Al Lubab fi Ulum Al Kitab — الشرح 94:1 – العلق 96:19
المحتويات
- الشرح 94:1
- الشرح 94:2
- الشرح 94:3
- الشرح 94:4
- الشرح 94:5
- الشرح 94:6
- الشرح 94:7
- الشرح 94:8
- التين 95:1
- التين 95:2
- التين 95:3
- التين 95:4
- التين 95:5
- التين 95:6
- التين 95:7
- التين 95:8
- العلق 96:1
- العلق 96:2
- العلق 96:3
- العلق 96:4
- العلق 96:5
- العلق 96:6
- العلق 96:7
- العلق 96:8
- العلق 96:9
- العلق 96:10
- العلق 96:11
- العلق 96:12
- العلق 96:13
- العلق 96:14
- العلق 96:15
- العلق 96:16
- العلق 96:17
- العلق 96:18
- العلق 96:19
الشرح 94:1
مكية، وهي ثماني آيات، وتسع وعشرون كلمة، ومائة وثلاثة أحرف. بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ ، الاستفهام إذا دخل على النفي قرره، فصار المعنى: قد شرحنا، ولذلك عطف عليه الماضي، ومثله: ﴿أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيداً وَلَبِثْتَ﴾ [الشعراء: 18] ، والعامة: على جزم الحاء ب «لَمْ» .
وقرأ أبو جعفر المنصور: بفتحها.
فقال الزمخشري: وقالوا: لعلَّهُ بين الحاء، وأشبعها في مخرجها فظن السامع أنه فتحها.
وقال ابن عطية: إن الأصل: «ألَمْ نَشْرحَنْ» بالنون الخفية، ثم أبدلها ألفاً ثم حذفها تخفيفاً كما أنشد أبو زيد: [الرجز]
5245 - مِنْ أيِّ يَوميَّ مِنَ المَوْتِ أَفِرْ ... أيَوْمَ لَمْ يقْدرَ أمْ يَوْمَ قُدِرْ
بفتح راء: «يقدر» وكقوله: [المنسرح]
5246 - إضْرِبَ عَنْكَ الهُمُومَ طَارقهَا ... ضَرْبكَ بالسَّيْفِ قَوْنسَ الفَرسِ بفتح باء «اضرب» انتهى. وهذا مبني على جواز توكيد المجزوم ب «لم» ، وهو قليل جداً، كقوله: [الرجز]
5247 - يَحْسبهُ الجَاهِلُ مَا لَمْ يَعْلمَا ... شَيْخاً عَلى كُرْسيِّهِ مُعَمَّمَا
فتتركب هذه القراءة من ثلاثة أصول كلها ضعيفة، لأن توكيد المجزوم ب «لَمْ» ضعيف، وإبدالها ألفاً إنما هو في الوقف، فاجراء الوصل مجرى الوقف خلاف الأصل، وحذف الألف ضعيف؛ لأنه خلاف الأصل.
وخرجه أبو حيان على لغة خرجها اللحياني في «نوادره» عن بعض العرب، وهو أن الجزم ب «لَنْ» والنصب ب «لَمْ» عمس المعروف عند الناس، وجعله أحسن مما تقدم.
وأنشد قول عائشة بنت الأعجم تمدح المختار تطلب ثأر الحسين بن علي رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما وعن بقية الصحابة أجمعين: [البسيط]
5248 - قَدْ كَان سُمْكُ الهُدَى يَنْهَدُّ ... قَائمهُ حتَّى أبِيحَ لهُ المُختارُ فانْغَمَدَا
فِي كُلِّ ما هَمَّ أمْضَى رأيهُ قُدُماً ... ولَمْ يُشاوِرَ في إقْدامهِ أحَدَا
[بنصب راء «يشاور» ، وجعله محتمل للتخريجين. وشرح الصدر: فتحه؛ أي ألم تفتح صدرك للإسلام.
وقال ابن عباس: ألم تلين قلبك وعن الحسن في قوله: ألم نشرح، وقال مكي: حلماً وعلماً] .
وشرح الصدر: فتحه: روي أن جبريل - عليه السلام - أتاه وشق صدره، وأخرج قلبه، وغسله وأنقاه من المعاصي، ثم ملأه علماً، وإيماناً، ووضعه في صدره، وطعن القاضي في هذه الرواية من وجوه: أحدها: أن هذه الواقعة إنما وقعت حال صغرهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وذلك من المعجزات فلا يجوز أن يتقدم بثبوته.
وثانيها: أن تأثير الغسل في إزالة الأجسام، والمعاصي ليست بإجرام فلم يؤثر الغسل فيها.
وثالثها: أنه لا يصح أن يملأ القلب علماً، بل الله تبارك وتعالى يخلق فيه العلوم.
وأجيب عن الأول: بأن تقديم المعجزات على زمان البعثة جائز، وهو المسمى بالإرهاص، ومثله في حق الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ كثير.
وعن الثاني، والثالث: لا يبعد أن يكون حصول ذلك الدم الأسود الذي غسلوه من قلب الرسول - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - ميل القلب إلى المعاصي وإحجامه عن الطاعات، فإذا أزالوه عنه كان ذلك علامة لمواظبة صاحبه على الطاعات، واحترازه عن السيئات، فكان ذلك، كالعلامة للملائكة على عصمة صاحبه.
وأيضاً فإن الله تعالى يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد.
روى ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما - أنهم قالوا: «يا رسول الله، أينشرح الصدر؟ .
قال:» نعم وينفسح» ، قالوا: يا رسول الله، وهل لذلك علامة؟ .
قال: «نعم، التجافي عن دار الغرور، والإنابة إلى دار الخلود، والاعتداد للموت قبل نزول الموت» » .
قال القرطبيُّ: معنى ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ﴾ قد شرحنا، و «لَمْ» جحد، وفي الاستفهام طرف من الجحد وإذا وقع جحد، رجع إلى التحقيق، كقوله تعالى: ﴿أَلَيْسَ الله بِأَحْكَمِ الحاكمين﴾ [التين: 8] ، ومعناه: الله أحكم الحاكمين، وكذا ﴿أَلَيْسَ الله بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ [الزمر: 36] ، ومنه قول جرير يمدح عبد الملك بن مروان: [الوافر]
5249 - ألَسْتُمْ خَيْرَ مَنْ رَكِبَ المَطايَا ... وأنْدَى العَالمِينَ بُطُونَ رَاحِ
المعنى: أنتم كذا.
فإن قيل: لم قال عَزَّ وَجَلَّ: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ فذكر الصدر ولم يذكر القلب؟ .
فالجوابُ: لأن محلَّ الوسوسة هو الصَّدر على ما قال تعالى: ﴿يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ الناس﴾ [الناس: 5] فإبدال تلك الوسوسة بدواعي الخير هو الشرح، فلذلك خص الشرح بالصدر دون القلب.
وقيل: الصدر حضن القلب، فيقصده الشبطان، فإن وجد مسلكاً أغار فيه، وبث جنده فيه وبث فيه الغموم، والهموم والحرص، فيقسو القلب حينئذ، ولا يجد للطاعة لذة، ولا للإسلام حلاوةً، فإذا طرد في الابتداء حصل الأمن، وانشرح الصدر.
فإن قيل: لِمَ قال: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ ولم يقل: «ألَمْ نَشْرَحْ صَدْرَك» ؟ .
فالجوابُ: كأنه تعالى يقول: لام بلام، فأنت إنما تفعل الطاعات لأجلي، وأنا أيضاً جميع ما أفعله لأجلك.
فصل فيمن اعتبر «والضحى» ، و «ألم نشرح» سورة واحدة
روي عن طاوس، وعمر بن عبد العزيز أنهما كانا يقرآن: «والضُّحَى» ، و ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ﴾ سورة واحدة، وكانا يقرآنها في ركعة واحدة، ولا يفصلان بينهما ب «بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحيمِ» ، وذلك لأنهما رأيا أن أولهما يشبه قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فآوى﴾ . وليس كذلك، لأن حالة اغتمامه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ بإيذاء الكفار، فهي حالة محنةٍ وضيق، وهذه حالة انشراح الصدر، وطيب القلبِ فكيف يجتمعان؟ .
قوله: ﴿وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ﴾ ، أي: حططنا عنك ذنبك.
وقرأ أنس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - وحللنا وحططنا.
وقرأ ابن مسعود: «وَحَلَلْنَا عَنْكَ وقْرَكَ» . وهذه الآية مثل قوله: ﴿لِّيَغْفِرَ لَكَ الله مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الفتح: 2] .
قيل: الجميع كانوا قبل النبوة، أي: وضعنا عنك ما كنت فيه من أمر الجاهلية؛ لأنه كان صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ كان في يسر من مذاهب قومه، وإن لم يكن عبد صنماً، ولا وثناً.
قوله
: ﴿الذي أَنقَضَ ظَهْرَكَ﴾ ، أي: حمله على النقض، وهو صوت الانتقاض والانفكاك لثقله، مثل لما كان يثقله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ.
قال أهل اللغة: أنقض الحمل ظهر الناقة: إذا سمعت له صريراً من شدة الحمل، وسمعت نقيض الرجل أي صريره؛ قال العبَّاس بن مرداسٍ: [الطويل]
5250 - وأنْقضَ ظَهْرِي ما تطَوَّيْتُ مِنهُم ... وكُنْتُ عَليْهِمْ مُشْفِقاً مُتَحَنِّنَا
وقال جميلٌ: [الطويل]
5251 - وحتَّى تَداعَتْ بالنَّقيضِ حِبالهُ ... وهَمَّتْ بَوانِي زَوْرهِ أنْ تُحطَّمَا
والمعنى: أثقل ظهرك حين سمع نقيضه، أي: صوته.
والوِزْرُ: الحمل الثقيل.
قال المحاسبيُّ: يعني: ثقل الوزر لو لم يعفُ الله عنه.
قال: وإنما وُصفتْ ذنوبُ الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - بهذا الثقل مع كونها مغفورة لشدة اهتمامهم بها، وندمهم منها، وتحسرهم عليها [وقال الحسين بن الفضل: يعني الخطأ والسهو.
وقيل: ذنوب أمتك اضافها إليه لاشتغال قلبه بها] .
وقال عبد العزيز بن يحيى وأبو عبيدة: خففنا عنك أعباء النبوة، والقيام بها، حتى لا تثقل عليك.
وقيل: كان في الابتداء يثقل عليه الوحي، حتى كاد يرمي نفسه من شاهق الجبل، إلى أن جاء جبريل - عليه السلام - وأزال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ عنه ما كان يخاف من تغير العقل.
وقيل: عصمناك عن احتمال الوِزْر، وحفظناك قيل النبوة في الأربعين من الأدناس، حتى نزل عليه الوحي، وأنت مطهَّر من الأدناس.
قوله: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ ، قال مجاهد: يعني بالتأذين.
وروى الضحاك عن ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم - يقول عَزَّ وَجَلَّ له: لا ذكرت إلا ذكرت معي في الأذان، والإقامة، والتشهد، ويوم الجمعة على المنابر، ويوم الفطر، ويوم الأضحى، وأيام التشريق ويوم عرفة، وعند الجمار وعلى الصفا والمروة وفي خطبة النكاح، وفي مشارق الأرض ومغاربها. ولو أن رجلاً عبد الله تعالى، وصدق بالجنة والنار وكل شيءٍ ولم يشهد أن محمداً رسول الله لم ينتفع شيء وكان كافراً.
وقيل: أعلينا ذكرك، فذكرناك في الكتب المنزلة على الأنبياء قبلك، وأمرناهم بالبشارة بك، ولا دين إلا ودينك يظهر عليه.
وقيل: رفعنا ذكرك عند الملائكة في السماء وفي الأرض عند المؤمنين، ونرفع في الآخرة ذكرك بما نعطيك من المقام المحمود، وكرائم الدرجات. وقيل: عام في كل ذكر.
قوله: ﴿فَإِنَّ مَعَ العسر يُسْراً﴾ العامة، على سكون السين في الكلم الأربع.
وابن وثَّاب وأبو جعفر وعيسى: بضمها، وفيه خلاف، هل هو أصل، أو منقول من المسكن؟ والألف واللام في العسر الأول لتعريف الجنس، وفي الثاني للعهد، وكذلك روي عن ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - لن يغلب عسرٌ يسرين وروي أيضاً مرفوعاً أنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ خرج يضحك يقول:
«لن يغلب عسر يسرين» والسبب فيه أن العرب إذا أتت باسم، ثم أعادته مع الألف واللام، كان هو الأول، نحو: جاء رجل فأكرمتُ الرجل، وقوله تعالى: ﴿كَمَآ أَرْسَلْنَآ إلى فِرْعَوْنَ رَسُولاً فعصى فِرْعَوْنُ الرسول﴾ [المزمل: 15، 16] ، ولو أعادته بغير ألف ولام كان غير الأول، فقوله تعالى: ﴿فَإِنَّ مَعَ العسر يُسْراً﴾ لما أعاد العسر الثاني أعاده ب «أل» ، ولما كان اليُسْر الثاني غير الأول لم يعده بأل.
وقال الزمخشريُّ: فإن قلت: ما معنى قول ابن عبَّاس؟ وذكر ما تقدم.
قلت: هذا عمل على الظاهر، وبناء على قوة الرجاء، وأن موعد الله تعالى لا يحمل إلا على أوفى ما يحتمله اللفظ، وأبلغه، والقول فيه أنه يحتمل أن تكون الجملة الثانية تكريراً للأولى كما كرر قوله: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾ لتقرير معناها في النفوس، وتمكنها في القلوب، وكما يكرر المفرد في قوله: «جاء زيد زيد» ، وأن تكون الأولى عدة بأن العسر مردوف بيُسْرٍ [لا محالة والثانية: عدة مستأنفة بأن العسر متبوع بيسر] فهما يسران على تقدير الاستئناف وإنَّما كان العسر واحداً لأنه لا يخلو، إما أن يكون تعريفه للعهد، وهو العسر الذي كانوا فيه، فهو هو، لأن حكمه حكم زيد في قولك: «إن مع زيد مالاً، إن مع زيد مالاً» ، وإما أن يكون للجنس الذي يعلمه كل أحد، فهو هو أيضاً، وأما اليسر، فمنكر متناول لبعض الجنس، فإذا كان الكلام الثاني مستأنفاً غير مكرر، فقد تناول بعضاً غير البعض الأول بغير إشكال.
قال أبو البقاء: العسر في الموضعين واحد؛ لأن الألف واللام توجب تكرير الأول، وأما يُسْراً في الموضعين، فاثنان، لأن النكرة إذا أريد تكريرها جيء بضميرها، أو بالألف واللام ومن هنا قيل: «لَنْ يَغْلِبَ عُسرٌ يُسرَيْنِ» .
وقال الزمخشريُّ أيضاً فإن قلت: «إن» مَعَ «للصحبة، فما معنى اصطحاب اليسر والعسر؟ قلت: أراد أن الله - تعالى - يصيبهم بيسر بعد العسر الذي كانوا فيه بزمان قريب، فقرب اليسر المترقب، حتى جعله كالمقارن للعسر زيادة في التسلية، وتقوية للقلوب.
وقال أيضاً فإن قلت: فما معنى هذا التنكير؟ .
قلت: التفخيم كأنه قيل: إنّ مع العسر يسراً عظيماً، وأي يسر، وهو في مصحف ابن مسعود مرة واحدة.
فإن قلت: فإذا أثبت في قراءته غير مكرر فلم قال: والذي نفسي بيده لو كان العسر في حجر لطلبه اليسر، حتى يدخل عليه، إنه لن يغلب عسر يسرين؟ .
قلت: كأنه قصد اليسرين، وأما في قوله:» يُسْراً» من معنى التفخيم، فتأوله بيسر الدَّارين، وذلك يسران في الحقيقة.
فصل في تعلق هذه الآية بما قبلها
تعلق هذه الآية بما قبلها أن الله تعالى بعث نبيه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فعيَّره المشركون بفقره، حتى قالوا له: نجمع لك مالاً، فاغتنم لذلك، وظن أنهم إنما رغبوا عن الإسلام لكونه فقيراً حقيراً عندهم، فعدد الله - تعالى - عليه منته بقوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ﴾ ، أي: ما كنت فيه من أمر الجاهلية، ثم وعده بالغنى في الدنيا ليزيل في قلبه ما حصل فيه من التأذي، بكونهم عيَّروه بالفقر، فقال تعالى: ﴿فَإِنَّ مَعَ العسر يُسْراً﴾ فعطفه بالفاء أي: لا يحزنك ما عيروك به في الفقر، فإن ذلك يسراً عاجلاً في الدنيا فأنجز له ما وعده، فلم يمت، حتى فتح عليه «الحجاز» ، و «اليمن» ووسع عليه ذات يده، حتَّى كان يعطي الرجل المائتين من الإبل، ويهب الهبات السنية، وترك لأهله قوت سنته، وهذا وإن كان خاصاً بالنبي - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - فقد يدخل فيه بعض أمته صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ إن شاء الله تعالى، ثم ابتدأ فصلاً آخر من أمر الآخرة، فقال:
﴿إِنَّ مَعَ العسر يُسْراً﴾ فهذا شيء آخر، والدليل على ابتدائه، تعديه من فاء، وواو، وغيرهما من حروف النسق التي تدخل على العطف، فهذا عام لجميع للمؤمنين، ﴿إِنَّ مَعَ العسر يُسْراً﴾ للمؤمنين يسراً في الآخرة لا محالة، وربما اجتمع يسرُ الدنيا، ويسرُ الآخرة.
قوله: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ﴾ .
العامة: على فتح الراء: من «فَرغْتَ» ، وهي الشهيرة.
وقرأها أبو السمال: مكسورة، وهي لغة فيه.
قال الزمخشري: «وليست بالفصيحة» .
وقال الزمخشري أيضاً: «فإن قلت: كيف تعلق قوله تعالى: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فانصب﴾ بما قبله؟ .
قلت: لما عدد عليه نعمه السالفة، ووعوده الآنفة، بعثه على الشكر، والاجتهاد في العبادة، والنصب فيها» .
وعن ابن عباس: فإذا فرغت من صلاتك، فانصب في الدعاء.
العامة: على فتح الصَّاد وسكون الباء أمراً من النصب وقرىء: بتشديد الباء مفتوحة أمراً من الإنصاب.
وكذا قرىء بكسر الصاد ساكنة الباء، أمراً من النَّصْب بسكون الصاد.
قال شهاب الدين: ولا أظن الأولى إلا تصحيفاً، ولا الثانية إلا تحريفاً، فإنها تروى عن الإمامية وتفسيرها: فإذا فرغت من النبوة فانصب الخليفة.
وقال ابن عطية: وهي قراءة شاذةٌ، لم تثبت عن عالم.
قال الزمخشريُّ: ومن البدع ما روي عن بعض الرافضة، أنه قرأ: «فانْصِبْ» - بكسر الصاد - أي: فانصب علياً للإمامة، ولو صح هذا للرافضيِّ، لصحَّ للناصبي أن يقرأ هكذا، ويجعله أمراً بالنصب الذي هو بغض علي، وعداوته.
قال ابن مسعود: «إذا فرغت من الفرائض فانصب في قيام الليل» .
وقال الكلبيُّ: «إذا فرغت من تبليغ الرسالة فانصب، أي: استغفِرْ لذَنْبِكَ وللمُؤمنينَ والمُؤْمِنَات» .
وقال الحسنُ وقتادة: «فإذا فرغت من جهاد عدوك فانصب لعبادة ربِّك» .
قوله: ﴿وإلى رَبِّكَ فارغب﴾ .
قرأ الجمهور: «فارْغَبْ» أمر من «رغبَ» ثلاثياً.
وقرأ زيد بن علي، وابن أبي عبلة: «فَرغِّبْ» بتشديد الغين، أمر من «رَغَّبَ» بتشديد الغين أي: فرغب الناس إلى طلب ما عنده.
عن عبد الله بن مسعود - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - قال: سمعت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ يقول: «مَنْ قَرَأ ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ فكأنما جاءني وأنا مغتم ففرج عني» والله تعالى أعلم.
سورة التين
الشرح 94:2
مكية، وهي ثماني آيات، وتسع وعشرون كلمة، ومائة وثلاثة أحرف. بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ ، الاستفهام إذا دخل على النفي قرره، فصار المعنى: قد شرحنا، ولذلك عطف عليه الماضي، ومثله: ﴿أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيداً وَلَبِثْتَ﴾ [الشعراء: 18] ، والعامة: على جزم الحاء ب «لَمْ» .
وقرأ أبو جعفر المنصور: بفتحها.
فقال الزمخشري: وقالوا: لعلَّهُ بين الحاء، وأشبعها في مخرجها فظن السامع أنه فتحها.
وقال ابن عطية: إن الأصل: «ألَمْ نَشْرحَنْ» بالنون الخفية، ثم أبدلها ألفاً ثم حذفها تخفيفاً كما أنشد أبو زيد: [الرجز]
5245 - مِنْ أيِّ يَوميَّ مِنَ المَوْتِ أَفِرْ ... أيَوْمَ لَمْ يقْدرَ أمْ يَوْمَ قُدِرْ
بفتح راء: «يقدر» وكقوله: [المنسرح]
5246 - إضْرِبَ عَنْكَ الهُمُومَ طَارقهَا ... ضَرْبكَ بالسَّيْفِ قَوْنسَ الفَرسِ بفتح باء «اضرب» انتهى. وهذا مبني على جواز توكيد المجزوم ب «لم» ، وهو قليل جداً، كقوله: [الرجز]
5247 - يَحْسبهُ الجَاهِلُ مَا لَمْ يَعْلمَا ... شَيْخاً عَلى كُرْسيِّهِ مُعَمَّمَا
فتتركب هذه القراءة من ثلاثة أصول كلها ضعيفة، لأن توكيد المجزوم ب «لَمْ» ضعيف، وإبدالها ألفاً إنما هو في الوقف، فاجراء الوصل مجرى الوقف خلاف الأصل، وحذف الألف ضعيف؛ لأنه خلاف الأصل.
وخرجه أبو حيان على لغة خرجها اللحياني في «نوادره» عن بعض العرب، وهو أن الجزم ب «لَنْ» والنصب ب «لَمْ» عمس المعروف عند الناس، وجعله أحسن مما تقدم.
وأنشد قول عائشة بنت الأعجم تمدح المختار تطلب ثأر الحسين بن علي رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما وعن بقية الصحابة أجمعين: [البسيط]
5248 - قَدْ كَان سُمْكُ الهُدَى يَنْهَدُّ ... قَائمهُ حتَّى أبِيحَ لهُ المُختارُ فانْغَمَدَا
فِي كُلِّ ما هَمَّ أمْضَى رأيهُ قُدُماً ... ولَمْ يُشاوِرَ في إقْدامهِ أحَدَا
[بنصب راء «يشاور» ، وجعله محتمل للتخريجين. وشرح الصدر: فتحه؛ أي ألم تفتح صدرك للإسلام.
وقال ابن عباس: ألم تلين قلبك وعن الحسن في قوله: ألم نشرح، وقال مكي: حلماً وعلماً] .
وشرح الصدر: فتحه: روي أن جبريل - عليه السلام - أتاه وشق صدره، وأخرج قلبه، وغسله وأنقاه من المعاصي، ثم ملأه علماً، وإيماناً، ووضعه في صدره، وطعن القاضي في هذه الرواية من وجوه: أحدها: أن هذه الواقعة إنما وقعت حال صغرهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وذلك من المعجزات فلا يجوز أن يتقدم بثبوته.
وثانيها: أن تأثير الغسل في إزالة الأجسام، والمعاصي ليست بإجرام فلم يؤثر الغسل فيها.
وثالثها: أنه لا يصح أن يملأ القلب علماً، بل الله تبارك وتعالى يخلق فيه العلوم.
وأجيب عن الأول: بأن تقديم المعجزات على زمان البعثة جائز، وهو المسمى بالإرهاص، ومثله في حق الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ كثير.
وعن الثاني، والثالث: لا يبعد أن يكون حصول ذلك الدم الأسود الذي غسلوه من قلب الرسول - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - ميل القلب إلى المعاصي وإحجامه عن الطاعات، فإذا أزالوه عنه كان ذلك علامة لمواظبة صاحبه على الطاعات، واحترازه عن السيئات، فكان ذلك، كالعلامة للملائكة على عصمة صاحبه.
وأيضاً فإن الله تعالى يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد.
روى ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما - أنهم قالوا: «يا رسول الله، أينشرح الصدر؟ .
قال:» نعم وينفسح» ، قالوا: يا رسول الله، وهل لذلك علامة؟ .
قال: «نعم، التجافي عن دار الغرور، والإنابة إلى دار الخلود، والاعتداد للموت قبل نزول الموت» » .
قال القرطبيُّ: معنى ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ﴾ قد شرحنا، و «لَمْ» جحد، وفي الاستفهام طرف من الجحد وإذا وقع جحد، رجع إلى التحقيق، كقوله تعالى: ﴿أَلَيْسَ الله بِأَحْكَمِ الحاكمين﴾ [التين: 8] ، ومعناه: الله أحكم الحاكمين، وكذا ﴿أَلَيْسَ الله بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ [الزمر: 36] ، ومنه قول جرير يمدح عبد الملك بن مروان: [الوافر]
5249 - ألَسْتُمْ خَيْرَ مَنْ رَكِبَ المَطايَا ... وأنْدَى العَالمِينَ بُطُونَ رَاحِ
المعنى: أنتم كذا.
فإن قيل: لم قال عَزَّ وَجَلَّ: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ فذكر الصدر ولم يذكر القلب؟ .
فالجوابُ: لأن محلَّ الوسوسة هو الصَّدر على ما قال تعالى: ﴿يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ الناس﴾ [الناس: 5] فإبدال تلك الوسوسة بدواعي الخير هو الشرح، فلذلك خص الشرح بالصدر دون القلب.
وقيل: الصدر حضن القلب، فيقصده الشبطان، فإن وجد مسلكاً أغار فيه، وبث جنده فيه وبث فيه الغموم، والهموم والحرص، فيقسو القلب حينئذ، ولا يجد للطاعة لذة، ولا للإسلام حلاوةً، فإذا طرد في الابتداء حصل الأمن، وانشرح الصدر.
فإن قيل: لِمَ قال: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ ولم يقل: «ألَمْ نَشْرَحْ صَدْرَك» ؟ .
فالجوابُ: كأنه تعالى يقول: لام بلام، فأنت إنما تفعل الطاعات لأجلي، وأنا أيضاً جميع ما أفعله لأجلك.
فصل فيمن اعتبر «والضحى» ، و «ألم نشرح» سورة واحدة
روي عن طاوس، وعمر بن عبد العزيز أنهما كانا يقرآن: «والضُّحَى» ، و ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ﴾ سورة واحدة، وكانا يقرآنها في ركعة واحدة، ولا يفصلان بينهما ب «بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحيمِ» ، وذلك لأنهما رأيا أن أولهما يشبه قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فآوى﴾ . وليس كذلك، لأن حالة اغتمامه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ بإيذاء الكفار، فهي حالة محنةٍ وضيق، وهذه حالة انشراح الصدر، وطيب القلبِ فكيف يجتمعان؟ .
قوله: ﴿وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ﴾ ، أي: حططنا عنك ذنبك.
وقرأ أنس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - وحللنا وحططنا.
وقرأ ابن مسعود: «وَحَلَلْنَا عَنْكَ وقْرَكَ» . وهذه الآية مثل قوله: ﴿لِّيَغْفِرَ لَكَ الله مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الفتح: 2] .
قيل: الجميع كانوا قبل النبوة، أي: وضعنا عنك ما كنت فيه من أمر الجاهلية؛ لأنه كان صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ كان في يسر من مذاهب قومه، وإن لم يكن عبد صنماً، ولا وثناً.
قوله
: ﴿الذي أَنقَضَ ظَهْرَكَ﴾ ، أي: حمله على النقض، وهو صوت الانتقاض والانفكاك لثقله، مثل لما كان يثقله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ.
قال أهل اللغة: أنقض الحمل ظهر الناقة: إذا سمعت له صريراً من شدة الحمل، وسمعت نقيض الرجل أي صريره؛ قال العبَّاس بن مرداسٍ: [الطويل]
5250 - وأنْقضَ ظَهْرِي ما تطَوَّيْتُ مِنهُم ... وكُنْتُ عَليْهِمْ مُشْفِقاً مُتَحَنِّنَا
وقال جميلٌ: [الطويل]
5251 - وحتَّى تَداعَتْ بالنَّقيضِ حِبالهُ ... وهَمَّتْ بَوانِي زَوْرهِ أنْ تُحطَّمَا
والمعنى: أثقل ظهرك حين سمع نقيضه، أي: صوته.
والوِزْرُ: الحمل الثقيل.
قال المحاسبيُّ: يعني: ثقل الوزر لو لم يعفُ الله عنه.
قال: وإنما وُصفتْ ذنوبُ الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - بهذا الثقل مع كونها مغفورة لشدة اهتمامهم بها، وندمهم منها، وتحسرهم عليها [وقال الحسين بن الفضل: يعني الخطأ والسهو.
وقيل: ذنوب أمتك اضافها إليه لاشتغال قلبه بها] .
وقال عبد العزيز بن يحيى وأبو عبيدة: خففنا عنك أعباء النبوة، والقيام بها، حتى لا تثقل عليك.
وقيل: كان في الابتداء يثقل عليه الوحي، حتى كاد يرمي نفسه من شاهق الجبل، إلى أن جاء جبريل - عليه السلام - وأزال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ عنه ما كان يخاف من تغير العقل.
وقيل: عصمناك عن احتمال الوِزْر، وحفظناك قيل النبوة في الأربعين من الأدناس، حتى نزل عليه الوحي، وأنت مطهَّر من الأدناس.
قوله: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ ، قال مجاهد: يعني بالتأذين.
وروى الضحاك عن ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم - يقول عَزَّ وَجَلَّ له: لا ذكرت إلا ذكرت معي في الأذان، والإقامة، والتشهد، ويوم الجمعة على المنابر، ويوم الفطر، ويوم الأضحى، وأيام التشريق ويوم عرفة، وعند الجمار وعلى الصفا والمروة وفي خطبة النكاح، وفي مشارق الأرض ومغاربها. ولو أن رجلاً عبد الله تعالى، وصدق بالجنة والنار وكل شيءٍ ولم يشهد أن محمداً رسول الله لم ينتفع شيء وكان كافراً.
وقيل: أعلينا ذكرك، فذكرناك في الكتب المنزلة على الأنبياء قبلك، وأمرناهم بالبشارة بك، ولا دين إلا ودينك يظهر عليه.
وقيل: رفعنا ذكرك عند الملائكة في السماء وفي الأرض عند المؤمنين، ونرفع في الآخرة ذكرك بما نعطيك من المقام المحمود، وكرائم الدرجات. وقيل: عام في كل ذكر.
قوله: ﴿فَإِنَّ مَعَ العسر يُسْراً﴾ العامة، على سكون السين في الكلم الأربع.
وابن وثَّاب وأبو جعفر وعيسى: بضمها، وفيه خلاف، هل هو أصل، أو منقول من المسكن؟ والألف واللام في العسر الأول لتعريف الجنس، وفي الثاني للعهد، وكذلك روي عن ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - لن يغلب عسرٌ يسرين وروي أيضاً مرفوعاً أنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ خرج يضحك يقول:
«لن يغلب عسر يسرين» والسبب فيه أن العرب إذا أتت باسم، ثم أعادته مع الألف واللام، كان هو الأول، نحو: جاء رجل فأكرمتُ الرجل، وقوله تعالى: ﴿كَمَآ أَرْسَلْنَآ إلى فِرْعَوْنَ رَسُولاً فعصى فِرْعَوْنُ الرسول﴾ [المزمل: 15، 16] ، ولو أعادته بغير ألف ولام كان غير الأول، فقوله تعالى: ﴿فَإِنَّ مَعَ العسر يُسْراً﴾ لما أعاد العسر الثاني أعاده ب «أل» ، ولما كان اليُسْر الثاني غير الأول لم يعده بأل.
وقال الزمخشريُّ: فإن قلت: ما معنى قول ابن عبَّاس؟ وذكر ما تقدم.
قلت: هذا عمل على الظاهر، وبناء على قوة الرجاء، وأن موعد الله تعالى لا يحمل إلا على أوفى ما يحتمله اللفظ، وأبلغه، والقول فيه أنه يحتمل أن تكون الجملة الثانية تكريراً للأولى كما كرر قوله: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾ لتقرير معناها في النفوس، وتمكنها في القلوب، وكما يكرر المفرد في قوله: «جاء زيد زيد» ، وأن تكون الأولى عدة بأن العسر مردوف بيُسْرٍ [لا محالة والثانية: عدة مستأنفة بأن العسر متبوع بيسر] فهما يسران على تقدير الاستئناف وإنَّما كان العسر واحداً لأنه لا يخلو، إما أن يكون تعريفه للعهد، وهو العسر الذي كانوا فيه، فهو هو، لأن حكمه حكم زيد في قولك: «إن مع زيد مالاً، إن مع زيد مالاً» ، وإما أن يكون للجنس الذي يعلمه كل أحد، فهو هو أيضاً، وأما اليسر، فمنكر متناول لبعض الجنس، فإذا كان الكلام الثاني مستأنفاً غير مكرر، فقد تناول بعضاً غير البعض الأول بغير إشكال.
قال أبو البقاء: العسر في الموضعين واحد؛ لأن الألف واللام توجب تكرير الأول، وأما يُسْراً في الموضعين، فاثنان، لأن النكرة إذا أريد تكريرها جيء بضميرها، أو بالألف واللام ومن هنا قيل: «لَنْ يَغْلِبَ عُسرٌ يُسرَيْنِ» .
وقال الزمخشريُّ أيضاً فإن قلت: «إن» مَعَ «للصحبة، فما معنى اصطحاب اليسر والعسر؟ قلت: أراد أن الله - تعالى - يصيبهم بيسر بعد العسر الذي كانوا فيه بزمان قريب، فقرب اليسر المترقب، حتى جعله كالمقارن للعسر زيادة في التسلية، وتقوية للقلوب.
وقال أيضاً فإن قلت: فما معنى هذا التنكير؟ .
قلت: التفخيم كأنه قيل: إنّ مع العسر يسراً عظيماً، وأي يسر، وهو في مصحف ابن مسعود مرة واحدة.
فإن قلت: فإذا أثبت في قراءته غير مكرر فلم قال: والذي نفسي بيده لو كان العسر في حجر لطلبه اليسر، حتى يدخل عليه، إنه لن يغلب عسر يسرين؟ .
قلت: كأنه قصد اليسرين، وأما في قوله:» يُسْراً» من معنى التفخيم، فتأوله بيسر الدَّارين، وذلك يسران في الحقيقة.
فصل في تعلق هذه الآية بما قبلها
تعلق هذه الآية بما قبلها أن الله تعالى بعث نبيه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فعيَّره المشركون بفقره، حتى قالوا له: نجمع لك مالاً، فاغتنم لذلك، وظن أنهم إنما رغبوا عن الإسلام لكونه فقيراً حقيراً عندهم، فعدد الله - تعالى - عليه منته بقوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ﴾ ، أي: ما كنت فيه من أمر الجاهلية، ثم وعده بالغنى في الدنيا ليزيل في قلبه ما حصل فيه من التأذي، بكونهم عيَّروه بالفقر، فقال تعالى: ﴿فَإِنَّ مَعَ العسر يُسْراً﴾ فعطفه بالفاء أي: لا يحزنك ما عيروك به في الفقر، فإن ذلك يسراً عاجلاً في الدنيا فأنجز له ما وعده، فلم يمت، حتى فتح عليه «الحجاز» ، و «اليمن» ووسع عليه ذات يده، حتَّى كان يعطي الرجل المائتين من الإبل، ويهب الهبات السنية، وترك لأهله قوت سنته، وهذا وإن كان خاصاً بالنبي - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - فقد يدخل فيه بعض أمته صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ إن شاء الله تعالى، ثم ابتدأ فصلاً آخر من أمر الآخرة، فقال:
﴿إِنَّ مَعَ العسر يُسْراً﴾ فهذا شيء آخر، والدليل على ابتدائه، تعديه من فاء، وواو، وغيرهما من حروف النسق التي تدخل على العطف، فهذا عام لجميع للمؤمنين، ﴿إِنَّ مَعَ العسر يُسْراً﴾ للمؤمنين يسراً في الآخرة لا محالة، وربما اجتمع يسرُ الدنيا، ويسرُ الآخرة.
قوله: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ﴾ .
العامة: على فتح الراء: من «فَرغْتَ» ، وهي الشهيرة.
وقرأها أبو السمال: مكسورة، وهي لغة فيه.
قال الزمخشري: «وليست بالفصيحة» .
وقال الزمخشري أيضاً: «فإن قلت: كيف تعلق قوله تعالى: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فانصب﴾ بما قبله؟ .
قلت: لما عدد عليه نعمه السالفة، ووعوده الآنفة، بعثه على الشكر، والاجتهاد في العبادة، والنصب فيها» .
وعن ابن عباس: فإذا فرغت من صلاتك، فانصب في الدعاء.
العامة: على فتح الصَّاد وسكون الباء أمراً من النصب وقرىء: بتشديد الباء مفتوحة أمراً من الإنصاب.
وكذا قرىء بكسر الصاد ساكنة الباء، أمراً من النَّصْب بسكون الصاد.
قال شهاب الدين: ولا أظن الأولى إلا تصحيفاً، ولا الثانية إلا تحريفاً، فإنها تروى عن الإمامية وتفسيرها: فإذا فرغت من النبوة فانصب الخليفة.
وقال ابن عطية: وهي قراءة شاذةٌ، لم تثبت عن عالم.
قال الزمخشريُّ: ومن البدع ما روي عن بعض الرافضة، أنه قرأ: «فانْصِبْ» - بكسر الصاد - أي: فانصب علياً للإمامة، ولو صح هذا للرافضيِّ، لصحَّ للناصبي أن يقرأ هكذا، ويجعله أمراً بالنصب الذي هو بغض علي، وعداوته.
قال ابن مسعود: «إذا فرغت من الفرائض فانصب في قيام الليل» .
وقال الكلبيُّ: «إذا فرغت من تبليغ الرسالة فانصب، أي: استغفِرْ لذَنْبِكَ وللمُؤمنينَ والمُؤْمِنَات» .
وقال الحسنُ وقتادة: «فإذا فرغت من جهاد عدوك فانصب لعبادة ربِّك» .
قوله: ﴿وإلى رَبِّكَ فارغب﴾ .
قرأ الجمهور: «فارْغَبْ» أمر من «رغبَ» ثلاثياً.
وقرأ زيد بن علي، وابن أبي عبلة: «فَرغِّبْ» بتشديد الغين، أمر من «رَغَّبَ» بتشديد الغين أي: فرغب الناس إلى طلب ما عنده.
عن عبد الله بن مسعود - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - قال: سمعت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ يقول: «مَنْ قَرَأ ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ فكأنما جاءني وأنا مغتم ففرج عني» والله تعالى أعلم.
سورة التين
الشرح 94:3
مكية، وهي ثماني آيات، وتسع وعشرون كلمة، ومائة وثلاثة أحرف. بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ ، الاستفهام إذا دخل على النفي قرره، فصار المعنى: قد شرحنا، ولذلك عطف عليه الماضي، ومثله: ﴿أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيداً وَلَبِثْتَ﴾ [الشعراء: 18] ، والعامة: على جزم الحاء ب «لَمْ» .
وقرأ أبو جعفر المنصور: بفتحها.
فقال الزمخشري: وقالوا: لعلَّهُ بين الحاء، وأشبعها في مخرجها فظن السامع أنه فتحها.
وقال ابن عطية: إن الأصل: «ألَمْ نَشْرحَنْ» بالنون الخفية، ثم أبدلها ألفاً ثم حذفها تخفيفاً كما أنشد أبو زيد: [الرجز]
5245 - مِنْ أيِّ يَوميَّ مِنَ المَوْتِ أَفِرْ ... أيَوْمَ لَمْ يقْدرَ أمْ يَوْمَ قُدِرْ
بفتح راء: «يقدر» وكقوله: [المنسرح]
5246 - إضْرِبَ عَنْكَ الهُمُومَ طَارقهَا ... ضَرْبكَ بالسَّيْفِ قَوْنسَ الفَرسِ بفتح باء «اضرب» انتهى. وهذا مبني على جواز توكيد المجزوم ب «لم» ، وهو قليل جداً، كقوله: [الرجز]
5247 - يَحْسبهُ الجَاهِلُ مَا لَمْ يَعْلمَا ... شَيْخاً عَلى كُرْسيِّهِ مُعَمَّمَا
فتتركب هذه القراءة من ثلاثة أصول كلها ضعيفة، لأن توكيد المجزوم ب «لَمْ» ضعيف، وإبدالها ألفاً إنما هو في الوقف، فاجراء الوصل مجرى الوقف خلاف الأصل، وحذف الألف ضعيف؛ لأنه خلاف الأصل.
وخرجه أبو حيان على لغة خرجها اللحياني في «نوادره» عن بعض العرب، وهو أن الجزم ب «لَنْ» والنصب ب «لَمْ» عمس المعروف عند الناس، وجعله أحسن مما تقدم.
وأنشد قول عائشة بنت الأعجم تمدح المختار تطلب ثأر الحسين بن علي رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما وعن بقية الصحابة أجمعين: [البسيط]
5248 - قَدْ كَان سُمْكُ الهُدَى يَنْهَدُّ ... قَائمهُ حتَّى أبِيحَ لهُ المُختارُ فانْغَمَدَا
فِي كُلِّ ما هَمَّ أمْضَى رأيهُ قُدُماً ... ولَمْ يُشاوِرَ في إقْدامهِ أحَدَا
[بنصب راء «يشاور» ، وجعله محتمل للتخريجين. وشرح الصدر: فتحه؛ أي ألم تفتح صدرك للإسلام.
وقال ابن عباس: ألم تلين قلبك وعن الحسن في قوله: ألم نشرح، وقال مكي: حلماً وعلماً] .
وشرح الصدر: فتحه: روي أن جبريل - عليه السلام - أتاه وشق صدره، وأخرج قلبه، وغسله وأنقاه من المعاصي، ثم ملأه علماً، وإيماناً، ووضعه في صدره، وطعن القاضي في هذه الرواية من وجوه: أحدها: أن هذه الواقعة إنما وقعت حال صغرهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وذلك من المعجزات فلا يجوز أن يتقدم بثبوته.
وثانيها: أن تأثير الغسل في إزالة الأجسام، والمعاصي ليست بإجرام فلم يؤثر الغسل فيها.
وثالثها: أنه لا يصح أن يملأ القلب علماً، بل الله تبارك وتعالى يخلق فيه العلوم.
وأجيب عن الأول: بأن تقديم المعجزات على زمان البعثة جائز، وهو المسمى بالإرهاص، ومثله في حق الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ كثير.
وعن الثاني، والثالث: لا يبعد أن يكون حصول ذلك الدم الأسود الذي غسلوه من قلب الرسول - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - ميل القلب إلى المعاصي وإحجامه عن الطاعات، فإذا أزالوه عنه كان ذلك علامة لمواظبة صاحبه على الطاعات، واحترازه عن السيئات، فكان ذلك، كالعلامة للملائكة على عصمة صاحبه.
وأيضاً فإن الله تعالى يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد.
روى ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما - أنهم قالوا: «يا رسول الله، أينشرح الصدر؟ .
قال:» نعم وينفسح» ، قالوا: يا رسول الله، وهل لذلك علامة؟ .
قال: «نعم، التجافي عن دار الغرور، والإنابة إلى دار الخلود، والاعتداد للموت قبل نزول الموت» » .
قال القرطبيُّ: معنى ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ﴾ قد شرحنا، و «لَمْ» جحد، وفي الاستفهام طرف من الجحد وإذا وقع جحد، رجع إلى التحقيق، كقوله تعالى: ﴿أَلَيْسَ الله بِأَحْكَمِ الحاكمين﴾ [التين: 8] ، ومعناه: الله أحكم الحاكمين، وكذا ﴿أَلَيْسَ الله بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ [الزمر: 36] ، ومنه قول جرير يمدح عبد الملك بن مروان: [الوافر]
5249 - ألَسْتُمْ خَيْرَ مَنْ رَكِبَ المَطايَا ... وأنْدَى العَالمِينَ بُطُونَ رَاحِ
المعنى: أنتم كذا.
فإن قيل: لم قال عَزَّ وَجَلَّ: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ فذكر الصدر ولم يذكر القلب؟ .
فالجوابُ: لأن محلَّ الوسوسة هو الصَّدر على ما قال تعالى: ﴿يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ الناس﴾ [الناس: 5] فإبدال تلك الوسوسة بدواعي الخير هو الشرح، فلذلك خص الشرح بالصدر دون القلب.
وقيل: الصدر حضن القلب، فيقصده الشبطان، فإن وجد مسلكاً أغار فيه، وبث جنده فيه وبث فيه الغموم، والهموم والحرص، فيقسو القلب حينئذ، ولا يجد للطاعة لذة، ولا للإسلام حلاوةً، فإذا طرد في الابتداء حصل الأمن، وانشرح الصدر.
فإن قيل: لِمَ قال: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ ولم يقل: «ألَمْ نَشْرَحْ صَدْرَك» ؟ .
فالجوابُ: كأنه تعالى يقول: لام بلام، فأنت إنما تفعل الطاعات لأجلي، وأنا أيضاً جميع ما أفعله لأجلك.
فصل فيمن اعتبر «والضحى» ، و «ألم نشرح» سورة واحدة
روي عن طاوس، وعمر بن عبد العزيز أنهما كانا يقرآن: «والضُّحَى» ، و ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ﴾ سورة واحدة، وكانا يقرآنها في ركعة واحدة، ولا يفصلان بينهما ب «بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحيمِ» ، وذلك لأنهما رأيا أن أولهما يشبه قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فآوى﴾ . وليس كذلك، لأن حالة اغتمامه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ بإيذاء الكفار، فهي حالة محنةٍ وضيق، وهذه حالة انشراح الصدر، وطيب القلبِ فكيف يجتمعان؟ .
قوله: ﴿وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ﴾ ، أي: حططنا عنك ذنبك.
وقرأ أنس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - وحللنا وحططنا.
وقرأ ابن مسعود: «وَحَلَلْنَا عَنْكَ وقْرَكَ» . وهذه الآية مثل قوله: ﴿لِّيَغْفِرَ لَكَ الله مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الفتح: 2] .
قيل: الجميع كانوا قبل النبوة، أي: وضعنا عنك ما كنت فيه من أمر الجاهلية؛ لأنه كان صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ كان في يسر من مذاهب قومه، وإن لم يكن عبد صنماً، ولا وثناً.
قوله
: ﴿الذي أَنقَضَ ظَهْرَكَ﴾ ، أي: حمله على النقض، وهو صوت الانتقاض والانفكاك لثقله، مثل لما كان يثقله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ.
قال أهل اللغة: أنقض الحمل ظهر الناقة: إذا سمعت له صريراً من شدة الحمل، وسمعت نقيض الرجل أي صريره؛ قال العبَّاس بن مرداسٍ: [الطويل]
5250 - وأنْقضَ ظَهْرِي ما تطَوَّيْتُ مِنهُم ... وكُنْتُ عَليْهِمْ مُشْفِقاً مُتَحَنِّنَا
وقال جميلٌ: [الطويل]
5251 - وحتَّى تَداعَتْ بالنَّقيضِ حِبالهُ ... وهَمَّتْ بَوانِي زَوْرهِ أنْ تُحطَّمَا
والمعنى: أثقل ظهرك حين سمع نقيضه، أي: صوته.
والوِزْرُ: الحمل الثقيل.
قال المحاسبيُّ: يعني: ثقل الوزر لو لم يعفُ الله عنه.
قال: وإنما وُصفتْ ذنوبُ الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - بهذا الثقل مع كونها مغفورة لشدة اهتمامهم بها، وندمهم منها، وتحسرهم عليها [وقال الحسين بن الفضل: يعني الخطأ والسهو.
وقيل: ذنوب أمتك اضافها إليه لاشتغال قلبه بها] .
وقال عبد العزيز بن يحيى وأبو عبيدة: خففنا عنك أعباء النبوة، والقيام بها، حتى لا تثقل عليك.
وقيل: كان في الابتداء يثقل عليه الوحي، حتى كاد يرمي نفسه من شاهق الجبل، إلى أن جاء جبريل - عليه السلام - وأزال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ عنه ما كان يخاف من تغير العقل.
وقيل: عصمناك عن احتمال الوِزْر، وحفظناك قيل النبوة في الأربعين من الأدناس، حتى نزل عليه الوحي، وأنت مطهَّر من الأدناس.
قوله: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ ، قال مجاهد: يعني بالتأذين.
وروى الضحاك عن ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم - يقول عَزَّ وَجَلَّ له: لا ذكرت إلا ذكرت معي في الأذان، والإقامة، والتشهد، ويوم الجمعة على المنابر، ويوم الفطر، ويوم الأضحى، وأيام التشريق ويوم عرفة، وعند الجمار وعلى الصفا والمروة وفي خطبة النكاح، وفي مشارق الأرض ومغاربها. ولو أن رجلاً عبد الله تعالى، وصدق بالجنة والنار وكل شيءٍ ولم يشهد أن محمداً رسول الله لم ينتفع شيء وكان كافراً.
وقيل: أعلينا ذكرك، فذكرناك في الكتب المنزلة على الأنبياء قبلك، وأمرناهم بالبشارة بك، ولا دين إلا ودينك يظهر عليه.
وقيل: رفعنا ذكرك عند الملائكة في السماء وفي الأرض عند المؤمنين، ونرفع في الآخرة ذكرك بما نعطيك من المقام المحمود، وكرائم الدرجات. وقيل: عام في كل ذكر.
قوله: ﴿فَإِنَّ مَعَ العسر يُسْراً﴾ العامة، على سكون السين في الكلم الأربع.
وابن وثَّاب وأبو جعفر وعيسى: بضمها، وفيه خلاف، هل هو أصل، أو منقول من المسكن؟ والألف واللام في العسر الأول لتعريف الجنس، وفي الثاني للعهد، وكذلك روي عن ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - لن يغلب عسرٌ يسرين وروي أيضاً مرفوعاً أنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ خرج يضحك يقول:
«لن يغلب عسر يسرين» والسبب فيه أن العرب إذا أتت باسم، ثم أعادته مع الألف واللام، كان هو الأول، نحو: جاء رجل فأكرمتُ الرجل، وقوله تعالى: ﴿كَمَآ أَرْسَلْنَآ إلى فِرْعَوْنَ رَسُولاً فعصى فِرْعَوْنُ الرسول﴾ [المزمل: 15، 16] ، ولو أعادته بغير ألف ولام كان غير الأول، فقوله تعالى: ﴿فَإِنَّ مَعَ العسر يُسْراً﴾ لما أعاد العسر الثاني أعاده ب «أل» ، ولما كان اليُسْر الثاني غير الأول لم يعده بأل.
وقال الزمخشريُّ: فإن قلت: ما معنى قول ابن عبَّاس؟ وذكر ما تقدم.
قلت: هذا عمل على الظاهر، وبناء على قوة الرجاء، وأن موعد الله تعالى لا يحمل إلا على أوفى ما يحتمله اللفظ، وأبلغه، والقول فيه أنه يحتمل أن تكون الجملة الثانية تكريراً للأولى كما كرر قوله: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾ لتقرير معناها في النفوس، وتمكنها في القلوب، وكما يكرر المفرد في قوله: «جاء زيد زيد» ، وأن تكون الأولى عدة بأن العسر مردوف بيُسْرٍ [لا محالة والثانية: عدة مستأنفة بأن العسر متبوع بيسر] فهما يسران على تقدير الاستئناف وإنَّما كان العسر واحداً لأنه لا يخلو، إما أن يكون تعريفه للعهد، وهو العسر الذي كانوا فيه، فهو هو، لأن حكمه حكم زيد في قولك: «إن مع زيد مالاً، إن مع زيد مالاً» ، وإما أن يكون للجنس الذي يعلمه كل أحد، فهو هو أيضاً، وأما اليسر، فمنكر متناول لبعض الجنس، فإذا كان الكلام الثاني مستأنفاً غير مكرر، فقد تناول بعضاً غير البعض الأول بغير إشكال.
قال أبو البقاء: العسر في الموضعين واحد؛ لأن الألف واللام توجب تكرير الأول، وأما يُسْراً في الموضعين، فاثنان، لأن النكرة إذا أريد تكريرها جيء بضميرها، أو بالألف واللام ومن هنا قيل: «لَنْ يَغْلِبَ عُسرٌ يُسرَيْنِ» .
وقال الزمخشريُّ أيضاً فإن قلت: «إن» مَعَ «للصحبة، فما معنى اصطحاب اليسر والعسر؟ قلت: أراد أن الله - تعالى - يصيبهم بيسر بعد العسر الذي كانوا فيه بزمان قريب، فقرب اليسر المترقب، حتى جعله كالمقارن للعسر زيادة في التسلية، وتقوية للقلوب.
وقال أيضاً فإن قلت: فما معنى هذا التنكير؟ .
قلت: التفخيم كأنه قيل: إنّ مع العسر يسراً عظيماً، وأي يسر، وهو في مصحف ابن مسعود مرة واحدة.
فإن قلت: فإذا أثبت في قراءته غير مكرر فلم قال: والذي نفسي بيده لو كان العسر في حجر لطلبه اليسر، حتى يدخل عليه، إنه لن يغلب عسر يسرين؟ .
قلت: كأنه قصد اليسرين، وأما في قوله:» يُسْراً» من معنى التفخيم، فتأوله بيسر الدَّارين، وذلك يسران في الحقيقة.
فصل في تعلق هذه الآية بما قبلها
تعلق هذه الآية بما قبلها أن الله تعالى بعث نبيه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فعيَّره المشركون بفقره، حتى قالوا له: نجمع لك مالاً، فاغتنم لذلك، وظن أنهم إنما رغبوا عن الإسلام لكونه فقيراً حقيراً عندهم، فعدد الله - تعالى - عليه منته بقوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ﴾ ، أي: ما كنت فيه من أمر الجاهلية، ثم وعده بالغنى في الدنيا ليزيل في قلبه ما حصل فيه من التأذي، بكونهم عيَّروه بالفقر، فقال تعالى: ﴿فَإِنَّ مَعَ العسر يُسْراً﴾ فعطفه بالفاء أي: لا يحزنك ما عيروك به في الفقر، فإن ذلك يسراً عاجلاً في الدنيا فأنجز له ما وعده، فلم يمت، حتى فتح عليه «الحجاز» ، و «اليمن» ووسع عليه ذات يده، حتَّى كان يعطي الرجل المائتين من الإبل، ويهب الهبات السنية، وترك لأهله قوت سنته، وهذا وإن كان خاصاً بالنبي - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - فقد يدخل فيه بعض أمته صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ إن شاء الله تعالى، ثم ابتدأ فصلاً آخر من أمر الآخرة، فقال:
﴿إِنَّ مَعَ العسر يُسْراً﴾ فهذا شيء آخر، والدليل على ابتدائه، تعديه من فاء، وواو، وغيرهما من حروف النسق التي تدخل على العطف، فهذا عام لجميع للمؤمنين، ﴿إِنَّ مَعَ العسر يُسْراً﴾ للمؤمنين يسراً في الآخرة لا محالة، وربما اجتمع يسرُ الدنيا، ويسرُ الآخرة.
قوله: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ﴾ .
العامة: على فتح الراء: من «فَرغْتَ» ، وهي الشهيرة.
وقرأها أبو السمال: مكسورة، وهي لغة فيه.
قال الزمخشري: «وليست بالفصيحة» .
وقال الزمخشري أيضاً: «فإن قلت: كيف تعلق قوله تعالى: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فانصب﴾ بما قبله؟ .
قلت: لما عدد عليه نعمه السالفة، ووعوده الآنفة، بعثه على الشكر، والاجتهاد في العبادة، والنصب فيها» .
وعن ابن عباس: فإذا فرغت من صلاتك، فانصب في الدعاء.
العامة: على فتح الصَّاد وسكون الباء أمراً من النصب وقرىء: بتشديد الباء مفتوحة أمراً من الإنصاب.
وكذا قرىء بكسر الصاد ساكنة الباء، أمراً من النَّصْب بسكون الصاد.
قال شهاب الدين: ولا أظن الأولى إلا تصحيفاً، ولا الثانية إلا تحريفاً، فإنها تروى عن الإمامية وتفسيرها: فإذا فرغت من النبوة فانصب الخليفة.
وقال ابن عطية: وهي قراءة شاذةٌ، لم تثبت عن عالم.
قال الزمخشريُّ: ومن البدع ما روي عن بعض الرافضة، أنه قرأ: «فانْصِبْ» - بكسر الصاد - أي: فانصب علياً للإمامة، ولو صح هذا للرافضيِّ، لصحَّ للناصبي أن يقرأ هكذا، ويجعله أمراً بالنصب الذي هو بغض علي، وعداوته.
قال ابن مسعود: «إذا فرغت من الفرائض فانصب في قيام الليل» .
وقال الكلبيُّ: «إذا فرغت من تبليغ الرسالة فانصب، أي: استغفِرْ لذَنْبِكَ وللمُؤمنينَ والمُؤْمِنَات» .
وقال الحسنُ وقتادة: «فإذا فرغت من جهاد عدوك فانصب لعبادة ربِّك» .
قوله: ﴿وإلى رَبِّكَ فارغب﴾ .
قرأ الجمهور: «فارْغَبْ» أمر من «رغبَ» ثلاثياً.
وقرأ زيد بن علي، وابن أبي عبلة: «فَرغِّبْ» بتشديد الغين، أمر من «رَغَّبَ» بتشديد الغين أي: فرغب الناس إلى طلب ما عنده.
عن عبد الله بن مسعود - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - قال: سمعت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ يقول: «مَنْ قَرَأ ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ فكأنما جاءني وأنا مغتم ففرج عني» والله تعالى أعلم.
سورة التين
الشرح 94:4
مكية، وهي ثماني آيات، وتسع وعشرون كلمة، ومائة وثلاثة أحرف. بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ ، الاستفهام إذا دخل على النفي قرره، فصار المعنى: قد شرحنا، ولذلك عطف عليه الماضي، ومثله: ﴿أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيداً وَلَبِثْتَ﴾ [الشعراء: 18] ، والعامة: على جزم الحاء ب «لَمْ» .
وقرأ أبو جعفر المنصور: بفتحها.
فقال الزمخشري: وقالوا: لعلَّهُ بين الحاء، وأشبعها في مخرجها فظن السامع أنه فتحها.
وقال ابن عطية: إن الأصل: «ألَمْ نَشْرحَنْ» بالنون الخفية، ثم أبدلها ألفاً ثم حذفها تخفيفاً كما أنشد أبو زيد: [الرجز]
5245 - مِنْ أيِّ يَوميَّ مِنَ المَوْتِ أَفِرْ ... أيَوْمَ لَمْ يقْدرَ أمْ يَوْمَ قُدِرْ
بفتح راء: «يقدر» وكقوله: [المنسرح]
5246 - إضْرِبَ عَنْكَ الهُمُومَ طَارقهَا ... ضَرْبكَ بالسَّيْفِ قَوْنسَ الفَرسِ بفتح باء «اضرب» انتهى. وهذا مبني على جواز توكيد المجزوم ب «لم» ، وهو قليل جداً، كقوله: [الرجز]
5247 - يَحْسبهُ الجَاهِلُ مَا لَمْ يَعْلمَا ... شَيْخاً عَلى كُرْسيِّهِ مُعَمَّمَا
فتتركب هذه القراءة من ثلاثة أصول كلها ضعيفة، لأن توكيد المجزوم ب «لَمْ» ضعيف، وإبدالها ألفاً إنما هو في الوقف، فاجراء الوصل مجرى الوقف خلاف الأصل، وحذف الألف ضعيف؛ لأنه خلاف الأصل.
وخرجه أبو حيان على لغة خرجها اللحياني في «نوادره» عن بعض العرب، وهو أن الجزم ب «لَنْ» والنصب ب «لَمْ» عمس المعروف عند الناس، وجعله أحسن مما تقدم.
وأنشد قول عائشة بنت الأعجم تمدح المختار تطلب ثأر الحسين بن علي رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما وعن بقية الصحابة أجمعين: [البسيط]
5248 - قَدْ كَان سُمْكُ الهُدَى يَنْهَدُّ ... قَائمهُ حتَّى أبِيحَ لهُ المُختارُ فانْغَمَدَا
فِي كُلِّ ما هَمَّ أمْضَى رأيهُ قُدُماً ... ولَمْ يُشاوِرَ في إقْدامهِ أحَدَا
[بنصب راء «يشاور» ، وجعله محتمل للتخريجين. وشرح الصدر: فتحه؛ أي ألم تفتح صدرك للإسلام.
وقال ابن عباس: ألم تلين قلبك وعن الحسن في قوله: ألم نشرح، وقال مكي: حلماً وعلماً] .
وشرح الصدر: فتحه: روي أن جبريل - عليه السلام - أتاه وشق صدره، وأخرج قلبه، وغسله وأنقاه من المعاصي، ثم ملأه علماً، وإيماناً، ووضعه في صدره، وطعن القاضي في هذه الرواية من وجوه: أحدها: أن هذه الواقعة إنما وقعت حال صغرهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وذلك من المعجزات فلا يجوز أن يتقدم بثبوته.
وثانيها: أن تأثير الغسل في إزالة الأجسام، والمعاصي ليست بإجرام فلم يؤثر الغسل فيها.
وثالثها: أنه لا يصح أن يملأ القلب علماً، بل الله تبارك وتعالى يخلق فيه العلوم.
وأجيب عن الأول: بأن تقديم المعجزات على زمان البعثة جائز، وهو المسمى بالإرهاص، ومثله في حق الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ كثير.
وعن الثاني، والثالث: لا يبعد أن يكون حصول ذلك الدم الأسود الذي غسلوه من قلب الرسول - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - ميل القلب إلى المعاصي وإحجامه عن الطاعات، فإذا أزالوه عنه كان ذلك علامة لمواظبة صاحبه على الطاعات، واحترازه عن السيئات، فكان ذلك، كالعلامة للملائكة على عصمة صاحبه.
وأيضاً فإن الله تعالى يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد.
روى ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما - أنهم قالوا: «يا رسول الله، أينشرح الصدر؟ .
قال:» نعم وينفسح» ، قالوا: يا رسول الله، وهل لذلك علامة؟ .
قال: «نعم، التجافي عن دار الغرور، والإنابة إلى دار الخلود، والاعتداد للموت قبل نزول الموت» » .
قال القرطبيُّ: معنى ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ﴾ قد شرحنا، و «لَمْ» جحد، وفي الاستفهام طرف من الجحد وإذا وقع جحد، رجع إلى التحقيق، كقوله تعالى: ﴿أَلَيْسَ الله بِأَحْكَمِ الحاكمين﴾ [التين: 8] ، ومعناه: الله أحكم الحاكمين، وكذا ﴿أَلَيْسَ الله بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ [الزمر: 36] ، ومنه قول جرير يمدح عبد الملك بن مروان: [الوافر]
5249 - ألَسْتُمْ خَيْرَ مَنْ رَكِبَ المَطايَا ... وأنْدَى العَالمِينَ بُطُونَ رَاحِ
المعنى: أنتم كذا.
فإن قيل: لم قال عَزَّ وَجَلَّ: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ فذكر الصدر ولم يذكر القلب؟ .
فالجوابُ: لأن محلَّ الوسوسة هو الصَّدر على ما قال تعالى: ﴿يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ الناس﴾ [الناس: 5] فإبدال تلك الوسوسة بدواعي الخير هو الشرح، فلذلك خص الشرح بالصدر دون القلب.
وقيل: الصدر حضن القلب، فيقصده الشبطان، فإن وجد مسلكاً أغار فيه، وبث جنده فيه وبث فيه الغموم، والهموم والحرص، فيقسو القلب حينئذ، ولا يجد للطاعة لذة، ولا للإسلام حلاوةً، فإذا طرد في الابتداء حصل الأمن، وانشرح الصدر.
فإن قيل: لِمَ قال: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ ولم يقل: «ألَمْ نَشْرَحْ صَدْرَك» ؟ .
فالجوابُ: كأنه تعالى يقول: لام بلام، فأنت إنما تفعل الطاعات لأجلي، وأنا أيضاً جميع ما أفعله لأجلك.
فصل فيمن اعتبر «والضحى» ، و «ألم نشرح» سورة واحدة
روي عن طاوس، وعمر بن عبد العزيز أنهما كانا يقرآن: «والضُّحَى» ، و ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ﴾ سورة واحدة، وكانا يقرآنها في ركعة واحدة، ولا يفصلان بينهما ب «بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحيمِ» ، وذلك لأنهما رأيا أن أولهما يشبه قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فآوى﴾ . وليس كذلك، لأن حالة اغتمامه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ بإيذاء الكفار، فهي حالة محنةٍ وضيق، وهذه حالة انشراح الصدر، وطيب القلبِ فكيف يجتمعان؟ .
قوله: ﴿وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ﴾ ، أي: حططنا عنك ذنبك.
وقرأ أنس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - وحللنا وحططنا.
وقرأ ابن مسعود: «وَحَلَلْنَا عَنْكَ وقْرَكَ» . وهذه الآية مثل قوله: ﴿لِّيَغْفِرَ لَكَ الله مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الفتح: 2] .
قيل: الجميع كانوا قبل النبوة، أي: وضعنا عنك ما كنت فيه من أمر الجاهلية؛ لأنه كان صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ كان في يسر من مذاهب قومه، وإن لم يكن عبد صنماً، ولا وثناً.
قوله
: ﴿الذي أَنقَضَ ظَهْرَكَ﴾ ، أي: حمله على النقض، وهو صوت الانتقاض والانفكاك لثقله، مثل لما كان يثقله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ.
قال أهل اللغة: أنقض الحمل ظهر الناقة: إذا سمعت له صريراً من شدة الحمل، وسمعت نقيض الرجل أي صريره؛ قال العبَّاس بن مرداسٍ: [الطويل]
5250 - وأنْقضَ ظَهْرِي ما تطَوَّيْتُ مِنهُم ... وكُنْتُ عَليْهِمْ مُشْفِقاً مُتَحَنِّنَا
وقال جميلٌ: [الطويل]
5251 - وحتَّى تَداعَتْ بالنَّقيضِ حِبالهُ ... وهَمَّتْ بَوانِي زَوْرهِ أنْ تُحطَّمَا
والمعنى: أثقل ظهرك حين سمع نقيضه، أي: صوته.
والوِزْرُ: الحمل الثقيل.
قال المحاسبيُّ: يعني: ثقل الوزر لو لم يعفُ الله عنه.
قال: وإنما وُصفتْ ذنوبُ الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - بهذا الثقل مع كونها مغفورة لشدة اهتمامهم بها، وندمهم منها، وتحسرهم عليها [وقال الحسين بن الفضل: يعني الخطأ والسهو.
وقيل: ذنوب أمتك اضافها إليه لاشتغال قلبه بها] .
وقال عبد العزيز بن يحيى وأبو عبيدة: خففنا عنك أعباء النبوة، والقيام بها، حتى لا تثقل عليك.
وقيل: كان في الابتداء يثقل عليه الوحي، حتى كاد يرمي نفسه من شاهق الجبل، إلى أن جاء جبريل - عليه السلام - وأزال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ عنه ما كان يخاف من تغير العقل.
وقيل: عصمناك عن احتمال الوِزْر، وحفظناك قيل النبوة في الأربعين من الأدناس، حتى نزل عليه الوحي، وأنت مطهَّر من الأدناس.
قوله: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ ، قال مجاهد: يعني بالتأذين.
وروى الضحاك عن ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم - يقول عَزَّ وَجَلَّ له: لا ذكرت إلا ذكرت معي في الأذان، والإقامة، والتشهد، ويوم الجمعة على المنابر، ويوم الفطر، ويوم الأضحى، وأيام التشريق ويوم عرفة، وعند الجمار وعلى الصفا والمروة وفي خطبة النكاح، وفي مشارق الأرض ومغاربها. ولو أن رجلاً عبد الله تعالى، وصدق بالجنة والنار وكل شيءٍ ولم يشهد أن محمداً رسول الله لم ينتفع شيء وكان كافراً.
وقيل: أعلينا ذكرك، فذكرناك في الكتب المنزلة على الأنبياء قبلك، وأمرناهم بالبشارة بك، ولا دين إلا ودينك يظهر عليه.
وقيل: رفعنا ذكرك عند الملائكة في السماء وفي الأرض عند المؤمنين، ونرفع في الآخرة ذكرك بما نعطيك من المقام المحمود، وكرائم الدرجات. وقيل: عام في كل ذكر.
قوله: ﴿فَإِنَّ مَعَ العسر يُسْراً﴾ العامة، على سكون السين في الكلم الأربع.
وابن وثَّاب وأبو جعفر وعيسى: بضمها، وفيه خلاف، هل هو أصل، أو منقول من المسكن؟ والألف واللام في العسر الأول لتعريف الجنس، وفي الثاني للعهد، وكذلك روي عن ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - لن يغلب عسرٌ يسرين وروي أيضاً مرفوعاً أنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ خرج يضحك يقول:
«لن يغلب عسر يسرين» والسبب فيه أن العرب إذا أتت باسم، ثم أعادته مع الألف واللام، كان هو الأول، نحو: جاء رجل فأكرمتُ الرجل، وقوله تعالى: ﴿كَمَآ أَرْسَلْنَآ إلى فِرْعَوْنَ رَسُولاً فعصى فِرْعَوْنُ الرسول﴾ [المزمل: 15، 16] ، ولو أعادته بغير ألف ولام كان غير الأول، فقوله تعالى: ﴿فَإِنَّ مَعَ العسر يُسْراً﴾ لما أعاد العسر الثاني أعاده ب «أل» ، ولما كان اليُسْر الثاني غير الأول لم يعده بأل.
وقال الزمخشريُّ: فإن قلت: ما معنى قول ابن عبَّاس؟ وذكر ما تقدم.
قلت: هذا عمل على الظاهر، وبناء على قوة الرجاء، وأن موعد الله تعالى لا يحمل إلا على أوفى ما يحتمله اللفظ، وأبلغه، والقول فيه أنه يحتمل أن تكون الجملة الثانية تكريراً للأولى كما كرر قوله: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾ لتقرير معناها في النفوس، وتمكنها في القلوب، وكما يكرر المفرد في قوله: «جاء زيد زيد» ، وأن تكون الأولى عدة بأن العسر مردوف بيُسْرٍ [لا محالة والثانية: عدة مستأنفة بأن العسر متبوع بيسر] فهما يسران على تقدير الاستئناف وإنَّما كان العسر واحداً لأنه لا يخلو، إما أن يكون تعريفه للعهد، وهو العسر الذي كانوا فيه، فهو هو، لأن حكمه حكم زيد في قولك: «إن مع زيد مالاً، إن مع زيد مالاً» ، وإما أن يكون للجنس الذي يعلمه كل أحد، فهو هو أيضاً، وأما اليسر، فمنكر متناول لبعض الجنس، فإذا كان الكلام الثاني مستأنفاً غير مكرر، فقد تناول بعضاً غير البعض الأول بغير إشكال.
قال أبو البقاء: العسر في الموضعين واحد؛ لأن الألف واللام توجب تكرير الأول، وأما يُسْراً في الموضعين، فاثنان، لأن النكرة إذا أريد تكريرها جيء بضميرها، أو بالألف واللام ومن هنا قيل: «لَنْ يَغْلِبَ عُسرٌ يُسرَيْنِ» .
وقال الزمخشريُّ أيضاً فإن قلت: «إن» مَعَ «للصحبة، فما معنى اصطحاب اليسر والعسر؟ قلت: أراد أن الله - تعالى - يصيبهم بيسر بعد العسر الذي كانوا فيه بزمان قريب، فقرب اليسر المترقب، حتى جعله كالمقارن للعسر زيادة في التسلية، وتقوية للقلوب.
وقال أيضاً فإن قلت: فما معنى هذا التنكير؟ .
قلت: التفخيم كأنه قيل: إنّ مع العسر يسراً عظيماً، وأي يسر، وهو في مصحف ابن مسعود مرة واحدة.
فإن قلت: فإذا أثبت في قراءته غير مكرر فلم قال: والذي نفسي بيده لو كان العسر في حجر لطلبه اليسر، حتى يدخل عليه، إنه لن يغلب عسر يسرين؟ .
قلت: كأنه قصد اليسرين، وأما في قوله:» يُسْراً» من معنى التفخيم، فتأوله بيسر الدَّارين، وذلك يسران في الحقيقة.
فصل في تعلق هذه الآية بما قبلها
تعلق هذه الآية بما قبلها أن الله تعالى بعث نبيه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فعيَّره المشركون بفقره، حتى قالوا له: نجمع لك مالاً، فاغتنم لذلك، وظن أنهم إنما رغبوا عن الإسلام لكونه فقيراً حقيراً عندهم، فعدد الله - تعالى - عليه منته بقوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ﴾ ، أي: ما كنت فيه من أمر الجاهلية، ثم وعده بالغنى في الدنيا ليزيل في قلبه ما حصل فيه من التأذي، بكونهم عيَّروه بالفقر، فقال تعالى: ﴿فَإِنَّ مَعَ العسر يُسْراً﴾ فعطفه بالفاء أي: لا يحزنك ما عيروك به في الفقر، فإن ذلك يسراً عاجلاً في الدنيا فأنجز له ما وعده، فلم يمت، حتى فتح عليه «الحجاز» ، و «اليمن» ووسع عليه ذات يده، حتَّى كان يعطي الرجل المائتين من الإبل، ويهب الهبات السنية، وترك لأهله قوت سنته، وهذا وإن كان خاصاً بالنبي - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - فقد يدخل فيه بعض أمته صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ إن شاء الله تعالى، ثم ابتدأ فصلاً آخر من أمر الآخرة، فقال:
﴿إِنَّ مَعَ العسر يُسْراً﴾ فهذا شيء آخر، والدليل على ابتدائه، تعديه من فاء، وواو، وغيرهما من حروف النسق التي تدخل على العطف، فهذا عام لجميع للمؤمنين، ﴿إِنَّ مَعَ العسر يُسْراً﴾ للمؤمنين يسراً في الآخرة لا محالة، وربما اجتمع يسرُ الدنيا، ويسرُ الآخرة.
قوله: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ﴾ .
العامة: على فتح الراء: من «فَرغْتَ» ، وهي الشهيرة.
وقرأها أبو السمال: مكسورة، وهي لغة فيه.
قال الزمخشري: «وليست بالفصيحة» .
وقال الزمخشري أيضاً: «فإن قلت: كيف تعلق قوله تعالى: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فانصب﴾ بما قبله؟ .
قلت: لما عدد عليه نعمه السالفة، ووعوده الآنفة، بعثه على الشكر، والاجتهاد في العبادة، والنصب فيها» .
وعن ابن عباس: فإذا فرغت من صلاتك، فانصب في الدعاء.
العامة: على فتح الصَّاد وسكون الباء أمراً من النصب وقرىء: بتشديد الباء مفتوحة أمراً من الإنصاب.
وكذا قرىء بكسر الصاد ساكنة الباء، أمراً من النَّصْب بسكون الصاد.
قال شهاب الدين: ولا أظن الأولى إلا تصحيفاً، ولا الثانية إلا تحريفاً، فإنها تروى عن الإمامية وتفسيرها: فإذا فرغت من النبوة فانصب الخليفة.
وقال ابن عطية: وهي قراءة شاذةٌ، لم تثبت عن عالم.
قال الزمخشريُّ: ومن البدع ما روي عن بعض الرافضة، أنه قرأ: «فانْصِبْ» - بكسر الصاد - أي: فانصب علياً للإمامة، ولو صح هذا للرافضيِّ، لصحَّ للناصبي أن يقرأ هكذا، ويجعله أمراً بالنصب الذي هو بغض علي، وعداوته.
قال ابن مسعود: «إذا فرغت من الفرائض فانصب في قيام الليل» .
وقال الكلبيُّ: «إذا فرغت من تبليغ الرسالة فانصب، أي: استغفِرْ لذَنْبِكَ وللمُؤمنينَ والمُؤْمِنَات» .
وقال الحسنُ وقتادة: «فإذا فرغت من جهاد عدوك فانصب لعبادة ربِّك» .
قوله: ﴿وإلى رَبِّكَ فارغب﴾ .
قرأ الجمهور: «فارْغَبْ» أمر من «رغبَ» ثلاثياً.
وقرأ زيد بن علي، وابن أبي عبلة: «فَرغِّبْ» بتشديد الغين، أمر من «رَغَّبَ» بتشديد الغين أي: فرغب الناس إلى طلب ما عنده.
عن عبد الله بن مسعود - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - قال: سمعت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ يقول: «مَنْ قَرَأ ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ فكأنما جاءني وأنا مغتم ففرج عني» والله تعالى أعلم.
سورة التين
الشرح 94:5
مكية، وهي ثماني آيات، وتسع وعشرون كلمة، ومائة وثلاثة أحرف. بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ ، الاستفهام إذا دخل على النفي قرره، فصار المعنى: قد شرحنا، ولذلك عطف عليه الماضي، ومثله: ﴿أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيداً وَلَبِثْتَ﴾ [الشعراء: 18] ، والعامة: على جزم الحاء ب «لَمْ» .
وقرأ أبو جعفر المنصور: بفتحها.
فقال الزمخشري: وقالوا: لعلَّهُ بين الحاء، وأشبعها في مخرجها فظن السامع أنه فتحها.
وقال ابن عطية: إن الأصل: «ألَمْ نَشْرحَنْ» بالنون الخفية، ثم أبدلها ألفاً ثم حذفها تخفيفاً كما أنشد أبو زيد: [الرجز]
5245 - مِنْ أيِّ يَوميَّ مِنَ المَوْتِ أَفِرْ ... أيَوْمَ لَمْ يقْدرَ أمْ يَوْمَ قُدِرْ
بفتح راء: «يقدر» وكقوله: [المنسرح]
5246 - إضْرِبَ عَنْكَ الهُمُومَ طَارقهَا ... ضَرْبكَ بالسَّيْفِ قَوْنسَ الفَرسِ بفتح باء «اضرب» انتهى. وهذا مبني على جواز توكيد المجزوم ب «لم» ، وهو قليل جداً، كقوله: [الرجز]
5247 - يَحْسبهُ الجَاهِلُ مَا لَمْ يَعْلمَا ... شَيْخاً عَلى كُرْسيِّهِ مُعَمَّمَا
فتتركب هذه القراءة من ثلاثة أصول كلها ضعيفة، لأن توكيد المجزوم ب «لَمْ» ضعيف، وإبدالها ألفاً إنما هو في الوقف، فاجراء الوصل مجرى الوقف خلاف الأصل، وحذف الألف ضعيف؛ لأنه خلاف الأصل.
وخرجه أبو حيان على لغة خرجها اللحياني في «نوادره» عن بعض العرب، وهو أن الجزم ب «لَنْ» والنصب ب «لَمْ» عمس المعروف عند الناس، وجعله أحسن مما تقدم.
وأنشد قول عائشة بنت الأعجم تمدح المختار تطلب ثأر الحسين بن علي رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما وعن بقية الصحابة أجمعين: [البسيط]
5248 - قَدْ كَان سُمْكُ الهُدَى يَنْهَدُّ ... قَائمهُ حتَّى أبِيحَ لهُ المُختارُ فانْغَمَدَا
فِي كُلِّ ما هَمَّ أمْضَى رأيهُ قُدُماً ... ولَمْ يُشاوِرَ في إقْدامهِ أحَدَا
[بنصب راء «يشاور» ، وجعله محتمل للتخريجين. وشرح الصدر: فتحه؛ أي ألم تفتح صدرك للإسلام.
وقال ابن عباس: ألم تلين قلبك وعن الحسن في قوله: ألم نشرح، وقال مكي: حلماً وعلماً] .
وشرح الصدر: فتحه: روي أن جبريل - عليه السلام - أتاه وشق صدره، وأخرج قلبه، وغسله وأنقاه من المعاصي، ثم ملأه علماً، وإيماناً، ووضعه في صدره، وطعن القاضي في هذه الرواية من وجوه: أحدها: أن هذه الواقعة إنما وقعت حال صغرهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وذلك من المعجزات فلا يجوز أن يتقدم بثبوته.
وثانيها: أن تأثير الغسل في إزالة الأجسام، والمعاصي ليست بإجرام فلم يؤثر الغسل فيها.
وثالثها: أنه لا يصح أن يملأ القلب علماً، بل الله تبارك وتعالى يخلق فيه العلوم.
وأجيب عن الأول: بأن تقديم المعجزات على زمان البعثة جائز، وهو المسمى بالإرهاص، ومثله في حق الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ كثير.
وعن الثاني، والثالث: لا يبعد أن يكون حصول ذلك الدم الأسود الذي غسلوه من قلب الرسول - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - ميل القلب إلى المعاصي وإحجامه عن الطاعات، فإذا أزالوه عنه كان ذلك علامة لمواظبة صاحبه على الطاعات، واحترازه عن السيئات، فكان ذلك، كالعلامة للملائكة على عصمة صاحبه.
وأيضاً فإن الله تعالى يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد.
روى ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما - أنهم قالوا: «يا رسول الله، أينشرح الصدر؟ .
قال:» نعم وينفسح» ، قالوا: يا رسول الله، وهل لذلك علامة؟ .
قال: «نعم، التجافي عن دار الغرور، والإنابة إلى دار الخلود، والاعتداد للموت قبل نزول الموت» » .
قال القرطبيُّ: معنى ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ﴾ قد شرحنا، و «لَمْ» جحد، وفي الاستفهام طرف من الجحد وإذا وقع جحد، رجع إلى التحقيق، كقوله تعالى: ﴿أَلَيْسَ الله بِأَحْكَمِ الحاكمين﴾ [التين: 8] ، ومعناه: الله أحكم الحاكمين، وكذا ﴿أَلَيْسَ الله بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ [الزمر: 36] ، ومنه قول جرير يمدح عبد الملك بن مروان: [الوافر]
5249 - ألَسْتُمْ خَيْرَ مَنْ رَكِبَ المَطايَا ... وأنْدَى العَالمِينَ بُطُونَ رَاحِ
المعنى: أنتم كذا.
فإن قيل: لم قال عَزَّ وَجَلَّ: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ فذكر الصدر ولم يذكر القلب؟ .
فالجوابُ: لأن محلَّ الوسوسة هو الصَّدر على ما قال تعالى: ﴿يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ الناس﴾ [الناس: 5] فإبدال تلك الوسوسة بدواعي الخير هو الشرح، فلذلك خص الشرح بالصدر دون القلب.
وقيل: الصدر حضن القلب، فيقصده الشبطان، فإن وجد مسلكاً أغار فيه، وبث جنده فيه وبث فيه الغموم، والهموم والحرص، فيقسو القلب حينئذ، ولا يجد للطاعة لذة، ولا للإسلام حلاوةً، فإذا طرد في الابتداء حصل الأمن، وانشرح الصدر.
فإن قيل: لِمَ قال: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ ولم يقل: «ألَمْ نَشْرَحْ صَدْرَك» ؟ .
فالجوابُ: كأنه تعالى يقول: لام بلام، فأنت إنما تفعل الطاعات لأجلي، وأنا أيضاً جميع ما أفعله لأجلك.
فصل فيمن اعتبر «والضحى» ، و «ألم نشرح» سورة واحدة
روي عن طاوس، وعمر بن عبد العزيز أنهما كانا يقرآن: «والضُّحَى» ، و ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ﴾ سورة واحدة، وكانا يقرآنها في ركعة واحدة، ولا يفصلان بينهما ب «بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحيمِ» ، وذلك لأنهما رأيا أن أولهما يشبه قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فآوى﴾ . وليس كذلك، لأن حالة اغتمامه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ بإيذاء الكفار، فهي حالة محنةٍ وضيق، وهذه حالة انشراح الصدر، وطيب القلبِ فكيف يجتمعان؟ .
قوله: ﴿وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ﴾ ، أي: حططنا عنك ذنبك.
وقرأ أنس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - وحللنا وحططنا.
وقرأ ابن مسعود: «وَحَلَلْنَا عَنْكَ وقْرَكَ» . وهذه الآية مثل قوله: ﴿لِّيَغْفِرَ لَكَ الله مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الفتح: 2] .
قيل: الجميع كانوا قبل النبوة، أي: وضعنا عنك ما كنت فيه من أمر الجاهلية؛ لأنه كان صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ كان في يسر من مذاهب قومه، وإن لم يكن عبد صنماً، ولا وثناً.
قوله
: ﴿الذي أَنقَضَ ظَهْرَكَ﴾ ، أي: حمله على النقض، وهو صوت الانتقاض والانفكاك لثقله، مثل لما كان يثقله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ.
قال أهل اللغة: أنقض الحمل ظهر الناقة: إذا سمعت له صريراً من شدة الحمل، وسمعت نقيض الرجل أي صريره؛ قال العبَّاس بن مرداسٍ: [الطويل]
5250 - وأنْقضَ ظَهْرِي ما تطَوَّيْتُ مِنهُم ... وكُنْتُ عَليْهِمْ مُشْفِقاً مُتَحَنِّنَا
وقال جميلٌ: [الطويل]
5251 - وحتَّى تَداعَتْ بالنَّقيضِ حِبالهُ ... وهَمَّتْ بَوانِي زَوْرهِ أنْ تُحطَّمَا
والمعنى: أثقل ظهرك حين سمع نقيضه، أي: صوته.
والوِزْرُ: الحمل الثقيل.
قال المحاسبيُّ: يعني: ثقل الوزر لو لم يعفُ الله عنه.
قال: وإنما وُصفتْ ذنوبُ الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - بهذا الثقل مع كونها مغفورة لشدة اهتمامهم بها، وندمهم منها، وتحسرهم عليها [وقال الحسين بن الفضل: يعني الخطأ والسهو.
وقيل: ذنوب أمتك اضافها إليه لاشتغال قلبه بها] .
وقال عبد العزيز بن يحيى وأبو عبيدة: خففنا عنك أعباء النبوة، والقيام بها، حتى لا تثقل عليك.
وقيل: كان في الابتداء يثقل عليه الوحي، حتى كاد يرمي نفسه من شاهق الجبل، إلى أن جاء جبريل - عليه السلام - وأزال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ عنه ما كان يخاف من تغير العقل.
وقيل: عصمناك عن احتمال الوِزْر، وحفظناك قيل النبوة في الأربعين من الأدناس، حتى نزل عليه الوحي، وأنت مطهَّر من الأدناس.
قوله: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ ، قال مجاهد: يعني بالتأذين.
وروى الضحاك عن ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم - يقول عَزَّ وَجَلَّ له: لا ذكرت إلا ذكرت معي في الأذان، والإقامة، والتشهد، ويوم الجمعة على المنابر، ويوم الفطر، ويوم الأضحى، وأيام التشريق ويوم عرفة، وعند الجمار وعلى الصفا والمروة وفي خطبة النكاح، وفي مشارق الأرض ومغاربها. ولو أن رجلاً عبد الله تعالى، وصدق بالجنة والنار وكل شيءٍ ولم يشهد أن محمداً رسول الله لم ينتفع شيء وكان كافراً.
وقيل: أعلينا ذكرك، فذكرناك في الكتب المنزلة على الأنبياء قبلك، وأمرناهم بالبشارة بك، ولا دين إلا ودينك يظهر عليه.
وقيل: رفعنا ذكرك عند الملائكة في السماء وفي الأرض عند المؤمنين، ونرفع في الآخرة ذكرك بما نعطيك من المقام المحمود، وكرائم الدرجات. وقيل: عام في كل ذكر.
قوله: ﴿فَإِنَّ مَعَ العسر يُسْراً﴾ العامة، على سكون السين في الكلم الأربع.
وابن وثَّاب وأبو جعفر وعيسى: بضمها، وفيه خلاف، هل هو أصل، أو منقول من المسكن؟ والألف واللام في العسر الأول لتعريف الجنس، وفي الثاني للعهد، وكذلك روي عن ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - لن يغلب عسرٌ يسرين وروي أيضاً مرفوعاً أنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ خرج يضحك يقول:
«لن يغلب عسر يسرين» والسبب فيه أن العرب إذا أتت باسم، ثم أعادته مع الألف واللام، كان هو الأول، نحو: جاء رجل فأكرمتُ الرجل، وقوله تعالى: ﴿كَمَآ أَرْسَلْنَآ إلى فِرْعَوْنَ رَسُولاً فعصى فِرْعَوْنُ الرسول﴾ [المزمل: 15، 16] ، ولو أعادته بغير ألف ولام كان غير الأول، فقوله تعالى: ﴿فَإِنَّ مَعَ العسر يُسْراً﴾ لما أعاد العسر الثاني أعاده ب «أل» ، ولما كان اليُسْر الثاني غير الأول لم يعده بأل.
وقال الزمخشريُّ: فإن قلت: ما معنى قول ابن عبَّاس؟ وذكر ما تقدم.
قلت: هذا عمل على الظاهر، وبناء على قوة الرجاء، وأن موعد الله تعالى لا يحمل إلا على أوفى ما يحتمله اللفظ، وأبلغه، والقول فيه أنه يحتمل أن تكون الجملة الثانية تكريراً للأولى كما كرر قوله: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾ لتقرير معناها في النفوس، وتمكنها في القلوب، وكما يكرر المفرد في قوله: «جاء زيد زيد» ، وأن تكون الأولى عدة بأن العسر مردوف بيُسْرٍ [لا محالة والثانية: عدة مستأنفة بأن العسر متبوع بيسر] فهما يسران على تقدير الاستئناف وإنَّما كان العسر واحداً لأنه لا يخلو، إما أن يكون تعريفه للعهد، وهو العسر الذي كانوا فيه، فهو هو، لأن حكمه حكم زيد في قولك: «إن مع زيد مالاً، إن مع زيد مالاً» ، وإما أن يكون للجنس الذي يعلمه كل أحد، فهو هو أيضاً، وأما اليسر، فمنكر متناول لبعض الجنس، فإذا كان الكلام الثاني مستأنفاً غير مكرر، فقد تناول بعضاً غير البعض الأول بغير إشكال.
قال أبو البقاء: العسر في الموضعين واحد؛ لأن الألف واللام توجب تكرير الأول، وأما يُسْراً في الموضعين، فاثنان، لأن النكرة إذا أريد تكريرها جيء بضميرها، أو بالألف واللام ومن هنا قيل: «لَنْ يَغْلِبَ عُسرٌ يُسرَيْنِ» .
وقال الزمخشريُّ أيضاً فإن قلت: «إن» مَعَ «للصحبة، فما معنى اصطحاب اليسر والعسر؟ قلت: أراد أن الله - تعالى - يصيبهم بيسر بعد العسر الذي كانوا فيه بزمان قريب، فقرب اليسر المترقب، حتى جعله كالمقارن للعسر زيادة في التسلية، وتقوية للقلوب.
وقال أيضاً فإن قلت: فما معنى هذا التنكير؟ .
قلت: التفخيم كأنه قيل: إنّ مع العسر يسراً عظيماً، وأي يسر، وهو في مصحف ابن مسعود مرة واحدة.
فإن قلت: فإذا أثبت في قراءته غير مكرر فلم قال: والذي نفسي بيده لو كان العسر في حجر لطلبه اليسر، حتى يدخل عليه، إنه لن يغلب عسر يسرين؟ .
قلت: كأنه قصد اليسرين، وأما في قوله:» يُسْراً» من معنى التفخيم، فتأوله بيسر الدَّارين، وذلك يسران في الحقيقة.
فصل في تعلق هذه الآية بما قبلها
تعلق هذه الآية بما قبلها أن الله تعالى بعث نبيه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فعيَّره المشركون بفقره، حتى قالوا له: نجمع لك مالاً، فاغتنم لذلك، وظن أنهم إنما رغبوا عن الإسلام لكونه فقيراً حقيراً عندهم، فعدد الله - تعالى - عليه منته بقوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ﴾ ، أي: ما كنت فيه من أمر الجاهلية، ثم وعده بالغنى في الدنيا ليزيل في قلبه ما حصل فيه من التأذي، بكونهم عيَّروه بالفقر، فقال تعالى: ﴿فَإِنَّ مَعَ العسر يُسْراً﴾ فعطفه بالفاء أي: لا يحزنك ما عيروك به في الفقر، فإن ذلك يسراً عاجلاً في الدنيا فأنجز له ما وعده، فلم يمت، حتى فتح عليه «الحجاز» ، و «اليمن» ووسع عليه ذات يده، حتَّى كان يعطي الرجل المائتين من الإبل، ويهب الهبات السنية، وترك لأهله قوت سنته، وهذا وإن كان خاصاً بالنبي - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - فقد يدخل فيه بعض أمته صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ إن شاء الله تعالى، ثم ابتدأ فصلاً آخر من أمر الآخرة، فقال:
﴿إِنَّ مَعَ العسر يُسْراً﴾ فهذا شيء آخر، والدليل على ابتدائه، تعديه من فاء، وواو، وغيرهما من حروف النسق التي تدخل على العطف، فهذا عام لجميع للمؤمنين، ﴿إِنَّ مَعَ العسر يُسْراً﴾ للمؤمنين يسراً في الآخرة لا محالة، وربما اجتمع يسرُ الدنيا، ويسرُ الآخرة.
قوله: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ﴾ .
العامة: على فتح الراء: من «فَرغْتَ» ، وهي الشهيرة.
وقرأها أبو السمال: مكسورة، وهي لغة فيه.
قال الزمخشري: «وليست بالفصيحة» .
وقال الزمخشري أيضاً: «فإن قلت: كيف تعلق قوله تعالى: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فانصب﴾ بما قبله؟ .
قلت: لما عدد عليه نعمه السالفة، ووعوده الآنفة، بعثه على الشكر، والاجتهاد في العبادة، والنصب فيها» .
وعن ابن عباس: فإذا فرغت من صلاتك، فانصب في الدعاء.
العامة: على فتح الصَّاد وسكون الباء أمراً من النصب وقرىء: بتشديد الباء مفتوحة أمراً من الإنصاب.
وكذا قرىء بكسر الصاد ساكنة الباء، أمراً من النَّصْب بسكون الصاد.
قال شهاب الدين: ولا أظن الأولى إلا تصحيفاً، ولا الثانية إلا تحريفاً، فإنها تروى عن الإمامية وتفسيرها: فإذا فرغت من النبوة فانصب الخليفة.
وقال ابن عطية: وهي قراءة شاذةٌ، لم تثبت عن عالم.
قال الزمخشريُّ: ومن البدع ما روي عن بعض الرافضة، أنه قرأ: «فانْصِبْ» - بكسر الصاد - أي: فانصب علياً للإمامة، ولو صح هذا للرافضيِّ، لصحَّ للناصبي أن يقرأ هكذا، ويجعله أمراً بالنصب الذي هو بغض علي، وعداوته.
قال ابن مسعود: «إذا فرغت من الفرائض فانصب في قيام الليل» .
وقال الكلبيُّ: «إذا فرغت من تبليغ الرسالة فانصب، أي: استغفِرْ لذَنْبِكَ وللمُؤمنينَ والمُؤْمِنَات» .
وقال الحسنُ وقتادة: «فإذا فرغت من جهاد عدوك فانصب لعبادة ربِّك» .
قوله: ﴿وإلى رَبِّكَ فارغب﴾ .
قرأ الجمهور: «فارْغَبْ» أمر من «رغبَ» ثلاثياً.
وقرأ زيد بن علي، وابن أبي عبلة: «فَرغِّبْ» بتشديد الغين، أمر من «رَغَّبَ» بتشديد الغين أي: فرغب الناس إلى طلب ما عنده.
عن عبد الله بن مسعود - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - قال: سمعت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ يقول: «مَنْ قَرَأ ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ فكأنما جاءني وأنا مغتم ففرج عني» والله تعالى أعلم.
سورة التين
الشرح 94:6
مكية، وهي ثماني آيات، وتسع وعشرون كلمة، ومائة وثلاثة أحرف. بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ ، الاستفهام إذا دخل على النفي قرره، فصار المعنى: قد شرحنا، ولذلك عطف عليه الماضي، ومثله: ﴿أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيداً وَلَبِثْتَ﴾ [الشعراء: 18] ، والعامة: على جزم الحاء ب «لَمْ» .
وقرأ أبو جعفر المنصور: بفتحها.
فقال الزمخشري: وقالوا: لعلَّهُ بين الحاء، وأشبعها في مخرجها فظن السامع أنه فتحها.
وقال ابن عطية: إن الأصل: «ألَمْ نَشْرحَنْ» بالنون الخفية، ثم أبدلها ألفاً ثم حذفها تخفيفاً كما أنشد أبو زيد: [الرجز]
5245 - مِنْ أيِّ يَوميَّ مِنَ المَوْتِ أَفِرْ ... أيَوْمَ لَمْ يقْدرَ أمْ يَوْمَ قُدِرْ
بفتح راء: «يقدر» وكقوله: [المنسرح]
5246 - إضْرِبَ عَنْكَ الهُمُومَ طَارقهَا ... ضَرْبكَ بالسَّيْفِ قَوْنسَ الفَرسِ بفتح باء «اضرب» انتهى. وهذا مبني على جواز توكيد المجزوم ب «لم» ، وهو قليل جداً، كقوله: [الرجز]
5247 - يَحْسبهُ الجَاهِلُ مَا لَمْ يَعْلمَا ... شَيْخاً عَلى كُرْسيِّهِ مُعَمَّمَا
فتتركب هذه القراءة من ثلاثة أصول كلها ضعيفة، لأن توكيد المجزوم ب «لَمْ» ضعيف، وإبدالها ألفاً إنما هو في الوقف، فاجراء الوصل مجرى الوقف خلاف الأصل، وحذف الألف ضعيف؛ لأنه خلاف الأصل.
وخرجه أبو حيان على لغة خرجها اللحياني في «نوادره» عن بعض العرب، وهو أن الجزم ب «لَنْ» والنصب ب «لَمْ» عمس المعروف عند الناس، وجعله أحسن مما تقدم.
وأنشد قول عائشة بنت الأعجم تمدح المختار تطلب ثأر الحسين بن علي رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما وعن بقية الصحابة أجمعين: [البسيط]
5248 - قَدْ كَان سُمْكُ الهُدَى يَنْهَدُّ ... قَائمهُ حتَّى أبِيحَ لهُ المُختارُ فانْغَمَدَا
فِي كُلِّ ما هَمَّ أمْضَى رأيهُ قُدُماً ... ولَمْ يُشاوِرَ في إقْدامهِ أحَدَا
[بنصب راء «يشاور» ، وجعله محتمل للتخريجين. وشرح الصدر: فتحه؛ أي ألم تفتح صدرك للإسلام.
وقال ابن عباس: ألم تلين قلبك وعن الحسن في قوله: ألم نشرح، وقال مكي: حلماً وعلماً] .
وشرح الصدر: فتحه: روي أن جبريل - عليه السلام - أتاه وشق صدره، وأخرج قلبه، وغسله وأنقاه من المعاصي، ثم ملأه علماً، وإيماناً، ووضعه في صدره، وطعن القاضي في هذه الرواية من وجوه: أحدها: أن هذه الواقعة إنما وقعت حال صغرهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وذلك من المعجزات فلا يجوز أن يتقدم بثبوته.
وثانيها: أن تأثير الغسل في إزالة الأجسام، والمعاصي ليست بإجرام فلم يؤثر الغسل فيها.
وثالثها: أنه لا يصح أن يملأ القلب علماً، بل الله تبارك وتعالى يخلق فيه العلوم.
وأجيب عن الأول: بأن تقديم المعجزات على زمان البعثة جائز، وهو المسمى بالإرهاص، ومثله في حق الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ كثير.
وعن الثاني، والثالث: لا يبعد أن يكون حصول ذلك الدم الأسود الذي غسلوه من قلب الرسول - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - ميل القلب إلى المعاصي وإحجامه عن الطاعات، فإذا أزالوه عنه كان ذلك علامة لمواظبة صاحبه على الطاعات، واحترازه عن السيئات، فكان ذلك، كالعلامة للملائكة على عصمة صاحبه.
وأيضاً فإن الله تعالى يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد.
روى ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما - أنهم قالوا: «يا رسول الله، أينشرح الصدر؟ .
قال:» نعم وينفسح» ، قالوا: يا رسول الله، وهل لذلك علامة؟ .
قال: «نعم، التجافي عن دار الغرور، والإنابة إلى دار الخلود، والاعتداد للموت قبل نزول الموت» » .
قال القرطبيُّ: معنى ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ﴾ قد شرحنا، و «لَمْ» جحد، وفي الاستفهام طرف من الجحد وإذا وقع جحد، رجع إلى التحقيق، كقوله تعالى: ﴿أَلَيْسَ الله بِأَحْكَمِ الحاكمين﴾ [التين: 8] ، ومعناه: الله أحكم الحاكمين، وكذا ﴿أَلَيْسَ الله بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ [الزمر: 36] ، ومنه قول جرير يمدح عبد الملك بن مروان: [الوافر]
5249 - ألَسْتُمْ خَيْرَ مَنْ رَكِبَ المَطايَا ... وأنْدَى العَالمِينَ بُطُونَ رَاحِ
المعنى: أنتم كذا.
فإن قيل: لم قال عَزَّ وَجَلَّ: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ فذكر الصدر ولم يذكر القلب؟ .
فالجوابُ: لأن محلَّ الوسوسة هو الصَّدر على ما قال تعالى: ﴿يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ الناس﴾ [الناس: 5] فإبدال تلك الوسوسة بدواعي الخير هو الشرح، فلذلك خص الشرح بالصدر دون القلب.
وقيل: الصدر حضن القلب، فيقصده الشبطان، فإن وجد مسلكاً أغار فيه، وبث جنده فيه وبث فيه الغموم، والهموم والحرص، فيقسو القلب حينئذ، ولا يجد للطاعة لذة، ولا للإسلام حلاوةً، فإذا طرد في الابتداء حصل الأمن، وانشرح الصدر.
فإن قيل: لِمَ قال: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ ولم يقل: «ألَمْ نَشْرَحْ صَدْرَك» ؟ .
فالجوابُ: كأنه تعالى يقول: لام بلام، فأنت إنما تفعل الطاعات لأجلي، وأنا أيضاً جميع ما أفعله لأجلك.
فصل فيمن اعتبر «والضحى» ، و «ألم نشرح» سورة واحدة
روي عن طاوس، وعمر بن عبد العزيز أنهما كانا يقرآن: «والضُّحَى» ، و ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ﴾ سورة واحدة، وكانا يقرآنها في ركعة واحدة، ولا يفصلان بينهما ب «بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحيمِ» ، وذلك لأنهما رأيا أن أولهما يشبه قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فآوى﴾ . وليس كذلك، لأن حالة اغتمامه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ بإيذاء الكفار، فهي حالة محنةٍ وضيق، وهذه حالة انشراح الصدر، وطيب القلبِ فكيف يجتمعان؟ .
قوله: ﴿وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ﴾ ، أي: حططنا عنك ذنبك.
وقرأ أنس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - وحللنا وحططنا.
وقرأ ابن مسعود: «وَحَلَلْنَا عَنْكَ وقْرَكَ» . وهذه الآية مثل قوله: ﴿لِّيَغْفِرَ لَكَ الله مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الفتح: 2] .
قيل: الجميع كانوا قبل النبوة، أي: وضعنا عنك ما كنت فيه من أمر الجاهلية؛ لأنه كان صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ كان في يسر من مذاهب قومه، وإن لم يكن عبد صنماً، ولا وثناً.
قوله
: ﴿الذي أَنقَضَ ظَهْرَكَ﴾ ، أي: حمله على النقض، وهو صوت الانتقاض والانفكاك لثقله، مثل لما كان يثقله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ.
قال أهل اللغة: أنقض الحمل ظهر الناقة: إذا سمعت له صريراً من شدة الحمل، وسمعت نقيض الرجل أي صريره؛ قال العبَّاس بن مرداسٍ: [الطويل]
5250 - وأنْقضَ ظَهْرِي ما تطَوَّيْتُ مِنهُم ... وكُنْتُ عَليْهِمْ مُشْفِقاً مُتَحَنِّنَا
وقال جميلٌ: [الطويل]
5251 - وحتَّى تَداعَتْ بالنَّقيضِ حِبالهُ ... وهَمَّتْ بَوانِي زَوْرهِ أنْ تُحطَّمَا
والمعنى: أثقل ظهرك حين سمع نقيضه، أي: صوته.
والوِزْرُ: الحمل الثقيل.
قال المحاسبيُّ: يعني: ثقل الوزر لو لم يعفُ الله عنه.
قال: وإنما وُصفتْ ذنوبُ الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - بهذا الثقل مع كونها مغفورة لشدة اهتمامهم بها، وندمهم منها، وتحسرهم عليها [وقال الحسين بن الفضل: يعني الخطأ والسهو.
وقيل: ذنوب أمتك اضافها إليه لاشتغال قلبه بها] .
وقال عبد العزيز بن يحيى وأبو عبيدة: خففنا عنك أعباء النبوة، والقيام بها، حتى لا تثقل عليك.
وقيل: كان في الابتداء يثقل عليه الوحي، حتى كاد يرمي نفسه من شاهق الجبل، إلى أن جاء جبريل - عليه السلام - وأزال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ عنه ما كان يخاف من تغير العقل.
وقيل: عصمناك عن احتمال الوِزْر، وحفظناك قيل النبوة في الأربعين من الأدناس، حتى نزل عليه الوحي، وأنت مطهَّر من الأدناس.
قوله: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ ، قال مجاهد: يعني بالتأذين.
وروى الضحاك عن ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم - يقول عَزَّ وَجَلَّ له: لا ذكرت إلا ذكرت معي في الأذان، والإقامة، والتشهد، ويوم الجمعة على المنابر، ويوم الفطر، ويوم الأضحى، وأيام التشريق ويوم عرفة، وعند الجمار وعلى الصفا والمروة وفي خطبة النكاح، وفي مشارق الأرض ومغاربها. ولو أن رجلاً عبد الله تعالى، وصدق بالجنة والنار وكل شيءٍ ولم يشهد أن محمداً رسول الله لم ينتفع شيء وكان كافراً.
وقيل: أعلينا ذكرك، فذكرناك في الكتب المنزلة على الأنبياء قبلك، وأمرناهم بالبشارة بك، ولا دين إلا ودينك يظهر عليه.
وقيل: رفعنا ذكرك عند الملائكة في السماء وفي الأرض عند المؤمنين، ونرفع في الآخرة ذكرك بما نعطيك من المقام المحمود، وكرائم الدرجات. وقيل: عام في كل ذكر.
قوله: ﴿فَإِنَّ مَعَ العسر يُسْراً﴾ العامة، على سكون السين في الكلم الأربع.
وابن وثَّاب وأبو جعفر وعيسى: بضمها، وفيه خلاف، هل هو أصل، أو منقول من المسكن؟ والألف واللام في العسر الأول لتعريف الجنس، وفي الثاني للعهد، وكذلك روي عن ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - لن يغلب عسرٌ يسرين وروي أيضاً مرفوعاً أنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ خرج يضحك يقول:
«لن يغلب عسر يسرين» والسبب فيه أن العرب إذا أتت باسم، ثم أعادته مع الألف واللام، كان هو الأول، نحو: جاء رجل فأكرمتُ الرجل، وقوله تعالى: ﴿كَمَآ أَرْسَلْنَآ إلى فِرْعَوْنَ رَسُولاً فعصى فِرْعَوْنُ الرسول﴾ [المزمل: 15، 16] ، ولو أعادته بغير ألف ولام كان غير الأول، فقوله تعالى: ﴿فَإِنَّ مَعَ العسر يُسْراً﴾ لما أعاد العسر الثاني أعاده ب «أل» ، ولما كان اليُسْر الثاني غير الأول لم يعده بأل.
وقال الزمخشريُّ: فإن قلت: ما معنى قول ابن عبَّاس؟ وذكر ما تقدم.
قلت: هذا عمل على الظاهر، وبناء على قوة الرجاء، وأن موعد الله تعالى لا يحمل إلا على أوفى ما يحتمله اللفظ، وأبلغه، والقول فيه أنه يحتمل أن تكون الجملة الثانية تكريراً للأولى كما كرر قوله: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾ لتقرير معناها في النفوس، وتمكنها في القلوب، وكما يكرر المفرد في قوله: «جاء زيد زيد» ، وأن تكون الأولى عدة بأن العسر مردوف بيُسْرٍ [لا محالة والثانية: عدة مستأنفة بأن العسر متبوع بيسر] فهما يسران على تقدير الاستئناف وإنَّما كان العسر واحداً لأنه لا يخلو، إما أن يكون تعريفه للعهد، وهو العسر الذي كانوا فيه، فهو هو، لأن حكمه حكم زيد في قولك: «إن مع زيد مالاً، إن مع زيد مالاً» ، وإما أن يكون للجنس الذي يعلمه كل أحد، فهو هو أيضاً، وأما اليسر، فمنكر متناول لبعض الجنس، فإذا كان الكلام الثاني مستأنفاً غير مكرر، فقد تناول بعضاً غير البعض الأول بغير إشكال.
قال أبو البقاء: العسر في الموضعين واحد؛ لأن الألف واللام توجب تكرير الأول، وأما يُسْراً في الموضعين، فاثنان، لأن النكرة إذا أريد تكريرها جيء بضميرها، أو بالألف واللام ومن هنا قيل: «لَنْ يَغْلِبَ عُسرٌ يُسرَيْنِ» .
وقال الزمخشريُّ أيضاً فإن قلت: «إن» مَعَ «للصحبة، فما معنى اصطحاب اليسر والعسر؟ قلت: أراد أن الله - تعالى - يصيبهم بيسر بعد العسر الذي كانوا فيه بزمان قريب، فقرب اليسر المترقب، حتى جعله كالمقارن للعسر زيادة في التسلية، وتقوية للقلوب.
وقال أيضاً فإن قلت: فما معنى هذا التنكير؟ .
قلت: التفخيم كأنه قيل: إنّ مع العسر يسراً عظيماً، وأي يسر، وهو في مصحف ابن مسعود مرة واحدة.
فإن قلت: فإذا أثبت في قراءته غير مكرر فلم قال: والذي نفسي بيده لو كان العسر في حجر لطلبه اليسر، حتى يدخل عليه، إنه لن يغلب عسر يسرين؟ .
قلت: كأنه قصد اليسرين، وأما في قوله:» يُسْراً» من معنى التفخيم، فتأوله بيسر الدَّارين، وذلك يسران في الحقيقة.
فصل في تعلق هذه الآية بما قبلها
تعلق هذه الآية بما قبلها أن الله تعالى بعث نبيه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فعيَّره المشركون بفقره، حتى قالوا له: نجمع لك مالاً، فاغتنم لذلك، وظن أنهم إنما رغبوا عن الإسلام لكونه فقيراً حقيراً عندهم، فعدد الله - تعالى - عليه منته بقوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ﴾ ، أي: ما كنت فيه من أمر الجاهلية، ثم وعده بالغنى في الدنيا ليزيل في قلبه ما حصل فيه من التأذي، بكونهم عيَّروه بالفقر، فقال تعالى: ﴿فَإِنَّ مَعَ العسر يُسْراً﴾ فعطفه بالفاء أي: لا يحزنك ما عيروك به في الفقر، فإن ذلك يسراً عاجلاً في الدنيا فأنجز له ما وعده، فلم يمت، حتى فتح عليه «الحجاز» ، و «اليمن» ووسع عليه ذات يده، حتَّى كان يعطي الرجل المائتين من الإبل، ويهب الهبات السنية، وترك لأهله قوت سنته، وهذا وإن كان خاصاً بالنبي - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - فقد يدخل فيه بعض أمته صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ إن شاء الله تعالى، ثم ابتدأ فصلاً آخر من أمر الآخرة، فقال:
﴿إِنَّ مَعَ العسر يُسْراً﴾ فهذا شيء آخر، والدليل على ابتدائه، تعديه من فاء، وواو، وغيرهما من حروف النسق التي تدخل على العطف، فهذا عام لجميع للمؤمنين، ﴿إِنَّ مَعَ العسر يُسْراً﴾ للمؤمنين يسراً في الآخرة لا محالة، وربما اجتمع يسرُ الدنيا، ويسرُ الآخرة.
قوله: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ﴾ .
العامة: على فتح الراء: من «فَرغْتَ» ، وهي الشهيرة.
وقرأها أبو السمال: مكسورة، وهي لغة فيه.
قال الزمخشري: «وليست بالفصيحة» .
وقال الزمخشري أيضاً: «فإن قلت: كيف تعلق قوله تعالى: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فانصب﴾ بما قبله؟ .
قلت: لما عدد عليه نعمه السالفة، ووعوده الآنفة، بعثه على الشكر، والاجتهاد في العبادة، والنصب فيها» .
وعن ابن عباس: فإذا فرغت من صلاتك، فانصب في الدعاء.
العامة: على فتح الصَّاد وسكون الباء أمراً من النصب وقرىء: بتشديد الباء مفتوحة أمراً من الإنصاب.
وكذا قرىء بكسر الصاد ساكنة الباء، أمراً من النَّصْب بسكون الصاد.
قال شهاب الدين: ولا أظن الأولى إلا تصحيفاً، ولا الثانية إلا تحريفاً، فإنها تروى عن الإمامية وتفسيرها: فإذا فرغت من النبوة فانصب الخليفة.
وقال ابن عطية: وهي قراءة شاذةٌ، لم تثبت عن عالم.
قال الزمخشريُّ: ومن البدع ما روي عن بعض الرافضة، أنه قرأ: «فانْصِبْ» - بكسر الصاد - أي: فانصب علياً للإمامة، ولو صح هذا للرافضيِّ، لصحَّ للناصبي أن يقرأ هكذا، ويجعله أمراً بالنصب الذي هو بغض علي، وعداوته.
قال ابن مسعود: «إذا فرغت من الفرائض فانصب في قيام الليل» .
وقال الكلبيُّ: «إذا فرغت من تبليغ الرسالة فانصب، أي: استغفِرْ لذَنْبِكَ وللمُؤمنينَ والمُؤْمِنَات» .
وقال الحسنُ وقتادة: «فإذا فرغت من جهاد عدوك فانصب لعبادة ربِّك» .
قوله: ﴿وإلى رَبِّكَ فارغب﴾ .
قرأ الجمهور: «فارْغَبْ» أمر من «رغبَ» ثلاثياً.
وقرأ زيد بن علي، وابن أبي عبلة: «فَرغِّبْ» بتشديد الغين، أمر من «رَغَّبَ» بتشديد الغين أي: فرغب الناس إلى طلب ما عنده.
عن عبد الله بن مسعود - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - قال: سمعت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ يقول: «مَنْ قَرَأ ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ فكأنما جاءني وأنا مغتم ففرج عني» والله تعالى أعلم.
سورة التين
الشرح 94:7
مكية، وهي ثماني آيات، وتسع وعشرون كلمة، ومائة وثلاثة أحرف. بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ ، الاستفهام إذا دخل على النفي قرره، فصار المعنى: قد شرحنا، ولذلك عطف عليه الماضي، ومثله: ﴿أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيداً وَلَبِثْتَ﴾ [الشعراء: 18] ، والعامة: على جزم الحاء ب «لَمْ» .
وقرأ أبو جعفر المنصور: بفتحها.
فقال الزمخشري: وقالوا: لعلَّهُ بين الحاء، وأشبعها في مخرجها فظن السامع أنه فتحها.
وقال ابن عطية: إن الأصل: «ألَمْ نَشْرحَنْ» بالنون الخفية، ثم أبدلها ألفاً ثم حذفها تخفيفاً كما أنشد أبو زيد: [الرجز]
5245 - مِنْ أيِّ يَوميَّ مِنَ المَوْتِ أَفِرْ ... أيَوْمَ لَمْ يقْدرَ أمْ يَوْمَ قُدِرْ
بفتح راء: «يقدر» وكقوله: [المنسرح]
5246 - إضْرِبَ عَنْكَ الهُمُومَ طَارقهَا ... ضَرْبكَ بالسَّيْفِ قَوْنسَ الفَرسِ بفتح باء «اضرب» انتهى. وهذا مبني على جواز توكيد المجزوم ب «لم» ، وهو قليل جداً، كقوله: [الرجز]
5247 - يَحْسبهُ الجَاهِلُ مَا لَمْ يَعْلمَا ... شَيْخاً عَلى كُرْسيِّهِ مُعَمَّمَا
فتتركب هذه القراءة من ثلاثة أصول كلها ضعيفة، لأن توكيد المجزوم ب «لَمْ» ضعيف، وإبدالها ألفاً إنما هو في الوقف، فاجراء الوصل مجرى الوقف خلاف الأصل، وحذف الألف ضعيف؛ لأنه خلاف الأصل.
وخرجه أبو حيان على لغة خرجها اللحياني في «نوادره» عن بعض العرب، وهو أن الجزم ب «لَنْ» والنصب ب «لَمْ» عمس المعروف عند الناس، وجعله أحسن مما تقدم.
وأنشد قول عائشة بنت الأعجم تمدح المختار تطلب ثأر الحسين بن علي رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما وعن بقية الصحابة أجمعين: [البسيط]
5248 - قَدْ كَان سُمْكُ الهُدَى يَنْهَدُّ ... قَائمهُ حتَّى أبِيحَ لهُ المُختارُ فانْغَمَدَا
فِي كُلِّ ما هَمَّ أمْضَى رأيهُ قُدُماً ... ولَمْ يُشاوِرَ في إقْدامهِ أحَدَا
[بنصب راء «يشاور» ، وجعله محتمل للتخريجين. وشرح الصدر: فتحه؛ أي ألم تفتح صدرك للإسلام.
وقال ابن عباس: ألم تلين قلبك وعن الحسن في قوله: ألم نشرح، وقال مكي: حلماً وعلماً] .
وشرح الصدر: فتحه: روي أن جبريل - عليه السلام - أتاه وشق صدره، وأخرج قلبه، وغسله وأنقاه من المعاصي، ثم ملأه علماً، وإيماناً، ووضعه في صدره، وطعن القاضي في هذه الرواية من وجوه: أحدها: أن هذه الواقعة إنما وقعت حال صغرهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وذلك من المعجزات فلا يجوز أن يتقدم بثبوته.
وثانيها: أن تأثير الغسل في إزالة الأجسام، والمعاصي ليست بإجرام فلم يؤثر الغسل فيها.
وثالثها: أنه لا يصح أن يملأ القلب علماً، بل الله تبارك وتعالى يخلق فيه العلوم.
وأجيب عن الأول: بأن تقديم المعجزات على زمان البعثة جائز، وهو المسمى بالإرهاص، ومثله في حق الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ كثير.
وعن الثاني، والثالث: لا يبعد أن يكون حصول ذلك الدم الأسود الذي غسلوه من قلب الرسول - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - ميل القلب إلى المعاصي وإحجامه عن الطاعات، فإذا أزالوه عنه كان ذلك علامة لمواظبة صاحبه على الطاعات، واحترازه عن السيئات، فكان ذلك، كالعلامة للملائكة على عصمة صاحبه.
وأيضاً فإن الله تعالى يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد.
روى ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما - أنهم قالوا: «يا رسول الله، أينشرح الصدر؟ .
قال:» نعم وينفسح» ، قالوا: يا رسول الله، وهل لذلك علامة؟ .
قال: «نعم، التجافي عن دار الغرور، والإنابة إلى دار الخلود، والاعتداد للموت قبل نزول الموت» » .
قال القرطبيُّ: معنى ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ﴾ قد شرحنا، و «لَمْ» جحد، وفي الاستفهام طرف من الجحد وإذا وقع جحد، رجع إلى التحقيق، كقوله تعالى: ﴿أَلَيْسَ الله بِأَحْكَمِ الحاكمين﴾ [التين: 8] ، ومعناه: الله أحكم الحاكمين، وكذا ﴿أَلَيْسَ الله بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ [الزمر: 36] ، ومنه قول جرير يمدح عبد الملك بن مروان: [الوافر]
5249 - ألَسْتُمْ خَيْرَ مَنْ رَكِبَ المَطايَا ... وأنْدَى العَالمِينَ بُطُونَ رَاحِ
المعنى: أنتم كذا.
فإن قيل: لم قال عَزَّ وَجَلَّ: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ فذكر الصدر ولم يذكر القلب؟ .
فالجوابُ: لأن محلَّ الوسوسة هو الصَّدر على ما قال تعالى: ﴿يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ الناس﴾ [الناس: 5] فإبدال تلك الوسوسة بدواعي الخير هو الشرح، فلذلك خص الشرح بالصدر دون القلب.
وقيل: الصدر حضن القلب، فيقصده الشبطان، فإن وجد مسلكاً أغار فيه، وبث جنده فيه وبث فيه الغموم، والهموم والحرص، فيقسو القلب حينئذ، ولا يجد للطاعة لذة، ولا للإسلام حلاوةً، فإذا طرد في الابتداء حصل الأمن، وانشرح الصدر.
فإن قيل: لِمَ قال: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ ولم يقل: «ألَمْ نَشْرَحْ صَدْرَك» ؟ .
فالجوابُ: كأنه تعالى يقول: لام بلام، فأنت إنما تفعل الطاعات لأجلي، وأنا أيضاً جميع ما أفعله لأجلك.
فصل فيمن اعتبر «والضحى» ، و «ألم نشرح» سورة واحدة
روي عن طاوس، وعمر بن عبد العزيز أنهما كانا يقرآن: «والضُّحَى» ، و ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ﴾ سورة واحدة، وكانا يقرآنها في ركعة واحدة، ولا يفصلان بينهما ب «بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحيمِ» ، وذلك لأنهما رأيا أن أولهما يشبه قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فآوى﴾ . وليس كذلك، لأن حالة اغتمامه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ بإيذاء الكفار، فهي حالة محنةٍ وضيق، وهذه حالة انشراح الصدر، وطيب القلبِ فكيف يجتمعان؟ .
قوله: ﴿وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ﴾ ، أي: حططنا عنك ذنبك.
وقرأ أنس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - وحللنا وحططنا.
وقرأ ابن مسعود: «وَحَلَلْنَا عَنْكَ وقْرَكَ» . وهذه الآية مثل قوله: ﴿لِّيَغْفِرَ لَكَ الله مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الفتح: 2] .
قيل: الجميع كانوا قبل النبوة، أي: وضعنا عنك ما كنت فيه من أمر الجاهلية؛ لأنه كان صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ كان في يسر من مذاهب قومه، وإن لم يكن عبد صنماً، ولا وثناً.
قوله
: ﴿الذي أَنقَضَ ظَهْرَكَ﴾ ، أي: حمله على النقض، وهو صوت الانتقاض والانفكاك لثقله، مثل لما كان يثقله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ.
قال أهل اللغة: أنقض الحمل ظهر الناقة: إذا سمعت له صريراً من شدة الحمل، وسمعت نقيض الرجل أي صريره؛ قال العبَّاس بن مرداسٍ: [الطويل]
5250 - وأنْقضَ ظَهْرِي ما تطَوَّيْتُ مِنهُم ... وكُنْتُ عَليْهِمْ مُشْفِقاً مُتَحَنِّنَا
وقال جميلٌ: [الطويل]
5251 - وحتَّى تَداعَتْ بالنَّقيضِ حِبالهُ ... وهَمَّتْ بَوانِي زَوْرهِ أنْ تُحطَّمَا
والمعنى: أثقل ظهرك حين سمع نقيضه، أي: صوته.
والوِزْرُ: الحمل الثقيل.
قال المحاسبيُّ: يعني: ثقل الوزر لو لم يعفُ الله عنه.
قال: وإنما وُصفتْ ذنوبُ الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - بهذا الثقل مع كونها مغفورة لشدة اهتمامهم بها، وندمهم منها، وتحسرهم عليها [وقال الحسين بن الفضل: يعني الخطأ والسهو.
وقيل: ذنوب أمتك اضافها إليه لاشتغال قلبه بها] .
وقال عبد العزيز بن يحيى وأبو عبيدة: خففنا عنك أعباء النبوة، والقيام بها، حتى لا تثقل عليك.
وقيل: كان في الابتداء يثقل عليه الوحي، حتى كاد يرمي نفسه من شاهق الجبل، إلى أن جاء جبريل - عليه السلام - وأزال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ عنه ما كان يخاف من تغير العقل.
وقيل: عصمناك عن احتمال الوِزْر، وحفظناك قيل النبوة في الأربعين من الأدناس، حتى نزل عليه الوحي، وأنت مطهَّر من الأدناس.
قوله: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ ، قال مجاهد: يعني بالتأذين.
وروى الضحاك عن ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم - يقول عَزَّ وَجَلَّ له: لا ذكرت إلا ذكرت معي في الأذان، والإقامة، والتشهد، ويوم الجمعة على المنابر، ويوم الفطر، ويوم الأضحى، وأيام التشريق ويوم عرفة، وعند الجمار وعلى الصفا والمروة وفي خطبة النكاح، وفي مشارق الأرض ومغاربها. ولو أن رجلاً عبد الله تعالى، وصدق بالجنة والنار وكل شيءٍ ولم يشهد أن محمداً رسول الله لم ينتفع شيء وكان كافراً.
وقيل: أعلينا ذكرك، فذكرناك في الكتب المنزلة على الأنبياء قبلك، وأمرناهم بالبشارة بك، ولا دين إلا ودينك يظهر عليه.
وقيل: رفعنا ذكرك عند الملائكة في السماء وفي الأرض عند المؤمنين، ونرفع في الآخرة ذكرك بما نعطيك من المقام المحمود، وكرائم الدرجات. وقيل: عام في كل ذكر.
قوله: ﴿فَإِنَّ مَعَ العسر يُسْراً﴾ العامة، على سكون السين في الكلم الأربع.
وابن وثَّاب وأبو جعفر وعيسى: بضمها، وفيه خلاف، هل هو أصل، أو منقول من المسكن؟ والألف واللام في العسر الأول لتعريف الجنس، وفي الثاني للعهد، وكذلك روي عن ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - لن يغلب عسرٌ يسرين وروي أيضاً مرفوعاً أنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ خرج يضحك يقول:
«لن يغلب عسر يسرين» والسبب فيه أن العرب إذا أتت باسم، ثم أعادته مع الألف واللام، كان هو الأول، نحو: جاء رجل فأكرمتُ الرجل، وقوله تعالى: ﴿كَمَآ أَرْسَلْنَآ إلى فِرْعَوْنَ رَسُولاً فعصى فِرْعَوْنُ الرسول﴾ [المزمل: 15، 16] ، ولو أعادته بغير ألف ولام كان غير الأول، فقوله تعالى: ﴿فَإِنَّ مَعَ العسر يُسْراً﴾ لما أعاد العسر الثاني أعاده ب «أل» ، ولما كان اليُسْر الثاني غير الأول لم يعده بأل.
وقال الزمخشريُّ: فإن قلت: ما معنى قول ابن عبَّاس؟ وذكر ما تقدم.
قلت: هذا عمل على الظاهر، وبناء على قوة الرجاء، وأن موعد الله تعالى لا يحمل إلا على أوفى ما يحتمله اللفظ، وأبلغه، والقول فيه أنه يحتمل أن تكون الجملة الثانية تكريراً للأولى كما كرر قوله: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾ لتقرير معناها في النفوس، وتمكنها في القلوب، وكما يكرر المفرد في قوله: «جاء زيد زيد» ، وأن تكون الأولى عدة بأن العسر مردوف بيُسْرٍ [لا محالة والثانية: عدة مستأنفة بأن العسر متبوع بيسر] فهما يسران على تقدير الاستئناف وإنَّما كان العسر واحداً لأنه لا يخلو، إما أن يكون تعريفه للعهد، وهو العسر الذي كانوا فيه، فهو هو، لأن حكمه حكم زيد في قولك: «إن مع زيد مالاً، إن مع زيد مالاً» ، وإما أن يكون للجنس الذي يعلمه كل أحد، فهو هو أيضاً، وأما اليسر، فمنكر متناول لبعض الجنس، فإذا كان الكلام الثاني مستأنفاً غير مكرر، فقد تناول بعضاً غير البعض الأول بغير إشكال.
قال أبو البقاء: العسر في الموضعين واحد؛ لأن الألف واللام توجب تكرير الأول، وأما يُسْراً في الموضعين، فاثنان، لأن النكرة إذا أريد تكريرها جيء بضميرها، أو بالألف واللام ومن هنا قيل: «لَنْ يَغْلِبَ عُسرٌ يُسرَيْنِ» .
وقال الزمخشريُّ أيضاً فإن قلت: «إن» مَعَ «للصحبة، فما معنى اصطحاب اليسر والعسر؟ قلت: أراد أن الله - تعالى - يصيبهم بيسر بعد العسر الذي كانوا فيه بزمان قريب، فقرب اليسر المترقب، حتى جعله كالمقارن للعسر زيادة في التسلية، وتقوية للقلوب.
وقال أيضاً فإن قلت: فما معنى هذا التنكير؟ .
قلت: التفخيم كأنه قيل: إنّ مع العسر يسراً عظيماً، وأي يسر، وهو في مصحف ابن مسعود مرة واحدة.
فإن قلت: فإذا أثبت في قراءته غير مكرر فلم قال: والذي نفسي بيده لو كان العسر في حجر لطلبه اليسر، حتى يدخل عليه، إنه لن يغلب عسر يسرين؟ .
قلت: كأنه قصد اليسرين، وأما في قوله:» يُسْراً» من معنى التفخيم، فتأوله بيسر الدَّارين، وذلك يسران في الحقيقة.
فصل في تعلق هذه الآية بما قبلها
تعلق هذه الآية بما قبلها أن الله تعالى بعث نبيه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فعيَّره المشركون بفقره، حتى قالوا له: نجمع لك مالاً، فاغتنم لذلك، وظن أنهم إنما رغبوا عن الإسلام لكونه فقيراً حقيراً عندهم، فعدد الله - تعالى - عليه منته بقوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ﴾ ، أي: ما كنت فيه من أمر الجاهلية، ثم وعده بالغنى في الدنيا ليزيل في قلبه ما حصل فيه من التأذي، بكونهم عيَّروه بالفقر، فقال تعالى: ﴿فَإِنَّ مَعَ العسر يُسْراً﴾ فعطفه بالفاء أي: لا يحزنك ما عيروك به في الفقر، فإن ذلك يسراً عاجلاً في الدنيا فأنجز له ما وعده، فلم يمت، حتى فتح عليه «الحجاز» ، و «اليمن» ووسع عليه ذات يده، حتَّى كان يعطي الرجل المائتين من الإبل، ويهب الهبات السنية، وترك لأهله قوت سنته، وهذا وإن كان خاصاً بالنبي - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - فقد يدخل فيه بعض أمته صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ إن شاء الله تعالى، ثم ابتدأ فصلاً آخر من أمر الآخرة، فقال:
﴿إِنَّ مَعَ العسر يُسْراً﴾ فهذا شيء آخر، والدليل على ابتدائه، تعديه من فاء، وواو، وغيرهما من حروف النسق التي تدخل على العطف، فهذا عام لجميع للمؤمنين، ﴿إِنَّ مَعَ العسر يُسْراً﴾ للمؤمنين يسراً في الآخرة لا محالة، وربما اجتمع يسرُ الدنيا، ويسرُ الآخرة.
قوله: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ﴾ .
العامة: على فتح الراء: من «فَرغْتَ» ، وهي الشهيرة.
وقرأها أبو السمال: مكسورة، وهي لغة فيه.
قال الزمخشري: «وليست بالفصيحة» .
وقال الزمخشري أيضاً: «فإن قلت: كيف تعلق قوله تعالى: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فانصب﴾ بما قبله؟ .
قلت: لما عدد عليه نعمه السالفة، ووعوده الآنفة، بعثه على الشكر، والاجتهاد في العبادة، والنصب فيها» .
وعن ابن عباس: فإذا فرغت من صلاتك، فانصب في الدعاء.
العامة: على فتح الصَّاد وسكون الباء أمراً من النصب وقرىء: بتشديد الباء مفتوحة أمراً من الإنصاب.
وكذا قرىء بكسر الصاد ساكنة الباء، أمراً من النَّصْب بسكون الصاد.
قال شهاب الدين: ولا أظن الأولى إلا تصحيفاً، ولا الثانية إلا تحريفاً، فإنها تروى عن الإمامية وتفسيرها: فإذا فرغت من النبوة فانصب الخليفة.
وقال ابن عطية: وهي قراءة شاذةٌ، لم تثبت عن عالم.
قال الزمخشريُّ: ومن البدع ما روي عن بعض الرافضة، أنه قرأ: «فانْصِبْ» - بكسر الصاد - أي: فانصب علياً للإمامة، ولو صح هذا للرافضيِّ، لصحَّ للناصبي أن يقرأ هكذا، ويجعله أمراً بالنصب الذي هو بغض علي، وعداوته.
قال ابن مسعود: «إذا فرغت من الفرائض فانصب في قيام الليل» .
وقال الكلبيُّ: «إذا فرغت من تبليغ الرسالة فانصب، أي: استغفِرْ لذَنْبِكَ وللمُؤمنينَ والمُؤْمِنَات» .
وقال الحسنُ وقتادة: «فإذا فرغت من جهاد عدوك فانصب لعبادة ربِّك» .
قوله: ﴿وإلى رَبِّكَ فارغب﴾ .
قرأ الجمهور: «فارْغَبْ» أمر من «رغبَ» ثلاثياً.
وقرأ زيد بن علي، وابن أبي عبلة: «فَرغِّبْ» بتشديد الغين، أمر من «رَغَّبَ» بتشديد الغين أي: فرغب الناس إلى طلب ما عنده.
عن عبد الله بن مسعود - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - قال: سمعت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ يقول: «مَنْ قَرَأ ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ فكأنما جاءني وأنا مغتم ففرج عني» والله تعالى أعلم.
سورة التين
الشرح 94:8
مكية، وهي ثماني آيات، وتسع وعشرون كلمة، ومائة وثلاثة أحرف. بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ ، الاستفهام إذا دخل على النفي قرره، فصار المعنى: قد شرحنا، ولذلك عطف عليه الماضي، ومثله: ﴿أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيداً وَلَبِثْتَ﴾ [الشعراء: 18] ، والعامة: على جزم الحاء ب «لَمْ» .
وقرأ أبو جعفر المنصور: بفتحها.
فقال الزمخشري: وقالوا: لعلَّهُ بين الحاء، وأشبعها في مخرجها فظن السامع أنه فتحها.
وقال ابن عطية: إن الأصل: «ألَمْ نَشْرحَنْ» بالنون الخفية، ثم أبدلها ألفاً ثم حذفها تخفيفاً كما أنشد أبو زيد: [الرجز]
5245 - مِنْ أيِّ يَوميَّ مِنَ المَوْتِ أَفِرْ ... أيَوْمَ لَمْ يقْدرَ أمْ يَوْمَ قُدِرْ
بفتح راء: «يقدر» وكقوله: [المنسرح]
5246 - إضْرِبَ عَنْكَ الهُمُومَ طَارقهَا ... ضَرْبكَ بالسَّيْفِ قَوْنسَ الفَرسِ بفتح باء «اضرب» انتهى. وهذا مبني على جواز توكيد المجزوم ب «لم» ، وهو قليل جداً، كقوله: [الرجز]
5247 - يَحْسبهُ الجَاهِلُ مَا لَمْ يَعْلمَا ... شَيْخاً عَلى كُرْسيِّهِ مُعَمَّمَا
فتتركب هذه القراءة من ثلاثة أصول كلها ضعيفة، لأن توكيد المجزوم ب «لَمْ» ضعيف، وإبدالها ألفاً إنما هو في الوقف، فاجراء الوصل مجرى الوقف خلاف الأصل، وحذف الألف ضعيف؛ لأنه خلاف الأصل.
وخرجه أبو حيان على لغة خرجها اللحياني في «نوادره» عن بعض العرب، وهو أن الجزم ب «لَنْ» والنصب ب «لَمْ» عمس المعروف عند الناس، وجعله أحسن مما تقدم.
وأنشد قول عائشة بنت الأعجم تمدح المختار تطلب ثأر الحسين بن علي رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما وعن بقية الصحابة أجمعين: [البسيط]
5248 - قَدْ كَان سُمْكُ الهُدَى يَنْهَدُّ ... قَائمهُ حتَّى أبِيحَ لهُ المُختارُ فانْغَمَدَا
فِي كُلِّ ما هَمَّ أمْضَى رأيهُ قُدُماً ... ولَمْ يُشاوِرَ في إقْدامهِ أحَدَا
[بنصب راء «يشاور» ، وجعله محتمل للتخريجين. وشرح الصدر: فتحه؛ أي ألم تفتح صدرك للإسلام.
وقال ابن عباس: ألم تلين قلبك وعن الحسن في قوله: ألم نشرح، وقال مكي: حلماً وعلماً] .
وشرح الصدر: فتحه: روي أن جبريل - عليه السلام - أتاه وشق صدره، وأخرج قلبه، وغسله وأنقاه من المعاصي، ثم ملأه علماً، وإيماناً، ووضعه في صدره، وطعن القاضي في هذه الرواية من وجوه: أحدها: أن هذه الواقعة إنما وقعت حال صغرهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وذلك من المعجزات فلا يجوز أن يتقدم بثبوته.
وثانيها: أن تأثير الغسل في إزالة الأجسام، والمعاصي ليست بإجرام فلم يؤثر الغسل فيها.
وثالثها: أنه لا يصح أن يملأ القلب علماً، بل الله تبارك وتعالى يخلق فيه العلوم.
وأجيب عن الأول: بأن تقديم المعجزات على زمان البعثة جائز، وهو المسمى بالإرهاص، ومثله في حق الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ كثير.
وعن الثاني، والثالث: لا يبعد أن يكون حصول ذلك الدم الأسود الذي غسلوه من قلب الرسول - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - ميل القلب إلى المعاصي وإحجامه عن الطاعات، فإذا أزالوه عنه كان ذلك علامة لمواظبة صاحبه على الطاعات، واحترازه عن السيئات، فكان ذلك، كالعلامة للملائكة على عصمة صاحبه.
وأيضاً فإن الله تعالى يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد.
روى ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما - أنهم قالوا: «يا رسول الله، أينشرح الصدر؟ .
قال:» نعم وينفسح» ، قالوا: يا رسول الله، وهل لذلك علامة؟ .
قال: «نعم، التجافي عن دار الغرور، والإنابة إلى دار الخلود، والاعتداد للموت قبل نزول الموت» » .
قال القرطبيُّ: معنى ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ﴾ قد شرحنا، و «لَمْ» جحد، وفي الاستفهام طرف من الجحد وإذا وقع جحد، رجع إلى التحقيق، كقوله تعالى: ﴿أَلَيْسَ الله بِأَحْكَمِ الحاكمين﴾ [التين: 8] ، ومعناه: الله أحكم الحاكمين، وكذا ﴿أَلَيْسَ الله بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ [الزمر: 36] ، ومنه قول جرير يمدح عبد الملك بن مروان: [الوافر]
5249 - ألَسْتُمْ خَيْرَ مَنْ رَكِبَ المَطايَا ... وأنْدَى العَالمِينَ بُطُونَ رَاحِ
المعنى: أنتم كذا.
فإن قيل: لم قال عَزَّ وَجَلَّ: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ فذكر الصدر ولم يذكر القلب؟ .
فالجوابُ: لأن محلَّ الوسوسة هو الصَّدر على ما قال تعالى: ﴿يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ الناس﴾ [الناس: 5] فإبدال تلك الوسوسة بدواعي الخير هو الشرح، فلذلك خص الشرح بالصدر دون القلب.
وقيل: الصدر حضن القلب، فيقصده الشبطان، فإن وجد مسلكاً أغار فيه، وبث جنده فيه وبث فيه الغموم، والهموم والحرص، فيقسو القلب حينئذ، ولا يجد للطاعة لذة، ولا للإسلام حلاوةً، فإذا طرد في الابتداء حصل الأمن، وانشرح الصدر.
فإن قيل: لِمَ قال: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ ولم يقل: «ألَمْ نَشْرَحْ صَدْرَك» ؟ .
فالجوابُ: كأنه تعالى يقول: لام بلام، فأنت إنما تفعل الطاعات لأجلي، وأنا أيضاً جميع ما أفعله لأجلك.
فصل فيمن اعتبر «والضحى» ، و «ألم نشرح» سورة واحدة
روي عن طاوس، وعمر بن عبد العزيز أنهما كانا يقرآن: «والضُّحَى» ، و ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ﴾ سورة واحدة، وكانا يقرآنها في ركعة واحدة، ولا يفصلان بينهما ب «بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحيمِ» ، وذلك لأنهما رأيا أن أولهما يشبه قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فآوى﴾ . وليس كذلك، لأن حالة اغتمامه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ بإيذاء الكفار، فهي حالة محنةٍ وضيق، وهذه حالة انشراح الصدر، وطيب القلبِ فكيف يجتمعان؟ .
قوله: ﴿وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ﴾ ، أي: حططنا عنك ذنبك.
وقرأ أنس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - وحللنا وحططنا.
وقرأ ابن مسعود: «وَحَلَلْنَا عَنْكَ وقْرَكَ» . وهذه الآية مثل قوله: ﴿لِّيَغْفِرَ لَكَ الله مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الفتح: 2] .
قيل: الجميع كانوا قبل النبوة، أي: وضعنا عنك ما كنت فيه من أمر الجاهلية؛ لأنه كان صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ كان في يسر من مذاهب قومه، وإن لم يكن عبد صنماً، ولا وثناً.
قوله
: ﴿الذي أَنقَضَ ظَهْرَكَ﴾ ، أي: حمله على النقض، وهو صوت الانتقاض والانفكاك لثقله، مثل لما كان يثقله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ.
قال أهل اللغة: أنقض الحمل ظهر الناقة: إذا سمعت له صريراً من شدة الحمل، وسمعت نقيض الرجل أي صريره؛ قال العبَّاس بن مرداسٍ: [الطويل]
5250 - وأنْقضَ ظَهْرِي ما تطَوَّيْتُ مِنهُم ... وكُنْتُ عَليْهِمْ مُشْفِقاً مُتَحَنِّنَا
وقال جميلٌ: [الطويل]
5251 - وحتَّى تَداعَتْ بالنَّقيضِ حِبالهُ ... وهَمَّتْ بَوانِي زَوْرهِ أنْ تُحطَّمَا
والمعنى: أثقل ظهرك حين سمع نقيضه، أي: صوته.
والوِزْرُ: الحمل الثقيل.
قال المحاسبيُّ: يعني: ثقل الوزر لو لم يعفُ الله عنه.
قال: وإنما وُصفتْ ذنوبُ الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - بهذا الثقل مع كونها مغفورة لشدة اهتمامهم بها، وندمهم منها، وتحسرهم عليها [وقال الحسين بن الفضل: يعني الخطأ والسهو.
وقيل: ذنوب أمتك اضافها إليه لاشتغال قلبه بها] .
وقال عبد العزيز بن يحيى وأبو عبيدة: خففنا عنك أعباء النبوة، والقيام بها، حتى لا تثقل عليك.
وقيل: كان في الابتداء يثقل عليه الوحي، حتى كاد يرمي نفسه من شاهق الجبل، إلى أن جاء جبريل - عليه السلام - وأزال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ عنه ما كان يخاف من تغير العقل.
وقيل: عصمناك عن احتمال الوِزْر، وحفظناك قيل النبوة في الأربعين من الأدناس، حتى نزل عليه الوحي، وأنت مطهَّر من الأدناس.
قوله: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ ، قال مجاهد: يعني بالتأذين.
وروى الضحاك عن ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم - يقول عَزَّ وَجَلَّ له: لا ذكرت إلا ذكرت معي في الأذان، والإقامة، والتشهد، ويوم الجمعة على المنابر، ويوم الفطر، ويوم الأضحى، وأيام التشريق ويوم عرفة، وعند الجمار وعلى الصفا والمروة وفي خطبة النكاح، وفي مشارق الأرض ومغاربها. ولو أن رجلاً عبد الله تعالى، وصدق بالجنة والنار وكل شيءٍ ولم يشهد أن محمداً رسول الله لم ينتفع شيء وكان كافراً.
وقيل: أعلينا ذكرك، فذكرناك في الكتب المنزلة على الأنبياء قبلك، وأمرناهم بالبشارة بك، ولا دين إلا ودينك يظهر عليه.
وقيل: رفعنا ذكرك عند الملائكة في السماء وفي الأرض عند المؤمنين، ونرفع في الآخرة ذكرك بما نعطيك من المقام المحمود، وكرائم الدرجات. وقيل: عام في كل ذكر.
قوله: ﴿فَإِنَّ مَعَ العسر يُسْراً﴾ العامة، على سكون السين في الكلم الأربع.
وابن وثَّاب وأبو جعفر وعيسى: بضمها، وفيه خلاف، هل هو أصل، أو منقول من المسكن؟ والألف واللام في العسر الأول لتعريف الجنس، وفي الثاني للعهد، وكذلك روي عن ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - لن يغلب عسرٌ يسرين وروي أيضاً مرفوعاً أنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ خرج يضحك يقول:
«لن يغلب عسر يسرين» والسبب فيه أن العرب إذا أتت باسم، ثم أعادته مع الألف واللام، كان هو الأول، نحو: جاء رجل فأكرمتُ الرجل، وقوله تعالى: ﴿كَمَآ أَرْسَلْنَآ إلى فِرْعَوْنَ رَسُولاً فعصى فِرْعَوْنُ الرسول﴾ [المزمل: 15، 16] ، ولو أعادته بغير ألف ولام كان غير الأول، فقوله تعالى: ﴿فَإِنَّ مَعَ العسر يُسْراً﴾ لما أعاد العسر الثاني أعاده ب «أل» ، ولما كان اليُسْر الثاني غير الأول لم يعده بأل.
وقال الزمخشريُّ: فإن قلت: ما معنى قول ابن عبَّاس؟ وذكر ما تقدم.
قلت: هذا عمل على الظاهر، وبناء على قوة الرجاء، وأن موعد الله تعالى لا يحمل إلا على أوفى ما يحتمله اللفظ، وأبلغه، والقول فيه أنه يحتمل أن تكون الجملة الثانية تكريراً للأولى كما كرر قوله: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾ لتقرير معناها في النفوس، وتمكنها في القلوب، وكما يكرر المفرد في قوله: «جاء زيد زيد» ، وأن تكون الأولى عدة بأن العسر مردوف بيُسْرٍ [لا محالة والثانية: عدة مستأنفة بأن العسر متبوع بيسر] فهما يسران على تقدير الاستئناف وإنَّما كان العسر واحداً لأنه لا يخلو، إما أن يكون تعريفه للعهد، وهو العسر الذي كانوا فيه، فهو هو، لأن حكمه حكم زيد في قولك: «إن مع زيد مالاً، إن مع زيد مالاً» ، وإما أن يكون للجنس الذي يعلمه كل أحد، فهو هو أيضاً، وأما اليسر، فمنكر متناول لبعض الجنس، فإذا كان الكلام الثاني مستأنفاً غير مكرر، فقد تناول بعضاً غير البعض الأول بغير إشكال.
قال أبو البقاء: العسر في الموضعين واحد؛ لأن الألف واللام توجب تكرير الأول، وأما يُسْراً في الموضعين، فاثنان، لأن النكرة إذا أريد تكريرها جيء بضميرها، أو بالألف واللام ومن هنا قيل: «لَنْ يَغْلِبَ عُسرٌ يُسرَيْنِ» .
وقال الزمخشريُّ أيضاً فإن قلت: «إن» مَعَ «للصحبة، فما معنى اصطحاب اليسر والعسر؟ قلت: أراد أن الله - تعالى - يصيبهم بيسر بعد العسر الذي كانوا فيه بزمان قريب، فقرب اليسر المترقب، حتى جعله كالمقارن للعسر زيادة في التسلية، وتقوية للقلوب.
وقال أيضاً فإن قلت: فما معنى هذا التنكير؟ .
قلت: التفخيم كأنه قيل: إنّ مع العسر يسراً عظيماً، وأي يسر، وهو في مصحف ابن مسعود مرة واحدة.
فإن قلت: فإذا أثبت في قراءته غير مكرر فلم قال: والذي نفسي بيده لو كان العسر في حجر لطلبه اليسر، حتى يدخل عليه، إنه لن يغلب عسر يسرين؟ .
قلت: كأنه قصد اليسرين، وأما في قوله:» يُسْراً» من معنى التفخيم، فتأوله بيسر الدَّارين، وذلك يسران في الحقيقة.
فصل في تعلق هذه الآية بما قبلها
تعلق هذه الآية بما قبلها أن الله تعالى بعث نبيه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فعيَّره المشركون بفقره، حتى قالوا له: نجمع لك مالاً، فاغتنم لذلك، وظن أنهم إنما رغبوا عن الإسلام لكونه فقيراً حقيراً عندهم، فعدد الله - تعالى - عليه منته بقوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ﴾ ، أي: ما كنت فيه من أمر الجاهلية، ثم وعده بالغنى في الدنيا ليزيل في قلبه ما حصل فيه من التأذي، بكونهم عيَّروه بالفقر، فقال تعالى: ﴿فَإِنَّ مَعَ العسر يُسْراً﴾ فعطفه بالفاء أي: لا يحزنك ما عيروك به في الفقر، فإن ذلك يسراً عاجلاً في الدنيا فأنجز له ما وعده، فلم يمت، حتى فتح عليه «الحجاز» ، و «اليمن» ووسع عليه ذات يده، حتَّى كان يعطي الرجل المائتين من الإبل، ويهب الهبات السنية، وترك لأهله قوت سنته، وهذا وإن كان خاصاً بالنبي - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - فقد يدخل فيه بعض أمته صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ إن شاء الله تعالى، ثم ابتدأ فصلاً آخر من أمر الآخرة، فقال:
﴿إِنَّ مَعَ العسر يُسْراً﴾ فهذا شيء آخر، والدليل على ابتدائه، تعديه من فاء، وواو، وغيرهما من حروف النسق التي تدخل على العطف، فهذا عام لجميع للمؤمنين، ﴿إِنَّ مَعَ العسر يُسْراً﴾ للمؤمنين يسراً في الآخرة لا محالة، وربما اجتمع يسرُ الدنيا، ويسرُ الآخرة.
قوله: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ﴾ .
العامة: على فتح الراء: من «فَرغْتَ» ، وهي الشهيرة.
وقرأها أبو السمال: مكسورة، وهي لغة فيه.
قال الزمخشري: «وليست بالفصيحة» .
وقال الزمخشري أيضاً: «فإن قلت: كيف تعلق قوله تعالى: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فانصب﴾ بما قبله؟ .
قلت: لما عدد عليه نعمه السالفة، ووعوده الآنفة، بعثه على الشكر، والاجتهاد في العبادة، والنصب فيها» .
وعن ابن عباس: فإذا فرغت من صلاتك، فانصب في الدعاء.
العامة: على فتح الصَّاد وسكون الباء أمراً من النصب وقرىء: بتشديد الباء مفتوحة أمراً من الإنصاب.
وكذا قرىء بكسر الصاد ساكنة الباء، أمراً من النَّصْب بسكون الصاد.
قال شهاب الدين: ولا أظن الأولى إلا تصحيفاً، ولا الثانية إلا تحريفاً، فإنها تروى عن الإمامية وتفسيرها: فإذا فرغت من النبوة فانصب الخليفة.
وقال ابن عطية: وهي قراءة شاذةٌ، لم تثبت عن عالم.
قال الزمخشريُّ: ومن البدع ما روي عن بعض الرافضة، أنه قرأ: «فانْصِبْ» - بكسر الصاد - أي: فانصب علياً للإمامة، ولو صح هذا للرافضيِّ، لصحَّ للناصبي أن يقرأ هكذا، ويجعله أمراً بالنصب الذي هو بغض علي، وعداوته.
قال ابن مسعود: «إذا فرغت من الفرائض فانصب في قيام الليل» .
وقال الكلبيُّ: «إذا فرغت من تبليغ الرسالة فانصب، أي: استغفِرْ لذَنْبِكَ وللمُؤمنينَ والمُؤْمِنَات» .
وقال الحسنُ وقتادة: «فإذا فرغت من جهاد عدوك فانصب لعبادة ربِّك» .
قوله: ﴿وإلى رَبِّكَ فارغب﴾ .
قرأ الجمهور: «فارْغَبْ» أمر من «رغبَ» ثلاثياً.
وقرأ زيد بن علي، وابن أبي عبلة: «فَرغِّبْ» بتشديد الغين، أمر من «رَغَّبَ» بتشديد الغين أي: فرغب الناس إلى طلب ما عنده.
عن عبد الله بن مسعود - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - قال: سمعت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ يقول: «مَنْ قَرَأ ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ فكأنما جاءني وأنا مغتم ففرج عني» والله تعالى أعلم.
سورة التين
التين 95:1
مكية، وقال ابن عباس وقتادة: مدنية، وهي ثمان آيات، وأربع وثلاثون كلمة ومائة وخمسون حرفا. بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى: ﴿والتين والزيتون﴾ .
قال ابن عباس والحسن ومجاهد وعكرمة وإبراهيم النخعي وعطاء بن أبي رباح وجابر بن زيد ومقاتل والكلبيُّ: هو تينكم الذي تأكلون، وزيتونكم الذي تعصرون منه الزيت قال تعالى: ﴿وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِن طُورِ سَيْنَآءَ تَنبُتُ بالدهن وَصِبْغٍ لِّلآكِلِيِنَ﴾ [المؤمنون: 20] ومن خواص التين: أنه غذاء وفاكهة، وهو سريع الهضم لا يمكث في المعدة، ويقلل البلغم، ويطهر الكليتين، ويزيل ما في المثانة من الرمل، ويسمن البدن، ويفتح مسام الكبد والطحالِ.
وروى أبو ذر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - قال: «أهدي للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ سلٌّ من تينٍ، فقال:» كُلُوا» وأكَلَ مِنهُ، ثُمَّ قال لأصْحَابهِ: «كُلُوا؛ لَوْ قُلتُ: إنَّ فَاكهَةً نَزلَتْ مِنَ الجنَّةِ، لقُلْتُ: هَذهِ، لأنَّ فَاكِهَة الجنَّةِ بِلاَ عجمٍ، فكُلُوهَا، فإنَّهَا تَقْطَعُ البَواسيرَ، وتَنْفَعُ مِنَ النقرسِ» » .
وعن علي بن موسى الرضى: «التين» يزيل نكهة الفم، ويطول الشعر، وهو أمان من الفالج، وأما الزيتون فشجرته هي الشجرة المباركة.
وعن معاذ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - أنه استاك بقضيب زيتون، وقال: سمعت النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ يقول: «نِعْمَ السواكُ الزَّيتُون، مِنَ الشَّجرةِ المُبارَكَةِ، يُطيِّبُ الفَمَ، ويُذْهِبُ الحَفَرَ، وهِيَ سِوَاكِي وسِواكُ الأنْبِيَاء من قَبْلِي» .
وعن ابن عباس: «التين» مسجد نوح - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - الذي بني على الجودي والزيتون: «بيت المقدس» .
وقال الضحاك: التين: «المسجد الحرام» ، والزيتون: «المسجد الأقصى» .
وقال عكرمة وابن زيد: التين: «مسجد دمشق» ، والزيتون: «مسجد بيت المقدس» [وقال قتادة: «التين: الجبل الذي عليه» دمشق» ، والزيتون الذي عليه «بيت المقدس» .
وقال محمد بن كعب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه -: التين: مسجد أصحاب الكهف والزيتون «إيليا» .
وقال عكرمة وابن زيد: التين: «دمشق» ، والزيتون: «بيت المقدس» ] وهذا اختيار الطبري.
وقيل: هما جبلان بالشام يقال لهما: طور زيتا وطور تينا بالسريانية، سميا بذلك لأنهما ينبتان التين والزيتون.
قال القرطبيُّ: «والصَّحيحُ الأولُ، لأنه الحقيقة، ولا يعدل عن الحقيقة إلى المجاز إلا بدليل» .
قوله: ﴿وَطُورِ سِينِينَ﴾ . الطُّور جبل، و «سنين» اسم مكان، فأضيف الجبل للمكان الذي هو به.
قال الزمخشريُّ: «ونحو» سينون يبرون «في جواز الإعراب بالواو والياء، والإقرار على الياء، وتحريك النون بحركات الإعراب» .
وقال أبو البقاء: هو لغة في «سيناء» . انتهى.
وقرأ العامة: بكسر السين، وابن أبي إسحاق، وعمرو بن ميمون، وأبو رجاء: بفتحها وهي لغة بكر وتميم.
وقرأ عمر بن الخطَّاب، وعبيد الله، والحسن، وطلحة: سيناء بالكسر والمد.
وعمر - أيضاً - وزيد بن علي: بفتحها والمد
قال عمر بن ميمون: صليتُ مع عُمرَ بن الخطَّاب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - العشاء ب «مكة» ، فقرأ: ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ وَطُورِ سِينَاءَ وَهَذَا البَلَدِ الأَمِينِ﴾ قال: وهكذا في قراءة عبد الله، ورفع صوته تعظيماً للبيت، وقرأ في الثانية ب ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ﴾ ، و ﴿لإِيلاَفِ قُرَيْشٍ﴾ . جمع بينهما. ذكره ابن الأنباري. [وقد تقدم في «المؤمنين» ، وهذه لغات اختلفت في هذا الاسم السرياني علىعادة العرب في تلاعبها بالأسماء الأعجمية] .
وقال الأخفش: «سِيْنين» شجر، الواحدة «السينينة» ، وهو غريب جداً غير معروف عند أهل التفسير [وقال مجاهد: وطور جبل سينين، أي: مبارك بالسريانية، وهو قول قتادة والحسن.
وعن ابن عباس: سينين أي: حسن بلغة الحبشة] .
وعن عكرمة قال: هو الجبل الذي نادى الله تعالى منه موسى عليه السلام.
وقال مقاتل والكلبي: «سِيْنين» كل جبل فيه شجرٌ وثمرٌ، فهو سينين وسيناء، بلغة النبط.
وقال أبو علي: «سينين» : «فعليل» ، فكررت اللام التي هي نون فيه، كما كررت في «زحليل» للمكان الزلق، و «كرديدة» : للقطعة من التمر، وخنديدة: للطويل.
ولم ينصرف «سينين» كما لم ينصرف «سيناء» لأنه جعل اسماً لبقعة، أو أرض، ولو جعل اسماً للمكان، أو المنزل، أو اسم مذكر لانصرف، لأنك سميت مذكراً بمذكر.
وإنما أقسم بهذا الجبل، لأنه بالسَّنام والأرض المقدسة، وقد بارك الله فيهما، كما قال: ﴿إلى المسجد الأقصى الذي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾ [الإسراء: 1] .
ولا يجوز أن يكون «سينين» نعتاً للطور، لإضافته إليه.
قوله: ﴿وهذا البلد الأمين﴾ . يعني «مكة» ، والأمين على هذا «فعيل» للمبالغة، أي: أمن من فيه ومن [دخله من إنس، وطير، وحيوان، ويجوز أن يكون من أمن للرجل بضم الميم أمانة، فهو أمين، وأمانته حفظه من دخله كما يحفظ الأمين ما يؤتمن عليه، ويجوز أن يكون بمعنى مفعول من أمنه؛ لأنه مأمون الغوائل كما وصف بالأمن في قوله تعالى] ﴿أَنَّا جَعَلْنَا حَرَماً آمِناً﴾ [العنكبوت: 67] يعني ذا أمن.
قال القرطبيُّ: «أقسم الله تعالى بجبل» دمشق «، لأنه مأوى عيسى - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - وبجبل بيت المقدس، لأنه مقام الأنبياء - عليهم السلام، وب» مكة «لأنها أثر إبراهيم، ودار محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ» .
قوله: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان﴾ ، هذا جواب القسم [وأراد بالإنسان الكافر.
قيل: هو الوليد بن المغيرة.
وقيل: كلدة بن أسيد فعلى هذا نزلت في منكري البعث.
وقيل: المراد بالإنسان] : آدم - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - وذريته.
وقوله: ﴿في أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ صفة لمحذوف، أي: في تقويم أحسن تقويم.
وقال أبو البقاء: «فِي أحسن تَقْويمٍ» في موضع الحال من الإنسان، وأراد بالتقويم: القوام؛ لأن التقويم فعل، وذاك وصف للخالق لا المخلوق، ويجوز أن يكون التقدير: في أحسن قوام التقويم، فحذف المضاف، ويجوز أن تكون «فِي» زائدة، أي: قوَّمنَا أحسن تقويمٍ انتهى.
فصل في معنى الآية
قال المفسرون: أحسن تقويم، واعتداله، واستواء أسنانه، لأنه خلق كلَّ شيء منكباً على وجهه، وخلق هو مستوياً، وله لسان ذلق ويد وأصابع يقبض بها.
قال ابن العربي: ليس لله - تعالى - خلق أحسن من الإنسان، فإن الله خلقه حياً، عالماً، قادراً، مريداً، متكلماً، سميعاً، بصيراً، مدبراً، حكيماً، وهذه صفات الرب سبحانه، وعنها عبر بعض العلماء، ووقع البيان بقوله: إن الله خلق آدم عليه السلام على صورته يعني: على صفاته التي قدمنا ذكرها، وفي رواية «عَلَى صُورةِ الرَّحْمَن» ومن أين تكون للرحمن صورة مشخصة، فلم يبق إلا أن تكون معاني.
روي أن عيسى بن موسى الهاشمي، كان يحبُّ زوجته حبًّا شديداً، فقال لها يوماً: أنت طالقٌ ثلاثاً إنْ لم تكوني أحسن من القمر، فنهضت واحتجبت عنه، وقالت: طلقتني، وبات بليلة عظيمة، فلما أصبح غدا إلى دار المنصور، فأخبره الخبر، وأظهر للمنصور جزعاً عظيماً، فاستحضر الفقهاء واستفتاهم، فقال جميع من حضر: قد طلقت إلا رجلاً واحداً من أصحاب أبي حنيفة، فإنه كان ساكتاً، فقال له المنصور: ما لك لا تتكلم؟ .
فقال له الرجل: بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿والتين والزيتون وَطُورِ سِينِينَ وهذا البلد الأمين لَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان في أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ ، يا أمير المؤمنين، فالإنسان أحسنُ الأشياء، ولا شيء أحسن منه، فقال المنصور لعيسى بن موسى: الأمر كما قال الرجل، فأقبل على زوجتك، وأرسل أبو جعفر المنصور إلى زوجة الرجل أن أطيعي زوجك ولا تعصيه، فما طلقك.
فهذا يدلك على أنَّ الإنسان أحسن خلق الله تعالى باطناً وظاهراً، جمال هيئة، وبديع تركيب، الرأس بما فيه، والبطن بما حواه، والفَرْج وما طواه، واليدان وما بطشتاه، والرجلان وما احتملتاه، ولذلك قالت الفلاسفة: إنه العالم الأصغر؛ إذ كل ما في المخلوقات أجمع فيه.
قوله: ﴿ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾ . يجوز في «أسْفلَ سافِلينَ» وجهان:
أحدهما: أنه حال من المفعول.
والثاني: أنه صفة لمكان محذوف، أي: مكاناً أسفل سافلين.
وقرأ عبد الله: «السَّافلين» معرفاً.
فصل
قال ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما: يريد إلى أرذل العمر، وهوالهرم بعد الشباب والضعف بعد القوة. [وقال ابن قتيبة السافلون هم الضعفاء الزمناء، ومن لم يستطع حيلة يقال: سفل يسفل فهو سافل، وهم سافلون كما تقول: علا يعلو فهو عال وهم عالون] .
وعن مجاهد وأبي العالية: «أسفل سافلين» إلى النار، يعني الكافر.
قال علي رَضِيَ اللَّهُ عَنْه: أبواب جهنَّم بعضها أسفل من بعض، فيبدأ بالأسفل فيملأ وهو أسفل السافلين. وعلى هذا التقدير: ثم رددناه إلى أسفل، وفي أسفل السافلين.
قوله: ﴿إِلاَّ الذين آمَنُواْ﴾ فيه وجهان:
أحدهما: متصل على أن المعنى: رددناه أسفل من سفل خلقاً وتركيباً، يعني أقبح من قبح خلقه، وأشوههم صورة، وهم أهل النار، فالاتصال على هذا واضح.
والثاني: أنه منقطع على أن المعنى: ثم رددناه بعد ذلك التقويم والتحسين أسفل من سفل في الحسن والصورة والشكل، حيث نكسناه في خلقه، فقوس ظهره، وضعف بصره وسمعه والمعنى: ولكن والذين كانوا صالحين من الهرمى فلهم ثواب دائم على طاعتهم، وصبرهم على الابتداء بالشيخوخة، ومشاق العبادة، قاله الزمخشري ملخصاً، وقال: أسفل سافلين على الجمع؛ لأن الإنسان في معنى الجمع.
قال الفرَّاء: ولو قال: أسفل سافل جاز، لأن لفظ الإنسان واحد كما تقول: هذا أفضل، ولا تقول: أفضل قائمين، لأنك تضمر الواحد، فإن كان الواحد غير مضمور له، رجع اسمه بالتوحيد، والجمع، كقوله تعالى: ﴿والذي جَآءَ بالصدق وَصَدَّقَ بِهِ أولئك هُمُ المتقون﴾ [الزمر: 33] ، وقوله تعالى: ﴿إِذَآ أَذَقْنَا الإنسان مِنَّا رَحْمَةً فَرِحَ بِهَا﴾ [الشورى: 48] .
قوله تعالى: ﴿فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ .
قال الضحاكُ: أجر بغير عمل.
وقيل: غير مقطوع أي: لا يمن به عليهم.
قوله تعالى: ﴿فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بالدين﴾ . «مَا» استفهامية في محل فع بالابتداء والخبر الفعل بعدها والمخاطب: الإنسان على طريق الالتفات، توبيخاً، وإلزاماً للحُجَّة، والمعنى: فما يجعلك كاذباً بسبب الدين، وإنكاره، وقد خلقك في أحسن تقويمٍ، وأنه يردك إلى أرذلِ العمر، وينقلك من حال إلى حال فما الذي يحملك بعد هذا الدليل إلى أن تكون كاذباً بسبب الجزاءِ [لأن كل مكذب بالحق، فهو كاذب فأي شيء يضطرك إلى أن تكون كاذباً يعني: أنك تكذب إذا كذبت بالجزاء؛ لأن كل مكذّب كاذب بسبب الجزاء] ، والباء مثلها في قوله: ﴿على الذين يَتَوَلَّوْنَهُ والذين هُم بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ [النحل: 100] .
وقيل: المخاطب رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وعلى هذا يكون المعنى: فما الذي يكذبك فيما تخبر به من الجزاء والبعث وهو الدين، بعد هذه العبر التي يوجب النظر فيها صحة ما قلت، قاله الفرَّاء والأخفش.
قوله تعالى: ﴿أَلَيْسَ الله بِأَحْكَمِ الحاكمين﴾ أي: أتقن الحاكمين صنعاً في كل ما خلق، وإذا ثبتت القدرة، والحكمة بهذه الدلالة صح القولُ بإمكان الحشرِ، ووقوعه، أمّا الإمكان فبالنظر إلى القدرة، وأما الوقوع فبالنظر إلى الحكمة لأن عدم ذلك يقدح في الحكمة كما قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السمآء والأرض وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً﴾ [ص: 27] .
وقيل: أحكم الحاكمين: قضاء بالحق، وعدلاً بين الخلق، وألف الاستفهام إذا دخلت على النفي في الكلام صار إيجاباً، كقوله: [الوافر]
5252 - ألَسْتُمْ خَيْرَ مَنْ رَكبَ المَطَايَا..... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... .
[قيل: هذه الآية منسوخة بآية السيف.
وقيل: هي ثابتة لأنه لا تنافي بينهما] .
وكان ابن عباس وعلي بن أبي طالب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما - إذا قرءا: ﴿أَلَيْسَ الله بِأَحْكَمِ الحاكمين﴾ ، قالا: بلى، وإنَّا على ذلك من الشاهدين.
قال القاضي: هذه الآية من أقوى الدلائل على أنه تعالى لا يفعل القبيح، ولا يخلق أفعال العباد مع ما فيها من السفه والظلم، لأنه تعالى أحكم الحاكمين، فلا يفعل فعل السفهاء.
وأجيب: بالمعارضة بالعلم، والداعي، ثم نقول: السَّفيهُ من قامت السفاهة به، لا من خلق السفاهة، كما أن المتحرك من قامت الحركة به بدلاً لا من خلقها. والله أعلم.
سورة العلق
التين 95:2
مكية، وقال ابن عباس وقتادة: مدنية، وهي ثمان آيات، وأربع وثلاثون كلمة ومائة وخمسون حرفا. بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى: ﴿والتين والزيتون﴾ .
قال ابن عباس والحسن ومجاهد وعكرمة وإبراهيم النخعي وعطاء بن أبي رباح وجابر بن زيد ومقاتل والكلبيُّ: هو تينكم الذي تأكلون، وزيتونكم الذي تعصرون منه الزيت قال تعالى: ﴿وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِن طُورِ سَيْنَآءَ تَنبُتُ بالدهن وَصِبْغٍ لِّلآكِلِيِنَ﴾ [المؤمنون: 20] ومن خواص التين: أنه غذاء وفاكهة، وهو سريع الهضم لا يمكث في المعدة، ويقلل البلغم، ويطهر الكليتين، ويزيل ما في المثانة من الرمل، ويسمن البدن، ويفتح مسام الكبد والطحالِ.
وروى أبو ذر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - قال: «أهدي للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ سلٌّ من تينٍ، فقال:» كُلُوا» وأكَلَ مِنهُ، ثُمَّ قال لأصْحَابهِ: «كُلُوا؛ لَوْ قُلتُ: إنَّ فَاكهَةً نَزلَتْ مِنَ الجنَّةِ، لقُلْتُ: هَذهِ، لأنَّ فَاكِهَة الجنَّةِ بِلاَ عجمٍ، فكُلُوهَا، فإنَّهَا تَقْطَعُ البَواسيرَ، وتَنْفَعُ مِنَ النقرسِ» » .
وعن علي بن موسى الرضى: «التين» يزيل نكهة الفم، ويطول الشعر، وهو أمان من الفالج، وأما الزيتون فشجرته هي الشجرة المباركة.
وعن معاذ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - أنه استاك بقضيب زيتون، وقال: سمعت النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ يقول: «نِعْمَ السواكُ الزَّيتُون، مِنَ الشَّجرةِ المُبارَكَةِ، يُطيِّبُ الفَمَ، ويُذْهِبُ الحَفَرَ، وهِيَ سِوَاكِي وسِواكُ الأنْبِيَاء من قَبْلِي» .
وعن ابن عباس: «التين» مسجد نوح - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - الذي بني على الجودي والزيتون: «بيت المقدس» .
وقال الضحاك: التين: «المسجد الحرام» ، والزيتون: «المسجد الأقصى» .
وقال عكرمة وابن زيد: التين: «مسجد دمشق» ، والزيتون: «مسجد بيت المقدس» [وقال قتادة: «التين: الجبل الذي عليه» دمشق» ، والزيتون الذي عليه «بيت المقدس» .
وقال محمد بن كعب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه -: التين: مسجد أصحاب الكهف والزيتون «إيليا» .
وقال عكرمة وابن زيد: التين: «دمشق» ، والزيتون: «بيت المقدس» ] وهذا اختيار الطبري.
وقيل: هما جبلان بالشام يقال لهما: طور زيتا وطور تينا بالسريانية، سميا بذلك لأنهما ينبتان التين والزيتون.
قال القرطبيُّ: «والصَّحيحُ الأولُ، لأنه الحقيقة، ولا يعدل عن الحقيقة إلى المجاز إلا بدليل» .
قوله: ﴿وَطُورِ سِينِينَ﴾ . الطُّور جبل، و «سنين» اسم مكان، فأضيف الجبل للمكان الذي هو به.
قال الزمخشريُّ: «ونحو» سينون يبرون «في جواز الإعراب بالواو والياء، والإقرار على الياء، وتحريك النون بحركات الإعراب» .
وقال أبو البقاء: هو لغة في «سيناء» . انتهى.
وقرأ العامة: بكسر السين، وابن أبي إسحاق، وعمرو بن ميمون، وأبو رجاء: بفتحها وهي لغة بكر وتميم.
وقرأ عمر بن الخطَّاب، وعبيد الله، والحسن، وطلحة: سيناء بالكسر والمد.
وعمر - أيضاً - وزيد بن علي: بفتحها والمد
قال عمر بن ميمون: صليتُ مع عُمرَ بن الخطَّاب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - العشاء ب «مكة» ، فقرأ: ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ وَطُورِ سِينَاءَ وَهَذَا البَلَدِ الأَمِينِ﴾ قال: وهكذا في قراءة عبد الله، ورفع صوته تعظيماً للبيت، وقرأ في الثانية ب ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ﴾ ، و ﴿لإِيلاَفِ قُرَيْشٍ﴾ . جمع بينهما. ذكره ابن الأنباري. [وقد تقدم في «المؤمنين» ، وهذه لغات اختلفت في هذا الاسم السرياني علىعادة العرب في تلاعبها بالأسماء الأعجمية] .
وقال الأخفش: «سِيْنين» شجر، الواحدة «السينينة» ، وهو غريب جداً غير معروف عند أهل التفسير [وقال مجاهد: وطور جبل سينين، أي: مبارك بالسريانية، وهو قول قتادة والحسن.
وعن ابن عباس: سينين أي: حسن بلغة الحبشة] .
وعن عكرمة قال: هو الجبل الذي نادى الله تعالى منه موسى عليه السلام.
وقال مقاتل والكلبي: «سِيْنين» كل جبل فيه شجرٌ وثمرٌ، فهو سينين وسيناء، بلغة النبط.
وقال أبو علي: «سينين» : «فعليل» ، فكررت اللام التي هي نون فيه، كما كررت في «زحليل» للمكان الزلق، و «كرديدة» : للقطعة من التمر، وخنديدة: للطويل.
ولم ينصرف «سينين» كما لم ينصرف «سيناء» لأنه جعل اسماً لبقعة، أو أرض، ولو جعل اسماً للمكان، أو المنزل، أو اسم مذكر لانصرف، لأنك سميت مذكراً بمذكر.
وإنما أقسم بهذا الجبل، لأنه بالسَّنام والأرض المقدسة، وقد بارك الله فيهما، كما قال: ﴿إلى المسجد الأقصى الذي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾ [الإسراء: 1] .
ولا يجوز أن يكون «سينين» نعتاً للطور، لإضافته إليه.
قوله: ﴿وهذا البلد الأمين﴾ . يعني «مكة» ، والأمين على هذا «فعيل» للمبالغة، أي: أمن من فيه ومن [دخله من إنس، وطير، وحيوان، ويجوز أن يكون من أمن للرجل بضم الميم أمانة، فهو أمين، وأمانته حفظه من دخله كما يحفظ الأمين ما يؤتمن عليه، ويجوز أن يكون بمعنى مفعول من أمنه؛ لأنه مأمون الغوائل كما وصف بالأمن في قوله تعالى] ﴿أَنَّا جَعَلْنَا حَرَماً آمِناً﴾ [العنكبوت: 67] يعني ذا أمن.
قال القرطبيُّ: «أقسم الله تعالى بجبل» دمشق «، لأنه مأوى عيسى - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - وبجبل بيت المقدس، لأنه مقام الأنبياء - عليهم السلام، وب» مكة «لأنها أثر إبراهيم، ودار محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ» .
قوله: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان﴾ ، هذا جواب القسم [وأراد بالإنسان الكافر.
قيل: هو الوليد بن المغيرة.
وقيل: كلدة بن أسيد فعلى هذا نزلت في منكري البعث.
وقيل: المراد بالإنسان] : آدم - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - وذريته.
وقوله: ﴿في أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ صفة لمحذوف، أي: في تقويم أحسن تقويم.
وقال أبو البقاء: «فِي أحسن تَقْويمٍ» في موضع الحال من الإنسان، وأراد بالتقويم: القوام؛ لأن التقويم فعل، وذاك وصف للخالق لا المخلوق، ويجوز أن يكون التقدير: في أحسن قوام التقويم، فحذف المضاف، ويجوز أن تكون «فِي» زائدة، أي: قوَّمنَا أحسن تقويمٍ انتهى.
فصل في معنى الآية
قال المفسرون: أحسن تقويم، واعتداله، واستواء أسنانه، لأنه خلق كلَّ شيء منكباً على وجهه، وخلق هو مستوياً، وله لسان ذلق ويد وأصابع يقبض بها.
قال ابن العربي: ليس لله - تعالى - خلق أحسن من الإنسان، فإن الله خلقه حياً، عالماً، قادراً، مريداً، متكلماً، سميعاً، بصيراً، مدبراً، حكيماً، وهذه صفات الرب سبحانه، وعنها عبر بعض العلماء، ووقع البيان بقوله: إن الله خلق آدم عليه السلام على صورته يعني: على صفاته التي قدمنا ذكرها، وفي رواية «عَلَى صُورةِ الرَّحْمَن» ومن أين تكون للرحمن صورة مشخصة، فلم يبق إلا أن تكون معاني.
روي أن عيسى بن موسى الهاشمي، كان يحبُّ زوجته حبًّا شديداً، فقال لها يوماً: أنت طالقٌ ثلاثاً إنْ لم تكوني أحسن من القمر، فنهضت واحتجبت عنه، وقالت: طلقتني، وبات بليلة عظيمة، فلما أصبح غدا إلى دار المنصور، فأخبره الخبر، وأظهر للمنصور جزعاً عظيماً، فاستحضر الفقهاء واستفتاهم، فقال جميع من حضر: قد طلقت إلا رجلاً واحداً من أصحاب أبي حنيفة، فإنه كان ساكتاً، فقال له المنصور: ما لك لا تتكلم؟ .
فقال له الرجل: بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿والتين والزيتون وَطُورِ سِينِينَ وهذا البلد الأمين لَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان في أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ ، يا أمير المؤمنين، فالإنسان أحسنُ الأشياء، ولا شيء أحسن منه، فقال المنصور لعيسى بن موسى: الأمر كما قال الرجل، فأقبل على زوجتك، وأرسل أبو جعفر المنصور إلى زوجة الرجل أن أطيعي زوجك ولا تعصيه، فما طلقك.
فهذا يدلك على أنَّ الإنسان أحسن خلق الله تعالى باطناً وظاهراً، جمال هيئة، وبديع تركيب، الرأس بما فيه، والبطن بما حواه، والفَرْج وما طواه، واليدان وما بطشتاه، والرجلان وما احتملتاه، ولذلك قالت الفلاسفة: إنه العالم الأصغر؛ إذ كل ما في المخلوقات أجمع فيه.
قوله: ﴿ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾ . يجوز في «أسْفلَ سافِلينَ» وجهان:
أحدهما: أنه حال من المفعول.
والثاني: أنه صفة لمكان محذوف، أي: مكاناً أسفل سافلين.
وقرأ عبد الله: «السَّافلين» معرفاً.
فصل
قال ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما: يريد إلى أرذل العمر، وهوالهرم بعد الشباب والضعف بعد القوة. [وقال ابن قتيبة السافلون هم الضعفاء الزمناء، ومن لم يستطع حيلة يقال: سفل يسفل فهو سافل، وهم سافلون كما تقول: علا يعلو فهو عال وهم عالون] .
وعن مجاهد وأبي العالية: «أسفل سافلين» إلى النار، يعني الكافر.
قال علي رَضِيَ اللَّهُ عَنْه: أبواب جهنَّم بعضها أسفل من بعض، فيبدأ بالأسفل فيملأ وهو أسفل السافلين. وعلى هذا التقدير: ثم رددناه إلى أسفل، وفي أسفل السافلين.
قوله: ﴿إِلاَّ الذين آمَنُواْ﴾ فيه وجهان:
أحدهما: متصل على أن المعنى: رددناه أسفل من سفل خلقاً وتركيباً، يعني أقبح من قبح خلقه، وأشوههم صورة، وهم أهل النار، فالاتصال على هذا واضح.
والثاني: أنه منقطع على أن المعنى: ثم رددناه بعد ذلك التقويم والتحسين أسفل من سفل في الحسن والصورة والشكل، حيث نكسناه في خلقه، فقوس ظهره، وضعف بصره وسمعه والمعنى: ولكن والذين كانوا صالحين من الهرمى فلهم ثواب دائم على طاعتهم، وصبرهم على الابتداء بالشيخوخة، ومشاق العبادة، قاله الزمخشري ملخصاً، وقال: أسفل سافلين على الجمع؛ لأن الإنسان في معنى الجمع.
قال الفرَّاء: ولو قال: أسفل سافل جاز، لأن لفظ الإنسان واحد كما تقول: هذا أفضل، ولا تقول: أفضل قائمين، لأنك تضمر الواحد، فإن كان الواحد غير مضمور له، رجع اسمه بالتوحيد، والجمع، كقوله تعالى: ﴿والذي جَآءَ بالصدق وَصَدَّقَ بِهِ أولئك هُمُ المتقون﴾ [الزمر: 33] ، وقوله تعالى: ﴿إِذَآ أَذَقْنَا الإنسان مِنَّا رَحْمَةً فَرِحَ بِهَا﴾ [الشورى: 48] .
قوله تعالى: ﴿فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ .
قال الضحاكُ: أجر بغير عمل.
وقيل: غير مقطوع أي: لا يمن به عليهم.
قوله تعالى: ﴿فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بالدين﴾ . «مَا» استفهامية في محل فع بالابتداء والخبر الفعل بعدها والمخاطب: الإنسان على طريق الالتفات، توبيخاً، وإلزاماً للحُجَّة، والمعنى: فما يجعلك كاذباً بسبب الدين، وإنكاره، وقد خلقك في أحسن تقويمٍ، وأنه يردك إلى أرذلِ العمر، وينقلك من حال إلى حال فما الذي يحملك بعد هذا الدليل إلى أن تكون كاذباً بسبب الجزاءِ [لأن كل مكذب بالحق، فهو كاذب فأي شيء يضطرك إلى أن تكون كاذباً يعني: أنك تكذب إذا كذبت بالجزاء؛ لأن كل مكذّب كاذب بسبب الجزاء] ، والباء مثلها في قوله: ﴿على الذين يَتَوَلَّوْنَهُ والذين هُم بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ [النحل: 100] .
وقيل: المخاطب رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وعلى هذا يكون المعنى: فما الذي يكذبك فيما تخبر به من الجزاء والبعث وهو الدين، بعد هذه العبر التي يوجب النظر فيها صحة ما قلت، قاله الفرَّاء والأخفش.
قوله تعالى: ﴿أَلَيْسَ الله بِأَحْكَمِ الحاكمين﴾ أي: أتقن الحاكمين صنعاً في كل ما خلق، وإذا ثبتت القدرة، والحكمة بهذه الدلالة صح القولُ بإمكان الحشرِ، ووقوعه، أمّا الإمكان فبالنظر إلى القدرة، وأما الوقوع فبالنظر إلى الحكمة لأن عدم ذلك يقدح في الحكمة كما قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السمآء والأرض وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً﴾ [ص: 27] .
وقيل: أحكم الحاكمين: قضاء بالحق، وعدلاً بين الخلق، وألف الاستفهام إذا دخلت على النفي في الكلام صار إيجاباً، كقوله: [الوافر]
5252 - ألَسْتُمْ خَيْرَ مَنْ رَكبَ المَطَايَا..... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... .
[قيل: هذه الآية منسوخة بآية السيف.
وقيل: هي ثابتة لأنه لا تنافي بينهما] .
وكان ابن عباس وعلي بن أبي طالب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما - إذا قرءا: ﴿أَلَيْسَ الله بِأَحْكَمِ الحاكمين﴾ ، قالا: بلى، وإنَّا على ذلك من الشاهدين.
قال القاضي: هذه الآية من أقوى الدلائل على أنه تعالى لا يفعل القبيح، ولا يخلق أفعال العباد مع ما فيها من السفه والظلم، لأنه تعالى أحكم الحاكمين، فلا يفعل فعل السفهاء.
وأجيب: بالمعارضة بالعلم، والداعي، ثم نقول: السَّفيهُ من قامت السفاهة به، لا من خلق السفاهة، كما أن المتحرك من قامت الحركة به بدلاً لا من خلقها. والله أعلم.
سورة العلق
التين 95:3
مكية، وقال ابن عباس وقتادة: مدنية، وهي ثمان آيات، وأربع وثلاثون كلمة ومائة وخمسون حرفا. بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى: ﴿والتين والزيتون﴾ .
قال ابن عباس والحسن ومجاهد وعكرمة وإبراهيم النخعي وعطاء بن أبي رباح وجابر بن زيد ومقاتل والكلبيُّ: هو تينكم الذي تأكلون، وزيتونكم الذي تعصرون منه الزيت قال تعالى: ﴿وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِن طُورِ سَيْنَآءَ تَنبُتُ بالدهن وَصِبْغٍ لِّلآكِلِيِنَ﴾ [المؤمنون: 20] ومن خواص التين: أنه غذاء وفاكهة، وهو سريع الهضم لا يمكث في المعدة، ويقلل البلغم، ويطهر الكليتين، ويزيل ما في المثانة من الرمل، ويسمن البدن، ويفتح مسام الكبد والطحالِ.
وروى أبو ذر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - قال: «أهدي للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ سلٌّ من تينٍ، فقال:» كُلُوا» وأكَلَ مِنهُ، ثُمَّ قال لأصْحَابهِ: «كُلُوا؛ لَوْ قُلتُ: إنَّ فَاكهَةً نَزلَتْ مِنَ الجنَّةِ، لقُلْتُ: هَذهِ، لأنَّ فَاكِهَة الجنَّةِ بِلاَ عجمٍ، فكُلُوهَا، فإنَّهَا تَقْطَعُ البَواسيرَ، وتَنْفَعُ مِنَ النقرسِ» » .
وعن علي بن موسى الرضى: «التين» يزيل نكهة الفم، ويطول الشعر، وهو أمان من الفالج، وأما الزيتون فشجرته هي الشجرة المباركة.
وعن معاذ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - أنه استاك بقضيب زيتون، وقال: سمعت النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ يقول: «نِعْمَ السواكُ الزَّيتُون، مِنَ الشَّجرةِ المُبارَكَةِ، يُطيِّبُ الفَمَ، ويُذْهِبُ الحَفَرَ، وهِيَ سِوَاكِي وسِواكُ الأنْبِيَاء من قَبْلِي» .
وعن ابن عباس: «التين» مسجد نوح - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - الذي بني على الجودي والزيتون: «بيت المقدس» .
وقال الضحاك: التين: «المسجد الحرام» ، والزيتون: «المسجد الأقصى» .
وقال عكرمة وابن زيد: التين: «مسجد دمشق» ، والزيتون: «مسجد بيت المقدس» [وقال قتادة: «التين: الجبل الذي عليه» دمشق» ، والزيتون الذي عليه «بيت المقدس» .
وقال محمد بن كعب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه -: التين: مسجد أصحاب الكهف والزيتون «إيليا» .
وقال عكرمة وابن زيد: التين: «دمشق» ، والزيتون: «بيت المقدس» ] وهذا اختيار الطبري.
وقيل: هما جبلان بالشام يقال لهما: طور زيتا وطور تينا بالسريانية، سميا بذلك لأنهما ينبتان التين والزيتون.
قال القرطبيُّ: «والصَّحيحُ الأولُ، لأنه الحقيقة، ولا يعدل عن الحقيقة إلى المجاز إلا بدليل» .
قوله: ﴿وَطُورِ سِينِينَ﴾ . الطُّور جبل، و «سنين» اسم مكان، فأضيف الجبل للمكان الذي هو به.
قال الزمخشريُّ: «ونحو» سينون يبرون «في جواز الإعراب بالواو والياء، والإقرار على الياء، وتحريك النون بحركات الإعراب» .
وقال أبو البقاء: هو لغة في «سيناء» . انتهى.
وقرأ العامة: بكسر السين، وابن أبي إسحاق، وعمرو بن ميمون، وأبو رجاء: بفتحها وهي لغة بكر وتميم.
وقرأ عمر بن الخطَّاب، وعبيد الله، والحسن، وطلحة: سيناء بالكسر والمد.
وعمر - أيضاً - وزيد بن علي: بفتحها والمد
قال عمر بن ميمون: صليتُ مع عُمرَ بن الخطَّاب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - العشاء ب «مكة» ، فقرأ: ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ وَطُورِ سِينَاءَ وَهَذَا البَلَدِ الأَمِينِ﴾ قال: وهكذا في قراءة عبد الله، ورفع صوته تعظيماً للبيت، وقرأ في الثانية ب ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ﴾ ، و ﴿لإِيلاَفِ قُرَيْشٍ﴾ . جمع بينهما. ذكره ابن الأنباري. [وقد تقدم في «المؤمنين» ، وهذه لغات اختلفت في هذا الاسم السرياني علىعادة العرب في تلاعبها بالأسماء الأعجمية] .
وقال الأخفش: «سِيْنين» شجر، الواحدة «السينينة» ، وهو غريب جداً غير معروف عند أهل التفسير [وقال مجاهد: وطور جبل سينين، أي: مبارك بالسريانية، وهو قول قتادة والحسن.
وعن ابن عباس: سينين أي: حسن بلغة الحبشة] .
وعن عكرمة قال: هو الجبل الذي نادى الله تعالى منه موسى عليه السلام.
وقال مقاتل والكلبي: «سِيْنين» كل جبل فيه شجرٌ وثمرٌ، فهو سينين وسيناء، بلغة النبط.
وقال أبو علي: «سينين» : «فعليل» ، فكررت اللام التي هي نون فيه، كما كررت في «زحليل» للمكان الزلق، و «كرديدة» : للقطعة من التمر، وخنديدة: للطويل.
ولم ينصرف «سينين» كما لم ينصرف «سيناء» لأنه جعل اسماً لبقعة، أو أرض، ولو جعل اسماً للمكان، أو المنزل، أو اسم مذكر لانصرف، لأنك سميت مذكراً بمذكر.
وإنما أقسم بهذا الجبل، لأنه بالسَّنام والأرض المقدسة، وقد بارك الله فيهما، كما قال: ﴿إلى المسجد الأقصى الذي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾ [الإسراء: 1] .
ولا يجوز أن يكون «سينين» نعتاً للطور، لإضافته إليه.
قوله: ﴿وهذا البلد الأمين﴾ . يعني «مكة» ، والأمين على هذا «فعيل» للمبالغة، أي: أمن من فيه ومن [دخله من إنس، وطير، وحيوان، ويجوز أن يكون من أمن للرجل بضم الميم أمانة، فهو أمين، وأمانته حفظه من دخله كما يحفظ الأمين ما يؤتمن عليه، ويجوز أن يكون بمعنى مفعول من أمنه؛ لأنه مأمون الغوائل كما وصف بالأمن في قوله تعالى] ﴿أَنَّا جَعَلْنَا حَرَماً آمِناً﴾ [العنكبوت: 67] يعني ذا أمن.
قال القرطبيُّ: «أقسم الله تعالى بجبل» دمشق «، لأنه مأوى عيسى - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - وبجبل بيت المقدس، لأنه مقام الأنبياء - عليهم السلام، وب» مكة «لأنها أثر إبراهيم، ودار محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ» .
قوله: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان﴾ ، هذا جواب القسم [وأراد بالإنسان الكافر.
قيل: هو الوليد بن المغيرة.
وقيل: كلدة بن أسيد فعلى هذا نزلت في منكري البعث.
وقيل: المراد بالإنسان] : آدم - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - وذريته.
وقوله: ﴿في أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ صفة لمحذوف، أي: في تقويم أحسن تقويم.
وقال أبو البقاء: «فِي أحسن تَقْويمٍ» في موضع الحال من الإنسان، وأراد بالتقويم: القوام؛ لأن التقويم فعل، وذاك وصف للخالق لا المخلوق، ويجوز أن يكون التقدير: في أحسن قوام التقويم، فحذف المضاف، ويجوز أن تكون «فِي» زائدة، أي: قوَّمنَا أحسن تقويمٍ انتهى.
فصل في معنى الآية
قال المفسرون: أحسن تقويم، واعتداله، واستواء أسنانه، لأنه خلق كلَّ شيء منكباً على وجهه، وخلق هو مستوياً، وله لسان ذلق ويد وأصابع يقبض بها.
قال ابن العربي: ليس لله - تعالى - خلق أحسن من الإنسان، فإن الله خلقه حياً، عالماً، قادراً، مريداً، متكلماً، سميعاً، بصيراً، مدبراً، حكيماً، وهذه صفات الرب سبحانه، وعنها عبر بعض العلماء، ووقع البيان بقوله: إن الله خلق آدم عليه السلام على صورته يعني: على صفاته التي قدمنا ذكرها، وفي رواية «عَلَى صُورةِ الرَّحْمَن» ومن أين تكون للرحمن صورة مشخصة، فلم يبق إلا أن تكون معاني.
روي أن عيسى بن موسى الهاشمي، كان يحبُّ زوجته حبًّا شديداً، فقال لها يوماً: أنت طالقٌ ثلاثاً إنْ لم تكوني أحسن من القمر، فنهضت واحتجبت عنه، وقالت: طلقتني، وبات بليلة عظيمة، فلما أصبح غدا إلى دار المنصور، فأخبره الخبر، وأظهر للمنصور جزعاً عظيماً، فاستحضر الفقهاء واستفتاهم، فقال جميع من حضر: قد طلقت إلا رجلاً واحداً من أصحاب أبي حنيفة، فإنه كان ساكتاً، فقال له المنصور: ما لك لا تتكلم؟ .
فقال له الرجل: بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿والتين والزيتون وَطُورِ سِينِينَ وهذا البلد الأمين لَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان في أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ ، يا أمير المؤمنين، فالإنسان أحسنُ الأشياء، ولا شيء أحسن منه، فقال المنصور لعيسى بن موسى: الأمر كما قال الرجل، فأقبل على زوجتك، وأرسل أبو جعفر المنصور إلى زوجة الرجل أن أطيعي زوجك ولا تعصيه، فما طلقك.
فهذا يدلك على أنَّ الإنسان أحسن خلق الله تعالى باطناً وظاهراً، جمال هيئة، وبديع تركيب، الرأس بما فيه، والبطن بما حواه، والفَرْج وما طواه، واليدان وما بطشتاه، والرجلان وما احتملتاه، ولذلك قالت الفلاسفة: إنه العالم الأصغر؛ إذ كل ما في المخلوقات أجمع فيه.
قوله: ﴿ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾ . يجوز في «أسْفلَ سافِلينَ» وجهان:
أحدهما: أنه حال من المفعول.
والثاني: أنه صفة لمكان محذوف، أي: مكاناً أسفل سافلين.
وقرأ عبد الله: «السَّافلين» معرفاً.
فصل
قال ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما: يريد إلى أرذل العمر، وهوالهرم بعد الشباب والضعف بعد القوة. [وقال ابن قتيبة السافلون هم الضعفاء الزمناء، ومن لم يستطع حيلة يقال: سفل يسفل فهو سافل، وهم سافلون كما تقول: علا يعلو فهو عال وهم عالون] .
وعن مجاهد وأبي العالية: «أسفل سافلين» إلى النار، يعني الكافر.
قال علي رَضِيَ اللَّهُ عَنْه: أبواب جهنَّم بعضها أسفل من بعض، فيبدأ بالأسفل فيملأ وهو أسفل السافلين. وعلى هذا التقدير: ثم رددناه إلى أسفل، وفي أسفل السافلين.
قوله: ﴿إِلاَّ الذين آمَنُواْ﴾ فيه وجهان:
أحدهما: متصل على أن المعنى: رددناه أسفل من سفل خلقاً وتركيباً، يعني أقبح من قبح خلقه، وأشوههم صورة، وهم أهل النار، فالاتصال على هذا واضح.
والثاني: أنه منقطع على أن المعنى: ثم رددناه بعد ذلك التقويم والتحسين أسفل من سفل في الحسن والصورة والشكل، حيث نكسناه في خلقه، فقوس ظهره، وضعف بصره وسمعه والمعنى: ولكن والذين كانوا صالحين من الهرمى فلهم ثواب دائم على طاعتهم، وصبرهم على الابتداء بالشيخوخة، ومشاق العبادة، قاله الزمخشري ملخصاً، وقال: أسفل سافلين على الجمع؛ لأن الإنسان في معنى الجمع.
قال الفرَّاء: ولو قال: أسفل سافل جاز، لأن لفظ الإنسان واحد كما تقول: هذا أفضل، ولا تقول: أفضل قائمين، لأنك تضمر الواحد، فإن كان الواحد غير مضمور له، رجع اسمه بالتوحيد، والجمع، كقوله تعالى: ﴿والذي جَآءَ بالصدق وَصَدَّقَ بِهِ أولئك هُمُ المتقون﴾ [الزمر: 33] ، وقوله تعالى: ﴿إِذَآ أَذَقْنَا الإنسان مِنَّا رَحْمَةً فَرِحَ بِهَا﴾ [الشورى: 48] .
قوله تعالى: ﴿فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ .
قال الضحاكُ: أجر بغير عمل.
وقيل: غير مقطوع أي: لا يمن به عليهم.
قوله تعالى: ﴿فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بالدين﴾ . «مَا» استفهامية في محل فع بالابتداء والخبر الفعل بعدها والمخاطب: الإنسان على طريق الالتفات، توبيخاً، وإلزاماً للحُجَّة، والمعنى: فما يجعلك كاذباً بسبب الدين، وإنكاره، وقد خلقك في أحسن تقويمٍ، وأنه يردك إلى أرذلِ العمر، وينقلك من حال إلى حال فما الذي يحملك بعد هذا الدليل إلى أن تكون كاذباً بسبب الجزاءِ [لأن كل مكذب بالحق، فهو كاذب فأي شيء يضطرك إلى أن تكون كاذباً يعني: أنك تكذب إذا كذبت بالجزاء؛ لأن كل مكذّب كاذب بسبب الجزاء] ، والباء مثلها في قوله: ﴿على الذين يَتَوَلَّوْنَهُ والذين هُم بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ [النحل: 100] .
وقيل: المخاطب رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وعلى هذا يكون المعنى: فما الذي يكذبك فيما تخبر به من الجزاء والبعث وهو الدين، بعد هذه العبر التي يوجب النظر فيها صحة ما قلت، قاله الفرَّاء والأخفش.
قوله تعالى: ﴿أَلَيْسَ الله بِأَحْكَمِ الحاكمين﴾ أي: أتقن الحاكمين صنعاً في كل ما خلق، وإذا ثبتت القدرة، والحكمة بهذه الدلالة صح القولُ بإمكان الحشرِ، ووقوعه، أمّا الإمكان فبالنظر إلى القدرة، وأما الوقوع فبالنظر إلى الحكمة لأن عدم ذلك يقدح في الحكمة كما قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السمآء والأرض وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً﴾ [ص: 27] .
وقيل: أحكم الحاكمين: قضاء بالحق، وعدلاً بين الخلق، وألف الاستفهام إذا دخلت على النفي في الكلام صار إيجاباً، كقوله: [الوافر]
5252 - ألَسْتُمْ خَيْرَ مَنْ رَكبَ المَطَايَا..... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... .
[قيل: هذه الآية منسوخة بآية السيف.
وقيل: هي ثابتة لأنه لا تنافي بينهما] .
وكان ابن عباس وعلي بن أبي طالب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما - إذا قرءا: ﴿أَلَيْسَ الله بِأَحْكَمِ الحاكمين﴾ ، قالا: بلى، وإنَّا على ذلك من الشاهدين.
قال القاضي: هذه الآية من أقوى الدلائل على أنه تعالى لا يفعل القبيح، ولا يخلق أفعال العباد مع ما فيها من السفه والظلم، لأنه تعالى أحكم الحاكمين، فلا يفعل فعل السفهاء.
وأجيب: بالمعارضة بالعلم، والداعي، ثم نقول: السَّفيهُ من قامت السفاهة به، لا من خلق السفاهة، كما أن المتحرك من قامت الحركة به بدلاً لا من خلقها. والله أعلم.
سورة العلق
التين 95:4
مكية، وقال ابن عباس وقتادة: مدنية، وهي ثمان آيات، وأربع وثلاثون كلمة ومائة وخمسون حرفا. بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى: ﴿والتين والزيتون﴾ .
قال ابن عباس والحسن ومجاهد وعكرمة وإبراهيم النخعي وعطاء بن أبي رباح وجابر بن زيد ومقاتل والكلبيُّ: هو تينكم الذي تأكلون، وزيتونكم الذي تعصرون منه الزيت قال تعالى: ﴿وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِن طُورِ سَيْنَآءَ تَنبُتُ بالدهن وَصِبْغٍ لِّلآكِلِيِنَ﴾ [المؤمنون: 20] ومن خواص التين: أنه غذاء وفاكهة، وهو سريع الهضم لا يمكث في المعدة، ويقلل البلغم، ويطهر الكليتين، ويزيل ما في المثانة من الرمل، ويسمن البدن، ويفتح مسام الكبد والطحالِ.
وروى أبو ذر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - قال: «أهدي للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ سلٌّ من تينٍ، فقال:» كُلُوا» وأكَلَ مِنهُ، ثُمَّ قال لأصْحَابهِ: «كُلُوا؛ لَوْ قُلتُ: إنَّ فَاكهَةً نَزلَتْ مِنَ الجنَّةِ، لقُلْتُ: هَذهِ، لأنَّ فَاكِهَة الجنَّةِ بِلاَ عجمٍ، فكُلُوهَا، فإنَّهَا تَقْطَعُ البَواسيرَ، وتَنْفَعُ مِنَ النقرسِ» » .
وعن علي بن موسى الرضى: «التين» يزيل نكهة الفم، ويطول الشعر، وهو أمان من الفالج، وأما الزيتون فشجرته هي الشجرة المباركة.
وعن معاذ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - أنه استاك بقضيب زيتون، وقال: سمعت النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ يقول: «نِعْمَ السواكُ الزَّيتُون، مِنَ الشَّجرةِ المُبارَكَةِ، يُطيِّبُ الفَمَ، ويُذْهِبُ الحَفَرَ، وهِيَ سِوَاكِي وسِواكُ الأنْبِيَاء من قَبْلِي» .
وعن ابن عباس: «التين» مسجد نوح - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - الذي بني على الجودي والزيتون: «بيت المقدس» .
وقال الضحاك: التين: «المسجد الحرام» ، والزيتون: «المسجد الأقصى» .
وقال عكرمة وابن زيد: التين: «مسجد دمشق» ، والزيتون: «مسجد بيت المقدس» [وقال قتادة: «التين: الجبل الذي عليه» دمشق» ، والزيتون الذي عليه «بيت المقدس» .
وقال محمد بن كعب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه -: التين: مسجد أصحاب الكهف والزيتون «إيليا» .
وقال عكرمة وابن زيد: التين: «دمشق» ، والزيتون: «بيت المقدس» ] وهذا اختيار الطبري.
وقيل: هما جبلان بالشام يقال لهما: طور زيتا وطور تينا بالسريانية، سميا بذلك لأنهما ينبتان التين والزيتون.
قال القرطبيُّ: «والصَّحيحُ الأولُ، لأنه الحقيقة، ولا يعدل عن الحقيقة إلى المجاز إلا بدليل» .
قوله: ﴿وَطُورِ سِينِينَ﴾ . الطُّور جبل، و «سنين» اسم مكان، فأضيف الجبل للمكان الذي هو به.
قال الزمخشريُّ: «ونحو» سينون يبرون «في جواز الإعراب بالواو والياء، والإقرار على الياء، وتحريك النون بحركات الإعراب» .
وقال أبو البقاء: هو لغة في «سيناء» . انتهى.
وقرأ العامة: بكسر السين، وابن أبي إسحاق، وعمرو بن ميمون، وأبو رجاء: بفتحها وهي لغة بكر وتميم.
وقرأ عمر بن الخطَّاب، وعبيد الله، والحسن، وطلحة: سيناء بالكسر والمد.
وعمر - أيضاً - وزيد بن علي: بفتحها والمد
قال عمر بن ميمون: صليتُ مع عُمرَ بن الخطَّاب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - العشاء ب «مكة» ، فقرأ: ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ وَطُورِ سِينَاءَ وَهَذَا البَلَدِ الأَمِينِ﴾ قال: وهكذا في قراءة عبد الله، ورفع صوته تعظيماً للبيت، وقرأ في الثانية ب ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ﴾ ، و ﴿لإِيلاَفِ قُرَيْشٍ﴾ . جمع بينهما. ذكره ابن الأنباري. [وقد تقدم في «المؤمنين» ، وهذه لغات اختلفت في هذا الاسم السرياني علىعادة العرب في تلاعبها بالأسماء الأعجمية] .
وقال الأخفش: «سِيْنين» شجر، الواحدة «السينينة» ، وهو غريب جداً غير معروف عند أهل التفسير [وقال مجاهد: وطور جبل سينين، أي: مبارك بالسريانية، وهو قول قتادة والحسن.
وعن ابن عباس: سينين أي: حسن بلغة الحبشة] .
وعن عكرمة قال: هو الجبل الذي نادى الله تعالى منه موسى عليه السلام.
وقال مقاتل والكلبي: «سِيْنين» كل جبل فيه شجرٌ وثمرٌ، فهو سينين وسيناء، بلغة النبط.
وقال أبو علي: «سينين» : «فعليل» ، فكررت اللام التي هي نون فيه، كما كررت في «زحليل» للمكان الزلق، و «كرديدة» : للقطعة من التمر، وخنديدة: للطويل.
ولم ينصرف «سينين» كما لم ينصرف «سيناء» لأنه جعل اسماً لبقعة، أو أرض، ولو جعل اسماً للمكان، أو المنزل، أو اسم مذكر لانصرف، لأنك سميت مذكراً بمذكر.
وإنما أقسم بهذا الجبل، لأنه بالسَّنام والأرض المقدسة، وقد بارك الله فيهما، كما قال: ﴿إلى المسجد الأقصى الذي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾ [الإسراء: 1] .
ولا يجوز أن يكون «سينين» نعتاً للطور، لإضافته إليه.
قوله: ﴿وهذا البلد الأمين﴾ . يعني «مكة» ، والأمين على هذا «فعيل» للمبالغة، أي: أمن من فيه ومن [دخله من إنس، وطير، وحيوان، ويجوز أن يكون من أمن للرجل بضم الميم أمانة، فهو أمين، وأمانته حفظه من دخله كما يحفظ الأمين ما يؤتمن عليه، ويجوز أن يكون بمعنى مفعول من أمنه؛ لأنه مأمون الغوائل كما وصف بالأمن في قوله تعالى] ﴿أَنَّا جَعَلْنَا حَرَماً آمِناً﴾ [العنكبوت: 67] يعني ذا أمن.
قال القرطبيُّ: «أقسم الله تعالى بجبل» دمشق «، لأنه مأوى عيسى - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - وبجبل بيت المقدس، لأنه مقام الأنبياء - عليهم السلام، وب» مكة «لأنها أثر إبراهيم، ودار محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ» .
قوله: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان﴾ ، هذا جواب القسم [وأراد بالإنسان الكافر.
قيل: هو الوليد بن المغيرة.
وقيل: كلدة بن أسيد فعلى هذا نزلت في منكري البعث.
وقيل: المراد بالإنسان] : آدم - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - وذريته.
وقوله: ﴿في أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ صفة لمحذوف، أي: في تقويم أحسن تقويم.
وقال أبو البقاء: «فِي أحسن تَقْويمٍ» في موضع الحال من الإنسان، وأراد بالتقويم: القوام؛ لأن التقويم فعل، وذاك وصف للخالق لا المخلوق، ويجوز أن يكون التقدير: في أحسن قوام التقويم، فحذف المضاف، ويجوز أن تكون «فِي» زائدة، أي: قوَّمنَا أحسن تقويمٍ انتهى.
فصل في معنى الآية
قال المفسرون: أحسن تقويم، واعتداله، واستواء أسنانه، لأنه خلق كلَّ شيء منكباً على وجهه، وخلق هو مستوياً، وله لسان ذلق ويد وأصابع يقبض بها.
قال ابن العربي: ليس لله - تعالى - خلق أحسن من الإنسان، فإن الله خلقه حياً، عالماً، قادراً، مريداً، متكلماً، سميعاً، بصيراً، مدبراً، حكيماً، وهذه صفات الرب سبحانه، وعنها عبر بعض العلماء، ووقع البيان بقوله: إن الله خلق آدم عليه السلام على صورته يعني: على صفاته التي قدمنا ذكرها، وفي رواية «عَلَى صُورةِ الرَّحْمَن» ومن أين تكون للرحمن صورة مشخصة، فلم يبق إلا أن تكون معاني.
روي أن عيسى بن موسى الهاشمي، كان يحبُّ زوجته حبًّا شديداً، فقال لها يوماً: أنت طالقٌ ثلاثاً إنْ لم تكوني أحسن من القمر، فنهضت واحتجبت عنه، وقالت: طلقتني، وبات بليلة عظيمة، فلما أصبح غدا إلى دار المنصور، فأخبره الخبر، وأظهر للمنصور جزعاً عظيماً، فاستحضر الفقهاء واستفتاهم، فقال جميع من حضر: قد طلقت إلا رجلاً واحداً من أصحاب أبي حنيفة، فإنه كان ساكتاً، فقال له المنصور: ما لك لا تتكلم؟ .
فقال له الرجل: بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿والتين والزيتون وَطُورِ سِينِينَ وهذا البلد الأمين لَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان في أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ ، يا أمير المؤمنين، فالإنسان أحسنُ الأشياء، ولا شيء أحسن منه، فقال المنصور لعيسى بن موسى: الأمر كما قال الرجل، فأقبل على زوجتك، وأرسل أبو جعفر المنصور إلى زوجة الرجل أن أطيعي زوجك ولا تعصيه، فما طلقك.
فهذا يدلك على أنَّ الإنسان أحسن خلق الله تعالى باطناً وظاهراً، جمال هيئة، وبديع تركيب، الرأس بما فيه، والبطن بما حواه، والفَرْج وما طواه، واليدان وما بطشتاه، والرجلان وما احتملتاه، ولذلك قالت الفلاسفة: إنه العالم الأصغر؛ إذ كل ما في المخلوقات أجمع فيه.
قوله: ﴿ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾ . يجوز في «أسْفلَ سافِلينَ» وجهان:
أحدهما: أنه حال من المفعول.
والثاني: أنه صفة لمكان محذوف، أي: مكاناً أسفل سافلين.
وقرأ عبد الله: «السَّافلين» معرفاً.
فصل
قال ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما: يريد إلى أرذل العمر، وهوالهرم بعد الشباب والضعف بعد القوة. [وقال ابن قتيبة السافلون هم الضعفاء الزمناء، ومن لم يستطع حيلة يقال: سفل يسفل فهو سافل، وهم سافلون كما تقول: علا يعلو فهو عال وهم عالون] .
وعن مجاهد وأبي العالية: «أسفل سافلين» إلى النار، يعني الكافر.
قال علي رَضِيَ اللَّهُ عَنْه: أبواب جهنَّم بعضها أسفل من بعض، فيبدأ بالأسفل فيملأ وهو أسفل السافلين. وعلى هذا التقدير: ثم رددناه إلى أسفل، وفي أسفل السافلين.
قوله: ﴿إِلاَّ الذين آمَنُواْ﴾ فيه وجهان:
أحدهما: متصل على أن المعنى: رددناه أسفل من سفل خلقاً وتركيباً، يعني أقبح من قبح خلقه، وأشوههم صورة، وهم أهل النار، فالاتصال على هذا واضح.
والثاني: أنه منقطع على أن المعنى: ثم رددناه بعد ذلك التقويم والتحسين أسفل من سفل في الحسن والصورة والشكل، حيث نكسناه في خلقه، فقوس ظهره، وضعف بصره وسمعه والمعنى: ولكن والذين كانوا صالحين من الهرمى فلهم ثواب دائم على طاعتهم، وصبرهم على الابتداء بالشيخوخة، ومشاق العبادة، قاله الزمخشري ملخصاً، وقال: أسفل سافلين على الجمع؛ لأن الإنسان في معنى الجمع.
قال الفرَّاء: ولو قال: أسفل سافل جاز، لأن لفظ الإنسان واحد كما تقول: هذا أفضل، ولا تقول: أفضل قائمين، لأنك تضمر الواحد، فإن كان الواحد غير مضمور له، رجع اسمه بالتوحيد، والجمع، كقوله تعالى: ﴿والذي جَآءَ بالصدق وَصَدَّقَ بِهِ أولئك هُمُ المتقون﴾ [الزمر: 33] ، وقوله تعالى: ﴿إِذَآ أَذَقْنَا الإنسان مِنَّا رَحْمَةً فَرِحَ بِهَا﴾ [الشورى: 48] .
قوله تعالى: ﴿فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ .
قال الضحاكُ: أجر بغير عمل.
وقيل: غير مقطوع أي: لا يمن به عليهم.
قوله تعالى: ﴿فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بالدين﴾ . «مَا» استفهامية في محل فع بالابتداء والخبر الفعل بعدها والمخاطب: الإنسان على طريق الالتفات، توبيخاً، وإلزاماً للحُجَّة، والمعنى: فما يجعلك كاذباً بسبب الدين، وإنكاره، وقد خلقك في أحسن تقويمٍ، وأنه يردك إلى أرذلِ العمر، وينقلك من حال إلى حال فما الذي يحملك بعد هذا الدليل إلى أن تكون كاذباً بسبب الجزاءِ [لأن كل مكذب بالحق، فهو كاذب فأي شيء يضطرك إلى أن تكون كاذباً يعني: أنك تكذب إذا كذبت بالجزاء؛ لأن كل مكذّب كاذب بسبب الجزاء] ، والباء مثلها في قوله: ﴿على الذين يَتَوَلَّوْنَهُ والذين هُم بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ [النحل: 100] .
وقيل: المخاطب رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وعلى هذا يكون المعنى: فما الذي يكذبك فيما تخبر به من الجزاء والبعث وهو الدين، بعد هذه العبر التي يوجب النظر فيها صحة ما قلت، قاله الفرَّاء والأخفش.
قوله تعالى: ﴿أَلَيْسَ الله بِأَحْكَمِ الحاكمين﴾ أي: أتقن الحاكمين صنعاً في كل ما خلق، وإذا ثبتت القدرة، والحكمة بهذه الدلالة صح القولُ بإمكان الحشرِ، ووقوعه، أمّا الإمكان فبالنظر إلى القدرة، وأما الوقوع فبالنظر إلى الحكمة لأن عدم ذلك يقدح في الحكمة كما قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السمآء والأرض وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً﴾ [ص: 27] .
وقيل: أحكم الحاكمين: قضاء بالحق، وعدلاً بين الخلق، وألف الاستفهام إذا دخلت على النفي في الكلام صار إيجاباً، كقوله: [الوافر]
5252 - ألَسْتُمْ خَيْرَ مَنْ رَكبَ المَطَايَا..... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... .
[قيل: هذه الآية منسوخة بآية السيف.
وقيل: هي ثابتة لأنه لا تنافي بينهما] .
وكان ابن عباس وعلي بن أبي طالب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما - إذا قرءا: ﴿أَلَيْسَ الله بِأَحْكَمِ الحاكمين﴾ ، قالا: بلى، وإنَّا على ذلك من الشاهدين.
قال القاضي: هذه الآية من أقوى الدلائل على أنه تعالى لا يفعل القبيح، ولا يخلق أفعال العباد مع ما فيها من السفه والظلم، لأنه تعالى أحكم الحاكمين، فلا يفعل فعل السفهاء.
وأجيب: بالمعارضة بالعلم، والداعي، ثم نقول: السَّفيهُ من قامت السفاهة به، لا من خلق السفاهة، كما أن المتحرك من قامت الحركة به بدلاً لا من خلقها. والله أعلم.
سورة العلق
التين 95:5
مكية، وقال ابن عباس وقتادة: مدنية، وهي ثمان آيات، وأربع وثلاثون كلمة ومائة وخمسون حرفا. بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى: ﴿والتين والزيتون﴾ .
قال ابن عباس والحسن ومجاهد وعكرمة وإبراهيم النخعي وعطاء بن أبي رباح وجابر بن زيد ومقاتل والكلبيُّ: هو تينكم الذي تأكلون، وزيتونكم الذي تعصرون منه الزيت قال تعالى: ﴿وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِن طُورِ سَيْنَآءَ تَنبُتُ بالدهن وَصِبْغٍ لِّلآكِلِيِنَ﴾ [المؤمنون: 20] ومن خواص التين: أنه غذاء وفاكهة، وهو سريع الهضم لا يمكث في المعدة، ويقلل البلغم، ويطهر الكليتين، ويزيل ما في المثانة من الرمل، ويسمن البدن، ويفتح مسام الكبد والطحالِ.
وروى أبو ذر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - قال: «أهدي للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ سلٌّ من تينٍ، فقال:» كُلُوا» وأكَلَ مِنهُ، ثُمَّ قال لأصْحَابهِ: «كُلُوا؛ لَوْ قُلتُ: إنَّ فَاكهَةً نَزلَتْ مِنَ الجنَّةِ، لقُلْتُ: هَذهِ، لأنَّ فَاكِهَة الجنَّةِ بِلاَ عجمٍ، فكُلُوهَا، فإنَّهَا تَقْطَعُ البَواسيرَ، وتَنْفَعُ مِنَ النقرسِ» » .
وعن علي بن موسى الرضى: «التين» يزيل نكهة الفم، ويطول الشعر، وهو أمان من الفالج، وأما الزيتون فشجرته هي الشجرة المباركة.
وعن معاذ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - أنه استاك بقضيب زيتون، وقال: سمعت النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ يقول: «نِعْمَ السواكُ الزَّيتُون، مِنَ الشَّجرةِ المُبارَكَةِ، يُطيِّبُ الفَمَ، ويُذْهِبُ الحَفَرَ، وهِيَ سِوَاكِي وسِواكُ الأنْبِيَاء من قَبْلِي» .
وعن ابن عباس: «التين» مسجد نوح - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - الذي بني على الجودي والزيتون: «بيت المقدس» .
وقال الضحاك: التين: «المسجد الحرام» ، والزيتون: «المسجد الأقصى» .
وقال عكرمة وابن زيد: التين: «مسجد دمشق» ، والزيتون: «مسجد بيت المقدس» [وقال قتادة: «التين: الجبل الذي عليه» دمشق» ، والزيتون الذي عليه «بيت المقدس» .
وقال محمد بن كعب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه -: التين: مسجد أصحاب الكهف والزيتون «إيليا» .
وقال عكرمة وابن زيد: التين: «دمشق» ، والزيتون: «بيت المقدس» ] وهذا اختيار الطبري.
وقيل: هما جبلان بالشام يقال لهما: طور زيتا وطور تينا بالسريانية، سميا بذلك لأنهما ينبتان التين والزيتون.
قال القرطبيُّ: «والصَّحيحُ الأولُ، لأنه الحقيقة، ولا يعدل عن الحقيقة إلى المجاز إلا بدليل» .
قوله: ﴿وَطُورِ سِينِينَ﴾ . الطُّور جبل، و «سنين» اسم مكان، فأضيف الجبل للمكان الذي هو به.
قال الزمخشريُّ: «ونحو» سينون يبرون «في جواز الإعراب بالواو والياء، والإقرار على الياء، وتحريك النون بحركات الإعراب» .
وقال أبو البقاء: هو لغة في «سيناء» . انتهى.
وقرأ العامة: بكسر السين، وابن أبي إسحاق، وعمرو بن ميمون، وأبو رجاء: بفتحها وهي لغة بكر وتميم.
وقرأ عمر بن الخطَّاب، وعبيد الله، والحسن، وطلحة: سيناء بالكسر والمد.
وعمر - أيضاً - وزيد بن علي: بفتحها والمد
قال عمر بن ميمون: صليتُ مع عُمرَ بن الخطَّاب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - العشاء ب «مكة» ، فقرأ: ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ وَطُورِ سِينَاءَ وَهَذَا البَلَدِ الأَمِينِ﴾ قال: وهكذا في قراءة عبد الله، ورفع صوته تعظيماً للبيت، وقرأ في الثانية ب ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ﴾ ، و ﴿لإِيلاَفِ قُرَيْشٍ﴾ . جمع بينهما. ذكره ابن الأنباري. [وقد تقدم في «المؤمنين» ، وهذه لغات اختلفت في هذا الاسم السرياني علىعادة العرب في تلاعبها بالأسماء الأعجمية] .
وقال الأخفش: «سِيْنين» شجر، الواحدة «السينينة» ، وهو غريب جداً غير معروف عند أهل التفسير [وقال مجاهد: وطور جبل سينين، أي: مبارك بالسريانية، وهو قول قتادة والحسن.
وعن ابن عباس: سينين أي: حسن بلغة الحبشة] .
وعن عكرمة قال: هو الجبل الذي نادى الله تعالى منه موسى عليه السلام.
وقال مقاتل والكلبي: «سِيْنين» كل جبل فيه شجرٌ وثمرٌ، فهو سينين وسيناء، بلغة النبط.
وقال أبو علي: «سينين» : «فعليل» ، فكررت اللام التي هي نون فيه، كما كررت في «زحليل» للمكان الزلق، و «كرديدة» : للقطعة من التمر، وخنديدة: للطويل.
ولم ينصرف «سينين» كما لم ينصرف «سيناء» لأنه جعل اسماً لبقعة، أو أرض، ولو جعل اسماً للمكان، أو المنزل، أو اسم مذكر لانصرف، لأنك سميت مذكراً بمذكر.
وإنما أقسم بهذا الجبل، لأنه بالسَّنام والأرض المقدسة، وقد بارك الله فيهما، كما قال: ﴿إلى المسجد الأقصى الذي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾ [الإسراء: 1] .
ولا يجوز أن يكون «سينين» نعتاً للطور، لإضافته إليه.
قوله: ﴿وهذا البلد الأمين﴾ . يعني «مكة» ، والأمين على هذا «فعيل» للمبالغة، أي: أمن من فيه ومن [دخله من إنس، وطير، وحيوان، ويجوز أن يكون من أمن للرجل بضم الميم أمانة، فهو أمين، وأمانته حفظه من دخله كما يحفظ الأمين ما يؤتمن عليه، ويجوز أن يكون بمعنى مفعول من أمنه؛ لأنه مأمون الغوائل كما وصف بالأمن في قوله تعالى] ﴿أَنَّا جَعَلْنَا حَرَماً آمِناً﴾ [العنكبوت: 67] يعني ذا أمن.
قال القرطبيُّ: «أقسم الله تعالى بجبل» دمشق «، لأنه مأوى عيسى - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - وبجبل بيت المقدس، لأنه مقام الأنبياء - عليهم السلام، وب» مكة «لأنها أثر إبراهيم، ودار محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ» .
قوله: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان﴾ ، هذا جواب القسم [وأراد بالإنسان الكافر.
قيل: هو الوليد بن المغيرة.
وقيل: كلدة بن أسيد فعلى هذا نزلت في منكري البعث.
وقيل: المراد بالإنسان] : آدم - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - وذريته.
وقوله: ﴿في أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ صفة لمحذوف، أي: في تقويم أحسن تقويم.
وقال أبو البقاء: «فِي أحسن تَقْويمٍ» في موضع الحال من الإنسان، وأراد بالتقويم: القوام؛ لأن التقويم فعل، وذاك وصف للخالق لا المخلوق، ويجوز أن يكون التقدير: في أحسن قوام التقويم، فحذف المضاف، ويجوز أن تكون «فِي» زائدة، أي: قوَّمنَا أحسن تقويمٍ انتهى.
فصل في معنى الآية
قال المفسرون: أحسن تقويم، واعتداله، واستواء أسنانه، لأنه خلق كلَّ شيء منكباً على وجهه، وخلق هو مستوياً، وله لسان ذلق ويد وأصابع يقبض بها.
قال ابن العربي: ليس لله - تعالى - خلق أحسن من الإنسان، فإن الله خلقه حياً، عالماً، قادراً، مريداً، متكلماً، سميعاً، بصيراً، مدبراً، حكيماً، وهذه صفات الرب سبحانه، وعنها عبر بعض العلماء، ووقع البيان بقوله: إن الله خلق آدم عليه السلام على صورته يعني: على صفاته التي قدمنا ذكرها، وفي رواية «عَلَى صُورةِ الرَّحْمَن» ومن أين تكون للرحمن صورة مشخصة، فلم يبق إلا أن تكون معاني.
روي أن عيسى بن موسى الهاشمي، كان يحبُّ زوجته حبًّا شديداً، فقال لها يوماً: أنت طالقٌ ثلاثاً إنْ لم تكوني أحسن من القمر، فنهضت واحتجبت عنه، وقالت: طلقتني، وبات بليلة عظيمة، فلما أصبح غدا إلى دار المنصور، فأخبره الخبر، وأظهر للمنصور جزعاً عظيماً، فاستحضر الفقهاء واستفتاهم، فقال جميع من حضر: قد طلقت إلا رجلاً واحداً من أصحاب أبي حنيفة، فإنه كان ساكتاً، فقال له المنصور: ما لك لا تتكلم؟ .
فقال له الرجل: بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿والتين والزيتون وَطُورِ سِينِينَ وهذا البلد الأمين لَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان في أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ ، يا أمير المؤمنين، فالإنسان أحسنُ الأشياء، ولا شيء أحسن منه، فقال المنصور لعيسى بن موسى: الأمر كما قال الرجل، فأقبل على زوجتك، وأرسل أبو جعفر المنصور إلى زوجة الرجل أن أطيعي زوجك ولا تعصيه، فما طلقك.
فهذا يدلك على أنَّ الإنسان أحسن خلق الله تعالى باطناً وظاهراً، جمال هيئة، وبديع تركيب، الرأس بما فيه، والبطن بما حواه، والفَرْج وما طواه، واليدان وما بطشتاه، والرجلان وما احتملتاه، ولذلك قالت الفلاسفة: إنه العالم الأصغر؛ إذ كل ما في المخلوقات أجمع فيه.
قوله: ﴿ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾ . يجوز في «أسْفلَ سافِلينَ» وجهان:
أحدهما: أنه حال من المفعول.
والثاني: أنه صفة لمكان محذوف، أي: مكاناً أسفل سافلين.
وقرأ عبد الله: «السَّافلين» معرفاً.
فصل
قال ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما: يريد إلى أرذل العمر، وهوالهرم بعد الشباب والضعف بعد القوة. [وقال ابن قتيبة السافلون هم الضعفاء الزمناء، ومن لم يستطع حيلة يقال: سفل يسفل فهو سافل، وهم سافلون كما تقول: علا يعلو فهو عال وهم عالون] .
وعن مجاهد وأبي العالية: «أسفل سافلين» إلى النار، يعني الكافر.
قال علي رَضِيَ اللَّهُ عَنْه: أبواب جهنَّم بعضها أسفل من بعض، فيبدأ بالأسفل فيملأ وهو أسفل السافلين. وعلى هذا التقدير: ثم رددناه إلى أسفل، وفي أسفل السافلين.
قوله: ﴿إِلاَّ الذين آمَنُواْ﴾ فيه وجهان:
أحدهما: متصل على أن المعنى: رددناه أسفل من سفل خلقاً وتركيباً، يعني أقبح من قبح خلقه، وأشوههم صورة، وهم أهل النار، فالاتصال على هذا واضح.
والثاني: أنه منقطع على أن المعنى: ثم رددناه بعد ذلك التقويم والتحسين أسفل من سفل في الحسن والصورة والشكل، حيث نكسناه في خلقه، فقوس ظهره، وضعف بصره وسمعه والمعنى: ولكن والذين كانوا صالحين من الهرمى فلهم ثواب دائم على طاعتهم، وصبرهم على الابتداء بالشيخوخة، ومشاق العبادة، قاله الزمخشري ملخصاً، وقال: أسفل سافلين على الجمع؛ لأن الإنسان في معنى الجمع.
قال الفرَّاء: ولو قال: أسفل سافل جاز، لأن لفظ الإنسان واحد كما تقول: هذا أفضل، ولا تقول: أفضل قائمين، لأنك تضمر الواحد، فإن كان الواحد غير مضمور له، رجع اسمه بالتوحيد، والجمع، كقوله تعالى: ﴿والذي جَآءَ بالصدق وَصَدَّقَ بِهِ أولئك هُمُ المتقون﴾ [الزمر: 33] ، وقوله تعالى: ﴿إِذَآ أَذَقْنَا الإنسان مِنَّا رَحْمَةً فَرِحَ بِهَا﴾ [الشورى: 48] .
قوله تعالى: ﴿فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ .
قال الضحاكُ: أجر بغير عمل.
وقيل: غير مقطوع أي: لا يمن به عليهم.
قوله تعالى: ﴿فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بالدين﴾ . «مَا» استفهامية في محل فع بالابتداء والخبر الفعل بعدها والمخاطب: الإنسان على طريق الالتفات، توبيخاً، وإلزاماً للحُجَّة، والمعنى: فما يجعلك كاذباً بسبب الدين، وإنكاره، وقد خلقك في أحسن تقويمٍ، وأنه يردك إلى أرذلِ العمر، وينقلك من حال إلى حال فما الذي يحملك بعد هذا الدليل إلى أن تكون كاذباً بسبب الجزاءِ [لأن كل مكذب بالحق، فهو كاذب فأي شيء يضطرك إلى أن تكون كاذباً يعني: أنك تكذب إذا كذبت بالجزاء؛ لأن كل مكذّب كاذب بسبب الجزاء] ، والباء مثلها في قوله: ﴿على الذين يَتَوَلَّوْنَهُ والذين هُم بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ [النحل: 100] .
وقيل: المخاطب رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وعلى هذا يكون المعنى: فما الذي يكذبك فيما تخبر به من الجزاء والبعث وهو الدين، بعد هذه العبر التي يوجب النظر فيها صحة ما قلت، قاله الفرَّاء والأخفش.
قوله تعالى: ﴿أَلَيْسَ الله بِأَحْكَمِ الحاكمين﴾ أي: أتقن الحاكمين صنعاً في كل ما خلق، وإذا ثبتت القدرة، والحكمة بهذه الدلالة صح القولُ بإمكان الحشرِ، ووقوعه، أمّا الإمكان فبالنظر إلى القدرة، وأما الوقوع فبالنظر إلى الحكمة لأن عدم ذلك يقدح في الحكمة كما قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السمآء والأرض وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً﴾ [ص: 27] .
وقيل: أحكم الحاكمين: قضاء بالحق، وعدلاً بين الخلق، وألف الاستفهام إذا دخلت على النفي في الكلام صار إيجاباً، كقوله: [الوافر]
5252 - ألَسْتُمْ خَيْرَ مَنْ رَكبَ المَطَايَا..... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... .
[قيل: هذه الآية منسوخة بآية السيف.
وقيل: هي ثابتة لأنه لا تنافي بينهما] .
وكان ابن عباس وعلي بن أبي طالب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما - إذا قرءا: ﴿أَلَيْسَ الله بِأَحْكَمِ الحاكمين﴾ ، قالا: بلى، وإنَّا على ذلك من الشاهدين.
قال القاضي: هذه الآية من أقوى الدلائل على أنه تعالى لا يفعل القبيح، ولا يخلق أفعال العباد مع ما فيها من السفه والظلم، لأنه تعالى أحكم الحاكمين، فلا يفعل فعل السفهاء.
وأجيب: بالمعارضة بالعلم، والداعي، ثم نقول: السَّفيهُ من قامت السفاهة به، لا من خلق السفاهة، كما أن المتحرك من قامت الحركة به بدلاً لا من خلقها. والله أعلم.
سورة العلق
التين 95:6
مكية، وقال ابن عباس وقتادة: مدنية، وهي ثمان آيات، وأربع وثلاثون كلمة ومائة وخمسون حرفا. بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى: ﴿والتين والزيتون﴾ .
قال ابن عباس والحسن ومجاهد وعكرمة وإبراهيم النخعي وعطاء بن أبي رباح وجابر بن زيد ومقاتل والكلبيُّ: هو تينكم الذي تأكلون، وزيتونكم الذي تعصرون منه الزيت قال تعالى: ﴿وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِن طُورِ سَيْنَآءَ تَنبُتُ بالدهن وَصِبْغٍ لِّلآكِلِيِنَ﴾ [المؤمنون: 20] ومن خواص التين: أنه غذاء وفاكهة، وهو سريع الهضم لا يمكث في المعدة، ويقلل البلغم، ويطهر الكليتين، ويزيل ما في المثانة من الرمل، ويسمن البدن، ويفتح مسام الكبد والطحالِ.
وروى أبو ذر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - قال: «أهدي للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ سلٌّ من تينٍ، فقال:» كُلُوا» وأكَلَ مِنهُ، ثُمَّ قال لأصْحَابهِ: «كُلُوا؛ لَوْ قُلتُ: إنَّ فَاكهَةً نَزلَتْ مِنَ الجنَّةِ، لقُلْتُ: هَذهِ، لأنَّ فَاكِهَة الجنَّةِ بِلاَ عجمٍ، فكُلُوهَا، فإنَّهَا تَقْطَعُ البَواسيرَ، وتَنْفَعُ مِنَ النقرسِ» » .
وعن علي بن موسى الرضى: «التين» يزيل نكهة الفم، ويطول الشعر، وهو أمان من الفالج، وأما الزيتون فشجرته هي الشجرة المباركة.
وعن معاذ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - أنه استاك بقضيب زيتون، وقال: سمعت النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ يقول: «نِعْمَ السواكُ الزَّيتُون، مِنَ الشَّجرةِ المُبارَكَةِ، يُطيِّبُ الفَمَ، ويُذْهِبُ الحَفَرَ، وهِيَ سِوَاكِي وسِواكُ الأنْبِيَاء من قَبْلِي» .
وعن ابن عباس: «التين» مسجد نوح - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - الذي بني على الجودي والزيتون: «بيت المقدس» .
وقال الضحاك: التين: «المسجد الحرام» ، والزيتون: «المسجد الأقصى» .
وقال عكرمة وابن زيد: التين: «مسجد دمشق» ، والزيتون: «مسجد بيت المقدس» [وقال قتادة: «التين: الجبل الذي عليه» دمشق» ، والزيتون الذي عليه «بيت المقدس» .
وقال محمد بن كعب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه -: التين: مسجد أصحاب الكهف والزيتون «إيليا» .
وقال عكرمة وابن زيد: التين: «دمشق» ، والزيتون: «بيت المقدس» ] وهذا اختيار الطبري.
وقيل: هما جبلان بالشام يقال لهما: طور زيتا وطور تينا بالسريانية، سميا بذلك لأنهما ينبتان التين والزيتون.
قال القرطبيُّ: «والصَّحيحُ الأولُ، لأنه الحقيقة، ولا يعدل عن الحقيقة إلى المجاز إلا بدليل» .
قوله: ﴿وَطُورِ سِينِينَ﴾ . الطُّور جبل، و «سنين» اسم مكان، فأضيف الجبل للمكان الذي هو به.
قال الزمخشريُّ: «ونحو» سينون يبرون «في جواز الإعراب بالواو والياء، والإقرار على الياء، وتحريك النون بحركات الإعراب» .
وقال أبو البقاء: هو لغة في «سيناء» . انتهى.
وقرأ العامة: بكسر السين، وابن أبي إسحاق، وعمرو بن ميمون، وأبو رجاء: بفتحها وهي لغة بكر وتميم.
وقرأ عمر بن الخطَّاب، وعبيد الله، والحسن، وطلحة: سيناء بالكسر والمد.
وعمر - أيضاً - وزيد بن علي: بفتحها والمد
قال عمر بن ميمون: صليتُ مع عُمرَ بن الخطَّاب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - العشاء ب «مكة» ، فقرأ: ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ وَطُورِ سِينَاءَ وَهَذَا البَلَدِ الأَمِينِ﴾ قال: وهكذا في قراءة عبد الله، ورفع صوته تعظيماً للبيت، وقرأ في الثانية ب ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ﴾ ، و ﴿لإِيلاَفِ قُرَيْشٍ﴾ . جمع بينهما. ذكره ابن الأنباري. [وقد تقدم في «المؤمنين» ، وهذه لغات اختلفت في هذا الاسم السرياني علىعادة العرب في تلاعبها بالأسماء الأعجمية] .
وقال الأخفش: «سِيْنين» شجر، الواحدة «السينينة» ، وهو غريب جداً غير معروف عند أهل التفسير [وقال مجاهد: وطور جبل سينين، أي: مبارك بالسريانية، وهو قول قتادة والحسن.
وعن ابن عباس: سينين أي: حسن بلغة الحبشة] .
وعن عكرمة قال: هو الجبل الذي نادى الله تعالى منه موسى عليه السلام.
وقال مقاتل والكلبي: «سِيْنين» كل جبل فيه شجرٌ وثمرٌ، فهو سينين وسيناء، بلغة النبط.
وقال أبو علي: «سينين» : «فعليل» ، فكررت اللام التي هي نون فيه، كما كررت في «زحليل» للمكان الزلق، و «كرديدة» : للقطعة من التمر، وخنديدة: للطويل.
ولم ينصرف «سينين» كما لم ينصرف «سيناء» لأنه جعل اسماً لبقعة، أو أرض، ولو جعل اسماً للمكان، أو المنزل، أو اسم مذكر لانصرف، لأنك سميت مذكراً بمذكر.
وإنما أقسم بهذا الجبل، لأنه بالسَّنام والأرض المقدسة، وقد بارك الله فيهما، كما قال: ﴿إلى المسجد الأقصى الذي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾ [الإسراء: 1] .
ولا يجوز أن يكون «سينين» نعتاً للطور، لإضافته إليه.
قوله: ﴿وهذا البلد الأمين﴾ . يعني «مكة» ، والأمين على هذا «فعيل» للمبالغة، أي: أمن من فيه ومن [دخله من إنس، وطير، وحيوان، ويجوز أن يكون من أمن للرجل بضم الميم أمانة، فهو أمين، وأمانته حفظه من دخله كما يحفظ الأمين ما يؤتمن عليه، ويجوز أن يكون بمعنى مفعول من أمنه؛ لأنه مأمون الغوائل كما وصف بالأمن في قوله تعالى] ﴿أَنَّا جَعَلْنَا حَرَماً آمِناً﴾ [العنكبوت: 67] يعني ذا أمن.
قال القرطبيُّ: «أقسم الله تعالى بجبل» دمشق «، لأنه مأوى عيسى - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - وبجبل بيت المقدس، لأنه مقام الأنبياء - عليهم السلام، وب» مكة «لأنها أثر إبراهيم، ودار محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ» .
قوله: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان﴾ ، هذا جواب القسم [وأراد بالإنسان الكافر.
قيل: هو الوليد بن المغيرة.
وقيل: كلدة بن أسيد فعلى هذا نزلت في منكري البعث.
وقيل: المراد بالإنسان] : آدم - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - وذريته.
وقوله: ﴿في أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ صفة لمحذوف، أي: في تقويم أحسن تقويم.
وقال أبو البقاء: «فِي أحسن تَقْويمٍ» في موضع الحال من الإنسان، وأراد بالتقويم: القوام؛ لأن التقويم فعل، وذاك وصف للخالق لا المخلوق، ويجوز أن يكون التقدير: في أحسن قوام التقويم، فحذف المضاف، ويجوز أن تكون «فِي» زائدة، أي: قوَّمنَا أحسن تقويمٍ انتهى.
فصل في معنى الآية
قال المفسرون: أحسن تقويم، واعتداله، واستواء أسنانه، لأنه خلق كلَّ شيء منكباً على وجهه، وخلق هو مستوياً، وله لسان ذلق ويد وأصابع يقبض بها.
قال ابن العربي: ليس لله - تعالى - خلق أحسن من الإنسان، فإن الله خلقه حياً، عالماً، قادراً، مريداً، متكلماً، سميعاً، بصيراً، مدبراً، حكيماً، وهذه صفات الرب سبحانه، وعنها عبر بعض العلماء، ووقع البيان بقوله: إن الله خلق آدم عليه السلام على صورته يعني: على صفاته التي قدمنا ذكرها، وفي رواية «عَلَى صُورةِ الرَّحْمَن» ومن أين تكون للرحمن صورة مشخصة، فلم يبق إلا أن تكون معاني.
روي أن عيسى بن موسى الهاشمي، كان يحبُّ زوجته حبًّا شديداً، فقال لها يوماً: أنت طالقٌ ثلاثاً إنْ لم تكوني أحسن من القمر، فنهضت واحتجبت عنه، وقالت: طلقتني، وبات بليلة عظيمة، فلما أصبح غدا إلى دار المنصور، فأخبره الخبر، وأظهر للمنصور جزعاً عظيماً، فاستحضر الفقهاء واستفتاهم، فقال جميع من حضر: قد طلقت إلا رجلاً واحداً من أصحاب أبي حنيفة، فإنه كان ساكتاً، فقال له المنصور: ما لك لا تتكلم؟ .
فقال له الرجل: بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿والتين والزيتون وَطُورِ سِينِينَ وهذا البلد الأمين لَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان في أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ ، يا أمير المؤمنين، فالإنسان أحسنُ الأشياء، ولا شيء أحسن منه، فقال المنصور لعيسى بن موسى: الأمر كما قال الرجل، فأقبل على زوجتك، وأرسل أبو جعفر المنصور إلى زوجة الرجل أن أطيعي زوجك ولا تعصيه، فما طلقك.
فهذا يدلك على أنَّ الإنسان أحسن خلق الله تعالى باطناً وظاهراً، جمال هيئة، وبديع تركيب، الرأس بما فيه، والبطن بما حواه، والفَرْج وما طواه، واليدان وما بطشتاه، والرجلان وما احتملتاه، ولذلك قالت الفلاسفة: إنه العالم الأصغر؛ إذ كل ما في المخلوقات أجمع فيه.
قوله: ﴿ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾ . يجوز في «أسْفلَ سافِلينَ» وجهان:
أحدهما: أنه حال من المفعول.
والثاني: أنه صفة لمكان محذوف، أي: مكاناً أسفل سافلين.
وقرأ عبد الله: «السَّافلين» معرفاً.
فصل
قال ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما: يريد إلى أرذل العمر، وهوالهرم بعد الشباب والضعف بعد القوة. [وقال ابن قتيبة السافلون هم الضعفاء الزمناء، ومن لم يستطع حيلة يقال: سفل يسفل فهو سافل، وهم سافلون كما تقول: علا يعلو فهو عال وهم عالون] .
وعن مجاهد وأبي العالية: «أسفل سافلين» إلى النار، يعني الكافر.
قال علي رَضِيَ اللَّهُ عَنْه: أبواب جهنَّم بعضها أسفل من بعض، فيبدأ بالأسفل فيملأ وهو أسفل السافلين. وعلى هذا التقدير: ثم رددناه إلى أسفل، وفي أسفل السافلين.
قوله: ﴿إِلاَّ الذين آمَنُواْ﴾ فيه وجهان:
أحدهما: متصل على أن المعنى: رددناه أسفل من سفل خلقاً وتركيباً، يعني أقبح من قبح خلقه، وأشوههم صورة، وهم أهل النار، فالاتصال على هذا واضح.
والثاني: أنه منقطع على أن المعنى: ثم رددناه بعد ذلك التقويم والتحسين أسفل من سفل في الحسن والصورة والشكل، حيث نكسناه في خلقه، فقوس ظهره، وضعف بصره وسمعه والمعنى: ولكن والذين كانوا صالحين من الهرمى فلهم ثواب دائم على طاعتهم، وصبرهم على الابتداء بالشيخوخة، ومشاق العبادة، قاله الزمخشري ملخصاً، وقال: أسفل سافلين على الجمع؛ لأن الإنسان في معنى الجمع.
قال الفرَّاء: ولو قال: أسفل سافل جاز، لأن لفظ الإنسان واحد كما تقول: هذا أفضل، ولا تقول: أفضل قائمين، لأنك تضمر الواحد، فإن كان الواحد غير مضمور له، رجع اسمه بالتوحيد، والجمع، كقوله تعالى: ﴿والذي جَآءَ بالصدق وَصَدَّقَ بِهِ أولئك هُمُ المتقون﴾ [الزمر: 33] ، وقوله تعالى: ﴿إِذَآ أَذَقْنَا الإنسان مِنَّا رَحْمَةً فَرِحَ بِهَا﴾ [الشورى: 48] .
قوله تعالى: ﴿فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ .
قال الضحاكُ: أجر بغير عمل.
وقيل: غير مقطوع أي: لا يمن به عليهم.
قوله تعالى: ﴿فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بالدين﴾ . «مَا» استفهامية في محل فع بالابتداء والخبر الفعل بعدها والمخاطب: الإنسان على طريق الالتفات، توبيخاً، وإلزاماً للحُجَّة، والمعنى: فما يجعلك كاذباً بسبب الدين، وإنكاره، وقد خلقك في أحسن تقويمٍ، وأنه يردك إلى أرذلِ العمر، وينقلك من حال إلى حال فما الذي يحملك بعد هذا الدليل إلى أن تكون كاذباً بسبب الجزاءِ [لأن كل مكذب بالحق، فهو كاذب فأي شيء يضطرك إلى أن تكون كاذباً يعني: أنك تكذب إذا كذبت بالجزاء؛ لأن كل مكذّب كاذب بسبب الجزاء] ، والباء مثلها في قوله: ﴿على الذين يَتَوَلَّوْنَهُ والذين هُم بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ [النحل: 100] .
وقيل: المخاطب رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وعلى هذا يكون المعنى: فما الذي يكذبك فيما تخبر به من الجزاء والبعث وهو الدين، بعد هذه العبر التي يوجب النظر فيها صحة ما قلت، قاله الفرَّاء والأخفش.
قوله تعالى: ﴿أَلَيْسَ الله بِأَحْكَمِ الحاكمين﴾ أي: أتقن الحاكمين صنعاً في كل ما خلق، وإذا ثبتت القدرة، والحكمة بهذه الدلالة صح القولُ بإمكان الحشرِ، ووقوعه، أمّا الإمكان فبالنظر إلى القدرة، وأما الوقوع فبالنظر إلى الحكمة لأن عدم ذلك يقدح في الحكمة كما قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السمآء والأرض وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً﴾ [ص: 27] .
وقيل: أحكم الحاكمين: قضاء بالحق، وعدلاً بين الخلق، وألف الاستفهام إذا دخلت على النفي في الكلام صار إيجاباً، كقوله: [الوافر]
5252 - ألَسْتُمْ خَيْرَ مَنْ رَكبَ المَطَايَا..... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... .
[قيل: هذه الآية منسوخة بآية السيف.
وقيل: هي ثابتة لأنه لا تنافي بينهما] .
وكان ابن عباس وعلي بن أبي طالب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما - إذا قرءا: ﴿أَلَيْسَ الله بِأَحْكَمِ الحاكمين﴾ ، قالا: بلى، وإنَّا على ذلك من الشاهدين.
قال القاضي: هذه الآية من أقوى الدلائل على أنه تعالى لا يفعل القبيح، ولا يخلق أفعال العباد مع ما فيها من السفه والظلم، لأنه تعالى أحكم الحاكمين، فلا يفعل فعل السفهاء.
وأجيب: بالمعارضة بالعلم، والداعي، ثم نقول: السَّفيهُ من قامت السفاهة به، لا من خلق السفاهة، كما أن المتحرك من قامت الحركة به بدلاً لا من خلقها. والله أعلم.
سورة العلق
التين 95:7
مكية، وقال ابن عباس وقتادة: مدنية، وهي ثمان آيات، وأربع وثلاثون كلمة ومائة وخمسون حرفا. بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى: ﴿والتين والزيتون﴾ .
قال ابن عباس والحسن ومجاهد وعكرمة وإبراهيم النخعي وعطاء بن أبي رباح وجابر بن زيد ومقاتل والكلبيُّ: هو تينكم الذي تأكلون، وزيتونكم الذي تعصرون منه الزيت قال تعالى: ﴿وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِن طُورِ سَيْنَآءَ تَنبُتُ بالدهن وَصِبْغٍ لِّلآكِلِيِنَ﴾ [المؤمنون: 20] ومن خواص التين: أنه غذاء وفاكهة، وهو سريع الهضم لا يمكث في المعدة، ويقلل البلغم، ويطهر الكليتين، ويزيل ما في المثانة من الرمل، ويسمن البدن، ويفتح مسام الكبد والطحالِ.
وروى أبو ذر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - قال: «أهدي للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ سلٌّ من تينٍ، فقال:» كُلُوا» وأكَلَ مِنهُ، ثُمَّ قال لأصْحَابهِ: «كُلُوا؛ لَوْ قُلتُ: إنَّ فَاكهَةً نَزلَتْ مِنَ الجنَّةِ، لقُلْتُ: هَذهِ، لأنَّ فَاكِهَة الجنَّةِ بِلاَ عجمٍ، فكُلُوهَا، فإنَّهَا تَقْطَعُ البَواسيرَ، وتَنْفَعُ مِنَ النقرسِ» » .
وعن علي بن موسى الرضى: «التين» يزيل نكهة الفم، ويطول الشعر، وهو أمان من الفالج، وأما الزيتون فشجرته هي الشجرة المباركة.
وعن معاذ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - أنه استاك بقضيب زيتون، وقال: سمعت النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ يقول: «نِعْمَ السواكُ الزَّيتُون، مِنَ الشَّجرةِ المُبارَكَةِ، يُطيِّبُ الفَمَ، ويُذْهِبُ الحَفَرَ، وهِيَ سِوَاكِي وسِواكُ الأنْبِيَاء من قَبْلِي» .
وعن ابن عباس: «التين» مسجد نوح - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - الذي بني على الجودي والزيتون: «بيت المقدس» .
وقال الضحاك: التين: «المسجد الحرام» ، والزيتون: «المسجد الأقصى» .
وقال عكرمة وابن زيد: التين: «مسجد دمشق» ، والزيتون: «مسجد بيت المقدس» [وقال قتادة: «التين: الجبل الذي عليه» دمشق» ، والزيتون الذي عليه «بيت المقدس» .
وقال محمد بن كعب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه -: التين: مسجد أصحاب الكهف والزيتون «إيليا» .
وقال عكرمة وابن زيد: التين: «دمشق» ، والزيتون: «بيت المقدس» ] وهذا اختيار الطبري.
وقيل: هما جبلان بالشام يقال لهما: طور زيتا وطور تينا بالسريانية، سميا بذلك لأنهما ينبتان التين والزيتون.
قال القرطبيُّ: «والصَّحيحُ الأولُ، لأنه الحقيقة، ولا يعدل عن الحقيقة إلى المجاز إلا بدليل» .
قوله: ﴿وَطُورِ سِينِينَ﴾ . الطُّور جبل، و «سنين» اسم مكان، فأضيف الجبل للمكان الذي هو به.
قال الزمخشريُّ: «ونحو» سينون يبرون «في جواز الإعراب بالواو والياء، والإقرار على الياء، وتحريك النون بحركات الإعراب» .
وقال أبو البقاء: هو لغة في «سيناء» . انتهى.
وقرأ العامة: بكسر السين، وابن أبي إسحاق، وعمرو بن ميمون، وأبو رجاء: بفتحها وهي لغة بكر وتميم.
وقرأ عمر بن الخطَّاب، وعبيد الله، والحسن، وطلحة: سيناء بالكسر والمد.
وعمر - أيضاً - وزيد بن علي: بفتحها والمد
قال عمر بن ميمون: صليتُ مع عُمرَ بن الخطَّاب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - العشاء ب «مكة» ، فقرأ: ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ وَطُورِ سِينَاءَ وَهَذَا البَلَدِ الأَمِينِ﴾ قال: وهكذا في قراءة عبد الله، ورفع صوته تعظيماً للبيت، وقرأ في الثانية ب ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ﴾ ، و ﴿لإِيلاَفِ قُرَيْشٍ﴾ . جمع بينهما. ذكره ابن الأنباري. [وقد تقدم في «المؤمنين» ، وهذه لغات اختلفت في هذا الاسم السرياني علىعادة العرب في تلاعبها بالأسماء الأعجمية] .
وقال الأخفش: «سِيْنين» شجر، الواحدة «السينينة» ، وهو غريب جداً غير معروف عند أهل التفسير [وقال مجاهد: وطور جبل سينين، أي: مبارك بالسريانية، وهو قول قتادة والحسن.
وعن ابن عباس: سينين أي: حسن بلغة الحبشة] .
وعن عكرمة قال: هو الجبل الذي نادى الله تعالى منه موسى عليه السلام.
وقال مقاتل والكلبي: «سِيْنين» كل جبل فيه شجرٌ وثمرٌ، فهو سينين وسيناء، بلغة النبط.
وقال أبو علي: «سينين» : «فعليل» ، فكررت اللام التي هي نون فيه، كما كررت في «زحليل» للمكان الزلق، و «كرديدة» : للقطعة من التمر، وخنديدة: للطويل.
ولم ينصرف «سينين» كما لم ينصرف «سيناء» لأنه جعل اسماً لبقعة، أو أرض، ولو جعل اسماً للمكان، أو المنزل، أو اسم مذكر لانصرف، لأنك سميت مذكراً بمذكر.
وإنما أقسم بهذا الجبل، لأنه بالسَّنام والأرض المقدسة، وقد بارك الله فيهما، كما قال: ﴿إلى المسجد الأقصى الذي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾ [الإسراء: 1] .
ولا يجوز أن يكون «سينين» نعتاً للطور، لإضافته إليه.
قوله: ﴿وهذا البلد الأمين﴾ . يعني «مكة» ، والأمين على هذا «فعيل» للمبالغة، أي: أمن من فيه ومن [دخله من إنس، وطير، وحيوان، ويجوز أن يكون من أمن للرجل بضم الميم أمانة، فهو أمين، وأمانته حفظه من دخله كما يحفظ الأمين ما يؤتمن عليه، ويجوز أن يكون بمعنى مفعول من أمنه؛ لأنه مأمون الغوائل كما وصف بالأمن في قوله تعالى] ﴿أَنَّا جَعَلْنَا حَرَماً آمِناً﴾ [العنكبوت: 67] يعني ذا أمن.
قال القرطبيُّ: «أقسم الله تعالى بجبل» دمشق «، لأنه مأوى عيسى - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - وبجبل بيت المقدس، لأنه مقام الأنبياء - عليهم السلام، وب» مكة «لأنها أثر إبراهيم، ودار محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ» .
قوله: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان﴾ ، هذا جواب القسم [وأراد بالإنسان الكافر.
قيل: هو الوليد بن المغيرة.
وقيل: كلدة بن أسيد فعلى هذا نزلت في منكري البعث.
وقيل: المراد بالإنسان] : آدم - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - وذريته.
وقوله: ﴿في أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ صفة لمحذوف، أي: في تقويم أحسن تقويم.
وقال أبو البقاء: «فِي أحسن تَقْويمٍ» في موضع الحال من الإنسان، وأراد بالتقويم: القوام؛ لأن التقويم فعل، وذاك وصف للخالق لا المخلوق، ويجوز أن يكون التقدير: في أحسن قوام التقويم، فحذف المضاف، ويجوز أن تكون «فِي» زائدة، أي: قوَّمنَا أحسن تقويمٍ انتهى.
فصل في معنى الآية
قال المفسرون: أحسن تقويم، واعتداله، واستواء أسنانه، لأنه خلق كلَّ شيء منكباً على وجهه، وخلق هو مستوياً، وله لسان ذلق ويد وأصابع يقبض بها.
قال ابن العربي: ليس لله - تعالى - خلق أحسن من الإنسان، فإن الله خلقه حياً، عالماً، قادراً، مريداً، متكلماً، سميعاً، بصيراً، مدبراً، حكيماً، وهذه صفات الرب سبحانه، وعنها عبر بعض العلماء، ووقع البيان بقوله: إن الله خلق آدم عليه السلام على صورته يعني: على صفاته التي قدمنا ذكرها، وفي رواية «عَلَى صُورةِ الرَّحْمَن» ومن أين تكون للرحمن صورة مشخصة، فلم يبق إلا أن تكون معاني.
روي أن عيسى بن موسى الهاشمي، كان يحبُّ زوجته حبًّا شديداً، فقال لها يوماً: أنت طالقٌ ثلاثاً إنْ لم تكوني أحسن من القمر، فنهضت واحتجبت عنه، وقالت: طلقتني، وبات بليلة عظيمة، فلما أصبح غدا إلى دار المنصور، فأخبره الخبر، وأظهر للمنصور جزعاً عظيماً، فاستحضر الفقهاء واستفتاهم، فقال جميع من حضر: قد طلقت إلا رجلاً واحداً من أصحاب أبي حنيفة، فإنه كان ساكتاً، فقال له المنصور: ما لك لا تتكلم؟ .
فقال له الرجل: بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿والتين والزيتون وَطُورِ سِينِينَ وهذا البلد الأمين لَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان في أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ ، يا أمير المؤمنين، فالإنسان أحسنُ الأشياء، ولا شيء أحسن منه، فقال المنصور لعيسى بن موسى: الأمر كما قال الرجل، فأقبل على زوجتك، وأرسل أبو جعفر المنصور إلى زوجة الرجل أن أطيعي زوجك ولا تعصيه، فما طلقك.
فهذا يدلك على أنَّ الإنسان أحسن خلق الله تعالى باطناً وظاهراً، جمال هيئة، وبديع تركيب، الرأس بما فيه، والبطن بما حواه، والفَرْج وما طواه، واليدان وما بطشتاه، والرجلان وما احتملتاه، ولذلك قالت الفلاسفة: إنه العالم الأصغر؛ إذ كل ما في المخلوقات أجمع فيه.
قوله: ﴿ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾ . يجوز في «أسْفلَ سافِلينَ» وجهان:
أحدهما: أنه حال من المفعول.
والثاني: أنه صفة لمكان محذوف، أي: مكاناً أسفل سافلين.
وقرأ عبد الله: «السَّافلين» معرفاً.
فصل
قال ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما: يريد إلى أرذل العمر، وهوالهرم بعد الشباب والضعف بعد القوة. [وقال ابن قتيبة السافلون هم الضعفاء الزمناء، ومن لم يستطع حيلة يقال: سفل يسفل فهو سافل، وهم سافلون كما تقول: علا يعلو فهو عال وهم عالون] .
وعن مجاهد وأبي العالية: «أسفل سافلين» إلى النار، يعني الكافر.
قال علي رَضِيَ اللَّهُ عَنْه: أبواب جهنَّم بعضها أسفل من بعض، فيبدأ بالأسفل فيملأ وهو أسفل السافلين. وعلى هذا التقدير: ثم رددناه إلى أسفل، وفي أسفل السافلين.
قوله: ﴿إِلاَّ الذين آمَنُواْ﴾ فيه وجهان:
أحدهما: متصل على أن المعنى: رددناه أسفل من سفل خلقاً وتركيباً، يعني أقبح من قبح خلقه، وأشوههم صورة، وهم أهل النار، فالاتصال على هذا واضح.
والثاني: أنه منقطع على أن المعنى: ثم رددناه بعد ذلك التقويم والتحسين أسفل من سفل في الحسن والصورة والشكل، حيث نكسناه في خلقه، فقوس ظهره، وضعف بصره وسمعه والمعنى: ولكن والذين كانوا صالحين من الهرمى فلهم ثواب دائم على طاعتهم، وصبرهم على الابتداء بالشيخوخة، ومشاق العبادة، قاله الزمخشري ملخصاً، وقال: أسفل سافلين على الجمع؛ لأن الإنسان في معنى الجمع.
قال الفرَّاء: ولو قال: أسفل سافل جاز، لأن لفظ الإنسان واحد كما تقول: هذا أفضل، ولا تقول: أفضل قائمين، لأنك تضمر الواحد، فإن كان الواحد غير مضمور له، رجع اسمه بالتوحيد، والجمع، كقوله تعالى: ﴿والذي جَآءَ بالصدق وَصَدَّقَ بِهِ أولئك هُمُ المتقون﴾ [الزمر: 33] ، وقوله تعالى: ﴿إِذَآ أَذَقْنَا الإنسان مِنَّا رَحْمَةً فَرِحَ بِهَا﴾ [الشورى: 48] .
قوله تعالى: ﴿فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ .
قال الضحاكُ: أجر بغير عمل.
وقيل: غير مقطوع أي: لا يمن به عليهم.
قوله تعالى: ﴿فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بالدين﴾ . «مَا» استفهامية في محل فع بالابتداء والخبر الفعل بعدها والمخاطب: الإنسان على طريق الالتفات، توبيخاً، وإلزاماً للحُجَّة، والمعنى: فما يجعلك كاذباً بسبب الدين، وإنكاره، وقد خلقك في أحسن تقويمٍ، وأنه يردك إلى أرذلِ العمر، وينقلك من حال إلى حال فما الذي يحملك بعد هذا الدليل إلى أن تكون كاذباً بسبب الجزاءِ [لأن كل مكذب بالحق، فهو كاذب فأي شيء يضطرك إلى أن تكون كاذباً يعني: أنك تكذب إذا كذبت بالجزاء؛ لأن كل مكذّب كاذب بسبب الجزاء] ، والباء مثلها في قوله: ﴿على الذين يَتَوَلَّوْنَهُ والذين هُم بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ [النحل: 100] .
وقيل: المخاطب رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وعلى هذا يكون المعنى: فما الذي يكذبك فيما تخبر به من الجزاء والبعث وهو الدين، بعد هذه العبر التي يوجب النظر فيها صحة ما قلت، قاله الفرَّاء والأخفش.
قوله تعالى: ﴿أَلَيْسَ الله بِأَحْكَمِ الحاكمين﴾ أي: أتقن الحاكمين صنعاً في كل ما خلق، وإذا ثبتت القدرة، والحكمة بهذه الدلالة صح القولُ بإمكان الحشرِ، ووقوعه، أمّا الإمكان فبالنظر إلى القدرة، وأما الوقوع فبالنظر إلى الحكمة لأن عدم ذلك يقدح في الحكمة كما قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السمآء والأرض وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً﴾ [ص: 27] .
وقيل: أحكم الحاكمين: قضاء بالحق، وعدلاً بين الخلق، وألف الاستفهام إذا دخلت على النفي في الكلام صار إيجاباً، كقوله: [الوافر]
5252 - ألَسْتُمْ خَيْرَ مَنْ رَكبَ المَطَايَا..... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... .
[قيل: هذه الآية منسوخة بآية السيف.
وقيل: هي ثابتة لأنه لا تنافي بينهما] .
وكان ابن عباس وعلي بن أبي طالب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما - إذا قرءا: ﴿أَلَيْسَ الله بِأَحْكَمِ الحاكمين﴾ ، قالا: بلى، وإنَّا على ذلك من الشاهدين.
قال القاضي: هذه الآية من أقوى الدلائل على أنه تعالى لا يفعل القبيح، ولا يخلق أفعال العباد مع ما فيها من السفه والظلم، لأنه تعالى أحكم الحاكمين، فلا يفعل فعل السفهاء.
وأجيب: بالمعارضة بالعلم، والداعي، ثم نقول: السَّفيهُ من قامت السفاهة به، لا من خلق السفاهة، كما أن المتحرك من قامت الحركة به بدلاً لا من خلقها. والله أعلم.
سورة العلق
التين 95:8
مكية، وقال ابن عباس وقتادة: مدنية، وهي ثمان آيات، وأربع وثلاثون كلمة ومائة وخمسون حرفا. بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى: ﴿والتين والزيتون﴾ .
قال ابن عباس والحسن ومجاهد وعكرمة وإبراهيم النخعي وعطاء بن أبي رباح وجابر بن زيد ومقاتل والكلبيُّ: هو تينكم الذي تأكلون، وزيتونكم الذي تعصرون منه الزيت قال تعالى: ﴿وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِن طُورِ سَيْنَآءَ تَنبُتُ بالدهن وَصِبْغٍ لِّلآكِلِيِنَ﴾ [المؤمنون: 20] ومن خواص التين: أنه غذاء وفاكهة، وهو سريع الهضم لا يمكث في المعدة، ويقلل البلغم، ويطهر الكليتين، ويزيل ما في المثانة من الرمل، ويسمن البدن، ويفتح مسام الكبد والطحالِ.
وروى أبو ذر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - قال: «أهدي للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ سلٌّ من تينٍ، فقال:» كُلُوا» وأكَلَ مِنهُ، ثُمَّ قال لأصْحَابهِ: «كُلُوا؛ لَوْ قُلتُ: إنَّ فَاكهَةً نَزلَتْ مِنَ الجنَّةِ، لقُلْتُ: هَذهِ، لأنَّ فَاكِهَة الجنَّةِ بِلاَ عجمٍ، فكُلُوهَا، فإنَّهَا تَقْطَعُ البَواسيرَ، وتَنْفَعُ مِنَ النقرسِ» » .
وعن علي بن موسى الرضى: «التين» يزيل نكهة الفم، ويطول الشعر، وهو أمان من الفالج، وأما الزيتون فشجرته هي الشجرة المباركة.
وعن معاذ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - أنه استاك بقضيب زيتون، وقال: سمعت النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ يقول: «نِعْمَ السواكُ الزَّيتُون، مِنَ الشَّجرةِ المُبارَكَةِ، يُطيِّبُ الفَمَ، ويُذْهِبُ الحَفَرَ، وهِيَ سِوَاكِي وسِواكُ الأنْبِيَاء من قَبْلِي» .
وعن ابن عباس: «التين» مسجد نوح - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - الذي بني على الجودي والزيتون: «بيت المقدس» .
وقال الضحاك: التين: «المسجد الحرام» ، والزيتون: «المسجد الأقصى» .
وقال عكرمة وابن زيد: التين: «مسجد دمشق» ، والزيتون: «مسجد بيت المقدس» [وقال قتادة: «التين: الجبل الذي عليه» دمشق» ، والزيتون الذي عليه «بيت المقدس» .
وقال محمد بن كعب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه -: التين: مسجد أصحاب الكهف والزيتون «إيليا» .
وقال عكرمة وابن زيد: التين: «دمشق» ، والزيتون: «بيت المقدس» ] وهذا اختيار الطبري.
وقيل: هما جبلان بالشام يقال لهما: طور زيتا وطور تينا بالسريانية، سميا بذلك لأنهما ينبتان التين والزيتون.
قال القرطبيُّ: «والصَّحيحُ الأولُ، لأنه الحقيقة، ولا يعدل عن الحقيقة إلى المجاز إلا بدليل» .
قوله: ﴿وَطُورِ سِينِينَ﴾ . الطُّور جبل، و «سنين» اسم مكان، فأضيف الجبل للمكان الذي هو به.
قال الزمخشريُّ: «ونحو» سينون يبرون «في جواز الإعراب بالواو والياء، والإقرار على الياء، وتحريك النون بحركات الإعراب» .
وقال أبو البقاء: هو لغة في «سيناء» . انتهى.
وقرأ العامة: بكسر السين، وابن أبي إسحاق، وعمرو بن ميمون، وأبو رجاء: بفتحها وهي لغة بكر وتميم.
وقرأ عمر بن الخطَّاب، وعبيد الله، والحسن، وطلحة: سيناء بالكسر والمد.
وعمر - أيضاً - وزيد بن علي: بفتحها والمد
قال عمر بن ميمون: صليتُ مع عُمرَ بن الخطَّاب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - العشاء ب «مكة» ، فقرأ: ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ وَطُورِ سِينَاءَ وَهَذَا البَلَدِ الأَمِينِ﴾ قال: وهكذا في قراءة عبد الله، ورفع صوته تعظيماً للبيت، وقرأ في الثانية ب ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ﴾ ، و ﴿لإِيلاَفِ قُرَيْشٍ﴾ . جمع بينهما. ذكره ابن الأنباري. [وقد تقدم في «المؤمنين» ، وهذه لغات اختلفت في هذا الاسم السرياني علىعادة العرب في تلاعبها بالأسماء الأعجمية] .
وقال الأخفش: «سِيْنين» شجر، الواحدة «السينينة» ، وهو غريب جداً غير معروف عند أهل التفسير [وقال مجاهد: وطور جبل سينين، أي: مبارك بالسريانية، وهو قول قتادة والحسن.
وعن ابن عباس: سينين أي: حسن بلغة الحبشة] .
وعن عكرمة قال: هو الجبل الذي نادى الله تعالى منه موسى عليه السلام.
وقال مقاتل والكلبي: «سِيْنين» كل جبل فيه شجرٌ وثمرٌ، فهو سينين وسيناء، بلغة النبط.
وقال أبو علي: «سينين» : «فعليل» ، فكررت اللام التي هي نون فيه، كما كررت في «زحليل» للمكان الزلق، و «كرديدة» : للقطعة من التمر، وخنديدة: للطويل.
ولم ينصرف «سينين» كما لم ينصرف «سيناء» لأنه جعل اسماً لبقعة، أو أرض، ولو جعل اسماً للمكان، أو المنزل، أو اسم مذكر لانصرف، لأنك سميت مذكراً بمذكر.
وإنما أقسم بهذا الجبل، لأنه بالسَّنام والأرض المقدسة، وقد بارك الله فيهما، كما قال: ﴿إلى المسجد الأقصى الذي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾ [الإسراء: 1] .
ولا يجوز أن يكون «سينين» نعتاً للطور، لإضافته إليه.
قوله: ﴿وهذا البلد الأمين﴾ . يعني «مكة» ، والأمين على هذا «فعيل» للمبالغة، أي: أمن من فيه ومن [دخله من إنس، وطير، وحيوان، ويجوز أن يكون من أمن للرجل بضم الميم أمانة، فهو أمين، وأمانته حفظه من دخله كما يحفظ الأمين ما يؤتمن عليه، ويجوز أن يكون بمعنى مفعول من أمنه؛ لأنه مأمون الغوائل كما وصف بالأمن في قوله تعالى] ﴿أَنَّا جَعَلْنَا حَرَماً آمِناً﴾ [العنكبوت: 67] يعني ذا أمن.
قال القرطبيُّ: «أقسم الله تعالى بجبل» دمشق «، لأنه مأوى عيسى - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - وبجبل بيت المقدس، لأنه مقام الأنبياء - عليهم السلام، وب» مكة «لأنها أثر إبراهيم، ودار محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ» .
قوله: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان﴾ ، هذا جواب القسم [وأراد بالإنسان الكافر.
قيل: هو الوليد بن المغيرة.
وقيل: كلدة بن أسيد فعلى هذا نزلت في منكري البعث.
وقيل: المراد بالإنسان] : آدم - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - وذريته.
وقوله: ﴿في أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ صفة لمحذوف، أي: في تقويم أحسن تقويم.
وقال أبو البقاء: «فِي أحسن تَقْويمٍ» في موضع الحال من الإنسان، وأراد بالتقويم: القوام؛ لأن التقويم فعل، وذاك وصف للخالق لا المخلوق، ويجوز أن يكون التقدير: في أحسن قوام التقويم، فحذف المضاف، ويجوز أن تكون «فِي» زائدة، أي: قوَّمنَا أحسن تقويمٍ انتهى.
فصل في معنى الآية
قال المفسرون: أحسن تقويم، واعتداله، واستواء أسنانه، لأنه خلق كلَّ شيء منكباً على وجهه، وخلق هو مستوياً، وله لسان ذلق ويد وأصابع يقبض بها.
قال ابن العربي: ليس لله - تعالى - خلق أحسن من الإنسان، فإن الله خلقه حياً، عالماً، قادراً، مريداً، متكلماً، سميعاً، بصيراً، مدبراً، حكيماً، وهذه صفات الرب سبحانه، وعنها عبر بعض العلماء، ووقع البيان بقوله: إن الله خلق آدم عليه السلام على صورته يعني: على صفاته التي قدمنا ذكرها، وفي رواية «عَلَى صُورةِ الرَّحْمَن» ومن أين تكون للرحمن صورة مشخصة، فلم يبق إلا أن تكون معاني.
روي أن عيسى بن موسى الهاشمي، كان يحبُّ زوجته حبًّا شديداً، فقال لها يوماً: أنت طالقٌ ثلاثاً إنْ لم تكوني أحسن من القمر، فنهضت واحتجبت عنه، وقالت: طلقتني، وبات بليلة عظيمة، فلما أصبح غدا إلى دار المنصور، فأخبره الخبر، وأظهر للمنصور جزعاً عظيماً، فاستحضر الفقهاء واستفتاهم، فقال جميع من حضر: قد طلقت إلا رجلاً واحداً من أصحاب أبي حنيفة، فإنه كان ساكتاً، فقال له المنصور: ما لك لا تتكلم؟ .
فقال له الرجل: بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿والتين والزيتون وَطُورِ سِينِينَ وهذا البلد الأمين لَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان في أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ ، يا أمير المؤمنين، فالإنسان أحسنُ الأشياء، ولا شيء أحسن منه، فقال المنصور لعيسى بن موسى: الأمر كما قال الرجل، فأقبل على زوجتك، وأرسل أبو جعفر المنصور إلى زوجة الرجل أن أطيعي زوجك ولا تعصيه، فما طلقك.
فهذا يدلك على أنَّ الإنسان أحسن خلق الله تعالى باطناً وظاهراً، جمال هيئة، وبديع تركيب، الرأس بما فيه، والبطن بما حواه، والفَرْج وما طواه، واليدان وما بطشتاه، والرجلان وما احتملتاه، ولذلك قالت الفلاسفة: إنه العالم الأصغر؛ إذ كل ما في المخلوقات أجمع فيه.
قوله: ﴿ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾ . يجوز في «أسْفلَ سافِلينَ» وجهان:
أحدهما: أنه حال من المفعول.
والثاني: أنه صفة لمكان محذوف، أي: مكاناً أسفل سافلين.
وقرأ عبد الله: «السَّافلين» معرفاً.
فصل
قال ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما: يريد إلى أرذل العمر، وهوالهرم بعد الشباب والضعف بعد القوة. [وقال ابن قتيبة السافلون هم الضعفاء الزمناء، ومن لم يستطع حيلة يقال: سفل يسفل فهو سافل، وهم سافلون كما تقول: علا يعلو فهو عال وهم عالون] .
وعن مجاهد وأبي العالية: «أسفل سافلين» إلى النار، يعني الكافر.
قال علي رَضِيَ اللَّهُ عَنْه: أبواب جهنَّم بعضها أسفل من بعض، فيبدأ بالأسفل فيملأ وهو أسفل السافلين. وعلى هذا التقدير: ثم رددناه إلى أسفل، وفي أسفل السافلين.
قوله: ﴿إِلاَّ الذين آمَنُواْ﴾ فيه وجهان:
أحدهما: متصل على أن المعنى: رددناه أسفل من سفل خلقاً وتركيباً، يعني أقبح من قبح خلقه، وأشوههم صورة، وهم أهل النار، فالاتصال على هذا واضح.
والثاني: أنه منقطع على أن المعنى: ثم رددناه بعد ذلك التقويم والتحسين أسفل من سفل في الحسن والصورة والشكل، حيث نكسناه في خلقه، فقوس ظهره، وضعف بصره وسمعه والمعنى: ولكن والذين كانوا صالحين من الهرمى فلهم ثواب دائم على طاعتهم، وصبرهم على الابتداء بالشيخوخة، ومشاق العبادة، قاله الزمخشري ملخصاً، وقال: أسفل سافلين على الجمع؛ لأن الإنسان في معنى الجمع.
قال الفرَّاء: ولو قال: أسفل سافل جاز، لأن لفظ الإنسان واحد كما تقول: هذا أفضل، ولا تقول: أفضل قائمين، لأنك تضمر الواحد، فإن كان الواحد غير مضمور له، رجع اسمه بالتوحيد، والجمع، كقوله تعالى: ﴿والذي جَآءَ بالصدق وَصَدَّقَ بِهِ أولئك هُمُ المتقون﴾ [الزمر: 33] ، وقوله تعالى: ﴿إِذَآ أَذَقْنَا الإنسان مِنَّا رَحْمَةً فَرِحَ بِهَا﴾ [الشورى: 48] .
قوله تعالى: ﴿فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ .
قال الضحاكُ: أجر بغير عمل.
وقيل: غير مقطوع أي: لا يمن به عليهم.
قوله تعالى: ﴿فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بالدين﴾ . «مَا» استفهامية في محل فع بالابتداء والخبر الفعل بعدها والمخاطب: الإنسان على طريق الالتفات، توبيخاً، وإلزاماً للحُجَّة، والمعنى: فما يجعلك كاذباً بسبب الدين، وإنكاره، وقد خلقك في أحسن تقويمٍ، وأنه يردك إلى أرذلِ العمر، وينقلك من حال إلى حال فما الذي يحملك بعد هذا الدليل إلى أن تكون كاذباً بسبب الجزاءِ [لأن كل مكذب بالحق، فهو كاذب فأي شيء يضطرك إلى أن تكون كاذباً يعني: أنك تكذب إذا كذبت بالجزاء؛ لأن كل مكذّب كاذب بسبب الجزاء] ، والباء مثلها في قوله: ﴿على الذين يَتَوَلَّوْنَهُ والذين هُم بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ [النحل: 100] .
وقيل: المخاطب رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وعلى هذا يكون المعنى: فما الذي يكذبك فيما تخبر به من الجزاء والبعث وهو الدين، بعد هذه العبر التي يوجب النظر فيها صحة ما قلت، قاله الفرَّاء والأخفش.
قوله تعالى: ﴿أَلَيْسَ الله بِأَحْكَمِ الحاكمين﴾ أي: أتقن الحاكمين صنعاً في كل ما خلق، وإذا ثبتت القدرة، والحكمة بهذه الدلالة صح القولُ بإمكان الحشرِ، ووقوعه، أمّا الإمكان فبالنظر إلى القدرة، وأما الوقوع فبالنظر إلى الحكمة لأن عدم ذلك يقدح في الحكمة كما قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السمآء والأرض وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً﴾ [ص: 27] .
وقيل: أحكم الحاكمين: قضاء بالحق، وعدلاً بين الخلق، وألف الاستفهام إذا دخلت على النفي في الكلام صار إيجاباً، كقوله: [الوافر]
5252 - ألَسْتُمْ خَيْرَ مَنْ رَكبَ المَطَايَا..... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... .
[قيل: هذه الآية منسوخة بآية السيف.
وقيل: هي ثابتة لأنه لا تنافي بينهما] .
وكان ابن عباس وعلي بن أبي طالب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما - إذا قرءا: ﴿أَلَيْسَ الله بِأَحْكَمِ الحاكمين﴾ ، قالا: بلى، وإنَّا على ذلك من الشاهدين.
قال القاضي: هذه الآية من أقوى الدلائل على أنه تعالى لا يفعل القبيح، ولا يخلق أفعال العباد مع ما فيها من السفه والظلم، لأنه تعالى أحكم الحاكمين، فلا يفعل فعل السفهاء.
وأجيب: بالمعارضة بالعلم، والداعي، ثم نقول: السَّفيهُ من قامت السفاهة به، لا من خلق السفاهة، كما أن المتحرك من قامت الحركة به بدلاً لا من خلقها. والله أعلم.
سورة العلق
العلق 96:1
مكية، وهي أول ما نزل من القرآن في قول أبي موسى وعائشة رضي الله عنها. وقيل: أول ما نزل الفاتحة، ثم سورة العلق، وهي عشرون آية، واثنتان وسبعون كلمة، ومائتان وسبعون حرفا. بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى: ﴿اقرأ﴾ ، العامة، على سكون الهمزة، أمر من القراءة، وقرأ عاصم في رواية الأعشى: براء مفتوحة، وكأنه قلب تلك الهمزة ألفاً، كقولهم: قرأ، يقرأ، نحو: سعى، يسعى، فلما أمر منه، قيل: «اقر» بحذف الألف قياساً على حذفها من «اسع» .
وهذا على حد قول زهير: [الطويل]
5253 - ... ... ... ... ... ... ... ... ... ..... وإلاَّ يُبْدَ بالظُّلْمِ يَظْلِمِ
وقد تقدم تحرير هذا.
قوله: ﴿باسم رَبِّكَ﴾ ، يجوز فيه أوجه:
أحدها: ان تكون الباء للحال، أي: اقرأ مفتتحاً باسم ربِّك قل: بسم الله الرحمن الرحيم ثم اقرأ، قاله الزمخشريُّ.
الثاني: أن الباء مزيدة، والتقدير: اقرأ باسم ربك، كقوله: [البسيط]
5254 - ... ... ... ... ... ... ... ... ... . ... سُودُ المَحاجرِ لا يَقْرأنَ بالسُّورِ
قيل: الاسم فضلة أي اذكر ربك، قالهما أبو عبيدة.
الثالث: أن الباء للاستعانة، والمفعول محذوف، تقديره: اقرأ ما يوحى إليك مستعيناً باسم ربِّك.
الرابع: أنها بمعنى «عَلَى» ، أي: اقرأ على اسم ربِّك، كما في قوله تعالى: ﴿وَقَالَ اركبوا فِيهَا بِسْمِ الله﴾ [هود: 41] ، قاله الأخفش.
[وقد تقدم في أول الكتاب كيف هذا الفعل على الجار والمجرور، وقدر متأخراً في «بسم الله الرحمن الرحيم» وتخريج الناس له، فأغنى عن الإعادة] .
فصل
قال أكثرُ المفسرين: هذه السورة أول ما نزل من القرآنِ، نزل بها جبريل عليه السلام على النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وهو قائم على «حِرَاء» ، فعلمه خمس آياتٍ من هذه السورة.
وقال جابر بن عبد الله: أول ما نزل: ﴿يا أيها المدثر﴾ [المدثر: 1] .
وقال أبو ميسرة الهمذاني: أول ما نزل فاتحة الكتاب.
وقال علي بن أبي طالب كرم الله وجهه: أول ما نزل من القرآن: ﴿قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾ [الأنعام: 151] .
قال القرطبيُّ: «الصحيح الأول» .
قالت عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها -: أول ما بدئ به صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ الرؤيا الصادقة، فجاءه الملك، فقال: ﴿اقرأ باسم رَبِّكَ الذي خَلَقَ﴾ ، خرجه البخاري.
وروت عائشةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - أنها أول سورة نزلت على رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ثم بعدها «ن، والقلم» ثم بعدها ﴿يا أيها المدثر﴾ [المدثر: 1] ، ثم بعدها «والضُّحَى» ، ذكره الماوردي.
ومعنى قوله: «اقْرَأ» أي: ما أنزل عليك من القرآن مفتتحاً باسم ربك وهو أن تذكر التسمية في ابتداء كلِّ سورةٍ، أو اقرأ على اسم ربِّك، على ما تقدم من الإعراب.
قوله: ﴿الذي خَلَقَ خَلَقَ الإنسان﴾ ، يجوز أن يكون «خَلَقَ» الثاني تفسيراً ل «خَلَقَ» الأول، يعني أبهمه أولاً، ثم فسره ثانياً ب «خَلَقَ الإنْسَانَ» تفخيماً لخلق الإنسانِ، ويجوز أن يكون حذف المفعول من الأول، تقديره: خلق كلَّ شيء؛ لأنه مطلق، فيتناول كُلَّ مخلوقٍ، وقوله: ﴿خَلَقَ الإنسان﴾ تخصيص له بالذكر من بين ما يتناوله الخلق، لأنه المنزَّل إليه، ويجوز أن يكون تأكيداً لفظياً، فيكون قد أكد الصفة وحدها، كقولك: الذي قام قام زيد.
والمرادُ بالإنسانِ: الجنس، ولذلك قال تعالى: ﴿مِنْ عَلَقٍ﴾ جمع علقةٍ، لأن كل واحدٍ مخلوق من علقة، كما في الآية الأخرى، والعلقة: الدَّمُ الجامدُ، وإذا جرى فهو المسفوح، وذكر «العَلَق» بلفظ الجمعِ، لأنه أراد بالإنسانِ الجمع، وكلهم خلقُوا مِنْ علقٍ بعد النُّطفَةِ. والعلقة: قطعة من دم رطبٍ، سميت بذلك؛ لأنها تعلق بما تمر عليه لرطوبتها، فإذا جفت لم تكن علقة.
فصل
قال ابن الخطيب: فإن قيل: فما وجه التسمية في المباح كالأكل؟ .
فالجوابُ: أنه يضيف ذاك إلى الله تعالى ليدفع ببركة اسمه الأذى، والضرر، أو ليدفع شركة الشيطان، ولأنه ربما استعان بذلك المباح على الطاعة، فيصير طاعة، وقال هنا: باسم ربِّك، وفي التسمية المعروفة: بسم الله الرحمن الرحيم، لأن الربَّ من صفات الفعل، وهي تستوجب العبادة بخلاف صفة الذات فأفاد الربُّ هنا معنيين:
أحدهما: أني ربيتك فلزمك الفعل، فلا تتكاسل.
والثاني: أن الشروع ملزم للإتمام، وقد ربيتك منذ كنت علقة إلى الآن، فلم أضيعك، وقال هنا: «ربك» ، وقال في موضع آخر: ﴿سُبْحَانَ الذي أسرى بِعَبْدِهِ﴾ [الإسراء: 1] كأنه يقول سبحانه: هو لي وأنا له، كقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «عليٌّ منِّي وأنَّا مِنْهُ» ، لأن النعم واصلة منّي إليك، ولم يصل إليَّ منك خدمة فأقول: أنا لك، ثم لما أتى بالعبادات وفعل الطاعات، قال: ﴿سُبْحَانَ الذي أسرى بِعَبْدِهِ﴾ [الإسراء: 1] .
فقوله: ﴿الذي خَلَقَ﴾ كالدليل على الربوبية، كأنه تعالى يقول: الدليل على أني ربُّك، أنك ما كنت معه بذاتك وصفاتك، فخلقتك وربيتك، ويحتمل أن يكون المعنى أنه حصل منه الخلق.
قوله: ﴿اقرأ وَرَبُّكَ الأكرم﴾ ، فقوله تعالى: ﴿اقرأ﴾ تأكيد، وتم الكلام، ثم استأنف فقال: ﴿وَرَبُّكَ الأكرم﴾ ، أي: الكريم.
وقال الكلبيُّ: يعني الحليم عن جهل العباد، فلم يعجل بعقوبتهم، [وقيل: اقرأ أولاً لنفسك، والثاني للتبليغ، والأول للتعميم من جبريل عليه السلام، والثاني للتعليم واقرأ في صلاتك.
وقيل: اقرأ وربك، أي: اقرأ يا محمد وربك يغنيك ويفهمك، وإن كنت غير قارئ] . [والأول أشبه بالمعنى، لأنه لما ذكر ما تقدم من نعمة، دلَّ على كرمه] .
قوله: ﴿الذى عَلَّمَ بالقلم﴾ ، يعني: الخط والكتابة، أي: علم الإنسانَ الخط بالقلم.
قال قتادة: العلم نعمة من الله عظيمة، ولولا ذلك لم يقُم دين، ولم يصلح عيش، فدل على كمال كرمه تعالى، بأنه علم عباده ما لم يعلموا، ونقلهم من ظلمة الجهل إلى نور العلم، ونبَّه على فضل الكتابة لما فيه من المنافع العظيمة التي لا يحيط بها إلا هو، وما دونت العلوم، ولا قيدت الحكم، ولا ضبطت أخبار الأولين، ولا كتب الله المنزلة إلا بالكتابة.
وسمي القلم، لأنه يقلم ومنه تقليم الظفر، ولولا هي ما استقامت أمور الدينِ والدنيا.
وروى عبد الله بن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما - قال: «قلت: يا رسول الله أكتب ما أسمع منك من الحديث؟ قال:» نَعَمْ، فاكتُبْ، فإنَّ الله علَّمَ بالقَلمِ «» .
ويروى أن سليمان عليه السلام سأل عفريتاً عن الكلام فقال: ريح لا يبقى. قال: فما قيده؟ قال: الكتابة.
وروى مجاهد عن ابن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - قال: خلق الله تعالى أربعة أشياء بيده، ثم قال تعالى لسائر الحيوان: كن فكان: القلم، والعرش، وجنة عدن، وآدم عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ.
من علمه بالقلم؟ ثلاثة أقوال:
أحدها: قال كعب الأحبار: أول من كتب بالقلم آدم عليه السلام.
وثانيها: قول الضحاك: أول ما كتب إدريس عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ.
والثالث: أنه جميع من كتب بالقلم، لأنه ما علم إلاَّ بتعليم الله تعالى.
قال القرطبي: الأقلام ثلاثة في الأصل.
الأول: الذي خلقه الله تعالى بيده، وأمره أن يكتب.
والقلم الثاني: قلم الملائكة الذي يكتبون به المقادير، والكوائن والأعمال.
والقلم الثالث: أقلامُ النَّاسِ، جعلها الله بأيديهم يكتبون بها كلامهم، ويصلون بها مآربهم.
وروى عبد الله بن مسعود - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «لا تُسْكنُوا نِسَاءُكُم الغُرَفَ ولا تُعَلمُوهُنَّ الكِتابَة» .
قال بعض العلماء: وإنَّما حذَّرهم النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ لأن في إسكانهم الغرف تطلُّعاً على الرجال، وليس في ذلك تحصُّن لهن ولا تستُّر، وذلك لأنهن لا يملكن أنفسهن، حتى يشرفن على الرجال، فتحدث الفتنة والبلاء، فحذرهم ان يجعلوا لهن غرفاً ذريعة إلى الفتنة. وهو كما قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «لَيْسَ للنِّساءِ خَيْرٌ لَهُنَّ من ألاّ يَرَاهُنَّ الرِّجَالُ، ولا يَرَوْنَ الرِّجالَ» .
وذلك أنها خلقت من الرجل فنهمتها في الرجل، والرجل خلقت فيه الشَّهوة، وجعلت سكناً له، فكل واحد منهما غير مأمونٍ على صاحبه، وكذلك تعليم الكتابة، ربما كانت سبباً في الفتنة، لأنها إذا علمت الكتابة كتبت إلى من تهوى؛ فالكتابة عين من العيون بهما يبصر الشاهد الغائب، والخط آثار يده، وفيه تعبير عن الضمير بما لا ينطق به اللسانُ، فهي أبلغ من اللسان، فأحبَّ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أن يقطع عنهن أسباب الفتنة تحصيناً لهنَّ، وطهارة لقلوبهن.
قوله تعالى: ﴿عَلَّمَ الإنسان مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ .
قيل: الإنسان هنا آدم - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - علمه أسماء كل شيءٍ، وقال تعالى: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الأسمآء كُلَّهَا﴾ [البقرة: 31] .
وقيل: الإنسان - هنا - محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ لقوله تعالى: ﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ﴾ [النساء: 113] .
وقيل: عام، لقوله تعالى: ﴿والله أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئاً﴾ [النحل: 78] ، لأنه تعالى بين أنه خلقه من نطفة، وأنعم عليه بالنعم المذكورة، ثم ذكر أنه إذا زاد عليه في النعمة فإنه يطغى، ويتجاوز الحد في المعاصي، واتباع هوى النفس، وذلك وعيد وزجر عن هذه الطريقة.
العلق 96:2
مكية، وهي أول ما نزل من القرآن في قول أبي موسى وعائشة رضي الله عنها. وقيل: أول ما نزل الفاتحة، ثم سورة العلق، وهي عشرون آية، واثنتان وسبعون كلمة، ومائتان وسبعون حرفا. بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى: ﴿اقرأ﴾ ، العامة، على سكون الهمزة، أمر من القراءة، وقرأ عاصم في رواية الأعشى: براء مفتوحة، وكأنه قلب تلك الهمزة ألفاً، كقولهم: قرأ، يقرأ، نحو: سعى، يسعى، فلما أمر منه، قيل: «اقر» بحذف الألف قياساً على حذفها من «اسع» .
وهذا على حد قول زهير: [الطويل]
5253 - ... ... ... ... ... ... ... ... ... ..... وإلاَّ يُبْدَ بالظُّلْمِ يَظْلِمِ
وقد تقدم تحرير هذا.
قوله: ﴿باسم رَبِّكَ﴾ ، يجوز فيه أوجه:
أحدها: ان تكون الباء للحال، أي: اقرأ مفتتحاً باسم ربِّك قل: بسم الله الرحمن الرحيم ثم اقرأ، قاله الزمخشريُّ.
الثاني: أن الباء مزيدة، والتقدير: اقرأ باسم ربك، كقوله: [البسيط]
5254 - ... ... ... ... ... ... ... ... ... . ... سُودُ المَحاجرِ لا يَقْرأنَ بالسُّورِ
قيل: الاسم فضلة أي اذكر ربك، قالهما أبو عبيدة.
الثالث: أن الباء للاستعانة، والمفعول محذوف، تقديره: اقرأ ما يوحى إليك مستعيناً باسم ربِّك.
الرابع: أنها بمعنى «عَلَى» ، أي: اقرأ على اسم ربِّك، كما في قوله تعالى: ﴿وَقَالَ اركبوا فِيهَا بِسْمِ الله﴾ [هود: 41] ، قاله الأخفش.
[وقد تقدم في أول الكتاب كيف هذا الفعل على الجار والمجرور، وقدر متأخراً في «بسم الله الرحمن الرحيم» وتخريج الناس له، فأغنى عن الإعادة] .
فصل
قال أكثرُ المفسرين: هذه السورة أول ما نزل من القرآنِ، نزل بها جبريل عليه السلام على النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وهو قائم على «حِرَاء» ، فعلمه خمس آياتٍ من هذه السورة.
وقال جابر بن عبد الله: أول ما نزل: ﴿يا أيها المدثر﴾ [المدثر: 1] .
وقال أبو ميسرة الهمذاني: أول ما نزل فاتحة الكتاب.
وقال علي بن أبي طالب كرم الله وجهه: أول ما نزل من القرآن: ﴿قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾ [الأنعام: 151] .
قال القرطبيُّ: «الصحيح الأول» .
قالت عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها -: أول ما بدئ به صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ الرؤيا الصادقة، فجاءه الملك، فقال: ﴿اقرأ باسم رَبِّكَ الذي خَلَقَ﴾ ، خرجه البخاري.
وروت عائشةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - أنها أول سورة نزلت على رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ثم بعدها «ن، والقلم» ثم بعدها ﴿يا أيها المدثر﴾ [المدثر: 1] ، ثم بعدها «والضُّحَى» ، ذكره الماوردي.
ومعنى قوله: «اقْرَأ» أي: ما أنزل عليك من القرآن مفتتحاً باسم ربك وهو أن تذكر التسمية في ابتداء كلِّ سورةٍ، أو اقرأ على اسم ربِّك، على ما تقدم من الإعراب.
قوله: ﴿الذي خَلَقَ خَلَقَ الإنسان﴾ ، يجوز أن يكون «خَلَقَ» الثاني تفسيراً ل «خَلَقَ» الأول، يعني أبهمه أولاً، ثم فسره ثانياً ب «خَلَقَ الإنْسَانَ» تفخيماً لخلق الإنسانِ، ويجوز أن يكون حذف المفعول من الأول، تقديره: خلق كلَّ شيء؛ لأنه مطلق، فيتناول كُلَّ مخلوقٍ، وقوله: ﴿خَلَقَ الإنسان﴾ تخصيص له بالذكر من بين ما يتناوله الخلق، لأنه المنزَّل إليه، ويجوز أن يكون تأكيداً لفظياً، فيكون قد أكد الصفة وحدها، كقولك: الذي قام قام زيد.
والمرادُ بالإنسانِ: الجنس، ولذلك قال تعالى: ﴿مِنْ عَلَقٍ﴾ جمع علقةٍ، لأن كل واحدٍ مخلوق من علقة، كما في الآية الأخرى، والعلقة: الدَّمُ الجامدُ، وإذا جرى فهو المسفوح، وذكر «العَلَق» بلفظ الجمعِ، لأنه أراد بالإنسانِ الجمع، وكلهم خلقُوا مِنْ علقٍ بعد النُّطفَةِ. والعلقة: قطعة من دم رطبٍ، سميت بذلك؛ لأنها تعلق بما تمر عليه لرطوبتها، فإذا جفت لم تكن علقة.
فصل
قال ابن الخطيب: فإن قيل: فما وجه التسمية في المباح كالأكل؟ .
فالجوابُ: أنه يضيف ذاك إلى الله تعالى ليدفع ببركة اسمه الأذى، والضرر، أو ليدفع شركة الشيطان، ولأنه ربما استعان بذلك المباح على الطاعة، فيصير طاعة، وقال هنا: باسم ربِّك، وفي التسمية المعروفة: بسم الله الرحمن الرحيم، لأن الربَّ من صفات الفعل، وهي تستوجب العبادة بخلاف صفة الذات فأفاد الربُّ هنا معنيين:
أحدهما: أني ربيتك فلزمك الفعل، فلا تتكاسل.
والثاني: أن الشروع ملزم للإتمام، وقد ربيتك منذ كنت علقة إلى الآن، فلم أضيعك، وقال هنا: «ربك» ، وقال في موضع آخر: ﴿سُبْحَانَ الذي أسرى بِعَبْدِهِ﴾ [الإسراء: 1] كأنه يقول سبحانه: هو لي وأنا له، كقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «عليٌّ منِّي وأنَّا مِنْهُ» ، لأن النعم واصلة منّي إليك، ولم يصل إليَّ منك خدمة فأقول: أنا لك، ثم لما أتى بالعبادات وفعل الطاعات، قال: ﴿سُبْحَانَ الذي أسرى بِعَبْدِهِ﴾ [الإسراء: 1] .
فقوله: ﴿الذي خَلَقَ﴾ كالدليل على الربوبية، كأنه تعالى يقول: الدليل على أني ربُّك، أنك ما كنت معه بذاتك وصفاتك، فخلقتك وربيتك، ويحتمل أن يكون المعنى أنه حصل منه الخلق.
قوله: ﴿اقرأ وَرَبُّكَ الأكرم﴾ ، فقوله تعالى: ﴿اقرأ﴾ تأكيد، وتم الكلام، ثم استأنف فقال: ﴿وَرَبُّكَ الأكرم﴾ ، أي: الكريم.
وقال الكلبيُّ: يعني الحليم عن جهل العباد، فلم يعجل بعقوبتهم، [وقيل: اقرأ أولاً لنفسك، والثاني للتبليغ، والأول للتعميم من جبريل عليه السلام، والثاني للتعليم واقرأ في صلاتك.
وقيل: اقرأ وربك، أي: اقرأ يا محمد وربك يغنيك ويفهمك، وإن كنت غير قارئ] . [والأول أشبه بالمعنى، لأنه لما ذكر ما تقدم من نعمة، دلَّ على كرمه] .
قوله: ﴿الذى عَلَّمَ بالقلم﴾ ، يعني: الخط والكتابة، أي: علم الإنسانَ الخط بالقلم.
قال قتادة: العلم نعمة من الله عظيمة، ولولا ذلك لم يقُم دين، ولم يصلح عيش، فدل على كمال كرمه تعالى، بأنه علم عباده ما لم يعلموا، ونقلهم من ظلمة الجهل إلى نور العلم، ونبَّه على فضل الكتابة لما فيه من المنافع العظيمة التي لا يحيط بها إلا هو، وما دونت العلوم، ولا قيدت الحكم، ولا ضبطت أخبار الأولين، ولا كتب الله المنزلة إلا بالكتابة.
وسمي القلم، لأنه يقلم ومنه تقليم الظفر، ولولا هي ما استقامت أمور الدينِ والدنيا.
وروى عبد الله بن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما - قال: «قلت: يا رسول الله أكتب ما أسمع منك من الحديث؟ قال:» نَعَمْ، فاكتُبْ، فإنَّ الله علَّمَ بالقَلمِ «» .
ويروى أن سليمان عليه السلام سأل عفريتاً عن الكلام فقال: ريح لا يبقى. قال: فما قيده؟ قال: الكتابة.
وروى مجاهد عن ابن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - قال: خلق الله تعالى أربعة أشياء بيده، ثم قال تعالى لسائر الحيوان: كن فكان: القلم، والعرش، وجنة عدن، وآدم عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ.
من علمه بالقلم؟ ثلاثة أقوال:
أحدها: قال كعب الأحبار: أول من كتب بالقلم آدم عليه السلام.
وثانيها: قول الضحاك: أول ما كتب إدريس عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ.
والثالث: أنه جميع من كتب بالقلم، لأنه ما علم إلاَّ بتعليم الله تعالى.
قال القرطبي: الأقلام ثلاثة في الأصل.
الأول: الذي خلقه الله تعالى بيده، وأمره أن يكتب.
والقلم الثاني: قلم الملائكة الذي يكتبون به المقادير، والكوائن والأعمال.
والقلم الثالث: أقلامُ النَّاسِ، جعلها الله بأيديهم يكتبون بها كلامهم، ويصلون بها مآربهم.
وروى عبد الله بن مسعود - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «لا تُسْكنُوا نِسَاءُكُم الغُرَفَ ولا تُعَلمُوهُنَّ الكِتابَة» .
قال بعض العلماء: وإنَّما حذَّرهم النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ لأن في إسكانهم الغرف تطلُّعاً على الرجال، وليس في ذلك تحصُّن لهن ولا تستُّر، وذلك لأنهن لا يملكن أنفسهن، حتى يشرفن على الرجال، فتحدث الفتنة والبلاء، فحذرهم ان يجعلوا لهن غرفاً ذريعة إلى الفتنة. وهو كما قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «لَيْسَ للنِّساءِ خَيْرٌ لَهُنَّ من ألاّ يَرَاهُنَّ الرِّجَالُ، ولا يَرَوْنَ الرِّجالَ» .
وذلك أنها خلقت من الرجل فنهمتها في الرجل، والرجل خلقت فيه الشَّهوة، وجعلت سكناً له، فكل واحد منهما غير مأمونٍ على صاحبه، وكذلك تعليم الكتابة، ربما كانت سبباً في الفتنة، لأنها إذا علمت الكتابة كتبت إلى من تهوى؛ فالكتابة عين من العيون بهما يبصر الشاهد الغائب، والخط آثار يده، وفيه تعبير عن الضمير بما لا ينطق به اللسانُ، فهي أبلغ من اللسان، فأحبَّ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أن يقطع عنهن أسباب الفتنة تحصيناً لهنَّ، وطهارة لقلوبهن.
قوله تعالى: ﴿عَلَّمَ الإنسان مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ .
قيل: الإنسان هنا آدم - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - علمه أسماء كل شيءٍ، وقال تعالى: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الأسمآء كُلَّهَا﴾ [البقرة: 31] .
وقيل: الإنسان - هنا - محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ لقوله تعالى: ﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ﴾ [النساء: 113] .
وقيل: عام، لقوله تعالى: ﴿والله أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئاً﴾ [النحل: 78] ، لأنه تعالى بين أنه خلقه من نطفة، وأنعم عليه بالنعم المذكورة، ثم ذكر أنه إذا زاد عليه في النعمة فإنه يطغى، ويتجاوز الحد في المعاصي، واتباع هوى النفس، وذلك وعيد وزجر عن هذه الطريقة.
العلق 96:3
مكية، وهي أول ما نزل من القرآن في قول أبي موسى وعائشة رضي الله عنها. وقيل: أول ما نزل الفاتحة، ثم سورة العلق، وهي عشرون آية، واثنتان وسبعون كلمة، ومائتان وسبعون حرفا. بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى: ﴿اقرأ﴾ ، العامة، على سكون الهمزة، أمر من القراءة، وقرأ عاصم في رواية الأعشى: براء مفتوحة، وكأنه قلب تلك الهمزة ألفاً، كقولهم: قرأ، يقرأ، نحو: سعى، يسعى، فلما أمر منه، قيل: «اقر» بحذف الألف قياساً على حذفها من «اسع» .
وهذا على حد قول زهير: [الطويل]
5253 - ... ... ... ... ... ... ... ... ... ..... وإلاَّ يُبْدَ بالظُّلْمِ يَظْلِمِ
وقد تقدم تحرير هذا.
قوله: ﴿باسم رَبِّكَ﴾ ، يجوز فيه أوجه:
أحدها: ان تكون الباء للحال، أي: اقرأ مفتتحاً باسم ربِّك قل: بسم الله الرحمن الرحيم ثم اقرأ، قاله الزمخشريُّ.
الثاني: أن الباء مزيدة، والتقدير: اقرأ باسم ربك، كقوله: [البسيط]
5254 - ... ... ... ... ... ... ... ... ... . ... سُودُ المَحاجرِ لا يَقْرأنَ بالسُّورِ
قيل: الاسم فضلة أي اذكر ربك، قالهما أبو عبيدة.
الثالث: أن الباء للاستعانة، والمفعول محذوف، تقديره: اقرأ ما يوحى إليك مستعيناً باسم ربِّك.
الرابع: أنها بمعنى «عَلَى» ، أي: اقرأ على اسم ربِّك، كما في قوله تعالى: ﴿وَقَالَ اركبوا فِيهَا بِسْمِ الله﴾ [هود: 41] ، قاله الأخفش.
[وقد تقدم في أول الكتاب كيف هذا الفعل على الجار والمجرور، وقدر متأخراً في «بسم الله الرحمن الرحيم» وتخريج الناس له، فأغنى عن الإعادة] .
فصل
قال أكثرُ المفسرين: هذه السورة أول ما نزل من القرآنِ، نزل بها جبريل عليه السلام على النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وهو قائم على «حِرَاء» ، فعلمه خمس آياتٍ من هذه السورة.
وقال جابر بن عبد الله: أول ما نزل: ﴿يا أيها المدثر﴾ [المدثر: 1] .
وقال أبو ميسرة الهمذاني: أول ما نزل فاتحة الكتاب.
وقال علي بن أبي طالب كرم الله وجهه: أول ما نزل من القرآن: ﴿قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾ [الأنعام: 151] .
قال القرطبيُّ: «الصحيح الأول» .
قالت عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها -: أول ما بدئ به صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ الرؤيا الصادقة، فجاءه الملك، فقال: ﴿اقرأ باسم رَبِّكَ الذي خَلَقَ﴾ ، خرجه البخاري.
وروت عائشةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - أنها أول سورة نزلت على رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ثم بعدها «ن، والقلم» ثم بعدها ﴿يا أيها المدثر﴾ [المدثر: 1] ، ثم بعدها «والضُّحَى» ، ذكره الماوردي.
ومعنى قوله: «اقْرَأ» أي: ما أنزل عليك من القرآن مفتتحاً باسم ربك وهو أن تذكر التسمية في ابتداء كلِّ سورةٍ، أو اقرأ على اسم ربِّك، على ما تقدم من الإعراب.
قوله: ﴿الذي خَلَقَ خَلَقَ الإنسان﴾ ، يجوز أن يكون «خَلَقَ» الثاني تفسيراً ل «خَلَقَ» الأول، يعني أبهمه أولاً، ثم فسره ثانياً ب «خَلَقَ الإنْسَانَ» تفخيماً لخلق الإنسانِ، ويجوز أن يكون حذف المفعول من الأول، تقديره: خلق كلَّ شيء؛ لأنه مطلق، فيتناول كُلَّ مخلوقٍ، وقوله: ﴿خَلَقَ الإنسان﴾ تخصيص له بالذكر من بين ما يتناوله الخلق، لأنه المنزَّل إليه، ويجوز أن يكون تأكيداً لفظياً، فيكون قد أكد الصفة وحدها، كقولك: الذي قام قام زيد.
والمرادُ بالإنسانِ: الجنس، ولذلك قال تعالى: ﴿مِنْ عَلَقٍ﴾ جمع علقةٍ، لأن كل واحدٍ مخلوق من علقة، كما في الآية الأخرى، والعلقة: الدَّمُ الجامدُ، وإذا جرى فهو المسفوح، وذكر «العَلَق» بلفظ الجمعِ، لأنه أراد بالإنسانِ الجمع، وكلهم خلقُوا مِنْ علقٍ بعد النُّطفَةِ. والعلقة: قطعة من دم رطبٍ، سميت بذلك؛ لأنها تعلق بما تمر عليه لرطوبتها، فإذا جفت لم تكن علقة.
فصل
قال ابن الخطيب: فإن قيل: فما وجه التسمية في المباح كالأكل؟ .
فالجوابُ: أنه يضيف ذاك إلى الله تعالى ليدفع ببركة اسمه الأذى، والضرر، أو ليدفع شركة الشيطان، ولأنه ربما استعان بذلك المباح على الطاعة، فيصير طاعة، وقال هنا: باسم ربِّك، وفي التسمية المعروفة: بسم الله الرحمن الرحيم، لأن الربَّ من صفات الفعل، وهي تستوجب العبادة بخلاف صفة الذات فأفاد الربُّ هنا معنيين:
أحدهما: أني ربيتك فلزمك الفعل، فلا تتكاسل.
والثاني: أن الشروع ملزم للإتمام، وقد ربيتك منذ كنت علقة إلى الآن، فلم أضيعك، وقال هنا: «ربك» ، وقال في موضع آخر: ﴿سُبْحَانَ الذي أسرى بِعَبْدِهِ﴾ [الإسراء: 1] كأنه يقول سبحانه: هو لي وأنا له، كقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «عليٌّ منِّي وأنَّا مِنْهُ» ، لأن النعم واصلة منّي إليك، ولم يصل إليَّ منك خدمة فأقول: أنا لك، ثم لما أتى بالعبادات وفعل الطاعات، قال: ﴿سُبْحَانَ الذي أسرى بِعَبْدِهِ﴾ [الإسراء: 1] .
فقوله: ﴿الذي خَلَقَ﴾ كالدليل على الربوبية، كأنه تعالى يقول: الدليل على أني ربُّك، أنك ما كنت معه بذاتك وصفاتك، فخلقتك وربيتك، ويحتمل أن يكون المعنى أنه حصل منه الخلق.
قوله: ﴿اقرأ وَرَبُّكَ الأكرم﴾ ، فقوله تعالى: ﴿اقرأ﴾ تأكيد، وتم الكلام، ثم استأنف فقال: ﴿وَرَبُّكَ الأكرم﴾ ، أي: الكريم.
وقال الكلبيُّ: يعني الحليم عن جهل العباد، فلم يعجل بعقوبتهم، [وقيل: اقرأ أولاً لنفسك، والثاني للتبليغ، والأول للتعميم من جبريل عليه السلام، والثاني للتعليم واقرأ في صلاتك.
وقيل: اقرأ وربك، أي: اقرأ يا محمد وربك يغنيك ويفهمك، وإن كنت غير قارئ] . [والأول أشبه بالمعنى، لأنه لما ذكر ما تقدم من نعمة، دلَّ على كرمه] .
قوله: ﴿الذى عَلَّمَ بالقلم﴾ ، يعني: الخط والكتابة، أي: علم الإنسانَ الخط بالقلم.
قال قتادة: العلم نعمة من الله عظيمة، ولولا ذلك لم يقُم دين، ولم يصلح عيش، فدل على كمال كرمه تعالى، بأنه علم عباده ما لم يعلموا، ونقلهم من ظلمة الجهل إلى نور العلم، ونبَّه على فضل الكتابة لما فيه من المنافع العظيمة التي لا يحيط بها إلا هو، وما دونت العلوم، ولا قيدت الحكم، ولا ضبطت أخبار الأولين، ولا كتب الله المنزلة إلا بالكتابة.
وسمي القلم، لأنه يقلم ومنه تقليم الظفر، ولولا هي ما استقامت أمور الدينِ والدنيا.
وروى عبد الله بن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما - قال: «قلت: يا رسول الله أكتب ما أسمع منك من الحديث؟ قال:» نَعَمْ، فاكتُبْ، فإنَّ الله علَّمَ بالقَلمِ «» .
ويروى أن سليمان عليه السلام سأل عفريتاً عن الكلام فقال: ريح لا يبقى. قال: فما قيده؟ قال: الكتابة.
وروى مجاهد عن ابن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - قال: خلق الله تعالى أربعة أشياء بيده، ثم قال تعالى لسائر الحيوان: كن فكان: القلم، والعرش، وجنة عدن، وآدم عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ.
من علمه بالقلم؟ ثلاثة أقوال:
أحدها: قال كعب الأحبار: أول من كتب بالقلم آدم عليه السلام.
وثانيها: قول الضحاك: أول ما كتب إدريس عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ.
والثالث: أنه جميع من كتب بالقلم، لأنه ما علم إلاَّ بتعليم الله تعالى.
قال القرطبي: الأقلام ثلاثة في الأصل.
الأول: الذي خلقه الله تعالى بيده، وأمره أن يكتب.
والقلم الثاني: قلم الملائكة الذي يكتبون به المقادير، والكوائن والأعمال.
والقلم الثالث: أقلامُ النَّاسِ، جعلها الله بأيديهم يكتبون بها كلامهم، ويصلون بها مآربهم.
وروى عبد الله بن مسعود - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «لا تُسْكنُوا نِسَاءُكُم الغُرَفَ ولا تُعَلمُوهُنَّ الكِتابَة» .
قال بعض العلماء: وإنَّما حذَّرهم النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ لأن في إسكانهم الغرف تطلُّعاً على الرجال، وليس في ذلك تحصُّن لهن ولا تستُّر، وذلك لأنهن لا يملكن أنفسهن، حتى يشرفن على الرجال، فتحدث الفتنة والبلاء، فحذرهم ان يجعلوا لهن غرفاً ذريعة إلى الفتنة. وهو كما قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «لَيْسَ للنِّساءِ خَيْرٌ لَهُنَّ من ألاّ يَرَاهُنَّ الرِّجَالُ، ولا يَرَوْنَ الرِّجالَ» .
وذلك أنها خلقت من الرجل فنهمتها في الرجل، والرجل خلقت فيه الشَّهوة، وجعلت سكناً له، فكل واحد منهما غير مأمونٍ على صاحبه، وكذلك تعليم الكتابة، ربما كانت سبباً في الفتنة، لأنها إذا علمت الكتابة كتبت إلى من تهوى؛ فالكتابة عين من العيون بهما يبصر الشاهد الغائب، والخط آثار يده، وفيه تعبير عن الضمير بما لا ينطق به اللسانُ، فهي أبلغ من اللسان، فأحبَّ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أن يقطع عنهن أسباب الفتنة تحصيناً لهنَّ، وطهارة لقلوبهن.
قوله تعالى: ﴿عَلَّمَ الإنسان مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ .
قيل: الإنسان هنا آدم - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - علمه أسماء كل شيءٍ، وقال تعالى: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الأسمآء كُلَّهَا﴾ [البقرة: 31] .
وقيل: الإنسان - هنا - محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ لقوله تعالى: ﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ﴾ [النساء: 113] .
وقيل: عام، لقوله تعالى: ﴿والله أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئاً﴾ [النحل: 78] ، لأنه تعالى بين أنه خلقه من نطفة، وأنعم عليه بالنعم المذكورة، ثم ذكر أنه إذا زاد عليه في النعمة فإنه يطغى، ويتجاوز الحد في المعاصي، واتباع هوى النفس، وذلك وعيد وزجر عن هذه الطريقة.
العلق 96:4
مكية، وهي أول ما نزل من القرآن في قول أبي موسى وعائشة رضي الله عنها. وقيل: أول ما نزل الفاتحة، ثم سورة العلق، وهي عشرون آية، واثنتان وسبعون كلمة، ومائتان وسبعون حرفا. بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى: ﴿اقرأ﴾ ، العامة، على سكون الهمزة، أمر من القراءة، وقرأ عاصم في رواية الأعشى: براء مفتوحة، وكأنه قلب تلك الهمزة ألفاً، كقولهم: قرأ، يقرأ، نحو: سعى، يسعى، فلما أمر منه، قيل: «اقر» بحذف الألف قياساً على حذفها من «اسع» .
وهذا على حد قول زهير: [الطويل]
5253 - ... ... ... ... ... ... ... ... ... ..... وإلاَّ يُبْدَ بالظُّلْمِ يَظْلِمِ
وقد تقدم تحرير هذا.
قوله: ﴿باسم رَبِّكَ﴾ ، يجوز فيه أوجه:
أحدها: ان تكون الباء للحال، أي: اقرأ مفتتحاً باسم ربِّك قل: بسم الله الرحمن الرحيم ثم اقرأ، قاله الزمخشريُّ.
الثاني: أن الباء مزيدة، والتقدير: اقرأ باسم ربك، كقوله: [البسيط]
5254 - ... ... ... ... ... ... ... ... ... . ... سُودُ المَحاجرِ لا يَقْرأنَ بالسُّورِ
قيل: الاسم فضلة أي اذكر ربك، قالهما أبو عبيدة.
الثالث: أن الباء للاستعانة، والمفعول محذوف، تقديره: اقرأ ما يوحى إليك مستعيناً باسم ربِّك.
الرابع: أنها بمعنى «عَلَى» ، أي: اقرأ على اسم ربِّك، كما في قوله تعالى: ﴿وَقَالَ اركبوا فِيهَا بِسْمِ الله﴾ [هود: 41] ، قاله الأخفش.
[وقد تقدم في أول الكتاب كيف هذا الفعل على الجار والمجرور، وقدر متأخراً في «بسم الله الرحمن الرحيم» وتخريج الناس له، فأغنى عن الإعادة] .
فصل
قال أكثرُ المفسرين: هذه السورة أول ما نزل من القرآنِ، نزل بها جبريل عليه السلام على النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وهو قائم على «حِرَاء» ، فعلمه خمس آياتٍ من هذه السورة.
وقال جابر بن عبد الله: أول ما نزل: ﴿يا أيها المدثر﴾ [المدثر: 1] .
وقال أبو ميسرة الهمذاني: أول ما نزل فاتحة الكتاب.
وقال علي بن أبي طالب كرم الله وجهه: أول ما نزل من القرآن: ﴿قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾ [الأنعام: 151] .
قال القرطبيُّ: «الصحيح الأول» .
قالت عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها -: أول ما بدئ به صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ الرؤيا الصادقة، فجاءه الملك، فقال: ﴿اقرأ باسم رَبِّكَ الذي خَلَقَ﴾ ، خرجه البخاري.
وروت عائشةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - أنها أول سورة نزلت على رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ثم بعدها «ن، والقلم» ثم بعدها ﴿يا أيها المدثر﴾ [المدثر: 1] ، ثم بعدها «والضُّحَى» ، ذكره الماوردي.
ومعنى قوله: «اقْرَأ» أي: ما أنزل عليك من القرآن مفتتحاً باسم ربك وهو أن تذكر التسمية في ابتداء كلِّ سورةٍ، أو اقرأ على اسم ربِّك، على ما تقدم من الإعراب.
قوله: ﴿الذي خَلَقَ خَلَقَ الإنسان﴾ ، يجوز أن يكون «خَلَقَ» الثاني تفسيراً ل «خَلَقَ» الأول، يعني أبهمه أولاً، ثم فسره ثانياً ب «خَلَقَ الإنْسَانَ» تفخيماً لخلق الإنسانِ، ويجوز أن يكون حذف المفعول من الأول، تقديره: خلق كلَّ شيء؛ لأنه مطلق، فيتناول كُلَّ مخلوقٍ، وقوله: ﴿خَلَقَ الإنسان﴾ تخصيص له بالذكر من بين ما يتناوله الخلق، لأنه المنزَّل إليه، ويجوز أن يكون تأكيداً لفظياً، فيكون قد أكد الصفة وحدها، كقولك: الذي قام قام زيد.
والمرادُ بالإنسانِ: الجنس، ولذلك قال تعالى: ﴿مِنْ عَلَقٍ﴾ جمع علقةٍ، لأن كل واحدٍ مخلوق من علقة، كما في الآية الأخرى، والعلقة: الدَّمُ الجامدُ، وإذا جرى فهو المسفوح، وذكر «العَلَق» بلفظ الجمعِ، لأنه أراد بالإنسانِ الجمع، وكلهم خلقُوا مِنْ علقٍ بعد النُّطفَةِ. والعلقة: قطعة من دم رطبٍ، سميت بذلك؛ لأنها تعلق بما تمر عليه لرطوبتها، فإذا جفت لم تكن علقة.
فصل
قال ابن الخطيب: فإن قيل: فما وجه التسمية في المباح كالأكل؟ .
فالجوابُ: أنه يضيف ذاك إلى الله تعالى ليدفع ببركة اسمه الأذى، والضرر، أو ليدفع شركة الشيطان، ولأنه ربما استعان بذلك المباح على الطاعة، فيصير طاعة، وقال هنا: باسم ربِّك، وفي التسمية المعروفة: بسم الله الرحمن الرحيم، لأن الربَّ من صفات الفعل، وهي تستوجب العبادة بخلاف صفة الذات فأفاد الربُّ هنا معنيين:
أحدهما: أني ربيتك فلزمك الفعل، فلا تتكاسل.
والثاني: أن الشروع ملزم للإتمام، وقد ربيتك منذ كنت علقة إلى الآن، فلم أضيعك، وقال هنا: «ربك» ، وقال في موضع آخر: ﴿سُبْحَانَ الذي أسرى بِعَبْدِهِ﴾ [الإسراء: 1] كأنه يقول سبحانه: هو لي وأنا له، كقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «عليٌّ منِّي وأنَّا مِنْهُ» ، لأن النعم واصلة منّي إليك، ولم يصل إليَّ منك خدمة فأقول: أنا لك، ثم لما أتى بالعبادات وفعل الطاعات، قال: ﴿سُبْحَانَ الذي أسرى بِعَبْدِهِ﴾ [الإسراء: 1] .
فقوله: ﴿الذي خَلَقَ﴾ كالدليل على الربوبية، كأنه تعالى يقول: الدليل على أني ربُّك، أنك ما كنت معه بذاتك وصفاتك، فخلقتك وربيتك، ويحتمل أن يكون المعنى أنه حصل منه الخلق.
قوله: ﴿اقرأ وَرَبُّكَ الأكرم﴾ ، فقوله تعالى: ﴿اقرأ﴾ تأكيد، وتم الكلام، ثم استأنف فقال: ﴿وَرَبُّكَ الأكرم﴾ ، أي: الكريم.
وقال الكلبيُّ: يعني الحليم عن جهل العباد، فلم يعجل بعقوبتهم، [وقيل: اقرأ أولاً لنفسك، والثاني للتبليغ، والأول للتعميم من جبريل عليه السلام، والثاني للتعليم واقرأ في صلاتك.
وقيل: اقرأ وربك، أي: اقرأ يا محمد وربك يغنيك ويفهمك، وإن كنت غير قارئ] . [والأول أشبه بالمعنى، لأنه لما ذكر ما تقدم من نعمة، دلَّ على كرمه] .
قوله: ﴿الذى عَلَّمَ بالقلم﴾ ، يعني: الخط والكتابة، أي: علم الإنسانَ الخط بالقلم.
قال قتادة: العلم نعمة من الله عظيمة، ولولا ذلك لم يقُم دين، ولم يصلح عيش، فدل على كمال كرمه تعالى، بأنه علم عباده ما لم يعلموا، ونقلهم من ظلمة الجهل إلى نور العلم، ونبَّه على فضل الكتابة لما فيه من المنافع العظيمة التي لا يحيط بها إلا هو، وما دونت العلوم، ولا قيدت الحكم، ولا ضبطت أخبار الأولين، ولا كتب الله المنزلة إلا بالكتابة.
وسمي القلم، لأنه يقلم ومنه تقليم الظفر، ولولا هي ما استقامت أمور الدينِ والدنيا.
وروى عبد الله بن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما - قال: «قلت: يا رسول الله أكتب ما أسمع منك من الحديث؟ قال:» نَعَمْ، فاكتُبْ، فإنَّ الله علَّمَ بالقَلمِ «» .
ويروى أن سليمان عليه السلام سأل عفريتاً عن الكلام فقال: ريح لا يبقى. قال: فما قيده؟ قال: الكتابة.
وروى مجاهد عن ابن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - قال: خلق الله تعالى أربعة أشياء بيده، ثم قال تعالى لسائر الحيوان: كن فكان: القلم، والعرش، وجنة عدن، وآدم عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ.
من علمه بالقلم؟ ثلاثة أقوال:
أحدها: قال كعب الأحبار: أول من كتب بالقلم آدم عليه السلام.
وثانيها: قول الضحاك: أول ما كتب إدريس عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ.
والثالث: أنه جميع من كتب بالقلم، لأنه ما علم إلاَّ بتعليم الله تعالى.
قال القرطبي: الأقلام ثلاثة في الأصل.
الأول: الذي خلقه الله تعالى بيده، وأمره أن يكتب.
والقلم الثاني: قلم الملائكة الذي يكتبون به المقادير، والكوائن والأعمال.
والقلم الثالث: أقلامُ النَّاسِ، جعلها الله بأيديهم يكتبون بها كلامهم، ويصلون بها مآربهم.
وروى عبد الله بن مسعود - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «لا تُسْكنُوا نِسَاءُكُم الغُرَفَ ولا تُعَلمُوهُنَّ الكِتابَة» .
قال بعض العلماء: وإنَّما حذَّرهم النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ لأن في إسكانهم الغرف تطلُّعاً على الرجال، وليس في ذلك تحصُّن لهن ولا تستُّر، وذلك لأنهن لا يملكن أنفسهن، حتى يشرفن على الرجال، فتحدث الفتنة والبلاء، فحذرهم ان يجعلوا لهن غرفاً ذريعة إلى الفتنة. وهو كما قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «لَيْسَ للنِّساءِ خَيْرٌ لَهُنَّ من ألاّ يَرَاهُنَّ الرِّجَالُ، ولا يَرَوْنَ الرِّجالَ» .
وذلك أنها خلقت من الرجل فنهمتها في الرجل، والرجل خلقت فيه الشَّهوة، وجعلت سكناً له، فكل واحد منهما غير مأمونٍ على صاحبه، وكذلك تعليم الكتابة، ربما كانت سبباً في الفتنة، لأنها إذا علمت الكتابة كتبت إلى من تهوى؛ فالكتابة عين من العيون بهما يبصر الشاهد الغائب، والخط آثار يده، وفيه تعبير عن الضمير بما لا ينطق به اللسانُ، فهي أبلغ من اللسان، فأحبَّ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أن يقطع عنهن أسباب الفتنة تحصيناً لهنَّ، وطهارة لقلوبهن.
قوله تعالى: ﴿عَلَّمَ الإنسان مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ .
قيل: الإنسان هنا آدم - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - علمه أسماء كل شيءٍ، وقال تعالى: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الأسمآء كُلَّهَا﴾ [البقرة: 31] .
وقيل: الإنسان - هنا - محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ لقوله تعالى: ﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ﴾ [النساء: 113] .
وقيل: عام، لقوله تعالى: ﴿والله أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئاً﴾ [النحل: 78] ، لأنه تعالى بين أنه خلقه من نطفة، وأنعم عليه بالنعم المذكورة، ثم ذكر أنه إذا زاد عليه في النعمة فإنه يطغى، ويتجاوز الحد في المعاصي، واتباع هوى النفس، وذلك وعيد وزجر عن هذه الطريقة.
العلق 96:5
مكية، وهي أول ما نزل من القرآن في قول أبي موسى وعائشة رضي الله عنها. وقيل: أول ما نزل الفاتحة، ثم سورة العلق، وهي عشرون آية، واثنتان وسبعون كلمة، ومائتان وسبعون حرفا. بسم الله الرحمن الرحيم قوله تعالى: ﴿اقرأ﴾ ، العامة، على سكون الهمزة، أمر من القراءة، وقرأ عاصم في رواية الأعشى: براء مفتوحة، وكأنه قلب تلك الهمزة ألفاً، كقولهم: قرأ، يقرأ، نحو: سعى، يسعى، فلما أمر منه، قيل: «اقر» بحذف الألف قياساً على حذفها من «اسع» .
وهذا على حد قول زهير: [الطويل]
5253 - ... ... ... ... ... ... ... ... ... ..... وإلاَّ يُبْدَ بالظُّلْمِ يَظْلِمِ
وقد تقدم تحرير هذا.
قوله: ﴿باسم رَبِّكَ﴾ ، يجوز فيه أوجه:
أحدها: ان تكون الباء للحال، أي: اقرأ مفتتحاً باسم ربِّك قل: بسم الله الرحمن الرحيم ثم اقرأ، قاله الزمخشريُّ.
الثاني: أن الباء مزيدة، والتقدير: اقرأ باسم ربك، كقوله: [البسيط]
5254 - ... ... ... ... ... ... ... ... ... . ... سُودُ المَحاجرِ لا يَقْرأنَ بالسُّورِ
قيل: الاسم فضلة أي اذكر ربك، قالهما أبو عبيدة.
الثالث: أن الباء للاستعانة، والمفعول محذوف، تقديره: اقرأ ما يوحى إليك مستعيناً باسم ربِّك.
الرابع: أنها بمعنى «عَلَى» ، أي: اقرأ على اسم ربِّك، كما في قوله تعالى: ﴿وَقَالَ اركبوا فِيهَا بِسْمِ الله﴾ [هود: 41] ، قاله الأخفش.
[وقد تقدم في أول الكتاب كيف هذا الفعل على الجار والمجرور، وقدر متأخراً في «بسم الله الرحمن الرحيم» وتخريج الناس له، فأغنى عن الإعادة] .
فصل
قال أكثرُ المفسرين: هذه السورة أول ما نزل من القرآنِ، نزل بها جبريل عليه السلام على النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وهو قائم على «حِرَاء» ، فعلمه خمس آياتٍ من هذه السورة.
وقال جابر بن عبد الله: أول ما نزل: ﴿يا أيها المدثر﴾ [المدثر: 1] .
وقال أبو ميسرة الهمذاني: أول ما نزل فاتحة الكتاب.
وقال علي بن أبي طالب كرم الله وجهه: أول ما نزل من القرآن: ﴿قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾ [الأنعام: 151] .
قال القرطبيُّ: «الصحيح الأول» .
قالت عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها -: أول ما بدئ به صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ الرؤيا الصادقة، فجاءه الملك، فقال: ﴿اقرأ باسم رَبِّكَ الذي خَلَقَ﴾ ، خرجه البخاري.
وروت عائشةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها - أنها أول سورة نزلت على رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ثم بعدها «ن، والقلم» ثم بعدها ﴿يا أيها المدثر﴾ [المدثر: 1] ، ثم بعدها «والضُّحَى» ، ذكره الماوردي.
ومعنى قوله: «اقْرَأ» أي: ما أنزل عليك من القرآن مفتتحاً باسم ربك وهو أن تذكر التسمية في ابتداء كلِّ سورةٍ، أو اقرأ على اسم ربِّك، على ما تقدم من الإعراب.
قوله: ﴿الذي خَلَقَ خَلَقَ الإنسان﴾ ، يجوز أن يكون «خَلَقَ» الثاني تفسيراً ل «خَلَقَ» الأول، يعني أبهمه أولاً، ثم فسره ثانياً ب «خَلَقَ الإنْسَانَ» تفخيماً لخلق الإنسانِ، ويجوز أن يكون حذف المفعول من الأول، تقديره: خلق كلَّ شيء؛ لأنه مطلق، فيتناول كُلَّ مخلوقٍ، وقوله: ﴿خَلَقَ الإنسان﴾ تخصيص له بالذكر من بين ما يتناوله الخلق، لأنه المنزَّل إليه، ويجوز أن يكون تأكيداً لفظياً، فيكون قد أكد الصفة وحدها، كقولك: الذي قام قام زيد.
والمرادُ بالإنسانِ: الجنس، ولذلك قال تعالى: ﴿مِنْ عَلَقٍ﴾ جمع علقةٍ، لأن كل واحدٍ مخلوق من علقة، كما في الآية الأخرى، والعلقة: الدَّمُ الجامدُ، وإذا جرى فهو المسفوح، وذكر «العَلَق» بلفظ الجمعِ، لأنه أراد بالإنسانِ الجمع، وكلهم خلقُوا مِنْ علقٍ بعد النُّطفَةِ. والعلقة: قطعة من دم رطبٍ، سميت بذلك؛ لأنها تعلق بما تمر عليه لرطوبتها، فإذا جفت لم تكن علقة.
فصل
قال ابن الخطيب: فإن قيل: فما وجه التسمية في المباح كالأكل؟ .
فالجوابُ: أنه يضيف ذاك إلى الله تعالى ليدفع ببركة اسمه الأذى، والضرر، أو ليدفع شركة الشيطان، ولأنه ربما استعان بذلك المباح على الطاعة، فيصير طاعة، وقال هنا: باسم ربِّك، وفي التسمية المعروفة: بسم الله الرحمن الرحيم، لأن الربَّ من صفات الفعل، وهي تستوجب العبادة بخلاف صفة الذات فأفاد الربُّ هنا معنيين:
أحدهما: أني ربيتك فلزمك الفعل، فلا تتكاسل.
والثاني: أن الشروع ملزم للإتمام، وقد ربيتك منذ كنت علقة إلى الآن، فلم أضيعك، وقال هنا: «ربك» ، وقال في موضع آخر: ﴿سُبْحَانَ الذي أسرى بِعَبْدِهِ﴾ [الإسراء: 1] كأنه يقول سبحانه: هو لي وأنا له، كقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «عليٌّ منِّي وأنَّا مِنْهُ» ، لأن النعم واصلة منّي إليك، ولم يصل إليَّ منك خدمة فأقول: أنا لك، ثم لما أتى بالعبادات وفعل الطاعات، قال: ﴿سُبْحَانَ الذي أسرى بِعَبْدِهِ﴾ [الإسراء: 1] .
فقوله: ﴿الذي خَلَقَ﴾ كالدليل على الربوبية، كأنه تعالى يقول: الدليل على أني ربُّك، أنك ما كنت معه بذاتك وصفاتك، فخلقتك وربيتك، ويحتمل أن يكون المعنى أنه حصل منه الخلق.
قوله: ﴿اقرأ وَرَبُّكَ الأكرم﴾ ، فقوله تعالى: ﴿اقرأ﴾ تأكيد، وتم الكلام، ثم استأنف فقال: ﴿وَرَبُّكَ الأكرم﴾ ، أي: الكريم.
وقال الكلبيُّ: يعني الحليم عن جهل العباد، فلم يعجل بعقوبتهم، [وقيل: اقرأ أولاً لنفسك، والثاني للتبليغ، والأول للتعميم من جبريل عليه السلام، والثاني للتعليم واقرأ في صلاتك.
وقيل: اقرأ وربك، أي: اقرأ يا محمد وربك يغنيك ويفهمك، وإن كنت غير قارئ] . [والأول أشبه بالمعنى، لأنه لما ذكر ما تقدم من نعمة، دلَّ على كرمه] .
قوله: ﴿الذى عَلَّمَ بالقلم﴾ ، يعني: الخط والكتابة، أي: علم الإنسانَ الخط بالقلم.
قال قتادة: العلم نعمة من الله عظيمة، ولولا ذلك لم يقُم دين، ولم يصلح عيش، فدل على كمال كرمه تعالى، بأنه علم عباده ما لم يعلموا، ونقلهم من ظلمة الجهل إلى نور العلم، ونبَّه على فضل الكتابة لما فيه من المنافع العظيمة التي لا يحيط بها إلا هو، وما دونت العلوم، ولا قيدت الحكم، ولا ضبطت أخبار الأولين، ولا كتب الله المنزلة إلا بالكتابة.
وسمي القلم، لأنه يقلم ومنه تقليم الظفر، ولولا هي ما استقامت أمور الدينِ والدنيا.
وروى عبد الله بن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهما - قال: «قلت: يا رسول الله أكتب ما أسمع منك من الحديث؟ قال:» نَعَمْ، فاكتُبْ، فإنَّ الله علَّمَ بالقَلمِ «» .
ويروى أن سليمان عليه السلام سأل عفريتاً عن الكلام فقال: ريح لا يبقى. قال: فما قيده؟ قال: الكتابة.
وروى مجاهد عن ابن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - قال: خلق الله تعالى أربعة أشياء بيده، ثم قال تعالى لسائر الحيوان: كن فكان: القلم، والعرش، وجنة عدن، وآدم عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ.
من علمه بالقلم؟ ثلاثة أقوال:
أحدها: قال كعب الأحبار: أول من كتب بالقلم آدم عليه السلام.
وثانيها: قول الضحاك: أول ما كتب إدريس عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ.
والثالث: أنه جميع من كتب بالقلم، لأنه ما علم إلاَّ بتعليم الله تعالى.
قال القرطبي: الأقلام ثلاثة في الأصل.
الأول: الذي خلقه الله تعالى بيده، وأمره أن يكتب.
والقلم الثاني: قلم الملائكة الذي يكتبون به المقادير، والكوائن والأعمال.
والقلم الثالث: أقلامُ النَّاسِ، جعلها الله بأيديهم يكتبون بها كلامهم، ويصلون بها مآربهم.
وروى عبد الله بن مسعود - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «لا تُسْكنُوا نِسَاءُكُم الغُرَفَ ولا تُعَلمُوهُنَّ الكِتابَة» .
قال بعض العلماء: وإنَّما حذَّرهم النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ لأن في إسكانهم الغرف تطلُّعاً على الرجال، وليس في ذلك تحصُّن لهن ولا تستُّر، وذلك لأنهن لا يملكن أنفسهن، حتى يشرفن على الرجال، فتحدث الفتنة والبلاء، فحذرهم ان يجعلوا لهن غرفاً ذريعة إلى الفتنة. وهو كما قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «لَيْسَ للنِّساءِ خَيْرٌ لَهُنَّ من ألاّ يَرَاهُنَّ الرِّجَالُ، ولا يَرَوْنَ الرِّجالَ» .
وذلك أنها خلقت من الرجل فنهمتها في الرجل، والرجل خلقت فيه الشَّهوة، وجعلت سكناً له، فكل واحد منهما غير مأمونٍ على صاحبه، وكذلك تعليم الكتابة، ربما كانت سبباً في الفتنة، لأنها إذا علمت الكتابة كتبت إلى من تهوى؛ فالكتابة عين من العيون بهما يبصر الشاهد الغائب، والخط آثار يده، وفيه تعبير عن الضمير بما لا ينطق به اللسانُ، فهي أبلغ من اللسان، فأحبَّ رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أن يقطع عنهن أسباب الفتنة تحصيناً لهنَّ، وطهارة لقلوبهن.
قوله تعالى: ﴿عَلَّمَ الإنسان مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ .
قيل: الإنسان هنا آدم - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - علمه أسماء كل شيءٍ، وقال تعالى: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الأسمآء كُلَّهَا﴾ [البقرة: 31] .
وقيل: الإنسان - هنا - محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ لقوله تعالى: ﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ﴾ [النساء: 113] .
وقيل: عام، لقوله تعالى: ﴿والله أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئاً﴾ [النحل: 78] ، لأنه تعالى بين أنه خلقه من نطفة، وأنعم عليه بالنعم المذكورة، ثم ذكر أنه إذا زاد عليه في النعمة فإنه يطغى، ويتجاوز الحد في المعاصي، واتباع هوى النفس، وذلك وعيد وزجر عن هذه الطريقة.
العلق 96:6
قوله: ﴿كَلاَّ إِنَّ الإنسان ليطغى﴾ . إلى آخر السورة.
قيل: إنه نزل في أبي جهل، نهى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ عن الصلاة، فأمر الله تعالى نبيه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أن يصلي في المسجدِ، ويقرأ باسم الربِّ - تبارك وتعالى - وعلى هذا فليست السورة من أول ما نزل، ويجوز أن يكون خمس آياتٍ من أولها أولى ما نزل، ثم نزل البقية في شأن أبي جهل، وأمر النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ بضم ذلك إلى أول السورة؛ لأن تأليف السور إنما كان بأمر الله تعالى، ألا ترى أنَّ قوله تعالى: ﴿واتقوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى الله﴾ [البقرة: 281] آخر ما نزل ثم هو مضموم إلى ما نزل قبله بزمان طويل.
و «كلاَّ» بمعنى حقاً.
قال الجرجانيُّ: لأن ليس قبله ولا بعده شيء يكون «كلاَّ» ردًّا له، كما قالوا في ﴿كَلاَّ والقمر﴾ [المدثر: 32] فإنهم قالوا: معناه: أي والقمر؛ لأنه ردع وزجر لمن كفر بنعمة الله بطغيانه، وإن لم يذكر لدلالة الكلام عليه.
وقال مقاتل: كلاَّ ليعلم الإنسان أن الله تعالى هو الذي خلقه من العلقة، وعلمه بعد الجهل؛ لأنه عند صيرورته غنياً يطغى، ويتكبر ويصير مستغرق القلب في حُبِّ الدنيا، فلا يفكر في هذه الأحوال ولا يتأمل فيها.
قوله: ﴿أَن رَّآهُ استغنى﴾ ، مفعول له، أي: رؤيته نفسه مُسْتغنياً، وتعدى الفعل هنا إلى ضميريه المتصلين؛ لأن هذا من خواص هذا الكتاب.
قال الزمخشريُّ: «ومعنى الرؤية، ولو كانت بمعنى الإبصار لامتنع في فعلها الجمع بين الضميرين، و» اسْتَغْنَى «هو المفعول الثاني» .
قال شهاب الدين: والمسألة فيها خلاف، ذهب جماعةٌ إلى أن «رأى» البصرية تعطى حكم العلمية، وجعل من ذلك قول عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها -: لقد رأيتنا مع رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وما لنا طعام إلا الأسودان؛ وأنشد: [الكامل]
5255 - ولقَد أرَانِي للرِّمَاحِ دَرِيئَةً ... مِنْ عَنْ يَمينِي تَارَةً وأمَامِي
وتقدم تحقيقه. وقرأ قنبل بخلاف عنه: «رأه» دون ألف بعد الهمزة، وهو مقصور من «رآه» في قراءة العامة.
ولا شك أن الحذف جاء قليلاً، كقولهم: «أصاب الناس جهد ولو تر أهل مكة» بحذف لام «ترى» ؛ وقول الآخر: [الرجز]
5256 - وصَّانِيَ العَجَّاجُ فِيمَا وصَّنِي ... يريد: فيما وصاني، ولما روي عن مجاهد هذه القراءة عن قنبل، وقال: «قرأت بها عليه» نسبه فيها إلى الغلط، ولا ينبغي ذلك، لأنه إذا ثبت ذلك قراءة، فإن لها وجهاً وإن كان غيره أشهر منه، فلا ينبغي أن يقدم على تغليطه.
فصل في نزول الآية
قال ابن عبَّاسٍ في رواية «أبي صالح» : لما نزلت هذه الآية وسمع بها المشركون، أتاه أبو جهل، فقال: يا محمد، أتزعم أنه من استغنى طغى، فاجعل لنا جبال «مكة» ذهباً لعلنا نأخذ منها فنطغى، فندعُ ديننا، ونتبع دينك، قال: فأتاه جبريل - عليه السلام - فقال: يا محمد خيِّرهم في ذلك، فإن شاءوا فعلنا لهم ما أرادوه، فإن لم يفعلوا فعلنا بهم كما فعلنا بأصحاب المائدةِ فعلم رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أنهم لا يقبلون ذلك، فكفّ عنهم أسفاً عليهم.
[وقيل: أن رآه استغنى بالعشيرة والأنصار والأعوان، وحذف اللام من قوله: «أن رآه» كما يقال: إنكم لتطغون أن رأيتم غناكم] .
قوله: ﴿إِنَّ إلى رَبِّكَ الرجعى﴾ . هذا الكلام واقع على طريقة الالتفات إلى الإنسان تهديداً له وتحذيراً من عاقبة الطغيان، والمعنى: أن مرجع من هذا وصفه إلى الله تعالى، فيجازيه.
والرجعى والمرجع والرجوع: مصادر، يقال: رجع إليه رجوعاً ومرجعاً ورُجْعَى، على وزن «فُعْلى» .
قوله: ﴿أَرَأَيْتَ الذي ينهى عَبْداً إِذَا صلى﴾ تقدم الكلام على ﴿أَرَأَيْتَ الذي ينهى﴾ .
وقال الزمخشري هنا: فإن قلت: ما متعلق «أرأيت» ؟ .
قلت: «الَّذي يَنْهَى» مع الجملة الشرطية، وهما في موضع المفعولين، فإن قلت: فأين جواب الشرط؟ .
قلتُ: هو محذوف تقديره: «إنْ كَانَ عَلَى الهُدى، أو أمَرَ بالتَّقْوَى، ألَمْ يَعْلمْ بأنَّ اللهَ يَرَى» ، وإنما حذف لدلالة ذكره في جواب الشرط الثاني.
فإن قلت: كيف يصح أن يكون «أَلَمْ يَعْلَمْ» جواباً للشرط؟ .
قلت: كما صح في قولك: إن أكرمتك أتكرمني، وإن أحسن إليك زيد هل تحسنُ إليه؟ .
فإن قلت: فما أرأيت الثانية، وتوسطها بين مفعول «أرأيت» ؟ قلت: هي زائدة مكررة للتأكيد.
قال شهاب الدين: اعلم أن «أرَأيْتَ» لا يكون مفعولها الثاني إلا جملة استفهامية كقوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ الله﴾ [الأنعام: 47] ، ومثله كثير، وهنا «أرَأيْتَ» ثلاث مرات، وقد صرح بعد الثالثة منها بجملة استفهامية، فيكون في موضع المفعول الثاني لها، ومفعولها الأول محذوف، وهو ضمير يعود على ﴿الَّذي يَنْهَى عَبْداً﴾ الواقع مفعولاً ل «أرَأيْتَ» الأولى، ومفعول «أرأيت» الأولى الذي هو الثاني محذوف، وهو جملة استفهامية كالجملة الواقعة بعد «أرأيت» الثالثة، وأما «أرأيت» الثانية، فلم يذكر لها مفعول، لا أول، ولا ثان، حذف الأول لدلالة المفعول من «أرأيت» الثالث عليه، فقد حذف الثاني من الأولى، والأول من الثالثة، والاثنان من الثانية، وليس طلب كل من «أرأيت» للجملة الاسمية على سبيل التنازع؛ لأنه يستدعي إضماراً. والجملة لا تضمر إنما تضمر المفردات، وإنما ذلك من باب الحذف للدلالة وأما الكلام على الشرط مع «أرأيت» هذه، فقد تقدم في «الأنعام» ، ويجوز الزمخشريُّ وقوع جواب الشرط استفهاماً بنفسه، وهذا لا يجوزُ، بل نصوا على وجوب ذكر الفاءِ في مثله، وإن ورد شيء من ذلك فهو ضرورة.
قال القرطبيُّ: وقيل: كل واحد من «أرَأيْتَ» بدل من الأول، و ﴿ألَمْ يَعْلَمْ بأنَّ اللهَ يَرَى﴾ الخبر.
فصل في تفسير الآية
قال المفسرون: «الذي يَنْهَى» أبو جهل، وقوله تعالى «عَبْداً» يعني محمداً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، فإن أبا جهل قال: لئن رأيت محمداً لأطأنَّ على عنقه. ثم إنه لما رأى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ في الصلاة نكص على عقبيه، فقالوا له: ما لك يا أبا الحكم، قال: إن بيني وبينه لخندقاً من نار وهولاً شديداً.
قال أبو هريرة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه -: فأنزل الله هذه الآيات تعجُّباً منه.
وعن الحسن: أنه أمية بن خلف، كان ينهى سلمان عن الصلاة.
وقيل: في الكلام حذف، والمعنى: من هذا الناهي عن الصلاة من العقوبة.
قوله: ﴿أَرَأَيْتَ إِن كَانَ على الهدى أَوْ أَمَرَ بالتقوى﴾ أي: أرأيت يا أبا جهلٍ إن كان محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ على هذه الصفة، أليس ناهية عن الصَّلاة والتَّقوى هالكاً؟ .
قوله: ﴿أَرَأَيْتَ إِن كَذَّبَ وتولى﴾ يعني أبا جهل كذب بكتاب الله، وأعرض عن الإيمان.
وقال الفراءُ: ﴿أرَأيتَ الذي يَنْهَى عبداً إذا صلَّى﴾ ، والناهي مكذب متولٍّ عن الذكر، أي: فما أعجب هذا بما يقول، ثم قال: ويله ﴿ألَمْ يَعْلمْ﴾ أبو جهل ﴿بأنَّ الله يَرَى﴾ ، أي: يراه ويعلم فعله، فهو تقريع وتوبيخ.
قال ابن الخطيب: هذا خطاب للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ على سبيل التعجب، وفي وجه هذا التعجب وجوه:
أحدها: أنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قال: «اللَّهُمَّ أعزَّ الإسلامَ بأبِي جَهلٍ أو بِعُمَرَ» ، فقيل: أبمثل هذا يعزّ الإسلام وهو ينهى عبداً إذا صلى.
الثاني: أنه كان يلقب بأبي الحكمِ. فقيل: كيف يلقب بهذا وهو ينهى عن الصلاة.
الثالث: أنه كان يأمر وينهى ويعتقد وجوب طاعته، ثم إنه ينهى عن طاعة الربِّ تعالى، وهذا عين الحماقة والتكبُّر، ف «عبداً» يدل على التعظيم، كأنه قيل: [ينهى أشد الخلق عبودية عن العبادة، وهذا عين الجهل، ولهذا لم يقل:] ينهاك، وأيضاً فإن هذا يدل على أن هذه عادته، ودأبه، فهو أبلغ في الذم أيضاً فهذا عام في كل من نهى عن الصلاة، وروي عن عليٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه -: أنه رأى أقواماً يصلون قبل صلاة العيد، فقال: ما رأيت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ يفعل ذلك، فقيل له: ألا تنهاهم فقال: أخشى أن أدخل في قوله تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ الذي ينهى عَبْداً إِذَا صلى﴾ [العلق: 9، 10] ، فلم يصرح أيضاً بالنهي عن الصلاة.
وأيضاً فيه: إجلال لمنصب رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أن ينهاه رجل لا سيما مثل هذا.
قوله: ﴿كَلاَّ﴾ ردع لأبي جهل عن نهيه عن عبادة الله تعالى، أو كلا لن يصل أبو جهلٍ إلى أن يقتل محمداً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ويطأ عنقه.
وقال مقاتل: كلا لا يعلم أن الله يرى، وإن كان يعلم لكن إذا كان لا ينتفع بناصيته يوم القيامة، وليسحبنه بها في النَّار، كقوله تعالى: ﴿فَيُؤْخَذُ بالنواصي والأقدام﴾ [الرحمن: 41] ، فالآية وإن كانت في أبي جهلٍ، فهي عظةٌ للنَّاس، وتهديد لمن يمنع غيره عن الطاعة.
قوله: ﴿لَنَسْفَعاً﴾ ، الوقف على هذه النون بالألف، تشبيهاً لها بالتنوين، ولذلك يحذف بعد الضمة والكسرة وقفاً، وتكتب هنا ألفاً إتباعاً للوقف.
وروي عن أبي عمرو: «لَنَسْفَعَنَّ» بالنون الثقيلة.
والسَّفع: الأخذ والقبض على الشيء بشدة، يقال: سفع بناصية فرسه، قال عمرو بن معديكرب: [الكامل]
5257 - قَوْمٌ إذَا سَمِعُوا الصَّريخَ رَأيْتهُم ... ما بَيْنَ مُلْجمِ مُهْرهِ أوْ سَافعِ
وقيل: هو الأخذ، بلغة قريش.
وقال الرَّاغب: السَّفع: الأخذ بسعفة الفرس، أي: بسواد ناصيته، وباعتبار السواد قيل للأثافي: سفع، وبه سُفْعَةُ غضب اعتباراً بما يعلم من اللون الدخاني وجه من اشتد به الغضب.
وقيل للصقر: أسفع، لما فيه من لمع السواد، وامرأة سفعاء اللون انتهى.
وفي الحديث: «فَقَامَت أمْرَأةٌ سَفْعاءُ الخدَّيْنِ» .
وقيل: هو مأخوذ من سفعت النار والشمس إذا غيرت وجهه إلى حال تسويد.
قال: [الكامل]
5258 - أثَافِيَّ سُفْعاً في مُعرَّسِ مِرْجَلٍ ... ونُؤيٌ كجذْمِ الحَوْضِ أثلمُ خَاشِعُ
قال القرطبيُّ: السفع الضرب، أي: ليلطمن وجهه، وكله متقارب المعنى، أي: يجمع عليه الضرب عند الأخذ، ثم يجر إلى جهنم.
وقرأ ابن مسعود: «لأسفعن» ، أي: يقول الله تعالى: يا محمد أنا الذي أتولّى إهانته، لقوله تعالى: ﴿هُوَ الذي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ﴾ [الأنفال: 62] ﴿هُوَ الذي أَنزَلَ السكينة﴾ [الفتح: 4] ، والناصية: شعر مقدم الرأس، وقد يعبر بها عن جملة الإنسان، وخص الناصية بالذكر على عادة العرب فيمن أرادوا إذلاله وإهانته أخذوا بناصيته.
قوله: ﴿نَاصِيَةٍ﴾ بدل من «النَّاصية» ، بدل نكرة من معرفة.
قال الزمخشريُّ: «وجاز بدلها عن المعرفة، وهي نكرة، لأنها وصفت، فاستقلت بفائدة» .
قال شهاب الدِّين: وهذا مذهب الكوفيين، لا يجيزون إبدال نكرة من غيرها إلا بشرط وصفها، وكونها بلفظ الأول، ومذهب البصريين: لا يشترط بشيءٍ؛ وأنشدوا: [الوافر]
5259 - فَلاَ وأبِيكَ خَيْرٌ مِنْكَ إنِّي ... ليُؤذِينِي التَّحَمحُمُ والصَّهِيلُ
وقرأ أبو حيوة، وابن أبي عبلة، وزيد بن علي: بنصب «ناصِيةٌ كَاذِبَةٌ خَاطِئةٌ» على الشتم.
وقرأ الكسائي في رواية: بالرفع، على إضمار: هي ناصية، ونسب الكذب والخطأ إليها مجازاً. والألف واللام في «الناصية» قيل: عوض من الإضافة، أي: بناصيته.
وقيل: الضمير محذوف، أي: الناصية منه.
فصل في معنى الآية
والمعنى: لنأخذنّ بناصية أبي جهل «كاذبة» في قولها، «خاطئة» في فعلها، والخاطئ معاقب مأخوذ، والمخطئ غير مأخوذ، ووصفت الناصية بأنها خاطئة كوصف الوجوه بالنظر في قوله «إلى ربها ناظرة» ، وقيل: إن صاحبها كاذب خاطئ كما يقال: ليل قائم ونهار صائم، أي صائم في النهار وقائم في الليل، وإنما وصف الناصية بالكاذبة، لأنه كان كاذباً على الله تعالى في أنه لم يرسل محمداً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، وكاذباً على رسوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ في أنه ساحر، وكاذب أنه ليس بنبي؛ لأن صاحبها يتمرد على الله تعالى، كما قال تعالى: ﴿لاَّ يَأْكُلُهُ إِلاَّ الخاطئون﴾ [الحاقة: 37] .
قوله: ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ﴾ ، إما أن يكون على حذف مضاف، أي: أهل ناديه، أو على التجوُّز في نداء النادي لاشتماله على الناس، كقوله تعالى: ﴿وَسْأَلِ القرية التي كُنَّا فِيهَا﴾ [يوسف: 82] ، والنادي والندي: المجلس المتجدّد للحديث.
قال زهير: [الطويل]
5260 - وفِيهِمْ مَقامَاتٌ حِسَانٌ وُجوهُهُمْ ... وأنْدِيةٌ يَنْتَابُهَا القَوْلُ والفِعْلُ
[وقالت أعرابية: هو سيد ناديه وثمال عافيه]
وقال تعالى: ﴿وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ المنكر﴾ [العنكبوت: 29] .
وقال أبو عبيدة: «ونَادِيَه» أهل مجلسه، ولا يسمى المكان نادياً حتى يكون فيه أهله، والمعنى: فليدع عشيرته، فليستنصر بهم.
قوله: ﴿سَنَدْعُ الزبانية﴾ .
قال الزمخشري: «والزبانية في كلام العرب: الشرط، الواحد: زبنية، كعفرية من الزَّبن، وهو الدَّفع.
وقيل: زبني، وكأنه نسب إلى الزبن، ثم غير للنسب، كقولهم: أمسيّ، وأصله: زباني، فقيل:» زبانية «على التعويض» .
وقال عيسى بن عمر والأخفش: واحدهم زابن.
وقيل: هو اسم جمع لا واحد له من لفظه، كعباديد، وشماطيط، وأبابيل، والحاصل: أن المادة تدل على الدفع.
قال: [الطويل]
5261 - مَطَاعِيمُ في القُصْوَى مَطَاعِينُ في الوَغَى ... زَبَانِيَةٌ غُلبٌ عِظامٌ حُلومُهَا وقال آخر: [الطويل]
5262 - ومُسْتعْجِبٍ ممَّا يَرَى مِنْ أنَاتِنَا ... ولوْ زَبَنَتْهُ الحَرْبُ لَمْ يَتَرَمْرَمِ
[قال عتبة: زبَنَتْنا الحرب، وزبنَّاها، ومنه الزبون لأنه يدفع من بائع إلى آخر.
وقال أبو الليث السمرقندي رَحِمَهُ اللَّهُ: ومنه المزابنة في البيع؛ لأنهم يعملون بأرجلهم، كما يعملون بأيديهم] .
وقرأ العامة: «سَندْعُ» بنون العظمة، ولم ترسم بالواو، وتقدم نظيره، نحو ﴿يَدْعُ الداع﴾ [القمر: 6] .
وقرأ ابن أبي عبلة: «سيُدْعَى الزبانيةُ» مبنياً للمفعول ورفع «الزبانية» لقيامها مقام الفاعل.
فصل في المراد بالزبانية
قال ابن عباس: الملائكة الغلاظ الشداد، وروي أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ لما قرأ هذه السورة وبلغ إلى قوله تعالى: ﴿لَنَسْفَعاً بالناصية﴾ قال أبو جهل: أنا أدعو قومي حتى يمنعوا عني ربك، قال الله تعالى: ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ سَنَدْعُ الزبانية﴾ فلما ذكر الزبانية رجع فزعاً، فقيل له: أخشيت منه؟ .
قال: لا، ولكن رأيت عنده فارساً، فهددني بالزبانية فما أدري ما الزبانية؛ ومال إليَّ الفارس، فخشيت منه أن يأكلني.
قال ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه -: والله لو دعا ناديه لأخذته ملائكة العذاب من ساعته. خرجه الترمذي بمعناه.
قوله: ﴿كَلاَّ﴾ أي: ليس الأمر كما يظنه أبو جهل «لا تُطِعْهُ» فيما دعاك إليه من ترك الصلاة «واسْجُدْ» ، أي: صل الله «واقْتَرِبْ» أي: اقترب إلى الله بالطَّاعة والعبادة.
وقيل: المعنى: إذا سجدت اقترب من الله بالدعاء.
قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «أمَّا الرُّكوعُ فعَظَّمُوا فِيْهِ الربَّ تعالى، وأمَّا السُّجُود فاجْتَهدُوا في الدُّعَاءِ، فقمن أنْ يُسْتجابَ لَكُمْ» .
وقال صلى الله عله وسلم: «أقْرَبُ ما يَكُونُ العبدُ مِنْ ربِّه وهُوَ سَاجِدٌ» .
فالسجود في قوله تعالى: ﴿واسجد واقترب﴾ يحتمل أن يكون بمعنى السجود في الصلاة، ويحتمل أن يكون سجود التلاوة في هذه السورة.
وقال ابن العربي: والظاهر أنه سجود الصلاة؛ لقوله تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ الذي ينهى عَبْداً إِذَا صلى﴾ إلى قوله: ﴿كَلاَّ لاَ تُطِعْهُ واسجد واقترب﴾ ، لولا ما ثبت في الصحيح من رواية مسلم، وغيره من الأئمة عن أبي هريرة، أنه قال: سجدتُ مع رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ في «إذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ» وفي ﴿اقرأ باسم رَبِّكَ الذي خَلَقَ﴾ سجدتين، فكان هذا نصًّا على أن المراد سجود التلاوةِ.
روى الثعلبي عن أبي هريرة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «مَنْ قَرَأ: ﴿اقرأ باسم رَبِّكَ﴾ ، فكأنَّمَا قَرَأ المفصل كُلَّهُ» والله تعالى أعلم.
سورة القدر
مكية في قول أكثر المفسرين ذكره الثعلبي.
وحكى الماوردي عكسه.
العلق 96:7
قوله: ﴿كَلاَّ إِنَّ الإنسان ليطغى﴾ . إلى آخر السورة.
قيل: إنه نزل في أبي جهل، نهى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ عن الصلاة، فأمر الله تعالى نبيه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أن يصلي في المسجدِ، ويقرأ باسم الربِّ - تبارك وتعالى - وعلى هذا فليست السورة من أول ما نزل، ويجوز أن يكون خمس آياتٍ من أولها أولى ما نزل، ثم نزل البقية في شأن أبي جهل، وأمر النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ بضم ذلك إلى أول السورة؛ لأن تأليف السور إنما كان بأمر الله تعالى، ألا ترى أنَّ قوله تعالى: ﴿واتقوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى الله﴾ [البقرة: 281] آخر ما نزل ثم هو مضموم إلى ما نزل قبله بزمان طويل.
و «كلاَّ» بمعنى حقاً.
قال الجرجانيُّ: لأن ليس قبله ولا بعده شيء يكون «كلاَّ» ردًّا له، كما قالوا في ﴿كَلاَّ والقمر﴾ [المدثر: 32] فإنهم قالوا: معناه: أي والقمر؛ لأنه ردع وزجر لمن كفر بنعمة الله بطغيانه، وإن لم يذكر لدلالة الكلام عليه.
وقال مقاتل: كلاَّ ليعلم الإنسان أن الله تعالى هو الذي خلقه من العلقة، وعلمه بعد الجهل؛ لأنه عند صيرورته غنياً يطغى، ويتكبر ويصير مستغرق القلب في حُبِّ الدنيا، فلا يفكر في هذه الأحوال ولا يتأمل فيها.
قوله: ﴿أَن رَّآهُ استغنى﴾ ، مفعول له، أي: رؤيته نفسه مُسْتغنياً، وتعدى الفعل هنا إلى ضميريه المتصلين؛ لأن هذا من خواص هذا الكتاب.
قال الزمخشريُّ: «ومعنى الرؤية، ولو كانت بمعنى الإبصار لامتنع في فعلها الجمع بين الضميرين، و» اسْتَغْنَى «هو المفعول الثاني» .
قال شهاب الدين: والمسألة فيها خلاف، ذهب جماعةٌ إلى أن «رأى» البصرية تعطى حكم العلمية، وجعل من ذلك قول عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها -: لقد رأيتنا مع رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وما لنا طعام إلا الأسودان؛ وأنشد: [الكامل]
5255 - ولقَد أرَانِي للرِّمَاحِ دَرِيئَةً ... مِنْ عَنْ يَمينِي تَارَةً وأمَامِي
وتقدم تحقيقه. وقرأ قنبل بخلاف عنه: «رأه» دون ألف بعد الهمزة، وهو مقصور من «رآه» في قراءة العامة.
ولا شك أن الحذف جاء قليلاً، كقولهم: «أصاب الناس جهد ولو تر أهل مكة» بحذف لام «ترى» ؛ وقول الآخر: [الرجز]
5256 - وصَّانِيَ العَجَّاجُ فِيمَا وصَّنِي ... يريد: فيما وصاني، ولما روي عن مجاهد هذه القراءة عن قنبل، وقال: «قرأت بها عليه» نسبه فيها إلى الغلط، ولا ينبغي ذلك، لأنه إذا ثبت ذلك قراءة، فإن لها وجهاً وإن كان غيره أشهر منه، فلا ينبغي أن يقدم على تغليطه.
فصل في نزول الآية
قال ابن عبَّاسٍ في رواية «أبي صالح» : لما نزلت هذه الآية وسمع بها المشركون، أتاه أبو جهل، فقال: يا محمد، أتزعم أنه من استغنى طغى، فاجعل لنا جبال «مكة» ذهباً لعلنا نأخذ منها فنطغى، فندعُ ديننا، ونتبع دينك، قال: فأتاه جبريل - عليه السلام - فقال: يا محمد خيِّرهم في ذلك، فإن شاءوا فعلنا لهم ما أرادوه، فإن لم يفعلوا فعلنا بهم كما فعلنا بأصحاب المائدةِ فعلم رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أنهم لا يقبلون ذلك، فكفّ عنهم أسفاً عليهم.
[وقيل: أن رآه استغنى بالعشيرة والأنصار والأعوان، وحذف اللام من قوله: «أن رآه» كما يقال: إنكم لتطغون أن رأيتم غناكم] .
قوله: ﴿إِنَّ إلى رَبِّكَ الرجعى﴾ . هذا الكلام واقع على طريقة الالتفات إلى الإنسان تهديداً له وتحذيراً من عاقبة الطغيان، والمعنى: أن مرجع من هذا وصفه إلى الله تعالى، فيجازيه.
والرجعى والمرجع والرجوع: مصادر، يقال: رجع إليه رجوعاً ومرجعاً ورُجْعَى، على وزن «فُعْلى» .
قوله: ﴿أَرَأَيْتَ الذي ينهى عَبْداً إِذَا صلى﴾ تقدم الكلام على ﴿أَرَأَيْتَ الذي ينهى﴾ .
وقال الزمخشري هنا: فإن قلت: ما متعلق «أرأيت» ؟ .
قلت: «الَّذي يَنْهَى» مع الجملة الشرطية، وهما في موضع المفعولين، فإن قلت: فأين جواب الشرط؟ .
قلتُ: هو محذوف تقديره: «إنْ كَانَ عَلَى الهُدى، أو أمَرَ بالتَّقْوَى، ألَمْ يَعْلمْ بأنَّ اللهَ يَرَى» ، وإنما حذف لدلالة ذكره في جواب الشرط الثاني.
فإن قلت: كيف يصح أن يكون «أَلَمْ يَعْلَمْ» جواباً للشرط؟ .
قلت: كما صح في قولك: إن أكرمتك أتكرمني، وإن أحسن إليك زيد هل تحسنُ إليه؟ .
فإن قلت: فما أرأيت الثانية، وتوسطها بين مفعول «أرأيت» ؟ قلت: هي زائدة مكررة للتأكيد.
قال شهاب الدين: اعلم أن «أرَأيْتَ» لا يكون مفعولها الثاني إلا جملة استفهامية كقوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ الله﴾ [الأنعام: 47] ، ومثله كثير، وهنا «أرَأيْتَ» ثلاث مرات، وقد صرح بعد الثالثة منها بجملة استفهامية، فيكون في موضع المفعول الثاني لها، ومفعولها الأول محذوف، وهو ضمير يعود على ﴿الَّذي يَنْهَى عَبْداً﴾ الواقع مفعولاً ل «أرَأيْتَ» الأولى، ومفعول «أرأيت» الأولى الذي هو الثاني محذوف، وهو جملة استفهامية كالجملة الواقعة بعد «أرأيت» الثالثة، وأما «أرأيت» الثانية، فلم يذكر لها مفعول، لا أول، ولا ثان، حذف الأول لدلالة المفعول من «أرأيت» الثالث عليه، فقد حذف الثاني من الأولى، والأول من الثالثة، والاثنان من الثانية، وليس طلب كل من «أرأيت» للجملة الاسمية على سبيل التنازع؛ لأنه يستدعي إضماراً. والجملة لا تضمر إنما تضمر المفردات، وإنما ذلك من باب الحذف للدلالة وأما الكلام على الشرط مع «أرأيت» هذه، فقد تقدم في «الأنعام» ، ويجوز الزمخشريُّ وقوع جواب الشرط استفهاماً بنفسه، وهذا لا يجوزُ، بل نصوا على وجوب ذكر الفاءِ في مثله، وإن ورد شيء من ذلك فهو ضرورة.
قال القرطبيُّ: وقيل: كل واحد من «أرَأيْتَ» بدل من الأول، و ﴿ألَمْ يَعْلَمْ بأنَّ اللهَ يَرَى﴾ الخبر.
فصل في تفسير الآية
قال المفسرون: «الذي يَنْهَى» أبو جهل، وقوله تعالى «عَبْداً» يعني محمداً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، فإن أبا جهل قال: لئن رأيت محمداً لأطأنَّ على عنقه. ثم إنه لما رأى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ في الصلاة نكص على عقبيه، فقالوا له: ما لك يا أبا الحكم، قال: إن بيني وبينه لخندقاً من نار وهولاً شديداً.
قال أبو هريرة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه -: فأنزل الله هذه الآيات تعجُّباً منه.
وعن الحسن: أنه أمية بن خلف، كان ينهى سلمان عن الصلاة.
وقيل: في الكلام حذف، والمعنى: من هذا الناهي عن الصلاة من العقوبة.
قوله: ﴿أَرَأَيْتَ إِن كَانَ على الهدى أَوْ أَمَرَ بالتقوى﴾ أي: أرأيت يا أبا جهلٍ إن كان محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ على هذه الصفة، أليس ناهية عن الصَّلاة والتَّقوى هالكاً؟ .
قوله: ﴿أَرَأَيْتَ إِن كَذَّبَ وتولى﴾ يعني أبا جهل كذب بكتاب الله، وأعرض عن الإيمان.
وقال الفراءُ: ﴿أرَأيتَ الذي يَنْهَى عبداً إذا صلَّى﴾ ، والناهي مكذب متولٍّ عن الذكر، أي: فما أعجب هذا بما يقول، ثم قال: ويله ﴿ألَمْ يَعْلمْ﴾ أبو جهل ﴿بأنَّ الله يَرَى﴾ ، أي: يراه ويعلم فعله، فهو تقريع وتوبيخ.
قال ابن الخطيب: هذا خطاب للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ على سبيل التعجب، وفي وجه هذا التعجب وجوه:
أحدها: أنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قال: «اللَّهُمَّ أعزَّ الإسلامَ بأبِي جَهلٍ أو بِعُمَرَ» ، فقيل: أبمثل هذا يعزّ الإسلام وهو ينهى عبداً إذا صلى.
الثاني: أنه كان يلقب بأبي الحكمِ. فقيل: كيف يلقب بهذا وهو ينهى عن الصلاة.
الثالث: أنه كان يأمر وينهى ويعتقد وجوب طاعته، ثم إنه ينهى عن طاعة الربِّ تعالى، وهذا عين الحماقة والتكبُّر، ف «عبداً» يدل على التعظيم، كأنه قيل: [ينهى أشد الخلق عبودية عن العبادة، وهذا عين الجهل، ولهذا لم يقل:] ينهاك، وأيضاً فإن هذا يدل على أن هذه عادته، ودأبه، فهو أبلغ في الذم أيضاً فهذا عام في كل من نهى عن الصلاة، وروي عن عليٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه -: أنه رأى أقواماً يصلون قبل صلاة العيد، فقال: ما رأيت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ يفعل ذلك، فقيل له: ألا تنهاهم فقال: أخشى أن أدخل في قوله تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ الذي ينهى عَبْداً إِذَا صلى﴾ [العلق: 9، 10] ، فلم يصرح أيضاً بالنهي عن الصلاة.
وأيضاً فيه: إجلال لمنصب رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أن ينهاه رجل لا سيما مثل هذا.
قوله: ﴿كَلاَّ﴾ ردع لأبي جهل عن نهيه عن عبادة الله تعالى، أو كلا لن يصل أبو جهلٍ إلى أن يقتل محمداً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ويطأ عنقه.
وقال مقاتل: كلا لا يعلم أن الله يرى، وإن كان يعلم لكن إذا كان لا ينتفع بناصيته يوم القيامة، وليسحبنه بها في النَّار، كقوله تعالى: ﴿فَيُؤْخَذُ بالنواصي والأقدام﴾ [الرحمن: 41] ، فالآية وإن كانت في أبي جهلٍ، فهي عظةٌ للنَّاس، وتهديد لمن يمنع غيره عن الطاعة.
قوله: ﴿لَنَسْفَعاً﴾ ، الوقف على هذه النون بالألف، تشبيهاً لها بالتنوين، ولذلك يحذف بعد الضمة والكسرة وقفاً، وتكتب هنا ألفاً إتباعاً للوقف.
وروي عن أبي عمرو: «لَنَسْفَعَنَّ» بالنون الثقيلة.
والسَّفع: الأخذ والقبض على الشيء بشدة، يقال: سفع بناصية فرسه، قال عمرو بن معديكرب: [الكامل]
5257 - قَوْمٌ إذَا سَمِعُوا الصَّريخَ رَأيْتهُم ... ما بَيْنَ مُلْجمِ مُهْرهِ أوْ سَافعِ
وقيل: هو الأخذ، بلغة قريش.
وقال الرَّاغب: السَّفع: الأخذ بسعفة الفرس، أي: بسواد ناصيته، وباعتبار السواد قيل للأثافي: سفع، وبه سُفْعَةُ غضب اعتباراً بما يعلم من اللون الدخاني وجه من اشتد به الغضب.
وقيل للصقر: أسفع، لما فيه من لمع السواد، وامرأة سفعاء اللون انتهى.
وفي الحديث: «فَقَامَت أمْرَأةٌ سَفْعاءُ الخدَّيْنِ» .
وقيل: هو مأخوذ من سفعت النار والشمس إذا غيرت وجهه إلى حال تسويد.
قال: [الكامل]
5258 - أثَافِيَّ سُفْعاً في مُعرَّسِ مِرْجَلٍ ... ونُؤيٌ كجذْمِ الحَوْضِ أثلمُ خَاشِعُ
قال القرطبيُّ: السفع الضرب، أي: ليلطمن وجهه، وكله متقارب المعنى، أي: يجمع عليه الضرب عند الأخذ، ثم يجر إلى جهنم.
وقرأ ابن مسعود: «لأسفعن» ، أي: يقول الله تعالى: يا محمد أنا الذي أتولّى إهانته، لقوله تعالى: ﴿هُوَ الذي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ﴾ [الأنفال: 62] ﴿هُوَ الذي أَنزَلَ السكينة﴾ [الفتح: 4] ، والناصية: شعر مقدم الرأس، وقد يعبر بها عن جملة الإنسان، وخص الناصية بالذكر على عادة العرب فيمن أرادوا إذلاله وإهانته أخذوا بناصيته.
قوله: ﴿نَاصِيَةٍ﴾ بدل من «النَّاصية» ، بدل نكرة من معرفة.
قال الزمخشريُّ: «وجاز بدلها عن المعرفة، وهي نكرة، لأنها وصفت، فاستقلت بفائدة» .
قال شهاب الدِّين: وهذا مذهب الكوفيين، لا يجيزون إبدال نكرة من غيرها إلا بشرط وصفها، وكونها بلفظ الأول، ومذهب البصريين: لا يشترط بشيءٍ؛ وأنشدوا: [الوافر]
5259 - فَلاَ وأبِيكَ خَيْرٌ مِنْكَ إنِّي ... ليُؤذِينِي التَّحَمحُمُ والصَّهِيلُ
وقرأ أبو حيوة، وابن أبي عبلة، وزيد بن علي: بنصب «ناصِيةٌ كَاذِبَةٌ خَاطِئةٌ» على الشتم.
وقرأ الكسائي في رواية: بالرفع، على إضمار: هي ناصية، ونسب الكذب والخطأ إليها مجازاً. والألف واللام في «الناصية» قيل: عوض من الإضافة، أي: بناصيته.
وقيل: الضمير محذوف، أي: الناصية منه.
فصل في معنى الآية
والمعنى: لنأخذنّ بناصية أبي جهل «كاذبة» في قولها، «خاطئة» في فعلها، والخاطئ معاقب مأخوذ، والمخطئ غير مأخوذ، ووصفت الناصية بأنها خاطئة كوصف الوجوه بالنظر في قوله «إلى ربها ناظرة» ، وقيل: إن صاحبها كاذب خاطئ كما يقال: ليل قائم ونهار صائم، أي صائم في النهار وقائم في الليل، وإنما وصف الناصية بالكاذبة، لأنه كان كاذباً على الله تعالى في أنه لم يرسل محمداً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، وكاذباً على رسوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ في أنه ساحر، وكاذب أنه ليس بنبي؛ لأن صاحبها يتمرد على الله تعالى، كما قال تعالى: ﴿لاَّ يَأْكُلُهُ إِلاَّ الخاطئون﴾ [الحاقة: 37] .
قوله: ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ﴾ ، إما أن يكون على حذف مضاف، أي: أهل ناديه، أو على التجوُّز في نداء النادي لاشتماله على الناس، كقوله تعالى: ﴿وَسْأَلِ القرية التي كُنَّا فِيهَا﴾ [يوسف: 82] ، والنادي والندي: المجلس المتجدّد للحديث.
قال زهير: [الطويل]
5260 - وفِيهِمْ مَقامَاتٌ حِسَانٌ وُجوهُهُمْ ... وأنْدِيةٌ يَنْتَابُهَا القَوْلُ والفِعْلُ
[وقالت أعرابية: هو سيد ناديه وثمال عافيه]
وقال تعالى: ﴿وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ المنكر﴾ [العنكبوت: 29] .
وقال أبو عبيدة: «ونَادِيَه» أهل مجلسه، ولا يسمى المكان نادياً حتى يكون فيه أهله، والمعنى: فليدع عشيرته، فليستنصر بهم.
قوله: ﴿سَنَدْعُ الزبانية﴾ .
قال الزمخشري: «والزبانية في كلام العرب: الشرط، الواحد: زبنية، كعفرية من الزَّبن، وهو الدَّفع.
وقيل: زبني، وكأنه نسب إلى الزبن، ثم غير للنسب، كقولهم: أمسيّ، وأصله: زباني، فقيل:» زبانية «على التعويض» .
وقال عيسى بن عمر والأخفش: واحدهم زابن.
وقيل: هو اسم جمع لا واحد له من لفظه، كعباديد، وشماطيط، وأبابيل، والحاصل: أن المادة تدل على الدفع.
قال: [الطويل]
5261 - مَطَاعِيمُ في القُصْوَى مَطَاعِينُ في الوَغَى ... زَبَانِيَةٌ غُلبٌ عِظامٌ حُلومُهَا وقال آخر: [الطويل]
5262 - ومُسْتعْجِبٍ ممَّا يَرَى مِنْ أنَاتِنَا ... ولوْ زَبَنَتْهُ الحَرْبُ لَمْ يَتَرَمْرَمِ
[قال عتبة: زبَنَتْنا الحرب، وزبنَّاها، ومنه الزبون لأنه يدفع من بائع إلى آخر.
وقال أبو الليث السمرقندي رَحِمَهُ اللَّهُ: ومنه المزابنة في البيع؛ لأنهم يعملون بأرجلهم، كما يعملون بأيديهم] .
وقرأ العامة: «سَندْعُ» بنون العظمة، ولم ترسم بالواو، وتقدم نظيره، نحو ﴿يَدْعُ الداع﴾ [القمر: 6] .
وقرأ ابن أبي عبلة: «سيُدْعَى الزبانيةُ» مبنياً للمفعول ورفع «الزبانية» لقيامها مقام الفاعل.
فصل في المراد بالزبانية
قال ابن عباس: الملائكة الغلاظ الشداد، وروي أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ لما قرأ هذه السورة وبلغ إلى قوله تعالى: ﴿لَنَسْفَعاً بالناصية﴾ قال أبو جهل: أنا أدعو قومي حتى يمنعوا عني ربك، قال الله تعالى: ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ سَنَدْعُ الزبانية﴾ فلما ذكر الزبانية رجع فزعاً، فقيل له: أخشيت منه؟ .
قال: لا، ولكن رأيت عنده فارساً، فهددني بالزبانية فما أدري ما الزبانية؛ ومال إليَّ الفارس، فخشيت منه أن يأكلني.
قال ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه -: والله لو دعا ناديه لأخذته ملائكة العذاب من ساعته. خرجه الترمذي بمعناه.
قوله: ﴿كَلاَّ﴾ أي: ليس الأمر كما يظنه أبو جهل «لا تُطِعْهُ» فيما دعاك إليه من ترك الصلاة «واسْجُدْ» ، أي: صل الله «واقْتَرِبْ» أي: اقترب إلى الله بالطَّاعة والعبادة.
وقيل: المعنى: إذا سجدت اقترب من الله بالدعاء.
قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «أمَّا الرُّكوعُ فعَظَّمُوا فِيْهِ الربَّ تعالى، وأمَّا السُّجُود فاجْتَهدُوا في الدُّعَاءِ، فقمن أنْ يُسْتجابَ لَكُمْ» .
وقال صلى الله عله وسلم: «أقْرَبُ ما يَكُونُ العبدُ مِنْ ربِّه وهُوَ سَاجِدٌ» .
فالسجود في قوله تعالى: ﴿واسجد واقترب﴾ يحتمل أن يكون بمعنى السجود في الصلاة، ويحتمل أن يكون سجود التلاوة في هذه السورة.
وقال ابن العربي: والظاهر أنه سجود الصلاة؛ لقوله تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ الذي ينهى عَبْداً إِذَا صلى﴾ إلى قوله: ﴿كَلاَّ لاَ تُطِعْهُ واسجد واقترب﴾ ، لولا ما ثبت في الصحيح من رواية مسلم، وغيره من الأئمة عن أبي هريرة، أنه قال: سجدتُ مع رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ في «إذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ» وفي ﴿اقرأ باسم رَبِّكَ الذي خَلَقَ﴾ سجدتين، فكان هذا نصًّا على أن المراد سجود التلاوةِ.
روى الثعلبي عن أبي هريرة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «مَنْ قَرَأ: ﴿اقرأ باسم رَبِّكَ﴾ ، فكأنَّمَا قَرَأ المفصل كُلَّهُ» والله تعالى أعلم.
سورة القدر
مكية في قول أكثر المفسرين ذكره الثعلبي.
وحكى الماوردي عكسه.
العلق 96:8
قوله: ﴿كَلاَّ إِنَّ الإنسان ليطغى﴾ . إلى آخر السورة.
قيل: إنه نزل في أبي جهل، نهى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ عن الصلاة، فأمر الله تعالى نبيه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أن يصلي في المسجدِ، ويقرأ باسم الربِّ - تبارك وتعالى - وعلى هذا فليست السورة من أول ما نزل، ويجوز أن يكون خمس آياتٍ من أولها أولى ما نزل، ثم نزل البقية في شأن أبي جهل، وأمر النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ بضم ذلك إلى أول السورة؛ لأن تأليف السور إنما كان بأمر الله تعالى، ألا ترى أنَّ قوله تعالى: ﴿واتقوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى الله﴾ [البقرة: 281] آخر ما نزل ثم هو مضموم إلى ما نزل قبله بزمان طويل.
و «كلاَّ» بمعنى حقاً.
قال الجرجانيُّ: لأن ليس قبله ولا بعده شيء يكون «كلاَّ» ردًّا له، كما قالوا في ﴿كَلاَّ والقمر﴾ [المدثر: 32] فإنهم قالوا: معناه: أي والقمر؛ لأنه ردع وزجر لمن كفر بنعمة الله بطغيانه، وإن لم يذكر لدلالة الكلام عليه.
وقال مقاتل: كلاَّ ليعلم الإنسان أن الله تعالى هو الذي خلقه من العلقة، وعلمه بعد الجهل؛ لأنه عند صيرورته غنياً يطغى، ويتكبر ويصير مستغرق القلب في حُبِّ الدنيا، فلا يفكر في هذه الأحوال ولا يتأمل فيها.
قوله: ﴿أَن رَّآهُ استغنى﴾ ، مفعول له، أي: رؤيته نفسه مُسْتغنياً، وتعدى الفعل هنا إلى ضميريه المتصلين؛ لأن هذا من خواص هذا الكتاب.
قال الزمخشريُّ: «ومعنى الرؤية، ولو كانت بمعنى الإبصار لامتنع في فعلها الجمع بين الضميرين، و» اسْتَغْنَى «هو المفعول الثاني» .
قال شهاب الدين: والمسألة فيها خلاف، ذهب جماعةٌ إلى أن «رأى» البصرية تعطى حكم العلمية، وجعل من ذلك قول عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها -: لقد رأيتنا مع رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وما لنا طعام إلا الأسودان؛ وأنشد: [الكامل]
5255 - ولقَد أرَانِي للرِّمَاحِ دَرِيئَةً ... مِنْ عَنْ يَمينِي تَارَةً وأمَامِي
وتقدم تحقيقه. وقرأ قنبل بخلاف عنه: «رأه» دون ألف بعد الهمزة، وهو مقصور من «رآه» في قراءة العامة.
ولا شك أن الحذف جاء قليلاً، كقولهم: «أصاب الناس جهد ولو تر أهل مكة» بحذف لام «ترى» ؛ وقول الآخر: [الرجز]
5256 - وصَّانِيَ العَجَّاجُ فِيمَا وصَّنِي ... يريد: فيما وصاني، ولما روي عن مجاهد هذه القراءة عن قنبل، وقال: «قرأت بها عليه» نسبه فيها إلى الغلط، ولا ينبغي ذلك، لأنه إذا ثبت ذلك قراءة، فإن لها وجهاً وإن كان غيره أشهر منه، فلا ينبغي أن يقدم على تغليطه.
فصل في نزول الآية
قال ابن عبَّاسٍ في رواية «أبي صالح» : لما نزلت هذه الآية وسمع بها المشركون، أتاه أبو جهل، فقال: يا محمد، أتزعم أنه من استغنى طغى، فاجعل لنا جبال «مكة» ذهباً لعلنا نأخذ منها فنطغى، فندعُ ديننا، ونتبع دينك، قال: فأتاه جبريل - عليه السلام - فقال: يا محمد خيِّرهم في ذلك، فإن شاءوا فعلنا لهم ما أرادوه، فإن لم يفعلوا فعلنا بهم كما فعلنا بأصحاب المائدةِ فعلم رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أنهم لا يقبلون ذلك، فكفّ عنهم أسفاً عليهم.
[وقيل: أن رآه استغنى بالعشيرة والأنصار والأعوان، وحذف اللام من قوله: «أن رآه» كما يقال: إنكم لتطغون أن رأيتم غناكم] .
قوله: ﴿إِنَّ إلى رَبِّكَ الرجعى﴾ . هذا الكلام واقع على طريقة الالتفات إلى الإنسان تهديداً له وتحذيراً من عاقبة الطغيان، والمعنى: أن مرجع من هذا وصفه إلى الله تعالى، فيجازيه.
والرجعى والمرجع والرجوع: مصادر، يقال: رجع إليه رجوعاً ومرجعاً ورُجْعَى، على وزن «فُعْلى» .
قوله: ﴿أَرَأَيْتَ الذي ينهى عَبْداً إِذَا صلى﴾ تقدم الكلام على ﴿أَرَأَيْتَ الذي ينهى﴾ .
وقال الزمخشري هنا: فإن قلت: ما متعلق «أرأيت» ؟ .
قلت: «الَّذي يَنْهَى» مع الجملة الشرطية، وهما في موضع المفعولين، فإن قلت: فأين جواب الشرط؟ .
قلتُ: هو محذوف تقديره: «إنْ كَانَ عَلَى الهُدى، أو أمَرَ بالتَّقْوَى، ألَمْ يَعْلمْ بأنَّ اللهَ يَرَى» ، وإنما حذف لدلالة ذكره في جواب الشرط الثاني.
فإن قلت: كيف يصح أن يكون «أَلَمْ يَعْلَمْ» جواباً للشرط؟ .
قلت: كما صح في قولك: إن أكرمتك أتكرمني، وإن أحسن إليك زيد هل تحسنُ إليه؟ .
فإن قلت: فما أرأيت الثانية، وتوسطها بين مفعول «أرأيت» ؟ قلت: هي زائدة مكررة للتأكيد.
قال شهاب الدين: اعلم أن «أرَأيْتَ» لا يكون مفعولها الثاني إلا جملة استفهامية كقوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ الله﴾ [الأنعام: 47] ، ومثله كثير، وهنا «أرَأيْتَ» ثلاث مرات، وقد صرح بعد الثالثة منها بجملة استفهامية، فيكون في موضع المفعول الثاني لها، ومفعولها الأول محذوف، وهو ضمير يعود على ﴿الَّذي يَنْهَى عَبْداً﴾ الواقع مفعولاً ل «أرَأيْتَ» الأولى، ومفعول «أرأيت» الأولى الذي هو الثاني محذوف، وهو جملة استفهامية كالجملة الواقعة بعد «أرأيت» الثالثة، وأما «أرأيت» الثانية، فلم يذكر لها مفعول، لا أول، ولا ثان، حذف الأول لدلالة المفعول من «أرأيت» الثالث عليه، فقد حذف الثاني من الأولى، والأول من الثالثة، والاثنان من الثانية، وليس طلب كل من «أرأيت» للجملة الاسمية على سبيل التنازع؛ لأنه يستدعي إضماراً. والجملة لا تضمر إنما تضمر المفردات، وإنما ذلك من باب الحذف للدلالة وأما الكلام على الشرط مع «أرأيت» هذه، فقد تقدم في «الأنعام» ، ويجوز الزمخشريُّ وقوع جواب الشرط استفهاماً بنفسه، وهذا لا يجوزُ، بل نصوا على وجوب ذكر الفاءِ في مثله، وإن ورد شيء من ذلك فهو ضرورة.
قال القرطبيُّ: وقيل: كل واحد من «أرَأيْتَ» بدل من الأول، و ﴿ألَمْ يَعْلَمْ بأنَّ اللهَ يَرَى﴾ الخبر.
فصل في تفسير الآية
قال المفسرون: «الذي يَنْهَى» أبو جهل، وقوله تعالى «عَبْداً» يعني محمداً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، فإن أبا جهل قال: لئن رأيت محمداً لأطأنَّ على عنقه. ثم إنه لما رأى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ في الصلاة نكص على عقبيه، فقالوا له: ما لك يا أبا الحكم، قال: إن بيني وبينه لخندقاً من نار وهولاً شديداً.
قال أبو هريرة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه -: فأنزل الله هذه الآيات تعجُّباً منه.
وعن الحسن: أنه أمية بن خلف، كان ينهى سلمان عن الصلاة.
وقيل: في الكلام حذف، والمعنى: من هذا الناهي عن الصلاة من العقوبة.
قوله: ﴿أَرَأَيْتَ إِن كَانَ على الهدى أَوْ أَمَرَ بالتقوى﴾ أي: أرأيت يا أبا جهلٍ إن كان محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ على هذه الصفة، أليس ناهية عن الصَّلاة والتَّقوى هالكاً؟ .
قوله: ﴿أَرَأَيْتَ إِن كَذَّبَ وتولى﴾ يعني أبا جهل كذب بكتاب الله، وأعرض عن الإيمان.
وقال الفراءُ: ﴿أرَأيتَ الذي يَنْهَى عبداً إذا صلَّى﴾ ، والناهي مكذب متولٍّ عن الذكر، أي: فما أعجب هذا بما يقول، ثم قال: ويله ﴿ألَمْ يَعْلمْ﴾ أبو جهل ﴿بأنَّ الله يَرَى﴾ ، أي: يراه ويعلم فعله، فهو تقريع وتوبيخ.
قال ابن الخطيب: هذا خطاب للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ على سبيل التعجب، وفي وجه هذا التعجب وجوه:
أحدها: أنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قال: «اللَّهُمَّ أعزَّ الإسلامَ بأبِي جَهلٍ أو بِعُمَرَ» ، فقيل: أبمثل هذا يعزّ الإسلام وهو ينهى عبداً إذا صلى.
الثاني: أنه كان يلقب بأبي الحكمِ. فقيل: كيف يلقب بهذا وهو ينهى عن الصلاة.
الثالث: أنه كان يأمر وينهى ويعتقد وجوب طاعته، ثم إنه ينهى عن طاعة الربِّ تعالى، وهذا عين الحماقة والتكبُّر، ف «عبداً» يدل على التعظيم، كأنه قيل: [ينهى أشد الخلق عبودية عن العبادة، وهذا عين الجهل، ولهذا لم يقل:] ينهاك، وأيضاً فإن هذا يدل على أن هذه عادته، ودأبه، فهو أبلغ في الذم أيضاً فهذا عام في كل من نهى عن الصلاة، وروي عن عليٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه -: أنه رأى أقواماً يصلون قبل صلاة العيد، فقال: ما رأيت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ يفعل ذلك، فقيل له: ألا تنهاهم فقال: أخشى أن أدخل في قوله تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ الذي ينهى عَبْداً إِذَا صلى﴾ [العلق: 9، 10] ، فلم يصرح أيضاً بالنهي عن الصلاة.
وأيضاً فيه: إجلال لمنصب رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أن ينهاه رجل لا سيما مثل هذا.
قوله: ﴿كَلاَّ﴾ ردع لأبي جهل عن نهيه عن عبادة الله تعالى، أو كلا لن يصل أبو جهلٍ إلى أن يقتل محمداً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ويطأ عنقه.
وقال مقاتل: كلا لا يعلم أن الله يرى، وإن كان يعلم لكن إذا كان لا ينتفع بناصيته يوم القيامة، وليسحبنه بها في النَّار، كقوله تعالى: ﴿فَيُؤْخَذُ بالنواصي والأقدام﴾ [الرحمن: 41] ، فالآية وإن كانت في أبي جهلٍ، فهي عظةٌ للنَّاس، وتهديد لمن يمنع غيره عن الطاعة.
قوله: ﴿لَنَسْفَعاً﴾ ، الوقف على هذه النون بالألف، تشبيهاً لها بالتنوين، ولذلك يحذف بعد الضمة والكسرة وقفاً، وتكتب هنا ألفاً إتباعاً للوقف.
وروي عن أبي عمرو: «لَنَسْفَعَنَّ» بالنون الثقيلة.
والسَّفع: الأخذ والقبض على الشيء بشدة، يقال: سفع بناصية فرسه، قال عمرو بن معديكرب: [الكامل]
5257 - قَوْمٌ إذَا سَمِعُوا الصَّريخَ رَأيْتهُم ... ما بَيْنَ مُلْجمِ مُهْرهِ أوْ سَافعِ
وقيل: هو الأخذ، بلغة قريش.
وقال الرَّاغب: السَّفع: الأخذ بسعفة الفرس، أي: بسواد ناصيته، وباعتبار السواد قيل للأثافي: سفع، وبه سُفْعَةُ غضب اعتباراً بما يعلم من اللون الدخاني وجه من اشتد به الغضب.
وقيل للصقر: أسفع، لما فيه من لمع السواد، وامرأة سفعاء اللون انتهى.
وفي الحديث: «فَقَامَت أمْرَأةٌ سَفْعاءُ الخدَّيْنِ» .
وقيل: هو مأخوذ من سفعت النار والشمس إذا غيرت وجهه إلى حال تسويد.
قال: [الكامل]
5258 - أثَافِيَّ سُفْعاً في مُعرَّسِ مِرْجَلٍ ... ونُؤيٌ كجذْمِ الحَوْضِ أثلمُ خَاشِعُ
قال القرطبيُّ: السفع الضرب، أي: ليلطمن وجهه، وكله متقارب المعنى، أي: يجمع عليه الضرب عند الأخذ، ثم يجر إلى جهنم.
وقرأ ابن مسعود: «لأسفعن» ، أي: يقول الله تعالى: يا محمد أنا الذي أتولّى إهانته، لقوله تعالى: ﴿هُوَ الذي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ﴾ [الأنفال: 62] ﴿هُوَ الذي أَنزَلَ السكينة﴾ [الفتح: 4] ، والناصية: شعر مقدم الرأس، وقد يعبر بها عن جملة الإنسان، وخص الناصية بالذكر على عادة العرب فيمن أرادوا إذلاله وإهانته أخذوا بناصيته.
قوله: ﴿نَاصِيَةٍ﴾ بدل من «النَّاصية» ، بدل نكرة من معرفة.
قال الزمخشريُّ: «وجاز بدلها عن المعرفة، وهي نكرة، لأنها وصفت، فاستقلت بفائدة» .
قال شهاب الدِّين: وهذا مذهب الكوفيين، لا يجيزون إبدال نكرة من غيرها إلا بشرط وصفها، وكونها بلفظ الأول، ومذهب البصريين: لا يشترط بشيءٍ؛ وأنشدوا: [الوافر]
5259 - فَلاَ وأبِيكَ خَيْرٌ مِنْكَ إنِّي ... ليُؤذِينِي التَّحَمحُمُ والصَّهِيلُ
وقرأ أبو حيوة، وابن أبي عبلة، وزيد بن علي: بنصب «ناصِيةٌ كَاذِبَةٌ خَاطِئةٌ» على الشتم.
وقرأ الكسائي في رواية: بالرفع، على إضمار: هي ناصية، ونسب الكذب والخطأ إليها مجازاً. والألف واللام في «الناصية» قيل: عوض من الإضافة، أي: بناصيته.
وقيل: الضمير محذوف، أي: الناصية منه.
فصل في معنى الآية
والمعنى: لنأخذنّ بناصية أبي جهل «كاذبة» في قولها، «خاطئة» في فعلها، والخاطئ معاقب مأخوذ، والمخطئ غير مأخوذ، ووصفت الناصية بأنها خاطئة كوصف الوجوه بالنظر في قوله «إلى ربها ناظرة» ، وقيل: إن صاحبها كاذب خاطئ كما يقال: ليل قائم ونهار صائم، أي صائم في النهار وقائم في الليل، وإنما وصف الناصية بالكاذبة، لأنه كان كاذباً على الله تعالى في أنه لم يرسل محمداً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، وكاذباً على رسوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ في أنه ساحر، وكاذب أنه ليس بنبي؛ لأن صاحبها يتمرد على الله تعالى، كما قال تعالى: ﴿لاَّ يَأْكُلُهُ إِلاَّ الخاطئون﴾ [الحاقة: 37] .
قوله: ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ﴾ ، إما أن يكون على حذف مضاف، أي: أهل ناديه، أو على التجوُّز في نداء النادي لاشتماله على الناس، كقوله تعالى: ﴿وَسْأَلِ القرية التي كُنَّا فِيهَا﴾ [يوسف: 82] ، والنادي والندي: المجلس المتجدّد للحديث.
قال زهير: [الطويل]
5260 - وفِيهِمْ مَقامَاتٌ حِسَانٌ وُجوهُهُمْ ... وأنْدِيةٌ يَنْتَابُهَا القَوْلُ والفِعْلُ
[وقالت أعرابية: هو سيد ناديه وثمال عافيه]
وقال تعالى: ﴿وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ المنكر﴾ [العنكبوت: 29] .
وقال أبو عبيدة: «ونَادِيَه» أهل مجلسه، ولا يسمى المكان نادياً حتى يكون فيه أهله، والمعنى: فليدع عشيرته، فليستنصر بهم.
قوله: ﴿سَنَدْعُ الزبانية﴾ .
قال الزمخشري: «والزبانية في كلام العرب: الشرط، الواحد: زبنية، كعفرية من الزَّبن، وهو الدَّفع.
وقيل: زبني، وكأنه نسب إلى الزبن، ثم غير للنسب، كقولهم: أمسيّ، وأصله: زباني، فقيل:» زبانية «على التعويض» .
وقال عيسى بن عمر والأخفش: واحدهم زابن.
وقيل: هو اسم جمع لا واحد له من لفظه، كعباديد، وشماطيط، وأبابيل، والحاصل: أن المادة تدل على الدفع.
قال: [الطويل]
5261 - مَطَاعِيمُ في القُصْوَى مَطَاعِينُ في الوَغَى ... زَبَانِيَةٌ غُلبٌ عِظامٌ حُلومُهَا وقال آخر: [الطويل]
5262 - ومُسْتعْجِبٍ ممَّا يَرَى مِنْ أنَاتِنَا ... ولوْ زَبَنَتْهُ الحَرْبُ لَمْ يَتَرَمْرَمِ
[قال عتبة: زبَنَتْنا الحرب، وزبنَّاها، ومنه الزبون لأنه يدفع من بائع إلى آخر.
وقال أبو الليث السمرقندي رَحِمَهُ اللَّهُ: ومنه المزابنة في البيع؛ لأنهم يعملون بأرجلهم، كما يعملون بأيديهم] .
وقرأ العامة: «سَندْعُ» بنون العظمة، ولم ترسم بالواو، وتقدم نظيره، نحو ﴿يَدْعُ الداع﴾ [القمر: 6] .
وقرأ ابن أبي عبلة: «سيُدْعَى الزبانيةُ» مبنياً للمفعول ورفع «الزبانية» لقيامها مقام الفاعل.
فصل في المراد بالزبانية
قال ابن عباس: الملائكة الغلاظ الشداد، وروي أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ لما قرأ هذه السورة وبلغ إلى قوله تعالى: ﴿لَنَسْفَعاً بالناصية﴾ قال أبو جهل: أنا أدعو قومي حتى يمنعوا عني ربك، قال الله تعالى: ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ سَنَدْعُ الزبانية﴾ فلما ذكر الزبانية رجع فزعاً، فقيل له: أخشيت منه؟ .
قال: لا، ولكن رأيت عنده فارساً، فهددني بالزبانية فما أدري ما الزبانية؛ ومال إليَّ الفارس، فخشيت منه أن يأكلني.
قال ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه -: والله لو دعا ناديه لأخذته ملائكة العذاب من ساعته. خرجه الترمذي بمعناه.
قوله: ﴿كَلاَّ﴾ أي: ليس الأمر كما يظنه أبو جهل «لا تُطِعْهُ» فيما دعاك إليه من ترك الصلاة «واسْجُدْ» ، أي: صل الله «واقْتَرِبْ» أي: اقترب إلى الله بالطَّاعة والعبادة.
وقيل: المعنى: إذا سجدت اقترب من الله بالدعاء.
قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «أمَّا الرُّكوعُ فعَظَّمُوا فِيْهِ الربَّ تعالى، وأمَّا السُّجُود فاجْتَهدُوا في الدُّعَاءِ، فقمن أنْ يُسْتجابَ لَكُمْ» .
وقال صلى الله عله وسلم: «أقْرَبُ ما يَكُونُ العبدُ مِنْ ربِّه وهُوَ سَاجِدٌ» .
فالسجود في قوله تعالى: ﴿واسجد واقترب﴾ يحتمل أن يكون بمعنى السجود في الصلاة، ويحتمل أن يكون سجود التلاوة في هذه السورة.
وقال ابن العربي: والظاهر أنه سجود الصلاة؛ لقوله تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ الذي ينهى عَبْداً إِذَا صلى﴾ إلى قوله: ﴿كَلاَّ لاَ تُطِعْهُ واسجد واقترب﴾ ، لولا ما ثبت في الصحيح من رواية مسلم، وغيره من الأئمة عن أبي هريرة، أنه قال: سجدتُ مع رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ في «إذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ» وفي ﴿اقرأ باسم رَبِّكَ الذي خَلَقَ﴾ سجدتين، فكان هذا نصًّا على أن المراد سجود التلاوةِ.
روى الثعلبي عن أبي هريرة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «مَنْ قَرَأ: ﴿اقرأ باسم رَبِّكَ﴾ ، فكأنَّمَا قَرَأ المفصل كُلَّهُ» والله تعالى أعلم.
سورة القدر
مكية في قول أكثر المفسرين ذكره الثعلبي.
وحكى الماوردي عكسه.
العلق 96:9
قوله: ﴿كَلاَّ إِنَّ الإنسان ليطغى﴾ . إلى آخر السورة.
قيل: إنه نزل في أبي جهل، نهى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ عن الصلاة، فأمر الله تعالى نبيه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أن يصلي في المسجدِ، ويقرأ باسم الربِّ - تبارك وتعالى - وعلى هذا فليست السورة من أول ما نزل، ويجوز أن يكون خمس آياتٍ من أولها أولى ما نزل، ثم نزل البقية في شأن أبي جهل، وأمر النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ بضم ذلك إلى أول السورة؛ لأن تأليف السور إنما كان بأمر الله تعالى، ألا ترى أنَّ قوله تعالى: ﴿واتقوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى الله﴾ [البقرة: 281] آخر ما نزل ثم هو مضموم إلى ما نزل قبله بزمان طويل.
و «كلاَّ» بمعنى حقاً.
قال الجرجانيُّ: لأن ليس قبله ولا بعده شيء يكون «كلاَّ» ردًّا له، كما قالوا في ﴿كَلاَّ والقمر﴾ [المدثر: 32] فإنهم قالوا: معناه: أي والقمر؛ لأنه ردع وزجر لمن كفر بنعمة الله بطغيانه، وإن لم يذكر لدلالة الكلام عليه.
وقال مقاتل: كلاَّ ليعلم الإنسان أن الله تعالى هو الذي خلقه من العلقة، وعلمه بعد الجهل؛ لأنه عند صيرورته غنياً يطغى، ويتكبر ويصير مستغرق القلب في حُبِّ الدنيا، فلا يفكر في هذه الأحوال ولا يتأمل فيها.
قوله: ﴿أَن رَّآهُ استغنى﴾ ، مفعول له، أي: رؤيته نفسه مُسْتغنياً، وتعدى الفعل هنا إلى ضميريه المتصلين؛ لأن هذا من خواص هذا الكتاب.
قال الزمخشريُّ: «ومعنى الرؤية، ولو كانت بمعنى الإبصار لامتنع في فعلها الجمع بين الضميرين، و» اسْتَغْنَى «هو المفعول الثاني» .
قال شهاب الدين: والمسألة فيها خلاف، ذهب جماعةٌ إلى أن «رأى» البصرية تعطى حكم العلمية، وجعل من ذلك قول عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها -: لقد رأيتنا مع رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وما لنا طعام إلا الأسودان؛ وأنشد: [الكامل]
5255 - ولقَد أرَانِي للرِّمَاحِ دَرِيئَةً ... مِنْ عَنْ يَمينِي تَارَةً وأمَامِي
وتقدم تحقيقه. وقرأ قنبل بخلاف عنه: «رأه» دون ألف بعد الهمزة، وهو مقصور من «رآه» في قراءة العامة.
ولا شك أن الحذف جاء قليلاً، كقولهم: «أصاب الناس جهد ولو تر أهل مكة» بحذف لام «ترى» ؛ وقول الآخر: [الرجز]
5256 - وصَّانِيَ العَجَّاجُ فِيمَا وصَّنِي ... يريد: فيما وصاني، ولما روي عن مجاهد هذه القراءة عن قنبل، وقال: «قرأت بها عليه» نسبه فيها إلى الغلط، ولا ينبغي ذلك، لأنه إذا ثبت ذلك قراءة، فإن لها وجهاً وإن كان غيره أشهر منه، فلا ينبغي أن يقدم على تغليطه.
فصل في نزول الآية
قال ابن عبَّاسٍ في رواية «أبي صالح» : لما نزلت هذه الآية وسمع بها المشركون، أتاه أبو جهل، فقال: يا محمد، أتزعم أنه من استغنى طغى، فاجعل لنا جبال «مكة» ذهباً لعلنا نأخذ منها فنطغى، فندعُ ديننا، ونتبع دينك، قال: فأتاه جبريل - عليه السلام - فقال: يا محمد خيِّرهم في ذلك، فإن شاءوا فعلنا لهم ما أرادوه، فإن لم يفعلوا فعلنا بهم كما فعلنا بأصحاب المائدةِ فعلم رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أنهم لا يقبلون ذلك، فكفّ عنهم أسفاً عليهم.
[وقيل: أن رآه استغنى بالعشيرة والأنصار والأعوان، وحذف اللام من قوله: «أن رآه» كما يقال: إنكم لتطغون أن رأيتم غناكم] .
قوله: ﴿إِنَّ إلى رَبِّكَ الرجعى﴾ . هذا الكلام واقع على طريقة الالتفات إلى الإنسان تهديداً له وتحذيراً من عاقبة الطغيان، والمعنى: أن مرجع من هذا وصفه إلى الله تعالى، فيجازيه.
والرجعى والمرجع والرجوع: مصادر، يقال: رجع إليه رجوعاً ومرجعاً ورُجْعَى، على وزن «فُعْلى» .
قوله: ﴿أَرَأَيْتَ الذي ينهى عَبْداً إِذَا صلى﴾ تقدم الكلام على ﴿أَرَأَيْتَ الذي ينهى﴾ .
وقال الزمخشري هنا: فإن قلت: ما متعلق «أرأيت» ؟ .
قلت: «الَّذي يَنْهَى» مع الجملة الشرطية، وهما في موضع المفعولين، فإن قلت: فأين جواب الشرط؟ .
قلتُ: هو محذوف تقديره: «إنْ كَانَ عَلَى الهُدى، أو أمَرَ بالتَّقْوَى، ألَمْ يَعْلمْ بأنَّ اللهَ يَرَى» ، وإنما حذف لدلالة ذكره في جواب الشرط الثاني.
فإن قلت: كيف يصح أن يكون «أَلَمْ يَعْلَمْ» جواباً للشرط؟ .
قلت: كما صح في قولك: إن أكرمتك أتكرمني، وإن أحسن إليك زيد هل تحسنُ إليه؟ .
فإن قلت: فما أرأيت الثانية، وتوسطها بين مفعول «أرأيت» ؟ قلت: هي زائدة مكررة للتأكيد.
قال شهاب الدين: اعلم أن «أرَأيْتَ» لا يكون مفعولها الثاني إلا جملة استفهامية كقوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ الله﴾ [الأنعام: 47] ، ومثله كثير، وهنا «أرَأيْتَ» ثلاث مرات، وقد صرح بعد الثالثة منها بجملة استفهامية، فيكون في موضع المفعول الثاني لها، ومفعولها الأول محذوف، وهو ضمير يعود على ﴿الَّذي يَنْهَى عَبْداً﴾ الواقع مفعولاً ل «أرَأيْتَ» الأولى، ومفعول «أرأيت» الأولى الذي هو الثاني محذوف، وهو جملة استفهامية كالجملة الواقعة بعد «أرأيت» الثالثة، وأما «أرأيت» الثانية، فلم يذكر لها مفعول، لا أول، ولا ثان، حذف الأول لدلالة المفعول من «أرأيت» الثالث عليه، فقد حذف الثاني من الأولى، والأول من الثالثة، والاثنان من الثانية، وليس طلب كل من «أرأيت» للجملة الاسمية على سبيل التنازع؛ لأنه يستدعي إضماراً. والجملة لا تضمر إنما تضمر المفردات، وإنما ذلك من باب الحذف للدلالة وأما الكلام على الشرط مع «أرأيت» هذه، فقد تقدم في «الأنعام» ، ويجوز الزمخشريُّ وقوع جواب الشرط استفهاماً بنفسه، وهذا لا يجوزُ، بل نصوا على وجوب ذكر الفاءِ في مثله، وإن ورد شيء من ذلك فهو ضرورة.
قال القرطبيُّ: وقيل: كل واحد من «أرَأيْتَ» بدل من الأول، و ﴿ألَمْ يَعْلَمْ بأنَّ اللهَ يَرَى﴾ الخبر.
فصل في تفسير الآية
قال المفسرون: «الذي يَنْهَى» أبو جهل، وقوله تعالى «عَبْداً» يعني محمداً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، فإن أبا جهل قال: لئن رأيت محمداً لأطأنَّ على عنقه. ثم إنه لما رأى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ في الصلاة نكص على عقبيه، فقالوا له: ما لك يا أبا الحكم، قال: إن بيني وبينه لخندقاً من نار وهولاً شديداً.
قال أبو هريرة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه -: فأنزل الله هذه الآيات تعجُّباً منه.
وعن الحسن: أنه أمية بن خلف، كان ينهى سلمان عن الصلاة.
وقيل: في الكلام حذف، والمعنى: من هذا الناهي عن الصلاة من العقوبة.
قوله: ﴿أَرَأَيْتَ إِن كَانَ على الهدى أَوْ أَمَرَ بالتقوى﴾ أي: أرأيت يا أبا جهلٍ إن كان محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ على هذه الصفة، أليس ناهية عن الصَّلاة والتَّقوى هالكاً؟ .
قوله: ﴿أَرَأَيْتَ إِن كَذَّبَ وتولى﴾ يعني أبا جهل كذب بكتاب الله، وأعرض عن الإيمان.
وقال الفراءُ: ﴿أرَأيتَ الذي يَنْهَى عبداً إذا صلَّى﴾ ، والناهي مكذب متولٍّ عن الذكر، أي: فما أعجب هذا بما يقول، ثم قال: ويله ﴿ألَمْ يَعْلمْ﴾ أبو جهل ﴿بأنَّ الله يَرَى﴾ ، أي: يراه ويعلم فعله، فهو تقريع وتوبيخ.
قال ابن الخطيب: هذا خطاب للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ على سبيل التعجب، وفي وجه هذا التعجب وجوه:
أحدها: أنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قال: «اللَّهُمَّ أعزَّ الإسلامَ بأبِي جَهلٍ أو بِعُمَرَ» ، فقيل: أبمثل هذا يعزّ الإسلام وهو ينهى عبداً إذا صلى.
الثاني: أنه كان يلقب بأبي الحكمِ. فقيل: كيف يلقب بهذا وهو ينهى عن الصلاة.
الثالث: أنه كان يأمر وينهى ويعتقد وجوب طاعته، ثم إنه ينهى عن طاعة الربِّ تعالى، وهذا عين الحماقة والتكبُّر، ف «عبداً» يدل على التعظيم، كأنه قيل: [ينهى أشد الخلق عبودية عن العبادة، وهذا عين الجهل، ولهذا لم يقل:] ينهاك، وأيضاً فإن هذا يدل على أن هذه عادته، ودأبه، فهو أبلغ في الذم أيضاً فهذا عام في كل من نهى عن الصلاة، وروي عن عليٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه -: أنه رأى أقواماً يصلون قبل صلاة العيد، فقال: ما رأيت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ يفعل ذلك، فقيل له: ألا تنهاهم فقال: أخشى أن أدخل في قوله تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ الذي ينهى عَبْداً إِذَا صلى﴾ [العلق: 9، 10] ، فلم يصرح أيضاً بالنهي عن الصلاة.
وأيضاً فيه: إجلال لمنصب رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أن ينهاه رجل لا سيما مثل هذا.
قوله: ﴿كَلاَّ﴾ ردع لأبي جهل عن نهيه عن عبادة الله تعالى، أو كلا لن يصل أبو جهلٍ إلى أن يقتل محمداً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ويطأ عنقه.
وقال مقاتل: كلا لا يعلم أن الله يرى، وإن كان يعلم لكن إذا كان لا ينتفع بناصيته يوم القيامة، وليسحبنه بها في النَّار، كقوله تعالى: ﴿فَيُؤْخَذُ بالنواصي والأقدام﴾ [الرحمن: 41] ، فالآية وإن كانت في أبي جهلٍ، فهي عظةٌ للنَّاس، وتهديد لمن يمنع غيره عن الطاعة.
قوله: ﴿لَنَسْفَعاً﴾ ، الوقف على هذه النون بالألف، تشبيهاً لها بالتنوين، ولذلك يحذف بعد الضمة والكسرة وقفاً، وتكتب هنا ألفاً إتباعاً للوقف.
وروي عن أبي عمرو: «لَنَسْفَعَنَّ» بالنون الثقيلة.
والسَّفع: الأخذ والقبض على الشيء بشدة، يقال: سفع بناصية فرسه، قال عمرو بن معديكرب: [الكامل]
5257 - قَوْمٌ إذَا سَمِعُوا الصَّريخَ رَأيْتهُم ... ما بَيْنَ مُلْجمِ مُهْرهِ أوْ سَافعِ
وقيل: هو الأخذ، بلغة قريش.
وقال الرَّاغب: السَّفع: الأخذ بسعفة الفرس، أي: بسواد ناصيته، وباعتبار السواد قيل للأثافي: سفع، وبه سُفْعَةُ غضب اعتباراً بما يعلم من اللون الدخاني وجه من اشتد به الغضب.
وقيل للصقر: أسفع، لما فيه من لمع السواد، وامرأة سفعاء اللون انتهى.
وفي الحديث: «فَقَامَت أمْرَأةٌ سَفْعاءُ الخدَّيْنِ» .
وقيل: هو مأخوذ من سفعت النار والشمس إذا غيرت وجهه إلى حال تسويد.
قال: [الكامل]
5258 - أثَافِيَّ سُفْعاً في مُعرَّسِ مِرْجَلٍ ... ونُؤيٌ كجذْمِ الحَوْضِ أثلمُ خَاشِعُ
قال القرطبيُّ: السفع الضرب، أي: ليلطمن وجهه، وكله متقارب المعنى، أي: يجمع عليه الضرب عند الأخذ، ثم يجر إلى جهنم.
وقرأ ابن مسعود: «لأسفعن» ، أي: يقول الله تعالى: يا محمد أنا الذي أتولّى إهانته، لقوله تعالى: ﴿هُوَ الذي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ﴾ [الأنفال: 62] ﴿هُوَ الذي أَنزَلَ السكينة﴾ [الفتح: 4] ، والناصية: شعر مقدم الرأس، وقد يعبر بها عن جملة الإنسان، وخص الناصية بالذكر على عادة العرب فيمن أرادوا إذلاله وإهانته أخذوا بناصيته.
قوله: ﴿نَاصِيَةٍ﴾ بدل من «النَّاصية» ، بدل نكرة من معرفة.
قال الزمخشريُّ: «وجاز بدلها عن المعرفة، وهي نكرة، لأنها وصفت، فاستقلت بفائدة» .
قال شهاب الدِّين: وهذا مذهب الكوفيين، لا يجيزون إبدال نكرة من غيرها إلا بشرط وصفها، وكونها بلفظ الأول، ومذهب البصريين: لا يشترط بشيءٍ؛ وأنشدوا: [الوافر]
5259 - فَلاَ وأبِيكَ خَيْرٌ مِنْكَ إنِّي ... ليُؤذِينِي التَّحَمحُمُ والصَّهِيلُ
وقرأ أبو حيوة، وابن أبي عبلة، وزيد بن علي: بنصب «ناصِيةٌ كَاذِبَةٌ خَاطِئةٌ» على الشتم.
وقرأ الكسائي في رواية: بالرفع، على إضمار: هي ناصية، ونسب الكذب والخطأ إليها مجازاً. والألف واللام في «الناصية» قيل: عوض من الإضافة، أي: بناصيته.
وقيل: الضمير محذوف، أي: الناصية منه.
فصل في معنى الآية
والمعنى: لنأخذنّ بناصية أبي جهل «كاذبة» في قولها، «خاطئة» في فعلها، والخاطئ معاقب مأخوذ، والمخطئ غير مأخوذ، ووصفت الناصية بأنها خاطئة كوصف الوجوه بالنظر في قوله «إلى ربها ناظرة» ، وقيل: إن صاحبها كاذب خاطئ كما يقال: ليل قائم ونهار صائم، أي صائم في النهار وقائم في الليل، وإنما وصف الناصية بالكاذبة، لأنه كان كاذباً على الله تعالى في أنه لم يرسل محمداً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، وكاذباً على رسوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ في أنه ساحر، وكاذب أنه ليس بنبي؛ لأن صاحبها يتمرد على الله تعالى، كما قال تعالى: ﴿لاَّ يَأْكُلُهُ إِلاَّ الخاطئون﴾ [الحاقة: 37] .
قوله: ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ﴾ ، إما أن يكون على حذف مضاف، أي: أهل ناديه، أو على التجوُّز في نداء النادي لاشتماله على الناس، كقوله تعالى: ﴿وَسْأَلِ القرية التي كُنَّا فِيهَا﴾ [يوسف: 82] ، والنادي والندي: المجلس المتجدّد للحديث.
قال زهير: [الطويل]
5260 - وفِيهِمْ مَقامَاتٌ حِسَانٌ وُجوهُهُمْ ... وأنْدِيةٌ يَنْتَابُهَا القَوْلُ والفِعْلُ
[وقالت أعرابية: هو سيد ناديه وثمال عافيه]
وقال تعالى: ﴿وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ المنكر﴾ [العنكبوت: 29] .
وقال أبو عبيدة: «ونَادِيَه» أهل مجلسه، ولا يسمى المكان نادياً حتى يكون فيه أهله، والمعنى: فليدع عشيرته، فليستنصر بهم.
قوله: ﴿سَنَدْعُ الزبانية﴾ .
قال الزمخشري: «والزبانية في كلام العرب: الشرط، الواحد: زبنية، كعفرية من الزَّبن، وهو الدَّفع.
وقيل: زبني، وكأنه نسب إلى الزبن، ثم غير للنسب، كقولهم: أمسيّ، وأصله: زباني، فقيل:» زبانية «على التعويض» .
وقال عيسى بن عمر والأخفش: واحدهم زابن.
وقيل: هو اسم جمع لا واحد له من لفظه، كعباديد، وشماطيط، وأبابيل، والحاصل: أن المادة تدل على الدفع.
قال: [الطويل]
5261 - مَطَاعِيمُ في القُصْوَى مَطَاعِينُ في الوَغَى ... زَبَانِيَةٌ غُلبٌ عِظامٌ حُلومُهَا وقال آخر: [الطويل]
5262 - ومُسْتعْجِبٍ ممَّا يَرَى مِنْ أنَاتِنَا ... ولوْ زَبَنَتْهُ الحَرْبُ لَمْ يَتَرَمْرَمِ
[قال عتبة: زبَنَتْنا الحرب، وزبنَّاها، ومنه الزبون لأنه يدفع من بائع إلى آخر.
وقال أبو الليث السمرقندي رَحِمَهُ اللَّهُ: ومنه المزابنة في البيع؛ لأنهم يعملون بأرجلهم، كما يعملون بأيديهم] .
وقرأ العامة: «سَندْعُ» بنون العظمة، ولم ترسم بالواو، وتقدم نظيره، نحو ﴿يَدْعُ الداع﴾ [القمر: 6] .
وقرأ ابن أبي عبلة: «سيُدْعَى الزبانيةُ» مبنياً للمفعول ورفع «الزبانية» لقيامها مقام الفاعل.
فصل في المراد بالزبانية
قال ابن عباس: الملائكة الغلاظ الشداد، وروي أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ لما قرأ هذه السورة وبلغ إلى قوله تعالى: ﴿لَنَسْفَعاً بالناصية﴾ قال أبو جهل: أنا أدعو قومي حتى يمنعوا عني ربك، قال الله تعالى: ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ سَنَدْعُ الزبانية﴾ فلما ذكر الزبانية رجع فزعاً، فقيل له: أخشيت منه؟ .
قال: لا، ولكن رأيت عنده فارساً، فهددني بالزبانية فما أدري ما الزبانية؛ ومال إليَّ الفارس، فخشيت منه أن يأكلني.
قال ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه -: والله لو دعا ناديه لأخذته ملائكة العذاب من ساعته. خرجه الترمذي بمعناه.
قوله: ﴿كَلاَّ﴾ أي: ليس الأمر كما يظنه أبو جهل «لا تُطِعْهُ» فيما دعاك إليه من ترك الصلاة «واسْجُدْ» ، أي: صل الله «واقْتَرِبْ» أي: اقترب إلى الله بالطَّاعة والعبادة.
وقيل: المعنى: إذا سجدت اقترب من الله بالدعاء.
قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «أمَّا الرُّكوعُ فعَظَّمُوا فِيْهِ الربَّ تعالى، وأمَّا السُّجُود فاجْتَهدُوا في الدُّعَاءِ، فقمن أنْ يُسْتجابَ لَكُمْ» .
وقال صلى الله عله وسلم: «أقْرَبُ ما يَكُونُ العبدُ مِنْ ربِّه وهُوَ سَاجِدٌ» .
فالسجود في قوله تعالى: ﴿واسجد واقترب﴾ يحتمل أن يكون بمعنى السجود في الصلاة، ويحتمل أن يكون سجود التلاوة في هذه السورة.
وقال ابن العربي: والظاهر أنه سجود الصلاة؛ لقوله تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ الذي ينهى عَبْداً إِذَا صلى﴾ إلى قوله: ﴿كَلاَّ لاَ تُطِعْهُ واسجد واقترب﴾ ، لولا ما ثبت في الصحيح من رواية مسلم، وغيره من الأئمة عن أبي هريرة، أنه قال: سجدتُ مع رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ في «إذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ» وفي ﴿اقرأ باسم رَبِّكَ الذي خَلَقَ﴾ سجدتين، فكان هذا نصًّا على أن المراد سجود التلاوةِ.
روى الثعلبي عن أبي هريرة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «مَنْ قَرَأ: ﴿اقرأ باسم رَبِّكَ﴾ ، فكأنَّمَا قَرَأ المفصل كُلَّهُ» والله تعالى أعلم.
سورة القدر
مكية في قول أكثر المفسرين ذكره الثعلبي.
وحكى الماوردي عكسه.
العلق 96:10
قوله: ﴿كَلاَّ إِنَّ الإنسان ليطغى﴾ . إلى آخر السورة.
قيل: إنه نزل في أبي جهل، نهى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ عن الصلاة، فأمر الله تعالى نبيه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أن يصلي في المسجدِ، ويقرأ باسم الربِّ - تبارك وتعالى - وعلى هذا فليست السورة من أول ما نزل، ويجوز أن يكون خمس آياتٍ من أولها أولى ما نزل، ثم نزل البقية في شأن أبي جهل، وأمر النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ بضم ذلك إلى أول السورة؛ لأن تأليف السور إنما كان بأمر الله تعالى، ألا ترى أنَّ قوله تعالى: ﴿واتقوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى الله﴾ [البقرة: 281] آخر ما نزل ثم هو مضموم إلى ما نزل قبله بزمان طويل.
و «كلاَّ» بمعنى حقاً.
قال الجرجانيُّ: لأن ليس قبله ولا بعده شيء يكون «كلاَّ» ردًّا له، كما قالوا في ﴿كَلاَّ والقمر﴾ [المدثر: 32] فإنهم قالوا: معناه: أي والقمر؛ لأنه ردع وزجر لمن كفر بنعمة الله بطغيانه، وإن لم يذكر لدلالة الكلام عليه.
وقال مقاتل: كلاَّ ليعلم الإنسان أن الله تعالى هو الذي خلقه من العلقة، وعلمه بعد الجهل؛ لأنه عند صيرورته غنياً يطغى، ويتكبر ويصير مستغرق القلب في حُبِّ الدنيا، فلا يفكر في هذه الأحوال ولا يتأمل فيها.
قوله: ﴿أَن رَّآهُ استغنى﴾ ، مفعول له، أي: رؤيته نفسه مُسْتغنياً، وتعدى الفعل هنا إلى ضميريه المتصلين؛ لأن هذا من خواص هذا الكتاب.
قال الزمخشريُّ: «ومعنى الرؤية، ولو كانت بمعنى الإبصار لامتنع في فعلها الجمع بين الضميرين، و» اسْتَغْنَى «هو المفعول الثاني» .
قال شهاب الدين: والمسألة فيها خلاف، ذهب جماعةٌ إلى أن «رأى» البصرية تعطى حكم العلمية، وجعل من ذلك قول عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها -: لقد رأيتنا مع رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وما لنا طعام إلا الأسودان؛ وأنشد: [الكامل]
5255 - ولقَد أرَانِي للرِّمَاحِ دَرِيئَةً ... مِنْ عَنْ يَمينِي تَارَةً وأمَامِي
وتقدم تحقيقه. وقرأ قنبل بخلاف عنه: «رأه» دون ألف بعد الهمزة، وهو مقصور من «رآه» في قراءة العامة.
ولا شك أن الحذف جاء قليلاً، كقولهم: «أصاب الناس جهد ولو تر أهل مكة» بحذف لام «ترى» ؛ وقول الآخر: [الرجز]
5256 - وصَّانِيَ العَجَّاجُ فِيمَا وصَّنِي ... يريد: فيما وصاني، ولما روي عن مجاهد هذه القراءة عن قنبل، وقال: «قرأت بها عليه» نسبه فيها إلى الغلط، ولا ينبغي ذلك، لأنه إذا ثبت ذلك قراءة، فإن لها وجهاً وإن كان غيره أشهر منه، فلا ينبغي أن يقدم على تغليطه.
فصل في نزول الآية
قال ابن عبَّاسٍ في رواية «أبي صالح» : لما نزلت هذه الآية وسمع بها المشركون، أتاه أبو جهل، فقال: يا محمد، أتزعم أنه من استغنى طغى، فاجعل لنا جبال «مكة» ذهباً لعلنا نأخذ منها فنطغى، فندعُ ديننا، ونتبع دينك، قال: فأتاه جبريل - عليه السلام - فقال: يا محمد خيِّرهم في ذلك، فإن شاءوا فعلنا لهم ما أرادوه، فإن لم يفعلوا فعلنا بهم كما فعلنا بأصحاب المائدةِ فعلم رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أنهم لا يقبلون ذلك، فكفّ عنهم أسفاً عليهم.
[وقيل: أن رآه استغنى بالعشيرة والأنصار والأعوان، وحذف اللام من قوله: «أن رآه» كما يقال: إنكم لتطغون أن رأيتم غناكم] .
قوله: ﴿إِنَّ إلى رَبِّكَ الرجعى﴾ . هذا الكلام واقع على طريقة الالتفات إلى الإنسان تهديداً له وتحذيراً من عاقبة الطغيان، والمعنى: أن مرجع من هذا وصفه إلى الله تعالى، فيجازيه.
والرجعى والمرجع والرجوع: مصادر، يقال: رجع إليه رجوعاً ومرجعاً ورُجْعَى، على وزن «فُعْلى» .
قوله: ﴿أَرَأَيْتَ الذي ينهى عَبْداً إِذَا صلى﴾ تقدم الكلام على ﴿أَرَأَيْتَ الذي ينهى﴾ .
وقال الزمخشري هنا: فإن قلت: ما متعلق «أرأيت» ؟ .
قلت: «الَّذي يَنْهَى» مع الجملة الشرطية، وهما في موضع المفعولين، فإن قلت: فأين جواب الشرط؟ .
قلتُ: هو محذوف تقديره: «إنْ كَانَ عَلَى الهُدى، أو أمَرَ بالتَّقْوَى، ألَمْ يَعْلمْ بأنَّ اللهَ يَرَى» ، وإنما حذف لدلالة ذكره في جواب الشرط الثاني.
فإن قلت: كيف يصح أن يكون «أَلَمْ يَعْلَمْ» جواباً للشرط؟ .
قلت: كما صح في قولك: إن أكرمتك أتكرمني، وإن أحسن إليك زيد هل تحسنُ إليه؟ .
فإن قلت: فما أرأيت الثانية، وتوسطها بين مفعول «أرأيت» ؟ قلت: هي زائدة مكررة للتأكيد.
قال شهاب الدين: اعلم أن «أرَأيْتَ» لا يكون مفعولها الثاني إلا جملة استفهامية كقوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ الله﴾ [الأنعام: 47] ، ومثله كثير، وهنا «أرَأيْتَ» ثلاث مرات، وقد صرح بعد الثالثة منها بجملة استفهامية، فيكون في موضع المفعول الثاني لها، ومفعولها الأول محذوف، وهو ضمير يعود على ﴿الَّذي يَنْهَى عَبْداً﴾ الواقع مفعولاً ل «أرَأيْتَ» الأولى، ومفعول «أرأيت» الأولى الذي هو الثاني محذوف، وهو جملة استفهامية كالجملة الواقعة بعد «أرأيت» الثالثة، وأما «أرأيت» الثانية، فلم يذكر لها مفعول، لا أول، ولا ثان، حذف الأول لدلالة المفعول من «أرأيت» الثالث عليه، فقد حذف الثاني من الأولى، والأول من الثالثة، والاثنان من الثانية، وليس طلب كل من «أرأيت» للجملة الاسمية على سبيل التنازع؛ لأنه يستدعي إضماراً. والجملة لا تضمر إنما تضمر المفردات، وإنما ذلك من باب الحذف للدلالة وأما الكلام على الشرط مع «أرأيت» هذه، فقد تقدم في «الأنعام» ، ويجوز الزمخشريُّ وقوع جواب الشرط استفهاماً بنفسه، وهذا لا يجوزُ، بل نصوا على وجوب ذكر الفاءِ في مثله، وإن ورد شيء من ذلك فهو ضرورة.
قال القرطبيُّ: وقيل: كل واحد من «أرَأيْتَ» بدل من الأول، و ﴿ألَمْ يَعْلَمْ بأنَّ اللهَ يَرَى﴾ الخبر.
فصل في تفسير الآية
قال المفسرون: «الذي يَنْهَى» أبو جهل، وقوله تعالى «عَبْداً» يعني محمداً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، فإن أبا جهل قال: لئن رأيت محمداً لأطأنَّ على عنقه. ثم إنه لما رأى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ في الصلاة نكص على عقبيه، فقالوا له: ما لك يا أبا الحكم، قال: إن بيني وبينه لخندقاً من نار وهولاً شديداً.
قال أبو هريرة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه -: فأنزل الله هذه الآيات تعجُّباً منه.
وعن الحسن: أنه أمية بن خلف، كان ينهى سلمان عن الصلاة.
وقيل: في الكلام حذف، والمعنى: من هذا الناهي عن الصلاة من العقوبة.
قوله: ﴿أَرَأَيْتَ إِن كَانَ على الهدى أَوْ أَمَرَ بالتقوى﴾ أي: أرأيت يا أبا جهلٍ إن كان محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ على هذه الصفة، أليس ناهية عن الصَّلاة والتَّقوى هالكاً؟ .
قوله: ﴿أَرَأَيْتَ إِن كَذَّبَ وتولى﴾ يعني أبا جهل كذب بكتاب الله، وأعرض عن الإيمان.
وقال الفراءُ: ﴿أرَأيتَ الذي يَنْهَى عبداً إذا صلَّى﴾ ، والناهي مكذب متولٍّ عن الذكر، أي: فما أعجب هذا بما يقول، ثم قال: ويله ﴿ألَمْ يَعْلمْ﴾ أبو جهل ﴿بأنَّ الله يَرَى﴾ ، أي: يراه ويعلم فعله، فهو تقريع وتوبيخ.
قال ابن الخطيب: هذا خطاب للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ على سبيل التعجب، وفي وجه هذا التعجب وجوه:
أحدها: أنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قال: «اللَّهُمَّ أعزَّ الإسلامَ بأبِي جَهلٍ أو بِعُمَرَ» ، فقيل: أبمثل هذا يعزّ الإسلام وهو ينهى عبداً إذا صلى.
الثاني: أنه كان يلقب بأبي الحكمِ. فقيل: كيف يلقب بهذا وهو ينهى عن الصلاة.
الثالث: أنه كان يأمر وينهى ويعتقد وجوب طاعته، ثم إنه ينهى عن طاعة الربِّ تعالى، وهذا عين الحماقة والتكبُّر، ف «عبداً» يدل على التعظيم، كأنه قيل: [ينهى أشد الخلق عبودية عن العبادة، وهذا عين الجهل، ولهذا لم يقل:] ينهاك، وأيضاً فإن هذا يدل على أن هذه عادته، ودأبه، فهو أبلغ في الذم أيضاً فهذا عام في كل من نهى عن الصلاة، وروي عن عليٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه -: أنه رأى أقواماً يصلون قبل صلاة العيد، فقال: ما رأيت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ يفعل ذلك، فقيل له: ألا تنهاهم فقال: أخشى أن أدخل في قوله تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ الذي ينهى عَبْداً إِذَا صلى﴾ [العلق: 9، 10] ، فلم يصرح أيضاً بالنهي عن الصلاة.
وأيضاً فيه: إجلال لمنصب رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أن ينهاه رجل لا سيما مثل هذا.
قوله: ﴿كَلاَّ﴾ ردع لأبي جهل عن نهيه عن عبادة الله تعالى، أو كلا لن يصل أبو جهلٍ إلى أن يقتل محمداً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ويطأ عنقه.
وقال مقاتل: كلا لا يعلم أن الله يرى، وإن كان يعلم لكن إذا كان لا ينتفع بناصيته يوم القيامة، وليسحبنه بها في النَّار، كقوله تعالى: ﴿فَيُؤْخَذُ بالنواصي والأقدام﴾ [الرحمن: 41] ، فالآية وإن كانت في أبي جهلٍ، فهي عظةٌ للنَّاس، وتهديد لمن يمنع غيره عن الطاعة.
قوله: ﴿لَنَسْفَعاً﴾ ، الوقف على هذه النون بالألف، تشبيهاً لها بالتنوين، ولذلك يحذف بعد الضمة والكسرة وقفاً، وتكتب هنا ألفاً إتباعاً للوقف.
وروي عن أبي عمرو: «لَنَسْفَعَنَّ» بالنون الثقيلة.
والسَّفع: الأخذ والقبض على الشيء بشدة، يقال: سفع بناصية فرسه، قال عمرو بن معديكرب: [الكامل]
5257 - قَوْمٌ إذَا سَمِعُوا الصَّريخَ رَأيْتهُم ... ما بَيْنَ مُلْجمِ مُهْرهِ أوْ سَافعِ
وقيل: هو الأخذ، بلغة قريش.
وقال الرَّاغب: السَّفع: الأخذ بسعفة الفرس، أي: بسواد ناصيته، وباعتبار السواد قيل للأثافي: سفع، وبه سُفْعَةُ غضب اعتباراً بما يعلم من اللون الدخاني وجه من اشتد به الغضب.
وقيل للصقر: أسفع، لما فيه من لمع السواد، وامرأة سفعاء اللون انتهى.
وفي الحديث: «فَقَامَت أمْرَأةٌ سَفْعاءُ الخدَّيْنِ» .
وقيل: هو مأخوذ من سفعت النار والشمس إذا غيرت وجهه إلى حال تسويد.
قال: [الكامل]
5258 - أثَافِيَّ سُفْعاً في مُعرَّسِ مِرْجَلٍ ... ونُؤيٌ كجذْمِ الحَوْضِ أثلمُ خَاشِعُ
قال القرطبيُّ: السفع الضرب، أي: ليلطمن وجهه، وكله متقارب المعنى، أي: يجمع عليه الضرب عند الأخذ، ثم يجر إلى جهنم.
وقرأ ابن مسعود: «لأسفعن» ، أي: يقول الله تعالى: يا محمد أنا الذي أتولّى إهانته، لقوله تعالى: ﴿هُوَ الذي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ﴾ [الأنفال: 62] ﴿هُوَ الذي أَنزَلَ السكينة﴾ [الفتح: 4] ، والناصية: شعر مقدم الرأس، وقد يعبر بها عن جملة الإنسان، وخص الناصية بالذكر على عادة العرب فيمن أرادوا إذلاله وإهانته أخذوا بناصيته.
قوله: ﴿نَاصِيَةٍ﴾ بدل من «النَّاصية» ، بدل نكرة من معرفة.
قال الزمخشريُّ: «وجاز بدلها عن المعرفة، وهي نكرة، لأنها وصفت، فاستقلت بفائدة» .
قال شهاب الدِّين: وهذا مذهب الكوفيين، لا يجيزون إبدال نكرة من غيرها إلا بشرط وصفها، وكونها بلفظ الأول، ومذهب البصريين: لا يشترط بشيءٍ؛ وأنشدوا: [الوافر]
5259 - فَلاَ وأبِيكَ خَيْرٌ مِنْكَ إنِّي ... ليُؤذِينِي التَّحَمحُمُ والصَّهِيلُ
وقرأ أبو حيوة، وابن أبي عبلة، وزيد بن علي: بنصب «ناصِيةٌ كَاذِبَةٌ خَاطِئةٌ» على الشتم.
وقرأ الكسائي في رواية: بالرفع، على إضمار: هي ناصية، ونسب الكذب والخطأ إليها مجازاً. والألف واللام في «الناصية» قيل: عوض من الإضافة، أي: بناصيته.
وقيل: الضمير محذوف، أي: الناصية منه.
فصل في معنى الآية
والمعنى: لنأخذنّ بناصية أبي جهل «كاذبة» في قولها، «خاطئة» في فعلها، والخاطئ معاقب مأخوذ، والمخطئ غير مأخوذ، ووصفت الناصية بأنها خاطئة كوصف الوجوه بالنظر في قوله «إلى ربها ناظرة» ، وقيل: إن صاحبها كاذب خاطئ كما يقال: ليل قائم ونهار صائم، أي صائم في النهار وقائم في الليل، وإنما وصف الناصية بالكاذبة، لأنه كان كاذباً على الله تعالى في أنه لم يرسل محمداً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، وكاذباً على رسوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ في أنه ساحر، وكاذب أنه ليس بنبي؛ لأن صاحبها يتمرد على الله تعالى، كما قال تعالى: ﴿لاَّ يَأْكُلُهُ إِلاَّ الخاطئون﴾ [الحاقة: 37] .
قوله: ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ﴾ ، إما أن يكون على حذف مضاف، أي: أهل ناديه، أو على التجوُّز في نداء النادي لاشتماله على الناس، كقوله تعالى: ﴿وَسْأَلِ القرية التي كُنَّا فِيهَا﴾ [يوسف: 82] ، والنادي والندي: المجلس المتجدّد للحديث.
قال زهير: [الطويل]
5260 - وفِيهِمْ مَقامَاتٌ حِسَانٌ وُجوهُهُمْ ... وأنْدِيةٌ يَنْتَابُهَا القَوْلُ والفِعْلُ
[وقالت أعرابية: هو سيد ناديه وثمال عافيه]
وقال تعالى: ﴿وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ المنكر﴾ [العنكبوت: 29] .
وقال أبو عبيدة: «ونَادِيَه» أهل مجلسه، ولا يسمى المكان نادياً حتى يكون فيه أهله، والمعنى: فليدع عشيرته، فليستنصر بهم.
قوله: ﴿سَنَدْعُ الزبانية﴾ .
قال الزمخشري: «والزبانية في كلام العرب: الشرط، الواحد: زبنية، كعفرية من الزَّبن، وهو الدَّفع.
وقيل: زبني، وكأنه نسب إلى الزبن، ثم غير للنسب، كقولهم: أمسيّ، وأصله: زباني، فقيل:» زبانية «على التعويض» .
وقال عيسى بن عمر والأخفش: واحدهم زابن.
وقيل: هو اسم جمع لا واحد له من لفظه، كعباديد، وشماطيط، وأبابيل، والحاصل: أن المادة تدل على الدفع.
قال: [الطويل]
5261 - مَطَاعِيمُ في القُصْوَى مَطَاعِينُ في الوَغَى ... زَبَانِيَةٌ غُلبٌ عِظامٌ حُلومُهَا وقال آخر: [الطويل]
5262 - ومُسْتعْجِبٍ ممَّا يَرَى مِنْ أنَاتِنَا ... ولوْ زَبَنَتْهُ الحَرْبُ لَمْ يَتَرَمْرَمِ
[قال عتبة: زبَنَتْنا الحرب، وزبنَّاها، ومنه الزبون لأنه يدفع من بائع إلى آخر.
وقال أبو الليث السمرقندي رَحِمَهُ اللَّهُ: ومنه المزابنة في البيع؛ لأنهم يعملون بأرجلهم، كما يعملون بأيديهم] .
وقرأ العامة: «سَندْعُ» بنون العظمة، ولم ترسم بالواو، وتقدم نظيره، نحو ﴿يَدْعُ الداع﴾ [القمر: 6] .
وقرأ ابن أبي عبلة: «سيُدْعَى الزبانيةُ» مبنياً للمفعول ورفع «الزبانية» لقيامها مقام الفاعل.
فصل في المراد بالزبانية
قال ابن عباس: الملائكة الغلاظ الشداد، وروي أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ لما قرأ هذه السورة وبلغ إلى قوله تعالى: ﴿لَنَسْفَعاً بالناصية﴾ قال أبو جهل: أنا أدعو قومي حتى يمنعوا عني ربك، قال الله تعالى: ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ سَنَدْعُ الزبانية﴾ فلما ذكر الزبانية رجع فزعاً، فقيل له: أخشيت منه؟ .
قال: لا، ولكن رأيت عنده فارساً، فهددني بالزبانية فما أدري ما الزبانية؛ ومال إليَّ الفارس، فخشيت منه أن يأكلني.
قال ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه -: والله لو دعا ناديه لأخذته ملائكة العذاب من ساعته. خرجه الترمذي بمعناه.
قوله: ﴿كَلاَّ﴾ أي: ليس الأمر كما يظنه أبو جهل «لا تُطِعْهُ» فيما دعاك إليه من ترك الصلاة «واسْجُدْ» ، أي: صل الله «واقْتَرِبْ» أي: اقترب إلى الله بالطَّاعة والعبادة.
وقيل: المعنى: إذا سجدت اقترب من الله بالدعاء.
قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «أمَّا الرُّكوعُ فعَظَّمُوا فِيْهِ الربَّ تعالى، وأمَّا السُّجُود فاجْتَهدُوا في الدُّعَاءِ، فقمن أنْ يُسْتجابَ لَكُمْ» .
وقال صلى الله عله وسلم: «أقْرَبُ ما يَكُونُ العبدُ مِنْ ربِّه وهُوَ سَاجِدٌ» .
فالسجود في قوله تعالى: ﴿واسجد واقترب﴾ يحتمل أن يكون بمعنى السجود في الصلاة، ويحتمل أن يكون سجود التلاوة في هذه السورة.
وقال ابن العربي: والظاهر أنه سجود الصلاة؛ لقوله تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ الذي ينهى عَبْداً إِذَا صلى﴾ إلى قوله: ﴿كَلاَّ لاَ تُطِعْهُ واسجد واقترب﴾ ، لولا ما ثبت في الصحيح من رواية مسلم، وغيره من الأئمة عن أبي هريرة، أنه قال: سجدتُ مع رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ في «إذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ» وفي ﴿اقرأ باسم رَبِّكَ الذي خَلَقَ﴾ سجدتين، فكان هذا نصًّا على أن المراد سجود التلاوةِ.
روى الثعلبي عن أبي هريرة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «مَنْ قَرَأ: ﴿اقرأ باسم رَبِّكَ﴾ ، فكأنَّمَا قَرَأ المفصل كُلَّهُ» والله تعالى أعلم.
سورة القدر
مكية في قول أكثر المفسرين ذكره الثعلبي.
وحكى الماوردي عكسه.
العلق 96:11
قوله: ﴿كَلاَّ إِنَّ الإنسان ليطغى﴾ . إلى آخر السورة.
قيل: إنه نزل في أبي جهل، نهى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ عن الصلاة، فأمر الله تعالى نبيه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أن يصلي في المسجدِ، ويقرأ باسم الربِّ - تبارك وتعالى - وعلى هذا فليست السورة من أول ما نزل، ويجوز أن يكون خمس آياتٍ من أولها أولى ما نزل، ثم نزل البقية في شأن أبي جهل، وأمر النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ بضم ذلك إلى أول السورة؛ لأن تأليف السور إنما كان بأمر الله تعالى، ألا ترى أنَّ قوله تعالى: ﴿واتقوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى الله﴾ [البقرة: 281] آخر ما نزل ثم هو مضموم إلى ما نزل قبله بزمان طويل.
و «كلاَّ» بمعنى حقاً.
قال الجرجانيُّ: لأن ليس قبله ولا بعده شيء يكون «كلاَّ» ردًّا له، كما قالوا في ﴿كَلاَّ والقمر﴾ [المدثر: 32] فإنهم قالوا: معناه: أي والقمر؛ لأنه ردع وزجر لمن كفر بنعمة الله بطغيانه، وإن لم يذكر لدلالة الكلام عليه.
وقال مقاتل: كلاَّ ليعلم الإنسان أن الله تعالى هو الذي خلقه من العلقة، وعلمه بعد الجهل؛ لأنه عند صيرورته غنياً يطغى، ويتكبر ويصير مستغرق القلب في حُبِّ الدنيا، فلا يفكر في هذه الأحوال ولا يتأمل فيها.
قوله: ﴿أَن رَّآهُ استغنى﴾ ، مفعول له، أي: رؤيته نفسه مُسْتغنياً، وتعدى الفعل هنا إلى ضميريه المتصلين؛ لأن هذا من خواص هذا الكتاب.
قال الزمخشريُّ: «ومعنى الرؤية، ولو كانت بمعنى الإبصار لامتنع في فعلها الجمع بين الضميرين، و» اسْتَغْنَى «هو المفعول الثاني» .
قال شهاب الدين: والمسألة فيها خلاف، ذهب جماعةٌ إلى أن «رأى» البصرية تعطى حكم العلمية، وجعل من ذلك قول عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها -: لقد رأيتنا مع رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وما لنا طعام إلا الأسودان؛ وأنشد: [الكامل]
5255 - ولقَد أرَانِي للرِّمَاحِ دَرِيئَةً ... مِنْ عَنْ يَمينِي تَارَةً وأمَامِي
وتقدم تحقيقه. وقرأ قنبل بخلاف عنه: «رأه» دون ألف بعد الهمزة، وهو مقصور من «رآه» في قراءة العامة.
ولا شك أن الحذف جاء قليلاً، كقولهم: «أصاب الناس جهد ولو تر أهل مكة» بحذف لام «ترى» ؛ وقول الآخر: [الرجز]
5256 - وصَّانِيَ العَجَّاجُ فِيمَا وصَّنِي ... يريد: فيما وصاني، ولما روي عن مجاهد هذه القراءة عن قنبل، وقال: «قرأت بها عليه» نسبه فيها إلى الغلط، ولا ينبغي ذلك، لأنه إذا ثبت ذلك قراءة، فإن لها وجهاً وإن كان غيره أشهر منه، فلا ينبغي أن يقدم على تغليطه.
فصل في نزول الآية
قال ابن عبَّاسٍ في رواية «أبي صالح» : لما نزلت هذه الآية وسمع بها المشركون، أتاه أبو جهل، فقال: يا محمد، أتزعم أنه من استغنى طغى، فاجعل لنا جبال «مكة» ذهباً لعلنا نأخذ منها فنطغى، فندعُ ديننا، ونتبع دينك، قال: فأتاه جبريل - عليه السلام - فقال: يا محمد خيِّرهم في ذلك، فإن شاءوا فعلنا لهم ما أرادوه، فإن لم يفعلوا فعلنا بهم كما فعلنا بأصحاب المائدةِ فعلم رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أنهم لا يقبلون ذلك، فكفّ عنهم أسفاً عليهم.
[وقيل: أن رآه استغنى بالعشيرة والأنصار والأعوان، وحذف اللام من قوله: «أن رآه» كما يقال: إنكم لتطغون أن رأيتم غناكم] .
قوله: ﴿إِنَّ إلى رَبِّكَ الرجعى﴾ . هذا الكلام واقع على طريقة الالتفات إلى الإنسان تهديداً له وتحذيراً من عاقبة الطغيان، والمعنى: أن مرجع من هذا وصفه إلى الله تعالى، فيجازيه.
والرجعى والمرجع والرجوع: مصادر، يقال: رجع إليه رجوعاً ومرجعاً ورُجْعَى، على وزن «فُعْلى» .
قوله: ﴿أَرَأَيْتَ الذي ينهى عَبْداً إِذَا صلى﴾ تقدم الكلام على ﴿أَرَأَيْتَ الذي ينهى﴾ .
وقال الزمخشري هنا: فإن قلت: ما متعلق «أرأيت» ؟ .
قلت: «الَّذي يَنْهَى» مع الجملة الشرطية، وهما في موضع المفعولين، فإن قلت: فأين جواب الشرط؟ .
قلتُ: هو محذوف تقديره: «إنْ كَانَ عَلَى الهُدى، أو أمَرَ بالتَّقْوَى، ألَمْ يَعْلمْ بأنَّ اللهَ يَرَى» ، وإنما حذف لدلالة ذكره في جواب الشرط الثاني.
فإن قلت: كيف يصح أن يكون «أَلَمْ يَعْلَمْ» جواباً للشرط؟ .
قلت: كما صح في قولك: إن أكرمتك أتكرمني، وإن أحسن إليك زيد هل تحسنُ إليه؟ .
فإن قلت: فما أرأيت الثانية، وتوسطها بين مفعول «أرأيت» ؟ قلت: هي زائدة مكررة للتأكيد.
قال شهاب الدين: اعلم أن «أرَأيْتَ» لا يكون مفعولها الثاني إلا جملة استفهامية كقوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ الله﴾ [الأنعام: 47] ، ومثله كثير، وهنا «أرَأيْتَ» ثلاث مرات، وقد صرح بعد الثالثة منها بجملة استفهامية، فيكون في موضع المفعول الثاني لها، ومفعولها الأول محذوف، وهو ضمير يعود على ﴿الَّذي يَنْهَى عَبْداً﴾ الواقع مفعولاً ل «أرَأيْتَ» الأولى، ومفعول «أرأيت» الأولى الذي هو الثاني محذوف، وهو جملة استفهامية كالجملة الواقعة بعد «أرأيت» الثالثة، وأما «أرأيت» الثانية، فلم يذكر لها مفعول، لا أول، ولا ثان، حذف الأول لدلالة المفعول من «أرأيت» الثالث عليه، فقد حذف الثاني من الأولى، والأول من الثالثة، والاثنان من الثانية، وليس طلب كل من «أرأيت» للجملة الاسمية على سبيل التنازع؛ لأنه يستدعي إضماراً. والجملة لا تضمر إنما تضمر المفردات، وإنما ذلك من باب الحذف للدلالة وأما الكلام على الشرط مع «أرأيت» هذه، فقد تقدم في «الأنعام» ، ويجوز الزمخشريُّ وقوع جواب الشرط استفهاماً بنفسه، وهذا لا يجوزُ، بل نصوا على وجوب ذكر الفاءِ في مثله، وإن ورد شيء من ذلك فهو ضرورة.
قال القرطبيُّ: وقيل: كل واحد من «أرَأيْتَ» بدل من الأول، و ﴿ألَمْ يَعْلَمْ بأنَّ اللهَ يَرَى﴾ الخبر.
فصل في تفسير الآية
قال المفسرون: «الذي يَنْهَى» أبو جهل، وقوله تعالى «عَبْداً» يعني محمداً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، فإن أبا جهل قال: لئن رأيت محمداً لأطأنَّ على عنقه. ثم إنه لما رأى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ في الصلاة نكص على عقبيه، فقالوا له: ما لك يا أبا الحكم، قال: إن بيني وبينه لخندقاً من نار وهولاً شديداً.
قال أبو هريرة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه -: فأنزل الله هذه الآيات تعجُّباً منه.
وعن الحسن: أنه أمية بن خلف، كان ينهى سلمان عن الصلاة.
وقيل: في الكلام حذف، والمعنى: من هذا الناهي عن الصلاة من العقوبة.
قوله: ﴿أَرَأَيْتَ إِن كَانَ على الهدى أَوْ أَمَرَ بالتقوى﴾ أي: أرأيت يا أبا جهلٍ إن كان محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ على هذه الصفة، أليس ناهية عن الصَّلاة والتَّقوى هالكاً؟ .
قوله: ﴿أَرَأَيْتَ إِن كَذَّبَ وتولى﴾ يعني أبا جهل كذب بكتاب الله، وأعرض عن الإيمان.
وقال الفراءُ: ﴿أرَأيتَ الذي يَنْهَى عبداً إذا صلَّى﴾ ، والناهي مكذب متولٍّ عن الذكر، أي: فما أعجب هذا بما يقول، ثم قال: ويله ﴿ألَمْ يَعْلمْ﴾ أبو جهل ﴿بأنَّ الله يَرَى﴾ ، أي: يراه ويعلم فعله، فهو تقريع وتوبيخ.
قال ابن الخطيب: هذا خطاب للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ على سبيل التعجب، وفي وجه هذا التعجب وجوه:
أحدها: أنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قال: «اللَّهُمَّ أعزَّ الإسلامَ بأبِي جَهلٍ أو بِعُمَرَ» ، فقيل: أبمثل هذا يعزّ الإسلام وهو ينهى عبداً إذا صلى.
الثاني: أنه كان يلقب بأبي الحكمِ. فقيل: كيف يلقب بهذا وهو ينهى عن الصلاة.
الثالث: أنه كان يأمر وينهى ويعتقد وجوب طاعته، ثم إنه ينهى عن طاعة الربِّ تعالى، وهذا عين الحماقة والتكبُّر، ف «عبداً» يدل على التعظيم، كأنه قيل: [ينهى أشد الخلق عبودية عن العبادة، وهذا عين الجهل، ولهذا لم يقل:] ينهاك، وأيضاً فإن هذا يدل على أن هذه عادته، ودأبه، فهو أبلغ في الذم أيضاً فهذا عام في كل من نهى عن الصلاة، وروي عن عليٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه -: أنه رأى أقواماً يصلون قبل صلاة العيد، فقال: ما رأيت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ يفعل ذلك، فقيل له: ألا تنهاهم فقال: أخشى أن أدخل في قوله تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ الذي ينهى عَبْداً إِذَا صلى﴾ [العلق: 9، 10] ، فلم يصرح أيضاً بالنهي عن الصلاة.
وأيضاً فيه: إجلال لمنصب رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أن ينهاه رجل لا سيما مثل هذا.
قوله: ﴿كَلاَّ﴾ ردع لأبي جهل عن نهيه عن عبادة الله تعالى، أو كلا لن يصل أبو جهلٍ إلى أن يقتل محمداً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ويطأ عنقه.
وقال مقاتل: كلا لا يعلم أن الله يرى، وإن كان يعلم لكن إذا كان لا ينتفع بناصيته يوم القيامة، وليسحبنه بها في النَّار، كقوله تعالى: ﴿فَيُؤْخَذُ بالنواصي والأقدام﴾ [الرحمن: 41] ، فالآية وإن كانت في أبي جهلٍ، فهي عظةٌ للنَّاس، وتهديد لمن يمنع غيره عن الطاعة.
قوله: ﴿لَنَسْفَعاً﴾ ، الوقف على هذه النون بالألف، تشبيهاً لها بالتنوين، ولذلك يحذف بعد الضمة والكسرة وقفاً، وتكتب هنا ألفاً إتباعاً للوقف.
وروي عن أبي عمرو: «لَنَسْفَعَنَّ» بالنون الثقيلة.
والسَّفع: الأخذ والقبض على الشيء بشدة، يقال: سفع بناصية فرسه، قال عمرو بن معديكرب: [الكامل]
5257 - قَوْمٌ إذَا سَمِعُوا الصَّريخَ رَأيْتهُم ... ما بَيْنَ مُلْجمِ مُهْرهِ أوْ سَافعِ
وقيل: هو الأخذ، بلغة قريش.
وقال الرَّاغب: السَّفع: الأخذ بسعفة الفرس، أي: بسواد ناصيته، وباعتبار السواد قيل للأثافي: سفع، وبه سُفْعَةُ غضب اعتباراً بما يعلم من اللون الدخاني وجه من اشتد به الغضب.
وقيل للصقر: أسفع، لما فيه من لمع السواد، وامرأة سفعاء اللون انتهى.
وفي الحديث: «فَقَامَت أمْرَأةٌ سَفْعاءُ الخدَّيْنِ» .
وقيل: هو مأخوذ من سفعت النار والشمس إذا غيرت وجهه إلى حال تسويد.
قال: [الكامل]
5258 - أثَافِيَّ سُفْعاً في مُعرَّسِ مِرْجَلٍ ... ونُؤيٌ كجذْمِ الحَوْضِ أثلمُ خَاشِعُ
قال القرطبيُّ: السفع الضرب، أي: ليلطمن وجهه، وكله متقارب المعنى، أي: يجمع عليه الضرب عند الأخذ، ثم يجر إلى جهنم.
وقرأ ابن مسعود: «لأسفعن» ، أي: يقول الله تعالى: يا محمد أنا الذي أتولّى إهانته، لقوله تعالى: ﴿هُوَ الذي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ﴾ [الأنفال: 62] ﴿هُوَ الذي أَنزَلَ السكينة﴾ [الفتح: 4] ، والناصية: شعر مقدم الرأس، وقد يعبر بها عن جملة الإنسان، وخص الناصية بالذكر على عادة العرب فيمن أرادوا إذلاله وإهانته أخذوا بناصيته.
قوله: ﴿نَاصِيَةٍ﴾ بدل من «النَّاصية» ، بدل نكرة من معرفة.
قال الزمخشريُّ: «وجاز بدلها عن المعرفة، وهي نكرة، لأنها وصفت، فاستقلت بفائدة» .
قال شهاب الدِّين: وهذا مذهب الكوفيين، لا يجيزون إبدال نكرة من غيرها إلا بشرط وصفها، وكونها بلفظ الأول، ومذهب البصريين: لا يشترط بشيءٍ؛ وأنشدوا: [الوافر]
5259 - فَلاَ وأبِيكَ خَيْرٌ مِنْكَ إنِّي ... ليُؤذِينِي التَّحَمحُمُ والصَّهِيلُ
وقرأ أبو حيوة، وابن أبي عبلة، وزيد بن علي: بنصب «ناصِيةٌ كَاذِبَةٌ خَاطِئةٌ» على الشتم.
وقرأ الكسائي في رواية: بالرفع، على إضمار: هي ناصية، ونسب الكذب والخطأ إليها مجازاً. والألف واللام في «الناصية» قيل: عوض من الإضافة، أي: بناصيته.
وقيل: الضمير محذوف، أي: الناصية منه.
فصل في معنى الآية
والمعنى: لنأخذنّ بناصية أبي جهل «كاذبة» في قولها، «خاطئة» في فعلها، والخاطئ معاقب مأخوذ، والمخطئ غير مأخوذ، ووصفت الناصية بأنها خاطئة كوصف الوجوه بالنظر في قوله «إلى ربها ناظرة» ، وقيل: إن صاحبها كاذب خاطئ كما يقال: ليل قائم ونهار صائم، أي صائم في النهار وقائم في الليل، وإنما وصف الناصية بالكاذبة، لأنه كان كاذباً على الله تعالى في أنه لم يرسل محمداً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، وكاذباً على رسوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ في أنه ساحر، وكاذب أنه ليس بنبي؛ لأن صاحبها يتمرد على الله تعالى، كما قال تعالى: ﴿لاَّ يَأْكُلُهُ إِلاَّ الخاطئون﴾ [الحاقة: 37] .
قوله: ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ﴾ ، إما أن يكون على حذف مضاف، أي: أهل ناديه، أو على التجوُّز في نداء النادي لاشتماله على الناس، كقوله تعالى: ﴿وَسْأَلِ القرية التي كُنَّا فِيهَا﴾ [يوسف: 82] ، والنادي والندي: المجلس المتجدّد للحديث.
قال زهير: [الطويل]
5260 - وفِيهِمْ مَقامَاتٌ حِسَانٌ وُجوهُهُمْ ... وأنْدِيةٌ يَنْتَابُهَا القَوْلُ والفِعْلُ
[وقالت أعرابية: هو سيد ناديه وثمال عافيه]
وقال تعالى: ﴿وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ المنكر﴾ [العنكبوت: 29] .
وقال أبو عبيدة: «ونَادِيَه» أهل مجلسه، ولا يسمى المكان نادياً حتى يكون فيه أهله، والمعنى: فليدع عشيرته، فليستنصر بهم.
قوله: ﴿سَنَدْعُ الزبانية﴾ .
قال الزمخشري: «والزبانية في كلام العرب: الشرط، الواحد: زبنية، كعفرية من الزَّبن، وهو الدَّفع.
وقيل: زبني، وكأنه نسب إلى الزبن، ثم غير للنسب، كقولهم: أمسيّ، وأصله: زباني، فقيل:» زبانية «على التعويض» .
وقال عيسى بن عمر والأخفش: واحدهم زابن.
وقيل: هو اسم جمع لا واحد له من لفظه، كعباديد، وشماطيط، وأبابيل، والحاصل: أن المادة تدل على الدفع.
قال: [الطويل]
5261 - مَطَاعِيمُ في القُصْوَى مَطَاعِينُ في الوَغَى ... زَبَانِيَةٌ غُلبٌ عِظامٌ حُلومُهَا وقال آخر: [الطويل]
5262 - ومُسْتعْجِبٍ ممَّا يَرَى مِنْ أنَاتِنَا ... ولوْ زَبَنَتْهُ الحَرْبُ لَمْ يَتَرَمْرَمِ
[قال عتبة: زبَنَتْنا الحرب، وزبنَّاها، ومنه الزبون لأنه يدفع من بائع إلى آخر.
وقال أبو الليث السمرقندي رَحِمَهُ اللَّهُ: ومنه المزابنة في البيع؛ لأنهم يعملون بأرجلهم، كما يعملون بأيديهم] .
وقرأ العامة: «سَندْعُ» بنون العظمة، ولم ترسم بالواو، وتقدم نظيره، نحو ﴿يَدْعُ الداع﴾ [القمر: 6] .
وقرأ ابن أبي عبلة: «سيُدْعَى الزبانيةُ» مبنياً للمفعول ورفع «الزبانية» لقيامها مقام الفاعل.
فصل في المراد بالزبانية
قال ابن عباس: الملائكة الغلاظ الشداد، وروي أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ لما قرأ هذه السورة وبلغ إلى قوله تعالى: ﴿لَنَسْفَعاً بالناصية﴾ قال أبو جهل: أنا أدعو قومي حتى يمنعوا عني ربك، قال الله تعالى: ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ سَنَدْعُ الزبانية﴾ فلما ذكر الزبانية رجع فزعاً، فقيل له: أخشيت منه؟ .
قال: لا، ولكن رأيت عنده فارساً، فهددني بالزبانية فما أدري ما الزبانية؛ ومال إليَّ الفارس، فخشيت منه أن يأكلني.
قال ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه -: والله لو دعا ناديه لأخذته ملائكة العذاب من ساعته. خرجه الترمذي بمعناه.
قوله: ﴿كَلاَّ﴾ أي: ليس الأمر كما يظنه أبو جهل «لا تُطِعْهُ» فيما دعاك إليه من ترك الصلاة «واسْجُدْ» ، أي: صل الله «واقْتَرِبْ» أي: اقترب إلى الله بالطَّاعة والعبادة.
وقيل: المعنى: إذا سجدت اقترب من الله بالدعاء.
قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «أمَّا الرُّكوعُ فعَظَّمُوا فِيْهِ الربَّ تعالى، وأمَّا السُّجُود فاجْتَهدُوا في الدُّعَاءِ، فقمن أنْ يُسْتجابَ لَكُمْ» .
وقال صلى الله عله وسلم: «أقْرَبُ ما يَكُونُ العبدُ مِنْ ربِّه وهُوَ سَاجِدٌ» .
فالسجود في قوله تعالى: ﴿واسجد واقترب﴾ يحتمل أن يكون بمعنى السجود في الصلاة، ويحتمل أن يكون سجود التلاوة في هذه السورة.
وقال ابن العربي: والظاهر أنه سجود الصلاة؛ لقوله تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ الذي ينهى عَبْداً إِذَا صلى﴾ إلى قوله: ﴿كَلاَّ لاَ تُطِعْهُ واسجد واقترب﴾ ، لولا ما ثبت في الصحيح من رواية مسلم، وغيره من الأئمة عن أبي هريرة، أنه قال: سجدتُ مع رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ في «إذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ» وفي ﴿اقرأ باسم رَبِّكَ الذي خَلَقَ﴾ سجدتين، فكان هذا نصًّا على أن المراد سجود التلاوةِ.
روى الثعلبي عن أبي هريرة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «مَنْ قَرَأ: ﴿اقرأ باسم رَبِّكَ﴾ ، فكأنَّمَا قَرَأ المفصل كُلَّهُ» والله تعالى أعلم.
سورة القدر
مكية في قول أكثر المفسرين ذكره الثعلبي.
وحكى الماوردي عكسه.
العلق 96:12
قوله: ﴿كَلاَّ إِنَّ الإنسان ليطغى﴾ . إلى آخر السورة.
قيل: إنه نزل في أبي جهل، نهى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ عن الصلاة، فأمر الله تعالى نبيه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أن يصلي في المسجدِ، ويقرأ باسم الربِّ - تبارك وتعالى - وعلى هذا فليست السورة من أول ما نزل، ويجوز أن يكون خمس آياتٍ من أولها أولى ما نزل، ثم نزل البقية في شأن أبي جهل، وأمر النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ بضم ذلك إلى أول السورة؛ لأن تأليف السور إنما كان بأمر الله تعالى، ألا ترى أنَّ قوله تعالى: ﴿واتقوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى الله﴾ [البقرة: 281] آخر ما نزل ثم هو مضموم إلى ما نزل قبله بزمان طويل.
و «كلاَّ» بمعنى حقاً.
قال الجرجانيُّ: لأن ليس قبله ولا بعده شيء يكون «كلاَّ» ردًّا له، كما قالوا في ﴿كَلاَّ والقمر﴾ [المدثر: 32] فإنهم قالوا: معناه: أي والقمر؛ لأنه ردع وزجر لمن كفر بنعمة الله بطغيانه، وإن لم يذكر لدلالة الكلام عليه.
وقال مقاتل: كلاَّ ليعلم الإنسان أن الله تعالى هو الذي خلقه من العلقة، وعلمه بعد الجهل؛ لأنه عند صيرورته غنياً يطغى، ويتكبر ويصير مستغرق القلب في حُبِّ الدنيا، فلا يفكر في هذه الأحوال ولا يتأمل فيها.
قوله: ﴿أَن رَّآهُ استغنى﴾ ، مفعول له، أي: رؤيته نفسه مُسْتغنياً، وتعدى الفعل هنا إلى ضميريه المتصلين؛ لأن هذا من خواص هذا الكتاب.
قال الزمخشريُّ: «ومعنى الرؤية، ولو كانت بمعنى الإبصار لامتنع في فعلها الجمع بين الضميرين، و» اسْتَغْنَى «هو المفعول الثاني» .
قال شهاب الدين: والمسألة فيها خلاف، ذهب جماعةٌ إلى أن «رأى» البصرية تعطى حكم العلمية، وجعل من ذلك قول عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها -: لقد رأيتنا مع رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وما لنا طعام إلا الأسودان؛ وأنشد: [الكامل]
5255 - ولقَد أرَانِي للرِّمَاحِ دَرِيئَةً ... مِنْ عَنْ يَمينِي تَارَةً وأمَامِي
وتقدم تحقيقه. وقرأ قنبل بخلاف عنه: «رأه» دون ألف بعد الهمزة، وهو مقصور من «رآه» في قراءة العامة.
ولا شك أن الحذف جاء قليلاً، كقولهم: «أصاب الناس جهد ولو تر أهل مكة» بحذف لام «ترى» ؛ وقول الآخر: [الرجز]
5256 - وصَّانِيَ العَجَّاجُ فِيمَا وصَّنِي ... يريد: فيما وصاني، ولما روي عن مجاهد هذه القراءة عن قنبل، وقال: «قرأت بها عليه» نسبه فيها إلى الغلط، ولا ينبغي ذلك، لأنه إذا ثبت ذلك قراءة، فإن لها وجهاً وإن كان غيره أشهر منه، فلا ينبغي أن يقدم على تغليطه.
فصل في نزول الآية
قال ابن عبَّاسٍ في رواية «أبي صالح» : لما نزلت هذه الآية وسمع بها المشركون، أتاه أبو جهل، فقال: يا محمد، أتزعم أنه من استغنى طغى، فاجعل لنا جبال «مكة» ذهباً لعلنا نأخذ منها فنطغى، فندعُ ديننا، ونتبع دينك، قال: فأتاه جبريل - عليه السلام - فقال: يا محمد خيِّرهم في ذلك، فإن شاءوا فعلنا لهم ما أرادوه، فإن لم يفعلوا فعلنا بهم كما فعلنا بأصحاب المائدةِ فعلم رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أنهم لا يقبلون ذلك، فكفّ عنهم أسفاً عليهم.
[وقيل: أن رآه استغنى بالعشيرة والأنصار والأعوان، وحذف اللام من قوله: «أن رآه» كما يقال: إنكم لتطغون أن رأيتم غناكم] .
قوله: ﴿إِنَّ إلى رَبِّكَ الرجعى﴾ . هذا الكلام واقع على طريقة الالتفات إلى الإنسان تهديداً له وتحذيراً من عاقبة الطغيان، والمعنى: أن مرجع من هذا وصفه إلى الله تعالى، فيجازيه.
والرجعى والمرجع والرجوع: مصادر، يقال: رجع إليه رجوعاً ومرجعاً ورُجْعَى، على وزن «فُعْلى» .
قوله: ﴿أَرَأَيْتَ الذي ينهى عَبْداً إِذَا صلى﴾ تقدم الكلام على ﴿أَرَأَيْتَ الذي ينهى﴾ .
وقال الزمخشري هنا: فإن قلت: ما متعلق «أرأيت» ؟ .
قلت: «الَّذي يَنْهَى» مع الجملة الشرطية، وهما في موضع المفعولين، فإن قلت: فأين جواب الشرط؟ .
قلتُ: هو محذوف تقديره: «إنْ كَانَ عَلَى الهُدى، أو أمَرَ بالتَّقْوَى، ألَمْ يَعْلمْ بأنَّ اللهَ يَرَى» ، وإنما حذف لدلالة ذكره في جواب الشرط الثاني.
فإن قلت: كيف يصح أن يكون «أَلَمْ يَعْلَمْ» جواباً للشرط؟ .
قلت: كما صح في قولك: إن أكرمتك أتكرمني، وإن أحسن إليك زيد هل تحسنُ إليه؟ .
فإن قلت: فما أرأيت الثانية، وتوسطها بين مفعول «أرأيت» ؟ قلت: هي زائدة مكررة للتأكيد.
قال شهاب الدين: اعلم أن «أرَأيْتَ» لا يكون مفعولها الثاني إلا جملة استفهامية كقوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ الله﴾ [الأنعام: 47] ، ومثله كثير، وهنا «أرَأيْتَ» ثلاث مرات، وقد صرح بعد الثالثة منها بجملة استفهامية، فيكون في موضع المفعول الثاني لها، ومفعولها الأول محذوف، وهو ضمير يعود على ﴿الَّذي يَنْهَى عَبْداً﴾ الواقع مفعولاً ل «أرَأيْتَ» الأولى، ومفعول «أرأيت» الأولى الذي هو الثاني محذوف، وهو جملة استفهامية كالجملة الواقعة بعد «أرأيت» الثالثة، وأما «أرأيت» الثانية، فلم يذكر لها مفعول، لا أول، ولا ثان، حذف الأول لدلالة المفعول من «أرأيت» الثالث عليه، فقد حذف الثاني من الأولى، والأول من الثالثة، والاثنان من الثانية، وليس طلب كل من «أرأيت» للجملة الاسمية على سبيل التنازع؛ لأنه يستدعي إضماراً. والجملة لا تضمر إنما تضمر المفردات، وإنما ذلك من باب الحذف للدلالة وأما الكلام على الشرط مع «أرأيت» هذه، فقد تقدم في «الأنعام» ، ويجوز الزمخشريُّ وقوع جواب الشرط استفهاماً بنفسه، وهذا لا يجوزُ، بل نصوا على وجوب ذكر الفاءِ في مثله، وإن ورد شيء من ذلك فهو ضرورة.
قال القرطبيُّ: وقيل: كل واحد من «أرَأيْتَ» بدل من الأول، و ﴿ألَمْ يَعْلَمْ بأنَّ اللهَ يَرَى﴾ الخبر.
فصل في تفسير الآية
قال المفسرون: «الذي يَنْهَى» أبو جهل، وقوله تعالى «عَبْداً» يعني محمداً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، فإن أبا جهل قال: لئن رأيت محمداً لأطأنَّ على عنقه. ثم إنه لما رأى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ في الصلاة نكص على عقبيه، فقالوا له: ما لك يا أبا الحكم، قال: إن بيني وبينه لخندقاً من نار وهولاً شديداً.
قال أبو هريرة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه -: فأنزل الله هذه الآيات تعجُّباً منه.
وعن الحسن: أنه أمية بن خلف، كان ينهى سلمان عن الصلاة.
وقيل: في الكلام حذف، والمعنى: من هذا الناهي عن الصلاة من العقوبة.
قوله: ﴿أَرَأَيْتَ إِن كَانَ على الهدى أَوْ أَمَرَ بالتقوى﴾ أي: أرأيت يا أبا جهلٍ إن كان محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ على هذه الصفة، أليس ناهية عن الصَّلاة والتَّقوى هالكاً؟ .
قوله: ﴿أَرَأَيْتَ إِن كَذَّبَ وتولى﴾ يعني أبا جهل كذب بكتاب الله، وأعرض عن الإيمان.
وقال الفراءُ: ﴿أرَأيتَ الذي يَنْهَى عبداً إذا صلَّى﴾ ، والناهي مكذب متولٍّ عن الذكر، أي: فما أعجب هذا بما يقول، ثم قال: ويله ﴿ألَمْ يَعْلمْ﴾ أبو جهل ﴿بأنَّ الله يَرَى﴾ ، أي: يراه ويعلم فعله، فهو تقريع وتوبيخ.
قال ابن الخطيب: هذا خطاب للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ على سبيل التعجب، وفي وجه هذا التعجب وجوه:
أحدها: أنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قال: «اللَّهُمَّ أعزَّ الإسلامَ بأبِي جَهلٍ أو بِعُمَرَ» ، فقيل: أبمثل هذا يعزّ الإسلام وهو ينهى عبداً إذا صلى.
الثاني: أنه كان يلقب بأبي الحكمِ. فقيل: كيف يلقب بهذا وهو ينهى عن الصلاة.
الثالث: أنه كان يأمر وينهى ويعتقد وجوب طاعته، ثم إنه ينهى عن طاعة الربِّ تعالى، وهذا عين الحماقة والتكبُّر، ف «عبداً» يدل على التعظيم، كأنه قيل: [ينهى أشد الخلق عبودية عن العبادة، وهذا عين الجهل، ولهذا لم يقل:] ينهاك، وأيضاً فإن هذا يدل على أن هذه عادته، ودأبه، فهو أبلغ في الذم أيضاً فهذا عام في كل من نهى عن الصلاة، وروي عن عليٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه -: أنه رأى أقواماً يصلون قبل صلاة العيد، فقال: ما رأيت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ يفعل ذلك، فقيل له: ألا تنهاهم فقال: أخشى أن أدخل في قوله تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ الذي ينهى عَبْداً إِذَا صلى﴾ [العلق: 9، 10] ، فلم يصرح أيضاً بالنهي عن الصلاة.
وأيضاً فيه: إجلال لمنصب رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أن ينهاه رجل لا سيما مثل هذا.
قوله: ﴿كَلاَّ﴾ ردع لأبي جهل عن نهيه عن عبادة الله تعالى، أو كلا لن يصل أبو جهلٍ إلى أن يقتل محمداً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ويطأ عنقه.
وقال مقاتل: كلا لا يعلم أن الله يرى، وإن كان يعلم لكن إذا كان لا ينتفع بناصيته يوم القيامة، وليسحبنه بها في النَّار، كقوله تعالى: ﴿فَيُؤْخَذُ بالنواصي والأقدام﴾ [الرحمن: 41] ، فالآية وإن كانت في أبي جهلٍ، فهي عظةٌ للنَّاس، وتهديد لمن يمنع غيره عن الطاعة.
قوله: ﴿لَنَسْفَعاً﴾ ، الوقف على هذه النون بالألف، تشبيهاً لها بالتنوين، ولذلك يحذف بعد الضمة والكسرة وقفاً، وتكتب هنا ألفاً إتباعاً للوقف.
وروي عن أبي عمرو: «لَنَسْفَعَنَّ» بالنون الثقيلة.
والسَّفع: الأخذ والقبض على الشيء بشدة، يقال: سفع بناصية فرسه، قال عمرو بن معديكرب: [الكامل]
5257 - قَوْمٌ إذَا سَمِعُوا الصَّريخَ رَأيْتهُم ... ما بَيْنَ مُلْجمِ مُهْرهِ أوْ سَافعِ
وقيل: هو الأخذ، بلغة قريش.
وقال الرَّاغب: السَّفع: الأخذ بسعفة الفرس، أي: بسواد ناصيته، وباعتبار السواد قيل للأثافي: سفع، وبه سُفْعَةُ غضب اعتباراً بما يعلم من اللون الدخاني وجه من اشتد به الغضب.
وقيل للصقر: أسفع، لما فيه من لمع السواد، وامرأة سفعاء اللون انتهى.
وفي الحديث: «فَقَامَت أمْرَأةٌ سَفْعاءُ الخدَّيْنِ» .
وقيل: هو مأخوذ من سفعت النار والشمس إذا غيرت وجهه إلى حال تسويد.
قال: [الكامل]
5258 - أثَافِيَّ سُفْعاً في مُعرَّسِ مِرْجَلٍ ... ونُؤيٌ كجذْمِ الحَوْضِ أثلمُ خَاشِعُ
قال القرطبيُّ: السفع الضرب، أي: ليلطمن وجهه، وكله متقارب المعنى، أي: يجمع عليه الضرب عند الأخذ، ثم يجر إلى جهنم.
وقرأ ابن مسعود: «لأسفعن» ، أي: يقول الله تعالى: يا محمد أنا الذي أتولّى إهانته، لقوله تعالى: ﴿هُوَ الذي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ﴾ [الأنفال: 62] ﴿هُوَ الذي أَنزَلَ السكينة﴾ [الفتح: 4] ، والناصية: شعر مقدم الرأس، وقد يعبر بها عن جملة الإنسان، وخص الناصية بالذكر على عادة العرب فيمن أرادوا إذلاله وإهانته أخذوا بناصيته.
قوله: ﴿نَاصِيَةٍ﴾ بدل من «النَّاصية» ، بدل نكرة من معرفة.
قال الزمخشريُّ: «وجاز بدلها عن المعرفة، وهي نكرة، لأنها وصفت، فاستقلت بفائدة» .
قال شهاب الدِّين: وهذا مذهب الكوفيين، لا يجيزون إبدال نكرة من غيرها إلا بشرط وصفها، وكونها بلفظ الأول، ومذهب البصريين: لا يشترط بشيءٍ؛ وأنشدوا: [الوافر]
5259 - فَلاَ وأبِيكَ خَيْرٌ مِنْكَ إنِّي ... ليُؤذِينِي التَّحَمحُمُ والصَّهِيلُ
وقرأ أبو حيوة، وابن أبي عبلة، وزيد بن علي: بنصب «ناصِيةٌ كَاذِبَةٌ خَاطِئةٌ» على الشتم.
وقرأ الكسائي في رواية: بالرفع، على إضمار: هي ناصية، ونسب الكذب والخطأ إليها مجازاً. والألف واللام في «الناصية» قيل: عوض من الإضافة، أي: بناصيته.
وقيل: الضمير محذوف، أي: الناصية منه.
فصل في معنى الآية
والمعنى: لنأخذنّ بناصية أبي جهل «كاذبة» في قولها، «خاطئة» في فعلها، والخاطئ معاقب مأخوذ، والمخطئ غير مأخوذ، ووصفت الناصية بأنها خاطئة كوصف الوجوه بالنظر في قوله «إلى ربها ناظرة» ، وقيل: إن صاحبها كاذب خاطئ كما يقال: ليل قائم ونهار صائم، أي صائم في النهار وقائم في الليل، وإنما وصف الناصية بالكاذبة، لأنه كان كاذباً على الله تعالى في أنه لم يرسل محمداً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، وكاذباً على رسوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ في أنه ساحر، وكاذب أنه ليس بنبي؛ لأن صاحبها يتمرد على الله تعالى، كما قال تعالى: ﴿لاَّ يَأْكُلُهُ إِلاَّ الخاطئون﴾ [الحاقة: 37] .
قوله: ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ﴾ ، إما أن يكون على حذف مضاف، أي: أهل ناديه، أو على التجوُّز في نداء النادي لاشتماله على الناس، كقوله تعالى: ﴿وَسْأَلِ القرية التي كُنَّا فِيهَا﴾ [يوسف: 82] ، والنادي والندي: المجلس المتجدّد للحديث.
قال زهير: [الطويل]
5260 - وفِيهِمْ مَقامَاتٌ حِسَانٌ وُجوهُهُمْ ... وأنْدِيةٌ يَنْتَابُهَا القَوْلُ والفِعْلُ
[وقالت أعرابية: هو سيد ناديه وثمال عافيه]
وقال تعالى: ﴿وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ المنكر﴾ [العنكبوت: 29] .
وقال أبو عبيدة: «ونَادِيَه» أهل مجلسه، ولا يسمى المكان نادياً حتى يكون فيه أهله، والمعنى: فليدع عشيرته، فليستنصر بهم.
قوله: ﴿سَنَدْعُ الزبانية﴾ .
قال الزمخشري: «والزبانية في كلام العرب: الشرط، الواحد: زبنية، كعفرية من الزَّبن، وهو الدَّفع.
وقيل: زبني، وكأنه نسب إلى الزبن، ثم غير للنسب، كقولهم: أمسيّ، وأصله: زباني، فقيل:» زبانية «على التعويض» .
وقال عيسى بن عمر والأخفش: واحدهم زابن.
وقيل: هو اسم جمع لا واحد له من لفظه، كعباديد، وشماطيط، وأبابيل، والحاصل: أن المادة تدل على الدفع.
قال: [الطويل]
5261 - مَطَاعِيمُ في القُصْوَى مَطَاعِينُ في الوَغَى ... زَبَانِيَةٌ غُلبٌ عِظامٌ حُلومُهَا وقال آخر: [الطويل]
5262 - ومُسْتعْجِبٍ ممَّا يَرَى مِنْ أنَاتِنَا ... ولوْ زَبَنَتْهُ الحَرْبُ لَمْ يَتَرَمْرَمِ
[قال عتبة: زبَنَتْنا الحرب، وزبنَّاها، ومنه الزبون لأنه يدفع من بائع إلى آخر.
وقال أبو الليث السمرقندي رَحِمَهُ اللَّهُ: ومنه المزابنة في البيع؛ لأنهم يعملون بأرجلهم، كما يعملون بأيديهم] .
وقرأ العامة: «سَندْعُ» بنون العظمة، ولم ترسم بالواو، وتقدم نظيره، نحو ﴿يَدْعُ الداع﴾ [القمر: 6] .
وقرأ ابن أبي عبلة: «سيُدْعَى الزبانيةُ» مبنياً للمفعول ورفع «الزبانية» لقيامها مقام الفاعل.
فصل في المراد بالزبانية
قال ابن عباس: الملائكة الغلاظ الشداد، وروي أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ لما قرأ هذه السورة وبلغ إلى قوله تعالى: ﴿لَنَسْفَعاً بالناصية﴾ قال أبو جهل: أنا أدعو قومي حتى يمنعوا عني ربك، قال الله تعالى: ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ سَنَدْعُ الزبانية﴾ فلما ذكر الزبانية رجع فزعاً، فقيل له: أخشيت منه؟ .
قال: لا، ولكن رأيت عنده فارساً، فهددني بالزبانية فما أدري ما الزبانية؛ ومال إليَّ الفارس، فخشيت منه أن يأكلني.
قال ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه -: والله لو دعا ناديه لأخذته ملائكة العذاب من ساعته. خرجه الترمذي بمعناه.
قوله: ﴿كَلاَّ﴾ أي: ليس الأمر كما يظنه أبو جهل «لا تُطِعْهُ» فيما دعاك إليه من ترك الصلاة «واسْجُدْ» ، أي: صل الله «واقْتَرِبْ» أي: اقترب إلى الله بالطَّاعة والعبادة.
وقيل: المعنى: إذا سجدت اقترب من الله بالدعاء.
قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «أمَّا الرُّكوعُ فعَظَّمُوا فِيْهِ الربَّ تعالى، وأمَّا السُّجُود فاجْتَهدُوا في الدُّعَاءِ، فقمن أنْ يُسْتجابَ لَكُمْ» .
وقال صلى الله عله وسلم: «أقْرَبُ ما يَكُونُ العبدُ مِنْ ربِّه وهُوَ سَاجِدٌ» .
فالسجود في قوله تعالى: ﴿واسجد واقترب﴾ يحتمل أن يكون بمعنى السجود في الصلاة، ويحتمل أن يكون سجود التلاوة في هذه السورة.
وقال ابن العربي: والظاهر أنه سجود الصلاة؛ لقوله تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ الذي ينهى عَبْداً إِذَا صلى﴾ إلى قوله: ﴿كَلاَّ لاَ تُطِعْهُ واسجد واقترب﴾ ، لولا ما ثبت في الصحيح من رواية مسلم، وغيره من الأئمة عن أبي هريرة، أنه قال: سجدتُ مع رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ في «إذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ» وفي ﴿اقرأ باسم رَبِّكَ الذي خَلَقَ﴾ سجدتين، فكان هذا نصًّا على أن المراد سجود التلاوةِ.
روى الثعلبي عن أبي هريرة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «مَنْ قَرَأ: ﴿اقرأ باسم رَبِّكَ﴾ ، فكأنَّمَا قَرَأ المفصل كُلَّهُ» والله تعالى أعلم.
سورة القدر
مكية في قول أكثر المفسرين ذكره الثعلبي.
وحكى الماوردي عكسه.
العلق 96:13
قوله: ﴿كَلاَّ إِنَّ الإنسان ليطغى﴾ . إلى آخر السورة.
قيل: إنه نزل في أبي جهل، نهى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ عن الصلاة، فأمر الله تعالى نبيه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أن يصلي في المسجدِ، ويقرأ باسم الربِّ - تبارك وتعالى - وعلى هذا فليست السورة من أول ما نزل، ويجوز أن يكون خمس آياتٍ من أولها أولى ما نزل، ثم نزل البقية في شأن أبي جهل، وأمر النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ بضم ذلك إلى أول السورة؛ لأن تأليف السور إنما كان بأمر الله تعالى، ألا ترى أنَّ قوله تعالى: ﴿واتقوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى الله﴾ [البقرة: 281] آخر ما نزل ثم هو مضموم إلى ما نزل قبله بزمان طويل.
و «كلاَّ» بمعنى حقاً.
قال الجرجانيُّ: لأن ليس قبله ولا بعده شيء يكون «كلاَّ» ردًّا له، كما قالوا في ﴿كَلاَّ والقمر﴾ [المدثر: 32] فإنهم قالوا: معناه: أي والقمر؛ لأنه ردع وزجر لمن كفر بنعمة الله بطغيانه، وإن لم يذكر لدلالة الكلام عليه.
وقال مقاتل: كلاَّ ليعلم الإنسان أن الله تعالى هو الذي خلقه من العلقة، وعلمه بعد الجهل؛ لأنه عند صيرورته غنياً يطغى، ويتكبر ويصير مستغرق القلب في حُبِّ الدنيا، فلا يفكر في هذه الأحوال ولا يتأمل فيها.
قوله: ﴿أَن رَّآهُ استغنى﴾ ، مفعول له، أي: رؤيته نفسه مُسْتغنياً، وتعدى الفعل هنا إلى ضميريه المتصلين؛ لأن هذا من خواص هذا الكتاب.
قال الزمخشريُّ: «ومعنى الرؤية، ولو كانت بمعنى الإبصار لامتنع في فعلها الجمع بين الضميرين، و» اسْتَغْنَى «هو المفعول الثاني» .
قال شهاب الدين: والمسألة فيها خلاف، ذهب جماعةٌ إلى أن «رأى» البصرية تعطى حكم العلمية، وجعل من ذلك قول عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها -: لقد رأيتنا مع رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وما لنا طعام إلا الأسودان؛ وأنشد: [الكامل]
5255 - ولقَد أرَانِي للرِّمَاحِ دَرِيئَةً ... مِنْ عَنْ يَمينِي تَارَةً وأمَامِي
وتقدم تحقيقه. وقرأ قنبل بخلاف عنه: «رأه» دون ألف بعد الهمزة، وهو مقصور من «رآه» في قراءة العامة.
ولا شك أن الحذف جاء قليلاً، كقولهم: «أصاب الناس جهد ولو تر أهل مكة» بحذف لام «ترى» ؛ وقول الآخر: [الرجز]
5256 - وصَّانِيَ العَجَّاجُ فِيمَا وصَّنِي ... يريد: فيما وصاني، ولما روي عن مجاهد هذه القراءة عن قنبل، وقال: «قرأت بها عليه» نسبه فيها إلى الغلط، ولا ينبغي ذلك، لأنه إذا ثبت ذلك قراءة، فإن لها وجهاً وإن كان غيره أشهر منه، فلا ينبغي أن يقدم على تغليطه.
فصل في نزول الآية
قال ابن عبَّاسٍ في رواية «أبي صالح» : لما نزلت هذه الآية وسمع بها المشركون، أتاه أبو جهل، فقال: يا محمد، أتزعم أنه من استغنى طغى، فاجعل لنا جبال «مكة» ذهباً لعلنا نأخذ منها فنطغى، فندعُ ديننا، ونتبع دينك، قال: فأتاه جبريل - عليه السلام - فقال: يا محمد خيِّرهم في ذلك، فإن شاءوا فعلنا لهم ما أرادوه، فإن لم يفعلوا فعلنا بهم كما فعلنا بأصحاب المائدةِ فعلم رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أنهم لا يقبلون ذلك، فكفّ عنهم أسفاً عليهم.
[وقيل: أن رآه استغنى بالعشيرة والأنصار والأعوان، وحذف اللام من قوله: «أن رآه» كما يقال: إنكم لتطغون أن رأيتم غناكم] .
قوله: ﴿إِنَّ إلى رَبِّكَ الرجعى﴾ . هذا الكلام واقع على طريقة الالتفات إلى الإنسان تهديداً له وتحذيراً من عاقبة الطغيان، والمعنى: أن مرجع من هذا وصفه إلى الله تعالى، فيجازيه.
والرجعى والمرجع والرجوع: مصادر، يقال: رجع إليه رجوعاً ومرجعاً ورُجْعَى، على وزن «فُعْلى» .
قوله: ﴿أَرَأَيْتَ الذي ينهى عَبْداً إِذَا صلى﴾ تقدم الكلام على ﴿أَرَأَيْتَ الذي ينهى﴾ .
وقال الزمخشري هنا: فإن قلت: ما متعلق «أرأيت» ؟ .
قلت: «الَّذي يَنْهَى» مع الجملة الشرطية، وهما في موضع المفعولين، فإن قلت: فأين جواب الشرط؟ .
قلتُ: هو محذوف تقديره: «إنْ كَانَ عَلَى الهُدى، أو أمَرَ بالتَّقْوَى، ألَمْ يَعْلمْ بأنَّ اللهَ يَرَى» ، وإنما حذف لدلالة ذكره في جواب الشرط الثاني.
فإن قلت: كيف يصح أن يكون «أَلَمْ يَعْلَمْ» جواباً للشرط؟ .
قلت: كما صح في قولك: إن أكرمتك أتكرمني، وإن أحسن إليك زيد هل تحسنُ إليه؟ .
فإن قلت: فما أرأيت الثانية، وتوسطها بين مفعول «أرأيت» ؟ قلت: هي زائدة مكررة للتأكيد.
قال شهاب الدين: اعلم أن «أرَأيْتَ» لا يكون مفعولها الثاني إلا جملة استفهامية كقوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ الله﴾ [الأنعام: 47] ، ومثله كثير، وهنا «أرَأيْتَ» ثلاث مرات، وقد صرح بعد الثالثة منها بجملة استفهامية، فيكون في موضع المفعول الثاني لها، ومفعولها الأول محذوف، وهو ضمير يعود على ﴿الَّذي يَنْهَى عَبْداً﴾ الواقع مفعولاً ل «أرَأيْتَ» الأولى، ومفعول «أرأيت» الأولى الذي هو الثاني محذوف، وهو جملة استفهامية كالجملة الواقعة بعد «أرأيت» الثالثة، وأما «أرأيت» الثانية، فلم يذكر لها مفعول، لا أول، ولا ثان، حذف الأول لدلالة المفعول من «أرأيت» الثالث عليه، فقد حذف الثاني من الأولى، والأول من الثالثة، والاثنان من الثانية، وليس طلب كل من «أرأيت» للجملة الاسمية على سبيل التنازع؛ لأنه يستدعي إضماراً. والجملة لا تضمر إنما تضمر المفردات، وإنما ذلك من باب الحذف للدلالة وأما الكلام على الشرط مع «أرأيت» هذه، فقد تقدم في «الأنعام» ، ويجوز الزمخشريُّ وقوع جواب الشرط استفهاماً بنفسه، وهذا لا يجوزُ، بل نصوا على وجوب ذكر الفاءِ في مثله، وإن ورد شيء من ذلك فهو ضرورة.
قال القرطبيُّ: وقيل: كل واحد من «أرَأيْتَ» بدل من الأول، و ﴿ألَمْ يَعْلَمْ بأنَّ اللهَ يَرَى﴾ الخبر.
فصل في تفسير الآية
قال المفسرون: «الذي يَنْهَى» أبو جهل، وقوله تعالى «عَبْداً» يعني محمداً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، فإن أبا جهل قال: لئن رأيت محمداً لأطأنَّ على عنقه. ثم إنه لما رأى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ في الصلاة نكص على عقبيه، فقالوا له: ما لك يا أبا الحكم، قال: إن بيني وبينه لخندقاً من نار وهولاً شديداً.
قال أبو هريرة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه -: فأنزل الله هذه الآيات تعجُّباً منه.
وعن الحسن: أنه أمية بن خلف، كان ينهى سلمان عن الصلاة.
وقيل: في الكلام حذف، والمعنى: من هذا الناهي عن الصلاة من العقوبة.
قوله: ﴿أَرَأَيْتَ إِن كَانَ على الهدى أَوْ أَمَرَ بالتقوى﴾ أي: أرأيت يا أبا جهلٍ إن كان محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ على هذه الصفة، أليس ناهية عن الصَّلاة والتَّقوى هالكاً؟ .
قوله: ﴿أَرَأَيْتَ إِن كَذَّبَ وتولى﴾ يعني أبا جهل كذب بكتاب الله، وأعرض عن الإيمان.
وقال الفراءُ: ﴿أرَأيتَ الذي يَنْهَى عبداً إذا صلَّى﴾ ، والناهي مكذب متولٍّ عن الذكر، أي: فما أعجب هذا بما يقول، ثم قال: ويله ﴿ألَمْ يَعْلمْ﴾ أبو جهل ﴿بأنَّ الله يَرَى﴾ ، أي: يراه ويعلم فعله، فهو تقريع وتوبيخ.
قال ابن الخطيب: هذا خطاب للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ على سبيل التعجب، وفي وجه هذا التعجب وجوه:
أحدها: أنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قال: «اللَّهُمَّ أعزَّ الإسلامَ بأبِي جَهلٍ أو بِعُمَرَ» ، فقيل: أبمثل هذا يعزّ الإسلام وهو ينهى عبداً إذا صلى.
الثاني: أنه كان يلقب بأبي الحكمِ. فقيل: كيف يلقب بهذا وهو ينهى عن الصلاة.
الثالث: أنه كان يأمر وينهى ويعتقد وجوب طاعته، ثم إنه ينهى عن طاعة الربِّ تعالى، وهذا عين الحماقة والتكبُّر، ف «عبداً» يدل على التعظيم، كأنه قيل: [ينهى أشد الخلق عبودية عن العبادة، وهذا عين الجهل، ولهذا لم يقل:] ينهاك، وأيضاً فإن هذا يدل على أن هذه عادته، ودأبه، فهو أبلغ في الذم أيضاً فهذا عام في كل من نهى عن الصلاة، وروي عن عليٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه -: أنه رأى أقواماً يصلون قبل صلاة العيد، فقال: ما رأيت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ يفعل ذلك، فقيل له: ألا تنهاهم فقال: أخشى أن أدخل في قوله تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ الذي ينهى عَبْداً إِذَا صلى﴾ [العلق: 9، 10] ، فلم يصرح أيضاً بالنهي عن الصلاة.
وأيضاً فيه: إجلال لمنصب رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أن ينهاه رجل لا سيما مثل هذا.
قوله: ﴿كَلاَّ﴾ ردع لأبي جهل عن نهيه عن عبادة الله تعالى، أو كلا لن يصل أبو جهلٍ إلى أن يقتل محمداً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ويطأ عنقه.
وقال مقاتل: كلا لا يعلم أن الله يرى، وإن كان يعلم لكن إذا كان لا ينتفع بناصيته يوم القيامة، وليسحبنه بها في النَّار، كقوله تعالى: ﴿فَيُؤْخَذُ بالنواصي والأقدام﴾ [الرحمن: 41] ، فالآية وإن كانت في أبي جهلٍ، فهي عظةٌ للنَّاس، وتهديد لمن يمنع غيره عن الطاعة.
قوله: ﴿لَنَسْفَعاً﴾ ، الوقف على هذه النون بالألف، تشبيهاً لها بالتنوين، ولذلك يحذف بعد الضمة والكسرة وقفاً، وتكتب هنا ألفاً إتباعاً للوقف.
وروي عن أبي عمرو: «لَنَسْفَعَنَّ» بالنون الثقيلة.
والسَّفع: الأخذ والقبض على الشيء بشدة، يقال: سفع بناصية فرسه، قال عمرو بن معديكرب: [الكامل]
5257 - قَوْمٌ إذَا سَمِعُوا الصَّريخَ رَأيْتهُم ... ما بَيْنَ مُلْجمِ مُهْرهِ أوْ سَافعِ
وقيل: هو الأخذ، بلغة قريش.
وقال الرَّاغب: السَّفع: الأخذ بسعفة الفرس، أي: بسواد ناصيته، وباعتبار السواد قيل للأثافي: سفع، وبه سُفْعَةُ غضب اعتباراً بما يعلم من اللون الدخاني وجه من اشتد به الغضب.
وقيل للصقر: أسفع، لما فيه من لمع السواد، وامرأة سفعاء اللون انتهى.
وفي الحديث: «فَقَامَت أمْرَأةٌ سَفْعاءُ الخدَّيْنِ» .
وقيل: هو مأخوذ من سفعت النار والشمس إذا غيرت وجهه إلى حال تسويد.
قال: [الكامل]
5258 - أثَافِيَّ سُفْعاً في مُعرَّسِ مِرْجَلٍ ... ونُؤيٌ كجذْمِ الحَوْضِ أثلمُ خَاشِعُ
قال القرطبيُّ: السفع الضرب، أي: ليلطمن وجهه، وكله متقارب المعنى، أي: يجمع عليه الضرب عند الأخذ، ثم يجر إلى جهنم.
وقرأ ابن مسعود: «لأسفعن» ، أي: يقول الله تعالى: يا محمد أنا الذي أتولّى إهانته، لقوله تعالى: ﴿هُوَ الذي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ﴾ [الأنفال: 62] ﴿هُوَ الذي أَنزَلَ السكينة﴾ [الفتح: 4] ، والناصية: شعر مقدم الرأس، وقد يعبر بها عن جملة الإنسان، وخص الناصية بالذكر على عادة العرب فيمن أرادوا إذلاله وإهانته أخذوا بناصيته.
قوله: ﴿نَاصِيَةٍ﴾ بدل من «النَّاصية» ، بدل نكرة من معرفة.
قال الزمخشريُّ: «وجاز بدلها عن المعرفة، وهي نكرة، لأنها وصفت، فاستقلت بفائدة» .
قال شهاب الدِّين: وهذا مذهب الكوفيين، لا يجيزون إبدال نكرة من غيرها إلا بشرط وصفها، وكونها بلفظ الأول، ومذهب البصريين: لا يشترط بشيءٍ؛ وأنشدوا: [الوافر]
5259 - فَلاَ وأبِيكَ خَيْرٌ مِنْكَ إنِّي ... ليُؤذِينِي التَّحَمحُمُ والصَّهِيلُ
وقرأ أبو حيوة، وابن أبي عبلة، وزيد بن علي: بنصب «ناصِيةٌ كَاذِبَةٌ خَاطِئةٌ» على الشتم.
وقرأ الكسائي في رواية: بالرفع، على إضمار: هي ناصية، ونسب الكذب والخطأ إليها مجازاً. والألف واللام في «الناصية» قيل: عوض من الإضافة، أي: بناصيته.
وقيل: الضمير محذوف، أي: الناصية منه.
فصل في معنى الآية
والمعنى: لنأخذنّ بناصية أبي جهل «كاذبة» في قولها، «خاطئة» في فعلها، والخاطئ معاقب مأخوذ، والمخطئ غير مأخوذ، ووصفت الناصية بأنها خاطئة كوصف الوجوه بالنظر في قوله «إلى ربها ناظرة» ، وقيل: إن صاحبها كاذب خاطئ كما يقال: ليل قائم ونهار صائم، أي صائم في النهار وقائم في الليل، وإنما وصف الناصية بالكاذبة، لأنه كان كاذباً على الله تعالى في أنه لم يرسل محمداً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، وكاذباً على رسوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ في أنه ساحر، وكاذب أنه ليس بنبي؛ لأن صاحبها يتمرد على الله تعالى، كما قال تعالى: ﴿لاَّ يَأْكُلُهُ إِلاَّ الخاطئون﴾ [الحاقة: 37] .
قوله: ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ﴾ ، إما أن يكون على حذف مضاف، أي: أهل ناديه، أو على التجوُّز في نداء النادي لاشتماله على الناس، كقوله تعالى: ﴿وَسْأَلِ القرية التي كُنَّا فِيهَا﴾ [يوسف: 82] ، والنادي والندي: المجلس المتجدّد للحديث.
قال زهير: [الطويل]
5260 - وفِيهِمْ مَقامَاتٌ حِسَانٌ وُجوهُهُمْ ... وأنْدِيةٌ يَنْتَابُهَا القَوْلُ والفِعْلُ
[وقالت أعرابية: هو سيد ناديه وثمال عافيه]
وقال تعالى: ﴿وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ المنكر﴾ [العنكبوت: 29] .
وقال أبو عبيدة: «ونَادِيَه» أهل مجلسه، ولا يسمى المكان نادياً حتى يكون فيه أهله، والمعنى: فليدع عشيرته، فليستنصر بهم.
قوله: ﴿سَنَدْعُ الزبانية﴾ .
قال الزمخشري: «والزبانية في كلام العرب: الشرط، الواحد: زبنية، كعفرية من الزَّبن، وهو الدَّفع.
وقيل: زبني، وكأنه نسب إلى الزبن، ثم غير للنسب، كقولهم: أمسيّ، وأصله: زباني، فقيل:» زبانية «على التعويض» .
وقال عيسى بن عمر والأخفش: واحدهم زابن.
وقيل: هو اسم جمع لا واحد له من لفظه، كعباديد، وشماطيط، وأبابيل، والحاصل: أن المادة تدل على الدفع.
قال: [الطويل]
5261 - مَطَاعِيمُ في القُصْوَى مَطَاعِينُ في الوَغَى ... زَبَانِيَةٌ غُلبٌ عِظامٌ حُلومُهَا وقال آخر: [الطويل]
5262 - ومُسْتعْجِبٍ ممَّا يَرَى مِنْ أنَاتِنَا ... ولوْ زَبَنَتْهُ الحَرْبُ لَمْ يَتَرَمْرَمِ
[قال عتبة: زبَنَتْنا الحرب، وزبنَّاها، ومنه الزبون لأنه يدفع من بائع إلى آخر.
وقال أبو الليث السمرقندي رَحِمَهُ اللَّهُ: ومنه المزابنة في البيع؛ لأنهم يعملون بأرجلهم، كما يعملون بأيديهم] .
وقرأ العامة: «سَندْعُ» بنون العظمة، ولم ترسم بالواو، وتقدم نظيره، نحو ﴿يَدْعُ الداع﴾ [القمر: 6] .
وقرأ ابن أبي عبلة: «سيُدْعَى الزبانيةُ» مبنياً للمفعول ورفع «الزبانية» لقيامها مقام الفاعل.
فصل في المراد بالزبانية
قال ابن عباس: الملائكة الغلاظ الشداد، وروي أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ لما قرأ هذه السورة وبلغ إلى قوله تعالى: ﴿لَنَسْفَعاً بالناصية﴾ قال أبو جهل: أنا أدعو قومي حتى يمنعوا عني ربك، قال الله تعالى: ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ سَنَدْعُ الزبانية﴾ فلما ذكر الزبانية رجع فزعاً، فقيل له: أخشيت منه؟ .
قال: لا، ولكن رأيت عنده فارساً، فهددني بالزبانية فما أدري ما الزبانية؛ ومال إليَّ الفارس، فخشيت منه أن يأكلني.
قال ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه -: والله لو دعا ناديه لأخذته ملائكة العذاب من ساعته. خرجه الترمذي بمعناه.
قوله: ﴿كَلاَّ﴾ أي: ليس الأمر كما يظنه أبو جهل «لا تُطِعْهُ» فيما دعاك إليه من ترك الصلاة «واسْجُدْ» ، أي: صل الله «واقْتَرِبْ» أي: اقترب إلى الله بالطَّاعة والعبادة.
وقيل: المعنى: إذا سجدت اقترب من الله بالدعاء.
قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «أمَّا الرُّكوعُ فعَظَّمُوا فِيْهِ الربَّ تعالى، وأمَّا السُّجُود فاجْتَهدُوا في الدُّعَاءِ، فقمن أنْ يُسْتجابَ لَكُمْ» .
وقال صلى الله عله وسلم: «أقْرَبُ ما يَكُونُ العبدُ مِنْ ربِّه وهُوَ سَاجِدٌ» .
فالسجود في قوله تعالى: ﴿واسجد واقترب﴾ يحتمل أن يكون بمعنى السجود في الصلاة، ويحتمل أن يكون سجود التلاوة في هذه السورة.
وقال ابن العربي: والظاهر أنه سجود الصلاة؛ لقوله تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ الذي ينهى عَبْداً إِذَا صلى﴾ إلى قوله: ﴿كَلاَّ لاَ تُطِعْهُ واسجد واقترب﴾ ، لولا ما ثبت في الصحيح من رواية مسلم، وغيره من الأئمة عن أبي هريرة، أنه قال: سجدتُ مع رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ في «إذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ» وفي ﴿اقرأ باسم رَبِّكَ الذي خَلَقَ﴾ سجدتين، فكان هذا نصًّا على أن المراد سجود التلاوةِ.
روى الثعلبي عن أبي هريرة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «مَنْ قَرَأ: ﴿اقرأ باسم رَبِّكَ﴾ ، فكأنَّمَا قَرَأ المفصل كُلَّهُ» والله تعالى أعلم.
سورة القدر
مكية في قول أكثر المفسرين ذكره الثعلبي.
وحكى الماوردي عكسه.
العلق 96:14
قوله: ﴿كَلاَّ إِنَّ الإنسان ليطغى﴾ . إلى آخر السورة.
قيل: إنه نزل في أبي جهل، نهى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ عن الصلاة، فأمر الله تعالى نبيه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أن يصلي في المسجدِ، ويقرأ باسم الربِّ - تبارك وتعالى - وعلى هذا فليست السورة من أول ما نزل، ويجوز أن يكون خمس آياتٍ من أولها أولى ما نزل، ثم نزل البقية في شأن أبي جهل، وأمر النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ بضم ذلك إلى أول السورة؛ لأن تأليف السور إنما كان بأمر الله تعالى، ألا ترى أنَّ قوله تعالى: ﴿واتقوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى الله﴾ [البقرة: 281] آخر ما نزل ثم هو مضموم إلى ما نزل قبله بزمان طويل.
و «كلاَّ» بمعنى حقاً.
قال الجرجانيُّ: لأن ليس قبله ولا بعده شيء يكون «كلاَّ» ردًّا له، كما قالوا في ﴿كَلاَّ والقمر﴾ [المدثر: 32] فإنهم قالوا: معناه: أي والقمر؛ لأنه ردع وزجر لمن كفر بنعمة الله بطغيانه، وإن لم يذكر لدلالة الكلام عليه.
وقال مقاتل: كلاَّ ليعلم الإنسان أن الله تعالى هو الذي خلقه من العلقة، وعلمه بعد الجهل؛ لأنه عند صيرورته غنياً يطغى، ويتكبر ويصير مستغرق القلب في حُبِّ الدنيا، فلا يفكر في هذه الأحوال ولا يتأمل فيها.
قوله: ﴿أَن رَّآهُ استغنى﴾ ، مفعول له، أي: رؤيته نفسه مُسْتغنياً، وتعدى الفعل هنا إلى ضميريه المتصلين؛ لأن هذا من خواص هذا الكتاب.
قال الزمخشريُّ: «ومعنى الرؤية، ولو كانت بمعنى الإبصار لامتنع في فعلها الجمع بين الضميرين، و» اسْتَغْنَى «هو المفعول الثاني» .
قال شهاب الدين: والمسألة فيها خلاف، ذهب جماعةٌ إلى أن «رأى» البصرية تعطى حكم العلمية، وجعل من ذلك قول عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها -: لقد رأيتنا مع رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وما لنا طعام إلا الأسودان؛ وأنشد: [الكامل]
5255 - ولقَد أرَانِي للرِّمَاحِ دَرِيئَةً ... مِنْ عَنْ يَمينِي تَارَةً وأمَامِي
وتقدم تحقيقه. وقرأ قنبل بخلاف عنه: «رأه» دون ألف بعد الهمزة، وهو مقصور من «رآه» في قراءة العامة.
ولا شك أن الحذف جاء قليلاً، كقولهم: «أصاب الناس جهد ولو تر أهل مكة» بحذف لام «ترى» ؛ وقول الآخر: [الرجز]
5256 - وصَّانِيَ العَجَّاجُ فِيمَا وصَّنِي ... يريد: فيما وصاني، ولما روي عن مجاهد هذه القراءة عن قنبل، وقال: «قرأت بها عليه» نسبه فيها إلى الغلط، ولا ينبغي ذلك، لأنه إذا ثبت ذلك قراءة، فإن لها وجهاً وإن كان غيره أشهر منه، فلا ينبغي أن يقدم على تغليطه.
فصل في نزول الآية
قال ابن عبَّاسٍ في رواية «أبي صالح» : لما نزلت هذه الآية وسمع بها المشركون، أتاه أبو جهل، فقال: يا محمد، أتزعم أنه من استغنى طغى، فاجعل لنا جبال «مكة» ذهباً لعلنا نأخذ منها فنطغى، فندعُ ديننا، ونتبع دينك، قال: فأتاه جبريل - عليه السلام - فقال: يا محمد خيِّرهم في ذلك، فإن شاءوا فعلنا لهم ما أرادوه، فإن لم يفعلوا فعلنا بهم كما فعلنا بأصحاب المائدةِ فعلم رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أنهم لا يقبلون ذلك، فكفّ عنهم أسفاً عليهم.
[وقيل: أن رآه استغنى بالعشيرة والأنصار والأعوان، وحذف اللام من قوله: «أن رآه» كما يقال: إنكم لتطغون أن رأيتم غناكم] .
قوله: ﴿إِنَّ إلى رَبِّكَ الرجعى﴾ . هذا الكلام واقع على طريقة الالتفات إلى الإنسان تهديداً له وتحذيراً من عاقبة الطغيان، والمعنى: أن مرجع من هذا وصفه إلى الله تعالى، فيجازيه.
والرجعى والمرجع والرجوع: مصادر، يقال: رجع إليه رجوعاً ومرجعاً ورُجْعَى، على وزن «فُعْلى» .
قوله: ﴿أَرَأَيْتَ الذي ينهى عَبْداً إِذَا صلى﴾ تقدم الكلام على ﴿أَرَأَيْتَ الذي ينهى﴾ .
وقال الزمخشري هنا: فإن قلت: ما متعلق «أرأيت» ؟ .
قلت: «الَّذي يَنْهَى» مع الجملة الشرطية، وهما في موضع المفعولين، فإن قلت: فأين جواب الشرط؟ .
قلتُ: هو محذوف تقديره: «إنْ كَانَ عَلَى الهُدى، أو أمَرَ بالتَّقْوَى، ألَمْ يَعْلمْ بأنَّ اللهَ يَرَى» ، وإنما حذف لدلالة ذكره في جواب الشرط الثاني.
فإن قلت: كيف يصح أن يكون «أَلَمْ يَعْلَمْ» جواباً للشرط؟ .
قلت: كما صح في قولك: إن أكرمتك أتكرمني، وإن أحسن إليك زيد هل تحسنُ إليه؟ .
فإن قلت: فما أرأيت الثانية، وتوسطها بين مفعول «أرأيت» ؟ قلت: هي زائدة مكررة للتأكيد.
قال شهاب الدين: اعلم أن «أرَأيْتَ» لا يكون مفعولها الثاني إلا جملة استفهامية كقوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ الله﴾ [الأنعام: 47] ، ومثله كثير، وهنا «أرَأيْتَ» ثلاث مرات، وقد صرح بعد الثالثة منها بجملة استفهامية، فيكون في موضع المفعول الثاني لها، ومفعولها الأول محذوف، وهو ضمير يعود على ﴿الَّذي يَنْهَى عَبْداً﴾ الواقع مفعولاً ل «أرَأيْتَ» الأولى، ومفعول «أرأيت» الأولى الذي هو الثاني محذوف، وهو جملة استفهامية كالجملة الواقعة بعد «أرأيت» الثالثة، وأما «أرأيت» الثانية، فلم يذكر لها مفعول، لا أول، ولا ثان، حذف الأول لدلالة المفعول من «أرأيت» الثالث عليه، فقد حذف الثاني من الأولى، والأول من الثالثة، والاثنان من الثانية، وليس طلب كل من «أرأيت» للجملة الاسمية على سبيل التنازع؛ لأنه يستدعي إضماراً. والجملة لا تضمر إنما تضمر المفردات، وإنما ذلك من باب الحذف للدلالة وأما الكلام على الشرط مع «أرأيت» هذه، فقد تقدم في «الأنعام» ، ويجوز الزمخشريُّ وقوع جواب الشرط استفهاماً بنفسه، وهذا لا يجوزُ، بل نصوا على وجوب ذكر الفاءِ في مثله، وإن ورد شيء من ذلك فهو ضرورة.
قال القرطبيُّ: وقيل: كل واحد من «أرَأيْتَ» بدل من الأول، و ﴿ألَمْ يَعْلَمْ بأنَّ اللهَ يَرَى﴾ الخبر.
فصل في تفسير الآية
قال المفسرون: «الذي يَنْهَى» أبو جهل، وقوله تعالى «عَبْداً» يعني محمداً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، فإن أبا جهل قال: لئن رأيت محمداً لأطأنَّ على عنقه. ثم إنه لما رأى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ في الصلاة نكص على عقبيه، فقالوا له: ما لك يا أبا الحكم، قال: إن بيني وبينه لخندقاً من نار وهولاً شديداً.
قال أبو هريرة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه -: فأنزل الله هذه الآيات تعجُّباً منه.
وعن الحسن: أنه أمية بن خلف، كان ينهى سلمان عن الصلاة.
وقيل: في الكلام حذف، والمعنى: من هذا الناهي عن الصلاة من العقوبة.
قوله: ﴿أَرَأَيْتَ إِن كَانَ على الهدى أَوْ أَمَرَ بالتقوى﴾ أي: أرأيت يا أبا جهلٍ إن كان محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ على هذه الصفة، أليس ناهية عن الصَّلاة والتَّقوى هالكاً؟ .
قوله: ﴿أَرَأَيْتَ إِن كَذَّبَ وتولى﴾ يعني أبا جهل كذب بكتاب الله، وأعرض عن الإيمان.
وقال الفراءُ: ﴿أرَأيتَ الذي يَنْهَى عبداً إذا صلَّى﴾ ، والناهي مكذب متولٍّ عن الذكر، أي: فما أعجب هذا بما يقول، ثم قال: ويله ﴿ألَمْ يَعْلمْ﴾ أبو جهل ﴿بأنَّ الله يَرَى﴾ ، أي: يراه ويعلم فعله، فهو تقريع وتوبيخ.
قال ابن الخطيب: هذا خطاب للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ على سبيل التعجب، وفي وجه هذا التعجب وجوه:
أحدها: أنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قال: «اللَّهُمَّ أعزَّ الإسلامَ بأبِي جَهلٍ أو بِعُمَرَ» ، فقيل: أبمثل هذا يعزّ الإسلام وهو ينهى عبداً إذا صلى.
الثاني: أنه كان يلقب بأبي الحكمِ. فقيل: كيف يلقب بهذا وهو ينهى عن الصلاة.
الثالث: أنه كان يأمر وينهى ويعتقد وجوب طاعته، ثم إنه ينهى عن طاعة الربِّ تعالى، وهذا عين الحماقة والتكبُّر، ف «عبداً» يدل على التعظيم، كأنه قيل: [ينهى أشد الخلق عبودية عن العبادة، وهذا عين الجهل، ولهذا لم يقل:] ينهاك، وأيضاً فإن هذا يدل على أن هذه عادته، ودأبه، فهو أبلغ في الذم أيضاً فهذا عام في كل من نهى عن الصلاة، وروي عن عليٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه -: أنه رأى أقواماً يصلون قبل صلاة العيد، فقال: ما رأيت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ يفعل ذلك، فقيل له: ألا تنهاهم فقال: أخشى أن أدخل في قوله تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ الذي ينهى عَبْداً إِذَا صلى﴾ [العلق: 9، 10] ، فلم يصرح أيضاً بالنهي عن الصلاة.
وأيضاً فيه: إجلال لمنصب رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أن ينهاه رجل لا سيما مثل هذا.
قوله: ﴿كَلاَّ﴾ ردع لأبي جهل عن نهيه عن عبادة الله تعالى، أو كلا لن يصل أبو جهلٍ إلى أن يقتل محمداً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ويطأ عنقه.
وقال مقاتل: كلا لا يعلم أن الله يرى، وإن كان يعلم لكن إذا كان لا ينتفع بناصيته يوم القيامة، وليسحبنه بها في النَّار، كقوله تعالى: ﴿فَيُؤْخَذُ بالنواصي والأقدام﴾ [الرحمن: 41] ، فالآية وإن كانت في أبي جهلٍ، فهي عظةٌ للنَّاس، وتهديد لمن يمنع غيره عن الطاعة.
قوله: ﴿لَنَسْفَعاً﴾ ، الوقف على هذه النون بالألف، تشبيهاً لها بالتنوين، ولذلك يحذف بعد الضمة والكسرة وقفاً، وتكتب هنا ألفاً إتباعاً للوقف.
وروي عن أبي عمرو: «لَنَسْفَعَنَّ» بالنون الثقيلة.
والسَّفع: الأخذ والقبض على الشيء بشدة، يقال: سفع بناصية فرسه، قال عمرو بن معديكرب: [الكامل]
5257 - قَوْمٌ إذَا سَمِعُوا الصَّريخَ رَأيْتهُم ... ما بَيْنَ مُلْجمِ مُهْرهِ أوْ سَافعِ
وقيل: هو الأخذ، بلغة قريش.
وقال الرَّاغب: السَّفع: الأخذ بسعفة الفرس، أي: بسواد ناصيته، وباعتبار السواد قيل للأثافي: سفع، وبه سُفْعَةُ غضب اعتباراً بما يعلم من اللون الدخاني وجه من اشتد به الغضب.
وقيل للصقر: أسفع، لما فيه من لمع السواد، وامرأة سفعاء اللون انتهى.
وفي الحديث: «فَقَامَت أمْرَأةٌ سَفْعاءُ الخدَّيْنِ» .
وقيل: هو مأخوذ من سفعت النار والشمس إذا غيرت وجهه إلى حال تسويد.
قال: [الكامل]
5258 - أثَافِيَّ سُفْعاً في مُعرَّسِ مِرْجَلٍ ... ونُؤيٌ كجذْمِ الحَوْضِ أثلمُ خَاشِعُ
قال القرطبيُّ: السفع الضرب، أي: ليلطمن وجهه، وكله متقارب المعنى، أي: يجمع عليه الضرب عند الأخذ، ثم يجر إلى جهنم.
وقرأ ابن مسعود: «لأسفعن» ، أي: يقول الله تعالى: يا محمد أنا الذي أتولّى إهانته، لقوله تعالى: ﴿هُوَ الذي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ﴾ [الأنفال: 62] ﴿هُوَ الذي أَنزَلَ السكينة﴾ [الفتح: 4] ، والناصية: شعر مقدم الرأس، وقد يعبر بها عن جملة الإنسان، وخص الناصية بالذكر على عادة العرب فيمن أرادوا إذلاله وإهانته أخذوا بناصيته.
قوله: ﴿نَاصِيَةٍ﴾ بدل من «النَّاصية» ، بدل نكرة من معرفة.
قال الزمخشريُّ: «وجاز بدلها عن المعرفة، وهي نكرة، لأنها وصفت، فاستقلت بفائدة» .
قال شهاب الدِّين: وهذا مذهب الكوفيين، لا يجيزون إبدال نكرة من غيرها إلا بشرط وصفها، وكونها بلفظ الأول، ومذهب البصريين: لا يشترط بشيءٍ؛ وأنشدوا: [الوافر]
5259 - فَلاَ وأبِيكَ خَيْرٌ مِنْكَ إنِّي ... ليُؤذِينِي التَّحَمحُمُ والصَّهِيلُ
وقرأ أبو حيوة، وابن أبي عبلة، وزيد بن علي: بنصب «ناصِيةٌ كَاذِبَةٌ خَاطِئةٌ» على الشتم.
وقرأ الكسائي في رواية: بالرفع، على إضمار: هي ناصية، ونسب الكذب والخطأ إليها مجازاً. والألف واللام في «الناصية» قيل: عوض من الإضافة، أي: بناصيته.
وقيل: الضمير محذوف، أي: الناصية منه.
فصل في معنى الآية
والمعنى: لنأخذنّ بناصية أبي جهل «كاذبة» في قولها، «خاطئة» في فعلها، والخاطئ معاقب مأخوذ، والمخطئ غير مأخوذ، ووصفت الناصية بأنها خاطئة كوصف الوجوه بالنظر في قوله «إلى ربها ناظرة» ، وقيل: إن صاحبها كاذب خاطئ كما يقال: ليل قائم ونهار صائم، أي صائم في النهار وقائم في الليل، وإنما وصف الناصية بالكاذبة، لأنه كان كاذباً على الله تعالى في أنه لم يرسل محمداً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، وكاذباً على رسوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ في أنه ساحر، وكاذب أنه ليس بنبي؛ لأن صاحبها يتمرد على الله تعالى، كما قال تعالى: ﴿لاَّ يَأْكُلُهُ إِلاَّ الخاطئون﴾ [الحاقة: 37] .
قوله: ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ﴾ ، إما أن يكون على حذف مضاف، أي: أهل ناديه، أو على التجوُّز في نداء النادي لاشتماله على الناس، كقوله تعالى: ﴿وَسْأَلِ القرية التي كُنَّا فِيهَا﴾ [يوسف: 82] ، والنادي والندي: المجلس المتجدّد للحديث.
قال زهير: [الطويل]
5260 - وفِيهِمْ مَقامَاتٌ حِسَانٌ وُجوهُهُمْ ... وأنْدِيةٌ يَنْتَابُهَا القَوْلُ والفِعْلُ
[وقالت أعرابية: هو سيد ناديه وثمال عافيه]
وقال تعالى: ﴿وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ المنكر﴾ [العنكبوت: 29] .
وقال أبو عبيدة: «ونَادِيَه» أهل مجلسه، ولا يسمى المكان نادياً حتى يكون فيه أهله، والمعنى: فليدع عشيرته، فليستنصر بهم.
قوله: ﴿سَنَدْعُ الزبانية﴾ .
قال الزمخشري: «والزبانية في كلام العرب: الشرط، الواحد: زبنية، كعفرية من الزَّبن، وهو الدَّفع.
وقيل: زبني، وكأنه نسب إلى الزبن، ثم غير للنسب، كقولهم: أمسيّ، وأصله: زباني، فقيل:» زبانية «على التعويض» .
وقال عيسى بن عمر والأخفش: واحدهم زابن.
وقيل: هو اسم جمع لا واحد له من لفظه، كعباديد، وشماطيط، وأبابيل، والحاصل: أن المادة تدل على الدفع.
قال: [الطويل]
5261 - مَطَاعِيمُ في القُصْوَى مَطَاعِينُ في الوَغَى ... زَبَانِيَةٌ غُلبٌ عِظامٌ حُلومُهَا وقال آخر: [الطويل]
5262 - ومُسْتعْجِبٍ ممَّا يَرَى مِنْ أنَاتِنَا ... ولوْ زَبَنَتْهُ الحَرْبُ لَمْ يَتَرَمْرَمِ
[قال عتبة: زبَنَتْنا الحرب، وزبنَّاها، ومنه الزبون لأنه يدفع من بائع إلى آخر.
وقال أبو الليث السمرقندي رَحِمَهُ اللَّهُ: ومنه المزابنة في البيع؛ لأنهم يعملون بأرجلهم، كما يعملون بأيديهم] .
وقرأ العامة: «سَندْعُ» بنون العظمة، ولم ترسم بالواو، وتقدم نظيره، نحو ﴿يَدْعُ الداع﴾ [القمر: 6] .
وقرأ ابن أبي عبلة: «سيُدْعَى الزبانيةُ» مبنياً للمفعول ورفع «الزبانية» لقيامها مقام الفاعل.
فصل في المراد بالزبانية
قال ابن عباس: الملائكة الغلاظ الشداد، وروي أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ لما قرأ هذه السورة وبلغ إلى قوله تعالى: ﴿لَنَسْفَعاً بالناصية﴾ قال أبو جهل: أنا أدعو قومي حتى يمنعوا عني ربك، قال الله تعالى: ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ سَنَدْعُ الزبانية﴾ فلما ذكر الزبانية رجع فزعاً، فقيل له: أخشيت منه؟ .
قال: لا، ولكن رأيت عنده فارساً، فهددني بالزبانية فما أدري ما الزبانية؛ ومال إليَّ الفارس، فخشيت منه أن يأكلني.
قال ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه -: والله لو دعا ناديه لأخذته ملائكة العذاب من ساعته. خرجه الترمذي بمعناه.
قوله: ﴿كَلاَّ﴾ أي: ليس الأمر كما يظنه أبو جهل «لا تُطِعْهُ» فيما دعاك إليه من ترك الصلاة «واسْجُدْ» ، أي: صل الله «واقْتَرِبْ» أي: اقترب إلى الله بالطَّاعة والعبادة.
وقيل: المعنى: إذا سجدت اقترب من الله بالدعاء.
قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «أمَّا الرُّكوعُ فعَظَّمُوا فِيْهِ الربَّ تعالى، وأمَّا السُّجُود فاجْتَهدُوا في الدُّعَاءِ، فقمن أنْ يُسْتجابَ لَكُمْ» .
وقال صلى الله عله وسلم: «أقْرَبُ ما يَكُونُ العبدُ مِنْ ربِّه وهُوَ سَاجِدٌ» .
فالسجود في قوله تعالى: ﴿واسجد واقترب﴾ يحتمل أن يكون بمعنى السجود في الصلاة، ويحتمل أن يكون سجود التلاوة في هذه السورة.
وقال ابن العربي: والظاهر أنه سجود الصلاة؛ لقوله تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ الذي ينهى عَبْداً إِذَا صلى﴾ إلى قوله: ﴿كَلاَّ لاَ تُطِعْهُ واسجد واقترب﴾ ، لولا ما ثبت في الصحيح من رواية مسلم، وغيره من الأئمة عن أبي هريرة، أنه قال: سجدتُ مع رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ في «إذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ» وفي ﴿اقرأ باسم رَبِّكَ الذي خَلَقَ﴾ سجدتين، فكان هذا نصًّا على أن المراد سجود التلاوةِ.
روى الثعلبي عن أبي هريرة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «مَنْ قَرَأ: ﴿اقرأ باسم رَبِّكَ﴾ ، فكأنَّمَا قَرَأ المفصل كُلَّهُ» والله تعالى أعلم.
سورة القدر
مكية في قول أكثر المفسرين ذكره الثعلبي.
وحكى الماوردي عكسه.
العلق 96:15
قوله: ﴿كَلاَّ إِنَّ الإنسان ليطغى﴾ . إلى آخر السورة.
قيل: إنه نزل في أبي جهل، نهى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ عن الصلاة، فأمر الله تعالى نبيه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أن يصلي في المسجدِ، ويقرأ باسم الربِّ - تبارك وتعالى - وعلى هذا فليست السورة من أول ما نزل، ويجوز أن يكون خمس آياتٍ من أولها أولى ما نزل، ثم نزل البقية في شأن أبي جهل، وأمر النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ بضم ذلك إلى أول السورة؛ لأن تأليف السور إنما كان بأمر الله تعالى، ألا ترى أنَّ قوله تعالى: ﴿واتقوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى الله﴾ [البقرة: 281] آخر ما نزل ثم هو مضموم إلى ما نزل قبله بزمان طويل.
و «كلاَّ» بمعنى حقاً.
قال الجرجانيُّ: لأن ليس قبله ولا بعده شيء يكون «كلاَّ» ردًّا له، كما قالوا في ﴿كَلاَّ والقمر﴾ [المدثر: 32] فإنهم قالوا: معناه: أي والقمر؛ لأنه ردع وزجر لمن كفر بنعمة الله بطغيانه، وإن لم يذكر لدلالة الكلام عليه.
وقال مقاتل: كلاَّ ليعلم الإنسان أن الله تعالى هو الذي خلقه من العلقة، وعلمه بعد الجهل؛ لأنه عند صيرورته غنياً يطغى، ويتكبر ويصير مستغرق القلب في حُبِّ الدنيا، فلا يفكر في هذه الأحوال ولا يتأمل فيها.
قوله: ﴿أَن رَّآهُ استغنى﴾ ، مفعول له، أي: رؤيته نفسه مُسْتغنياً، وتعدى الفعل هنا إلى ضميريه المتصلين؛ لأن هذا من خواص هذا الكتاب.
قال الزمخشريُّ: «ومعنى الرؤية، ولو كانت بمعنى الإبصار لامتنع في فعلها الجمع بين الضميرين، و» اسْتَغْنَى «هو المفعول الثاني» .
قال شهاب الدين: والمسألة فيها خلاف، ذهب جماعةٌ إلى أن «رأى» البصرية تعطى حكم العلمية، وجعل من ذلك قول عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها -: لقد رأيتنا مع رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وما لنا طعام إلا الأسودان؛ وأنشد: [الكامل]
5255 - ولقَد أرَانِي للرِّمَاحِ دَرِيئَةً ... مِنْ عَنْ يَمينِي تَارَةً وأمَامِي
وتقدم تحقيقه. وقرأ قنبل بخلاف عنه: «رأه» دون ألف بعد الهمزة، وهو مقصور من «رآه» في قراءة العامة.
ولا شك أن الحذف جاء قليلاً، كقولهم: «أصاب الناس جهد ولو تر أهل مكة» بحذف لام «ترى» ؛ وقول الآخر: [الرجز]
5256 - وصَّانِيَ العَجَّاجُ فِيمَا وصَّنِي ... يريد: فيما وصاني، ولما روي عن مجاهد هذه القراءة عن قنبل، وقال: «قرأت بها عليه» نسبه فيها إلى الغلط، ولا ينبغي ذلك، لأنه إذا ثبت ذلك قراءة، فإن لها وجهاً وإن كان غيره أشهر منه، فلا ينبغي أن يقدم على تغليطه.
فصل في نزول الآية
قال ابن عبَّاسٍ في رواية «أبي صالح» : لما نزلت هذه الآية وسمع بها المشركون، أتاه أبو جهل، فقال: يا محمد، أتزعم أنه من استغنى طغى، فاجعل لنا جبال «مكة» ذهباً لعلنا نأخذ منها فنطغى، فندعُ ديننا، ونتبع دينك، قال: فأتاه جبريل - عليه السلام - فقال: يا محمد خيِّرهم في ذلك، فإن شاءوا فعلنا لهم ما أرادوه، فإن لم يفعلوا فعلنا بهم كما فعلنا بأصحاب المائدةِ فعلم رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أنهم لا يقبلون ذلك، فكفّ عنهم أسفاً عليهم.
[وقيل: أن رآه استغنى بالعشيرة والأنصار والأعوان، وحذف اللام من قوله: «أن رآه» كما يقال: إنكم لتطغون أن رأيتم غناكم] .
قوله: ﴿إِنَّ إلى رَبِّكَ الرجعى﴾ . هذا الكلام واقع على طريقة الالتفات إلى الإنسان تهديداً له وتحذيراً من عاقبة الطغيان، والمعنى: أن مرجع من هذا وصفه إلى الله تعالى، فيجازيه.
والرجعى والمرجع والرجوع: مصادر، يقال: رجع إليه رجوعاً ومرجعاً ورُجْعَى، على وزن «فُعْلى» .
قوله: ﴿أَرَأَيْتَ الذي ينهى عَبْداً إِذَا صلى﴾ تقدم الكلام على ﴿أَرَأَيْتَ الذي ينهى﴾ .
وقال الزمخشري هنا: فإن قلت: ما متعلق «أرأيت» ؟ .
قلت: «الَّذي يَنْهَى» مع الجملة الشرطية، وهما في موضع المفعولين، فإن قلت: فأين جواب الشرط؟ .
قلتُ: هو محذوف تقديره: «إنْ كَانَ عَلَى الهُدى، أو أمَرَ بالتَّقْوَى، ألَمْ يَعْلمْ بأنَّ اللهَ يَرَى» ، وإنما حذف لدلالة ذكره في جواب الشرط الثاني.
فإن قلت: كيف يصح أن يكون «أَلَمْ يَعْلَمْ» جواباً للشرط؟ .
قلت: كما صح في قولك: إن أكرمتك أتكرمني، وإن أحسن إليك زيد هل تحسنُ إليه؟ .
فإن قلت: فما أرأيت الثانية، وتوسطها بين مفعول «أرأيت» ؟ قلت: هي زائدة مكررة للتأكيد.
قال شهاب الدين: اعلم أن «أرَأيْتَ» لا يكون مفعولها الثاني إلا جملة استفهامية كقوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ الله﴾ [الأنعام: 47] ، ومثله كثير، وهنا «أرَأيْتَ» ثلاث مرات، وقد صرح بعد الثالثة منها بجملة استفهامية، فيكون في موضع المفعول الثاني لها، ومفعولها الأول محذوف، وهو ضمير يعود على ﴿الَّذي يَنْهَى عَبْداً﴾ الواقع مفعولاً ل «أرَأيْتَ» الأولى، ومفعول «أرأيت» الأولى الذي هو الثاني محذوف، وهو جملة استفهامية كالجملة الواقعة بعد «أرأيت» الثالثة، وأما «أرأيت» الثانية، فلم يذكر لها مفعول، لا أول، ولا ثان، حذف الأول لدلالة المفعول من «أرأيت» الثالث عليه، فقد حذف الثاني من الأولى، والأول من الثالثة، والاثنان من الثانية، وليس طلب كل من «أرأيت» للجملة الاسمية على سبيل التنازع؛ لأنه يستدعي إضماراً. والجملة لا تضمر إنما تضمر المفردات، وإنما ذلك من باب الحذف للدلالة وأما الكلام على الشرط مع «أرأيت» هذه، فقد تقدم في «الأنعام» ، ويجوز الزمخشريُّ وقوع جواب الشرط استفهاماً بنفسه، وهذا لا يجوزُ، بل نصوا على وجوب ذكر الفاءِ في مثله، وإن ورد شيء من ذلك فهو ضرورة.
قال القرطبيُّ: وقيل: كل واحد من «أرَأيْتَ» بدل من الأول، و ﴿ألَمْ يَعْلَمْ بأنَّ اللهَ يَرَى﴾ الخبر.
فصل في تفسير الآية
قال المفسرون: «الذي يَنْهَى» أبو جهل، وقوله تعالى «عَبْداً» يعني محمداً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، فإن أبا جهل قال: لئن رأيت محمداً لأطأنَّ على عنقه. ثم إنه لما رأى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ في الصلاة نكص على عقبيه، فقالوا له: ما لك يا أبا الحكم، قال: إن بيني وبينه لخندقاً من نار وهولاً شديداً.
قال أبو هريرة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه -: فأنزل الله هذه الآيات تعجُّباً منه.
وعن الحسن: أنه أمية بن خلف، كان ينهى سلمان عن الصلاة.
وقيل: في الكلام حذف، والمعنى: من هذا الناهي عن الصلاة من العقوبة.
قوله: ﴿أَرَأَيْتَ إِن كَانَ على الهدى أَوْ أَمَرَ بالتقوى﴾ أي: أرأيت يا أبا جهلٍ إن كان محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ على هذه الصفة، أليس ناهية عن الصَّلاة والتَّقوى هالكاً؟ .
قوله: ﴿أَرَأَيْتَ إِن كَذَّبَ وتولى﴾ يعني أبا جهل كذب بكتاب الله، وأعرض عن الإيمان.
وقال الفراءُ: ﴿أرَأيتَ الذي يَنْهَى عبداً إذا صلَّى﴾ ، والناهي مكذب متولٍّ عن الذكر، أي: فما أعجب هذا بما يقول، ثم قال: ويله ﴿ألَمْ يَعْلمْ﴾ أبو جهل ﴿بأنَّ الله يَرَى﴾ ، أي: يراه ويعلم فعله، فهو تقريع وتوبيخ.
قال ابن الخطيب: هذا خطاب للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ على سبيل التعجب، وفي وجه هذا التعجب وجوه:
أحدها: أنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قال: «اللَّهُمَّ أعزَّ الإسلامَ بأبِي جَهلٍ أو بِعُمَرَ» ، فقيل: أبمثل هذا يعزّ الإسلام وهو ينهى عبداً إذا صلى.
الثاني: أنه كان يلقب بأبي الحكمِ. فقيل: كيف يلقب بهذا وهو ينهى عن الصلاة.
الثالث: أنه كان يأمر وينهى ويعتقد وجوب طاعته، ثم إنه ينهى عن طاعة الربِّ تعالى، وهذا عين الحماقة والتكبُّر، ف «عبداً» يدل على التعظيم، كأنه قيل: [ينهى أشد الخلق عبودية عن العبادة، وهذا عين الجهل، ولهذا لم يقل:] ينهاك، وأيضاً فإن هذا يدل على أن هذه عادته، ودأبه، فهو أبلغ في الذم أيضاً فهذا عام في كل من نهى عن الصلاة، وروي عن عليٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه -: أنه رأى أقواماً يصلون قبل صلاة العيد، فقال: ما رأيت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ يفعل ذلك، فقيل له: ألا تنهاهم فقال: أخشى أن أدخل في قوله تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ الذي ينهى عَبْداً إِذَا صلى﴾ [العلق: 9، 10] ، فلم يصرح أيضاً بالنهي عن الصلاة.
وأيضاً فيه: إجلال لمنصب رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أن ينهاه رجل لا سيما مثل هذا.
قوله: ﴿كَلاَّ﴾ ردع لأبي جهل عن نهيه عن عبادة الله تعالى، أو كلا لن يصل أبو جهلٍ إلى أن يقتل محمداً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ويطأ عنقه.
وقال مقاتل: كلا لا يعلم أن الله يرى، وإن كان يعلم لكن إذا كان لا ينتفع بناصيته يوم القيامة، وليسحبنه بها في النَّار، كقوله تعالى: ﴿فَيُؤْخَذُ بالنواصي والأقدام﴾ [الرحمن: 41] ، فالآية وإن كانت في أبي جهلٍ، فهي عظةٌ للنَّاس، وتهديد لمن يمنع غيره عن الطاعة.
قوله: ﴿لَنَسْفَعاً﴾ ، الوقف على هذه النون بالألف، تشبيهاً لها بالتنوين، ولذلك يحذف بعد الضمة والكسرة وقفاً، وتكتب هنا ألفاً إتباعاً للوقف.
وروي عن أبي عمرو: «لَنَسْفَعَنَّ» بالنون الثقيلة.
والسَّفع: الأخذ والقبض على الشيء بشدة، يقال: سفع بناصية فرسه، قال عمرو بن معديكرب: [الكامل]
5257 - قَوْمٌ إذَا سَمِعُوا الصَّريخَ رَأيْتهُم ... ما بَيْنَ مُلْجمِ مُهْرهِ أوْ سَافعِ
وقيل: هو الأخذ، بلغة قريش.
وقال الرَّاغب: السَّفع: الأخذ بسعفة الفرس، أي: بسواد ناصيته، وباعتبار السواد قيل للأثافي: سفع، وبه سُفْعَةُ غضب اعتباراً بما يعلم من اللون الدخاني وجه من اشتد به الغضب.
وقيل للصقر: أسفع، لما فيه من لمع السواد، وامرأة سفعاء اللون انتهى.
وفي الحديث: «فَقَامَت أمْرَأةٌ سَفْعاءُ الخدَّيْنِ» .
وقيل: هو مأخوذ من سفعت النار والشمس إذا غيرت وجهه إلى حال تسويد.
قال: [الكامل]
5258 - أثَافِيَّ سُفْعاً في مُعرَّسِ مِرْجَلٍ ... ونُؤيٌ كجذْمِ الحَوْضِ أثلمُ خَاشِعُ
قال القرطبيُّ: السفع الضرب، أي: ليلطمن وجهه، وكله متقارب المعنى، أي: يجمع عليه الضرب عند الأخذ، ثم يجر إلى جهنم.
وقرأ ابن مسعود: «لأسفعن» ، أي: يقول الله تعالى: يا محمد أنا الذي أتولّى إهانته، لقوله تعالى: ﴿هُوَ الذي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ﴾ [الأنفال: 62] ﴿هُوَ الذي أَنزَلَ السكينة﴾ [الفتح: 4] ، والناصية: شعر مقدم الرأس، وقد يعبر بها عن جملة الإنسان، وخص الناصية بالذكر على عادة العرب فيمن أرادوا إذلاله وإهانته أخذوا بناصيته.
قوله: ﴿نَاصِيَةٍ﴾ بدل من «النَّاصية» ، بدل نكرة من معرفة.
قال الزمخشريُّ: «وجاز بدلها عن المعرفة، وهي نكرة، لأنها وصفت، فاستقلت بفائدة» .
قال شهاب الدِّين: وهذا مذهب الكوفيين، لا يجيزون إبدال نكرة من غيرها إلا بشرط وصفها، وكونها بلفظ الأول، ومذهب البصريين: لا يشترط بشيءٍ؛ وأنشدوا: [الوافر]
5259 - فَلاَ وأبِيكَ خَيْرٌ مِنْكَ إنِّي ... ليُؤذِينِي التَّحَمحُمُ والصَّهِيلُ
وقرأ أبو حيوة، وابن أبي عبلة، وزيد بن علي: بنصب «ناصِيةٌ كَاذِبَةٌ خَاطِئةٌ» على الشتم.
وقرأ الكسائي في رواية: بالرفع، على إضمار: هي ناصية، ونسب الكذب والخطأ إليها مجازاً. والألف واللام في «الناصية» قيل: عوض من الإضافة، أي: بناصيته.
وقيل: الضمير محذوف، أي: الناصية منه.
فصل في معنى الآية
والمعنى: لنأخذنّ بناصية أبي جهل «كاذبة» في قولها، «خاطئة» في فعلها، والخاطئ معاقب مأخوذ، والمخطئ غير مأخوذ، ووصفت الناصية بأنها خاطئة كوصف الوجوه بالنظر في قوله «إلى ربها ناظرة» ، وقيل: إن صاحبها كاذب خاطئ كما يقال: ليل قائم ونهار صائم، أي صائم في النهار وقائم في الليل، وإنما وصف الناصية بالكاذبة، لأنه كان كاذباً على الله تعالى في أنه لم يرسل محمداً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، وكاذباً على رسوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ في أنه ساحر، وكاذب أنه ليس بنبي؛ لأن صاحبها يتمرد على الله تعالى، كما قال تعالى: ﴿لاَّ يَأْكُلُهُ إِلاَّ الخاطئون﴾ [الحاقة: 37] .
قوله: ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ﴾ ، إما أن يكون على حذف مضاف، أي: أهل ناديه، أو على التجوُّز في نداء النادي لاشتماله على الناس، كقوله تعالى: ﴿وَسْأَلِ القرية التي كُنَّا فِيهَا﴾ [يوسف: 82] ، والنادي والندي: المجلس المتجدّد للحديث.
قال زهير: [الطويل]
5260 - وفِيهِمْ مَقامَاتٌ حِسَانٌ وُجوهُهُمْ ... وأنْدِيةٌ يَنْتَابُهَا القَوْلُ والفِعْلُ
[وقالت أعرابية: هو سيد ناديه وثمال عافيه]
وقال تعالى: ﴿وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ المنكر﴾ [العنكبوت: 29] .
وقال أبو عبيدة: «ونَادِيَه» أهل مجلسه، ولا يسمى المكان نادياً حتى يكون فيه أهله، والمعنى: فليدع عشيرته، فليستنصر بهم.
قوله: ﴿سَنَدْعُ الزبانية﴾ .
قال الزمخشري: «والزبانية في كلام العرب: الشرط، الواحد: زبنية، كعفرية من الزَّبن، وهو الدَّفع.
وقيل: زبني، وكأنه نسب إلى الزبن، ثم غير للنسب، كقولهم: أمسيّ، وأصله: زباني، فقيل:» زبانية «على التعويض» .
وقال عيسى بن عمر والأخفش: واحدهم زابن.
وقيل: هو اسم جمع لا واحد له من لفظه، كعباديد، وشماطيط، وأبابيل، والحاصل: أن المادة تدل على الدفع.
قال: [الطويل]
5261 - مَطَاعِيمُ في القُصْوَى مَطَاعِينُ في الوَغَى ... زَبَانِيَةٌ غُلبٌ عِظامٌ حُلومُهَا وقال آخر: [الطويل]
5262 - ومُسْتعْجِبٍ ممَّا يَرَى مِنْ أنَاتِنَا ... ولوْ زَبَنَتْهُ الحَرْبُ لَمْ يَتَرَمْرَمِ
[قال عتبة: زبَنَتْنا الحرب، وزبنَّاها، ومنه الزبون لأنه يدفع من بائع إلى آخر.
وقال أبو الليث السمرقندي رَحِمَهُ اللَّهُ: ومنه المزابنة في البيع؛ لأنهم يعملون بأرجلهم، كما يعملون بأيديهم] .
وقرأ العامة: «سَندْعُ» بنون العظمة، ولم ترسم بالواو، وتقدم نظيره، نحو ﴿يَدْعُ الداع﴾ [القمر: 6] .
وقرأ ابن أبي عبلة: «سيُدْعَى الزبانيةُ» مبنياً للمفعول ورفع «الزبانية» لقيامها مقام الفاعل.
فصل في المراد بالزبانية
قال ابن عباس: الملائكة الغلاظ الشداد، وروي أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ لما قرأ هذه السورة وبلغ إلى قوله تعالى: ﴿لَنَسْفَعاً بالناصية﴾ قال أبو جهل: أنا أدعو قومي حتى يمنعوا عني ربك، قال الله تعالى: ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ سَنَدْعُ الزبانية﴾ فلما ذكر الزبانية رجع فزعاً، فقيل له: أخشيت منه؟ .
قال: لا، ولكن رأيت عنده فارساً، فهددني بالزبانية فما أدري ما الزبانية؛ ومال إليَّ الفارس، فخشيت منه أن يأكلني.
قال ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه -: والله لو دعا ناديه لأخذته ملائكة العذاب من ساعته. خرجه الترمذي بمعناه.
قوله: ﴿كَلاَّ﴾ أي: ليس الأمر كما يظنه أبو جهل «لا تُطِعْهُ» فيما دعاك إليه من ترك الصلاة «واسْجُدْ» ، أي: صل الله «واقْتَرِبْ» أي: اقترب إلى الله بالطَّاعة والعبادة.
وقيل: المعنى: إذا سجدت اقترب من الله بالدعاء.
قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «أمَّا الرُّكوعُ فعَظَّمُوا فِيْهِ الربَّ تعالى، وأمَّا السُّجُود فاجْتَهدُوا في الدُّعَاءِ، فقمن أنْ يُسْتجابَ لَكُمْ» .
وقال صلى الله عله وسلم: «أقْرَبُ ما يَكُونُ العبدُ مِنْ ربِّه وهُوَ سَاجِدٌ» .
فالسجود في قوله تعالى: ﴿واسجد واقترب﴾ يحتمل أن يكون بمعنى السجود في الصلاة، ويحتمل أن يكون سجود التلاوة في هذه السورة.
وقال ابن العربي: والظاهر أنه سجود الصلاة؛ لقوله تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ الذي ينهى عَبْداً إِذَا صلى﴾ إلى قوله: ﴿كَلاَّ لاَ تُطِعْهُ واسجد واقترب﴾ ، لولا ما ثبت في الصحيح من رواية مسلم، وغيره من الأئمة عن أبي هريرة، أنه قال: سجدتُ مع رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ في «إذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ» وفي ﴿اقرأ باسم رَبِّكَ الذي خَلَقَ﴾ سجدتين، فكان هذا نصًّا على أن المراد سجود التلاوةِ.
روى الثعلبي عن أبي هريرة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «مَنْ قَرَأ: ﴿اقرأ باسم رَبِّكَ﴾ ، فكأنَّمَا قَرَأ المفصل كُلَّهُ» والله تعالى أعلم.
سورة القدر
مكية في قول أكثر المفسرين ذكره الثعلبي.
وحكى الماوردي عكسه.
العلق 96:16
قوله: ﴿كَلاَّ إِنَّ الإنسان ليطغى﴾ . إلى آخر السورة.
قيل: إنه نزل في أبي جهل، نهى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ عن الصلاة، فأمر الله تعالى نبيه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أن يصلي في المسجدِ، ويقرأ باسم الربِّ - تبارك وتعالى - وعلى هذا فليست السورة من أول ما نزل، ويجوز أن يكون خمس آياتٍ من أولها أولى ما نزل، ثم نزل البقية في شأن أبي جهل، وأمر النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ بضم ذلك إلى أول السورة؛ لأن تأليف السور إنما كان بأمر الله تعالى، ألا ترى أنَّ قوله تعالى: ﴿واتقوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى الله﴾ [البقرة: 281] آخر ما نزل ثم هو مضموم إلى ما نزل قبله بزمان طويل.
و «كلاَّ» بمعنى حقاً.
قال الجرجانيُّ: لأن ليس قبله ولا بعده شيء يكون «كلاَّ» ردًّا له، كما قالوا في ﴿كَلاَّ والقمر﴾ [المدثر: 32] فإنهم قالوا: معناه: أي والقمر؛ لأنه ردع وزجر لمن كفر بنعمة الله بطغيانه، وإن لم يذكر لدلالة الكلام عليه.
وقال مقاتل: كلاَّ ليعلم الإنسان أن الله تعالى هو الذي خلقه من العلقة، وعلمه بعد الجهل؛ لأنه عند صيرورته غنياً يطغى، ويتكبر ويصير مستغرق القلب في حُبِّ الدنيا، فلا يفكر في هذه الأحوال ولا يتأمل فيها.
قوله: ﴿أَن رَّآهُ استغنى﴾ ، مفعول له، أي: رؤيته نفسه مُسْتغنياً، وتعدى الفعل هنا إلى ضميريه المتصلين؛ لأن هذا من خواص هذا الكتاب.
قال الزمخشريُّ: «ومعنى الرؤية، ولو كانت بمعنى الإبصار لامتنع في فعلها الجمع بين الضميرين، و» اسْتَغْنَى «هو المفعول الثاني» .
قال شهاب الدين: والمسألة فيها خلاف، ذهب جماعةٌ إلى أن «رأى» البصرية تعطى حكم العلمية، وجعل من ذلك قول عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها -: لقد رأيتنا مع رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وما لنا طعام إلا الأسودان؛ وأنشد: [الكامل]
5255 - ولقَد أرَانِي للرِّمَاحِ دَرِيئَةً ... مِنْ عَنْ يَمينِي تَارَةً وأمَامِي
وتقدم تحقيقه. وقرأ قنبل بخلاف عنه: «رأه» دون ألف بعد الهمزة، وهو مقصور من «رآه» في قراءة العامة.
ولا شك أن الحذف جاء قليلاً، كقولهم: «أصاب الناس جهد ولو تر أهل مكة» بحذف لام «ترى» ؛ وقول الآخر: [الرجز]
5256 - وصَّانِيَ العَجَّاجُ فِيمَا وصَّنِي ... يريد: فيما وصاني، ولما روي عن مجاهد هذه القراءة عن قنبل، وقال: «قرأت بها عليه» نسبه فيها إلى الغلط، ولا ينبغي ذلك، لأنه إذا ثبت ذلك قراءة، فإن لها وجهاً وإن كان غيره أشهر منه، فلا ينبغي أن يقدم على تغليطه.
فصل في نزول الآية
قال ابن عبَّاسٍ في رواية «أبي صالح» : لما نزلت هذه الآية وسمع بها المشركون، أتاه أبو جهل، فقال: يا محمد، أتزعم أنه من استغنى طغى، فاجعل لنا جبال «مكة» ذهباً لعلنا نأخذ منها فنطغى، فندعُ ديننا، ونتبع دينك، قال: فأتاه جبريل - عليه السلام - فقال: يا محمد خيِّرهم في ذلك، فإن شاءوا فعلنا لهم ما أرادوه، فإن لم يفعلوا فعلنا بهم كما فعلنا بأصحاب المائدةِ فعلم رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أنهم لا يقبلون ذلك، فكفّ عنهم أسفاً عليهم.
[وقيل: أن رآه استغنى بالعشيرة والأنصار والأعوان، وحذف اللام من قوله: «أن رآه» كما يقال: إنكم لتطغون أن رأيتم غناكم] .
قوله: ﴿إِنَّ إلى رَبِّكَ الرجعى﴾ . هذا الكلام واقع على طريقة الالتفات إلى الإنسان تهديداً له وتحذيراً من عاقبة الطغيان، والمعنى: أن مرجع من هذا وصفه إلى الله تعالى، فيجازيه.
والرجعى والمرجع والرجوع: مصادر، يقال: رجع إليه رجوعاً ومرجعاً ورُجْعَى، على وزن «فُعْلى» .
قوله: ﴿أَرَأَيْتَ الذي ينهى عَبْداً إِذَا صلى﴾ تقدم الكلام على ﴿أَرَأَيْتَ الذي ينهى﴾ .
وقال الزمخشري هنا: فإن قلت: ما متعلق «أرأيت» ؟ .
قلت: «الَّذي يَنْهَى» مع الجملة الشرطية، وهما في موضع المفعولين، فإن قلت: فأين جواب الشرط؟ .
قلتُ: هو محذوف تقديره: «إنْ كَانَ عَلَى الهُدى، أو أمَرَ بالتَّقْوَى، ألَمْ يَعْلمْ بأنَّ اللهَ يَرَى» ، وإنما حذف لدلالة ذكره في جواب الشرط الثاني.
فإن قلت: كيف يصح أن يكون «أَلَمْ يَعْلَمْ» جواباً للشرط؟ .
قلت: كما صح في قولك: إن أكرمتك أتكرمني، وإن أحسن إليك زيد هل تحسنُ إليه؟ .
فإن قلت: فما أرأيت الثانية، وتوسطها بين مفعول «أرأيت» ؟ قلت: هي زائدة مكررة للتأكيد.
قال شهاب الدين: اعلم أن «أرَأيْتَ» لا يكون مفعولها الثاني إلا جملة استفهامية كقوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ الله﴾ [الأنعام: 47] ، ومثله كثير، وهنا «أرَأيْتَ» ثلاث مرات، وقد صرح بعد الثالثة منها بجملة استفهامية، فيكون في موضع المفعول الثاني لها، ومفعولها الأول محذوف، وهو ضمير يعود على ﴿الَّذي يَنْهَى عَبْداً﴾ الواقع مفعولاً ل «أرَأيْتَ» الأولى، ومفعول «أرأيت» الأولى الذي هو الثاني محذوف، وهو جملة استفهامية كالجملة الواقعة بعد «أرأيت» الثالثة، وأما «أرأيت» الثانية، فلم يذكر لها مفعول، لا أول، ولا ثان، حذف الأول لدلالة المفعول من «أرأيت» الثالث عليه، فقد حذف الثاني من الأولى، والأول من الثالثة، والاثنان من الثانية، وليس طلب كل من «أرأيت» للجملة الاسمية على سبيل التنازع؛ لأنه يستدعي إضماراً. والجملة لا تضمر إنما تضمر المفردات، وإنما ذلك من باب الحذف للدلالة وأما الكلام على الشرط مع «أرأيت» هذه، فقد تقدم في «الأنعام» ، ويجوز الزمخشريُّ وقوع جواب الشرط استفهاماً بنفسه، وهذا لا يجوزُ، بل نصوا على وجوب ذكر الفاءِ في مثله، وإن ورد شيء من ذلك فهو ضرورة.
قال القرطبيُّ: وقيل: كل واحد من «أرَأيْتَ» بدل من الأول، و ﴿ألَمْ يَعْلَمْ بأنَّ اللهَ يَرَى﴾ الخبر.
فصل في تفسير الآية
قال المفسرون: «الذي يَنْهَى» أبو جهل، وقوله تعالى «عَبْداً» يعني محمداً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، فإن أبا جهل قال: لئن رأيت محمداً لأطأنَّ على عنقه. ثم إنه لما رأى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ في الصلاة نكص على عقبيه، فقالوا له: ما لك يا أبا الحكم، قال: إن بيني وبينه لخندقاً من نار وهولاً شديداً.
قال أبو هريرة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه -: فأنزل الله هذه الآيات تعجُّباً منه.
وعن الحسن: أنه أمية بن خلف، كان ينهى سلمان عن الصلاة.
وقيل: في الكلام حذف، والمعنى: من هذا الناهي عن الصلاة من العقوبة.
قوله: ﴿أَرَأَيْتَ إِن كَانَ على الهدى أَوْ أَمَرَ بالتقوى﴾ أي: أرأيت يا أبا جهلٍ إن كان محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ على هذه الصفة، أليس ناهية عن الصَّلاة والتَّقوى هالكاً؟ .
قوله: ﴿أَرَأَيْتَ إِن كَذَّبَ وتولى﴾ يعني أبا جهل كذب بكتاب الله، وأعرض عن الإيمان.
وقال الفراءُ: ﴿أرَأيتَ الذي يَنْهَى عبداً إذا صلَّى﴾ ، والناهي مكذب متولٍّ عن الذكر، أي: فما أعجب هذا بما يقول، ثم قال: ويله ﴿ألَمْ يَعْلمْ﴾ أبو جهل ﴿بأنَّ الله يَرَى﴾ ، أي: يراه ويعلم فعله، فهو تقريع وتوبيخ.
قال ابن الخطيب: هذا خطاب للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ على سبيل التعجب، وفي وجه هذا التعجب وجوه:
أحدها: أنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قال: «اللَّهُمَّ أعزَّ الإسلامَ بأبِي جَهلٍ أو بِعُمَرَ» ، فقيل: أبمثل هذا يعزّ الإسلام وهو ينهى عبداً إذا صلى.
الثاني: أنه كان يلقب بأبي الحكمِ. فقيل: كيف يلقب بهذا وهو ينهى عن الصلاة.
الثالث: أنه كان يأمر وينهى ويعتقد وجوب طاعته، ثم إنه ينهى عن طاعة الربِّ تعالى، وهذا عين الحماقة والتكبُّر، ف «عبداً» يدل على التعظيم، كأنه قيل: [ينهى أشد الخلق عبودية عن العبادة، وهذا عين الجهل، ولهذا لم يقل:] ينهاك، وأيضاً فإن هذا يدل على أن هذه عادته، ودأبه، فهو أبلغ في الذم أيضاً فهذا عام في كل من نهى عن الصلاة، وروي عن عليٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه -: أنه رأى أقواماً يصلون قبل صلاة العيد، فقال: ما رأيت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ يفعل ذلك، فقيل له: ألا تنهاهم فقال: أخشى أن أدخل في قوله تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ الذي ينهى عَبْداً إِذَا صلى﴾ [العلق: 9، 10] ، فلم يصرح أيضاً بالنهي عن الصلاة.
وأيضاً فيه: إجلال لمنصب رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أن ينهاه رجل لا سيما مثل هذا.
قوله: ﴿كَلاَّ﴾ ردع لأبي جهل عن نهيه عن عبادة الله تعالى، أو كلا لن يصل أبو جهلٍ إلى أن يقتل محمداً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ويطأ عنقه.
وقال مقاتل: كلا لا يعلم أن الله يرى، وإن كان يعلم لكن إذا كان لا ينتفع بناصيته يوم القيامة، وليسحبنه بها في النَّار، كقوله تعالى: ﴿فَيُؤْخَذُ بالنواصي والأقدام﴾ [الرحمن: 41] ، فالآية وإن كانت في أبي جهلٍ، فهي عظةٌ للنَّاس، وتهديد لمن يمنع غيره عن الطاعة.
قوله: ﴿لَنَسْفَعاً﴾ ، الوقف على هذه النون بالألف، تشبيهاً لها بالتنوين، ولذلك يحذف بعد الضمة والكسرة وقفاً، وتكتب هنا ألفاً إتباعاً للوقف.
وروي عن أبي عمرو: «لَنَسْفَعَنَّ» بالنون الثقيلة.
والسَّفع: الأخذ والقبض على الشيء بشدة، يقال: سفع بناصية فرسه، قال عمرو بن معديكرب: [الكامل]
5257 - قَوْمٌ إذَا سَمِعُوا الصَّريخَ رَأيْتهُم ... ما بَيْنَ مُلْجمِ مُهْرهِ أوْ سَافعِ
وقيل: هو الأخذ، بلغة قريش.
وقال الرَّاغب: السَّفع: الأخذ بسعفة الفرس، أي: بسواد ناصيته، وباعتبار السواد قيل للأثافي: سفع، وبه سُفْعَةُ غضب اعتباراً بما يعلم من اللون الدخاني وجه من اشتد به الغضب.
وقيل للصقر: أسفع، لما فيه من لمع السواد، وامرأة سفعاء اللون انتهى.
وفي الحديث: «فَقَامَت أمْرَأةٌ سَفْعاءُ الخدَّيْنِ» .
وقيل: هو مأخوذ من سفعت النار والشمس إذا غيرت وجهه إلى حال تسويد.
قال: [الكامل]
5258 - أثَافِيَّ سُفْعاً في مُعرَّسِ مِرْجَلٍ ... ونُؤيٌ كجذْمِ الحَوْضِ أثلمُ خَاشِعُ
قال القرطبيُّ: السفع الضرب، أي: ليلطمن وجهه، وكله متقارب المعنى، أي: يجمع عليه الضرب عند الأخذ، ثم يجر إلى جهنم.
وقرأ ابن مسعود: «لأسفعن» ، أي: يقول الله تعالى: يا محمد أنا الذي أتولّى إهانته، لقوله تعالى: ﴿هُوَ الذي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ﴾ [الأنفال: 62] ﴿هُوَ الذي أَنزَلَ السكينة﴾ [الفتح: 4] ، والناصية: شعر مقدم الرأس، وقد يعبر بها عن جملة الإنسان، وخص الناصية بالذكر على عادة العرب فيمن أرادوا إذلاله وإهانته أخذوا بناصيته.
قوله: ﴿نَاصِيَةٍ﴾ بدل من «النَّاصية» ، بدل نكرة من معرفة.
قال الزمخشريُّ: «وجاز بدلها عن المعرفة، وهي نكرة، لأنها وصفت، فاستقلت بفائدة» .
قال شهاب الدِّين: وهذا مذهب الكوفيين، لا يجيزون إبدال نكرة من غيرها إلا بشرط وصفها، وكونها بلفظ الأول، ومذهب البصريين: لا يشترط بشيءٍ؛ وأنشدوا: [الوافر]
5259 - فَلاَ وأبِيكَ خَيْرٌ مِنْكَ إنِّي ... ليُؤذِينِي التَّحَمحُمُ والصَّهِيلُ
وقرأ أبو حيوة، وابن أبي عبلة، وزيد بن علي: بنصب «ناصِيةٌ كَاذِبَةٌ خَاطِئةٌ» على الشتم.
وقرأ الكسائي في رواية: بالرفع، على إضمار: هي ناصية، ونسب الكذب والخطأ إليها مجازاً. والألف واللام في «الناصية» قيل: عوض من الإضافة، أي: بناصيته.
وقيل: الضمير محذوف، أي: الناصية منه.
فصل في معنى الآية
والمعنى: لنأخذنّ بناصية أبي جهل «كاذبة» في قولها، «خاطئة» في فعلها، والخاطئ معاقب مأخوذ، والمخطئ غير مأخوذ، ووصفت الناصية بأنها خاطئة كوصف الوجوه بالنظر في قوله «إلى ربها ناظرة» ، وقيل: إن صاحبها كاذب خاطئ كما يقال: ليل قائم ونهار صائم، أي صائم في النهار وقائم في الليل، وإنما وصف الناصية بالكاذبة، لأنه كان كاذباً على الله تعالى في أنه لم يرسل محمداً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، وكاذباً على رسوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ في أنه ساحر، وكاذب أنه ليس بنبي؛ لأن صاحبها يتمرد على الله تعالى، كما قال تعالى: ﴿لاَّ يَأْكُلُهُ إِلاَّ الخاطئون﴾ [الحاقة: 37] .
قوله: ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ﴾ ، إما أن يكون على حذف مضاف، أي: أهل ناديه، أو على التجوُّز في نداء النادي لاشتماله على الناس، كقوله تعالى: ﴿وَسْأَلِ القرية التي كُنَّا فِيهَا﴾ [يوسف: 82] ، والنادي والندي: المجلس المتجدّد للحديث.
قال زهير: [الطويل]
5260 - وفِيهِمْ مَقامَاتٌ حِسَانٌ وُجوهُهُمْ ... وأنْدِيةٌ يَنْتَابُهَا القَوْلُ والفِعْلُ
[وقالت أعرابية: هو سيد ناديه وثمال عافيه]
وقال تعالى: ﴿وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ المنكر﴾ [العنكبوت: 29] .
وقال أبو عبيدة: «ونَادِيَه» أهل مجلسه، ولا يسمى المكان نادياً حتى يكون فيه أهله، والمعنى: فليدع عشيرته، فليستنصر بهم.
قوله: ﴿سَنَدْعُ الزبانية﴾ .
قال الزمخشري: «والزبانية في كلام العرب: الشرط، الواحد: زبنية، كعفرية من الزَّبن، وهو الدَّفع.
وقيل: زبني، وكأنه نسب إلى الزبن، ثم غير للنسب، كقولهم: أمسيّ، وأصله: زباني، فقيل:» زبانية «على التعويض» .
وقال عيسى بن عمر والأخفش: واحدهم زابن.
وقيل: هو اسم جمع لا واحد له من لفظه، كعباديد، وشماطيط، وأبابيل، والحاصل: أن المادة تدل على الدفع.
قال: [الطويل]
5261 - مَطَاعِيمُ في القُصْوَى مَطَاعِينُ في الوَغَى ... زَبَانِيَةٌ غُلبٌ عِظامٌ حُلومُهَا وقال آخر: [الطويل]
5262 - ومُسْتعْجِبٍ ممَّا يَرَى مِنْ أنَاتِنَا ... ولوْ زَبَنَتْهُ الحَرْبُ لَمْ يَتَرَمْرَمِ
[قال عتبة: زبَنَتْنا الحرب، وزبنَّاها، ومنه الزبون لأنه يدفع من بائع إلى آخر.
وقال أبو الليث السمرقندي رَحِمَهُ اللَّهُ: ومنه المزابنة في البيع؛ لأنهم يعملون بأرجلهم، كما يعملون بأيديهم] .
وقرأ العامة: «سَندْعُ» بنون العظمة، ولم ترسم بالواو، وتقدم نظيره، نحو ﴿يَدْعُ الداع﴾ [القمر: 6] .
وقرأ ابن أبي عبلة: «سيُدْعَى الزبانيةُ» مبنياً للمفعول ورفع «الزبانية» لقيامها مقام الفاعل.
فصل في المراد بالزبانية
قال ابن عباس: الملائكة الغلاظ الشداد، وروي أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ لما قرأ هذه السورة وبلغ إلى قوله تعالى: ﴿لَنَسْفَعاً بالناصية﴾ قال أبو جهل: أنا أدعو قومي حتى يمنعوا عني ربك، قال الله تعالى: ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ سَنَدْعُ الزبانية﴾ فلما ذكر الزبانية رجع فزعاً، فقيل له: أخشيت منه؟ .
قال: لا، ولكن رأيت عنده فارساً، فهددني بالزبانية فما أدري ما الزبانية؛ ومال إليَّ الفارس، فخشيت منه أن يأكلني.
قال ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه -: والله لو دعا ناديه لأخذته ملائكة العذاب من ساعته. خرجه الترمذي بمعناه.
قوله: ﴿كَلاَّ﴾ أي: ليس الأمر كما يظنه أبو جهل «لا تُطِعْهُ» فيما دعاك إليه من ترك الصلاة «واسْجُدْ» ، أي: صل الله «واقْتَرِبْ» أي: اقترب إلى الله بالطَّاعة والعبادة.
وقيل: المعنى: إذا سجدت اقترب من الله بالدعاء.
قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «أمَّا الرُّكوعُ فعَظَّمُوا فِيْهِ الربَّ تعالى، وأمَّا السُّجُود فاجْتَهدُوا في الدُّعَاءِ، فقمن أنْ يُسْتجابَ لَكُمْ» .
وقال صلى الله عله وسلم: «أقْرَبُ ما يَكُونُ العبدُ مِنْ ربِّه وهُوَ سَاجِدٌ» .
فالسجود في قوله تعالى: ﴿واسجد واقترب﴾ يحتمل أن يكون بمعنى السجود في الصلاة، ويحتمل أن يكون سجود التلاوة في هذه السورة.
وقال ابن العربي: والظاهر أنه سجود الصلاة؛ لقوله تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ الذي ينهى عَبْداً إِذَا صلى﴾ إلى قوله: ﴿كَلاَّ لاَ تُطِعْهُ واسجد واقترب﴾ ، لولا ما ثبت في الصحيح من رواية مسلم، وغيره من الأئمة عن أبي هريرة، أنه قال: سجدتُ مع رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ في «إذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ» وفي ﴿اقرأ باسم رَبِّكَ الذي خَلَقَ﴾ سجدتين، فكان هذا نصًّا على أن المراد سجود التلاوةِ.
روى الثعلبي عن أبي هريرة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «مَنْ قَرَأ: ﴿اقرأ باسم رَبِّكَ﴾ ، فكأنَّمَا قَرَأ المفصل كُلَّهُ» والله تعالى أعلم.
سورة القدر
مكية في قول أكثر المفسرين ذكره الثعلبي.
وحكى الماوردي عكسه.
العلق 96:17
قوله: ﴿كَلاَّ إِنَّ الإنسان ليطغى﴾ . إلى آخر السورة.
قيل: إنه نزل في أبي جهل، نهى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ عن الصلاة، فأمر الله تعالى نبيه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أن يصلي في المسجدِ، ويقرأ باسم الربِّ - تبارك وتعالى - وعلى هذا فليست السورة من أول ما نزل، ويجوز أن يكون خمس آياتٍ من أولها أولى ما نزل، ثم نزل البقية في شأن أبي جهل، وأمر النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ بضم ذلك إلى أول السورة؛ لأن تأليف السور إنما كان بأمر الله تعالى، ألا ترى أنَّ قوله تعالى: ﴿واتقوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى الله﴾ [البقرة: 281] آخر ما نزل ثم هو مضموم إلى ما نزل قبله بزمان طويل.
و «كلاَّ» بمعنى حقاً.
قال الجرجانيُّ: لأن ليس قبله ولا بعده شيء يكون «كلاَّ» ردًّا له، كما قالوا في ﴿كَلاَّ والقمر﴾ [المدثر: 32] فإنهم قالوا: معناه: أي والقمر؛ لأنه ردع وزجر لمن كفر بنعمة الله بطغيانه، وإن لم يذكر لدلالة الكلام عليه.
وقال مقاتل: كلاَّ ليعلم الإنسان أن الله تعالى هو الذي خلقه من العلقة، وعلمه بعد الجهل؛ لأنه عند صيرورته غنياً يطغى، ويتكبر ويصير مستغرق القلب في حُبِّ الدنيا، فلا يفكر في هذه الأحوال ولا يتأمل فيها.
قوله: ﴿أَن رَّآهُ استغنى﴾ ، مفعول له، أي: رؤيته نفسه مُسْتغنياً، وتعدى الفعل هنا إلى ضميريه المتصلين؛ لأن هذا من خواص هذا الكتاب.
قال الزمخشريُّ: «ومعنى الرؤية، ولو كانت بمعنى الإبصار لامتنع في فعلها الجمع بين الضميرين، و» اسْتَغْنَى «هو المفعول الثاني» .
قال شهاب الدين: والمسألة فيها خلاف، ذهب جماعةٌ إلى أن «رأى» البصرية تعطى حكم العلمية، وجعل من ذلك قول عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها -: لقد رأيتنا مع رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وما لنا طعام إلا الأسودان؛ وأنشد: [الكامل]
5255 - ولقَد أرَانِي للرِّمَاحِ دَرِيئَةً ... مِنْ عَنْ يَمينِي تَارَةً وأمَامِي
وتقدم تحقيقه. وقرأ قنبل بخلاف عنه: «رأه» دون ألف بعد الهمزة، وهو مقصور من «رآه» في قراءة العامة.
ولا شك أن الحذف جاء قليلاً، كقولهم: «أصاب الناس جهد ولو تر أهل مكة» بحذف لام «ترى» ؛ وقول الآخر: [الرجز]
5256 - وصَّانِيَ العَجَّاجُ فِيمَا وصَّنِي ... يريد: فيما وصاني، ولما روي عن مجاهد هذه القراءة عن قنبل، وقال: «قرأت بها عليه» نسبه فيها إلى الغلط، ولا ينبغي ذلك، لأنه إذا ثبت ذلك قراءة، فإن لها وجهاً وإن كان غيره أشهر منه، فلا ينبغي أن يقدم على تغليطه.
فصل في نزول الآية
قال ابن عبَّاسٍ في رواية «أبي صالح» : لما نزلت هذه الآية وسمع بها المشركون، أتاه أبو جهل، فقال: يا محمد، أتزعم أنه من استغنى طغى، فاجعل لنا جبال «مكة» ذهباً لعلنا نأخذ منها فنطغى، فندعُ ديننا، ونتبع دينك، قال: فأتاه جبريل - عليه السلام - فقال: يا محمد خيِّرهم في ذلك، فإن شاءوا فعلنا لهم ما أرادوه، فإن لم يفعلوا فعلنا بهم كما فعلنا بأصحاب المائدةِ فعلم رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أنهم لا يقبلون ذلك، فكفّ عنهم أسفاً عليهم.
[وقيل: أن رآه استغنى بالعشيرة والأنصار والأعوان، وحذف اللام من قوله: «أن رآه» كما يقال: إنكم لتطغون أن رأيتم غناكم] .
قوله: ﴿إِنَّ إلى رَبِّكَ الرجعى﴾ . هذا الكلام واقع على طريقة الالتفات إلى الإنسان تهديداً له وتحذيراً من عاقبة الطغيان، والمعنى: أن مرجع من هذا وصفه إلى الله تعالى، فيجازيه.
والرجعى والمرجع والرجوع: مصادر، يقال: رجع إليه رجوعاً ومرجعاً ورُجْعَى، على وزن «فُعْلى» .
قوله: ﴿أَرَأَيْتَ الذي ينهى عَبْداً إِذَا صلى﴾ تقدم الكلام على ﴿أَرَأَيْتَ الذي ينهى﴾ .
وقال الزمخشري هنا: فإن قلت: ما متعلق «أرأيت» ؟ .
قلت: «الَّذي يَنْهَى» مع الجملة الشرطية، وهما في موضع المفعولين، فإن قلت: فأين جواب الشرط؟ .
قلتُ: هو محذوف تقديره: «إنْ كَانَ عَلَى الهُدى، أو أمَرَ بالتَّقْوَى، ألَمْ يَعْلمْ بأنَّ اللهَ يَرَى» ، وإنما حذف لدلالة ذكره في جواب الشرط الثاني.
فإن قلت: كيف يصح أن يكون «أَلَمْ يَعْلَمْ» جواباً للشرط؟ .
قلت: كما صح في قولك: إن أكرمتك أتكرمني، وإن أحسن إليك زيد هل تحسنُ إليه؟ .
فإن قلت: فما أرأيت الثانية، وتوسطها بين مفعول «أرأيت» ؟ قلت: هي زائدة مكررة للتأكيد.
قال شهاب الدين: اعلم أن «أرَأيْتَ» لا يكون مفعولها الثاني إلا جملة استفهامية كقوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ الله﴾ [الأنعام: 47] ، ومثله كثير، وهنا «أرَأيْتَ» ثلاث مرات، وقد صرح بعد الثالثة منها بجملة استفهامية، فيكون في موضع المفعول الثاني لها، ومفعولها الأول محذوف، وهو ضمير يعود على ﴿الَّذي يَنْهَى عَبْداً﴾ الواقع مفعولاً ل «أرَأيْتَ» الأولى، ومفعول «أرأيت» الأولى الذي هو الثاني محذوف، وهو جملة استفهامية كالجملة الواقعة بعد «أرأيت» الثالثة، وأما «أرأيت» الثانية، فلم يذكر لها مفعول، لا أول، ولا ثان، حذف الأول لدلالة المفعول من «أرأيت» الثالث عليه، فقد حذف الثاني من الأولى، والأول من الثالثة، والاثنان من الثانية، وليس طلب كل من «أرأيت» للجملة الاسمية على سبيل التنازع؛ لأنه يستدعي إضماراً. والجملة لا تضمر إنما تضمر المفردات، وإنما ذلك من باب الحذف للدلالة وأما الكلام على الشرط مع «أرأيت» هذه، فقد تقدم في «الأنعام» ، ويجوز الزمخشريُّ وقوع جواب الشرط استفهاماً بنفسه، وهذا لا يجوزُ، بل نصوا على وجوب ذكر الفاءِ في مثله، وإن ورد شيء من ذلك فهو ضرورة.
قال القرطبيُّ: وقيل: كل واحد من «أرَأيْتَ» بدل من الأول، و ﴿ألَمْ يَعْلَمْ بأنَّ اللهَ يَرَى﴾ الخبر.
فصل في تفسير الآية
قال المفسرون: «الذي يَنْهَى» أبو جهل، وقوله تعالى «عَبْداً» يعني محمداً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، فإن أبا جهل قال: لئن رأيت محمداً لأطأنَّ على عنقه. ثم إنه لما رأى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ في الصلاة نكص على عقبيه، فقالوا له: ما لك يا أبا الحكم، قال: إن بيني وبينه لخندقاً من نار وهولاً شديداً.
قال أبو هريرة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه -: فأنزل الله هذه الآيات تعجُّباً منه.
وعن الحسن: أنه أمية بن خلف، كان ينهى سلمان عن الصلاة.
وقيل: في الكلام حذف، والمعنى: من هذا الناهي عن الصلاة من العقوبة.
قوله: ﴿أَرَأَيْتَ إِن كَانَ على الهدى أَوْ أَمَرَ بالتقوى﴾ أي: أرأيت يا أبا جهلٍ إن كان محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ على هذه الصفة، أليس ناهية عن الصَّلاة والتَّقوى هالكاً؟ .
قوله: ﴿أَرَأَيْتَ إِن كَذَّبَ وتولى﴾ يعني أبا جهل كذب بكتاب الله، وأعرض عن الإيمان.
وقال الفراءُ: ﴿أرَأيتَ الذي يَنْهَى عبداً إذا صلَّى﴾ ، والناهي مكذب متولٍّ عن الذكر، أي: فما أعجب هذا بما يقول، ثم قال: ويله ﴿ألَمْ يَعْلمْ﴾ أبو جهل ﴿بأنَّ الله يَرَى﴾ ، أي: يراه ويعلم فعله، فهو تقريع وتوبيخ.
قال ابن الخطيب: هذا خطاب للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ على سبيل التعجب، وفي وجه هذا التعجب وجوه:
أحدها: أنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قال: «اللَّهُمَّ أعزَّ الإسلامَ بأبِي جَهلٍ أو بِعُمَرَ» ، فقيل: أبمثل هذا يعزّ الإسلام وهو ينهى عبداً إذا صلى.
الثاني: أنه كان يلقب بأبي الحكمِ. فقيل: كيف يلقب بهذا وهو ينهى عن الصلاة.
الثالث: أنه كان يأمر وينهى ويعتقد وجوب طاعته، ثم إنه ينهى عن طاعة الربِّ تعالى، وهذا عين الحماقة والتكبُّر، ف «عبداً» يدل على التعظيم، كأنه قيل: [ينهى أشد الخلق عبودية عن العبادة، وهذا عين الجهل، ولهذا لم يقل:] ينهاك، وأيضاً فإن هذا يدل على أن هذه عادته، ودأبه، فهو أبلغ في الذم أيضاً فهذا عام في كل من نهى عن الصلاة، وروي عن عليٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه -: أنه رأى أقواماً يصلون قبل صلاة العيد، فقال: ما رأيت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ يفعل ذلك، فقيل له: ألا تنهاهم فقال: أخشى أن أدخل في قوله تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ الذي ينهى عَبْداً إِذَا صلى﴾ [العلق: 9، 10] ، فلم يصرح أيضاً بالنهي عن الصلاة.
وأيضاً فيه: إجلال لمنصب رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أن ينهاه رجل لا سيما مثل هذا.
قوله: ﴿كَلاَّ﴾ ردع لأبي جهل عن نهيه عن عبادة الله تعالى، أو كلا لن يصل أبو جهلٍ إلى أن يقتل محمداً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ويطأ عنقه.
وقال مقاتل: كلا لا يعلم أن الله يرى، وإن كان يعلم لكن إذا كان لا ينتفع بناصيته يوم القيامة، وليسحبنه بها في النَّار، كقوله تعالى: ﴿فَيُؤْخَذُ بالنواصي والأقدام﴾ [الرحمن: 41] ، فالآية وإن كانت في أبي جهلٍ، فهي عظةٌ للنَّاس، وتهديد لمن يمنع غيره عن الطاعة.
قوله: ﴿لَنَسْفَعاً﴾ ، الوقف على هذه النون بالألف، تشبيهاً لها بالتنوين، ولذلك يحذف بعد الضمة والكسرة وقفاً، وتكتب هنا ألفاً إتباعاً للوقف.
وروي عن أبي عمرو: «لَنَسْفَعَنَّ» بالنون الثقيلة.
والسَّفع: الأخذ والقبض على الشيء بشدة، يقال: سفع بناصية فرسه، قال عمرو بن معديكرب: [الكامل]
5257 - قَوْمٌ إذَا سَمِعُوا الصَّريخَ رَأيْتهُم ... ما بَيْنَ مُلْجمِ مُهْرهِ أوْ سَافعِ
وقيل: هو الأخذ، بلغة قريش.
وقال الرَّاغب: السَّفع: الأخذ بسعفة الفرس، أي: بسواد ناصيته، وباعتبار السواد قيل للأثافي: سفع، وبه سُفْعَةُ غضب اعتباراً بما يعلم من اللون الدخاني وجه من اشتد به الغضب.
وقيل للصقر: أسفع، لما فيه من لمع السواد، وامرأة سفعاء اللون انتهى.
وفي الحديث: «فَقَامَت أمْرَأةٌ سَفْعاءُ الخدَّيْنِ» .
وقيل: هو مأخوذ من سفعت النار والشمس إذا غيرت وجهه إلى حال تسويد.
قال: [الكامل]
5258 - أثَافِيَّ سُفْعاً في مُعرَّسِ مِرْجَلٍ ... ونُؤيٌ كجذْمِ الحَوْضِ أثلمُ خَاشِعُ
قال القرطبيُّ: السفع الضرب، أي: ليلطمن وجهه، وكله متقارب المعنى، أي: يجمع عليه الضرب عند الأخذ، ثم يجر إلى جهنم.
وقرأ ابن مسعود: «لأسفعن» ، أي: يقول الله تعالى: يا محمد أنا الذي أتولّى إهانته، لقوله تعالى: ﴿هُوَ الذي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ﴾ [الأنفال: 62] ﴿هُوَ الذي أَنزَلَ السكينة﴾ [الفتح: 4] ، والناصية: شعر مقدم الرأس، وقد يعبر بها عن جملة الإنسان، وخص الناصية بالذكر على عادة العرب فيمن أرادوا إذلاله وإهانته أخذوا بناصيته.
قوله: ﴿نَاصِيَةٍ﴾ بدل من «النَّاصية» ، بدل نكرة من معرفة.
قال الزمخشريُّ: «وجاز بدلها عن المعرفة، وهي نكرة، لأنها وصفت، فاستقلت بفائدة» .
قال شهاب الدِّين: وهذا مذهب الكوفيين، لا يجيزون إبدال نكرة من غيرها إلا بشرط وصفها، وكونها بلفظ الأول، ومذهب البصريين: لا يشترط بشيءٍ؛ وأنشدوا: [الوافر]
5259 - فَلاَ وأبِيكَ خَيْرٌ مِنْكَ إنِّي ... ليُؤذِينِي التَّحَمحُمُ والصَّهِيلُ
وقرأ أبو حيوة، وابن أبي عبلة، وزيد بن علي: بنصب «ناصِيةٌ كَاذِبَةٌ خَاطِئةٌ» على الشتم.
وقرأ الكسائي في رواية: بالرفع، على إضمار: هي ناصية، ونسب الكذب والخطأ إليها مجازاً. والألف واللام في «الناصية» قيل: عوض من الإضافة، أي: بناصيته.
وقيل: الضمير محذوف، أي: الناصية منه.
فصل في معنى الآية
والمعنى: لنأخذنّ بناصية أبي جهل «كاذبة» في قولها، «خاطئة» في فعلها، والخاطئ معاقب مأخوذ، والمخطئ غير مأخوذ، ووصفت الناصية بأنها خاطئة كوصف الوجوه بالنظر في قوله «إلى ربها ناظرة» ، وقيل: إن صاحبها كاذب خاطئ كما يقال: ليل قائم ونهار صائم، أي صائم في النهار وقائم في الليل، وإنما وصف الناصية بالكاذبة، لأنه كان كاذباً على الله تعالى في أنه لم يرسل محمداً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، وكاذباً على رسوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ في أنه ساحر، وكاذب أنه ليس بنبي؛ لأن صاحبها يتمرد على الله تعالى، كما قال تعالى: ﴿لاَّ يَأْكُلُهُ إِلاَّ الخاطئون﴾ [الحاقة: 37] .
قوله: ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ﴾ ، إما أن يكون على حذف مضاف، أي: أهل ناديه، أو على التجوُّز في نداء النادي لاشتماله على الناس، كقوله تعالى: ﴿وَسْأَلِ القرية التي كُنَّا فِيهَا﴾ [يوسف: 82] ، والنادي والندي: المجلس المتجدّد للحديث.
قال زهير: [الطويل]
5260 - وفِيهِمْ مَقامَاتٌ حِسَانٌ وُجوهُهُمْ ... وأنْدِيةٌ يَنْتَابُهَا القَوْلُ والفِعْلُ
[وقالت أعرابية: هو سيد ناديه وثمال عافيه]
وقال تعالى: ﴿وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ المنكر﴾ [العنكبوت: 29] .
وقال أبو عبيدة: «ونَادِيَه» أهل مجلسه، ولا يسمى المكان نادياً حتى يكون فيه أهله، والمعنى: فليدع عشيرته، فليستنصر بهم.
قوله: ﴿سَنَدْعُ الزبانية﴾ .
قال الزمخشري: «والزبانية في كلام العرب: الشرط، الواحد: زبنية، كعفرية من الزَّبن، وهو الدَّفع.
وقيل: زبني، وكأنه نسب إلى الزبن، ثم غير للنسب، كقولهم: أمسيّ، وأصله: زباني، فقيل:» زبانية «على التعويض» .
وقال عيسى بن عمر والأخفش: واحدهم زابن.
وقيل: هو اسم جمع لا واحد له من لفظه، كعباديد، وشماطيط، وأبابيل، والحاصل: أن المادة تدل على الدفع.
قال: [الطويل]
5261 - مَطَاعِيمُ في القُصْوَى مَطَاعِينُ في الوَغَى ... زَبَانِيَةٌ غُلبٌ عِظامٌ حُلومُهَا وقال آخر: [الطويل]
5262 - ومُسْتعْجِبٍ ممَّا يَرَى مِنْ أنَاتِنَا ... ولوْ زَبَنَتْهُ الحَرْبُ لَمْ يَتَرَمْرَمِ
[قال عتبة: زبَنَتْنا الحرب، وزبنَّاها، ومنه الزبون لأنه يدفع من بائع إلى آخر.
وقال أبو الليث السمرقندي رَحِمَهُ اللَّهُ: ومنه المزابنة في البيع؛ لأنهم يعملون بأرجلهم، كما يعملون بأيديهم] .
وقرأ العامة: «سَندْعُ» بنون العظمة، ولم ترسم بالواو، وتقدم نظيره، نحو ﴿يَدْعُ الداع﴾ [القمر: 6] .
وقرأ ابن أبي عبلة: «سيُدْعَى الزبانيةُ» مبنياً للمفعول ورفع «الزبانية» لقيامها مقام الفاعل.
فصل في المراد بالزبانية
قال ابن عباس: الملائكة الغلاظ الشداد، وروي أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ لما قرأ هذه السورة وبلغ إلى قوله تعالى: ﴿لَنَسْفَعاً بالناصية﴾ قال أبو جهل: أنا أدعو قومي حتى يمنعوا عني ربك، قال الله تعالى: ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ سَنَدْعُ الزبانية﴾ فلما ذكر الزبانية رجع فزعاً، فقيل له: أخشيت منه؟ .
قال: لا، ولكن رأيت عنده فارساً، فهددني بالزبانية فما أدري ما الزبانية؛ ومال إليَّ الفارس، فخشيت منه أن يأكلني.
قال ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه -: والله لو دعا ناديه لأخذته ملائكة العذاب من ساعته. خرجه الترمذي بمعناه.
قوله: ﴿كَلاَّ﴾ أي: ليس الأمر كما يظنه أبو جهل «لا تُطِعْهُ» فيما دعاك إليه من ترك الصلاة «واسْجُدْ» ، أي: صل الله «واقْتَرِبْ» أي: اقترب إلى الله بالطَّاعة والعبادة.
وقيل: المعنى: إذا سجدت اقترب من الله بالدعاء.
قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «أمَّا الرُّكوعُ فعَظَّمُوا فِيْهِ الربَّ تعالى، وأمَّا السُّجُود فاجْتَهدُوا في الدُّعَاءِ، فقمن أنْ يُسْتجابَ لَكُمْ» .
وقال صلى الله عله وسلم: «أقْرَبُ ما يَكُونُ العبدُ مِنْ ربِّه وهُوَ سَاجِدٌ» .
فالسجود في قوله تعالى: ﴿واسجد واقترب﴾ يحتمل أن يكون بمعنى السجود في الصلاة، ويحتمل أن يكون سجود التلاوة في هذه السورة.
وقال ابن العربي: والظاهر أنه سجود الصلاة؛ لقوله تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ الذي ينهى عَبْداً إِذَا صلى﴾ إلى قوله: ﴿كَلاَّ لاَ تُطِعْهُ واسجد واقترب﴾ ، لولا ما ثبت في الصحيح من رواية مسلم، وغيره من الأئمة عن أبي هريرة، أنه قال: سجدتُ مع رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ في «إذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ» وفي ﴿اقرأ باسم رَبِّكَ الذي خَلَقَ﴾ سجدتين، فكان هذا نصًّا على أن المراد سجود التلاوةِ.
روى الثعلبي عن أبي هريرة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «مَنْ قَرَأ: ﴿اقرأ باسم رَبِّكَ﴾ ، فكأنَّمَا قَرَأ المفصل كُلَّهُ» والله تعالى أعلم.
سورة القدر
مكية في قول أكثر المفسرين ذكره الثعلبي.
وحكى الماوردي عكسه.
العلق 96:18
قوله: ﴿كَلاَّ إِنَّ الإنسان ليطغى﴾ . إلى آخر السورة.
قيل: إنه نزل في أبي جهل، نهى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ عن الصلاة، فأمر الله تعالى نبيه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أن يصلي في المسجدِ، ويقرأ باسم الربِّ - تبارك وتعالى - وعلى هذا فليست السورة من أول ما نزل، ويجوز أن يكون خمس آياتٍ من أولها أولى ما نزل، ثم نزل البقية في شأن أبي جهل، وأمر النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ بضم ذلك إلى أول السورة؛ لأن تأليف السور إنما كان بأمر الله تعالى، ألا ترى أنَّ قوله تعالى: ﴿واتقوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى الله﴾ [البقرة: 281] آخر ما نزل ثم هو مضموم إلى ما نزل قبله بزمان طويل.
و «كلاَّ» بمعنى حقاً.
قال الجرجانيُّ: لأن ليس قبله ولا بعده شيء يكون «كلاَّ» ردًّا له، كما قالوا في ﴿كَلاَّ والقمر﴾ [المدثر: 32] فإنهم قالوا: معناه: أي والقمر؛ لأنه ردع وزجر لمن كفر بنعمة الله بطغيانه، وإن لم يذكر لدلالة الكلام عليه.
وقال مقاتل: كلاَّ ليعلم الإنسان أن الله تعالى هو الذي خلقه من العلقة، وعلمه بعد الجهل؛ لأنه عند صيرورته غنياً يطغى، ويتكبر ويصير مستغرق القلب في حُبِّ الدنيا، فلا يفكر في هذه الأحوال ولا يتأمل فيها.
قوله: ﴿أَن رَّآهُ استغنى﴾ ، مفعول له، أي: رؤيته نفسه مُسْتغنياً، وتعدى الفعل هنا إلى ضميريه المتصلين؛ لأن هذا من خواص هذا الكتاب.
قال الزمخشريُّ: «ومعنى الرؤية، ولو كانت بمعنى الإبصار لامتنع في فعلها الجمع بين الضميرين، و» اسْتَغْنَى «هو المفعول الثاني» .
قال شهاب الدين: والمسألة فيها خلاف، ذهب جماعةٌ إلى أن «رأى» البصرية تعطى حكم العلمية، وجعل من ذلك قول عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها -: لقد رأيتنا مع رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وما لنا طعام إلا الأسودان؛ وأنشد: [الكامل]
5255 - ولقَد أرَانِي للرِّمَاحِ دَرِيئَةً ... مِنْ عَنْ يَمينِي تَارَةً وأمَامِي
وتقدم تحقيقه. وقرأ قنبل بخلاف عنه: «رأه» دون ألف بعد الهمزة، وهو مقصور من «رآه» في قراءة العامة.
ولا شك أن الحذف جاء قليلاً، كقولهم: «أصاب الناس جهد ولو تر أهل مكة» بحذف لام «ترى» ؛ وقول الآخر: [الرجز]
5256 - وصَّانِيَ العَجَّاجُ فِيمَا وصَّنِي ... يريد: فيما وصاني، ولما روي عن مجاهد هذه القراءة عن قنبل، وقال: «قرأت بها عليه» نسبه فيها إلى الغلط، ولا ينبغي ذلك، لأنه إذا ثبت ذلك قراءة، فإن لها وجهاً وإن كان غيره أشهر منه، فلا ينبغي أن يقدم على تغليطه.
فصل في نزول الآية
قال ابن عبَّاسٍ في رواية «أبي صالح» : لما نزلت هذه الآية وسمع بها المشركون، أتاه أبو جهل، فقال: يا محمد، أتزعم أنه من استغنى طغى، فاجعل لنا جبال «مكة» ذهباً لعلنا نأخذ منها فنطغى، فندعُ ديننا، ونتبع دينك، قال: فأتاه جبريل - عليه السلام - فقال: يا محمد خيِّرهم في ذلك، فإن شاءوا فعلنا لهم ما أرادوه، فإن لم يفعلوا فعلنا بهم كما فعلنا بأصحاب المائدةِ فعلم رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أنهم لا يقبلون ذلك، فكفّ عنهم أسفاً عليهم.
[وقيل: أن رآه استغنى بالعشيرة والأنصار والأعوان، وحذف اللام من قوله: «أن رآه» كما يقال: إنكم لتطغون أن رأيتم غناكم] .
قوله: ﴿إِنَّ إلى رَبِّكَ الرجعى﴾ . هذا الكلام واقع على طريقة الالتفات إلى الإنسان تهديداً له وتحذيراً من عاقبة الطغيان، والمعنى: أن مرجع من هذا وصفه إلى الله تعالى، فيجازيه.
والرجعى والمرجع والرجوع: مصادر، يقال: رجع إليه رجوعاً ومرجعاً ورُجْعَى، على وزن «فُعْلى» .
قوله: ﴿أَرَأَيْتَ الذي ينهى عَبْداً إِذَا صلى﴾ تقدم الكلام على ﴿أَرَأَيْتَ الذي ينهى﴾ .
وقال الزمخشري هنا: فإن قلت: ما متعلق «أرأيت» ؟ .
قلت: «الَّذي يَنْهَى» مع الجملة الشرطية، وهما في موضع المفعولين، فإن قلت: فأين جواب الشرط؟ .
قلتُ: هو محذوف تقديره: «إنْ كَانَ عَلَى الهُدى، أو أمَرَ بالتَّقْوَى، ألَمْ يَعْلمْ بأنَّ اللهَ يَرَى» ، وإنما حذف لدلالة ذكره في جواب الشرط الثاني.
فإن قلت: كيف يصح أن يكون «أَلَمْ يَعْلَمْ» جواباً للشرط؟ .
قلت: كما صح في قولك: إن أكرمتك أتكرمني، وإن أحسن إليك زيد هل تحسنُ إليه؟ .
فإن قلت: فما أرأيت الثانية، وتوسطها بين مفعول «أرأيت» ؟ قلت: هي زائدة مكررة للتأكيد.
قال شهاب الدين: اعلم أن «أرَأيْتَ» لا يكون مفعولها الثاني إلا جملة استفهامية كقوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ الله﴾ [الأنعام: 47] ، ومثله كثير، وهنا «أرَأيْتَ» ثلاث مرات، وقد صرح بعد الثالثة منها بجملة استفهامية، فيكون في موضع المفعول الثاني لها، ومفعولها الأول محذوف، وهو ضمير يعود على ﴿الَّذي يَنْهَى عَبْداً﴾ الواقع مفعولاً ل «أرَأيْتَ» الأولى، ومفعول «أرأيت» الأولى الذي هو الثاني محذوف، وهو جملة استفهامية كالجملة الواقعة بعد «أرأيت» الثالثة، وأما «أرأيت» الثانية، فلم يذكر لها مفعول، لا أول، ولا ثان، حذف الأول لدلالة المفعول من «أرأيت» الثالث عليه، فقد حذف الثاني من الأولى، والأول من الثالثة، والاثنان من الثانية، وليس طلب كل من «أرأيت» للجملة الاسمية على سبيل التنازع؛ لأنه يستدعي إضماراً. والجملة لا تضمر إنما تضمر المفردات، وإنما ذلك من باب الحذف للدلالة وأما الكلام على الشرط مع «أرأيت» هذه، فقد تقدم في «الأنعام» ، ويجوز الزمخشريُّ وقوع جواب الشرط استفهاماً بنفسه، وهذا لا يجوزُ، بل نصوا على وجوب ذكر الفاءِ في مثله، وإن ورد شيء من ذلك فهو ضرورة.
قال القرطبيُّ: وقيل: كل واحد من «أرَأيْتَ» بدل من الأول، و ﴿ألَمْ يَعْلَمْ بأنَّ اللهَ يَرَى﴾ الخبر.
فصل في تفسير الآية
قال المفسرون: «الذي يَنْهَى» أبو جهل، وقوله تعالى «عَبْداً» يعني محمداً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، فإن أبا جهل قال: لئن رأيت محمداً لأطأنَّ على عنقه. ثم إنه لما رأى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ في الصلاة نكص على عقبيه، فقالوا له: ما لك يا أبا الحكم، قال: إن بيني وبينه لخندقاً من نار وهولاً شديداً.
قال أبو هريرة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه -: فأنزل الله هذه الآيات تعجُّباً منه.
وعن الحسن: أنه أمية بن خلف، كان ينهى سلمان عن الصلاة.
وقيل: في الكلام حذف، والمعنى: من هذا الناهي عن الصلاة من العقوبة.
قوله: ﴿أَرَأَيْتَ إِن كَانَ على الهدى أَوْ أَمَرَ بالتقوى﴾ أي: أرأيت يا أبا جهلٍ إن كان محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ على هذه الصفة، أليس ناهية عن الصَّلاة والتَّقوى هالكاً؟ .
قوله: ﴿أَرَأَيْتَ إِن كَذَّبَ وتولى﴾ يعني أبا جهل كذب بكتاب الله، وأعرض عن الإيمان.
وقال الفراءُ: ﴿أرَأيتَ الذي يَنْهَى عبداً إذا صلَّى﴾ ، والناهي مكذب متولٍّ عن الذكر، أي: فما أعجب هذا بما يقول، ثم قال: ويله ﴿ألَمْ يَعْلمْ﴾ أبو جهل ﴿بأنَّ الله يَرَى﴾ ، أي: يراه ويعلم فعله، فهو تقريع وتوبيخ.
قال ابن الخطيب: هذا خطاب للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ على سبيل التعجب، وفي وجه هذا التعجب وجوه:
أحدها: أنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قال: «اللَّهُمَّ أعزَّ الإسلامَ بأبِي جَهلٍ أو بِعُمَرَ» ، فقيل: أبمثل هذا يعزّ الإسلام وهو ينهى عبداً إذا صلى.
الثاني: أنه كان يلقب بأبي الحكمِ. فقيل: كيف يلقب بهذا وهو ينهى عن الصلاة.
الثالث: أنه كان يأمر وينهى ويعتقد وجوب طاعته، ثم إنه ينهى عن طاعة الربِّ تعالى، وهذا عين الحماقة والتكبُّر، ف «عبداً» يدل على التعظيم، كأنه قيل: [ينهى أشد الخلق عبودية عن العبادة، وهذا عين الجهل، ولهذا لم يقل:] ينهاك، وأيضاً فإن هذا يدل على أن هذه عادته، ودأبه، فهو أبلغ في الذم أيضاً فهذا عام في كل من نهى عن الصلاة، وروي عن عليٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه -: أنه رأى أقواماً يصلون قبل صلاة العيد، فقال: ما رأيت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ يفعل ذلك، فقيل له: ألا تنهاهم فقال: أخشى أن أدخل في قوله تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ الذي ينهى عَبْداً إِذَا صلى﴾ [العلق: 9، 10] ، فلم يصرح أيضاً بالنهي عن الصلاة.
وأيضاً فيه: إجلال لمنصب رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أن ينهاه رجل لا سيما مثل هذا.
قوله: ﴿كَلاَّ﴾ ردع لأبي جهل عن نهيه عن عبادة الله تعالى، أو كلا لن يصل أبو جهلٍ إلى أن يقتل محمداً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ويطأ عنقه.
وقال مقاتل: كلا لا يعلم أن الله يرى، وإن كان يعلم لكن إذا كان لا ينتفع بناصيته يوم القيامة، وليسحبنه بها في النَّار، كقوله تعالى: ﴿فَيُؤْخَذُ بالنواصي والأقدام﴾ [الرحمن: 41] ، فالآية وإن كانت في أبي جهلٍ، فهي عظةٌ للنَّاس، وتهديد لمن يمنع غيره عن الطاعة.
قوله: ﴿لَنَسْفَعاً﴾ ، الوقف على هذه النون بالألف، تشبيهاً لها بالتنوين، ولذلك يحذف بعد الضمة والكسرة وقفاً، وتكتب هنا ألفاً إتباعاً للوقف.
وروي عن أبي عمرو: «لَنَسْفَعَنَّ» بالنون الثقيلة.
والسَّفع: الأخذ والقبض على الشيء بشدة، يقال: سفع بناصية فرسه، قال عمرو بن معديكرب: [الكامل]
5257 - قَوْمٌ إذَا سَمِعُوا الصَّريخَ رَأيْتهُم ... ما بَيْنَ مُلْجمِ مُهْرهِ أوْ سَافعِ
وقيل: هو الأخذ، بلغة قريش.
وقال الرَّاغب: السَّفع: الأخذ بسعفة الفرس، أي: بسواد ناصيته، وباعتبار السواد قيل للأثافي: سفع، وبه سُفْعَةُ غضب اعتباراً بما يعلم من اللون الدخاني وجه من اشتد به الغضب.
وقيل للصقر: أسفع، لما فيه من لمع السواد، وامرأة سفعاء اللون انتهى.
وفي الحديث: «فَقَامَت أمْرَأةٌ سَفْعاءُ الخدَّيْنِ» .
وقيل: هو مأخوذ من سفعت النار والشمس إذا غيرت وجهه إلى حال تسويد.
قال: [الكامل]
5258 - أثَافِيَّ سُفْعاً في مُعرَّسِ مِرْجَلٍ ... ونُؤيٌ كجذْمِ الحَوْضِ أثلمُ خَاشِعُ
قال القرطبيُّ: السفع الضرب، أي: ليلطمن وجهه، وكله متقارب المعنى، أي: يجمع عليه الضرب عند الأخذ، ثم يجر إلى جهنم.
وقرأ ابن مسعود: «لأسفعن» ، أي: يقول الله تعالى: يا محمد أنا الذي أتولّى إهانته، لقوله تعالى: ﴿هُوَ الذي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ﴾ [الأنفال: 62] ﴿هُوَ الذي أَنزَلَ السكينة﴾ [الفتح: 4] ، والناصية: شعر مقدم الرأس، وقد يعبر بها عن جملة الإنسان، وخص الناصية بالذكر على عادة العرب فيمن أرادوا إذلاله وإهانته أخذوا بناصيته.
قوله: ﴿نَاصِيَةٍ﴾ بدل من «النَّاصية» ، بدل نكرة من معرفة.
قال الزمخشريُّ: «وجاز بدلها عن المعرفة، وهي نكرة، لأنها وصفت، فاستقلت بفائدة» .
قال شهاب الدِّين: وهذا مذهب الكوفيين، لا يجيزون إبدال نكرة من غيرها إلا بشرط وصفها، وكونها بلفظ الأول، ومذهب البصريين: لا يشترط بشيءٍ؛ وأنشدوا: [الوافر]
5259 - فَلاَ وأبِيكَ خَيْرٌ مِنْكَ إنِّي ... ليُؤذِينِي التَّحَمحُمُ والصَّهِيلُ
وقرأ أبو حيوة، وابن أبي عبلة، وزيد بن علي: بنصب «ناصِيةٌ كَاذِبَةٌ خَاطِئةٌ» على الشتم.
وقرأ الكسائي في رواية: بالرفع، على إضمار: هي ناصية، ونسب الكذب والخطأ إليها مجازاً. والألف واللام في «الناصية» قيل: عوض من الإضافة، أي: بناصيته.
وقيل: الضمير محذوف، أي: الناصية منه.
فصل في معنى الآية
والمعنى: لنأخذنّ بناصية أبي جهل «كاذبة» في قولها، «خاطئة» في فعلها، والخاطئ معاقب مأخوذ، والمخطئ غير مأخوذ، ووصفت الناصية بأنها خاطئة كوصف الوجوه بالنظر في قوله «إلى ربها ناظرة» ، وقيل: إن صاحبها كاذب خاطئ كما يقال: ليل قائم ونهار صائم، أي صائم في النهار وقائم في الليل، وإنما وصف الناصية بالكاذبة، لأنه كان كاذباً على الله تعالى في أنه لم يرسل محمداً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، وكاذباً على رسوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ في أنه ساحر، وكاذب أنه ليس بنبي؛ لأن صاحبها يتمرد على الله تعالى، كما قال تعالى: ﴿لاَّ يَأْكُلُهُ إِلاَّ الخاطئون﴾ [الحاقة: 37] .
قوله: ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ﴾ ، إما أن يكون على حذف مضاف، أي: أهل ناديه، أو على التجوُّز في نداء النادي لاشتماله على الناس، كقوله تعالى: ﴿وَسْأَلِ القرية التي كُنَّا فِيهَا﴾ [يوسف: 82] ، والنادي والندي: المجلس المتجدّد للحديث.
قال زهير: [الطويل]
5260 - وفِيهِمْ مَقامَاتٌ حِسَانٌ وُجوهُهُمْ ... وأنْدِيةٌ يَنْتَابُهَا القَوْلُ والفِعْلُ
[وقالت أعرابية: هو سيد ناديه وثمال عافيه]
وقال تعالى: ﴿وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ المنكر﴾ [العنكبوت: 29] .
وقال أبو عبيدة: «ونَادِيَه» أهل مجلسه، ولا يسمى المكان نادياً حتى يكون فيه أهله، والمعنى: فليدع عشيرته، فليستنصر بهم.
قوله: ﴿سَنَدْعُ الزبانية﴾ .
قال الزمخشري: «والزبانية في كلام العرب: الشرط، الواحد: زبنية، كعفرية من الزَّبن، وهو الدَّفع.
وقيل: زبني، وكأنه نسب إلى الزبن، ثم غير للنسب، كقولهم: أمسيّ، وأصله: زباني، فقيل:» زبانية «على التعويض» .
وقال عيسى بن عمر والأخفش: واحدهم زابن.
وقيل: هو اسم جمع لا واحد له من لفظه، كعباديد، وشماطيط، وأبابيل، والحاصل: أن المادة تدل على الدفع.
قال: [الطويل]
5261 - مَطَاعِيمُ في القُصْوَى مَطَاعِينُ في الوَغَى ... زَبَانِيَةٌ غُلبٌ عِظامٌ حُلومُهَا وقال آخر: [الطويل]
5262 - ومُسْتعْجِبٍ ممَّا يَرَى مِنْ أنَاتِنَا ... ولوْ زَبَنَتْهُ الحَرْبُ لَمْ يَتَرَمْرَمِ
[قال عتبة: زبَنَتْنا الحرب، وزبنَّاها، ومنه الزبون لأنه يدفع من بائع إلى آخر.
وقال أبو الليث السمرقندي رَحِمَهُ اللَّهُ: ومنه المزابنة في البيع؛ لأنهم يعملون بأرجلهم، كما يعملون بأيديهم] .
وقرأ العامة: «سَندْعُ» بنون العظمة، ولم ترسم بالواو، وتقدم نظيره، نحو ﴿يَدْعُ الداع﴾ [القمر: 6] .
وقرأ ابن أبي عبلة: «سيُدْعَى الزبانيةُ» مبنياً للمفعول ورفع «الزبانية» لقيامها مقام الفاعل.
فصل في المراد بالزبانية
قال ابن عباس: الملائكة الغلاظ الشداد، وروي أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ لما قرأ هذه السورة وبلغ إلى قوله تعالى: ﴿لَنَسْفَعاً بالناصية﴾ قال أبو جهل: أنا أدعو قومي حتى يمنعوا عني ربك، قال الله تعالى: ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ سَنَدْعُ الزبانية﴾ فلما ذكر الزبانية رجع فزعاً، فقيل له: أخشيت منه؟ .
قال: لا، ولكن رأيت عنده فارساً، فهددني بالزبانية فما أدري ما الزبانية؛ ومال إليَّ الفارس، فخشيت منه أن يأكلني.
قال ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه -: والله لو دعا ناديه لأخذته ملائكة العذاب من ساعته. خرجه الترمذي بمعناه.
قوله: ﴿كَلاَّ﴾ أي: ليس الأمر كما يظنه أبو جهل «لا تُطِعْهُ» فيما دعاك إليه من ترك الصلاة «واسْجُدْ» ، أي: صل الله «واقْتَرِبْ» أي: اقترب إلى الله بالطَّاعة والعبادة.
وقيل: المعنى: إذا سجدت اقترب من الله بالدعاء.
قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «أمَّا الرُّكوعُ فعَظَّمُوا فِيْهِ الربَّ تعالى، وأمَّا السُّجُود فاجْتَهدُوا في الدُّعَاءِ، فقمن أنْ يُسْتجابَ لَكُمْ» .
وقال صلى الله عله وسلم: «أقْرَبُ ما يَكُونُ العبدُ مِنْ ربِّه وهُوَ سَاجِدٌ» .
فالسجود في قوله تعالى: ﴿واسجد واقترب﴾ يحتمل أن يكون بمعنى السجود في الصلاة، ويحتمل أن يكون سجود التلاوة في هذه السورة.
وقال ابن العربي: والظاهر أنه سجود الصلاة؛ لقوله تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ الذي ينهى عَبْداً إِذَا صلى﴾ إلى قوله: ﴿كَلاَّ لاَ تُطِعْهُ واسجد واقترب﴾ ، لولا ما ثبت في الصحيح من رواية مسلم، وغيره من الأئمة عن أبي هريرة، أنه قال: سجدتُ مع رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ في «إذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ» وفي ﴿اقرأ باسم رَبِّكَ الذي خَلَقَ﴾ سجدتين، فكان هذا نصًّا على أن المراد سجود التلاوةِ.
روى الثعلبي عن أبي هريرة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «مَنْ قَرَأ: ﴿اقرأ باسم رَبِّكَ﴾ ، فكأنَّمَا قَرَأ المفصل كُلَّهُ» والله تعالى أعلم.
سورة القدر
مكية في قول أكثر المفسرين ذكره الثعلبي.
وحكى الماوردي عكسه.
العلق 96:19
قوله: ﴿كَلاَّ إِنَّ الإنسان ليطغى﴾ . إلى آخر السورة.
قيل: إنه نزل في أبي جهل، نهى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ عن الصلاة، فأمر الله تعالى نبيه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أن يصلي في المسجدِ، ويقرأ باسم الربِّ - تبارك وتعالى - وعلى هذا فليست السورة من أول ما نزل، ويجوز أن يكون خمس آياتٍ من أولها أولى ما نزل، ثم نزل البقية في شأن أبي جهل، وأمر النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ بضم ذلك إلى أول السورة؛ لأن تأليف السور إنما كان بأمر الله تعالى، ألا ترى أنَّ قوله تعالى: ﴿واتقوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى الله﴾ [البقرة: 281] آخر ما نزل ثم هو مضموم إلى ما نزل قبله بزمان طويل.
و «كلاَّ» بمعنى حقاً.
قال الجرجانيُّ: لأن ليس قبله ولا بعده شيء يكون «كلاَّ» ردًّا له، كما قالوا في ﴿كَلاَّ والقمر﴾ [المدثر: 32] فإنهم قالوا: معناه: أي والقمر؛ لأنه ردع وزجر لمن كفر بنعمة الله بطغيانه، وإن لم يذكر لدلالة الكلام عليه.
وقال مقاتل: كلاَّ ليعلم الإنسان أن الله تعالى هو الذي خلقه من العلقة، وعلمه بعد الجهل؛ لأنه عند صيرورته غنياً يطغى، ويتكبر ويصير مستغرق القلب في حُبِّ الدنيا، فلا يفكر في هذه الأحوال ولا يتأمل فيها.
قوله: ﴿أَن رَّآهُ استغنى﴾ ، مفعول له، أي: رؤيته نفسه مُسْتغنياً، وتعدى الفعل هنا إلى ضميريه المتصلين؛ لأن هذا من خواص هذا الكتاب.
قال الزمخشريُّ: «ومعنى الرؤية، ولو كانت بمعنى الإبصار لامتنع في فعلها الجمع بين الضميرين، و» اسْتَغْنَى «هو المفعول الثاني» .
قال شهاب الدين: والمسألة فيها خلاف، ذهب جماعةٌ إلى أن «رأى» البصرية تعطى حكم العلمية، وجعل من ذلك قول عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْها -: لقد رأيتنا مع رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ وما لنا طعام إلا الأسودان؛ وأنشد: [الكامل]
5255 - ولقَد أرَانِي للرِّمَاحِ دَرِيئَةً ... مِنْ عَنْ يَمينِي تَارَةً وأمَامِي
وتقدم تحقيقه. وقرأ قنبل بخلاف عنه: «رأه» دون ألف بعد الهمزة، وهو مقصور من «رآه» في قراءة العامة.
ولا شك أن الحذف جاء قليلاً، كقولهم: «أصاب الناس جهد ولو تر أهل مكة» بحذف لام «ترى» ؛ وقول الآخر: [الرجز]
5256 - وصَّانِيَ العَجَّاجُ فِيمَا وصَّنِي ... يريد: فيما وصاني، ولما روي عن مجاهد هذه القراءة عن قنبل، وقال: «قرأت بها عليه» نسبه فيها إلى الغلط، ولا ينبغي ذلك، لأنه إذا ثبت ذلك قراءة، فإن لها وجهاً وإن كان غيره أشهر منه، فلا ينبغي أن يقدم على تغليطه.
فصل في نزول الآية
قال ابن عبَّاسٍ في رواية «أبي صالح» : لما نزلت هذه الآية وسمع بها المشركون، أتاه أبو جهل، فقال: يا محمد، أتزعم أنه من استغنى طغى، فاجعل لنا جبال «مكة» ذهباً لعلنا نأخذ منها فنطغى، فندعُ ديننا، ونتبع دينك، قال: فأتاه جبريل - عليه السلام - فقال: يا محمد خيِّرهم في ذلك، فإن شاءوا فعلنا لهم ما أرادوه، فإن لم يفعلوا فعلنا بهم كما فعلنا بأصحاب المائدةِ فعلم رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أنهم لا يقبلون ذلك، فكفّ عنهم أسفاً عليهم.
[وقيل: أن رآه استغنى بالعشيرة والأنصار والأعوان، وحذف اللام من قوله: «أن رآه» كما يقال: إنكم لتطغون أن رأيتم غناكم] .
قوله: ﴿إِنَّ إلى رَبِّكَ الرجعى﴾ . هذا الكلام واقع على طريقة الالتفات إلى الإنسان تهديداً له وتحذيراً من عاقبة الطغيان، والمعنى: أن مرجع من هذا وصفه إلى الله تعالى، فيجازيه.
والرجعى والمرجع والرجوع: مصادر، يقال: رجع إليه رجوعاً ومرجعاً ورُجْعَى، على وزن «فُعْلى» .
قوله: ﴿أَرَأَيْتَ الذي ينهى عَبْداً إِذَا صلى﴾ تقدم الكلام على ﴿أَرَأَيْتَ الذي ينهى﴾ .
وقال الزمخشري هنا: فإن قلت: ما متعلق «أرأيت» ؟ .
قلت: «الَّذي يَنْهَى» مع الجملة الشرطية، وهما في موضع المفعولين، فإن قلت: فأين جواب الشرط؟ .
قلتُ: هو محذوف تقديره: «إنْ كَانَ عَلَى الهُدى، أو أمَرَ بالتَّقْوَى، ألَمْ يَعْلمْ بأنَّ اللهَ يَرَى» ، وإنما حذف لدلالة ذكره في جواب الشرط الثاني.
فإن قلت: كيف يصح أن يكون «أَلَمْ يَعْلَمْ» جواباً للشرط؟ .
قلت: كما صح في قولك: إن أكرمتك أتكرمني، وإن أحسن إليك زيد هل تحسنُ إليه؟ .
فإن قلت: فما أرأيت الثانية، وتوسطها بين مفعول «أرأيت» ؟ قلت: هي زائدة مكررة للتأكيد.
قال شهاب الدين: اعلم أن «أرَأيْتَ» لا يكون مفعولها الثاني إلا جملة استفهامية كقوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ الله﴾ [الأنعام: 47] ، ومثله كثير، وهنا «أرَأيْتَ» ثلاث مرات، وقد صرح بعد الثالثة منها بجملة استفهامية، فيكون في موضع المفعول الثاني لها، ومفعولها الأول محذوف، وهو ضمير يعود على ﴿الَّذي يَنْهَى عَبْداً﴾ الواقع مفعولاً ل «أرَأيْتَ» الأولى، ومفعول «أرأيت» الأولى الذي هو الثاني محذوف، وهو جملة استفهامية كالجملة الواقعة بعد «أرأيت» الثالثة، وأما «أرأيت» الثانية، فلم يذكر لها مفعول، لا أول، ولا ثان، حذف الأول لدلالة المفعول من «أرأيت» الثالث عليه، فقد حذف الثاني من الأولى، والأول من الثالثة، والاثنان من الثانية، وليس طلب كل من «أرأيت» للجملة الاسمية على سبيل التنازع؛ لأنه يستدعي إضماراً. والجملة لا تضمر إنما تضمر المفردات، وإنما ذلك من باب الحذف للدلالة وأما الكلام على الشرط مع «أرأيت» هذه، فقد تقدم في «الأنعام» ، ويجوز الزمخشريُّ وقوع جواب الشرط استفهاماً بنفسه، وهذا لا يجوزُ، بل نصوا على وجوب ذكر الفاءِ في مثله، وإن ورد شيء من ذلك فهو ضرورة.
قال القرطبيُّ: وقيل: كل واحد من «أرَأيْتَ» بدل من الأول، و ﴿ألَمْ يَعْلَمْ بأنَّ اللهَ يَرَى﴾ الخبر.
فصل في تفسير الآية
قال المفسرون: «الذي يَنْهَى» أبو جهل، وقوله تعالى «عَبْداً» يعني محمداً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، فإن أبا جهل قال: لئن رأيت محمداً لأطأنَّ على عنقه. ثم إنه لما رأى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ في الصلاة نكص على عقبيه، فقالوا له: ما لك يا أبا الحكم، قال: إن بيني وبينه لخندقاً من نار وهولاً شديداً.
قال أبو هريرة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه -: فأنزل الله هذه الآيات تعجُّباً منه.
وعن الحسن: أنه أمية بن خلف، كان ينهى سلمان عن الصلاة.
وقيل: في الكلام حذف، والمعنى: من هذا الناهي عن الصلاة من العقوبة.
قوله: ﴿أَرَأَيْتَ إِن كَانَ على الهدى أَوْ أَمَرَ بالتقوى﴾ أي: أرأيت يا أبا جهلٍ إن كان محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ على هذه الصفة، أليس ناهية عن الصَّلاة والتَّقوى هالكاً؟ .
قوله: ﴿أَرَأَيْتَ إِن كَذَّبَ وتولى﴾ يعني أبا جهل كذب بكتاب الله، وأعرض عن الإيمان.
وقال الفراءُ: ﴿أرَأيتَ الذي يَنْهَى عبداً إذا صلَّى﴾ ، والناهي مكذب متولٍّ عن الذكر، أي: فما أعجب هذا بما يقول، ثم قال: ويله ﴿ألَمْ يَعْلمْ﴾ أبو جهل ﴿بأنَّ الله يَرَى﴾ ، أي: يراه ويعلم فعله، فهو تقريع وتوبيخ.
قال ابن الخطيب: هذا خطاب للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ على سبيل التعجب، وفي وجه هذا التعجب وجوه:
أحدها: أنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ قال: «اللَّهُمَّ أعزَّ الإسلامَ بأبِي جَهلٍ أو بِعُمَرَ» ، فقيل: أبمثل هذا يعزّ الإسلام وهو ينهى عبداً إذا صلى.
الثاني: أنه كان يلقب بأبي الحكمِ. فقيل: كيف يلقب بهذا وهو ينهى عن الصلاة.
الثالث: أنه كان يأمر وينهى ويعتقد وجوب طاعته، ثم إنه ينهى عن طاعة الربِّ تعالى، وهذا عين الحماقة والتكبُّر، ف «عبداً» يدل على التعظيم، كأنه قيل: [ينهى أشد الخلق عبودية عن العبادة، وهذا عين الجهل، ولهذا لم يقل:] ينهاك، وأيضاً فإن هذا يدل على أن هذه عادته، ودأبه، فهو أبلغ في الذم أيضاً فهذا عام في كل من نهى عن الصلاة، وروي عن عليٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه -: أنه رأى أقواماً يصلون قبل صلاة العيد، فقال: ما رأيت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ يفعل ذلك، فقيل له: ألا تنهاهم فقال: أخشى أن أدخل في قوله تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ الذي ينهى عَبْداً إِذَا صلى﴾ [العلق: 9، 10] ، فلم يصرح أيضاً بالنهي عن الصلاة.
وأيضاً فيه: إجلال لمنصب رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ أن ينهاه رجل لا سيما مثل هذا.
قوله: ﴿كَلاَّ﴾ ردع لأبي جهل عن نهيه عن عبادة الله تعالى، أو كلا لن يصل أبو جهلٍ إلى أن يقتل محمداً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ ويطأ عنقه.
وقال مقاتل: كلا لا يعلم أن الله يرى، وإن كان يعلم لكن إذا كان لا ينتفع بناصيته يوم القيامة، وليسحبنه بها في النَّار، كقوله تعالى: ﴿فَيُؤْخَذُ بالنواصي والأقدام﴾ [الرحمن: 41] ، فالآية وإن كانت في أبي جهلٍ، فهي عظةٌ للنَّاس، وتهديد لمن يمنع غيره عن الطاعة.
قوله: ﴿لَنَسْفَعاً﴾ ، الوقف على هذه النون بالألف، تشبيهاً لها بالتنوين، ولذلك يحذف بعد الضمة والكسرة وقفاً، وتكتب هنا ألفاً إتباعاً للوقف.
وروي عن أبي عمرو: «لَنَسْفَعَنَّ» بالنون الثقيلة.
والسَّفع: الأخذ والقبض على الشيء بشدة، يقال: سفع بناصية فرسه، قال عمرو بن معديكرب: [الكامل]
5257 - قَوْمٌ إذَا سَمِعُوا الصَّريخَ رَأيْتهُم ... ما بَيْنَ مُلْجمِ مُهْرهِ أوْ سَافعِ
وقيل: هو الأخذ، بلغة قريش.
وقال الرَّاغب: السَّفع: الأخذ بسعفة الفرس، أي: بسواد ناصيته، وباعتبار السواد قيل للأثافي: سفع، وبه سُفْعَةُ غضب اعتباراً بما يعلم من اللون الدخاني وجه من اشتد به الغضب.
وقيل للصقر: أسفع، لما فيه من لمع السواد، وامرأة سفعاء اللون انتهى.
وفي الحديث: «فَقَامَت أمْرَأةٌ سَفْعاءُ الخدَّيْنِ» .
وقيل: هو مأخوذ من سفعت النار والشمس إذا غيرت وجهه إلى حال تسويد.
قال: [الكامل]
5258 - أثَافِيَّ سُفْعاً في مُعرَّسِ مِرْجَلٍ ... ونُؤيٌ كجذْمِ الحَوْضِ أثلمُ خَاشِعُ
قال القرطبيُّ: السفع الضرب، أي: ليلطمن وجهه، وكله متقارب المعنى، أي: يجمع عليه الضرب عند الأخذ، ثم يجر إلى جهنم.
وقرأ ابن مسعود: «لأسفعن» ، أي: يقول الله تعالى: يا محمد أنا الذي أتولّى إهانته، لقوله تعالى: ﴿هُوَ الذي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ﴾ [الأنفال: 62] ﴿هُوَ الذي أَنزَلَ السكينة﴾ [الفتح: 4] ، والناصية: شعر مقدم الرأس، وقد يعبر بها عن جملة الإنسان، وخص الناصية بالذكر على عادة العرب فيمن أرادوا إذلاله وإهانته أخذوا بناصيته.
قوله: ﴿نَاصِيَةٍ﴾ بدل من «النَّاصية» ، بدل نكرة من معرفة.
قال الزمخشريُّ: «وجاز بدلها عن المعرفة، وهي نكرة، لأنها وصفت، فاستقلت بفائدة» .
قال شهاب الدِّين: وهذا مذهب الكوفيين، لا يجيزون إبدال نكرة من غيرها إلا بشرط وصفها، وكونها بلفظ الأول، ومذهب البصريين: لا يشترط بشيءٍ؛ وأنشدوا: [الوافر]
5259 - فَلاَ وأبِيكَ خَيْرٌ مِنْكَ إنِّي ... ليُؤذِينِي التَّحَمحُمُ والصَّهِيلُ
وقرأ أبو حيوة، وابن أبي عبلة، وزيد بن علي: بنصب «ناصِيةٌ كَاذِبَةٌ خَاطِئةٌ» على الشتم.
وقرأ الكسائي في رواية: بالرفع، على إضمار: هي ناصية، ونسب الكذب والخطأ إليها مجازاً. والألف واللام في «الناصية» قيل: عوض من الإضافة، أي: بناصيته.
وقيل: الضمير محذوف، أي: الناصية منه.
فصل في معنى الآية
والمعنى: لنأخذنّ بناصية أبي جهل «كاذبة» في قولها، «خاطئة» في فعلها، والخاطئ معاقب مأخوذ، والمخطئ غير مأخوذ، ووصفت الناصية بأنها خاطئة كوصف الوجوه بالنظر في قوله «إلى ربها ناظرة» ، وقيل: إن صاحبها كاذب خاطئ كما يقال: ليل قائم ونهار صائم، أي صائم في النهار وقائم في الليل، وإنما وصف الناصية بالكاذبة، لأنه كان كاذباً على الله تعالى في أنه لم يرسل محمداً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ، وكاذباً على رسوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ في أنه ساحر، وكاذب أنه ليس بنبي؛ لأن صاحبها يتمرد على الله تعالى، كما قال تعالى: ﴿لاَّ يَأْكُلُهُ إِلاَّ الخاطئون﴾ [الحاقة: 37] .
قوله: ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ﴾ ، إما أن يكون على حذف مضاف، أي: أهل ناديه، أو على التجوُّز في نداء النادي لاشتماله على الناس، كقوله تعالى: ﴿وَسْأَلِ القرية التي كُنَّا فِيهَا﴾ [يوسف: 82] ، والنادي والندي: المجلس المتجدّد للحديث.
قال زهير: [الطويل]
5260 - وفِيهِمْ مَقامَاتٌ حِسَانٌ وُجوهُهُمْ ... وأنْدِيةٌ يَنْتَابُهَا القَوْلُ والفِعْلُ
[وقالت أعرابية: هو سيد ناديه وثمال عافيه]
وقال تعالى: ﴿وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ المنكر﴾ [العنكبوت: 29] .
وقال أبو عبيدة: «ونَادِيَه» أهل مجلسه، ولا يسمى المكان نادياً حتى يكون فيه أهله، والمعنى: فليدع عشيرته، فليستنصر بهم.
قوله: ﴿سَنَدْعُ الزبانية﴾ .
قال الزمخشري: «والزبانية في كلام العرب: الشرط، الواحد: زبنية، كعفرية من الزَّبن، وهو الدَّفع.
وقيل: زبني، وكأنه نسب إلى الزبن، ثم غير للنسب، كقولهم: أمسيّ، وأصله: زباني، فقيل:» زبانية «على التعويض» .
وقال عيسى بن عمر والأخفش: واحدهم زابن.
وقيل: هو اسم جمع لا واحد له من لفظه، كعباديد، وشماطيط، وأبابيل، والحاصل: أن المادة تدل على الدفع.
قال: [الطويل]
5261 - مَطَاعِيمُ في القُصْوَى مَطَاعِينُ في الوَغَى ... زَبَانِيَةٌ غُلبٌ عِظامٌ حُلومُهَا وقال آخر: [الطويل]
5262 - ومُسْتعْجِبٍ ممَّا يَرَى مِنْ أنَاتِنَا ... ولوْ زَبَنَتْهُ الحَرْبُ لَمْ يَتَرَمْرَمِ
[قال عتبة: زبَنَتْنا الحرب، وزبنَّاها، ومنه الزبون لأنه يدفع من بائع إلى آخر.
وقال أبو الليث السمرقندي رَحِمَهُ اللَّهُ: ومنه المزابنة في البيع؛ لأنهم يعملون بأرجلهم، كما يعملون بأيديهم] .
وقرأ العامة: «سَندْعُ» بنون العظمة، ولم ترسم بالواو، وتقدم نظيره، نحو ﴿يَدْعُ الداع﴾ [القمر: 6] .
وقرأ ابن أبي عبلة: «سيُدْعَى الزبانيةُ» مبنياً للمفعول ورفع «الزبانية» لقيامها مقام الفاعل.
فصل في المراد بالزبانية
قال ابن عباس: الملائكة الغلاظ الشداد، وروي أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ لما قرأ هذه السورة وبلغ إلى قوله تعالى: ﴿لَنَسْفَعاً بالناصية﴾ قال أبو جهل: أنا أدعو قومي حتى يمنعوا عني ربك، قال الله تعالى: ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ سَنَدْعُ الزبانية﴾ فلما ذكر الزبانية رجع فزعاً، فقيل له: أخشيت منه؟ .
قال: لا، ولكن رأيت عنده فارساً، فهددني بالزبانية فما أدري ما الزبانية؛ ومال إليَّ الفارس، فخشيت منه أن يأكلني.
قال ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه -: والله لو دعا ناديه لأخذته ملائكة العذاب من ساعته. خرجه الترمذي بمعناه.
قوله: ﴿كَلاَّ﴾ أي: ليس الأمر كما يظنه أبو جهل «لا تُطِعْهُ» فيما دعاك إليه من ترك الصلاة «واسْجُدْ» ، أي: صل الله «واقْتَرِبْ» أي: اقترب إلى الله بالطَّاعة والعبادة.
وقيل: المعنى: إذا سجدت اقترب من الله بالدعاء.
قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «أمَّا الرُّكوعُ فعَظَّمُوا فِيْهِ الربَّ تعالى، وأمَّا السُّجُود فاجْتَهدُوا في الدُّعَاءِ، فقمن أنْ يُسْتجابَ لَكُمْ» .
وقال صلى الله عله وسلم: «أقْرَبُ ما يَكُونُ العبدُ مِنْ ربِّه وهُوَ سَاجِدٌ» .
فالسجود في قوله تعالى: ﴿واسجد واقترب﴾ يحتمل أن يكون بمعنى السجود في الصلاة، ويحتمل أن يكون سجود التلاوة في هذه السورة.
وقال ابن العربي: والظاهر أنه سجود الصلاة؛ لقوله تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ الذي ينهى عَبْداً إِذَا صلى﴾ إلى قوله: ﴿كَلاَّ لاَ تُطِعْهُ واسجد واقترب﴾ ، لولا ما ثبت في الصحيح من رواية مسلم، وغيره من الأئمة عن أبي هريرة، أنه قال: سجدتُ مع رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ في «إذَا السَّماءُ انْشَقَّتْ» وفي ﴿اقرأ باسم رَبِّكَ الذي خَلَقَ﴾ سجدتين، فكان هذا نصًّا على أن المراد سجود التلاوةِ.
روى الثعلبي عن أبي هريرة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْه - قال: قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: «مَنْ قَرَأ: ﴿اقرأ باسم رَبِّكَ﴾ ، فكأنَّمَا قَرَأ المفصل كُلَّهُ» والله تعالى أعلم.
سورة القدر
مكية في قول أكثر المفسرين ذكره الثعلبي.
وحكى الماوردي عكسه.