Lafzullah

Al-Durr Al-Manthur — الفرقان 25:63 – الشعراء 26:90

المؤلف / المصدر: Al-Durr Al-Manthur

المحتويات
  1. الفرقان 25:63
  2. الفرقان 25:64
  3. الفرقان 25:65
  4. الفرقان 25:66
  5. الفرقان 25:67
  6. الفرقان 25:68
  7. الفرقان 25:69
  8. الفرقان 25:70
  9. الفرقان 25:71
  10. الفرقان 25:72
  11. الفرقان 25:73
  12. الفرقان 25:74
  13. الفرقان 25:75
  14. الفرقان 25:76
  15. الفرقان 25:77
  16. الشعراء 26:1
  17. الشعراء 26:3
  18. الشعراء 26:4
  19. الشعراء 26:5
  20. الشعراء 26:6
  21. الشعراء 26:7
  22. الشعراء 26:10
  23. الشعراء 26:11
  24. الشعراء 26:12
  25. الشعراء 26:13
  26. الشعراء 26:14
  27. الشعراء 26:15
  28. الشعراء 26:16
  29. الشعراء 26:17
  30. الشعراء 26:18
  31. الشعراء 26:19
  32. الشعراء 26:20
  33. الشعراء 26:28
  34. الشعراء 26:32
  35. الشعراء 26:39
  36. الشعراء 26:44
  37. الشعراء 26:50
  38. الشعراء 26:52
  39. الشعراء 26:53
  40. الشعراء 26:54
  41. الشعراء 26:55
  42. الشعراء 26:56
  43. الشعراء 26:57
  44. الشعراء 26:58
  45. الشعراء 26:59
  46. الشعراء 26:60
  47. الشعراء 26:61
  48. الشعراء 26:62
  49. الشعراء 26:63
  50. الشعراء 26:64
  51. الشعراء 26:69
  52. الشعراء 26:70
  53. الشعراء 26:71
  54. الشعراء 26:72
  55. الشعراء 26:78
  56. الشعراء 26:79
  57. الشعراء 26:80
  58. الشعراء 26:81
  59. الشعراء 26:82
  60. الشعراء 26:83
  61. الشعراء 26:84
  62. الشعراء 26:85
  63. الشعراء 26:86
  64. الشعراء 26:87
  65. الشعراء 26:89
  66. الشعراء 26:90

الفرقان 25:63

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وعِبادُ الرَّحْمَنِ﴾ الآياتِ. أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وعِبادُ الرَّحْمَنِ﴾ قالَ: هُمُ المُؤْمِنُونَ، ﴿الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلى الأرْضِ هَوْنًا﴾ قالَ: بِالطّاعَةِ والعَفافِ والتَّواضُعِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿يَمْشُونَ عَلى الأرْضِ هَوْنًا﴾ قالَ: عُلَماءَ حُلَماءَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الضَّحّاكِ في قَوْلِهِ: ﴿هَوْنًا﴾ . (p-٢٠٤)قالَ: بِالسُّرْيانِيَّةِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أبِي عِمْرانَ الجَوْنِيِّ في قَوْلِهِ: ﴿هَوْنًا﴾ قالَ: حُلَماءَ، بِالعِبْرانِيَّةِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرانَ في قَوْلِهِ: ﴿هَوْنًا﴾ قالَ: حُلَماءَ، بِالسُّرْيانِيَّةِ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، والفِرْيابِيُّ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في ”شُعَبِ الإيمانِ“، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وعِبادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلى الأرْضِ هَوْنًا﴾ قالَ: بِالوَقارِ والسَّكِينَةِ، ﴿وإذا خاطَبَهُمُ الجاهِلُونَ قالُوا سَلامًا﴾ قالَ: سَدادًا مِنَ القَوْلِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ في قَوْلِهِ: ﴿يَمْشُونَ عَلى الأرْضِ هَوْنًا﴾ قالَ: لا يَشْتَدُّونَ. (p-٢٠٥)وأخْرَجَ أبُو نُعَيْمٍ في ”الحِلْيَةِ“، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، وابْنُ النَّجّارِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالا: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««سُرْعَةُ المَشْيِ تُذْهِبُ بِهاءَ المُؤْمِنِ»» . وأخْرَجَ الخَرائِطِيُّ في ”مَكارِمِ الأخْلاقِ“، عَنِ الفُضَيْلِ بْنِ عِياضٍ في قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلى الأرْضِ هَوْنًا﴾ قالَ: بِالسَّكِينَةِ والوَقارِ، ﴿وإذا خاطَبَهُمُ الجاهِلُونَ قالُوا سَلامًا﴾ قالَ: إنْ جُهِلَ عَلَيْهِ حَلُمَ، وإنْ أُسِيءَ إلَيْهِ أحْسَنَ، وإنْ حُرِمَ أعْطى، وإنْ قُطِعَ وصَلَ. وأخْرَجَ الآمِدِيُّ في ”شَرْحِ دِيوانِ الأعْشى“ بِسَنَدِهِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ، أنَّهُ رَأى غُلامًا يَتَبَخْتَرُ في مِشْيَتِهِ فَقالَ لَهُ: إنَّ البَخْتَرِيَّةَ مِشْيَةٌ تُكْرَهُ إلّا في سَبِيلِ اللَّهِ، وقَدْ مَدَحَ اللَّهُ أقْوامًا فَقالَ: ﴿وعِبادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلى الأرْضِ هَوْنًا﴾ فاقْصِدْ في مِشْيَتِكَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿يَمْشُونَ عَلى الأرْضِ هَوْنًا﴾ قالَ: تَواضُعًا لِلَّهِ، لِعَظَمَتِهِ، ﴿وإذا خاطَبَهُمُ الجاهِلُونَ قالُوا سَلامًا﴾ قالَ: كانُوا لا يُجاهِلُونَ أهْلَ الجَهْلِ. وأخْرَجَ أبُو نُعَيْمٍ في ”الحِلْيَةِ“، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الباقِرِ قالَ: سِلاحُ اللِّئامِ (p-٢٠٦)قُبْحُ الكَلامِ. وأخْرَجَ أحْمَدُ عَنِ النُّعْمانِ بْنِ مُقَرِّنٍ المُزَنِيِّ: «أنَّ رَجُلًا سَبَّ رَجُلًا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ، فَجَعَلَ الرَّجُلُ المَسْبُوبُ يَقُولُ: عَلَيْكَ السَّلامُ. فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أما إنَّ مَلَكًا بَيْنَكُما يَذُبُّ عَنْكَ؛ كُلَّما شَتَمَكَ هَذا قالَ لَهُ: بَلْ أنْتَ، وأنْتَ أحَقُّ بِهِ. وإذا قُلْتَ لَهُ: عَلَيْكَ السَّلامُ. قالَ: لا، بَلْ لَكَ أنْتَ أحَقُّ بِهِ»» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: ﴿وإذا خاطَبَهُمُ الجاهِلُونَ﴾ قالَ: السُّفَهاءُ، ﴿قالُوا سَلامًا﴾ يَعْنِي: رَدُّوا مَعْرُوفًا، ﴿والَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وقِيامًا﴾ يَعْنِي: يُصَلُّونَ بِاللَّيْلِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والبَيْهَقِيُّ في ”شُعَبِ الإيمانِ“، عَنِ الحَسَنِ: ﴿يَمْشُونَ عَلى الأرْضِ هَوْنًا﴾ الآيَةَ. قالَ: يَمْشُونَ حُلَماءَ مُتَواضِعِينَ، لا يَجْهَلُونَ عَلى أحَدٍ، وإنْ جَهِلَ عَلَيْهِمْ جاهِلٌ لَمْ يَجْهَلُوا، هَذا نَهارُهم إذا انْتَشَرُوا في النّاسِ، ﴿والَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وقِيامًا﴾ قالَ: هَذا لَيْلُهم إذا خَلَوْا بَيْنَهم وبَيْنَ رَبِّهِمْ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ الحَسَنِ قالَ: كانَ يُقالُ: ابْنَ آدَمَ، عِفَّ عَنْ (p-٢٠٧)مَحارِمِ اللَّهِ تَكُنْ عابِدًا، وارْضَ بِما قَسَمَ اللَّهُ لَكَ تَكُنْ غَنِيًّا، وأحْسِنْ مُجاوَرَةَ مَن جاوَرَكَ مِنَ النّاسِ تَكُنْ مُسْلِمًا، وصاحِبِ النّاسِ بِالَّذِي تُحِبُّ أنْ يُصاحِبُوكَ بِهِ تَكُنْ عَدْلًا، وإيّاكَ وكَثْرَةَ الضَّحِكِ، فَإنْ كَثْرَةَ الضَّحِكِ تُمِيتُ القَلْبَ، إنَّهُ قَدْ كانَ يَدَيْكم أقْوامٌ يَجْمَعُونَ كَثِيرًا، ويَبْنُونَ شَدِيدًا، ويَأْمُلُونَ بَعِيدًا، فَأيْنَ هُمْ؟ أصْبَحَ جَمْعُهم بُورًا، وأصْبَحَ أمَلُهم غُرُورًا، وأصْبَحَتْ مَساكِنُهم قُبُورًا. ابْنَ آدَمَ، انْكَ مُرْتَهَنَّ بِعَمَلِكَ، وآتٍ عَلى أجْلِكَ، مَعْرُوضٌ عَلى رَبِّكَ، فَخُذْ مِمّا في يَدَيْكَ لِما بَيْنَ يَدَيْكَ عِنْدَ المَوْتِ يَأْتِيكَ الخَيْرُ، يا ابْنَ آدَمَ، طَأِ الأرْضَ بِقَدَمِكَ؛ فَإنَّها عَنْ قَلِيلِ قَبْرُكَ، إنَّكَ لَمْ تَزَلْ في هَدْمِ عُمْرِكَ مُنْذُ سَقَطْتَ مِن بَطْنِ أُمِّكَ. يا ابْنَ آدَمَ، خالِطِ النّاسَ وزايِلْهُمْ؛ خالِطْهم بِبَدَنِكَ، وزايِلْهم بِقَلْبِكَ وعَمَلِكَ، يا ابْنَ آدَمَ، أتُحِبُّ أنْ تُذْكَرَ بِسَحَناتِكَ، وتَكْرَهَ أنْ تُذْكَرَ بِسَيِّئاتِكَ، وتُبْغِضَ عَلى الظَّنِّ، وتُقِيمَ عَلى اليَقِينِ، وكانَ يُقالُ: إنَّ المُؤْمِنِينَ لَمّا جاءَتْهم هَذِهِ الدَّعْوَةُ مِنَ اللَّهِ صَدَّقُوا بِها، وافِضًا يَقِينُها، خَشَعَتْ لِذَلِكَ قُلُوبُهم وأبْدانُهم وأبْصارُهُمْ، كُنْتَ واللَّهِ إذا رَأيْتَهم قَوْمًا كَأنَّهم رَأْيُ عَيْنٍ، واللَّهِ ما كانُوا بِأهْلِ جَدَلٍ وباطِلٍ، ولَكِنْ جاءَهم مِنَ اللَّهِ أمْرٌ فَصَدَّقُوا بِهِ، فَنَعَتَهُمُ اللَّهُ في (p-٢٠٨)القُرْآنِ أحْسَنَ نَعْتٍ فَقالَ: ﴿وعِبادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلى الأرْضِ هَوْنًا﴾ . قالَ الحَسَنُ: والهَوْنُ في كَلامِ العَرَبِ اللِّينُ والسَّكِينَةُ والوَقارُ، ﴿وإذا خاطَبَهُمُ الجاهِلُونَ قالُوا سَلامًا﴾ قالَ: حُلَماءُ لا يَجْهَلُونَ، وإنْ جُهِلَ عَلَيْهِمْ حَلَمُوا، يُصاحِبُونَ عِبادَ اللَّهِ نَهارَهم بِما تَسْمَعُونَ، ثُمَّ ذَكَرَ لَيْلَهم خَيْرَ لَيْلٍ، قالَ ﴿والَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وقِيامًا﴾ يَنْتَصِبُونَ لِلَّهِ عَلى أقْدامِهِمْ، ويَفْتَرِشُونَ وُجُوهَهم سُجَّدًا لِرَبِّهِمْ، تَجْرِي دُمُوعُهم عَلى خُدُودِهِمْ فَرَقًا مِن رَبِّهِمْ. قالَ الحَسَنُ: لِأمْرٍ ما سُهِرَ لَيْلُهُمْ، ولِأمْرٍ ما خُشِعَ نَهارُهُمْ، ﴿والَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا اصْرِفْ عَنّا عَذابَ جَهَنَّمَ إنَّ عَذابَها كانَ غَرامًا﴾ قالَ: كُلُّ شَيْءٍ يُصِيبُ ابْنَ آدَمَ لَمْ يَرِدْ عَلَيْهِ فَلَيْسَ بِغَرامٍ، إنَّما الغَرامُ اللّازِمُ لَهُ ما دامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ. قالَ: صَدَقَ القَوْمُ واللَّهِ الَّذِي لا إلَهَ إلّا هُوَ، فَعَلُوا ولَمْ يَتَمَنَّوْا، فَإيّاكم وهَذِهِ الأمانِيَّ يَرْحَمُكُمُ اللَّهُ، فَإنَّ اللَّهَ لَمْ يُعْطِ عَبْدًا بِالمُنْيَةِ خَيْرًا قَطُّ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، وكانَ يَقُولُ: يا لَها مِن مَوْعِظَةٍ لَوْ وافَقَتْ مِنَ القُلُوبِ حَياةً. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ، «عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ عَذابَها كانَ غَرامًا﴾ . قالَ: ”الدّائِمُ“» . (p-٢٠٩)وأخْرَجَ الطَّسْتِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ نافِعَ بْنَ الأزْرَقِ قالَ لَهُ: أخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِهِ: ﴿إنَّ عَذابَها كانَ غَرامًا﴾ قالَ: مُلازِمًا شَدِيدًا، كَلُزُومِ الغَرِيمِ الغَرِيمَ. قالَ: وهَلْ تَعْرِفُ العَرَبُ ذَلِكَ؟ قالَ: نَعَمْ، أما سَمِعْتَ قَوْلَ بِشْرِ بْنِ أبِي حازِمٍ: ؎ويَوْمَ النِّسارِ ويَوْمُ الجِفارِ كانا عَذابًا وكانا غَراما وأخْرَجَ ابْنُ الأنْبارِيِّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ نافِعَ بْنَ الأزْرَقِ قالَ لَهُ: أخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِهِ: ﴿كانَ غَرامًا﴾ ما الغَرامُ؟ قالَ: المُولَعُ، قالَ فِيهِ الشّاعِرُ: ؎وما أكْلَةٌ إنْ نِلْتُها بِغَنِيمَةٍ ∗∗∗ ولا جَوْعَةٌ إنْ عِفْتُها بِغَرامِ وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ عَذابَها كانَ غَرامًا﴾ قالَ: قَدْ عَلِمُوا أنَّ كُلَّ غَرِيمٍ يُفارِقُ غَرِيمَهُ إلّا غَرِيمَ جَهَنَّمَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ إذا أنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا ولَمْ يَقْتُرُوا﴾ قالَ: هُمُ (p-٢١٠)المُؤْمِنُونَ، لا يُسْرِفُونَ فَيُنْفِقُوا في مَعْصِيَةِ اللَّهِ، ولا يَقْتُرُونَ فَيَمْنَعُوا حُقُوقَ اللَّهِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ عاصِمٍ، أنَّهُ قَرَأ: ﴿ولَمْ يَقْتُرُوا﴾ بِنَصْبِ الياءِ ورَفْعِ التّاءِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ إذا أنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا ولَمْ يَقْتُرُوا﴾ قالَ: الإسْرافُ النَّفَقَةُ في مَعْصِيَةِ اللَّهِ، والإقْتارُ الإمْساكُ عَنْ حَقِّ اللَّهِ. قالَ: وإنَّ اللَّهَ قَدْ قاتَ لَكم قِيتَةً فانْتَهُوا إلى قِيتَةِ اللَّهِ، قالَ في النُّطْقِ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وقُولُوا قَوْلا سَدِيدًا﴾ [الأحزاب: ٧٠] [الأحْزابِ: ٧٠] . قالَ: قُولُوا صِدْقًا عَدْلًا، وقالَ في النَّظَرِ: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِن أبْصارِهِمْ﴾ [النور: ٣٠] [النُّورِ: ٣٠] . عَمّا لا يَحِلُّ لَهم. وقالَ في الِاسْتِماعِ: ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ القَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أحْسَنَهُ﴾ [الزمر: ١٨] [الزُّمَرِ ١٨] . وأحْسَنُهُ طاعَةُ اللَّهِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ شِهابٍ في قَوْلِهِ: ﴿لَمْ يُسْرِفُوا ولَمْ يَقْتُرُوا﴾ . (p-٢١١)قالَ: لا يُنْفِقُهُ في باطِلٍ، ولا يَمْنَعُهُ مِن حَقٍّ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أبِي حَبِيبٍ: ﴿والَّذِينَ إذا أنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا ولَمْ يَقْتُرُوا﴾ قالَ: أُولَئِكَ أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، كانُوا لا يَأْكُلُونَ طَعامًا يُرِيدُونَ بِهِ نَعِيمًا، ولا يَلْبَسُونَ ثَوْبًا يُرِيدُونَ بِهِ جِمالًا، كانَتْ قُلُوبُهم عَلى قَلْبٍ واحِدٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الأعْمَشِ في قَوْلِهِ: ﴿وكانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوامًا﴾ قالَ: عَدْلًا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عُمَرَ مَوْلى غُفْرَةَ قالَ القَوامُ ألّا تُنْفِقَ مِن غَيْرِ حَقٍّ، ولا تُمْسِكَ مِن حَقٍّ هو عَلَيْكَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ وهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ: ﴿وكانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوامًا﴾ قالَ: الشَّطْرُ مِن أمْوالِهِمْ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ مُرَّةَ الجُعْفِيِّ قالَ: العِلْمُ خَيْرٌ مِنَ العَمَلِ، والحَسَنَةُ بَيْنَ السَّيِّئَتَيْنِ، يَعْنِي: ﴿إذا أنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا ولَمْ يَقْتُرُوا﴾ وخَيْرُ (p-٢١٢)الأُمُورِ أوْساطُها. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿لَمْ يُسْرِفُوا ولَمْ يَقْتُرُوا﴾ أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ قالَ: كَفى سَرَفًا ألّا يَشْتَهِيَ رَجُلٌ شَيْئًا إلّا اشْتَراهُ فَأكَلَهُ. وأخْرَجَ أحْمَدُ، عَنْ أبِي الدَّرْداءِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: ««مِن فِقْهِ الرَّجُلِ رِفْقُهُ في مَعِيشَتِهِ»» .

الفرقان 25:64

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وعِبادُ الرَّحْمَنِ﴾ الآياتِ. أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وعِبادُ الرَّحْمَنِ﴾ قالَ: هُمُ المُؤْمِنُونَ، ﴿الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلى الأرْضِ هَوْنًا﴾ قالَ: بِالطّاعَةِ والعَفافِ والتَّواضُعِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿يَمْشُونَ عَلى الأرْضِ هَوْنًا﴾ قالَ: عُلَماءَ حُلَماءَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الضَّحّاكِ في قَوْلِهِ: ﴿هَوْنًا﴾ . (p-٢٠٤)قالَ: بِالسُّرْيانِيَّةِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أبِي عِمْرانَ الجَوْنِيِّ في قَوْلِهِ: ﴿هَوْنًا﴾ قالَ: حُلَماءَ، بِالعِبْرانِيَّةِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرانَ في قَوْلِهِ: ﴿هَوْنًا﴾ قالَ: حُلَماءَ، بِالسُّرْيانِيَّةِ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، والفِرْيابِيُّ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في ”شُعَبِ الإيمانِ“، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وعِبادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلى الأرْضِ هَوْنًا﴾ قالَ: بِالوَقارِ والسَّكِينَةِ، ﴿وإذا خاطَبَهُمُ الجاهِلُونَ قالُوا سَلامًا﴾ قالَ: سَدادًا مِنَ القَوْلِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ في قَوْلِهِ: ﴿يَمْشُونَ عَلى الأرْضِ هَوْنًا﴾ قالَ: لا يَشْتَدُّونَ. (p-٢٠٥)وأخْرَجَ أبُو نُعَيْمٍ في ”الحِلْيَةِ“، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، وابْنُ النَّجّارِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالا: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««سُرْعَةُ المَشْيِ تُذْهِبُ بِهاءَ المُؤْمِنِ»» . وأخْرَجَ الخَرائِطِيُّ في ”مَكارِمِ الأخْلاقِ“، عَنِ الفُضَيْلِ بْنِ عِياضٍ في قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلى الأرْضِ هَوْنًا﴾ قالَ: بِالسَّكِينَةِ والوَقارِ، ﴿وإذا خاطَبَهُمُ الجاهِلُونَ قالُوا سَلامًا﴾ قالَ: إنْ جُهِلَ عَلَيْهِ حَلُمَ، وإنْ أُسِيءَ إلَيْهِ أحْسَنَ، وإنْ حُرِمَ أعْطى، وإنْ قُطِعَ وصَلَ. وأخْرَجَ الآمِدِيُّ في ”شَرْحِ دِيوانِ الأعْشى“ بِسَنَدِهِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ، أنَّهُ رَأى غُلامًا يَتَبَخْتَرُ في مِشْيَتِهِ فَقالَ لَهُ: إنَّ البَخْتَرِيَّةَ مِشْيَةٌ تُكْرَهُ إلّا في سَبِيلِ اللَّهِ، وقَدْ مَدَحَ اللَّهُ أقْوامًا فَقالَ: ﴿وعِبادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلى الأرْضِ هَوْنًا﴾ فاقْصِدْ في مِشْيَتِكَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿يَمْشُونَ عَلى الأرْضِ هَوْنًا﴾ قالَ: تَواضُعًا لِلَّهِ، لِعَظَمَتِهِ، ﴿وإذا خاطَبَهُمُ الجاهِلُونَ قالُوا سَلامًا﴾ قالَ: كانُوا لا يُجاهِلُونَ أهْلَ الجَهْلِ. وأخْرَجَ أبُو نُعَيْمٍ في ”الحِلْيَةِ“، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الباقِرِ قالَ: سِلاحُ اللِّئامِ (p-٢٠٦)قُبْحُ الكَلامِ. وأخْرَجَ أحْمَدُ عَنِ النُّعْمانِ بْنِ مُقَرِّنٍ المُزَنِيِّ: «أنَّ رَجُلًا سَبَّ رَجُلًا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ، فَجَعَلَ الرَّجُلُ المَسْبُوبُ يَقُولُ: عَلَيْكَ السَّلامُ. فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أما إنَّ مَلَكًا بَيْنَكُما يَذُبُّ عَنْكَ؛ كُلَّما شَتَمَكَ هَذا قالَ لَهُ: بَلْ أنْتَ، وأنْتَ أحَقُّ بِهِ. وإذا قُلْتَ لَهُ: عَلَيْكَ السَّلامُ. قالَ: لا، بَلْ لَكَ أنْتَ أحَقُّ بِهِ»» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: ﴿وإذا خاطَبَهُمُ الجاهِلُونَ﴾ قالَ: السُّفَهاءُ، ﴿قالُوا سَلامًا﴾ يَعْنِي: رَدُّوا مَعْرُوفًا، ﴿والَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وقِيامًا﴾ يَعْنِي: يُصَلُّونَ بِاللَّيْلِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والبَيْهَقِيُّ في ”شُعَبِ الإيمانِ“، عَنِ الحَسَنِ: ﴿يَمْشُونَ عَلى الأرْضِ هَوْنًا﴾ الآيَةَ. قالَ: يَمْشُونَ حُلَماءَ مُتَواضِعِينَ، لا يَجْهَلُونَ عَلى أحَدٍ، وإنْ جَهِلَ عَلَيْهِمْ جاهِلٌ لَمْ يَجْهَلُوا، هَذا نَهارُهم إذا انْتَشَرُوا في النّاسِ، ﴿والَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وقِيامًا﴾ قالَ: هَذا لَيْلُهم إذا خَلَوْا بَيْنَهم وبَيْنَ رَبِّهِمْ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ الحَسَنِ قالَ: كانَ يُقالُ: ابْنَ آدَمَ، عِفَّ عَنْ (p-٢٠٧)مَحارِمِ اللَّهِ تَكُنْ عابِدًا، وارْضَ بِما قَسَمَ اللَّهُ لَكَ تَكُنْ غَنِيًّا، وأحْسِنْ مُجاوَرَةَ مَن جاوَرَكَ مِنَ النّاسِ تَكُنْ مُسْلِمًا، وصاحِبِ النّاسِ بِالَّذِي تُحِبُّ أنْ يُصاحِبُوكَ بِهِ تَكُنْ عَدْلًا، وإيّاكَ وكَثْرَةَ الضَّحِكِ، فَإنْ كَثْرَةَ الضَّحِكِ تُمِيتُ القَلْبَ، إنَّهُ قَدْ كانَ يَدَيْكم أقْوامٌ يَجْمَعُونَ كَثِيرًا، ويَبْنُونَ شَدِيدًا، ويَأْمُلُونَ بَعِيدًا، فَأيْنَ هُمْ؟ أصْبَحَ جَمْعُهم بُورًا، وأصْبَحَ أمَلُهم غُرُورًا، وأصْبَحَتْ مَساكِنُهم قُبُورًا. ابْنَ آدَمَ، انْكَ مُرْتَهَنَّ بِعَمَلِكَ، وآتٍ عَلى أجْلِكَ، مَعْرُوضٌ عَلى رَبِّكَ، فَخُذْ مِمّا في يَدَيْكَ لِما بَيْنَ يَدَيْكَ عِنْدَ المَوْتِ يَأْتِيكَ الخَيْرُ، يا ابْنَ آدَمَ، طَأِ الأرْضَ بِقَدَمِكَ؛ فَإنَّها عَنْ قَلِيلِ قَبْرُكَ، إنَّكَ لَمْ تَزَلْ في هَدْمِ عُمْرِكَ مُنْذُ سَقَطْتَ مِن بَطْنِ أُمِّكَ. يا ابْنَ آدَمَ، خالِطِ النّاسَ وزايِلْهُمْ؛ خالِطْهم بِبَدَنِكَ، وزايِلْهم بِقَلْبِكَ وعَمَلِكَ، يا ابْنَ آدَمَ، أتُحِبُّ أنْ تُذْكَرَ بِسَحَناتِكَ، وتَكْرَهَ أنْ تُذْكَرَ بِسَيِّئاتِكَ، وتُبْغِضَ عَلى الظَّنِّ، وتُقِيمَ عَلى اليَقِينِ، وكانَ يُقالُ: إنَّ المُؤْمِنِينَ لَمّا جاءَتْهم هَذِهِ الدَّعْوَةُ مِنَ اللَّهِ صَدَّقُوا بِها، وافِضًا يَقِينُها، خَشَعَتْ لِذَلِكَ قُلُوبُهم وأبْدانُهم وأبْصارُهُمْ، كُنْتَ واللَّهِ إذا رَأيْتَهم قَوْمًا كَأنَّهم رَأْيُ عَيْنٍ، واللَّهِ ما كانُوا بِأهْلِ جَدَلٍ وباطِلٍ، ولَكِنْ جاءَهم مِنَ اللَّهِ أمْرٌ فَصَدَّقُوا بِهِ، فَنَعَتَهُمُ اللَّهُ في (p-٢٠٨)القُرْآنِ أحْسَنَ نَعْتٍ فَقالَ: ﴿وعِبادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلى الأرْضِ هَوْنًا﴾ . قالَ الحَسَنُ: والهَوْنُ في كَلامِ العَرَبِ اللِّينُ والسَّكِينَةُ والوَقارُ، ﴿وإذا خاطَبَهُمُ الجاهِلُونَ قالُوا سَلامًا﴾ قالَ: حُلَماءُ لا يَجْهَلُونَ، وإنْ جُهِلَ عَلَيْهِمْ حَلَمُوا، يُصاحِبُونَ عِبادَ اللَّهِ نَهارَهم بِما تَسْمَعُونَ، ثُمَّ ذَكَرَ لَيْلَهم خَيْرَ لَيْلٍ، قالَ ﴿والَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وقِيامًا﴾ يَنْتَصِبُونَ لِلَّهِ عَلى أقْدامِهِمْ، ويَفْتَرِشُونَ وُجُوهَهم سُجَّدًا لِرَبِّهِمْ، تَجْرِي دُمُوعُهم عَلى خُدُودِهِمْ فَرَقًا مِن رَبِّهِمْ. قالَ الحَسَنُ: لِأمْرٍ ما سُهِرَ لَيْلُهُمْ، ولِأمْرٍ ما خُشِعَ نَهارُهُمْ، ﴿والَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا اصْرِفْ عَنّا عَذابَ جَهَنَّمَ إنَّ عَذابَها كانَ غَرامًا﴾ قالَ: كُلُّ شَيْءٍ يُصِيبُ ابْنَ آدَمَ لَمْ يَرِدْ عَلَيْهِ فَلَيْسَ بِغَرامٍ، إنَّما الغَرامُ اللّازِمُ لَهُ ما دامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ. قالَ: صَدَقَ القَوْمُ واللَّهِ الَّذِي لا إلَهَ إلّا هُوَ، فَعَلُوا ولَمْ يَتَمَنَّوْا، فَإيّاكم وهَذِهِ الأمانِيَّ يَرْحَمُكُمُ اللَّهُ، فَإنَّ اللَّهَ لَمْ يُعْطِ عَبْدًا بِالمُنْيَةِ خَيْرًا قَطُّ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، وكانَ يَقُولُ: يا لَها مِن مَوْعِظَةٍ لَوْ وافَقَتْ مِنَ القُلُوبِ حَياةً. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ، «عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ عَذابَها كانَ غَرامًا﴾ . قالَ: ”الدّائِمُ“» . (p-٢٠٩)وأخْرَجَ الطَّسْتِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ نافِعَ بْنَ الأزْرَقِ قالَ لَهُ: أخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِهِ: ﴿إنَّ عَذابَها كانَ غَرامًا﴾ قالَ: مُلازِمًا شَدِيدًا، كَلُزُومِ الغَرِيمِ الغَرِيمَ. قالَ: وهَلْ تَعْرِفُ العَرَبُ ذَلِكَ؟ قالَ: نَعَمْ، أما سَمِعْتَ قَوْلَ بِشْرِ بْنِ أبِي حازِمٍ: ؎ويَوْمَ النِّسارِ ويَوْمُ الجِفارِ كانا عَذابًا وكانا غَراما وأخْرَجَ ابْنُ الأنْبارِيِّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ نافِعَ بْنَ الأزْرَقِ قالَ لَهُ: أخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِهِ: ﴿كانَ غَرامًا﴾ ما الغَرامُ؟ قالَ: المُولَعُ، قالَ فِيهِ الشّاعِرُ: ؎وما أكْلَةٌ إنْ نِلْتُها بِغَنِيمَةٍ ∗∗∗ ولا جَوْعَةٌ إنْ عِفْتُها بِغَرامِ وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ عَذابَها كانَ غَرامًا﴾ قالَ: قَدْ عَلِمُوا أنَّ كُلَّ غَرِيمٍ يُفارِقُ غَرِيمَهُ إلّا غَرِيمَ جَهَنَّمَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ إذا أنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا ولَمْ يَقْتُرُوا﴾ قالَ: هُمُ (p-٢١٠)المُؤْمِنُونَ، لا يُسْرِفُونَ فَيُنْفِقُوا في مَعْصِيَةِ اللَّهِ، ولا يَقْتُرُونَ فَيَمْنَعُوا حُقُوقَ اللَّهِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ عاصِمٍ، أنَّهُ قَرَأ: ﴿ولَمْ يَقْتُرُوا﴾ بِنَصْبِ الياءِ ورَفْعِ التّاءِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ إذا أنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا ولَمْ يَقْتُرُوا﴾ قالَ: الإسْرافُ النَّفَقَةُ في مَعْصِيَةِ اللَّهِ، والإقْتارُ الإمْساكُ عَنْ حَقِّ اللَّهِ. قالَ: وإنَّ اللَّهَ قَدْ قاتَ لَكم قِيتَةً فانْتَهُوا إلى قِيتَةِ اللَّهِ، قالَ في النُّطْقِ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وقُولُوا قَوْلا سَدِيدًا﴾ [الأحزاب: ٧٠] [الأحْزابِ: ٧٠] . قالَ: قُولُوا صِدْقًا عَدْلًا، وقالَ في النَّظَرِ: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِن أبْصارِهِمْ﴾ [النور: ٣٠] [النُّورِ: ٣٠] . عَمّا لا يَحِلُّ لَهم. وقالَ في الِاسْتِماعِ: ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ القَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أحْسَنَهُ﴾ [الزمر: ١٨] [الزُّمَرِ ١٨] . وأحْسَنُهُ طاعَةُ اللَّهِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ شِهابٍ في قَوْلِهِ: ﴿لَمْ يُسْرِفُوا ولَمْ يَقْتُرُوا﴾ . (p-٢١١)قالَ: لا يُنْفِقُهُ في باطِلٍ، ولا يَمْنَعُهُ مِن حَقٍّ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أبِي حَبِيبٍ: ﴿والَّذِينَ إذا أنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا ولَمْ يَقْتُرُوا﴾ قالَ: أُولَئِكَ أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، كانُوا لا يَأْكُلُونَ طَعامًا يُرِيدُونَ بِهِ نَعِيمًا، ولا يَلْبَسُونَ ثَوْبًا يُرِيدُونَ بِهِ جِمالًا، كانَتْ قُلُوبُهم عَلى قَلْبٍ واحِدٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الأعْمَشِ في قَوْلِهِ: ﴿وكانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوامًا﴾ قالَ: عَدْلًا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عُمَرَ مَوْلى غُفْرَةَ قالَ القَوامُ ألّا تُنْفِقَ مِن غَيْرِ حَقٍّ، ولا تُمْسِكَ مِن حَقٍّ هو عَلَيْكَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ وهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ: ﴿وكانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوامًا﴾ قالَ: الشَّطْرُ مِن أمْوالِهِمْ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ مُرَّةَ الجُعْفِيِّ قالَ: العِلْمُ خَيْرٌ مِنَ العَمَلِ، والحَسَنَةُ بَيْنَ السَّيِّئَتَيْنِ، يَعْنِي: ﴿إذا أنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا ولَمْ يَقْتُرُوا﴾ وخَيْرُ (p-٢١٢)الأُمُورِ أوْساطُها. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿لَمْ يُسْرِفُوا ولَمْ يَقْتُرُوا﴾ أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ قالَ: كَفى سَرَفًا ألّا يَشْتَهِيَ رَجُلٌ شَيْئًا إلّا اشْتَراهُ فَأكَلَهُ. وأخْرَجَ أحْمَدُ، عَنْ أبِي الدَّرْداءِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: ««مِن فِقْهِ الرَّجُلِ رِفْقُهُ في مَعِيشَتِهِ»» .

الفرقان 25:65

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وعِبادُ الرَّحْمَنِ﴾ الآياتِ. أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وعِبادُ الرَّحْمَنِ﴾ قالَ: هُمُ المُؤْمِنُونَ، ﴿الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلى الأرْضِ هَوْنًا﴾ قالَ: بِالطّاعَةِ والعَفافِ والتَّواضُعِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿يَمْشُونَ عَلى الأرْضِ هَوْنًا﴾ قالَ: عُلَماءَ حُلَماءَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الضَّحّاكِ في قَوْلِهِ: ﴿هَوْنًا﴾ . (p-٢٠٤)قالَ: بِالسُّرْيانِيَّةِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أبِي عِمْرانَ الجَوْنِيِّ في قَوْلِهِ: ﴿هَوْنًا﴾ قالَ: حُلَماءَ، بِالعِبْرانِيَّةِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرانَ في قَوْلِهِ: ﴿هَوْنًا﴾ قالَ: حُلَماءَ، بِالسُّرْيانِيَّةِ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، والفِرْيابِيُّ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في ”شُعَبِ الإيمانِ“، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وعِبادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلى الأرْضِ هَوْنًا﴾ قالَ: بِالوَقارِ والسَّكِينَةِ، ﴿وإذا خاطَبَهُمُ الجاهِلُونَ قالُوا سَلامًا﴾ قالَ: سَدادًا مِنَ القَوْلِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ في قَوْلِهِ: ﴿يَمْشُونَ عَلى الأرْضِ هَوْنًا﴾ قالَ: لا يَشْتَدُّونَ. (p-٢٠٥)وأخْرَجَ أبُو نُعَيْمٍ في ”الحِلْيَةِ“، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، وابْنُ النَّجّارِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالا: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««سُرْعَةُ المَشْيِ تُذْهِبُ بِهاءَ المُؤْمِنِ»» . وأخْرَجَ الخَرائِطِيُّ في ”مَكارِمِ الأخْلاقِ“، عَنِ الفُضَيْلِ بْنِ عِياضٍ في قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلى الأرْضِ هَوْنًا﴾ قالَ: بِالسَّكِينَةِ والوَقارِ، ﴿وإذا خاطَبَهُمُ الجاهِلُونَ قالُوا سَلامًا﴾ قالَ: إنْ جُهِلَ عَلَيْهِ حَلُمَ، وإنْ أُسِيءَ إلَيْهِ أحْسَنَ، وإنْ حُرِمَ أعْطى، وإنْ قُطِعَ وصَلَ. وأخْرَجَ الآمِدِيُّ في ”شَرْحِ دِيوانِ الأعْشى“ بِسَنَدِهِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ، أنَّهُ رَأى غُلامًا يَتَبَخْتَرُ في مِشْيَتِهِ فَقالَ لَهُ: إنَّ البَخْتَرِيَّةَ مِشْيَةٌ تُكْرَهُ إلّا في سَبِيلِ اللَّهِ، وقَدْ مَدَحَ اللَّهُ أقْوامًا فَقالَ: ﴿وعِبادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلى الأرْضِ هَوْنًا﴾ فاقْصِدْ في مِشْيَتِكَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿يَمْشُونَ عَلى الأرْضِ هَوْنًا﴾ قالَ: تَواضُعًا لِلَّهِ، لِعَظَمَتِهِ، ﴿وإذا خاطَبَهُمُ الجاهِلُونَ قالُوا سَلامًا﴾ قالَ: كانُوا لا يُجاهِلُونَ أهْلَ الجَهْلِ. وأخْرَجَ أبُو نُعَيْمٍ في ”الحِلْيَةِ“، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الباقِرِ قالَ: سِلاحُ اللِّئامِ (p-٢٠٦)قُبْحُ الكَلامِ. وأخْرَجَ أحْمَدُ عَنِ النُّعْمانِ بْنِ مُقَرِّنٍ المُزَنِيِّ: «أنَّ رَجُلًا سَبَّ رَجُلًا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ، فَجَعَلَ الرَّجُلُ المَسْبُوبُ يَقُولُ: عَلَيْكَ السَّلامُ. فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أما إنَّ مَلَكًا بَيْنَكُما يَذُبُّ عَنْكَ؛ كُلَّما شَتَمَكَ هَذا قالَ لَهُ: بَلْ أنْتَ، وأنْتَ أحَقُّ بِهِ. وإذا قُلْتَ لَهُ: عَلَيْكَ السَّلامُ. قالَ: لا، بَلْ لَكَ أنْتَ أحَقُّ بِهِ»» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: ﴿وإذا خاطَبَهُمُ الجاهِلُونَ﴾ قالَ: السُّفَهاءُ، ﴿قالُوا سَلامًا﴾ يَعْنِي: رَدُّوا مَعْرُوفًا، ﴿والَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وقِيامًا﴾ يَعْنِي: يُصَلُّونَ بِاللَّيْلِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والبَيْهَقِيُّ في ”شُعَبِ الإيمانِ“، عَنِ الحَسَنِ: ﴿يَمْشُونَ عَلى الأرْضِ هَوْنًا﴾ الآيَةَ. قالَ: يَمْشُونَ حُلَماءَ مُتَواضِعِينَ، لا يَجْهَلُونَ عَلى أحَدٍ، وإنْ جَهِلَ عَلَيْهِمْ جاهِلٌ لَمْ يَجْهَلُوا، هَذا نَهارُهم إذا انْتَشَرُوا في النّاسِ، ﴿والَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وقِيامًا﴾ قالَ: هَذا لَيْلُهم إذا خَلَوْا بَيْنَهم وبَيْنَ رَبِّهِمْ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ الحَسَنِ قالَ: كانَ يُقالُ: ابْنَ آدَمَ، عِفَّ عَنْ (p-٢٠٧)مَحارِمِ اللَّهِ تَكُنْ عابِدًا، وارْضَ بِما قَسَمَ اللَّهُ لَكَ تَكُنْ غَنِيًّا، وأحْسِنْ مُجاوَرَةَ مَن جاوَرَكَ مِنَ النّاسِ تَكُنْ مُسْلِمًا، وصاحِبِ النّاسِ بِالَّذِي تُحِبُّ أنْ يُصاحِبُوكَ بِهِ تَكُنْ عَدْلًا، وإيّاكَ وكَثْرَةَ الضَّحِكِ، فَإنْ كَثْرَةَ الضَّحِكِ تُمِيتُ القَلْبَ، إنَّهُ قَدْ كانَ يَدَيْكم أقْوامٌ يَجْمَعُونَ كَثِيرًا، ويَبْنُونَ شَدِيدًا، ويَأْمُلُونَ بَعِيدًا، فَأيْنَ هُمْ؟ أصْبَحَ جَمْعُهم بُورًا، وأصْبَحَ أمَلُهم غُرُورًا، وأصْبَحَتْ مَساكِنُهم قُبُورًا. ابْنَ آدَمَ، انْكَ مُرْتَهَنَّ بِعَمَلِكَ، وآتٍ عَلى أجْلِكَ، مَعْرُوضٌ عَلى رَبِّكَ، فَخُذْ مِمّا في يَدَيْكَ لِما بَيْنَ يَدَيْكَ عِنْدَ المَوْتِ يَأْتِيكَ الخَيْرُ، يا ابْنَ آدَمَ، طَأِ الأرْضَ بِقَدَمِكَ؛ فَإنَّها عَنْ قَلِيلِ قَبْرُكَ، إنَّكَ لَمْ تَزَلْ في هَدْمِ عُمْرِكَ مُنْذُ سَقَطْتَ مِن بَطْنِ أُمِّكَ. يا ابْنَ آدَمَ، خالِطِ النّاسَ وزايِلْهُمْ؛ خالِطْهم بِبَدَنِكَ، وزايِلْهم بِقَلْبِكَ وعَمَلِكَ، يا ابْنَ آدَمَ، أتُحِبُّ أنْ تُذْكَرَ بِسَحَناتِكَ، وتَكْرَهَ أنْ تُذْكَرَ بِسَيِّئاتِكَ، وتُبْغِضَ عَلى الظَّنِّ، وتُقِيمَ عَلى اليَقِينِ، وكانَ يُقالُ: إنَّ المُؤْمِنِينَ لَمّا جاءَتْهم هَذِهِ الدَّعْوَةُ مِنَ اللَّهِ صَدَّقُوا بِها، وافِضًا يَقِينُها، خَشَعَتْ لِذَلِكَ قُلُوبُهم وأبْدانُهم وأبْصارُهُمْ، كُنْتَ واللَّهِ إذا رَأيْتَهم قَوْمًا كَأنَّهم رَأْيُ عَيْنٍ، واللَّهِ ما كانُوا بِأهْلِ جَدَلٍ وباطِلٍ، ولَكِنْ جاءَهم مِنَ اللَّهِ أمْرٌ فَصَدَّقُوا بِهِ، فَنَعَتَهُمُ اللَّهُ في (p-٢٠٨)القُرْآنِ أحْسَنَ نَعْتٍ فَقالَ: ﴿وعِبادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلى الأرْضِ هَوْنًا﴾ . قالَ الحَسَنُ: والهَوْنُ في كَلامِ العَرَبِ اللِّينُ والسَّكِينَةُ والوَقارُ، ﴿وإذا خاطَبَهُمُ الجاهِلُونَ قالُوا سَلامًا﴾ قالَ: حُلَماءُ لا يَجْهَلُونَ، وإنْ جُهِلَ عَلَيْهِمْ حَلَمُوا، يُصاحِبُونَ عِبادَ اللَّهِ نَهارَهم بِما تَسْمَعُونَ، ثُمَّ ذَكَرَ لَيْلَهم خَيْرَ لَيْلٍ، قالَ ﴿والَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وقِيامًا﴾ يَنْتَصِبُونَ لِلَّهِ عَلى أقْدامِهِمْ، ويَفْتَرِشُونَ وُجُوهَهم سُجَّدًا لِرَبِّهِمْ، تَجْرِي دُمُوعُهم عَلى خُدُودِهِمْ فَرَقًا مِن رَبِّهِمْ. قالَ الحَسَنُ: لِأمْرٍ ما سُهِرَ لَيْلُهُمْ، ولِأمْرٍ ما خُشِعَ نَهارُهُمْ، ﴿والَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا اصْرِفْ عَنّا عَذابَ جَهَنَّمَ إنَّ عَذابَها كانَ غَرامًا﴾ قالَ: كُلُّ شَيْءٍ يُصِيبُ ابْنَ آدَمَ لَمْ يَرِدْ عَلَيْهِ فَلَيْسَ بِغَرامٍ، إنَّما الغَرامُ اللّازِمُ لَهُ ما دامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ. قالَ: صَدَقَ القَوْمُ واللَّهِ الَّذِي لا إلَهَ إلّا هُوَ، فَعَلُوا ولَمْ يَتَمَنَّوْا، فَإيّاكم وهَذِهِ الأمانِيَّ يَرْحَمُكُمُ اللَّهُ، فَإنَّ اللَّهَ لَمْ يُعْطِ عَبْدًا بِالمُنْيَةِ خَيْرًا قَطُّ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، وكانَ يَقُولُ: يا لَها مِن مَوْعِظَةٍ لَوْ وافَقَتْ مِنَ القُلُوبِ حَياةً. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ، «عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ عَذابَها كانَ غَرامًا﴾ . قالَ: ”الدّائِمُ“» . (p-٢٠٩)وأخْرَجَ الطَّسْتِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ نافِعَ بْنَ الأزْرَقِ قالَ لَهُ: أخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِهِ: ﴿إنَّ عَذابَها كانَ غَرامًا﴾ قالَ: مُلازِمًا شَدِيدًا، كَلُزُومِ الغَرِيمِ الغَرِيمَ. قالَ: وهَلْ تَعْرِفُ العَرَبُ ذَلِكَ؟ قالَ: نَعَمْ، أما سَمِعْتَ قَوْلَ بِشْرِ بْنِ أبِي حازِمٍ: ؎ويَوْمَ النِّسارِ ويَوْمُ الجِفارِ كانا عَذابًا وكانا غَراما وأخْرَجَ ابْنُ الأنْبارِيِّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ نافِعَ بْنَ الأزْرَقِ قالَ لَهُ: أخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِهِ: ﴿كانَ غَرامًا﴾ ما الغَرامُ؟ قالَ: المُولَعُ، قالَ فِيهِ الشّاعِرُ: ؎وما أكْلَةٌ إنْ نِلْتُها بِغَنِيمَةٍ ∗∗∗ ولا جَوْعَةٌ إنْ عِفْتُها بِغَرامِ وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ عَذابَها كانَ غَرامًا﴾ قالَ: قَدْ عَلِمُوا أنَّ كُلَّ غَرِيمٍ يُفارِقُ غَرِيمَهُ إلّا غَرِيمَ جَهَنَّمَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ إذا أنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا ولَمْ يَقْتُرُوا﴾ قالَ: هُمُ (p-٢١٠)المُؤْمِنُونَ، لا يُسْرِفُونَ فَيُنْفِقُوا في مَعْصِيَةِ اللَّهِ، ولا يَقْتُرُونَ فَيَمْنَعُوا حُقُوقَ اللَّهِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ عاصِمٍ، أنَّهُ قَرَأ: ﴿ولَمْ يَقْتُرُوا﴾ بِنَصْبِ الياءِ ورَفْعِ التّاءِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ إذا أنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا ولَمْ يَقْتُرُوا﴾ قالَ: الإسْرافُ النَّفَقَةُ في مَعْصِيَةِ اللَّهِ، والإقْتارُ الإمْساكُ عَنْ حَقِّ اللَّهِ. قالَ: وإنَّ اللَّهَ قَدْ قاتَ لَكم قِيتَةً فانْتَهُوا إلى قِيتَةِ اللَّهِ، قالَ في النُّطْقِ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وقُولُوا قَوْلا سَدِيدًا﴾ [الأحزاب: ٧٠] [الأحْزابِ: ٧٠] . قالَ: قُولُوا صِدْقًا عَدْلًا، وقالَ في النَّظَرِ: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِن أبْصارِهِمْ﴾ [النور: ٣٠] [النُّورِ: ٣٠] . عَمّا لا يَحِلُّ لَهم. وقالَ في الِاسْتِماعِ: ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ القَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أحْسَنَهُ﴾ [الزمر: ١٨] [الزُّمَرِ ١٨] . وأحْسَنُهُ طاعَةُ اللَّهِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ شِهابٍ في قَوْلِهِ: ﴿لَمْ يُسْرِفُوا ولَمْ يَقْتُرُوا﴾ . (p-٢١١)قالَ: لا يُنْفِقُهُ في باطِلٍ، ولا يَمْنَعُهُ مِن حَقٍّ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أبِي حَبِيبٍ: ﴿والَّذِينَ إذا أنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا ولَمْ يَقْتُرُوا﴾ قالَ: أُولَئِكَ أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، كانُوا لا يَأْكُلُونَ طَعامًا يُرِيدُونَ بِهِ نَعِيمًا، ولا يَلْبَسُونَ ثَوْبًا يُرِيدُونَ بِهِ جِمالًا، كانَتْ قُلُوبُهم عَلى قَلْبٍ واحِدٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الأعْمَشِ في قَوْلِهِ: ﴿وكانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوامًا﴾ قالَ: عَدْلًا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عُمَرَ مَوْلى غُفْرَةَ قالَ القَوامُ ألّا تُنْفِقَ مِن غَيْرِ حَقٍّ، ولا تُمْسِكَ مِن حَقٍّ هو عَلَيْكَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ وهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ: ﴿وكانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوامًا﴾ قالَ: الشَّطْرُ مِن أمْوالِهِمْ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ مُرَّةَ الجُعْفِيِّ قالَ: العِلْمُ خَيْرٌ مِنَ العَمَلِ، والحَسَنَةُ بَيْنَ السَّيِّئَتَيْنِ، يَعْنِي: ﴿إذا أنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا ولَمْ يَقْتُرُوا﴾ وخَيْرُ (p-٢١٢)الأُمُورِ أوْساطُها. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿لَمْ يُسْرِفُوا ولَمْ يَقْتُرُوا﴾ أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ قالَ: كَفى سَرَفًا ألّا يَشْتَهِيَ رَجُلٌ شَيْئًا إلّا اشْتَراهُ فَأكَلَهُ. وأخْرَجَ أحْمَدُ، عَنْ أبِي الدَّرْداءِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: ««مِن فِقْهِ الرَّجُلِ رِفْقُهُ في مَعِيشَتِهِ»» .

الفرقان 25:66

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وعِبادُ الرَّحْمَنِ﴾ الآياتِ. أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وعِبادُ الرَّحْمَنِ﴾ قالَ: هُمُ المُؤْمِنُونَ، ﴿الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلى الأرْضِ هَوْنًا﴾ قالَ: بِالطّاعَةِ والعَفافِ والتَّواضُعِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿يَمْشُونَ عَلى الأرْضِ هَوْنًا﴾ قالَ: عُلَماءَ حُلَماءَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الضَّحّاكِ في قَوْلِهِ: ﴿هَوْنًا﴾ . (p-٢٠٤)قالَ: بِالسُّرْيانِيَّةِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أبِي عِمْرانَ الجَوْنِيِّ في قَوْلِهِ: ﴿هَوْنًا﴾ قالَ: حُلَماءَ، بِالعِبْرانِيَّةِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرانَ في قَوْلِهِ: ﴿هَوْنًا﴾ قالَ: حُلَماءَ، بِالسُّرْيانِيَّةِ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، والفِرْيابِيُّ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في ”شُعَبِ الإيمانِ“، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وعِبادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلى الأرْضِ هَوْنًا﴾ قالَ: بِالوَقارِ والسَّكِينَةِ، ﴿وإذا خاطَبَهُمُ الجاهِلُونَ قالُوا سَلامًا﴾ قالَ: سَدادًا مِنَ القَوْلِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ في قَوْلِهِ: ﴿يَمْشُونَ عَلى الأرْضِ هَوْنًا﴾ قالَ: لا يَشْتَدُّونَ. (p-٢٠٥)وأخْرَجَ أبُو نُعَيْمٍ في ”الحِلْيَةِ“، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، وابْنُ النَّجّارِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالا: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««سُرْعَةُ المَشْيِ تُذْهِبُ بِهاءَ المُؤْمِنِ»» . وأخْرَجَ الخَرائِطِيُّ في ”مَكارِمِ الأخْلاقِ“، عَنِ الفُضَيْلِ بْنِ عِياضٍ في قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلى الأرْضِ هَوْنًا﴾ قالَ: بِالسَّكِينَةِ والوَقارِ، ﴿وإذا خاطَبَهُمُ الجاهِلُونَ قالُوا سَلامًا﴾ قالَ: إنْ جُهِلَ عَلَيْهِ حَلُمَ، وإنْ أُسِيءَ إلَيْهِ أحْسَنَ، وإنْ حُرِمَ أعْطى، وإنْ قُطِعَ وصَلَ. وأخْرَجَ الآمِدِيُّ في ”شَرْحِ دِيوانِ الأعْشى“ بِسَنَدِهِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ، أنَّهُ رَأى غُلامًا يَتَبَخْتَرُ في مِشْيَتِهِ فَقالَ لَهُ: إنَّ البَخْتَرِيَّةَ مِشْيَةٌ تُكْرَهُ إلّا في سَبِيلِ اللَّهِ، وقَدْ مَدَحَ اللَّهُ أقْوامًا فَقالَ: ﴿وعِبادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلى الأرْضِ هَوْنًا﴾ فاقْصِدْ في مِشْيَتِكَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿يَمْشُونَ عَلى الأرْضِ هَوْنًا﴾ قالَ: تَواضُعًا لِلَّهِ، لِعَظَمَتِهِ، ﴿وإذا خاطَبَهُمُ الجاهِلُونَ قالُوا سَلامًا﴾ قالَ: كانُوا لا يُجاهِلُونَ أهْلَ الجَهْلِ. وأخْرَجَ أبُو نُعَيْمٍ في ”الحِلْيَةِ“، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الباقِرِ قالَ: سِلاحُ اللِّئامِ (p-٢٠٦)قُبْحُ الكَلامِ. وأخْرَجَ أحْمَدُ عَنِ النُّعْمانِ بْنِ مُقَرِّنٍ المُزَنِيِّ: «أنَّ رَجُلًا سَبَّ رَجُلًا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ، فَجَعَلَ الرَّجُلُ المَسْبُوبُ يَقُولُ: عَلَيْكَ السَّلامُ. فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أما إنَّ مَلَكًا بَيْنَكُما يَذُبُّ عَنْكَ؛ كُلَّما شَتَمَكَ هَذا قالَ لَهُ: بَلْ أنْتَ، وأنْتَ أحَقُّ بِهِ. وإذا قُلْتَ لَهُ: عَلَيْكَ السَّلامُ. قالَ: لا، بَلْ لَكَ أنْتَ أحَقُّ بِهِ»» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: ﴿وإذا خاطَبَهُمُ الجاهِلُونَ﴾ قالَ: السُّفَهاءُ، ﴿قالُوا سَلامًا﴾ يَعْنِي: رَدُّوا مَعْرُوفًا، ﴿والَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وقِيامًا﴾ يَعْنِي: يُصَلُّونَ بِاللَّيْلِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والبَيْهَقِيُّ في ”شُعَبِ الإيمانِ“، عَنِ الحَسَنِ: ﴿يَمْشُونَ عَلى الأرْضِ هَوْنًا﴾ الآيَةَ. قالَ: يَمْشُونَ حُلَماءَ مُتَواضِعِينَ، لا يَجْهَلُونَ عَلى أحَدٍ، وإنْ جَهِلَ عَلَيْهِمْ جاهِلٌ لَمْ يَجْهَلُوا، هَذا نَهارُهم إذا انْتَشَرُوا في النّاسِ، ﴿والَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وقِيامًا﴾ قالَ: هَذا لَيْلُهم إذا خَلَوْا بَيْنَهم وبَيْنَ رَبِّهِمْ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ الحَسَنِ قالَ: كانَ يُقالُ: ابْنَ آدَمَ، عِفَّ عَنْ (p-٢٠٧)مَحارِمِ اللَّهِ تَكُنْ عابِدًا، وارْضَ بِما قَسَمَ اللَّهُ لَكَ تَكُنْ غَنِيًّا، وأحْسِنْ مُجاوَرَةَ مَن جاوَرَكَ مِنَ النّاسِ تَكُنْ مُسْلِمًا، وصاحِبِ النّاسِ بِالَّذِي تُحِبُّ أنْ يُصاحِبُوكَ بِهِ تَكُنْ عَدْلًا، وإيّاكَ وكَثْرَةَ الضَّحِكِ، فَإنْ كَثْرَةَ الضَّحِكِ تُمِيتُ القَلْبَ، إنَّهُ قَدْ كانَ يَدَيْكم أقْوامٌ يَجْمَعُونَ كَثِيرًا، ويَبْنُونَ شَدِيدًا، ويَأْمُلُونَ بَعِيدًا، فَأيْنَ هُمْ؟ أصْبَحَ جَمْعُهم بُورًا، وأصْبَحَ أمَلُهم غُرُورًا، وأصْبَحَتْ مَساكِنُهم قُبُورًا. ابْنَ آدَمَ، انْكَ مُرْتَهَنَّ بِعَمَلِكَ، وآتٍ عَلى أجْلِكَ، مَعْرُوضٌ عَلى رَبِّكَ، فَخُذْ مِمّا في يَدَيْكَ لِما بَيْنَ يَدَيْكَ عِنْدَ المَوْتِ يَأْتِيكَ الخَيْرُ، يا ابْنَ آدَمَ، طَأِ الأرْضَ بِقَدَمِكَ؛ فَإنَّها عَنْ قَلِيلِ قَبْرُكَ، إنَّكَ لَمْ تَزَلْ في هَدْمِ عُمْرِكَ مُنْذُ سَقَطْتَ مِن بَطْنِ أُمِّكَ. يا ابْنَ آدَمَ، خالِطِ النّاسَ وزايِلْهُمْ؛ خالِطْهم بِبَدَنِكَ، وزايِلْهم بِقَلْبِكَ وعَمَلِكَ، يا ابْنَ آدَمَ، أتُحِبُّ أنْ تُذْكَرَ بِسَحَناتِكَ، وتَكْرَهَ أنْ تُذْكَرَ بِسَيِّئاتِكَ، وتُبْغِضَ عَلى الظَّنِّ، وتُقِيمَ عَلى اليَقِينِ، وكانَ يُقالُ: إنَّ المُؤْمِنِينَ لَمّا جاءَتْهم هَذِهِ الدَّعْوَةُ مِنَ اللَّهِ صَدَّقُوا بِها، وافِضًا يَقِينُها، خَشَعَتْ لِذَلِكَ قُلُوبُهم وأبْدانُهم وأبْصارُهُمْ، كُنْتَ واللَّهِ إذا رَأيْتَهم قَوْمًا كَأنَّهم رَأْيُ عَيْنٍ، واللَّهِ ما كانُوا بِأهْلِ جَدَلٍ وباطِلٍ، ولَكِنْ جاءَهم مِنَ اللَّهِ أمْرٌ فَصَدَّقُوا بِهِ، فَنَعَتَهُمُ اللَّهُ في (p-٢٠٨)القُرْآنِ أحْسَنَ نَعْتٍ فَقالَ: ﴿وعِبادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلى الأرْضِ هَوْنًا﴾ . قالَ الحَسَنُ: والهَوْنُ في كَلامِ العَرَبِ اللِّينُ والسَّكِينَةُ والوَقارُ، ﴿وإذا خاطَبَهُمُ الجاهِلُونَ قالُوا سَلامًا﴾ قالَ: حُلَماءُ لا يَجْهَلُونَ، وإنْ جُهِلَ عَلَيْهِمْ حَلَمُوا، يُصاحِبُونَ عِبادَ اللَّهِ نَهارَهم بِما تَسْمَعُونَ، ثُمَّ ذَكَرَ لَيْلَهم خَيْرَ لَيْلٍ، قالَ ﴿والَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وقِيامًا﴾ يَنْتَصِبُونَ لِلَّهِ عَلى أقْدامِهِمْ، ويَفْتَرِشُونَ وُجُوهَهم سُجَّدًا لِرَبِّهِمْ، تَجْرِي دُمُوعُهم عَلى خُدُودِهِمْ فَرَقًا مِن رَبِّهِمْ. قالَ الحَسَنُ: لِأمْرٍ ما سُهِرَ لَيْلُهُمْ، ولِأمْرٍ ما خُشِعَ نَهارُهُمْ، ﴿والَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا اصْرِفْ عَنّا عَذابَ جَهَنَّمَ إنَّ عَذابَها كانَ غَرامًا﴾ قالَ: كُلُّ شَيْءٍ يُصِيبُ ابْنَ آدَمَ لَمْ يَرِدْ عَلَيْهِ فَلَيْسَ بِغَرامٍ، إنَّما الغَرامُ اللّازِمُ لَهُ ما دامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ. قالَ: صَدَقَ القَوْمُ واللَّهِ الَّذِي لا إلَهَ إلّا هُوَ، فَعَلُوا ولَمْ يَتَمَنَّوْا، فَإيّاكم وهَذِهِ الأمانِيَّ يَرْحَمُكُمُ اللَّهُ، فَإنَّ اللَّهَ لَمْ يُعْطِ عَبْدًا بِالمُنْيَةِ خَيْرًا قَطُّ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، وكانَ يَقُولُ: يا لَها مِن مَوْعِظَةٍ لَوْ وافَقَتْ مِنَ القُلُوبِ حَياةً. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ، «عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ عَذابَها كانَ غَرامًا﴾ . قالَ: ”الدّائِمُ“» . (p-٢٠٩)وأخْرَجَ الطَّسْتِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ نافِعَ بْنَ الأزْرَقِ قالَ لَهُ: أخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِهِ: ﴿إنَّ عَذابَها كانَ غَرامًا﴾ قالَ: مُلازِمًا شَدِيدًا، كَلُزُومِ الغَرِيمِ الغَرِيمَ. قالَ: وهَلْ تَعْرِفُ العَرَبُ ذَلِكَ؟ قالَ: نَعَمْ، أما سَمِعْتَ قَوْلَ بِشْرِ بْنِ أبِي حازِمٍ: ؎ويَوْمَ النِّسارِ ويَوْمُ الجِفارِ كانا عَذابًا وكانا غَراما وأخْرَجَ ابْنُ الأنْبارِيِّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ نافِعَ بْنَ الأزْرَقِ قالَ لَهُ: أخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِهِ: ﴿كانَ غَرامًا﴾ ما الغَرامُ؟ قالَ: المُولَعُ، قالَ فِيهِ الشّاعِرُ: ؎وما أكْلَةٌ إنْ نِلْتُها بِغَنِيمَةٍ ∗∗∗ ولا جَوْعَةٌ إنْ عِفْتُها بِغَرامِ وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ عَذابَها كانَ غَرامًا﴾ قالَ: قَدْ عَلِمُوا أنَّ كُلَّ غَرِيمٍ يُفارِقُ غَرِيمَهُ إلّا غَرِيمَ جَهَنَّمَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ إذا أنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا ولَمْ يَقْتُرُوا﴾ قالَ: هُمُ (p-٢١٠)المُؤْمِنُونَ، لا يُسْرِفُونَ فَيُنْفِقُوا في مَعْصِيَةِ اللَّهِ، ولا يَقْتُرُونَ فَيَمْنَعُوا حُقُوقَ اللَّهِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ عاصِمٍ، أنَّهُ قَرَأ: ﴿ولَمْ يَقْتُرُوا﴾ بِنَصْبِ الياءِ ورَفْعِ التّاءِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ إذا أنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا ولَمْ يَقْتُرُوا﴾ قالَ: الإسْرافُ النَّفَقَةُ في مَعْصِيَةِ اللَّهِ، والإقْتارُ الإمْساكُ عَنْ حَقِّ اللَّهِ. قالَ: وإنَّ اللَّهَ قَدْ قاتَ لَكم قِيتَةً فانْتَهُوا إلى قِيتَةِ اللَّهِ، قالَ في النُّطْقِ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وقُولُوا قَوْلا سَدِيدًا﴾ [الأحزاب: ٧٠] [الأحْزابِ: ٧٠] . قالَ: قُولُوا صِدْقًا عَدْلًا، وقالَ في النَّظَرِ: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِن أبْصارِهِمْ﴾ [النور: ٣٠] [النُّورِ: ٣٠] . عَمّا لا يَحِلُّ لَهم. وقالَ في الِاسْتِماعِ: ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ القَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أحْسَنَهُ﴾ [الزمر: ١٨] [الزُّمَرِ ١٨] . وأحْسَنُهُ طاعَةُ اللَّهِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ شِهابٍ في قَوْلِهِ: ﴿لَمْ يُسْرِفُوا ولَمْ يَقْتُرُوا﴾ . (p-٢١١)قالَ: لا يُنْفِقُهُ في باطِلٍ، ولا يَمْنَعُهُ مِن حَقٍّ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أبِي حَبِيبٍ: ﴿والَّذِينَ إذا أنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا ولَمْ يَقْتُرُوا﴾ قالَ: أُولَئِكَ أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، كانُوا لا يَأْكُلُونَ طَعامًا يُرِيدُونَ بِهِ نَعِيمًا، ولا يَلْبَسُونَ ثَوْبًا يُرِيدُونَ بِهِ جِمالًا، كانَتْ قُلُوبُهم عَلى قَلْبٍ واحِدٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الأعْمَشِ في قَوْلِهِ: ﴿وكانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوامًا﴾ قالَ: عَدْلًا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عُمَرَ مَوْلى غُفْرَةَ قالَ القَوامُ ألّا تُنْفِقَ مِن غَيْرِ حَقٍّ، ولا تُمْسِكَ مِن حَقٍّ هو عَلَيْكَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ وهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ: ﴿وكانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوامًا﴾ قالَ: الشَّطْرُ مِن أمْوالِهِمْ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ مُرَّةَ الجُعْفِيِّ قالَ: العِلْمُ خَيْرٌ مِنَ العَمَلِ، والحَسَنَةُ بَيْنَ السَّيِّئَتَيْنِ، يَعْنِي: ﴿إذا أنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا ولَمْ يَقْتُرُوا﴾ وخَيْرُ (p-٢١٢)الأُمُورِ أوْساطُها. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿لَمْ يُسْرِفُوا ولَمْ يَقْتُرُوا﴾ أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ قالَ: كَفى سَرَفًا ألّا يَشْتَهِيَ رَجُلٌ شَيْئًا إلّا اشْتَراهُ فَأكَلَهُ. وأخْرَجَ أحْمَدُ، عَنْ أبِي الدَّرْداءِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: ««مِن فِقْهِ الرَّجُلِ رِفْقُهُ في مَعِيشَتِهِ»» .

الفرقان 25:67

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وعِبادُ الرَّحْمَنِ﴾ الآياتِ. أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وعِبادُ الرَّحْمَنِ﴾ قالَ: هُمُ المُؤْمِنُونَ، ﴿الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلى الأرْضِ هَوْنًا﴾ قالَ: بِالطّاعَةِ والعَفافِ والتَّواضُعِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿يَمْشُونَ عَلى الأرْضِ هَوْنًا﴾ قالَ: عُلَماءَ حُلَماءَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الضَّحّاكِ في قَوْلِهِ: ﴿هَوْنًا﴾ . (p-٢٠٤)قالَ: بِالسُّرْيانِيَّةِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أبِي عِمْرانَ الجَوْنِيِّ في قَوْلِهِ: ﴿هَوْنًا﴾ قالَ: حُلَماءَ، بِالعِبْرانِيَّةِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرانَ في قَوْلِهِ: ﴿هَوْنًا﴾ قالَ: حُلَماءَ، بِالسُّرْيانِيَّةِ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، والفِرْيابِيُّ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في ”شُعَبِ الإيمانِ“، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وعِبادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلى الأرْضِ هَوْنًا﴾ قالَ: بِالوَقارِ والسَّكِينَةِ، ﴿وإذا خاطَبَهُمُ الجاهِلُونَ قالُوا سَلامًا﴾ قالَ: سَدادًا مِنَ القَوْلِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ في قَوْلِهِ: ﴿يَمْشُونَ عَلى الأرْضِ هَوْنًا﴾ قالَ: لا يَشْتَدُّونَ. (p-٢٠٥)وأخْرَجَ أبُو نُعَيْمٍ في ”الحِلْيَةِ“، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، وابْنُ النَّجّارِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالا: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««سُرْعَةُ المَشْيِ تُذْهِبُ بِهاءَ المُؤْمِنِ»» . وأخْرَجَ الخَرائِطِيُّ في ”مَكارِمِ الأخْلاقِ“، عَنِ الفُضَيْلِ بْنِ عِياضٍ في قَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلى الأرْضِ هَوْنًا﴾ قالَ: بِالسَّكِينَةِ والوَقارِ، ﴿وإذا خاطَبَهُمُ الجاهِلُونَ قالُوا سَلامًا﴾ قالَ: إنْ جُهِلَ عَلَيْهِ حَلُمَ، وإنْ أُسِيءَ إلَيْهِ أحْسَنَ، وإنْ حُرِمَ أعْطى، وإنْ قُطِعَ وصَلَ. وأخْرَجَ الآمِدِيُّ في ”شَرْحِ دِيوانِ الأعْشى“ بِسَنَدِهِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ، أنَّهُ رَأى غُلامًا يَتَبَخْتَرُ في مِشْيَتِهِ فَقالَ لَهُ: إنَّ البَخْتَرِيَّةَ مِشْيَةٌ تُكْرَهُ إلّا في سَبِيلِ اللَّهِ، وقَدْ مَدَحَ اللَّهُ أقْوامًا فَقالَ: ﴿وعِبادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلى الأرْضِ هَوْنًا﴾ فاقْصِدْ في مِشْيَتِكَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿يَمْشُونَ عَلى الأرْضِ هَوْنًا﴾ قالَ: تَواضُعًا لِلَّهِ، لِعَظَمَتِهِ، ﴿وإذا خاطَبَهُمُ الجاهِلُونَ قالُوا سَلامًا﴾ قالَ: كانُوا لا يُجاهِلُونَ أهْلَ الجَهْلِ. وأخْرَجَ أبُو نُعَيْمٍ في ”الحِلْيَةِ“، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الباقِرِ قالَ: سِلاحُ اللِّئامِ (p-٢٠٦)قُبْحُ الكَلامِ. وأخْرَجَ أحْمَدُ عَنِ النُّعْمانِ بْنِ مُقَرِّنٍ المُزَنِيِّ: «أنَّ رَجُلًا سَبَّ رَجُلًا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ، فَجَعَلَ الرَّجُلُ المَسْبُوبُ يَقُولُ: عَلَيْكَ السَّلامُ. فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أما إنَّ مَلَكًا بَيْنَكُما يَذُبُّ عَنْكَ؛ كُلَّما شَتَمَكَ هَذا قالَ لَهُ: بَلْ أنْتَ، وأنْتَ أحَقُّ بِهِ. وإذا قُلْتَ لَهُ: عَلَيْكَ السَّلامُ. قالَ: لا، بَلْ لَكَ أنْتَ أحَقُّ بِهِ»» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: ﴿وإذا خاطَبَهُمُ الجاهِلُونَ﴾ قالَ: السُّفَهاءُ، ﴿قالُوا سَلامًا﴾ يَعْنِي: رَدُّوا مَعْرُوفًا، ﴿والَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وقِيامًا﴾ يَعْنِي: يُصَلُّونَ بِاللَّيْلِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والبَيْهَقِيُّ في ”شُعَبِ الإيمانِ“، عَنِ الحَسَنِ: ﴿يَمْشُونَ عَلى الأرْضِ هَوْنًا﴾ الآيَةَ. قالَ: يَمْشُونَ حُلَماءَ مُتَواضِعِينَ، لا يَجْهَلُونَ عَلى أحَدٍ، وإنْ جَهِلَ عَلَيْهِمْ جاهِلٌ لَمْ يَجْهَلُوا، هَذا نَهارُهم إذا انْتَشَرُوا في النّاسِ، ﴿والَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وقِيامًا﴾ قالَ: هَذا لَيْلُهم إذا خَلَوْا بَيْنَهم وبَيْنَ رَبِّهِمْ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ الحَسَنِ قالَ: كانَ يُقالُ: ابْنَ آدَمَ، عِفَّ عَنْ (p-٢٠٧)مَحارِمِ اللَّهِ تَكُنْ عابِدًا، وارْضَ بِما قَسَمَ اللَّهُ لَكَ تَكُنْ غَنِيًّا، وأحْسِنْ مُجاوَرَةَ مَن جاوَرَكَ مِنَ النّاسِ تَكُنْ مُسْلِمًا، وصاحِبِ النّاسِ بِالَّذِي تُحِبُّ أنْ يُصاحِبُوكَ بِهِ تَكُنْ عَدْلًا، وإيّاكَ وكَثْرَةَ الضَّحِكِ، فَإنْ كَثْرَةَ الضَّحِكِ تُمِيتُ القَلْبَ، إنَّهُ قَدْ كانَ يَدَيْكم أقْوامٌ يَجْمَعُونَ كَثِيرًا، ويَبْنُونَ شَدِيدًا، ويَأْمُلُونَ بَعِيدًا، فَأيْنَ هُمْ؟ أصْبَحَ جَمْعُهم بُورًا، وأصْبَحَ أمَلُهم غُرُورًا، وأصْبَحَتْ مَساكِنُهم قُبُورًا. ابْنَ آدَمَ، انْكَ مُرْتَهَنَّ بِعَمَلِكَ، وآتٍ عَلى أجْلِكَ، مَعْرُوضٌ عَلى رَبِّكَ، فَخُذْ مِمّا في يَدَيْكَ لِما بَيْنَ يَدَيْكَ عِنْدَ المَوْتِ يَأْتِيكَ الخَيْرُ، يا ابْنَ آدَمَ، طَأِ الأرْضَ بِقَدَمِكَ؛ فَإنَّها عَنْ قَلِيلِ قَبْرُكَ، إنَّكَ لَمْ تَزَلْ في هَدْمِ عُمْرِكَ مُنْذُ سَقَطْتَ مِن بَطْنِ أُمِّكَ. يا ابْنَ آدَمَ، خالِطِ النّاسَ وزايِلْهُمْ؛ خالِطْهم بِبَدَنِكَ، وزايِلْهم بِقَلْبِكَ وعَمَلِكَ، يا ابْنَ آدَمَ، أتُحِبُّ أنْ تُذْكَرَ بِسَحَناتِكَ، وتَكْرَهَ أنْ تُذْكَرَ بِسَيِّئاتِكَ، وتُبْغِضَ عَلى الظَّنِّ، وتُقِيمَ عَلى اليَقِينِ، وكانَ يُقالُ: إنَّ المُؤْمِنِينَ لَمّا جاءَتْهم هَذِهِ الدَّعْوَةُ مِنَ اللَّهِ صَدَّقُوا بِها، وافِضًا يَقِينُها، خَشَعَتْ لِذَلِكَ قُلُوبُهم وأبْدانُهم وأبْصارُهُمْ، كُنْتَ واللَّهِ إذا رَأيْتَهم قَوْمًا كَأنَّهم رَأْيُ عَيْنٍ، واللَّهِ ما كانُوا بِأهْلِ جَدَلٍ وباطِلٍ، ولَكِنْ جاءَهم مِنَ اللَّهِ أمْرٌ فَصَدَّقُوا بِهِ، فَنَعَتَهُمُ اللَّهُ في (p-٢٠٨)القُرْآنِ أحْسَنَ نَعْتٍ فَقالَ: ﴿وعِبادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلى الأرْضِ هَوْنًا﴾ . قالَ الحَسَنُ: والهَوْنُ في كَلامِ العَرَبِ اللِّينُ والسَّكِينَةُ والوَقارُ، ﴿وإذا خاطَبَهُمُ الجاهِلُونَ قالُوا سَلامًا﴾ قالَ: حُلَماءُ لا يَجْهَلُونَ، وإنْ جُهِلَ عَلَيْهِمْ حَلَمُوا، يُصاحِبُونَ عِبادَ اللَّهِ نَهارَهم بِما تَسْمَعُونَ، ثُمَّ ذَكَرَ لَيْلَهم خَيْرَ لَيْلٍ، قالَ ﴿والَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وقِيامًا﴾ يَنْتَصِبُونَ لِلَّهِ عَلى أقْدامِهِمْ، ويَفْتَرِشُونَ وُجُوهَهم سُجَّدًا لِرَبِّهِمْ، تَجْرِي دُمُوعُهم عَلى خُدُودِهِمْ فَرَقًا مِن رَبِّهِمْ. قالَ الحَسَنُ: لِأمْرٍ ما سُهِرَ لَيْلُهُمْ، ولِأمْرٍ ما خُشِعَ نَهارُهُمْ، ﴿والَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا اصْرِفْ عَنّا عَذابَ جَهَنَّمَ إنَّ عَذابَها كانَ غَرامًا﴾ قالَ: كُلُّ شَيْءٍ يُصِيبُ ابْنَ آدَمَ لَمْ يَرِدْ عَلَيْهِ فَلَيْسَ بِغَرامٍ، إنَّما الغَرامُ اللّازِمُ لَهُ ما دامَتِ السَّماواتُ والأرْضُ. قالَ: صَدَقَ القَوْمُ واللَّهِ الَّذِي لا إلَهَ إلّا هُوَ، فَعَلُوا ولَمْ يَتَمَنَّوْا، فَإيّاكم وهَذِهِ الأمانِيَّ يَرْحَمُكُمُ اللَّهُ، فَإنَّ اللَّهَ لَمْ يُعْطِ عَبْدًا بِالمُنْيَةِ خَيْرًا قَطُّ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، وكانَ يَقُولُ: يا لَها مِن مَوْعِظَةٍ لَوْ وافَقَتْ مِنَ القُلُوبِ حَياةً. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ، «عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ عَذابَها كانَ غَرامًا﴾ . قالَ: ”الدّائِمُ“» . (p-٢٠٩)وأخْرَجَ الطَّسْتِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ نافِعَ بْنَ الأزْرَقِ قالَ لَهُ: أخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِهِ: ﴿إنَّ عَذابَها كانَ غَرامًا﴾ قالَ: مُلازِمًا شَدِيدًا، كَلُزُومِ الغَرِيمِ الغَرِيمَ. قالَ: وهَلْ تَعْرِفُ العَرَبُ ذَلِكَ؟ قالَ: نَعَمْ، أما سَمِعْتَ قَوْلَ بِشْرِ بْنِ أبِي حازِمٍ: ؎ويَوْمَ النِّسارِ ويَوْمُ الجِفارِ كانا عَذابًا وكانا غَراما وأخْرَجَ ابْنُ الأنْبارِيِّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ نافِعَ بْنَ الأزْرَقِ قالَ لَهُ: أخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِهِ: ﴿كانَ غَرامًا﴾ ما الغَرامُ؟ قالَ: المُولَعُ، قالَ فِيهِ الشّاعِرُ: ؎وما أكْلَةٌ إنْ نِلْتُها بِغَنِيمَةٍ ∗∗∗ ولا جَوْعَةٌ إنْ عِفْتُها بِغَرامِ وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ عَذابَها كانَ غَرامًا﴾ قالَ: قَدْ عَلِمُوا أنَّ كُلَّ غَرِيمٍ يُفارِقُ غَرِيمَهُ إلّا غَرِيمَ جَهَنَّمَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ إذا أنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا ولَمْ يَقْتُرُوا﴾ قالَ: هُمُ (p-٢١٠)المُؤْمِنُونَ، لا يُسْرِفُونَ فَيُنْفِقُوا في مَعْصِيَةِ اللَّهِ، ولا يَقْتُرُونَ فَيَمْنَعُوا حُقُوقَ اللَّهِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ عاصِمٍ، أنَّهُ قَرَأ: ﴿ولَمْ يَقْتُرُوا﴾ بِنَصْبِ الياءِ ورَفْعِ التّاءِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ إذا أنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا ولَمْ يَقْتُرُوا﴾ قالَ: الإسْرافُ النَّفَقَةُ في مَعْصِيَةِ اللَّهِ، والإقْتارُ الإمْساكُ عَنْ حَقِّ اللَّهِ. قالَ: وإنَّ اللَّهَ قَدْ قاتَ لَكم قِيتَةً فانْتَهُوا إلى قِيتَةِ اللَّهِ، قالَ في النُّطْقِ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وقُولُوا قَوْلا سَدِيدًا﴾ [الأحزاب: ٧٠] [الأحْزابِ: ٧٠] . قالَ: قُولُوا صِدْقًا عَدْلًا، وقالَ في النَّظَرِ: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِن أبْصارِهِمْ﴾ [النور: ٣٠] [النُّورِ: ٣٠] . عَمّا لا يَحِلُّ لَهم. وقالَ في الِاسْتِماعِ: ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ القَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أحْسَنَهُ﴾ [الزمر: ١٨] [الزُّمَرِ ١٨] . وأحْسَنُهُ طاعَةُ اللَّهِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ شِهابٍ في قَوْلِهِ: ﴿لَمْ يُسْرِفُوا ولَمْ يَقْتُرُوا﴾ . (p-٢١١)قالَ: لا يُنْفِقُهُ في باطِلٍ، ولا يَمْنَعُهُ مِن حَقٍّ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أبِي حَبِيبٍ: ﴿والَّذِينَ إذا أنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا ولَمْ يَقْتُرُوا﴾ قالَ: أُولَئِكَ أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، كانُوا لا يَأْكُلُونَ طَعامًا يُرِيدُونَ بِهِ نَعِيمًا، ولا يَلْبَسُونَ ثَوْبًا يُرِيدُونَ بِهِ جِمالًا، كانَتْ قُلُوبُهم عَلى قَلْبٍ واحِدٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الأعْمَشِ في قَوْلِهِ: ﴿وكانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوامًا﴾ قالَ: عَدْلًا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عُمَرَ مَوْلى غُفْرَةَ قالَ القَوامُ ألّا تُنْفِقَ مِن غَيْرِ حَقٍّ، ولا تُمْسِكَ مِن حَقٍّ هو عَلَيْكَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ وهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ: ﴿وكانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوامًا﴾ قالَ: الشَّطْرُ مِن أمْوالِهِمْ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ مُرَّةَ الجُعْفِيِّ قالَ: العِلْمُ خَيْرٌ مِنَ العَمَلِ، والحَسَنَةُ بَيْنَ السَّيِّئَتَيْنِ، يَعْنِي: ﴿إذا أنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا ولَمْ يَقْتُرُوا﴾ وخَيْرُ (p-٢١٢)الأُمُورِ أوْساطُها. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿لَمْ يُسْرِفُوا ولَمْ يَقْتُرُوا﴾ أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ قالَ: كَفى سَرَفًا ألّا يَشْتَهِيَ رَجُلٌ شَيْئًا إلّا اشْتَراهُ فَأكَلَهُ. وأخْرَجَ أحْمَدُ، عَنْ أبِي الدَّرْداءِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: ««مِن فِقْهِ الرَّجُلِ رِفْقُهُ في مَعِيشَتِهِ»» .

الفرقان 25:68

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ لا يَدْعُونَ﴾ الآيَةَ. أخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وأحْمَدُ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والبُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، والتِّرْمِذِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في ”شُعَبِ الإيمانِ“، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: «سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ: أيُّ الذَّنْبِ أكْبَرُ؟ قالَ: «أنْ تَجْعَلْ لِلَّهِ نِدًّا وهو خَلَقَكَ» . قُلْتُ: ثُمَّ أيٌّ؟ قالَ: «أنْ تَقْتُلَ ولَدَكَ خَشْيَةَ أنْ يَطْعَمَ مَعَكَ» . قُلْتُ: ثُمَّ أيٌّ؟ قالَ: «أنْ تُزانِيَ حَلِيلَةَ جارِكَ» . فَأنْزَلَ اللَّهُ تَصْدِيقَ ذَلِكَ: ﴿والَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ ولا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلا بِالحَقِّ ولا يَزْنُونَ﴾ [الفرقان»: ٦٨] . (p-٢١٣)وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، وأبُو داوُدَ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ، مِن طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، «أنَّ ناسًا مِن أهْلِ الشِّرْكِ قَدْ قَتَلُوا فَأكْثَرُوا، وزَنَوْا فَأكْثَرُوا، ثُمَّ أتَوْا مُحَمَّدًا ﷺ فَقالُوا: إنَّ الَّذِي تَقُولُ وتَدْعُو إلَيْهِ لَحَسَنٌ، لَوْ تُخْبِرُنا أنَّ لَما عَمِلْنا كَفّارَةً. فَنَزَلَتْ: ﴿والَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ﴾ ونَزَلَتْ: ﴿قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا﴾ [الزمر: ٥٣] الآيَةَ [الزُّمَرِ»: ٥٣] . وأخْرَجَ البُخارِيُّ، وابْنُ المُنْذِرِ، مِن طَرِيقِ القاسِمِ بْنِ أبِي بَزَّةَ أنَّهُ سَألَ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ: هَلْ لِمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا مِن تَوْبَةٍ؟ فَقَرَأْتُ عَلَيْهِ: ﴿ولا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلا بِالحَقِّ﴾ فَقالَ سَعِيدٌ: قَرَأْتُها عَلى ابْنِ عَبّاسٍ كَما قَرَأْتَها عَلَيَّ فَقالَ: هَذِهِ مَكِّيَّةٌ، نَسَخَتْها آيَةٌ مَدَنِيَّةٌ الَّتِي في سُورَةِ ”النِّساءِ“ . وأخْرَجَ ابْنُ المُبارَكِ عَنْ شُفَيٍّ الأصْبَحِيِّ قالَ: إنَّ في جَهَنَّمَ جَبَلًا يُدْعى صَعُودًا، يَطْلُعُ فِيهِ الكافِرُ أرْبَعِينَ خَرِيفًا قَبْلَ أنْ يَرْقاهُ، وإنْ في جَهَنَّمَ قَصْرًا يُقالُ لَهُ: هَوًى، يُرْمى الكافِرُ مِن أعْلاهُ، فَيَهْوِي أرْبَعِينَ خَرِيفًا قَبْلَ أنْ يَبْلُغَ أصْلَهُ، قالَ تَعالى: ﴿ومَن يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوى﴾ [طه: ٨١] [طه: ٨١] . وإنْ في جَهَنَّمَ وادِيًا (p-٢١٤)يُدْعى: أثامًا، فِيهِ حَيّاتٌ وعَقارِبُ، في فَقارِ إحْداهُنَّ مِقْدارُ سَبْعِينَ قُلَّةً مِنَ السُّمِّ، والعَقْرَبُ مِنهُنَّ مِثْلُ البَغْلَةِ المُوكَفَةِ، وإنَّ في جَهَنَّمَ وادِيًا يُدْعى غَيًّا، يَسِيلُ قَيْحًا ودَمًا. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ «سَألْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ: أيُّ الأعْمالِ أفْضَلُ؟ قالَ: «الصَّلَواتُ لِمَواقِيتِها» . قُلْتُ: ثُمَّ أيٌّ؟ قالَ: «بِرُّ الوالِدَيْنِ» . قُلْتُ: ثُمَّ أيٌّ؟ قالَ: «الجِهادُ في سَبِيلِ اللَّهِ» . ولَوِ اسْتَزَدْتُهُ لَزادَنِي، وسَألْتُهُ: أيُّ الذَّنْبِ أعْظَمُ عِنْدَ اللَّهِ؟ قالَ: «الشِّرْكُ بِاللَّهِ» . قُلْتُ: ثُمَّ أيٌّ؟ قالَ: «أنْ تُزانِيَ حَلِيلَةَ جارِكَ» . قُلْتُ: ثُمَّ أيٌّ؟ قالَ: «أنْ تَقْتُلَ ولَدَكَ أنْ يُطْعِمَ مَعَكَ» . فَما لَبِثْنا إلّا يَسِيرًا حَتّى أنْزَلَ اللَّهُ: ﴿والَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ ولا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلا بِالحَقِّ ولا يَزْنُونَ﴾ [الفرقان»: ٦٨] . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ، «عَنْ عَوْنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: سَألْتُ الأسْوَدَ بْنَ يَزِيدَ: هَلْ كانَ ابْنُ مَسْعُودٍ يُفَضِّلُ عَمَلًا عَلى عَمَلٍ؟ قالَ: نَعَمْ، سَألْتُ ابْنَ مَسْعُودٍ قالَ: سَألْتَنِي عَمّا سَألْتُ عَنْهُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، أيُّ الأعْمالِ (p-٢١٥)أحَبُّها إلى اللَّهِ، وأقْرَبُها مِنَ اللَّهِ؟ قالَ: «الصَّلاةُ لِوَقْتِها» . قُلْتُ: ثُمَّ ماذا عَلى إثْرِ ذَلِكَ؟ قالَ: «ثُمَّ بِرُّ الوالِدَيْنِ» . قُلْتُ: ثُمَّ ماذا عَلى إثْرِ ذَلِكَ؟ قالَ: «الجِهادُ في سَبِيلِ اللَّهِ» . ولَوِ اسْتَزَدْتُهُ لَزادَنِي. قُلْتُ: فَأيُّ الأعْمالِ أبْغَضُها إلى اللَّهِ وأبْعَدُها مِنَ اللَّهِ؟ قالَ: «أنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدًّا وهو خَلَقَكَ، وأنْ تَقْتُلَ ولَدَكَ أنْ يَأْكُلَ مَعَكَ، وأنْ تُزانِيَ حَلِيلَةَ جارِكَ» . ثُمَّ قَرَأ: ﴿والَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ﴾ الآيَةَ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أبِي فاخِتَةَ قالَ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِرَجُلٍ: «إنَّ اللَّهَ يَنْهاكَ أنْ تَعْبُدَ المَخْلُوقَ وتَذْرَ الخالِقَ، ويَنْهاكَ أنْ تَقْتُلَ ولَدَكَ وتَغْذُوَ كَلْبَكَ، ويَنْهاكَ أنْ تَزْنِيَ بِحَلِيلَةِ جارِكَ»» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو في قَوْلِهِ: ﴿يَلْقَ أثامًا﴾ قالَ: وادٍ في جَهَنَّمَ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مُجاهِدٍ: ﴿يَلْقَ أثامًا﴾ قالَ: وادٍ في جَهَنَّمَ مِن قَيْحٍ ودَمٍ. (p-٢١٦)وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: أثامٌ أوْدِيَةٌ في جَهَنَّمَ فِيها الزُّناةُ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ: ﴿يَلْقَ أثامًا﴾ قالَ: نَكالًا، وكُنّا نُحَدَّثُ أنَّهُ وادٍ في جَهَنَّمَ، وقَدْ ذُكِرَ لَنا أنَّ لُقْمانَ كانَ يَقُولُ: يا بُنَيَّ، إيّاكَ والزِّنى؛ فَإنْ أوَّلَهُ مَخافَةٌ، وآخِرَهُ نَدامَةٌ. وأخْرَجَ ابْنُ المُبارَكِ في ”الزُّهْدِ“، عَنْ شُفَيٍّ الأصْبَحِيِّ قالَ: إنَّ في جَهَنَّمَ وادِيًا يُدْعى أثامًا، فِيهِ حَيّاتٌ وعَقارِبُ، في فَقارِ إحْداهُنَّ مِقْدارُ سَبْعِينَ قُلَّةً مِنَ السُّمِّ، والعَقْرَبُ مِنهُنَّ مِثْلُ البَغْلَةِ المُوكَفَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ الأنْبارِيِّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ نافِعَ بْنَ الأزْرَقِ قالَ لَهُ: أخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِهِ: ﴿يَلْقَ أثامًا﴾ ما الأثامُ؟ قالَ: الجَزاءُ؛ قالَ فِيهِ عامِرُ بْنُ الطُّفَيْلِ: ؎ورَوَّيْنا الأسِنَّةَ مِن صُداءٍ ولاقَتْ حِمْيَرٌ مِنّا أثاما وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَرَأ: «﴿ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أثامًا﴾ [الفرقان»: ٦٨]» . (p-٢١٧)وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ عاصِمٍ، أنَّهُ قَرَأ: (يُضاعَفُ) بِالرَّفْعِ، (لَهُ العَذابُ يَوْمَ القِيامَةِ ويَخْلُدُ فِيهِ) بِنَصْبِ الياءِ ورَفْعِ اللّامِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: ﴿ويَخْلُدْ فِيهِ﴾ يَعْنِي في العَذابِ، ﴿مُهانًا﴾ يَعْنِي: يُهانُ فِيهِ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: لَمّا نَزَلَتْ: ﴿والَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ﴾ الآيَةَ. اشْتَدَّ ذَلِكَ عَلى المُسْلِمِينَ، فَقالُوا: ما مَنّا أحَدٌ إلّا أشْرَكَ وقَتَلَ وزَنى. فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿يا عِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا﴾ [الزمر: ٥٣] الآيَةَ [الزُّمَرِ: ٥٣]، يَقُولُ لِهَؤُلاءِ الَّذِينَ أصابُوا هَذا في الشِّرْكِ، ثُمَّ نَزَلَتْ بَعْدَهُ: ﴿إلا مَن تابَ وآمَنَ وعَمِلَ عَمَلا صالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ﴾ فَأبْدَلَهُمُ اللَّهُ بِالكُفْرِ الإسْلامَ، وبِالمَعْصِيَةِ الطّاعَةَ، وبِالإنْكارِ المَعْرِفَةَ، وبِالجَهالَةِ العِلْمَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: نَزَلَتْ آيَةٌ مِن ”تَبارَكَ“ بِالمَدِينَةِ في شَأْنِ قاتِلِ حَمْزَةَ؛ وحْشِيٍّ (p-٢١٨)وأصْحابِهِ كانُوا يَقُولُونَ: أنا لَنَعْرِفُ الإسْلامَ وفَضْلَهُ، فَكَيْفَ لَنا بِالتَّوْبَةِ وقَدْ عَبَدْنا الأوْثانَ وقَتَلْنا أصْحابَ مُحَمَّدٍ، وشَرِبْنا الخُمُورَ، ونَكَحْنا المُشْرِكاتِ؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ: ﴿والَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ﴾ الآيَةَ. ثُمَّ أُنْزِلَتْ تَوْبَتُهم: ﴿إلا مَن تابَ وآمَنَ وعَمِلَ عَمَلا صالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ﴾ فَأبْدَلَهُمُ اللَّهُ بِقِتالِ المُسْلِمِينَ قِتالَ المُشْرِكِينَ، وبِنِكاحِ المُشْرِكاتِ نِكاحَ المُؤْمِناتِ، وبِعِبادَةِ الأوْثانِ عِبادَةَ اللَّهِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ عامِرٍ، أنَّهُ سُئِلَ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿والَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ﴾ الآيَةَ. قالَ: هَؤُلاءِ كانُوا في الجاهِلِيَّةِ فَأشْرَكُوا وقَتَلُوا وزَنَوْا، فَقالُوا: لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَنا، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿إلا مَن تابَ﴾ الآيَةَ. قالَ: كانَتِ التَّوْبَةُ والإيمانُ والعَمَلُ الصّالِحُ، وكانَ الشِّرْكُ والقَتْلُ والزِّنى، كانَتْ ثَلاثٌ مَكانَ ثَلاثٍ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ أبِي مالِكٍ قالَ: لَمّا نَزَلَتْ: ﴿والَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ﴾ الآيَةَ. قالَ بَعْضُ أصْحابِ النَّبِيِّ ﷺ: كُنّا أشْرَكْنا في الجاهِلِيَّةِ وقَتَلْنا. فَنَزَلَتْ: ﴿إلا مَن تابَ﴾ الآيَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، «عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قَرَأْناها عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ سِنِينَ: ﴿والَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ ولا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلا بِالحَقِّ ولا يَزْنُونَ ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أثامًا﴾ . (p-٢١٩)ثُمَّ نَزَلَتْ: ﴿إلا مَن تابَ وآمَنَ﴾ فَما رَأيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَرِحَ بِشَيْءٍ قَطُّ فَرَحَهُ بِها، وفَرَحَهُ بِ: ﴿إنّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ [الفتح: ١] [الفَتْحِ»: ١] . وأخْرَجَ أبُو داوُدَ في ”ناسِخِهِ“ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿والَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ ولا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلا بِالحَقِّ ولا يَزْنُونَ ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أثامًا﴾ ثُمَّ اسْتَثْنى ﴿إلا مَن تابَ وآمَنَ وعَمِلَ عَمَلا صالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ العَتَمَةَ، ثُمَّ انْصَرَفْتُ، فَإذا امْرَأةٌ عِنْدَ بابِي، فَقالَتْ: جِئْتُكَ أسْألُكَ عَنْ عَمَلٍ عَمِلْتُهُ، هَلْ تَرى لِي مِنهُ تَوْبَةً؟ قُلْتُ: وما هُوَ؟ قالَتْ: زَنَيْتُ ووُلِدَ لِي وقَتَلْتُهُ. قُلْتُ: لا، ولا كَرامَةَ. فَقامَتْ وهي تَقُولُ: واحَسْرَتاهْ! أخُلِقَ هَذا الجَسَدُ لِلنّارِ؟ فَلَمّا صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ الصُّبْحَ مِن تِلْكَ اللَّيْلَةِ قَصَصْتُ عَلَيْهِ أمْرَ المَرْأةِ، قالَ: «ما قُلْتَ لَها»؟ قالَ: قُلْتُ: لا، ولا كَرامَةَ. قالَ: «بِئْسَ ما قُلْتَ، أما كُنْتَ تَقْرَأُ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿والَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿إلا مَن تابَ﴾ [الفرقان»: ٧٠] ؟ الآيَةَ. قالَ (p-٢٢٠)أبُو هُرَيْرَةَ: فَخَرَجْتُ فَما بَقِيَتْ دارٌ بِالمَدِينَةِ ولا خِطَّةٌ إلّا وقَفْتُ عَلَيْها فَقُلْتُ: إنْ كانَ فِيكُمُ المَرْأةُ الَّتِي جاءَتْ أبا هُرَيْرَةَ فَلْتَأْتِ ولْتُبْشِرْ. فَلَمّا انْصَرَفْتُ مِنَ العِشاءِ إذا هي عِنْدَ بابِي، فَقُلْتُ: أبْشِرِي، إنِّي ذَكَرْتُ لِلنَّبِيِّ ﷺ ما قُلْتِ لِي، وما قُلْتُ لَكِ فَقالَ: «بِئْسَ ما قُلْتَ، أما كُنْتَ تَقْرَأُ هَذِهِ الآيَةَ» . وقَرَأْتُها عَلَيْها فَخَرَّتْ ساجِدَةً وقالَتْ: الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ لِي تَوْبَةً ومَخْرَجًا، اشْهَدْ أنَّ هَذِهِ الجارِيَةَ -لِجارِيَةٍ مَعَها- وابْنًا لَها حُرّانِ لِوَجْهِ اللَّهِ، وإنِّي قَدْ تُبْتُ مِمّا عَمِلْتُ» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ﴾ قالَ: هُمُ المُؤْمِنُونَ، كانُوا مِن قَبْلِ إيمانِهِمْ عَلى السَّيِّئاتِ، فَرَغِبَ اللَّهُ بِهِمْ عَنْ ذَلِكَ فَحَوَّلَهم إلى الحَسَناتِ، فَأبْدَلَهُمُ مَكانَ السَّيِّئاتِ الحَسَناتِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿إلا مَن تابَ﴾ قالَ: مِن ذَنْبِهِ. ﴿وآمَنَ﴾ قالَ: بِرَبِّهِ، ﴿وعَمِلَ صالِحًا﴾ قالَ: فِيما بَيْنَهُ وبَيْنَ رَبِّهِ، (p-٢٢١)﴿فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ﴾ قالَ: إنَّما التَّبْدِيلُ طاعَةُ اللَّهِ بَعْدَ عِصْيانِهِ، وذِكْرُ اللَّهِ بَعْدَ نِسْيانِهِ، والخَيْرُ يَعْمَلُهُ بَعْدَ الشَّرِّ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الحَسَنِ: ﴿فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ﴾ قالَ: التَّبْدِيلُ في الدُّنْيا؛ يُبَدِّلُ اللَّهُ بِالعَمَلِ السَّيِّئِ العَمَلَ الصّالِحَ، وبِالشِّرْكِ إخْلاصًا، وبِالفُجُورِ عَفافًا، ونَحْوَ ذَلِكَ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ مُجاهِدٍ: ﴿يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ﴾ قالَ: الإيمانُ بَعْدَ الشِّرْكِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ مَكْحُولٍ: ﴿يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ﴾ قالَ: إذا تابُوا جَعَلَ اللَّهُ ما عَمِلُوا مِن سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنِ: ﴿يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ﴾ قالَ: في الآخِرَةِ. وقالَ الحَسَنُ: في الدُّنْيا. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ أبِي عُثْمانَ النَّهْدِيِّ قالَ: إنَّ المُؤْمِنَ يُعْطى كِتابَهُ في سِتْرٍ مِنَ اللَّهِ فَيَقْرَأُ سَيِّئاتِهِ، فَإذا قَرَأ تَغَيَّرَ لَها لَوْنُهُ حَتّى يَمُرَّ بِحَسَناتِهِ، فَيَقْرَأها، فَيَرْجِعُ إلَيْهِ لَوْنُهُ، ثُمَّ يَنْظُرُ فَإذا سَيِّئاتُهُ قَدْ بُدِّلَتْ حَسَناتٍ، فَعِنْدَ ذَلِكَ يَقُولُ: ﴿هاؤُمُ اقْرَءُوا كِتابِيَهْ﴾ [الحاقة: ١٩] [الحاقَّةِ: ١٩] . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ سَلْمانَ قالَ: يُعْطى رَجُلٌ يَوْمَ القِيامَةِ صَحِيفَةً، فَيَقْرَأُ أعْلاها، فَإذا سَيِّئاتُهُ فَإذا كادَ يَسُوءُ ظَنَّهُ نَظَرَ في (p-٢٢٢)أسْفَلِها، فَإذا حَسَناتُهُ، ثُمَّ يَنْظُرُ في أعْلاها، فَإذا هي قَدْ بُدِّلَتْ حَسَناتٍ. وأخْرَجَ أحْمَدُ، وهَنّادٌ، ومُسْلِمٌ، والتِّرْمِذِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، والبَيْهَقِيُّ في ”الأسْماءِ والصِّفاتِ“، عَنْ أبِي ذَرٍّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««يُؤْتى بِالرَّجُلِ يَوْمَ القِيامَةِ فَيُقالُ: اعْرِضُوا عَلَيْهِ صِغارَ ذُنُوبِهِ. فَيُعْرَضُ عَلَيْهِ صِغارُها، ويُنَحّى عَنْهُ كِبارُها، فَيُقالُ: عَمِلْتَ يَوْمَ كَذا وكَذا، كَذا وكَذا. وهو مُقِرٌّ لَيْسَ يُنْكِرُ، وهو مُشْفِقٌ مِنَ الكِبارِ أنْ تَجِيءَ، فَيُقالُ: أعْطُوهُ مَكانَ كُلِّ سَيِّئَةٍ عَمَلِها حَسَنَةً»» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««لَيَأْتِينَّ ناسٌ يَوْمَ القِيامَةِ ودُّوا أنَّهُمُ اسْتَكْثَرُوا مِنَ السَّيِّئاتِ» . قِيلَ: مَن هُمْ؟ قالَ: الَّذِينَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ» . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ: ﴿فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ﴾ قالَ: حَتّى يَتَمَنّى العَبْدُ أنَّ سَيِّئاتِهِ كانَتْ أكْثَرَ مِمّا هي. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ أبِي العالِيَةِ، أنَّهُ قِيلَ لَهُ: إنَّ أُناسًا يَزْعُمُونَ (p-٢٢٣)أنَّهم يَتَمَنَّوْنَ أنْ يَسْتَكْثِرُوا مِنَ الذُّنُوبِ. قالَ: ولِمَ ذاكَ؟ قالَ: يَتَأوَّلُونَ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ﴾ فَقالَ أبُو العالِيَةِ، وكانَ إذا أُخْبِرَ بِما لا يَعْلَمُ قالَ: آمَنتُ بِما أنْزَلَ اللَّهُ مِن كِتابٍ. ثُمَّ تَلا هَذِهِ الآيَةَ: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِن خَيْرٍ مُحْضَرًا وما عَمِلَتْ مِن سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أنَّ بَيْنَها وبَيْنَهُ أمَدًا بَعِيدًا﴾ [آل عمران: ٣٠] [آلِ عِمْرانَ: ٣٠] . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مَكْحُولٍ قالَ: «جاءَ شَيْخٌ كَبِيرٌ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، رَجُلٌ غَدَرَ وفَجَرَ، لَمْ يَدْعْ حاجَةً ولا داجَةً إلّا اقْتَطَعَها بِيَمِينِهِ، ولَوْ قُسِمَتْ خَطِيئَتُهُ بَيْنَ أهْلِ الأرْضِ لَأوْبَقَتْهُمْ، فَهَلْ لَهُ مِن تَوْبَةٍ؟ فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: «أسْلَمْتَ»؟ . قالَ: نَعَمْ. قالَ: «فَإنَّ اللَّهَ غافِرٌ لَكَ، ومُبَدِّلٌ سَيِّئاتِكَ حَسَناتٍ» . قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، وغَدارَتِي، وفَجَراتِي! قالَ: «وغَدِراتِكَ وفَجَراتِكَ»» . وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ نُفَيْلٍ قالَ: «جاءَ شابٌّ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، أرَأيْتَ مَن لَمْ يَدَعْ سَيِّئَةً إلّا عَمِلَها، ولا خَطِيئَةً إلّا رَكِبَها، ولا أشْرَفَ لَهُ سَهْمٌ فَما (p-٢٢٤)فَوْقَهُ إلّا اقْتَطَعَهُ بِيَمِينِهِ، ومَن لَوْ قُسِمَتْ خَطاياهُ عَلى أهْلِ المَدِينَةِ لَغَمَرَتْهُمْ؟ فَقالَ النَّبِيُّ: ﷺ: «أأسْلَمْتَ»؟ . قالَ: أمّا أنا فَأشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وأنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ. قالَ: «اذْهَبْ فَقَدْ بَدَّلَ اللَّهُ سَيِّئاتِكَ حَسَناتٍ» قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، وغَدارَتِي وفَجَراتِي! قالَ: «وغَدارَتِكَ وفَجَراتِكَ» . ثَلاثًا، فَوَلّى الشّابُّ وهو يَقُولُ: اللَّهُ أكْبَرُ» . وأخْرَجَ البَغَوِيُّ، وابْنُ قانِعٍ، والطَّبَرانِيُّ، «عَنْ أبِي طَوِيلٍ شَطْبٍ المَمْدُودِ، أنَّهُ أتى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: أرَأيْتَ رَجُلًا عَمِلَ الذُّنُوبَ كُلَّها»؟ فَذَكَرَ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنْ أبِي مُوسى قالَ: التَّبْدِيلُ يَوْمَ القِيامَةِ، إذا وقَفَ العَبْدُ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ، والكِتابُ بَيْنَ يَدَيْهِ يَنْظُرُ في السَّيِّئاتِ والحَسَناتِ، فَيَقُولُ: قَدْ غَفَرْتُ لَكَ. ويَسْجُدُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَيَقُولُ: قَدْ بُدِّلَتْ. فَيَسْجُدُ، فَيَقُولُ الخَلائِقُ: طُوبى لِهَذا العَبْدِ الَّذِي لَمْ يَعْمَلْ سَيِّئَةً قَطُّ. وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ عَنْ أبِي مالِكٍ الأشْعَرِيِّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««إذا (p-٢٢٥)نامَ ابْنُ آدَمَ قالَ المَلَكُ لِلشَّيْطانِ: أعْطِنِي صَحِيفَتَكَ. فَيُعْطِيهِ إيّاها، فَما وجَدَ في صَحِيفَتِهِ مِن حَسَنَةٍ مَحا بِها عَشْرَ سَيِّئاتٍ مِن صَحِيفَةِ الشَّيْطانِ، وكَتَبَهُنَّ حَسَناتٍ، فَإذا أرادَ أحَدُكُمُ أنْ يَنامُ فَلْيُكَبِّرْ ثَلاثًا وثَلاثِينَ تَكْبِيرَةً، ويَحْمَدْ أرْبَعًا وثَلاثِينَ تَحْمِيدَةً ويُسَبِّحْ ثَلاثًا وثَلاثِينَ تَسْبِيحَةً فَتِلْكَ، مِائَةٌ»» . وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ، عَنْ مَكْحُولٍ في قَوْلِهِ: ﴿يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ﴾ قالَ: يَجْعَلُ مَكانَ السَّيِّئاتِ حَسَناتٍ. قالَ: فَقالَ خالِدٌ سَبَلانُ: يُخْرِجُهم مِنَ السَّيِّئاتِ إلى الحَسَناتِ! قالَ: فَرَأيْتُ مَكْحُولًا غَضِبَ حَتّى جَعَلَ يَرْتَعِدُ.

الفرقان 25:69

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ لا يَدْعُونَ﴾ الآيَةَ. أخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وأحْمَدُ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والبُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، والتِّرْمِذِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في ”شُعَبِ الإيمانِ“، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: «سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ: أيُّ الذَّنْبِ أكْبَرُ؟ قالَ: «أنْ تَجْعَلْ لِلَّهِ نِدًّا وهو خَلَقَكَ» . قُلْتُ: ثُمَّ أيٌّ؟ قالَ: «أنْ تَقْتُلَ ولَدَكَ خَشْيَةَ أنْ يَطْعَمَ مَعَكَ» . قُلْتُ: ثُمَّ أيٌّ؟ قالَ: «أنْ تُزانِيَ حَلِيلَةَ جارِكَ» . فَأنْزَلَ اللَّهُ تَصْدِيقَ ذَلِكَ: ﴿والَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ ولا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلا بِالحَقِّ ولا يَزْنُونَ﴾ [الفرقان»: ٦٨] . (p-٢١٣)وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، وأبُو داوُدَ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ، مِن طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، «أنَّ ناسًا مِن أهْلِ الشِّرْكِ قَدْ قَتَلُوا فَأكْثَرُوا، وزَنَوْا فَأكْثَرُوا، ثُمَّ أتَوْا مُحَمَّدًا ﷺ فَقالُوا: إنَّ الَّذِي تَقُولُ وتَدْعُو إلَيْهِ لَحَسَنٌ، لَوْ تُخْبِرُنا أنَّ لَما عَمِلْنا كَفّارَةً. فَنَزَلَتْ: ﴿والَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ﴾ ونَزَلَتْ: ﴿قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا﴾ [الزمر: ٥٣] الآيَةَ [الزُّمَرِ»: ٥٣] . وأخْرَجَ البُخارِيُّ، وابْنُ المُنْذِرِ، مِن طَرِيقِ القاسِمِ بْنِ أبِي بَزَّةَ أنَّهُ سَألَ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ: هَلْ لِمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا مِن تَوْبَةٍ؟ فَقَرَأْتُ عَلَيْهِ: ﴿ولا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلا بِالحَقِّ﴾ فَقالَ سَعِيدٌ: قَرَأْتُها عَلى ابْنِ عَبّاسٍ كَما قَرَأْتَها عَلَيَّ فَقالَ: هَذِهِ مَكِّيَّةٌ، نَسَخَتْها آيَةٌ مَدَنِيَّةٌ الَّتِي في سُورَةِ ”النِّساءِ“ . وأخْرَجَ ابْنُ المُبارَكِ عَنْ شُفَيٍّ الأصْبَحِيِّ قالَ: إنَّ في جَهَنَّمَ جَبَلًا يُدْعى صَعُودًا، يَطْلُعُ فِيهِ الكافِرُ أرْبَعِينَ خَرِيفًا قَبْلَ أنْ يَرْقاهُ، وإنْ في جَهَنَّمَ قَصْرًا يُقالُ لَهُ: هَوًى، يُرْمى الكافِرُ مِن أعْلاهُ، فَيَهْوِي أرْبَعِينَ خَرِيفًا قَبْلَ أنْ يَبْلُغَ أصْلَهُ، قالَ تَعالى: ﴿ومَن يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوى﴾ [طه: ٨١] [طه: ٨١] . وإنْ في جَهَنَّمَ وادِيًا (p-٢١٤)يُدْعى: أثامًا، فِيهِ حَيّاتٌ وعَقارِبُ، في فَقارِ إحْداهُنَّ مِقْدارُ سَبْعِينَ قُلَّةً مِنَ السُّمِّ، والعَقْرَبُ مِنهُنَّ مِثْلُ البَغْلَةِ المُوكَفَةِ، وإنَّ في جَهَنَّمَ وادِيًا يُدْعى غَيًّا، يَسِيلُ قَيْحًا ودَمًا. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ «سَألْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ: أيُّ الأعْمالِ أفْضَلُ؟ قالَ: «الصَّلَواتُ لِمَواقِيتِها» . قُلْتُ: ثُمَّ أيٌّ؟ قالَ: «بِرُّ الوالِدَيْنِ» . قُلْتُ: ثُمَّ أيٌّ؟ قالَ: «الجِهادُ في سَبِيلِ اللَّهِ» . ولَوِ اسْتَزَدْتُهُ لَزادَنِي، وسَألْتُهُ: أيُّ الذَّنْبِ أعْظَمُ عِنْدَ اللَّهِ؟ قالَ: «الشِّرْكُ بِاللَّهِ» . قُلْتُ: ثُمَّ أيٌّ؟ قالَ: «أنْ تُزانِيَ حَلِيلَةَ جارِكَ» . قُلْتُ: ثُمَّ أيٌّ؟ قالَ: «أنْ تَقْتُلَ ولَدَكَ أنْ يُطْعِمَ مَعَكَ» . فَما لَبِثْنا إلّا يَسِيرًا حَتّى أنْزَلَ اللَّهُ: ﴿والَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ ولا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلا بِالحَقِّ ولا يَزْنُونَ﴾ [الفرقان»: ٦٨] . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ، «عَنْ عَوْنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: سَألْتُ الأسْوَدَ بْنَ يَزِيدَ: هَلْ كانَ ابْنُ مَسْعُودٍ يُفَضِّلُ عَمَلًا عَلى عَمَلٍ؟ قالَ: نَعَمْ، سَألْتُ ابْنَ مَسْعُودٍ قالَ: سَألْتَنِي عَمّا سَألْتُ عَنْهُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، أيُّ الأعْمالِ (p-٢١٥)أحَبُّها إلى اللَّهِ، وأقْرَبُها مِنَ اللَّهِ؟ قالَ: «الصَّلاةُ لِوَقْتِها» . قُلْتُ: ثُمَّ ماذا عَلى إثْرِ ذَلِكَ؟ قالَ: «ثُمَّ بِرُّ الوالِدَيْنِ» . قُلْتُ: ثُمَّ ماذا عَلى إثْرِ ذَلِكَ؟ قالَ: «الجِهادُ في سَبِيلِ اللَّهِ» . ولَوِ اسْتَزَدْتُهُ لَزادَنِي. قُلْتُ: فَأيُّ الأعْمالِ أبْغَضُها إلى اللَّهِ وأبْعَدُها مِنَ اللَّهِ؟ قالَ: «أنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدًّا وهو خَلَقَكَ، وأنْ تَقْتُلَ ولَدَكَ أنْ يَأْكُلَ مَعَكَ، وأنْ تُزانِيَ حَلِيلَةَ جارِكَ» . ثُمَّ قَرَأ: ﴿والَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ﴾ الآيَةَ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أبِي فاخِتَةَ قالَ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِرَجُلٍ: «إنَّ اللَّهَ يَنْهاكَ أنْ تَعْبُدَ المَخْلُوقَ وتَذْرَ الخالِقَ، ويَنْهاكَ أنْ تَقْتُلَ ولَدَكَ وتَغْذُوَ كَلْبَكَ، ويَنْهاكَ أنْ تَزْنِيَ بِحَلِيلَةِ جارِكَ»» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو في قَوْلِهِ: ﴿يَلْقَ أثامًا﴾ قالَ: وادٍ في جَهَنَّمَ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مُجاهِدٍ: ﴿يَلْقَ أثامًا﴾ قالَ: وادٍ في جَهَنَّمَ مِن قَيْحٍ ودَمٍ. (p-٢١٦)وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: أثامٌ أوْدِيَةٌ في جَهَنَّمَ فِيها الزُّناةُ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ: ﴿يَلْقَ أثامًا﴾ قالَ: نَكالًا، وكُنّا نُحَدَّثُ أنَّهُ وادٍ في جَهَنَّمَ، وقَدْ ذُكِرَ لَنا أنَّ لُقْمانَ كانَ يَقُولُ: يا بُنَيَّ، إيّاكَ والزِّنى؛ فَإنْ أوَّلَهُ مَخافَةٌ، وآخِرَهُ نَدامَةٌ. وأخْرَجَ ابْنُ المُبارَكِ في ”الزُّهْدِ“، عَنْ شُفَيٍّ الأصْبَحِيِّ قالَ: إنَّ في جَهَنَّمَ وادِيًا يُدْعى أثامًا، فِيهِ حَيّاتٌ وعَقارِبُ، في فَقارِ إحْداهُنَّ مِقْدارُ سَبْعِينَ قُلَّةً مِنَ السُّمِّ، والعَقْرَبُ مِنهُنَّ مِثْلُ البَغْلَةِ المُوكَفَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ الأنْبارِيِّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ نافِعَ بْنَ الأزْرَقِ قالَ لَهُ: أخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِهِ: ﴿يَلْقَ أثامًا﴾ ما الأثامُ؟ قالَ: الجَزاءُ؛ قالَ فِيهِ عامِرُ بْنُ الطُّفَيْلِ: ؎ورَوَّيْنا الأسِنَّةَ مِن صُداءٍ ولاقَتْ حِمْيَرٌ مِنّا أثاما وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَرَأ: «﴿ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أثامًا﴾ [الفرقان»: ٦٨]» . (p-٢١٧)وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ عاصِمٍ، أنَّهُ قَرَأ: (يُضاعَفُ) بِالرَّفْعِ، (لَهُ العَذابُ يَوْمَ القِيامَةِ ويَخْلُدُ فِيهِ) بِنَصْبِ الياءِ ورَفْعِ اللّامِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: ﴿ويَخْلُدْ فِيهِ﴾ يَعْنِي في العَذابِ، ﴿مُهانًا﴾ يَعْنِي: يُهانُ فِيهِ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: لَمّا نَزَلَتْ: ﴿والَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ﴾ الآيَةَ. اشْتَدَّ ذَلِكَ عَلى المُسْلِمِينَ، فَقالُوا: ما مَنّا أحَدٌ إلّا أشْرَكَ وقَتَلَ وزَنى. فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿يا عِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا﴾ [الزمر: ٥٣] الآيَةَ [الزُّمَرِ: ٥٣]، يَقُولُ لِهَؤُلاءِ الَّذِينَ أصابُوا هَذا في الشِّرْكِ، ثُمَّ نَزَلَتْ بَعْدَهُ: ﴿إلا مَن تابَ وآمَنَ وعَمِلَ عَمَلا صالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ﴾ فَأبْدَلَهُمُ اللَّهُ بِالكُفْرِ الإسْلامَ، وبِالمَعْصِيَةِ الطّاعَةَ، وبِالإنْكارِ المَعْرِفَةَ، وبِالجَهالَةِ العِلْمَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: نَزَلَتْ آيَةٌ مِن ”تَبارَكَ“ بِالمَدِينَةِ في شَأْنِ قاتِلِ حَمْزَةَ؛ وحْشِيٍّ (p-٢١٨)وأصْحابِهِ كانُوا يَقُولُونَ: أنا لَنَعْرِفُ الإسْلامَ وفَضْلَهُ، فَكَيْفَ لَنا بِالتَّوْبَةِ وقَدْ عَبَدْنا الأوْثانَ وقَتَلْنا أصْحابَ مُحَمَّدٍ، وشَرِبْنا الخُمُورَ، ونَكَحْنا المُشْرِكاتِ؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ: ﴿والَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ﴾ الآيَةَ. ثُمَّ أُنْزِلَتْ تَوْبَتُهم: ﴿إلا مَن تابَ وآمَنَ وعَمِلَ عَمَلا صالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ﴾ فَأبْدَلَهُمُ اللَّهُ بِقِتالِ المُسْلِمِينَ قِتالَ المُشْرِكِينَ، وبِنِكاحِ المُشْرِكاتِ نِكاحَ المُؤْمِناتِ، وبِعِبادَةِ الأوْثانِ عِبادَةَ اللَّهِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ عامِرٍ، أنَّهُ سُئِلَ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿والَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ﴾ الآيَةَ. قالَ: هَؤُلاءِ كانُوا في الجاهِلِيَّةِ فَأشْرَكُوا وقَتَلُوا وزَنَوْا، فَقالُوا: لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَنا، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿إلا مَن تابَ﴾ الآيَةَ. قالَ: كانَتِ التَّوْبَةُ والإيمانُ والعَمَلُ الصّالِحُ، وكانَ الشِّرْكُ والقَتْلُ والزِّنى، كانَتْ ثَلاثٌ مَكانَ ثَلاثٍ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ أبِي مالِكٍ قالَ: لَمّا نَزَلَتْ: ﴿والَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ﴾ الآيَةَ. قالَ بَعْضُ أصْحابِ النَّبِيِّ ﷺ: كُنّا أشْرَكْنا في الجاهِلِيَّةِ وقَتَلْنا. فَنَزَلَتْ: ﴿إلا مَن تابَ﴾ الآيَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، «عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قَرَأْناها عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ سِنِينَ: ﴿والَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ ولا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلا بِالحَقِّ ولا يَزْنُونَ ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أثامًا﴾ . (p-٢١٩)ثُمَّ نَزَلَتْ: ﴿إلا مَن تابَ وآمَنَ﴾ فَما رَأيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَرِحَ بِشَيْءٍ قَطُّ فَرَحَهُ بِها، وفَرَحَهُ بِ: ﴿إنّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ [الفتح: ١] [الفَتْحِ»: ١] . وأخْرَجَ أبُو داوُدَ في ”ناسِخِهِ“ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿والَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ ولا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلا بِالحَقِّ ولا يَزْنُونَ ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أثامًا﴾ ثُمَّ اسْتَثْنى ﴿إلا مَن تابَ وآمَنَ وعَمِلَ عَمَلا صالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ العَتَمَةَ، ثُمَّ انْصَرَفْتُ، فَإذا امْرَأةٌ عِنْدَ بابِي، فَقالَتْ: جِئْتُكَ أسْألُكَ عَنْ عَمَلٍ عَمِلْتُهُ، هَلْ تَرى لِي مِنهُ تَوْبَةً؟ قُلْتُ: وما هُوَ؟ قالَتْ: زَنَيْتُ ووُلِدَ لِي وقَتَلْتُهُ. قُلْتُ: لا، ولا كَرامَةَ. فَقامَتْ وهي تَقُولُ: واحَسْرَتاهْ! أخُلِقَ هَذا الجَسَدُ لِلنّارِ؟ فَلَمّا صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ الصُّبْحَ مِن تِلْكَ اللَّيْلَةِ قَصَصْتُ عَلَيْهِ أمْرَ المَرْأةِ، قالَ: «ما قُلْتَ لَها»؟ قالَ: قُلْتُ: لا، ولا كَرامَةَ. قالَ: «بِئْسَ ما قُلْتَ، أما كُنْتَ تَقْرَأُ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿والَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿إلا مَن تابَ﴾ [الفرقان»: ٧٠] ؟ الآيَةَ. قالَ (p-٢٢٠)أبُو هُرَيْرَةَ: فَخَرَجْتُ فَما بَقِيَتْ دارٌ بِالمَدِينَةِ ولا خِطَّةٌ إلّا وقَفْتُ عَلَيْها فَقُلْتُ: إنْ كانَ فِيكُمُ المَرْأةُ الَّتِي جاءَتْ أبا هُرَيْرَةَ فَلْتَأْتِ ولْتُبْشِرْ. فَلَمّا انْصَرَفْتُ مِنَ العِشاءِ إذا هي عِنْدَ بابِي، فَقُلْتُ: أبْشِرِي، إنِّي ذَكَرْتُ لِلنَّبِيِّ ﷺ ما قُلْتِ لِي، وما قُلْتُ لَكِ فَقالَ: «بِئْسَ ما قُلْتَ، أما كُنْتَ تَقْرَأُ هَذِهِ الآيَةَ» . وقَرَأْتُها عَلَيْها فَخَرَّتْ ساجِدَةً وقالَتْ: الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ لِي تَوْبَةً ومَخْرَجًا، اشْهَدْ أنَّ هَذِهِ الجارِيَةَ -لِجارِيَةٍ مَعَها- وابْنًا لَها حُرّانِ لِوَجْهِ اللَّهِ، وإنِّي قَدْ تُبْتُ مِمّا عَمِلْتُ» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ﴾ قالَ: هُمُ المُؤْمِنُونَ، كانُوا مِن قَبْلِ إيمانِهِمْ عَلى السَّيِّئاتِ، فَرَغِبَ اللَّهُ بِهِمْ عَنْ ذَلِكَ فَحَوَّلَهم إلى الحَسَناتِ، فَأبْدَلَهُمُ مَكانَ السَّيِّئاتِ الحَسَناتِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿إلا مَن تابَ﴾ قالَ: مِن ذَنْبِهِ. ﴿وآمَنَ﴾ قالَ: بِرَبِّهِ، ﴿وعَمِلَ صالِحًا﴾ قالَ: فِيما بَيْنَهُ وبَيْنَ رَبِّهِ، (p-٢٢١)﴿فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ﴾ قالَ: إنَّما التَّبْدِيلُ طاعَةُ اللَّهِ بَعْدَ عِصْيانِهِ، وذِكْرُ اللَّهِ بَعْدَ نِسْيانِهِ، والخَيْرُ يَعْمَلُهُ بَعْدَ الشَّرِّ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الحَسَنِ: ﴿فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ﴾ قالَ: التَّبْدِيلُ في الدُّنْيا؛ يُبَدِّلُ اللَّهُ بِالعَمَلِ السَّيِّئِ العَمَلَ الصّالِحَ، وبِالشِّرْكِ إخْلاصًا، وبِالفُجُورِ عَفافًا، ونَحْوَ ذَلِكَ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ مُجاهِدٍ: ﴿يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ﴾ قالَ: الإيمانُ بَعْدَ الشِّرْكِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ مَكْحُولٍ: ﴿يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ﴾ قالَ: إذا تابُوا جَعَلَ اللَّهُ ما عَمِلُوا مِن سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنِ: ﴿يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ﴾ قالَ: في الآخِرَةِ. وقالَ الحَسَنُ: في الدُّنْيا. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ أبِي عُثْمانَ النَّهْدِيِّ قالَ: إنَّ المُؤْمِنَ يُعْطى كِتابَهُ في سِتْرٍ مِنَ اللَّهِ فَيَقْرَأُ سَيِّئاتِهِ، فَإذا قَرَأ تَغَيَّرَ لَها لَوْنُهُ حَتّى يَمُرَّ بِحَسَناتِهِ، فَيَقْرَأها، فَيَرْجِعُ إلَيْهِ لَوْنُهُ، ثُمَّ يَنْظُرُ فَإذا سَيِّئاتُهُ قَدْ بُدِّلَتْ حَسَناتٍ، فَعِنْدَ ذَلِكَ يَقُولُ: ﴿هاؤُمُ اقْرَءُوا كِتابِيَهْ﴾ [الحاقة: ١٩] [الحاقَّةِ: ١٩] . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ سَلْمانَ قالَ: يُعْطى رَجُلٌ يَوْمَ القِيامَةِ صَحِيفَةً، فَيَقْرَأُ أعْلاها، فَإذا سَيِّئاتُهُ فَإذا كادَ يَسُوءُ ظَنَّهُ نَظَرَ في (p-٢٢٢)أسْفَلِها، فَإذا حَسَناتُهُ، ثُمَّ يَنْظُرُ في أعْلاها، فَإذا هي قَدْ بُدِّلَتْ حَسَناتٍ. وأخْرَجَ أحْمَدُ، وهَنّادٌ، ومُسْلِمٌ، والتِّرْمِذِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، والبَيْهَقِيُّ في ”الأسْماءِ والصِّفاتِ“، عَنْ أبِي ذَرٍّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««يُؤْتى بِالرَّجُلِ يَوْمَ القِيامَةِ فَيُقالُ: اعْرِضُوا عَلَيْهِ صِغارَ ذُنُوبِهِ. فَيُعْرَضُ عَلَيْهِ صِغارُها، ويُنَحّى عَنْهُ كِبارُها، فَيُقالُ: عَمِلْتَ يَوْمَ كَذا وكَذا، كَذا وكَذا. وهو مُقِرٌّ لَيْسَ يُنْكِرُ، وهو مُشْفِقٌ مِنَ الكِبارِ أنْ تَجِيءَ، فَيُقالُ: أعْطُوهُ مَكانَ كُلِّ سَيِّئَةٍ عَمَلِها حَسَنَةً»» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««لَيَأْتِينَّ ناسٌ يَوْمَ القِيامَةِ ودُّوا أنَّهُمُ اسْتَكْثَرُوا مِنَ السَّيِّئاتِ» . قِيلَ: مَن هُمْ؟ قالَ: الَّذِينَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ» . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ: ﴿فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ﴾ قالَ: حَتّى يَتَمَنّى العَبْدُ أنَّ سَيِّئاتِهِ كانَتْ أكْثَرَ مِمّا هي. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ أبِي العالِيَةِ، أنَّهُ قِيلَ لَهُ: إنَّ أُناسًا يَزْعُمُونَ (p-٢٢٣)أنَّهم يَتَمَنَّوْنَ أنْ يَسْتَكْثِرُوا مِنَ الذُّنُوبِ. قالَ: ولِمَ ذاكَ؟ قالَ: يَتَأوَّلُونَ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ﴾ فَقالَ أبُو العالِيَةِ، وكانَ إذا أُخْبِرَ بِما لا يَعْلَمُ قالَ: آمَنتُ بِما أنْزَلَ اللَّهُ مِن كِتابٍ. ثُمَّ تَلا هَذِهِ الآيَةَ: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِن خَيْرٍ مُحْضَرًا وما عَمِلَتْ مِن سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أنَّ بَيْنَها وبَيْنَهُ أمَدًا بَعِيدًا﴾ [آل عمران: ٣٠] [آلِ عِمْرانَ: ٣٠] . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مَكْحُولٍ قالَ: «جاءَ شَيْخٌ كَبِيرٌ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، رَجُلٌ غَدَرَ وفَجَرَ، لَمْ يَدْعْ حاجَةً ولا داجَةً إلّا اقْتَطَعَها بِيَمِينِهِ، ولَوْ قُسِمَتْ خَطِيئَتُهُ بَيْنَ أهْلِ الأرْضِ لَأوْبَقَتْهُمْ، فَهَلْ لَهُ مِن تَوْبَةٍ؟ فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: «أسْلَمْتَ»؟ . قالَ: نَعَمْ. قالَ: «فَإنَّ اللَّهَ غافِرٌ لَكَ، ومُبَدِّلٌ سَيِّئاتِكَ حَسَناتٍ» . قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، وغَدارَتِي، وفَجَراتِي! قالَ: «وغَدِراتِكَ وفَجَراتِكَ»» . وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ نُفَيْلٍ قالَ: «جاءَ شابٌّ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، أرَأيْتَ مَن لَمْ يَدَعْ سَيِّئَةً إلّا عَمِلَها، ولا خَطِيئَةً إلّا رَكِبَها، ولا أشْرَفَ لَهُ سَهْمٌ فَما (p-٢٢٤)فَوْقَهُ إلّا اقْتَطَعَهُ بِيَمِينِهِ، ومَن لَوْ قُسِمَتْ خَطاياهُ عَلى أهْلِ المَدِينَةِ لَغَمَرَتْهُمْ؟ فَقالَ النَّبِيُّ: ﷺ: «أأسْلَمْتَ»؟ . قالَ: أمّا أنا فَأشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وأنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ. قالَ: «اذْهَبْ فَقَدْ بَدَّلَ اللَّهُ سَيِّئاتِكَ حَسَناتٍ» قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، وغَدارَتِي وفَجَراتِي! قالَ: «وغَدارَتِكَ وفَجَراتِكَ» . ثَلاثًا، فَوَلّى الشّابُّ وهو يَقُولُ: اللَّهُ أكْبَرُ» . وأخْرَجَ البَغَوِيُّ، وابْنُ قانِعٍ، والطَّبَرانِيُّ، «عَنْ أبِي طَوِيلٍ شَطْبٍ المَمْدُودِ، أنَّهُ أتى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: أرَأيْتَ رَجُلًا عَمِلَ الذُّنُوبَ كُلَّها»؟ فَذَكَرَ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنْ أبِي مُوسى قالَ: التَّبْدِيلُ يَوْمَ القِيامَةِ، إذا وقَفَ العَبْدُ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ، والكِتابُ بَيْنَ يَدَيْهِ يَنْظُرُ في السَّيِّئاتِ والحَسَناتِ، فَيَقُولُ: قَدْ غَفَرْتُ لَكَ. ويَسْجُدُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَيَقُولُ: قَدْ بُدِّلَتْ. فَيَسْجُدُ، فَيَقُولُ الخَلائِقُ: طُوبى لِهَذا العَبْدِ الَّذِي لَمْ يَعْمَلْ سَيِّئَةً قَطُّ. وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ عَنْ أبِي مالِكٍ الأشْعَرِيِّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««إذا (p-٢٢٥)نامَ ابْنُ آدَمَ قالَ المَلَكُ لِلشَّيْطانِ: أعْطِنِي صَحِيفَتَكَ. فَيُعْطِيهِ إيّاها، فَما وجَدَ في صَحِيفَتِهِ مِن حَسَنَةٍ مَحا بِها عَشْرَ سَيِّئاتٍ مِن صَحِيفَةِ الشَّيْطانِ، وكَتَبَهُنَّ حَسَناتٍ، فَإذا أرادَ أحَدُكُمُ أنْ يَنامُ فَلْيُكَبِّرْ ثَلاثًا وثَلاثِينَ تَكْبِيرَةً، ويَحْمَدْ أرْبَعًا وثَلاثِينَ تَحْمِيدَةً ويُسَبِّحْ ثَلاثًا وثَلاثِينَ تَسْبِيحَةً فَتِلْكَ، مِائَةٌ»» . وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ، عَنْ مَكْحُولٍ في قَوْلِهِ: ﴿يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ﴾ قالَ: يَجْعَلُ مَكانَ السَّيِّئاتِ حَسَناتٍ. قالَ: فَقالَ خالِدٌ سَبَلانُ: يُخْرِجُهم مِنَ السَّيِّئاتِ إلى الحَسَناتِ! قالَ: فَرَأيْتُ مَكْحُولًا غَضِبَ حَتّى جَعَلَ يَرْتَعِدُ.

الفرقان 25:70

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ لا يَدْعُونَ﴾ الآيَةَ. أخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وأحْمَدُ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والبُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، والتِّرْمِذِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في ”شُعَبِ الإيمانِ“، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: «سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ: أيُّ الذَّنْبِ أكْبَرُ؟ قالَ: «أنْ تَجْعَلْ لِلَّهِ نِدًّا وهو خَلَقَكَ» . قُلْتُ: ثُمَّ أيٌّ؟ قالَ: «أنْ تَقْتُلَ ولَدَكَ خَشْيَةَ أنْ يَطْعَمَ مَعَكَ» . قُلْتُ: ثُمَّ أيٌّ؟ قالَ: «أنْ تُزانِيَ حَلِيلَةَ جارِكَ» . فَأنْزَلَ اللَّهُ تَصْدِيقَ ذَلِكَ: ﴿والَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ ولا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلا بِالحَقِّ ولا يَزْنُونَ﴾ [الفرقان»: ٦٨] . (p-٢١٣)وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، وأبُو داوُدَ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ، مِن طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، «أنَّ ناسًا مِن أهْلِ الشِّرْكِ قَدْ قَتَلُوا فَأكْثَرُوا، وزَنَوْا فَأكْثَرُوا، ثُمَّ أتَوْا مُحَمَّدًا ﷺ فَقالُوا: إنَّ الَّذِي تَقُولُ وتَدْعُو إلَيْهِ لَحَسَنٌ، لَوْ تُخْبِرُنا أنَّ لَما عَمِلْنا كَفّارَةً. فَنَزَلَتْ: ﴿والَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ﴾ ونَزَلَتْ: ﴿قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا﴾ [الزمر: ٥٣] الآيَةَ [الزُّمَرِ»: ٥٣] . وأخْرَجَ البُخارِيُّ، وابْنُ المُنْذِرِ، مِن طَرِيقِ القاسِمِ بْنِ أبِي بَزَّةَ أنَّهُ سَألَ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ: هَلْ لِمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا مِن تَوْبَةٍ؟ فَقَرَأْتُ عَلَيْهِ: ﴿ولا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلا بِالحَقِّ﴾ فَقالَ سَعِيدٌ: قَرَأْتُها عَلى ابْنِ عَبّاسٍ كَما قَرَأْتَها عَلَيَّ فَقالَ: هَذِهِ مَكِّيَّةٌ، نَسَخَتْها آيَةٌ مَدَنِيَّةٌ الَّتِي في سُورَةِ ”النِّساءِ“ . وأخْرَجَ ابْنُ المُبارَكِ عَنْ شُفَيٍّ الأصْبَحِيِّ قالَ: إنَّ في جَهَنَّمَ جَبَلًا يُدْعى صَعُودًا، يَطْلُعُ فِيهِ الكافِرُ أرْبَعِينَ خَرِيفًا قَبْلَ أنْ يَرْقاهُ، وإنْ في جَهَنَّمَ قَصْرًا يُقالُ لَهُ: هَوًى، يُرْمى الكافِرُ مِن أعْلاهُ، فَيَهْوِي أرْبَعِينَ خَرِيفًا قَبْلَ أنْ يَبْلُغَ أصْلَهُ، قالَ تَعالى: ﴿ومَن يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوى﴾ [طه: ٨١] [طه: ٨١] . وإنْ في جَهَنَّمَ وادِيًا (p-٢١٤)يُدْعى: أثامًا، فِيهِ حَيّاتٌ وعَقارِبُ، في فَقارِ إحْداهُنَّ مِقْدارُ سَبْعِينَ قُلَّةً مِنَ السُّمِّ، والعَقْرَبُ مِنهُنَّ مِثْلُ البَغْلَةِ المُوكَفَةِ، وإنَّ في جَهَنَّمَ وادِيًا يُدْعى غَيًّا، يَسِيلُ قَيْحًا ودَمًا. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ «سَألْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ: أيُّ الأعْمالِ أفْضَلُ؟ قالَ: «الصَّلَواتُ لِمَواقِيتِها» . قُلْتُ: ثُمَّ أيٌّ؟ قالَ: «بِرُّ الوالِدَيْنِ» . قُلْتُ: ثُمَّ أيٌّ؟ قالَ: «الجِهادُ في سَبِيلِ اللَّهِ» . ولَوِ اسْتَزَدْتُهُ لَزادَنِي، وسَألْتُهُ: أيُّ الذَّنْبِ أعْظَمُ عِنْدَ اللَّهِ؟ قالَ: «الشِّرْكُ بِاللَّهِ» . قُلْتُ: ثُمَّ أيٌّ؟ قالَ: «أنْ تُزانِيَ حَلِيلَةَ جارِكَ» . قُلْتُ: ثُمَّ أيٌّ؟ قالَ: «أنْ تَقْتُلَ ولَدَكَ أنْ يُطْعِمَ مَعَكَ» . فَما لَبِثْنا إلّا يَسِيرًا حَتّى أنْزَلَ اللَّهُ: ﴿والَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ ولا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلا بِالحَقِّ ولا يَزْنُونَ﴾ [الفرقان»: ٦٨] . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ، «عَنْ عَوْنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: سَألْتُ الأسْوَدَ بْنَ يَزِيدَ: هَلْ كانَ ابْنُ مَسْعُودٍ يُفَضِّلُ عَمَلًا عَلى عَمَلٍ؟ قالَ: نَعَمْ، سَألْتُ ابْنَ مَسْعُودٍ قالَ: سَألْتَنِي عَمّا سَألْتُ عَنْهُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، أيُّ الأعْمالِ (p-٢١٥)أحَبُّها إلى اللَّهِ، وأقْرَبُها مِنَ اللَّهِ؟ قالَ: «الصَّلاةُ لِوَقْتِها» . قُلْتُ: ثُمَّ ماذا عَلى إثْرِ ذَلِكَ؟ قالَ: «ثُمَّ بِرُّ الوالِدَيْنِ» . قُلْتُ: ثُمَّ ماذا عَلى إثْرِ ذَلِكَ؟ قالَ: «الجِهادُ في سَبِيلِ اللَّهِ» . ولَوِ اسْتَزَدْتُهُ لَزادَنِي. قُلْتُ: فَأيُّ الأعْمالِ أبْغَضُها إلى اللَّهِ وأبْعَدُها مِنَ اللَّهِ؟ قالَ: «أنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدًّا وهو خَلَقَكَ، وأنْ تَقْتُلَ ولَدَكَ أنْ يَأْكُلَ مَعَكَ، وأنْ تُزانِيَ حَلِيلَةَ جارِكَ» . ثُمَّ قَرَأ: ﴿والَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ﴾ الآيَةَ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أبِي فاخِتَةَ قالَ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِرَجُلٍ: «إنَّ اللَّهَ يَنْهاكَ أنْ تَعْبُدَ المَخْلُوقَ وتَذْرَ الخالِقَ، ويَنْهاكَ أنْ تَقْتُلَ ولَدَكَ وتَغْذُوَ كَلْبَكَ، ويَنْهاكَ أنْ تَزْنِيَ بِحَلِيلَةِ جارِكَ»» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو في قَوْلِهِ: ﴿يَلْقَ أثامًا﴾ قالَ: وادٍ في جَهَنَّمَ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مُجاهِدٍ: ﴿يَلْقَ أثامًا﴾ قالَ: وادٍ في جَهَنَّمَ مِن قَيْحٍ ودَمٍ. (p-٢١٦)وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: أثامٌ أوْدِيَةٌ في جَهَنَّمَ فِيها الزُّناةُ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ: ﴿يَلْقَ أثامًا﴾ قالَ: نَكالًا، وكُنّا نُحَدَّثُ أنَّهُ وادٍ في جَهَنَّمَ، وقَدْ ذُكِرَ لَنا أنَّ لُقْمانَ كانَ يَقُولُ: يا بُنَيَّ، إيّاكَ والزِّنى؛ فَإنْ أوَّلَهُ مَخافَةٌ، وآخِرَهُ نَدامَةٌ. وأخْرَجَ ابْنُ المُبارَكِ في ”الزُّهْدِ“، عَنْ شُفَيٍّ الأصْبَحِيِّ قالَ: إنَّ في جَهَنَّمَ وادِيًا يُدْعى أثامًا، فِيهِ حَيّاتٌ وعَقارِبُ، في فَقارِ إحْداهُنَّ مِقْدارُ سَبْعِينَ قُلَّةً مِنَ السُّمِّ، والعَقْرَبُ مِنهُنَّ مِثْلُ البَغْلَةِ المُوكَفَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ الأنْبارِيِّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ نافِعَ بْنَ الأزْرَقِ قالَ لَهُ: أخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِهِ: ﴿يَلْقَ أثامًا﴾ ما الأثامُ؟ قالَ: الجَزاءُ؛ قالَ فِيهِ عامِرُ بْنُ الطُّفَيْلِ: ؎ورَوَّيْنا الأسِنَّةَ مِن صُداءٍ ولاقَتْ حِمْيَرٌ مِنّا أثاما وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَرَأ: «﴿ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أثامًا﴾ [الفرقان»: ٦٨]» . (p-٢١٧)وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ عاصِمٍ، أنَّهُ قَرَأ: (يُضاعَفُ) بِالرَّفْعِ، (لَهُ العَذابُ يَوْمَ القِيامَةِ ويَخْلُدُ فِيهِ) بِنَصْبِ الياءِ ورَفْعِ اللّامِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: ﴿ويَخْلُدْ فِيهِ﴾ يَعْنِي في العَذابِ، ﴿مُهانًا﴾ يَعْنِي: يُهانُ فِيهِ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: لَمّا نَزَلَتْ: ﴿والَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ﴾ الآيَةَ. اشْتَدَّ ذَلِكَ عَلى المُسْلِمِينَ، فَقالُوا: ما مَنّا أحَدٌ إلّا أشْرَكَ وقَتَلَ وزَنى. فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿يا عِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا﴾ [الزمر: ٥٣] الآيَةَ [الزُّمَرِ: ٥٣]، يَقُولُ لِهَؤُلاءِ الَّذِينَ أصابُوا هَذا في الشِّرْكِ، ثُمَّ نَزَلَتْ بَعْدَهُ: ﴿إلا مَن تابَ وآمَنَ وعَمِلَ عَمَلا صالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ﴾ فَأبْدَلَهُمُ اللَّهُ بِالكُفْرِ الإسْلامَ، وبِالمَعْصِيَةِ الطّاعَةَ، وبِالإنْكارِ المَعْرِفَةَ، وبِالجَهالَةِ العِلْمَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: نَزَلَتْ آيَةٌ مِن ”تَبارَكَ“ بِالمَدِينَةِ في شَأْنِ قاتِلِ حَمْزَةَ؛ وحْشِيٍّ (p-٢١٨)وأصْحابِهِ كانُوا يَقُولُونَ: أنا لَنَعْرِفُ الإسْلامَ وفَضْلَهُ، فَكَيْفَ لَنا بِالتَّوْبَةِ وقَدْ عَبَدْنا الأوْثانَ وقَتَلْنا أصْحابَ مُحَمَّدٍ، وشَرِبْنا الخُمُورَ، ونَكَحْنا المُشْرِكاتِ؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ: ﴿والَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ﴾ الآيَةَ. ثُمَّ أُنْزِلَتْ تَوْبَتُهم: ﴿إلا مَن تابَ وآمَنَ وعَمِلَ عَمَلا صالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ﴾ فَأبْدَلَهُمُ اللَّهُ بِقِتالِ المُسْلِمِينَ قِتالَ المُشْرِكِينَ، وبِنِكاحِ المُشْرِكاتِ نِكاحَ المُؤْمِناتِ، وبِعِبادَةِ الأوْثانِ عِبادَةَ اللَّهِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ عامِرٍ، أنَّهُ سُئِلَ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿والَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ﴾ الآيَةَ. قالَ: هَؤُلاءِ كانُوا في الجاهِلِيَّةِ فَأشْرَكُوا وقَتَلُوا وزَنَوْا، فَقالُوا: لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَنا، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿إلا مَن تابَ﴾ الآيَةَ. قالَ: كانَتِ التَّوْبَةُ والإيمانُ والعَمَلُ الصّالِحُ، وكانَ الشِّرْكُ والقَتْلُ والزِّنى، كانَتْ ثَلاثٌ مَكانَ ثَلاثٍ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ أبِي مالِكٍ قالَ: لَمّا نَزَلَتْ: ﴿والَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ﴾ الآيَةَ. قالَ بَعْضُ أصْحابِ النَّبِيِّ ﷺ: كُنّا أشْرَكْنا في الجاهِلِيَّةِ وقَتَلْنا. فَنَزَلَتْ: ﴿إلا مَن تابَ﴾ الآيَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، «عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قَرَأْناها عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ سِنِينَ: ﴿والَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ ولا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلا بِالحَقِّ ولا يَزْنُونَ ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أثامًا﴾ . (p-٢١٩)ثُمَّ نَزَلَتْ: ﴿إلا مَن تابَ وآمَنَ﴾ فَما رَأيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَرِحَ بِشَيْءٍ قَطُّ فَرَحَهُ بِها، وفَرَحَهُ بِ: ﴿إنّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ [الفتح: ١] [الفَتْحِ»: ١] . وأخْرَجَ أبُو داوُدَ في ”ناسِخِهِ“ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿والَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ ولا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلا بِالحَقِّ ولا يَزْنُونَ ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أثامًا﴾ ثُمَّ اسْتَثْنى ﴿إلا مَن تابَ وآمَنَ وعَمِلَ عَمَلا صالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ العَتَمَةَ، ثُمَّ انْصَرَفْتُ، فَإذا امْرَأةٌ عِنْدَ بابِي، فَقالَتْ: جِئْتُكَ أسْألُكَ عَنْ عَمَلٍ عَمِلْتُهُ، هَلْ تَرى لِي مِنهُ تَوْبَةً؟ قُلْتُ: وما هُوَ؟ قالَتْ: زَنَيْتُ ووُلِدَ لِي وقَتَلْتُهُ. قُلْتُ: لا، ولا كَرامَةَ. فَقامَتْ وهي تَقُولُ: واحَسْرَتاهْ! أخُلِقَ هَذا الجَسَدُ لِلنّارِ؟ فَلَمّا صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ الصُّبْحَ مِن تِلْكَ اللَّيْلَةِ قَصَصْتُ عَلَيْهِ أمْرَ المَرْأةِ، قالَ: «ما قُلْتَ لَها»؟ قالَ: قُلْتُ: لا، ولا كَرامَةَ. قالَ: «بِئْسَ ما قُلْتَ، أما كُنْتَ تَقْرَأُ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿والَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿إلا مَن تابَ﴾ [الفرقان»: ٧٠] ؟ الآيَةَ. قالَ (p-٢٢٠)أبُو هُرَيْرَةَ: فَخَرَجْتُ فَما بَقِيَتْ دارٌ بِالمَدِينَةِ ولا خِطَّةٌ إلّا وقَفْتُ عَلَيْها فَقُلْتُ: إنْ كانَ فِيكُمُ المَرْأةُ الَّتِي جاءَتْ أبا هُرَيْرَةَ فَلْتَأْتِ ولْتُبْشِرْ. فَلَمّا انْصَرَفْتُ مِنَ العِشاءِ إذا هي عِنْدَ بابِي، فَقُلْتُ: أبْشِرِي، إنِّي ذَكَرْتُ لِلنَّبِيِّ ﷺ ما قُلْتِ لِي، وما قُلْتُ لَكِ فَقالَ: «بِئْسَ ما قُلْتَ، أما كُنْتَ تَقْرَأُ هَذِهِ الآيَةَ» . وقَرَأْتُها عَلَيْها فَخَرَّتْ ساجِدَةً وقالَتْ: الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ لِي تَوْبَةً ومَخْرَجًا، اشْهَدْ أنَّ هَذِهِ الجارِيَةَ -لِجارِيَةٍ مَعَها- وابْنًا لَها حُرّانِ لِوَجْهِ اللَّهِ، وإنِّي قَدْ تُبْتُ مِمّا عَمِلْتُ» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ﴾ قالَ: هُمُ المُؤْمِنُونَ، كانُوا مِن قَبْلِ إيمانِهِمْ عَلى السَّيِّئاتِ، فَرَغِبَ اللَّهُ بِهِمْ عَنْ ذَلِكَ فَحَوَّلَهم إلى الحَسَناتِ، فَأبْدَلَهُمُ مَكانَ السَّيِّئاتِ الحَسَناتِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿إلا مَن تابَ﴾ قالَ: مِن ذَنْبِهِ. ﴿وآمَنَ﴾ قالَ: بِرَبِّهِ، ﴿وعَمِلَ صالِحًا﴾ قالَ: فِيما بَيْنَهُ وبَيْنَ رَبِّهِ، (p-٢٢١)﴿فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ﴾ قالَ: إنَّما التَّبْدِيلُ طاعَةُ اللَّهِ بَعْدَ عِصْيانِهِ، وذِكْرُ اللَّهِ بَعْدَ نِسْيانِهِ، والخَيْرُ يَعْمَلُهُ بَعْدَ الشَّرِّ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الحَسَنِ: ﴿فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ﴾ قالَ: التَّبْدِيلُ في الدُّنْيا؛ يُبَدِّلُ اللَّهُ بِالعَمَلِ السَّيِّئِ العَمَلَ الصّالِحَ، وبِالشِّرْكِ إخْلاصًا، وبِالفُجُورِ عَفافًا، ونَحْوَ ذَلِكَ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ مُجاهِدٍ: ﴿يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ﴾ قالَ: الإيمانُ بَعْدَ الشِّرْكِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ مَكْحُولٍ: ﴿يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ﴾ قالَ: إذا تابُوا جَعَلَ اللَّهُ ما عَمِلُوا مِن سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنِ: ﴿يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ﴾ قالَ: في الآخِرَةِ. وقالَ الحَسَنُ: في الدُّنْيا. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ أبِي عُثْمانَ النَّهْدِيِّ قالَ: إنَّ المُؤْمِنَ يُعْطى كِتابَهُ في سِتْرٍ مِنَ اللَّهِ فَيَقْرَأُ سَيِّئاتِهِ، فَإذا قَرَأ تَغَيَّرَ لَها لَوْنُهُ حَتّى يَمُرَّ بِحَسَناتِهِ، فَيَقْرَأها، فَيَرْجِعُ إلَيْهِ لَوْنُهُ، ثُمَّ يَنْظُرُ فَإذا سَيِّئاتُهُ قَدْ بُدِّلَتْ حَسَناتٍ، فَعِنْدَ ذَلِكَ يَقُولُ: ﴿هاؤُمُ اقْرَءُوا كِتابِيَهْ﴾ [الحاقة: ١٩] [الحاقَّةِ: ١٩] . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ سَلْمانَ قالَ: يُعْطى رَجُلٌ يَوْمَ القِيامَةِ صَحِيفَةً، فَيَقْرَأُ أعْلاها، فَإذا سَيِّئاتُهُ فَإذا كادَ يَسُوءُ ظَنَّهُ نَظَرَ في (p-٢٢٢)أسْفَلِها، فَإذا حَسَناتُهُ، ثُمَّ يَنْظُرُ في أعْلاها، فَإذا هي قَدْ بُدِّلَتْ حَسَناتٍ. وأخْرَجَ أحْمَدُ، وهَنّادٌ، ومُسْلِمٌ، والتِّرْمِذِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، والبَيْهَقِيُّ في ”الأسْماءِ والصِّفاتِ“، عَنْ أبِي ذَرٍّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««يُؤْتى بِالرَّجُلِ يَوْمَ القِيامَةِ فَيُقالُ: اعْرِضُوا عَلَيْهِ صِغارَ ذُنُوبِهِ. فَيُعْرَضُ عَلَيْهِ صِغارُها، ويُنَحّى عَنْهُ كِبارُها، فَيُقالُ: عَمِلْتَ يَوْمَ كَذا وكَذا، كَذا وكَذا. وهو مُقِرٌّ لَيْسَ يُنْكِرُ، وهو مُشْفِقٌ مِنَ الكِبارِ أنْ تَجِيءَ، فَيُقالُ: أعْطُوهُ مَكانَ كُلِّ سَيِّئَةٍ عَمَلِها حَسَنَةً»» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««لَيَأْتِينَّ ناسٌ يَوْمَ القِيامَةِ ودُّوا أنَّهُمُ اسْتَكْثَرُوا مِنَ السَّيِّئاتِ» . قِيلَ: مَن هُمْ؟ قالَ: الَّذِينَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ» . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ: ﴿فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ﴾ قالَ: حَتّى يَتَمَنّى العَبْدُ أنَّ سَيِّئاتِهِ كانَتْ أكْثَرَ مِمّا هي. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ أبِي العالِيَةِ، أنَّهُ قِيلَ لَهُ: إنَّ أُناسًا يَزْعُمُونَ (p-٢٢٣)أنَّهم يَتَمَنَّوْنَ أنْ يَسْتَكْثِرُوا مِنَ الذُّنُوبِ. قالَ: ولِمَ ذاكَ؟ قالَ: يَتَأوَّلُونَ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ﴾ فَقالَ أبُو العالِيَةِ، وكانَ إذا أُخْبِرَ بِما لا يَعْلَمُ قالَ: آمَنتُ بِما أنْزَلَ اللَّهُ مِن كِتابٍ. ثُمَّ تَلا هَذِهِ الآيَةَ: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِن خَيْرٍ مُحْضَرًا وما عَمِلَتْ مِن سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أنَّ بَيْنَها وبَيْنَهُ أمَدًا بَعِيدًا﴾ [آل عمران: ٣٠] [آلِ عِمْرانَ: ٣٠] . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مَكْحُولٍ قالَ: «جاءَ شَيْخٌ كَبِيرٌ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، رَجُلٌ غَدَرَ وفَجَرَ، لَمْ يَدْعْ حاجَةً ولا داجَةً إلّا اقْتَطَعَها بِيَمِينِهِ، ولَوْ قُسِمَتْ خَطِيئَتُهُ بَيْنَ أهْلِ الأرْضِ لَأوْبَقَتْهُمْ، فَهَلْ لَهُ مِن تَوْبَةٍ؟ فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: «أسْلَمْتَ»؟ . قالَ: نَعَمْ. قالَ: «فَإنَّ اللَّهَ غافِرٌ لَكَ، ومُبَدِّلٌ سَيِّئاتِكَ حَسَناتٍ» . قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، وغَدارَتِي، وفَجَراتِي! قالَ: «وغَدِراتِكَ وفَجَراتِكَ»» . وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ نُفَيْلٍ قالَ: «جاءَ شابٌّ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، أرَأيْتَ مَن لَمْ يَدَعْ سَيِّئَةً إلّا عَمِلَها، ولا خَطِيئَةً إلّا رَكِبَها، ولا أشْرَفَ لَهُ سَهْمٌ فَما (p-٢٢٤)فَوْقَهُ إلّا اقْتَطَعَهُ بِيَمِينِهِ، ومَن لَوْ قُسِمَتْ خَطاياهُ عَلى أهْلِ المَدِينَةِ لَغَمَرَتْهُمْ؟ فَقالَ النَّبِيُّ: ﷺ: «أأسْلَمْتَ»؟ . قالَ: أمّا أنا فَأشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وأنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ. قالَ: «اذْهَبْ فَقَدْ بَدَّلَ اللَّهُ سَيِّئاتِكَ حَسَناتٍ» قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، وغَدارَتِي وفَجَراتِي! قالَ: «وغَدارَتِكَ وفَجَراتِكَ» . ثَلاثًا، فَوَلّى الشّابُّ وهو يَقُولُ: اللَّهُ أكْبَرُ» . وأخْرَجَ البَغَوِيُّ، وابْنُ قانِعٍ، والطَّبَرانِيُّ، «عَنْ أبِي طَوِيلٍ شَطْبٍ المَمْدُودِ، أنَّهُ أتى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: أرَأيْتَ رَجُلًا عَمِلَ الذُّنُوبَ كُلَّها»؟ فَذَكَرَ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنْ أبِي مُوسى قالَ: التَّبْدِيلُ يَوْمَ القِيامَةِ، إذا وقَفَ العَبْدُ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ، والكِتابُ بَيْنَ يَدَيْهِ يَنْظُرُ في السَّيِّئاتِ والحَسَناتِ، فَيَقُولُ: قَدْ غَفَرْتُ لَكَ. ويَسْجُدُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَيَقُولُ: قَدْ بُدِّلَتْ. فَيَسْجُدُ، فَيَقُولُ الخَلائِقُ: طُوبى لِهَذا العَبْدِ الَّذِي لَمْ يَعْمَلْ سَيِّئَةً قَطُّ. وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ عَنْ أبِي مالِكٍ الأشْعَرِيِّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««إذا (p-٢٢٥)نامَ ابْنُ آدَمَ قالَ المَلَكُ لِلشَّيْطانِ: أعْطِنِي صَحِيفَتَكَ. فَيُعْطِيهِ إيّاها، فَما وجَدَ في صَحِيفَتِهِ مِن حَسَنَةٍ مَحا بِها عَشْرَ سَيِّئاتٍ مِن صَحِيفَةِ الشَّيْطانِ، وكَتَبَهُنَّ حَسَناتٍ، فَإذا أرادَ أحَدُكُمُ أنْ يَنامُ فَلْيُكَبِّرْ ثَلاثًا وثَلاثِينَ تَكْبِيرَةً، ويَحْمَدْ أرْبَعًا وثَلاثِينَ تَحْمِيدَةً ويُسَبِّحْ ثَلاثًا وثَلاثِينَ تَسْبِيحَةً فَتِلْكَ، مِائَةٌ»» . وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ، عَنْ مَكْحُولٍ في قَوْلِهِ: ﴿يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ﴾ قالَ: يَجْعَلُ مَكانَ السَّيِّئاتِ حَسَناتٍ. قالَ: فَقالَ خالِدٌ سَبَلانُ: يُخْرِجُهم مِنَ السَّيِّئاتِ إلى الحَسَناتِ! قالَ: فَرَأيْتُ مَكْحُولًا غَضِبَ حَتّى جَعَلَ يَرْتَعِدُ.

الفرقان 25:71

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ لا يَدْعُونَ﴾ الآيَةَ. أخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وأحْمَدُ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والبُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، والتِّرْمِذِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في ”شُعَبِ الإيمانِ“، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: «سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ: أيُّ الذَّنْبِ أكْبَرُ؟ قالَ: «أنْ تَجْعَلْ لِلَّهِ نِدًّا وهو خَلَقَكَ» . قُلْتُ: ثُمَّ أيٌّ؟ قالَ: «أنْ تَقْتُلَ ولَدَكَ خَشْيَةَ أنْ يَطْعَمَ مَعَكَ» . قُلْتُ: ثُمَّ أيٌّ؟ قالَ: «أنْ تُزانِيَ حَلِيلَةَ جارِكَ» . فَأنْزَلَ اللَّهُ تَصْدِيقَ ذَلِكَ: ﴿والَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ ولا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلا بِالحَقِّ ولا يَزْنُونَ﴾ [الفرقان»: ٦٨] . (p-٢١٣)وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، وأبُو داوُدَ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ، مِن طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، «أنَّ ناسًا مِن أهْلِ الشِّرْكِ قَدْ قَتَلُوا فَأكْثَرُوا، وزَنَوْا فَأكْثَرُوا، ثُمَّ أتَوْا مُحَمَّدًا ﷺ فَقالُوا: إنَّ الَّذِي تَقُولُ وتَدْعُو إلَيْهِ لَحَسَنٌ، لَوْ تُخْبِرُنا أنَّ لَما عَمِلْنا كَفّارَةً. فَنَزَلَتْ: ﴿والَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ﴾ ونَزَلَتْ: ﴿قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا﴾ [الزمر: ٥٣] الآيَةَ [الزُّمَرِ»: ٥٣] . وأخْرَجَ البُخارِيُّ، وابْنُ المُنْذِرِ، مِن طَرِيقِ القاسِمِ بْنِ أبِي بَزَّةَ أنَّهُ سَألَ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ: هَلْ لِمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا مِن تَوْبَةٍ؟ فَقَرَأْتُ عَلَيْهِ: ﴿ولا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلا بِالحَقِّ﴾ فَقالَ سَعِيدٌ: قَرَأْتُها عَلى ابْنِ عَبّاسٍ كَما قَرَأْتَها عَلَيَّ فَقالَ: هَذِهِ مَكِّيَّةٌ، نَسَخَتْها آيَةٌ مَدَنِيَّةٌ الَّتِي في سُورَةِ ”النِّساءِ“ . وأخْرَجَ ابْنُ المُبارَكِ عَنْ شُفَيٍّ الأصْبَحِيِّ قالَ: إنَّ في جَهَنَّمَ جَبَلًا يُدْعى صَعُودًا، يَطْلُعُ فِيهِ الكافِرُ أرْبَعِينَ خَرِيفًا قَبْلَ أنْ يَرْقاهُ، وإنْ في جَهَنَّمَ قَصْرًا يُقالُ لَهُ: هَوًى، يُرْمى الكافِرُ مِن أعْلاهُ، فَيَهْوِي أرْبَعِينَ خَرِيفًا قَبْلَ أنْ يَبْلُغَ أصْلَهُ، قالَ تَعالى: ﴿ومَن يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوى﴾ [طه: ٨١] [طه: ٨١] . وإنْ في جَهَنَّمَ وادِيًا (p-٢١٤)يُدْعى: أثامًا، فِيهِ حَيّاتٌ وعَقارِبُ، في فَقارِ إحْداهُنَّ مِقْدارُ سَبْعِينَ قُلَّةً مِنَ السُّمِّ، والعَقْرَبُ مِنهُنَّ مِثْلُ البَغْلَةِ المُوكَفَةِ، وإنَّ في جَهَنَّمَ وادِيًا يُدْعى غَيًّا، يَسِيلُ قَيْحًا ودَمًا. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ «سَألْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ: أيُّ الأعْمالِ أفْضَلُ؟ قالَ: «الصَّلَواتُ لِمَواقِيتِها» . قُلْتُ: ثُمَّ أيٌّ؟ قالَ: «بِرُّ الوالِدَيْنِ» . قُلْتُ: ثُمَّ أيٌّ؟ قالَ: «الجِهادُ في سَبِيلِ اللَّهِ» . ولَوِ اسْتَزَدْتُهُ لَزادَنِي، وسَألْتُهُ: أيُّ الذَّنْبِ أعْظَمُ عِنْدَ اللَّهِ؟ قالَ: «الشِّرْكُ بِاللَّهِ» . قُلْتُ: ثُمَّ أيٌّ؟ قالَ: «أنْ تُزانِيَ حَلِيلَةَ جارِكَ» . قُلْتُ: ثُمَّ أيٌّ؟ قالَ: «أنْ تَقْتُلَ ولَدَكَ أنْ يُطْعِمَ مَعَكَ» . فَما لَبِثْنا إلّا يَسِيرًا حَتّى أنْزَلَ اللَّهُ: ﴿والَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ ولا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلا بِالحَقِّ ولا يَزْنُونَ﴾ [الفرقان»: ٦٨] . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ، «عَنْ عَوْنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: سَألْتُ الأسْوَدَ بْنَ يَزِيدَ: هَلْ كانَ ابْنُ مَسْعُودٍ يُفَضِّلُ عَمَلًا عَلى عَمَلٍ؟ قالَ: نَعَمْ، سَألْتُ ابْنَ مَسْعُودٍ قالَ: سَألْتَنِي عَمّا سَألْتُ عَنْهُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، أيُّ الأعْمالِ (p-٢١٥)أحَبُّها إلى اللَّهِ، وأقْرَبُها مِنَ اللَّهِ؟ قالَ: «الصَّلاةُ لِوَقْتِها» . قُلْتُ: ثُمَّ ماذا عَلى إثْرِ ذَلِكَ؟ قالَ: «ثُمَّ بِرُّ الوالِدَيْنِ» . قُلْتُ: ثُمَّ ماذا عَلى إثْرِ ذَلِكَ؟ قالَ: «الجِهادُ في سَبِيلِ اللَّهِ» . ولَوِ اسْتَزَدْتُهُ لَزادَنِي. قُلْتُ: فَأيُّ الأعْمالِ أبْغَضُها إلى اللَّهِ وأبْعَدُها مِنَ اللَّهِ؟ قالَ: «أنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدًّا وهو خَلَقَكَ، وأنْ تَقْتُلَ ولَدَكَ أنْ يَأْكُلَ مَعَكَ، وأنْ تُزانِيَ حَلِيلَةَ جارِكَ» . ثُمَّ قَرَأ: ﴿والَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ﴾ الآيَةَ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أبِي فاخِتَةَ قالَ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِرَجُلٍ: «إنَّ اللَّهَ يَنْهاكَ أنْ تَعْبُدَ المَخْلُوقَ وتَذْرَ الخالِقَ، ويَنْهاكَ أنْ تَقْتُلَ ولَدَكَ وتَغْذُوَ كَلْبَكَ، ويَنْهاكَ أنْ تَزْنِيَ بِحَلِيلَةِ جارِكَ»» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو في قَوْلِهِ: ﴿يَلْقَ أثامًا﴾ قالَ: وادٍ في جَهَنَّمَ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مُجاهِدٍ: ﴿يَلْقَ أثامًا﴾ قالَ: وادٍ في جَهَنَّمَ مِن قَيْحٍ ودَمٍ. (p-٢١٦)وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: أثامٌ أوْدِيَةٌ في جَهَنَّمَ فِيها الزُّناةُ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ: ﴿يَلْقَ أثامًا﴾ قالَ: نَكالًا، وكُنّا نُحَدَّثُ أنَّهُ وادٍ في جَهَنَّمَ، وقَدْ ذُكِرَ لَنا أنَّ لُقْمانَ كانَ يَقُولُ: يا بُنَيَّ، إيّاكَ والزِّنى؛ فَإنْ أوَّلَهُ مَخافَةٌ، وآخِرَهُ نَدامَةٌ. وأخْرَجَ ابْنُ المُبارَكِ في ”الزُّهْدِ“، عَنْ شُفَيٍّ الأصْبَحِيِّ قالَ: إنَّ في جَهَنَّمَ وادِيًا يُدْعى أثامًا، فِيهِ حَيّاتٌ وعَقارِبُ، في فَقارِ إحْداهُنَّ مِقْدارُ سَبْعِينَ قُلَّةً مِنَ السُّمِّ، والعَقْرَبُ مِنهُنَّ مِثْلُ البَغْلَةِ المُوكَفَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ الأنْبارِيِّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ نافِعَ بْنَ الأزْرَقِ قالَ لَهُ: أخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِهِ: ﴿يَلْقَ أثامًا﴾ ما الأثامُ؟ قالَ: الجَزاءُ؛ قالَ فِيهِ عامِرُ بْنُ الطُّفَيْلِ: ؎ورَوَّيْنا الأسِنَّةَ مِن صُداءٍ ولاقَتْ حِمْيَرٌ مِنّا أثاما وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَرَأ: «﴿ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أثامًا﴾ [الفرقان»: ٦٨]» . (p-٢١٧)وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ عاصِمٍ، أنَّهُ قَرَأ: (يُضاعَفُ) بِالرَّفْعِ، (لَهُ العَذابُ يَوْمَ القِيامَةِ ويَخْلُدُ فِيهِ) بِنَصْبِ الياءِ ورَفْعِ اللّامِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: ﴿ويَخْلُدْ فِيهِ﴾ يَعْنِي في العَذابِ، ﴿مُهانًا﴾ يَعْنِي: يُهانُ فِيهِ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: لَمّا نَزَلَتْ: ﴿والَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ﴾ الآيَةَ. اشْتَدَّ ذَلِكَ عَلى المُسْلِمِينَ، فَقالُوا: ما مَنّا أحَدٌ إلّا أشْرَكَ وقَتَلَ وزَنى. فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿يا عِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا﴾ [الزمر: ٥٣] الآيَةَ [الزُّمَرِ: ٥٣]، يَقُولُ لِهَؤُلاءِ الَّذِينَ أصابُوا هَذا في الشِّرْكِ، ثُمَّ نَزَلَتْ بَعْدَهُ: ﴿إلا مَن تابَ وآمَنَ وعَمِلَ عَمَلا صالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ﴾ فَأبْدَلَهُمُ اللَّهُ بِالكُفْرِ الإسْلامَ، وبِالمَعْصِيَةِ الطّاعَةَ، وبِالإنْكارِ المَعْرِفَةَ، وبِالجَهالَةِ العِلْمَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: نَزَلَتْ آيَةٌ مِن ”تَبارَكَ“ بِالمَدِينَةِ في شَأْنِ قاتِلِ حَمْزَةَ؛ وحْشِيٍّ (p-٢١٨)وأصْحابِهِ كانُوا يَقُولُونَ: أنا لَنَعْرِفُ الإسْلامَ وفَضْلَهُ، فَكَيْفَ لَنا بِالتَّوْبَةِ وقَدْ عَبَدْنا الأوْثانَ وقَتَلْنا أصْحابَ مُحَمَّدٍ، وشَرِبْنا الخُمُورَ، ونَكَحْنا المُشْرِكاتِ؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ: ﴿والَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ﴾ الآيَةَ. ثُمَّ أُنْزِلَتْ تَوْبَتُهم: ﴿إلا مَن تابَ وآمَنَ وعَمِلَ عَمَلا صالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ﴾ فَأبْدَلَهُمُ اللَّهُ بِقِتالِ المُسْلِمِينَ قِتالَ المُشْرِكِينَ، وبِنِكاحِ المُشْرِكاتِ نِكاحَ المُؤْمِناتِ، وبِعِبادَةِ الأوْثانِ عِبادَةَ اللَّهِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ عامِرٍ، أنَّهُ سُئِلَ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿والَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ﴾ الآيَةَ. قالَ: هَؤُلاءِ كانُوا في الجاهِلِيَّةِ فَأشْرَكُوا وقَتَلُوا وزَنَوْا، فَقالُوا: لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَنا، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿إلا مَن تابَ﴾ الآيَةَ. قالَ: كانَتِ التَّوْبَةُ والإيمانُ والعَمَلُ الصّالِحُ، وكانَ الشِّرْكُ والقَتْلُ والزِّنى، كانَتْ ثَلاثٌ مَكانَ ثَلاثٍ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ أبِي مالِكٍ قالَ: لَمّا نَزَلَتْ: ﴿والَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ﴾ الآيَةَ. قالَ بَعْضُ أصْحابِ النَّبِيِّ ﷺ: كُنّا أشْرَكْنا في الجاهِلِيَّةِ وقَتَلْنا. فَنَزَلَتْ: ﴿إلا مَن تابَ﴾ الآيَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، «عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قَرَأْناها عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ سِنِينَ: ﴿والَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ ولا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلا بِالحَقِّ ولا يَزْنُونَ ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أثامًا﴾ . (p-٢١٩)ثُمَّ نَزَلَتْ: ﴿إلا مَن تابَ وآمَنَ﴾ فَما رَأيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَرِحَ بِشَيْءٍ قَطُّ فَرَحَهُ بِها، وفَرَحَهُ بِ: ﴿إنّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ [الفتح: ١] [الفَتْحِ»: ١] . وأخْرَجَ أبُو داوُدَ في ”ناسِخِهِ“ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿والَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ ولا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلا بِالحَقِّ ولا يَزْنُونَ ومَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أثامًا﴾ ثُمَّ اسْتَثْنى ﴿إلا مَن تابَ وآمَنَ وعَمِلَ عَمَلا صالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ العَتَمَةَ، ثُمَّ انْصَرَفْتُ، فَإذا امْرَأةٌ عِنْدَ بابِي، فَقالَتْ: جِئْتُكَ أسْألُكَ عَنْ عَمَلٍ عَمِلْتُهُ، هَلْ تَرى لِي مِنهُ تَوْبَةً؟ قُلْتُ: وما هُوَ؟ قالَتْ: زَنَيْتُ ووُلِدَ لِي وقَتَلْتُهُ. قُلْتُ: لا، ولا كَرامَةَ. فَقامَتْ وهي تَقُولُ: واحَسْرَتاهْ! أخُلِقَ هَذا الجَسَدُ لِلنّارِ؟ فَلَمّا صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ الصُّبْحَ مِن تِلْكَ اللَّيْلَةِ قَصَصْتُ عَلَيْهِ أمْرَ المَرْأةِ، قالَ: «ما قُلْتَ لَها»؟ قالَ: قُلْتُ: لا، ولا كَرامَةَ. قالَ: «بِئْسَ ما قُلْتَ، أما كُنْتَ تَقْرَأُ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿والَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿إلا مَن تابَ﴾ [الفرقان»: ٧٠] ؟ الآيَةَ. قالَ (p-٢٢٠)أبُو هُرَيْرَةَ: فَخَرَجْتُ فَما بَقِيَتْ دارٌ بِالمَدِينَةِ ولا خِطَّةٌ إلّا وقَفْتُ عَلَيْها فَقُلْتُ: إنْ كانَ فِيكُمُ المَرْأةُ الَّتِي جاءَتْ أبا هُرَيْرَةَ فَلْتَأْتِ ولْتُبْشِرْ. فَلَمّا انْصَرَفْتُ مِنَ العِشاءِ إذا هي عِنْدَ بابِي، فَقُلْتُ: أبْشِرِي، إنِّي ذَكَرْتُ لِلنَّبِيِّ ﷺ ما قُلْتِ لِي، وما قُلْتُ لَكِ فَقالَ: «بِئْسَ ما قُلْتَ، أما كُنْتَ تَقْرَأُ هَذِهِ الآيَةَ» . وقَرَأْتُها عَلَيْها فَخَرَّتْ ساجِدَةً وقالَتْ: الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ لِي تَوْبَةً ومَخْرَجًا، اشْهَدْ أنَّ هَذِهِ الجارِيَةَ -لِجارِيَةٍ مَعَها- وابْنًا لَها حُرّانِ لِوَجْهِ اللَّهِ، وإنِّي قَدْ تُبْتُ مِمّا عَمِلْتُ» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ﴾ قالَ: هُمُ المُؤْمِنُونَ، كانُوا مِن قَبْلِ إيمانِهِمْ عَلى السَّيِّئاتِ، فَرَغِبَ اللَّهُ بِهِمْ عَنْ ذَلِكَ فَحَوَّلَهم إلى الحَسَناتِ، فَأبْدَلَهُمُ مَكانَ السَّيِّئاتِ الحَسَناتِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿إلا مَن تابَ﴾ قالَ: مِن ذَنْبِهِ. ﴿وآمَنَ﴾ قالَ: بِرَبِّهِ، ﴿وعَمِلَ صالِحًا﴾ قالَ: فِيما بَيْنَهُ وبَيْنَ رَبِّهِ، (p-٢٢١)﴿فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ﴾ قالَ: إنَّما التَّبْدِيلُ طاعَةُ اللَّهِ بَعْدَ عِصْيانِهِ، وذِكْرُ اللَّهِ بَعْدَ نِسْيانِهِ، والخَيْرُ يَعْمَلُهُ بَعْدَ الشَّرِّ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الحَسَنِ: ﴿فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ﴾ قالَ: التَّبْدِيلُ في الدُّنْيا؛ يُبَدِّلُ اللَّهُ بِالعَمَلِ السَّيِّئِ العَمَلَ الصّالِحَ، وبِالشِّرْكِ إخْلاصًا، وبِالفُجُورِ عَفافًا، ونَحْوَ ذَلِكَ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ مُجاهِدٍ: ﴿يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ﴾ قالَ: الإيمانُ بَعْدَ الشِّرْكِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ مَكْحُولٍ: ﴿يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ﴾ قالَ: إذا تابُوا جَعَلَ اللَّهُ ما عَمِلُوا مِن سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنِ: ﴿يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ﴾ قالَ: في الآخِرَةِ. وقالَ الحَسَنُ: في الدُّنْيا. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ أبِي عُثْمانَ النَّهْدِيِّ قالَ: إنَّ المُؤْمِنَ يُعْطى كِتابَهُ في سِتْرٍ مِنَ اللَّهِ فَيَقْرَأُ سَيِّئاتِهِ، فَإذا قَرَأ تَغَيَّرَ لَها لَوْنُهُ حَتّى يَمُرَّ بِحَسَناتِهِ، فَيَقْرَأها، فَيَرْجِعُ إلَيْهِ لَوْنُهُ، ثُمَّ يَنْظُرُ فَإذا سَيِّئاتُهُ قَدْ بُدِّلَتْ حَسَناتٍ، فَعِنْدَ ذَلِكَ يَقُولُ: ﴿هاؤُمُ اقْرَءُوا كِتابِيَهْ﴾ [الحاقة: ١٩] [الحاقَّةِ: ١٩] . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ سَلْمانَ قالَ: يُعْطى رَجُلٌ يَوْمَ القِيامَةِ صَحِيفَةً، فَيَقْرَأُ أعْلاها، فَإذا سَيِّئاتُهُ فَإذا كادَ يَسُوءُ ظَنَّهُ نَظَرَ في (p-٢٢٢)أسْفَلِها، فَإذا حَسَناتُهُ، ثُمَّ يَنْظُرُ في أعْلاها، فَإذا هي قَدْ بُدِّلَتْ حَسَناتٍ. وأخْرَجَ أحْمَدُ، وهَنّادٌ، ومُسْلِمٌ، والتِّرْمِذِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، والبَيْهَقِيُّ في ”الأسْماءِ والصِّفاتِ“، عَنْ أبِي ذَرٍّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««يُؤْتى بِالرَّجُلِ يَوْمَ القِيامَةِ فَيُقالُ: اعْرِضُوا عَلَيْهِ صِغارَ ذُنُوبِهِ. فَيُعْرَضُ عَلَيْهِ صِغارُها، ويُنَحّى عَنْهُ كِبارُها، فَيُقالُ: عَمِلْتَ يَوْمَ كَذا وكَذا، كَذا وكَذا. وهو مُقِرٌّ لَيْسَ يُنْكِرُ، وهو مُشْفِقٌ مِنَ الكِبارِ أنْ تَجِيءَ، فَيُقالُ: أعْطُوهُ مَكانَ كُلِّ سَيِّئَةٍ عَمَلِها حَسَنَةً»» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««لَيَأْتِينَّ ناسٌ يَوْمَ القِيامَةِ ودُّوا أنَّهُمُ اسْتَكْثَرُوا مِنَ السَّيِّئاتِ» . قِيلَ: مَن هُمْ؟ قالَ: الَّذِينَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ» . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ: ﴿فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ﴾ قالَ: حَتّى يَتَمَنّى العَبْدُ أنَّ سَيِّئاتِهِ كانَتْ أكْثَرَ مِمّا هي. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ أبِي العالِيَةِ، أنَّهُ قِيلَ لَهُ: إنَّ أُناسًا يَزْعُمُونَ (p-٢٢٣)أنَّهم يَتَمَنَّوْنَ أنْ يَسْتَكْثِرُوا مِنَ الذُّنُوبِ. قالَ: ولِمَ ذاكَ؟ قالَ: يَتَأوَّلُونَ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ﴾ فَقالَ أبُو العالِيَةِ، وكانَ إذا أُخْبِرَ بِما لا يَعْلَمُ قالَ: آمَنتُ بِما أنْزَلَ اللَّهُ مِن كِتابٍ. ثُمَّ تَلا هَذِهِ الآيَةَ: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِن خَيْرٍ مُحْضَرًا وما عَمِلَتْ مِن سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أنَّ بَيْنَها وبَيْنَهُ أمَدًا بَعِيدًا﴾ [آل عمران: ٣٠] [آلِ عِمْرانَ: ٣٠] . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مَكْحُولٍ قالَ: «جاءَ شَيْخٌ كَبِيرٌ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، رَجُلٌ غَدَرَ وفَجَرَ، لَمْ يَدْعْ حاجَةً ولا داجَةً إلّا اقْتَطَعَها بِيَمِينِهِ، ولَوْ قُسِمَتْ خَطِيئَتُهُ بَيْنَ أهْلِ الأرْضِ لَأوْبَقَتْهُمْ، فَهَلْ لَهُ مِن تَوْبَةٍ؟ فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: «أسْلَمْتَ»؟ . قالَ: نَعَمْ. قالَ: «فَإنَّ اللَّهَ غافِرٌ لَكَ، ومُبَدِّلٌ سَيِّئاتِكَ حَسَناتٍ» . قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، وغَدارَتِي، وفَجَراتِي! قالَ: «وغَدِراتِكَ وفَجَراتِكَ»» . وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ نُفَيْلٍ قالَ: «جاءَ شابٌّ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، أرَأيْتَ مَن لَمْ يَدَعْ سَيِّئَةً إلّا عَمِلَها، ولا خَطِيئَةً إلّا رَكِبَها، ولا أشْرَفَ لَهُ سَهْمٌ فَما (p-٢٢٤)فَوْقَهُ إلّا اقْتَطَعَهُ بِيَمِينِهِ، ومَن لَوْ قُسِمَتْ خَطاياهُ عَلى أهْلِ المَدِينَةِ لَغَمَرَتْهُمْ؟ فَقالَ النَّبِيُّ: ﷺ: «أأسْلَمْتَ»؟ . قالَ: أمّا أنا فَأشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وأنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ. قالَ: «اذْهَبْ فَقَدْ بَدَّلَ اللَّهُ سَيِّئاتِكَ حَسَناتٍ» قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، وغَدارَتِي وفَجَراتِي! قالَ: «وغَدارَتِكَ وفَجَراتِكَ» . ثَلاثًا، فَوَلّى الشّابُّ وهو يَقُولُ: اللَّهُ أكْبَرُ» . وأخْرَجَ البَغَوِيُّ، وابْنُ قانِعٍ، والطَّبَرانِيُّ، «عَنْ أبِي طَوِيلٍ شَطْبٍ المَمْدُودِ، أنَّهُ أتى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: أرَأيْتَ رَجُلًا عَمِلَ الذُّنُوبَ كُلَّها»؟ فَذَكَرَ نَحْوَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنْ أبِي مُوسى قالَ: التَّبْدِيلُ يَوْمَ القِيامَةِ، إذا وقَفَ العَبْدُ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ، والكِتابُ بَيْنَ يَدَيْهِ يَنْظُرُ في السَّيِّئاتِ والحَسَناتِ، فَيَقُولُ: قَدْ غَفَرْتُ لَكَ. ويَسْجُدُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَيَقُولُ: قَدْ بُدِّلَتْ. فَيَسْجُدُ، فَيَقُولُ الخَلائِقُ: طُوبى لِهَذا العَبْدِ الَّذِي لَمْ يَعْمَلْ سَيِّئَةً قَطُّ. وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ عَنْ أبِي مالِكٍ الأشْعَرِيِّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««إذا (p-٢٢٥)نامَ ابْنُ آدَمَ قالَ المَلَكُ لِلشَّيْطانِ: أعْطِنِي صَحِيفَتَكَ. فَيُعْطِيهِ إيّاها، فَما وجَدَ في صَحِيفَتِهِ مِن حَسَنَةٍ مَحا بِها عَشْرَ سَيِّئاتٍ مِن صَحِيفَةِ الشَّيْطانِ، وكَتَبَهُنَّ حَسَناتٍ، فَإذا أرادَ أحَدُكُمُ أنْ يَنامُ فَلْيُكَبِّرْ ثَلاثًا وثَلاثِينَ تَكْبِيرَةً، ويَحْمَدْ أرْبَعًا وثَلاثِينَ تَحْمِيدَةً ويُسَبِّحْ ثَلاثًا وثَلاثِينَ تَسْبِيحَةً فَتِلْكَ، مِائَةٌ»» . وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ، عَنْ مَكْحُولٍ في قَوْلِهِ: ﴿يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ﴾ قالَ: يَجْعَلُ مَكانَ السَّيِّئاتِ حَسَناتٍ. قالَ: فَقالَ خالِدٌ سَبَلانُ: يُخْرِجُهم مِنَ السَّيِّئاتِ إلى الحَسَناتِ! قالَ: فَرَأيْتُ مَكْحُولًا غَضِبَ حَتّى جَعَلَ يَرْتَعِدُ.

الفرقان 25:72

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾ الآياتِ. أخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾ قالَ: إنَّ الزُّورَ كانَ صَنَمًا بِالمَدِينَةِ، يَلْعَبُونَ حَوْلَهُ كُلَّ سَبْعَةِ أيّامٍ، وكانَ أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إذا مَرُّوا بِهِ مَرُّوا كِرامًا لا يَنْظُرُونَ إلَيْهِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الضَّحّاكِ: ﴿والَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾ قالَ: أعْيادَ المُشْرِكِينَ. (p-٢٢٦)وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ الضَّحّاكِ: ﴿والَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾ . قالَ: الشِّرْكُ، ﴿وإذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ﴾ قالَ: بِالشِّرْكِ. وأخْرَجَ الخَطِيبُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾ قالَ: أعْيادَ المُشْرِكِينَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ قَتادَةَ: ﴿والَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾ قالَ: الكَذِبَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ: ﴿والَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾ الآيَةَ. قالَ: لا يُساعِدُونَ أهْلَ الباطِلِ عَلى باطِلِهِمْ، ولا يُمالِئُونَهم فِيهِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ قَيْسٍ المُلائِيِّ: ﴿والَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾ قالَ: مَجالِسَ السُّوءِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عِكْرِمَةَ: ﴿والَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾ قالَ: لَعِبٌ كانَ في الجاهِلِيَّةِ. (p-٢٢٧)وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ مُحَمَّدِ ابْنِ الحَنَفِيَّةِ: ﴿والَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾ قالَ: الغِناءَ واللَّهْوَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ أبِي الجَحّافِ: ﴿والَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾ قالَ: الغِناءَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ: ﴿والَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾ قالَ: الغِناءَ والنِّياحَةَ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي الدُّنْيا، في ”ذَمِّ الغَضَبِ“، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في ”شُعَبِ الإيمانِ“، عَنْ مُجاهِدٍ: ﴿والَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾ قالَ: مَجالِسَ الغِناءِ، ﴿وإذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرامًا﴾ قالَ: إذا أُوذُوا صَفَحُوا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿وإذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرامًا﴾ قالَ: يُعْرِضُونَ عَنْهم لا يُكَلِّمُونَهم. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿وإذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرامًا﴾ قالَ: هي مَكِّيَّةٌ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ عَساكِرَ، عَنْ إبْراهِيمَ بْنِ مَيْسَرَةَ قالَ: بَلَغَنِي «أنَّ (p-٢٢٨)ابْنَ مَسْعُودٍ مَرَّ بِلَهْوٍ مُعْرِضًا ولَمْ يَقِفْ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: «لَقَدْ أصْبَحَ ابْنُ مَسْعُودٍ وأمْسى كَرِيمًا» . ثُمَّ تَلا إبْراهِيمُ: ﴿وإذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرامًا﴾ [الفرقان»: ٧٢] . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنِ الضَّحّاكِ: ﴿وإذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرامًا﴾ قالَ: لَمْ يَكُنِ اللَّغْوُ مِن حالِهِمْ ولا بالِهِمْ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿وإذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ﴾ قالَ: اللَّغْوُ كُلُّهُ المَعاصِي. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وإذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرامًا﴾ قالَ: كانُوا إذا أتَوْا عَلى ذِكْرِ النِّكاحِ كَنَوْا عَنْهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ إذا ذُكِّرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْها صُمًّا وعُمْيانًا﴾ قالَ: لَمْ يَصَمُّوا عَنِ الحَقِّ، ولَمْ يَعْمَوْا عَنْهُ، هم قَوْمٌ عَقَلُوا عَنِ اللَّهِ، فانْتَفَعُوا بِما سَمِعُوا مِن كِتابِ اللَّهِ. (p-٢٢٩)وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ: ﴿لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْها صُمًّا وعُمْيانًا﴾ قالَ: لا يُبْصِرُونَ ولا يَسْمَعُونَ ولا يَفْقَهُونَ حَقًّا. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنِ الحَسَنِ: ﴿والَّذِينَ إذا ذُكِّرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْها صُمًّا وعُمْيانًا﴾ قالَ: كَمْ مِن قارِئٍ يَقْرَؤُها بِلِسانِهِ يَخِرُّ عَلَيْها أصَمَّ أعْمى. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿والَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا هَبْ لَنا مِن أزْواجِنا وذُرِّيّاتِنا قُرَّةَ أعْيُنٍ﴾ قالَ: يَعْنُونَ مَن يَعْمَلُ بِالطّاعَةِ، فَتَقَرُّ بِهِ أعْيُنُنا في الدُّنْيا والآخِرَةِ، ﴿واجْعَلْنا لِلْمُتَّقِينَ إمامًا﴾ قالَ: أئِمَّةَ هُدًى يُهْتَدى بِنا، ولا تَجْعَلْنا أئِمَّةَ ضَلالَةٍ؛ لِأنَّهُ قالَ لِأهْلِ السَّعادَةِ: ﴿وجَعَلْناهم أئِمَّةً يَهْدُونَ بِأمْرِنا﴾ [الأنبياء: ٧٣] [الأنْبِياءِ: ٧٣]، ولِأهْلِ الشَّقاوَةِ: ﴿وجَعَلْناهم أئِمَّةً يَدْعُونَ إلى النّارِ﴾ [القصص: ٤١] [القَصَصِ: ٤١] . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ عِكْرِمَةَ: ﴿والَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا هَبْ لَنا مِن أزْواجِنا وذُرِّيّاتِنا قُرَّةَ أعْيُنٍ﴾ قالَ: لَمْ يُرِيدُوا بِذَلِكَ صَباحَةً ولا (p-٢٣٠)جَمالًا، ولَكِنْ أرادُوا أنْ يَكُونُوا مُطِيعِينَ. وأخْرَجَ ابْنُ المُبارَكِ في ”البَرِّ والصِّلَةِ“، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في ”شُعَبِ الإيمانِ“، عَنِ الحَسَنِ، أنَّهُ سُئِلَ: عَنْ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿هَبْ لَنا مِن أزْواجِنا وذُرِّيّاتِنا قُرَّةَ أعْيُنٍ﴾ أهَذِهِ القُرَّةُ أعْيُنٍ في الدُّنْيا أمْ في الآخِرَةِ؟ قالَ: لا واللَّهِ، بَلْ في الدُّنْيا. قِيلَ: وما هِيَ؟ قالَ: هي أنْ يَرى الرَّجُلُ المُسْلِمُ مِن زَوْجَتِهِ، مِن ذُرِّيَّتِهِ، مِن أخِيهِ، مِن حَمِيمِهِ، طاعَةَ اللَّهِ، ولا واللَّهِ، ما شَيْءٌ أحَبَّ إلى المَرْءِ المُسْلِمِ مِن أنْ يَرى ولَدًا، أوْ والِدًا، أوْ حَمِيمًا، أوْ أخًا مُطِيعًا لِلَّهِ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا هَبْ لَنا مِن أزْواجِنا وذُرِّيّاتِنا قُرَّةَ أعْيُنٍ﴾ قالَ: يُحْسِنُونَ عِبادَتَكَ، ولا يَجُرُّونَ عَلَيْها الجَرائِرَ، ﴿واجْعَلْنا لِلْمُتَّقِينَ إمامًا﴾ قالَ: اجْعَلْنا مُؤْتَمِّينَ بِهِمْ مُقْتَدِينَ بِهِمْ. وأخْرَجَ أحْمَدُ، والبُخارِيُّ في ”الأدَبِ المُفْرَدِ“، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ في ”الحِلْيَةِ“، عَنِ المِقْدادِ بْنِ الأسْوَدِ قالَ: «لَقَدْ بَعَثَ اللَّهُ النَّبِيَّ ﷺ عَلى أشَدِّ حالٍ بَعَثَ عَلَيْها نَبِيًّا مِنَ الأنْبِياءِ في (p-٢٣١)فَتْرَةٍ مِن جاهِلِيَّةٍ، ما يَرَوْنَ أنْ دِينًا أفْضَلُ مِن عِبادَةِ الأوْثانِ، فَجاءَ بِفُرْقانٍ فَرَّقَ بِهِ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، وفَرَّقَ بِهِ بَيْنَ الوالِدِ ووَلَدِهِ، حَتّى إنْ كانَ الرَّجُلُ لَيَرى والِدَهُ أوْ ولَدَهُ أوْ أخاهُ كافِرًا، وقَدْ فَتَحَ اللَّهُ قُفْلَ قَلْبِهِ بِالإيمانِ، ويَعْلَمُ أنَّهُ إنْ هَلَكَ دَخَلَ النّارَ، فَلا تَقَرُّ عَيْنُهُ وهو يَعْلَمُ أنَّ حَبِيبَهُ في النّارِ، وإنَّها لَلَّتِي قالَ اللَّهُ: ﴿والَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا هَبْ لَنا مِن أزْواجِنا وذُرِّيّاتِنا قُرَّةَ أعْيُنٍ﴾ [الفرقان»: ٧٤] . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ عاصِمٍ، أنَّهُ قَرَأ: (هَبْ لَنا مِن أزْواجِنا وذُرِّيَّتِنا) واحِدَةً. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ قَتادَةَ: ﴿واجْعَلْنا لِلْمُتَّقِينَ إمامًا﴾ يَقُولُ: قادَةً في الخَيْرِ، ودُعاةً وهُداةً يُؤْتَمُّ بِهِمْ في الخَيْرِ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ عَنْ أبِي صالِحٍ في قَوْلِهِ: ﴿واجْعَلْنا لِلْمُتَّقِينَ إمامًا﴾ قالَ: أئِمَّةً يُقْتَدى بِهُدانا.

الفرقان 25:73

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾ الآياتِ. أخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾ قالَ: إنَّ الزُّورَ كانَ صَنَمًا بِالمَدِينَةِ، يَلْعَبُونَ حَوْلَهُ كُلَّ سَبْعَةِ أيّامٍ، وكانَ أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إذا مَرُّوا بِهِ مَرُّوا كِرامًا لا يَنْظُرُونَ إلَيْهِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الضَّحّاكِ: ﴿والَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾ قالَ: أعْيادَ المُشْرِكِينَ. (p-٢٢٦)وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ الضَّحّاكِ: ﴿والَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾ . قالَ: الشِّرْكُ، ﴿وإذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ﴾ قالَ: بِالشِّرْكِ. وأخْرَجَ الخَطِيبُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾ قالَ: أعْيادَ المُشْرِكِينَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ قَتادَةَ: ﴿والَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾ قالَ: الكَذِبَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ: ﴿والَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾ الآيَةَ. قالَ: لا يُساعِدُونَ أهْلَ الباطِلِ عَلى باطِلِهِمْ، ولا يُمالِئُونَهم فِيهِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ قَيْسٍ المُلائِيِّ: ﴿والَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾ قالَ: مَجالِسَ السُّوءِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عِكْرِمَةَ: ﴿والَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾ قالَ: لَعِبٌ كانَ في الجاهِلِيَّةِ. (p-٢٢٧)وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ مُحَمَّدِ ابْنِ الحَنَفِيَّةِ: ﴿والَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾ قالَ: الغِناءَ واللَّهْوَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ أبِي الجَحّافِ: ﴿والَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾ قالَ: الغِناءَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ: ﴿والَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾ قالَ: الغِناءَ والنِّياحَةَ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي الدُّنْيا، في ”ذَمِّ الغَضَبِ“، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في ”شُعَبِ الإيمانِ“، عَنْ مُجاهِدٍ: ﴿والَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾ قالَ: مَجالِسَ الغِناءِ، ﴿وإذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرامًا﴾ قالَ: إذا أُوذُوا صَفَحُوا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿وإذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرامًا﴾ قالَ: يُعْرِضُونَ عَنْهم لا يُكَلِّمُونَهم. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿وإذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرامًا﴾ قالَ: هي مَكِّيَّةٌ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ عَساكِرَ، عَنْ إبْراهِيمَ بْنِ مَيْسَرَةَ قالَ: بَلَغَنِي «أنَّ (p-٢٢٨)ابْنَ مَسْعُودٍ مَرَّ بِلَهْوٍ مُعْرِضًا ولَمْ يَقِفْ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: «لَقَدْ أصْبَحَ ابْنُ مَسْعُودٍ وأمْسى كَرِيمًا» . ثُمَّ تَلا إبْراهِيمُ: ﴿وإذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرامًا﴾ [الفرقان»: ٧٢] . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنِ الضَّحّاكِ: ﴿وإذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرامًا﴾ قالَ: لَمْ يَكُنِ اللَّغْوُ مِن حالِهِمْ ولا بالِهِمْ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿وإذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ﴾ قالَ: اللَّغْوُ كُلُّهُ المَعاصِي. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وإذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرامًا﴾ قالَ: كانُوا إذا أتَوْا عَلى ذِكْرِ النِّكاحِ كَنَوْا عَنْهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ إذا ذُكِّرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْها صُمًّا وعُمْيانًا﴾ قالَ: لَمْ يَصَمُّوا عَنِ الحَقِّ، ولَمْ يَعْمَوْا عَنْهُ، هم قَوْمٌ عَقَلُوا عَنِ اللَّهِ، فانْتَفَعُوا بِما سَمِعُوا مِن كِتابِ اللَّهِ. (p-٢٢٩)وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ: ﴿لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْها صُمًّا وعُمْيانًا﴾ قالَ: لا يُبْصِرُونَ ولا يَسْمَعُونَ ولا يَفْقَهُونَ حَقًّا. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنِ الحَسَنِ: ﴿والَّذِينَ إذا ذُكِّرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْها صُمًّا وعُمْيانًا﴾ قالَ: كَمْ مِن قارِئٍ يَقْرَؤُها بِلِسانِهِ يَخِرُّ عَلَيْها أصَمَّ أعْمى. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿والَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا هَبْ لَنا مِن أزْواجِنا وذُرِّيّاتِنا قُرَّةَ أعْيُنٍ﴾ قالَ: يَعْنُونَ مَن يَعْمَلُ بِالطّاعَةِ، فَتَقَرُّ بِهِ أعْيُنُنا في الدُّنْيا والآخِرَةِ، ﴿واجْعَلْنا لِلْمُتَّقِينَ إمامًا﴾ قالَ: أئِمَّةَ هُدًى يُهْتَدى بِنا، ولا تَجْعَلْنا أئِمَّةَ ضَلالَةٍ؛ لِأنَّهُ قالَ لِأهْلِ السَّعادَةِ: ﴿وجَعَلْناهم أئِمَّةً يَهْدُونَ بِأمْرِنا﴾ [الأنبياء: ٧٣] [الأنْبِياءِ: ٧٣]، ولِأهْلِ الشَّقاوَةِ: ﴿وجَعَلْناهم أئِمَّةً يَدْعُونَ إلى النّارِ﴾ [القصص: ٤١] [القَصَصِ: ٤١] . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ عِكْرِمَةَ: ﴿والَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا هَبْ لَنا مِن أزْواجِنا وذُرِّيّاتِنا قُرَّةَ أعْيُنٍ﴾ قالَ: لَمْ يُرِيدُوا بِذَلِكَ صَباحَةً ولا (p-٢٣٠)جَمالًا، ولَكِنْ أرادُوا أنْ يَكُونُوا مُطِيعِينَ. وأخْرَجَ ابْنُ المُبارَكِ في ”البَرِّ والصِّلَةِ“، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في ”شُعَبِ الإيمانِ“، عَنِ الحَسَنِ، أنَّهُ سُئِلَ: عَنْ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿هَبْ لَنا مِن أزْواجِنا وذُرِّيّاتِنا قُرَّةَ أعْيُنٍ﴾ أهَذِهِ القُرَّةُ أعْيُنٍ في الدُّنْيا أمْ في الآخِرَةِ؟ قالَ: لا واللَّهِ، بَلْ في الدُّنْيا. قِيلَ: وما هِيَ؟ قالَ: هي أنْ يَرى الرَّجُلُ المُسْلِمُ مِن زَوْجَتِهِ، مِن ذُرِّيَّتِهِ، مِن أخِيهِ، مِن حَمِيمِهِ، طاعَةَ اللَّهِ، ولا واللَّهِ، ما شَيْءٌ أحَبَّ إلى المَرْءِ المُسْلِمِ مِن أنْ يَرى ولَدًا، أوْ والِدًا، أوْ حَمِيمًا، أوْ أخًا مُطِيعًا لِلَّهِ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا هَبْ لَنا مِن أزْواجِنا وذُرِّيّاتِنا قُرَّةَ أعْيُنٍ﴾ قالَ: يُحْسِنُونَ عِبادَتَكَ، ولا يَجُرُّونَ عَلَيْها الجَرائِرَ، ﴿واجْعَلْنا لِلْمُتَّقِينَ إمامًا﴾ قالَ: اجْعَلْنا مُؤْتَمِّينَ بِهِمْ مُقْتَدِينَ بِهِمْ. وأخْرَجَ أحْمَدُ، والبُخارِيُّ في ”الأدَبِ المُفْرَدِ“، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ في ”الحِلْيَةِ“، عَنِ المِقْدادِ بْنِ الأسْوَدِ قالَ: «لَقَدْ بَعَثَ اللَّهُ النَّبِيَّ ﷺ عَلى أشَدِّ حالٍ بَعَثَ عَلَيْها نَبِيًّا مِنَ الأنْبِياءِ في (p-٢٣١)فَتْرَةٍ مِن جاهِلِيَّةٍ، ما يَرَوْنَ أنْ دِينًا أفْضَلُ مِن عِبادَةِ الأوْثانِ، فَجاءَ بِفُرْقانٍ فَرَّقَ بِهِ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، وفَرَّقَ بِهِ بَيْنَ الوالِدِ ووَلَدِهِ، حَتّى إنْ كانَ الرَّجُلُ لَيَرى والِدَهُ أوْ ولَدَهُ أوْ أخاهُ كافِرًا، وقَدْ فَتَحَ اللَّهُ قُفْلَ قَلْبِهِ بِالإيمانِ، ويَعْلَمُ أنَّهُ إنْ هَلَكَ دَخَلَ النّارَ، فَلا تَقَرُّ عَيْنُهُ وهو يَعْلَمُ أنَّ حَبِيبَهُ في النّارِ، وإنَّها لَلَّتِي قالَ اللَّهُ: ﴿والَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا هَبْ لَنا مِن أزْواجِنا وذُرِّيّاتِنا قُرَّةَ أعْيُنٍ﴾ [الفرقان»: ٧٤] . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ عاصِمٍ، أنَّهُ قَرَأ: (هَبْ لَنا مِن أزْواجِنا وذُرِّيَّتِنا) واحِدَةً. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ قَتادَةَ: ﴿واجْعَلْنا لِلْمُتَّقِينَ إمامًا﴾ يَقُولُ: قادَةً في الخَيْرِ، ودُعاةً وهُداةً يُؤْتَمُّ بِهِمْ في الخَيْرِ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ عَنْ أبِي صالِحٍ في قَوْلِهِ: ﴿واجْعَلْنا لِلْمُتَّقِينَ إمامًا﴾ قالَ: أئِمَّةً يُقْتَدى بِهُدانا.

الفرقان 25:74

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾ الآياتِ. أخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾ قالَ: إنَّ الزُّورَ كانَ صَنَمًا بِالمَدِينَةِ، يَلْعَبُونَ حَوْلَهُ كُلَّ سَبْعَةِ أيّامٍ، وكانَ أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إذا مَرُّوا بِهِ مَرُّوا كِرامًا لا يَنْظُرُونَ إلَيْهِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الضَّحّاكِ: ﴿والَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾ قالَ: أعْيادَ المُشْرِكِينَ. (p-٢٢٦)وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ الضَّحّاكِ: ﴿والَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾ . قالَ: الشِّرْكُ، ﴿وإذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ﴾ قالَ: بِالشِّرْكِ. وأخْرَجَ الخَطِيبُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾ قالَ: أعْيادَ المُشْرِكِينَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ قَتادَةَ: ﴿والَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾ قالَ: الكَذِبَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ: ﴿والَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾ الآيَةَ. قالَ: لا يُساعِدُونَ أهْلَ الباطِلِ عَلى باطِلِهِمْ، ولا يُمالِئُونَهم فِيهِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ قَيْسٍ المُلائِيِّ: ﴿والَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾ قالَ: مَجالِسَ السُّوءِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عِكْرِمَةَ: ﴿والَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾ قالَ: لَعِبٌ كانَ في الجاهِلِيَّةِ. (p-٢٢٧)وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ مُحَمَّدِ ابْنِ الحَنَفِيَّةِ: ﴿والَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾ قالَ: الغِناءَ واللَّهْوَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ أبِي الجَحّافِ: ﴿والَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾ قالَ: الغِناءَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ: ﴿والَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾ قالَ: الغِناءَ والنِّياحَةَ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي الدُّنْيا، في ”ذَمِّ الغَضَبِ“، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في ”شُعَبِ الإيمانِ“، عَنْ مُجاهِدٍ: ﴿والَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾ قالَ: مَجالِسَ الغِناءِ، ﴿وإذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرامًا﴾ قالَ: إذا أُوذُوا صَفَحُوا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿وإذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرامًا﴾ قالَ: يُعْرِضُونَ عَنْهم لا يُكَلِّمُونَهم. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿وإذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرامًا﴾ قالَ: هي مَكِّيَّةٌ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ عَساكِرَ، عَنْ إبْراهِيمَ بْنِ مَيْسَرَةَ قالَ: بَلَغَنِي «أنَّ (p-٢٢٨)ابْنَ مَسْعُودٍ مَرَّ بِلَهْوٍ مُعْرِضًا ولَمْ يَقِفْ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: «لَقَدْ أصْبَحَ ابْنُ مَسْعُودٍ وأمْسى كَرِيمًا» . ثُمَّ تَلا إبْراهِيمُ: ﴿وإذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرامًا﴾ [الفرقان»: ٧٢] . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنِ الضَّحّاكِ: ﴿وإذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرامًا﴾ قالَ: لَمْ يَكُنِ اللَّغْوُ مِن حالِهِمْ ولا بالِهِمْ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿وإذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ﴾ قالَ: اللَّغْوُ كُلُّهُ المَعاصِي. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وإذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرامًا﴾ قالَ: كانُوا إذا أتَوْا عَلى ذِكْرِ النِّكاحِ كَنَوْا عَنْهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ إذا ذُكِّرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْها صُمًّا وعُمْيانًا﴾ قالَ: لَمْ يَصَمُّوا عَنِ الحَقِّ، ولَمْ يَعْمَوْا عَنْهُ، هم قَوْمٌ عَقَلُوا عَنِ اللَّهِ، فانْتَفَعُوا بِما سَمِعُوا مِن كِتابِ اللَّهِ. (p-٢٢٩)وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ: ﴿لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْها صُمًّا وعُمْيانًا﴾ قالَ: لا يُبْصِرُونَ ولا يَسْمَعُونَ ولا يَفْقَهُونَ حَقًّا. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنِ الحَسَنِ: ﴿والَّذِينَ إذا ذُكِّرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْها صُمًّا وعُمْيانًا﴾ قالَ: كَمْ مِن قارِئٍ يَقْرَؤُها بِلِسانِهِ يَخِرُّ عَلَيْها أصَمَّ أعْمى. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿والَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا هَبْ لَنا مِن أزْواجِنا وذُرِّيّاتِنا قُرَّةَ أعْيُنٍ﴾ قالَ: يَعْنُونَ مَن يَعْمَلُ بِالطّاعَةِ، فَتَقَرُّ بِهِ أعْيُنُنا في الدُّنْيا والآخِرَةِ، ﴿واجْعَلْنا لِلْمُتَّقِينَ إمامًا﴾ قالَ: أئِمَّةَ هُدًى يُهْتَدى بِنا، ولا تَجْعَلْنا أئِمَّةَ ضَلالَةٍ؛ لِأنَّهُ قالَ لِأهْلِ السَّعادَةِ: ﴿وجَعَلْناهم أئِمَّةً يَهْدُونَ بِأمْرِنا﴾ [الأنبياء: ٧٣] [الأنْبِياءِ: ٧٣]، ولِأهْلِ الشَّقاوَةِ: ﴿وجَعَلْناهم أئِمَّةً يَدْعُونَ إلى النّارِ﴾ [القصص: ٤١] [القَصَصِ: ٤١] . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ عِكْرِمَةَ: ﴿والَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا هَبْ لَنا مِن أزْواجِنا وذُرِّيّاتِنا قُرَّةَ أعْيُنٍ﴾ قالَ: لَمْ يُرِيدُوا بِذَلِكَ صَباحَةً ولا (p-٢٣٠)جَمالًا، ولَكِنْ أرادُوا أنْ يَكُونُوا مُطِيعِينَ. وأخْرَجَ ابْنُ المُبارَكِ في ”البَرِّ والصِّلَةِ“، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في ”شُعَبِ الإيمانِ“، عَنِ الحَسَنِ، أنَّهُ سُئِلَ: عَنْ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿هَبْ لَنا مِن أزْواجِنا وذُرِّيّاتِنا قُرَّةَ أعْيُنٍ﴾ أهَذِهِ القُرَّةُ أعْيُنٍ في الدُّنْيا أمْ في الآخِرَةِ؟ قالَ: لا واللَّهِ، بَلْ في الدُّنْيا. قِيلَ: وما هِيَ؟ قالَ: هي أنْ يَرى الرَّجُلُ المُسْلِمُ مِن زَوْجَتِهِ، مِن ذُرِّيَّتِهِ، مِن أخِيهِ، مِن حَمِيمِهِ، طاعَةَ اللَّهِ، ولا واللَّهِ، ما شَيْءٌ أحَبَّ إلى المَرْءِ المُسْلِمِ مِن أنْ يَرى ولَدًا، أوْ والِدًا، أوْ حَمِيمًا، أوْ أخًا مُطِيعًا لِلَّهِ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا هَبْ لَنا مِن أزْواجِنا وذُرِّيّاتِنا قُرَّةَ أعْيُنٍ﴾ قالَ: يُحْسِنُونَ عِبادَتَكَ، ولا يَجُرُّونَ عَلَيْها الجَرائِرَ، ﴿واجْعَلْنا لِلْمُتَّقِينَ إمامًا﴾ قالَ: اجْعَلْنا مُؤْتَمِّينَ بِهِمْ مُقْتَدِينَ بِهِمْ. وأخْرَجَ أحْمَدُ، والبُخارِيُّ في ”الأدَبِ المُفْرَدِ“، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ في ”الحِلْيَةِ“، عَنِ المِقْدادِ بْنِ الأسْوَدِ قالَ: «لَقَدْ بَعَثَ اللَّهُ النَّبِيَّ ﷺ عَلى أشَدِّ حالٍ بَعَثَ عَلَيْها نَبِيًّا مِنَ الأنْبِياءِ في (p-٢٣١)فَتْرَةٍ مِن جاهِلِيَّةٍ، ما يَرَوْنَ أنْ دِينًا أفْضَلُ مِن عِبادَةِ الأوْثانِ، فَجاءَ بِفُرْقانٍ فَرَّقَ بِهِ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، وفَرَّقَ بِهِ بَيْنَ الوالِدِ ووَلَدِهِ، حَتّى إنْ كانَ الرَّجُلُ لَيَرى والِدَهُ أوْ ولَدَهُ أوْ أخاهُ كافِرًا، وقَدْ فَتَحَ اللَّهُ قُفْلَ قَلْبِهِ بِالإيمانِ، ويَعْلَمُ أنَّهُ إنْ هَلَكَ دَخَلَ النّارَ، فَلا تَقَرُّ عَيْنُهُ وهو يَعْلَمُ أنَّ حَبِيبَهُ في النّارِ، وإنَّها لَلَّتِي قالَ اللَّهُ: ﴿والَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا هَبْ لَنا مِن أزْواجِنا وذُرِّيّاتِنا قُرَّةَ أعْيُنٍ﴾ [الفرقان»: ٧٤] . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ عاصِمٍ، أنَّهُ قَرَأ: (هَبْ لَنا مِن أزْواجِنا وذُرِّيَّتِنا) واحِدَةً. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ قَتادَةَ: ﴿واجْعَلْنا لِلْمُتَّقِينَ إمامًا﴾ يَقُولُ: قادَةً في الخَيْرِ، ودُعاةً وهُداةً يُؤْتَمُّ بِهِمْ في الخَيْرِ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ عَنْ أبِي صالِحٍ في قَوْلِهِ: ﴿واجْعَلْنا لِلْمُتَّقِينَ إمامًا﴾ قالَ: أئِمَّةً يُقْتَدى بِهُدانا.

الفرقان 25:75

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الغُرْفَةَ﴾ الآيَتَيْنِ. أخْرَجَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ في ”نَوادِرِ الأُصُولِ“ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ «عَنْ (p-٢٣٢)النَّبِيِّ ﷺ في قَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الغُرْفَةَ بِما صَبَرُوا﴾ قالَ: «الغُرْفَةُ مِن ياقُوتَةٍ حَمْراءَ، أوْ زَبَرْجَدَةٍ خَضْراءَ، أوْ دُرَّةٍ بَيْضاءَ، لَيْسَ فِيها فَصْمٌ ولا وصْمٌ»» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الضَّحّاكِ في قَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الغُرْفَةَ﴾ قالَ: الجَنَّةَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو نُعَيْمٍ في ”الحِلْيَةِ“، عَنْ أبِي جَعْفَرٍ في قَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الغُرْفَةَ بِما صَبَرُوا﴾ قالَ: عَلى الفَقْرِ في دارِ الدُّنْيا. وأخْرَجَ زاهِرُ بْنُ طاهِرٍ الشَّحّامِيُّ عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««إنَّ في الجَنَّةِ لَغُرَفًا لَيْسَ فِيها مَغالِيقُ مِن فَوْقِها، ولا عِمادٌ مِن تَحْتِها» . قِيلَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، وكَيْفَ يَدْخُلُها أهْلُها؟ قالَ: «يَدْخُلُونَها أشْباهَ الطَّيْرِ» . قِيلَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، لِمَن هِيَ؟ قالَ: «لِأهْلِ الأسْقامِ والأوْجاعِ والبَلْوى»» . (p-٢٣٣)وأخْرَجَ أحْمَدُ عَنْ أبِي مالِكٍ الأشْعَرِيِّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««إنَّ في الجَنَّةِ غُرْفَةً يُرى ظاهِرُها مِن باطِنِها، وباطِنُها مِن ظاهِرِها، أعَدَّها اللَّهُ لِمَن أطْعَمَ الطَّعامَ، وألانَ الكَلامَ، وتابَعَ الصِّيامَ، وصَلّى والنّاسُ نِيامٌ»» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ في قَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ﴾ يَعْنِي الَّذِينَ في هَؤُلاءِ الآياتِ، ﴿يُجْزَوْنَ الغُرْفَةَ﴾ يَعْنِي في الآخِرَةِ، ﴿الغُرْفَةَ﴾ الجَنَّةَ، ﴿بِما صَبَرُوا﴾ عَلى أمْرِ رَبِّهِمْ، ﴿ويُلَقَّوْنَ فِيها﴾ يَعْنِي: تَتَلَقّاهُمُ المَلائِكَةُ بِالتَّحِيَّةِ والسَّلامِ، ﴿خالِدِينَ فِيها﴾ لا يَمُوتُونَ، ﴿حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا﴾ يَعْنِي مُسْتَقَرَّهم في الجَنَّةِ، ﴿ومُقامًا﴾ يَعْنِي مُقامَ أهْلِ الجَنَّةِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عاصِمٍ قالَ: لَقِيَ ابْنَ سِيرِينَ رَجُلٌ فَقالَ: حَيّاكَ اللَّهُ. فَقالَ: إنَّ أفْضَلَ التَّحِيَّةِ تَحِيَّةُ أهْلِ الجَنَّةِ؛ السَّلامُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ عاصِمٍ أنَّهُ قَرَأ: (أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الغُرْفَةَ) واحِدَةً (بِما صَبَرُوا ويَلْقَوْنَ) خَفِيفَةً مَنصُوبَةَ الياءِ.

الفرقان 25:76

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الغُرْفَةَ﴾ الآيَتَيْنِ. أخْرَجَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ في ”نَوادِرِ الأُصُولِ“ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ «عَنْ (p-٢٣٢)النَّبِيِّ ﷺ في قَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الغُرْفَةَ بِما صَبَرُوا﴾ قالَ: «الغُرْفَةُ مِن ياقُوتَةٍ حَمْراءَ، أوْ زَبَرْجَدَةٍ خَضْراءَ، أوْ دُرَّةٍ بَيْضاءَ، لَيْسَ فِيها فَصْمٌ ولا وصْمٌ»» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الضَّحّاكِ في قَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الغُرْفَةَ﴾ قالَ: الجَنَّةَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو نُعَيْمٍ في ”الحِلْيَةِ“، عَنْ أبِي جَعْفَرٍ في قَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الغُرْفَةَ بِما صَبَرُوا﴾ قالَ: عَلى الفَقْرِ في دارِ الدُّنْيا. وأخْرَجَ زاهِرُ بْنُ طاهِرٍ الشَّحّامِيُّ عَنْ أنَسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««إنَّ في الجَنَّةِ لَغُرَفًا لَيْسَ فِيها مَغالِيقُ مِن فَوْقِها، ولا عِمادٌ مِن تَحْتِها» . قِيلَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، وكَيْفَ يَدْخُلُها أهْلُها؟ قالَ: «يَدْخُلُونَها أشْباهَ الطَّيْرِ» . قِيلَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، لِمَن هِيَ؟ قالَ: «لِأهْلِ الأسْقامِ والأوْجاعِ والبَلْوى»» . (p-٢٣٣)وأخْرَجَ أحْمَدُ عَنْ أبِي مالِكٍ الأشْعَرِيِّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««إنَّ في الجَنَّةِ غُرْفَةً يُرى ظاهِرُها مِن باطِنِها، وباطِنُها مِن ظاهِرِها، أعَدَّها اللَّهُ لِمَن أطْعَمَ الطَّعامَ، وألانَ الكَلامَ، وتابَعَ الصِّيامَ، وصَلّى والنّاسُ نِيامٌ»» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ في قَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ﴾ يَعْنِي الَّذِينَ في هَؤُلاءِ الآياتِ، ﴿يُجْزَوْنَ الغُرْفَةَ﴾ يَعْنِي في الآخِرَةِ، ﴿الغُرْفَةَ﴾ الجَنَّةَ، ﴿بِما صَبَرُوا﴾ عَلى أمْرِ رَبِّهِمْ، ﴿ويُلَقَّوْنَ فِيها﴾ يَعْنِي: تَتَلَقّاهُمُ المَلائِكَةُ بِالتَّحِيَّةِ والسَّلامِ، ﴿خالِدِينَ فِيها﴾ لا يَمُوتُونَ، ﴿حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا﴾ يَعْنِي مُسْتَقَرَّهم في الجَنَّةِ، ﴿ومُقامًا﴾ يَعْنِي مُقامَ أهْلِ الجَنَّةِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عاصِمٍ قالَ: لَقِيَ ابْنَ سِيرِينَ رَجُلٌ فَقالَ: حَيّاكَ اللَّهُ. فَقالَ: إنَّ أفْضَلَ التَّحِيَّةِ تَحِيَّةُ أهْلِ الجَنَّةِ؛ السَّلامُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ عاصِمٍ أنَّهُ قَرَأ: (أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الغُرْفَةَ) واحِدَةً (بِما صَبَرُوا ويَلْقَوْنَ) خَفِيفَةً مَنصُوبَةَ الياءِ.

الفرقان 25:77

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ ما يَعْبَأُ بِكم رَبِّي﴾ الآيَةَ. أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿قُلْ ما يَعْبَأُ بِكم رَبِّي لَوْلا دُعاؤُكُمْ﴾ . (p-٢٣٤)يَقُولُ: لَوْلا إيمانُكُمْ، فَأخْبَرَ اللَّهُ أنَّهُ لا حاجَةَ لَهُ بِهِمْ، إذْ لَمْ يَخْلُقْهم مُؤْمِنِينَ، ولَوْ كانَ لَهُ بِهِمْ حاجَةٌ لَحَبَّبَ إلَيْهِمُ الإيمانَ كَما حَبَّبَهُ إلى المُؤْمِنِينَ، ﴿فَسَوْفَ يَكُونُ لِزامًا﴾ قالَ: مَوْتًا. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ: ﴿قُلْ ما يَعْبَأُ بِكم رَبِّي﴾ قالَ: ما يَفْعَلُ، ﴿لَوْلا دُعاؤُكُمْ﴾ قالَ: لَوْلا دُعاؤُهُ إيّاكم لِتَعْبُدُوهُ وتُطِيعُوهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ في ”العَظَمَةِ“، عَنِ الوَلِيدِ بْنِ أبِي الوَلِيدِ قالَ: بَلَغَنِي أنْ تَفْسِيرَ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿قُلْ ما يَعْبَأُ بِكم رَبِّي لَوْلا دُعاؤُكُمْ﴾ أيْ: ما خَلَقْتُكم لِي بِكم حاجَةٌ إلّا أنْ تَسْألُونِي فَأغْفِرَ لَكُمْ، وتَسْألُونِي فَأُعْطِيَكم. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ، أنَّهُ قَرَأ في صَلاةِ الصُّبْحِ ”الفُرْقانَ“، فَلَمّا أتى عَلى هَذِهِ الآيَةِ قَرَأ: (فَقَدْ كَذَّبَ الكافِرُونَ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزامًا) . (p-٢٣٥)وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ الأنْبارِيِّ في ”المَصاحِفِ“، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ يَقْرَؤُها: (فَقَدْ كَذَّبَ الكافِرُونَ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزامًا) . وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَسَوْفَ يَكُونُ لِزامًا﴾ قالَ: مَوْتًا. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ قَتادَةَ: ﴿فَسَوْفَ يَكُونُ لِزامًا﴾ قالَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: هو القَتْلُ يَوْمَ بَدْرٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ قالَ: اللِّزامُ القَتْلُ الَّذِي أصابَهم يَوْمَ بَدْرٍ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: ﴿فَسَوْفَ يَكُونُ لِزامًا﴾ قالَ: القَتْلُ يَوْمَ بَدْرٍ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: قالَ: قَدْ مَضى اللِّزامُ، كانَ يَوْمَ بَدْرٍ؛ قَتَلُوا سَبْعِينَ وأسَرُوا سَبْعِينَ. (p-٢٣٦)وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، والبُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في ”الدَّلائِلِ“، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: خَمْسٌ قَدْ مَضَيْنَ؛ الدُّخانُ، والقَمَرُ، والرُّومُ، والبَطْشَةُ، واللِّزامُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ قَتادَةَ قالَ: كُنّا نُحَدِّثُ أنَّ اللِّزامَ يَوْمُ بَدْرٍ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ مُجاهِدٍ: ﴿فَسَوْفَ يَكُونُ لِزامًا﴾ قالَ: يَوْمُ بَدْرٍ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أبِي مالِكٍ، مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الحَسَنِ: ﴿فَسَوْفَ يَكُونُ لِزامًا﴾ قالَ: ذاكَ يَوْمُ القِيامَةِ. وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: مَضى خَمْسُ آياتٍ وبَقِيَ خَمْسٌ مِنها، انْشِقاقُ القَمَرِ وقَدْ رَأيْناهُ، ومَضى الدُّخانُ، ومَضَتِ البَطْشَةُ الكُبْرى، ومَضى اليَوْمُ العَقِيمُ ومَضى اللِّزامُ.

الشعراء 26:1

(p-٢٣٧)﷽ سُورَةُ الشُّعَراءِ مَكِّيَّةٌ أخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ ”طسم الشُّعَراءِ“ بِمَكَّةَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ قالَ: أُنْزِلَتْ سُورَةُ ”الشُّعَراءِ“ بِمَكَّةَ. وأخْرَجَ النَّحّاسُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: سُورَةُ ”الشُّعَراءِ“ نَزَلَتْ بِمَكَّةَ سِوى خَمْسِ آياتٍ مِن آخِرِها نَزَلْنَ بِالمَدِينَةِ: ﴿والشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الغاوُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٤] إلى آخِرِها [الشُّعَراءِ: ٢٢٤] . وأخْرَجَ أبُو نُعَيْمٍ في ”الحِلْيَةِ“ عَنْ مَعْدِ يَكْرِبَ قالَ: أتَيْنا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ نَسْألُهُ عَنْ: ”طسم الشُّعَراءِ“ . قالَ: لَيْسَتْ مَعِي، ولَكِنْ عَلَيْكم بِمَن أخَذَها مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، عَلَيْكم بِأبِي عَبْدِ اللَّهِ خِبّابِ بْنِ الأرَتِّ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿طسم﴾ . (p-٢٣٨)أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿طسم﴾ قالَ: اسْمٌ مِن أسْماءِ القُرْآنِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ في قَوْلِهِ: ﴿طسم﴾ قالَ: الطّاءُ مِن ذِي الطَّوْلِ، والسِّينُ مِنَ القُدُّوسِ، والمِيمُ مِنَ الرَّحْمَنِ.

الشعراء 26:3

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ﴾ الآياتِ. أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ﴾ قالَ: لَعَلَّكَ قاتِلٌ نَفْسَكَ، ﴿ألا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿إنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً فَظَلَّتْ أعْناقُهم لَها خاضِعِينَ﴾ قالَ: لَوْ شاءَ اللَّهُ أنْزَلَ عَلَيْهِمْ آيَةً يَذِلُّونَ بِها، فَلا يَلْوِي أحَدٌ مِنهم عُنُقَهُ إلى مَعْصِيَةِ اللَّهِ، ﴿وما يَأْتِيهِمْ مِن ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ﴾ الآيَةَ. يَقُولُ: ما يَأْتِيهِمْ مِن شَيْءٍ مِن كِتابِ اللَّهِ إلّا أعْرَضُوا عَنْهُ، ﴿فَسَيَأْتِيهِمْ﴾ يَعْنِي يَوْمَ القِيامَةِ، أنْباءِ ما اسْتَهْزَءُوا بِهِ مِن كِتابِ اللَّهِ. وفي قَوْلِهِ: ﴿كَمْ أنْبَتْنا فِيها مِن كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾ قالَ: حَسَنٍ. وأخْرَجَ الطَّسْتِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أنَّ نافِعَ بْنَ الأزْرَقِ سَألَهُ عَنْ قَوْلِهِ: (p-٢٣٩)﴿فَظَلَّتْ أعْناقُهم لَها خاضِعِينَ﴾ قالَ: العُنُقُ الجَماعَةُ مِنَ النّاسِ. قالَ: وهَلْ تَعْرِفُ العَرَبُ ذَلِكَ؟ قالَ: نَعَمْ، أما سَمِعْتَ الحارِثَ بْنَ هِشامٍ وهو يَقُولُ ويَذْكُرُ أبا جَهْلٍ: ؎يُخَبِّرُنا المُخَبِّرُ أنَّ عَمْرًا أمامَ القَوْمِ في عُنُقٍ مُخِيلِ وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَظَلَّتْ أعْناقُهم لَها خاضِعِينَ﴾ قالَ: ذَلِيلِينَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ زَيْدٍ قالَ: الخاضِعُ الذَّلِيلُ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿كَمْ أنْبَتْنا فِيها مِن كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾ قالَ: مِن نَباتِ الأرْضِ مِمّا يَأْكُلُ النّاسُ والأنْعامُ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ: ﴿كَمْ أنْبَتْنا فِيها مِن كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾ قالَ: النّاسُ مِن نَباتِ الأرْضِ، فَمَن دَخَلَ الجَنَّةَ فَهو كَرِيمٌ، ومَن دَخَلَ النّارَ فَهو لَئِيمٌ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قالَ: كُلُّ شَيْءٍ في ”الشُّعَراءِ“ مِن قَوْلِهِ: (p-٢٤٠)”عَزِيزٌ رَحِيمٌ“ فَهو ما هَلَكَ مِمَّنْ مَضى مِنَ الأُمَمِ. يَقُولُ: عَزِيزٌ حِينَ انْتَقَمَ مِن أعْدائِهِ، رَحِيمِ بِالمُؤْمِنِينَ حِينَ أنْجاهم مِمّا أهْلَكَ بِهِ أعْداءَهُ.

الشعراء 26:4

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ﴾ الآياتِ. أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ﴾ قالَ: لَعَلَّكَ قاتِلٌ نَفْسَكَ، ﴿ألا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿إنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً فَظَلَّتْ أعْناقُهم لَها خاضِعِينَ﴾ قالَ: لَوْ شاءَ اللَّهُ أنْزَلَ عَلَيْهِمْ آيَةً يَذِلُّونَ بِها، فَلا يَلْوِي أحَدٌ مِنهم عُنُقَهُ إلى مَعْصِيَةِ اللَّهِ، ﴿وما يَأْتِيهِمْ مِن ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ﴾ الآيَةَ. يَقُولُ: ما يَأْتِيهِمْ مِن شَيْءٍ مِن كِتابِ اللَّهِ إلّا أعْرَضُوا عَنْهُ، ﴿فَسَيَأْتِيهِمْ﴾ يَعْنِي يَوْمَ القِيامَةِ، أنْباءِ ما اسْتَهْزَءُوا بِهِ مِن كِتابِ اللَّهِ. وفي قَوْلِهِ: ﴿كَمْ أنْبَتْنا فِيها مِن كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾ قالَ: حَسَنٍ. وأخْرَجَ الطَّسْتِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أنَّ نافِعَ بْنَ الأزْرَقِ سَألَهُ عَنْ قَوْلِهِ: (p-٢٣٩)﴿فَظَلَّتْ أعْناقُهم لَها خاضِعِينَ﴾ قالَ: العُنُقُ الجَماعَةُ مِنَ النّاسِ. قالَ: وهَلْ تَعْرِفُ العَرَبُ ذَلِكَ؟ قالَ: نَعَمْ، أما سَمِعْتَ الحارِثَ بْنَ هِشامٍ وهو يَقُولُ ويَذْكُرُ أبا جَهْلٍ: ؎يُخَبِّرُنا المُخَبِّرُ أنَّ عَمْرًا أمامَ القَوْمِ في عُنُقٍ مُخِيلِ وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَظَلَّتْ أعْناقُهم لَها خاضِعِينَ﴾ قالَ: ذَلِيلِينَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ زَيْدٍ قالَ: الخاضِعُ الذَّلِيلُ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿كَمْ أنْبَتْنا فِيها مِن كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾ قالَ: مِن نَباتِ الأرْضِ مِمّا يَأْكُلُ النّاسُ والأنْعامُ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ: ﴿كَمْ أنْبَتْنا فِيها مِن كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾ قالَ: النّاسُ مِن نَباتِ الأرْضِ، فَمَن دَخَلَ الجَنَّةَ فَهو كَرِيمٌ، ومَن دَخَلَ النّارَ فَهو لَئِيمٌ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قالَ: كُلُّ شَيْءٍ في ”الشُّعَراءِ“ مِن قَوْلِهِ: (p-٢٤٠)”عَزِيزٌ رَحِيمٌ“ فَهو ما هَلَكَ مِمَّنْ مَضى مِنَ الأُمَمِ. يَقُولُ: عَزِيزٌ حِينَ انْتَقَمَ مِن أعْدائِهِ، رَحِيمِ بِالمُؤْمِنِينَ حِينَ أنْجاهم مِمّا أهْلَكَ بِهِ أعْداءَهُ.

الشعراء 26:5

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ﴾ الآياتِ. أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ﴾ قالَ: لَعَلَّكَ قاتِلٌ نَفْسَكَ، ﴿ألا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿إنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً فَظَلَّتْ أعْناقُهم لَها خاضِعِينَ﴾ قالَ: لَوْ شاءَ اللَّهُ أنْزَلَ عَلَيْهِمْ آيَةً يَذِلُّونَ بِها، فَلا يَلْوِي أحَدٌ مِنهم عُنُقَهُ إلى مَعْصِيَةِ اللَّهِ، ﴿وما يَأْتِيهِمْ مِن ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ﴾ الآيَةَ. يَقُولُ: ما يَأْتِيهِمْ مِن شَيْءٍ مِن كِتابِ اللَّهِ إلّا أعْرَضُوا عَنْهُ، ﴿فَسَيَأْتِيهِمْ﴾ يَعْنِي يَوْمَ القِيامَةِ، أنْباءِ ما اسْتَهْزَءُوا بِهِ مِن كِتابِ اللَّهِ. وفي قَوْلِهِ: ﴿كَمْ أنْبَتْنا فِيها مِن كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾ قالَ: حَسَنٍ. وأخْرَجَ الطَّسْتِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أنَّ نافِعَ بْنَ الأزْرَقِ سَألَهُ عَنْ قَوْلِهِ: (p-٢٣٩)﴿فَظَلَّتْ أعْناقُهم لَها خاضِعِينَ﴾ قالَ: العُنُقُ الجَماعَةُ مِنَ النّاسِ. قالَ: وهَلْ تَعْرِفُ العَرَبُ ذَلِكَ؟ قالَ: نَعَمْ، أما سَمِعْتَ الحارِثَ بْنَ هِشامٍ وهو يَقُولُ ويَذْكُرُ أبا جَهْلٍ: ؎يُخَبِّرُنا المُخَبِّرُ أنَّ عَمْرًا أمامَ القَوْمِ في عُنُقٍ مُخِيلِ وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَظَلَّتْ أعْناقُهم لَها خاضِعِينَ﴾ قالَ: ذَلِيلِينَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ زَيْدٍ قالَ: الخاضِعُ الذَّلِيلُ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿كَمْ أنْبَتْنا فِيها مِن كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾ قالَ: مِن نَباتِ الأرْضِ مِمّا يَأْكُلُ النّاسُ والأنْعامُ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ: ﴿كَمْ أنْبَتْنا فِيها مِن كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾ قالَ: النّاسُ مِن نَباتِ الأرْضِ، فَمَن دَخَلَ الجَنَّةَ فَهو كَرِيمٌ، ومَن دَخَلَ النّارَ فَهو لَئِيمٌ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قالَ: كُلُّ شَيْءٍ في ”الشُّعَراءِ“ مِن قَوْلِهِ: (p-٢٤٠)”عَزِيزٌ رَحِيمٌ“ فَهو ما هَلَكَ مِمَّنْ مَضى مِنَ الأُمَمِ. يَقُولُ: عَزِيزٌ حِينَ انْتَقَمَ مِن أعْدائِهِ، رَحِيمِ بِالمُؤْمِنِينَ حِينَ أنْجاهم مِمّا أهْلَكَ بِهِ أعْداءَهُ.

الشعراء 26:6

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ﴾ الآياتِ. أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ﴾ قالَ: لَعَلَّكَ قاتِلٌ نَفْسَكَ، ﴿ألا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿إنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً فَظَلَّتْ أعْناقُهم لَها خاضِعِينَ﴾ قالَ: لَوْ شاءَ اللَّهُ أنْزَلَ عَلَيْهِمْ آيَةً يَذِلُّونَ بِها، فَلا يَلْوِي أحَدٌ مِنهم عُنُقَهُ إلى مَعْصِيَةِ اللَّهِ، ﴿وما يَأْتِيهِمْ مِن ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ﴾ الآيَةَ. يَقُولُ: ما يَأْتِيهِمْ مِن شَيْءٍ مِن كِتابِ اللَّهِ إلّا أعْرَضُوا عَنْهُ، ﴿فَسَيَأْتِيهِمْ﴾ يَعْنِي يَوْمَ القِيامَةِ، أنْباءِ ما اسْتَهْزَءُوا بِهِ مِن كِتابِ اللَّهِ. وفي قَوْلِهِ: ﴿كَمْ أنْبَتْنا فِيها مِن كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾ قالَ: حَسَنٍ. وأخْرَجَ الطَّسْتِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أنَّ نافِعَ بْنَ الأزْرَقِ سَألَهُ عَنْ قَوْلِهِ: (p-٢٣٩)﴿فَظَلَّتْ أعْناقُهم لَها خاضِعِينَ﴾ قالَ: العُنُقُ الجَماعَةُ مِنَ النّاسِ. قالَ: وهَلْ تَعْرِفُ العَرَبُ ذَلِكَ؟ قالَ: نَعَمْ، أما سَمِعْتَ الحارِثَ بْنَ هِشامٍ وهو يَقُولُ ويَذْكُرُ أبا جَهْلٍ: ؎يُخَبِّرُنا المُخَبِّرُ أنَّ عَمْرًا أمامَ القَوْمِ في عُنُقٍ مُخِيلِ وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَظَلَّتْ أعْناقُهم لَها خاضِعِينَ﴾ قالَ: ذَلِيلِينَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ زَيْدٍ قالَ: الخاضِعُ الذَّلِيلُ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿كَمْ أنْبَتْنا فِيها مِن كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾ قالَ: مِن نَباتِ الأرْضِ مِمّا يَأْكُلُ النّاسُ والأنْعامُ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ: ﴿كَمْ أنْبَتْنا فِيها مِن كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾ قالَ: النّاسُ مِن نَباتِ الأرْضِ، فَمَن دَخَلَ الجَنَّةَ فَهو كَرِيمٌ، ومَن دَخَلَ النّارَ فَهو لَئِيمٌ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قالَ: كُلُّ شَيْءٍ في ”الشُّعَراءِ“ مِن قَوْلِهِ: (p-٢٤٠)”عَزِيزٌ رَحِيمٌ“ فَهو ما هَلَكَ مِمَّنْ مَضى مِنَ الأُمَمِ. يَقُولُ: عَزِيزٌ حِينَ انْتَقَمَ مِن أعْدائِهِ، رَحِيمِ بِالمُؤْمِنِينَ حِينَ أنْجاهم مِمّا أهْلَكَ بِهِ أعْداءَهُ.

الشعراء 26:7

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ﴾ الآياتِ. أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ﴾ قالَ: لَعَلَّكَ قاتِلٌ نَفْسَكَ، ﴿ألا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿إنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً فَظَلَّتْ أعْناقُهم لَها خاضِعِينَ﴾ قالَ: لَوْ شاءَ اللَّهُ أنْزَلَ عَلَيْهِمْ آيَةً يَذِلُّونَ بِها، فَلا يَلْوِي أحَدٌ مِنهم عُنُقَهُ إلى مَعْصِيَةِ اللَّهِ، ﴿وما يَأْتِيهِمْ مِن ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ﴾ الآيَةَ. يَقُولُ: ما يَأْتِيهِمْ مِن شَيْءٍ مِن كِتابِ اللَّهِ إلّا أعْرَضُوا عَنْهُ، ﴿فَسَيَأْتِيهِمْ﴾ يَعْنِي يَوْمَ القِيامَةِ، أنْباءِ ما اسْتَهْزَءُوا بِهِ مِن كِتابِ اللَّهِ. وفي قَوْلِهِ: ﴿كَمْ أنْبَتْنا فِيها مِن كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾ قالَ: حَسَنٍ. وأخْرَجَ الطَّسْتِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أنَّ نافِعَ بْنَ الأزْرَقِ سَألَهُ عَنْ قَوْلِهِ: (p-٢٣٩)﴿فَظَلَّتْ أعْناقُهم لَها خاضِعِينَ﴾ قالَ: العُنُقُ الجَماعَةُ مِنَ النّاسِ. قالَ: وهَلْ تَعْرِفُ العَرَبُ ذَلِكَ؟ قالَ: نَعَمْ، أما سَمِعْتَ الحارِثَ بْنَ هِشامٍ وهو يَقُولُ ويَذْكُرُ أبا جَهْلٍ: ؎يُخَبِّرُنا المُخَبِّرُ أنَّ عَمْرًا أمامَ القَوْمِ في عُنُقٍ مُخِيلِ وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَظَلَّتْ أعْناقُهم لَها خاضِعِينَ﴾ قالَ: ذَلِيلِينَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ زَيْدٍ قالَ: الخاضِعُ الذَّلِيلُ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿كَمْ أنْبَتْنا فِيها مِن كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾ قالَ: مِن نَباتِ الأرْضِ مِمّا يَأْكُلُ النّاسُ والأنْعامُ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ: ﴿كَمْ أنْبَتْنا فِيها مِن كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾ قالَ: النّاسُ مِن نَباتِ الأرْضِ، فَمَن دَخَلَ الجَنَّةَ فَهو كَرِيمٌ، ومَن دَخَلَ النّارَ فَهو لَئِيمٌ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قالَ: كُلُّ شَيْءٍ في ”الشُّعَراءِ“ مِن قَوْلِهِ: (p-٢٤٠)”عَزِيزٌ رَحِيمٌ“ فَهو ما هَلَكَ مِمَّنْ مَضى مِنَ الأُمَمِ. يَقُولُ: عَزِيزٌ حِينَ انْتَقَمَ مِن أعْدائِهِ، رَحِيمِ بِالمُؤْمِنِينَ حِينَ أنْجاهم مِمّا أهْلَكَ بِهِ أعْداءَهُ.

الشعراء 26:10

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذْ نادى رَبُّكَ مُوسى﴾ الآياتِ. أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ: ﴿وإذْ نادى رَبُّكَ مُوسى﴾ قالَ: حِينَ نُودِيَ مِن جانِبِ الطُّورِ الأيْمَنِ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولَهم عَلَيَّ ذَنْبٌ﴾ [الشعراء: ١٤] قالَ: قَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي قَتَلَ فِيهِمْ. وفي قَوْلِهِ: ﴿وفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ﴾ قالَ: قَتْلُ النَّفْسِ أيْضًا. وفي قَوْلِهِ: ﴿فَعَلْتُها إذًا وأنا مِنَ الضّالِّينَ﴾ قالَ: مِنَ الجاهِلِينَ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿ولَهم عَلَيَّ ذَنْبٌ﴾ [الشعراء: ١٤] قالَ: قَتْلُ النَّفْسِ، وفي قَوْلِهِ: ﴿ألَمْ نُرَبِّكَ فِينا ولِيدًا﴾ قالَ: التَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ فَرَبَّوْهُ ولِيدًا حَتّى كانَ رَجُلًا، ﴿وفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ﴾ قالَ: قَتَلْتَ النَّفْسَ الَّتِي قَتَلْتَ، ﴿وأنْتَ مِنَ الكافِرِينَ﴾ قالَ: فَتَبَرَّأ مِن ذَلِكَ نَبِيُّ اللَّهِ، قالَ: ﴿فَعَلْتُها إذًا وأنا مِنَ الضّالِّينَ﴾ قالَ: مِنَ الجاهِلِينَ. قالَ: وهي في بَعْضِ القِراءَةِ: (وأنا مِنَ (p-٢٤١)الجاهِلِينَ) . فَإنَّما هو شَيْءٌ جَهِلَهُ ولَمْ يَتَعَمَّدْهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ في قَوْلِهِ: ﴿وفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وأنْتَ مِنَ الكافِرِينَ﴾ قالَ: مَنَّ فِرْعَوْنُ عَلى مُوسى حِينَ رَبّاهُ. يَقُولُ: كَفَرْتَ نِعْمَتِي. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ: ﴿وتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّها عَلَيَّ أنْ عَبَّدْتَ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ قالَ: قَهَرْتَهم واسْتَعْمَلْتَهم. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وأنْتَ مِنَ الكافِرِينَ﴾ قالَ: لِلنِّعْمَةِ، إنَّ فِرْعَوْنَ لَمْ يَكُنْ يَعْلَمُ ما الكُفْرُ. وفي قَوْلِهِ: ﴿قالَ فَعَلْتُها إذًا وأنا مِنَ الضّالِّينَ﴾ قالَ: مِنَ الجاهِلِينَ. وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قالَ: في قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: (فَعَلْتُها إذَنْ وأنا مِنَ الجاهِلِينَ) . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ: في قَوْلِهِ: ﴿فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا﴾ . (p-٢٤٢)قالَ: النُّبُوَّةَ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ: ﴿وتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّها عَلَيَّ﴾ قالَ: يَقُولُ مُوسى لِفِرْعَوْنَ: أتَمُنُّ عَلَيَّ يا فِرْعَوْنُ بِأنِ اتَّخَذْتَ بَنِي إسْرائِيلَ عَبِيدًا وكانُوا أحْرارًا، فَقَهَرْتَهم واتَّخَذْتَهم عَبِيدًا؟ وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿قالَ فِرْعَوْنُ وما رَبُّ العالَمِينَ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿إنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [الشعراء: ٢٨] قالَ: فَلَمْ يَزِدْهُ إلّا رَغْمًا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَألْقى عَصاهُ فَإذا هي ثُعْبانٌ مُبِينٌ﴾ [الشعراء: ٣٢] يَقُولُ: مُبِينٌ لَهُ خَلْقُ حَيَّةٍ، ﴿ونَزَعَ يَدَهُ﴾ يَقُولُ: وأخْرَجَ مُوسى يَدَهُ مِن جَيْبِهِ، فَإذا هي بَيْضاءُ تَلْمَعُ، ﴿لِلنّاظِرِينَ﴾ لِمَن يَنْظُرُ إلَيْها ويَراها. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ قالَ: أقْبَلَ مُوسى إلى أهْلِهِ، فَسارَ بِهِمْ نَحْوَ مِصْرَ حَتّى أتاها لَيْلًا، فَتَضَيَّفَ عَلى أُمِّهِ وهو لا يَعْرِفُهُمْ، في لَيْلَةٍ كانُوا يَأْكُلُونَ مِنها الطَّفَيْشَلَ، فَنَزَلَ في جانِبٍ الدّارِ، فَجاءَ هارُونَ فَلَمّا أبْصَرَ ضَيْفَهُ (p-٢٤٣)سَألَ عَنْهُ أُمَّهُ، فَأخْبَرَتْهُ أنَّهُ ضَيْفٌ، فَدَعاهُ فَأكَلَ مَعَهُ، فَلَمّا قَعَدا تَحَدَّثا، فَسَألَهُ هارُونَ: مَن أنْتَ؟ قالَ: أنا مُوسى. فَقامَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما إلى صاحِبِهِ فاعْتَنَقَهُ، فَلَمّا أنَّ تَعارَفا قالَ لَهُ مُوسى: يا هارُونُ، انْطَلِقْ بِي إلى فِرْعَوْنَ؛ فَإنَّ اللَّهَ قَدْ أرْسَلَنا إلَيْهِ. قالَ هارُونُ: سَمْعًا وطاعَةً. فَقامَتْ أُمُّهُما، فَصاحَتْ وقالَتْ: أنْشُدُكُما بِاللَّهِ ألّا تَذْهَبا إلى فِرْعَوْنَ فَيَقْتُلَكُما. فَأبَيا فانْطَلَقا إلَيْهِ لَيْلًا، فَأتَيا البابَ فَضَرَباهُ، فَفَزِعَ فِرْعَوْنُ وفَزِعَ البَوّابُ، فَقالَ فِرْعَوْنُ: مَن هَذا الَّذِي يَضْرِبُ بابِي هَذِهِ السّاعَةَ؟ فَأشْرَفَ عَلَيْهِما البَوّابُ فَكَلَّمَهُما، فَقالَ لَهُ مُوسى: ﴿إنّا رَسُولُ رَبِّ العالَمِينَ﴾ فَفَزِعَ البَوّابُ، فَأتى فِرْعَوْنَ فَأخْبَرَهُ، فَقالَ: إنَّ هَهُنا إنْسانًا مَجْنُونًا يَزْعُمُ أنَّهُ رَسُولُ رَبِّ العالَمِينَ. فَقالَ: أدْخِلْهُ. فَدَخَلَ، فَقالَ: إنِّي رَسُولُ رَبِّ العالَمِينَ. قالَ فِرْعَوْنُ ﴿وما رَبُّ العالَمِينَ﴾ قالَ: ﴿رَبُّنا الَّذِي أعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى﴾ [طه: ٥٠] [طه: ٥٠] . قالَ: ﴿إنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِها إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ [الأعراف: ١٠٦] ﴿فَألْقى عَصاهُ فَإذا هي ثُعْبانٌ مُبِينٌ﴾ [الأعراف: ١٠٧] [الأعْرافِ: ١٠٦، ١٠٧] . والثُّعْبانُ الذَّكَرُ مِنَ الحَيّاتِ، فاتِحَةً فَمَها، واضِعَةً لَحْيَها الأسْفَلَ في الأرْضِ والأعْلى عَلى سُورِ القَصْرِ، ثُمَّ تَوَجَّهَتْ نَحْوَ فِرْعَوْنَ لِتَأْخُذَهُ، فَلَمّا رَآها ذُعِرَ مِنها ووَثَبَ فَأحْدَثَ، ولَمْ يَكُنْ يُحْدِثُ قَبْلَ ذَلِكَ، وصاحَ: يا مُوسى، خُذْها وأنا أُومِنُ بِكَ وأُرْسِلَ مَعَكَ بَنِي إسْرائِيلَ. فَأخَذَها (p-٢٤٤)مُوسى، فَصارَتْ عَصًا، فَقالَتِ السَّحَرَةُ في نَجْواهم: ﴿إنْ هَذانِ لَساحِرانِ يُرِيدانِ أنْ يُخْرِجاكم مِن أرْضِكم بِسِحْرِهِما﴾ [طه: ٦٣] [طه: ٦٣] . فالتَقى مُوسى وأمِيرُ السَّحَرَةِ، فَقالَ لَهُ: مُوسى: أرَأيْتَ إنْ غَلَبْتُكَ غَدًا أتُؤْمِنُ بِي وتَشْهَدُ أنَّ ما جِئْتُ بِهِ حَقٌّ؟ قالَ السّاحِرُ: لِآتِيَنَّ غَدًا بِسِحْرٍ لا يَغْلِبُهُ شَيْءٌ، فَواللَّهِ لَئِنْ غَلَبْتَنِي لَأُؤْمِنَنَّ لَكَ، ولَأشْهَدَنَّ أنَّكَ حَقٌّ. وفِرْعَوْنُ يَنْظُرُ إلَيْهِما. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وقِيلَ لِلنّاسِ هَلْ أنْتُمْ مُجْتَمِعُونَ﴾ [الشعراء: ٣٩] قالَ: كانُوا بِالإسْكَنْدَرِيَّةِ. قالَ: ويُقالُ: بَلَغَ ذَنَبُ الحَيَّةِ مِن وراءِ البُحَيْرَةِ يَوْمَئِذٍ. قالَ: وهَرَبُوا وأسْلَمُوا فِرْعَوْنَ، وهَمَّتْ بِهِ فَقالَ: خُذْها يا مُوسى. وكانَ مِمّا بُلِيَ النّاسُ بِهِ مِنهُ أنَّهُ كانَ لا يَضَعُ عَلى الأرْضِ شَيْئًا، فَأحْدَثَ يَوْمَئِذٍ تَحْتَهُ، وكانَ إرْسالُهُ الحَيَّةَ في القُبَّةِ الخَضْراءِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وقالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إنّا لَنَحْنُ الغالِبُونَ﴾ [الشعراء: ٤٤] قالَ: فَوَجَدُوا اللَّهَ أعَزَّ مِنهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ بِشْرِ بْنِ مَنصُورٍ قالَ: بَلَغَنِي أنَّهُ لَمّا تَكَلَّمَ بِبَعْضِ هَذا: ﴿وقالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ﴾ [الشعراء: ٤٤] قالَتِ المَلائِكَةُ: قَصَمَهُ ورَبِّ الكَعْبَةِ. فَقالَ اللَّهُ: (p-٢٤٥)تَألَّوْنَ عَلَيَّ، قَدْ أمْهَلْتُهُ أرْبَعِينَ عامًا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ في قَوْلِهِ: ﴿لا ضَيْرَ﴾ [الشعراء: ٥٠] قالَ: يَقُولُونَ: لا يَضُرُّنا الَّذِي تَقُولُ، وإنْ صَنَعْتَ بِنا وصَلَبْتَنا، ﴿إنّا إلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ﴾ [الشعراء: ٥٠] يَقُولُ: إنّا إلى رَبِّنا راجِعُونَ، وهو مُجازِينا بِصَبْرِنا عَلى عُقُوبَتِكَ إيّانا، وثَباتِنا عَلى تَوْحِيدِهِ، والبَراءَةِ مِنَ الكُفْرِ بِهِ. وفي قَوْلِهِ: ﴿أنْ كُنّا أوَّلَ المُؤْمِنِينَ﴾ قالَ: كانُوا كَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ أوَّلَ مَن آمَنَ بِآياتِهِ حِينَ رَأوْها.

الشعراء 26:11

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذْ نادى رَبُّكَ مُوسى﴾ الآياتِ. أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ: ﴿وإذْ نادى رَبُّكَ مُوسى﴾ قالَ: حِينَ نُودِيَ مِن جانِبِ الطُّورِ الأيْمَنِ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولَهم عَلَيَّ ذَنْبٌ﴾ [الشعراء: ١٤] قالَ: قَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي قَتَلَ فِيهِمْ. وفي قَوْلِهِ: ﴿وفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ﴾ قالَ: قَتْلُ النَّفْسِ أيْضًا. وفي قَوْلِهِ: ﴿فَعَلْتُها إذًا وأنا مِنَ الضّالِّينَ﴾ قالَ: مِنَ الجاهِلِينَ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿ولَهم عَلَيَّ ذَنْبٌ﴾ [الشعراء: ١٤] قالَ: قَتْلُ النَّفْسِ، وفي قَوْلِهِ: ﴿ألَمْ نُرَبِّكَ فِينا ولِيدًا﴾ قالَ: التَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ فَرَبَّوْهُ ولِيدًا حَتّى كانَ رَجُلًا، ﴿وفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ﴾ قالَ: قَتَلْتَ النَّفْسَ الَّتِي قَتَلْتَ، ﴿وأنْتَ مِنَ الكافِرِينَ﴾ قالَ: فَتَبَرَّأ مِن ذَلِكَ نَبِيُّ اللَّهِ، قالَ: ﴿فَعَلْتُها إذًا وأنا مِنَ الضّالِّينَ﴾ قالَ: مِنَ الجاهِلِينَ. قالَ: وهي في بَعْضِ القِراءَةِ: (وأنا مِنَ (p-٢٤١)الجاهِلِينَ) . فَإنَّما هو شَيْءٌ جَهِلَهُ ولَمْ يَتَعَمَّدْهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ في قَوْلِهِ: ﴿وفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وأنْتَ مِنَ الكافِرِينَ﴾ قالَ: مَنَّ فِرْعَوْنُ عَلى مُوسى حِينَ رَبّاهُ. يَقُولُ: كَفَرْتَ نِعْمَتِي. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ: ﴿وتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّها عَلَيَّ أنْ عَبَّدْتَ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ قالَ: قَهَرْتَهم واسْتَعْمَلْتَهم. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وأنْتَ مِنَ الكافِرِينَ﴾ قالَ: لِلنِّعْمَةِ، إنَّ فِرْعَوْنَ لَمْ يَكُنْ يَعْلَمُ ما الكُفْرُ. وفي قَوْلِهِ: ﴿قالَ فَعَلْتُها إذًا وأنا مِنَ الضّالِّينَ﴾ قالَ: مِنَ الجاهِلِينَ. وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قالَ: في قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: (فَعَلْتُها إذَنْ وأنا مِنَ الجاهِلِينَ) . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ: في قَوْلِهِ: ﴿فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا﴾ . (p-٢٤٢)قالَ: النُّبُوَّةَ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ: ﴿وتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّها عَلَيَّ﴾ قالَ: يَقُولُ مُوسى لِفِرْعَوْنَ: أتَمُنُّ عَلَيَّ يا فِرْعَوْنُ بِأنِ اتَّخَذْتَ بَنِي إسْرائِيلَ عَبِيدًا وكانُوا أحْرارًا، فَقَهَرْتَهم واتَّخَذْتَهم عَبِيدًا؟ وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿قالَ فِرْعَوْنُ وما رَبُّ العالَمِينَ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿إنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [الشعراء: ٢٨] قالَ: فَلَمْ يَزِدْهُ إلّا رَغْمًا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَألْقى عَصاهُ فَإذا هي ثُعْبانٌ مُبِينٌ﴾ [الشعراء: ٣٢] يَقُولُ: مُبِينٌ لَهُ خَلْقُ حَيَّةٍ، ﴿ونَزَعَ يَدَهُ﴾ يَقُولُ: وأخْرَجَ مُوسى يَدَهُ مِن جَيْبِهِ، فَإذا هي بَيْضاءُ تَلْمَعُ، ﴿لِلنّاظِرِينَ﴾ لِمَن يَنْظُرُ إلَيْها ويَراها. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ قالَ: أقْبَلَ مُوسى إلى أهْلِهِ، فَسارَ بِهِمْ نَحْوَ مِصْرَ حَتّى أتاها لَيْلًا، فَتَضَيَّفَ عَلى أُمِّهِ وهو لا يَعْرِفُهُمْ، في لَيْلَةٍ كانُوا يَأْكُلُونَ مِنها الطَّفَيْشَلَ، فَنَزَلَ في جانِبٍ الدّارِ، فَجاءَ هارُونَ فَلَمّا أبْصَرَ ضَيْفَهُ (p-٢٤٣)سَألَ عَنْهُ أُمَّهُ، فَأخْبَرَتْهُ أنَّهُ ضَيْفٌ، فَدَعاهُ فَأكَلَ مَعَهُ، فَلَمّا قَعَدا تَحَدَّثا، فَسَألَهُ هارُونَ: مَن أنْتَ؟ قالَ: أنا مُوسى. فَقامَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما إلى صاحِبِهِ فاعْتَنَقَهُ، فَلَمّا أنَّ تَعارَفا قالَ لَهُ مُوسى: يا هارُونُ، انْطَلِقْ بِي إلى فِرْعَوْنَ؛ فَإنَّ اللَّهَ قَدْ أرْسَلَنا إلَيْهِ. قالَ هارُونُ: سَمْعًا وطاعَةً. فَقامَتْ أُمُّهُما، فَصاحَتْ وقالَتْ: أنْشُدُكُما بِاللَّهِ ألّا تَذْهَبا إلى فِرْعَوْنَ فَيَقْتُلَكُما. فَأبَيا فانْطَلَقا إلَيْهِ لَيْلًا، فَأتَيا البابَ فَضَرَباهُ، فَفَزِعَ فِرْعَوْنُ وفَزِعَ البَوّابُ، فَقالَ فِرْعَوْنُ: مَن هَذا الَّذِي يَضْرِبُ بابِي هَذِهِ السّاعَةَ؟ فَأشْرَفَ عَلَيْهِما البَوّابُ فَكَلَّمَهُما، فَقالَ لَهُ مُوسى: ﴿إنّا رَسُولُ رَبِّ العالَمِينَ﴾ فَفَزِعَ البَوّابُ، فَأتى فِرْعَوْنَ فَأخْبَرَهُ، فَقالَ: إنَّ هَهُنا إنْسانًا مَجْنُونًا يَزْعُمُ أنَّهُ رَسُولُ رَبِّ العالَمِينَ. فَقالَ: أدْخِلْهُ. فَدَخَلَ، فَقالَ: إنِّي رَسُولُ رَبِّ العالَمِينَ. قالَ فِرْعَوْنُ ﴿وما رَبُّ العالَمِينَ﴾ قالَ: ﴿رَبُّنا الَّذِي أعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى﴾ [طه: ٥٠] [طه: ٥٠] . قالَ: ﴿إنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِها إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ [الأعراف: ١٠٦] ﴿فَألْقى عَصاهُ فَإذا هي ثُعْبانٌ مُبِينٌ﴾ [الأعراف: ١٠٧] [الأعْرافِ: ١٠٦، ١٠٧] . والثُّعْبانُ الذَّكَرُ مِنَ الحَيّاتِ، فاتِحَةً فَمَها، واضِعَةً لَحْيَها الأسْفَلَ في الأرْضِ والأعْلى عَلى سُورِ القَصْرِ، ثُمَّ تَوَجَّهَتْ نَحْوَ فِرْعَوْنَ لِتَأْخُذَهُ، فَلَمّا رَآها ذُعِرَ مِنها ووَثَبَ فَأحْدَثَ، ولَمْ يَكُنْ يُحْدِثُ قَبْلَ ذَلِكَ، وصاحَ: يا مُوسى، خُذْها وأنا أُومِنُ بِكَ وأُرْسِلَ مَعَكَ بَنِي إسْرائِيلَ. فَأخَذَها (p-٢٤٤)مُوسى، فَصارَتْ عَصًا، فَقالَتِ السَّحَرَةُ في نَجْواهم: ﴿إنْ هَذانِ لَساحِرانِ يُرِيدانِ أنْ يُخْرِجاكم مِن أرْضِكم بِسِحْرِهِما﴾ [طه: ٦٣] [طه: ٦٣] . فالتَقى مُوسى وأمِيرُ السَّحَرَةِ، فَقالَ لَهُ: مُوسى: أرَأيْتَ إنْ غَلَبْتُكَ غَدًا أتُؤْمِنُ بِي وتَشْهَدُ أنَّ ما جِئْتُ بِهِ حَقٌّ؟ قالَ السّاحِرُ: لِآتِيَنَّ غَدًا بِسِحْرٍ لا يَغْلِبُهُ شَيْءٌ، فَواللَّهِ لَئِنْ غَلَبْتَنِي لَأُؤْمِنَنَّ لَكَ، ولَأشْهَدَنَّ أنَّكَ حَقٌّ. وفِرْعَوْنُ يَنْظُرُ إلَيْهِما. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وقِيلَ لِلنّاسِ هَلْ أنْتُمْ مُجْتَمِعُونَ﴾ [الشعراء: ٣٩] قالَ: كانُوا بِالإسْكَنْدَرِيَّةِ. قالَ: ويُقالُ: بَلَغَ ذَنَبُ الحَيَّةِ مِن وراءِ البُحَيْرَةِ يَوْمَئِذٍ. قالَ: وهَرَبُوا وأسْلَمُوا فِرْعَوْنَ، وهَمَّتْ بِهِ فَقالَ: خُذْها يا مُوسى. وكانَ مِمّا بُلِيَ النّاسُ بِهِ مِنهُ أنَّهُ كانَ لا يَضَعُ عَلى الأرْضِ شَيْئًا، فَأحْدَثَ يَوْمَئِذٍ تَحْتَهُ، وكانَ إرْسالُهُ الحَيَّةَ في القُبَّةِ الخَضْراءِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وقالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إنّا لَنَحْنُ الغالِبُونَ﴾ [الشعراء: ٤٤] قالَ: فَوَجَدُوا اللَّهَ أعَزَّ مِنهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ بِشْرِ بْنِ مَنصُورٍ قالَ: بَلَغَنِي أنَّهُ لَمّا تَكَلَّمَ بِبَعْضِ هَذا: ﴿وقالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ﴾ [الشعراء: ٤٤] قالَتِ المَلائِكَةُ: قَصَمَهُ ورَبِّ الكَعْبَةِ. فَقالَ اللَّهُ: (p-٢٤٥)تَألَّوْنَ عَلَيَّ، قَدْ أمْهَلْتُهُ أرْبَعِينَ عامًا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ في قَوْلِهِ: ﴿لا ضَيْرَ﴾ [الشعراء: ٥٠] قالَ: يَقُولُونَ: لا يَضُرُّنا الَّذِي تَقُولُ، وإنْ صَنَعْتَ بِنا وصَلَبْتَنا، ﴿إنّا إلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ﴾ [الشعراء: ٥٠] يَقُولُ: إنّا إلى رَبِّنا راجِعُونَ، وهو مُجازِينا بِصَبْرِنا عَلى عُقُوبَتِكَ إيّانا، وثَباتِنا عَلى تَوْحِيدِهِ، والبَراءَةِ مِنَ الكُفْرِ بِهِ. وفي قَوْلِهِ: ﴿أنْ كُنّا أوَّلَ المُؤْمِنِينَ﴾ قالَ: كانُوا كَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ أوَّلَ مَن آمَنَ بِآياتِهِ حِينَ رَأوْها.

الشعراء 26:12

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذْ نادى رَبُّكَ مُوسى﴾ الآياتِ. أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ: ﴿وإذْ نادى رَبُّكَ مُوسى﴾ قالَ: حِينَ نُودِيَ مِن جانِبِ الطُّورِ الأيْمَنِ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولَهم عَلَيَّ ذَنْبٌ﴾ [الشعراء: ١٤] قالَ: قَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي قَتَلَ فِيهِمْ. وفي قَوْلِهِ: ﴿وفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ﴾ قالَ: قَتْلُ النَّفْسِ أيْضًا. وفي قَوْلِهِ: ﴿فَعَلْتُها إذًا وأنا مِنَ الضّالِّينَ﴾ قالَ: مِنَ الجاهِلِينَ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿ولَهم عَلَيَّ ذَنْبٌ﴾ [الشعراء: ١٤] قالَ: قَتْلُ النَّفْسِ، وفي قَوْلِهِ: ﴿ألَمْ نُرَبِّكَ فِينا ولِيدًا﴾ قالَ: التَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ فَرَبَّوْهُ ولِيدًا حَتّى كانَ رَجُلًا، ﴿وفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ﴾ قالَ: قَتَلْتَ النَّفْسَ الَّتِي قَتَلْتَ، ﴿وأنْتَ مِنَ الكافِرِينَ﴾ قالَ: فَتَبَرَّأ مِن ذَلِكَ نَبِيُّ اللَّهِ، قالَ: ﴿فَعَلْتُها إذًا وأنا مِنَ الضّالِّينَ﴾ قالَ: مِنَ الجاهِلِينَ. قالَ: وهي في بَعْضِ القِراءَةِ: (وأنا مِنَ (p-٢٤١)الجاهِلِينَ) . فَإنَّما هو شَيْءٌ جَهِلَهُ ولَمْ يَتَعَمَّدْهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ في قَوْلِهِ: ﴿وفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وأنْتَ مِنَ الكافِرِينَ﴾ قالَ: مَنَّ فِرْعَوْنُ عَلى مُوسى حِينَ رَبّاهُ. يَقُولُ: كَفَرْتَ نِعْمَتِي. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ: ﴿وتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّها عَلَيَّ أنْ عَبَّدْتَ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ قالَ: قَهَرْتَهم واسْتَعْمَلْتَهم. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وأنْتَ مِنَ الكافِرِينَ﴾ قالَ: لِلنِّعْمَةِ، إنَّ فِرْعَوْنَ لَمْ يَكُنْ يَعْلَمُ ما الكُفْرُ. وفي قَوْلِهِ: ﴿قالَ فَعَلْتُها إذًا وأنا مِنَ الضّالِّينَ﴾ قالَ: مِنَ الجاهِلِينَ. وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قالَ: في قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: (فَعَلْتُها إذَنْ وأنا مِنَ الجاهِلِينَ) . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ: في قَوْلِهِ: ﴿فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا﴾ . (p-٢٤٢)قالَ: النُّبُوَّةَ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ: ﴿وتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّها عَلَيَّ﴾ قالَ: يَقُولُ مُوسى لِفِرْعَوْنَ: أتَمُنُّ عَلَيَّ يا فِرْعَوْنُ بِأنِ اتَّخَذْتَ بَنِي إسْرائِيلَ عَبِيدًا وكانُوا أحْرارًا، فَقَهَرْتَهم واتَّخَذْتَهم عَبِيدًا؟ وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿قالَ فِرْعَوْنُ وما رَبُّ العالَمِينَ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿إنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [الشعراء: ٢٨] قالَ: فَلَمْ يَزِدْهُ إلّا رَغْمًا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَألْقى عَصاهُ فَإذا هي ثُعْبانٌ مُبِينٌ﴾ [الشعراء: ٣٢] يَقُولُ: مُبِينٌ لَهُ خَلْقُ حَيَّةٍ، ﴿ونَزَعَ يَدَهُ﴾ يَقُولُ: وأخْرَجَ مُوسى يَدَهُ مِن جَيْبِهِ، فَإذا هي بَيْضاءُ تَلْمَعُ، ﴿لِلنّاظِرِينَ﴾ لِمَن يَنْظُرُ إلَيْها ويَراها. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ قالَ: أقْبَلَ مُوسى إلى أهْلِهِ، فَسارَ بِهِمْ نَحْوَ مِصْرَ حَتّى أتاها لَيْلًا، فَتَضَيَّفَ عَلى أُمِّهِ وهو لا يَعْرِفُهُمْ، في لَيْلَةٍ كانُوا يَأْكُلُونَ مِنها الطَّفَيْشَلَ، فَنَزَلَ في جانِبٍ الدّارِ، فَجاءَ هارُونَ فَلَمّا أبْصَرَ ضَيْفَهُ (p-٢٤٣)سَألَ عَنْهُ أُمَّهُ، فَأخْبَرَتْهُ أنَّهُ ضَيْفٌ، فَدَعاهُ فَأكَلَ مَعَهُ، فَلَمّا قَعَدا تَحَدَّثا، فَسَألَهُ هارُونَ: مَن أنْتَ؟ قالَ: أنا مُوسى. فَقامَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما إلى صاحِبِهِ فاعْتَنَقَهُ، فَلَمّا أنَّ تَعارَفا قالَ لَهُ مُوسى: يا هارُونُ، انْطَلِقْ بِي إلى فِرْعَوْنَ؛ فَإنَّ اللَّهَ قَدْ أرْسَلَنا إلَيْهِ. قالَ هارُونُ: سَمْعًا وطاعَةً. فَقامَتْ أُمُّهُما، فَصاحَتْ وقالَتْ: أنْشُدُكُما بِاللَّهِ ألّا تَذْهَبا إلى فِرْعَوْنَ فَيَقْتُلَكُما. فَأبَيا فانْطَلَقا إلَيْهِ لَيْلًا، فَأتَيا البابَ فَضَرَباهُ، فَفَزِعَ فِرْعَوْنُ وفَزِعَ البَوّابُ، فَقالَ فِرْعَوْنُ: مَن هَذا الَّذِي يَضْرِبُ بابِي هَذِهِ السّاعَةَ؟ فَأشْرَفَ عَلَيْهِما البَوّابُ فَكَلَّمَهُما، فَقالَ لَهُ مُوسى: ﴿إنّا رَسُولُ رَبِّ العالَمِينَ﴾ فَفَزِعَ البَوّابُ، فَأتى فِرْعَوْنَ فَأخْبَرَهُ، فَقالَ: إنَّ هَهُنا إنْسانًا مَجْنُونًا يَزْعُمُ أنَّهُ رَسُولُ رَبِّ العالَمِينَ. فَقالَ: أدْخِلْهُ. فَدَخَلَ، فَقالَ: إنِّي رَسُولُ رَبِّ العالَمِينَ. قالَ فِرْعَوْنُ ﴿وما رَبُّ العالَمِينَ﴾ قالَ: ﴿رَبُّنا الَّذِي أعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى﴾ [طه: ٥٠] [طه: ٥٠] . قالَ: ﴿إنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِها إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ [الأعراف: ١٠٦] ﴿فَألْقى عَصاهُ فَإذا هي ثُعْبانٌ مُبِينٌ﴾ [الأعراف: ١٠٧] [الأعْرافِ: ١٠٦، ١٠٧] . والثُّعْبانُ الذَّكَرُ مِنَ الحَيّاتِ، فاتِحَةً فَمَها، واضِعَةً لَحْيَها الأسْفَلَ في الأرْضِ والأعْلى عَلى سُورِ القَصْرِ، ثُمَّ تَوَجَّهَتْ نَحْوَ فِرْعَوْنَ لِتَأْخُذَهُ، فَلَمّا رَآها ذُعِرَ مِنها ووَثَبَ فَأحْدَثَ، ولَمْ يَكُنْ يُحْدِثُ قَبْلَ ذَلِكَ، وصاحَ: يا مُوسى، خُذْها وأنا أُومِنُ بِكَ وأُرْسِلَ مَعَكَ بَنِي إسْرائِيلَ. فَأخَذَها (p-٢٤٤)مُوسى، فَصارَتْ عَصًا، فَقالَتِ السَّحَرَةُ في نَجْواهم: ﴿إنْ هَذانِ لَساحِرانِ يُرِيدانِ أنْ يُخْرِجاكم مِن أرْضِكم بِسِحْرِهِما﴾ [طه: ٦٣] [طه: ٦٣] . فالتَقى مُوسى وأمِيرُ السَّحَرَةِ، فَقالَ لَهُ: مُوسى: أرَأيْتَ إنْ غَلَبْتُكَ غَدًا أتُؤْمِنُ بِي وتَشْهَدُ أنَّ ما جِئْتُ بِهِ حَقٌّ؟ قالَ السّاحِرُ: لِآتِيَنَّ غَدًا بِسِحْرٍ لا يَغْلِبُهُ شَيْءٌ، فَواللَّهِ لَئِنْ غَلَبْتَنِي لَأُؤْمِنَنَّ لَكَ، ولَأشْهَدَنَّ أنَّكَ حَقٌّ. وفِرْعَوْنُ يَنْظُرُ إلَيْهِما. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وقِيلَ لِلنّاسِ هَلْ أنْتُمْ مُجْتَمِعُونَ﴾ [الشعراء: ٣٩] قالَ: كانُوا بِالإسْكَنْدَرِيَّةِ. قالَ: ويُقالُ: بَلَغَ ذَنَبُ الحَيَّةِ مِن وراءِ البُحَيْرَةِ يَوْمَئِذٍ. قالَ: وهَرَبُوا وأسْلَمُوا فِرْعَوْنَ، وهَمَّتْ بِهِ فَقالَ: خُذْها يا مُوسى. وكانَ مِمّا بُلِيَ النّاسُ بِهِ مِنهُ أنَّهُ كانَ لا يَضَعُ عَلى الأرْضِ شَيْئًا، فَأحْدَثَ يَوْمَئِذٍ تَحْتَهُ، وكانَ إرْسالُهُ الحَيَّةَ في القُبَّةِ الخَضْراءِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وقالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إنّا لَنَحْنُ الغالِبُونَ﴾ [الشعراء: ٤٤] قالَ: فَوَجَدُوا اللَّهَ أعَزَّ مِنهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ بِشْرِ بْنِ مَنصُورٍ قالَ: بَلَغَنِي أنَّهُ لَمّا تَكَلَّمَ بِبَعْضِ هَذا: ﴿وقالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ﴾ [الشعراء: ٤٤] قالَتِ المَلائِكَةُ: قَصَمَهُ ورَبِّ الكَعْبَةِ. فَقالَ اللَّهُ: (p-٢٤٥)تَألَّوْنَ عَلَيَّ، قَدْ أمْهَلْتُهُ أرْبَعِينَ عامًا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ في قَوْلِهِ: ﴿لا ضَيْرَ﴾ [الشعراء: ٥٠] قالَ: يَقُولُونَ: لا يَضُرُّنا الَّذِي تَقُولُ، وإنْ صَنَعْتَ بِنا وصَلَبْتَنا، ﴿إنّا إلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ﴾ [الشعراء: ٥٠] يَقُولُ: إنّا إلى رَبِّنا راجِعُونَ، وهو مُجازِينا بِصَبْرِنا عَلى عُقُوبَتِكَ إيّانا، وثَباتِنا عَلى تَوْحِيدِهِ، والبَراءَةِ مِنَ الكُفْرِ بِهِ. وفي قَوْلِهِ: ﴿أنْ كُنّا أوَّلَ المُؤْمِنِينَ﴾ قالَ: كانُوا كَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ أوَّلَ مَن آمَنَ بِآياتِهِ حِينَ رَأوْها.

الشعراء 26:13

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذْ نادى رَبُّكَ مُوسى﴾ الآياتِ. أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ: ﴿وإذْ نادى رَبُّكَ مُوسى﴾ قالَ: حِينَ نُودِيَ مِن جانِبِ الطُّورِ الأيْمَنِ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولَهم عَلَيَّ ذَنْبٌ﴾ [الشعراء: ١٤] قالَ: قَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي قَتَلَ فِيهِمْ. وفي قَوْلِهِ: ﴿وفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ﴾ قالَ: قَتْلُ النَّفْسِ أيْضًا. وفي قَوْلِهِ: ﴿فَعَلْتُها إذًا وأنا مِنَ الضّالِّينَ﴾ قالَ: مِنَ الجاهِلِينَ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿ولَهم عَلَيَّ ذَنْبٌ﴾ [الشعراء: ١٤] قالَ: قَتْلُ النَّفْسِ، وفي قَوْلِهِ: ﴿ألَمْ نُرَبِّكَ فِينا ولِيدًا﴾ قالَ: التَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ فَرَبَّوْهُ ولِيدًا حَتّى كانَ رَجُلًا، ﴿وفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ﴾ قالَ: قَتَلْتَ النَّفْسَ الَّتِي قَتَلْتَ، ﴿وأنْتَ مِنَ الكافِرِينَ﴾ قالَ: فَتَبَرَّأ مِن ذَلِكَ نَبِيُّ اللَّهِ، قالَ: ﴿فَعَلْتُها إذًا وأنا مِنَ الضّالِّينَ﴾ قالَ: مِنَ الجاهِلِينَ. قالَ: وهي في بَعْضِ القِراءَةِ: (وأنا مِنَ (p-٢٤١)الجاهِلِينَ) . فَإنَّما هو شَيْءٌ جَهِلَهُ ولَمْ يَتَعَمَّدْهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ في قَوْلِهِ: ﴿وفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وأنْتَ مِنَ الكافِرِينَ﴾ قالَ: مَنَّ فِرْعَوْنُ عَلى مُوسى حِينَ رَبّاهُ. يَقُولُ: كَفَرْتَ نِعْمَتِي. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ: ﴿وتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّها عَلَيَّ أنْ عَبَّدْتَ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ قالَ: قَهَرْتَهم واسْتَعْمَلْتَهم. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وأنْتَ مِنَ الكافِرِينَ﴾ قالَ: لِلنِّعْمَةِ، إنَّ فِرْعَوْنَ لَمْ يَكُنْ يَعْلَمُ ما الكُفْرُ. وفي قَوْلِهِ: ﴿قالَ فَعَلْتُها إذًا وأنا مِنَ الضّالِّينَ﴾ قالَ: مِنَ الجاهِلِينَ. وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قالَ: في قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: (فَعَلْتُها إذَنْ وأنا مِنَ الجاهِلِينَ) . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ: في قَوْلِهِ: ﴿فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا﴾ . (p-٢٤٢)قالَ: النُّبُوَّةَ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ: ﴿وتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّها عَلَيَّ﴾ قالَ: يَقُولُ مُوسى لِفِرْعَوْنَ: أتَمُنُّ عَلَيَّ يا فِرْعَوْنُ بِأنِ اتَّخَذْتَ بَنِي إسْرائِيلَ عَبِيدًا وكانُوا أحْرارًا، فَقَهَرْتَهم واتَّخَذْتَهم عَبِيدًا؟ وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿قالَ فِرْعَوْنُ وما رَبُّ العالَمِينَ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿إنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [الشعراء: ٢٨] قالَ: فَلَمْ يَزِدْهُ إلّا رَغْمًا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَألْقى عَصاهُ فَإذا هي ثُعْبانٌ مُبِينٌ﴾ [الشعراء: ٣٢] يَقُولُ: مُبِينٌ لَهُ خَلْقُ حَيَّةٍ، ﴿ونَزَعَ يَدَهُ﴾ يَقُولُ: وأخْرَجَ مُوسى يَدَهُ مِن جَيْبِهِ، فَإذا هي بَيْضاءُ تَلْمَعُ، ﴿لِلنّاظِرِينَ﴾ لِمَن يَنْظُرُ إلَيْها ويَراها. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ قالَ: أقْبَلَ مُوسى إلى أهْلِهِ، فَسارَ بِهِمْ نَحْوَ مِصْرَ حَتّى أتاها لَيْلًا، فَتَضَيَّفَ عَلى أُمِّهِ وهو لا يَعْرِفُهُمْ، في لَيْلَةٍ كانُوا يَأْكُلُونَ مِنها الطَّفَيْشَلَ، فَنَزَلَ في جانِبٍ الدّارِ، فَجاءَ هارُونَ فَلَمّا أبْصَرَ ضَيْفَهُ (p-٢٤٣)سَألَ عَنْهُ أُمَّهُ، فَأخْبَرَتْهُ أنَّهُ ضَيْفٌ، فَدَعاهُ فَأكَلَ مَعَهُ، فَلَمّا قَعَدا تَحَدَّثا، فَسَألَهُ هارُونَ: مَن أنْتَ؟ قالَ: أنا مُوسى. فَقامَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما إلى صاحِبِهِ فاعْتَنَقَهُ، فَلَمّا أنَّ تَعارَفا قالَ لَهُ مُوسى: يا هارُونُ، انْطَلِقْ بِي إلى فِرْعَوْنَ؛ فَإنَّ اللَّهَ قَدْ أرْسَلَنا إلَيْهِ. قالَ هارُونُ: سَمْعًا وطاعَةً. فَقامَتْ أُمُّهُما، فَصاحَتْ وقالَتْ: أنْشُدُكُما بِاللَّهِ ألّا تَذْهَبا إلى فِرْعَوْنَ فَيَقْتُلَكُما. فَأبَيا فانْطَلَقا إلَيْهِ لَيْلًا، فَأتَيا البابَ فَضَرَباهُ، فَفَزِعَ فِرْعَوْنُ وفَزِعَ البَوّابُ، فَقالَ فِرْعَوْنُ: مَن هَذا الَّذِي يَضْرِبُ بابِي هَذِهِ السّاعَةَ؟ فَأشْرَفَ عَلَيْهِما البَوّابُ فَكَلَّمَهُما، فَقالَ لَهُ مُوسى: ﴿إنّا رَسُولُ رَبِّ العالَمِينَ﴾ فَفَزِعَ البَوّابُ، فَأتى فِرْعَوْنَ فَأخْبَرَهُ، فَقالَ: إنَّ هَهُنا إنْسانًا مَجْنُونًا يَزْعُمُ أنَّهُ رَسُولُ رَبِّ العالَمِينَ. فَقالَ: أدْخِلْهُ. فَدَخَلَ، فَقالَ: إنِّي رَسُولُ رَبِّ العالَمِينَ. قالَ فِرْعَوْنُ ﴿وما رَبُّ العالَمِينَ﴾ قالَ: ﴿رَبُّنا الَّذِي أعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى﴾ [طه: ٥٠] [طه: ٥٠] . قالَ: ﴿إنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِها إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ [الأعراف: ١٠٦] ﴿فَألْقى عَصاهُ فَإذا هي ثُعْبانٌ مُبِينٌ﴾ [الأعراف: ١٠٧] [الأعْرافِ: ١٠٦، ١٠٧] . والثُّعْبانُ الذَّكَرُ مِنَ الحَيّاتِ، فاتِحَةً فَمَها، واضِعَةً لَحْيَها الأسْفَلَ في الأرْضِ والأعْلى عَلى سُورِ القَصْرِ، ثُمَّ تَوَجَّهَتْ نَحْوَ فِرْعَوْنَ لِتَأْخُذَهُ، فَلَمّا رَآها ذُعِرَ مِنها ووَثَبَ فَأحْدَثَ، ولَمْ يَكُنْ يُحْدِثُ قَبْلَ ذَلِكَ، وصاحَ: يا مُوسى، خُذْها وأنا أُومِنُ بِكَ وأُرْسِلَ مَعَكَ بَنِي إسْرائِيلَ. فَأخَذَها (p-٢٤٤)مُوسى، فَصارَتْ عَصًا، فَقالَتِ السَّحَرَةُ في نَجْواهم: ﴿إنْ هَذانِ لَساحِرانِ يُرِيدانِ أنْ يُخْرِجاكم مِن أرْضِكم بِسِحْرِهِما﴾ [طه: ٦٣] [طه: ٦٣] . فالتَقى مُوسى وأمِيرُ السَّحَرَةِ، فَقالَ لَهُ: مُوسى: أرَأيْتَ إنْ غَلَبْتُكَ غَدًا أتُؤْمِنُ بِي وتَشْهَدُ أنَّ ما جِئْتُ بِهِ حَقٌّ؟ قالَ السّاحِرُ: لِآتِيَنَّ غَدًا بِسِحْرٍ لا يَغْلِبُهُ شَيْءٌ، فَواللَّهِ لَئِنْ غَلَبْتَنِي لَأُؤْمِنَنَّ لَكَ، ولَأشْهَدَنَّ أنَّكَ حَقٌّ. وفِرْعَوْنُ يَنْظُرُ إلَيْهِما. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وقِيلَ لِلنّاسِ هَلْ أنْتُمْ مُجْتَمِعُونَ﴾ [الشعراء: ٣٩] قالَ: كانُوا بِالإسْكَنْدَرِيَّةِ. قالَ: ويُقالُ: بَلَغَ ذَنَبُ الحَيَّةِ مِن وراءِ البُحَيْرَةِ يَوْمَئِذٍ. قالَ: وهَرَبُوا وأسْلَمُوا فِرْعَوْنَ، وهَمَّتْ بِهِ فَقالَ: خُذْها يا مُوسى. وكانَ مِمّا بُلِيَ النّاسُ بِهِ مِنهُ أنَّهُ كانَ لا يَضَعُ عَلى الأرْضِ شَيْئًا، فَأحْدَثَ يَوْمَئِذٍ تَحْتَهُ، وكانَ إرْسالُهُ الحَيَّةَ في القُبَّةِ الخَضْراءِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وقالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إنّا لَنَحْنُ الغالِبُونَ﴾ [الشعراء: ٤٤] قالَ: فَوَجَدُوا اللَّهَ أعَزَّ مِنهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ بِشْرِ بْنِ مَنصُورٍ قالَ: بَلَغَنِي أنَّهُ لَمّا تَكَلَّمَ بِبَعْضِ هَذا: ﴿وقالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ﴾ [الشعراء: ٤٤] قالَتِ المَلائِكَةُ: قَصَمَهُ ورَبِّ الكَعْبَةِ. فَقالَ اللَّهُ: (p-٢٤٥)تَألَّوْنَ عَلَيَّ، قَدْ أمْهَلْتُهُ أرْبَعِينَ عامًا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ في قَوْلِهِ: ﴿لا ضَيْرَ﴾ [الشعراء: ٥٠] قالَ: يَقُولُونَ: لا يَضُرُّنا الَّذِي تَقُولُ، وإنْ صَنَعْتَ بِنا وصَلَبْتَنا، ﴿إنّا إلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ﴾ [الشعراء: ٥٠] يَقُولُ: إنّا إلى رَبِّنا راجِعُونَ، وهو مُجازِينا بِصَبْرِنا عَلى عُقُوبَتِكَ إيّانا، وثَباتِنا عَلى تَوْحِيدِهِ، والبَراءَةِ مِنَ الكُفْرِ بِهِ. وفي قَوْلِهِ: ﴿أنْ كُنّا أوَّلَ المُؤْمِنِينَ﴾ قالَ: كانُوا كَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ أوَّلَ مَن آمَنَ بِآياتِهِ حِينَ رَأوْها.

الشعراء 26:14

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذْ نادى رَبُّكَ مُوسى﴾ الآياتِ. أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ: ﴿وإذْ نادى رَبُّكَ مُوسى﴾ قالَ: حِينَ نُودِيَ مِن جانِبِ الطُّورِ الأيْمَنِ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولَهم عَلَيَّ ذَنْبٌ﴾ [الشعراء: ١٤] قالَ: قَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي قَتَلَ فِيهِمْ. وفي قَوْلِهِ: ﴿وفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ﴾ قالَ: قَتْلُ النَّفْسِ أيْضًا. وفي قَوْلِهِ: ﴿فَعَلْتُها إذًا وأنا مِنَ الضّالِّينَ﴾ قالَ: مِنَ الجاهِلِينَ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿ولَهم عَلَيَّ ذَنْبٌ﴾ [الشعراء: ١٤] قالَ: قَتْلُ النَّفْسِ، وفي قَوْلِهِ: ﴿ألَمْ نُرَبِّكَ فِينا ولِيدًا﴾ قالَ: التَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ فَرَبَّوْهُ ولِيدًا حَتّى كانَ رَجُلًا، ﴿وفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ﴾ قالَ: قَتَلْتَ النَّفْسَ الَّتِي قَتَلْتَ، ﴿وأنْتَ مِنَ الكافِرِينَ﴾ قالَ: فَتَبَرَّأ مِن ذَلِكَ نَبِيُّ اللَّهِ، قالَ: ﴿فَعَلْتُها إذًا وأنا مِنَ الضّالِّينَ﴾ قالَ: مِنَ الجاهِلِينَ. قالَ: وهي في بَعْضِ القِراءَةِ: (وأنا مِنَ (p-٢٤١)الجاهِلِينَ) . فَإنَّما هو شَيْءٌ جَهِلَهُ ولَمْ يَتَعَمَّدْهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ في قَوْلِهِ: ﴿وفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وأنْتَ مِنَ الكافِرِينَ﴾ قالَ: مَنَّ فِرْعَوْنُ عَلى مُوسى حِينَ رَبّاهُ. يَقُولُ: كَفَرْتَ نِعْمَتِي. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ: ﴿وتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّها عَلَيَّ أنْ عَبَّدْتَ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ قالَ: قَهَرْتَهم واسْتَعْمَلْتَهم. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وأنْتَ مِنَ الكافِرِينَ﴾ قالَ: لِلنِّعْمَةِ، إنَّ فِرْعَوْنَ لَمْ يَكُنْ يَعْلَمُ ما الكُفْرُ. وفي قَوْلِهِ: ﴿قالَ فَعَلْتُها إذًا وأنا مِنَ الضّالِّينَ﴾ قالَ: مِنَ الجاهِلِينَ. وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قالَ: في قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: (فَعَلْتُها إذَنْ وأنا مِنَ الجاهِلِينَ) . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ: في قَوْلِهِ: ﴿فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا﴾ . (p-٢٤٢)قالَ: النُّبُوَّةَ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ: ﴿وتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّها عَلَيَّ﴾ قالَ: يَقُولُ مُوسى لِفِرْعَوْنَ: أتَمُنُّ عَلَيَّ يا فِرْعَوْنُ بِأنِ اتَّخَذْتَ بَنِي إسْرائِيلَ عَبِيدًا وكانُوا أحْرارًا، فَقَهَرْتَهم واتَّخَذْتَهم عَبِيدًا؟ وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿قالَ فِرْعَوْنُ وما رَبُّ العالَمِينَ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿إنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [الشعراء: ٢٨] قالَ: فَلَمْ يَزِدْهُ إلّا رَغْمًا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَألْقى عَصاهُ فَإذا هي ثُعْبانٌ مُبِينٌ﴾ [الشعراء: ٣٢] يَقُولُ: مُبِينٌ لَهُ خَلْقُ حَيَّةٍ، ﴿ونَزَعَ يَدَهُ﴾ يَقُولُ: وأخْرَجَ مُوسى يَدَهُ مِن جَيْبِهِ، فَإذا هي بَيْضاءُ تَلْمَعُ، ﴿لِلنّاظِرِينَ﴾ لِمَن يَنْظُرُ إلَيْها ويَراها. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ قالَ: أقْبَلَ مُوسى إلى أهْلِهِ، فَسارَ بِهِمْ نَحْوَ مِصْرَ حَتّى أتاها لَيْلًا، فَتَضَيَّفَ عَلى أُمِّهِ وهو لا يَعْرِفُهُمْ، في لَيْلَةٍ كانُوا يَأْكُلُونَ مِنها الطَّفَيْشَلَ، فَنَزَلَ في جانِبٍ الدّارِ، فَجاءَ هارُونَ فَلَمّا أبْصَرَ ضَيْفَهُ (p-٢٤٣)سَألَ عَنْهُ أُمَّهُ، فَأخْبَرَتْهُ أنَّهُ ضَيْفٌ، فَدَعاهُ فَأكَلَ مَعَهُ، فَلَمّا قَعَدا تَحَدَّثا، فَسَألَهُ هارُونَ: مَن أنْتَ؟ قالَ: أنا مُوسى. فَقامَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما إلى صاحِبِهِ فاعْتَنَقَهُ، فَلَمّا أنَّ تَعارَفا قالَ لَهُ مُوسى: يا هارُونُ، انْطَلِقْ بِي إلى فِرْعَوْنَ؛ فَإنَّ اللَّهَ قَدْ أرْسَلَنا إلَيْهِ. قالَ هارُونُ: سَمْعًا وطاعَةً. فَقامَتْ أُمُّهُما، فَصاحَتْ وقالَتْ: أنْشُدُكُما بِاللَّهِ ألّا تَذْهَبا إلى فِرْعَوْنَ فَيَقْتُلَكُما. فَأبَيا فانْطَلَقا إلَيْهِ لَيْلًا، فَأتَيا البابَ فَضَرَباهُ، فَفَزِعَ فِرْعَوْنُ وفَزِعَ البَوّابُ، فَقالَ فِرْعَوْنُ: مَن هَذا الَّذِي يَضْرِبُ بابِي هَذِهِ السّاعَةَ؟ فَأشْرَفَ عَلَيْهِما البَوّابُ فَكَلَّمَهُما، فَقالَ لَهُ مُوسى: ﴿إنّا رَسُولُ رَبِّ العالَمِينَ﴾ فَفَزِعَ البَوّابُ، فَأتى فِرْعَوْنَ فَأخْبَرَهُ، فَقالَ: إنَّ هَهُنا إنْسانًا مَجْنُونًا يَزْعُمُ أنَّهُ رَسُولُ رَبِّ العالَمِينَ. فَقالَ: أدْخِلْهُ. فَدَخَلَ، فَقالَ: إنِّي رَسُولُ رَبِّ العالَمِينَ. قالَ فِرْعَوْنُ ﴿وما رَبُّ العالَمِينَ﴾ قالَ: ﴿رَبُّنا الَّذِي أعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى﴾ [طه: ٥٠] [طه: ٥٠] . قالَ: ﴿إنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِها إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ [الأعراف: ١٠٦] ﴿فَألْقى عَصاهُ فَإذا هي ثُعْبانٌ مُبِينٌ﴾ [الأعراف: ١٠٧] [الأعْرافِ: ١٠٦، ١٠٧] . والثُّعْبانُ الذَّكَرُ مِنَ الحَيّاتِ، فاتِحَةً فَمَها، واضِعَةً لَحْيَها الأسْفَلَ في الأرْضِ والأعْلى عَلى سُورِ القَصْرِ، ثُمَّ تَوَجَّهَتْ نَحْوَ فِرْعَوْنَ لِتَأْخُذَهُ، فَلَمّا رَآها ذُعِرَ مِنها ووَثَبَ فَأحْدَثَ، ولَمْ يَكُنْ يُحْدِثُ قَبْلَ ذَلِكَ، وصاحَ: يا مُوسى، خُذْها وأنا أُومِنُ بِكَ وأُرْسِلَ مَعَكَ بَنِي إسْرائِيلَ. فَأخَذَها (p-٢٤٤)مُوسى، فَصارَتْ عَصًا، فَقالَتِ السَّحَرَةُ في نَجْواهم: ﴿إنْ هَذانِ لَساحِرانِ يُرِيدانِ أنْ يُخْرِجاكم مِن أرْضِكم بِسِحْرِهِما﴾ [طه: ٦٣] [طه: ٦٣] . فالتَقى مُوسى وأمِيرُ السَّحَرَةِ، فَقالَ لَهُ: مُوسى: أرَأيْتَ إنْ غَلَبْتُكَ غَدًا أتُؤْمِنُ بِي وتَشْهَدُ أنَّ ما جِئْتُ بِهِ حَقٌّ؟ قالَ السّاحِرُ: لِآتِيَنَّ غَدًا بِسِحْرٍ لا يَغْلِبُهُ شَيْءٌ، فَواللَّهِ لَئِنْ غَلَبْتَنِي لَأُؤْمِنَنَّ لَكَ، ولَأشْهَدَنَّ أنَّكَ حَقٌّ. وفِرْعَوْنُ يَنْظُرُ إلَيْهِما. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وقِيلَ لِلنّاسِ هَلْ أنْتُمْ مُجْتَمِعُونَ﴾ [الشعراء: ٣٩] قالَ: كانُوا بِالإسْكَنْدَرِيَّةِ. قالَ: ويُقالُ: بَلَغَ ذَنَبُ الحَيَّةِ مِن وراءِ البُحَيْرَةِ يَوْمَئِذٍ. قالَ: وهَرَبُوا وأسْلَمُوا فِرْعَوْنَ، وهَمَّتْ بِهِ فَقالَ: خُذْها يا مُوسى. وكانَ مِمّا بُلِيَ النّاسُ بِهِ مِنهُ أنَّهُ كانَ لا يَضَعُ عَلى الأرْضِ شَيْئًا، فَأحْدَثَ يَوْمَئِذٍ تَحْتَهُ، وكانَ إرْسالُهُ الحَيَّةَ في القُبَّةِ الخَضْراءِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وقالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إنّا لَنَحْنُ الغالِبُونَ﴾ [الشعراء: ٤٤] قالَ: فَوَجَدُوا اللَّهَ أعَزَّ مِنهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ بِشْرِ بْنِ مَنصُورٍ قالَ: بَلَغَنِي أنَّهُ لَمّا تَكَلَّمَ بِبَعْضِ هَذا: ﴿وقالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ﴾ [الشعراء: ٤٤] قالَتِ المَلائِكَةُ: قَصَمَهُ ورَبِّ الكَعْبَةِ. فَقالَ اللَّهُ: (p-٢٤٥)تَألَّوْنَ عَلَيَّ، قَدْ أمْهَلْتُهُ أرْبَعِينَ عامًا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ في قَوْلِهِ: ﴿لا ضَيْرَ﴾ [الشعراء: ٥٠] قالَ: يَقُولُونَ: لا يَضُرُّنا الَّذِي تَقُولُ، وإنْ صَنَعْتَ بِنا وصَلَبْتَنا، ﴿إنّا إلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ﴾ [الشعراء: ٥٠] يَقُولُ: إنّا إلى رَبِّنا راجِعُونَ، وهو مُجازِينا بِصَبْرِنا عَلى عُقُوبَتِكَ إيّانا، وثَباتِنا عَلى تَوْحِيدِهِ، والبَراءَةِ مِنَ الكُفْرِ بِهِ. وفي قَوْلِهِ: ﴿أنْ كُنّا أوَّلَ المُؤْمِنِينَ﴾ قالَ: كانُوا كَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ أوَّلَ مَن آمَنَ بِآياتِهِ حِينَ رَأوْها. [راجع الآية: ١٠]

الشعراء 26:15

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذْ نادى رَبُّكَ مُوسى﴾ الآياتِ. أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ: ﴿وإذْ نادى رَبُّكَ مُوسى﴾ قالَ: حِينَ نُودِيَ مِن جانِبِ الطُّورِ الأيْمَنِ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولَهم عَلَيَّ ذَنْبٌ﴾ [الشعراء: ١٤] قالَ: قَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي قَتَلَ فِيهِمْ. وفي قَوْلِهِ: ﴿وفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ﴾ قالَ: قَتْلُ النَّفْسِ أيْضًا. وفي قَوْلِهِ: ﴿فَعَلْتُها إذًا وأنا مِنَ الضّالِّينَ﴾ قالَ: مِنَ الجاهِلِينَ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿ولَهم عَلَيَّ ذَنْبٌ﴾ [الشعراء: ١٤] قالَ: قَتْلُ النَّفْسِ، وفي قَوْلِهِ: ﴿ألَمْ نُرَبِّكَ فِينا ولِيدًا﴾ قالَ: التَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ فَرَبَّوْهُ ولِيدًا حَتّى كانَ رَجُلًا، ﴿وفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ﴾ قالَ: قَتَلْتَ النَّفْسَ الَّتِي قَتَلْتَ، ﴿وأنْتَ مِنَ الكافِرِينَ﴾ قالَ: فَتَبَرَّأ مِن ذَلِكَ نَبِيُّ اللَّهِ، قالَ: ﴿فَعَلْتُها إذًا وأنا مِنَ الضّالِّينَ﴾ قالَ: مِنَ الجاهِلِينَ. قالَ: وهي في بَعْضِ القِراءَةِ: (وأنا مِنَ (p-٢٤١)الجاهِلِينَ) . فَإنَّما هو شَيْءٌ جَهِلَهُ ولَمْ يَتَعَمَّدْهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ في قَوْلِهِ: ﴿وفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وأنْتَ مِنَ الكافِرِينَ﴾ قالَ: مَنَّ فِرْعَوْنُ عَلى مُوسى حِينَ رَبّاهُ. يَقُولُ: كَفَرْتَ نِعْمَتِي. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ: ﴿وتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّها عَلَيَّ أنْ عَبَّدْتَ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ قالَ: قَهَرْتَهم واسْتَعْمَلْتَهم. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وأنْتَ مِنَ الكافِرِينَ﴾ قالَ: لِلنِّعْمَةِ، إنَّ فِرْعَوْنَ لَمْ يَكُنْ يَعْلَمُ ما الكُفْرُ. وفي قَوْلِهِ: ﴿قالَ فَعَلْتُها إذًا وأنا مِنَ الضّالِّينَ﴾ قالَ: مِنَ الجاهِلِينَ. وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قالَ: في قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: (فَعَلْتُها إذَنْ وأنا مِنَ الجاهِلِينَ) . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ: في قَوْلِهِ: ﴿فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا﴾ . (p-٢٤٢)قالَ: النُّبُوَّةَ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ: ﴿وتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّها عَلَيَّ﴾ قالَ: يَقُولُ مُوسى لِفِرْعَوْنَ: أتَمُنُّ عَلَيَّ يا فِرْعَوْنُ بِأنِ اتَّخَذْتَ بَنِي إسْرائِيلَ عَبِيدًا وكانُوا أحْرارًا، فَقَهَرْتَهم واتَّخَذْتَهم عَبِيدًا؟ وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿قالَ فِرْعَوْنُ وما رَبُّ العالَمِينَ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿إنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [الشعراء: ٢٨] قالَ: فَلَمْ يَزِدْهُ إلّا رَغْمًا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَألْقى عَصاهُ فَإذا هي ثُعْبانٌ مُبِينٌ﴾ [الشعراء: ٣٢] يَقُولُ: مُبِينٌ لَهُ خَلْقُ حَيَّةٍ، ﴿ونَزَعَ يَدَهُ﴾ يَقُولُ: وأخْرَجَ مُوسى يَدَهُ مِن جَيْبِهِ، فَإذا هي بَيْضاءُ تَلْمَعُ، ﴿لِلنّاظِرِينَ﴾ لِمَن يَنْظُرُ إلَيْها ويَراها. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ قالَ: أقْبَلَ مُوسى إلى أهْلِهِ، فَسارَ بِهِمْ نَحْوَ مِصْرَ حَتّى أتاها لَيْلًا، فَتَضَيَّفَ عَلى أُمِّهِ وهو لا يَعْرِفُهُمْ، في لَيْلَةٍ كانُوا يَأْكُلُونَ مِنها الطَّفَيْشَلَ، فَنَزَلَ في جانِبٍ الدّارِ، فَجاءَ هارُونَ فَلَمّا أبْصَرَ ضَيْفَهُ (p-٢٤٣)سَألَ عَنْهُ أُمَّهُ، فَأخْبَرَتْهُ أنَّهُ ضَيْفٌ، فَدَعاهُ فَأكَلَ مَعَهُ، فَلَمّا قَعَدا تَحَدَّثا، فَسَألَهُ هارُونَ: مَن أنْتَ؟ قالَ: أنا مُوسى. فَقامَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما إلى صاحِبِهِ فاعْتَنَقَهُ، فَلَمّا أنَّ تَعارَفا قالَ لَهُ مُوسى: يا هارُونُ، انْطَلِقْ بِي إلى فِرْعَوْنَ؛ فَإنَّ اللَّهَ قَدْ أرْسَلَنا إلَيْهِ. قالَ هارُونُ: سَمْعًا وطاعَةً. فَقامَتْ أُمُّهُما، فَصاحَتْ وقالَتْ: أنْشُدُكُما بِاللَّهِ ألّا تَذْهَبا إلى فِرْعَوْنَ فَيَقْتُلَكُما. فَأبَيا فانْطَلَقا إلَيْهِ لَيْلًا، فَأتَيا البابَ فَضَرَباهُ، فَفَزِعَ فِرْعَوْنُ وفَزِعَ البَوّابُ، فَقالَ فِرْعَوْنُ: مَن هَذا الَّذِي يَضْرِبُ بابِي هَذِهِ السّاعَةَ؟ فَأشْرَفَ عَلَيْهِما البَوّابُ فَكَلَّمَهُما، فَقالَ لَهُ مُوسى: ﴿إنّا رَسُولُ رَبِّ العالَمِينَ﴾ فَفَزِعَ البَوّابُ، فَأتى فِرْعَوْنَ فَأخْبَرَهُ، فَقالَ: إنَّ هَهُنا إنْسانًا مَجْنُونًا يَزْعُمُ أنَّهُ رَسُولُ رَبِّ العالَمِينَ. فَقالَ: أدْخِلْهُ. فَدَخَلَ، فَقالَ: إنِّي رَسُولُ رَبِّ العالَمِينَ. قالَ فِرْعَوْنُ ﴿وما رَبُّ العالَمِينَ﴾ قالَ: ﴿رَبُّنا الَّذِي أعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى﴾ [طه: ٥٠] [طه: ٥٠] . قالَ: ﴿إنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِها إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ [الأعراف: ١٠٦] ﴿فَألْقى عَصاهُ فَإذا هي ثُعْبانٌ مُبِينٌ﴾ [الأعراف: ١٠٧] [الأعْرافِ: ١٠٦، ١٠٧] . والثُّعْبانُ الذَّكَرُ مِنَ الحَيّاتِ، فاتِحَةً فَمَها، واضِعَةً لَحْيَها الأسْفَلَ في الأرْضِ والأعْلى عَلى سُورِ القَصْرِ، ثُمَّ تَوَجَّهَتْ نَحْوَ فِرْعَوْنَ لِتَأْخُذَهُ، فَلَمّا رَآها ذُعِرَ مِنها ووَثَبَ فَأحْدَثَ، ولَمْ يَكُنْ يُحْدِثُ قَبْلَ ذَلِكَ، وصاحَ: يا مُوسى، خُذْها وأنا أُومِنُ بِكَ وأُرْسِلَ مَعَكَ بَنِي إسْرائِيلَ. فَأخَذَها (p-٢٤٤)مُوسى، فَصارَتْ عَصًا، فَقالَتِ السَّحَرَةُ في نَجْواهم: ﴿إنْ هَذانِ لَساحِرانِ يُرِيدانِ أنْ يُخْرِجاكم مِن أرْضِكم بِسِحْرِهِما﴾ [طه: ٦٣] [طه: ٦٣] . فالتَقى مُوسى وأمِيرُ السَّحَرَةِ، فَقالَ لَهُ: مُوسى: أرَأيْتَ إنْ غَلَبْتُكَ غَدًا أتُؤْمِنُ بِي وتَشْهَدُ أنَّ ما جِئْتُ بِهِ حَقٌّ؟ قالَ السّاحِرُ: لِآتِيَنَّ غَدًا بِسِحْرٍ لا يَغْلِبُهُ شَيْءٌ، فَواللَّهِ لَئِنْ غَلَبْتَنِي لَأُؤْمِنَنَّ لَكَ، ولَأشْهَدَنَّ أنَّكَ حَقٌّ. وفِرْعَوْنُ يَنْظُرُ إلَيْهِما. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وقِيلَ لِلنّاسِ هَلْ أنْتُمْ مُجْتَمِعُونَ﴾ [الشعراء: ٣٩] قالَ: كانُوا بِالإسْكَنْدَرِيَّةِ. قالَ: ويُقالُ: بَلَغَ ذَنَبُ الحَيَّةِ مِن وراءِ البُحَيْرَةِ يَوْمَئِذٍ. قالَ: وهَرَبُوا وأسْلَمُوا فِرْعَوْنَ، وهَمَّتْ بِهِ فَقالَ: خُذْها يا مُوسى. وكانَ مِمّا بُلِيَ النّاسُ بِهِ مِنهُ أنَّهُ كانَ لا يَضَعُ عَلى الأرْضِ شَيْئًا، فَأحْدَثَ يَوْمَئِذٍ تَحْتَهُ، وكانَ إرْسالُهُ الحَيَّةَ في القُبَّةِ الخَضْراءِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وقالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إنّا لَنَحْنُ الغالِبُونَ﴾ [الشعراء: ٤٤] قالَ: فَوَجَدُوا اللَّهَ أعَزَّ مِنهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ بِشْرِ بْنِ مَنصُورٍ قالَ: بَلَغَنِي أنَّهُ لَمّا تَكَلَّمَ بِبَعْضِ هَذا: ﴿وقالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ﴾ [الشعراء: ٤٤] قالَتِ المَلائِكَةُ: قَصَمَهُ ورَبِّ الكَعْبَةِ. فَقالَ اللَّهُ: (p-٢٤٥)تَألَّوْنَ عَلَيَّ، قَدْ أمْهَلْتُهُ أرْبَعِينَ عامًا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ في قَوْلِهِ: ﴿لا ضَيْرَ﴾ [الشعراء: ٥٠] قالَ: يَقُولُونَ: لا يَضُرُّنا الَّذِي تَقُولُ، وإنْ صَنَعْتَ بِنا وصَلَبْتَنا، ﴿إنّا إلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ﴾ [الشعراء: ٥٠] يَقُولُ: إنّا إلى رَبِّنا راجِعُونَ، وهو مُجازِينا بِصَبْرِنا عَلى عُقُوبَتِكَ إيّانا، وثَباتِنا عَلى تَوْحِيدِهِ، والبَراءَةِ مِنَ الكُفْرِ بِهِ. وفي قَوْلِهِ: ﴿أنْ كُنّا أوَّلَ المُؤْمِنِينَ﴾ قالَ: كانُوا كَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ أوَّلَ مَن آمَنَ بِآياتِهِ حِينَ رَأوْها. [راجع الآية: ١٠]

الشعراء 26:16

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذْ نادى رَبُّكَ مُوسى﴾ الآياتِ. أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ: ﴿وإذْ نادى رَبُّكَ مُوسى﴾ قالَ: حِينَ نُودِيَ مِن جانِبِ الطُّورِ الأيْمَنِ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولَهم عَلَيَّ ذَنْبٌ﴾ [الشعراء: ١٤] قالَ: قَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي قَتَلَ فِيهِمْ. وفي قَوْلِهِ: ﴿وفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ﴾ قالَ: قَتْلُ النَّفْسِ أيْضًا. وفي قَوْلِهِ: ﴿فَعَلْتُها إذًا وأنا مِنَ الضّالِّينَ﴾ قالَ: مِنَ الجاهِلِينَ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿ولَهم عَلَيَّ ذَنْبٌ﴾ [الشعراء: ١٤] قالَ: قَتْلُ النَّفْسِ، وفي قَوْلِهِ: ﴿ألَمْ نُرَبِّكَ فِينا ولِيدًا﴾ قالَ: التَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ فَرَبَّوْهُ ولِيدًا حَتّى كانَ رَجُلًا، ﴿وفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ﴾ قالَ: قَتَلْتَ النَّفْسَ الَّتِي قَتَلْتَ، ﴿وأنْتَ مِنَ الكافِرِينَ﴾ قالَ: فَتَبَرَّأ مِن ذَلِكَ نَبِيُّ اللَّهِ، قالَ: ﴿فَعَلْتُها إذًا وأنا مِنَ الضّالِّينَ﴾ قالَ: مِنَ الجاهِلِينَ. قالَ: وهي في بَعْضِ القِراءَةِ: (وأنا مِنَ (p-٢٤١)الجاهِلِينَ) . فَإنَّما هو شَيْءٌ جَهِلَهُ ولَمْ يَتَعَمَّدْهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ في قَوْلِهِ: ﴿وفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وأنْتَ مِنَ الكافِرِينَ﴾ قالَ: مَنَّ فِرْعَوْنُ عَلى مُوسى حِينَ رَبّاهُ. يَقُولُ: كَفَرْتَ نِعْمَتِي. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ: ﴿وتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّها عَلَيَّ أنْ عَبَّدْتَ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ قالَ: قَهَرْتَهم واسْتَعْمَلْتَهم. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وأنْتَ مِنَ الكافِرِينَ﴾ قالَ: لِلنِّعْمَةِ، إنَّ فِرْعَوْنَ لَمْ يَكُنْ يَعْلَمُ ما الكُفْرُ. وفي قَوْلِهِ: ﴿قالَ فَعَلْتُها إذًا وأنا مِنَ الضّالِّينَ﴾ قالَ: مِنَ الجاهِلِينَ. وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قالَ: في قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: (فَعَلْتُها إذَنْ وأنا مِنَ الجاهِلِينَ) . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ: في قَوْلِهِ: ﴿فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا﴾ . (p-٢٤٢)قالَ: النُّبُوَّةَ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ: ﴿وتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّها عَلَيَّ﴾ قالَ: يَقُولُ مُوسى لِفِرْعَوْنَ: أتَمُنُّ عَلَيَّ يا فِرْعَوْنُ بِأنِ اتَّخَذْتَ بَنِي إسْرائِيلَ عَبِيدًا وكانُوا أحْرارًا، فَقَهَرْتَهم واتَّخَذْتَهم عَبِيدًا؟ وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿قالَ فِرْعَوْنُ وما رَبُّ العالَمِينَ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿إنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [الشعراء: ٢٨] قالَ: فَلَمْ يَزِدْهُ إلّا رَغْمًا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَألْقى عَصاهُ فَإذا هي ثُعْبانٌ مُبِينٌ﴾ [الشعراء: ٣٢] يَقُولُ: مُبِينٌ لَهُ خَلْقُ حَيَّةٍ، ﴿ونَزَعَ يَدَهُ﴾ يَقُولُ: وأخْرَجَ مُوسى يَدَهُ مِن جَيْبِهِ، فَإذا هي بَيْضاءُ تَلْمَعُ، ﴿لِلنّاظِرِينَ﴾ لِمَن يَنْظُرُ إلَيْها ويَراها. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ قالَ: أقْبَلَ مُوسى إلى أهْلِهِ، فَسارَ بِهِمْ نَحْوَ مِصْرَ حَتّى أتاها لَيْلًا، فَتَضَيَّفَ عَلى أُمِّهِ وهو لا يَعْرِفُهُمْ، في لَيْلَةٍ كانُوا يَأْكُلُونَ مِنها الطَّفَيْشَلَ، فَنَزَلَ في جانِبٍ الدّارِ، فَجاءَ هارُونَ فَلَمّا أبْصَرَ ضَيْفَهُ (p-٢٤٣)سَألَ عَنْهُ أُمَّهُ، فَأخْبَرَتْهُ أنَّهُ ضَيْفٌ، فَدَعاهُ فَأكَلَ مَعَهُ، فَلَمّا قَعَدا تَحَدَّثا، فَسَألَهُ هارُونَ: مَن أنْتَ؟ قالَ: أنا مُوسى. فَقامَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما إلى صاحِبِهِ فاعْتَنَقَهُ، فَلَمّا أنَّ تَعارَفا قالَ لَهُ مُوسى: يا هارُونُ، انْطَلِقْ بِي إلى فِرْعَوْنَ؛ فَإنَّ اللَّهَ قَدْ أرْسَلَنا إلَيْهِ. قالَ هارُونُ: سَمْعًا وطاعَةً. فَقامَتْ أُمُّهُما، فَصاحَتْ وقالَتْ: أنْشُدُكُما بِاللَّهِ ألّا تَذْهَبا إلى فِرْعَوْنَ فَيَقْتُلَكُما. فَأبَيا فانْطَلَقا إلَيْهِ لَيْلًا، فَأتَيا البابَ فَضَرَباهُ، فَفَزِعَ فِرْعَوْنُ وفَزِعَ البَوّابُ، فَقالَ فِرْعَوْنُ: مَن هَذا الَّذِي يَضْرِبُ بابِي هَذِهِ السّاعَةَ؟ فَأشْرَفَ عَلَيْهِما البَوّابُ فَكَلَّمَهُما، فَقالَ لَهُ مُوسى: ﴿إنّا رَسُولُ رَبِّ العالَمِينَ﴾ فَفَزِعَ البَوّابُ، فَأتى فِرْعَوْنَ فَأخْبَرَهُ، فَقالَ: إنَّ هَهُنا إنْسانًا مَجْنُونًا يَزْعُمُ أنَّهُ رَسُولُ رَبِّ العالَمِينَ. فَقالَ: أدْخِلْهُ. فَدَخَلَ، فَقالَ: إنِّي رَسُولُ رَبِّ العالَمِينَ. قالَ فِرْعَوْنُ ﴿وما رَبُّ العالَمِينَ﴾ قالَ: ﴿رَبُّنا الَّذِي أعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى﴾ [طه: ٥٠] [طه: ٥٠] . قالَ: ﴿إنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِها إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ [الأعراف: ١٠٦] ﴿فَألْقى عَصاهُ فَإذا هي ثُعْبانٌ مُبِينٌ﴾ [الأعراف: ١٠٧] [الأعْرافِ: ١٠٦، ١٠٧] . والثُّعْبانُ الذَّكَرُ مِنَ الحَيّاتِ، فاتِحَةً فَمَها، واضِعَةً لَحْيَها الأسْفَلَ في الأرْضِ والأعْلى عَلى سُورِ القَصْرِ، ثُمَّ تَوَجَّهَتْ نَحْوَ فِرْعَوْنَ لِتَأْخُذَهُ، فَلَمّا رَآها ذُعِرَ مِنها ووَثَبَ فَأحْدَثَ، ولَمْ يَكُنْ يُحْدِثُ قَبْلَ ذَلِكَ، وصاحَ: يا مُوسى، خُذْها وأنا أُومِنُ بِكَ وأُرْسِلَ مَعَكَ بَنِي إسْرائِيلَ. فَأخَذَها (p-٢٤٤)مُوسى، فَصارَتْ عَصًا، فَقالَتِ السَّحَرَةُ في نَجْواهم: ﴿إنْ هَذانِ لَساحِرانِ يُرِيدانِ أنْ يُخْرِجاكم مِن أرْضِكم بِسِحْرِهِما﴾ [طه: ٦٣] [طه: ٦٣] . فالتَقى مُوسى وأمِيرُ السَّحَرَةِ، فَقالَ لَهُ: مُوسى: أرَأيْتَ إنْ غَلَبْتُكَ غَدًا أتُؤْمِنُ بِي وتَشْهَدُ أنَّ ما جِئْتُ بِهِ حَقٌّ؟ قالَ السّاحِرُ: لِآتِيَنَّ غَدًا بِسِحْرٍ لا يَغْلِبُهُ شَيْءٌ، فَواللَّهِ لَئِنْ غَلَبْتَنِي لَأُؤْمِنَنَّ لَكَ، ولَأشْهَدَنَّ أنَّكَ حَقٌّ. وفِرْعَوْنُ يَنْظُرُ إلَيْهِما. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وقِيلَ لِلنّاسِ هَلْ أنْتُمْ مُجْتَمِعُونَ﴾ [الشعراء: ٣٩] قالَ: كانُوا بِالإسْكَنْدَرِيَّةِ. قالَ: ويُقالُ: بَلَغَ ذَنَبُ الحَيَّةِ مِن وراءِ البُحَيْرَةِ يَوْمَئِذٍ. قالَ: وهَرَبُوا وأسْلَمُوا فِرْعَوْنَ، وهَمَّتْ بِهِ فَقالَ: خُذْها يا مُوسى. وكانَ مِمّا بُلِيَ النّاسُ بِهِ مِنهُ أنَّهُ كانَ لا يَضَعُ عَلى الأرْضِ شَيْئًا، فَأحْدَثَ يَوْمَئِذٍ تَحْتَهُ، وكانَ إرْسالُهُ الحَيَّةَ في القُبَّةِ الخَضْراءِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وقالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إنّا لَنَحْنُ الغالِبُونَ﴾ [الشعراء: ٤٤] قالَ: فَوَجَدُوا اللَّهَ أعَزَّ مِنهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ بِشْرِ بْنِ مَنصُورٍ قالَ: بَلَغَنِي أنَّهُ لَمّا تَكَلَّمَ بِبَعْضِ هَذا: ﴿وقالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ﴾ [الشعراء: ٤٤] قالَتِ المَلائِكَةُ: قَصَمَهُ ورَبِّ الكَعْبَةِ. فَقالَ اللَّهُ: (p-٢٤٥)تَألَّوْنَ عَلَيَّ، قَدْ أمْهَلْتُهُ أرْبَعِينَ عامًا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ في قَوْلِهِ: ﴿لا ضَيْرَ﴾ [الشعراء: ٥٠] قالَ: يَقُولُونَ: لا يَضُرُّنا الَّذِي تَقُولُ، وإنْ صَنَعْتَ بِنا وصَلَبْتَنا، ﴿إنّا إلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ﴾ [الشعراء: ٥٠] يَقُولُ: إنّا إلى رَبِّنا راجِعُونَ، وهو مُجازِينا بِصَبْرِنا عَلى عُقُوبَتِكَ إيّانا، وثَباتِنا عَلى تَوْحِيدِهِ، والبَراءَةِ مِنَ الكُفْرِ بِهِ. وفي قَوْلِهِ: ﴿أنْ كُنّا أوَّلَ المُؤْمِنِينَ﴾ قالَ: كانُوا كَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ أوَّلَ مَن آمَنَ بِآياتِهِ حِينَ رَأوْها.

الشعراء 26:17

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذْ نادى رَبُّكَ مُوسى﴾ الآياتِ. أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ: ﴿وإذْ نادى رَبُّكَ مُوسى﴾ قالَ: حِينَ نُودِيَ مِن جانِبِ الطُّورِ الأيْمَنِ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولَهم عَلَيَّ ذَنْبٌ﴾ [الشعراء: ١٤] قالَ: قَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي قَتَلَ فِيهِمْ. وفي قَوْلِهِ: ﴿وفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ﴾ قالَ: قَتْلُ النَّفْسِ أيْضًا. وفي قَوْلِهِ: ﴿فَعَلْتُها إذًا وأنا مِنَ الضّالِّينَ﴾ قالَ: مِنَ الجاهِلِينَ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿ولَهم عَلَيَّ ذَنْبٌ﴾ [الشعراء: ١٤] قالَ: قَتْلُ النَّفْسِ، وفي قَوْلِهِ: ﴿ألَمْ نُرَبِّكَ فِينا ولِيدًا﴾ قالَ: التَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ فَرَبَّوْهُ ولِيدًا حَتّى كانَ رَجُلًا، ﴿وفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ﴾ قالَ: قَتَلْتَ النَّفْسَ الَّتِي قَتَلْتَ، ﴿وأنْتَ مِنَ الكافِرِينَ﴾ قالَ: فَتَبَرَّأ مِن ذَلِكَ نَبِيُّ اللَّهِ، قالَ: ﴿فَعَلْتُها إذًا وأنا مِنَ الضّالِّينَ﴾ قالَ: مِنَ الجاهِلِينَ. قالَ: وهي في بَعْضِ القِراءَةِ: (وأنا مِنَ (p-٢٤١)الجاهِلِينَ) . فَإنَّما هو شَيْءٌ جَهِلَهُ ولَمْ يَتَعَمَّدْهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ في قَوْلِهِ: ﴿وفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وأنْتَ مِنَ الكافِرِينَ﴾ قالَ: مَنَّ فِرْعَوْنُ عَلى مُوسى حِينَ رَبّاهُ. يَقُولُ: كَفَرْتَ نِعْمَتِي. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ: ﴿وتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّها عَلَيَّ أنْ عَبَّدْتَ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ قالَ: قَهَرْتَهم واسْتَعْمَلْتَهم. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وأنْتَ مِنَ الكافِرِينَ﴾ قالَ: لِلنِّعْمَةِ، إنَّ فِرْعَوْنَ لَمْ يَكُنْ يَعْلَمُ ما الكُفْرُ. وفي قَوْلِهِ: ﴿قالَ فَعَلْتُها إذًا وأنا مِنَ الضّالِّينَ﴾ قالَ: مِنَ الجاهِلِينَ. وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قالَ: في قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: (فَعَلْتُها إذَنْ وأنا مِنَ الجاهِلِينَ) . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ: في قَوْلِهِ: ﴿فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا﴾ . (p-٢٤٢)قالَ: النُّبُوَّةَ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ: ﴿وتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّها عَلَيَّ﴾ قالَ: يَقُولُ مُوسى لِفِرْعَوْنَ: أتَمُنُّ عَلَيَّ يا فِرْعَوْنُ بِأنِ اتَّخَذْتَ بَنِي إسْرائِيلَ عَبِيدًا وكانُوا أحْرارًا، فَقَهَرْتَهم واتَّخَذْتَهم عَبِيدًا؟ وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿قالَ فِرْعَوْنُ وما رَبُّ العالَمِينَ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿إنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [الشعراء: ٢٨] قالَ: فَلَمْ يَزِدْهُ إلّا رَغْمًا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَألْقى عَصاهُ فَإذا هي ثُعْبانٌ مُبِينٌ﴾ [الشعراء: ٣٢] يَقُولُ: مُبِينٌ لَهُ خَلْقُ حَيَّةٍ، ﴿ونَزَعَ يَدَهُ﴾ يَقُولُ: وأخْرَجَ مُوسى يَدَهُ مِن جَيْبِهِ، فَإذا هي بَيْضاءُ تَلْمَعُ، ﴿لِلنّاظِرِينَ﴾ لِمَن يَنْظُرُ إلَيْها ويَراها. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ قالَ: أقْبَلَ مُوسى إلى أهْلِهِ، فَسارَ بِهِمْ نَحْوَ مِصْرَ حَتّى أتاها لَيْلًا، فَتَضَيَّفَ عَلى أُمِّهِ وهو لا يَعْرِفُهُمْ، في لَيْلَةٍ كانُوا يَأْكُلُونَ مِنها الطَّفَيْشَلَ، فَنَزَلَ في جانِبٍ الدّارِ، فَجاءَ هارُونَ فَلَمّا أبْصَرَ ضَيْفَهُ (p-٢٤٣)سَألَ عَنْهُ أُمَّهُ، فَأخْبَرَتْهُ أنَّهُ ضَيْفٌ، فَدَعاهُ فَأكَلَ مَعَهُ، فَلَمّا قَعَدا تَحَدَّثا، فَسَألَهُ هارُونَ: مَن أنْتَ؟ قالَ: أنا مُوسى. فَقامَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما إلى صاحِبِهِ فاعْتَنَقَهُ، فَلَمّا أنَّ تَعارَفا قالَ لَهُ مُوسى: يا هارُونُ، انْطَلِقْ بِي إلى فِرْعَوْنَ؛ فَإنَّ اللَّهَ قَدْ أرْسَلَنا إلَيْهِ. قالَ هارُونُ: سَمْعًا وطاعَةً. فَقامَتْ أُمُّهُما، فَصاحَتْ وقالَتْ: أنْشُدُكُما بِاللَّهِ ألّا تَذْهَبا إلى فِرْعَوْنَ فَيَقْتُلَكُما. فَأبَيا فانْطَلَقا إلَيْهِ لَيْلًا، فَأتَيا البابَ فَضَرَباهُ، فَفَزِعَ فِرْعَوْنُ وفَزِعَ البَوّابُ، فَقالَ فِرْعَوْنُ: مَن هَذا الَّذِي يَضْرِبُ بابِي هَذِهِ السّاعَةَ؟ فَأشْرَفَ عَلَيْهِما البَوّابُ فَكَلَّمَهُما، فَقالَ لَهُ مُوسى: ﴿إنّا رَسُولُ رَبِّ العالَمِينَ﴾ فَفَزِعَ البَوّابُ، فَأتى فِرْعَوْنَ فَأخْبَرَهُ، فَقالَ: إنَّ هَهُنا إنْسانًا مَجْنُونًا يَزْعُمُ أنَّهُ رَسُولُ رَبِّ العالَمِينَ. فَقالَ: أدْخِلْهُ. فَدَخَلَ، فَقالَ: إنِّي رَسُولُ رَبِّ العالَمِينَ. قالَ فِرْعَوْنُ ﴿وما رَبُّ العالَمِينَ﴾ قالَ: ﴿رَبُّنا الَّذِي أعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى﴾ [طه: ٥٠] [طه: ٥٠] . قالَ: ﴿إنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِها إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ [الأعراف: ١٠٦] ﴿فَألْقى عَصاهُ فَإذا هي ثُعْبانٌ مُبِينٌ﴾ [الأعراف: ١٠٧] [الأعْرافِ: ١٠٦، ١٠٧] . والثُّعْبانُ الذَّكَرُ مِنَ الحَيّاتِ، فاتِحَةً فَمَها، واضِعَةً لَحْيَها الأسْفَلَ في الأرْضِ والأعْلى عَلى سُورِ القَصْرِ، ثُمَّ تَوَجَّهَتْ نَحْوَ فِرْعَوْنَ لِتَأْخُذَهُ، فَلَمّا رَآها ذُعِرَ مِنها ووَثَبَ فَأحْدَثَ، ولَمْ يَكُنْ يُحْدِثُ قَبْلَ ذَلِكَ، وصاحَ: يا مُوسى، خُذْها وأنا أُومِنُ بِكَ وأُرْسِلَ مَعَكَ بَنِي إسْرائِيلَ. فَأخَذَها (p-٢٤٤)مُوسى، فَصارَتْ عَصًا، فَقالَتِ السَّحَرَةُ في نَجْواهم: ﴿إنْ هَذانِ لَساحِرانِ يُرِيدانِ أنْ يُخْرِجاكم مِن أرْضِكم بِسِحْرِهِما﴾ [طه: ٦٣] [طه: ٦٣] . فالتَقى مُوسى وأمِيرُ السَّحَرَةِ، فَقالَ لَهُ: مُوسى: أرَأيْتَ إنْ غَلَبْتُكَ غَدًا أتُؤْمِنُ بِي وتَشْهَدُ أنَّ ما جِئْتُ بِهِ حَقٌّ؟ قالَ السّاحِرُ: لِآتِيَنَّ غَدًا بِسِحْرٍ لا يَغْلِبُهُ شَيْءٌ، فَواللَّهِ لَئِنْ غَلَبْتَنِي لَأُؤْمِنَنَّ لَكَ، ولَأشْهَدَنَّ أنَّكَ حَقٌّ. وفِرْعَوْنُ يَنْظُرُ إلَيْهِما. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وقِيلَ لِلنّاسِ هَلْ أنْتُمْ مُجْتَمِعُونَ﴾ [الشعراء: ٣٩] قالَ: كانُوا بِالإسْكَنْدَرِيَّةِ. قالَ: ويُقالُ: بَلَغَ ذَنَبُ الحَيَّةِ مِن وراءِ البُحَيْرَةِ يَوْمَئِذٍ. قالَ: وهَرَبُوا وأسْلَمُوا فِرْعَوْنَ، وهَمَّتْ بِهِ فَقالَ: خُذْها يا مُوسى. وكانَ مِمّا بُلِيَ النّاسُ بِهِ مِنهُ أنَّهُ كانَ لا يَضَعُ عَلى الأرْضِ شَيْئًا، فَأحْدَثَ يَوْمَئِذٍ تَحْتَهُ، وكانَ إرْسالُهُ الحَيَّةَ في القُبَّةِ الخَضْراءِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وقالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إنّا لَنَحْنُ الغالِبُونَ﴾ [الشعراء: ٤٤] قالَ: فَوَجَدُوا اللَّهَ أعَزَّ مِنهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ بِشْرِ بْنِ مَنصُورٍ قالَ: بَلَغَنِي أنَّهُ لَمّا تَكَلَّمَ بِبَعْضِ هَذا: ﴿وقالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ﴾ [الشعراء: ٤٤] قالَتِ المَلائِكَةُ: قَصَمَهُ ورَبِّ الكَعْبَةِ. فَقالَ اللَّهُ: (p-٢٤٥)تَألَّوْنَ عَلَيَّ، قَدْ أمْهَلْتُهُ أرْبَعِينَ عامًا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ في قَوْلِهِ: ﴿لا ضَيْرَ﴾ [الشعراء: ٥٠] قالَ: يَقُولُونَ: لا يَضُرُّنا الَّذِي تَقُولُ، وإنْ صَنَعْتَ بِنا وصَلَبْتَنا، ﴿إنّا إلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ﴾ [الشعراء: ٥٠] يَقُولُ: إنّا إلى رَبِّنا راجِعُونَ، وهو مُجازِينا بِصَبْرِنا عَلى عُقُوبَتِكَ إيّانا، وثَباتِنا عَلى تَوْحِيدِهِ، والبَراءَةِ مِنَ الكُفْرِ بِهِ. وفي قَوْلِهِ: ﴿أنْ كُنّا أوَّلَ المُؤْمِنِينَ﴾ قالَ: كانُوا كَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ أوَّلَ مَن آمَنَ بِآياتِهِ حِينَ رَأوْها.

الشعراء 26:18

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذْ نادى رَبُّكَ مُوسى﴾ الآياتِ. أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ: ﴿وإذْ نادى رَبُّكَ مُوسى﴾ قالَ: حِينَ نُودِيَ مِن جانِبِ الطُّورِ الأيْمَنِ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولَهم عَلَيَّ ذَنْبٌ﴾ [الشعراء: ١٤] قالَ: قَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي قَتَلَ فِيهِمْ. وفي قَوْلِهِ: ﴿وفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ﴾ قالَ: قَتْلُ النَّفْسِ أيْضًا. وفي قَوْلِهِ: ﴿فَعَلْتُها إذًا وأنا مِنَ الضّالِّينَ﴾ قالَ: مِنَ الجاهِلِينَ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿ولَهم عَلَيَّ ذَنْبٌ﴾ [الشعراء: ١٤] قالَ: قَتْلُ النَّفْسِ، وفي قَوْلِهِ: ﴿ألَمْ نُرَبِّكَ فِينا ولِيدًا﴾ قالَ: التَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ فَرَبَّوْهُ ولِيدًا حَتّى كانَ رَجُلًا، ﴿وفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ﴾ قالَ: قَتَلْتَ النَّفْسَ الَّتِي قَتَلْتَ، ﴿وأنْتَ مِنَ الكافِرِينَ﴾ قالَ: فَتَبَرَّأ مِن ذَلِكَ نَبِيُّ اللَّهِ، قالَ: ﴿فَعَلْتُها إذًا وأنا مِنَ الضّالِّينَ﴾ قالَ: مِنَ الجاهِلِينَ. قالَ: وهي في بَعْضِ القِراءَةِ: (وأنا مِنَ (p-٢٤١)الجاهِلِينَ) . فَإنَّما هو شَيْءٌ جَهِلَهُ ولَمْ يَتَعَمَّدْهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ في قَوْلِهِ: ﴿وفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وأنْتَ مِنَ الكافِرِينَ﴾ قالَ: مَنَّ فِرْعَوْنُ عَلى مُوسى حِينَ رَبّاهُ. يَقُولُ: كَفَرْتَ نِعْمَتِي. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ: ﴿وتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّها عَلَيَّ أنْ عَبَّدْتَ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ قالَ: قَهَرْتَهم واسْتَعْمَلْتَهم. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وأنْتَ مِنَ الكافِرِينَ﴾ قالَ: لِلنِّعْمَةِ، إنَّ فِرْعَوْنَ لَمْ يَكُنْ يَعْلَمُ ما الكُفْرُ. وفي قَوْلِهِ: ﴿قالَ فَعَلْتُها إذًا وأنا مِنَ الضّالِّينَ﴾ قالَ: مِنَ الجاهِلِينَ. وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قالَ: في قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: (فَعَلْتُها إذَنْ وأنا مِنَ الجاهِلِينَ) . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ: في قَوْلِهِ: ﴿فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا﴾ . (p-٢٤٢)قالَ: النُّبُوَّةَ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ: ﴿وتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّها عَلَيَّ﴾ قالَ: يَقُولُ مُوسى لِفِرْعَوْنَ: أتَمُنُّ عَلَيَّ يا فِرْعَوْنُ بِأنِ اتَّخَذْتَ بَنِي إسْرائِيلَ عَبِيدًا وكانُوا أحْرارًا، فَقَهَرْتَهم واتَّخَذْتَهم عَبِيدًا؟ وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿قالَ فِرْعَوْنُ وما رَبُّ العالَمِينَ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿إنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [الشعراء: ٢٨] قالَ: فَلَمْ يَزِدْهُ إلّا رَغْمًا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَألْقى عَصاهُ فَإذا هي ثُعْبانٌ مُبِينٌ﴾ [الشعراء: ٣٢] يَقُولُ: مُبِينٌ لَهُ خَلْقُ حَيَّةٍ، ﴿ونَزَعَ يَدَهُ﴾ يَقُولُ: وأخْرَجَ مُوسى يَدَهُ مِن جَيْبِهِ، فَإذا هي بَيْضاءُ تَلْمَعُ، ﴿لِلنّاظِرِينَ﴾ لِمَن يَنْظُرُ إلَيْها ويَراها. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ قالَ: أقْبَلَ مُوسى إلى أهْلِهِ، فَسارَ بِهِمْ نَحْوَ مِصْرَ حَتّى أتاها لَيْلًا، فَتَضَيَّفَ عَلى أُمِّهِ وهو لا يَعْرِفُهُمْ، في لَيْلَةٍ كانُوا يَأْكُلُونَ مِنها الطَّفَيْشَلَ، فَنَزَلَ في جانِبٍ الدّارِ، فَجاءَ هارُونَ فَلَمّا أبْصَرَ ضَيْفَهُ (p-٢٤٣)سَألَ عَنْهُ أُمَّهُ، فَأخْبَرَتْهُ أنَّهُ ضَيْفٌ، فَدَعاهُ فَأكَلَ مَعَهُ، فَلَمّا قَعَدا تَحَدَّثا، فَسَألَهُ هارُونَ: مَن أنْتَ؟ قالَ: أنا مُوسى. فَقامَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما إلى صاحِبِهِ فاعْتَنَقَهُ، فَلَمّا أنَّ تَعارَفا قالَ لَهُ مُوسى: يا هارُونُ، انْطَلِقْ بِي إلى فِرْعَوْنَ؛ فَإنَّ اللَّهَ قَدْ أرْسَلَنا إلَيْهِ. قالَ هارُونُ: سَمْعًا وطاعَةً. فَقامَتْ أُمُّهُما، فَصاحَتْ وقالَتْ: أنْشُدُكُما بِاللَّهِ ألّا تَذْهَبا إلى فِرْعَوْنَ فَيَقْتُلَكُما. فَأبَيا فانْطَلَقا إلَيْهِ لَيْلًا، فَأتَيا البابَ فَضَرَباهُ، فَفَزِعَ فِرْعَوْنُ وفَزِعَ البَوّابُ، فَقالَ فِرْعَوْنُ: مَن هَذا الَّذِي يَضْرِبُ بابِي هَذِهِ السّاعَةَ؟ فَأشْرَفَ عَلَيْهِما البَوّابُ فَكَلَّمَهُما، فَقالَ لَهُ مُوسى: ﴿إنّا رَسُولُ رَبِّ العالَمِينَ﴾ فَفَزِعَ البَوّابُ، فَأتى فِرْعَوْنَ فَأخْبَرَهُ، فَقالَ: إنَّ هَهُنا إنْسانًا مَجْنُونًا يَزْعُمُ أنَّهُ رَسُولُ رَبِّ العالَمِينَ. فَقالَ: أدْخِلْهُ. فَدَخَلَ، فَقالَ: إنِّي رَسُولُ رَبِّ العالَمِينَ. قالَ فِرْعَوْنُ ﴿وما رَبُّ العالَمِينَ﴾ قالَ: ﴿رَبُّنا الَّذِي أعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى﴾ [طه: ٥٠] [طه: ٥٠] . قالَ: ﴿إنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِها إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ [الأعراف: ١٠٦] ﴿فَألْقى عَصاهُ فَإذا هي ثُعْبانٌ مُبِينٌ﴾ [الأعراف: ١٠٧] [الأعْرافِ: ١٠٦، ١٠٧] . والثُّعْبانُ الذَّكَرُ مِنَ الحَيّاتِ، فاتِحَةً فَمَها، واضِعَةً لَحْيَها الأسْفَلَ في الأرْضِ والأعْلى عَلى سُورِ القَصْرِ، ثُمَّ تَوَجَّهَتْ نَحْوَ فِرْعَوْنَ لِتَأْخُذَهُ، فَلَمّا رَآها ذُعِرَ مِنها ووَثَبَ فَأحْدَثَ، ولَمْ يَكُنْ يُحْدِثُ قَبْلَ ذَلِكَ، وصاحَ: يا مُوسى، خُذْها وأنا أُومِنُ بِكَ وأُرْسِلَ مَعَكَ بَنِي إسْرائِيلَ. فَأخَذَها (p-٢٤٤)مُوسى، فَصارَتْ عَصًا، فَقالَتِ السَّحَرَةُ في نَجْواهم: ﴿إنْ هَذانِ لَساحِرانِ يُرِيدانِ أنْ يُخْرِجاكم مِن أرْضِكم بِسِحْرِهِما﴾ [طه: ٦٣] [طه: ٦٣] . فالتَقى مُوسى وأمِيرُ السَّحَرَةِ، فَقالَ لَهُ: مُوسى: أرَأيْتَ إنْ غَلَبْتُكَ غَدًا أتُؤْمِنُ بِي وتَشْهَدُ أنَّ ما جِئْتُ بِهِ حَقٌّ؟ قالَ السّاحِرُ: لِآتِيَنَّ غَدًا بِسِحْرٍ لا يَغْلِبُهُ شَيْءٌ، فَواللَّهِ لَئِنْ غَلَبْتَنِي لَأُؤْمِنَنَّ لَكَ، ولَأشْهَدَنَّ أنَّكَ حَقٌّ. وفِرْعَوْنُ يَنْظُرُ إلَيْهِما. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وقِيلَ لِلنّاسِ هَلْ أنْتُمْ مُجْتَمِعُونَ﴾ [الشعراء: ٣٩] قالَ: كانُوا بِالإسْكَنْدَرِيَّةِ. قالَ: ويُقالُ: بَلَغَ ذَنَبُ الحَيَّةِ مِن وراءِ البُحَيْرَةِ يَوْمَئِذٍ. قالَ: وهَرَبُوا وأسْلَمُوا فِرْعَوْنَ، وهَمَّتْ بِهِ فَقالَ: خُذْها يا مُوسى. وكانَ مِمّا بُلِيَ النّاسُ بِهِ مِنهُ أنَّهُ كانَ لا يَضَعُ عَلى الأرْضِ شَيْئًا، فَأحْدَثَ يَوْمَئِذٍ تَحْتَهُ، وكانَ إرْسالُهُ الحَيَّةَ في القُبَّةِ الخَضْراءِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وقالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إنّا لَنَحْنُ الغالِبُونَ﴾ [الشعراء: ٤٤] قالَ: فَوَجَدُوا اللَّهَ أعَزَّ مِنهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ بِشْرِ بْنِ مَنصُورٍ قالَ: بَلَغَنِي أنَّهُ لَمّا تَكَلَّمَ بِبَعْضِ هَذا: ﴿وقالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ﴾ [الشعراء: ٤٤] قالَتِ المَلائِكَةُ: قَصَمَهُ ورَبِّ الكَعْبَةِ. فَقالَ اللَّهُ: (p-٢٤٥)تَألَّوْنَ عَلَيَّ، قَدْ أمْهَلْتُهُ أرْبَعِينَ عامًا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ في قَوْلِهِ: ﴿لا ضَيْرَ﴾ [الشعراء: ٥٠] قالَ: يَقُولُونَ: لا يَضُرُّنا الَّذِي تَقُولُ، وإنْ صَنَعْتَ بِنا وصَلَبْتَنا، ﴿إنّا إلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ﴾ [الشعراء: ٥٠] يَقُولُ: إنّا إلى رَبِّنا راجِعُونَ، وهو مُجازِينا بِصَبْرِنا عَلى عُقُوبَتِكَ إيّانا، وثَباتِنا عَلى تَوْحِيدِهِ، والبَراءَةِ مِنَ الكُفْرِ بِهِ. وفي قَوْلِهِ: ﴿أنْ كُنّا أوَّلَ المُؤْمِنِينَ﴾ قالَ: كانُوا كَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ أوَّلَ مَن آمَنَ بِآياتِهِ حِينَ رَأوْها.

الشعراء 26:19

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذْ نادى رَبُّكَ مُوسى﴾ الآياتِ. أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ: ﴿وإذْ نادى رَبُّكَ مُوسى﴾ قالَ: حِينَ نُودِيَ مِن جانِبِ الطُّورِ الأيْمَنِ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولَهم عَلَيَّ ذَنْبٌ﴾ [الشعراء: ١٤] قالَ: قَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي قَتَلَ فِيهِمْ. وفي قَوْلِهِ: ﴿وفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ﴾ قالَ: قَتْلُ النَّفْسِ أيْضًا. وفي قَوْلِهِ: ﴿فَعَلْتُها إذًا وأنا مِنَ الضّالِّينَ﴾ قالَ: مِنَ الجاهِلِينَ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿ولَهم عَلَيَّ ذَنْبٌ﴾ [الشعراء: ١٤] قالَ: قَتْلُ النَّفْسِ، وفي قَوْلِهِ: ﴿ألَمْ نُرَبِّكَ فِينا ولِيدًا﴾ قالَ: التَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ فَرَبَّوْهُ ولِيدًا حَتّى كانَ رَجُلًا، ﴿وفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ﴾ قالَ: قَتَلْتَ النَّفْسَ الَّتِي قَتَلْتَ، ﴿وأنْتَ مِنَ الكافِرِينَ﴾ قالَ: فَتَبَرَّأ مِن ذَلِكَ نَبِيُّ اللَّهِ، قالَ: ﴿فَعَلْتُها إذًا وأنا مِنَ الضّالِّينَ﴾ قالَ: مِنَ الجاهِلِينَ. قالَ: وهي في بَعْضِ القِراءَةِ: (وأنا مِنَ (p-٢٤١)الجاهِلِينَ) . فَإنَّما هو شَيْءٌ جَهِلَهُ ولَمْ يَتَعَمَّدْهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ في قَوْلِهِ: ﴿وفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وأنْتَ مِنَ الكافِرِينَ﴾ قالَ: مَنَّ فِرْعَوْنُ عَلى مُوسى حِينَ رَبّاهُ. يَقُولُ: كَفَرْتَ نِعْمَتِي. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ: ﴿وتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّها عَلَيَّ أنْ عَبَّدْتَ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ قالَ: قَهَرْتَهم واسْتَعْمَلْتَهم. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وأنْتَ مِنَ الكافِرِينَ﴾ قالَ: لِلنِّعْمَةِ، إنَّ فِرْعَوْنَ لَمْ يَكُنْ يَعْلَمُ ما الكُفْرُ. وفي قَوْلِهِ: ﴿قالَ فَعَلْتُها إذًا وأنا مِنَ الضّالِّينَ﴾ قالَ: مِنَ الجاهِلِينَ. وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قالَ: في قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: (فَعَلْتُها إذَنْ وأنا مِنَ الجاهِلِينَ) . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ: في قَوْلِهِ: ﴿فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا﴾ . (p-٢٤٢)قالَ: النُّبُوَّةَ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ: ﴿وتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّها عَلَيَّ﴾ قالَ: يَقُولُ مُوسى لِفِرْعَوْنَ: أتَمُنُّ عَلَيَّ يا فِرْعَوْنُ بِأنِ اتَّخَذْتَ بَنِي إسْرائِيلَ عَبِيدًا وكانُوا أحْرارًا، فَقَهَرْتَهم واتَّخَذْتَهم عَبِيدًا؟ وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿قالَ فِرْعَوْنُ وما رَبُّ العالَمِينَ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿إنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [الشعراء: ٢٨] قالَ: فَلَمْ يَزِدْهُ إلّا رَغْمًا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَألْقى عَصاهُ فَإذا هي ثُعْبانٌ مُبِينٌ﴾ [الشعراء: ٣٢] يَقُولُ: مُبِينٌ لَهُ خَلْقُ حَيَّةٍ، ﴿ونَزَعَ يَدَهُ﴾ يَقُولُ: وأخْرَجَ مُوسى يَدَهُ مِن جَيْبِهِ، فَإذا هي بَيْضاءُ تَلْمَعُ، ﴿لِلنّاظِرِينَ﴾ لِمَن يَنْظُرُ إلَيْها ويَراها. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ قالَ: أقْبَلَ مُوسى إلى أهْلِهِ، فَسارَ بِهِمْ نَحْوَ مِصْرَ حَتّى أتاها لَيْلًا، فَتَضَيَّفَ عَلى أُمِّهِ وهو لا يَعْرِفُهُمْ، في لَيْلَةٍ كانُوا يَأْكُلُونَ مِنها الطَّفَيْشَلَ، فَنَزَلَ في جانِبٍ الدّارِ، فَجاءَ هارُونَ فَلَمّا أبْصَرَ ضَيْفَهُ (p-٢٤٣)سَألَ عَنْهُ أُمَّهُ، فَأخْبَرَتْهُ أنَّهُ ضَيْفٌ، فَدَعاهُ فَأكَلَ مَعَهُ، فَلَمّا قَعَدا تَحَدَّثا، فَسَألَهُ هارُونَ: مَن أنْتَ؟ قالَ: أنا مُوسى. فَقامَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما إلى صاحِبِهِ فاعْتَنَقَهُ، فَلَمّا أنَّ تَعارَفا قالَ لَهُ مُوسى: يا هارُونُ، انْطَلِقْ بِي إلى فِرْعَوْنَ؛ فَإنَّ اللَّهَ قَدْ أرْسَلَنا إلَيْهِ. قالَ هارُونُ: سَمْعًا وطاعَةً. فَقامَتْ أُمُّهُما، فَصاحَتْ وقالَتْ: أنْشُدُكُما بِاللَّهِ ألّا تَذْهَبا إلى فِرْعَوْنَ فَيَقْتُلَكُما. فَأبَيا فانْطَلَقا إلَيْهِ لَيْلًا، فَأتَيا البابَ فَضَرَباهُ، فَفَزِعَ فِرْعَوْنُ وفَزِعَ البَوّابُ، فَقالَ فِرْعَوْنُ: مَن هَذا الَّذِي يَضْرِبُ بابِي هَذِهِ السّاعَةَ؟ فَأشْرَفَ عَلَيْهِما البَوّابُ فَكَلَّمَهُما، فَقالَ لَهُ مُوسى: ﴿إنّا رَسُولُ رَبِّ العالَمِينَ﴾ فَفَزِعَ البَوّابُ، فَأتى فِرْعَوْنَ فَأخْبَرَهُ، فَقالَ: إنَّ هَهُنا إنْسانًا مَجْنُونًا يَزْعُمُ أنَّهُ رَسُولُ رَبِّ العالَمِينَ. فَقالَ: أدْخِلْهُ. فَدَخَلَ، فَقالَ: إنِّي رَسُولُ رَبِّ العالَمِينَ. قالَ فِرْعَوْنُ ﴿وما رَبُّ العالَمِينَ﴾ قالَ: ﴿رَبُّنا الَّذِي أعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى﴾ [طه: ٥٠] [طه: ٥٠] . قالَ: ﴿إنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِها إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ [الأعراف: ١٠٦] ﴿فَألْقى عَصاهُ فَإذا هي ثُعْبانٌ مُبِينٌ﴾ [الأعراف: ١٠٧] [الأعْرافِ: ١٠٦، ١٠٧] . والثُّعْبانُ الذَّكَرُ مِنَ الحَيّاتِ، فاتِحَةً فَمَها، واضِعَةً لَحْيَها الأسْفَلَ في الأرْضِ والأعْلى عَلى سُورِ القَصْرِ، ثُمَّ تَوَجَّهَتْ نَحْوَ فِرْعَوْنَ لِتَأْخُذَهُ، فَلَمّا رَآها ذُعِرَ مِنها ووَثَبَ فَأحْدَثَ، ولَمْ يَكُنْ يُحْدِثُ قَبْلَ ذَلِكَ، وصاحَ: يا مُوسى، خُذْها وأنا أُومِنُ بِكَ وأُرْسِلَ مَعَكَ بَنِي إسْرائِيلَ. فَأخَذَها (p-٢٤٤)مُوسى، فَصارَتْ عَصًا، فَقالَتِ السَّحَرَةُ في نَجْواهم: ﴿إنْ هَذانِ لَساحِرانِ يُرِيدانِ أنْ يُخْرِجاكم مِن أرْضِكم بِسِحْرِهِما﴾ [طه: ٦٣] [طه: ٦٣] . فالتَقى مُوسى وأمِيرُ السَّحَرَةِ، فَقالَ لَهُ: مُوسى: أرَأيْتَ إنْ غَلَبْتُكَ غَدًا أتُؤْمِنُ بِي وتَشْهَدُ أنَّ ما جِئْتُ بِهِ حَقٌّ؟ قالَ السّاحِرُ: لِآتِيَنَّ غَدًا بِسِحْرٍ لا يَغْلِبُهُ شَيْءٌ، فَواللَّهِ لَئِنْ غَلَبْتَنِي لَأُؤْمِنَنَّ لَكَ، ولَأشْهَدَنَّ أنَّكَ حَقٌّ. وفِرْعَوْنُ يَنْظُرُ إلَيْهِما. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وقِيلَ لِلنّاسِ هَلْ أنْتُمْ مُجْتَمِعُونَ﴾ [الشعراء: ٣٩] قالَ: كانُوا بِالإسْكَنْدَرِيَّةِ. قالَ: ويُقالُ: بَلَغَ ذَنَبُ الحَيَّةِ مِن وراءِ البُحَيْرَةِ يَوْمَئِذٍ. قالَ: وهَرَبُوا وأسْلَمُوا فِرْعَوْنَ، وهَمَّتْ بِهِ فَقالَ: خُذْها يا مُوسى. وكانَ مِمّا بُلِيَ النّاسُ بِهِ مِنهُ أنَّهُ كانَ لا يَضَعُ عَلى الأرْضِ شَيْئًا، فَأحْدَثَ يَوْمَئِذٍ تَحْتَهُ، وكانَ إرْسالُهُ الحَيَّةَ في القُبَّةِ الخَضْراءِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وقالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إنّا لَنَحْنُ الغالِبُونَ﴾ [الشعراء: ٤٤] قالَ: فَوَجَدُوا اللَّهَ أعَزَّ مِنهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ بِشْرِ بْنِ مَنصُورٍ قالَ: بَلَغَنِي أنَّهُ لَمّا تَكَلَّمَ بِبَعْضِ هَذا: ﴿وقالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ﴾ [الشعراء: ٤٤] قالَتِ المَلائِكَةُ: قَصَمَهُ ورَبِّ الكَعْبَةِ. فَقالَ اللَّهُ: (p-٢٤٥)تَألَّوْنَ عَلَيَّ، قَدْ أمْهَلْتُهُ أرْبَعِينَ عامًا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ في قَوْلِهِ: ﴿لا ضَيْرَ﴾ [الشعراء: ٥٠] قالَ: يَقُولُونَ: لا يَضُرُّنا الَّذِي تَقُولُ، وإنْ صَنَعْتَ بِنا وصَلَبْتَنا، ﴿إنّا إلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ﴾ [الشعراء: ٥٠] يَقُولُ: إنّا إلى رَبِّنا راجِعُونَ، وهو مُجازِينا بِصَبْرِنا عَلى عُقُوبَتِكَ إيّانا، وثَباتِنا عَلى تَوْحِيدِهِ، والبَراءَةِ مِنَ الكُفْرِ بِهِ. وفي قَوْلِهِ: ﴿أنْ كُنّا أوَّلَ المُؤْمِنِينَ﴾ قالَ: كانُوا كَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ أوَّلَ مَن آمَنَ بِآياتِهِ حِينَ رَأوْها.

الشعراء 26:20

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذْ نادى رَبُّكَ مُوسى﴾ الآياتِ. أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ: ﴿وإذْ نادى رَبُّكَ مُوسى﴾ قالَ: حِينَ نُودِيَ مِن جانِبِ الطُّورِ الأيْمَنِ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولَهم عَلَيَّ ذَنْبٌ﴾ [الشعراء: ١٤] قالَ: قَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي قَتَلَ فِيهِمْ. وفي قَوْلِهِ: ﴿وفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ﴾ قالَ: قَتْلُ النَّفْسِ أيْضًا. وفي قَوْلِهِ: ﴿فَعَلْتُها إذًا وأنا مِنَ الضّالِّينَ﴾ قالَ: مِنَ الجاهِلِينَ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿ولَهم عَلَيَّ ذَنْبٌ﴾ [الشعراء: ١٤] قالَ: قَتْلُ النَّفْسِ، وفي قَوْلِهِ: ﴿ألَمْ نُرَبِّكَ فِينا ولِيدًا﴾ قالَ: التَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ فَرَبَّوْهُ ولِيدًا حَتّى كانَ رَجُلًا، ﴿وفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ﴾ قالَ: قَتَلْتَ النَّفْسَ الَّتِي قَتَلْتَ، ﴿وأنْتَ مِنَ الكافِرِينَ﴾ قالَ: فَتَبَرَّأ مِن ذَلِكَ نَبِيُّ اللَّهِ، قالَ: ﴿فَعَلْتُها إذًا وأنا مِنَ الضّالِّينَ﴾ قالَ: مِنَ الجاهِلِينَ. قالَ: وهي في بَعْضِ القِراءَةِ: (وأنا مِنَ (p-٢٤١)الجاهِلِينَ) . فَإنَّما هو شَيْءٌ جَهِلَهُ ولَمْ يَتَعَمَّدْهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ في قَوْلِهِ: ﴿وفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وأنْتَ مِنَ الكافِرِينَ﴾ قالَ: مَنَّ فِرْعَوْنُ عَلى مُوسى حِينَ رَبّاهُ. يَقُولُ: كَفَرْتَ نِعْمَتِي. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ: ﴿وتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّها عَلَيَّ أنْ عَبَّدْتَ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ قالَ: قَهَرْتَهم واسْتَعْمَلْتَهم. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وأنْتَ مِنَ الكافِرِينَ﴾ قالَ: لِلنِّعْمَةِ، إنَّ فِرْعَوْنَ لَمْ يَكُنْ يَعْلَمُ ما الكُفْرُ. وفي قَوْلِهِ: ﴿قالَ فَعَلْتُها إذًا وأنا مِنَ الضّالِّينَ﴾ قالَ: مِنَ الجاهِلِينَ. وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قالَ: في قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ: (فَعَلْتُها إذَنْ وأنا مِنَ الجاهِلِينَ) . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ: في قَوْلِهِ: ﴿فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا﴾ . (p-٢٤٢)قالَ: النُّبُوَّةَ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ: ﴿وتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّها عَلَيَّ﴾ قالَ: يَقُولُ مُوسى لِفِرْعَوْنَ: أتَمُنُّ عَلَيَّ يا فِرْعَوْنُ بِأنِ اتَّخَذْتَ بَنِي إسْرائِيلَ عَبِيدًا وكانُوا أحْرارًا، فَقَهَرْتَهم واتَّخَذْتَهم عَبِيدًا؟ وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿قالَ فِرْعَوْنُ وما رَبُّ العالَمِينَ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿إنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [الشعراء: ٢٨] قالَ: فَلَمْ يَزِدْهُ إلّا رَغْمًا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَألْقى عَصاهُ فَإذا هي ثُعْبانٌ مُبِينٌ﴾ [الشعراء: ٣٢] يَقُولُ: مُبِينٌ لَهُ خَلْقُ حَيَّةٍ، ﴿ونَزَعَ يَدَهُ﴾ يَقُولُ: وأخْرَجَ مُوسى يَدَهُ مِن جَيْبِهِ، فَإذا هي بَيْضاءُ تَلْمَعُ، ﴿لِلنّاظِرِينَ﴾ لِمَن يَنْظُرُ إلَيْها ويَراها. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ قالَ: أقْبَلَ مُوسى إلى أهْلِهِ، فَسارَ بِهِمْ نَحْوَ مِصْرَ حَتّى أتاها لَيْلًا، فَتَضَيَّفَ عَلى أُمِّهِ وهو لا يَعْرِفُهُمْ، في لَيْلَةٍ كانُوا يَأْكُلُونَ مِنها الطَّفَيْشَلَ، فَنَزَلَ في جانِبٍ الدّارِ، فَجاءَ هارُونَ فَلَمّا أبْصَرَ ضَيْفَهُ (p-٢٤٣)سَألَ عَنْهُ أُمَّهُ، فَأخْبَرَتْهُ أنَّهُ ضَيْفٌ، فَدَعاهُ فَأكَلَ مَعَهُ، فَلَمّا قَعَدا تَحَدَّثا، فَسَألَهُ هارُونَ: مَن أنْتَ؟ قالَ: أنا مُوسى. فَقامَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما إلى صاحِبِهِ فاعْتَنَقَهُ، فَلَمّا أنَّ تَعارَفا قالَ لَهُ مُوسى: يا هارُونُ، انْطَلِقْ بِي إلى فِرْعَوْنَ؛ فَإنَّ اللَّهَ قَدْ أرْسَلَنا إلَيْهِ. قالَ هارُونُ: سَمْعًا وطاعَةً. فَقامَتْ أُمُّهُما، فَصاحَتْ وقالَتْ: أنْشُدُكُما بِاللَّهِ ألّا تَذْهَبا إلى فِرْعَوْنَ فَيَقْتُلَكُما. فَأبَيا فانْطَلَقا إلَيْهِ لَيْلًا، فَأتَيا البابَ فَضَرَباهُ، فَفَزِعَ فِرْعَوْنُ وفَزِعَ البَوّابُ، فَقالَ فِرْعَوْنُ: مَن هَذا الَّذِي يَضْرِبُ بابِي هَذِهِ السّاعَةَ؟ فَأشْرَفَ عَلَيْهِما البَوّابُ فَكَلَّمَهُما، فَقالَ لَهُ مُوسى: ﴿إنّا رَسُولُ رَبِّ العالَمِينَ﴾ فَفَزِعَ البَوّابُ، فَأتى فِرْعَوْنَ فَأخْبَرَهُ، فَقالَ: إنَّ هَهُنا إنْسانًا مَجْنُونًا يَزْعُمُ أنَّهُ رَسُولُ رَبِّ العالَمِينَ. فَقالَ: أدْخِلْهُ. فَدَخَلَ، فَقالَ: إنِّي رَسُولُ رَبِّ العالَمِينَ. قالَ فِرْعَوْنُ ﴿وما رَبُّ العالَمِينَ﴾ قالَ: ﴿رَبُّنا الَّذِي أعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى﴾ [طه: ٥٠] [طه: ٥٠] . قالَ: ﴿إنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِها إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ [الأعراف: ١٠٦] ﴿فَألْقى عَصاهُ فَإذا هي ثُعْبانٌ مُبِينٌ﴾ [الأعراف: ١٠٧] [الأعْرافِ: ١٠٦، ١٠٧] . والثُّعْبانُ الذَّكَرُ مِنَ الحَيّاتِ، فاتِحَةً فَمَها، واضِعَةً لَحْيَها الأسْفَلَ في الأرْضِ والأعْلى عَلى سُورِ القَصْرِ، ثُمَّ تَوَجَّهَتْ نَحْوَ فِرْعَوْنَ لِتَأْخُذَهُ، فَلَمّا رَآها ذُعِرَ مِنها ووَثَبَ فَأحْدَثَ، ولَمْ يَكُنْ يُحْدِثُ قَبْلَ ذَلِكَ، وصاحَ: يا مُوسى، خُذْها وأنا أُومِنُ بِكَ وأُرْسِلَ مَعَكَ بَنِي إسْرائِيلَ. فَأخَذَها (p-٢٤٤)مُوسى، فَصارَتْ عَصًا، فَقالَتِ السَّحَرَةُ في نَجْواهم: ﴿إنْ هَذانِ لَساحِرانِ يُرِيدانِ أنْ يُخْرِجاكم مِن أرْضِكم بِسِحْرِهِما﴾ [طه: ٦٣] [طه: ٦٣] . فالتَقى مُوسى وأمِيرُ السَّحَرَةِ، فَقالَ لَهُ: مُوسى: أرَأيْتَ إنْ غَلَبْتُكَ غَدًا أتُؤْمِنُ بِي وتَشْهَدُ أنَّ ما جِئْتُ بِهِ حَقٌّ؟ قالَ السّاحِرُ: لِآتِيَنَّ غَدًا بِسِحْرٍ لا يَغْلِبُهُ شَيْءٌ، فَواللَّهِ لَئِنْ غَلَبْتَنِي لَأُؤْمِنَنَّ لَكَ، ولَأشْهَدَنَّ أنَّكَ حَقٌّ. وفِرْعَوْنُ يَنْظُرُ إلَيْهِما. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وقِيلَ لِلنّاسِ هَلْ أنْتُمْ مُجْتَمِعُونَ﴾ [الشعراء: ٣٩] قالَ: كانُوا بِالإسْكَنْدَرِيَّةِ. قالَ: ويُقالُ: بَلَغَ ذَنَبُ الحَيَّةِ مِن وراءِ البُحَيْرَةِ يَوْمَئِذٍ. قالَ: وهَرَبُوا وأسْلَمُوا فِرْعَوْنَ، وهَمَّتْ بِهِ فَقالَ: خُذْها يا مُوسى. وكانَ مِمّا بُلِيَ النّاسُ بِهِ مِنهُ أنَّهُ كانَ لا يَضَعُ عَلى الأرْضِ شَيْئًا، فَأحْدَثَ يَوْمَئِذٍ تَحْتَهُ، وكانَ إرْسالُهُ الحَيَّةَ في القُبَّةِ الخَضْراءِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وقالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إنّا لَنَحْنُ الغالِبُونَ﴾ [الشعراء: ٤٤] قالَ: فَوَجَدُوا اللَّهَ أعَزَّ مِنهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ بِشْرِ بْنِ مَنصُورٍ قالَ: بَلَغَنِي أنَّهُ لَمّا تَكَلَّمَ بِبَعْضِ هَذا: ﴿وقالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ﴾ [الشعراء: ٤٤] قالَتِ المَلائِكَةُ: قَصَمَهُ ورَبِّ الكَعْبَةِ. فَقالَ اللَّهُ: (p-٢٤٥)تَألَّوْنَ عَلَيَّ، قَدْ أمْهَلْتُهُ أرْبَعِينَ عامًا. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ في قَوْلِهِ: ﴿لا ضَيْرَ﴾ [الشعراء: ٥٠] قالَ: يَقُولُونَ: لا يَضُرُّنا الَّذِي تَقُولُ، وإنْ صَنَعْتَ بِنا وصَلَبْتَنا، ﴿إنّا إلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ﴾ [الشعراء: ٥٠] يَقُولُ: إنّا إلى رَبِّنا راجِعُونَ، وهو مُجازِينا بِصَبْرِنا عَلى عُقُوبَتِكَ إيّانا، وثَباتِنا عَلى تَوْحِيدِهِ، والبَراءَةِ مِنَ الكُفْرِ بِهِ. وفي قَوْلِهِ: ﴿أنْ كُنّا أوَّلَ المُؤْمِنِينَ﴾ قالَ: كانُوا كَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ أوَّلَ مَن آمَنَ بِآياتِهِ حِينَ رَأوْها.

الشعراء 26:28

[راجع الآية: ١٠]

الشعراء 26:32

[راجع الآية: ١٠]

الشعراء 26:39

[راجع الآية: ١٠]

الشعراء 26:44

[راجع الآية: ١٠]

الشعراء 26:50

[راجع الآية: ١٠]

الشعراء 26:52

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأوْحَيْنا إلى مُوسى أنْ أسْرِ بِعِبادِي﴾ الآياتِ. أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ قالَ: ثُمَّ إنَّ اللَّهَ أمَرَ مُوسى أنْ يَخْرُجَ بِبَنِي إسْرائِيلَ فَقالَ: فَأسْرِ بِعِبادِي لَيْلًا. فَأمَرَ مُوسى بَنِي إسْرائِيلَ أنْ يَخْرُجُوا، وأمَرَهم أنْ يَسْتَعِيرُوا الحَلْيَ مِنَ القِبْطِ، وأمَرَ ألّا يُنادِيَ أحَدٌ مِنهم صاحِبَهُ، وأنْ يُسْرِجُوا في بُيُوتِهِمْ حَتّى الصُّبْحِ، وألّا يُنادِيَ إنْسانٌ مِنهم صاحِبَهُ، وأنَّ مَن خَرَجَ يُلَطِّخُ أمامَ بابِهِ بِكَفٍّ مِن دَمٍ حَتّى يُعْلَمَ أنَّهُ قَدْ خَرَجَ، وإنَّ اللَّهَ قَدْ أخْرَجَ كُلَّ ولَدِ زِنًى (p-٢٤٦)فِي القِبْطِ مِن بَنِي إسْرائِيلَ إلى بَنِي إسْرائِيلَ، وأخْرَجَ كُلَّ ولَدِ زِنًى في بَنِي إسْرائِيلَ مِنَ القِبْطِ إلى القِبْطِ حَتّى أتَوْا آباءَهم. ثُمَّ خَرَجَ مُوسى بِبَنِي إسْرائِيلَ لَيْلًا والقِبْطُ لا يَعْلَمُونَ، وأُلْقِيَ عَلى القِبْطِ المَوْتُ، فَماتَ كُلُّ بِكْرٍ رَجُلٍ مِنهُمْ، فَأصْبَحُوا يَدْفِنُونَهُمْ، فَشُغِلُوا عَنْ طَلَبِهِمْ حَتّى طَلَعَتِ الشَّمْسُ، وخَرَجَ مُوسى في سِتِّمِائَةِ ألْفٍ وعِشْرِينَ ألْفًا، لا يَعُدُّونَ ابْنَ عِشْرِينَ لِصِغَرِهِ، ولا ابْنَ سِتِّينَ لِكِبَرِهِ، وإنَّما عَدُّوا ما بَيْنَ ذَلِكَ سِوى الذُّرِّيَّةِ. وتَبِعَهم فِرْعَوْنُ، عَلى مُقَدِّمَتِهِ هامانُ في ألْفِ ألْفٍ وسَبْعِمِائَةِ ألْفِ حِصانٍ، فِيها ماذِيانَةٌ، وذَلِكَ حِينَ يَقُولُ اللَّهُ: ﴿فَأرْسَلَ فِرْعَوْنُ في المَدائِنِ حاشِرِينَ﴾ ﴿إنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ﴾ فَكانَ مُوسى عَلى ساقَةِ بَنِي إسْرائِيلَ، وكانَ هارُونُ أمامَهم يَقْدُمُهُمْ، فَقالَ المُؤْمِنُ لِمُوسى: يا نَبِيَّ اللَّهِ، أيْنَ أُمِرْتَ؟ قالَ: البَحْرَ. فَأرادَ أنْ يَقْحُمَ فَمَنَعَهُ مُوسى. فَنَظَرَتْ بَنُو إسْرائِيلَ إلى فِرْعَوْنَ قَدْ رَدِفَهم قالُوا: يا مُوسى، ﴿إنّا لَمُدْرَكُونَ﴾ قالَ مُوسى: ﴿كَلا إنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ يَقُولُ: سَيَكْفِينِي. فَتَقَدَّمَ هارُونُ فَضَرَبَ البَحْرَ، فَأبى البَحْرُ أنْ يَنْفَتِحَ، وقالَ: مَن هَذا الجَبّارُ الَّذِي يَضْرِبُنِي؟ حَتّى أتاهُ مُوسى، فَكَناهُ أبا خالِدٍ، وضَرَبَهُ ﴿فانْفَلَقَ فَكانَ كُلُّ فِرْقٍ كالطَّوْدِ العَظِيمِ﴾ [الشعراء: ٦٣] يَقُولُ: كالجَبَلِ العَظِيمِ، فَدَخَلَتْ بَنُو إسْرائِيلَ، (p-٢٤٧)وكانَ في البَحْرِ اثْنا عَشَرَ طَرِيقًا، في كُلِّ طَرِيقٍ سِبْطٌ، وكانَتِ الطُّرُقُ إذا انْفَلَقَتْ بِجُدْرانٍ، فَقالَ كُلُّ سِبْطٍ: قَدْ قُتِلَ أصْحابُنا. فَلَمّا رَأى ذَلِكَ مُوسى دَعا اللَّهَ، فَجَعَلَها لَهم قَناطِرَ كَهَيْئَةِ الطِّيقانِ، يَنْظُرُ آخِرُهم إلى أوَّلِهِمْ حَتّى خَرَجُوا جَمِيعًا، ثُمَّ دَنا فِرْعَوْنُ وأصْحابُهُ، فَلَمّا نَظَرَ فِرْعَوْنُ إلى البَحْرِ مُنْفَلِقًا قالَ: ألا تَرَوْنَ إلى البَحْرِ فَرِقَ مِنى فانْفَتَحَ لِي حَتّى أُدْرِكَ أعْدائِي فاقْتُلَهم. فَلَمّا قامَ فِرْعَوْنُ عَلى أفْواهِ الطُّرُقِ أبَتْ خَيْلُهُ أنْ تَقْتَحِمُ، فَنَزَلَ جِبْرِيلُ عَلى ماذِيانَةٍ، فَشامَّتِ الحُصُنُ رِيحَ الماذِيانَةَ، فاقْتَحَمَتْ في أثَرِها، حَتّى إذا هَمَّ أوَّلُهُمُ أنْ يَخْرُجَ ودَخَلَ آخِرُهُمْ، أُمِرَ البَحْرُ أنْ يَأْخُذَهُمْ، فالتَطَمَ عَلَيْهِمْ، وتَفَرَّدَ جِبْرِيلُ بِفِرْعَوْنَ بِمَقْلَةٍ مِن مَقْلِ البَحْرِ، فَجَعَلَ يَدُسُّها في فِيهِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ﴾ قالَ: ذُكِرَ لَنا أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ الَّذِينَ قَطَعَ بِهِمْ مُوسى البَحْرَ كانُوا سِتَّمِائَةِ ألْفٍ (p-٢٤٨)مُقاتِلٍ بَنِي عِشْرِينَ سَنَةً فَصاعِدًا، وأتْبَعَهم فِرْعَوْنُ عَلى ألْفِ ألْفِ حِصانٍ ومِائَتَيْ ألْفِ حِصانٍ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ﴾ قالَ: سِتُّمِائَةِ ألْفٍ وسَبْعُونَ ألْفًا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ، مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ﴾ قالَ: كانُوا سِتَّمِائَةِ ألْفٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿لَشِرْذِمَةٌ﴾ قالَ: قِطْعَةٌ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ: ﴿لَشِرْذِمَةٌ﴾ قالَ: الفَرِيدُ مِنَ النّاسِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««كانَ أصْحابُ مُوسى الَّذِينَ جاوَزُوا البَحْرَ اثْنَيْ عَشَرَ سِبْطًا، فَكانَ في كُلِّ طَرِيقٍ اثْنا عَشَرَ ألْفًا، كُلُّهم ولَدُ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ»» . وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ مُجاهِدٍ: ﴿إنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ﴾ (p-٢٤٩)قالَ: هم يَوْمَئِذٍ سِتُّمِائَةِ ألْفٍ، ولا يُحْصى عَدَدُ أصْحابِ فِرْعَوْنَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ، بِسَنَدٍ واهٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««كانَ فِرْعَوْنُ عَدُوَّ اللَّهِ حَيْثُ أغْرَقَهُ اللَّهُ هو وأصْحابَهُ في سَبْعِينَ قائِدًا، مَعَ كُلِّ قائِدٍ سَبْعُونَ ألْفًا، وكانَ مُوسى مَعَ سَبْعِينَ ألْفًا حِينَ عَبَرُوا البَحْرَ»» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قالَ: أوْحى اللَّهُ إلى مُوسى أنِ اجْمَعْ بَنِي إسْرائِيلَ، كُلَّ أرْبَعَةِ أبْياتٍ مِن بَنِي إسْرائِيلَ في بَيْتٍ، ثُمَّ اذْبَحْ أوْلادَ الضَّأْنِ فاضْرِبْ بِدِمائِها عَلى كُلِّ بابٍ، فَإنِّي سَآمُرُ المَلائِكَةَ ألّا تَدْخُلَ بَيْتًا عَلى بابِهِ دَمٌ، وسَآمُرُ المَلائِكَةَ فَتَقْتُلُ أبْكارَ آلِ فِرْعَوْنَ مِن أنْفُسِهِمْ وأهْلِيهِمْ، ثُمَّ اخْبِزُوا خُبْزًا فَطِيرًا، فَإنَّهُ أسْرَعُ لَكُمْ، ثُمَّ سِرْ حَتّى تَأْتِيَ البَحْرَ، ثُمَّ قِفْ حَتّى يَأْتِيَكَ أمْرِي. فَلَمّا أنْ أصْبَحَ فِرْعَوْنُ قالَ: هَذا عَمَلُ مُوسى وقَوْمِهِ، قَتَلُوا أبْكارَنا مِن أنْفُسِنا وأهْلِينا. وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ يَحْيى بْنِ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ قالَ: إنَّ اللَّهَ أمَرَ مُوسى أنْ يَسِيرَ بِبَنِي إسْرائِيلَ، وقَدْ كانَ مُوسى وعَدَ بَنِي إسْرائِيلَ أنْ يَسِيرَ بِهِمْ إذا طَلَعَ القَمَرُ، فَدَعا اللَّهَ أنْ يُؤَخِّرَ طُلُوعَهُ حَتّى يَفْرُغَ، فَلَمّا سارَ مُوسى بِبَنِي (p-٢٥٠)إسْرائِيلَ، أذَّنَ فِرْعَوْنُ في النّاسِ: ﴿إنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ قالَ: خَرَجَ مُوسى مِن مِصْرَ ومَعَهُ سِتُّمِائَةِ ألْفٍ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، لا يَعُدُّونَ فِيهِمْ أقَلَّ مِنَ ابْنِ عِشْرِينَ ولا ابْنَ أكْثَرَ مِن أرْبَعِينَ سَنَةً، فَقالَ: ﴿إنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ﴾ وخَرَجَ فِرْعَوْنُ عَلى فَرَسٍ حِصانٍ أدْهَمَ ومَعَهُ ثَمانِمِائَةِ ألْفٍ عَلى خَيْلٍ دُهْمٍ سِوى ألْوانِ الخَيْلِ، وكانَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى فَرَسٍ أُنْثى يَسِيرُ بَيْنَ يَدَيِ القَوْمِ ويَقُولُ: لَيْسَ القَوْمُ بِأحَقَّ بِالطَّرِيقِ مِنكم. وفِرْعَوْنُ عَلى فَرَسٍ أدْهَمَ حِصانٍ، وجِبْرِيلُ عَلى فَرَسٍ أُنْثى، فَأتْبَعَها فَرَسُ فِرْعَوْنَ، وكانَ مِيكائِيلُ في آخِرِ القَوْمِ يَقُولُ: الحَقُوا، الحَقُوا أصْحابَكم. حَتّى دَخَلَ آخِرُهُمْ، وأرادَ أوَّلُهم أنْ يَخْرُجَ، فَأطْبَقَ عَلَيْهِمُ البَحْرُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ قالَ: لَمّا أرادَ مُوسى أنْ يَخْرُجَ بِبَنِي إسْرائِيلَ مِن مِصْرَ بَلَغَ ذَلِكَ فِرْعَوْنَ فَقالَ: أمْهِلُوهم حَتّى إذا صاحَ الدِّيكُ فَأْتُوهم. فَلَمْ يَصِحْ في تِلْكَ اللَّيْلَةِ دِيكٌ، فَخَرَجَ مُوسى بِبَنِي إسْرائِيلَ، وغَدا فِرْعَوْنُ، فَلَمّا أصْبَحَ فِرْعَوْنُ أمَرَ بِشاةٍ، فَأُتِيَ بِها، فَأمَرَ بِها أنْ تُذْبَحَ، ثُمَّ قالَ: لا يُفْرَغُ مِن سَلْخِها حَتّى يَجْتَمِعَ عِنْدِي خَمْسُمِائَةِ ألْفِ فارِسٍ. فاجْتَمَعُوا إلَيْهِ، (p-٢٥١)فَأتْبَعَهُمْ، فَلَمّا انْتَهى مُوسى إلى البَحْرِ قالَ لَهُ وصِيُّهُ: يا نَبِيَّ اللَّهِ، أيْنَ أُمِرْتَ؟ قالَ: هَهُنا في البَحْرِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانَ طَلائِعُ فِرْعَوْنَ الَّذِينَ بَعَثَهم في أثَرِهِمْ سِتَّمِائَةِ ألْفٍ، لَيْسَ فِيهِمْ أحَدٌ إلّا عَلى بَهِيمٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانَتْ سِيما خَيْلِ فِرْعَوْنَ الخِرَقَ البِيضَ في أصْداغِها، وكانَتْ جَرِيدَتُهُ مِائَةَ ألْفِ حِصانٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ كَعْبِ الأحْبارِ قالَ: اجْتَمَعَ آلُ يَعْقُوبَ إلى يُوسُفَ، وهم سِتَّةٌ وثَمانُونَ إنْسانًا، ذَكَرُهم وأُنْثاهُمْ، فَخَرَجَ بِهِمْ مُوسى يَوْمَ خَرَجَ وهم سِتُّمِائَةِ ألْفٍ ونَيِّفٌ، وخَرَجَ فِرْعَوْنُ عَلى أثَرِهِمْ يَطْلُبُهم عَلى فَرَسٍ أدْهَمَ، عَلى لَوْنِهِ مِنَ الدُّهْمِ ثَمانُمِائَةِ ألْفٍ أدْهَمَ سِوى ألْوانِ الخَيْلِ، وجالَتِ الرِّيحُ الشَّمالُ، وتَحْتَ جِبْرِيلَ فَرَسٌ ودِيقٌ، ومِيكائِيلُ يَسُوقُهم لا يَشِذُّ مِنهم شاذَّةٌ إلّا ضَمَّهُ، فَقالَ القَوْمُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، قَدْ كُنّا نَلْقى مِنَ التَّعْسِ والعَذابِ ما (p-٢٥٢)نَلْقى، فَكَيْفَ إذْ صَنَعْنا ما صَنَعْنا، فَأيْنَ المَلْجَأُ؟ قالَ: البَحْرُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أنَّهُ قَرَأ: ﴿وإنّا لَجَمِيعٌ حاذِرُونَ﴾ قالَ: مُؤْدُونَ مُقْوُونَ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الأُسُودِ بْنِ يَزِيدَ، أنَّهُ كانَ يَقْرَؤُها: ﴿وإنّا لَجَمِيعٌ حاذِرُونَ﴾ قالَ: مُؤْدُونَ مُقْوُونَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنِ الأسْوَدِ، أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ: ﴿وإنّا لَجَمِيعٌ حاذِرُونَ﴾ يَقُولُ: وادُّونَ مُسْتَعِدُّونَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ (p-٢٥٣)جُبَيْرٍ، أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ: ﴿وإنّا لَجَمِيعٌ حاذِرُونَ﴾ يَقُولُ: مُؤْدُونَ في السِّلاحِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينارٍ قالَ: قَرَأ عُبَيْدٌ: ﴿وإنّا لَجَمِيعٌ حاذِرُونَ﴾ . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الضَّحّاكِ: ﴿وإنّا لَجَمِيعٌ حاذِرُونَ﴾ يَعْنِي شاكِينَ في السِّلاحِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: ﴿وإنّا لَجَمِيعٌ حاذِرُونَ﴾ قالَ: مُؤْدُونَ مُقْوُونَ في السِّلاحِ والكُراعِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ إبْراهِيمَ، أنَّهُ كانَ يَقْرَؤُها: ﴿وإنّا لَجَمِيعٌ حاذِرُونَ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ الأنْبارِيِّ في ”الوَقْفِ“، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أنَّ نافِعَ بْنَ الأزْرَقِ قالَ لَهُ: أخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِهِ: ﴿وإنّا لَجَمِيعٌ حاذِرُونَ﴾ ما الحاذِرُونَ؟ قالَ: التّامُّونَ السِّلاحَ. قالَ فِيهِ النَّجاشِيُّ: ؎لَعَمْرُ أبِي أُثالٍ حَيْثُ أمْسى لَقَدْ نادَتْ بِهِ أبْناءُ بَكْرِ ؎(p-٢٥٤)حَنِيفَةُ في كَتائِبَ حاذِراتٌ ∗∗∗ يَقُودُهُمُ أبُو شِبْلٍ هِزَبْرِ وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ: ﴿فَأخْرَجْناهم مِن جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ ﴿وكُنُوزٍ ومَقامٍ كَرِيمٍ﴾ قالَ: كانُوا في ذَلِكَ في الدُّنْيا، فَأخْرَجَهُمُ اللَّهُ مِن ذَلِكَ وأوْرَثَها بَنِي إسْرائِيلَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ومَقامٍ كَرِيمٍ﴾ قالَ: المَنابِرُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿فَأتْبَعُوهم مُشْرِقِينَ﴾ قالَ: أتْبَعَهم فِرْعَوْنُ وجُنُودُهُ حِينَ أشْرَقَتِ الشَّمْسُ، ﴿قالَ أصْحابُ مُوسى إنّا لَمُدْرَكُونَ﴾ قالَ مُوسى، وكانَ أعْلَمَهم بِاللَّهِ: ﴿كَلا إنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ عاصِمٍ، أنَّهُ قَرَأ: ﴿فَأتْبَعُوهم مُشْرِقِينَ﴾ مَهْمُوزَةً مَقْطُوعَةَ الألِفِ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ: ﴿فَأتْبَعُوهم مُشْرِقِينَ﴾ قالَ: خَرَجَ مُوسى لَيْلًا (p-٢٥٥)فَكَسَفَ القَمَرُ لَيْلًا، وأظْلَمَتِ الأرْضُ، فَقالَ أصْحابُهُ: إنَّ يُوسُفَ كانَ أخْبَرَنا أنا سَنُنَجّى مِن فِرْعَوْنَ، وأخَذَ عَلَيْنا العَهْدَ لَنَخْرُجَنَّ بِعِظامِهِ مَعَنا، فَخَرَجَ مُوسى مِن لَيْلَتِهِ يَسْألُ عَنْ قَبْرِهِ، فَوَجَدَ عَجُوزًا بَيْتُها عَلى قَبْرِهِ، فَأخْرَجَتْهُ لَهُ بِحُكْمِها، فَكانَ حُكْمُها أنْ قالَتْ لَهُ: احْمِلْنِي فَأخْرِجْنِي مَعَكَ. فَجَعَلَ عِظامَ يُوسُفَ في كِسائِهِ، ثُمَّ حَمَلَ العَجُوزَ عَلى كِسائِهِ، فَجَعَلَهُ عَلى رَقَبَتِهِ، وخَيْلُ فِرْعَوْنَ في مِلْءِ أعِنَّتِها خُضْرًا في أعْيُنِهِمْ ولا تَبْرَحُ؛ حُبِسَتْ عَنْ مُوسى وأصْحابِهِ حَتّى بَرَزُوا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ خُلَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ العَصَرِيِّ، أنَّ مُؤْمِنَ آلِ فِرْعَوْنَ كانَ أمامَ القَوْمِ قالَ: يا نَبِيَّ اللَّهِ، أيْنَ أُمِرْتَ؟ قالَ: أمامَكَ. قالَ: وهَلْ أمامِي إلّا البَحْرُ؟ قالَ: واللَّهِ ما كَذَبْتُ ولا كُذِبْتُ. ثُمَّ سارَ ساعَةً فَقالَ مِثْلَ ذَلِكَ، فَرَدَّ عَلَيْهِ مُوسى مِثْلَ ذَلِكَ، قالَ مُوسى، وكانَ أعْلَمَ القَوْمِ بِاللَّهِ: (p-٢٥٦)﴿كَلا إنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ .

الشعراء 26:53

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأوْحَيْنا إلى مُوسى أنْ أسْرِ بِعِبادِي﴾ الآياتِ. أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ قالَ: ثُمَّ إنَّ اللَّهَ أمَرَ مُوسى أنْ يَخْرُجَ بِبَنِي إسْرائِيلَ فَقالَ: فَأسْرِ بِعِبادِي لَيْلًا. فَأمَرَ مُوسى بَنِي إسْرائِيلَ أنْ يَخْرُجُوا، وأمَرَهم أنْ يَسْتَعِيرُوا الحَلْيَ مِنَ القِبْطِ، وأمَرَ ألّا يُنادِيَ أحَدٌ مِنهم صاحِبَهُ، وأنْ يُسْرِجُوا في بُيُوتِهِمْ حَتّى الصُّبْحِ، وألّا يُنادِيَ إنْسانٌ مِنهم صاحِبَهُ، وأنَّ مَن خَرَجَ يُلَطِّخُ أمامَ بابِهِ بِكَفٍّ مِن دَمٍ حَتّى يُعْلَمَ أنَّهُ قَدْ خَرَجَ، وإنَّ اللَّهَ قَدْ أخْرَجَ كُلَّ ولَدِ زِنًى (p-٢٤٦)فِي القِبْطِ مِن بَنِي إسْرائِيلَ إلى بَنِي إسْرائِيلَ، وأخْرَجَ كُلَّ ولَدِ زِنًى في بَنِي إسْرائِيلَ مِنَ القِبْطِ إلى القِبْطِ حَتّى أتَوْا آباءَهم. ثُمَّ خَرَجَ مُوسى بِبَنِي إسْرائِيلَ لَيْلًا والقِبْطُ لا يَعْلَمُونَ، وأُلْقِيَ عَلى القِبْطِ المَوْتُ، فَماتَ كُلُّ بِكْرٍ رَجُلٍ مِنهُمْ، فَأصْبَحُوا يَدْفِنُونَهُمْ، فَشُغِلُوا عَنْ طَلَبِهِمْ حَتّى طَلَعَتِ الشَّمْسُ، وخَرَجَ مُوسى في سِتِّمِائَةِ ألْفٍ وعِشْرِينَ ألْفًا، لا يَعُدُّونَ ابْنَ عِشْرِينَ لِصِغَرِهِ، ولا ابْنَ سِتِّينَ لِكِبَرِهِ، وإنَّما عَدُّوا ما بَيْنَ ذَلِكَ سِوى الذُّرِّيَّةِ. وتَبِعَهم فِرْعَوْنُ، عَلى مُقَدِّمَتِهِ هامانُ في ألْفِ ألْفٍ وسَبْعِمِائَةِ ألْفِ حِصانٍ، فِيها ماذِيانَةٌ، وذَلِكَ حِينَ يَقُولُ اللَّهُ: ﴿فَأرْسَلَ فِرْعَوْنُ في المَدائِنِ حاشِرِينَ﴾ ﴿إنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ﴾ فَكانَ مُوسى عَلى ساقَةِ بَنِي إسْرائِيلَ، وكانَ هارُونُ أمامَهم يَقْدُمُهُمْ، فَقالَ المُؤْمِنُ لِمُوسى: يا نَبِيَّ اللَّهِ، أيْنَ أُمِرْتَ؟ قالَ: البَحْرَ. فَأرادَ أنْ يَقْحُمَ فَمَنَعَهُ مُوسى. فَنَظَرَتْ بَنُو إسْرائِيلَ إلى فِرْعَوْنَ قَدْ رَدِفَهم قالُوا: يا مُوسى، ﴿إنّا لَمُدْرَكُونَ﴾ قالَ مُوسى: ﴿كَلا إنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ يَقُولُ: سَيَكْفِينِي. فَتَقَدَّمَ هارُونُ فَضَرَبَ البَحْرَ، فَأبى البَحْرُ أنْ يَنْفَتِحَ، وقالَ: مَن هَذا الجَبّارُ الَّذِي يَضْرِبُنِي؟ حَتّى أتاهُ مُوسى، فَكَناهُ أبا خالِدٍ، وضَرَبَهُ ﴿فانْفَلَقَ فَكانَ كُلُّ فِرْقٍ كالطَّوْدِ العَظِيمِ﴾ [الشعراء: ٦٣] يَقُولُ: كالجَبَلِ العَظِيمِ، فَدَخَلَتْ بَنُو إسْرائِيلَ، (p-٢٤٧)وكانَ في البَحْرِ اثْنا عَشَرَ طَرِيقًا، في كُلِّ طَرِيقٍ سِبْطٌ، وكانَتِ الطُّرُقُ إذا انْفَلَقَتْ بِجُدْرانٍ، فَقالَ كُلُّ سِبْطٍ: قَدْ قُتِلَ أصْحابُنا. فَلَمّا رَأى ذَلِكَ مُوسى دَعا اللَّهَ، فَجَعَلَها لَهم قَناطِرَ كَهَيْئَةِ الطِّيقانِ، يَنْظُرُ آخِرُهم إلى أوَّلِهِمْ حَتّى خَرَجُوا جَمِيعًا، ثُمَّ دَنا فِرْعَوْنُ وأصْحابُهُ، فَلَمّا نَظَرَ فِرْعَوْنُ إلى البَحْرِ مُنْفَلِقًا قالَ: ألا تَرَوْنَ إلى البَحْرِ فَرِقَ مِنى فانْفَتَحَ لِي حَتّى أُدْرِكَ أعْدائِي فاقْتُلَهم. فَلَمّا قامَ فِرْعَوْنُ عَلى أفْواهِ الطُّرُقِ أبَتْ خَيْلُهُ أنْ تَقْتَحِمُ، فَنَزَلَ جِبْرِيلُ عَلى ماذِيانَةٍ، فَشامَّتِ الحُصُنُ رِيحَ الماذِيانَةَ، فاقْتَحَمَتْ في أثَرِها، حَتّى إذا هَمَّ أوَّلُهُمُ أنْ يَخْرُجَ ودَخَلَ آخِرُهُمْ، أُمِرَ البَحْرُ أنْ يَأْخُذَهُمْ، فالتَطَمَ عَلَيْهِمْ، وتَفَرَّدَ جِبْرِيلُ بِفِرْعَوْنَ بِمَقْلَةٍ مِن مَقْلِ البَحْرِ، فَجَعَلَ يَدُسُّها في فِيهِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ﴾ قالَ: ذُكِرَ لَنا أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ الَّذِينَ قَطَعَ بِهِمْ مُوسى البَحْرَ كانُوا سِتَّمِائَةِ ألْفٍ (p-٢٤٨)مُقاتِلٍ بَنِي عِشْرِينَ سَنَةً فَصاعِدًا، وأتْبَعَهم فِرْعَوْنُ عَلى ألْفِ ألْفِ حِصانٍ ومِائَتَيْ ألْفِ حِصانٍ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ﴾ قالَ: سِتُّمِائَةِ ألْفٍ وسَبْعُونَ ألْفًا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ، مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ﴾ قالَ: كانُوا سِتَّمِائَةِ ألْفٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿لَشِرْذِمَةٌ﴾ قالَ: قِطْعَةٌ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ: ﴿لَشِرْذِمَةٌ﴾ قالَ: الفَرِيدُ مِنَ النّاسِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««كانَ أصْحابُ مُوسى الَّذِينَ جاوَزُوا البَحْرَ اثْنَيْ عَشَرَ سِبْطًا، فَكانَ في كُلِّ طَرِيقٍ اثْنا عَشَرَ ألْفًا، كُلُّهم ولَدُ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ»» . وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ مُجاهِدٍ: ﴿إنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ﴾ (p-٢٤٩)قالَ: هم يَوْمَئِذٍ سِتُّمِائَةِ ألْفٍ، ولا يُحْصى عَدَدُ أصْحابِ فِرْعَوْنَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ، بِسَنَدٍ واهٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««كانَ فِرْعَوْنُ عَدُوَّ اللَّهِ حَيْثُ أغْرَقَهُ اللَّهُ هو وأصْحابَهُ في سَبْعِينَ قائِدًا، مَعَ كُلِّ قائِدٍ سَبْعُونَ ألْفًا، وكانَ مُوسى مَعَ سَبْعِينَ ألْفًا حِينَ عَبَرُوا البَحْرَ»» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قالَ: أوْحى اللَّهُ إلى مُوسى أنِ اجْمَعْ بَنِي إسْرائِيلَ، كُلَّ أرْبَعَةِ أبْياتٍ مِن بَنِي إسْرائِيلَ في بَيْتٍ، ثُمَّ اذْبَحْ أوْلادَ الضَّأْنِ فاضْرِبْ بِدِمائِها عَلى كُلِّ بابٍ، فَإنِّي سَآمُرُ المَلائِكَةَ ألّا تَدْخُلَ بَيْتًا عَلى بابِهِ دَمٌ، وسَآمُرُ المَلائِكَةَ فَتَقْتُلُ أبْكارَ آلِ فِرْعَوْنَ مِن أنْفُسِهِمْ وأهْلِيهِمْ، ثُمَّ اخْبِزُوا خُبْزًا فَطِيرًا، فَإنَّهُ أسْرَعُ لَكُمْ، ثُمَّ سِرْ حَتّى تَأْتِيَ البَحْرَ، ثُمَّ قِفْ حَتّى يَأْتِيَكَ أمْرِي. فَلَمّا أنْ أصْبَحَ فِرْعَوْنُ قالَ: هَذا عَمَلُ مُوسى وقَوْمِهِ، قَتَلُوا أبْكارَنا مِن أنْفُسِنا وأهْلِينا. وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ يَحْيى بْنِ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ قالَ: إنَّ اللَّهَ أمَرَ مُوسى أنْ يَسِيرَ بِبَنِي إسْرائِيلَ، وقَدْ كانَ مُوسى وعَدَ بَنِي إسْرائِيلَ أنْ يَسِيرَ بِهِمْ إذا طَلَعَ القَمَرُ، فَدَعا اللَّهَ أنْ يُؤَخِّرَ طُلُوعَهُ حَتّى يَفْرُغَ، فَلَمّا سارَ مُوسى بِبَنِي (p-٢٥٠)إسْرائِيلَ، أذَّنَ فِرْعَوْنُ في النّاسِ: ﴿إنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ قالَ: خَرَجَ مُوسى مِن مِصْرَ ومَعَهُ سِتُّمِائَةِ ألْفٍ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، لا يَعُدُّونَ فِيهِمْ أقَلَّ مِنَ ابْنِ عِشْرِينَ ولا ابْنَ أكْثَرَ مِن أرْبَعِينَ سَنَةً، فَقالَ: ﴿إنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ﴾ وخَرَجَ فِرْعَوْنُ عَلى فَرَسٍ حِصانٍ أدْهَمَ ومَعَهُ ثَمانِمِائَةِ ألْفٍ عَلى خَيْلٍ دُهْمٍ سِوى ألْوانِ الخَيْلِ، وكانَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى فَرَسٍ أُنْثى يَسِيرُ بَيْنَ يَدَيِ القَوْمِ ويَقُولُ: لَيْسَ القَوْمُ بِأحَقَّ بِالطَّرِيقِ مِنكم. وفِرْعَوْنُ عَلى فَرَسٍ أدْهَمَ حِصانٍ، وجِبْرِيلُ عَلى فَرَسٍ أُنْثى، فَأتْبَعَها فَرَسُ فِرْعَوْنَ، وكانَ مِيكائِيلُ في آخِرِ القَوْمِ يَقُولُ: الحَقُوا، الحَقُوا أصْحابَكم. حَتّى دَخَلَ آخِرُهُمْ، وأرادَ أوَّلُهم أنْ يَخْرُجَ، فَأطْبَقَ عَلَيْهِمُ البَحْرُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ قالَ: لَمّا أرادَ مُوسى أنْ يَخْرُجَ بِبَنِي إسْرائِيلَ مِن مِصْرَ بَلَغَ ذَلِكَ فِرْعَوْنَ فَقالَ: أمْهِلُوهم حَتّى إذا صاحَ الدِّيكُ فَأْتُوهم. فَلَمْ يَصِحْ في تِلْكَ اللَّيْلَةِ دِيكٌ، فَخَرَجَ مُوسى بِبَنِي إسْرائِيلَ، وغَدا فِرْعَوْنُ، فَلَمّا أصْبَحَ فِرْعَوْنُ أمَرَ بِشاةٍ، فَأُتِيَ بِها، فَأمَرَ بِها أنْ تُذْبَحَ، ثُمَّ قالَ: لا يُفْرَغُ مِن سَلْخِها حَتّى يَجْتَمِعَ عِنْدِي خَمْسُمِائَةِ ألْفِ فارِسٍ. فاجْتَمَعُوا إلَيْهِ، (p-٢٥١)فَأتْبَعَهُمْ، فَلَمّا انْتَهى مُوسى إلى البَحْرِ قالَ لَهُ وصِيُّهُ: يا نَبِيَّ اللَّهِ، أيْنَ أُمِرْتَ؟ قالَ: هَهُنا في البَحْرِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانَ طَلائِعُ فِرْعَوْنَ الَّذِينَ بَعَثَهم في أثَرِهِمْ سِتَّمِائَةِ ألْفٍ، لَيْسَ فِيهِمْ أحَدٌ إلّا عَلى بَهِيمٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانَتْ سِيما خَيْلِ فِرْعَوْنَ الخِرَقَ البِيضَ في أصْداغِها، وكانَتْ جَرِيدَتُهُ مِائَةَ ألْفِ حِصانٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ كَعْبِ الأحْبارِ قالَ: اجْتَمَعَ آلُ يَعْقُوبَ إلى يُوسُفَ، وهم سِتَّةٌ وثَمانُونَ إنْسانًا، ذَكَرُهم وأُنْثاهُمْ، فَخَرَجَ بِهِمْ مُوسى يَوْمَ خَرَجَ وهم سِتُّمِائَةِ ألْفٍ ونَيِّفٌ، وخَرَجَ فِرْعَوْنُ عَلى أثَرِهِمْ يَطْلُبُهم عَلى فَرَسٍ أدْهَمَ، عَلى لَوْنِهِ مِنَ الدُّهْمِ ثَمانُمِائَةِ ألْفٍ أدْهَمَ سِوى ألْوانِ الخَيْلِ، وجالَتِ الرِّيحُ الشَّمالُ، وتَحْتَ جِبْرِيلَ فَرَسٌ ودِيقٌ، ومِيكائِيلُ يَسُوقُهم لا يَشِذُّ مِنهم شاذَّةٌ إلّا ضَمَّهُ، فَقالَ القَوْمُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، قَدْ كُنّا نَلْقى مِنَ التَّعْسِ والعَذابِ ما (p-٢٥٢)نَلْقى، فَكَيْفَ إذْ صَنَعْنا ما صَنَعْنا، فَأيْنَ المَلْجَأُ؟ قالَ: البَحْرُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أنَّهُ قَرَأ: ﴿وإنّا لَجَمِيعٌ حاذِرُونَ﴾ قالَ: مُؤْدُونَ مُقْوُونَ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الأُسُودِ بْنِ يَزِيدَ، أنَّهُ كانَ يَقْرَؤُها: ﴿وإنّا لَجَمِيعٌ حاذِرُونَ﴾ قالَ: مُؤْدُونَ مُقْوُونَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنِ الأسْوَدِ، أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ: ﴿وإنّا لَجَمِيعٌ حاذِرُونَ﴾ يَقُولُ: وادُّونَ مُسْتَعِدُّونَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ (p-٢٥٣)جُبَيْرٍ، أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ: ﴿وإنّا لَجَمِيعٌ حاذِرُونَ﴾ يَقُولُ: مُؤْدُونَ في السِّلاحِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينارٍ قالَ: قَرَأ عُبَيْدٌ: ﴿وإنّا لَجَمِيعٌ حاذِرُونَ﴾ . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الضَّحّاكِ: ﴿وإنّا لَجَمِيعٌ حاذِرُونَ﴾ يَعْنِي شاكِينَ في السِّلاحِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: ﴿وإنّا لَجَمِيعٌ حاذِرُونَ﴾ قالَ: مُؤْدُونَ مُقْوُونَ في السِّلاحِ والكُراعِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ إبْراهِيمَ، أنَّهُ كانَ يَقْرَؤُها: ﴿وإنّا لَجَمِيعٌ حاذِرُونَ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ الأنْبارِيِّ في ”الوَقْفِ“، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أنَّ نافِعَ بْنَ الأزْرَقِ قالَ لَهُ: أخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِهِ: ﴿وإنّا لَجَمِيعٌ حاذِرُونَ﴾ ما الحاذِرُونَ؟ قالَ: التّامُّونَ السِّلاحَ. قالَ فِيهِ النَّجاشِيُّ: ؎لَعَمْرُ أبِي أُثالٍ حَيْثُ أمْسى لَقَدْ نادَتْ بِهِ أبْناءُ بَكْرِ ؎(p-٢٥٤)حَنِيفَةُ في كَتائِبَ حاذِراتٌ ∗∗∗ يَقُودُهُمُ أبُو شِبْلٍ هِزَبْرِ وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ: ﴿فَأخْرَجْناهم مِن جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ ﴿وكُنُوزٍ ومَقامٍ كَرِيمٍ﴾ قالَ: كانُوا في ذَلِكَ في الدُّنْيا، فَأخْرَجَهُمُ اللَّهُ مِن ذَلِكَ وأوْرَثَها بَنِي إسْرائِيلَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ومَقامٍ كَرِيمٍ﴾ قالَ: المَنابِرُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿فَأتْبَعُوهم مُشْرِقِينَ﴾ قالَ: أتْبَعَهم فِرْعَوْنُ وجُنُودُهُ حِينَ أشْرَقَتِ الشَّمْسُ، ﴿قالَ أصْحابُ مُوسى إنّا لَمُدْرَكُونَ﴾ قالَ مُوسى، وكانَ أعْلَمَهم بِاللَّهِ: ﴿كَلا إنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ عاصِمٍ، أنَّهُ قَرَأ: ﴿فَأتْبَعُوهم مُشْرِقِينَ﴾ مَهْمُوزَةً مَقْطُوعَةَ الألِفِ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ: ﴿فَأتْبَعُوهم مُشْرِقِينَ﴾ قالَ: خَرَجَ مُوسى لَيْلًا (p-٢٥٥)فَكَسَفَ القَمَرُ لَيْلًا، وأظْلَمَتِ الأرْضُ، فَقالَ أصْحابُهُ: إنَّ يُوسُفَ كانَ أخْبَرَنا أنا سَنُنَجّى مِن فِرْعَوْنَ، وأخَذَ عَلَيْنا العَهْدَ لَنَخْرُجَنَّ بِعِظامِهِ مَعَنا، فَخَرَجَ مُوسى مِن لَيْلَتِهِ يَسْألُ عَنْ قَبْرِهِ، فَوَجَدَ عَجُوزًا بَيْتُها عَلى قَبْرِهِ، فَأخْرَجَتْهُ لَهُ بِحُكْمِها، فَكانَ حُكْمُها أنْ قالَتْ لَهُ: احْمِلْنِي فَأخْرِجْنِي مَعَكَ. فَجَعَلَ عِظامَ يُوسُفَ في كِسائِهِ، ثُمَّ حَمَلَ العَجُوزَ عَلى كِسائِهِ، فَجَعَلَهُ عَلى رَقَبَتِهِ، وخَيْلُ فِرْعَوْنَ في مِلْءِ أعِنَّتِها خُضْرًا في أعْيُنِهِمْ ولا تَبْرَحُ؛ حُبِسَتْ عَنْ مُوسى وأصْحابِهِ حَتّى بَرَزُوا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ خُلَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ العَصَرِيِّ، أنَّ مُؤْمِنَ آلِ فِرْعَوْنَ كانَ أمامَ القَوْمِ قالَ: يا نَبِيَّ اللَّهِ، أيْنَ أُمِرْتَ؟ قالَ: أمامَكَ. قالَ: وهَلْ أمامِي إلّا البَحْرُ؟ قالَ: واللَّهِ ما كَذَبْتُ ولا كُذِبْتُ. ثُمَّ سارَ ساعَةً فَقالَ مِثْلَ ذَلِكَ، فَرَدَّ عَلَيْهِ مُوسى مِثْلَ ذَلِكَ، قالَ مُوسى، وكانَ أعْلَمَ القَوْمِ بِاللَّهِ: (p-٢٥٦)﴿كَلا إنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ .

الشعراء 26:54

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأوْحَيْنا إلى مُوسى أنْ أسْرِ بِعِبادِي﴾ الآياتِ. أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ قالَ: ثُمَّ إنَّ اللَّهَ أمَرَ مُوسى أنْ يَخْرُجَ بِبَنِي إسْرائِيلَ فَقالَ: فَأسْرِ بِعِبادِي لَيْلًا. فَأمَرَ مُوسى بَنِي إسْرائِيلَ أنْ يَخْرُجُوا، وأمَرَهم أنْ يَسْتَعِيرُوا الحَلْيَ مِنَ القِبْطِ، وأمَرَ ألّا يُنادِيَ أحَدٌ مِنهم صاحِبَهُ، وأنْ يُسْرِجُوا في بُيُوتِهِمْ حَتّى الصُّبْحِ، وألّا يُنادِيَ إنْسانٌ مِنهم صاحِبَهُ، وأنَّ مَن خَرَجَ يُلَطِّخُ أمامَ بابِهِ بِكَفٍّ مِن دَمٍ حَتّى يُعْلَمَ أنَّهُ قَدْ خَرَجَ، وإنَّ اللَّهَ قَدْ أخْرَجَ كُلَّ ولَدِ زِنًى (p-٢٤٦)فِي القِبْطِ مِن بَنِي إسْرائِيلَ إلى بَنِي إسْرائِيلَ، وأخْرَجَ كُلَّ ولَدِ زِنًى في بَنِي إسْرائِيلَ مِنَ القِبْطِ إلى القِبْطِ حَتّى أتَوْا آباءَهم. ثُمَّ خَرَجَ مُوسى بِبَنِي إسْرائِيلَ لَيْلًا والقِبْطُ لا يَعْلَمُونَ، وأُلْقِيَ عَلى القِبْطِ المَوْتُ، فَماتَ كُلُّ بِكْرٍ رَجُلٍ مِنهُمْ، فَأصْبَحُوا يَدْفِنُونَهُمْ، فَشُغِلُوا عَنْ طَلَبِهِمْ حَتّى طَلَعَتِ الشَّمْسُ، وخَرَجَ مُوسى في سِتِّمِائَةِ ألْفٍ وعِشْرِينَ ألْفًا، لا يَعُدُّونَ ابْنَ عِشْرِينَ لِصِغَرِهِ، ولا ابْنَ سِتِّينَ لِكِبَرِهِ، وإنَّما عَدُّوا ما بَيْنَ ذَلِكَ سِوى الذُّرِّيَّةِ. وتَبِعَهم فِرْعَوْنُ، عَلى مُقَدِّمَتِهِ هامانُ في ألْفِ ألْفٍ وسَبْعِمِائَةِ ألْفِ حِصانٍ، فِيها ماذِيانَةٌ، وذَلِكَ حِينَ يَقُولُ اللَّهُ: ﴿فَأرْسَلَ فِرْعَوْنُ في المَدائِنِ حاشِرِينَ﴾ ﴿إنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ﴾ فَكانَ مُوسى عَلى ساقَةِ بَنِي إسْرائِيلَ، وكانَ هارُونُ أمامَهم يَقْدُمُهُمْ، فَقالَ المُؤْمِنُ لِمُوسى: يا نَبِيَّ اللَّهِ، أيْنَ أُمِرْتَ؟ قالَ: البَحْرَ. فَأرادَ أنْ يَقْحُمَ فَمَنَعَهُ مُوسى. فَنَظَرَتْ بَنُو إسْرائِيلَ إلى فِرْعَوْنَ قَدْ رَدِفَهم قالُوا: يا مُوسى، ﴿إنّا لَمُدْرَكُونَ﴾ قالَ مُوسى: ﴿كَلا إنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ يَقُولُ: سَيَكْفِينِي. فَتَقَدَّمَ هارُونُ فَضَرَبَ البَحْرَ، فَأبى البَحْرُ أنْ يَنْفَتِحَ، وقالَ: مَن هَذا الجَبّارُ الَّذِي يَضْرِبُنِي؟ حَتّى أتاهُ مُوسى، فَكَناهُ أبا خالِدٍ، وضَرَبَهُ ﴿فانْفَلَقَ فَكانَ كُلُّ فِرْقٍ كالطَّوْدِ العَظِيمِ﴾ [الشعراء: ٦٣] يَقُولُ: كالجَبَلِ العَظِيمِ، فَدَخَلَتْ بَنُو إسْرائِيلَ، (p-٢٤٧)وكانَ في البَحْرِ اثْنا عَشَرَ طَرِيقًا، في كُلِّ طَرِيقٍ سِبْطٌ، وكانَتِ الطُّرُقُ إذا انْفَلَقَتْ بِجُدْرانٍ، فَقالَ كُلُّ سِبْطٍ: قَدْ قُتِلَ أصْحابُنا. فَلَمّا رَأى ذَلِكَ مُوسى دَعا اللَّهَ، فَجَعَلَها لَهم قَناطِرَ كَهَيْئَةِ الطِّيقانِ، يَنْظُرُ آخِرُهم إلى أوَّلِهِمْ حَتّى خَرَجُوا جَمِيعًا، ثُمَّ دَنا فِرْعَوْنُ وأصْحابُهُ، فَلَمّا نَظَرَ فِرْعَوْنُ إلى البَحْرِ مُنْفَلِقًا قالَ: ألا تَرَوْنَ إلى البَحْرِ فَرِقَ مِنى فانْفَتَحَ لِي حَتّى أُدْرِكَ أعْدائِي فاقْتُلَهم. فَلَمّا قامَ فِرْعَوْنُ عَلى أفْواهِ الطُّرُقِ أبَتْ خَيْلُهُ أنْ تَقْتَحِمُ، فَنَزَلَ جِبْرِيلُ عَلى ماذِيانَةٍ، فَشامَّتِ الحُصُنُ رِيحَ الماذِيانَةَ، فاقْتَحَمَتْ في أثَرِها، حَتّى إذا هَمَّ أوَّلُهُمُ أنْ يَخْرُجَ ودَخَلَ آخِرُهُمْ، أُمِرَ البَحْرُ أنْ يَأْخُذَهُمْ، فالتَطَمَ عَلَيْهِمْ، وتَفَرَّدَ جِبْرِيلُ بِفِرْعَوْنَ بِمَقْلَةٍ مِن مَقْلِ البَحْرِ، فَجَعَلَ يَدُسُّها في فِيهِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ﴾ قالَ: ذُكِرَ لَنا أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ الَّذِينَ قَطَعَ بِهِمْ مُوسى البَحْرَ كانُوا سِتَّمِائَةِ ألْفٍ (p-٢٤٨)مُقاتِلٍ بَنِي عِشْرِينَ سَنَةً فَصاعِدًا، وأتْبَعَهم فِرْعَوْنُ عَلى ألْفِ ألْفِ حِصانٍ ومِائَتَيْ ألْفِ حِصانٍ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ﴾ قالَ: سِتُّمِائَةِ ألْفٍ وسَبْعُونَ ألْفًا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ، مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ﴾ قالَ: كانُوا سِتَّمِائَةِ ألْفٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿لَشِرْذِمَةٌ﴾ قالَ: قِطْعَةٌ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ: ﴿لَشِرْذِمَةٌ﴾ قالَ: الفَرِيدُ مِنَ النّاسِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««كانَ أصْحابُ مُوسى الَّذِينَ جاوَزُوا البَحْرَ اثْنَيْ عَشَرَ سِبْطًا، فَكانَ في كُلِّ طَرِيقٍ اثْنا عَشَرَ ألْفًا، كُلُّهم ولَدُ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ»» . وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ مُجاهِدٍ: ﴿إنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ﴾ (p-٢٤٩)قالَ: هم يَوْمَئِذٍ سِتُّمِائَةِ ألْفٍ، ولا يُحْصى عَدَدُ أصْحابِ فِرْعَوْنَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ، بِسَنَدٍ واهٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««كانَ فِرْعَوْنُ عَدُوَّ اللَّهِ حَيْثُ أغْرَقَهُ اللَّهُ هو وأصْحابَهُ في سَبْعِينَ قائِدًا، مَعَ كُلِّ قائِدٍ سَبْعُونَ ألْفًا، وكانَ مُوسى مَعَ سَبْعِينَ ألْفًا حِينَ عَبَرُوا البَحْرَ»» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قالَ: أوْحى اللَّهُ إلى مُوسى أنِ اجْمَعْ بَنِي إسْرائِيلَ، كُلَّ أرْبَعَةِ أبْياتٍ مِن بَنِي إسْرائِيلَ في بَيْتٍ، ثُمَّ اذْبَحْ أوْلادَ الضَّأْنِ فاضْرِبْ بِدِمائِها عَلى كُلِّ بابٍ، فَإنِّي سَآمُرُ المَلائِكَةَ ألّا تَدْخُلَ بَيْتًا عَلى بابِهِ دَمٌ، وسَآمُرُ المَلائِكَةَ فَتَقْتُلُ أبْكارَ آلِ فِرْعَوْنَ مِن أنْفُسِهِمْ وأهْلِيهِمْ، ثُمَّ اخْبِزُوا خُبْزًا فَطِيرًا، فَإنَّهُ أسْرَعُ لَكُمْ، ثُمَّ سِرْ حَتّى تَأْتِيَ البَحْرَ، ثُمَّ قِفْ حَتّى يَأْتِيَكَ أمْرِي. فَلَمّا أنْ أصْبَحَ فِرْعَوْنُ قالَ: هَذا عَمَلُ مُوسى وقَوْمِهِ، قَتَلُوا أبْكارَنا مِن أنْفُسِنا وأهْلِينا. وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ يَحْيى بْنِ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ قالَ: إنَّ اللَّهَ أمَرَ مُوسى أنْ يَسِيرَ بِبَنِي إسْرائِيلَ، وقَدْ كانَ مُوسى وعَدَ بَنِي إسْرائِيلَ أنْ يَسِيرَ بِهِمْ إذا طَلَعَ القَمَرُ، فَدَعا اللَّهَ أنْ يُؤَخِّرَ طُلُوعَهُ حَتّى يَفْرُغَ، فَلَمّا سارَ مُوسى بِبَنِي (p-٢٥٠)إسْرائِيلَ، أذَّنَ فِرْعَوْنُ في النّاسِ: ﴿إنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ قالَ: خَرَجَ مُوسى مِن مِصْرَ ومَعَهُ سِتُّمِائَةِ ألْفٍ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، لا يَعُدُّونَ فِيهِمْ أقَلَّ مِنَ ابْنِ عِشْرِينَ ولا ابْنَ أكْثَرَ مِن أرْبَعِينَ سَنَةً، فَقالَ: ﴿إنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ﴾ وخَرَجَ فِرْعَوْنُ عَلى فَرَسٍ حِصانٍ أدْهَمَ ومَعَهُ ثَمانِمِائَةِ ألْفٍ عَلى خَيْلٍ دُهْمٍ سِوى ألْوانِ الخَيْلِ، وكانَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى فَرَسٍ أُنْثى يَسِيرُ بَيْنَ يَدَيِ القَوْمِ ويَقُولُ: لَيْسَ القَوْمُ بِأحَقَّ بِالطَّرِيقِ مِنكم. وفِرْعَوْنُ عَلى فَرَسٍ أدْهَمَ حِصانٍ، وجِبْرِيلُ عَلى فَرَسٍ أُنْثى، فَأتْبَعَها فَرَسُ فِرْعَوْنَ، وكانَ مِيكائِيلُ في آخِرِ القَوْمِ يَقُولُ: الحَقُوا، الحَقُوا أصْحابَكم. حَتّى دَخَلَ آخِرُهُمْ، وأرادَ أوَّلُهم أنْ يَخْرُجَ، فَأطْبَقَ عَلَيْهِمُ البَحْرُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ قالَ: لَمّا أرادَ مُوسى أنْ يَخْرُجَ بِبَنِي إسْرائِيلَ مِن مِصْرَ بَلَغَ ذَلِكَ فِرْعَوْنَ فَقالَ: أمْهِلُوهم حَتّى إذا صاحَ الدِّيكُ فَأْتُوهم. فَلَمْ يَصِحْ في تِلْكَ اللَّيْلَةِ دِيكٌ، فَخَرَجَ مُوسى بِبَنِي إسْرائِيلَ، وغَدا فِرْعَوْنُ، فَلَمّا أصْبَحَ فِرْعَوْنُ أمَرَ بِشاةٍ، فَأُتِيَ بِها، فَأمَرَ بِها أنْ تُذْبَحَ، ثُمَّ قالَ: لا يُفْرَغُ مِن سَلْخِها حَتّى يَجْتَمِعَ عِنْدِي خَمْسُمِائَةِ ألْفِ فارِسٍ. فاجْتَمَعُوا إلَيْهِ، (p-٢٥١)فَأتْبَعَهُمْ، فَلَمّا انْتَهى مُوسى إلى البَحْرِ قالَ لَهُ وصِيُّهُ: يا نَبِيَّ اللَّهِ، أيْنَ أُمِرْتَ؟ قالَ: هَهُنا في البَحْرِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانَ طَلائِعُ فِرْعَوْنَ الَّذِينَ بَعَثَهم في أثَرِهِمْ سِتَّمِائَةِ ألْفٍ، لَيْسَ فِيهِمْ أحَدٌ إلّا عَلى بَهِيمٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانَتْ سِيما خَيْلِ فِرْعَوْنَ الخِرَقَ البِيضَ في أصْداغِها، وكانَتْ جَرِيدَتُهُ مِائَةَ ألْفِ حِصانٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ كَعْبِ الأحْبارِ قالَ: اجْتَمَعَ آلُ يَعْقُوبَ إلى يُوسُفَ، وهم سِتَّةٌ وثَمانُونَ إنْسانًا، ذَكَرُهم وأُنْثاهُمْ، فَخَرَجَ بِهِمْ مُوسى يَوْمَ خَرَجَ وهم سِتُّمِائَةِ ألْفٍ ونَيِّفٌ، وخَرَجَ فِرْعَوْنُ عَلى أثَرِهِمْ يَطْلُبُهم عَلى فَرَسٍ أدْهَمَ، عَلى لَوْنِهِ مِنَ الدُّهْمِ ثَمانُمِائَةِ ألْفٍ أدْهَمَ سِوى ألْوانِ الخَيْلِ، وجالَتِ الرِّيحُ الشَّمالُ، وتَحْتَ جِبْرِيلَ فَرَسٌ ودِيقٌ، ومِيكائِيلُ يَسُوقُهم لا يَشِذُّ مِنهم شاذَّةٌ إلّا ضَمَّهُ، فَقالَ القَوْمُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، قَدْ كُنّا نَلْقى مِنَ التَّعْسِ والعَذابِ ما (p-٢٥٢)نَلْقى، فَكَيْفَ إذْ صَنَعْنا ما صَنَعْنا، فَأيْنَ المَلْجَأُ؟ قالَ: البَحْرُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أنَّهُ قَرَأ: ﴿وإنّا لَجَمِيعٌ حاذِرُونَ﴾ قالَ: مُؤْدُونَ مُقْوُونَ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الأُسُودِ بْنِ يَزِيدَ، أنَّهُ كانَ يَقْرَؤُها: ﴿وإنّا لَجَمِيعٌ حاذِرُونَ﴾ قالَ: مُؤْدُونَ مُقْوُونَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنِ الأسْوَدِ، أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ: ﴿وإنّا لَجَمِيعٌ حاذِرُونَ﴾ يَقُولُ: وادُّونَ مُسْتَعِدُّونَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ (p-٢٥٣)جُبَيْرٍ، أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ: ﴿وإنّا لَجَمِيعٌ حاذِرُونَ﴾ يَقُولُ: مُؤْدُونَ في السِّلاحِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينارٍ قالَ: قَرَأ عُبَيْدٌ: ﴿وإنّا لَجَمِيعٌ حاذِرُونَ﴾ . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الضَّحّاكِ: ﴿وإنّا لَجَمِيعٌ حاذِرُونَ﴾ يَعْنِي شاكِينَ في السِّلاحِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: ﴿وإنّا لَجَمِيعٌ حاذِرُونَ﴾ قالَ: مُؤْدُونَ مُقْوُونَ في السِّلاحِ والكُراعِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ إبْراهِيمَ، أنَّهُ كانَ يَقْرَؤُها: ﴿وإنّا لَجَمِيعٌ حاذِرُونَ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ الأنْبارِيِّ في ”الوَقْفِ“، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أنَّ نافِعَ بْنَ الأزْرَقِ قالَ لَهُ: أخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِهِ: ﴿وإنّا لَجَمِيعٌ حاذِرُونَ﴾ ما الحاذِرُونَ؟ قالَ: التّامُّونَ السِّلاحَ. قالَ فِيهِ النَّجاشِيُّ: ؎لَعَمْرُ أبِي أُثالٍ حَيْثُ أمْسى لَقَدْ نادَتْ بِهِ أبْناءُ بَكْرِ ؎(p-٢٥٤)حَنِيفَةُ في كَتائِبَ حاذِراتٌ ∗∗∗ يَقُودُهُمُ أبُو شِبْلٍ هِزَبْرِ وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ: ﴿فَأخْرَجْناهم مِن جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ ﴿وكُنُوزٍ ومَقامٍ كَرِيمٍ﴾ قالَ: كانُوا في ذَلِكَ في الدُّنْيا، فَأخْرَجَهُمُ اللَّهُ مِن ذَلِكَ وأوْرَثَها بَنِي إسْرائِيلَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ومَقامٍ كَرِيمٍ﴾ قالَ: المَنابِرُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿فَأتْبَعُوهم مُشْرِقِينَ﴾ قالَ: أتْبَعَهم فِرْعَوْنُ وجُنُودُهُ حِينَ أشْرَقَتِ الشَّمْسُ، ﴿قالَ أصْحابُ مُوسى إنّا لَمُدْرَكُونَ﴾ قالَ مُوسى، وكانَ أعْلَمَهم بِاللَّهِ: ﴿كَلا إنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ عاصِمٍ، أنَّهُ قَرَأ: ﴿فَأتْبَعُوهم مُشْرِقِينَ﴾ مَهْمُوزَةً مَقْطُوعَةَ الألِفِ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ: ﴿فَأتْبَعُوهم مُشْرِقِينَ﴾ قالَ: خَرَجَ مُوسى لَيْلًا (p-٢٥٥)فَكَسَفَ القَمَرُ لَيْلًا، وأظْلَمَتِ الأرْضُ، فَقالَ أصْحابُهُ: إنَّ يُوسُفَ كانَ أخْبَرَنا أنا سَنُنَجّى مِن فِرْعَوْنَ، وأخَذَ عَلَيْنا العَهْدَ لَنَخْرُجَنَّ بِعِظامِهِ مَعَنا، فَخَرَجَ مُوسى مِن لَيْلَتِهِ يَسْألُ عَنْ قَبْرِهِ، فَوَجَدَ عَجُوزًا بَيْتُها عَلى قَبْرِهِ، فَأخْرَجَتْهُ لَهُ بِحُكْمِها، فَكانَ حُكْمُها أنْ قالَتْ لَهُ: احْمِلْنِي فَأخْرِجْنِي مَعَكَ. فَجَعَلَ عِظامَ يُوسُفَ في كِسائِهِ، ثُمَّ حَمَلَ العَجُوزَ عَلى كِسائِهِ، فَجَعَلَهُ عَلى رَقَبَتِهِ، وخَيْلُ فِرْعَوْنَ في مِلْءِ أعِنَّتِها خُضْرًا في أعْيُنِهِمْ ولا تَبْرَحُ؛ حُبِسَتْ عَنْ مُوسى وأصْحابِهِ حَتّى بَرَزُوا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ خُلَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ العَصَرِيِّ، أنَّ مُؤْمِنَ آلِ فِرْعَوْنَ كانَ أمامَ القَوْمِ قالَ: يا نَبِيَّ اللَّهِ، أيْنَ أُمِرْتَ؟ قالَ: أمامَكَ. قالَ: وهَلْ أمامِي إلّا البَحْرُ؟ قالَ: واللَّهِ ما كَذَبْتُ ولا كُذِبْتُ. ثُمَّ سارَ ساعَةً فَقالَ مِثْلَ ذَلِكَ، فَرَدَّ عَلَيْهِ مُوسى مِثْلَ ذَلِكَ، قالَ مُوسى، وكانَ أعْلَمَ القَوْمِ بِاللَّهِ: (p-٢٥٦)﴿كَلا إنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ .

الشعراء 26:55

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأوْحَيْنا إلى مُوسى أنْ أسْرِ بِعِبادِي﴾ الآياتِ. أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ قالَ: ثُمَّ إنَّ اللَّهَ أمَرَ مُوسى أنْ يَخْرُجَ بِبَنِي إسْرائِيلَ فَقالَ: فَأسْرِ بِعِبادِي لَيْلًا. فَأمَرَ مُوسى بَنِي إسْرائِيلَ أنْ يَخْرُجُوا، وأمَرَهم أنْ يَسْتَعِيرُوا الحَلْيَ مِنَ القِبْطِ، وأمَرَ ألّا يُنادِيَ أحَدٌ مِنهم صاحِبَهُ، وأنْ يُسْرِجُوا في بُيُوتِهِمْ حَتّى الصُّبْحِ، وألّا يُنادِيَ إنْسانٌ مِنهم صاحِبَهُ، وأنَّ مَن خَرَجَ يُلَطِّخُ أمامَ بابِهِ بِكَفٍّ مِن دَمٍ حَتّى يُعْلَمَ أنَّهُ قَدْ خَرَجَ، وإنَّ اللَّهَ قَدْ أخْرَجَ كُلَّ ولَدِ زِنًى (p-٢٤٦)فِي القِبْطِ مِن بَنِي إسْرائِيلَ إلى بَنِي إسْرائِيلَ، وأخْرَجَ كُلَّ ولَدِ زِنًى في بَنِي إسْرائِيلَ مِنَ القِبْطِ إلى القِبْطِ حَتّى أتَوْا آباءَهم. ثُمَّ خَرَجَ مُوسى بِبَنِي إسْرائِيلَ لَيْلًا والقِبْطُ لا يَعْلَمُونَ، وأُلْقِيَ عَلى القِبْطِ المَوْتُ، فَماتَ كُلُّ بِكْرٍ رَجُلٍ مِنهُمْ، فَأصْبَحُوا يَدْفِنُونَهُمْ، فَشُغِلُوا عَنْ طَلَبِهِمْ حَتّى طَلَعَتِ الشَّمْسُ، وخَرَجَ مُوسى في سِتِّمِائَةِ ألْفٍ وعِشْرِينَ ألْفًا، لا يَعُدُّونَ ابْنَ عِشْرِينَ لِصِغَرِهِ، ولا ابْنَ سِتِّينَ لِكِبَرِهِ، وإنَّما عَدُّوا ما بَيْنَ ذَلِكَ سِوى الذُّرِّيَّةِ. وتَبِعَهم فِرْعَوْنُ، عَلى مُقَدِّمَتِهِ هامانُ في ألْفِ ألْفٍ وسَبْعِمِائَةِ ألْفِ حِصانٍ، فِيها ماذِيانَةٌ، وذَلِكَ حِينَ يَقُولُ اللَّهُ: ﴿فَأرْسَلَ فِرْعَوْنُ في المَدائِنِ حاشِرِينَ﴾ ﴿إنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ﴾ فَكانَ مُوسى عَلى ساقَةِ بَنِي إسْرائِيلَ، وكانَ هارُونُ أمامَهم يَقْدُمُهُمْ، فَقالَ المُؤْمِنُ لِمُوسى: يا نَبِيَّ اللَّهِ، أيْنَ أُمِرْتَ؟ قالَ: البَحْرَ. فَأرادَ أنْ يَقْحُمَ فَمَنَعَهُ مُوسى. فَنَظَرَتْ بَنُو إسْرائِيلَ إلى فِرْعَوْنَ قَدْ رَدِفَهم قالُوا: يا مُوسى، ﴿إنّا لَمُدْرَكُونَ﴾ قالَ مُوسى: ﴿كَلا إنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ يَقُولُ: سَيَكْفِينِي. فَتَقَدَّمَ هارُونُ فَضَرَبَ البَحْرَ، فَأبى البَحْرُ أنْ يَنْفَتِحَ، وقالَ: مَن هَذا الجَبّارُ الَّذِي يَضْرِبُنِي؟ حَتّى أتاهُ مُوسى، فَكَناهُ أبا خالِدٍ، وضَرَبَهُ ﴿فانْفَلَقَ فَكانَ كُلُّ فِرْقٍ كالطَّوْدِ العَظِيمِ﴾ [الشعراء: ٦٣] يَقُولُ: كالجَبَلِ العَظِيمِ، فَدَخَلَتْ بَنُو إسْرائِيلَ، (p-٢٤٧)وكانَ في البَحْرِ اثْنا عَشَرَ طَرِيقًا، في كُلِّ طَرِيقٍ سِبْطٌ، وكانَتِ الطُّرُقُ إذا انْفَلَقَتْ بِجُدْرانٍ، فَقالَ كُلُّ سِبْطٍ: قَدْ قُتِلَ أصْحابُنا. فَلَمّا رَأى ذَلِكَ مُوسى دَعا اللَّهَ، فَجَعَلَها لَهم قَناطِرَ كَهَيْئَةِ الطِّيقانِ، يَنْظُرُ آخِرُهم إلى أوَّلِهِمْ حَتّى خَرَجُوا جَمِيعًا، ثُمَّ دَنا فِرْعَوْنُ وأصْحابُهُ، فَلَمّا نَظَرَ فِرْعَوْنُ إلى البَحْرِ مُنْفَلِقًا قالَ: ألا تَرَوْنَ إلى البَحْرِ فَرِقَ مِنى فانْفَتَحَ لِي حَتّى أُدْرِكَ أعْدائِي فاقْتُلَهم. فَلَمّا قامَ فِرْعَوْنُ عَلى أفْواهِ الطُّرُقِ أبَتْ خَيْلُهُ أنْ تَقْتَحِمُ، فَنَزَلَ جِبْرِيلُ عَلى ماذِيانَةٍ، فَشامَّتِ الحُصُنُ رِيحَ الماذِيانَةَ، فاقْتَحَمَتْ في أثَرِها، حَتّى إذا هَمَّ أوَّلُهُمُ أنْ يَخْرُجَ ودَخَلَ آخِرُهُمْ، أُمِرَ البَحْرُ أنْ يَأْخُذَهُمْ، فالتَطَمَ عَلَيْهِمْ، وتَفَرَّدَ جِبْرِيلُ بِفِرْعَوْنَ بِمَقْلَةٍ مِن مَقْلِ البَحْرِ، فَجَعَلَ يَدُسُّها في فِيهِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ﴾ قالَ: ذُكِرَ لَنا أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ الَّذِينَ قَطَعَ بِهِمْ مُوسى البَحْرَ كانُوا سِتَّمِائَةِ ألْفٍ (p-٢٤٨)مُقاتِلٍ بَنِي عِشْرِينَ سَنَةً فَصاعِدًا، وأتْبَعَهم فِرْعَوْنُ عَلى ألْفِ ألْفِ حِصانٍ ومِائَتَيْ ألْفِ حِصانٍ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ﴾ قالَ: سِتُّمِائَةِ ألْفٍ وسَبْعُونَ ألْفًا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ، مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ﴾ قالَ: كانُوا سِتَّمِائَةِ ألْفٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿لَشِرْذِمَةٌ﴾ قالَ: قِطْعَةٌ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ: ﴿لَشِرْذِمَةٌ﴾ قالَ: الفَرِيدُ مِنَ النّاسِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««كانَ أصْحابُ مُوسى الَّذِينَ جاوَزُوا البَحْرَ اثْنَيْ عَشَرَ سِبْطًا، فَكانَ في كُلِّ طَرِيقٍ اثْنا عَشَرَ ألْفًا، كُلُّهم ولَدُ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ»» . وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ مُجاهِدٍ: ﴿إنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ﴾ (p-٢٤٩)قالَ: هم يَوْمَئِذٍ سِتُّمِائَةِ ألْفٍ، ولا يُحْصى عَدَدُ أصْحابِ فِرْعَوْنَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ، بِسَنَدٍ واهٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««كانَ فِرْعَوْنُ عَدُوَّ اللَّهِ حَيْثُ أغْرَقَهُ اللَّهُ هو وأصْحابَهُ في سَبْعِينَ قائِدًا، مَعَ كُلِّ قائِدٍ سَبْعُونَ ألْفًا، وكانَ مُوسى مَعَ سَبْعِينَ ألْفًا حِينَ عَبَرُوا البَحْرَ»» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قالَ: أوْحى اللَّهُ إلى مُوسى أنِ اجْمَعْ بَنِي إسْرائِيلَ، كُلَّ أرْبَعَةِ أبْياتٍ مِن بَنِي إسْرائِيلَ في بَيْتٍ، ثُمَّ اذْبَحْ أوْلادَ الضَّأْنِ فاضْرِبْ بِدِمائِها عَلى كُلِّ بابٍ، فَإنِّي سَآمُرُ المَلائِكَةَ ألّا تَدْخُلَ بَيْتًا عَلى بابِهِ دَمٌ، وسَآمُرُ المَلائِكَةَ فَتَقْتُلُ أبْكارَ آلِ فِرْعَوْنَ مِن أنْفُسِهِمْ وأهْلِيهِمْ، ثُمَّ اخْبِزُوا خُبْزًا فَطِيرًا، فَإنَّهُ أسْرَعُ لَكُمْ، ثُمَّ سِرْ حَتّى تَأْتِيَ البَحْرَ، ثُمَّ قِفْ حَتّى يَأْتِيَكَ أمْرِي. فَلَمّا أنْ أصْبَحَ فِرْعَوْنُ قالَ: هَذا عَمَلُ مُوسى وقَوْمِهِ، قَتَلُوا أبْكارَنا مِن أنْفُسِنا وأهْلِينا. وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ يَحْيى بْنِ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ قالَ: إنَّ اللَّهَ أمَرَ مُوسى أنْ يَسِيرَ بِبَنِي إسْرائِيلَ، وقَدْ كانَ مُوسى وعَدَ بَنِي إسْرائِيلَ أنْ يَسِيرَ بِهِمْ إذا طَلَعَ القَمَرُ، فَدَعا اللَّهَ أنْ يُؤَخِّرَ طُلُوعَهُ حَتّى يَفْرُغَ، فَلَمّا سارَ مُوسى بِبَنِي (p-٢٥٠)إسْرائِيلَ، أذَّنَ فِرْعَوْنُ في النّاسِ: ﴿إنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ قالَ: خَرَجَ مُوسى مِن مِصْرَ ومَعَهُ سِتُّمِائَةِ ألْفٍ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، لا يَعُدُّونَ فِيهِمْ أقَلَّ مِنَ ابْنِ عِشْرِينَ ولا ابْنَ أكْثَرَ مِن أرْبَعِينَ سَنَةً، فَقالَ: ﴿إنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ﴾ وخَرَجَ فِرْعَوْنُ عَلى فَرَسٍ حِصانٍ أدْهَمَ ومَعَهُ ثَمانِمِائَةِ ألْفٍ عَلى خَيْلٍ دُهْمٍ سِوى ألْوانِ الخَيْلِ، وكانَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى فَرَسٍ أُنْثى يَسِيرُ بَيْنَ يَدَيِ القَوْمِ ويَقُولُ: لَيْسَ القَوْمُ بِأحَقَّ بِالطَّرِيقِ مِنكم. وفِرْعَوْنُ عَلى فَرَسٍ أدْهَمَ حِصانٍ، وجِبْرِيلُ عَلى فَرَسٍ أُنْثى، فَأتْبَعَها فَرَسُ فِرْعَوْنَ، وكانَ مِيكائِيلُ في آخِرِ القَوْمِ يَقُولُ: الحَقُوا، الحَقُوا أصْحابَكم. حَتّى دَخَلَ آخِرُهُمْ، وأرادَ أوَّلُهم أنْ يَخْرُجَ، فَأطْبَقَ عَلَيْهِمُ البَحْرُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ قالَ: لَمّا أرادَ مُوسى أنْ يَخْرُجَ بِبَنِي إسْرائِيلَ مِن مِصْرَ بَلَغَ ذَلِكَ فِرْعَوْنَ فَقالَ: أمْهِلُوهم حَتّى إذا صاحَ الدِّيكُ فَأْتُوهم. فَلَمْ يَصِحْ في تِلْكَ اللَّيْلَةِ دِيكٌ، فَخَرَجَ مُوسى بِبَنِي إسْرائِيلَ، وغَدا فِرْعَوْنُ، فَلَمّا أصْبَحَ فِرْعَوْنُ أمَرَ بِشاةٍ، فَأُتِيَ بِها، فَأمَرَ بِها أنْ تُذْبَحَ، ثُمَّ قالَ: لا يُفْرَغُ مِن سَلْخِها حَتّى يَجْتَمِعَ عِنْدِي خَمْسُمِائَةِ ألْفِ فارِسٍ. فاجْتَمَعُوا إلَيْهِ، (p-٢٥١)فَأتْبَعَهُمْ، فَلَمّا انْتَهى مُوسى إلى البَحْرِ قالَ لَهُ وصِيُّهُ: يا نَبِيَّ اللَّهِ، أيْنَ أُمِرْتَ؟ قالَ: هَهُنا في البَحْرِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانَ طَلائِعُ فِرْعَوْنَ الَّذِينَ بَعَثَهم في أثَرِهِمْ سِتَّمِائَةِ ألْفٍ، لَيْسَ فِيهِمْ أحَدٌ إلّا عَلى بَهِيمٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانَتْ سِيما خَيْلِ فِرْعَوْنَ الخِرَقَ البِيضَ في أصْداغِها، وكانَتْ جَرِيدَتُهُ مِائَةَ ألْفِ حِصانٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ كَعْبِ الأحْبارِ قالَ: اجْتَمَعَ آلُ يَعْقُوبَ إلى يُوسُفَ، وهم سِتَّةٌ وثَمانُونَ إنْسانًا، ذَكَرُهم وأُنْثاهُمْ، فَخَرَجَ بِهِمْ مُوسى يَوْمَ خَرَجَ وهم سِتُّمِائَةِ ألْفٍ ونَيِّفٌ، وخَرَجَ فِرْعَوْنُ عَلى أثَرِهِمْ يَطْلُبُهم عَلى فَرَسٍ أدْهَمَ، عَلى لَوْنِهِ مِنَ الدُّهْمِ ثَمانُمِائَةِ ألْفٍ أدْهَمَ سِوى ألْوانِ الخَيْلِ، وجالَتِ الرِّيحُ الشَّمالُ، وتَحْتَ جِبْرِيلَ فَرَسٌ ودِيقٌ، ومِيكائِيلُ يَسُوقُهم لا يَشِذُّ مِنهم شاذَّةٌ إلّا ضَمَّهُ، فَقالَ القَوْمُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، قَدْ كُنّا نَلْقى مِنَ التَّعْسِ والعَذابِ ما (p-٢٥٢)نَلْقى، فَكَيْفَ إذْ صَنَعْنا ما صَنَعْنا، فَأيْنَ المَلْجَأُ؟ قالَ: البَحْرُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أنَّهُ قَرَأ: ﴿وإنّا لَجَمِيعٌ حاذِرُونَ﴾ قالَ: مُؤْدُونَ مُقْوُونَ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الأُسُودِ بْنِ يَزِيدَ، أنَّهُ كانَ يَقْرَؤُها: ﴿وإنّا لَجَمِيعٌ حاذِرُونَ﴾ قالَ: مُؤْدُونَ مُقْوُونَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنِ الأسْوَدِ، أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ: ﴿وإنّا لَجَمِيعٌ حاذِرُونَ﴾ يَقُولُ: وادُّونَ مُسْتَعِدُّونَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ (p-٢٥٣)جُبَيْرٍ، أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ: ﴿وإنّا لَجَمِيعٌ حاذِرُونَ﴾ يَقُولُ: مُؤْدُونَ في السِّلاحِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينارٍ قالَ: قَرَأ عُبَيْدٌ: ﴿وإنّا لَجَمِيعٌ حاذِرُونَ﴾ . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الضَّحّاكِ: ﴿وإنّا لَجَمِيعٌ حاذِرُونَ﴾ يَعْنِي شاكِينَ في السِّلاحِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: ﴿وإنّا لَجَمِيعٌ حاذِرُونَ﴾ قالَ: مُؤْدُونَ مُقْوُونَ في السِّلاحِ والكُراعِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ إبْراهِيمَ، أنَّهُ كانَ يَقْرَؤُها: ﴿وإنّا لَجَمِيعٌ حاذِرُونَ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ الأنْبارِيِّ في ”الوَقْفِ“، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أنَّ نافِعَ بْنَ الأزْرَقِ قالَ لَهُ: أخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِهِ: ﴿وإنّا لَجَمِيعٌ حاذِرُونَ﴾ ما الحاذِرُونَ؟ قالَ: التّامُّونَ السِّلاحَ. قالَ فِيهِ النَّجاشِيُّ: ؎لَعَمْرُ أبِي أُثالٍ حَيْثُ أمْسى لَقَدْ نادَتْ بِهِ أبْناءُ بَكْرِ ؎(p-٢٥٤)حَنِيفَةُ في كَتائِبَ حاذِراتٌ ∗∗∗ يَقُودُهُمُ أبُو شِبْلٍ هِزَبْرِ وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ: ﴿فَأخْرَجْناهم مِن جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ ﴿وكُنُوزٍ ومَقامٍ كَرِيمٍ﴾ قالَ: كانُوا في ذَلِكَ في الدُّنْيا، فَأخْرَجَهُمُ اللَّهُ مِن ذَلِكَ وأوْرَثَها بَنِي إسْرائِيلَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ومَقامٍ كَرِيمٍ﴾ قالَ: المَنابِرُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿فَأتْبَعُوهم مُشْرِقِينَ﴾ قالَ: أتْبَعَهم فِرْعَوْنُ وجُنُودُهُ حِينَ أشْرَقَتِ الشَّمْسُ، ﴿قالَ أصْحابُ مُوسى إنّا لَمُدْرَكُونَ﴾ قالَ مُوسى، وكانَ أعْلَمَهم بِاللَّهِ: ﴿كَلا إنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ عاصِمٍ، أنَّهُ قَرَأ: ﴿فَأتْبَعُوهم مُشْرِقِينَ﴾ مَهْمُوزَةً مَقْطُوعَةَ الألِفِ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ: ﴿فَأتْبَعُوهم مُشْرِقِينَ﴾ قالَ: خَرَجَ مُوسى لَيْلًا (p-٢٥٥)فَكَسَفَ القَمَرُ لَيْلًا، وأظْلَمَتِ الأرْضُ، فَقالَ أصْحابُهُ: إنَّ يُوسُفَ كانَ أخْبَرَنا أنا سَنُنَجّى مِن فِرْعَوْنَ، وأخَذَ عَلَيْنا العَهْدَ لَنَخْرُجَنَّ بِعِظامِهِ مَعَنا، فَخَرَجَ مُوسى مِن لَيْلَتِهِ يَسْألُ عَنْ قَبْرِهِ، فَوَجَدَ عَجُوزًا بَيْتُها عَلى قَبْرِهِ، فَأخْرَجَتْهُ لَهُ بِحُكْمِها، فَكانَ حُكْمُها أنْ قالَتْ لَهُ: احْمِلْنِي فَأخْرِجْنِي مَعَكَ. فَجَعَلَ عِظامَ يُوسُفَ في كِسائِهِ، ثُمَّ حَمَلَ العَجُوزَ عَلى كِسائِهِ، فَجَعَلَهُ عَلى رَقَبَتِهِ، وخَيْلُ فِرْعَوْنَ في مِلْءِ أعِنَّتِها خُضْرًا في أعْيُنِهِمْ ولا تَبْرَحُ؛ حُبِسَتْ عَنْ مُوسى وأصْحابِهِ حَتّى بَرَزُوا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ خُلَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ العَصَرِيِّ، أنَّ مُؤْمِنَ آلِ فِرْعَوْنَ كانَ أمامَ القَوْمِ قالَ: يا نَبِيَّ اللَّهِ، أيْنَ أُمِرْتَ؟ قالَ: أمامَكَ. قالَ: وهَلْ أمامِي إلّا البَحْرُ؟ قالَ: واللَّهِ ما كَذَبْتُ ولا كُذِبْتُ. ثُمَّ سارَ ساعَةً فَقالَ مِثْلَ ذَلِكَ، فَرَدَّ عَلَيْهِ مُوسى مِثْلَ ذَلِكَ، قالَ مُوسى، وكانَ أعْلَمَ القَوْمِ بِاللَّهِ: (p-٢٥٦)﴿كَلا إنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ .

الشعراء 26:56

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأوْحَيْنا إلى مُوسى أنْ أسْرِ بِعِبادِي﴾ الآياتِ. أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ قالَ: ثُمَّ إنَّ اللَّهَ أمَرَ مُوسى أنْ يَخْرُجَ بِبَنِي إسْرائِيلَ فَقالَ: فَأسْرِ بِعِبادِي لَيْلًا. فَأمَرَ مُوسى بَنِي إسْرائِيلَ أنْ يَخْرُجُوا، وأمَرَهم أنْ يَسْتَعِيرُوا الحَلْيَ مِنَ القِبْطِ، وأمَرَ ألّا يُنادِيَ أحَدٌ مِنهم صاحِبَهُ، وأنْ يُسْرِجُوا في بُيُوتِهِمْ حَتّى الصُّبْحِ، وألّا يُنادِيَ إنْسانٌ مِنهم صاحِبَهُ، وأنَّ مَن خَرَجَ يُلَطِّخُ أمامَ بابِهِ بِكَفٍّ مِن دَمٍ حَتّى يُعْلَمَ أنَّهُ قَدْ خَرَجَ، وإنَّ اللَّهَ قَدْ أخْرَجَ كُلَّ ولَدِ زِنًى (p-٢٤٦)فِي القِبْطِ مِن بَنِي إسْرائِيلَ إلى بَنِي إسْرائِيلَ، وأخْرَجَ كُلَّ ولَدِ زِنًى في بَنِي إسْرائِيلَ مِنَ القِبْطِ إلى القِبْطِ حَتّى أتَوْا آباءَهم. ثُمَّ خَرَجَ مُوسى بِبَنِي إسْرائِيلَ لَيْلًا والقِبْطُ لا يَعْلَمُونَ، وأُلْقِيَ عَلى القِبْطِ المَوْتُ، فَماتَ كُلُّ بِكْرٍ رَجُلٍ مِنهُمْ، فَأصْبَحُوا يَدْفِنُونَهُمْ، فَشُغِلُوا عَنْ طَلَبِهِمْ حَتّى طَلَعَتِ الشَّمْسُ، وخَرَجَ مُوسى في سِتِّمِائَةِ ألْفٍ وعِشْرِينَ ألْفًا، لا يَعُدُّونَ ابْنَ عِشْرِينَ لِصِغَرِهِ، ولا ابْنَ سِتِّينَ لِكِبَرِهِ، وإنَّما عَدُّوا ما بَيْنَ ذَلِكَ سِوى الذُّرِّيَّةِ. وتَبِعَهم فِرْعَوْنُ، عَلى مُقَدِّمَتِهِ هامانُ في ألْفِ ألْفٍ وسَبْعِمِائَةِ ألْفِ حِصانٍ، فِيها ماذِيانَةٌ، وذَلِكَ حِينَ يَقُولُ اللَّهُ: ﴿فَأرْسَلَ فِرْعَوْنُ في المَدائِنِ حاشِرِينَ﴾ ﴿إنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ﴾ فَكانَ مُوسى عَلى ساقَةِ بَنِي إسْرائِيلَ، وكانَ هارُونُ أمامَهم يَقْدُمُهُمْ، فَقالَ المُؤْمِنُ لِمُوسى: يا نَبِيَّ اللَّهِ، أيْنَ أُمِرْتَ؟ قالَ: البَحْرَ. فَأرادَ أنْ يَقْحُمَ فَمَنَعَهُ مُوسى. فَنَظَرَتْ بَنُو إسْرائِيلَ إلى فِرْعَوْنَ قَدْ رَدِفَهم قالُوا: يا مُوسى، ﴿إنّا لَمُدْرَكُونَ﴾ قالَ مُوسى: ﴿كَلا إنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ يَقُولُ: سَيَكْفِينِي. فَتَقَدَّمَ هارُونُ فَضَرَبَ البَحْرَ، فَأبى البَحْرُ أنْ يَنْفَتِحَ، وقالَ: مَن هَذا الجَبّارُ الَّذِي يَضْرِبُنِي؟ حَتّى أتاهُ مُوسى، فَكَناهُ أبا خالِدٍ، وضَرَبَهُ ﴿فانْفَلَقَ فَكانَ كُلُّ فِرْقٍ كالطَّوْدِ العَظِيمِ﴾ [الشعراء: ٦٣] يَقُولُ: كالجَبَلِ العَظِيمِ، فَدَخَلَتْ بَنُو إسْرائِيلَ، (p-٢٤٧)وكانَ في البَحْرِ اثْنا عَشَرَ طَرِيقًا، في كُلِّ طَرِيقٍ سِبْطٌ، وكانَتِ الطُّرُقُ إذا انْفَلَقَتْ بِجُدْرانٍ، فَقالَ كُلُّ سِبْطٍ: قَدْ قُتِلَ أصْحابُنا. فَلَمّا رَأى ذَلِكَ مُوسى دَعا اللَّهَ، فَجَعَلَها لَهم قَناطِرَ كَهَيْئَةِ الطِّيقانِ، يَنْظُرُ آخِرُهم إلى أوَّلِهِمْ حَتّى خَرَجُوا جَمِيعًا، ثُمَّ دَنا فِرْعَوْنُ وأصْحابُهُ، فَلَمّا نَظَرَ فِرْعَوْنُ إلى البَحْرِ مُنْفَلِقًا قالَ: ألا تَرَوْنَ إلى البَحْرِ فَرِقَ مِنى فانْفَتَحَ لِي حَتّى أُدْرِكَ أعْدائِي فاقْتُلَهم. فَلَمّا قامَ فِرْعَوْنُ عَلى أفْواهِ الطُّرُقِ أبَتْ خَيْلُهُ أنْ تَقْتَحِمُ، فَنَزَلَ جِبْرِيلُ عَلى ماذِيانَةٍ، فَشامَّتِ الحُصُنُ رِيحَ الماذِيانَةَ، فاقْتَحَمَتْ في أثَرِها، حَتّى إذا هَمَّ أوَّلُهُمُ أنْ يَخْرُجَ ودَخَلَ آخِرُهُمْ، أُمِرَ البَحْرُ أنْ يَأْخُذَهُمْ، فالتَطَمَ عَلَيْهِمْ، وتَفَرَّدَ جِبْرِيلُ بِفِرْعَوْنَ بِمَقْلَةٍ مِن مَقْلِ البَحْرِ، فَجَعَلَ يَدُسُّها في فِيهِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ﴾ قالَ: ذُكِرَ لَنا أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ الَّذِينَ قَطَعَ بِهِمْ مُوسى البَحْرَ كانُوا سِتَّمِائَةِ ألْفٍ (p-٢٤٨)مُقاتِلٍ بَنِي عِشْرِينَ سَنَةً فَصاعِدًا، وأتْبَعَهم فِرْعَوْنُ عَلى ألْفِ ألْفِ حِصانٍ ومِائَتَيْ ألْفِ حِصانٍ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ﴾ قالَ: سِتُّمِائَةِ ألْفٍ وسَبْعُونَ ألْفًا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ، مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ﴾ قالَ: كانُوا سِتَّمِائَةِ ألْفٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿لَشِرْذِمَةٌ﴾ قالَ: قِطْعَةٌ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ: ﴿لَشِرْذِمَةٌ﴾ قالَ: الفَرِيدُ مِنَ النّاسِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««كانَ أصْحابُ مُوسى الَّذِينَ جاوَزُوا البَحْرَ اثْنَيْ عَشَرَ سِبْطًا، فَكانَ في كُلِّ طَرِيقٍ اثْنا عَشَرَ ألْفًا، كُلُّهم ولَدُ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ»» . وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ مُجاهِدٍ: ﴿إنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ﴾ (p-٢٤٩)قالَ: هم يَوْمَئِذٍ سِتُّمِائَةِ ألْفٍ، ولا يُحْصى عَدَدُ أصْحابِ فِرْعَوْنَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ، بِسَنَدٍ واهٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««كانَ فِرْعَوْنُ عَدُوَّ اللَّهِ حَيْثُ أغْرَقَهُ اللَّهُ هو وأصْحابَهُ في سَبْعِينَ قائِدًا، مَعَ كُلِّ قائِدٍ سَبْعُونَ ألْفًا، وكانَ مُوسى مَعَ سَبْعِينَ ألْفًا حِينَ عَبَرُوا البَحْرَ»» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قالَ: أوْحى اللَّهُ إلى مُوسى أنِ اجْمَعْ بَنِي إسْرائِيلَ، كُلَّ أرْبَعَةِ أبْياتٍ مِن بَنِي إسْرائِيلَ في بَيْتٍ، ثُمَّ اذْبَحْ أوْلادَ الضَّأْنِ فاضْرِبْ بِدِمائِها عَلى كُلِّ بابٍ، فَإنِّي سَآمُرُ المَلائِكَةَ ألّا تَدْخُلَ بَيْتًا عَلى بابِهِ دَمٌ، وسَآمُرُ المَلائِكَةَ فَتَقْتُلُ أبْكارَ آلِ فِرْعَوْنَ مِن أنْفُسِهِمْ وأهْلِيهِمْ، ثُمَّ اخْبِزُوا خُبْزًا فَطِيرًا، فَإنَّهُ أسْرَعُ لَكُمْ، ثُمَّ سِرْ حَتّى تَأْتِيَ البَحْرَ، ثُمَّ قِفْ حَتّى يَأْتِيَكَ أمْرِي. فَلَمّا أنْ أصْبَحَ فِرْعَوْنُ قالَ: هَذا عَمَلُ مُوسى وقَوْمِهِ، قَتَلُوا أبْكارَنا مِن أنْفُسِنا وأهْلِينا. وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ يَحْيى بْنِ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ قالَ: إنَّ اللَّهَ أمَرَ مُوسى أنْ يَسِيرَ بِبَنِي إسْرائِيلَ، وقَدْ كانَ مُوسى وعَدَ بَنِي إسْرائِيلَ أنْ يَسِيرَ بِهِمْ إذا طَلَعَ القَمَرُ، فَدَعا اللَّهَ أنْ يُؤَخِّرَ طُلُوعَهُ حَتّى يَفْرُغَ، فَلَمّا سارَ مُوسى بِبَنِي (p-٢٥٠)إسْرائِيلَ، أذَّنَ فِرْعَوْنُ في النّاسِ: ﴿إنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ قالَ: خَرَجَ مُوسى مِن مِصْرَ ومَعَهُ سِتُّمِائَةِ ألْفٍ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، لا يَعُدُّونَ فِيهِمْ أقَلَّ مِنَ ابْنِ عِشْرِينَ ولا ابْنَ أكْثَرَ مِن أرْبَعِينَ سَنَةً، فَقالَ: ﴿إنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ﴾ وخَرَجَ فِرْعَوْنُ عَلى فَرَسٍ حِصانٍ أدْهَمَ ومَعَهُ ثَمانِمِائَةِ ألْفٍ عَلى خَيْلٍ دُهْمٍ سِوى ألْوانِ الخَيْلِ، وكانَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى فَرَسٍ أُنْثى يَسِيرُ بَيْنَ يَدَيِ القَوْمِ ويَقُولُ: لَيْسَ القَوْمُ بِأحَقَّ بِالطَّرِيقِ مِنكم. وفِرْعَوْنُ عَلى فَرَسٍ أدْهَمَ حِصانٍ، وجِبْرِيلُ عَلى فَرَسٍ أُنْثى، فَأتْبَعَها فَرَسُ فِرْعَوْنَ، وكانَ مِيكائِيلُ في آخِرِ القَوْمِ يَقُولُ: الحَقُوا، الحَقُوا أصْحابَكم. حَتّى دَخَلَ آخِرُهُمْ، وأرادَ أوَّلُهم أنْ يَخْرُجَ، فَأطْبَقَ عَلَيْهِمُ البَحْرُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ قالَ: لَمّا أرادَ مُوسى أنْ يَخْرُجَ بِبَنِي إسْرائِيلَ مِن مِصْرَ بَلَغَ ذَلِكَ فِرْعَوْنَ فَقالَ: أمْهِلُوهم حَتّى إذا صاحَ الدِّيكُ فَأْتُوهم. فَلَمْ يَصِحْ في تِلْكَ اللَّيْلَةِ دِيكٌ، فَخَرَجَ مُوسى بِبَنِي إسْرائِيلَ، وغَدا فِرْعَوْنُ، فَلَمّا أصْبَحَ فِرْعَوْنُ أمَرَ بِشاةٍ، فَأُتِيَ بِها، فَأمَرَ بِها أنْ تُذْبَحَ، ثُمَّ قالَ: لا يُفْرَغُ مِن سَلْخِها حَتّى يَجْتَمِعَ عِنْدِي خَمْسُمِائَةِ ألْفِ فارِسٍ. فاجْتَمَعُوا إلَيْهِ، (p-٢٥١)فَأتْبَعَهُمْ، فَلَمّا انْتَهى مُوسى إلى البَحْرِ قالَ لَهُ وصِيُّهُ: يا نَبِيَّ اللَّهِ، أيْنَ أُمِرْتَ؟ قالَ: هَهُنا في البَحْرِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانَ طَلائِعُ فِرْعَوْنَ الَّذِينَ بَعَثَهم في أثَرِهِمْ سِتَّمِائَةِ ألْفٍ، لَيْسَ فِيهِمْ أحَدٌ إلّا عَلى بَهِيمٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانَتْ سِيما خَيْلِ فِرْعَوْنَ الخِرَقَ البِيضَ في أصْداغِها، وكانَتْ جَرِيدَتُهُ مِائَةَ ألْفِ حِصانٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ كَعْبِ الأحْبارِ قالَ: اجْتَمَعَ آلُ يَعْقُوبَ إلى يُوسُفَ، وهم سِتَّةٌ وثَمانُونَ إنْسانًا، ذَكَرُهم وأُنْثاهُمْ، فَخَرَجَ بِهِمْ مُوسى يَوْمَ خَرَجَ وهم سِتُّمِائَةِ ألْفٍ ونَيِّفٌ، وخَرَجَ فِرْعَوْنُ عَلى أثَرِهِمْ يَطْلُبُهم عَلى فَرَسٍ أدْهَمَ، عَلى لَوْنِهِ مِنَ الدُّهْمِ ثَمانُمِائَةِ ألْفٍ أدْهَمَ سِوى ألْوانِ الخَيْلِ، وجالَتِ الرِّيحُ الشَّمالُ، وتَحْتَ جِبْرِيلَ فَرَسٌ ودِيقٌ، ومِيكائِيلُ يَسُوقُهم لا يَشِذُّ مِنهم شاذَّةٌ إلّا ضَمَّهُ، فَقالَ القَوْمُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، قَدْ كُنّا نَلْقى مِنَ التَّعْسِ والعَذابِ ما (p-٢٥٢)نَلْقى، فَكَيْفَ إذْ صَنَعْنا ما صَنَعْنا، فَأيْنَ المَلْجَأُ؟ قالَ: البَحْرُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أنَّهُ قَرَأ: ﴿وإنّا لَجَمِيعٌ حاذِرُونَ﴾ قالَ: مُؤْدُونَ مُقْوُونَ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الأُسُودِ بْنِ يَزِيدَ، أنَّهُ كانَ يَقْرَؤُها: ﴿وإنّا لَجَمِيعٌ حاذِرُونَ﴾ قالَ: مُؤْدُونَ مُقْوُونَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنِ الأسْوَدِ، أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ: ﴿وإنّا لَجَمِيعٌ حاذِرُونَ﴾ يَقُولُ: وادُّونَ مُسْتَعِدُّونَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ (p-٢٥٣)جُبَيْرٍ، أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ: ﴿وإنّا لَجَمِيعٌ حاذِرُونَ﴾ يَقُولُ: مُؤْدُونَ في السِّلاحِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينارٍ قالَ: قَرَأ عُبَيْدٌ: ﴿وإنّا لَجَمِيعٌ حاذِرُونَ﴾ . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الضَّحّاكِ: ﴿وإنّا لَجَمِيعٌ حاذِرُونَ﴾ يَعْنِي شاكِينَ في السِّلاحِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: ﴿وإنّا لَجَمِيعٌ حاذِرُونَ﴾ قالَ: مُؤْدُونَ مُقْوُونَ في السِّلاحِ والكُراعِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ إبْراهِيمَ، أنَّهُ كانَ يَقْرَؤُها: ﴿وإنّا لَجَمِيعٌ حاذِرُونَ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ الأنْبارِيِّ في ”الوَقْفِ“، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أنَّ نافِعَ بْنَ الأزْرَقِ قالَ لَهُ: أخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِهِ: ﴿وإنّا لَجَمِيعٌ حاذِرُونَ﴾ ما الحاذِرُونَ؟ قالَ: التّامُّونَ السِّلاحَ. قالَ فِيهِ النَّجاشِيُّ: ؎لَعَمْرُ أبِي أُثالٍ حَيْثُ أمْسى لَقَدْ نادَتْ بِهِ أبْناءُ بَكْرِ ؎(p-٢٥٤)حَنِيفَةُ في كَتائِبَ حاذِراتٌ ∗∗∗ يَقُودُهُمُ أبُو شِبْلٍ هِزَبْرِ وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ: ﴿فَأخْرَجْناهم مِن جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ ﴿وكُنُوزٍ ومَقامٍ كَرِيمٍ﴾ قالَ: كانُوا في ذَلِكَ في الدُّنْيا، فَأخْرَجَهُمُ اللَّهُ مِن ذَلِكَ وأوْرَثَها بَنِي إسْرائِيلَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ومَقامٍ كَرِيمٍ﴾ قالَ: المَنابِرُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿فَأتْبَعُوهم مُشْرِقِينَ﴾ قالَ: أتْبَعَهم فِرْعَوْنُ وجُنُودُهُ حِينَ أشْرَقَتِ الشَّمْسُ، ﴿قالَ أصْحابُ مُوسى إنّا لَمُدْرَكُونَ﴾ قالَ مُوسى، وكانَ أعْلَمَهم بِاللَّهِ: ﴿كَلا إنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ عاصِمٍ، أنَّهُ قَرَأ: ﴿فَأتْبَعُوهم مُشْرِقِينَ﴾ مَهْمُوزَةً مَقْطُوعَةَ الألِفِ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ: ﴿فَأتْبَعُوهم مُشْرِقِينَ﴾ قالَ: خَرَجَ مُوسى لَيْلًا (p-٢٥٥)فَكَسَفَ القَمَرُ لَيْلًا، وأظْلَمَتِ الأرْضُ، فَقالَ أصْحابُهُ: إنَّ يُوسُفَ كانَ أخْبَرَنا أنا سَنُنَجّى مِن فِرْعَوْنَ، وأخَذَ عَلَيْنا العَهْدَ لَنَخْرُجَنَّ بِعِظامِهِ مَعَنا، فَخَرَجَ مُوسى مِن لَيْلَتِهِ يَسْألُ عَنْ قَبْرِهِ، فَوَجَدَ عَجُوزًا بَيْتُها عَلى قَبْرِهِ، فَأخْرَجَتْهُ لَهُ بِحُكْمِها، فَكانَ حُكْمُها أنْ قالَتْ لَهُ: احْمِلْنِي فَأخْرِجْنِي مَعَكَ. فَجَعَلَ عِظامَ يُوسُفَ في كِسائِهِ، ثُمَّ حَمَلَ العَجُوزَ عَلى كِسائِهِ، فَجَعَلَهُ عَلى رَقَبَتِهِ، وخَيْلُ فِرْعَوْنَ في مِلْءِ أعِنَّتِها خُضْرًا في أعْيُنِهِمْ ولا تَبْرَحُ؛ حُبِسَتْ عَنْ مُوسى وأصْحابِهِ حَتّى بَرَزُوا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ خُلَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ العَصَرِيِّ، أنَّ مُؤْمِنَ آلِ فِرْعَوْنَ كانَ أمامَ القَوْمِ قالَ: يا نَبِيَّ اللَّهِ، أيْنَ أُمِرْتَ؟ قالَ: أمامَكَ. قالَ: وهَلْ أمامِي إلّا البَحْرُ؟ قالَ: واللَّهِ ما كَذَبْتُ ولا كُذِبْتُ. ثُمَّ سارَ ساعَةً فَقالَ مِثْلَ ذَلِكَ، فَرَدَّ عَلَيْهِ مُوسى مِثْلَ ذَلِكَ، قالَ مُوسى، وكانَ أعْلَمَ القَوْمِ بِاللَّهِ: (p-٢٥٦)﴿كَلا إنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ .

الشعراء 26:57

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأوْحَيْنا إلى مُوسى أنْ أسْرِ بِعِبادِي﴾ الآياتِ. أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ قالَ: ثُمَّ إنَّ اللَّهَ أمَرَ مُوسى أنْ يَخْرُجَ بِبَنِي إسْرائِيلَ فَقالَ: فَأسْرِ بِعِبادِي لَيْلًا. فَأمَرَ مُوسى بَنِي إسْرائِيلَ أنْ يَخْرُجُوا، وأمَرَهم أنْ يَسْتَعِيرُوا الحَلْيَ مِنَ القِبْطِ، وأمَرَ ألّا يُنادِيَ أحَدٌ مِنهم صاحِبَهُ، وأنْ يُسْرِجُوا في بُيُوتِهِمْ حَتّى الصُّبْحِ، وألّا يُنادِيَ إنْسانٌ مِنهم صاحِبَهُ، وأنَّ مَن خَرَجَ يُلَطِّخُ أمامَ بابِهِ بِكَفٍّ مِن دَمٍ حَتّى يُعْلَمَ أنَّهُ قَدْ خَرَجَ، وإنَّ اللَّهَ قَدْ أخْرَجَ كُلَّ ولَدِ زِنًى (p-٢٤٦)فِي القِبْطِ مِن بَنِي إسْرائِيلَ إلى بَنِي إسْرائِيلَ، وأخْرَجَ كُلَّ ولَدِ زِنًى في بَنِي إسْرائِيلَ مِنَ القِبْطِ إلى القِبْطِ حَتّى أتَوْا آباءَهم. ثُمَّ خَرَجَ مُوسى بِبَنِي إسْرائِيلَ لَيْلًا والقِبْطُ لا يَعْلَمُونَ، وأُلْقِيَ عَلى القِبْطِ المَوْتُ، فَماتَ كُلُّ بِكْرٍ رَجُلٍ مِنهُمْ، فَأصْبَحُوا يَدْفِنُونَهُمْ، فَشُغِلُوا عَنْ طَلَبِهِمْ حَتّى طَلَعَتِ الشَّمْسُ، وخَرَجَ مُوسى في سِتِّمِائَةِ ألْفٍ وعِشْرِينَ ألْفًا، لا يَعُدُّونَ ابْنَ عِشْرِينَ لِصِغَرِهِ، ولا ابْنَ سِتِّينَ لِكِبَرِهِ، وإنَّما عَدُّوا ما بَيْنَ ذَلِكَ سِوى الذُّرِّيَّةِ. وتَبِعَهم فِرْعَوْنُ، عَلى مُقَدِّمَتِهِ هامانُ في ألْفِ ألْفٍ وسَبْعِمِائَةِ ألْفِ حِصانٍ، فِيها ماذِيانَةٌ، وذَلِكَ حِينَ يَقُولُ اللَّهُ: ﴿فَأرْسَلَ فِرْعَوْنُ في المَدائِنِ حاشِرِينَ﴾ ﴿إنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ﴾ فَكانَ مُوسى عَلى ساقَةِ بَنِي إسْرائِيلَ، وكانَ هارُونُ أمامَهم يَقْدُمُهُمْ، فَقالَ المُؤْمِنُ لِمُوسى: يا نَبِيَّ اللَّهِ، أيْنَ أُمِرْتَ؟ قالَ: البَحْرَ. فَأرادَ أنْ يَقْحُمَ فَمَنَعَهُ مُوسى. فَنَظَرَتْ بَنُو إسْرائِيلَ إلى فِرْعَوْنَ قَدْ رَدِفَهم قالُوا: يا مُوسى، ﴿إنّا لَمُدْرَكُونَ﴾ قالَ مُوسى: ﴿كَلا إنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ يَقُولُ: سَيَكْفِينِي. فَتَقَدَّمَ هارُونُ فَضَرَبَ البَحْرَ، فَأبى البَحْرُ أنْ يَنْفَتِحَ، وقالَ: مَن هَذا الجَبّارُ الَّذِي يَضْرِبُنِي؟ حَتّى أتاهُ مُوسى، فَكَناهُ أبا خالِدٍ، وضَرَبَهُ ﴿فانْفَلَقَ فَكانَ كُلُّ فِرْقٍ كالطَّوْدِ العَظِيمِ﴾ [الشعراء: ٦٣] يَقُولُ: كالجَبَلِ العَظِيمِ، فَدَخَلَتْ بَنُو إسْرائِيلَ، (p-٢٤٧)وكانَ في البَحْرِ اثْنا عَشَرَ طَرِيقًا، في كُلِّ طَرِيقٍ سِبْطٌ، وكانَتِ الطُّرُقُ إذا انْفَلَقَتْ بِجُدْرانٍ، فَقالَ كُلُّ سِبْطٍ: قَدْ قُتِلَ أصْحابُنا. فَلَمّا رَأى ذَلِكَ مُوسى دَعا اللَّهَ، فَجَعَلَها لَهم قَناطِرَ كَهَيْئَةِ الطِّيقانِ، يَنْظُرُ آخِرُهم إلى أوَّلِهِمْ حَتّى خَرَجُوا جَمِيعًا، ثُمَّ دَنا فِرْعَوْنُ وأصْحابُهُ، فَلَمّا نَظَرَ فِرْعَوْنُ إلى البَحْرِ مُنْفَلِقًا قالَ: ألا تَرَوْنَ إلى البَحْرِ فَرِقَ مِنى فانْفَتَحَ لِي حَتّى أُدْرِكَ أعْدائِي فاقْتُلَهم. فَلَمّا قامَ فِرْعَوْنُ عَلى أفْواهِ الطُّرُقِ أبَتْ خَيْلُهُ أنْ تَقْتَحِمُ، فَنَزَلَ جِبْرِيلُ عَلى ماذِيانَةٍ، فَشامَّتِ الحُصُنُ رِيحَ الماذِيانَةَ، فاقْتَحَمَتْ في أثَرِها، حَتّى إذا هَمَّ أوَّلُهُمُ أنْ يَخْرُجَ ودَخَلَ آخِرُهُمْ، أُمِرَ البَحْرُ أنْ يَأْخُذَهُمْ، فالتَطَمَ عَلَيْهِمْ، وتَفَرَّدَ جِبْرِيلُ بِفِرْعَوْنَ بِمَقْلَةٍ مِن مَقْلِ البَحْرِ، فَجَعَلَ يَدُسُّها في فِيهِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ﴾ قالَ: ذُكِرَ لَنا أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ الَّذِينَ قَطَعَ بِهِمْ مُوسى البَحْرَ كانُوا سِتَّمِائَةِ ألْفٍ (p-٢٤٨)مُقاتِلٍ بَنِي عِشْرِينَ سَنَةً فَصاعِدًا، وأتْبَعَهم فِرْعَوْنُ عَلى ألْفِ ألْفِ حِصانٍ ومِائَتَيْ ألْفِ حِصانٍ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ﴾ قالَ: سِتُّمِائَةِ ألْفٍ وسَبْعُونَ ألْفًا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ، مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ﴾ قالَ: كانُوا سِتَّمِائَةِ ألْفٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿لَشِرْذِمَةٌ﴾ قالَ: قِطْعَةٌ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ: ﴿لَشِرْذِمَةٌ﴾ قالَ: الفَرِيدُ مِنَ النّاسِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««كانَ أصْحابُ مُوسى الَّذِينَ جاوَزُوا البَحْرَ اثْنَيْ عَشَرَ سِبْطًا، فَكانَ في كُلِّ طَرِيقٍ اثْنا عَشَرَ ألْفًا، كُلُّهم ولَدُ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ»» . وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ مُجاهِدٍ: ﴿إنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ﴾ (p-٢٤٩)قالَ: هم يَوْمَئِذٍ سِتُّمِائَةِ ألْفٍ، ولا يُحْصى عَدَدُ أصْحابِ فِرْعَوْنَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ، بِسَنَدٍ واهٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««كانَ فِرْعَوْنُ عَدُوَّ اللَّهِ حَيْثُ أغْرَقَهُ اللَّهُ هو وأصْحابَهُ في سَبْعِينَ قائِدًا، مَعَ كُلِّ قائِدٍ سَبْعُونَ ألْفًا، وكانَ مُوسى مَعَ سَبْعِينَ ألْفًا حِينَ عَبَرُوا البَحْرَ»» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قالَ: أوْحى اللَّهُ إلى مُوسى أنِ اجْمَعْ بَنِي إسْرائِيلَ، كُلَّ أرْبَعَةِ أبْياتٍ مِن بَنِي إسْرائِيلَ في بَيْتٍ، ثُمَّ اذْبَحْ أوْلادَ الضَّأْنِ فاضْرِبْ بِدِمائِها عَلى كُلِّ بابٍ، فَإنِّي سَآمُرُ المَلائِكَةَ ألّا تَدْخُلَ بَيْتًا عَلى بابِهِ دَمٌ، وسَآمُرُ المَلائِكَةَ فَتَقْتُلُ أبْكارَ آلِ فِرْعَوْنَ مِن أنْفُسِهِمْ وأهْلِيهِمْ، ثُمَّ اخْبِزُوا خُبْزًا فَطِيرًا، فَإنَّهُ أسْرَعُ لَكُمْ، ثُمَّ سِرْ حَتّى تَأْتِيَ البَحْرَ، ثُمَّ قِفْ حَتّى يَأْتِيَكَ أمْرِي. فَلَمّا أنْ أصْبَحَ فِرْعَوْنُ قالَ: هَذا عَمَلُ مُوسى وقَوْمِهِ، قَتَلُوا أبْكارَنا مِن أنْفُسِنا وأهْلِينا. وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ يَحْيى بْنِ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ قالَ: إنَّ اللَّهَ أمَرَ مُوسى أنْ يَسِيرَ بِبَنِي إسْرائِيلَ، وقَدْ كانَ مُوسى وعَدَ بَنِي إسْرائِيلَ أنْ يَسِيرَ بِهِمْ إذا طَلَعَ القَمَرُ، فَدَعا اللَّهَ أنْ يُؤَخِّرَ طُلُوعَهُ حَتّى يَفْرُغَ، فَلَمّا سارَ مُوسى بِبَنِي (p-٢٥٠)إسْرائِيلَ، أذَّنَ فِرْعَوْنُ في النّاسِ: ﴿إنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ قالَ: خَرَجَ مُوسى مِن مِصْرَ ومَعَهُ سِتُّمِائَةِ ألْفٍ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، لا يَعُدُّونَ فِيهِمْ أقَلَّ مِنَ ابْنِ عِشْرِينَ ولا ابْنَ أكْثَرَ مِن أرْبَعِينَ سَنَةً، فَقالَ: ﴿إنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ﴾ وخَرَجَ فِرْعَوْنُ عَلى فَرَسٍ حِصانٍ أدْهَمَ ومَعَهُ ثَمانِمِائَةِ ألْفٍ عَلى خَيْلٍ دُهْمٍ سِوى ألْوانِ الخَيْلِ، وكانَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى فَرَسٍ أُنْثى يَسِيرُ بَيْنَ يَدَيِ القَوْمِ ويَقُولُ: لَيْسَ القَوْمُ بِأحَقَّ بِالطَّرِيقِ مِنكم. وفِرْعَوْنُ عَلى فَرَسٍ أدْهَمَ حِصانٍ، وجِبْرِيلُ عَلى فَرَسٍ أُنْثى، فَأتْبَعَها فَرَسُ فِرْعَوْنَ، وكانَ مِيكائِيلُ في آخِرِ القَوْمِ يَقُولُ: الحَقُوا، الحَقُوا أصْحابَكم. حَتّى دَخَلَ آخِرُهُمْ، وأرادَ أوَّلُهم أنْ يَخْرُجَ، فَأطْبَقَ عَلَيْهِمُ البَحْرُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ قالَ: لَمّا أرادَ مُوسى أنْ يَخْرُجَ بِبَنِي إسْرائِيلَ مِن مِصْرَ بَلَغَ ذَلِكَ فِرْعَوْنَ فَقالَ: أمْهِلُوهم حَتّى إذا صاحَ الدِّيكُ فَأْتُوهم. فَلَمْ يَصِحْ في تِلْكَ اللَّيْلَةِ دِيكٌ، فَخَرَجَ مُوسى بِبَنِي إسْرائِيلَ، وغَدا فِرْعَوْنُ، فَلَمّا أصْبَحَ فِرْعَوْنُ أمَرَ بِشاةٍ، فَأُتِيَ بِها، فَأمَرَ بِها أنْ تُذْبَحَ، ثُمَّ قالَ: لا يُفْرَغُ مِن سَلْخِها حَتّى يَجْتَمِعَ عِنْدِي خَمْسُمِائَةِ ألْفِ فارِسٍ. فاجْتَمَعُوا إلَيْهِ، (p-٢٥١)فَأتْبَعَهُمْ، فَلَمّا انْتَهى مُوسى إلى البَحْرِ قالَ لَهُ وصِيُّهُ: يا نَبِيَّ اللَّهِ، أيْنَ أُمِرْتَ؟ قالَ: هَهُنا في البَحْرِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانَ طَلائِعُ فِرْعَوْنَ الَّذِينَ بَعَثَهم في أثَرِهِمْ سِتَّمِائَةِ ألْفٍ، لَيْسَ فِيهِمْ أحَدٌ إلّا عَلى بَهِيمٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانَتْ سِيما خَيْلِ فِرْعَوْنَ الخِرَقَ البِيضَ في أصْداغِها، وكانَتْ جَرِيدَتُهُ مِائَةَ ألْفِ حِصانٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ كَعْبِ الأحْبارِ قالَ: اجْتَمَعَ آلُ يَعْقُوبَ إلى يُوسُفَ، وهم سِتَّةٌ وثَمانُونَ إنْسانًا، ذَكَرُهم وأُنْثاهُمْ، فَخَرَجَ بِهِمْ مُوسى يَوْمَ خَرَجَ وهم سِتُّمِائَةِ ألْفٍ ونَيِّفٌ، وخَرَجَ فِرْعَوْنُ عَلى أثَرِهِمْ يَطْلُبُهم عَلى فَرَسٍ أدْهَمَ، عَلى لَوْنِهِ مِنَ الدُّهْمِ ثَمانُمِائَةِ ألْفٍ أدْهَمَ سِوى ألْوانِ الخَيْلِ، وجالَتِ الرِّيحُ الشَّمالُ، وتَحْتَ جِبْرِيلَ فَرَسٌ ودِيقٌ، ومِيكائِيلُ يَسُوقُهم لا يَشِذُّ مِنهم شاذَّةٌ إلّا ضَمَّهُ، فَقالَ القَوْمُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، قَدْ كُنّا نَلْقى مِنَ التَّعْسِ والعَذابِ ما (p-٢٥٢)نَلْقى، فَكَيْفَ إذْ صَنَعْنا ما صَنَعْنا، فَأيْنَ المَلْجَأُ؟ قالَ: البَحْرُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أنَّهُ قَرَأ: ﴿وإنّا لَجَمِيعٌ حاذِرُونَ﴾ قالَ: مُؤْدُونَ مُقْوُونَ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الأُسُودِ بْنِ يَزِيدَ، أنَّهُ كانَ يَقْرَؤُها: ﴿وإنّا لَجَمِيعٌ حاذِرُونَ﴾ قالَ: مُؤْدُونَ مُقْوُونَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنِ الأسْوَدِ، أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ: ﴿وإنّا لَجَمِيعٌ حاذِرُونَ﴾ يَقُولُ: وادُّونَ مُسْتَعِدُّونَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ (p-٢٥٣)جُبَيْرٍ، أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ: ﴿وإنّا لَجَمِيعٌ حاذِرُونَ﴾ يَقُولُ: مُؤْدُونَ في السِّلاحِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينارٍ قالَ: قَرَأ عُبَيْدٌ: ﴿وإنّا لَجَمِيعٌ حاذِرُونَ﴾ . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الضَّحّاكِ: ﴿وإنّا لَجَمِيعٌ حاذِرُونَ﴾ يَعْنِي شاكِينَ في السِّلاحِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: ﴿وإنّا لَجَمِيعٌ حاذِرُونَ﴾ قالَ: مُؤْدُونَ مُقْوُونَ في السِّلاحِ والكُراعِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ إبْراهِيمَ، أنَّهُ كانَ يَقْرَؤُها: ﴿وإنّا لَجَمِيعٌ حاذِرُونَ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ الأنْبارِيِّ في ”الوَقْفِ“، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أنَّ نافِعَ بْنَ الأزْرَقِ قالَ لَهُ: أخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِهِ: ﴿وإنّا لَجَمِيعٌ حاذِرُونَ﴾ ما الحاذِرُونَ؟ قالَ: التّامُّونَ السِّلاحَ. قالَ فِيهِ النَّجاشِيُّ: ؎لَعَمْرُ أبِي أُثالٍ حَيْثُ أمْسى لَقَدْ نادَتْ بِهِ أبْناءُ بَكْرِ ؎(p-٢٥٤)حَنِيفَةُ في كَتائِبَ حاذِراتٌ ∗∗∗ يَقُودُهُمُ أبُو شِبْلٍ هِزَبْرِ وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ: ﴿فَأخْرَجْناهم مِن جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ ﴿وكُنُوزٍ ومَقامٍ كَرِيمٍ﴾ قالَ: كانُوا في ذَلِكَ في الدُّنْيا، فَأخْرَجَهُمُ اللَّهُ مِن ذَلِكَ وأوْرَثَها بَنِي إسْرائِيلَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ومَقامٍ كَرِيمٍ﴾ قالَ: المَنابِرُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿فَأتْبَعُوهم مُشْرِقِينَ﴾ قالَ: أتْبَعَهم فِرْعَوْنُ وجُنُودُهُ حِينَ أشْرَقَتِ الشَّمْسُ، ﴿قالَ أصْحابُ مُوسى إنّا لَمُدْرَكُونَ﴾ قالَ مُوسى، وكانَ أعْلَمَهم بِاللَّهِ: ﴿كَلا إنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ عاصِمٍ، أنَّهُ قَرَأ: ﴿فَأتْبَعُوهم مُشْرِقِينَ﴾ مَهْمُوزَةً مَقْطُوعَةَ الألِفِ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ: ﴿فَأتْبَعُوهم مُشْرِقِينَ﴾ قالَ: خَرَجَ مُوسى لَيْلًا (p-٢٥٥)فَكَسَفَ القَمَرُ لَيْلًا، وأظْلَمَتِ الأرْضُ، فَقالَ أصْحابُهُ: إنَّ يُوسُفَ كانَ أخْبَرَنا أنا سَنُنَجّى مِن فِرْعَوْنَ، وأخَذَ عَلَيْنا العَهْدَ لَنَخْرُجَنَّ بِعِظامِهِ مَعَنا، فَخَرَجَ مُوسى مِن لَيْلَتِهِ يَسْألُ عَنْ قَبْرِهِ، فَوَجَدَ عَجُوزًا بَيْتُها عَلى قَبْرِهِ، فَأخْرَجَتْهُ لَهُ بِحُكْمِها، فَكانَ حُكْمُها أنْ قالَتْ لَهُ: احْمِلْنِي فَأخْرِجْنِي مَعَكَ. فَجَعَلَ عِظامَ يُوسُفَ في كِسائِهِ، ثُمَّ حَمَلَ العَجُوزَ عَلى كِسائِهِ، فَجَعَلَهُ عَلى رَقَبَتِهِ، وخَيْلُ فِرْعَوْنَ في مِلْءِ أعِنَّتِها خُضْرًا في أعْيُنِهِمْ ولا تَبْرَحُ؛ حُبِسَتْ عَنْ مُوسى وأصْحابِهِ حَتّى بَرَزُوا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ خُلَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ العَصَرِيِّ، أنَّ مُؤْمِنَ آلِ فِرْعَوْنَ كانَ أمامَ القَوْمِ قالَ: يا نَبِيَّ اللَّهِ، أيْنَ أُمِرْتَ؟ قالَ: أمامَكَ. قالَ: وهَلْ أمامِي إلّا البَحْرُ؟ قالَ: واللَّهِ ما كَذَبْتُ ولا كُذِبْتُ. ثُمَّ سارَ ساعَةً فَقالَ مِثْلَ ذَلِكَ، فَرَدَّ عَلَيْهِ مُوسى مِثْلَ ذَلِكَ، قالَ مُوسى، وكانَ أعْلَمَ القَوْمِ بِاللَّهِ: (p-٢٥٦)﴿كَلا إنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ .

الشعراء 26:58

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأوْحَيْنا إلى مُوسى أنْ أسْرِ بِعِبادِي﴾ الآياتِ. أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ قالَ: ثُمَّ إنَّ اللَّهَ أمَرَ مُوسى أنْ يَخْرُجَ بِبَنِي إسْرائِيلَ فَقالَ: فَأسْرِ بِعِبادِي لَيْلًا. فَأمَرَ مُوسى بَنِي إسْرائِيلَ أنْ يَخْرُجُوا، وأمَرَهم أنْ يَسْتَعِيرُوا الحَلْيَ مِنَ القِبْطِ، وأمَرَ ألّا يُنادِيَ أحَدٌ مِنهم صاحِبَهُ، وأنْ يُسْرِجُوا في بُيُوتِهِمْ حَتّى الصُّبْحِ، وألّا يُنادِيَ إنْسانٌ مِنهم صاحِبَهُ، وأنَّ مَن خَرَجَ يُلَطِّخُ أمامَ بابِهِ بِكَفٍّ مِن دَمٍ حَتّى يُعْلَمَ أنَّهُ قَدْ خَرَجَ، وإنَّ اللَّهَ قَدْ أخْرَجَ كُلَّ ولَدِ زِنًى (p-٢٤٦)فِي القِبْطِ مِن بَنِي إسْرائِيلَ إلى بَنِي إسْرائِيلَ، وأخْرَجَ كُلَّ ولَدِ زِنًى في بَنِي إسْرائِيلَ مِنَ القِبْطِ إلى القِبْطِ حَتّى أتَوْا آباءَهم. ثُمَّ خَرَجَ مُوسى بِبَنِي إسْرائِيلَ لَيْلًا والقِبْطُ لا يَعْلَمُونَ، وأُلْقِيَ عَلى القِبْطِ المَوْتُ، فَماتَ كُلُّ بِكْرٍ رَجُلٍ مِنهُمْ، فَأصْبَحُوا يَدْفِنُونَهُمْ، فَشُغِلُوا عَنْ طَلَبِهِمْ حَتّى طَلَعَتِ الشَّمْسُ، وخَرَجَ مُوسى في سِتِّمِائَةِ ألْفٍ وعِشْرِينَ ألْفًا، لا يَعُدُّونَ ابْنَ عِشْرِينَ لِصِغَرِهِ، ولا ابْنَ سِتِّينَ لِكِبَرِهِ، وإنَّما عَدُّوا ما بَيْنَ ذَلِكَ سِوى الذُّرِّيَّةِ. وتَبِعَهم فِرْعَوْنُ، عَلى مُقَدِّمَتِهِ هامانُ في ألْفِ ألْفٍ وسَبْعِمِائَةِ ألْفِ حِصانٍ، فِيها ماذِيانَةٌ، وذَلِكَ حِينَ يَقُولُ اللَّهُ: ﴿فَأرْسَلَ فِرْعَوْنُ في المَدائِنِ حاشِرِينَ﴾ ﴿إنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ﴾ فَكانَ مُوسى عَلى ساقَةِ بَنِي إسْرائِيلَ، وكانَ هارُونُ أمامَهم يَقْدُمُهُمْ، فَقالَ المُؤْمِنُ لِمُوسى: يا نَبِيَّ اللَّهِ، أيْنَ أُمِرْتَ؟ قالَ: البَحْرَ. فَأرادَ أنْ يَقْحُمَ فَمَنَعَهُ مُوسى. فَنَظَرَتْ بَنُو إسْرائِيلَ إلى فِرْعَوْنَ قَدْ رَدِفَهم قالُوا: يا مُوسى، ﴿إنّا لَمُدْرَكُونَ﴾ قالَ مُوسى: ﴿كَلا إنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ يَقُولُ: سَيَكْفِينِي. فَتَقَدَّمَ هارُونُ فَضَرَبَ البَحْرَ، فَأبى البَحْرُ أنْ يَنْفَتِحَ، وقالَ: مَن هَذا الجَبّارُ الَّذِي يَضْرِبُنِي؟ حَتّى أتاهُ مُوسى، فَكَناهُ أبا خالِدٍ، وضَرَبَهُ ﴿فانْفَلَقَ فَكانَ كُلُّ فِرْقٍ كالطَّوْدِ العَظِيمِ﴾ [الشعراء: ٦٣] يَقُولُ: كالجَبَلِ العَظِيمِ، فَدَخَلَتْ بَنُو إسْرائِيلَ، (p-٢٤٧)وكانَ في البَحْرِ اثْنا عَشَرَ طَرِيقًا، في كُلِّ طَرِيقٍ سِبْطٌ، وكانَتِ الطُّرُقُ إذا انْفَلَقَتْ بِجُدْرانٍ، فَقالَ كُلُّ سِبْطٍ: قَدْ قُتِلَ أصْحابُنا. فَلَمّا رَأى ذَلِكَ مُوسى دَعا اللَّهَ، فَجَعَلَها لَهم قَناطِرَ كَهَيْئَةِ الطِّيقانِ، يَنْظُرُ آخِرُهم إلى أوَّلِهِمْ حَتّى خَرَجُوا جَمِيعًا، ثُمَّ دَنا فِرْعَوْنُ وأصْحابُهُ، فَلَمّا نَظَرَ فِرْعَوْنُ إلى البَحْرِ مُنْفَلِقًا قالَ: ألا تَرَوْنَ إلى البَحْرِ فَرِقَ مِنى فانْفَتَحَ لِي حَتّى أُدْرِكَ أعْدائِي فاقْتُلَهم. فَلَمّا قامَ فِرْعَوْنُ عَلى أفْواهِ الطُّرُقِ أبَتْ خَيْلُهُ أنْ تَقْتَحِمُ، فَنَزَلَ جِبْرِيلُ عَلى ماذِيانَةٍ، فَشامَّتِ الحُصُنُ رِيحَ الماذِيانَةَ، فاقْتَحَمَتْ في أثَرِها، حَتّى إذا هَمَّ أوَّلُهُمُ أنْ يَخْرُجَ ودَخَلَ آخِرُهُمْ، أُمِرَ البَحْرُ أنْ يَأْخُذَهُمْ، فالتَطَمَ عَلَيْهِمْ، وتَفَرَّدَ جِبْرِيلُ بِفِرْعَوْنَ بِمَقْلَةٍ مِن مَقْلِ البَحْرِ، فَجَعَلَ يَدُسُّها في فِيهِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ﴾ قالَ: ذُكِرَ لَنا أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ الَّذِينَ قَطَعَ بِهِمْ مُوسى البَحْرَ كانُوا سِتَّمِائَةِ ألْفٍ (p-٢٤٨)مُقاتِلٍ بَنِي عِشْرِينَ سَنَةً فَصاعِدًا، وأتْبَعَهم فِرْعَوْنُ عَلى ألْفِ ألْفِ حِصانٍ ومِائَتَيْ ألْفِ حِصانٍ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ﴾ قالَ: سِتُّمِائَةِ ألْفٍ وسَبْعُونَ ألْفًا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ، مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ﴾ قالَ: كانُوا سِتَّمِائَةِ ألْفٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿لَشِرْذِمَةٌ﴾ قالَ: قِطْعَةٌ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ: ﴿لَشِرْذِمَةٌ﴾ قالَ: الفَرِيدُ مِنَ النّاسِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««كانَ أصْحابُ مُوسى الَّذِينَ جاوَزُوا البَحْرَ اثْنَيْ عَشَرَ سِبْطًا، فَكانَ في كُلِّ طَرِيقٍ اثْنا عَشَرَ ألْفًا، كُلُّهم ولَدُ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ»» . وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ مُجاهِدٍ: ﴿إنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ﴾ (p-٢٤٩)قالَ: هم يَوْمَئِذٍ سِتُّمِائَةِ ألْفٍ، ولا يُحْصى عَدَدُ أصْحابِ فِرْعَوْنَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ، بِسَنَدٍ واهٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««كانَ فِرْعَوْنُ عَدُوَّ اللَّهِ حَيْثُ أغْرَقَهُ اللَّهُ هو وأصْحابَهُ في سَبْعِينَ قائِدًا، مَعَ كُلِّ قائِدٍ سَبْعُونَ ألْفًا، وكانَ مُوسى مَعَ سَبْعِينَ ألْفًا حِينَ عَبَرُوا البَحْرَ»» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قالَ: أوْحى اللَّهُ إلى مُوسى أنِ اجْمَعْ بَنِي إسْرائِيلَ، كُلَّ أرْبَعَةِ أبْياتٍ مِن بَنِي إسْرائِيلَ في بَيْتٍ، ثُمَّ اذْبَحْ أوْلادَ الضَّأْنِ فاضْرِبْ بِدِمائِها عَلى كُلِّ بابٍ، فَإنِّي سَآمُرُ المَلائِكَةَ ألّا تَدْخُلَ بَيْتًا عَلى بابِهِ دَمٌ، وسَآمُرُ المَلائِكَةَ فَتَقْتُلُ أبْكارَ آلِ فِرْعَوْنَ مِن أنْفُسِهِمْ وأهْلِيهِمْ، ثُمَّ اخْبِزُوا خُبْزًا فَطِيرًا، فَإنَّهُ أسْرَعُ لَكُمْ، ثُمَّ سِرْ حَتّى تَأْتِيَ البَحْرَ، ثُمَّ قِفْ حَتّى يَأْتِيَكَ أمْرِي. فَلَمّا أنْ أصْبَحَ فِرْعَوْنُ قالَ: هَذا عَمَلُ مُوسى وقَوْمِهِ، قَتَلُوا أبْكارَنا مِن أنْفُسِنا وأهْلِينا. وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ يَحْيى بْنِ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ قالَ: إنَّ اللَّهَ أمَرَ مُوسى أنْ يَسِيرَ بِبَنِي إسْرائِيلَ، وقَدْ كانَ مُوسى وعَدَ بَنِي إسْرائِيلَ أنْ يَسِيرَ بِهِمْ إذا طَلَعَ القَمَرُ، فَدَعا اللَّهَ أنْ يُؤَخِّرَ طُلُوعَهُ حَتّى يَفْرُغَ، فَلَمّا سارَ مُوسى بِبَنِي (p-٢٥٠)إسْرائِيلَ، أذَّنَ فِرْعَوْنُ في النّاسِ: ﴿إنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ قالَ: خَرَجَ مُوسى مِن مِصْرَ ومَعَهُ سِتُّمِائَةِ ألْفٍ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، لا يَعُدُّونَ فِيهِمْ أقَلَّ مِنَ ابْنِ عِشْرِينَ ولا ابْنَ أكْثَرَ مِن أرْبَعِينَ سَنَةً، فَقالَ: ﴿إنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ﴾ وخَرَجَ فِرْعَوْنُ عَلى فَرَسٍ حِصانٍ أدْهَمَ ومَعَهُ ثَمانِمِائَةِ ألْفٍ عَلى خَيْلٍ دُهْمٍ سِوى ألْوانِ الخَيْلِ، وكانَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى فَرَسٍ أُنْثى يَسِيرُ بَيْنَ يَدَيِ القَوْمِ ويَقُولُ: لَيْسَ القَوْمُ بِأحَقَّ بِالطَّرِيقِ مِنكم. وفِرْعَوْنُ عَلى فَرَسٍ أدْهَمَ حِصانٍ، وجِبْرِيلُ عَلى فَرَسٍ أُنْثى، فَأتْبَعَها فَرَسُ فِرْعَوْنَ، وكانَ مِيكائِيلُ في آخِرِ القَوْمِ يَقُولُ: الحَقُوا، الحَقُوا أصْحابَكم. حَتّى دَخَلَ آخِرُهُمْ، وأرادَ أوَّلُهم أنْ يَخْرُجَ، فَأطْبَقَ عَلَيْهِمُ البَحْرُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ قالَ: لَمّا أرادَ مُوسى أنْ يَخْرُجَ بِبَنِي إسْرائِيلَ مِن مِصْرَ بَلَغَ ذَلِكَ فِرْعَوْنَ فَقالَ: أمْهِلُوهم حَتّى إذا صاحَ الدِّيكُ فَأْتُوهم. فَلَمْ يَصِحْ في تِلْكَ اللَّيْلَةِ دِيكٌ، فَخَرَجَ مُوسى بِبَنِي إسْرائِيلَ، وغَدا فِرْعَوْنُ، فَلَمّا أصْبَحَ فِرْعَوْنُ أمَرَ بِشاةٍ، فَأُتِيَ بِها، فَأمَرَ بِها أنْ تُذْبَحَ، ثُمَّ قالَ: لا يُفْرَغُ مِن سَلْخِها حَتّى يَجْتَمِعَ عِنْدِي خَمْسُمِائَةِ ألْفِ فارِسٍ. فاجْتَمَعُوا إلَيْهِ، (p-٢٥١)فَأتْبَعَهُمْ، فَلَمّا انْتَهى مُوسى إلى البَحْرِ قالَ لَهُ وصِيُّهُ: يا نَبِيَّ اللَّهِ، أيْنَ أُمِرْتَ؟ قالَ: هَهُنا في البَحْرِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانَ طَلائِعُ فِرْعَوْنَ الَّذِينَ بَعَثَهم في أثَرِهِمْ سِتَّمِائَةِ ألْفٍ، لَيْسَ فِيهِمْ أحَدٌ إلّا عَلى بَهِيمٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانَتْ سِيما خَيْلِ فِرْعَوْنَ الخِرَقَ البِيضَ في أصْداغِها، وكانَتْ جَرِيدَتُهُ مِائَةَ ألْفِ حِصانٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ كَعْبِ الأحْبارِ قالَ: اجْتَمَعَ آلُ يَعْقُوبَ إلى يُوسُفَ، وهم سِتَّةٌ وثَمانُونَ إنْسانًا، ذَكَرُهم وأُنْثاهُمْ، فَخَرَجَ بِهِمْ مُوسى يَوْمَ خَرَجَ وهم سِتُّمِائَةِ ألْفٍ ونَيِّفٌ، وخَرَجَ فِرْعَوْنُ عَلى أثَرِهِمْ يَطْلُبُهم عَلى فَرَسٍ أدْهَمَ، عَلى لَوْنِهِ مِنَ الدُّهْمِ ثَمانُمِائَةِ ألْفٍ أدْهَمَ سِوى ألْوانِ الخَيْلِ، وجالَتِ الرِّيحُ الشَّمالُ، وتَحْتَ جِبْرِيلَ فَرَسٌ ودِيقٌ، ومِيكائِيلُ يَسُوقُهم لا يَشِذُّ مِنهم شاذَّةٌ إلّا ضَمَّهُ، فَقالَ القَوْمُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، قَدْ كُنّا نَلْقى مِنَ التَّعْسِ والعَذابِ ما (p-٢٥٢)نَلْقى، فَكَيْفَ إذْ صَنَعْنا ما صَنَعْنا، فَأيْنَ المَلْجَأُ؟ قالَ: البَحْرُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أنَّهُ قَرَأ: ﴿وإنّا لَجَمِيعٌ حاذِرُونَ﴾ قالَ: مُؤْدُونَ مُقْوُونَ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الأُسُودِ بْنِ يَزِيدَ، أنَّهُ كانَ يَقْرَؤُها: ﴿وإنّا لَجَمِيعٌ حاذِرُونَ﴾ قالَ: مُؤْدُونَ مُقْوُونَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنِ الأسْوَدِ، أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ: ﴿وإنّا لَجَمِيعٌ حاذِرُونَ﴾ يَقُولُ: وادُّونَ مُسْتَعِدُّونَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ (p-٢٥٣)جُبَيْرٍ، أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ: ﴿وإنّا لَجَمِيعٌ حاذِرُونَ﴾ يَقُولُ: مُؤْدُونَ في السِّلاحِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينارٍ قالَ: قَرَأ عُبَيْدٌ: ﴿وإنّا لَجَمِيعٌ حاذِرُونَ﴾ . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الضَّحّاكِ: ﴿وإنّا لَجَمِيعٌ حاذِرُونَ﴾ يَعْنِي شاكِينَ في السِّلاحِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: ﴿وإنّا لَجَمِيعٌ حاذِرُونَ﴾ قالَ: مُؤْدُونَ مُقْوُونَ في السِّلاحِ والكُراعِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ إبْراهِيمَ، أنَّهُ كانَ يَقْرَؤُها: ﴿وإنّا لَجَمِيعٌ حاذِرُونَ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ الأنْبارِيِّ في ”الوَقْفِ“، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أنَّ نافِعَ بْنَ الأزْرَقِ قالَ لَهُ: أخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِهِ: ﴿وإنّا لَجَمِيعٌ حاذِرُونَ﴾ ما الحاذِرُونَ؟ قالَ: التّامُّونَ السِّلاحَ. قالَ فِيهِ النَّجاشِيُّ: ؎لَعَمْرُ أبِي أُثالٍ حَيْثُ أمْسى لَقَدْ نادَتْ بِهِ أبْناءُ بَكْرِ ؎(p-٢٥٤)حَنِيفَةُ في كَتائِبَ حاذِراتٌ ∗∗∗ يَقُودُهُمُ أبُو شِبْلٍ هِزَبْرِ وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ: ﴿فَأخْرَجْناهم مِن جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ ﴿وكُنُوزٍ ومَقامٍ كَرِيمٍ﴾ قالَ: كانُوا في ذَلِكَ في الدُّنْيا، فَأخْرَجَهُمُ اللَّهُ مِن ذَلِكَ وأوْرَثَها بَنِي إسْرائِيلَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ومَقامٍ كَرِيمٍ﴾ قالَ: المَنابِرُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿فَأتْبَعُوهم مُشْرِقِينَ﴾ قالَ: أتْبَعَهم فِرْعَوْنُ وجُنُودُهُ حِينَ أشْرَقَتِ الشَّمْسُ، ﴿قالَ أصْحابُ مُوسى إنّا لَمُدْرَكُونَ﴾ قالَ مُوسى، وكانَ أعْلَمَهم بِاللَّهِ: ﴿كَلا إنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ عاصِمٍ، أنَّهُ قَرَأ: ﴿فَأتْبَعُوهم مُشْرِقِينَ﴾ مَهْمُوزَةً مَقْطُوعَةَ الألِفِ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ: ﴿فَأتْبَعُوهم مُشْرِقِينَ﴾ قالَ: خَرَجَ مُوسى لَيْلًا (p-٢٥٥)فَكَسَفَ القَمَرُ لَيْلًا، وأظْلَمَتِ الأرْضُ، فَقالَ أصْحابُهُ: إنَّ يُوسُفَ كانَ أخْبَرَنا أنا سَنُنَجّى مِن فِرْعَوْنَ، وأخَذَ عَلَيْنا العَهْدَ لَنَخْرُجَنَّ بِعِظامِهِ مَعَنا، فَخَرَجَ مُوسى مِن لَيْلَتِهِ يَسْألُ عَنْ قَبْرِهِ، فَوَجَدَ عَجُوزًا بَيْتُها عَلى قَبْرِهِ، فَأخْرَجَتْهُ لَهُ بِحُكْمِها، فَكانَ حُكْمُها أنْ قالَتْ لَهُ: احْمِلْنِي فَأخْرِجْنِي مَعَكَ. فَجَعَلَ عِظامَ يُوسُفَ في كِسائِهِ، ثُمَّ حَمَلَ العَجُوزَ عَلى كِسائِهِ، فَجَعَلَهُ عَلى رَقَبَتِهِ، وخَيْلُ فِرْعَوْنَ في مِلْءِ أعِنَّتِها خُضْرًا في أعْيُنِهِمْ ولا تَبْرَحُ؛ حُبِسَتْ عَنْ مُوسى وأصْحابِهِ حَتّى بَرَزُوا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ خُلَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ العَصَرِيِّ، أنَّ مُؤْمِنَ آلِ فِرْعَوْنَ كانَ أمامَ القَوْمِ قالَ: يا نَبِيَّ اللَّهِ، أيْنَ أُمِرْتَ؟ قالَ: أمامَكَ. قالَ: وهَلْ أمامِي إلّا البَحْرُ؟ قالَ: واللَّهِ ما كَذَبْتُ ولا كُذِبْتُ. ثُمَّ سارَ ساعَةً فَقالَ مِثْلَ ذَلِكَ، فَرَدَّ عَلَيْهِ مُوسى مِثْلَ ذَلِكَ، قالَ مُوسى، وكانَ أعْلَمَ القَوْمِ بِاللَّهِ: (p-٢٥٦)﴿كَلا إنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ .

الشعراء 26:59

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأوْحَيْنا إلى مُوسى أنْ أسْرِ بِعِبادِي﴾ الآياتِ. أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ قالَ: ثُمَّ إنَّ اللَّهَ أمَرَ مُوسى أنْ يَخْرُجَ بِبَنِي إسْرائِيلَ فَقالَ: فَأسْرِ بِعِبادِي لَيْلًا. فَأمَرَ مُوسى بَنِي إسْرائِيلَ أنْ يَخْرُجُوا، وأمَرَهم أنْ يَسْتَعِيرُوا الحَلْيَ مِنَ القِبْطِ، وأمَرَ ألّا يُنادِيَ أحَدٌ مِنهم صاحِبَهُ، وأنْ يُسْرِجُوا في بُيُوتِهِمْ حَتّى الصُّبْحِ، وألّا يُنادِيَ إنْسانٌ مِنهم صاحِبَهُ، وأنَّ مَن خَرَجَ يُلَطِّخُ أمامَ بابِهِ بِكَفٍّ مِن دَمٍ حَتّى يُعْلَمَ أنَّهُ قَدْ خَرَجَ، وإنَّ اللَّهَ قَدْ أخْرَجَ كُلَّ ولَدِ زِنًى (p-٢٤٦)فِي القِبْطِ مِن بَنِي إسْرائِيلَ إلى بَنِي إسْرائِيلَ، وأخْرَجَ كُلَّ ولَدِ زِنًى في بَنِي إسْرائِيلَ مِنَ القِبْطِ إلى القِبْطِ حَتّى أتَوْا آباءَهم. ثُمَّ خَرَجَ مُوسى بِبَنِي إسْرائِيلَ لَيْلًا والقِبْطُ لا يَعْلَمُونَ، وأُلْقِيَ عَلى القِبْطِ المَوْتُ، فَماتَ كُلُّ بِكْرٍ رَجُلٍ مِنهُمْ، فَأصْبَحُوا يَدْفِنُونَهُمْ، فَشُغِلُوا عَنْ طَلَبِهِمْ حَتّى طَلَعَتِ الشَّمْسُ، وخَرَجَ مُوسى في سِتِّمِائَةِ ألْفٍ وعِشْرِينَ ألْفًا، لا يَعُدُّونَ ابْنَ عِشْرِينَ لِصِغَرِهِ، ولا ابْنَ سِتِّينَ لِكِبَرِهِ، وإنَّما عَدُّوا ما بَيْنَ ذَلِكَ سِوى الذُّرِّيَّةِ. وتَبِعَهم فِرْعَوْنُ، عَلى مُقَدِّمَتِهِ هامانُ في ألْفِ ألْفٍ وسَبْعِمِائَةِ ألْفِ حِصانٍ، فِيها ماذِيانَةٌ، وذَلِكَ حِينَ يَقُولُ اللَّهُ: ﴿فَأرْسَلَ فِرْعَوْنُ في المَدائِنِ حاشِرِينَ﴾ ﴿إنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ﴾ فَكانَ مُوسى عَلى ساقَةِ بَنِي إسْرائِيلَ، وكانَ هارُونُ أمامَهم يَقْدُمُهُمْ، فَقالَ المُؤْمِنُ لِمُوسى: يا نَبِيَّ اللَّهِ، أيْنَ أُمِرْتَ؟ قالَ: البَحْرَ. فَأرادَ أنْ يَقْحُمَ فَمَنَعَهُ مُوسى. فَنَظَرَتْ بَنُو إسْرائِيلَ إلى فِرْعَوْنَ قَدْ رَدِفَهم قالُوا: يا مُوسى، ﴿إنّا لَمُدْرَكُونَ﴾ قالَ مُوسى: ﴿كَلا إنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ يَقُولُ: سَيَكْفِينِي. فَتَقَدَّمَ هارُونُ فَضَرَبَ البَحْرَ، فَأبى البَحْرُ أنْ يَنْفَتِحَ، وقالَ: مَن هَذا الجَبّارُ الَّذِي يَضْرِبُنِي؟ حَتّى أتاهُ مُوسى، فَكَناهُ أبا خالِدٍ، وضَرَبَهُ ﴿فانْفَلَقَ فَكانَ كُلُّ فِرْقٍ كالطَّوْدِ العَظِيمِ﴾ [الشعراء: ٦٣] يَقُولُ: كالجَبَلِ العَظِيمِ، فَدَخَلَتْ بَنُو إسْرائِيلَ، (p-٢٤٧)وكانَ في البَحْرِ اثْنا عَشَرَ طَرِيقًا، في كُلِّ طَرِيقٍ سِبْطٌ، وكانَتِ الطُّرُقُ إذا انْفَلَقَتْ بِجُدْرانٍ، فَقالَ كُلُّ سِبْطٍ: قَدْ قُتِلَ أصْحابُنا. فَلَمّا رَأى ذَلِكَ مُوسى دَعا اللَّهَ، فَجَعَلَها لَهم قَناطِرَ كَهَيْئَةِ الطِّيقانِ، يَنْظُرُ آخِرُهم إلى أوَّلِهِمْ حَتّى خَرَجُوا جَمِيعًا، ثُمَّ دَنا فِرْعَوْنُ وأصْحابُهُ، فَلَمّا نَظَرَ فِرْعَوْنُ إلى البَحْرِ مُنْفَلِقًا قالَ: ألا تَرَوْنَ إلى البَحْرِ فَرِقَ مِنى فانْفَتَحَ لِي حَتّى أُدْرِكَ أعْدائِي فاقْتُلَهم. فَلَمّا قامَ فِرْعَوْنُ عَلى أفْواهِ الطُّرُقِ أبَتْ خَيْلُهُ أنْ تَقْتَحِمُ، فَنَزَلَ جِبْرِيلُ عَلى ماذِيانَةٍ، فَشامَّتِ الحُصُنُ رِيحَ الماذِيانَةَ، فاقْتَحَمَتْ في أثَرِها، حَتّى إذا هَمَّ أوَّلُهُمُ أنْ يَخْرُجَ ودَخَلَ آخِرُهُمْ، أُمِرَ البَحْرُ أنْ يَأْخُذَهُمْ، فالتَطَمَ عَلَيْهِمْ، وتَفَرَّدَ جِبْرِيلُ بِفِرْعَوْنَ بِمَقْلَةٍ مِن مَقْلِ البَحْرِ، فَجَعَلَ يَدُسُّها في فِيهِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ﴾ قالَ: ذُكِرَ لَنا أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ الَّذِينَ قَطَعَ بِهِمْ مُوسى البَحْرَ كانُوا سِتَّمِائَةِ ألْفٍ (p-٢٤٨)مُقاتِلٍ بَنِي عِشْرِينَ سَنَةً فَصاعِدًا، وأتْبَعَهم فِرْعَوْنُ عَلى ألْفِ ألْفِ حِصانٍ ومِائَتَيْ ألْفِ حِصانٍ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ﴾ قالَ: سِتُّمِائَةِ ألْفٍ وسَبْعُونَ ألْفًا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ، مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ﴾ قالَ: كانُوا سِتَّمِائَةِ ألْفٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿لَشِرْذِمَةٌ﴾ قالَ: قِطْعَةٌ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ: ﴿لَشِرْذِمَةٌ﴾ قالَ: الفَرِيدُ مِنَ النّاسِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««كانَ أصْحابُ مُوسى الَّذِينَ جاوَزُوا البَحْرَ اثْنَيْ عَشَرَ سِبْطًا، فَكانَ في كُلِّ طَرِيقٍ اثْنا عَشَرَ ألْفًا، كُلُّهم ولَدُ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ»» . وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ مُجاهِدٍ: ﴿إنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ﴾ (p-٢٤٩)قالَ: هم يَوْمَئِذٍ سِتُّمِائَةِ ألْفٍ، ولا يُحْصى عَدَدُ أصْحابِ فِرْعَوْنَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ، بِسَنَدٍ واهٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««كانَ فِرْعَوْنُ عَدُوَّ اللَّهِ حَيْثُ أغْرَقَهُ اللَّهُ هو وأصْحابَهُ في سَبْعِينَ قائِدًا، مَعَ كُلِّ قائِدٍ سَبْعُونَ ألْفًا، وكانَ مُوسى مَعَ سَبْعِينَ ألْفًا حِينَ عَبَرُوا البَحْرَ»» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قالَ: أوْحى اللَّهُ إلى مُوسى أنِ اجْمَعْ بَنِي إسْرائِيلَ، كُلَّ أرْبَعَةِ أبْياتٍ مِن بَنِي إسْرائِيلَ في بَيْتٍ، ثُمَّ اذْبَحْ أوْلادَ الضَّأْنِ فاضْرِبْ بِدِمائِها عَلى كُلِّ بابٍ، فَإنِّي سَآمُرُ المَلائِكَةَ ألّا تَدْخُلَ بَيْتًا عَلى بابِهِ دَمٌ، وسَآمُرُ المَلائِكَةَ فَتَقْتُلُ أبْكارَ آلِ فِرْعَوْنَ مِن أنْفُسِهِمْ وأهْلِيهِمْ، ثُمَّ اخْبِزُوا خُبْزًا فَطِيرًا، فَإنَّهُ أسْرَعُ لَكُمْ، ثُمَّ سِرْ حَتّى تَأْتِيَ البَحْرَ، ثُمَّ قِفْ حَتّى يَأْتِيَكَ أمْرِي. فَلَمّا أنْ أصْبَحَ فِرْعَوْنُ قالَ: هَذا عَمَلُ مُوسى وقَوْمِهِ، قَتَلُوا أبْكارَنا مِن أنْفُسِنا وأهْلِينا. وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ يَحْيى بْنِ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ قالَ: إنَّ اللَّهَ أمَرَ مُوسى أنْ يَسِيرَ بِبَنِي إسْرائِيلَ، وقَدْ كانَ مُوسى وعَدَ بَنِي إسْرائِيلَ أنْ يَسِيرَ بِهِمْ إذا طَلَعَ القَمَرُ، فَدَعا اللَّهَ أنْ يُؤَخِّرَ طُلُوعَهُ حَتّى يَفْرُغَ، فَلَمّا سارَ مُوسى بِبَنِي (p-٢٥٠)إسْرائِيلَ، أذَّنَ فِرْعَوْنُ في النّاسِ: ﴿إنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ قالَ: خَرَجَ مُوسى مِن مِصْرَ ومَعَهُ سِتُّمِائَةِ ألْفٍ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، لا يَعُدُّونَ فِيهِمْ أقَلَّ مِنَ ابْنِ عِشْرِينَ ولا ابْنَ أكْثَرَ مِن أرْبَعِينَ سَنَةً، فَقالَ: ﴿إنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ﴾ وخَرَجَ فِرْعَوْنُ عَلى فَرَسٍ حِصانٍ أدْهَمَ ومَعَهُ ثَمانِمِائَةِ ألْفٍ عَلى خَيْلٍ دُهْمٍ سِوى ألْوانِ الخَيْلِ، وكانَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى فَرَسٍ أُنْثى يَسِيرُ بَيْنَ يَدَيِ القَوْمِ ويَقُولُ: لَيْسَ القَوْمُ بِأحَقَّ بِالطَّرِيقِ مِنكم. وفِرْعَوْنُ عَلى فَرَسٍ أدْهَمَ حِصانٍ، وجِبْرِيلُ عَلى فَرَسٍ أُنْثى، فَأتْبَعَها فَرَسُ فِرْعَوْنَ، وكانَ مِيكائِيلُ في آخِرِ القَوْمِ يَقُولُ: الحَقُوا، الحَقُوا أصْحابَكم. حَتّى دَخَلَ آخِرُهُمْ، وأرادَ أوَّلُهم أنْ يَخْرُجَ، فَأطْبَقَ عَلَيْهِمُ البَحْرُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ قالَ: لَمّا أرادَ مُوسى أنْ يَخْرُجَ بِبَنِي إسْرائِيلَ مِن مِصْرَ بَلَغَ ذَلِكَ فِرْعَوْنَ فَقالَ: أمْهِلُوهم حَتّى إذا صاحَ الدِّيكُ فَأْتُوهم. فَلَمْ يَصِحْ في تِلْكَ اللَّيْلَةِ دِيكٌ، فَخَرَجَ مُوسى بِبَنِي إسْرائِيلَ، وغَدا فِرْعَوْنُ، فَلَمّا أصْبَحَ فِرْعَوْنُ أمَرَ بِشاةٍ، فَأُتِيَ بِها، فَأمَرَ بِها أنْ تُذْبَحَ، ثُمَّ قالَ: لا يُفْرَغُ مِن سَلْخِها حَتّى يَجْتَمِعَ عِنْدِي خَمْسُمِائَةِ ألْفِ فارِسٍ. فاجْتَمَعُوا إلَيْهِ، (p-٢٥١)فَأتْبَعَهُمْ، فَلَمّا انْتَهى مُوسى إلى البَحْرِ قالَ لَهُ وصِيُّهُ: يا نَبِيَّ اللَّهِ، أيْنَ أُمِرْتَ؟ قالَ: هَهُنا في البَحْرِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانَ طَلائِعُ فِرْعَوْنَ الَّذِينَ بَعَثَهم في أثَرِهِمْ سِتَّمِائَةِ ألْفٍ، لَيْسَ فِيهِمْ أحَدٌ إلّا عَلى بَهِيمٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانَتْ سِيما خَيْلِ فِرْعَوْنَ الخِرَقَ البِيضَ في أصْداغِها، وكانَتْ جَرِيدَتُهُ مِائَةَ ألْفِ حِصانٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ كَعْبِ الأحْبارِ قالَ: اجْتَمَعَ آلُ يَعْقُوبَ إلى يُوسُفَ، وهم سِتَّةٌ وثَمانُونَ إنْسانًا، ذَكَرُهم وأُنْثاهُمْ، فَخَرَجَ بِهِمْ مُوسى يَوْمَ خَرَجَ وهم سِتُّمِائَةِ ألْفٍ ونَيِّفٌ، وخَرَجَ فِرْعَوْنُ عَلى أثَرِهِمْ يَطْلُبُهم عَلى فَرَسٍ أدْهَمَ، عَلى لَوْنِهِ مِنَ الدُّهْمِ ثَمانُمِائَةِ ألْفٍ أدْهَمَ سِوى ألْوانِ الخَيْلِ، وجالَتِ الرِّيحُ الشَّمالُ، وتَحْتَ جِبْرِيلَ فَرَسٌ ودِيقٌ، ومِيكائِيلُ يَسُوقُهم لا يَشِذُّ مِنهم شاذَّةٌ إلّا ضَمَّهُ، فَقالَ القَوْمُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، قَدْ كُنّا نَلْقى مِنَ التَّعْسِ والعَذابِ ما (p-٢٥٢)نَلْقى، فَكَيْفَ إذْ صَنَعْنا ما صَنَعْنا، فَأيْنَ المَلْجَأُ؟ قالَ: البَحْرُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أنَّهُ قَرَأ: ﴿وإنّا لَجَمِيعٌ حاذِرُونَ﴾ قالَ: مُؤْدُونَ مُقْوُونَ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الأُسُودِ بْنِ يَزِيدَ، أنَّهُ كانَ يَقْرَؤُها: ﴿وإنّا لَجَمِيعٌ حاذِرُونَ﴾ قالَ: مُؤْدُونَ مُقْوُونَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنِ الأسْوَدِ، أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ: ﴿وإنّا لَجَمِيعٌ حاذِرُونَ﴾ يَقُولُ: وادُّونَ مُسْتَعِدُّونَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ (p-٢٥٣)جُبَيْرٍ، أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ: ﴿وإنّا لَجَمِيعٌ حاذِرُونَ﴾ يَقُولُ: مُؤْدُونَ في السِّلاحِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينارٍ قالَ: قَرَأ عُبَيْدٌ: ﴿وإنّا لَجَمِيعٌ حاذِرُونَ﴾ . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الضَّحّاكِ: ﴿وإنّا لَجَمِيعٌ حاذِرُونَ﴾ يَعْنِي شاكِينَ في السِّلاحِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: ﴿وإنّا لَجَمِيعٌ حاذِرُونَ﴾ قالَ: مُؤْدُونَ مُقْوُونَ في السِّلاحِ والكُراعِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ إبْراهِيمَ، أنَّهُ كانَ يَقْرَؤُها: ﴿وإنّا لَجَمِيعٌ حاذِرُونَ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ الأنْبارِيِّ في ”الوَقْفِ“، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أنَّ نافِعَ بْنَ الأزْرَقِ قالَ لَهُ: أخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِهِ: ﴿وإنّا لَجَمِيعٌ حاذِرُونَ﴾ ما الحاذِرُونَ؟ قالَ: التّامُّونَ السِّلاحَ. قالَ فِيهِ النَّجاشِيُّ: ؎لَعَمْرُ أبِي أُثالٍ حَيْثُ أمْسى لَقَدْ نادَتْ بِهِ أبْناءُ بَكْرِ ؎(p-٢٥٤)حَنِيفَةُ في كَتائِبَ حاذِراتٌ ∗∗∗ يَقُودُهُمُ أبُو شِبْلٍ هِزَبْرِ وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ: ﴿فَأخْرَجْناهم مِن جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ ﴿وكُنُوزٍ ومَقامٍ كَرِيمٍ﴾ قالَ: كانُوا في ذَلِكَ في الدُّنْيا، فَأخْرَجَهُمُ اللَّهُ مِن ذَلِكَ وأوْرَثَها بَنِي إسْرائِيلَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ومَقامٍ كَرِيمٍ﴾ قالَ: المَنابِرُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿فَأتْبَعُوهم مُشْرِقِينَ﴾ قالَ: أتْبَعَهم فِرْعَوْنُ وجُنُودُهُ حِينَ أشْرَقَتِ الشَّمْسُ، ﴿قالَ أصْحابُ مُوسى إنّا لَمُدْرَكُونَ﴾ قالَ مُوسى، وكانَ أعْلَمَهم بِاللَّهِ: ﴿كَلا إنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ عاصِمٍ، أنَّهُ قَرَأ: ﴿فَأتْبَعُوهم مُشْرِقِينَ﴾ مَهْمُوزَةً مَقْطُوعَةَ الألِفِ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ: ﴿فَأتْبَعُوهم مُشْرِقِينَ﴾ قالَ: خَرَجَ مُوسى لَيْلًا (p-٢٥٥)فَكَسَفَ القَمَرُ لَيْلًا، وأظْلَمَتِ الأرْضُ، فَقالَ أصْحابُهُ: إنَّ يُوسُفَ كانَ أخْبَرَنا أنا سَنُنَجّى مِن فِرْعَوْنَ، وأخَذَ عَلَيْنا العَهْدَ لَنَخْرُجَنَّ بِعِظامِهِ مَعَنا، فَخَرَجَ مُوسى مِن لَيْلَتِهِ يَسْألُ عَنْ قَبْرِهِ، فَوَجَدَ عَجُوزًا بَيْتُها عَلى قَبْرِهِ، فَأخْرَجَتْهُ لَهُ بِحُكْمِها، فَكانَ حُكْمُها أنْ قالَتْ لَهُ: احْمِلْنِي فَأخْرِجْنِي مَعَكَ. فَجَعَلَ عِظامَ يُوسُفَ في كِسائِهِ، ثُمَّ حَمَلَ العَجُوزَ عَلى كِسائِهِ، فَجَعَلَهُ عَلى رَقَبَتِهِ، وخَيْلُ فِرْعَوْنَ في مِلْءِ أعِنَّتِها خُضْرًا في أعْيُنِهِمْ ولا تَبْرَحُ؛ حُبِسَتْ عَنْ مُوسى وأصْحابِهِ حَتّى بَرَزُوا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ خُلَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ العَصَرِيِّ، أنَّ مُؤْمِنَ آلِ فِرْعَوْنَ كانَ أمامَ القَوْمِ قالَ: يا نَبِيَّ اللَّهِ، أيْنَ أُمِرْتَ؟ قالَ: أمامَكَ. قالَ: وهَلْ أمامِي إلّا البَحْرُ؟ قالَ: واللَّهِ ما كَذَبْتُ ولا كُذِبْتُ. ثُمَّ سارَ ساعَةً فَقالَ مِثْلَ ذَلِكَ، فَرَدَّ عَلَيْهِ مُوسى مِثْلَ ذَلِكَ، قالَ مُوسى، وكانَ أعْلَمَ القَوْمِ بِاللَّهِ: (p-٢٥٦)﴿كَلا إنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ .

الشعراء 26:60

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأوْحَيْنا إلى مُوسى أنْ أسْرِ بِعِبادِي﴾ الآياتِ. أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ قالَ: ثُمَّ إنَّ اللَّهَ أمَرَ مُوسى أنْ يَخْرُجَ بِبَنِي إسْرائِيلَ فَقالَ: فَأسْرِ بِعِبادِي لَيْلًا. فَأمَرَ مُوسى بَنِي إسْرائِيلَ أنْ يَخْرُجُوا، وأمَرَهم أنْ يَسْتَعِيرُوا الحَلْيَ مِنَ القِبْطِ، وأمَرَ ألّا يُنادِيَ أحَدٌ مِنهم صاحِبَهُ، وأنْ يُسْرِجُوا في بُيُوتِهِمْ حَتّى الصُّبْحِ، وألّا يُنادِيَ إنْسانٌ مِنهم صاحِبَهُ، وأنَّ مَن خَرَجَ يُلَطِّخُ أمامَ بابِهِ بِكَفٍّ مِن دَمٍ حَتّى يُعْلَمَ أنَّهُ قَدْ خَرَجَ، وإنَّ اللَّهَ قَدْ أخْرَجَ كُلَّ ولَدِ زِنًى (p-٢٤٦)فِي القِبْطِ مِن بَنِي إسْرائِيلَ إلى بَنِي إسْرائِيلَ، وأخْرَجَ كُلَّ ولَدِ زِنًى في بَنِي إسْرائِيلَ مِنَ القِبْطِ إلى القِبْطِ حَتّى أتَوْا آباءَهم. ثُمَّ خَرَجَ مُوسى بِبَنِي إسْرائِيلَ لَيْلًا والقِبْطُ لا يَعْلَمُونَ، وأُلْقِيَ عَلى القِبْطِ المَوْتُ، فَماتَ كُلُّ بِكْرٍ رَجُلٍ مِنهُمْ، فَأصْبَحُوا يَدْفِنُونَهُمْ، فَشُغِلُوا عَنْ طَلَبِهِمْ حَتّى طَلَعَتِ الشَّمْسُ، وخَرَجَ مُوسى في سِتِّمِائَةِ ألْفٍ وعِشْرِينَ ألْفًا، لا يَعُدُّونَ ابْنَ عِشْرِينَ لِصِغَرِهِ، ولا ابْنَ سِتِّينَ لِكِبَرِهِ، وإنَّما عَدُّوا ما بَيْنَ ذَلِكَ سِوى الذُّرِّيَّةِ. وتَبِعَهم فِرْعَوْنُ، عَلى مُقَدِّمَتِهِ هامانُ في ألْفِ ألْفٍ وسَبْعِمِائَةِ ألْفِ حِصانٍ، فِيها ماذِيانَةٌ، وذَلِكَ حِينَ يَقُولُ اللَّهُ: ﴿فَأرْسَلَ فِرْعَوْنُ في المَدائِنِ حاشِرِينَ﴾ ﴿إنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ﴾ فَكانَ مُوسى عَلى ساقَةِ بَنِي إسْرائِيلَ، وكانَ هارُونُ أمامَهم يَقْدُمُهُمْ، فَقالَ المُؤْمِنُ لِمُوسى: يا نَبِيَّ اللَّهِ، أيْنَ أُمِرْتَ؟ قالَ: البَحْرَ. فَأرادَ أنْ يَقْحُمَ فَمَنَعَهُ مُوسى. فَنَظَرَتْ بَنُو إسْرائِيلَ إلى فِرْعَوْنَ قَدْ رَدِفَهم قالُوا: يا مُوسى، ﴿إنّا لَمُدْرَكُونَ﴾ قالَ مُوسى: ﴿كَلا إنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ يَقُولُ: سَيَكْفِينِي. فَتَقَدَّمَ هارُونُ فَضَرَبَ البَحْرَ، فَأبى البَحْرُ أنْ يَنْفَتِحَ، وقالَ: مَن هَذا الجَبّارُ الَّذِي يَضْرِبُنِي؟ حَتّى أتاهُ مُوسى، فَكَناهُ أبا خالِدٍ، وضَرَبَهُ ﴿فانْفَلَقَ فَكانَ كُلُّ فِرْقٍ كالطَّوْدِ العَظِيمِ﴾ [الشعراء: ٦٣] يَقُولُ: كالجَبَلِ العَظِيمِ، فَدَخَلَتْ بَنُو إسْرائِيلَ، (p-٢٤٧)وكانَ في البَحْرِ اثْنا عَشَرَ طَرِيقًا، في كُلِّ طَرِيقٍ سِبْطٌ، وكانَتِ الطُّرُقُ إذا انْفَلَقَتْ بِجُدْرانٍ، فَقالَ كُلُّ سِبْطٍ: قَدْ قُتِلَ أصْحابُنا. فَلَمّا رَأى ذَلِكَ مُوسى دَعا اللَّهَ، فَجَعَلَها لَهم قَناطِرَ كَهَيْئَةِ الطِّيقانِ، يَنْظُرُ آخِرُهم إلى أوَّلِهِمْ حَتّى خَرَجُوا جَمِيعًا، ثُمَّ دَنا فِرْعَوْنُ وأصْحابُهُ، فَلَمّا نَظَرَ فِرْعَوْنُ إلى البَحْرِ مُنْفَلِقًا قالَ: ألا تَرَوْنَ إلى البَحْرِ فَرِقَ مِنى فانْفَتَحَ لِي حَتّى أُدْرِكَ أعْدائِي فاقْتُلَهم. فَلَمّا قامَ فِرْعَوْنُ عَلى أفْواهِ الطُّرُقِ أبَتْ خَيْلُهُ أنْ تَقْتَحِمُ، فَنَزَلَ جِبْرِيلُ عَلى ماذِيانَةٍ، فَشامَّتِ الحُصُنُ رِيحَ الماذِيانَةَ، فاقْتَحَمَتْ في أثَرِها، حَتّى إذا هَمَّ أوَّلُهُمُ أنْ يَخْرُجَ ودَخَلَ آخِرُهُمْ، أُمِرَ البَحْرُ أنْ يَأْخُذَهُمْ، فالتَطَمَ عَلَيْهِمْ، وتَفَرَّدَ جِبْرِيلُ بِفِرْعَوْنَ بِمَقْلَةٍ مِن مَقْلِ البَحْرِ، فَجَعَلَ يَدُسُّها في فِيهِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ﴾ قالَ: ذُكِرَ لَنا أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ الَّذِينَ قَطَعَ بِهِمْ مُوسى البَحْرَ كانُوا سِتَّمِائَةِ ألْفٍ (p-٢٤٨)مُقاتِلٍ بَنِي عِشْرِينَ سَنَةً فَصاعِدًا، وأتْبَعَهم فِرْعَوْنُ عَلى ألْفِ ألْفِ حِصانٍ ومِائَتَيْ ألْفِ حِصانٍ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ﴾ قالَ: سِتُّمِائَةِ ألْفٍ وسَبْعُونَ ألْفًا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ، مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ﴾ قالَ: كانُوا سِتَّمِائَةِ ألْفٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿لَشِرْذِمَةٌ﴾ قالَ: قِطْعَةٌ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ: ﴿لَشِرْذِمَةٌ﴾ قالَ: الفَرِيدُ مِنَ النّاسِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««كانَ أصْحابُ مُوسى الَّذِينَ جاوَزُوا البَحْرَ اثْنَيْ عَشَرَ سِبْطًا، فَكانَ في كُلِّ طَرِيقٍ اثْنا عَشَرَ ألْفًا، كُلُّهم ولَدُ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ»» . وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ مُجاهِدٍ: ﴿إنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ﴾ (p-٢٤٩)قالَ: هم يَوْمَئِذٍ سِتُّمِائَةِ ألْفٍ، ولا يُحْصى عَدَدُ أصْحابِ فِرْعَوْنَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ، بِسَنَدٍ واهٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««كانَ فِرْعَوْنُ عَدُوَّ اللَّهِ حَيْثُ أغْرَقَهُ اللَّهُ هو وأصْحابَهُ في سَبْعِينَ قائِدًا، مَعَ كُلِّ قائِدٍ سَبْعُونَ ألْفًا، وكانَ مُوسى مَعَ سَبْعِينَ ألْفًا حِينَ عَبَرُوا البَحْرَ»» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قالَ: أوْحى اللَّهُ إلى مُوسى أنِ اجْمَعْ بَنِي إسْرائِيلَ، كُلَّ أرْبَعَةِ أبْياتٍ مِن بَنِي إسْرائِيلَ في بَيْتٍ، ثُمَّ اذْبَحْ أوْلادَ الضَّأْنِ فاضْرِبْ بِدِمائِها عَلى كُلِّ بابٍ، فَإنِّي سَآمُرُ المَلائِكَةَ ألّا تَدْخُلَ بَيْتًا عَلى بابِهِ دَمٌ، وسَآمُرُ المَلائِكَةَ فَتَقْتُلُ أبْكارَ آلِ فِرْعَوْنَ مِن أنْفُسِهِمْ وأهْلِيهِمْ، ثُمَّ اخْبِزُوا خُبْزًا فَطِيرًا، فَإنَّهُ أسْرَعُ لَكُمْ، ثُمَّ سِرْ حَتّى تَأْتِيَ البَحْرَ، ثُمَّ قِفْ حَتّى يَأْتِيَكَ أمْرِي. فَلَمّا أنْ أصْبَحَ فِرْعَوْنُ قالَ: هَذا عَمَلُ مُوسى وقَوْمِهِ، قَتَلُوا أبْكارَنا مِن أنْفُسِنا وأهْلِينا. وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ يَحْيى بْنِ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ قالَ: إنَّ اللَّهَ أمَرَ مُوسى أنْ يَسِيرَ بِبَنِي إسْرائِيلَ، وقَدْ كانَ مُوسى وعَدَ بَنِي إسْرائِيلَ أنْ يَسِيرَ بِهِمْ إذا طَلَعَ القَمَرُ، فَدَعا اللَّهَ أنْ يُؤَخِّرَ طُلُوعَهُ حَتّى يَفْرُغَ، فَلَمّا سارَ مُوسى بِبَنِي (p-٢٥٠)إسْرائِيلَ، أذَّنَ فِرْعَوْنُ في النّاسِ: ﴿إنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ قالَ: خَرَجَ مُوسى مِن مِصْرَ ومَعَهُ سِتُّمِائَةِ ألْفٍ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، لا يَعُدُّونَ فِيهِمْ أقَلَّ مِنَ ابْنِ عِشْرِينَ ولا ابْنَ أكْثَرَ مِن أرْبَعِينَ سَنَةً، فَقالَ: ﴿إنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ﴾ وخَرَجَ فِرْعَوْنُ عَلى فَرَسٍ حِصانٍ أدْهَمَ ومَعَهُ ثَمانِمِائَةِ ألْفٍ عَلى خَيْلٍ دُهْمٍ سِوى ألْوانِ الخَيْلِ، وكانَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى فَرَسٍ أُنْثى يَسِيرُ بَيْنَ يَدَيِ القَوْمِ ويَقُولُ: لَيْسَ القَوْمُ بِأحَقَّ بِالطَّرِيقِ مِنكم. وفِرْعَوْنُ عَلى فَرَسٍ أدْهَمَ حِصانٍ، وجِبْرِيلُ عَلى فَرَسٍ أُنْثى، فَأتْبَعَها فَرَسُ فِرْعَوْنَ، وكانَ مِيكائِيلُ في آخِرِ القَوْمِ يَقُولُ: الحَقُوا، الحَقُوا أصْحابَكم. حَتّى دَخَلَ آخِرُهُمْ، وأرادَ أوَّلُهم أنْ يَخْرُجَ، فَأطْبَقَ عَلَيْهِمُ البَحْرُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ قالَ: لَمّا أرادَ مُوسى أنْ يَخْرُجَ بِبَنِي إسْرائِيلَ مِن مِصْرَ بَلَغَ ذَلِكَ فِرْعَوْنَ فَقالَ: أمْهِلُوهم حَتّى إذا صاحَ الدِّيكُ فَأْتُوهم. فَلَمْ يَصِحْ في تِلْكَ اللَّيْلَةِ دِيكٌ، فَخَرَجَ مُوسى بِبَنِي إسْرائِيلَ، وغَدا فِرْعَوْنُ، فَلَمّا أصْبَحَ فِرْعَوْنُ أمَرَ بِشاةٍ، فَأُتِيَ بِها، فَأمَرَ بِها أنْ تُذْبَحَ، ثُمَّ قالَ: لا يُفْرَغُ مِن سَلْخِها حَتّى يَجْتَمِعَ عِنْدِي خَمْسُمِائَةِ ألْفِ فارِسٍ. فاجْتَمَعُوا إلَيْهِ، (p-٢٥١)فَأتْبَعَهُمْ، فَلَمّا انْتَهى مُوسى إلى البَحْرِ قالَ لَهُ وصِيُّهُ: يا نَبِيَّ اللَّهِ، أيْنَ أُمِرْتَ؟ قالَ: هَهُنا في البَحْرِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانَ طَلائِعُ فِرْعَوْنَ الَّذِينَ بَعَثَهم في أثَرِهِمْ سِتَّمِائَةِ ألْفٍ، لَيْسَ فِيهِمْ أحَدٌ إلّا عَلى بَهِيمٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانَتْ سِيما خَيْلِ فِرْعَوْنَ الخِرَقَ البِيضَ في أصْداغِها، وكانَتْ جَرِيدَتُهُ مِائَةَ ألْفِ حِصانٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ كَعْبِ الأحْبارِ قالَ: اجْتَمَعَ آلُ يَعْقُوبَ إلى يُوسُفَ، وهم سِتَّةٌ وثَمانُونَ إنْسانًا، ذَكَرُهم وأُنْثاهُمْ، فَخَرَجَ بِهِمْ مُوسى يَوْمَ خَرَجَ وهم سِتُّمِائَةِ ألْفٍ ونَيِّفٌ، وخَرَجَ فِرْعَوْنُ عَلى أثَرِهِمْ يَطْلُبُهم عَلى فَرَسٍ أدْهَمَ، عَلى لَوْنِهِ مِنَ الدُّهْمِ ثَمانُمِائَةِ ألْفٍ أدْهَمَ سِوى ألْوانِ الخَيْلِ، وجالَتِ الرِّيحُ الشَّمالُ، وتَحْتَ جِبْرِيلَ فَرَسٌ ودِيقٌ، ومِيكائِيلُ يَسُوقُهم لا يَشِذُّ مِنهم شاذَّةٌ إلّا ضَمَّهُ، فَقالَ القَوْمُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، قَدْ كُنّا نَلْقى مِنَ التَّعْسِ والعَذابِ ما (p-٢٥٢)نَلْقى، فَكَيْفَ إذْ صَنَعْنا ما صَنَعْنا، فَأيْنَ المَلْجَأُ؟ قالَ: البَحْرُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أنَّهُ قَرَأ: ﴿وإنّا لَجَمِيعٌ حاذِرُونَ﴾ قالَ: مُؤْدُونَ مُقْوُونَ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الأُسُودِ بْنِ يَزِيدَ، أنَّهُ كانَ يَقْرَؤُها: ﴿وإنّا لَجَمِيعٌ حاذِرُونَ﴾ قالَ: مُؤْدُونَ مُقْوُونَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنِ الأسْوَدِ، أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ: ﴿وإنّا لَجَمِيعٌ حاذِرُونَ﴾ يَقُولُ: وادُّونَ مُسْتَعِدُّونَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ (p-٢٥٣)جُبَيْرٍ، أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ: ﴿وإنّا لَجَمِيعٌ حاذِرُونَ﴾ يَقُولُ: مُؤْدُونَ في السِّلاحِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينارٍ قالَ: قَرَأ عُبَيْدٌ: ﴿وإنّا لَجَمِيعٌ حاذِرُونَ﴾ . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الضَّحّاكِ: ﴿وإنّا لَجَمِيعٌ حاذِرُونَ﴾ يَعْنِي شاكِينَ في السِّلاحِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: ﴿وإنّا لَجَمِيعٌ حاذِرُونَ﴾ قالَ: مُؤْدُونَ مُقْوُونَ في السِّلاحِ والكُراعِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ إبْراهِيمَ، أنَّهُ كانَ يَقْرَؤُها: ﴿وإنّا لَجَمِيعٌ حاذِرُونَ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ الأنْبارِيِّ في ”الوَقْفِ“، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أنَّ نافِعَ بْنَ الأزْرَقِ قالَ لَهُ: أخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِهِ: ﴿وإنّا لَجَمِيعٌ حاذِرُونَ﴾ ما الحاذِرُونَ؟ قالَ: التّامُّونَ السِّلاحَ. قالَ فِيهِ النَّجاشِيُّ: ؎لَعَمْرُ أبِي أُثالٍ حَيْثُ أمْسى لَقَدْ نادَتْ بِهِ أبْناءُ بَكْرِ ؎(p-٢٥٤)حَنِيفَةُ في كَتائِبَ حاذِراتٌ ∗∗∗ يَقُودُهُمُ أبُو شِبْلٍ هِزَبْرِ وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ: ﴿فَأخْرَجْناهم مِن جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ ﴿وكُنُوزٍ ومَقامٍ كَرِيمٍ﴾ قالَ: كانُوا في ذَلِكَ في الدُّنْيا، فَأخْرَجَهُمُ اللَّهُ مِن ذَلِكَ وأوْرَثَها بَنِي إسْرائِيلَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ومَقامٍ كَرِيمٍ﴾ قالَ: المَنابِرُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿فَأتْبَعُوهم مُشْرِقِينَ﴾ قالَ: أتْبَعَهم فِرْعَوْنُ وجُنُودُهُ حِينَ أشْرَقَتِ الشَّمْسُ، ﴿قالَ أصْحابُ مُوسى إنّا لَمُدْرَكُونَ﴾ قالَ مُوسى، وكانَ أعْلَمَهم بِاللَّهِ: ﴿كَلا إنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ عاصِمٍ، أنَّهُ قَرَأ: ﴿فَأتْبَعُوهم مُشْرِقِينَ﴾ مَهْمُوزَةً مَقْطُوعَةَ الألِفِ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ: ﴿فَأتْبَعُوهم مُشْرِقِينَ﴾ قالَ: خَرَجَ مُوسى لَيْلًا (p-٢٥٥)فَكَسَفَ القَمَرُ لَيْلًا، وأظْلَمَتِ الأرْضُ، فَقالَ أصْحابُهُ: إنَّ يُوسُفَ كانَ أخْبَرَنا أنا سَنُنَجّى مِن فِرْعَوْنَ، وأخَذَ عَلَيْنا العَهْدَ لَنَخْرُجَنَّ بِعِظامِهِ مَعَنا، فَخَرَجَ مُوسى مِن لَيْلَتِهِ يَسْألُ عَنْ قَبْرِهِ، فَوَجَدَ عَجُوزًا بَيْتُها عَلى قَبْرِهِ، فَأخْرَجَتْهُ لَهُ بِحُكْمِها، فَكانَ حُكْمُها أنْ قالَتْ لَهُ: احْمِلْنِي فَأخْرِجْنِي مَعَكَ. فَجَعَلَ عِظامَ يُوسُفَ في كِسائِهِ، ثُمَّ حَمَلَ العَجُوزَ عَلى كِسائِهِ، فَجَعَلَهُ عَلى رَقَبَتِهِ، وخَيْلُ فِرْعَوْنَ في مِلْءِ أعِنَّتِها خُضْرًا في أعْيُنِهِمْ ولا تَبْرَحُ؛ حُبِسَتْ عَنْ مُوسى وأصْحابِهِ حَتّى بَرَزُوا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ خُلَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ العَصَرِيِّ، أنَّ مُؤْمِنَ آلِ فِرْعَوْنَ كانَ أمامَ القَوْمِ قالَ: يا نَبِيَّ اللَّهِ، أيْنَ أُمِرْتَ؟ قالَ: أمامَكَ. قالَ: وهَلْ أمامِي إلّا البَحْرُ؟ قالَ: واللَّهِ ما كَذَبْتُ ولا كُذِبْتُ. ثُمَّ سارَ ساعَةً فَقالَ مِثْلَ ذَلِكَ، فَرَدَّ عَلَيْهِ مُوسى مِثْلَ ذَلِكَ، قالَ مُوسى، وكانَ أعْلَمَ القَوْمِ بِاللَّهِ: (p-٢٥٦)﴿كَلا إنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ .

الشعراء 26:61

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأوْحَيْنا إلى مُوسى أنْ أسْرِ بِعِبادِي﴾ الآياتِ. أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ قالَ: ثُمَّ إنَّ اللَّهَ أمَرَ مُوسى أنْ يَخْرُجَ بِبَنِي إسْرائِيلَ فَقالَ: فَأسْرِ بِعِبادِي لَيْلًا. فَأمَرَ مُوسى بَنِي إسْرائِيلَ أنْ يَخْرُجُوا، وأمَرَهم أنْ يَسْتَعِيرُوا الحَلْيَ مِنَ القِبْطِ، وأمَرَ ألّا يُنادِيَ أحَدٌ مِنهم صاحِبَهُ، وأنْ يُسْرِجُوا في بُيُوتِهِمْ حَتّى الصُّبْحِ، وألّا يُنادِيَ إنْسانٌ مِنهم صاحِبَهُ، وأنَّ مَن خَرَجَ يُلَطِّخُ أمامَ بابِهِ بِكَفٍّ مِن دَمٍ حَتّى يُعْلَمَ أنَّهُ قَدْ خَرَجَ، وإنَّ اللَّهَ قَدْ أخْرَجَ كُلَّ ولَدِ زِنًى (p-٢٤٦)فِي القِبْطِ مِن بَنِي إسْرائِيلَ إلى بَنِي إسْرائِيلَ، وأخْرَجَ كُلَّ ولَدِ زِنًى في بَنِي إسْرائِيلَ مِنَ القِبْطِ إلى القِبْطِ حَتّى أتَوْا آباءَهم. ثُمَّ خَرَجَ مُوسى بِبَنِي إسْرائِيلَ لَيْلًا والقِبْطُ لا يَعْلَمُونَ، وأُلْقِيَ عَلى القِبْطِ المَوْتُ، فَماتَ كُلُّ بِكْرٍ رَجُلٍ مِنهُمْ، فَأصْبَحُوا يَدْفِنُونَهُمْ، فَشُغِلُوا عَنْ طَلَبِهِمْ حَتّى طَلَعَتِ الشَّمْسُ، وخَرَجَ مُوسى في سِتِّمِائَةِ ألْفٍ وعِشْرِينَ ألْفًا، لا يَعُدُّونَ ابْنَ عِشْرِينَ لِصِغَرِهِ، ولا ابْنَ سِتِّينَ لِكِبَرِهِ، وإنَّما عَدُّوا ما بَيْنَ ذَلِكَ سِوى الذُّرِّيَّةِ. وتَبِعَهم فِرْعَوْنُ، عَلى مُقَدِّمَتِهِ هامانُ في ألْفِ ألْفٍ وسَبْعِمِائَةِ ألْفِ حِصانٍ، فِيها ماذِيانَةٌ، وذَلِكَ حِينَ يَقُولُ اللَّهُ: ﴿فَأرْسَلَ فِرْعَوْنُ في المَدائِنِ حاشِرِينَ﴾ ﴿إنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ﴾ فَكانَ مُوسى عَلى ساقَةِ بَنِي إسْرائِيلَ، وكانَ هارُونُ أمامَهم يَقْدُمُهُمْ، فَقالَ المُؤْمِنُ لِمُوسى: يا نَبِيَّ اللَّهِ، أيْنَ أُمِرْتَ؟ قالَ: البَحْرَ. فَأرادَ أنْ يَقْحُمَ فَمَنَعَهُ مُوسى. فَنَظَرَتْ بَنُو إسْرائِيلَ إلى فِرْعَوْنَ قَدْ رَدِفَهم قالُوا: يا مُوسى، ﴿إنّا لَمُدْرَكُونَ﴾ قالَ مُوسى: ﴿كَلا إنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ يَقُولُ: سَيَكْفِينِي. فَتَقَدَّمَ هارُونُ فَضَرَبَ البَحْرَ، فَأبى البَحْرُ أنْ يَنْفَتِحَ، وقالَ: مَن هَذا الجَبّارُ الَّذِي يَضْرِبُنِي؟ حَتّى أتاهُ مُوسى، فَكَناهُ أبا خالِدٍ، وضَرَبَهُ ﴿فانْفَلَقَ فَكانَ كُلُّ فِرْقٍ كالطَّوْدِ العَظِيمِ﴾ [الشعراء: ٦٣] يَقُولُ: كالجَبَلِ العَظِيمِ، فَدَخَلَتْ بَنُو إسْرائِيلَ، (p-٢٤٧)وكانَ في البَحْرِ اثْنا عَشَرَ طَرِيقًا، في كُلِّ طَرِيقٍ سِبْطٌ، وكانَتِ الطُّرُقُ إذا انْفَلَقَتْ بِجُدْرانٍ، فَقالَ كُلُّ سِبْطٍ: قَدْ قُتِلَ أصْحابُنا. فَلَمّا رَأى ذَلِكَ مُوسى دَعا اللَّهَ، فَجَعَلَها لَهم قَناطِرَ كَهَيْئَةِ الطِّيقانِ، يَنْظُرُ آخِرُهم إلى أوَّلِهِمْ حَتّى خَرَجُوا جَمِيعًا، ثُمَّ دَنا فِرْعَوْنُ وأصْحابُهُ، فَلَمّا نَظَرَ فِرْعَوْنُ إلى البَحْرِ مُنْفَلِقًا قالَ: ألا تَرَوْنَ إلى البَحْرِ فَرِقَ مِنى فانْفَتَحَ لِي حَتّى أُدْرِكَ أعْدائِي فاقْتُلَهم. فَلَمّا قامَ فِرْعَوْنُ عَلى أفْواهِ الطُّرُقِ أبَتْ خَيْلُهُ أنْ تَقْتَحِمُ، فَنَزَلَ جِبْرِيلُ عَلى ماذِيانَةٍ، فَشامَّتِ الحُصُنُ رِيحَ الماذِيانَةَ، فاقْتَحَمَتْ في أثَرِها، حَتّى إذا هَمَّ أوَّلُهُمُ أنْ يَخْرُجَ ودَخَلَ آخِرُهُمْ، أُمِرَ البَحْرُ أنْ يَأْخُذَهُمْ، فالتَطَمَ عَلَيْهِمْ، وتَفَرَّدَ جِبْرِيلُ بِفِرْعَوْنَ بِمَقْلَةٍ مِن مَقْلِ البَحْرِ، فَجَعَلَ يَدُسُّها في فِيهِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ﴾ قالَ: ذُكِرَ لَنا أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ الَّذِينَ قَطَعَ بِهِمْ مُوسى البَحْرَ كانُوا سِتَّمِائَةِ ألْفٍ (p-٢٤٨)مُقاتِلٍ بَنِي عِشْرِينَ سَنَةً فَصاعِدًا، وأتْبَعَهم فِرْعَوْنُ عَلى ألْفِ ألْفِ حِصانٍ ومِائَتَيْ ألْفِ حِصانٍ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ﴾ قالَ: سِتُّمِائَةِ ألْفٍ وسَبْعُونَ ألْفًا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ، مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ﴾ قالَ: كانُوا سِتَّمِائَةِ ألْفٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿لَشِرْذِمَةٌ﴾ قالَ: قِطْعَةٌ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ: ﴿لَشِرْذِمَةٌ﴾ قالَ: الفَرِيدُ مِنَ النّاسِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««كانَ أصْحابُ مُوسى الَّذِينَ جاوَزُوا البَحْرَ اثْنَيْ عَشَرَ سِبْطًا، فَكانَ في كُلِّ طَرِيقٍ اثْنا عَشَرَ ألْفًا، كُلُّهم ولَدُ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ»» . وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ مُجاهِدٍ: ﴿إنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ﴾ (p-٢٤٩)قالَ: هم يَوْمَئِذٍ سِتُّمِائَةِ ألْفٍ، ولا يُحْصى عَدَدُ أصْحابِ فِرْعَوْنَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ، بِسَنَدٍ واهٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««كانَ فِرْعَوْنُ عَدُوَّ اللَّهِ حَيْثُ أغْرَقَهُ اللَّهُ هو وأصْحابَهُ في سَبْعِينَ قائِدًا، مَعَ كُلِّ قائِدٍ سَبْعُونَ ألْفًا، وكانَ مُوسى مَعَ سَبْعِينَ ألْفًا حِينَ عَبَرُوا البَحْرَ»» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قالَ: أوْحى اللَّهُ إلى مُوسى أنِ اجْمَعْ بَنِي إسْرائِيلَ، كُلَّ أرْبَعَةِ أبْياتٍ مِن بَنِي إسْرائِيلَ في بَيْتٍ، ثُمَّ اذْبَحْ أوْلادَ الضَّأْنِ فاضْرِبْ بِدِمائِها عَلى كُلِّ بابٍ، فَإنِّي سَآمُرُ المَلائِكَةَ ألّا تَدْخُلَ بَيْتًا عَلى بابِهِ دَمٌ، وسَآمُرُ المَلائِكَةَ فَتَقْتُلُ أبْكارَ آلِ فِرْعَوْنَ مِن أنْفُسِهِمْ وأهْلِيهِمْ، ثُمَّ اخْبِزُوا خُبْزًا فَطِيرًا، فَإنَّهُ أسْرَعُ لَكُمْ، ثُمَّ سِرْ حَتّى تَأْتِيَ البَحْرَ، ثُمَّ قِفْ حَتّى يَأْتِيَكَ أمْرِي. فَلَمّا أنْ أصْبَحَ فِرْعَوْنُ قالَ: هَذا عَمَلُ مُوسى وقَوْمِهِ، قَتَلُوا أبْكارَنا مِن أنْفُسِنا وأهْلِينا. وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ يَحْيى بْنِ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ قالَ: إنَّ اللَّهَ أمَرَ مُوسى أنْ يَسِيرَ بِبَنِي إسْرائِيلَ، وقَدْ كانَ مُوسى وعَدَ بَنِي إسْرائِيلَ أنْ يَسِيرَ بِهِمْ إذا طَلَعَ القَمَرُ، فَدَعا اللَّهَ أنْ يُؤَخِّرَ طُلُوعَهُ حَتّى يَفْرُغَ، فَلَمّا سارَ مُوسى بِبَنِي (p-٢٥٠)إسْرائِيلَ، أذَّنَ فِرْعَوْنُ في النّاسِ: ﴿إنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ قالَ: خَرَجَ مُوسى مِن مِصْرَ ومَعَهُ سِتُّمِائَةِ ألْفٍ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، لا يَعُدُّونَ فِيهِمْ أقَلَّ مِنَ ابْنِ عِشْرِينَ ولا ابْنَ أكْثَرَ مِن أرْبَعِينَ سَنَةً، فَقالَ: ﴿إنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ﴾ وخَرَجَ فِرْعَوْنُ عَلى فَرَسٍ حِصانٍ أدْهَمَ ومَعَهُ ثَمانِمِائَةِ ألْفٍ عَلى خَيْلٍ دُهْمٍ سِوى ألْوانِ الخَيْلِ، وكانَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى فَرَسٍ أُنْثى يَسِيرُ بَيْنَ يَدَيِ القَوْمِ ويَقُولُ: لَيْسَ القَوْمُ بِأحَقَّ بِالطَّرِيقِ مِنكم. وفِرْعَوْنُ عَلى فَرَسٍ أدْهَمَ حِصانٍ، وجِبْرِيلُ عَلى فَرَسٍ أُنْثى، فَأتْبَعَها فَرَسُ فِرْعَوْنَ، وكانَ مِيكائِيلُ في آخِرِ القَوْمِ يَقُولُ: الحَقُوا، الحَقُوا أصْحابَكم. حَتّى دَخَلَ آخِرُهُمْ، وأرادَ أوَّلُهم أنْ يَخْرُجَ، فَأطْبَقَ عَلَيْهِمُ البَحْرُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ قالَ: لَمّا أرادَ مُوسى أنْ يَخْرُجَ بِبَنِي إسْرائِيلَ مِن مِصْرَ بَلَغَ ذَلِكَ فِرْعَوْنَ فَقالَ: أمْهِلُوهم حَتّى إذا صاحَ الدِّيكُ فَأْتُوهم. فَلَمْ يَصِحْ في تِلْكَ اللَّيْلَةِ دِيكٌ، فَخَرَجَ مُوسى بِبَنِي إسْرائِيلَ، وغَدا فِرْعَوْنُ، فَلَمّا أصْبَحَ فِرْعَوْنُ أمَرَ بِشاةٍ، فَأُتِيَ بِها، فَأمَرَ بِها أنْ تُذْبَحَ، ثُمَّ قالَ: لا يُفْرَغُ مِن سَلْخِها حَتّى يَجْتَمِعَ عِنْدِي خَمْسُمِائَةِ ألْفِ فارِسٍ. فاجْتَمَعُوا إلَيْهِ، (p-٢٥١)فَأتْبَعَهُمْ، فَلَمّا انْتَهى مُوسى إلى البَحْرِ قالَ لَهُ وصِيُّهُ: يا نَبِيَّ اللَّهِ، أيْنَ أُمِرْتَ؟ قالَ: هَهُنا في البَحْرِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانَ طَلائِعُ فِرْعَوْنَ الَّذِينَ بَعَثَهم في أثَرِهِمْ سِتَّمِائَةِ ألْفٍ، لَيْسَ فِيهِمْ أحَدٌ إلّا عَلى بَهِيمٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانَتْ سِيما خَيْلِ فِرْعَوْنَ الخِرَقَ البِيضَ في أصْداغِها، وكانَتْ جَرِيدَتُهُ مِائَةَ ألْفِ حِصانٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ كَعْبِ الأحْبارِ قالَ: اجْتَمَعَ آلُ يَعْقُوبَ إلى يُوسُفَ، وهم سِتَّةٌ وثَمانُونَ إنْسانًا، ذَكَرُهم وأُنْثاهُمْ، فَخَرَجَ بِهِمْ مُوسى يَوْمَ خَرَجَ وهم سِتُّمِائَةِ ألْفٍ ونَيِّفٌ، وخَرَجَ فِرْعَوْنُ عَلى أثَرِهِمْ يَطْلُبُهم عَلى فَرَسٍ أدْهَمَ، عَلى لَوْنِهِ مِنَ الدُّهْمِ ثَمانُمِائَةِ ألْفٍ أدْهَمَ سِوى ألْوانِ الخَيْلِ، وجالَتِ الرِّيحُ الشَّمالُ، وتَحْتَ جِبْرِيلَ فَرَسٌ ودِيقٌ، ومِيكائِيلُ يَسُوقُهم لا يَشِذُّ مِنهم شاذَّةٌ إلّا ضَمَّهُ، فَقالَ القَوْمُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، قَدْ كُنّا نَلْقى مِنَ التَّعْسِ والعَذابِ ما (p-٢٥٢)نَلْقى، فَكَيْفَ إذْ صَنَعْنا ما صَنَعْنا، فَأيْنَ المَلْجَأُ؟ قالَ: البَحْرُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أنَّهُ قَرَأ: ﴿وإنّا لَجَمِيعٌ حاذِرُونَ﴾ قالَ: مُؤْدُونَ مُقْوُونَ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الأُسُودِ بْنِ يَزِيدَ، أنَّهُ كانَ يَقْرَؤُها: ﴿وإنّا لَجَمِيعٌ حاذِرُونَ﴾ قالَ: مُؤْدُونَ مُقْوُونَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنِ الأسْوَدِ، أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ: ﴿وإنّا لَجَمِيعٌ حاذِرُونَ﴾ يَقُولُ: وادُّونَ مُسْتَعِدُّونَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ (p-٢٥٣)جُبَيْرٍ، أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ: ﴿وإنّا لَجَمِيعٌ حاذِرُونَ﴾ يَقُولُ: مُؤْدُونَ في السِّلاحِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينارٍ قالَ: قَرَأ عُبَيْدٌ: ﴿وإنّا لَجَمِيعٌ حاذِرُونَ﴾ . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الضَّحّاكِ: ﴿وإنّا لَجَمِيعٌ حاذِرُونَ﴾ يَعْنِي شاكِينَ في السِّلاحِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: ﴿وإنّا لَجَمِيعٌ حاذِرُونَ﴾ قالَ: مُؤْدُونَ مُقْوُونَ في السِّلاحِ والكُراعِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ إبْراهِيمَ، أنَّهُ كانَ يَقْرَؤُها: ﴿وإنّا لَجَمِيعٌ حاذِرُونَ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ الأنْبارِيِّ في ”الوَقْفِ“، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أنَّ نافِعَ بْنَ الأزْرَقِ قالَ لَهُ: أخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِهِ: ﴿وإنّا لَجَمِيعٌ حاذِرُونَ﴾ ما الحاذِرُونَ؟ قالَ: التّامُّونَ السِّلاحَ. قالَ فِيهِ النَّجاشِيُّ: ؎لَعَمْرُ أبِي أُثالٍ حَيْثُ أمْسى لَقَدْ نادَتْ بِهِ أبْناءُ بَكْرِ ؎(p-٢٥٤)حَنِيفَةُ في كَتائِبَ حاذِراتٌ ∗∗∗ يَقُودُهُمُ أبُو شِبْلٍ هِزَبْرِ وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ: ﴿فَأخْرَجْناهم مِن جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ ﴿وكُنُوزٍ ومَقامٍ كَرِيمٍ﴾ قالَ: كانُوا في ذَلِكَ في الدُّنْيا، فَأخْرَجَهُمُ اللَّهُ مِن ذَلِكَ وأوْرَثَها بَنِي إسْرائِيلَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ومَقامٍ كَرِيمٍ﴾ قالَ: المَنابِرُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿فَأتْبَعُوهم مُشْرِقِينَ﴾ قالَ: أتْبَعَهم فِرْعَوْنُ وجُنُودُهُ حِينَ أشْرَقَتِ الشَّمْسُ، ﴿قالَ أصْحابُ مُوسى إنّا لَمُدْرَكُونَ﴾ قالَ مُوسى، وكانَ أعْلَمَهم بِاللَّهِ: ﴿كَلا إنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ عاصِمٍ، أنَّهُ قَرَأ: ﴿فَأتْبَعُوهم مُشْرِقِينَ﴾ مَهْمُوزَةً مَقْطُوعَةَ الألِفِ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ: ﴿فَأتْبَعُوهم مُشْرِقِينَ﴾ قالَ: خَرَجَ مُوسى لَيْلًا (p-٢٥٥)فَكَسَفَ القَمَرُ لَيْلًا، وأظْلَمَتِ الأرْضُ، فَقالَ أصْحابُهُ: إنَّ يُوسُفَ كانَ أخْبَرَنا أنا سَنُنَجّى مِن فِرْعَوْنَ، وأخَذَ عَلَيْنا العَهْدَ لَنَخْرُجَنَّ بِعِظامِهِ مَعَنا، فَخَرَجَ مُوسى مِن لَيْلَتِهِ يَسْألُ عَنْ قَبْرِهِ، فَوَجَدَ عَجُوزًا بَيْتُها عَلى قَبْرِهِ، فَأخْرَجَتْهُ لَهُ بِحُكْمِها، فَكانَ حُكْمُها أنْ قالَتْ لَهُ: احْمِلْنِي فَأخْرِجْنِي مَعَكَ. فَجَعَلَ عِظامَ يُوسُفَ في كِسائِهِ، ثُمَّ حَمَلَ العَجُوزَ عَلى كِسائِهِ، فَجَعَلَهُ عَلى رَقَبَتِهِ، وخَيْلُ فِرْعَوْنَ في مِلْءِ أعِنَّتِها خُضْرًا في أعْيُنِهِمْ ولا تَبْرَحُ؛ حُبِسَتْ عَنْ مُوسى وأصْحابِهِ حَتّى بَرَزُوا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ خُلَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ العَصَرِيِّ، أنَّ مُؤْمِنَ آلِ فِرْعَوْنَ كانَ أمامَ القَوْمِ قالَ: يا نَبِيَّ اللَّهِ، أيْنَ أُمِرْتَ؟ قالَ: أمامَكَ. قالَ: وهَلْ أمامِي إلّا البَحْرُ؟ قالَ: واللَّهِ ما كَذَبْتُ ولا كُذِبْتُ. ثُمَّ سارَ ساعَةً فَقالَ مِثْلَ ذَلِكَ، فَرَدَّ عَلَيْهِ مُوسى مِثْلَ ذَلِكَ، قالَ مُوسى، وكانَ أعْلَمَ القَوْمِ بِاللَّهِ: (p-٢٥٦)﴿كَلا إنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ .

الشعراء 26:62

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأوْحَيْنا إلى مُوسى أنْ أسْرِ بِعِبادِي﴾ الآياتِ. أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ قالَ: ثُمَّ إنَّ اللَّهَ أمَرَ مُوسى أنْ يَخْرُجَ بِبَنِي إسْرائِيلَ فَقالَ: فَأسْرِ بِعِبادِي لَيْلًا. فَأمَرَ مُوسى بَنِي إسْرائِيلَ أنْ يَخْرُجُوا، وأمَرَهم أنْ يَسْتَعِيرُوا الحَلْيَ مِنَ القِبْطِ، وأمَرَ ألّا يُنادِيَ أحَدٌ مِنهم صاحِبَهُ، وأنْ يُسْرِجُوا في بُيُوتِهِمْ حَتّى الصُّبْحِ، وألّا يُنادِيَ إنْسانٌ مِنهم صاحِبَهُ، وأنَّ مَن خَرَجَ يُلَطِّخُ أمامَ بابِهِ بِكَفٍّ مِن دَمٍ حَتّى يُعْلَمَ أنَّهُ قَدْ خَرَجَ، وإنَّ اللَّهَ قَدْ أخْرَجَ كُلَّ ولَدِ زِنًى (p-٢٤٦)فِي القِبْطِ مِن بَنِي إسْرائِيلَ إلى بَنِي إسْرائِيلَ، وأخْرَجَ كُلَّ ولَدِ زِنًى في بَنِي إسْرائِيلَ مِنَ القِبْطِ إلى القِبْطِ حَتّى أتَوْا آباءَهم. ثُمَّ خَرَجَ مُوسى بِبَنِي إسْرائِيلَ لَيْلًا والقِبْطُ لا يَعْلَمُونَ، وأُلْقِيَ عَلى القِبْطِ المَوْتُ، فَماتَ كُلُّ بِكْرٍ رَجُلٍ مِنهُمْ، فَأصْبَحُوا يَدْفِنُونَهُمْ، فَشُغِلُوا عَنْ طَلَبِهِمْ حَتّى طَلَعَتِ الشَّمْسُ، وخَرَجَ مُوسى في سِتِّمِائَةِ ألْفٍ وعِشْرِينَ ألْفًا، لا يَعُدُّونَ ابْنَ عِشْرِينَ لِصِغَرِهِ، ولا ابْنَ سِتِّينَ لِكِبَرِهِ، وإنَّما عَدُّوا ما بَيْنَ ذَلِكَ سِوى الذُّرِّيَّةِ. وتَبِعَهم فِرْعَوْنُ، عَلى مُقَدِّمَتِهِ هامانُ في ألْفِ ألْفٍ وسَبْعِمِائَةِ ألْفِ حِصانٍ، فِيها ماذِيانَةٌ، وذَلِكَ حِينَ يَقُولُ اللَّهُ: ﴿فَأرْسَلَ فِرْعَوْنُ في المَدائِنِ حاشِرِينَ﴾ ﴿إنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ﴾ فَكانَ مُوسى عَلى ساقَةِ بَنِي إسْرائِيلَ، وكانَ هارُونُ أمامَهم يَقْدُمُهُمْ، فَقالَ المُؤْمِنُ لِمُوسى: يا نَبِيَّ اللَّهِ، أيْنَ أُمِرْتَ؟ قالَ: البَحْرَ. فَأرادَ أنْ يَقْحُمَ فَمَنَعَهُ مُوسى. فَنَظَرَتْ بَنُو إسْرائِيلَ إلى فِرْعَوْنَ قَدْ رَدِفَهم قالُوا: يا مُوسى، ﴿إنّا لَمُدْرَكُونَ﴾ قالَ مُوسى: ﴿كَلا إنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ يَقُولُ: سَيَكْفِينِي. فَتَقَدَّمَ هارُونُ فَضَرَبَ البَحْرَ، فَأبى البَحْرُ أنْ يَنْفَتِحَ، وقالَ: مَن هَذا الجَبّارُ الَّذِي يَضْرِبُنِي؟ حَتّى أتاهُ مُوسى، فَكَناهُ أبا خالِدٍ، وضَرَبَهُ ﴿فانْفَلَقَ فَكانَ كُلُّ فِرْقٍ كالطَّوْدِ العَظِيمِ﴾ [الشعراء: ٦٣] يَقُولُ: كالجَبَلِ العَظِيمِ، فَدَخَلَتْ بَنُو إسْرائِيلَ، (p-٢٤٧)وكانَ في البَحْرِ اثْنا عَشَرَ طَرِيقًا، في كُلِّ طَرِيقٍ سِبْطٌ، وكانَتِ الطُّرُقُ إذا انْفَلَقَتْ بِجُدْرانٍ، فَقالَ كُلُّ سِبْطٍ: قَدْ قُتِلَ أصْحابُنا. فَلَمّا رَأى ذَلِكَ مُوسى دَعا اللَّهَ، فَجَعَلَها لَهم قَناطِرَ كَهَيْئَةِ الطِّيقانِ، يَنْظُرُ آخِرُهم إلى أوَّلِهِمْ حَتّى خَرَجُوا جَمِيعًا، ثُمَّ دَنا فِرْعَوْنُ وأصْحابُهُ، فَلَمّا نَظَرَ فِرْعَوْنُ إلى البَحْرِ مُنْفَلِقًا قالَ: ألا تَرَوْنَ إلى البَحْرِ فَرِقَ مِنى فانْفَتَحَ لِي حَتّى أُدْرِكَ أعْدائِي فاقْتُلَهم. فَلَمّا قامَ فِرْعَوْنُ عَلى أفْواهِ الطُّرُقِ أبَتْ خَيْلُهُ أنْ تَقْتَحِمُ، فَنَزَلَ جِبْرِيلُ عَلى ماذِيانَةٍ، فَشامَّتِ الحُصُنُ رِيحَ الماذِيانَةَ، فاقْتَحَمَتْ في أثَرِها، حَتّى إذا هَمَّ أوَّلُهُمُ أنْ يَخْرُجَ ودَخَلَ آخِرُهُمْ، أُمِرَ البَحْرُ أنْ يَأْخُذَهُمْ، فالتَطَمَ عَلَيْهِمْ، وتَفَرَّدَ جِبْرِيلُ بِفِرْعَوْنَ بِمَقْلَةٍ مِن مَقْلِ البَحْرِ، فَجَعَلَ يَدُسُّها في فِيهِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ﴾ قالَ: ذُكِرَ لَنا أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ الَّذِينَ قَطَعَ بِهِمْ مُوسى البَحْرَ كانُوا سِتَّمِائَةِ ألْفٍ (p-٢٤٨)مُقاتِلٍ بَنِي عِشْرِينَ سَنَةً فَصاعِدًا، وأتْبَعَهم فِرْعَوْنُ عَلى ألْفِ ألْفِ حِصانٍ ومِائَتَيْ ألْفِ حِصانٍ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ﴾ قالَ: سِتُّمِائَةِ ألْفٍ وسَبْعُونَ ألْفًا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ، مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ﴾ قالَ: كانُوا سِتَّمِائَةِ ألْفٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿لَشِرْذِمَةٌ﴾ قالَ: قِطْعَةٌ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ: ﴿لَشِرْذِمَةٌ﴾ قالَ: الفَرِيدُ مِنَ النّاسِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««كانَ أصْحابُ مُوسى الَّذِينَ جاوَزُوا البَحْرَ اثْنَيْ عَشَرَ سِبْطًا، فَكانَ في كُلِّ طَرِيقٍ اثْنا عَشَرَ ألْفًا، كُلُّهم ولَدُ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلامُ»» . وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ مُجاهِدٍ: ﴿إنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ﴾ (p-٢٤٩)قالَ: هم يَوْمَئِذٍ سِتُّمِائَةِ ألْفٍ، ولا يُحْصى عَدَدُ أصْحابِ فِرْعَوْنَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ، بِسَنَدٍ واهٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««كانَ فِرْعَوْنُ عَدُوَّ اللَّهِ حَيْثُ أغْرَقَهُ اللَّهُ هو وأصْحابَهُ في سَبْعِينَ قائِدًا، مَعَ كُلِّ قائِدٍ سَبْعُونَ ألْفًا، وكانَ مُوسى مَعَ سَبْعِينَ ألْفًا حِينَ عَبَرُوا البَحْرَ»» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قالَ: أوْحى اللَّهُ إلى مُوسى أنِ اجْمَعْ بَنِي إسْرائِيلَ، كُلَّ أرْبَعَةِ أبْياتٍ مِن بَنِي إسْرائِيلَ في بَيْتٍ، ثُمَّ اذْبَحْ أوْلادَ الضَّأْنِ فاضْرِبْ بِدِمائِها عَلى كُلِّ بابٍ، فَإنِّي سَآمُرُ المَلائِكَةَ ألّا تَدْخُلَ بَيْتًا عَلى بابِهِ دَمٌ، وسَآمُرُ المَلائِكَةَ فَتَقْتُلُ أبْكارَ آلِ فِرْعَوْنَ مِن أنْفُسِهِمْ وأهْلِيهِمْ، ثُمَّ اخْبِزُوا خُبْزًا فَطِيرًا، فَإنَّهُ أسْرَعُ لَكُمْ، ثُمَّ سِرْ حَتّى تَأْتِيَ البَحْرَ، ثُمَّ قِفْ حَتّى يَأْتِيَكَ أمْرِي. فَلَمّا أنْ أصْبَحَ فِرْعَوْنُ قالَ: هَذا عَمَلُ مُوسى وقَوْمِهِ، قَتَلُوا أبْكارَنا مِن أنْفُسِنا وأهْلِينا. وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ يَحْيى بْنِ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ قالَ: إنَّ اللَّهَ أمَرَ مُوسى أنْ يَسِيرَ بِبَنِي إسْرائِيلَ، وقَدْ كانَ مُوسى وعَدَ بَنِي إسْرائِيلَ أنْ يَسِيرَ بِهِمْ إذا طَلَعَ القَمَرُ، فَدَعا اللَّهَ أنْ يُؤَخِّرَ طُلُوعَهُ حَتّى يَفْرُغَ، فَلَمّا سارَ مُوسى بِبَنِي (p-٢٥٠)إسْرائِيلَ، أذَّنَ فِرْعَوْنُ في النّاسِ: ﴿إنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ قالَ: خَرَجَ مُوسى مِن مِصْرَ ومَعَهُ سِتُّمِائَةِ ألْفٍ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، لا يَعُدُّونَ فِيهِمْ أقَلَّ مِنَ ابْنِ عِشْرِينَ ولا ابْنَ أكْثَرَ مِن أرْبَعِينَ سَنَةً، فَقالَ: ﴿إنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ﴾ وخَرَجَ فِرْعَوْنُ عَلى فَرَسٍ حِصانٍ أدْهَمَ ومَعَهُ ثَمانِمِائَةِ ألْفٍ عَلى خَيْلٍ دُهْمٍ سِوى ألْوانِ الخَيْلِ، وكانَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ عَلى فَرَسٍ أُنْثى يَسِيرُ بَيْنَ يَدَيِ القَوْمِ ويَقُولُ: لَيْسَ القَوْمُ بِأحَقَّ بِالطَّرِيقِ مِنكم. وفِرْعَوْنُ عَلى فَرَسٍ أدْهَمَ حِصانٍ، وجِبْرِيلُ عَلى فَرَسٍ أُنْثى، فَأتْبَعَها فَرَسُ فِرْعَوْنَ، وكانَ مِيكائِيلُ في آخِرِ القَوْمِ يَقُولُ: الحَقُوا، الحَقُوا أصْحابَكم. حَتّى دَخَلَ آخِرُهُمْ، وأرادَ أوَّلُهم أنْ يَخْرُجَ، فَأطْبَقَ عَلَيْهِمُ البَحْرُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ قالَ: لَمّا أرادَ مُوسى أنْ يَخْرُجَ بِبَنِي إسْرائِيلَ مِن مِصْرَ بَلَغَ ذَلِكَ فِرْعَوْنَ فَقالَ: أمْهِلُوهم حَتّى إذا صاحَ الدِّيكُ فَأْتُوهم. فَلَمْ يَصِحْ في تِلْكَ اللَّيْلَةِ دِيكٌ، فَخَرَجَ مُوسى بِبَنِي إسْرائِيلَ، وغَدا فِرْعَوْنُ، فَلَمّا أصْبَحَ فِرْعَوْنُ أمَرَ بِشاةٍ، فَأُتِيَ بِها، فَأمَرَ بِها أنْ تُذْبَحَ، ثُمَّ قالَ: لا يُفْرَغُ مِن سَلْخِها حَتّى يَجْتَمِعَ عِنْدِي خَمْسُمِائَةِ ألْفِ فارِسٍ. فاجْتَمَعُوا إلَيْهِ، (p-٢٥١)فَأتْبَعَهُمْ، فَلَمّا انْتَهى مُوسى إلى البَحْرِ قالَ لَهُ وصِيُّهُ: يا نَبِيَّ اللَّهِ، أيْنَ أُمِرْتَ؟ قالَ: هَهُنا في البَحْرِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانَ طَلائِعُ فِرْعَوْنَ الَّذِينَ بَعَثَهم في أثَرِهِمْ سِتَّمِائَةِ ألْفٍ، لَيْسَ فِيهِمْ أحَدٌ إلّا عَلى بَهِيمٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانَتْ سِيما خَيْلِ فِرْعَوْنَ الخِرَقَ البِيضَ في أصْداغِها، وكانَتْ جَرِيدَتُهُ مِائَةَ ألْفِ حِصانٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ كَعْبِ الأحْبارِ قالَ: اجْتَمَعَ آلُ يَعْقُوبَ إلى يُوسُفَ، وهم سِتَّةٌ وثَمانُونَ إنْسانًا، ذَكَرُهم وأُنْثاهُمْ، فَخَرَجَ بِهِمْ مُوسى يَوْمَ خَرَجَ وهم سِتُّمِائَةِ ألْفٍ ونَيِّفٌ، وخَرَجَ فِرْعَوْنُ عَلى أثَرِهِمْ يَطْلُبُهم عَلى فَرَسٍ أدْهَمَ، عَلى لَوْنِهِ مِنَ الدُّهْمِ ثَمانُمِائَةِ ألْفٍ أدْهَمَ سِوى ألْوانِ الخَيْلِ، وجالَتِ الرِّيحُ الشَّمالُ، وتَحْتَ جِبْرِيلَ فَرَسٌ ودِيقٌ، ومِيكائِيلُ يَسُوقُهم لا يَشِذُّ مِنهم شاذَّةٌ إلّا ضَمَّهُ، فَقالَ القَوْمُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، قَدْ كُنّا نَلْقى مِنَ التَّعْسِ والعَذابِ ما (p-٢٥٢)نَلْقى، فَكَيْفَ إذْ صَنَعْنا ما صَنَعْنا، فَأيْنَ المَلْجَأُ؟ قالَ: البَحْرُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أنَّهُ قَرَأ: ﴿وإنّا لَجَمِيعٌ حاذِرُونَ﴾ قالَ: مُؤْدُونَ مُقْوُونَ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الأُسُودِ بْنِ يَزِيدَ، أنَّهُ كانَ يَقْرَؤُها: ﴿وإنّا لَجَمِيعٌ حاذِرُونَ﴾ قالَ: مُؤْدُونَ مُقْوُونَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنِ الأسْوَدِ، أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ: ﴿وإنّا لَجَمِيعٌ حاذِرُونَ﴾ يَقُولُ: وادُّونَ مُسْتَعِدُّونَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ (p-٢٥٣)جُبَيْرٍ، أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ: ﴿وإنّا لَجَمِيعٌ حاذِرُونَ﴾ يَقُولُ: مُؤْدُونَ في السِّلاحِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينارٍ قالَ: قَرَأ عُبَيْدٌ: ﴿وإنّا لَجَمِيعٌ حاذِرُونَ﴾ . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الضَّحّاكِ: ﴿وإنّا لَجَمِيعٌ حاذِرُونَ﴾ يَعْنِي شاكِينَ في السِّلاحِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: ﴿وإنّا لَجَمِيعٌ حاذِرُونَ﴾ قالَ: مُؤْدُونَ مُقْوُونَ في السِّلاحِ والكُراعِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ إبْراهِيمَ، أنَّهُ كانَ يَقْرَؤُها: ﴿وإنّا لَجَمِيعٌ حاذِرُونَ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ الأنْبارِيِّ في ”الوَقْفِ“، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أنَّ نافِعَ بْنَ الأزْرَقِ قالَ لَهُ: أخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِهِ: ﴿وإنّا لَجَمِيعٌ حاذِرُونَ﴾ ما الحاذِرُونَ؟ قالَ: التّامُّونَ السِّلاحَ. قالَ فِيهِ النَّجاشِيُّ: ؎لَعَمْرُ أبِي أُثالٍ حَيْثُ أمْسى لَقَدْ نادَتْ بِهِ أبْناءُ بَكْرِ ؎(p-٢٥٤)حَنِيفَةُ في كَتائِبَ حاذِراتٌ ∗∗∗ يَقُودُهُمُ أبُو شِبْلٍ هِزَبْرِ وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ: ﴿فَأخْرَجْناهم مِن جَنّاتٍ وعُيُونٍ﴾ ﴿وكُنُوزٍ ومَقامٍ كَرِيمٍ﴾ قالَ: كانُوا في ذَلِكَ في الدُّنْيا، فَأخْرَجَهُمُ اللَّهُ مِن ذَلِكَ وأوْرَثَها بَنِي إسْرائِيلَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ومَقامٍ كَرِيمٍ﴾ قالَ: المَنابِرُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿فَأتْبَعُوهم مُشْرِقِينَ﴾ قالَ: أتْبَعَهم فِرْعَوْنُ وجُنُودُهُ حِينَ أشْرَقَتِ الشَّمْسُ، ﴿قالَ أصْحابُ مُوسى إنّا لَمُدْرَكُونَ﴾ قالَ مُوسى، وكانَ أعْلَمَهم بِاللَّهِ: ﴿كَلا إنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ عاصِمٍ، أنَّهُ قَرَأ: ﴿فَأتْبَعُوهم مُشْرِقِينَ﴾ مَهْمُوزَةً مَقْطُوعَةَ الألِفِ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ: ﴿فَأتْبَعُوهم مُشْرِقِينَ﴾ قالَ: خَرَجَ مُوسى لَيْلًا (p-٢٥٥)فَكَسَفَ القَمَرُ لَيْلًا، وأظْلَمَتِ الأرْضُ، فَقالَ أصْحابُهُ: إنَّ يُوسُفَ كانَ أخْبَرَنا أنا سَنُنَجّى مِن فِرْعَوْنَ، وأخَذَ عَلَيْنا العَهْدَ لَنَخْرُجَنَّ بِعِظامِهِ مَعَنا، فَخَرَجَ مُوسى مِن لَيْلَتِهِ يَسْألُ عَنْ قَبْرِهِ، فَوَجَدَ عَجُوزًا بَيْتُها عَلى قَبْرِهِ، فَأخْرَجَتْهُ لَهُ بِحُكْمِها، فَكانَ حُكْمُها أنْ قالَتْ لَهُ: احْمِلْنِي فَأخْرِجْنِي مَعَكَ. فَجَعَلَ عِظامَ يُوسُفَ في كِسائِهِ، ثُمَّ حَمَلَ العَجُوزَ عَلى كِسائِهِ، فَجَعَلَهُ عَلى رَقَبَتِهِ، وخَيْلُ فِرْعَوْنَ في مِلْءِ أعِنَّتِها خُضْرًا في أعْيُنِهِمْ ولا تَبْرَحُ؛ حُبِسَتْ عَنْ مُوسى وأصْحابِهِ حَتّى بَرَزُوا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ خُلَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ العَصَرِيِّ، أنَّ مُؤْمِنَ آلِ فِرْعَوْنَ كانَ أمامَ القَوْمِ قالَ: يا نَبِيَّ اللَّهِ، أيْنَ أُمِرْتَ؟ قالَ: أمامَكَ. قالَ: وهَلْ أمامِي إلّا البَحْرُ؟ قالَ: واللَّهِ ما كَذَبْتُ ولا كُذِبْتُ. ثُمَّ سارَ ساعَةً فَقالَ مِثْلَ ذَلِكَ، فَرَدَّ عَلَيْهِ مُوسى مِثْلَ ذَلِكَ، قالَ مُوسى، وكانَ أعْلَمَ القَوْمِ بِاللَّهِ: (p-٢٥٦)﴿كَلا إنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ .

الشعراء 26:63

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأوْحَيْنا إلى مُوسى أنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ البَحْرَ﴾ الآياتِ. أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿كالطَّوْدِ﴾ قالَ: كالجَبَلِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في قَوْلِهِ: ﴿كالطَّوْدِ﴾ قالَ: كالجَبَلِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ قَتادَةَ قالَ: الطَّوْدُ الجَبَلُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وأزْلَفْنا﴾ قالَ: قَرَّبْنا. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ قَتادَةَ: ﴿وأزْلَفْنا ثَمَّ الآخَرِينَ﴾ قالَ: هم قَوْمُ فِرْعَوْنَ، قَرَّبَهُمُ اللَّهُ حَتّى أغْرَقَهم في البَحْرِ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««ألا أُعَلِّمُكَ الكَلِماتِ الَّتِي قالَهُنَّ مُوسى حِينَ انْفَلَقَ البَحْرُ»؟ . قُلْتُ: بَلى. قالَ: «اللَّهُمَّ لَكَ الحَمْدُ، وإلَيْكَ المُشْتَكى، وبِكَ المُسْتَغاثُ، وأنْتَ المُسْتَعانُ، ولا (p-٢٥٧)حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ»» . قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: فَما تَرَكَتْهُنَّ مُنْذُ سَمِعْتُهُنَّ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ حَمْزَةَ بْنِ يُوسُفَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ، أنَّ مُوسى لَمّا انْتَهى إلى البَحْرِ قالَ: يا مَن كانَ قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ، والمُكَوِّنُ لِكُلِّ شَيْءٍ، والكائِنُ بَعْدَ كُلِّ شَيْءٍ، أجُعِلَ لَنا مَخْرَجًا. فَأوْحى اللَّهُ إلَيْهِ: ﴿أنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ البَحْرَ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: كانَ البَحْرُ ساكِنًا لا يَتَحَرَّكُ، فَلَمّا كانَ لَيْلَةَ ضَرَبَهُ مُوسى بِالعَصا صارَ يَمُدُّ ويَجْزُرُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَيْسِ بْنِ عُبادٍ قالَ: لَمّا انْتَهى مُوسى بِبَنِي إسْرائِيلَ إلى البَحْرِ، قالَتْ بَنُو إسْرائِيلَ لِمُوسى: أيْنَ ما وعَدْتَنا؟ هَذا البَحْرُ بَيْنَ أيْدِينا، وهَذا فِرْعَوْنُ وجُنُودُهُ قَدْ دَهَمَنا مِن خَلْفِنا. فَقالَ مُوسى لِلْبَحْرِ: انْفَرِقْ أبا خالِدٍ. فَقالَ: لَنْ أنْفَرِقَ لَكَ يا مُوسى، أنا أقْدَمُ مِنكَ وأشَدُّ خَلْقًا. فَنُودِيَ: ﴿أنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ البَحْرَ﴾ . (p-٢٥٨)وأخْرَجَ أبُو العَبّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ السَّرّاجُ في ”تارِيخِهِ“، وابْنُ عَبْدِ البَرِّ في ”التَّمْهِيدِ“، مِن طَرِيقِ يُوسُفَ بْنِ مِهْرانَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كَتَبَ صاحِبُ الرُّومِ إلى مُعاوِيَةَ يَسْألُهُ عَنْ أفْضَلِ الكَلامِ ما هُوَ؟ والثّانِي، والثّالِثُ، والرّابِعُ، وعَنْ أكْرَمِ الخَلْقِ عَلى اللَّهِ، وأكْرَمِ الإماءِ عَلى اللَّهِ، وعَنْ أرْبَعَةٍ مِنَ الخَلْقِ لَمْ يَرْكُضُوا في رَحِمٍ، وعَنْ قَبْرٍ سارَ بِصاحِبِهِ، وعَنِ المَجَرَّةِ، وعَنِ القَوْسِ، وعَنْ مَكانٍ طَلَعَتْ فِيهِ الشَّمْسُ لَمْ تَطْلُعْ قَبْلَ ذَلِكَ ولا بَعْدَهُ، فَلَمّا قَرَأ مُعاوِيَةُ الكِتابَ قالَ: أخْزاهُ اللَّهُ، وما عِلْمِي ما هَهُنا! فَقِيلَ لَهُ: اكْتُبْ إلى ابْنِ عَبّاسٍ فَسَلْهُ. فَكَتَبَ إلَيْهِ يَسْألُهُ، فَكَتَبَ إلَيْهِ ابْنُ عَبّاسٍ: إنَّ أفْضَلَ الكَلامِ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، كَلِمَةُ الإخْلاصِ، لا يُقْبَلُ عَمَلٌ إلّا بِها، والَّتِي تَلِيها سُبْحانَ اللَّهِ وبِحَمْدِهِ؛ أحَبُّ الكَلامِ إلى اللَّهِ، والَّتِي تَلِيها الحَمْدُ لِلَّهِ؛ كَلِمَةُ الشُّكْرِ، والَّتِي تَلِيها اللَّهُ أكْبَرُ؛ فاتِحَةُ الصَّلَواتِ والرُّكُوعِ والسُّجُودِ، وأكْرَمُ الخَلْقِ عَلى اللَّهِ آدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ، وأكْرَمُ إماءِ اللَّهِ مَرْيَمُ، وأمّا الأرْبَعَةُ الَّتِي لَمْ يَرْكُضُوا في رَحِمٍ؛ فَآدَمُ، وحَوّاءُ، والكَبْشُ الَّذِي فُدِيَ بِهِ إسْماعِيلُ، وعَصا مُوسى؛ حَيْثُ ألْقاها فَصارَتْ ثُعْبانًا مُبِينًا، وأمّا القَبْرُ الَّذِي سارَ بِصاحِبِهِ، (p-٢٥٩)فالحُوتُ حِينَ التَقَمَ يُونُسَ، وأمّا المَجَرَّةُ فَبابُ السَّماءِ، وأمّا القَوْسُ، فَإنَّها أمانٌ لِأهْلِ الأرْضِ مِنَ الغَرَقِ بَعْدَ قَوْمِ نُوحٍ، وأمّا المَكانُ الَّذِي طَلَعَتْ فِيهِ الشَّمْسُ لَمْ تَطْلُعْ قَبْلَهُ ولا بَعْدَهُ، فالمَكانُ الَّذِي انْفَرَجَ مِنَ البَحْرِ لِبَنِي إسْرائِيلَ. فَلَمّا قَدِمَ عَلَيْهِ الكِتابُ، أرْسَلَ بِهِ إلى صاحِبِ الرُّومِ، فَقالَ: لَقَدْ عَلِمْتُ أنَّ مُعاوِيَةَ لَمْ يَكُنْ لَهُ بِهَذا عِلْمٌ، وما أصابَ هَذا إلّا رَجُلٌ مِن أهْلِ بَيْتِ النُّبُوَّةِ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدّادِ بْنِ الهادِ قالَ: جاءَ مُوسى إلى فِرْعَوْنَ وعَلَيْهِ جُبَّةٌ مِن صُوفٍ، ومَعَهُ عَصًا، فَضَحِكَ فِرْعَوْنُ، فَألْقى عَصاهُ، فانْطَلَقَتْ نَحْوَهُ كَأنَّها عُنُقُ بُخْتِيٍّ، فِيها أمْثالُ الرِّماحِ تَهْتَزُّ، فَجَعَلَ فِرْعَوْنُ يَتَأخَّرُ وهو عَلى سَرِيرِهِ، فَقالَ فِرْعَوْنُ: خُذْها وأُسْلِمَ، فَعادَتْ كَما كانَتْ، وعادَ فِرْعَوْنُ كافِرًا، فَأُمِرَ مُوسى أنْ يَسِيرَ إلى البَحْرِ، فَسارَ بِهِمْ في سِتِّمِائَةِ ألْفٍ، فَلَمّا أتى البَحْرَ، أُمِرَ البَحْرُ إذا ضَرَبَهُ مُوسى بِعَصاهُ أنْ يَنْفَرِجُ لَهُ، فَضَرَبَ مُوسى بِعَصاهُ البَحْرَ، فانْفَلَقَ مِنهُ اثْنا عَشَرَ طَرِيقًا، لِكُلِّ سَبَطٍ مِنهم طَرِيقٌ، وجَعَلَ لَهم فِيها أمْثالَ الكَوّاتِ يَنْظُرُ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ. واقْبَلْ فِرْعَوْنُ في ثَمانِمِائَةِ ألْفٍ حَتّى أشْرَفَ عَلى البَحْرِ، فَلَمّا رَآهُ هابَهُ وهو عَلى حِصانٍ لَهُ، وعَرَضَ لَهُ مَلَكٌ وهو عَلى فَرَسٍ لَهُ أُنْثى، فَلَمْ يَمْلِكْ فِرْعَوْنُ فَرَسَهُ حَتّى أقْحَمَهُ، وخَرَجَ آخِرُ بَنِي إسْرائِيلَ، (p-٢٦٠)ووَلَجَ أصْحابُ فِرْعَوْنٍ حَتّى إذا صارُوا في البَحْرِ أُمِرَ البَحْرُ فَأطْبَقَ عَلَيْهِمْ، فَغَرِقَ فِرْعَوْنُ بِأصْحابِهِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: أوْحى اللَّهُ إلى مُوسى أنْ أسْرِ بِعِبادِي لَيْلًا إنَّكم مُتَّبَعُونَ. فَأسْرى مُوسى بِبَنِي إسْرائِيلَ لَيْلًا، فَأتَبْعَهم فِرْعَوْنُ في ألْفِ ألْفِ حِصانٍ سِوى الإناثِ، وكانَ مُوسى في سِتِّمِائَةِ ألْفٍ، فَلَمّا عايَنَهم فِرْعَوْنُ قالَ: ﴿إنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ﴾ [الشعراء: ٥٤] ﴿وإنَّهم لَنا لَغائِظُونَ﴾ [الشعراء: ٥٥] ﴿وإنّا لَجَمِيعٌ حاذِرُونَ﴾ [الشعراء: ٥٦] . فَأسْرى مُوسى بِبَنِي إسْرائِيلَ حَتّى هَجَمُوا عَلى البَحْرِ، فالتَفَتُوا فَإذا هم بِرَهَجِ دَوابِّ فِرْعَوْنَ، فَقالُوا: يا مُوسى، ﴿أُوذِينا مِن قَبْلِ أنْ تَأْتِيَنا ومِن بَعْدِ ما جِئْتَنا﴾ [الأعراف: ١٢٩] [الأعْرافِ: ١٢٩] . هَذا البَحْرُ أمامَنا، وهَذا فِرْعَوْنُ قَدْ رَهِقَنا بِمَن مَعَهُ. قالَ: ﴿عَسى رَبُّكم أنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكم ويَسْتَخْلِفَكم في الأرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ١٢٩] [الأعْرافِ: ١٢٩] . فَأوْحى اللَّهُ إلى مُوسى أنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ البَحْرَ، وأوْحى إلى البَحْرِ أنِ اسْمَعْ لِمُوسى وأطِعْ إذا ضَرَبَكَ. فَباتَ البَحْرُ لَهُ أفْكَلٌ -يَعْنِي: رِعْدَةٌ- لا يَدْرِي مِن أيِّ جَوانِبِهِ يَضْرِبُهُ. فَقالَ يُوشَعُ لِمُوسى: بِماذا أُمِرْتَ؟ قالَ: أُمِرْتُ أنْ أضْرِبَ البَحْرَ. قالَ: فاضْرِبْهُ. (p-٢٦١)فَضَرَبَ مُوسى البَحْرَ بِعَصاهُ فانْفَلَقَ، فَكانَ فِيهِ اثْنا عَشَرَ طَرِيقًا، كُلُّ طَرِيقٍ كالطَّوْدِ العَظِيمِ، فَكانَ لِكُلِّ سِبْطٍ مِنهم طَرِيقٌ يَأْخُذُونَ فِيهِ، فَلَمّا أخَذُوا في الطَّرِيقِ قالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: ما لَنا لا نَرى أصْحابَنا؟ قالُوا لِمُوسى: إنَّ أصْحابَنا لا نَراهم. قالَ: سِيرُوا فَإنَّهم عَلى طَرِيقٍ مِثْلِ طَرِيقِكم. قالُوا: لَنْ نَرْضى حَتّى نَراهم. قالَ مُوسى: اللَّهُمَّ أعِنِّي عَلى أخْلاقِهِمُ السَّيِّئَةِ. فَأوْحى اللَّهُ إلَيْهِ أنْ قُلْ بِعَصاكَ هَكَذا. وأوْمَأ بِيَدِهِ يُدِيرُها عَلى البَحْرِ، قالَ مُوسى بِعَصاهُ عَلى الحِيطانِ هَكَذا، فَصارَ فِيها كُوًى يَنْظُرُ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ، فَسارُوا حَتّى خَرَجُوا مِنَ البَحْرِ. فَلَمّا جازَ آخِرُ قَوْمِ مُوسى هَجَمَ فِرْعَوْنُ عَلى البَحْرِ هو وأصْحابُهُ، وكانَ فِرْعَوْنُ عَلى فَرَسٍ أدْهَمَ حِصانٍ، فَلَمّا هَجَمَ عَلى البَحْرِ هابَ الحِصانُ أنْ يَقْتَحِمَ في البَحْرِ، فَمَثَلَ لَهُ جِبْرِيلُ عَلى فَرَسٍ أُنْثى، فَلَمّا رَآها الحِصانُ اقْتَحَمَ خَلْفَها، وقِيلَ لِمُوسى: ﴿واتْرُكِ البَحْرَ رَهْوًا﴾ [الدخان: ٢٤] [الدُّخانِ: ٢٤] . قالَ: طُرُقًا عَلى حالِهِ. ودَخَلَ فِرْعَوْنُ وقَوْمُهُ في البَحْرِ، فَلَمّا دَخَلَ آخِرُ قَوْمِ فِرْعَوْنَ، وجازَ آخِرُ قَوْمِ مُوسى، أطْبَقَ البَحْرُ عَلى فِرْعَوْنِ وقَوْمِهِ فَأُغْرِقُوا. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، أنَّ (p-٢٦٢)مُوسى حِينَ أسْرى بِبَنِي إسْرائِيلَ بَلَغَ فِرْعَوْنَ، فَأمَرَ بِشاةٍ فَذُبِحَتْ، ثُمَّ قالَ: لا يُفْرَغُ مِن سَلْخِها حَتّى يَجْتَمِعَ إلَيَّ سِتُّمِائَةِ ألْفٍ مِنَ القِبْطِ. فانْطَلَقَ مُوسى حَتّى انْتَهى إلى البَحْرِ، فَقالَ لَهُ: انْفَرِقْ. فَقالَ لَهُ البَحْرُ: لَقَدِ اسْتَكْبَرْتَ يا مُوسى، وهَلِ انْفَرَقْتُ لِأحَدٍ مِن ولَدِ آدَمَ؟ ومَعَ مُوسى رَجُلٌ عَلى حِصانٍ لَهُ، فَقالَ: أيْنَ أُمِرْتَ يا نَبِيَّ اللَّهِ؟ قالَ: ما أُمِرْتُ إلّا بِهَذا الوَجْهِ، هَذا البَحْرِ. فاقْتَحَمَ فَرَسُهُ فَسَبَحَ بِهِ، ثُمَّ خَرَجَ فَقالَ: أيْنَ أُمِرْتَ يا نَبِيَّ اللَّهِ؟ قالَ: ما أُمِرْتُ إلّا بِهَذا الوَجْهِ. قالَ: واللَّهِ ما كَذَبْتَ ولا كُذِبْتَ، ثُمَّ اقْتَحَمَ الثّانِيَةَ فَسَبَحَ، ثُمَّ خَرَجَ، ثُمَّ قالَ: أيْنَ أُمِرْتَ يا نَبِيَّ اللَّهِ؟ قالَ: ما أُمِرْتُ إلّا بِهَذا الوَجْهِ. قالَ: ما كَذَبْتَ ولا كُذِبْتَ، فَأوْحى اللَّهُ إلى مُوسى أنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ البَحْرَ. فَضَرَبَهُ مُوسى بِعَصاهُ فانْفَلَقَ، فَكانَ فِيهِ اثْنا عَشَرَ طَرِيقًا، لِكُلِّ سِبْطٍ طَرِيقٌ يَتَراءَوْنَ، فَلَمّا خَرَجَ أصْحابُ مُوسى وتَتامَّ أصْحابُ فِرْعَوْنَ التَقى البَحْرُ عَلَيْهِمْ فَأغْرَقَهم. (p-٢٦٣)وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، عَنْ أبِي مُوسى، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قالَ: ««إنَّ مُوسى لَمّا أرادَ أنْ يَسِيرَ بِبَنِي إسْرائِيلَ أضَلَّ الطَّرِيقَ، فَقالَ لِبَنِي إسْرائِيلَ: ما هَذا؟ فَقالَ لَهُ عُلَماءُ بَنِي إسْرائِيلَ: إنَّ يُوسُفَ لَمّا حَضَرَهُ المَوْتُ، أخَذَ عَلَيْنا مَوْثِقًا ألّا نَخْرُجَ مِن مِصْرَ حَتّى نَنْقُلَ تابُوتَهُ مَعَنا. فَقالَ لَهم مُوسى: أيُّكم يَدْرِي أيْنَ قَبْرُهُ؟ فَقالُوا: ما يَعْلَمُ أحَدٌ مَكانَ قَبْرِهِ إلّا عَجُوزٌ لِبَنِي إسْرائِيلَ. فَأرْسَلَ إلَيْها مُوسى، فَقالَ: دُلِّينا عَلى قَبْرِ يُوسُفَ. فَقالَتْ: لا واللَّهِ حَتّى تُعْطِيَنِي حُكْمِي. قالَ: وما حُكْمُكِ؟ قالَتْ: أنْ أكُونَ مَعَكَ في الجَنَّةِ. فَكَأنَّهُ ثَقُلَ عَلَيْهِ ذَلِكَ، فَقِيلَ لَهُ: أعْطِها حُكْمَها، فَأعْطاها حُكْمَها، فانْطَلَقَتْ بِهِمْ إلى بُحَيْرَةٍ مُسْتَنْقَعَةٍ ماءً، فَقالَتْ لَهم: انْضَبُوا عَنْها الماءَ. فَفَعَلُوا، قالَتْ: احْفِرُوا. فَحَفَرُوا، فاسْتَخْرَجُوا قَبْرَ يُوسُفَ، فَلَمّا احْتَمَلُوهُ إذا الطَّرِيقُ مِثْلُ ضَوْءِ النَّهارِ»» . وأخْرَجَ ابْنُ عَبْدِ الحَكَمِ في ”فُتُوحِ مِصْرَ“ عَنْ سِماكِ بْنِ حَرْبٍ، أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: ««لَمّا أسْرى مُوسى بِبَنِي إسْرائِيلَ غَشِيَتْهم ضَبابَةٌ حالَتْ بَيْنَهم وبَيْنَ الطَّرِيقِ أنْ يُبْصِرُوهُ، وقِيلَ لِمُوسى: لَنْ تَعْبُرَ إلّا ومَعَكَ عِظامُ يُوسُفَ. قالَ: ومَن يَدْرِي أيْنَ مَوْضِعُها؟ قالُوا: ابْنَتُهُ عَجُوزٌ كَبِيرَةٌ ذاهِبَةُ البَصَرِ، تَرَكْناها (p-٢٦٤)فِي الدِّيارِ. فَرَجَعَ مُوسى، فَلَمّا سَمِعَتْ حِسَّهُ قالَتْ: مُوسى؟ قالَ: مُوسى. قالَتْ: ما رَدَّكَ؟ قالَ: أُمِرْتُ أنْ أحْمِلَ عِظامَ يُوسُفَ. قالَتْ: ما كُنْتُمْ لِتَعْبُرُوا إلّا وأنا مَعَكم. قالَ: دُلِّينِي عَلى عِظامِ يُوسُفَ. قالَتْ: لا أفْعَلُ إلّا أنْ تُعْطِيَنِي ما سَألْتُكَ. قالَ: فَلَكِ ما سَألْتِ. قالَتْ: خُذْ بِيَدِي. فَأخَذَ بِيَدِها فانْتَهَتْ بِهِ إلى عَمُودٍ عَلى شاطِئِ النِّيلِ، في أصْلِهِ سِكَّةٌ مِن حَدِيدٍ مُوَتَّدَةٌ، فِيها سِلْسِلَةٌ، فَقالَتْ: إنّا كُنّا دَفَنّاهُ مِن ذَلِكَ الجانِبِ، فَأخْصَبَ ذَلِكَ الجانِبُ، وأجْدَبَ ذا الجانِبُ، فَحَوَّلْناهُ إلى هَذا الجانِبِ، فَأخْصَبَ هَذا الجانِبُ، وأجْدَبَ ذاكَ، فَلَمّا رَأيْنا ذَلِكَ جَمَعْنا عِظامَهُ فَجَعَلْناها في صُنْدُوقٍ مِن حَدِيدٍ، وألْقَيْناهُ في وسَطِ النِّيلِ، فَأخْصَبَ الجانِبانِ جَمِيعًا. فَحَمَلَ الصُّنْدُوقَ عَلى رَقَبَتِهِ، وأخَذَ بِيَدِها فَألْحَقَها بِالعَسْكَرِ، وقالَ لَها: سَلِي ما شِئْتِ. قالَتْ: فَإنِّي أسْألُكَ أنْ أكُونَ أنا وأنْتَ في دَرَجَةٍ واحِدَةٍ في الجَنَّةِ، ويُرَدَّ عَلَيَّ بَصَرِي وشَبابِي حَتّى أكُونَ شابَّةً كَما كُنْتُ. قالَ: فَلَكِ ذَلِكَ»» . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: أوْصى يُوسُفُ: إنْ جاءَ نَبِيٌّ مِن بَعْدِي، فَقُولُوا لَهُ: يُخْرِجُ عِظامِي مِن هَذِهِ القَرْيَةِ. فَلَمّا كانَ مِن أمْرِ مُوسى ما كانَ يَوْمَ فِرْعَوْنَ، فَمَرَّ بِالقَرْيَةِ الَّتِي فِيها قَبْرُ يُوسُفَ، فَسَألَ عَنْ قَبْرِهِ فَلَمْ (p-٢٦٥)يَجِدْ أحَدًا يُخْبِرْهُ، فَقِيلَ لَهُ: هَهُنا عَجُوزٌ بَقِيَتْ مِن قَوْمِ يُوسُفَ. فَجاءَها مُوسى فَقالَ لَها: تَدُلِّينِي عَلى قَبْرِ يُوسُفَ؟ فَقالَتْ: لا أفْعَلُ حَتّى تُعْطِيَنِي ما أشْتَرِطُ عَلَيْكَ. فَأوْحى اللَّهُ إلى مُوسى أنْ أعْطِها شَرْطَها. قالَ لَها: وما تُرِيدِينَ؟ قالَتْ: أكُونُ زَوْجَتَكَ في الجَنَّةِ. فَأعْطاها، فَدَلَّتْهُ عَلى قَبْرِهِ. فَحَفَرَ مُوسى القَبْرَ، ثُمَّ بَسَطَ رِداءَهُ وأخْرَجَ عِظامَ يُوسُفَ، فَجَعَلَهُ في وسَطِ ثَوْبِهِ، ثُمَّ لَفَّ الثَّوْبَ بِالعِظامِ، فَحَمَلَهُ عَلى يَمِينِهِ، فَقالَ لَهُ: المَلَكُ الَّذِي عَلى يَمِينِهِ: الحِمْلُ يُحْمَلُ عَلى اليَمِينِ! قالَ: صَدَقْتَ، هو عَلى الشِّمالِ، ولَكِنْ إنَّما فَعَلْتُ ذَلِكَ كَرامَةً لِيُوسُفَ. وأخْرَجَ ابْنُ عَبْدِ الحَكَمِ مِن طَرِيقِ الكَلْبِيِّ، عَنْ أبِي صالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانَ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ قَدْ عَهِدَ عِنْدَ مَوْتِهِ أنْ يَخْرُجُوا بِعِظامِهِ مَعَهم مِن مِصْرَ. قالَ: فَتَجَهَّزَ القَوْمُ وخَرَجُوا فَتُحَيَّرُوا، فَقالَ لَهم مُوسى: إنَّما تَحَيُّرُكم هَذا مِن أجْلِ عِظامِ يُوسُفَ، فَمَن يَدُلُّنِي عَلَيْها؟ فَقالَتْ عَجُوزٌ يُقالُ لَها: شارِحُ ابْنَةُ أشِي بْنِ يَعْقُوبَ: أنا رَأيْتُ عَمِّي يُوسُفَ حِينَ دُفِنَ، فَما تَجْعَلُ لِي إنْ دَلَلْتُكَ عَلَيْهِ؟ قالَ: حُكْمَكِ. فَدَلَّتْهُ عَلَيْها، فَأخَذَ عِظامَ يُوسُفَ، ثُمَّ قالَ لَها: احْتَكِمِي. قالَتْ: أكُونُ مَعَكَ حَيْثُ كُنْتَ في الجَنَّةِ. وأخْرَجَ ابْنُ عَبْدِ الحَكَمِ، مِن طَرِيقِ الكَلْبِيِّ، عَنْ أبِي صالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، (p-٢٦٦)أنَّ اللَّهَ أوْحى إلى مُوسى، أنْ أسْرِ بِعِبادِي، وكانَ بَنُو إسْرائِيلَ اسْتَعارُوا مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ حُلِيًّا وثِيابًا، وقالُوا: إنَّ لَنا عِيدًا نَخْرُجُ إلَيْهِ. فَخَرَجَ بِهِمْ مُوسى لَيْلًا وهم سِتُّمِائَةِ ألْفٍ وثَلاثَةُ آلافٍ ونَيِّفٌ، فَذَلِكَ قَوْلُ فِرْعَوْنَ: ﴿إنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ﴾ [الشعراء: ٥٤] وخَرَجَ فِرْعَوْنُ ومُقَدِّمَتُهُ خَمْسُمِائَةِ ألْفٍ سِوى المُجَنَّبَتَيْنِ والقَلْبِ، فَلَمّا انْتَهى مُوسى إلى البَحْرِ أقْبَلُ يُوشَعُ بْنُ نُونٍ عَلى فَرَسِهِ، فَمَشى عَلى الماءِ، واقْتَحَمَ غَيْرُهُ خُيُولَهم فَرَسَبُوا في الماءِ، وخَرَجَ فِرْعَوْنُ في طَلَبِهِمْ حِينَ أصْبَحَ وبَعْدَما طَلَعَتِ الشَّمْسُ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَأتْبَعُوهم مُشْرِقِينَ﴾ [الشعراء: ٦٠] ﴿فَلَمّا تَراءى الجَمْعانِ قالَ أصْحابُ مُوسى إنّا لَمُدْرَكُونَ﴾ [الشعراء: ٦١] فَدَعا مُوسى رَبَّهُ، فَغَشِيَتْهم ضَبابَةٌ حالَتْ بَيْنَهم وبَيْنَهُ، وقِيلَ لَهُ: اضْرِبْ بِعَصاكَ البَحْرَ. فَفَعَلَ، ﴿فانْفَلَقَ فَكانَ كُلُّ فِرْقٍ كالطَّوْدِ العَظِيمِ﴾ يَعْنِي الجَبَلَ. فانْفَلَقَ فِيهِ اثْنا عَشَرَ طَرِيقًا، فَقالُوا: إنّا نَخافُ أنْ تُوحَلَ فِيهِ الخَيْلُ. فَدَعا مُوسى رَبَّهُ، فَهَبَّتْ عَلَيْهِمُ الصَّبا، فَجَفَّ، فَقالُوا: إنّا نَخافُ أنْ يَغْرَقَ مِنّا ولا نَشْعُرُ. فَقالَ بِعَصاهُ فَنَقَبَ الماءَ، فَجَعَلَ بَيْنَهم كَوًى حَتّى يَرى بَعْضُهم بَعْضًا، ثُمَّ دَخَلُوا حَتّى جاوَزُوا البَحْرَ، وأقْبَلَ فِرْعَوْنُ حَتّى انْتَهى إلى المَوْضِعِ الَّذِي عَبَرَ مِنهُ مُوسى وطُرُقُهُ عَلى حالِها، فَقالَ لَهُ أدِلّاؤُهُ: إنَّ مُوسى قَدْ سَحَرَ البَحْرُ حَتّى صارَ كَما تَرى. وهو قَوْلُهُ: ﴿واتْرُكِ البَحْرَ رَهْوًا﴾ [الدخان: ٢٤] [الدُّخّانِ: ٢٤] . يَعْنِي كَما هو. فَخُذْ هَهُنا حَتّى نَلْحَقَهم. وهو مَسِيرَةُ (p-٢٦٧)ثَلاثَةِ أيّامٍ في البَرِّ. وكانَ فِرْعَوْنُ يَوْمَئِذٍ عَلى حِصانٍ، فَأقْبَلَ جِبْرِيلُ عَلى فَرَسٍ أُنْثى، في ثَلاثَةٍ وثَلاثِينَ مِنَ المَلائِكَةِ، فَتَفَرَّقُوا في النّاسِ وتَقَدَّمَ جِبْرِيلُ، فَسارَ بَيْنَ يَدَيْ فِرْعَوْنَ، وتَبِعَهُ فِرْعَوْنُ، وصاحَتِ المَلائِكَةُ في النّاسِ: الحَقُوا المَلِكَ، حَتّى إذا دَخَلَ آخِرُهم ولَمْ يَخْرُجْ أوَّلُهُمْ، التَقى البَحْرُ عَلَيْهِمْ فَغَرِقُوا، فَسَمِعَ بَنُو إسْرائِيلَ وجْبَةَ البَحْرَ حِينَ التَقى، فَقالُوا: ما هَذا؟ قالَ مُوسى: غَرِقَ فِرْعَوْنُ وأصْحابُهُ. فَرَجَعُوا يَنْظُرُونَ، فَألْقاهُمُ البَحْرُ عَلى السّاحِلِ. وأخْرَجَ ابْنُ عَبْدِ الحَكَمِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: كانَ جِبْرِيلُ بَيْنَ النّاسِ، بَيْنَ بَنِي إسْرائِيلَ وبَيْنَ آلِ فِرْعَوْنَ، فَجَعَلَ يَقُولُ لِبَنِي إسْرائِيلَ: لِيَلْحَقْ آخِرُكم. فَقالَتْ بَنُو إسْرائِيلَ: ما رَأيْنا سائِقًا أحْسَنَ سِياقًا مِن هَذا. وقالَ آلُ فِرْعَوْنَ: ما رَأيْنا وازِعًا أحْسَنَ زَعَةً مِن هَذا. فَلِما انْتَهى مُوسى وبَنُو إسْرائِيلَ إلى البَحْرِ قالَ مُؤْمِنُ آلِ فِرْعَوْنَ: يا نَبِيَّ اللَّهِ، أيْنَ أُمِرْتَ؟ هَذا البَحْرُ أمامَكَ، وقَدْ غَشِينا آلُ فِرْعَوْنَ! فَقالَ: أُمِرْتُ بِالبَحْرِ. فَأقْحَمَ مُؤْمِنُ آلِ فِرْعَوْنَ فَرَسَهُ فَرَدَّهُ التَّيّارُ، فَجَعَلَ مُوسى لا يَدْرِي كَيْفَ يَصْنَعُ، وكانَ اللَّهُ قَدْ أوْحى إلى البَحْرِ أنْ أطِعْ مُوسى، وآيَةُ ذَلِكَ إذا ضَرَبَكَ بِعَصاهُ. فَأوْحى اللَّهُ إلى مُوسى، أنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ البَحْرَ. فَضَرَبَهُ، ﴿فانْفَلَقَ فَكانَ كُلُّ فِرْقٍ كالطَّوْدِ العَظِيمِ﴾ فَدَخَلَ (p-٢٦٨)بَنُو إسْرائِيلَ وأتْبَعَهم آلُ فِرْعَوْنَ، فَلَمّا خَرَجَ آخِرُ بَنِي إسْرائِيلَ ودَخَلَ آخِرُ آلِ فِرْعَوْنَ، أطْبَقَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ البَحْرَ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: نَزَلَ جِبْرِيلُ يَوْمَ غَرِقَ فِرْعَوْنُ وعَلَيْهِ عِمامَةٌ سَوْداءُ. وأخْرَجَ الخَطِيبُ في ”المُتَّفِقِ والمُفْتَرِقِ“ عَنْ أبِي الدَّرْداءِ قالَ: «جَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَفِّقُ بِيَدَيْهِ ويَعْجَبُ مِن بَنِي إسْرائِيلَ وتَعَنُّتِهِمْ: «لَمّا حَضَرُوا البَحْرَ وحَضَرَهم عَدُوُّهُمْ، جاءُوا مُوسى فَقالُوا: قَدْ حَصَرَنا العَدُوُّ فَماذا أُمِرْتَ؟ قالَ: أنْ أنْزِلَ هَهُنا، فَإمّا أنْ يَفْتَحَ لِي رَبِّي ويَهْزِمَهُمْ، وإمّا أنْ يَفْرِقَ لِي هَذا البَحْرَ. فانْطَلَقَ نَفَرٌ مِنهم حَتّى وقَعُوا في البَحْرِ. قالَ رَبُّكَ تَعالى لِمُوسى: أنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ البَحْرَ، فَضَرَبَهُ فَتاطَّطَ كَما يَتَأطَّطُ العَرْشُ، ثُمَّ ضَرَبَهُ الثّانِيَةَ فَمِثْلُ ذَلِكَ، ثُمَّ ضَرَبَهُ الثّالِثَةَ فانْصَدَعَ، فَقالُوا: هَذا عَنْ غَيْرِ سُلْطانِ مُوسى، فَأجازَ البَحْرَ، فَلَمْ يُسْمَعْ بِقَوْمٍ أعْظَمَ ذَنْبًا، ولا أسْرَعَ تَوْبَةً مِنهُمْ»» . (p-٢٦٩)

الشعراء 26:64

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأوْحَيْنا إلى مُوسى أنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ البَحْرَ﴾ الآياتِ. أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿كالطَّوْدِ﴾ قالَ: كالجَبَلِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ في قَوْلِهِ: ﴿كالطَّوْدِ﴾ قالَ: كالجَبَلِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ قَتادَةَ قالَ: الطَّوْدُ الجَبَلُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وأزْلَفْنا﴾ قالَ: قَرَّبْنا. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ قَتادَةَ: ﴿وأزْلَفْنا ثَمَّ الآخَرِينَ﴾ قالَ: هم قَوْمُ فِرْعَوْنَ، قَرَّبَهُمُ اللَّهُ حَتّى أغْرَقَهم في البَحْرِ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««ألا أُعَلِّمُكَ الكَلِماتِ الَّتِي قالَهُنَّ مُوسى حِينَ انْفَلَقَ البَحْرُ»؟ . قُلْتُ: بَلى. قالَ: «اللَّهُمَّ لَكَ الحَمْدُ، وإلَيْكَ المُشْتَكى، وبِكَ المُسْتَغاثُ، وأنْتَ المُسْتَعانُ، ولا (p-٢٥٧)حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلّا بِاللَّهِ»» . قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: فَما تَرَكَتْهُنَّ مُنْذُ سَمِعْتُهُنَّ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ حَمْزَةَ بْنِ يُوسُفَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ، أنَّ مُوسى لَمّا انْتَهى إلى البَحْرِ قالَ: يا مَن كانَ قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ، والمُكَوِّنُ لِكُلِّ شَيْءٍ، والكائِنُ بَعْدَ كُلِّ شَيْءٍ، أجُعِلَ لَنا مَخْرَجًا. فَأوْحى اللَّهُ إلَيْهِ: ﴿أنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ البَحْرَ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: كانَ البَحْرُ ساكِنًا لا يَتَحَرَّكُ، فَلَمّا كانَ لَيْلَةَ ضَرَبَهُ مُوسى بِالعَصا صارَ يَمُدُّ ويَجْزُرُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَيْسِ بْنِ عُبادٍ قالَ: لَمّا انْتَهى مُوسى بِبَنِي إسْرائِيلَ إلى البَحْرِ، قالَتْ بَنُو إسْرائِيلَ لِمُوسى: أيْنَ ما وعَدْتَنا؟ هَذا البَحْرُ بَيْنَ أيْدِينا، وهَذا فِرْعَوْنُ وجُنُودُهُ قَدْ دَهَمَنا مِن خَلْفِنا. فَقالَ مُوسى لِلْبَحْرِ: انْفَرِقْ أبا خالِدٍ. فَقالَ: لَنْ أنْفَرِقَ لَكَ يا مُوسى، أنا أقْدَمُ مِنكَ وأشَدُّ خَلْقًا. فَنُودِيَ: ﴿أنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ البَحْرَ﴾ . (p-٢٥٨)وأخْرَجَ أبُو العَبّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ السَّرّاجُ في ”تارِيخِهِ“، وابْنُ عَبْدِ البَرِّ في ”التَّمْهِيدِ“، مِن طَرِيقِ يُوسُفَ بْنِ مِهْرانَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كَتَبَ صاحِبُ الرُّومِ إلى مُعاوِيَةَ يَسْألُهُ عَنْ أفْضَلِ الكَلامِ ما هُوَ؟ والثّانِي، والثّالِثُ، والرّابِعُ، وعَنْ أكْرَمِ الخَلْقِ عَلى اللَّهِ، وأكْرَمِ الإماءِ عَلى اللَّهِ، وعَنْ أرْبَعَةٍ مِنَ الخَلْقِ لَمْ يَرْكُضُوا في رَحِمٍ، وعَنْ قَبْرٍ سارَ بِصاحِبِهِ، وعَنِ المَجَرَّةِ، وعَنِ القَوْسِ، وعَنْ مَكانٍ طَلَعَتْ فِيهِ الشَّمْسُ لَمْ تَطْلُعْ قَبْلَ ذَلِكَ ولا بَعْدَهُ، فَلَمّا قَرَأ مُعاوِيَةُ الكِتابَ قالَ: أخْزاهُ اللَّهُ، وما عِلْمِي ما هَهُنا! فَقِيلَ لَهُ: اكْتُبْ إلى ابْنِ عَبّاسٍ فَسَلْهُ. فَكَتَبَ إلَيْهِ يَسْألُهُ، فَكَتَبَ إلَيْهِ ابْنُ عَبّاسٍ: إنَّ أفْضَلَ الكَلامِ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، كَلِمَةُ الإخْلاصِ، لا يُقْبَلُ عَمَلٌ إلّا بِها، والَّتِي تَلِيها سُبْحانَ اللَّهِ وبِحَمْدِهِ؛ أحَبُّ الكَلامِ إلى اللَّهِ، والَّتِي تَلِيها الحَمْدُ لِلَّهِ؛ كَلِمَةُ الشُّكْرِ، والَّتِي تَلِيها اللَّهُ أكْبَرُ؛ فاتِحَةُ الصَّلَواتِ والرُّكُوعِ والسُّجُودِ، وأكْرَمُ الخَلْقِ عَلى اللَّهِ آدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ، وأكْرَمُ إماءِ اللَّهِ مَرْيَمُ، وأمّا الأرْبَعَةُ الَّتِي لَمْ يَرْكُضُوا في رَحِمٍ؛ فَآدَمُ، وحَوّاءُ، والكَبْشُ الَّذِي فُدِيَ بِهِ إسْماعِيلُ، وعَصا مُوسى؛ حَيْثُ ألْقاها فَصارَتْ ثُعْبانًا مُبِينًا، وأمّا القَبْرُ الَّذِي سارَ بِصاحِبِهِ، (p-٢٥٩)فالحُوتُ حِينَ التَقَمَ يُونُسَ، وأمّا المَجَرَّةُ فَبابُ السَّماءِ، وأمّا القَوْسُ، فَإنَّها أمانٌ لِأهْلِ الأرْضِ مِنَ الغَرَقِ بَعْدَ قَوْمِ نُوحٍ، وأمّا المَكانُ الَّذِي طَلَعَتْ فِيهِ الشَّمْسُ لَمْ تَطْلُعْ قَبْلَهُ ولا بَعْدَهُ، فالمَكانُ الَّذِي انْفَرَجَ مِنَ البَحْرِ لِبَنِي إسْرائِيلَ. فَلَمّا قَدِمَ عَلَيْهِ الكِتابُ، أرْسَلَ بِهِ إلى صاحِبِ الرُّومِ، فَقالَ: لَقَدْ عَلِمْتُ أنَّ مُعاوِيَةَ لَمْ يَكُنْ لَهُ بِهَذا عِلْمٌ، وما أصابَ هَذا إلّا رَجُلٌ مِن أهْلِ بَيْتِ النُّبُوَّةِ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدّادِ بْنِ الهادِ قالَ: جاءَ مُوسى إلى فِرْعَوْنَ وعَلَيْهِ جُبَّةٌ مِن صُوفٍ، ومَعَهُ عَصًا، فَضَحِكَ فِرْعَوْنُ، فَألْقى عَصاهُ، فانْطَلَقَتْ نَحْوَهُ كَأنَّها عُنُقُ بُخْتِيٍّ، فِيها أمْثالُ الرِّماحِ تَهْتَزُّ، فَجَعَلَ فِرْعَوْنُ يَتَأخَّرُ وهو عَلى سَرِيرِهِ، فَقالَ فِرْعَوْنُ: خُذْها وأُسْلِمَ، فَعادَتْ كَما كانَتْ، وعادَ فِرْعَوْنُ كافِرًا، فَأُمِرَ مُوسى أنْ يَسِيرَ إلى البَحْرِ، فَسارَ بِهِمْ في سِتِّمِائَةِ ألْفٍ، فَلَمّا أتى البَحْرَ، أُمِرَ البَحْرُ إذا ضَرَبَهُ مُوسى بِعَصاهُ أنْ يَنْفَرِجُ لَهُ، فَضَرَبَ مُوسى بِعَصاهُ البَحْرَ، فانْفَلَقَ مِنهُ اثْنا عَشَرَ طَرِيقًا، لِكُلِّ سَبَطٍ مِنهم طَرِيقٌ، وجَعَلَ لَهم فِيها أمْثالَ الكَوّاتِ يَنْظُرُ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ. واقْبَلْ فِرْعَوْنُ في ثَمانِمِائَةِ ألْفٍ حَتّى أشْرَفَ عَلى البَحْرِ، فَلَمّا رَآهُ هابَهُ وهو عَلى حِصانٍ لَهُ، وعَرَضَ لَهُ مَلَكٌ وهو عَلى فَرَسٍ لَهُ أُنْثى، فَلَمْ يَمْلِكْ فِرْعَوْنُ فَرَسَهُ حَتّى أقْحَمَهُ، وخَرَجَ آخِرُ بَنِي إسْرائِيلَ، (p-٢٦٠)ووَلَجَ أصْحابُ فِرْعَوْنٍ حَتّى إذا صارُوا في البَحْرِ أُمِرَ البَحْرُ فَأطْبَقَ عَلَيْهِمْ، فَغَرِقَ فِرْعَوْنُ بِأصْحابِهِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: أوْحى اللَّهُ إلى مُوسى أنْ أسْرِ بِعِبادِي لَيْلًا إنَّكم مُتَّبَعُونَ. فَأسْرى مُوسى بِبَنِي إسْرائِيلَ لَيْلًا، فَأتَبْعَهم فِرْعَوْنُ في ألْفِ ألْفِ حِصانٍ سِوى الإناثِ، وكانَ مُوسى في سِتِّمِائَةِ ألْفٍ، فَلَمّا عايَنَهم فِرْعَوْنُ قالَ: ﴿إنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ﴾ [الشعراء: ٥٤] ﴿وإنَّهم لَنا لَغائِظُونَ﴾ [الشعراء: ٥٥] ﴿وإنّا لَجَمِيعٌ حاذِرُونَ﴾ [الشعراء: ٥٦] . فَأسْرى مُوسى بِبَنِي إسْرائِيلَ حَتّى هَجَمُوا عَلى البَحْرِ، فالتَفَتُوا فَإذا هم بِرَهَجِ دَوابِّ فِرْعَوْنَ، فَقالُوا: يا مُوسى، ﴿أُوذِينا مِن قَبْلِ أنْ تَأْتِيَنا ومِن بَعْدِ ما جِئْتَنا﴾ [الأعراف: ١٢٩] [الأعْرافِ: ١٢٩] . هَذا البَحْرُ أمامَنا، وهَذا فِرْعَوْنُ قَدْ رَهِقَنا بِمَن مَعَهُ. قالَ: ﴿عَسى رَبُّكم أنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكم ويَسْتَخْلِفَكم في الأرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ١٢٩] [الأعْرافِ: ١٢٩] . فَأوْحى اللَّهُ إلى مُوسى أنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ البَحْرَ، وأوْحى إلى البَحْرِ أنِ اسْمَعْ لِمُوسى وأطِعْ إذا ضَرَبَكَ. فَباتَ البَحْرُ لَهُ أفْكَلٌ -يَعْنِي: رِعْدَةٌ- لا يَدْرِي مِن أيِّ جَوانِبِهِ يَضْرِبُهُ. فَقالَ يُوشَعُ لِمُوسى: بِماذا أُمِرْتَ؟ قالَ: أُمِرْتُ أنْ أضْرِبَ البَحْرَ. قالَ: فاضْرِبْهُ. (p-٢٦١)فَضَرَبَ مُوسى البَحْرَ بِعَصاهُ فانْفَلَقَ، فَكانَ فِيهِ اثْنا عَشَرَ طَرِيقًا، كُلُّ طَرِيقٍ كالطَّوْدِ العَظِيمِ، فَكانَ لِكُلِّ سِبْطٍ مِنهم طَرِيقٌ يَأْخُذُونَ فِيهِ، فَلَمّا أخَذُوا في الطَّرِيقِ قالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: ما لَنا لا نَرى أصْحابَنا؟ قالُوا لِمُوسى: إنَّ أصْحابَنا لا نَراهم. قالَ: سِيرُوا فَإنَّهم عَلى طَرِيقٍ مِثْلِ طَرِيقِكم. قالُوا: لَنْ نَرْضى حَتّى نَراهم. قالَ مُوسى: اللَّهُمَّ أعِنِّي عَلى أخْلاقِهِمُ السَّيِّئَةِ. فَأوْحى اللَّهُ إلَيْهِ أنْ قُلْ بِعَصاكَ هَكَذا. وأوْمَأ بِيَدِهِ يُدِيرُها عَلى البَحْرِ، قالَ مُوسى بِعَصاهُ عَلى الحِيطانِ هَكَذا، فَصارَ فِيها كُوًى يَنْظُرُ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ، فَسارُوا حَتّى خَرَجُوا مِنَ البَحْرِ. فَلَمّا جازَ آخِرُ قَوْمِ مُوسى هَجَمَ فِرْعَوْنُ عَلى البَحْرِ هو وأصْحابُهُ، وكانَ فِرْعَوْنُ عَلى فَرَسٍ أدْهَمَ حِصانٍ، فَلَمّا هَجَمَ عَلى البَحْرِ هابَ الحِصانُ أنْ يَقْتَحِمَ في البَحْرِ، فَمَثَلَ لَهُ جِبْرِيلُ عَلى فَرَسٍ أُنْثى، فَلَمّا رَآها الحِصانُ اقْتَحَمَ خَلْفَها، وقِيلَ لِمُوسى: ﴿واتْرُكِ البَحْرَ رَهْوًا﴾ [الدخان: ٢٤] [الدُّخانِ: ٢٤] . قالَ: طُرُقًا عَلى حالِهِ. ودَخَلَ فِرْعَوْنُ وقَوْمُهُ في البَحْرِ، فَلَمّا دَخَلَ آخِرُ قَوْمِ فِرْعَوْنَ، وجازَ آخِرُ قَوْمِ مُوسى، أطْبَقَ البَحْرُ عَلى فِرْعَوْنِ وقَوْمِهِ فَأُغْرِقُوا. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، أنَّ (p-٢٦٢)مُوسى حِينَ أسْرى بِبَنِي إسْرائِيلَ بَلَغَ فِرْعَوْنَ، فَأمَرَ بِشاةٍ فَذُبِحَتْ، ثُمَّ قالَ: لا يُفْرَغُ مِن سَلْخِها حَتّى يَجْتَمِعَ إلَيَّ سِتُّمِائَةِ ألْفٍ مِنَ القِبْطِ. فانْطَلَقَ مُوسى حَتّى انْتَهى إلى البَحْرِ، فَقالَ لَهُ: انْفَرِقْ. فَقالَ لَهُ البَحْرُ: لَقَدِ اسْتَكْبَرْتَ يا مُوسى، وهَلِ انْفَرَقْتُ لِأحَدٍ مِن ولَدِ آدَمَ؟ ومَعَ مُوسى رَجُلٌ عَلى حِصانٍ لَهُ، فَقالَ: أيْنَ أُمِرْتَ يا نَبِيَّ اللَّهِ؟ قالَ: ما أُمِرْتُ إلّا بِهَذا الوَجْهِ، هَذا البَحْرِ. فاقْتَحَمَ فَرَسُهُ فَسَبَحَ بِهِ، ثُمَّ خَرَجَ فَقالَ: أيْنَ أُمِرْتَ يا نَبِيَّ اللَّهِ؟ قالَ: ما أُمِرْتُ إلّا بِهَذا الوَجْهِ. قالَ: واللَّهِ ما كَذَبْتَ ولا كُذِبْتَ، ثُمَّ اقْتَحَمَ الثّانِيَةَ فَسَبَحَ، ثُمَّ خَرَجَ، ثُمَّ قالَ: أيْنَ أُمِرْتَ يا نَبِيَّ اللَّهِ؟ قالَ: ما أُمِرْتُ إلّا بِهَذا الوَجْهِ. قالَ: ما كَذَبْتَ ولا كُذِبْتَ، فَأوْحى اللَّهُ إلى مُوسى أنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ البَحْرَ. فَضَرَبَهُ مُوسى بِعَصاهُ فانْفَلَقَ، فَكانَ فِيهِ اثْنا عَشَرَ طَرِيقًا، لِكُلِّ سِبْطٍ طَرِيقٌ يَتَراءَوْنَ، فَلَمّا خَرَجَ أصْحابُ مُوسى وتَتامَّ أصْحابُ فِرْعَوْنَ التَقى البَحْرُ عَلَيْهِمْ فَأغْرَقَهم. (p-٢٦٣)وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، عَنْ أبِي مُوسى، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قالَ: ««إنَّ مُوسى لَمّا أرادَ أنْ يَسِيرَ بِبَنِي إسْرائِيلَ أضَلَّ الطَّرِيقَ، فَقالَ لِبَنِي إسْرائِيلَ: ما هَذا؟ فَقالَ لَهُ عُلَماءُ بَنِي إسْرائِيلَ: إنَّ يُوسُفَ لَمّا حَضَرَهُ المَوْتُ، أخَذَ عَلَيْنا مَوْثِقًا ألّا نَخْرُجَ مِن مِصْرَ حَتّى نَنْقُلَ تابُوتَهُ مَعَنا. فَقالَ لَهم مُوسى: أيُّكم يَدْرِي أيْنَ قَبْرُهُ؟ فَقالُوا: ما يَعْلَمُ أحَدٌ مَكانَ قَبْرِهِ إلّا عَجُوزٌ لِبَنِي إسْرائِيلَ. فَأرْسَلَ إلَيْها مُوسى، فَقالَ: دُلِّينا عَلى قَبْرِ يُوسُفَ. فَقالَتْ: لا واللَّهِ حَتّى تُعْطِيَنِي حُكْمِي. قالَ: وما حُكْمُكِ؟ قالَتْ: أنْ أكُونَ مَعَكَ في الجَنَّةِ. فَكَأنَّهُ ثَقُلَ عَلَيْهِ ذَلِكَ، فَقِيلَ لَهُ: أعْطِها حُكْمَها، فَأعْطاها حُكْمَها، فانْطَلَقَتْ بِهِمْ إلى بُحَيْرَةٍ مُسْتَنْقَعَةٍ ماءً، فَقالَتْ لَهم: انْضَبُوا عَنْها الماءَ. فَفَعَلُوا، قالَتْ: احْفِرُوا. فَحَفَرُوا، فاسْتَخْرَجُوا قَبْرَ يُوسُفَ، فَلَمّا احْتَمَلُوهُ إذا الطَّرِيقُ مِثْلُ ضَوْءِ النَّهارِ»» . وأخْرَجَ ابْنُ عَبْدِ الحَكَمِ في ”فُتُوحِ مِصْرَ“ عَنْ سِماكِ بْنِ حَرْبٍ، أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: ««لَمّا أسْرى مُوسى بِبَنِي إسْرائِيلَ غَشِيَتْهم ضَبابَةٌ حالَتْ بَيْنَهم وبَيْنَ الطَّرِيقِ أنْ يُبْصِرُوهُ، وقِيلَ لِمُوسى: لَنْ تَعْبُرَ إلّا ومَعَكَ عِظامُ يُوسُفَ. قالَ: ومَن يَدْرِي أيْنَ مَوْضِعُها؟ قالُوا: ابْنَتُهُ عَجُوزٌ كَبِيرَةٌ ذاهِبَةُ البَصَرِ، تَرَكْناها (p-٢٦٤)فِي الدِّيارِ. فَرَجَعَ مُوسى، فَلَمّا سَمِعَتْ حِسَّهُ قالَتْ: مُوسى؟ قالَ: مُوسى. قالَتْ: ما رَدَّكَ؟ قالَ: أُمِرْتُ أنْ أحْمِلَ عِظامَ يُوسُفَ. قالَتْ: ما كُنْتُمْ لِتَعْبُرُوا إلّا وأنا مَعَكم. قالَ: دُلِّينِي عَلى عِظامِ يُوسُفَ. قالَتْ: لا أفْعَلُ إلّا أنْ تُعْطِيَنِي ما سَألْتُكَ. قالَ: فَلَكِ ما سَألْتِ. قالَتْ: خُذْ بِيَدِي. فَأخَذَ بِيَدِها فانْتَهَتْ بِهِ إلى عَمُودٍ عَلى شاطِئِ النِّيلِ، في أصْلِهِ سِكَّةٌ مِن حَدِيدٍ مُوَتَّدَةٌ، فِيها سِلْسِلَةٌ، فَقالَتْ: إنّا كُنّا دَفَنّاهُ مِن ذَلِكَ الجانِبِ، فَأخْصَبَ ذَلِكَ الجانِبُ، وأجْدَبَ ذا الجانِبُ، فَحَوَّلْناهُ إلى هَذا الجانِبِ، فَأخْصَبَ هَذا الجانِبُ، وأجْدَبَ ذاكَ، فَلَمّا رَأيْنا ذَلِكَ جَمَعْنا عِظامَهُ فَجَعَلْناها في صُنْدُوقٍ مِن حَدِيدٍ، وألْقَيْناهُ في وسَطِ النِّيلِ، فَأخْصَبَ الجانِبانِ جَمِيعًا. فَحَمَلَ الصُّنْدُوقَ عَلى رَقَبَتِهِ، وأخَذَ بِيَدِها فَألْحَقَها بِالعَسْكَرِ، وقالَ لَها: سَلِي ما شِئْتِ. قالَتْ: فَإنِّي أسْألُكَ أنْ أكُونَ أنا وأنْتَ في دَرَجَةٍ واحِدَةٍ في الجَنَّةِ، ويُرَدَّ عَلَيَّ بَصَرِي وشَبابِي حَتّى أكُونَ شابَّةً كَما كُنْتُ. قالَ: فَلَكِ ذَلِكَ»» . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: أوْصى يُوسُفُ: إنْ جاءَ نَبِيٌّ مِن بَعْدِي، فَقُولُوا لَهُ: يُخْرِجُ عِظامِي مِن هَذِهِ القَرْيَةِ. فَلَمّا كانَ مِن أمْرِ مُوسى ما كانَ يَوْمَ فِرْعَوْنَ، فَمَرَّ بِالقَرْيَةِ الَّتِي فِيها قَبْرُ يُوسُفَ، فَسَألَ عَنْ قَبْرِهِ فَلَمْ (p-٢٦٥)يَجِدْ أحَدًا يُخْبِرْهُ، فَقِيلَ لَهُ: هَهُنا عَجُوزٌ بَقِيَتْ مِن قَوْمِ يُوسُفَ. فَجاءَها مُوسى فَقالَ لَها: تَدُلِّينِي عَلى قَبْرِ يُوسُفَ؟ فَقالَتْ: لا أفْعَلُ حَتّى تُعْطِيَنِي ما أشْتَرِطُ عَلَيْكَ. فَأوْحى اللَّهُ إلى مُوسى أنْ أعْطِها شَرْطَها. قالَ لَها: وما تُرِيدِينَ؟ قالَتْ: أكُونُ زَوْجَتَكَ في الجَنَّةِ. فَأعْطاها، فَدَلَّتْهُ عَلى قَبْرِهِ. فَحَفَرَ مُوسى القَبْرَ، ثُمَّ بَسَطَ رِداءَهُ وأخْرَجَ عِظامَ يُوسُفَ، فَجَعَلَهُ في وسَطِ ثَوْبِهِ، ثُمَّ لَفَّ الثَّوْبَ بِالعِظامِ، فَحَمَلَهُ عَلى يَمِينِهِ، فَقالَ لَهُ: المَلَكُ الَّذِي عَلى يَمِينِهِ: الحِمْلُ يُحْمَلُ عَلى اليَمِينِ! قالَ: صَدَقْتَ، هو عَلى الشِّمالِ، ولَكِنْ إنَّما فَعَلْتُ ذَلِكَ كَرامَةً لِيُوسُفَ. وأخْرَجَ ابْنُ عَبْدِ الحَكَمِ مِن طَرِيقِ الكَلْبِيِّ، عَنْ أبِي صالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانَ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ قَدْ عَهِدَ عِنْدَ مَوْتِهِ أنْ يَخْرُجُوا بِعِظامِهِ مَعَهم مِن مِصْرَ. قالَ: فَتَجَهَّزَ القَوْمُ وخَرَجُوا فَتُحَيَّرُوا، فَقالَ لَهم مُوسى: إنَّما تَحَيُّرُكم هَذا مِن أجْلِ عِظامِ يُوسُفَ، فَمَن يَدُلُّنِي عَلَيْها؟ فَقالَتْ عَجُوزٌ يُقالُ لَها: شارِحُ ابْنَةُ أشِي بْنِ يَعْقُوبَ: أنا رَأيْتُ عَمِّي يُوسُفَ حِينَ دُفِنَ، فَما تَجْعَلُ لِي إنْ دَلَلْتُكَ عَلَيْهِ؟ قالَ: حُكْمَكِ. فَدَلَّتْهُ عَلَيْها، فَأخَذَ عِظامَ يُوسُفَ، ثُمَّ قالَ لَها: احْتَكِمِي. قالَتْ: أكُونُ مَعَكَ حَيْثُ كُنْتَ في الجَنَّةِ. وأخْرَجَ ابْنُ عَبْدِ الحَكَمِ، مِن طَرِيقِ الكَلْبِيِّ، عَنْ أبِي صالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، (p-٢٦٦)أنَّ اللَّهَ أوْحى إلى مُوسى، أنْ أسْرِ بِعِبادِي، وكانَ بَنُو إسْرائِيلَ اسْتَعارُوا مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ حُلِيًّا وثِيابًا، وقالُوا: إنَّ لَنا عِيدًا نَخْرُجُ إلَيْهِ. فَخَرَجَ بِهِمْ مُوسى لَيْلًا وهم سِتُّمِائَةِ ألْفٍ وثَلاثَةُ آلافٍ ونَيِّفٌ، فَذَلِكَ قَوْلُ فِرْعَوْنَ: ﴿إنَّ هَؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ﴾ [الشعراء: ٥٤] وخَرَجَ فِرْعَوْنُ ومُقَدِّمَتُهُ خَمْسُمِائَةِ ألْفٍ سِوى المُجَنَّبَتَيْنِ والقَلْبِ، فَلَمّا انْتَهى مُوسى إلى البَحْرِ أقْبَلُ يُوشَعُ بْنُ نُونٍ عَلى فَرَسِهِ، فَمَشى عَلى الماءِ، واقْتَحَمَ غَيْرُهُ خُيُولَهم فَرَسَبُوا في الماءِ، وخَرَجَ فِرْعَوْنُ في طَلَبِهِمْ حِينَ أصْبَحَ وبَعْدَما طَلَعَتِ الشَّمْسُ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَأتْبَعُوهم مُشْرِقِينَ﴾ [الشعراء: ٦٠] ﴿فَلَمّا تَراءى الجَمْعانِ قالَ أصْحابُ مُوسى إنّا لَمُدْرَكُونَ﴾ [الشعراء: ٦١] فَدَعا مُوسى رَبَّهُ، فَغَشِيَتْهم ضَبابَةٌ حالَتْ بَيْنَهم وبَيْنَهُ، وقِيلَ لَهُ: اضْرِبْ بِعَصاكَ البَحْرَ. فَفَعَلَ، ﴿فانْفَلَقَ فَكانَ كُلُّ فِرْقٍ كالطَّوْدِ العَظِيمِ﴾ يَعْنِي الجَبَلَ. فانْفَلَقَ فِيهِ اثْنا عَشَرَ طَرِيقًا، فَقالُوا: إنّا نَخافُ أنْ تُوحَلَ فِيهِ الخَيْلُ. فَدَعا مُوسى رَبَّهُ، فَهَبَّتْ عَلَيْهِمُ الصَّبا، فَجَفَّ، فَقالُوا: إنّا نَخافُ أنْ يَغْرَقَ مِنّا ولا نَشْعُرُ. فَقالَ بِعَصاهُ فَنَقَبَ الماءَ، فَجَعَلَ بَيْنَهم كَوًى حَتّى يَرى بَعْضُهم بَعْضًا، ثُمَّ دَخَلُوا حَتّى جاوَزُوا البَحْرَ، وأقْبَلَ فِرْعَوْنُ حَتّى انْتَهى إلى المَوْضِعِ الَّذِي عَبَرَ مِنهُ مُوسى وطُرُقُهُ عَلى حالِها، فَقالَ لَهُ أدِلّاؤُهُ: إنَّ مُوسى قَدْ سَحَرَ البَحْرُ حَتّى صارَ كَما تَرى. وهو قَوْلُهُ: ﴿واتْرُكِ البَحْرَ رَهْوًا﴾ [الدخان: ٢٤] [الدُّخّانِ: ٢٤] . يَعْنِي كَما هو. فَخُذْ هَهُنا حَتّى نَلْحَقَهم. وهو مَسِيرَةُ (p-٢٦٧)ثَلاثَةِ أيّامٍ في البَرِّ. وكانَ فِرْعَوْنُ يَوْمَئِذٍ عَلى حِصانٍ، فَأقْبَلَ جِبْرِيلُ عَلى فَرَسٍ أُنْثى، في ثَلاثَةٍ وثَلاثِينَ مِنَ المَلائِكَةِ، فَتَفَرَّقُوا في النّاسِ وتَقَدَّمَ جِبْرِيلُ، فَسارَ بَيْنَ يَدَيْ فِرْعَوْنَ، وتَبِعَهُ فِرْعَوْنُ، وصاحَتِ المَلائِكَةُ في النّاسِ: الحَقُوا المَلِكَ، حَتّى إذا دَخَلَ آخِرُهم ولَمْ يَخْرُجْ أوَّلُهُمْ، التَقى البَحْرُ عَلَيْهِمْ فَغَرِقُوا، فَسَمِعَ بَنُو إسْرائِيلَ وجْبَةَ البَحْرَ حِينَ التَقى، فَقالُوا: ما هَذا؟ قالَ مُوسى: غَرِقَ فِرْعَوْنُ وأصْحابُهُ. فَرَجَعُوا يَنْظُرُونَ، فَألْقاهُمُ البَحْرُ عَلى السّاحِلِ. وأخْرَجَ ابْنُ عَبْدِ الحَكَمِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: كانَ جِبْرِيلُ بَيْنَ النّاسِ، بَيْنَ بَنِي إسْرائِيلَ وبَيْنَ آلِ فِرْعَوْنَ، فَجَعَلَ يَقُولُ لِبَنِي إسْرائِيلَ: لِيَلْحَقْ آخِرُكم. فَقالَتْ بَنُو إسْرائِيلَ: ما رَأيْنا سائِقًا أحْسَنَ سِياقًا مِن هَذا. وقالَ آلُ فِرْعَوْنَ: ما رَأيْنا وازِعًا أحْسَنَ زَعَةً مِن هَذا. فَلِما انْتَهى مُوسى وبَنُو إسْرائِيلَ إلى البَحْرِ قالَ مُؤْمِنُ آلِ فِرْعَوْنَ: يا نَبِيَّ اللَّهِ، أيْنَ أُمِرْتَ؟ هَذا البَحْرُ أمامَكَ، وقَدْ غَشِينا آلُ فِرْعَوْنَ! فَقالَ: أُمِرْتُ بِالبَحْرِ. فَأقْحَمَ مُؤْمِنُ آلِ فِرْعَوْنَ فَرَسَهُ فَرَدَّهُ التَّيّارُ، فَجَعَلَ مُوسى لا يَدْرِي كَيْفَ يَصْنَعُ، وكانَ اللَّهُ قَدْ أوْحى إلى البَحْرِ أنْ أطِعْ مُوسى، وآيَةُ ذَلِكَ إذا ضَرَبَكَ بِعَصاهُ. فَأوْحى اللَّهُ إلى مُوسى، أنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ البَحْرَ. فَضَرَبَهُ، ﴿فانْفَلَقَ فَكانَ كُلُّ فِرْقٍ كالطَّوْدِ العَظِيمِ﴾ فَدَخَلَ (p-٢٦٨)بَنُو إسْرائِيلَ وأتْبَعَهم آلُ فِرْعَوْنَ، فَلَمّا خَرَجَ آخِرُ بَنِي إسْرائِيلَ ودَخَلَ آخِرُ آلِ فِرْعَوْنَ، أطْبَقَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ البَحْرَ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: نَزَلَ جِبْرِيلُ يَوْمَ غَرِقَ فِرْعَوْنُ وعَلَيْهِ عِمامَةٌ سَوْداءُ. وأخْرَجَ الخَطِيبُ في ”المُتَّفِقِ والمُفْتَرِقِ“ عَنْ أبِي الدَّرْداءِ قالَ: «جَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَفِّقُ بِيَدَيْهِ ويَعْجَبُ مِن بَنِي إسْرائِيلَ وتَعَنُّتِهِمْ: «لَمّا حَضَرُوا البَحْرَ وحَضَرَهم عَدُوُّهُمْ، جاءُوا مُوسى فَقالُوا: قَدْ حَصَرَنا العَدُوُّ فَماذا أُمِرْتَ؟ قالَ: أنْ أنْزِلَ هَهُنا، فَإمّا أنْ يَفْتَحَ لِي رَبِّي ويَهْزِمَهُمْ، وإمّا أنْ يَفْرِقَ لِي هَذا البَحْرَ. فانْطَلَقَ نَفَرٌ مِنهم حَتّى وقَعُوا في البَحْرِ. قالَ رَبُّكَ تَعالى لِمُوسى: أنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ البَحْرَ، فَضَرَبَهُ فَتاطَّطَ كَما يَتَأطَّطُ العَرْشُ، ثُمَّ ضَرَبَهُ الثّانِيَةَ فَمِثْلُ ذَلِكَ، ثُمَّ ضَرَبَهُ الثّالِثَةَ فانْصَدَعَ، فَقالُوا: هَذا عَنْ غَيْرِ سُلْطانِ مُوسى، فَأجازَ البَحْرَ، فَلَمْ يُسْمَعْ بِقَوْمٍ أعْظَمَ ذَنْبًا، ولا أسْرَعَ تَوْبَةً مِنهُمْ»» . (p-٢٦٩)

الشعراء 26:69

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأ إبْراهِيمَ﴾ الآياتِ. أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿فَنَظَلُّ لَها عاكِفِينَ﴾ قالَ: عابِدِينَ، ﴿قالَ هَلْ يَسْمَعُونَكم إذْ تَدْعُونَ﴾ يَقُولُ: هَلْ تُجِيبُكم آلِهَتُكم إذا دَعَوْتُمُوهم. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ عِكْرِمَةَ في قَوْلِهِ: ﴿هَلْ يَسْمَعُونَكم إذْ تَدْعُونَ﴾ قالَ: هَلْ يَسْمَعُونَ أصْواتَكم.

الشعراء 26:70

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأ إبْراهِيمَ﴾ الآياتِ. أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿فَنَظَلُّ لَها عاكِفِينَ﴾ قالَ: عابِدِينَ، ﴿قالَ هَلْ يَسْمَعُونَكم إذْ تَدْعُونَ﴾ يَقُولُ: هَلْ تُجِيبُكم آلِهَتُكم إذا دَعَوْتُمُوهم. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ عِكْرِمَةَ في قَوْلِهِ: ﴿هَلْ يَسْمَعُونَكم إذْ تَدْعُونَ﴾ قالَ: هَلْ يَسْمَعُونَ أصْواتَكم.

الشعراء 26:71

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأ إبْراهِيمَ﴾ الآياتِ. أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿فَنَظَلُّ لَها عاكِفِينَ﴾ قالَ: عابِدِينَ، ﴿قالَ هَلْ يَسْمَعُونَكم إذْ تَدْعُونَ﴾ يَقُولُ: هَلْ تُجِيبُكم آلِهَتُكم إذا دَعَوْتُمُوهم. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ عِكْرِمَةَ في قَوْلِهِ: ﴿هَلْ يَسْمَعُونَكم إذْ تَدْعُونَ﴾ قالَ: هَلْ يَسْمَعُونَ أصْواتَكم.

الشعراء 26:72

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأ إبْراهِيمَ﴾ الآياتِ. أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿فَنَظَلُّ لَها عاكِفِينَ﴾ قالَ: عابِدِينَ، ﴿قالَ هَلْ يَسْمَعُونَكم إذْ تَدْعُونَ﴾ يَقُولُ: هَلْ تُجِيبُكم آلِهَتُكم إذا دَعَوْتُمُوهم. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ عِكْرِمَةَ في قَوْلِهِ: ﴿هَلْ يَسْمَعُونَكم إذْ تَدْعُونَ﴾ قالَ: هَلْ يَسْمَعُونَ أصْواتَكم.

الشعراء 26:78

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهو يَهْدِينِ﴾ الآياتِ. أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ قالَ: كانَ يُقالُ: إنَّ أوَّلَ نِعْمَةِ اللَّهِ عَلى عَبْدِهِ حِينَ خَلَقَهُ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿أطْمَعُ أنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾ قالَ: قَوْلُهُ: ﴿إنِّي سَقِيمٌ﴾ [الصافات: ٨٩] [الصّافّاتِ: ٢٩]، وقَوْلُهُ: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهم هَذا﴾ [الأنبياء: ٦٣] [الأنْبِياءِ: ٦٣] . وقَوْلُهُ لِسارَّةَ: إنَّها أُخْتِي. حِينَ أرادَ فِرْعَوْنٌ مِنَ الفَراعِنَةِ أنْ يَأْخُذَها. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وألْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ﴾ يَعْنِي: بِأهْلِ الجَنَّةِ. (p-٢٧٠)وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿واجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ في الآخِرِينَ﴾ قالَ: اجْتِماعُ أهْلِ المِلَلِ عَلى إبْراهِيمَ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ: ﴿واجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ في الآخِرِينَ﴾ قالَ: الثَّناءُ الحَسَنُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ لَيْثِ بْنِ أبِي سُلَيْمٍ: ﴿واجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ في الآخِرِينَ﴾ قالَ: يُؤْمِنُ بِإبْراهِيمَ كُلُّ مِلَّةٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا في ”الذِّكْرِ“، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، مِن طَرِيقِ الحَسَنِ، عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««إذا تَوَضَّأ العَبْدُ لِصَلاةٍ مَكْتُوبَةٍ فَأسْبَغَ الوُضُوءَ، ثُمَّ خَرَجَ مِن بابِ دارِهِ يُرِيدُ المَسْجِدَ فَقالَ حِينَ يَخْرُجُ: بِاسْمِ اللَّهِ ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهو يَهْدِينِ﴾ . هَداهُ اللَّهُ لِلصَّوابِ - ولَفْظُ ابْنِ مَرْدُوَيْهِ: لِصَوابِ الأعْمالِ - ﴿والَّذِي هو يُطْعِمُنِي ويَسْقِينِ﴾ أطْعَمَهُ اللَّهُ مِن طَعامِ الجَنَّةِ وسَقاهُ مِن شَرابِ الجَنَّةِ، ﴿وإذا مَرِضْتُ فَهو يَشْفِينِ﴾ . شَفاهُ اللَّهُ، وجَعَلَ مَرَضَهُ كَفّارَةً لِذُنُوبِهِ، ﴿والَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ﴾ . أحْياهُ اللَّهُ حَياةَ السُّعَداءِ، وأماتَهُ مِيتَةَ الشُّهَداءِ، ﴿والَّذِي أطْمَعُ أنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾ . غَفَرَ اللَّهُ خَطاياهُ كُلَّها وإنْ كانَتْ أكْثَرَ مِن زَبَدِ البَحْرِ، ﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وألْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ﴾ . وهَبَ اللَّهُ لَهُ حُكْمًا وألْحَقَهُ بِصالِحِ مَن مَضى، وصالِحِ مَن بَقِيَ، ﴿واجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ في الآخِرِينَ﴾ كُتِبَ في ورَقَةٍ بَيْضاءَ: إنَّ فَلانَ بْنَ فُلانٍ (p-٢٧١)مِنَ الصّادِقِينَ. ثُمَّ يُوَفِّقُهُ اللَّهُ بَعْدَ ذَلِكَ لِلصِّدْقِ، ﴿واجْعَلْنِي مِن ورَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ﴾ . جَعَلَ اللَّهُ لَهُ القُصُورَ والمَنازِلَ في الجَنَّةِ» . وكانَ الحَسَنُ يَزِيدُ فِيهِ: واغْفِرْ لِوالِدِيَّ كَما رَبَّيانِي صَغِيرًا» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، «عَنْ عائِشَةَ، أنَّها قالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ، أنَّ ابْنَ جُدْعانَ كانَ يَقْرِي الضَّيْفَ، ويَصِلُ الرَّحِمَ، ويَفْعَلُ ويَفْعَلُ، أيَنْفَعُهُ ذَلِكَ؟ قالَ: «لا، إنَّهُ لَمْ يَقُلْ يَوْمًا: رَبِّ اغْفِرْ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ»» .

الشعراء 26:79

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهو يَهْدِينِ﴾ الآياتِ. أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ قالَ: كانَ يُقالُ: إنَّ أوَّلَ نِعْمَةِ اللَّهِ عَلى عَبْدِهِ حِينَ خَلَقَهُ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿أطْمَعُ أنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾ قالَ: قَوْلُهُ: ﴿إنِّي سَقِيمٌ﴾ [الصافات: ٨٩] [الصّافّاتِ: ٢٩]، وقَوْلُهُ: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهم هَذا﴾ [الأنبياء: ٦٣] [الأنْبِياءِ: ٦٣] . وقَوْلُهُ لِسارَّةَ: إنَّها أُخْتِي. حِينَ أرادَ فِرْعَوْنٌ مِنَ الفَراعِنَةِ أنْ يَأْخُذَها. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وألْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ﴾ يَعْنِي: بِأهْلِ الجَنَّةِ. (p-٢٧٠)وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿واجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ في الآخِرِينَ﴾ قالَ: اجْتِماعُ أهْلِ المِلَلِ عَلى إبْراهِيمَ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ: ﴿واجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ في الآخِرِينَ﴾ قالَ: الثَّناءُ الحَسَنُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ لَيْثِ بْنِ أبِي سُلَيْمٍ: ﴿واجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ في الآخِرِينَ﴾ قالَ: يُؤْمِنُ بِإبْراهِيمَ كُلُّ مِلَّةٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا في ”الذِّكْرِ“، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، مِن طَرِيقِ الحَسَنِ، عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««إذا تَوَضَّأ العَبْدُ لِصَلاةٍ مَكْتُوبَةٍ فَأسْبَغَ الوُضُوءَ، ثُمَّ خَرَجَ مِن بابِ دارِهِ يُرِيدُ المَسْجِدَ فَقالَ حِينَ يَخْرُجُ: بِاسْمِ اللَّهِ ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهو يَهْدِينِ﴾ . هَداهُ اللَّهُ لِلصَّوابِ - ولَفْظُ ابْنِ مَرْدُوَيْهِ: لِصَوابِ الأعْمالِ - ﴿والَّذِي هو يُطْعِمُنِي ويَسْقِينِ﴾ أطْعَمَهُ اللَّهُ مِن طَعامِ الجَنَّةِ وسَقاهُ مِن شَرابِ الجَنَّةِ، ﴿وإذا مَرِضْتُ فَهو يَشْفِينِ﴾ . شَفاهُ اللَّهُ، وجَعَلَ مَرَضَهُ كَفّارَةً لِذُنُوبِهِ، ﴿والَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ﴾ . أحْياهُ اللَّهُ حَياةَ السُّعَداءِ، وأماتَهُ مِيتَةَ الشُّهَداءِ، ﴿والَّذِي أطْمَعُ أنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾ . غَفَرَ اللَّهُ خَطاياهُ كُلَّها وإنْ كانَتْ أكْثَرَ مِن زَبَدِ البَحْرِ، ﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وألْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ﴾ . وهَبَ اللَّهُ لَهُ حُكْمًا وألْحَقَهُ بِصالِحِ مَن مَضى، وصالِحِ مَن بَقِيَ، ﴿واجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ في الآخِرِينَ﴾ كُتِبَ في ورَقَةٍ بَيْضاءَ: إنَّ فَلانَ بْنَ فُلانٍ (p-٢٧١)مِنَ الصّادِقِينَ. ثُمَّ يُوَفِّقُهُ اللَّهُ بَعْدَ ذَلِكَ لِلصِّدْقِ، ﴿واجْعَلْنِي مِن ورَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ﴾ . جَعَلَ اللَّهُ لَهُ القُصُورَ والمَنازِلَ في الجَنَّةِ» . وكانَ الحَسَنُ يَزِيدُ فِيهِ: واغْفِرْ لِوالِدِيَّ كَما رَبَّيانِي صَغِيرًا» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، «عَنْ عائِشَةَ، أنَّها قالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ، أنَّ ابْنَ جُدْعانَ كانَ يَقْرِي الضَّيْفَ، ويَصِلُ الرَّحِمَ، ويَفْعَلُ ويَفْعَلُ، أيَنْفَعُهُ ذَلِكَ؟ قالَ: «لا، إنَّهُ لَمْ يَقُلْ يَوْمًا: رَبِّ اغْفِرْ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ»» .

الشعراء 26:80

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهو يَهْدِينِ﴾ الآياتِ. أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ قالَ: كانَ يُقالُ: إنَّ أوَّلَ نِعْمَةِ اللَّهِ عَلى عَبْدِهِ حِينَ خَلَقَهُ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿أطْمَعُ أنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾ قالَ: قَوْلُهُ: ﴿إنِّي سَقِيمٌ﴾ [الصافات: ٨٩] [الصّافّاتِ: ٢٩]، وقَوْلُهُ: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهم هَذا﴾ [الأنبياء: ٦٣] [الأنْبِياءِ: ٦٣] . وقَوْلُهُ لِسارَّةَ: إنَّها أُخْتِي. حِينَ أرادَ فِرْعَوْنٌ مِنَ الفَراعِنَةِ أنْ يَأْخُذَها. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وألْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ﴾ يَعْنِي: بِأهْلِ الجَنَّةِ. (p-٢٧٠)وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿واجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ في الآخِرِينَ﴾ قالَ: اجْتِماعُ أهْلِ المِلَلِ عَلى إبْراهِيمَ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ: ﴿واجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ في الآخِرِينَ﴾ قالَ: الثَّناءُ الحَسَنُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ لَيْثِ بْنِ أبِي سُلَيْمٍ: ﴿واجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ في الآخِرِينَ﴾ قالَ: يُؤْمِنُ بِإبْراهِيمَ كُلُّ مِلَّةٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا في ”الذِّكْرِ“، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، مِن طَرِيقِ الحَسَنِ، عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««إذا تَوَضَّأ العَبْدُ لِصَلاةٍ مَكْتُوبَةٍ فَأسْبَغَ الوُضُوءَ، ثُمَّ خَرَجَ مِن بابِ دارِهِ يُرِيدُ المَسْجِدَ فَقالَ حِينَ يَخْرُجُ: بِاسْمِ اللَّهِ ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهو يَهْدِينِ﴾ . هَداهُ اللَّهُ لِلصَّوابِ - ولَفْظُ ابْنِ مَرْدُوَيْهِ: لِصَوابِ الأعْمالِ - ﴿والَّذِي هو يُطْعِمُنِي ويَسْقِينِ﴾ أطْعَمَهُ اللَّهُ مِن طَعامِ الجَنَّةِ وسَقاهُ مِن شَرابِ الجَنَّةِ، ﴿وإذا مَرِضْتُ فَهو يَشْفِينِ﴾ . شَفاهُ اللَّهُ، وجَعَلَ مَرَضَهُ كَفّارَةً لِذُنُوبِهِ، ﴿والَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ﴾ . أحْياهُ اللَّهُ حَياةَ السُّعَداءِ، وأماتَهُ مِيتَةَ الشُّهَداءِ، ﴿والَّذِي أطْمَعُ أنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾ . غَفَرَ اللَّهُ خَطاياهُ كُلَّها وإنْ كانَتْ أكْثَرَ مِن زَبَدِ البَحْرِ، ﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وألْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ﴾ . وهَبَ اللَّهُ لَهُ حُكْمًا وألْحَقَهُ بِصالِحِ مَن مَضى، وصالِحِ مَن بَقِيَ، ﴿واجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ في الآخِرِينَ﴾ كُتِبَ في ورَقَةٍ بَيْضاءَ: إنَّ فَلانَ بْنَ فُلانٍ (p-٢٧١)مِنَ الصّادِقِينَ. ثُمَّ يُوَفِّقُهُ اللَّهُ بَعْدَ ذَلِكَ لِلصِّدْقِ، ﴿واجْعَلْنِي مِن ورَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ﴾ . جَعَلَ اللَّهُ لَهُ القُصُورَ والمَنازِلَ في الجَنَّةِ» . وكانَ الحَسَنُ يَزِيدُ فِيهِ: واغْفِرْ لِوالِدِيَّ كَما رَبَّيانِي صَغِيرًا» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، «عَنْ عائِشَةَ، أنَّها قالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ، أنَّ ابْنَ جُدْعانَ كانَ يَقْرِي الضَّيْفَ، ويَصِلُ الرَّحِمَ، ويَفْعَلُ ويَفْعَلُ، أيَنْفَعُهُ ذَلِكَ؟ قالَ: «لا، إنَّهُ لَمْ يَقُلْ يَوْمًا: رَبِّ اغْفِرْ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ»» .

الشعراء 26:81

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهو يَهْدِينِ﴾ الآياتِ. أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ قالَ: كانَ يُقالُ: إنَّ أوَّلَ نِعْمَةِ اللَّهِ عَلى عَبْدِهِ حِينَ خَلَقَهُ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿أطْمَعُ أنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾ قالَ: قَوْلُهُ: ﴿إنِّي سَقِيمٌ﴾ [الصافات: ٨٩] [الصّافّاتِ: ٢٩]، وقَوْلُهُ: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهم هَذا﴾ [الأنبياء: ٦٣] [الأنْبِياءِ: ٦٣] . وقَوْلُهُ لِسارَّةَ: إنَّها أُخْتِي. حِينَ أرادَ فِرْعَوْنٌ مِنَ الفَراعِنَةِ أنْ يَأْخُذَها. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وألْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ﴾ يَعْنِي: بِأهْلِ الجَنَّةِ. (p-٢٧٠)وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿واجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ في الآخِرِينَ﴾ قالَ: اجْتِماعُ أهْلِ المِلَلِ عَلى إبْراهِيمَ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ: ﴿واجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ في الآخِرِينَ﴾ قالَ: الثَّناءُ الحَسَنُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ لَيْثِ بْنِ أبِي سُلَيْمٍ: ﴿واجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ في الآخِرِينَ﴾ قالَ: يُؤْمِنُ بِإبْراهِيمَ كُلُّ مِلَّةٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا في ”الذِّكْرِ“، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، مِن طَرِيقِ الحَسَنِ، عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««إذا تَوَضَّأ العَبْدُ لِصَلاةٍ مَكْتُوبَةٍ فَأسْبَغَ الوُضُوءَ، ثُمَّ خَرَجَ مِن بابِ دارِهِ يُرِيدُ المَسْجِدَ فَقالَ حِينَ يَخْرُجُ: بِاسْمِ اللَّهِ ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهو يَهْدِينِ﴾ . هَداهُ اللَّهُ لِلصَّوابِ - ولَفْظُ ابْنِ مَرْدُوَيْهِ: لِصَوابِ الأعْمالِ - ﴿والَّذِي هو يُطْعِمُنِي ويَسْقِينِ﴾ أطْعَمَهُ اللَّهُ مِن طَعامِ الجَنَّةِ وسَقاهُ مِن شَرابِ الجَنَّةِ، ﴿وإذا مَرِضْتُ فَهو يَشْفِينِ﴾ . شَفاهُ اللَّهُ، وجَعَلَ مَرَضَهُ كَفّارَةً لِذُنُوبِهِ، ﴿والَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ﴾ . أحْياهُ اللَّهُ حَياةَ السُّعَداءِ، وأماتَهُ مِيتَةَ الشُّهَداءِ، ﴿والَّذِي أطْمَعُ أنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾ . غَفَرَ اللَّهُ خَطاياهُ كُلَّها وإنْ كانَتْ أكْثَرَ مِن زَبَدِ البَحْرِ، ﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وألْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ﴾ . وهَبَ اللَّهُ لَهُ حُكْمًا وألْحَقَهُ بِصالِحِ مَن مَضى، وصالِحِ مَن بَقِيَ، ﴿واجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ في الآخِرِينَ﴾ كُتِبَ في ورَقَةٍ بَيْضاءَ: إنَّ فَلانَ بْنَ فُلانٍ (p-٢٧١)مِنَ الصّادِقِينَ. ثُمَّ يُوَفِّقُهُ اللَّهُ بَعْدَ ذَلِكَ لِلصِّدْقِ، ﴿واجْعَلْنِي مِن ورَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ﴾ . جَعَلَ اللَّهُ لَهُ القُصُورَ والمَنازِلَ في الجَنَّةِ» . وكانَ الحَسَنُ يَزِيدُ فِيهِ: واغْفِرْ لِوالِدِيَّ كَما رَبَّيانِي صَغِيرًا» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، «عَنْ عائِشَةَ، أنَّها قالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ، أنَّ ابْنَ جُدْعانَ كانَ يَقْرِي الضَّيْفَ، ويَصِلُ الرَّحِمَ، ويَفْعَلُ ويَفْعَلُ، أيَنْفَعُهُ ذَلِكَ؟ قالَ: «لا، إنَّهُ لَمْ يَقُلْ يَوْمًا: رَبِّ اغْفِرْ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ»» .

الشعراء 26:82

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهو يَهْدِينِ﴾ الآياتِ. أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ قالَ: كانَ يُقالُ: إنَّ أوَّلَ نِعْمَةِ اللَّهِ عَلى عَبْدِهِ حِينَ خَلَقَهُ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿أطْمَعُ أنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾ قالَ: قَوْلُهُ: ﴿إنِّي سَقِيمٌ﴾ [الصافات: ٨٩] [الصّافّاتِ: ٢٩]، وقَوْلُهُ: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهم هَذا﴾ [الأنبياء: ٦٣] [الأنْبِياءِ: ٦٣] . وقَوْلُهُ لِسارَّةَ: إنَّها أُخْتِي. حِينَ أرادَ فِرْعَوْنٌ مِنَ الفَراعِنَةِ أنْ يَأْخُذَها. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وألْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ﴾ يَعْنِي: بِأهْلِ الجَنَّةِ. (p-٢٧٠)وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿واجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ في الآخِرِينَ﴾ قالَ: اجْتِماعُ أهْلِ المِلَلِ عَلى إبْراهِيمَ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ: ﴿واجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ في الآخِرِينَ﴾ قالَ: الثَّناءُ الحَسَنُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ لَيْثِ بْنِ أبِي سُلَيْمٍ: ﴿واجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ في الآخِرِينَ﴾ قالَ: يُؤْمِنُ بِإبْراهِيمَ كُلُّ مِلَّةٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا في ”الذِّكْرِ“، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، مِن طَرِيقِ الحَسَنِ، عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««إذا تَوَضَّأ العَبْدُ لِصَلاةٍ مَكْتُوبَةٍ فَأسْبَغَ الوُضُوءَ، ثُمَّ خَرَجَ مِن بابِ دارِهِ يُرِيدُ المَسْجِدَ فَقالَ حِينَ يَخْرُجُ: بِاسْمِ اللَّهِ ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهو يَهْدِينِ﴾ . هَداهُ اللَّهُ لِلصَّوابِ - ولَفْظُ ابْنِ مَرْدُوَيْهِ: لِصَوابِ الأعْمالِ - ﴿والَّذِي هو يُطْعِمُنِي ويَسْقِينِ﴾ أطْعَمَهُ اللَّهُ مِن طَعامِ الجَنَّةِ وسَقاهُ مِن شَرابِ الجَنَّةِ، ﴿وإذا مَرِضْتُ فَهو يَشْفِينِ﴾ . شَفاهُ اللَّهُ، وجَعَلَ مَرَضَهُ كَفّارَةً لِذُنُوبِهِ، ﴿والَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ﴾ . أحْياهُ اللَّهُ حَياةَ السُّعَداءِ، وأماتَهُ مِيتَةَ الشُّهَداءِ، ﴿والَّذِي أطْمَعُ أنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾ . غَفَرَ اللَّهُ خَطاياهُ كُلَّها وإنْ كانَتْ أكْثَرَ مِن زَبَدِ البَحْرِ، ﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وألْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ﴾ . وهَبَ اللَّهُ لَهُ حُكْمًا وألْحَقَهُ بِصالِحِ مَن مَضى، وصالِحِ مَن بَقِيَ، ﴿واجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ في الآخِرِينَ﴾ كُتِبَ في ورَقَةٍ بَيْضاءَ: إنَّ فَلانَ بْنَ فُلانٍ (p-٢٧١)مِنَ الصّادِقِينَ. ثُمَّ يُوَفِّقُهُ اللَّهُ بَعْدَ ذَلِكَ لِلصِّدْقِ، ﴿واجْعَلْنِي مِن ورَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ﴾ . جَعَلَ اللَّهُ لَهُ القُصُورَ والمَنازِلَ في الجَنَّةِ» . وكانَ الحَسَنُ يَزِيدُ فِيهِ: واغْفِرْ لِوالِدِيَّ كَما رَبَّيانِي صَغِيرًا» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، «عَنْ عائِشَةَ، أنَّها قالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ، أنَّ ابْنَ جُدْعانَ كانَ يَقْرِي الضَّيْفَ، ويَصِلُ الرَّحِمَ، ويَفْعَلُ ويَفْعَلُ، أيَنْفَعُهُ ذَلِكَ؟ قالَ: «لا، إنَّهُ لَمْ يَقُلْ يَوْمًا: رَبِّ اغْفِرْ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ»» .

الشعراء 26:83

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهو يَهْدِينِ﴾ الآياتِ. أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ قالَ: كانَ يُقالُ: إنَّ أوَّلَ نِعْمَةِ اللَّهِ عَلى عَبْدِهِ حِينَ خَلَقَهُ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿أطْمَعُ أنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾ قالَ: قَوْلُهُ: ﴿إنِّي سَقِيمٌ﴾ [الصافات: ٨٩] [الصّافّاتِ: ٢٩]، وقَوْلُهُ: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهم هَذا﴾ [الأنبياء: ٦٣] [الأنْبِياءِ: ٦٣] . وقَوْلُهُ لِسارَّةَ: إنَّها أُخْتِي. حِينَ أرادَ فِرْعَوْنٌ مِنَ الفَراعِنَةِ أنْ يَأْخُذَها. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وألْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ﴾ يَعْنِي: بِأهْلِ الجَنَّةِ. (p-٢٧٠)وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿واجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ في الآخِرِينَ﴾ قالَ: اجْتِماعُ أهْلِ المِلَلِ عَلى إبْراهِيمَ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ: ﴿واجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ في الآخِرِينَ﴾ قالَ: الثَّناءُ الحَسَنُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ لَيْثِ بْنِ أبِي سُلَيْمٍ: ﴿واجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ في الآخِرِينَ﴾ قالَ: يُؤْمِنُ بِإبْراهِيمَ كُلُّ مِلَّةٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا في ”الذِّكْرِ“، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، مِن طَرِيقِ الحَسَنِ، عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««إذا تَوَضَّأ العَبْدُ لِصَلاةٍ مَكْتُوبَةٍ فَأسْبَغَ الوُضُوءَ، ثُمَّ خَرَجَ مِن بابِ دارِهِ يُرِيدُ المَسْجِدَ فَقالَ حِينَ يَخْرُجُ: بِاسْمِ اللَّهِ ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهو يَهْدِينِ﴾ . هَداهُ اللَّهُ لِلصَّوابِ - ولَفْظُ ابْنِ مَرْدُوَيْهِ: لِصَوابِ الأعْمالِ - ﴿والَّذِي هو يُطْعِمُنِي ويَسْقِينِ﴾ أطْعَمَهُ اللَّهُ مِن طَعامِ الجَنَّةِ وسَقاهُ مِن شَرابِ الجَنَّةِ، ﴿وإذا مَرِضْتُ فَهو يَشْفِينِ﴾ . شَفاهُ اللَّهُ، وجَعَلَ مَرَضَهُ كَفّارَةً لِذُنُوبِهِ، ﴿والَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ﴾ . أحْياهُ اللَّهُ حَياةَ السُّعَداءِ، وأماتَهُ مِيتَةَ الشُّهَداءِ، ﴿والَّذِي أطْمَعُ أنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾ . غَفَرَ اللَّهُ خَطاياهُ كُلَّها وإنْ كانَتْ أكْثَرَ مِن زَبَدِ البَحْرِ، ﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وألْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ﴾ . وهَبَ اللَّهُ لَهُ حُكْمًا وألْحَقَهُ بِصالِحِ مَن مَضى، وصالِحِ مَن بَقِيَ، ﴿واجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ في الآخِرِينَ﴾ كُتِبَ في ورَقَةٍ بَيْضاءَ: إنَّ فَلانَ بْنَ فُلانٍ (p-٢٧١)مِنَ الصّادِقِينَ. ثُمَّ يُوَفِّقُهُ اللَّهُ بَعْدَ ذَلِكَ لِلصِّدْقِ، ﴿واجْعَلْنِي مِن ورَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ﴾ . جَعَلَ اللَّهُ لَهُ القُصُورَ والمَنازِلَ في الجَنَّةِ» . وكانَ الحَسَنُ يَزِيدُ فِيهِ: واغْفِرْ لِوالِدِيَّ كَما رَبَّيانِي صَغِيرًا» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، «عَنْ عائِشَةَ، أنَّها قالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ، أنَّ ابْنَ جُدْعانَ كانَ يَقْرِي الضَّيْفَ، ويَصِلُ الرَّحِمَ، ويَفْعَلُ ويَفْعَلُ، أيَنْفَعُهُ ذَلِكَ؟ قالَ: «لا، إنَّهُ لَمْ يَقُلْ يَوْمًا: رَبِّ اغْفِرْ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ»» .

الشعراء 26:84

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهو يَهْدِينِ﴾ الآياتِ. أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ قالَ: كانَ يُقالُ: إنَّ أوَّلَ نِعْمَةِ اللَّهِ عَلى عَبْدِهِ حِينَ خَلَقَهُ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿أطْمَعُ أنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾ قالَ: قَوْلُهُ: ﴿إنِّي سَقِيمٌ﴾ [الصافات: ٨٩] [الصّافّاتِ: ٢٩]، وقَوْلُهُ: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهم هَذا﴾ [الأنبياء: ٦٣] [الأنْبِياءِ: ٦٣] . وقَوْلُهُ لِسارَّةَ: إنَّها أُخْتِي. حِينَ أرادَ فِرْعَوْنٌ مِنَ الفَراعِنَةِ أنْ يَأْخُذَها. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وألْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ﴾ يَعْنِي: بِأهْلِ الجَنَّةِ. (p-٢٧٠)وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿واجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ في الآخِرِينَ﴾ قالَ: اجْتِماعُ أهْلِ المِلَلِ عَلى إبْراهِيمَ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ: ﴿واجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ في الآخِرِينَ﴾ قالَ: الثَّناءُ الحَسَنُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ لَيْثِ بْنِ أبِي سُلَيْمٍ: ﴿واجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ في الآخِرِينَ﴾ قالَ: يُؤْمِنُ بِإبْراهِيمَ كُلُّ مِلَّةٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا في ”الذِّكْرِ“، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، مِن طَرِيقِ الحَسَنِ، عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««إذا تَوَضَّأ العَبْدُ لِصَلاةٍ مَكْتُوبَةٍ فَأسْبَغَ الوُضُوءَ، ثُمَّ خَرَجَ مِن بابِ دارِهِ يُرِيدُ المَسْجِدَ فَقالَ حِينَ يَخْرُجُ: بِاسْمِ اللَّهِ ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهو يَهْدِينِ﴾ . هَداهُ اللَّهُ لِلصَّوابِ - ولَفْظُ ابْنِ مَرْدُوَيْهِ: لِصَوابِ الأعْمالِ - ﴿والَّذِي هو يُطْعِمُنِي ويَسْقِينِ﴾ أطْعَمَهُ اللَّهُ مِن طَعامِ الجَنَّةِ وسَقاهُ مِن شَرابِ الجَنَّةِ، ﴿وإذا مَرِضْتُ فَهو يَشْفِينِ﴾ . شَفاهُ اللَّهُ، وجَعَلَ مَرَضَهُ كَفّارَةً لِذُنُوبِهِ، ﴿والَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ﴾ . أحْياهُ اللَّهُ حَياةَ السُّعَداءِ، وأماتَهُ مِيتَةَ الشُّهَداءِ، ﴿والَّذِي أطْمَعُ أنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾ . غَفَرَ اللَّهُ خَطاياهُ كُلَّها وإنْ كانَتْ أكْثَرَ مِن زَبَدِ البَحْرِ، ﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وألْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ﴾ . وهَبَ اللَّهُ لَهُ حُكْمًا وألْحَقَهُ بِصالِحِ مَن مَضى، وصالِحِ مَن بَقِيَ، ﴿واجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ في الآخِرِينَ﴾ كُتِبَ في ورَقَةٍ بَيْضاءَ: إنَّ فَلانَ بْنَ فُلانٍ (p-٢٧١)مِنَ الصّادِقِينَ. ثُمَّ يُوَفِّقُهُ اللَّهُ بَعْدَ ذَلِكَ لِلصِّدْقِ، ﴿واجْعَلْنِي مِن ورَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ﴾ . جَعَلَ اللَّهُ لَهُ القُصُورَ والمَنازِلَ في الجَنَّةِ» . وكانَ الحَسَنُ يَزِيدُ فِيهِ: واغْفِرْ لِوالِدِيَّ كَما رَبَّيانِي صَغِيرًا» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، «عَنْ عائِشَةَ، أنَّها قالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ، أنَّ ابْنَ جُدْعانَ كانَ يَقْرِي الضَّيْفَ، ويَصِلُ الرَّحِمَ، ويَفْعَلُ ويَفْعَلُ، أيَنْفَعُهُ ذَلِكَ؟ قالَ: «لا، إنَّهُ لَمْ يَقُلْ يَوْمًا: رَبِّ اغْفِرْ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ»» .

الشعراء 26:85

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهو يَهْدِينِ﴾ الآياتِ. أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ قالَ: كانَ يُقالُ: إنَّ أوَّلَ نِعْمَةِ اللَّهِ عَلى عَبْدِهِ حِينَ خَلَقَهُ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿أطْمَعُ أنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾ قالَ: قَوْلُهُ: ﴿إنِّي سَقِيمٌ﴾ [الصافات: ٨٩] [الصّافّاتِ: ٢٩]، وقَوْلُهُ: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهم هَذا﴾ [الأنبياء: ٦٣] [الأنْبِياءِ: ٦٣] . وقَوْلُهُ لِسارَّةَ: إنَّها أُخْتِي. حِينَ أرادَ فِرْعَوْنٌ مِنَ الفَراعِنَةِ أنْ يَأْخُذَها. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وألْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ﴾ يَعْنِي: بِأهْلِ الجَنَّةِ. (p-٢٧٠)وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿واجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ في الآخِرِينَ﴾ قالَ: اجْتِماعُ أهْلِ المِلَلِ عَلى إبْراهِيمَ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ: ﴿واجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ في الآخِرِينَ﴾ قالَ: الثَّناءُ الحَسَنُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ لَيْثِ بْنِ أبِي سُلَيْمٍ: ﴿واجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ في الآخِرِينَ﴾ قالَ: يُؤْمِنُ بِإبْراهِيمَ كُلُّ مِلَّةٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي الدُّنْيا في ”الذِّكْرِ“، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، مِن طَرِيقِ الحَسَنِ، عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««إذا تَوَضَّأ العَبْدُ لِصَلاةٍ مَكْتُوبَةٍ فَأسْبَغَ الوُضُوءَ، ثُمَّ خَرَجَ مِن بابِ دارِهِ يُرِيدُ المَسْجِدَ فَقالَ حِينَ يَخْرُجُ: بِاسْمِ اللَّهِ ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهو يَهْدِينِ﴾ . هَداهُ اللَّهُ لِلصَّوابِ - ولَفْظُ ابْنِ مَرْدُوَيْهِ: لِصَوابِ الأعْمالِ - ﴿والَّذِي هو يُطْعِمُنِي ويَسْقِينِ﴾ أطْعَمَهُ اللَّهُ مِن طَعامِ الجَنَّةِ وسَقاهُ مِن شَرابِ الجَنَّةِ، ﴿وإذا مَرِضْتُ فَهو يَشْفِينِ﴾ . شَفاهُ اللَّهُ، وجَعَلَ مَرَضَهُ كَفّارَةً لِذُنُوبِهِ، ﴿والَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ﴾ . أحْياهُ اللَّهُ حَياةَ السُّعَداءِ، وأماتَهُ مِيتَةَ الشُّهَداءِ، ﴿والَّذِي أطْمَعُ أنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾ . غَفَرَ اللَّهُ خَطاياهُ كُلَّها وإنْ كانَتْ أكْثَرَ مِن زَبَدِ البَحْرِ، ﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وألْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ﴾ . وهَبَ اللَّهُ لَهُ حُكْمًا وألْحَقَهُ بِصالِحِ مَن مَضى، وصالِحِ مَن بَقِيَ، ﴿واجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ في الآخِرِينَ﴾ كُتِبَ في ورَقَةٍ بَيْضاءَ: إنَّ فَلانَ بْنَ فُلانٍ (p-٢٧١)مِنَ الصّادِقِينَ. ثُمَّ يُوَفِّقُهُ اللَّهُ بَعْدَ ذَلِكَ لِلصِّدْقِ، ﴿واجْعَلْنِي مِن ورَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ﴾ . جَعَلَ اللَّهُ لَهُ القُصُورَ والمَنازِلَ في الجَنَّةِ» . وكانَ الحَسَنُ يَزِيدُ فِيهِ: واغْفِرْ لِوالِدِيَّ كَما رَبَّيانِي صَغِيرًا» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، «عَنْ عائِشَةَ، أنَّها قالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ، أنَّ ابْنَ جُدْعانَ كانَ يَقْرِي الضَّيْفَ، ويَصِلُ الرَّحِمَ، ويَفْعَلُ ويَفْعَلُ، أيَنْفَعُهُ ذَلِكَ؟ قالَ: «لا، إنَّهُ لَمْ يَقُلْ يَوْمًا: رَبِّ اغْفِرْ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ»» .

الشعراء 26:86

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واغْفِرْ لأبِي﴾ الآياتِ. أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿واغْفِرْ لأبِي﴾ قالَ: امْنُنْ عَلَيْهِ بِتَوْبَةٍ يَسْتَحِقُّ بِها مُغْفِرَتَكَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، «عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿ولا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ﴾ قالَ: ذُكِرَ لَنا أنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ قالَ: «لَيَجِيئَنَّ رَجُلٌ يَوْمَ القِيامَةِ مِنَ المُؤْمِنِينَ آخِذًا بِيَدِ أبٍ لَهُ مُشْرِكٍ حَتّى يُقْطِعَهُ النّارَ، ويَرْجُو أنْ يُدْخِلَهُ الجَنَّةَ، فَيُنادِيهِ مُنادٍ: إنَّهُ لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ مُشْرِكٌ، فَيَقُولُ: رَبِّ، أبِي، (p-٢٧٢)وكَتَبْتَ ألّا تُخْزِيَنِي. قالَ: فَما يَزالُ مُتَشَبِّثًا بِهِ حَتّى يُحَوِّلَهُ اللَّهُ في صُورَةٍ سَيِّئَةٍ ورِيحٍ مُنْتِنَةٍ، في صُورَةِ ضِبْعانٍ، فَإذا رَآهُ كَذَلِكَ تَبَرَّأ مِنهُ وقالَ: لَسْتَ بِأبِي» . قالَ: فَكُنّا نَرى أنَّهُ يَعْنِي إبْراهِيمَ، وما سَمّى بِهِ يَوْمَئِذٍ» . وأخْرَجَ البُخارِيُّ، والنَّسائِيُّ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ: عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: ««يَلْقى إبْراهِيمُ أباهُ آزَرَ يَوْمَ القِيامَةِ وعَلى وجْهِ آزَرَ قَتَرَةٌ وغَبَرَةٌ، فَيَقُولُ لَهُ إبْراهِيمُ: ألَمْ أقُلْ لَكَ لا تَعْصِينِي؟ فَيَقُولُ أبُوهُ: فاليَوْمَ لا أعْصِيكَ. فَيَقُولُ إبْراهِيمُ: رَبِّ إنَّكَ وعَدْتَنِي ألّا تُخِزِيَنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ، فَأيُّ خِزْيٍ أخْزى مِن أبِي الأبْعَدِ. فَيَقُولُ اللَّهُ: إنِّي حَرَّمْتُ الجَنَّةَ عَلى الكافِرِينَ. ثُمَّ يُقالُ: يا إبْراهِيمُ، ما تَحْتَ رِجْلَيْكَ؟ فَإذا هو بِذِيخٍ مُتَلَطِّخٍ، فَيُؤْخَذُ بِقَوائِمِهِ فَيُلْقى في النّارِ»» . وأخْرَجَ أحْمَدُ، عَنْ رَجُلٍ مِن بَنِي كِنانَةَ قالَ: «صَلَّيْتُ خَلْفَ النَّبِيِّ ﷺ عامَ الفَتْحِ، فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: «اللَّهُمَّ لا تَخِزُنِي يَوْمَ القِيامَةِ»» .

الشعراء 26:87

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واغْفِرْ لأبِي﴾ الآياتِ. أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿واغْفِرْ لأبِي﴾ قالَ: امْنُنْ عَلَيْهِ بِتَوْبَةٍ يَسْتَحِقُّ بِها مُغْفِرَتَكَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، «عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿ولا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ﴾ قالَ: ذُكِرَ لَنا أنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ قالَ: «لَيَجِيئَنَّ رَجُلٌ يَوْمَ القِيامَةِ مِنَ المُؤْمِنِينَ آخِذًا بِيَدِ أبٍ لَهُ مُشْرِكٍ حَتّى يُقْطِعَهُ النّارَ، ويَرْجُو أنْ يُدْخِلَهُ الجَنَّةَ، فَيُنادِيهِ مُنادٍ: إنَّهُ لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ مُشْرِكٌ، فَيَقُولُ: رَبِّ، أبِي، (p-٢٧٢)وكَتَبْتَ ألّا تُخْزِيَنِي. قالَ: فَما يَزالُ مُتَشَبِّثًا بِهِ حَتّى يُحَوِّلَهُ اللَّهُ في صُورَةٍ سَيِّئَةٍ ورِيحٍ مُنْتِنَةٍ، في صُورَةِ ضِبْعانٍ، فَإذا رَآهُ كَذَلِكَ تَبَرَّأ مِنهُ وقالَ: لَسْتَ بِأبِي» . قالَ: فَكُنّا نَرى أنَّهُ يَعْنِي إبْراهِيمَ، وما سَمّى بِهِ يَوْمَئِذٍ» . وأخْرَجَ البُخارِيُّ، والنَّسائِيُّ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ: عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: ««يَلْقى إبْراهِيمُ أباهُ آزَرَ يَوْمَ القِيامَةِ وعَلى وجْهِ آزَرَ قَتَرَةٌ وغَبَرَةٌ، فَيَقُولُ لَهُ إبْراهِيمُ: ألَمْ أقُلْ لَكَ لا تَعْصِينِي؟ فَيَقُولُ أبُوهُ: فاليَوْمَ لا أعْصِيكَ. فَيَقُولُ إبْراهِيمُ: رَبِّ إنَّكَ وعَدْتَنِي ألّا تُخِزِيَنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ، فَأيُّ خِزْيٍ أخْزى مِن أبِي الأبْعَدِ. فَيَقُولُ اللَّهُ: إنِّي حَرَّمْتُ الجَنَّةَ عَلى الكافِرِينَ. ثُمَّ يُقالُ: يا إبْراهِيمُ، ما تَحْتَ رِجْلَيْكَ؟ فَإذا هو بِذِيخٍ مُتَلَطِّخٍ، فَيُؤْخَذُ بِقَوائِمِهِ فَيُلْقى في النّارِ»» . وأخْرَجَ أحْمَدُ، عَنْ رَجُلٍ مِن بَنِي كِنانَةَ قالَ: «صَلَّيْتُ خَلْفَ النَّبِيِّ ﷺ عامَ الفَتْحِ، فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: «اللَّهُمَّ لا تَخِزُنِي يَوْمَ القِيامَةِ»» .

الشعراء 26:89

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا مَن أتى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ . (p-٢٧٣)أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إلا مَن أتى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ قالَ: شَهادَةُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿إلا مَن أتى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ قالَ: كانَ يُقالُ: سَلِيمٌ مِنَ الشِّرْكِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿إلا مَن أتى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ قالَ: مِنَ الشِّرْكِ، لَيْسَ فِيهِ شَكٌّ في الحَقِّ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ عَوْنٍ قالَ: ذَكَرُوا الحَجّاجَ عِنْدَ ابْنِ سِيرِينَ فَقالَ: غَيْرُ ما تَقُولُونَ أخْوَفُ عَلى الحَجّاجِ عِنْدِي مِنهُ. قُلْتُ: وما هُوَ؟ قالَ: إنْ كانَ لَقِيَ اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ فَقَدْ أصابَ الذُّنُوبَ خَيْرٌ مِنهُ. قُلْتُ: وما القَلْبُ السَّلِيمُ؟ قالَ: أنْ يَعْلَمَ أنَّهُ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ.

الشعراء 26:90

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأُزْلِفَتِ الجَنَّةُ﴾ الآياتِ. أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الضَّحّاكِ: ﴿وأُزْلِفَتِ الجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ قالَ: قُرِّبَتْ لِأهْلِها. (p-٢٧٤)وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنْ تُبَيْعٍ ابْنِ امْرَأةِ كَعْبٍ، قالَ: تُزْلَفُ الجَنَّةُ، ثُمَّ تُزَخْرَفُ، ثُمَّ يَنْظُرُ إلَيْها مِن خَلْقِ اللَّهِ؛ مِن مُسْلِمٍ أوْ يَهُودِيٍّ أوْ نَصْرانِيٍّ إلّا رَجُلانِ، رَجُلٌ قَتَلَ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا، أوْ رَجُلٌ قَتَلَ مُعاهَدًا مُتَعَمِّدًا.