعانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ﴾ قالَ: يَهُودُ، ﴿فَقَدْ جاءُوا ظُلْمًا وزُورًا﴾ قالَ: كَذِبًا.
وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، «أنَّ عُتْبَةَ وشَيْبَةَ ابْنَيْ رَبِيعَةَ، وأبا سُفْيانَ بْنَ حَرْبٍ، والنَّضِرَ بْنَ الحارِثِ، وأبا البَخْتَرِيِّ، والأُسُودَ بْنَ المُطَّلِبِ، وزَمْعَةَ بْنَ الأسْوَدِ، والوَلِيدَ بْنَ المُغِيرَةِ، وأبا جَهِلِ بْنَ هِشامٍ، وعَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُمَيَّةَ، وأُمَيَّةَ بْنَ خَلَفٍ، والعاصِيَ بْنَ وائِلٍ، ونُبَيْهَ بْنَ الحَجّاجِ، ومُنَبِّهَ بْنَ الحَجّاجِ، اجْتَمَعُوا فَقالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: ابْعَثُوا إلى مُحَمَّدٍ فَكَلِّمُوهُ وخاصِمُوهُ حَتّى تُعْذِرُوا مِنهُ. فَبَعَثُوا إلَيْهِ: إنَّ أشْرافَ قَوْمِكَ قَدِ اجْتَمَعُوا لَكَ لِيُكَلِّمُوكَ. قالَ: فَجاءَهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقالُوا لَهُ: يا مُحَمَّدُ، إنّا بَعَثْنا إلَيْكَ لِنُعْذِرَ مِنكَ، فانٍ كُنْتَ إنَّما جِئْتَ بِهَذا الحَدِيثِ تَطْلُبُ بِهِ مالًا جَمَعْنا لَكَ مِن أمْوالِنا، وإنْ كُنْتَ تَطْلُبُ بِهِ الشَّرَفَ فَنَحْنُ نُسَوِّدُكَ، وإنْ كُنْتَ تُرِيدُ بِهِ مُلْكًا مَلَّكْناكَ. فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «ما بِي مِمّا تَقُولُونَ، ما جِئْتُكم بِما جِئْتُكم بِهِ أطْلُبُ أمْوالَكُمْ، ولا الشَّرَفَ فِيكُمْ، ولا المُلْكَ (p-١٣٧)عَلَيْكُمْ، ولَكِنَّ اللَّهَ بَعَثَنِي إلَيْكم رَسُولًا، وأنْزَلَ عَلَيَّ كِتابًا، وأمَرَنِي أنْ أكُونَ لَكم بَشِيرًا ونَذِيرًا، فَبَلَّغْتُكم رِسالَةَ رَبِّي، ونَصَحْتُ لَكُمْ، فَإنْ تَقْبَلُوا مِنِّي ما جِئْتُكم بِهِ، فَهو حَظُّكم في الدُّنْيا والآخِرَةِ، وإنْ تَرُدُّوهُ عَلَيَّ أصْبِرْ لِأمْرِ اللَّهِ حَتّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنِي وبَيْنَكُمْ» . قالُوا: يا مُحَمَّدُ، فَإنْ كُنْتَ غَيْرَ قابِلٍ مِنّا شَيْئًا مِمّا عَرَضْنا عَلَيْكَ – أوْ قالُوا: فَإذا لَمْ تَقْبَلْ هَذا- فَسَلْ لِنَفْسِكَ، وسَلْ رَبَّكَ أنْ يَبْعَثُ مَعَكَ مَلَكًا يُصَدِّقُكَ بِما تَقُولُ ويُراجِعُنا عَنْكَ، وسَلْهُ أنْ يَجْعَلَ لَكَ جِنانًا وقُصُورًا مِن ذَهَبٍ وفِضَّةٍ، تُغْنِيكَ عَمّا نَراكَ تَبْتَغِي، فَإنَّكَ تَقُومُ بِالأسْواقِ، وتَلْتَمِسُ المَعاشَ، كَما نَلْتَمِسُهُ، حَتّى نَعْرِفَ فَضْلَكَ ومَنزِلَتَكَ مِن رَبِّكَ إنْ كُنْتَ رَسُولًا كَما تَزْعُمُ. فَقالَ لَهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «ما أنا بِفاعِلٍ، ما أنا بِالَّذِي يَسْألُ رَبَّهُ هَذا، وما بُعِثْتُ إلَيْكم بِهَذا، ولَكِنَّ اللَّهَ بَعَثَنِي بَشِيرًا ونَذِيرًا» . فَأنْزَلَ اللَّهُ في قَوْلِهِمْ ذَلِكَ: ﴿وقالُوا مالِ هَذا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلْنا بَعْضَكم لِبَعْضٍ فِتْنَةً أتَصْبِرُونَ وكانَ رَبُّكَ بَصِيرًا﴾ [الفرقان: ٢٠] أيْ: جَعَلْتُ بَعْضَكم لِبَعْضِ بَلاءً لِتَصْبِرُوا، ولَوْ شِئْتُ أنْ أجْعَلَ الدُّنْيا مَعَ رَسُولِي فَلا تُخالِفُوهُ لَفَعَلْتُ» .
(p-١٣٨)وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ في قَوْلِهِ: ﴿وقالَ الظّالِمُونَ إنْ تَتَّبِعُونَ﴾ . قالَ: الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ وأصْحابُهُ يَوْمَ دارِ النَّدْوَةِ.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الأمْثالَ فَضَلُّوا فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلا﴾ قالَ: مَخْرَجًا يُخْرِجُهم مِنَ الأمْثالِ الَّتِي ضَرَبُوا لَكَ. وفي قَوْلِهِ: ﴿تَبارَكَ الَّذِي إنْ شاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِن ذَلِكَ جَنّاتٍ تَجْرِي﴾ قالَ: حَوائِطَ، ﴿ويَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا﴾ قالَ: بُيُوتًا مَبْيِنَّةً مُشَيَّدَةً، كانَتْ قُرَيْشٌ تَرى البَيْتَ مِن حِجارَةٍ قَصْرًا، كائِنًا ما كانَ.
وأخْرَجَ الواحِدِيُّ، وابْنُ عَساكِرَ، مِن طَرِيقِ جُوَيْبِرٍ، عَنِ الضَّحّاكِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «لَمّا عَيَّرَ المُشْرِكُونَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِالفاقَةِ قالُوا ﴿مالِ هَذا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ ويَمْشِي في الأسْواقِ﴾ حَزِنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَنَزَلَ جِبْرِيلُ فَقالَ: إنَّ رَبَّكَ يُقْرِئُكَ السَّلامَ ويَقُولُ: ﴿وما أرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنَ المُرْسَلِينَ إلا إنَّهم لَيَأْكُلُونَ الطَّعامَ ويَمْشُونَ في الأسْواقِ﴾ [الفرقان: ٢٠] ثُمَّ أتاهُ رِضْوانُ خازِنُ الجِنانِ ومَعَهُ سَفَطٌ مِن نُورٍ يَتَلَأْلَأُ، فَقالَ: هَذِهِ مَفاتِيحُ خَزائِنِ (p-١٣٩)الدُّنْيا. فَنَظَرَ النَّبِيُّ ﷺ إلى جِبْرِيلَ كالمُسْتَشِيرِ لَهُ، فَضَرَبَ جِبْرِيلُ بِيَدِهِ إلى الأرْضِ، أنْ تَواضَعْ. فَقالَ: يا رِضْوانُ، لا حاجَةَ لِي فِيها. فَنُودِيَ: أنِ ارْفَعْ بَصَرَكَ. فَرَفَعَ فَإذا السَّماواتُ فُتِحَتْ أبْوابُها إلى العَرْشِ، وبَدَتْ جَنَّةُ عَدْنٍ، فَرَأى مَنازِلَ الأنْبِياءِ وعَرَفَهُمْ، وإذا مَنازِلُهُ فَوْقَ مَنازِلِ الأنْبِياءِ، فَقالَ: «رَضِيتُ»» . ويُرَوْنَ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ أنْزَلَها رِضْوانُ: ﴿تَبارَكَ الَّذِي إنْ شاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِن ذَلِكَ﴾ .
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ في ”المُصَنَّفِ“، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنْ خَيْثَمَةَ قالَ: «قِيلَ لِلنَّبِيِّ ﷺ: إنْ شِئْتَ أعْطَيْناكَ خَزائِنَ الأرْضِ ومَفاتِيحَها ما لَمْ يُعْطَ نَبِيٌّ قَبْلَكَ، ولا يُعْطاهُ أحَدٌ بَعْدَكَ، ولا يَنْقُصُكَ ذَلِكَ مِمّا لَكَ عِنْدَ اللَّهِ شَيْئًا، وإنْ شِئْتَ جَمَعَتُها لَكَ في الآخِرَةِ. فَقالَ: «اجْمَعُوها لِي في الآخِرَةِ» . فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿تَبارَكَ الَّذِي إنْ شاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِن ذَلِكَ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ ويَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا﴾ [الفرقان»: ١٠] .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «بَيْنَما جِبْرِيلُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إذْ (p-١٤٠)قالَ: هَذا مَلَكٌ يَتَدَلّى مِنَ السَّماءِ، لَمْ يَهْبِطْ إلى الأرْضِ قَطُّ قَبْلَها، اسْتَأْذَنَ رَبَّهُ في زِيارَتِكَ فَأذِنَ لَهُ. فَلَمْ يَلْبَثْ أنْ جاءَ فَقالَ: السَّلامُ عَلَيْكَ، يا رَسُولَ اللَّهِ. قالَ: «وعَلَيْكَ السَّلامُ» . قالَ: إنَّ اللَّهَ يُخَبِّرُكَ إنْ شِئْتَ أنْ يُعْطِيَكَ مِن خَزائِنِ كُلِّ شَيْءٍ ومَفاتِيحِ كُلَّ شَيْءٍ ما لَمْ يُعْطِ أحَدًا قَبْلَكَ، ولا يُعْطِيهِ أحَدًا بَعْدَكَ، ولا يَنْقُصُكَ مِمّا ذَخَرَ لَكَ عِنْدَهُ شَيْئًا. فَقالَ: «لا، بَلْ يَجْمَعُهُما لِي في الآخِرَةِ جَمِيعًا» . فَنَزَلَتْ: ﴿تَبارَكَ الَّذِي إنْ شاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِن ذَلِكَ﴾ [الفرقان»: ١٠] .
الفرقان 25:12
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذا رَأتْهم مِن مَكانٍ بَعِيدٍ﴾ الآيَةَ.
أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿إذا رَأتْهم مِن مَكانٍ بَعِيدٍ﴾ قالَ: مِن مَسِيرَةِ مِائَةِ عامٍ.
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، مِن طَرِيقٍ مَكْحُولٍ عَنْ أبِي أُمامَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««مَن كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدًا مِن بَيْنِ عَيْنَيْ جَهَنَّمَ» قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ، وهَلْ لِجَهَنَّمَ مِن عَيْنٍ؟ قالَ: «نَعَمْ، أمّا سُمِعْتُمُ اللَّهَ (p-١٤١)يَقُولُ ﴿إذا رَأتْهم مِن مَكانٍ بَعِيدٍ﴾ ؟ فَهَلْ تَراهم إلّا بِعَيْنَيْنِ»» .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، مِن طَرِيقِ خالِدِ بْنِ دُرَيْكٍ، عَنْ رَجُلٍ مِنَ الصَّحابَةِ قالَ: قالَ النَّبِيُّ ﷺ: ««مَن يَقُلْ عَلَيَّ ما لَمْ أقُلْ أوِ ادَّعى إلى غَيْرِ والِدَيْهِ، أوِ انْتَمى إلى غَيْرِ مَوالِيهِ، فَلْيَتَبَوَّأْ بَيْنَ عَيْنَيْ جَهَنَّمَ مَقْعَدًا» . قِيلَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، وهَلْ لَها مِن عَيْنَيْنِ؟ قالَ: «نَعَمْ، أما سَمِعْتُمُ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿إذا رَأتْهم مِن مَكانٍ بَعِيدٍ﴾ [الفرقان»: ١٢]» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، بِسَنَدٍ صَحِيحٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: إنَّ العَبْدَ لَيُجَرُّ إلى النّارِ، فَتَشْهَقُ إلَيْهِ شَهْقَةَ البَغْلَةِ إلى الشَّعِيرِ، ثُمَّ تَزْفِرُ زَفْرَةً لا يَبْقى أحَدٌ إلّا خافَ، وإنَّ الرَّجُلَ مِن أهْلِ النّارِ ما بَيْنَ شَحْمَةِ أُذُنَيْهِ وبَيْنَ مَنكِبَيْهِ مَسِيرَةُ سَبْعِينَ سَنَةً، وإنَّ فِيها لَأوْدِيَةً مِن قَيْحٍ تُكالُ ثُمَّ تُصَبُّ في فِيهِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ في قَوْلِهِ: ﴿سَمِعُوا لَها تَغَيُّظًا وزَفِيرًا﴾ قالَ: إنَّ جَهَنَّمَ (p-١٤٢)لَتَزْفِرُ زَفْرَةً، لا يُبْقى مَلِكٌ مُقَرَّبٌ ولا نَبِيُّ مُرْسَلُ، إلّا خَرَّ تُرْعَدُ فَرائِصُهُ، حَتّى إنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَيَجْثُو عَلى رُكْبَتَيْهِ ويَقُولَ: يا رَبِّ، لا أسْألُكَ اليَوْمَ إلّا نَفْسِي.
وأخْرَجَ ابْنُ وهْبٍ في ”الأهْوالِ“، عَنِ العَطّافِ بْنِ خالِدٍ قالَ: «يُؤْتى بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَأْكُلُ بَعْضُها بَعْضًا، يَقُودُها سَبْعُونَ ألْفَ مَلَكٍ، فَإذا رَأتِ النّاسَ فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿إذا رَأتْهم مِن مَكانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَها تَغَيُّظًا وزَفِيرًا﴾ زَفَرَتْ زَفْرَةً، لا يَبْقى نَبِيٌّ ولا صِدِّيقٌ إلّا بَرَكَ لِرُكْبَتَيْهِ ويَقُولُ: يا رَبِّ، نَفْسِي نَفْسِي ويَقُولُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أُمَّتِي أُمَّتِي»» .
وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ في ”العَظَمَةِ“ عَنْ مُغِيثِ بْنِ سُمَيٍّ قالَ: ما خَلَقَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ إلّا وهو يَسْمَعُ زَفِيرَ جَهَنَّمَ غُدْوَةً وعَشِيَّةً، إلّا الثَّقَلَيْنِ الَّذِينَ عَلَيْهِمُ الحِسابُ والعِقابُ.
وأخْرَجَ آدَمُ بْنُ أبِي إياسٍ في ”تَفْسِيرِهِ“، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إذا رَأتْهم مِن مَكانٍ بَعِيدٍ﴾ قالَ: مِن مَسِيرَةِ مِائَةِ عامٍ، وذَلِكَ إذا أُتِيَ بِجَهَنَّمَ تُقادُ بِسَبْعِينَ ألْفَ زِمامٍ، يَشُدُّ بِكُلِّ زِمامٍ سَبْعُونَ ألْفَ مَلَكٍ، لَوْ تُرِكَتْ لَأتَتْ عَلى كُلِّ بَرٍّ وفاجِرٍ، ﴿سَمِعُوا لَها تَغَيُّظًا وزَفِيرًا﴾ تَزْفِرُ زَفْرَةً لا تَبْقى قَطْرَةٌ مِن دَمْعٍ إلّا بَدَرَتْ، ثُمَّ تَزْفِرُ الثّانِيَةَ فَتَنْقَطِعُ القُلُوبُ مِن أماكِنِها، وتَبْلُغُ القُلُوبُ الحَناجِرَ.
(p-١٤٣)وأخْرَجَ أبُو نُعَيْمٍ في ”الحِلْيَةِ“ عَنْ كَعْبٍ قالَ: «إذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ جَمَعَ اللَّهُ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ في صَعِيدٍ واحِدٍ، ونَزَلَتِ المَلائِكَةُ صُفُوفًا، فَيَقُولُ اللَّهُ لِجِبْرِيلَ: ائْتِ بِجَهَنَّمَ. فَيَأْتِي بِها تُقادُ بِسَبْعِينَ ألْفَ زِمامٍ، حَتّى إذا كانَتْ مِنَ الخَلائِقِ عَلى قَدْرِ مِائَةِ عامٍ زَفَرَتْ زَفْرَةً طارَتْ لَها أفْئِدَةُ الخَلائِقِ، ثُمَّ زَفَرَتْ ثانِيَةً فَلا يَبْقى مَلَكٌ مُقَرَّبٌ ولا نَبِيٌّ مُرْسَلٌ، إلّا جَثى لِرُكْبَتَيْهِ، ثُمَّ تَزْفِرُ الثّالِثَةَ، فَتَبْلُغُ القُلُوبُ الحَناجِرَ وتَذْهَلُ العُقُولُ، فَيَفْزَعُ كُلُّ امْرِئٍ إلى عَمَلِهِ، حَتّى إنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ يَقُولُ: بِخُلَّتِي لا أسْألُكَ إلّا نَفْسِي، ويَقُولُ مُوسى: بِمُناجاتِي لا أسْألُكَ إلّا نَفْسِي، ويَقُولُ عِيسى: بِما أكْرَمْتَنِي لا أسْألُكَ إلّا نَفْسِي، لا أسْألُكَ مَرْيَمَ الَّتِي ولَدَتْنِي، ومُحَمَّدٌ ﷺ يَقُولُ: «أُمَّتِي أُمَّتِي، لا أسْألُكَ اليَوْمَ نَفْسِي» . فَيُجِيبُهُ الجَلِيلُ جَلَّ جَلالُهُ: إنَّ أوْلِيائِي مِن أُمَّتِكَ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ، فَوَعِزَّتِي لَأُقِرَّنَّ عَيْنَكَ في أُمَّتِكَ. ثُمَّ تَقِفُ المَلائِكَةُ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ تَعالى يَنْتَظِرُونَ ما يُؤْمَرُونَ» .
الفرقان 25:13
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا أُلْقُوا﴾ الآيَةَ.
أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ يَحْيى بْنِ أبِي أُسَيْدٍ، «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سُئِلَ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ: ﴿وإذا أُلْقُوا مِنها مَكانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ﴾ قالَ: «والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إنَّهم لَيُسْتَكْرَهُونَ في النّارِ، كَما يُسْتَكْرَهُ الوَتِدُ في الحائِطِ»» .
(p-١٤٤)وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، مِن طَرِيقٍ عَنْ قَتادَةَ، عَنْ أبِي أيُّوبَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ: ﴿وإذا أُلْقُوا مِنها مَكانًا ضَيِّقًا﴾ قالَ: مِثْلَ الزُّجِّ في الرُّمْحِ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُبارَكِ في ”الزُّهْدِ“، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، مِن طَرِيقِ قَتادَةَ في الآيَةِ قالَ: ذُكِرَ لَنا أنَّ عَبْدَ اللَّهِ كانَ يَقُولُ: إنَّ جَهَنَّمَ لَتَضِيقُ عَلى الكافِرِ كَضِيقِ الزُّجِّ عَلى الرُّمْحِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أبِي صالِحٍ في قَوْلِهِ: ﴿مُقَرَّنِينَ﴾ قالَ: مُكَتَّفِينَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الضَّحّاكِ: ﴿دَعَوْا هُنالِكَ ثُبُورًا﴾ قالَ: دَعَوْا بِالهَلاكِ فَقالُوا: واهَلاكاهْ، واهَلْكَتاهْ. فَقِيلَ لَهم: لا تَدْعُوا اليَوْمَ بِهَلاكٍ واحِدٍ، ولَكِنِ ادْعُوا بِهَلاكٍ كَثِيرٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿دَعَوْا هُنالِكَ ثُبُورًا﴾ قالَ: ويْلًا، ﴿لا تَدْعُوا اليَوْمَ ثُبُورًا واحِدًا﴾ يَقُولُ: لا تَدْعُوا اليَوْمَ ويْلًا واحِدًا.
(p-١٤٥)وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ قَتادَةَ: ﴿دَعَوْا هُنالِكَ ثُبُورًا﴾ قالَ: ويْلًا وهَلاكًا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأحْمَدُ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والبَزّارُ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في ”البَعْثِ“، بِسَنَدٍ صَحِيحٍ، عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««إنَّ أوَّلَ مَن يُكْسى حُلَّةً مِنَ النّارِ إبْلِيسُ، فَيَضَعُها عَلى حاجِبَيْهِ ويَسْحَبُها مِن خَلْفِهِ وذُرِّيَّتُهُ مِن بَعْدِهِ، وهو يُنادِي: يا ثُبُوراهْ، ويَقُولُونَ: يا ثُبُورَهم. حَتّى يَقِفَ عَلى النّارِ فَيَقُولُ: يا ثُبُوراهْ، ويَقُولُونَ: يا ثُبُورَهم. فَيُقالُ لَهم: ﴿لا تَدْعُوا اليَوْمَ ثُبُورًا واحِدًا وادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا﴾ [الفرقان»: ١٤]» .
الفرقان 25:14
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذا أُلْقُوا﴾ الآيَةَ.
أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ يَحْيى بْنِ أبِي أُسَيْدٍ، «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سُئِلَ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ: ﴿وإذا أُلْقُوا مِنها مَكانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ﴾ قالَ: «والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إنَّهم لَيُسْتَكْرَهُونَ في النّارِ، كَما يُسْتَكْرَهُ الوَتِدُ في الحائِطِ»» .
(p-١٤٤)وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، مِن طَرِيقٍ عَنْ قَتادَةَ، عَنْ أبِي أيُّوبَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ: ﴿وإذا أُلْقُوا مِنها مَكانًا ضَيِّقًا﴾ قالَ: مِثْلَ الزُّجِّ في الرُّمْحِ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُبارَكِ في ”الزُّهْدِ“، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، مِن طَرِيقِ قَتادَةَ في الآيَةِ قالَ: ذُكِرَ لَنا أنَّ عَبْدَ اللَّهِ كانَ يَقُولُ: إنَّ جَهَنَّمَ لَتَضِيقُ عَلى الكافِرِ كَضِيقِ الزُّجِّ عَلى الرُّمْحِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أبِي صالِحٍ في قَوْلِهِ: ﴿مُقَرَّنِينَ﴾ قالَ: مُكَتَّفِينَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الضَّحّاكِ: ﴿دَعَوْا هُنالِكَ ثُبُورًا﴾ قالَ: دَعَوْا بِالهَلاكِ فَقالُوا: واهَلاكاهْ، واهَلْكَتاهْ. فَقِيلَ لَهم: لا تَدْعُوا اليَوْمَ بِهَلاكٍ واحِدٍ، ولَكِنِ ادْعُوا بِهَلاكٍ كَثِيرٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿دَعَوْا هُنالِكَ ثُبُورًا﴾ قالَ: ويْلًا، ﴿لا تَدْعُوا اليَوْمَ ثُبُورًا واحِدًا﴾ يَقُولُ: لا تَدْعُوا اليَوْمَ ويْلًا واحِدًا.
(p-١٤٥)وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ قَتادَةَ: ﴿دَعَوْا هُنالِكَ ثُبُورًا﴾ قالَ: ويْلًا وهَلاكًا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأحْمَدُ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والبَزّارُ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في ”البَعْثِ“، بِسَنَدٍ صَحِيحٍ، عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««إنَّ أوَّلَ مَن يُكْسى حُلَّةً مِنَ النّارِ إبْلِيسُ، فَيَضَعُها عَلى حاجِبَيْهِ ويَسْحَبُها مِن خَلْفِهِ وذُرِّيَّتُهُ مِن بَعْدِهِ، وهو يُنادِي: يا ثُبُوراهْ، ويَقُولُونَ: يا ثُبُورَهم. حَتّى يَقِفَ عَلى النّارِ فَيَقُولُ: يا ثُبُوراهْ، ويَقُولُونَ: يا ثُبُورَهم. فَيُقالُ لَهم: ﴿لا تَدْعُوا اليَوْمَ ثُبُورًا واحِدًا وادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا﴾ [الفرقان»: ١٤]» .
الفرقان 25:15
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ أذَلِكَ خَيْرٌ﴾ الآيَتَيْنِ.
أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿كانَتْ لَهم جَزاءً﴾ أيْ: مِنَ اللَّهِ، ﴿ومَصِيرًا﴾ أيْ: مَنزِلًا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عَطاءِ بْنِ يَسارٍ قالَ: قالَ كَعْبُ الأحْبارِ: مَن ماتَ وهو يَشْرَبُ الخَمْرَ لَمْ يَشْرَبْها في الآخِرَةِ وإنْ دَخَلَ الجَنَّةَ. قالَ عَطاءٌ: فَقُلْتُ لَهُ: فَإنَّ اللَّهَ تَعالى يَقُولُ: ﴿لَهم فِيها ما يَشاءُونَ﴾ قالَ كَعْبٌ: إنَّهُ (p-١٤٦)يَنْساها فَلا يَذْكُرُها.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿كانَ عَلى رَبِّكَ وعْدًا مَسْؤُولا﴾ يَقُولُ: سَلُوا الَّذِي وعَدْتُكم تُنْجَزُوهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، مِن طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ أبِي هِلالٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ في قَوْلِهِ: ﴿كانَ عَلى رَبِّكَ وعْدًا مَسْؤُولا﴾ قالَ: إنَّ المَلائِكَةَ تَسْألُ لَهم ذَلِكَ في قَوْلِهِمْ: ﴿وأدْخِلْهم جَنّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وعَدْتَهُمْ﴾ [غافر: ٨] [غافِرٍ: ٨] . قالَ سَعِيدٌ: وسَمِعْتُ أبا حازِمٍ يَقُولُ: إذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ قالَ المُؤْمِنُونَ: رَبَّنا عَمِلْنا لَكَ بِالَّذِي أمَرْتَنا فَأنْجِزْ لَنا ما وعَدْتَنا، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وعْدًا مَسْؤُولا﴾ .
الفرقان 25:16
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ أذَلِكَ خَيْرٌ﴾ الآيَتَيْنِ.
أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿كانَتْ لَهم جَزاءً﴾ أيْ: مِنَ اللَّهِ، ﴿ومَصِيرًا﴾ أيْ: مَنزِلًا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عَطاءِ بْنِ يَسارٍ قالَ: قالَ كَعْبُ الأحْبارِ: مَن ماتَ وهو يَشْرَبُ الخَمْرَ لَمْ يَشْرَبْها في الآخِرَةِ وإنْ دَخَلَ الجَنَّةَ. قالَ عَطاءٌ: فَقُلْتُ لَهُ: فَإنَّ اللَّهَ تَعالى يَقُولُ: ﴿لَهم فِيها ما يَشاءُونَ﴾ قالَ كَعْبٌ: إنَّهُ (p-١٤٦)يَنْساها فَلا يَذْكُرُها.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿كانَ عَلى رَبِّكَ وعْدًا مَسْؤُولا﴾ يَقُولُ: سَلُوا الَّذِي وعَدْتُكم تُنْجَزُوهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، مِن طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ أبِي هِلالٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ في قَوْلِهِ: ﴿كانَ عَلى رَبِّكَ وعْدًا مَسْؤُولا﴾ قالَ: إنَّ المَلائِكَةَ تَسْألُ لَهم ذَلِكَ في قَوْلِهِمْ: ﴿وأدْخِلْهم جَنّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وعَدْتَهُمْ﴾ [غافر: ٨] [غافِرٍ: ٨] . قالَ سَعِيدٌ: وسَمِعْتُ أبا حازِمٍ يَقُولُ: إذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ قالَ المُؤْمِنُونَ: رَبَّنا عَمِلْنا لَكَ بِالَّذِي أمَرْتَنا فَأنْجِزْ لَنا ما وعَدْتَنا، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وعْدًا مَسْؤُولا﴾ .
الفرقان 25:17
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَوْمَ يَحْشُرُهُمْ﴾ الآيَتَيْنِ.
أخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ويَوْمَ يَحْشُرُهم وما يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ أأنْتُمْ أضْلَلْتُمْ عِبادِي﴾ قالَ: عِيسى وعُزَيْرٌ والمَلائِكَةُ.
(p-١٤٧)وأخْرَجَ الحاكِمُ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ غَنْمٍ قالَ: «سَألْتُ مُعاذَ بْنَ جَبَلٍ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ: ﴿ما كانَ يَنْبَغِي لَنا أنْ نَتَّخِذَ مِن دُونِكَ مِن أوْلِياءَ﴾ أوْ (نُتَّخَذَ)؟ فَقالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقْرَأُ: ﴿أنْ نَتَّخِذَ﴾ بِنَصْبِ النُّونِ، فَسَألْتُهُ عَنْ: ﴿الم﴾ [الروم: ١] ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ [الروم: ٢] [الرُّومِ: ١ – ٢] . أوْ (غَلَبَتْ)؟ قالَ: أقْرَأنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ [الروم»: ٢] .
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنِ الضَّحى قالَ: قَرَأ رَجُلٌ عِنْدَ عَلْقَمَةَ: (ما كانَ يَنْبَغِي لَنا أنْ نُتَّخَذَ مِن دُونِكَ) بِرَفْعِ النُّونِ ونَصْبِ الخاءِ، فَقالَ عَلْقَمَةُ: ﴿أنْ نَتَّخِذَ﴾ بِنَصْبِ النُّونِ وخَفْضِ الخاءِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، أنَّهُ كانَ يَقْرَؤُها: (ما كانَ يَنْبَغِي لَنا أنْ نُتَّخَذَ مِن دُونِكَ) بِرَفْعِ النُّونِ ونَصْبِ الخاءِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ قَتادَةَ: ﴿قالُوا سُبْحانَكَ ما كانَ يَنْبَغِي لَنا أنْ نَتَّخِذَ مِن دُونِكَ مِن أوْلِياءَ﴾ قالَ: هَذا قَوْلُ الآلِهَةِ، ﴿ولَكِنْ مَتَّعْتَهم وآباءَهم حَتّى نَسُوا الذِّكْرَ وكانُوا قَوْمًا بُورًا﴾ قالَ: البُورُ الفاسِدُ، وإنَّهُ ما نَسِيَ الذِّكْرَ (p-١٤٨)قَوْمٌ قَطُّ إلّا بارُوا وفَسَدُوا.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿قَوْمًا بُورًا﴾ قالَ: هَلْكى.
وأخْرَجَ الطَّسْتِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ نافِعَ بْنَ الأزْرَقِ قالَ لَهُ: أخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿قَوْمًا بُورًا﴾ . قالَ: هَلْكى بِلُغَةِ عُمانَ، وهم مِنَ اليَمَنِ. قالَ: وهَلْ تَعْرِفُ العَرَبُ ذَلِكَ؟ قالَ: نَعَمْ، أما سَمِعْتَ الشّاعِرَ وهو يَقُولُ:
؎فَلا تَكْفُرُوا ما قَدْ صَنَعْنا إلَيْكُمُ وكافُوا بِهِ فالكُفْرُ بُورٌ لِصانِعِهِ
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ قالَ: البُورُ بِكَلامِ عُمانَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنِ الحَسَنِ: ﴿بُورًا﴾ قالَ: مَن لا خَيْرَ فِيهِمْ.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿قَوْمًا بُورًا﴾ قالَ: هالِكِينَ. ﴿فَقَدْ كَذَّبُوكم بِما تَقُولُونَ﴾ [الفرقان: ١٩] يَقُولُ اللَّهُ لِلَّذِينِ كانُوا يَعْبُدُونَ (p-١٤٩)عِيسى وعُزَيْرًا والمَلائِكَةَ حِينَ قالُوا: ﴿سُبْحانَكَ أنْتَ ولِيُّنا مِن دُونِهِمْ﴾ [سبإ: ٤١] [سَبَأٍ: ٤١] . ﴿فَقَدْ كَذَّبُوكم بِما تَقُولُونَ﴾ [الفرقان: ١٩] عِيسى وعُزَيْرٌ والمَلائِكَةُ، حِينَ يُكَذِّبُونَ المُشْرِكِينَ بِقَوْلِهِمْ، (فَما يَسْتَطِيعُونَ صَرْفًا ولا نَصْرًا) . قالَ: المُشْرِكُونَ لا يَسْتَطِيعُونَ صَرْفَ العَذابِ ولا نَصْرَ أنْفُسِهِمْ.
الفرقان 25:18
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَوْمَ يَحْشُرُهُمْ﴾ الآيَتَيْنِ.
أخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ويَوْمَ يَحْشُرُهم وما يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ أأنْتُمْ أضْلَلْتُمْ عِبادِي﴾ قالَ: عِيسى وعُزَيْرٌ والمَلائِكَةُ.
(p-١٤٧)وأخْرَجَ الحاكِمُ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ غَنْمٍ قالَ: «سَألْتُ مُعاذَ بْنَ جَبَلٍ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ: ﴿ما كانَ يَنْبَغِي لَنا أنْ نَتَّخِذَ مِن دُونِكَ مِن أوْلِياءَ﴾ أوْ (نُتَّخَذَ)؟ فَقالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقْرَأُ: ﴿أنْ نَتَّخِذَ﴾ بِنَصْبِ النُّونِ، فَسَألْتُهُ عَنْ: ﴿الم﴾ [الروم: ١] ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ [الروم: ٢] [الرُّومِ: ١ – ٢] . أوْ (غَلَبَتْ)؟ قالَ: أقْرَأنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ [الروم»: ٢] .
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنِ الضَّحى قالَ: قَرَأ رَجُلٌ عِنْدَ عَلْقَمَةَ: (ما كانَ يَنْبَغِي لَنا أنْ نُتَّخَذَ مِن دُونِكَ) بِرَفْعِ النُّونِ ونَصْبِ الخاءِ، فَقالَ عَلْقَمَةُ: ﴿أنْ نَتَّخِذَ﴾ بِنَصْبِ النُّونِ وخَفْضِ الخاءِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، أنَّهُ كانَ يَقْرَؤُها: (ما كانَ يَنْبَغِي لَنا أنْ نُتَّخَذَ مِن دُونِكَ) بِرَفْعِ النُّونِ ونَصْبِ الخاءِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ قَتادَةَ: ﴿قالُوا سُبْحانَكَ ما كانَ يَنْبَغِي لَنا أنْ نَتَّخِذَ مِن دُونِكَ مِن أوْلِياءَ﴾ قالَ: هَذا قَوْلُ الآلِهَةِ، ﴿ولَكِنْ مَتَّعْتَهم وآباءَهم حَتّى نَسُوا الذِّكْرَ وكانُوا قَوْمًا بُورًا﴾ قالَ: البُورُ الفاسِدُ، وإنَّهُ ما نَسِيَ الذِّكْرَ (p-١٤٨)قَوْمٌ قَطُّ إلّا بارُوا وفَسَدُوا.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿قَوْمًا بُورًا﴾ قالَ: هَلْكى.
وأخْرَجَ الطَّسْتِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ نافِعَ بْنَ الأزْرَقِ قالَ لَهُ: أخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿قَوْمًا بُورًا﴾ . قالَ: هَلْكى بِلُغَةِ عُمانَ، وهم مِنَ اليَمَنِ. قالَ: وهَلْ تَعْرِفُ العَرَبُ ذَلِكَ؟ قالَ: نَعَمْ، أما سَمِعْتَ الشّاعِرَ وهو يَقُولُ:
؎فَلا تَكْفُرُوا ما قَدْ صَنَعْنا إلَيْكُمُ وكافُوا بِهِ فالكُفْرُ بُورٌ لِصانِعِهِ
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ قالَ: البُورُ بِكَلامِ عُمانَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنِ الحَسَنِ: ﴿بُورًا﴾ قالَ: مَن لا خَيْرَ فِيهِمْ.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿قَوْمًا بُورًا﴾ قالَ: هالِكِينَ. ﴿فَقَدْ كَذَّبُوكم بِما تَقُولُونَ﴾ [الفرقان: ١٩] يَقُولُ اللَّهُ لِلَّذِينِ كانُوا يَعْبُدُونَ (p-١٤٩)عِيسى وعُزَيْرًا والمَلائِكَةَ حِينَ قالُوا: ﴿سُبْحانَكَ أنْتَ ولِيُّنا مِن دُونِهِمْ﴾ [سبإ: ٤١] [سَبَأٍ: ٤١] . ﴿فَقَدْ كَذَّبُوكم بِما تَقُولُونَ﴾ [الفرقان: ١٩] عِيسى وعُزَيْرٌ والمَلائِكَةُ، حِينَ يُكَذِّبُونَ المُشْرِكِينَ بِقَوْلِهِمْ، (فَما يَسْتَطِيعُونَ صَرْفًا ولا نَصْرًا) . قالَ: المُشْرِكُونَ لا يَسْتَطِيعُونَ صَرْفَ العَذابِ ولا نَصْرَ أنْفُسِهِمْ.
الفرقان 25:19
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومَن يَظْلِمْ مِنكم نُذِقْهُ عَذابًا كَبِيرًا﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ وهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ قالَ: قَرَأْتُ اثْنَيْنِ وسَبْعِينَ كِتابًا كُلُّها نَزَلَتْ مِنَ السَّماءِ، ما سَمِعْتُ كِتابًا أكْثَرَ تَكْرِيرًا فِيهِ الظُّلْمُ ومُعاتَبَةً عَلَيْهِ مِنَ القُرْآنِ؛ وذَلِكَ لِأنَّ اللَّهَ عَلِمَ أنَّ فِتْنَةَ هَذِهِ الأُمَّةِ تَكُونُ في الظُّلْمِ. وأمّا الأُخَرُ فَإنَّ أكْثَرَ مُعاتَبَتِهِ إيّاهم في الشِّرْكِ وعِبادَةِ الأوْثانِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿ومَن يَظْلِمْ مِنكُمْ﴾ قالَ: هو الشِّرْكُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ في قَوْلِهِ: ﴿ومَن يَظْلِمْ مِنكُمْ﴾ قالَ: يُشْرِكْ.
(p-١٥٠)
الفرقان 25:20
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما أرْسَلْنا قَبْلَكَ﴾ الآيَةَ.
أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ: ﴿وما أرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنَ المُرْسَلِينَ إلا إنَّهم لَيَأْكُلُونَ الطَّعامَ ويَمْشُونَ في الأسْواقِ﴾ يَقُولُ: إنَّ الرُّسُلَ قَبْلَ مُحَمَّدٍ ﷺ كانُوا بِهَذِهِ المَنزِلَةِ؛ لَيَأْكُلُونَ الطَّعامَ ويَمْشُونَ في الأسْواقِ، ﴿وجَعَلْنا بَعْضَكم لِبَعْضٍ فِتْنَةً﴾ قالَ: بَلاءً.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في ”الشُّعَبِ“، عَنِ الحَسَنِ: ﴿وجَعَلْنا بَعْضَكم لِبَعْضٍ فِتْنَةً﴾ قالَ: يَقُولُ الفَقِيرُ: لَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَنِي غَنِيًّا مِثْلَ فُلانٍ. ويَقُولُ السَّقِيمُ: لَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَنِي صَحِيحًا مِثْلَ فُلانٍ. ويَقُولُ الأعْمى: لَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَنِي بَصِيرًا مِثْلَ فُلانٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عِكْرِمَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلْنا بَعْضَكم لِبَعْضٍ فِتْنَةً﴾ قالَ: هو التَّفاضُلُ في الدُّنْيا والقُدْرَةِ والقَهْرِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ في قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلْنا بَعْضَكم لِبَعْضٍ فِتْنَةً﴾ قالَ: يُمْسِكُ عَلى هَذا ويُوَسِّعُ عَلى هَذا، فَيَقُولُ: لَمْ يُعْطِنِي رَبِّي ما أعْطى فُلانًا. ويَبْتَلِي بِالوَجَعِ، فَيَقُولُ: لَمْ يَجْعَلْنِي رَبِّي (p-١٥١)صَحِيحًا مِثْلَ فُلانٍ. في أشْباهِ ذَلِكَ مِنَ البَلاءِ، لِيَعْلَمَ مَن يَصْبِرُ مِمَّنْ يَجْزَعُ، ﴿وكانَ رَبُّكَ بَصِيرًا﴾ بِمَن يَصْبِرُ ومَن يَجْزَعُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنِ الحَسَنِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: ««لَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعْلَكم أغْنِياءَ كُلَّكم لا فَقِيرَ فِيكُمْ، ولَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعْلَكم فُقَراءَ كُلَّكم لا غَنِيَّ فِيكُمْ، ولَكِنِ ابْتَلى بَعْضَكم بِبَعْضٍ»» .
وأخْرَجَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ في ”نَوادِرِ الأُصُولِ“، عَنْ رَفاعَةَ بْنِ رافِعٍ الزُّرَقِيِّ قالَ: «قالَ رَجُلٌ: يا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ تَرى في رَقِيقِنا، أقْوامٍ مُسْلِمِينَ، يُصَلُّونَ صَلاتَنا، ويَصُومُونَ صَوْمَنا، نَضْرِبُهُمْ؟ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «يُوزَنُ ذَنْبُهم وعُقُوبَتُكم إيّاهُمْ، فَإنْ كانَتْ عُقُوبَتُكم أكْثَرَ مِن ذَنْبِهِمْ أخَذُوا مِنكُمْ» . قالَ: أفَرَأيْتَ سَبَّنا إيّاهُمْ؟ قالَ. «يُوزَنُ ذَنْبُهم وأذاكم إيّاهُمْ، فَإنْ كانَ أذاكم أكْثَرَ أُعْطُوا مِنكُمْ» . قالَ الرَّجُلُ: ما أسْمَعَ عَدُوًّا أقْرَبَ إلَيَّ مِنهُمْ! فَتَلا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ﴿وجَعَلْنا بَعْضَكم لِبَعْضٍ فِتْنَةً أتَصْبِرُونَ وكانَ رَبُّكَ بَصِيرًا﴾ فَقالَ الرَّجُلُ: أرَأيْتَ يا رَسُولَ اللَّهِ ولَدِي أضْرِبُهُمْ؟ قالَ: «إنَّكَ لا تُتَّهَمُ في ولَدِكَ، فَلا تَطِيبُ نَفْسًا تَشْبَعُ ويَجُوعُ، وتَكْتَسِي ويَعْرُو»» .
(p-١٥٢)
الفرقان 25:21
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا﴾ الآيَةَ.
أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ في قَوْلِهِ: ﴿وقالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا﴾ قالَ: هَذا قَوْلُ كُفّارِ قُرَيْشٍ، ﴿لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْنا المَلائِكَةُ أوْ نَرى رَبَّنا﴾ فَيُخْبِرُنا أنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ في قَوْلِهِ: ﴿وقالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا﴾ قالَ: لا يُبالُونَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ: ﴿لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْنا المَلائِكَةُ﴾ أيْ: نَراهم عِيانًا.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا﴾ قالَ: شِدَّةُ الكُفْرِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: العُتُوُّ في كِتابِ اللَّهِ التَّجَبُّرُ.
الفرقان 25:22
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ يَرَوْنَ المَلائِكَةَ﴾ الآيَةَ.
أخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يَرَوْنَ المَلائِكَةَ﴾ قالَ: يَوْمَ القِيامَةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عَطِيَّةَ في قَوْلِهِ: ﴿لا بُشْرى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ﴾ .
(p-١٥٣)قالَ: إذا كانَ يَوْمُ القِيامَةِ يُلَقّى المُؤْمِنُ بِالبُشْرى، فَإذا رَأى ذَلِكَ الكُفّارُ قالُوا لِلْمَلائِكَةِ: بَشِّرُونا. قالُوا: ﴿حِجْرًا مَحْجُورًا﴾: حَرامًا مُحَرَّمًا أنْ نَتَلَقّاكم بِالبُشْرى.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ ﴿ويَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا﴾ قالَ: عَوْذًا مُعاذًا، المَلائِكَةُ تَقُولُهُ، وفي لَفْظٍ قالَ: حَرامًا مُحَرَّمًا أنْ تَكُونَ البُشْرى اليَوْمَ إلّا لِلْمُؤْمِنِينَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ قَتادَةَ: ﴿ويَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا﴾ قالَ: تَقُولُ المَلائِكَةُ: حَرامًا مُحَرَّمًا عَلى الكُفّارِ البُشْرى يَوْمَ القِيامَةِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ الضَّحّاكِ: ﴿ويَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا﴾ قالَ: تَقُولُ المَلائِكَةُ: حَرامًا مُحَرَّمًا عَلَيْكُمُ البُشْرى حِينَ رَأيْتُمُونا.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، مِن طَرِيقِ عَطِيَّةَ العَوْفِيِّ، عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ في قَوْلِهِ: ﴿ويَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا﴾ قالَ: حَرامًا مُحَرَّمًا أنْ نُبَشِّرَكم بِما نُبَشِّرُ بِهِ المُتَّقِينَ.
(p-١٥٤)وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الحَسَنِ، وقَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿ويَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا﴾ قالا: هي كَلِمَةٌ كانَتِ العَرَبُ تَقُولُها، كانَ الرَّجُلُ إذا نَزَلَتْ بِهِ شَدِيدَةٌ قالَ: حِجْرًا مَحْجُورًا، حَرامًا مُحَرَّمًا.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ الحَسَنِ قالَ: كانَتِ المَرْأةُ إذا رَأتِ الشَّيْءَ تَكْرَهُهُ تَقُولُ: حِجْرٌ مِن هَذا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الضَّحّاكِ في الآيَةِ قالَ: لَمّا جاءَتْ زَلازِلُ السّاعَةِ، فَكانَ مِن زَلازِلِها أنَّ السَّماءَ انْشَقَّتْ، فَهي يَوْمَئِذٍ واهِيَةٌ، والمَلَكُ عَلى أرْجائِها، عَلى سَعَةِ كُلِّ شَيْءٍ تَشَقَّقُ مِنَ السَّماءِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿يَوْمَ يَرَوْنَ المَلائِكَةَ لا بُشْرى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ ويَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا﴾: حَرامًا مُحَرَّمًا أيُّها المُجْرِمُونَ أنْ تَكُونَ لَكُمُ البُشْرى اليَوْمَ حِينَ رَأيْتُمُونا.
الفرقان 25:23
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقَدِمْنا إلى ما عَمِلُوا﴾ الآيَةَ.
أخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، (p-١٥٥)وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ: ﴿وقَدِمْنا إلى ما عَمِلُوا مِن عَمَلٍ﴾ قالَ: عَمَدْنا إلى ما عَمِلُوا مِن خَيْرٍ مِمَّنْ لا يُتَقَبَّلُ مِنهُ في الدُّنْيا.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ في قَوْلِهِ: ﴿هَباءً مَنثُورًا﴾ قالَ: الهَباءُ شُعاعُ الشَّمْسِ الَّذِي يَخْرُجُ مِنَ الكَوَّةِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، والفِرْيابِيُّ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ قالَ: الهَباءُ: رَهَجُ الغُبارِ يَسْطَعُ، ثُمَّ يَذْهَبُ فَلا يَبْقى مِنهُ شَيْءٌ، فَجَعَلَ اللَّهُ أعْمالَهم كَذَلِكَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الهَباءُ الَّذِي يَطِيرُ مِنَ النّارِ إذا اضْطَرَمَتْ، يَطِيرُ مِنها الشَّرَرُ، فَإذا وقَعَ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿هَباءً مَنثُورًا﴾ قالَ: ما تَسْفِي الرِّيحُ وتَبُثُّهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿هَباءً مَنثُورًا﴾ . (p-١٥٦)قالَ: الماءُ المُهْراقُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿هَباءً مَنثُورًا﴾ قالَ: الشُّعاعُ في كَوَّةِ أحَدِهِمْ، لَوْ ذَهَبْتَ تَقْبِضُ عَلَيْهِ لَمْ تَسْتَطِعْ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿هَباءً مَنثُورًا﴾ قالَ: شُعاعُ الشَّمْسِ مِنَ الكَوَّةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ عِكْرِمَةَ: ﴿هَباءً مَنثُورًا﴾ قالَ: شُعاعُ الشَّمْسِ الَّذِي في الكَوَّةِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ أبِي مالِكٍ وعامِرٍ في الهَباءِ المَنثُورِ قالا: شُعاعُ الشَّمْسِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ الضَّحّاكِ: ﴿هَباءً مَنثُورًا﴾ قالَ: الغُبارُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ: ﴿هَباءً مَنثُورًا﴾ قالَ: هو ما تَذْرُوهُ الرِّياحُ مِن حُطامِ هَذا الشَّجَرِ.
(p-١٥٧)وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ تِعْلى قالَ: الهَباءُ الرَّمادُ.
وأخْرَجَ سَمُّوَيْهِ في ”فَوائِدِهِ“، وأبُو نُعَيْمٍ في ”الحِلْيَةِ“، والخَطِيبُ في ”المُتَّفِقِ والمُفْتَرِقِ“، عَنْ سالِمٍ مَوْلى أبِي حُذَيْفَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««لَيُجاءَنَّ يَوْمَ القِيامَةِ بِقَوْمٍ مَعَهم حَسَناتٌ مِثْلُ جِبالِ تِهامَةَ، حَتّى إذا جِيءَ بِهِمْ جَعَلَ اللَّهُ تَعالى أعْمالَهم هَباءً، ثُمَّ قَذَفَهم في النّارِ» . قالَ سالِمٌ: بِأبِي وأُمِّي أنْتَ يا رَسُولَ اللَّهِ، حَلِّ لَنا هَؤُلاءِ القَوْمَ؟ قالَ: «كانُوا يُصَلُّونَ ويَصُومُونَ ويَأْخُذُونَ هَنَةً مِنَ اللَّيْلِ، ولَكِنْ كانُوا إذا عَرَضَ عَلَيْهِمْ شَيْءٌ مِنَ الحَرامِ وثَبُوا عَلَيْهِ، فَأدْحَضَ اللَّهُ تَعالى أعْمالَهُمْ»» .
الفرقان 25:24
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أصْحابُ الجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ﴾ الآيَةَ.
أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ قَتادَةَ: ﴿أصْحابُ الجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وأحْسَنُ مَقِيلا﴾ قالَ: أحْسَنُ مَنزِلًا، وخَيْرٌ مَأْوًى.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ في قَوْلِهِ: ﴿وأحْسَنُ مَقِيلا﴾ قالَ: (p-١٥٨)مَصِيرًا.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وأحْسَنُ مَقِيلا﴾ . قالَ: في الغُرَفِ مِنَ الجَنَّةِ، وكانَ حِسابُهم أنْ عُرِضُوا عَلى رَبِّهِمْ عَرْضَةً واحِدَةً، وذَلِكَ الحِسابُ اليَسِيرُ، وذَلِكَ مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿فَأمّا مَن أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ﴾ [الإنشقاق: ٧] ﴿فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِسابًا يَسِيرًا﴾ [الإنشقاق: ٨] ﴿ويَنْقَلِبُ إلى أهْلِهِ مَسْرُورًا﴾ [الإنشقاق: ٩] [الِانْشِقاقِ: ٧-٩] .
وأخْرَجَ ابْنُ المُبارَكِ في ”الزُّهْدِ“، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: لا يَنْتَصِفُ النَّهارُ مِن يَوْمِ القِيامَةِ حَتّى يَقِيلَ هَؤُلاءِ وهَؤُلاءِ، ثُمَّ قَرَأ: ﴿أصْحابُ الجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وأحْسَنُ مَقِيلا﴾ وقَرَأ: (ثُمَّ إنَّ مَقِيلَهم لَإلى الجَحِيمِ) .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: إنَّما هي ضَحْوَةٌ، فَيَقِيلُ أوْلِياءُ اللَّهِ عَلى الأسِرَّةِ مَعَ الحُورِ العِينِ، ويَقِيلُ أعْداءُ اللَّهِ مَعَ الشَّياطِينِ مُقَرَّنِينَ.
(p-١٥٩)وأخْرَجَ ابْنُ المُبارَكِ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو نُعَيْمٍ في ”الحِلْيَةِ“، عَنْ إبْراهِيمَ النَّخَعِيِّ قالَ: كانُوا يَرَوْنَ أنَّهُ يُفْرَغُ مِن حِسابِ النّاسِ يَوْمَ القِيامَةِ نِصْفَ النَّهارِ، فَيَقِيلُ أهْلُ الجَنَّةِ في الجَنَّةِ، وأهْلُ النّارِ في النّارِ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿أصْحابُ الجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وأحْسَنُ مَقِيلا﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ سَعِيدٍ الصَّوّافِ قالَ: بَلَغَنِي أنَّ يَوْمَ القِيامَةِ يَقْصُرُ عَلى المُؤْمِنِ حَتّى يَكُونَ كَما بَيْنَ العَصْرِ إلى غُرُوبِ الشَّمْسِ، وإنَّهم لَيَقِيلُونَ في رِياضِ الجَنَّةِ حِينَ يَفْرُغُ النّاسُ مِنَ الحِسابِ، وذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿أصْحابُ الجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وأحْسَنُ مَقِيلا﴾ .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿أصْحابُ الجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وأحْسَنُ مَقِيلا﴾ أيْ: مَأْوًى ومَنزِلًا. قالَ قَتادَةُ: حَدَّثَ صَفْوانُ بْنُ مُحْرِزٍ قالَ: إنَّهُ لَيُجاءُ يَوْمَ القِيامَةِ بِرَجُلَيْنِ، كانَ أحَدُهُما مَلِكًا في الدُّنْيا فَيُحاسَبُ، فَإذا عَبْدٌ لَمْ يَعْمَلْ خَيْرًا فَيُؤْمَرُ بِهِ إلى النّارِ، والآخَرُ كانَ صاحِبَ كِساءٍ في الدُّنْيا فَيُحاسَبُ، فَيَقُولُ: يا رَبِّ، ما أعْطَيْتَنِي مِن شَيْءٍ (p-١٦٠)فَتُحاسِبَنِي بِهِ. فَيَقُولُ: صَدَقَ عَبْدِي، فَأرْسِلُوهُ. فَيُؤْمَرُ بِهِ إلى الجَنَّةِ، ثُمَّ يُتْرَكانِ ما شاءَ اللَّهُ، ثُمَّ يُدْعى صاحِبُ النّارِ، فَإذا هو مِثْلُ الحُمَمَةِ السَّوْداءِ، فَيُقالُ لَهُ: كَيْفَ وجَدْتَ مَقِيلَكَ؟ فَيَقُولُ: شَرَّ مَقِيلٍ، فَيُقالُ لَهُ: عُدْ، ثُمَّ يُدْعى بِصاحِبِ الجَنَّةِ، فَإذا هو مِثْلُ القَمَرِ لَيْلَةَ البَدْرِ. فَيُقالُ لَهُ: كَيْفَ وجَدْتَ مَقِيلَكَ؟ فَيَقُولُ: رَبِّ، خَيْرُ مَقِيلٍ. فَيُقالُ: عُدْ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ في قَوْلِهِ: ﴿أصْحابُ الجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وأحْسَنُ مَقِيلا﴾ قالَ: يَفْرُغُ اللَّهُ مِن حِسابِ النّاسِ نِصْفَ النَّهارِ، فَيَقِيلُ أهْلُ الجَنَّةِ في الجَنَّةِ، وأهْلُ النّارِ في النّارِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: إنِّي لَأعْرِفُ السّاعَةَ الَّتِي يَدْخُلُ فِيها أهْلُ الجَنَّةِ الجَنَّةَ، وأهْلُ النّارِ النّارَ، السّاعَةُ الَّتِي يَكُونُ فِيها ارْتِفاعَ الضُّحى الأكْبَرِ، إذا انْقَلَبَ النّاسُ إلى أهْلِيهِمْ لِلْقَيْلُولَةِ، فَيَنْصَرِفُ أهْلُ النّارِ إلى النّارِ، وأمّا أهْلُ الجَنَّةِ فَيُنْطَلَقُ بِهِمُ إلى الجَنَّةِ، فَكانَتْ قَيْلُولَتُهم في الجَنَّةِ، وأُطْعِمُوا كَبِدَ الحُوتِ، فَأشْبَعَهم كُلَّهُمْ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿أصْحابُ الجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وأحْسَنُ مَقِيلا﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ عَنْ عِكْرِمَةَ، أنَّهُ سُئِلَ عَنْ يَوْمِ القِيامَةِ، أمِنَ الدُّنْيا هو أمْ (p-١٦١)مِنَ الآخِرَةِ؟ فَقالَ: صَدْرُ ذَلِكَ اليَوْمِ مِنَ الدُّنْيا، وآخِرُهُ مِنَ الآخِرَةِ.
الفرقان 25:25
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ﴾ الآيَةَ.
أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي الدُّنْيا في ”الأهْوالِ“، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ قَرَأ: ﴿ويَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالغَمامِ ونُزِّلَ المَلائِكَةُ تَنْزِيلا﴾ قالَ: يَجْمَعُ اللَّهُ الخَلْقَ يَوْمَ القِيامَةِ في صَعِيدٍ واحِدٍ، الجِنَّ والإنْسَ والبَهائِمَ والسِّباعَ والطَّيْرَ وجَمِيعَ الخَلْقِ، فَتَنْشَقُّ السَّماءُ الدُّنْيا، فَيَنْزِلُ أهْلُها، وهم أكْثَرُ مِمَّنْ في الأرْضِ مِنَ الجِنِّ والإنْسِ وجَمِيعِ الخَلْقِ، فَيُحِيطُونَ بِالجِنِّ والإنْسِ وجَمِيعِ الخَلْقِ، فَيَقُولُ أهْلُ الأرْضِ: أفِيكم رَبُّنا؟ فَيَقُولُونَ: لا، ثُمَّ تَنْشَقُّ السَّماءُ الثّانِيَةُ، فَيَنْزِلُ أهْلُها، وهم أكْثَرُ مِن أهْلِ السَّماءِ الدُّنْيا ومِنَ الجِنِّ والإنْسِ وجَمِيعِ الخَلْقِ، فَيُحِيطُونَ بِالمَلائِكَةِ الَّذِينَ نَزَلُوا قَبْلَهم والجِنِّ والإنْسِ وجَمِيعِ الخَلْقِ، ثُمَّ تَنْشَقُّ السَّماءُ الثّالِثَةُ، فَيَنْزِلُ أهْلُها، وهم أكْثَرُ مِن أهْلِ السَّماءِ الثّانِيَةِ والدُّنْيا وجَمِيعِ الخَلْقِ، فَيُحِيطُونَ بِالمَلائِكَةِ الَّذِينَ نَزَلُوا قَبْلَهم والجِنِّ والإنْسِ وجَمِيعِ الخَلْقِ، ثُمَّ يَنْزِلُ أهْلُ السَّماءِ الرّابِعَةِ، وهم أكْثَرُ مِن أهْلِ السَّماءِ الثّالِثَةِ والثّانِيَةِ والأُولى وأهْلِ الأرْضِ، ثُمَّ يَنْزِلُ أهْلُ السَّماءِ الخامِسَةِ، وهم أكْثَرُ مِمَّنْ تَقَدَّمَ، ثُمَّ أهْلُ السَّماءِ السّادِسَةِ كَذَلِكَ، ثُمَّ أهْلُ السَّماءِ السّابِعَةِ، وهم أكْثَرُ مِن أهْلِ السَّماواتِ وأهْلِ الأرْضِ، ثُمَّ يَنْزِلُ رَبُّنا في ظُلَلٍ مِن (p-١٦٢)الغَمامِ وحَوْلَهُ الكَرُوبِيُّونَ، وهم أكْثَرُ مِن أهْلِ السَّماواتِ السَّبْعِ والإنْسِ والجِنِّ وجَمِيعِ الخَلْقِ، لَهم قُرُونٌ كَكُعُوبِ القَنا، وهم تَحْتَ العَرْشِ، لَهم زَجَلٌ بِالتَّسْبِيحِ والتَّهْلِيلِ والتَّقْدِيسِ لِلَّهِ تَعالى، ما بَيْنَ أخْمَصِ قَدَمِ أحَدِهِمْ إلى كَعْبِهِ مَسِيرَةُ خَمْسِمِائَةِ عامٍ، ومِن كَعْبِهِ إلى رُكْبَتِهِ مَسِيرَةُ خَمْسِمِائَةِ عامٍ، ومِن رُكْبَتِهِ إلى فَخِذِهِ مَسِيرَةُ خَمْسِمِائَةِ عامٍ، ومِن فَخِذِهِ إلى تَرْقُوَتِهِ مَسِيرَةُ خَمْسِمِائَةِ عامٍ، ومِن تَرْقُوَتِهِ إلى مَوْضِعِ القُرْطِ مَسِيرَةُ خَمْسِمِائَةِ عامٍ، وما فَوْقَ ذَلِكَ مَسِيرَةُ خَمْسِمِائَةِ عامٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الضَّحّاكِ: ﴿ويَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالغَمامِ﴾ قالَ: هو قِطَعُ السَّماءِ إذا انْشَقَّتْ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ ﴿ويَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالغَمامِ﴾ قالَ: هو الَّذِي قالَ: ﴿فِي ظُلَلٍ مِنَ الغَمامِ﴾ [البقرة: ٢١٠] [البَقَرَةِ: ٢١٠] . الَّذِي (p-١٦٣)يَأْتِي اللَّهُ فِيهِ يَوْمَ القِيامَةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ في الآيَةِ: يَقُولُ: تَشَقَّقُ عَنِ الغَمامِ الَّذِي يَأْتِي اللَّهُ فِيهِ، غَمامٌ زَعَمُوا في الجَنَّةِ.
الفرقان 25:27
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَوْمَ يَعَضُّ الظّالِمُ﴾ الآيَةَ.
أخْرُجُ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ في ”الدَّلائِلِ“، بِسَنَدٍ صَحِيحٍ، مِن طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، «أنَّ أبا مُعَيْطٍ كانَ يَجْلِسُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ بِمَكَّةَ لا يُؤْذِيهِ، وكانَ رَجُلًا حَلِيمًا، وكانَ بَقِيَّةُ قُرَيْشٍ إذا جَلَسُوا مَعَهُ آذَوْهُ، وكانَ لِأبِي مُعَيْطٍ خَلِيلٌ غائِبٌ عَنْهُ بِالشّامِ، فَقالَتْ قُرَيْشٌ: صَبَأ أبُو مُعَيْطٍ، وقَدِمَ خَلِيلُهُ مِنَ الشّامِ لَيْلًا، فَقالَ لِامْرَأتِهِ: ما فَعَلَ مُحَمَّدٌ مِمّا كانَ عَلَيْهِ؟ فَقالَتْ: أشَدُّ مِمّا كانَ أمْرًا. فَقالَ: ما فَعَلَ خَلِيلِي أبُو مُعَيْطٍ؟ فَقالَتْ: صَبَأ. فَباتَ بِلَيْلَةِ سُوءٍ، فَلَمّا أصْبَحَ أتاهُ أبُو مُعَيْطٍ فَحَيّاهُ، فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ التَّحِيَّةَ، فَقالَ: ما لَكَ لا تَرُدُّ عَلَيَّ تَحِيَّتِي؟ فَقالَ: كَيْفَ أرُدُّ عَلَيْكَ تَحِيَّتَكَ وقَدْ صَبَوْتَ؟ قالَ: أوَقَدْ فَعَلَتْها قُرَيْشٌ؟ قالَ: نَعَمْ. قالَ: فَما يُبْرِئُ صُدُورَهم إنْ أنا فَعَلْتُ؟ قالَ: تَأْتِيهِ في مَجْلِسِهِ فَتَبْزُقُ في وجْهِهِ، وتَشْتُمُهُ بِأخْبَثِ ما تَعْلَمُ مِنَ الشَّتْمِ. فَفَعَلَ، فَلَمْ يَزِدِ النَّبِيُّ ﷺ عَلى أنْ مَسَحَ وجْهَهُ مِنَ البُزاقِ، ثُمَّ التَفَتَ إلَيْهِ فَقالَ: «إنَّ وجَدْتُكَ خارِجًا مِن جِبالِ مَكَّةَ أضْرِبْ عُنُقَكَ صَبْرًا» . فَلَمّا كانَ يَوْمُ بَدْرٍ، وخَرَجَ أصْحابُهُ أبِي (p-١٦٤)أنْ يَخْرُجَ، فَقالَ لَهُ أصْحابُهُ: اخْرُجْ مَعَنا. قالَ: قَدْ وعَدَنِي هَذا الرَّجُلُ إنْ وجَدَنِي خارِجًا مِن جِبالِ مَكَّةَ أنْ يَضْرِبَ عُنُقِي صَبْرًا. فَقالُوا: لَكَ جَمَلٌ أحْمَرُ لا يُدْرَكُ، فَلَوْ كانَتِ الهَزِيمَةُ طِرْتَ عَلَيْهِ. فَخَرَجَ مَعَهُمْ، فَلَمّا هَزَمَ اللَّهُ المُشْرِكِينَ وحَلَّ بِهِ جَمَلُهُ في جُدُدٍ مِنَ الأرْضِ، فَأخَذَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أسِيرًا في في سَبْعِينَ مِن قُرَيْشٍ، وقَدِمَ إلَيْهِ أبُو مُعَيْطٍ فَقالَ: أتَقْتُلُنِي مِن بَيْنِ هَؤُلاءِ؟ قالَ: «نَعَمْ، بِما بَزَقْتَ في وجْهِي» . فَأنْزَلَ اللَّهُ في أبِي مُعَيْطٍ: ﴿ويَوْمَ يَعَضُّ الظّالِمُ عَلى يَدَيْهِ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿وكانَ الشَّيْطانُ لِلإنْسانِ خَذُولا﴾ [الفرقان»: ٢٩] .
وأخْرَجَ أبُو نُعَيْمٍ مِن طَرِيقِ الكَلْبِيِّ، عَنْ أبِي صالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «كانَ عُقْبَةُ بْنُ أبِي مُعَيْطٍ لا يَقْدَمُ مِن سَفَرٍ إلّا صَنَعَ طَعامًا، فَدَعا إلَيْهِ أهْلَ مَكَّةَ كُلَّهُمْ، وكانَ يُكْثِرُ مُجالَسَةَ النَّبِيِّ ﷺ ويُعْجِبُهُ حَدِيثُهُ، وغَلَبَ عَلَيْهِ الشَّقاءُ، فَقَدِمَ ذاتِ يَوْمٍ مِن سَفَرِهِ فَصَنَعَ طَعامًا ثُمَّ دَعا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ إلى طَعامِهِ فَقالَ: «ما أنا بِالَّذِي آكُلُ مِن طَعامِكَ حَتّى تَشْهَدَ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وأنِّي رَسُولُ اللَّهِ» . فَقالَ: اطْعَمْ يا ابْنَ أخِي. قالَ: «ما أنا بِالَّذِي أفْعَلُ حَتّى تَقُولَ» . فَشَهِدَ بِذَلِكَ وطَعِمَ مِن طَعامِهِ. فَبَلَغَ ذَلِكَ أُبَيَّ بْنَ خَلَفٍ، فَأتاهُ فَقالَ: أصَبَوْتَ يا عُقْبَةُ؟ وكانَ خَلِيلَهُ. فَقالَ: لا واللَّهِ ما صَبَوْتُ، ولَكِنْ دَخَلَ عَلَيَّ رَجُلٌ فَأبى أنْ يَطْعَمَ مِن طَعامِي إلّا أنْ أشْهَدَ لَهُ، فاسْتَحْيَيْتُ أنْ يَخْرُجَ مِن بَيْتِي قَبْلَ أنْ (p-١٦٥)يَطْعَمَ فَشَهِدْتُ لَهُ فَطَعِمَ. فَقالَ: ما أنا بِالَّذِي أرْضى عَنْكَ حَتّى تَأْتِيَهُ فَتَبْزُقَ في وجْهِهِ. فَفَعَلَ عُقْبَةُ، فَقالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لا ألْقاكَ خارِجًا مِن مَكَّةَ إلّا عَلَوْتُ رَأْسَكَ بِالسَّيْفِ» . فَأُسِرَ عُقْبَةُ يَوْمَ بَدْرٍ فَقُتِلَ صَبْرًا، ولَمْ يُقْتَلْ مِنَ الأُسارى يَوْمَئِذٍ غَيْرُهُ» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «كانَ أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ يَحْضُرُ النَّبِيَّ ﷺ فَزَجَرَهُ عُقْبَةُ بْنُ أبِي مُعَيْطٍ، فَنَزَلَ: ﴿ويَوْمَ يَعَضُّ الظّالِمُ عَلى يَدَيْهِ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿خَذُولا﴾ [الفرقان»: ٢٩] .
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ في ”المُصَنَّفِ“، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مِقْسَمٍ مَوْلى ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «إنَّ عُقْبَةَ بْنَ أبِي مُعَيْطٍ، وأُبَيَّ بْنَ خَلَفٍ الجُمَحِيَّ التَقَيا، فَقالَ عُقْبَةُ بْنُ أبِي مُعَيْطٍ لِأُبَيِّ بْنِ خَلَفٍ -وكانا خَلِيلَيْنِ في الجاهِلِيَّةِ- وكانَ أُبَيٌّ قَدْ أتى النَّبِيَّ ﷺ فَعَرَضَ عَلَيْهِ الإسْلامَ، فَلَمّا سَمَّعَ بِذَلِكَ عُقْبَةُ قالَ: لا أرْضى عَنْكَ حَتّى تَأْتِيَ مُحَمَّدًا فَتَتْفُلَ في وجْهِهِ وتَشْتُمَهُ وتُكَذِّبَهُ. قالَ: فَلَمْ يُسَلِّطْهُ اللَّهُ عَلى ذَلِكَ، فَلَمّا كانَ يَوْمُ بَدْرٍ، أُسِرَ عُقْبَةُ بْنُ أبِي مُعَيْطٍ في الأُسارى، فَأمَرَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ عَلِيَّ بْنَ أبِي طالِبٍ أنْ يَقْتُلَهُ. فَقالَ عُقْبَةُ: يا مُحَمَّدُ، مِن بَيْنِ هَؤُلاءِ أُقْتَلُ! قالَ: «نَعَمْ» . قالَ: بِمَ؟ قالَ: «بِكُفْرِكَ وفُجُورِكَ وعُتُوِّكَ عَلى اللَّهِ وعَلى رَسُولِهِ» . فَقامَ إلَيْهِ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ فَضَرَبَ عُنُقَهُ. وأمّا أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ فَقالَ: واللَّهِ لَأقْتُلَنَّ مُحَمَّدًا، فَبَلَغَ ذَلِكَ (p-١٦٦)رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: «بَلْ أنا أقْتُلُهُ إنْ شاءَ اللَّهُ» . فانْطَلَقَ رَجُلٌ مِمَّنْ سَمِعَ ذَلِكَ مِنَ النَّبِيِّ إلى أُبَيِّ بْنِ خَلَفٍ، فَقِيلَ لَهُ: إنَّهُ لَمّا قِيلَ لِمُحَمَّدٍ ما قُلْتَ قالَ: «بَلْ أنا أقْتُلُهُ إنْ شاءَ اللَّهُ» . فَأفْزَعَهُ ذَلِكَ، وقالَ: أنْشُدُكَ بِاللَّهِ، أسَمِعْتَهُ يَقُولُ ذَلِكَ؟ قالَ: نَعَمْ. فَوَقَعَتْ في نَفْسِهِ؛ لِأنَّهم لَمْ يَسْمَعُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: قَوْلًا إلّا كانَ حَقًّا، فَلَمّا كانَ يَوْمُ أُحُدٍ خَرَجَ مَعَ المُشْرِكِينَ، فَجَعَلَ يَلْتَمِسُ غَفْلَةَ النَّبِيِّ ﷺ لِيَحْمِلَ عَلَيْهِ، فَيَحُولُ رَجُلٌ مِنَ المُسْلِمِينَ بَيْنَ النَّبِيِّ ﷺ وبَيْنَهُ، فَلَمّا رَأى ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قالَ لِأصْحابِهِ: «خَلُّوا عَنْهُ» . فَأخَذَ الحَرْبَةَ فَرَماهُ بِها فَوَقَعَتْ في تَرْقُوَتِهِ، فَلَمْ يَخْرُجْ مِنهُ كَبِيرُ دَمٍ، واحْتَقَنَ الدَّمُ في جَوْفِهِ، فَجَعَلَ يَخُورُ كَما يَخُورُ الثَّوْرُ، فَأتى أصْحابُهُ حَتّى احْتَمَلُوهُ وهو يَخُورُ وقالُوا: ما هَذا؟ فَواللَّهِ ما بِكَ إلّا خَدْشٌ. فَقالَ: واللَّهِ لَوْ لَمْ يُصِبْنِي إلّا بِرِيقِهِ لَقَتَلَنِي، ألَيْسَ قَدْ قالَ: «أنا أقْتُلُهُ»؟ . واللَّهِ لَوْ كانَ الَّذِي بِي بِأهْلِ ذِي المَجازِ لَقَتَلَهم. قالَ: فَما لَبِثَ إلّا يَوْمًا أوْ نَحْوَ ذَلِكَ حَتّى ماتَ إلى النّارِ، وأنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ: ﴿ويَوْمَ يَعَضُّ الظّالِمُ عَلى يَدَيْهِ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿وكانَ الشَّيْطانُ لِلإنْسانِ خَذُولا﴾ [الفرقان»: ٢٩] .
(p-١٦٧)وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ سابِطٍ قالَ: «صَنَعَ أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ طَعامًا، ثُمَّ أتى مَجْلِسًا فِيهِ النَّبِيُّ ﷺ فَقالَ: قُومُوا، فَقامُوا غَيْرَ النَّبِيِّ ﷺ فَقالَ: «لا أقُومُ حَتّى تَشْهَدَ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وأنِّي رَسُولُ اللَّهِ» . فَتَشَهَّدَ، فَقامَ النَّبِيُّ ﷺ فَلَقِيَهُ عُقْبَةُ بْنُ أبِي مُعَيْطٍ، فَقالَ: قُلْتَ: كَذا وكَذا؟ قالَ: إنَّما أرَدْتُ لِطَعامِنا. فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ويَوْمَ يَعَضُّ الظّالِمُ عَلى يَدَيْهِ﴾ الآيَةَ» .
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ «فِي قَوْلِهِ: ﴿ويَوْمَ يَعَضُّ الظّالِمُ عَلى يَدَيْهِ﴾ قالَ عُقْبَةُ بْنُ أبِي مُعَيْطٍ، دَعا مَجْلِسًا فِيهِ النَّبِيُّ ﷺ لِطَعامٍ فَأبى النَّبِيُّ ﷺ أنْ يَأْكُلَ وقالَ: «لا آكُلُ حَتّى تَشْهَدَ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وأنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ» . فَلَقِيَهُ أُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ، فَقالَ: أقَدْ صَبَوْتَ؟ فَقالَ: إنَّ أخاكَ عَلى ما تَعْلَمُ، ولَكِنْ صَنَعْتُ طَعامًا، فَأبى أنْ يَأْكُلَ حَتّى قُلْتُ ذَلِكَ، فَقُلْتُهُ ولَيْسَ مِن نَفْسِي» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ هِشامٍ في قَوْلِهِ: ﴿ويَوْمَ يَعَضُّ الظّالِمُ عَلى يَدَيْهِ﴾ قالَ: يَأْكُلُ كَفَّيْهِ نَدامَةً حَتّى يَبْلُغَ مَنكِبَهُ لا يَجِدُ مَسَّها.
(p-١٦٨)وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سُفْيانَ في قَوْلِهِ: ﴿ويَوْمَ يَعَضُّ الظّالِمُ عَلى يَدَيْهِ﴾ قالَ: يَأْكُلُ يَدَهُ ثُمَّ تَنْبُتُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أبِي عِمْرانَ الجَوْنِيِّ في قَوْلِهِ: ﴿ويَوْمَ يَعَضُّ الظّالِمُ عَلى يَدَيْهِ﴾ قالَ: بَلَغَنِي أنَّهُ يَعَضُّهُ حَتّى يَكْسِرَ العَظْمَ ثُمَّ يَعُودُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ قالَ: نَزَلَتْ في أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ وعُقْبَةَ بْنِ أبِي مُعَيْطٍ، ﴿ويَوْمَ يَعَضُّ الظّالِمُ عَلى يَدَيْهِ﴾ قالَ: هَذا عُقْبَةُ، ﴿لَمْ أتَّخِذْ فُلانًا خَلِيلا﴾ قالَ: أُمَيَّةُ، وكانَ عُقْبَةُ خِدْنًا لِأُمَيَّةَ، فَبَلَغَ أُمَيَّةَ أنَّ عُقْبَةَ يُرِيدُ الإسْلامَ، فاتاهُ فَقالَ: وجْهِي مِن وجْهِكَ حَرامٌ إنْ أسْلَمْتَ أنْ أُكَلِّمَكَ أبَدًا. فَفَعَلَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِيهِما.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ أبِي مالِكٍ في قَوْلِهِ: ﴿يا ويْلَتى لَيْتَنِي لَمْ أتَّخِذْ فُلانًا خَلِيلا﴾ قالَ: عُقْبَةُ بْنُ أبِي مُعَيْطٍ وأُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ، كانا مُتَواخِيَيْنِ في الجاهِلِيَّةِ، يَقُولُ أُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ: يا لَيْتَنِي لَمْ أتَّخِذْ عُقَبَةَ بْنَ أبِي مُعَيْطٍ خَلِيلًا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ «فِي قَوْلِهِ: ﴿ويَوْمَ يَعَضُّ الظّالِمُ عَلى يَدَيْهِ﴾ الآيَةَ. قالَ: نَزَلَتْ في عُقْبَةَ بْنِ أبِي مُعَيْطٍ وأُبَيِّ بْنِ خَلَفٍ، دَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ عَلى عُقْبَةَ في حاجَةٍ وقَدْ صَنَعَ طَعامًا لِلنّاسِ، فَدَعا النَّبِيَّ ﷺ إلى طَعامِهِ، قالَ: «لا، حَتّى تُسْلِمَ» . فَأسْلَمَ فَأكَلَ، وبَلَغَ الخَبَرُ أُبَيَّ بْنَ خَلَفٍ فَأتى عُقْبَةَ، (p-١٦٩)فَذَكَرَ لَهُ ما صَنَعَ، فَقالَ لَهُ عُقْبَةُ: أتَرى مِثْلَ مُحَمَّدٍ يَدْخُلُ مَنزِلِي وفِيهِ طَعامٌ ثُمَّ يَخْرُجُ ولا يَأْكُلُ؟ قالَ: فَوَجْهِي مِن وجْهِكَ حَرامٌ حَتّى تَرْجِعَ عَمّا دَخَلْتَ فِيهِ. فَرَجَعَ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: ﴿ويَوْمَ يَعَضُّ الظّالِمُ عَلى يَدَيْهِ﴾ قالَ: أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ وعُقْبَةُ بْنُ أبِي مُعَيْطٍ، وهُما الخَلِيلانِ في جَهَنَّمَ عَلى مِنبَرٍ مِن نارٍ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ قَتادَةَ قالَ: ذُكِرَ لَنا أنَّ رَجُلًا مِن قُرَيْشٍ كانَ يَغْشى نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ، فَلَقِيَهُ رَجُلٌ آخَرُ مِن قُرَيْشٍ، وكانَ لَهُ صَدِيقًا، فَلَمْ يَزَلْ بِهِ حَتّى صَرَفَهُ وصَدَّهُ عَنْ غِشْيانِ نَبِيِّ اللَّهِ ﷺ، فَأنْزَلَ اللَّهُ فِيهِما ما تَسْمَعُونَ.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ: ﴿يا ويْلَتى لَيْتَنِي لَمْ أتَّخِذْ فُلانًا خَلِيلا﴾ قالَ: الشَّيْطانُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ: ﴿وكانَ الشَّيْطانُ لِلإنْسانِ خَذُولا﴾ قالَ: خَذَلَهُ يَوْمَ القِيامَةِ وتَبَرَّأ مِنهُ. ﴿وقالَ الرَّسُولُ يا رَبِّ إنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذا القُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ هَذا قَوْلُ نَبِيِّكم ﷺ يَشْتَكِي قَوْمَهُ إلى رَبِّهِ، قالَ اللَّهُ يُعَزِّي نَبِيَّهُ ﷺ: ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ المُجْرِمِينَ﴾ يَقُولُ: إنَّ الرُّسُلَ قَدْ لَقِيَتْ هَذا مِن قَوْمِها قَبْلَكَ، فَلا (p-١٧٠)يَكْبُرَنَّ عَلَيْكَ.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿اتَّخَذُوا هَذا القُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ قالَ: يَهْجُرُونَ فِيهِ بِالقَوْلِ السَّيِّئِ، يَقُولُونَ: هَذا سِحْرٌ.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ إبْراهِيمَ النَّخَعِيِّ في قَوْلِهِ: ﴿اتَّخَذُوا هَذا القُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ قالَ: قالُوا فِيهِ هُجْرًا غَيْرَ الحَقِّ، ألَمْ تَرَ المَرِيضَ إذا هَذى قِيلَ: هَجَرَ، أيْ: قالَ غَيْرَ الحَقِّ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ المُجْرِمِينَ﴾ قالَ: لَمْ يُبْعَثْ نَبِيٌّ قَطُّ إلّا كانَ المُجْرِمُونَ لَهُ أعْداءً، ولَمْ يُبْعَثْ نَبِيٌّ قَطُّ إلّا كانَ بَعْضُ المُجْرِمِينَ أشُدَّ عَلَيْهِ مِن بَعْضٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ المُجْرِمِينَ﴾ قالَ: كانَ عَدُوَّ النَّبِيِّ ﷺ أبُو جَهْلٍ، وعَدُوَّ مُوسى قارُونُ، وكانَ قارُونُ ابْنَ عَمِّ مُوسى.
(p-١٧١)وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ المُجْرِمِينَ﴾ قالَ: يُوَطِّنُ مُحَمَّدًا ﷺ أنَّهُ جاعِلٌ لَهُ عَدُّوا مِنَ المُجْرِمِينَ، كَما جَعَلَ لِمَن قَبْلَهُ.
الفرقان 25:28
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَوْمَ يَعَضُّ الظّالِمُ﴾ الآيَةَ.
أخْرُجُ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ في ”الدَّلائِلِ“، بِسَنَدٍ صَحِيحٍ، مِن طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، «أنَّ أبا مُعَيْطٍ كانَ يَجْلِسُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ بِمَكَّةَ لا يُؤْذِيهِ، وكانَ رَجُلًا حَلِيمًا، وكانَ بَقِيَّةُ قُرَيْشٍ إذا جَلَسُوا مَعَهُ آذَوْهُ، وكانَ لِأبِي مُعَيْطٍ خَلِيلٌ غائِبٌ عَنْهُ بِالشّامِ، فَقالَتْ قُرَيْشٌ: صَبَأ أبُو مُعَيْطٍ، وقَدِمَ خَلِيلُهُ مِنَ الشّامِ لَيْلًا، فَقالَ لِامْرَأتِهِ: ما فَعَلَ مُحَمَّدٌ مِمّا كانَ عَلَيْهِ؟ فَقالَتْ: أشَدُّ مِمّا كانَ أمْرًا. فَقالَ: ما فَعَلَ خَلِيلِي أبُو مُعَيْطٍ؟ فَقالَتْ: صَبَأ. فَباتَ بِلَيْلَةِ سُوءٍ، فَلَمّا أصْبَحَ أتاهُ أبُو مُعَيْطٍ فَحَيّاهُ، فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ التَّحِيَّةَ، فَقالَ: ما لَكَ لا تَرُدُّ عَلَيَّ تَحِيَّتِي؟ فَقالَ: كَيْفَ أرُدُّ عَلَيْكَ تَحِيَّتَكَ وقَدْ صَبَوْتَ؟ قالَ: أوَقَدْ فَعَلَتْها قُرَيْشٌ؟ قالَ: نَعَمْ. قالَ: فَما يُبْرِئُ صُدُورَهم إنْ أنا فَعَلْتُ؟ قالَ: تَأْتِيهِ في مَجْلِسِهِ فَتَبْزُقُ في وجْهِهِ، وتَشْتُمُهُ بِأخْبَثِ ما تَعْلَمُ مِنَ الشَّتْمِ. فَفَعَلَ، فَلَمْ يَزِدِ النَّبِيُّ ﷺ عَلى أنْ مَسَحَ وجْهَهُ مِنَ البُزاقِ، ثُمَّ التَفَتَ إلَيْهِ فَقالَ: «إنَّ وجَدْتُكَ خارِجًا مِن جِبالِ مَكَّةَ أضْرِبْ عُنُقَكَ صَبْرًا» . فَلَمّا كانَ يَوْمُ بَدْرٍ، وخَرَجَ أصْحابُهُ أبِي (p-١٦٤)أنْ يَخْرُجَ، فَقالَ لَهُ أصْحابُهُ: اخْرُجْ مَعَنا. قالَ: قَدْ وعَدَنِي هَذا الرَّجُلُ إنْ وجَدَنِي خارِجًا مِن جِبالِ مَكَّةَ أنْ يَضْرِبَ عُنُقِي صَبْرًا. فَقالُوا: لَكَ جَمَلٌ أحْمَرُ لا يُدْرَكُ، فَلَوْ كانَتِ الهَزِيمَةُ طِرْتَ عَلَيْهِ. فَخَرَجَ مَعَهُمْ، فَلَمّا هَزَمَ اللَّهُ المُشْرِكِينَ وحَلَّ بِهِ جَمَلُهُ في جُدُدٍ مِنَ الأرْضِ، فَأخَذَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أسِيرًا في في سَبْعِينَ مِن قُرَيْشٍ، وقَدِمَ إلَيْهِ أبُو مُعَيْطٍ فَقالَ: أتَقْتُلُنِي مِن بَيْنِ هَؤُلاءِ؟ قالَ: «نَعَمْ، بِما بَزَقْتَ في وجْهِي» . فَأنْزَلَ اللَّهُ في أبِي مُعَيْطٍ: ﴿ويَوْمَ يَعَضُّ الظّالِمُ عَلى يَدَيْهِ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿وكانَ الشَّيْطانُ لِلإنْسانِ خَذُولا﴾ [الفرقان»: ٢٩] .
وأخْرَجَ أبُو نُعَيْمٍ مِن طَرِيقِ الكَلْبِيِّ، عَنْ أبِي صالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «كانَ عُقْبَةُ بْنُ أبِي مُعَيْطٍ لا يَقْدَمُ مِن سَفَرٍ إلّا صَنَعَ طَعامًا، فَدَعا إلَيْهِ أهْلَ مَكَّةَ كُلَّهُمْ، وكانَ يُكْثِرُ مُجالَسَةَ النَّبِيِّ ﷺ ويُعْجِبُهُ حَدِيثُهُ، وغَلَبَ عَلَيْهِ الشَّقاءُ، فَقَدِمَ ذاتِ يَوْمٍ مِن سَفَرِهِ فَصَنَعَ طَعامًا ثُمَّ دَعا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ إلى طَعامِهِ فَقالَ: «ما أنا بِالَّذِي آكُلُ مِن طَعامِكَ حَتّى تَشْهَدَ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وأنِّي رَسُولُ اللَّهِ» . فَقالَ: اطْعَمْ يا ابْنَ أخِي. قالَ: «ما أنا بِالَّذِي أفْعَلُ حَتّى تَقُولَ» . فَشَهِدَ بِذَلِكَ وطَعِمَ مِن طَعامِهِ. فَبَلَغَ ذَلِكَ أُبَيَّ بْنَ خَلَفٍ، فَأتاهُ فَقالَ: أصَبَوْتَ يا عُقْبَةُ؟ وكانَ خَلِيلَهُ. فَقالَ: لا واللَّهِ ما صَبَوْتُ، ولَكِنْ دَخَلَ عَلَيَّ رَجُلٌ فَأبى أنْ يَطْعَمَ مِن طَعامِي إلّا أنْ أشْهَدَ لَهُ، فاسْتَحْيَيْتُ أنْ يَخْرُجَ مِن بَيْتِي قَبْلَ أنْ (p-١٦٥)يَطْعَمَ فَشَهِدْتُ لَهُ فَطَعِمَ. فَقالَ: ما أنا بِالَّذِي أرْضى عَنْكَ حَتّى تَأْتِيَهُ فَتَبْزُقَ في وجْهِهِ. فَفَعَلَ عُقْبَةُ، فَقالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لا ألْقاكَ خارِجًا مِن مَكَّةَ إلّا عَلَوْتُ رَأْسَكَ بِالسَّيْفِ» . فَأُسِرَ عُقْبَةُ يَوْمَ بَدْرٍ فَقُتِلَ صَبْرًا، ولَمْ يُقْتَلْ مِنَ الأُسارى يَوْمَئِذٍ غَيْرُهُ» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «كانَ أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ يَحْضُرُ النَّبِيَّ ﷺ فَزَجَرَهُ عُقْبَةُ بْنُ أبِي مُعَيْطٍ، فَنَزَلَ: ﴿ويَوْمَ يَعَضُّ الظّالِمُ عَلى يَدَيْهِ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿خَذُولا﴾ [الفرقان»: ٢٩] .
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ في ”المُصَنَّفِ“، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مِقْسَمٍ مَوْلى ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «إنَّ عُقْبَةَ بْنَ أبِي مُعَيْطٍ، وأُبَيَّ بْنَ خَلَفٍ الجُمَحِيَّ التَقَيا، فَقالَ عُقْبَةُ بْنُ أبِي مُعَيْطٍ لِأُبَيِّ بْنِ خَلَفٍ -وكانا خَلِيلَيْنِ في الجاهِلِيَّةِ- وكانَ أُبَيٌّ قَدْ أتى النَّبِيَّ ﷺ فَعَرَضَ عَلَيْهِ الإسْلامَ، فَلَمّا سَمَّعَ بِذَلِكَ عُقْبَةُ قالَ: لا أرْضى عَنْكَ حَتّى تَأْتِيَ مُحَمَّدًا فَتَتْفُلَ في وجْهِهِ وتَشْتُمَهُ وتُكَذِّبَهُ. قالَ: فَلَمْ يُسَلِّطْهُ اللَّهُ عَلى ذَلِكَ، فَلَمّا كانَ يَوْمُ بَدْرٍ، أُسِرَ عُقْبَةُ بْنُ أبِي مُعَيْطٍ في الأُسارى، فَأمَرَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ عَلِيَّ بْنَ أبِي طالِبٍ أنْ يَقْتُلَهُ. فَقالَ عُقْبَةُ: يا مُحَمَّدُ، مِن بَيْنِ هَؤُلاءِ أُقْتَلُ! قالَ: «نَعَمْ» . قالَ: بِمَ؟ قالَ: «بِكُفْرِكَ وفُجُورِكَ وعُتُوِّكَ عَلى اللَّهِ وعَلى رَسُولِهِ» . فَقامَ إلَيْهِ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ فَضَرَبَ عُنُقَهُ. وأمّا أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ فَقالَ: واللَّهِ لَأقْتُلَنَّ مُحَمَّدًا، فَبَلَغَ ذَلِكَ (p-١٦٦)رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: «بَلْ أنا أقْتُلُهُ إنْ شاءَ اللَّهُ» . فانْطَلَقَ رَجُلٌ مِمَّنْ سَمِعَ ذَلِكَ مِنَ النَّبِيِّ إلى أُبَيِّ بْنِ خَلَفٍ، فَقِيلَ لَهُ: إنَّهُ لَمّا قِيلَ لِمُحَمَّدٍ ما قُلْتَ قالَ: «بَلْ أنا أقْتُلُهُ إنْ شاءَ اللَّهُ» . فَأفْزَعَهُ ذَلِكَ، وقالَ: أنْشُدُكَ بِاللَّهِ، أسَمِعْتَهُ يَقُولُ ذَلِكَ؟ قالَ: نَعَمْ. فَوَقَعَتْ في نَفْسِهِ؛ لِأنَّهم لَمْ يَسْمَعُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: قَوْلًا إلّا كانَ حَقًّا، فَلَمّا كانَ يَوْمُ أُحُدٍ خَرَجَ مَعَ المُشْرِكِينَ، فَجَعَلَ يَلْتَمِسُ غَفْلَةَ النَّبِيِّ ﷺ لِيَحْمِلَ عَلَيْهِ، فَيَحُولُ رَجُلٌ مِنَ المُسْلِمِينَ بَيْنَ النَّبِيِّ ﷺ وبَيْنَهُ، فَلَمّا رَأى ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قالَ لِأصْحابِهِ: «خَلُّوا عَنْهُ» . فَأخَذَ الحَرْبَةَ فَرَماهُ بِها فَوَقَعَتْ في تَرْقُوَتِهِ، فَلَمْ يَخْرُجْ مِنهُ كَبِيرُ دَمٍ، واحْتَقَنَ الدَّمُ في جَوْفِهِ، فَجَعَلَ يَخُورُ كَما يَخُورُ الثَّوْرُ، فَأتى أصْحابُهُ حَتّى احْتَمَلُوهُ وهو يَخُورُ وقالُوا: ما هَذا؟ فَواللَّهِ ما بِكَ إلّا خَدْشٌ. فَقالَ: واللَّهِ لَوْ لَمْ يُصِبْنِي إلّا بِرِيقِهِ لَقَتَلَنِي، ألَيْسَ قَدْ قالَ: «أنا أقْتُلُهُ»؟ . واللَّهِ لَوْ كانَ الَّذِي بِي بِأهْلِ ذِي المَجازِ لَقَتَلَهم. قالَ: فَما لَبِثَ إلّا يَوْمًا أوْ نَحْوَ ذَلِكَ حَتّى ماتَ إلى النّارِ، وأنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ: ﴿ويَوْمَ يَعَضُّ الظّالِمُ عَلى يَدَيْهِ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿وكانَ الشَّيْطانُ لِلإنْسانِ خَذُولا﴾ [الفرقان»: ٢٩] .
(p-١٦٧)وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ سابِطٍ قالَ: «صَنَعَ أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ طَعامًا، ثُمَّ أتى مَجْلِسًا فِيهِ النَّبِيُّ ﷺ فَقالَ: قُومُوا، فَقامُوا غَيْرَ النَّبِيِّ ﷺ فَقالَ: «لا أقُومُ حَتّى تَشْهَدَ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وأنِّي رَسُولُ اللَّهِ» . فَتَشَهَّدَ، فَقامَ النَّبِيُّ ﷺ فَلَقِيَهُ عُقْبَةُ بْنُ أبِي مُعَيْطٍ، فَقالَ: قُلْتَ: كَذا وكَذا؟ قالَ: إنَّما أرَدْتُ لِطَعامِنا. فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ويَوْمَ يَعَضُّ الظّالِمُ عَلى يَدَيْهِ﴾ الآيَةَ» .
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ «فِي قَوْلِهِ: ﴿ويَوْمَ يَعَضُّ الظّالِمُ عَلى يَدَيْهِ﴾ قالَ عُقْبَةُ بْنُ أبِي مُعَيْطٍ، دَعا مَجْلِسًا فِيهِ النَّبِيُّ ﷺ لِطَعامٍ فَأبى النَّبِيُّ ﷺ أنْ يَأْكُلَ وقالَ: «لا آكُلُ حَتّى تَشْهَدَ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وأنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ» . فَلَقِيَهُ أُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ، فَقالَ: أقَدْ صَبَوْتَ؟ فَقالَ: إنَّ أخاكَ عَلى ما تَعْلَمُ، ولَكِنْ صَنَعْتُ طَعامًا، فَأبى أنْ يَأْكُلَ حَتّى قُلْتُ ذَلِكَ، فَقُلْتُهُ ولَيْسَ مِن نَفْسِي» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ هِشامٍ في قَوْلِهِ: ﴿ويَوْمَ يَعَضُّ الظّالِمُ عَلى يَدَيْهِ﴾ قالَ: يَأْكُلُ كَفَّيْهِ نَدامَةً حَتّى يَبْلُغَ مَنكِبَهُ لا يَجِدُ مَسَّها.
(p-١٦٨)وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سُفْيانَ في قَوْلِهِ: ﴿ويَوْمَ يَعَضُّ الظّالِمُ عَلى يَدَيْهِ﴾ قالَ: يَأْكُلُ يَدَهُ ثُمَّ تَنْبُتُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أبِي عِمْرانَ الجَوْنِيِّ في قَوْلِهِ: ﴿ويَوْمَ يَعَضُّ الظّالِمُ عَلى يَدَيْهِ﴾ قالَ: بَلَغَنِي أنَّهُ يَعَضُّهُ حَتّى يَكْسِرَ العَظْمَ ثُمَّ يَعُودُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ قالَ: نَزَلَتْ في أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ وعُقْبَةَ بْنِ أبِي مُعَيْطٍ، ﴿ويَوْمَ يَعَضُّ الظّالِمُ عَلى يَدَيْهِ﴾ قالَ: هَذا عُقْبَةُ، ﴿لَمْ أتَّخِذْ فُلانًا خَلِيلا﴾ قالَ: أُمَيَّةُ، وكانَ عُقْبَةُ خِدْنًا لِأُمَيَّةَ، فَبَلَغَ أُمَيَّةَ أنَّ عُقْبَةَ يُرِيدُ الإسْلامَ، فاتاهُ فَقالَ: وجْهِي مِن وجْهِكَ حَرامٌ إنْ أسْلَمْتَ أنْ أُكَلِّمَكَ أبَدًا. فَفَعَلَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِيهِما.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ أبِي مالِكٍ في قَوْلِهِ: ﴿يا ويْلَتى لَيْتَنِي لَمْ أتَّخِذْ فُلانًا خَلِيلا﴾ قالَ: عُقْبَةُ بْنُ أبِي مُعَيْطٍ وأُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ، كانا مُتَواخِيَيْنِ في الجاهِلِيَّةِ، يَقُولُ أُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ: يا لَيْتَنِي لَمْ أتَّخِذْ عُقَبَةَ بْنَ أبِي مُعَيْطٍ خَلِيلًا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ «فِي قَوْلِهِ: ﴿ويَوْمَ يَعَضُّ الظّالِمُ عَلى يَدَيْهِ﴾ الآيَةَ. قالَ: نَزَلَتْ في عُقْبَةَ بْنِ أبِي مُعَيْطٍ وأُبَيِّ بْنِ خَلَفٍ، دَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ عَلى عُقْبَةَ في حاجَةٍ وقَدْ صَنَعَ طَعامًا لِلنّاسِ، فَدَعا النَّبِيَّ ﷺ إلى طَعامِهِ، قالَ: «لا، حَتّى تُسْلِمَ» . فَأسْلَمَ فَأكَلَ، وبَلَغَ الخَبَرُ أُبَيَّ بْنَ خَلَفٍ فَأتى عُقْبَةَ، (p-١٦٩)فَذَكَرَ لَهُ ما صَنَعَ، فَقالَ لَهُ عُقْبَةُ: أتَرى مِثْلَ مُحَمَّدٍ يَدْخُلُ مَنزِلِي وفِيهِ طَعامٌ ثُمَّ يَخْرُجُ ولا يَأْكُلُ؟ قالَ: فَوَجْهِي مِن وجْهِكَ حَرامٌ حَتّى تَرْجِعَ عَمّا دَخَلْتَ فِيهِ. فَرَجَعَ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: ﴿ويَوْمَ يَعَضُّ الظّالِمُ عَلى يَدَيْهِ﴾ قالَ: أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ وعُقْبَةُ بْنُ أبِي مُعَيْطٍ، وهُما الخَلِيلانِ في جَهَنَّمَ عَلى مِنبَرٍ مِن نارٍ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ قَتادَةَ قالَ: ذُكِرَ لَنا أنَّ رَجُلًا مِن قُرَيْشٍ كانَ يَغْشى نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ، فَلَقِيَهُ رَجُلٌ آخَرُ مِن قُرَيْشٍ، وكانَ لَهُ صَدِيقًا، فَلَمْ يَزَلْ بِهِ حَتّى صَرَفَهُ وصَدَّهُ عَنْ غِشْيانِ نَبِيِّ اللَّهِ ﷺ، فَأنْزَلَ اللَّهُ فِيهِما ما تَسْمَعُونَ.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ: ﴿يا ويْلَتى لَيْتَنِي لَمْ أتَّخِذْ فُلانًا خَلِيلا﴾ قالَ: الشَّيْطانُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ: ﴿وكانَ الشَّيْطانُ لِلإنْسانِ خَذُولا﴾ قالَ: خَذَلَهُ يَوْمَ القِيامَةِ وتَبَرَّأ مِنهُ. ﴿وقالَ الرَّسُولُ يا رَبِّ إنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذا القُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ هَذا قَوْلُ نَبِيِّكم ﷺ يَشْتَكِي قَوْمَهُ إلى رَبِّهِ، قالَ اللَّهُ يُعَزِّي نَبِيَّهُ ﷺ: ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ المُجْرِمِينَ﴾ يَقُولُ: إنَّ الرُّسُلَ قَدْ لَقِيَتْ هَذا مِن قَوْمِها قَبْلَكَ، فَلا (p-١٧٠)يَكْبُرَنَّ عَلَيْكَ.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿اتَّخَذُوا هَذا القُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ قالَ: يَهْجُرُونَ فِيهِ بِالقَوْلِ السَّيِّئِ، يَقُولُونَ: هَذا سِحْرٌ.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ إبْراهِيمَ النَّخَعِيِّ في قَوْلِهِ: ﴿اتَّخَذُوا هَذا القُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ قالَ: قالُوا فِيهِ هُجْرًا غَيْرَ الحَقِّ، ألَمْ تَرَ المَرِيضَ إذا هَذى قِيلَ: هَجَرَ، أيْ: قالَ غَيْرَ الحَقِّ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ المُجْرِمِينَ﴾ قالَ: لَمْ يُبْعَثْ نَبِيٌّ قَطُّ إلّا كانَ المُجْرِمُونَ لَهُ أعْداءً، ولَمْ يُبْعَثْ نَبِيٌّ قَطُّ إلّا كانَ بَعْضُ المُجْرِمِينَ أشُدَّ عَلَيْهِ مِن بَعْضٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ المُجْرِمِينَ﴾ قالَ: كانَ عَدُوَّ النَّبِيِّ ﷺ أبُو جَهْلٍ، وعَدُوَّ مُوسى قارُونُ، وكانَ قارُونُ ابْنَ عَمِّ مُوسى.
(p-١٧١)وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ المُجْرِمِينَ﴾ قالَ: يُوَطِّنُ مُحَمَّدًا ﷺ أنَّهُ جاعِلٌ لَهُ عَدُّوا مِنَ المُجْرِمِينَ، كَما جَعَلَ لِمَن قَبْلَهُ.
الفرقان 25:29
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَوْمَ يَعَضُّ الظّالِمُ﴾ الآيَةَ.
أخْرُجُ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ في ”الدَّلائِلِ“، بِسَنَدٍ صَحِيحٍ، مِن طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، «أنَّ أبا مُعَيْطٍ كانَ يَجْلِسُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ بِمَكَّةَ لا يُؤْذِيهِ، وكانَ رَجُلًا حَلِيمًا، وكانَ بَقِيَّةُ قُرَيْشٍ إذا جَلَسُوا مَعَهُ آذَوْهُ، وكانَ لِأبِي مُعَيْطٍ خَلِيلٌ غائِبٌ عَنْهُ بِالشّامِ، فَقالَتْ قُرَيْشٌ: صَبَأ أبُو مُعَيْطٍ، وقَدِمَ خَلِيلُهُ مِنَ الشّامِ لَيْلًا، فَقالَ لِامْرَأتِهِ: ما فَعَلَ مُحَمَّدٌ مِمّا كانَ عَلَيْهِ؟ فَقالَتْ: أشَدُّ مِمّا كانَ أمْرًا. فَقالَ: ما فَعَلَ خَلِيلِي أبُو مُعَيْطٍ؟ فَقالَتْ: صَبَأ. فَباتَ بِلَيْلَةِ سُوءٍ، فَلَمّا أصْبَحَ أتاهُ أبُو مُعَيْطٍ فَحَيّاهُ، فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ التَّحِيَّةَ، فَقالَ: ما لَكَ لا تَرُدُّ عَلَيَّ تَحِيَّتِي؟ فَقالَ: كَيْفَ أرُدُّ عَلَيْكَ تَحِيَّتَكَ وقَدْ صَبَوْتَ؟ قالَ: أوَقَدْ فَعَلَتْها قُرَيْشٌ؟ قالَ: نَعَمْ. قالَ: فَما يُبْرِئُ صُدُورَهم إنْ أنا فَعَلْتُ؟ قالَ: تَأْتِيهِ في مَجْلِسِهِ فَتَبْزُقُ في وجْهِهِ، وتَشْتُمُهُ بِأخْبَثِ ما تَعْلَمُ مِنَ الشَّتْمِ. فَفَعَلَ، فَلَمْ يَزِدِ النَّبِيُّ ﷺ عَلى أنْ مَسَحَ وجْهَهُ مِنَ البُزاقِ، ثُمَّ التَفَتَ إلَيْهِ فَقالَ: «إنَّ وجَدْتُكَ خارِجًا مِن جِبالِ مَكَّةَ أضْرِبْ عُنُقَكَ صَبْرًا» . فَلَمّا كانَ يَوْمُ بَدْرٍ، وخَرَجَ أصْحابُهُ أبِي (p-١٦٤)أنْ يَخْرُجَ، فَقالَ لَهُ أصْحابُهُ: اخْرُجْ مَعَنا. قالَ: قَدْ وعَدَنِي هَذا الرَّجُلُ إنْ وجَدَنِي خارِجًا مِن جِبالِ مَكَّةَ أنْ يَضْرِبَ عُنُقِي صَبْرًا. فَقالُوا: لَكَ جَمَلٌ أحْمَرُ لا يُدْرَكُ، فَلَوْ كانَتِ الهَزِيمَةُ طِرْتَ عَلَيْهِ. فَخَرَجَ مَعَهُمْ، فَلَمّا هَزَمَ اللَّهُ المُشْرِكِينَ وحَلَّ بِهِ جَمَلُهُ في جُدُدٍ مِنَ الأرْضِ، فَأخَذَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أسِيرًا في في سَبْعِينَ مِن قُرَيْشٍ، وقَدِمَ إلَيْهِ أبُو مُعَيْطٍ فَقالَ: أتَقْتُلُنِي مِن بَيْنِ هَؤُلاءِ؟ قالَ: «نَعَمْ، بِما بَزَقْتَ في وجْهِي» . فَأنْزَلَ اللَّهُ في أبِي مُعَيْطٍ: ﴿ويَوْمَ يَعَضُّ الظّالِمُ عَلى يَدَيْهِ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿وكانَ الشَّيْطانُ لِلإنْسانِ خَذُولا﴾ [الفرقان»: ٢٩] .
وأخْرَجَ أبُو نُعَيْمٍ مِن طَرِيقِ الكَلْبِيِّ، عَنْ أبِي صالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «كانَ عُقْبَةُ بْنُ أبِي مُعَيْطٍ لا يَقْدَمُ مِن سَفَرٍ إلّا صَنَعَ طَعامًا، فَدَعا إلَيْهِ أهْلَ مَكَّةَ كُلَّهُمْ، وكانَ يُكْثِرُ مُجالَسَةَ النَّبِيِّ ﷺ ويُعْجِبُهُ حَدِيثُهُ، وغَلَبَ عَلَيْهِ الشَّقاءُ، فَقَدِمَ ذاتِ يَوْمٍ مِن سَفَرِهِ فَصَنَعَ طَعامًا ثُمَّ دَعا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ إلى طَعامِهِ فَقالَ: «ما أنا بِالَّذِي آكُلُ مِن طَعامِكَ حَتّى تَشْهَدَ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وأنِّي رَسُولُ اللَّهِ» . فَقالَ: اطْعَمْ يا ابْنَ أخِي. قالَ: «ما أنا بِالَّذِي أفْعَلُ حَتّى تَقُولَ» . فَشَهِدَ بِذَلِكَ وطَعِمَ مِن طَعامِهِ. فَبَلَغَ ذَلِكَ أُبَيَّ بْنَ خَلَفٍ، فَأتاهُ فَقالَ: أصَبَوْتَ يا عُقْبَةُ؟ وكانَ خَلِيلَهُ. فَقالَ: لا واللَّهِ ما صَبَوْتُ، ولَكِنْ دَخَلَ عَلَيَّ رَجُلٌ فَأبى أنْ يَطْعَمَ مِن طَعامِي إلّا أنْ أشْهَدَ لَهُ، فاسْتَحْيَيْتُ أنْ يَخْرُجَ مِن بَيْتِي قَبْلَ أنْ (p-١٦٥)يَطْعَمَ فَشَهِدْتُ لَهُ فَطَعِمَ. فَقالَ: ما أنا بِالَّذِي أرْضى عَنْكَ حَتّى تَأْتِيَهُ فَتَبْزُقَ في وجْهِهِ. فَفَعَلَ عُقْبَةُ، فَقالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لا ألْقاكَ خارِجًا مِن مَكَّةَ إلّا عَلَوْتُ رَأْسَكَ بِالسَّيْفِ» . فَأُسِرَ عُقْبَةُ يَوْمَ بَدْرٍ فَقُتِلَ صَبْرًا، ولَمْ يُقْتَلْ مِنَ الأُسارى يَوْمَئِذٍ غَيْرُهُ» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «كانَ أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ يَحْضُرُ النَّبِيَّ ﷺ فَزَجَرَهُ عُقْبَةُ بْنُ أبِي مُعَيْطٍ، فَنَزَلَ: ﴿ويَوْمَ يَعَضُّ الظّالِمُ عَلى يَدَيْهِ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿خَذُولا﴾ [الفرقان»: ٢٩] .
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ في ”المُصَنَّفِ“، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مِقْسَمٍ مَوْلى ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «إنَّ عُقْبَةَ بْنَ أبِي مُعَيْطٍ، وأُبَيَّ بْنَ خَلَفٍ الجُمَحِيَّ التَقَيا، فَقالَ عُقْبَةُ بْنُ أبِي مُعَيْطٍ لِأُبَيِّ بْنِ خَلَفٍ -وكانا خَلِيلَيْنِ في الجاهِلِيَّةِ- وكانَ أُبَيٌّ قَدْ أتى النَّبِيَّ ﷺ فَعَرَضَ عَلَيْهِ الإسْلامَ، فَلَمّا سَمَّعَ بِذَلِكَ عُقْبَةُ قالَ: لا أرْضى عَنْكَ حَتّى تَأْتِيَ مُحَمَّدًا فَتَتْفُلَ في وجْهِهِ وتَشْتُمَهُ وتُكَذِّبَهُ. قالَ: فَلَمْ يُسَلِّطْهُ اللَّهُ عَلى ذَلِكَ، فَلَمّا كانَ يَوْمُ بَدْرٍ، أُسِرَ عُقْبَةُ بْنُ أبِي مُعَيْطٍ في الأُسارى، فَأمَرَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ عَلِيَّ بْنَ أبِي طالِبٍ أنْ يَقْتُلَهُ. فَقالَ عُقْبَةُ: يا مُحَمَّدُ، مِن بَيْنِ هَؤُلاءِ أُقْتَلُ! قالَ: «نَعَمْ» . قالَ: بِمَ؟ قالَ: «بِكُفْرِكَ وفُجُورِكَ وعُتُوِّكَ عَلى اللَّهِ وعَلى رَسُولِهِ» . فَقامَ إلَيْهِ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ فَضَرَبَ عُنُقَهُ. وأمّا أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ فَقالَ: واللَّهِ لَأقْتُلَنَّ مُحَمَّدًا، فَبَلَغَ ذَلِكَ (p-١٦٦)رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: «بَلْ أنا أقْتُلُهُ إنْ شاءَ اللَّهُ» . فانْطَلَقَ رَجُلٌ مِمَّنْ سَمِعَ ذَلِكَ مِنَ النَّبِيِّ إلى أُبَيِّ بْنِ خَلَفٍ، فَقِيلَ لَهُ: إنَّهُ لَمّا قِيلَ لِمُحَمَّدٍ ما قُلْتَ قالَ: «بَلْ أنا أقْتُلُهُ إنْ شاءَ اللَّهُ» . فَأفْزَعَهُ ذَلِكَ، وقالَ: أنْشُدُكَ بِاللَّهِ، أسَمِعْتَهُ يَقُولُ ذَلِكَ؟ قالَ: نَعَمْ. فَوَقَعَتْ في نَفْسِهِ؛ لِأنَّهم لَمْ يَسْمَعُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: قَوْلًا إلّا كانَ حَقًّا، فَلَمّا كانَ يَوْمُ أُحُدٍ خَرَجَ مَعَ المُشْرِكِينَ، فَجَعَلَ يَلْتَمِسُ غَفْلَةَ النَّبِيِّ ﷺ لِيَحْمِلَ عَلَيْهِ، فَيَحُولُ رَجُلٌ مِنَ المُسْلِمِينَ بَيْنَ النَّبِيِّ ﷺ وبَيْنَهُ، فَلَمّا رَأى ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قالَ لِأصْحابِهِ: «خَلُّوا عَنْهُ» . فَأخَذَ الحَرْبَةَ فَرَماهُ بِها فَوَقَعَتْ في تَرْقُوَتِهِ، فَلَمْ يَخْرُجْ مِنهُ كَبِيرُ دَمٍ، واحْتَقَنَ الدَّمُ في جَوْفِهِ، فَجَعَلَ يَخُورُ كَما يَخُورُ الثَّوْرُ، فَأتى أصْحابُهُ حَتّى احْتَمَلُوهُ وهو يَخُورُ وقالُوا: ما هَذا؟ فَواللَّهِ ما بِكَ إلّا خَدْشٌ. فَقالَ: واللَّهِ لَوْ لَمْ يُصِبْنِي إلّا بِرِيقِهِ لَقَتَلَنِي، ألَيْسَ قَدْ قالَ: «أنا أقْتُلُهُ»؟ . واللَّهِ لَوْ كانَ الَّذِي بِي بِأهْلِ ذِي المَجازِ لَقَتَلَهم. قالَ: فَما لَبِثَ إلّا يَوْمًا أوْ نَحْوَ ذَلِكَ حَتّى ماتَ إلى النّارِ، وأنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ: ﴿ويَوْمَ يَعَضُّ الظّالِمُ عَلى يَدَيْهِ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿وكانَ الشَّيْطانُ لِلإنْسانِ خَذُولا﴾ [الفرقان»: ٢٩] .
(p-١٦٧)وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ سابِطٍ قالَ: «صَنَعَ أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ طَعامًا، ثُمَّ أتى مَجْلِسًا فِيهِ النَّبِيُّ ﷺ فَقالَ: قُومُوا، فَقامُوا غَيْرَ النَّبِيِّ ﷺ فَقالَ: «لا أقُومُ حَتّى تَشْهَدَ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وأنِّي رَسُولُ اللَّهِ» . فَتَشَهَّدَ، فَقامَ النَّبِيُّ ﷺ فَلَقِيَهُ عُقْبَةُ بْنُ أبِي مُعَيْطٍ، فَقالَ: قُلْتَ: كَذا وكَذا؟ قالَ: إنَّما أرَدْتُ لِطَعامِنا. فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ويَوْمَ يَعَضُّ الظّالِمُ عَلى يَدَيْهِ﴾ الآيَةَ» .
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ «فِي قَوْلِهِ: ﴿ويَوْمَ يَعَضُّ الظّالِمُ عَلى يَدَيْهِ﴾ قالَ عُقْبَةُ بْنُ أبِي مُعَيْطٍ، دَعا مَجْلِسًا فِيهِ النَّبِيُّ ﷺ لِطَعامٍ فَأبى النَّبِيُّ ﷺ أنْ يَأْكُلَ وقالَ: «لا آكُلُ حَتّى تَشْهَدَ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وأنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ» . فَلَقِيَهُ أُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ، فَقالَ: أقَدْ صَبَوْتَ؟ فَقالَ: إنَّ أخاكَ عَلى ما تَعْلَمُ، ولَكِنْ صَنَعْتُ طَعامًا، فَأبى أنْ يَأْكُلَ حَتّى قُلْتُ ذَلِكَ، فَقُلْتُهُ ولَيْسَ مِن نَفْسِي» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ هِشامٍ في قَوْلِهِ: ﴿ويَوْمَ يَعَضُّ الظّالِمُ عَلى يَدَيْهِ﴾ قالَ: يَأْكُلُ كَفَّيْهِ نَدامَةً حَتّى يَبْلُغَ مَنكِبَهُ لا يَجِدُ مَسَّها.
(p-١٦٨)وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سُفْيانَ في قَوْلِهِ: ﴿ويَوْمَ يَعَضُّ الظّالِمُ عَلى يَدَيْهِ﴾ قالَ: يَأْكُلُ يَدَهُ ثُمَّ تَنْبُتُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أبِي عِمْرانَ الجَوْنِيِّ في قَوْلِهِ: ﴿ويَوْمَ يَعَضُّ الظّالِمُ عَلى يَدَيْهِ﴾ قالَ: بَلَغَنِي أنَّهُ يَعَضُّهُ حَتّى يَكْسِرَ العَظْمَ ثُمَّ يَعُودُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ قالَ: نَزَلَتْ في أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ وعُقْبَةَ بْنِ أبِي مُعَيْطٍ، ﴿ويَوْمَ يَعَضُّ الظّالِمُ عَلى يَدَيْهِ﴾ قالَ: هَذا عُقْبَةُ، ﴿لَمْ أتَّخِذْ فُلانًا خَلِيلا﴾ قالَ: أُمَيَّةُ، وكانَ عُقْبَةُ خِدْنًا لِأُمَيَّةَ، فَبَلَغَ أُمَيَّةَ أنَّ عُقْبَةَ يُرِيدُ الإسْلامَ، فاتاهُ فَقالَ: وجْهِي مِن وجْهِكَ حَرامٌ إنْ أسْلَمْتَ أنْ أُكَلِّمَكَ أبَدًا. فَفَعَلَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِيهِما.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ أبِي مالِكٍ في قَوْلِهِ: ﴿يا ويْلَتى لَيْتَنِي لَمْ أتَّخِذْ فُلانًا خَلِيلا﴾ قالَ: عُقْبَةُ بْنُ أبِي مُعَيْطٍ وأُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ، كانا مُتَواخِيَيْنِ في الجاهِلِيَّةِ، يَقُولُ أُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ: يا لَيْتَنِي لَمْ أتَّخِذْ عُقَبَةَ بْنَ أبِي مُعَيْطٍ خَلِيلًا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ «فِي قَوْلِهِ: ﴿ويَوْمَ يَعَضُّ الظّالِمُ عَلى يَدَيْهِ﴾ الآيَةَ. قالَ: نَزَلَتْ في عُقْبَةَ بْنِ أبِي مُعَيْطٍ وأُبَيِّ بْنِ خَلَفٍ، دَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ عَلى عُقْبَةَ في حاجَةٍ وقَدْ صَنَعَ طَعامًا لِلنّاسِ، فَدَعا النَّبِيَّ ﷺ إلى طَعامِهِ، قالَ: «لا، حَتّى تُسْلِمَ» . فَأسْلَمَ فَأكَلَ، وبَلَغَ الخَبَرُ أُبَيَّ بْنَ خَلَفٍ فَأتى عُقْبَةَ، (p-١٦٩)فَذَكَرَ لَهُ ما صَنَعَ، فَقالَ لَهُ عُقْبَةُ: أتَرى مِثْلَ مُحَمَّدٍ يَدْخُلُ مَنزِلِي وفِيهِ طَعامٌ ثُمَّ يَخْرُجُ ولا يَأْكُلُ؟ قالَ: فَوَجْهِي مِن وجْهِكَ حَرامٌ حَتّى تَرْجِعَ عَمّا دَخَلْتَ فِيهِ. فَرَجَعَ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: ﴿ويَوْمَ يَعَضُّ الظّالِمُ عَلى يَدَيْهِ﴾ قالَ: أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ وعُقْبَةُ بْنُ أبِي مُعَيْطٍ، وهُما الخَلِيلانِ في جَهَنَّمَ عَلى مِنبَرٍ مِن نارٍ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ قَتادَةَ قالَ: ذُكِرَ لَنا أنَّ رَجُلًا مِن قُرَيْشٍ كانَ يَغْشى نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ، فَلَقِيَهُ رَجُلٌ آخَرُ مِن قُرَيْشٍ، وكانَ لَهُ صَدِيقًا، فَلَمْ يَزَلْ بِهِ حَتّى صَرَفَهُ وصَدَّهُ عَنْ غِشْيانِ نَبِيِّ اللَّهِ ﷺ، فَأنْزَلَ اللَّهُ فِيهِما ما تَسْمَعُونَ.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ: ﴿يا ويْلَتى لَيْتَنِي لَمْ أتَّخِذْ فُلانًا خَلِيلا﴾ قالَ: الشَّيْطانُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ: ﴿وكانَ الشَّيْطانُ لِلإنْسانِ خَذُولا﴾ قالَ: خَذَلَهُ يَوْمَ القِيامَةِ وتَبَرَّأ مِنهُ. ﴿وقالَ الرَّسُولُ يا رَبِّ إنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذا القُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ هَذا قَوْلُ نَبِيِّكم ﷺ يَشْتَكِي قَوْمَهُ إلى رَبِّهِ، قالَ اللَّهُ يُعَزِّي نَبِيَّهُ ﷺ: ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ المُجْرِمِينَ﴾ يَقُولُ: إنَّ الرُّسُلَ قَدْ لَقِيَتْ هَذا مِن قَوْمِها قَبْلَكَ، فَلا (p-١٧٠)يَكْبُرَنَّ عَلَيْكَ.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿اتَّخَذُوا هَذا القُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ قالَ: يَهْجُرُونَ فِيهِ بِالقَوْلِ السَّيِّئِ، يَقُولُونَ: هَذا سِحْرٌ.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ إبْراهِيمَ النَّخَعِيِّ في قَوْلِهِ: ﴿اتَّخَذُوا هَذا القُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ قالَ: قالُوا فِيهِ هُجْرًا غَيْرَ الحَقِّ، ألَمْ تَرَ المَرِيضَ إذا هَذى قِيلَ: هَجَرَ، أيْ: قالَ غَيْرَ الحَقِّ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ المُجْرِمِينَ﴾ قالَ: لَمْ يُبْعَثْ نَبِيٌّ قَطُّ إلّا كانَ المُجْرِمُونَ لَهُ أعْداءً، ولَمْ يُبْعَثْ نَبِيٌّ قَطُّ إلّا كانَ بَعْضُ المُجْرِمِينَ أشُدَّ عَلَيْهِ مِن بَعْضٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ المُجْرِمِينَ﴾ قالَ: كانَ عَدُوَّ النَّبِيِّ ﷺ أبُو جَهْلٍ، وعَدُوَّ مُوسى قارُونُ، وكانَ قارُونُ ابْنَ عَمِّ مُوسى.
(p-١٧١)وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ المُجْرِمِينَ﴾ قالَ: يُوَطِّنُ مُحَمَّدًا ﷺ أنَّهُ جاعِلٌ لَهُ عَدُّوا مِنَ المُجْرِمِينَ، كَما جَعَلَ لِمَن قَبْلَهُ.
الفرقان 25:30
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَوْمَ يَعَضُّ الظّالِمُ﴾ الآيَةَ.
أخْرُجُ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ في ”الدَّلائِلِ“، بِسَنَدٍ صَحِيحٍ، مِن طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، «أنَّ أبا مُعَيْطٍ كانَ يَجْلِسُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ بِمَكَّةَ لا يُؤْذِيهِ، وكانَ رَجُلًا حَلِيمًا، وكانَ بَقِيَّةُ قُرَيْشٍ إذا جَلَسُوا مَعَهُ آذَوْهُ، وكانَ لِأبِي مُعَيْطٍ خَلِيلٌ غائِبٌ عَنْهُ بِالشّامِ، فَقالَتْ قُرَيْشٌ: صَبَأ أبُو مُعَيْطٍ، وقَدِمَ خَلِيلُهُ مِنَ الشّامِ لَيْلًا، فَقالَ لِامْرَأتِهِ: ما فَعَلَ مُحَمَّدٌ مِمّا كانَ عَلَيْهِ؟ فَقالَتْ: أشَدُّ مِمّا كانَ أمْرًا. فَقالَ: ما فَعَلَ خَلِيلِي أبُو مُعَيْطٍ؟ فَقالَتْ: صَبَأ. فَباتَ بِلَيْلَةِ سُوءٍ، فَلَمّا أصْبَحَ أتاهُ أبُو مُعَيْطٍ فَحَيّاهُ، فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ التَّحِيَّةَ، فَقالَ: ما لَكَ لا تَرُدُّ عَلَيَّ تَحِيَّتِي؟ فَقالَ: كَيْفَ أرُدُّ عَلَيْكَ تَحِيَّتَكَ وقَدْ صَبَوْتَ؟ قالَ: أوَقَدْ فَعَلَتْها قُرَيْشٌ؟ قالَ: نَعَمْ. قالَ: فَما يُبْرِئُ صُدُورَهم إنْ أنا فَعَلْتُ؟ قالَ: تَأْتِيهِ في مَجْلِسِهِ فَتَبْزُقُ في وجْهِهِ، وتَشْتُمُهُ بِأخْبَثِ ما تَعْلَمُ مِنَ الشَّتْمِ. فَفَعَلَ، فَلَمْ يَزِدِ النَّبِيُّ ﷺ عَلى أنْ مَسَحَ وجْهَهُ مِنَ البُزاقِ، ثُمَّ التَفَتَ إلَيْهِ فَقالَ: «إنَّ وجَدْتُكَ خارِجًا مِن جِبالِ مَكَّةَ أضْرِبْ عُنُقَكَ صَبْرًا» . فَلَمّا كانَ يَوْمُ بَدْرٍ، وخَرَجَ أصْحابُهُ أبِي (p-١٦٤)أنْ يَخْرُجَ، فَقالَ لَهُ أصْحابُهُ: اخْرُجْ مَعَنا. قالَ: قَدْ وعَدَنِي هَذا الرَّجُلُ إنْ وجَدَنِي خارِجًا مِن جِبالِ مَكَّةَ أنْ يَضْرِبَ عُنُقِي صَبْرًا. فَقالُوا: لَكَ جَمَلٌ أحْمَرُ لا يُدْرَكُ، فَلَوْ كانَتِ الهَزِيمَةُ طِرْتَ عَلَيْهِ. فَخَرَجَ مَعَهُمْ، فَلَمّا هَزَمَ اللَّهُ المُشْرِكِينَ وحَلَّ بِهِ جَمَلُهُ في جُدُدٍ مِنَ الأرْضِ، فَأخَذَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أسِيرًا في في سَبْعِينَ مِن قُرَيْشٍ، وقَدِمَ إلَيْهِ أبُو مُعَيْطٍ فَقالَ: أتَقْتُلُنِي مِن بَيْنِ هَؤُلاءِ؟ قالَ: «نَعَمْ، بِما بَزَقْتَ في وجْهِي» . فَأنْزَلَ اللَّهُ في أبِي مُعَيْطٍ: ﴿ويَوْمَ يَعَضُّ الظّالِمُ عَلى يَدَيْهِ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿وكانَ الشَّيْطانُ لِلإنْسانِ خَذُولا﴾ [الفرقان»: ٢٩] .
وأخْرَجَ أبُو نُعَيْمٍ مِن طَرِيقِ الكَلْبِيِّ، عَنْ أبِي صالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «كانَ عُقْبَةُ بْنُ أبِي مُعَيْطٍ لا يَقْدَمُ مِن سَفَرٍ إلّا صَنَعَ طَعامًا، فَدَعا إلَيْهِ أهْلَ مَكَّةَ كُلَّهُمْ، وكانَ يُكْثِرُ مُجالَسَةَ النَّبِيِّ ﷺ ويُعْجِبُهُ حَدِيثُهُ، وغَلَبَ عَلَيْهِ الشَّقاءُ، فَقَدِمَ ذاتِ يَوْمٍ مِن سَفَرِهِ فَصَنَعَ طَعامًا ثُمَّ دَعا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ إلى طَعامِهِ فَقالَ: «ما أنا بِالَّذِي آكُلُ مِن طَعامِكَ حَتّى تَشْهَدَ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وأنِّي رَسُولُ اللَّهِ» . فَقالَ: اطْعَمْ يا ابْنَ أخِي. قالَ: «ما أنا بِالَّذِي أفْعَلُ حَتّى تَقُولَ» . فَشَهِدَ بِذَلِكَ وطَعِمَ مِن طَعامِهِ. فَبَلَغَ ذَلِكَ أُبَيَّ بْنَ خَلَفٍ، فَأتاهُ فَقالَ: أصَبَوْتَ يا عُقْبَةُ؟ وكانَ خَلِيلَهُ. فَقالَ: لا واللَّهِ ما صَبَوْتُ، ولَكِنْ دَخَلَ عَلَيَّ رَجُلٌ فَأبى أنْ يَطْعَمَ مِن طَعامِي إلّا أنْ أشْهَدَ لَهُ، فاسْتَحْيَيْتُ أنْ يَخْرُجَ مِن بَيْتِي قَبْلَ أنْ (p-١٦٥)يَطْعَمَ فَشَهِدْتُ لَهُ فَطَعِمَ. فَقالَ: ما أنا بِالَّذِي أرْضى عَنْكَ حَتّى تَأْتِيَهُ فَتَبْزُقَ في وجْهِهِ. فَفَعَلَ عُقْبَةُ، فَقالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لا ألْقاكَ خارِجًا مِن مَكَّةَ إلّا عَلَوْتُ رَأْسَكَ بِالسَّيْفِ» . فَأُسِرَ عُقْبَةُ يَوْمَ بَدْرٍ فَقُتِلَ صَبْرًا، ولَمْ يُقْتَلْ مِنَ الأُسارى يَوْمَئِذٍ غَيْرُهُ» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «كانَ أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ يَحْضُرُ النَّبِيَّ ﷺ فَزَجَرَهُ عُقْبَةُ بْنُ أبِي مُعَيْطٍ، فَنَزَلَ: ﴿ويَوْمَ يَعَضُّ الظّالِمُ عَلى يَدَيْهِ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿خَذُولا﴾ [الفرقان»: ٢٩] .
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ في ”المُصَنَّفِ“، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مِقْسَمٍ مَوْلى ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «إنَّ عُقْبَةَ بْنَ أبِي مُعَيْطٍ، وأُبَيَّ بْنَ خَلَفٍ الجُمَحِيَّ التَقَيا، فَقالَ عُقْبَةُ بْنُ أبِي مُعَيْطٍ لِأُبَيِّ بْنِ خَلَفٍ -وكانا خَلِيلَيْنِ في الجاهِلِيَّةِ- وكانَ أُبَيٌّ قَدْ أتى النَّبِيَّ ﷺ فَعَرَضَ عَلَيْهِ الإسْلامَ، فَلَمّا سَمَّعَ بِذَلِكَ عُقْبَةُ قالَ: لا أرْضى عَنْكَ حَتّى تَأْتِيَ مُحَمَّدًا فَتَتْفُلَ في وجْهِهِ وتَشْتُمَهُ وتُكَذِّبَهُ. قالَ: فَلَمْ يُسَلِّطْهُ اللَّهُ عَلى ذَلِكَ، فَلَمّا كانَ يَوْمُ بَدْرٍ، أُسِرَ عُقْبَةُ بْنُ أبِي مُعَيْطٍ في الأُسارى، فَأمَرَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ عَلِيَّ بْنَ أبِي طالِبٍ أنْ يَقْتُلَهُ. فَقالَ عُقْبَةُ: يا مُحَمَّدُ، مِن بَيْنِ هَؤُلاءِ أُقْتَلُ! قالَ: «نَعَمْ» . قالَ: بِمَ؟ قالَ: «بِكُفْرِكَ وفُجُورِكَ وعُتُوِّكَ عَلى اللَّهِ وعَلى رَسُولِهِ» . فَقامَ إلَيْهِ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ فَضَرَبَ عُنُقَهُ. وأمّا أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ فَقالَ: واللَّهِ لَأقْتُلَنَّ مُحَمَّدًا، فَبَلَغَ ذَلِكَ (p-١٦٦)رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: «بَلْ أنا أقْتُلُهُ إنْ شاءَ اللَّهُ» . فانْطَلَقَ رَجُلٌ مِمَّنْ سَمِعَ ذَلِكَ مِنَ النَّبِيِّ إلى أُبَيِّ بْنِ خَلَفٍ، فَقِيلَ لَهُ: إنَّهُ لَمّا قِيلَ لِمُحَمَّدٍ ما قُلْتَ قالَ: «بَلْ أنا أقْتُلُهُ إنْ شاءَ اللَّهُ» . فَأفْزَعَهُ ذَلِكَ، وقالَ: أنْشُدُكَ بِاللَّهِ، أسَمِعْتَهُ يَقُولُ ذَلِكَ؟ قالَ: نَعَمْ. فَوَقَعَتْ في نَفْسِهِ؛ لِأنَّهم لَمْ يَسْمَعُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: قَوْلًا إلّا كانَ حَقًّا، فَلَمّا كانَ يَوْمُ أُحُدٍ خَرَجَ مَعَ المُشْرِكِينَ، فَجَعَلَ يَلْتَمِسُ غَفْلَةَ النَّبِيِّ ﷺ لِيَحْمِلَ عَلَيْهِ، فَيَحُولُ رَجُلٌ مِنَ المُسْلِمِينَ بَيْنَ النَّبِيِّ ﷺ وبَيْنَهُ، فَلَمّا رَأى ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قالَ لِأصْحابِهِ: «خَلُّوا عَنْهُ» . فَأخَذَ الحَرْبَةَ فَرَماهُ بِها فَوَقَعَتْ في تَرْقُوَتِهِ، فَلَمْ يَخْرُجْ مِنهُ كَبِيرُ دَمٍ، واحْتَقَنَ الدَّمُ في جَوْفِهِ، فَجَعَلَ يَخُورُ كَما يَخُورُ الثَّوْرُ، فَأتى أصْحابُهُ حَتّى احْتَمَلُوهُ وهو يَخُورُ وقالُوا: ما هَذا؟ فَواللَّهِ ما بِكَ إلّا خَدْشٌ. فَقالَ: واللَّهِ لَوْ لَمْ يُصِبْنِي إلّا بِرِيقِهِ لَقَتَلَنِي، ألَيْسَ قَدْ قالَ: «أنا أقْتُلُهُ»؟ . واللَّهِ لَوْ كانَ الَّذِي بِي بِأهْلِ ذِي المَجازِ لَقَتَلَهم. قالَ: فَما لَبِثَ إلّا يَوْمًا أوْ نَحْوَ ذَلِكَ حَتّى ماتَ إلى النّارِ، وأنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ: ﴿ويَوْمَ يَعَضُّ الظّالِمُ عَلى يَدَيْهِ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿وكانَ الشَّيْطانُ لِلإنْسانِ خَذُولا﴾ [الفرقان»: ٢٩] .
(p-١٦٧)وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ سابِطٍ قالَ: «صَنَعَ أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ طَعامًا، ثُمَّ أتى مَجْلِسًا فِيهِ النَّبِيُّ ﷺ فَقالَ: قُومُوا، فَقامُوا غَيْرَ النَّبِيِّ ﷺ فَقالَ: «لا أقُومُ حَتّى تَشْهَدَ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وأنِّي رَسُولُ اللَّهِ» . فَتَشَهَّدَ، فَقامَ النَّبِيُّ ﷺ فَلَقِيَهُ عُقْبَةُ بْنُ أبِي مُعَيْطٍ، فَقالَ: قُلْتَ: كَذا وكَذا؟ قالَ: إنَّما أرَدْتُ لِطَعامِنا. فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ويَوْمَ يَعَضُّ الظّالِمُ عَلى يَدَيْهِ﴾ الآيَةَ» .
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ «فِي قَوْلِهِ: ﴿ويَوْمَ يَعَضُّ الظّالِمُ عَلى يَدَيْهِ﴾ قالَ عُقْبَةُ بْنُ أبِي مُعَيْطٍ، دَعا مَجْلِسًا فِيهِ النَّبِيُّ ﷺ لِطَعامٍ فَأبى النَّبِيُّ ﷺ أنْ يَأْكُلَ وقالَ: «لا آكُلُ حَتّى تَشْهَدَ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وأنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ» . فَلَقِيَهُ أُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ، فَقالَ: أقَدْ صَبَوْتَ؟ فَقالَ: إنَّ أخاكَ عَلى ما تَعْلَمُ، ولَكِنْ صَنَعْتُ طَعامًا، فَأبى أنْ يَأْكُلَ حَتّى قُلْتُ ذَلِكَ، فَقُلْتُهُ ولَيْسَ مِن نَفْسِي» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ هِشامٍ في قَوْلِهِ: ﴿ويَوْمَ يَعَضُّ الظّالِمُ عَلى يَدَيْهِ﴾ قالَ: يَأْكُلُ كَفَّيْهِ نَدامَةً حَتّى يَبْلُغَ مَنكِبَهُ لا يَجِدُ مَسَّها.
(p-١٦٨)وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سُفْيانَ في قَوْلِهِ: ﴿ويَوْمَ يَعَضُّ الظّالِمُ عَلى يَدَيْهِ﴾ قالَ: يَأْكُلُ يَدَهُ ثُمَّ تَنْبُتُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أبِي عِمْرانَ الجَوْنِيِّ في قَوْلِهِ: ﴿ويَوْمَ يَعَضُّ الظّالِمُ عَلى يَدَيْهِ﴾ قالَ: بَلَغَنِي أنَّهُ يَعَضُّهُ حَتّى يَكْسِرَ العَظْمَ ثُمَّ يَعُودُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ قالَ: نَزَلَتْ في أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ وعُقْبَةَ بْنِ أبِي مُعَيْطٍ، ﴿ويَوْمَ يَعَضُّ الظّالِمُ عَلى يَدَيْهِ﴾ قالَ: هَذا عُقْبَةُ، ﴿لَمْ أتَّخِذْ فُلانًا خَلِيلا﴾ قالَ: أُمَيَّةُ، وكانَ عُقْبَةُ خِدْنًا لِأُمَيَّةَ، فَبَلَغَ أُمَيَّةَ أنَّ عُقْبَةَ يُرِيدُ الإسْلامَ، فاتاهُ فَقالَ: وجْهِي مِن وجْهِكَ حَرامٌ إنْ أسْلَمْتَ أنْ أُكَلِّمَكَ أبَدًا. فَفَعَلَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِيهِما.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ أبِي مالِكٍ في قَوْلِهِ: ﴿يا ويْلَتى لَيْتَنِي لَمْ أتَّخِذْ فُلانًا خَلِيلا﴾ قالَ: عُقْبَةُ بْنُ أبِي مُعَيْطٍ وأُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ، كانا مُتَواخِيَيْنِ في الجاهِلِيَّةِ، يَقُولُ أُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ: يا لَيْتَنِي لَمْ أتَّخِذْ عُقَبَةَ بْنَ أبِي مُعَيْطٍ خَلِيلًا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ «فِي قَوْلِهِ: ﴿ويَوْمَ يَعَضُّ الظّالِمُ عَلى يَدَيْهِ﴾ الآيَةَ. قالَ: نَزَلَتْ في عُقْبَةَ بْنِ أبِي مُعَيْطٍ وأُبَيِّ بْنِ خَلَفٍ، دَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ عَلى عُقْبَةَ في حاجَةٍ وقَدْ صَنَعَ طَعامًا لِلنّاسِ، فَدَعا النَّبِيَّ ﷺ إلى طَعامِهِ، قالَ: «لا، حَتّى تُسْلِمَ» . فَأسْلَمَ فَأكَلَ، وبَلَغَ الخَبَرُ أُبَيَّ بْنَ خَلَفٍ فَأتى عُقْبَةَ، (p-١٦٩)فَذَكَرَ لَهُ ما صَنَعَ، فَقالَ لَهُ عُقْبَةُ: أتَرى مِثْلَ مُحَمَّدٍ يَدْخُلُ مَنزِلِي وفِيهِ طَعامٌ ثُمَّ يَخْرُجُ ولا يَأْكُلُ؟ قالَ: فَوَجْهِي مِن وجْهِكَ حَرامٌ حَتّى تَرْجِعَ عَمّا دَخَلْتَ فِيهِ. فَرَجَعَ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: ﴿ويَوْمَ يَعَضُّ الظّالِمُ عَلى يَدَيْهِ﴾ قالَ: أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ وعُقْبَةُ بْنُ أبِي مُعَيْطٍ، وهُما الخَلِيلانِ في جَهَنَّمَ عَلى مِنبَرٍ مِن نارٍ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ قَتادَةَ قالَ: ذُكِرَ لَنا أنَّ رَجُلًا مِن قُرَيْشٍ كانَ يَغْشى نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ، فَلَقِيَهُ رَجُلٌ آخَرُ مِن قُرَيْشٍ، وكانَ لَهُ صَدِيقًا، فَلَمْ يَزَلْ بِهِ حَتّى صَرَفَهُ وصَدَّهُ عَنْ غِشْيانِ نَبِيِّ اللَّهِ ﷺ، فَأنْزَلَ اللَّهُ فِيهِما ما تَسْمَعُونَ.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ: ﴿يا ويْلَتى لَيْتَنِي لَمْ أتَّخِذْ فُلانًا خَلِيلا﴾ قالَ: الشَّيْطانُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ: ﴿وكانَ الشَّيْطانُ لِلإنْسانِ خَذُولا﴾ قالَ: خَذَلَهُ يَوْمَ القِيامَةِ وتَبَرَّأ مِنهُ. ﴿وقالَ الرَّسُولُ يا رَبِّ إنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذا القُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ هَذا قَوْلُ نَبِيِّكم ﷺ يَشْتَكِي قَوْمَهُ إلى رَبِّهِ، قالَ اللَّهُ يُعَزِّي نَبِيَّهُ ﷺ: ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ المُجْرِمِينَ﴾ يَقُولُ: إنَّ الرُّسُلَ قَدْ لَقِيَتْ هَذا مِن قَوْمِها قَبْلَكَ، فَلا (p-١٧٠)يَكْبُرَنَّ عَلَيْكَ.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿اتَّخَذُوا هَذا القُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ قالَ: يَهْجُرُونَ فِيهِ بِالقَوْلِ السَّيِّئِ، يَقُولُونَ: هَذا سِحْرٌ.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ إبْراهِيمَ النَّخَعِيِّ في قَوْلِهِ: ﴿اتَّخَذُوا هَذا القُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ قالَ: قالُوا فِيهِ هُجْرًا غَيْرَ الحَقِّ، ألَمْ تَرَ المَرِيضَ إذا هَذى قِيلَ: هَجَرَ، أيْ: قالَ غَيْرَ الحَقِّ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ المُجْرِمِينَ﴾ قالَ: لَمْ يُبْعَثْ نَبِيٌّ قَطُّ إلّا كانَ المُجْرِمُونَ لَهُ أعْداءً، ولَمْ يُبْعَثْ نَبِيٌّ قَطُّ إلّا كانَ بَعْضُ المُجْرِمِينَ أشُدَّ عَلَيْهِ مِن بَعْضٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ المُجْرِمِينَ﴾ قالَ: كانَ عَدُوَّ النَّبِيِّ ﷺ أبُو جَهْلٍ، وعَدُوَّ مُوسى قارُونُ، وكانَ قارُونُ ابْنَ عَمِّ مُوسى.
(p-١٧١)وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ المُجْرِمِينَ﴾ قالَ: يُوَطِّنُ مُحَمَّدًا ﷺ أنَّهُ جاعِلٌ لَهُ عَدُّوا مِنَ المُجْرِمِينَ، كَما جَعَلَ لِمَن قَبْلَهُ.
الفرقان 25:31
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَوْمَ يَعَضُّ الظّالِمُ﴾ الآيَةَ.
أخْرُجُ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ في ”الدَّلائِلِ“، بِسَنَدٍ صَحِيحٍ، مِن طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، «أنَّ أبا مُعَيْطٍ كانَ يَجْلِسُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ بِمَكَّةَ لا يُؤْذِيهِ، وكانَ رَجُلًا حَلِيمًا، وكانَ بَقِيَّةُ قُرَيْشٍ إذا جَلَسُوا مَعَهُ آذَوْهُ، وكانَ لِأبِي مُعَيْطٍ خَلِيلٌ غائِبٌ عَنْهُ بِالشّامِ، فَقالَتْ قُرَيْشٌ: صَبَأ أبُو مُعَيْطٍ، وقَدِمَ خَلِيلُهُ مِنَ الشّامِ لَيْلًا، فَقالَ لِامْرَأتِهِ: ما فَعَلَ مُحَمَّدٌ مِمّا كانَ عَلَيْهِ؟ فَقالَتْ: أشَدُّ مِمّا كانَ أمْرًا. فَقالَ: ما فَعَلَ خَلِيلِي أبُو مُعَيْطٍ؟ فَقالَتْ: صَبَأ. فَباتَ بِلَيْلَةِ سُوءٍ، فَلَمّا أصْبَحَ أتاهُ أبُو مُعَيْطٍ فَحَيّاهُ، فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ التَّحِيَّةَ، فَقالَ: ما لَكَ لا تَرُدُّ عَلَيَّ تَحِيَّتِي؟ فَقالَ: كَيْفَ أرُدُّ عَلَيْكَ تَحِيَّتَكَ وقَدْ صَبَوْتَ؟ قالَ: أوَقَدْ فَعَلَتْها قُرَيْشٌ؟ قالَ: نَعَمْ. قالَ: فَما يُبْرِئُ صُدُورَهم إنْ أنا فَعَلْتُ؟ قالَ: تَأْتِيهِ في مَجْلِسِهِ فَتَبْزُقُ في وجْهِهِ، وتَشْتُمُهُ بِأخْبَثِ ما تَعْلَمُ مِنَ الشَّتْمِ. فَفَعَلَ، فَلَمْ يَزِدِ النَّبِيُّ ﷺ عَلى أنْ مَسَحَ وجْهَهُ مِنَ البُزاقِ، ثُمَّ التَفَتَ إلَيْهِ فَقالَ: «إنَّ وجَدْتُكَ خارِجًا مِن جِبالِ مَكَّةَ أضْرِبْ عُنُقَكَ صَبْرًا» . فَلَمّا كانَ يَوْمُ بَدْرٍ، وخَرَجَ أصْحابُهُ أبِي (p-١٦٤)أنْ يَخْرُجَ، فَقالَ لَهُ أصْحابُهُ: اخْرُجْ مَعَنا. قالَ: قَدْ وعَدَنِي هَذا الرَّجُلُ إنْ وجَدَنِي خارِجًا مِن جِبالِ مَكَّةَ أنْ يَضْرِبَ عُنُقِي صَبْرًا. فَقالُوا: لَكَ جَمَلٌ أحْمَرُ لا يُدْرَكُ، فَلَوْ كانَتِ الهَزِيمَةُ طِرْتَ عَلَيْهِ. فَخَرَجَ مَعَهُمْ، فَلَمّا هَزَمَ اللَّهُ المُشْرِكِينَ وحَلَّ بِهِ جَمَلُهُ في جُدُدٍ مِنَ الأرْضِ، فَأخَذَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أسِيرًا في في سَبْعِينَ مِن قُرَيْشٍ، وقَدِمَ إلَيْهِ أبُو مُعَيْطٍ فَقالَ: أتَقْتُلُنِي مِن بَيْنِ هَؤُلاءِ؟ قالَ: «نَعَمْ، بِما بَزَقْتَ في وجْهِي» . فَأنْزَلَ اللَّهُ في أبِي مُعَيْطٍ: ﴿ويَوْمَ يَعَضُّ الظّالِمُ عَلى يَدَيْهِ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿وكانَ الشَّيْطانُ لِلإنْسانِ خَذُولا﴾ [الفرقان»: ٢٩] .
وأخْرَجَ أبُو نُعَيْمٍ مِن طَرِيقِ الكَلْبِيِّ، عَنْ أبِي صالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «كانَ عُقْبَةُ بْنُ أبِي مُعَيْطٍ لا يَقْدَمُ مِن سَفَرٍ إلّا صَنَعَ طَعامًا، فَدَعا إلَيْهِ أهْلَ مَكَّةَ كُلَّهُمْ، وكانَ يُكْثِرُ مُجالَسَةَ النَّبِيِّ ﷺ ويُعْجِبُهُ حَدِيثُهُ، وغَلَبَ عَلَيْهِ الشَّقاءُ، فَقَدِمَ ذاتِ يَوْمٍ مِن سَفَرِهِ فَصَنَعَ طَعامًا ثُمَّ دَعا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ إلى طَعامِهِ فَقالَ: «ما أنا بِالَّذِي آكُلُ مِن طَعامِكَ حَتّى تَشْهَدَ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وأنِّي رَسُولُ اللَّهِ» . فَقالَ: اطْعَمْ يا ابْنَ أخِي. قالَ: «ما أنا بِالَّذِي أفْعَلُ حَتّى تَقُولَ» . فَشَهِدَ بِذَلِكَ وطَعِمَ مِن طَعامِهِ. فَبَلَغَ ذَلِكَ أُبَيَّ بْنَ خَلَفٍ، فَأتاهُ فَقالَ: أصَبَوْتَ يا عُقْبَةُ؟ وكانَ خَلِيلَهُ. فَقالَ: لا واللَّهِ ما صَبَوْتُ، ولَكِنْ دَخَلَ عَلَيَّ رَجُلٌ فَأبى أنْ يَطْعَمَ مِن طَعامِي إلّا أنْ أشْهَدَ لَهُ، فاسْتَحْيَيْتُ أنْ يَخْرُجَ مِن بَيْتِي قَبْلَ أنْ (p-١٦٥)يَطْعَمَ فَشَهِدْتُ لَهُ فَطَعِمَ. فَقالَ: ما أنا بِالَّذِي أرْضى عَنْكَ حَتّى تَأْتِيَهُ فَتَبْزُقَ في وجْهِهِ. فَفَعَلَ عُقْبَةُ، فَقالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لا ألْقاكَ خارِجًا مِن مَكَّةَ إلّا عَلَوْتُ رَأْسَكَ بِالسَّيْفِ» . فَأُسِرَ عُقْبَةُ يَوْمَ بَدْرٍ فَقُتِلَ صَبْرًا، ولَمْ يُقْتَلْ مِنَ الأُسارى يَوْمَئِذٍ غَيْرُهُ» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، مِن طُرُقٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «كانَ أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ يَحْضُرُ النَّبِيَّ ﷺ فَزَجَرَهُ عُقْبَةُ بْنُ أبِي مُعَيْطٍ، فَنَزَلَ: ﴿ويَوْمَ يَعَضُّ الظّالِمُ عَلى يَدَيْهِ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿خَذُولا﴾ [الفرقان»: ٢٩] .
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ في ”المُصَنَّفِ“، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مِقْسَمٍ مَوْلى ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «إنَّ عُقْبَةَ بْنَ أبِي مُعَيْطٍ، وأُبَيَّ بْنَ خَلَفٍ الجُمَحِيَّ التَقَيا، فَقالَ عُقْبَةُ بْنُ أبِي مُعَيْطٍ لِأُبَيِّ بْنِ خَلَفٍ -وكانا خَلِيلَيْنِ في الجاهِلِيَّةِ- وكانَ أُبَيٌّ قَدْ أتى النَّبِيَّ ﷺ فَعَرَضَ عَلَيْهِ الإسْلامَ، فَلَمّا سَمَّعَ بِذَلِكَ عُقْبَةُ قالَ: لا أرْضى عَنْكَ حَتّى تَأْتِيَ مُحَمَّدًا فَتَتْفُلَ في وجْهِهِ وتَشْتُمَهُ وتُكَذِّبَهُ. قالَ: فَلَمْ يُسَلِّطْهُ اللَّهُ عَلى ذَلِكَ، فَلَمّا كانَ يَوْمُ بَدْرٍ، أُسِرَ عُقْبَةُ بْنُ أبِي مُعَيْطٍ في الأُسارى، فَأمَرَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ عَلِيَّ بْنَ أبِي طالِبٍ أنْ يَقْتُلَهُ. فَقالَ عُقْبَةُ: يا مُحَمَّدُ، مِن بَيْنِ هَؤُلاءِ أُقْتَلُ! قالَ: «نَعَمْ» . قالَ: بِمَ؟ قالَ: «بِكُفْرِكَ وفُجُورِكَ وعُتُوِّكَ عَلى اللَّهِ وعَلى رَسُولِهِ» . فَقامَ إلَيْهِ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ فَضَرَبَ عُنُقَهُ. وأمّا أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ فَقالَ: واللَّهِ لَأقْتُلَنَّ مُحَمَّدًا، فَبَلَغَ ذَلِكَ (p-١٦٦)رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: «بَلْ أنا أقْتُلُهُ إنْ شاءَ اللَّهُ» . فانْطَلَقَ رَجُلٌ مِمَّنْ سَمِعَ ذَلِكَ مِنَ النَّبِيِّ إلى أُبَيِّ بْنِ خَلَفٍ، فَقِيلَ لَهُ: إنَّهُ لَمّا قِيلَ لِمُحَمَّدٍ ما قُلْتَ قالَ: «بَلْ أنا أقْتُلُهُ إنْ شاءَ اللَّهُ» . فَأفْزَعَهُ ذَلِكَ، وقالَ: أنْشُدُكَ بِاللَّهِ، أسَمِعْتَهُ يَقُولُ ذَلِكَ؟ قالَ: نَعَمْ. فَوَقَعَتْ في نَفْسِهِ؛ لِأنَّهم لَمْ يَسْمَعُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: قَوْلًا إلّا كانَ حَقًّا، فَلَمّا كانَ يَوْمُ أُحُدٍ خَرَجَ مَعَ المُشْرِكِينَ، فَجَعَلَ يَلْتَمِسُ غَفْلَةَ النَّبِيِّ ﷺ لِيَحْمِلَ عَلَيْهِ، فَيَحُولُ رَجُلٌ مِنَ المُسْلِمِينَ بَيْنَ النَّبِيِّ ﷺ وبَيْنَهُ، فَلَمّا رَأى ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قالَ لِأصْحابِهِ: «خَلُّوا عَنْهُ» . فَأخَذَ الحَرْبَةَ فَرَماهُ بِها فَوَقَعَتْ في تَرْقُوَتِهِ، فَلَمْ يَخْرُجْ مِنهُ كَبِيرُ دَمٍ، واحْتَقَنَ الدَّمُ في جَوْفِهِ، فَجَعَلَ يَخُورُ كَما يَخُورُ الثَّوْرُ، فَأتى أصْحابُهُ حَتّى احْتَمَلُوهُ وهو يَخُورُ وقالُوا: ما هَذا؟ فَواللَّهِ ما بِكَ إلّا خَدْشٌ. فَقالَ: واللَّهِ لَوْ لَمْ يُصِبْنِي إلّا بِرِيقِهِ لَقَتَلَنِي، ألَيْسَ قَدْ قالَ: «أنا أقْتُلُهُ»؟ . واللَّهِ لَوْ كانَ الَّذِي بِي بِأهْلِ ذِي المَجازِ لَقَتَلَهم. قالَ: فَما لَبِثَ إلّا يَوْمًا أوْ نَحْوَ ذَلِكَ حَتّى ماتَ إلى النّارِ، وأنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ: ﴿ويَوْمَ يَعَضُّ الظّالِمُ عَلى يَدَيْهِ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿وكانَ الشَّيْطانُ لِلإنْسانِ خَذُولا﴾ [الفرقان»: ٢٩] .
(p-١٦٧)وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ سابِطٍ قالَ: «صَنَعَ أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ طَعامًا، ثُمَّ أتى مَجْلِسًا فِيهِ النَّبِيُّ ﷺ فَقالَ: قُومُوا، فَقامُوا غَيْرَ النَّبِيِّ ﷺ فَقالَ: «لا أقُومُ حَتّى تَشْهَدَ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وأنِّي رَسُولُ اللَّهِ» . فَتَشَهَّدَ، فَقامَ النَّبِيُّ ﷺ فَلَقِيَهُ عُقْبَةُ بْنُ أبِي مُعَيْطٍ، فَقالَ: قُلْتَ: كَذا وكَذا؟ قالَ: إنَّما أرَدْتُ لِطَعامِنا. فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ويَوْمَ يَعَضُّ الظّالِمُ عَلى يَدَيْهِ﴾ الآيَةَ» .
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ «فِي قَوْلِهِ: ﴿ويَوْمَ يَعَضُّ الظّالِمُ عَلى يَدَيْهِ﴾ قالَ عُقْبَةُ بْنُ أبِي مُعَيْطٍ، دَعا مَجْلِسًا فِيهِ النَّبِيُّ ﷺ لِطَعامٍ فَأبى النَّبِيُّ ﷺ أنْ يَأْكُلَ وقالَ: «لا آكُلُ حَتّى تَشْهَدَ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وأنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ» . فَلَقِيَهُ أُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ، فَقالَ: أقَدْ صَبَوْتَ؟ فَقالَ: إنَّ أخاكَ عَلى ما تَعْلَمُ، ولَكِنْ صَنَعْتُ طَعامًا، فَأبى أنْ يَأْكُلَ حَتّى قُلْتُ ذَلِكَ، فَقُلْتُهُ ولَيْسَ مِن نَفْسِي» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ هِشامٍ في قَوْلِهِ: ﴿ويَوْمَ يَعَضُّ الظّالِمُ عَلى يَدَيْهِ﴾ قالَ: يَأْكُلُ كَفَّيْهِ نَدامَةً حَتّى يَبْلُغَ مَنكِبَهُ لا يَجِدُ مَسَّها.
(p-١٦٨)وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سُفْيانَ في قَوْلِهِ: ﴿ويَوْمَ يَعَضُّ الظّالِمُ عَلى يَدَيْهِ﴾ قالَ: يَأْكُلُ يَدَهُ ثُمَّ تَنْبُتُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أبِي عِمْرانَ الجَوْنِيِّ في قَوْلِهِ: ﴿ويَوْمَ يَعَضُّ الظّالِمُ عَلى يَدَيْهِ﴾ قالَ: بَلَغَنِي أنَّهُ يَعَضُّهُ حَتّى يَكْسِرَ العَظْمَ ثُمَّ يَعُودُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ قالَ: نَزَلَتْ في أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ وعُقْبَةَ بْنِ أبِي مُعَيْطٍ، ﴿ويَوْمَ يَعَضُّ الظّالِمُ عَلى يَدَيْهِ﴾ قالَ: هَذا عُقْبَةُ، ﴿لَمْ أتَّخِذْ فُلانًا خَلِيلا﴾ قالَ: أُمَيَّةُ، وكانَ عُقْبَةُ خِدْنًا لِأُمَيَّةَ، فَبَلَغَ أُمَيَّةَ أنَّ عُقْبَةَ يُرِيدُ الإسْلامَ، فاتاهُ فَقالَ: وجْهِي مِن وجْهِكَ حَرامٌ إنْ أسْلَمْتَ أنْ أُكَلِّمَكَ أبَدًا. فَفَعَلَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِيهِما.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ أبِي مالِكٍ في قَوْلِهِ: ﴿يا ويْلَتى لَيْتَنِي لَمْ أتَّخِذْ فُلانًا خَلِيلا﴾ قالَ: عُقْبَةُ بْنُ أبِي مُعَيْطٍ وأُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ، كانا مُتَواخِيَيْنِ في الجاهِلِيَّةِ، يَقُولُ أُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ: يا لَيْتَنِي لَمْ أتَّخِذْ عُقَبَةَ بْنَ أبِي مُعَيْطٍ خَلِيلًا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ «فِي قَوْلِهِ: ﴿ويَوْمَ يَعَضُّ الظّالِمُ عَلى يَدَيْهِ﴾ الآيَةَ. قالَ: نَزَلَتْ في عُقْبَةَ بْنِ أبِي مُعَيْطٍ وأُبَيِّ بْنِ خَلَفٍ، دَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ عَلى عُقْبَةَ في حاجَةٍ وقَدْ صَنَعَ طَعامًا لِلنّاسِ، فَدَعا النَّبِيَّ ﷺ إلى طَعامِهِ، قالَ: «لا، حَتّى تُسْلِمَ» . فَأسْلَمَ فَأكَلَ، وبَلَغَ الخَبَرُ أُبَيَّ بْنَ خَلَفٍ فَأتى عُقْبَةَ، (p-١٦٩)فَذَكَرَ لَهُ ما صَنَعَ، فَقالَ لَهُ عُقْبَةُ: أتَرى مِثْلَ مُحَمَّدٍ يَدْخُلُ مَنزِلِي وفِيهِ طَعامٌ ثُمَّ يَخْرُجُ ولا يَأْكُلُ؟ قالَ: فَوَجْهِي مِن وجْهِكَ حَرامٌ حَتّى تَرْجِعَ عَمّا دَخَلْتَ فِيهِ. فَرَجَعَ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: ﴿ويَوْمَ يَعَضُّ الظّالِمُ عَلى يَدَيْهِ﴾ قالَ: أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ وعُقْبَةُ بْنُ أبِي مُعَيْطٍ، وهُما الخَلِيلانِ في جَهَنَّمَ عَلى مِنبَرٍ مِن نارٍ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ قَتادَةَ قالَ: ذُكِرَ لَنا أنَّ رَجُلًا مِن قُرَيْشٍ كانَ يَغْشى نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ، فَلَقِيَهُ رَجُلٌ آخَرُ مِن قُرَيْشٍ، وكانَ لَهُ صَدِيقًا، فَلَمْ يَزَلْ بِهِ حَتّى صَرَفَهُ وصَدَّهُ عَنْ غِشْيانِ نَبِيِّ اللَّهِ ﷺ، فَأنْزَلَ اللَّهُ فِيهِما ما تَسْمَعُونَ.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ: ﴿يا ويْلَتى لَيْتَنِي لَمْ أتَّخِذْ فُلانًا خَلِيلا﴾ قالَ: الشَّيْطانُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ: ﴿وكانَ الشَّيْطانُ لِلإنْسانِ خَذُولا﴾ قالَ: خَذَلَهُ يَوْمَ القِيامَةِ وتَبَرَّأ مِنهُ. ﴿وقالَ الرَّسُولُ يا رَبِّ إنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذا القُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ هَذا قَوْلُ نَبِيِّكم ﷺ يَشْتَكِي قَوْمَهُ إلى رَبِّهِ، قالَ اللَّهُ يُعَزِّي نَبِيَّهُ ﷺ: ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ المُجْرِمِينَ﴾ يَقُولُ: إنَّ الرُّسُلَ قَدْ لَقِيَتْ هَذا مِن قَوْمِها قَبْلَكَ، فَلا (p-١٧٠)يَكْبُرَنَّ عَلَيْكَ.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿اتَّخَذُوا هَذا القُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ قالَ: يَهْجُرُونَ فِيهِ بِالقَوْلِ السَّيِّئِ، يَقُولُونَ: هَذا سِحْرٌ.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ إبْراهِيمَ النَّخَعِيِّ في قَوْلِهِ: ﴿اتَّخَذُوا هَذا القُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ قالَ: قالُوا فِيهِ هُجْرًا غَيْرَ الحَقِّ، ألَمْ تَرَ المَرِيضَ إذا هَذى قِيلَ: هَجَرَ، أيْ: قالَ غَيْرَ الحَقِّ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ المُجْرِمِينَ﴾ قالَ: لَمْ يُبْعَثْ نَبِيٌّ قَطُّ إلّا كانَ المُجْرِمُونَ لَهُ أعْداءً، ولَمْ يُبْعَثْ نَبِيٌّ قَطُّ إلّا كانَ بَعْضُ المُجْرِمِينَ أشُدَّ عَلَيْهِ مِن بَعْضٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ المُجْرِمِينَ﴾ قالَ: كانَ عَدُوَّ النَّبِيِّ ﷺ أبُو جَهْلٍ، وعَدُوَّ مُوسى قارُونُ، وكانَ قارُونُ ابْنَ عَمِّ مُوسى.
(p-١٧١)وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ المُجْرِمِينَ﴾ قالَ: يُوَطِّنُ مُحَمَّدًا ﷺ أنَّهُ جاعِلٌ لَهُ عَدُّوا مِنَ المُجْرِمِينَ، كَما جَعَلَ لِمَن قَبْلَهُ.
الفرقان 25:32
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ القُرْآنُ﴾ الآياتِ.
أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، والضِّياءُ في ”المُخْتارَةِ“، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ المُشْرِكُونَ: إنْ كانَ مُحَمَّدٌ كَما يَزْعُمُ نَبِيًّا فَلِمَ يُعَذِّبُهُ رَبُّهُ، ألا يُنَزِّلُ عَلَيْهِ القُرْآنَ جُمْلَةً واحِدَةً؟ يُنَزِّلُ عَلَيْهِ الآيَةَ والآيَتَيْنِ والسُّورَةَ! فَأنْزَلَ اللَّهُ عَلى نَبِيِّهِ جَوابَ ما قالُوا: ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ القُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً﴾ إلى: ﴿وأضَلُّ سَبِيلا﴾ [الفرقان: ٣٤] .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ: ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ القُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً﴾ يَقُولُونَ: كَما أُنْزِلَ عَلى مُوسى وعَلى عِيسى. قالَ اللَّهُ: ﴿كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ ورَتَّلْناهُ تَرْتِيلا﴾ قالَ: بَيَّناهُ تَبْيِينًا، ﴿ولا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إلا جِئْناكَ بِالحَقِّ وأحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾ قالَ: أحْسَنَ تَفْصِيلًا.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: (p-١٧٢)﴿كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ﴾ قالَ: كانَ اللَّهُ يُنَزِّلُ عَلَيْهِ الآيَةَ، فَإذا عَلِمَها نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ نَزَلَتْ آيَةٌ أُخْرى؛ لِيُعَلِّمَهُ الكِتابَ عَنْ ظَهْرِ قَلْبِهِ، ويُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَهُ، ﴿ولا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إلا جِئْناكَ بِالحَقِّ وأحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾ يَقُولُ: أحْسَنَ تَفْصِيلًا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ﴾ قالَ: لِنَشْدُدَ بِهِ فُؤادَكَ، ونَرْبِطَ عَلى قَلْبِكَ. ﴿ورَتَّلْناهُ تَرْتِيلا﴾ قالَ: رَسَّلْناهُ تَرْسِيلًا. يَقُولُ: شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ. ﴿ولا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ﴾ يَقُولُ: لَوْ أنْزَلْنا عَلَيْكَ القُرْآنَ جُمْلَةً واحِدَةً ثُمَّ سَألُوكَ، لَمْ يَكُنْ عِنْدَكَ ما تُجِيبُ، ولَكِنّا نُمْسِكُ عَلَيْكَ، فَإذا سَألُوكَ أجَبْتَ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَتْ قُرَيْشٌ: ما لِلْقُرْآنِ لَمْ يَنْزِلْ عَلى النَّبِيِّ جُمْلَةً واحِدَةً؟ قالَ اللَّهُ في كِتابِهِ: ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ القُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ ورَتَّلْناهُ تَرْتِيلا﴾ قالَ: قَلِيلًا قَلِيلًا، كَيْما لا يَجِيئُوكَ بِمَثَلٍ إلّا جِئْناكَ بِما يَنْقُضُ عَلَيْهِمْ، فَأنْزَلْناهُ عَلَيْكَ تَنْزِيلًا قَلِيلًا قَلِيلًا، كُلَّما جاءُوا بِشَيْءٍ جِئْناهم بِما هو أحْسَنُ مِنهُ تَفْسِيرًا.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الحَسَنِ، (p-١٧٣)فِي قَوْلِهِ: ﴿ورَتَّلْناهُ تَرْتِيلا﴾ قالَ: كانَ يَنْزِلُ الآيَةَ والآيَتَيْنِ، وآياتٍ، كانَ يَنْزِلُ عَلَيْهِ جَوابًا لَهُمْ، إذا سَألُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ شَيْءٍ أنْزَلَ اللَّهُ جَوابًا لَهم ورَدًّا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِيما تَكَلَّمُوا بِهِ، وكانَ بَيْنَ أوَّلِهِ وآخِرِهِ نَحْوٌ مِن عِشْرِينَ سَنَةً.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ: ﴿كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ ورَتَّلْناهُ تَرْتِيلا﴾ قالَ: كانَ يَنْزِلُ عَلَيْهِ القُرْآنُ جَوابًا لِقَوْلِهِمْ؛ لِيَعْلَمَ أنَّ اللَّهَ هو يُجِيبُ القَوْمَ عَمّا يَقُولُونَ، ﴿ولا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إلا جِئْناكَ بِالحَقِّ﴾ قالَ: لا يَأْتِيكَ الكُفّارُ بِمِثَلٍ إلّا جِئْناكَ بِما تَرُدُّ بِهِ ما جاءُوكَ بِهِ مِنَ الأمْثالِ الَّتِي جاءُوا بِها.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ إبْراهِيمَ النَّخَعِيِّ: ﴿ورَتَّلْناهُ تَرْتِيلا﴾ يَقُولُ: نَزَلَ مُتَفَرِّقًا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ: ﴿ورَتَّلْناهُ تَرْتِيلا﴾ قالَ: فَصَّلْناهُ تَفْصِيلًا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عَطاءٍ في قَوْلِهِ: ﴿وأحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾ قالَ: تَفْصِيلًا.
(p-١٧٤)وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وأحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾ قالَ: بَيانًا.
الفرقان 25:33
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ القُرْآنُ﴾ الآياتِ.
أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، والضِّياءُ في ”المُخْتارَةِ“، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ المُشْرِكُونَ: إنْ كانَ مُحَمَّدٌ كَما يَزْعُمُ نَبِيًّا فَلِمَ يُعَذِّبُهُ رَبُّهُ، ألا يُنَزِّلُ عَلَيْهِ القُرْآنَ جُمْلَةً واحِدَةً؟ يُنَزِّلُ عَلَيْهِ الآيَةَ والآيَتَيْنِ والسُّورَةَ! فَأنْزَلَ اللَّهُ عَلى نَبِيِّهِ جَوابَ ما قالُوا: ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ القُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً﴾ إلى: ﴿وأضَلُّ سَبِيلا﴾ [الفرقان: ٣٤] .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ: ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ القُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً﴾ يَقُولُونَ: كَما أُنْزِلَ عَلى مُوسى وعَلى عِيسى. قالَ اللَّهُ: ﴿كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ ورَتَّلْناهُ تَرْتِيلا﴾ قالَ: بَيَّناهُ تَبْيِينًا، ﴿ولا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إلا جِئْناكَ بِالحَقِّ وأحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾ قالَ: أحْسَنَ تَفْصِيلًا.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: (p-١٧٢)﴿كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ﴾ قالَ: كانَ اللَّهُ يُنَزِّلُ عَلَيْهِ الآيَةَ، فَإذا عَلِمَها نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ نَزَلَتْ آيَةٌ أُخْرى؛ لِيُعَلِّمَهُ الكِتابَ عَنْ ظَهْرِ قَلْبِهِ، ويُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَهُ، ﴿ولا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إلا جِئْناكَ بِالحَقِّ وأحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾ يَقُولُ: أحْسَنَ تَفْصِيلًا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ﴾ قالَ: لِنَشْدُدَ بِهِ فُؤادَكَ، ونَرْبِطَ عَلى قَلْبِكَ. ﴿ورَتَّلْناهُ تَرْتِيلا﴾ قالَ: رَسَّلْناهُ تَرْسِيلًا. يَقُولُ: شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ. ﴿ولا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ﴾ يَقُولُ: لَوْ أنْزَلْنا عَلَيْكَ القُرْآنَ جُمْلَةً واحِدَةً ثُمَّ سَألُوكَ، لَمْ يَكُنْ عِنْدَكَ ما تُجِيبُ، ولَكِنّا نُمْسِكُ عَلَيْكَ، فَإذا سَألُوكَ أجَبْتَ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَتْ قُرَيْشٌ: ما لِلْقُرْآنِ لَمْ يَنْزِلْ عَلى النَّبِيِّ جُمْلَةً واحِدَةً؟ قالَ اللَّهُ في كِتابِهِ: ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ القُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ ورَتَّلْناهُ تَرْتِيلا﴾ قالَ: قَلِيلًا قَلِيلًا، كَيْما لا يَجِيئُوكَ بِمَثَلٍ إلّا جِئْناكَ بِما يَنْقُضُ عَلَيْهِمْ، فَأنْزَلْناهُ عَلَيْكَ تَنْزِيلًا قَلِيلًا قَلِيلًا، كُلَّما جاءُوا بِشَيْءٍ جِئْناهم بِما هو أحْسَنُ مِنهُ تَفْسِيرًا.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الحَسَنِ، (p-١٧٣)فِي قَوْلِهِ: ﴿ورَتَّلْناهُ تَرْتِيلا﴾ قالَ: كانَ يَنْزِلُ الآيَةَ والآيَتَيْنِ، وآياتٍ، كانَ يَنْزِلُ عَلَيْهِ جَوابًا لَهُمْ، إذا سَألُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ شَيْءٍ أنْزَلَ اللَّهُ جَوابًا لَهم ورَدًّا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِيما تَكَلَّمُوا بِهِ، وكانَ بَيْنَ أوَّلِهِ وآخِرِهِ نَحْوٌ مِن عِشْرِينَ سَنَةً.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ: ﴿كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ ورَتَّلْناهُ تَرْتِيلا﴾ قالَ: كانَ يَنْزِلُ عَلَيْهِ القُرْآنُ جَوابًا لِقَوْلِهِمْ؛ لِيَعْلَمَ أنَّ اللَّهَ هو يُجِيبُ القَوْمَ عَمّا يَقُولُونَ، ﴿ولا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إلا جِئْناكَ بِالحَقِّ﴾ قالَ: لا يَأْتِيكَ الكُفّارُ بِمِثَلٍ إلّا جِئْناكَ بِما تَرُدُّ بِهِ ما جاءُوكَ بِهِ مِنَ الأمْثالِ الَّتِي جاءُوا بِها.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ إبْراهِيمَ النَّخَعِيِّ: ﴿ورَتَّلْناهُ تَرْتِيلا﴾ يَقُولُ: نَزَلَ مُتَفَرِّقًا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ: ﴿ورَتَّلْناهُ تَرْتِيلا﴾ قالَ: فَصَّلْناهُ تَفْصِيلًا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عَطاءٍ في قَوْلِهِ: ﴿وأحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾ قالَ: تَفْصِيلًا.
(p-١٧٤)وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وأحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾ قالَ: بَيانًا.
الفرقان 25:34
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ يُحْشَرُونَ﴾ الآيَةَ.
أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ في قَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ شَرٌّ مَكانًا﴾ يَقُولُ: مِن أهْلِ الجَنَّةِ، ﴿وأضَلُّ سَبِيلا﴾ قالَ: طَرِيقًا.
الفرقان 25:35
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ﴾ الآياتِ.
أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلْنا مَعَهُ أخاهُ هارُونَ وزِيرًا﴾ قالَ: عَوْنًا وعَضُدًا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَدَمَّرْناهم تَدْمِيرًا﴾ قالَ: أهْلَكْناهم بِالعَذابِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ عاصِمٍ، أنَّهُ قَرَأ: (وعادًا وثَمُودً) يُنَوِّنُ ﴿ثَمُودا﴾ [هود: ٦٨]
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الرُّسُ قَرْيَةٌ مِن ثَمُودَ.
(p-١٧٥)وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الرُّسُ بِئْرٌ بِأذْرَبِيجانَ.
وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وأصْحابَ الرَّسِّ﴾ [الفرقان: ٣٨] قالَ: قَوْمُ شُعَيْبٍ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وأصْحابَ الرَّسِّ﴾ [الفرقان: ٣٨] قالَ: حُدِّثْنا أنَّ أصْحابَ الرَّسِّ كانُوا أهْلَ فَلَجٍ بِاليَمامَةِ وآبارٍ كانُوا عَلَيْها.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: الرُّسُ بِئْرٌ كانَ عَلَيْها قَوْمٌ يُقالُ لَهم: أصْحابُ الرَّسِّ.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: أصْحابُ الرَّسِّ رَسُّوا نَبِيَّهم في بِئْرٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أنَّهُ سَألَ كَعْبًا عَنْ أصْحابِ الرَّسِّ، قالَ: صاحِبُ ”يس“ الَّذِي قالَ: ﴿يا قَوْمِ اتَّبِعُوا المُرْسَلِينَ﴾ [يس: ٢٠] [يس: ٢٠] فَرَسَّهُ قَوْمُهُ في بِئْرٍ بِالأحْجارِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الضَّحّاكِ قالَ: الرُّسُ بِئْرٌ قُتِلَ بِهِ صاحِبُ ”يس“ .
(p-١٧٦)وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا في ”ذَمِّ المَلاهِي“، والبَيْهَقِيُّ، وابْنُ عَساكِرَ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ: أنَّ امْرَأتَيْنِ سَألَتاهُ: هَلْ تَجِدُ غِشْيانَ المَرْأةِ المَرْأةَ مُحَرَّمًا في كِتابِ اللَّهِ؟ قالَ: نَعَمْ، هُنَّ اللَّواتِي كُنَّ عَلى عَهْدِ تُبَّعٍ، وهُنَّ صَواحِبُ الرَّسِّ، وكُلُّ نَهْرٍ وبِئْرٍ رَسٌّ. قالَ: يُقَطَّعُ لَهُنَّ جِلْبابٌ مِن نارٍ، ودِرْعٌ مِن نارٍ، ونِطاقٌ مِن نارٍ، وتاجٌ مِن نارٍ، وخُفّانِ مِن نارٍ، ومِن فَوْقِ ذَلِكَ ثَوْبٌ غَلِيظٌ جافٌّ جِلْفٌ مُنْتِنٌ مِن نارٍ. قالَ جَعْفَرٌ: عَلِّمُوا هَذا نِساءَكم.
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، والبَيْهَقِيُّ في ”شُعَبِ الإيمانِ“، وابْنُ أبِي الدُّنْيا، عَنْ واثِلَةَ بْنِ الأسْقَعِ رَفَعَهُ قالَ: ««سِحاقُ النِّساءِ زِنًى بَيْنَهُنَّ»» .
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ في ”المُصَنَّفِ“ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مالِكٍ قالَ: «لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الرّاكِبَةَ والمَرْكُوبَةَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ قالَ: إنَّ أصْحابَ الأيْكَةِ وأصْحابَ الرَّسِّ كانَتا أُمَّتَيْنِ، فَبَعَثَ اللَّهُ إلَيْهِما نَبِيًّا واحِدًا، شُعَيْبًا، وعَذَّبَهُما اللَّهُ بِعَذابَيْنِ.
وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ قالَ: قالَ (p-١٧٧)رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««إنَّ أوَّلَ النّاسِ يَدْخُلُ الجَنَّةَ يَوْمَ القِيامَةِ العَبْدُ الأسْوَدُ، وذَلِكَ أنَّ اللَّهَ تَعالى بَعَثَ نَبِيًّا إلى أهْلِ قَرْيَتِهِ، فَلَمْ يُؤْمِن بِهِ مِن أهْلِها أحَدٌ إلّا ذَلِكَ الأسْوَدُ، ثُمَّ إنَّ أهْلَ القَرْيَةِ عَدَوْا عَلى النَّبِيِّ فَحَفَرُوا لَهُ بِئْرًا فَألْقَوْهُ فِيها، ثُمَّ أطْبَقُوا عَلَيْهِ بِحَجَرٍ ضَخْمٍ، فَكانَ ذَلِكَ العَبْدُ يَذْهَبُ فَيَحْتَطِبُ عَلى ظَهْرِهِ، ثُمَّ يَأْتِي بِحَطَبِهِ فَيَبِيعُهُ فَيَشْتَرِي بِهِ طَعامًا وشَرابًا، ثُمَّ يَأْتِي بِهِ إلى تِلْكَ البِئْرِ فَيَرْفَعُ تِلْكَ الصَّخْرَةَ، فَيُعِينُهُ اللَّهُ عَلَيْها، فَيُدَلِّي طَعامَهُ وشَرابَهُ، ثُمَّ يَرُدُّها كَما كانَتْ، كَذَلِكَ ما شاءَ اللَّهُ أنْ يَكُونَ. ثُمَّ أنَّهُ ذَهَبَ يَحْتَطِبُ كَما كانَ يَصْنَعُ، فَجَمَعَ حَطَبَهُ وحَزَمَ حُزْمَتَهُ وفَرَغَ مِنها، فَلَمّا أرادَ أنْ يَحْتَمِلَها وجَدَ سِنَةً، فاضْطَجَعَ فَنامَ، فَضَرَبَ اللَّهُ عَلى أُذُنِهِ سَبْعَ سِنِينَ نائِمًا، ثُمَّ إنَّهُ هَبَّ فَتَمَطّى فَتَحَوَّلَ لِشِقِّهِ الآخَرِ فاضْطَجَعَ، فَضَرَبَ اللَّهُ عَلى أُذُنِهِ سَبْعَ سِنِينَ أُخْرى، ثُمَّ إنَّهُ هَبَّ فاحْتَمَلَ حُزْمَتَهُ، ولا يَحْسَبُ إلّا أنَّهُ نامَ ساعَةً مِن نَهارٍ، فَجاءَ إلى القَرْيَةِ فَباعَ حُزْمَتَهُ، ثُمَّ اشْتَرى طَعامًا وشَرابًا كَما كانَ يَصْنَعُ، ثُمَّ ذَهَبَ إلى الحُفْرَةِ في مَوْضِعِها الَّتِي كانَتْ فِيهِ، فالتَمَسَهُ فَلَمْ يَجِدْهُ، وقَدْ كانَ بَدا لِقَوْمِهِ بَداءٌ، فاسْتَخْرَجُوهُ فَآمَنُوا بِهِ وصَدَّقُوهُ، وكانَ النَّبِيُّ يَسْألُهم عَنْ ذَلِكَ الأسْوَدِ ما فَعَلَ؟ فَيَقُولُونَ لَهُ: ما نَدْرِي. حَتّى قُبِضَ ذَلِكَ النَّبِيُّ فَأهَبَّ اللَّهُ الأسْوَدَ مِن نَوْمَتِهِ بَعْدَ ذَلِكَ، إنَّ ذَلِكَ لَأوَّلُ مَن يَدْخُلُ الجَنَّةَ»» .
(p-١٧٨)
الفرقان 25:36
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ﴾ الآياتِ.
أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلْنا مَعَهُ أخاهُ هارُونَ وزِيرًا﴾ قالَ: عَوْنًا وعَضُدًا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَدَمَّرْناهم تَدْمِيرًا﴾ قالَ: أهْلَكْناهم بِالعَذابِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ عاصِمٍ، أنَّهُ قَرَأ: (وعادًا وثَمُودً) يُنَوِّنُ ﴿ثَمُودا﴾ [هود: ٦٨]
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الرُّسُ قَرْيَةٌ مِن ثَمُودَ.
(p-١٧٥)وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الرُّسُ بِئْرٌ بِأذْرَبِيجانَ.
وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وأصْحابَ الرَّسِّ﴾ [الفرقان: ٣٨] قالَ: قَوْمُ شُعَيْبٍ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وأصْحابَ الرَّسِّ﴾ [الفرقان: ٣٨] قالَ: حُدِّثْنا أنَّ أصْحابَ الرَّسِّ كانُوا أهْلَ فَلَجٍ بِاليَمامَةِ وآبارٍ كانُوا عَلَيْها.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: الرُّسُ بِئْرٌ كانَ عَلَيْها قَوْمٌ يُقالُ لَهم: أصْحابُ الرَّسِّ.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: أصْحابُ الرَّسِّ رَسُّوا نَبِيَّهم في بِئْرٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أنَّهُ سَألَ كَعْبًا عَنْ أصْحابِ الرَّسِّ، قالَ: صاحِبُ ”يس“ الَّذِي قالَ: ﴿يا قَوْمِ اتَّبِعُوا المُرْسَلِينَ﴾ [يس: ٢٠] [يس: ٢٠] فَرَسَّهُ قَوْمُهُ في بِئْرٍ بِالأحْجارِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الضَّحّاكِ قالَ: الرُّسُ بِئْرٌ قُتِلَ بِهِ صاحِبُ ”يس“ .
(p-١٧٦)وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا في ”ذَمِّ المَلاهِي“، والبَيْهَقِيُّ، وابْنُ عَساكِرَ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ: أنَّ امْرَأتَيْنِ سَألَتاهُ: هَلْ تَجِدُ غِشْيانَ المَرْأةِ المَرْأةَ مُحَرَّمًا في كِتابِ اللَّهِ؟ قالَ: نَعَمْ، هُنَّ اللَّواتِي كُنَّ عَلى عَهْدِ تُبَّعٍ، وهُنَّ صَواحِبُ الرَّسِّ، وكُلُّ نَهْرٍ وبِئْرٍ رَسٌّ. قالَ: يُقَطَّعُ لَهُنَّ جِلْبابٌ مِن نارٍ، ودِرْعٌ مِن نارٍ، ونِطاقٌ مِن نارٍ، وتاجٌ مِن نارٍ، وخُفّانِ مِن نارٍ، ومِن فَوْقِ ذَلِكَ ثَوْبٌ غَلِيظٌ جافٌّ جِلْفٌ مُنْتِنٌ مِن نارٍ. قالَ جَعْفَرٌ: عَلِّمُوا هَذا نِساءَكم.
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، والبَيْهَقِيُّ في ”شُعَبِ الإيمانِ“، وابْنُ أبِي الدُّنْيا، عَنْ واثِلَةَ بْنِ الأسْقَعِ رَفَعَهُ قالَ: ««سِحاقُ النِّساءِ زِنًى بَيْنَهُنَّ»» .
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ في ”المُصَنَّفِ“ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مالِكٍ قالَ: «لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الرّاكِبَةَ والمَرْكُوبَةَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ قالَ: إنَّ أصْحابَ الأيْكَةِ وأصْحابَ الرَّسِّ كانَتا أُمَّتَيْنِ، فَبَعَثَ اللَّهُ إلَيْهِما نَبِيًّا واحِدًا، شُعَيْبًا، وعَذَّبَهُما اللَّهُ بِعَذابَيْنِ.
وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ قالَ: قالَ (p-١٧٧)رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««إنَّ أوَّلَ النّاسِ يَدْخُلُ الجَنَّةَ يَوْمَ القِيامَةِ العَبْدُ الأسْوَدُ، وذَلِكَ أنَّ اللَّهَ تَعالى بَعَثَ نَبِيًّا إلى أهْلِ قَرْيَتِهِ، فَلَمْ يُؤْمِن بِهِ مِن أهْلِها أحَدٌ إلّا ذَلِكَ الأسْوَدُ، ثُمَّ إنَّ أهْلَ القَرْيَةِ عَدَوْا عَلى النَّبِيِّ فَحَفَرُوا لَهُ بِئْرًا فَألْقَوْهُ فِيها، ثُمَّ أطْبَقُوا عَلَيْهِ بِحَجَرٍ ضَخْمٍ، فَكانَ ذَلِكَ العَبْدُ يَذْهَبُ فَيَحْتَطِبُ عَلى ظَهْرِهِ، ثُمَّ يَأْتِي بِحَطَبِهِ فَيَبِيعُهُ فَيَشْتَرِي بِهِ طَعامًا وشَرابًا، ثُمَّ يَأْتِي بِهِ إلى تِلْكَ البِئْرِ فَيَرْفَعُ تِلْكَ الصَّخْرَةَ، فَيُعِينُهُ اللَّهُ عَلَيْها، فَيُدَلِّي طَعامَهُ وشَرابَهُ، ثُمَّ يَرُدُّها كَما كانَتْ، كَذَلِكَ ما شاءَ اللَّهُ أنْ يَكُونَ. ثُمَّ أنَّهُ ذَهَبَ يَحْتَطِبُ كَما كانَ يَصْنَعُ، فَجَمَعَ حَطَبَهُ وحَزَمَ حُزْمَتَهُ وفَرَغَ مِنها، فَلَمّا أرادَ أنْ يَحْتَمِلَها وجَدَ سِنَةً، فاضْطَجَعَ فَنامَ، فَضَرَبَ اللَّهُ عَلى أُذُنِهِ سَبْعَ سِنِينَ نائِمًا، ثُمَّ إنَّهُ هَبَّ فَتَمَطّى فَتَحَوَّلَ لِشِقِّهِ الآخَرِ فاضْطَجَعَ، فَضَرَبَ اللَّهُ عَلى أُذُنِهِ سَبْعَ سِنِينَ أُخْرى، ثُمَّ إنَّهُ هَبَّ فاحْتَمَلَ حُزْمَتَهُ، ولا يَحْسَبُ إلّا أنَّهُ نامَ ساعَةً مِن نَهارٍ، فَجاءَ إلى القَرْيَةِ فَباعَ حُزْمَتَهُ، ثُمَّ اشْتَرى طَعامًا وشَرابًا كَما كانَ يَصْنَعُ، ثُمَّ ذَهَبَ إلى الحُفْرَةِ في مَوْضِعِها الَّتِي كانَتْ فِيهِ، فالتَمَسَهُ فَلَمْ يَجِدْهُ، وقَدْ كانَ بَدا لِقَوْمِهِ بَداءٌ، فاسْتَخْرَجُوهُ فَآمَنُوا بِهِ وصَدَّقُوهُ، وكانَ النَّبِيُّ يَسْألُهم عَنْ ذَلِكَ الأسْوَدِ ما فَعَلَ؟ فَيَقُولُونَ لَهُ: ما نَدْرِي. حَتّى قُبِضَ ذَلِكَ النَّبِيُّ فَأهَبَّ اللَّهُ الأسْوَدَ مِن نَوْمَتِهِ بَعْدَ ذَلِكَ، إنَّ ذَلِكَ لَأوَّلُ مَن يَدْخُلُ الجَنَّةَ»» .
(p-١٧٨)
الفرقان 25:38
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا﴾ .
أخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ في ”الأوْسَطِ“، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ في ”الدَّلائِلِ“، وابْنُ عَساكِرَ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قالَتْ: «سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «مَعَدُّ بْنُ عَدْنانَ بْنِ أُدَدَ بْنِ زَيْدِ بْنِ البَراءِ بْنِ أعْراقِ الثَّرى» . قالَتْ: ثُمَّ قَرَأ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أهْلَكَ عادًا وثَمُودًا وأصْحابَ الرَّسِّ وقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا لا يَعْلَمُهم إلّا اللَّهُ» . قالَتْ: وأعْراقُ الثَّرى إسْماعِيلَ، وزَيْدٌ هُمَيْسَعٌ، وبَراءٌ نَبْتٌ» .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ: ﴿وقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا﴾ قالَ: كانَ يُقالُ: إنَّ القَرْنَ سَبْعُونَ سَنَةً.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ زُرارَةَ بْنِ أوْفى قالَ: القَرْنُ مِائَةٌ وعِشْرُونَ عامًا. قالَ: فَبُعِثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ في قَرْنٍ، كانَ آخِرُهُ العامَ الَّذِي ماتَ فِيهِ يَزِيدُ بْنُ مُعاوِيَةَ.
(p-١٧٩)وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ، مِن طَرِيقِ أبِي سَلَمَةَ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ النَّبِيُّ ﷺ: ««كانَ بَيْنَ آدَمَ وبَيْنَ نُوحٍ عَشَرَةُ قُرُونٍ، وبَيْنَ نُوحٍ وإبْراهِيمَ عَشَرَةُ قُرُونٍ»» . قالَ أبُو سَلَمَةَ: القَرْنُ مِائَةُ سَنَةٍ.
وأخْرَجَ الحاكِمُ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُسْرٍ قالَ: «وضَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدَهُ عَلى رَأْسِي فَقالَ: «هَذا الغُلامُ يَعِيشُ قَرْنًا» . فَعاشَ مِائَةَ سَنَةٍ» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ، مِن طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ القاسِمِ الحِمْصِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُسْرٍ المازِنِيِّ قالَ: «وضَعَ النَّبِيُّ ﷺ يَدَهُ عَلى رَأْسِي وقالَ: «سَيَعِيشُ هَذا الغُلامُ قَرْنًا» . قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، كَمِ القَرْنُ؟ قالَ: «مِائَةُ سَنَةٍ»» . قالَ مُحَمَّدُ بْنُ القاسِمِ: ما زِلْنا نَعُدُّ لَهُ حَتّى تَمَّتْ مِائَةُ سَنَةٍ ثُمَّ ماتَ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنْ أبِي الهَيْثَمِ بْنِ دَهْرٍ الأسْلَمِيِّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««القَرْنُ خَمْسُونَ سَنَةً»» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««أُمَّتِي خَمْسُ قُرُونٍ، القَرْنُ أرْبَعُونَ سَنَةً»» .
(p-١٨٠)وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ حَمّادِ بْنِ إبْراهِيمَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««القَرْنُ أرْبَعُونَ سَنَةً»» .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««القَرْنُ أرْبَعُونَ سَنَةً»» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ قالَ: القَرْنَ سِتُّونَ سَنَةً.
وأخْرَجَ الحاكِمُ في ”الكُنى“ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذا انْتَهى إلى مَعَدِّ بْنِ عَدْنانَ أمْسَكَ، ثُمَّ يَقُولُ: «كَذَبَ النَّسّابُونَ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا﴾ [الفرقان»: ٣٨]» .
الفرقان 25:39
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكُلا ضَرَبْنا لَهُ الأمْثالَ﴾ الآياتِ.
أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ: ﴿وكُلا ضَرَبْنا لَهُ الأمْثالَ وكُلا تَبَّرْنا تَتْبِيرًا﴾ قالَ: كُلٌّ قَدْ أعْذَرَ اللَّهُ إلَيْهِ وبَيَّنَ لَهُ، ثُمَّ انْتَقَمَ مِنهُ، ﴿ولَقَدْ أتَوْا عَلى القَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ﴾ قالَ: قَرْيَةِ لُوطٍ، ﴿بَلْ كانُوا لا يَرْجُونَ نُشُورًا﴾ قالَ: بَعْثًا ولا حِسابًا.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: (p-١٨١)﴿وكُلا تَبَّرْنا تَتْبِيرًا﴾ قالَ: تَبَرَّ اللَّهُ كُلًّا بِالعَذابِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: ﴿تَبَّرْنا﴾ بِالنَّبَطِيَّةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ أتَوْا عَلى القَرْيَةِ﴾ قالَ: هي سَدُومُ، قَرْيَةُ لُوطٍ، ﴿الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ﴾ قالَ: الحِجارَةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عَطاءٍ: ﴿ولَقَدْ أتَوْا عَلى القَرْيَةِ﴾ قالَ: قَرْيَةِ لُوطٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ: ﴿ولَقَدْ أتَوْا عَلى القَرْيَةِ﴾ قالَ: هي بَيْنَ الشّامِ والمَدِينَةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ في قَوْلِهِ: ﴿لا يَرْجُونَ نُشُورًا﴾ قالَ: بَعْثًا. وفي قَوْلِهِ: ﴿لَوْلا أنْ صَبَرْنا عَلَيْها﴾ قالَ: ثَبَتْنا.
الفرقان 25:40
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكُلا ضَرَبْنا لَهُ الأمْثالَ﴾ الآياتِ.
أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ: ﴿وكُلا ضَرَبْنا لَهُ الأمْثالَ وكُلا تَبَّرْنا تَتْبِيرًا﴾ قالَ: كُلٌّ قَدْ أعْذَرَ اللَّهُ إلَيْهِ وبَيَّنَ لَهُ، ثُمَّ انْتَقَمَ مِنهُ، ﴿ولَقَدْ أتَوْا عَلى القَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ﴾ قالَ: قَرْيَةِ لُوطٍ، ﴿بَلْ كانُوا لا يَرْجُونَ نُشُورًا﴾ قالَ: بَعْثًا ولا حِسابًا.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: (p-١٨١)﴿وكُلا تَبَّرْنا تَتْبِيرًا﴾ قالَ: تَبَرَّ اللَّهُ كُلًّا بِالعَذابِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: ﴿تَبَّرْنا﴾ بِالنَّبَطِيَّةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ أتَوْا عَلى القَرْيَةِ﴾ قالَ: هي سَدُومُ، قَرْيَةُ لُوطٍ، ﴿الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ﴾ قالَ: الحِجارَةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عَطاءٍ: ﴿ولَقَدْ أتَوْا عَلى القَرْيَةِ﴾ قالَ: قَرْيَةِ لُوطٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ: ﴿ولَقَدْ أتَوْا عَلى القَرْيَةِ﴾ قالَ: هي بَيْنَ الشّامِ والمَدِينَةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ في قَوْلِهِ: ﴿لا يَرْجُونَ نُشُورًا﴾ قالَ: بَعْثًا. وفي قَوْلِهِ: ﴿لَوْلا أنْ صَبَرْنا عَلَيْها﴾ قالَ: ثَبَتْنا.
الفرقان 25:41
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكُلا ضَرَبْنا لَهُ الأمْثالَ﴾ الآياتِ.
أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ: ﴿وكُلا ضَرَبْنا لَهُ الأمْثالَ وكُلا تَبَّرْنا تَتْبِيرًا﴾ قالَ: كُلٌّ قَدْ أعْذَرَ اللَّهُ إلَيْهِ وبَيَّنَ لَهُ، ثُمَّ انْتَقَمَ مِنهُ، ﴿ولَقَدْ أتَوْا عَلى القَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ﴾ قالَ: قَرْيَةِ لُوطٍ، ﴿بَلْ كانُوا لا يَرْجُونَ نُشُورًا﴾ قالَ: بَعْثًا ولا حِسابًا.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: (p-١٨١)﴿وكُلا تَبَّرْنا تَتْبِيرًا﴾ قالَ: تَبَرَّ اللَّهُ كُلًّا بِالعَذابِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: ﴿تَبَّرْنا﴾ بِالنَّبَطِيَّةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ أتَوْا عَلى القَرْيَةِ﴾ قالَ: هي سَدُومُ، قَرْيَةُ لُوطٍ، ﴿الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ﴾ قالَ: الحِجارَةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عَطاءٍ: ﴿ولَقَدْ أتَوْا عَلى القَرْيَةِ﴾ قالَ: قَرْيَةِ لُوطٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ: ﴿ولَقَدْ أتَوْا عَلى القَرْيَةِ﴾ قالَ: هي بَيْنَ الشّامِ والمَدِينَةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ في قَوْلِهِ: ﴿لا يَرْجُونَ نُشُورًا﴾ قالَ: بَعْثًا. وفي قَوْلِهِ: ﴿لَوْلا أنْ صَبَرْنا عَلَيْها﴾ قالَ: ثَبَتْنا.
الفرقان 25:42
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكُلا ضَرَبْنا لَهُ الأمْثالَ﴾ الآياتِ.
أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ: ﴿وكُلا ضَرَبْنا لَهُ الأمْثالَ وكُلا تَبَّرْنا تَتْبِيرًا﴾ قالَ: كُلٌّ قَدْ أعْذَرَ اللَّهُ إلَيْهِ وبَيَّنَ لَهُ، ثُمَّ انْتَقَمَ مِنهُ، ﴿ولَقَدْ أتَوْا عَلى القَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ﴾ قالَ: قَرْيَةِ لُوطٍ، ﴿بَلْ كانُوا لا يَرْجُونَ نُشُورًا﴾ قالَ: بَعْثًا ولا حِسابًا.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: (p-١٨١)﴿وكُلا تَبَّرْنا تَتْبِيرًا﴾ قالَ: تَبَرَّ اللَّهُ كُلًّا بِالعَذابِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: ﴿تَبَّرْنا﴾ بِالنَّبَطِيَّةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ أتَوْا عَلى القَرْيَةِ﴾ قالَ: هي سَدُومُ، قَرْيَةُ لُوطٍ، ﴿الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ﴾ قالَ: الحِجارَةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عَطاءٍ: ﴿ولَقَدْ أتَوْا عَلى القَرْيَةِ﴾ قالَ: قَرْيَةِ لُوطٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ: ﴿ولَقَدْ أتَوْا عَلى القَرْيَةِ﴾ قالَ: هي بَيْنَ الشّامِ والمَدِينَةِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ في قَوْلِهِ: ﴿لا يَرْجُونَ نُشُورًا﴾ قالَ: بَعْثًا. وفي قَوْلِهِ: ﴿لَوْلا أنْ صَبَرْنا عَلَيْها﴾ قالَ: ثَبَتْنا.
الفرقان 25:43
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أرَأيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إلَهَهُ هَواهُ﴾ الآيَتَيْنِ.
أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿أرَأيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إلَهَهُ هَواهُ﴾ . (p-١٨٢)قالَ: كانَ الرَّجُلُ يَعْبُدُ الحَجَرَ الأبْيَضَ زَمانًا مِنَ الدَّهْرِ في الجاهِلِيَّةِ، فَإذا وجَدَ حَجَرًا أحْسَنَ مِنهُ رَمى بِهِ وعَبَدَ الآخَرَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ الآيَةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنْ أبِي رَجاءٍ العُطارِدِيِّ قالَ: كانُوا في الجاهِلِيَّةِ يَأْكُلُونَ الدَّمَ بِالعِلْهِزِ ويَعْبُدُونَ الحَجَرَ، فَإذا وجَدُوا ما هو أحْسَنُ مِنهُ رَمَوْا بِهِ وعَبَدُوا الآخَرَ، فَإذا فَقَدُوا الآخَرَ أمَرُوا مُنادِيًا فَنادى: أيُّها النّاسُ، إنَّ إلَهَكم قَدْ ضَلَّ فالتَمِسُوهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿أرَأيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إلَهَهُ هَواهُ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿أرَأيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إلَهَهُ هَواهُ﴾ قالَ: ذَلِكَ الكافِرُ، اتَّخَذَ دِينَهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ ولا بُرْهانٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الحَسَنِ: ﴿أرَأيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إلَهَهُ هَواهُ﴾ قالَ: لا يَهْوى شَيْئًا إلّا اتَّبَعَهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ: ﴿أرَأيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إلَهَهُ هَواهُ﴾ قالَ: كُلَّما هَوِيَ شَيْئًا رَكِبَهُ، وكُلَّما اشْتَهى شَيْئًا أتاهُ، لا يَحْجِزُهُ عَنْ ذَلِكَ ورَعٌ ولا تَقْوى.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قِيلَ لَهُ: في أهْلِ القِبْلَةِ شِرْكٌ؟ فَقالَ: نَعَمْ، المُنافِقُ مُشْرِكٌ؛ إنَّ المُشْرِكَ يَسْجُدُ لِلشَّمْسِ والقَمَرِ مِن دُونِ اللَّهِ، وإنَّ (p-١٨٣)المُنافِقَ عَبْدُ هَواهُ. ثُمَّ تَلا هَذِهِ الآيَةَ: ﴿أرَأيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إلَهَهُ هَواهُ أفَأنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وكِيلا﴾ .
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، وأبُو نُعَيْمٍ في ”الحِلْيَةِ“، عَنْ أبِي أُمامَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««ما تَحْتَ ظِلِّ السَّماءِ مِن إلَهٍ يُعْبَدُ مِن دُونِ اللَّهِ أعْظَمَ عِنْدَ اللَّهِ مِن هَوًى مُتَّبَعٍ»» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿أمْ تَحْسَبُ أنَّ أكْثَرَهم يَسْمَعُونَ﴾ قالَ: مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ البَعِيرِ والحِمارِ والشّاةِ، إنْ قُلْتَ لِبَعْضِهِمْ: كُلْ. لَمْ يَعْلَمْ ما تَقُولُ، غَيْرَ أنَّهُ يَسْمَعُ صَوْتَكَ، كَذَلِكَ الكافِرُ إنْ أمَرْتَهُ بِخَيْرٍ أوْ نَهَيْتَهُ عَنْ شَرٍّ أوْ وعَظْتَهُ، لَمْ يَعْقِلْ ما تَقُولُ غَيْرَ أنَّهُ يَسْمَعُ صَوْتَكَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُقاتِلٍ في قَوْلِهِ: ﴿بَلْ هم أضَلُّ سَبِيلا﴾ قالَ: أخْطَأُ لِلسَّبِيلِ.
الفرقان 25:44
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أرَأيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إلَهَهُ هَواهُ﴾ الآيَتَيْنِ.
أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿أرَأيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إلَهَهُ هَواهُ﴾ . (p-١٨٢)قالَ: كانَ الرَّجُلُ يَعْبُدُ الحَجَرَ الأبْيَضَ زَمانًا مِنَ الدَّهْرِ في الجاهِلِيَّةِ، فَإذا وجَدَ حَجَرًا أحْسَنَ مِنهُ رَمى بِهِ وعَبَدَ الآخَرَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ الآيَةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنْ أبِي رَجاءٍ العُطارِدِيِّ قالَ: كانُوا في الجاهِلِيَّةِ يَأْكُلُونَ الدَّمَ بِالعِلْهِزِ ويَعْبُدُونَ الحَجَرَ، فَإذا وجَدُوا ما هو أحْسَنُ مِنهُ رَمَوْا بِهِ وعَبَدُوا الآخَرَ، فَإذا فَقَدُوا الآخَرَ أمَرُوا مُنادِيًا فَنادى: أيُّها النّاسُ، إنَّ إلَهَكم قَدْ ضَلَّ فالتَمِسُوهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿أرَأيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إلَهَهُ هَواهُ﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿أرَأيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إلَهَهُ هَواهُ﴾ قالَ: ذَلِكَ الكافِرُ، اتَّخَذَ دِينَهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ ولا بُرْهانٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الحَسَنِ: ﴿أرَأيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إلَهَهُ هَواهُ﴾ قالَ: لا يَهْوى شَيْئًا إلّا اتَّبَعَهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ: ﴿أرَأيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إلَهَهُ هَواهُ﴾ قالَ: كُلَّما هَوِيَ شَيْئًا رَكِبَهُ، وكُلَّما اشْتَهى شَيْئًا أتاهُ، لا يَحْجِزُهُ عَنْ ذَلِكَ ورَعٌ ولا تَقْوى.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ قِيلَ لَهُ: في أهْلِ القِبْلَةِ شِرْكٌ؟ فَقالَ: نَعَمْ، المُنافِقُ مُشْرِكٌ؛ إنَّ المُشْرِكَ يَسْجُدُ لِلشَّمْسِ والقَمَرِ مِن دُونِ اللَّهِ، وإنَّ (p-١٨٣)المُنافِقَ عَبْدُ هَواهُ. ثُمَّ تَلا هَذِهِ الآيَةَ: ﴿أرَأيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إلَهَهُ هَواهُ أفَأنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وكِيلا﴾ .
وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، وأبُو نُعَيْمٍ في ”الحِلْيَةِ“، عَنْ أبِي أُمامَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««ما تَحْتَ ظِلِّ السَّماءِ مِن إلَهٍ يُعْبَدُ مِن دُونِ اللَّهِ أعْظَمَ عِنْدَ اللَّهِ مِن هَوًى مُتَّبَعٍ»» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿أمْ تَحْسَبُ أنَّ أكْثَرَهم يَسْمَعُونَ﴾ قالَ: مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ البَعِيرِ والحِمارِ والشّاةِ، إنْ قُلْتَ لِبَعْضِهِمْ: كُلْ. لَمْ يَعْلَمْ ما تَقُولُ، غَيْرَ أنَّهُ يَسْمَعُ صَوْتَكَ، كَذَلِكَ الكافِرُ إنْ أمَرْتَهُ بِخَيْرٍ أوْ نَهَيْتَهُ عَنْ شَرٍّ أوْ وعَظْتَهُ، لَمْ يَعْقِلْ ما تَقُولُ غَيْرَ أنَّهُ يَسْمَعُ صَوْتَكَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُقاتِلٍ في قَوْلِهِ: ﴿بَلْ هم أضَلُّ سَبِيلا﴾ قالَ: أخْطَأُ لِلسَّبِيلِ.
الفرقان 25:45
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ إلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ﴾ الآيَتَيْنِ.
(p-١٨٤)أخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ﴾ قالَ: بَعْدَ الفَجْرِ قَبْلَ أنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ﴾ الآيَةَ. قالَ: ألَمْ تَرَ أنَّكَ إذا صَلَّيْتَ الفَجْرَ كانَ ما بَيْنَ مَطْلِعِ الشَّمْسِ إلى مَغْرِبِها ظِلًّا؟ ثُمَّ بَعَثَ اللَّهُ عَلَيْهِ الشَّمْسَ دَلِيلًا، فَقَبَضَ اللَّهُ الظِّلَّ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ﴾ قالَ: ما بَيْنَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، ﴿ولَوْ شاءَ لَجَعَلَهُ ساكِنًا﴾ قالَ: دائِمًا، ﴿ثُمَّ جَعَلْنا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلا﴾ يَقُولُ: طُلُوعَ الشَّمْسِ، ﴿ثُمَّ قَبَضْناهُ إلَيْنا قَبْضًا يَسِيرًا﴾ قالَ: سَرِيعًا.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ﴾ قالَ: ظِلَّ الغَداةِ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، ﴿ولَوْ شاءَ لَجَعَلَهُ ساكِنًا﴾ قالَ: لا تُصِيبُهُ الشَّمْسُ، ولا يَزُولُ، ﴿ثُمَّ جَعَلْنا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلا﴾ قالَ: تَحْوِيهِ، ﴿ثُمَّ قَبَضْناهُ إلَيْنا﴾ قالَ: حَوْيَ الشَّمْسِ إيّاهُ، ﴿قَبْضًا يَسِيرًا﴾ قالَ: خَفِيًّا.
(p-١٨٥)وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ﴾ قالَ: مَدَّهُ مِن طُلُوعِ الفَجْرِ إلى طُلُوعِ الشَّمْسِ، ﴿ولَوْ شاءَ لَجَعَلَهُ ساكِنًا﴾ قالَ: لَوْ شاءَ لَأدامَهُ، ﴿ثُمَّ جَعَلْنا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلا﴾ قالَ: تَتْلُو الظِّلَّ وتَتْبَعُهُ حَتّى تَأْتِيَ عَلَيْهِ كُلِّهِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الحَسَنِ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ﴾ قالَ: مَدَّهُ مِنَ المَشْرِقِ إلى المَغْرِبِ، فِيما بَيْنَ طُلُوعِ الفَجْرِ إلى طُلُوعِ الشَّمْسِ، ﴿ولَوْ شاءَ لَجَعَلَهُ ساكِنًا﴾ قالَ: تَرَكَهُ كَما هُوَ، ظِلًّا مَمْدُودًا ما بَيْنَ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أيُّوبَ بْنِ مُوسى: ﴿ألَمْ تَرَ إلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ﴾ قالَ: الأرْضُ كُلُّها ظِلٌّ، ما بَيْنَ صَلاةِ الغَداةِ إلى طُلُوعِ الشَّمْسِ، ﴿ثُمَّ قَبَضْناهُ إلَيْنا قَبْضًا يَسِيرًا﴾ قالَ: قَلِيلًا قَلِيلًا.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ إبْراهِيمَ التَّيْمِيِّ، والضَّحّاكِ، وأبِي مالِكٍ الغِفارِيِّ في قَوْلِهِ: ﴿كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ﴾ قالُوا: ما بَيْنَ طُلُوعِ الفَجْرِ إلى طُلُوعِ الشَّمْسِ، ﴿ثُمَّ جَعَلْنا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلا﴾ قالُوا: عَلى الظِّلِّ، (p-١٨٦)﴿ثُمَّ قَبَضْناهُ إلَيْنا قَبْضًا يَسِيرًا﴾ يَعْنِي ما تَقْبِضُ الشَّمْسُ مِنَ الظِّلِّ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ أبِي العالِيَةِ: ﴿كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ﴾ قالَ: مِن حِينِ يَطْلُعُ الفَجْرُ إلى حِينِ تَطْلُعُ الشَّمْسُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ: ﴿جَعَلْنا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلا﴾ قالَ: تَتْبَعُهُ فَتَقْبِضُهُ حَيْثُ كانَ.
الفرقان 25:46
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ إلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ﴾ الآيَتَيْنِ.
(p-١٨٤)أخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ﴾ قالَ: بَعْدَ الفَجْرِ قَبْلَ أنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ﴾ الآيَةَ. قالَ: ألَمْ تَرَ أنَّكَ إذا صَلَّيْتَ الفَجْرَ كانَ ما بَيْنَ مَطْلِعِ الشَّمْسِ إلى مَغْرِبِها ظِلًّا؟ ثُمَّ بَعَثَ اللَّهُ عَلَيْهِ الشَّمْسَ دَلِيلًا، فَقَبَضَ اللَّهُ الظِّلَّ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ﴾ قالَ: ما بَيْنَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، ﴿ولَوْ شاءَ لَجَعَلَهُ ساكِنًا﴾ قالَ: دائِمًا، ﴿ثُمَّ جَعَلْنا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلا﴾ يَقُولُ: طُلُوعَ الشَّمْسِ، ﴿ثُمَّ قَبَضْناهُ إلَيْنا قَبْضًا يَسِيرًا﴾ قالَ: سَرِيعًا.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ﴾ قالَ: ظِلَّ الغَداةِ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، ﴿ولَوْ شاءَ لَجَعَلَهُ ساكِنًا﴾ قالَ: لا تُصِيبُهُ الشَّمْسُ، ولا يَزُولُ، ﴿ثُمَّ جَعَلْنا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلا﴾ قالَ: تَحْوِيهِ، ﴿ثُمَّ قَبَضْناهُ إلَيْنا﴾ قالَ: حَوْيَ الشَّمْسِ إيّاهُ، ﴿قَبْضًا يَسِيرًا﴾ قالَ: خَفِيًّا.
(p-١٨٥)وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ﴾ قالَ: مَدَّهُ مِن طُلُوعِ الفَجْرِ إلى طُلُوعِ الشَّمْسِ، ﴿ولَوْ شاءَ لَجَعَلَهُ ساكِنًا﴾ قالَ: لَوْ شاءَ لَأدامَهُ، ﴿ثُمَّ جَعَلْنا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلا﴾ قالَ: تَتْلُو الظِّلَّ وتَتْبَعُهُ حَتّى تَأْتِيَ عَلَيْهِ كُلِّهِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الحَسَنِ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ﴾ قالَ: مَدَّهُ مِنَ المَشْرِقِ إلى المَغْرِبِ، فِيما بَيْنَ طُلُوعِ الفَجْرِ إلى طُلُوعِ الشَّمْسِ، ﴿ولَوْ شاءَ لَجَعَلَهُ ساكِنًا﴾ قالَ: تَرَكَهُ كَما هُوَ، ظِلًّا مَمْدُودًا ما بَيْنَ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أيُّوبَ بْنِ مُوسى: ﴿ألَمْ تَرَ إلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ﴾ قالَ: الأرْضُ كُلُّها ظِلٌّ، ما بَيْنَ صَلاةِ الغَداةِ إلى طُلُوعِ الشَّمْسِ، ﴿ثُمَّ قَبَضْناهُ إلَيْنا قَبْضًا يَسِيرًا﴾ قالَ: قَلِيلًا قَلِيلًا.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ إبْراهِيمَ التَّيْمِيِّ، والضَّحّاكِ، وأبِي مالِكٍ الغِفارِيِّ في قَوْلِهِ: ﴿كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ﴾ قالُوا: ما بَيْنَ طُلُوعِ الفَجْرِ إلى طُلُوعِ الشَّمْسِ، ﴿ثُمَّ جَعَلْنا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلا﴾ قالُوا: عَلى الظِّلِّ، (p-١٨٦)﴿ثُمَّ قَبَضْناهُ إلَيْنا قَبْضًا يَسِيرًا﴾ يَعْنِي ما تَقْبِضُ الشَّمْسُ مِنَ الظِّلِّ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ أبِي العالِيَةِ: ﴿كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ﴾ قالَ: مِن حِينِ يَطْلُعُ الفَجْرُ إلى حِينِ تَطْلُعُ الشَّمْسُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ: ﴿جَعَلْنا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلا﴾ قالَ: تَتْبَعُهُ فَتَقْبِضُهُ حَيْثُ كانَ.
الفرقان 25:47
قَوْلُهُ: تَعالى: ﴿وجَعَلَ النَّهارَ نُشُورًا﴾ .
أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أنَسٍ قالَ: إنَّ النَّهارَ اثْنَتا عَشْرَةَ ساعَةً، فَأوَّلُ السّاعَةِ ما بَيْنَ طُلُوعِ الفَجْرِ إلى أنْ تَرى شُعاعَ الشَّمْسِ، ثُمَّ السّاعَةُ الثّانِيَةُ إذا رَأيْتَ شُعاعَ الشَّمْسِ إلى أنْ يُضِيءَ الإشْراقُ، عِنْدَ ذَلِكَ لَمْ يَبْقَ مِن قُرُونِها شَيْءٌ، وصَفا لَوْنُها، فَإذا كانَتْ بِقَدْرِ ما تُرِيكَ عَيْنُكَ قِيدَ رُمْحَيْنِ فَذَلِكَ أوَّلُ الضُّحى، وذَلِكَ أوَّلُ ساعَةٍ مِن ساعاتِ الضُّحى، ثُمَّ مِن بَعْدِ ذَلِكَ الضُّحى ساعَتَيْنِ، ثُمَّ السّاعَةُ السّادِسَةُ حِينَ نَصَفَ النَّهارُ، فَإذا زالَتِ الشَّمْسُ عَنْ نِصْفِ النَّهارِ فَتِلْكَ ساعَةُ صَلاةِ الظُّهْرِ، وهي الَّتِي قالَ اللَّهُ: ﴿أقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ [الإسراء: ٧٨] [الإسْراءِ: ٧٨] . (p-١٨٧)ثُمَّ مِن بَعْدِ ذَلِكَ العَشِيُّ ساعَتَيْنِ، ثُمَّ السّاعَةُ العاشِرَةُ مِيقاتُ صَلاةِ العَصْرِ وهي الآصالُ، ثُمَّ مِن بَعْدِ ذَلِكَ ساعَتَيْنِ إلى اللَّيْلِ.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلَ النَّهارَ نُشُورًا﴾ قالَ: يُنْشَرُ فِيهِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ: ﴿وجَعَلَ النَّهارَ نُشُورًا﴾ قالَ: لِمَعايِشِهِمْ وحَوائِجِهِمْ وتَصَرُّفِهِمْ.
الفرقان 25:48
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهُوَ الَّذِي أرْسَلَ الرِّياحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ الآيَةَ.
أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ عاصِمٍ، أنَّهُ قَرَأ: ﴿وهُوَ الَّذِي أرْسَلَ الرِّياحَ﴾ عَلى الجِماعِ، ﴿بُشْرًا﴾ بِالباءِ، ورَفْعِ الباءِ، يُنَوِّنُ فِيها، خَفِيفَةً.
(p-١٨٨)وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ مَسْرُوقٍ، أنَّهُ قَرَأ: (الرِّياحَ نَشْرًا) بِالنُّونِ، ونَصْبِ النُّونِ، مُنَوَّنَةً خَفِيفَةً.
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً طَهُورًا﴾ .
أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ في قَوْلِهِ: ﴿وأنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً طَهُورًا﴾ قالَ: لا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: إنَّ الماءَ لا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ، يُطَهِّرُ ولا يُطَهِّرُهُ شَيْءٌ، فَإنَّ اللَّهَ قالَ: ﴿وأنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً طَهُورًا﴾ .
وأخْرَجَ الشّافِعِيُّ، وأحْمَدُ، وأبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ ماجَهْ، والدّارَقُطْنِيُّ، والحاكِمُ، والبَيْهَقِيُّ، «عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، أنَتَوَضَّأُ مِن بِئْرِ بُضاعَةَ، وهي بِئْرٌ يُلْقى فِيها الحِيَضُ ولُحُومُ الكِلابِ والنَّتْنُ؟ فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: «إنَّ الماءَ طَهُورٌ لا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ»» .
(p-١٨٩)وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ في ”المُصَنَّفِ“عَنِ القاسِمِ بْنِ أبِي بَزَّةَ قالَ: «سَألَ رَجُلُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ عَنْ طِينِ المَطَرِ، قالَ: تَسْألُنِي عَنْ طَهُورَيْنِ جَمِيعًا، قالَ اللَّهُ: ﴿وأنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً طَهُورًا﴾ وقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «جُعِلَتْ لِيَ الأرْضُ مَسْجِدًا وطَهُورًا»» .
الفرقان 25:50
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ صَرَّفْناهُ بَيْنَهُمْ﴾ الآيَةَ.
أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ في قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ صَرَّفْناهُ بَيْنَهُمْ﴾ يَعْنِي المَطَرَ، تُسْقى هَذِهِ الأرْضُ، وتُمْنَعُ هَذِهِ، ﴿لِيَذَّكَّرُوا فَأبى أكْثَرُ النّاسِ إلا كُفُورًا﴾ قالَ عِكْرِمَةُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: قَوْلُهم: مُطِرْنا بِالأنْواءِ. فَأنْزَلَ اللَّهُ في ”الواقِعَةِ“: ﴿وتَجْعَلُونَ رِزْقَكم أنَّكم تُكَذِّبُونَ﴾ [الواقعة: ٨٢] [الواقِعَةِ: ٨٢] .
وأخْرَجَ سُنَيْدٌ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ: عَنْ مُجاهِدٍ: ﴿ولَقَدْ صَرَّفْناهُ بَيْنَهُمْ﴾ قالَ: المَطَرَ، يُنْزِلُهُ في أرْضٍ، ولا يُنْزِلُهُ في أُخْرى، ﴿فَأبى أكْثَرُ النّاسِ إلا كُفُورًا﴾ قَوْلُهم: مُطِرْنا بِنَوْءِ كَذا وبِنَوْءِ (p-١٩٠)كَذا.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ قَتادَةَ: ﴿ولَقَدْ صَرَّفْناهُ بَيْنَهم لِيَذَّكَّرُوا﴾ قالَ: إنَّ اللَّهَ قَسَمَ هَذا الرِّزْقَ بَيْنَ عِبادِهِ، وصَرَّفَهُ بَيْنَهم. قالَ: وذُكِرَ لَنا أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ كانَ يَقُولُ: ما كانَ عامٌ قَطُّ أقَلَّ مَطَرًا مِن عامٍ، ولَكِنَّ اللَّهَ يُصَرِّفُهُ بَيْنَ عِبادِهِ. قالَ قَتادَةُ: فَتُرْزَقُهُ الأرْضُ، وتُحْرَمُهُ الأُخْرى.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ في ”سُنَنِهِ“، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: ما مِن عامٍ بِأقَلَّ مَطَرًا مِن عامٍ، ولَكِنَّ اللَّهَ يُصَرِّفُهُ حَيْثُ يَشاءُ، ثُمَّ قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿ولَقَدْ صَرَّفْناهُ بَيْنَهم لِيَذَّكَّرُوا﴾ الآيَةَ.
وأخْرَجَ الخَرائِطِيُّ في ”مَكارِمِ الأخْلاقِ“، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عُمَرَ مَوْلى غُفْرَةَ قالَ: «كانَ جِبْرِيلُ في مَوْضِعِ الجَنائِزِ، فَقالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: «يا جِبْرِيلُ، إنِّي أُحِبُّ أنَّ أعْلَمَ أمْرَ السَّحابِ» . فَقالَ جِبْرِيلُ: هَذا مَلَكُ السَّحابِ. فَسَألَهُ فَقالَ: تَأْتِينا صِكاكٌ مُخَتَّمَةٌ: (p-١٩١)اسْقِ بِلادَ كَذا وكَذا، كَذا وكَذا قَطْرَةً» .
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عَطاءٍ الخُراسانِيِّ في قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ صَرَّفْناهُ بَيْنَهُمْ﴾ قالَ: القُرْآنَ، ألا تَرى إلى قَوْلِهِ: ﴿ولَوْ شِئْنا لَبَعَثْنا في كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وجاهِدْهم بِهِ﴾ قالَ: بِالقُرْآنِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ زَيْدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وجاهِدْهم بِهِ جِهادًا كَبِيرًا﴾ قالَ: هو قَوْلُهُ: ﴿واغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ٧٣] [التَّوْبَةِ: ٧٣] .
الفرقان 25:51
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ صَرَّفْناهُ بَيْنَهُمْ﴾ الآيَةَ.
أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ في قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ صَرَّفْناهُ بَيْنَهُمْ﴾ يَعْنِي المَطَرَ، تُسْقى هَذِهِ الأرْضُ، وتُمْنَعُ هَذِهِ، ﴿لِيَذَّكَّرُوا فَأبى أكْثَرُ النّاسِ إلا كُفُورًا﴾ قالَ عِكْرِمَةُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: قَوْلُهم: مُطِرْنا بِالأنْواءِ. فَأنْزَلَ اللَّهُ في ”الواقِعَةِ“: ﴿وتَجْعَلُونَ رِزْقَكم أنَّكم تُكَذِّبُونَ﴾ [الواقعة: ٨٢] [الواقِعَةِ: ٨٢] .
وأخْرَجَ سُنَيْدٌ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ: عَنْ مُجاهِدٍ: ﴿ولَقَدْ صَرَّفْناهُ بَيْنَهُمْ﴾ قالَ: المَطَرَ، يُنْزِلُهُ في أرْضٍ، ولا يُنْزِلُهُ في أُخْرى، ﴿فَأبى أكْثَرُ النّاسِ إلا كُفُورًا﴾ قَوْلُهم: مُطِرْنا بِنَوْءِ كَذا وبِنَوْءِ (p-١٩٠)كَذا.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ قَتادَةَ: ﴿ولَقَدْ صَرَّفْناهُ بَيْنَهم لِيَذَّكَّرُوا﴾ قالَ: إنَّ اللَّهَ قَسَمَ هَذا الرِّزْقَ بَيْنَ عِبادِهِ، وصَرَّفَهُ بَيْنَهم. قالَ: وذُكِرَ لَنا أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ كانَ يَقُولُ: ما كانَ عامٌ قَطُّ أقَلَّ مَطَرًا مِن عامٍ، ولَكِنَّ اللَّهَ يُصَرِّفُهُ بَيْنَ عِبادِهِ. قالَ قَتادَةُ: فَتُرْزَقُهُ الأرْضُ، وتُحْرَمُهُ الأُخْرى.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ في ”سُنَنِهِ“، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: ما مِن عامٍ بِأقَلَّ مَطَرًا مِن عامٍ، ولَكِنَّ اللَّهَ يُصَرِّفُهُ حَيْثُ يَشاءُ، ثُمَّ قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿ولَقَدْ صَرَّفْناهُ بَيْنَهم لِيَذَّكَّرُوا﴾ الآيَةَ.
وأخْرَجَ الخَرائِطِيُّ في ”مَكارِمِ الأخْلاقِ“، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عُمَرَ مَوْلى غُفْرَةَ قالَ: «كانَ جِبْرِيلُ في مَوْضِعِ الجَنائِزِ، فَقالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: «يا جِبْرِيلُ، إنِّي أُحِبُّ أنَّ أعْلَمَ أمْرَ السَّحابِ» . فَقالَ جِبْرِيلُ: هَذا مَلَكُ السَّحابِ. فَسَألَهُ فَقالَ: تَأْتِينا صِكاكٌ مُخَتَّمَةٌ: (p-١٩١)اسْقِ بِلادَ كَذا وكَذا، كَذا وكَذا قَطْرَةً» .
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عَطاءٍ الخُراسانِيِّ في قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ صَرَّفْناهُ بَيْنَهُمْ﴾ قالَ: القُرْآنَ، ألا تَرى إلى قَوْلِهِ: ﴿ولَوْ شِئْنا لَبَعَثْنا في كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وجاهِدْهم بِهِ﴾ قالَ: بِالقُرْآنِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ زَيْدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وجاهِدْهم بِهِ جِهادًا كَبِيرًا﴾ قالَ: هو قَوْلُهُ: ﴿واغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ٧٣] [التَّوْبَةِ: ٧٣] .
الفرقان 25:52
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَقَدْ صَرَّفْناهُ بَيْنَهُمْ﴾ الآيَةَ.
أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ في قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ صَرَّفْناهُ بَيْنَهُمْ﴾ يَعْنِي المَطَرَ، تُسْقى هَذِهِ الأرْضُ، وتُمْنَعُ هَذِهِ، ﴿لِيَذَّكَّرُوا فَأبى أكْثَرُ النّاسِ إلا كُفُورًا﴾ قالَ عِكْرِمَةُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: قَوْلُهم: مُطِرْنا بِالأنْواءِ. فَأنْزَلَ اللَّهُ في ”الواقِعَةِ“: ﴿وتَجْعَلُونَ رِزْقَكم أنَّكم تُكَذِّبُونَ﴾ [الواقعة: ٨٢] [الواقِعَةِ: ٨٢] .
وأخْرَجَ سُنَيْدٌ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ: عَنْ مُجاهِدٍ: ﴿ولَقَدْ صَرَّفْناهُ بَيْنَهُمْ﴾ قالَ: المَطَرَ، يُنْزِلُهُ في أرْضٍ، ولا يُنْزِلُهُ في أُخْرى، ﴿فَأبى أكْثَرُ النّاسِ إلا كُفُورًا﴾ قَوْلُهم: مُطِرْنا بِنَوْءِ كَذا وبِنَوْءِ (p-١٩٠)كَذا.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ قَتادَةَ: ﴿ولَقَدْ صَرَّفْناهُ بَيْنَهم لِيَذَّكَّرُوا﴾ قالَ: إنَّ اللَّهَ قَسَمَ هَذا الرِّزْقَ بَيْنَ عِبادِهِ، وصَرَّفَهُ بَيْنَهم. قالَ: وذُكِرَ لَنا أنَّ ابْنَ عَبّاسٍ كانَ يَقُولُ: ما كانَ عامٌ قَطُّ أقَلَّ مَطَرًا مِن عامٍ، ولَكِنَّ اللَّهَ يُصَرِّفُهُ بَيْنَ عِبادِهِ. قالَ قَتادَةُ: فَتُرْزَقُهُ الأرْضُ، وتُحْرَمُهُ الأُخْرى.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ في ”سُنَنِهِ“، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: ما مِن عامٍ بِأقَلَّ مَطَرًا مِن عامٍ، ولَكِنَّ اللَّهَ يُصَرِّفُهُ حَيْثُ يَشاءُ، ثُمَّ قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿ولَقَدْ صَرَّفْناهُ بَيْنَهم لِيَذَّكَّرُوا﴾ الآيَةَ.
وأخْرَجَ الخَرائِطِيُّ في ”مَكارِمِ الأخْلاقِ“، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عُمَرَ مَوْلى غُفْرَةَ قالَ: «كانَ جِبْرِيلُ في مَوْضِعِ الجَنائِزِ، فَقالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: «يا جِبْرِيلُ، إنِّي أُحِبُّ أنَّ أعْلَمَ أمْرَ السَّحابِ» . فَقالَ جِبْرِيلُ: هَذا مَلَكُ السَّحابِ. فَسَألَهُ فَقالَ: تَأْتِينا صِكاكٌ مُخَتَّمَةٌ: (p-١٩١)اسْقِ بِلادَ كَذا وكَذا، كَذا وكَذا قَطْرَةً» .
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عَطاءٍ الخُراسانِيِّ في قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ صَرَّفْناهُ بَيْنَهُمْ﴾ قالَ: القُرْآنَ، ألا تَرى إلى قَوْلِهِ: ﴿ولَوْ شِئْنا لَبَعَثْنا في كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا﴾ .
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وجاهِدْهم بِهِ﴾ قالَ: بِالقُرْآنِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ زَيْدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وجاهِدْهم بِهِ جِهادًا كَبِيرًا﴾ قالَ: هو قَوْلُهُ: ﴿واغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ٧٣] [التَّوْبَةِ: ٧٣] .
الفرقان 25:53
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهُوَ الَّذِي مَرَجَ البَحْرَيْنِ﴾ الآيَةَ.
أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿وهُوَ الَّذِي مَرَجَ البَحْرَيْنِ﴾ الآيَةَ. يَعْنِي خَلَعَ أحَدُهُما عَلى الآخَرِ، فَلَيْسَ يُفْسِدُ العَذْبُ المالِحَ، ولَيْسَ يُفْسِدُ المالِحُ العَذْبَ.
(p-١٩٢)وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وهُوَ الَّذِي مَرَجَ البَحْرَيْنِ﴾ قالَ: أفاضَ أحَدَهُما في الآخَرِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿مَرَجَ البَحْرَيْنِ﴾ قالَ: بَحْرَ فارِسَ، وبَحْرَ الرُّومِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ في قَوْلِهِ: ﴿مَرَجَ البَحْرَيْنِ﴾ قالَ: بَحْرٌ في السَّماءِ، وبَحْرٌ في الأرْضِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عَطاءٍ في قَوْلِهِ: ﴿فُراتٌ﴾ قالَ: العَذْبُ. وفي قَوْلِهِ: ﴿أُجاجٌ﴾ قالَ: الماءُ المالِحُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وهَذا مِلْحٌ أُجاجٌ﴾ قالَ: الأُجاجُ المُرُّ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ في ”المُصَنَّفِ“ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: هُما بَحْرانِ فَتَوَضَّأْ (p-١٩٣)بِأيِّهِما شِئْتَ، ثُمَّ تَلا هَذِهِ الآيَةَ: ﴿هَذا عَذْبٌ فُراتٌ وهَذا مِلْحٌ أُجاجٌ﴾ .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلَ بَيْنَهُما بَرْزَخًا﴾ قالَ: هو اليَبَسُ.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلَ بَيْنَهُما بَرْزَخًا﴾ قالَ: مَحْبِسًا، لا يَخْتَلِطُ بِالبَحْرِ العَذْبِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلَ بَيْنَهُما بَرْزَخًا﴾ قالَ: التُّخُومُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، مِن طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلَ بَيْنَهُما بَرْزَخًا﴾ قالَ: حِجازًا لا يَراهُ أحَدٌ، لا يَخْتَلِطُ العَذْبُ بِالبَحْرِ، ولا يَخْتَلِطُ بَحْرُ الرُّومِ وفارِسَ، وبَحْرُ الرُّومِ مِلْحٌ. قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: فَلَمْ أجِدْ بَحْرًا عَذْبًا إلّا الأنْهارَ العِذابَ، فَإنَّ دِجْلَةَ تَقَعُ في البَحْرِ فَلا (p-١٩٤)تَمُورُ فِيهِ، يَجْعَلُ فِيهِ بَيْنَهُما مِثْلَ الخَيْطِ الأبْيَضِ، فَإذا رَجَعَتْ لَمْ يَرْجِعْ في طَرِيقِها مِنَ البَحْرِ شَيْءٌ، والنِّيلُ زَعَمُوا يَنْصَبُّ في البَحْرِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ الكَلْبِيِّ في قَوْلِهِ: ﴿وجَعَلَ بَيْنَهُما بَرْزَخًا﴾ قالَ: حاجِزًا.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وحِجْرًا مَحْجُورًا﴾ يَقُولُ: حَجَرَ أحَدَهُما عَنِ الآخَرِ بِأمْرِهِ وقَضائِهِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وحِجْرًا مَحْجُورًا﴾ قالَ: إنَّ اللَّهَ حَجَرَ المِلْحَ عَنِ العَذْبِ، والعَذْبَ عَنِ المِلْحِ أنْ يَخْتَلِطَ بِلُطْفِهِ وقُدْرَتِهِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ مُجاهِدٍ: ﴿وحِجْرًا مَحْجُورًا﴾ قالَ: لا يَخْتَلِطُ البَحْرُ بِالعَذْبِ.
الفرقان 25:54
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الماءِ بَشَرًا﴾ الآيَةَ.
أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ المُغِيرَةِ قالَ: سُئِلَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ عَنْ نَسَبٍ وصِهْرٍ، فَقالَ: ما أراكم إلّا قَدْ عَرَفْتُمُ النَّسَبَ، فَأمّا الصِّهْرُ: فالأخْتانُ (p-١٩٥)والصَّحابَةُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الضَّحّاكِ في قَوْلِهِ: ﴿فَجَعَلَهُ نَسَبًا وصِهْرًا﴾ قالَ: النَّسَبُ الرَّضاعُ، والصِّهْرُ الخُتُونَةُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ قَتادَةَ: ﴿فَجَعَلَهُ نَسَبًا وصِهْرًا﴾ قالَ: ذَكَرَ اللَّهُ الصِّهْرَ مَعَ النَّسَبِ، وحَرَّمَ أرْبَعَ عَشْرَةَ امْرَأةً؛ سَبْعًا مِنَ النَّسَبِ، وسَبْعًا مِنَ الصِّهْرِ، فاسْتَوى مُحَرَّمُ اللَّهِ في النَّسَبِ والصِّهْرِ.
الفرقان 25:55
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وكانَ الكافِرُ عَلى رَبِّهِ ظَهِيرًا﴾ .
أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «فِي قَوْلِهِ: ﴿وكانَ الكافِرُ عَلى رَبِّهِ ظَهِيرًا﴾ يَعْنِي أبا الحَكَمِ، الَّذِي سَمّاهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أبا جَهْلِ بْنَ هِشامٍ» .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ في قَوْلِهِ: ﴿وكانَ الكافِرُ عَلى رَبِّهِ﴾ قالَ: أبُو جَهْلٍ.
وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ عَطِيَّةَ في قَوْلِهِ: ﴿وكانَ الكافِرُ﴾ قالَ: هو أبُو جَهْلٍ.
(p-١٩٦)وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ: ﴿وكانَ الكافِرُ عَلى رَبِّهِ ظَهِيرًا﴾ قالَ: مُعِينًا لِلشَّيْطانِ عَلى مَعاصِي اللَّهِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنِ الحَسَنِ، والضَّحّاكِ، مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: ﴿وكانَ الكافِرُ عَلى رَبِّهِ ظَهِيرًا﴾ قالَ: عَوْنًا لِلشَّيْطانِ عَلى رَبِّهِ بِالعَداوَةِ والشِّرْكِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ قَتادَةَ: ﴿وكانَ الكافِرُ عَلى رَبِّهِ ظَهِيرًا﴾ قالَ: مُعِينًا لِلشَّيْطانِ عَلى عَداوَةِ رَبِّهِ.
الفرقان 25:56
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما أرْسَلْناكَ إلا مُبَشِّرًا ونَذِيرًا﴾ الآياتِ.
أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وما أرْسَلْناكَ إلا مُبَشِّرًا ونَذِيرًا﴾ قالَ: مُبَشِّرًا بِالجَنَّةِ، ونَذِيرًا مِنَ النّارِ. وفي قَوْلِهِ: ﴿إلا مَن شاءَ أنْ يَتَّخِذَ إلى رَبِّهِ سَبِيلا﴾ قالَ: بِطاعَتِهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿قُلْ ما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ﴾ قالَ: قُلْ لَهم يا مُحَمَّدُ: لا أسْألُكم عَلى ما أدْعُوكم إلَيْهِ مِن أجْرٍ. يَقُولُ: عَرَضٍ مِن عَرَضِ الدُّنْيا.
(p-١٩٧)
الفرقان 25:57
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما أرْسَلْناكَ إلا مُبَشِّرًا ونَذِيرًا﴾ الآياتِ.
أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وما أرْسَلْناكَ إلا مُبَشِّرًا ونَذِيرًا﴾ قالَ: مُبَشِّرًا بِالجَنَّةِ، ونَذِيرًا مِنَ النّارِ. وفي قَوْلِهِ: ﴿إلا مَن شاءَ أنْ يَتَّخِذَ إلى رَبِّهِ سَبِيلا﴾ قالَ: بِطاعَتِهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿قُلْ ما أسْألُكم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ﴾ قالَ: قُلْ لَهم يا مُحَمَّدُ: لا أسْألُكم عَلى ما أدْعُوكم إلَيْهِ مِن أجْرٍ. يَقُولُ: عَرَضٍ مِن عَرَضِ الدُّنْيا.
(p-١٩٧)
الفرقان 25:58
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وتَوَكَّلْ عَلى الحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ﴾ الآياتِ.
أخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا في ”التَّوَكُّلِ“، والبَيْهَقِيُّ في ”شُعَبِ الإيمانِ“، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ أبِي زَيْنَبَ قالَ: مَكْتُوبٌ في التَّوْراةِ: لا تَتَوَكَّلْ عَلى ابْنِ آدَمَ، فَإنَّ ابْنَ آدَمَ لَيْسَ لَهُ قِوامٌ، ولَكِنْ تَوَكَّلْ عَلى الحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ.
الفرقان 25:59
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاسْألْ بِهِ خَبِيرًا﴾ .
أخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿فاسْألْ بِهِ خَبِيرًا﴾ قالَ: ما أخْبَرْتُكَ مِن شَيْءٍ فَهو ما أخْبَرَتُكَ بِهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ شِمْرِ بْنِ عَطِيَّةَ في قَوْلِهِ: ﴿الرَّحْمَنُ فاسْألْ بِهِ خَبِيرًا﴾ قالَ: هَذا القُرْآنُ، ﴿خَبِيرًا﴾ بِهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عَطاءٍ في قَوْلِهِ: ﴿وإذا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قالُوا وما الرَّحْمَنُ﴾ قالَ: قالُوا: ما نَعْرِفُ الرَّحْمَنَ إلّا رَحْمَنَ اليَمامَةِ. فَأنْزَلَ اللَّهُ: (p-١٩٨)﴿وإلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ لا إلَهَ إلا هو الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ١٦٣] [البَقَرَةِ: ١٦٣] .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ حُسَيْنِ الجُعْفِيِّ في قَوْلِهِ: ﴿قالُوا وما الرَّحْمَنُ﴾ قالَ: جَوابُها: ﴿الرَّحْمَنُ﴾ [الرحمن: ١] ﴿عَلَّمَ القُرْآنَ﴾ [الرحمن: ٢] [الرَّحْمَنِ: ١ – ٢] .
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ إبْراهِيمَ قالَ: قَرَأ الأسْوَدُ: (أنَسْجُدُ لِما يَأْمُرُنا) فَسَجَدَ فِيها، قالَ: وقَرَأها يَحْيى: ﴿أنَسْجُدُ لِما تَأْمُرُنا﴾ .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ سُلَيْمانَ قالَ: قَرَأ إبْراهِيمُ في ”الفُرْقانِ“: (أنَسْجُدُ لِما يَأْمُرُنا) بِالياءِ، وقَرَأ سُلَيْمانُ كَذَلِكَ.
الفرقان 25:60
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاسْألْ بِهِ خَبِيرًا﴾ .
أخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿فاسْألْ بِهِ خَبِيرًا﴾ قالَ: ما أخْبَرْتُكَ مِن شَيْءٍ فَهو ما أخْبَرَتُكَ بِهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ شِمْرِ بْنِ عَطِيَّةَ في قَوْلِهِ: ﴿الرَّحْمَنُ فاسْألْ بِهِ خَبِيرًا﴾ قالَ: هَذا القُرْآنُ، ﴿خَبِيرًا﴾ بِهِ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عَطاءٍ في قَوْلِهِ: ﴿وإذا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قالُوا وما الرَّحْمَنُ﴾ قالَ: قالُوا: ما نَعْرِفُ الرَّحْمَنَ إلّا رَحْمَنَ اليَمامَةِ. فَأنْزَلَ اللَّهُ: (p-١٩٨)﴿وإلَهُكم إلَهٌ واحِدٌ لا إلَهَ إلا هو الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ١٦٣] [البَقَرَةِ: ١٦٣] .
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ حُسَيْنِ الجُعْفِيِّ في قَوْلِهِ: ﴿قالُوا وما الرَّحْمَنُ﴾ قالَ: جَوابُها: ﴿الرَّحْمَنُ﴾ [الرحمن: ١] ﴿عَلَّمَ القُرْآنَ﴾ [الرحمن: ٢] [الرَّحْمَنِ: ١ – ٢] .
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ إبْراهِيمَ قالَ: قَرَأ الأسْوَدُ: (أنَسْجُدُ لِما يَأْمُرُنا) فَسَجَدَ فِيها، قالَ: وقَرَأها يَحْيى: ﴿أنَسْجُدُ لِما تَأْمُرُنا﴾ .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ سُلَيْمانَ قالَ: قَرَأ إبْراهِيمُ في ”الفُرْقانِ“: (أنَسْجُدُ لِما يَأْمُرُنا) بِالياءِ، وقَرَأ سُلَيْمانُ كَذَلِكَ.
الفرقان 25:61
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَبارَكَ الَّذِي جَعَلَ في السَّماءِ بُرُوجًا﴾ الآيَةَ.
أخْرَجَ الخَطِيبُ في كِتابِ ”النُّجُومَ“ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿تَبارَكَ الَّذِي جَعَلَ في السَّماءِ بُرُوجًا﴾ قالَ: هي هَذِهِ الِاثْنا عَشَرَ بُرْجًا، أوَّلُها الحَمَلُ، ثُمَّ الثَّوْرُ، ثُمَّ الجَوْزاءُ، ثُمَّ السَّرَطانُ، ثُمَّ الأسَدُ، ثُمَّ السُّنْبُلَةُ، ثُمَّ المِيزانُ، ثُمَّ العَقْرَبُ، ثُمَّ القَوْسُ، ثُمَّ الجَدْيُ، ثُمَّ الدَّلْوُ، ثُمَّ الحُوتُ.
(p-١٩٩)وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ قَتادَةَ: ﴿تَبارَكَ الَّذِي جَعَلَ في السَّماءِ بُرُوجًا﴾ قالَ: قُصُورًا عَلى أبْوابِ السَّماءِ فِيها الحَرَسُ.
وأخْرَجَ هَنّادٌ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ يَحْيى بْنِ رافِعٍ: ﴿جَعَلَ في السَّماءِ بُرُوجًا﴾ قالَ: قُصُورًا في السَّماءِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ عَطِيَّةَ: ﴿جَعَلَ في السَّماءِ بُرُوجًا﴾ قالَ: القُصُورُ. ثُمَّ تَأوَّلَ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿ولَوْ كُنْتُمْ في بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ [النساء: ٧٨] [النِّساءِ: ٧٨] .
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿جَعَلَ في السَّماءِ بُرُوجًا﴾ قالَ: البُرُوجُ النُّجُومُ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿جَعَلَ في السَّماءِ بُرُوجًا﴾ قالَ: النُّجُومُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ أبِي صالِحٍ: ﴿جَعَلَ في السَّماءِ بُرُوجًا﴾ قالَ: النُّجُومُ الكِبارُ.
(p-٢٠٠)وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ عِكْرِمَةَ: ﴿تَبارَكَ الَّذِي جَعَلَ في السَّماءِ بُرُوجًا﴾ قالَ: هي النُّجُومُ. وقالَ عِكْرِمَةُ: إنَّ أهْلَ السَّماءِ يَرَوْنَ نُورَ مَساجِدِ الدُّنْيا كَما يَرَوْنَ أهْلُ الدُّنْيا نُجُومَ السَّماءِ.
وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ قَتادَةَ: ﴿وجَعَلَ فِيها سِراجًا﴾ قالَ: الشَّمْسُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ عاصِمٍ، أنَّهُ قَرَأ: ﴿وجَعَلَ فِيها سِراجًا﴾ بِكَسْرِ السِّينِ عَلى مَعْنى الواحِدِ.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ عَنِ الحَسَنِ، أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ: ”سِراجًا“ .
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ عَنْ إبْراهِيمَ النَّخَعِيِّ، أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ: (وجَعَلَ فِيها سُرْجًا وقَمَرًا مُنِيرًا) .
الفرقان 25:62
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ﴾ الآيَةَ.
أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ والنَّهارَ خِلْفَةً﴾ (p-٢٠١)قالَ: أبْيَضَ وأسْوَدَ.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿جَعَلَ اللَّيْلَ والنَّهارَ خِلْفَةً﴾ قالَ: هَذا يَخْلُفُ هَذا، وهَذا يَخْلُفُ هَذا، ﴿لِمَن أرادَ أنْ يَذَّكَّرَ﴾ قالَ: يَذَّكَّرَ نِعْمَةَ رَبِّهِ عَلَيْهِ فِيهِما، ﴿أوْ أرادَ شُكُورًا﴾ قالَ: شُكْرَ نِعْمَةِ رَبِّهِ عَلَيْهِ فِيهِما.
وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ مُجاهِدٍ: ﴿جَعَلَ اللَّيْلَ والنَّهارَ خِلْفَةً﴾ قالَ: أسْوَدَ وأبْيَضَ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ قَتادَةَ: ﴿وهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ والنَّهارَ خِلْفَةً﴾ قالَ: يَخْتَلِفانِ، هَذا أسْوَدُ وهَذا أبْيَضُ، وإنَّ المُؤْمِنَ قَدْ يَنْسى بِاللَّيْلِ ويُذَّكَّرُ بِالنَّهارِ، ويَنْسى بِالنَّهارِ ويَذَّكَّرُ بِاللَّيْلِ.
وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿جَعَلَ اللَّيْلَ والنَّهارَ خِلْفَةً﴾ يَقُولُ: مَن فاتَهُ شَيْءٌ مِنَ اللَّيْلِ أنْ يَعْمَلَهُ أدْرَكَهُ بِالنَّهارِ، أوْ مِنَ النَّهارِ أدْرَكَهُ بِاللَّيْلِ.
وأخْرَجَ الطَّيالِسِيُّ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الحَسَنِ، أنَّ عُمَرَ أطالَ صَلاةَ (p-٢٠٢)الضُّحى، فَقِيلَ لَهُ: صَنَعْتَ اليَوْمَ شَيْئًا لَمْ تَكُنْ تَصْنَعُهُ. فَقالَ: إنَّهُ بَقِيَ عَلَيَّ مِن ورْدِي شَيْءٌ فَأحْبَبْتُ أنْ أُتِمَّهُ. أوْ قالَ: أقْضِيَهُ، وتَلا هَذِهِ الآيَةَ: ﴿وهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ والنَّهارَ خِلْفَةً﴾ الآيَةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: ﴿جَعَلَ اللَّيْلَ والنَّهارَ خِلْفَةً﴾ يَقُولُ: جَعَلَ اللَّيْلَ خِلْفًا مِنَ النَّهارِ، والنَّهارَ خِلْفًا مِنَ اللَّيْلِ، لِمَن فَرَّطَ في عَمَلٍ أنْ يَقْضِيَهُ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ الحَسَنِ: ﴿جَعَلَ اللَّيْلَ والنَّهارَ خِلْفَةً﴾ قالَ: إنْ لَمْ يَسْتَطِعْ عَمَلَ اللَّيْلِ عَمِلَهُ بِالنَّهارِ، وإنْ لَمْ يَسْتَطِعْ عَمَلَ النَّهارِ عَمِلَهُ بِاللَّيْلِ، فَهَذا خِلْفَةٌ لِهَذا.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿جَعَلَ اللَّيْلَ والنَّهارَ خِلْفَةً﴾ قالَ: مَن عَجَزَ بِاللَّيْلِ كانَ لَهُ في أوَّلِ النَّهارِ مُسْتَعْتَبٌ، ومَن عَجَزَ بِالنَّهارِ كانَ لَهُ في اللَّيْلِ مُسْتَعْتَبٌ.
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ قَتادَةَ، «أنَّ سَلْمانَ جاءَهُ رَجُلٌ فَقالَ: لا أسْتَطِيعُ قِيامَ اللَّيْلِ. فَقالَ: إنْ كُنْتَ لا تَسْتَطِيعُ قِيامَ اللَّيْلِ فَلا تَعْجِزْ بِالنَّهارِ. قالَ قَتادَةُ: ذُكِرَ لَنا أنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ قالَ: «والَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، إنَّ في كُلِّ لَيْلَةٍ ساعَةً، لا يُوافِقُها رَجُلٌ مُسْلِمٌ يُصَلِّي فِيها، يَسْألُ اللَّهَ فِيها خَيْرًا، إلّا أعْطاهُ إيّاهُ» . قالَ قَتادَةُ: فَأرُوا اللَّهَ مِن أعْمالِكم خَيْرًا في هَذا اللَّيْلِ والنَّهارِ، فَإنَّهُما مَطِيَّتانِ (p-٢٠٣)تُقْحِمانِ النّاسَ إلى آجالِهِمْ، تُقَرِّبانِ كُلَّ بَعِيدٍ، وتُبْلِيانِ كُلَّ جَدِيدٍ، وتَجِيئانِ بِكُلِّ مَوْعُودٍ إلى يَوْمِ القِيامَةِ» .
وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ عاصِمٍ، أنَّهُ قَرَأ: ﴿لِمَن أرادَ أنْ يَذَّكَّرَ﴾ مُشَدَّدَةً.
وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، عَنْ إبْراهِيمَ النَّخَعِيِّ، أنَّهُ كانَ قَرَأ: (لِمَن أرادَ أنْ يَذْكُرَ) .