Lafzullah

Al-Durr Al-Manthur — الأحزاب 33:1 – الأحزاب 33:55

المؤلف / المصدر: Al-Durr Al-Manthur

المحتويات
  1. الأحزاب 33:1
  2. الأحزاب 33:4
  3. الأحزاب 33:5
  4. الأحزاب 33:6
  5. الأحزاب 33:7
  6. الأحزاب 33:8
  7. الأحزاب 33:9
  8. الأحزاب 33:10
  9. الأحزاب 33:11
  10. الأحزاب 33:12
  11. الأحزاب 33:13
  12. الأحزاب 33:14
  13. الأحزاب 33:15
  14. الأحزاب 33:16
  15. الأحزاب 33:17
  16. الأحزاب 33:18
  17. الأحزاب 33:19
  18. الأحزاب 33:20
  19. الأحزاب 33:21
  20. الأحزاب 33:22
  21. الأحزاب 33:23
  22. الأحزاب 33:24
  23. الأحزاب 33:25
  24. الأحزاب 33:26
  25. الأحزاب 33:27
  26. الأحزاب 33:28
  27. الأحزاب 33:29
  28. الأحزاب 33:30
  29. الأحزاب 33:31
  30. الأحزاب 33:32
  31. الأحزاب 33:33
  32. الأحزاب 33:34
  33. الأحزاب 33:35
  34. الأحزاب 33:36
  35. الأحزاب 33:37
  36. الأحزاب 33:38
  37. الأحزاب 33:39
  38. الأحزاب 33:40
  39. الأحزاب 33:41
  40. الأحزاب 33:42
  41. الأحزاب 33:43
  42. الأحزاب 33:44
  43. الأحزاب 33:45
  44. الأحزاب 33:46
  45. الأحزاب 33:47
  46. الأحزاب 33:48
  47. الأحزاب 33:49
  48. الأحزاب 33:50
  49. الأحزاب 33:51
  50. الأحزاب 33:52
  51. الأحزاب 33:53
  52. الأحزاب 33:54
  53. الأحزاب 33:55

الأحزاب 33:1

(p-٧١٤)﷽ سُورَةُ الأحْزابِ مَدَنِيَّةٌ أخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ، والنَّحّاسُ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في ”الدَّلائِلِ“، مِن طُرُقٍ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ ”الأحْزابِ“ بِالمَدِينَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ، مِثْلَهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ في ”المُصَنَّفِ“، والطَّيالِسِيُّ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ في زَوائِدِ ”المُسْنَدِ“، وابْنُ مَنِيعٍ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ الأنْبارِيِّ في ”المَصاحِفِ“، وابْنُ حِبّانَ، والدّارَقُطْنِيُّ في ”الأفْرادِ“، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، والضِّياءُ في ”المُخْتارَةِ“، عَنْ زِرٍّ قالَ: قالَ لِي أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: كَأيِّنْ تَقْرَأُ سُورَةَ ”الأحْزابِ“؟ أوْ كَأيِّنْ تَعُدُّها؟ قُلْتُ: ثَلاثًا وسَبْعِينَ آيَةً. فَقالَ: أقَطُّ؟ لَقَدْ رَأيْتُها وإنَّها لَتُعادِلُ سُورَةَ ”البَقَرَةِ“، أوْ أكْثَرَ مِن سُورَةِ ”البَقَرَةِ“، ولَقَدْ قَرَأْنا فِيها: (الشَّيْخُ والشَّيْخَةُ إذا زَنَيا فارْجُمُوهُما ألْبَتَّةَ نَكالًا مِنَ اللَّهِ واللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) فَرُفِعَ فِيما رُفِعَ. (p-٧١٥)وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ عَنِ الثَّوْرِيِّ قالَ: بَلَغَنا أنَّ ناسًا مِن أصْحابِ النَّبِيِّ ﷺ كانُوا يَقْرَءُونَ القُرْآنَ أُصِيبُوا يَوْمَ مُسَيْلِمَةَ، فَذَهَبَتْ حُرُوفٌ مِنَ القُرْآنِ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ في ”المُصَنَّفِ“ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «أمَرَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ مُنادِيًا، فَنادى: أنَّ الصَّلاةَ جامِعَةٌ، ثُمَّ صَعِدَ المِنبَرَ، فَحَمِدَ اللَّهَ وأثْنى عَلَيْهِ، ثُمَّ قالَ: يا أيُّها النّاسُ، لا تُخْدَعُنَّ مِن آيَةِ الرَّجْمِ؛ فَإنَّها آيَةٌ أُنْزِلَتْ في كِتابِ اللَّهِ وقَرَأْناها، ولَكِنَّها ذَهَبَتْ في قُرْآنٍ كَثِيرٍ ذَهَبَ مَعَ مُحَمَّدٍ ﷺ، وآيَةُ ذَلِكَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَدْ رَجَمَ، وإنَّ أبا بَكْرٍ قَدْ رَجَمَ، ورَجَمْتُ بَعْدَهُما، وإنَّهُ سَيَجِيءُ قَوْمٌ مِن هَذِهِ الأُمَّةِ يُكَذِّبُونَ بِالرَّجْمِ» . وأخْرَجَ مالِكٌ، والبُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، وابْنُ الضُّرَيْسِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، «أنَّ عُمَرَ قامَ فَحَمِدَ اللَّهَ وأثْنى عَلَيْهِ، ثُمَّ قالَ: أمّا بَعْدُ، أيُّها النّاسُ، إنَّ اللَّهَ بَعَثَ مُحَمَّدًا ﷺ بِالحَقِّ، وأنْزَلَ عَلَيْهِ الكِتابَ، فَكانَ فِيما أنْزَلَ عَلَيْهِ آيَةُ الرَّجْمِ، فَقَرَأْناها ووَعَيْناها: (الشَّيْخُ والشَّيْخَةُ إذا زَنَيا فارْجُمُوهُما ألْبَتَّةَ) . ورَجَمَ (p-٧١٦)رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، ورَجَمْنا بَعْدَهُ، فَأخْشى أنْ يَطُولَ بِالنّاسِ زَمانٌ، أنْ يَقُولَ قائِلٌ: لا نَجِدُ آيَةَ الرَّجْمِ في كِتابِ اللَّهِ، فَيَضِلُّوا بِتَرْكِ فَرِيضَةٍ أنْزَلَها اللَّهُ» . وأخْرَجَ أحْمَدُ، والنَّسائِيُّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، «أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ خَطَبَ النّاسَ فَسَمِعَهُ يَقُولُ: ألا وإنَّ ناسًا يَقُولُونَ: ما بالُ الرَّجْمِ وفي كِتابِ اللَّهِ الجَلْدُ؟ وقَدْ رَجَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ورَجَمْنا بَعْدَهُ، ولَوْلا أنْ يَقُولُ قائِلُونَ ويَتَكَلَّمَ مُتَكَلِّمُونَ أنَّ عُمَرَ زادَ في كِتابِ اللَّهِ ما لَيْسَ مِنهُ، لَأثْبَتُّها كَما نَزَلَتْ» . وأخْرَجَ النَّسائِيُّ، وأبُو يَعْلى، «عَنْ كَثِيرِ بْنِ الصَّلْتِ قالَ: كُنّا عِنْدَ مَرْوانَ وفِينا زَيْدُ بْنُ ثابِتٍ، فَقالَ زَيْدٌ: كُنّا تَقْرَأُ: (والشَّيْخُ والشَّيْخَةُ إذا زَنَيا فارْجُمُوهُما ألْبَتَّةَ) . فَقالَ مَرْوانُ: ألا كَتَبْتَها في المُصْحَفِ؟ قالَ: ذَكَرْنا ذَلِكَ وفِينا عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ، فَقالَ: أشْفِيكم مِن ذَلِكَ؟ قُلْنا: فَكَيْفَ؟ قالَ: جاءَ رَجُلٌ إلى النَّبِيِّ ﷺ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، اكْتُبْنِي آيَةَ الرَّجْمِ. قالَ: «لا أسْتَطِيعُ الآنَ»» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنْ حُذَيْفَةَ قالَ: قالَ لِي عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ: كَمْ تَعُدُّونَ سُورَةَ ”الأحْزابِ“؟ قُلْتُ: اثْنَتَيْنِ أوْ ثَلاثًا وسَبْعَيْنِ آيَةً. قالَ: إنْ كانَتْ لَتُقارِبُ سُورَةَ ”البَقَرَةِ“ أوْ أطْوَلَ، وكانَتْ فِيها آيَةُ الرَّجْمِ. (p-٧١٧)وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ، عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: كانَتْ سُورَةُ ”الأحْزابِ“ مِثْلَ سُورَةِ ”البَقَرَةِ“ أوْ أطْوَلَ، وكانَ فِيها آيَةُ الرَّجْمِ. وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ «أنَّ عُمَرَ قالَ: إيّاكم أنْ تَهْلِكُوا عَنْ آيَةِ الرَّجْمِ، وأنْ يَقُولَ قائِلٌ: لا نَجِدُ حَدَّيْنِ في كِتابِ اللَّهِ. فَقَدْ رَجَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ورَجَمْنا بَعْدَهُ، فَلَوْلا لَوْلا أنْ يَقُولَ النّاسُ: أحْدَثَ عُمَرُ في كِتابِ اللَّهِ. لَكَتَبْتُها في المُصْحَفِ، لَقَدْ قَرَأْناها: (والشَّيْخُ والشَّيْخَةُ إذا زَنَيا فارْجُمُوهُما ألْبَتَّةَ) قالَ سَعِيدٌ: فَما انْسَلَخَ ذُو الحِجَّةِ حَتّى طُعِنَ» . وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ «عَنْ أبِي أُمامَةَ بْنِ سَهْلِ بْنِ حَنِيفٍ، أنَّ خالَتَهُ أخْبَرَتْهُ قالَتْ: لَقَدْ أقْرَأناها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ آيَةَ الرَّجْمِ: (والشَّيْخُ والشَّيْخَةُ إذا زَنَيا فارْجُمُوهُما ألْبَتَّةَ بِما قَضَيا مِنَ اللَّذَّةِ») . وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ «عَنْ عُمَرَ قالَ: قُلْتُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَمّا نَزَلَتْ آيَةُ الرَّجْمِ: اكْتُبْها يا رَسُولَ اللَّهِ. قالَ: «لا أسْتَطِيعُ ذَلِكَ»» . وأخْرَجَ ابْنُ الضُّرَيْسِ عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ، «أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ خَطَبَ النّاسَ، فَقالَ: لا تَشُكُّوا في الرَّجْمِ؛ فَإنَّهُ حَقٌّ؛ قَدْ رَجَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، ورَجَمَ أبُو بَكْرٍ، ورَجَمْتُ، ولَقَدْ هَمَمْتُ أنْ أكْتُبَ في المُصْحَفِ. فَسَألَ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ عَنْ آيَةِ الرَّجْمِ، فَقالَ أُبَيٌّ: ألَيْسَ أتَيْتَنِي وأنا أسْتَقْرِئُها رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، فَدَفَعْتَ في (p-٧١٨)صَدْرِي، وقُلْتَ: أتَسْتَقْرِئُهُ آيَةَ الرَّجْمِ وهم يَتَسافَدُونَ تَسافُدَ الحُمُرِ»؟ وأخْرَجَ البُخارِيُّ في ”تارِيخِهِ“ «عَنْ حُذَيْفَةَ قالَ: قَرَأْتُ سُورَةَ ”الأحْزابِ“ عَلى النَّبِيِّ ﷺ فَنَسِيتُ مِنها سَبْعِينَ آيَةً ما وجَدْتُها» . وأخْرَجَ أبُو عُبَيْدٍ في ”الفَضائِلِ“، وابْنُ الأنْبارِيِّ في ”المَصاحِفِ“، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: كانَتْ سُورَةُ ”الأحْزابِ“ تُقْرَأُ في زَمانِ النَّبِيِّ ﷺ مِائَتَيْ آيَةٍ، فَلَمّا كَتَبَ عُثْمانُ المَصاحِفَ لَمْ يَقْدِرْ مِنها إلّا عَلى ما هو الآنَ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ﴾ الآيَةَ. أخْرَجَ جُوَيْبِرٌ عَنِ الضَّحّاكِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «إنَّ أهْلَ مَكَّةَ؛ مِنهُمُ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ، وشَيْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ دَعَوُا النَّبِيَّ ﷺ إلى أنْ يَرْجِعَ عَنْ قَوْلِهِ عَلى أنْ يُعْطُوهُ شَطْرَ أمْوالِهِمْ، وخَوَّفَهُ المُنافِقُونَ واليَهُودُ بِالمَدِينَةِ إنْ لَمْ يَرْجِعْ قَتَلُوهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ ولا تُطِعِ الكافِرِينَ والمُنافِقِينَ﴾ [الأحزاب»: ١] . وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ: ﴿ولا تُطِعِ الكافِرِينَ﴾ أُبَيُّ بْنُ خَلَفٍ، ﴿والمُنافِقِينَ﴾ أبُو عامِرٍ الرّاهِبُ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولَ، والجَدُّ بْنُ قَيْسٍ.

الأحزاب 33:4

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِن قَلْبَيْنِ﴾ الآيَةَ. أخْرَجَ أحْمَدُ، والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ (p-٧١٩)أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، والضِّياءُ في ”المُخْتارَةِ“، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «قامَ النَّبِيُّ ﷺ يَوْمًا يُصَلِّي، فَخَطَرَ خَطْرَةً، فَقالَ المُنافِقُونَ الَّذِينَ يُصَلُّونَ مَعَهُ: ألا تَرى أنَّ لَهُ قَلْبَيْنِ؛ قَلْبًا مَعَكُمْ، وقَلْبًا مَعَهُمْ؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿ما جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِن قَلْبَيْنِ في جَوْفِهِ﴾ [الأحزاب»: ٤] . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، مِن طَرِيقِ خُصَيْفٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٍ، وعِكْرِمَةَ، قالُوا: كانَ رَجُلٌ يُدْعى ذا القَلْبَيْنِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿ما جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِن قَلْبَيْنِ في جَوْفِهِ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانَ رَجُلٌ مِن قُرَيْشٍ يُسَمّى مِن دَهائِهِ ذا القَلْبَيْنِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذا في شَأْنِهِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الحَسَنِ قالَ: كانَ رَجُلٌ عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يُسَمّى ذا القَلْبَيْنِ، كانَ يَقُولُ: لِي نَفْسٌ تَأْمُرُنِي، ونَفْسٌ تَنْهانِي، فَأنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ ما تَسْمَعُونَ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: إنَّ رَجُلًا مِن بَنِي فِهْرٍ قالَ: إنَّ في جَوْفِي قَلْبَيْنِ؛ أعْقِلُ بِكُلِّ (p-٧٢٠)واحِدٍ مِنهُما أفْضَلَ مِن عَقْلِ مُحَمَّدٍ. فَأُنْزِلَتْ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ السُّدِّيِّ، أنَّها نَزَلَتْ في رَجُلٍ مِن قُرَيْشٍ مِن بَنِي جُمَحٍ، يُقالُ لَهُ: جَمِيلُ بْنُ مَعْمَرٍ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «صَلّى النَّبِيُّ ﷺ صَلاةً فَسَها فِيها، فَخَطَرَتْ مِنهُ كَلِمَةٌ، فَسَمِعَها المُنافِقُونَ، فَأكْثَرُوا فَقالُوا: إنَّ لَهُ قَلْبَيْنِ، ألَمْ تَسْمَعُوا إلى قَوْلِهِ وكَلامِهِ في الصَّلاةِ؟ إنَّ لَهُ قَلْبًا مَعَكُمْ، وقَلْبًا مَعَ أصْحابِهِ. فَنَزَلَتْ: ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ ولا تُطِعِ الكافِرِينَ والمُنافِقِينَ﴾ [الأحزاب: ١] . إلى قَوْلِهِ: ﴿ما جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِن قَلْبَيْنِ في جَوْفِهِ﴾ [الأحزاب»: ٤] . وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ في قَوْلِهِ: ﴿ما جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِن قَلْبَيْنِ في جَوْفِهِ﴾ قالَ: بَلَغَنا أنَّ ذَلِكَ كانَ في زَيْدِ بْنِ حارِثَةَ، ضَرَبَ لَهُ مَثَلًا، يَقُولُ: لَيْسَ ابْنُ رَجُلٍ آخَرَ ابْنَكَ. * * قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما جَعَلَ أزْواجَكُمُ﴾ الآيَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: كانَ الرَّجُلُ يَقُولُ لِامْرَأتِهِ: أنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي. فَقالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وما جَعَلَ أزْواجَكُمُ اللائِي تُظاهِرُونَ مِنهُنَّ أُمَّهاتِكُمْ﴾ . وكانَ يُقالُ: زَيْدُ بْنُ مُحَمَّدٍ. فَقالَ اللَّهُ: ﴿وما جَعَلَ أدْعِياءَكم أبْناءَكُمْ﴾ . (p-٧٢١)وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، «عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وما جَعَلَ أزْواجَكُمُ اللائِي تُظاهِرُونَ مِنهُنَّ أُمَّهاتِكُمْ﴾ أيْ: ما جَعَلَها أُمَّكَ، وإذا ظاهَرَ الرَّجُلُ مِنَ امْرَأتِهِ، فَإنَّ اللَّهَ لَمْ يَجْعَلْها أُمَّهُ، ولَكِنْ جَعَلَ فِيها الكَفّارَةَ. ﴿وما جَعَلَ أدْعِياءَكم أبْناءَكُمْ﴾ . يَقُولُ: ما جَعَلَ دَعِيَّكَ ابْنَكَ. يَقُولُ: إنِ ادَّعى رَجُلٌ رَجُلًا فَلَيْسَ بِابْنِهِ. ذُكِرَ لَنا أنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ كانَ يَقُولُ: «مَنِ ادَّعى إلى غَيْرِ أبِيهِ مُتَعَمِّدًا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الجَنَّةَ»» . وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وما جَعَلَ أدْعِياءَكم أبْناءَكُمْ﴾ قالَ: نَزَلَتْ في زَيْدِ بْنِ حارِثَةَ.

الأحزاب 33:5

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ادْعُوهم لآبائِهِمْ﴾ الآيَةَ. أخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، والبُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في ”سُنَنِهِ“، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: «إنَّ زَيْدَ بْنَ حارِثَةَ مَوْلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ما كُنّا نَدْعُوهُ إلّا زَيْدَ بْنَ مُحَمَّدٍ، حَتّى نَزَلَ القُرْآنُ: ﴿ادْعُوهم لآبائِهِمْ هو أقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: «أنْتَ زَيْدُ بْنُ حارِثَةَ بْنِ شَراحِيلَ»» . وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ حِبّانَ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، (p-٧٢٢)عَنْ عائِشَةَ، «أنَّ أبا حُذَيْفَةَ بْنَ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ، وكانَ مِمَّنْ شَهِدَ بَدْرًا، تَبَنّى سالِمًا، وأنْكَحَهُ بِنْتَ أخِيهِ هِنْدَ بِنْتَ الوَلِيدِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ، وهو مَوْلًى لِامْرَأةٍ مِنَ الأنْصارِ، كَما تَبَنّى النَّبِيُّ ﷺ زَيْدًا، وكانَ مَن تَبَنّى رَجُلًا في الجاهِلِيَّةِ، دَعاهُ النّاسُ إلَيْهِ ووَرِثَهُ مِن مِيراثِهِ، حَتّى أنْزَلَ اللَّهُ في ذَلِكَ: ﴿ادْعُوهم لآبائِهِمْ هو أقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإنْ لَمْ تَعْلَمُوا آباءَهم فَإخْوانُكم في الدِّينِ ومَوالِيكُمْ﴾ فَرُدُّوا إلى آبائِهِمْ، فَمَن لَمْ يُعْلَمْ لَهُ أبٌ كانَ مَوْلًى وأخًا في الدِّينِ، فَجاءَتْ سَهْلَةُ بِنْتُ سُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو إلى النَّبِيِّ ﷺ فَقالَتْ: إنَّ سالِمًا كانَ يُدْعى لِأبِي حُذَيْفَةَ، وإنَّ اللَّهَ قَدْ أنْزَلَ في كِتابِهِ: ﴿ادْعُوهم لآبائِهِمْ﴾ وكانَ يَدْخُلُ عَلَيَّ وأنا فُضُلٌ، ونَحْنُ في مَنزِلٍ ضَيِّقٍ. فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: «أرْضِعِي سالِمًا تَحْرُمِي عَلَيْهِ»» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «كانَ مِن أمْرِ زَيْدِ بْنِ حارِثَةَ، أنَّهُ كانَ في أخْوالِهِ بَنِي مَعْنٍ مِن بَنِي ثُعَلٍ مِن طَيِّئٍ، فَأُصِيبَ في غِلْمَةٍ مِن طَيِّئٍ، فَقُدِمَ بِهِ سُوقَ عُكاظٍ، وانْطَلَقَ حَكِيمُ بْنُ حِزامِ بْنِ خُوَيْلِدٍ إلى عُكاظٍ يَتَسَوَّقُ بِها، فَأوْصَتْهُ عَمَّتُهُ خَدِيجَةُ أنْ يَبْتاعَ لَها غُلامًا ظَرِيفًا عَرَبِيًّا إنْ قَدَرَ عَلَيْهِ، فَلَمّا قَدِمَ وجَدَ زَيْدًا (p-٧٢٣)يُباعُ فِيها، فَأعْجَبَهُ ظَرْفُهُ، فابْتاعَهُ فَقَدِمَ بِهِ عَلَيْها وقالَ لَها: إنِّي قَدِ ابْتَعْتُ لَكِ غُلامًا ظَرِيفًا عَرَبِيًّا، فَإنْ أعْجَبَكِ فَخُذِيهِ، وإلّا فَدَعِيهِ، فَإنَّهُ قَدْ أعْجَبَنِي. فَلَمّا رَأتْهُ خَدِيجَةُ أعْجَبَها فَأخَذَتْهُ، فَتَزَوَّجَها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وهو عِنْدَها، فَأعْجَبَ النَّبِيَّ ﷺ ظَرْفُهُ فاسْتَوْهَبَهُ مِنها، فَقالَتْ: أهَبُهُ لَكَ، فَإنْ أرَدْتَ عِتْقَهُ فالوَلاءُ لِي. فَأبى عَلَيْها فَوَهَبَتْهُ لَهُ؛ إنْ شاءَ أعْتَقَ، وإنْ شاءَ أمْسَكَ. قالَ: فَشَبَّ عِنْدَ نَبِيِّ اللَّهِ ﷺ . ثُمَّ إنَّهُ خَرَجَ في إبِلٍ لِأبِي طالِبٍ إلى الشّامِ، فَمَرَّ بِأرْضِ قَوْمِهِ فَعَرَفَهُ عَمُّهُ، فَقامَ إلَيْهِ فَقالَ: مَن أنْتَ يا غُلامُ؟ قالَ: غُلامٌ مِن أهْلِ مَكَّةَ. قالَ: مِن أنْفُسِهِمْ؟ قالَ: لا، فَحُرٌّ أنْتَ أمْ مَمْلُوكٌ؟ قالَ: بَلْ مَمْلُوكٌ. قالَ: لِمَن؟ قالَ: لِمُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَدَ المُطَّلِبِ. فَقالَ لَهُ: أعَرَبِيٌّ أنْتَ أمْ عَجَمِيٌّ؟ قالَ: بَلْ عَرَبِيٌّ. قالَ: مِمَّنْ أهْلُكَ؟ قالَ: مِن كَلْبٍ. قالَ: مِن أيِّ كَلْبٍ؟ قالَ: مِن بَنِي عَبْدِ وُدٍّ. قالَ: ويْحَكَ. ابْنُ مَن أنْتَ؟ قالَ: ابْنُ حارِثَةَ بْنِ شَراحِيلَ. قالَ: وأيْنَ أُصِبْتَ؟ قالَ: في أخْوالِي. قالَ: ومَن أخْوالِكَ؟ قالَ: طَيِّئٌ. قالَ: ما اسْمُ أُمِّكَ؟ قالَ: سُعْدى. فالتَزَمَهُ وقالَ: ابْنُ حارِثَةَ! ودَعا أباهُ وقالَ: يا حارِثَةُ هَذا ابْنُكَ. فَأتاهُ حارِثَةُ، فَلَمّا نَظَرَ إلَيْهِ عَرَفَهُ، قالَ: كَيْفَ صُنْعُ مَوْلاكَ إلَيْكَ؟ قالَ: يُؤْثِرُنِي عَلى أهْلِهِ ووَلَدِهِ، ورُزِقْتُ مِنهُ حُبًّا، فَلا أصْنَعُ إلّا ما شِئْتُ. فَرَكِبَ مَعَهُ وأبُوهُ وعَمُّهُ وأخُوهُ حَتّى قَدِمُوا مَكَّةَ، فَلَقُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، (p-٧٢٤)فَقالَ لَهُ حارِثَةُ: يا مُحَمَّدُ، أنْتُمْ أهْلُ حَرَمِ اللَّهِ وجِيرانُهُ وعِنْدَ بَيْتِهِ، تَفُكُّونَ العانِيَ، وتُطْعِمُونَ الأسِيرَ، ابْنِي عَبْدُكَ، فامْنُنْ عَلَيْنا، وأحْسِنْ إلَيْنا في فِدائِهِ؛ فَإنَّكَ ابْنُ سَيِّدِ قَوْمِهِ، فَإنّا سَنَتَرَفَّعُ لَكَ في الفِداءِ ما أحْبَبْتَ. فَقالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أُعْطِيكم خَيْرًا مِن ذَلِكَ» . قالُوا: وما هُوَ؟ قالَ: «أُخَيِّرُهُ، فَإنِ اخْتارَكم فَخُذُوهُ بِغَيْرِ فِداءٍ، وإنِ اخْتارَنِي فَكُفُّوا عَنْهُ» . قالُوا: جَزاكَ اللَّهُ خَيْرًا، فَقَدْ أحْسَنْتَ. فَدَعاهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: «يا زَيْدُ، أتَعْرِفُ هَؤُلاءِ»؟ . قالَ: نَعَمْ. هَذا أبِي وعَمِّي وأخِي. فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «فَأنا مَن قَدْ عَرَفْتَهُ، فَإنِ اخْتَرْتَهم فاذْهَبْ مَعَهُمْ، وإنِ اخْتَرْتَنِي فَأنا مَن تَعْلَمُ» . فَقالَ لَهُ زَيْدٌ: ما أنا بِمُخْتارٍ عَلَيْكَ أحَدًا أبَدًا، أنْتَ مَعِي بِمَكانِ الوالِدِ والعَمِّ. قالَ لَهُ أبُوهُ وعَمُّهُ: يا زَيْدُ، أتَخْتارُ العُبُودِيَّةَ عَلى الرُّبُوبِيَّةِ؟ قالَ: ما أنا بِمَفارِقٍ هَذا الرَّجُلَ. فَلَمّا رَأى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِرْصَهُ عَلَيْهِ قالَ: «اشْهَدُوا أنَّهُ حُرٌّ، وأنَّهُ ابْنِي يَرِثُنِي وأرِثُهُ» . فَطابَتْ نَفْسُ أبِيهِ وعَمِّهِ، لِما رَأوْا مِن كَرامَتِهِ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَزَلْ زَيْدٌ في الجاهِلِيَّةِ يُدْعى: زَيْدَ بْنَ مُحَمَّدٍ، حَتّى نَزَلَ القُرْآنُ: ﴿ادْعُوهم لآبائِهِمْ﴾ فَدُعِيَ زَيْدَ بْنَ حارِثَةَ» . وأخْرَجَ ابْنُ عَساكِرَ، مِن طَرِيقِ يَعْقُوبَ بْنِ شَيْبَةَ، عَنِ الحَسَنِ بْنِ عُثْمانَ قالَ: حَدَّثَنِي عِدَّةٌ مِنَ الفُقَهاءِ وأهْلِ العِلْمِ قالُوا: كانَ عامِرُ بْنُ رَبِيعَةَ يُقالُ لَهُ: عامِرُ بْنُ الخَطّابِ. وإلَيْهِ كانَ يُنْسَبُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى فِيهِ وفي زَيْدِ بْنِ حارِثَةَ (p-٧٢٥)وسالِمٍ مَوْلى أبِي حُذَيْفَةَ والمِقْدادِ بْنِ عَمْرٍو: ﴿ادْعُوهم لآبائِهِمْ﴾ الآيَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ أبِي بَكْرَةَ، أنَّهُ قالَ: قالَ اللَّهُ: ﴿ادْعُوهم لآبائِهِمْ هو أقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإنْ لَمْ تَعْلَمُوا آباءَهم فَإخْوانُكم في الدِّينِ ومَوالِيكُمْ﴾ فَأنا مِمَّنْ لا يُعْرَفُ أبُوهُ، وأنا مِن إخْوانِكم في الدِّينِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ: ﴿ادْعُوهم لآبائِهِمْ هو أقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ أعْدَلُ عِنْدَ اللَّهِ، ﴿فَإنْ لَمْ تَعْلَمُوا آباءَهم فَإخْوانُكم في الدِّينِ ومَوالِيكُمْ﴾ فَإذا لَمْ تَعْلَمْ مَن أبُوهُ، فَإنَّما هو أخُوكَ في الدِّينِ ومَوْلاكَ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَإنْ لَمْ تَعْلَمُوا آباءَهم فَإخْوانُكم في الدِّينِ ومَوالِيكُمْ﴾ قالَ: إنْ لَمْ تَعْرِفْ أباهُ فَأخُوكَ في الدِّينِ ومَوْلاكَ؛ مَوْلى فُلانٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُقاتِلٍ في الآيَةِ يَقُولُ: إنْ لَمْ تَعْلَمُوا لَهم أبًا تَدْعُوهم إلَيْهِ، فانْسُبُوهم إخْوانَكم في الدِّينِ، أنْ تَقُولَ: عَبْدُ اللَّهِ، وعَبْدُ الرَّحْمَنِ، وعُبَيْدُ اللَّهِ، وأشْباهُهم مِنَ الأسْماءِ، وإنْ يُدْعى إلى اسْمِ مَوْلاهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ: ﴿فَإنْ لَمْ تَعْلَمُوا آباءَهم فَإخْوانُكم في الدِّينِ ومَوالِيكُمْ﴾ يَقُولُ: أخُوكَ في الدِّينِ ومَوْلاكَ مَوْلى بَنِي فُلانٍ. (p-٧٢٦)وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سالِمِ بْنِ أبِي الجَعْدِ قالَ: لَمّا نَزَلَتْ: ﴿ادْعُوهم لآبائِهِمْ﴾ لَمْ يَعْرِفُوا لِسالِمٍ أبًا، ولَكِنْ يَكُنْ مَوْلى أبِي حُذَيْفَةَ، إنَّما كانَ حَلِيفًا لَهم. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ فِيما أخْطَأْتُمْ بِهِ﴾ قالَ: هَذا مِن قَبْلِ النَّهْيِ في هَذا وغَيْرِهِ، ﴿ولَكِنْ ما تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ بَعْدَ ما أُمِرْتُمْ وبَعْدَ النَّهْيِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿ولَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ فِيما أخْطَأْتُمْ بِهِ﴾ الآيَةَ. قالَ: لَوْ دَعَوْتَ رَجُلًا لِغَيْرِ أبِيهِ، وأنْتَ تَرى أنَّهُ أبُوهُ، لَمْ يَكُنْ عَلَيْكَ بَأْسٌ، ولَكِنْ ما أرَدْتَ بِهِ العَمْدَ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ: يَرْفَعُهُ إلى النَّبِيِّ ﷺ قالَ: ««واللَّهِ ما أخْشى عَلَيْكَ الخَطَأ، ولَكِنْ أخْشى عَلَيْكَ العَمْدَ»» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««إنِّي لَسْتُ (p-٧٢٧)أخافُ عَلَيْكُمُ الخَطَأ، ولَكِنْ أخافُ عَلَيْكُمُ العَمْدَ»» .

الأحزاب 33:6

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿النَّبِيُّ أوْلى بِالمُؤْمِنِينَ مِن أنْفُسِهِمْ﴾ . أخْرَجَ البُخارِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: ««ما مِن مُؤْمِنٍ إلّا وأنا أوْلى النّاسِ بِهِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، اقْرَءُوا إنْ شِئْتُمْ: ﴿النَّبِيُّ أوْلى بِالمُؤْمِنِينَ مِن أنْفُسِهِمْ﴾ فَأيُّما مُؤْمِنٍ تَرَكَ مالًا فَلْيَرِثْهُ عَصَبَتُهُ مَن كانُوا، فَإنْ تَرَكَ دَيْنًا أوْ ضَياعًا فَلْيَأْتِنِي فَأنا مَوْلاهُ»» . وأخْرَجَ الطَّيالِسِيُّ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «كانَ المُؤْمِنُ إذا تُوُفِّيَ في عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأُتِيَ بِهِ النَّبِيَّ ﷺ سَألَ: «هَلْ عَلَيْهِ دَيْنٌ»؟ . فَإنْ قالُوا: نَعَمْ. قالَ: «هَلْ تَرَكَ وفاءً لِدَيْنِهِ»؟ . فَإنْ قالُوا: نَعَمْ. صَلّى عَلَيْهِ، وإنْ قالُوا: لا. قالَ: «صَلُّوا عَلى صاحِبِكُمْ» . فَلَمّا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْنا الفُتُوحَ قالَ: «أنا أوْلى بِالمُؤْمِنِينَ مِن أنْفُسِهِمْ، فَمَن تَرَكَ دَيْنًا فَإلَيَّ، ومَن تَرَكَ مالًا فَلِلْوارِثِ»» . وأخْرَجَ أحْمَدُ، وأبُو داوُدَ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنْ جابِرٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، أنَّهُ كانَ يَقُولُ: ««أنا أوْلى بِكُلِّ مُؤْمِنٍ مِن نَفْسِهِ، فَأيُّما رَجُلٍ ماتَ وتَرَكَ دَيْنًا فَإلَيَّ، (p-٧٢٨)ومَن تَرَكَ مالًا فَهو لِوَرَثَتِهِ»» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأحْمَدُ، والنَّسائِيُّ، «عَنْ بُرَيْدَةَ قالَ: غَزَوْتُ مَعَ عَلِيٍّ اليَمَنَ، فَرَأيْتُ مِنهُ جَفْوَةً، فَلَمّا قَدِمْتُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ذَكَرْتُ عَلِيًّا فَتَنَقَّصْتُهُ، فَرَأيْتُ وجْهَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ تَغَيَّرَ وقالَ: «يا بُرَيْدَةُ، ألَسْتُ أوْلى بِالمُؤْمِنِينَ مِن أنْفُسِهِمْ»؟ . قُلْتُ: بَلى يا رَسُولَ اللَّهِ. قالَ: «مَن كُنْتُ مَوْلاهُ فَعَلِيٌّ مَوْلاهُ»» . * * قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ﴾ . أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وأزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ﴾ قالَ: يُعَظِّمُ بِذَلِكَ حَقَّهُنَّ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُقاتِلٍ في قَوْلِهِ: ﴿وأزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ﴾ يَقُولُ: أُمَّهاتُهم في الحُرْمَةِ، لا يَحِلُّ لِمُؤْمِنٍ أنْ يَنْكِحَ امْرَأةً مِن نِساءِ النَّبِيِّ ﷺ في حَياتِهِ إنْ طَلَّقَ، ولا بَعْدَ مَوْتِهِ، هي حَرامٌ عَلى كُلِّ مُؤْمِنٍ كَحُرْمَةِ أُمِّهِ. (p-٧٢٩)وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والبَيْهَقِيُّ في ”سُنَنِهِ“، عَنْ عائِشَةَ، أنَّ امْرَأةً قالَتْ لَها: يا أُمَّهْ. فَقالَتْ: أنا أُمُّ رِجالِكم ولَسْتُ أُمَّ نِسائِكم. وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قالَتْ: أنا أُمُّ الرِّجالِ مِنكم والنِّساءِ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وإسْحاقُ بْنُ راهَوَيْهِ، وابْنُ المُنْذِرِ، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ بَجالَةَ قالَ: مَرَّ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ بِغُلامٍ وهو يَقْرَأُ في المُصْحَفِ: (النَّبِيُّ أوْلى بِالمُؤْمِنِينَ مِن أنْفُسِهِمْ وأزْواجُهُ أُمَّهاتُهم وهو أبٌ لَهُمْ) . فَقالَ: يا غُلامُ، حُكَّها. فَقالَ: هَذا مُصْحَفُ أُبَيٍّ، فَذَهَبَ إلَيْهِ فَسَألَهُ، فَقالَ: إنَّهُ كانَ يُلْهِينِي القُرْآنُ، ويُلْهِيكَ الصَّفْقُ بِالأسْواقِ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، والحاكِمُ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في ”سُنَنِهِ“، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ هَذِهِ الآيَةَ: (النَّبِيُّ أوْلى بِالمُؤْمِنِينَ مِن أنْفُسِهِمْ وهو أبٌ لَهم وأزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ) . وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ، أنَّهُ قَرَأ: (النَّبِيُّ أوْلى بِالمُؤْمِنِينَ مِن أنْفُسِهِمْ وهو أبٌ لَهُمْ) . (p-٧٣٠)وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: كانَ في الحَرْفِ الأوَّلِ: (النَّبِيُّ أوْلى بِالمُؤْمِنِينَ مِن أنْفُسِهِمْ وهو أبُوهُمْ) . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الحَسَنِ قالَ: في القِراءَةِ الأُولى: (النَّبِيُّ أوْلى بِالمُؤْمِنِينَ مِن أنْفُسِهِمْ وهو أبٌ لَهُمْ) . * * قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأُولُو الأرْحامِ﴾ الآيَةَ. أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ: ﴿وأُولُو الأرْحامِ بَعْضُهم أوْلى بِبَعْضٍ في كِتابِ اللَّهِ مِنَ المُؤْمِنِينَ والمُهاجِرِينَ﴾ قالَ: لَبِثَ المُسْلِمُونَ زَمانًا يَتَوارَثُونَ بِالهِجْرَةِ، الأعْرابِيُّ المُسْلِمُ لا يَرِثُ مِنَ المُهاجِرِ شَيْئًا، فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ، فَخَلَطَ المُؤْمِنِينَ بَعْضَهم بِبَعْضٍ، فَصارَتِ المَوارِيثُ بِالمِلَلِ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿إلا أنْ تَفْعَلُوا إلى أوْلِيائِكم مَعْرُوفًا﴾ قالَ: تُوصُونَ لِحُلَفائِكُمُ الَّذِينَ والى بَيْنَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ مِنَ المُهاجِرِينَ والأنْصارِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ ابْنِ (p-٧٣١)الحَنَفِيَّةِ في قَوْلِهِ: ﴿إلا أنْ تَفْعَلُوا إلى أوْلِيائِكم مَعْرُوفًا﴾ قالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في جَوازِ وصِيَّةِ المُسْلِمِ لِلْيَهُودِيِّ والنَّصْرانِيِّ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿إلا أنْ تَفْعَلُوا إلى أوْلِيائِكم مَعْرُوفًا﴾ قالَ: القَرابَةِ مِن أهْلِ الشِّرْكِ، ﴿مَعْرُوفًا﴾ قالَ: وصِيَّةً، ولا مِيراثَ لَهُمْ، ﴿كانَ ذَلِكَ في الكِتابِ مَسْطُورًا﴾ قالَ: وفي بَعْضِ القِراءَةِ: (كانَ ذَلِكَ عِنْدَ اللَّهِ مَكْتُوبًا) ألّا يَرِثَ المُشْرِكُ المُؤْمِنَ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ عَنْ قَتادَةَ، عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿إلا أنْ تَفْعَلُوا إلى أوْلِيائِكم مَعْرُوفًا﴾ قالا: إلّا أنْ يَكُونَ لَكَ ذُو قُرابَةٍ لَيْسَ عَلى دِينِكَ فَتُوصِي لَهُ بِالشَّيْءِ، وهو ولِيُّكَ في النَّسَبِ، ولَيْسَ ولِيَّكَ في الدِّينِ.

الأحزاب 33:7

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذْ أخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ﴾ الآيَتَيْنِ. أخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وإذْ أخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ﴾ قالَ: في ظَهْرِ آدَمَ، ﴿وأخَذْنا مِنهم مِيثاقًا غَلِيظًا﴾ قالَ: أغْلَظَ مِمّا أخَذَهُ مِنَ النّاسِ، ﴿لِيَسْألَ الصّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ﴾ قالَ: المُبَلِّغِينَ المُؤَدِّينَ مِنَ الرُّسُلِ. (p-٧٣٢)وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وإذْ أخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ﴾ الآيَةَ. قالَ: أخَذَ اللَّهُ عَلى النَّبِيِّينَ خُصُوصًا أنْ يُصَدِّقُ بَعْضُهم بَعْضًا، وأنْ يَتَّبِعَ بَعْضُهم بَعْضًا. وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ في ”الدَّلائِلِ“، عَنْ أبِي مَرْيَمَ الغَسّانِيِّ، «أنَّ أعْرابِيًّا قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، أيُّ شَيْءٍ كانَ أوَّلَ نُبُوَّتِكَ؟ قالَ: «أخَذَ اللَّهُ مِنِّي المِيثاقَ كَما أخَذَ مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ» . ثُمَّ تَلا: «﴿وإذْ أخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهم ومِنكَ ومِن نُوحٍ وإبْراهِيمَ ومُوسى وعِيسى ابْنِ مَرْيَمَ وأخَذْنا مِنهم مِيثاقًا غَلِيظًا﴾، ودَعْوَةَ أبِي إبْراهِيمَ، قالَ: ﴿وابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولا مِنهُمْ﴾ [البقرة: ١٢٩] [البَقَرَةِ: ١٢٩] . وبُشْرى المَسِيحِ عِيسى ابْنِ مَرْيَمَ، ورَأتْ أُمُّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في مَنامِها أنَّهُ خَرَجَ مِن بَيْنِ رِجْلَيْها سِراجٌ أضاءَتْ لَهُ قُصُورُ الشّامِ»» . وأخْرَجَ الطَّيالِسِيُّ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنْ أبِي أُمامَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««خَلَقَ اللَّهُ الخَلْقَ، وقَضى القَضِيَّةَ، وأخَذَ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ، وعَرْشُهُ عَلى الماءِ، فَأخَذَ أهْلَ اليَمِينِ بِيَمِينِهِ، وأخَذَ أهْلَ الشَّمالِ بِيَدِهِ (p-٧٣٣)الأُخْرى، وكِلْتا يَدَيِ الرَّحْمَنِ يَمِينٌ، فَأمّا أصْحابُ اليَمِينِ فاسْتَجابُوا إلَيْهِ فَقالُوا: لَبَّيْكَ رَبَّنا وسَعْدَيْكَ. قالَ: ﴿ألَسْتُ بِرَبِّكم قالُوا بَلى﴾ [الأعراف: ١٧٢] [الأعْرافِ: ١٧٢] . فَخَلَطَ بَعْضَهم بِبَعْضٍ، فَقالَ قائِلٌ مِنهم: يا رَبِّ، لِمَ خَلَطْتَ بَيْنَنا؟ قالَ: ولَهم أعْمالٌ مِن دُونِ ذَلِكَ هم لَها عامِلُونَ، أنْ يَقُولُوا يَوْمَ القِيامَةِ: إنّا كُنّا عَنْ هَذا غافِلِينَ. ثُمَّ رَدَّهم في صُلْبِ آدَمَ، فَأهْلُ الجَنَّةِ أهْلُها، وأهْلُ النّارِ أهْلُها» . فَقالَ قائِلٌ: فَما العَمَلُ إذَنْ؟ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «يَعْمَلُ كُلُّ قَوْمٍ لِمَنزِلَتِهِمْ» . فَقالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ: إذَنْ نَجْتَهِدُ يا رَسُولَ اللَّهِ» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «قِيلَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، مَتى أُخِذَ مِيثاقُكَ؟ قالَ: «وآدَمُ بَيْنَ الرُّوحِ والجَسَدِ»» . وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ عَنْ عامِرٍ قالَ: «قالَ رَجُلٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ: مَتى اسْتُنْبِئْتَ؟ قالَ: «وآدَمُ بَيْنَ الرُّوحِ والجَسَدِ، حِينَ أُخِذَ مِنِّي المِيثاقُ»» . (p-٧٣٤)وأخْرَجَ البَزّارُ، والطَّبَرانِيُّ في ”الأوْسَطِ“، وأبُو نُعَيْمٍ في ”الدَّلائِلِ“، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «قِيلَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، مَتّى كَنْتَ نَبِيًّا؟ قالَ: «وآدَمُ بَيْنَ الرُّوحِ والجَسَدِ»» . وأخْرَجَ أحْمَدُ، والبُخارِيُّ في ”تارِيخِهِ“، والطَّبَرانِيُّ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وأبُو نُعَيْمٍ، والبَيْهَقِيُّ، مَعًا في ”الدَّلائِلِ“، «عَنْ مَيْسَرَةَ الفَجْرِ قالَ: قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، مَتى كُنْتَ نَبِيًّا؟ قالَ: «وآدَمُ بَيْنَ الرُّوحِ والجَسَدِ»» . وأخْرَجَ الحاكِمُ، وأبُو نُعَيْمٍ، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «قِيلَ لِلنَّبِيِّ ﷺ: مَتى وجَبَتْ لَكَ النُّبُوَّةُ؟ قالَ: «بَيْنَ خَلْقِ آدَمَ ونَفْخِ الرُّوحِ فِيهِ»» . وأخْرَجَ أبُو نُعَيْمٍ عَنِ الصَّنابِحِيِّ قالَ: «قالَ عُمَرُ: مَتى جُعِلْتَ نَبِيًّا؟ قالَ: «وآدَمُ مُنْجَدِلٌ في الطِّينِ»» . (p-٧٣٥)وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ «عَنِ ابْنِ أبِي الجَدْعاءِ قالَ: قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، مَتى كُنْتَ نَبِيًّا؟ قالَ: «إذْ آدَمُ بَيْنَ الرُّوحِ والجَسَدِ»» . وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ عَنْ مُطَرِّفِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشَّخِّيرِ، «أنَّ رَجُلًا سَألَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ: مَتى كُنْتَ نَبِيًّا؟ قالَ: «بَيْنَ الرُّوحِ والطِّينِ مِن آدَمَ»» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنْ قَتادَةَ قالَ: «كانَ النَّبِيُّ ﷺ إذا قَرَأ: ﴿وإذْ أخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهم ومِنكَ ومِن نُوحٍ﴾ قالَ: «بُدِئَ بِي في الخَلْقِ، وكُنْتُ آخِرَهم في البَعْثِ»» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ: «﴿وإذْ أخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهم ومِنكَ ومِن نُوحٍ﴾ قالَ: ذُكِرَ لَنا أنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ كانَ يَقُولُ: «كُنْتُ أوَّلَ الأنْبِياءِ في الخَلْقِ، وآخِرَهم في البَعْثِ»» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي عاصِمٍ، والضِّياءُ في ”المُخْتارَةِ“، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: «﴿وإذْ أخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهم ومِنكَ ومِن نُوحٍ﴾ . (p-٧٣٦)قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أوَّلُهم نُوحٌ، ثُمَّ الأوَّلُ فالأوَّلُ»» . وأخْرَجَ الحَسَنُ بْنُ سُفْيانَ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ في ”الدَّلائِلِ“، والدَّيْلَمِيُّ، وابْنُ عَساكِرَ، مِن طَرِيقِ قَتادَةَ، عَنِ الحَسَنِ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، «عَنِ النَّبِيِّ ﷺ في قَوْلِ اللَّهِ: ﴿وإذْ أخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ﴾ الآيَةَ. قالَ: «كُنْتُ أوَّلَ النَّبِيِّينَ في الخَلْقِ، وآخِرَهم في البَعْثِ» فَبَدَأ بِهِ قَبْلَهم» . وأخْرَجَ البَزّارُ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: خِيارُ ولَدِ آدَمَ خَمْسَةٌ؛ نُوحٌ، وإبْراهِيمُ، ومُوسى، وعِيسى، ومُحَمَّدٌ، وخَيْرُهم مُحَمَّدٌ ﷺ . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، مِن طَرِيقِ الضَّحّاكِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿مِيثاقَهُمْ﴾ عَهْدَهم. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ، بِسَنَدٍ صَحِيحٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿وإذْ أخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ﴾ قالَ: إنَّما أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ عَلى قَوْمِهِمْ. وأخْرَجَ أبُو نُعَيْمٍ، والدَّيْلَمِيُّ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (p-٧٣٧)««لَيْسَ مِن عالِمٍ إلّا وقَدْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَهُ يَوْمَ أخَذَ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ، يَدْفَعُ عَنْهُ مُساوِئَ عَمَلِهِ لِمَحاسِنِ عِلْمِهِ، إلّا أنَّهُ لا يُوحى إلَيْهِ»» .

الأحزاب 33:8

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذْ أخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ﴾ الآيَتَيْنِ. أخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وإذْ أخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ﴾ قالَ: في ظَهْرِ آدَمَ، ﴿وأخَذْنا مِنهم مِيثاقًا غَلِيظًا﴾ قالَ: أغْلَظَ مِمّا أخَذَهُ مِنَ النّاسِ، ﴿لِيَسْألَ الصّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ﴾ قالَ: المُبَلِّغِينَ المُؤَدِّينَ مِنَ الرُّسُلِ. (p-٧٣٢)وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وإذْ أخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ﴾ الآيَةَ. قالَ: أخَذَ اللَّهُ عَلى النَّبِيِّينَ خُصُوصًا أنْ يُصَدِّقُ بَعْضُهم بَعْضًا، وأنْ يَتَّبِعَ بَعْضُهم بَعْضًا. وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ في ”الدَّلائِلِ“، عَنْ أبِي مَرْيَمَ الغَسّانِيِّ، «أنَّ أعْرابِيًّا قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، أيُّ شَيْءٍ كانَ أوَّلَ نُبُوَّتِكَ؟ قالَ: «أخَذَ اللَّهُ مِنِّي المِيثاقَ كَما أخَذَ مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ» . ثُمَّ تَلا: «﴿وإذْ أخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهم ومِنكَ ومِن نُوحٍ وإبْراهِيمَ ومُوسى وعِيسى ابْنِ مَرْيَمَ وأخَذْنا مِنهم مِيثاقًا غَلِيظًا﴾، ودَعْوَةَ أبِي إبْراهِيمَ، قالَ: ﴿وابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولا مِنهُمْ﴾ [البقرة: ١٢٩] [البَقَرَةِ: ١٢٩] . وبُشْرى المَسِيحِ عِيسى ابْنِ مَرْيَمَ، ورَأتْ أُمُّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في مَنامِها أنَّهُ خَرَجَ مِن بَيْنِ رِجْلَيْها سِراجٌ أضاءَتْ لَهُ قُصُورُ الشّامِ»» . وأخْرَجَ الطَّيالِسِيُّ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنْ أبِي أُمامَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««خَلَقَ اللَّهُ الخَلْقَ، وقَضى القَضِيَّةَ، وأخَذَ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ، وعَرْشُهُ عَلى الماءِ، فَأخَذَ أهْلَ اليَمِينِ بِيَمِينِهِ، وأخَذَ أهْلَ الشَّمالِ بِيَدِهِ (p-٧٣٣)الأُخْرى، وكِلْتا يَدَيِ الرَّحْمَنِ يَمِينٌ، فَأمّا أصْحابُ اليَمِينِ فاسْتَجابُوا إلَيْهِ فَقالُوا: لَبَّيْكَ رَبَّنا وسَعْدَيْكَ. قالَ: ﴿ألَسْتُ بِرَبِّكم قالُوا بَلى﴾ [الأعراف: ١٧٢] [الأعْرافِ: ١٧٢] . فَخَلَطَ بَعْضَهم بِبَعْضٍ، فَقالَ قائِلٌ مِنهم: يا رَبِّ، لِمَ خَلَطْتَ بَيْنَنا؟ قالَ: ولَهم أعْمالٌ مِن دُونِ ذَلِكَ هم لَها عامِلُونَ، أنْ يَقُولُوا يَوْمَ القِيامَةِ: إنّا كُنّا عَنْ هَذا غافِلِينَ. ثُمَّ رَدَّهم في صُلْبِ آدَمَ، فَأهْلُ الجَنَّةِ أهْلُها، وأهْلُ النّارِ أهْلُها» . فَقالَ قائِلٌ: فَما العَمَلُ إذَنْ؟ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «يَعْمَلُ كُلُّ قَوْمٍ لِمَنزِلَتِهِمْ» . فَقالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ: إذَنْ نَجْتَهِدُ يا رَسُولَ اللَّهِ» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «قِيلَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، مَتى أُخِذَ مِيثاقُكَ؟ قالَ: «وآدَمُ بَيْنَ الرُّوحِ والجَسَدِ»» . وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ عَنْ عامِرٍ قالَ: «قالَ رَجُلٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ: مَتى اسْتُنْبِئْتَ؟ قالَ: «وآدَمُ بَيْنَ الرُّوحِ والجَسَدِ، حِينَ أُخِذَ مِنِّي المِيثاقُ»» . (p-٧٣٤)وأخْرَجَ البَزّارُ، والطَّبَرانِيُّ في ”الأوْسَطِ“، وأبُو نُعَيْمٍ في ”الدَّلائِلِ“، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «قِيلَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، مَتّى كَنْتَ نَبِيًّا؟ قالَ: «وآدَمُ بَيْنَ الرُّوحِ والجَسَدِ»» . وأخْرَجَ أحْمَدُ، والبُخارِيُّ في ”تارِيخِهِ“، والطَّبَرانِيُّ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وأبُو نُعَيْمٍ، والبَيْهَقِيُّ، مَعًا في ”الدَّلائِلِ“، «عَنْ مَيْسَرَةَ الفَجْرِ قالَ: قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، مَتى كُنْتَ نَبِيًّا؟ قالَ: «وآدَمُ بَيْنَ الرُّوحِ والجَسَدِ»» . وأخْرَجَ الحاكِمُ، وأبُو نُعَيْمٍ، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «قِيلَ لِلنَّبِيِّ ﷺ: مَتى وجَبَتْ لَكَ النُّبُوَّةُ؟ قالَ: «بَيْنَ خَلْقِ آدَمَ ونَفْخِ الرُّوحِ فِيهِ»» . وأخْرَجَ أبُو نُعَيْمٍ عَنِ الصَّنابِحِيِّ قالَ: «قالَ عُمَرُ: مَتى جُعِلْتَ نَبِيًّا؟ قالَ: «وآدَمُ مُنْجَدِلٌ في الطِّينِ»» . (p-٧٣٥)وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ «عَنِ ابْنِ أبِي الجَدْعاءِ قالَ: قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، مَتى كُنْتَ نَبِيًّا؟ قالَ: «إذْ آدَمُ بَيْنَ الرُّوحِ والجَسَدِ»» . وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ عَنْ مُطَرِّفِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشَّخِّيرِ، «أنَّ رَجُلًا سَألَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ: مَتى كُنْتَ نَبِيًّا؟ قالَ: «بَيْنَ الرُّوحِ والطِّينِ مِن آدَمَ»» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنْ قَتادَةَ قالَ: «كانَ النَّبِيُّ ﷺ إذا قَرَأ: ﴿وإذْ أخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهم ومِنكَ ومِن نُوحٍ﴾ قالَ: «بُدِئَ بِي في الخَلْقِ، وكُنْتُ آخِرَهم في البَعْثِ»» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ: «﴿وإذْ أخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهم ومِنكَ ومِن نُوحٍ﴾ قالَ: ذُكِرَ لَنا أنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ كانَ يَقُولُ: «كُنْتُ أوَّلَ الأنْبِياءِ في الخَلْقِ، وآخِرَهم في البَعْثِ»» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي عاصِمٍ، والضِّياءُ في ”المُخْتارَةِ“، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: «﴿وإذْ أخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهم ومِنكَ ومِن نُوحٍ﴾ . (p-٧٣٦)قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أوَّلُهم نُوحٌ، ثُمَّ الأوَّلُ فالأوَّلُ»» . وأخْرَجَ الحَسَنُ بْنُ سُفْيانَ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ في ”الدَّلائِلِ“، والدَّيْلَمِيُّ، وابْنُ عَساكِرَ، مِن طَرِيقِ قَتادَةَ، عَنِ الحَسَنِ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، «عَنِ النَّبِيِّ ﷺ في قَوْلِ اللَّهِ: ﴿وإذْ أخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ﴾ الآيَةَ. قالَ: «كُنْتُ أوَّلَ النَّبِيِّينَ في الخَلْقِ، وآخِرَهم في البَعْثِ» فَبَدَأ بِهِ قَبْلَهم» . وأخْرَجَ البَزّارُ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: خِيارُ ولَدِ آدَمَ خَمْسَةٌ؛ نُوحٌ، وإبْراهِيمُ، ومُوسى، وعِيسى، ومُحَمَّدٌ، وخَيْرُهم مُحَمَّدٌ ﷺ . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، مِن طَرِيقِ الضَّحّاكِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿مِيثاقَهُمْ﴾ عَهْدَهم. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ، بِسَنَدٍ صَحِيحٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿وإذْ أخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ﴾ قالَ: إنَّما أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ عَلى قَوْمِهِمْ. وأخْرَجَ أبُو نُعَيْمٍ، والدَّيْلَمِيُّ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: (p-٧٣٧)««لَيْسَ مِن عالِمٍ إلّا وقَدْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَهُ يَوْمَ أخَذَ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ، يَدْفَعُ عَنْهُ مُساوِئَ عَمَلِهِ لِمَحاسِنِ عِلْمِهِ، إلّا أنَّهُ لا يُوحى إلَيْهِ»» .

الأحزاب 33:9

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ﴾ الآياتِ. أخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ، والبَيْهَقِيُّ، كِلاهُما في ”الدَّلائِلِ“، وابْنُ عَساكِرَ، مِن طُرُقٍ «عَنْ حُذَيْفَةَ قالَ: لَقَدْ رَأيْتُنا لَيْلَةَ الأحْزابِ ونَحْنُ صافُّونَ قُعُودٌ، وأبُو سُفْيانَ ومَن مَعَهُ مِنَ الأحْزابِ فَوْقَنا، وقُرَيْظَةُ اليَهُودُ أسْفَلَ نَخافُهم عَلى ذَرارِيِّنا، وما أتَتْ عَلَيْنا لَيْلَةٌ قَطُّ أشَدُّ ظُلْمَةً ولا أشَدُّ رِيحًا، في أصْواتِ رِيحِها أمْثالُ الصَّواعِقِ، وهي ظُلْمَةٌ ما يَرى أحَدٌ مِنّا إصْبَعَهُ، فَجَعَلَ المُنافِقُونَ يَسْتَأْذِنُونَ النَّبِيَّ ﷺ ويَقُولُونَ: إنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ. وما هي بِعَوْرَةٍ. فَما يَسْتَأْذِنُهُ أحَدٌ مِنهم إلّا أذِنَ لَهُ، فَيَتَسَلَّلُونَ، ونَحْنُ ثَلاثُمِائَةٍ أوْ نَحْوُ ذَلِكَ، إذِ اسْتَقْبَلَنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَجُلًا رَجُلًا، حَتّى مَرَّ عَلَيَّ وما عَلَيَّ جُنَّةٌ مِنَ العَدُوِّ ولا مِنَ البَرْدِ إلّا مِرْطٌ لِامْرَأتِي، ما يُجاوِزُ رُكْبَتَيَّ، فَأتانِي وأنا جاثٍ عَلى رُكْبَتَيَّ فَقالَ: «مَن هَذا»؟ . قُلْتُ: حُذَيْفَةُ. قالَ: «حُذَيْفَةُ»؟ . فَتَقاصَرْتُ إلى الأرْضِ فَقُلْتُ: بَلى يا رَسُولَ اللَّهِ؛ كَراهِيَةَ أنْ أقُومَ. فَقالَ: «قُمْ» . فَقُمْتُ فَقالَ: (p-٧٣٨)«إنَّهُ كانَ في القَوْمِ خَبَرٌ، فَأتْنِي بِخَبَرِ القَوْمِ» . قالَ: وأنا مِن أشَدِّ النّاسِ فَزَعًا، وأشَدِّهِمْ قُرًّا، فَخَرَجْتُ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «اللَّهُمَّ احْفَظْهُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ، ومِن خَلْفِهِ، وعَنْ يَمِينِهِ، وعَنْ شِمالِهِ، ومِن فَوْقِهِ، ومِن تَحْتِهِ» . قالَ: فَواللَّهِ ما خَلَقَ اللَّهُ فَزَعًا ولا قُرًّا في جَوْفِي إلّا خَرَجَ مِن جَوْفِي، فَما أجِدُ مِنهُ شَيْئًا، فَلَمّا ولَّيْتُ قالَ: «يا حُذَيْفَةُ، لا تُحْدِثَنَّ في القَوْمِ شَيْئًا حَتّى تَأْتِيَنِي» . فَخَرَجْتُ حَتّى إذا دَنَوْتُ مِن عَسْكَرِ القَوْمِ، نَظَرْتُ في ضَوْءِ نارٍ لَهم تُوقَدُ، وإذا رَجُلٌ أدْهَمُ ضَخْمٌ يَقُولُ بِيَدِهِ عَلى النّارِ، ويَمْسَحُ خاصِرَتَهُ ويَقُولُ: الرَّحِيلَ الرَّحِيلَ. ثُمَّ دَخَلْتُ العَسْكَرَ، فَإذا في النّاسِ مِنِّي بَنُو عامِرٍ يَقُولُونَ: يا آلَ عامِرٍ الرَّحِيلَ الرَّحِيلَ، لا مُقامَ لَكم. وإذا الرِّيحُ في عَسْكَرِهِمْ ما تُجاوِزُ عَسْكَرَهم شِبْرًا، فَواللَّهِ إنِّي لَأسْمَعُ صَوْتَ الحِجارَةِ في رِحالِهِمْ وفُرُشِهِمْ، الرِّيحُ تَضْرِبُهُمْ، ثُمَّ خَرَجْتُ نَحْوَ النَّبِيِّ ﷺ، فَلَمّا انْتَصَفْتُ في الطَّرِيقِ أوْ نَحْوِ ذَلِكَ، إذا أنا بِنَحْوٍ مَن عِشْرِينَ فارِسًا مُتَعَمِّمِينَ، فَقالُوا: أخْبِرْ صاحِبَكَ أنَّ اللَّهَ كَفاهُ القَوْمَ. فَرَجَعْتُ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وهو مُشْتَمِلٌ في شَمْلَةٍ يُصَلِّي، وكانَ إذا حَزَبَهُ أمْرٌ صَلّى، فَأخْبَرْتُهُ خَبَرَ القَوْمِ أنِّي تَرَكْتُهم يَتَرَحَّلُونَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكم إذْ جاءَتْكم جُنُودٌ﴾ الآيَةَ» . (p-٧٣٩)وأخْرَجَ الرُّويانِيُّ، وابْنُ عَساكِرَ، عَنْ إبْراهِيمَ التَّيْمِيِّ، عَنْ أبِيهِ قالَ: «قالَ رَجُلٌ: لَوْ أدْرَكْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَخَدَمْتُهُ ولَفَعَلْتُ. فَقالَ حُذَيْفَةُ: لَقَدْ رَأيْتُنِي لَيْلَةَ الأحْزابِ ونَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَكانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ في لَيْلَةٍ بارِدَةٍ لَمْ نَرَ قَبْلَهُ ولا بَعْدَهُ بَرْدًا كانَ أشَدَّ مِنهُ، فَحانَتْ مِنِّي التِفاتَةٌ فَقالَ: «ألا رَجُلٌ يَذْهَبُ إلى هَؤُلاءِ فَيَأْتِينا بِخَبَرِهِمْ، جَعَلَهُ اللَّهُ مَعِي يَوْمَ القِيامَةِ»؟ . قالَ: فَما قامَ مِنّا إنْسانٌ. قالَ: فَسَكَتُوا، ثُمَّ عادَ، فَسَكَتُوا، ثُمَّ قالَ: «يا أبا بَكْرٍ» . ثُمَّ اسْتَغْفَرَ اللَّهَ ورَسُولَهُ، ثُمَّ قالَ: إنْ شِئْتَ ذَهَبْتُ. فَقالَ: «يا عُمَرُ» . فَقالَ: أسْتَغْفِرُ اللَّهَ ورَسُولَهُ. ثُمَّ قالَ: «يا حُذَيْفَةُ» . فَقُلْتُ: لَبَّيْكَ. فَقُمْتُ حَتّى أتَيْتُ وإنَّ جَنْبَيَّ لَيَضْرِبانِ مِنَ البَرْدِ، فَمَسَحَ رَأْسِي ووَجْهِي، ثُمَّ قالَ: «ائْتِ هَؤُلاءِ القَوْمَ حَتّى تَأْتِيَنا بِخَبَرِهِمْ، ولا تُحْدِثَنَّ حَدَثًا حَتّى تَرْجِعَ» . ثُمَّ قالَ: «اللَّهُمَّ احْفَظْهُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ومِن خَلْفِهِ، وعَنْ يَمِينِهِ وعَنْ شِمالِهِ، ومِن (p-٧٤٠)فَوْقِهِ، ومِن تَحْتِهِ، حَتّى يَرْجِعَ» . قالَ: فَلَأنْ يَكُونَ أرْسَلَها كانَ أحَبَّ إلَيَّ مِنَ الدُّنْيا وما فِيها. قالَ: فانْطَلَقْتُ، فَأخَذْتُ أمْشِي نَحْوَهم كَأنِّي أمْشِي في حَمّامٍ. قالَ: فَوَجَدْتُهم قَدْ أرْسَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ رِيحًا فَقَطَّعَتْ أطْنابَهم وأبْنِيَتَهُمْ، وذَهَبَتْ بِخُيُولِهِمْ، ولَمْ تَدَعْ شَيْئًا إلّا أهْلَكَتْهُ. قالَ: وأبُو سُفْيانَ قاعِدٌ يَصْطَلِي عِنْدَ نارٍ لَهُ. قالَ: فَنَظَرْتُ إلَيْهِ، فَأخَذْتُ سَهْمًا، فَوَضَعْتُهُ في كَبِدِ قَوْسِي. قالَ: وكانَ حُذَيْفَةُ رامِيًا. فَذَكَرْتُ قَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: «لا تُحْدِثَنَّ حَدَثًا حَتّى تَرْجِعَ» . قالَ: فَرَدَدْتُ سَهْمِي في كِنانَتِي. قالَ: فَقالَ رَجُلٌ مَنِ القَوْمُ: ألا إنَّ فِيكم عَيْنًا لِلْقَوْمِ. قالَ: فَأخَذَ كُلٌّ بِيَدِ جَلِيسِهِ، فَأخَذْتُ بِيَدِ جَلِيسِي فَقُلْتُ: مَن أنْتَ؟ قالَ: سُبْحانَ اللَّهِ! أما تَعْرِفُنِي، أنا فُلانُ بْنُ فُلانٍ. فَإذا رَجُلٌ مِن هَوازِنَ، فَرَجَعْتُ إلى النَّبِيِّ ﷺ فَأخْبَرْتُهُ الخَبَرَ، وكَأنِّي أمْشِي في حَمّامٍ، قالَ: فَلَمّا أخْبَرْتُهُ ضَحِكَ حَتّى بَدَتْ أنْيابُهُ في سَوادِ اللَّيْلِ، وذَهَبَ (p-٧٤١)عَنِّي الدِّفْءُ. فَأدْنانِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَأنامَنِي عِنْدَ رِجْلَيْهِ، وألْقى عَلَيَّ طَرَفَ ثَوْبِهِ، فَإنْ كُنْتُ لَألْزِقُ بَطْنِي وصَدْرِي بِبَطْنِ قَدَمِهِ، فَلَمّا أصْبَحُوا هَزَمَ اللَّهُ الأحْزابَ، وهو قَوْلُهُ: ﴿فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا وجُنُودًا لَمْ تَرَوْها﴾ [الأحزاب»: ٩] . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في ”الدَّلائِلِ“، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكم إذْ جاءَتْكم جُنُودٌ﴾ قالَ: كانَ يَوْمَ أبِي سُفْيانَ يَوْمَ الأحْزابِ. وأخْرَجَ أحْمَدُ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قالَ: «قُلْنا يَوْمَ الخَنْدَقِ: يا رَسُولَ اللَّهِ، هَلْ مِن شَيْءٍ نَقُولُهُ؟ فَقَدْ بَلَغَتِ القُلُوبُ الحَناجِرَ؟ قالَ: «نَعَمْ، قُولُوا: اللَّهُمَّ اسْتُرْ عَوْراتِنا، وآمِن رَوْعاتِنا» . قالَ: فَضَرَبَ اللَّهُ وُجُوهَ أعْدائِهِ بِالرِّيحِ، فَهَزَمَهُمُ اللَّهُ بِالرِّيحِ» . وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ في ”العَظَمَةِ“، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ مُجاهِدٍ: ﴿إذْ جاءَتْكم جُنُودٌ﴾ قالَ: الأحْزابُ، عُيَيْنَةُ بْنُ بَدْرٍ، وأبُو سُفْيانَ، وقُرَيْظَةُ، ﴿فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا﴾ قالَ: يَعْنِي رِيحَ الصَّبا، أُرْسِلَتْ عَلى الأحْزابِ يَوْمَ الخَنْدَقِ حَتّى كَفَأتْ قُدُورَهم (p-٧٤٢)عَلى أفْواهِها، ونَزَعَتْ فَساطِيطَهم حَتّى أظْعَنَتْهُمْ، ﴿وجُنُودًا لَمْ تَرَوْها﴾ يَعْنِي المَلائِكَةَ. قالَ: ولَمْ تُقاتِلِ المَلائِكَةُ يَوْمَئِذٍ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ في ”الكُنى“، وأبُو الشَّيْخِ في ”العَظَمَةِ“، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ في ”الدَّلائِلِ“، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «لَمّا كانَتْ لَيْلَةُ الأحْزابِ جاءَتِ الشَّمالَ إلى الجَنُوبِ فَقالَتْ: انْطَلِقِي فانْصُرِي اللَّهَ ورَسُولَهُ. فَقالَتِ الجَنُوبُ: إنَّ الحُرَّةَ لا تَسْرِي بِاللَّيْلِ. فَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْها وجَعَلَها عَقِيمًا، فَأرْسَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الصَّبا فَأطْفَأتْ نِيرانَهم وقَطَعَتْ أطْنابَهُمْ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «نُصِرْتُ بِالصَّبا، وأُهْلِكَتْ عادٌ بِالدَّبُّورِ» . فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا وجُنُودًا لَمْ تَرَوْها﴾ [الأحزاب»: ٩] . وأخْرَجَ أحْمَدُ، والبُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««نُصِرْتُ بِالصَّبا، وأُهْلِكَتْ عادٌ بِالدَّبُّورِ»» . وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ النُّعْمانِ بْنِ مُقَرِّنٍ قالَ: «شَهِدْتُ رَسُولَ اللَّهِ (p-٧٤٣)ﷺ إذا لَمْ يُقاتِلْ مِن أوَّلِ النَّهارِ أخَّرَ القِتالَ حَتّى تَزُولَ الشَّمْسُ وتَهُبَّ الرِّياحُ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، والبُخارِيُّ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في ”الدَّلائِلِ“، عَنْ عائِشَةَ في قَوْلِهِ: ﴿إذْ جاءُوكم مِن فَوْقِكم ومِن أسْفَلَ مِنكُمْ﴾ الآيَةَ. قالَتْ: كانَ ذَلِكَ يَوْمَ الخَنْدَقِ. وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ، والبَيْهَقِيُّ في ”الدَّلائِلِ“، مِن طَرِيقِ كَثِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ المُزَنِيِّ، عَنْ أبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ قالَ: «خَطَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الخَنْدَقَ عامَ الأحْزابِ، فَخَرَجَتْ لَنا مِنَ الخَنْدَقِ صَخْرَةٌ بَيْضاءُ مُدَوَّرَةٌ، فَكَسَرَتْ حَدِيدَنا وشَقَّتْ عَلَيْنا، فَشَكَوْنا إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَأخَذَ المِعْوَلَ مِن سَلْمانَ، فَضَرَبَ الصَّخْرَةَ ضَرْبَةً صَدَعَها، وبَرَقَتْ مِنها بَرْقَةٌ أضاءَتْ ما بَيْنَ لابَتَيِ المَدِينَةِ، حَتّى لَكَأنَّ مِصْباحًا في جَوْفِ لَيْلٍ مُظْلِمٍ، فَكَبَّرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وكَبَّرَ المُسْلِمُونَ، ثُمَّ ضَرَبَها الثّانِيَةَ فَصَدَعَها، وبَرَقَ مِنها بَرْقَةٌ أضاءَتْ ما بَيْنَ لابَتَيْها، فَكَبَّرَ ﷺ وكَبَّرَ المُسْلِمُونَ، ثُمَّ ضَرَبَها الثّالِثَةَ، فَكَسَرَها، وبَرَقَ مِنها بَرْقَةٌ أضاءَتْ ما بَيْنَ لابَتَيْها، فَكَبَّرَ وكَبَّرَ المُسْلِمُونَ، فَسَألْناهُ فَقالَ: «أضاءَ لِي في الأُولى قُصُورُ الحِيرَةِ ومَدائِنُ كِسْرى (p-٧٤٤)كَأنَّها أنْيابُ الكِلابِ، فَأخْبَرَنِي جِبْرِيلُ أنَّ أُمَّتِي ظاهِرَةٌ عَلَيْها، وأضاءَ لِي في الثّانِيَةِ قُصُورُ الحُمْرِ مِن أرْضِ الرُّومِ، كَأنَّها أنْيابُ الكِلابِ، وأخْبَرَنِي جِبْرِيلُ أنَّ أُمَّتِي ظاهِرَةٌ عَلَيْها، وأضاءَ لِي في الثّالِثَةِ قُصُورُ صَنْعاءَ كَأنَّها أنْيابُ الكِلابِ، وأخْبَرَنِي جِبْرِيلُ أنَّ أُمَّتِي ظاهِرَةٌ عَلَيْها، فَأبْشِرُوا بِالنَّصْرِ» . فاسْتَبْشَرَ المُسْلِمُونَ وقالُوا: الحَمْدُ لِلَّهِ، مَوْعِدٌ صادِقٌ بِأنْ وُعِدْنا النَّصْرَ بَعْدَ الحَصْرِ. فَطَلَعَتِ الأحْزابُ فَقالَ المُسْلِمُونَ: ﴿هَذا ما وعَدَنا اللَّهُ ورَسُولُهُ وصَدَقَ اللَّهُ ورَسُولُهُ وما زادَهم إلا إيمانًا وتَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٢٢] . وقالَ المُنافِقُونَ: ألا تَعْجَبُونَ! يُحَدِّثُكم ويَعِدُكم ويُمَنِّيكُمُ الباطِلَ، يُخْبِرُ أنَّهُ يُبْصِرُ مِن يَثْرِبَ قُصُورَ الحِيرَةِ ومَدائِنَ كِسْرى، وأنَّها تُفْتَحُ لَكُمْ، وأنْتُمْ تَحْفِرُونَ الخَنْدَقَ ولا تَسْتَطِيعُونَ أنْ تَبْرُزُوا، وأُنْزِلَ القُرْآنُ: ﴿وإذْ يَقُولُ المُنافِقُونَ والَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ما وعَدَنا اللَّهُ ورَسُولُهُ إلا غُرُورًا﴾ [الأحزاب»: ١٢] . وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: أنْزَلَ اللَّهُ في شَأْنِ الخَنْدَقِ، وذَكَرَ نِعْمَتَهُ عَلَيْهِمْ وكِفايَتَهُ إيّاهم عَدُوَّهم بَعْدَ سُوءِ الظَّنِّ ومَقالَةِ مَن تَكَلَّمَ مِن أهْلِ النِّفاقِ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكم إذْ جاءَتْكم جُنُودٌ فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا وجُنُودًا لَمْ تَرَوْها﴾ وكانَتِ الجُنُودُ الَّتِي أتَتِ المُؤْمِنِينَ قُرَيْشًا، وأسَدًا، وغَطَفانَ، وسُلَيْمًا، وكانَتِ الجُنُودُ الَّتِي بَعَثَ (p-٧٤٥)اللَّهُ عَلَيْهِمُ الرِّيحَ والمَلائِكَةَ، فَقالَ: ﴿إذْ جاءُوكم مِن فَوْقِكم ومِن أسْفَلَ مِنكُمْ﴾ . فَكانَ الَّذِينَ جاءُوهم مِن فَوْقِهِمْ بَنِي قُرَيْظَةَ، والَّذِينَ جاءُوهم مِن أسْفَلَ مِنهم قُرَيْشًا، وأسَدًا، وغَطَفانَ، فَقالَ: ﴿هُنالِكَ ابْتُلِيَ المُؤْمِنُونَ وزُلْزِلُوا زِلْزالا شَدِيدًا﴾ ﴿وإذْ يَقُولُ المُنافِقُونَ والَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ما وعَدَنا اللَّهُ ورَسُولُهُ إلا غُرُورًا﴾ يَقُولُ: مُعَتِّبُ بْنُ قُشَيْرٍ ومَن كانَ مَعَهُ عَلى رَأْيِهِ، ﴿وإذْ قالَتْ طائِفَةٌ مِنهم يا أهْلَ يَثْرِبَ لا مُقامَ لَكم فارْجِعُوا ويَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنهُمُ النَّبِيَّ﴾ [الأحزاب: ١٣] يَقُولُ: أوْسُ بْنُ قَيْظِيٍّ ومَن كانَ مَعَهُ عَلى مِثْلِ رَأْيِهِ، ﴿ولَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِن أقْطارِها﴾ [الأحزاب: ١٤] إلى: ﴿وإذًا لا تُمَتَّعُونَ إلا قَلِيلا﴾ [الأحزاب: ١٦] ثُمَّ ذَكَرَ يَقِينَ أهْلِ الإيمانِ حِينَ أتاهُمُ الأحْزابُ فَحَصَرُوهم وظاهَرَتْهم بَنُو قُرَيْظَةَ، فاشْتَدَّ عَلَيْهِمُ البَلاءُ، فَقالَ: ﴿ولَمّا رَأى المُؤْمِنُونَ الأحْزابَ﴾ [الأحزاب: ٢٢] إلى: ﴿إنَّ اللَّهَ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٢٤] قالَ: وذَكَرَ اللَّهُ هَزِيمَةَ المُشْرِكِينَ وكِفايَتَهُ المُؤْمِنِينَ، فَقالَ: ﴿ورَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٢٥] الآيَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ، وابْنُ المُنْذِرِ، والبَيْهَقِيُّ في ”الدَّلائِلِ“، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، ومُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ، قالا: «قالَ مُعَتِّبُ بْنُ قُشَيْرٍ: كَأنَّ مُحَمَّدًا يَرى أنْ يَأْكُلَ مِن كُنُوزِ كِسْرى وقَيْصَرَ، وأحَدُنا لا يَأْمَنُ أنْ يَذْهَبَ إلى الغائِطِ! وقالَ (p-٧٤٦)أوْسُ بْنُ قِيظِيٍّ في مَلَأٍ مِن قَوْمِهِ مِن بَنِي حارِثَةَ: إنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ، وهي خارِجَةٌ مِنَ المَدِينَةِ، ائْذَنْ لَنا فَنَرْجِعَ إلى نِسائِنا وأبْنائِنا وذَرارِيِّنا. فَأنْزَلَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ حِينَ فَرَغَ مِنهم ما كانُوا فِيهِ مِنَ البَلاءِ يُذَكِّرُهم نِعْمَتَهُ عَلَيْهِمْ، وكِفايَتَهُ إيّاهم بَعْدَ سُوءِ الظَّنِّ مِنهُمْ، ومَقالَةِ مَن قالَ مِن أهْلِ النِّفاقِ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكم إذْ جاءَتْكم جُنُودٌ فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا وجُنُودًا لَمْ تَرَوْها﴾ فَكانَتِ الجُنُودُ قُرَيْشًا وغَطَفانَ وبَنِي قُرَيْظَةَ، وكانَتِ الجُنُودُ الَّتِي أرْسَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مَعَ الرِّيحِ المَلائِكَةَ، ﴿إذْ جاءُوكم مِن فَوْقِكُمْ﴾ بَنُو قُرَيْظَةَ، ﴿ومِن أسْفَلَ مِنكُمْ﴾ قُرَيْشٌ، وغَطَفانُ. إلى قَوْلِهِ: ﴿ما وعَدَنا اللَّهُ ورَسُولُهُ إلا غُرُورًا﴾ يَقُولُ: مُعَتِّبُ بْنُ قُشَيْرٍ وأصْحابُهُ، ﴿وإذْ قالَتْ طائِفَةٌ مِنهم يا أهْلَ يَثْرِبَ﴾ [الأحزاب: ١٣] يَقُولُ: أوْسُ بْنُ قَيْظِيٍّ ومَن كانَ مَعَهُ عَلى ذَلِكَ مِن قَوْمِهِ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنِ البَراءِ بْنِ عازِبٍ قالَ: «لَمّا كانَ حَيْثُ أمَرَنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنْ نَحْفِرَ الخَنْدَقَ، عَرَضَ لَنا في بَعْضِ الجَبَلِ صَخْرَةٌ عَظِيمَةٌ شَدِيدَةٌ، لا تَدْخُلُ فِيها المَعاوِلُ، فاشْتَكَيْنا ذَلِكَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَجاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَلَمّا رَآها أخَذَ المِعْوَلَ، وألْقى ثَوْبَهُ وقالَ: «بِاسْمِ اللَّهِ» . ثُمَّ ضَرَبَ ضَرْبَةً، فَكَسَرَ ثُلُثَها وقالَ: «اللَّهُ أكْبَرُ، أُعْطِيتُ مَفاتِيحَ الشّامِ، واللَّهِ إنِّي لَأُبْصِرُ قُصُورَها الحُمْرَ السّاعَةَ» . ثُمَّ ضَرَبَ الثّانِيَةَ فَقَطَعَ ثُلُثًا آخَرَ فَقالَ: «اللَّهُ أكْبَرُ، أُعْطِيتُ (p-٧٤٧)مَفاتِيحَ فارِسَ، واللَّهِ إنِّي لَأُبْصِرُ قَصْرَ المَدائِنِ الأبْيَضَ» . ثُمَّ ضَرَبَ الثّالِثَةَ فَقالَ: «بِاسْمِ اللَّهِ» . فَقَطَعَ بَقِيَّةِ الحَجَرِ وقالَ: «اللَّهُ أكْبَرُ، أُعْطِيتُ مَفاتِيحَ اليَمَنِ، واللَّهِ إنِّي لَأُبْصِرُ أبْوابَ صَنْعاءَ»» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إذْ جاءُوكم مِن فَوْقِكُمْ﴾ قالَ: عُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنٍ، ﴿ومِن أسْفَلَ مِنكُمْ﴾ قالَ: أبُو سُفْيانَ بْنُ حَرْبٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنْ عائِشَةَ في قَوْلِهِ: ﴿إذْ جاءُوكم مِن فَوْقِكم ومِن أسْفَلَ مِنكُمْ﴾ قالَتْ: كانَ ذَلِكَ يَوْمَ الخَنْدَقِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ «فِي قَوْلِهِ: ﴿إذْ جاءُوكم مِن فَوْقِكم ومِن أسْفَلَ مِنكُمْ﴾ قالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ يَوْمَ الأحْزابِ وقَدْ حُصِرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ شَهْرًا، فَخَنْدَقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وأقْبَلَ أبُو سُفْيانَ بِقُرَيْشٍ ومَن مَعَهُ مِنَ النّاسِ حَتّى نَزَلُوا بِعَقْوَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وأقْبَلَ عُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنٍ أخُو بَنِي بَدْرٍ بِغَطَفانَ ومَن تَبِعَهُ حَتّى نَزَلُوا بِعَقْوَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وكاتَبَتِ اليَهُودُ أبا سُفْيانَ فَظاهَرُوهُ، فَبَعَثَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الرُّعْبَ والرِّيحَ، فَذُكِرَ أنَّهم كانُوا كُلَّما بَنَوْا بِناءً قَطَعَ اللَّهُ أطْنابَهُ، وكُلَّما رَبَطُوا دابَّةً قَطَعَ اللَّهُ رِباطَها، وكُلَّما أوْقَدُوا نارًا (p-٧٤٨)أطْفَأها اللَّهُ، حَتّى لَقَدْ ذُكِرَ لَنا أنَّ سَيِّدَ كُلِّ حَيٍّ يَقُولُ: يا بَنِي فُلانٍ، هَلُمَّ إلَيَّ. حَتّى إذا اجْتَمَعُوا عِنْدَهُ قالَ: النَّجاةَ النَّجاةَ، أُتِيتُمْ. لِما بَعَثَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ مِنَ الرُّعْبِ» . وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿إذْ جاءُوكم مِن فَوْقِكُمْ﴾ قالَ: عُيَيْنَةُ بْنُ بَدْرٍ في أهْلِ نَجْدٍ، ﴿ومِن أسْفَلَ مِنكُمْ﴾ قالَ: أبُو سُفْيانَ بْنُ حَرْبٍ في أهْلِ تِهامَةَ، ومُواجَهَتَهم قُرَيْظَةُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وإذْ زاغَتِ الأبْصارُ﴾ قالَ: شَخَصَتِ الأبْصارُ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وبَلَغَتِ القُلُوبُ الحَناجِرَ﴾ قالَ: شَخَصَتْ مِن مَكانِها، فَلَوْلا أنَّهُ ضاقَ الحُلْقُومُ عَنْها أنْ تَخْرُجَ لَخَرَجَتْ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ عِكْرِمَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وبَلَغَتِ القُلُوبُ الحَناجِرَ﴾ قالَ: فَزَعَها. ولَفْظُ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ قالَ: إنَّ (p-٧٤٩)القُلُوبَ لَوْ تَحَرَّكَتْ أوْ زالَتْ خَرَجَتْ نَفْسُهُ، ولَكِنْ إنَّما هو الفَزَعُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿وتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونا﴾ . قالَ: ظُنُونٌ مُخْتَلِفَةٌ؛ ظَنَّ المُنافِقُونَ أنَّ مُحَمَّدًا وأصْحابَهُ يُسْتَأْصَلُونَ، وأيْقَنَ المُؤْمِنُونَ أنَّ ما وعَدَهُمُ اللَّهُ ورَسُولُهُ حَقٌّ، أنَّهُ سَيُظْهِرُهُ عَلى الدِّينِ كُلِّهِ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونا﴾ قالَ: هُمُ المُنافِقُونَ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ ظُنُونًا مُخْتَلِفَةً. وفي قَوْلِهِ: ﴿هُنالِكَ ابْتُلِيَ المُؤْمِنُونَ﴾ قالَ: مُحِّصُوا. وفي قَوْلِهِ: ﴿وإذْ يَقُولُ المُنافِقُونَ﴾ الآيَةَ. قالَ: تَكَلَّمُوا بِما في أنْفُسِهِمْ مِنَ النِّفاقِ، وتَكَلَّمَ المُؤْمِنُونَ بِالحَقِّ والإيمانِ، قالُوا: هَذا ما وعَدَنا اللَّهُ ورَسُولُهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، والبَيْهَقِيُّ في ”الدَّلائِلِ“، عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: «لَمّا حَفَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وأصْحابُهُ الخَنْدَقَ، أصابَ النَّبِيَّ ﷺ والمُسْلِمِينَ جَهْدٌ شَدِيدٌ، فَمَكَثُوا ثَلاثًا لا يَجِدُونَ طَعامًا حَتّى رَبَطَ النَّبِيُّ ﷺ عَلى بَطْنِهِ حَجَرًا مِنَ الجُوعِ» . (p-٧٥٠)وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ قالَ: قالَ المُنافِقُونَ يَوْمَ الأحْزابِ حِينَ رَأوُا الأحْزابَ قَدِ اكْتَنَفُوهم مِن كُلِّ جانِبٍ، فَكانُوا في شَكٍّ ورِيبَةٍ مِن أمْرِ اللَّهِ، قالُوا: إنَّ مُحَمَّدًا كانَ يَعِدُنا فَتْحَ فارِسَ والرُّومِ، وقَدْ حُصِرْنا هَهُنا حَتّى ما يَسْتَطِيعُ أحَدُنا أنْ يَبْرُزَ لِحاجَتِهِ. فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وإذْ يَقُولُ المُنافِقُونَ والَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ما وعَدَنا اللَّهُ ورَسُولُهُ إلا غُرُورًا﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ قالَ: «حَفَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الخَنْدَقَ، واجْتَمَعَتْ قُرَيْشٌ وكِنانَةُ وغَطَفانُ، فاسْتَأْجَرَهم أبُو سُفْيانَ بِلَطِيمَةِ قُرَيْشٍ، فَأقْبَلُوا حَتّى نَزَلُوا بِفَنائِهِ، فَنَزَلَتْ قُرَيْشٌ أسْفَلَ الوادِي، ونَزَلَتْ غَطَفانُ عَنْ يَمِينِ ذَلِكَ، وطُلَيْحَةُ الأسَدِيُّ في بَنِي أسَدٍ في يَسارِ ذَلِكَ، وظاهَرُوهم بَنُو قُرَيْظَةَ مِنَ اليَهُودِ عَلى قِتالِ النَّبِيِّ ﷺ، فَلَمّا نَزَلُوا بِالنَّبِيِّ ﷺ بِحَضْرَةِ المَدِينَةِ حَفَرَ النَّبِيُّ ﷺ الخَنْدَقَ، فَبَيْنَما هو يَضْرِبُ فِيهِ بِمِعْوَلِهِ إذْ وقَعَ المِعْوَلُ في صَفًا، فَطارَتْ مِنهُ كَهَيْئَةِ الشِّهابِ مِن نارٍ في السَّماءِ، وضَرَبَ الثّانِيةَ فَخَرَجَ مِثْلُ ذَلِكَ، فَرَأى ذَلِكَ سَلْمانُ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، قَدْ رَأيْتُ خَرَجَ مِن كُلِّ ضَرْبَةٍ كَهَيْئَةِ (p-٧٥١)الشِّهابِ فَسَطَعَ إلى السَّماءِ. فَقالَ: «قَدْ رَأيْتَ ذَلِكَ»؟ . فَقالَ: نَعَمْ يا رَسُولَ اللَّهِ. قالَ: «يُفْتَحُ لَكم أبْوابُ المَدائِنِ، وقُصُورُ الرُّومِ ومَدائِنُ اليَمَنِ» . فَفَشا ذَلِكَ في أصْحابِ النَّبِيِّ ﷺ فَتَحَدَّثُوا بِهِ، فَقالَ رَجُلٌ مِنَ الأنْصارِ يُدْعى بَشِيرَ بْنَ مُعَتِّبٍ: أيَعِدُنا مُحَمَّدٌ أنْ يُفْتَحَ لَنا مَدائِنُ اليَمَنِ وبِيضُ المَدائِنِ وقُصُورُ الرُّومِ، وأحَدُنا لا يَسْتَطِيعُ أنْ يَقْضِيَ حاجَتَهُ إلّا قُتِلَ، هَذا واللَّهِ الغُرُورُ. فَأنْزَلَ اللَّهُ في هَذا: ﴿وإذْ يَقُولُ المُنافِقُونَ والَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ما وعَدَنا اللَّهُ ورَسُولُهُ إلا غُرُورًا﴾ [الأحزاب»: ١٢] .

الأحزاب 33:10

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ﴾ الآياتِ. أخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ، والبَيْهَقِيُّ، كِلاهُما في ”الدَّلائِلِ“، وابْنُ عَساكِرَ، مِن طُرُقٍ «عَنْ حُذَيْفَةَ قالَ: لَقَدْ رَأيْتُنا لَيْلَةَ الأحْزابِ ونَحْنُ صافُّونَ قُعُودٌ، وأبُو سُفْيانَ ومَن مَعَهُ مِنَ الأحْزابِ فَوْقَنا، وقُرَيْظَةُ اليَهُودُ أسْفَلَ نَخافُهم عَلى ذَرارِيِّنا، وما أتَتْ عَلَيْنا لَيْلَةٌ قَطُّ أشَدُّ ظُلْمَةً ولا أشَدُّ رِيحًا، في أصْواتِ رِيحِها أمْثالُ الصَّواعِقِ، وهي ظُلْمَةٌ ما يَرى أحَدٌ مِنّا إصْبَعَهُ، فَجَعَلَ المُنافِقُونَ يَسْتَأْذِنُونَ النَّبِيَّ ﷺ ويَقُولُونَ: إنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ. وما هي بِعَوْرَةٍ. فَما يَسْتَأْذِنُهُ أحَدٌ مِنهم إلّا أذِنَ لَهُ، فَيَتَسَلَّلُونَ، ونَحْنُ ثَلاثُمِائَةٍ أوْ نَحْوُ ذَلِكَ، إذِ اسْتَقْبَلَنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَجُلًا رَجُلًا، حَتّى مَرَّ عَلَيَّ وما عَلَيَّ جُنَّةٌ مِنَ العَدُوِّ ولا مِنَ البَرْدِ إلّا مِرْطٌ لِامْرَأتِي، ما يُجاوِزُ رُكْبَتَيَّ، فَأتانِي وأنا جاثٍ عَلى رُكْبَتَيَّ فَقالَ: «مَن هَذا»؟ . قُلْتُ: حُذَيْفَةُ. قالَ: «حُذَيْفَةُ»؟ . فَتَقاصَرْتُ إلى الأرْضِ فَقُلْتُ: بَلى يا رَسُولَ اللَّهِ؛ كَراهِيَةَ أنْ أقُومَ. فَقالَ: «قُمْ» . فَقُمْتُ فَقالَ: (p-٧٣٨)«إنَّهُ كانَ في القَوْمِ خَبَرٌ، فَأتْنِي بِخَبَرِ القَوْمِ» . قالَ: وأنا مِن أشَدِّ النّاسِ فَزَعًا، وأشَدِّهِمْ قُرًّا، فَخَرَجْتُ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «اللَّهُمَّ احْفَظْهُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ، ومِن خَلْفِهِ، وعَنْ يَمِينِهِ، وعَنْ شِمالِهِ، ومِن فَوْقِهِ، ومِن تَحْتِهِ» . قالَ: فَواللَّهِ ما خَلَقَ اللَّهُ فَزَعًا ولا قُرًّا في جَوْفِي إلّا خَرَجَ مِن جَوْفِي، فَما أجِدُ مِنهُ شَيْئًا، فَلَمّا ولَّيْتُ قالَ: «يا حُذَيْفَةُ، لا تُحْدِثَنَّ في القَوْمِ شَيْئًا حَتّى تَأْتِيَنِي» . فَخَرَجْتُ حَتّى إذا دَنَوْتُ مِن عَسْكَرِ القَوْمِ، نَظَرْتُ في ضَوْءِ نارٍ لَهم تُوقَدُ، وإذا رَجُلٌ أدْهَمُ ضَخْمٌ يَقُولُ بِيَدِهِ عَلى النّارِ، ويَمْسَحُ خاصِرَتَهُ ويَقُولُ: الرَّحِيلَ الرَّحِيلَ. ثُمَّ دَخَلْتُ العَسْكَرَ، فَإذا في النّاسِ مِنِّي بَنُو عامِرٍ يَقُولُونَ: يا آلَ عامِرٍ الرَّحِيلَ الرَّحِيلَ، لا مُقامَ لَكم. وإذا الرِّيحُ في عَسْكَرِهِمْ ما تُجاوِزُ عَسْكَرَهم شِبْرًا، فَواللَّهِ إنِّي لَأسْمَعُ صَوْتَ الحِجارَةِ في رِحالِهِمْ وفُرُشِهِمْ، الرِّيحُ تَضْرِبُهُمْ، ثُمَّ خَرَجْتُ نَحْوَ النَّبِيِّ ﷺ، فَلَمّا انْتَصَفْتُ في الطَّرِيقِ أوْ نَحْوِ ذَلِكَ، إذا أنا بِنَحْوٍ مَن عِشْرِينَ فارِسًا مُتَعَمِّمِينَ، فَقالُوا: أخْبِرْ صاحِبَكَ أنَّ اللَّهَ كَفاهُ القَوْمَ. فَرَجَعْتُ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وهو مُشْتَمِلٌ في شَمْلَةٍ يُصَلِّي، وكانَ إذا حَزَبَهُ أمْرٌ صَلّى، فَأخْبَرْتُهُ خَبَرَ القَوْمِ أنِّي تَرَكْتُهم يَتَرَحَّلُونَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكم إذْ جاءَتْكم جُنُودٌ﴾ الآيَةَ» . (p-٧٣٩)وأخْرَجَ الرُّويانِيُّ، وابْنُ عَساكِرَ، عَنْ إبْراهِيمَ التَّيْمِيِّ، عَنْ أبِيهِ قالَ: «قالَ رَجُلٌ: لَوْ أدْرَكْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَخَدَمْتُهُ ولَفَعَلْتُ. فَقالَ حُذَيْفَةُ: لَقَدْ رَأيْتُنِي لَيْلَةَ الأحْزابِ ونَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَكانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ في لَيْلَةٍ بارِدَةٍ لَمْ نَرَ قَبْلَهُ ولا بَعْدَهُ بَرْدًا كانَ أشَدَّ مِنهُ، فَحانَتْ مِنِّي التِفاتَةٌ فَقالَ: «ألا رَجُلٌ يَذْهَبُ إلى هَؤُلاءِ فَيَأْتِينا بِخَبَرِهِمْ، جَعَلَهُ اللَّهُ مَعِي يَوْمَ القِيامَةِ»؟ . قالَ: فَما قامَ مِنّا إنْسانٌ. قالَ: فَسَكَتُوا، ثُمَّ عادَ، فَسَكَتُوا، ثُمَّ قالَ: «يا أبا بَكْرٍ» . ثُمَّ اسْتَغْفَرَ اللَّهَ ورَسُولَهُ، ثُمَّ قالَ: إنْ شِئْتَ ذَهَبْتُ. فَقالَ: «يا عُمَرُ» . فَقالَ: أسْتَغْفِرُ اللَّهَ ورَسُولَهُ. ثُمَّ قالَ: «يا حُذَيْفَةُ» . فَقُلْتُ: لَبَّيْكَ. فَقُمْتُ حَتّى أتَيْتُ وإنَّ جَنْبَيَّ لَيَضْرِبانِ مِنَ البَرْدِ، فَمَسَحَ رَأْسِي ووَجْهِي، ثُمَّ قالَ: «ائْتِ هَؤُلاءِ القَوْمَ حَتّى تَأْتِيَنا بِخَبَرِهِمْ، ولا تُحْدِثَنَّ حَدَثًا حَتّى تَرْجِعَ» . ثُمَّ قالَ: «اللَّهُمَّ احْفَظْهُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ومِن خَلْفِهِ، وعَنْ يَمِينِهِ وعَنْ شِمالِهِ، ومِن (p-٧٤٠)فَوْقِهِ، ومِن تَحْتِهِ، حَتّى يَرْجِعَ» . قالَ: فَلَأنْ يَكُونَ أرْسَلَها كانَ أحَبَّ إلَيَّ مِنَ الدُّنْيا وما فِيها. قالَ: فانْطَلَقْتُ، فَأخَذْتُ أمْشِي نَحْوَهم كَأنِّي أمْشِي في حَمّامٍ. قالَ: فَوَجَدْتُهم قَدْ أرْسَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ رِيحًا فَقَطَّعَتْ أطْنابَهم وأبْنِيَتَهُمْ، وذَهَبَتْ بِخُيُولِهِمْ، ولَمْ تَدَعْ شَيْئًا إلّا أهْلَكَتْهُ. قالَ: وأبُو سُفْيانَ قاعِدٌ يَصْطَلِي عِنْدَ نارٍ لَهُ. قالَ: فَنَظَرْتُ إلَيْهِ، فَأخَذْتُ سَهْمًا، فَوَضَعْتُهُ في كَبِدِ قَوْسِي. قالَ: وكانَ حُذَيْفَةُ رامِيًا. فَذَكَرْتُ قَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: «لا تُحْدِثَنَّ حَدَثًا حَتّى تَرْجِعَ» . قالَ: فَرَدَدْتُ سَهْمِي في كِنانَتِي. قالَ: فَقالَ رَجُلٌ مَنِ القَوْمُ: ألا إنَّ فِيكم عَيْنًا لِلْقَوْمِ. قالَ: فَأخَذَ كُلٌّ بِيَدِ جَلِيسِهِ، فَأخَذْتُ بِيَدِ جَلِيسِي فَقُلْتُ: مَن أنْتَ؟ قالَ: سُبْحانَ اللَّهِ! أما تَعْرِفُنِي، أنا فُلانُ بْنُ فُلانٍ. فَإذا رَجُلٌ مِن هَوازِنَ، فَرَجَعْتُ إلى النَّبِيِّ ﷺ فَأخْبَرْتُهُ الخَبَرَ، وكَأنِّي أمْشِي في حَمّامٍ، قالَ: فَلَمّا أخْبَرْتُهُ ضَحِكَ حَتّى بَدَتْ أنْيابُهُ في سَوادِ اللَّيْلِ، وذَهَبَ (p-٧٤١)عَنِّي الدِّفْءُ. فَأدْنانِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَأنامَنِي عِنْدَ رِجْلَيْهِ، وألْقى عَلَيَّ طَرَفَ ثَوْبِهِ، فَإنْ كُنْتُ لَألْزِقُ بَطْنِي وصَدْرِي بِبَطْنِ قَدَمِهِ، فَلَمّا أصْبَحُوا هَزَمَ اللَّهُ الأحْزابَ، وهو قَوْلُهُ: ﴿فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا وجُنُودًا لَمْ تَرَوْها﴾ [الأحزاب»: ٩] . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في ”الدَّلائِلِ“، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكم إذْ جاءَتْكم جُنُودٌ﴾ قالَ: كانَ يَوْمَ أبِي سُفْيانَ يَوْمَ الأحْزابِ. وأخْرَجَ أحْمَدُ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قالَ: «قُلْنا يَوْمَ الخَنْدَقِ: يا رَسُولَ اللَّهِ، هَلْ مِن شَيْءٍ نَقُولُهُ؟ فَقَدْ بَلَغَتِ القُلُوبُ الحَناجِرَ؟ قالَ: «نَعَمْ، قُولُوا: اللَّهُمَّ اسْتُرْ عَوْراتِنا، وآمِن رَوْعاتِنا» . قالَ: فَضَرَبَ اللَّهُ وُجُوهَ أعْدائِهِ بِالرِّيحِ، فَهَزَمَهُمُ اللَّهُ بِالرِّيحِ» . وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ في ”العَظَمَةِ“، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ مُجاهِدٍ: ﴿إذْ جاءَتْكم جُنُودٌ﴾ قالَ: الأحْزابُ، عُيَيْنَةُ بْنُ بَدْرٍ، وأبُو سُفْيانَ، وقُرَيْظَةُ، ﴿فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا﴾ قالَ: يَعْنِي رِيحَ الصَّبا، أُرْسِلَتْ عَلى الأحْزابِ يَوْمَ الخَنْدَقِ حَتّى كَفَأتْ قُدُورَهم (p-٧٤٢)عَلى أفْواهِها، ونَزَعَتْ فَساطِيطَهم حَتّى أظْعَنَتْهُمْ، ﴿وجُنُودًا لَمْ تَرَوْها﴾ يَعْنِي المَلائِكَةَ. قالَ: ولَمْ تُقاتِلِ المَلائِكَةُ يَوْمَئِذٍ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ في ”الكُنى“، وأبُو الشَّيْخِ في ”العَظَمَةِ“، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ في ”الدَّلائِلِ“، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «لَمّا كانَتْ لَيْلَةُ الأحْزابِ جاءَتِ الشَّمالَ إلى الجَنُوبِ فَقالَتْ: انْطَلِقِي فانْصُرِي اللَّهَ ورَسُولَهُ. فَقالَتِ الجَنُوبُ: إنَّ الحُرَّةَ لا تَسْرِي بِاللَّيْلِ. فَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْها وجَعَلَها عَقِيمًا، فَأرْسَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الصَّبا فَأطْفَأتْ نِيرانَهم وقَطَعَتْ أطْنابَهُمْ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «نُصِرْتُ بِالصَّبا، وأُهْلِكَتْ عادٌ بِالدَّبُّورِ» . فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا وجُنُودًا لَمْ تَرَوْها﴾ [الأحزاب»: ٩] . وأخْرَجَ أحْمَدُ، والبُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««نُصِرْتُ بِالصَّبا، وأُهْلِكَتْ عادٌ بِالدَّبُّورِ»» . وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ النُّعْمانِ بْنِ مُقَرِّنٍ قالَ: «شَهِدْتُ رَسُولَ اللَّهِ (p-٧٤٣)ﷺ إذا لَمْ يُقاتِلْ مِن أوَّلِ النَّهارِ أخَّرَ القِتالَ حَتّى تَزُولَ الشَّمْسُ وتَهُبَّ الرِّياحُ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، والبُخارِيُّ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في ”الدَّلائِلِ“، عَنْ عائِشَةَ في قَوْلِهِ: ﴿إذْ جاءُوكم مِن فَوْقِكم ومِن أسْفَلَ مِنكُمْ﴾ الآيَةَ. قالَتْ: كانَ ذَلِكَ يَوْمَ الخَنْدَقِ. وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ، والبَيْهَقِيُّ في ”الدَّلائِلِ“، مِن طَرِيقِ كَثِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ المُزَنِيِّ، عَنْ أبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ قالَ: «خَطَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الخَنْدَقَ عامَ الأحْزابِ، فَخَرَجَتْ لَنا مِنَ الخَنْدَقِ صَخْرَةٌ بَيْضاءُ مُدَوَّرَةٌ، فَكَسَرَتْ حَدِيدَنا وشَقَّتْ عَلَيْنا، فَشَكَوْنا إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَأخَذَ المِعْوَلَ مِن سَلْمانَ، فَضَرَبَ الصَّخْرَةَ ضَرْبَةً صَدَعَها، وبَرَقَتْ مِنها بَرْقَةٌ أضاءَتْ ما بَيْنَ لابَتَيِ المَدِينَةِ، حَتّى لَكَأنَّ مِصْباحًا في جَوْفِ لَيْلٍ مُظْلِمٍ، فَكَبَّرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وكَبَّرَ المُسْلِمُونَ، ثُمَّ ضَرَبَها الثّانِيَةَ فَصَدَعَها، وبَرَقَ مِنها بَرْقَةٌ أضاءَتْ ما بَيْنَ لابَتَيْها، فَكَبَّرَ ﷺ وكَبَّرَ المُسْلِمُونَ، ثُمَّ ضَرَبَها الثّالِثَةَ، فَكَسَرَها، وبَرَقَ مِنها بَرْقَةٌ أضاءَتْ ما بَيْنَ لابَتَيْها، فَكَبَّرَ وكَبَّرَ المُسْلِمُونَ، فَسَألْناهُ فَقالَ: «أضاءَ لِي في الأُولى قُصُورُ الحِيرَةِ ومَدائِنُ كِسْرى (p-٧٤٤)كَأنَّها أنْيابُ الكِلابِ، فَأخْبَرَنِي جِبْرِيلُ أنَّ أُمَّتِي ظاهِرَةٌ عَلَيْها، وأضاءَ لِي في الثّانِيَةِ قُصُورُ الحُمْرِ مِن أرْضِ الرُّومِ، كَأنَّها أنْيابُ الكِلابِ، وأخْبَرَنِي جِبْرِيلُ أنَّ أُمَّتِي ظاهِرَةٌ عَلَيْها، وأضاءَ لِي في الثّالِثَةِ قُصُورُ صَنْعاءَ كَأنَّها أنْيابُ الكِلابِ، وأخْبَرَنِي جِبْرِيلُ أنَّ أُمَّتِي ظاهِرَةٌ عَلَيْها، فَأبْشِرُوا بِالنَّصْرِ» . فاسْتَبْشَرَ المُسْلِمُونَ وقالُوا: الحَمْدُ لِلَّهِ، مَوْعِدٌ صادِقٌ بِأنْ وُعِدْنا النَّصْرَ بَعْدَ الحَصْرِ. فَطَلَعَتِ الأحْزابُ فَقالَ المُسْلِمُونَ: ﴿هَذا ما وعَدَنا اللَّهُ ورَسُولُهُ وصَدَقَ اللَّهُ ورَسُولُهُ وما زادَهم إلا إيمانًا وتَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٢٢] . وقالَ المُنافِقُونَ: ألا تَعْجَبُونَ! يُحَدِّثُكم ويَعِدُكم ويُمَنِّيكُمُ الباطِلَ، يُخْبِرُ أنَّهُ يُبْصِرُ مِن يَثْرِبَ قُصُورَ الحِيرَةِ ومَدائِنَ كِسْرى، وأنَّها تُفْتَحُ لَكُمْ، وأنْتُمْ تَحْفِرُونَ الخَنْدَقَ ولا تَسْتَطِيعُونَ أنْ تَبْرُزُوا، وأُنْزِلَ القُرْآنُ: ﴿وإذْ يَقُولُ المُنافِقُونَ والَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ما وعَدَنا اللَّهُ ورَسُولُهُ إلا غُرُورًا﴾ [الأحزاب»: ١٢] . وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: أنْزَلَ اللَّهُ في شَأْنِ الخَنْدَقِ، وذَكَرَ نِعْمَتَهُ عَلَيْهِمْ وكِفايَتَهُ إيّاهم عَدُوَّهم بَعْدَ سُوءِ الظَّنِّ ومَقالَةِ مَن تَكَلَّمَ مِن أهْلِ النِّفاقِ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكم إذْ جاءَتْكم جُنُودٌ فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا وجُنُودًا لَمْ تَرَوْها﴾ وكانَتِ الجُنُودُ الَّتِي أتَتِ المُؤْمِنِينَ قُرَيْشًا، وأسَدًا، وغَطَفانَ، وسُلَيْمًا، وكانَتِ الجُنُودُ الَّتِي بَعَثَ (p-٧٤٥)اللَّهُ عَلَيْهِمُ الرِّيحَ والمَلائِكَةَ، فَقالَ: ﴿إذْ جاءُوكم مِن فَوْقِكم ومِن أسْفَلَ مِنكُمْ﴾ . فَكانَ الَّذِينَ جاءُوهم مِن فَوْقِهِمْ بَنِي قُرَيْظَةَ، والَّذِينَ جاءُوهم مِن أسْفَلَ مِنهم قُرَيْشًا، وأسَدًا، وغَطَفانَ، فَقالَ: ﴿هُنالِكَ ابْتُلِيَ المُؤْمِنُونَ وزُلْزِلُوا زِلْزالا شَدِيدًا﴾ ﴿وإذْ يَقُولُ المُنافِقُونَ والَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ما وعَدَنا اللَّهُ ورَسُولُهُ إلا غُرُورًا﴾ يَقُولُ: مُعَتِّبُ بْنُ قُشَيْرٍ ومَن كانَ مَعَهُ عَلى رَأْيِهِ، ﴿وإذْ قالَتْ طائِفَةٌ مِنهم يا أهْلَ يَثْرِبَ لا مُقامَ لَكم فارْجِعُوا ويَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنهُمُ النَّبِيَّ﴾ [الأحزاب: ١٣] يَقُولُ: أوْسُ بْنُ قَيْظِيٍّ ومَن كانَ مَعَهُ عَلى مِثْلِ رَأْيِهِ، ﴿ولَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِن أقْطارِها﴾ [الأحزاب: ١٤] إلى: ﴿وإذًا لا تُمَتَّعُونَ إلا قَلِيلا﴾ [الأحزاب: ١٦] ثُمَّ ذَكَرَ يَقِينَ أهْلِ الإيمانِ حِينَ أتاهُمُ الأحْزابُ فَحَصَرُوهم وظاهَرَتْهم بَنُو قُرَيْظَةَ، فاشْتَدَّ عَلَيْهِمُ البَلاءُ، فَقالَ: ﴿ولَمّا رَأى المُؤْمِنُونَ الأحْزابَ﴾ [الأحزاب: ٢٢] إلى: ﴿إنَّ اللَّهَ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٢٤] قالَ: وذَكَرَ اللَّهُ هَزِيمَةَ المُشْرِكِينَ وكِفايَتَهُ المُؤْمِنِينَ، فَقالَ: ﴿ورَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٢٥] الآيَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ، وابْنُ المُنْذِرِ، والبَيْهَقِيُّ في ”الدَّلائِلِ“، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، ومُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ، قالا: «قالَ مُعَتِّبُ بْنُ قُشَيْرٍ: كَأنَّ مُحَمَّدًا يَرى أنْ يَأْكُلَ مِن كُنُوزِ كِسْرى وقَيْصَرَ، وأحَدُنا لا يَأْمَنُ أنْ يَذْهَبَ إلى الغائِطِ! وقالَ (p-٧٤٦)أوْسُ بْنُ قِيظِيٍّ في مَلَأٍ مِن قَوْمِهِ مِن بَنِي حارِثَةَ: إنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ، وهي خارِجَةٌ مِنَ المَدِينَةِ، ائْذَنْ لَنا فَنَرْجِعَ إلى نِسائِنا وأبْنائِنا وذَرارِيِّنا. فَأنْزَلَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ حِينَ فَرَغَ مِنهم ما كانُوا فِيهِ مِنَ البَلاءِ يُذَكِّرُهم نِعْمَتَهُ عَلَيْهِمْ، وكِفايَتَهُ إيّاهم بَعْدَ سُوءِ الظَّنِّ مِنهُمْ، ومَقالَةِ مَن قالَ مِن أهْلِ النِّفاقِ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكم إذْ جاءَتْكم جُنُودٌ فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا وجُنُودًا لَمْ تَرَوْها﴾ فَكانَتِ الجُنُودُ قُرَيْشًا وغَطَفانَ وبَنِي قُرَيْظَةَ، وكانَتِ الجُنُودُ الَّتِي أرْسَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مَعَ الرِّيحِ المَلائِكَةَ، ﴿إذْ جاءُوكم مِن فَوْقِكُمْ﴾ بَنُو قُرَيْظَةَ، ﴿ومِن أسْفَلَ مِنكُمْ﴾ قُرَيْشٌ، وغَطَفانُ. إلى قَوْلِهِ: ﴿ما وعَدَنا اللَّهُ ورَسُولُهُ إلا غُرُورًا﴾ يَقُولُ: مُعَتِّبُ بْنُ قُشَيْرٍ وأصْحابُهُ، ﴿وإذْ قالَتْ طائِفَةٌ مِنهم يا أهْلَ يَثْرِبَ﴾ [الأحزاب: ١٣] يَقُولُ: أوْسُ بْنُ قَيْظِيٍّ ومَن كانَ مَعَهُ عَلى ذَلِكَ مِن قَوْمِهِ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنِ البَراءِ بْنِ عازِبٍ قالَ: «لَمّا كانَ حَيْثُ أمَرَنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنْ نَحْفِرَ الخَنْدَقَ، عَرَضَ لَنا في بَعْضِ الجَبَلِ صَخْرَةٌ عَظِيمَةٌ شَدِيدَةٌ، لا تَدْخُلُ فِيها المَعاوِلُ، فاشْتَكَيْنا ذَلِكَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَجاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَلَمّا رَآها أخَذَ المِعْوَلَ، وألْقى ثَوْبَهُ وقالَ: «بِاسْمِ اللَّهِ» . ثُمَّ ضَرَبَ ضَرْبَةً، فَكَسَرَ ثُلُثَها وقالَ: «اللَّهُ أكْبَرُ، أُعْطِيتُ مَفاتِيحَ الشّامِ، واللَّهِ إنِّي لَأُبْصِرُ قُصُورَها الحُمْرَ السّاعَةَ» . ثُمَّ ضَرَبَ الثّانِيَةَ فَقَطَعَ ثُلُثًا آخَرَ فَقالَ: «اللَّهُ أكْبَرُ، أُعْطِيتُ (p-٧٤٧)مَفاتِيحَ فارِسَ، واللَّهِ إنِّي لَأُبْصِرُ قَصْرَ المَدائِنِ الأبْيَضَ» . ثُمَّ ضَرَبَ الثّالِثَةَ فَقالَ: «بِاسْمِ اللَّهِ» . فَقَطَعَ بَقِيَّةِ الحَجَرِ وقالَ: «اللَّهُ أكْبَرُ، أُعْطِيتُ مَفاتِيحَ اليَمَنِ، واللَّهِ إنِّي لَأُبْصِرُ أبْوابَ صَنْعاءَ»» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إذْ جاءُوكم مِن فَوْقِكُمْ﴾ قالَ: عُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنٍ، ﴿ومِن أسْفَلَ مِنكُمْ﴾ قالَ: أبُو سُفْيانَ بْنُ حَرْبٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنْ عائِشَةَ في قَوْلِهِ: ﴿إذْ جاءُوكم مِن فَوْقِكم ومِن أسْفَلَ مِنكُمْ﴾ قالَتْ: كانَ ذَلِكَ يَوْمَ الخَنْدَقِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ «فِي قَوْلِهِ: ﴿إذْ جاءُوكم مِن فَوْقِكم ومِن أسْفَلَ مِنكُمْ﴾ قالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ يَوْمَ الأحْزابِ وقَدْ حُصِرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ شَهْرًا، فَخَنْدَقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وأقْبَلَ أبُو سُفْيانَ بِقُرَيْشٍ ومَن مَعَهُ مِنَ النّاسِ حَتّى نَزَلُوا بِعَقْوَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وأقْبَلَ عُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنٍ أخُو بَنِي بَدْرٍ بِغَطَفانَ ومَن تَبِعَهُ حَتّى نَزَلُوا بِعَقْوَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وكاتَبَتِ اليَهُودُ أبا سُفْيانَ فَظاهَرُوهُ، فَبَعَثَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الرُّعْبَ والرِّيحَ، فَذُكِرَ أنَّهم كانُوا كُلَّما بَنَوْا بِناءً قَطَعَ اللَّهُ أطْنابَهُ، وكُلَّما رَبَطُوا دابَّةً قَطَعَ اللَّهُ رِباطَها، وكُلَّما أوْقَدُوا نارًا (p-٧٤٨)أطْفَأها اللَّهُ، حَتّى لَقَدْ ذُكِرَ لَنا أنَّ سَيِّدَ كُلِّ حَيٍّ يَقُولُ: يا بَنِي فُلانٍ، هَلُمَّ إلَيَّ. حَتّى إذا اجْتَمَعُوا عِنْدَهُ قالَ: النَّجاةَ النَّجاةَ، أُتِيتُمْ. لِما بَعَثَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ مِنَ الرُّعْبِ» . وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿إذْ جاءُوكم مِن فَوْقِكُمْ﴾ قالَ: عُيَيْنَةُ بْنُ بَدْرٍ في أهْلِ نَجْدٍ، ﴿ومِن أسْفَلَ مِنكُمْ﴾ قالَ: أبُو سُفْيانَ بْنُ حَرْبٍ في أهْلِ تِهامَةَ، ومُواجَهَتَهم قُرَيْظَةُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وإذْ زاغَتِ الأبْصارُ﴾ قالَ: شَخَصَتِ الأبْصارُ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وبَلَغَتِ القُلُوبُ الحَناجِرَ﴾ قالَ: شَخَصَتْ مِن مَكانِها، فَلَوْلا أنَّهُ ضاقَ الحُلْقُومُ عَنْها أنْ تَخْرُجَ لَخَرَجَتْ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ عِكْرِمَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وبَلَغَتِ القُلُوبُ الحَناجِرَ﴾ قالَ: فَزَعَها. ولَفْظُ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ قالَ: إنَّ (p-٧٤٩)القُلُوبَ لَوْ تَحَرَّكَتْ أوْ زالَتْ خَرَجَتْ نَفْسُهُ، ولَكِنْ إنَّما هو الفَزَعُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿وتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونا﴾ . قالَ: ظُنُونٌ مُخْتَلِفَةٌ؛ ظَنَّ المُنافِقُونَ أنَّ مُحَمَّدًا وأصْحابَهُ يُسْتَأْصَلُونَ، وأيْقَنَ المُؤْمِنُونَ أنَّ ما وعَدَهُمُ اللَّهُ ورَسُولُهُ حَقٌّ، أنَّهُ سَيُظْهِرُهُ عَلى الدِّينِ كُلِّهِ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونا﴾ قالَ: هُمُ المُنافِقُونَ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ ظُنُونًا مُخْتَلِفَةً. وفي قَوْلِهِ: ﴿هُنالِكَ ابْتُلِيَ المُؤْمِنُونَ﴾ قالَ: مُحِّصُوا. وفي قَوْلِهِ: ﴿وإذْ يَقُولُ المُنافِقُونَ﴾ الآيَةَ. قالَ: تَكَلَّمُوا بِما في أنْفُسِهِمْ مِنَ النِّفاقِ، وتَكَلَّمَ المُؤْمِنُونَ بِالحَقِّ والإيمانِ، قالُوا: هَذا ما وعَدَنا اللَّهُ ورَسُولُهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، والبَيْهَقِيُّ في ”الدَّلائِلِ“، عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: «لَمّا حَفَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وأصْحابُهُ الخَنْدَقَ، أصابَ النَّبِيَّ ﷺ والمُسْلِمِينَ جَهْدٌ شَدِيدٌ، فَمَكَثُوا ثَلاثًا لا يَجِدُونَ طَعامًا حَتّى رَبَطَ النَّبِيُّ ﷺ عَلى بَطْنِهِ حَجَرًا مِنَ الجُوعِ» . (p-٧٥٠)وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ قالَ: قالَ المُنافِقُونَ يَوْمَ الأحْزابِ حِينَ رَأوُا الأحْزابَ قَدِ اكْتَنَفُوهم مِن كُلِّ جانِبٍ، فَكانُوا في شَكٍّ ورِيبَةٍ مِن أمْرِ اللَّهِ، قالُوا: إنَّ مُحَمَّدًا كانَ يَعِدُنا فَتْحَ فارِسَ والرُّومِ، وقَدْ حُصِرْنا هَهُنا حَتّى ما يَسْتَطِيعُ أحَدُنا أنْ يَبْرُزَ لِحاجَتِهِ. فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وإذْ يَقُولُ المُنافِقُونَ والَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ما وعَدَنا اللَّهُ ورَسُولُهُ إلا غُرُورًا﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ قالَ: «حَفَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الخَنْدَقَ، واجْتَمَعَتْ قُرَيْشٌ وكِنانَةُ وغَطَفانُ، فاسْتَأْجَرَهم أبُو سُفْيانَ بِلَطِيمَةِ قُرَيْشٍ، فَأقْبَلُوا حَتّى نَزَلُوا بِفَنائِهِ، فَنَزَلَتْ قُرَيْشٌ أسْفَلَ الوادِي، ونَزَلَتْ غَطَفانُ عَنْ يَمِينِ ذَلِكَ، وطُلَيْحَةُ الأسَدِيُّ في بَنِي أسَدٍ في يَسارِ ذَلِكَ، وظاهَرُوهم بَنُو قُرَيْظَةَ مِنَ اليَهُودِ عَلى قِتالِ النَّبِيِّ ﷺ، فَلَمّا نَزَلُوا بِالنَّبِيِّ ﷺ بِحَضْرَةِ المَدِينَةِ حَفَرَ النَّبِيُّ ﷺ الخَنْدَقَ، فَبَيْنَما هو يَضْرِبُ فِيهِ بِمِعْوَلِهِ إذْ وقَعَ المِعْوَلُ في صَفًا، فَطارَتْ مِنهُ كَهَيْئَةِ الشِّهابِ مِن نارٍ في السَّماءِ، وضَرَبَ الثّانِيةَ فَخَرَجَ مِثْلُ ذَلِكَ، فَرَأى ذَلِكَ سَلْمانُ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، قَدْ رَأيْتُ خَرَجَ مِن كُلِّ ضَرْبَةٍ كَهَيْئَةِ (p-٧٥١)الشِّهابِ فَسَطَعَ إلى السَّماءِ. فَقالَ: «قَدْ رَأيْتَ ذَلِكَ»؟ . فَقالَ: نَعَمْ يا رَسُولَ اللَّهِ. قالَ: «يُفْتَحُ لَكم أبْوابُ المَدائِنِ، وقُصُورُ الرُّومِ ومَدائِنُ اليَمَنِ» . فَفَشا ذَلِكَ في أصْحابِ النَّبِيِّ ﷺ فَتَحَدَّثُوا بِهِ، فَقالَ رَجُلٌ مِنَ الأنْصارِ يُدْعى بَشِيرَ بْنَ مُعَتِّبٍ: أيَعِدُنا مُحَمَّدٌ أنْ يُفْتَحَ لَنا مَدائِنُ اليَمَنِ وبِيضُ المَدائِنِ وقُصُورُ الرُّومِ، وأحَدُنا لا يَسْتَطِيعُ أنْ يَقْضِيَ حاجَتَهُ إلّا قُتِلَ، هَذا واللَّهِ الغُرُورُ. فَأنْزَلَ اللَّهُ في هَذا: ﴿وإذْ يَقُولُ المُنافِقُونَ والَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ما وعَدَنا اللَّهُ ورَسُولُهُ إلا غُرُورًا﴾ [الأحزاب»: ١٢] .

الأحزاب 33:11

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ﴾ الآياتِ. أخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ، والبَيْهَقِيُّ، كِلاهُما في ”الدَّلائِلِ“، وابْنُ عَساكِرَ، مِن طُرُقٍ «عَنْ حُذَيْفَةَ قالَ: لَقَدْ رَأيْتُنا لَيْلَةَ الأحْزابِ ونَحْنُ صافُّونَ قُعُودٌ، وأبُو سُفْيانَ ومَن مَعَهُ مِنَ الأحْزابِ فَوْقَنا، وقُرَيْظَةُ اليَهُودُ أسْفَلَ نَخافُهم عَلى ذَرارِيِّنا، وما أتَتْ عَلَيْنا لَيْلَةٌ قَطُّ أشَدُّ ظُلْمَةً ولا أشَدُّ رِيحًا، في أصْواتِ رِيحِها أمْثالُ الصَّواعِقِ، وهي ظُلْمَةٌ ما يَرى أحَدٌ مِنّا إصْبَعَهُ، فَجَعَلَ المُنافِقُونَ يَسْتَأْذِنُونَ النَّبِيَّ ﷺ ويَقُولُونَ: إنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ. وما هي بِعَوْرَةٍ. فَما يَسْتَأْذِنُهُ أحَدٌ مِنهم إلّا أذِنَ لَهُ، فَيَتَسَلَّلُونَ، ونَحْنُ ثَلاثُمِائَةٍ أوْ نَحْوُ ذَلِكَ، إذِ اسْتَقْبَلَنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَجُلًا رَجُلًا، حَتّى مَرَّ عَلَيَّ وما عَلَيَّ جُنَّةٌ مِنَ العَدُوِّ ولا مِنَ البَرْدِ إلّا مِرْطٌ لِامْرَأتِي، ما يُجاوِزُ رُكْبَتَيَّ، فَأتانِي وأنا جاثٍ عَلى رُكْبَتَيَّ فَقالَ: «مَن هَذا»؟ . قُلْتُ: حُذَيْفَةُ. قالَ: «حُذَيْفَةُ»؟ . فَتَقاصَرْتُ إلى الأرْضِ فَقُلْتُ: بَلى يا رَسُولَ اللَّهِ؛ كَراهِيَةَ أنْ أقُومَ. فَقالَ: «قُمْ» . فَقُمْتُ فَقالَ: (p-٧٣٨)«إنَّهُ كانَ في القَوْمِ خَبَرٌ، فَأتْنِي بِخَبَرِ القَوْمِ» . قالَ: وأنا مِن أشَدِّ النّاسِ فَزَعًا، وأشَدِّهِمْ قُرًّا، فَخَرَجْتُ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «اللَّهُمَّ احْفَظْهُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ، ومِن خَلْفِهِ، وعَنْ يَمِينِهِ، وعَنْ شِمالِهِ، ومِن فَوْقِهِ، ومِن تَحْتِهِ» . قالَ: فَواللَّهِ ما خَلَقَ اللَّهُ فَزَعًا ولا قُرًّا في جَوْفِي إلّا خَرَجَ مِن جَوْفِي، فَما أجِدُ مِنهُ شَيْئًا، فَلَمّا ولَّيْتُ قالَ: «يا حُذَيْفَةُ، لا تُحْدِثَنَّ في القَوْمِ شَيْئًا حَتّى تَأْتِيَنِي» . فَخَرَجْتُ حَتّى إذا دَنَوْتُ مِن عَسْكَرِ القَوْمِ، نَظَرْتُ في ضَوْءِ نارٍ لَهم تُوقَدُ، وإذا رَجُلٌ أدْهَمُ ضَخْمٌ يَقُولُ بِيَدِهِ عَلى النّارِ، ويَمْسَحُ خاصِرَتَهُ ويَقُولُ: الرَّحِيلَ الرَّحِيلَ. ثُمَّ دَخَلْتُ العَسْكَرَ، فَإذا في النّاسِ مِنِّي بَنُو عامِرٍ يَقُولُونَ: يا آلَ عامِرٍ الرَّحِيلَ الرَّحِيلَ، لا مُقامَ لَكم. وإذا الرِّيحُ في عَسْكَرِهِمْ ما تُجاوِزُ عَسْكَرَهم شِبْرًا، فَواللَّهِ إنِّي لَأسْمَعُ صَوْتَ الحِجارَةِ في رِحالِهِمْ وفُرُشِهِمْ، الرِّيحُ تَضْرِبُهُمْ، ثُمَّ خَرَجْتُ نَحْوَ النَّبِيِّ ﷺ، فَلَمّا انْتَصَفْتُ في الطَّرِيقِ أوْ نَحْوِ ذَلِكَ، إذا أنا بِنَحْوٍ مَن عِشْرِينَ فارِسًا مُتَعَمِّمِينَ، فَقالُوا: أخْبِرْ صاحِبَكَ أنَّ اللَّهَ كَفاهُ القَوْمَ. فَرَجَعْتُ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وهو مُشْتَمِلٌ في شَمْلَةٍ يُصَلِّي، وكانَ إذا حَزَبَهُ أمْرٌ صَلّى، فَأخْبَرْتُهُ خَبَرَ القَوْمِ أنِّي تَرَكْتُهم يَتَرَحَّلُونَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكم إذْ جاءَتْكم جُنُودٌ﴾ الآيَةَ» . (p-٧٣٩)وأخْرَجَ الرُّويانِيُّ، وابْنُ عَساكِرَ، عَنْ إبْراهِيمَ التَّيْمِيِّ، عَنْ أبِيهِ قالَ: «قالَ رَجُلٌ: لَوْ أدْرَكْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَخَدَمْتُهُ ولَفَعَلْتُ. فَقالَ حُذَيْفَةُ: لَقَدْ رَأيْتُنِي لَيْلَةَ الأحْزابِ ونَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَكانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ في لَيْلَةٍ بارِدَةٍ لَمْ نَرَ قَبْلَهُ ولا بَعْدَهُ بَرْدًا كانَ أشَدَّ مِنهُ، فَحانَتْ مِنِّي التِفاتَةٌ فَقالَ: «ألا رَجُلٌ يَذْهَبُ إلى هَؤُلاءِ فَيَأْتِينا بِخَبَرِهِمْ، جَعَلَهُ اللَّهُ مَعِي يَوْمَ القِيامَةِ»؟ . قالَ: فَما قامَ مِنّا إنْسانٌ. قالَ: فَسَكَتُوا، ثُمَّ عادَ، فَسَكَتُوا، ثُمَّ قالَ: «يا أبا بَكْرٍ» . ثُمَّ اسْتَغْفَرَ اللَّهَ ورَسُولَهُ، ثُمَّ قالَ: إنْ شِئْتَ ذَهَبْتُ. فَقالَ: «يا عُمَرُ» . فَقالَ: أسْتَغْفِرُ اللَّهَ ورَسُولَهُ. ثُمَّ قالَ: «يا حُذَيْفَةُ» . فَقُلْتُ: لَبَّيْكَ. فَقُمْتُ حَتّى أتَيْتُ وإنَّ جَنْبَيَّ لَيَضْرِبانِ مِنَ البَرْدِ، فَمَسَحَ رَأْسِي ووَجْهِي، ثُمَّ قالَ: «ائْتِ هَؤُلاءِ القَوْمَ حَتّى تَأْتِيَنا بِخَبَرِهِمْ، ولا تُحْدِثَنَّ حَدَثًا حَتّى تَرْجِعَ» . ثُمَّ قالَ: «اللَّهُمَّ احْفَظْهُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ومِن خَلْفِهِ، وعَنْ يَمِينِهِ وعَنْ شِمالِهِ، ومِن (p-٧٤٠)فَوْقِهِ، ومِن تَحْتِهِ، حَتّى يَرْجِعَ» . قالَ: فَلَأنْ يَكُونَ أرْسَلَها كانَ أحَبَّ إلَيَّ مِنَ الدُّنْيا وما فِيها. قالَ: فانْطَلَقْتُ، فَأخَذْتُ أمْشِي نَحْوَهم كَأنِّي أمْشِي في حَمّامٍ. قالَ: فَوَجَدْتُهم قَدْ أرْسَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ رِيحًا فَقَطَّعَتْ أطْنابَهم وأبْنِيَتَهُمْ، وذَهَبَتْ بِخُيُولِهِمْ، ولَمْ تَدَعْ شَيْئًا إلّا أهْلَكَتْهُ. قالَ: وأبُو سُفْيانَ قاعِدٌ يَصْطَلِي عِنْدَ نارٍ لَهُ. قالَ: فَنَظَرْتُ إلَيْهِ، فَأخَذْتُ سَهْمًا، فَوَضَعْتُهُ في كَبِدِ قَوْسِي. قالَ: وكانَ حُذَيْفَةُ رامِيًا. فَذَكَرْتُ قَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: «لا تُحْدِثَنَّ حَدَثًا حَتّى تَرْجِعَ» . قالَ: فَرَدَدْتُ سَهْمِي في كِنانَتِي. قالَ: فَقالَ رَجُلٌ مَنِ القَوْمُ: ألا إنَّ فِيكم عَيْنًا لِلْقَوْمِ. قالَ: فَأخَذَ كُلٌّ بِيَدِ جَلِيسِهِ، فَأخَذْتُ بِيَدِ جَلِيسِي فَقُلْتُ: مَن أنْتَ؟ قالَ: سُبْحانَ اللَّهِ! أما تَعْرِفُنِي، أنا فُلانُ بْنُ فُلانٍ. فَإذا رَجُلٌ مِن هَوازِنَ، فَرَجَعْتُ إلى النَّبِيِّ ﷺ فَأخْبَرْتُهُ الخَبَرَ، وكَأنِّي أمْشِي في حَمّامٍ، قالَ: فَلَمّا أخْبَرْتُهُ ضَحِكَ حَتّى بَدَتْ أنْيابُهُ في سَوادِ اللَّيْلِ، وذَهَبَ (p-٧٤١)عَنِّي الدِّفْءُ. فَأدْنانِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَأنامَنِي عِنْدَ رِجْلَيْهِ، وألْقى عَلَيَّ طَرَفَ ثَوْبِهِ، فَإنْ كُنْتُ لَألْزِقُ بَطْنِي وصَدْرِي بِبَطْنِ قَدَمِهِ، فَلَمّا أصْبَحُوا هَزَمَ اللَّهُ الأحْزابَ، وهو قَوْلُهُ: ﴿فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا وجُنُودًا لَمْ تَرَوْها﴾ [الأحزاب»: ٩] . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في ”الدَّلائِلِ“، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكم إذْ جاءَتْكم جُنُودٌ﴾ قالَ: كانَ يَوْمَ أبِي سُفْيانَ يَوْمَ الأحْزابِ. وأخْرَجَ أحْمَدُ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قالَ: «قُلْنا يَوْمَ الخَنْدَقِ: يا رَسُولَ اللَّهِ، هَلْ مِن شَيْءٍ نَقُولُهُ؟ فَقَدْ بَلَغَتِ القُلُوبُ الحَناجِرَ؟ قالَ: «نَعَمْ، قُولُوا: اللَّهُمَّ اسْتُرْ عَوْراتِنا، وآمِن رَوْعاتِنا» . قالَ: فَضَرَبَ اللَّهُ وُجُوهَ أعْدائِهِ بِالرِّيحِ، فَهَزَمَهُمُ اللَّهُ بِالرِّيحِ» . وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ في ”العَظَمَةِ“، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ مُجاهِدٍ: ﴿إذْ جاءَتْكم جُنُودٌ﴾ قالَ: الأحْزابُ، عُيَيْنَةُ بْنُ بَدْرٍ، وأبُو سُفْيانَ، وقُرَيْظَةُ، ﴿فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا﴾ قالَ: يَعْنِي رِيحَ الصَّبا، أُرْسِلَتْ عَلى الأحْزابِ يَوْمَ الخَنْدَقِ حَتّى كَفَأتْ قُدُورَهم (p-٧٤٢)عَلى أفْواهِها، ونَزَعَتْ فَساطِيطَهم حَتّى أظْعَنَتْهُمْ، ﴿وجُنُودًا لَمْ تَرَوْها﴾ يَعْنِي المَلائِكَةَ. قالَ: ولَمْ تُقاتِلِ المَلائِكَةُ يَوْمَئِذٍ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ في ”الكُنى“، وأبُو الشَّيْخِ في ”العَظَمَةِ“، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ في ”الدَّلائِلِ“، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «لَمّا كانَتْ لَيْلَةُ الأحْزابِ جاءَتِ الشَّمالَ إلى الجَنُوبِ فَقالَتْ: انْطَلِقِي فانْصُرِي اللَّهَ ورَسُولَهُ. فَقالَتِ الجَنُوبُ: إنَّ الحُرَّةَ لا تَسْرِي بِاللَّيْلِ. فَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْها وجَعَلَها عَقِيمًا، فَأرْسَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الصَّبا فَأطْفَأتْ نِيرانَهم وقَطَعَتْ أطْنابَهُمْ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «نُصِرْتُ بِالصَّبا، وأُهْلِكَتْ عادٌ بِالدَّبُّورِ» . فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا وجُنُودًا لَمْ تَرَوْها﴾ [الأحزاب»: ٩] . وأخْرَجَ أحْمَدُ، والبُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««نُصِرْتُ بِالصَّبا، وأُهْلِكَتْ عادٌ بِالدَّبُّورِ»» . وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ النُّعْمانِ بْنِ مُقَرِّنٍ قالَ: «شَهِدْتُ رَسُولَ اللَّهِ (p-٧٤٣)ﷺ إذا لَمْ يُقاتِلْ مِن أوَّلِ النَّهارِ أخَّرَ القِتالَ حَتّى تَزُولَ الشَّمْسُ وتَهُبَّ الرِّياحُ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، والبُخارِيُّ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في ”الدَّلائِلِ“، عَنْ عائِشَةَ في قَوْلِهِ: ﴿إذْ جاءُوكم مِن فَوْقِكم ومِن أسْفَلَ مِنكُمْ﴾ الآيَةَ. قالَتْ: كانَ ذَلِكَ يَوْمَ الخَنْدَقِ. وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ، والبَيْهَقِيُّ في ”الدَّلائِلِ“، مِن طَرِيقِ كَثِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ المُزَنِيِّ، عَنْ أبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ قالَ: «خَطَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الخَنْدَقَ عامَ الأحْزابِ، فَخَرَجَتْ لَنا مِنَ الخَنْدَقِ صَخْرَةٌ بَيْضاءُ مُدَوَّرَةٌ، فَكَسَرَتْ حَدِيدَنا وشَقَّتْ عَلَيْنا، فَشَكَوْنا إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَأخَذَ المِعْوَلَ مِن سَلْمانَ، فَضَرَبَ الصَّخْرَةَ ضَرْبَةً صَدَعَها، وبَرَقَتْ مِنها بَرْقَةٌ أضاءَتْ ما بَيْنَ لابَتَيِ المَدِينَةِ، حَتّى لَكَأنَّ مِصْباحًا في جَوْفِ لَيْلٍ مُظْلِمٍ، فَكَبَّرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وكَبَّرَ المُسْلِمُونَ، ثُمَّ ضَرَبَها الثّانِيَةَ فَصَدَعَها، وبَرَقَ مِنها بَرْقَةٌ أضاءَتْ ما بَيْنَ لابَتَيْها، فَكَبَّرَ ﷺ وكَبَّرَ المُسْلِمُونَ، ثُمَّ ضَرَبَها الثّالِثَةَ، فَكَسَرَها، وبَرَقَ مِنها بَرْقَةٌ أضاءَتْ ما بَيْنَ لابَتَيْها، فَكَبَّرَ وكَبَّرَ المُسْلِمُونَ، فَسَألْناهُ فَقالَ: «أضاءَ لِي في الأُولى قُصُورُ الحِيرَةِ ومَدائِنُ كِسْرى (p-٧٤٤)كَأنَّها أنْيابُ الكِلابِ، فَأخْبَرَنِي جِبْرِيلُ أنَّ أُمَّتِي ظاهِرَةٌ عَلَيْها، وأضاءَ لِي في الثّانِيَةِ قُصُورُ الحُمْرِ مِن أرْضِ الرُّومِ، كَأنَّها أنْيابُ الكِلابِ، وأخْبَرَنِي جِبْرِيلُ أنَّ أُمَّتِي ظاهِرَةٌ عَلَيْها، وأضاءَ لِي في الثّالِثَةِ قُصُورُ صَنْعاءَ كَأنَّها أنْيابُ الكِلابِ، وأخْبَرَنِي جِبْرِيلُ أنَّ أُمَّتِي ظاهِرَةٌ عَلَيْها، فَأبْشِرُوا بِالنَّصْرِ» . فاسْتَبْشَرَ المُسْلِمُونَ وقالُوا: الحَمْدُ لِلَّهِ، مَوْعِدٌ صادِقٌ بِأنْ وُعِدْنا النَّصْرَ بَعْدَ الحَصْرِ. فَطَلَعَتِ الأحْزابُ فَقالَ المُسْلِمُونَ: ﴿هَذا ما وعَدَنا اللَّهُ ورَسُولُهُ وصَدَقَ اللَّهُ ورَسُولُهُ وما زادَهم إلا إيمانًا وتَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٢٢] . وقالَ المُنافِقُونَ: ألا تَعْجَبُونَ! يُحَدِّثُكم ويَعِدُكم ويُمَنِّيكُمُ الباطِلَ، يُخْبِرُ أنَّهُ يُبْصِرُ مِن يَثْرِبَ قُصُورَ الحِيرَةِ ومَدائِنَ كِسْرى، وأنَّها تُفْتَحُ لَكُمْ، وأنْتُمْ تَحْفِرُونَ الخَنْدَقَ ولا تَسْتَطِيعُونَ أنْ تَبْرُزُوا، وأُنْزِلَ القُرْآنُ: ﴿وإذْ يَقُولُ المُنافِقُونَ والَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ما وعَدَنا اللَّهُ ورَسُولُهُ إلا غُرُورًا﴾ [الأحزاب»: ١٢] . وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: أنْزَلَ اللَّهُ في شَأْنِ الخَنْدَقِ، وذَكَرَ نِعْمَتَهُ عَلَيْهِمْ وكِفايَتَهُ إيّاهم عَدُوَّهم بَعْدَ سُوءِ الظَّنِّ ومَقالَةِ مَن تَكَلَّمَ مِن أهْلِ النِّفاقِ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكم إذْ جاءَتْكم جُنُودٌ فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا وجُنُودًا لَمْ تَرَوْها﴾ وكانَتِ الجُنُودُ الَّتِي أتَتِ المُؤْمِنِينَ قُرَيْشًا، وأسَدًا، وغَطَفانَ، وسُلَيْمًا، وكانَتِ الجُنُودُ الَّتِي بَعَثَ (p-٧٤٥)اللَّهُ عَلَيْهِمُ الرِّيحَ والمَلائِكَةَ، فَقالَ: ﴿إذْ جاءُوكم مِن فَوْقِكم ومِن أسْفَلَ مِنكُمْ﴾ . فَكانَ الَّذِينَ جاءُوهم مِن فَوْقِهِمْ بَنِي قُرَيْظَةَ، والَّذِينَ جاءُوهم مِن أسْفَلَ مِنهم قُرَيْشًا، وأسَدًا، وغَطَفانَ، فَقالَ: ﴿هُنالِكَ ابْتُلِيَ المُؤْمِنُونَ وزُلْزِلُوا زِلْزالا شَدِيدًا﴾ ﴿وإذْ يَقُولُ المُنافِقُونَ والَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ما وعَدَنا اللَّهُ ورَسُولُهُ إلا غُرُورًا﴾ يَقُولُ: مُعَتِّبُ بْنُ قُشَيْرٍ ومَن كانَ مَعَهُ عَلى رَأْيِهِ، ﴿وإذْ قالَتْ طائِفَةٌ مِنهم يا أهْلَ يَثْرِبَ لا مُقامَ لَكم فارْجِعُوا ويَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنهُمُ النَّبِيَّ﴾ [الأحزاب: ١٣] يَقُولُ: أوْسُ بْنُ قَيْظِيٍّ ومَن كانَ مَعَهُ عَلى مِثْلِ رَأْيِهِ، ﴿ولَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِن أقْطارِها﴾ [الأحزاب: ١٤] إلى: ﴿وإذًا لا تُمَتَّعُونَ إلا قَلِيلا﴾ [الأحزاب: ١٦] ثُمَّ ذَكَرَ يَقِينَ أهْلِ الإيمانِ حِينَ أتاهُمُ الأحْزابُ فَحَصَرُوهم وظاهَرَتْهم بَنُو قُرَيْظَةَ، فاشْتَدَّ عَلَيْهِمُ البَلاءُ، فَقالَ: ﴿ولَمّا رَأى المُؤْمِنُونَ الأحْزابَ﴾ [الأحزاب: ٢٢] إلى: ﴿إنَّ اللَّهَ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٢٤] قالَ: وذَكَرَ اللَّهُ هَزِيمَةَ المُشْرِكِينَ وكِفايَتَهُ المُؤْمِنِينَ، فَقالَ: ﴿ورَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٢٥] الآيَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ، وابْنُ المُنْذِرِ، والبَيْهَقِيُّ في ”الدَّلائِلِ“، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، ومُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ، قالا: «قالَ مُعَتِّبُ بْنُ قُشَيْرٍ: كَأنَّ مُحَمَّدًا يَرى أنْ يَأْكُلَ مِن كُنُوزِ كِسْرى وقَيْصَرَ، وأحَدُنا لا يَأْمَنُ أنْ يَذْهَبَ إلى الغائِطِ! وقالَ (p-٧٤٦)أوْسُ بْنُ قِيظِيٍّ في مَلَأٍ مِن قَوْمِهِ مِن بَنِي حارِثَةَ: إنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ، وهي خارِجَةٌ مِنَ المَدِينَةِ، ائْذَنْ لَنا فَنَرْجِعَ إلى نِسائِنا وأبْنائِنا وذَرارِيِّنا. فَأنْزَلَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ حِينَ فَرَغَ مِنهم ما كانُوا فِيهِ مِنَ البَلاءِ يُذَكِّرُهم نِعْمَتَهُ عَلَيْهِمْ، وكِفايَتَهُ إيّاهم بَعْدَ سُوءِ الظَّنِّ مِنهُمْ، ومَقالَةِ مَن قالَ مِن أهْلِ النِّفاقِ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكم إذْ جاءَتْكم جُنُودٌ فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا وجُنُودًا لَمْ تَرَوْها﴾ فَكانَتِ الجُنُودُ قُرَيْشًا وغَطَفانَ وبَنِي قُرَيْظَةَ، وكانَتِ الجُنُودُ الَّتِي أرْسَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مَعَ الرِّيحِ المَلائِكَةَ، ﴿إذْ جاءُوكم مِن فَوْقِكُمْ﴾ بَنُو قُرَيْظَةَ، ﴿ومِن أسْفَلَ مِنكُمْ﴾ قُرَيْشٌ، وغَطَفانُ. إلى قَوْلِهِ: ﴿ما وعَدَنا اللَّهُ ورَسُولُهُ إلا غُرُورًا﴾ يَقُولُ: مُعَتِّبُ بْنُ قُشَيْرٍ وأصْحابُهُ، ﴿وإذْ قالَتْ طائِفَةٌ مِنهم يا أهْلَ يَثْرِبَ﴾ [الأحزاب: ١٣] يَقُولُ: أوْسُ بْنُ قَيْظِيٍّ ومَن كانَ مَعَهُ عَلى ذَلِكَ مِن قَوْمِهِ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنِ البَراءِ بْنِ عازِبٍ قالَ: «لَمّا كانَ حَيْثُ أمَرَنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنْ نَحْفِرَ الخَنْدَقَ، عَرَضَ لَنا في بَعْضِ الجَبَلِ صَخْرَةٌ عَظِيمَةٌ شَدِيدَةٌ، لا تَدْخُلُ فِيها المَعاوِلُ، فاشْتَكَيْنا ذَلِكَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَجاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَلَمّا رَآها أخَذَ المِعْوَلَ، وألْقى ثَوْبَهُ وقالَ: «بِاسْمِ اللَّهِ» . ثُمَّ ضَرَبَ ضَرْبَةً، فَكَسَرَ ثُلُثَها وقالَ: «اللَّهُ أكْبَرُ، أُعْطِيتُ مَفاتِيحَ الشّامِ، واللَّهِ إنِّي لَأُبْصِرُ قُصُورَها الحُمْرَ السّاعَةَ» . ثُمَّ ضَرَبَ الثّانِيَةَ فَقَطَعَ ثُلُثًا آخَرَ فَقالَ: «اللَّهُ أكْبَرُ، أُعْطِيتُ (p-٧٤٧)مَفاتِيحَ فارِسَ، واللَّهِ إنِّي لَأُبْصِرُ قَصْرَ المَدائِنِ الأبْيَضَ» . ثُمَّ ضَرَبَ الثّالِثَةَ فَقالَ: «بِاسْمِ اللَّهِ» . فَقَطَعَ بَقِيَّةِ الحَجَرِ وقالَ: «اللَّهُ أكْبَرُ، أُعْطِيتُ مَفاتِيحَ اليَمَنِ، واللَّهِ إنِّي لَأُبْصِرُ أبْوابَ صَنْعاءَ»» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إذْ جاءُوكم مِن فَوْقِكُمْ﴾ قالَ: عُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنٍ، ﴿ومِن أسْفَلَ مِنكُمْ﴾ قالَ: أبُو سُفْيانَ بْنُ حَرْبٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنْ عائِشَةَ في قَوْلِهِ: ﴿إذْ جاءُوكم مِن فَوْقِكم ومِن أسْفَلَ مِنكُمْ﴾ قالَتْ: كانَ ذَلِكَ يَوْمَ الخَنْدَقِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ «فِي قَوْلِهِ: ﴿إذْ جاءُوكم مِن فَوْقِكم ومِن أسْفَلَ مِنكُمْ﴾ قالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ يَوْمَ الأحْزابِ وقَدْ حُصِرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ شَهْرًا، فَخَنْدَقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وأقْبَلَ أبُو سُفْيانَ بِقُرَيْشٍ ومَن مَعَهُ مِنَ النّاسِ حَتّى نَزَلُوا بِعَقْوَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وأقْبَلَ عُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنٍ أخُو بَنِي بَدْرٍ بِغَطَفانَ ومَن تَبِعَهُ حَتّى نَزَلُوا بِعَقْوَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وكاتَبَتِ اليَهُودُ أبا سُفْيانَ فَظاهَرُوهُ، فَبَعَثَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الرُّعْبَ والرِّيحَ، فَذُكِرَ أنَّهم كانُوا كُلَّما بَنَوْا بِناءً قَطَعَ اللَّهُ أطْنابَهُ، وكُلَّما رَبَطُوا دابَّةً قَطَعَ اللَّهُ رِباطَها، وكُلَّما أوْقَدُوا نارًا (p-٧٤٨)أطْفَأها اللَّهُ، حَتّى لَقَدْ ذُكِرَ لَنا أنَّ سَيِّدَ كُلِّ حَيٍّ يَقُولُ: يا بَنِي فُلانٍ، هَلُمَّ إلَيَّ. حَتّى إذا اجْتَمَعُوا عِنْدَهُ قالَ: النَّجاةَ النَّجاةَ، أُتِيتُمْ. لِما بَعَثَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ مِنَ الرُّعْبِ» . وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿إذْ جاءُوكم مِن فَوْقِكُمْ﴾ قالَ: عُيَيْنَةُ بْنُ بَدْرٍ في أهْلِ نَجْدٍ، ﴿ومِن أسْفَلَ مِنكُمْ﴾ قالَ: أبُو سُفْيانَ بْنُ حَرْبٍ في أهْلِ تِهامَةَ، ومُواجَهَتَهم قُرَيْظَةُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وإذْ زاغَتِ الأبْصارُ﴾ قالَ: شَخَصَتِ الأبْصارُ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وبَلَغَتِ القُلُوبُ الحَناجِرَ﴾ قالَ: شَخَصَتْ مِن مَكانِها، فَلَوْلا أنَّهُ ضاقَ الحُلْقُومُ عَنْها أنْ تَخْرُجَ لَخَرَجَتْ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ عِكْرِمَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وبَلَغَتِ القُلُوبُ الحَناجِرَ﴾ قالَ: فَزَعَها. ولَفْظُ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ قالَ: إنَّ (p-٧٤٩)القُلُوبَ لَوْ تَحَرَّكَتْ أوْ زالَتْ خَرَجَتْ نَفْسُهُ، ولَكِنْ إنَّما هو الفَزَعُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿وتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونا﴾ . قالَ: ظُنُونٌ مُخْتَلِفَةٌ؛ ظَنَّ المُنافِقُونَ أنَّ مُحَمَّدًا وأصْحابَهُ يُسْتَأْصَلُونَ، وأيْقَنَ المُؤْمِنُونَ أنَّ ما وعَدَهُمُ اللَّهُ ورَسُولُهُ حَقٌّ، أنَّهُ سَيُظْهِرُهُ عَلى الدِّينِ كُلِّهِ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونا﴾ قالَ: هُمُ المُنافِقُونَ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ ظُنُونًا مُخْتَلِفَةً. وفي قَوْلِهِ: ﴿هُنالِكَ ابْتُلِيَ المُؤْمِنُونَ﴾ قالَ: مُحِّصُوا. وفي قَوْلِهِ: ﴿وإذْ يَقُولُ المُنافِقُونَ﴾ الآيَةَ. قالَ: تَكَلَّمُوا بِما في أنْفُسِهِمْ مِنَ النِّفاقِ، وتَكَلَّمَ المُؤْمِنُونَ بِالحَقِّ والإيمانِ، قالُوا: هَذا ما وعَدَنا اللَّهُ ورَسُولُهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، والبَيْهَقِيُّ في ”الدَّلائِلِ“، عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: «لَمّا حَفَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وأصْحابُهُ الخَنْدَقَ، أصابَ النَّبِيَّ ﷺ والمُسْلِمِينَ جَهْدٌ شَدِيدٌ، فَمَكَثُوا ثَلاثًا لا يَجِدُونَ طَعامًا حَتّى رَبَطَ النَّبِيُّ ﷺ عَلى بَطْنِهِ حَجَرًا مِنَ الجُوعِ» . (p-٧٥٠)وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ قالَ: قالَ المُنافِقُونَ يَوْمَ الأحْزابِ حِينَ رَأوُا الأحْزابَ قَدِ اكْتَنَفُوهم مِن كُلِّ جانِبٍ، فَكانُوا في شَكٍّ ورِيبَةٍ مِن أمْرِ اللَّهِ، قالُوا: إنَّ مُحَمَّدًا كانَ يَعِدُنا فَتْحَ فارِسَ والرُّومِ، وقَدْ حُصِرْنا هَهُنا حَتّى ما يَسْتَطِيعُ أحَدُنا أنْ يَبْرُزَ لِحاجَتِهِ. فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وإذْ يَقُولُ المُنافِقُونَ والَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ما وعَدَنا اللَّهُ ورَسُولُهُ إلا غُرُورًا﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ قالَ: «حَفَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الخَنْدَقَ، واجْتَمَعَتْ قُرَيْشٌ وكِنانَةُ وغَطَفانُ، فاسْتَأْجَرَهم أبُو سُفْيانَ بِلَطِيمَةِ قُرَيْشٍ، فَأقْبَلُوا حَتّى نَزَلُوا بِفَنائِهِ، فَنَزَلَتْ قُرَيْشٌ أسْفَلَ الوادِي، ونَزَلَتْ غَطَفانُ عَنْ يَمِينِ ذَلِكَ، وطُلَيْحَةُ الأسَدِيُّ في بَنِي أسَدٍ في يَسارِ ذَلِكَ، وظاهَرُوهم بَنُو قُرَيْظَةَ مِنَ اليَهُودِ عَلى قِتالِ النَّبِيِّ ﷺ، فَلَمّا نَزَلُوا بِالنَّبِيِّ ﷺ بِحَضْرَةِ المَدِينَةِ حَفَرَ النَّبِيُّ ﷺ الخَنْدَقَ، فَبَيْنَما هو يَضْرِبُ فِيهِ بِمِعْوَلِهِ إذْ وقَعَ المِعْوَلُ في صَفًا، فَطارَتْ مِنهُ كَهَيْئَةِ الشِّهابِ مِن نارٍ في السَّماءِ، وضَرَبَ الثّانِيةَ فَخَرَجَ مِثْلُ ذَلِكَ، فَرَأى ذَلِكَ سَلْمانُ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، قَدْ رَأيْتُ خَرَجَ مِن كُلِّ ضَرْبَةٍ كَهَيْئَةِ (p-٧٥١)الشِّهابِ فَسَطَعَ إلى السَّماءِ. فَقالَ: «قَدْ رَأيْتَ ذَلِكَ»؟ . فَقالَ: نَعَمْ يا رَسُولَ اللَّهِ. قالَ: «يُفْتَحُ لَكم أبْوابُ المَدائِنِ، وقُصُورُ الرُّومِ ومَدائِنُ اليَمَنِ» . فَفَشا ذَلِكَ في أصْحابِ النَّبِيِّ ﷺ فَتَحَدَّثُوا بِهِ، فَقالَ رَجُلٌ مِنَ الأنْصارِ يُدْعى بَشِيرَ بْنَ مُعَتِّبٍ: أيَعِدُنا مُحَمَّدٌ أنْ يُفْتَحَ لَنا مَدائِنُ اليَمَنِ وبِيضُ المَدائِنِ وقُصُورُ الرُّومِ، وأحَدُنا لا يَسْتَطِيعُ أنْ يَقْضِيَ حاجَتَهُ إلّا قُتِلَ، هَذا واللَّهِ الغُرُورُ. فَأنْزَلَ اللَّهُ في هَذا: ﴿وإذْ يَقُولُ المُنافِقُونَ والَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ما وعَدَنا اللَّهُ ورَسُولُهُ إلا غُرُورًا﴾ [الأحزاب»: ١٢] .

الأحزاب 33:12

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ﴾ الآياتِ. أخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ، والبَيْهَقِيُّ، كِلاهُما في ”الدَّلائِلِ“، وابْنُ عَساكِرَ، مِن طُرُقٍ «عَنْ حُذَيْفَةَ قالَ: لَقَدْ رَأيْتُنا لَيْلَةَ الأحْزابِ ونَحْنُ صافُّونَ قُعُودٌ، وأبُو سُفْيانَ ومَن مَعَهُ مِنَ الأحْزابِ فَوْقَنا، وقُرَيْظَةُ اليَهُودُ أسْفَلَ نَخافُهم عَلى ذَرارِيِّنا، وما أتَتْ عَلَيْنا لَيْلَةٌ قَطُّ أشَدُّ ظُلْمَةً ولا أشَدُّ رِيحًا، في أصْواتِ رِيحِها أمْثالُ الصَّواعِقِ، وهي ظُلْمَةٌ ما يَرى أحَدٌ مِنّا إصْبَعَهُ، فَجَعَلَ المُنافِقُونَ يَسْتَأْذِنُونَ النَّبِيَّ ﷺ ويَقُولُونَ: إنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ. وما هي بِعَوْرَةٍ. فَما يَسْتَأْذِنُهُ أحَدٌ مِنهم إلّا أذِنَ لَهُ، فَيَتَسَلَّلُونَ، ونَحْنُ ثَلاثُمِائَةٍ أوْ نَحْوُ ذَلِكَ، إذِ اسْتَقْبَلَنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ رَجُلًا رَجُلًا، حَتّى مَرَّ عَلَيَّ وما عَلَيَّ جُنَّةٌ مِنَ العَدُوِّ ولا مِنَ البَرْدِ إلّا مِرْطٌ لِامْرَأتِي، ما يُجاوِزُ رُكْبَتَيَّ، فَأتانِي وأنا جاثٍ عَلى رُكْبَتَيَّ فَقالَ: «مَن هَذا»؟ . قُلْتُ: حُذَيْفَةُ. قالَ: «حُذَيْفَةُ»؟ . فَتَقاصَرْتُ إلى الأرْضِ فَقُلْتُ: بَلى يا رَسُولَ اللَّهِ؛ كَراهِيَةَ أنْ أقُومَ. فَقالَ: «قُمْ» . فَقُمْتُ فَقالَ: (p-٧٣٨)«إنَّهُ كانَ في القَوْمِ خَبَرٌ، فَأتْنِي بِخَبَرِ القَوْمِ» . قالَ: وأنا مِن أشَدِّ النّاسِ فَزَعًا، وأشَدِّهِمْ قُرًّا، فَخَرَجْتُ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «اللَّهُمَّ احْفَظْهُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ، ومِن خَلْفِهِ، وعَنْ يَمِينِهِ، وعَنْ شِمالِهِ، ومِن فَوْقِهِ، ومِن تَحْتِهِ» . قالَ: فَواللَّهِ ما خَلَقَ اللَّهُ فَزَعًا ولا قُرًّا في جَوْفِي إلّا خَرَجَ مِن جَوْفِي، فَما أجِدُ مِنهُ شَيْئًا، فَلَمّا ولَّيْتُ قالَ: «يا حُذَيْفَةُ، لا تُحْدِثَنَّ في القَوْمِ شَيْئًا حَتّى تَأْتِيَنِي» . فَخَرَجْتُ حَتّى إذا دَنَوْتُ مِن عَسْكَرِ القَوْمِ، نَظَرْتُ في ضَوْءِ نارٍ لَهم تُوقَدُ، وإذا رَجُلٌ أدْهَمُ ضَخْمٌ يَقُولُ بِيَدِهِ عَلى النّارِ، ويَمْسَحُ خاصِرَتَهُ ويَقُولُ: الرَّحِيلَ الرَّحِيلَ. ثُمَّ دَخَلْتُ العَسْكَرَ، فَإذا في النّاسِ مِنِّي بَنُو عامِرٍ يَقُولُونَ: يا آلَ عامِرٍ الرَّحِيلَ الرَّحِيلَ، لا مُقامَ لَكم. وإذا الرِّيحُ في عَسْكَرِهِمْ ما تُجاوِزُ عَسْكَرَهم شِبْرًا، فَواللَّهِ إنِّي لَأسْمَعُ صَوْتَ الحِجارَةِ في رِحالِهِمْ وفُرُشِهِمْ، الرِّيحُ تَضْرِبُهُمْ، ثُمَّ خَرَجْتُ نَحْوَ النَّبِيِّ ﷺ، فَلَمّا انْتَصَفْتُ في الطَّرِيقِ أوْ نَحْوِ ذَلِكَ، إذا أنا بِنَحْوٍ مَن عِشْرِينَ فارِسًا مُتَعَمِّمِينَ، فَقالُوا: أخْبِرْ صاحِبَكَ أنَّ اللَّهَ كَفاهُ القَوْمَ. فَرَجَعْتُ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وهو مُشْتَمِلٌ في شَمْلَةٍ يُصَلِّي، وكانَ إذا حَزَبَهُ أمْرٌ صَلّى، فَأخْبَرْتُهُ خَبَرَ القَوْمِ أنِّي تَرَكْتُهم يَتَرَحَّلُونَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكم إذْ جاءَتْكم جُنُودٌ﴾ الآيَةَ» . (p-٧٣٩)وأخْرَجَ الرُّويانِيُّ، وابْنُ عَساكِرَ، عَنْ إبْراهِيمَ التَّيْمِيِّ، عَنْ أبِيهِ قالَ: «قالَ رَجُلٌ: لَوْ أدْرَكْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَخَدَمْتُهُ ولَفَعَلْتُ. فَقالَ حُذَيْفَةُ: لَقَدْ رَأيْتُنِي لَيْلَةَ الأحْزابِ ونَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَكانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ في لَيْلَةٍ بارِدَةٍ لَمْ نَرَ قَبْلَهُ ولا بَعْدَهُ بَرْدًا كانَ أشَدَّ مِنهُ، فَحانَتْ مِنِّي التِفاتَةٌ فَقالَ: «ألا رَجُلٌ يَذْهَبُ إلى هَؤُلاءِ فَيَأْتِينا بِخَبَرِهِمْ، جَعَلَهُ اللَّهُ مَعِي يَوْمَ القِيامَةِ»؟ . قالَ: فَما قامَ مِنّا إنْسانٌ. قالَ: فَسَكَتُوا، ثُمَّ عادَ، فَسَكَتُوا، ثُمَّ قالَ: «يا أبا بَكْرٍ» . ثُمَّ اسْتَغْفَرَ اللَّهَ ورَسُولَهُ، ثُمَّ قالَ: إنْ شِئْتَ ذَهَبْتُ. فَقالَ: «يا عُمَرُ» . فَقالَ: أسْتَغْفِرُ اللَّهَ ورَسُولَهُ. ثُمَّ قالَ: «يا حُذَيْفَةُ» . فَقُلْتُ: لَبَّيْكَ. فَقُمْتُ حَتّى أتَيْتُ وإنَّ جَنْبَيَّ لَيَضْرِبانِ مِنَ البَرْدِ، فَمَسَحَ رَأْسِي ووَجْهِي، ثُمَّ قالَ: «ائْتِ هَؤُلاءِ القَوْمَ حَتّى تَأْتِيَنا بِخَبَرِهِمْ، ولا تُحْدِثَنَّ حَدَثًا حَتّى تَرْجِعَ» . ثُمَّ قالَ: «اللَّهُمَّ احْفَظْهُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ ومِن خَلْفِهِ، وعَنْ يَمِينِهِ وعَنْ شِمالِهِ، ومِن (p-٧٤٠)فَوْقِهِ، ومِن تَحْتِهِ، حَتّى يَرْجِعَ» . قالَ: فَلَأنْ يَكُونَ أرْسَلَها كانَ أحَبَّ إلَيَّ مِنَ الدُّنْيا وما فِيها. قالَ: فانْطَلَقْتُ، فَأخَذْتُ أمْشِي نَحْوَهم كَأنِّي أمْشِي في حَمّامٍ. قالَ: فَوَجَدْتُهم قَدْ أرْسَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ رِيحًا فَقَطَّعَتْ أطْنابَهم وأبْنِيَتَهُمْ، وذَهَبَتْ بِخُيُولِهِمْ، ولَمْ تَدَعْ شَيْئًا إلّا أهْلَكَتْهُ. قالَ: وأبُو سُفْيانَ قاعِدٌ يَصْطَلِي عِنْدَ نارٍ لَهُ. قالَ: فَنَظَرْتُ إلَيْهِ، فَأخَذْتُ سَهْمًا، فَوَضَعْتُهُ في كَبِدِ قَوْسِي. قالَ: وكانَ حُذَيْفَةُ رامِيًا. فَذَكَرْتُ قَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: «لا تُحْدِثَنَّ حَدَثًا حَتّى تَرْجِعَ» . قالَ: فَرَدَدْتُ سَهْمِي في كِنانَتِي. قالَ: فَقالَ رَجُلٌ مَنِ القَوْمُ: ألا إنَّ فِيكم عَيْنًا لِلْقَوْمِ. قالَ: فَأخَذَ كُلٌّ بِيَدِ جَلِيسِهِ، فَأخَذْتُ بِيَدِ جَلِيسِي فَقُلْتُ: مَن أنْتَ؟ قالَ: سُبْحانَ اللَّهِ! أما تَعْرِفُنِي، أنا فُلانُ بْنُ فُلانٍ. فَإذا رَجُلٌ مِن هَوازِنَ، فَرَجَعْتُ إلى النَّبِيِّ ﷺ فَأخْبَرْتُهُ الخَبَرَ، وكَأنِّي أمْشِي في حَمّامٍ، قالَ: فَلَمّا أخْبَرْتُهُ ضَحِكَ حَتّى بَدَتْ أنْيابُهُ في سَوادِ اللَّيْلِ، وذَهَبَ (p-٧٤١)عَنِّي الدِّفْءُ. فَأدْنانِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَأنامَنِي عِنْدَ رِجْلَيْهِ، وألْقى عَلَيَّ طَرَفَ ثَوْبِهِ، فَإنْ كُنْتُ لَألْزِقُ بَطْنِي وصَدْرِي بِبَطْنِ قَدَمِهِ، فَلَمّا أصْبَحُوا هَزَمَ اللَّهُ الأحْزابَ، وهو قَوْلُهُ: ﴿فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا وجُنُودًا لَمْ تَرَوْها﴾ [الأحزاب»: ٩] . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في ”الدَّلائِلِ“، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكم إذْ جاءَتْكم جُنُودٌ﴾ قالَ: كانَ يَوْمَ أبِي سُفْيانَ يَوْمَ الأحْزابِ. وأخْرَجَ أحْمَدُ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قالَ: «قُلْنا يَوْمَ الخَنْدَقِ: يا رَسُولَ اللَّهِ، هَلْ مِن شَيْءٍ نَقُولُهُ؟ فَقَدْ بَلَغَتِ القُلُوبُ الحَناجِرَ؟ قالَ: «نَعَمْ، قُولُوا: اللَّهُمَّ اسْتُرْ عَوْراتِنا، وآمِن رَوْعاتِنا» . قالَ: فَضَرَبَ اللَّهُ وُجُوهَ أعْدائِهِ بِالرِّيحِ، فَهَزَمَهُمُ اللَّهُ بِالرِّيحِ» . وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وأبُو الشَّيْخِ في ”العَظَمَةِ“، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ مُجاهِدٍ: ﴿إذْ جاءَتْكم جُنُودٌ﴾ قالَ: الأحْزابُ، عُيَيْنَةُ بْنُ بَدْرٍ، وأبُو سُفْيانَ، وقُرَيْظَةُ، ﴿فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا﴾ قالَ: يَعْنِي رِيحَ الصَّبا، أُرْسِلَتْ عَلى الأحْزابِ يَوْمَ الخَنْدَقِ حَتّى كَفَأتْ قُدُورَهم (p-٧٤٢)عَلى أفْواهِها، ونَزَعَتْ فَساطِيطَهم حَتّى أظْعَنَتْهُمْ، ﴿وجُنُودًا لَمْ تَرَوْها﴾ يَعْنِي المَلائِكَةَ. قالَ: ولَمْ تُقاتِلِ المَلائِكَةُ يَوْمَئِذٍ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ في ”الكُنى“، وأبُو الشَّيْخِ في ”العَظَمَةِ“، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ في ”الدَّلائِلِ“، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «لَمّا كانَتْ لَيْلَةُ الأحْزابِ جاءَتِ الشَّمالَ إلى الجَنُوبِ فَقالَتْ: انْطَلِقِي فانْصُرِي اللَّهَ ورَسُولَهُ. فَقالَتِ الجَنُوبُ: إنَّ الحُرَّةَ لا تَسْرِي بِاللَّيْلِ. فَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْها وجَعَلَها عَقِيمًا، فَأرْسَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الصَّبا فَأطْفَأتْ نِيرانَهم وقَطَعَتْ أطْنابَهُمْ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «نُصِرْتُ بِالصَّبا، وأُهْلِكَتْ عادٌ بِالدَّبُّورِ» . فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا وجُنُودًا لَمْ تَرَوْها﴾ [الأحزاب»: ٩] . وأخْرَجَ أحْمَدُ، والبُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««نُصِرْتُ بِالصَّبا، وأُهْلِكَتْ عادٌ بِالدَّبُّورِ»» . وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنِ النُّعْمانِ بْنِ مُقَرِّنٍ قالَ: «شَهِدْتُ رَسُولَ اللَّهِ (p-٧٤٣)ﷺ إذا لَمْ يُقاتِلْ مِن أوَّلِ النَّهارِ أخَّرَ القِتالَ حَتّى تَزُولَ الشَّمْسُ وتَهُبَّ الرِّياحُ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، والبُخارِيُّ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في ”الدَّلائِلِ“، عَنْ عائِشَةَ في قَوْلِهِ: ﴿إذْ جاءُوكم مِن فَوْقِكم ومِن أسْفَلَ مِنكُمْ﴾ الآيَةَ. قالَتْ: كانَ ذَلِكَ يَوْمَ الخَنْدَقِ. وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، وأبُو نُعَيْمٍ، والبَيْهَقِيُّ في ”الدَّلائِلِ“، مِن طَرِيقِ كَثِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ المُزَنِيِّ، عَنْ أبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ قالَ: «خَطَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الخَنْدَقَ عامَ الأحْزابِ، فَخَرَجَتْ لَنا مِنَ الخَنْدَقِ صَخْرَةٌ بَيْضاءُ مُدَوَّرَةٌ، فَكَسَرَتْ حَدِيدَنا وشَقَّتْ عَلَيْنا، فَشَكَوْنا إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَأخَذَ المِعْوَلَ مِن سَلْمانَ، فَضَرَبَ الصَّخْرَةَ ضَرْبَةً صَدَعَها، وبَرَقَتْ مِنها بَرْقَةٌ أضاءَتْ ما بَيْنَ لابَتَيِ المَدِينَةِ، حَتّى لَكَأنَّ مِصْباحًا في جَوْفِ لَيْلٍ مُظْلِمٍ، فَكَبَّرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وكَبَّرَ المُسْلِمُونَ، ثُمَّ ضَرَبَها الثّانِيَةَ فَصَدَعَها، وبَرَقَ مِنها بَرْقَةٌ أضاءَتْ ما بَيْنَ لابَتَيْها، فَكَبَّرَ ﷺ وكَبَّرَ المُسْلِمُونَ، ثُمَّ ضَرَبَها الثّالِثَةَ، فَكَسَرَها، وبَرَقَ مِنها بَرْقَةٌ أضاءَتْ ما بَيْنَ لابَتَيْها، فَكَبَّرَ وكَبَّرَ المُسْلِمُونَ، فَسَألْناهُ فَقالَ: «أضاءَ لِي في الأُولى قُصُورُ الحِيرَةِ ومَدائِنُ كِسْرى (p-٧٤٤)كَأنَّها أنْيابُ الكِلابِ، فَأخْبَرَنِي جِبْرِيلُ أنَّ أُمَّتِي ظاهِرَةٌ عَلَيْها، وأضاءَ لِي في الثّانِيَةِ قُصُورُ الحُمْرِ مِن أرْضِ الرُّومِ، كَأنَّها أنْيابُ الكِلابِ، وأخْبَرَنِي جِبْرِيلُ أنَّ أُمَّتِي ظاهِرَةٌ عَلَيْها، وأضاءَ لِي في الثّالِثَةِ قُصُورُ صَنْعاءَ كَأنَّها أنْيابُ الكِلابِ، وأخْبَرَنِي جِبْرِيلُ أنَّ أُمَّتِي ظاهِرَةٌ عَلَيْها، فَأبْشِرُوا بِالنَّصْرِ» . فاسْتَبْشَرَ المُسْلِمُونَ وقالُوا: الحَمْدُ لِلَّهِ، مَوْعِدٌ صادِقٌ بِأنْ وُعِدْنا النَّصْرَ بَعْدَ الحَصْرِ. فَطَلَعَتِ الأحْزابُ فَقالَ المُسْلِمُونَ: ﴿هَذا ما وعَدَنا اللَّهُ ورَسُولُهُ وصَدَقَ اللَّهُ ورَسُولُهُ وما زادَهم إلا إيمانًا وتَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٢٢] . وقالَ المُنافِقُونَ: ألا تَعْجَبُونَ! يُحَدِّثُكم ويَعِدُكم ويُمَنِّيكُمُ الباطِلَ، يُخْبِرُ أنَّهُ يُبْصِرُ مِن يَثْرِبَ قُصُورَ الحِيرَةِ ومَدائِنَ كِسْرى، وأنَّها تُفْتَحُ لَكُمْ، وأنْتُمْ تَحْفِرُونَ الخَنْدَقَ ولا تَسْتَطِيعُونَ أنْ تَبْرُزُوا، وأُنْزِلَ القُرْآنُ: ﴿وإذْ يَقُولُ المُنافِقُونَ والَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ما وعَدَنا اللَّهُ ورَسُولُهُ إلا غُرُورًا﴾ [الأحزاب»: ١٢] . وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: أنْزَلَ اللَّهُ في شَأْنِ الخَنْدَقِ، وذَكَرَ نِعْمَتَهُ عَلَيْهِمْ وكِفايَتَهُ إيّاهم عَدُوَّهم بَعْدَ سُوءِ الظَّنِّ ومَقالَةِ مَن تَكَلَّمَ مِن أهْلِ النِّفاقِ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكم إذْ جاءَتْكم جُنُودٌ فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا وجُنُودًا لَمْ تَرَوْها﴾ وكانَتِ الجُنُودُ الَّتِي أتَتِ المُؤْمِنِينَ قُرَيْشًا، وأسَدًا، وغَطَفانَ، وسُلَيْمًا، وكانَتِ الجُنُودُ الَّتِي بَعَثَ (p-٧٤٥)اللَّهُ عَلَيْهِمُ الرِّيحَ والمَلائِكَةَ، فَقالَ: ﴿إذْ جاءُوكم مِن فَوْقِكم ومِن أسْفَلَ مِنكُمْ﴾ . فَكانَ الَّذِينَ جاءُوهم مِن فَوْقِهِمْ بَنِي قُرَيْظَةَ، والَّذِينَ جاءُوهم مِن أسْفَلَ مِنهم قُرَيْشًا، وأسَدًا، وغَطَفانَ، فَقالَ: ﴿هُنالِكَ ابْتُلِيَ المُؤْمِنُونَ وزُلْزِلُوا زِلْزالا شَدِيدًا﴾ ﴿وإذْ يَقُولُ المُنافِقُونَ والَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ما وعَدَنا اللَّهُ ورَسُولُهُ إلا غُرُورًا﴾ يَقُولُ: مُعَتِّبُ بْنُ قُشَيْرٍ ومَن كانَ مَعَهُ عَلى رَأْيِهِ، ﴿وإذْ قالَتْ طائِفَةٌ مِنهم يا أهْلَ يَثْرِبَ لا مُقامَ لَكم فارْجِعُوا ويَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنهُمُ النَّبِيَّ﴾ [الأحزاب: ١٣] يَقُولُ: أوْسُ بْنُ قَيْظِيٍّ ومَن كانَ مَعَهُ عَلى مِثْلِ رَأْيِهِ، ﴿ولَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِن أقْطارِها﴾ [الأحزاب: ١٤] إلى: ﴿وإذًا لا تُمَتَّعُونَ إلا قَلِيلا﴾ [الأحزاب: ١٦] ثُمَّ ذَكَرَ يَقِينَ أهْلِ الإيمانِ حِينَ أتاهُمُ الأحْزابُ فَحَصَرُوهم وظاهَرَتْهم بَنُو قُرَيْظَةَ، فاشْتَدَّ عَلَيْهِمُ البَلاءُ، فَقالَ: ﴿ولَمّا رَأى المُؤْمِنُونَ الأحْزابَ﴾ [الأحزاب: ٢٢] إلى: ﴿إنَّ اللَّهَ كانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٢٤] قالَ: وذَكَرَ اللَّهُ هَزِيمَةَ المُشْرِكِينَ وكِفايَتَهُ المُؤْمِنِينَ، فَقالَ: ﴿ورَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٢٥] الآيَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ إسْحاقَ، وابْنُ المُنْذِرِ، والبَيْهَقِيُّ في ”الدَّلائِلِ“، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، ومُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ، قالا: «قالَ مُعَتِّبُ بْنُ قُشَيْرٍ: كَأنَّ مُحَمَّدًا يَرى أنْ يَأْكُلَ مِن كُنُوزِ كِسْرى وقَيْصَرَ، وأحَدُنا لا يَأْمَنُ أنْ يَذْهَبَ إلى الغائِطِ! وقالَ (p-٧٤٦)أوْسُ بْنُ قِيظِيٍّ في مَلَأٍ مِن قَوْمِهِ مِن بَنِي حارِثَةَ: إنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ، وهي خارِجَةٌ مِنَ المَدِينَةِ، ائْذَنْ لَنا فَنَرْجِعَ إلى نِسائِنا وأبْنائِنا وذَرارِيِّنا. فَأنْزَلَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ حِينَ فَرَغَ مِنهم ما كانُوا فِيهِ مِنَ البَلاءِ يُذَكِّرُهم نِعْمَتَهُ عَلَيْهِمْ، وكِفايَتَهُ إيّاهم بَعْدَ سُوءِ الظَّنِّ مِنهُمْ، ومَقالَةِ مَن قالَ مِن أهْلِ النِّفاقِ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكم إذْ جاءَتْكم جُنُودٌ فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا وجُنُودًا لَمْ تَرَوْها﴾ فَكانَتِ الجُنُودُ قُرَيْشًا وغَطَفانَ وبَنِي قُرَيْظَةَ، وكانَتِ الجُنُودُ الَّتِي أرْسَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مَعَ الرِّيحِ المَلائِكَةَ، ﴿إذْ جاءُوكم مِن فَوْقِكُمْ﴾ بَنُو قُرَيْظَةَ، ﴿ومِن أسْفَلَ مِنكُمْ﴾ قُرَيْشٌ، وغَطَفانُ. إلى قَوْلِهِ: ﴿ما وعَدَنا اللَّهُ ورَسُولُهُ إلا غُرُورًا﴾ يَقُولُ: مُعَتِّبُ بْنُ قُشَيْرٍ وأصْحابُهُ، ﴿وإذْ قالَتْ طائِفَةٌ مِنهم يا أهْلَ يَثْرِبَ﴾ [الأحزاب: ١٣] يَقُولُ: أوْسُ بْنُ قَيْظِيٍّ ومَن كانَ مَعَهُ عَلى ذَلِكَ مِن قَوْمِهِ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنِ البَراءِ بْنِ عازِبٍ قالَ: «لَمّا كانَ حَيْثُ أمَرَنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنْ نَحْفِرَ الخَنْدَقَ، عَرَضَ لَنا في بَعْضِ الجَبَلِ صَخْرَةٌ عَظِيمَةٌ شَدِيدَةٌ، لا تَدْخُلُ فِيها المَعاوِلُ، فاشْتَكَيْنا ذَلِكَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَجاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَلَمّا رَآها أخَذَ المِعْوَلَ، وألْقى ثَوْبَهُ وقالَ: «بِاسْمِ اللَّهِ» . ثُمَّ ضَرَبَ ضَرْبَةً، فَكَسَرَ ثُلُثَها وقالَ: «اللَّهُ أكْبَرُ، أُعْطِيتُ مَفاتِيحَ الشّامِ، واللَّهِ إنِّي لَأُبْصِرُ قُصُورَها الحُمْرَ السّاعَةَ» . ثُمَّ ضَرَبَ الثّانِيَةَ فَقَطَعَ ثُلُثًا آخَرَ فَقالَ: «اللَّهُ أكْبَرُ، أُعْطِيتُ (p-٧٤٧)مَفاتِيحَ فارِسَ، واللَّهِ إنِّي لَأُبْصِرُ قَصْرَ المَدائِنِ الأبْيَضَ» . ثُمَّ ضَرَبَ الثّالِثَةَ فَقالَ: «بِاسْمِ اللَّهِ» . فَقَطَعَ بَقِيَّةِ الحَجَرِ وقالَ: «اللَّهُ أكْبَرُ، أُعْطِيتُ مَفاتِيحَ اليَمَنِ، واللَّهِ إنِّي لَأُبْصِرُ أبْوابَ صَنْعاءَ»» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إذْ جاءُوكم مِن فَوْقِكُمْ﴾ قالَ: عُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنٍ، ﴿ومِن أسْفَلَ مِنكُمْ﴾ قالَ: أبُو سُفْيانَ بْنُ حَرْبٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنْ عائِشَةَ في قَوْلِهِ: ﴿إذْ جاءُوكم مِن فَوْقِكم ومِن أسْفَلَ مِنكُمْ﴾ قالَتْ: كانَ ذَلِكَ يَوْمَ الخَنْدَقِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ «فِي قَوْلِهِ: ﴿إذْ جاءُوكم مِن فَوْقِكم ومِن أسْفَلَ مِنكُمْ﴾ قالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ يَوْمَ الأحْزابِ وقَدْ حُصِرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ شَهْرًا، فَخَنْدَقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، وأقْبَلَ أبُو سُفْيانَ بِقُرَيْشٍ ومَن مَعَهُ مِنَ النّاسِ حَتّى نَزَلُوا بِعَقْوَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وأقْبَلَ عُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنٍ أخُو بَنِي بَدْرٍ بِغَطَفانَ ومَن تَبِعَهُ حَتّى نَزَلُوا بِعَقْوَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وكاتَبَتِ اليَهُودُ أبا سُفْيانَ فَظاهَرُوهُ، فَبَعَثَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الرُّعْبَ والرِّيحَ، فَذُكِرَ أنَّهم كانُوا كُلَّما بَنَوْا بِناءً قَطَعَ اللَّهُ أطْنابَهُ، وكُلَّما رَبَطُوا دابَّةً قَطَعَ اللَّهُ رِباطَها، وكُلَّما أوْقَدُوا نارًا (p-٧٤٨)أطْفَأها اللَّهُ، حَتّى لَقَدْ ذُكِرَ لَنا أنَّ سَيِّدَ كُلِّ حَيٍّ يَقُولُ: يا بَنِي فُلانٍ، هَلُمَّ إلَيَّ. حَتّى إذا اجْتَمَعُوا عِنْدَهُ قالَ: النَّجاةَ النَّجاةَ، أُتِيتُمْ. لِما بَعَثَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ مِنَ الرُّعْبِ» . وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿إذْ جاءُوكم مِن فَوْقِكُمْ﴾ قالَ: عُيَيْنَةُ بْنُ بَدْرٍ في أهْلِ نَجْدٍ، ﴿ومِن أسْفَلَ مِنكُمْ﴾ قالَ: أبُو سُفْيانَ بْنُ حَرْبٍ في أهْلِ تِهامَةَ، ومُواجَهَتَهم قُرَيْظَةُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وإذْ زاغَتِ الأبْصارُ﴾ قالَ: شَخَصَتِ الأبْصارُ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وبَلَغَتِ القُلُوبُ الحَناجِرَ﴾ قالَ: شَخَصَتْ مِن مَكانِها، فَلَوْلا أنَّهُ ضاقَ الحُلْقُومُ عَنْها أنْ تَخْرُجَ لَخَرَجَتْ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ عِكْرِمَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وبَلَغَتِ القُلُوبُ الحَناجِرَ﴾ قالَ: فَزَعَها. ولَفْظُ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ قالَ: إنَّ (p-٧٤٩)القُلُوبَ لَوْ تَحَرَّكَتْ أوْ زالَتْ خَرَجَتْ نَفْسُهُ، ولَكِنْ إنَّما هو الفَزَعُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿وتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونا﴾ . قالَ: ظُنُونٌ مُخْتَلِفَةٌ؛ ظَنَّ المُنافِقُونَ أنَّ مُحَمَّدًا وأصْحابَهُ يُسْتَأْصَلُونَ، وأيْقَنَ المُؤْمِنُونَ أنَّ ما وعَدَهُمُ اللَّهُ ورَسُولُهُ حَقٌّ، أنَّهُ سَيُظْهِرُهُ عَلى الدِّينِ كُلِّهِ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونا﴾ قالَ: هُمُ المُنافِقُونَ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ ظُنُونًا مُخْتَلِفَةً. وفي قَوْلِهِ: ﴿هُنالِكَ ابْتُلِيَ المُؤْمِنُونَ﴾ قالَ: مُحِّصُوا. وفي قَوْلِهِ: ﴿وإذْ يَقُولُ المُنافِقُونَ﴾ الآيَةَ. قالَ: تَكَلَّمُوا بِما في أنْفُسِهِمْ مِنَ النِّفاقِ، وتَكَلَّمَ المُؤْمِنُونَ بِالحَقِّ والإيمانِ، قالُوا: هَذا ما وعَدَنا اللَّهُ ورَسُولُهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، والبَيْهَقِيُّ في ”الدَّلائِلِ“، عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: «لَمّا حَفَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وأصْحابُهُ الخَنْدَقَ، أصابَ النَّبِيَّ ﷺ والمُسْلِمِينَ جَهْدٌ شَدِيدٌ، فَمَكَثُوا ثَلاثًا لا يَجِدُونَ طَعامًا حَتّى رَبَطَ النَّبِيُّ ﷺ عَلى بَطْنِهِ حَجَرًا مِنَ الجُوعِ» . (p-٧٥٠)وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ قالَ: قالَ المُنافِقُونَ يَوْمَ الأحْزابِ حِينَ رَأوُا الأحْزابَ قَدِ اكْتَنَفُوهم مِن كُلِّ جانِبٍ، فَكانُوا في شَكٍّ ورِيبَةٍ مِن أمْرِ اللَّهِ، قالُوا: إنَّ مُحَمَّدًا كانَ يَعِدُنا فَتْحَ فارِسَ والرُّومِ، وقَدْ حُصِرْنا هَهُنا حَتّى ما يَسْتَطِيعُ أحَدُنا أنْ يَبْرُزَ لِحاجَتِهِ. فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وإذْ يَقُولُ المُنافِقُونَ والَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ما وعَدَنا اللَّهُ ورَسُولُهُ إلا غُرُورًا﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ قالَ: «حَفَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الخَنْدَقَ، واجْتَمَعَتْ قُرَيْشٌ وكِنانَةُ وغَطَفانُ، فاسْتَأْجَرَهم أبُو سُفْيانَ بِلَطِيمَةِ قُرَيْشٍ، فَأقْبَلُوا حَتّى نَزَلُوا بِفَنائِهِ، فَنَزَلَتْ قُرَيْشٌ أسْفَلَ الوادِي، ونَزَلَتْ غَطَفانُ عَنْ يَمِينِ ذَلِكَ، وطُلَيْحَةُ الأسَدِيُّ في بَنِي أسَدٍ في يَسارِ ذَلِكَ، وظاهَرُوهم بَنُو قُرَيْظَةَ مِنَ اليَهُودِ عَلى قِتالِ النَّبِيِّ ﷺ، فَلَمّا نَزَلُوا بِالنَّبِيِّ ﷺ بِحَضْرَةِ المَدِينَةِ حَفَرَ النَّبِيُّ ﷺ الخَنْدَقَ، فَبَيْنَما هو يَضْرِبُ فِيهِ بِمِعْوَلِهِ إذْ وقَعَ المِعْوَلُ في صَفًا، فَطارَتْ مِنهُ كَهَيْئَةِ الشِّهابِ مِن نارٍ في السَّماءِ، وضَرَبَ الثّانِيةَ فَخَرَجَ مِثْلُ ذَلِكَ، فَرَأى ذَلِكَ سَلْمانُ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، قَدْ رَأيْتُ خَرَجَ مِن كُلِّ ضَرْبَةٍ كَهَيْئَةِ (p-٧٥١)الشِّهابِ فَسَطَعَ إلى السَّماءِ. فَقالَ: «قَدْ رَأيْتَ ذَلِكَ»؟ . فَقالَ: نَعَمْ يا رَسُولَ اللَّهِ. قالَ: «يُفْتَحُ لَكم أبْوابُ المَدائِنِ، وقُصُورُ الرُّومِ ومَدائِنُ اليَمَنِ» . فَفَشا ذَلِكَ في أصْحابِ النَّبِيِّ ﷺ فَتَحَدَّثُوا بِهِ، فَقالَ رَجُلٌ مِنَ الأنْصارِ يُدْعى بَشِيرَ بْنَ مُعَتِّبٍ: أيَعِدُنا مُحَمَّدٌ أنْ يُفْتَحَ لَنا مَدائِنُ اليَمَنِ وبِيضُ المَدائِنِ وقُصُورُ الرُّومِ، وأحَدُنا لا يَسْتَطِيعُ أنْ يَقْضِيَ حاجَتَهُ إلّا قُتِلَ، هَذا واللَّهِ الغُرُورُ. فَأنْزَلَ اللَّهُ في هَذا: ﴿وإذْ يَقُولُ المُنافِقُونَ والَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ما وعَدَنا اللَّهُ ورَسُولُهُ إلا غُرُورًا﴾ [الأحزاب»: ١٢] .

الأحزاب 33:13

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذْ قالَتْ طائِفَةٌ مِنهم يا أهْلَ يَثْرِبَ لا مُقامَ لَكم فارْجِعُوا﴾ . أخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وإذْ قالَتْ طائِفَةٌ مِنهُمْ﴾ قالَ: مِنَ المُنافِقِينَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، مِن طَرِيقِ ابْنِ المُبارَكِ، عَنْ هارُونَ بْنِ مُوسى قالَ: أمَرْتُ رَجُلًا فَسَألَ الحَسَنَ: (لا مَقامَ لَكُمْ)؟ أوْ ﴿لا مُقامَ﴾ لَكُمْ؟ قالَ: كِلْتاهُما عَرَبِيَّةٌ. قالَ ابْنُ المُبارَكِ: المَقامُ المَنزِلُ، ومَقامُهُ حَيْثُ هو قائِمٌ، والمُقامُ: الإقامَةُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿لا مُقامَ لَكُمْ﴾ قالَ لا مُقاتِلَ لَكم هَهُنا، فَفِرُّوا ودَعُوا هَذا الرَّجُلَ. (p-٧٥٢)وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ في قَوْلِهِ: ﴿لا مُقامَ لَكم فارْجِعُوا﴾ . قالَ: فِرُّوا ودَعُوا مُحَمَّدًا. وأخْرَجَ مالِكٌ، وأحْمَدُ، وعَبْدُ الرَّزّاقِ، والبُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ: قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلّى عَلَيْهِ وسَلَّمَ: ««أُمِرْتُ بِقَرْيَةٍ تَأْكُلُ القُرى، يَقُولُونَ: يَثْرِبُ. وهي المَدِينَةُ، تَنْفِي النّاسَ كَما يَنْفِي الكِيرُ خَبَثَ الحَدِيدِ»» . وأخْرَجَ أحْمَدُ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنِ البَراءِ بْنِ عازِبٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ««مَن سَمّى المَدِينَةَ يَثْرِبَ فَلْيَسْتَغْفِرِ اللَّهَ؛ هي طابَةُ، هي طابَةُ، هي طابَةُ»» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قالَ: ««لا تَدْعُونَها يَثْرِبَ؛ فَإنَّها طَيْبَةُ» . يَعْنِي المَدِينَةَ. «ومَن قالَ: يَثْرِبُ. فَلْيَسْتَغْفِرِ اللَّهَ ثَلاثَ مَرّاتٍ، هي طَيْبَةُ، هي طَيْبَةُ، هي طَيْبَةُ»» . (p-٧٥٣) * * قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ويَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ﴾ الآيَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ «عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿وإذْ قالَتْ طائِفَةٌ مِنهُمْ﴾ قالَ: هو عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ وأصْحابُهُ مِنَ المُنافِقِينَ، ﴿يا أهْلَ يَثْرِبَ لا مُقامَ لَكم فارْجِعُوا﴾ إلى المَدِينَةِ عَنْ قِتالِ أبِي سُفْيانَ، ﴿ويَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنهُمُ النَّبِيَّ﴾ قالَ: جاءَهُ رَجُلانِ مِنَ الأنْصارِ ومِن بَنِي حارِثَةَ؛ أحَدُهُما يُدْعى أبا عَرابَةَ بْنَ أوْسٍ، والآخَرُ يُدْعى أوْسَ بْنَ قَيْظِيٍّ، فَقالا: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ -يَعْنُونَ أنَّها ذَلِيلَةُ الحِيطانِ- وهي في أقْصى المَدِينَةِ، ونَحْنُ نَخافُ السُّرَّقَ، فَأْذَنْ لَنا. فَقالَ اللَّهُ: ﴿وما هي بِعَوْرَةٍ إنْ يُرِيدُونَ إلا فِرارًا﴾ [الأحزاب»: ١٣] . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في ”الدَّلائِلِ“، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ويَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنهُمُ النَّبِيَّ﴾ قالَ: هم بَنُو حارِثَةَ، قالُوا: بُيُوتُنا مُخْلِيَةٌ، نَخْشى عَلَيْها السُّرَّقَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: إنَّ الَّذِينَ قالُوا: بُيُوتُنا عَوْرَةٌ. يَوْمَ الخَنْدَقِ، بَنُو حارِثَةَ بْنِ الحارِثِ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ﴾ . نَخافُ عَلَيْها السُّرَّقَ. (p-٧٥٤)

الأحزاب 33:14

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِن أقْطارِها﴾ الآياتِ. أخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في ”الدَّلائِلِ“ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: جاءَ تَأْوِيلُ هَذِهِ الآيَةِ عَلى رَأْسِ سِتِّينَ سَنَةً: ﴿ولَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِن أقْطارِها ثُمَّ سُئِلُوا الفِتْنَةَ لآتَوْها﴾ قالَ: لَأعْطَوْها. يَعْنِي إدْخالَ بَنِي حارِثَةَ أهْلَ الشّامِ عَلى المَدِينَةِ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿ولَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِن أقْطارِها﴾ قالَ: مِن نَواحِيها، ﴿ثُمَّ سُئِلُوا الفِتْنَةَ لآتَوْها﴾ قالَ: لَوْ دُعُوا إلى الشِّرْكِ لَأجابُوا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِن أقْطارِها﴾ قالَ: مِن أطْرافِها، ﴿ثُمَّ سُئِلُوا الفِتْنَةَ﴾ يَعْنِي الشِّرْكَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿ولَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِن أقْطارِها﴾ أيْ: لَوْ دُخِلَ عَلَيْهِمْ مِن نَواحِي المَدِينَةِ، ﴿ثُمَّ سُئِلُوا الفِتْنَةَ﴾ قالَ: الشِّرْكَ، ﴿لآتَوْها وما تَلَبَّثُوا بِها إلا يَسِيرًا﴾ يَقُولُ: لَأعْطَوْهُ طَيِّبَةً بِهِ أنْفُسُهُمْ، وما تَحَبَّسُوا بِهِ، ﴿ولَقَدْ كانُوا عاهَدُوا اللَّهَ مِن قَبْلُ﴾ قالَ: كانَ أُناسٌ غابُوا عَنْ وقْعَةِ بَدْرٍ، ورَأوْا ما أعْطى اللَّهُ أصْحابَ بَدْرٍ مِنَ الفَضِيلَةِ والكَرامَةِ، فَقالُوا: لَئِنْ أشْهَدَنا اللَّهُ قِتالًا لَنُقاتِلَنَّ. فَساقَ اللَّهُ إلَيْهِمْ ذَلِكَ حَتّى كانَ في ناحِيَةِ المَدِينَةِ، فَصَنَعُوا ما قَصَّ اللَّهُ عَلَيْكم. وفي قَوْلِهِ: ﴿قُلْ (p-٧٥٥)لَنْ يَنْفَعَكُمُ الفِرارُ إنْ فَرَرْتُمْ﴾ الآيَةَ. قالَ: لَنْ تَزْدادُوا عَلى آجالِكُمُ الَّتِي أجَّلَكُمُ اللَّهُ، وذَلِكَ قَلِيلٌ، وإنَّما الدُّنْيا كُلُّها قَلِيلٌ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ خُثَيْمٍ في قَوْلِهِ: ﴿وإذًا لا تُمَتَّعُونَ إلا قَلِيلا﴾ قالَ: ما بَيْنَهم وبَيْنَ الأجَلِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ في قَوْلِهِ: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ المُعَوِّقِينَ مِنكُمْ﴾ قالَ: المُنافِقِينَ، يُعَوِّقُونَ النّاسَ عَنْ مُحَمَّدٍ ﷺ . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ «عَنِ ابْنِ زَيْدٍ في قَوْلِهِ: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ المُعَوِّقِينَ مِنكُمْ﴾ قالَ: هَذا يَوْمُ الأحْزابِ؛ انْصَرَفَ رَجُلٌ مِن عِنْدِ النَّبِيِّ ﷺ فَوَجَدَ أخاهُ بَيْنَ يَدَيْهِ شِواءٌ ورَغِيفٌ، فَقالَ لَهُ: أنْتَ هَهُنا في الشِّواءِ والرَّغِيفِ والنَّبِيذِ ورَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ الرِّماحِ والسُّيُوفِ؟! قالَ: هَلُمَّ إلَيَّ، لَقَدْ بُيِّغَ بِكَ وبِصاحِبِكَ، والَّذِي يَحْلِفُ بِهِ لا يَسْتَبْقِي لَها مُحَمَّدٌ أبَدًا. قالَ: كَذَبْتَ والَّذِي يَحْلِفُ بِهِ -وكانَ أخاهُ مِن أبِيهِ وأُمِّهِ- واللَّهِ لَأُخْبِرَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بِأمْرِكَ. وذَهَبَ إلى رَسُولِ (p-٧٥٦)ﷺ يُخْبِرُهُ، فَوَجَدَهُ قَدْ نَزَلَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِخَبَرِهِ: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ المُعَوِّقِينَ مِنكم والقائِلِينَ لإخْوانِهِمْ هَلُمَّ إلَيْنا ولا يَأْتُونَ البَأْسَ إلا قَلِيلا﴾ [الأحزاب»: ١٨] . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ المُعَوِّقِينَ مِنكُمْ﴾ قالَ: هَؤُلاءِ ناسٌ مِنَ المُنافِقِينَ كانُوا يَقُولُونَ لِإخْوانِهِمْ: ما مُحَمَّدٌ وأصْحابُهُ إلّا أكَلَةُ رَأْسٍ، ولَوْ كانُوا لَحْمًا لالتَهَمَهم أبُو سُفْيانَ وأصْحابُهُ، دَعُوا هَذا الرَّجُلَ فَإنَّهُ هالِكٌ. ﴿والقائِلِينَ لإخْوانِهِمْ﴾ أيْ: مِنَ المُؤْمِنِينَ، ﴿هَلُمَّ إلَيْنا﴾ أيْ: دَعُوا مُحَمَّدًا وأصْحابَهُ فَإنَّهُ هالِكٌ ومَقْتُولٌ، ﴿ولا يَأْتُونَ البَأْسَ إلا قَلِيلا﴾ قالَ: لا يَحْضُرُونَ القِتالَ إلّا كارِهِينَ، وإنْ حَضَرُوهُ كانَتْ أيْدِيهِمْ مَعَ المُسْلِمِينَ وقُلُوبُهم مَعَ المُشْرِكِينَ.

الأحزاب 33:15

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِن أقْطارِها﴾ الآياتِ. أخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في ”الدَّلائِلِ“ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: جاءَ تَأْوِيلُ هَذِهِ الآيَةِ عَلى رَأْسِ سِتِّينَ سَنَةً: ﴿ولَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِن أقْطارِها ثُمَّ سُئِلُوا الفِتْنَةَ لآتَوْها﴾ قالَ: لَأعْطَوْها. يَعْنِي إدْخالَ بَنِي حارِثَةَ أهْلَ الشّامِ عَلى المَدِينَةِ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿ولَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِن أقْطارِها﴾ قالَ: مِن نَواحِيها، ﴿ثُمَّ سُئِلُوا الفِتْنَةَ لآتَوْها﴾ قالَ: لَوْ دُعُوا إلى الشِّرْكِ لَأجابُوا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِن أقْطارِها﴾ قالَ: مِن أطْرافِها، ﴿ثُمَّ سُئِلُوا الفِتْنَةَ﴾ يَعْنِي الشِّرْكَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿ولَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِن أقْطارِها﴾ أيْ: لَوْ دُخِلَ عَلَيْهِمْ مِن نَواحِي المَدِينَةِ، ﴿ثُمَّ سُئِلُوا الفِتْنَةَ﴾ قالَ: الشِّرْكَ، ﴿لآتَوْها وما تَلَبَّثُوا بِها إلا يَسِيرًا﴾ يَقُولُ: لَأعْطَوْهُ طَيِّبَةً بِهِ أنْفُسُهُمْ، وما تَحَبَّسُوا بِهِ، ﴿ولَقَدْ كانُوا عاهَدُوا اللَّهَ مِن قَبْلُ﴾ قالَ: كانَ أُناسٌ غابُوا عَنْ وقْعَةِ بَدْرٍ، ورَأوْا ما أعْطى اللَّهُ أصْحابَ بَدْرٍ مِنَ الفَضِيلَةِ والكَرامَةِ، فَقالُوا: لَئِنْ أشْهَدَنا اللَّهُ قِتالًا لَنُقاتِلَنَّ. فَساقَ اللَّهُ إلَيْهِمْ ذَلِكَ حَتّى كانَ في ناحِيَةِ المَدِينَةِ، فَصَنَعُوا ما قَصَّ اللَّهُ عَلَيْكم. وفي قَوْلِهِ: ﴿قُلْ (p-٧٥٥)لَنْ يَنْفَعَكُمُ الفِرارُ إنْ فَرَرْتُمْ﴾ الآيَةَ. قالَ: لَنْ تَزْدادُوا عَلى آجالِكُمُ الَّتِي أجَّلَكُمُ اللَّهُ، وذَلِكَ قَلِيلٌ، وإنَّما الدُّنْيا كُلُّها قَلِيلٌ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ خُثَيْمٍ في قَوْلِهِ: ﴿وإذًا لا تُمَتَّعُونَ إلا قَلِيلا﴾ قالَ: ما بَيْنَهم وبَيْنَ الأجَلِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ في قَوْلِهِ: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ المُعَوِّقِينَ مِنكُمْ﴾ قالَ: المُنافِقِينَ، يُعَوِّقُونَ النّاسَ عَنْ مُحَمَّدٍ ﷺ . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ «عَنِ ابْنِ زَيْدٍ في قَوْلِهِ: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ المُعَوِّقِينَ مِنكُمْ﴾ قالَ: هَذا يَوْمُ الأحْزابِ؛ انْصَرَفَ رَجُلٌ مِن عِنْدِ النَّبِيِّ ﷺ فَوَجَدَ أخاهُ بَيْنَ يَدَيْهِ شِواءٌ ورَغِيفٌ، فَقالَ لَهُ: أنْتَ هَهُنا في الشِّواءِ والرَّغِيفِ والنَّبِيذِ ورَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ الرِّماحِ والسُّيُوفِ؟! قالَ: هَلُمَّ إلَيَّ، لَقَدْ بُيِّغَ بِكَ وبِصاحِبِكَ، والَّذِي يَحْلِفُ بِهِ لا يَسْتَبْقِي لَها مُحَمَّدٌ أبَدًا. قالَ: كَذَبْتَ والَّذِي يَحْلِفُ بِهِ -وكانَ أخاهُ مِن أبِيهِ وأُمِّهِ- واللَّهِ لَأُخْبِرَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بِأمْرِكَ. وذَهَبَ إلى رَسُولِ (p-٧٥٦)ﷺ يُخْبِرُهُ، فَوَجَدَهُ قَدْ نَزَلَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِخَبَرِهِ: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ المُعَوِّقِينَ مِنكم والقائِلِينَ لإخْوانِهِمْ هَلُمَّ إلَيْنا ولا يَأْتُونَ البَأْسَ إلا قَلِيلا﴾ [الأحزاب»: ١٨] . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ المُعَوِّقِينَ مِنكُمْ﴾ قالَ: هَؤُلاءِ ناسٌ مِنَ المُنافِقِينَ كانُوا يَقُولُونَ لِإخْوانِهِمْ: ما مُحَمَّدٌ وأصْحابُهُ إلّا أكَلَةُ رَأْسٍ، ولَوْ كانُوا لَحْمًا لالتَهَمَهم أبُو سُفْيانَ وأصْحابُهُ، دَعُوا هَذا الرَّجُلَ فَإنَّهُ هالِكٌ. ﴿والقائِلِينَ لإخْوانِهِمْ﴾ أيْ: مِنَ المُؤْمِنِينَ، ﴿هَلُمَّ إلَيْنا﴾ أيْ: دَعُوا مُحَمَّدًا وأصْحابَهُ فَإنَّهُ هالِكٌ ومَقْتُولٌ، ﴿ولا يَأْتُونَ البَأْسَ إلا قَلِيلا﴾ قالَ: لا يَحْضُرُونَ القِتالَ إلّا كارِهِينَ، وإنْ حَضَرُوهُ كانَتْ أيْدِيهِمْ مَعَ المُسْلِمِينَ وقُلُوبُهم مَعَ المُشْرِكِينَ.

الأحزاب 33:16

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِن أقْطارِها﴾ الآياتِ. أخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في ”الدَّلائِلِ“ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: جاءَ تَأْوِيلُ هَذِهِ الآيَةِ عَلى رَأْسِ سِتِّينَ سَنَةً: ﴿ولَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِن أقْطارِها ثُمَّ سُئِلُوا الفِتْنَةَ لآتَوْها﴾ قالَ: لَأعْطَوْها. يَعْنِي إدْخالَ بَنِي حارِثَةَ أهْلَ الشّامِ عَلى المَدِينَةِ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿ولَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِن أقْطارِها﴾ قالَ: مِن نَواحِيها، ﴿ثُمَّ سُئِلُوا الفِتْنَةَ لآتَوْها﴾ قالَ: لَوْ دُعُوا إلى الشِّرْكِ لَأجابُوا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِن أقْطارِها﴾ قالَ: مِن أطْرافِها، ﴿ثُمَّ سُئِلُوا الفِتْنَةَ﴾ يَعْنِي الشِّرْكَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿ولَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِن أقْطارِها﴾ أيْ: لَوْ دُخِلَ عَلَيْهِمْ مِن نَواحِي المَدِينَةِ، ﴿ثُمَّ سُئِلُوا الفِتْنَةَ﴾ قالَ: الشِّرْكَ، ﴿لآتَوْها وما تَلَبَّثُوا بِها إلا يَسِيرًا﴾ يَقُولُ: لَأعْطَوْهُ طَيِّبَةً بِهِ أنْفُسُهُمْ، وما تَحَبَّسُوا بِهِ، ﴿ولَقَدْ كانُوا عاهَدُوا اللَّهَ مِن قَبْلُ﴾ قالَ: كانَ أُناسٌ غابُوا عَنْ وقْعَةِ بَدْرٍ، ورَأوْا ما أعْطى اللَّهُ أصْحابَ بَدْرٍ مِنَ الفَضِيلَةِ والكَرامَةِ، فَقالُوا: لَئِنْ أشْهَدَنا اللَّهُ قِتالًا لَنُقاتِلَنَّ. فَساقَ اللَّهُ إلَيْهِمْ ذَلِكَ حَتّى كانَ في ناحِيَةِ المَدِينَةِ، فَصَنَعُوا ما قَصَّ اللَّهُ عَلَيْكم. وفي قَوْلِهِ: ﴿قُلْ (p-٧٥٥)لَنْ يَنْفَعَكُمُ الفِرارُ إنْ فَرَرْتُمْ﴾ الآيَةَ. قالَ: لَنْ تَزْدادُوا عَلى آجالِكُمُ الَّتِي أجَّلَكُمُ اللَّهُ، وذَلِكَ قَلِيلٌ، وإنَّما الدُّنْيا كُلُّها قَلِيلٌ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ خُثَيْمٍ في قَوْلِهِ: ﴿وإذًا لا تُمَتَّعُونَ إلا قَلِيلا﴾ قالَ: ما بَيْنَهم وبَيْنَ الأجَلِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ في قَوْلِهِ: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ المُعَوِّقِينَ مِنكُمْ﴾ قالَ: المُنافِقِينَ، يُعَوِّقُونَ النّاسَ عَنْ مُحَمَّدٍ ﷺ . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ «عَنِ ابْنِ زَيْدٍ في قَوْلِهِ: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ المُعَوِّقِينَ مِنكُمْ﴾ قالَ: هَذا يَوْمُ الأحْزابِ؛ انْصَرَفَ رَجُلٌ مِن عِنْدِ النَّبِيِّ ﷺ فَوَجَدَ أخاهُ بَيْنَ يَدَيْهِ شِواءٌ ورَغِيفٌ، فَقالَ لَهُ: أنْتَ هَهُنا في الشِّواءِ والرَّغِيفِ والنَّبِيذِ ورَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ الرِّماحِ والسُّيُوفِ؟! قالَ: هَلُمَّ إلَيَّ، لَقَدْ بُيِّغَ بِكَ وبِصاحِبِكَ، والَّذِي يَحْلِفُ بِهِ لا يَسْتَبْقِي لَها مُحَمَّدٌ أبَدًا. قالَ: كَذَبْتَ والَّذِي يَحْلِفُ بِهِ -وكانَ أخاهُ مِن أبِيهِ وأُمِّهِ- واللَّهِ لَأُخْبِرَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بِأمْرِكَ. وذَهَبَ إلى رَسُولِ (p-٧٥٦)ﷺ يُخْبِرُهُ، فَوَجَدَهُ قَدْ نَزَلَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِخَبَرِهِ: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ المُعَوِّقِينَ مِنكم والقائِلِينَ لإخْوانِهِمْ هَلُمَّ إلَيْنا ولا يَأْتُونَ البَأْسَ إلا قَلِيلا﴾ [الأحزاب»: ١٨] . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ المُعَوِّقِينَ مِنكُمْ﴾ قالَ: هَؤُلاءِ ناسٌ مِنَ المُنافِقِينَ كانُوا يَقُولُونَ لِإخْوانِهِمْ: ما مُحَمَّدٌ وأصْحابُهُ إلّا أكَلَةُ رَأْسٍ، ولَوْ كانُوا لَحْمًا لالتَهَمَهم أبُو سُفْيانَ وأصْحابُهُ، دَعُوا هَذا الرَّجُلَ فَإنَّهُ هالِكٌ. ﴿والقائِلِينَ لإخْوانِهِمْ﴾ أيْ: مِنَ المُؤْمِنِينَ، ﴿هَلُمَّ إلَيْنا﴾ أيْ: دَعُوا مُحَمَّدًا وأصْحابَهُ فَإنَّهُ هالِكٌ ومَقْتُولٌ، ﴿ولا يَأْتُونَ البَأْسَ إلا قَلِيلا﴾ قالَ: لا يَحْضُرُونَ القِتالَ إلّا كارِهِينَ، وإنْ حَضَرُوهُ كانَتْ أيْدِيهِمْ مَعَ المُسْلِمِينَ وقُلُوبُهم مَعَ المُشْرِكِينَ.

الأحزاب 33:17

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِن أقْطارِها﴾ الآياتِ. أخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في ”الدَّلائِلِ“ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: جاءَ تَأْوِيلُ هَذِهِ الآيَةِ عَلى رَأْسِ سِتِّينَ سَنَةً: ﴿ولَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِن أقْطارِها ثُمَّ سُئِلُوا الفِتْنَةَ لآتَوْها﴾ قالَ: لَأعْطَوْها. يَعْنِي إدْخالَ بَنِي حارِثَةَ أهْلَ الشّامِ عَلى المَدِينَةِ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿ولَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِن أقْطارِها﴾ قالَ: مِن نَواحِيها، ﴿ثُمَّ سُئِلُوا الفِتْنَةَ لآتَوْها﴾ قالَ: لَوْ دُعُوا إلى الشِّرْكِ لَأجابُوا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِن أقْطارِها﴾ قالَ: مِن أطْرافِها، ﴿ثُمَّ سُئِلُوا الفِتْنَةَ﴾ يَعْنِي الشِّرْكَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿ولَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِن أقْطارِها﴾ أيْ: لَوْ دُخِلَ عَلَيْهِمْ مِن نَواحِي المَدِينَةِ، ﴿ثُمَّ سُئِلُوا الفِتْنَةَ﴾ قالَ: الشِّرْكَ، ﴿لآتَوْها وما تَلَبَّثُوا بِها إلا يَسِيرًا﴾ يَقُولُ: لَأعْطَوْهُ طَيِّبَةً بِهِ أنْفُسُهُمْ، وما تَحَبَّسُوا بِهِ، ﴿ولَقَدْ كانُوا عاهَدُوا اللَّهَ مِن قَبْلُ﴾ قالَ: كانَ أُناسٌ غابُوا عَنْ وقْعَةِ بَدْرٍ، ورَأوْا ما أعْطى اللَّهُ أصْحابَ بَدْرٍ مِنَ الفَضِيلَةِ والكَرامَةِ، فَقالُوا: لَئِنْ أشْهَدَنا اللَّهُ قِتالًا لَنُقاتِلَنَّ. فَساقَ اللَّهُ إلَيْهِمْ ذَلِكَ حَتّى كانَ في ناحِيَةِ المَدِينَةِ، فَصَنَعُوا ما قَصَّ اللَّهُ عَلَيْكم. وفي قَوْلِهِ: ﴿قُلْ (p-٧٥٥)لَنْ يَنْفَعَكُمُ الفِرارُ إنْ فَرَرْتُمْ﴾ الآيَةَ. قالَ: لَنْ تَزْدادُوا عَلى آجالِكُمُ الَّتِي أجَّلَكُمُ اللَّهُ، وذَلِكَ قَلِيلٌ، وإنَّما الدُّنْيا كُلُّها قَلِيلٌ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ خُثَيْمٍ في قَوْلِهِ: ﴿وإذًا لا تُمَتَّعُونَ إلا قَلِيلا﴾ قالَ: ما بَيْنَهم وبَيْنَ الأجَلِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ في قَوْلِهِ: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ المُعَوِّقِينَ مِنكُمْ﴾ قالَ: المُنافِقِينَ، يُعَوِّقُونَ النّاسَ عَنْ مُحَمَّدٍ ﷺ . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ «عَنِ ابْنِ زَيْدٍ في قَوْلِهِ: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ المُعَوِّقِينَ مِنكُمْ﴾ قالَ: هَذا يَوْمُ الأحْزابِ؛ انْصَرَفَ رَجُلٌ مِن عِنْدِ النَّبِيِّ ﷺ فَوَجَدَ أخاهُ بَيْنَ يَدَيْهِ شِواءٌ ورَغِيفٌ، فَقالَ لَهُ: أنْتَ هَهُنا في الشِّواءِ والرَّغِيفِ والنَّبِيذِ ورَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ الرِّماحِ والسُّيُوفِ؟! قالَ: هَلُمَّ إلَيَّ، لَقَدْ بُيِّغَ بِكَ وبِصاحِبِكَ، والَّذِي يَحْلِفُ بِهِ لا يَسْتَبْقِي لَها مُحَمَّدٌ أبَدًا. قالَ: كَذَبْتَ والَّذِي يَحْلِفُ بِهِ -وكانَ أخاهُ مِن أبِيهِ وأُمِّهِ- واللَّهِ لَأُخْبِرَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بِأمْرِكَ. وذَهَبَ إلى رَسُولِ (p-٧٥٦)ﷺ يُخْبِرُهُ، فَوَجَدَهُ قَدْ نَزَلَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِخَبَرِهِ: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ المُعَوِّقِينَ مِنكم والقائِلِينَ لإخْوانِهِمْ هَلُمَّ إلَيْنا ولا يَأْتُونَ البَأْسَ إلا قَلِيلا﴾ [الأحزاب»: ١٨] . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ المُعَوِّقِينَ مِنكُمْ﴾ قالَ: هَؤُلاءِ ناسٌ مِنَ المُنافِقِينَ كانُوا يَقُولُونَ لِإخْوانِهِمْ: ما مُحَمَّدٌ وأصْحابُهُ إلّا أكَلَةُ رَأْسٍ، ولَوْ كانُوا لَحْمًا لالتَهَمَهم أبُو سُفْيانَ وأصْحابُهُ، دَعُوا هَذا الرَّجُلَ فَإنَّهُ هالِكٌ. ﴿والقائِلِينَ لإخْوانِهِمْ﴾ أيْ: مِنَ المُؤْمِنِينَ، ﴿هَلُمَّ إلَيْنا﴾ أيْ: دَعُوا مُحَمَّدًا وأصْحابَهُ فَإنَّهُ هالِكٌ ومَقْتُولٌ، ﴿ولا يَأْتُونَ البَأْسَ إلا قَلِيلا﴾ قالَ: لا يَحْضُرُونَ القِتالَ إلّا كارِهِينَ، وإنْ حَضَرُوهُ كانَتْ أيْدِيهِمْ مَعَ المُسْلِمِينَ وقُلُوبُهم مَعَ المُشْرِكِينَ.

الأحزاب 33:18

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِن أقْطارِها﴾ الآياتِ. أخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في ”الدَّلائِلِ“ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: جاءَ تَأْوِيلُ هَذِهِ الآيَةِ عَلى رَأْسِ سِتِّينَ سَنَةً: ﴿ولَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِن أقْطارِها ثُمَّ سُئِلُوا الفِتْنَةَ لآتَوْها﴾ قالَ: لَأعْطَوْها. يَعْنِي إدْخالَ بَنِي حارِثَةَ أهْلَ الشّامِ عَلى المَدِينَةِ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿ولَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِن أقْطارِها﴾ قالَ: مِن نَواحِيها، ﴿ثُمَّ سُئِلُوا الفِتْنَةَ لآتَوْها﴾ قالَ: لَوْ دُعُوا إلى الشِّرْكِ لَأجابُوا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِن أقْطارِها﴾ قالَ: مِن أطْرافِها، ﴿ثُمَّ سُئِلُوا الفِتْنَةَ﴾ يَعْنِي الشِّرْكَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿ولَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِن أقْطارِها﴾ أيْ: لَوْ دُخِلَ عَلَيْهِمْ مِن نَواحِي المَدِينَةِ، ﴿ثُمَّ سُئِلُوا الفِتْنَةَ﴾ قالَ: الشِّرْكَ، ﴿لآتَوْها وما تَلَبَّثُوا بِها إلا يَسِيرًا﴾ يَقُولُ: لَأعْطَوْهُ طَيِّبَةً بِهِ أنْفُسُهُمْ، وما تَحَبَّسُوا بِهِ، ﴿ولَقَدْ كانُوا عاهَدُوا اللَّهَ مِن قَبْلُ﴾ قالَ: كانَ أُناسٌ غابُوا عَنْ وقْعَةِ بَدْرٍ، ورَأوْا ما أعْطى اللَّهُ أصْحابَ بَدْرٍ مِنَ الفَضِيلَةِ والكَرامَةِ، فَقالُوا: لَئِنْ أشْهَدَنا اللَّهُ قِتالًا لَنُقاتِلَنَّ. فَساقَ اللَّهُ إلَيْهِمْ ذَلِكَ حَتّى كانَ في ناحِيَةِ المَدِينَةِ، فَصَنَعُوا ما قَصَّ اللَّهُ عَلَيْكم. وفي قَوْلِهِ: ﴿قُلْ (p-٧٥٥)لَنْ يَنْفَعَكُمُ الفِرارُ إنْ فَرَرْتُمْ﴾ الآيَةَ. قالَ: لَنْ تَزْدادُوا عَلى آجالِكُمُ الَّتِي أجَّلَكُمُ اللَّهُ، وذَلِكَ قَلِيلٌ، وإنَّما الدُّنْيا كُلُّها قَلِيلٌ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ خُثَيْمٍ في قَوْلِهِ: ﴿وإذًا لا تُمَتَّعُونَ إلا قَلِيلا﴾ قالَ: ما بَيْنَهم وبَيْنَ الأجَلِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ في قَوْلِهِ: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ المُعَوِّقِينَ مِنكُمْ﴾ قالَ: المُنافِقِينَ، يُعَوِّقُونَ النّاسَ عَنْ مُحَمَّدٍ ﷺ . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ «عَنِ ابْنِ زَيْدٍ في قَوْلِهِ: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ المُعَوِّقِينَ مِنكُمْ﴾ قالَ: هَذا يَوْمُ الأحْزابِ؛ انْصَرَفَ رَجُلٌ مِن عِنْدِ النَّبِيِّ ﷺ فَوَجَدَ أخاهُ بَيْنَ يَدَيْهِ شِواءٌ ورَغِيفٌ، فَقالَ لَهُ: أنْتَ هَهُنا في الشِّواءِ والرَّغِيفِ والنَّبِيذِ ورَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ الرِّماحِ والسُّيُوفِ؟! قالَ: هَلُمَّ إلَيَّ، لَقَدْ بُيِّغَ بِكَ وبِصاحِبِكَ، والَّذِي يَحْلِفُ بِهِ لا يَسْتَبْقِي لَها مُحَمَّدٌ أبَدًا. قالَ: كَذَبْتَ والَّذِي يَحْلِفُ بِهِ -وكانَ أخاهُ مِن أبِيهِ وأُمِّهِ- واللَّهِ لَأُخْبِرَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بِأمْرِكَ. وذَهَبَ إلى رَسُولِ (p-٧٥٦)ﷺ يُخْبِرُهُ، فَوَجَدَهُ قَدْ نَزَلَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِخَبَرِهِ: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ المُعَوِّقِينَ مِنكم والقائِلِينَ لإخْوانِهِمْ هَلُمَّ إلَيْنا ولا يَأْتُونَ البَأْسَ إلا قَلِيلا﴾ [الأحزاب»: ١٨] . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ المُعَوِّقِينَ مِنكُمْ﴾ قالَ: هَؤُلاءِ ناسٌ مِنَ المُنافِقِينَ كانُوا يَقُولُونَ لِإخْوانِهِمْ: ما مُحَمَّدٌ وأصْحابُهُ إلّا أكَلَةُ رَأْسٍ، ولَوْ كانُوا لَحْمًا لالتَهَمَهم أبُو سُفْيانَ وأصْحابُهُ، دَعُوا هَذا الرَّجُلَ فَإنَّهُ هالِكٌ. ﴿والقائِلِينَ لإخْوانِهِمْ﴾ أيْ: مِنَ المُؤْمِنِينَ، ﴿هَلُمَّ إلَيْنا﴾ أيْ: دَعُوا مُحَمَّدًا وأصْحابَهُ فَإنَّهُ هالِكٌ ومَقْتُولٌ، ﴿ولا يَأْتُونَ البَأْسَ إلا قَلِيلا﴾ قالَ: لا يَحْضُرُونَ القِتالَ إلّا كارِهِينَ، وإنْ حَضَرُوهُ كانَتْ أيْدِيهِمْ مَعَ المُسْلِمِينَ وقُلُوبُهم مَعَ المُشْرِكِينَ.

الأحزاب 33:19

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أشِحَّةً عَلَيْكُمْ﴾ الآيَةَ. أخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿أشِحَّةً عَلَيْكُمْ﴾ بِالخَيْرِ، المُنافِقُونَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿أشِحَّةً عَلَيْكُمْ﴾ قالَ: في الغَنائِمِ، إذا أصابَها المُسْمِلُونَ شاحُّوهم عَلَيْها، قالُوا بِألْسِنَتِهِمْ: لَسْتُمْ بِأحَقَّ بِها مِنّا، قَدْ شَهِدْنا وقاتَلْنا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿فَإذا جاءَ الخَوْفُ رَأيْتَهم يَنْظُرُونَ إلَيْكَ﴾ (p-٧٥٧)قالَ: إذا حَضَرُوا القِتالَ والعَدُوَّ، ﴿رَأيْتَهم يَنْظُرُونَ إلَيْكَ﴾ أجْبَنُ قَوْمٍ، وأخْذَلُهُ لِلْحَقِّ، ﴿تَدُورُ أعْيُنُهُمْ﴾ قالَ: مِنَ الخَوْفِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ في قَوْلِهِ: ﴿تَدُورُ أعْيُنُهُمْ﴾ قالَ: فَرَقًا مِنَ المَوْتِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿سَلَقُوكُمْ﴾ قالَ: اسْتَقْبَلُوكم. وأخْرَجَ الطَّسْتِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أنَّ نافِعَ بْنَ الأزْرَقِ قالَ لَهُ: أخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿سَلَقُوكم بِألْسِنَةٍ حِدادٍ﴾ قالَ: الطَّعْنُ بِاللِّسانِ. قالَ: وهَلْ تَعْرِفُ العَرَبُ ذَلِكَ؟ قالَ: نَعَمْ. أما سَمِعْتَ الأعْشى وهو يَقُولُ: ؎فِيهِمُ الخِصْبُ والسَّماحَةُ والنَّ جْدَةُ فِيهِمْ والخاطِبُ المِسْلاقُ وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿فَإذا ذَهَبَ الخَوْفُ سَلَقُوكم بِألْسِنَةٍ حِدادٍ﴾ قالَ: أمّا عِنْدَ الغَنِيمَةِ فَأشَحُّ قَوْمٍ وأسْوَؤُهُ مُقاسَمَةً، أعْطُونا أعْطُونا إنّا قَدْ شَهِدْنا مَعَكم. وأمّا عِنْدَ البَأْسِ فَأجَبْنُ قَوْمٍ وأخْذَلُهُ لِلْحَقِّ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿أشِحَّةً عَلى الخَيْرِ﴾ قالَ: عَلى المالِ. (p-٧٥٨)وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿وكانَ ذَلِكَ عَلى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ يَعْنِي: هَيِّنًا.

الأحزاب 33:20

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَحْسَبُونَ الأحْزابَ لَمْ يَذْهَبُوا﴾ الآيَةَ. أخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿يَحْسَبُونَ الأحْزابَ لَمْ يَذْهَبُوا﴾ قالَ: يَحْسَبُونَهم قَرِيبًا لَمْ يَبْعُدُوا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿يَحْسَبُونَ الأحْزابَ لَمْ يَذْهَبُوا﴾ قالَ: كانُوا يَتَخَوَّفُونَ مَجِيءَ أبِي سُفْيانَ وأصْحابِهِ، وإنَّما سُمُّوُا الأحْزابَ؛ لِأنَّهم حُزِّبُوا مِن قَبائِلِ الأعْرابِ عَلى النَّبِيِّ ﷺ، ﴿وإنْ يَأْتِ الأحْزابُ﴾ قالَ: أبُو سُفْيانَ وأصْحابُهُ، ﴿يَوَدُّوا لَوْ أنَّهم بادُونَ﴾ يَقُولُ: ودَّ المُنافِقُونَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وإنْ يَأْتِ الأحْزابُ يَوَدُّوا لَوْ أنَّهم بادُونَ﴾ قالَ: هُمُ المُنافِقُونَ بِناحِيَةِ المَدِينَةِ، كانُوا يَتَحَدَّثُونَ بِنَبِيِّ اللَّهِ ﷺ وأصْحابِهِ ويَقُولُونَ: أما هَلَكُوا بَعْدُ. ولَمْ يَعْلَمُوا بِذَهابِ الأحْزابِ، ويَسُرُّهم أنْ جاءَهُمُ الأحْزابُ أنَّهم بادُونَ في الأعْرابِ مَخافَةَ القِتالِ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في (p-٧٥٩)قَوْلِهِ: ﴿يَسْألُونَ عَنْ أنْبائِكُمْ﴾ قالَ: عَنْ أخْبارِكم. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿يَسْألُونَ عَنْ أنْبائِكُمْ﴾ قالَ: عَنْ أخْبارِ النَّبِيِّ ﷺ وأصْحابِهِ ما فَعَلُوا. وأخْرَجَ ابْنُ الأنْبارِيِّ في ”المَصاحِفِ“، والخَطِيبُ في ”تالِي التَّلْخِيصِ“، عَنْ أسِيدِ بْنِ يَزِيدَ، إنَّ في مُصْحَفِ عُثْمانَ بْنِ عَفّانَ: (يَسْلُونَ عَنْ أنْبائِكُمُ) السُّؤالُ بِغَيْرِ ألِفٍ.

الأحزاب 33:21

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَقَدْ كانَ لَكم في رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ . أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ كانَ لَكم في رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ قالَ: مُواساةٌ عِنْدَ القِتالِ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ، والخَطِيبُ في رُواةِ مالِكٍ، وابْنُ عَساكِرَ، وابْنُ النَّجّارِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ في قَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ كانَ لَكم في رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ قالَ: في جُوعِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وأخْرَجَ مالِكٌ، والبُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ ماجَهْ، «عَنْ سَعِيدِ بْنِ يَسارٍ قالَ: كُنْتُ مَعَ ابْنِ عُمَرَ في طَرِيقِ مَكَّةَ، فَلَمّا خَشِيتُ الصُّبْحَ نَزَلْتُ فَأوْتَرْتُ، فَقالَ ابْنُ عُمَرَ: ألَيْسَ لَكَ في رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ؟ قُلْتُ: (p-٧٦٠)بَلى. قالَ: فَإنَّهُ كانَ يُوتِرُ عَلى البَعِيرِ» . وأخْرَجَ ابْنُ ماجَهْ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، «عَنْ حَفْصِ بْنِ عاصِمٍ قالَ: قُلْتُ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ: رَأيْتُكَ في السَّفَرِ لا تُصَلِّي قَبْلَ الصَّلاةِ ولا بَعْدَها؟ فَقالَ: يا ابْنَ أخِي، صَحِبْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَذا وكَذا، فَلَمْ أرَهُ يُصَلِّي قَبْلَ الصَّلاةِ ولا بَعْدَها، ويَقُولُ اللَّهُ: ﴿لَقَدْ كانَ لَكم في رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب»: ٢١] . وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ ماجَهْ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، «عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أنَّهُ سُئِلَ عَنْ رَجُلٍ مُعْتَمِرٍ طافَ بِالبَيْتِ، أيَقَعُ عَلى امْرَأتِهِ قَبْلَ أنْ يَطُوفَ بِالصَّفا والمَرْوَةِ؟ فَقالَ: قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَطافَ بِالبَيْتِ، وصَلّى خَلْفَ المَقامِ رَكْعَتَيْنِ، وسَعى بَيْنَ الصَّفا والمَرْوَةِ. ثُمَّ قَرَأ: ﴿لَقَدْ كانَ لَكم في رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب»: ٢١] . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عَطاءٍ، أنَّ رَجُلًا أتى ابْنَ عَبّاسٍ فَقالَ: إنِّي نَذَرْتُ أنْ أنْحَرَ نَفْسِي. فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ﴿لَقَدْ كانَ لَكم في رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ . ﴿وفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾ [الصافات: ١٠٧] [الصّافّاتِ: ١٠٧] . فَأمَرَهُ بِكَبْشٍ. وأخْرَجَ الطَّيالِسِيُّ، وعَبْدُ الرَّزّاقِ، والبُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، وابْنُ ماجَهْ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: إذا حَرَّمَ الرَّجُلُ عَلَيْهِ امْرَأتَهُ فَهو يَمِينٌ يُكَفِّرُها. وقالَ: (p-٧٦١)﴿لَقَدْ كانَ لَكم في رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أنَّهُ أهَلَّ وقالَ: إنْ حِيلَ بَيْنِي وبَيْنَهُ فَعَلْتُ كَما فَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ وأنا مَعَهُ. ثُمَّ تَلا: ﴿لَقَدْ كانَ لَكم في رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ . وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ في ”المُصَنَّفِ“ عَنْ قَتادَةَ قالَ: «هَمَّ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ أنْ يَنْهى عَنِ الحِبَرَةِ مِن صِباغِ البَوْلِ، فَقالَ لَهُ رَجُلٌ: ألَيْسَ قَدْ رَأيْتَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَلْبَسُها؟ قالَ عُمَرُ: بَلى. قالَ الرَّجُلُ: ألَمْ يَقُلِ اللَّهُ: ﴿لَقَدْ كانَ لَكم في رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ ؟ فَتَرَكَها عُمَرُ» . وأخْرَجَ أحْمَدُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، «أنَّ عُمَرَ أكَبَّ عَلى الرُّكْنِ فَقالَ: إنِّي لَأعْلَمُ أنَّكَ حَجَرٌ، ولَوْ لَمْ أرَ حِبِّي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَبَّلَكَ واسْتَلَمَكَ، ما اسْتَلَمْتُكَ ولا قَبَّلْتُكَ، ﴿لَقَدْ كانَ لَكم في رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب»: ٢١] . وأخْرَجَ أحْمَدُ، وأبُو يَعْلى، «عَنْ يَعْلى بْنِ أُمَيَّةَ قالَ: طُفْتُ مَعَ عُمْرَ، فَلَمّا كُنْتُ عِنْدَ الرُّكْنِ الَّذِي يَلِي البابَ مِمّا يَلِي الحَجَرَ، أخَذْتُ بِيَدِهِ لِيَسْتَلِمَ، فَقالَ: ما طُفْتَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؟ قُلْتُ: بَلى. قالَ: فَهَلْ رَأيْتَهُ يَسْتَلِمُهُ؟ قُلْتُ: لا. (p-٧٦٢)قالَ: فانْفُذْ عَنْكَ، فَإنَّ لَكَ في رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةً حَسَنَةً» . وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، عَنْ عِيسى بْنِ عاصِمٍ، عَنْ أبِيهِ قالَ: «صَلّى ابْنُ عُمَرَ صَلاةً مِن صَلاةِ النَّهارِ في السَّفَرِ، فَرَأى بَعْضَهم يُسَبِّحُ، فَقالَ ابْنُ عُمَرَ: لَوْ كُنْتُ مُسَبِّحًا لَأتْمَمْتُ الصَّلاةَ، حَجَجْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَكانَ لا يُسَبِّحُ بِالنَّهارِ، وحَجَجْتُ مَعَ أبِي بَكْرٍ فَكانَ لا يُسَبِّحُ بِالنَّهارِ، وحَجَجْتُ مَعَ عُمَرَ فَكانَ لا يُسَبِّحُ بِالنَّهارِ، وحَجَجْتُ مَعَ عُثْمانَ فَكانَ لا يُسَبِّحُ بِالنَّهارِ. ثُمَّ قالَ ابْنُ عُمَرَ: ﴿لَقَدْ كانَ لَكم في رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب»: ٢١] .

الأحزاب 33:22

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولَمّا رَأى المُؤْمِنُونَ الأحْزابَ﴾ الآيَةَ. أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدُوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في ”الدَّلائِلِ“، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿ولَمّا رَأى المُؤْمِنُونَ الأحْزابَ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ. قالَ: إنَّ اللَّهَ قالَ لَهم في سُورَةِ ”البَقَرَةِ“: ﴿أمْ حَسِبْتُمْ أنْ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ ولَمّا يَأْتِكم مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكم مَسَّتْهُمُ البَأْساءُ والضَّرّاءُ﴾ [البقرة: ٢١٤] [البَقَرَةِ: ٢١٤] . فَلَمّا مَسَّهُمُ البَلاءُ حَيْثُ رابَطُوا الأحْزابَ في الخَنْدَقِ قالُوا: هَذا ما وعَدَنا اللَّهُ ورَسُولُهُ. فَتَأوَّلَ المُؤْمِنُونَ ذَلِكَ فَلَمْ يَزِدْهم إلّا إيمانًا وتَسْلِيمًا. (p-٧٦٣)وأخْرَجَ جُوَيْبِرٌ عَنِ الضَّحّاكِ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ قَبْلَ هَذِهِ بِحَوْلٍ: ﴿أمْ حَسِبْتُمْ أنْ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ ولَمّا يَأْتِكم مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة: ٢١٤] الآيَةَ. وصَدَقَ اللَّهُ ورَسُولُهُ فِيما أخْبَرا بِهِ مِنَ الوَحْيِ قَبْلَ أنْ يَكُونَ. وأخْرَجَ الطَّيالِسِيُّ، وعَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في ”الدَّلائِلِ“، عَنْ قَتادَةَ قالَ: أنْزَلَ اللَّهُ في سُورَةِ ”البَقَرَةِ“: ﴿أمْ حَسِبْتُمْ أنْ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ﴾ [البقرة: ٢١٤] الآيَةَ. فَلَمّا رَأى المُؤْمِنُونَ الأحْزابَ قالُوا: هَذا ما وعَدَنا اللَّهُ ورَسُولُهُ. يَعْنِي قَوْلَهُ: ﴿أمْ حَسِبْتُمْ أنْ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ﴾ [البقرة: ٢١٤] الآيَةَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿وما زادَهم إلا إيمانًا وتَسْلِيمًا﴾ قالَ: ما زادَهُمُ البَلاءُ إلّا إيمانًا بِالرَّبِّ وتَسْلِيمًا لِلْقَضاءِ.

الأحزاب 33:23

(p-٥)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِنَ المُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا﴾ الآيَةَ. أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وأحْمَدُ والبُخارِيُّ والتِّرْمِذِيُّ والنَّسائِيُّ، وابْنُ أبِي داوُدَ في المَصاحِفِ والبَغَوِيُّ، وابْنُ مَرْدُويَهْ والبَيْهَقِيُّ في ”سُنَنِهِ“ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: «لَمّا نَسَخْنا المُصْحَفَ في المَصاحِفِ فَقَدْتُ آيَةً مِن سُورَةِ الأحْزابِ كُنْتُ أسْمَعُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقْرَأُها لَمْ أجِدْها مَعَ أحَدٍ إلّا مَعَ خُزَيْمَةَ بْنِ ثابِتٍ الأنْصارِيِّ الَّذِي جَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ شَهادَتَهُ بِشَهادَةِ رَجُلَيْنِ: ﴿مِنَ المُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ فَألْحَقْتُها في سُورَتِها في المُصْحَفِ» . وأخْرَجَ البُخارِيُّ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُويَهْ وأبُو نُعَيْمٍ في المَعْرِفَةِ عَنْ أنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: نُرى هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في أنَسِ بْنِ النَّضْرِ: ﴿مِنَ المُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ . (p-٦)وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ وأحْمَدُ ومُسْلِمٌ والتِّرْمِذِيُّ والنَّسائِيُّ والبَغَوِيُّ في مُعْجَمِهِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُويَهْ وأبُو نْعَيْمٍ في ”الحِلْيَةِ“، والبَيْهَقِيُّ في ”الدَّلائِلِ“ «عَنْ أنَسٍ قالَ: غابَ عَمِّي أنَسُ بْنُ النَّضْرِ عَنْ بَدْرٍ، فَشَقَّ عَلَيْهِ، وقالَ: أوَّلُ مَشْهَدٍ شَهِدَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ غِبْتُ عَنْهُ لَئِنْ أرانِي اللَّهُ مَشْهَدًا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِيما بَعْدُ لِيَرَيَنَّ اللَّهُ ما أصْنَعُ. فَشَهِدَ يَوْمَ أُحُدٍ، فاسْتَقْبَلَهُ سَعْدُ بْنُ مُعاذٍ فَقالَ: يا أبا عَمْرٍو، أيْنَ؟ قالَ: واهًا لِرِيحِ الجَنَّةِ، أجِدُها دُونَ أُحُدٍ، فَقاتَلَ حَتّى قُتِلَ، فَوُجِدَ في جَسَدِهِ بِضْعٌ وثَمانُونَ؛ مِن بَيْنِ ضَرْبَةٍ وطَعْنَةٍ ورَمْيَةٍ، ونَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾، فَكانُوا يَرَوْنَ أنَّها نَزَلَتْ فِيهِ وفي أصْحابِهِ» . وأخْرَجَ الطَّيالِسِيُّ، وابْنُ سَعْدٍ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ والتِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُويَهْ وأبُو نُعَيْمٍ في ”المَعْرِفَةِ“ «عَنْ أنَسٍ، أنَّ عَمَّهُ غابَ عَنْ قِتالِ بَدْرٍ فَقالَ: غِبْتُ عَنْ أوَّلِ قِتالٍ قاتَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ المُشْرِكِينَ! لَئِنْ أشْهَدَنِي اللَّهُ قِتالًا لِلْمُشْرِكِينَ لَيَرَيَنَّ اللَّهُ (p-٧)كَيْفَ أصْنَعُ. فَلَمّا كانَ يَوْمُ أُحُدٍ انْكَشَفَ المُسْلِمُونَ، فَقالَ: اللَّهُمَّ إنِّي أبْرَأُ إلَيْكَ مِمّا جاءَ بِهِ هَؤُلاءِ -يَعْنِي المُشْرِكِينَ- وأعْتَذِرُ إلَيْكَ مِمّا صَنَعَ هَؤُلاءِ -يَعْنِي أصْحابَهُ- ثُمَّ تَقَدَّمَ فَلَقِيَهُ سَعْدٌ فَقالَ: يا أخِي، ما فَعَلْتَ فَأنا مَعَكَ، فَلَمْ أسْتَطِعْ أنْ أصْنَعَ ما صَنَعَ، فَوَجَدْتُ فِيهِ بِضْعًا وثَمانِينَ؛ مِن ضَرْبَةٍ بِسَيْفٍ، وطَعْنَةٍ بِرُمْحٍ، ورَمْيَةٍ بِسَهْمٍ، فَكُنّا نَقُولُ: فِيهِ وفي أصْحابِهِ نَزَلَتْ: ﴿فَمِنهم مَن قَضى نَحْبَهُ ومِنهم مَن يَنْتَظِرُ﴾ [الأحزاب»: ٢٣] . وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وتَعَقَّبَهُ الذَّهَبِيُّ، والبَيْهَقِيُّ في ”الدَّلائِلِ“ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حِينَ انْصَرَفَ مِن أُحُدٍ مَرَّ عَلى مُصْعَبِ بْنِ عُمَيْرٍ وهو مَقْتُولٌ، فَوَقَفَ عَلَيْهِ ودَعا لَهُ، ثُمَّ قَرَأ: ﴿مِنَ المُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ الآيَةَ، ثُمَّ قالَ: ”أشْهَدُ أنَّ هَؤُلاءِ شُهَداءُ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ القِيامَةِ فائْتُوُهم وزُورُوهُمْ؛ فَوالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لا يُسَلِّمُ عَلَيْهِمْ أحَدٌ إلى يَوْمِ القِيامَةِ إلّا رَدُّوا عَلَيْهِ“» . وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ في ”الدَّلائِلِ“ عَنْ أبِي ذَرٍّ قالَ: «لَمّا فَرَغَ (p-٨)رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ أُحُدٍ، مَرَّ عَلى مُصْعَبِ بْنِ عُمَيْرٍ مَقْتُولًا عَلى طَرِيقِهِ، فَقَرَأ: ﴿مِنَ المُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب»: ٢٣] . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ مِن حَدِيثِ خَبّابٍ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي عاصِمٍ، والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ، وأبُو يَعْلى، وابْنُ جَرِيرٍ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدُويَهْ عَنْ طَلْحَةَ «أنَّ أصْحابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قالُوا لِأعْرابِيٍّ جاهِلٍ: سَلْهُ عَمَّنْ قَضى نَحْبَهُ مَن هو. وكانُوا لا يَجْتَرِئُونَ عَلى مَسْألَتِهِ، يُوَقِّرُونَهُ ويَهابُونَهُ، فَسَألَهُ الأعْرابِيُّ، فَأعْرَضَ عَنْهُ، ثُمَّ سَألَهُ فَأعْرَضَ عَنْهُ، ثُمَّ إنِّي اطَّلَعْتُ مِن بابِ المَسْجِدِ، فَقالَ: أيْنَ السّائِلُ عَمَّنْ قَضى نَحْبَهُ؟ قالَ الأعْرابِيُّ: أنا. قالَ: ”هَذا مِمَّنْ قَضى نَحْبَهُ“» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدُويَهْ عَنْ طَلْحَةَ قالَ: «لَمّا رَجَعَ النَّبِيُّ ﷺ مِن أُحُدٍ، صَعِدَ المِنبَرَ، فَحَمِدَ اللَّهَ وأُثْنى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ الآيَةَ كُلُّها، فَقامَ إلَيْهِ رَجُلٌ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ مَن هَؤُلاءِ؟ فَأقْبَلْتُ، فَقالَ: أيُّها السّائِلُ، هَذا مِنهم» . وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُويَهْ عَنْ مُعاوِيَةَ (p-٩)سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «”طَلْحَةُ مِمَّنْ قَضى نَحْبَهُ“» . وأخْرَجَ الحاكِمُ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: «دَخَلَ طَلْحَةُ عَلى النَّبِيِّ ﷺ فَقالَ: ”أنْتَ يا طَلْحَةُ مِمَّنْ قَضى نَحْبَهُ“» . وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وأبُو يَعْلى، وابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو نُعَيْمٍ، وابْنُ مَرْدُويَهْ عَنْ عائِشَةَ، أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «”مَن سَرَّهُ أنْ يَنْظُرَ إلى رَجُلٍ يَمْشِي عَلى الأرْضِ قَدْ قَضى نَحْبَهُ، فَلْيَنْظُرْ إلى طَلْحَةَ“» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ مِن حَدِيثِ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ مَندَهْ، وابْنُ عَساكِرَ عَنْ أسْماءَ بِنْتِ أبِي بَكْرٍ قالَتْ: «دَخْلَ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ عَلى النَّبِيِّ ﷺ فَقالَ: ”يا طَلْحَةُ، أنْتَ مِمَّنْ قَضى نَحْبَهُ“» . وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، وابْنُ عَساكِرَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ، أنَّهم قالُوا: حَدِّثْنا عَنْ طَلْحَةَ، قالَ: ذاكَ امْرُؤٌ نَزَلَتْ فِيهِ آيَةٌ مِن كِتابِ اللَّهِ؛ ﴿فَمِنهم مَن قَضى نَحْبَهُ ومِنهم مَن يَنْتَظِرُ﴾ طَلْحَةُ مِمَّنْ قَضى نَحْبَهُ، لا حِسابَ عَلَيْهِ فِيما يَسْتَقْبِلُ. (p-١٠)وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ الأنْبارِيِّ في ”المَصاحِفِ“ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ: (فَمِنهم مَن قَضى نَحْبَهُ ومِنهم مَن يَنْتَظِرُ، وآخَرُونَ بَدَّلُوا تَبْدِيلًا) . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُويَهْ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿فَمِنهم مَن قَضى نَحْبَهُ﴾ . قالَ: المَوْتُ عَلى ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ، ﴿ومِنهم مَن يَنْتَظِرُ﴾ المَوْتَ عَلى ذَلِكَ. وأخْرَجَ الطَّسْتِيُّ في ”مَسائِلِهِ“ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أنَّ نافِعَ بْنَ الأزْرَقِ سَألَهُ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿قَضى نَحْبَهُ﴾ قالَ: أجَلَهُ الَّذِي قُدِّرَ لَهُ، قالَ: وهَلْ تَعْرِفُ العَرَبُ ذَلِكَ؟ قالَ: نَعَمْ، أما سَمِعْتَ قَوْلَ لَبِيدٍ: ؎ألا تَسْألانِ المَرْءَ ماذا يُحاوِلُ أنَحْبٌ فَيُقْضى أمْ ضَلالٌ وباطِلُ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ: ﴿فَمِنهم مَن قَضى نَحْبَهُ﴾ . قالَ: عَهْدَهُ ﴿ومِنهم مَن يَنْتَظِرُ﴾ يَوْمًا فِيهِ جِهادٌ، فَيَقْضِي نَحْبَهُ -يَعْنِي عَهْدَهُ- بِقِتالٍ أوْ صِدْقٍ في لِقاءٍ. (p-١١)وأخْرَجَ أحْمَدُ، والبُخارِيُّ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنْ سُلَيْمانَ بْنِ صُرَدَ قالَ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ الأحْزابِ: ”الآنَ نَغْزُوهم ولا يَغْزُونا“» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، والبَيْهَقِيُّ في ”الدَّلائِلِ“، عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قالَ: «حُبِسْنا يَوْمَ الخَنْدَقِ عَنِ الظُّهْرِ والعَصْرِ والمَغْرِبِ والعِشاءِ، حَتّى كانَ بَعْدَ العِشاءِ بِهَوِيٍّ وكُفِينا ذَلِكَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وكَفى اللَّهُ المُؤْمِنِينَ القِتالَ وكانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا﴾ [الأحزاب: ٢٥] . فَأمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِلالًا فَأقامَ، ثُمَّ صَلّى الظُّهْرَ كَما كانَ يُصَلِّيها قَبْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ أقامَ فَصَلّى العَصْرَ كَما كانَ يُصَلِّيها قَبْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ أقامَ المَغْرِبَ فَصَلّاها كَما كانَ يُصَلِّيها قَبْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ أقامَ العِشاءَ فَصَلّاها كَما كانَ يُصَلِّيها قَبْلَ ذَلِكَ، وذَلِكَ قَبْلَ أنْ تَنْزِلَ صَلاةُ الخَوْفِ: ﴿فَإنْ خِفْتُمْ فَرِجالا أوْ رُكْبانًا﴾ [البقرة: ٢٣٩] [البَقَرَةَ»: ٢٣٩] . وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ «عَنْ عِيسى بْنِ طَلْحَةَ قالَ: دَخَلْتُ عَلى أُمِّ المُؤْمِنِينَ وعائِشَةَ بِنْتِ طَلْحَةَ وهي تَقُولُ لِأُمِّها أسْماءَ: أنا خَيْرٌ مِنكِ، وأبِي خَيْرٌ مِن أبِيكَ، فَجَعَلَتْ أسْماءُ تَشْتُمُها وتَقُولُ: أنْتِ خَيْرٌ مِنِّي؟ فَقالَتْ عائِشَةُ: ألا (p-١٢)أقْضِي بَيْنَكُما؟ قالَتْ: بَلى، قالَتْ: فَإنَّ أبا بَكْرٍ دَخَلَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقالَ لَهُ: أنْتَ عَتِيقُ اللَّهِ مِنَ النّارِ”. قالَتْ: فَمِن يَوْمَئِذٍ سُمِّيَ عَتِيقًا ثُمَّ دَخَلَ طَلْحَةُ فَقالَ:“أنْتَ يا طَلْحَةُ مِمَّنْ قَضى نَحْبَهُ"» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الكَهْفِ عَنْ أبِيهِ في قَوْلِهِ: ﴿فَمِنهم مَن قَضى نَحْبَهُ﴾ . قالَ: نَذْرَهُ، وقالَ الشّاعِرُ: ؎قَضَتْ نَحْبَها مِن يَثْرِبَ فاسْتَمَرَّتِ وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ زَيْدٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَمِنهم مَن قَضى نَحْبَهُ﴾ . قالَ: ماتَ عَلى ما هو عَلَيْهِ مِنَ التَّصْدِيقِ والإيمانِ، ﴿ومِنهم مَن يَنْتَظِرُ﴾ ذَلِكَ، ﴿وما بَدَّلُوا تَبْدِيلا﴾: ولَمْ يُغَيِّرُوا كَما غَيَّرَ المُنافِقُونَ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ أبِي نَضْرَةَ قالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبّاسٍ يَقْرَأُ عَلى المِنبَرِ: (رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنهم مَن قَضى نَحْبَهُ ومِنهم مَن يَنْتَظِرُ ومِنهم مَن بَدَّلَ تَبْدِيلًا) . (p-١٣)وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ: ﴿مِنَ المُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنهم مَن قَضى نَحْبَهُ﴾ عَلى الصِّدْقِ والوَفاءِ، ﴿ومِنهم مَن يَنْتَظِرُ﴾ مِن نَفْسِهِ الصِّدْقَ والوَفاءَ ﴿وما بَدَّلُوا تَبْدِيلا﴾ . يَقُولُ: ما شَكُّوا ولا تَرَدَّدُوا في دِينِهِمْ، ولا اسْتَبْدَلُوا بِهِ غَيْرَهُ، ﴿ويُعَذِّبَ المُنافِقِينَ إنْ شاءَ أوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ . يَقُولُ إنْ شاءَ أخْرَجَهم مِنَ النِّفاقِ إلى الإيمانِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿ويُعَذِّبَ المُنافِقِينَ إنْ شاءَ﴾ قالَ: يُمِيتُهم عَلى نِفاقِهِمْ فَيُوجِبُ لَهُمُ العَذابَ، أوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ. قالَ: يُخْرِجُهم مِنَ النِّفاقِ بِالتَّوْبَةِ؛ حَتّى يَمُوتُوا وهم تائِبُونَ مِنَ النِّفاقِ، فَيَغْفِرَ لَهم.

الأحزاب 33:24

(p-٥)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِنَ المُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا﴾ الآيَةَ. أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وأحْمَدُ والبُخارِيُّ والتِّرْمِذِيُّ والنَّسائِيُّ، وابْنُ أبِي داوُدَ في المَصاحِفِ والبَغَوِيُّ، وابْنُ مَرْدُويَهْ والبَيْهَقِيُّ في ”سُنَنِهِ“ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: «لَمّا نَسَخْنا المُصْحَفَ في المَصاحِفِ فَقَدْتُ آيَةً مِن سُورَةِ الأحْزابِ كُنْتُ أسْمَعُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقْرَأُها لَمْ أجِدْها مَعَ أحَدٍ إلّا مَعَ خُزَيْمَةَ بْنِ ثابِتٍ الأنْصارِيِّ الَّذِي جَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ شَهادَتَهُ بِشَهادَةِ رَجُلَيْنِ: ﴿مِنَ المُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ فَألْحَقْتُها في سُورَتِها في المُصْحَفِ» . وأخْرَجَ البُخارِيُّ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُويَهْ وأبُو نُعَيْمٍ في المَعْرِفَةِ عَنْ أنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: نُرى هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في أنَسِ بْنِ النَّضْرِ: ﴿مِنَ المُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ . (p-٦)وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ وأحْمَدُ ومُسْلِمٌ والتِّرْمِذِيُّ والنَّسائِيُّ والبَغَوِيُّ في مُعْجَمِهِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُويَهْ وأبُو نْعَيْمٍ في ”الحِلْيَةِ“، والبَيْهَقِيُّ في ”الدَّلائِلِ“ «عَنْ أنَسٍ قالَ: غابَ عَمِّي أنَسُ بْنُ النَّضْرِ عَنْ بَدْرٍ، فَشَقَّ عَلَيْهِ، وقالَ: أوَّلُ مَشْهَدٍ شَهِدَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ غِبْتُ عَنْهُ لَئِنْ أرانِي اللَّهُ مَشْهَدًا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِيما بَعْدُ لِيَرَيَنَّ اللَّهُ ما أصْنَعُ. فَشَهِدَ يَوْمَ أُحُدٍ، فاسْتَقْبَلَهُ سَعْدُ بْنُ مُعاذٍ فَقالَ: يا أبا عَمْرٍو، أيْنَ؟ قالَ: واهًا لِرِيحِ الجَنَّةِ، أجِدُها دُونَ أُحُدٍ، فَقاتَلَ حَتّى قُتِلَ، فَوُجِدَ في جَسَدِهِ بِضْعٌ وثَمانُونَ؛ مِن بَيْنِ ضَرْبَةٍ وطَعْنَةٍ ورَمْيَةٍ، ونَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾، فَكانُوا يَرَوْنَ أنَّها نَزَلَتْ فِيهِ وفي أصْحابِهِ» . وأخْرَجَ الطَّيالِسِيُّ، وابْنُ سَعْدٍ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ والتِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُويَهْ وأبُو نُعَيْمٍ في ”المَعْرِفَةِ“ «عَنْ أنَسٍ، أنَّ عَمَّهُ غابَ عَنْ قِتالِ بَدْرٍ فَقالَ: غِبْتُ عَنْ أوَّلِ قِتالٍ قاتَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ المُشْرِكِينَ! لَئِنْ أشْهَدَنِي اللَّهُ قِتالًا لِلْمُشْرِكِينَ لَيَرَيَنَّ اللَّهُ (p-٧)كَيْفَ أصْنَعُ. فَلَمّا كانَ يَوْمُ أُحُدٍ انْكَشَفَ المُسْلِمُونَ، فَقالَ: اللَّهُمَّ إنِّي أبْرَأُ إلَيْكَ مِمّا جاءَ بِهِ هَؤُلاءِ -يَعْنِي المُشْرِكِينَ- وأعْتَذِرُ إلَيْكَ مِمّا صَنَعَ هَؤُلاءِ -يَعْنِي أصْحابَهُ- ثُمَّ تَقَدَّمَ فَلَقِيَهُ سَعْدٌ فَقالَ: يا أخِي، ما فَعَلْتَ فَأنا مَعَكَ، فَلَمْ أسْتَطِعْ أنْ أصْنَعَ ما صَنَعَ، فَوَجَدْتُ فِيهِ بِضْعًا وثَمانِينَ؛ مِن ضَرْبَةٍ بِسَيْفٍ، وطَعْنَةٍ بِرُمْحٍ، ورَمْيَةٍ بِسَهْمٍ، فَكُنّا نَقُولُ: فِيهِ وفي أصْحابِهِ نَزَلَتْ: ﴿فَمِنهم مَن قَضى نَحْبَهُ ومِنهم مَن يَنْتَظِرُ﴾ [الأحزاب»: ٢٣] . وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وتَعَقَّبَهُ الذَّهَبِيُّ، والبَيْهَقِيُّ في ”الدَّلائِلِ“ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حِينَ انْصَرَفَ مِن أُحُدٍ مَرَّ عَلى مُصْعَبِ بْنِ عُمَيْرٍ وهو مَقْتُولٌ، فَوَقَفَ عَلَيْهِ ودَعا لَهُ، ثُمَّ قَرَأ: ﴿مِنَ المُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ الآيَةَ، ثُمَّ قالَ: ”أشْهَدُ أنَّ هَؤُلاءِ شُهَداءُ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ القِيامَةِ فائْتُوُهم وزُورُوهُمْ؛ فَوالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لا يُسَلِّمُ عَلَيْهِمْ أحَدٌ إلى يَوْمِ القِيامَةِ إلّا رَدُّوا عَلَيْهِ“» . وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ في ”الدَّلائِلِ“ عَنْ أبِي ذَرٍّ قالَ: «لَمّا فَرَغَ (p-٨)رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ أُحُدٍ، مَرَّ عَلى مُصْعَبِ بْنِ عُمَيْرٍ مَقْتُولًا عَلى طَرِيقِهِ، فَقَرَأ: ﴿مِنَ المُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب»: ٢٣] . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ مِن حَدِيثِ خَبّابٍ مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي عاصِمٍ، والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ، وأبُو يَعْلى، وابْنُ جَرِيرٍ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدُويَهْ عَنْ طَلْحَةَ «أنَّ أصْحابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قالُوا لِأعْرابِيٍّ جاهِلٍ: سَلْهُ عَمَّنْ قَضى نَحْبَهُ مَن هو. وكانُوا لا يَجْتَرِئُونَ عَلى مَسْألَتِهِ، يُوَقِّرُونَهُ ويَهابُونَهُ، فَسَألَهُ الأعْرابِيُّ، فَأعْرَضَ عَنْهُ، ثُمَّ سَألَهُ فَأعْرَضَ عَنْهُ، ثُمَّ إنِّي اطَّلَعْتُ مِن بابِ المَسْجِدِ، فَقالَ: أيْنَ السّائِلُ عَمَّنْ قَضى نَحْبَهُ؟ قالَ الأعْرابِيُّ: أنا. قالَ: ”هَذا مِمَّنْ قَضى نَحْبَهُ“» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدُويَهْ عَنْ طَلْحَةَ قالَ: «لَمّا رَجَعَ النَّبِيُّ ﷺ مِن أُحُدٍ، صَعِدَ المِنبَرَ، فَحَمِدَ اللَّهَ وأُثْنى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَرَأ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ الآيَةَ كُلُّها، فَقامَ إلَيْهِ رَجُلٌ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ مَن هَؤُلاءِ؟ فَأقْبَلْتُ، فَقالَ: أيُّها السّائِلُ، هَذا مِنهم» . وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُويَهْ عَنْ مُعاوِيَةَ (p-٩)سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «”طَلْحَةُ مِمَّنْ قَضى نَحْبَهُ“» . وأخْرَجَ الحاكِمُ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: «دَخَلَ طَلْحَةُ عَلى النَّبِيِّ ﷺ فَقالَ: ”أنْتَ يا طَلْحَةُ مِمَّنْ قَضى نَحْبَهُ“» . وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وأبُو يَعْلى، وابْنُ المُنْذِرِ، وأبُو نُعَيْمٍ، وابْنُ مَرْدُويَهْ عَنْ عائِشَةَ، أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «”مَن سَرَّهُ أنْ يَنْظُرَ إلى رَجُلٍ يَمْشِي عَلى الأرْضِ قَدْ قَضى نَحْبَهُ، فَلْيَنْظُرْ إلى طَلْحَةَ“» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ مِن حَدِيثِ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ مَندَهْ، وابْنُ عَساكِرَ عَنْ أسْماءَ بِنْتِ أبِي بَكْرٍ قالَتْ: «دَخْلَ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ عَلى النَّبِيِّ ﷺ فَقالَ: ”يا طَلْحَةُ، أنْتَ مِمَّنْ قَضى نَحْبَهُ“» . وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ، وابْنُ عَساكِرَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ، أنَّهم قالُوا: حَدِّثْنا عَنْ طَلْحَةَ، قالَ: ذاكَ امْرُؤٌ نَزَلَتْ فِيهِ آيَةٌ مِن كِتابِ اللَّهِ؛ ﴿فَمِنهم مَن قَضى نَحْبَهُ ومِنهم مَن يَنْتَظِرُ﴾ طَلْحَةُ مِمَّنْ قَضى نَحْبَهُ، لا حِسابَ عَلَيْهِ فِيما يَسْتَقْبِلُ. (p-١٠)وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ الأنْبارِيِّ في ”المَصاحِفِ“ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ: (فَمِنهم مَن قَضى نَحْبَهُ ومِنهم مَن يَنْتَظِرُ، وآخَرُونَ بَدَّلُوا تَبْدِيلًا) . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُويَهْ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿فَمِنهم مَن قَضى نَحْبَهُ﴾ . قالَ: المَوْتُ عَلى ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ، ﴿ومِنهم مَن يَنْتَظِرُ﴾ المَوْتَ عَلى ذَلِكَ. وأخْرَجَ الطَّسْتِيُّ في ”مَسائِلِهِ“ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أنَّ نافِعَ بْنَ الأزْرَقِ سَألَهُ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿قَضى نَحْبَهُ﴾ قالَ: أجَلَهُ الَّذِي قُدِّرَ لَهُ، قالَ: وهَلْ تَعْرِفُ العَرَبُ ذَلِكَ؟ قالَ: نَعَمْ، أما سَمِعْتَ قَوْلَ لَبِيدٍ: ؎ألا تَسْألانِ المَرْءَ ماذا يُحاوِلُ أنَحْبٌ فَيُقْضى أمْ ضَلالٌ وباطِلُ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ: ﴿فَمِنهم مَن قَضى نَحْبَهُ﴾ . قالَ: عَهْدَهُ ﴿ومِنهم مَن يَنْتَظِرُ﴾ يَوْمًا فِيهِ جِهادٌ، فَيَقْضِي نَحْبَهُ -يَعْنِي عَهْدَهُ- بِقِتالٍ أوْ صِدْقٍ في لِقاءٍ. (p-١١)وأخْرَجَ أحْمَدُ، والبُخارِيُّ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنْ سُلَيْمانَ بْنِ صُرَدَ قالَ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ الأحْزابِ: ”الآنَ نَغْزُوهم ولا يَغْزُونا“» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، والبَيْهَقِيُّ في ”الدَّلائِلِ“، عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قالَ: «حُبِسْنا يَوْمَ الخَنْدَقِ عَنِ الظُّهْرِ والعَصْرِ والمَغْرِبِ والعِشاءِ، حَتّى كانَ بَعْدَ العِشاءِ بِهَوِيٍّ وكُفِينا ذَلِكَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وكَفى اللَّهُ المُؤْمِنِينَ القِتالَ وكانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا﴾ [الأحزاب: ٢٥] . فَأمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِلالًا فَأقامَ، ثُمَّ صَلّى الظُّهْرَ كَما كانَ يُصَلِّيها قَبْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ أقامَ فَصَلّى العَصْرَ كَما كانَ يُصَلِّيها قَبْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ أقامَ المَغْرِبَ فَصَلّاها كَما كانَ يُصَلِّيها قَبْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ أقامَ العِشاءَ فَصَلّاها كَما كانَ يُصَلِّيها قَبْلَ ذَلِكَ، وذَلِكَ قَبْلَ أنْ تَنْزِلَ صَلاةُ الخَوْفِ: ﴿فَإنْ خِفْتُمْ فَرِجالا أوْ رُكْبانًا﴾ [البقرة: ٢٣٩] [البَقَرَةَ»: ٢٣٩] . وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ «عَنْ عِيسى بْنِ طَلْحَةَ قالَ: دَخَلْتُ عَلى أُمِّ المُؤْمِنِينَ وعائِشَةَ بِنْتِ طَلْحَةَ وهي تَقُولُ لِأُمِّها أسْماءَ: أنا خَيْرٌ مِنكِ، وأبِي خَيْرٌ مِن أبِيكَ، فَجَعَلَتْ أسْماءُ تَشْتُمُها وتَقُولُ: أنْتِ خَيْرٌ مِنِّي؟ فَقالَتْ عائِشَةُ: ألا (p-١٢)أقْضِي بَيْنَكُما؟ قالَتْ: بَلى، قالَتْ: فَإنَّ أبا بَكْرٍ دَخَلَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقالَ لَهُ: أنْتَ عَتِيقُ اللَّهِ مِنَ النّارِ”. قالَتْ: فَمِن يَوْمَئِذٍ سُمِّيَ عَتِيقًا ثُمَّ دَخَلَ طَلْحَةُ فَقالَ:“أنْتَ يا طَلْحَةُ مِمَّنْ قَضى نَحْبَهُ"» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الكَهْفِ عَنْ أبِيهِ في قَوْلِهِ: ﴿فَمِنهم مَن قَضى نَحْبَهُ﴾ . قالَ: نَذْرَهُ، وقالَ الشّاعِرُ: ؎قَضَتْ نَحْبَها مِن يَثْرِبَ فاسْتَمَرَّتِ وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ زَيْدٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَمِنهم مَن قَضى نَحْبَهُ﴾ . قالَ: ماتَ عَلى ما هو عَلَيْهِ مِنَ التَّصْدِيقِ والإيمانِ، ﴿ومِنهم مَن يَنْتَظِرُ﴾ ذَلِكَ، ﴿وما بَدَّلُوا تَبْدِيلا﴾: ولَمْ يُغَيِّرُوا كَما غَيَّرَ المُنافِقُونَ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ أبِي نَضْرَةَ قالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبّاسٍ يَقْرَأُ عَلى المِنبَرِ: (رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنهم مَن قَضى نَحْبَهُ ومِنهم مَن يَنْتَظِرُ ومِنهم مَن بَدَّلَ تَبْدِيلًا) . (p-١٣)وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ: ﴿مِنَ المُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنهم مَن قَضى نَحْبَهُ﴾ عَلى الصِّدْقِ والوَفاءِ، ﴿ومِنهم مَن يَنْتَظِرُ﴾ مِن نَفْسِهِ الصِّدْقَ والوَفاءَ ﴿وما بَدَّلُوا تَبْدِيلا﴾ . يَقُولُ: ما شَكُّوا ولا تَرَدَّدُوا في دِينِهِمْ، ولا اسْتَبْدَلُوا بِهِ غَيْرَهُ، ﴿ويُعَذِّبَ المُنافِقِينَ إنْ شاءَ أوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ . يَقُولُ إنْ شاءَ أخْرَجَهم مِنَ النِّفاقِ إلى الإيمانِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿ويُعَذِّبَ المُنافِقِينَ إنْ شاءَ﴾ قالَ: يُمِيتُهم عَلى نِفاقِهِمْ فَيُوجِبُ لَهُمُ العَذابَ، أوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ. قالَ: يُخْرِجُهم مِنَ النِّفاقِ بِالتَّوْبَةِ؛ حَتّى يَمُوتُوا وهم تائِبُونَ مِنَ النِّفاقِ، فَيَغْفِرَ لَهم.

الأحزاب 33:25

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ورَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ﴾ الآيَةَ. أخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ورَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ﴾ قالَ: الأحْزابَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿ورَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ﴾ قالَ أبُو سُفْيانَ وأصْحابُهُ: ﴿لَمْ يَنالُوا خَيْرًا﴾ . قالَ لَمْ يُصِيبُوا مِن مُحَمَّدٍ ﷺ وأصْحابِهِ ظَفَرًا، ﴿وكَفى اللَّهُ المُؤْمِنِينَ القِتالَ﴾ قالَ: انْهَزَمُوا بِالرِّيحِ مِن غَيْرِ قِتالٍ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وكَفى اللَّهُ المُؤْمِنِينَ القِتالَ﴾ قالَ: بِالجُنُودِ مِن عِنْدِهِ، والرِّيحِ الَّتِي بَعَثَ عَلَيْهِمْ، (p-١٤)﴿وكانَ اللَّهُ قَوِيًّا﴾ في أمْرِهِ ﴿عَزِيزًا﴾ في نِقْمَتِهِ. وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ قالَ: «لَمّا كانَ يَوْمُ الأحْزابِ حُصِرَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وأصْحابُهُ بِضْعَ عَشْرَةَ لَيْلَةً، حَتّى خَلَصَ إلى كُلِّ امْرِئٍ مِنهُمُ الكَرْبُ، وحَتّى قالَ النَّبِيُّ ﷺ: ”اللَّهُمَّ إنِّي أنْشُدُكَ عَهْدَكَ ووَعْدَكَ، اللَّهُمَّ إنَّكَ إنْ تَشَأْ لا تُعْبَدْ“ . فَبَيْنَما هم عَلى ذَلِكَ إذْ جاءَ نَعِيمُ بْنُ مَسْعُودٍ الأشْجَعِيُّ، وكانَ يَأْمَنُهُ الفَرِيقانِ جَمِيعًا، فَخَذَّلَ بَيْنَ النّاسِ، فانْطَلَقَ الأحْزابُ مُنْهَزِمِينَ مِن غَيْرِ قِتالٍ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: وكَفى اللَّهُ المُؤْمِنِينَ القِتالَ» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنْ جابِرٍ قالَ: «لَمّا كانَ يَوْمُ الأحْزابِ رَدَّهُمُ اللَّهُ بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنالُوا خَيْرًا، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: ”مَن يَحْمِي أعْراضَ المُسْلِمِينَ؟ قالَ كَعْبٌ: أنا يا رَسُولَ اللَّهِ. وقالَ ابْنُ رَواحَةَ: أنا يا رَسُولَ اللَّهِ. فَقالَ: إنَّكَ تُحْسِنُ الشِّعْرَ“ . وقالَ حَسّانُ: ”أنا يا رَسُولَ اللَّهِ. فَقالَ: نَعَمِ، اهْجُهم أنْتَ؛ فَإنَّهُ سَيُعِينُكَ عَلَيْهِمْ رُوحُ القُدُسِ“» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، وابْنُ عَساكِرَ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، أنَّهُ كانَ يَقْرَأُ هَذا الحَرْفَ: وكَفى اللَّهُ المُؤْمِنِينَ القِتالَ بِعَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ.

الأحزاب 33:26

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأنْزَلَ الَّذِينَ ظاهَرُوهُمْ﴾ الآيَةَ. (p-١٥)أخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وأنْزَلَ الَّذِينَ ظاهَرُوهم مِن أهْلِ الكِتابِ﴾ قالَ قُرَيْظَةَ، ﴿مِن صَياصِيهِمْ﴾ قالَ: قُصُورِهِمْ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿مِن صَياصِيهِمْ﴾ قالَ: حُصُونِهِمْ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ عِكْرِمَةَ في قَوْلِهِ: ﴿مِن صَياصِيهِمْ﴾ قالَ: الحُصُونِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ «فِي قَوْلِهِ: ﴿وأنْزَلَ الَّذِينَ ظاهَرُوهم مِن أهْلِ الكِتابِ﴾ . قالَ: هم بَنُو قُرَيْظَةَ ظاهَرُوا أبا سُفْيانَ وراسَلُوهُ، ونَكَثُوا العَهْدَ الَّذِي بَيْنَهم وبَيْنَ نَبِيِّ اللَّهِ ﷺ، فَبَيْنا النَّبِيُّ ﷺ عِنْدَ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ يَغْسِلُ رَأْسَهُ، وقَدْ غَسَلَتْ شِقَّهُ إذْ أتاهُ جِبْرِيلُ، فَقالَ: عَفا اللَّهُ عَنْكَ، ما وضَعَتِ المَلائِكَةُ سِلاحَها مُنْذُ أرْبَعِينَ لَيْلَةً، فانْهَضْ إلى بَنِي قُرَيْظَةَ، فَإنِّي قَدْ قَطَعْتُ أوْتارَهُمْ، وفَتَحْتُ أبْوابَهم وتَرَكْتُهم في زِلْزالٍ وبَلْبالٍ، فاسْتَلْأمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، ثُمَّ سَلَكَ سِكَّةَ بَنِي غَنْمٍ، فاتَّبَعَهُ النّاسُ، وقَدْ عَصَبَ حاجِبَهُ التُّرابُ، فَأتاهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَحاصَرَهم وناداهم: ”يا إخْوَةَ (p-١٦)القِرَدَةِ“ . فَقالُوا: يا أبا القاسِمِ ما كُنْتَ فَحّاشًا، فَنَزَلُوا عَلى حُكْمِ سَعْدِ بْنِ مُعاذٍ، وكانَ بَيْنَهم وبَيْنَ قَوْمِهِ حِلْفٌ فَرَجَوْا أنْ تَأْخُذَهُ فِيهِمْ هَوادَةٌ، فَأوْمَأ إلَيْهِمْ أبُو لُبابَةَ فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ والرَّسُولَ﴾ [الأنفال: ٢٧] الآيَةَ [ الأنْفالَ: ٢٧] . فَحَكَمَ فِيهِمْ أنْ تُقْتَلَ مُقاتِلَتُهُمْ، وأنْ تُسْبى ذَرارِيُّهُمْ، وأنَّ أعْقارَهم لِلْمُهاجِرِينَ دُونَ الأنْصارِ، فَقالَ قَوْمُهُ وعَشِيرَتُهُ: آثَرْتَ المُهاجِرِينَ بِالأعْقارِ عَلَيْنا. فَقالَ: إنَّكم كُنْتُمْ ذَوِي أعْقارٍ وإنَّ المُهاجِرِينَ كانُوا لا أعْقارَ لَهم. فَذُكِرَ لَنا أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ كَبَّرَ وقالَ: ”مَضى فِيكم بِحُكْمِ اللَّهِ“» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وقَذَفَ في قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ﴾ قالَ: بِصَنِيعِ جِبْرِيلَ، ﴿فَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾ . قالَ: الَّذِينَ ضُرِبَتْ أعْناقُهم. وكانُوا أرْبَعَمِائَةِ مُقاتِلٍ فَقُتِلُوا حَتّى أتَوْا عَلى آخِرِهِمْ، ﴿وتَأْسِرُونَ فَرِيقًا﴾ قالَ: الَّذِينَ سُبُوا، وكانَ فِيها سَبْعُمِائَةِ سَبِيٍّ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وأوْرَثَكم أرْضَهم ودِيارَهم وأمْوالَهُمْ﴾ . قالَ: قُرَيْظَةُ والنَّضِيرُ؛ أهْلُ الكِتابِ، ﴿وأرْضًا لَمْ تَطَئُوها﴾ . قالَ: خَيْبَرُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿وأرْضًا لَمْ تَطَئُوها﴾ . قالَ: خَيْبَرُ، فُتِحَتْ بَعْدَ بَنِي قُرَيْظَةَ. (p-١٧)وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وأرْضًا لَمْ تَطَئُوها﴾ قالَ: كُنّا نُحَدِّثُ أنَّها مَكَّةُ. وقالَ الحَسَنُ: هي أرْضُ الرُّومِ وفارِسَ وما فُتِحَ عَلَيْهِمْ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وأرْضًا لَمْ تَطَئُوها﴾ . قالَ هو ما ظَهَرَ عَلَيْهِ المُسْلِمُونَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ. وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنْ عُرْوَةَ: ﴿وأرْضًا لَمْ تَطَئُوها﴾ قالَ: يَزْعُمُونَ أنَّها خَيْبَرُ، ولا أحْسَبُها إلّا كُلَّ أرْضٍ فَتَحَها اللَّهُ عَلى المُسْلِمِينَ، أوْ هو فاتِحُها إلى يَوْمِ القِيامَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: «كانَ يَوْمُ الخَنْدَقِ بِالمَدِينَةِ، فَجاءَ أبُو سُفْيانَ بْنُ حَرْبٍ ومَن تَبِعَهُ مِن قُرَيْشٍ، ومَن تَبِعَهُ مِن كِنانَةَ، وعُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنٍ ومَن تَبِعَهُ مِن غَطَفانَ وطُلَيْحَةُ ومَن تَبِعَهُ مِن بَنِي أسَدٍ، وأبُو الأعْوَرِ ومَن تَبِعَهُ مِن بَنِي سُلَيْمٍ، وقُرَيْظَةُ كانَ بَيْنَهم وبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَهْدٌ، فَنَقَضُوا ذَلِكَ وظاهَرُوا المُشْرِكِينَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ: ﴿وأنْزَلَ الَّذِينَ ظاهَرُوهم مِن أهْلِ الكِتابِ مِن صَياصِيهِمْ﴾ . فَأتى جِبْرِيلُ ومَعَهُ الرِّيحُ، فَقالَ حِينَ رَأى جِبْرِيلَ: (p-١٨)”ألا أبْشِرُوا“ ثَلاثًا، فَأرْسَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الرِّيحَ فَهَتَكَتِ القِبابَ، وكَفَأتِ القُدُورَ، ودَفَنَتِ الرِّجالَ، وقَطَعَتِ الأوْتادَ، فانْطَلَقُوا لا يَلْوِي أحَدٌ عَلى أحَدٍ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿إذْ جاءَتْكم جُنُودٌ فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا وجُنُودًا لَمْ تَرَوْها﴾ [الأحزاب: ٩] [الأحْزابَ»: ٩] . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأحْمَدُ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: «خَرَجْتُ يَوْمَ الخَنْدَقِ أقْفُو النّاسَ، فَإذا أنا بِسَعْدِ بْنِ مُعاذٍ ورَماهُ رَجُلٌ مِن قُرَيْشٍ يُقالُ لَهُ: ابْنُ العَرِقَةِ. بِسَهْمٍ، فَأصابَ أكْحَلَهُ فَقَطَعَهُ، فَدَعا اللَّهَ سَعْدٌ فَقالَ: اللَّهُمَّ لا تُمِتْنِي حَتّى تَقَرَّ عَيْنِي مِن قُرَيْظَةَ وبَعَثَ اللَّهُ الرِّيحَ عَلى المُشْرِكِينَ، ﴿وكَفى اللَّهُ المُؤْمِنِينَ القِتالَ﴾ [الأحزاب: ٢٥]، ولَحِقَ أبُو سُفْيانَ ومَن مَعَهُ بِتِهامَةَ، ولَحِقَ عُيَيْنَةُ بْنُ بَدْرٍ ومَن مَعَهُ بِنَجْدٍ، ورَجَعَتْ بَنُو قُرَيْظَةَ فَتَحَصَّنُوا في صَياصِيهِمْ، ورَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى المَدِينَةِ، وأمَرَ بِقُبَّةٍ مِن أدَمٍ فَضُرِبَتْ عَلى سَعْدٍ في المَسْجِدِ. قالَتْ: فَجاءَ جِبْرِيلُ - وإنْ عَلى ثَناياهُ لَنَقْعَ الغُبارِ- فَقالَ: أوَقَدْ وضَعْتَ السِّلاحَ؟ لا واللَّهِ ما وضَعَتِ المَلائِكَةُ بَعْدُ السِّلاحَ، اخْرُجْ إلى بَنِي قُرَيْظَةَ فَقاتِلْهم فَلَبِسَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَأْمَتَهُ، وأذَّنَ في النّاسِ بِالرَّحِيلِ: أنْ يَخْرُجُوا، فَأتاهم فَحاصَرَهم خَمْسًا وعِشْرِينَ لَيْلَةً، فَلَمّا اشْتَدَّ حَصْرُهم واشْتَدَّ البَلاءُ عَلَيْهِمْ قِيلَ لَهُمُ: انْزِلُوا عَلى حُكْمِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . قالُوا: نَنْزِلُ عَلى حُكْمِ سَعْدِ بْنِ مُعاذٍ. فَنَزَلُوا، وبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى سَعْدِ بْنِ مُعاذٍ، فَأُتِيَ بِهِ عَلى حِمارٍ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”احْكم فِيهِمْ“ . قالَ: فَإنِّي أحْكُمُ فِيهِمْ، أنْ تُقْتَلَ مُقاتِلَتُهم وتُسْبى ذَرّارِيُّهُمْ، (p-١٩)وتُقَسَّمَ أمْوالُهم. فَقالَ: ”لَقَدْ حَكَمْتَ فِيهِمْ بِحُكْمِ اللَّهِ وحُكْمِ رَسُولِهِ“» . وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ عَنْ مُوسى بْنِ عُقْبَةَ قالَ: أنْزَلَ اللَّهُ في قِصَّةِ الخَنْدَقِ وبَنِي قُرَيْظَةَ تِسْعًا وعِشْرِينَ آيَةً فاتِحَتُها: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكم إذْ جاءَتْكم جُنُودٌ﴾ [الأحزاب: ٩] [الأحْزابَ: ٩] .

الأحزاب 33:27

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأنْزَلَ الَّذِينَ ظاهَرُوهُمْ﴾ الآيَةَ. (p-١٥)أخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وأنْزَلَ الَّذِينَ ظاهَرُوهم مِن أهْلِ الكِتابِ﴾ قالَ قُرَيْظَةَ، ﴿مِن صَياصِيهِمْ﴾ قالَ: قُصُورِهِمْ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿مِن صَياصِيهِمْ﴾ قالَ: حُصُونِهِمْ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ عِكْرِمَةَ في قَوْلِهِ: ﴿مِن صَياصِيهِمْ﴾ قالَ: الحُصُونِ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ «فِي قَوْلِهِ: ﴿وأنْزَلَ الَّذِينَ ظاهَرُوهم مِن أهْلِ الكِتابِ﴾ . قالَ: هم بَنُو قُرَيْظَةَ ظاهَرُوا أبا سُفْيانَ وراسَلُوهُ، ونَكَثُوا العَهْدَ الَّذِي بَيْنَهم وبَيْنَ نَبِيِّ اللَّهِ ﷺ، فَبَيْنا النَّبِيُّ ﷺ عِنْدَ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ يَغْسِلُ رَأْسَهُ، وقَدْ غَسَلَتْ شِقَّهُ إذْ أتاهُ جِبْرِيلُ، فَقالَ: عَفا اللَّهُ عَنْكَ، ما وضَعَتِ المَلائِكَةُ سِلاحَها مُنْذُ أرْبَعِينَ لَيْلَةً، فانْهَضْ إلى بَنِي قُرَيْظَةَ، فَإنِّي قَدْ قَطَعْتُ أوْتارَهُمْ، وفَتَحْتُ أبْوابَهم وتَرَكْتُهم في زِلْزالٍ وبَلْبالٍ، فاسْتَلْأمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، ثُمَّ سَلَكَ سِكَّةَ بَنِي غَنْمٍ، فاتَّبَعَهُ النّاسُ، وقَدْ عَصَبَ حاجِبَهُ التُّرابُ، فَأتاهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَحاصَرَهم وناداهم: ”يا إخْوَةَ (p-١٦)القِرَدَةِ“ . فَقالُوا: يا أبا القاسِمِ ما كُنْتَ فَحّاشًا، فَنَزَلُوا عَلى حُكْمِ سَعْدِ بْنِ مُعاذٍ، وكانَ بَيْنَهم وبَيْنَ قَوْمِهِ حِلْفٌ فَرَجَوْا أنْ تَأْخُذَهُ فِيهِمْ هَوادَةٌ، فَأوْمَأ إلَيْهِمْ أبُو لُبابَةَ فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ والرَّسُولَ﴾ [الأنفال: ٢٧] الآيَةَ [ الأنْفالَ: ٢٧] . فَحَكَمَ فِيهِمْ أنْ تُقْتَلَ مُقاتِلَتُهُمْ، وأنْ تُسْبى ذَرارِيُّهُمْ، وأنَّ أعْقارَهم لِلْمُهاجِرِينَ دُونَ الأنْصارِ، فَقالَ قَوْمُهُ وعَشِيرَتُهُ: آثَرْتَ المُهاجِرِينَ بِالأعْقارِ عَلَيْنا. فَقالَ: إنَّكم كُنْتُمْ ذَوِي أعْقارٍ وإنَّ المُهاجِرِينَ كانُوا لا أعْقارَ لَهم. فَذُكِرَ لَنا أنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ كَبَّرَ وقالَ: ”مَضى فِيكم بِحُكْمِ اللَّهِ“» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وقَذَفَ في قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ﴾ قالَ: بِصَنِيعِ جِبْرِيلَ، ﴿فَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾ . قالَ: الَّذِينَ ضُرِبَتْ أعْناقُهم. وكانُوا أرْبَعَمِائَةِ مُقاتِلٍ فَقُتِلُوا حَتّى أتَوْا عَلى آخِرِهِمْ، ﴿وتَأْسِرُونَ فَرِيقًا﴾ قالَ: الَّذِينَ سُبُوا، وكانَ فِيها سَبْعُمِائَةِ سَبِيٍّ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وأوْرَثَكم أرْضَهم ودِيارَهم وأمْوالَهُمْ﴾ . قالَ: قُرَيْظَةُ والنَّضِيرُ؛ أهْلُ الكِتابِ، ﴿وأرْضًا لَمْ تَطَئُوها﴾ . قالَ: خَيْبَرُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿وأرْضًا لَمْ تَطَئُوها﴾ . قالَ: خَيْبَرُ، فُتِحَتْ بَعْدَ بَنِي قُرَيْظَةَ. (p-١٧)وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وأرْضًا لَمْ تَطَئُوها﴾ قالَ: كُنّا نُحَدِّثُ أنَّها مَكَّةُ. وقالَ الحَسَنُ: هي أرْضُ الرُّومِ وفارِسَ وما فُتِحَ عَلَيْهِمْ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وأرْضًا لَمْ تَطَئُوها﴾ . قالَ هو ما ظَهَرَ عَلَيْهِ المُسْلِمُونَ إلى يَوْمِ القِيامَةِ. وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في الدَّلائِلِ عَنْ عُرْوَةَ: ﴿وأرْضًا لَمْ تَطَئُوها﴾ قالَ: يَزْعُمُونَ أنَّها خَيْبَرُ، ولا أحْسَبُها إلّا كُلَّ أرْضٍ فَتَحَها اللَّهُ عَلى المُسْلِمِينَ، أوْ هو فاتِحُها إلى يَوْمِ القِيامَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: «كانَ يَوْمُ الخَنْدَقِ بِالمَدِينَةِ، فَجاءَ أبُو سُفْيانَ بْنُ حَرْبٍ ومَن تَبِعَهُ مِن قُرَيْشٍ، ومَن تَبِعَهُ مِن كِنانَةَ، وعُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنٍ ومَن تَبِعَهُ مِن غَطَفانَ وطُلَيْحَةُ ومَن تَبِعَهُ مِن بَنِي أسَدٍ، وأبُو الأعْوَرِ ومَن تَبِعَهُ مِن بَنِي سُلَيْمٍ، وقُرَيْظَةُ كانَ بَيْنَهم وبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَهْدٌ، فَنَقَضُوا ذَلِكَ وظاهَرُوا المُشْرِكِينَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ: ﴿وأنْزَلَ الَّذِينَ ظاهَرُوهم مِن أهْلِ الكِتابِ مِن صَياصِيهِمْ﴾ . فَأتى جِبْرِيلُ ومَعَهُ الرِّيحُ، فَقالَ حِينَ رَأى جِبْرِيلَ: (p-١٨)”ألا أبْشِرُوا“ ثَلاثًا، فَأرْسَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الرِّيحَ فَهَتَكَتِ القِبابَ، وكَفَأتِ القُدُورَ، ودَفَنَتِ الرِّجالَ، وقَطَعَتِ الأوْتادَ، فانْطَلَقُوا لا يَلْوِي أحَدٌ عَلى أحَدٍ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿إذْ جاءَتْكم جُنُودٌ فَأرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا وجُنُودًا لَمْ تَرَوْها﴾ [الأحزاب: ٩] [الأحْزابَ»: ٩] . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأحْمَدُ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: «خَرَجْتُ يَوْمَ الخَنْدَقِ أقْفُو النّاسَ، فَإذا أنا بِسَعْدِ بْنِ مُعاذٍ ورَماهُ رَجُلٌ مِن قُرَيْشٍ يُقالُ لَهُ: ابْنُ العَرِقَةِ. بِسَهْمٍ، فَأصابَ أكْحَلَهُ فَقَطَعَهُ، فَدَعا اللَّهَ سَعْدٌ فَقالَ: اللَّهُمَّ لا تُمِتْنِي حَتّى تَقَرَّ عَيْنِي مِن قُرَيْظَةَ وبَعَثَ اللَّهُ الرِّيحَ عَلى المُشْرِكِينَ، ﴿وكَفى اللَّهُ المُؤْمِنِينَ القِتالَ﴾ [الأحزاب: ٢٥]، ولَحِقَ أبُو سُفْيانَ ومَن مَعَهُ بِتِهامَةَ، ولَحِقَ عُيَيْنَةُ بْنُ بَدْرٍ ومَن مَعَهُ بِنَجْدٍ، ورَجَعَتْ بَنُو قُرَيْظَةَ فَتَحَصَّنُوا في صَياصِيهِمْ، ورَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى المَدِينَةِ، وأمَرَ بِقُبَّةٍ مِن أدَمٍ فَضُرِبَتْ عَلى سَعْدٍ في المَسْجِدِ. قالَتْ: فَجاءَ جِبْرِيلُ - وإنْ عَلى ثَناياهُ لَنَقْعَ الغُبارِ- فَقالَ: أوَقَدْ وضَعْتَ السِّلاحَ؟ لا واللَّهِ ما وضَعَتِ المَلائِكَةُ بَعْدُ السِّلاحَ، اخْرُجْ إلى بَنِي قُرَيْظَةَ فَقاتِلْهم فَلَبِسَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَأْمَتَهُ، وأذَّنَ في النّاسِ بِالرَّحِيلِ: أنْ يَخْرُجُوا، فَأتاهم فَحاصَرَهم خَمْسًا وعِشْرِينَ لَيْلَةً، فَلَمّا اشْتَدَّ حَصْرُهم واشْتَدَّ البَلاءُ عَلَيْهِمْ قِيلَ لَهُمُ: انْزِلُوا عَلى حُكْمِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . قالُوا: نَنْزِلُ عَلى حُكْمِ سَعْدِ بْنِ مُعاذٍ. فَنَزَلُوا، وبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى سَعْدِ بْنِ مُعاذٍ، فَأُتِيَ بِهِ عَلى حِمارٍ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ”احْكم فِيهِمْ“ . قالَ: فَإنِّي أحْكُمُ فِيهِمْ، أنْ تُقْتَلَ مُقاتِلَتُهم وتُسْبى ذَرّارِيُّهُمْ، (p-١٩)وتُقَسَّمَ أمْوالُهم. فَقالَ: ”لَقَدْ حَكَمْتَ فِيهِمْ بِحُكْمِ اللَّهِ وحُكْمِ رَسُولِهِ“» . وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ عَنْ مُوسى بْنِ عُقْبَةَ قالَ: أنْزَلَ اللَّهُ في قِصَّةِ الخَنْدَقِ وبَنِي قُرَيْظَةَ تِسْعًا وعِشْرِينَ آيَةً فاتِحَتُها: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكم إذْ جاءَتْكم جُنُودٌ﴾ [الأحزاب: ٩] [الأحْزابَ: ٩] .

الأحزاب 33:28

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ قُلْ لأزْواجِكَ﴾ الآيَةَ. أخْرَجَ أحْمَدُ، ومُسْلِمٌ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، مِن طَرِيقِ أبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جابِرٍ قالَ: «أقْبَلَ أبُو بَكْرٍ يَسْتَأْذِنُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ والنّاسُ بِبابِهِ جُلُوسٌ، والنَّبِيُّ ﷺ جالِسٌ، فَلَمْ يُؤْذَنْ لَهُ، ثُمَّ أقْبَلَ عُمَرُ فاسْتَأْذَنَ فَلَمْ يُؤْذَنْ لَهُ، ثُمَّ أُذِنَ لِأبِي بَكْرٍ وعُمَرَ فَدَخَلا، والنَّبِيُّ ﷺ جالِسٌ وحَوْلَهُ نِساؤُهُ وهو ساكِتٌ، فَقالَ عُمَرُ: لَأُكَلِّمَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَعَلَّهُ يَضْحَكُ. فَقالَ عُمَرُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، لَوْ رَأيْتَ ابْنَةَ زَيْدٍ -امْرَأةَ عُمَرَ- سَألَتْنِي النَّفَقَةَ آنِفًا فَوَجَأْتُ عُنُقَها. فَضَحِكَ النَّبِيُّ ﷺ حَتّى بَدا ناجِذُهُ وقالَ: ”هُنَّ حَوْلِي يَسْألْنَنِي النَّفَقَةَ“، فَقامَ أبُو بَكْرٍ إلى عائِشَةَ لِيَضْرِبَها، وقامَ عُمَرُ إلى حَفْصَةَ كِلاهُما يَقُولانِ: تَسْألانِ النَّبِيَّ ﷺ ما لَيْسَ عِنْدَهُ؟ فَنَهاهُما رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَقُلْنَ نِساؤُهُ: واللَّهِ لا نَسْألُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ هَذا المَجْلِسِ ما لَيْسَ عِنْدَهُ. وأنْزَلَ (p-٢٠)اللَّهُ الخِيارَ فَبَدَأ بِعائِشَةَ فَقالَ: ”إنِّي ذاكِرٌ لَكِ أمْرًا ما أُحِبُّ أنْ تَعْجَلِي فِيهِ حَتّى تَسْتَأْمِرِي أبَوَيْكِ، قالَتْ: ما هُوَ؟ فَتَلا عَلَيْها: ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ قُلْ لأزْواجِكَ﴾ الآيَةَ، قالَتْ عائِشَةُ: أفِيكَ أسْتَأْمِرُ أبَوَيَّ؟! بَلْ أخْتارُ اللَّهَ ورَسُولَهُ وأسْألُكَ ألّا تَذْكُرَ لِامْرَأةٍ مِن نِسائِكَ ما اخْتَرْتُ فَقالَ: إنَّ اللَّهَ لَمْ يَبْعَثْنِي مُتَعَنِّتًا، وإنَّما بَعَثَنِي مُعَلِّمًا مُيَسِّرًا، لا تَسْألُنِي امْرَأةٌ مِنهُنَّ عَمّا اخْتَرْتِ إلّا أخْبَرْتُها» . وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ عَنْ أبِي سَلَمَةَ الحَضْرَمِيِّ قالَ: جَلَسْتُ مَعَ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ وجابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وهُما يَتَحَدَّثانِ، وقَدْ ذَهَبَ بَصَرُ جابِرٍ، فَجاءَ رَجُلٌ فَسَلَّمَ ثُمَّ جَلَسَ، فَقالَ: يا أبا عَبْدِ اللَّهِ، أرْسَلَنِي إلَيْكَ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ أسْألُكَ فِيمَ هَجَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ نِساءَهُ؟ فَقالَ جابِرٌ: «تَرَكَنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمًا ولَيْلَةً لَمْ يَخْرُجْ إلى الصَّلاةِ، فَأخَذَنا ما تَقَدَّمَ وما تَأخَّرَ، فاجْتَمَعْنا بِبابِهِ، فَنَتَكَلَّمُ لِيَسْمَعَ كَلامَنا ويَعْلَمَ مَكانَنا، فَأطَلْنا الوُقُوفَ، فَلَمْ يَأْذَنْ لَنا ولَمْ يَخْرُجْ إلَيْنا، فَقُلْنا: قَدْ عَلِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَكانَكُمْ، ولَوْ أرادَ أنْ يَأْذَنَ لَكم لِأذِنَ، فَتَفَرَّقُوا لا تُؤْذُوهُ. فَتَفَرَّقَ النّاسُ غَيْرَ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ يَتَنَحْنَحُ ويَتَكَلَّمُ ويَسْتَأْذِنُ، حَتّى أذِنَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، قالَ عُمَرُ: فَدَخَلْتُ عَلَيْهِ وهو واضِعٌ يَدَهُ عَلى خَدِّهِ أعْرِفُ بِهِ الكَآبَةَ فَقُلْتُ لَهُ: أيْ نَبِيَّ اللَّهِ، بِأبِي أنْتَ وأُمِّي، ما الَّذِي رابَكَ؟ وما لَقِيَ النّاسُ (p-٢١)بَعْدَكَ مِن فَقْدِهِمْ لِرُؤْيَتِكَ؟ فَقالَ:“يا عُمَرُ، سَألْنَنِي أُولاءِ ما لَيْسَ عِنْدِي - يَعْنِي نِساءَهُ - فَذاكَ الَّذِي بَلَغَ بِي ما تَرى”، فَقُلْتُ: يا نَبِيَّ اللَّهِ قَدْ صَكَكْتُ جَمِيلَةَ بِنْتَ ثابِتٍ صَكَّةً ألْصَقْتُ خَدَّها مِنها بِالأرْضِ؛ لِأنَّها سَألَتْنِي ما لَيْسَ عِنْدِي، وأنْتَ يا رَسُولَ اللَّهِ عَلى مَوْعِدٍ مِن رَبِّكَ، وهو جاعِلٌ بَعْدَ العُسْرِ يُسْرًا، قالَ: فَلَمْ أزَلْ أُكَلِّمُهُ حَتّى رَأيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ تَحَلَّلَ عَنْهُ بَعْضُ ذَلِكَ، فَخَرَجْتُ فَلَقِيتُ أبا بَكْرٍ الصَّدِيقَ فَحَدَّثْتُهُ الحَدِيثَ، فَدَخَلَ أبُو بَكْرٍ عَلى عائِشَةَ قَدْ عَلِمْتِ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لا يَدَّخِرُ عَنْكُنَّ شَيْئًا، فَلا تَسْألِيهِ ما لا يَجِدُ، انْظُرِي حاجَتَكِ فاطْلُبِيها إلَيَّ، وانْطَلَقَ عُمَرُ إلى حَفْصَةَ، فَذَكَرَ لَها مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ اتَّبَعا أُمَّهاتِ المُؤْمِنِينَ، فَجَعَلا يَذْكُرانِ لَهُنَّ مِثْلَ ذَلِكَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى في ذَلِكَ: ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ قُلْ لأزْواجِكَ إنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الحَياةَ الدُّنْيا وزِينَتَها فَتَعالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وأُسَرِّحْكُنَّ سَراحًا جَمِيلا﴾ يَعْنِي مُتْعَةَ الطَّلاقِ، ويَعْنِي بِتَسْرِيحِهِنَّ تَطْلِيقَهُنَّ طَلاقًا جَمِيلًا، ﴿وإنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ ورَسُولَهُ والدّارَ الآخِرَةَ فَإنَّ اللَّهَ أعَدَّ لِلْمُحْسِناتِ مِنكُنَّ أجْرًا عَظِيمًا﴾، فانْطَلَقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَبَدَأ بِعائِشَةَ فَقالَ:“إنَّ اللَّهَ قَدْ أمَرَنِي أنْ أُخَيِّرَكُنَّ بَيْنَ أنْ تَخْتَرْنَ اللَّهَ ورَسُولَهُ والدّارَ الآخِرَةَ، وبَيْنَ أنْ تَخْتَرْنَ الدُّنْيا وزِينَتَها، وقَدْ بَدَأْتُ بِكِ وأنا أُخَيِّرُكِ”قالَتْ: وهَلْ بَدَأْتَ بِأحَدٍ مِنهُنَّ قَبْلِي؟ قالَ:“لا”، قالَتْ: فَإنِّي أخْتارُ اللَّهَ ورَسُولَهُ والدّارَ الآخِرَةَ، فاكْتُمْ عَلَيَّ ولا تُخْبِرْ بِذاكَ نِساءَكَ. قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:“بَلْ أُخْبِرُهُنَّ بِهِ”. فَأخْبَرَهُنَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ جَمِيعًا، فاخْتَرْنَ (p-٢٢)اللَّهَ ورَسُولَهُ والدّارَ الآخِرَةَ، فَكانَ خِيارُهُ بَيْنَ الدُّنْيا والآخِرَةِ، أتَخْتَرْنَ الآخِرَةَ أوِ الدُّنْيا؟ قالَ: ﴿وإنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ ورَسُولَهُ والدّارَ الآخِرَةَ فَإنَّ اللَّهَ أعَدَّ لِلْمُحْسِناتِ مِنكُنَّ أجْرًا عَظِيمًا﴾ فاخْتَرْنَ ألّا يَتَزَوَّجْنَ بَعْدَهُ، ثُمَّ قالَ: ﴿يا نِساءَ النَّبِيِّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾، يَعْنِي الزِّنا، ﴿يُضاعَفْ لَها العَذابُ ضِعْفَيْنِ﴾ يَعْنِي في الآخِرَةِ، ﴿وكانَ ذَلِكَ عَلى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ ﴿ومَن يَقْنُتْ مِنكُنَّ لِلَّهِ ورَسُولِهِ﴾ . يَعْنِي: تُطِعِ اللَّهَ ورَسُولَهُ، ﴿وتَعْمَلْ صالِحًا نُؤْتِها أجْرَها مَرَّتَيْنِ﴾ مُضاعَفًا لَها في الآخِرَةِ، ﴿وأعْتَدْنا لَها رِزْقًا كَرِيمًا﴾ ﴿يا نِساءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأحَدٍ مِنَ النِّساءِ إنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي في قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾ [الأحزاب: ٣٢] . يَقُولُ: فُجُورٌ، ﴿وقُلْنَ قَوْلا مَعْرُوفًا﴾ [الأحزاب: ٣٢] ﴿وقَرْنَ في بُيُوتِكُنَّ﴾ [الأحزاب: ٣٣] يَقُولُ: لا تَخْرُجْنَ مِن بُيُوتِكُنَّ، ﴿ولا تَبَرَّجْنَ﴾ [الأحزاب: ٣٣] . يَعْنِي إلْقاءَ القِناعِ، فِعْلَ أهْلَ الجاهِلِيَّةِ الأُولى» . ثُمَّ قالَ جابِرٌ لِأبِي سَعِيدٍ: ألَمْ يَكُنِ الحَدِيثُ هَكَذا؟ قالَ: بَلى. وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ وابْنُ ماجَهْ وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، والبَيْهَقِيُّ في“سُنَنِهِ”، عَنْ عائِشَةَ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ جاءَها حِينَ أمَرَهُ اللَّهُ أنْ يُخَيِّرَ أزْواجَهُ، قالَتْ: فَبَدَأ بِي فَقالَ:“إنِّي ذاكِرٌ لَكَ أمْرًا، فَلا عَلَيْكَ أنْ لا تَسْتَعْجِلِي حَتّى تَسْتَأْمِرِي (p-٢٣)أبَوَيْكِ”. وقَدْ عَلِمَ أنَّ أبَوَيَّ لَمْ يَكُونا يَأْمُرانِي بِفِراقِهِ، فَقالَ:“إنَّ اللَّهَ قالَ: ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ قُلْ لأزْواجِكَ إنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الحَياةَ الدُّنْيا وزِينَتَها﴾ إلى تَمامِ الآيَتَيْنِ، فَقُلْتُ لَهُ: فَفي أيِّ هَذا أسْتَأْمِرُ أبَوَيَّ؟ فَإنِّي أُرِيدُ اللَّهَ ورَسُولَهُ والدّارَ الآخِرَةَ. وفَعَلَ أزْواجُ النَّبِيِّ ﷺ مِثْلَ ما فَعَلْتُ» . وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قالَ: «لَمّا خَيَّرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ نِساءَهُ بَدَأ بِعائِشَةَ فَقالَ: ”إنَّ اللَّهَ خَيَّرَكِ“ فَقالَتِ: اخْتَرْتُ اللَّهَ ورَسُولَهُ. ثُمَّ خَيَّرَ حَفْصَةَ فَقَبِلْنَ جَمِيعًا، فاخْتَرْنَ اللَّهَ ورَسُولَهُ، غَيْرَ العامِرِيَّةِ اخْتارَتْ قَوْمَها، فَكانَتْ بَعْدُ تَقُولُ: أنا الشَّقِيَّةُ، وكانَتْ تَلْقُطُ البَعْرَ وتَبِيعُهُ، وتَسْتَأْذِنُ عَلى أزْواجِ النَّبِيِّ ﷺ وتَسْألُهُنَّ، وتَقُولُ: أنا الشَّقِيَّةُ» . وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ عَنْ أبِي جَعْفَرٍ قالَ: «قالَ نِساءُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: ما نِساءٌ أغْلى مُهُورًا مِنّا، فَغارَ اللَّهُ لِنَبِيِّهِ فَأمَرَهُ أنْ يَعْتَزِلَهُنَّ، فاعْتَزَلَهُنَّ تِسْعَةً وعِشْرِينَ يَوْمًا، ثُمَّ أمَرَهُ أنْ يُخَيِّرَهُنَّ فَخَيَّرَهُنَّ» . (p-٢٤)وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ عَنِ ابْنِ مَنّاحٍ قالَ: «اخْتَرْنَهُ ﷺ جَمِيعًا غَيْرَ العامِرِيَّةِ، كانَتْ ذاهِبَةَ العَقْلِ حَتّى ماتَتْ» . وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُويَهْ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: «حَلَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَيَهْجُرُنا شَهْرًا، فَدَخَلَ عَلَيَّ صَبِيحَةَ تِسْعَةٍ وعِشْرِينَ، فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ ألَمْ تَكُنْ حَلَفْتَ لَتَهْجُرُنا شَهْرًا قالَ: ”إنَّ الشَّهْرَ هَكَذا وهَكَذا وهَكَذا، وضَرَبَ بِيَدَيْهِ جَمِيعًا، وقَبَضَ إصْبَعًا في الثّالِثَةِ، ثُمَّ قالَ:“يا عائِشَةُ، إنِّي ذاكِرٌ لَكِ أمْرًا، فَلا عَلَيْكِ أنْ لا تَعْجَلِي حَتّى تَسْتَشِيرِي أبَوَيْكِ”. وخَشِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَداثَةَ سِنِّي، قُلْتُ: وما ذاكَ يا رَسُولَ اللَّهِ؟ قالَ:“إنِّي أُمِرْتُ أنْ أُخَيِّرَكُنَّ”. ثُمَّ تَلا هَذِهِ الآيَةَ: ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ قُلْ لأزْواجِكَ إنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الحَياةَ الدُّنْيا وزِينَتَها﴾ . إلى قَوْلِهِ: ﴿أجْرًا عَظِيمًا﴾ قالَتْ: قُلْتُ: فِيمَ أسْتَشِيرُ أبَوَيَّ يا رَسُولَ اللَّهِ؟! بَلْ أخْتارُ اللَّهَ ورَسُولَهُ، فَسُرَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِذَلِكَ، وسَمِعَ نِساؤُهُ بِذَلِكَ فَتَواتَرْنَ عَلَيْهِ» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «إنَّما خَيَّرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أزْواجَهُ بَيْنَ الدُّنْيا والآخِرَةِ» . (p-٢٥)وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ والحَسَنِ قالا: «أمَرَهُ اللَّهُ أنْ يُخَيِّرَهُنَّ بَيْنَ الدُّنْيا والآخِرَةِ، والجَنَّةِ والنّارِ» -قالَ الحَسَنُ: في شَيْءٍ كُنَّ أرَدْنَهُ مِنَ الدُّنْيا، وقالَ قَتادَةُ: في غَيْرَةٍ كانَتْ غارَتْها عائِشَةُ- وكانَ تَحْتَهُ يَوْمَئِذٍ تِسْعُ نِسْوَةٍ خَمْسٌ مِن قُرَيْشٍ؛ عائِشَةُ، وحَفْصَةُ، وأُمُّ حَبِيبَةَ بِنْتُ أبِي سُفْيانَ، وسَوْدَةُ بِنْتُ زَمْعَةَ، وأُمُّ سَلَمَةَ بِنْتُ أبِي أُمَيَّةَ، وكانَتْ تَحْتَهُ صَفِيَّةُ بِنْتُ حَيَيٍّ الخَيْبَرِيَّةُ، ومَيْمُونَةُ بِنْتُ الحارِثِ الهِلالِيَّةُ، وزَيْنَبُ بِنْتُ جَحْشٍ الأسْدِيَّةُ، وجُوَيْرِيَةُ بِنْتُ الحارِثِ مِن بَنِي المُصْطَلِقِ، وبَدَأ بِعائِشَةَ فَلَمّا اخْتارَتِ اللَّهَ ورَسُولَهُ والدّارَ الآخِرَةَ رُئِيَ الفَرَحُ في وجْهِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَتَتابَعْنَ كُلُّهُنَّ عَلى ذَلِكَ، فَلَمّا خَيَّرَهُنَّ واخْتَرْنَ اللَّهَ ورَسُولَهُ والدّارَ الآخِرَةَ شَكَرَهُنَّ اللَّهُ عَلى ذَلِكَ أنْ قالَ: ﴿لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِن بَعْدُ ولا أنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِن أزْواجٍ ولَوْ أعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ﴾ [الأحزاب: ٥٢] [الأحْزابَ: ٥٢] فَقَصَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِنَّ، وهُنَّ التِّسْعُ اللّاتِي اخْتَرْنَ اللَّهَ ورَسُولَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ في قَوْلِهِ: ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ قُلْ لأزْواجِكَ﴾ الآيَةَ، قالَ: «أمَرَ اللَّهُ تَعالى نَبِيَّهُ ﷺ أنْ يُخَيِّرَ نِساءَهُ في هَذِهِ الآيَةِ، فَلَمْ تَخْتَرْ واحِدَةٌ مِنهُنَّ نَفْسَها غَيْرَ الحِمْيَرِيَّةِ» . وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في“السُّنَنِ" عَنْ مُقاتِلِ بْنِ سُلَيْمانَ في قَوْلِهِ: ﴿يا نِساءَ النَّبِيِّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ يَعْنِي العِصْيانَ لِلنَّبِيِّ ﷺ، (p-٢٦)﴿يُضاعَفْ لَها العَذابُ ضِعْفَيْنِ﴾ . في الآخِرَةِ، ﴿وكانَ ذَلِكَ عَلى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ يَقُولُ: وكانَ عَذابُها عِنْدَ اللَّهِ هَيِّنًا، ﴿ومَن يَقْنُتْ﴾ يَعْنِي: مَن يُطِعْ مِنكُنَّ اللَّهَ ورَسُولَهُ، ﴿وتَعْمَلْ صالِحًا نُؤْتِها أجْرَها مَرَّتَيْنِ﴾ في الآخِرَةِ، بِكُلِّ صَلاةٍ أوْ صِيامٍ أوْ صَدَقَةٍ أوْ تَكْبِيرَةٍ أوْ تَسْبِيحَةٍ بِاللِّسانِ، مَكانَ كُلِّ حَسَنَةٍ يَكْتُبُ عِشْرِينَ حَسَنَةً. ﴿وأعْتَدْنا لَها رِزْقًا كَرِيمًا﴾ يَعْنِي: حَسَنًا، وهي الجَنَّةُ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿يُضاعَفْ لَها العَذابُ ضِعْفَيْنِ﴾ . قالَ: عَذابُ الدُّنْيا وعَذابُ الآخِرَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ في قَوْلِهِ: ﴿يُضاعَفْ لَها العَذابُ ضِعْفَيْنِ﴾ قالَ: يُجْعَلُ عَذابُهُنَّ ضِعْفَيْنِ، ويُجْعَلُ عَلى مَن قَذَفَهُنَّ الحَدُّ ضِعْفَيْنِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أنَسٍ في قَوْلِهِ: ﴿يا نِساءَ النَّبِيِّ﴾ الآيَتَيْنِ. قالَ: إنَّ الحُجَّةَ عَلى الأنْبِياءِ أشَدُّ مِنها عَلى الأتْباعِ في الخَطِيئَةِ، وإنَّ الحُجَّةَ عَلى (p-٢٧)العُلَماءِ أشَدُّ مِنها عَلى غَيْرِهِمْ، وإنَّ الحُجَّةَ عَلى نِساءِ النَّبِيِّ ﷺ أشَدُّ مِنها عَلى غَيْرِهِنَّ، فَقالَ: إنَّهُ مَن عَصى مِنكُنَّ فَإنَّهُ يَكُونُ العَذابُ عَلَيْها الضَّعْفَ مِنهُ عَلى سائِرِ نِساءِ المُؤْمِنِينَ، ومَن عَمِلَ صالِحًا فَإنَّ الأجْرَ لَها الضِّعْفُ عَلى سائِرِ نِساءِ المُسْلِمِينَ. أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُويَهْ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ومَن يَقْنُتْ مِنكُنَّ لِلَّهِ ورَسُولِهِ وتَعْمَلْ صالِحًا﴾ . قالَ: يَقُولُ: مَن يُطِعِ اللَّهَ مِنكُنَّ وتَعْمَلْ مِنكُنَّ لِلَّهِ ورَسُولِهِ بِطاعَتِهِ. وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ عَنْ عَطاءِ بْنِ يَسارٍ في قَوْلِهِ: ﴿ومَن يَقْنُتْ مِنكُنَّ﴾ يَعْنِي: تُطِعِ اللَّهَ ورَسُولَهُ، ﴿وتَعْمَلْ صالِحًا﴾: تَصُومُ وتُصَلِّي. وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ عَنْ أبِي أُمامَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أرْبَعَةٌ يُؤْتُونَ أجْرَهم مَرَّتَيْنِ، أزْواجُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ومَن أسْلَمَ مِن أهْلِ الكِتابِ، ورَجُلٌ كانَتْ عِنْدَهُ أمَةٌ، فَأعْجَبَتْهُ فَأعْتَقَها ثُمَّ تَزَوَّجَها وعَبْدٌ مَمْلُوكٌ أدّى حَقَّ اللَّهِ وحَقَّ سادَتِهِ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ آبائِهِ في قَوْلِهِ: ﴿يا نِساءَ النَّبِيِّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفاحِشَةٍ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿نُؤْتِها أجْرَها مَرَّتَيْنِ﴾ . وقَوْلِهِ: (p-٢٨)﴿إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أهْلَ البَيْتِ﴾ [الأحزاب: ٣٣] . قالَ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ: يَجْرِي أزْواجُهُ مَجْرانا في العِقابِ والثَّوابِ.

الأحزاب 33:29

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ قُلْ لأزْواجِكَ﴾ الآيَةَ. أخْرَجَ أحْمَدُ، ومُسْلِمٌ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، مِن طَرِيقِ أبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جابِرٍ قالَ: «أقْبَلَ أبُو بَكْرٍ يَسْتَأْذِنُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ والنّاسُ بِبابِهِ جُلُوسٌ، والنَّبِيُّ ﷺ جالِسٌ، فَلَمْ يُؤْذَنْ لَهُ، ثُمَّ أقْبَلَ عُمَرُ فاسْتَأْذَنَ فَلَمْ يُؤْذَنْ لَهُ، ثُمَّ أُذِنَ لِأبِي بَكْرٍ وعُمَرَ فَدَخَلا، والنَّبِيُّ ﷺ جالِسٌ وحَوْلَهُ نِساؤُهُ وهو ساكِتٌ، فَقالَ عُمَرُ: لَأُكَلِّمَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَعَلَّهُ يَضْحَكُ. فَقالَ عُمَرُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، لَوْ رَأيْتَ ابْنَةَ زَيْدٍ -امْرَأةَ عُمَرَ- سَألَتْنِي النَّفَقَةَ آنِفًا فَوَجَأْتُ عُنُقَها. فَضَحِكَ النَّبِيُّ ﷺ حَتّى بَدا ناجِذُهُ وقالَ: ”هُنَّ حَوْلِي يَسْألْنَنِي النَّفَقَةَ“، فَقامَ أبُو بَكْرٍ إلى عائِشَةَ لِيَضْرِبَها، وقامَ عُمَرُ إلى حَفْصَةَ كِلاهُما يَقُولانِ: تَسْألانِ النَّبِيَّ ﷺ ما لَيْسَ عِنْدَهُ؟ فَنَهاهُما رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَقُلْنَ نِساؤُهُ: واللَّهِ لا نَسْألُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ هَذا المَجْلِسِ ما لَيْسَ عِنْدَهُ. وأنْزَلَ (p-٢٠)اللَّهُ الخِيارَ فَبَدَأ بِعائِشَةَ فَقالَ: ”إنِّي ذاكِرٌ لَكِ أمْرًا ما أُحِبُّ أنْ تَعْجَلِي فِيهِ حَتّى تَسْتَأْمِرِي أبَوَيْكِ، قالَتْ: ما هُوَ؟ فَتَلا عَلَيْها: ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ قُلْ لأزْواجِكَ﴾ الآيَةَ، قالَتْ عائِشَةُ: أفِيكَ أسْتَأْمِرُ أبَوَيَّ؟! بَلْ أخْتارُ اللَّهَ ورَسُولَهُ وأسْألُكَ ألّا تَذْكُرَ لِامْرَأةٍ مِن نِسائِكَ ما اخْتَرْتُ فَقالَ: إنَّ اللَّهَ لَمْ يَبْعَثْنِي مُتَعَنِّتًا، وإنَّما بَعَثَنِي مُعَلِّمًا مُيَسِّرًا، لا تَسْألُنِي امْرَأةٌ مِنهُنَّ عَمّا اخْتَرْتِ إلّا أخْبَرْتُها» . وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ عَنْ أبِي سَلَمَةَ الحَضْرَمِيِّ قالَ: جَلَسْتُ مَعَ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ وجابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وهُما يَتَحَدَّثانِ، وقَدْ ذَهَبَ بَصَرُ جابِرٍ، فَجاءَ رَجُلٌ فَسَلَّمَ ثُمَّ جَلَسَ، فَقالَ: يا أبا عَبْدِ اللَّهِ، أرْسَلَنِي إلَيْكَ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ أسْألُكَ فِيمَ هَجَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ نِساءَهُ؟ فَقالَ جابِرٌ: «تَرَكَنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمًا ولَيْلَةً لَمْ يَخْرُجْ إلى الصَّلاةِ، فَأخَذَنا ما تَقَدَّمَ وما تَأخَّرَ، فاجْتَمَعْنا بِبابِهِ، فَنَتَكَلَّمُ لِيَسْمَعَ كَلامَنا ويَعْلَمَ مَكانَنا، فَأطَلْنا الوُقُوفَ، فَلَمْ يَأْذَنْ لَنا ولَمْ يَخْرُجْ إلَيْنا، فَقُلْنا: قَدْ عَلِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَكانَكُمْ، ولَوْ أرادَ أنْ يَأْذَنَ لَكم لِأذِنَ، فَتَفَرَّقُوا لا تُؤْذُوهُ. فَتَفَرَّقَ النّاسُ غَيْرَ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ يَتَنَحْنَحُ ويَتَكَلَّمُ ويَسْتَأْذِنُ، حَتّى أذِنَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، قالَ عُمَرُ: فَدَخَلْتُ عَلَيْهِ وهو واضِعٌ يَدَهُ عَلى خَدِّهِ أعْرِفُ بِهِ الكَآبَةَ فَقُلْتُ لَهُ: أيْ نَبِيَّ اللَّهِ، بِأبِي أنْتَ وأُمِّي، ما الَّذِي رابَكَ؟ وما لَقِيَ النّاسُ (p-٢١)بَعْدَكَ مِن فَقْدِهِمْ لِرُؤْيَتِكَ؟ فَقالَ:“يا عُمَرُ، سَألْنَنِي أُولاءِ ما لَيْسَ عِنْدِي - يَعْنِي نِساءَهُ - فَذاكَ الَّذِي بَلَغَ بِي ما تَرى”، فَقُلْتُ: يا نَبِيَّ اللَّهِ قَدْ صَكَكْتُ جَمِيلَةَ بِنْتَ ثابِتٍ صَكَّةً ألْصَقْتُ خَدَّها مِنها بِالأرْضِ؛ لِأنَّها سَألَتْنِي ما لَيْسَ عِنْدِي، وأنْتَ يا رَسُولَ اللَّهِ عَلى مَوْعِدٍ مِن رَبِّكَ، وهو جاعِلٌ بَعْدَ العُسْرِ يُسْرًا، قالَ: فَلَمْ أزَلْ أُكَلِّمُهُ حَتّى رَأيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ تَحَلَّلَ عَنْهُ بَعْضُ ذَلِكَ، فَخَرَجْتُ فَلَقِيتُ أبا بَكْرٍ الصَّدِيقَ فَحَدَّثْتُهُ الحَدِيثَ، فَدَخَلَ أبُو بَكْرٍ عَلى عائِشَةَ قَدْ عَلِمْتِ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لا يَدَّخِرُ عَنْكُنَّ شَيْئًا، فَلا تَسْألِيهِ ما لا يَجِدُ، انْظُرِي حاجَتَكِ فاطْلُبِيها إلَيَّ، وانْطَلَقَ عُمَرُ إلى حَفْصَةَ، فَذَكَرَ لَها مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ اتَّبَعا أُمَّهاتِ المُؤْمِنِينَ، فَجَعَلا يَذْكُرانِ لَهُنَّ مِثْلَ ذَلِكَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى في ذَلِكَ: ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ قُلْ لأزْواجِكَ إنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الحَياةَ الدُّنْيا وزِينَتَها فَتَعالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وأُسَرِّحْكُنَّ سَراحًا جَمِيلا﴾ يَعْنِي مُتْعَةَ الطَّلاقِ، ويَعْنِي بِتَسْرِيحِهِنَّ تَطْلِيقَهُنَّ طَلاقًا جَمِيلًا، ﴿وإنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ ورَسُولَهُ والدّارَ الآخِرَةَ فَإنَّ اللَّهَ أعَدَّ لِلْمُحْسِناتِ مِنكُنَّ أجْرًا عَظِيمًا﴾، فانْطَلَقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَبَدَأ بِعائِشَةَ فَقالَ:“إنَّ اللَّهَ قَدْ أمَرَنِي أنْ أُخَيِّرَكُنَّ بَيْنَ أنْ تَخْتَرْنَ اللَّهَ ورَسُولَهُ والدّارَ الآخِرَةَ، وبَيْنَ أنْ تَخْتَرْنَ الدُّنْيا وزِينَتَها، وقَدْ بَدَأْتُ بِكِ وأنا أُخَيِّرُكِ”قالَتْ: وهَلْ بَدَأْتَ بِأحَدٍ مِنهُنَّ قَبْلِي؟ قالَ:“لا”، قالَتْ: فَإنِّي أخْتارُ اللَّهَ ورَسُولَهُ والدّارَ الآخِرَةَ، فاكْتُمْ عَلَيَّ ولا تُخْبِرْ بِذاكَ نِساءَكَ. قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:“بَلْ أُخْبِرُهُنَّ بِهِ”. فَأخْبَرَهُنَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ جَمِيعًا، فاخْتَرْنَ (p-٢٢)اللَّهَ ورَسُولَهُ والدّارَ الآخِرَةَ، فَكانَ خِيارُهُ بَيْنَ الدُّنْيا والآخِرَةِ، أتَخْتَرْنَ الآخِرَةَ أوِ الدُّنْيا؟ قالَ: ﴿وإنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ ورَسُولَهُ والدّارَ الآخِرَةَ فَإنَّ اللَّهَ أعَدَّ لِلْمُحْسِناتِ مِنكُنَّ أجْرًا عَظِيمًا﴾ فاخْتَرْنَ ألّا يَتَزَوَّجْنَ بَعْدَهُ، ثُمَّ قالَ: ﴿يا نِساءَ النَّبِيِّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾، يَعْنِي الزِّنا، ﴿يُضاعَفْ لَها العَذابُ ضِعْفَيْنِ﴾ يَعْنِي في الآخِرَةِ، ﴿وكانَ ذَلِكَ عَلى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ ﴿ومَن يَقْنُتْ مِنكُنَّ لِلَّهِ ورَسُولِهِ﴾ . يَعْنِي: تُطِعِ اللَّهَ ورَسُولَهُ، ﴿وتَعْمَلْ صالِحًا نُؤْتِها أجْرَها مَرَّتَيْنِ﴾ مُضاعَفًا لَها في الآخِرَةِ، ﴿وأعْتَدْنا لَها رِزْقًا كَرِيمًا﴾ ﴿يا نِساءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأحَدٍ مِنَ النِّساءِ إنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي في قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾ [الأحزاب: ٣٢] . يَقُولُ: فُجُورٌ، ﴿وقُلْنَ قَوْلا مَعْرُوفًا﴾ [الأحزاب: ٣٢] ﴿وقَرْنَ في بُيُوتِكُنَّ﴾ [الأحزاب: ٣٣] يَقُولُ: لا تَخْرُجْنَ مِن بُيُوتِكُنَّ، ﴿ولا تَبَرَّجْنَ﴾ [الأحزاب: ٣٣] . يَعْنِي إلْقاءَ القِناعِ، فِعْلَ أهْلَ الجاهِلِيَّةِ الأُولى» . ثُمَّ قالَ جابِرٌ لِأبِي سَعِيدٍ: ألَمْ يَكُنِ الحَدِيثُ هَكَذا؟ قالَ: بَلى. وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ وابْنُ ماجَهْ وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، والبَيْهَقِيُّ في“سُنَنِهِ”، عَنْ عائِشَةَ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ جاءَها حِينَ أمَرَهُ اللَّهُ أنْ يُخَيِّرَ أزْواجَهُ، قالَتْ: فَبَدَأ بِي فَقالَ:“إنِّي ذاكِرٌ لَكَ أمْرًا، فَلا عَلَيْكَ أنْ لا تَسْتَعْجِلِي حَتّى تَسْتَأْمِرِي (p-٢٣)أبَوَيْكِ”. وقَدْ عَلِمَ أنَّ أبَوَيَّ لَمْ يَكُونا يَأْمُرانِي بِفِراقِهِ، فَقالَ:“إنَّ اللَّهَ قالَ: ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ قُلْ لأزْواجِكَ إنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الحَياةَ الدُّنْيا وزِينَتَها﴾ إلى تَمامِ الآيَتَيْنِ، فَقُلْتُ لَهُ: فَفي أيِّ هَذا أسْتَأْمِرُ أبَوَيَّ؟ فَإنِّي أُرِيدُ اللَّهَ ورَسُولَهُ والدّارَ الآخِرَةَ. وفَعَلَ أزْواجُ النَّبِيِّ ﷺ مِثْلَ ما فَعَلْتُ» . وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قالَ: «لَمّا خَيَّرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ نِساءَهُ بَدَأ بِعائِشَةَ فَقالَ: ”إنَّ اللَّهَ خَيَّرَكِ“ فَقالَتِ: اخْتَرْتُ اللَّهَ ورَسُولَهُ. ثُمَّ خَيَّرَ حَفْصَةَ فَقَبِلْنَ جَمِيعًا، فاخْتَرْنَ اللَّهَ ورَسُولَهُ، غَيْرَ العامِرِيَّةِ اخْتارَتْ قَوْمَها، فَكانَتْ بَعْدُ تَقُولُ: أنا الشَّقِيَّةُ، وكانَتْ تَلْقُطُ البَعْرَ وتَبِيعُهُ، وتَسْتَأْذِنُ عَلى أزْواجِ النَّبِيِّ ﷺ وتَسْألُهُنَّ، وتَقُولُ: أنا الشَّقِيَّةُ» . وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ عَنْ أبِي جَعْفَرٍ قالَ: «قالَ نِساءُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: ما نِساءٌ أغْلى مُهُورًا مِنّا، فَغارَ اللَّهُ لِنَبِيِّهِ فَأمَرَهُ أنْ يَعْتَزِلَهُنَّ، فاعْتَزَلَهُنَّ تِسْعَةً وعِشْرِينَ يَوْمًا، ثُمَّ أمَرَهُ أنْ يُخَيِّرَهُنَّ فَخَيَّرَهُنَّ» . (p-٢٤)وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ عَنِ ابْنِ مَنّاحٍ قالَ: «اخْتَرْنَهُ ﷺ جَمِيعًا غَيْرَ العامِرِيَّةِ، كانَتْ ذاهِبَةَ العَقْلِ حَتّى ماتَتْ» . وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُويَهْ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: «حَلَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَيَهْجُرُنا شَهْرًا، فَدَخَلَ عَلَيَّ صَبِيحَةَ تِسْعَةٍ وعِشْرِينَ، فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ ألَمْ تَكُنْ حَلَفْتَ لَتَهْجُرُنا شَهْرًا قالَ: ”إنَّ الشَّهْرَ هَكَذا وهَكَذا وهَكَذا، وضَرَبَ بِيَدَيْهِ جَمِيعًا، وقَبَضَ إصْبَعًا في الثّالِثَةِ، ثُمَّ قالَ:“يا عائِشَةُ، إنِّي ذاكِرٌ لَكِ أمْرًا، فَلا عَلَيْكِ أنْ لا تَعْجَلِي حَتّى تَسْتَشِيرِي أبَوَيْكِ”. وخَشِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَداثَةَ سِنِّي، قُلْتُ: وما ذاكَ يا رَسُولَ اللَّهِ؟ قالَ:“إنِّي أُمِرْتُ أنْ أُخَيِّرَكُنَّ”. ثُمَّ تَلا هَذِهِ الآيَةَ: ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ قُلْ لأزْواجِكَ إنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الحَياةَ الدُّنْيا وزِينَتَها﴾ . إلى قَوْلِهِ: ﴿أجْرًا عَظِيمًا﴾ قالَتْ: قُلْتُ: فِيمَ أسْتَشِيرُ أبَوَيَّ يا رَسُولَ اللَّهِ؟! بَلْ أخْتارُ اللَّهَ ورَسُولَهُ، فَسُرَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِذَلِكَ، وسَمِعَ نِساؤُهُ بِذَلِكَ فَتَواتَرْنَ عَلَيْهِ» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «إنَّما خَيَّرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أزْواجَهُ بَيْنَ الدُّنْيا والآخِرَةِ» . (p-٢٥)وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ والحَسَنِ قالا: «أمَرَهُ اللَّهُ أنْ يُخَيِّرَهُنَّ بَيْنَ الدُّنْيا والآخِرَةِ، والجَنَّةِ والنّارِ» -قالَ الحَسَنُ: في شَيْءٍ كُنَّ أرَدْنَهُ مِنَ الدُّنْيا، وقالَ قَتادَةُ: في غَيْرَةٍ كانَتْ غارَتْها عائِشَةُ- وكانَ تَحْتَهُ يَوْمَئِذٍ تِسْعُ نِسْوَةٍ خَمْسٌ مِن قُرَيْشٍ؛ عائِشَةُ، وحَفْصَةُ، وأُمُّ حَبِيبَةَ بِنْتُ أبِي سُفْيانَ، وسَوْدَةُ بِنْتُ زَمْعَةَ، وأُمُّ سَلَمَةَ بِنْتُ أبِي أُمَيَّةَ، وكانَتْ تَحْتَهُ صَفِيَّةُ بِنْتُ حَيَيٍّ الخَيْبَرِيَّةُ، ومَيْمُونَةُ بِنْتُ الحارِثِ الهِلالِيَّةُ، وزَيْنَبُ بِنْتُ جَحْشٍ الأسْدِيَّةُ، وجُوَيْرِيَةُ بِنْتُ الحارِثِ مِن بَنِي المُصْطَلِقِ، وبَدَأ بِعائِشَةَ فَلَمّا اخْتارَتِ اللَّهَ ورَسُولَهُ والدّارَ الآخِرَةَ رُئِيَ الفَرَحُ في وجْهِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَتَتابَعْنَ كُلُّهُنَّ عَلى ذَلِكَ، فَلَمّا خَيَّرَهُنَّ واخْتَرْنَ اللَّهَ ورَسُولَهُ والدّارَ الآخِرَةَ شَكَرَهُنَّ اللَّهُ عَلى ذَلِكَ أنْ قالَ: ﴿لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِن بَعْدُ ولا أنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِن أزْواجٍ ولَوْ أعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ﴾ [الأحزاب: ٥٢] [الأحْزابَ: ٥٢] فَقَصَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِنَّ، وهُنَّ التِّسْعُ اللّاتِي اخْتَرْنَ اللَّهَ ورَسُولَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ في قَوْلِهِ: ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ قُلْ لأزْواجِكَ﴾ الآيَةَ، قالَ: «أمَرَ اللَّهُ تَعالى نَبِيَّهُ ﷺ أنْ يُخَيِّرَ نِساءَهُ في هَذِهِ الآيَةِ، فَلَمْ تَخْتَرْ واحِدَةٌ مِنهُنَّ نَفْسَها غَيْرَ الحِمْيَرِيَّةِ» . وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في“السُّنَنِ" عَنْ مُقاتِلِ بْنِ سُلَيْمانَ في قَوْلِهِ: ﴿يا نِساءَ النَّبِيِّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ يَعْنِي العِصْيانَ لِلنَّبِيِّ ﷺ، (p-٢٦)﴿يُضاعَفْ لَها العَذابُ ضِعْفَيْنِ﴾ . في الآخِرَةِ، ﴿وكانَ ذَلِكَ عَلى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ يَقُولُ: وكانَ عَذابُها عِنْدَ اللَّهِ هَيِّنًا، ﴿ومَن يَقْنُتْ﴾ يَعْنِي: مَن يُطِعْ مِنكُنَّ اللَّهَ ورَسُولَهُ، ﴿وتَعْمَلْ صالِحًا نُؤْتِها أجْرَها مَرَّتَيْنِ﴾ في الآخِرَةِ، بِكُلِّ صَلاةٍ أوْ صِيامٍ أوْ صَدَقَةٍ أوْ تَكْبِيرَةٍ أوْ تَسْبِيحَةٍ بِاللِّسانِ، مَكانَ كُلِّ حَسَنَةٍ يَكْتُبُ عِشْرِينَ حَسَنَةً. ﴿وأعْتَدْنا لَها رِزْقًا كَرِيمًا﴾ يَعْنِي: حَسَنًا، وهي الجَنَّةُ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿يُضاعَفْ لَها العَذابُ ضِعْفَيْنِ﴾ . قالَ: عَذابُ الدُّنْيا وعَذابُ الآخِرَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ في قَوْلِهِ: ﴿يُضاعَفْ لَها العَذابُ ضِعْفَيْنِ﴾ قالَ: يُجْعَلُ عَذابُهُنَّ ضِعْفَيْنِ، ويُجْعَلُ عَلى مَن قَذَفَهُنَّ الحَدُّ ضِعْفَيْنِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أنَسٍ في قَوْلِهِ: ﴿يا نِساءَ النَّبِيِّ﴾ الآيَتَيْنِ. قالَ: إنَّ الحُجَّةَ عَلى الأنْبِياءِ أشَدُّ مِنها عَلى الأتْباعِ في الخَطِيئَةِ، وإنَّ الحُجَّةَ عَلى (p-٢٧)العُلَماءِ أشَدُّ مِنها عَلى غَيْرِهِمْ، وإنَّ الحُجَّةَ عَلى نِساءِ النَّبِيِّ ﷺ أشَدُّ مِنها عَلى غَيْرِهِنَّ، فَقالَ: إنَّهُ مَن عَصى مِنكُنَّ فَإنَّهُ يَكُونُ العَذابُ عَلَيْها الضَّعْفَ مِنهُ عَلى سائِرِ نِساءِ المُؤْمِنِينَ، ومَن عَمِلَ صالِحًا فَإنَّ الأجْرَ لَها الضِّعْفُ عَلى سائِرِ نِساءِ المُسْلِمِينَ. أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُويَهْ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ومَن يَقْنُتْ مِنكُنَّ لِلَّهِ ورَسُولِهِ وتَعْمَلْ صالِحًا﴾ . قالَ: يَقُولُ: مَن يُطِعِ اللَّهَ مِنكُنَّ وتَعْمَلْ مِنكُنَّ لِلَّهِ ورَسُولِهِ بِطاعَتِهِ. وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ عَنْ عَطاءِ بْنِ يَسارٍ في قَوْلِهِ: ﴿ومَن يَقْنُتْ مِنكُنَّ﴾ يَعْنِي: تُطِعِ اللَّهَ ورَسُولَهُ، ﴿وتَعْمَلْ صالِحًا﴾: تَصُومُ وتُصَلِّي. وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ عَنْ أبِي أُمامَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أرْبَعَةٌ يُؤْتُونَ أجْرَهم مَرَّتَيْنِ، أزْواجُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ومَن أسْلَمَ مِن أهْلِ الكِتابِ، ورَجُلٌ كانَتْ عِنْدَهُ أمَةٌ، فَأعْجَبَتْهُ فَأعْتَقَها ثُمَّ تَزَوَّجَها وعَبْدٌ مَمْلُوكٌ أدّى حَقَّ اللَّهِ وحَقَّ سادَتِهِ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ آبائِهِ في قَوْلِهِ: ﴿يا نِساءَ النَّبِيِّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفاحِشَةٍ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿نُؤْتِها أجْرَها مَرَّتَيْنِ﴾ . وقَوْلِهِ: (p-٢٨)﴿إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أهْلَ البَيْتِ﴾ [الأحزاب: ٣٣] . قالَ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ: يَجْرِي أزْواجُهُ مَجْرانا في العِقابِ والثَّوابِ.

الأحزاب 33:30

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ قُلْ لأزْواجِكَ﴾ الآيَةَ. أخْرَجَ أحْمَدُ، ومُسْلِمٌ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، مِن طَرِيقِ أبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جابِرٍ قالَ: «أقْبَلَ أبُو بَكْرٍ يَسْتَأْذِنُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ والنّاسُ بِبابِهِ جُلُوسٌ، والنَّبِيُّ ﷺ جالِسٌ، فَلَمْ يُؤْذَنْ لَهُ، ثُمَّ أقْبَلَ عُمَرُ فاسْتَأْذَنَ فَلَمْ يُؤْذَنْ لَهُ، ثُمَّ أُذِنَ لِأبِي بَكْرٍ وعُمَرَ فَدَخَلا، والنَّبِيُّ ﷺ جالِسٌ وحَوْلَهُ نِساؤُهُ وهو ساكِتٌ، فَقالَ عُمَرُ: لَأُكَلِّمَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَعَلَّهُ يَضْحَكُ. فَقالَ عُمَرُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، لَوْ رَأيْتَ ابْنَةَ زَيْدٍ -امْرَأةَ عُمَرَ- سَألَتْنِي النَّفَقَةَ آنِفًا فَوَجَأْتُ عُنُقَها. فَضَحِكَ النَّبِيُّ ﷺ حَتّى بَدا ناجِذُهُ وقالَ: ”هُنَّ حَوْلِي يَسْألْنَنِي النَّفَقَةَ“، فَقامَ أبُو بَكْرٍ إلى عائِشَةَ لِيَضْرِبَها، وقامَ عُمَرُ إلى حَفْصَةَ كِلاهُما يَقُولانِ: تَسْألانِ النَّبِيَّ ﷺ ما لَيْسَ عِنْدَهُ؟ فَنَهاهُما رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَقُلْنَ نِساؤُهُ: واللَّهِ لا نَسْألُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ هَذا المَجْلِسِ ما لَيْسَ عِنْدَهُ. وأنْزَلَ (p-٢٠)اللَّهُ الخِيارَ فَبَدَأ بِعائِشَةَ فَقالَ: ”إنِّي ذاكِرٌ لَكِ أمْرًا ما أُحِبُّ أنْ تَعْجَلِي فِيهِ حَتّى تَسْتَأْمِرِي أبَوَيْكِ، قالَتْ: ما هُوَ؟ فَتَلا عَلَيْها: ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ قُلْ لأزْواجِكَ﴾ الآيَةَ، قالَتْ عائِشَةُ: أفِيكَ أسْتَأْمِرُ أبَوَيَّ؟! بَلْ أخْتارُ اللَّهَ ورَسُولَهُ وأسْألُكَ ألّا تَذْكُرَ لِامْرَأةٍ مِن نِسائِكَ ما اخْتَرْتُ فَقالَ: إنَّ اللَّهَ لَمْ يَبْعَثْنِي مُتَعَنِّتًا، وإنَّما بَعَثَنِي مُعَلِّمًا مُيَسِّرًا، لا تَسْألُنِي امْرَأةٌ مِنهُنَّ عَمّا اخْتَرْتِ إلّا أخْبَرْتُها» . وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ عَنْ أبِي سَلَمَةَ الحَضْرَمِيِّ قالَ: جَلَسْتُ مَعَ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ وجابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وهُما يَتَحَدَّثانِ، وقَدْ ذَهَبَ بَصَرُ جابِرٍ، فَجاءَ رَجُلٌ فَسَلَّمَ ثُمَّ جَلَسَ، فَقالَ: يا أبا عَبْدِ اللَّهِ، أرْسَلَنِي إلَيْكَ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ أسْألُكَ فِيمَ هَجَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ نِساءَهُ؟ فَقالَ جابِرٌ: «تَرَكَنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمًا ولَيْلَةً لَمْ يَخْرُجْ إلى الصَّلاةِ، فَأخَذَنا ما تَقَدَّمَ وما تَأخَّرَ، فاجْتَمَعْنا بِبابِهِ، فَنَتَكَلَّمُ لِيَسْمَعَ كَلامَنا ويَعْلَمَ مَكانَنا، فَأطَلْنا الوُقُوفَ، فَلَمْ يَأْذَنْ لَنا ولَمْ يَخْرُجْ إلَيْنا، فَقُلْنا: قَدْ عَلِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَكانَكُمْ، ولَوْ أرادَ أنْ يَأْذَنَ لَكم لِأذِنَ، فَتَفَرَّقُوا لا تُؤْذُوهُ. فَتَفَرَّقَ النّاسُ غَيْرَ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ يَتَنَحْنَحُ ويَتَكَلَّمُ ويَسْتَأْذِنُ، حَتّى أذِنَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، قالَ عُمَرُ: فَدَخَلْتُ عَلَيْهِ وهو واضِعٌ يَدَهُ عَلى خَدِّهِ أعْرِفُ بِهِ الكَآبَةَ فَقُلْتُ لَهُ: أيْ نَبِيَّ اللَّهِ، بِأبِي أنْتَ وأُمِّي، ما الَّذِي رابَكَ؟ وما لَقِيَ النّاسُ (p-٢١)بَعْدَكَ مِن فَقْدِهِمْ لِرُؤْيَتِكَ؟ فَقالَ:“يا عُمَرُ، سَألْنَنِي أُولاءِ ما لَيْسَ عِنْدِي - يَعْنِي نِساءَهُ - فَذاكَ الَّذِي بَلَغَ بِي ما تَرى”، فَقُلْتُ: يا نَبِيَّ اللَّهِ قَدْ صَكَكْتُ جَمِيلَةَ بِنْتَ ثابِتٍ صَكَّةً ألْصَقْتُ خَدَّها مِنها بِالأرْضِ؛ لِأنَّها سَألَتْنِي ما لَيْسَ عِنْدِي، وأنْتَ يا رَسُولَ اللَّهِ عَلى مَوْعِدٍ مِن رَبِّكَ، وهو جاعِلٌ بَعْدَ العُسْرِ يُسْرًا، قالَ: فَلَمْ أزَلْ أُكَلِّمُهُ حَتّى رَأيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ تَحَلَّلَ عَنْهُ بَعْضُ ذَلِكَ، فَخَرَجْتُ فَلَقِيتُ أبا بَكْرٍ الصَّدِيقَ فَحَدَّثْتُهُ الحَدِيثَ، فَدَخَلَ أبُو بَكْرٍ عَلى عائِشَةَ قَدْ عَلِمْتِ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لا يَدَّخِرُ عَنْكُنَّ شَيْئًا، فَلا تَسْألِيهِ ما لا يَجِدُ، انْظُرِي حاجَتَكِ فاطْلُبِيها إلَيَّ، وانْطَلَقَ عُمَرُ إلى حَفْصَةَ، فَذَكَرَ لَها مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ اتَّبَعا أُمَّهاتِ المُؤْمِنِينَ، فَجَعَلا يَذْكُرانِ لَهُنَّ مِثْلَ ذَلِكَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى في ذَلِكَ: ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ قُلْ لأزْواجِكَ إنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الحَياةَ الدُّنْيا وزِينَتَها فَتَعالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وأُسَرِّحْكُنَّ سَراحًا جَمِيلا﴾ يَعْنِي مُتْعَةَ الطَّلاقِ، ويَعْنِي بِتَسْرِيحِهِنَّ تَطْلِيقَهُنَّ طَلاقًا جَمِيلًا، ﴿وإنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ ورَسُولَهُ والدّارَ الآخِرَةَ فَإنَّ اللَّهَ أعَدَّ لِلْمُحْسِناتِ مِنكُنَّ أجْرًا عَظِيمًا﴾، فانْطَلَقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَبَدَأ بِعائِشَةَ فَقالَ:“إنَّ اللَّهَ قَدْ أمَرَنِي أنْ أُخَيِّرَكُنَّ بَيْنَ أنْ تَخْتَرْنَ اللَّهَ ورَسُولَهُ والدّارَ الآخِرَةَ، وبَيْنَ أنْ تَخْتَرْنَ الدُّنْيا وزِينَتَها، وقَدْ بَدَأْتُ بِكِ وأنا أُخَيِّرُكِ”قالَتْ: وهَلْ بَدَأْتَ بِأحَدٍ مِنهُنَّ قَبْلِي؟ قالَ:“لا”، قالَتْ: فَإنِّي أخْتارُ اللَّهَ ورَسُولَهُ والدّارَ الآخِرَةَ، فاكْتُمْ عَلَيَّ ولا تُخْبِرْ بِذاكَ نِساءَكَ. قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:“بَلْ أُخْبِرُهُنَّ بِهِ”. فَأخْبَرَهُنَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ جَمِيعًا، فاخْتَرْنَ (p-٢٢)اللَّهَ ورَسُولَهُ والدّارَ الآخِرَةَ، فَكانَ خِيارُهُ بَيْنَ الدُّنْيا والآخِرَةِ، أتَخْتَرْنَ الآخِرَةَ أوِ الدُّنْيا؟ قالَ: ﴿وإنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ ورَسُولَهُ والدّارَ الآخِرَةَ فَإنَّ اللَّهَ أعَدَّ لِلْمُحْسِناتِ مِنكُنَّ أجْرًا عَظِيمًا﴾ فاخْتَرْنَ ألّا يَتَزَوَّجْنَ بَعْدَهُ، ثُمَّ قالَ: ﴿يا نِساءَ النَّبِيِّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾، يَعْنِي الزِّنا، ﴿يُضاعَفْ لَها العَذابُ ضِعْفَيْنِ﴾ يَعْنِي في الآخِرَةِ، ﴿وكانَ ذَلِكَ عَلى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ ﴿ومَن يَقْنُتْ مِنكُنَّ لِلَّهِ ورَسُولِهِ﴾ . يَعْنِي: تُطِعِ اللَّهَ ورَسُولَهُ، ﴿وتَعْمَلْ صالِحًا نُؤْتِها أجْرَها مَرَّتَيْنِ﴾ مُضاعَفًا لَها في الآخِرَةِ، ﴿وأعْتَدْنا لَها رِزْقًا كَرِيمًا﴾ ﴿يا نِساءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأحَدٍ مِنَ النِّساءِ إنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي في قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾ [الأحزاب: ٣٢] . يَقُولُ: فُجُورٌ، ﴿وقُلْنَ قَوْلا مَعْرُوفًا﴾ [الأحزاب: ٣٢] ﴿وقَرْنَ في بُيُوتِكُنَّ﴾ [الأحزاب: ٣٣] يَقُولُ: لا تَخْرُجْنَ مِن بُيُوتِكُنَّ، ﴿ولا تَبَرَّجْنَ﴾ [الأحزاب: ٣٣] . يَعْنِي إلْقاءَ القِناعِ، فِعْلَ أهْلَ الجاهِلِيَّةِ الأُولى» . ثُمَّ قالَ جابِرٌ لِأبِي سَعِيدٍ: ألَمْ يَكُنِ الحَدِيثُ هَكَذا؟ قالَ: بَلى. وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ وابْنُ ماجَهْ وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، والبَيْهَقِيُّ في“سُنَنِهِ”، عَنْ عائِشَةَ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ جاءَها حِينَ أمَرَهُ اللَّهُ أنْ يُخَيِّرَ أزْواجَهُ، قالَتْ: فَبَدَأ بِي فَقالَ:“إنِّي ذاكِرٌ لَكَ أمْرًا، فَلا عَلَيْكَ أنْ لا تَسْتَعْجِلِي حَتّى تَسْتَأْمِرِي (p-٢٣)أبَوَيْكِ”. وقَدْ عَلِمَ أنَّ أبَوَيَّ لَمْ يَكُونا يَأْمُرانِي بِفِراقِهِ، فَقالَ:“إنَّ اللَّهَ قالَ: ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ قُلْ لأزْواجِكَ إنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الحَياةَ الدُّنْيا وزِينَتَها﴾ إلى تَمامِ الآيَتَيْنِ، فَقُلْتُ لَهُ: فَفي أيِّ هَذا أسْتَأْمِرُ أبَوَيَّ؟ فَإنِّي أُرِيدُ اللَّهَ ورَسُولَهُ والدّارَ الآخِرَةَ. وفَعَلَ أزْواجُ النَّبِيِّ ﷺ مِثْلَ ما فَعَلْتُ» . وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قالَ: «لَمّا خَيَّرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ نِساءَهُ بَدَأ بِعائِشَةَ فَقالَ: ”إنَّ اللَّهَ خَيَّرَكِ“ فَقالَتِ: اخْتَرْتُ اللَّهَ ورَسُولَهُ. ثُمَّ خَيَّرَ حَفْصَةَ فَقَبِلْنَ جَمِيعًا، فاخْتَرْنَ اللَّهَ ورَسُولَهُ، غَيْرَ العامِرِيَّةِ اخْتارَتْ قَوْمَها، فَكانَتْ بَعْدُ تَقُولُ: أنا الشَّقِيَّةُ، وكانَتْ تَلْقُطُ البَعْرَ وتَبِيعُهُ، وتَسْتَأْذِنُ عَلى أزْواجِ النَّبِيِّ ﷺ وتَسْألُهُنَّ، وتَقُولُ: أنا الشَّقِيَّةُ» . وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ عَنْ أبِي جَعْفَرٍ قالَ: «قالَ نِساءُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: ما نِساءٌ أغْلى مُهُورًا مِنّا، فَغارَ اللَّهُ لِنَبِيِّهِ فَأمَرَهُ أنْ يَعْتَزِلَهُنَّ، فاعْتَزَلَهُنَّ تِسْعَةً وعِشْرِينَ يَوْمًا، ثُمَّ أمَرَهُ أنْ يُخَيِّرَهُنَّ فَخَيَّرَهُنَّ» . (p-٢٤)وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ عَنِ ابْنِ مَنّاحٍ قالَ: «اخْتَرْنَهُ ﷺ جَمِيعًا غَيْرَ العامِرِيَّةِ، كانَتْ ذاهِبَةَ العَقْلِ حَتّى ماتَتْ» . وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُويَهْ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: «حَلَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَيَهْجُرُنا شَهْرًا، فَدَخَلَ عَلَيَّ صَبِيحَةَ تِسْعَةٍ وعِشْرِينَ، فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ ألَمْ تَكُنْ حَلَفْتَ لَتَهْجُرُنا شَهْرًا قالَ: ”إنَّ الشَّهْرَ هَكَذا وهَكَذا وهَكَذا، وضَرَبَ بِيَدَيْهِ جَمِيعًا، وقَبَضَ إصْبَعًا في الثّالِثَةِ، ثُمَّ قالَ:“يا عائِشَةُ، إنِّي ذاكِرٌ لَكِ أمْرًا، فَلا عَلَيْكِ أنْ لا تَعْجَلِي حَتّى تَسْتَشِيرِي أبَوَيْكِ”. وخَشِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَداثَةَ سِنِّي، قُلْتُ: وما ذاكَ يا رَسُولَ اللَّهِ؟ قالَ:“إنِّي أُمِرْتُ أنْ أُخَيِّرَكُنَّ”. ثُمَّ تَلا هَذِهِ الآيَةَ: ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ قُلْ لأزْواجِكَ إنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الحَياةَ الدُّنْيا وزِينَتَها﴾ . إلى قَوْلِهِ: ﴿أجْرًا عَظِيمًا﴾ قالَتْ: قُلْتُ: فِيمَ أسْتَشِيرُ أبَوَيَّ يا رَسُولَ اللَّهِ؟! بَلْ أخْتارُ اللَّهَ ورَسُولَهُ، فَسُرَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِذَلِكَ، وسَمِعَ نِساؤُهُ بِذَلِكَ فَتَواتَرْنَ عَلَيْهِ» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «إنَّما خَيَّرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أزْواجَهُ بَيْنَ الدُّنْيا والآخِرَةِ» . (p-٢٥)وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ والحَسَنِ قالا: «أمَرَهُ اللَّهُ أنْ يُخَيِّرَهُنَّ بَيْنَ الدُّنْيا والآخِرَةِ، والجَنَّةِ والنّارِ» -قالَ الحَسَنُ: في شَيْءٍ كُنَّ أرَدْنَهُ مِنَ الدُّنْيا، وقالَ قَتادَةُ: في غَيْرَةٍ كانَتْ غارَتْها عائِشَةُ- وكانَ تَحْتَهُ يَوْمَئِذٍ تِسْعُ نِسْوَةٍ خَمْسٌ مِن قُرَيْشٍ؛ عائِشَةُ، وحَفْصَةُ، وأُمُّ حَبِيبَةَ بِنْتُ أبِي سُفْيانَ، وسَوْدَةُ بِنْتُ زَمْعَةَ، وأُمُّ سَلَمَةَ بِنْتُ أبِي أُمَيَّةَ، وكانَتْ تَحْتَهُ صَفِيَّةُ بِنْتُ حَيَيٍّ الخَيْبَرِيَّةُ، ومَيْمُونَةُ بِنْتُ الحارِثِ الهِلالِيَّةُ، وزَيْنَبُ بِنْتُ جَحْشٍ الأسْدِيَّةُ، وجُوَيْرِيَةُ بِنْتُ الحارِثِ مِن بَنِي المُصْطَلِقِ، وبَدَأ بِعائِشَةَ فَلَمّا اخْتارَتِ اللَّهَ ورَسُولَهُ والدّارَ الآخِرَةَ رُئِيَ الفَرَحُ في وجْهِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَتَتابَعْنَ كُلُّهُنَّ عَلى ذَلِكَ، فَلَمّا خَيَّرَهُنَّ واخْتَرْنَ اللَّهَ ورَسُولَهُ والدّارَ الآخِرَةَ شَكَرَهُنَّ اللَّهُ عَلى ذَلِكَ أنْ قالَ: ﴿لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِن بَعْدُ ولا أنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِن أزْواجٍ ولَوْ أعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ﴾ [الأحزاب: ٥٢] [الأحْزابَ: ٥٢] فَقَصَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِنَّ، وهُنَّ التِّسْعُ اللّاتِي اخْتَرْنَ اللَّهَ ورَسُولَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ في قَوْلِهِ: ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ قُلْ لأزْواجِكَ﴾ الآيَةَ، قالَ: «أمَرَ اللَّهُ تَعالى نَبِيَّهُ ﷺ أنْ يُخَيِّرَ نِساءَهُ في هَذِهِ الآيَةِ، فَلَمْ تَخْتَرْ واحِدَةٌ مِنهُنَّ نَفْسَها غَيْرَ الحِمْيَرِيَّةِ» . وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في“السُّنَنِ" عَنْ مُقاتِلِ بْنِ سُلَيْمانَ في قَوْلِهِ: ﴿يا نِساءَ النَّبِيِّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ يَعْنِي العِصْيانَ لِلنَّبِيِّ ﷺ، (p-٢٦)﴿يُضاعَفْ لَها العَذابُ ضِعْفَيْنِ﴾ . في الآخِرَةِ، ﴿وكانَ ذَلِكَ عَلى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ يَقُولُ: وكانَ عَذابُها عِنْدَ اللَّهِ هَيِّنًا، ﴿ومَن يَقْنُتْ﴾ يَعْنِي: مَن يُطِعْ مِنكُنَّ اللَّهَ ورَسُولَهُ، ﴿وتَعْمَلْ صالِحًا نُؤْتِها أجْرَها مَرَّتَيْنِ﴾ في الآخِرَةِ، بِكُلِّ صَلاةٍ أوْ صِيامٍ أوْ صَدَقَةٍ أوْ تَكْبِيرَةٍ أوْ تَسْبِيحَةٍ بِاللِّسانِ، مَكانَ كُلِّ حَسَنَةٍ يَكْتُبُ عِشْرِينَ حَسَنَةً. ﴿وأعْتَدْنا لَها رِزْقًا كَرِيمًا﴾ يَعْنِي: حَسَنًا، وهي الجَنَّةُ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿يُضاعَفْ لَها العَذابُ ضِعْفَيْنِ﴾ . قالَ: عَذابُ الدُّنْيا وعَذابُ الآخِرَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ في قَوْلِهِ: ﴿يُضاعَفْ لَها العَذابُ ضِعْفَيْنِ﴾ قالَ: يُجْعَلُ عَذابُهُنَّ ضِعْفَيْنِ، ويُجْعَلُ عَلى مَن قَذَفَهُنَّ الحَدُّ ضِعْفَيْنِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أنَسٍ في قَوْلِهِ: ﴿يا نِساءَ النَّبِيِّ﴾ الآيَتَيْنِ. قالَ: إنَّ الحُجَّةَ عَلى الأنْبِياءِ أشَدُّ مِنها عَلى الأتْباعِ في الخَطِيئَةِ، وإنَّ الحُجَّةَ عَلى (p-٢٧)العُلَماءِ أشَدُّ مِنها عَلى غَيْرِهِمْ، وإنَّ الحُجَّةَ عَلى نِساءِ النَّبِيِّ ﷺ أشَدُّ مِنها عَلى غَيْرِهِنَّ، فَقالَ: إنَّهُ مَن عَصى مِنكُنَّ فَإنَّهُ يَكُونُ العَذابُ عَلَيْها الضَّعْفَ مِنهُ عَلى سائِرِ نِساءِ المُؤْمِنِينَ، ومَن عَمِلَ صالِحًا فَإنَّ الأجْرَ لَها الضِّعْفُ عَلى سائِرِ نِساءِ المُسْلِمِينَ. أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُويَهْ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ومَن يَقْنُتْ مِنكُنَّ لِلَّهِ ورَسُولِهِ وتَعْمَلْ صالِحًا﴾ . قالَ: يَقُولُ: مَن يُطِعِ اللَّهَ مِنكُنَّ وتَعْمَلْ مِنكُنَّ لِلَّهِ ورَسُولِهِ بِطاعَتِهِ. وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ عَنْ عَطاءِ بْنِ يَسارٍ في قَوْلِهِ: ﴿ومَن يَقْنُتْ مِنكُنَّ﴾ يَعْنِي: تُطِعِ اللَّهَ ورَسُولَهُ، ﴿وتَعْمَلْ صالِحًا﴾: تَصُومُ وتُصَلِّي. وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ عَنْ أبِي أُمامَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أرْبَعَةٌ يُؤْتُونَ أجْرَهم مَرَّتَيْنِ، أزْواجُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ومَن أسْلَمَ مِن أهْلِ الكِتابِ، ورَجُلٌ كانَتْ عِنْدَهُ أمَةٌ، فَأعْجَبَتْهُ فَأعْتَقَها ثُمَّ تَزَوَّجَها وعَبْدٌ مَمْلُوكٌ أدّى حَقَّ اللَّهِ وحَقَّ سادَتِهِ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ آبائِهِ في قَوْلِهِ: ﴿يا نِساءَ النَّبِيِّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفاحِشَةٍ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿نُؤْتِها أجْرَها مَرَّتَيْنِ﴾ . وقَوْلِهِ: (p-٢٨)﴿إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أهْلَ البَيْتِ﴾ [الأحزاب: ٣٣] . قالَ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ: يَجْرِي أزْواجُهُ مَجْرانا في العِقابِ والثَّوابِ.

الأحزاب 33:31

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ قُلْ لأزْواجِكَ﴾ الآيَةَ. أخْرَجَ أحْمَدُ، ومُسْلِمٌ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، مِن طَرِيقِ أبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جابِرٍ قالَ: «أقْبَلَ أبُو بَكْرٍ يَسْتَأْذِنُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ والنّاسُ بِبابِهِ جُلُوسٌ، والنَّبِيُّ ﷺ جالِسٌ، فَلَمْ يُؤْذَنْ لَهُ، ثُمَّ أقْبَلَ عُمَرُ فاسْتَأْذَنَ فَلَمْ يُؤْذَنْ لَهُ، ثُمَّ أُذِنَ لِأبِي بَكْرٍ وعُمَرَ فَدَخَلا، والنَّبِيُّ ﷺ جالِسٌ وحَوْلَهُ نِساؤُهُ وهو ساكِتٌ، فَقالَ عُمَرُ: لَأُكَلِّمَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَعَلَّهُ يَضْحَكُ. فَقالَ عُمَرُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، لَوْ رَأيْتَ ابْنَةَ زَيْدٍ -امْرَأةَ عُمَرَ- سَألَتْنِي النَّفَقَةَ آنِفًا فَوَجَأْتُ عُنُقَها. فَضَحِكَ النَّبِيُّ ﷺ حَتّى بَدا ناجِذُهُ وقالَ: ”هُنَّ حَوْلِي يَسْألْنَنِي النَّفَقَةَ“، فَقامَ أبُو بَكْرٍ إلى عائِشَةَ لِيَضْرِبَها، وقامَ عُمَرُ إلى حَفْصَةَ كِلاهُما يَقُولانِ: تَسْألانِ النَّبِيَّ ﷺ ما لَيْسَ عِنْدَهُ؟ فَنَهاهُما رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَقُلْنَ نِساؤُهُ: واللَّهِ لا نَسْألُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعْدَ هَذا المَجْلِسِ ما لَيْسَ عِنْدَهُ. وأنْزَلَ (p-٢٠)اللَّهُ الخِيارَ فَبَدَأ بِعائِشَةَ فَقالَ: ”إنِّي ذاكِرٌ لَكِ أمْرًا ما أُحِبُّ أنْ تَعْجَلِي فِيهِ حَتّى تَسْتَأْمِرِي أبَوَيْكِ، قالَتْ: ما هُوَ؟ فَتَلا عَلَيْها: ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ قُلْ لأزْواجِكَ﴾ الآيَةَ، قالَتْ عائِشَةُ: أفِيكَ أسْتَأْمِرُ أبَوَيَّ؟! بَلْ أخْتارُ اللَّهَ ورَسُولَهُ وأسْألُكَ ألّا تَذْكُرَ لِامْرَأةٍ مِن نِسائِكَ ما اخْتَرْتُ فَقالَ: إنَّ اللَّهَ لَمْ يَبْعَثْنِي مُتَعَنِّتًا، وإنَّما بَعَثَنِي مُعَلِّمًا مُيَسِّرًا، لا تَسْألُنِي امْرَأةٌ مِنهُنَّ عَمّا اخْتَرْتِ إلّا أخْبَرْتُها» . وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ عَنْ أبِي سَلَمَةَ الحَضْرَمِيِّ قالَ: جَلَسْتُ مَعَ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ وجابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وهُما يَتَحَدَّثانِ، وقَدْ ذَهَبَ بَصَرُ جابِرٍ، فَجاءَ رَجُلٌ فَسَلَّمَ ثُمَّ جَلَسَ، فَقالَ: يا أبا عَبْدِ اللَّهِ، أرْسَلَنِي إلَيْكَ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ أسْألُكَ فِيمَ هَجَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ نِساءَهُ؟ فَقالَ جابِرٌ: «تَرَكَنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمًا ولَيْلَةً لَمْ يَخْرُجْ إلى الصَّلاةِ، فَأخَذَنا ما تَقَدَّمَ وما تَأخَّرَ، فاجْتَمَعْنا بِبابِهِ، فَنَتَكَلَّمُ لِيَسْمَعَ كَلامَنا ويَعْلَمَ مَكانَنا، فَأطَلْنا الوُقُوفَ، فَلَمْ يَأْذَنْ لَنا ولَمْ يَخْرُجْ إلَيْنا، فَقُلْنا: قَدْ عَلِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَكانَكُمْ، ولَوْ أرادَ أنْ يَأْذَنَ لَكم لِأذِنَ، فَتَفَرَّقُوا لا تُؤْذُوهُ. فَتَفَرَّقَ النّاسُ غَيْرَ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ يَتَنَحْنَحُ ويَتَكَلَّمُ ويَسْتَأْذِنُ، حَتّى أذِنَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، قالَ عُمَرُ: فَدَخَلْتُ عَلَيْهِ وهو واضِعٌ يَدَهُ عَلى خَدِّهِ أعْرِفُ بِهِ الكَآبَةَ فَقُلْتُ لَهُ: أيْ نَبِيَّ اللَّهِ، بِأبِي أنْتَ وأُمِّي، ما الَّذِي رابَكَ؟ وما لَقِيَ النّاسُ (p-٢١)بَعْدَكَ مِن فَقْدِهِمْ لِرُؤْيَتِكَ؟ فَقالَ:“يا عُمَرُ، سَألْنَنِي أُولاءِ ما لَيْسَ عِنْدِي - يَعْنِي نِساءَهُ - فَذاكَ الَّذِي بَلَغَ بِي ما تَرى”، فَقُلْتُ: يا نَبِيَّ اللَّهِ قَدْ صَكَكْتُ جَمِيلَةَ بِنْتَ ثابِتٍ صَكَّةً ألْصَقْتُ خَدَّها مِنها بِالأرْضِ؛ لِأنَّها سَألَتْنِي ما لَيْسَ عِنْدِي، وأنْتَ يا رَسُولَ اللَّهِ عَلى مَوْعِدٍ مِن رَبِّكَ، وهو جاعِلٌ بَعْدَ العُسْرِ يُسْرًا، قالَ: فَلَمْ أزَلْ أُكَلِّمُهُ حَتّى رَأيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ تَحَلَّلَ عَنْهُ بَعْضُ ذَلِكَ، فَخَرَجْتُ فَلَقِيتُ أبا بَكْرٍ الصَّدِيقَ فَحَدَّثْتُهُ الحَدِيثَ، فَدَخَلَ أبُو بَكْرٍ عَلى عائِشَةَ قَدْ عَلِمْتِ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لا يَدَّخِرُ عَنْكُنَّ شَيْئًا، فَلا تَسْألِيهِ ما لا يَجِدُ، انْظُرِي حاجَتَكِ فاطْلُبِيها إلَيَّ، وانْطَلَقَ عُمَرُ إلى حَفْصَةَ، فَذَكَرَ لَها مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ اتَّبَعا أُمَّهاتِ المُؤْمِنِينَ، فَجَعَلا يَذْكُرانِ لَهُنَّ مِثْلَ ذَلِكَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى في ذَلِكَ: ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ قُلْ لأزْواجِكَ إنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الحَياةَ الدُّنْيا وزِينَتَها فَتَعالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وأُسَرِّحْكُنَّ سَراحًا جَمِيلا﴾ يَعْنِي مُتْعَةَ الطَّلاقِ، ويَعْنِي بِتَسْرِيحِهِنَّ تَطْلِيقَهُنَّ طَلاقًا جَمِيلًا، ﴿وإنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ ورَسُولَهُ والدّارَ الآخِرَةَ فَإنَّ اللَّهَ أعَدَّ لِلْمُحْسِناتِ مِنكُنَّ أجْرًا عَظِيمًا﴾، فانْطَلَقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَبَدَأ بِعائِشَةَ فَقالَ:“إنَّ اللَّهَ قَدْ أمَرَنِي أنْ أُخَيِّرَكُنَّ بَيْنَ أنْ تَخْتَرْنَ اللَّهَ ورَسُولَهُ والدّارَ الآخِرَةَ، وبَيْنَ أنْ تَخْتَرْنَ الدُّنْيا وزِينَتَها، وقَدْ بَدَأْتُ بِكِ وأنا أُخَيِّرُكِ”قالَتْ: وهَلْ بَدَأْتَ بِأحَدٍ مِنهُنَّ قَبْلِي؟ قالَ:“لا”، قالَتْ: فَإنِّي أخْتارُ اللَّهَ ورَسُولَهُ والدّارَ الآخِرَةَ، فاكْتُمْ عَلَيَّ ولا تُخْبِرْ بِذاكَ نِساءَكَ. قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:“بَلْ أُخْبِرُهُنَّ بِهِ”. فَأخْبَرَهُنَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ جَمِيعًا، فاخْتَرْنَ (p-٢٢)اللَّهَ ورَسُولَهُ والدّارَ الآخِرَةَ، فَكانَ خِيارُهُ بَيْنَ الدُّنْيا والآخِرَةِ، أتَخْتَرْنَ الآخِرَةَ أوِ الدُّنْيا؟ قالَ: ﴿وإنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ ورَسُولَهُ والدّارَ الآخِرَةَ فَإنَّ اللَّهَ أعَدَّ لِلْمُحْسِناتِ مِنكُنَّ أجْرًا عَظِيمًا﴾ فاخْتَرْنَ ألّا يَتَزَوَّجْنَ بَعْدَهُ، ثُمَّ قالَ: ﴿يا نِساءَ النَّبِيِّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾، يَعْنِي الزِّنا، ﴿يُضاعَفْ لَها العَذابُ ضِعْفَيْنِ﴾ يَعْنِي في الآخِرَةِ، ﴿وكانَ ذَلِكَ عَلى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ ﴿ومَن يَقْنُتْ مِنكُنَّ لِلَّهِ ورَسُولِهِ﴾ . يَعْنِي: تُطِعِ اللَّهَ ورَسُولَهُ، ﴿وتَعْمَلْ صالِحًا نُؤْتِها أجْرَها مَرَّتَيْنِ﴾ مُضاعَفًا لَها في الآخِرَةِ، ﴿وأعْتَدْنا لَها رِزْقًا كَرِيمًا﴾ ﴿يا نِساءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأحَدٍ مِنَ النِّساءِ إنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي في قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾ [الأحزاب: ٣٢] . يَقُولُ: فُجُورٌ، ﴿وقُلْنَ قَوْلا مَعْرُوفًا﴾ [الأحزاب: ٣٢] ﴿وقَرْنَ في بُيُوتِكُنَّ﴾ [الأحزاب: ٣٣] يَقُولُ: لا تَخْرُجْنَ مِن بُيُوتِكُنَّ، ﴿ولا تَبَرَّجْنَ﴾ [الأحزاب: ٣٣] . يَعْنِي إلْقاءَ القِناعِ، فِعْلَ أهْلَ الجاهِلِيَّةِ الأُولى» . ثُمَّ قالَ جابِرٌ لِأبِي سَعِيدٍ: ألَمْ يَكُنِ الحَدِيثُ هَكَذا؟ قالَ: بَلى. وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ وابْنُ ماجَهْ وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، والبَيْهَقِيُّ في“سُنَنِهِ”، عَنْ عائِشَةَ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ جاءَها حِينَ أمَرَهُ اللَّهُ أنْ يُخَيِّرَ أزْواجَهُ، قالَتْ: فَبَدَأ بِي فَقالَ:“إنِّي ذاكِرٌ لَكَ أمْرًا، فَلا عَلَيْكَ أنْ لا تَسْتَعْجِلِي حَتّى تَسْتَأْمِرِي (p-٢٣)أبَوَيْكِ”. وقَدْ عَلِمَ أنَّ أبَوَيَّ لَمْ يَكُونا يَأْمُرانِي بِفِراقِهِ، فَقالَ:“إنَّ اللَّهَ قالَ: ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ قُلْ لأزْواجِكَ إنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الحَياةَ الدُّنْيا وزِينَتَها﴾ إلى تَمامِ الآيَتَيْنِ، فَقُلْتُ لَهُ: فَفي أيِّ هَذا أسْتَأْمِرُ أبَوَيَّ؟ فَإنِّي أُرِيدُ اللَّهَ ورَسُولَهُ والدّارَ الآخِرَةَ. وفَعَلَ أزْواجُ النَّبِيِّ ﷺ مِثْلَ ما فَعَلْتُ» . وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قالَ: «لَمّا خَيَّرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ نِساءَهُ بَدَأ بِعائِشَةَ فَقالَ: ”إنَّ اللَّهَ خَيَّرَكِ“ فَقالَتِ: اخْتَرْتُ اللَّهَ ورَسُولَهُ. ثُمَّ خَيَّرَ حَفْصَةَ فَقَبِلْنَ جَمِيعًا، فاخْتَرْنَ اللَّهَ ورَسُولَهُ، غَيْرَ العامِرِيَّةِ اخْتارَتْ قَوْمَها، فَكانَتْ بَعْدُ تَقُولُ: أنا الشَّقِيَّةُ، وكانَتْ تَلْقُطُ البَعْرَ وتَبِيعُهُ، وتَسْتَأْذِنُ عَلى أزْواجِ النَّبِيِّ ﷺ وتَسْألُهُنَّ، وتَقُولُ: أنا الشَّقِيَّةُ» . وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ عَنْ أبِي جَعْفَرٍ قالَ: «قالَ نِساءُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: ما نِساءٌ أغْلى مُهُورًا مِنّا، فَغارَ اللَّهُ لِنَبِيِّهِ فَأمَرَهُ أنْ يَعْتَزِلَهُنَّ، فاعْتَزَلَهُنَّ تِسْعَةً وعِشْرِينَ يَوْمًا، ثُمَّ أمَرَهُ أنْ يُخَيِّرَهُنَّ فَخَيَّرَهُنَّ» . (p-٢٤)وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ عَنِ ابْنِ مَنّاحٍ قالَ: «اخْتَرْنَهُ ﷺ جَمِيعًا غَيْرَ العامِرِيَّةِ، كانَتْ ذاهِبَةَ العَقْلِ حَتّى ماتَتْ» . وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُويَهْ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: «حَلَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَيَهْجُرُنا شَهْرًا، فَدَخَلَ عَلَيَّ صَبِيحَةَ تِسْعَةٍ وعِشْرِينَ، فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ ألَمْ تَكُنْ حَلَفْتَ لَتَهْجُرُنا شَهْرًا قالَ: ”إنَّ الشَّهْرَ هَكَذا وهَكَذا وهَكَذا، وضَرَبَ بِيَدَيْهِ جَمِيعًا، وقَبَضَ إصْبَعًا في الثّالِثَةِ، ثُمَّ قالَ:“يا عائِشَةُ، إنِّي ذاكِرٌ لَكِ أمْرًا، فَلا عَلَيْكِ أنْ لا تَعْجَلِي حَتّى تَسْتَشِيرِي أبَوَيْكِ”. وخَشِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَداثَةَ سِنِّي، قُلْتُ: وما ذاكَ يا رَسُولَ اللَّهِ؟ قالَ:“إنِّي أُمِرْتُ أنْ أُخَيِّرَكُنَّ”. ثُمَّ تَلا هَذِهِ الآيَةَ: ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ قُلْ لأزْواجِكَ إنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الحَياةَ الدُّنْيا وزِينَتَها﴾ . إلى قَوْلِهِ: ﴿أجْرًا عَظِيمًا﴾ قالَتْ: قُلْتُ: فِيمَ أسْتَشِيرُ أبَوَيَّ يا رَسُولَ اللَّهِ؟! بَلْ أخْتارُ اللَّهَ ورَسُولَهُ، فَسُرَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِذَلِكَ، وسَمِعَ نِساؤُهُ بِذَلِكَ فَتَواتَرْنَ عَلَيْهِ» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «إنَّما خَيَّرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أزْواجَهُ بَيْنَ الدُّنْيا والآخِرَةِ» . (p-٢٥)وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ والحَسَنِ قالا: «أمَرَهُ اللَّهُ أنْ يُخَيِّرَهُنَّ بَيْنَ الدُّنْيا والآخِرَةِ، والجَنَّةِ والنّارِ» -قالَ الحَسَنُ: في شَيْءٍ كُنَّ أرَدْنَهُ مِنَ الدُّنْيا، وقالَ قَتادَةُ: في غَيْرَةٍ كانَتْ غارَتْها عائِشَةُ- وكانَ تَحْتَهُ يَوْمَئِذٍ تِسْعُ نِسْوَةٍ خَمْسٌ مِن قُرَيْشٍ؛ عائِشَةُ، وحَفْصَةُ، وأُمُّ حَبِيبَةَ بِنْتُ أبِي سُفْيانَ، وسَوْدَةُ بِنْتُ زَمْعَةَ، وأُمُّ سَلَمَةَ بِنْتُ أبِي أُمَيَّةَ، وكانَتْ تَحْتَهُ صَفِيَّةُ بِنْتُ حَيَيٍّ الخَيْبَرِيَّةُ، ومَيْمُونَةُ بِنْتُ الحارِثِ الهِلالِيَّةُ، وزَيْنَبُ بِنْتُ جَحْشٍ الأسْدِيَّةُ، وجُوَيْرِيَةُ بِنْتُ الحارِثِ مِن بَنِي المُصْطَلِقِ، وبَدَأ بِعائِشَةَ فَلَمّا اخْتارَتِ اللَّهَ ورَسُولَهُ والدّارَ الآخِرَةَ رُئِيَ الفَرَحُ في وجْهِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَتَتابَعْنَ كُلُّهُنَّ عَلى ذَلِكَ، فَلَمّا خَيَّرَهُنَّ واخْتَرْنَ اللَّهَ ورَسُولَهُ والدّارَ الآخِرَةَ شَكَرَهُنَّ اللَّهُ عَلى ذَلِكَ أنْ قالَ: ﴿لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِن بَعْدُ ولا أنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِن أزْواجٍ ولَوْ أعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ﴾ [الأحزاب: ٥٢] [الأحْزابَ: ٥٢] فَقَصَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِنَّ، وهُنَّ التِّسْعُ اللّاتِي اخْتَرْنَ اللَّهَ ورَسُولَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ في قَوْلِهِ: ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ قُلْ لأزْواجِكَ﴾ الآيَةَ، قالَ: «أمَرَ اللَّهُ تَعالى نَبِيَّهُ ﷺ أنْ يُخَيِّرَ نِساءَهُ في هَذِهِ الآيَةِ، فَلَمْ تَخْتَرْ واحِدَةٌ مِنهُنَّ نَفْسَها غَيْرَ الحِمْيَرِيَّةِ» . وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في“السُّنَنِ" عَنْ مُقاتِلِ بْنِ سُلَيْمانَ في قَوْلِهِ: ﴿يا نِساءَ النَّبِيِّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ يَعْنِي العِصْيانَ لِلنَّبِيِّ ﷺ، (p-٢٦)﴿يُضاعَفْ لَها العَذابُ ضِعْفَيْنِ﴾ . في الآخِرَةِ، ﴿وكانَ ذَلِكَ عَلى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ يَقُولُ: وكانَ عَذابُها عِنْدَ اللَّهِ هَيِّنًا، ﴿ومَن يَقْنُتْ﴾ يَعْنِي: مَن يُطِعْ مِنكُنَّ اللَّهَ ورَسُولَهُ، ﴿وتَعْمَلْ صالِحًا نُؤْتِها أجْرَها مَرَّتَيْنِ﴾ في الآخِرَةِ، بِكُلِّ صَلاةٍ أوْ صِيامٍ أوْ صَدَقَةٍ أوْ تَكْبِيرَةٍ أوْ تَسْبِيحَةٍ بِاللِّسانِ، مَكانَ كُلِّ حَسَنَةٍ يَكْتُبُ عِشْرِينَ حَسَنَةً. ﴿وأعْتَدْنا لَها رِزْقًا كَرِيمًا﴾ يَعْنِي: حَسَنًا، وهي الجَنَّةُ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿يُضاعَفْ لَها العَذابُ ضِعْفَيْنِ﴾ . قالَ: عَذابُ الدُّنْيا وعَذابُ الآخِرَةِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ في قَوْلِهِ: ﴿يُضاعَفْ لَها العَذابُ ضِعْفَيْنِ﴾ قالَ: يُجْعَلُ عَذابُهُنَّ ضِعْفَيْنِ، ويُجْعَلُ عَلى مَن قَذَفَهُنَّ الحَدُّ ضِعْفَيْنِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أنَسٍ في قَوْلِهِ: ﴿يا نِساءَ النَّبِيِّ﴾ الآيَتَيْنِ. قالَ: إنَّ الحُجَّةَ عَلى الأنْبِياءِ أشَدُّ مِنها عَلى الأتْباعِ في الخَطِيئَةِ، وإنَّ الحُجَّةَ عَلى (p-٢٧)العُلَماءِ أشَدُّ مِنها عَلى غَيْرِهِمْ، وإنَّ الحُجَّةَ عَلى نِساءِ النَّبِيِّ ﷺ أشَدُّ مِنها عَلى غَيْرِهِنَّ، فَقالَ: إنَّهُ مَن عَصى مِنكُنَّ فَإنَّهُ يَكُونُ العَذابُ عَلَيْها الضَّعْفَ مِنهُ عَلى سائِرِ نِساءِ المُؤْمِنِينَ، ومَن عَمِلَ صالِحًا فَإنَّ الأجْرَ لَها الضِّعْفُ عَلى سائِرِ نِساءِ المُسْلِمِينَ. أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُويَهْ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ومَن يَقْنُتْ مِنكُنَّ لِلَّهِ ورَسُولِهِ وتَعْمَلْ صالِحًا﴾ . قالَ: يَقُولُ: مَن يُطِعِ اللَّهَ مِنكُنَّ وتَعْمَلْ مِنكُنَّ لِلَّهِ ورَسُولِهِ بِطاعَتِهِ. وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ عَنْ عَطاءِ بْنِ يَسارٍ في قَوْلِهِ: ﴿ومَن يَقْنُتْ مِنكُنَّ﴾ يَعْنِي: تُطِعِ اللَّهَ ورَسُولَهُ، ﴿وتَعْمَلْ صالِحًا﴾: تَصُومُ وتُصَلِّي. وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ عَنْ أبِي أُمامَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أرْبَعَةٌ يُؤْتُونَ أجْرَهم مَرَّتَيْنِ، أزْواجُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ومَن أسْلَمَ مِن أهْلِ الكِتابِ، ورَجُلٌ كانَتْ عِنْدَهُ أمَةٌ، فَأعْجَبَتْهُ فَأعْتَقَها ثُمَّ تَزَوَّجَها وعَبْدٌ مَمْلُوكٌ أدّى حَقَّ اللَّهِ وحَقَّ سادَتِهِ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ آبائِهِ في قَوْلِهِ: ﴿يا نِساءَ النَّبِيِّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفاحِشَةٍ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿نُؤْتِها أجْرَها مَرَّتَيْنِ﴾ . وقَوْلِهِ: (p-٢٨)﴿إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أهْلَ البَيْتِ﴾ [الأحزاب: ٣٣] . قالَ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ: يَجْرِي أزْواجُهُ مَجْرانا في العِقابِ والثَّوابِ.

الأحزاب 33:32

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا نِساءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأحَدٍ﴾ الآيَةَ. أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿لَسْتُنَّ كَأحَدٍ مِنَ النِّساءِ﴾ قالَ: كَأحَدٍ مِن نِساءِ هَذِهِ الأُمَّةِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُقاتِلٍ في قَوْلِهِ: ﴿يا نِساءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأحَدٍ﴾ الآيَةَ، يَقُولُ: أنْتُنَّ أزْواجُ النَّبِيِّ ﷺ ومَعَهُ، وتَنْظُرْنَ إلى النَّبِيِّ ﷺ، والى الوَحْيِ الَّذِي يَأْتِيهِ مِنَ السَّماءِ، وأنْتُنَّ أحَقُّ بِالتَّقْوى مِن سائِرِ النِّساءِ، ﴿فَلا تَخْضَعْنَ بِالقَوْلِ﴾ . يَعْنِي الرَّفَثَ مِنَ الكَلامِ، أمَرَهُنَّ ألّا يَرْفُثْنَ بِالكَلامِ، ﴿فَيَطْمَعَ الَّذِي في قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾ . يَعْنِي الزِّنا. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَلا تَخْضَعْنَ بِالقَوْلِ﴾ قالَ: مُقارَبَةُ الرَّجُلِ في القَوْلِ حَتّى يَطْمَعَ الَّذِي في قَلْبِهِ مَرَضٌ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿فَلا تَخْضَعْنَ بِالقَوْلِ﴾ قالَ: لا تَرَقَّقْنَ بِالقَوْلِ. (p-٢٩)وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدُويَهْ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿فَلا تَخْضَعْنَ بِالقَوْلِ﴾ . يَقُولُ: لا تَرَخَّصْنَ بِالقَوْلِ، ولا تَخْضَعْنَ بِالكَلامِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عِكْرِمَةَ في قَوْلِهِ: ﴿فَيَطْمَعَ الَّذِي في قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾ قالَ: شَهْوَةُ الزِّنا. وأخْرَجَ الطَّسْتِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أنَّ نافِعَ بْنَ الأزْرَقِ قالَ لَهُ: أخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِهِ: ﴿فَيَطْمَعَ الَّذِي في قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾ . قالَ: الفُجُورُ والزِّنا، قالَ: وهَلْ تَعْرِفُ العَرَبُ ذَلِكَ؟ قالَ: نَعَمْ، أما سَمِعْتَ الأعْشى وهو يَقُولُ: ؎حافِظٌ لِلْفَرْجِ راضٍ بِالتُّقى لَيْسَ مِمَّنْ قَلْبُهُ فِيهِ مَرَضْ وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ عَلِيٍّ قالَ: المَرَضُ مَرَضانِ، فَمَرَضٌ زِنا، ومَرَضٌ نِفاقٌ. وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ عَنْ عَطاءِ بْنِ يَسارٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَيَطْمَعَ الَّذِي في قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾ . يَعْنِي الزِّنا ﴿وقُلْنَ قَوْلا مَعْرُوفًا﴾ . يَعْنِي: كَلامًا ظاهِرًا لَيْسَ فِيهِ طَمَعٌ لِأحَدٍ. وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ في قَوْلِهِ: ﴿وقُلْنَ قَوْلا مَعْرُوفًا﴾ . يَعْنِي: كَلامًا لَيْسَ فِيهِ طَمَعٌ لِأحَدٍ.

الأحزاب 33:33

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقَرْنَ في بُيُوتِكُنَّ﴾ (p-٣٠)أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ قالَ: نُبِّئْتُ أنَّهُ قِيلَ لِسَوْدَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ: ما لَكِ لا تَحُجِّينَ ولا تَعْتَمِرِينَ كَما تَفْعَلُ أخَواتُكِ؟ فَقالَتْ: قَدْ حَجَجْتُ واعْتَمَرْتُ، وأمَرَنِي اللَّهُ أنْ أقَرَّ في بَيْتِي، فُواللَّهِ لا أخْرُجُ مِن بَيْتِي حَتّى أمُوتَ. قالَ: فَواللَّهِ ما خَرَجَتْ مِن بابِ حُجْرَتِها حَتّى أُخْرِجَتْ بِجِنازَتِها. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ سَعْدٍ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ في زَوائِدِ ”الزُّهْدِ“، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مَسْرُوقٍ قالَ: كانَتْ عائِشَةُ إذا قَرَأتْ: ﴿وقَرْنَ في بُيُوتِكُنَّ﴾ بَكَتْ حَتّى تَبُلَّ خِمارَها. وأخْرَجَ أحْمَدُ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ لِنِسائِهِ عامَ حِجَّةِ الوَداعِ: ”هَذِهِ ثُمَّ ظُهُورَ الحُصُرِ“ قالَ: فَكانَ كُلُّهُنَّ يَحْجُجْنَ إلّا زَيْنَبَ بِنْتَ جَحْشٍ وسَوْدَةَ بِنْتَ زَمْعَةَ، وكانَتا تَقُولانِ: واللَّهِ لا تُحَرِّكُنا دابَّةٌ بَعْدَ أنْ سَمِعْنا ذَلِكَ مِن رَسُولِ اللَّهِ» ﷺ . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أُمِّ نائِلَةَ قالَتْ: جاءَ أبُو بَرْزَةَ فَلَمْ يَجِدْ أُمَّ ولَدِهِ في البَيْتِ، وقالُوا: ذَهَبَتْ إلى المَسْجِدِ. فَلَمّا جاءَتْ صاحَ بِها وقالَ لَها: إنَّ اللَّهَ نَهى النِّساءَ أنْ يَخْرُجْنَ، وأمَرَهُنَّ يَقَرْنَ في بُيُوتِهِنَّ، ولا يَتْبَعْنَ جِنازَةً، ولا يَأْتِينَ (p-٣١)مَسْجِدًا ولا يَشْهَدْنَ جُمُعَةً. وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ، والبَزّارُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «إنَّ المَرْأةَ عَوْرَةٌ، فَإذا خَرَجَتِ اسْتَشْرَفَها الشَّيْطانُ، وأقْرَبُ ما تَكُونُ مِن رَحْمَةِ رَبِّها وهي في قَعْرِ بَيْتِها» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: احْبِسُوا النِّساءَ في البُيُوتِ، فَإنَّ النِّساءَ عَوْرَةٌ، وإنَّ المَرْأةَ إذا خَرَجَتْ مِن بَيْتِها اسْتَشْرَفَها الشَّيْطانُ وقالَ لَها: إنَّكِ لا تَمُرِّينَ بِأحَدٍ إلّا أُعْجِبَ بِكِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنْ عُمَرَ قالَ: اسْتَعِينُوا عَلى النِّساءِ بِالعُرْيِ، إنَّ إحْداهُنَّ إذا كَثُرَتْ ثِيابُها، وحَسُنَتْ زِينَتُها أعْجَبَها الخُرُوجُ. وأخْرَجَ البَزّارُ عَنْ أنَسٍ قالَ: «جِئْنَ النِّساءُ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقُلْنَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، ذَهَبَ الرِّجالُ بِالفَضْلِ والجِهادِ في سَبِيلِ اللَّهِ، فَما لَنا عَمَلٌ نُدْرِكُ بِهِ عَمَلَ المُجاهِدِينَ في سَبِيلِ اللَّهِ؟ فَقالَ: ”مَن قَعَدَتْ مِنكُنَّ في بَيْتِها فَإنَّها تُدْرِكُ عَمَلَ المُجاهِدِينَ في سَبِيلِ اللَّهِ“» . * * قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الجاهِلِيَّةِ الأُولى﴾ (p-٣٢)أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ والحاكِمُ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، والبَيْهَقِيُّ في ”شُعَبِ الإيمانِ“ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: كانَتِ الجاهِلِيَّةُ الأُولى فِيما بَيْنَ نُوحٍ وإدْرِيسَ، وكانَتْ ألْفَ سَنَةٍ، وإنَّ بَطْنَيْنِ مِن ولَدِ آدَمَ، كانَ أحَدُهُما يَسْكُنُ السَّهْلَ، والآخَرُ يَسْكُنُ الجَبَلَ، فَكانَ رِجالُ الجَبَلِ صِباحًا وفي النِّساءِ دَمامَةٌ، وكانَ نِساءُ السَّهْلِ صِباحًا وفي الرِّجالِ دَمامَةٌ، وإنَّ إبْلِيسَ أتى رَجُلًا مِن أهْلِ السَّهْلِ في صُورَةِ غُلامٍ، فَأجَّرَ نَفْسَهُ فَكانَ يَخْدُمُهُ، واتَّخَذَ إبْلِيسُ شَبّابَةً مِثْلَ الَّذِي يَزْمِرُ فِيهِ الرِّعاءُ، فَجاءَ بِصَوْتٍ لَمْ يَسْمَعِ النّاسُ بِمِثْلِهِ، فَبَلَغَ ذَلِكَ مَن حَوْلَهُ، فانْتابُوهم يَسْمَعُونَ إلَيْهِ، واتَّخَذُوا عِيدًا يَجْتَمِعُونَ إلَيْهِ في السَّنَةِ، فَتَتَبَرَّجَ النِّساءُ لِلرِّجالِ، وتَتَبَرَّجَ الرِّجالُ لَهُنَّ، وإنَّ رَجُلًا مِن أهْلِ الجَبَلِ هَجَمَ عَلَيْهِمْ في عِيدِهِمْ ذَلِكَ فَرَأى النِّساءَ وصَباحَتَهُنَّ، فَأتى أصْحابَهُ فَأخْبَرَهم بِذَلِكَ، فَتَحَوَّلُوا إلَيْهِنَّ فَنَزَلُوا مَعَهُنَّ، وظَهَرَتِ الفاحِشَةُ فِيهِنَّ، فَهو قَوْلُ اللَّهِ: ﴿ولا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الجاهِلِيَّةِ الأُولى﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الحَكَمِ: ﴿ولا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الجاهِلِيَّةِ الأُولى﴾ قالَ: كانَ بَيْنَ آدَمَ ونُوحٍ ثَمانُمِائَةِ سَنَةٍ، فَكانَ نِساؤُهم مِن أقْبَحِ ما يَكُونُ مِنَ النِّساءِ، ورِجالُهم حِسانٌ، وكانَتِ المَرْأةُ تُرِيدُ الرَّجُلَ عَلى نَفْسِهِ، فَأُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ. (p-٣٣)وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ سَألَهُ فَقالَ: أرَأيْتَ قَوْلَ اللَّهِ لِأزْواجِ النَّبِيِّ ﷺ: ﴿ولا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الجاهِلِيَّةِ الأُولى﴾ . هَلْ كانَتْ جاهِلِيَّةٌ غَيْرَ واحِدَةٍ؟ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ما سَمِعْتُ بِأُولى إلّا ولَها آخِرَةٌ، فَقالَ لَهُ عُمَرُ: فَأْتِنِي مِن كِتابِ اللَّهِ ما يُصَدِّقُ ذَلِكَ. فَقالَ: إنَّ اللَّهَ يَقُولُ: وجاهِدُوا في اللَّهِ حَقَّ جِهادِهِ كَما جاهَدْتُمْ أوَّلَ مَرَّةٍ، [الحَجِّ: ٧٨] . فَقالَ عُمَرُ: مَن أُمِرْنا أنْ نُجاهِدُ؟ قالَ: مَخْزُومٌ وعَبْدُ شَمْسٍ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن وجْهٍ آخَرَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الجاهِلِيَّةِ الأُولى﴾ قالَ: تَكُونُ جاهِلِيَّةٌ أُخْرى. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عائِشَةَ، أنَّها تَلَتْ هَذِهِ الآيَةَ فَقالَتِ: الجاهِلِيَّةُ الأُولى كانَتْ عَلى عَهْدِ إبْراهِيمَ. وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: الجاهِلِيَّةُ الأُولى الَّتِي وُلِدَ فِيها (p-٣٤)إبْراهِيمُ، والجاهِلِيَّةُ الآخِرَةُ الَّتِي وُلِدَ فِيها مُحَمَّدٌ ﷺ . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: الجاهِلِيَّةُ الأُولى بَيْنَ عِيسى ومُحَمَّدٍ ﷺ . وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ قالَ: الجاهِلِيَّةُ الأُولى بَيْنَ عِيسى ومُحَمَّدٍ ﷺ . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ، مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: كانَتِ المَرْأةُ تَخْرُجُ فَتَمْشِي بَيْنَ الرِّجالِ، فَذَلِكَ تَبَرُّجُ الجاهِلِيَّةِ الأُولى. وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في ”سُنَنِهِ“ عَنْ أبِي أُذَيْنَةَ الصَّدَفِيِّ، أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «”شَرُّ نِسائِكُمُ المُتَبَرِّجاتُ، وهُنَّ المُنافِقاتُ، لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ مِنهُنَّ إلّا مِثْلُ الغُرابِ الأعْصَمِ» . (p-٣٥)وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ ﴿ولا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الجاهِلِيَّةِ الأُولى﴾ يَقُولُ: إذا خَرَجْتُنَّ مِن بُيُوتِكُنَّ. وكانَتْ لَهُنَّ مِشْيَةٌ فِيها تَكَسُّرٌ وتَغَنُّجٌ، فَنَهاهُنَّ اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ. وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ أبِي نَجِيحٍ في قَوْلِهِ: ﴿ولا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الجاهِلِيَّةِ الأُولى﴾ قالَ: التَّبَخْتُرُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُقاتِلٍ في الآيَةِ قالَ: التَّبَرُّجُ أنَّها تُلْقِي الخِمارَ عَلى رَأْسِها، ولا تَشُدُّهُ فَيُوارِي قَلائِدَها وقُرْطَها وعُنُقَها، ويَبْدُو ذَلِكَ كُلُّهُ مِنها، وذَلِكَ التَّبَرُّجُ، ثُمَّ عَمَّتْ نِساءَ المُؤْمِنِينَ في التَّبَرُّجِ. وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ لَمّا بايَعَ النِّساءَ: ﴿“ولا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الجاهِلِيَّةِ الأُولى”.﴾ قالَتِ امْرَأةٌ: يا رَسُولَ اللَّهِ، أراكَ تَشْتَرِطُ عَلَيْنا ألّا نَتَبَرَّجَ، وإنَّ فُلانَةَ قَدْ أسْعَدَتْنِي، وقَدْ ماتَ أخُوها. فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:“اذْهَبِي فَأسْعِدِيها ثُمَّ تَعالَيْ فَبايِعِينِي”» . (p-٣٦) * * قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ﴾ الآيَةَ. أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ عَساكِرَ مِن طَرِيقِ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أهْلَ البَيْتِ﴾ قالَ: نَزَلَتْ في نِساءِ النَّبِيِّ ﷺ خاصَّةً، وقالَ عِكْرِمَةُ: مَن شاءَ باهَلْتُهُ أنَّها نَزَلَتْ في أزْواجِ النَّبِيِّ ﷺ . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ مِن طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ في نِساءِ النَّبِيِّ ﷺ . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدُويَهْ عَنْ عِكْرِمَةَ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أهْلَ البَيْتِ﴾ . قالَ: لَيْسَ بِالَّذِي تَذْهَبُونَ إلَيْهِ، إنَّما هو نِساءُ النَّبِيِّ ﷺ . وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ عَنْ عُرْوَةَ: ﴿لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أهْلَ البَيْتِ﴾ قالَ: يَعْنِي أزْواجَ النَّبِيِّ ﷺ، نَزَلَتْ في بَيْتِ عائِشَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، (p-٣٧)عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ: «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ في بَيْتِها، عَلى مَنامَةٍ لَهُ عَلَيْهِ كِساءٌ خَيْبَرِيٌّ فَجاءَتْ فاطِمَةُ بِبُرْمَةٍ فِيها خَزِيرَةٌ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ادْعِي زَوْجَكِ وابْنَيْكِ حَسَنًا وحُسَيْنًا“ . فَدَعَتْهُمْ، فَبَيْنَما هم يَأْكُلُونَ إذْ نَزَلَتْ عَلى النَّبِيِّ ﷺ: ﴿إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أهْلَ البَيْتِ ويُطَهِّرَكم تَطْهِيرًا﴾ فَأخَذَ النَّبِيُّ ﷺ بِفَضْلَةِ كِسائِهِ فَغَشّاهم إيّاها، ثُمَّ أخْرَجَ يَدَهُ مِنَ الكِساءِ وألْوى بِها إلى السَّماءِ، ثُمَّ قالَ: ”اللَّهُمَّ هَؤُلاءِ أهْلُ بَيْتِي وحامَّتِي فَأذْهِبْ عَنْهُمُ الرِّجْسَ وطَهِّرْهم تَطْهِيرًا“ . قالَها ثَلاثَ مَرّاتٍ، قالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: فَأدْخَلْتُ رَأْسِي في السِّتْرِ فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، وأنا مَعَكُمْ؟ فَقالَ: ”إنَّكِ إلى خَيْرٍ“ مَرَّتَيْنِ» . وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قالَتْ: «جاءَتْ فاطِمَةُ غُدَيَّةً بِثَرِيدٍ لَها تَحْمِلُها في طَبَقٍ لَها حَتّى وضَعَتْها بَيْنَ يَدَيْهِ، فَقالَ لَها: ”أيْنَ ابْنُ عَمِّكِ؟“ قالَتْ: هو في البَيْتِ، قالَ: ”اذْهَبِي فادْعِيهِ وائْتِنِي بِابْنَيَّ“ . فَجاءَتْ تَقُودُ ابْنَيْها. كُلُّ واحِدٍ مِنهُما في يَدٍ وعَلِيٌّ يَمْشِي في إثْرِهِما، حَتّى دَخَلُوا عَلى رَسُولِ (p-٣٨)اللَّهِ ﷺ فَأجْلَسَهُما في حِجْرِهِ، وجَلَسَ عَلِيٌّ عَنْ يَمِينِهِ، وجَلَسَتْ فاطِمَةُ عَنْ يَسارِهِ. قالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: فَأخَذَتْ مِن تَحْتِي كِساءً كانَ بِساطَنا عَلى المَنامَةِ في البَيْتِ» . وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ لِفاطِمَةَ: ائْتِنِي بِزَوْجِكِ وابْنَيْهِ. فَجاءَتْ بِهِمْ، فَألْقى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَيْهِمْ كِساءً فَدَكِيًّا، ثُمَّ وضَعَ يَدَهُ عَلَيْهِمْ، ثُمَّ قالَ: ”اللَّهُمَّ إنَّ هَؤُلاءِ أهْلُ مُحَمَّدٍ“ - وفي لَفْظٍ: آلُ مُحَمَّدٍ- ”فاجْعَلْ صَلَواتِكَ وبَرَكاتِكَ عَلى آلِ مُحَمَّدٍ كَما جَعَلْتَها عَلى آلِ إبْراهِيمَ إنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ“، قالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: فَرَفَعْتُ الكِساءَ لِأدْخُلَ مَعَهُمْ، فَجَبَذَهُ مِن يَدِي وقالَ: ”إنَّكِ عَلى خَيْرٍ“» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قالَتْ: «نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في بَيْتِي: ﴿إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أهْلَ البَيْتِ ويُطَهِّرَكم تَطْهِيرًا﴾ وفي البَيْتِ سَبْعَةٌ، جِبْرِيلُ ومِيكائِيلُ، وعَلِيٌّ وفاطِمَةُ، والحَسَنُ، والحُسَيْنُ، وأنا عَلى بابِ البَيْتِ. قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، ألَسْتُ مِن أهْلِ البَيْتِ؟ قالَ: ”إنَّكِ إلى خَيْرٍ، إنَّكِ مِن أزْواجِ النَّبِيِّ ﷺ“» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ، والخَطِيبُ، عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قالَ: «كانَ يَوْمُ أُمِّ (p-٣٩)سَلَمَةَ أُمُّ المُؤْمِنِينَ، فَنَزَلَ جِبْرِيلُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِهَذِهِ الآيَةِ: ﴿إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أهْلَ البَيْتِ ويُطَهِّرَكم تَطْهِيرًا﴾ قالَ: فَدَعا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِحَسَنٍ وحُسَيْنٍ وفاطِمَةَ وعَلِيٍّ، فَضَمَّهم إلَيْهِ ونَشَرَ عَلَيْهِمُ الثَّوْبَ، والحِجابُ عَلى أُمِّ سَلَمَةَ مَضْرُوبٌ، ثُمَّ قالَ: ”اللَّهُمَّ هَؤُلاءِ أهْلُ بَيْتِي اللَّهُمَّ أذْهِبْ عَنْهُمُ الرِّجْسَ وطَهِّرْهم تَطْهِيرًا“، فَقالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: فَأيْنَ أنا؟ قالَ: ”إنَّكِ إلى خَيْرٍ“» . وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وابْنُ جَرِيرٍ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدُويَهْ عَنْ عُمَرَ بْنِ أبِي سَلَمَةَ رَبِيبِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى النَّبِيِّ ﷺ: إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أهْلَ البَيْتِ. في بَيْتِ أُمِّ سَلَمَةَ فَدَعا فاطِمَةَ وحَسَنًا وحُسَيْنًا فَجَلَّلَهم بِكِساءٍ، وعَلِيٌّ خَلْفَ ظَهْرِهِ، ثُمَّ قالَ: ”اللَّهُمَّ هَؤُلاءِ أهْلُ بَيْتِي، فَأذْهِبْ عَنْهُمُ الرِّجْسَ وطَهِّرْهم تَطْهِيرًا“ . قالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: فَأنا مَعَهم يا نَبِيُّ اللَّهِ؟ قالَ: ”أنْتِ عَلى مَكانِكِ وأنْتِ عَلى خَيْرٍ“» . وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، والبَيْهَقِيُّ في ”سُنَنِهِ“ مِن طُرُقٍ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قالَتْ: «فِي بَيْتِي نَزَلَتْ: ﴿إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أهْلَ البَيْتِ﴾ . وفي البَيْتِ فاطِمَةُ وعَلِيٌّ، والحَسَنُ، والحُسَيْنُ، فَجَلَّلَهم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِكِساءٍ (p-٤٠)كانَ عَلَيْهِ، ثُمَّ قالَ: ”هَؤُلاءِ أهْلُ بَيْتِي، فَأذْهِبْ عَنْهُمُ الرِّجْسَ وطَهِّرْهم تَطْهِيرًا“» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «”نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في خَمْسَةٍ، فِيَّ وفي عَلِيٍّ وفاطِمَةَ، وحَسَنٍ، وحُسَيْنٍ: ﴿إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أهْلَ البَيْتِ ويُطَهِّرَكم تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب»: ٣٣] . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وأحْمَدُ، ومُسْلِمٌ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: «خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ غَداةً وعَلَيْهِ مِرْطٌ مُرَجَّلٌ مِن شَعَرِ أسْوَدَ، فَجاءَ الحَسَنُ والحُسَيْنُ، فَأدْخَلَهُما مَعَهُ، ثُمَّ جاءَتْ فاطِمَةُ فَأدْخَلَها مَعَهُ، ثُمَّ جاءَ عَلِيٌّ فَأدْخَلَهُ مَعَهم ثُمَّ قالَ: ﴿إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أهْلَ البَيْتِ ويُطَهِّرَكم تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب»: ٣٣] . (p-٤١)وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ والحاكِمُ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنْ سَعْدٍ قالَ: «نَزَلَ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الوَحْيُ، فَأدْخَلَ عَلِيًّا وفاطِمَةَ وابْنَيْهِما تَحْتَ ثَوْبِهِ، ثُمَّ قالَ:“اللَّهُمَّ هَؤُلاءِ أهْلِي وأهْلُ بَيْتِي”» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وأحْمَدُ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، والبَيْهَقِيُّ في“سُنَنِهِ”، عَنْ واثِلَةَ بْنِ الأسْقَعِ قالَ: «جاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى فاطِمَةَ ومَعَهُ حَسَنٌ وحُسَيْنٌ، وعَلِيٌّ، حَتّى دَخَلَ، فَأدْنى عَلِيًّا وفاطِمَةَ، فَأجْلَسَهُما بَيْنَ يَدَيْهِ، وأجْلَسَ حَسَنًا وحُسَيْنًا، كُلُّ واحِدٍ مِنهُما عَلى فَخِذِهِ، ثُمَّ لَفَّ عَلَيْهِمْ ثَوْبَهُ وأنا مُسْتَدْبِرُهُمْ، ثُمَّ تَلا هَذِهِ الآيَةَ: ﴿إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أهْلَ البَيْتِ﴾ . وقالَ:“اللَّهُمَّ هَؤُلاءِ أهْلُ بَيْتِي، اللَّهُمَّ أذْهِبْ عَنْهُمُ الرِّجْسَ وطَهِّرْهم تَطْهِيرًا”. قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ وأنا مِن أهْلِكَ؟ قالَ: وأنْتَ مِن أهْلِي“ . قالَ واثِلَةُ: إنَّهُ لَأرْجى ما أرْجُوهُ» . وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنِ الحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ قالَ: نَحْنُ أهْلُ البَيْتِ الَّذِي قالَ اللَّهُ: إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أهْلَ البَيْتِ ويُطَهِّرَكم تَطْهِيرًا. (p-٤٢)وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وأحْمَدُ، والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والطَّبَرانِيُّ، والحاكِمُ، وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنْ أنَسٍ، «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ يَمُرُّ بِبابِ فاطِمَةَ إذا خَرَجَ إلى صَلاةِ الفَجْرِ يَقُولُ: الصَّلاةُ يا أهْلَ البَيْتِ، ﴿إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أهْلَ البَيْتِ ويُطَهِّرَكم تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب»: ٣٣] . وأخْرَجَ مُسْلِمٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أرْقَمَ، أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «أُذَكِّرُكُمُ اللَّهَ في أهْلِ بَيْتِي”فَقِيلَ: لِزَيْدٍ: ومَن أهْلُ بَيْتِهِ؟ ألَيْسَ نِساؤُهُ مِن أهْلِ بَيْتِهِ؟ قالَ: نِساؤُهُ مِن أهْلِ بَيْتِهِ، ولَكِنْ أهْلُ بَيْتِهِ مَن حُرِمَ الصَّدَقَةَ بَعْدَهُ؛ آلُ عَلِيٍّ، وآلُ عَقِيلٍ وآلُ جَعْفَرٍ، وآلُ عَبّاسٍ» . وأخْرَجَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدُويَهْ وأبُو نُعَيْمٍ، والبَيْهَقِيُّ مَعًا في “الدَّلائِلِ” عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إنَّ اللَّهَ قَسَمَ الخَلْقَ قِسْمَيْنِ فَجَعَلَنِي في خَيْرِهِما قِسْمًا، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وأصْحابُ اليَمِينِ﴾ [الواقعة: ٢٧] [الواقِعَةَ: ٢٧] و ﴿أصْحابُ الشِّمالِ﴾ [الواقعة: ٤١] [الواقِعَةَ: ٤١]، فَأنا مِن أصْحابِ اليَمِينِ، وأنا خَيْرُ أصْحابِ اليَمِينِ، ثُمَّ جَعَلَ القِسْمَيْنِ أثْلاثًا، فَجَعَلَنِي في خَيْرِها ثُلُثًا، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَأصْحابُ المَيْمَنَةِ ما أصْحابُ المَيْمَنَةِ﴾ [الواقعة: ٨] ﴿وأصْحابُ المَشْأمَةِ ما أصْحابُ المَشْأمَةِ﴾ [الواقعة: ٩] ﴿والسّابِقُونَ السّابِقُونَ﴾ [الواقعة: ١٠] [الواقِعَةَ: ٨-١٠] . (p-٤٣)فَأنا مِنَ السّابِقِينَ وأنا خَيْرُ السّابِقِينَ، ثُمَّ جَعَلَ الأثْلاثَ قَبائِلَ، فَجَعَلَنِي في خَيْرِها قَبِيلَةً، وذَلِكَ قَوْلُهُ. ﴿وجَعَلْناكم شُعُوبًا وقَبائِلَ لِتَعارَفُوا إنَّ أكْرَمَكم عِنْدَ اللَّهِ أتْقاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣] [الحُجُراتِ: ١٣] . وأنا أتْقى ولَدِ آدَمَ وأكْرَمُهم عَلى اللَّهِ تَعالى ولا فَخْرَ، ثُمَّ جَعَلَ القَبائِلَ بُيُوتًا، فَجَعَلَنِي في خَيْرِها بَيْتًا، فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أهْلَ البَيْتِ ويُطَهِّرَكم تَطْهِيرًا﴾ فَأنا وأهْلُ بَيْتِي مُطَهَّرُونَ مِنَ الذُّنُوبِ“» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أهْلَ البَيْتِ﴾ قالَ: هم أهْلُ بَيْتٍ طَهَّرَهُمُ اللَّهُ مِنَ السُّوءِ واخْتَصَّهم بِرَحْمَتِهِ. قالَ: وحَدَّثَ الضَّحّاكُ بْنُ مُزاحِمٍ، أنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ كانَ يَقُولُ: «”نَحْنُ أهْلُ البَيْتِ شَجَرَةُ النُّبُوَّةِ، ومَوْضِعُ الرِّسالَةِ، ومُخْتَلَفُ المَلائِكَةِ، وبَيْتُ الرَّحْمَةِ، ومَعْدِنُ العِلْمِ“» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قالَ: «لَمّا دَخَلَ عَلِيٌّ بِفاطِمَةَ، جاءَ النَّبِيُّ ﷺ أرْبَعِينَ صَباحًا إلى بابِها يَقُولُ: ”السَّلامُ عَلَيْكم أهْلَ البَيْتِ ورَحْمَةُ اللَّهِ وبَرَكاتُهُ، الصَّلاةَ رَحِمَكُمُ اللَّهُ، ﴿إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أهْلَ البَيْتِ ويُطَهِّرَكم تَطْهِيرًا﴾ أنا حَرْبٌ لِمَن حارَبْتُمْ وسِلْمٌ لِمَن سالَمْتُمْ» . (p-٤٤)وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدُويَهْ عَنْ أبِي الحَمْراءِ قالَ: «حَفِظْتُ مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ثَمانِيَةَ أشْهُرٍ بِالمَدِينَةِ، لَيْسَ مِن مَرَّةٍ يَخْرُجُ إلى صَلاةِ الغَداةِ إلّا أتى بابَ عَلِيٍّ، فَوَضَعَ يَدَهُ عَلى جَنْبَتَيِ البابِ ثُمَّ قالَ:“الصَّلاةَ، الصَّلاةَ، ﴿إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أهْلَ البَيْتِ ويُطَهِّرَكم تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب»: ٣٣] . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «شَهِدْنا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تِسْعَةَ أشْهُرٍ يَأْتِي كُلَّ يَوْمٍ بابَ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ عِنْدَ وقْتِ كُلِّ صَلاةٍ فَيَقُولُ: ”السَّلامُ عَلَيْكم ورَحْمَةُ اللَّهِ وبَرَكاتُهُ أهْلَ البَيْتِ، ﴿إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أهْلَ البَيْتِ ويُطَهِّرَكم تَطْهِيرًا﴾ . الصَّلاةَ رَحِمَكُمُ اللَّهُ“ كُلَّ يَوْمٍ خَمْسَ مَرّاتٍ» . وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ عَنْ أبِي الحَمْراءِ قالَ: «رَأيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَأْتِي بابَ عَلِيٍّ وفاطِمَةَ سِتَّةَ أشْهُرٍ فَيَقُولُ: ﴿إنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أهْلَ البَيْتِ ويُطَهِّرَكم تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب»: ٣٣] .

الأحزاب 33:34

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واذْكُرْنَ﴾ الآيَةَ. أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ سَعْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿واذْكُرْنَ ما يُتْلى في بُيُوتِكُنَّ مِن آياتِ اللَّهِ والحِكْمَةِ﴾ (p-٤٥)قالَ: القُرْآنَ والسُّنَّةَ يَمْتَنُّ عَلَيْهِنَّ بِذَلِكَ. وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ عَنْ أبِي أُمامَةَ بْنِ سَهْلٍ «فِي قَوْلِهِ: ﴿واذْكُرْنَ ما يُتْلى في بُيُوتِكُنَّ مِن آياتِ اللَّهِ والحِكْمَةِ﴾ . قالَ: كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي في بُيُوتِ أزْواجِهِ النَّوافِلَ بِاللَّيْلِ والنَّهارِ» .

الأحزاب 33:35

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ المُسْلِمِينَ والمُسْلِماتِ﴾ الآيَةَ. أخْرَجَ أحْمَدُ والنَّسائِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، والطَّبَرَنِيُّ وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قالَتْ: «قُلْتُ لِلنَّبِيِّ ﷺ: ما لَنا لا نُذْكَرُ في القُرْآنِ كَما يُذْكَرُ الرِّجالُ؟ فَلَمْ يَرُعْنِي مِنهُ ذاتَ يَوْمٍ إلّا نِداؤُهُ عَلى المِنبَرِ وهو يَقُولُ: يا أيُّها النّاسُ إنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿إنَّ المُسْلِمِينَ والمُسْلِماتِ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ» . وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وابْنُ سَعْدٍ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ والنَّسائِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُويَهْ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، أنَّها قالَتْ لِلنَّبِيِّ ﷺ: «ما لِي أسْمَعُ الرِّجالَ يُذْكَرُونَ في القُرْآنِ والنِّساءُ لا يُذْكَرْنَ؟ (p-٤٦)فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿إنَّ المُسْلِمِينَ والمُسْلِماتِ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ» . وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، «عَنْ أُمِّ عُمارَةَ الأنْصارِيَّةِ: أنَّها أتَتِ النَّبِيَّ ﷺ فَقالَتْ: ما أرى كُلَّ شَيْءٍ إلّا لِلرِّجالِ، وما أرى النِّساءَ يُذْكَرْنَ بِشَيْءٍ! فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿إنَّ المُسْلِمِينَ والمُسْلِماتِ﴾ [الأحزاب»: ٣٥] . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدُويَهْ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «قالَتِ النِّساءُ: يا رَسُولَ اللَّهِ ما بالُهُ يَذْكُرُ المُؤْمِنِينَ ولَمْ يَذْكُرُ المُؤْمِناتِ؟ فَنَزَلَ: ﴿إنَّ المُسْلِمِينَ والمُسْلِماتِ﴾ [الأحزاب»: ٣٥] . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ قالَ: «دَخَلَ نِساءٌ عَلى نِساءِ النَّبِيِّ ﷺ فَقُلْنَ: قَدْ ذَكَرَكُنَّ اللَّهُ في القُرْآنِ ولَمْ نُذْكَرْ بِشَيْءٍ، أما فِينا ما يُذْكَرُ؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿إنَّ المُسْلِمِينَ والمُسْلِماتِ﴾ الآيَةَ» . وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ مِن وجْهٍ آخَرَ، عَنْ قَتادَةَ قالَ: لَمّا ذُكِرَ أزْواجُ النَّبِيِّ ﷺ قالَ النِّساءُ: لَوْ كانَ فِينا خَيْرٌ لَذُكِرْنا، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿إنَّ المُسْلِمِينَ والمُسْلِماتِ﴾ الَآيَةَ. (p-٤٧)وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: قالَ النِّساءُ لِلرِّجالِ: أسْلَمْنا كَما أسْلَمْتُمْ وفَعَلْنا كَما فَعَلْتُمْ، فَتُذْكَرُونَ في القُرْآنِ ولا نُذْكَرُ! وكانَ النّاسُ يُسَمَّوْنَ المُسْلِمِينَ، فَلَمّا هاجَرُوا سُمُّوا المُؤْمِنِينَ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿إنَّ المُسْلِمِينَ والمُسْلِماتِ والمُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ والقانِتِينَ والقانِتاتِ﴾ يَعْنِي: المُطِيعِينَ والمُطِيعاتِ، ﴿والصّادِقِينَ والصّادِقاتِ﴾، ﴿والصّائِمِينَ والصّائِماتِ﴾ شَهْرَ رَمَضانَ ﴿والحافِظِينَ فُرُوجَهم والحافِظاتِ﴾ يَعْنِي: مِنَ النِّساءِ، ﴿والذّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا والذّاكِراتِ﴾ يَعْنِي: ذِكْرَ آلاءِ اللَّهِ وذِكْرَ نِعَمِهِ، ﴿أعَدَّ اللَّهُ لَهم مَغْفِرَةً وأجْرًا عَظِيمًا﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ المُسْلِمِينَ والمُسْلِماتِ﴾ يَعْنِي: المُخْلِصِينَ لِلَّهِ مِنَ الرِّجالِ، والمُخْلِصاتِ مِنَ النِّساءِ، ﴿والمُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ﴾ يَعْنِي: المُصَدِّقِينَ والمُصَدِّقاتِ، ﴿والقانِتِينَ والقانِتاتِ﴾ يَعْنِي: المُطِيعِينَ والمُطِيعاتِ، ﴿والصّادِقِينَ والصّادِقاتِ﴾ يَعْنِي: الصّادِقِينَ في إيمانِهِمْ، ﴿والصّابِرِينَ والصّابِراتِ﴾ يَعْنِي: عَلى أمْرِ اللَّهِ، ﴿والخاشِعِينَ﴾ يَعْنِي: المُتَواضِعِينَ لِلَّهِ في الصَّلاةِ، مَن لا يَعْرِفُ مَن عَنْ يَمِينِهِ ولا مَن عَنْ يَسارِهِ ولا يَلْتَفِتُ مِنَ الخُشُوعِ لِلَّهِ، ﴿والخاشِعاتِ﴾ يَعْنِي: المُتَواضِعاتِ مِنَ النِّساءِ، ﴿والصّائِمِينَ والصّائِماتِ﴾ قالَ: مَن صامَ شَهْرَ رَمَضانَ (p-٤٨)وثَلاثَةَ أيّامٍ مِن كُلِّ شَهْرٍ فَهو مِن أهْلِ هَذِهِ الآيَةِ، ﴿والحافِظِينَ فُرُوجَهم والحافِظاتِ﴾ . قالَ: يَعْنِي: فُرُوجَهم عَنِ الفَواحِشِ. ثُمَّ أخْبَرَ بِثَوابِهِمْ فَقالَ: ﴿أعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ﴾ يَعْنِي: لِمَن ذُكِرَ في هَذِهِ الآيَةِ، مَغْفِرَةً. يَعْنِي: لِذُنُوبِهِمْ، ﴿وأجْرًا عَظِيمًا﴾ . يَعْنِي: جَزاءً وافِرًا في الجَنَّةِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وأبُو داوُدَ والنَّسائِيُّ، وابْنُ ماجَهْ وأبُو يَعْلى، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ حِبّانَ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، والبَيْهَقِيُّ في ”سُنَنِهِ“، عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ، أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «إذا أيْقَظَ الرَّجُلُ امْرَأتَهُ مِنَ اللَّيْلِ فَصَلَّيا رَكْعَتَيْنِ، كانا تِلْكَ اللَّيْلَةَ مِنَ الذّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا والذّاكِراتِ» . وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: لا يَكُونُ الرَّجُلُ مِنَ الذّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا حَتّى يَذْكُرَ اللَّهَ قائِمًا، وقاعِدًا، ومُضْطَجِعًا.

الأحزاب 33:36

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما كانَ لِمُؤْمِنٍ﴾ الآيَةَ. أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ (p-٤٩)انْطَلَقَ لِيَخْطُبَ عَلى فَتاهُ زَيْدِ بْنِ حارِثَةَ فَدَخَلَ عَلى زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ الأسْدِيَّةِ فَخَطَبَها، قالَتْ: لَسْتُ بِناكِحَتِهِ قالَ: ”بَلى، فانْكِحِيهِ“ قالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ أُؤامَرُ في نَفْسِي، فَبَيْنَما هُما يَتَحَدَّثانِ، أنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ عَلى رَسُولِهِ ﷺ: ﴿وما كانَ لِمُؤْمِنٍ ولا مُؤْمِنَةٍ إذا قَضى اللَّهُ ورَسُولُهُ﴾ الآيَةَ، قالَتْ: قَدْ رَضِيتَهُ لِي يا رَسُولَ اللَّهِ مَنكَحًا قالَ: ”نَعَمْ“، قالَتْ: إذَنْ لا أعْصِي رَسُولَ اللَّهِ قَدْ أنْكَحْتُهُ نَفْسِي» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «خَطَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ زَيْنَبَ بِنْتَ جَحْشٍ لِزَيْدِ بْنِ حارِثَةَ فاسْتَنْكَفَتْ مِنهُ وقالَتْ: أنا خَيْرٌ مِنهُ حَسَبًا، وكانَتِ امْرَأةً فِيها حِدَّةٌ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وما كانَ لِمُؤْمِنٍ ولا مُؤْمِنَةٍ﴾ الآيَةَ كُلَّها» . وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ والطَّبَرانِيُّ عَنْ قَتادَةَ قالَ: «خَطَبَ النَّبِيُّ ﷺ زَيْنَبَ وهو يُرِيدُها لِزَيْدٍ، فَظَنَّتْ أنَّهُ يُرِيدُها لِنَفْسِهِ، فَلَمّا عَلِمَتْ أنَّهُ يُرِيدُها لِزَيْدٍ أبَتْ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وما كانَ لِمُؤْمِنٍ ولا مُؤْمِنَةٍ﴾ الآيَةَ، فَرَضِيَتْ وسَلَّمَتْ» . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ مُجاهِدٍ ﴿وما كانَ لِمُؤْمِنٍ ولا مُؤْمِنَةٍ إذا قَضى اللَّهُ ورَسُولُهُ أمْرًا﴾ الآيَةَ. قالَ: زَيْنَبُ بِنْتُ جَحْشٍ وكَراهَتُها (p-٥٠)زَيْدَ بْنَ حارِثَةَ حِينَ أمَرَها بِهِ مُحَمَّدٌ ﷺ . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِزَيْنَبَ: ”إنِّي أُرِيدُ أنْ أُزَوِّجَكِ زَيْدَ بْنَ حارِثَةَ فَإنِّي قَدْ رَضِيتُهُ لَكِ“، قالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ، لَكِنِّي لا أرْضاهُ لِنَفْسِي، وأنا أيِّمُ قَوْمِي وبِنْتُ عَمَّتِكَ فَلَمْ أكُنْ لِأفْعَلَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿وما كانَ لِمُؤْمِنٍ﴾ يَعْنِي زَيْدًا ﴿ولا مُؤْمِنَةٍ﴾ يَعْنِي: زَيْنَبَ، ﴿إذا قَضى اللَّهُ ورَسُولُهُ أمْرًا﴾، يَعْنِي النِّكاحَ في هَذا المَوْضِعِ، أنْ تَكُونَ لَهُمُ الخِيَرَةُ مِن أمْرِهِمْ. يَقُولُ: لَيْسَ لَهُمُ الخِيَرَةُ مِن أمْرِهِمْ خِلافَ ما أمَرَ اللَّهُ بِهِ، ﴿ومَن يَعْصِ اللَّهَ ورَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالا مُبِينًا﴾ قالَتْ: قَدْ أطَعْتُكَ فاصْنَعْ ما شِئْتَ فَزَوَّجَها زَيْدًا ودَخَلَ عَلَيْها» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ قالَ: «نَزَلَتْ في أُمِّ كُلْثُومٍ بِنْتِ عُقْبَةَ بْنِ أبِي مُعَيْطٍ، وكانَتْ أوَّلَ امْرَأةٍ هاجَرَتْ مِنَ النِّساءِ، فَوَهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِّ ﷺ فَزَوَّجَها زَيْدَ بْنَ حارِثَةَ، فَسَخِطَتْ هي وأخُوها وقالا: إنَّما أرَدْنا (p-٥١)رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَزَوَّجْنا عَبْدَهُ فَنَزَلَتْ» . وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُويَهْ والبَيْهَقِيُّ في ”سُنَنِهِ“، عَنْ طاوُسٍ أنَّهُ سَألَ ابْنَ عَبّاسٍ عَنْ رَكْعَتَيْنِ بَعْدَ العَصْرِ فَنَهاهُ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وما كانَ لِمُؤْمِنٍ ولا مُؤْمِنَةٍ إذا قَضى اللَّهُ ورَسُولُهُ أمْرًا أنْ يَكُونَ لَهُمُ الخِيَرَةُ مِن أمْرِهِمْ.

الأحزاب 33:37

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذْ تَقُولُ لِلَّذِي أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ﴾ الآيَةَ. أخْرَجَ البَزّارُ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدُويَهْ عَنْ أُسامَةَ بْنِ زَيْدٍ قالَ: «جاءَ العَبّاسُ وعَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالا: يا رَسُولَ اللَّهِ جِئْناكَ لَتُخْبِرُنا أيَّ أهْلِكَ أحَبُّ إلَيْكَ قالَ: أحَبُّ أهْلِي إلَيَّ فاطِمَةُ، قالا: ما نَسْألُكَ عَنْ فاطِمَةَ. قالَ: فَأُسامَةُ بْنُ زَيْدٍ الَّذِي أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وأنْعَمْتُ عَلَيْهِ، قالَ عَلِيٌّ: ثُمَّ مَن يا رَسُولَ اللَّهِ؟ قالَ: ثُمَّ أنْتَ، ثُمَّ العَبّاسُ. قالَ العَبّاسُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، جَعَلْتَ عَمَّكَ آخِرًا. قالَ: ”إنَّ عَلِيًّا سَبَقَكَ بِالهِجْرَةِ“» . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ والبُخارِيُّ والتِّرْمِذِيُّ والنَّسائِيُّ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، (p-٥٢)وابْنُ مَرْدُويَهْ عَنْ أنَسٍ، أنَّ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿وتُخْفِي في نَفْسِكَ ما اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾ نَزَلَتْ في شَأْنِ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ وزَيْدِ بْنِ حارِثَةَ. وأخْرَجَ أحْمَدُ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والبُخارِيُّ، والتِّرْمِذِيُّ، وابْنُ المُنْذِرِ والحاكِمُ، وابْنُ مَرْدُويَهْ والبَيْهَقِيُّ في ”سُنَنِهِ“ عَنْ أنَسٍ قالَ: «جاءَ زَيْدُ بْنُ حارِثَةَ يَشْكُو زَيْنَبَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ”اتَّقِ اللَّهَ وأمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ“ . فَنَزَلَتْ: ﴿وتُخْفِي في نَفْسِكَ ما اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾ قالَ: أنَسٌ: فَلَوْ كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كاتِمًا شَيْئًا لَكَتَمَ هَذِهِ الآيَةَ، فَتَزَوَّجَها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَما أوْلَمَ عَلى امْرَأةٍ مِن نِسائِهِ ما أوْلَمَ عَلَيْها، ذَبَحَ شاةً، ﴿فَلَمّا قَضى زَيْدٌ مِنها وطَرًا زَوَّجْناكَها﴾ فَكانَتْ تَفْخَرُ عَلى أزْواجِ النَّبِيِّ ﷺ تَقُولُ: زَوَّجَكُنَّ أهالِيكُنَّ، وزَوَّجَنِي اللَّهُ مِن فَوْقِ سَبْعِ سَماواتٍ» . وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، وأحْمَدُ ومُسْلِمٌ، والنَّسائِيُّ وأبُو يَعْلى، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدُويَهْ عَنْ أنَسٍ قالَ: «لَمّا انْقَضَتْ عِدَّةُ زَيْنَبَ قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِزَيْدٍ: اذْهَبْ فاذْكُرْها عَلَيَّ”. فانْطَلَقَ قالَ: فَلَمّا رَأيْتُها عَظُمَتْ في صَدْرِي، فَقُلْتُ: يا زَيْنَبُ أبْشِرِي، أرْسَلَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَذْكُرُكِ. قالَتْ: ما أنا بِصانِعَةٍ شَيْئًا حَتّى أُؤامِرَ رَبِّي. فَقامَتْ إلى مَسْجِدِها، ونَزَلَ القُرْآنُ، وجاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ودَخَلَ عَلَيْها بِغَيْرِ إذْنٍ، ولَقَدْ رَأيْتُنا حِينَ (p-٥٣)دَخَلَتْ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أطْعَمَنا عَلَيْها الخُبْزَ واللَّحْمَ، فَخَرَجَ النّاسُ وبَقِيَ رِجالٌ يَتَحَدَّثُونَ في البَيْتِ بَعْدَ الطَّعامِ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ واتَّبَعْتُهُ فَجَعَلَ يَتَتَبَّعُ حُجَرَ نِسائِهِ، يُسَلِّمُ عَلَيْهِنَّ ويَقُلْنَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ وجَدْتَ أهْلَكَ؟ فَما أدْرِي أنا أخْبَرْتُهُ أنَّ القَوْمَ قَدْ خَرَجُوا أوْ أْخْبِرَ، فانْطَلَقَ حَتّى دَخَلَ البَيْتَ، فَذَهَبْتُ أدْخُلُ مَعَهُ، فَألْقى السِّتْرَ بَيْنِي وبَيْنَهُ، ونَزَلَ الحِجابُ، ووُعِظَ القَوْمُ بِما وُعِظُوا بِهِ: ﴿لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إلا أنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾ [الأحزاب: ٥٣] الآيَةَ» . وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، والحاكِمُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيى بْنِ حِبّانَ قالَ: «جاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْتَ زَيْدِ بْنِ حارِثَةَ يَطْلُبُهُ، وكانَ زَيْدٌ إنَّما يُقالُ لَهُ: زَيْدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، فَرُبَّما فَقَدَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ السّاعَةَ فَيَقُولُ: أيْنَ زَيْدٌ؟ فَجاءَ مَنزِلَهُ يَطْلُبُهُ فَلَمْ يَجِدْهُ، وتَقُومُ إلَيْهِ زَيْنَبُ بِنْتُ جَحْشٍ فُضُلًا، فَأعْرَضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْها فَقالَتْ: لَيْسَ هو هاهُنا يا رَسُولَ اللَّهِ فادْخُلْ. فَأبى أنْ يَدْخُلَ فَأعْجَبَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَوَلّى وهو يُهَمْهِمُ بِشَيْءٍ لا يَكادُ يُفْهَمُ مِنهُ، إلّا رُبَّما (p-٥٤)أعْلَنَ:“سُبْحانَ اللَّهِ العَظِيمِ، سُبْحانَ مُصَرِّفِ القُلُوبِ”. فَجاءَ زَيْدٌ إلى مَنزِلِهِ، فَأخْبَرَتْهُ امْرَأتُهُ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أتى مَنزِلَهُ، فَقالَ زَيْدٌ: ألا قُلْتِ لَهُ أنْ يَدْخُلَ؟ قالَتْ: قَدْ عَرَضْتُ ذَلِكَ عَلَيْهِ فَأبى. قالَ: فَسَمِعْتِ شَيْئًا؟ قالَتْ: سَمِعْتُهُ حِينَ ولّى تَكَلَّمَ بِكَلامٍ ولا أفْهَمُهُ، وسَمِعْتُهُ يَقُولُ:“سُبْحانَ اللَّهِ سُبْحانَ مُصَرِّفِ القُلُوبِ”. فَجاءَ زَيْدٌ حَتّى أتى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، بَلَغَنِي أنَّكَ جِئْتَ مَنزِلِي فَهَلّا دَخَلْتَ يا رَسُولَ اللَّهِ، لَعَلَّ زَيْنَبَ أعْجَبَتْكَ فَأُفارِقُها. فَيَقُولُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ﴿أمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾ فَما اسْتَطاعَ زَيْدٌ إلَيْها سَبِيلًا بَعْدَ ذَلِكَ اليَوْمِ. فَيَأْتِي إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَيُخْبِرُهُ، فَيَقُولُ:“أمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ”. فَفارَقَها زَيْدٌ واعْتَزَلَها، وانْقَضَتْ عِدَّتُها، فَبَيْنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ جالِسٌ يَتَحَدَّثُ مَعَ عائِشَةَ إذْ أخَذَتْهُ غَشْيَةٌ، فَسُرِّيَ عَنْهُ وهو يَتَبَسَّمُ ويَقُولُ:“مَن يَذْهَبُ إلى زَيْنَبَ يُبَشِّرُها أنَّ اللَّهَ زَوَّجَنِيها مِنَ السَّماءِ؟ وتَلا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ﴿وإذْ تَقُولُ لِلَّذِي أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وأنْعَمْتَ عَلَيْهِ أمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾ القِصَّةَ كُلَّها. قالَتْ عائِشَةُ: فَأخَذَنِي ما قَرُبَ وما بَعُدَ، لِما يَبْلُغُنا مِن جَمالِها، وأُخْرى هي أعْظَمُ الأُمُورِ وأشْرَفُها، زَوَّجَها اللَّهُ مِنَ السَّماءِ، وقُلْتُ: هي تَفْخَرُ عَلَيْنا بِهَذا» . وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ والتِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنْ عائِشَةَ (p-٥٥)قالَتْ: «لَوْ كانَ النَّبِيُّ ﷺ كاتِمًا شَيْئًا مِنَ الوَحْيِ لَكَتَمَ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿وإذْ تَقُولُ لِلَّذِي أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ﴾، يَعْنِي: بِالإسْلامِ، ﴿وأنْعَمْتَ عَلَيْهِ﴾ . بِالعِتْقِ، ﴿أمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾ . إلى قَوْلِهِ: ﴿وكانَ أمْرُ اللَّهِ مَفْعُولا﴾ . وإنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمّا تَزَوَّجَها قالُوا: تَزَوَّجَ حَلِيلَةَ ابْنِهِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ما كانَ مُحَمَّدٌ أبا أحَدٍ مِن رِجالِكم ولَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وخاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ . وكانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ تَبَنّاهُ وهو صَغِيرٌ، فَلَبِثَ حَتّى صارَ رَجُلًا يُقالُ لَهُ: زَيْدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿ادْعُوهم لآبائِهِمْ هو أقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الأحزاب: ٥]، يَعْنِي: أعْدَلُ عِنْدَ اللَّهِ» . وأخْرَجَ الحاكِمُ عَنِ الشَّعْبِيِّ قالَ: «كانَتْ زَيْنَبُ تَقُولُ لِلنَّبِيِّ ﷺ: أنا أعْظَمُ نِسائِكَ عَلَيْكَ حَقًّا؛ أنا خَيْرُهُنَّ مَنكَحًا، وأكْرَمُهُنَّ سِتْرًا، وأقْرَبُهُنَّ رُحْمًا، وزَوَّجَنِيكَ الرَّحْمَنُ مِن فَوْقِ عَرْشِهِ، وكانَ جِبْرِيلُ هو السَّفِيرُ بِذَلِكَ، وأنا بِنْتُ عَمَّتِكَ لَيْسَ لَكَ مِن نِسائِكَ قَرِيبَةٌ غَيْرِي» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ قالَ: «كانَتْ زَيْنَبُ تَقُولُ لِلنَّبِيِّ ﷺ: إنِّي لَأدِلُّ عَلَيْكَ بِثَلاثٍ ما مِن نِسائِكَ امْرَأةٌ تَدِلُّ بِهِنَّ، أنَّ جَدِّي وجَدَّكَ واحِدٌ، وأنِّي أنْكَحَنِيكَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ، وأنَّ السَّفِيرَ لَجَبْرائِيلُ» . وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، وابْنُ عَساكِرَ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، عَنْ زَيْنَبَ قالَتْ: «إنِّي واللَّهِ (p-٥٦)ما أنا كَأحَدٍ مِن نِساءِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، إنَّهُنَّ زُوِّجْنَ بِالمُهُورِ، وزَوَّجَهُنَّ الأوْلِياءُ، وزَوَّجَنِي اللَّهُ رَسُولَهُ وأنْزَلَ فِيَّ الكِتابَ يَقْرَأُهُ المُسْلِمُونَ، لا يُبَدَّلُ ولا يَتَغَيَّرُ: ﴿وإذْ تَقُولُ لِلَّذِي أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ﴾ الآيَةَ» . وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، وابْنُ عَساكِرَ، عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: «يَرْحَمُ اللَّهُ زَيْنَبَ بِنْتَ جَحْشٍ، لَقَدْ نالَتْ في هَذِهِ الدُّنْيا الشَّرَفَ الَّذِي لا يَبْلُغُهُ شَرَفٌ، إنَّ اللَّهَ زَوَّجَها نَبِيَّهُ ﷺ في الدُّنْيا ونَطَقَ بِهِ القُرْآنُ» . وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ عَنْ عاصِمٍ الأحْوَلِ، أنَّ رَجُلًا مِن بَنِي أسَدٍ فاخَرَ رَجُلًا، فَقالَ الأسَدِيُّ: هَلْ مِنكُمُ امْرَأةٌ زَوَّجَها اللَّهُ مِن فَوْقِ سَبْعِ سَماواتٍ؟ يَعْنِي زَيْنَبَ بِنْتَ جَحْشٍ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ عَنْ قَتادَةَ «فِي قَوْلِهِ: ﴿وإذْ تَقُولُ لِلَّذِي أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ﴾ قالَ: زَيْدِ بْنِ حارِثَةَ، أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ بِالإسْلامِ ﴿وأنْعَمْتَ عَلَيْهِ﴾: أعْتَقَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، ﴿أمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ واتَّقِ اللَّهَ﴾ جاءَ زَيْدُ بْنُ حارِثَةَ فَقالَ: يا نَبِيَّ اللَّهِ إنَّ زَيْنَبَ قَدِ اشْتَدَّ عَلَيَّ لِسانُها وأنا أُرِيدُ أنْ أُطَلِّقَها، فَقالَ لَهُ (p-٥٧)النَّبِيُّ ﷺ: ”اتَّقِ اللَّهَ وأمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ“ . قالَ: والنَّبِيُّ ﷺ يُحِبُّ أنْ يُطَلِّقَها، ويَخْشى قالَةَ النّاسِ إنْ أمَرَهُ بِطَلاقِها، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وتُخْفِي في نَفْسِكَ ما اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾ قالَ: كانَ يُخْفِي في نَفْسِهِ ودَّ أنَّهُ طَلَّقَها. قالَ: قالَ الحَسَنُ: ما أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ آيَةٌ كانَتْ أشَدَّ عَلَيْهِ مِنها، ولَوْ كانَ كاتِمًا شَيْئًا مِنَ الوَحْيِ لَكَتَمَها. ﴿وتَخْشى النّاسَ﴾ قالَ: خَشِيَ النَّبِيُّ ﷺ قالَةَ النّاسِ. ﴿فَلَمّا قَضى زَيْدٌ مِنها وطَرًا﴾ فَلَمّا طَلَّقَها زَيْدٌ ﴿زَوَّجْناكَها﴾ . فَكانَتْ تَفْخَرُ عَلى نِساءِ النَّبِيِّ ﷺ تَقُولُ: أمّا أنْتُنَّ فَزَوَّجَكُنَّ آباؤُكُنَّ، وأمّا أنا فَزَوَّجَنِي ذُو العَرْشِ، ﴿لِكَيْ لا يَكُونَ عَلى المُؤْمِنِينَ حَرَجٌ في أزْواجِ أدْعِيائِهِمْ إذا قَضَوْا مِنهُنَّ وطَرًا﴾ . أيْ: إذا طَلَّقُوهُنَّ، وكانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ تَبَنّى زَيْدَ بْنَ حارِثَةَ، ﴿ما كانَ عَلى النَّبِيِّ مِن حَرَجٍ فِيما فَرَضَ اللَّهُ لَهُ﴾: أحَلَّ اللَّهُ لَهُ: ﴿سُنَّةَ اللَّهِ في الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ﴾ يَقُولُ: كَما هَوى داوُدُ النَّبِيُّ المَرْأةَ الَّتِي نَظَرَ إلَيْها فَهَوِيَها فَتَزَوَّجَها، كَذَلِكَ قَضى اللَّهُ لِمُحَمَّدٍ تَزَوُّجَ زَيْنَبَ، كَما كانَ سُنَّةُ اللَّهِ في داوُدَ في تَزَوُّجِهِ تِلْكَ المَرْأةَ، ﴿وكانَ أمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا﴾ في أمْرِ زَيْنَبَ» . (p-٥٨)وأخْرَجَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في ”الدَّلائِلِ“ عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدِ بْنِ جُدْعانَ قالَ: قالَ لِي عَلِيُّ بْنُ الحُسَيْنِ: ما يَقُولُ الحَسَنُ في قَوْلِهِ: ﴿وتُخْفِي في نَفْسِكَ ما اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾ فَقُلْتُ لَهُ. . . فَقالَ: لا، ولَكِنَّ اللَّهَ أعْلَمَ نَبِيَّهُ ﷺ أنَّ زَيْنَبَ سَتَكُونُ مِن أزْواجِهِ قَبْلَ أنْ يَتَزَوَّجَها، فَلَمّا أتاهُ زَيْدٌ يَشْكُوها إلَيْهِ قالَ: ”اتَّقِ اللَّهَ وأمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ“ . فَقالَ: قَدْ أخْبَرْتُكَ أنِّي مُزَوِّجُكَها، ﴿وتُخْفِي في نَفْسِكَ ما اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ في قَوْلِهِ: ﴿ما كانَ عَلى النَّبِيِّ مِن حَرَجٍ فِيما فَرَضَ اللَّهُ لَهُ سُنَّةَ اللَّهِ في الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ﴾ . قالَ: يَعْنِي: يَتَزَوَّجُ مِنَ النِّساءِ ما شاءَ، هَذا فَرِيضَةٌ وكانَ مَن كانَ مِنَ الأنْبِياءِ هَذا سُنَّتُهُمْ؛ قَدْ كانَ لِسُلَيْمانَ بْنِ داوُدَ ألْفُ امْرَأةٍ، وكانَ لِداوُدَ مِائَةُ امْرَأةٍ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، والطَّبَرانِيُّ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ في قَوْلِهِ: ﴿سُنَّةَ اللَّهِ في الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ﴾ قالَ: داوُدَ والمَرْأةِ الَّتِي نَكَحَ وزَوْجِها، واسْمُها اليسيه فَذَلِكَ سُنَّةٌ في مُحَمَّدٍ وزَيْنَبَ، ﴿وكانَ أمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا﴾: كَذَلِكَ مِن سُنَّتِهِ؛ في داوُدَ والمَرْأةِ، والنَّبِيِّ ﷺ وزَيْنَبَ. (p-٥٩)وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في ”سُنَنِهِ“ عَنْ أبِي سَعِيدٍ قالَ: لا نِكاحَ إلّا بِوَلِيٍّ وشُهُودٍ ومَهْرٍ؛ إلّا ما كانَ لِلنَّبِيِّ ﷺ . وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ والبَيْهَقِيُّ في ”سُنَنِهِ“، وابْنُ عَساكِرَ، مِن طَرِيقِ الكُمَيْتِ بْنِ زَيْدٍ الأسَدِيِّ قالَ: حَدَّثَنِي مَذْكُورٌ مَوْلى زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ قالَتْ: «خَطَبَنِي عِدَّةٌ مِن أصْحابِ النَّبِيِّ ﷺ فَأرْسَلْتُ إلَيْهِ أخِي، تُشاوِرُهُ في ذَلِكَ، قالَ: ”فَأيْنَ هي مِمَّنْ يُعَلِّمُها كِتابَ رَبِّها وسُنَّةَ نَبِيِّها؟ قالَتْ: مَن؟ قالَ: زَيْدُ بْنُ حارِثَةَ، فَغَضِبَتْ وقالَتْ: تُزَوِّجُ بِنْتَ عَمَّتِكَ مَوْلاكَ؟! ثُمَّ أتَتْنِي فَأخْبَرَتْنِي بِذَلِكَ، فَقُلْتُ أشَدَّ مِن قَوْلِها، وغَضِبْتُ أشَدَّ مِن غَضَبِها، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وما كانَ لِمُؤْمِنٍ ولا مُؤْمِنَةٍ إذا قَضى اللَّهُ ورَسُولُهُ أمْرًا أنْ يَكُونَ لَهُمُ الخِيَرَةُ مِن أمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٣٦] . فَأرْسَلْتُ إلَيْهِ: زَوِّجْنِي مَن شِئْتَ. فَزَوَّجَنِي مِنهُ، فَأخَذْتُهُ بِلِسانِي، فَشَكانِي إلى النَّبِيِّ ﷺ فَقالَ لَهُ: إذَنْ طَلِّقْها. فَطَلَّقَنِي فَبَتَّ طَلاقِي، فَلَمّا انْقَضَتْ عِدَّتِي لَمْ أشْعُرْ إلّا والنَّبِيُّ ﷺ وأنا مَكْشُوفَةُ الشَّعَرِ، فَقُلْتُ: هَذا أمْرٌ مِنَ السَّماءِ؛ دَخَلْتَ يا رَسُولَ اللَّهِ بِلا خِطْبَةٍ ولا شَهادَةٍ! قالَ: (p-٦٠)اللَّهُ المُزَوِّجُ وجِبْرِيلُ الشّاهِدُ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿وإذْ تَقُولُ لِلَّذِي أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ﴾ الآيَةَ. قالَ: «بَلَغَنا أنَّ هَذِهِ الآيَةَ أُنْزِلَتْ في زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ، وكانَتْ أُمُّها أُمَيْمَةَ بِنْتَ عَبْدِ المُطَّلِبِ عَمَّةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأرادَ أنْ يُزَوِّجَها زَيْدَ بْنَ حارِثَةَ فَكَرِهَتْ ذَلِكَ، ثُمَّ إنَّها رَضِيَتْ بِما صَنَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَزَوَّجَها إيّاهُ، ثُمَّ أعْلَمَ اللَّهُ نَبِيَّهُ بَعْدُ أنَّها مِن أزْواجِهِ، فَكانَ يَسْتَحْيِي أنْ يَأْمُرَ زَيْدَ بْنَ حارِثَةَ بِطَلاقِها، وكانَ لا يَزالُ يَكُونُ بَيْنَ زَيْدٍ وزَيْنَبَ بَعْضُ ما يَكُونُ بَيْنَ النّاسِ، فَيَأْمُرُهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنْ يُمْسِكَ عَلَيْهِ زَوْجَهُ وأنْ يَتَّقِيَ اللَّهَ، وكانَ يَخْشى النّاسَ أنْ يَعِيبُوا عَلَيْهِ، أنْ يَقُولُوا: تَزَوَّجَ امْرَأةَ ابْنِهِ. وكانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَدْ تَبَنّى زَيْدًا» . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ عِكْرِمَةَ، «أنَّ النَّبِيُّ ﷺ اشْتَرى زَيْدَ بْنَ حارِثَةَ في الجاهِلِيَّةِ مِن عُكاظٍ عَلى امْرَأتِهِ خَدِيجَةَ، فاتَّخَذَهُ ولَدًا، فَلَمّا بَعَثَ اللَّهُ نَبِيَّهُ، مَكَثَ ما شاءَ اللَّهُ أنْ يَمْكُثَ، ثُمَّ أرادَ أنْ يُزَوِّجَهُ زَيْنَبَ بِنْتَ جَحْشٍ فَكَرِهَتْ ذَلِكَ فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وما كانَ لِمُؤْمِنٍ ولا مُؤْمِنَةٍ إذا قَضى اللَّهُ ورَسُولُهُ أمْرًا أنْ يَكُونَ لَهُمُ الخِيَرَةُ مِن أمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٣٦] فَقِيلَ لَها: إنْ شِئْتِ اللَّهَ ورَسُولَهُ، وإنْ شِئْتِ ضَلالًا مُبِينًا. فَقالَتْ: بَلِ اللَّهَ ورَسُولَهُ، فَزَوَّجَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنها فَمَكَثَ (p-٦١)ما شاءَ اللَّهُ أنْ يَمْكُثَ، ثُمَّ إنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَخَلَ يَوْمًا بَيْتَ زَيْدٍ فَرَآها وهي بِنْتُ عَمَّتِهِ، فَكَأنَّها وقَعَتْ في نَفْسِهِ. قالَ عِكْرِمَةُ: فَأنْزَلَ اللَّهُ، ﴿وإذْ تَقُولُ لِلَّذِي أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ﴾ . قالَ عِكْرِمَةُ أنْعَمَ اللَّهُ عَلى زَيْدٍ بِالإسْلامِ، ﴿وأنْعَمْتَ عَلَيْهِ﴾ يا مُحَمَّدُ بِالعِتْقِ، ﴿أمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ واتَّقِ اللَّهَ وتُخْفِي في نَفْسِكَ ما اللَّهُ مُبْدِيهِ وتَخْشى النّاسَ واللَّهُ أحَقُّ أنْ تَخْشاهُ﴾ . قالَ: عِكْرِمَةُ: فَكانَ النّاسُ يَقُولُونَ مِن شِدَّةِ ما يَرَوْنَ مِن حُبِّ النَّبِيِّ ﷺ لِزَيْدٍ: إنَّهُ ابْنُهُ. فَأرادَ اللَّهُ أمْرًا، قالَ اللَّهُ: ﴿فَلَمّا قَضى زَيْدٌ مِنها وطَرًا زَوَّجْناكَها﴾ يا مُحَمَّدُ، ﴿لِكَيْ لا يَكُونَ عَلى المُؤْمِنِينَ حَرَجٌ في أزْواجِ أدْعِيائِهِمْ﴾ . وأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿ما كانَ مُحَمَّدٌ أبا أحَدٍ مِن رِجالِكم ولَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وخاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ فَلَمّا طَلَّقَها زَيْدٌ تَزَوَّجَها النَّبِيُّ ﷺ فَعِنْدَها قالُوا: لَوْ كانَ زَيْدٌ ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ ما تَزَوَّجَ امْرَأةَ ابْنِهِ» . وأخْرَجَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَحْشٍ قالَ: تَفاخَرَتْ زَيْنَبُ وعائِشَةُ؛ فَقالَتْ زَيْنَبُ: أنا الَّذِي نَزَلَ تَزْوِيجِي مِنَ السَّماءِ، وقالَتْ عائِشَةُ: أنا نَزَلَ عُذْرِي مِنَ السَّماءِ في كِتابِهِ حِينَ حَمَلَنِي ابْنُ المُعَطَّلِ عَلى الرّاحِلَةِ، فَقالَتْ لَها زَيْنَبُ: ما قُلْتِ حِينَ رَكِبْتِيها؟ قالَتْ: قُلْتُ: حَسْبِيَ اللَّهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ. قالَتْ: قُلْتِ كَلِمَةَ المُؤْمِنِينَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ما كانَ مُحَمَّدٌ أبا أحَدٍ مِن (p-٦٢)رِجالِكُمْ﴾ قالَ: نَزَلَتْ في زَيْدِ بْنِ حارِثَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ عَساكِرَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنِ في قَوْلِهِ: ﴿ما كانَ مُحَمَّدٌ أبا أحَدٍ مِن رِجالِكُمْ﴾ قالَ: نَزَلَتْ في زَيْدِ بْنِ حارِثَةَ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿ما كانَ مُحَمَّدٌ أبا أحَدٍ مِن رِجالِكُمْ﴾ قالَ: نَزَلَتْ في زَيْدٍ؛ أيْ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ بِابْنِهِ ولَعَمْرِي لَقَدْ وُلِدَ لَهُ ذُكُورٌ، إنَّهُ لَأبُو القاسِمِ وإبْراهِيمَ والطَّيِّبِ والمُطَهَّرِ. وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ عَنِ الشَّعْبِيِّ في قَوْلِهِ: ﴿ما كانَ مُحَمَّدٌ أبا أحَدٍ مِن رِجالِكُمْ﴾ قالَ: ما كانَ لِيَعِيشَ لَهُ فِيكم ولَدٌ ذَكَرٌ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿ولَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وخاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ قالَ: آخِرَ نَبِيٍّ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿وخاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ . قالَ: خَتَمَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ بِمُحَمَّدٍ، وكانَ آخِرَ مَن بُعِثَ. (p-٦٣)وأخْرَجَ أحْمَدُ، ومُسْلِمٌ، عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَثَلِي ومَثَلُ النَّبِيِّينَ كَمَثَلِ رَجُلٍ بَنى دارًا فَأتَمَّها إلّا لَبِنَةً واحِدَةً، فَجِئْتُ أنا فَأتْمَمْتُ تِلْكَ اللَّبِنَةَ» . وأخْرَجَ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ، والتِّرْمِذِيُّ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنْ جابِرٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَثَلِي ومَثَلُ الأنْبِياءِ كَمَثَلِ رَجُلٍ بَنى دارًا فَأكْمَلَها وأحْسَنَها إلّا مَوْضِعَ لَبِنَةٍ فَكانَ مَن دَخَلَها فَنَظَرَ إلَيْها قالَ: ما أحْسَنَها إلّا مَوْضِعَ اللَّبِنَةِ. فَأنا مَوْضِعُ اللَّبِنَةِ؛ خُتِمَ بِيَ الأنْبِياءُ» . وأخْرَجَ أحْمَدُ، والبُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «مَثَلِي ومَثَلُ الأنْبِياءِ مِن قَبْلِي كَمَثَلِ رَجُلٍ بَنى بُنْيانًا فَأحْسَنَهُ وأجْمَلَهُ إلّا مَوْضِعَ لَبِنَةٍ مِن زاوِيَةٍ مِن زَواياها، فَجَعَلَ النّاسُ يَطُوفُونَ بِهِ ويَتَعَجَّبُونَ لَهُ ويَقُولُونَ: هَلّا وُضِعَتْ هَذِهِ اللَّبِنَةُ؟ فَأنا اللَّبِنَةُ، وأنا خاتَمُ النَّبِيِّينَ» . وأخْرَجَ أحْمَدُ، والتِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «مَثَلِي في النَّبِيِّينَ كَمَثَلِ رَجُلٍ بَنى دارًا، فَأحْسَنَها وأكْمَلَها وأجْمَلَها وتَرَكَ (p-٦٤)فِيها مَوْضِعَ لَبِنَةٍ لَمْ يَضَعْها، فَجَعَلَ النّاسُ يَطُوفُونَ بِالبُنْيانِ ويَعْجَبُونَ مِنهُ، ويَقُولُونَ: لَوْ تَمَّ مَوْضِعُ هَذِهِ اللَّبِنَةِ، فَأنا في النَّبِيِّينَ مَوْضِعُ تِلْكَ اللَّبِنَةِ» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ عَنْ ثَوْبانَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إنَّهُ سَيَكُونُ في أُمَّتِي كَذّابُونَ ثَلاثُونَ، كُلُّهم يَزْعُمُ أنَّهُ نَبِيٌّ، وأنا خاتَمُ النَّبِيِّينَ لا نَبِيَّ بَعْدِي» . وأخْرَجَ أحْمَدُ عَنْ حُذَيْفَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «فِي أُمَّتِي كَذّابُونَ ودَجّالُونَ سَبْعَةٌ وعِشْرُونَ، مِنهم أرْبَعُ نِسْوَةٍ، وإنِّي خاتَمُ النَّبِيِّينَ لا نَبِيَّ بَعْدِي» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: قُولُوا: خاتَمَ النَّبِيِّينَ، ولا تَقُولُوا: لا نَبِيَّ بَعْدَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنِ الشَّعْبِيِّ قالَ: قالَ رَجُلٌ عِنْدَ المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ: صَلّى اللَّهُ عَلى مُحَمَّدٍ خاتَمِ الأنْبِياءِ لا نَبِيَّ بَعْدَهُ. فَقالَ المُغِيرَةُ: حَسْبُكَ إذا قُلْتَ: خاتَمَ الأنْبِياءِ، فَإنّا كُنّا نُحَدِّثُ أنَّ عِيسى خارِجٌ، فَإنْ هو خَرَجَ فَقَدْ كانَ قَبْلَهُ وبَعْدَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ الأنْبارِيِّ في“المَصاحِفِ" عَنْ أبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ قالَ: كُنْتُ أُقْرِئُ الحَسَنَ والحُسَيْنَ، فَمَرَّ بِي عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ وأنا (p-٦٥)أُقْرِئُهُما: ﴿وخاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ فَقالَ لِي: أقْرِئْهُما: وخاتَمَ النَّبِيِّينَ، بِفَتْحِ التّاءِ.

الأحزاب 33:38

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذْ تَقُولُ لِلَّذِي أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ﴾ الآيَةَ. أخْرَجَ البَزّارُ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدُويَهْ عَنْ أُسامَةَ بْنِ زَيْدٍ قالَ: «جاءَ العَبّاسُ وعَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالا: يا رَسُولَ اللَّهِ جِئْناكَ لَتُخْبِرُنا أيَّ أهْلِكَ أحَبُّ إلَيْكَ قالَ: أحَبُّ أهْلِي إلَيَّ فاطِمَةُ، قالا: ما نَسْألُكَ عَنْ فاطِمَةَ. قالَ: فَأُسامَةُ بْنُ زَيْدٍ الَّذِي أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وأنْعَمْتُ عَلَيْهِ، قالَ عَلِيٌّ: ثُمَّ مَن يا رَسُولَ اللَّهِ؟ قالَ: ثُمَّ أنْتَ، ثُمَّ العَبّاسُ. قالَ العَبّاسُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، جَعَلْتَ عَمَّكَ آخِرًا. قالَ: ”إنَّ عَلِيًّا سَبَقَكَ بِالهِجْرَةِ“» . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ والبُخارِيُّ والتِّرْمِذِيُّ والنَّسائِيُّ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، (p-٥٢)وابْنُ مَرْدُويَهْ عَنْ أنَسٍ، أنَّ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿وتُخْفِي في نَفْسِكَ ما اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾ نَزَلَتْ في شَأْنِ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ وزَيْدِ بْنِ حارِثَةَ. وأخْرَجَ أحْمَدُ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والبُخارِيُّ، والتِّرْمِذِيُّ، وابْنُ المُنْذِرِ والحاكِمُ، وابْنُ مَرْدُويَهْ والبَيْهَقِيُّ في ”سُنَنِهِ“ عَنْ أنَسٍ قالَ: «جاءَ زَيْدُ بْنُ حارِثَةَ يَشْكُو زَيْنَبَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ”اتَّقِ اللَّهَ وأمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ“ . فَنَزَلَتْ: ﴿وتُخْفِي في نَفْسِكَ ما اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾ قالَ: أنَسٌ: فَلَوْ كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كاتِمًا شَيْئًا لَكَتَمَ هَذِهِ الآيَةَ، فَتَزَوَّجَها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَما أوْلَمَ عَلى امْرَأةٍ مِن نِسائِهِ ما أوْلَمَ عَلَيْها، ذَبَحَ شاةً، ﴿فَلَمّا قَضى زَيْدٌ مِنها وطَرًا زَوَّجْناكَها﴾ فَكانَتْ تَفْخَرُ عَلى أزْواجِ النَّبِيِّ ﷺ تَقُولُ: زَوَّجَكُنَّ أهالِيكُنَّ، وزَوَّجَنِي اللَّهُ مِن فَوْقِ سَبْعِ سَماواتٍ» . وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، وأحْمَدُ ومُسْلِمٌ، والنَّسائِيُّ وأبُو يَعْلى، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدُويَهْ عَنْ أنَسٍ قالَ: «لَمّا انْقَضَتْ عِدَّةُ زَيْنَبَ قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِزَيْدٍ: اذْهَبْ فاذْكُرْها عَلَيَّ”. فانْطَلَقَ قالَ: فَلَمّا رَأيْتُها عَظُمَتْ في صَدْرِي، فَقُلْتُ: يا زَيْنَبُ أبْشِرِي، أرْسَلَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَذْكُرُكِ. قالَتْ: ما أنا بِصانِعَةٍ شَيْئًا حَتّى أُؤامِرَ رَبِّي. فَقامَتْ إلى مَسْجِدِها، ونَزَلَ القُرْآنُ، وجاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ودَخَلَ عَلَيْها بِغَيْرِ إذْنٍ، ولَقَدْ رَأيْتُنا حِينَ (p-٥٣)دَخَلَتْ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أطْعَمَنا عَلَيْها الخُبْزَ واللَّحْمَ، فَخَرَجَ النّاسُ وبَقِيَ رِجالٌ يَتَحَدَّثُونَ في البَيْتِ بَعْدَ الطَّعامِ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ واتَّبَعْتُهُ فَجَعَلَ يَتَتَبَّعُ حُجَرَ نِسائِهِ، يُسَلِّمُ عَلَيْهِنَّ ويَقُلْنَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ وجَدْتَ أهْلَكَ؟ فَما أدْرِي أنا أخْبَرْتُهُ أنَّ القَوْمَ قَدْ خَرَجُوا أوْ أْخْبِرَ، فانْطَلَقَ حَتّى دَخَلَ البَيْتَ، فَذَهَبْتُ أدْخُلُ مَعَهُ، فَألْقى السِّتْرَ بَيْنِي وبَيْنَهُ، ونَزَلَ الحِجابُ، ووُعِظَ القَوْمُ بِما وُعِظُوا بِهِ: ﴿لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إلا أنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾ [الأحزاب: ٥٣] الآيَةَ» . وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، والحاكِمُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيى بْنِ حِبّانَ قالَ: «جاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْتَ زَيْدِ بْنِ حارِثَةَ يَطْلُبُهُ، وكانَ زَيْدٌ إنَّما يُقالُ لَهُ: زَيْدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، فَرُبَّما فَقَدَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ السّاعَةَ فَيَقُولُ: أيْنَ زَيْدٌ؟ فَجاءَ مَنزِلَهُ يَطْلُبُهُ فَلَمْ يَجِدْهُ، وتَقُومُ إلَيْهِ زَيْنَبُ بِنْتُ جَحْشٍ فُضُلًا، فَأعْرَضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْها فَقالَتْ: لَيْسَ هو هاهُنا يا رَسُولَ اللَّهِ فادْخُلْ. فَأبى أنْ يَدْخُلَ فَأعْجَبَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَوَلّى وهو يُهَمْهِمُ بِشَيْءٍ لا يَكادُ يُفْهَمُ مِنهُ، إلّا رُبَّما (p-٥٤)أعْلَنَ:“سُبْحانَ اللَّهِ العَظِيمِ، سُبْحانَ مُصَرِّفِ القُلُوبِ”. فَجاءَ زَيْدٌ إلى مَنزِلِهِ، فَأخْبَرَتْهُ امْرَأتُهُ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أتى مَنزِلَهُ، فَقالَ زَيْدٌ: ألا قُلْتِ لَهُ أنْ يَدْخُلَ؟ قالَتْ: قَدْ عَرَضْتُ ذَلِكَ عَلَيْهِ فَأبى. قالَ: فَسَمِعْتِ شَيْئًا؟ قالَتْ: سَمِعْتُهُ حِينَ ولّى تَكَلَّمَ بِكَلامٍ ولا أفْهَمُهُ، وسَمِعْتُهُ يَقُولُ:“سُبْحانَ اللَّهِ سُبْحانَ مُصَرِّفِ القُلُوبِ”. فَجاءَ زَيْدٌ حَتّى أتى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، بَلَغَنِي أنَّكَ جِئْتَ مَنزِلِي فَهَلّا دَخَلْتَ يا رَسُولَ اللَّهِ، لَعَلَّ زَيْنَبَ أعْجَبَتْكَ فَأُفارِقُها. فَيَقُولُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ﴿أمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾ فَما اسْتَطاعَ زَيْدٌ إلَيْها سَبِيلًا بَعْدَ ذَلِكَ اليَوْمِ. فَيَأْتِي إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَيُخْبِرُهُ، فَيَقُولُ:“أمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ”. فَفارَقَها زَيْدٌ واعْتَزَلَها، وانْقَضَتْ عِدَّتُها، فَبَيْنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ جالِسٌ يَتَحَدَّثُ مَعَ عائِشَةَ إذْ أخَذَتْهُ غَشْيَةٌ، فَسُرِّيَ عَنْهُ وهو يَتَبَسَّمُ ويَقُولُ:“مَن يَذْهَبُ إلى زَيْنَبَ يُبَشِّرُها أنَّ اللَّهَ زَوَّجَنِيها مِنَ السَّماءِ؟ وتَلا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ﴿وإذْ تَقُولُ لِلَّذِي أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وأنْعَمْتَ عَلَيْهِ أمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾ القِصَّةَ كُلَّها. قالَتْ عائِشَةُ: فَأخَذَنِي ما قَرُبَ وما بَعُدَ، لِما يَبْلُغُنا مِن جَمالِها، وأُخْرى هي أعْظَمُ الأُمُورِ وأشْرَفُها، زَوَّجَها اللَّهُ مِنَ السَّماءِ، وقُلْتُ: هي تَفْخَرُ عَلَيْنا بِهَذا» . وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ والتِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنْ عائِشَةَ (p-٥٥)قالَتْ: «لَوْ كانَ النَّبِيُّ ﷺ كاتِمًا شَيْئًا مِنَ الوَحْيِ لَكَتَمَ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿وإذْ تَقُولُ لِلَّذِي أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ﴾، يَعْنِي: بِالإسْلامِ، ﴿وأنْعَمْتَ عَلَيْهِ﴾ . بِالعِتْقِ، ﴿أمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾ . إلى قَوْلِهِ: ﴿وكانَ أمْرُ اللَّهِ مَفْعُولا﴾ . وإنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمّا تَزَوَّجَها قالُوا: تَزَوَّجَ حَلِيلَةَ ابْنِهِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ما كانَ مُحَمَّدٌ أبا أحَدٍ مِن رِجالِكم ولَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وخاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ . وكانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ تَبَنّاهُ وهو صَغِيرٌ، فَلَبِثَ حَتّى صارَ رَجُلًا يُقالُ لَهُ: زَيْدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿ادْعُوهم لآبائِهِمْ هو أقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الأحزاب: ٥]، يَعْنِي: أعْدَلُ عِنْدَ اللَّهِ» . وأخْرَجَ الحاكِمُ عَنِ الشَّعْبِيِّ قالَ: «كانَتْ زَيْنَبُ تَقُولُ لِلنَّبِيِّ ﷺ: أنا أعْظَمُ نِسائِكَ عَلَيْكَ حَقًّا؛ أنا خَيْرُهُنَّ مَنكَحًا، وأكْرَمُهُنَّ سِتْرًا، وأقْرَبُهُنَّ رُحْمًا، وزَوَّجَنِيكَ الرَّحْمَنُ مِن فَوْقِ عَرْشِهِ، وكانَ جِبْرِيلُ هو السَّفِيرُ بِذَلِكَ، وأنا بِنْتُ عَمَّتِكَ لَيْسَ لَكَ مِن نِسائِكَ قَرِيبَةٌ غَيْرِي» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ قالَ: «كانَتْ زَيْنَبُ تَقُولُ لِلنَّبِيِّ ﷺ: إنِّي لَأدِلُّ عَلَيْكَ بِثَلاثٍ ما مِن نِسائِكَ امْرَأةٌ تَدِلُّ بِهِنَّ، أنَّ جَدِّي وجَدَّكَ واحِدٌ، وأنِّي أنْكَحَنِيكَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ، وأنَّ السَّفِيرَ لَجَبْرائِيلُ» . وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، وابْنُ عَساكِرَ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، عَنْ زَيْنَبَ قالَتْ: «إنِّي واللَّهِ (p-٥٦)ما أنا كَأحَدٍ مِن نِساءِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، إنَّهُنَّ زُوِّجْنَ بِالمُهُورِ، وزَوَّجَهُنَّ الأوْلِياءُ، وزَوَّجَنِي اللَّهُ رَسُولَهُ وأنْزَلَ فِيَّ الكِتابَ يَقْرَأُهُ المُسْلِمُونَ، لا يُبَدَّلُ ولا يَتَغَيَّرُ: ﴿وإذْ تَقُولُ لِلَّذِي أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ﴾ الآيَةَ» . وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، وابْنُ عَساكِرَ، عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: «يَرْحَمُ اللَّهُ زَيْنَبَ بِنْتَ جَحْشٍ، لَقَدْ نالَتْ في هَذِهِ الدُّنْيا الشَّرَفَ الَّذِي لا يَبْلُغُهُ شَرَفٌ، إنَّ اللَّهَ زَوَّجَها نَبِيَّهُ ﷺ في الدُّنْيا ونَطَقَ بِهِ القُرْآنُ» . وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ عَنْ عاصِمٍ الأحْوَلِ، أنَّ رَجُلًا مِن بَنِي أسَدٍ فاخَرَ رَجُلًا، فَقالَ الأسَدِيُّ: هَلْ مِنكُمُ امْرَأةٌ زَوَّجَها اللَّهُ مِن فَوْقِ سَبْعِ سَماواتٍ؟ يَعْنِي زَيْنَبَ بِنْتَ جَحْشٍ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ عَنْ قَتادَةَ «فِي قَوْلِهِ: ﴿وإذْ تَقُولُ لِلَّذِي أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ﴾ قالَ: زَيْدِ بْنِ حارِثَةَ، أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ بِالإسْلامِ ﴿وأنْعَمْتَ عَلَيْهِ﴾: أعْتَقَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، ﴿أمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ واتَّقِ اللَّهَ﴾ جاءَ زَيْدُ بْنُ حارِثَةَ فَقالَ: يا نَبِيَّ اللَّهِ إنَّ زَيْنَبَ قَدِ اشْتَدَّ عَلَيَّ لِسانُها وأنا أُرِيدُ أنْ أُطَلِّقَها، فَقالَ لَهُ (p-٥٧)النَّبِيُّ ﷺ: ”اتَّقِ اللَّهَ وأمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ“ . قالَ: والنَّبِيُّ ﷺ يُحِبُّ أنْ يُطَلِّقَها، ويَخْشى قالَةَ النّاسِ إنْ أمَرَهُ بِطَلاقِها، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وتُخْفِي في نَفْسِكَ ما اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾ قالَ: كانَ يُخْفِي في نَفْسِهِ ودَّ أنَّهُ طَلَّقَها. قالَ: قالَ الحَسَنُ: ما أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ آيَةٌ كانَتْ أشَدَّ عَلَيْهِ مِنها، ولَوْ كانَ كاتِمًا شَيْئًا مِنَ الوَحْيِ لَكَتَمَها. ﴿وتَخْشى النّاسَ﴾ قالَ: خَشِيَ النَّبِيُّ ﷺ قالَةَ النّاسِ. ﴿فَلَمّا قَضى زَيْدٌ مِنها وطَرًا﴾ فَلَمّا طَلَّقَها زَيْدٌ ﴿زَوَّجْناكَها﴾ . فَكانَتْ تَفْخَرُ عَلى نِساءِ النَّبِيِّ ﷺ تَقُولُ: أمّا أنْتُنَّ فَزَوَّجَكُنَّ آباؤُكُنَّ، وأمّا أنا فَزَوَّجَنِي ذُو العَرْشِ، ﴿لِكَيْ لا يَكُونَ عَلى المُؤْمِنِينَ حَرَجٌ في أزْواجِ أدْعِيائِهِمْ إذا قَضَوْا مِنهُنَّ وطَرًا﴾ . أيْ: إذا طَلَّقُوهُنَّ، وكانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ تَبَنّى زَيْدَ بْنَ حارِثَةَ، ﴿ما كانَ عَلى النَّبِيِّ مِن حَرَجٍ فِيما فَرَضَ اللَّهُ لَهُ﴾: أحَلَّ اللَّهُ لَهُ: ﴿سُنَّةَ اللَّهِ في الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ﴾ يَقُولُ: كَما هَوى داوُدُ النَّبِيُّ المَرْأةَ الَّتِي نَظَرَ إلَيْها فَهَوِيَها فَتَزَوَّجَها، كَذَلِكَ قَضى اللَّهُ لِمُحَمَّدٍ تَزَوُّجَ زَيْنَبَ، كَما كانَ سُنَّةُ اللَّهِ في داوُدَ في تَزَوُّجِهِ تِلْكَ المَرْأةَ، ﴿وكانَ أمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا﴾ في أمْرِ زَيْنَبَ» . (p-٥٨)وأخْرَجَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في ”الدَّلائِلِ“ عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدِ بْنِ جُدْعانَ قالَ: قالَ لِي عَلِيُّ بْنُ الحُسَيْنِ: ما يَقُولُ الحَسَنُ في قَوْلِهِ: ﴿وتُخْفِي في نَفْسِكَ ما اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾ فَقُلْتُ لَهُ. . . فَقالَ: لا، ولَكِنَّ اللَّهَ أعْلَمَ نَبِيَّهُ ﷺ أنَّ زَيْنَبَ سَتَكُونُ مِن أزْواجِهِ قَبْلَ أنْ يَتَزَوَّجَها، فَلَمّا أتاهُ زَيْدٌ يَشْكُوها إلَيْهِ قالَ: ”اتَّقِ اللَّهَ وأمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ“ . فَقالَ: قَدْ أخْبَرْتُكَ أنِّي مُزَوِّجُكَها، ﴿وتُخْفِي في نَفْسِكَ ما اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ في قَوْلِهِ: ﴿ما كانَ عَلى النَّبِيِّ مِن حَرَجٍ فِيما فَرَضَ اللَّهُ لَهُ سُنَّةَ اللَّهِ في الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ﴾ . قالَ: يَعْنِي: يَتَزَوَّجُ مِنَ النِّساءِ ما شاءَ، هَذا فَرِيضَةٌ وكانَ مَن كانَ مِنَ الأنْبِياءِ هَذا سُنَّتُهُمْ؛ قَدْ كانَ لِسُلَيْمانَ بْنِ داوُدَ ألْفُ امْرَأةٍ، وكانَ لِداوُدَ مِائَةُ امْرَأةٍ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، والطَّبَرانِيُّ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ في قَوْلِهِ: ﴿سُنَّةَ اللَّهِ في الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ﴾ قالَ: داوُدَ والمَرْأةِ الَّتِي نَكَحَ وزَوْجِها، واسْمُها اليسيه فَذَلِكَ سُنَّةٌ في مُحَمَّدٍ وزَيْنَبَ، ﴿وكانَ أمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا﴾: كَذَلِكَ مِن سُنَّتِهِ؛ في داوُدَ والمَرْأةِ، والنَّبِيِّ ﷺ وزَيْنَبَ. (p-٥٩)وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في ”سُنَنِهِ“ عَنْ أبِي سَعِيدٍ قالَ: لا نِكاحَ إلّا بِوَلِيٍّ وشُهُودٍ ومَهْرٍ؛ إلّا ما كانَ لِلنَّبِيِّ ﷺ . وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ والبَيْهَقِيُّ في ”سُنَنِهِ“، وابْنُ عَساكِرَ، مِن طَرِيقِ الكُمَيْتِ بْنِ زَيْدٍ الأسَدِيِّ قالَ: حَدَّثَنِي مَذْكُورٌ مَوْلى زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ قالَتْ: «خَطَبَنِي عِدَّةٌ مِن أصْحابِ النَّبِيِّ ﷺ فَأرْسَلْتُ إلَيْهِ أخِي، تُشاوِرُهُ في ذَلِكَ، قالَ: ”فَأيْنَ هي مِمَّنْ يُعَلِّمُها كِتابَ رَبِّها وسُنَّةَ نَبِيِّها؟ قالَتْ: مَن؟ قالَ: زَيْدُ بْنُ حارِثَةَ، فَغَضِبَتْ وقالَتْ: تُزَوِّجُ بِنْتَ عَمَّتِكَ مَوْلاكَ؟! ثُمَّ أتَتْنِي فَأخْبَرَتْنِي بِذَلِكَ، فَقُلْتُ أشَدَّ مِن قَوْلِها، وغَضِبْتُ أشَدَّ مِن غَضَبِها، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وما كانَ لِمُؤْمِنٍ ولا مُؤْمِنَةٍ إذا قَضى اللَّهُ ورَسُولُهُ أمْرًا أنْ يَكُونَ لَهُمُ الخِيَرَةُ مِن أمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٣٦] . فَأرْسَلْتُ إلَيْهِ: زَوِّجْنِي مَن شِئْتَ. فَزَوَّجَنِي مِنهُ، فَأخَذْتُهُ بِلِسانِي، فَشَكانِي إلى النَّبِيِّ ﷺ فَقالَ لَهُ: إذَنْ طَلِّقْها. فَطَلَّقَنِي فَبَتَّ طَلاقِي، فَلَمّا انْقَضَتْ عِدَّتِي لَمْ أشْعُرْ إلّا والنَّبِيُّ ﷺ وأنا مَكْشُوفَةُ الشَّعَرِ، فَقُلْتُ: هَذا أمْرٌ مِنَ السَّماءِ؛ دَخَلْتَ يا رَسُولَ اللَّهِ بِلا خِطْبَةٍ ولا شَهادَةٍ! قالَ: (p-٦٠)اللَّهُ المُزَوِّجُ وجِبْرِيلُ الشّاهِدُ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿وإذْ تَقُولُ لِلَّذِي أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ﴾ الآيَةَ. قالَ: «بَلَغَنا أنَّ هَذِهِ الآيَةَ أُنْزِلَتْ في زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ، وكانَتْ أُمُّها أُمَيْمَةَ بِنْتَ عَبْدِ المُطَّلِبِ عَمَّةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأرادَ أنْ يُزَوِّجَها زَيْدَ بْنَ حارِثَةَ فَكَرِهَتْ ذَلِكَ، ثُمَّ إنَّها رَضِيَتْ بِما صَنَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَزَوَّجَها إيّاهُ، ثُمَّ أعْلَمَ اللَّهُ نَبِيَّهُ بَعْدُ أنَّها مِن أزْواجِهِ، فَكانَ يَسْتَحْيِي أنْ يَأْمُرَ زَيْدَ بْنَ حارِثَةَ بِطَلاقِها، وكانَ لا يَزالُ يَكُونُ بَيْنَ زَيْدٍ وزَيْنَبَ بَعْضُ ما يَكُونُ بَيْنَ النّاسِ، فَيَأْمُرُهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنْ يُمْسِكَ عَلَيْهِ زَوْجَهُ وأنْ يَتَّقِيَ اللَّهَ، وكانَ يَخْشى النّاسَ أنْ يَعِيبُوا عَلَيْهِ، أنْ يَقُولُوا: تَزَوَّجَ امْرَأةَ ابْنِهِ. وكانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَدْ تَبَنّى زَيْدًا» . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ عِكْرِمَةَ، «أنَّ النَّبِيُّ ﷺ اشْتَرى زَيْدَ بْنَ حارِثَةَ في الجاهِلِيَّةِ مِن عُكاظٍ عَلى امْرَأتِهِ خَدِيجَةَ، فاتَّخَذَهُ ولَدًا، فَلَمّا بَعَثَ اللَّهُ نَبِيَّهُ، مَكَثَ ما شاءَ اللَّهُ أنْ يَمْكُثَ، ثُمَّ أرادَ أنْ يُزَوِّجَهُ زَيْنَبَ بِنْتَ جَحْشٍ فَكَرِهَتْ ذَلِكَ فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وما كانَ لِمُؤْمِنٍ ولا مُؤْمِنَةٍ إذا قَضى اللَّهُ ورَسُولُهُ أمْرًا أنْ يَكُونَ لَهُمُ الخِيَرَةُ مِن أمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٣٦] فَقِيلَ لَها: إنْ شِئْتِ اللَّهَ ورَسُولَهُ، وإنْ شِئْتِ ضَلالًا مُبِينًا. فَقالَتْ: بَلِ اللَّهَ ورَسُولَهُ، فَزَوَّجَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنها فَمَكَثَ (p-٦١)ما شاءَ اللَّهُ أنْ يَمْكُثَ، ثُمَّ إنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَخَلَ يَوْمًا بَيْتَ زَيْدٍ فَرَآها وهي بِنْتُ عَمَّتِهِ، فَكَأنَّها وقَعَتْ في نَفْسِهِ. قالَ عِكْرِمَةُ: فَأنْزَلَ اللَّهُ، ﴿وإذْ تَقُولُ لِلَّذِي أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ﴾ . قالَ عِكْرِمَةُ أنْعَمَ اللَّهُ عَلى زَيْدٍ بِالإسْلامِ، ﴿وأنْعَمْتَ عَلَيْهِ﴾ يا مُحَمَّدُ بِالعِتْقِ، ﴿أمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ واتَّقِ اللَّهَ وتُخْفِي في نَفْسِكَ ما اللَّهُ مُبْدِيهِ وتَخْشى النّاسَ واللَّهُ أحَقُّ أنْ تَخْشاهُ﴾ . قالَ: عِكْرِمَةُ: فَكانَ النّاسُ يَقُولُونَ مِن شِدَّةِ ما يَرَوْنَ مِن حُبِّ النَّبِيِّ ﷺ لِزَيْدٍ: إنَّهُ ابْنُهُ. فَأرادَ اللَّهُ أمْرًا، قالَ اللَّهُ: ﴿فَلَمّا قَضى زَيْدٌ مِنها وطَرًا زَوَّجْناكَها﴾ يا مُحَمَّدُ، ﴿لِكَيْ لا يَكُونَ عَلى المُؤْمِنِينَ حَرَجٌ في أزْواجِ أدْعِيائِهِمْ﴾ . وأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿ما كانَ مُحَمَّدٌ أبا أحَدٍ مِن رِجالِكم ولَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وخاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ فَلَمّا طَلَّقَها زَيْدٌ تَزَوَّجَها النَّبِيُّ ﷺ فَعِنْدَها قالُوا: لَوْ كانَ زَيْدٌ ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ ما تَزَوَّجَ امْرَأةَ ابْنِهِ» . وأخْرَجَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَحْشٍ قالَ: تَفاخَرَتْ زَيْنَبُ وعائِشَةُ؛ فَقالَتْ زَيْنَبُ: أنا الَّذِي نَزَلَ تَزْوِيجِي مِنَ السَّماءِ، وقالَتْ عائِشَةُ: أنا نَزَلَ عُذْرِي مِنَ السَّماءِ في كِتابِهِ حِينَ حَمَلَنِي ابْنُ المُعَطَّلِ عَلى الرّاحِلَةِ، فَقالَتْ لَها زَيْنَبُ: ما قُلْتِ حِينَ رَكِبْتِيها؟ قالَتْ: قُلْتُ: حَسْبِيَ اللَّهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ. قالَتْ: قُلْتِ كَلِمَةَ المُؤْمِنِينَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ما كانَ مُحَمَّدٌ أبا أحَدٍ مِن (p-٦٢)رِجالِكُمْ﴾ قالَ: نَزَلَتْ في زَيْدِ بْنِ حارِثَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ عَساكِرَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنِ في قَوْلِهِ: ﴿ما كانَ مُحَمَّدٌ أبا أحَدٍ مِن رِجالِكُمْ﴾ قالَ: نَزَلَتْ في زَيْدِ بْنِ حارِثَةَ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿ما كانَ مُحَمَّدٌ أبا أحَدٍ مِن رِجالِكُمْ﴾ قالَ: نَزَلَتْ في زَيْدٍ؛ أيْ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ بِابْنِهِ ولَعَمْرِي لَقَدْ وُلِدَ لَهُ ذُكُورٌ، إنَّهُ لَأبُو القاسِمِ وإبْراهِيمَ والطَّيِّبِ والمُطَهَّرِ. وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ عَنِ الشَّعْبِيِّ في قَوْلِهِ: ﴿ما كانَ مُحَمَّدٌ أبا أحَدٍ مِن رِجالِكُمْ﴾ قالَ: ما كانَ لِيَعِيشَ لَهُ فِيكم ولَدٌ ذَكَرٌ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿ولَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وخاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ قالَ: آخِرَ نَبِيٍّ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿وخاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ . قالَ: خَتَمَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ بِمُحَمَّدٍ، وكانَ آخِرَ مَن بُعِثَ. (p-٦٣)وأخْرَجَ أحْمَدُ، ومُسْلِمٌ، عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَثَلِي ومَثَلُ النَّبِيِّينَ كَمَثَلِ رَجُلٍ بَنى دارًا فَأتَمَّها إلّا لَبِنَةً واحِدَةً، فَجِئْتُ أنا فَأتْمَمْتُ تِلْكَ اللَّبِنَةَ» . وأخْرَجَ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ، والتِّرْمِذِيُّ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنْ جابِرٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَثَلِي ومَثَلُ الأنْبِياءِ كَمَثَلِ رَجُلٍ بَنى دارًا فَأكْمَلَها وأحْسَنَها إلّا مَوْضِعَ لَبِنَةٍ فَكانَ مَن دَخَلَها فَنَظَرَ إلَيْها قالَ: ما أحْسَنَها إلّا مَوْضِعَ اللَّبِنَةِ. فَأنا مَوْضِعُ اللَّبِنَةِ؛ خُتِمَ بِيَ الأنْبِياءُ» . وأخْرَجَ أحْمَدُ، والبُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «مَثَلِي ومَثَلُ الأنْبِياءِ مِن قَبْلِي كَمَثَلِ رَجُلٍ بَنى بُنْيانًا فَأحْسَنَهُ وأجْمَلَهُ إلّا مَوْضِعَ لَبِنَةٍ مِن زاوِيَةٍ مِن زَواياها، فَجَعَلَ النّاسُ يَطُوفُونَ بِهِ ويَتَعَجَّبُونَ لَهُ ويَقُولُونَ: هَلّا وُضِعَتْ هَذِهِ اللَّبِنَةُ؟ فَأنا اللَّبِنَةُ، وأنا خاتَمُ النَّبِيِّينَ» . وأخْرَجَ أحْمَدُ، والتِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «مَثَلِي في النَّبِيِّينَ كَمَثَلِ رَجُلٍ بَنى دارًا، فَأحْسَنَها وأكْمَلَها وأجْمَلَها وتَرَكَ (p-٦٤)فِيها مَوْضِعَ لَبِنَةٍ لَمْ يَضَعْها، فَجَعَلَ النّاسُ يَطُوفُونَ بِالبُنْيانِ ويَعْجَبُونَ مِنهُ، ويَقُولُونَ: لَوْ تَمَّ مَوْضِعُ هَذِهِ اللَّبِنَةِ، فَأنا في النَّبِيِّينَ مَوْضِعُ تِلْكَ اللَّبِنَةِ» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ عَنْ ثَوْبانَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إنَّهُ سَيَكُونُ في أُمَّتِي كَذّابُونَ ثَلاثُونَ، كُلُّهم يَزْعُمُ أنَّهُ نَبِيٌّ، وأنا خاتَمُ النَّبِيِّينَ لا نَبِيَّ بَعْدِي» . وأخْرَجَ أحْمَدُ عَنْ حُذَيْفَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «فِي أُمَّتِي كَذّابُونَ ودَجّالُونَ سَبْعَةٌ وعِشْرُونَ، مِنهم أرْبَعُ نِسْوَةٍ، وإنِّي خاتَمُ النَّبِيِّينَ لا نَبِيَّ بَعْدِي» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: قُولُوا: خاتَمَ النَّبِيِّينَ، ولا تَقُولُوا: لا نَبِيَّ بَعْدَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنِ الشَّعْبِيِّ قالَ: قالَ رَجُلٌ عِنْدَ المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ: صَلّى اللَّهُ عَلى مُحَمَّدٍ خاتَمِ الأنْبِياءِ لا نَبِيَّ بَعْدَهُ. فَقالَ المُغِيرَةُ: حَسْبُكَ إذا قُلْتَ: خاتَمَ الأنْبِياءِ، فَإنّا كُنّا نُحَدِّثُ أنَّ عِيسى خارِجٌ، فَإنْ هو خَرَجَ فَقَدْ كانَ قَبْلَهُ وبَعْدَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ الأنْبارِيِّ في“المَصاحِفِ" عَنْ أبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ قالَ: كُنْتُ أُقْرِئُ الحَسَنَ والحُسَيْنَ، فَمَرَّ بِي عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ وأنا (p-٦٥)أُقْرِئُهُما: ﴿وخاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ فَقالَ لِي: أقْرِئْهُما: وخاتَمَ النَّبِيِّينَ، بِفَتْحِ التّاءِ.

الأحزاب 33:39

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذْ تَقُولُ لِلَّذِي أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ﴾ الآيَةَ. أخْرَجَ البَزّارُ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدُويَهْ عَنْ أُسامَةَ بْنِ زَيْدٍ قالَ: «جاءَ العَبّاسُ وعَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالا: يا رَسُولَ اللَّهِ جِئْناكَ لَتُخْبِرُنا أيَّ أهْلِكَ أحَبُّ إلَيْكَ قالَ: أحَبُّ أهْلِي إلَيَّ فاطِمَةُ، قالا: ما نَسْألُكَ عَنْ فاطِمَةَ. قالَ: فَأُسامَةُ بْنُ زَيْدٍ الَّذِي أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وأنْعَمْتُ عَلَيْهِ، قالَ عَلِيٌّ: ثُمَّ مَن يا رَسُولَ اللَّهِ؟ قالَ: ثُمَّ أنْتَ، ثُمَّ العَبّاسُ. قالَ العَبّاسُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، جَعَلْتَ عَمَّكَ آخِرًا. قالَ: ”إنَّ عَلِيًّا سَبَقَكَ بِالهِجْرَةِ“» . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ والبُخارِيُّ والتِّرْمِذِيُّ والنَّسائِيُّ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، (p-٥٢)وابْنُ مَرْدُويَهْ عَنْ أنَسٍ، أنَّ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿وتُخْفِي في نَفْسِكَ ما اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾ نَزَلَتْ في شَأْنِ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ وزَيْدِ بْنِ حارِثَةَ. وأخْرَجَ أحْمَدُ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والبُخارِيُّ، والتِّرْمِذِيُّ، وابْنُ المُنْذِرِ والحاكِمُ، وابْنُ مَرْدُويَهْ والبَيْهَقِيُّ في ”سُنَنِهِ“ عَنْ أنَسٍ قالَ: «جاءَ زَيْدُ بْنُ حارِثَةَ يَشْكُو زَيْنَبَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ”اتَّقِ اللَّهَ وأمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ“ . فَنَزَلَتْ: ﴿وتُخْفِي في نَفْسِكَ ما اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾ قالَ: أنَسٌ: فَلَوْ كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كاتِمًا شَيْئًا لَكَتَمَ هَذِهِ الآيَةَ، فَتَزَوَّجَها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَما أوْلَمَ عَلى امْرَأةٍ مِن نِسائِهِ ما أوْلَمَ عَلَيْها، ذَبَحَ شاةً، ﴿فَلَمّا قَضى زَيْدٌ مِنها وطَرًا زَوَّجْناكَها﴾ فَكانَتْ تَفْخَرُ عَلى أزْواجِ النَّبِيِّ ﷺ تَقُولُ: زَوَّجَكُنَّ أهالِيكُنَّ، وزَوَّجَنِي اللَّهُ مِن فَوْقِ سَبْعِ سَماواتٍ» . وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، وأحْمَدُ ومُسْلِمٌ، والنَّسائِيُّ وأبُو يَعْلى، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدُويَهْ عَنْ أنَسٍ قالَ: «لَمّا انْقَضَتْ عِدَّةُ زَيْنَبَ قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِزَيْدٍ: اذْهَبْ فاذْكُرْها عَلَيَّ”. فانْطَلَقَ قالَ: فَلَمّا رَأيْتُها عَظُمَتْ في صَدْرِي، فَقُلْتُ: يا زَيْنَبُ أبْشِرِي، أرْسَلَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَذْكُرُكِ. قالَتْ: ما أنا بِصانِعَةٍ شَيْئًا حَتّى أُؤامِرَ رَبِّي. فَقامَتْ إلى مَسْجِدِها، ونَزَلَ القُرْآنُ، وجاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ودَخَلَ عَلَيْها بِغَيْرِ إذْنٍ، ولَقَدْ رَأيْتُنا حِينَ (p-٥٣)دَخَلَتْ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أطْعَمَنا عَلَيْها الخُبْزَ واللَّحْمَ، فَخَرَجَ النّاسُ وبَقِيَ رِجالٌ يَتَحَدَّثُونَ في البَيْتِ بَعْدَ الطَّعامِ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ واتَّبَعْتُهُ فَجَعَلَ يَتَتَبَّعُ حُجَرَ نِسائِهِ، يُسَلِّمُ عَلَيْهِنَّ ويَقُلْنَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ وجَدْتَ أهْلَكَ؟ فَما أدْرِي أنا أخْبَرْتُهُ أنَّ القَوْمَ قَدْ خَرَجُوا أوْ أْخْبِرَ، فانْطَلَقَ حَتّى دَخَلَ البَيْتَ، فَذَهَبْتُ أدْخُلُ مَعَهُ، فَألْقى السِّتْرَ بَيْنِي وبَيْنَهُ، ونَزَلَ الحِجابُ، ووُعِظَ القَوْمُ بِما وُعِظُوا بِهِ: ﴿لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إلا أنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾ [الأحزاب: ٥٣] الآيَةَ» . وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، والحاكِمُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيى بْنِ حِبّانَ قالَ: «جاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْتَ زَيْدِ بْنِ حارِثَةَ يَطْلُبُهُ، وكانَ زَيْدٌ إنَّما يُقالُ لَهُ: زَيْدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، فَرُبَّما فَقَدَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ السّاعَةَ فَيَقُولُ: أيْنَ زَيْدٌ؟ فَجاءَ مَنزِلَهُ يَطْلُبُهُ فَلَمْ يَجِدْهُ، وتَقُومُ إلَيْهِ زَيْنَبُ بِنْتُ جَحْشٍ فُضُلًا، فَأعْرَضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْها فَقالَتْ: لَيْسَ هو هاهُنا يا رَسُولَ اللَّهِ فادْخُلْ. فَأبى أنْ يَدْخُلَ فَأعْجَبَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَوَلّى وهو يُهَمْهِمُ بِشَيْءٍ لا يَكادُ يُفْهَمُ مِنهُ، إلّا رُبَّما (p-٥٤)أعْلَنَ:“سُبْحانَ اللَّهِ العَظِيمِ، سُبْحانَ مُصَرِّفِ القُلُوبِ”. فَجاءَ زَيْدٌ إلى مَنزِلِهِ، فَأخْبَرَتْهُ امْرَأتُهُ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أتى مَنزِلَهُ، فَقالَ زَيْدٌ: ألا قُلْتِ لَهُ أنْ يَدْخُلَ؟ قالَتْ: قَدْ عَرَضْتُ ذَلِكَ عَلَيْهِ فَأبى. قالَ: فَسَمِعْتِ شَيْئًا؟ قالَتْ: سَمِعْتُهُ حِينَ ولّى تَكَلَّمَ بِكَلامٍ ولا أفْهَمُهُ، وسَمِعْتُهُ يَقُولُ:“سُبْحانَ اللَّهِ سُبْحانَ مُصَرِّفِ القُلُوبِ”. فَجاءَ زَيْدٌ حَتّى أتى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، بَلَغَنِي أنَّكَ جِئْتَ مَنزِلِي فَهَلّا دَخَلْتَ يا رَسُولَ اللَّهِ، لَعَلَّ زَيْنَبَ أعْجَبَتْكَ فَأُفارِقُها. فَيَقُولُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ﴿أمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾ فَما اسْتَطاعَ زَيْدٌ إلَيْها سَبِيلًا بَعْدَ ذَلِكَ اليَوْمِ. فَيَأْتِي إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَيُخْبِرُهُ، فَيَقُولُ:“أمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ”. فَفارَقَها زَيْدٌ واعْتَزَلَها، وانْقَضَتْ عِدَّتُها، فَبَيْنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ جالِسٌ يَتَحَدَّثُ مَعَ عائِشَةَ إذْ أخَذَتْهُ غَشْيَةٌ، فَسُرِّيَ عَنْهُ وهو يَتَبَسَّمُ ويَقُولُ:“مَن يَذْهَبُ إلى زَيْنَبَ يُبَشِّرُها أنَّ اللَّهَ زَوَّجَنِيها مِنَ السَّماءِ؟ وتَلا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ﴿وإذْ تَقُولُ لِلَّذِي أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وأنْعَمْتَ عَلَيْهِ أمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾ القِصَّةَ كُلَّها. قالَتْ عائِشَةُ: فَأخَذَنِي ما قَرُبَ وما بَعُدَ، لِما يَبْلُغُنا مِن جَمالِها، وأُخْرى هي أعْظَمُ الأُمُورِ وأشْرَفُها، زَوَّجَها اللَّهُ مِنَ السَّماءِ، وقُلْتُ: هي تَفْخَرُ عَلَيْنا بِهَذا» . وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ والتِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنْ عائِشَةَ (p-٥٥)قالَتْ: «لَوْ كانَ النَّبِيُّ ﷺ كاتِمًا شَيْئًا مِنَ الوَحْيِ لَكَتَمَ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿وإذْ تَقُولُ لِلَّذِي أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ﴾، يَعْنِي: بِالإسْلامِ، ﴿وأنْعَمْتَ عَلَيْهِ﴾ . بِالعِتْقِ، ﴿أمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾ . إلى قَوْلِهِ: ﴿وكانَ أمْرُ اللَّهِ مَفْعُولا﴾ . وإنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمّا تَزَوَّجَها قالُوا: تَزَوَّجَ حَلِيلَةَ ابْنِهِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ما كانَ مُحَمَّدٌ أبا أحَدٍ مِن رِجالِكم ولَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وخاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ . وكانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ تَبَنّاهُ وهو صَغِيرٌ، فَلَبِثَ حَتّى صارَ رَجُلًا يُقالُ لَهُ: زَيْدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿ادْعُوهم لآبائِهِمْ هو أقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الأحزاب: ٥]، يَعْنِي: أعْدَلُ عِنْدَ اللَّهِ» . وأخْرَجَ الحاكِمُ عَنِ الشَّعْبِيِّ قالَ: «كانَتْ زَيْنَبُ تَقُولُ لِلنَّبِيِّ ﷺ: أنا أعْظَمُ نِسائِكَ عَلَيْكَ حَقًّا؛ أنا خَيْرُهُنَّ مَنكَحًا، وأكْرَمُهُنَّ سِتْرًا، وأقْرَبُهُنَّ رُحْمًا، وزَوَّجَنِيكَ الرَّحْمَنُ مِن فَوْقِ عَرْشِهِ، وكانَ جِبْرِيلُ هو السَّفِيرُ بِذَلِكَ، وأنا بِنْتُ عَمَّتِكَ لَيْسَ لَكَ مِن نِسائِكَ قَرِيبَةٌ غَيْرِي» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ قالَ: «كانَتْ زَيْنَبُ تَقُولُ لِلنَّبِيِّ ﷺ: إنِّي لَأدِلُّ عَلَيْكَ بِثَلاثٍ ما مِن نِسائِكَ امْرَأةٌ تَدِلُّ بِهِنَّ، أنَّ جَدِّي وجَدَّكَ واحِدٌ، وأنِّي أنْكَحَنِيكَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ، وأنَّ السَّفِيرَ لَجَبْرائِيلُ» . وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، وابْنُ عَساكِرَ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، عَنْ زَيْنَبَ قالَتْ: «إنِّي واللَّهِ (p-٥٦)ما أنا كَأحَدٍ مِن نِساءِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، إنَّهُنَّ زُوِّجْنَ بِالمُهُورِ، وزَوَّجَهُنَّ الأوْلِياءُ، وزَوَّجَنِي اللَّهُ رَسُولَهُ وأنْزَلَ فِيَّ الكِتابَ يَقْرَأُهُ المُسْلِمُونَ، لا يُبَدَّلُ ولا يَتَغَيَّرُ: ﴿وإذْ تَقُولُ لِلَّذِي أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ﴾ الآيَةَ» . وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، وابْنُ عَساكِرَ، عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: «يَرْحَمُ اللَّهُ زَيْنَبَ بِنْتَ جَحْشٍ، لَقَدْ نالَتْ في هَذِهِ الدُّنْيا الشَّرَفَ الَّذِي لا يَبْلُغُهُ شَرَفٌ، إنَّ اللَّهَ زَوَّجَها نَبِيَّهُ ﷺ في الدُّنْيا ونَطَقَ بِهِ القُرْآنُ» . وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ عَنْ عاصِمٍ الأحْوَلِ، أنَّ رَجُلًا مِن بَنِي أسَدٍ فاخَرَ رَجُلًا، فَقالَ الأسَدِيُّ: هَلْ مِنكُمُ امْرَأةٌ زَوَّجَها اللَّهُ مِن فَوْقِ سَبْعِ سَماواتٍ؟ يَعْنِي زَيْنَبَ بِنْتَ جَحْشٍ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ عَنْ قَتادَةَ «فِي قَوْلِهِ: ﴿وإذْ تَقُولُ لِلَّذِي أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ﴾ قالَ: زَيْدِ بْنِ حارِثَةَ، أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ بِالإسْلامِ ﴿وأنْعَمْتَ عَلَيْهِ﴾: أعْتَقَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، ﴿أمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ واتَّقِ اللَّهَ﴾ جاءَ زَيْدُ بْنُ حارِثَةَ فَقالَ: يا نَبِيَّ اللَّهِ إنَّ زَيْنَبَ قَدِ اشْتَدَّ عَلَيَّ لِسانُها وأنا أُرِيدُ أنْ أُطَلِّقَها، فَقالَ لَهُ (p-٥٧)النَّبِيُّ ﷺ: ”اتَّقِ اللَّهَ وأمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ“ . قالَ: والنَّبِيُّ ﷺ يُحِبُّ أنْ يُطَلِّقَها، ويَخْشى قالَةَ النّاسِ إنْ أمَرَهُ بِطَلاقِها، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وتُخْفِي في نَفْسِكَ ما اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾ قالَ: كانَ يُخْفِي في نَفْسِهِ ودَّ أنَّهُ طَلَّقَها. قالَ: قالَ الحَسَنُ: ما أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ آيَةٌ كانَتْ أشَدَّ عَلَيْهِ مِنها، ولَوْ كانَ كاتِمًا شَيْئًا مِنَ الوَحْيِ لَكَتَمَها. ﴿وتَخْشى النّاسَ﴾ قالَ: خَشِيَ النَّبِيُّ ﷺ قالَةَ النّاسِ. ﴿فَلَمّا قَضى زَيْدٌ مِنها وطَرًا﴾ فَلَمّا طَلَّقَها زَيْدٌ ﴿زَوَّجْناكَها﴾ . فَكانَتْ تَفْخَرُ عَلى نِساءِ النَّبِيِّ ﷺ تَقُولُ: أمّا أنْتُنَّ فَزَوَّجَكُنَّ آباؤُكُنَّ، وأمّا أنا فَزَوَّجَنِي ذُو العَرْشِ، ﴿لِكَيْ لا يَكُونَ عَلى المُؤْمِنِينَ حَرَجٌ في أزْواجِ أدْعِيائِهِمْ إذا قَضَوْا مِنهُنَّ وطَرًا﴾ . أيْ: إذا طَلَّقُوهُنَّ، وكانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ تَبَنّى زَيْدَ بْنَ حارِثَةَ، ﴿ما كانَ عَلى النَّبِيِّ مِن حَرَجٍ فِيما فَرَضَ اللَّهُ لَهُ﴾: أحَلَّ اللَّهُ لَهُ: ﴿سُنَّةَ اللَّهِ في الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ﴾ يَقُولُ: كَما هَوى داوُدُ النَّبِيُّ المَرْأةَ الَّتِي نَظَرَ إلَيْها فَهَوِيَها فَتَزَوَّجَها، كَذَلِكَ قَضى اللَّهُ لِمُحَمَّدٍ تَزَوُّجَ زَيْنَبَ، كَما كانَ سُنَّةُ اللَّهِ في داوُدَ في تَزَوُّجِهِ تِلْكَ المَرْأةَ، ﴿وكانَ أمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا﴾ في أمْرِ زَيْنَبَ» . (p-٥٨)وأخْرَجَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في ”الدَّلائِلِ“ عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدِ بْنِ جُدْعانَ قالَ: قالَ لِي عَلِيُّ بْنُ الحُسَيْنِ: ما يَقُولُ الحَسَنُ في قَوْلِهِ: ﴿وتُخْفِي في نَفْسِكَ ما اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾ فَقُلْتُ لَهُ. . . فَقالَ: لا، ولَكِنَّ اللَّهَ أعْلَمَ نَبِيَّهُ ﷺ أنَّ زَيْنَبَ سَتَكُونُ مِن أزْواجِهِ قَبْلَ أنْ يَتَزَوَّجَها، فَلَمّا أتاهُ زَيْدٌ يَشْكُوها إلَيْهِ قالَ: ”اتَّقِ اللَّهَ وأمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ“ . فَقالَ: قَدْ أخْبَرْتُكَ أنِّي مُزَوِّجُكَها، ﴿وتُخْفِي في نَفْسِكَ ما اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ في قَوْلِهِ: ﴿ما كانَ عَلى النَّبِيِّ مِن حَرَجٍ فِيما فَرَضَ اللَّهُ لَهُ سُنَّةَ اللَّهِ في الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ﴾ . قالَ: يَعْنِي: يَتَزَوَّجُ مِنَ النِّساءِ ما شاءَ، هَذا فَرِيضَةٌ وكانَ مَن كانَ مِنَ الأنْبِياءِ هَذا سُنَّتُهُمْ؛ قَدْ كانَ لِسُلَيْمانَ بْنِ داوُدَ ألْفُ امْرَأةٍ، وكانَ لِداوُدَ مِائَةُ امْرَأةٍ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، والطَّبَرانِيُّ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ في قَوْلِهِ: ﴿سُنَّةَ اللَّهِ في الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ﴾ قالَ: داوُدَ والمَرْأةِ الَّتِي نَكَحَ وزَوْجِها، واسْمُها اليسيه فَذَلِكَ سُنَّةٌ في مُحَمَّدٍ وزَيْنَبَ، ﴿وكانَ أمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا﴾: كَذَلِكَ مِن سُنَّتِهِ؛ في داوُدَ والمَرْأةِ، والنَّبِيِّ ﷺ وزَيْنَبَ. (p-٥٩)وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في ”سُنَنِهِ“ عَنْ أبِي سَعِيدٍ قالَ: لا نِكاحَ إلّا بِوَلِيٍّ وشُهُودٍ ومَهْرٍ؛ إلّا ما كانَ لِلنَّبِيِّ ﷺ . وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ والبَيْهَقِيُّ في ”سُنَنِهِ“، وابْنُ عَساكِرَ، مِن طَرِيقِ الكُمَيْتِ بْنِ زَيْدٍ الأسَدِيِّ قالَ: حَدَّثَنِي مَذْكُورٌ مَوْلى زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ قالَتْ: «خَطَبَنِي عِدَّةٌ مِن أصْحابِ النَّبِيِّ ﷺ فَأرْسَلْتُ إلَيْهِ أخِي، تُشاوِرُهُ في ذَلِكَ، قالَ: ”فَأيْنَ هي مِمَّنْ يُعَلِّمُها كِتابَ رَبِّها وسُنَّةَ نَبِيِّها؟ قالَتْ: مَن؟ قالَ: زَيْدُ بْنُ حارِثَةَ، فَغَضِبَتْ وقالَتْ: تُزَوِّجُ بِنْتَ عَمَّتِكَ مَوْلاكَ؟! ثُمَّ أتَتْنِي فَأخْبَرَتْنِي بِذَلِكَ، فَقُلْتُ أشَدَّ مِن قَوْلِها، وغَضِبْتُ أشَدَّ مِن غَضَبِها، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وما كانَ لِمُؤْمِنٍ ولا مُؤْمِنَةٍ إذا قَضى اللَّهُ ورَسُولُهُ أمْرًا أنْ يَكُونَ لَهُمُ الخِيَرَةُ مِن أمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٣٦] . فَأرْسَلْتُ إلَيْهِ: زَوِّجْنِي مَن شِئْتَ. فَزَوَّجَنِي مِنهُ، فَأخَذْتُهُ بِلِسانِي، فَشَكانِي إلى النَّبِيِّ ﷺ فَقالَ لَهُ: إذَنْ طَلِّقْها. فَطَلَّقَنِي فَبَتَّ طَلاقِي، فَلَمّا انْقَضَتْ عِدَّتِي لَمْ أشْعُرْ إلّا والنَّبِيُّ ﷺ وأنا مَكْشُوفَةُ الشَّعَرِ، فَقُلْتُ: هَذا أمْرٌ مِنَ السَّماءِ؛ دَخَلْتَ يا رَسُولَ اللَّهِ بِلا خِطْبَةٍ ولا شَهادَةٍ! قالَ: (p-٦٠)اللَّهُ المُزَوِّجُ وجِبْرِيلُ الشّاهِدُ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿وإذْ تَقُولُ لِلَّذِي أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ﴾ الآيَةَ. قالَ: «بَلَغَنا أنَّ هَذِهِ الآيَةَ أُنْزِلَتْ في زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ، وكانَتْ أُمُّها أُمَيْمَةَ بِنْتَ عَبْدِ المُطَّلِبِ عَمَّةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأرادَ أنْ يُزَوِّجَها زَيْدَ بْنَ حارِثَةَ فَكَرِهَتْ ذَلِكَ، ثُمَّ إنَّها رَضِيَتْ بِما صَنَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَزَوَّجَها إيّاهُ، ثُمَّ أعْلَمَ اللَّهُ نَبِيَّهُ بَعْدُ أنَّها مِن أزْواجِهِ، فَكانَ يَسْتَحْيِي أنْ يَأْمُرَ زَيْدَ بْنَ حارِثَةَ بِطَلاقِها، وكانَ لا يَزالُ يَكُونُ بَيْنَ زَيْدٍ وزَيْنَبَ بَعْضُ ما يَكُونُ بَيْنَ النّاسِ، فَيَأْمُرُهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنْ يُمْسِكَ عَلَيْهِ زَوْجَهُ وأنْ يَتَّقِيَ اللَّهَ، وكانَ يَخْشى النّاسَ أنْ يَعِيبُوا عَلَيْهِ، أنْ يَقُولُوا: تَزَوَّجَ امْرَأةَ ابْنِهِ. وكانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَدْ تَبَنّى زَيْدًا» . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ عِكْرِمَةَ، «أنَّ النَّبِيُّ ﷺ اشْتَرى زَيْدَ بْنَ حارِثَةَ في الجاهِلِيَّةِ مِن عُكاظٍ عَلى امْرَأتِهِ خَدِيجَةَ، فاتَّخَذَهُ ولَدًا، فَلَمّا بَعَثَ اللَّهُ نَبِيَّهُ، مَكَثَ ما شاءَ اللَّهُ أنْ يَمْكُثَ، ثُمَّ أرادَ أنْ يُزَوِّجَهُ زَيْنَبَ بِنْتَ جَحْشٍ فَكَرِهَتْ ذَلِكَ فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وما كانَ لِمُؤْمِنٍ ولا مُؤْمِنَةٍ إذا قَضى اللَّهُ ورَسُولُهُ أمْرًا أنْ يَكُونَ لَهُمُ الخِيَرَةُ مِن أمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٣٦] فَقِيلَ لَها: إنْ شِئْتِ اللَّهَ ورَسُولَهُ، وإنْ شِئْتِ ضَلالًا مُبِينًا. فَقالَتْ: بَلِ اللَّهَ ورَسُولَهُ، فَزَوَّجَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنها فَمَكَثَ (p-٦١)ما شاءَ اللَّهُ أنْ يَمْكُثَ، ثُمَّ إنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَخَلَ يَوْمًا بَيْتَ زَيْدٍ فَرَآها وهي بِنْتُ عَمَّتِهِ، فَكَأنَّها وقَعَتْ في نَفْسِهِ. قالَ عِكْرِمَةُ: فَأنْزَلَ اللَّهُ، ﴿وإذْ تَقُولُ لِلَّذِي أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ﴾ . قالَ عِكْرِمَةُ أنْعَمَ اللَّهُ عَلى زَيْدٍ بِالإسْلامِ، ﴿وأنْعَمْتَ عَلَيْهِ﴾ يا مُحَمَّدُ بِالعِتْقِ، ﴿أمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ واتَّقِ اللَّهَ وتُخْفِي في نَفْسِكَ ما اللَّهُ مُبْدِيهِ وتَخْشى النّاسَ واللَّهُ أحَقُّ أنْ تَخْشاهُ﴾ . قالَ: عِكْرِمَةُ: فَكانَ النّاسُ يَقُولُونَ مِن شِدَّةِ ما يَرَوْنَ مِن حُبِّ النَّبِيِّ ﷺ لِزَيْدٍ: إنَّهُ ابْنُهُ. فَأرادَ اللَّهُ أمْرًا، قالَ اللَّهُ: ﴿فَلَمّا قَضى زَيْدٌ مِنها وطَرًا زَوَّجْناكَها﴾ يا مُحَمَّدُ، ﴿لِكَيْ لا يَكُونَ عَلى المُؤْمِنِينَ حَرَجٌ في أزْواجِ أدْعِيائِهِمْ﴾ . وأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿ما كانَ مُحَمَّدٌ أبا أحَدٍ مِن رِجالِكم ولَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وخاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ فَلَمّا طَلَّقَها زَيْدٌ تَزَوَّجَها النَّبِيُّ ﷺ فَعِنْدَها قالُوا: لَوْ كانَ زَيْدٌ ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ ما تَزَوَّجَ امْرَأةَ ابْنِهِ» . وأخْرَجَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَحْشٍ قالَ: تَفاخَرَتْ زَيْنَبُ وعائِشَةُ؛ فَقالَتْ زَيْنَبُ: أنا الَّذِي نَزَلَ تَزْوِيجِي مِنَ السَّماءِ، وقالَتْ عائِشَةُ: أنا نَزَلَ عُذْرِي مِنَ السَّماءِ في كِتابِهِ حِينَ حَمَلَنِي ابْنُ المُعَطَّلِ عَلى الرّاحِلَةِ، فَقالَتْ لَها زَيْنَبُ: ما قُلْتِ حِينَ رَكِبْتِيها؟ قالَتْ: قُلْتُ: حَسْبِيَ اللَّهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ. قالَتْ: قُلْتِ كَلِمَةَ المُؤْمِنِينَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ما كانَ مُحَمَّدٌ أبا أحَدٍ مِن (p-٦٢)رِجالِكُمْ﴾ قالَ: نَزَلَتْ في زَيْدِ بْنِ حارِثَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ عَساكِرَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنِ في قَوْلِهِ: ﴿ما كانَ مُحَمَّدٌ أبا أحَدٍ مِن رِجالِكُمْ﴾ قالَ: نَزَلَتْ في زَيْدِ بْنِ حارِثَةَ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿ما كانَ مُحَمَّدٌ أبا أحَدٍ مِن رِجالِكُمْ﴾ قالَ: نَزَلَتْ في زَيْدٍ؛ أيْ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ بِابْنِهِ ولَعَمْرِي لَقَدْ وُلِدَ لَهُ ذُكُورٌ، إنَّهُ لَأبُو القاسِمِ وإبْراهِيمَ والطَّيِّبِ والمُطَهَّرِ. وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ عَنِ الشَّعْبِيِّ في قَوْلِهِ: ﴿ما كانَ مُحَمَّدٌ أبا أحَدٍ مِن رِجالِكُمْ﴾ قالَ: ما كانَ لِيَعِيشَ لَهُ فِيكم ولَدٌ ذَكَرٌ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿ولَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وخاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ قالَ: آخِرَ نَبِيٍّ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿وخاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ . قالَ: خَتَمَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ بِمُحَمَّدٍ، وكانَ آخِرَ مَن بُعِثَ. (p-٦٣)وأخْرَجَ أحْمَدُ، ومُسْلِمٌ، عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَثَلِي ومَثَلُ النَّبِيِّينَ كَمَثَلِ رَجُلٍ بَنى دارًا فَأتَمَّها إلّا لَبِنَةً واحِدَةً، فَجِئْتُ أنا فَأتْمَمْتُ تِلْكَ اللَّبِنَةَ» . وأخْرَجَ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ، والتِّرْمِذِيُّ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنْ جابِرٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَثَلِي ومَثَلُ الأنْبِياءِ كَمَثَلِ رَجُلٍ بَنى دارًا فَأكْمَلَها وأحْسَنَها إلّا مَوْضِعَ لَبِنَةٍ فَكانَ مَن دَخَلَها فَنَظَرَ إلَيْها قالَ: ما أحْسَنَها إلّا مَوْضِعَ اللَّبِنَةِ. فَأنا مَوْضِعُ اللَّبِنَةِ؛ خُتِمَ بِيَ الأنْبِياءُ» . وأخْرَجَ أحْمَدُ، والبُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «مَثَلِي ومَثَلُ الأنْبِياءِ مِن قَبْلِي كَمَثَلِ رَجُلٍ بَنى بُنْيانًا فَأحْسَنَهُ وأجْمَلَهُ إلّا مَوْضِعَ لَبِنَةٍ مِن زاوِيَةٍ مِن زَواياها، فَجَعَلَ النّاسُ يَطُوفُونَ بِهِ ويَتَعَجَّبُونَ لَهُ ويَقُولُونَ: هَلّا وُضِعَتْ هَذِهِ اللَّبِنَةُ؟ فَأنا اللَّبِنَةُ، وأنا خاتَمُ النَّبِيِّينَ» . وأخْرَجَ أحْمَدُ، والتِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «مَثَلِي في النَّبِيِّينَ كَمَثَلِ رَجُلٍ بَنى دارًا، فَأحْسَنَها وأكْمَلَها وأجْمَلَها وتَرَكَ (p-٦٤)فِيها مَوْضِعَ لَبِنَةٍ لَمْ يَضَعْها، فَجَعَلَ النّاسُ يَطُوفُونَ بِالبُنْيانِ ويَعْجَبُونَ مِنهُ، ويَقُولُونَ: لَوْ تَمَّ مَوْضِعُ هَذِهِ اللَّبِنَةِ، فَأنا في النَّبِيِّينَ مَوْضِعُ تِلْكَ اللَّبِنَةِ» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ عَنْ ثَوْبانَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إنَّهُ سَيَكُونُ في أُمَّتِي كَذّابُونَ ثَلاثُونَ، كُلُّهم يَزْعُمُ أنَّهُ نَبِيٌّ، وأنا خاتَمُ النَّبِيِّينَ لا نَبِيَّ بَعْدِي» . وأخْرَجَ أحْمَدُ عَنْ حُذَيْفَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «فِي أُمَّتِي كَذّابُونَ ودَجّالُونَ سَبْعَةٌ وعِشْرُونَ، مِنهم أرْبَعُ نِسْوَةٍ، وإنِّي خاتَمُ النَّبِيِّينَ لا نَبِيَّ بَعْدِي» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: قُولُوا: خاتَمَ النَّبِيِّينَ، ولا تَقُولُوا: لا نَبِيَّ بَعْدَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنِ الشَّعْبِيِّ قالَ: قالَ رَجُلٌ عِنْدَ المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ: صَلّى اللَّهُ عَلى مُحَمَّدٍ خاتَمِ الأنْبِياءِ لا نَبِيَّ بَعْدَهُ. فَقالَ المُغِيرَةُ: حَسْبُكَ إذا قُلْتَ: خاتَمَ الأنْبِياءِ، فَإنّا كُنّا نُحَدِّثُ أنَّ عِيسى خارِجٌ، فَإنْ هو خَرَجَ فَقَدْ كانَ قَبْلَهُ وبَعْدَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ الأنْبارِيِّ في“المَصاحِفِ" عَنْ أبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ قالَ: كُنْتُ أُقْرِئُ الحَسَنَ والحُسَيْنَ، فَمَرَّ بِي عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ وأنا (p-٦٥)أُقْرِئُهُما: ﴿وخاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ فَقالَ لِي: أقْرِئْهُما: وخاتَمَ النَّبِيِّينَ، بِفَتْحِ التّاءِ.

الأحزاب 33:40

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وإذْ تَقُولُ لِلَّذِي أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ﴾ الآيَةَ. أخْرَجَ البَزّارُ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدُويَهْ عَنْ أُسامَةَ بْنِ زَيْدٍ قالَ: «جاءَ العَبّاسُ وعَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالا: يا رَسُولَ اللَّهِ جِئْناكَ لَتُخْبِرُنا أيَّ أهْلِكَ أحَبُّ إلَيْكَ قالَ: أحَبُّ أهْلِي إلَيَّ فاطِمَةُ، قالا: ما نَسْألُكَ عَنْ فاطِمَةَ. قالَ: فَأُسامَةُ بْنُ زَيْدٍ الَّذِي أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وأنْعَمْتُ عَلَيْهِ، قالَ عَلِيٌّ: ثُمَّ مَن يا رَسُولَ اللَّهِ؟ قالَ: ثُمَّ أنْتَ، ثُمَّ العَبّاسُ. قالَ العَبّاسُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، جَعَلْتَ عَمَّكَ آخِرًا. قالَ: ”إنَّ عَلِيًّا سَبَقَكَ بِالهِجْرَةِ“» . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ والبُخارِيُّ والتِّرْمِذِيُّ والنَّسائِيُّ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، (p-٥٢)وابْنُ مَرْدُويَهْ عَنْ أنَسٍ، أنَّ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿وتُخْفِي في نَفْسِكَ ما اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾ نَزَلَتْ في شَأْنِ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ وزَيْدِ بْنِ حارِثَةَ. وأخْرَجَ أحْمَدُ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والبُخارِيُّ، والتِّرْمِذِيُّ، وابْنُ المُنْذِرِ والحاكِمُ، وابْنُ مَرْدُويَهْ والبَيْهَقِيُّ في ”سُنَنِهِ“ عَنْ أنَسٍ قالَ: «جاءَ زَيْدُ بْنُ حارِثَةَ يَشْكُو زَيْنَبَ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: ”اتَّقِ اللَّهَ وأمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ“ . فَنَزَلَتْ: ﴿وتُخْفِي في نَفْسِكَ ما اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾ قالَ: أنَسٌ: فَلَوْ كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كاتِمًا شَيْئًا لَكَتَمَ هَذِهِ الآيَةَ، فَتَزَوَّجَها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فَما أوْلَمَ عَلى امْرَأةٍ مِن نِسائِهِ ما أوْلَمَ عَلَيْها، ذَبَحَ شاةً، ﴿فَلَمّا قَضى زَيْدٌ مِنها وطَرًا زَوَّجْناكَها﴾ فَكانَتْ تَفْخَرُ عَلى أزْواجِ النَّبِيِّ ﷺ تَقُولُ: زَوَّجَكُنَّ أهالِيكُنَّ، وزَوَّجَنِي اللَّهُ مِن فَوْقِ سَبْعِ سَماواتٍ» . وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، وأحْمَدُ ومُسْلِمٌ، والنَّسائِيُّ وأبُو يَعْلى، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدُويَهْ عَنْ أنَسٍ قالَ: «لَمّا انْقَضَتْ عِدَّةُ زَيْنَبَ قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِزَيْدٍ: اذْهَبْ فاذْكُرْها عَلَيَّ”. فانْطَلَقَ قالَ: فَلَمّا رَأيْتُها عَظُمَتْ في صَدْرِي، فَقُلْتُ: يا زَيْنَبُ أبْشِرِي، أرْسَلَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَذْكُرُكِ. قالَتْ: ما أنا بِصانِعَةٍ شَيْئًا حَتّى أُؤامِرَ رَبِّي. فَقامَتْ إلى مَسْجِدِها، ونَزَلَ القُرْآنُ، وجاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ودَخَلَ عَلَيْها بِغَيْرِ إذْنٍ، ولَقَدْ رَأيْتُنا حِينَ (p-٥٣)دَخَلَتْ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أطْعَمَنا عَلَيْها الخُبْزَ واللَّحْمَ، فَخَرَجَ النّاسُ وبَقِيَ رِجالٌ يَتَحَدَّثُونَ في البَيْتِ بَعْدَ الطَّعامِ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ واتَّبَعْتُهُ فَجَعَلَ يَتَتَبَّعُ حُجَرَ نِسائِهِ، يُسَلِّمُ عَلَيْهِنَّ ويَقُلْنَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ وجَدْتَ أهْلَكَ؟ فَما أدْرِي أنا أخْبَرْتُهُ أنَّ القَوْمَ قَدْ خَرَجُوا أوْ أْخْبِرَ، فانْطَلَقَ حَتّى دَخَلَ البَيْتَ، فَذَهَبْتُ أدْخُلُ مَعَهُ، فَألْقى السِّتْرَ بَيْنِي وبَيْنَهُ، ونَزَلَ الحِجابُ، ووُعِظَ القَوْمُ بِما وُعِظُوا بِهِ: ﴿لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إلا أنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾ [الأحزاب: ٥٣] الآيَةَ» . وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، والحاكِمُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيى بْنِ حِبّانَ قالَ: «جاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْتَ زَيْدِ بْنِ حارِثَةَ يَطْلُبُهُ، وكانَ زَيْدٌ إنَّما يُقالُ لَهُ: زَيْدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، فَرُبَّما فَقَدَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ السّاعَةَ فَيَقُولُ: أيْنَ زَيْدٌ؟ فَجاءَ مَنزِلَهُ يَطْلُبُهُ فَلَمْ يَجِدْهُ، وتَقُومُ إلَيْهِ زَيْنَبُ بِنْتُ جَحْشٍ فُضُلًا، فَأعْرَضَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْها فَقالَتْ: لَيْسَ هو هاهُنا يا رَسُولَ اللَّهِ فادْخُلْ. فَأبى أنْ يَدْخُلَ فَأعْجَبَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَوَلّى وهو يُهَمْهِمُ بِشَيْءٍ لا يَكادُ يُفْهَمُ مِنهُ، إلّا رُبَّما (p-٥٤)أعْلَنَ:“سُبْحانَ اللَّهِ العَظِيمِ، سُبْحانَ مُصَرِّفِ القُلُوبِ”. فَجاءَ زَيْدٌ إلى مَنزِلِهِ، فَأخْبَرَتْهُ امْرَأتُهُ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أتى مَنزِلَهُ، فَقالَ زَيْدٌ: ألا قُلْتِ لَهُ أنْ يَدْخُلَ؟ قالَتْ: قَدْ عَرَضْتُ ذَلِكَ عَلَيْهِ فَأبى. قالَ: فَسَمِعْتِ شَيْئًا؟ قالَتْ: سَمِعْتُهُ حِينَ ولّى تَكَلَّمَ بِكَلامٍ ولا أفْهَمُهُ، وسَمِعْتُهُ يَقُولُ:“سُبْحانَ اللَّهِ سُبْحانَ مُصَرِّفِ القُلُوبِ”. فَجاءَ زَيْدٌ حَتّى أتى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، بَلَغَنِي أنَّكَ جِئْتَ مَنزِلِي فَهَلّا دَخَلْتَ يا رَسُولَ اللَّهِ، لَعَلَّ زَيْنَبَ أعْجَبَتْكَ فَأُفارِقُها. فَيَقُولُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ﴿أمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾ فَما اسْتَطاعَ زَيْدٌ إلَيْها سَبِيلًا بَعْدَ ذَلِكَ اليَوْمِ. فَيَأْتِي إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَيُخْبِرُهُ، فَيَقُولُ:“أمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ”. فَفارَقَها زَيْدٌ واعْتَزَلَها، وانْقَضَتْ عِدَّتُها، فَبَيْنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ جالِسٌ يَتَحَدَّثُ مَعَ عائِشَةَ إذْ أخَذَتْهُ غَشْيَةٌ، فَسُرِّيَ عَنْهُ وهو يَتَبَسَّمُ ويَقُولُ:“مَن يَذْهَبُ إلى زَيْنَبَ يُبَشِّرُها أنَّ اللَّهَ زَوَّجَنِيها مِنَ السَّماءِ؟ وتَلا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ﴿وإذْ تَقُولُ لِلَّذِي أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وأنْعَمْتَ عَلَيْهِ أمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾ القِصَّةَ كُلَّها. قالَتْ عائِشَةُ: فَأخَذَنِي ما قَرُبَ وما بَعُدَ، لِما يَبْلُغُنا مِن جَمالِها، وأُخْرى هي أعْظَمُ الأُمُورِ وأشْرَفُها، زَوَّجَها اللَّهُ مِنَ السَّماءِ، وقُلْتُ: هي تَفْخَرُ عَلَيْنا بِهَذا» . وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ والتِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنْ عائِشَةَ (p-٥٥)قالَتْ: «لَوْ كانَ النَّبِيُّ ﷺ كاتِمًا شَيْئًا مِنَ الوَحْيِ لَكَتَمَ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿وإذْ تَقُولُ لِلَّذِي أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ﴾، يَعْنِي: بِالإسْلامِ، ﴿وأنْعَمْتَ عَلَيْهِ﴾ . بِالعِتْقِ، ﴿أمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾ . إلى قَوْلِهِ: ﴿وكانَ أمْرُ اللَّهِ مَفْعُولا﴾ . وإنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمّا تَزَوَّجَها قالُوا: تَزَوَّجَ حَلِيلَةَ ابْنِهِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ما كانَ مُحَمَّدٌ أبا أحَدٍ مِن رِجالِكم ولَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وخاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ . وكانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ تَبَنّاهُ وهو صَغِيرٌ، فَلَبِثَ حَتّى صارَ رَجُلًا يُقالُ لَهُ: زَيْدُ بْنُ مُحَمَّدٍ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿ادْعُوهم لآبائِهِمْ هو أقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الأحزاب: ٥]، يَعْنِي: أعْدَلُ عِنْدَ اللَّهِ» . وأخْرَجَ الحاكِمُ عَنِ الشَّعْبِيِّ قالَ: «كانَتْ زَيْنَبُ تَقُولُ لِلنَّبِيِّ ﷺ: أنا أعْظَمُ نِسائِكَ عَلَيْكَ حَقًّا؛ أنا خَيْرُهُنَّ مَنكَحًا، وأكْرَمُهُنَّ سِتْرًا، وأقْرَبُهُنَّ رُحْمًا، وزَوَّجَنِيكَ الرَّحْمَنُ مِن فَوْقِ عَرْشِهِ، وكانَ جِبْرِيلُ هو السَّفِيرُ بِذَلِكَ، وأنا بِنْتُ عَمَّتِكَ لَيْسَ لَكَ مِن نِسائِكَ قَرِيبَةٌ غَيْرِي» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ قالَ: «كانَتْ زَيْنَبُ تَقُولُ لِلنَّبِيِّ ﷺ: إنِّي لَأدِلُّ عَلَيْكَ بِثَلاثٍ ما مِن نِسائِكَ امْرَأةٌ تَدِلُّ بِهِنَّ، أنَّ جَدِّي وجَدَّكَ واحِدٌ، وأنِّي أنْكَحَنِيكَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ، وأنَّ السَّفِيرَ لَجَبْرائِيلُ» . وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، وابْنُ عَساكِرَ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، عَنْ زَيْنَبَ قالَتْ: «إنِّي واللَّهِ (p-٥٦)ما أنا كَأحَدٍ مِن نِساءِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، إنَّهُنَّ زُوِّجْنَ بِالمُهُورِ، وزَوَّجَهُنَّ الأوْلِياءُ، وزَوَّجَنِي اللَّهُ رَسُولَهُ وأنْزَلَ فِيَّ الكِتابَ يَقْرَأُهُ المُسْلِمُونَ، لا يُبَدَّلُ ولا يَتَغَيَّرُ: ﴿وإذْ تَقُولُ لِلَّذِي أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ﴾ الآيَةَ» . وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، وابْنُ عَساكِرَ، عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: «يَرْحَمُ اللَّهُ زَيْنَبَ بِنْتَ جَحْشٍ، لَقَدْ نالَتْ في هَذِهِ الدُّنْيا الشَّرَفَ الَّذِي لا يَبْلُغُهُ شَرَفٌ، إنَّ اللَّهَ زَوَّجَها نَبِيَّهُ ﷺ في الدُّنْيا ونَطَقَ بِهِ القُرْآنُ» . وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ عَنْ عاصِمٍ الأحْوَلِ، أنَّ رَجُلًا مِن بَنِي أسَدٍ فاخَرَ رَجُلًا، فَقالَ الأسَدِيُّ: هَلْ مِنكُمُ امْرَأةٌ زَوَّجَها اللَّهُ مِن فَوْقِ سَبْعِ سَماواتٍ؟ يَعْنِي زَيْنَبَ بِنْتَ جَحْشٍ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ وابْنُ أبِي حاتِمٍ والطَّبَرانِيُّ عَنْ قَتادَةَ «فِي قَوْلِهِ: ﴿وإذْ تَقُولُ لِلَّذِي أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ﴾ قالَ: زَيْدِ بْنِ حارِثَةَ، أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ بِالإسْلامِ ﴿وأنْعَمْتَ عَلَيْهِ﴾: أعْتَقَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، ﴿أمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ واتَّقِ اللَّهَ﴾ جاءَ زَيْدُ بْنُ حارِثَةَ فَقالَ: يا نَبِيَّ اللَّهِ إنَّ زَيْنَبَ قَدِ اشْتَدَّ عَلَيَّ لِسانُها وأنا أُرِيدُ أنْ أُطَلِّقَها، فَقالَ لَهُ (p-٥٧)النَّبِيُّ ﷺ: ”اتَّقِ اللَّهَ وأمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ“ . قالَ: والنَّبِيُّ ﷺ يُحِبُّ أنْ يُطَلِّقَها، ويَخْشى قالَةَ النّاسِ إنْ أمَرَهُ بِطَلاقِها، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وتُخْفِي في نَفْسِكَ ما اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾ قالَ: كانَ يُخْفِي في نَفْسِهِ ودَّ أنَّهُ طَلَّقَها. قالَ: قالَ الحَسَنُ: ما أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ آيَةٌ كانَتْ أشَدَّ عَلَيْهِ مِنها، ولَوْ كانَ كاتِمًا شَيْئًا مِنَ الوَحْيِ لَكَتَمَها. ﴿وتَخْشى النّاسَ﴾ قالَ: خَشِيَ النَّبِيُّ ﷺ قالَةَ النّاسِ. ﴿فَلَمّا قَضى زَيْدٌ مِنها وطَرًا﴾ فَلَمّا طَلَّقَها زَيْدٌ ﴿زَوَّجْناكَها﴾ . فَكانَتْ تَفْخَرُ عَلى نِساءِ النَّبِيِّ ﷺ تَقُولُ: أمّا أنْتُنَّ فَزَوَّجَكُنَّ آباؤُكُنَّ، وأمّا أنا فَزَوَّجَنِي ذُو العَرْشِ، ﴿لِكَيْ لا يَكُونَ عَلى المُؤْمِنِينَ حَرَجٌ في أزْواجِ أدْعِيائِهِمْ إذا قَضَوْا مِنهُنَّ وطَرًا﴾ . أيْ: إذا طَلَّقُوهُنَّ، وكانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ تَبَنّى زَيْدَ بْنَ حارِثَةَ، ﴿ما كانَ عَلى النَّبِيِّ مِن حَرَجٍ فِيما فَرَضَ اللَّهُ لَهُ﴾: أحَلَّ اللَّهُ لَهُ: ﴿سُنَّةَ اللَّهِ في الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ﴾ يَقُولُ: كَما هَوى داوُدُ النَّبِيُّ المَرْأةَ الَّتِي نَظَرَ إلَيْها فَهَوِيَها فَتَزَوَّجَها، كَذَلِكَ قَضى اللَّهُ لِمُحَمَّدٍ تَزَوُّجَ زَيْنَبَ، كَما كانَ سُنَّةُ اللَّهِ في داوُدَ في تَزَوُّجِهِ تِلْكَ المَرْأةَ، ﴿وكانَ أمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا﴾ في أمْرِ زَيْنَبَ» . (p-٥٨)وأخْرَجَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في ”الدَّلائِلِ“ عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدِ بْنِ جُدْعانَ قالَ: قالَ لِي عَلِيُّ بْنُ الحُسَيْنِ: ما يَقُولُ الحَسَنُ في قَوْلِهِ: ﴿وتُخْفِي في نَفْسِكَ ما اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾ فَقُلْتُ لَهُ. . . فَقالَ: لا، ولَكِنَّ اللَّهَ أعْلَمَ نَبِيَّهُ ﷺ أنَّ زَيْنَبَ سَتَكُونُ مِن أزْواجِهِ قَبْلَ أنْ يَتَزَوَّجَها، فَلَمّا أتاهُ زَيْدٌ يَشْكُوها إلَيْهِ قالَ: ”اتَّقِ اللَّهَ وأمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ“ . فَقالَ: قَدْ أخْبَرْتُكَ أنِّي مُزَوِّجُكَها، ﴿وتُخْفِي في نَفْسِكَ ما اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾ . وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ في قَوْلِهِ: ﴿ما كانَ عَلى النَّبِيِّ مِن حَرَجٍ فِيما فَرَضَ اللَّهُ لَهُ سُنَّةَ اللَّهِ في الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ﴾ . قالَ: يَعْنِي: يَتَزَوَّجُ مِنَ النِّساءِ ما شاءَ، هَذا فَرِيضَةٌ وكانَ مَن كانَ مِنَ الأنْبِياءِ هَذا سُنَّتُهُمْ؛ قَدْ كانَ لِسُلَيْمانَ بْنِ داوُدَ ألْفُ امْرَأةٍ، وكانَ لِداوُدَ مِائَةُ امْرَأةٍ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، والطَّبَرانِيُّ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ في قَوْلِهِ: ﴿سُنَّةَ اللَّهِ في الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ﴾ قالَ: داوُدَ والمَرْأةِ الَّتِي نَكَحَ وزَوْجِها، واسْمُها اليسيه فَذَلِكَ سُنَّةٌ في مُحَمَّدٍ وزَيْنَبَ، ﴿وكانَ أمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا﴾: كَذَلِكَ مِن سُنَّتِهِ؛ في داوُدَ والمَرْأةِ، والنَّبِيِّ ﷺ وزَيْنَبَ. (p-٥٩)وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في ”سُنَنِهِ“ عَنْ أبِي سَعِيدٍ قالَ: لا نِكاحَ إلّا بِوَلِيٍّ وشُهُودٍ ومَهْرٍ؛ إلّا ما كانَ لِلنَّبِيِّ ﷺ . وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ والبَيْهَقِيُّ في ”سُنَنِهِ“، وابْنُ عَساكِرَ، مِن طَرِيقِ الكُمَيْتِ بْنِ زَيْدٍ الأسَدِيِّ قالَ: حَدَّثَنِي مَذْكُورٌ مَوْلى زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ قالَتْ: «خَطَبَنِي عِدَّةٌ مِن أصْحابِ النَّبِيِّ ﷺ فَأرْسَلْتُ إلَيْهِ أخِي، تُشاوِرُهُ في ذَلِكَ، قالَ: ”فَأيْنَ هي مِمَّنْ يُعَلِّمُها كِتابَ رَبِّها وسُنَّةَ نَبِيِّها؟ قالَتْ: مَن؟ قالَ: زَيْدُ بْنُ حارِثَةَ، فَغَضِبَتْ وقالَتْ: تُزَوِّجُ بِنْتَ عَمَّتِكَ مَوْلاكَ؟! ثُمَّ أتَتْنِي فَأخْبَرَتْنِي بِذَلِكَ، فَقُلْتُ أشَدَّ مِن قَوْلِها، وغَضِبْتُ أشَدَّ مِن غَضَبِها، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وما كانَ لِمُؤْمِنٍ ولا مُؤْمِنَةٍ إذا قَضى اللَّهُ ورَسُولُهُ أمْرًا أنْ يَكُونَ لَهُمُ الخِيَرَةُ مِن أمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٣٦] . فَأرْسَلْتُ إلَيْهِ: زَوِّجْنِي مَن شِئْتَ. فَزَوَّجَنِي مِنهُ، فَأخَذْتُهُ بِلِسانِي، فَشَكانِي إلى النَّبِيِّ ﷺ فَقالَ لَهُ: إذَنْ طَلِّقْها. فَطَلَّقَنِي فَبَتَّ طَلاقِي، فَلَمّا انْقَضَتْ عِدَّتِي لَمْ أشْعُرْ إلّا والنَّبِيُّ ﷺ وأنا مَكْشُوفَةُ الشَّعَرِ، فَقُلْتُ: هَذا أمْرٌ مِنَ السَّماءِ؛ دَخَلْتَ يا رَسُولَ اللَّهِ بِلا خِطْبَةٍ ولا شَهادَةٍ! قالَ: (p-٦٠)اللَّهُ المُزَوِّجُ وجِبْرِيلُ الشّاهِدُ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿وإذْ تَقُولُ لِلَّذِي أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ﴾ الآيَةَ. قالَ: «بَلَغَنا أنَّ هَذِهِ الآيَةَ أُنْزِلَتْ في زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ، وكانَتْ أُمُّها أُمَيْمَةَ بِنْتَ عَبْدِ المُطَّلِبِ عَمَّةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأرادَ أنْ يُزَوِّجَها زَيْدَ بْنَ حارِثَةَ فَكَرِهَتْ ذَلِكَ، ثُمَّ إنَّها رَضِيَتْ بِما صَنَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَزَوَّجَها إيّاهُ، ثُمَّ أعْلَمَ اللَّهُ نَبِيَّهُ بَعْدُ أنَّها مِن أزْواجِهِ، فَكانَ يَسْتَحْيِي أنْ يَأْمُرَ زَيْدَ بْنَ حارِثَةَ بِطَلاقِها، وكانَ لا يَزالُ يَكُونُ بَيْنَ زَيْدٍ وزَيْنَبَ بَعْضُ ما يَكُونُ بَيْنَ النّاسِ، فَيَأْمُرُهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنْ يُمْسِكَ عَلَيْهِ زَوْجَهُ وأنْ يَتَّقِيَ اللَّهَ، وكانَ يَخْشى النّاسَ أنْ يَعِيبُوا عَلَيْهِ، أنْ يَقُولُوا: تَزَوَّجَ امْرَأةَ ابْنِهِ. وكانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَدْ تَبَنّى زَيْدًا» . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ عِكْرِمَةَ، «أنَّ النَّبِيُّ ﷺ اشْتَرى زَيْدَ بْنَ حارِثَةَ في الجاهِلِيَّةِ مِن عُكاظٍ عَلى امْرَأتِهِ خَدِيجَةَ، فاتَّخَذَهُ ولَدًا، فَلَمّا بَعَثَ اللَّهُ نَبِيَّهُ، مَكَثَ ما شاءَ اللَّهُ أنْ يَمْكُثَ، ثُمَّ أرادَ أنْ يُزَوِّجَهُ زَيْنَبَ بِنْتَ جَحْشٍ فَكَرِهَتْ ذَلِكَ فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وما كانَ لِمُؤْمِنٍ ولا مُؤْمِنَةٍ إذا قَضى اللَّهُ ورَسُولُهُ أمْرًا أنْ يَكُونَ لَهُمُ الخِيَرَةُ مِن أمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٣٦] فَقِيلَ لَها: إنْ شِئْتِ اللَّهَ ورَسُولَهُ، وإنْ شِئْتِ ضَلالًا مُبِينًا. فَقالَتْ: بَلِ اللَّهَ ورَسُولَهُ، فَزَوَّجَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنها فَمَكَثَ (p-٦١)ما شاءَ اللَّهُ أنْ يَمْكُثَ، ثُمَّ إنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَخَلَ يَوْمًا بَيْتَ زَيْدٍ فَرَآها وهي بِنْتُ عَمَّتِهِ، فَكَأنَّها وقَعَتْ في نَفْسِهِ. قالَ عِكْرِمَةُ: فَأنْزَلَ اللَّهُ، ﴿وإذْ تَقُولُ لِلَّذِي أنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ﴾ . قالَ عِكْرِمَةُ أنْعَمَ اللَّهُ عَلى زَيْدٍ بِالإسْلامِ، ﴿وأنْعَمْتَ عَلَيْهِ﴾ يا مُحَمَّدُ بِالعِتْقِ، ﴿أمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ واتَّقِ اللَّهَ وتُخْفِي في نَفْسِكَ ما اللَّهُ مُبْدِيهِ وتَخْشى النّاسَ واللَّهُ أحَقُّ أنْ تَخْشاهُ﴾ . قالَ: عِكْرِمَةُ: فَكانَ النّاسُ يَقُولُونَ مِن شِدَّةِ ما يَرَوْنَ مِن حُبِّ النَّبِيِّ ﷺ لِزَيْدٍ: إنَّهُ ابْنُهُ. فَأرادَ اللَّهُ أمْرًا، قالَ اللَّهُ: ﴿فَلَمّا قَضى زَيْدٌ مِنها وطَرًا زَوَّجْناكَها﴾ يا مُحَمَّدُ، ﴿لِكَيْ لا يَكُونَ عَلى المُؤْمِنِينَ حَرَجٌ في أزْواجِ أدْعِيائِهِمْ﴾ . وأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿ما كانَ مُحَمَّدٌ أبا أحَدٍ مِن رِجالِكم ولَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وخاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ فَلَمّا طَلَّقَها زَيْدٌ تَزَوَّجَها النَّبِيُّ ﷺ فَعِنْدَها قالُوا: لَوْ كانَ زَيْدٌ ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ ما تَزَوَّجَ امْرَأةَ ابْنِهِ» . وأخْرَجَ الحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَحْشٍ قالَ: تَفاخَرَتْ زَيْنَبُ وعائِشَةُ؛ فَقالَتْ زَيْنَبُ: أنا الَّذِي نَزَلَ تَزْوِيجِي مِنَ السَّماءِ، وقالَتْ عائِشَةُ: أنا نَزَلَ عُذْرِي مِنَ السَّماءِ في كِتابِهِ حِينَ حَمَلَنِي ابْنُ المُعَطَّلِ عَلى الرّاحِلَةِ، فَقالَتْ لَها زَيْنَبُ: ما قُلْتِ حِينَ رَكِبْتِيها؟ قالَتْ: قُلْتُ: حَسْبِيَ اللَّهُ ونِعْمَ الوَكِيلُ. قالَتْ: قُلْتِ كَلِمَةَ المُؤْمِنِينَ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿ما كانَ مُحَمَّدٌ أبا أحَدٍ مِن (p-٦٢)رِجالِكُمْ﴾ قالَ: نَزَلَتْ في زَيْدِ بْنِ حارِثَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ عَساكِرَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنِ في قَوْلِهِ: ﴿ما كانَ مُحَمَّدٌ أبا أحَدٍ مِن رِجالِكُمْ﴾ قالَ: نَزَلَتْ في زَيْدِ بْنِ حارِثَةَ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿ما كانَ مُحَمَّدٌ أبا أحَدٍ مِن رِجالِكُمْ﴾ قالَ: نَزَلَتْ في زَيْدٍ؛ أيْ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ بِابْنِهِ ولَعَمْرِي لَقَدْ وُلِدَ لَهُ ذُكُورٌ، إنَّهُ لَأبُو القاسِمِ وإبْراهِيمَ والطَّيِّبِ والمُطَهَّرِ. وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ عَنِ الشَّعْبِيِّ في قَوْلِهِ: ﴿ما كانَ مُحَمَّدٌ أبا أحَدٍ مِن رِجالِكُمْ﴾ قالَ: ما كانَ لِيَعِيشَ لَهُ فِيكم ولَدٌ ذَكَرٌ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿ولَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وخاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ قالَ: آخِرَ نَبِيٍّ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿وخاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ . قالَ: خَتَمَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ بِمُحَمَّدٍ، وكانَ آخِرَ مَن بُعِثَ. (p-٦٣)وأخْرَجَ أحْمَدُ، ومُسْلِمٌ، عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَثَلِي ومَثَلُ النَّبِيِّينَ كَمَثَلِ رَجُلٍ بَنى دارًا فَأتَمَّها إلّا لَبِنَةً واحِدَةً، فَجِئْتُ أنا فَأتْمَمْتُ تِلْكَ اللَّبِنَةَ» . وأخْرَجَ البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ، والتِّرْمِذِيُّ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنْ جابِرٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَثَلِي ومَثَلُ الأنْبِياءِ كَمَثَلِ رَجُلٍ بَنى دارًا فَأكْمَلَها وأحْسَنَها إلّا مَوْضِعَ لَبِنَةٍ فَكانَ مَن دَخَلَها فَنَظَرَ إلَيْها قالَ: ما أحْسَنَها إلّا مَوْضِعَ اللَّبِنَةِ. فَأنا مَوْضِعُ اللَّبِنَةِ؛ خُتِمَ بِيَ الأنْبِياءُ» . وأخْرَجَ أحْمَدُ، والبُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ، أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «مَثَلِي ومَثَلُ الأنْبِياءِ مِن قَبْلِي كَمَثَلِ رَجُلٍ بَنى بُنْيانًا فَأحْسَنَهُ وأجْمَلَهُ إلّا مَوْضِعَ لَبِنَةٍ مِن زاوِيَةٍ مِن زَواياها، فَجَعَلَ النّاسُ يَطُوفُونَ بِهِ ويَتَعَجَّبُونَ لَهُ ويَقُولُونَ: هَلّا وُضِعَتْ هَذِهِ اللَّبِنَةُ؟ فَأنا اللَّبِنَةُ، وأنا خاتَمُ النَّبِيِّينَ» . وأخْرَجَ أحْمَدُ، والتِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «مَثَلِي في النَّبِيِّينَ كَمَثَلِ رَجُلٍ بَنى دارًا، فَأحْسَنَها وأكْمَلَها وأجْمَلَها وتَرَكَ (p-٦٤)فِيها مَوْضِعَ لَبِنَةٍ لَمْ يَضَعْها، فَجَعَلَ النّاسُ يَطُوفُونَ بِالبُنْيانِ ويَعْجَبُونَ مِنهُ، ويَقُولُونَ: لَوْ تَمَّ مَوْضِعُ هَذِهِ اللَّبِنَةِ، فَأنا في النَّبِيِّينَ مَوْضِعُ تِلْكَ اللَّبِنَةِ» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ عَنْ ثَوْبانَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إنَّهُ سَيَكُونُ في أُمَّتِي كَذّابُونَ ثَلاثُونَ، كُلُّهم يَزْعُمُ أنَّهُ نَبِيٌّ، وأنا خاتَمُ النَّبِيِّينَ لا نَبِيَّ بَعْدِي» . وأخْرَجَ أحْمَدُ عَنْ حُذَيْفَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «فِي أُمَّتِي كَذّابُونَ ودَجّالُونَ سَبْعَةٌ وعِشْرُونَ، مِنهم أرْبَعُ نِسْوَةٍ، وإنِّي خاتَمُ النَّبِيِّينَ لا نَبِيَّ بَعْدِي» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: قُولُوا: خاتَمَ النَّبِيِّينَ، ولا تَقُولُوا: لا نَبِيَّ بَعْدَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنِ الشَّعْبِيِّ قالَ: قالَ رَجُلٌ عِنْدَ المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ: صَلّى اللَّهُ عَلى مُحَمَّدٍ خاتَمِ الأنْبِياءِ لا نَبِيَّ بَعْدَهُ. فَقالَ المُغِيرَةُ: حَسْبُكَ إذا قُلْتَ: خاتَمَ الأنْبِياءِ، فَإنّا كُنّا نُحَدِّثُ أنَّ عِيسى خارِجٌ، فَإنْ هو خَرَجَ فَقَدْ كانَ قَبْلَهُ وبَعْدَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ الأنْبارِيِّ في“المَصاحِفِ" عَنْ أبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ قالَ: كُنْتُ أُقْرِئُ الحَسَنَ والحُسَيْنَ، فَمَرَّ بِي عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ وأنا (p-٦٥)أُقْرِئُهُما: ﴿وخاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ فَقالَ لِي: أقْرِئْهُما: وخاتَمَ النَّبِيِّينَ، بِفَتْحِ التّاءِ.

الأحزاب 33:41

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا﴾ أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا﴾ . يَقُولُ: لا يَفْرِضُ عَلى عِبادِهِ فَرِيضَةً إلّا جَعَلَ لَها حَدًّا مَعْلُومًا، ثُمَّ عَذَرَ أهْلَها في حالِ عُذْرٍ، غَيْرَ الذِّكْرِ فَإنَّ اللَّهَ لَمْ يَجْعَلْ لَهُ حَدًّا يُنْتَهى إلَيْهِ، ولَمْ يَعْذِرْ أحَدًا في تَرْكِهِ إلّا مَغْلُوبًا عَلى عَقْلِهِ، فَقالَ: اذْكُرُوا اللَّهَ قِيامًا وقُعُودًا وعَلى جُنُوبِكم بِاللَّيْلِ والنَّهارِ في البَرِّ والبَحْرِ، في السَّفَرِ والحَضَرِ، في الغِنى والفَقْرِ، والصِّحَّةِ والسَّقَمِ، والسِّرِّ والعَلانِيَةِ، وعَلى كُلِّ حالٍ، وقالَ: ﴿وسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وأصِيلا﴾ [الأحزاب: ٤٢] فَإذا فَعَلْتُمْ ذَلِكَ صَلّى عَلَيْكم هو ومَلائِكَتُهُ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكم ومَلائِكَتُهُ﴾ [الأحزاب: ٤٣] . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُقاتِلٍ في قَوْلِهِ: ﴿اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا﴾ . قالَ: بِاللِّسانِ؛ بِالتَّسْبِيحِ، والتَّكْبِيرِ، والتَّهْلِيلِ، والتَّحْمِيدِ، واذْكُرُوهُ عَلى كُلِّ حالٍ: ﴿وسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وأصِيلا﴾ [الأحزاب: ٤٢] يَقُولُ: صَلُّوا لِلَّهِ، بُكْرَةً: بِالغَداةِ، وأصِيلًا: بِالعَشِيِّ. وأخْرَجَ أحْمَدُ، والتِّرْمِذِيُّ، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ، «أنَّ (p-٦٦)رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سُئِلَ: أيُّ العِبادِ أفْضَلُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ القِيامَةِ؟ قالَ: ”الذّاكِرُونَ اللَّهَ كَثِيرًا“ . قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ، ومَنِ الغازِي في سَبِيلِ اللَّهِ؟ قالَ: لَوْ ضَرَبَ بِسَيْفِهِ في الكُفّارِ والمُشْرِكِينَ حَتّى يَنْكَسِرَ ويَخْتَضِبَ دَمًا، لَكانَ الذّاكِرُونَ اللَّهَ أفْضَلَ مِنهُ دَرَجَةً» . وأخْرَجَ أحْمَدُ ومُسْلِمٌ والتِّرْمِذِيُّ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «سَبَقَ المُفَرِّدُونَ. قالُوا: وما المُفَرِّدُونَ يا رَسُولَ اللَّهِ؟ قالَ: الذّاكِرُونَ اللَّهَ كَثِيرًا» . وأخْرَجَ أحْمَدُ والطَّبَرانِيُّ عَنْ مُعاذٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، «أنَّ رَجُلًا سَألَهُ فَقالَ: أيُّ المُجاهِدِينَ أعْظَمُ أجْرًا؟ قالَ: أكْثَرُهم لِلَّهِ ذِكْرًا. قالَ: فَأيُّ الصّائِمِينَ أعْظَمُ أجْرًا؟ قالَ: أكْثَرُهم لِلَّهِ ذِكْرًا، ثُمَّ ذَكَرَ الصَّلاةَ والزَّكاةَ والحَجَّ والصَّدَقَةَ، كُلُّ ذَلِكَ ورَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: أكْثَرُهم لِلَّهِ ذِكْرًا. فَقالَ أبُو بَكْرٍ لِعُمَرَ: يا أبا حَفْصٍ، ذَهَبَ الذّاكِرُونَ بِكُلِّ خَيْرٍ. فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أجَلْ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ مَرْدُويَهْ عَنْ مُعاذِ بْنِ جَبَلٍ قالَ: «بَيْنَما نَحْنُ (p-٦٧)نَسِيرُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِالدُّفِّ بَيْنَ جُمْدانَ، قالَ: يا مُعاذُ، أيْنَ السّابِقُونَ؟ قُلْتُ: مَضى ناسٌ وتَخَلَّفَ ناسٌ، قالَ: أيْنَ السّابِقُونَ الَّذِينَ يُسْتَهْتَرُونَ بِذِكْرِ اللَّهِ؟ مَن أحَبَّ أنْ يَرْتَعَ في رِياضِ الجَنَّةِ فَلْيُكْثِرْ ذِكْرَ اللَّهِ» . وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ «عَنْ أُمِّ أنَسٍ، أنَّها قالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ أوْصِنِي. قالَ: اهْجُرِي المَعاصِيَ، فَإنَّها أفْضَلُ الهِجْرَةِ، وحافِظِي عَلى الفَرائِضِ؛ فَإنَّها أفْضَلُ الجِهادِ، وأكْثِرِي مِن ذِكْرِ اللَّهِ؛ فَإنَّكِ لا تَأْتِينَ اللَّهَ بِشَيْءٍ أحَبَّ إلَيْهِ مِن كَثْرَةِ ذِكْرِهِ» . وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ في ”الأوْسَطِ“ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَن لَمْ يُكْثِرْ ذِكْرَ اللَّهِ فَقَدْ بَرِئَ مِنَ الإيمانِ» . وأخْرَجَ أحْمَدُ، وأبُو يَعْلى، وابْنُ حِبّانَ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ، (p-٦٨)عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ، أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «أكْثِرُوا ذِكْرَ اللَّهِ حَتّى يَقُولُوا: مَجْنُونٌ» . وأخْرَجَ الطَّبَرانِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا حَتّى يَقُولَ المُنافِقُونَ: إنَّكُمِ تُراءُونَ» . وأخْرَجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ في زَوائِدِ ”الزُّهْدِ“ عَنْ أبِي الجَوْزاءِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أكْثِرُوا مِن ذِكْرِ اللَّهِ حَتّى يَقُولَ المُنافِقُونَ: إنَّكم مُراءُونَ» .

الأحزاب 33:42

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وأصِيلا﴾ أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وأصِيلا﴾ . قالَ: صَلاةُ الصُّبْحِ، وصَلاةُ العَصْرِ. (p-٦٩)وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ أبِي العالِيَةِ في قَوْلِهِ: ﴿وأصِيلا﴾ قالَ: صَلاةُ العَصْرِ. وأخْرَجَ أحْمَدُ في ”الزُّهْدِ“ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِيما يَذْكُرُ عَنْ رَبِّهِ تَبارَكَ وتَعالى: «”ابْنَ آدَمَ اذْكُرْنِي بَعْدَ الفَجْرِ وبَعْدَ العَصْرِ ساعَةً أكْفِكَ ما بَيْنَهُما“» . وأخْرَجَ أحْمَدُ عَنْ أبِي أُمامَةَ، أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «لَأنْ أقْعُدَ أذْكُرُ اللَّهَ وأُكَبِّرُهُ وأحْمَدُهُ وأُسَبِّحُهُ وأُهَلِّلُهُ حَتّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، أحَبُّ إلَيَّ مِن أنْ أُعْتِقَ رَقَبَتَيْنِ أوْ أكْثَرَ مِن ولَدِ إسْماعِيلَ، ومِن بَعْدِ العَصْرِ حَتّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ أحَبُّ إلَيَّ مِن أنْ أُعْتِقَ أرْبَعَ رِقابٍ مِن ولَدِ إسْماعِيلَ» . وأخْرَجَ أحْمَدُ والطَّبَرانِيُّ والحاكِمُ وتُعُقِّبَ، عَنْ أبِي الدَّرْداءِ، أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «لا يَدَعْ رَجُلٌ مِنكم أنْ يَعْمَلَ لِلَّهِ ألْفَ حَسَنَةٍ؛ حِينَ يُصْبِحُ يَقُولُ: سُبْحانَ اللَّهِ وبِحَمْدِهِ مِائَةَ مَرَّةٍ؛ فَإنَّها ألْفُ حَسَنَةٍ، فَإنَّهُ لَنْ يَعْمَلَ -إنْ شاءَ اللَّهُ- مِثْلَ ذَلِكَ في يَوْمِهِ مِنَ الذُّنُوبِ، ويَكُونُ ما عَمِلَ مِن خَيْرٍ سِوى ذَلِكَ وافِرًا» . (p-٧٠)وأخْرَجَ أحْمَدُ، والطَّبَرانِيُّ، عَنْ مُعاذِ بْنِ أنَسٍ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ قالَ: «”مَن قالَ: سُبْحانَ اللَّهِ العَظِيمِ. نَبَتَ لَهُ غَرْسٌ في الجَنَّةِ، ومَن قَرَأ القُرْآنَ فَأكْمَلَهُ وعَمِلَ بِما فِيهِ ألْبَسَ اللَّهُ والِدَيْهِ يَوْمَ القِيامَةِ تاجًا ضَوْءُهُ أحْسَنُ مِن ضَوْءِ القَمَرِ“» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «”عَلَيْكم بِقَوْلِ: سُبْحانَ اللَّهِ العَظِيمِ وبِحَمْدِهِ؛ إنَّهُما لَقَرِينَتانِ“» . وأخْرَجَ ابْنُ أبَيِ شَيْبَةَ عَنْ جابِرٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَن قالَ سُبْحانَ اللَّهِ العَظِيمِ غُرِسَ لَهُ نَخْلَةٌ –أوْ شَجَرَةٌ- في الجَنَّةِ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وأحْمَدُ والبُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، والتِّرْمِذِيُّ، وابْنُ ماجَهْ، وابْنُ حِبّانَ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَن قالَ في يَوْمٍ (p-٧١)مِائَةَ مَرَّةٍ: سُبْحانَ اللَّهِ وبِحَمْدِهِ. حُطَّتْ خَطاياهُ ولَوْ كانَتْ مِثْلَ زَبَدِ البَحْرِ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنْ هِلالِ بْنِ يَسافٍ قالَ: كانَتِ امْرَأةٌ مِن هَمْدانَ تُسَبِّحُ وتُحْصِيهِ بِالحَصى أوِ النَّوى، فَقالَ لَها عَبْدُ اللَّهِ: ألا أدُلُّكَ عَلى خَيْرٍ مِن ذَلِكَ؟ تَقُولِينَ: اللَّهُ أكْبَرُ كَبِيرًا، وسُبْحانَ اللَّهِ بُكْرَةً وأصِيلًا. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ وأحْمَدُ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، ومُسْلِمٌ، والتِّرْمِذِيُّ، وابْنُ حِبّانَ، عَنْ سَعْدٍ قالَ: «كُنّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: أيَعْجِزُ أحَدُكم أنْ يَكْسِبَ في اليَوْمِ ألْفَ حَسَنَةٍ؟ فَقالَ رَجُلٌ: كَيْفَ يَكْسِبُ أحَدُنا ألْفَ حَسَنَةٍ؟ قالَ: يُسَبِّحُ اللَّهَ مِائَةَ تَسْبِيحَةٍ، فَيُكْتَبُ لَهُ ألْفُ حَسَنَةٍ، ويُحَطُّ عَنْهُ ألْفُ خَطِيئَةٍ» .

الأحزاب 33:43

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ﴾ الآيَةَ. أخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ: ﴿إنَّ اللَّهَ ومَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلى النَّبِيِّ﴾ [الأحزاب: ٥٦] الآيَةَ. قالَ أبُو بَكْرٍ: يا رَسُولَ اللَّهِ، ما أنْزَلَ اللَّهُ (p-٧٢)عَلَيْكَ خَيْرًا إلّا أشْرَكَنا فِيهِ فَنَزَلَتْ: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكم ومَلائِكَتُهُ﴾ [الأحزاب»: ٤٣] . وأخْرَجَ الحاكِمُ والبَيْهَقِيُّ في ”الدَّلائِلِ“، عَنْ سُلَيْمِ بْنِ عامِرٍ قالَ: جاءَ رَجُلٌ إلى أبِي أُمامَةَ فَقالَ: إنِّي رَأيْتُ في مَنامِي أنَّ المَلائِكَةَ تُصَلِّي عَلَيْكَ كُلَّما دَخَلْتَ، وكُلَّما خَرَجْتَ، وكُلَّما قُمْتَ، وكُلَّما جَلَسْتَ! قالَ: وأنْتُمْ لَوْ شِئْتُمْ صَلَّتْ عَلَيْكُمُ المَلائِكَةُ، ثُمَّ قَرَأ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤١] الآيَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي العالِيَةِ في قَوْلِهِ: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكم ومَلائِكَتُهُ﴾ قالَ: صَلاةُ اللَّهِ: ثَناؤُهُ، وصَلاةُ المَلائِكَةِ الدُّعاءُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: صَلاةُ الرَّبِّ الرَّحْمَةُ، وصَلاةُ المَلائِكَةِ الِاسْتِغْفارُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ في قَوْلِهِ: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكم ومَلائِكَتُهُ﴾ . قالَ: اللَّهُ يَغْفِرُ لَكُمْ، وتَسْتَغْفِرُ لَكم مَلائِكَتُهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سُفْيانَ، أنَّهُ سُئِلَ عَنْ قَوْلِهِ: اللَّهُمَّ صِلِّ عَلى مُحَمَّدٍ، وعَلى آلِ مُحَمَّدٍ، كَما صَلَّيْتَ عَلى إبْراهِيمَ وعَلى آلِ إبْراهِيمَ. قالَ: أكْرَمَ اللَّهُ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ ﷺ، فَصَلّى عَلَيْهِمْ كَما صَلّى عَلى الأنْبِياءِ فَقالَ: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكم ومَلائِكَتُهُ﴾ . (p-٧٣)وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنِ الحَسَنِ في قَوْلِهِ: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكم ومَلائِكَتُهُ﴾ . قالَ: إنَّ بَنِي إسْرائِيلَ سَألُوا مُوسى: هَلْ يُصَلِّي رَبُّكَ؟ فَكَأنَّ ذَلِكَ كَبُرَ في صَدْرِ مُوسى، فَأوْحى اللَّهُ إلَيْهِ: أخْبِرْهم أنِّي أُصَلِّي، وأنَّ صَلاتِي: إنَّ رَحْمَتِي سَبَقَتْ غَضَبِي. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ قالَ: إذا قالَ العَبْدُ: سُبْحانَ اللَّهِ، قالَتِ المَلائِكَةُ: وبِحَمْدِهِ، وإذا قالَ: سُبْحانَ اللَّهِ وبِحَمْدِهِ، صَلُّوا عَلَيْهِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ في الآيَةِ قالَ: قالَ بَنُو إسْرائِيلَ: يا مُوسى، سَلْ لَنا رَبَّكَ: هَلْ يُصَلِّي؟ فَتَعاظَمَ ذَلِكَ عَلَيْهِ، فَقالَ: يا مُوسى، ما يَسْألُكَ قَوْمُكَ؟ فَأخْبَرَهُ، قالَ: نَعَمْ، أخْبِرْهم أنِّي أُصَلِّي، وأنَّ صَلاتِي: إنَّ رَحْمَتِي سَبَقَتْ غَضَبِي، ولَوْلا ذَلِكَ هَلَكُوا. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ عَنْ عَطاءِ بْنِ أبِي رَباحٍ في قَوْلِهِ: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكم ومَلائِكَتُهُ﴾ قالَ: صَلاتُهُ عَلى عِبادِهِ: سُبُّوحٌ قُدُّوسٌ، تَغْلِبُ رَحْمَتِي غَضَبِي. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، مِن طَرِيقِ عَطاءِ بْنِ أبِي رَباحٍ، عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «قُلْتُ لِجِبْرِيلَ: هَلْ يُصَلِّي رَبُّكَ؟ قالَ: (p-٧٤)نَعَمْ، قُلْتُ: وما صَلاتُهُ؟ قالَ: سُبُّوحٌ قُدُّوسٌ، تَغْلِبُ رَحْمَتِي غَضَبِي» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِهِ قالَ لَهُ جِبْرِيلُ: إنَّ رَبَّكَ يُصَلِّي. قالَ: ”يا جِبْرِيلُ كَيْفَ يُصَلِّي؟ قالَ يَقُولُ: سُبُّوحٌ قُدُّوسٌ، رَبُّ المَلائِكَةِ والرُّوحِ، سَبَقَتْ رَحْمَتِي غَضَبِي“» .

الأحزاب 33:44

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تَحِيَّتُهم يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ﴾ الآيَةَ. أخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿تَحِيَّتُهم يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ﴾، قالَ: تَحِيَّةُ أهْلِ الجَنَّةِ: السَّلامُ، ﴿وأعَدَّ لَهم أجْرًا كَرِيمًا﴾ قالَ: الجَنَّةَ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ في ”المُصَنَّفِ“، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي الدُّنْيا في ”ذِكْرِ المَوْتِ“، وأبُو يَعْلى، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، والبَيْهَقِيُّ في ”شُعَبِ الإيمانِ“ عَنِ البَراءِ بْنِ عازِبٍ في قَوْلِهِ: ﴿تَحِيَّتُهم يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ﴾ قالَ: يَوْمَ يَلْقَوْنَ مَلَكَ المَوْتِ، لَيْسَ مِن مُؤْمِنٍ يَقْبِضُ رُوحَهُ إلّا سَلَّمَ عَلَيْهِ. (p-٧٥)وأخْرَجَ المَرْوَزِيُّ في ”الجَنائِزِ“، وابْنُ أبِي الدُّنْيا وأبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: إذا جاءَ مَلَكُ المَوْتِ لِيَقْبِضَ رُوحَ المُؤْمِنِ قالَ: رَبُّكَ يُقْرِئُكَ السَّلامَ.

الأحزاب 33:45

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ إنّا أرْسَلْناكَ﴾ الآيَةَ. أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدُويَهْ والخَطِيبُ، وابْنُ عَساكِرَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ: ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ إنّا أرْسَلْناكَ شاهِدًا ومُبَشِّرًا ونَذِيرًا﴾ . وقَدْ كانَ أمَرَ عَلِيًّا ومُعاذًا أنْ يَسِيرا إلى اليَمَنِ فَقالَ: ”انْطَلِقا فَبَشِّرا ولا تُنَفِّرا ويَسِّرا ولا تُعَسِّرا؛ فَإنَّهُ قَدْ أُنْزِلَتْ عَلَيَّ: ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ إنّا أرْسَلْناكَ شاهِدًا ومُبَشِّرًا ونَذِيرًا﴾ قالَ: شاهِدًا عَلى أُمَّتِكَ، ومُبَشِّرًا بِالجَنَّةِ، ونَذِيرًا مِنَ النّارِ، ﴿وداعِيًا﴾ إلى شَهادَةِ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، ﴿بِإذْنِهِ وسِراجًا مُنِيرًا﴾ بِالقُرْآنِ» . وأخْرَجَ أحْمَدُ والبُخارِيُّ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في“الدَّلائِلِ”عَنْ عَطاءِ بْنِ يَسارٍ قالَ: لَقِيتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ العاصِ فَقُلْتُ: أخْبِرْنِي عَنْ صِفَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في التَّوْراةِ قالَ: أجَلْ، واللَّهِ إنَّهُ لَمَوْصُوفٌ في التَّوْراةِ بِبَعْضِ صِفَتِهِ في القُرْآنِ: يا أيُّها النَّبِيُّ إنّا أرْسَلْناكَ شاهِدًا ومُبَشِّرًا ونَذِيرًا، وحِرْزًا لِلْأُمِّيِّينَ، أنْتَ عَبْدِي ورَسُولِي، سَمَّيْتُكَ المُتَوَكِّلَ، لَيْسَ بِفَظٍّ ولا غَلِيظٍ، ولا سَخّابٍ في الأسْواقِ، ولا يَجْزِي بِالسَّيِّئَةِ السَّيِّئَةَ، ولَكِنْ يَعْفُو ويَصْفَحُ. (p-٧٦)وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ عَنِ العِرْباضِ بْنِ سارِيَةَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إنِّي عَبْدُ اللَّهِ وخاتَمُ النَّبِيِّينَ وأبِي مُنْجَدِلٌ في طِينَتِهِ، وسَأُخْبِرُكم عَنْ ذَلِكَ، أنا دَعْوَةُ أبِي إبْراهِيمَ، وبِشارَةُ عِيسى، ورُؤْيا أُمِّي الَّتِي رَأتْ، وكَذَلِكَ أُمَّهاتُ النَّبِيِّينَ يَرَيْنَ“ . وإنَّ أُمَّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ رَأتْ حِينَ وضَعَتْهُ نُورًا أضاءَتْ لَهُ قُصُورُ الشّامِ، ثُمَّ تَلا: ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ إنّا أرْسَلْناكَ شاهِدًا ومُبَشِّرًا ونَذِيرًا﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿مُنِيرًا﴾ [الأحزاب»: ٤٦] . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ والحَسَنِ البَصْرِيِّ قالا: «لَمّا نَزَلَتْ: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وما تَأخَّرَ﴾ [الفتح: ٢] [الفَتْحِ: ٢] قالَ رِجالٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ هَنِيئًا لَكَ يا رَسُولَ اللَّهِ، قَدْ عَلِمْنا ما يُفْعَلُ بِكَ، فَماذا يُفْعَلُ بِنا؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ:﴿لِيُدْخِلَ المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ﴾ [الفتح: ٥] الآيَةَ [الفَتْحِ: ٥] . وأنْزَلَ في سُورَةِ ”الأحْزابِ“: ﴿وبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ بِأنَّ لَهم مِنَ اللَّهِ فَضْلا كَبِيرًا﴾ [الأحزاب»: ٤٧] . (p-٧٧)وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في ”الدَّلائِلِ“ عَنِ الرَّبِيعِ عَنْ أنَسٍ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ: ﴿وما أدْرِي ما يُفْعَلُ بِي ولا بِكُمْ﴾ [الأحقاف: ٩] [الأحْقافِ: ٩] . نَزَلَ بَعْدَها: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وما تَأخَّرَ﴾ [الفتح: ٢] [الفَتْحِ: ٢] فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ عَلِمْنا ما يُفْعَلُ بِكَ، فَماذا يُفْعَلُ بِنا؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ بِأنَّ لَهم مِنَ اللَّهِ فَضْلا كَبِيرًا﴾ ! قالَ: الفَضْلُ الكَبِيرُ: الجَنَّةُ» . وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «اجْتَمَعَ عُتْبَةُ، وشَيْبَةُ، وأبُو جَهْلٍ، وغَيْرُهم فَقالُوا: أسْقِطِ السَّماءَ عَلَيْنا كِسَفًا أوِ ائْتِنا بِعَذابٍ ألِيمٍ، أوْ أمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ما ذاكَ إلَيَّ، إنَّما بُعِثْتُ إلَيْكم داعِيًا ومُبَشِّرًا ونَذِيرًا"» . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ إنّا أرْسَلْناكَ شاهِدًا﴾ . قالَ: عَلى أُمَّتِكَ بِالبَلاغِ، ﴿ومُبَشِّرًا﴾: بِالجَنَّةِ، ﴿ونَذِيرًا﴾ مِنَ النّارِ، ﴿وداعِيًا إلى اللَّهِ﴾: إلى شَهادَةِ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، ﴿بِإذْنِهِ﴾ . قالَ: بِأمْرِهِ، ﴿وسِراجًا مُنِيرًا﴾ قالَ: كِتابُ اللَّهِ يَدْعُوهم إلَيْهِ، ﴿وبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ بِأنَّ لَهم مِنَ اللَّهِ فَضْلا كَبِيرًا﴾: وهي الجَنَّةُ، ﴿ولا تُطِعِ الكافِرِينَ والمُنافِقِينَ﴾ قالَ: أمَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ ألّا يُطِيعَ كافِرًا ولا مُنافِقًا ﴿ودَعْ أذاهُمْ﴾ (p-٧٨)قالَ: اصْبِرْ عَلى أذاهم. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ودَعْ أذاهُمْ﴾ . قالَ: أعْرِضْ عَنْهم.

الأحزاب 33:46

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ إنّا أرْسَلْناكَ﴾ الآيَةَ. أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدُويَهْ والخَطِيبُ، وابْنُ عَساكِرَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ: ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ إنّا أرْسَلْناكَ شاهِدًا ومُبَشِّرًا ونَذِيرًا﴾ . وقَدْ كانَ أمَرَ عَلِيًّا ومُعاذًا أنْ يَسِيرا إلى اليَمَنِ فَقالَ: ”انْطَلِقا فَبَشِّرا ولا تُنَفِّرا ويَسِّرا ولا تُعَسِّرا؛ فَإنَّهُ قَدْ أُنْزِلَتْ عَلَيَّ: ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ إنّا أرْسَلْناكَ شاهِدًا ومُبَشِّرًا ونَذِيرًا﴾ قالَ: شاهِدًا عَلى أُمَّتِكَ، ومُبَشِّرًا بِالجَنَّةِ، ونَذِيرًا مِنَ النّارِ، ﴿وداعِيًا﴾ إلى شَهادَةِ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، ﴿بِإذْنِهِ وسِراجًا مُنِيرًا﴾ بِالقُرْآنِ» . وأخْرَجَ أحْمَدُ والبُخارِيُّ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في“الدَّلائِلِ”عَنْ عَطاءِ بْنِ يَسارٍ قالَ: لَقِيتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ العاصِ فَقُلْتُ: أخْبِرْنِي عَنْ صِفَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في التَّوْراةِ قالَ: أجَلْ، واللَّهِ إنَّهُ لَمَوْصُوفٌ في التَّوْراةِ بِبَعْضِ صِفَتِهِ في القُرْآنِ: يا أيُّها النَّبِيُّ إنّا أرْسَلْناكَ شاهِدًا ومُبَشِّرًا ونَذِيرًا، وحِرْزًا لِلْأُمِّيِّينَ، أنْتَ عَبْدِي ورَسُولِي، سَمَّيْتُكَ المُتَوَكِّلَ، لَيْسَ بِفَظٍّ ولا غَلِيظٍ، ولا سَخّابٍ في الأسْواقِ، ولا يَجْزِي بِالسَّيِّئَةِ السَّيِّئَةَ، ولَكِنْ يَعْفُو ويَصْفَحُ. (p-٧٦)وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ عَنِ العِرْباضِ بْنِ سارِيَةَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إنِّي عَبْدُ اللَّهِ وخاتَمُ النَّبِيِّينَ وأبِي مُنْجَدِلٌ في طِينَتِهِ، وسَأُخْبِرُكم عَنْ ذَلِكَ، أنا دَعْوَةُ أبِي إبْراهِيمَ، وبِشارَةُ عِيسى، ورُؤْيا أُمِّي الَّتِي رَأتْ، وكَذَلِكَ أُمَّهاتُ النَّبِيِّينَ يَرَيْنَ“ . وإنَّ أُمَّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ رَأتْ حِينَ وضَعَتْهُ نُورًا أضاءَتْ لَهُ قُصُورُ الشّامِ، ثُمَّ تَلا: ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ إنّا أرْسَلْناكَ شاهِدًا ومُبَشِّرًا ونَذِيرًا﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿مُنِيرًا﴾ [الأحزاب»: ٤٦] . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ والحَسَنِ البَصْرِيِّ قالا: «لَمّا نَزَلَتْ: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وما تَأخَّرَ﴾ [الفتح: ٢] [الفَتْحِ: ٢] قالَ رِجالٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ هَنِيئًا لَكَ يا رَسُولَ اللَّهِ، قَدْ عَلِمْنا ما يُفْعَلُ بِكَ، فَماذا يُفْعَلُ بِنا؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ:﴿لِيُدْخِلَ المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ﴾ [الفتح: ٥] الآيَةَ [الفَتْحِ: ٥] . وأنْزَلَ في سُورَةِ ”الأحْزابِ“: ﴿وبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ بِأنَّ لَهم مِنَ اللَّهِ فَضْلا كَبِيرًا﴾ [الأحزاب»: ٤٧] . (p-٧٧)وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في ”الدَّلائِلِ“ عَنِ الرَّبِيعِ عَنْ أنَسٍ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ: ﴿وما أدْرِي ما يُفْعَلُ بِي ولا بِكُمْ﴾ [الأحقاف: ٩] [الأحْقافِ: ٩] . نَزَلَ بَعْدَها: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وما تَأخَّرَ﴾ [الفتح: ٢] [الفَتْحِ: ٢] فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ عَلِمْنا ما يُفْعَلُ بِكَ، فَماذا يُفْعَلُ بِنا؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ بِأنَّ لَهم مِنَ اللَّهِ فَضْلا كَبِيرًا﴾ ! قالَ: الفَضْلُ الكَبِيرُ: الجَنَّةُ» . وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «اجْتَمَعَ عُتْبَةُ، وشَيْبَةُ، وأبُو جَهْلٍ، وغَيْرُهم فَقالُوا: أسْقِطِ السَّماءَ عَلَيْنا كِسَفًا أوِ ائْتِنا بِعَذابٍ ألِيمٍ، أوْ أمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ما ذاكَ إلَيَّ، إنَّما بُعِثْتُ إلَيْكم داعِيًا ومُبَشِّرًا ونَذِيرًا"» . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ إنّا أرْسَلْناكَ شاهِدًا﴾ . قالَ: عَلى أُمَّتِكَ بِالبَلاغِ، ﴿ومُبَشِّرًا﴾: بِالجَنَّةِ، ﴿ونَذِيرًا﴾ مِنَ النّارِ، ﴿وداعِيًا إلى اللَّهِ﴾: إلى شَهادَةِ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، ﴿بِإذْنِهِ﴾ . قالَ: بِأمْرِهِ، ﴿وسِراجًا مُنِيرًا﴾ قالَ: كِتابُ اللَّهِ يَدْعُوهم إلَيْهِ، ﴿وبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ بِأنَّ لَهم مِنَ اللَّهِ فَضْلا كَبِيرًا﴾: وهي الجَنَّةُ، ﴿ولا تُطِعِ الكافِرِينَ والمُنافِقِينَ﴾ قالَ: أمَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ ألّا يُطِيعَ كافِرًا ولا مُنافِقًا ﴿ودَعْ أذاهُمْ﴾ (p-٧٨)قالَ: اصْبِرْ عَلى أذاهم. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ودَعْ أذاهُمْ﴾ . قالَ: أعْرِضْ عَنْهم.

الأحزاب 33:47

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ إنّا أرْسَلْناكَ﴾ الآيَةَ. أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدُويَهْ والخَطِيبُ، وابْنُ عَساكِرَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ: ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ إنّا أرْسَلْناكَ شاهِدًا ومُبَشِّرًا ونَذِيرًا﴾ . وقَدْ كانَ أمَرَ عَلِيًّا ومُعاذًا أنْ يَسِيرا إلى اليَمَنِ فَقالَ: ”انْطَلِقا فَبَشِّرا ولا تُنَفِّرا ويَسِّرا ولا تُعَسِّرا؛ فَإنَّهُ قَدْ أُنْزِلَتْ عَلَيَّ: ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ إنّا أرْسَلْناكَ شاهِدًا ومُبَشِّرًا ونَذِيرًا﴾ قالَ: شاهِدًا عَلى أُمَّتِكَ، ومُبَشِّرًا بِالجَنَّةِ، ونَذِيرًا مِنَ النّارِ، ﴿وداعِيًا﴾ إلى شَهادَةِ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، ﴿بِإذْنِهِ وسِراجًا مُنِيرًا﴾ بِالقُرْآنِ» . وأخْرَجَ أحْمَدُ والبُخارِيُّ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في“الدَّلائِلِ”عَنْ عَطاءِ بْنِ يَسارٍ قالَ: لَقِيتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ العاصِ فَقُلْتُ: أخْبِرْنِي عَنْ صِفَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في التَّوْراةِ قالَ: أجَلْ، واللَّهِ إنَّهُ لَمَوْصُوفٌ في التَّوْراةِ بِبَعْضِ صِفَتِهِ في القُرْآنِ: يا أيُّها النَّبِيُّ إنّا أرْسَلْناكَ شاهِدًا ومُبَشِّرًا ونَذِيرًا، وحِرْزًا لِلْأُمِّيِّينَ، أنْتَ عَبْدِي ورَسُولِي، سَمَّيْتُكَ المُتَوَكِّلَ، لَيْسَ بِفَظٍّ ولا غَلِيظٍ، ولا سَخّابٍ في الأسْواقِ، ولا يَجْزِي بِالسَّيِّئَةِ السَّيِّئَةَ، ولَكِنْ يَعْفُو ويَصْفَحُ. (p-٧٦)وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ عَنِ العِرْباضِ بْنِ سارِيَةَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إنِّي عَبْدُ اللَّهِ وخاتَمُ النَّبِيِّينَ وأبِي مُنْجَدِلٌ في طِينَتِهِ، وسَأُخْبِرُكم عَنْ ذَلِكَ، أنا دَعْوَةُ أبِي إبْراهِيمَ، وبِشارَةُ عِيسى، ورُؤْيا أُمِّي الَّتِي رَأتْ، وكَذَلِكَ أُمَّهاتُ النَّبِيِّينَ يَرَيْنَ“ . وإنَّ أُمَّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ رَأتْ حِينَ وضَعَتْهُ نُورًا أضاءَتْ لَهُ قُصُورُ الشّامِ، ثُمَّ تَلا: ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ إنّا أرْسَلْناكَ شاهِدًا ومُبَشِّرًا ونَذِيرًا﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿مُنِيرًا﴾ [الأحزاب»: ٤٦] . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ والحَسَنِ البَصْرِيِّ قالا: «لَمّا نَزَلَتْ: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وما تَأخَّرَ﴾ [الفتح: ٢] [الفَتْحِ: ٢] قالَ رِجالٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ هَنِيئًا لَكَ يا رَسُولَ اللَّهِ، قَدْ عَلِمْنا ما يُفْعَلُ بِكَ، فَماذا يُفْعَلُ بِنا؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ:﴿لِيُدْخِلَ المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ﴾ [الفتح: ٥] الآيَةَ [الفَتْحِ: ٥] . وأنْزَلَ في سُورَةِ ”الأحْزابِ“: ﴿وبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ بِأنَّ لَهم مِنَ اللَّهِ فَضْلا كَبِيرًا﴾ [الأحزاب»: ٤٧] . (p-٧٧)وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في ”الدَّلائِلِ“ عَنِ الرَّبِيعِ عَنْ أنَسٍ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ: ﴿وما أدْرِي ما يُفْعَلُ بِي ولا بِكُمْ﴾ [الأحقاف: ٩] [الأحْقافِ: ٩] . نَزَلَ بَعْدَها: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وما تَأخَّرَ﴾ [الفتح: ٢] [الفَتْحِ: ٢] فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ عَلِمْنا ما يُفْعَلُ بِكَ، فَماذا يُفْعَلُ بِنا؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ بِأنَّ لَهم مِنَ اللَّهِ فَضْلا كَبِيرًا﴾ ! قالَ: الفَضْلُ الكَبِيرُ: الجَنَّةُ» . وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «اجْتَمَعَ عُتْبَةُ، وشَيْبَةُ، وأبُو جَهْلٍ، وغَيْرُهم فَقالُوا: أسْقِطِ السَّماءَ عَلَيْنا كِسَفًا أوِ ائْتِنا بِعَذابٍ ألِيمٍ، أوْ أمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ما ذاكَ إلَيَّ، إنَّما بُعِثْتُ إلَيْكم داعِيًا ومُبَشِّرًا ونَذِيرًا"» . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ إنّا أرْسَلْناكَ شاهِدًا﴾ . قالَ: عَلى أُمَّتِكَ بِالبَلاغِ، ﴿ومُبَشِّرًا﴾: بِالجَنَّةِ، ﴿ونَذِيرًا﴾ مِنَ النّارِ، ﴿وداعِيًا إلى اللَّهِ﴾: إلى شَهادَةِ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، ﴿بِإذْنِهِ﴾ . قالَ: بِأمْرِهِ، ﴿وسِراجًا مُنِيرًا﴾ قالَ: كِتابُ اللَّهِ يَدْعُوهم إلَيْهِ، ﴿وبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ بِأنَّ لَهم مِنَ اللَّهِ فَضْلا كَبِيرًا﴾: وهي الجَنَّةُ، ﴿ولا تُطِعِ الكافِرِينَ والمُنافِقِينَ﴾ قالَ: أمَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ ألّا يُطِيعَ كافِرًا ولا مُنافِقًا ﴿ودَعْ أذاهُمْ﴾ (p-٧٨)قالَ: اصْبِرْ عَلى أذاهم. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ودَعْ أذاهُمْ﴾ . قالَ: أعْرِضْ عَنْهم.

الأحزاب 33:48

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ إنّا أرْسَلْناكَ﴾ الآيَةَ. أخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدُويَهْ والخَطِيبُ، وابْنُ عَساكِرَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ: ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ إنّا أرْسَلْناكَ شاهِدًا ومُبَشِّرًا ونَذِيرًا﴾ . وقَدْ كانَ أمَرَ عَلِيًّا ومُعاذًا أنْ يَسِيرا إلى اليَمَنِ فَقالَ: ”انْطَلِقا فَبَشِّرا ولا تُنَفِّرا ويَسِّرا ولا تُعَسِّرا؛ فَإنَّهُ قَدْ أُنْزِلَتْ عَلَيَّ: ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ إنّا أرْسَلْناكَ شاهِدًا ومُبَشِّرًا ونَذِيرًا﴾ قالَ: شاهِدًا عَلى أُمَّتِكَ، ومُبَشِّرًا بِالجَنَّةِ، ونَذِيرًا مِنَ النّارِ، ﴿وداعِيًا﴾ إلى شَهادَةِ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، ﴿بِإذْنِهِ وسِراجًا مُنِيرًا﴾ بِالقُرْآنِ» . وأخْرَجَ أحْمَدُ والبُخارِيُّ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والبَيْهَقِيُّ في“الدَّلائِلِ”عَنْ عَطاءِ بْنِ يَسارٍ قالَ: لَقِيتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ العاصِ فَقُلْتُ: أخْبِرْنِي عَنْ صِفَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في التَّوْراةِ قالَ: أجَلْ، واللَّهِ إنَّهُ لَمَوْصُوفٌ في التَّوْراةِ بِبَعْضِ صِفَتِهِ في القُرْآنِ: يا أيُّها النَّبِيُّ إنّا أرْسَلْناكَ شاهِدًا ومُبَشِّرًا ونَذِيرًا، وحِرْزًا لِلْأُمِّيِّينَ، أنْتَ عَبْدِي ورَسُولِي، سَمَّيْتُكَ المُتَوَكِّلَ، لَيْسَ بِفَظٍّ ولا غَلِيظٍ، ولا سَخّابٍ في الأسْواقِ، ولا يَجْزِي بِالسَّيِّئَةِ السَّيِّئَةَ، ولَكِنْ يَعْفُو ويَصْفَحُ. (p-٧٦)وأخْرَجَ الحاكِمُ وصَحَّحَهُ والبَيْهَقِيُّ عَنِ العِرْباضِ بْنِ سارِيَةَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إنِّي عَبْدُ اللَّهِ وخاتَمُ النَّبِيِّينَ وأبِي مُنْجَدِلٌ في طِينَتِهِ، وسَأُخْبِرُكم عَنْ ذَلِكَ، أنا دَعْوَةُ أبِي إبْراهِيمَ، وبِشارَةُ عِيسى، ورُؤْيا أُمِّي الَّتِي رَأتْ، وكَذَلِكَ أُمَّهاتُ النَّبِيِّينَ يَرَيْنَ“ . وإنَّ أُمَّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ رَأتْ حِينَ وضَعَتْهُ نُورًا أضاءَتْ لَهُ قُصُورُ الشّامِ، ثُمَّ تَلا: ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ إنّا أرْسَلْناكَ شاهِدًا ومُبَشِّرًا ونَذِيرًا﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿مُنِيرًا﴾ [الأحزاب»: ٤٦] . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ والحَسَنِ البَصْرِيِّ قالا: «لَمّا نَزَلَتْ: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وما تَأخَّرَ﴾ [الفتح: ٢] [الفَتْحِ: ٢] قالَ رِجالٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ هَنِيئًا لَكَ يا رَسُولَ اللَّهِ، قَدْ عَلِمْنا ما يُفْعَلُ بِكَ، فَماذا يُفْعَلُ بِنا؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ:﴿لِيُدْخِلَ المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ﴾ [الفتح: ٥] الآيَةَ [الفَتْحِ: ٥] . وأنْزَلَ في سُورَةِ ”الأحْزابِ“: ﴿وبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ بِأنَّ لَهم مِنَ اللَّهِ فَضْلا كَبِيرًا﴾ [الأحزاب»: ٤٧] . (p-٧٧)وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في ”الدَّلائِلِ“ عَنِ الرَّبِيعِ عَنْ أنَسٍ قالَ: «لَمّا نَزَلَتْ: ﴿وما أدْرِي ما يُفْعَلُ بِي ولا بِكُمْ﴾ [الأحقاف: ٩] [الأحْقافِ: ٩] . نَزَلَ بَعْدَها: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِكَ وما تَأخَّرَ﴾ [الفتح: ٢] [الفَتْحِ: ٢] فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ عَلِمْنا ما يُفْعَلُ بِكَ، فَماذا يُفْعَلُ بِنا؟ فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ بِأنَّ لَهم مِنَ اللَّهِ فَضْلا كَبِيرًا﴾ ! قالَ: الفَضْلُ الكَبِيرُ: الجَنَّةُ» . وأخْرَجَ أبُو الشَّيْخِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «اجْتَمَعَ عُتْبَةُ، وشَيْبَةُ، وأبُو جَهْلٍ، وغَيْرُهم فَقالُوا: أسْقِطِ السَّماءَ عَلَيْنا كِسَفًا أوِ ائْتِنا بِعَذابٍ ألِيمٍ، أوْ أمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ما ذاكَ إلَيَّ، إنَّما بُعِثْتُ إلَيْكم داعِيًا ومُبَشِّرًا ونَذِيرًا"» . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ إنّا أرْسَلْناكَ شاهِدًا﴾ . قالَ: عَلى أُمَّتِكَ بِالبَلاغِ، ﴿ومُبَشِّرًا﴾: بِالجَنَّةِ، ﴿ونَذِيرًا﴾ مِنَ النّارِ، ﴿وداعِيًا إلى اللَّهِ﴾: إلى شَهادَةِ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، ﴿بِإذْنِهِ﴾ . قالَ: بِأمْرِهِ، ﴿وسِراجًا مُنِيرًا﴾ قالَ: كِتابُ اللَّهِ يَدْعُوهم إلَيْهِ، ﴿وبَشِّرِ المُؤْمِنِينَ بِأنَّ لَهم مِنَ اللَّهِ فَضْلا كَبِيرًا﴾: وهي الجَنَّةُ، ﴿ولا تُطِعِ الكافِرِينَ والمُنافِقِينَ﴾ قالَ: أمَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ ألّا يُطِيعَ كافِرًا ولا مُنافِقًا ﴿ودَعْ أذاهُمْ﴾ (p-٧٨)قالَ: اصْبِرْ عَلى أذاهم. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿ودَعْ أذاهُمْ﴾ . قالَ: أعْرِضْ عَنْهم.

الأحزاب 33:49

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا نَكَحْتُمُ المُؤْمِناتِ﴾ الآيَةَ. أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿إذا نَكَحْتُمُ المُؤْمِناتِ﴾ الآيَةَ، قالَ: هَذا في الرَّجُلِ، يَتَزَوَّجُ المَرْأةَ ثُمَّ يُطَلِّقُها مِن قَبْلِ أنْ يَمَسَّها، فَإذا طَلَّقَها واحِدَةً بانَتْ مِنهُ ولا عِدَّةَ عَلَيْها، تَتَزَوَّجُ مَن شاءَتْ، ثُمَّ قالَ: ﴿فَمَتِّعُوهُنَّ وسَرِّحُوهُنَّ سَراحًا جَمِيلا﴾ يَقُولُ: إنْ كانَ سَمّى لَها صَداقًا فَلَيْسَ لَها إلّا النِّصْفُ، وإنْ لَمْ يَكُنْ سَمّى لَها صَداقًا مَتَّعَها عَلى قَدْرِ عُسْرِهِ ويُسْرِهِ، وهو السَّراحُ الجَمِيلُ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ قَتادَةَ في الآيَةِ قالَ: الَّتِي نُكِحَتْ ولَمْ يُبْنَ بِها، ولَمْ يُفْرَضْ لَها فَلَيْسَ لَها صَداقٌ، ولَيْسَ عَلَيْها عِدَّةٌ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ عَنِ ابْنِ عُمَرَ في قَوْلِهِ: ﴿إذا نَكَحْتُمُ المُؤْمِناتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ﴾ الآيَةَ. (p-٧٩)قالَ: هي مَنسُوخَةٌ، نَسَخَتْها الآيَةُ الَّتِي في ”البَقَرَةِ“: ﴿فَنِصْفُ ما فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧] [البَقَرَةِ: ٢٣٧] . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا نَكَحْتُمُ المُؤْمِناتِ﴾ . إلى قَوْلِهِ: ﴿فَمَتِّعُوهُنَّ﴾ . قالَ: هي مَنسُوخَةٌ، نَسَخَتْها الآيَةُ الَّتِي في ”البَقَرَةِ“: ﴿وإنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أنْ تَمَسُّوهُنَّ وقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ ما فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧]، فَصارَ لَها نِصْفُ الصَّداقِ، ولا مَتاعَ لَها. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ الحَسَنِ، وعَنْ أبِي العالِيَةِ قالا: لَيْسَتْ بِمَنسُوخَةٍ، لَها نِصْفُ الصَّداقِ، ولَها المَتاعُ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ الحَسَنِ قالَ: لِكُلِّ مُطَلَّقَةٍ مَتاعٌ، دُخِلَ بِها أوْ لَمْ يُدْخَلْ بِها، فُرِضَ لَها أوْ لَمْ يُفْرَضْ لَها. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ حُسَيْنِ بْنِ ثابِتٍ قالَ: جاءَ رَجُلٌ إلى عَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنِ فَسَألَهُ عَنْ رَجُلٍ قالَ: إنْ تَزَوَّجْتُ فُلانَةَ فَهي طالِقٌ، قالَ: لَيْسَ بِشَيْءٍ، بَدَأ اللَّهُ بِالنِّكاحِ قَبْلَ الطَّلاقِ فَقالَ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا نَكَحْتُمُ المُؤْمِناتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ﴾ . (p-٨٠)وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: سُئِلَ ابْنُ عَبّاسٍ عَنِ الرَّجُلِ يَقُولُ: إنْ تَزَوَّجْتُ فُلانَةَ فَهي طالِقٌ، قالَ: لَيْسَ بِشَيْءٍ، إنَّما الطَّلاقُ لِمَن يَمْلِكُ، قالَ: فَإنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ كانَ يَقُولُ: إذا وقَّتَ وقْتًا فَهو كَما قالَ، فَقالَ: رَحِمَ اللَّهُ أبا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، لَوْ كانَ كَما قالَ، لَقالَ اللَّهُ: يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا طَلَّقْتُمُ المُؤْمِناتِ ثُمَّ نَكَحْتُمُوهُنَّ. ولَكِنْ إنَّما قالَ: ﴿إذا نَكَحْتُمُ المُؤْمِناتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ﴾ . وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ في ”المُصَنَّفِ“ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قالَ: بَلَغَ ابْنَ عَبّاسٍ أنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ يَقُولُ: إنْ طَلَّقَ ما لَمْ يَنْكِحْ فَهو جائِزٌ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أخْطَأ في هَذا، إنَّ اللَّهَ تَعالى يَقُولُ: ﴿إذا نَكَحْتُمُ المُؤْمِناتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ ولَمْ يَقُلْ: إذا طَلَّقْتُمُ المُؤْمِناتِ ثُمَّ نَكَحْتُمُوهُنَّ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، مِن طَرِيقِ طاوُسٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ تَلا: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا نَكَحْتُمُ المُؤْمِناتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ . قالَ: فَلا يَكُونُ طَلاقٌ حَتّى يَكُونَ نِكاحٌ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ (p-٨١)عَبّاسٍ: إذا قالَ: كُلُّ امْرَأةٍ أتَزَوَّجُها فَهي طالِقٌ، أوْ: إنْ تَزَوَّجْتُ فُلانَةَ فَهي طالِقٌ، فَلَيْسَ بِشَيْءٍ، إنَّما الطَّلاقُ لِمَن يَمْلِكُ مِن أجْلِ أنَّ اللَّهَ يَقُولُ: ﴿إذا نَكَحْتُمُ المُؤْمِناتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ﴾ . وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في ”السُّنَنِ“ مِن طَرِيقِ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: ما قالَها ابْنُ مَسْعُودٍ، وإنْ يَكُنْ قالَها فَزَلَّةٌ مِن عالِمٍ في الرَّجُلِ يَقُولُ: إنْ تَزَوَّجْتُ فُلانَةَ فَهي طالِقٌ، -قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا نَكَحْتُمُ المُؤْمِناتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ﴾ ولَمْ يَقُلْ: إذا طَلَّقْتُمُ المُؤْمِناتِ ثُمَّ نَكَحْتُمُوهُنَّ. وأخْرَجَ الحاكِمُ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنْ عائِشَةَ، أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «لا طَلاقَ إلّا بَعْدَ نِكاحٍ، ولا عِتْقَ إلّا بَعْدَ مِلْكٍ» . وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ والحاكِمُ والبَيْهَقِيُّ في ”السُّنَنِ“ عَنْ مُعاذِ بْنِ جَبَلٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «”لا طَلاقَ إلّا بَعْدَ نِكاحٍ، ولا عِتْقَ إلّا بَعْدَ مِلْكٍ“» . (p-٨٢)وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ وأبُو داوُدَ والنَّسائِيُّ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لا طَلاقَ فِيما لا تَمْلِكُ، ولا بَيْعَ فِيما لا تَمْلِكُ، ولا عِتْقَ فِيما لا تَمْلِكُ، ولا وفاءَ نَذْرٍ فِيما لا تَمْلِكُ، ولا نَذْرَ إلّا فِيما ابْتُغِيَ بِهِ وجْهُ اللَّهِ تَعالى، ومَن حَلَفَ عَلى مَعْصِيَةٍ، فَلا يَمِينَ لَهُ، ومَن حَلَفَ عَلى قَطِيعَةِ رَحِمٍ فَلا يَمِينَ لَهُ» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «لا طَلاقَ فِيما لا تَمْلِكُ، ولا عِتْقَ فِيما لا تَمْلِكُ» . وأخْرَجَ ابْنُ ماجَهْ، وابْنُ مَرْدُويَهْ عَنِ المِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «لا طَلاقَ قَبْلَ نِكاحٍ، ولا عِتْقَ قَبْلَ مِلْكٍ» .

الأحزاب 33:50

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ إنّا أحْلَلْنا لَكَ أزْواجَكَ﴾ الَآيَةَ. أخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، وابْنُ راهُوَيْهِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ، والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، والبَيْهَقِيُّ عَنْ أُمِّ هانِئٍ بِنْتِ أبِي طالِبٍ قالَتْ: «خَطَبَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فاعْتَذَرْتُ (p-٨٣)إلَيْهِ فَعَذَرَنِي فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ إنّا أحْلَلْنا لَكَ أزْواجَكَ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿هاجَرْنَ مَعَكَ﴾ قالَتْ: فَلَمْ أكُنْ أحِلُّ لَهُ؛ لِأنِّي لَمْ أُهاجِرْ مَعَهُ، كُنْتُ مِنَ الطُّلَقاءِ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُويَهْ مِن وجْهٍ آخَرَ عَنْ أُمِّ هانِئٍ قالَتْ: «نَزَلَتْ فِيَّ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿وبَناتِ عَمّاتِكَ﴾، ﴿اللاتِي هاجَرْنَ مَعَكَ﴾ أرادَ النَّبِيُّ ﷺ أنْ يَتَزَوَّجَنِي فَنُهِيَ عَنِّي؛ إذْ لَمْ أُهاجِرْ» . وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ عَنْ أبِي صالِحٍ مَوْلى أُمِّ هانِئٍ قالَ: «خَطَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أُمَّ هانِئٍ بِنْتَ أبِي طالِبٍ فَقالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي مُؤْتِمَةٌ، وبَنِيَّ صِغارٌ، فَلَمّا أدْرَكَ بَنُوها عَرَضَتْ نَفْسَها عَلَيْهِ، فَقالَ: أمّا الآنَ فَلا، إنَّ اللَّهَ تَعالى أنْزَلَ عَلَيَّ: ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ إنّا أحْلَلْنا لَكَ أزْواجَكَ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿هاجَرْنَ مَعَكَ﴾ ولَمْ تَكُنْ مِنَ المُهاجِراتِ» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدُويَهْ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ إنّا أحْلَلْنا لَكَ أزْواجَكَ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿خالِصَةً لَكَ مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ﴾ . (p-٨٤)قالَ: فَحَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ سِوى ذَلِكَ مِنَ النِّساءِ، وكانَ قَبْلَ ذَلِكَ يَنْكِحُ في أيِّ النِّساءِ شاءَ لَمْ يُحَرِّمْ ذَلِكَ عَلَيْهِ، وكانَ نِساؤُهُ يَجِدْنَ مِن ذَلِكَ وجَدًا شَدِيدًا، أنْ يَنْكِحَ في أيِّ النّاسِ أحَبَّ، فَلَمّا أنْزَلَ اللَّهُ: إنِّي قَدْ حَرَّمْتُ عَلَيْكَ مِنَ النِّساءِ سِوى ما قَصَصْتُ عَلَيْكَ، أعْجَبَ ذَلِكَ نِساءَهُ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنّا أحْلَلْنا لَكَ أزْواجَكَ﴾ قالَ: هُنَّ أزْواجُهُ الأُوَلُ اللّاتِي كُنَّ قَبْلَ أنْ تَنْزِلَ هَذِهِ الآيَةُ. وفي قَوْلِهِ: ﴿اللاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ﴾ قالَ: صَدُقاتِهِنَّ، ﴿وما مَلَكَتْ يَمِينُكَ﴾ قالَ: هي الإماءُ الَّتِي أفاءَ اللَّهُ عَلَيْهِ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنِ الشَّعْبِيِّ في الآيَةِ قالَ: «رَخَّصَ لَهُ في بَناتِ عَمِّهِ، وبَناتِ عَمّاتِهِ، وبَناتِ خالِهِ، وبَناتِ خالاتِهِ اللّاتِي هاجَرْنَ مَعَهُ، أنْ يَتَزَوَّجَ مِنهُنَّ، ولا يَتَزَوَّجَ مِن غَيْرِهِنَّ، ورَخَّصَ لَهُ في امْرَأةٍ مُؤْمِنَةٍ إنْ وهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِّ» ﷺ . وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في (p-٨٥)قَوْلِهِ: ﴿إنْ وهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِّ﴾ قالَ: بِغَيْرِ صَداقٍ، أُحِلُّ لَهُ ذَلِكَ ولَمْ يَكُنْ ذَلِكَ أُحِلَّ إلّا لَهُ: ﴿خالِصَةً لَكَ مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ﴾ قالَ: خاصَّةً لِلنَّبِيِّ ﷺ . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُويَهْ والبَيْهَقِيُّ في ”السُّنَنِ“، عَنْ عائِشَةَ قالَتِ: «الَّتِي وهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِّ ﷺ، خَوْلَةُ بِنْتُ حَكِيمٍ» . وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ سَعْدٍ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ والبُخارِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُويَهْ والبَيْهَقِيُّ عَنْ عُرْوَةَ، «أنَّ خَوْلَةَ بِنْتَ حَكِيمِ بْنِ الأوْقَصِ كانَتْ مِنَ اللّاتِي وهَبْنَ أنْفُسَهُنَّ لِرَسُولِ اللَّهِ» ﷺ . وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ عَنْ عِكْرِمَةَ في قَوْلِهِ: ﴿وامْرَأةً مُؤْمِنَةً﴾ الآيَةَ. قالَ: نَزَلَتْ في أُمِّ شَرِيكٍ الدَّوْسِيَّةِ. (p-٨٦)وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ عَنْ مُنِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الدَّوْسِيِّ، «أنَّ أُمَّ شَرِيكٍ، غُزَيَّةَ بِنْتَ جابِرِ بْنِ حَكِيمٍ الدَّوْسِيَّةَ عَرَضَتْ نَفْسَها عَلى النَّبِيِّ ﷺ وكانَتْ جَمِيلَةً فَقَبِلَها، فَقالَتْ عائِشَةُ: ما في امْرَأةٍ حِينَ وهَبَتْ نَفْسَها لِرَجُلِ خَيْرٌ. قالَتْ أُمُّ شَرِيكٍ: فَأنا تِلْكَ. فَسَمّاها اللَّهُ مُؤْمِنَةً، فَقالَ: ﴿وامْرَأةً مُؤْمِنَةً إنْ وهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِّ﴾ فَلَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ قالَتْ عائِشَةُ: إنَّ اللَّهَ لَيُسْرِعُ لَكَ في هَواكَ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ، وعُمَرَ بْنِ الحَكَمِ، وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدَةَ قالُوا: «تَزَوَّجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثَلاثَ عَشْرَةَ امْرَأةً، سِتٌّ مِن قُرَيْشٍ: خَدِيجَةُ، وعائِشَةُ، وحَفْصَةُ، وأُمُّ حَبِيبَةَ، وسَوْدَةُ، وأُمُّ سَلَمَةَ وثَلاثٌ مِن بَنِي عامِرِ بْنِ صَعْصَعَةَ، وامْرَأتانِ مِن بَنِي هِلالِ بْنِ عامِرٍ: مَيْمُونَةُ بِنْتُ الحارِثِ، وهي الَّتِي وهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِّ ﷺ، وزَيْنَبُ أُمُّ المَساكِينِ، وامْرَأةٌ مِن بَنِي بَكْرِ بْنِ كِلابٍ مِنَ القُرَطاءِ، وهي الَّتِي اخْتارَتِ الدُّنْيا، وامْرَأةٌ مِن بَنِي الجُونِ، وهي الَّتِي اسْتَعاذَتْ مِنهُ، وزَيْنَبُ بِنْتُ جَحْشٍ الأسَدِيَّةُ، والسَّبِيَّتانِ: صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَيٍّ، وجُوَيْرِيَةُ بِنْتُ الحارِثِ الخُزاعِيَّةُ» . وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ (p-٨٧)المُنْذِرِ، والطَّبَرانِيُّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الحُسَيْنِ «فِي قَوْلِهِ: ﴿وامْرَأةً مُؤْمِنَةً﴾: إنَّ أُمَّ شَرِيكٍ الأزْدِيَّةَ الَّتِي وهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِّ» ﷺ . وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ عَنِ ابْنِ أبِي عَوْنٍ: «أنَّ لَيْلى بِنْتَ الخَطِيمِ وهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِّ ﷺ ووَهَبْنَ نِساءٌ أنْفُسَهُنَّ، فَلَمْ نَسْمَعْ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَبِلَ مِنهُنَّ أحَدًا» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ: أنَّها امْرَأةٌ مِنَ الأنْصارِ وهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِّ ﷺ، وهي مِمّا أرَجى. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدُويَهْ والبَيْهَقِيُّ في ”السُّنَنِ“، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «لَمْ يَكُنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ امْرَأةٌ وهَبَتْ نَفْسَها» . وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، (p-٨٨)وابْنُ المُنْذِرِ، والبَيْهَقِيُّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ قالَ: لا تَحِلُّ الهِبَةُ لِأحَدٍ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ سَعْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ، وإبْراهِيمَ النَّخَعِيَّ في قَوْلِهِ: ﴿خالِصَةً لَكَ مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ﴾ قالا: لا تَحِلُّ الهِبَةُ لِأحَدٍ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنْ طاوُسٍ قالَ: لا يَحِلُّ لِأحَدٍ أنْ يَهَبَ ابْنَتَهُ بِغَيْرِ مَهْرٍ إلّا لِلنَّبِيِّ ﷺ . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنْ مَكْحُولٍ، والزُّهْرِيِّ قالا: لَمْ تَحِلَّ المَوْهُوبَةُ لِأحَدٍ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ ابْنِ شِهابٍ قالَ: لا يَحِلُّ لِرَجُلٍ أنْ يَهَبَ ابْنَتَهُ بِغَيْرِ صَداقٍ، قَدْ جَعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ خاصَّةً دُونَ المُؤْمِنِينَ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ عَطاءٍ في امْرَأةٍ وهَبَتْ نَفْسَها لِرَجُلٍ قالَ: لا يَصْلُحُ إلّا بِصَداقٍ، لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ إلّا لِلنَّبِيِّ ﷺ . (p-٨٩)وأخْرَجَ البُخارِيُّ، وابْنُ مَرْدُويَهْ عَنْ أنَسٍ قالَ: «جاءَتِ امْرَأةٌ إلى النَّبِيِّ ﷺ فَقالَتْ: يا نَبِيَّ اللَّهِ هَلْ لَكَ فِيَّ حاجَةٌ؟ فَقالَتِ ابْنَةُ أنَسٍ: ما كانَ أقَلَّ حَياءَها، فَقالَ: هي خَيْرٌ مِنكِ، رَغِبَتْ في النَّبِيِّ ﷺ فَعَرَضَتْ نَفْسَها عَلَيْهِ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنْ عُرْوَةَ قالَ: «كُنّا نَتَحَدَّثُ أنَّ أُمَّ شَرِيكٍ كانَتْ في مَن وهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِّ ﷺ وكانَتِ امْرَأةً صالِحَةً» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿وامْرَأةً مُؤْمِنَةً إنْ وهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِّ﴾ قالَ: هي مَيْمُونَةُ بِنْتُ الحارِثِ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وابْنُ سَعْدٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: «وهَبَتْ مَيْمُونَةُ بِنْتُ الحارِثِ نَفْسَها لِلنَّبِيِّ» ﷺ . وأخْرَجَ مالِكٌ، وعَبْدُ الرَّزّاقِ، وأحْمَدُ، والبُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وأبُو داوُدَ والتِّرْمِذِيُّ والنَّسائِيُّ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ مَرْدُويَهْ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السّاعِدِيِّ: «أنَّ امْرَأةً جاءَتْ إلى النَّبِيِّ ﷺ فَوَهَبَتْ نَفْسَها لَهُ، فَصَمَتَ فَقالَ رَجُلٌ: يا رَسُولَ اللَّهِ زَوِّجْنِيها إنْ لَمْ يَكُنْ لَكَ بِها حاجَةٌ. قالَ: ما عِنْدَكَ تُعْطِيها؟ قالَ: ما عِنْدِي إلّا إزارِي، قالَ: إنْ أعْطَيْتَها إزارَكَ جَلَسْتَ لا إزارَ لَكَ (p-٩٠)فالتَمِسْ شَيْئًا. قالَ: ما أجِدُ شَيْئًا. فَقالَ: التَمِسْ ولَوْ خاتَمًا مِن حَدِيدٍ. فَلَمْ يَجِدْ، فَقالَ: هَلْ مَعَكَ مِنَ القُرْآنِ شَيْءٌ؟ قالَ: نَعَمْ، سُورَةُ كَذا وسُورَةُ كَذا لِسِوَرٍ سَمّاها فَقالَ: قَدْ زَوَّجْناكَها بِما مَعَكَ مِنَ القُرْآنِ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنْ وهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِّ﴾ قالَ: فَعَلَتْ ولَمْ يَفْعَلْ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ عِكْرِمَةَ في قَوْلِهِ: ﴿خالِصَةً لَكَ مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ﴾ قالَ: لا تَحِلُّ المَوْهُوبَةُ لِغَيْرِكَ، ولَوْ أنَّ امْرَأةً وهَبَتْ نَفْسَها لِرَجُلٍ لَمْ تَحِلَّ لَهُ حَتّى يُعْطِيَها شَيْئًا. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿خالِصَةً لَكَ مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ﴾ يَقُولُ: «لَيْسَ لِامْرَأةٍ أنْ تَهَبَ نَفْسَها لِرَجُلٍ بِغَيْرِ أمْرِ ولِيٍّ ولا مَهْرٍ، إلّا لِلنَّبِيِّ ﷺ، كانَتْ خاصَّةً لَهُ ﷺ مِن دُونِ النّاسِ، يَزْعُمُونَ أنَّها نَزَلَتْ في مَيْمُونَةَ بِنْتِ الحارِثِ، أنَّها هي الَّتِي وهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِّ» ﷺ . * * قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قَدْ عَلِمْنا ما فَرَضْنا﴾ الآيَةَ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي (p-٩١)حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿قَدْ عَلِمْنا ما فَرَضْنا عَلَيْهِمْ﴾ الآيَةَ. قالَ: فَرَضَ اللَّهُ ألّا تُنْكَحَ امْرَأةٌ إلّا بِوَلِيٍّ وصَداقٍ وشُهَداءَ، ولا يَنْكِحَ الرَّجُلُ إلّا أرْبَعًا. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿قَدْ عَلِمْنا ما فَرَضْنا عَلَيْهِمْ في أزْواجِهِمْ﴾ . قالَ: لا يُجاوِزُ الرَّجُلُ أرْبَعَ نِسْوَةٍ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ عَنِ ابْنِ عُمَرَ في قَوْلِهِ: ﴿قَدْ عَلِمْنا ما فَرَضْنا عَلَيْهِمْ في أزْواجِهِمْ﴾ . قالَ لا يُجاوِزُ الرَّجُلُ أرْبَعَ نِسْوَةٍ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ عَنِ ابْنِ عُمَرَ في قَوْلِهِ: ﴿قَدْ عَلِمْنا ما فَرَضْنا عَلَيْهِمْ في أزْواجِهِمْ﴾ . قالَ: فَرَضَ عَلَيْهِمْ ألّا نِكاحَ إلّا بِوَلِيٍّ وشاهِدَيْنِ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿قَدْ عَلِمْنا ما فَرَضْنا عَلَيْهِمْ في أزْواجِهِمْ﴾ قالَ: فَرَضَ عَلَيْهِمْ ألّا نِكاحَ إلّا بِوَلِيٍّ وشاهِدَيْنِ ومَهْرٍ. وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ قَتادَةَ «فِي قَوْلِهِ: ﴿لِكَيْلا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ﴾ قالَ: جَعَلَهُ اللَّهُ في حِلٍّ مِن ذَلِكَ، وكانَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ يُقْسِمُ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنِ الشَّعْبِيِّ أنَّهُ قِيلَ لَهُ: «إنَّ أبا مُوسى نَهى حِينَ فَتَحَ تُسْتَرَ ألّا تُوطَأ الحُبالى، ولا يُشارَكَ المُشْرِكُونَ في أوْلادِهِمْ؛ فَإنَّ الماءَ يَزِيدُ في الوَلَدِ؛ أشِيءٌ قالَهُ بِرَأْيِهِ، أوْ شَيْءٌ رَواهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ؟ فَقالَ: نَهى رَسُولُ اللَّهِ (p-٩٢)ﷺ يَوْمَ أوْطاسٍ أنْ تُوطَأ حامِلٌ حَتّى تَضَعَ، أوْ حائِلٌ حَتّى تُسْتَبْرَأ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأحْمَدُ، والطَّبَرانِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «لَيْسَ مِنّا مَن وطِئَ حُبْلى» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ والدّارِمِيُّ، وأبُو داوُدَ، وابْنُ مَنِيعٍ والبَغَوِيُّ، والباوَرْدِيُّ، وابْنُ قانِعٍ، والبَيْهَقِيُّ والضِّياءُ عَنْ أبِي مَرْزُوقٍ مَوْلى تُجَيْبَ عَنْ حَنَشٍ الصَّنْعانِيِّ قالَ: «غَزَوْنا مَعَ رُوَيْفِعِ بْنِ ثابِتٍ الأنْصارِيِّ نَحْوَ المَغْرِبِ، فَفَتَحْنا قَرْيَةً يُقالُ لَها: جَرْبَةُ، فَقامَ فِينا خَطِيبًا فَقالَ: إنِّي لا أقُولُ فِيكم إلّا ما سَمِعْتُ مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قالَ فِينا يَوْمَ خَيْبَرَ: مَن كانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ فَلا يَسْقِيَنَّ ماءَهُ زَرْعَ غَيْرِهِ» . (p-٩٣)وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنِ الحَسَنِ قالَ: لَمّا فُتِحَتْ تُسْتَرُ أصابَ أبُو مُوسى سَبايا، فَكَتَبَ إلَيْهِ عُمَرُ: أنْ لا يَقَعَ أحَدٌ عَلى امْرَأةٍ حُبْلى حَتّى تَضَعَ، ولا تُشارِكُوا المُشْرِكِينَ في أوْلادِهِمْ؛ فَإنَّ الماءَ تَمامُ الوَلَدِ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنْ عَلِيِّ قالَ: «نَهى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنْ تُوطَأ الحامِلُ حَتّى تَضَعَ، أوِ الحائِلُ حَتّى تُسْتَبْرَأ بِحَيْضَةٍ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، عَنْ طاوُسٍ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أمَرَ مُنادِيًا في غَزْوَةٍ غَزاها: ألّا يَطَأ الرِّجالُ حامِلًا حَتّى تَضَعَ، ولا حائِلًا حَتّى تَحِيضَ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ عَنْ أبِي أُمامَةَ، «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهى يَوْمَ خَيْبَرَ أنْ تُوطَأ الحُبالى حَتّى يَضَعْنَ» .

الأحزاب 33:51

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿تُرْجِي مَن تَشاءُ﴾ الآيَةُ. أخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿تُرْجِي مَن تَشاءُ﴾ يَقُولُ: تُؤَخِّرُ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدُويَهْ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿تُرْجِي مَن تَشاءُ مِنهُنَّ﴾ (p-٩٤)قالَ: أُمَّهاتِ المُؤْمِنِينَ، ﴿وتُؤْوِي﴾ يَعْنِي: نِساءَ النَّبِيِّ، ويَعْنِي بِالإرْجاءِ، يَقُولُ: مَن شِئْتَ خَلَّيْتَ سَبِيلَهُ مِنهُنَّ، ويَعْنِي بِالإيواءِ، يَقُولُ: مَن أحْبَبْتَ أمْسَكْتَ مِنهُنَّ، وقَوْلُهُ: ﴿ومَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلا جُناحَ عَلَيْكَ ذَلِكَ أدْنى أنْ تَقَرَّ أعْيُنُهُنَّ ولا يَحْزَنَّ ويَرْضَيْنَ بِما آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ﴾ يَعْنِي بِذَلِكَ النِّساءَ اللّاتِي أحَلَّهُنَّ اللَّهُ لَهُ مِن بَناتِ العَمِّ والعَمَّةِ، والخالِ والخالَةِ. وقَوْلُهُ: ﴿اللاتِي هاجَرْنَ مَعَكَ﴾ [الأحزاب: ٥٠] يَقُولُ: إنْ ماتَ مِن نِسائِكَ اللّاتِي عِنْدَكَ أحَدٌ، أوْ خَلَّيْتَ سَبِيلَها، فَقَدْ أحْلَلْتُ لَكَ أنْ تَسْتَبْدِلَ مِنَ اللّاتِي أحْلَلْتُ لَكَ مَكانَ مَن ماتَ مِن نِسائِكَ اللّاتِي كُنَّ عِنْدَكَ أوْ خَلَّيْتَ سَبِيلَها مِنهُنَّ، ولا يَصْلُحُ لَكَ أنْ تَزْدادَ عَلى عِدَّةِ نِسائِكَ اللّاتِي عِنْدَكَ شَيْئًا. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: «كانَ لِلنَّبِيِّ ﷺ تِسْعُ نِسْوَةٍ فَخَشِينَ أنْ يُطَلِّقَهُنَّ فَقُلْنَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، اقْسِمْ لَنا مِن نَفْسِكَ ومالِكَ ما شِئْتَ، ولا تُطَلِّقْنا. فَنَزَلَتْ: ﴿تُرْجِي مَن تَشاءُ مِنهُنَّ وتُؤْوِي إلَيْكَ مَن تَشاءُ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ، قالَ: وكانَ المُؤْوَياتُ خَمْسَةً: عائِشَةُ، وحَفْصَةُ، وأُمُّ سَلَمَةَ، وزَيْنَبُ، وأُمُّ حَبِيبَةَ، والمُرْجَآتُ أرْبَعَةً: جُوَيْرِيَةُ، ومَيْمُونَةُ، وسَوْدَةُ، وصَفِيَّةُ» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ، «عَنْ خَوْلَةَ بِنْتِ حَكِيمٍ قالَ: وكانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ تَزَوَّجَها فَأرْجاها في مَن أرَجى مِن نِسائِهِ» . (p-٩٥)وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ عَنِ ابْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُوَسَّعًا عَلَيْهِ في قَسْمِ أزْواجِهِ، يَقْسِمُ بَيْنَهُنَّ كَيْفَ شاءَ، وذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ:﴿ذَلِكَ أدْنى أنْ تَقَرَّ أعْيُنُهُنَّ﴾ إذا عَلِمْنَ أنَّ ذَلِكَ مِنَ اللَّهِ» . وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ قَتادَةَ في الآيَةِ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُوَسَّعًا عَلَيْهِ في قَسْمِ أزْواجِهِ أنْ يَقْسِمَ بَيْنَهُنَّ كَيْفَ شاءَ، فَلِذَلِكَ قالَ اللَّهُ: ﴿ذَلِكَ أدْنى أنْ تَقَرَّ أعْيُنُهُنَّ﴾ إذا عَلِمْنَ أنَّ ذَلِكَ مِنَ اللَّهِ» . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ، «أنَّ امْرَأةً مِنَ الأنْصارِ وهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِّ ﷺ، وكانَتْ فِيمَن أرْجى» . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ عَنِ الحَسَنِ قالَ: «كانَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ إذا خَطَبَ امْرَأةً لَمْ يَكُنْ لِرَجُلٍ أنْ يَخْطُبَها حَتّى يَتَزَوَّجَها أوْ يَتْرُكَها» . وأخْرَجَ أحْمَدُ، والبُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُويَهْ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: «كُنْتُ أغارُ مِنَ اللّاتِي وهَبْنَ أنْفُسَهُنَّ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وأقُولُ: أتَهَبُ المَرْأةُ نَفْسَها؟ فَلَمّا أنْزَلَ اللَّهُ: (p-٩٦)﴿تُرْجِي مَن تَشاءُ مِنهُنَّ وتُؤْوِي إلَيْكَ مَن تَشاءُ ومَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلا جُناحَ عَلَيْكَ﴾ قُلْتُ: ما أرى رَبَّكَ إلّا يُسارِعُ في هَواكَ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ ماجَهْ، وابْنُ جَرِيرٍ وابْنُ المُنْذِرِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدُويَهْ عَنْ عائِشَةَ، أنَّها كانَتْ تَقُولُ: «أما تَسْتَحِي المَرْأةُ أنْ تَهَبَ نَفْسَها لِلرَّجُلِ فَأنْزَلَ اللَّهُ في نِساءِ النَّبِيِّ ﷺ: ﴿تُرْجِي مَن تَشاءُ مِنهُنَّ وتُؤْوِي إلَيْكَ مَن تَشاءُ﴾ فَقالَتْ عائِشَةُ: أرى رَبَّكَ يُسارِعُ لَكَ في هَواكَ» . وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: لَمّا نَزَلَتْ: ﴿تُرْجِي مَن تَشاءُ مِنهُنَّ﴾ قُلْتُ: إنَّ اللَّهَ يُسارِعُ لَكَ فِيما تُرِيدُ. وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ والبَيْهَقِيُّ في ”السُّنَنِ“ عَنِ الشَّعْبِيِّ قالَ: «كُنَّ نِساءٌ وهَبْنَ أنْفُسَهُنَّ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَدَخَلَ بِبَعْضِهِنَّ وأرْجى بَعْضَهُنَّ فَلَمْ يَقْرَبْهُنَّ حَتّى تُوُفِّيَ، ولَمْ يُنْكَحْنَ (p-٩٧)بَعْدَهُ، مِنهُنَّ أُمُّ شَرِيكٍ فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿تُرْجِي مَن تَشاءُ مِنهُنَّ وتُؤْوِي إلَيْكَ مَن تَشاءُ﴾ [الأحزاب»: ٥١] . وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي رَزِينٍ قالَ: «هَمَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنَّ يُطَلِّقَ مِن نِسائِهِ، فَلَمّا رَأيْنَ ذَلِكَ أتَيْنَهُ فَقُلْنَ: لا تُخَلِّ سَبِيلَنا وأنْتِ في حِلٍّ فِيما بَيْنَنا وبَيْنَكَ، افْرِضْ لَنا مِن نَفْسِكَ ومالِكَ ما شِئْتَ فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿تُرْجِي مَن تَشاءُ مِنهُنَّ﴾ يَقُولُ: تَعْزِلُ مَن تَشاءُ فَأرْجى مِنهُنَّ نِسْوَةً وآوى نِسْوَةً، وكانَ مِمَّنْ أرْجى مَيْمُونَةُ، وجُوَيْرِيَةُ، وأُمُّ حَبِيبَةَ، وصَفِيَّةُ، وسَوْدَةُ، وكانَ يَقْسِمُ بَيْنَهُنَّ مِن نَفْسِهِ ومالِهِ ما شاءَ، وكانَ مِمَّنْ آوى عائِشَةُ، وحَفْصَةُ، وأُمُّ سَلَمَةَ، وزَيْنَبُ، فَكانَتْ قِسْمَتُهُ مِن نَفْسِهِ ومالِهِ بَيْنَهُنَّ سَواءً» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ شِهابٍ في قَوْلِهِ: ﴿تُرْجِي مَن تَشاءُ﴾ . قالَ: «هَذا أمْرٌ جَعَلَهُ اللَّهُ إلى نَبِيِّهِ ﷺ في تَأْدِيبِهِ نِساءَهُ، لِيَكُونَ ذَلِكَ أقَرَّ لِأعْيُنِهِنَّ وأرْضى لِأنْفُسِهِنَّ وعِيشَتِهِنَّ، ولَمْ نَعْلَمْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أرْجى مِنهُنَّ شَيْئًا ولا عَزَلَهُ بَعْدَ أنْ خَيَّرَهُنَّ فاخْتَرْنَهُ» . (p-٩٨)وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ عَنْ ثَعْلَبَةَ بْنِ أبِي مالِكٍ قالَ: «هَمَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنْ يُطَلِّقَ بَعْضَ نِسائِهِ فَجَعَلْنَهُ في حِلٍّ فَنَزَلَتْ: ﴿تُرْجِي مَن تَشاءُ مِنهُنَّ وتُؤْوِي إلَيْكَ مَن تَشاءُ﴾ [الأحزاب»: ٥١] . وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وابْنُ سَعْدٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿تُرْجِي مَن تَشاءُ مِنهُنَّ﴾ قالَ: تَعْزِلُ مَن تَشاءُ مِنهُنَّ لا تَأْتِيهِ بِغَيْرِ طَلاقٍ، ﴿وتُؤْوِي إلَيْكَ مَن تَشاءُ﴾ . قالَ: تَرُدُّهُ إلَيْكَ، ﴿ومَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ﴾ أنْ تُؤْوِيَهُ إلَيْكَ إنْ شِئْتَ. وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿تُرْجِي﴾ قالَ: تُؤَخِّرُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: «لَمْ يَكُنِ النَّبِيُّ ﷺ يُطَلِّقُ، كانَ يَعْتَزِلُ» . وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، وأبُو داوُدَ والنَّسائِيُّ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٌ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنْ عائِشَةَ، «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ يَسْتَأْذِنُ في يَوْمِ المَرْأةِ مِنّا بَعْدَ أنْ أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿تُرْجِي مَن تَشاءُ مِنهُنَّ﴾ . فَقُلْتُ لَها: ما كُنْتِ (p-٩٩)تَقُولِينَ؟ قالَتْ: كُنْتُ أقُولُ لَهُ: إنْ كانَ ذاكَ إلَيَّ فَإنِّي لا أُرِيدُ أنْ أُوثِرَ عَلَيْكَ أحَدًا» .

الأحزاب 33:52

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِن بَعْدُ﴾ أخْرَجَ الرُّويانِيُّ والدّارِمِيُّ، وابْنُ سَعْدٍ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ في زَوائِدِ ”المْسْنَدِ“، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، والضِّياءُ في ”المُخْتارَةِ“ عَنْ زِيادٍ –رَجُلٌ مِنَ الأنْصارِ- قالَ: «قُلْتُ لِأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ: أرَأيْتَ لَوْ أنَّ أزْواجَ النَّبِيِّ ﷺ مُتْنَ، أما كانَ يَحِلُّ لَهُ أنْ يَتَزَوَّجَ؟ قالَ: وما يَمْنَعُهُ مِن ذَلِكَ؟ قُلْتُ: قَوْلُهُ: ﴿لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِن بَعْدُ﴾ فَقالَ: إنَّما أحَلَّ لَهُ ضَرْبًا مِنَ النِّساءِ، ووَصَفَ لَهُ صِفَةً فَقالَ: ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ إنّا أحْلَلْنا لَكَ أزْواجَكَ﴾ [الأحزاب: ٥٠] إلى قَوْلِهِ: ﴿وامْرَأةً مُؤْمِنَةً﴾ [الأحزاب: ٥٠] ثُمَّ قالَ: ﴿لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ﴾ مِن بَعْدِ هَذِهِ الصِّفَةِ» . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، والتِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدُويَهْ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «نُهِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ أصْنافِ النِّساءِ إلّا ما كانَ مِنَ المُؤْمِناتِ المُهاجِراتِ، قالَ: ﴿لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِن بَعْدُ ولا أنْ تَبَدَّلَ (p-١٠٠)بِهِنَّ مِن أزْواجٍ ولَوْ أعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إلا ما مَلَكَتْ يَمِينُكَ﴾ فَأحَلَّ لَهُ الفَتَياتِ المُؤْمِناتِ، ﴿وامْرَأةً مُؤْمِنَةً إنْ وهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِّ﴾ [الأحزاب: ٥٠] . وحَرَّمَ كُلَّ ذاتِ دِينٍ غَيْرِ الإسْلامِ وقالَ: ﴿يا أيُّها النَّبِيُّ إنّا أحْلَلْنا لَكَ أزْواجَكَ﴾ [الأحزاب: ٥٠] إلى قَوْلِهِ ﴿خالِصَةً لَكَ مِن دُونِ المُؤْمِنِينَ﴾ [الأحزاب: ٥٠] وحَرَّمَ ما سِوى ذَلِكَ مِن أصْنافِ النِّساءِ» . وأخْرَجَ أبُو داوُدَ في ”ناسِخِهِ“، وابْنُ جَرِيرٍ عَنْ قَتادَةَ قالَ: كانَ عِكْرِمَةُ يَقُولُ: لا تَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِن بَعْدِ هَؤُلاءِ اللّاتِي سَمّى اللَّهُ؛ إلّا بَناتُ عَمِّكَ، وبَناتُ عَمّاتِكَ وبَناتُ خالِكَ، وبَناتُ خالاتِكَ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وأبُو داوُدَ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ مُجاهِدٍ: (لا تَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِن بَعْدُ) . قالَ: نِساءُ أهْلِ الكِتابِ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ وابْنُ سَعْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ مُجاهِدٍ: (لا تَحِلُّ لَكَ النِّساءُ) مِن بَعْدِ ما بَيَّنْتُ لَكَ مِن هَذِهِ الأصْنافِ؛ بَناتِ عَمِّكَ، وبَناتِ عَمّاتِكَ وبَناتِ خالِكَ وبَناتِ خالاتِكَ، وامْرَأةٍ مُؤْمِنَةٍ إنْ وهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِّ فَأحَلَّ لَهُ مِن هَذِهِ الأصْنافِ أنْ يَنْكِحَ ما شاءَ. وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ (p-١٠١)المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ: (لا تَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِن بَعْدُ): يَهُودِيّاتٌ ولا نَصْرانِيّاتٌ لا يَنْبَغِي أنْ يَكُنَّ أُمَّهاتِ المُؤْمِنِينَ، ﴿إلا ما مَلَكَتْ يَمِينُكَ﴾ قالَ: هي اليَهُودِيّاتُ والنَّصْرانِيّاتُ، لا بَأْسَ أنْ يَشْتَرِيَها. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ في قَوْلِهِ: (لا تَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِن بَعْدُ) قالَ: يَهُودِيَّةٌ ولا نَصْرانِيَّةٌ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ «فِي قَوْلِهِ: ﴿لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِن بَعْدُ﴾ الآيَةَ. قالَ: نُهِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أنْ يَتَزَوَّجَ بَعْدَ نِسائِهِ الأُوَلِ شَيْئًا» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِن بَعْدُ ولا أنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِن أزْواجٍ﴾ . قالَ: حَبَسَهُ اللَّهُ عَلَيْهِنَّ كَما حَبَسَهُنَّ عَلَيْهِ. وأخْرَجَ أبُو داوُدَ في ”ناسِخِهِ“، وابْنُ مَرْدُويَهْ، والبَيْهَقِيُّ في ”سُنَنِهِ“، عَنْ أنَسٍ قالَ: «لَمّا خَيَّرَهُنَّ فاخْتَرْنَ اللَّهَ ورَسُولَهُ قَصَرَهُ عَلَيْهِنَّ فَقالَ: (لا تَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِن بَعْدُ») . وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: «لَمّا خَيَّرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أزْواجَهُ اخْتَرْنَ اللَّهَ ورَسُولَهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: (لا تَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِن بَعْدُ) قالَ: مِن بَعْدِ هَؤُلاءِ (p-١٠٢)التِّسْعِ اللّاتِي اخْتَرْنَكَ، فَقَدْ حَرُمَ عَلَيْكَ تَزْوُّجُ غَيْرِهِنَّ» . وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قالَتْ: «لَمْ يَمُتْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتّى أحَلَّ اللَّهُ لَهُ أنْ يَتَزَوَّجَ مِنَ النِّساءِ ما شاءَ إلّا ذاتَ مَحْرَمٍ، وذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ: ﴿تُرْجِي مَن تَشاءُ مِنهُنَّ وتُؤْوِي إلَيْكَ مَن تَشاءُ﴾ [الأحزاب»: ٥١] . وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وسَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ سَعْدٍ، وأحْمَدُ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وأبُو داوُدَ في ”ناسِخِهِ“، والتِّرْمِذِيُّ وصَحَّحَهُ، والنَّسائِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ والحاكِمُ وصَحَّحَهُ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، والبَيْهَقِيُّ مِن طَرِيقِ عَطاءٍ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: «لَمْ يَمُتْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتّى أحَلَّ اللَّهُ لَهُ أنْ يَتَزَوَّجَ مِنَ النِّساءِ ما شاءَ إلّا ذاتَ مَحْرَمٍ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿تُرْجِي مَن تَشاءُ مِنهُنَّ وتُؤْوِي إلَيْكَ مَن تَشاءُ﴾ [الأحزاب»: ٥١] . وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، مِثْلَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ عَنْ أبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الحارِثِ بْنِ هِشامٍ «فِي قَوْلِهِ: (لا تَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِن بَعْدُ) قالَ: حُبِسَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلى نِسائِهِ، فَلَمْ (p-١٠٣)يَتَزَوَّجْ بَعْدَهُنَّ» . وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ عَنْ سُلَيْمانَ بْنِ يَسارٍ قالَ: «لَمّا تَزَوَّجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الكِنْدِيَّةَ وبَعَثَ في العامِرِيّاتِ، ووَهَبَتْ لَهُ أُمُّ شَرِيكٍ نَفْسَها قالَتْ أزْواجُهُ: لَئِنْ تَزَوَّجَ النَّبِيُّ ﷺ الغَرائِبَ ما لَهُ فِينا مِن حاجَةٍ، فَأنْزَلَ اللَّهُ حَبْسَ النَّبِيِّ ﷺ عَلى أزْواجِهِ، وأحَلَّ لَهُ مِن بَناتِ العَمِّ والعَمَّةِ والخالِ والخالَةِ مِمَّنْ هاجَرَ ما شاءَ، وحَرَّمَ عَلَيْهِ ما سِوى ذَلِكَ إلّا ما مَلَكَتِ اليَمِينُ، غَيْرَ المَرْأةِ المُؤْمِنَةِ الَّتِي وهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِّ ﷺ وهي أُمُّ شَرِيكٍ» . وأخْرَجَ سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ، وابْنُ سَعْدٍ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ أبِي رَزِينٍ: (لا تَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِن بَعْدُ) قالَ: مِنَ المُشْرِكاتِ، إلّا ما سَبَيْتَ فَمَلَكَتْهُ يَمِينُكَ. * * قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا أنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِن أزْواجٍ﴾ وأخْرَجَ البَزّارُ، وابْنُ مَرْدُويَهْ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «كانَ البَدَلُ في الجاهِلِيَّةِ أنْ يَقُولَ الرَّجُلُ لِلرَّجُلِ: بادِلْنِي امْرَأتَكَ وأُبادِلَكَ امْرَأتِي. أيْ: تَنْزِلُ لِي عَنِ امْرَأتِكَ وأنْزِلُ لَكَ عَنِ امْرَأتِي فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿ولا أنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِن أزْواجٍ ولَوْ أعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ﴾ (p-١٠٤)قالَ: فَدَخَلَ عُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنٍ الفَزارِيُّ عَلى النَّبِيِّ ﷺ وعِنْدَهُ عائِشَةُ، فَدَخَلَ بِغَيْرِ إذْنٍ فَقالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: أيْنَ الِاسْتِئْذانُ؟ قالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ، ما اسْتَأْذَنْتُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الأنْصارِ مُنْذُ أدْرَكْتُ. ثُمَّ قالَ: مَن هَذِهِ الحُمَيْراءُ إلى جَنْبِكَ؟ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: هَذِهِ عائِشَةُ أُمُّ المُؤْمِنِينَ، قالَ: أفَلا أنْزِلُ لَكَ عَنْ أحْسَنِ الخَلْقِ؟ قالَ: يا عُيَيْنَةُ إنَّ اللَّهَ حَرَّمَ ذَلِكَ، فَلَمّا أنْ خَرَجَ قالَتْ عائِشَةُ: مَن هَذا؟ قالَ: أحْمَقُ مُطاعٌ، وإنَّهُ عَلى ما تَرَيْنَ لَسَيِّدٌ في قَوْمِهِ» . وأخْرَجَ ابْنُ المُنْذِرِ عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ في قَوْلِهِ: ﴿ولا أنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِن أزْواجٍ﴾ قالَ: كانُوا في الجاهِلِيَّةِ يَقُولُ الرَّجُلُ لِلرَّجُلِ ولَهُ امْرَأةٌ جَمِيلَةٌ: تُبادِلُ امْرَأتِي بِامْرَأتِكَ وأزِيدُكَ إلى ما مَلَكَتْ يَمِينُكَ؟ وأخْرَجَ ابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدّادٍ «فِي قَوْلِهِ: ﴿ولا أنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِن أزْواجٍ﴾ قالَ: ذَلِكَ لَوْ طَلَّقَهُنَّ، لَمْ يَحِلَّ لَهُ أنْ يَسْتَبْدِلَ، وقَدْ كانَ يَنْكِحُ بَعْدَ ما نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ما شاءَ. قالَ: ونَزَلَتْ وتَحْتَهُ تِسْعُ نِسْوَةٍ ثُمَّ تَزَوَّجَ بَعْدُ أُمَّ حَبِيبَةَ بِنْتَ أبِي سُفْيانَ وجُوَيْرِيَةَ بِنْتَ الحارِثِ» . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ مِن طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ، عَنِ الحَسَنِ «فِي قَوْلِهِ: ﴿ولا أنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِن أزْواجٍ﴾ قالَ: قَصَرَهُ اللَّهُ (p-١٠٥)عَلى نِسائِهِ التِّسْعِ اللّاتِي ماتَ عَنْهُنَّ. قالَ عَلِيٌّ: فَأخْبَرْتُ بِذَلِكَ عَلِيَّ بْنَ الحُسَيْنِ فَقالَ: لَوْ شاءَ تَزَوَّجَ غَيْرَهُنَّ، ولَفْظُ عَبْدِ بْنِ حُمَيْدٍ: فَقالَ: بَلْ كانَ لَهُ أيْضًا أنْ يَتَزَوَّجَ غَيْرَهُنَّ» . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ أبِي مالِكٍ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿ولا أنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِن أزْواجٍ﴾ قالَ: كانَ يَوْمَئِذٍ يَتَزَوَّجُ ما شاءَ» . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ قَتادَةَ: ﴿وكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًا﴾ أيْ: حَفِيظًا.

الأحزاب 33:53

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ﴾ أخْرَجَ البُخارِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنْ أنَسٍ قالَ: «قالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ: يا رَسُولَ اللَّهِ، يَدْخُلُ عَلَيْكَ البَرُّ والفاجِرُ، فَلَوْ أمَرْتَ أُمَّهاتِ المُؤْمِنِينَ بِالحِجابِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ آيَةَ الحِجابِ» . وأخْرَجَ أحْمَدُ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ والبُخارِيُّ ومُسْلِمٌ والنَّسائِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، والبَيْهَقِيُّ في ”سُنَنِهِ“ مِن طُرُقٍ عَنْ أنَسٍ قالَ: «لَمّا تَزَوَّجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ زَيْنَبَ بِنْتَ جَحْشٍ دَعا القَوْمَ، فَطَعِمُوا، ثُمَّ جَلَسُوا يَتَحَدَّثُونَ وإذا هو كَأنَّهُ يَتَهَيَّأُ لِلْقِيامِ فَلَمْ يَقُومُوا، فَلَمّا رَأى ذَلِكَ قامَ، فَلَمّا قامَ قامَ مَن قامَ وقَعَدَ ثَلاثَةُ نَفَرٍ، فَجاءَ النَّبِيُّ ﷺ لِيَدْخُلَ فَإذا القَوْمُ جُلُوسٌ، ثُمَّ إنَّهم قامُوا، فانْطَلَقْتُ فَجِئْتُ فَأخْبَرْتُ النَّبِيَّ ﷺ أنَّهم قَدِ انْطَلَقُوا، (p-١٠٦)فَجاءَ حَتّى دَخَلَ، فَذَهَبْتُ أدْخُلُ فَألْقى الحِجابَ بَيْنِي وبَيْنَهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ﴾ الآيَةَ» . وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنْ أنَسٍ قالَ: «كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فَأتى بابَ امْرَأةٍ عَرَّسَ بِها، فَإذا عِنْدَها قَوْمٌ، فانْطَلَقَ فَقَضى حاجَتَهُ فَرَجَعَ وقَدْ خَرَجُوا، فَدَخَلَ وقَدْ أرْخى بَيْنِي وبَيْنَهُ سِتْرًا، فَذَكَرْتُهُ لَأبِي طَلْحَةَ فَقالَ: لَئِنْ كانَ كَما تَقُولُ لِيَنْزِلَنَّ في هَذا شَيْءٌ، فَنَزَلَتْ آيَةُ الحِجابِ» . وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، والبَيْهَقِيُّ في ”شُعَبِ الإيمانِ“ عَنْ أنَسٍ قالَ: «كُنْتُ أدْخُلُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِغَيْرِ إذْنٍ، فَجِئْتُ يَوْمًا لِأدْخُلَ فَقالَ: عَلى مَكانِكَ يا بُنَيَّ، إنَّهُ قَدْ حَدَثَ بَعْدَكَ أمْرٌ؛ لا تَدْخُلْ عَلَيْنا إلّا بِإذْنٍ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «دَخَلَ رَجُلٌ عَلى النَّبِيِّ ﷺ فَأطالَ الجُلُوسَ، فَقامَ النَّبِيُّ ﷺ مِرارًا كَيْ يَتْبَعَهُ ويَقُومَ فَلَمْ (p-١٠٧)يَفْعَلْ فَدَخَلَ عُمَرُ فَرَأى الرَّجُلَ وعَرَفَ الكَراهِيَةَ في وجْهِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِمَقْعَدِهِ فَقالَ: لَعَلَّكَ آذَيْتَ النَّبِيَّ ﷺ فَفَطِنَ الرَّجُلُ فَقامَ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: لَقَدْ قُمْتُ مِرارًا كَيْ يَتْبَعَنِي فَلَمْ يَفْعَلْ، فَقالَ عُمَرُ: لَوِ اتَّخَذْتَ حِجابًا فَإنَّ نِساءَكَ لَسْنَ كَسائِرِ النِّساءِ، وهو أطْهَرُ لِقُلُوبِهِنَّ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ﴾ الآيَةَ، فَأرْسَلَ إلى عُمَرَ فَأخْبَرَهُ بِذَلِكَ» . وأخْرَجَ النَّسائِيُّ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدُويَهْ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: «كُنْتُ آكُلُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ حَيْسًا في قَعْبٍ، فَمَرَّ عُمَرُ فَدَعاهُ فَأكَلَ، فَأصابَتْ أُصْبُعُهُ أُصْبُعِي، فَقالَ عُمَرُ: أوْهِ، لَوْ أُطاعُ فَيَكُنَّ ما رَأتْكُنَّ عَيْنٌ، فَنَزَلَتْ آيَةُ الحِجابِ» . وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «نَزَلَ حِجابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في عُمَرَ، أكَلَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ طَعامًا، فَأصابَ يَدُهُ بَعْضَ أيْدِي نِساءِ النَّبِيِّ ﷺ، فَأُمِرَ بِالحِجابِ» . (p-١٠٨)وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدُويَهْ عَنْ أنَسٍ قالَ: ما بَقِيَ أحَدٌ أعْلَمُ بِالحِجابِ مِنِّي، ولَقَدْ سَألَنِي أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ عَنْهُ فَقُلْتُ: نَزَلَتْ في زَيْنَبَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿غَيْرَ ناظِرِينَ إناهُ﴾ قالَ: غَيْرَ مُتَحَيِّنِينَ طَعامَهُ، ﴿ولَكِنْ إذا دُعِيتُمْ فادْخُلُوا فَإذا طَعِمْتُمْ فانْتَشِرُوا﴾ قالَ: كانَ هَذا في بَيْتِ أُمِّ سَلَمَةَ، أكَلُوا ثُمَّ أطالُوا الحَدِيثَ، فَجَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ يَخْرُجُ ويَدْخُلُ، ويَسْتَحْيِي مِنهم واللَّهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الحَقِّ، ﴿وإذا سَألْتُمُوهُنَّ مَتاعًا فاسْألُوهُنَّ مِن وراءِ حِجابٍ﴾ قالَ: بَلَغَنا أنَّهُنَّ أُمِرْنَ بِالحِجابِ عِنْدَ ذَلِكَ، ﴿لا جُناحَ عَلَيْهِنَّ في آبائِهِنَّ﴾ [الأحزاب: ٥٥] حَتّى قالَ: وما مَلَكَتْ أيْمانُهُنَّ. قالَ: فَرَخَّصَ لَهُنَّ ألّا يَحْتَجِبْنَ مِن هَؤُلاءِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أنَسٍ قالَ: «كانُوا يَجِيئُونَ فَيَدْخُلُونَ بَيْتَ النَّبِيِّ ﷺ فَيَجْلِسُونَ فَيَتَحَدَّثُونَ لِيُدْرِكَ الطَّعامُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إلا أنْ يُؤْذَنَ لَكم إلى طَعامٍ غَيْرَ ناظِرِينَ إناهُ﴾ لِيُدْرِكَ الطَّعامُ، ﴿ولا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ﴾ قالَ: لا تَجْلِسُوا فَتَحَدَّثُوا» . وأخْرَجَ الطَّسْتِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ نافِعَ بْنَ الأزْرَقِ قالَ لَهُ: أخْبِرْنِي عَنْ (p-١٠٩)قَوْلِهِ: ﴿غَيْرَ ناظِرِينَ إناهُ﴾ قالَ: الإنى: النَّضِيجُ، يَعْنِي: إذا أدْرَكَ الطَّعامُ، قالَ: وهَلْ تَعْرِفُ العَرَبُ ذَلِكَ؟ قالَ: نَعَمْ، أما سَمِعْتَ قَوْلَ الشّاعِرِ وهو يَقُولُ: ؎يُنْعِمُ ذاكَ الإنى العَبِيطِ كَما يُنْعِمُ غَرْبُ المَحالَةِ الجُمَلَ وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ، «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ يَطْعَمُ ومَعَهُ بَعْضُ أصْحابِهِ، فَأصابَتْ يَدُ رَجُلٍ مِنهم يَدَ عائِشَةَ فَكَرِهَ ذَلِكَ النَّبِيُّ ﷺ فَنَزَلَتْ آيَةُ الحِجابِ» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عائِشَةَ، «أنَّ أزْواجَ النَّبِيِّ ﷺ كُنَّ يَخْرُجْنَ بِاللَّيْلِ إذا تَبَرَّزْنَ إلى المَناصِعِ، وهو صَعِيدٌ أفْيَحُ، وكانَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ يَقُولُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: احْجُبْ نِساءَكَ، فَلَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَفْعَلُ، فَخَرَجَتْ سَوْدَةُ بِنْتُ زَمْعَةَ لَيْلَةً مِنَ اللَّيالِي عِشاءً، وكانَتِ امْرَأةً طَوِيلَةً، فَناداها عُمَرُ بِصَوْتِهِ الأعْلى: قَدْ عَرَفْناكِ يا سَوْدَةُ، حِرْصًا عَلى أنْ يُنْزَلَ الحِجابُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ الحِجابَ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ﴾ الآيَةَ» . (p-١١٠)وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿غَيْرَ ناظِرِينَ إناهُ﴾ . قالَ: غَيْرَ مُتَحَيِّنِينَ نُضْجَهُ، ﴿ولا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ﴾: بَعْدَ أنْ تَأْكُلُوا. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الضَّحّاكِ في قَوْلِهِ: ﴿إناهُ﴾ قالَ: نُضْجَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سُلَيْمانَ بْنِ أرْقَمَ في قَوْلِهِ: ﴿ولا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ﴾ . قالَ: نَزَلَتْ في الثُّقَلاءِ. وأخْرَجَ الخَطِيبُ عَنْ أنَسٍ قالَ: «كانُوا إذا طَعِمُوا جَلَسُوا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ رَجاءَ أنْ يَجِيءَ شَيْءٌ، فَنَزَلَتْ: ﴿فَإذا طَعِمْتُمْ فانْتَشِرُوا ولا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ﴾ [الأحزاب»: ٥٣] . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وإذا سَألْتُمُوهُنَّ مَتاعًا﴾ . قالَ: أزْواجُ النَّبِيِّ ﷺ عَلَيْهِنَّ الحِجابُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿وإذا سَألْتُمُوهُنَّ مَتاعًا﴾ قالَ: حاجَةً. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: «فَضَلَ النّاسَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ بِأرْبَعٍ: بِذِكْرِهِ الأُسارى يَوْمَ بَدْرٍ؛ أمَرَ بِقَتْلِهِمْ فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ﴾ [الأنفال: ٦٨] الآيَةَ [الأنْفالِ: ٦٨]، وبِذِكْرِهِ الحِجابَ أمَرَ نِساءَ النَّبِيِّ ﷺ أنْ يَحْتَجِبْنَ، فَقالَتْ لَهُ زَيْنَبُ: وإنَّكَ لَتَغارُ عَلَيْنا يا ابْنَ الخَطّابِ والوَحْيُ يَنْزِلُ في بُيُوتِنا. (p-١١١)فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وإذا سَألْتُمُوهُنَّ مَتاعًا فاسْألُوهُنَّ مِن وراءِ حِجابٍ﴾، وبِدَعْوَةِ النَّبِيِّ ﷺ: اللَّهُمَّ أيِّدِ الإسْلامَ بِعُمَرَ، وبِرَأْيِهِ في أبِي بَكْرٍ كانَ أوَّلَ النّاسِ بايَعَهُ» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: أمَرَ عُمَرُ نِساءَ النَّبِيِّ ﷺ بِالحِجابِ، فَقالَتْ زَيْنَبُ: يا ابْنَ الخَطّابِ، إنَّكَ لَتَغارُ عَلَيْنا والوَحْيُ يَنْزِلُ في بُيُوتِنا! فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وإذا سَألْتُمُوهُنَّ﴾ الآيَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذا نَهَضَ إلى بَيْتِهِ بادَرُوهُ فَأخَذُوا المَجالِسَ، فَلا يُعْرَفُ ذَلِكَ في وجْهِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ولا يَبْسُطُ يَدَهُ إلى الطَّعامِ اسْتَحْياءً مِنهُمْ، فَعُوتِبُوا في ذَلِكَ فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ﴾ الآيَةَ» . وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ عَنْ أنَسٍ قالَ: «نَزَلَ الحِجابُ مُبْتَنى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِزَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ وذَلِكَ سَنَةَ خَمْسٍ مِنَ الهِجْرَةِ، وحَجَبَ نِساءَهُ مِنِّي يَوْمَئِذٍ وأنا ابْنُ خَمْسَ عَشْرَةَ» . وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ عَنْ صالِحِ بْنِ كَيْسانَ قالَ: نَزَلَ حِجابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلى نِسائِهِ في ذِي القَعْدَةِ سَنَةَ خَمْسٍ مِنَ الهِجْرَةِ. * * قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما كانَ لَكُمْ﴾ الآيَةَ. (p-١١٢)وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُويَهْ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿كانَ لَكم أنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ﴾ الآيَةَ. قالَ: نَزَلَتْ في رَجُلٍ هَمَّ أنْ يَتَزَوَّجَ بَعْضَ نِساءِ النَّبِيِّ ﷺ بَعْدَهُ. قالَ سُفْيانُ: ذَكَرُوا أنَّها عائِشَةُ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «قالَ رَجُلٌ: لَئِنْ ماتَ مُحَمَّدٌ لَأتَزَوَّجَنَّ عائِشَةَ، فَنَزَلَتْ: ﴿وما كانَ لَكم أنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ﴾ الآيَةَ» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ قالَ: «بَلَغَ النَّبِيَّ ﷺ أنَّ رَجُلًا يَقُولُ: لَوْ تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ تَزَوَّجْتُ فُلانَةَ مِن بَعْدِهِ. فَكانَ ذَلِكَ يُؤْذِي النَّبِيَّ ﷺ، فَنَزَلَ القُرْآنُ: ﴿وما كانَ لَكم أنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ﴾ الآيَةَ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ قالَ: «بَلَغَنا أنَّ طَلْحَةَ بْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ قالَ: أيَحْجُبُنا مُحَمَّدٌ عَنْ بَناتِ عَمِّنا ويَتَزَوَّجُ نِساءَنا مِن بَعْدِنا؟ لَئِنْ حَدَثَ بِهِ حَدَثٌ لَنَتَزَوَّجَنَّ نِساءَهُ مِن بَعْدِهِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ» . وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ قَتادَةَ قالَ: «قالَ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ: لَوْ قُبِضَ النَّبِيُّ ﷺ تَزَوَّجْتُ عائِشَةَ، فَنَزَلَتْ: ﴿وما كانَ لَكم أنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ﴾ الآيَةَ» . (p-١١٣)وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ عَنْ أبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ «فِي قَوْلِهِ: ﴿وما كانَ لَكم أنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ﴾ . قالَ: نَزَلَتْ في طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ، لِأنَّهُ قالَ: إذا تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ تَزَوَّجْتُ عائِشَةَ» . وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في ”السُّنَنِ“ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «قالَ رَجُلٌ مِن أصْحابِ النَّبِيِّ ﷺ: لَوْ قَدْ ماتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ تَزَوَّجْتُ عائِشَةَ، أوْ أُمَّ سَلَمَةَ، فَأنَزَلَ اللَّهُ: ﴿وما كانَ لَكم أنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ﴾ الآيَةَ» . وأخْرَجَ جُوَيْبِرٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، «أنَّ رَجُلًا أتى بَعْضَ أزْواجِ النَّبِيِّ ﷺ، فَكَلَّمَها وهو ابْنُ عَمِّها، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: لا تَقُومَنَّ هَذا المَقامَ بَعْدَ يَوْمِكَ هَذا. فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّها ابْنَةُ عَمِّي، واللَّهِ ما قُلْتُ لَها مُنْكَرًا، ولا قالَتْ لِي. قالَ النَّبِيُّ ﷺ: قَدْ عَرَفْتُ ذَلِكَ؛ إنَّهُ لَيْسَ أحَدٌ أغْيَرَ مِنَ اللَّهِ، وإنَّهُ لَيْسَ أحَدٌ أغْيَرَ مِنِّي. فَمَضى ثُمَّ قالَ: يَمْنَعُنِي مِن كَلامِ ابْنَةِ عَمِّي! لَأتَزَوَّجَنَّها مِن بَعْدِهِ. فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ، فَأعْتَقَ ذَلِكَ الرَّجُلُ رَقَبَةً، وحَمَلَ عَلى عَشْرَةِ أبْعِرَةٍ في سَبِيلِ اللَّهِ، وحَجَّ ماشِيًا تَوْبَةً مِن كَلِمَتِهِ» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ «عَنْ أسْماءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ قالَتْ: خَطَبَنِي عَلِيٌّ فَبَلَغَ ذَلِكَ فاطِمَةُ، فَأتَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقالَتْ: إنَّ أسْماءَ مُتَزَوِّجَةٌ عَلِيًّا، فَقالَ لَها النَّبِيُّ ﷺ: ما كانَ لَها أنْ تُؤْذِيَ اللَّهَ ورَسُولَهُ» . (p-١١٤)وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في ”السُّنَنِ“ عَنْ حُذَيْفَةَ، أنَّهُ قالَ لِامْرَأتِهِ: إنْ سَرَّكِ أنْ تَكُونِي زَوْجَتِي في الجَنَّةِ فَلا تَتَزَوَّجِي بَعْدِي، فَإنَّ المَرْأةَ في الجَنَّةِ لِآخِرِ أزْواجِها في الدُّنْيا، فَلِذَلِكَ حَرُمَ عَلى أزْواجِ النَّبِيِّ ﷺ أنْ يُنْكَحْنَ بَعْدَهُ؛ لِأنَّهُنَّ أزْواجُهُ في الجَنَّةِ. وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ عَنْ أبِي أُمامَةَ بْنِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنْ تُبْدُوا شَيْئًا أوْ تُخْفُوهُ﴾ قالَ: إنْ تَكَلَّمُوا بِهِ فَتَقُولُوا: نَتَزَوَّجُ فُلانَةَ لِبَعْضِ أزْواجِ النَّبِيِّ ﷺ أوْ تُخْفُوا ذَلِكَ في أنْفُسِكم فَلا تَنْطِقُوا بِهِ، يَعْلَمْهُ اللَّهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ والبَيْهَقِيُّ في ”سُنَنِهِ“ عَنِ ابْنِ شِهابٍ قالَ: «بَلَغَنا أنَّ العالِيَةَ بِنْتَ ظَبْيانَ طَلَّقَها النَّبِيُّ ﷺ قَبْلَ أنْ يُحَرِّمَ اللَّهُ نِساءَهُ عَلى النّاسِ، فَنَكَحَتِ ابْنَ عَمٍّ لَها ووَلَدَتْ فِيهِمْ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُقاتِلٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنْ تُبْدُوا شَيْئًا﴾ قالَ: مِمّا يَكْرَهُهُ النَّبِيُّ ﷺ، ﴿أوْ تُخْفُوهُ فَإنَّ اللَّهَ كانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ . يَقُولُ: فَإنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ.

الأحزاب 33:54

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ﴾ أخْرَجَ البُخارِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنْ أنَسٍ قالَ: «قالَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ: يا رَسُولَ اللَّهِ، يَدْخُلُ عَلَيْكَ البَرُّ والفاجِرُ، فَلَوْ أمَرْتَ أُمَّهاتِ المُؤْمِنِينَ بِالحِجابِ، فَأنْزَلَ اللَّهُ آيَةَ الحِجابِ» . وأخْرَجَ أحْمَدُ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ والبُخارِيُّ ومُسْلِمٌ والنَّسائِيُّ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، والبَيْهَقِيُّ في ”سُنَنِهِ“ مِن طُرُقٍ عَنْ أنَسٍ قالَ: «لَمّا تَزَوَّجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ زَيْنَبَ بِنْتَ جَحْشٍ دَعا القَوْمَ، فَطَعِمُوا، ثُمَّ جَلَسُوا يَتَحَدَّثُونَ وإذا هو كَأنَّهُ يَتَهَيَّأُ لِلْقِيامِ فَلَمْ يَقُومُوا، فَلَمّا رَأى ذَلِكَ قامَ، فَلَمّا قامَ قامَ مَن قامَ وقَعَدَ ثَلاثَةُ نَفَرٍ، فَجاءَ النَّبِيُّ ﷺ لِيَدْخُلَ فَإذا القَوْمُ جُلُوسٌ، ثُمَّ إنَّهم قامُوا، فانْطَلَقْتُ فَجِئْتُ فَأخْبَرْتُ النَّبِيَّ ﷺ أنَّهم قَدِ انْطَلَقُوا، (p-١٠٦)فَجاءَ حَتّى دَخَلَ، فَذَهَبْتُ أدْخُلُ فَألْقى الحِجابَ بَيْنِي وبَيْنَهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ﴾ الآيَةَ» . وأخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وحَسَّنَهُ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنْ أنَسٍ قالَ: «كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فَأتى بابَ امْرَأةٍ عَرَّسَ بِها، فَإذا عِنْدَها قَوْمٌ، فانْطَلَقَ فَقَضى حاجَتَهُ فَرَجَعَ وقَدْ خَرَجُوا، فَدَخَلَ وقَدْ أرْخى بَيْنِي وبَيْنَهُ سِتْرًا، فَذَكَرْتُهُ لَأبِي طَلْحَةَ فَقالَ: لَئِنْ كانَ كَما تَقُولُ لِيَنْزِلَنَّ في هَذا شَيْءٌ، فَنَزَلَتْ آيَةُ الحِجابِ» . وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، والبَيْهَقِيُّ في ”شُعَبِ الإيمانِ“ عَنْ أنَسٍ قالَ: «كُنْتُ أدْخُلُ عَلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِغَيْرِ إذْنٍ، فَجِئْتُ يَوْمًا لِأدْخُلَ فَقالَ: عَلى مَكانِكَ يا بُنَيَّ، إنَّهُ قَدْ حَدَثَ بَعْدَكَ أمْرٌ؛ لا تَدْخُلْ عَلَيْنا إلّا بِإذْنٍ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدُويَهْ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «دَخَلَ رَجُلٌ عَلى النَّبِيِّ ﷺ فَأطالَ الجُلُوسَ، فَقامَ النَّبِيُّ ﷺ مِرارًا كَيْ يَتْبَعَهُ ويَقُومَ فَلَمْ (p-١٠٧)يَفْعَلْ فَدَخَلَ عُمَرُ فَرَأى الرَّجُلَ وعَرَفَ الكَراهِيَةَ في وجْهِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِمَقْعَدِهِ فَقالَ: لَعَلَّكَ آذَيْتَ النَّبِيَّ ﷺ فَفَطِنَ الرَّجُلُ فَقامَ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: لَقَدْ قُمْتُ مِرارًا كَيْ يَتْبَعَنِي فَلَمْ يَفْعَلْ، فَقالَ عُمَرُ: لَوِ اتَّخَذْتَ حِجابًا فَإنَّ نِساءَكَ لَسْنَ كَسائِرِ النِّساءِ، وهو أطْهَرُ لِقُلُوبِهِنَّ، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ﴾ الآيَةَ، فَأرْسَلَ إلى عُمَرَ فَأخْبَرَهُ بِذَلِكَ» . وأخْرَجَ النَّسائِيُّ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدُويَهْ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: «كُنْتُ آكُلُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ حَيْسًا في قَعْبٍ، فَمَرَّ عُمَرُ فَدَعاهُ فَأكَلَ، فَأصابَتْ أُصْبُعُهُ أُصْبُعِي، فَقالَ عُمَرُ: أوْهِ، لَوْ أُطاعُ فَيَكُنَّ ما رَأتْكُنَّ عَيْنٌ، فَنَزَلَتْ آيَةُ الحِجابِ» . وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «نَزَلَ حِجابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في عُمَرَ، أكَلَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ طَعامًا، فَأصابَ يَدُهُ بَعْضَ أيْدِي نِساءِ النَّبِيِّ ﷺ، فَأُمِرَ بِالحِجابِ» . (p-١٠٨)وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ مَرْدُويَهْ عَنْ أنَسٍ قالَ: ما بَقِيَ أحَدٌ أعْلَمُ بِالحِجابِ مِنِّي، ولَقَدْ سَألَنِي أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ عَنْهُ فَقُلْتُ: نَزَلَتْ في زَيْنَبَ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، عَنْ قَتادَةَ في قَوْلِهِ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿غَيْرَ ناظِرِينَ إناهُ﴾ قالَ: غَيْرَ مُتَحَيِّنِينَ طَعامَهُ، ﴿ولَكِنْ إذا دُعِيتُمْ فادْخُلُوا فَإذا طَعِمْتُمْ فانْتَشِرُوا﴾ قالَ: كانَ هَذا في بَيْتِ أُمِّ سَلَمَةَ، أكَلُوا ثُمَّ أطالُوا الحَدِيثَ، فَجَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ يَخْرُجُ ويَدْخُلُ، ويَسْتَحْيِي مِنهم واللَّهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الحَقِّ، ﴿وإذا سَألْتُمُوهُنَّ مَتاعًا فاسْألُوهُنَّ مِن وراءِ حِجابٍ﴾ قالَ: بَلَغَنا أنَّهُنَّ أُمِرْنَ بِالحِجابِ عِنْدَ ذَلِكَ، ﴿لا جُناحَ عَلَيْهِنَّ في آبائِهِنَّ﴾ [الأحزاب: ٥٥] حَتّى قالَ: وما مَلَكَتْ أيْمانُهُنَّ. قالَ: فَرَخَّصَ لَهُنَّ ألّا يَحْتَجِبْنَ مِن هَؤُلاءِ. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أنَسٍ قالَ: «كانُوا يَجِيئُونَ فَيَدْخُلُونَ بَيْتَ النَّبِيِّ ﷺ فَيَجْلِسُونَ فَيَتَحَدَّثُونَ لِيُدْرِكَ الطَّعامُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إلا أنْ يُؤْذَنَ لَكم إلى طَعامٍ غَيْرَ ناظِرِينَ إناهُ﴾ لِيُدْرِكَ الطَّعامُ، ﴿ولا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ﴾ قالَ: لا تَجْلِسُوا فَتَحَدَّثُوا» . وأخْرَجَ الطَّسْتِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ نافِعَ بْنَ الأزْرَقِ قالَ لَهُ: أخْبِرْنِي عَنْ (p-١٠٩)قَوْلِهِ: ﴿غَيْرَ ناظِرِينَ إناهُ﴾ قالَ: الإنى: النَّضِيجُ، يَعْنِي: إذا أدْرَكَ الطَّعامُ، قالَ: وهَلْ تَعْرِفُ العَرَبُ ذَلِكَ؟ قالَ: نَعَمْ، أما سَمِعْتَ قَوْلَ الشّاعِرِ وهو يَقُولُ: ؎يُنْعِمُ ذاكَ الإنى العَبِيطِ كَما يُنْعِمُ غَرْبُ المَحالَةِ الجُمَلَ وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ مُجاهِدٍ، «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ يَطْعَمُ ومَعَهُ بَعْضُ أصْحابِهِ، فَأصابَتْ يَدُ رَجُلٍ مِنهم يَدَ عائِشَةَ فَكَرِهَ ذَلِكَ النَّبِيُّ ﷺ فَنَزَلَتْ آيَةُ الحِجابِ» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عائِشَةَ، «أنَّ أزْواجَ النَّبِيِّ ﷺ كُنَّ يَخْرُجْنَ بِاللَّيْلِ إذا تَبَرَّزْنَ إلى المَناصِعِ، وهو صَعِيدٌ أفْيَحُ، وكانَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ يَقُولُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: احْجُبْ نِساءَكَ، فَلَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَفْعَلُ، فَخَرَجَتْ سَوْدَةُ بِنْتُ زَمْعَةَ لَيْلَةً مِنَ اللَّيالِي عِشاءً، وكانَتِ امْرَأةً طَوِيلَةً، فَناداها عُمَرُ بِصَوْتِهِ الأعْلى: قَدْ عَرَفْناكِ يا سَوْدَةُ، حِرْصًا عَلى أنْ يُنْزَلَ الحِجابُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ الحِجابَ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ﴾ الآيَةَ» . (p-١١٠)وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿غَيْرَ ناظِرِينَ إناهُ﴾ . قالَ: غَيْرَ مُتَحَيِّنِينَ نُضْجَهُ، ﴿ولا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ﴾: بَعْدَ أنْ تَأْكُلُوا. وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ الضَّحّاكِ في قَوْلِهِ: ﴿إناهُ﴾ قالَ: نُضْجَهُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ سُلَيْمانَ بْنِ أرْقَمَ في قَوْلِهِ: ﴿ولا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ﴾ . قالَ: نَزَلَتْ في الثُّقَلاءِ. وأخْرَجَ الخَطِيبُ عَنْ أنَسٍ قالَ: «كانُوا إذا طَعِمُوا جَلَسُوا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ رَجاءَ أنْ يَجِيءَ شَيْءٌ، فَنَزَلَتْ: ﴿فَإذا طَعِمْتُمْ فانْتَشِرُوا ولا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ﴾ [الأحزاب»: ٥٣] . وأخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿وإذا سَألْتُمُوهُنَّ مَتاعًا﴾ . قالَ: أزْواجُ النَّبِيِّ ﷺ عَلَيْهِنَّ الحِجابُ. وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ في قَوْلِهِ: ﴿وإذا سَألْتُمُوهُنَّ مَتاعًا﴾ قالَ: حاجَةً. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: «فَضَلَ النّاسَ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ بِأرْبَعٍ: بِذِكْرِهِ الأُسارى يَوْمَ بَدْرٍ؛ أمَرَ بِقَتْلِهِمْ فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ﴾ [الأنفال: ٦٨] الآيَةَ [الأنْفالِ: ٦٨]، وبِذِكْرِهِ الحِجابَ أمَرَ نِساءَ النَّبِيِّ ﷺ أنْ يَحْتَجِبْنَ، فَقالَتْ لَهُ زَيْنَبُ: وإنَّكَ لَتَغارُ عَلَيْنا يا ابْنَ الخَطّابِ والوَحْيُ يَنْزِلُ في بُيُوتِنا. (p-١١١)فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وإذا سَألْتُمُوهُنَّ مَتاعًا فاسْألُوهُنَّ مِن وراءِ حِجابٍ﴾، وبِدَعْوَةِ النَّبِيِّ ﷺ: اللَّهُمَّ أيِّدِ الإسْلامَ بِعُمَرَ، وبِرَأْيِهِ في أبِي بَكْرٍ كانَ أوَّلَ النّاسِ بايَعَهُ» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: أمَرَ عُمَرُ نِساءَ النَّبِيِّ ﷺ بِالحِجابِ، فَقالَتْ زَيْنَبُ: يا ابْنَ الخَطّابِ، إنَّكَ لَتَغارُ عَلَيْنا والوَحْيُ يَنْزِلُ في بُيُوتِنا! فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿وإذا سَألْتُمُوهُنَّ﴾ الآيَةَ. وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذا نَهَضَ إلى بَيْتِهِ بادَرُوهُ فَأخَذُوا المَجالِسَ، فَلا يُعْرَفُ ذَلِكَ في وجْهِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ولا يَبْسُطُ يَدَهُ إلى الطَّعامِ اسْتَحْياءً مِنهُمْ، فَعُوتِبُوا في ذَلِكَ فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ﴾ الآيَةَ» . وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ عَنْ أنَسٍ قالَ: «نَزَلَ الحِجابُ مُبْتَنى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِزَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ وذَلِكَ سَنَةَ خَمْسٍ مِنَ الهِجْرَةِ، وحَجَبَ نِساءَهُ مِنِّي يَوْمَئِذٍ وأنا ابْنُ خَمْسَ عَشْرَةَ» . وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ عَنْ صالِحِ بْنِ كَيْسانَ قالَ: نَزَلَ حِجابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلى نِسائِهِ في ذِي القَعْدَةِ سَنَةَ خَمْسٍ مِنَ الهِجْرَةِ. * * قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وما كانَ لَكُمْ﴾ الآيَةَ. (p-١١٢)وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ، وابْنُ مَرْدُويَهْ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿كانَ لَكم أنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ﴾ الآيَةَ. قالَ: نَزَلَتْ في رَجُلٍ هَمَّ أنْ يَتَزَوَّجَ بَعْضَ نِساءِ النَّبِيِّ ﷺ بَعْدَهُ. قالَ سُفْيانُ: ذَكَرُوا أنَّها عائِشَةُ. وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «قالَ رَجُلٌ: لَئِنْ ماتَ مُحَمَّدٌ لَأتَزَوَّجَنَّ عائِشَةَ، فَنَزَلَتْ: ﴿وما كانَ لَكم أنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ﴾ الآيَةَ» . وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ قالَ: «بَلَغَ النَّبِيَّ ﷺ أنَّ رَجُلًا يَقُولُ: لَوْ تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ تَزَوَّجْتُ فُلانَةَ مِن بَعْدِهِ. فَكانَ ذَلِكَ يُؤْذِي النَّبِيَّ ﷺ، فَنَزَلَ القُرْآنُ: ﴿وما كانَ لَكم أنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ﴾ الآيَةَ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ السُّدِّيِّ قالَ: «بَلَغَنا أنَّ طَلْحَةَ بْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ قالَ: أيَحْجُبُنا مُحَمَّدٌ عَنْ بَناتِ عَمِّنا ويَتَزَوَّجُ نِساءَنا مِن بَعْدِنا؟ لَئِنْ حَدَثَ بِهِ حَدَثٌ لَنَتَزَوَّجَنَّ نِساءَهُ مِن بَعْدِهِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ» . وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ عَنْ قَتادَةَ قالَ: «قالَ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ: لَوْ قُبِضَ النَّبِيُّ ﷺ تَزَوَّجْتُ عائِشَةَ، فَنَزَلَتْ: ﴿وما كانَ لَكم أنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ﴾ الآيَةَ» . (p-١١٣)وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ عَنْ أبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ «فِي قَوْلِهِ: ﴿وما كانَ لَكم أنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ﴾ . قالَ: نَزَلَتْ في طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ، لِأنَّهُ قالَ: إذا تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ تَزَوَّجْتُ عائِشَةَ» . وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في ”السُّنَنِ“ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «قالَ رَجُلٌ مِن أصْحابِ النَّبِيِّ ﷺ: لَوْ قَدْ ماتَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ تَزَوَّجْتُ عائِشَةَ، أوْ أُمَّ سَلَمَةَ، فَأنَزَلَ اللَّهُ: ﴿وما كانَ لَكم أنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ﴾ الآيَةَ» . وأخْرَجَ جُوَيْبِرٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، «أنَّ رَجُلًا أتى بَعْضَ أزْواجِ النَّبِيِّ ﷺ، فَكَلَّمَها وهو ابْنُ عَمِّها، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: لا تَقُومَنَّ هَذا المَقامَ بَعْدَ يَوْمِكَ هَذا. فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّها ابْنَةُ عَمِّي، واللَّهِ ما قُلْتُ لَها مُنْكَرًا، ولا قالَتْ لِي. قالَ النَّبِيُّ ﷺ: قَدْ عَرَفْتُ ذَلِكَ؛ إنَّهُ لَيْسَ أحَدٌ أغْيَرَ مِنَ اللَّهِ، وإنَّهُ لَيْسَ أحَدٌ أغْيَرَ مِنِّي. فَمَضى ثُمَّ قالَ: يَمْنَعُنِي مِن كَلامِ ابْنَةِ عَمِّي! لَأتَزَوَّجَنَّها مِن بَعْدِهِ. فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ، فَأعْتَقَ ذَلِكَ الرَّجُلُ رَقَبَةً، وحَمَلَ عَلى عَشْرَةِ أبْعِرَةٍ في سَبِيلِ اللَّهِ، وحَجَّ ماشِيًا تَوْبَةً مِن كَلِمَتِهِ» . وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ «عَنْ أسْماءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ قالَتْ: خَطَبَنِي عَلِيٌّ فَبَلَغَ ذَلِكَ فاطِمَةُ، فَأتَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقالَتْ: إنَّ أسْماءَ مُتَزَوِّجَةٌ عَلِيًّا، فَقالَ لَها النَّبِيُّ ﷺ: ما كانَ لَها أنْ تُؤْذِيَ اللَّهَ ورَسُولَهُ» . (p-١١٤)وأخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في ”السُّنَنِ“ عَنْ حُذَيْفَةَ، أنَّهُ قالَ لِامْرَأتِهِ: إنْ سَرَّكِ أنْ تَكُونِي زَوْجَتِي في الجَنَّةِ فَلا تَتَزَوَّجِي بَعْدِي، فَإنَّ المَرْأةَ في الجَنَّةِ لِآخِرِ أزْواجِها في الدُّنْيا، فَلِذَلِكَ حَرُمَ عَلى أزْواجِ النَّبِيِّ ﷺ أنْ يُنْكَحْنَ بَعْدَهُ؛ لِأنَّهُنَّ أزْواجُهُ في الجَنَّةِ. وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ عَنْ أبِي أُمامَةَ بْنِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنْ تُبْدُوا شَيْئًا أوْ تُخْفُوهُ﴾ قالَ: إنْ تَكَلَّمُوا بِهِ فَتَقُولُوا: نَتَزَوَّجُ فُلانَةَ لِبَعْضِ أزْواجِ النَّبِيِّ ﷺ أوْ تُخْفُوا ذَلِكَ في أنْفُسِكم فَلا تَنْطِقُوا بِهِ، يَعْلَمْهُ اللَّهُ. وأخْرَجَ عَبْدُ الرَّزّاقِ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وابْنُ المُنْذِرِ والبَيْهَقِيُّ في ”سُنَنِهِ“ عَنِ ابْنِ شِهابٍ قالَ: «بَلَغَنا أنَّ العالِيَةَ بِنْتَ ظَبْيانَ طَلَّقَها النَّبِيُّ ﷺ قَبْلَ أنْ يُحَرِّمَ اللَّهُ نِساءَهُ عَلى النّاسِ، فَنَكَحَتِ ابْنَ عَمٍّ لَها ووَلَدَتْ فِيهِمْ» . وأخْرَجَ ابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنْ مُقاتِلٍ في قَوْلِهِ: ﴿إنْ تُبْدُوا شَيْئًا﴾ قالَ: مِمّا يَكْرَهُهُ النَّبِيُّ ﷺ، ﴿أوْ تُخْفُوهُ فَإنَّ اللَّهَ كانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ . يَقُولُ: فَإنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ.

الأحزاب 33:55

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا جُناحَ عَلَيْهِنَّ في آبائِهِنَّ﴾ الآيَةَ. (p-١١٥)أخْرَجَ ابْنُ مَرْدُويَهْ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿لا جُناحَ عَلَيْهِنَّ في آبائِهِنَّ﴾ حَتّى بَلَغَ: ﴿ولا نِسائِهِنَّ﴾ قالَ: أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في نِساءِ النَّبِيِّ ﷺ خاصَّةً. وقَوْلُهُ: ﴿نِسائِهِنَّ﴾ يَعْنِي نِساءَ المُسْلِماتِ و: ﴿ما مَلَكَتْ أيْمانُهُنَّ﴾ مِنَ المَمالِيكِ، والإماءِ ورَخَّصَ لَهُنَّ أنْ يَرَوْهُنَّ بَعْدَما ضُرِبَ عَلَيْهِنَّ الحِجابُ. وأخْرَجَ الفِرْيابِيُّ، وعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ، وأبُو داوُدَ في ”ناسِخِهِ“، وابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، وابْنُ أبِي حاتِمٍ، عَنْ مُجاهِدٍ في قَوْلِهِ: ﴿لا جُناحَ عَلَيْهِنَّ في آبائِهِنَّ﴾، ومِن ذُكِرَ مَعَهُنَّ، أنْ يَرَوْهُنَّ، يَعْنِي أزْواجَ النَّبِيِّ ﷺ . وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ، أنَّهُ قِيلَ لَهُ: مَن كانَ يَدْخُلُ عَلى أزْواجِ النَّبِيِّ ﷺ؟ قالَ: كُلُّ ذِي رَحِمِ مَحْرَمٍ مِن نَسَبٍ أوْ رِضاعٍ. قِيلَ: فَسائِرُ النّاسِ؟ قالَ: كُنَّ يَحْتَجِبْنَ مِنهُ حَتّى إنَّهُنَّ لَيُكَلِّمْنَهُ مِن وراءِ حِجابٍ، ورُبَّما كانَ سِتْرًا واحِدًا إلّا المَمْلُوكِينَ والمُكاتَبِينَ فَإنَّهُنَّ كُنَّ لا يَحْتَجِبْنَ مِنهم. وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ وأبُو داوُدَ في ”ناسِخِهِ“ عَنْ أبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ، أنَّ الحَسَنَ والحُسَيْنَ كانا لا يَرَيانِ أُمَّهاتِ المُؤْمِنِينَ. فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إنَّ رُؤْيَتَهُما لَهُنَّ لَحِلٌّ. وأخْرَجَ ابْنُ سَعْدٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: بَلَغَ ابْنَ عَبّاسٍ أنَّ عائِشَةَ احْتَجَبَتْ مِنَ الحَسَنِ، فَقالَ: إنَّ رُؤْيَتَهُ لَها لَحِلٌّ. (p-١١٦)وأخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وابْنُ المُنْذِرِ، عَنْ عِكْرِمَةَ في قَوْلِهِ: ﴿لا جُناحَ عَلَيْهِنَّ﴾ الآيَةَ، قالَ: لَمْ يَذْكُرِ العَمَّ والخالَ؛ لِأنَّهُما يَنْعَتانِها لِأبْنائِهِما.