Lafzullah

أحكام القرآن — البقرة 2:187 – البقرة 2:222

المؤلف / المصدر: أبو بكر الجصاص

المحتويات
  1. البقرة 2:187
  2. البقرة 2:188
  3. البقرة 2:189
  4. البقرة 2:190
  5. البقرة 2:191
  6. البقرة 2:192
  7. البقرة 2:193
  8. البقرة 2:194
  9. البقرة 2:195
  10. البقرة 2:196
  11. البقرة 2:197
  12. البقرة 2:198
  13. البقرة 2:199
  14. البقرة 2:200
  15. البقرة 2:203
  16. البقرة 2:204
  17. البقرة 2:205
  18. البقرة 2:209
  19. البقرة 2:210
  20. البقرة 2:213
  21. البقرة 2:215
  22. البقرة 2:216
  23. البقرة 2:217
  24. البقرة 2:219
  25. البقرة 2:220
  26. البقرة 2:221
  27. البقرة 2:222

البقرة 2:187

بابُ الأكْلِ والشُّرْبِ والجِماعِ لَيْلَةَ الصِّيامِ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿أُحِلَّ لَكم لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إلى نِسائِكُمْ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ أتِمُّوا الصِّيامَ إلى اللَّيْلِ﴾ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ ذَلِكَ كانَ في الفَرْضِ الأوَّلِ مِنَ الصِّيامِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٣] وأنَّهُ كانَ صَوْمُ ثَلاثَةِ أيّامٍ مِن كُلِّ شَهْرٍ، وأنَّهُ كانَ مِن حِينِ يُصَلِّي العَتَمَةَ يَحْرُمُ عَلَيْهِمُ الطَّعامُ والشَّرابُ والجِماعُ إلى القابِلَةِ رَواهُ عَطِيَّةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ورَوى عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مِثْلَهُ، ولَمْ يَذْكُرْ أنَّهُ كانَ في الصَّوْمِ الأوَّلِ. ورَوى عَطاءٌ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ " أنَّهُ كانَ إذا صَلّى العَتَمَةَ ورَقَدَ حَرُمَ عَلَيْهِ الطَّعامُ والشَّرابُ والجِماعُ "، ورَوى الضَّحّاكُ " أنَّهُ كانَ يُحَرَّمُ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ مِن حِينِ يُصَلُّونَ العَتَمَةَ " وعَنْ مُعاذٍ " أنَّهُ كانَ يُحَرَّمُ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ بَعْدَ النَّوْمِ " وكَذَلِكَ ابْنُ أبِي لَيْلى عَنْ أصْحابِ مُحَمَّدٍ ﷺ قالُوا: ثُمَّ إنَّ رَجُلًا مِنَ الأنْصارِ لَمْ يَأْكُلْ ولَمْ يَشْرَبْ حَتّى نامَ، فَأصْبَحَ صائِمًا فَأجْهَدَهُ الصَّوْمُ، وجاءَ عُمَرُ وقَدْ أصابَ امْرَأتَهُ بَعْدَ ما نامَ فَذَكَرَ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿أُحِلَّ لَكم لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إلى نِسائِكُمْ﴾ ونَسَخَ بِهِ تَحْرِيمَ الأكْلِ والشُّرْبِ والجِماعِ بَعْدَ النَّوْمِ. والرَّفَثُ المَذْكُورُ هو الجِماعُ لا خِلافَ بَيْنَ أهْلِ العَلَمِ فِيهِ واسْمُ الرَّفَثِ يَقَعُ عَلى الجِماعِ وعَلى الكَلامِ الفاحِشِ ويُكَنّى بِهِ عَنِ الجِماعِ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ: ﴿فَلا رَفَثَ ولا فُسُوقَ﴾ [البقرة: ١٩٧] إنَّهُ مُراجَعَةُ النِّساءِ بِذِكْرِ الجِماعِ؛ قالَ العَجّاجُ: عَنِ اللَّغا ورَفَثِ التَّكَلُّمِ (p-٢٨٢)فَأوْلى الأشْياءِ بِمَعْنى الآيَةِ هو الجِماعُ نَفْسُهُ؛ لِأنَّ رَفَثَ الكَلامَ غَيْرُ مُباحٍ، ومُراجَعَةُ النِّساءِ بِذِكْرِ الجِماعِ لَيْسَ لَها حُكْمٌ يَتَعَلَّقُ بِالصَّوْمِ لا فِيما سَلَفَ ولا في المُسْتَأْنَفِ، فَعُلِمَ أنَّ المُرادَ هو ما كانَ مُحَرَّمًا عَلَيْهِمْ مِنَ الجِماعِ فَأُبِيحَ لَهم بِهَذِهِ الآيَةِ ونُسِخَ بِهِ ما تَقَدَّمَ مِنَ الحَظْرِ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿هُنَّ لِباسٌ لَكم وأنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَّ﴾ بِمَعْنى هُنَّ كاللِّباسِ لَكم في إباحَةِ المُباشَرَةِ ومُلابَسَةِ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما لِصاحِبِهِ؛ قالَ النّابِغَةُ الجَعْدِيُّ: ؎إذا ما الضَّجِيعُ ثَنى عِطْفَهُ تَثَنَّتْ عَلَيْهِ فَكانَتْ لِباسا ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِاللِّباسِ السِّتْرُ؛ لِأنَّ اللِّباسَ هو ما يَسْتُرُ، وقَدْ سَمّى اللَّهُ تَعالى اللَّيْلَ لِباسا؛ لِأنَّهُ يَسْتُرُ كُلَّ شَيْءٍ يَشْتَمِلُ عَلَيْهِ بِظَلامِهِ، فَإنْ كانَ المَعْنى ذَلِكَ، فالمُرادُ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما سَتَرَ صاحِبَهُ عَنِ التَّخَطِّي إلى ما يَهْتِكُهُ مِنَ الفَواحِشِ، ويَكُونُ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما مُتَعَفِّفًا بِالآخَرِ مُسْتَتِرا بِهِ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَلِمَ اللَّهُ أنَّكم كُنْتُمْ تَخْتانُونَ أنْفُسَكُمْ﴾ ذِكْرٌ لِلْحالِ الَّتِي خَرَجَ عَلَيْها الخِطابُ واعْتِدادٌ بِالنِّعْمَةِ عَلَيْنا بِالتَّخْفِيفِ بِإباحَةِ الجِماعِ والأكْلِ والشُّرْبِ في لَيالِي الصَّوْمِ واسْتِدْعاءٌ لِشُكْرِهِ عَلَيْها. ومَعْنى قَوْلِهِ: ﴿تَخْتانُونَ أنْفُسَكُمْ﴾ أيْ يَسْتَأْثِرُ بَعْضُكم بَعْضًا في مُواقَعَةِ المَحْظُورِ مِنَ الجِماعِ والأكْلِ والشُّرْبِ بَعْدَ النَّوْمِ في لَيالِي الصَّوْمِ، كَقَوْلِهِ: ﴿تَقْتُلُونَ أنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ٨٥] يَعْنِي يَقْتُلُ بَعْضُكم بَعْضًا ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِهِ كُلَّ واحِدٍ في نَفْسِهِ بِأنَّهُ يَخُونُها، وسَمّاهُ خائِنًا لِنَفْسِهِ مِن حَيْثُ كانَ ضَرَرُهُ عائِدًا عَلَيْهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِهِ أنَّهُ يَعْمَلُ عَمَلَ المُسْتَأْثِرِ لَهُ، فَهو يُعامِلُ نَفْسَهُ بِعَمَلِ الخائِنِ لَها، والخِيانَةُ هي انْتِقاصُ الحَقِّ عَلى جِهَةِ المُساتَرَةِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَتابَ عَلَيْكُمْ﴾ يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ: أحَدُهُما: قَبُولُ التَّوْبَةِ مِن خِيانَتِهِمْ لِأنْفُسِهِمْ، والآخَرُ: التَّخْفِيفُ عَنْكم بِالرُّخْصَةِ والإباحَةِ، كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿عَلِمَ أنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتابَ عَلَيْكُمْ﴾ [المزمل: ٢٠] يَعْنِي واللَّهُ أعْلَمُ: خَفَّفَ عَنْكم، وكَما قالَ عَقِيبَ ذِكْرِ حُكْمِ قَتْلِ الخَطَإ: ﴿فَمَن لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ﴾ [النساء: ٩٢] يَعْنِي تَخْفِيفَهُ؛ لِأنَّ قاتِلَ الخَطَأِ لَمْ يَفْعَلْ شَيْئًا تَلْزَمُهُ التَّوْبَةُ مِنهُ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وعَفا عَنْكُمْ﴾ يَحْتَمِلُ أيْضًا العَفْوَ عَنِ الذَّنْبِ الَّذِي اقْتَرَفُوهُ بِخِيانَتِهِمْ لِأنْفُسِهِمْ، ثُمَّ لَمّا أحْدَثُوا التَّوْبَةَ مِنهُ عَفا عَنْهم في الخِيانَةِ، ويُحْتَمَلُ أيْضًا التَّوْسِعَةُ والتَّسْهِيلُ بِإباحَةِ ما أباحَ مِن ذَلِكَ؛ لِأنَّ العَفْوَ يُعَبَّرُ بِهِ في اللُّغَةِ عَنِ التَّسْهِيلِ، كَقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ: «أوَّلُ الوَقْتِ رِضْوانُ اللَّهِ وآخِرُهُ عَفْوُ اللَّهِ» يَعْنِي تَسْهِيلَهُ وتَوْسِعَتُهُ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فالآنَ باشِرُوهُنَّ﴾ إباحَةٌ لِلْجِماعِ المَحْظُورِ كانَ قَبْلَ ذَلِكَ في لَيالِي الصَّوْمِ، والمُباشَرَةُ هي إلْصاقِ البَشَرَةِ بِالبَشَرَةِ، وهي في هَذا المَوْضِعِ (p-٢٨٣)كِنايَةٌ عَنِ الجِماعِ؛ قالَ زَيْدُ بْنُ أسْلَمُ: " هي المُواقَعَةُ والجِماعُ " وقالَ في المُباشَرَةِ مَرَةً: " هي إلْصاقُ الجِلْدِ بِالجِلْدِ "، وقالَ الحَسَنُ: " المُباشَرَةِ النِّكاحُ "، وقالَ مُجاهِدً: " الجِماعُ " وهو مِثْلُ قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ولا تُباشِرُوهُنَّ وأنْتُمْ عاكِفُونَ في المَساجِدِ﴾ . وقَوْلُهُ: ﴿وابْتَغُوا ما كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ قالَ عَبْدُ الوَهّابِ عَنْ أبِيهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: " الوَلَدُ "، وعَنْ مُجاهِدٍ والحَسَنِ والضَّحّاكِ والحَكَمِ مِثْلُهُ، ورَوى مُعاذُ بْنُ هِشامٍ قالَ: حَدَّثَنِي أبِي عَنْ عَمْرِو بْنِ مالِكٍ عَنْ أبِي الجَوْزاءِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﴿وابْتَغُوا ما كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ قالَ لَيْلَةَ القَدْرِ " وقالَ قَتادَةُ في قَوْلِهِ: ﴿وابْتَغُوا ما كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ قالَ: " الرُّخْصَةُ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكم "، قالَ أبُو بَكْرٍ: إذا كانَ المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿فالآنَ باشِرُوهُنَّ﴾ الجِماعَ، فَقَوْلُهُ: ﴿وابْتَغُوا ما كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ لا يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ مَحْمُولًا عَلى الجِماعِ لِما فِيهِ مِن تَكْرارِ المَعْنى في خِطابٍ واحِدٍ، ونَحْنُ مَتى أمْكَنَنا اسْتِعْمالُ كُلِّ لَفْظِ عَلى فائِدَةٍ مُجَدَّدَةٍ فَغَيْرُ جائِزٍ الِاقْتِصارُ بِها عَلى فائِدَةٍ واحِدَةٍ، وقَدْ أفادَ قَوْلُهُ: ﴿فالآنَ باشِرُوهُنَّ﴾ إباحَةَ الجِماعِ، فالواجِبُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿وابْتَغُوا ما كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ عَلى غَيْرِ الجِماعِ، ثُمَّ لا يَخْلُو مِن أنْ يَكُونَ المُرادُ بِهِ لَيْلَةَ القَدْرِ عَلى ما رَواهُ أبُو الجَوْزاءِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أوِ الوَلَدَ عَلى ما رُوِيَ عَنْهُ وعَنْ غَيْرِهِ مِمَّنْ قَدَّمْنا ذِكْرَهُ، أوِ الرُّخْصَةُ عَلى ما رُوِيَ عَنْ قَتادَةَ، فَلَمّا كانَ اللَّفْظُ مُحْتَمِلًا لِهَذِهِ المَعانِي ولَوْلا احْتِمالُهُ لَها لَما تَأوَّلَهُ السَّلَفُ عَلَيْها وجَبَ أنْ يَكُونَ مَحْمُولًا عَلى الجَمِيعِ، وعَلى أنَّ الكُلَّ مُرادُ اللَّهِ تَعالى فَيَكُونُ اللَّفْظُ مُنْتَظِمًا لِطَلَبِ لَيْلَةِ القَدْرِ في رَمَضانَ ولِاتِّباعِ رُخْصَةِ اللَّهِ تَعالى ولِطَلَبِ الوَلَدِ، فَيَكُونُ العَبْدُ مَأْجُورًا عَلى ما يَقْصِدَهُ مِن ذَلِكَ، ويَكُونُ الأمْرُ بِطَلَبِ الوَلَدِ عَلى مَعْنى ما رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «تَزَوَّجُوا الوَدُودَ الوَلُودَ فَإنِّي مُكاثِرٌ بِكُمُ الأُمَمَ يَوْمَ القِيامَةِ»، وكَما سَألَ زَكَرِيّا رَبَّهُ أنْ يَرْزُقَهُ ولَدًا بِقَوْلِهِ: ﴿فَهَبْ لِي مِن لَدُنْكَ ولِيًّا﴾ [مريم: ٥] ﴿يَرِثُنِي ويَرِثُ مِن آلِ يَعْقُوبَ﴾ [مريم: ٦] وقَوْلُهُ: ﴿وكُلُوا واشْرَبُوا﴾ إطْلاقٌ مِن حَظْرٍ، كَقَوْلِهِ: ﴿فَإذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فانْتَشِرُوا في الأرْضِ وابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ١٠] وقَوْلِهِ: ﴿وإذا حَلَلْتُمْ فاصْطادُوا﴾ [المائدة: ٢] ونَظائِرِ ذَلِكَ مِنَ الإباحَةِ الوارِدَةِ بَعْدَ الحَظْرِ، فَيَكُونُ حُكْمُ اللَّفْظِ مَقْصُورًا عَلى الإباحَةِ لا عَلى الإيجابِ ولا النَّدْبِ. وأمّا قَوْلُهُ: ﴿حَتّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الخَيْطُ الأبْيَضُ مِنَ الخَيْطِ الأسْوَدِ مِنَ الفَجْرِ﴾ قالَ أبُو بَكْرٍ: قَدِ اقْتَضَتِ الآيَةُ إباحَةَ الأكْلِ والشُّرْبِ والجِماعِ إلى أنْ يَتَبَيَّنَ الخَيْطُ الأبْيَضُ مِنَ الخَيْطِ الأسْوَدِ مِنَ الفَجْرِ، رُوِيَ أنَّ رِجالًا مِنهم حَمَلُوا ذَلِكَ عَلى حَقِيقَةِ الخَيَطِ الأبْيَضِ والأسْوَدِ وتَبَيُّنِ أحَدِهِما مِنَ الآخَرِ، مِنهم عَدِيُّ بْنُ حاتِمِ حَدَّثَنا (p-٣٨٤)مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قالَ: حَدَّثَنا أبُو داوُدَ قالَ: حَدَّثَنا مُسَدَّدٌ قالَ: حَدَّثَنا حُصَيْنُ بْنُ نُمَيْرٍ قالَ: وحَدَّثَنا أبُو داوُدَ قالَ: حَدَّثَنا عُثْمانُ بْنُ أبِي شَيْبَةَ قالَ: حَدَّثَنا ابْنُ إدْرِيسَ المَعْنِيُّ عَنْ حُصَيْنٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنْ «عَدِيِّ بْنِ حاتِمٍ قالَ: لَمّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿حَتّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الخَيْطُ الأبْيَضُ مِنَ الخَيْطِ الأسْوَدِ﴾ قالَ: أخَذْتُ عِقالًا أبْيَضَ وعِقالًا أسْوَدَ فَوَضَعْتُهُما تَحْتَ وِسادَتِي، فَنَظَرْتُ فَلَمْ أتَبَيَّنْ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَضَحِكَ فَقالَ: إنَّ وِسادَكَ إذًا لَعَرِيضٌ طَوِيلٌ إنَّما هو اللَّيْلُ والنَّهارُ» قالَ عُثْمانُ: إنَّما هو سَوادُ اللَّيْلِ وبَياضُ النَّهارِ " . قالَ: وحَدَّثَنا أبُو مُحَمَّدٍ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الواسِطِيُّ قالَ: حَدَّثَنا أبُو الفَضْلِ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ اليَمانِيُّ قالَ: حَدَّثَنا أبُو عُبَيْدٍ قالَ: حَدَّثَنا ابْنُ أبِي مَرْيَمَ عَنْ أبِي غَسّانَ مُحَمَّدِ بْنِ مُطَرِّفٍ قالَ: أخْبَرْنا أبُو حازِمٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قالَ: لَمّا نَزَلَ قَوْلُهُ: ﴿وكُلُوا واشْرَبُوا حَتّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الخَيْطُ الأبْيَضُ مِنَ الخَيْطِ الأسْوَدِ﴾ ولَمْ يَنْزِلِ ﴿مِنَ الفَجْرِ﴾ قالَ: فَكانَ رِجالٌ إذا أرادُوا الصَّوْمَ رَبَطَ أحَدُهم في رِجْلِهِ الخَيْطَ الأبْيَضَ والخَيْطَ الأسْوَدَ، فَلا يَزالُ يَأْكُلُ ويَشْرَبُ حَتّى يَتَبَيَّنا لَهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿مِنَ الفَجْرِ﴾ فَعَلِمُوا أنَّهُ إنَّما يَعْنِي بِذَلِكَ اللَّيْلَ والنَّهارَ. قالَ أبُو بَكْرٍ: إذا كانَ قَوْلُهُ ﴿مِنَ الفَجْرِ﴾ مُبَيَّنًا فِيهِ فَلا إلْباسَ عَلى أحَدٍ في أنَّهُ لَمْ يُرَدْ بِهِ حَقِيقَةُ الخَيْطِ، لِقَوْلِهِ: ﴿مِنَ الفَجْرِ﴾ ويُشْبِهُ أنْ يَكُونَ إنَّما اشْتَبَهَ عَلى عَدِيٍّ وغَيْرِهِ مِمَّنْ حَمَلَ اللَّفْظَ عَلى حَقِيقَتِهِ قَبْلَ نُزُولِ قَوْلِهِ: ﴿مِنَ الفَجْرِ﴾ وذَلِكَ لِأنَّ الخَيْطَ اسْمٌ لِلْخَيْطِ المَعْرُوفِ حَقِيقَةً، وهو مَجازٌ واسْتِعارَةٌ في سَوادِ اللَّيْلِ وبَياضِ النَّهارِ، وجائِزٌ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ قَدْ كانَ شائِعًا في لُغَةِ قُرَيْشٍ ومَن خُوطِبُوا بِهِ مِمَّنْ كانَ بِحَضْرَةِ النَّبِيِّ ﷺ عِنْدَ نُزُولِ الآيَةِ، وأنَّ عَدِيَّ بْنَ حاتِمٍ ومَن أشْكَلَ عَلَيْهِ ذَلِكَ لَمْ يَكُونُوا عَرَفُوا هَذِهِ اللُّغَةَ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ كُلُّ العَرَبِ تَعْرِفُ سائِرَ لُغاتِها. وجائِزٌ مَعَ ذَلِكَ أنْ يَكُونُوا عَرَفُوا ذَلِكَ اسْمًا لِلْخَيْطِ حَقِيقَةً ولِبَياضِ النَّهارِ وسَوادِ اللَّيْلِ مَجازًا ولَكِنَّهم حَمَلُوا اللَّفْظَ عَلى الحَقِيقَةِ، فَلَمّا سَألُوا النَّبِيَّ ﷺ أخْبَرَهم بِمُرادِ اللَّهِ تَعالى مِنهُ، وأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿مِنَ الفَجْرِ﴾ فَزالَ الِاحْتِمالُ وصارَ المَفْهُومُ مِنَ اللَّفْظِ سَوادَ اللَّيْلِ وبَياضَ النَّهارِ، وقَدْ كانَ ذَلِكَ اسْمًا لِسَوادِ اللَّيْلِ وبَياضِ النَّهارِ في الجاهِلِيَّةِ، قَبْلَ الإسْلامِ مَشْهُورًا ذَلِكَ عِنْدَهم؛ قالَ أبُو داوُدَ الإيادِيُّ: ؎ولَمّا أضاءَتْ لَنا ظُلْمَةٌ ∗∗∗ ولاحَ مِنَ الصُّبْحِ خَيْطٌ أنارا وقالَ آخَرُ في الخَيْطِ الأسْوَدِ: ؎قَدْ كادَ يَبْدُو أوْ بَدَتْ تُباشِرُهُ ∗∗∗ وسِدْفُ الخَيْطِ البَهِيمِ ساتِرُهُ (p-٢٨٥)فَقَدْ كانَ ذَلِكَ مَشْهُورًا في اللِّسانِ قَبَلَ نُزُولِ القُرْآنِ بِهِ وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ مَعْمَرُ بْنُ المُثَنّى: الخَيْطُ الأبْيَضُ هو الصُّبْحُ والخَيْطُ الأسْوَدُ اللَّيْلُ؛ قالَ: والخَيْطُ هو اللَّوْنُ. فَإنْ قِيلِ: كَيْفَ شَبَّهَ اللَّيْلَ بِالخَيْطِ الأسْوَدِ وهو مُشْتَمِلٌ عَلى جَمِيعِ العالَمِ، وقَدْ عَلِمْنا أنَّ الصُّبْحَ إنَّما شُبِّهَ بِالخَيْطِ؛ لِأنَّهُ مُسْتَطِيلٌ أوْ مُسْتَعْرِضٌ في الأُفُقِ، فَأمّا اللَّيْلُ فَلَيْسَ بَيْنَهُ وبَيْنَ الخَيْطِ تَشابُهٌ ولا مُشاكَلَةٌ ؟ قِيلَ لَهُ: إنَّ الخَيْطَ الأسْوَدَ هو السَّوادُ الَّذِي في المَوْضِعِ قَبْلَ ظُهُورِ الخَيْطِ الأبْيَضِ فِيهِ، وهو في ذَلِكَ المَوْضِعِ مُساوٍ لِلْخَيْطِ الأبْيَضِ الَّذِي يَظْهَرُ بَعْدَهُ، فَمِن أجْلِ ذَلِكَ سُمِّيَ الخَيْطَ الأسْوَدَ. وقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ في تَحْدِيدِ الوَقْتِ الَّذِي يَحْرُمُ بِهِ الأكْلُ والشُّرْبُ عَلى الصّائِمِ ما حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قالَ: حَدَّثَنا أبُو داوُدَ قالَ: حَدَّثَنا مُسَدَّدٌ قالَ: حَدَّثَنا حَمّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَوادَةَ القُشَيْرِيِّ عَنْ أبِيهِ قالَ: سَمِعْتُ سَمُرَةَ بْنَ جُنْدَبٍ يَخْطُبُ وهو يَقُولُ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لا يَمْنَعَنَّكم مِن سَحُورِكم أذانُ بِلالٍ ولا بَياضُ الأُفُقِ الَّذِي هَكَذا حَتّى يَسْتَطِيرَ» وحَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قالَ: حَدَّثَنا أبُو داوُدَ قالَ: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ عِيسى قالَ: حَدَّثَنا مُلازِمُ بْنُ عَمْرٍو عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ النُّعْمانِ قالَ: حَدَّثَنِي قَيْسُ بْنُ طَلْقٍ عَنْ أبِيهِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «كُلُوا واشْرَبُوا ولا يَهِيدَنَّكُمُ السّاطِعُ المُصْعِدُ فَكُلُوا واشْرَبُوا حَتّى يَعْتَرِضَ لَكُمُ الأحْمَرُ» . فَذَكَرَ في هَذا الخَبَرِ الأحْمَرَ، ولا خِلافَ بَيْنَ المُسْلِمِينَ أنَّ الفَجْرَ الأبْيَضَ المُعْتَرِضَ في الأُفُقِ قَبْلَ ظُهُورِ الحُمْرَةِ يَحْرُمُ بِهِ الطَّعامُ والشَّرابُ عَلى الصّائِمِ؛ وقالَ ﷺ لِعَدِيِّ بْنِ حاتِمٍ: «إنَّما هو بَياضُ النَّهارِ وسَوادُ اللَّيْلِ» ولَمْ يَذْكُرِ الحُمْرَةَ. فَإنْ قِيلَ: قَدْ رُوِيَ عَنْ حُذَيْفَةَ قالَ: «تَسَحَّرْنا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وكانَ نَهارًا إلّا أنَّ الشَّمْسَ لَمْ تَطْلُعْ»، قِيلَ لَهُ: لا يَثْبُتُ ذَلِكَ عَنْ حُذَيْفَةَ وهو مَعَ ذَلِكَ مِن أخْبارِ الآحادِ، فَلا يَجُوزُ الِاعْتِراضُ بِهِ عَلى القُرْآنِ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿حَتّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الخَيْطُ الأبْيَضُ مِنَ الخَيْطِ الأسْوَدِ مِنَ الفَجْرِ﴾ فَأوْجَبَ الصَّوْمَ والإمْساكَ عَنِ الأكْلِ والشُّرْبِ بِظُهُورِ الخَيْطِ الَّذِي هو بَياضُ الفَجْرِ. وحَدِيثُ حُذَيْفَةَ إنْ حُمِلَ عَلى حَقِيقَتِهِ كانَ مُبِيحًا لِما حَظَرَتْهُ الآيَةُ؛ وقالَ النَّبِيُّ ﷺ في حَدِيثِ عَدِيِّ بْنِ حاتِمٍ: «هُوَ بَياضُ النَّهارِ وسَوادُ اللَّيْلِ» فَكَيْفَ يَجُوزُ الأكْلُ نَهارًا في الصَّوْمِ مَعَ تَحْرِيمِ اللَّهِ تَعالى إيّاهُ بِالقُرْآنِ والسُّنَّةِ ؟ ولَوْ ثَبَتَ حَدِيثُ حُذَيْفَةَ مِن طَرِيقِ النَّقْلِ لَمْ يُوجِبْ جَوازَ الأكْلِ في ذَلِكَ الوَقْتِ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَعْزُ الأكْلَ إلى النَّبِيِّ ﷺ وإنَّما أخْبَرَ عَنْ نَفْسِهِ أنَّهُ أكَلَ في ذَلِكَ الوَقْتِ لا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ؛ فَكَوْنُهُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ في وقْتِ الأكْلِ لا دَلالَةَ فِيهِ عَلى عِلْمِ (p-٢٨٦)النَّبِيِّ ﷺ بِذَلِكَ مِنهُ وإقْرارِهِ عَلَيْهِ، ولَوْ ثَبَتَ أنَّهُ ﷺ عَلِمَ بِذَلِكَ وأقَرَّهُ عَلَيْهِ احْتَمَلَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ كانَ في آخِرِ اللَّيْلِ قُرْبَ طُلُوعِ الفَجْرِ فَسَمّاهُ نَهارًا لِقُرْبِهِ مِنهُ، كَما حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قالَ: حَدَّثَنا أبُو داوُدَ قالَ: حَدَّثَنا عَمْرُو بْنُ مُحَمَّدٍ النّاقِدُ قالَ: حَدَّثَنا حَمّادُ بْنُ خالِدٍ الخَيّاطُ قالَ: حَدَّثَنا مُعاوِيَةُ بْنُ صالِحٍ عَنْ يُونُسَ بْنِ سَيْفٍ عَنْ الحارِثِ بْنِ زِيادٍ عَنْ أبِي رُهْمٍ عَنِ العِرْباضِ بْنِ سارِيَةَ قالَ: «دَعانِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى السَّحُورِ في رَمَضانَ فَقالَ: هَلُمَّ إلى الغَداءِ المُبارَكِ» فَسَمّى السَّحُورَ غَداءً لِقُرْبِهِ مِنَ الغَداءِ. كَذَلِكَ لا يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ حُذَيْفَةُ سَمّى الوَقْتَ الَّذِي تَسَحَّرَ فِيهِ نَهارًا لِقُرْبِهِ مِنَ النَّهارِ قالَ أبُو بَكْرٍ فَقَدْ وضَحَ بِما تَلَوْنا مِن كِتابِ اللَّهِ وتَوْقِيفِ نَبِيِّهِ ﷺ أنَّ أوَّلَ وقْتِ الصَّوْمِ هو طُلُوعُ الفَجْرِ الثّانِي المُعْتَرِضِ في الأُفُقِ، وأنَّ الفَجْرَ المُسْتَطِيلَ إلى وسَطِ السَّماءِ هو مِنَ اللَّيْلِ، والعَرَبُ تُسَمِّيهِ ذَنَبَ السِّرْحانِ. وقَدِ اخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ في حُكْمِ الشّاكِّ في الفَجْرِ، فَذَكَرَ أبُو يُوسُفَ في الإمْلاءِ أنَّ أبا حَنِيفَةَ قالَ: " يَدَعُ الرَّجُلُ السَّحُورُ إذا شَكَّ في الفَجْرِ أحَبُّ إلَيَّ، فَإنْ تَسَحَّرَ فَصَوْمُهُ تامٌّ " وهو قَوْلُهم جَمِيعًا في الأصْلِ، وقالَ: " إنْ أكَلَ فَلا قَضاءَ عَلَيْهِ " وحَكى ابْنُ سِماعَةَ عَنْ أبِي يُوسُفَ عَنْ أبِي حَنِيفَةَ " أنَّهُ إنْ أكَلَ وهو شاكٌّ قَضى يَوْمًا " وقالَ أبُو يُوسُفَ: " لَيْسَ عَلَيْهِ في الشَّكِّ قَضاءٌ "، وقالَ الحَسَنُ بْنُ زِيادٍ عَنْ أبِي حَنِيفَةَ: " أنَّهُ إنْ كانَ في مَوْضِعٍ يَسْتَبِينُ الفَجْرَ ويَرى مَطْلَعَهُ مِن حَيْثُ يَطْلُعُ لَيْسَ هُناكَ عِلَّةٌ فَلْيَأْكُلْ ما لَمْ يَسْتَبِنْ لَهُ الفَجْرُ، وهو قَوْلُ اللَّهِ تَعالى: ﴿وكُلُوا واشْرَبُوا حَتّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الخَيْطُ الأبْيَضُ مِنَ الخَيْطِ الأسْوَدِ مِنَ الفَجْرِ﴾ " وقالَ: وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: " إنْ كانَ في مَوْضِعٍ لا يُرى فِيهِ الفَجْرُ أوْ كانَتْ مُقْمِرَةً وهو يَشُكُّ في الفَجْرِ فَلا يَأْكُلُ، وإنْ أكَلَ فَقَدْ أساءَ، وإنْ كانَ أكْبَرُ رَأْيِهِ أنَّهُ أكَلَ والفَجْرُ طالِعٌ قَضى، وإلّا لَمْ يَقْضِ، وسَواءٌ كانَ في سَفَرٍ أوْ حَضَرٍ "، وهَذا قَوْلُ زُفَرَ وأبِي يُوسُفَ، وبِهِ نَأْخُذُ. وكَذَلِكَ رُوِيَ عَنْهم في الشَّكِّ في غَيْبُوبَةِ الشَّمْسِ عَلى هَذا الِاعْتِبارِ، قالَ أبُو بَكْرٍ: ويَنْبَغِي أنْ يَكُونَ رِوايَةُ الأصْلِ ورِوايَةُ الإمْلاءِ في كَراهِيَتِهِمُ الأكْلَ عِنْدَ الشَّكِّ في الفَجْرِ مَحْمُولَيْنِ عَلى ما رَواهُ الحَسَنُ بْنُ زِيادٍ؛ لِأنَّهُ فَسَّرَ ما أجْمَلُوهُ في الرِّوايَتَيْنِ الأُخْرَيَيْنِ؛ ولِأنَّها مُوافِقَةٌ لِظاهِرِ الكِتابِ، وقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ بَعَثَ رَجُلَيْنِ لِيَنْظُرا لَهُ طُلُوعَ الفَجْرِ في الصَّوْمِ فَقالَ أحَدُهُما: قَدْ طَلَعَ، وقالَ الآخَرُ: لَمْ يَطْلُعْ، فَقالَ: " اخْتَلَفْتُما فَأكَلَ "، وكَذَلِكَ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ وذَلِكَ في حالٍ أمْكَنَ فِيها الوُصُولُ إلى مَعْرِفَةِ طُلُوعِ الفَجْرِ مِن طَرِيقِ المُشاهَدَةِ؛ وقالَ تَعالى: (p-٢٨٧)﴿حَتّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الخَيْطُ الأبْيَضُ مِنَ الخَيْطِ الأسْوَدِ مِنَ الفَجْرِ﴾ فَأباحَ الأكْلَ إلى أنْ يَتَبَيَّنَ، والتَّبَيُّنُ إنَّما هو حُصُولُ العِلْمِ الحَقِيقِيِّ، ومَعْلُومٌ أنَّ ذَلِكَ إنَّما أُمِرُوا بِهِ في حالٍ يُمْكِنُهم فِيها الوُصُولُ إلى العِلْمِ الحَقِيقِيِّ بِطُلُوعِهِ. وأمّا إذا كانَتْ لَيْلَةً مُقْمِرَةً أوْ لَيْلَةَ غَيْمٍ أوْ في مَوْضِعٍ لا يُشاهِدُ مَطْلِعَ الفَجْرِ، فَإنَّهُ مَأْمُورٌ بِالِاحْتِياطِ لِلصَّوْمِ؛ إذْ لا سَبِيلَ لَهُ إلى العِلْمِ بِحالِ الطُّلُوعِ، فالواجِبُ عَلَيْهِ الإمْساكُ اسْتِبْراءً لِدِينِهِ؛ لِما حَدَّثَنا شُعْبَةُ قالَ: حَدَّثَنا يَزِيدُ بْنُ أبِي مَرْيَمَ السَّلُولِيُّ قالَ: سَمِعْتُ أبا الجَوْزاءِ السَّعْدِيَّ قالَ: قُلْتُ لِلْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ: ما تَذْكُرُ مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ قالَ: كانَ يَقُولُ: «دَعْ ما يَرِيبُكَ إلى ما لا يَرِيبُكَ، فَإنَّ الصِّدْقَ طُمَأْنِينَةٌ والكَذِبَ رِيبَةٌ» . وحَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قالَ: حَدَّثَنا أبُو داوُدَ قالَ: حَدَّثَنا أحْمَدُ بْنُ يُونُسَ قالَ: حَدَّثَنا أبُو شِهابٍ: حَدَّثَنا ابْنُ عَوْنٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ قالَ: سَمِعْتُ النُّعْمانَ بْنِ بَشِيرٍ ولا أسْمَعُ أحَدًا بَعْدَهُ يَقُولُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «إنَّ الحَلالَ بَيِّنٌ وإنَّ الحَرامَ بَيِّنٌ وبَيْنَهُما أُمُورٌ مُتَشابِهاتٌ؛ وسَأضْرِبُ في ذَلِكَ مَثَلًا: إنَّ اللَّهَ حَمى حِمًى وإنَّ حِمى اللَّهِ ما حَرَّمَ، وإنَّهُ مَن يَرْعى حَوَلَ الحِمى يُوشِكُ أنْ يُخالِطَهُ، وإنَّهُ مَن يُخالِطِ الرِّيبَةَ يُوشِكْ أنْ يَجْسُرَ» . وحَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قالَ: حَدَّثَنا أبُو داوُدَ قالَ: حَدَّثَنا إبْراهِيمُ بْنُ مُوسى الرّازِيُّ قالَ: أخْبَرَنا عِيسى قالَ: حَدَّثَنا زَكَرِيّا عَنْ عامِرٍ قالَ: سَمِعْتُ النُّعْمانَ بْنَ بَشِيرٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ؛ بِهَذا الحَدِيثِ، قالَ: «وبَيْنَهُما أُمُورٌ مُتَشابِهاتٌ لا يَعْلَمُها كَثِيرٌ مِنَ النّاسِ، فَمَنِ اتَّقى الشُّبُهاتِ اسْتَبْرَأ عِرْضَهُ ودِينَهُ ومَن وقَعَ في الشُّبُهاتِ وقَعَ في الحَرامِ»، فَهَذِهِ الأخْبارُ تَمْنَعُ مِنَ الإقْدامِ عَلى المَشْكُوكِ فِيهِ أنَّهُ مِنَ المُباحِ أوِ المَحْظُورِ، فَوَجَبَ اسْتِعْمالُها. فَمَن شَكَّ فَلا سَبِيلَ لَهُ إلى تَبَيُّنِ طُلُوعِ الفَجْرِ في أوَّلِ ما يَطْلُعُ حَتّى يَكُونَ مُسْتَبْرِئًا لِدِينِهِ وعِرْضِهِ مُجْتَنِبًا لِلرِّيبَةِ غَيْرَ مُواقِعٍ لِحِمى اللَّهِ تَعالى، فاسْتَعْمَلْنا قَوْلَهُ ﴿حَتّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الخَيْطُ الأبْيَضُ مِنَ الخَيْطِ الأسْوَدِ مِنَ الفَجْرِ﴾ فِيمَن يُمْكِنُهُ مَعْرِفَةُ طُلُوعِهِ في أوَّلِ أحْوالِهِ؛ فَهَذا مَذْهَبُ أصْحابِنا وحِجاجُهُ فِيما ذَكَرْنا، وقالَ مالِكُ بْنُ أنَسٍ: " أكْرَهُ أنْ يَأْكُلَ إذا شَكَّ في الفَجْرِ، وإنْ أكَلَ فَعَلَيْهِ القَضاءُ " وقالَ الثَّوْرِيُّ: " يَتَسَحَّرُ الرَّجُلُ ما شَكَّ حَتّى يَرى الفَجْرَ " . وقالَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ الحَسَنِ والشّافِعِيُّ: " إنْ أكَلَ شاكًّا في الفَجْرِ فَلا شَيْءَ عَلَيْهِ " وأمّا قَوْلُ مَن قالَ: " إنَّهُ يَأْكُلُ شاكًّا مِن غَيْرِ اعْتِبارٍ مِنهُ بِحالِ إمْكانِ التَّبَيُّنِ في حالِ طُلُوعِهِ أوْ تَعَذُّرِ ذَلِكَ عَلَيْهِ " فَذَلِكَ إغْفالٌ مِنهُ؛ لِأنَّ ضَرِيرًا لَوْ كانَ في مَوْضِعٍ لَيْسَ بِحَضْرَتِهِ مَن يُعَرِّفُهُ طُلُوعَ الفَجْرِ لَمْ يَجُزْ لَهُ الإقْدامُ عَلى الأكْلِ بِالشَّكِّ وهو لا يَأْمَنُ أنْ يَكُونَ قَدْ أصْبَحَ، وكَذَلِكَ مَن كانَ (p-٢٨٨)فِي بَيْتٍ مُظْلِمٍ لا يَأْمَنُ طُلُوعَ الفَجْرِ لَمْ يَجُزْ لَهُ الإقْدامُ عَلى الأكْلِ بِالشَّكِّ، فَإنْ أجازَ هَذا وألْغى الشَّكَّ لَزِمَهُ إلْغاءُ الشَّكِّ في كُلِّ مَوْضِعٍ والإقْدامُ عَلى كُلِّ ما لا يَأْمَنُ أنْ يَكُونَ مَحْظُورًا مِن وطْءٍ أوْ غَيْرِهِ، وفي اسْتِعْمالِ ذَلِكَ مُخالَفَةٌ لِما رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِنَ اجْتِنابِ الشُّبُهاتِ وتَرْكِ الرَّيْبِ إلى اليَقِينِ ومُخالَفَةِ إجْماعِ المُسْلِمِينَ؛ لِأنَّهم لا يَخْتَلِفُونَ أنَّهُ غَيْرُ جائِزٍ لَهُ الإقْدامُ عَلى وطْءِ امْرَأةٍ لا يَعْرِفُها وهو شاكٌّ في أنَّها زَوْجَتُهُ، وكَذَلِكَ مَن طَلَّقَ إحْدى نِسائِهِ بِعَيْنِها ثَلاثًا ونَسِيَها فَغَيْرُ جائِزٍ لَهُ الإقْدامُ عَلى وطْءِ واحِدَةٍ مِنهُنَّ بِاتِّفاقِ الفُقَهاءِ إلّا بَعْدَ العِلْمِ بِأنَّها لَيْسَتِ المُطَلَّقَةَ. وأمّا القَوْلُ بِإيجابِ القَضاءِ عَلى مَن أكَلَ شاكًّا في الفَجْرِ، فَإنَّهُ كَما لا يُبِيحُ لَهُ الإقْدامَ عَلى المَشْكُوكِ فِيهِ فَكَذَلِكَ لا يُوجِبُ عَلَيْهِ القَضاءَ بِالشَّكِّ؛ لِأنَّهُ إذا كانَ الأصْلُ بَراءَةَ الذِّمَّةِ مِنَ الفَرْضِ فَلا جائِزٌ إلْزامُهُ بِالشَّكِّ، والَّذِي تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الآيَةُ مِنَ الحُكْمِ مِن عِنْدِ قَوْلِهِ: ﴿أُحِلَّ لَكم لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إلى نِسائِكُمْ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿مِنَ الخَيْطِ الأسْوَدِ مِنَ الفَجْرِ﴾ نَسْخُ تَحْرِيمِ الجِماعِ والأكْلِ والشُّرْبِ في لَيالِي الصَّوْمِ بَعْدَ العَتَمَةِ أوْ بَعْدَ النَّوْمِ وفِيها الدَّلالَةُ عَلى نَسْخِ السُّنَّةِ بِالقُرْآنِ؛ لِأنَّ الحَظْرَ المُتَقَدِّمَ إنَّما كانَ ثُبُوتُهُ بِالسُّنَّةِ لا بِالقُرْآنِ، ثُمَّ نُسِخَ بِالإباحَةِ المَذْكُورَةِ في القُرْآنِ وفِيها الدَّلالَةُ عَلى أنَّ الجَنابَةَ لا تُنافِي صِحَّةَ الصَّوْمِ لِما فِيهِ مِن إباحَةِ الجِماعِ مِن أوَّلِ اللَّيْلِ إلى آخِرِهِ مَعَ العِلْمِ بِأنَّ المُجامِعَ في آخِرِ اللَّيْلِ إذا صادَفَ فَراغَهُ مِنَ الجِماعِ طُلُوعُ الفَجْرِ يُصْبِحُ جُنُبًا، ثُمَّ حَكَمَ مَعَ ذَلِكَ بِصِحَّةِ صَوْمِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ أتِمُّوا الصِّيامَ إلى اللَّيْلِ﴾ وفِيها حَثٌّ عَلى طَلَبِ الوَلَدِ بِقَوْلِهِ: ﴿وابْتَغُوا ما كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ مَعَ تَأْوِيلِ مَن تَأوَّلَهُ واحْتِمالِ الآيَةِ لَهُ وفِيها الدَّلالَةُ عَلى أنَّ لَيْلَةَ القَدْرِ في رَمَضانَ لِأنَّ ابْنَ عَبّاسٍ قَدْ تَأوَّلَهُ عَلى ذَلِكَ، فَلَوْلا أنَّهُ مُحْتَمِلٌ لَهُ لَما جازَ أنْ يَتَأوَّلَ عَلَيْهِ وفِيها النَّدْبُ إلى التَّرَخُّصِ بِرُخْصَةِ اللَّهِ لِتَأْوِيلِ مَن تَأوَّلَهُ عَلى ما بَيَّنّا فِيما سَلَفَ وفِيها الدَّلالَةُ عَلى أنَّ آخِرَ اللَّيْلِ إلى طُلُوعِ الفَجْرِ الثّانِي بِقَوْلِهِ: ﴿أُحِلَّ لَكم لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إلى نِسائِكُمْ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿حَتّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ﴾ فَثَبَتَ أنَّ اللَّيْلَ إلى طُلُوعِ الفَجْرِ وأنَّ ما بَعْدَ طُلُوعِهِ فَهو مِنَ النَّهارِ. وفِيها الدَّلالَةُ عَلى إباحَةِ الأكْلِ والشُّرْبِ والجِماعِ إلى أنْ يَحْصُلَ لَهُ الِاسْتِبانَةُ واليَقِينُ بِطُلُوعِ الفَجْرِ، وأنَّ الشَّكَّ لا يَحْظُرُ عَلَيْهِ ذَلِكَ؛ إذْ غَيْرُ جائِزٍ وُجُودُ الِاسْتِبانَةِ مَعَ الشَّكِّ؛ وهَذا فِيمَن يَصِلُ إلى الِاسْتِبانَةِ وقْتَ طُلُوعِهِ، وأمّا مَن لا يَصِلُ إلى ذَلِكَ لِساتِرٍ أوْ ضَعْفِ بَصَرِهِ أوْ نَحْوِ ذَلِكَ فَغَيْرُ داخِلٍ في هَذا الخِطابِ لِما بَيَّنّا آنِفًا قَبْلَ (p-٢٨٩)هَذا الفَصْلِ. ووُرُودُ لَفْظِ الإباحَةِ بَعْدَ الحَظْرِ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ لَمْ يُرِدْ بِهِ الإيجابَ؛ لِأنَّ ذَلِكَ حُكْمُ لَفْظِ الإطْلاقِ إذا كانَ وُرُودُهُ بَعْدَ الحَظْرِ، عَلى نَحْوِ ما ذَكَرْنا مِن نَظائِرِهِ في قَوْلِهِ: ﴿وإذا حَلَلْتُمْ فاصْطادُوا﴾ [المائدة: ٢] وقَوْلِهِ: ﴿فَإذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فانْتَشِرُوا في الأرْضِ﴾ [الجمعة: ١٠] ومَعَ ذَلِكَ فَلَيْسَ يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ بَعْضُ الأكْلِ والشُّرْبِ مَندُوبًا وهو ما يَكُونُ في آخِرِ اللَّيْلِ عَلى جِهَةِ السَّحُورِ وقَدْ حَدَّثَنا عَبْدُ الباقِي بْنُ قانِعٍ قالَ: حَدَّثَنا إبْراهِيمُ الحَرْبِيُّ قالَ: حَدَّثَنا مُسَدَّدٌ قالَ: حَدَّثَنا أبُو عَوانَةَ عَنْ قَتادَةَ عَنْ أنَسٍ، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «تَسَحَّرُوا فَإنَّ في السَّحُورَ بَرَكَةً» . وحَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قالَ: حَدَّثَنا أبُو داوُدَ قالَ: حَدَّثَنا مُسَدَّدٌ قالَ: حَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ المُبارَكِ عَنْ مُوسى بْنِ عَلِيِّ بْنِ رَباحٍ عَنْ أبِيهِ عَنْ أبِي قَيْسٍ مَوْلى عَمْرِو بْنِ العاصِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إنَّ فَصْلًا بَيْنَ صِيامِكم وصِيامِ أهْلِ الكِتابِ أكْلَةُ السُّحُورِ» . وحَدَّثَنا عَبْدُ الباقِي قالَ: حَدَّثَنا أحْمَدُ بْنُ عَمْرٍو الزِّئْبَقِيُّ قالَ: حَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شُبَيْلٍ قالَ: حَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ عَنْ أبِيهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «نِعْمَ غَداءُ المُؤْمِنِ السَّحُورُ وإنَّ اللَّهَ ومَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلى المُتَسَحِّرِينَ» فَنَدْبُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إلى السَّحُورِ، لَيْسَ يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ مُرادُ اللَّهِ بِقَوْلِهِ: ﴿وكُلُوا واشْرَبُوا حَتّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الخَيْطُ الأبْيَضُ مِنَ الخَيْطِ الأسْوَدِ مِنَ الفَجْرِ﴾ في بَعْضِ ما انْتَظَمَهُ أكْلَةُ السَّحُورِ، فَيَكُونَ مَندُوبًا إلَيْها بِالآيَةِ. فَإنْ قِيلَ: قَدْ تَضَمَّنَتِ الآيَةُ لا مَحالَةَ الرُّخْصَةَ في إباحَةِ الأكْلِ، وهو ما كانَ مِنهُ في أوَّلِ اللَّيْلِ لا عَلى وجْهِ السُّحُورِ، فَكَيْفَ يَجُوزُ أنْ يَنْتَظِمَ لَفْظٌ واحِدٌ نَدْبًا وإباحَةً ؟ قِيلَ لَهُ: لَمْ يَثْبُتْ ذَلِكَ بِظاهِرِ الآيَةِ، وإنَّما اسْتَدْلَلْنا عَلَيْهِ بِظاهِرِ السُّنَّةِ، فَأمّا ظاهِرُ اللَّفْظِ فَهو إطْلاقُ إباحَةٍ عَلى ما بَيَّنّا. وفِيها الدَّلالَةُ عَلى أنَّ الغايَةَ قَدْ لا تَدْخُلُ في الحُكْمِ المُقَدَّرِ بِها، بِقَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿حَتّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الخَيْطُ الأبْيَضُ﴾ وحالُ التَّبَيُّنِ غَيْرُ داخِلَةٍ في إباحَةِ الأكْلِ فِيها ولا مُرادَةٌ بِها؛ ثُمَّ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ أتِمُّوا الصِّيامَ إلى اللَّيْلِ﴾ فَجَعَلَ اللَّيْلَ غايَةَ الصِّيامِ ولَمْ تَدْخُلْ فِيهِ، وقَدْ دَخَلَتْ في بَعْضِ المَواضِعِ وهو قَوْلُهُ: ﴿ولا جُنُبًا إلا عابِرِي سَبِيلٍ حَتّى تَغْتَسِلُوا﴾ [النساء: ٤٣] والغايَةُ مُرادَةٌ في إباحَةِ الصَّلاةِ بَعْدَها، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأيْدِيَكم إلى المَرافِقِ﴾ [المائدة: ٦] ﴿وأرْجُلَكم إلى الكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة: ٦] قَدْ دَخَلْتَ الغايَةُ في المُرادِ؛ وذَلِكَ أصْلٌ في أنَّ الغايَةَ قَدْ تَدْخُلُ في حالٍ ولا تَدْخُلُ في أُخْرى وأنَّها تَحْتاجُ إلى دَلالَةٍ في إسْقاطِ حُكْمِها أوْ إثْباتِهِ. وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ أتِمُّوا الصِّيامَ إلى اللَّيْلِ﴾ فَإنَّ عَطْفَهُ عَلى ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِن إباحَةِ الجِماعِ (p-٢٩٠)والأكْلِ والشُّرْبِ يَدُلُّ عَلى أنَّ الصَّوْمَ المَأْمُورَ بِهِ هو الإمْساكُ عَنْ هَذِهِ الأُمُورِ الَّتِي ذَكَرَ إباحَتَها لَيْلًا، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ ذَلِكَ مَعَ ما يَقْتَضِيهِ الصَّوْمُ الشَّرْعِيُّ مِنَ المَعانِي الَّتِي بَعْضُها إمْساكٌ وبَعْضُها شَرْطٌ لِكَوْنِ الإمْساكِ صَوْمًا شَرْعِيًّا. وفِي قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ أتِمُّوا الصِّيامَ إلى اللَّيْلِ﴾ دَلالَةٌ عَلى أنَّ مَن حَصَلَ مُفْطِرًا لِغَيْرِ عُذْرٍ أنَّهُ غَيْرُ جائِزٍ لَهُ الأكْلُ بَعْدَ ذَلِكَ، وأنَّ عَلَيْهِ أنْ يُمْسِكَ عَمّا يُمْسِكُ عَنْهُ الصّائِمُ؛ لِأنَّ هَذا الإمْساكَ ضَرْبٌ مِنَ الصِّيامِ؛ وقَدْ رُوِيَ أنَّهُ ﷺ «بَعَثَ إلى أهْلِ العَوالِي يَوْمَ عاشُوراءَ فَقالَ: مَن أكَلَ فَلْيَصُمْ بَقِيَّةَ يَوْمِهِ ومَن لَمْ يَأْكُلْ فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ» فَسَمّى الإمْساكَ بَعْدَ الأكْلِ صَوْمًا. فَإنْ قِيلَ: إذا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ صَوْمًا شَرْعِيًّا لَمْ يَتَناوَلْهُ اللَّفْظُ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ أتِمُّوا الصِّيامَ إلى اللَّيْلِ﴾ المُرادُ بِهِ الصَّوْمُ الشَّرْعِيُّ لا الصَّوْمُ اللُّغَوِيُّ، قِيلَ لَهُ: هَذا عِنْدَنا صَوْمٌ شَرْعِيٌّ قَدْ أمَرَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ مَعَ إيجابِهِ القَضاءَ، ووُجُوبُ القَضاءِ لا يُخْرِجُهُ مِن أنْ يَكُونَ صَوْمًا مَندُوبًا إلَيْهِ مُسْتَحِقًّا لِلثَّوابِ عَلَيْهِ. وفِيهِ الدَّلالَةُ عَلى أنَّ مَن أصْبَحَ في رَمَضانَ غَيْرَ ناوٍ لِلصَّوْمِ أنَّ عَلَيْهِ أنْ يُتِمَّ صَوْمَهُ ويَجْزِيهِ مِن فَرْضِهِ ما لَمْ يَفْعَلْ ما يُنافِي صِحَّةَ الصَّوْمِ مِن أكْلٍ أوْ شُرْبٍ أوْ جِماعٍ. فَإنْ قِيلَ: الَّذِي يَقْتَضِيهِ الظّاهِرُ الأمْرُ بِإتْمامِ الصَّوْمِ والإتْمامُ يُطْلَقُ فِيما قَدْ صَحَّ الدُّخُولُ فِيهِ، وهو لَمْ يَدْخُلْ فِيهِ حَتّى يَلْحَقَهُ الخِطابُ بِالإتْمامِ ؟ قِيلَ لَهُ: لَمّا أصْبَحَ مُمْسِكًا عَمّا يَجِبُ عَلى الصّائِمِ الإمْساكُ عَنْهُ فَقَدْ حَصَلَ لَهُ الدُّخُولُ في الصَّوْمِ لِما بَيَّنّا مِن أنَّ الإمْساكَ قَدْ يَكُونُ صَوْمًا شَرْعِيًّا وإنْ لَمْ يَحْصُلْ بِهِ قَضاءُ فَرْضٍ ولا تَطَوُّعٍ؛ ويَدُلُّ عَلى أنَّ ذَلِكَ صَوْمٌ مَعَ عَدَمِ النِّيَّةِ اتِّفاقُ جَمِيعِ فُقَهاءِ الأمْصارِ عَلى أنَّ مَن أصْبَحَ في غَيْرِ رَمَضانَ مُمْسِكًا عَمّا يُمْسِكُ عَنْهُ الصّائِمُ غَيْرَ ناوٍ لِلصَّوْمِ أنَّهُ جائِزٌ لَهُ أنْ يَبْتَدِئَ نِيَّةَ التَّطَوُّعِ، ويَجْزِيهِ. ولَوْ لَمْ يَكُنْ ما مَضى صَوْمًا يَتَعَلَّقُ بِهِ حُكْمُ الصَّوْمِ الشَّرْعِيِّ لَما جازَ أنْ يَثْبُتَ لَهُ حُكْمُ الصَّوْمِ بِإيجادِ النِّيَّةِ بَعْدَهُ، ألا تَرى أنَّهُ لَوْ أكَلَ أوْ شَرِبَ ثُمَّ أرادَ أنْ يَنْوِيَ صِيامًا تَطَوُّعًا لَمْ يَصِحَّ لَهُ ذَلِكَ ؟ فَثَبَتَ بِما وصَفْنا صِحَّةُ دَلالَةِ قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ أتِمُّوا الصِّيامَ إلى اللَّيْلِ﴾ عَلى جَوازِ نِيَّةِ صِيامِ رَمَضانَ في بَعْضِ النَّهارِ؛ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِالصَّوابِ. * * بابُ لُزُومِ صَوْمِ التَّطَوُّعِ بِالدُّخُولِ فِيهِ قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ثُمَّ أتِمُّوا الصِّيامَ إلى اللَّيْلِ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ مَن دَخَلَ في صَوْمِ التَّطَوُّعِ لَزِمَهُ إتْمامُهُ؛ وذَلِكَ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿أُحِلَّ لَكم لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إلى نِسائِكُمْ﴾ عامٌّ في سائِرِ اللَّيالِي الَّتِي يُرِيدُ النّاسُ الصَّوْمَ في صَبِيحَتِها، وغَيْرُ جائِزٍ الِاقْتِصارُ بِهِ عَلى لَيالِي صِيامِ رَمَضانَ دُونَ (p-٢٩١)غَيْرِهِ لِما فِيهِ مِن تَخْصِيصِ العُمُومِ بِلا دَلالَةٍ، ولَمّا كانَ حُكْمُ اللَّفْظِ مُسْتَعْمَلًا في إباحَةِ الأكْلِ والشُّرْبِ في لَيالِي صَوْمِ التَّطَوُّعِ ثَبَتَ أنَّها مُرادَةٌ بِاللَّفْظِ، فَإذا كانَ كَذَلِكَ ثُمَّ عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿ثُمَّ أتِمُّوا الصِّيامَ إلى اللَّيْلِ﴾ اقْتَضى ذَلِكَ لُزُومَ إتْمامِ الصَّوْمِ الَّذِي صَحَّ لَهُ الدُّخُولُ فِيهِ تَطَوُّعًا كانَ ذَلِكَ الصَّوْمُ أوْ فَرْضًا، وأمْرُ اللَّهِ تَعالى عَلى الوُجُوبِ فَغَيْرُ جائِزٍ لِأحَدٍ دَخَلَ في صَوْمِ التَّطَوُّعِ أوِ الفَرْضِ الخُرُوجُ مِنهُ بِغَيْرِ عُذْرٍ؛ وإذا لَزِمَ المُضِيُّ فِيهِ وإتْمامُهُ بِظاهِرِ الآيَةِ فَقَدْ صَحَّ عَلَيْهِ وُجُوبُهُ، ومَتى أفْسَدَهُ لَزِمَهُ قَضاؤُهُ كَسائِرِ الواجِباتِ. فَإنْ قِيلَ: قَدْ رُوِيَ أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في صَوْمِ الفَرْضِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ مَقْصُورَ الحُكْمِ عَلَيْهِ، قِيلَ لَهُ: نُزُولُ الآيَةِ عَلى سَبَبٍ لا يَمْنَعُ عِنْدَنا اعْتِبارَ عُمُومِ اللَّفْظِ؛ لِأنَّ الحُكْمَ عِنْدَنا لِلَّفْظِ لا لِلسَّبَبِ، ولَوْ كانَ الحُكْمُ في ذَلِكَ مَقْصُورًا عَلى السَّبَبِ لَوَجَبَ أنْ يَكُونَ خاصًّا في الَّذِينَ اخْتانُوا أنْفُسَهم مِنهم، فَلَمّا اتَّفَقَ الجَمِيعُ عَلى عُمُومِ الحُكْمِ فِيهِمْ وفي غَيْرِهِمْ مِمَّنْ لَيْسَ في مِثْلِ حالِهِمْ، دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ الحُكْمَ غَيْرُ مَقْصُورٍ عَلى السَّبَبِ وأنَّهُ عامٌّ في سائِرِ الصِّيامِ كَهو في سائِرِ النّاسِ في صَوْمِ رَمَضانَ. فَصَحَّ بِما وصَفْنا وجْهُ الِاسْتِدْلالِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ أتِمُّوا الصِّيامَ إلى اللَّيْلِ﴾ عَلى لُزُومِ الصَّوْمِ بِالدُّخُولِ فِيهِ، وقَدِ اخْتَلَفَ الفُقَهاءُ في ذَلِكَ، فَقالَ أبُو حَنِيفَةَ وأبُو يُوسُفَ ومُحَمَّدٌ وزُفَرُ: " مَن دَخَلَ في صِيامِ التَّطَوُّعِ أوْ صَلاةِ التَّطَوُّعِ فَأفْسَدَهُ أوْ عَرَضَ لَهُ فِيهِ ما يُفْسِدُهُ فَعَلَيْهِ القَضاءُ " وهو قَوْلُ الأوْزاعِيِّ إذا أفْسَدَهُ وقالَ الحَسَنُ بْنُ صالِحٍ: " إذا دَخَلَ في صَلاةِ التَّطَوُّعِ فَأقَلُّ ما يَلْزَمُهُ رَكْعَتانِ " . وقالَ مالِكٌ: " إنْ أفْسَدَهُ هو فَعَلَيْهِ القَضاءُ " ولَوْ طَرَأ عَلَيْهِ ما أخْرَجَهُ مِنهُ فَلا قَضاءَ عَلَيْهِ " وقالَ الشّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: " إنْ أفْسَدَهُ ما دَخَلَ فِيهِ تَطَوُّعٌ فَلا قَضاءَ عَلَيْهِ " ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ عُمَرَ مِثْلُ قَوْلِنا، حَدَّثَنا عَبْدُ الباقِي بْنُ قانِعٍ قالَ: حَدَّثَنا بِشْرُ بْنُ مُوسى قالَ: حَدَّثَنا سَعِيدُ بْنُ مَنصُورٍ قالَ: حَدَّثَنا هُشَيْمٌ قالَ: حَدَّثَنا عُثْمانُ البَتِّيُّ عَنْ أنَسِ بْنِ سِيرِينَ قالَ صُمْتُ يَوْمًا فَأُجْهِدْتُ فَأفْطَرْتُ فَسَألْتُ ابْنَ عَبّاسٍ وابْنَ عُمَرَ فَأمَرانِي أنْ أصُومَ يَوْمًا مَكانَهُ. ورَوى طَلْحَةُ بْنُ يَحْيى عَنْ مُجاهِدٍ قالَ: " هو بِمَنزِلَةِ الصَّدَقَةِ يُخْرِجُها الرَّجُلُ مِن مالِهِ فَإنْ شاءَ أمْضاها وإنْ شاءَ أمْسَكَها " ولَمْ يَخْتَلِفُوا في الحَجِّ والعُمْرَةِ إذا أحْرَمَ بِهِما تَطَوُّعًا ثُمَّ أفْسَدَهُما أنَّ عَلَيْهِ قَضاءَهُما، وإنْ أُحْصِرَ فِيهِما فَقَدِ اخْتَلَفَ النّاسُ فِيهِ أيْضًا، فَقالَ أصْحابُنا ومَن تابَعَهم: " عَلَيْهِ القَضاءُ " وقالَ مالِكٌ والشّافِعِيُّ: " لا قَضاءَ عَلَيْهِ " وما قَدَّمْنا مِن دَلالَةِ قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ أتِمُّوا الصِّيامَ إلى اللَّيْلِ﴾ يُوجِبُ القَضاءَ، سَواءٌ خَرَجَ مِنهُ بِعُذْرٍ أوْ بِغَيْرِ (p-٢٩٢)عُذْرٍ؛ لِأنَّ الآيَةَ قَدِ اقْتَضَتِ الإيجابَ بِالدُّخُولِ، وإذا وجَبَ لَمْ يَخْتَلِفْ حُكْمُهُ في إيجابِ القَضاءِ إذا كانَ خُرُوجُهُ بِعُذْرٍ أوْ بِغَيْرِ عُذْرٍ كَسائِرِ ما أوْجَبَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ مِن صِيامٍ أوْ صَلاةٍ أوْ غَيْرِهِما كالنُّذُورِ، ونَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ في إيجابِ القُرَبِ بِالدُّخُولِ فِيها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وجَعَلْنا في قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً ورَحْمَةً ورَهْبانِيَّةً ابْتَدَعُوها ما كَتَبْناها عَلَيْهِمْ إلا ابْتِغاءَ رِضْوانِ اللَّهِ فَما رَعَوْها حَقَّ رِعايَتِها﴾ [الحديد: ٢٧] والِابْتِداعُ قَدْ يَكُونُ بِالفِعْلِ وقَدْ يَكُونُ بِالقَوْلِ. ثُمَّ ذَمَّ تارِكِي رِعايَتِها بَعْدَ الِابْتِداعِ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ مَنِ ابْتَدَعَ قُرْبَةً بِالدُّخُولِ فِيها أوْ بِإيجابِها بِالقَوْلِ أنَّ عَلَيْهِ إتْمامَها؛ لِأنَّهُ مَتى قَطَعَها قَبْلَ إتْمامِها فَلَمْ يَرْعَها حَقَّ رِعايَتِها، والذَّمُّ لا يُسْتَحَقُّ إلّا بِتَرْكِ الواجِباتِ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ لُزُومَها بِالدُّخُولِ كَهو بِالنَّذْرِ والإيجابِ بِالقَوْلِ، ويُحْتَجُّ في مِثْلِهِ أيْضًا بِقَوْلِهِ: ﴿ولا تَكُونُوا كالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَها مِن بَعْدِ قُوَّةٍ أنْكاثًا﴾ [النحل: ٩٢] جَعَلَهُ اللَّهُ مَثَلًا لِمَن عَهِدَ لِلَّهِ عَهْدًا أوْ حَلَفَ بِاللَّهِ ثُمَّ لَمْ يَفِ بِهِ ويَقْضِيهِ؛ وهو عُمُومٌ في كُلِّ مَن دَخَلَ في قُرْبَةٍ، فَيَكُونُ مَنهِيًّا عَنْ نَقْضِها قَبْلَ إتْمامِها؛ لِأنَّهُ مَتى نَقَضَها فَقَدْ أفْسَدَ ما مَضى مِنها بَعْدَ تَضَمُّنِ تَصْحِيحِها بِالدُّخُولِ فِيها، ويَصِيرُ بِمَنزِلَةِ ناقِضَةِ غَزْلِها بَعْدَ فَتْلِها بِقُواها، وهَذا يُوجِبُ أنَّ كُلَّ مَنِ ابْتَدَأ في حَقِّ اللَّهِ وإنْ كانَ مُتَطَوِّعًا بَدِيًّا فَعَلَيْهِ إتْمامُهُ والوَفاءُ بِهِ لِئَلّا يَكُونَ بِمَنزِلَةِ ناقِضَةِ غَزْلِها. فَإنْ قِيلَ: إنَّما هَذِهِ الآيَةُ فِيمَن نَقَضَ العَهْدَ والأيْمانَ بَعْدَ تَوْكِيدِها؛ لِأنَّهُ قالَ تَعالى: ﴿وأوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إذا عاهَدْتُمْ﴾ [النحل: ٩١] ثُمَّ عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿ولا تَكُونُوا كالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَها مِن بَعْدِ قُوَّةٍ﴾ [النحل: ٩٢] قِيلَ لَهُ: نُزُولُها عَلى سَبَبٍ لا يَمْنَعُ اعْتِبارَ عُمُومِ لَفْظِها، وقَدْ بَيَّنّا ذَلِكَ في مَواضِعَ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ أيْضًا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تُبْطِلُوا أعْمالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٣] وقَدْ عَلِمْنا أنَّ أقَلَّ ما يَصِحُّ في الفَرْضِ مِنَ الصَّوْمِ يَوْمٌ كامِلٌ، وفي الصَّلاةِ رَكْعَتانِ، ولا تَصِحُّ النَّوافِلُ ولا تَكُونُ قُرْبَةً إلّا حَسْبَ مَوْضُوعِها في الفُرُوضِ، بِدَلالَةِ أنَّهُ يَحْتاجُ إلى اسْتِيفاءِ شُرُوطِها؛ ألا تَرى أنَّ صَوْمَ النَّفْلِ مِثْلُ صَوْمِ الفَرْضِ في لُزُومِ الإمْساكِ عَنِ الجِماعِ والأكْلِ والشُّرْبِ ؟ وكَذَلِكَ صَلاةُ التَّطَوُّعِ تَحْتاجُ مِنَ القِراءَةِ والطَّهارَةِ والسِّتْرِ إلى مِثْلِ ما شُرِطَ في الفُرُوضِ، ولَمّا لَمْ يَكُنْ في أصْلِ الفَرْضِ رَكْعَةٌ واحِدَةٌ ولا صَوْمُ بَعْضِ يَوْمٍ، وجَبَ أنْ يَكُونَ كَذَلِكَ حُكْمُ النَّفْلِ، فَمَتى دَخَلَ في شَيْءٍ مِنهُ ثُمَّ أفْسَدَهُ قَبْلَ إتْمامِهِ فَقَدْ أبْطَلَهُ وأبْطَلَ ثَوابَ ما فَعَلَهُ مِنهُ؛ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تُبْطِلُوا أعْمالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٣] يَمْنَعُ الخُرُوجَ مِنهُ قَبْلَ إتْمامِهِ لِنَهْيِ اللَّهِ تَعالى إيّاهُ عَنْ إبْطالِهِ؛ وإذْ ألْزَمَهُ إتْمامَهُ فَقَدْ وجَبَ عَلَيْهِ قَضاؤُهُ إذا خَرَجَ مِنهُ قَبْلَ إتْمامِهِ مَعْذُورًا كانَ في خُرُوجِهِ أوْ غَيْرَ مَعْذُورٍ، (p-٢٩٣)ويَدُلُّ عَلَيْهِ مِن جِهَةِ السُّنَّةِ ما رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: " أنَّهُ نَهى عَنِ البُتَيْراءِ " وهو أنْ يُوتِرَ الرَّجُلُ بِرَكْعَةٍ فاقْتَضى هَذا اللَّفْظُ إيجابَ إتْمامِهَ، وإذا وجَبَ إتْمامُها فَقَدْ لَزِمَتْهُ، فَمَتى أفْسَدَها أوْ فَسَدَتْ عَلَيْهِ بِغَيْرِ اخْتِيارِهِ لَزِمَهُ قَضاؤُها كَسائِرِ الواجِباتِ. ويَدُلُّ عَلَيْهِ حَدِيثُ الحَجّاجِ بْنِ عَمْرٍو الأنْصارِيِّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «مَن كُسِرَ أوْ عُرِجَ فَقَدْ حَلَّ وعَلَيْهِ الحَجُّ مِن قابِلٍ» قالَ عِكْرِمَةُ: فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِابْنِ عَبّاسٍ وأبِي هُرَيْرَةَ فَقالا: صَدَقَ فَصارَتْ رُواتُهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ثَلاثَةً، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى مَعْنَيَيْنِ: أحَدُهُما: إلْزامُهُ بِالدُّخُولِ فِيهِ؛ لِأنَّهُ لَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ الفَرْضِ والنَّفَلِ. والثّانِي: أنَّهُ وإنْ خَرَجَ مِنهُ بِغَيْرِ اخْتِيارٍ مِنهُ فَإنَّ القَضاءَ واجِبٌ عَلَيْهِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ أيْضًا ما حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قالَ: حَدَّثَنا أبُو داوُدَ قالَ: حَدَّثَنا أحْمَدُ بْنُ صالِحٍ قالَ: حَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وهْبٍ قالَ: أخْبَرَنِي حَيْوَةُ بْنُ شُرَيْحٍ عَنِ ابْنِ الهادِ عَنْ زُمَيْلٍ مَوْلى عُرْوَةَ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ «عائِشَةَ قالَتْ: أُهْدِيَ لِي ولِحَفْصَةَ طَعامٌ، وكُنّا صائِمَتَيْنِ فَأفْطَرْنا، ثُمَّ دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقُلْنا: يا رَسُولَ اللَّهِ أُهْدِيَتْ لَنا هَدِيَّةٌ فاشْتَهَيْناها فَأفْطَرْنا، فَقالَ: لا عَلَيْكُما صُوما مَكانَهُ يَوْمًا آخَرَ» وهَذا يَدُلُّ عَلى وُجُوبِ القَضاءِ في التَّطَوُّعِ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَسْألْهُما عَنْ جِهَةِ صَوْمِهِما، وحَدَّثَنا عَبْدُ الباقِي بْنُ قانِعٍ قالَ: حَدَّثَنا إبْراهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: حَدَّثَنا القَعْنَبِيُّ قالَ: حَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ عَنِ ابْنِ شِهابٍ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عائِشَةَ أنَّها قالَتْ: «أصْبَحْتُ أنا وحَفْصَةُ صائِمَتَيْنِ مُتَطَوِّعَتَيْنِ، فَأُهْدِيَ لَنا طَعامٌ فَأفْطَرْنا، فَسَألَتْ حَفْصَةُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: اقْضِيا يَوْمًا مَكانَهُ» . قالَ عَبْدُ الباقِي: وحَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أسِيدٍ الأصْبَهانِيُّ الأكْبَرُ قالَ: حَدَّثَنا أزْهَرُ بْنُ جُمَيْلٍ قالَ: حَدَّثَنا أبُو هَمّامٍ مُحَمَّدُ بْنُ الزِّبْرِقانِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عائِشَةَ نَحْوَهُ قالَ عَبْدُ الباقِي: وحَدَّثَنا إسْحاقُ قالَ: حَدَّثَنا القَعْنَبِيُّ عَنْ مالِكٍ عَنِ ابْنِ شِهابٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ: أنَّ حَفْصَةَ وعائِشَةَ؛ وذَكَرَ نَحْوَهُ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «اقْضِيا مَكانَهُ يَوْمًا»، وأصْحابُ الحَدِيثِ يَتَكَلَّمُونَ في إسْنادِ هَذا الحَدِيثِ بِأشْياءَ يَطْعَنُونَ بِها فِيهِ. أحَدُها: ما حَدَّثَنا بِهِ عَبْدُ الباقِي بْنُ قانِعٍ قالَ: حَدَّثَنا بِشْرُ بْنُ مُوسى قالَ: حَدَّثَنا الحُمَيْدِيُّ قالَ: سَمِعْتُ سُفْيانَ يُحَدِّثُهُ عَنِ الزُّهْرِيِّ فَقِيلَ لِلزُّهْرِيِّ: هو مِن حَدِيثِ عُرْوَةَ ؟ فَقالَ الزُّهْرِيُّ: لَيْسَ هو مِن حَدِيثِ عُرْوَةَ قالَ الحُمَيْدِيُّ: وأخْبَرَنِي غَيْرُ واحِدٍ عَنْ مَعْمَرٍ أنَّهُ قالَ: لَوْ كانَ مِن حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ ما نَسِيتُهُ. وهَذا الَّذِي ذَكَرُوهُ لا يُبْطِلُهُ عِنْدَنا؛ لِأنَّهُ جائِزٌ أنْ يُرِيدَ الزُّهْرِيُّ بِذَلِكَ أنَّهُ لَمْ يَسْمَعْهُ مِن عُرْوَةَ وسَمِعَهُ مِن غَيْرِ عُرْوَةَ؛ وأكْثَرُ أحْوالِهِ أنْ يَكُونَ مُرْسَلًا عَنْ (p-٢٩٤)عُرْوَةَ. وإرْسالُهُ لا يُفْسِدُهُ عِنْدَنا، وأمّا قَوْلُ مَعْمَرٍ " لَوْ كانَ مِن حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ ما نَسِيتُهُ " فَلَيْسَ بِشَيْءٍ؛ لِأنَّ النِّسْيانَ جائِزٌ عَلَيْهِ في حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ كَجَوازِهِ في حَدِيثِ غَيْرِهِ، وأكْثَرُ أحْوالِهِ أنْ لا يَكُونَ مَعْمَرٌ قَدْ سَمِعَهُ مِن الزُّهْرِيِّ، وغَيْرُ مَعْمَرٍ قَدْ سَمِعَهُ مِنِ الزُّهْرِيِّ ورَواهُ عَنْهُ، فَلا يُفْسِدُهُ أنْ لا يَكُونَ مَعْمَرٌ قَدْ رَواهُ عَنْهُ. وقَدْ رَواهُ زُمَيْلٌ مَوْلى عُرْوَةَ عَنْ عُرْوَةَ، ويَطْعَنُونَ فِيهِ أيْضًا بِما ذَكَرَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ أنَّهُ قالَ لِلزُّهْرِيِّ في هَذا الحَدِيثِ: أسَمِعْتَهُ مِن عُرْوَةَ ؟ قالَ: إنَّما أخْبَرَنا بِهِ رَجُلٌ بِبابِ عَبْدِ المَلِكِ، ورُوِيَ في غَيْرِ هَذا الحَدِيثِ أنَّ الرَّجُلَ سُلَيْمانُ بْنُ أرْقَمَ، وكَيْفَما تَصَرَّفَتْ بِهِ الحالُ فَلَيْسَ فِيهِ ما يُفْسِدُهُ عَلى مَذْهَبِ الفُقَهاءِ؛ وما يَعْتَرِضُ بِهِ أصْحابُ الحَدِيثِ مِن مِثْلِ هَذا لا يُفْسِدُ الحَدِيثَ ولا يَقْدَحُ فِيهِ عِنْدَهم، وقَدْ رَوى أيْضًا خُصَيْفٌ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: «أنَّ حَفْصَةَ وعائِشَةَ أصْبَحَتا صائِمَتَيْنِ، فَأُهْدِيَ لَهم طَعامٌ، فَأفْطَرَتا، فَأمَرَهُما النَّبِيُّ ﷺ أنْ تَقْضِيا يَوْمًا مَكانَهُ» . وحَدَّثَنا عَبْدُ الباقِي قالَ: حَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ قالَ: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبّادٍ قالَ: حَدَّثَنا حاتِمُ بْنُ إسْماعِيلَ عَنْ أبِي حَمْزَةَ عَنْ الحَسَنِ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ: «أنَّ عائِشَةَ وحَفْصَةَ أصْبَحَتا صائِمَتَيْنِ، فَأُهْدِيَ لَهُما طَعامٌ، فَدَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ وهُما تَأْكُلانِ فَقالَ: ألَمْ تُصْبِحا صائِمَتَيْنِ ؟ قالَتا: بَلى قالَ: اقْضِيا يَوْمًا مَكانَهُ ولا تَعُودا» . وقَدْ رُوِيَ مِن طَرِيقٍ آخَرَ، وهو ما حَدَّثَنا عَبْدُ الباقِي قالَ: حَدَّثَنا إسْماعِيلُ بْنُ الفَضْلِ بْنِ مُوسى قالَ: حَدَّثَنا حَرْمَلَةُ قالَ: حَدَّثَنا ابْنُ وهْبٍ قالَ: حَدَّثَنا جَرِيرُ بْنُ حازِمٍ عَنْ يَحْيى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: «أصْبَحْتُ أنا وحَفْصَةُ صائِمَتَيْنِ مُتَطَوِّعَتَيْنِ، فَأُهْدِيَ إلَيْنا طَعامٌ، فَأعْجَبَنا فَأفْطَرْنا، فَلَمّا جاءَ النَّبِيُّ ﷺ بَدَرَتْنِي حَفْصَةُ فَسَألَتْهُ وهي ابْنَةُ أبِيها فَقالَ ﷺ: صُوما يَوْمًا مَكانَهُ» ورَوى الحَجّاجُ بْنُ أرْطاةَ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عائِشَةَ مِثْلَ ذَلِكَ. وقَدْ رَوى عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ عَنْ نافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ هَذِهِ القِصَّةَ وذَكَرَ نَحْوَها إلّا أنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ تَطَوُّعًا، فَهَذِهِ آثارٌ مُسْتَفِيضَةٌ قَدْ رُوِيَتْ مِن طُرُقٍ، في بَعْضِها أنَّهُما أصْبَحَتا صائِمَتَيْنِ مُتَطَوِّعَتَيْنِ، وفي بَعْضِها لَمْ يَذْكُرِ التَّطَوُّعَ، وفي كُلِّها الأمْرُ بِالقَضاءِ، ويَدُلُّ عَلى وُجُوبِ القَضاءِ ما حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قالَ: حَدَّثَنا أبُو داوُدَ قالَ: حَدَّثَنا مُسَدَّدٌ قالَ: حَدَّثَنا عِيسى بْنُ يُونُسَ قالَ: حَدَّثَنا هِشامُ بْنُ حَسّانَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَن ذَرَعَهُ قَيْءٌ وهو صائِمٌ فَلَيْسَ عَلَيْهِ قَضاءٌ وإنِ اسْتَقاءَ فَلْيَقْضِ» وفي هَذا الحَدِيثِ ما يُوجِبُ القَضاءَ عَلى الصّائِمِ إذا اسْتَقاءَ عَمْدًا؛ لِأنَّهُ ﷺ لَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ المُتَنَفِّلِ وبَيْنَ مَن يَصُومُ فَرْضًا. (p-٢٩٥)ويَدُلُّ عَلَيْهِ مِن جِهَةِ النَّظَرِ اتِّفاقُ الجَمِيعِ عَلى أنَّ المُتَصَدِّقَ بِصَدَقَةٍ تَطَوُّعًا إذا قَبَضَها مَن تَصَدَّقَ بِها عَلَيْهِ لا يَرْجِعُ فِيها؛ لِما فِيهِ مِن إبْطالِ القُرْبَةِ الَّتِي حَصَلَتْ لَهُ بِها، فَكَذَلِكَ الدّاخِلُ في صَلاةٍ أوْ صَوْمٍ تَطَوُّعًا غَيْرُ جائِزٍ لَهُ الخُرُوجُ مِنها قَبْلَ إتْمامِها، لِما فِيهِ مِن إبْطالِ ما تَقَدَّمَ مِنهُ، فَهو بِمَنزِلَةِ الصَّدَقَةِ المَقْبُوضَةِ. فَإنْ قِيلَ: هو بِمَنزِلَةِ الصَّدَقَةِ الَّتِي لَمْ تُقْبَضْ؛ لِأنَّهُ إنَّما امْتَنَعَ مِن فِعْلِ باقِي أجْزاءِ الصَّلاةِ والصَّوْمِ بِمَنزِلَةِ المُمْتَنِعِ مِن تَسْلِيمِ الصَّدَقَةِ، قِيلَ لَهُ: لَوْ لَمْ يَكُنْ إلّا كَذَلِكَ لَكانَ كَما ذَكَرْتَ، لَكِنَّهُ لَمّا كانَ في الخُرُوجِ مِنهُ قَبْلَ إتْمامِهِ إبْطالُ ما تَقَدَّمَ لَمْ يَكُنْ لَهُ سَبِيلٌ إلى ذَلِكَ، ومَتى فَعَلَهُ لَزِمَهُ القَضاءُ؛ ألا تَرى أنَّهُ لا يَصِحُّ صَوْمُ بَعْضِ النَّهارِ دُونَ بَعْضٍ وأنَّ مَن أكَلَ في أوَّلِ النَّهارِ لا يَصِحُّ لَهُ صَوْمُ بَقِيَّتِهِ ؟ وكَذَلِكَ مَن صامَ أوَّلَهُ ثُمَّ أفْطَرَ في باقِيهِ فَقَدْ أخْرَجَ نَفْسَهُ مِن حُكْمِ صَوْمِ ذَلِكَ اليَوْمِ رَأْسًا وأبْطَلَ بِهِ حُكْمَ ما فَعَلَهُ كالرّاجِعِ في الصَّدَقَةِ المَقْبُوضَةِ، فَصارَ كَما إذا رَجَعَ في صَدَقَةٍ مَقْبُوضَةٍ لَزِمَهُ رَدُّها إلى المُتَصَدِّقِ بِها عَلَيْهِ. ويَدُلُّ عَلَيْهِ أيْضًا اتِّفاقُ الجَمِيعِ عَلى أنَّ المُحْرِمَ بِحَجٍّ أوْ عُمْرَةٍ تَطَوُّعًا مَتى أفْسَدَهُ لَزِمَهُ القَضاءُ وكانَ الدُّخُولُ فِيهِ بِمَنزِلَةِ الإيجابِ بِالقَوْلِ، فَإنْ قِيلَ: إنَّما لَزِمَهُ القَضاءُ لِأنَّ فَسادَهُ لا يُخْرِجُهُ مِنهُ، ولَيْسَ ذَلِكَ كَسائِرِ القُرَبِ مِنَ الصَّلاةِ والصَّوْمِ؛ إذْ هو يَخْرُجُ مِنهُما بِالإفْسادِ، قِيلَ لَهُ: هَذا الفَرْقُ لا يَمْنَعُ تَساوِيَهُما في جِهَةِ الإيجابِ بِالدُّخُولِ، ولا يَخْلُو هَذا المُحْرِمُ مِن أنْ يَكُونَ قَدْ لَزِمَهُ الإحْرامُ بِالدُّخُولِ ووَجَبَ عَلَيْهِ إتْمامُهُ أوْ لَمْ يَلْزَمْهُ، فَإنْ كانَ قَدْ لَزِمَهُ إتْمامُهُ فالواجِبُ عَلَيْهِ القَضاءُ سَواءً أُحْصِرَ أوْ أفْسَدَهُ بِفِعْلِهِ؛ لِأنَّ ما قَدْ وجَبَ لا يَخْتَلِفُ حُكْمُهُ في وُقُوعِ الفَسادِ فِيهِ بِفِعْلِهِ أوْ غَيْرِ فِعْلِهِ مِثْلُ النَّذْرِ وحَجَّةِ الإسْلامِ. فَمَتى اتَّفَقْنا عَلى أنَّهُ مَتى أفْسَدَهُ لَزِمَهُ قَضاؤُهُ وجَبَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ حُكْمَهُ إذا أُحْصِرَ وتَعَذَّرَ فِعْلُهُ مِن غَيْرِ جِهَتِهِ كَسائِرِ الواجِباتِ، وعَلى أنَّ السُّنَّةَ قَدْ قَضَتْ بِبُطْلانِ قَوْلِ الخَصْمِ، وهو قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ: «مَن كُسِرَ أوْ عَرَجَ فَقَدْ حَلَّ وعَلَيْهِ الحَجُّ مِن قابِلٍ» فَأوْجَبَ عَلَيْهِ القَضاءُ مَعَ وُقُوعِ المَنعِ مِن قِبَلِ غَيْرِهِ، وإذا ثَبَتَ ذَلِكَ في الحَجِّ والعُمْرَةِ وجَبَ مِثْلُهُ في سائِرِ القُرَبِ الَّتِي شَرْطُ صِحَّتِها إتْمامُها وكانَ بَعْضُها مَنُوطًا بِبَعْضٍ، وذَلِكَ مِثْلُ الصَّلاةِ والصِّيامِ ويَجِبُ أنْ لا يَخْتَلِفَ في وُجُوبِ قَضائِهِ حُكْمُ خُرُوجِهِ مِنها بِفِعْلِهِ أوْ غَيْرِ فِعْلِهِ كَما في سائِرِ الواجِباتِ، واحْتَجَّ مَن خالَفَ في ذَلِكَ بِحَدِيثِ أُمِّ هانِئٍ حِينَ «ناوَلَها النَّبِيُّ ﷺ سُؤْرَهُ فَشَرِبَتْهُ ثُمَّ قالَتْ: إنِّي كُنْتُ صائِمَةً وكَرِهْتُ أنْ أرُدَّ سُؤْرَكَ؛ فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: إنْ كانَ مِن قَضاءِ رَمَضانَ فاقْضِي يَوْمًا مَكانَهُ، وإنْ كانَ تَطَوُّعًا فَإنْ شِئْتِ (p-٢٩٦)فاقْضِي وإنْ شِئْتِ فَلا تَقْضِي»، وهَذا حَدِيثٌ مُضْطَرِبُ السَّنَدِ والمَتْنِ جَمِيعًا، فَأمّا اضْطِرابُ سَنَدِهِ فَإنَّ سِماكَ بْنَ حَرْبٍ يَرْوِيهِ مَرَّةً عَمَّنْ سَمِعَ أُمَّ هانِئٍ، ومَرَّةً يَقُولُ هارُونُ ابْنُ أُمِّ هانِئٍ أوِ ابْنُ ابْنَةِ أُمِّ هانِئٍ، ومَرَّةً يَرْوِيهِ عَنِ ابْنَيْ أُمِّ هانِئٍ، ومَرَّةً عَنِ ابْنِ أُمِّ هانِئٍ قالَ: أخْبَرَنِي أهْلُنا. ومِثْلُ هَذا الِاضْطِرابِ في الإسْنادِ يَدُلُّ عَلى قِلَّةِ ضَبْطِ رُواتِهِ، وأمّا اضْطِرابُ المَتْنِ فَمِن قِبَلِ ما حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قالَ: حَدَّثَنا أبُو داوُدَ قالَ: حَدَّثَنا عُثْمانُ بْنُ أبِي شَيْبَةَ قالَ: حَدَّثَنا جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ الحَمِيدِ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أبِي زِيادٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الحارِثِ عَنْ أُمِّ هانِئٍ قالَتْ: لَمّا كانَ يَوْمُ الفَتْحِ فَتْحِ مَكَّةَ جاءَتْ فاطِمَةُ فَجَلَسَتْ عَنْ يَسارِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وأُمُّ هانِئٍ عَنْ يَمِينِهِ، قالَ: فَجاءَتِ الوَلِيدَةُ بِإناءٍ فِيهِ شَرابٌ فَناوَلَتْهُ، فَشَرِبَ مِنهُ ثُمَّ ناوَلَهُ أُمَّ هانِئٍ، فَشَرِبَتْ مِنهُ ثُمَّ قالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ أفْطَرْتُ وكُنْتُ صائِمَةً فَقالَ لَها: " أكُنْتِ تَقْضِينَ شَيْئًا ؟ " قالَتْ: لا قالَ: " فَلا يَضُرُّكِ إنْ كانَ تَطَوُّعًا " . فَذَكَرَ في هَذا الحَدِيثِ أنَّهُ قالَ: " لا يَضُرُّكِ " ولَيْسَ في ذَلِكَ نَفْيٌ لِوُجُوبِ القَضاءِ؛ لِأنّا كَذَلِكَ نَقُولُ إنَّهُ لَمْ يَضُرَّها؛ لِأنَّها لَمْ تَعْلَمْ أنَّهُ لا يَجُوزُ لَها الإفْطارُ، أوْ عَلِمَتْ ذَلِكَ ورَأتِ اتِّباعَ النَّبِيِّ ﷺ بِالشُّرْبِ، والإفْطارِ أوْلى مِنَ المُضِيِّ فِيهِ وحَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ أحْمَدَ بْنِ فارِسٍ قالَ: حَدَّثَنا يُونُسُ بْنُ حَبِيبٍ قالَ: حَدَّثَنا أبُو داوُدَ الطَّيالِسِيُّ قالَ: حَدَّثَنا شُعْبَةُ قالَ: أخْبَرَنِي جَعْدَةُ رَجُلٌ مِن قُرَيْشٍ وهو ابْنُ أُمِّ هانِئٍ وكانَ سِماكُ بْنُ حَرْبٍ يُحَدِّثُهُ يَقُولُ: أخْبَرَنِي ابْنا أُمِّ هانِئٍ قالَ شُعْبَةُ: فَلَقِيتُ أنا أفْضَلَهُما جَعْدَةَ فَحَدَّثَنِي عَنْ أُمِّ هانِئٍ: «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ دَخَلَ عَلَيْها، فَناوَلَتْهُ شَرابًا فَشَرِبَ، ثُمَّ ناوَلَها فَشَرِبَتْ، فَقالَتْ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي كُنْتُ صائِمَةً فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: الصّائِمُ المُتَطَوِّعُ أمِينُ نَفْسِهِ أوْ أمِيرُ نَفْسِهِ إنْ شاءَ صامَ وإنْ شاءَ أفْطَرَ» فَقُلْتُ لِجَعْدَةَ: سَمِعْتَهُ أنْتَ مِن أُمِّ هانِئٍ ؟ فَقالَ: أخْبَرَنِي أهْلُنا وأبُو صالِحٍ مَوْلى أُمِّ هانِئٍ عَنْ أُمِّ هانِئٍ، ورَواهُ سِماكٌ عَمَّنْ سَمِعَ أمَّ هانِئٍ، وذَكَرَ فِيهِ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «المُتَطَوِّعُ بِالخِيارِ إنْ شاءَ صامَ وإنْ شاءَ أفْطَرَ» . ورَوى سِماكٌ عَنْ هارُونَ ابْنِ أُمِّ هانِئٍ عَنْ أُمِّ هانِئٍ، وقالَ فِيهِ: «إنْ كانَ مِن قَضاءِ رَمَضانَ فَصُومِي يَوْمًا مَكانَهُ، وإنْ كانَ تَطَوُّعًا فَإنْ شِئْتِ فَصُومِي وإنْ شِئْتِ فَأفْطِرِي»، ولَمْ يُذْكَرْ في شَيْءٍ مِن هَذِهِ الأخْبارِ نَفْيُ القَضاءِ، وإنَّما ذُكِرَ فِيهِ أنَّ الصّائِمَ بِالخِيارِ وأنَّهُ أمِينُ نَفْسِهِ وأنَّ لَهُ أنْ يُفْطِرَ في التَّطَوُّعِ، ولَمْ يَقُلْ: لا قَضاءَ عَلَيْكِ، وهَذا الِاخْتِلافُ في مَتْنِهِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ غَيْرُ مَضْبُوطٍ، ولَوْ ثَبَتَتْ هَذِهِ الألْفاظُ لَمْ يَكُنْ فِيها ما يَنْفِي وُجُوبَ القَضاءِ؛ لِأنَّ أكْثَرَ ما فِيها إباحَةُ الإفْطارِ، وإباحَةُ الإفْطارِ (p-٢٩٧)لا تَدُلُّ عَلى سُقُوطِ القَضاءِ. وقَوْلُهُ: «الصّائِمُ أمِينُ نَفْسِهِ، والصّائِمُ بِالخِيارِ» جائِزٌ أنْ يُرِيدَ بِهِ مَن أصْبَحَ مُمْسِكًا عَمّا يُمْسِكُ عَنْهُ الصّائِمُ مِن غَيْرِ نِيَّةٍ لِلصَّوْمِ أنَّهُ بِالخِيارِ في أنْ يَنْوِيَ صَوْمَ التَّطَوُّعَ أوْ يُفْطِرَ؛ والمُمْسِكُ عَمّا يُمْسِكُ عَنْهُ الصّائِمُ يُسَمّى صائِمًا كَما قالَ ﷺ يَوْمَ عاشُوراءَ: «مَن أكَلَ فَلْيَصُمْ بَقِيَّةَ يَوْمِهِ» ومُرادُهُ الإمْساكُ عَمّا يُمْسِكُ عَنْهُ الصّائِمُ، كَذَلِكَ قَوْلُهُ: «الصّائِمُ بِالخِيارِ، والصّائِمُ أمِينُ نَفْسِهِ» هو عَلى هَذا المَعْنى. فَإنْ وُجِدَ في بَعْضِ ألْفاظِ هَذا الحَدِيثِ «فَإنْ شِئْتِ فاقْضِي وإنْ شِئْتِ فَلا تَقْضِي» فَإنَّما هو تَأْوِيلٌ مِنَ الرّاوِي لِقَوْلِهِ: «لا يَضُرُّكِ، وإنْ شِئْتِ فَأفْطِرِي، والصّائِمُ بِالخِيارِ»، وإذا كانَ كَذَلِكَ لَمْ يَثْبُتْ نَفْيُ القَضاءِ بِما ذَكَرْتُ، عَلى أنَّهُ لَوْ ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ نَفْيُ إيجابِ القَضاءِ مِن غَيْرِ احْتِمالِ التَّأْوِيلِ مَعَ صِحَّةِ السَّنَدِ واتِّساقِ المَتْنِ، لَكانَتِ الأخْبارُ المُوجِبَةُ لِلْقَضاءِ أوْلى مِن وُجُوهٍ: أحَدُها أنَّهُ مَتى ورَدَ خَبَرانِ أحَدُهُما مُبِيحٌ والآخَرُ حاظِرٌ كانَ خَبَرُ الحَظْرِ أوْلى بِالِاسْتِعْمالِ، وخَبَرُنا حاظِرٌ لِتَرْكِ القَضاءِ، وخَبَرُهم مُبِيحٌ، فَكانَ خَبَرُنا أوْلى مِن هَذا الوَجْهِ، ومِن جِهَةٍ أُخْرى أنَّ الخَبَرَ النّافِيَ لِلْقَضاءِ وارِدٌ عَلى الأصْلِ، والخَبَرَ المُوجِبَ لَهُ ناقِلٌ عَنْهُ، والخَبَرَ النّاقِلَ أوْلى؛ لِأنَّهُ في المَعْنى وارِدٌ بَعْدَهُ كَأنَّهُ قَدْ عُلِمَ تارِيخُهُ، ومِن جِهَةٍ أُخْرى، وهو أنَّ تَرْكَ الواجِبِ يُسْتَحَقُّ بِهِ العِقابُ وفِعْلُ المُباحِ لا يُسْتَحَقُّ بِهِ العِقابُ، فَكانَ اسْتِعْمالُ خَبَرِ الوُجُوبِ أوْلى مِن خَبَرِ النَّفْيِ، ومِمّا يُعارِضُ خَبَرَ أُمِّ هانِئٍ في إباحَةِ الإفْطارِ، ما حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قالَ: حَدَّثَنا أبُو داوُدَ قالَ: حَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ قالَ: حَدَّثَنا أبُو خالِدٍ عَنْ هِشامٍ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إذا دُعِيَ أحَدُكم فَلْيُجِبْ، فَإنْ كانَ مُفْطِرًا فَلْيَطْعَمْ، وإنْ كانَ صائِمًا فَلْيُصَلِّ»، قالَ أبُو داوُدَ رَواهُ حَفْصُ بْنُ غِياثٍ أيْضًا، وحَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قالَ: حَدَّثَنا أبُو داوُدَ قالَ: حَدَّثَنا مُسَدَّدٌ قالَ: حَدَّثَنا سُفْيانُ عَنْ أبِي الزِّنادِ عَنِ الأعْرَجِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إذا دُعِيَ أحَدُكم إلى طَعامٍ وهو صائِمٌ فَلْيَقُلْ إنِّي صائِمٌ» فَهَذانِ خَبَرانِ يَحْظُرانِ عَلى الصّائِمِ الإفْطارَ مِن غَيْرِ عُذْرٍ، ولَمْ يُفَرِّقِ النَّبِيُّ ﷺ بَيْنَ الصّائِمِ تَطَوُّعًا أوْ مِن فَرْضٍ، ألا تَرى أنَّهُ قالَ في الخَبَرِ الأوَّلِ: «وإنْ كانَ صائِمًا فَلْيُصَلِّ» والصَّلاةُ تُنافِي الإفْطارَ ؟ وفَرَّقَ أيْضًا بَيْنَ المُفْطِرِ والصّائِمِ؛ فَلَوْ جازَ لِلصّائِمِ الإفْطارُ لَقالَ: فَلْيَأْكُلْ. فَإنْ قِيلَ: إنَّما أرادَ بِالصَّلاةِ الدُّعاءَ والدُّعاءُ لا يُنافِي الأكْلَ، قِيلَ لَهُ: بَلْ هو عَلى الصَّلاةِ المَعْهُودَةِ عِنْدَ الإطْلاقِ، وهي الَّتِي بِرُكُوعٍ وسُجُودٍ، وصَرْفُهُ إلى الدُّعاءِ غَيْرُ جائِزٍ إلّا بِدَلالَةٍ، فَلَوْ كانَ المُرادُ الدُّعاءَ (p-٢٩٨)لَكانَتْ دَلالَتُهُ قائِمَةً عَلى أنَّهُ لا يُفْطِرُ حِينَ فَرَّقَ بَيْنَ المُفْطِرِ والصّائِمِ بِما ذَكَرْنا، وقَوْلُهُ ﷺ في الحَدِيثِ: «فَلْيَقُلْ: إنِّي صائِمٌ» يَدُلُّ عَلى أنَّ الصَّوْمَ يَمْنَعُهُ مِنَ الأكْلِ. وقَدْ عَلِمْنا أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَدْ جَعَلَ إجابَةَ الدَّعْوَةِ مِن حَقِّ المُسْلِمِ كالسَّلامِ وعِيادَةِ المَرِيضِ وشُهُودِ الجِنازَةِ، فَلَمّا مَنَعَهُ الإجابَةَ وقالَ: «فَلْيَقُلْ إنِّي صائِمٌ» دَلَّ ذَلِكَ عَلى حَظْرِ الإفْطارِ في سائِرِ الصِّيامِ مِن غَيْرِ عُذْرٍ. فَإنْ قِيلَ: قَدْ رُوِيَ عَنْ أبِي الدَّرْداءِ وجابِرٍ " أنَّهُما كانا لا يَرَيانِ بِالإفْطارِ في صِيامِ التَّطَوُّعِ بَأْسًا " وأنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ دَخَلَ المَسْجِدَ فَصَلّى رَكْعَةً ثُمَّ انْصَرَفَ، فَتَبِعَهُ رَجُلٌ فَقالَ: يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ صَلَّيْتَ رَكْعَةً واحِدَةً فَقالَ: " هو التَّطَوُّعُ، فَمَن شاءَ زادَ ومَن شاءَ نَقَصَ "، قِيلَ لَهُ: قَدْ رَوَيْنا عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ عُمَرَ إيجابَ القَضاءِ عَلى مَن أفْطَرَ في صِيامِ التَّطَوُّعِ، وأمّا ما رُوِيَ عَنْ أبِي الدَّرْداءِ وجابِرٍ فَلَيْسَ فِيهِ نَفْيُ القَضاءِ وإنَّما فِيهِ إباحَةُ الإفْطارِ. وحَدِيثُ عُمَرَ يَحْتَمِلُ أنْ يُرِيدَ بِهِ مَن دَخَلَ في صَلاةٍ يَظُنُّ أنَّها عَلَيْهِ ثُمَّ ذَكَرَ أنَّها لَيْسَتْ عَلَيْهِ أنَّها تَكُونُ تَطَوُّعًا وجائِزٌ أنْ يَقْطَعَها، ولَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ القَضاءُ، وقَدْ رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ قالَ: " ما أجْزَأتْ رَكْعَةٌ قَطُّ " فَإنْ قِيلَ: قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاقْرَءُوا ما تَيَسَّرَ مِنَ القُرْآنِ﴾ [المزمل: ٢٠] يَدُلُّ عَلى جَوازِ الِاقْتِصارِ عَلى رَكْعَةٍ، قِيلَ لَهُ: إنَّما ذَلِكَ تَخْيِيرًا في القِراءَةِ لا في رَكَعاتِ الصَّلاةِ، والتَّخْيِيرُ فِيها لا يُوجِبُ تَخْيِيرًا في سائِرِ أرْكانِها، فَلا دَلالَةَ في ذَلِكَ عَلى حُكْمِ الرَّكَعاتِ؛ وقالَ الشّافِعِيُّ: " عَلَيْهِ في الأُضْحِيَّةِ البَدَلُ إذا اسْتَهْلَكَها فَيَلْزَمُهُ مِثْلُهُ في سائِرِ القُرَبِ " . ومِن دَلالاتِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ أتِمُّوا الصِّيامَ إلى اللَّيْلِ﴾ عَلى الأحْكامِ: أنَّ مَن أصْبَحَ مُقِيمًا صائِمًا ثُمَّ سافَرَ أنَّهُ لا يَجُوزُ لَهُ الإفْطارُ في يَوْمِهِ ذَلِكَ، بِدَلالَةِ ظاهِرِ قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ أتِمُّوا الصِّيامَ إلى اللَّيْلِ﴾ ولَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ مَن سافَرَ بَعْدَ الدُّخُولِ في الصَّوْمِ وبَيْنَ مَن أقامَ. وفِيهِ الدَّلالَةُ عَلى أنَّ مَن أكَلَ بَعْدَ طُلُوعِ الفَجْرِ وهو يَظُنُّ أنَّ عَلَيْهِ لَيْلًا، أوْ أكَلَ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ وهو يَرى أنَّ الشَّمْسَ قَدْ غابَتْ، ثُمَّ تَبَيَّنَ أنَّ عَلَيْهِ القَضاءَ، لِقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ أتِمُّوا الصِّيامَ إلى اللَّيْلِ﴾ وهَذا لَمْ يُتِمَّ الصِّيامَ؛ لِأنَّ الصِّيامَ هو الإمْساكُ عَنِ الأكْلِ والشُّرْبِ والجِماعِ وهو لَمْ يُمْسِكْ، فَلَيْسَ هو إذًا صائِمٌ. وقَدِ اخْتَلَفَ السَّلَفُ في ذَلِكَ، فَقالَ مُجاهِدٌ وجابِرُ بْنُ زَيْدٍ والحَكَمُ: " إنَّ صَوْمَهُ تامٌّ ولا قَضاءَ عَلَيْهِ " هَذا في المُتَسَحِّرِ الَّذِي يَظُنُّ أنَّ عَلَيْهِ لَيْلًا، وقالَ مُجاهِدٌ: " لَوْ ظَنَّ أنَّ الشَّمْسَ قَدْ غابَتْ فَأفْطَرَ ثُمَّ عَلِمَ أنَّها لَمْ تَغِبْ كانَ عَلَيْهِ القَضاءُ " فَرَّقَ بَيْنَ المُتَسَحِّرِ وبَيْنَ مَن أكَلَ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ عَلى ظَنٍّ مِنهُ ثُمَّ عَلِمَ؛ قالَ: لِأنَّ اللَّهَ تَعالى قالَ: ﴿حَتّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الخَيْطُ الأبْيَضُ مِنَ الخَيْطِ الأسْوَدِ مِنَ الفَجْرِ﴾ فَما لَمْ يَتَبَيَّنْ فالأكْلُ (p-٢٩٩)لَهُ مُباحٌ، فَلا قَضاءَ عَلَيْهِ فِيما أكَلَ قَبْلَ أنْ يَتَبَيَّنَ لَهُ طُلُوعُ الفَجْرِ، وأمّا الَّذِي أفْطَرَ عَلى ظَنٍّ مِنهُ بِغَيْبُوبَةِ الشَّمْسِ فَقَدْ كانَ صَوْمُهُ يَقِينًا، فَلَمْ يَكُنْ جائِزًا لَهُ الإفْطارُ حَتّى يَتَبَيَّنَ لَهُ غُرُوبُ الشَّمْسِ، وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وأصْحابُنا جَمِيعًا ومالِكٌ والثَّوْرِيُّ والشّافِعِيُّ: " يَقْضِي في الحالَيْنِ " إلّا أنَّ مالِكًا قالَ في صَوْمِ التَّطَوُّعِ: " يَمْضِي فِيهِ " وفي الفَرْضِ: " يَقْضِي " . ورَوى الأعْمَشُ عَنْ زَيْدِ بْنِ وهْبٍ، أنَّ عُمَرَ أفْطَرَ هو والنّاسُ في يَوْمِ غَيْمٍ ثُمَّ طَلَعَتِ الشَّمْسُ فَقالَ: " لا تَجانَفْنا لِإثْمٍ، واللَّهِ لا نَقْضِيهِ " ورُوِيَ عَنْهُ أنَّهُ قالَ: " الخَطْبُ يَسِيرٌ نَقْضِي يَوْمًا " .، وظاهِرُ قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ أتِمُّوا الصِّيامَ إلى اللَّيْلِ﴾ يَقْضِي بِبُطْلانِ صِيامِهِ؛ إذْ لَمْ يُتْمِمْهُ؛ ولَمْ تُفَصِّلِ الآيَةُ بَيْنَ مَن أكَلَ جاهِلًا بِالوَقْتِ أوْ عالِمًا بِهِ. فَإنْ قِيلَ: قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وكُلُوا واشْرَبُوا حَتّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الخَيْطُ الأبْيَضُ مِنَ الخَيْطِ الأسْوَدِ مِنَ الفَجْرِ﴾ فَما لَمْ يَتَبَيَّنْ لَهُ ذَلِكَ فالأكْلُ لَهُ مُباحٌ، قِيلَ لَهُ: لا يَخْلُو هَذا الأكْلُ مِن أحَدِ حالَيْنِ: إمّا أنْ يَكُونَ مِمَّنْ أمْكَنَهُ اسْتِبانَةُ طُلُوعِ الفَجْرِ والوُصُولُ إلى عِلْمِهِ مِن جِهَةِ اليَقِينِ بِأنْ يَكُونَ عارِفًا بِهِ ولَيْسَ بَيْنَهُ وبَيْنَهُ حائِلٌ، فَإنْ كانَ كَذَلِكَ ثُمَّ لَمْ يَسْتَبِنْ فَإنَّ هَذا لا يَكُونُ إلّا مِن تَفْرِيطِهِ في تَأمُّلِهِ وتَرْكِ مُراعاتِهِ، ومَن كانَتْ هَذِهِ حالَهُ فَغَيْرُ جائِزٍ لَهُ الإقْدامُ عَلى الأكْلِ، فَإذا أكَلَ فَقَدْ فَعَلَ ما لَمْ يَكُنْ لَهُ أنْ يَفْعَلَهُ؛ إذْ قَدْ كانَ في وُسْعِهِ وإمْكانِهِ الوُصُولُ إلى اليَقِينِ والِاسْتِبانَةُ، فَفَرَّطَ فِيهِ ولَمْ يَفْعَلْهُ، وتَفْرِيطُهُ غَيْرُ مُسْقِطٍ عَنْهُ فَرْضَ الصَّوْمِ، وإنْ كانَ هَذا الآكِلُ مِمَّنْ لا يَعْرِفُ الفَجْرَ بِصِفَتِهِ، أوْ بَيْنَهُ وبَيْنَهُ حائِلٌ أوْ قَمَرٌ أوْ ضَعْفُ بَصَرٍ أوْ نَحْوُ ذَلِكَ، فَهَذا أيْضًا مِمَّنْ لا يَجُوزُ لَهُ العَمَلُ عَلى الظَّنِّ، بَلْ عَلَيْهِ أنْ يَصِيرَ إلى اليَقِينِ ولا يَأْكُلَ وهو شاكٌّ، وإذا كانَ ذَلِكَ عَلى ما وصَفْنا لَمْ يَسْقُطْ عَنْهُ القَضاءُ بِتَرْكِهِ الِاحْتِياطَ لِلصَّوْمِ. وكَذَلِكَ مَن أكَلَ عَلى ظَنٍّ مِنهُ بِغَيْبُوبَةِ الشَّمْسِ في يَوْمِ غَيْمٍ، فَهو بِهَذِهِ المَنزِلَةِ بِمُقْتَضى ظاهِرِ قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ أتِمُّوا الصِّيامَ إلى اللَّيْلِ﴾ فَإنْ قِيلَ: لَمْ يُكَلَّفْ تَبَيُّنَ الفَجْرِ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى وإنَّما كُلِّفَ ما عِنْدَهُ، قِيلَ لَهُ: إذا أمْكَنَهُ الوُصُولُ إلى مَعْرِفَةِ طُلُوعِ الفَجْرِ الَّذِي هو عِنْدَ اللَّهِ فَعَلَيْهِ مُراعاتُهُ، فَمَتى لَمْ يَكُنْ هُناكَ حائِلٌ اسْتَحالَ أنْ لا يَعْلَمَهُ، ومَعَ ذَلِكَ فَإنَّهُ إنْ غَفَلَ أُبِيحَ لَهُ الأكْلُ في حالِ غَفْلَتِهِ، فَإنَّ إباحَةَ الأكْلِ غَيْرُ مُسْقِطَةٍ لِلْقَضاءِ كالمَرِيضِ والمُسافِرِ وهُما أصْلٌ في ذَلِكَ لِأنَّهُما مَعْذُورانِ؛ والَّذِي اشْتَبَهَ عَلَيْهِ طُلُوعُ الفَجْرِ أوْ ظَنَّهُ قَدْ طَلَعَ مَعْذُورٌ في الأكْلِ، والعُذْرُ يُسْقِطُ القَضاءَ بِدَلالَةِ ما وصَفْنا. ويَدُلُّ عَلَيْهِ اتِّفاقُ الجَمِيعِ أنَّهُ لَوْ غُمَّ عَلَيْهِمُ الهِلالُ في أوَّلِ لَيْلَةٍ مِن رَمَضانَ فَأفْطَرُوا ثُمَّ عَلِمُوا بَعْدَ ذَلِكَ أنَّهُ كانَ (p-٣٠٠)مِن رَمَضانَ كانَ عَلَيْهِمُ القَضاءُ، فَكَذَلِكَ مَن وصَفْنا أمْرَهُ، وكَذَلِكَ الأسِيرُ في دارِ الحَرْبِ إذا لَمْ يَعْلَمْ بِشَهْرِ رَمَضانَ حَتّى مَضى ثُمَّ عَلِمَ بِهِ كانَ عَلَيْهِ القَضاءُ، ولَمْ يَكُنْ مُكَلَّفًا في حالِ الإفْطارِ إلّا عِلْمَهُ، ثُمَّ لَمْ يَكُنْ جَهْلُهُ بِالوَقْتِ مُسْقِطًا لِلْقَضاءِ؛ فَكَذَلِكَ مَن خَفِيَ عَلَيْهِ طُلُوعُ الفَجْرِ وغُرُوبُ الشَّمْسِ. فَإنْ قِيلَ: هَلّا كانَ بِمَنزِلَةِ النّاسِي في سُقُوطِ القَضاءِ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَعْلَمْ في حالِ الأكْلِ بِوُجُوبِ الصَّوْمِ عَلَيْهِ قِيلَ لَهُ: هَذا اعْتِلالٌ فاسِدٌ لِوُجُودِهِ فِيمَن غُمَّ عَلَيْهِ هِلالُ رَمَضانَ مَعَ إيجابِ الجَمِيعِ عَلَيْهِ القَضاءَ مَتى عَلِمَ أنَّهُ مِن رَمَضانَ، وكَذَلِكَ الأسِيرُ في دارِ الحَرْبِ إذا لَمْ يَعْلَمْ بِالشَّهْرِ حَتّى مَضى عَلَيْهِ القَضاءُ عِنْدَ الجَمِيعِ مَعَ جَهْلِهِ بِوُجُوبِ الصَّوْمِ عَلَيْهِ. وقالَ أصْحابُنا في الآكِلِ ناسِيًا: " القِياسُ أنَّهُ يَجِبُ القَضاءُ عَلَيْهِ " ولَكِنَّهم تَرَكُوا القِياسَ لِلْأثَرِ؛ ولَوْ كانَ ظاهِرُ الآيَةِ يَنْفِي صِحَّةَ صَوْمِ النّاسِي لِأنَّهُ لَمْ يُتِمَّ صَوْمَهُ واللَّهُ سُبْحانَهُ قالَ: ﴿ثُمَّ أتِمُّوا الصِّيامَ إلى اللَّيْلِ﴾ والصَّوْمُ هو الإمْساكُ ولَمْ يُوجَدْ مِنهُ ذَلِكَ، ألا تَرى أنَّهُ لَوْ نَسِيَ الصَّوْمَ رَأْسًا أنَّهُ لا خِلافَ أنَّ عَلَيْهِ القَضاءَ ولَمْ يَكُنْ نِسْيانُهُ مُسْقِطًا القَضاءَ عَنْهُ " ؟ وحَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قالَ: حَدَّثَنا أبُو داوُدَ قالَ: حَدَّثَنا هارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ومُحَمَّدُ بْنُ العَلاءِ المُعَنّى قالا: حَدَّثَنا أبُو أُسامَةَ قالَ: حَدَّثَنا هِشامُ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ فاطِمَةَ بِنْتِ المُنْذِرِ عَنْ أسْماءَ بِنْتِ أبِي بَكْرٍ قالَتْ: «أفْطَرْنا يَوْمًا في رَمَضانَ في غَيْمٍ في عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ طَلَعَتِ الشَّمْسُ» قالَ أبُو أُسامَةَ: قُلْتُ لِهِشامٍ: أُمِرُوا بِالقَضاءِ ؟ قالَ: وبُدٌّ مِن ذَلِكَ. * * وقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ أتِمُّوا الصِّيامَ إلى اللَّيْلِ﴾ يُوجِبُ أيْضًا إبْطالَ صَوْمِ المُكْرَهِ عَلى الأكْلِ؛ لِأنَّهُ لَمْ يُتِمَّهُ عَلى ما قَدَّمْنا. وكَذَلِكَ إبْطالُ صَوْمِ مَن جُنَّ فَأكَلَ في حالِ جُنُونِهِ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى حَكَمَ بِصِحَّةِ الصَّوْمِ لِمَن أتَمَّهُ إلى اللَّيْلِ، فَمَن وُجِدَ مِنهُ فِعْلٌ يَحْظُرُهُ الصَّوْمُ فَهو غَيْرُ مُتِمٍّ لِصَوْمِهِ إلى اللَّيْلِ فَيَلْزَمُهُ القَضاءُ. وأمّا الوَقْتُ الَّذِي هو نِهايَةُ الصَّوْمِ ويَجِبُ بِهِ الإفْطارُ، هو ما حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قالَ: حَدَّثَنا أبُو داوُدَ قالَ: حَدَّثَنا مُسَدَّدٌ قالَ: حَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ داوُدَ عَنْ هِشامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أبِيهِ عَنْ عاصِمِ بْنِ عُمَرَ عَنْ أبِيهِ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إذا جاءَ اللَّيْلُ مِن هاهُنا وذَهَبَ النَّهارُ مِن هاهُنا وغابَتِ الشَّمْسُ فَقَدْ أفْطَرَ الصّائِمُ» . وحَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قالَ: حَدَّثَنا أبُو داوُدَ قالَ: حَدَّثَنا مُسَدَّدٌ قالَ: حَدَّثَنا عَبْدُ الواحِدِ قالَ: حَدَّثَنا سُلَيْمانُ الشَّيْبانِيُّ قالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أبِي أوْفى قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إذا رَأيْتُمُ اللَّيْلَ قَدْ أقْبَلَ مِن هاهُنا فَقَدْ أفْطَرَ الصّائِمُ وأشارَ بِأُصْبُعِهِ قِبَلَ المَشْرِقِ»، ورَوى أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ «إذا سَقَطَ القُرْصُ (p-٣٠١)أفْطِرْ» ولا خِلافَ في أنَّهُ إذا غابَتِ الشَّمْسُ فَقَدِ انْقَضى وقْتُ الصَّوْمُ وجازَ لِلصّائِمِ الأكْلُ والشُّرْبُ والجِماعُ وسائِرُ ما حَظَرَهُ عَلَيْهِ الصَّوْمُ، وقَوْلُهُ ﷺ: «إذا غابَتِ الشَّمْسُ فَقَدْ أفْطَرَ الصّائِمُ» يُوجِبُ أنْ يَكُونَ مُفْطِرًا بِغُرُوبِ الشَّمْسِ أكَلَ أوْ لَمْ يَأْكُلْ؛ لِأنَّ الصَّوْمَ لا يَكُونُ بِاللَّيْلِ ولِذَلِكَ نَهى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنِ الوِصالِ؛ لِأنَّهُ يَتْرُكُ الطَّعامَ والشَّرابَ وهو مُفْطِرٌ والوِصالُ أنْ يَمْكُثَ يَوْمَيْنِ أوْ ثَلاثَةً لا يَأْكُلُ شَيْئًا ولا يَشْرَبُ فَإنْ أكَلَ أوْ شَرِبَ في أيِّ وقْتٍ كانَ شَيْئًا قَلِيلًا فَقَدْ خَرَجَ مِنَ الوِصالِ وقَدْ رَوى ابْنُ الهادِ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ خَبّابٍ عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ: «أنَّهُ نَهى عَنِ الوِصالِ، قالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّكَ تُواصِلُ فَقالَ: إنَّكم لَسْتُمْ كَهَيْئَتِي، إنِّي أبِيتُ لِي مُطْعِمٌ يُطْعِمُنِي وساقٍ يَسْقِينِي؛ فَأيُّكم واصَلَ فَمِنَ السَّحَرِ إلى السَّحَرِ» . فَأخْبَرَ أنَّهُ إذا أكَلَ أوْ شَرِبَ سَحَرًا فَهو غَيْرُ مُواصِلٍ، وأخْبَرَ ﷺ أنَّهُ لا يُواصِلُ؛ لِأنَّ اللَّهَ يُطْعِمُهُ ويَسْقِيهِ، وفي حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ حِينَ قِيلَ لَهُ: إنَّكَ تُواصِلُ فَقالَ: «إنِّي أبِيتُ يُطْعِمُنِي رَبِّي ويَسْقِينِي» ومِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ: إنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ مَخْصُوصًا بِإباحَةِ الوِصالِ دُونَ أُمَّتِهِ، وقَدْ أخْبَرَ ﷺ أنَّ اللَّهُ يُطْعِمُهُ ويَسْقِيهِ، ومَن كانَ كَذَلِكَ فَلَمْ يُواصِلْ، واللَّهُ أعْلَمُ بِالصَّوابِ. * * بابُ الِاعْتِكافِ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ولا تُباشِرُوهُنَّ وأنْتُمْ عاكِفُونَ في المَساجِدِ﴾ ومَعْنى الِاعْتِكافِ في أصْلِ اللُّغَةِ هو اللُّبْثُ، قالَ اللَّهُ: ﴿ما هَذِهِ التَّماثِيلُ الَّتِي أنْتُمْ لَها عاكِفُونَ﴾ [الأنبياء: ٥٢] وقالَ تَعالى: ﴿فَنَظَلُّ لَها عاكِفِينَ﴾ [الشعراء: ٧١] وقالَ الطِّرِمّاحُ: ؎فَباتَتْ بَناتُ اللَّيْلِ حَوْلِي عُكَّفًا عُكُوفَ البَواكِي بَيْنَهُنَّ صَرِيعُ ثُمَّ نُقِلَ في الشَّرْعِ إلى مَعانٍ أُخَرَ مَعَ اللُّبْثِ لَمْ يَكُنِ الِاسْمُ يَتَناوَلُها في اللُّغَةِ؛ مِنها الكَوْنُ في المَسْجِدِ، ومِنها الصَّوْمُ، ومِنها تَرْكُ الجِماعِ رَأْسًا ونِيَّةُ التَّقَرُّبِ إلى اللَّهِ عَزَة وجَلَّ، ولا يَكُونُ مُعْتَكِفًا إلّا بِوُجُودِ هَذِهِ المَعانِي، وهو نَظِيرُ ما قُلْنا في الصَّوْمِ إنَّهُ اسْمٌ لِلْإمْساكِ في اللُّغَةِ ثُمَّ زِيدَ فِيهِ مَعانٍ أُخَرُ لا يَكُونُ الإمْساكُ صَوْمًا شَرْعِيًّا إلّا بِوُجُودِها. وأمّا شَرْطُ اللُّبْثِ في المَسْجِدِ فَإنَّهُ لِلرِّجالِ خاصَّةً دُونَ النِّساءِ، وأمّا شَرْطُ كَوْنِهِ في المَسْجِدِ في الِاعْتِكافِ فالأصْلُ فِيهِ قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿ولا تُباشِرُوهُنَّ وأنْتُمْ عاكِفُونَ في المَساجِدِ﴾ فَجَعَلَ مِن شَرْطِ الِاعْتِكافِ الكَوْنَ في المَسْجِدِ، وقَدِ اخْتَلَفَ السَّلَفُ في المَسْجِدِ الَّذِي يَجُوزُ الِاعْتِكافُ فِيهِ (p-٣٠٢)عَلى أنْحاءٍ. ورُوِيَ عَنْ أبِي وائِلٍ عَنْ حُذَيْفَةَ أنَّهُ قالَ لِعَبْدِ اللَّهِ: رَأيْتُ ناسًا عُكُوفًا بَيْنَ دارِكَ ودارِ الأشْعَرِيِّ لا تُعِيرُ. وقَدْ عَلِمْتَ أنْ لا اعْتِكافَ إلّا في المَساجِدِ الثَّلاثَةَ أوْ في المَسْجِدِ الحَرامِ فَقالَ عَبْدُ اللَّهِ: لَعَلَّهم أصابُوا وأخْطَأْتُ وحَفِظُوا ونَسِيتُ، ورَوى إبْراهِيمُ النَّخَعِيُّ أنَّ حُذَيْفَةَ قالَ: " لا اعْتِكافَ إلّا في ثَلاثَةِ مَساجِدَ: المَسْجِدِ الحَرامِ، والمَسْجِدِ الأقْصى، ومَسْجِدِ النَّبِيِّ ﷺ "، ورُوِيَ عَنْ قَتادَةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ: " لا اعْتِكافَ إلّا في مَسْجِدِ نَبِيٍّ "، وهَذا مُوافِقٌ لِمَذْهَبِ حُذَيْفَةَ؛ لِأنَّ المَساجِدَ الثَّلاثَةَ هي مَساجِدُ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ. وقَوْلٌ آخَرُ؛ وهو ما رَوى إسْرائِيلُ عَنْ أبِي إسْحاقَ عَنْ الحارِثِ عَنْ عَلِيٍّ قالَ: " لا اعْتِكافَ إلّا في المَسْجِدِ الحَرامِ أوْ مَسْجِدِ النَّبِيِّ ﷺ " . ورُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ وعائِشَةَ وإبْراهِيمَ وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وأبِي جَعْفَرٍ وعُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ: " لا اعْتِكافَ إلّا في مَسْجِدِ جَماعَةٍ " فَحَصَلَ مِنِ اتِّفاقِ جَمِيعِ السَّلَفِ أنَّ مِن شَرْطِ الِاعْتِكافِ الكَوْنَ في المَسْجِدِ عَلى اخْتِلافٍ مِنهم في عُمُومِ المَساجِدِ وخُصُوصِها عَلى الوَجْهِ الَّذِي بَيَّنّا؛ ولَمْ يَخْتَلِفْ فُقَهاءُ الأمْصارِ في جَوازِ الِاعْتِكافِ في سائِرِ المَساجِدِ الَّتِي تُقامُ فِيها الجَماعاتُ إلّا شَيْءٌ يُحْكى عَنْ مالِكٍ ذَكَرَهُ عَنْهُ ابْنُ عَبْدِ الحَكَمِ قالَ: " لا يَعْتَكِفُ أحَدٌ إلّا في المَسْجِدِ الجامِعِ أوْ في رِحابَ المَساجِدِ الَّتِي تَجُوزُ فِيها الصَّلاةُ " . وظاهِرُ قَوْلِهِ: ﴿وأنْتُمْ عاكِفُونَ في المَساجِدِ﴾ يُبِيحُ الِاعْتِكافَ في سائِرِ المَساجِدِ لِعُمُومِ اللَّفْظِ، ومَنِ اقْتَصَرَ بِهِ عَلى بَعْضِها فَعَلَيْهِ بِإقامَةِ الدَّلالَةِ، وتَخْصِيصُهُ بِمَساجِدِ الجَماعاتِ لا دَلالَةَ عَلَيْهِ، كَما أنَّ تَخْصِيصَ مَن خَصَّهُ بِمَساجِدِ الأنْبِياءِ لَمّا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ دَلِيلٌ سَقَطَ اعْتِبارُهُ. فَإنْ قِيلَ: قَوْلُهُ ﷺ: «لا تُشَدُّ الرِّحالُ إلّا إلى ثَلاثَةِ مَساجِدَ: مَسْجِدِ الحَرامِ ومَسْجِدِ بَيْتِ المَقْدِسِ ومَسْجِدِي هَذا» يَدُلُّ عَلى اعْتِبارِ تَخْصِيصِ هَذِهِ المَساجِدِ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ ﷺ: «صَلاةٌ في مَسْجِدِي هَذا أفْضَلُ مِن ألْفِ صَلاةٍ في غَيْرِهِ إلّا المَسْجِدَ الحَرامَ» يَدُلُّ عَلى اخْتِصاصِ هَذَيْنِ المَسْجِدَيْنِ بِالفَضِيلَةِ دُونَ غَيْرِهِما، قِيلَ لَهُ: لَعَمْرِي إنَّ هَذا القَوْلَ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ في تَخْصِيصِهِ المَساجِدَ الثَّلاثَةَ في حالٍ والمَسْجِدَيْنِ في حالٍ دَلِيلٌ عَلى تَفْضِيلِهِما عَلى سائِرِ المَساجِدِ. وكَذَلِكَ نَقُولُ كَما قالَ ﷺ إلّا أنَّهُ لا دَلالَةَ فِيهِ عَلى نَفْيِ جَوازِ الِاعْتِكافِ في غَيْرِهِما كَما لا دَلالَةَ عَلى نَفْيِ جَوازِ الجُمُعاتِ والجَماعاتِ في غَيْرِهِما، فَغَيْرُ جائِزٍ لَنا تَخْصِيصُ عُمُومِ الآيَةِ بِما لا دَلالَةَ فِيهِ عَلى تَخْصِيصِهِما؛ وقَوْلُ مالِكٍ في الرِّوايَةِ الَّتِي رُوِيَتْ عَنْهُ في تَخْصِيصِ مَساجِدِ الجُمُعاتِ دُونَ مَساجِدِ الجَماعاتِ لا مَعْنى لَهُ، وكَما لا تَمْتَنِعُ صَلاةُ الجُمُعَةِ في سائِرِ المَساجِدِ كَذَلِكَ (p-٣٠٣)لا يَمْتَنِعُ الِاعْتِكافُ فِيها، فَكَيْفَ صارَ الِاعْتِكافُ مَخْصُوصًا بِمَساجِدِ الجُمُعاتِ دُونَ مَساجِدِ الجَماعاتِ ؟ وقَدِ اخْتَلَفَ الفُقَهاءُ في مَوْضِعِ اعْتِكافِ النِّساءِ، فَقالَ أبُو حَنِيفَةَ وأبُو يُوسُفَ ومُحَمَّدٌ وزُفَرُ: " لا تَعْتَكِفُ المَرْأةُ إلّا في مَسْجِدِ بَيْتِها، ولا تَعْتَكِفُ في مَسْجِدِ جَماعَةٍ " وقالَ مالِكٌ: " تَعْتَكِفُ المَرْأةُ في مَسْجِدِ الجَماعَةِ " ولا يُعْجِبُهُ أنْ تَعْتَكِفَ في مَسْجِدِ بَيْتِها، وقالَ الشّافِعِيُّ: " العَبْدُ والمَرْأةُ والمُسافِرُ يَعْتَكِفُونَ حَيْثُ شاءُوا؛ لِأنَّهُ لا جُمُعَةَ عَلَيْهِمْ " . قالَ أبُو بَكْرٍ: رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «لا تَمْنَعُوا إماءَ اللَّهِ مَساجِدَ اللَّهِ، وبُيُوتُهُنَّ خَيْرٌ لَهُنَّ» فَأخْبَرَ أنَّ بَيْتَها خَيْرٌ لَها، ولَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ حالِها في الِاعْتِكافِ وفي الصَّلاةِ، ولَمّا جازَ لِلْمَرْأةِ الِاعْتِكافُ بِاتِّفاقِ الفُقَهاءِ وجَبَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ في بَيْتِها لِقَوْلِهِ ﷺ: «وبُيُوتُهُنَّ خَيْرٌ لَهُنَّ» فَلَوْ كانَتْ مِمَّنْ يُباحُ لَها الِاعْتِكافُ في المَسْجِدِ لَكانَ اعْتِكافُها في المَسْجِدِ أفْضَلَ ولَمْ يَكُنْ بُيُوتُهُنَّ خَيْرًا لَهُنَّ لِأنَّ الِاعْتِكافَ شَرْطُهُ الكَوْنُ في المَساجِدِ لِمَن يُباحُ لَهُ الِاعْتِكافُ فِيهِ. ويَدُلُّ عَلَيْهِ أيْضًا قَوْلُهُ ﷺ: «صَلاةُ المَرْأةِ في دارِها أفْضَلُ مِن صَلاتِها في مَسْجِدِها، وصَلاتُها في بَيْتِها أفْضَلُ مِن صَلاتِها في دارِها، وصَلاتُها في مَخْدَعِها أفْضَلُ مِن صَلاتِها في بَيْتِها»، فَلَمّا كانَتْ صَلاتُها في بَيْتِها أفْضَلَ مِن صَلاتِها في المَسْجِدِ كانَ اعْتِكافُها كَذَلِكَ. ويَدُلُّ عَلى كَراهَةِ الِاعْتِكافِ في المَساجِدِ لِلنِّساءِ ما حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قالَ: حَدَّثَنا أبُو داوُدَ قالَ: حَدَّثَنا عُثْمانُ بْنُ أبِي شَيْبَةَ قالَ: حَدَّثَنا أبُو مُعاوِيَةَ ويَعْلى بْنُ عُبَيْدٍ، عَنْ يَحْيى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ عَمْرَةَ، عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذا أرادَ أنْ يَعْتَكِفَ صَلّى الفَجْرَ ثُمَّ دَخَلَ مُعْتَكَفَهُ، قالَتْ: وإنَّهُ أرادَ مَرَّةً أنْ يَعْتَكِفَ في العَشْرِ الأواخِرِ مِن رَمَضانَ، قالَتْ: فَأمَرَ بِبِنائِهِ فَضُرِبَ، فَلَمّا رَأيْتُ ذَلِكَ أمَرْتُ بِبِنائِي فَضُرِبَ، قالَتْ: وأمَرَ غَيْرِي مِن أزْواجِ النَّبِيِ ﷺ بِبِنائِهِ فَضُرِبَ، فَلَمّا صَلّى الفَجْرَ نَظَرَ إلى الأبْنِيَةِ فَقالَ: ما هَذِهِ آلْبِرَّ تُرِدْنَ ؟ قالَتْ: ثُمَّ أمَرَ بِبِنائِهِ فَقُوِّضَ وأمَرَ أزْواجَهُ بِأبْنِيَتِهِنَّ فَقُوِّضَتْ، ثُمَّ أخَّرَ الِاعْتِكافَ إلى العَشْرِ الأُوَلِ؛ يَعْنِي مِن شَوّالٍ» . وهَذا الخَبَرُ يَدُلُّ عَلى كَراهِيَةِ الِاعْتِكافِ لِلنِّساءِ في المَسْجِدِ بِقَوْلِهِ: «آلْبِرَّ تُرِدْنَ ؟» يَعْنِي أنَّ هَذا لَيْسَ مِنَ البِرِّ، ويَدُلُّ عَلى كَراهِيَةِ ذَلِكَ مِنهُنَّ أنَّهُ لَمْ يَعْتَكِفْ في ذَلِكَ الشَّهْرِ ونَقَضَ بِناءَهُ حَتّى نَقَضْنَ أبْنِيَتَهُنَّ. ولَوْ ساغَ لَهُنَّ الِاعْتِكافُ عِنْدَهُ لَما تَرَكَ الِاعْتِكافَ بَعْدَ العَزِيمَةِ ولَما جَوَّزَ لَهُنَّ تَرْكَهُ وهو قُرْبَةٌ إلى اللَّهِ تَعالى، وفي هَذا دَلالَةٌ عَلى أنَّهُ قَدْ كَرِهَ اعْتِكافَ النِّساءِ في المَساجِدِ. فَإنْ قِيلَ: قَدْ رَوى سُفْيانُ بْنُ عُيَيْنَةَ هَذا الحَدِيثَ عَنْ يَحْيى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ عَمْرَةَ عَنْ عائِشَةَ وقالَتْ فِيهِ: «فاسْتَأْذَنْتُ النَّبِيَّ ﷺ في الِاعْتِكافِ فَأذِنَ لِي، (p-٣٠٤)ثُمَّ اسْتَأْذَنَتْهُ زَيْنَبُ فَأذِنَ لَها، فَلَمّا صَلّى الفَجْرَ رَأى في المَسْجِدِ أرْبَعَةَ أبْنِيَةٍ فَقالَ: ما هَذا ؟ فَقالُوا: لِزَيْنَبَ وحَفْصَةَ وعائِشَةَ فَقالَ: آلْبِرَّ تُرِدْنَ ؟ فَلَمْ يَعْتَكِفْ»، فَأخْبَرَتْ في هَذا الحَدِيثِ بِإذْنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قِيلَ لَهُ: لَيْسَ فِيهِ أنَّهُ أذِنَ لَهُنَّ في الِاعْتِكافِ في المَسْجِدِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ الإذْنُ انْصَرَفَ إلى اعْتِكافِهِنَّ في بُيُوتِهِنَّ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ أنَّهُ لَمّا رَأى أبْنِيَتَهُنَّ في المَسْجِدِ تَرَكَ الِاعْتِكافَ حَتّى تَرَكْنَ أيْضًا، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الإذْنَ بَدِيًّا لَمْ يَكُنْ إذْنًا لَهُنَّ في الِاعْتِكافِ في المَسْجِدِ، وأيْضًا فَلَوْ صَحَّ أنَّ الإذْنَ بَدِيّا انْصَرَفَ إلى فِعْلِهِ في المَسْجِدِ لَكانَتِ الكَراهَةُ دالَّةً عَلى نَسْخِهِ وكانَ الآخِرُ مِن أمْرِهِ أوْلى مِمّا تَقَدَّمَ، فَإنْ قِيلَ: لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ نَسْخًا لِلْإذْنِ لِأنَّ النَّسْخَ عِنْدَكم لا يَجُوزُ قَبْلَ التَّمَكُّنِ مِنَ الفِعْلِ، قِيلَ لَهُ: قَدْ كُنَّ مُكِّنَّ مِنَ الفِعْلِ لِأدْنى الِاعْتِكافِ؛ لِأنَّهُ مِن حِينِ طُلُوعِ الفَجْرِ مِن ذَلِكَ اليَوْمِ إلى أنْ صَلّى النَّبِيُّ ﷺ وأنْكَرَ فِعْلَهُنَّ ذَلِكَ فَقَدْ حَصَلَ التَّمْكِينُ مِنَ الِاعْتِكافِ، فَلِذَلِكَ جازَ وُرُودُ النَّسْخِ بَعْدَهُ. وأمّا قَوْلُ الشّافِعِيِّ فِيمَن لا جُمُعَةَ عَلَيْهِ: " إنَّ لَهُ أنْ يَعْتَكِفَ حَيْثُ شاءَ " فَلا مَعْنى لَهُ؛ لِأنَّهُ لَيْسَ لِلِاعْتِكافِ تَعَلُّقٌ بِالجُمُعَةِ، وقَدْ وافَقَنا الشّافِعِيُّ عَلى جَوازِ الِاعْتِكافِ في سائِرِ المَساجِدِ فِيمَن عَلَيْهِ جُمُعَةٌ ومَن لَيْسَتْ عَلَيْهِ لا يَخْتَلِفانِ في مَوْضِعِ الِاعْتِكافِ، وإنَّما كُرِهَ ذَلِكَ لِلْمَرْأةِ في المَسْجِدِ لِأنَّها تَصِيرُ لابِثَةً مَعَ الرِّجالِ في المَسْجِدِ وذَلِكَ مَكْرُوهٌ لَها سَواءٌ كانَتْ مُعْتَكِفَةً أوْ غَيْرَ مُعْتَكِفَةٍ، فَأمّا مَن سِواها فَلا يَخْتَلِفُ الحُكْمُ فِيهِ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأنْتُمْ عاكِفُونَ في المَساجِدِ﴾ فَلَمْ يُخَصِّصْ مَن عَلَيْهِ جُمُعَةٌ مِن غَيْرِهِمْ، فَلا يَخْتَلِفُ في الِاعْتِكافِ مَن عَلَيْهِ جُمُعَةٌ ومَن لَيْسَتْ عَلَيْهِ؛ لِأنَّهُ نافِلَةٌ لَيْسَ بِفَرْضٍ عَلى أحَدٍ. وقَدِ اخْتَلَفَ الفُقَهاءُ في مُدَّةِ الِاعْتِكافِ، فَقالَ أبُو حَنِيفَةَ وأبُو يُوسُفَ ومُحَمَّدٌ وزُفَرُ والشّافِعِيُّ: " لَهُ أنْ يَعْتَكِفَ يَوْمًا وما شاءَ " وقَدِ اخْتَلَفَتِ الرِّوايَةُ عَنْ أصْحابِنا في مَن دَخَلَ في الِاعْتِكافِ مِن غَيْرِ إيجابٍ، بِالقَوْلِ في إحْدى الرِّوايَتَيْنِ: " هو مُعْتَكِفٌ ما دامَ في المَسْجِدِ ولَهُ أنْ يَخْرُجَ مَتى شاءَ بَعْدَ أنْ يَكُونَ صائِمًا في مِقْدارِ لُبْثِهِ فِيهِ " والرِّوايَةُ الأُخْرى، وهي في غَيْرِ الأُصُولِ " أنَّ عَلَيْهِ أنْ يُتِمَّهُ يَوْمًا " . ورَوى ابْنُ وهْبٍ عَنْ مالِكٍ قالَ: " ما سَمِعْتُ أنَّ أحَدًا اعْتَكَفَ دُونَ عَشْرٍ، ومَن صَنَعَ ذَلِكَ لَمْ أرَ عَلَيْهِ شَيْئًا " وذَكَرَ ابْنُ القاسِمِ عَنْ مالِكٍ أنَّهُ كانَ يَقُولُ: " الِاعْتِكافُ يَوْمٌ ولَيْلَةٌ " ثُمَّ رَجَعَ وقالَ: " لا اعْتِكافَ أقَلُّ مِن عَشَرَةِ أيّامٍ " وقالَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ الحَسَنِ: " لا أسْتَحِبُّ أنْ يَعْتَكِفَ أقَلَّ مِن عَشَرَةِ أيّامِ " قالَ أبُو بَكْرٍ: تَحْدِيدُ مُدَّةِ الِاعْتِكافِ لا يَصِحُّ إلّا بِتَوْقِيفٍ أوِ اتِّفاقٍ وهُما مَعْدُومانِ، فالمُوجِبُ لِتَحْدِيدِهِ مُتَحَكِّمٌ قائِلٌ بِغَيْرِ دَلالَةٍ. (p-٣٠٥)فَإنْ قِيلَ: تَحْدِيدُ العَشَرَةِ لِما رُوِيَ أنَّ «النَّبِيَّ ﷺ كانَ يَعْتَكِفُ العَشْرَ الأواخِرَ مِن رَمَضانَ»، ورُوِيَ أنَّهُ «اعْتَكَفَ العَشْرَ الأواخِرَ مِن شَوّالٍ في بَعْضِ السِّنِينَ»، ولَمْ يُرْوَ أنَّهُ اعْتَكَفَ أقَلَّ مِن ذَلِكَ، قِيلَ لَهُ: لَمْ يَخْتَلِفِ الفُقَهاءُ أنَّ فِعْلَ النَّبِيِّ ﷺ لِلِاعْتِكافِ لَيْسَ عَلى الوُجُوبِ وأنَّهُ غَيْرُ مُوجِبِ عَلى أحَدٍ اعْتِكافًا، فَإذا لَمْ يَكُنْ فِعْلُهُ لِلِاعْتِكافِ عَلى الوُجُوبِ فَتَحْدِيدُ العَشَرَةِ أوْلى أنْ لا يَثْبُتَ بِفِعْلِهِ، ومَعَ ذَلِكَ فَإنَّهُ لَمْ يُنْفَ عَنْ غَيْرِهِ، فَنَحْنُ نَقُولُ: إنَّ اعْتِكافَ العَشَرَةِ جائِزٌ ونَفْيُ ما دُونَها يَحْتاجُ إلى دَلِيلٍ، وقَدْ أطْلَقَ اللَّهُ تَعالى ذِكْرَ الِاعْتِكافِ فَقالَ: ﴿ولا تُباشِرُوهُنَّ وأنْتُمْ عاكِفُونَ في المَساجِدِ﴾ ولَمْ يَحُدَّهُ بِوَقْتٍ ولَمْ يُقَدِّرْهُ بِمُدَّةٍ، فَهو عَلى إطْلاقِهِ وغَيْرُ جائِزٍ تَخْصِيصُهُ بِغَيْرِ دَلالَةٍ، واللَّهُ أعْلَمُ. * * بابٌ الِاعْتِكافُ هَلْ يَجُوزُ بِغَيْرِ صَوْمٍ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ولا تُباشِرُوهُنَّ وأنْتُمْ عاكِفُونَ في المَساجِدِ﴾ وقَدْ بَيَّنّا أنَّ الِاعْتِكافَ اسْمٌ شَرْعِيٌّ، وما كانَ هَذا حُكْمَهُ مِنَ الأسْماءِ فَهو بِمَنزِلَةِ المُجْمَلِ الَّذِي يَفْتَقِرُ إلى البَيانِ وقَدِ اخْتَلَفَ السَّلَفُ في ذَلِكَ، فَرَوى عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وعائِشَةَ قالُوا: " المُعْتَكِفُ عَلَيْهِ الصَّوْمُ "، وقالَ سَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ عَنْ عائِشَةَ: " مِن سُنَّةِ المُعْتَكِفِ أنْ يَصُومَ " . ورَوى حاتِمُ بْنُ إسْماعِيلَ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أبِيهِ عَنْ عَلِيٍّ قالَ: " لا اعْتِكافَ إلّا بِصَوْمٍ " وهو قَوْلُ الشَّعْبِيِّ وإبْراهِيمَ ومُجاهِدٍ، وقالَ آخَرُونَ: " يَصِحُّ بِغَيْرِ صَوْمٍ "؛ رَوى الحَكَمُ عَنْ عَلِيٍّ وعَبْدِ اللَّهِ، وقَتادَةَ عَنِ الحَسَنِ وسَعِيدٍ، وأبُو مَعْشَرٍ عَنْ إبْراهِيمَ قالُوا: " إنْ شاءَ صامَ وإنْ شاءَ لَمْ يَصُمْ " ورَوى طاوُسٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مِثْلَهُ. واخْتَلَفَ فِيهِ أيْضًا فُقَهاءُ الأمْصارِ، فَقالَ أبُو حَنِيفَةَ وأبُو يُوسُفَ ومُحَمَّدٌ وزُفَرُ ومالِكٌ والثَّوْرِيُّ والحَسَنُ بْنُ صالِحٍ: " لا اعْتِكافَ إلّا بِصَوْمٍ " وقالَ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ: " الِاعْتِكافُ في رَمَضانَ، والجِوارُ في غَيْرِ رَمَضانَ، ومَن جاوَرَ فَعَلَيْهِ ما عَلى المُعْتَكِفِ مِنَ الصِّيامِ وغَيْرِهِ "، وقالَ الشّافِعِيُّ: " يَجُوزُ الِاعْتِكافُ بِغَيْرِ صَوْمٍ " قالَ أبُو بَكْرٍ: لَمّا كانَ الِاعْتِكافُ اسْمًا مُجْمَلًا لِما بَيَّنّا كانَ مُفْتَقِرًا إلى البَيانِ، فَكُلُّ ما فَعَلَهُ النَّبِيُّ ﷺ في اعْتِكافِهِ فَهو وارِدٌ مَوْرِدَ البَيانِ، فَيَجِبُ أنْ يَكُونُ عَلى الوُجُوبِ؛ لِأنَّ فِعْلَهُ إذا ورَدَ مَوْرِدَ البَيانِ فَهو عَلى الوُجُوبِ إلّا ما قامَ دَلِيلُهُ، فَلَمّا ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ «لا اعْتِكافَ إلّا بِصَوْمٍ» وجَبَ أنْ يَكُونَ الصَّوْمُ مِن شُرُوطِهِ الَّتِي لا يَصِحُّ إلّا بِهِ، كَفِعْلِهِ في الصَّلاةِ لِأعْدادِ الرَّكَعاتِ (p-٣٠٦)والقِيامِ والرُّكُوعِ والسُّجُودِ لَمّا كانَ عَلى وجْهِ البَيانِ كانَ عَلى الوُجُوبِ. ومِن جِهَةِ السُّنَّةِ ما حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قالَ: حَدَّثَنا أبُو داوُدَ قالَ: حَدَّثَنا أحْمَدُ بْنُ إبْراهِيمَ قالَ: حَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُدَيْلِ بْنِ ورْقاءَ اللَّيْثِيُّ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينارٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ: «أنَّ عُمَرَ جَعَلَ عَلَيْهِ أنْ يَعْتَكِفَ في الجاهِلِيَّةِ لَيْلَةً أوْ يَوْمًا عِنْدَ الكَعْبَةِ، فَسَألَ النَّبِيَّ ﷺ فَقالَ: اعْتَكِفْ وصُمْ» . وحَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قالَ: حَدَّثَنا أبُو داوُدَ قالَ: حَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أبانَ بْنِ صالِحٍ القُرَشِيِّ قالَ: حَدَّثَنا عَمْرُو بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُدَيْلٍ بِإسْنادِهِ، نَحْوَهُ، وأمْرُ النَّبِيِّ ﷺ عَلى الوُجُوبِ، فَثَبَتَ بِذَلِكَ أنَّهُ مِن شُرُوطِ الِاعْتِكافِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ أيْضًا قَوْلُ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها: " مِن سُنَّةِ المُعْتَكِفِ أنْ يَصُومَ "، ويَدُلُّ عَلَيْهِ مِن جِهَةِ النَّظَرِ اتِّفاقُ الجَمِيعِ عَلى لُزُومِهِ بِالنَّذْرِ. فَلَوْلا ما يَتَضَمَّنُهُ مِنَ الصَّوْمِ لَما لَزِمَ بِالنَّذْرِ؛ لِأنَّ ما لَيْسَ لَهُ أصْلٌ في الوُجُوبِ لا يَلْزَمُ بِالنَّذْرِ ولا يَصِيرُ واجِبًا، كَما أنَّ ما لَيْسَ لَهُ أصْلٌ في القُرَبِ لا يَصِيرُ قُرْبَةً وإنْ تُقُرِّبَ بِهِ، ويَدُلُّ عَلَيْهِ أنَّ الِاعْتِكافَ لُبْثٌ في مَكانٍ فَأشْبَهَ الوُقُوفَ بِعَرَفَةَ، والكَوْنُ بِمِنًى لَمّا كانَ لُبْثًا في مَكانٍ لَمْ يَصِرْ قُرْبَةً إلّا بِانْضِمامِ مَعْنًى آخَرَ إلَيْهِ هو في نَفْسِهِ قُرْبَةٌ، فالوُقُوفُ بِعَرَفَةَ الإحْرامُ والكَوْنُ بِمِنًى الرَّمْيُ. فَإنْ قِيلَ: لَوْ كانَ مِن شَرْطِهِ الصَّوْمُ لَما صَحَّ بِاللَّيْلِ لِعَدَمِ الصَّوْمِ فِيهِ، قِيلَ لَهُ: قَدِ اتَّفَقُوا عَلى أنَّ مِن شَرْطِهِ اللُّبْثَ في المَسْجِدِ ثُمَّ لا يُخْرِجُهُ مِنَ الِاعْتِكافِ خُرُوجُهُ لِحاجَةِ الإنْسانِ ولِلْجُمُعَةِ، ولَمْ يَنْفِ ذَلِكَ كَوْنُ اللُّبْثِ في المَسْجِدِ شَرْطًا فِيهِ، كَذَلِكَ مِن شَرْطِهِ الصَّوْمُ وصِحَّتُهُ بِاللَّيْلِ مَعَ عَدَمِ الصَّوْمِ غَيْرُ مانِعٍ أنْ يَكُونَ مِن شَرْطِهِ، وكَذَلِكَ اللُّبْثُ بِمِنًى قُرْبَةٌ لِأجْلِ الرَّمْيِ، ثُمَّ يَكُونُ اللُّبْثُ بِاللَّيْلِ بِها قُرْبَةً لِرَمْيٍ يَفْعَلُهُ في غَدٍ، كَذَلِكَ الِاعْتِكافُ بِاللَّيْلِ صَحِيحٌ بِصَوْمٍ يَسْتَقْبِلُهُ في غَدٍ، واللَّهُ أعْلَمُ. [[اختُصِرَ كلام المؤلف لشدة طوله]]

البقرة 2:188

بابُ ما يُحِلُّهُ حُكْمُ الحاكِمِ وما لا يُحِلُّهُ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ولا تَأْكُلُوا أمْوالَكم بَيْنَكم بِالباطِلِ وتُدْلُوا بِها إلى الحُكّامِ لِتَأْكُلُوا (p-٣١٢)فَرِيقًا مِن أمْوالِ النّاسِ بِالإثْمِ﴾ والمُرادُ، واللَّهُ أعْلَمُ: لا يَأْكُلْ بَعْضُكم مالَ بَعْضٍ بِالباطِلِ، كَما قالَ تَعالى ﴿ولا تَقْتُلُوا أنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٢٩] وقَوْلُهُ: ﴿ولا تَلْمِزُوا أنْفُسَكُمْ﴾ [الحجرات: ١١] يَعْنِي بَعْضَكم بَعْضًا، وكَما قالَ ﷺ: «أمْوالُكم وأعْراضُكم عَلَيْكم حَرامٌ» يَعْنِي أمْوالَ بَعْضِكم عَلى بَعْضٍ، أكْلُ المالِ بِالباطِلِ عَلى وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أخْذُهُ عَلى وجْهِ الظُّلْمِ والسَّرِقَةِ والخِيانَةِ والغَصْبِ وما جَرى مَجْراهُ، والآخَرُ: أخْذُهُ مِن جِهَةٍ مَحْظُورَةٍ، نَحْوُ القِمارِ وأُجْرَةِ الغِناءِ والقِيانِ والمَلاهِي والنّائِحَةِ وثَمَنِ الخَمْرِ والخِنْزِيرِ والحِرِّ وما لا يَجُوزُ أنْ يَتَمَلَّكَهُ وإنْ كانَ بِطِيبَةِ نَفْسٍ مِن مالِكِهِ؛ وقَدِ انْتَظَمَتِ الآيَةُ حَظْرَ أكْلِها مِن هَذِهِ الوُجُوهِ كُلِّها. ثُمَّ قَوْلُهُ: ﴿وتُدْلُوا بِها إلى الحُكّامِ﴾ فِيما يُرْفَعُ إلى الحاكِمِ فَيَحْكُمُ بِهِ في الظّاهِرِ لِيُحِلَّها، مَعَ عِلْمِ المَحْكُومِ لَهُ أنَّهُ غَيْرُ مُسْتَحِقٍّ لَهُ في الظّاهِرِ؛ فَأبانَ تَعالى أنَّ حُكْمَ الحاكِمِ بِهِ لا يُبِيحُ أخْذَهُ، فَزَجَرَ عَنْ أكْلِ بَعْضِنا لِمالِ بَعْضٍ بِالباطِلِ، ثُمَّ أخْبَرَ أنَّ ما كانَ مِنهُ بِحُكْمِ الحاكِمِ فَهو في حَيِّزِ الباطِلِ الَّذِي هو مَحْظُورٌ عَلَيْهِ أخْذُهُ؛ وقالَ في آيَةٍ أُخْرى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أمْوالَكم بَيْنَكم بِالباطِلِ إلا أنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنكُمْ﴾ [النساء: ٢٩] فاسْتَثْنى مِنَ الجُمْلَةِ ما وقَعَ مِنَ التِّجارَةِ بِتَراضٍ مِنهم بِهِ ولَمْ يَجْعَلْهُ مِنَ الباطِلِ، وهَذا هو في التِّجارَةِ الجائِزَةِ دُونَ المَحْظُورَةِ. وما تَلَوْنا مِنَ الآيِ أصْلٌ في أنَّ حُكْمَ الحاكِمِ لَهُ بِالمالِ لا يُبِيحُ لَهُ أخْذَ المالِ الَّذِي لا يَسْتَحِقُّهُ، وبِمِثْلِهِ ورَدَتِ الأخْبارُ والسُّنَّةُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ؛ حَدَّثَنا عَبْدُ الباقِي بْنُ قانِعٍ قالَ: حَدَّثَنا بِشْرُ بْنُ مُوسى قالَ: حَدَّثَنا الحُمَيْدِيُّ قالَ: حَدَّثَنا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ أبِي حازِمٍ، عَنْ أُسامَةَ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رافِعٍ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قالَتْ: «كُنْتُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَجاءَ رَجُلانِ يَخْتَصِمانِ في مَوارِيثَ وأشْياءَ قَدْ دَرَسَتْ، فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: إنَّما أقْضِي بَيْنَكُما بِرَأْيِي فِيما لَمْ يُنْزَلْ عَلَيَّ فِيهِ، فَمَن قَضَيْتُ لَهُ بِحُجَّةٍ أراها فاقْتَطَعَ بِها قِطْعَةً ظُلْمًا فَإنَّما يَقْتَطِعُ قِطْعَةً مِنَ النّارِ يَأْتِي بِها إسْطامًا يَوْمَ القِيامَةِ في عُنُقِهِ فَبَكى الرَّجُلانِ، فَقالَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما: يا رَسُولَ اللَّهِ حَقِّي لَهُ، فَقالَ ﷺ: لا، ولَكِنِ اذْهَبا فَتَوَخَّيا لِلْحَقِّ ثُمَّ اسْتَهِما ولْيُحْلِلْ كُلُّ واحِدٍ مِنكُما صاحِبَهُ» . ومَعْنى هَذا الخَبَرِ مُواطِئٌ لِما ورَدَ بِهِ نَصُّ التَّنْزِيلِ في أنَّ حُكْمَ الحاكِمِ لَهُ بِالمالِ لا يُبِيحُ لَهُ أخْذَهُ وقَدْ حَوى هَذا الخَبَرُ مَعانِيَ أُخَرَ، مِنها أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَدْ كانَ يَقْضِي بِرَأْيِهِ واجْتِهادِهِ فِيما لَمْ يَنْزِلْ بِهِ وحْيٌ لِقَوْلِهِ ﷺ: «أقْضِي بَيْنَكُما بِرَأْيِي فِيما لَمْ يُنْزَلْ عَلَيَّ فِيهِ» . وقَدْ دَلَّ ذَلِكَ أيْضًا عَلى أنَّ الَّذِي كُلِّفَ الحاكِمُ مِن ذَلِكَ الأمْرُ الظّاهِرُ، وأنَّهُ لَمْ يُكَلَّفَ المُغَيَّبَ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى وفِيهِ الدَّلالَةُ عَلى أنَّ كُلَّ مُجْتَهِدٍ فِيما يَسُوغُ فِيهِ الِاجْتِهادُ (p-٣١٣)مُصِيبٌ؛ إذْ لَمْ يُكَلَّفْ غَيْرَ ما أدّاهُ إلَيْهِ اجْتِهادُهُ. ألا تَرى أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَدْ أخْبَرَ أنَّهُ مُصِيبٌ في حُكْمِهِ بِالظّاهِرِ وإنْ كانَ الأمْرُ في المُغَيَّبِ خِلافَهُ ولَمْ يُبِحْ مَعَ ذَلِكَ لِلْمَقْضِيِّ لَهُ أخْذُ ما قَضى لَهُ بِهِ ؟ ودَلَّ أيْضًا عَلى أنَّ الحاكِمَ جائِزٌ لَهُ أنْ يُعْطِيَ إنْسانًا مالًا ويَأْمُرَ لَهُ بِهِ وإنْ لَمْ يَسَعِ المَحْكُومَ لَهُ أخْذُهُ إذا عَلِمَ أنَّهُ غَيْرُ مُسْتَحِقٍّ، ودَلَّ أيْضًا عَلى جَوازِ الصُّلْحِ عَنْ غَيْرِ إقْرارٍ؛ لِأنَّ واحِدًا مِنهُما لَمْ يُقِرَّ بِالحَقِّ وإنَّما بَذَلَ مالَهُ لِصاحِبِهِ، فَأمَرَهُما النَّبِيُّ ﷺ بِالصُّلْحِ وأنْ يَسْتَهِما عَلَيْهِ، والِاسْتِهامُ هو الِاقْتِسامُ ويَدُلُّ عَلى أنَّ القِسْمَةَ في العَقارِ وغَيْرِهِ واجِبَةٌ إذا طَلَبَها أحَدُهُما. ويَدُلُّ أيْضًا عَلى أنَّ الحاكِمَ يَأْمُرُ بِالقِسْمَةِ ويَدُلُّ عَلى جَوازِ البَراءَةِ مِنَ المَجاهِيلِ أيْضًا؛ لِأنَّهُ أخْبَرَ بِجَهالَةِ المَوارِيثِ الَّتِي قَدْ دَرَسَتْ ثُمَّ أمَرَهُما مَعَ ذَلِكَ بِالتَّحْلِيلِ. وعَلى أنَّهُ لَوْ لَمْ يَذْكُرْ فِيهِ أنَّها مَوارِيثُ قَدْ دَرَسَتْ لَكانَ يَقْتَضِي قَوْلُهُ " ولْيُحْلِلْ كُلُّ واحِدٍ مِنكُما صاحِبَهُ" جَوازَ البَراءَةِ مِنَ المَجاهِيلِ لِعُمُومِ اللَّفْظِ؛ إذْ لَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ المَجْهُولِ مِن ذَلِكَ والمَعْلُومِ ودَلَّ أيْضًا عَلى جَوازِ تَراضِي الشَّرِيكَيْنِ عَلى القِسْمَةِ مِن غَيْرِ حُكْمِ الحاكِمِ ودَلَّ أيْضًا عَلى أنَّ مَن لَهُ قِبَلَ رَجُلٍ حَقٌّ فَوَهَبَهُ لَهُ فَلَمْ يَقْبَلْهُ أنَّهُ لا يَصِحُّ ويَعُودُ المِلْكُ إلى الواهِبِ لِأنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما رَدَّ ما وهَبَهُ الآخَرُ وجَعَلَ حَقَّ نَفْسِهِ لِصاحِبِهِ؛ ولَمّا لَمْ يُفَرِّقْ في ذَلِكَ بَيْنَ الأعْيانِ والدُّيُونِ وجَبَ أنْ يَسْتَوِيَ حُكْمُ الجَمِيعِ إذا رَدَّ البَراءَةَ والهِبَةَ في وُجُوبِ بُطْلانِهِما ويَدُلُّ أيْضًا عَلى أنَّ قَوْلَ القائِلِ: " لِفُلانٍ مِن مالِي ألْفُ دِرْهَمٍ " أنَّهُ هِبَةٌ مِنهُ ولَيْسَ بِإقْرارٍ؛ لِأنَّهُ ﷺ لَمْ يَجْعَلْ قَوْلَ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما: " الَّذِي لِي لَهُ " إقْرارًا؛ لِأنَّهُ لَوْ جُعِلَ إقْرارًا لَجازَ عَلَيْهِ ولَمْ يَحْتاجا بَعْدَ ذَلِكَ إلى الصُّلْحِ والتَّحْلِيلِ والقِسْمَةِ؛ وكَذَلِكَ قالَ أصْحابُنا فِيمَن قالَ: لِفُلانٍ مِن مالِي ألْفُ دِرْهَمٍ. ويَدُلُّ أيْضًا عَلى جَوازِ التَّحَرِّي والِاجْتِهادِ في مُوافَقَةِ الحَقِّ وإنْ لَمْ يَكُنْ يَقِينًا، لِقَوْلِهِ ﷺ: «وتَوَخَّيا لِلْحَقِّ» أيْ تَحَرَّيا واجْتَهِدا ويَدُلُّ أيْضًا عَلى أنَّ الحاكِمَ جائِزٌ لَهُ أنْ يَرُدَّ الخُصُومَ لِلصُّلْحِ إذا رَأى ذَلِكَ، وأنَّ لا يَحْمِلَهُما عَلى مُرِّ الحُكْمِ؛ ولِهَذا قالَ عُمَرُ: " رُدُّوا الخُصُومَ كَيْ يَصْطَلِحُوا " وحَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قالَ: حَدَّثَنا أبُو داوُدَ قالَ: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ قالَ: أخْبَرَنا سُفْيانُ، عَنْ هِشامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أبِيهِ، عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أُمِّ سَلَمَةَ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قالَتْ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «إنَّما أنا بَشَرٌ وإنَّكم تَخْتَصِمُونَ إلَيَّ ولَعَلَّ بَعْضَكم أنْ يَكُونَ ألْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِن صاحِبِهِ فَأقْضِيَ لَهُ عَلى نَحْوٍ مِمّا أسْمَعُ مِنهُ، فَمَن قَضَيْتُ لَهُ مِن حَقِّ أخِيهِ بِشَيْءٍ فَلا يَأْخُذْ مِنهُ شَيْئًا فَإنَّما أقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النّارِ» . وحَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قالَ: حَدَّثَنا (p-٣١٤)أبُو داوُدَ قالَ: حَدَّثَنا الرَّبِيعُ بْنُ نافِعٍ قالَ: حَدَّثَنا ابْنُ المُبارَكِ، عَنْ أُسامَةَ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رافِعٍ مَوْلى أُمِّ سَلَمَةَ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قالَتْ: «أتى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَجُلانِ يَخْتَصِمانِ في مَوارِيثَ لَهُما لَمْ تَكُنْ لَهُما بَيِّنَةٌ إلّا دَعْواهُما، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ فَذَكَرَ نَحْوَهُ، فَبَكى الرَّجُلانِ، وقالَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما: حَقِّي لَكَ، فَقالَ لَهُما النَّبِيُّ ﷺ: أما إذْ فَعَلْتُما ما فَعَلْتُما فاقْتَسِما وتَوَخَّيا الحَقَّ ثُمَّ اسْتَهِما ثُمَّ تَحالّا» وهَذانِ الحَدِيثانِ في مَعْنى الحَدِيثِ الَّذِي قَدَّمْناهُ في حَظْرِ أخْذِ ما يَحْكُمُ لَهُ بِهِ الحاكِمُ إذا عَلِمَ أنَّهُ غَيْرُ مُسْتَحِقٌّ لَهُ؛ وفِيهِما فَوائِدُ أُخَرُ، مِنها: أنَّ قَوْلَهُ في حَدِيثِ زَيْنَبَ بِنْتِ أُمِّ سَلَمَةَ «أقْضِي لَهُ عَلى نَحْوٍ مِمّا أسْمَعُ» يَدُلُّ عَلى جَوازِ إقْرارِ المُقِرِّ بِما أقَرَّ بِهِ عَلى نَفْسِهِ؛ لِإخْبارِهِ أنَّهُ يَقْضِي بِما يَسْمَعُ؛ وكَذَلِكَ قَدِ اقْتَضى الحُكْمُ بِمُقْتَضى ما يَسْمَعُهُ مِن شَهادَةِ الشُّهُودِ واعْتِبارِ لَفْظِهِما فِيما يَقْتَضِيهِ ويُوجِبُهُ وقالَ في حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رافِعٍ هَذا: «اقْتَسِما وتَوَخَّيا الحَقَّ ثُمَّ اسْتَهِما» وهَذا الِاسْتِهامُ هو القُرْعَةُ الَّتِي يُقْرَعُ بِها عِنْدَ القِسْمَةِ. وفِيهِ دَلالَةٌ عَلى جَوازِ القُرْعَةِ في القِسْمَةِ والَّذِي ورَدَ التَّنْزِيلُ مِن حَظْرِ ما حَكَمَ لَهُ بِهِ الحاكِمُ إذا عَلِمَ المَحْكُومُ لَهُ أنَّهُ غَيْرُ مَحْكُومٍ لَهُ بِحَقٍّ قَدِ اتَّفَقَتِ الأُمَّةُ عَلَيْهِ فِيمَنِ ادَّعى حَقًّا في يَدَيْ رَجُلٍ وأقامَ بَيِّنَةً فَقَضى لَهُ، أنَّهُ غَيْرُ جائِزٍ لَهُ أخْذُهُ وأنَّ حُكْمَ الحاكِمِ لا يُبِيحُ لَهُ ما كانَ قَبْلَ ذَلِكَ مَحْظُورًا عَلَيْهِ. واخْتَلَفُوا في حُكْمِ الحاكِمِ بِعَقْدٍ أوْ فَسْخِ عَقْدٍ بِشَهادَةِ شُهُودٍ إذا عَلِمَ المَحْكُومُ لَهُ أنَّهم شُهُودُ زُورٍ، فَقالَ أبُو حَنِيفَةَ: " إذا حَكَمَ الحاكِمُ بِبَيِّنَةٍ بِعَقْدٍ أوْ فَسْخِ عَقْدٍ مِمّا يَصِحُّ أنْ يُبْتَدَأ فَهو نافِذٌ ويَكُونُ كَعَقْدٍ نافِذٍ عَقَداهُ بَيْنَهُما وإنْ كانَ الشُّهُودُ شُهُودَ زُورٍ " وقالَ أبُو يُوسُفَ ومُحَمَّدٌ والشّافِعِيُّ: حُكْمُ الحاكِمِ في الظّاهِرِ كَهو في الباطِنِ " . وقالَ أبُو يُوسُفَ: فَإنْ حَكَمَ بِفُرْقَةٍ لَمْ تَحِلَّ لِلْمَرْأةِ أنْ تَتَزَوَّجَ ولا يَقْرَبُها زَوْجُها أيْضًا " قالَ أبُو بَكْرٍ: رُوِيَ نَحْوُ قَوْلِ أبِي حَنِيفَةَ عَنْ عَلِيٍّ وابْنِ عُمَرَ والشَّعْبِيِّ، ذَكَرَ أبُو يُوسُفَ عَنْ عَمْرِو بْنِ المِقْدامِ عَنْ أبِيهِ أنَّ رَجُلًا مِنَ الحَيِّ خَطَبَ امْرَأةً وهو دُونَها في الحَسَبِ، فَأبَتْ أنْ تُزَوَّجَهُ، فادَّعى أنَّهُ تَزَوَّجَها وأقامَ شاهِدَيْنِ عِنْدَ عَلِيٍّ، فَقالَتْ: إنِّي لَمْ أتَزَوَّجْهُ، قالَ: قَدْ زَوَّجَكِ الشّاهِدانِ؛ فَأمْضى عَلَيْهِما النِّكاحَ. قالَ أبُو يُوسُفَ: وكَتَبَ إلَيَّ شُعْبَةُ بْنُ الحَجّاجِ يَرْوِيهِ عَنْ زَيْدٍ أنَّ رَجُلَيْنِ شَهِدا عَلى رَجْلٍ أنَّهُ طَلَّقَ امْرَأتَهُ بِزُورٍ، فَفَرَّقَ القاضِي بَيْنَهُما، ثُمَّ تَزَوَّجَها أحَدُ الشّاهِدَيْنِ، قالَ الشَّعْبِيُّ: ذَلِكَ جائِزٌ، وأمّا ابْنُ عُمَرَ فَإنَّهُ باعَ عَبْدًا بِالبَراءَةِ، فَرَفَعَهُ المُشْتَرِي إلى عُثْمانَ، فَقالَ عُثْمانُ: أتَحْلِفُ بِاللَّهِ ما بِعْتَهُ وبِهِ داءٌ كَتَمْتَهُ ؟ فَأبى أنْ يَحْلِفَ؛ فَرَدَّهُ عَلَيْهِ عُثْمانُ، فَباعَهُ مِن غَيْرِهِ بِفَضْلٍ كَثِيرٍ، فاسْتَجازَ ابْنُ عُمَرَ بَيْعَ العَبْدِ مَعَ عِلْمِهِ بِأنَّ باطِنَ ذَلِكَ الحُكْمِ خِلافُ (p-٣١٥)ظاهِرِهِ، وأنَّ عُثْمانَ لَوْ عَلِمَ مِنهُ مِثْلَ عِلْمِ ابْنِ عُمَرَ لَما رَدَّهُ، فَثَبَتَ بِذَلِكَ أنَّهُ كانَ مِن مَذْهَبِهِ أنَّ فَسْخَ الحاكِمِ العَقْدَ يُوجِبُ عَوْدَهُ إلى مِلْكِهِ وإنْ كانَ في الباطِنِ خِلافُهُ. ومِمّا يَدُلُّ عَلى صِحَّةِ قَوْلِ أبِي حَنِيفَةَ في ذَلِكَ حَدِيثُ ابْنِ عَبّاسٍ في قِصَةِ هِلالِ بْنِ أُمَيَّةَ ولِعانِ النَّبِيِّ ﷺ بَيْنَهُما، ثُمَّ قالَ: «إنْ جاءَتْ بِهِ عَلى صِفَةِ كَيْتَ وكَيْتَ فَهو لِهِلالِ بْنِ أُمَيَّةَ، وإنْ جاءَتْ بِهِ عَلى صِفَةٍ أُخْرى فَهو لِشَرِيكِ بْنِ سَحْماءَ الَّذِي رُمِيَتْ بِهِ فَجاءَتْ بِهِ عَلى الصِّفَةِ المَكْرُوهَةِ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ: لَوْلا ما مَضى مِنَ الأيْمانِ لَكانَ لِي ولَها شَأْنٌ» ولَمْ تَبْطُلِ الفُرْقَةُ الواقِعَةُ بِلِعانِهِما مَعَ عِلْمِهِ بِكَذِبِ المَرْأةِ وصِدْقِ الزَّوْجِ، فَصارَ ذَلِكَ أصْلًا في أنَّ العُقُودَ وفَسْخَها مَتى حَكَمَ بِها الحاكِمُ مِمّا لَوِ ابْتَدَأ أيْضًا بِحُكْمِ الحاكِمِ وقَعَ، ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ أيْضًا أنَّ الحاكِمَ مَأْمُورٌ بِإمْضاءِ الحُكْمِ عِنْدَ شَهادَةِ الشُّهُودِ الَّذِينَ ظاهِرُهُمُ العَدالَةُ، ولَوْ تَوَقَّفَ عَنْ إمْضاءِ الحُكْمِ بِما شَهِدَ بِهِ الشُّهُودُ مِن عَقْدٍ أوْ فَسْخِ عَقَدٍ لَكانَ آثِمًا تارِكًا لِحُكْمِ اللَّهِ تَعالى؛ لِأنَّهُ إنَّما كُلِّفَ الظّاهِرَ ولَمْ يُكَلَّفْ عِلْمَ الباطِنِ المُغَيَّبِ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى، وإذا مَضى الحُكْمُ بِالعَقْدِ صارَ ذَلِكَ كَعَقْدٍ مُبْتَدَأٍ بَيْنَهُما. وكَذَلِكَ إذا حَكَمَ بِالفَسْخِ صارَ كَفَسْخٍ فِيما بَيْنَهُما؛ وإنَّما نَفَذَ العَقْدُ والفَسْخُ إذا تَراضى المُتَعاقِدانِ بِحُكْمِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ بِذَلِكَ، وكَذَلِكَ حُكْمُ الحاكِمِ. فَإنْ قِيلَ: فَلَوْ حَكَمَ بِشَهادَةِ عَبِيدٍ لَمْ يَنْفُذْ حُكْمُهُ إذا تَبَيَّنَ مَعَ كَوْنِهِ مَأْمُورًا بِإمْضاءِ الحُكْمِ بِهِ، قِيلَ لَهُ: إنَّما لَمْ يَنْفُذْ حُكْمُهُ مِن قِبَلِ أنَّ الرِّقَّ مَعْنًى يَصِحُّ ثُبُوتُهُ مِن طَرِيقِ الحُكْمِ، وكَذَلِكَ الشِّرْكُ والحَدُّ في القَذْفِ، فَجازَ فَسْخُ حُكْمِ الحاكِمِ بِهِ بَعْدَ وُقُوعِهِ؛ ألا تَرى أنَّهُ يَصِحُّ قِيامُ البَيِّنَةِ بِهِ والخُصُومَةُ فِيهِ عِنْدَ الحاكِمِ ؟ فَلِذَلِكَ جازَ أنْ لا يَنْفُذَ حُكْمُ الحاكِمِ بِشَهادَةِ هَؤُلاءِ؛ لِوُجُودِ ما ذَكَرْنا مِنَ المَعانِي الَّتِي يَصِحُّ إثْباتُها، مِن طَرِيقِ الحُكْمِ، وأمّا الفِسْقُ وجَرْحُ الشَّهادَةِ مِن قِبَلِ أنَّهم شُهُودُ زُورٍ، فَلَيْسَ هو مَعْنًى يَصِحُّ إثْباتُهُ مِن طَرِيقِ الحُكْمِ ولا تُقْبَلُ فِيهِ الخُصُومَةُ، فَلَمْ يَنْفَسِخْ ما أمْضاهُ الحاكِمُ، فَإنْ ألْزَمْنا عَلى العَقْدِ وفَسْخِهِ الحُكْمَ بِمِلْكٍ مُطْلَقٍ ولَمْ نُبِحْ لَهُ أخْذَهُ لَمْ يَلْزَمْنا ذَلِكَ؛ لِأنَّ الحاكِمَ عِنْدَنا إنَّما يُحْكَمُ لَهُ بِالتَّسْلِيمِ لا بِالمِلْكِ؛ لِأنَّهُ لَوْ حَكَمَ بِالمِلْكِ لاحْتِيجَ إلى ذِكْرِ جِهَةِ المِلْكِ في شَهادَةِ الشُّهُودِ، فَلَمّا اتَّفَقَ الجَمِيعُ عَلى أنَّهُ تُقْبَلُ شَهادَةُ الشُّهُودِ مِن غَيْرِ ذِكْرِ جِهَةِ المِلْكِ دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ المَحْكُومَ بِهِ هو التَّسْلِيمُ، والحُكْمُ بِالتَّسْلِيمِ لَيْسَ بِسَبَبٍ لِنَقْلِ المِلْكِ؛ فَلِذَلِكَ كانَ الشَّيْءُ باقِيًا عَلى مِلْكِ مالِكِهِ. وقَوْلُهُ: ﴿لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِن أمْوالِ النّاسِ بِالإثْمِ وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ يَدُلُّ عَلى أنَّ ذَلِكَ فِيمَن عَلِمَ أنَّهُ أخَذَ ما لَيْسَ لَهُ، فَأمّا مَن لَمْ يَعْلَمْ فَجائِزٌ لَهُ أنْ يَأْخُذَهُ بِحُكْمِ الحاكِمِ (p-٣١٦)لَهُ بِالمالِ إذا قامَتْ بَيِّنَةٌ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ البَيِّنَةَ إذا قامَتْ بِأنَّ لِأبِيهِ المَيِّتِ عَلى هَذا ألْفَ دِرْهَمٍ أوْ أنَّ هَذِهِ الدّارَ تَرَكَها المَيِّتُ مِيراثًا، أنَّهُ جائِزٌ لِلْوارِثِ أنْ يَدَّعِيَ ذَلِكَ ويَأْخُذَهُ بِحُكْمِ الحاكِمِ لَهُ بِهِ وإنْ لَمْ يَعْلَمْ صِحَّةَ ذَلِكَ؛ إذْ هو غَيْرُ عالِمٍ بِأنَّهُ مُبْطِلٌ فِيما يَأْخُذُهُ، واللَّهُ تَعالى إنَّما ذَمَّ العالِمَ بِهِ إذا أخَذَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِن أمْوالِ النّاسِ بِالإثْمِ وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ومِمّا يَدُلُّ عَلى نَفاذِ حُكْمِ الحاكِمِ بِما وصَفْنا مِنَ العُقُودِ وفَسْخِها، اتِّفاقُ الجَمِيعِ عَلى أنَّ ما اخْتَلَفَ فِيهِ الفُقَهاءُ إذا حَكَمَ الحاكِمُ بِأحَدِ وُجُوهِ الِاخْتِلافِ نَفَذَ حُكْمُهُ وقُطِعَ ما أمْضاهُ تَسْوِيغُ الِاجْتِهادِ في رَدِّهِ، ووَسِعَ المَحْكُومَ لَهُ أخْذُهُ ولَمْ يَسَعِ المَحْكُومَ عَلَيْهِ مَنعُهُ، وإنْ كانَ اعْتِقادُهُما خِلافَهُ، كَنَحْوِ الشُّفْعَةِ بِالجِوارِ والنِّكاحِ بِغَيْرِ ولِيٍّ ونَحْوِهِما مِنِ اخْتِلافِ الفُقَهاءِ. بابُ الإهْلالِ

البقرة 2:189

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الأهِلَّةِ قُلْ هي مَواقِيتُ لِلنّاسِ والحَجِّ﴾، وإنَّما يُسَمّى هِلالًا في أوَّلِ ما يُرى وما قَرُبَ مِنهُ لِظُهُورِهِ في ذَلِكَ الوَقْتِ بَعْدَ خَفائِهِ؛ ومِنهُ الإهْلالُ بِالحَجِّ، وهو إظْهارُ التَّلْبِيَةِ، واسْتِهْلالُ الصَّبِيِّ: ظُهُورُ حَياتِهِ بِصَوْتٍ أوْ حَرَكَةٍ، ومِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ: إنَّ الإهْلالَ هو رَفْعُ الصَّوْتِ، وإنَّ إهْلالَ الهِلالِ مِن ذَلِكَ لِرَفْعِ الصَّوْتِ بِذِكْرِهِ عِنْدَ رُؤْيَتِهِ، والأوَّلُ أبْيَنُ وأظْهَرُ. ألا تَرى أنَّهم يَقُولُونَ: تَهَلَّلَ وجْهُهُ: إذا ظَهَرَ مِنهُ البِشْرُ والسُّرُورُ، ولَيْسَ هُناكَ صَوْتٌ مَرْفُوعٌ ؟ وقالَ تَأبَّطَ شَرًّا: ؎وإذا نَظَرْتَ إلى أسِرَّةِ وجْهِهِ بَرَقَتْ كَبَرْقِ العارِضِ المُتَهَلِّلِ يَعْنِي الظّاهِرَ. وقَدِ اخْتَلَفَ أهْلُ اللُّغَةِ في الوَقْتِ الَّذِي يُسَمّى هِلالًا، فَمِنهم مَن قالَ: يُسَمّى هِلالًا لِلَيْلَتَيْنِ مِنَ الشَّهْرِ، ومِنهم مَن قالَ: يُسَمّى لِثَلاثِ لَيالٍ ثُمَّ يُسَمّى قَمَرًا، وقالَ الأصْمَعِيُّ: يُسَمّى هِلالًا حَتّى يَحْجُرَ، وتَحْجِيرُهُ أنْ يَسْتَدِيرَ بِخُطَّةٍ دَقِيقَةٍ، ومِنهم مَن يَقُولُ: يُسَمّى هِلالًا حَتّى يُبْهِرَ ضَوْؤُهُ سَوادَ اللَّيْلِ، فَإذا غَلَبَ ضَوْؤُهُ سُمِّيَ قَمَرًا. قالُوا: وهَذا لا يَكُونُ إلّا في اللَّيْلَةِ السّابِعَةِ، وقالَ الزَّجّاجُ: الأكْثَرُ يُسَمُّونَهُ هِلالًا لِابْنِ لَيْلَتَيْنِ، وقِيلَ: إنَّ سُؤالَهم وقَعَ عَنْ وجْهِ الحِكْمَةِ في زِيادَةِ الأهِلَّةِ ونُقْصانِها، فَأجابَهم: إنَّها مَقادِيرُ لِما يَحْتاجُ إلَيْهِ النّاسُ في صَوْمِهِمْ وحَجِّهِمْ وعِدَدِ نِسائِهِمْ ومَحَلِّ الدُّيُونِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأُمُورِ، فَكانَتْ هَذِهِ مَنافِعَ عامَّةً لِجَمِيعِهِمْ وبِها عَرَفُوا الشُّهُورَ والسِّنِينَ وما لا يُحْصِيهِ مِنَ المَنافِعِ والمَصالِحِ غَيْرُ اللَّهِ تَعالى. وفِي هَذِهِ الآيَةِ دَلالَةٌ عَلى جَوازِ الإحْرامِ بِالحَجِّ في سائِرِ السَّنَةِ، لِعُمُومِ اللَّفْظِ في سائِرِ (p-٣١٧)الأهِلَّةِ أنَّها مَواقِيتُ لِلْحَجِّ، ومَعْلُومٌ أنَّهُ لَمْ يُرِدْ بِهِ أفْعالَ الحَجِّ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ المُرادُ الإحْرامَ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿الحَجُّ أشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ﴾ [البقرة: ١٩٧] لا يَنْفِي ما قُلْنا؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿الحَجُّ أشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ﴾ [البقرة: ١٩٧] فِيهِ ضَمِيرٌ لا يَسْتَغْنِي عَنْهُ الكَلامُ، وذَلِكَ لِاسْتِحالَةِ كَوْنِ الحَجِّ أشْهُرًا؛ لِأنَّ الحَجَّ هو فِعْلُ الحاجِّ، وفِعْلُ الحاجِّ لا يَكُونُ أشْهُرًا؛ لِأنَّ الأشْهُرَ إنَّما هي مُرُورُ الأوْقاتِ، ومُرُورُ الأوْقاتِ هو فِعْلُ اللَّهِ لَيْسَ بِفِعْلٍ لِلْحاجِّ، والحَجُّ فِعْلُ الحاجِّ؛ فَثَبَتَ أنَّ في الكَلامِ ضَمِيرًا لا يُسْتَغْنى عَنْهُ؛ ثُمَّ لا يَخْلُو ذَلِكَ الضَّمِيرُ مِن أنْ يَكُونَ فِعْلَ الحَجِّ أوِ الإحْرامِ بِالحَجِّ. ولَيْسَ لِأحَدٍ صَرْفُهُ إلى أحَدِ المَعْنَيَيْنِ دُونَ الآخَرِ إلّا بِدَلالَةٍ، فَلَمّا كانَ في اللَّفْظِ هَذا الِاحْتِمالُ لَمْ يَجُزْ تَخْصِيصُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ هي مَواقِيتُ لِلنّاسِ والحَجِّ﴾ بِهِ؛ إذْ غَيْرُ جائِزٍ لَنا تَخْصِيصُ العُمُومِ بِالِاحْتِمالِ، والوَجْهُ الآخَرُ: أنَّهُ إنْ كانَ المُرادُ إحْرامَ الحَجِّ فَلَيْسَ فِيهِ نَفْيٌ لِصِحَّةِ الإحْرامِ في غَيْرِها، وإنَّما فِيها إثْباتُ الإحْرامِ فِيها؛ وكَذَلِكَ نَقُولُ: إنَّ الإحْرامَ جائِزٌ فِيها بِهَذِهِ الآيَةِ وجائِزٌ في غَيْرِها بِالآيَةِ الأُخْرى؛ إذْ لَيْسَ في إحْداهُما ما يُوجِبُ تَخْصِيصَ الأُخْرى؛ والَّذِي يَقْتَضِيهِ ظاهِرُ اللَّفْظِ أنْ يَكُونَ المُرادُ أفْعالَ الحَجِّ لا إحْرامَهُ، إلّا أنَّ فِيهِ ضَمِيرَ حَرْفِ الظَّرْفِ وهو " في " فَمَعْناهُ حِينَئِذٍ: " الحَجُّ في أشْهُرٍ مَعْلُوماتٍ " وفِيهِ تَخْصِيصُ أفْعالِ الحَجِّ في هَذِهِ الأشْهُرِ دُونَ غَيْرِها، وكَذَلِكَ قالَ أصْحابُنا فِيمَن أحْرَمَ بِالحَجِّ قَبْلَ أشْهُرِ الحَجِّ فَطافَ لَهُ وسَعى بَيْنَ الصَّفا والمَرْوَةِ قَبْلَ أشْهُرِ الحَجِّ " إنَّ سَعْيَهُ ذَلِكَ لا يُجْزِيهِ وعَلَيْهِ أنْ يُعِيدَهُ؛ لِأنَّ أفْعالَ الحَجِّ لا تُجْزِي قَبْلَ أشْهُرِ الحَجِّ " فَعَلى هَذا يَكُونُ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿الحَجُّ أشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ﴾ [البقرة: ١٩٧] أنَّ أفْعالَهُ في أشْهُرِ الحَجِّ مَعْلُوماتٌ، وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الأهِلَّةِ قُلْ هي مَواقِيتُ لِلنّاسِ والحَجِّ﴾ عُمُومٌ في إحْرامِ الحَجِّ لا في أفْعالِ الحَجِّ المُوجِبَةِ، وغَيْرُ جائِزٍ أنْ يَكُونَ مُرادُهُ في قَوْلِهِ: ﴿قُلْ هي مَواقِيتُ لِلنّاسِ والحَجِّ﴾ أهِلَّةً مَخْصُوصَةً بِأشْهُرِ الحَجِّ. كَما لا يَجُوزُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الأهِلَّةُ في مَواقِيتِ النّاسِ وآجالِ دُيُونِهِمْ وصَوْمِهِمْ وفِطْرِهِمْ مَخْصُوصَةً بِأشْهُرِ الحَجِّ دُونَ غَيْرِها؛ فَلَمّا ثَبَتَ عُمُومُ المُرادِ في سائِرِ الأهِلَّةِ فِيما تَضَمَّنَهُ اللَّفْظُ مِن مَواقِيتِ النّاسِ، وجَبَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ حُكْمَهُ في الحَجِّ؛ لِأنَّ الأهِلَّةَ المَذْكُورَةَ لِمَواقِيتِ النّاسِ هي بِعَيْنِها الأهِلَّةُ المَذْكُورَةُ لِلْحَجِّ، وعَلى أنّا لَوْ حَمَلْناهُ عَلى أفْعالِ الحَجِّ وجَعَلْناها مَقْصُورَةَ المَعْنى عَلى المَذْكُورِ في الآيَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿الحَجُّ أشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ﴾ [البقرة: ١٩٧] لَأدّى ذَلِكَ إلى إسْقاطِ فائِدَتِهِ وإزالَةِ حُكْمِهِ وتَخْصِيصِ لَفْظِهِ بِغَيْرِ دَلالَةٍ تُوجِبُ الِاقْتِصارَ بِهِ عَلى مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿الحَجُّ أشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ﴾ [البقرة: ١٩٧] (p-٣١٨)فَلَمّا وجَبَ أنْ يُوَفّى كُلُّ لَفْظٍ حَقَّهُ مِمّا اقْتَضاهُ مِنَ الحُكْمِ والفائِدَةِ؛ وجَبَ أنْ يَكُونَ مَحْمُولًا عَلى سائِرِ الأهِلَّةِ وأنَّها مَواقِيتُ لِإحْرامِ الحَجِّ وسَنَتَكَلَّمُ في المَسْألَةِ عِنْدَ بُلُوغِنا إلَيْها إنْ شاءَ اللَّهُ. * * وقَوْلُهُ: ﴿قُلْ هي مَواقِيتُ لِلنّاسِ والحَجِّ﴾ قَدْ دَلَّ عَلى أنَّ العِدَّتَيْنِ إذا وجَبَتا مِن رَجُلٍ واحِدٍ يُكْتَفى فِيهِما بِمُضِيِّها لَهُما جَمِيعًا ولا تُسْتَأْنَفُ لِكُلِّ واحِدٍ مِنهُما حَيْضًا ولا شُهُورًا غَيْرَ مُدَّةِ الأُخْرى؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى لَمْ يُخَصِّصْ إحْداهُما حِينَ جَعَلَها وقْتًا لِجَمِيعِ النّاسِ بِبَعْضِهِ دُونَ بَعْضٍ، ومُضِيُّ مُدَّةِ العِدَّةِ هو وقْتٌ لِكُلِّ واحِدَةٍ مِنهُما لِقَوْلِهِ: ﴿فَما لَكم عَلَيْهِنَّ مِن عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَها﴾ [الأحزاب: ٤٩] فَجَعَلَ العِدَّةَ حَقًّا لِلزَّوْجِ، ثُمَّ لَمّا كانَتِ العِدَّةُ مُرُورَ الأوْقاتِ، وقَدْ جَعَلَ اللَّهُ الأهِلَّةَ وقْتًا لِلنّاسِ كُلِّهِمْ وجَبَ أنْ يُكْتَفى بِمُضِيِّ مُدَّةٍ واحِدَةٍ لِلْعِدَّتَيْنِ؛ ألا تَرى أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿قُلْ هي مَواقِيتُ لِلنّاسِ﴾ قَدْ عُقِلَ مِن مَفْهُومِ خِطابِهِ أنَّها تَكُونُ مُدَّةً لِإجارَةِ جَمِيعِ النّاسِ ومَحَلًّا لِجَمِيعِ دُيُونِهِمْ، وإنْ كانَ واحِدٌ مِنهم لا يَحْتاجُ إلى أنْ يَخْتَصَّ لِنَفْسِهِ بِبَعْضِ الأهِلَّةِ دُونَ بَعْضٍ ؟ كَذَلِكَ مَفْهُومُ الآيَةِ في العِدَّةِ قَدِ اقْتَضى مُضِيَّ مُدَّةٍ واحِدَةٍ لِرَجُلَيْنِ. وقَدْ دَلَّ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ هي مَواقِيتُ لِلنّاسِ﴾ عَلى أنَّ العِدَّةَ إذا كانَ ابْتِداؤُها بِالهِلالِ وكانَتْ بِالشُّهُورِ أنَّهُ إنَّما يَجِبُ اسْتِيفاؤُها بِالأهِلَّةِ ثَلاثَةَ أشْهُرٍ إنْ كانَتْ ثَلاثَةً، وإنْ كانَتْ عِدَّةَ الوَفاةِ فَأرْبَعَةُ أشْهُرٍ بِالأهِلَّةِ وأنْ لا تُعْتَبَرَ عَدَدَ الأيّامِ، وكَذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ شَهْرَ الصَّوْمِ مُعْتَبَرٌ بِالهِلالِ في ابْتِدائِهِ وانْتِهائِهِ، وأنَّهُ إنَّما يُرْجَعُ إلى العَدَدِ عِنْدَ فَقْدِ رُؤْيَةِ الهِلالِ، ويَدُلُّ أيْضًا عَلى أنَّ مَن آلى مِنِ امْرَأتِهِ في أوَّلِ الشَّهْرِ أنَّ مُضِيَّ الأرْبَعَةِ الأشْهُرِ مُعْتَبَرٌ بِالأهِلَّةِ في إيقاعِ الطَّلاقِ دُونَ اعْتِبارِ الثَّلاثِينَ، وكَذَلِكَ هَذا في الإجاراتِ والأيْمانِ وآجالِ الدُّيُونِ، مَتى كانَ ابْتِداؤُها بِالهِلالِ كانَ جَمِيعُها كَذَلِكَ وسَقَطَ اعْتِبارُ عَدَدِ الثَّلاثِينَ؛ وبِذَلِكَ حَكَمَ النَّبِيُّ ﷺ: «صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وأفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ فَإنْ غُمَّ عَلَيْكم فَعُدُّوا ثَلاثِينَ» بِالرُّجُوعِ إلى اعْتِبارِ العَدَدِ عِنْدَ فَقْدِ الرُّؤْيَةِ. وأمّا قَوْلُهُ: ﴿ولَيْسَ البِرُّ بِأنْ تَأْتُوا البُيُوتَ مِن ظُهُورِها﴾ فَإنَّهُ قَدْ قِيلَ فِيهِ ما حَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إسْحاقَ المَرْوَزِيِّ قالَ: حَدَّثَنا الحَسَنُ بْنُ أبِي الرَّبِيعِ الجُرْجانِيُّ قالَ: أخْبَرَنا عَبْدُ الرَّزّاقِ قالَ: أخْبَرَنا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ قالَ: " كانَ ناسٌ مِنَ الأنْصارِ إذا أهَلُّوا بِالعُمْرَةِ لَمْ يَحُلْ بَيْنَهم وبَيْنَ السَّماءِ شَيْءٌ ويَتَحَرَّجُونَ مِن ذَلِكَ، وكانَ الرَّجُلُ يَخْرُجُ مُهِلّا بِالعُمْرَةِ فَيَبْدُو لَهُ الحاجَةُ بَعْدَما يَخْرُجُ مِن بَيْتِهِ فَيَرْجِعُ ولا يَدْخُلُ مِن بابِ الحُجْرَةِ مِن أجْلِ سَقْفِ البابِ أنْ يَحُولَ بَيْنَهُ وبَيْنَ السَّماءِ، فَيَفْتَحُ الجِدارَ مِن ورائِهِ ثُمَّ يَقُومُ عَلى حُجْرَتِهِ فَيَأْمُرُ (p-٣١٩)بِحاجَتِهِ فَيَخْرُجُ مِن بَيْتِهِ " وبَلَغَنا «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أهَلَّ مِن الحُدَيْبِيَةِ بِالعُمْرَةِ فَدَخَلَ حُجْرَتَهُ، فَدَخَلَ في إثْرِهِ رَجُلٌ مِن الأنْصارِ مِن بَنِي سَلَمَةَ، فَقالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: إنِّي أحْمَسُ قالَ الزُّهْرِيُّ: وكانَتِ الحُمْسُ لا يُبالُونَ ذَلِكَ فَقالَ الأنْصارِيُّ: وأنا أحْمَسُ يَقُولُ وأنا عَلى دِينِكَ فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ولَيْسَ البِرُّ بِأنْ تَأْتُوا البُيُوتَ مِن ظُهُورِها﴾» ورَوى ابْنُ عَبّاسٍ والبَراءُ وقَتادَةُ وعَطاءٌ: " أنَّهُ كانَ قَوْمٌ مِنَ الجاهِلِيَّةِ إذا أحْرَمُوا نَقَبُوا في ظُهُورِ بُيُوتِهِمْ نَقْبًا يَدْخُلُونَ مِنهُ ويَخْرُجُونَ، فَنُهُوا عَنِ التَّدَيُّنِ بِذَلِكَ وأُمِرُوا أنْ يَأْتُوا البُيُوتَ مِن أبْوابِها " وقِيلَ فِيهِ: إنَّهُ مَثَلٌ ضَرَبَهُ اللَّهُ لَهم بِأنْ يَأْتُوا البِرَّ مِن وجْهِهِ، وهو الوَجْهُ الَّذِي أمَرَ اللَّهُ تَعالى بِهِ، ولَيْسَ يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ مُرادُ اللَّهِ تَعالى بِهِ جَمِيعَ ذَلِكَ، فَيَكُونُ فِيهِ بَيانُ أنَّ إتْيانَ البُيُوتِ مِن ظُهُورِها لَيْسَ بِقُرْبَةٍ إلى اللَّهِ تَعالى، ولا هو مِمّا شَرَعَهُ ولا نَدَبَ إلَيْهِ، ويَكُونُ مَعَ ذَلِكَ مَثَلًا أرْشَدَنا بِهِ إلى أنْ نَأْتِيَ الأُمُورَ مِن مَأْتاها الَّذِي أمَرَ اللَّهُ تَعالى بِهِ ونَدَبَ إلَيْهِ. وفِيهِ بَيانُ أنَّ ما لَمْ يَشْرَعْهُ قُرْبَةً ولا نَدَبَ إلَيْهِ لا يَصِيرُ قُرْبَةً ولا دِينًا بِأنْ يَتَقَرَّبَ بِهِ مُتَقَرِّبٌ ويَعْتَقِدَهُ دِينًا ونَظِيرُهُ مِنَ السُّنَّةِ ما رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مِن «نَهْيِهِ عَنْ صَمْتِ يَوْمٍ إلى اللَّيْلِ» «وأنَّهُ رَأى رَجُلًا في الشَّمْسِ فَقالَ: ما شَأْنُهُ ؟ فَقِيلَ: إنَّهُ نَذَرَ أنْ يَقُومَ في الشَّمْسِ؛ فَأمَرَهُ بِأنْ يَتَحَوَّلَ إلى الفَيْءِ»، وأنَّهُ ﷺ «نَهى عَنِ الوِصالِ»؛ لِأنَّ اللَّيْلَ لا صَوْمَ فِيهِ، فَنَهى أنْ يُعْتَقَدَ صَوْمُهُ وتَرْكُ الأكْلِ فِيهِ قُرْبَةٌ، وهَذا كُلُّهُ أصْلٌ في أنَّ مَن نَذَرَ ما لَيْسَ بِقُرْبَةٍ لَمْ يَلْزَمْهُ بِالنَّذْرِ ولا يَصِيرُ قُرْبَةً بِالإيجابِ ويَدُلُّ أيْضًا عَلى أنَّ ما لَيْسَ لَهُ أصْلٌ في الوُجُوبِ وإنْ كانَ قُرْبَةً لا يَصِيرُ واجِبًا بِالنَّذْرِ، نَحْوُ عِيادَةِ المَرِيضِ وإجابَةِ الدَّعْوَةِ والمَشْيِ إلى المَسْجِدِ والقُعُودِ فِيهِ، واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.

البقرة 2:190

بابُ فَرْضِ الجِهادِ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وقاتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكم ولا تَعْتَدُوا إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ المُعْتَدِينَ﴾ قالَ أبُو بَكْرٍ: لَمْ تَخْتَلِفِ الأُمَّةُ أنَّ القِتالَ كانَ مَحْظُورًا قَبْلَ الهِجْرَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هي أحْسَنُ فَإذا الَّذِي بَيْنَكَ وبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأنَّهُ ولِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [فصلت: ٣٤] ﴿وما يُلَقّاها إلا الَّذِينَ صَبَرُوا وما يُلَقّاها إلا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [فصلت: ٣٥] وقَوْلِهِ: ﴿فاعْفُ عَنْهم واصْفَحْ﴾ [المائدة: ١٣] وقَوْلِهِ: ﴿وجادِلْهم بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾ [النحل: ١٢٥] وقَوْلِهِ: ﴿فَإنْ تَوَلَّوْا فَإنَّما عَلَيْكَ البَلاغُ المُبِينُ﴾ [النحل: ٨٢] وقَوْلِهِ: ﴿وإذا خاطَبَهُمُ الجاهِلُونَ قالُوا سَلامًا﴾ [الفرقان: ٦٣] ورَوى عَمْرُو بْنُ دِينارٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، أنَّ «عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ وأصْحابًا لَهُ كانَتْ أمْوالُهم بِمَكَّةَ فَقالُوا: يا رَسُولَ اللَّهِ كُنّا في عِزَّةٍ ونَحْنُ مُشْرِكُونَ (p-٣٢٠)فَلَمّا آمَنّا صِرْنا أذِلّاءَ، فَقالَ ﷺ: إنِّي أُمِرْتُ بِالعَفْوِ فَلا تُقاتِلُوا القَوْمَ» فَلَمّا حَوَّلَهُ إلى المَدِينَةِ أُمِرُوا بِالقِتالِ فَكَفُّوا، فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ قِيلَ لَهم كُفُّوا أيْدِيَكم وأقِيمُوا الصَّلاةَ وآتُوا الزَّكاةَ فَلَمّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ القِتالُ إذا فَرِيقٌ مِنهم يَخْشَوْنَ النّاسَ﴾ [النساء: ٧٧] وحَدَّثَنا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الواسِطِيُّ قالَ: حَدَّثَنا أبُو الفَضْلِ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ اليَمانِ قالَ: حَدَّثَنا أبُو عُبَيْدٍ قالَ: حَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صالِحٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طَلْحَةَ، عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ في قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ [الغاشية: ٢٢] وقَوْلِهِ: ﴿وما أنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبّارٍ﴾ [ق: ٤٥] وقَوْلِهِ: ﴿فاعْفُ عَنْهم واصْفَحْ﴾ [المائدة: ١٣] وقَوْلِهِ: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لا يَرْجُونَ أيّامَ اللَّهِ﴾ [الجاثية: ١٤] قالَ: نَسَخَ هَذا كُلَّهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ولا بِاليَوْمِ الآخِرِ﴾ [التوبة: ٢٩] إلى قَوْلِهِ: ﴿صاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩] . وقَدِ اخْتَلَفَ السَّلَفُ في أوَّلِ آيَةٍ نَزَلَتْ في القِتالِ، فَرُوِيَ عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أنَسٍ وغَيْرِهِ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وقاتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ﴾ أوَّلُ آيَةٍ نَزَلَتْ. ورُوِيَ عَنْ جَماعَةٍ آخَرِينَ، مِنهم أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ والزُّهْرِيُّ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: أنَّ أوَّلَ آيَةٍ نَزَلَتْ في القِتالِ ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأنَّهم ظُلِمُوا﴾ [الحج: ٣٩] الآيَةُ؛ وجائِزٌ أنْ يَكُونَ ﴿وقاتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أوَّلَ آيَةٍ نَزَلَتْ في إباحَةِ قِتالِ مَن قاتَلَهم، والثّانِيَةُ في الإذْنِ في القِتالِ عامَّةً لِمَن قاتَلَهم ومَن لَمْ يُقاتِلْهم مِنَ المُشْرِكِينَ. وقَدِ اخْتُلِفَ في مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿وقاتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ﴾ فَقالَ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ: " هي أوَّلُ آيَةٍ نَزَلَتْ في القِتالِ بِالمَدِينَةِ، «وكانَ النَّبِيُّ ﷺ بَعْدَ ذَلِكَ يُقاتِلُ مَن قاتَلَهُ مِنَ المُشْرِكِينَ ويَكُفُّ عَمَّنْ كَفَّ عَنْهُ إلى أنْ أُمِرَ بِقِتالِ الجَمِيعِ»، قالَ أبُو بَكْرٍ: وهو عِنْدَهُ بِمَنزِلَةِ قَوْلِهِ: ﴿فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكم فاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ ما اعْتَدى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤] وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ أُمِرَ أبُو بَكْرٍ بِقِتالِ الشَّمامِسَةِ؛ لِأنَّهم يَشْهَدُونَ القِتالَ وأنَّ الرُّهْبانَ مِن رَأْيِهِمْ أنْ لا يُقاتِلُوا، فَأمَرَ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْهُ بِأنْ لا يُقاتَلُوا " وقَدْ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وقاتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ﴾ فَكانَتِ الآيَةُ عَلى تَأْوِيلِهِ ثابِتَةَ الحُكْمِ لَيْسَ فِيها نَسْخٌ، وعَلى قَوْلِ الرَّبِيعِ بْنِ أنَسٍ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ والمُسْلِمِينَ كانُوا مَأْمُورِينَ بَعْدَ نُزُولِ الآيَةِ بِقِتالِ مَن قاتَلَ دُونَ مَن كَفَّ، سَواءٌ كانَ مِمَّنْ يَتَدَيَّنُ بِالقِتالِ أوْ لا يَتَدَيَّنُ. ورُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزِيزِ في قَوْلِهِ: ﴿وقاتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ﴾ أنَّهُ في النِّساءِ والذُّرِّيَّةِ ومَن لَمْ يَنْصِبْ لَكَ الحَرْبَ مِنهم، كَأنَّهُ ذَهَبَ إلى أنَّ المُرادَ بِهِ مَن لَمْ يَكُنْ مِن أهْلِ القِتالِ في الأغْلَبِ لِضَعْفِهِ وعَجْزِهِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ حالُ النِّساءِ والذُّرِّيَّةِ؛ وقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ (p-٣٢١)فِي آثارٍ شائِعَةٍ النَّهْيُ عَنْ قَتْلِ النِّساءِ والوِلْدانِ. ورُوِيَ عَنْهُ أيْضًا النَّهْيُ عَنْ قَتْلِ أصْحابِ الصَّوامِعِ رَواهُ داوُدُ بْنُ الحُصَيْنِ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، فَإنْ كانَ مَعْنى الآيَةِ عَلى ما قالَ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ أنَّهُ أُمِرَ فِيها بِقِتالِ مَن قاتَلَ والكَفِّ عَمَّنْ لا يُقاتِلُ، فَإنَّ قَوْلَهُ: ﴿قاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكم مِنَ الكُفّارِ﴾ [التوبة: ١٢٣] ناسِخٌ لِمَن يَلِي، وحُكْمُ الآيَةِ كانَ باقِيًا فِيمَن لا يَلِينا مِنهم، ثُمَّ لَمّا نَزَلَ قَوْلُهُ: ﴿واقْتُلُوهم حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهم وأخْرِجُوهم مِن حَيْثُ أخْرَجُوكُمْ﴾ [البقرة: ١٩١] إلى قَوْلِهِ: ﴿ولا تُقاتِلُوهم عِنْدَ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ [البقرة: ١٩١] فَكانَ ذَلِكَ أعَمَ٢ مِنَ الأوَّلِ الَّذِي فِيهِ الأمْرُ بِقِتالِ مَن يَلِيَنا دُونَ مَن لا يَلِينا، إلّا أنَّ فِيهِ ضَرْبًا مِنَ التَّخْصِيصِ بِحَظْرِهِ القِتالَ عِنْدَ المَسْجِدِ الحَرامِ إلّا عَلى شَرْطِ أنْ يُقاتِلُونا فِيهِ بِقَوْلِهِ: ﴿ولا تُقاتِلُوهم عِنْدَ المَسْجِدِ الحَرامِ حَتّى يُقاتِلُوكم فِيهِ فَإنْ قاتَلُوكم فاقْتُلُوهُمْ﴾ [البقرة: ١٩١] ثُمَّ أنْزَلَ اللَّهُ فَرْضَ قِتالِ المُشْرِكِينَ كافَّةً بِقَوْلِهِ: ﴿وقاتِلُوا المُشْرِكِينَ كافَّةً كَما يُقاتِلُونَكم كافَّةً﴾ [التوبة: ٣٦] وقَوْلِهِ: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِتالُ وهو كُرْهٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢١٦] وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإذا انْسَلَخَ الأشْهُرُ الحُرُمُ فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] فَمِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ إنَّ قَوْلَهُ: ﴿ولا تُقاتِلُوهم عِنْدَ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ [البقرة: ١٩١] مَنسُوخٌ بِقَوْلِهِ: ﴿فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] ومِنهم مَن يَقُولُ: هَذا الحُكْمُ ثابِتٌ، لا يُقاتَلُ في الحَرَمِ إلّا مَن قاتَلَ، ويُؤَيِّدُ ذَلِكَ ما رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ: «إنَّ مَكَّةَ حَرامٌ حَرَّمَها اللَّهُ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَواتِ والأرْضِ فَإنْ تَرَخَّصَ مُتَرَخِّصٌ بِقِتالِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِيها، فَإنَّما أُحِلَّتْ لَهُ ساعَةً مِن نَهارٍ ثُمَّ عادَتْ حَرامًا إلى يَوْمِ القِيامَةِ» فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ حُكْمَ الآيَةِ باقٍ غَيْرُ مَنسُوخٍ وأنَّهُ لا يَحِلُّ أنْ نَبْتَدِئَ فِيها بِالقِتالِ لِمَن لَمْ يُقاتِلْ، وقَدْ كانَ القِتالُ مَحْظُورًا في الشَّهْرِ الحَرامِ بِقَوْلِهِ: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الحَرامِ قِتالٍ فِيهِ قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وصَدٌّ﴾ [البقرة: ٢١٧] ثُمَّ نُسِخَ بِقَوْلِهِ ﴿فَإذا انْسَلَخَ الأشْهُرُ الحُرُمُ فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] ومِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ: هو غَيْرُ مَنسُوخٍ والحَظْرُ باقٍ. وأمّا قَوْلُهُ: ﴿واقْتُلُوهم حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهم وأخْرِجُوهم مِن حَيْثُ أخْرَجُوكُمْ﴾ [البقرة: ١٩١] فَإنَّهُ أمْرٌ بِقَتْلِ المُشْرِكِينَ إذا أُظْفِرْنا بِهِمْ، وهي عامَّةٌ في قِتالِ سائِرِ المُشْرِكِينَ مَن قاتَلَنا مِنهم ومَن لَمْ يُقاتِلْنا بَعْدَ أنْ يَكُونُوا مِن أهْلِ القِتالِ؛ لِأنَّهُ لا خِلافَ أنَّ قَتْلَ النِّساءِ والذَّرارِيِّ مَحْظُورٌ، وقَدْ نَهى عَنْهُ النَّبِيُّ ﷺ وعَنْ قَتْلِ أهْلِ الصَّوامِعِ فَإنْ كانَ المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿وقاتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ﴾ الأمْرَ بِقِتالِ مَن قاتَلَنا مِمَّنْ هو مِن أهْلِ القِتالِ دُونَ مَن كَفَّ عَنّا مِنهم، وكانَ قَوْلُهُ: ﴿ولا تَعْتَدُوا إنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ المُعْتَدِينَ﴾ نَهْيًا عَنْ قِتالِ مَن لَمْ يُقاتِلْنا، فَهي لا مَحالَةَ (p-٣٢٢)مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ: ﴿واقْتُلُوهم حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾ [البقرة: ١٩١] لِإيجابِهِ قَتْلَ مَن حُظِرَ قَتْلُهُ في الآيَةِ الأُولى بِقَوْلِهِ: ﴿وقاتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكم ولا تَعْتَدُوا﴾ إذْ كانَ الِاعْتِداءُ في هَذا المَوْضِعِ هو قِتالُ مَن لَمْ يُقاتِلْ، وقَوْلُهُ: ﴿وأخْرِجُوهم مِن حَيْثُ أخْرَجُوكُمْ﴾ [البقرة: ١٩١] يَعْنِي واللَّهُ أعْلَمُ: مِن مَكَّةَ إنْ أمْكَنَكم ذَلِكَ؛ لِأنَّهم قَدْ كانُوا آذَوُا المُسْلِمِينَ بِمَكَّةَ حَتّى اضْطَرُّوهم إلى الخُرُوجِ فَكانُوا مُخْرِجِينَ لَهم، وقَدْ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وإذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أوْ يَقْتُلُوكَ أوْ يُخْرِجُوكَ﴾ [الأنفال: ٣٠] فَأمَرَهُمُ اللَّهُ تَعالى عِنْدَ فَرْضِهِ القِتالَ بِإخْراجِهِمْ إذا تَمَكَّنُوا مِن ذَلِكَ؛ إذْ كانُوا مَنهِيِّينَ عَنِ القِتالِ فِيها إلّا أنْ يُقاتِلُوهم، فَيَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿واقْتُلُوهم حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾ [البقرة: ١٩١] عامًّا في سائِرِ المُشْرِكِينَ إلّا فِيمَن كانَ بِمَكَّةَ، فَإنَّهم أُمِرُوا بِإخْراجِهِمْ مِنها إلّا لِمَن قاتَلَهم، فَإنَّهُ أُمِرَ بِقِتالِهِمْ حِينَئِذٍ؛ والدَّلِيلُ عَلى ذَلِكَ قَوْلُهُ في نَسَقِ التِّلاوَةِ: ﴿ولا تُقاتِلُوهم عِنْدَ المَسْجِدِ الحَرامِ حَتّى يُقاتِلُوكم فِيهِ﴾ [البقرة: ١٩١] فَثَبَتَ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿واقْتُلُوهم حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ﴾ [البقرة: ١٩١] فِيمَن كانَ بِغَيْرِ مَكَّةَ.

البقرة 2:191

وقَوْلُهُ: ﴿والفِتْنَةُ أشَدُّ مِنَ القَتْلِ﴾ رُوِيَ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ السَّلَفِ أنَّ المُرادَ بِالفِتْنَةِ هاهُنا الكُفْرُ، وقِيلَ إنَّهم كانُوا يَفْتِنُونَ المُؤْمِنِينَ بِالتَّعْذِيبِ ويُكْرِهُونَهم عَلى الكُفْرِ، ثُمَّ عَيَّرُوا المُؤْمِنِينَ بِأنْ قَتَلَ واقِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وهو مِن أصْحابِ النَّبِيِّ ﷺ عَمْرَو بْنَ الحَضْرَمِيِّ وكانَ مُشْرِكًا في الشَّهْرِ الحَرامِ، وقالُوا: قَدِ اسْتَحَلَّ مُحَمَّدٌ القِتالَ في الشَّهْرِ الحَرامِ؛ فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿والفِتْنَةُ أشَدُّ مِنَ القَتْلِ﴾ يَعْنِي: كُفْرُهم وتَعْذِيبُهُمُ المُؤْمِنِينَ في البَلَدِ الحَرامِ وفي الشَّهْرِ الحَرامِ أشَدُّ وأعْظَمُ مَأْثَمًا مِنَ القَتْلِ في الشَّهْرِ الحَرامِ. وأمّا قَوْلُهُ: ﴿ولا تُقاتِلُوهم عِنْدَ المَسْجِدِ الحَرامِ حَتّى يُقاتِلُوكم فِيهِ﴾ فَإنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿حَتّى يُقاتِلُوكم فِيهِ﴾ حَتّى يَقْتُلُوا بَعْضَكم، كَقَوْلِهِ: ﴿ولا تَلْمِزُوا أنْفُسَكُمْ﴾ [الحجرات: ١١] يَعْنِي " بَعْضُكم بَعْضًا "؛ إذْ غَيْرُ جائِزٍ أنْ يَأْمُرَ بِقَتْلِهِمْ بَعْدَ أنْ يَقْتُلُوهم كُلَّهم، وقَدْ أفادَتِ الآيَةُ حَظْرَ القَتْلِ بِمَكَّةَ لِمَن لَمْ يُقْتَلْ فِيها، فَيُحْتَجُّ بِها في حَظْرِ قَتْلِ المُشْرِكِ الحَرْبِيِّ إذا لَجَأ إلَيْها ولَمْ يُقاتِلْ، ويُحْتَجُّ أيْضًا بِعُمُومِها فِيمَن قَتَلَ ولَجَأ إلى الحَرَمِ في أنَّهُ لا يُقْتَلُ؛ لِأنَّ الآيَةَ لَمْ تُفَرِّقْ بَيْنَ مَن قَتَلَ وبَيْنَ مَن لَمْ يَقْتُلْ في حَظْرِ قَتْلِ الجَمِيعِ، فَلَزِمَ بِمَضْمُونِ الآيَةِ أنْ لا نَقْتُلَ مَن وجَدْنا في الحَرَمِ سَواءٌ كانَ قاتِلًا أوْ غَيْرَ قاتِلٍ إلّا أنْ يَكُونَ قَدْ قَتَلَ في الحَرَمِ، فَحِينَئِذٍ يُقْتَلُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَإنْ قاتَلُوكم فاقْتُلُوهُمْ﴾ فَإنْ قِيلَ: هو مَنسُوخٌ بِقَوْلِهِ: ﴿وقاتِلُوهم حَتّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ ويَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٣] قِيلَ لَهُ: إذا أمْكَنَ اسْتِعْمالُها لَمْ يَثْبُتِ النَّسْخُ، لا سِيَّما مَعَ اخْتِلافِ النّاسِ في نَسْخِهِ، فَيَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿وقاتِلُوهم حَتّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ [البقرة: ١٩٣] في غَيْرِ الحَرَمِ، نَظِيرُهُ في حَظْرِ (p-٣٢٣)قَتْلِ مَن لَجَأ إلى الحَرَمِ وإنْ كانَ جانِيًا، قَوْلُهُ: ﴿ومَن دَخَلَهُ كانَ آمِنًا﴾ [آل عمران: ٩٧] وقَدْ تَضَمَّنَ ذَلِكَ أمْنًا مِن خَوْفِ القَتْلِ، فَدَلَّ عَلى أنَّ المُرادُ: مَن دَخَلَهُ وقَدِ اسْتَحَقَّ القَتْلَ أنَّهُ يَأْمَنُ بِدُخُولِهِ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وإذْ جَعَلْنا البَيْتَ مَثابَةً لِلنّاسِ وأمْنًا﴾ [البقرة: ١٢٥] كُلُّ ذَلِكَ دالٌّ عَلى أنَّ اللّاجِئَ إلى الحَرَمِ المُسْتَحِقَّ لِلْقَتْلِ يَأْمَنُ بِهِ ويَزُولُ عَنْهُ القَتْلُ بِمَصِيرِهِ إلَيْهِ ومَعَ ذَلِكَ فَإنَّ قَوْلَهُ: ﴿وقاتِلُوهم حَتّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ ويَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٣] إذا كانَ نازِلًا مَعَ أوَّلِ الخِطابِ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿ولا تُقاتِلُوهم عِنْدَ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ فَغَيْرُ جائِزٍ أنْ يَكُونَ ناسِخًا لَهُ؛ لِأنَّ النَّسْخَ لا يَصِحُّ إلّا بَعْدَ التَّمَكُّنِ مِنَ الفِعْلِ، وغَيْرُ جائِزٍ وُجُودُ النّاسِخِ والمَنسُوخِ في خِطابٍ واحِدٍ، وإذا كانَ الجَمِيعُ مَذْكُورًا في خِطابٍ واحِدٍ عَلى ما يَقْتَضِيهِ نَسَقُ التِّلاوَةِ ونِظامُ التَّنْزِيلِ، فَغَيْرُ جائِزٍ لِأحَدٍ إثْباتُ تارِيخِ الآيَتَيْنِ وتَراخِي نُزُولِ إحْداهُما عَنِ الأُخْرى إلّا بِالنَّقْلِ الصَّحِيحِ. ولا يُمْكِنُ أحَدًا دَعْوى نَقْلٍ صَحِيحٍ في ذَلِكَ؛ وإنَّما رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أنَسٍ فَقالَ: هو مَنسُوخٌ بِقَوْلِهِ: ﴿وقاتِلُوهم حَتّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ [البقرة: ١٩٣] وقالَ قَتادَةُ: هو مَنسُوخٌ بِقَوْلِهِ: ﴿فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] وجائِزٌ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ، تَأْوِيلًا مِنهُ ورَأْيًا؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] لا مَحالَةَ نَزَلَ بَعْدَ سُورَةِ البَقَرَةِ لا يَخْتَلِفُ أهْلُ النَّقْلِ في ذَلِكَ، ولَيْسَ فِيهِ مَعَ ذَلِكَ دَلالَةٌ عَلى النَّسْخِ لِإمْكانِ اسْتِعْمالِهِما بِأنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥] مُرَتَّبًا عَلى قَوْلِهِ: ﴿ولا تُقاتِلُوهم عِنْدَ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ فَيَصِيرُ قَوْلُهُ: اُقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهم إلّا عِنْدَ المَسْجِدِ الحَرامِ، إلّا أنْ يُقاتِلُوكم فِيهِ فَإنْ قاتَلُوكم فاقْتُلُوهم، ويَدُلُّ عَلَيْهِ أيْضًا حَدِيثُ ابْنِ عَبّاسٍ وأبِي شُرَيْحٍ الخُزاعِيِّ وأبِي هُرَيْرَةَ، «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَطَبَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ فَقالَ: يا أيُّها النّاسُ إنَّ اللَّهَ تَعالى حَرَّمَ مَكَّةَ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَواتِ والأرْضَ لَمْ تَحِلَّ لِأحَدٍ قَبْلِي ولا تَحِلُّ لِأحَدٍ بَعْدِي، وإنَّما أُحِلَّتْ لِي ساعَةً مِن نَهارٍ ثُمَّ عادَتْ حَرامًا إلى يَوْمِ القِيامَةِ» وفي بَعْضِ الأخْبارِ: «فَإنْ تَرَخَّصَ مُتَرَخِّصٌ بِقِتالِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَإنَّما أُحِلَّتْ لِي ساعَةً مِن نَهارٍ» فَثَبَتَ بِذَلِكَ حَظْرُ القِتالِ في الحَرَمِ إلّا أنْ يُقاتَلُوا، وقَدْ رَوى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إدْرِيسَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إسْحاقَ قالَ: حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ أبِي سَعِيدٍ المَقْبُرِيُّ عَنْ أبِي شُرَيْحٍ الخُزاعِيِّ هَذا الحَدِيثَ، وقالَ فِيهِ: «وإنَّما أُحِلَّ لِيَ القِتالُ بِها ساعَةً مِن نَهارٍ»، ويَدُلُّ عَلَيْهِ أيْضًا ما رُوِيَ عَنِ «النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ خَطَبَ يَوْمَئِذٍ حِينَ قَتَلَ رَجْلٌ مِن خُزاعَةَ رَجُلًا مِن هُذَيْلٍ، ثُمَّ قالَ: إنَّ أعْتى النّاسِ عَلى اللَّهِ ثَلاثَةٌ رَجُلٌ قَتَلَ غَيْرَ قاتِلِهِ، ورَجُلٌ قَتَلَ في الحَرَمِ، ورَجُلٌ قَتَلَ بِذَحْلِ الجاهِلِيَّةِ» وهَذا يَدُلُّ عَلى (p-٣٢٤)تَحْرِيمِ القَتْلِ في الحَرَمِ لِمَن لَمْ يَجْنِ فِيهِ مِن وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: عُمُومُ الذَّمِّ لِلْقاتِلِ في الحَرَمِ، والثّانِي: قَدْ ذَكَرَ مَعَهُ قَتْلَ مَن لَمْ يَسْتَحِقَّ القَتْلُ، فَثَبَتَ أنَّ المُرادَ قَتْلُ مَنِ اسْتَحَقَّ القَتْلَ فَلَجَأ، وأنَّ ذَلِكَ إخْبارٌ مِنهُ بِأنَّ الحَرَمَ يُحْظَرُ قَتْلَ مَن لَجَأ إلَيْهِ. وهَذِهِ الآيُ الَّتِي تَلَوْناها في حَظْرِ قَتْلِ مَن لَجَأ إلى الحَرَمِ فِإنَّ دَلالَتَها مَقْصُورَةٌ عَلى حَظْرِ القَتْلِ فَحَسْبُ ولا دَلالَةَ فِيها عَلى حُكْمِ ما دُونَ النَّفْسِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿ولا تُقاتِلُوهم عِنْدَ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ مَقْصُورٌ عَلى حُكْمِ القَتْلِ؛ وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ومَن دَخَلَهُ كانَ آمِنًا﴾ [آل عمران: ٩٧] وقَوْلُهُ: ﴿مَثابَةً لِلنّاسِ وأمْنًا﴾ [البقرة: ١٢٥] ظاهِرُهُ الأمْنُ مِنَ القَتْلِ، وإنَّما يَدْخُلُ ما سِواهُ فِيهِ بِدَلالَةٍ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿ومَن دَخَلَهُ﴾ [آل عمران: ٩٧] اسْمٌ لِلْإنْسانِ، وقَوْلُهُ: ﴿كانَ آمِنًا﴾ [آل عمران: ٩٧] راجِعٌ إلَيْهِ، فالَّذِي اقْتَضَتِ الآيَةُ أمانَهُ هو الإنْسانُ لا أعْضاؤُهُ، ومَعَ ذَلِكَ فَإنْ كانَ اللَّفْظُ مُقْتَضِيًا لِلنَّفْسِ فَما دُونَها، فَإما خَصَّصْنا ما دُونَها بِدَلالَةٍ وحُكْمُ اللَّفْظِ باقٍ في النَّفْسِ، ولا خِلافَ أيْضًا أنَّ مَن لَجَأ إلى الحَرَمِ وعَلَيْهِ دَيْنٌ أنَّهُ يُحْبَسُ بِهِ وأنَّ دُخُولَهُ الحَرَمَ لا يَعْصِمُهُ مِنَ الحَبْسِ، كَذَلِكَ كُلُّ ما لَمْ يَكُنْ نَفْسًا مِنَ الحُقُوقِ فَإنَّ الحَرَمَ لا يَعْصِمُهُ مِنهُ قِياسًا عَلى الدُّيُونِ. وأمّا قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿فَإنِ انْتَهَوْا فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ يَعْنِي فَإنِ انْتَهُوا عَنِ الكُفْرِ فَإنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ لَهم؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَإنِ انْتَهَوْا﴾ شَرْطٌ يَقْتَضِي جَوابًا، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ قاتِلَ العَمْدِ لَهُ تَوْبَةٌ؛ إذْ كانَ الكُفْرُ أعْظَمَ مَأْثَمًا مِنَ القَتْلِ، وقَدْ أخْبَرَ اللَّهُ أنَّهُ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ مِنهُ ويَغْفِرُ لَهُ.

البقرة 2:192

وقَوْلُهُ: ﴿والفِتْنَةُ أشَدُّ مِنَ القَتْلِ﴾ رُوِيَ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ السَّلَفِ أنَّ المُرادَ بِالفِتْنَةِ هاهُنا الكُفْرُ، وقِيلَ إنَّهم كانُوا يَفْتِنُونَ المُؤْمِنِينَ بِالتَّعْذِيبِ ويُكْرِهُونَهم عَلى الكُفْرِ، ثُمَّ عَيَّرُوا المُؤْمِنِينَ بِأنْ قَتَلَ واقِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وهو مِن أصْحابِ النَّبِيِّ ﷺ عَمْرَو بْنَ الحَضْرَمِيِّ وكانَ مُشْرِكًا في الشَّهْرِ الحَرامِ، وقالُوا: قَدِ اسْتَحَلَّ مُحَمَّدٌ القِتالَ في الشَّهْرِ الحَرامِ؛ فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿والفِتْنَةُ أشَدُّ مِنَ القَتْلِ﴾ يَعْنِي: كُفْرُهم وتَعْذِيبُهُمُ المُؤْمِنِينَ في البَلَدِ الحَرامِ وفي الشَّهْرِ الحَرامِ أشَدُّ وأعْظَمُ مَأْثَمًا مِنَ القَتْلِ في الشَّهْرِ الحَرامِ. وأمّا قَوْلُهُ: ﴿ولا تُقاتِلُوهم عِنْدَ المَسْجِدِ الحَرامِ حَتّى يُقاتِلُوكم فِيهِ﴾ فَإنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿حَتّى يُقاتِلُوكم فِيهِ﴾ حَتّى يَقْتُلُوا بَعْضَكم، كَقَوْلِهِ: ﴿ولا تَلْمِزُوا أنْفُسَكُمْ﴾ [الحجرات: ١١] يَعْنِي " بَعْضُكم بَعْضًا "؛ إذْ غَيْرُ جائِزٍ أنْ يَأْمُرَ بِقَتْلِهِمْ بَعْدَ أنْ يَقْتُلُوهم كُلَّهم، وقَدْ أفادَتِ الآيَةُ حَظْرَ القَتْلِ بِمَكَّةَ لِمَن لَمْ يُقْتَلْ فِيها، فَيُحْتَجُّ بِها في حَظْرِ قَتْلِ المُشْرِكِ الحَرْبِيِّ إذا لَجَأ إلَيْها ولَمْ يُقاتِلْ، ويُحْتَجُّ أيْضًا بِعُمُومِها فِيمَن قَتَلَ ولَجَأ إلى الحَرَمِ في أنَّهُ لا يُقْتَلُ؛ لِأنَّ الآيَةَ لَمْ تُفَرِّقْ بَيْنَ مَن قَتَلَ وبَيْنَ مَن لَمْ يَقْتُلْ في حَظْرِ قَتْلِ الجَمِيعِ، فَلَزِمَ بِمَضْمُونِ الآيَةِ أنْ لا نَقْتُلَ مَن وجَدْنا في الحَرَمِ سَواءٌ كانَ قاتِلًا أوْ غَيْرَ قاتِلٍ إلّا أنْ يَكُونَ قَدْ قَتَلَ في الحَرَمِ، فَحِينَئِذٍ يُقْتَلُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَإنْ قاتَلُوكم فاقْتُلُوهُمْ﴾ فَإنْ قِيلَ: هو مَنسُوخٌ بِقَوْلِهِ: ﴿وقاتِلُوهم حَتّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ ويَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٣] قِيلَ لَهُ: إذا أمْكَنَ اسْتِعْمالُها لَمْ يَثْبُتِ النَّسْخُ، لا سِيَّما مَعَ اخْتِلافِ النّاسِ في نَسْخِهِ، فَيَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿وقاتِلُوهم حَتّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ [البقرة: ١٩٣] في غَيْرِ الحَرَمِ، نَظِيرُهُ في حَظْرِ (p-٣٢٣)قَتْلِ مَن لَجَأ إلى الحَرَمِ وإنْ كانَ جانِيًا، قَوْلُهُ: ﴿ومَن دَخَلَهُ كانَ آمِنًا﴾ [آل عمران: ٩٧] وقَدْ تَضَمَّنَ ذَلِكَ أمْنًا مِن خَوْفِ القَتْلِ، فَدَلَّ عَلى أنَّ المُرادُ: مَن دَخَلَهُ وقَدِ اسْتَحَقَّ القَتْلَ أنَّهُ يَأْمَنُ بِدُخُولِهِ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿وإذْ جَعَلْنا البَيْتَ مَثابَةً لِلنّاسِ وأمْنًا﴾ [البقرة: ١٢٥] كُلُّ ذَلِكَ دالٌّ عَلى أنَّ اللّاجِئَ إلى الحَرَمِ المُسْتَحِقَّ لِلْقَتْلِ يَأْمَنُ بِهِ ويَزُولُ عَنْهُ القَتْلُ بِمَصِيرِهِ إلَيْهِ ومَعَ ذَلِكَ فَإنَّ قَوْلَهُ: ﴿وقاتِلُوهم حَتّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ ويَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٣] إذا كانَ نازِلًا مَعَ أوَّلِ الخِطابِ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿ولا تُقاتِلُوهم عِنْدَ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ فَغَيْرُ جائِزٍ أنْ يَكُونَ ناسِخًا لَهُ؛ لِأنَّ النَّسْخَ لا يَصِحُّ إلّا بَعْدَ التَّمَكُّنِ مِنَ الفِعْلِ، وغَيْرُ جائِزٍ وُجُودُ النّاسِخِ والمَنسُوخِ في خِطابٍ واحِدٍ، وإذا كانَ الجَمِيعُ مَذْكُورًا في خِطابٍ واحِدٍ عَلى ما يَقْتَضِيهِ نَسَقُ التِّلاوَةِ ونِظامُ التَّنْزِيلِ، فَغَيْرُ جائِزٍ لِأحَدٍ إثْباتُ تارِيخِ الآيَتَيْنِ وتَراخِي نُزُولِ إحْداهُما عَنِ الأُخْرى إلّا بِالنَّقْلِ الصَّحِيحِ. ولا يُمْكِنُ أحَدًا دَعْوى نَقْلٍ صَحِيحٍ في ذَلِكَ؛ وإنَّما رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أنَسٍ فَقالَ: هو مَنسُوخٌ بِقَوْلِهِ: ﴿وقاتِلُوهم حَتّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ [البقرة: ١٩٣] وقالَ قَتادَةُ: هو مَنسُوخٌ بِقَوْلِهِ: ﴿فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] وجائِزٌ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ، تَأْوِيلًا مِنهُ ورَأْيًا؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] لا مَحالَةَ نَزَلَ بَعْدَ سُورَةِ البَقَرَةِ لا يَخْتَلِفُ أهْلُ النَّقْلِ في ذَلِكَ، ولَيْسَ فِيهِ مَعَ ذَلِكَ دَلالَةٌ عَلى النَّسْخِ لِإمْكانِ اسْتِعْمالِهِما بِأنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥] مُرَتَّبًا عَلى قَوْلِهِ: ﴿ولا تُقاتِلُوهم عِنْدَ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ فَيَصِيرُ قَوْلُهُ: اُقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهم إلّا عِنْدَ المَسْجِدِ الحَرامِ، إلّا أنْ يُقاتِلُوكم فِيهِ فَإنْ قاتَلُوكم فاقْتُلُوهم، ويَدُلُّ عَلَيْهِ أيْضًا حَدِيثُ ابْنِ عَبّاسٍ وأبِي شُرَيْحٍ الخُزاعِيِّ وأبِي هُرَيْرَةَ، «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَطَبَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ فَقالَ: يا أيُّها النّاسُ إنَّ اللَّهَ تَعالى حَرَّمَ مَكَّةَ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَواتِ والأرْضَ لَمْ تَحِلَّ لِأحَدٍ قَبْلِي ولا تَحِلُّ لِأحَدٍ بَعْدِي، وإنَّما أُحِلَّتْ لِي ساعَةً مِن نَهارٍ ثُمَّ عادَتْ حَرامًا إلى يَوْمِ القِيامَةِ» وفي بَعْضِ الأخْبارِ: «فَإنْ تَرَخَّصَ مُتَرَخِّصٌ بِقِتالِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَإنَّما أُحِلَّتْ لِي ساعَةً مِن نَهارٍ» فَثَبَتَ بِذَلِكَ حَظْرُ القِتالِ في الحَرَمِ إلّا أنْ يُقاتَلُوا، وقَدْ رَوى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إدْرِيسَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إسْحاقَ قالَ: حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ أبِي سَعِيدٍ المَقْبُرِيُّ عَنْ أبِي شُرَيْحٍ الخُزاعِيِّ هَذا الحَدِيثَ، وقالَ فِيهِ: «وإنَّما أُحِلَّ لِيَ القِتالُ بِها ساعَةً مِن نَهارٍ»، ويَدُلُّ عَلَيْهِ أيْضًا ما رُوِيَ عَنِ «النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ خَطَبَ يَوْمَئِذٍ حِينَ قَتَلَ رَجْلٌ مِن خُزاعَةَ رَجُلًا مِن هُذَيْلٍ، ثُمَّ قالَ: إنَّ أعْتى النّاسِ عَلى اللَّهِ ثَلاثَةٌ رَجُلٌ قَتَلَ غَيْرَ قاتِلِهِ، ورَجُلٌ قَتَلَ في الحَرَمِ، ورَجُلٌ قَتَلَ بِذَحْلِ الجاهِلِيَّةِ» وهَذا يَدُلُّ عَلى (p-٣٢٤)تَحْرِيمِ القَتْلِ في الحَرَمِ لِمَن لَمْ يَجْنِ فِيهِ مِن وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: عُمُومُ الذَّمِّ لِلْقاتِلِ في الحَرَمِ، والثّانِي: قَدْ ذَكَرَ مَعَهُ قَتْلَ مَن لَمْ يَسْتَحِقَّ القَتْلُ، فَثَبَتَ أنَّ المُرادَ قَتْلُ مَنِ اسْتَحَقَّ القَتْلَ فَلَجَأ، وأنَّ ذَلِكَ إخْبارٌ مِنهُ بِأنَّ الحَرَمَ يُحْظَرُ قَتْلَ مَن لَجَأ إلَيْهِ. وهَذِهِ الآيُ الَّتِي تَلَوْناها في حَظْرِ قَتْلِ مَن لَجَأ إلى الحَرَمِ فِإنَّ دَلالَتَها مَقْصُورَةٌ عَلى حَظْرِ القَتْلِ فَحَسْبُ ولا دَلالَةَ فِيها عَلى حُكْمِ ما دُونَ النَّفْسِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿ولا تُقاتِلُوهم عِنْدَ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ مَقْصُورٌ عَلى حُكْمِ القَتْلِ؛ وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿ومَن دَخَلَهُ كانَ آمِنًا﴾ [آل عمران: ٩٧] وقَوْلُهُ: ﴿مَثابَةً لِلنّاسِ وأمْنًا﴾ [البقرة: ١٢٥] ظاهِرُهُ الأمْنُ مِنَ القَتْلِ، وإنَّما يَدْخُلُ ما سِواهُ فِيهِ بِدَلالَةٍ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿ومَن دَخَلَهُ﴾ [آل عمران: ٩٧] اسْمٌ لِلْإنْسانِ، وقَوْلُهُ: ﴿كانَ آمِنًا﴾ [آل عمران: ٩٧] راجِعٌ إلَيْهِ، فالَّذِي اقْتَضَتِ الآيَةُ أمانَهُ هو الإنْسانُ لا أعْضاؤُهُ، ومَعَ ذَلِكَ فَإنْ كانَ اللَّفْظُ مُقْتَضِيًا لِلنَّفْسِ فَما دُونَها، فَإما خَصَّصْنا ما دُونَها بِدَلالَةٍ وحُكْمُ اللَّفْظِ باقٍ في النَّفْسِ، ولا خِلافَ أيْضًا أنَّ مَن لَجَأ إلى الحَرَمِ وعَلَيْهِ دَيْنٌ أنَّهُ يُحْبَسُ بِهِ وأنَّ دُخُولَهُ الحَرَمَ لا يَعْصِمُهُ مِنَ الحَبْسِ، كَذَلِكَ كُلُّ ما لَمْ يَكُنْ نَفْسًا مِنَ الحُقُوقِ فَإنَّ الحَرَمَ لا يَعْصِمُهُ مِنهُ قِياسًا عَلى الدُّيُونِ. وأمّا قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿فَإنِ انْتَهَوْا فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ يَعْنِي فَإنِ انْتَهُوا عَنِ الكُفْرِ فَإنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ لَهم؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَإنِ انْتَهَوْا﴾ شَرْطٌ يَقْتَضِي جَوابًا، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ قاتِلَ العَمْدِ لَهُ تَوْبَةٌ؛ إذْ كانَ الكُفْرُ أعْظَمَ مَأْثَمًا مِنَ القَتْلِ، وقَدْ أخْبَرَ اللَّهُ أنَّهُ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ مِنهُ ويَغْفِرُ لَهُ.

البقرة 2:193

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وقاتِلُوهم حَتّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ ويَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ﴾ يُوجِبُ فَرْضَ قِتالَ الكُفّارِ حَتّى يَتْرُكُوا الكُفْرَ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ ومُجاهِدٌ والرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ: " الفِتْنَةُ هاهُنا الشِّرْكُ " . وقِيلَ: إنَّما سُمِّيَ الكُفْرُ فِتْنَةً؛ لِأنَّهُ يُؤَدِّي إلى الهَلاكِ كَما يُؤَدِّي إلَيْهِ الفِتْنَةُ. وقِيلَ: إنَّ الفِتْنَةَ هي الِاخْتِبارُ، والكُفْرُ عِنْدَ الِاخْتِبارِ إظْهارُ الفَسادِ، وأمّا الدِّينُ فَهو الِانْقِيادُ لِلَّهِ بِالطّاعَةِ، وأصْلُهُ في اللُّغَةِ يَنْقَسِمُ إلى مَعْنَيَيْنِ: أحَدُهُما: الِانْقِيادُ، كَقَوْلِ الأعْشى: ؎هُوَ دانَ الرَّبابَ إذْكَرَّ هو الدِّينُ دِراكًا بِغَزْوَةٍ وصِيالِ ؎ثُمَّ دانَتْ بَعْدَ الرَّبابِ وكانَتْ ∗∗∗ كَعَذابِ عُقُوبَةِ الأقْوالِ والآخَرُ: العادَةُ، مِن قَوْلِ الشّاعِرِ: ؎تَقُولُ وقَدْ دَرَأْتُ لَها وضِينِي ∗∗∗ أهَذا دِينُهُ أبَدًا ودِينِي والدِّينُ الشَّرْعِيُّ هو الِانْقِيادُ لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ والِاسْتِسْلامُ لَهُ عَلى وجْهِ المُداوَمَةِ والعادَةِ. وهَذِهِ الآيَةُ خاصَّةٌ في المُشْرِكِينَ دُونَ أهْلِ الكِتابِ؛ لِأنَّ ابْتِداءَ الخِطابِ جَرى بِذِكْرِهِمْ (p-٣٢٥)فِي قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿واقْتُلُوهم حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهم وأخْرِجُوهم مِن حَيْثُ أخْرَجُوكُمْ﴾ [البقرة: ١٩١] وذَلِكَ صِفَةُ مُشْرِكِي أهْلِ مَكَّةَ الَّذِينَ أخْرَجُوا النَّبِيَّ ﷺ وأصْحابَهُ، فَلَمْ يَدْخُلْ أهْلُ الكِتابِ في هَذا الحُكْمِ؛ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ مُشْرِكِي العَرَبِ لا يُقْبَلُ مِنهم إلّا الإسْلامُ أوِ السَّيْفُ، لِقَوْلِهِ: ﴿وقاتِلُوهم حَتّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ يَعْنِي كُفْرًا ﴿ويَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ﴾ ودِينُ اللَّهِ هو الإسْلامُ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإسْلامُ﴾ [آل عمران: ١٩] وقَوْلُهُ: ﴿فَإنِ انْتَهَوْا فَلا عُدْوانَ إلا عَلى الظّالِمِينَ﴾ المَعْنى: فَلا قَتْلَ إلّا عَلى الظّالِمِينَ. يَعْنِي واللَّهُ أعْلَمُ: القَتْلَ المَبْدُوءَ بِذِكْرِهِ في قَوْلِهِ: ﴿وقاتِلُوهُمْ﴾ وسَمّى القَتْلَ الَّذِي يَسْتَحِقُّونَهُ بِكُفْرِهِمْ عُدْوانًا؛ لِأنَّهُ جَزاءُ الظُّلْمِ فَسُمِّيَ بِاسْمِهِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها﴾ [الشورى: ٤٠] وقَوْلِهِ: ﴿فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكم فاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ ما اعْتَدى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤] وإنْ لَمْ يَكُنِ الجَزاءُ اعْتِداءً ولا سَيِّئَةً.

البقرة 2:194

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الشَّهْرُ الحَرامُ بِالشَّهْرِ الحَرامِ والحُرُماتُ قِصاصٌ﴾ رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ «أنَّ مُشْرِكِي العَرَبِ قالُوا لِلنَّبِيِّ ﷺ: أنَهَيْتَ عَنْ قِتالِنا في الشَّهْرِ الحَرامِ ؟ قالَ: نَعَمْ» وأرادَ المُشْرِكُونَ أنْ يُغَيِّرُوهُ في الشَّهْرِ الحَرامِ فَيُقاتِلُوهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿الشَّهْرُ الحَرامُ بِالشَّهْرِ الحَرامِ والحُرُماتُ قِصاصٌ﴾ يَعْنِي إنِ اسْتَحَلُّوا مِنكم في الشَّهْرِ الحَرامِ شَيْئًا فاسْتَحِلُّوا مِنهم مِثْلَهُ. ورَوى ابْنُ عَبّاسٍ والرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ وقَتادَةُ والضَّحّاكُ: «أنَّ قُرَيْشًا لَمّا رَدَّتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَوْمَ الحُدَيْبِيَةِ مُحْرِمًا في ذِي القِعْدَةِ عَنِ البَلَدِ الحَرامِ في الشَّهْرِ الحَرامِ، فَأدْخَلَهُ اللَّهُ مَكَّةَ في العامِ المُقْبِلِ في ذِي القِعْدَةِ، فَقَضى عُمْرَتَهُ وأقَصَّهُ بِما حِيلَ بَيْنَهُ وبَيْنَهُ في يَوْمِ الحُدَيْبِيَةِ». ويَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ المُرادُ الأمْرَيْنِ، فَيَكُونُ إخْبارًا بِما أقَصَّهُ اللَّهُ مِنَ الشَّهْرِ الحَرامِ الَّذِي صَدَّهُ المُشْرِكُونَ عَنِ البَيْتِ بِشَهْرٍ مِثْلِهِ في العامِ القابِلِ. وقَدْ تَضَمَّنَ مَعَ ذَلِكَ إباحَةُ القِتالِ في الشَّهْرِ الحَرامِ إذا قاتَلَهُمُ المُشْرِكُونَ؛ لِأنَّ لَفْظًا واحِدًا لا يَكُونُ خَبَرًا وأمْرًا، ومَتى حَصَلَ عَلى أحَدِ المَعْنَيَيْنِ انْتَفى الآخَرُ. إلّا أنَّهُ جائِزٌ أنْ يَكُونَ إخْبارًا بِما عَوَّضَ اللَّهُ نَبِيَّهُ مِن فَواتِ العُمْرَةِ في الشَّهْرِ الحَرامِ الَّذِي صَدَّهُ المُشْرِكُونَ عَنِ البَيْتِ شَهْرًا مِثْلَهُ في العامِ القابِلِ، وكانَتْ حُرْمَةُ الشَّهْرِ الَّذِي أُبْدِلَ كَحُرْمَةِ الشَّهْرِ الَّذِي فاتَ؛ فَلِذَلِكَ قالَ: ﴿والحُرُماتُ قِصاصٌ﴾ ثُمَّ عَقَّبَ تَعالى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكم فاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ ما اعْتَدى عَلَيْكُمْ﴾ فَأفادَ أنَّهم إذا قاتَلُوهم في الشَّهْرِ الحَرامِ فَعَلَيْهِمْ أنْ يُقاتِلُوهم فِيهِ وإنْ لَمْ يَجُزْ لَهم أنْ يَبْتَدِئُوهم بِالقِتالِ. وسَمّى الجَزاءَ اعْتِداءً لِأنَّهُ مِثْلُهُ في الجِنْسِ وقَدْرُ الِاسْتِحْقاقِ عَلى ما يُوجِبُهُ فَسُمِّيَ بِاسْمِهِ عَلى وجْهِ المَجازِ؛ لِأنَّ المُعْتَدِيَ في الحَقِيقَةِ هو الظّالِمُ. * * وقَوْلُهُ تَعالى: (p-٣٢٦)﴿فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكم فاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ ما اعْتَدى عَلَيْكُمْ﴾ عُمُومٌ في أنَّ مِنَ اسْتَهْلَكَ لِغَيْرِهِ مالًا كانَ عَلَيْهِ مِثْلُهُ وذَلِكَ المِثْلُ يَنْقَسِمُ إلى وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: مِثْلُهُ في جِنْسِهِ وذَلِكَ في المَكِيلِ والمَوْزُونِ والمَعْدُودِ، والآخَرُ: مِثْلُهُ في قِيمَتِهِ؛ لِأنَّ «النَّبِيَّ ﷺ قَضى في عَبْدٍ بَيْنَ رَجُلَيْنِ أعْتَقَهُ أحَدُهُما وهو مُوسِرٌ أنَّ عَلَيْهِ ضَمانَ نِصْفَ قِيمَتِهِ» فَجَعَلَ المِثْلَ اللّازِمَ بِالِاعْتِداءِ هو القِيمَةَ، فَصارَ أصْلًا في هَذا البابِ وفي أنَّ المِثْلَ قَدْ يَقَعُ عَلى القِيمَةِ ويَكُونُ اسْمًا لَها. ويَدُلُّ عَلى أنَّ المِثْلَ قَدْ يَكُونُ اسْمًا لِما لَيْسَ هو مِن جِنْسِهِ إذا كانَ في وِزانِهِ وعُرُوضِهِ في المِقْدارِ المُسْتَحَقِّ مِنَ الجَزاءِ، أنَّ مَنِ اعْتَدى عَلى غَيْرِهِ بِقَذْفٍ لَمْ يَكُنِ المِثْلُ المُسْتَحَقُّ عَلَيْهِ أنْ يُقْذَفَ بِمِثْلِ قَذْفِهِ بَلْ يَكُونُ المِثْلُ المُسْتَحَقُّ عَلَيْهِ هو جَلْدُ ثَمانِينَ، وكَذَلِكَ لَوْ شَتَمَهُ بِما دُونَ القَذْفِ كانَ عَلَيْهِ التَّعْزِيرُ وذَلِكَ مِثْلٌ لِما نالَ مِنهُ، فَثَبَتَ بِذَلِكَ أنَّ اسْمَ المِثْلِ قَدْ يَقَعُ عَلى ما لَيْسَ مِن جِنْسِهِ بَعْدَ أنْ يَكُونَ في وِزانِهِ وعُرُوضِهِ في المِقْدارِ المُسْتَحَقِّ مِن طَرِيقِ الجَزاءِ. ويُحْتَجُّ بِذَلِكَ في أنَّ مِن غَصَبَ ساجَةً فَأدْخَلَها في بِنائِهِ أنَّ عَلَيْهِ قِيمَتَها لِأنَّ القِيمَةَ قَدْ تَناوَلَها اسْمُ المِثْلِ، فَمِن حَيْثُ كانَ الغاصِبُ مُعْتَدِيًا بِأخْذِها كانَ عَلَيْهِ مِثْلُها لِحَقِّ العُمُومِ. فَإنْ قِيلَ: إذا نَقَصْنا بِناءَهُ وأخَذْناها بِعَيْنِها فَقَدِ اعْتَدَيْنا عَلَيْهِ بِمِثْلِ ما اعْتَدى. قِيلَ لَهُ: أخْذُ مِلْكِهِ بِعَيْنِهِ لا يَكُونُ اعْتِداءً عَلى الغاصِبِ، كَما أنَّ مَن لَهُ عِنْدَ رَجُلٍ ودِيعَةً فَأخَذَها لَمْ يَكُنْ مُعْتَدِيًا عَلَيْهِ، وإنَّما الِاعْتِداءُ عَلَيْهِ أنْ يُزِيلَ مِن مِلْكِهِ مِثْلَ ما أزالَ أوْ يُزِيلَ يَدَهُ عَنْ مِثْلِ ما أزالَ عَنْهُ يَدَ المَغْصُوبِ مِنهُ، فَأمّا أخْذُ مِلْكِهِ بِعَيْنِهِ فَلَيْسَ فِيهِ اعْتِداءٌ عَلى أحَدٍ ولا فِيهِ أخْذُ المِثْلِ. ويُحْتَجُّ بِهِ في إيجابِ القِصاصِ فِيما يُمْكِنُ اسْتِيفاءُ المُماثَلَةِ والمُساواةِ فِيهِ دُونَ ما لَمْ يُعْلَمْ فِيهِ اسْتِيفاءُ المُماثَلَةِ، وذَلِكَ نَحْوُ قَطْعِ اليَدِ مِن نِصْفِ السّاعِدِ والجائِفَةِ والآمَّةِ في سُقُوطِ القِصاصِ فِيها لِتَعَذُّرِ اسْتِيفاءِ المِثْلِ؛ إذْ كانَ اللَّهُ تَعالى إنَّما أمَرَنا بِاسْتِيفاءِ المِثْلِ. ويَحْتَجُّ بِهِ أبُو حَنِيفَةَ فِيمَن قَطَعَ يَدَ رَجُلٍ وقَتَلَهُ أنَّ لِوَلِيِّهِ أنْ يَقْطَعَ يَدَهُ ثُمَّ يَقْتُلَهُ، لِقَوْلِهِ: ﴿فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكم فاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ ما اعْتَدى عَلَيْكُمْ﴾ فَلَهُ أنْ يَفْعَلَ بِهِ مِثْلَ ما فَعَلَ بِمُقْتَضى الآيَةِ.

البقرة 2:195

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأنْفِقُوا في سَبِيلِ اللَّهِ ولا تُلْقُوا بِأيْدِيكم إلى التَّهْلُكَةِ﴾ قالَ أبُو بَكْرٍ: قَدْ قِيلَ فِيهِ وُجُوهٌ: أحَدُها ما حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قالَ: حَدَّثَنا أبُو داوُدَ قالَ: حَدَّثَنا أحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ السَّرْحِ: قالَ حَدَّثَنا ابْنُ وهْبٍ عَنْ حَيْوَةَ بْنِ شُرَيْحٍ، وابْنُ لَهِيعَةَ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أبِي حَبِيبٍ، عَنْ أسْلَمَ أبِي عِمْرانَ قالَ: غَزَوْنا بِالقُسْطَنْطِينِيَّةِ وعَلى الجَماعَةِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الوَلِيدِ والرُّومُ مَلْصُوقٌ (p-٣٢٧)ظُهُورُهم بِحائِطِ المَدِينَةِ، فَحَمَلَ رَجُلٌ عَلى العَدُوِّ، فَقالَ النّاسُ: مَهْ مَهْ، لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، يُلْقِي بِيَدَيْهِ إلى التَّهْلُكَةِ، فَقالَ أبُو أيُّوبَ: إنَّما نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِينا مَعْشَرَ الأنْصارِ، لَمّا نَصَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ وأظْهَرَ دِينَهُ الإسْلامَ قُلْنا: هَلُمَّ نُقِيمُ في أمْوالِنا ونُصْلِحُها، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وأنْفِقُوا في سَبِيلِ اللَّهِ ولا تُلْقُوا بِأيْدِيكم إلى التَّهْلُكَةِ﴾ فالإلْقاءُ بِالأيْدِي إلى التَّهْلُكَةِ أنْ نُقِيمَ في أمْوالِنا فَنُصْلِحَها ونَدَعَ الجِهادَ؛ قالَ أبُو عِمْرانَ: فَلَمْ يَزَلْ أبُو أيُّوبَ يُجاهِدُ في سَبِيلِ اللَّهِ حَتّى دُفِنَ بِالقُسْطَنْطِينِيَّةِ. فَأخْبَرَ أبُو أيُّوبَ أنَّ الإلْقاءَ بِالأيْدِي إلى التَّهْلُكَةِ هو تَرْكُ الجِهادِ في سَبِيلِ اللَّهِ، وأنَّ الآيَةَ في ذَلِكَ نَزَلَتْ. ورُوِيَ مِثْلُهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وحُذَيْفَةَ والحَسَنِ وقَتادَةَ ومُجاهِدٍ والضَّحّاكِ. ورُوِيَ عَنِ البَراءِ بْنِ عازِبٍ وعُبَيْدَةَ السَّلْمانِيِّ: " الإلْقاءُ بِالأيْدِي إلى التَّهْلُكَةِ هو اليَأْسُ مِنَ المَغْفِرَةِ بِارْتِكابِ المَعاصِي " . وقِيلَ: " هو الإسْرافُ في الإنْفاقِ حَتّى لا يَجِدَ ما يَأْكُلُ ويَشْرَبُ فَيَتْلَفُ " . وقِيلَ: " هو أنْ يَقْتَحِمَ الحَرْبَ مِن غَيْرِ نِكايَةٍ في العَدُوِّ " وهو الَّذِي تَأوَّلَهُ القَوْمُ الَّذِي أنْكَرَ عَلَيْهِمْ أبُو أيُّوبَ وأخْبَرَ فِيهِ بِالسَّبَبِ. ولَيْسَ يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ جَمِيعُ هَذِهِ المَعانِي مُرادَةً بِالآيَةِ لِاحْتِمالِ اللَّفْظِ لَها وجَوازِ اجْتِماعِها مِن غَيْرِ تَضادٍّ ولا تَنافٍ فَأمّا حَمْلُهُ عَلى الرَّجُلِ الواحِدِ يَحْمِلُ عَلى حَلْبَةِ العَدُوِّ، فَإنَّ مُحَمَّدَ بْنَ الحَسَنِ ذَكَرَ في السِّيَرِ الكَبِيرِ أنَّ رَجُلًا لَوْ حَمَلَ عَلى ألْفِ رَجُلٍ وهو وحْدَهُ لَمْ يَكُنْ بِذَلِكَ بَأْسٌ إذا كانَ يَطْمَعُ في نَجاةٍ أوْ نِكايَةٍ، فَإنْ كانَ لا يَطْمَعُ في نَجاةٍ ولا نِكايَةٍ فَإنِّي أكْرَهُ لَهُ ذَلِكَ؛ لِأنَّهُ عَرَّضَ نَفْسَهُ لِلتَّلَفِ مِن غَيْرِ مَنفَعَةٍ لِلْمُسْلِمِينَ. وإنَّما يَنْبَغِي لِلرَّجُلِ أنْ يَفْعَلَ هَذا إذا كانَ يَطْمَعُ في نَجاةٍ أوْ مَنفَعَةٍ لِلْمُسْلِمِينَ، فَإنْ كانَ لا يَطْمَعُ في نَجاةٍ ولا نِكايَةٍ ولَكِنَّهُ يُجَرِّئُ المُسْلِمِينَ بِذَلِكَ حَتّى يَفْعَلُوا مِثْلَ ما فَعَلَ فَيَقْتُلُونَ ويُنْكُونَ في العَدُوِّ فَلا بَأْسَ بِذَلِكَ إنْ شاءَ اللَّهُ؛ لِأنَّهُ لَوْ كانَ عَلى طَمَعٍ مِنَ النِّكايَةِ في العَدُوِّ ولا يَطْمَعُ في النَّجاةِ لَمْ أرَ بَأْسًا أنْ يَحْمِلَ عَلَيْهِمْ، فَكَذَلِكَ إذا طَمِعَ أنْ يُنْكى غَيْرُهُ فِيهِمْ بِحَمْلَتِهِ عَلَيْهِمْ فَلا بَأْسَ بِذَلِكَ، وأرْجُو أنْ يَكُونَ فِيهِ مَأْجُورًا؛ وإنَّما يُكْرَهُ لَهُ ذَلِكَ إذا كانَ لا مَنفَعَةَ فِيهِ عَلى وجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ وإنْ كانَ لا يَطْمَعُ في نَجاةٍ ولا نِكايَةٍ، ولَكِنَّهُ مِمّا يُرْهِبُ العَدُوَّ، فَلا بَأْسَ بِذَلِكَ؛ لِأنَّ هَذا أفْضَلُ النِّكايَةِ وفِيهِ مَنفَعَةٌ لِلْمُسْلِمِينَ. والَّذِي قالَ مُحَمَّدٌ مِن هَذِهِ الوُجُوهِ صَحِيحٌ لا يَجُوزُ غَيْرُهُ؛ وعَلى هَذِهِ المَعانِي يُحْمَلُ تَأْوِيلُ مَن تَأوَّلَ في حَدِيثِ أبِي أيُّوبَ أنَّهُ ألْقى بِيَدِهِ إلى التَّهْلُكَةِ بِحَمْلِهِ عَلى العَدُوِّ؛ إذْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهم في ذَلِكَ مَنفَعَةٌ، وإذا كانَ كَذَلِكَ فَلا يَنْبَغِي أنْ يُتْلِفَ نَفْسَهُ مِن غَيْرِ مَنفَعَةٍ عائِدَةٍ عَلى الدِّينِ ولا عَلى (p-٣٢٨)المُسْلِمِينَ. فَأمّا إذا كانَ في تَلَفِ نَفْسِهِ مَنفَعَةٌ عائِدَةٌ عَلى الدِّينِ فَهَذا مَقامٌ شَرِيفٌ مَدَحَ اللَّهُ بِهِ أصْحابَ النَّبِيِّ ﷺ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ المُؤْمِنِينَ أنْفُسَهم وأمْوالَهم بِأنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يُقاتِلُونَ في سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ ويُقْتَلُونَ﴾ [التوبة: ١١١] وقالَ: ﴿ولا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ أمْواتًا بَلْ أحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٩] وقالَ: ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٠٧] في نَظائِرِ ذَلِكَ مِنَ الآيِ الَّتِي مَدَحَ اللَّهُ فِيها مَن بَذَلَ نَفْسَهُ لِلَّهِ. وعَلى ذَلِكَ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ حُكْمُ الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنْ المُنْكَرِ أنَّهُ مَتى رَجا نَفْعًا في الدِّينِ فَبَذَلَ نَفْسَهُ فِيهِ حَتّى قُتِلَ كانَ في أعْلى دَرَجاتِ الشُّهَداءِ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وأْمُرْ بِالمَعْرُوفِ وانْهَ عَنِ المُنْكَرِ واصْبِرْ عَلى ما أصابَكَ إنَّ ذَلِكَ مِن عَزْمِ الأُمُورِ﴾ [لقمان: ١٧] وقَدْ رُوِيَ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «أفْضَلُ الشُّهَداءِ حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ المُطَّلَبِ ورَجُلٌ تَكَلَّمَ بِكَلِمَةِ حَقٍّ عِنْدَ سُلْطانٍ جائِرٍ فَقَتَلَهُ» . ورَوى أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «أفْضَلُ الجِهادِ كَلِمَةُ حَقٍّ عِنْدَ سُلْطانٍ جائِرٍ» . وحَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قالَ: حَدَّثَنا أبُو داوُدَ قالَ: حَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الجَرّاحِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ مُوسى بْنِ عَلِيِّ بْنِ رَباحٍ، عَنْ أبِيهِ، عَنْ عَبْدِ العَزِيزِ بْنِ مَرْوانَ قالَ: سَمِعْتُ أبا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «شَرُّ ما في الرَّجُلِ شُحٌّ هالِعٌ وجُبْنٌ خالِعٌ» وذَمُّ الجُبْنِ يُوجِبُ مَدْحَ الإقْدامِ والشَّجاعَةِ فِيما يَعُودُ نَفْعُهُ عَلى الدِّينِ وإنْ أيْقَنَ فِيهِ بِالتَّلَفِ؛ واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ بِالصَّوابِ.

البقرة 2:196

بابُ العُمْرَةِ هَلْ هي فَرْضٌ أمْ تَطَوُّعٌ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وأتِمُّوا الحَجَّ والعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ واخْتَلَفَ السَّلَفُ في تَأْوِيلِ هَذِهِ الآيَةِ، فَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ وعُمَرَ وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وطاوُسٍ قالُوا: " إتْمامُهُما أنْ تُحْرِمَ بِهِما مِن دُوَيْرَةِ أهْلِكَ " . وقالَ مُجاهِدٌ: " إتْمامُهُما بُلُوغُ آخِرِهِما بَعْدَ الدُّخُولِ فِيهِما " وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وعَطاءٌ: " هو إقامَتُهُما إلى آخِرِ ما فِيهِما لِلَّهِ تَعالى لِأنَّهُما واجِبانِ " كَأنَّهُما تَأوَّلا ذَلِكَ عَلى الأمْرِ بِفِعْلِهِما، كَقَوْلِهِ لَوْ قالَ " حُجُّوا واعْتَمِرُوا " . ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ وطاوُسٍ قالا: " إتْمامُهُما إفْرادُهُما " وقالَ قَتادَةَ إتْمامُ العُمْرَةِ الِاعْتِمارُ في غَيْرِ أشْهُرِ الحَجِّ ورُوِيَ عَنْ عَلْقَمَةَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿والعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ قالَ: " لا تُجاوِزُ بِها البَيْتَ " وقَدِ اخْتَلَفَ السَّلَفُ في وُجُوبِ العُمْرَةِ فَرُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ وإبْراهِيمَ النَّخَعِيِّ والشَّعْبِيِّ أنَّها تَطَوُّعٍ قالَ مُجاهِدٌ في قَوْلِهِ: ﴿وأتِمُّوا الحَجَّ والعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ قالَ: " ما أمَرَنا بِهِ فِيهِما " . وقالَتْ عائِشَةُ وابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ عُمَرَ (p-٣٢٩)والحَسَنُ وابْنُ سِيرِينَ: " هي واجِبَةٌ " ورُوِيَ نَحْوُهُ عَنْ مُجاهِدٍ. ورُوِيَ عَنْ طاوُسٍ عَنْ أبِيهِ قالَ: " العُمْرَةُ واجِبَةٌ " . واحْتَجَّ مِن أوْجَبَها بِظاهِرِ قَوْلِهِ: ﴿وأتِمُّوا الحَجَّ والعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ قالُوا: واللَّفْظُ يَحْتَمِلُ إتْمامَهُما بَعْدَ الدُّخُولِ فِيهِما ويَحْتَمِلُ الأمْرَ بِابْتِداءِ فِعْلِهِما، فالواجِبُ حَمْلُهُ عَلى الأمْرَيْنِ، بِمَنزِلَةِ عُمُومٍ يَشْتَمِلُ عَلى مُشْتَمِلٍ فَلا يَخْرُجُ مِنهُ شَيْءٌ إلّا بِدَلالَةٍ. قالَ أبُو بَكْرٍ: ولا دَلالَةَ في الآيَةِ عَلى وُجُوبِها؛ وذَلِكَ لِأنَّ أكْثَرَ ما فِيها الأمْرُ بِإتْمامِهِما، وذَلِكَ إنَّما يَقْتَضِي نَفْيَ النُّقْصانِ عَنْهُما إذا فُعِلَتْ؛ لِأنَّ ضِدَّ التَّمامِ هو النُّقْصانُ لا البُطْلانُ، ألا تَرى أنَّكَ تَقُولُ لِلنّاقِصِ إنَّهُ غَيْرُ تامٍّ ولا تَقُولُ مِثْلَهُ لِما لَمْ يُوجَدْ مِنهُ شَيْءٌ ؟ فَعَلِمْنا أنَّ الأمْرَ بِالإتْمامِ إنَّما اقْتَضى نَفْيَ النُّقْصانِ، ولِذَلِكَ قالَ عَلِيٌّ وعُمَرُ: " إتْمامُهُما أنْ تُحْرِمَ بِهِما مِن دُوَيْرَةِ أهْلِكَ " يَعْنِي الأبْلَغُ في نَفْيِ النُّقْصانِ الإحْرامُ بِهِما مِن دُوَيْرَةِ أهْلِكَ. وإذا كانَ عَلى ما وصَفْنا كانَ تَقْدِيرُهُ: أنْ لا يَفْعَلَهُما ناقِصَيْنِ. وقَوْلُهُ: " لا يَفْعَلُهُما ناقِصَيْنِ " لا يَدُلُّ عَلى الوُجُوبِ لِجَوازِ إطْلاقِ ذَلِكَ عَلى النَّوافِلِ، ألا تَرى أنَّكَ تَقُولُ: " لا تَفْعَلِ الحَجَّ التَّطَوُّعَ ولا العُمْرَةَ التَّطَوُّعَ ناقِصَيْنِ ولا صَلاةَ النَّفْلِ ناقِصَةً " ؟ فَإذا كانَ الأمْرُ بِالإتْمامِ يَقْتَضِي نَفْيَ النُّقْصانِ فَلا دَلالَةَ فِيهِ إذًا عَلى وُجُوبِها. ويَدُلُّ عَلى صِحَّةِ ذَلِكَ أنَّ العُمْرَةَ التَّطَوُّعَ والحَجَّ النَّفَلَ مُرادانِ بِهَذِهِ الآيَةِ في النَّهْيِ عَنْ فِعْلِهِما ناقِصَيْنِ، ولَمْ يَدُلَّ ذَلِكَ عَلى وُجُوبِهِما في الأصْلِ. وأيْضًا فَإنَّ الأظْهَرَ مِن لَفْظِ الإتْمامِ إنَّما يُطْلَقُ بَعْدَ الدُّخُولِ فِيهِ، قالَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وكُلُوا واشْرَبُوا حَتّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الخَيْطُ الأبْيَضُ مِنَ الخَيْطِ الأسْوَدِ مِنَ الفَجْرِ ثُمَّ أتِمُّوا الصِّيامَ إلى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧] فَأطْلَقَ عَلَيْهِ لَفْظَ الإتْمامِ بَعْدَ الدُّخُولِ؛ قالَ النَّبِيُّ ﷺ: «ما أدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا، وما فاتَكم فَأتِمُّوا» فَأطْلَقَ لَفْظَ الإتْمامِ عَلَيْها بَعْدَ الدُّخُولِ فِيها. ويَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ إيجابُ إتْمامِهِما بَعْدَ الدُّخُولِ فِيهِما، أنَّ الحَجَّ والعُمْرَةَ النّافِلَتَيْنِ يَلْزَمُهُ إتْمامُهُما بَعْدَ الدُّخُولِ فِيهِما بِالآيَةِ، فَكانَ بِمَنزِلَةِ قَوْلِهِ: " أتِمُّوهُما بَعْدَ الدُّخُولِ فِيهِما " فَغَيْرُ جائِزٍ إذا ثَبَتَ أنَّ المُرادَ لُزُومُ الإتْمامِ بَعْدَ الدُّخُولِ حَمْلُهُ عَلى الِابْتِداءِ لِتَضادِّ المَعْنَيَيْنِ، ألا تَرى أنَّهُ إذا أرادَ بِهِ الإلْزامَ بِالدُّخُولِ انْتَفى أنْ يُرِيدَ بِهِ الإلْزامَ قَبْلَ الدُّخُولِ ؟ نافٍ لِكَوْنِهِ واجِبًا بِالدُّخُولِ، ألا تَرى أنَّهُ لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ: إنَّ حَجَّةَ الإسْلامِ إنَّما تَلْزَمُ الدُّخُولَ وإنَّ صَلاةَ الظُّهْرِ مُتَعَلِّقٌ لُزُومُها بِالدُّخُولِ فِيها ؟ وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ غَيْرُ جائِزٍ إرادَةُ إيجابِهِما بِالدُّخُولِ وإيجابُهُما ابْتِداءً قَبْلَ الدُّخُولِ فِيهِما؛ فَثَبَتَ بِما وصَفْنا أنَّهُ لا دَلالَةَ في هَذِهِ الآيَةِ عَلى وُجُوبِ العُمْرَةِ قَبْلَ الدُّخُولِ فِيها ومِمّا يَدُلُّ عَلى (p-٣٣٠)أنَّها لَيْسَتْ بِواجِبَةٍ ما رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «العُمْرَةُ هي الحَجُّ الأصْغَرُ» . ورُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدّادٍ ومُجاهِدٍ قالا: " العُمْرَةُ هي الحَجُّ الأصْغَرُ " . وإذا ثَبَتَ أنَّ اسْمَ الحَجِّ يَتَناوَلُ العُمْرَةَ، ثُمَّ ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ما حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قالَ: حَدَّثَنا أبُو داوُدَ قالَ: حَدَّثَنا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وعُثْمانُ بْنُ أبِي شَيْبَةَ قالا: حَدَّثَنا يَزِيدُ بْنُ هارُونَ عَنْ سُفْيانَ بْنِ حُسَيْنٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أبِي سِنانٍ الدُّؤَلِيِّ، عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ: «أنَّ الأقْرَعَ بْنَ حابِسٍ سَألَ النَّبِيَّ ﷺ فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ الحَجُّ في كُلِّ سَنَةٍ أوْ مَرَّةٌ واحِدَةٌ ؟ قالَ: بَلْ مَرَّةٌ واحِدَةٌ فَمَن زادَ فَتَطَوُّعٌ» فَلَمّا سَمّى النَّبِيُّ ﷺ العُمْرَةَ في الخَبَرِ الأوَّلِ حَجًّا وقالَ لِلْأقْرَعِ «الحَجُّ مَرَّةٌ واحِدَةٌ فَمَن زادَ فَتَطَوُّعٌ» انْتَفى بِذَلِكَ وُجُوبُ العُمْرَةِ؛ إذْ كانَتْ قَدْ تُسَمّى حَجًّا. ويَدُلُّ عَلَيْهِ ما حَدَّثَنا عَبْدُ الباقِي بْنُ قانِعٍ قالَ: حَدَّثَنا يَعْقُوبُ بْنُ يُوسُفَ المُطَّوِّعِيُّ قالَ: حَدَّثَنا أبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قالَ: حَدَّثَنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سُلَيْمانَ، عَنْ حَجّاجِ بْنِ أرْطاةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ المُنْكَدِرِ، عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: «سَألَ رَجُلٌ النَّبِيَّ ﷺ عَنِ الصَّلاةِ والحَجِّ أواجِبٌ ؟ قالَ: نَعَمْ وسَألَهُ عَنِ العُمْرَةِ أهِيَ واجِبَةٌ ؟ قالَ: لا ولَأنْ تَعْتَمِرَ خَيْرٌ لَكَ» . ورَواهُ أيْضًا عَبّادُ بْنُ كَثِيرٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ المُنْكَدِرِ مِثْلَ حَدِيثِ الحَجّاجِ وحَدَّثَنا عَبْدُ الباقِي بْنُ قانِعٍ قالَ: حَدَّثَنا بِشْرُ بْنُ مُوسى قالَ: حَدَّثَنا ابْنُ الأصْبَهانِيِّ قالَ: حَدَّثَنا شَرِيكٌ وجَرِيرٌ وأبُو الأحْوَصِ عَنْ مُعاوِيَةَ بْنِ إسْحاقَ عَنْ أبِي صالِحٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «الحَجُّ جِهادٌ والعُمْرَةُ تَطَوُّعٌ» . ويَدُلُّ عَلَيْهِ أيْضًا حَدِيثُ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أبِيهِ عَنْ جابِرٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «دَخَلَتِ العُمْرَةُ في الحَجِّ إلى يَوْمِ القِيامَةِ» ومَعْناهُ: أنَّهُ نابَ عَنْها؛ لِأنَّ أفْعالَ العُمْرَةِ مَوْجُودَةٌ في أفْعالِ الحَجِّ وزِيادَةٌ؛ ولا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ أنَّ وُجُوبَها كَوُجُوبِ الحَجِّ؛ لِأنَّهُ حِينَئِذٍ لا تَكُونُ العُمْرَةُ بِأوْلى أنْ تَدْخُلَ في الحَجِّ مِنَ الحَجِّ بِأنْ يَدْخُلَ في العُمْرَةِ؛ إذْ هُما جَمِيعًا واجِبانِ، كَما لا يُقالُ دَخَلَتِ الصَّلاةُ في الحَجِّ؛ لِأنَّها واجِبَةٌ كَوُجُوبِ الحَجِّ. ويَدُلُّ عَلَيْهِ حَدِيثُ جابِرٍ: «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ أمَرَ أصْحابَهُ حِينَ أحْرَمُوا بِالحَجِّ أنْ يُحِلُّوا مِنهُ بِعُمْرَةٍ، وأنَّ سُراقَةَ بْنَ مالِكٍ قالَ: أعُمْرَتُنا هَذِهِ لِعامِنا هَذا أمْ لِلْأبَدِ ؟ فَقالَ: بَلْ لِلْأبَدِ» ومَعْلُومٌ أنَّ هَذِهِ كانَتْ عَمَلَ عُمْرَةٍ يَحْلُلُ بِها مِن إحْرامِ الحَجِّ كَما يَتَحَلَّلُ الَّذِي يَفُوتُهُ الحَجُّ بِعَمَلِ عُمْرَةٍ وهي غَيْرُ مُجْزِيَةٍ عَنْ فَرْضِ العُمْرَةِ عِنْدَ مَن يَراها فَرْضًا، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ العُمْرَةَ غَيْرُ مَفْرُوضَةٍ؛ لِأنَّها لَوْ كانَتْ مَفْرُوضَةً لَما قالَ: «عُمْرَتُكم هَذِهِ لِلْأبَدِ» وفِيهِ إخْبارٌ بِأنَّهُ لا عُمْرَةَ عَلَيْهِمْ غَيْرَها ويَدُلُّ عَلى أنَّ ما يُتَحَلَّلُ بِهِ مِن إحْرامِ (p-٣٣١)الحَجِّ لَيْسَ بِعُمْرَةٍ أنَّهُ لَوْ بَقِيَ الَّذِي يَفُوتُهُ الحَجُّ عَلى إحْرامِهِ حَتّى تَحَلَّلَ مِنهُ بِعُمْرَةٍ في أشْهُرِ الحُرُمِ وحَجَّ مِن عامِهِ، أنَّهُ لا يَكُونُ مُتَمَتِّعًا. ومِمّا يُحْتَجُّ بِهِ لِذَلِكَ مِن طَرِيقِ النَّظَرِ بِأنَّ الفُرُوضَ مَخْصُوصَةٌ بِأوْقاتٍ يَتَعَلَّقُ وُجُوبُها بِوُجُودِها كالصَّلاةِ والصِّيامِ والزَّكاةِ والحَجِّ، فَلَوْ كانَتِ العُمْرَةُ فَرْضًا لَوَجَبَ أنْ تَكُونَ مَخْصُوصَةً بِوَقْتٍ، فَلَمّا لَمْ تَكُنْ مَخْصُوصَةً بِوَقْتٍ كانَتْ مُطْلَقَةَ لَهُ أنْ يَفْعَلَها مَتى شاءَ، فَأشْبَهَتِ الصَّلاةَ التَّطَوُّعَ والصَّوْمَ النَّفَلَ. فَإنْ قِيلَ: إنَّ الحَجَّ النَّفَلَ مَخْصُوصٌ بِوَقْتٍ ولَمْ يَدُلَّ ذَلِكَ عَلى وُجُوبِهِ. قِيلَ لَهُ: هَذا لا يَلْزَمُ؛ لِأنّا قُلْنا إنَّ مِن شَرْطِ الفُرُوضِ الَّتِي تَلْزَمُ كُلَّ أحَدٍ في نَفْسِهِ كَوْنُها مَخْصُوصَةً بِأوْقاتٍ، وما لَيْسَ مَخْصُوصًا بِوَقْتٍ فَلَيْسَ بِفَرْضٍ، ولَيْسَ يَمْتَنِعُ عَلى ذَلِكَ أنْ يَكُونَ بَعْضُ النَّوافِلِ مَخْصُوصًا بِوَقْتٍ وبَعْضُها مُطْلَقٌ غَيْرُ مَخْصُوصٍ بِوَقْتٍ؛ فَكُلُّ ما كانَ غَيْرَ مَخْصُوصٍ بِوَقْتٍ فَهو نافِلَةٌ وما هو مَخْصُوصٌ بِوَقْتٍ فَعَلى ضَرْبَيْنِ: مِنهُ فَرْضٌ، ومِنهُ نَفْلٌ. ومِمّا يُحْتَجُّ بِهِ أيْضًا مِن طَرِيقِ الأثَرِ، ما حَدَّثَنا عَبْدُ الباقِي بْنُ قانِعٍ قالَ: حَدَّثَنا إسْماعِيلُ بْنُ الفَضْلِ قالَ: حَدَّثَنا هِشامُ بْنُ عَمّارٍ قالَ: حَدَّثَنا الحَسَنُ بْنُ يَحْيى الخُشَنِيُّ قالَ: حَدَّثَنا عُمَرُ بْنُ قَيْسٍ قالَ: حَدَّثَنِي طَلْحَةُ بْنُ مُوسى، عَنْ عَمِّهِ إسْحاقَ بْنِ طَلْحَةَ، عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، أنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «الحَجُّ جِهادٌ والعُمْرَةُ تَطَوُّعٌ» . وحَدَّثَنا عَبْدُ الباقِي قالَ: حَدَّثَنا أحْمَدُ بْنُ بُحْتُرَ العَطّارُ قالَ: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قالَ: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ الفَضْلِ بْنِ عَطِيَّةَ، عَنْ سالِمٍ الأفْطَسِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «الحَجُّ جِهادٌ والعُمْرَةُ تَطَوُّعٌ» واحْتَجَّ مَن رَآها واجِبَةً بِما رَوى ابْنُ لَهِيعَةَ عَنْ عَطاءٍ عَنْ جابِرٍ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «الحَجُّ والعُمْرَةُ فَرِيضَتانِ واجِبَتانِ» . وبِما رَوى الحَسَنُ عَنْ سَمُرَةَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «أقِيمُوا الصَّلاةَ وآتُوا الزَّكاةَ وحُجُّوا واعْتَمِرُوا واسْتَقِيمُوا يَسْتَقِمْ لَكم» وأمْرُهُ عَلى الوُجُوبِ. وبِما رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ «سُئِلَ عَنِ الإسْلامِ، فَذَكَرَ الصَّلاةَ وغَيْرَها ثُمَّ قالَ: وأنْ تَحُجَّ وتَعْتَمِرَ» . ويَقُولُ صُبَيُّ بْنُ مَعْبَدٍ: " وجَدْتُ الحَجَّ والعُمْرَةَ مَكْتُوبَتَيْنِ عَلَيَّ " قالَ ذَلِكَ لِعُمَرَ فَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ، وقالَ لَهُ " اجْمَعْهُما " . وبِحَدِيثِ أبِي رَزِينٍ رَجُلٍ مِن بَنِي عامِرٍ أنَّهُ قالَ: «يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ أبِي شَيْخٌ كَبِيرٌ لا يَسْتَطِيعُ الحَجَّ والعُمْرَةَ ولا الظَّعْنَ ؟ قالَ: اُحْجُجْ عَنْ أبِيكَ واعْتَمِرْ» . فَأمّا حَدِيثُ جابِرٍ في وُجُوبِ العُمْرَةِ مِن طَرِيقِ ابْنِ لَهِيعَةَ فَهو ضَعِيفٌ كَثِيرُ الخَطَإ، يُقالُ احْتَرَقَتْ كُتُبُهُ فَعَوَّلَ عَلى حِفْظِهِ وكانَ سَيِّئَ الحِفْظِ، وإسْنادُ حَدِيثِ جابِرٍ الَّذِي رَوَيْناهُ في عَدَمِ وُجُوبِها أحْسَنُ مِن إسْنادِ حَدِيثِ ابْنِ لَهِيعَةَ ولَوْ تَساوَيا لَكِنَّ أكْبَرَ (p-٣٣٢)أحْوالِهِما أنْ يَتَعارَضا فَيَسْقُطا جَمِيعًا ويَبْقى لَنا حَدِيثُ طَلْحَةَ وابْنِ عَبّاسٍ مِن غَيْرِ مُعارِضٍ. فَإنْ قالَ قائِلٌ: لَيْسَ حَدِيثُ الحَجّاجِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ المُنْكَدِرِ عَنْ جابِرٍ الَّذِي رَوَيْتُهُ في نَفْيِ الإيجابِ بِمُعارِضٍ لِحَدِيثِ ابْنِ لَهِيعَةَ عَنْ عَطاءٍ عَنْ جابِرٍ في إيجابِها؛ لِأنَّ حَدِيثَ الحَجّاجِ وارِدٌ عَلى الأصْلِ وحَدِيثُ ابْنِ لَهِيعَةَ ناقِلٌ عَنْهُ، ومَتى ورَدَ خَبَرانِ أحَدُهُما نافٍ والآخَرُ مُثْبِتٌ فالمُثْبِتُ مِنهُما أوْلى، وكَذَلِكَ إذا كانَ أحَدُهُما مُوجَبًا والآخَرُ غَيْرَ مُوجَبٍ؛ لِأنَّ الإيجابَ يَقْتَضِي حَظْرَ تَرْكِهِ ونَفْيُهُ لا حَظْرَ فِيهِ والخَبَرُ الحاظِرُ أوْلى مِنَ المُبِيحِ. قِيلَ لَهُ: هَذا لا يَجِبُ مِن قِبَلِ أنَّ حَدِيثَ ابْنِ لَهِيعَةَ في إيجابِها لَوْ كانَ ثابِتًا لَوَرَدَ النَّقْلُ بِهِ مُسْتَفِيضًا لِعُمُومِ الحاجَةِ إلَيْهِ ولَوَجَبَ أنْ يَعْرِفَهُ كُلُّ مَن عَرَفَ وُجُوبَ الحَجِّ؛ إذْ كانَ وُجُوبُها كَوُجُوبِ الحَجِّ ومَن خُوطِبَ بِهِ فَهو مُخاطَبٌ بِها، فَغَيْرُ جائِزٍ فِيما كانَ هَذا وصْفَهُ أنْ يَكُونَ وُرُودُهُ مِن طَرِيقِ الآحادِ مَعَ ما في سَنَدِهِ مِنَ الضَّعْفِ ومُعارَضَةِ غَيْرِهِ إيّاهُ. وأيْضًا فَمَعْلُومٌ أنَّ الرِّوايَتَيْنِ ورَدَتا عَنْ رَجُلٍ واحِدٍ، فَلَوْ كانَ خَبَرُ الوُجُوبِ مُتَأخِّرًا في التّارِيخِ عَنْ خَبَرِ نَفْيِهِ لَبَيَّنَهُ جابِرٌ في حَدِيثِهِ، ولَقالَ: قالَ النَّبِيُّ ﷺ في العُمْرَةِ إنَّها تَطَوُّعٌ ثُمَّ قالَ بَعْدَ ذَلِكَ إنَّها واجِبَةٌ؛ إذْ غَيْرُ جائِزٍ أنْ يَكُونَ عِنْدَهُ الخَبَرانِ جَمِيعًا مَعَ عِلْمِهِ بِتارِيخِهِما فَيُطْلِقُ الرِّوايَةَ تارَةً بِالإيجابِ وتارَةً بِضِدِّهِ مِن غَيْرِ ذِكْرِ تارِيخٍ؛ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ هَذَيْنِ الخَبَرَيْنِ ورَدا مُتَعارِضَيْنِ، وإنَّما يُعْتَبَرُ خَبَرُ المُثَبِّتِ والنّافِي عَلى ما ذَكَرْنا مِنَ الِاعْتِبارِ إذا ورَدَتِ الرِّوايَتانِ مِن جِهَتَيْنِ. وأمّا حَدِيثُ سَمُرَةَ وقَوْلُهُ " فاعْتَمِرُوا " فَإنَّهُ عَلى النَّدْبِ بِالدَّلائِلِ الَّتِي قَدَّمْنا. فَأمّا قَوْلُهُ حِينَ سُئِلَ عَنِ الإسْلامِ فَذَكَرَ الصَّلاةَ وغَيْرَها ثُمَّ قالَ: «وأنْ تَحُجَّ وتَعْتَمِرَ» فَإنَّ النَّوافِلَ مِنَ الإسْلامِ، وكَذَلِكَ كُلُّ ما يُتَقَرَّبُ بِهِ إلى اللَّهِ تَعالى لِأنَّهُ مِن شَرائِعِهِ؛ وقَدْ رُوِيَ أنَّ الإسْلامَ بِضْعٌ وسَبْعُونَ خَصْلَةً مِنها إماطَةُ الأذى عَنِ الطَّرِيقِ. وأمّا قَوْلُ صُبَيِّ بْنِ مَعْبَدٍ لِعُمَرَ: " وجَدْتُ الحَجَّ والعُمْرَةَ مَكْتُوبَيْنِ عَلَيَّ " وسُكُوتُ عُمَرَ عَنْهُ وتَرْكُهُ النَّكِيرَ عَلَيْهِ، فَإنَّهُ إنَّما قالَ هُما مَكْتُوبانِ عَلَيَّ ولَمْ يَقُلْ مَكْتُوبَتانِ عَلى النّاسِ، فَظاهِرُهُ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ نَذَرَهُما فَصارا مَكْتُوبَيْنِ عَلَيْهِ بِالنَّذْرِ. وأيْضًا فَإنَّهُ إنَّما قالَهُ تَأْوِيلًا مِنهُ لِلْآيَةِ، وفِيهَ مَساغٌ لِلتَّأْوِيلِ، فَلَمْ يُنْكِرْهُ عُمَرُ لِاحْتِمالِها لَهُ، وهو بِمَنزِلَةِ قَوْلِ القائِلِ بِوُجُوبِ العُمْرَةِ فَلا يَسْتَحِقُّونَ النَّكِيرَ؛ إذْ كانَ الِاجْتِهادُ سائِغًا فِيهِ. وأمّا قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ لِلرَّجُلِ الَّذِي سَألَهُ عَنِ الحَجِّ عَنْ أبِيهِ وقَوْلُهُ «حُجَّ عَنْ أبِيكَ واعْتَمِرْ» فَلا دَلالَةَ فِيهِ عَلى وُجُوبِها لِأنَّهُ لا خِلافَ أنَّ هَذا القَوْلَ لَمْ يَخْرُجْ مَخْرَجَ الإيجابِ؛ إذْ لَيْسَ عَلَيْهِ أنْ (p-٣٣٣)يَحُجَّ عَنْ أبِيهِ ولا أنْ يَعْتَمِرَ. ومِنَ النّاسِ مَن يَحْتَجُّ لِإيجابِ العُمْرَةِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وافْعَلُوا الخَيْرَ﴾ [الحج: ٧٧] لِأنَّها خَيْرٌ، فَظاهِرُ اللَّفْظِ يَقْتَضِي إيجابَ جَمِيعِ الخَيْرِ. وهَذا يَسْقُطُ مِن وُجُوهٍ: أحَدُها: أنَّهُ يُحْتاجُ أنْ يُثْبِتَ أنَّ فِعْلَ العُمْرَةِ مَعَ اعْتِقادِ وُجُوبِها خَيْرٌ لِأنَّ مَن لا يَراها واجِبَةً فَغَيْرُ جائِزٍ أنْ يَفْعَلَها عَلى أنَّها واجِبَةٌ، ولَوْ فَعَلَها عَلى هَذا الِاعْتِقادِ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ خَيْرًا، كَمَن صَلّى تَطَوُّعًا واعْتَقَدَ فِيهِ الفَرْضَ. وآخَرُ: وهو أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وافْعَلُوا الخَيْرَ﴾ [الحج: ٧٧] لَفْظٌ مُجْمَلٌ لِاشْتِمالِهِ عَلى المُجْمَلِ الَّذِي لا يَلْزَمُ اسْتِعْمالُهُ بِوُرُودِ اللَّفْظِ، ألا تَرى أنَّهُ يَدْخُلُ فِيهِ الصَّلاةُ والزَّكاةُ والصَّوْمُ وهَذِهِ كُلُّها فُرُوضٌ مُجْمَلَةٌ ؟ ومَتى انْتَظَمَ اللَّفْظُ ما هو مُجْمَلٌ فَهو مُجْمَلٌ يَحْتاجُ في إثْباتِ حُكْمِهِ إلى دَلِيلٍ مِن غَيْرِهِ. ووَجْهٌ آخَرُ: وهو أنَّ الخَيْرَ بِالألِفِ واللّامِ لَفْظُ جِنْسٍ لا يُمْكِنُ اسْتِغْراقُهُ، فَيَتَناوَلُ أدْنى ما يَقَعُ عَلَيْهِ الِاسْمُ كَقَوْلِكَ: " إنْ شَرِبْتَ الماءَ وتَزَوَّجْتَ النِّساءَ " فَإذا فَعَلَ أدْنى ما يُسَمّى بِهِ فَقَدْ قَضى عُهْدَةَ اللَّفْظِ. وأيْضًا فَقَدْ عَلِمْنا مَعَ وُرُودِ اللَّفْظِ أنَّ المُرادَ البَعْضُ لِتَعَذُّرِ اسْتِيعابِ الكُلِّ، فَصارَ كَقَوْلِهِ: " افْعَلُوا بَعْضَ الخَيْرِ " فَيَحْتاجُ إلى بَيانٍ في لُزُومِ الأمْرِ واحْتَجَّ مَن أوْجَبَها بِأنّا لَمْ نَجِدْ شَيْئًا يُتَطَوَّعُ بِهِ إلّا ولَهُ أصْلٌ في الفَرْضِ، فَلَوْ كانَتِ العُمْرَةُ تَطَوُّعًا لَكانَ لَها أصْلٌ في الفَرْضِ. فَيُقالُ لَهُ: العُمْرَةُ إنَّما هي الطَّوافُ والسَّعْيُ ولِذَلِكَ أصْلٌ في الفَرْضِ. فَإنْ قِيلَ: لا يُوجَدُ طَوافٌ وسَعْيٌ مُفْرَدًا فَرْضًا غَيْرَ العُمْرَةِ، وإنَّما يُوجَدُ ذَلِكَ في الفَرْضِ تابِعًا. قِيلَ لَهُ: قَدْ يُتَطَوَّعُ بِالطَّوافِ بِالبَيْتِ وإنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ أصْلٌ في الفَرْضِ مُفْرَدًا، فَكَذَلِكَ العُمْرَةُ يُتَطَوَّعُ بِها إذا كانَتْ طَوافًا وسَعْيًا وإنْ لَمْ يَكُنْ لَها أصْلٌ في الفَرْضِ واحْتَجَّ الشّافِعِيُّ بِأنَّهُ لَمّا جازَ الجَمْعُ بَيْنَها وبَيْنَ الحَجِّ دَلَّ عَلى أنَّها فَرْضٌ؛ لِأنَّها لَوْ كانَتْ تَطَوُّعًا ما جازَ أنْ يُعْمَلَ مَعَ عَمَلِ الحَجِّ، كَما لا يُجْمَعُ بَيْنَ صَلاتَيْنِ إحْداهُما فَرْضٌ والأُخْرى تَطَوُّعٌ ويُجْمَعُ بَيْنَ عَمَلِ أرْبَعِ رَكَعاتٍ فَرْضٍ. قالَ أبُو بَكْرٍ: وهَذِهِ قَضِيَّةٌ فاسِدَةٌ يَبْطُلُ عَلَيْهِ القَوْلُ بِوُجُوبِ العُمْرَةِ لِأنَّهُ يُقالُ لَهُ: لَمّا جازَ الجَمْعُ بَيْنَهُما ولَمْ يَجُزْ بَيْنَ صَلاتَيْ فَرْضٍ دَلَّ عَلى أنَّها لَيْسَتْ بِفَرْضٍ؛ وأمّا قَوْلُهُ: " ويُجْمَعُ بَيْنَ عَمَلِ أرْبَعِ رَكَعاتٍ " فَإنَّ الأرْبَعَ كُلَّها صَلاةٌ واحِدَةٌ كالحَجِّ الواحِدِ المُشْتَمِلِ عَلى سائِرِ أرْكانِهِ كالطَّوافِ الواحِدِ المُشْتَمِلِ عَلى سَبْعَةِ أشْواطٍ، وهو مَعَ ذَلِكَ مُنْتَقِضٌ عَلى أصْلِهِ لِأنَّهُ لَوِ اعْتَمَرَ ثُمَّ حَجَّ حَجَّةَ الفَرِيضَةِ وقَرَنَ مَعَها عُمْرَةً كانَتِ العُمْرَةُ تَطَوُّعًا والحَجُّ فَرْضًا فَقَدْ صَحَّ الجَمْعُ بَيْنَ الفَرْضِ والنَّفَلِ في الحَجِّ والعُمْرَةِ، فانْتَقَضَ بِذَلِكَ اسْتِدْلالُ مَنِ اسْتَدَلَّ بِجَوازِ جَمْعِها إلى الحَجِّ عَلى وُجُوبِها. واحْتَجَّ الشّافِعِيُّ أيْضًا بِأنَّهُ لَمّا جُعِلَ لَها مِيقاتٌ كَمِيقاتِ (p-٣٣٤)الحَجِّ دَلَّ عَلى أنَّها فَرْضٌ فَيُقالُ لَهُ: إذا اعْتَمَرَ عُمْرَةَ الفَرِيضَةِ ورَجَعَ إلى أهْلِهِ ثُمَّ أرادَ أنْ يَرْجِعَ لِلْعُمْرَةِ كانَ لَها مِيقاتٌ كَمِيقاتِ الحَجِّ وهي تَطَوُّعٌ، فَشَرْطُ المِيقاتِ لَيْسَ بِدَلالَةٍ عَلى الوُجُوبِ، وكَذَلِكَ الحَجُّ التَّطَوُّعُ لَهُ مِيقاتٌ كَمِيقاتِ الواجِبِ. واحْتَجَّ أيْضًا بِوُجُوبِ الدَّمِ عَلى القارِنِ ولَمْ يُبَيِّنْ مِنهُ وجْهَ الدَّلالَةِ عَلى الوُجُوبِ، ولَكِنِ ادَّعى دَعْوى عارِيَةً مِنَ البُرْهانِ؛ ومَعَ ذَلِكَ فَإنَّهُ مُنْتَقَضٌ؛ لِأنَّهُ لَوْ قَرَنَ حَجَّةَ فَرِيضَةٍ مَعَ عُمْرَةِ تَطَوُّعٍ لَكانَ عَلَيْهِ دَمٌ، فَكَذَلِكَ لَوْ جَمَعَ بَيْنَهُما وهُما نافِلَتانِ لَوَجَبَ الدَّمُ. * * قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإنْ أُحْصِرْتُمْ فَما اسْتَيْسَرَ مِنَ الهَدْيِ﴾ قالَ الكِسائِيُّ وأبُو عُبَيْدَةَ وأكْثَرُ أهْلِ اللُّغَةِ: الإحْصارُ المَنعُ بِالمَرَضِ أوْ ذَهابُ النَّفَقَةِ، والحَصْرُ حَصْرُ العَدُوِّ، ويُقالُ: أحَصَرَهُ المَرَضُ وحَصَرَهُ العَدُوُّ. وحُكِيَ عَنِ الفَرّاءِ أنَّهُ أجازَ كُلَّ واحِدٍ مِنهُما مَكانَ الآخَرِ، وأنْكَرَهُ أبُو العَبّاسِ المُبَرِّدُ والزَّجّاجُ وقالا: هُما مُخْتَلِفانِ في المَعْنى، ولا يُقالُ في المَرَضِ حَصَرَهُ ولا في العَدُوِّ أحْصَرَهُ. قالا: وإنَّما هَذا كَقَوْلِهِمْ حَبَسَهُ: إذا جَعَلَهُ في الحَبْسِ، وأحْبَسَهُ: أيْ عَرَّضَهُ لِلْحَبْسِ، وقَتَلَهُ: أوْقَعَ بِهِ القَتْلَ، وأقْتَلَهُ: أيْ عَرَّضَهُ لِلْقَتْلِ، وقَبَرَهُ: دَفَنَهُ في القَبْرِ، وأقْبَرَهُ: عَرَّضَهُ لِلدَّفْنِ في القَبْرِ؛ وكَذَلِكَ حَصَرَهُ: حَبَسَهُ وأوْقَعَ بِهِ الحَصْرَ، وأحْصَرَهُ: عَرَّضَهُ لِلْحَصْرِ ورَوى ابْنُ أبِي نَجِيحٍ عَنْ عَطاءٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: " لا حَصْرَ إلّا حَصْرُ عَدُوٍّ، فَأمّا مَن حَبَسَهُ اللَّهُ بِكَسْرٍ أوْ مَرَضٍ فَلَيْسَ بِحَصْرٍ " فَأخْبَرَ ابْنُ عَبّاسٍ أنَّ الحَصْرَ يَخْتَصُّ بِالعَدُوِّ وأنَّ المَرَضَ لا يُسَمّى حَصْرًا؛ وهَذا مُوافِقٌ لِقَوْلِ مَن ذَكَرْنا قَوْلَهم مِن أهْلِ اللُّغَةِ في مَعْنى الِاسْمِ. ومِنَ النّاسِ مَن يَظُنُّ أنَّ هَذا يَدُلُّ مِن قَوْلِهِ عَلى أنَّ المَرِيضَ لا يَجُوزُ لَهُ أنْ يَحِلَّ ولا يَكُونُ مُحْصَرًا؛ ولَيْسَ في ذَلِكَ دَلالَةٌ عَلى ما ظَنَّ؛ لِأنَّهُ إنَّما أخْبَرَ عَنْ مَعْنى الِاسْمِ ولَمْ يُخْبِرْ عَنْ مَعْنى الحُكْمِ، فَأعْلَمَ أنَّ اسْمَ الإحْصارِ يَخْتَصُّ بِالمَرَضِ والحَصْرُ يَخْتَصُّ بِالعَدُوِّ. وقَدِ اخْتَلَفَ السَّلَفُ في حُكْمِ المُحْصَرِ عَلى ثَلاثَةِ أنْحاءٍ: رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وابْنِ عَبّاسٍ: " العَدُوُّ والمَرَضُ سَواءٌ يَبْعَثُ بِدَمٍ ويَحِلُّ بِهِ إذا نَحَرَ في الحَرَمِ " وهو قَوْلُ أبِي حَنِيفَةَ وأبِي يُوسُفَ ومُحَمَّدٌ وزُفَرُ والثَّوْرِيُّ. والثّانِي: قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ: " إنَّ المَرِيضَ لا يَحِلُّ ولا يَكُونُ مُحْصَرًا إلّا بِالعَدُوِّ " وهو قَوْلُ مالِكٍ واللَّيْثِ والشّافِعِيِّ. والثّالِثُ: قَوْلُ ابْنِ الزُّبَيْرِ وعُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ: " إنَّ المَرَضَ والعَدُوُّ سَواءٌ لا يَحِلُّ إلّا بِالطَّوافِ " ولا نَعْلَمُ لَهُما مُوافِقًا مِن فُقَهاءِ الأمْصارِ قالَ أبُو بَكْرٍ: ولَمّا ثَبَتَ بِما قَدَّمْتُهُ مِن قَوْلِ أهْلِ اللُّغَةِ أنَّ اسْمَ الإحْصارِ يَخْتَصُّ بِالمَرَضِ، وقالَ اللَّهُ: ﴿فَإنْ أُحْصِرْتُمْ فَما اسْتَيْسَرَ مِنَ الهَدْيِ﴾ وجَبَ أنْ يَكُونَ اللَّفْظُ مُسْتَعْمَلًا فِيما هو حَقِيقَةٌ (p-٣٣٥)فِيهِ وهو المَرَضُ، ويَكُونَ العَدُوُّ داخِلًا فِيهِ بِالمَعْنى. فَإنْ قِيلَ فَقَدْ حُكِيَ عَنِ الفَرّاءِ أنَّهُ أجازَ فِيهِما لَفْظَ الإحْصارِ. قِيلَ لَهُ لَوْ صَحَّ ذَلِكَ كانَتْ دَلالَةُ الآيَةِ قائِمَةً في إثْباتِهِ في المَرَضِ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَدْفَعْ وُقُوعَ الِاسْمِ عَلى المَرَضِ، وإنَّما أجازَهُ في العَدُوِّ، فَلَوْ وقَعَ الِاسْمُ عَلى الأمْرَيْنِ لَكانَ عُمُومًا فِيهِما مُوجِبًا لِلْحُكْمِ في المَرِيضِ والمَحْصُورِ بِالعَدُوِّ جَمِيعًا. فَإنْ قِيلَ: لَمْ تَخْتَلِفِ الرُّواةُ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ في شَأْنِ الحُدَيْبِيَةِ، وكانَ النَّبِيُّ ﷺ وأصْحابُهُ مَمْنُوعِينَ بِالعَدُوِّ، فَأمَرَهُمُ اللَّهُ بِهَذِهِ الآيَةِ بِالإحْلالِ مِنَ الإحْرامِ، فَدَلَّ عَلى أنَّ المُرادَ بِالآيَةِ هو العَدُوُّ قِيلَ لَهُ لَمّا كانَ سَبَبُ نُزُولِ الآيَةِ هو: العَدُوَّ، ثُمَّ عَدَلَ عَنْ ذِكْرِ الحَصْرِ وهو يَخْتَصُّ بِالعَدُوِّ إلى الإحْصارِ الَّذِي يَخْتَصُّ بِالمَرَضِ، دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّهُ أرادَ إفادَةَ الحُكْمِ في المَرَضِ لِيُسْتَعْمَلَ اللَّفْظُ عَلى ظاهِرِهِ؛ ولَمّا أمَرَ النَّبِيُّ ﷺ أصْحابَهُ بِالإحْلالِ وحَلَّ هو، دَلَّ عَلى أنَّهُ أرادَ حَصْرَ العَدُوِّ مِن طَرِيقِ المَعْنى لا مِن جِهَةِ اللَّفْظِ، فَكانَ نُزُولُ الآيَةِ مُفِيدًا لِلْحُكْمِ في الأمْرَيْنِ. ولَوْ كانَ مُرادُ اللَّهِ تَعالى تَخْصِيصَ العَدُوِّ بِذَلِكَ دُونَ المَرَضِ لَذَكَرَ لَفْظًا يَخْتَصُّ بِهِ دُونَ غَيْرِهِ؛ ومَعَ ذَلِكَ لَوْ كانَ اسْمًا لِلْمَعْنَيَيْنِ لَمْ يَكُنْ نُزُولُهُ عَلى سَبَبٍ مُوجِبًا لِلِاقْتِصارِ بِحُكْمِهِ عَلَيْهِ، بَلْ كانَ الواجِبُ اعْتِبارَ عُمُومِ اللَّفْظِ دُونَ السَّبَبِ. ويَدُلُّ عَلَيْهِ مِن جِهَةِ السُّنَّةِ ما حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قالَ: حَدَّثَنا أبُو داوُدَ قالَ: حَدَّثَنا مُسَدَّدٌ قالَ: حَدَّثَنا يَحْيى عَنْ حَجّاجٍ الصَّوّافِ قالَ: حَدَّثَنِي يَحْيى بْنُ أبِي كَثِيرٍ عَنْ عِكْرِمَةَ قالَ: سَمِعْتُ الحَجّاجَ بْنَ عَمْرٍو الأنْصارِيَّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَن كُسِرَ أوْ عَرَجَ فَقَدْ حَلَّ وعَلَيْهِ الحَجُّ مِن قابِلٍ» قالَ عِكْرِمَةُ: فَسَألْتُ ابْنَ عَبّاسٍ وأبا هُرَيْرَةَ فَقالا: صَدَقَ. ومَعْنى قَوْلِهِ فَقَدْ حَلَّ فَقَدْ جازَ لَهُ أنْ يَحِلَّ، كَما يُقالُ: حَلَّتِ المَرْأةُ لِلزَّوْجِ، يَعْنِي جازَ لَها أنْ تَتَزَوَّجَ. فَإنْ قِيلَ: رَوى حَمّادُ وابْنُ زَيْدٍ عَنْ أيُّوبُ عَنْ عِكْرِمَةَ أنَّهُ قالَ في المُحْصَرِ يَبْعَثُ بِالهَدْيِ: " فَإذا بَلَغَ الهَدْيُ مَحِلَّهُ حَلَّ وعَلَيْهِ الحَجُّ مِن قابِلٍ " وقالَ: " لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ سُبْحانَهُ بِالقَصاصِ مِن عِبادِهِ ويَأْخُذُ مِنهُمُ العَدُوَّ أنَّ عَلَيْهِ حَجًّا مَكانَ حَجٍّ وإحْرامًا مَكانَ إحْرامٍ " . فَزَعَمَ هَذا القائِلُ أنَّهُ لَوْ كانَ عِنْدَ عِكْرِمَةَ هَذا الحَدِيثُ لَما كانَ قالَ: " يَبْعَثُ بِالهَدْيِ " ولَقالَ: " يَحِلُّ " كَما رُوِيَ في الخَبَرِ. وهَذا القائِلُ إنَّما غَلَطَ حِينَ ظَنَّ أنَّ المَعْنى في قَوْلِهِ: " حَلَّ " وُقُوعُ الإحْلالِ بِنَفْسِ الإحْصارِ؛ ولَيْسَ هو كَما ظَنَّ وإنَّما مَعْناهُ أنَّهُ جازَ لَهُ أنْ يَحِلَّ كَما ذَكَرْنا مِثْلَهُ فِيما يُطْلِقُهُ النّاسُ مِن قَوْلِهِمْ: " حَلَّتِ المَرْأةُ لِلْأزْواجِ " يُرِيدُونَ بِهِ: قَدْ جازَ لَها أنْ تَحِلَّ بِالتَّزْوِيجِ. ويَدُلُّ عَلَيْهِ مِن جِهَةِ النَّظَرِ أنَّ المُحْصَرَ بِالعَدُوِّ لَمّا جازَ لَهُ الإحْلالُ لِتَعَذُّرِ وُصُولِهِ إلى البَيْتِ وكانَ ذَلِكَ (p-٣٣٦)مَوْجُودًا في المَرَضِ، وجَبَ أنْ يَكُونَ بِمَنزِلَتِهِ وفي حُكْمِهِ. ألا تَرى أنَّهُ مَتى لَمْ يَتَعَذَّرْ وُصُولُهُ إلى البَيْتِ بِمَنعِ العَدُوِّ لَمْ يَجُزْ لَهُ أنْ يَحِلَّ ؟ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ المَعْنى فِيهِ تَعَذُّرُ وُصُولِهِ إلى البَيْتِ. ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ مُوافَقَةُ مُخالِفِينا إيّانا عَلى أنَّ المَرْأةَ إذا مَنَعَها زَوْجُها مِن حَجَّةِ التَّطَوُّعِ بَعْدَ الإحْرامِ، جازَ لَها الإحْلالُ وكانَتْ بِمَنزِلَةِ المُحْصَرِ مَعَ عَدَمِ العَدُوِّ؛ وكَذَلِكَ مَن حُبِسَ في دَيْنٍ أوْ غَيْرِهِ فَتَعَذَّرَ عَلَيْهِ الوُصُولُ إلى البَيْتِ كانَ في حُكْمِ المُحْصَرِ؛ فَكَذَلِكَ المَرِيضُ. ويَدُلُّ عَلَيْهِ أنَّ سائِرَ الفُرُوضِ لا يَخْتَلِفُ حُكْمُها في كَوْنِ المَنعِ مِنها بِالعَدُوِّ أوِ المَرَضِ، ألا تَرى أنَّ الخائِفَ جائِزٌ لَهُ فِعْلُ الصَّلاةِ بِالإيماءِ أوْ قاعِدًا إذا تَعَذَّرَ عَلَيْهِ فِعْلُها قائِمًا كَما يَجُوزُ ذَلِكَ لِلْمَرِيضِ ؟ فَكَذَلِكَ المُضِيُّ في الإحْرامِ واجِبٌ أنْ لا يَخْتَلِفَ حُكْمُهُ عِنْدَ تَعَذُّرِ الوُصُولِ إلى البَيْتِ لِمَرَضٍ كانَ ذَلِكَ أوْ لِخَوْفِ عَدُوٍّ، وكَذَلِكَ هَذا في اسْتِقْبالِ القِبْلَةِ إذا كانَ خائِفًا أوْ مَرِيضًا، وكَذَلِكَ مَن عَدِمَ الماءَ أوْ كانَ مَرِيضًا، ومَن لا يَجِدُ ما يَحْتَمِلُ بِهِ لِلْجِهادِ، ومَن كانَ مَرِيضًا؛ لَمْ يَخْتَلِفْ حُكْمُ الإعْذارِ في سُقُوطِ الفَرْضِ، كَذَلِكَ يَنْبَغِي أنْ لا يَخْتَلِفَ حُكْمُها في بابِ سُقُوطِ فَرْضِ المُضِيِّ عَلى الإحْرامِ وجَوازِ الإحْلالِ مِنهُ، والمَعْنى في الجَمِيعِ تَعَذُّرُ الفِعْلِ. فَإنْ قِيلَ: لَمّا قالَ تَعالى: ﴿فَإنْ أُحْصِرْتُمْ فَما اسْتَيْسَرَ مِنَ الهَدْيِ﴾ ثُمَّ عَقَّبَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿فَمَن كانَ مِنكم مَرِيضًا أوْ بِهِ أذًى مِن رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِن صِيامٍ أوْ صَدَقَةٍ﴾ دَلَّ ذَلِكَ مِن وجْهَيْنِ عَلى أنَّ المَرِيضَ غَيْرُ مُرادٍ بِذِكْرِ الإحْصارِ؛ لِأنَّهُ لَوْ كانَ كَذَلِكَ لَما اسْتَأْنَفَ لَهُ ذِكْرًا مَعَ كَوْنِهِ في أوَّلِ الخِطابِ، والوَجْهُ الآخَرُ أنَّهُ لَوْ كانَ مُرادًا لَهُ لَكانَ يَحِلُّ بِذَلِكَ الدَّمُ ولَمْ يَكُنْ يَحْتاجَ إلى فِدْيَةٍ. قِيلَ لَهُ: لَمّا قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ولا تَحْلِقُوا رُءُوسَكم حَتّى يَبْلُغَ الهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ مَنَعَهُ الإحْلالَ مَعَ وُجُودِ الإحْصارِ إلى وقْتِ بُلُوغِ الهَدْيِ مَحِلَّهُ وهو ذَبْحُهُ في الحَرَمِ، فَأبانَ عَنْ حُكْمِ المَرِيضِ قَبْلَ بُلُوغِ الهَدْيِ مَحِلَّهُ، وأباحَ لَهُ حَلْقَ الرَّأْسِ مَعَ إيجابِ الفِدْيَةِ. ووَجْهٌ آخَرُ: وهو أنَّهُ لَيْسَ كُلُّ مَرَضٍ يَمْنَعُ الوُصُولَ إلى البَيْتِ، ألا تَرى أنَّ «النَّبِيَّ ﷺ قالَ لِكَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ: أتُؤْذِيكَ هَوامُّ رَأْسِكَ ؟ قالَ: نَعَمْ» فَأنْزَلَ اللَّهُ الآيَةَ، ولَمْ تَكُنْ هَوامُّ رَأْسِهِ مانِعَتَهُ مِنَ الوُصُولِ إلى البَيْتِ، فَرَخَّصَ اللَّهُ لَهُ في الحَلْقِ وأمَرَهُ بِالفِدْيَةِ، وكَذَلِكَ المَرَضُ المَذْكُورُ في الآيَةِ جائِزٌ أنْ يَكُونَ المَرَضَ الَّذِي لَيْسَ مَعَهُ إحْصارٌ، واللَّهُ سُبْحانَهُ إنَّما جَعَلَ المَرَضَ إحْصارًا إذا مَنَعَ الوُصُولَ إلى البَيْتِ، فَلَيْسَ في ذِكْرِهِ حُكْمَ المَرِيضِ بِما وصَفَ ما يَمْنَعُ كَوْنَ المَرَضِ إحْصارًا. ووَجْهٌ آخَرُ: وهو قَوْلُهُ: ﴿فَمَن كانَ مِنكم مَرِيضًا﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ عائِدًا (p-٣٣٧)إلى أوَّلِ الخِطابِ، كَما عادَ إلَيْهِ حُكْمُ الإحْصارِ وهو قَوْلُهُ: ﴿وأتِمُّوا الحَجَّ والعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ ثُمَّ عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿فَإنْ أُحْصِرْتُمْ﴾ فَبَيَّنَ حُكْمَهم إذا أُحْصِرُوا، ثُمَّ عَقَّبَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿فَمَن كانَ مِنكم مَرِيضًا﴾ يَعْنِي: أيُّها المُحْرِمُونَ بِالحَجِّ والعُمْرَةِ؛ فَبَيَّنَ حُكْمَهم إذا مَرِضُوا قَبْلَ الإحْصارِ كَما بَيَّنَ حُكْمَهم عِنْدَ الإحْصارِ؛ فَلَيْسَ إذًا في قَوْلِهِ: ﴿فَمَن كانَ مِنكم مَرِيضًا﴾ دَلالَةٌ عَلى أنَّ المَرَضَ لا يَكُونُ إحْصارًا. فَإنْ قِيلَ: لَمّا قالَ في سِياقِ الآيَةِ: ﴿فَإذا أمِنتُمْ فَمَن تَمَتَّعَ بِالعُمْرَةِ إلى الحَجِّ﴾ دَلَّ عَلى أنَّ مُرادَهُ العَدُوُّ المَخُوفُ؛ لِأنَّ الأمْنَ يَقْتَضِي الخَوْفَ. قِيلَ لَهُ: ما الَّذِي يَمْنَعُ أنْ يَكُونَ المُرادُ الأمْنَ مِن ضَرَرِ المَرَضِ المَخُوفِ ؟ ولِمَ جَعَلْتَهُ مَخْصُوصًا بِالعَدُوِّ دُونَ المَرَضِ والأمْنُ والخَوْفُ مَوْجُودانِ فِيهِما ؟ وقَدْ رُوِيَ عَنْ عُرْوَةَ بْنُ الزُّبَيْرِ في قَوْلِهِ: ﴿فَإذا أمِنتُمْ﴾ يَعْنِي: إذا أمِنتَ مِن كَسْرِكَ ووَجَعِكَ فَعَلَيْكَ أنْ تَأْتِيَ البَيْتَ. فَإنْ قِيلَ: الفَرْقُ بَيْنَ العَدُوِّ والمَرَضِ أنَّ المُحْصَرَ بِعَدُوٍّ إنْ لَمْ يُمْكِنْهُ أنْ يَتَقَدَّمَ أمْكَنَهُ الرُّجُوعُ، والمَرَضُ لا يَخْتَلِفُ حالُهُ في التَّقَدُّمِ والرُّجُوعِ. قِيلَ لَهُ: فَهَذا أحْرى أنْ يَكُونَ مُحْصَرًا لِتَعَذُّرِ الأمْرَيْنِ عَلَيْهِ، فَهو أعْذَرُ مِمَّنْ يُمْكِنُهُ الرُّجُوعُ وإنْ تَعَذَّرَ عَلَيْهِ المُضِيُّ لِلْخَوْفِ. ويُقالُ أيْضًا: ما تَقُولُ في المُحْصَرِ بِالعَدُوِّ إذا كانَ مُحِيطًا بِهِ ولَمْ يُمْكِنْهُ الرُّجُوعُ ولا التَّقَدُّمُ ألَيْسَ جائِزًا لَهُ الإحْلالُ بِلا خِلافٍ بَيْنَ الفُقَهاءِ فَقَدِ انْتَقَضَتْ عِلَّتُكَ في الفَرْقِ بَيْنَهُما؛ ومَعَ ذَلِكَ فَقَدْ قالَ الشّافِعِيُّ في المُحْرِمَةِ إذا مَنَعَها زَوْجُها والمَحْبُوسِ " إنَّهُما مُحْصَرانِ وجائِزٌ لَهُما الإحْلالُ وحالُ التَّقَدُّمِ والرُّجُوعِ لَهُما سَواءٌ؛ لِأنَّهُما مَمْنُوعانِ مِنَ الأمْرَيْنِ " . وزَعَمَ الشّافِعِيُّ أنَّ الفَرْقَ بَيْنَ المَرِيضِ والخائِفِ أنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ أباحَ لِلْخائِفِ في القِتالِ أنْ يَتَحَيَّزَ إلى فِئَةٍ فَيَنْتَقِلَ بِذَلِكَ مِنَ الخَوْفِ إلى الأمْنِ. فَيُقالُ لَهُ: وكَذَلِكَ قَدْ أباحَ لِلْمَرِيضِ تَرْكَ القِتالِ رَأْسًا بِقَوْلِهِ: ﴿لَيْسَ عَلى الضُّعَفاءِ ولا عَلى المَرْضى ولا عَلى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ ما يُنْفِقُونَ حَرَجٌ﴾ [التوبة: ٩١] فَكانَتْ رُخْصَةُ المَرِيضِ أوْسَعَ مِن رُخْصَةِ الخائِفِ؛ لِأنَّ الخائِفَ غَيْرُ مَعْذُورٍ في تَرْكِ حُضُورِ القِتالِ والمَرِيضُ مَعْذُورٌ فِيهِ. وإنَّما عُذِرَ الخائِفُ أنْ يَتَحَيَّزَ إلى فِئَةٍ ولَمْ يُعْذَرْ في تَرْكِ القِتالِ رَأْسًا، فالمَرِيضُ أوْلى بِالعُذْرِ في الإحْلالِ مِن إحْرامِهِ. قالَ الشّافِعِيُّ: فَلَمّا قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وأتِمُّوا الحَجَّ والعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ ثُمَّ قالَ في شَأْنِ المُحْصَرِ الخائِفِ ما قالَ، وجَبَ أنْ لا يَزُولَ فَرْضُ تَمامِ الحَجِّ والعُمْرَةِ إلّا عَنِ الخائِفِ. فَيُقالُ لَهُ: الَّذِي قالَ: ﴿وأتِمُّوا الحَجَّ والعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ هو الَّذِي قالَ: ﴿فَإنْ أُحْصِرْتُمْ﴾ وهو عُمُومٌ في الخائِفِ وغَيْرِهِ، فَلا يَخْرُجُ شَيْءٌ مِنهُ إلّا بِدَلالَةٍ، فَما الدَّلالَةُ عَلى تَخْصِيصِهِ بِالخائِفِ دُونَ غَيْرِهِ ؟ وقَدْ (p-٣٣٨)نَقَضْتَ ذَلِكَ بِإطْلاقِكَ لِلْمَرْأةِ الإحْلالِ إذا مَنَعَها زَوْجُها ولَيْسَتْ بِخائِفَةٍ، وكَذَلِكَ المَحْبُوسُ لا يَخافُ القَتْلَ، وقالَ المُزَنِيُّ: جَعَلَ الإحْلالَ رُخْصَةً لِلْخائِفِ مِنَ العَدُوِّ ولا يُشَبَّهُ بِهِ غَيْرُهُ، كَما جَعَلَ المَسْحَ عَلى الخُفَّيْنِ خاصًّا لا يُشَبِّهُ بِهِ القُفّازَيْنِ. فَيُقالُ لَهُ: إنْ كانَ المَعْنى فِيهِ أنَّهُ رُخْصَةٌ فَيَنْبَغِي أنْ لا يُقاسَ عَلى شَيْءٍ مِنَ الرُّخَصِ، فَإذا «رَخَّصَ النَّبِيُّ ﷺ الِاسْتِنْجاءَ بِالأحْجارِ» وجَبَ أنْ لا يُشَبَّهَ بِهِ غَيْرُهُ في جَوازِ الِاسْتِنْجاءِ بِالخِرَقِ والخَشَبِ، ولَمّا كانَ حَلْقُ الرَّأْسِ مِن أذًى رُخْصَةً وجَبَ أنْ لا يُشَبَّهَ بِهِ الأذى في البَدَنِ في إباحَةِ الحَلْقِ والفِدْيَةِ، ويَلْزَمُهُ أنْ لا يُشَبِّهَ بِالخائِفِ المَحْبُوسَ والمَرْأةَ إذا مَنَعَها زَوْجُها؛ وجَمِيعُ ما ذَكَرْنا يَنْقُضُ اعْتِلالَهُ * * فَصْلٌ قالَ أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: والإحْصارُ مِنَ الحَجِّ والعُمْرَةِ سَواءٌ؛ وحُكِيَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ أنَّ الإحْصارَ يَكُونُ مِنَ الحَجِّ دُونَ العُمْرَةِ، وذَهَبَ إلى أنَّ العُمْرَةَ غَيْرُ مُوَقَّتَةٍ وأنَّهُ لا يُخْشى الفَواتُ وقَدْ تَواتَرَتِ الأخْبارُ بِأنَّ «النَّبِيَّ ﷺ كانَ مُحْرِمًا بِالعُمْرَةِ عامَ الحُدَيْبِيَةِ وأنَّهُ أحَلَّ مِن عُمْرَتِهِ بِغَيْرِ طَوافٍ ثُمَّ قَضاها في العامِ القابِلِ في ذِي القَعْدَةِ وسُمِّيَتْ عُمْرَةَ القَضاءِ» . وقالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وأتِمُّوا الحَجَّ والعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ ثُمَّ قالَ: ﴿فَإنْ أُحْصِرْتُمْ فَما اسْتَيْسَرَ مِنَ الهَدْيِ﴾ وذَلِكَ حُكْمٌ عائِدٌ إلَيْهِما جَمِيعًا، وغَيْرُ جائِزٍ الِاقْتِصارُ عَلى أحَدِهِما دُونَ الآخَرِ، لِما فِيهِ مِن تَخْصِيصِ حُكْمِ اللَّفْظِ بِغَيْرِ دَلالَةٍ. * * وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَما اسْتَيْسَرَ مِنَ الهَدْيِ﴾ قالَ أبُو بَكْرٍ: قَدِ اخْتَلَفَ السَّلَفُ في ذَلِكَ، فَرُوِيَ عَنْ عائِشَةَ وابْنِ عُمَرَ أنَّهُما قالا: " لا يَكُونُ الهَدْيُ إلّا مِنَ الإبِلِ والبَقَرِ " . وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ شاةٌ " . واخْتَلَفَ فُقَهاءُ الأمْصارِ فِيهِ، فَقالَ أبُو حَنِيفَةَ وأبُو يُوسُفَ ومُحَمَّدٌ وزُفَرُ ومالِكٌ والشّافِعِيُّ: " الهَدْيُ مِنَ الأصْنافِ الثَّلاثَةِ: الإبِلِ والبَقَرِ والغَنَمِ " وهو قَوْلُ ابْنِ شُبْرُمَةَ، قالَ ابْنُ شُبْرُمَةَ: " والبُدْنُ مِنَ الإبِلِ خاصَّةً " . وقالَ أصْحابُنا والشّافِعِيُّ: " مِنَ الإبِلِ والبَقَرِ " . واخْتَلَفُوا في السِّنِّ، فَقالَ أصْحابُنا والشّافِعِيُّ: " لا يُجْزِي في الهَدْيِ مِنَ الإبِلِ والبَقَرِ والغَنَمِ إلّا الثَّنِيُّ فَصاعِدًا إلّا الجَذَعَ مِنَ الضَّأْنِ فَإنَّهُ يُجْزِي " . وقالَ مالِكٌ: " لا يُجْزِي مِنَ الهَدْيِ إلّا الثَّنِيُّ فَصاعِدًا " . وقالَ الأوْزاعِيُّ: " يُهْدِي الذُّكُورَ مِنَ الإبِلِ، ويَجُوزُ الجَذَعُ مِنَ الإبِلِ والبَقَرِ، ويُجْزِي كُلُّ واحِدٍ مِنهُما عَنْ سَبْعَةٍ " . قالَ أبُو بَكْرٍ: الهَدْيُ اسْمٌ لِما يُهْدى إلى البَيْتِ عَلى وجْهِ التَّقَرُّبِ بِهِ إلى اللَّهِ تَعالى، وجائِزٌ أنْ يُسَمّى بِهِ ما يُقْصَدُ بِهِ الصَّدَقَةُ وإنْ لَمْ يُهْدَ إلى البَيْتِ؛ قالَ النَّبِيُّ ﷺ «المُبَكِّرُ إلى الجُمُعَةِ كالمُهْدِي بَدَنَةً، ثُمَّ الَّذِي يَلِيهِ كالمُهْدِي بَقَرَةً، ثُمَّ الَّذِي يَلِيهِ كالمُهْدِي شاةً، ثُمَّ الَّذِي يَلِيهِ كالمُهْدِي دَجاجَةً، ثُمَّ الَّذِي يَلِيهِ كالمُهْدِي بَيْضَةً» فَسَمّى الدَّجاجَةَ (p-٣٣٩)والبَيْضَةَ هَدْيًا وإنْ لَمْ يُرِدْ بِهِ إهْداءَهُ إلى البَيْتِ، وإنَّما أرادَ بِهِ الصَّدَقَةَ وإخْراجَها مَخْرَجَ القُرْبَةِ؛ ولِذَلِكَ قالَ أصْحابُنا فِيمَن قالَ: " لِلَّهِ عَلَيَّ أنْ أُهْدِي ثَوْبِي هَذا أوْ دارِي هَذِهِ " أنَّ عَلَيْهِ أنْ يَتَصَدَّقَ بِهِ. واتَّفَقَ الفُقَهاءُ عَلى أنَّ ما عَدا هَذِهِ الأصْنافِ الثَّلاثَةِ مِنَ الإبِلِ والبَقَرِ والغَنَمِ لَيْسَ مِنَ الهَدْيِ المُرادِ بِقَوْلِهِ ﴿فَما اسْتَيْسَرَ مِنَ الهَدْيِ﴾ واخْتَلَفُوا فِيما أُرِيدَ بِهِ مِنها عَلى ما ذَكَرْنا؛ وظاهِرُ الآيَةِ يَقْتَضِي دُخُولَ الشّاةِ فِيهِ لِوُقُوعِ الِاسْمِ عَلَيْها؛ ولَمْ يَخْتَلِفُوا في مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿هَدْيًا بالِغَ الكَعْبَةِ﴾ [المائدة: ٩٥] أنَّ الشّاةَ مِنهُ وأنَّهُ يَكُونُ هَدْيًا في جَزاءِ الصَّيْدِ ورَوى إبْراهِيمُ عَنِ الأسْوَدِ عَنْ عائِشَةَ: «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ أهْدى غَنَمًا مَرَّةً» . ورَوى الأعْمَشُ عَنْ أبِي سُفْيانَ عَنْ جابِرٍ قالَ: «كانَ فِيما أهْدى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ غَنَمٌ مُقَلَّدَةٌ» . فَإنْ قِيلَ: الرِّوايَةُ عَنْ عائِشَةَ في هَدْيِ الغَنَمِ لا يَصِحُّ؛ لِأنَّ القاسِمَ قَدْ رَوى عَنْها أنَّها كانَتْ لا تَرى الغَنَمَ مِمّا يُسْتَيْسَرُ مِنَ الهَدْيِ. قِيلَ لَهُ: إنَّما مَعْناهُ أنَّهُ لا يَصِيرُ مُحْرِمًا بِها وأنَّ هَدْيَ الإبِلِ والبَقَرِ يُوجِبُ الإحْرامَ إذا أرادَهُ وقَلَّدَهُما، وأمّا اعْتِبارُ الثَّنِيِّ فَلِما رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ في قِصَّةِ «أبِي بُرْدَةَ بْنِ نِيارٍ حِينَ ضَحّى قَبْلَ الصَّلاةِ، فَأمَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ بِإعادَتِها، فَقالَ: عِنْدِي جَذَعَةٌ مِنَ المَعْزِ خَيْرٌ مِن شاتَيْ لَحْمٍ، فَقالَ: تُجْزِي عَنْكَ ولا تُجْزِي عَنْ أحَدٍ بَعْدَكَ» فَمَنَعَ الجَذَعَ في الأُضْحِيَّةِ؛ والهَدْيُ مِثْلُها؛ لِأنَّ أحَدًا لَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَهُما. وإنَّما أجازُوا الجَذَعَ مِنَ الضَّأْنِ لِما رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ «أمَرَ بِأنْ يُضَحّى بِالجَذَعِ مِنَ الضَّأْنِ إذا فُرِضَ لَهُ سِتَّةُ أشْهُرٍ» وقَدْ بَيَّنّا ذَلِكَ في شَرْحِ المُخْتَصَرِ وقَدِ اخْتَلَفُوا في جَوازِ الشَّرِكَةِ في دَمِ الهَدايا الواجِبَةِ، فَقالَ أصْحابُنا والشّافِعِيُّ: " تَجُوزُ البَدَنَةُ عَنْ سَبْعَةٍ والبَقَرَةُ عَنْ سَبْعَةٍ " . وقالَ مالِكٌ: " يَجُوزُ ذَلِكَ في التَّطَوُّعِ ولا يُجْزِي في الواجِبِ " . ورَوى جابِرٌ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: أنَّهُ «جَعَلَ يَوْمَ الحُدَيْبِيَةِ البَدَنَةَ عَنْ سَبْعَةٍ والبَقَرَةَ عَنْ سَبْعَةٍ» وتِلْكَ كانَتْ واجِبَةً؛ لِأنَّها كانَتْ عَنْ إحْصارٍ. ولَمّا اتَّفَقُوا عَلى جَوازِها عَنْ سَبْعَةٍ في التَّطَوُّعِ كانَ الواجِبُ مِثْلَهُ؛ لِأنَّهُما لا يَخْتَلِفانِ في الجَوازِ في سائِرِ الوُجُوهِ؛ ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ﴿فَما اسْتَيْسَرَ مِنَ الهَدْيِ﴾ ظاهِرُهُ يَقْتَضِي التَّبْعِيضَ، فَوَجَبَ أنْ يُجْزِيَ بَعْضُ الهَدْيِ بِحَقِّ الظّاهِرِ، واللَّهُ أعْلَمُ. * * بابُ المُحْصَرِ أيْنَ يَذْبَحُ الهَدْيَ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ولا تَحْلِقُوا رُءُوسَكم حَتّى يَبْلُغَ الهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ واخْتَلَفَ السَّلَفُ في المَحِلُّ ما هو، فَقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ وابْنُ عَبّاسٍ وعَطاءٌ وطاوُسٌ ومُجاهِدٌ والحَسَنُ وابْنُ سِيرِينَ: " هو الحَرَمُ " وهو قَوْلُ أصْحابِنا والثَّوْرِيِّ. وقالَ مالِكٌ والشّافِعِيُّ: " مَحِلُّهُ المَوْضِعُ الَّذِي أُحْصِرَ (p-٣٤٠)فِيهِ فَيَذْبَحُهُ ويُحِلُّ " . والدَّلِيلُ عَلى صِحَّةِ القَوْلِ الأوَّلِ أنَّ المَحِلَّ اسْمٌ لِشَيْئَيْنِ: يُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِهِ الوَقْتُ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرادَ بِهِ المَكانُ؛ ألا تَرى أنَّ مَحِلَّ الدَّيْنِ هو وقْتُهُ الَّذِي تَجِبُ المُطالَبَةُ بِهِ ؟ وقالَ النَّبِيُّ ﷺ لِضُباعَةَ بِنْتِ الزُّبَيْرِ: «اشْتَرِطِي في الحَجِّ وقُولِي: مَحِلِّي حَيْثُ حَبَسْتَنِي» فَجَعَلَ المَحِلَّ في هَذا المَوْضِعِ اسْمًا لِلْمَكانِ. فَلَمّا كانَ مُحْتَمِلًا لِلْأمْرَيْنِ ولَمْ يَكُنْ هَدْيُ الإحْصارِ في العُمْرَةِ مُوَقَّتًا عِنْدَ الجَمِيعِ وهو لا مَحالَةَ مُرادٌ بِالآيَةِ، وجَبَ أنْ يَكُونَ مُرادُهُ المَكانَ، فاقْتَضى ذَلِكَ أنْ لا يَحِلَّ حَتّى يَبْلُغَ مَكانًا غَيْرَ مَكانِ الإحْصارِ؛ لِأنَّهُ لَوْ كانَ مَوْضِعُ الإحْصارِ مَحِلًا لِلْهَدْيِ لَكانَ بالِغًا مَحِلَّهُ بِوُقُوعِ الإحْصارِ ولَأدّى ذَلِكَ إلى بُطْلانِ الغايَةِ المَذْكُورَةِ في الآيَةِ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ المُرادَ بِالمَحِلِّ هو الحَرَمُ؛ لِأنَّ كُلَّ مَن لا يَجْعَلُ مَوْضِعَ الإحْصارِ مَحَلًّا لِلْهَدْيِ فَإنَّما يَجْعَلُ المَحِلَّ الحَرَمَ، ومَن جَعَلَ مَحِلَّ الهَدْيِ مَوْضِعَ الإحْصارِ أبْطَلَ فائِدَةَ الآيَةِ وأسْقَطَ مَعْناها. ومِن جِهَةٍ أُخْرى، وهو أنَّ قَوْلَهُ: ﴿وأُحِلَّتْ لَكُمُ الأنْعامُ إلا ما يُتْلى عَلَيْكُمْ﴾ [الحج: ٣٠] إلى قَوْلِهِ: ﴿لَكم فِيها مَنافِعُ إلى أجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ مَحِلُّها إلى البَيْتِ العَتِيقِ﴾ [الحج: ٣٣] ودَلالَتُهُ عَلى صِحَّةِ قَوْلِنا في المَحِلِّ مِن وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: عُمُومُهُ في سائِرِ الهَدايا، والآخَرُ: ما فِيهِ مِن بَيانِ مَعْنى المَحِلِّ الَّذِي أُجْمِلَ ذِكْرُهُ في قَوْلِهِ: ﴿حَتّى يَبْلُغَ الهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ فَإذا كانَ اللَّهُ قَدْ جَعَلَ المَحِلَّ البَيْتَ العَتِيقَ، فَغَيْرُ جائِزٍ لِأحَدٍ أنْ يَجْعَلَ المَحِلَّ غَيْرَهُ. ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ في جَزاءِ الصَّيْدِ: ﴿هَدْيًا بالِغَ الكَعْبَةِ﴾ [المائدة: ٩٥] فَجَعَلَ بُلُوغَ الكَعْبَةِ مِن صِفاتِ الهَدْيِ، فَلا يَجُوزُ شَيْءٌ مِنهُ دُونَ وُجُودِهِ فِيهِ. كَما أنَّهُ لَمّا قالَ في الظِّهارِ وفي القَتْلِ: ﴿فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ﴾ [النساء: ٩٢] فَقَيَّدَهُما بِفِعْلِ التَّتابُعِ، لَمْ يَجُزْ فِعْلُهُما إلّا عَلى هَذا الوَجْهِ. وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: ٩٢] لا يَجُوزُ إلّا عَلى الصِّفَةِ المَشْرُوطَةِ. وكَذَلِكَ قالَ أصْحابُنا في سائِرِ الهَدايا الَّتِي تُذْبَحُ: إنَّها لا تَجُوزُ إلّا في الحَرَمِ. ويَدُلُّ عَلَيْهِ أيْضًا قَوْلُهُ في سِياقِ الخِطابِ بَعْدَ ذِكْرِ الإحْصارِ: ﴿فَمَن كانَ مِنكم مَرِيضًا أوْ بِهِ أذًى مِن رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِن صِيامٍ أوْ صَدَقَةٍ أوْ نُسُكٍ﴾ فَأوْجَبَ عَلى المُحْصَرِ دَمًا ونَهاهُ عَنِ الحَلْقِ حَتّى يَذْبَحُ هَدْيَهُ، فَلَوْ كانَ ذَبْحُهُ في الحِلِّ جائِزًا لَذَبَحَ صاحِبُ الأذى هَدْيَهُ عَنِ الإحْصارِ وحَلَّ بِهِ واسْتَغْنى عَنْ فِدْيَةِ الأذى، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ الحِلَّ لَيْسَ بِمَحِلِّ الهَدْيِ. فَإنْ قِيلَ: هَذا فِيمَن لا يَجِدُ هَدْيَ الإحْصارِ. قِيلَ لَهُ: لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ خِطابًا فِيمَن لا يَجِدُ الدَّمَ؛ لِأنَّهُ خَيَّرَهُ بَيْنَ الصِّيامِ والصَّدَقَةِ والنُّسُكِ، ولا يَكُونُ مُخَيَّرًا بَيْنَ الأشْياءِ الثَّلاثَةِ إلّا وهو واجِدٌ لَها؛ لِأنَّهُ لا يَجُوزُ التَّخْيِيرُ بَيْنَ ما يَجِدُ وبَيْنَ ما لا يَجِدُ، فَثَبَتَ بِذَلِكَ أنَّ مَحِلَّ الهَدْيِ هو (p-٣٤١)الحَرَمُ دُونَ مَحِلِّ الإحْصارِ. ومِن جِهَةِ النَّظَرِ، لَمّا اتَّفَقُوا في جَزاءِ الصَّيْدِ أنَّ مَحِلَّهُ الحَرَمُ وأنَّهُ لا يُجْزِي في غَيْرِهِ، وجَبَ أنْ يَكُونَ كَذَلِكَ حُكْمُ كُلِّ دَمٍ تَعَلَّقَ وُجُوبُهُ بِالإحْرامِ، والمَعْنى الجامِعُ بَيْنَهُما تَعَلُّقُ وُجُوبِهِما بِالإحْرامِ. فَإنْ قِيلَ: قالَ اللَّهُ تَعالى ﴿هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وصَدُّوكم عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ والهَدْيَ مَعْكُوفًا أنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾ [الفتح: ٢٥] وذَلِكَ في شَأْنِ الحُدَيْبِيَةِ، وفِيهِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ النَّبِيَّ ﷺ وأصْحابَهُ نَحَرُوا هَدْيَهم في غَيْرِ الحَرَمِ، لَوْلا ذَلِكَ لَكانَ بالِغًا مَحِلَّهُ. قِيلَ لَهُ: هَذا مِن أدَلِّ شَيْءٍ عَلى أنَّ مَحِلَّهُ الحَرَمُ؛ لِأنَّهُ لَوْ كانَ مَوْضِعُ الإحْصارِ هو الحِلُّ مَحَلًّا لِلْهَدْيِ لَما قالَ: ﴿والهَدْيَ مَعْكُوفًا أنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾ [الفتح: ٢٥] فَلَمّا أخْبَرَ عَنْ مَنعِهِمُ الهَدْيَ عَنْ بُلُوغِ مَحِلِّهِ دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ الحِلَّ لَيْسَ بِمَحِلٍّ لَهُ؛ وهَذا يَصْلُحُ أنْ يَكُونَ ابْتِداءَ دَلِيلٍ في المَسْألَةِ. فَإنْ قِيلَ: فَإنْ لَمْ يَكُنِ النَّبِيُّ ﷺ وأصْحابُهُ ذَبَحُوا الهَدْيَ في الحِلِّ، فَما مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿والهَدْيَ مَعْكُوفًا أنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾ [الفتح: ٢٥] ؟ قِيلَ لَهُ: لَمّا حَصَلَ أدْنى مَنعٍ جازَ أنْ يُقالَ إنَّهم مُنِعُوا، ولَيْسَ يَقْتَضِي ذَلِكَ أنْ يَكُونَ أبَدًا مَمْنُوعًا؛ ألا تَرى أنَّ رَجُلًا لَوْ مَنَعَ رَجُلًا حُقَّةً جازَ أنْ يُقالَ: مَنَعَهُ حَقَّهُ كَما يُقالُ حَبَسَهُ، ولا يَقْتَضِي ذَلِكَ أنْ يَكُونَ أبَدًا مَحْبُوسًا ؟ فَلَمّا كانَ المُشْرِكُونَ مَنَعُوا الهَدْيَ بَدِيّا مِنَ الوُصُولِ إلى الحَرَمِ جاءَ إطْلاقُ الِاسْمِ عَلَيْهِمْ بِأنَّهم مَنَعُوا الهَدْيَ عَنْ بُلُوغِ مَحِلِّهِ وإنْ أطْلَقُوا بَعْدَ ذَلِكَ؛ ألا تَرى أنَّهُ قَدْ وصَفَ المُشْرِكِينَ بِصَدِّ المُسْلِمِينَ عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ وإنْ كانُوا قَدْ أطْلَقُوا لَهم بَعْدَ ذَلِكَ الوُصُولَ إلَيْهِ في العامِ القابِلِ، وقالَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿قالُوا يا أبانا مُنِعَ مِنّا الكَيْلُ﴾ [يوسف: ٦٣] وإنَّما مُنِعُوهُ في وقْتٍ وأطْلَقُوهُ في وقْتٍ آخَرَ ؟ فَكَذَلِكَ مُنِعُوا الهَدْيَ بَدِيّا، ثُمَّ لَمّا وقَعَ الصُّلْحُ بَيْنَ النَّبِيِّ ﷺ وبَيْنَهم أطْلَقُوهُ حَتّى ذَبَحَهُ في الحَرَمِ. وقِيلَ: إنَّ النَّبِيَّ ﷺ ساقَ البُدْنَ لِيَذْبَحَها بَعْدَ الطَّوافِ بِالبَيْتِ، فَلَمّا مَنَعُوهُ مِن ذَلِكَ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿والهَدْيَ مَعْكُوفًا أنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾ [الفتح: ٢٥] لِقُصُورِهِ عَنِ الوَقْتِ المَقْصُودِ فِيهِ ذَبْحُهُ. ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِهِ المَحِلَّ المُسْتَحَبَّ فِيهِ الذَّبْحُ، وهو عِنْدَ المَرْوَةِ أوْ بِمِنًى، فَلَمّا مَنَعَ ذَلِكَ أطْلَقَ ما فِيهِ ما وصَفْتُ. وقَدْ ذَكَرَ المِسْوَرُ بْنُ مَخْرَمَةَ ومَرْوانُ بْنُ الحَكَمِ أنَّ الحُدَيْبِيَةَ بَعْضُها في الحِلِّ وبَعْضُها في الحَرَمِ، «وأنَّ مَضْرِبَ النَّبِيِّ ﷺ كانَ في الحِلِّ ومُصَلّاهُ كانَ في الحَرَمِ»، فَإذا أمْكَنَهُ أنْ يُصَلِّيَ في الحَرَمِ فَلا مَحالَةَ قَدْ كانَ الذَّبْحُ مُمْكِنًا فِيهِ. وقَدْ رُوِيَ أنَّ ناجِيَةَ بْنَ جُنْدُبٍ الأسْلَمِيَّ قالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ: «ابْعَثْ مَعِيَ الهَدْيَ حَتّى آخُذَ بِهِ في الشِّعابِ والأوْدِيَةِ فَأذْبَحَها بِمَكَّةَ، فَفَعَلَ» . وجائِزٌ أنْ يَكُونَ بَعَثَ مَعَهُ بَعْضَهُ ونَحَرَ هو بَعْضَهُ في الحَرَمِ، واللَّهُ أعْلَمُ. (p-٣٤٢) * * بابُ وقْتِ ذَبْحِ هَدْيِ الإحْصارِ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿فَما اسْتَيْسَرَ مِنَ الهَدْيِ﴾ ولَمْ يَخْتَلِفْ أهْلُ العِلْمِ مِمَّنْ أباحَ الإحْلالَ بِالهَدْيِ أنَّ ذَبْحَ هَدْيِ العُمْرَةِ غَيْرُ مُوَقَّتٍ وأنَّهُ لَهُ أنْ يَذْبَحَهُ مَتى شاءَ ويُحِلَّ. وقَدْ «كانَ النَّبِيُّ ﷺ وأصْحابُهُ مُحْصَرِينَ بِالحُدَيْبِيَةِ وكانُوا مُحْرِمِينَ بِالعُمْرَةِ، فَحَلُّوا مِنها بَعْدَ الذَّبْحِ، وكانَ ذَلِكَ في ذِي القَعْدَةِ» . واخْتَلَفُوا في هَدْيِ الإحْصارِ في الحَجِّ، فَقالَ أبُو حَنِيفَةَ ومالِكٌ والشّافِعِيُّ " لَهُ أنْ يَذْبَحَهُ مَتى شاءَ ويُحِلَّ قَبْلَ يَوْمِ النَّحْرِ " . وقالَ أبُو يُوسُفَ والثَّوْرِيُّ ومُحَمَّدٌ: " لا يَذْبَحُ قَبْلَ يَوْمِ النَّحْرِ " . وظاهِرُ قَوْلِهِ: ﴿فَما اسْتَيْسَرَ مِنَ الهَدْيِ﴾ يَقْتَضِي جَوازَهُ غَيْرَ مُوَقَّتٍ، وفي إثْباتِ التَّوْقِيتِ تَخْصِيصُ اللَّفْظِ، وذَلِكَ غَيْرُ جائِزٍ إلّا بِدَلِيلٍ فَإنْ قِيلَ: لَمّا قالَ تَعالى: ﴿ولا تَحْلِقُوا رُءُوسَكم حَتّى يَبْلُغَ الهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ والمَحِلُّ اسْمٌ يَقَعُ عَلى التَّوْقِيتِ، وجَبَ أنْ يَكُونَ مُوَقَّتًا. قِيلَ لَهُ: قَدْ بَيَّنّا أنَّ المَحِلَّ اسْمٌ لِلْمَوْضِعِ، وإنْ كانَ قَدْ يَقَعُ عَلى الوَقْتِ فَقَدِ اتَّفَقَ الجَمِيعُ عَلى أنَّ المَكانَ مُرادٌ بِذِكْرِ المَحِلِّ؛ فَإذا بَلَغَ الحَرَمَ وذَبَحَ جازَ بِظاهِرِ الآيَةِ، وحِينَئِذٍ يَصِيرُ شَرْطُ الوَقْتِ زِيادَةً فِيهِ؛ لِأنَّ أكْثَرَ أحْوالِهِ أنْ يَكُونَ الِاسْمُ لِما تَناوَلَهُما جَمِيعًا فَواجِبٌ أنْ يُجْزِيَ بِأيِّهِما وُجِدَ؛ لِأنَّهُ جَعَلَ بُلُوغَ المَحِلِّ غايَةَ الإحْرامِ، وقَدْ وُجِدَ بِذَبْحِهِ في الحَرَمِ. ولَمّا قالَ تَعالى: ﴿والهَدْيَ مَعْكُوفًا أنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾ [الفتح: ٢٥] وكانَ هَذا المَحِلُّ هو الحَرَمَ، ثُمَّ قالَ في هَذِهِ القِصَّةِ بِعَيْنِها: ﴿حَتّى يَبْلُغَ الهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ وجَبَ أنْ يَكُونَ هو المَحِلَّ المَذْكُورَ في الآيَةِ الأُخْرى، وهو الحَرَمُ. ومِمّا يَدُلَّ عَلى أنَّهُ غَيْرُ مُوَقَّتٍ، أنَّ قَوْلَهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿فَإنْ أُحْصِرْتُمْ فَما اسْتَيْسَرَ مِنَ الهَدْيِ﴾ عائِدٌ إلى الحَجِّ والعُمْرَةِ المَبْدُوءِ بِذِكْرِهِما في قَوْلِهِ: ﴿وأتِمُّوا الحَجَّ والعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ والهَدْيُ المَذْكُورُ لِلْحَجِّ هو المَذْكُورُ لِلْعُمْرَةِ، واتَّفَقَ الجَمِيعُ عَلى أنَّهُ لَمْ يُرِدْ بِهِ التَّوْقِيتَ لِلْعُمْرَةِ فَكَذَلِكَ الحَجُّ؛ إذْ قَدْ أُرِيدَ بِاللَّفْظِ الإطْلاقُ. ويَدُلُّ عَلَيْهِ أيْضًا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿حَتّى يَبْلُغَ الهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ والمُرادُ بِمَحِلِّهِ لِلْعُمْرَةِ هو الحَرَمُ دُونَ الوَقْتِ، فَصارَ كالمَنطُوقِ بِهِ فِيهِ، فاقْتَضى ذَلِكَ جَوازَ ذَبْحِهِ في الحَرَمِ أيَّ وقْتٍ شاءَ في العُمْرَةِ، فَكَذَلِكَ هو لِلْحَجِّ. وأيْضًا لَمّا كانَ الإطْلاقُ قَدْ تَناوَلَ العُمْرَةَ لَمْ يَجُزْ أنْ يَكُونَ مُقَيِّدًا لِلْحَجِّ؛ لِأنَّهُ دَخَلَ فِيهِما عَلى وجْهٍ واحِدٍ بِلَفْظٍ واحِدٍ، فَغَيْرُ جائِزٍ أنْ يُرادَ في بَعْضِ ما انْتَظَمَهُ اللَّفْظُ الوَقْتُ وفي بَعْضِهِ المَكانُ، كَما لا يَجُوزُ أنْ يُرِيدَ بِقَوْلِهِ: ﴿والسّارِقُ والسّارِقَةُ﴾ [المائدة: ٣٨] في بَعْضِهِمْ سارِقِ العَشَرَةِ وفي بَعْضِهِمْ سارِقِ رُبْعِ دِينارٍ، ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ مِن جِهَةِ السُّنَّةِ حَدِيثُ الحَجّاجِ بْنِ عَمْرٍو الأنْصارِيَّ عَنِ النَّبِيَّ ﷺ: «مَن كُسِرَ أوْ (p-٣٤٣)عَرَجَ فَقَدْ حَلَّ وعَلَيْهِ الحَجُّ مِن قابِلٍ» . ومَعْناهُ: فَقَدْ جازَ لَهُ أنْ يُحِلَّ؛ إذْ لا خِلافَ أنَّهُ لا يُحِلُّ بِالكَسْرِ والعَرَجِ. ويَدُلُّ عَلَيْهِ حَدِيثُ ضُباعَةَ بِنْتِ الزُّبَيْرِ، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ لَها: «اشْتَرِطِي وقُولِي: إنَّ مَحِلِّي حَيْثُ حَبَسْتَنِي» ومَعْنى ذَلِكَ إعْلامُها أنَّ ذَلِكَ مَحِلُّها، بِدَلالَةِ الأُصُولِ أنَّ مُوجِبَ الإحْرامِ لا يَنْتَفِي بِالشَّرْطِ ثُمَّ لَمْ يُوَقِّتِ المَحِلَّ ويُحْتَجُّ لَهُ مِن جِهَةِ النَّظَرِ بِاتِّفاقِ الجَمِيعِ عَلى أنَّ العُمْرَةَ الَّتِي تَحَلَّلَ بِها عِنْدَ الفَواتِ لا وقْتَ لَها إذا وجَبَتْ، كَذَلِكَ هَذا الدَّمُ لَمّا وجَبَ عِنْدَ الإحْصارِ وجَبَ أنْ يَكُونَ غَيْرَ مُوَقَّتٍ؛ لِأنَّهُ يَقَعُ بِهِ إحْلالٌ عَلى وجْهِ الفَسْخِ كَعُمْرَةِ الفَواتِ. * * قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ﴾ هو نَهْيٌ عَنْ حَلْقِ الرَّأْسِ في الإحْرامِ لِلْحاجِّ والمُعْتَمِرِ جَمِيعًا؛ لِأنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿وأتِمُّوا الحَجَّ والعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ قَدِ اقْتَضى حَظْرَ حَلْقِ بَعْضِنا رَأْسَ بَعْضٍ وحَلْقِ كُلِّ واحِدٍ رَأْسَ نَفْسِهِ، لِاحْتِمالِ اللَّفْظِ لِلْأمْرَيْنِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تَقْتُلُوا أنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٢٩] اقْتَضى النَّهْيَ عَنْ قَتْلِ كُلِّ واحِدٍ مِنّا لِنَفْسِهِ ولِغَيْرِهِ. فَيَدُلُّ ذَلِكَ عَلى أنَّ المُحْرِمَ مَحْظُورٌ عَلَيْهِ حَلْقُ رَأْسِ غَيْرِهِ، ومَتى فَعَلَهُ لَزِمَهُ الجَزاءُ، ويَدُلُّ عَلى أنَّ الذَّبْحَ مُقَدَّمٌ عَلى الحَلْقِ في القِرانِ والتَّمَتُّعِ؛ لِأنَّهُ عُمُومُ في كُلِّ مَن عَلَيْهِ حَلْقٌ وهَدْيٌ في وقْتٍ واحِدٍ، فَيُحْتَجُّ فِيمَن حَلَقَ قَبْلَ أنْ يَذْبَحَ أنَّ عَلَيْهِ دَمًا لِمُواقَعَتِهِ المَحْظُورَ في تَقْدِيمِ الحَلْقِ عَلى الهَدْيِ. وقَدِ اخْتَلَفُوا في المُحْصَرِ هَلْ عَلَيْهِ حَلْقٌ أمْ لا ؟ فَقالَ أبُو حَنِيفَةَ ومُحَمَّدٌ: " لا حَلْقَ عَلَيْهِ " . وقالَ أبُو يُوسُفَ في إحْدى الرِّوايَتَيْنِ: " يَحْلِقُ، فَإنْ لَمْ يَحْلِقْ فَلا شَيْءَ عَلَيْهِ " ورُوِيَ عَنْهُ أنَّهُ لا بُدَّ مِنَ الحَلْقِ. ولَمْ يَخْتَلِفُوا في المَرْأةِ تُحْرِمُ تَطَوُّعًا بِغَيْرِ إذْنِ زَوْجِها، والعَبْدُ يُحْرِمُ بِغَيْرِ إذْنِ مَوْلاهُ، أنَّ لِلزَّوْجِ والمَوْلى أنْ يُحَلِّلاهُما بِغَيْرِ حَلْقٍ ولا تَقْصِيرٍ، وذَلِكَ بِأنْ يَفْعَلَ بِهِما أدْنى ما يَحْظُرُهُ الإحْرامُ مِن طِيبٍ أوْ لُبْسٍ. وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ الحَلْقَ غَيْرُ واجِبٍ عَلى المُحْصَرِ؛ لِأنَّ هَذَيْنِ بِمَنزِلَةِ المُحْصَرِ، وقَدْ جازَ لِمَن يَمْلِكُ إحْلالَهُما أنْ يَحْلِلْهُما بِغَيْرِ حَلْقٍ، ولَوْ كانَ الحَلْقُ واجِبًا وهو مُمْكِنٌ لَكانَ عَلَيْهِ أنْ يُحَلِّلَ العَبْدَ بِالحَلْقِ والمَرْأةَ بِالتَّقْصِيرِ. وأيْضًا فالحَلْقُ إنَّما ثَبَتَ نُسُكًا مُرَتَّبًا عَلى قَضاءِ المَناسِكِ، ولَمْ يَثْبُتْ عَلى غَيْرِ هَذا الوَجْهِ، فَغَيْرُ جائِزٍ إثْباتُهُ نُسُكًا إلّا عِنْدَ قِيامِ الدَّلالَةِ؛ إذْ قَدْ ثَبَتَ أنَّ الحَلْقَ في الأصْلِ لَيْسَ بِنُسُكٍ؛ ويُقاسُ بِهَذِهِ العِلَّةِ عَلى العَبْدِ والمَرْأةِ أنَّ المَوْلى والزَّوْجَ لَمّا جازَ لَهُما إحْلالُ العَبْدِ والمَرْأةِ بِغَيْرِ حَلْقٍ ولا تَقْصِيرٍ إذا لَمْ يَفْعَلا سائِرَ المَناسِكِ الَّتِي رُتِّبَ عَلَيْها الحَلْقُ، وجَبَ أنْ يَجُوزَ لِسائِرِ المُحْصَرِينَ الإحْلالُ بِغَيْرِ حَلْقِ لِهَذِهِ العِلَّةِ ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ أيْضًا قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ لِعائِشَةَ حِينَ أمَرَها بِرَفْضِ العُمْرَةِ قَبْلَ اسْتِيعابِ أفْعالِها: «اُنْقُضِي (p-٣٤٤)رَأْسَكِ وامْتَشِطِي ودَعِي العُمْرَةَ واغْتَسِلِي وأهِلِّي بِالحَجِّ» فَلَمْ يَأْمُرْها بِالحَلْقِ ولا بِالتَّقْصِيرِ حِينَ لَمْ تَسْتَوْعِبْ أفْعالَ العُمْرَةِ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ مَن جازَ لَهُ الإحْلالُ مِن إحْرامِهِ قَبْلَ قَضاءِ المَناسِكِ فَلَيْسَ عَلَيْهِ الإحْلالُ بِالحَلْقِ. وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ الحَلْقَ مُرَتَّبٌ عَلى قَضاءِ المَناسِكِ كَتَرْتِيبِ سائِرِ أفْعالِ المَناسِكِ بَعْضُها عَلى بَعْضٍ، وقَدِ احْتَجَّ مُحَمَّدٌ لِذَلِكَ بِأنَّهُ لَمّا سَقَطَ عَنْهُ سائِرُ المَناسِكِ سَقَطَ الحَلْقُ. ويُحْتَمَلُ ذَلِكَ مِن قَوْلِهِ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ مُرادُهُ المَعْنى الَّذِي ذَكَرْنا أنَّ الحَلْقَ مُرَتَّبٌ عَلى قَضاءِ المَناسِكِ، فَلَمّا سَقَطَ عَنْهُ سائِرُ المَناسِكِ سَقَطَ الحَلْقُ. ويُحْتَمَلُ أنَّهُ لَمّا كانَ الحَلْقُ إذا وجَبَ في الإحْرامِ كانَ نُسُكًا، وقَدْ سَقَطَ عَنِ المُحْصَرِ سائِرُ المَناسِكِ، وجَبَ أنْ يَسْقُطَ عَنْهُ الحَلْقُ. فَإنْ قِيلَ: إنَّما سَقَطَ عَنْهُ سائِرُ المَناسِكِ لِتَعَذُّرِ فِعْلِها، والحَلْقُ غَيْرُ مُتَعَذِّرٍ فَعَلَيْهِ فِعْلُهُ. قِيلَ لَهُ: هَذا غَلَطٌ؛ لِأنَّ المُحْصَرَ لَوْ أمْكَنَهُ الوُقُوفُ بِالمُزْدَلِفَةِ ورَمْيُ الجِمارِ ولَمْ يُمْكِنْهُ الوُصُولُ إلى البَيْتِ ولا الوُقُوفُ بِعَرَفَةَ لا يَلْزَمُهُ الوُقُوفُ بِالمُزْدَلِفَةِ ولا رَمْيُ الجِمارِ مَعَ إمْكانِهِما؛ لِأنَّهُما مُرَتَّبانِ عَلى مَناسِكَ تَتَقَدَّمُهُما. كَذَلِكَ لَمّا كانَ الحَلْقُ مُرَتَّبًا عَلى أفْعالٍ أُخَرَ، لَمْ يَكُنْ فِعْلُهُ قَبْلَهُما نُسُكًا فَقَدْ سَقَطَ بِما ذَكَرْنا اعْتِراضُ السّائِلِ لِوُجُودِنا مَناسِكَ يُمْكِنُهُ فِعْلُها، ولَمْ تَلْزَمْهُ مَعَ ذَلِكَ عِنْدَ كَوْنِهِ مُحْصَرًا. فَإنِ احْتَجَّ مُحْتَجٌّ لِأبِي يُوسُفَ بِقَوْلِهِ: ﴿ولا تَحْلِقُوا رُءُوسَكم حَتّى يَبْلُغَ الهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ فَجَعَلَ بُلُوغَهُ مَحِلَّهُ غايَةً لِزَوالِ الحَظْرِ، وواجِبٌ أنْ يَكُونَ حُكْمُ الغايَةِ بِضِدِّ ما قَبْلَها، فَيَكُونُ تَقْدِيرُهُ: " ولا تَحْلِقُوا رُءُوسَكم حَتّى يَبْلُغَ الهَدْيَ مَحِلَّهُ فَإذا بَلَغَ فاحْلِقُوا " وذَلِكَ يَقْتَضِي وُجُوبَ الحَلْقِ. قِيلَ لَهُ: هَذا غَلَطٌ؛ لِأنَّ الإباحَةَ هي ضِدُّ الحَظْرِ كَما أنَّ الإيجابَ ضِدُّهُ، فَلَيْسَتْ في صَرْفِهِ إلى أحَدِ الضِّدَّيْنِ وهو الإيجابُ بِأوْلى مِنَ الآخَرِ وهو الإباحَةُ. وأيْضًا فَإنَّ ارْتِفاعَ الحَظْرِ غَيْرُ مُوجِبٍ لِفِعْلِ ضِدِّهِ عَلى جِهَةِ الإيجابِ، وإنَّما الَّذِي يَقْتَضِيهِ زَوالُ الحَظْرِ بَقاءَ الشَّيْءِ عَلى ما كانَ عَلَيْهِ قَبْلَهُ فَيَكُونُ بِمَنزِلَتِهِ قَبْلِ الإحْرامِ، فَإنْ شاءَ حَلَقَ وإنْ شاءَ تَرَكَ؛ ألا تَرى أنَّ زَوالَ حَظْرِ البَيْعِ بِفِعْلِ الجُمُعَةِ وزَوالِ حَظْرِ الصَّيْدِ بِالإحْلالِ لَمْ يَقْتَضِ إيجابَ البَيْعِ ولا الِاصْطِيادِ وإنَّما اقْتَضى إباحَتُهُما ؟ ويُحْتَجُّ لِأبِي يُوسُفَ بِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ «رَحِمَ اللَّهُ المُحَلِّقِينَ» ثَلاثًا، ودَعا لِلْمُقَصِّرِينَ مَرَّةً، وذَلِكَ في عُمْرَةِ الحُدَيْبِيَةِ عِنْدَ الإحْصارِ؛ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّهُ نُسُكٌ، وإذا كانَ نُسُكًا وجَبَ فِعْلُهُ كَما يَجِبُ عِنْدَ قَضاءِ المَناسِكِ لِغَيْرِ المُحْصَرِ. والجَوابُ: أنَّ أصْحابَ النَّبِيِّ ﷺ اشْتَدَّ عَلَيْهِمُ الحَلْقُ والإحْلالُ قَبْلَ الطَّوافِ بِالبَيْتِ، فَلَمّا أمَرَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ بِالإحْلالِ (p-٣٤٥)تَوَقَّفُوا رَجاءَ أنْ يُمْكِنَهُمُ الوُصُولُ وأعادَ عَلَيْهِمُ القَوْلَ؛ ثُمَّ إنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَدَأ فَنَحَرَ هَدْيَهُ وحَلَقَ رَأْسَهُ، فَلَمّا رَأوْهُ كَذَلِكَ حَلَقَ بَعْضٌ وقَصَّرَ بَعْضٌ، فَدَعا لِلْمُحَلِّقِينَ لِمُبالَغَتِهِمْ في مُتابَعَةِ النَّبِيِّ ﷺ ومُسارِعَتِهِمْ إلى أمْرِهِ، ولَمّا قِيلَ لَهُ: يا رَسُولَ اللَّهِ دَعَوْتَ لِلْمُحَلِّقِينَ ثَلاثًا ولِلْمُقَصِّرِينَ مَرَّةً فَقالَ: «إنَّهم لَمْ يَشُكُّوا» ومَعْنى ذَلِكَ أنَّهم لَمْ يَشُكُّوا أنَّ الحَلْقَ أفْضَلُ مِنَ التَّقْصِيرِ، فاسْتَحَقُّوا مِنَ الثَّوابِ بِعِلْمِهِمْ لِذَلِكَ ما لَمْ يَسْتَحِقَّهُ الآخَرُونَ. فَإنْ قِيلَ: فَكَيْفَما جَرى الأمْرُ فَقَدْ أمَرَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ بِالحَلْقِ وأمْرُهُ عَلى الوُجُوبِ، ودُعاؤُهُ لِلْفَرِيقَيْنِ مِنَ المُحَلِّقِينَ والمُقَصِّرِينَ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ نُسُكٌ، وما ذَكَرْتُهُ مِن أنَّ القَوْمَ كَرِهُوا الحَلْقَ قَبْلَ الوُصُولِ إلى البَيْتِ وأنَّ النَّبِيَّ ﷺ أمَرَهم بِهِ، لَيْسَ بِنافٍ وجْهَ الدَّلالَةِ مِنهُ عَلى كَوْنِهِ نُسُكًا. فَإنَّهُ يُقالُ: قَدْ رَوى المِسْوَرُ بْنُ مَخْرَمَةَ ومَرْوانُ بْنُ الحَكَمِ قِصَّةَ الحُدَيْبِيَةِ فَقالا فِيهِ: فَقالَ لَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ: «أحِلُّوا وانْحَرُوا» وذَكَرَ في بَعْضِ الأخْبارِ الحَلْقَ. فَنَسْتَعْمِلُ اللَّفْظَيْنِ، فَنَقُولُ: ما حَلَّ بِهِ مِن شَيْءٍ فَهو حَلالٌ، لِقَوْلِهِ ﷺ: «أحِلُّوا» وقَوْلُهُ: «احْلِقُوا» المَقْصِدُ بِهِ الإحْلالُ لا تَعْيِينُهُ بِالحَلْقِ دُونَ غَيْرِهِ، وإنَّما اسْتَحَقُّوا الثَّوابَ لِإحْلالِهِمْ وائْتِمارِهِمْ لِأمْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وكانَ الحَلْقُ أفْضَلَ مِنَ التَّقْصِيرِ لِجِدِّهِمْ واجْتِهادِهِمْ في مُتابَعَةِ أمْرِهِ ﷺ واللَّهُ أعْلَمُ بِالصَّوابِ. * * بابُ ما يَجِبُ عَلى المُحْصَرِ بَعْدَ إحْلالِهِ مِنَ الحَجِّ بِالهَدْيِ قالَ اللَّهُ تَعالى بَعْدَ ما ذَكَرَ في شَأْنِ المُحْصَرَ: ﴿فَمَن تَمَتَّعَ بِالعُمْرَةِ إلى الحَجِّ فَما اسْتَيْسَرَ مِنَ الهَدْيِ﴾ واخْتَلَفَ السَّلَفُ وفُقَهاءُ الأمْصارِ في المُحْصَرِ بِالحَجِّ إذا حَلَّ بِالهَدْيِ، فَرَوى سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قالا: " عَلَيْهِ عُمْرَةٌ وحَجَّةٌ، فَإنْ جَمَعَ بَيْنَهُما في أشْهُرِ الحَجِّ فَعَلَيْهِ دَمٌ وهو مُتَمَتِّعٌ، وإنْ لَمْ يَجْمَعْهُما في أشْهُرِ الحَجِّ فَلا دَمَ عَلَيْهِ " وكَذَلِكَ قالَ عَلْقَمَةُ والحَسَنُ وإبْراهِيمُ وسالِمٌ والقاسِمُ ومُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ، وهو قَوْلُ أصْحابِنا. ورَوى أيُّوبُ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: أمَرَ اللَّهُ بِالقِصاصِ أوْ يَأْخُذُ مِنكُمُ العُدْوانُ حَجَّةً بِحَجَّةٍ وعُمْرَةً بِعُمْرَةٍ " . ورُوِيَ عَنْ الشَّعْبِيِّ قالَ: " عَلَيْهِ حَجَّةٌ " . وإنَّما يُوجِبُ أبُو حَنِيفَةَ عَلَيْهِ حَجَّةً وعُمْرَةً إذا أحَلَّ بِالدَّمِ ثُمَّ لَمْ يَحُجَّ مِن عامِهِ ذَلِكَ، فَلَوْ أنَّهُ أحَلَّ مِن إحْرامِهِ قَبْلَ يَوْمِ النَّحْرِ ثُمَّ زالَ الإحْصارُ فَأحْرَمَ بِالحَجِّ وحَجَّ مِن عامِهِ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ عُمْرَةٌ؛ وذَلِكَ لِأنَّ هَذِهِ العُمْرَةَ إنَّما هي الَّتِي تَلْزَمُ بِالفَواتِ؛ لِأنَّ مَن فاتَهُ الحَجُّ فَعَلَيْهِ أنْ يَتَحَلَّلَ بِعَمَلِ عُمْرَةٍ، فَلَمّا حَصَلَ حَجُّهُ فائِتًا كانَ عَلَيْهِ عُمْرَةٌ لِلْفَواتِ، والدَّمُ الَّذِي عَلَيْهِ في الإحْصارِ إنَّما هو لِلْإحْلالِ ولا يَقُومُ (p-٣٤٦)مَقامَ العُمْرَةِ الَّتِي تَلْزَمُ بِالفَواتِ؛ وذَلِكَ لِأنَّهُ لَيْسَ في الأُصُولِ عُمْرَةٌ يَقُومُ مَقامُها دَمٌ، ألا تَرى أنَّ مَن نَذَرَ عُمْرَةٌ لَمْ يَنُبْ عَنْهُ دَمٌ لا في حالِ العُذْرِ ولا في حالِ الإمْكانِ ؟ وكَذَلِكَ مَن يَجْعَلُ العُمْرَةَ فَرِيضَةً لا يَجْعَلُ الدَّمَ نائِبًا عَنْها بِحالٍ؛ فَلَمّا كانَ الفَواتُ قَدْ ألْزَمَهُ عَمَلَ عُمْرَةٍ لَمْ يَجُزْ أنْ يَنُوبَ عَنْها دَمٌ، فَثَبَتَ بِذَلِكَ أنَّ الدَّمَ إنَّما هو لِلْإحْلالِ فَحَسْبُ. ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ أنَّ العُمْرَةَ الَّتِي تَلْزَمُ بِالفَواتِ غَيْرُ جائِزٍ فِعْلُها قَبْلَ الفَواتِ لِعَدَمِ وقْتِها وسَبَبِها، ودَمُ الإحْصارِ يَجُوزُ ذَبْحُهُ والإحْلالُ بِهِ قَبْلَ الفَواتِ، بِاتِّفاقٍ مِنّا ومِن مُخالِفِينا، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ الدَّمَ هو لِلْإحْلالِ لا عَلى أنَّهُ قائِمٌ مَقامَ العُمْرَةِ. ولا يَسُوغُ لِمالِكٍ والشّافِعِيِّ أنْ يَجْعَلا دَمَ الإحْصارِ قائِمًا مَقامَ العُمْرَةِ الواجِبَةِ بِالفَواتِ؛ لِأنَّهُما يَقُولانِ: " الَّذِي يَفُوتُهُ الحَجُّ عَلَيْهِ مَعَ عُمْرَةِ الفَواتِ هَدْيٌ " فَهَدْيُ الإحْصارِ عِنْدَهُما هو الَّذِي يَلْزَمُ بِالفَواتِ، فَلا يَقُومُ مَقامَ العُمْرَةِ كَما لا يَقُومُ مَقامَهُ بَعْدَ الفَواتِ. فَإنْ قِيلَ: فَأنْتَ تُجِيزُ صَوْمَ ثَلاثَةِ أيّامِ المُتْعَةِ بَعْدَ إحْرامِ العُمْرَةِ قَبْلَ يَوْمِ النَّحْرِ، وهو بَدَلٌ مِنَ الهَدْيِ، والهَدْيُ نَفْسُهُ لا يَجُوزُ ذَبْحُهُ قَبْلَ يَوْمِ النَّحْرِ. قِيلَ لَهُ: إنَّما جازَ ذَلِكَ لِوُجُودِ سَبَبِ المُتْعَةِ وهو العُمْرَةُ، فَجازَ تَقْدِيمُ بَعْضِ الصَّوْمِ عَلى وقْتِ ذَبْحِ الهَدْيِ، ولَمْ يُوجَدْ لِلْمُحْصَرِ سَبَبٌ لِلُزُومِ العُمْرَةِ؛ لِأنَّ سَبَبَهُ إنَّما هو طُلُوعُ الفَجْرِ يَوْمَ النَّحْرِ قَبْلَ الوُقُوفِ بِعَرَفَةَ، فَلِذَلِكَ لَمْ يَقُمِ الدَّمُ مَقامَ العُمْرَةِ الَّتِي تَلْزَمُ بِالفَواتِ. ويَدُلُّ عَلى أنَّ الدَّمَ غَيْرُ قائِمٍ مَقامَ العُمْرَةِ الَّتِي تَلْزَمُ بِالفَواتِ أنَّهُ يَلْزَمُ المُعْتَمِرُ وهو لا يَخْشى الفَواتَ لِأنَّها غَيْرُ مُوَقَّتَةِ؛ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ هَذا الدَّمَ لا يَتَعَلَّقُ بِالفَواتِ وأنَّهُ مَوْضُوعٌ لِتَعْجِيلِ الإحْلالِ بِدَلالَةِ أنَّهُ لَمْ يَخْتَلِفْ فِيهِ حُكْمُ ما يُخْشى فَوْتُهُ وحُكْمُ ما لا يُخْشى فَوْتُهُ في لُزُومِ الدَّمِ. فَإنْ قِيلَ: في حَدِيثِ الحَجّاجِ بْنِ عَمْرٍو الأنْصارِيِّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «مَن كُسِرَ أوْ عَرَجَ فَقَدْ حَلَّ وعَلَيْهِ الحَجُّ مِن قابِلٍ» ولَمْ يَذْكُرْ فِيهِ عُمْرَةً، ولَوْ كانَتْ واجِبَةً مَعَهُ لَذَكَرَها كَما ذَكَرَ وُجُوبَ قَضاءِ الحَجِّ. قِيلَ لَهُ: ولَمْ يَذْكُرْ دَمًا، ومَعَ ذَلِكَ فَلا يَجُوزُ لَهُ أنْ يُحِلَّ إلّا بِدَمٍ؛ وإنَّما أرادَ ﷺ الإخْبارَ عَنِ الإحْصارِ بِالمَرَضِ ووُجُوبِ قَضاءِ ما يُحِلُّ فِيهِ. وقَدْ ذَهَبَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ وابْنُ عَبّاسٍ في رِوايَةِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ إلى أنَّ قَوْلَهُ عَقِيبَ ذِكْرِ حُكْمِ المُحْصَرِ: ﴿فَمَن تَمَتَّعَ بِالعُمْرَةِ إلى الحَجِّ﴾ أرادَ بِهِ العُمْرَةَ الَّتِي تَجِبُ بِالإحْلالِ مِنَ الحَجِّ إذا جَمَعَها إلى الحَجِّ الَّذِي أحَلَّ مِنهُ في أشْهُرِ الحَجِّ فَعَلَيْهِ الفِداءُ. ورُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ قَوْلٌ آخَرُ في المُحْصَرِ، وهو ما رَواهُ عَبْدُ الرَّزّاقِ قالَ: حَدَّثَنا الثَّوْرِيِّ عَنْ ابْنِ أبِي نَجِيحِ عَنْ عَطاءٍ ومُجاهِدٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسِ قالَ: (p-٣٤٧)" الحَبْسُ حَبْسُ العَدُوِّ، فَإنْ حُبِسَ ولَيْسَ مَعَهُ هَدْيٌ حَلَّ مَكانَهُ، وإنْ كانَ مَعَهُ هَدْيٌ حَلَّ بِهِ ولَمْ يَحِلَّ حَتّى يَنْحَرَ الهَدْيَ ولَيْسَ عَلَيْهِ حَجَّةٌ ولا عُمْرَةٌ " . وقَدْ رُوِيَ عَنْ عَطاءٍ إنْكارُ ذَلِكَ عَلى رِوايَةٍ رَواها مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قالَ: أخْبَرَنا ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينارٍ قالَ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: " لَيْسَ عَلى مَن حَصَرَهُ العَدُوُّ هَدْيٌ حَسَبَ أنَّهُ قالَ: " ولا حَجَّ ولا عُمْرَةَ " قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِعَطاءٍ قُلْتُ: هَلْ سَمِعْتَ ابْنَ عَبّاسٍ يَقُولُ لَيْسَ عَلى المُحْصَرِ هَدْيٌ ولا قَضاءُ إحْصارِهِ ؟ قالَ: لا؛ وأنْكَرَهُ. وهَذِهِ رِوايَةٌ لَعَمْرِي مُنْكَرَةٌ خِلافُ نَصِّ التَّنْزِيلِ وما ورَدَ بِالنَّقْلِ المُتَواتِرِ عَنِ الرَّسُولِ ﷺ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿فَإنْ أُحْصِرْتُمْ فَما اسْتَيْسَرَ مِنَ الهَدْيِ ولا تَحْلِقُوا رُءُوسَكم حَتّى يَبْلُغَ الهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿فَما اسْتَيْسَرَ مِنَ الهَدْيِ﴾ عَلى أحَدِ وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: فَعَلَيْهِ ما اسْتَيْسَرَ مِنَ الهَدْيِ، والآخَرُ: فَلْيُهْدِ ما اسْتَيْسَرَ مِنَ الهَدْيِ؛ فاقْتَضى ذَلِكَ إيجابَ الهَدْيِ عَلى المُحْصَرِ مَتى أرادَ الإحْلالَ، ثُمَّ عَقَّبَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ولا تَحْلِقُوا رُءُوسَكم حَتّى يَبْلُغَ الهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ فَكَيْفَ يَسُوغُ لِقائِلٍ أنْ يَقُولَ جائِزٌ لَهُ الإحْلالُ بِغَيْرِ هَدْيٍ مَعَ وُرُودِ النَّصِّ بِإيجابِهِ ومَعَ نَقْلِ إحْصارِ النَّبِيِّ ﷺ بِالحُدَيْبِيَةِ وأمْرُهُ إيّاهم بِالذَّبْحِ والإحْلالِ. واخْتَلَفَ الفُقَهاءُ في المُحْصَرِ إذا لَمْ يَحِلَّ حَتّى فاتَهُ الحَجُّ ووَصَلَ إلى البَيْتِ، فَقالَ أصْحابُنا والشّافِعِيُّ: " عَلَيْهِ أنْ يَتَحَلَّلَ بِالعُمْرَةِ، ولا يَصِحُّ لَهُ فِعْلُ الحَجِّ بِالإحْرامِ الأوَّلِ " . وقالَ مالِكٌ: " يَجُوزُ لَهُ أنْ يَبْقى حَرامًا حَتّى يَحُجَّ في السَّنَةِ الثّانِيَةِ، وإنْ شاءَ تَحَلَّلَ بِعَمَلِ عُمْرَةٍ " . والدَّلِيلُ عَلى أنَّهُ غَيْرُ جائِزٍ لَهُ أنْ يَفْعَلَ بِذَلِكَ الإحْرامِ الأوَّلِ حَجًّا بَعْدَ الفَواتِ اتِّفاقُ الجَمِيعِ عَلى أنَّ لَهُ أنْ يَتَحَلَّلَ بِعَمَلِ عُمْرَةٍ، فَلَوْلا أنَّ إحْرامَهُ قَدْ صارَ بِحَيْثُ لا يَفْعَلُ بِهِ حَجًّا لَما جازَ لَهُ التَّحَلُّلُ مِنهُ؛ ألا تَرى أنَّهُ غَيْرُ جائِزٍ لَهُ أنْ يَتَحَلَّلَ مِنهُ في السَّنَةِ الأُولى حِينَ أمْكَنَهُ فِعْلُ الحَجِّ بِهِ ؟ وفي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى أنَّ إحْرامَهُ قَدْ صارَ بِحَيْثُ لا يَفْعَلُ بِهِ حَجّا. وأيْضًا فَإنَّ فَسْخَ الحَجِّ مَنسُوخٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأتِمُّوا الحَجَّ والعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ فَعَلِمْنا حِينَ جازَ لَهُ الإحْلالُ أنَّ مُوجِبَهُ في هَذِهِ الحالِ هو عَمَلُ العُمْرَةِ لا عَمَلُ الحَجِّ؛ لِأنَّهُ لَوْ أمْكَنَهُ عَمَلُ الحَجِّ فَجَعَلَهُ عُمْرَةً بِالإحْلالِ لَكانَ فاسِخًا لِحَجِّهِ مَعَ إمْكانِ فِعْلِهِ، وهَذا لَمْ يَكُنْ قَطُّ إلّا في السَّنَةِ الَّتِي حَجَّ فِيها رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ نُسِخَ. وهو مَعْنى قَوْلِ عُمَرَ: " مُتْعَتانِ كانَتا عَلى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنا أنْهى عَنْهُما وأضْرِبُ عَلَيْهِما: مُتْعَةُ النِّساءِ ومُتْعَةُ الحَجِّ " فَأرادَ بِمُتْعَةِ الحَجِّ فَسْخَهُ عَلى نَحْوِ ما أمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِهِ أصْحابَهُ في حَجَّةِ الوَداعِ. واخْتَلَفُوا أيْضًا فِيمَن أُحْصِرَ وهو مُحْرِمٌ بِحَجِّ تَطَوُّعٍ أوْ بِعُمْرَةِ تَطَوُّعٍ، فَقالَ أصْحابُنا: " عَلَيْهِ القَضاءُ سَواءٌ كانَ (p-٣٤٨)الإحْصارُ بِمَرَضٍ أوْ عَدُوٍّ إذا حَلَّ مِنهُما بِالهَدْيِ " . وأمّا مالِكٌ والشّافِعِيُّ فَلا يَرَيانِ الإحْصارَ بِالمَرَضِ ويَقُولانِ: " إنْ أُحْصِرَ بِعَدُوٍّ فَحَلَّ فَلا قَضاءَ عَلَيْهِ في الحَجِّ ولا العُمْرَةِ " . والدَّلِيلُ عَلى وُجُوبِ القَضاءِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وأتِمُّوا الحَجَّ والعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ وذَلِكَ يَقْتَضِي الإيجابَ بِالدُّخُولِ، ولَمّا وجَبَ بِالدُّخُولِ صارَ بِمَنزِلَةِ حَجَّةِ الإسْلامِ والنَّذْرِ، فَيَلْزَمُهُ القَضاءُ بِالخُرُوجِ مِنهُ قَبْلِ إتْمامِهِ سَواءٌ كانَ مَعْذُورًا فِيهِ أوْ غَيْرَ مَعْذُورِ؛ لِأنَّ ما قَدْ وجَبَ لا يُسْقِطُهُ العُذْرُ، فَلَمّا اتَّفَقُوا عَلى وُجُوبِ القَضاءِ بِالإفْسادِ وجَبَ عَلَيْهِ مِثْلُهُ بِالإحْصارِ. ويَدُلُّ عَلَيْهِ مِن جِهَةِ السُّنَّةِ حَدِيثُ الحَجّاجِ بْنِ عَمْرٍو الأنْصارِيِّ: «مَن كُسِرَ أوْ عَرَجَ فَقَدْ حَلَّ وعَلَيْهِ الحَجُّ مِن قابِلٍ» ولَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ حَجَّةِ الإسْلامِ والتَّطَوُّعِ. وأيْضًا فَإنَّ مَن تَرَكَ مُوجِباتِ الإحْرامِ لا يَخْتَلِفُ فِيهِ المَعْذُورُ وغَيْرُهُ في تَرْكِ لُزُومِ حُكْمِهِ؛ والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّ اللَّهَ قَدْ عَذَرَ حالِقَ رَأْسِهِ مِن أذًى ولَمْ يُخْلِهِ مِن إيجابِ فِدْيَةٍ، سَواءٌ كانَ ذَلِكَ في إحْرامِ فَرِيضَةٍ أوْ تَطَوُّعٍ؛ فَكَذَلِكَ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ حُكْمُ المُحْصَرِ بِحَجَّةٍ فَرْضٍ أوْ نَفْلٍ في وُجُوبِ القَضاءِ، وواجِبٌ أيْضًا أنْ يَسْتَوِيَ حُكْمُ إفْسادِهِ إيّاهُ بِالجِماعِ وخُرُوجِهِ مِنهُ بِإحْصارٍ، كَما لَمْ يَخْلُ مِن إيجابِ كَفّارَةٍ في الجِناياتِ الواقِعَةِ في الإحْرامِ المَعْذُورِ وغَيْرِهِ. ويَدُلُّ عَلى وُجُوبِ القَضاءِ عَلى المُحْصَرِ وإنْ كانَ مَعْذُورًا اتِّفاقُ الجَمِيعِ أنَّ عَلى المَرِيضِ القَضاءَ إذا فاتَهُ الحَجُّ وإنْ كانَ مَعْذُورًا في الفَواتِ، كَما يَلْزَمُهُ لَوْ قَصَدَ إلى الفَواتِ مِن غَيْرِ عُذْرٍ. والمَعْنى في اسْتِواءِ حُكْمِ المَعْذُورِ وغَيْرِ المَعْذُورِ ما لَزِمَهُ مِنَ الإحْرامِ بِالدُّخُولِ وهو مَوْجُودُ في المُحْصَرِ، فَوَجَبَ أنْ لا يَسْقُطَ عَنْهُ القَضاءُ. ويَدُلُّ عَلَيْهِ أيْضًا قِصَّةُ عائِشَةَ حِينَ حاضَتْ وهي مَعَ النَّبِيِّ ﷺ في حَجَّةِ الوَداعِ وكانَتْ مُحْرِمَةً بِعُمْرَةٍ، فَقالَ لَها النَّبِيُّ ﷺ: «اُنْقُضِي رَأْسَكِ وامْتَشِطِي وأهِلِّي بِالحَجِّ ودَعِي العُمْرَةَ ثُمَّ لَمّا فَرَغَتْ مِنَ الحَجِّ أمَرَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أبِي بَكْرٍ فَأعْمَرَها مِنَ التَّنْعِيمِ، وقالَ هَذِهِ مَكانُ عُمْرَتِكِ» فَأمَرَها بِقَضاءِ ما رَفَضَتْهُ مِنَ العُمْرَةِ لِلْعُذْرِ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ المَعْذُورَ في خُرُوجِهِ مِنَ الإحْرامِ لا يَسْقُطُ عَنْهُ القَضاءُ ويَدُلُّ عَلَيْهِ أيْضًا «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمّا أُحْصِرَ هو وأصْحابُهُ بِالحُدَيْبِيَةِ وكانُوا مُحْرِمِينَ بِالعُمْرَةِ وقَضَوْها في العامِ المُقْبِلِ، سُمِّيَتْ عُمْرَةَ القَضاءِ» ولَوْ لَمْ تَكُنْ لَزِمَتْ بِالدُّخُولِ ووَجَبَ القَضاءُ لَما سُمِّيَتْ عُمْرَةَ القَضاءِ ولَكانَتْ تَكُونُ حِينَئِذٍ عُمْرَةً مُبْتَدَأةً، وفي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى لُزُومِ القَضاءِ بِالإحْلالِ واللَّهُ المُوَفِّقُ. (p-٣٤٩) * * بابُ المُحْصَرِ لا يَجِدُ هَدْيًا قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿فَإنْ أُحْصِرْتُمْ فَما اسْتَيْسَرَ مِنَ الهَدْيِ﴾ واخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ في المُحْصَرِ لا يَجِدُ هَدْيًا، فَقالَ أصْحابُنا: " لا يَحِلُّ حَتّى يَجِدَ هَدْيًا فَيَذْبَحَ عَنْهُ " وقالَ عَطاءٌ " يَصُومُ عَشَرَةَ أيّامٍ ويُحِلُّ كالمُتَمَتِّعِ إذا لَمْ يَجِدْ هَدْيًا " ولِلشّافِعِيِّ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ لا يَحِلُّ أبَدًا إلّا بِهَدْيٍ، والآخَرُ: إذا لَمْ يَقْدِرْ عَلى شَيْءٍ حَلَّ وأهْراقَ دَمًا إذا قَدَرَ عَلَيْهِ، وقِيلَ: إذا لَمْ يَقْدِرْ أجْزَأهُ وعَلَيْهِ الطَّعامُ أوْ صِيامٌ إنْ لَمْ يَجِدْ ولَمْ يَقْدِرْ قالَ أبُو بَكْرٍ: واحْتَجَّ مُحَمَّدٌ لِذَلِكَ بِأنَّ هَدْيَ المُتْعَةِ مَنصُوصٌ عَلَيْهِ وكَذَلِكَ حُكْمُ المُتَمَتِّعِ مَنصُوصٌ عَلَيْهِ فِيما يَلْزَمُ مِن هَدْيٍ أوْ صِيامٍ إنْ لَمْ يَجِدْ هَدْيًا، والمَنصُوصاتُ لا يُقاسُ بَعْضُها عَلى بَعْضٍ، ووَجْهٌ آخَرُ وهو أنَّهُ غَيْرُ جائِزٍ إثْباتُ الكَفّاراتِ بِالقِياسِ فَلَمّا كانَ الدَّمُ مَذْكُورًا لِلْمُحْصَرِ لَمْ يَجُزْ لَنا إثْباتُ شَيْءٍ غَيْرِهِ قِياسًا؛ لِأنَّ ذَلِكَ دَمُ جِنايَةٍ عَلى وجْهِ الكَفّارَةِ لِامْتِناعِ جَوازِ إثْباتِ الكَفّارَةِ قِياسًا، وأيْضًا فَإنَّ فِيهِ تَرْكَ المَنصُوصِ عَلَيْهِ بِعَيْنِهِ؛ لِأنَّهُ قالَ: ﴿ولا تَحْلِقُوا رُءُوسَكم حَتّى يَبْلُغَ الهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ فَمَن أباحَ لَهُ الحَلْقَ قَبْلَ بُلُوغِ الهَدْيِ مَحِلَّهُ فَقَدْ خالَفَ النَّصَّ ولا يَجُوزُ تَرْكُ النَّصِّ بِالقِياسِ واللَّهُ أعْلَمُ. * * بابُ إحْصارِ أهْلِ مَكَّةَ قالَ أبُو بَكْرٍ: رُوِيَ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ والزُّهْرِيِّ أنَّهُما قالا: " لَيْسَ عَلى أهْلِ مَكَّةَ إحْصارٌ إنَّما إحْصارُهم أنْ يَطَّوَّفُوا بِالبَيْتِ " وكَذَلِكَ قالَ أصْحابُنا إذا أمْكَنَهُمُ الوُصُولُ إلى البَيْتِ؛ وذَلِكَ لِأنَّهُ لا يَخْلُو مِن أنْ يَكُونَ مُحْرِمًا بِحَجٍّ أوْ عُمْرَةٍ، فَإنْ كانَ مُعْتَمِرًا فالعُمْرَةُ إنَّما هي الطَّوافُ والسَّعْيُ ولَيْسَ بِمُحْصَرٍ عَنْ ذَلِكَ، وإنْ كانَ حاجًّا فَلَهُ أنْ يُؤَخِّرَ الخُرُوجَ إلى عَرَفاتٍ إلى آخِرِ وقْتِهِ لَوْ لَمْ يَكُنْ مُحْصَرًا، فَإذا فاتَهُ الوُقُوفُ فَقَدْ فاتَهُ الحَجُّ وعَلَيْهِ أنْ يَتَحَلَّلَ بِعُمْرَةٍ فَيَكُونُ مِثْلَ المُعْتَمِرِ فَلا يَكُونُ مُحْصَرًا؛ واللَّهُ أعْلَمُ. * * بابُ المُحْرِمُ يُصِيبُهُ أذًى مِن رَأْسِهِ أوْ مَرَضٌ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿ولا تَحْلِقُوا رُءُوسَكم حَتّى يَبْلُغَ الهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَن كانَ مِنكم مَرِيضًا أوْ بِهِ أذًى مِن رَأْسِهِ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ، يَعْنِي واللَّهُ أعْلَمُ: فَمَن كانَ مِنكم مَرِيضًا مِنَ المُحْرِمِينَ مُحْصَرِينَ أوْ غَيْرَ مُحْصَرِينَ فَأصابَهُ مَرَضٌ أوْ أذًى في رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِن صِيامٍ؛ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ المُحْصَرَ (p-٣٥٠)لا يَجُوزُ لَهُ الحَلْقُ قَبْلَ بُلُوغِ الهَدْيِ مَحِلَّهُ، وأنَّهُ إذا كانَ مَرِيضًا أوْ بِهِ أذًى مِن رَأْسِهِ فَحَلَقَ فَعَلَيْهِ الفِدْيَةُ، وإنْ كانَ غَيْرَ مُحْصَرٍ فَهو في حُكْمِ المُحْصَرِ الَّذِي لَمْ يَبْلُغْ هَدْيُهُ مَحِلَّهُ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى التَّسْوِيَةِ بَيْنَ المُحْصَرِينَ وغَيْرِ المُحْصَرِينَ في أنَّ كُلَّ واحِدٍ مِنهم لا يَجُوزُ لَهُ الحَلْقُ في الإحْرامِ إلّا عَلى الشَّرْطِ المَذْكُورِ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَمَن كانَ مِنكم مَرِيضًا﴾ عَنى المَرَضَ الَّذِي يُحْتاجُ فِيهِ إلى لُبْسٍ أوْ شَيْءٍ يَحْظُرُهُ الإحْرامُ فَيَفْعَلُ ذَلِكَ لِدَفْعِ الأذى ويَفْتَدِي. وكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿أوْ بِهِ أذًى مِن رَأْسِهِ﴾ إنَّما هو عَلى أذًى يَحْتاجُ فِيهِ إلى اسْتِعْمالِ بَعْضِ ما يَحْظُرُهُ الإحْرامُ مِن حَلْقٍ أوْ تَغْطِيَةٍ، فَأمّا إنْ كانَ مَرِيضًا أوْ بِهِ أذًى في رَأْسِهِ لا يَحْتاجُ فِيهِ إلى حَلْقٍ ولا إلى اسْتِعْمال بَعْضِ ما يَحْظُرُهُ الإحْرامُ فَهو في هَذِهِ الحالُ بِمَنزِلَةِ الصَّحِيحِ في حَظْرِ ما يَحْظُرُهُ الإحْرامُ. وقَدْ رُوِيَ في أخْبارٍ مُتَظاهِرَةٍ عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ: «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَرَّ بِهِ في عامِ الحُدَيْبِيَةٍ والقَمْلُ تَتَناثَرُ عَلى وجْهِهِ، فَقالَ: أتُؤْذِيكَ هَوامُّ رَأْسِكَ ؟ فَقُلْتُ: نَعَمْ، فَأمَرَهُ بِالفِدْيَةِ» . فَكانَ كَثْرَةُ القَمْلِ مِنَ الأذى المُرادُ بِالآيَةِ ولَوْ كانَ بِهِ قُرُوحٌ في رَأْسِهِ أوْ خُرّاجٌ فاحْتاجَ إلى شَدِّهِ أوْ تَغْطِيَتِهِ كانَ ذَلِكَ حُكْمَهُ في جَوازِ الفِدْيَةِ، وكَذَلِكَ سائِرُ الأمْراضِ الَّتِي تُصِيبُهُ ويَحْتاجُ إلى لُبْسِ الثِّيابِ جازَ لَهُ أنْ يَسْتَبِيحَ ذَلِكَ ويَفْتَدِيَ؛ لِأنَّ اللَّهَ لَمْ يُخَصِّصْ شَيْئًا مِن ذَلِكَ، فَهو عامٌّ في الكُلِّ. فَإنْ قِيلَ: قَوْلُهُ: ﴿فَمَن كانَ مِنكم مَرِيضًا أوْ بِهِ أذًى مِن رَأْسِهِ﴾ مَعْناهُ: فَحَلَقَ فَفِدْيَةٌ مِن صِيامٍ. قِيلَ لَهُ: الحَلْقُ غَيْرُ مَذْكُورٍ وإنْ كانَ مُرادًا، وكَذَلِكَ اللُّبْسُ وتَغْطِيَةُ الرَّأْسِ، كُلُّ ذَلِكَ غَيْرُ مَذْكُورٍ وهو مُرادٌ؛ لِأنَّ المَعْنى فِيهِ اسْتِباحَةُ ما يَحْظُرُهُ الإحْرامُ لِلْعُذْرِ. وكَذَلِكَ لَوْ لَمْ يَكُنْ مَرِيضًا وكانَ بِهِ أذًى في بَدَنِهِ يَحْتاجُ فِيهِ إلى حَلْقِ الشَّعْرِ كانَ في حُكْمِ الرَّأْسِ في بابِ الفِدْيَةِ؛ إذْ كانَ المَعْنى مَعْقُولًا في الجَمِيعِ وهو اسْتِباحَةُ ما يَحْظُرُهُ الإحْرامُ في حالِ العُذْرِ وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَفِدْيَةٌ مِن صِيامٍ﴾ فَإنَّهُ قَدْ ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ صامَ ثَلاثَةَ أيّامٍ في حَدِيثِ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ؛ وهو قَوْلُ جَماعَةِ السَّلَفِ وفُقَهاءِ الأمْصارِ إلّا شَيْءٌ رُوِيَ عَنْ الحَسَنِ وعِكْرِمَةَ أنَّ الصِّيامَ عَشَرَةُ أيّامٍ كَصِيامِ المُتْعَةِ. وأمّا الصَّدَقَةُ فَإنَّهُ رُوِيَ في مِقْدارِها عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ رِواياتٌ مُخْتَلِفَةُ الظّاهِرِ، فَمِنها ما حَدَّثَنا عَبْدُ الباقِي بْنُ قانِعِ قالَ: حَدَّثَنا أحْمَدُ بْنُ سَهْلِ بْنِ أيُّوبَ قالَ: حَدَّثَنا سَهْلُ بْنُ مُحَمَّدٍ قالَ: حَدَّثَنا ابْنُ أبِي زائِدَةَ عَنْ أبِيهِ قالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنَ بْنُ الأصْبَهانِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ أنَّ «كَعْبَ بْنَ عُجْرَةَ حَدَّثَهُ أنَّهُ خَرَجَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ مُحْرِمًا فَقَمِلَ رَأْسُهُ ولِحْيَتُهُ، فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيُّ ﷺ فَدَعا (p-٣٥١)بِحَلّاقٍ فَحَلَقَ رَأْسَهُ وقالَ هَلْ تَجِدُ نُسُكًا قالَ: ما أقْدِرُ عَلَيْهِ، فَأمَرَهُ أنْ يَصُومَ ثَلاثَةَ أيّامٍ أوْ يُطْعِمَ سِتَّةَ مَساكِينَ لِكُلِّ مِسْكِينٍ صاعًا، وأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿فَفِدْيَةٌ مِن صِيامٍ أوْ صَدَقَةٍ أوْ نُسُكٍ﴾ لِلْمُسْلِمِينَ عامَّةً» . ورَواهُ صالِحُ بْنُ أبِي مَرْيَمَ عَنْ مُجاهِدٍ عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ بِمِثْلِ ذَلِكَ. ورَوى داوُدُ بْنُ أبِي هِنْدٍ عَنْ عامِرٍ عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ وقالَ فِيهِ: «تَصَدَّقَ بِثَلاثَةِ آصُعٍ مِن تَمْرٍ بَيْنَ كُلِّ مِسْكِينَيْنِ صاعٌ» . وحَدَّثَنا عَبْدُ الباقِي قالَ: حَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الحَسَنِ بْنِ أحْمَدَ قالَ: حَدَّثَنا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ داوُدَ قالَ: حَدَّثَنا حَمّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ داوُدَ بْنِ أبِي هِنْدٍ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنَ بْنِ أبِي لَيْلى، عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ لَهُ: «اُنْسُكْ نَسِيكَةً أوْ صُمْ ثَلاثَةَ أيّامٍ أوْ أطْعِمْ ثَلاثَةَ آصُعٍ مِن طَعامٍ لِسِتَّةِ مَساكِينَ». فَذَكَرَ في الخَبَرِ الأوَّلِ ثَلاثَةَ آصُعٍ مِن تَمْرٍ عَلى سِتَّةِ مَساكِينَ، وفي خَبَرٍ سِتَّةُ آصُعٍ، وهَذا أوْلى؛ لِأنَّ فِيهِ زِيادَةً. ثُمَّ قَوْلُهُ: «ثَلاثَةُ آصُعٍ مِن طَعامٍ عَلى سِتَّةِ مَساكِينَ» يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ المُرادُ بِهِ الحِنْطَةَ؛ لِأنَّ هَذا ظاهِرُهُ والمُعْتادُ المُتَعارَفُ مِنهُ، فَيَحْصُلُ مِن ذَلِكَ أنْ يَكُونَ مِنَ التَّمْرِ سِتَّةُ آصُعٍ ومِنَ الحِنْطَةِ ثَلاثَةُ آصُعٍ عَدَدُ المَساكِينَ الَّذِينَ يَتَصَدَّقُ عَلَيْهِمْ سِتَّةٌ بِلا خِلافٍ. وأمّا النُّسُكُ فَإنَّ في أخْبارِ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ أمَرَهُ أنْ يَنْسُكَ نَسِيكَةً، وفي بَعْضِها شاةٌ، ولا خِلافَ بَيْنَ الفُقَهاءِ أنَّ أدْناهُ شاةٌ وإنْ شاءَ جَعَلَهُ بَعِيرًا أوْ بَقَرَةً، ولا خِلافَ أنَّهُ مُخَيَّرُ بَيْنِ هَذِهِ الأشْياءِ الثَّلاثَةِ يَبْتَدِئُ بِأيِّها شاءَ، وذَلِكَ مُقْتَضى الآيَةِ وهو قَوْلُهُ: ﴿فَمَن كانَ مِنكم مَرِيضًا أوْ بِهِ أذًى مِن رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِن صِيامٍ أوْ صَدَقَةٍ أوْ نُسُكٍ﴾ و" أوْ " لِلتَّخْيِيرِ هَذا حَقِيقَتُها وبابُها، إلّا أنْ تَقُومَ الدَّلالَةُ عَلى غَيْرِ هَذا في الإثْباتِ، وقَدْ بَيَّنّاهُ في مَواضِعَ. واخْتَلَفَ الفُقَهاءُ في مَوْضِعِ الفِدْيَةِ مِنَ الدَّمِ والصَّدَقَةِ مَعَ اتِّفاقِهِمْ عَلى أنَّ الصَّوْمَ غَيْرُ مَخْصُوصٍ بِمَوْضِعٍ فَإنَّ لَهُ أنْ يَصُومَ في أيِّ مَوْضِعِ شاءَ، فَقالَ أبُو حَنِيفَةَ وأبُو يُوسُفَ ومُحَمَّدٌ وزُفَرُ: " الدَّمُ بِمَكَّةَ والصِّيامُ والصَّدَقَةُ حَيْثُ شاءَ " . وقالَ مالِكُ بْنُ أنَسٍ: " الدَّمُ والصَّدَقَةُ والصِّيامُ حَيْثُ شاءَ " . وقالَ الشّافِعِيُّ: " الصَّدَقَةُ والدَّمُ بِمَكَّةَ والصِّيامُ حَيْثُ شاءَ " . فَظاهِرُ قَوْلِ: ﴿فَفِدْيَةٌ مِن صِيامٍ أوْ صَدَقَةٍ أوْ نُسُكٍ﴾ يَقْتَضِي إطْلاقَها حَيْثُ شاءَ المُفْتَدِي غَيْرَ مَخْصُوصٍ بِمَوْضِعِ لَوْ لَمْ يَكُنْ في غَيْرِها مِنَ الآيِ دَلالَةٌ عَلى تَخْصِيصِهِ بِالحَرَمِ وهو قَوْلُهُ: ﴿لَكم فِيها مَنافِعُ إلى أجَلٍ مُسَمًّى﴾ [الحج: ٣٣] يَعْنِي الأنْعامَ الَّتِي قَدَّمَ ذِكْرَها، ثُمَّ قالَ: ﴿ثُمَّ مَحِلُّها إلى البَيْتِ العَتِيقِ﴾ [الحج: ٣٣] وذَلِكَ عامٌّ في سائِرِ الأنْعامَ الَّتِي تُهْدى إلى البَيْتِ؛ فَوَجَبَ بِعُمُومِ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ كُلَّ هَدْيٍ مُتَقَرَّبٍ بِهِ مَخْصُوصٌ بِالحَرَمِ لا يُجْزِي في غَيْرِهِ. ويَدُلُّ عَلَيْهِ: قَوْلُهُ تَعالى: (p-٣٥٢)﴿هَدْيًا بالِغَ الكَعْبَةِ﴾ [المائدة: ٩٥] وذَلِكَ جَزاءُ الصَّيْدِ، فَصارَ بُلُوغُ الكَعْبَةِ صِفَةً لِلْهَدْيِ ولا يُجْزِئُ دُونَها. وأيْضًا لَمّا كانَ ذَلِكَ ذَبْحًا تَعَلَّقَ وُجُوبُهُ بِالإحْرامِ وجَبَ أنْ يَكُونَ مَخْصُوصًا بِالحَرَمِ كَجَزاءِ الصَّيْدِ وهَدْيِ المُتْعَةِ. فَإنْ قِيلَ: لَمّا «قالَ النَّبِيَّ ﷺ لِكَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ: أوِ اذْبَحْ شاةً» ولَمْ يَشْتَرِطْ لَهُ مَكانًا، وجَبَ أنْ لا يَكُونَ مَخْصُوصًا بِمَوْضِعٍ. قِيلَ لَهُ: إنَّ كَعْبَ بْنَ عُجْرَةَ أصابَهُ ذَلِكَ وهو بِالحُدَيْبِيَةِ، وبَعْضُها مِنَ الحِلِّ وبَعْضُها مِنَ الحَرَمِ، فَجائِزٌ أنْ يَكُونَ تَرْكُ ذِكْرِ المَكانِ اكْتِفاءً بِعِلْمِ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ بِأنَّ ما تَعَلَّقَ مِن ذَلِكَ بِالإحْرامِ فَهو مَخْصُوصٌ بِالحَرَمِ، وقَدْ كانَ أصْحابُ النَّبِيِّ ﷺ قَبْلَ ذَلِكَ عالِمِينَ بِحُكْمِ تَعَلُّقِ الهَدايا بِالحَرَمِ لَمّا كانُوا يَرَوْنَ النَّبِيَّ ﷺ يَسُوقُ البُدْنَ إلى الحَرَمِ لِيَنْحَرَها هُناكَ، وأمّا الصَّدَقَةُ والصَّوْمُ فَحَيْثُ شاءَ؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى أطْلَقَ ذَلِكَ غَيْرَ مُقَيَّدٍ بِذِكْرِ المَكانِ، فَغَيْرُ جائِزٍ لَنا تَقْيِيدُهُ بِالحَرَمِ؛ لِأنَّ المُطْلَقَ عَلى إطْلاقِهِ كَما أنَّ المُقَيَّدَ عَلى تَقْيِيدِهِ. ويَدُلُّ عَلَيْهِ أنَّهُ لَيْسَ في الأُصُولِ صَدَقَةٌ مَخْصُوصَةٌ بِمَوْضِعٍ لا يَجُوزُ أداؤُها في غَيْرِهِ، فَلَمّا كانَتْ هَذِهِ صَدَقَةً لَمْ تَجُزْ أنْ تَكُونَ مَخْصُوصَةً بِمَوْضِعٍ لا يَجُوزُ أداؤُها في غَيْرِهِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ مُخالِفٌ لِلْأُصُولِ خارِجٌ عَنْها. فَإنْ قِيلَ: يَنْبَغِي أنْ تَكُونَ الصَّدَقَةُ في الحَرَمِ لِأنَّ لِلْمَساكِينِ بِالحَرَمِ فِيها حَقًّا كالذَّبائِحِ. قِيلَ لَهُ: الذَّبْحُ لَمْ يَتَعَلَّقْ جَوازُهُ بِالحَرَمِ لِأجْلِ حَقِّ المَساكِينِ؛ لِأنَّهُ لَوْ ذَبَحَهُ في الحَرَمِ ثُمَّ أخْرَجَهُ مِنهُ وتَصَدَّقَ بِهِ في غَيْرِ الحَرَمِ أجْزَأهُ، ومَعَ ذَلِكَ فَإنَّهُ لا يَخْتَصُّ ذَلِكَ بِمَساكِينِ الحَرَمِ دُونَ غَيْرِهِمْ؛ لِأنَّهُ لَوْ كانَ حَقًّا لَهم لَكانَ لَهُمُ المُطالَبَةُ بِهِ، ولَمّا لَمْ تَكُنْ لَهُمُ المُطالَبَةُ بِهِ دَلَّ عَلى أنَّهُ لَيْسَ بِحَقٍ لَهم وإنَّما هو حَقُّ اللَّهِ قَدْ لَزِمَهُ إخْراجُهُ إلى المَساكِينِ عَلى وجْهِ القُرْبَةِ كالزَّكاةِ وسائِرِ الصَّدَقاتِ الَّتِي لا تَخْتَصُّ بِمَوْضِعٍ دُونَ غَيْرِهِ، وأيْضًا لَمّا لَمْ تَكُنِ القُرْبَةُ فِيها إراقَةَ الدَّمِ وجَبَ أنْ لا يَخْتَصُّ بِالحَرَمِ كالصِّيامِ. وقَدِ اخْتَلَفَ السَّلَفُ في ذَلِكَ، فَرُوِيَ عَنْ الحَسَنِ وعَطاءٍ وإبْراهِيمَ قالُوا: " ما كانَ مِن دَمٍ فَبِمَكَّةَ وما كانَ مِن صِيامٍ أوْ صَدَقَةٍ فَحَيْثُ شاءَ " . وعَنْ مُجاهِدٍ قالَ: " اجْعَلِ الفِدْيَةَ حَيْثُ شِئْتَ " . وقالَ طاوُسٌ: " النُّسُكُ والصَّدَقَةُ بِمَكَّةَ والصِّيامُ حَيْثُ شِئْتَ " . ورُوِيَ أنَّ عَلِيًّا نَحَرَ عَنْ الحُسَيْنِ بَعِيرًا، وكانَ قَدْ مَرِضَ وهو مُحْرِمٌ، وأُمِرَ بِحَلْقِهِ، ونَحَرَ البَعِيرَ عَنْهُ بِالسُّقْيا وقَسَمَهُ عَلى أهْلِ الماءِ. ولَيْسَ في ذَلِكَ دَلالَةٌ عَلى أنَّهُ رَأى جَوازَ الذَّبْحِ في غَيْرِ الحَرَمِ؛ لِأنَّهُ جائِزٌ أنْ يَكُونَ جَعَلَ اللَّحْمَ صَدَقَةً، وذَلِكَ جائِزٌ عِنْدَنا؛ واللَّهُ أعْلَمُ. (p-٣٥٣) [[اختُصِرَ كلام المؤلف لشدة طوله]]

البقرة 2:197

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿الحَجُّ أشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ﴾ قالَ أبُو بَكْرٍ: قَدِ اخْتَلَفَ السَّلَفُ في أشْهُرِ الحَجِّ ما هي، فَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ عُمَرَ والحَسَنِ وعَطاءٍ ومُجاهِدٍ: " أنَّها شَوّالٌ وذُو القِعْدَةِ وعَشْرٌ مِن ذِي الحِجَّةِ " ورُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ: " أنَّها شَوّالُ وذُو القِعْدَةِ وذُو الحِجَّةِ " . ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ عُمَرَ في رِوايَةٍ أُخْرى مِثْلُهُ، وكَذَلِكَ رُوِيَ عَنْ عَطاءٍ ومُجاهِدٍ. وقالَ قائِلُونَ: " وجائِزٌ أنْ لا يَكُونَ ذَلِكَ اخْتِلافًا في الحَقِيقَةِ، وأنْ يَكُونَ مُرادُ مَن قالَ وذُو الحِجَّةِ أنَّهُ بَعْضُهُ؛ لِأنَّ الحَجَّ لا مَحالَةَ إنَّما هو في بَعْضِ الأشْهُرِ لا في جَمِيعِها؛ لِأنَّهُ لا خِلافَ أنَّهُ لَيْسَ يَبْقى بَعْدَ أيّامِ مِنًى شَيْءٌ مِن مَناسِكِ الحَجِّ " . وقالُوا: " ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ مَن تَأوَّلَهُ عَلى ذِي الحِجَّةِ كُلِّهِ مُرادُهُ أنَّها لَمّا كانَتْ هَذِهِ أشْهُرَ الحَجِّ كانَ الِاخْتِيارُ عِنْدَهُ فِعْلَ العُمْرَةِ في غَيْرِها " كَما رُوِيَ عَنْ عُمَرَ وغَيْرِهِ مِنَ الصَّحابَةِ اسْتِحْبابُهم لِفِعْلِ العُمْرَةِ في غَيْرِ أشْهُرِ الحَجِّ عَلى ما قَدَّمْنا. وحَكى الحَسَنُ بْنُ أبِي مالِكٍ عَنْ أبِي يُوسُفَ قالَ شَوّالٌ وذُو القِعْدَةِ وعَشْرُ لَيالٍ مِن ذِي الحِجَّةِ؛ لِأنَّ مَن لَمْ يُدْرِكِ الوُقُوفَ بِعَرَفَةَ حَتّى طَلَعَ الفَجْرُ مِن يَوْمِ النَّحْرِ فَحَجُّهُ فائِتٌ " . ولا تَنازُعَ بَيْنَ أهْلِ اللُّغَةِ في تَجْوِيزِ إرادَةِ الشَّهْرَيْنِ وبَعْضِ الثّالِثِ، بِقَوْلِهِ: ﴿أشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ﴾ كَما قالَ النَّبِيُّ ﷺ «أيّامُ مِنًى ثَلاثَةٌ» وإنَّما هي يَوْمانِ وبَعْضُ الثّالِثِ ويَقُولُونَ: " حَجَجْتُ عامَ كَذا " وإنَّما الحَجُّ في بَعْضِهِ، " ولَقِيتُ فُلانًا سَنَةَ كَذا " وإنَّما كانَ لِقاؤُهُ في بَعْضِها، و" كَلَّمْتُهُ يَوْمَ الجُمُعَةِ " والمُرادُ البَعْضُ وذَلِكَ مِن مَفْهُومِ الخِطابِ إذا تَعَذَّرَ اسْتِغْراقُ الفِعْلِ لِلْوَقْتِ كانَ المَعْقُولُ مِنهُ البَعْضَ. قالَ أبُو بَكْرٍ: ولِقَوْلِ مَن قالَ إنَّها شَوّالٌ وذُو القِعْدَةِ وذُو الحِجَّةِ وجْهٌ آخَرُ، وهو شائِعٌ مُسْتَقِيمٌ، وهو يَنْتَظِمُ القَوْلَيْنِ مِنَ المُخْتَلِفِينَ في مَعْنى الأشْهُرِ المَعْلُوماتِ؛ وهو أنَّ أهْلَ الجاهِلِيَّةِ قَدْ كانُوا يَنْسِئُونَ الشُّهُورَ فَيَجْعَلُونَ صَفَرًا المُحَرَّمَ ويَسْتَحِلُّونَ المُحَرَّمَ عَلى حَسَبِ ما يَتَّفِقُ لَهم مِنَ الأُمُورِ الَّتِي يُرِيدُونَ فِيها القِتالَ، فَأبْطَلَ اللَّهُ تَعالى النَّسِيءَ وأقَرَّ وقْتَ الحَجِّ عَلى ما كانَ ابْتِداؤُهُ عَلَيْهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَواتِ، كَما قالَ ﷺ «يَوْمَ حَجَّةِ الوَداعِ: ألا إنَّ الزَّمانَ قَدِ اسْتَدارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ والأرْضَ، السَّنَةُ اثْنا عَشَرَ شَهْرًا مِنها أرْبَعَةٌ حُرُمٌ شَوّالٌ وذُو القِعْدَةِ وذُو الحِجَّةِ ورَجَبُ مُضَرَ الَّذِي بَيْنَ جُمادى وشَعْبانَ» . قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿الحَجُّ أشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ﴾ (p-٣٧٤)يَعْنِي بِها هَذِهِ الأشْهُرَ الَّتِي ثَبَتَ وقْتُ الحَجِّ فِيها دُونَ ما كانَ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ عَلَيْهِ مِن تَبْدِيلِ الشُّهُورِ وتَأْخِيرِ الحَجِّ وتَقْدِيمِهِ. وقَدْ كانْ وقْتُ الحَجِّ مُعَلَّقًا عِنْدَهم وهَذِهِ الثَّلاثَةُ الَّتِي يَأْمَنُونَ فِيها وارِدَيْنِ وصادِرِينَ، فَذَكَرَ اللَّهُ هَذِهِ الأشْهُرَ وأخْبَرَنا بِاسْتِقْرارِ أمْرِ الحَجِّ وحَظَرَ بِذَلِكَ تَغْيِيرَها وتَبْدِيلَها إلى غَيْرِها. وفِيهِ وجْهٌ آخَرُ: وهو أنَّ اللَّهَ لَمّا قَدَّمَ ذِكْرَ التَّمَتُّعِ بِالعُمْرَةِ إلى الحَجِّ ورَخَّصَ فِيهِ وأبْطَلَ بِهِ ما كانَتِ العَرَبُ تَعْتَقِدُهُ مِن حَظْرِ العُمْرَةِ في هَذِهِ الأشْهُرِ، قالَ: ﴿الحَجُّ أشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ﴾ فَأفادَ بِذَلِكَ أنَّ الأشْهُرَ الَّتِي يَصِحُّ فِيها التَّمَتُّعُ بِالعُمْرَةِ إلى الحَجِّ وثَبَتَ حُكْمُهُ فِيها هَذِهِ الأشْهُرُ، وأنَّ مَنِ اعْتَمَرَ في غَيْرِها ثُمَّ حَجَّ لَمْ يَكُنْ لَهُ حُكْمُ التَّمَتُّعِ؛ واللَّهُ أعْلَمُ * * قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الحَجَّ﴾ قالَ أبُو بَكْرٍ: قَدِ اخْتَلَفَ السَّلَفُ في تَأْوِيلِهِ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رِوايَةً والحَسَنُ وقَتادَةُ " فَمَن أحْرَمَ " ورَوى شَرِيكٌ عَنْ أبِي إسْحاقَ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ: ﴿فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الحَجَّ﴾ قالَ: " التَّلْبِيَةَ " وكَذَلِكَ رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ وابْنِ عُمَرَ وإبْراهِيمَ النَّخَعِيِّ وطاوُسٍ ومُجاهِدٍ وعَطاءٍ وقالَتْ عَمْرَةُ عَنْ عائِشَةَ: " لا إحْرامَ إلّا لِمَن أهَلَّ ولَبّى " . قالَ أبُو بَكْرٍ: قَوْلُ مِن تَأوَّلَ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الحَجَّ﴾ عَلى مَن أحْرَمَ لا يَدُلَّ عَلى أنَّهُ رَأى الإحْرامَ جائِزًا بِغَيْرِ تَلْبِيَةٍ؛ لِأنَّهُ جائِزٌ أنْ يَقُولَ: " فَمَن أحْرَمَ وشَرَطَ الإحْرامَ أنْ يُلَبِّيَ " فَلَمْ يَثْبُتْ عَنْ أحَدٍ مِن السَّلَفِ جَوازُ الدُّخُولِ في الإحْرامِ بِغَيْرِ تَلْبِيَةٍ أوْ ما يَقُومُ مُقامَها مِن تَقْلِيدِ الهَدْيِ وسَوْقِهِ. وأصْحابُنا لا يُجِيزُونَ الدُّخُولَ في الإحْرامِ إلّا بِالتَّلْبِيَةِ وْتَقْلِيدِ الهَدْيِ وسَوْقِهِ، والدَّلِيلُ عَلى ذَلِكَ حَدِيثُ قُرادِ بْنِ أبِي نُوحٍ قالَ: حَدَّثَنا نافِعٌ عَنْ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ ابْنِ أبِي مُلَيْكَةَ عَنْ عائِشَةَ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَخَلَ عَلَيْها وهي كَأنَّها حَزِينَةٌ فَقالَ: ما لَكِ ؟ فَقالَتْ: لا أنا قَضَيْتُ عُمْرَتِي وألْفانِي الحَجُّ عارِكًا، قالَ: ذَلِكَ شَيْءٌ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلى بَناتِ آدَمَ فَحُجِّي وقُولِي ما يَقُولُ المُسْلِمُونَ في حَجِّهِمْ» وذَلِكَ يَدُلَّ عَلى وُجُوبِ التَّلْبِيَةِ؛ لِأنَّها الَّذِي يَقُولُهُ المُسْلِمُونَ عِنْدَ الإحْرامِ وأمْرُهُ ﷺ عَلى الوُجُوبِ ويَدُلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ﷺ: «خُذُوا عَنِّي مَناسِكَكم» . والتَّلْبِيَةُ مِنَ المَناسِكِ، وقَدْ فَعَلَها عِنْدَ الإحْرامِ، ويَدُلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ﷺ: «أتانِي جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ فَقالَ: مُرْ أُمَّتَكَ يَرْفَعُوا أصْواتَهم بِالتَّلْبِيَةِ فَإنَّها مِن شَعائِرِ الحَجِّ» فَيُضَمَّنُ ذَلِكَ مَعْنَيَيْنِ: فِعْلُ التَّلْبِيَةِ، ورَفْعُ الصَّوْتِ بِها، وقَدِ اتَّفَقُوا عَلى أنَّ رَفْعَ الصَّوْتِ غَيْرُ واجِبٍ، فَبَقِيَ حُكْمُهُ في فِعْلِ التَّلْبِيَةِ ويَدُلُّ عَلَيْهِ أنَّ الحَجِّ، والعُمْرَةَ يَنْتَظِمانِ أفْعالًا مُتَغايِرَةً مُخْتَلِفَةً مَفْعُولَةً بِتَحْرِيمَةٍ واحِدَةٍ، فَأشْبَهَتِ الصَّلاةَ لَمّا تَضَمَّنَتْ أفْعالًا مُتَغايِرَةً مُخْتَلِفَةً مَفْعُولَةً بِتَحْرِيمَةٍ واحِدَةٍ كانَ شَرْطُ الدُّخُولِ فِيها الذِّكْرَ، كَذَلِكَ الحَجُّ والعُمْرَةُ واجِبٌ أنْ يَكُونَ الدُّخُولُ فِيهِما بِالذِّكْرِ، أوْ ما يَقُومُ مُقامَهُ وقالَ أصْحابُنا: " إذا قَلَّدَ بَدَنَةً وساقَها وهو يُرِيدُ الإحْرامَ فَقَدْ أحْرَمَ "، وقَدْ رَوى ابْنا جابِرٍ عَنْ أبِيهِما عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: «أنَّ مَن قَلَّدَ بَدَنَةً فَقَدْ أحْرَمَ» . واخْتَلَفَ (p-٣٨٣)السَّلَفُ في ذَلِكَ فَقالَ ابْنُ عُمَرَ: " إذا قَلَّدَ بَدَنَتَهُ فَقَدْ أحْرَمَ "، وكَذَلِكَ رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ وقِيسِ بْنِ سَعْدٍ وابْنِ مَسْعُودٍ وابْنِ عَبّاسٍ وطاوُسٍ وعَطاءٍ ومُجاهِدٍ والشَّعْبِيِّ ومُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ وجابِرِ بْنِ زَيْدٍ وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وإبْراهِيمَ، وهَذا عَلى أنَّهُ قَلَّدَها وساقَها، وهو يُرِيدُ الإحْرامَ؛ لِأنَّهُ لا خِلافَ أنَّهُ إذا لَمْ يُرِدِ الإحْرامَ لا يَكُونُ مُحْرِمًا، وقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «إنِّي قَلَّدْتُ الهَدْيَ فَلا أحِلُّ إلى يَوْمِ النَّحْرِ» فَأخْبَرَ أنَّ تَقْلِيدَ الهَدْيِ وسَوْقَهُ كانَ المانِعَ لَهُ مِنَ الإحْلالِ، فَدَلَّ عَلى أنَّ لِذَلِكَ تَأْثِيرًا في الإحْرامِ وأنَّهُ قائِمٌ مُقامَ التَّلْبِيَةِ في بابِ الدُّخُولِ فِيهِ كَما كانَ لَهُ تَأْثِيرٌ في مَنعِ الإحْلالِ، والدَّلِيلُ عَلى أنَّ التَّقْلِيدَ بِانْفِرادِهِ لا يُوجِبُ الإحْرامَ، ما رَوَتْ عائِشَةُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: «أنَّهُ كانَ يَبْعَثُ بِهَدْيِهِ ويُقِيمُ فَلا يَحْرُمُ عَلَيْهِ شَيْءٌ» وكَذَلِكَ قالَتْ عائِشَةُ: " لا يُحْرِمُ إلّا مَن أهَلَّ ولَبّى " تَعْنِي مِمَّنْ لَمْ يَسُقْ هَدْيَهُ ولَمْ يَخْرُجْ مَعَهُ. * * قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلا رَفَثَ ولا فُسُوقَ ولا جِدالَ في الحَجِّ﴾ اخْتَلَفَ السَّلَفُ في تَأْوِيلِ الرَّفَثِ، فَقالَ ابْنُ عُمَرَ: " هو الجِماعُ " ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مِثْلُهُ. ورُوِيَ عَنْهُ أنَّهُ التَّعْرِيضُ بِالنِّساءِ، وكَذَلِكَ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهُ أنْشَدَ في إحْرامِهِ: ؎وهُنَّ يَمْشِينَ بِنا هَمِيسًا إنْ يَصْدُقِ الطَّيْرُ نَنِكْ لَمِيسا فَقِيلَ لَهُ في ذَلِكَ، فَقالَ: " إنَّما الرَّفَثُ مُراجَعَةُ النِّساءِ بِذِكْرِ الجِماعِ " . قالَ عَطاءٌ: " الرَّفَثُ الجِماعُ فَما دُونَهُ مِن قَوْلِ الفُحْشِ " . وقالَ عَمْرُو بْنُ دِينارٍ: " هو الجِماعُ فَما دُونَهُ مِن شَأْنِ النِّساءِ " . قالَ أبُو بَكْرٍ: قَدْ قِيلَ: إنَّ أصْلَ الرَّفَثِ في اللُّغَةِ هو الإفْحاشُ في القَوْلِ، وبِالفَرْجِ الجِماعُ، وبِاليَدِ الغَمْزُ لِلْجِماعِ. وإذا كانَ كَذَلِكَ فَقَدْ تَضَمَّنَ نَهْيُهُ عَنِ الرَّفَثِ في الحَجِّ هَذِهِ الوُجُوهَ كُلَّها وحَصَلَ مِنَ اتِّفاقِ جَمِيعِ مِن رُوِيَ عَنْهُ تَأْوِيلُهُ أنَّ الجِماعَ مُرادٌ بِهِ في هَذِهِ الآيَةِ. ويَدُلُّ عَلى أنَّ الرَّفَثَ الفُحْشُ في المَنطِقِ قَوْلُهُ ﷺ: «إذا كانَ يَوْمُ صَوْمِ أحَدِكم فَلا يَرْفُثْ ولا يَجْهَلْ، فَإنْ جُهِلَ عَلَيْهِ فَلْيَقُلْ إنِّي صائِمٌ»، والمُرادُ فُحْشُ القَوْلِ. وإنْ كانَ المُرادُ بِالرَّفَثِ هو التَّعْرِيضُ بِذِكْرِ النِّساءِ في الإحْرامِ، فاللَّمْسُ، والجِماعُ أوْلى أنْ يَكُونَ مَحْظُورًا، كَما قالَ تَعالى ﴿فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ ولا تَنْهَرْهُما﴾ [الإسراء: ٢٣] عُقِلَ مِنهُ النَّهْيُ عَنِ السَّبِّ، والضَّرْبِ. وقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى الرَّفَثَ في شَأْنِ الصَّوْمِ فَقالَ: ﴿أُحِلَّ لَكم لَيْلَةَ الصِّيامِ الرَّفَثُ إلى نِسائِكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧] ولا خِلافَ أنَّهُ أُرِيدَ بِهِ الجِماعُ، وعُقِلَ مِنهُ إباحَةُ ما دُونَهُ، كَما أنَّ حَظْرَهُ الرَّفَثَ في الحَجِّ وهو التَّعْرِيضُ، واللَّمْسُ قَدْ عُقِلَ بِهِ حَظْرُ ما فَوْقَهُ مِنَ الجِماعِ؛ لِأنَّ حَظْرَ القَلِيلِ يَدُلَّ عَلى الكَثِيرِ مِن جِنْسِهِ. وإباحَةُ الكَثِيرِ تَدُلُّ عَلى إباحَةِ القَلِيلِ مِن جِنْسِهِ، (p-٣٨٤)وقَدْ رُوِيَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ راشِدٍ قالَ: خَرَجْنا حُجّاجًا فَمَرَرْنا بِالرُّوَيْثَةِ فَإذا بِها شَيْخٌ يُقالُ لَهُ أبُو هَرِمٍ قالَ: سَمِعْتُ أبا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: " لِلْمُحْرِمِ مِنِ امْرَأتِهِ كُلُّ شَيْءٍ إلّا الجِماعَ " قالَ: فَأهْوى رَجُلٌ مِنّا إلى امْرَأتِهِ فَقَبَّلَها؛ فَقَدِمْنا مَكَّةَ فَذَكَرْنا ذَلِكَ لِعَطاءٍ فَقالَ: قاتَلَهُ اللَّهُ قَعَدَ عَلى طَرِيقٍ مِن طُرُقِ المُسْلِمِينَ يَفْتِنُهم بِالضَّلالَةِ؛ ثُمَّ قالَ لِلَّذِي قَبَّلَ امْرَأتَهُ: أهْرِقْ دَمًا. وهَذا شَيْخٌ مَجْهُولٌ. وما ذَكَرَهُ قَدِ اتَّفَقَتِ الأُمَّةُ عَلى خِلافِهِ، وعَلى أنَّ مَن قَبَّلَ امْرَأتَهُ في إحْرامِهِ بِشَهْوَةٍ فَعَلَيْهِ دَمٌ. ورُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ وابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ عُمَرَ والحَسَنِ وعَطاءٍ وعِكْرِمَةَ وإبْراهِيمَ وسَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ذَلِكَ وهو قَوْلُ فُقَهاءِ الأمْصارِ. ولَمّا ثَبَتَ بِما ذَكَرْنا حَظْرُ مُراجَعَةِ النِّساءِ بِذِكْرِ الجِماعِ في حالِ الإحْرامِ، والتَّعْرِيضِ بِهِ، واللَّمْسِ وذَلِكَ كُلُّهُ مِن دَواعِي الجِماعِ، دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ الجِماعَ ودَواعِيَهُ مَحْظُورَةٌ عَلى المُحْرِمِ، وذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى حَظْرِ التَّطَيُّبِ لِهَذا المَعْنى بِعَيْنِهِ، ولِما ورَدَ فِيهِ مِنَ السُّنَّةِ. وأمّا الفُسُوقُ فَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: " الفُسُوقُ السِّبابُ " والجِدالُ: المِراءُ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: " الجِدالُ أنْ تُجادِلَ صاحِبَكَ حَتّى تَغِيظَهُ، والفُسُوقُ المَعاصِي " ورُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ ﴿ولا جِدالَ في الحَجِّ﴾ قالَ: قَدْ أعْلَمَ اللَّهُ تَعالى أشْهُرَ الحَجِّ فَلَيْسَ فِيها شَكٌّ ولا خِلافٌ. قالَ أبُو بَكْرٍ: جَمِيعُ ما ذُكِرَ مِن هَذِهِ المَعانِي عَنِ المُتَقَدِّمِينَ جائِزٌ أنْ يَكُونَ مُرادَ اللَّهَ تَعالى، فَيَكُونُ المُحْرِمُ مَنهِيًّا عَنِ السِّبابِ، والمُماراةِ في أشْهُرِ الحَجِّ وفي غَيْرِ ذَلِكَ وعَنِ الفُسُوقِ وسائِرِ المَعاصِي، فَتَضَمَّنَتِ الآيَةُ الأمْرَ بِحِفْظِ اللِّسانِ، والفَرْجِ عَنْ كُلِّ ما هو مَحْظُورٌ مِنَ الفُسُوقِ، والمَعاصِي. والمَعاصِي، والفُسُوقُ وإنْ كانَتْ مَحْظُورَةً قَبْلَ الإحْرامِ فَإنَّ اللَّهَ نَصَّ عَلى حَظْرِها في الإحْرامِ تَعْظِيمًا لِحُرْمَةِ الإحْرامِ؛ ولِأنَّ المَعاصِيَ في حالِ الإحْرامِ أعْظَمُ وأكْبَرُ عِقابًا مِنها في غَيْرِها، كَما قالَ ﷺ: «إذا كانَ يَوْمُ صَوْمِ أحَدِكم فَلا يَرْفُثْ ولا يَجْهَلْ، فَإنْ جُهِلَ عَلَيْهِ فَلْيَقُلْ إنِّي امْرُؤٌ صائِمٌ» . وقَدْ رُوِيَ أنَّ الفَضْلَ بْنَ العَبّاسِ كانَ رَدِيفَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنَ المُزْدَلِفَةِ إلى مِنًى، فَكانَ يُلاحِظُ النِّساءَ ويَنْظُرُ إلَيْهِنَّ، فَجَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ يَصْرِفُ وجْهَهُ بِيَدِهِ مِن خَلْفِهِ وقالَ:«إنَّ هَذا يَوْمٌ مَن مَلَكَ سَمْعَهُ وبَصَرَهُ غُفِرَ لَهُ» ومَعْلُومٌ حَظْرُ ذَلِكَ في غَيْرِ ذَلِكَ اليَوْمِ، ولَكِنَّهُ خَصَّ اليَوْمَ تَعْظِيمًا لِحُرْمَتِهِ، فَكَذَلِكَ المَعاصِي، والفُسُوقُ، والجِدالُ، والرَّفَثُ كُلُّ ذَلِكَ مَحْظُورٌ ومُرادٌ بِالآيَةِ، سَواءٌ كانَ مِمّا حَظَرَهُ الإحْرامُ، أوْ كانَ مَحْظُورًا فِيهِ وفي غَيْرِهِ بِعُمُومِ اللَّفْظِ؛ ويَكُونُ تَخْصِيصُهُ إيّاها بِحالِ الإحْرامِ تَعْظِيمًا لِلْإحْرامِ، وإنْ كانَتْ مَحْظُورَةً في غَيْرِهِ. وقَدْ رَوى مَسْعُودٌ عَنْ مَنصُورٍ عَنْ أبِي حازِمٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ (p-٣٨٥)ﷺ قالَ: «مَن حَجَّ فَلَمْ يَرْفُثْ ولَمْ يَفْسُقْ رَجَعَ كَيَوْمَ ولَدَتْهُ أُمُّهُ» وهَذا مُوافِقٌ لِدَلالَةِ الآيَةِ؛ وذَلِكَ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى لَمّا نَهى عَنِ المَعاصِي، والفُسُوقِ في الحَجِّ فَقَدْ تَضَمَّنَ ذَلِكَ الأمْرَ بِالتَّوْبَةِ مِنها؛ لِأنَّ الإصْرارَ عَلى ذَلِكَ هو مِنَ الفُسُوقِ، والمَعاصِي، فَأرادَ اللَّهُ تَعالى أنْ يُحْدِثَ الحاجُّ تَوْبَةً مِنَ الفُسُوقِ، والمَعاصِي حَتّى يَرْجِعَ مِن ذُنُوبِهِ كَيَوْمِ ولَدَتْهُ أُمُّهُ عَلى ما رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ولا جِدالَ في الحَجِّ﴾ قَدْ تَضَمَّنَ النَّهْيَ عَنْ مُماراةِ صاحِبِهِ ورَفِيقِهِ وإغْضابِهِ وحَظْرِ الجِدالِ في وقْتِ الحَجِّ عَلى ما كانَ عَلَيْهِ أمْرُ الجاهِلِيَّةِ؛ لِأنَّهُ قَدِ اسْتَقَرَّ عَلى وقْتٍ واحِدٍ وأُبْطِلَ بِهِ النَّسِيءُ الَّذِي كانَ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ عَلَيْهِ؛ وهو مَعْنى قَوْلِهِ ﷺ «ألا إنَّ الزَّمانَ قَدِ اسْتَدارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَواتِ الأرْضَ» يَعْنِي عَوْدَ الحَجِّ إلى الوَقْتِ الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ لَهُ، واتَّفَقَ ذَلِكَ في حَجَّةِ النَّبِيِّ ﷺ . وقَوْلُهُ: ﴿فَلا رَفَثَ ولا فُسُوقَ ولا جِدالَ في الحَجِّ﴾ وإنْ كانَ ظاهِرُهُ الخَبَرَ، فَهو نَهْيٌ عَنْ هَذِهِ الأفْعالِ، وعَبَّرَ بِلَفْظِ النَّفْيِ عَنْها؛ لِأنَّ المَنهِيَّ عَنْهُ سَبِيلُهُ أنْ يَكُونَ مَنفِيًّا غَيْرَ مَفْعُولٍ وهو كَقَوْلِهِ في الأمْرِ: ﴿والوالِداتُ يُرْضِعْنَ أوْلادَهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٣] و﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأنْفُسِهِنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٤] وما جَرى مَجْراهُ صِيغَتُهُ صِيغَةُ الخَبَرِ ومَعْناهُ الأمْرُ. * * وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وتَزَوَّدُوا فَإنَّ خَيْرَ الزّادِ التَّقْوى﴾ رُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ والشَّعْبِيِّ أنَّ أُناسًا مِن أهْلِ اليَمَنِ كانُوا لا يَتَزَوَّدُونَ في حَجِّهِمْ حَتّى نَزَلَتْ ﴿وتَزَوَّدُوا فَإنَّ خَيْرَ الزّادِ التَّقْوى﴾ وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: الزّادُ الكَعْكُ، والزَّيْتُ. وقِيلَ فِيهِ: إنَّ قَوْمًا كانُوا يَرْمُونَ بِأزْوادِهِمْ يَتَسَمَّوْنَ بِالمُتَوَكِّلَةِ، فَقِيلَ لَهم: تَزَوَّدُوا مِنَ الطَّعامِ ولا تَطْرَحُوا كَلَّكم عَلى النّاسِ وقِيلَ فِيهِ: إنَّ مَعْناهُ أنْ تَزَوَّدُوا مِنَ الأعْمالِ الصّالِحَةِ، فَإنَّ خَيْرَ الزّادِ التَّقْوى. قالَ أبُو بَكْرٍ: لَمّا احْتَمَلَتِ الآيَةُ الأمْرَيْنِ مِن زادِ الطَّعامِ وزادِ التَّقْوى، وجَبَ أنْ يَكُونَ عَلَيْهِما؛ إذْ لَمْ تَقُمْ دَلالَةٌ عَلى تَخْصِيصِ زادٍ مِن زادٍ. وذَكَرَ التَّزَوُّدَ مِنَ الأعْمالِ الصّالِحَةِ في الحَجِّ؛ لِأنَّهُ أحَقُّ شَيْءٍ بِالِاسْتِكْثارِ مِن أعْمالِ البِرِّ فِيهِ لِمُضاعَفَةِ الثَّوابِ عَلَيْهِ، كَما نَصَّ عَلى حَظْرِ الفُسُوقِ والمَعاصِي فِيهِ، وإنْ كانَتْ مَحْظُورَةً في غَيْرِهِ، تَعْظِيمًا لِحُرْمَةِ الإحْرامِ وإخْبارًا أنَّها فِيهِ أعْظَمُ مَأْثَمًا؛ فَجَمَعَ الزّادَيْنِ في مَجْمُوعِ اللَّفْظِ مِنَ الطَّعامِ ومِن زادِ التَّقْوى، ثُمَّ أخْبَرَ أنَّ زادَ التَّقْوى خَيْرُهُما لِبَقاءِ نَفْعِهِ ودَوامِ ثَوابِهِ. وهَذا يَدُلَّ عَلى بُطْلانِ مَذْهَبِ المُتَصَوِّفَةِ الَّذِينَ يَتَسَمَّوْنَ بِالمُتَوَكِّلَةِ في تَرْكِهِمُ التَّزَوُّدَ، والسَّعْيَ في المَعاشِ. وهو يَدُلُّ عَلى أنَّ مِن شَرْطِ اسْتِطاعَةِ الحَجِّ الزّادَ، والرّاحِلَةَ؛ لِأنَّهُ خاطَبَ بِذَلِكَ مَن خاطَبَهُ بِالحَجِّ، وعَلى هَذا المَعْنى قالَ النَّبِيُّ ﷺ حِينَ سُئِلَ عَنِ الِاسْتِطاعَةِ: هي «الزّادُ، والرّاحِلَةُ» . واللَّهُ المُوَفِّقُ. (p-٣٨٦)

البقرة 2:198

بابُ التِّجارَةِ في الحَجِّ قالَ اللَّهُ عَقِيبَ ذِكْرِ الحَجِّ، والتَّزَوُّدِ لَهُ: ﴿لَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ أنْ تَبْتَغُوا فَضْلا مِن رَبِّكُمْ﴾ يَعْنِي المُخاطَبِينَ بِأوَّلِ الآيَةِ وهُمُ المَأْمُورُونَ بِالتَّزَوُّدِ لِلْحَجِّ وأباحَ لَهُمُ التِّجارَةَ فِيهِ ورَوى أبُو يُوسُفَ عَنِ العَلاءِ بْنِ السّائِبِ عَنْ أبِي أُمامَةَ قالَ: قُلْتُ لِابْنِ عُمَرَ: إنِّي رَجُلٌ أكْرِي الإبِلَ إلى مَكَّةَ أفَيُجْزِي مِن حَجَّتِي ؟ قالَ: ألَسْتَ تُلَبِّي فَتَقِفُ وتَرْمِي الجِمارَ ؟ قُلْتُ: بَلى. قالَ: «سَألَ رَجُلٌ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ مِثْلِ ما سَألْتَنِي، فَلَمْ يُجِبْهُ حَتّى أنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿لَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ أنْ تَبْتَغُوا فَضْلا مِن رَبِّكُمْ﴾ فَقالَ ﷺ: أنْتُمْ حاجٌّ» . وقالَ عَمْرُو بْنُ دِينارٍ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانَتْ ذُو المَجازِ وعُكاظٌ مَتْجَرًا لِلنّاسِ في الجاهِلِيَّةِ، فَلَمّا كانَ الإسْلامُ تَرَكُوا حَتّى نَزَلَتْ: ﴿لَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ أنْ تَبْتَغُوا فَضْلا مِن رَبِّكُمْ﴾ في مَواسِمِ الحَجِّ. ورَوى سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: أتانِي رَجُلٌ فَقالَ: إنِّي آجَرْتُ نَفْسِي مِن قَوْمٍ عَلى أنْ أخْدُمَهم ويَحُجُّونَ بِي، فَهَلْ لِي مِن حَجٍّ ؟ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هَذا مِنَ الَّذِينَ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿لَهم نَصِيبٌ مِمّا كَسَبُوا﴾ [البقرة: ٢٠٢] ورُوِيَ نَحْوُ ذَلِكَ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ التّابِعِينَ، مِنهُمُ الحَسَنُ وعَطاءٌ ومُجاهِدٌ وقَتادَةُ، ولا نَعْلَمُ أحَدًا رُوِيَ عَنْهُ خِلافُ ذَلِكَ إلّا شَيْئًا رَواهُ سُفْيانُ الثَّوْرِيُّ عَنْ عَبْدِ الكَرِيمِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: سَألَهُ رَجُلٌ أعْرابِيٌّ فَقالَ: إنِّي أكْرِي إبِلِي وأنا أُرِيدُ الحَجَّ، أفَيَجْزِينِي ؟ قالَ: لا، ولا كَرامَةَ. وهَذا قَوْلٌ شاذٌّ خِلافُ ما عَلَيْهِ الجُمْهُورُ وخِلافُ ظاهِرِ الكِتابِ في قَوْلِهِ: ﴿لَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ أنْ تَبْتَغُوا فَضْلا مِن رَبِّكُمْ﴾ فَهَذا في شَأْنِ الحاجِّ؛ لِأنَّ أوَّلَ الخِطابِ فِيهِمْ، وسائِرُ ظَواهِرِ الآيِ المُبِيحَةِ لِذَلِكَ دالَّةٌ عَلى مِثْلِ ما دَلَّتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الآيَةُ نَحْوُ قَوْلِهِ: ﴿وآخَرُونَ يَضْرِبُونَ في الأرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ اللَّهِ﴾ [المزمل: ٢٠] وقَوْلُهُ: ﴿وأذِّنْ في النّاسِ بِالحَجِّ يَأْتُوكَ رِجالا وعَلى كُلِّ ضامِرٍ﴾ [الحج: ٢٧] إلى قَوْلِهِ: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنافِعَ لَهُمْ﴾ [الحج: ٢٨] ولَمْ يُخَصِّصْ شَيْئًا مِنَ المَنافِعِ دُونَ غَيْرِها، فَهو عامٌّ في جَمِيعِها مِن مَنافِعِ الدُّنْيا، والآخِرَةِ وقالَ تَعالى: ﴿وأحَلَّ اللَّهُ البَيْعَ وحَرَّمَ الرِّبا﴾ [البقرة: ٢٧٥] ولَمْ يُخَصِّصْ مِنهُ حالَ الحَجِّ. وجَمِيعُ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ الحَجَّ لا يَمْنَعُ التِّجارَةَ، وعَلى هَذا أمْرُ النّاسِ مِن عَصْرِ النَّبِيِّ ﷺ إلى يَوْمِنا هَذا في مَواسِمِ مِنًى ومَكَّةَ في أيّامِ الحَجِّ؛ واللَّهُ أعْلَمُ * * بابُ الوُقُوفِ بِعَرَفَةَ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿فَإذا أفَضْتُمْ مِن عَرَفاتٍ فاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ المَشْعَرِ الحَرامِ﴾ قالَ أبُو بَكْرٍ: (p-٣٨٧)قَدْ دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ مَناسِكَ الحَجِّ الوُقُوفُ بِعَرَفَةَ، ولَيْسَ في ظاهِرِهِ دَلالَةٌ عَلى أنَّهُ مِن فُرُوضِهِ، فَلَمّا قالَ في سِياقِ الخِطابِ: ﴿ثُمَّ أفِيضُوا مِن حَيْثُ أفاضَ النّاسُ﴾ أبانَ بِذَلِكَ عَنْ فَرْضِ الوُقُوفِ ولُزُومِهِ وذَلِكَ لِأنَّ أمْرَهُ بِالإفاضَةِ مُقْتَضٍ لِلْوُجُوبِ، ولا تَكُونُ الإفاضَةُ فَرْضًا إلّا والكَوْنُ بِها فَرْضًا حَتّى يُفِيضَ مِنها؛ إذْ لا يُتَوَصَّلُ إلى الإفاضَةِ إلّا بِكَوْنِهِ قَبْلَها هُناكَ. وقَدِ اخْتُلِفَ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ أفِيضُوا مِن حَيْثُ أفاضَ النّاسُ﴾ فَرُوِيَ عَنْ عائِشَةَ وابْنِ عَبّاسٍ وعَطاءٍ والحَسَنِ ومُجاهِدٍ وقَتادَةَ والسُّدِّيِ: أنَّهُ أرادَ الإفاضَةَ مِن عَرَفَةَ، قالُوا: وذَلِكَ؛ «لِأنَّ قُرَيْشًا ومَن دانَ دِينَها يُقالُ لَهم الحُمْسُ كانُوا يَقِفُونَ بِالمُزْدَلِفَةِ ويَقِفُ سائِرُ العَرَبِ بِعَرَفاتٍ، فَلَمّا جاءَ الإسْلامُ أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى عَلى نَبِيِّهِ: ﴿ثُمَّ أفِيضُوا مِن حَيْثُ أفاضَ النّاسُ﴾ فَأمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قُرَيْشًا ومَن دانَ دِينَها أنْ يَأْتُوا عَرَفاتٍ فَيَقِفُوا بِها مَعَ النّاسِ ويُفِيضُوا مِن حَيْثُ أفاضَ النّاسُ» . وحُكِيَ عَنِ الضَّحّاكِ أنَّهُ أرادَ بِهِ الوُقُوفَ بِالمُزْدَلِفَةِ وأنْ يُفِيضُوا مِن حَيْثُ أفاضَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ. وقِيلَ: إنَّهُ إنَّما قالَ: " النّاسُ " وأرادَ إبْراهِيمُ وحْدَهُ، كَما قالَ تَعالى: ﴿الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النّاسُ﴾ [آل عمران: ١٧٣] وكانَ رَجُلًا واحِدًا. ولِأنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا كانَ الإمامَ المُقْتَدى بِهِ سَمّاهُ اللَّهُ تَعالى أُمَّةً كانَ بِمَنزِلَةِ الأُمَّةِ الَّتِي تَتَّبِعُ سُنَّتَهُ، جازَ إطْلاقُ اسْمِ النّاسِ، والمُرادُ بِهِ هو وحْدَهُ. والتَّأْوِيلُ الأوَّلُ هو الصَّحِيحُ لِاتِّفاقِ السَّلَفِ عَلَيْهِ، والضَّحّاكُ لا يُزاحِمُ بِهِ هَؤُلاءِ، فَهو قَوْلٌ شاذٌّ. وإنَّما ذَكَرَ النّاسَ هاهُنا وأمَرَ قُرَيْشًا بِالإفاضَةِ مِن حَيْثُ أفاضَ النّاسُ؛ لِأنَّهم كانُوا أعْظَمَ النّاسِ، وكانَتْ قُرَيْشٌ ومَن دانَ دِينَها قَلِيلَةً بِالإضافَةِ إلَيْهِمْ؛ فَلِذَلِكَ قالَ: ﴿مِن حَيْثُ أفاضَ النّاسُ﴾ فَإنْ قِيلَ: لَمّا قالَ: ﴿فَإذا أفَضْتُمْ مِن عَرَفاتٍ﴾ ثُمَّ عَقَّبَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ أفِيضُوا مِن حَيْثُ أفاضَ النّاسُ﴾ و" ثُمَّ " يَقْتَضِي التَّرْتِيبَ لا مَحالَةَ، عَلِمْنا أنَّ هَذِهِ الإفاضَةَ هي بَعْدَ الإفاضَةِ مِن عَرَفاتٍ، ولَيْسَ بَعْدَها إفاضَةٌ إلّا مِنَ المُزْدَلِفَةِ وهي المَشْعَرُ الحَرامُ، فَكانَ حَمْلُهُ عَلى ذَلِكَ، أوْلى مِنهُ عَلى الإفاضَةِ مِن عَرَفَةَ؛ ولِأنَّ الإفاضَةَ مِن عَرَفَةَ قَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُها فَلا وجْهَ لِإعادَتِها. قِيلَ لَهُ: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ أفِيضُوا مِن حَيْثُ أفاضَ النّاسُ﴾ عائِدٌ إلى أوَّلِ الكَلامِ، وهو الخِطابُ بِذِكْرِ الحَجِّ وتَعْلِيمِ مَناسِكِهِ وأفْعالِهِ، فَكَأنَّهُ قالَ: " يا أيُّها المَأْمُورُونَ بِالحَجِّ مِن قُرَيْشٍ بَعْدَ ما تَقَدَّمَ ذِكْرُنا لَهُ أفِيضُوا مِن حَيْثُ أفاضَ النّاسُ " فَيَكُونُ ذَلِكَ راجِعًا إلى صِلَةِ خِطابِ المَأْمُورِينَ، وهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ تَمامًا عَلى الَّذِي أحْسَنَ﴾ [الأنعام: ١٥٤] والمَعْنى: بَعْدَ ما ذَكَرْنا لَكم أخْبَرْنا كَمْ أنّا آتَيْنا مُوسى (p-٣٨٨)الكِتابَ تَمامًا عَلى الَّذِي أحْسَنَ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ " ثُمَّ " بِمَعْنى " الواوِ " فَيَكُونُ تَقْدِيرُهُ: وأفِيضُوا مِن حَيْثُ أفاضَ النّاسُ؛ كَما قالَ تَعالى: ﴿ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البلد: ١٧] مَعْناهُ: وكانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا، وقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلى ما يَفْعَلُونَ﴾ [يونس: ٤٦] مَعْناهُ: واللَّهُ شَهِيدٌ. فَإذا كانَ ذَلِكَ سائِغًا في اللُّغَةِ ثُمَّ رُوِيَ عَنِ السَّلَفِ ما ذَكَرْنا، لَمْ يَجُزِ العُدُولُ عَنْهُ إلى غَيْرِهِ. وأمّا قَوْلُكَ " إنَّ ذِكْرَ عَرَفاتٍ قَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿فَإذا أفَضْتُمْ مِن عَرَفاتٍ﴾ فَلا يَكُونُ لِقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ أفِيضُوا مِن حَيْثُ أفاضَ النّاسُ﴾ وجْهٌ " فَلَيْسَ كَذَلِكَ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ ﴿فَإذا أفَضْتُمْ مِن عَرَفاتٍ﴾ لا دَلالَةَ فِيهِ عَلى إيجابِ الوُقُوفِ، وقَوْلَهُ: ﴿ثُمَّ أفِيضُوا مِن حَيْثُ أفاضَ النّاسُ﴾ هو أمْرٌ لِمَن لَمْ يَكُنْ يَقِفُ بِعَرَفَةَ مِن قُرَيْشٍ فَقَدْ أفادَ بِهِ مِن إيجابِ الوُقُوفِ ما لَمْ يَتَضَمَّنْهُ قَوْلُهُ: ﴿فَإذا أفَضْتُمْ مِن عَرَفاتٍ﴾ إذْ لا دَلالَةَ في قَوْلِهِ: ﴿فَإذا أفَضْتُمْ مِن عَرَفاتٍ﴾ عَلى فَرْضِ الوُقُوفِ. ومَعَ ذَلِكَ فَلَوِ اقْتُصِرَ عَلى قَوْلِهِ: ﴿فَإذا أفَضْتُمْ مِن عَرَفاتٍ﴾ لَكانَ جائِزًا أنْ يَظُنَّ ظانٌّ أنَّهُ خِطابٌ لِمَن كانَ يَقِفُ بِها دُونَ مَن لَمْ يَكُنْ يَرى الوُقُوفَ بِها، فَيَكُونُ التّارِكُونَ لِلْوُقُوفِ عَلى جُمْلَةِ أمْرِهِمْ في الوُقُوفِ بِالمُزْدَلِفَةِ دُونَ عَرَفاتٍ، فَأبْطَلَ ظَنَّ الظّانِّ لِذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ أفِيضُوا مِن حَيْثُ أفاضَ النّاسُ﴾ واتَّفَقَتِ الأُمَّةُ مَعَ ذَلِكَ عَلى أنَّ تارِكَ الوُقُوفِ بِعَرَفَةَ لا حَجَّ لَهُ، ونَقَلَتْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَوْلًا وعَمَلًا. ورَوى بُكَيْرُ بْنُ عَطاءٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَعْمَرَ الدِّيلِيِّ قالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: كَيْفَ الحَجُّ ؟ قالَ: «الحَجُّ يَوْمُ عَرَفَةَ، مَن جاءَ عَرَفَةَ لَيْلَةَ جَمْعٍ قَبْلَ الصُّبْحِ، أوْ يَوْمَ جَمْعٍ فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ» . ورَوى الشَّعْبِيُّ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ مُضْرِسٍ الطّائِيِّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ بِالمُزْدَلِفَةِ: «مَن صَلّى مَعَنا هَذِهِ الصَّلاةَ ووَقَفَ مَعَنا هَذا المَوْقِفَ وقَدْ وقَفَ بِعَرَفَةَ قَبْلَ ذَلِكَ لَيْلًا، أوْ نَهارًا فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ وقَضى تَفَثَهُ» . وقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ عُمَرَ، وابْنِ الزُّبَيْرِ وجابِرٍ: " إذا وقَفَ قَبْلَ طُلُوعِ الفَجْرِ فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ "، والفُقَهاءُ مُجْمِعُونَ عَلى ذَلِكَ وقَدِ اخْتَلَفَ الفُقَهاءُ في مَن لَمْ يَقِفْ بِعَرَفَةَ لَيْلًا، فَقالَ سائِرُهم: إذا وقَفَ نَهارًا فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ، وإنْ دَفَعَ مِنها قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ فَعَلَيْهِ دَمٌ عِنْدَ أصْحابِنا إنْ لَمْ يَرْجِعْ قَبْلَ الإمامِ، وقالَ مالِكُ بْنُ أنَسٍ: " إنْ لَمْ يَرْجِعْ حَتّى طَلَعَ الفَجْرُ بَطَلَ حَجُّهُ " وأصْحابَهُ يَزْعُمُونَ أنَّهُ قالَ ذَلِكَ؛ لِأنَّ مَذْهَبَهُ أنَّ فَرْضَ الوُقُوفِ بِاللَّيْلِ دُونَ النَّهارِ، وأنَّ الوُقُوفَ نَهارًا غَيْرُ مَفْرُوضٍ وإنَّما هو مَسْنُونٌ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ أنَّ مَن دَفَعَ مِن عَرَفاتٍ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ فَسَدَ حَجُّهُ، والدَّلِيلُ عَلى صِحَّةِ القَوْلِ الأوَّلِ قَوْلُهُ ﷺ في حَدِيثِ عُرْوَةَ بْنِ مُضَرِّسٍ «وأفاضَ مِن عَرَفَةَ قَبْلَ ذَلِكَ لَيْلًا، أوْ نَهارًا فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ وقَضى تَفَثَهُ» فَحَكَمَ بِصِحَّةِ (p-٣٨٩)حَجِّهِ وإتْمامِهِ بِوُقُوفِهِ في أحَدِ الوَقْتَيْنِ مِن لَيْلٍ، أوْ نَهارٍ. ويَدُلُّ عَلَيْهِ أيْضًا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ أفِيضُوا مِن حَيْثُ أفاضَ النّاسُ﴾ و ( حَيْثُ ) اسْمٌ لِلْمَوْضِعِ، وهو عَرَفاتٌ، فَكانَ بِمَنزِلَةِ قَوْلِهِ: أفِيضُوا مِن عَرَفاتٍ ولَمْ يُخَصِّصْهُ بِلَيْلٍ ولا نَهارٍ، ولَيْسَ فِيهِ ذِكْرٌ لِلْوَقْتِ، فاقْتَضى ذَلِكَ جَوازَهُ في أيِّ وقْتٍ وقَفَ فِيهِ. ويَدُلُّ عَلَيْهِ مِن جِهَةِ النَّظَرِ أنّا وجَدْنا سائِرَ المَناسِكِ ابْتِداؤُها بِالنَّهارِ، وإنَّما يَدْخُلُ فِيهِ اللَّيْلُ تَبَعًا، ولَمْ نَجِدْ شَيْئًا مِنها يَخْتَصُّ بِاللَّيْلِ حَتّى لا يَصِحَّ فِعْلُهُ في غَيْرِهِ فَقَوْلُ مَن جَعَلَ فَرْضَ الوُقُوفِ بِاللَّيْلِ خارِجٌ عَنِ الأُصُولِ، ألا تَرى أنَّ طَوافَ الزِّيارَةِ، والوُقُوفَ بِالمُزْدَلِفَةِ، والرَّمْيَ، والذَّبْحَ، والحَلْقَ كُلُّ ذَلِكَ مَفْعُولٌ بِالنَّهارِ ؟ وإنَّما يُفْعَلُ بِاللَّيْلِ عَلى أنَّهُ يُؤَخَّرُ عَنْ وقْتِهِ عَلى وجْهِ التَّبَعِ لِلنَّهارِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ حُكْمَ الوُقُوفِ بِعَرَفَةَ وأيْضًا قَدْ نَقَلَتِ الأُمَّةُ وُقُوفَ النَّبِيِّ ﷺ نَهارًا إلى يَوْمِنا هَذا، وأنَّهُ دَفَعَ مِنها عِنْدَ سُقُوطِ الفَرْضِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ وقْتَ الوُقُوفِ هو النَّهارُ، ووَقْتَ الغُرُوبِ هو الدَّفْعُ، فاسْتَحالَ أنْ يَكُونَ الدَّفْعُ هو وقْتَ الفَرْضِ، ووَقْتُ الوُقُوفِ لا يَكُونُ وقْتًا لِلْفَرْضِ. وأيْضًا لَمّا قِيلَ يَوْمُ عَرَفَةَ " ونُقِلَتْ هَذِهِ التَّسْمِيَةُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ في أخْبارٍ كَثِيرَةٍ، مِنها: «إنَّ اللَّهَ تَعالى يُباهِي مَلائِكَتَهُ يَوْمَ عَرَفَةَ» ومِنها: «إنَّ صِيامَ يَوْمِ عَرَفَةَ يَعْدِلُ صِيامَ سَنَةٍ» ولِذَلِكَ أطْلَقَتِ الأُمَّةُ ذَلِكَ عَلَيْهِ، دَلَّ عَلى أنَّ النَّهارَ وقْتُ الفَرْضِ فِيهِ، وأنَّ الوُقُوفَ لَيْلًا إنَّما يَفْعَلُهُ مَن وقَفَ فائِتًا؛ ألا تَرى أنَّهُ لَمّا قِيلَ: " يَوْمُ الجُمُعَةِ، ويَوْمُ الأضْحى، ويَوْمُ الفِطْرِ " كانَتْ هَذِهِ الأفْعالُ واقِعَةً في هَذِهِ الأيّامِ نَهارًا ولِذَلِكَ أُضِيفَتْ إلَيْها ؟ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ فَرْضَ الوُقُوفِ يَوْمَ عَرَفَةَ، وأنَّهُ يُفْعَلُ لَيْلًا عَلى وجْهِ القَضاءِ لِما فاتَهُ، كَما يَرْمِي الجِمارَ لَيْلًا عَلى وجْهِ القَضاءِ لِما فاتَهُ نَهارًا، وكَذَلِكَ الطَّوافُ، والذَّبْحُ، والحَلْقُ واخْتُلِفَ في مَوْضِعِ الوُقُوفِ، فَرَوى جُبَيْرُ بْنُ مُطْعَمٍ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «كُلُّ عَرَفاتٍ مَوْقِفٌ وارْفَعُوا عَنْ عُرَنَةَ، وكُلُّ مُزْدَلِفَةَ مَوْقِفٌ وارْفَعُوا عَنْ مُحَسِّرٍ» . ورَوى جابِرٌ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «كُلُّ عَرَفَةَ مَوْقِفٌ» . وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: " ارْتَفَعُوا عَنْ وادِي عَرَفَةَ، والمِنبَرِ عَنْ مُسِيلَةَ فَما فَوْقَ ذَلِكَ مَوْقِفٌ " ولَمْ يَخْتَلِفْ رُواةُ الأخْبارِ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَفَعَ مِن عَرَفَةَ بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ»؛ وقَدْ رُوِيَ أنَّ أهْلَ الجاهِلِيَّةِ كانُوا يَدْفَعُونَ مِنها إذا صارَتِ الشَّمْسُ عَلى رُءُوسِ الجِبالِ كَأنَّها عَمائِمُ الرِّجالِ في وُجُوهِهِمْ، وأنَّهم كانُوا يَدْفَعُونَ مِن المُزْدَلِفَةِ بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، فَخالَفَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ ودَفَعَ مِن عَرَفاتٍ بَعْدَ الغُرُوبِ ومِنَ المُزْدَلِفَةِ قَبْلَ الطُّلُوعِ. ورَوى سَلَمَةُ بْنُ كُهَيْلٍ عَنِ الحَسَنِ العُرَنِيِّ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «خَطَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ النّاسَ (p-٣٩٠)يَوْمَ عَرَفَةَ فَقالَ: يا أيُّها النّاسُ لَيْسَ البِرُّ في إيجافِ الخَيْلِ ولا في إيضاعِ الإبِلِ ولَكِنْ سَيْرًا حَسَنًا جَمِيلًا، ولا تُوطِئُوا ضَعِيفًا ولا تُؤْذُوا مُسْلِمًا» . ورَوى هِشامُ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ أبِيهِ عَنْ أُسامَةَ بْنِ زَيْدٍ قالَ: «كانَ سَيْرُنا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حِينَ يَدْفَعُ مِن عَرَفاتٍ العَنَقَ، غَيْرَ أنَّهُ كانَ إذا وجَدَ فَجْوَةً نَصَّ» . واللَّهُ أعْلَمُ. * * بابُ الوُقُوفِ بِجُمَعٍ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿فَإذا أفَضْتُمْ مِن عَرَفاتٍ فاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ المَشْعَرِ الحَرامِ﴾ ولَمْ يَخْتَلِفْ أهْلُ العِلْمِ أنَّ المَشْعَرَ الحَرامَ هو المُزْدَلِفَةُ وتُسَمّى جَمْعًا. فَمِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ: إنَّ هَذا الذِّكْرَ هو صَلاةُ المَغْرِبِ، والعِشاءِ اللَّتَيْنِ يُجْمَعُ بَيْنَهُما بِالمُزْدَلِفَةِ، والذِّكْرُ الثّانِي في قَوْلِهِ: ﴿واذْكُرُوهُ كَما هَداكُمْ﴾ هو الذِّكْرُ المَفْعُولُ عِنْدَ الوُقُوفِ بِالمُزْدَلِفَةِ غَداةَ جَمْعٍ، فَيَكُونُ الذِّكْرُ الأوَّلُ غَيْرَ الثّانِي. والصَّلاةُ تُسَمّى ذِكْرًا، قالَ النَّبِيُّ ﷺ: «مَن نامَ عَنْ صَلاةٍ، أوْ نَسِيَها فَلْيُصَلِّها إذا ذَكَرَها وتَلا عِنْدَ ذَلِكَ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وأقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٤]» فَسَمّى الصَّلاةَ ذِكْرًا، فَعَلى هَذا قَدِ اقْتَضَتِ الآيَةُ تَأْخِيرَ صَلاةِ المَغْرِبِ إلى أنْ تُجْمَعَ مَعَ العِشاءِ بِالمُزْدَلِفَةِ. ورُوِيَ عَنْ أُسامَةَ بْنِ زَيْدٍ وكانَ رَدِيفَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِن عَرَفاتٍ إلى المُزْدَلِفَةِ أنَّهُ «قالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ في طَرِيقِ المُزْدَلِفَةِ: الصَّلاةَ فَقالَ: الصَّلاةُ أمامَكَ فَلَمّا أتى المُزْدَلِفَةَ صَلّاها مَعَ العِشاءِ الآخِرَةِ» . والأخْبارُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مُتَواتِرَةٌ فِي جَمْعِ النَّبِيِّ ﷺ بَيْنَ المَغْرِبِ، والعِشاءِ بِالمُزْدَلِفَةِ وقَدِ اخْتُلِفَ في مَن صَلّى المَغْرِبَ قَبْلَ أنْ يَأْتِيَ المُزْدَلِفَةَ فَقالَ أبُو حَنِيفَةَ ومُحَمَّدٌ " لا تُجْزِيهِ " وقالَ أبُو يُوسُفَ: " تُجْزِيهِ " . وظاهِرُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإذا أفَضْتُمْ مِن عَرَفاتٍ فاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ المَشْعَرِ الحَرامِ﴾ إذا كانَ المُرادُ بِهِ الصَّلاةَ يُمْنَعُ جَوازُها قَبْلَهُ، وكَذَلِكَ قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ: «الصَّلاةُ أمامَكَ» وحَمْلُهُ عَلى ذَلِكَ أوْلى مِن حَمْلِهِ عَلى الذِّكْرِ المَفْعُولِ في حالِ الوُقُوفِ بِجَمْعٍ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿واذْكُرُوهُ كَما هَداكُمْ﴾ هو الذِّكْرُ في مَوْقِفِ جَمْعٍ، فَواجِبٌ أنْ نَحْمِلَ الذِّكْرَ الأوَّلَ عَلى الصَّلاةِ حَتّى نَكُونَ قَدْ وفَّيْنا كُلَّ واحِدٍ مِنَ الذِّكْرَيْنِ حَظَّهُ مِنَ الفائِدَةِ ولا يَكُونُ تَكْرارًا. وأيْضًا فَإنَّ قَوْلَهُ: ﴿فاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ المَشْعَرِ الحَرامِ﴾ هو أمْرٌ يَقْتَضِي الإيجابَ، والذِّكْرُ المَفْعُولُ بِجَمْعٍ لَيْسَ بِواجِبٍ عِنْدَ الجَمِيعِ ومَتى حُمِلَ عَلى فِعْلِ صَلاةِ المَغْرِبِ بِجَمْعٍ كانَ مَحْمُولًا عَلى مُقْتَضاهُ مِنَ الوُجُوبِ، فَوَجَبَ حَمْلُهُ عَلَيْهِ. وقَدِ اخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ في الوُقُوفِ بِالمُزْدَلِفَةِ، هَلْ هو مِن فُرُوضِ الحَجِّ أمْ لا، فَقالَ قائِلُونَ: " هو مِن فُرُوضِ الحَجِّ ومَن فاتَهُ فَلا حَجَّ لَهُ كَمَن فاتَهُ الوُقُوفُ بِعَرَفَةَ " (p-٣٩١)وقالَ جُمْهُورُ أهْلِ العِلْمِ: " حَجُّهُ تامٌّ ولا يُفْسِدُهُ تَرْكُ الوُقُوفِ بِالمُزْدَلِفَةِ " . واحْتَجَّ مَن لَمْ يَجْعَلْهُ مِن فُرُوضِهِ بِما رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ في حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَعْمُرَ الدِّيلِيِّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «الحَجُّ عَرَفَةُ فَمَن وقَفَ قَبْلَ أنْ يَطْلُعَ الفَجْرُ فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ» وقالَ في بَعْضِ الأخْبارِ: «مَن أدْرَكَ عَرَفَةَ فَقَدْ أدْرَكَ الحَجَّ، ومَن فاتَهُ عَرَفَةُ فَقَدْ فاتَهُ الحَجُّ» فَحَكَمَ بِصِحَّةِ حَجِّهِ بِإدْراكِ عَرَفَةَ ولَمْ يَشْتَرِطْ مَعَهُ الوُقُوفَ بِجَمْعِ ويَدُلُّ عَلَيْهِ ما رَوى ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ عُمَرَ ونَقَلَهُ النّاسُ، قائِلِينَ لَهُ: «إنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَدَّمَ ضَعَفَةَ أهْلِهِ بِلَيْلٍ وفي بَعْضِ الأخْبارِ ضَعَفَةَ النّاسِ مِن المُزْدَلِفَةِ لَيْلًا وقالَ لَهم: لا تَرْمُوا جَمْرَةَ العَقَبَةِ حَتّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ» فَلَوْ كانَ الوُقُوفُ بِها فَرْضًا لَما رَخَّصَ لَهم في تَرْكِهِ لِلضَّعْفِ، كَما لا يُرَخِّصُ في الوُقُوفِ بِعَرَفَةَ لِأجْلِ الضَّعْفِ. فَإنْ قِيلَ: لِأنَّهم كانُوا وقَفُوا لَيْلًا وهو وقْتُ الوُقُوفِ بِها، ورَوى سالِمُ بْنُ عُمَرَ وهو أحَدُ مَن رَوى حَدِيثَ تَقْدِيمِ ضَعَفَةِ النّاسِ مِنَ المُزْدَلِفَةِ: فَكانَ يُقَدِّمُ ضَعَفَةَ أهْلِهِ مِنَ المُزْدَلِفَةِ فَيَقِفُونَ عِنْدَ المَشْعَرِ الحَرامِ بِلَيْلٍ، فَيَذْكُرُونَ ما بَدا لَهم ثُمَّ يَدْفَعُونَ قِيلَ لَهُ: وقْتُ الوُقُوفِ بِها بَعْدَ طُلُوعِ الفَجْرِ، وقَدْ نَقَلَ النّاسُ وُقُوفَ النَّبِيِّ ﷺ بِها بَعْدَ طُلُوعِ الفَجْرِ ولَمْ يَأْمُرِ النَّبِيُّ ﷺ ضَعَفَةَ أهْلِهِ بِالوُقُوفِ حِينَ عَجَّلَهم مِنها لَيْلًا، ولَوْ كانَ ذَلِكَ وقْتَ الوُقُوفِ لَأمَرَهم بِهِ، ولَمْ يُرَخِّصْ لَهم في تَرْكِهِ مَعَ إمْكانِهِ مِن غَيْرِ عُذْرٍ؛ وما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ فَإنَّما هو مِن فِعْلِهِ لَيْسَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ولَمْ يَقُلِ ابْنُ عُمَرَ أيْضًا: إنَّ هَذا وقْتُ الوُقُوفِ، وإنَّما كانَ ذَلِكَ عَلى وجْهِ الِاسْتِحْبابِ لِلذِّكْرِ قَبْلَ الرُّجُوعِ إلى مِنًى. ويَدُلُّ عَلى أنَّ وقْتَ الوُقُوفِ بَعْدَ طُلُوعِ الفَجْرِ أنّا وجَدْنا سائِرَ أفْعالِ المَناسِكِ إنَّما وقْتُها بِالنَّهارِ، واللَّيْلُ يَدْخُلُ فِيهِ عَلى وجْهِ التَّبَعِ عَلى ما بَيَّنّا. واحْتَجَّ مَن جَعَلَ الوُقُوفَ بِها فَرْضًا بِظاهِرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإذا أفَضْتُمْ مِن عَرَفاتٍ فاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ المَشْعَرِ الحَرامِ﴾ فَظاهِرُهُ يَقْتَضِي الوُجُوبَ. ويَحْتَجُّونَ أيْضًا بِحَدِيثِ مُطْرَفِ بْنِ طَرِيفٍ عَنْ الشَّعْبِيِّ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ مُضَرَّسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «مَن أدْرَكَ جَمْعًا، والإمامُ واقِفٌ فَوَقَفَ مَعَ الإمامِ ثُمَّ أفاضَ مَعَ النّاسِ فَقَدْ أدْرَكَ الحَجَّ، ومَن لَمْ يُدْرِكْ فَلا حَجَّ لَهُ»، وبِما رَوى يَعْلى بْنُ عُبَيْدٍ قالَ: حَدَّثَنا سُفْيانُ عَنْ بُكَيْرِ بْنِ عَطاءٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَعْمُرَ الدِّيلِيِّ قالَ: «رَأيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ واقِفًا بِعَرَفاتٍ، فَأقْبَلَ ناسٌ مِن أهْلِ نَجْدٍ فَسَألُوهُ عَنِ الحَجِّ، فَقالَ: الحَجُّ يَوْمُ عَرَفَةَ ومَن أدْرَكَ جَمْعًا قَبْلَ الصُّبْحِ فَقَدْ أدْرَكَ الحَجَّ» . فَأمّا قَوْلُهُ: ﴿فاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ المَشْعَرِ الحَرامِ﴾ فَلا دَلالَةَ فِيهِ عَلى ما ذَكَرُوا وذَلِكَ لِأنَّهُ أمَرَ بِالذِّكْرِ، وقَدِ اتَّفَقَ الجَمِيعُ عَلى أنَّ الذِّكْرَ هُناكَ (p-٣٩٢)غَيْرُ مَفْرُوضٍ، فَإنَّ تَرْكَهُ لا يُوجِبُ نَقْصًا في الحَجِّ، ولَيْسَ لِلْوُقُوفِ ذِكْرٌ في الآيَةِ، فَسَقَطَ الِاحْتِجاجُ بِهِ، ومَعَ ذَلِكَ فَقَدْ بَيَّنّا أنَّ المُرادَ بِهَذا الذِّكْرِ هو فِعْلُ صَلاةِ المَغْرِبِ هُناكَ. وأمّا حَدِيثُ مُطْرَفِ بْنِ طَرِيفٍ عَنْ الشَّعْبِيِّ، فَإنَّهُ قَدْ رَواهُ خَمْسَةٌ مِنَ الرُّواةِ غَيْرُ مُطْرَفٍ، مِنهم زَكَرِيّا بْنُ أبِي زائِدَةَ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أبِي السَّفَرِ وسَيّارُ وغَيْرُهم عَنْ الشَّعْبِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ذَكَرُوا فِيهِ أنَّهُ قالَ: «مَن صَلّى مَعَنا هَذِهِ الصَّلاةَ ووَقَفَ مَعَنا هَذا المَوْقِفَ وأفاضَ قَبْلَ ذَلِكَ مِن عَرَفَةَ لَيْلًا، أوْ نَهارًا فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ وقَضى تَفَثَهُ» ولَمْ يَذْكُرْ مِنهم أحَدٌ أنَّهُ قالَ فَلا حَجَّ لَهُ. ومَعَ ذَلِكَ فَقَدِ اتَّفَقُوا أنَّ تَرْكَ الصَّلاةِ هُناكَ لا يُفْسِدُ الحَجَّ، وقَدْ ذَكَرَها النَّبِيُّ ﷺ فَكَذَلِكَ الوُقُوفُ. وقَوْلُهُ: " فَلا حَجَّ لَهُ " يَحْتَمِلُ أنْ يُرِيدَ بِهِ نَفْيَ الفَضْلِ لا نَفْيَ الأصْلِ، كَما قالَ ﷺ: «لا وُضُوءَ لِمَن لَمْ يَذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ»، وكَما رَوى عُمَرُ «مَن قَدَّمَ نَفْلَهُ فَلا حَجَّ لَهُ» . وأمّا حَدِيثُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَعْمُرَ الدِّيلِيِّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فَإنَّهُ قَدْ رَوى هَذا الحَدِيثَ مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ عَنْ سُفْيانَ عَنْ بُكَيْرِ بْنِ عَطاءٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَعْمُرَ الدِّيلِيِّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وقالَ فِيهِ: «مَن وقَفَ قَبْلَ أنْ يَطْلُعَ الفَجْرُ فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ» فَعَلِمْنا أنَّ المُرادَ بِذَلِكَ الوُقُوفُ بِعَرَفَةَ في شَرْطِ إدْراكِ الحَجِّ، وأنَّ رِوايَةَ مَن رَوى «مَن أدْرَكَ جَمْعًا قَبْلَ الصُّبْحِ» وهْمٌ، وكَيْفَ لا يَكُونُ وهْمًا وقَدْ نَقَلَتِ الأُمَّةُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وُقُوفَهُ بِها بَعْدَ طُلُوعِ الفَجْرِ ولَمْ يُرْوَ عَنْهُ أنَّهُ أمَرَ أحَدًا بِالوُقُوفِ بِها لَيْلًا ؟ ومَعَ ذَلِكَ فَقَدْ عارَضَتْهُ الأخْبارُ الصَّحِيحَةُ الَّتِي رُوِيَتْ مِن قَوْلِهِ: «مَن صَلّى مَعَنا هَذِهِ الصَّلاةَ ثُمَّ وقَفَ مَعَنا هَذا المَوْقِفَ» وسائِرُ أخْبارِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَعْمَرَ أنَّهُ قالَ: «مَن أدْرَكَ عَرَفَةَ فَقَدْ أدْرَكَ الحَجَّ وقَدْ تَمَّ حَجُّهُ، ومَن فاتَهُ عَرَفَةُ فَقَدْ فاتَهُ الحَجُّ» وذَلِكَ يَنْفِي رِوايَةَ مَن شَرَطَ مَعَهُ الوُقُوفَ بِالمُزْدَلِفَةِ، وأظُنُّ الأصَمَّ وابْنَ عُلَيَّةَ القائِلَيْنِ بِهَذِهِ المَقالَةِ. واحْتَجُّوا فِيهِ مِن طَرِيقِ النَّظَرِ، بِأنَّهُ لَمّا كانَ في الحَجِّ وُقُوفانِ واتَّفَقْنا عَلى فَرْضِيَّةِ أحَدِهِما وهو الوُقُوفُ بِعَرَفَةَ، وجَبَ أنْ يَكُونَ الآخَرُ فَرْضًا؛ لِأنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ ذَكَرَهُما في القُرْآنِ؛ كَما أنَّهُ لَمّا ذَكَرَ الرُّكُوعَ، والسُّجُودَ كانا فَرْضَيْنِ في الصَّلاةِ. فَيُقالُ لَهُ: أمّا قَوْلُكَ " إنَّهُما لَمّا كانا مَذْكُورَيْنِ في القُرْآنِ كانا فَرْضَيْنِ " فَإنَّهُ غَلَطٌ فاحِشٌ؛ لِأنَّهُ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ كُلُّ مَذْكُورٍ في القُرْآنِ فَرْضًا، وهَذا خُلْفٌ مِنَ القَوْلِ. وعَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمْ يَذْكُرِ الوُقُوفَ وإنَّما قالَ: ﴿فاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ المَشْعَرِ الحَرامِ﴾ والذِّكْرُ لَيْسَ بِمَفْرُوضٍ عِنْدَ الجَمِيعِ، فَكَيْفَ يَكُونُ الوُقُوفُ فَرْضًا ؟ فالِاحْتِجاجُ بِهِ مِن هَذا الوَجْهِ ساقِطٌ. فَإنْ كانَ أوْجَبَهُ قِياسًا عَلى الوُقُوفِ بِعَرَفَةَ، فَإنَّهُ يُطالَبُ (p-٣٩٣)بِالدَّلالَةِ عَلى صِحَّةِ العِلَّةِ المُوجِبَةِ لِهَذا القِياسِ، وذَلِكَ مَعْدُومٌ؛ ويُقالُ لَهُ: ألَيْسَ قَدْ طافَ النَّبِيُّ ﷺ حِينَ قَدِمَ مَكَّةَ وسَعى، ثُمَّ طافَ أيْضًا يَوْمَ النَّحْرِ وطافَ لِلصَّدْرِ وأمَرَ بِهِ ؟ فَهَلْ وجَبَ أنْ يَكُونَ لِهَذا الطَّوافِ كُلِّهِ حُكْمٌ واحِدٌ في بابِ الإيجابِ ؟ فَإذا جازَ أنْ يَكُونَ بَعْضُ الطَّوافِ نَدْبًا وبَعْضُهُ واجِبًا، فَما يُنْكَرُ أنْ يَكُونَ حُكْمُ الوُقُوفِ كَذَلِكَ فَيَكُونُ بَعْضُهُ نَدْبًا وبَعْضُهُ واجِبًا ؟ .

البقرة 2:199

بابُ التِّجارَةِ في الحَجِّ قالَ اللَّهُ عَقِيبَ ذِكْرِ الحَجِّ، والتَّزَوُّدِ لَهُ: ﴿لَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ أنْ تَبْتَغُوا فَضْلا مِن رَبِّكُمْ﴾ يَعْنِي المُخاطَبِينَ بِأوَّلِ الآيَةِ وهُمُ المَأْمُورُونَ بِالتَّزَوُّدِ لِلْحَجِّ وأباحَ لَهُمُ التِّجارَةَ فِيهِ ورَوى أبُو يُوسُفَ عَنِ العَلاءِ بْنِ السّائِبِ عَنْ أبِي أُمامَةَ قالَ: قُلْتُ لِابْنِ عُمَرَ: إنِّي رَجُلٌ أكْرِي الإبِلَ إلى مَكَّةَ أفَيُجْزِي مِن حَجَّتِي ؟ قالَ: ألَسْتَ تُلَبِّي فَتَقِفُ وتَرْمِي الجِمارَ ؟ قُلْتُ: بَلى. قالَ: «سَألَ رَجُلٌ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ مِثْلِ ما سَألْتَنِي، فَلَمْ يُجِبْهُ حَتّى أنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿لَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ أنْ تَبْتَغُوا فَضْلا مِن رَبِّكُمْ﴾ فَقالَ ﷺ: أنْتُمْ حاجٌّ» . وقالَ عَمْرُو بْنُ دِينارٍ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانَتْ ذُو المَجازِ وعُكاظٌ مَتْجَرًا لِلنّاسِ في الجاهِلِيَّةِ، فَلَمّا كانَ الإسْلامُ تَرَكُوا حَتّى نَزَلَتْ: ﴿لَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ أنْ تَبْتَغُوا فَضْلا مِن رَبِّكُمْ﴾ في مَواسِمِ الحَجِّ. ورَوى سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: أتانِي رَجُلٌ فَقالَ: إنِّي آجَرْتُ نَفْسِي مِن قَوْمٍ عَلى أنْ أخْدُمَهم ويَحُجُّونَ بِي، فَهَلْ لِي مِن حَجٍّ ؟ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هَذا مِنَ الَّذِينَ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿لَهم نَصِيبٌ مِمّا كَسَبُوا﴾ [البقرة: ٢٠٢] ورُوِيَ نَحْوُ ذَلِكَ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ التّابِعِينَ، مِنهُمُ الحَسَنُ وعَطاءٌ ومُجاهِدٌ وقَتادَةُ، ولا نَعْلَمُ أحَدًا رُوِيَ عَنْهُ خِلافُ ذَلِكَ إلّا شَيْئًا رَواهُ سُفْيانُ الثَّوْرِيُّ عَنْ عَبْدِ الكَرِيمِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قالَ: سَألَهُ رَجُلٌ أعْرابِيٌّ فَقالَ: إنِّي أكْرِي إبِلِي وأنا أُرِيدُ الحَجَّ، أفَيَجْزِينِي ؟ قالَ: لا، ولا كَرامَةَ. وهَذا قَوْلٌ شاذٌّ خِلافُ ما عَلَيْهِ الجُمْهُورُ وخِلافُ ظاهِرِ الكِتابِ في قَوْلِهِ: ﴿لَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ أنْ تَبْتَغُوا فَضْلا مِن رَبِّكُمْ﴾ فَهَذا في شَأْنِ الحاجِّ؛ لِأنَّ أوَّلَ الخِطابِ فِيهِمْ، وسائِرُ ظَواهِرِ الآيِ المُبِيحَةِ لِذَلِكَ دالَّةٌ عَلى مِثْلِ ما دَلَّتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الآيَةُ نَحْوُ قَوْلِهِ: ﴿وآخَرُونَ يَضْرِبُونَ في الأرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ اللَّهِ﴾ [المزمل: ٢٠] وقَوْلُهُ: ﴿وأذِّنْ في النّاسِ بِالحَجِّ يَأْتُوكَ رِجالا وعَلى كُلِّ ضامِرٍ﴾ [الحج: ٢٧] إلى قَوْلِهِ: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنافِعَ لَهُمْ﴾ [الحج: ٢٨] ولَمْ يُخَصِّصْ شَيْئًا مِنَ المَنافِعِ دُونَ غَيْرِها، فَهو عامٌّ في جَمِيعِها مِن مَنافِعِ الدُّنْيا، والآخِرَةِ وقالَ تَعالى: ﴿وأحَلَّ اللَّهُ البَيْعَ وحَرَّمَ الرِّبا﴾ [البقرة: ٢٧٥] ولَمْ يُخَصِّصْ مِنهُ حالَ الحَجِّ. وجَمِيعُ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلى أنَّ الحَجَّ لا يَمْنَعُ التِّجارَةَ، وعَلى هَذا أمْرُ النّاسِ مِن عَصْرِ النَّبِيِّ ﷺ إلى يَوْمِنا هَذا في مَواسِمِ مِنًى ومَكَّةَ في أيّامِ الحَجِّ؛ واللَّهُ أعْلَمُ * * بابُ الوُقُوفِ بِعَرَفَةَ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿فَإذا أفَضْتُمْ مِن عَرَفاتٍ فاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ المَشْعَرِ الحَرامِ﴾ قالَ أبُو بَكْرٍ: (p-٣٨٧)قَدْ دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ مَناسِكَ الحَجِّ الوُقُوفُ بِعَرَفَةَ، ولَيْسَ في ظاهِرِهِ دَلالَةٌ عَلى أنَّهُ مِن فُرُوضِهِ، فَلَمّا قالَ في سِياقِ الخِطابِ: ﴿ثُمَّ أفِيضُوا مِن حَيْثُ أفاضَ النّاسُ﴾ أبانَ بِذَلِكَ عَنْ فَرْضِ الوُقُوفِ ولُزُومِهِ وذَلِكَ لِأنَّ أمْرَهُ بِالإفاضَةِ مُقْتَضٍ لِلْوُجُوبِ، ولا تَكُونُ الإفاضَةُ فَرْضًا إلّا والكَوْنُ بِها فَرْضًا حَتّى يُفِيضَ مِنها؛ إذْ لا يُتَوَصَّلُ إلى الإفاضَةِ إلّا بِكَوْنِهِ قَبْلَها هُناكَ. وقَدِ اخْتُلِفَ في تَأْوِيلِ قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ أفِيضُوا مِن حَيْثُ أفاضَ النّاسُ﴾ فَرُوِيَ عَنْ عائِشَةَ وابْنِ عَبّاسٍ وعَطاءٍ والحَسَنِ ومُجاهِدٍ وقَتادَةَ والسُّدِّيِ: أنَّهُ أرادَ الإفاضَةَ مِن عَرَفَةَ، قالُوا: وذَلِكَ؛ «لِأنَّ قُرَيْشًا ومَن دانَ دِينَها يُقالُ لَهم الحُمْسُ كانُوا يَقِفُونَ بِالمُزْدَلِفَةِ ويَقِفُ سائِرُ العَرَبِ بِعَرَفاتٍ، فَلَمّا جاءَ الإسْلامُ أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى عَلى نَبِيِّهِ: ﴿ثُمَّ أفِيضُوا مِن حَيْثُ أفاضَ النّاسُ﴾ فَأمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قُرَيْشًا ومَن دانَ دِينَها أنْ يَأْتُوا عَرَفاتٍ فَيَقِفُوا بِها مَعَ النّاسِ ويُفِيضُوا مِن حَيْثُ أفاضَ النّاسُ» . وحُكِيَ عَنِ الضَّحّاكِ أنَّهُ أرادَ بِهِ الوُقُوفَ بِالمُزْدَلِفَةِ وأنْ يُفِيضُوا مِن حَيْثُ أفاضَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ. وقِيلَ: إنَّهُ إنَّما قالَ: " النّاسُ " وأرادَ إبْراهِيمُ وحْدَهُ، كَما قالَ تَعالى: ﴿الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النّاسُ﴾ [آل عمران: ١٧٣] وكانَ رَجُلًا واحِدًا. ولِأنَّ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمّا كانَ الإمامَ المُقْتَدى بِهِ سَمّاهُ اللَّهُ تَعالى أُمَّةً كانَ بِمَنزِلَةِ الأُمَّةِ الَّتِي تَتَّبِعُ سُنَّتَهُ، جازَ إطْلاقُ اسْمِ النّاسِ، والمُرادُ بِهِ هو وحْدَهُ. والتَّأْوِيلُ الأوَّلُ هو الصَّحِيحُ لِاتِّفاقِ السَّلَفِ عَلَيْهِ، والضَّحّاكُ لا يُزاحِمُ بِهِ هَؤُلاءِ، فَهو قَوْلٌ شاذٌّ. وإنَّما ذَكَرَ النّاسَ هاهُنا وأمَرَ قُرَيْشًا بِالإفاضَةِ مِن حَيْثُ أفاضَ النّاسُ؛ لِأنَّهم كانُوا أعْظَمَ النّاسِ، وكانَتْ قُرَيْشٌ ومَن دانَ دِينَها قَلِيلَةً بِالإضافَةِ إلَيْهِمْ؛ فَلِذَلِكَ قالَ: ﴿مِن حَيْثُ أفاضَ النّاسُ﴾ فَإنْ قِيلَ: لَمّا قالَ: ﴿فَإذا أفَضْتُمْ مِن عَرَفاتٍ﴾ ثُمَّ عَقَّبَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ أفِيضُوا مِن حَيْثُ أفاضَ النّاسُ﴾ و" ثُمَّ " يَقْتَضِي التَّرْتِيبَ لا مَحالَةَ، عَلِمْنا أنَّ هَذِهِ الإفاضَةَ هي بَعْدَ الإفاضَةِ مِن عَرَفاتٍ، ولَيْسَ بَعْدَها إفاضَةٌ إلّا مِنَ المُزْدَلِفَةِ وهي المَشْعَرُ الحَرامُ، فَكانَ حَمْلُهُ عَلى ذَلِكَ، أوْلى مِنهُ عَلى الإفاضَةِ مِن عَرَفَةَ؛ ولِأنَّ الإفاضَةَ مِن عَرَفَةَ قَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُها فَلا وجْهَ لِإعادَتِها. قِيلَ لَهُ: إنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ أفِيضُوا مِن حَيْثُ أفاضَ النّاسُ﴾ عائِدٌ إلى أوَّلِ الكَلامِ، وهو الخِطابُ بِذِكْرِ الحَجِّ وتَعْلِيمِ مَناسِكِهِ وأفْعالِهِ، فَكَأنَّهُ قالَ: " يا أيُّها المَأْمُورُونَ بِالحَجِّ مِن قُرَيْشٍ بَعْدَ ما تَقَدَّمَ ذِكْرُنا لَهُ أفِيضُوا مِن حَيْثُ أفاضَ النّاسُ " فَيَكُونُ ذَلِكَ راجِعًا إلى صِلَةِ خِطابِ المَأْمُورِينَ، وهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ آتَيْنا مُوسى الكِتابَ تَمامًا عَلى الَّذِي أحْسَنَ﴾ [الأنعام: ١٥٤] والمَعْنى: بَعْدَ ما ذَكَرْنا لَكم أخْبَرْنا كَمْ أنّا آتَيْنا مُوسى (p-٣٨٨)الكِتابَ تَمامًا عَلى الَّذِي أحْسَنَ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ " ثُمَّ " بِمَعْنى " الواوِ " فَيَكُونُ تَقْدِيرُهُ: وأفِيضُوا مِن حَيْثُ أفاضَ النّاسُ؛ كَما قالَ تَعالى: ﴿ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البلد: ١٧] مَعْناهُ: وكانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا، وقَوْلُهُ: ﴿ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلى ما يَفْعَلُونَ﴾ [يونس: ٤٦] مَعْناهُ: واللَّهُ شَهِيدٌ. فَإذا كانَ ذَلِكَ سائِغًا في اللُّغَةِ ثُمَّ رُوِيَ عَنِ السَّلَفِ ما ذَكَرْنا، لَمْ يَجُزِ العُدُولُ عَنْهُ إلى غَيْرِهِ. وأمّا قَوْلُكَ " إنَّ ذِكْرَ عَرَفاتٍ قَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿فَإذا أفَضْتُمْ مِن عَرَفاتٍ﴾ فَلا يَكُونُ لِقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ أفِيضُوا مِن حَيْثُ أفاضَ النّاسُ﴾ وجْهٌ " فَلَيْسَ كَذَلِكَ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ ﴿فَإذا أفَضْتُمْ مِن عَرَفاتٍ﴾ لا دَلالَةَ فِيهِ عَلى إيجابِ الوُقُوفِ، وقَوْلَهُ: ﴿ثُمَّ أفِيضُوا مِن حَيْثُ أفاضَ النّاسُ﴾ هو أمْرٌ لِمَن لَمْ يَكُنْ يَقِفُ بِعَرَفَةَ مِن قُرَيْشٍ فَقَدْ أفادَ بِهِ مِن إيجابِ الوُقُوفِ ما لَمْ يَتَضَمَّنْهُ قَوْلُهُ: ﴿فَإذا أفَضْتُمْ مِن عَرَفاتٍ﴾ إذْ لا دَلالَةَ في قَوْلِهِ: ﴿فَإذا أفَضْتُمْ مِن عَرَفاتٍ﴾ عَلى فَرْضِ الوُقُوفِ. ومَعَ ذَلِكَ فَلَوِ اقْتُصِرَ عَلى قَوْلِهِ: ﴿فَإذا أفَضْتُمْ مِن عَرَفاتٍ﴾ لَكانَ جائِزًا أنْ يَظُنَّ ظانٌّ أنَّهُ خِطابٌ لِمَن كانَ يَقِفُ بِها دُونَ مَن لَمْ يَكُنْ يَرى الوُقُوفَ بِها، فَيَكُونُ التّارِكُونَ لِلْوُقُوفِ عَلى جُمْلَةِ أمْرِهِمْ في الوُقُوفِ بِالمُزْدَلِفَةِ دُونَ عَرَفاتٍ، فَأبْطَلَ ظَنَّ الظّانِّ لِذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ أفِيضُوا مِن حَيْثُ أفاضَ النّاسُ﴾ واتَّفَقَتِ الأُمَّةُ مَعَ ذَلِكَ عَلى أنَّ تارِكَ الوُقُوفِ بِعَرَفَةَ لا حَجَّ لَهُ، ونَقَلَتْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَوْلًا وعَمَلًا. ورَوى بُكَيْرُ بْنُ عَطاءٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَعْمَرَ الدِّيلِيِّ قالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: كَيْفَ الحَجُّ ؟ قالَ: «الحَجُّ يَوْمُ عَرَفَةَ، مَن جاءَ عَرَفَةَ لَيْلَةَ جَمْعٍ قَبْلَ الصُّبْحِ، أوْ يَوْمَ جَمْعٍ فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ» . ورَوى الشَّعْبِيُّ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ مُضْرِسٍ الطّائِيِّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ بِالمُزْدَلِفَةِ: «مَن صَلّى مَعَنا هَذِهِ الصَّلاةَ ووَقَفَ مَعَنا هَذا المَوْقِفَ وقَدْ وقَفَ بِعَرَفَةَ قَبْلَ ذَلِكَ لَيْلًا، أوْ نَهارًا فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ وقَضى تَفَثَهُ» . وقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ عُمَرَ، وابْنِ الزُّبَيْرِ وجابِرٍ: " إذا وقَفَ قَبْلَ طُلُوعِ الفَجْرِ فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ "، والفُقَهاءُ مُجْمِعُونَ عَلى ذَلِكَ وقَدِ اخْتَلَفَ الفُقَهاءُ في مَن لَمْ يَقِفْ بِعَرَفَةَ لَيْلًا، فَقالَ سائِرُهم: إذا وقَفَ نَهارًا فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ، وإنْ دَفَعَ مِنها قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ فَعَلَيْهِ دَمٌ عِنْدَ أصْحابِنا إنْ لَمْ يَرْجِعْ قَبْلَ الإمامِ، وقالَ مالِكُ بْنُ أنَسٍ: " إنْ لَمْ يَرْجِعْ حَتّى طَلَعَ الفَجْرُ بَطَلَ حَجُّهُ " وأصْحابَهُ يَزْعُمُونَ أنَّهُ قالَ ذَلِكَ؛ لِأنَّ مَذْهَبَهُ أنَّ فَرْضَ الوُقُوفِ بِاللَّيْلِ دُونَ النَّهارِ، وأنَّ الوُقُوفَ نَهارًا غَيْرُ مَفْرُوضٍ وإنَّما هو مَسْنُونٌ. ورُوِيَ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ أنَّ مَن دَفَعَ مِن عَرَفاتٍ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ فَسَدَ حَجُّهُ، والدَّلِيلُ عَلى صِحَّةِ القَوْلِ الأوَّلِ قَوْلُهُ ﷺ في حَدِيثِ عُرْوَةَ بْنِ مُضَرِّسٍ «وأفاضَ مِن عَرَفَةَ قَبْلَ ذَلِكَ لَيْلًا، أوْ نَهارًا فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ وقَضى تَفَثَهُ» فَحَكَمَ بِصِحَّةِ (p-٣٨٩)حَجِّهِ وإتْمامِهِ بِوُقُوفِهِ في أحَدِ الوَقْتَيْنِ مِن لَيْلٍ، أوْ نَهارٍ. ويَدُلُّ عَلَيْهِ أيْضًا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ أفِيضُوا مِن حَيْثُ أفاضَ النّاسُ﴾ و ( حَيْثُ ) اسْمٌ لِلْمَوْضِعِ، وهو عَرَفاتٌ، فَكانَ بِمَنزِلَةِ قَوْلِهِ: أفِيضُوا مِن عَرَفاتٍ ولَمْ يُخَصِّصْهُ بِلَيْلٍ ولا نَهارٍ، ولَيْسَ فِيهِ ذِكْرٌ لِلْوَقْتِ، فاقْتَضى ذَلِكَ جَوازَهُ في أيِّ وقْتٍ وقَفَ فِيهِ. ويَدُلُّ عَلَيْهِ مِن جِهَةِ النَّظَرِ أنّا وجَدْنا سائِرَ المَناسِكِ ابْتِداؤُها بِالنَّهارِ، وإنَّما يَدْخُلُ فِيهِ اللَّيْلُ تَبَعًا، ولَمْ نَجِدْ شَيْئًا مِنها يَخْتَصُّ بِاللَّيْلِ حَتّى لا يَصِحَّ فِعْلُهُ في غَيْرِهِ فَقَوْلُ مَن جَعَلَ فَرْضَ الوُقُوفِ بِاللَّيْلِ خارِجٌ عَنِ الأُصُولِ، ألا تَرى أنَّ طَوافَ الزِّيارَةِ، والوُقُوفَ بِالمُزْدَلِفَةِ، والرَّمْيَ، والذَّبْحَ، والحَلْقَ كُلُّ ذَلِكَ مَفْعُولٌ بِالنَّهارِ ؟ وإنَّما يُفْعَلُ بِاللَّيْلِ عَلى أنَّهُ يُؤَخَّرُ عَنْ وقْتِهِ عَلى وجْهِ التَّبَعِ لِلنَّهارِ، فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ حُكْمَ الوُقُوفِ بِعَرَفَةَ وأيْضًا قَدْ نَقَلَتِ الأُمَّةُ وُقُوفَ النَّبِيِّ ﷺ نَهارًا إلى يَوْمِنا هَذا، وأنَّهُ دَفَعَ مِنها عِنْدَ سُقُوطِ الفَرْضِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ وقْتَ الوُقُوفِ هو النَّهارُ، ووَقْتَ الغُرُوبِ هو الدَّفْعُ، فاسْتَحالَ أنْ يَكُونَ الدَّفْعُ هو وقْتَ الفَرْضِ، ووَقْتُ الوُقُوفِ لا يَكُونُ وقْتًا لِلْفَرْضِ. وأيْضًا لَمّا قِيلَ يَوْمُ عَرَفَةَ " ونُقِلَتْ هَذِهِ التَّسْمِيَةُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ في أخْبارٍ كَثِيرَةٍ، مِنها: «إنَّ اللَّهَ تَعالى يُباهِي مَلائِكَتَهُ يَوْمَ عَرَفَةَ» ومِنها: «إنَّ صِيامَ يَوْمِ عَرَفَةَ يَعْدِلُ صِيامَ سَنَةٍ» ولِذَلِكَ أطْلَقَتِ الأُمَّةُ ذَلِكَ عَلَيْهِ، دَلَّ عَلى أنَّ النَّهارَ وقْتُ الفَرْضِ فِيهِ، وأنَّ الوُقُوفَ لَيْلًا إنَّما يَفْعَلُهُ مَن وقَفَ فائِتًا؛ ألا تَرى أنَّهُ لَمّا قِيلَ: " يَوْمُ الجُمُعَةِ، ويَوْمُ الأضْحى، ويَوْمُ الفِطْرِ " كانَتْ هَذِهِ الأفْعالُ واقِعَةً في هَذِهِ الأيّامِ نَهارًا ولِذَلِكَ أُضِيفَتْ إلَيْها ؟ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ فَرْضَ الوُقُوفِ يَوْمَ عَرَفَةَ، وأنَّهُ يُفْعَلُ لَيْلًا عَلى وجْهِ القَضاءِ لِما فاتَهُ، كَما يَرْمِي الجِمارَ لَيْلًا عَلى وجْهِ القَضاءِ لِما فاتَهُ نَهارًا، وكَذَلِكَ الطَّوافُ، والذَّبْحُ، والحَلْقُ واخْتُلِفَ في مَوْضِعِ الوُقُوفِ، فَرَوى جُبَيْرُ بْنُ مُطْعَمٍ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: «كُلُّ عَرَفاتٍ مَوْقِفٌ وارْفَعُوا عَنْ عُرَنَةَ، وكُلُّ مُزْدَلِفَةَ مَوْقِفٌ وارْفَعُوا عَنْ مُحَسِّرٍ» . ورَوى جابِرٌ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «كُلُّ عَرَفَةَ مَوْقِفٌ» . وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: " ارْتَفَعُوا عَنْ وادِي عَرَفَةَ، والمِنبَرِ عَنْ مُسِيلَةَ فَما فَوْقَ ذَلِكَ مَوْقِفٌ " ولَمْ يَخْتَلِفْ رُواةُ الأخْبارِ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ دَفَعَ مِن عَرَفَةَ بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ»؛ وقَدْ رُوِيَ أنَّ أهْلَ الجاهِلِيَّةِ كانُوا يَدْفَعُونَ مِنها إذا صارَتِ الشَّمْسُ عَلى رُءُوسِ الجِبالِ كَأنَّها عَمائِمُ الرِّجالِ في وُجُوهِهِمْ، وأنَّهم كانُوا يَدْفَعُونَ مِن المُزْدَلِفَةِ بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، فَخالَفَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ ودَفَعَ مِن عَرَفاتٍ بَعْدَ الغُرُوبِ ومِنَ المُزْدَلِفَةِ قَبْلَ الطُّلُوعِ. ورَوى سَلَمَةُ بْنُ كُهَيْلٍ عَنِ الحَسَنِ العُرَنِيِّ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «خَطَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ النّاسَ (p-٣٩٠)يَوْمَ عَرَفَةَ فَقالَ: يا أيُّها النّاسُ لَيْسَ البِرُّ في إيجافِ الخَيْلِ ولا في إيضاعِ الإبِلِ ولَكِنْ سَيْرًا حَسَنًا جَمِيلًا، ولا تُوطِئُوا ضَعِيفًا ولا تُؤْذُوا مُسْلِمًا» . ورَوى هِشامُ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ أبِيهِ عَنْ أُسامَةَ بْنِ زَيْدٍ قالَ: «كانَ سَيْرُنا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حِينَ يَدْفَعُ مِن عَرَفاتٍ العَنَقَ، غَيْرَ أنَّهُ كانَ إذا وجَدَ فَجْوَةً نَصَّ» . واللَّهُ أعْلَمُ. * * بابُ الوُقُوفِ بِجُمَعٍ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿فَإذا أفَضْتُمْ مِن عَرَفاتٍ فاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ المَشْعَرِ الحَرامِ﴾ ولَمْ يَخْتَلِفْ أهْلُ العِلْمِ أنَّ المَشْعَرَ الحَرامَ هو المُزْدَلِفَةُ وتُسَمّى جَمْعًا. فَمِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ: إنَّ هَذا الذِّكْرَ هو صَلاةُ المَغْرِبِ، والعِشاءِ اللَّتَيْنِ يُجْمَعُ بَيْنَهُما بِالمُزْدَلِفَةِ، والذِّكْرُ الثّانِي في قَوْلِهِ: ﴿واذْكُرُوهُ كَما هَداكُمْ﴾ هو الذِّكْرُ المَفْعُولُ عِنْدَ الوُقُوفِ بِالمُزْدَلِفَةِ غَداةَ جَمْعٍ، فَيَكُونُ الذِّكْرُ الأوَّلُ غَيْرَ الثّانِي. والصَّلاةُ تُسَمّى ذِكْرًا، قالَ النَّبِيُّ ﷺ: «مَن نامَ عَنْ صَلاةٍ، أوْ نَسِيَها فَلْيُصَلِّها إذا ذَكَرَها وتَلا عِنْدَ ذَلِكَ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وأقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٤]» فَسَمّى الصَّلاةَ ذِكْرًا، فَعَلى هَذا قَدِ اقْتَضَتِ الآيَةُ تَأْخِيرَ صَلاةِ المَغْرِبِ إلى أنْ تُجْمَعَ مَعَ العِشاءِ بِالمُزْدَلِفَةِ. ورُوِيَ عَنْ أُسامَةَ بْنِ زَيْدٍ وكانَ رَدِيفَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِن عَرَفاتٍ إلى المُزْدَلِفَةِ أنَّهُ «قالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ في طَرِيقِ المُزْدَلِفَةِ: الصَّلاةَ فَقالَ: الصَّلاةُ أمامَكَ فَلَمّا أتى المُزْدَلِفَةَ صَلّاها مَعَ العِشاءِ الآخِرَةِ» . والأخْبارُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مُتَواتِرَةٌ فِي جَمْعِ النَّبِيِّ ﷺ بَيْنَ المَغْرِبِ، والعِشاءِ بِالمُزْدَلِفَةِ وقَدِ اخْتُلِفَ في مَن صَلّى المَغْرِبَ قَبْلَ أنْ يَأْتِيَ المُزْدَلِفَةَ فَقالَ أبُو حَنِيفَةَ ومُحَمَّدٌ " لا تُجْزِيهِ " وقالَ أبُو يُوسُفَ: " تُجْزِيهِ " . وظاهِرُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإذا أفَضْتُمْ مِن عَرَفاتٍ فاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ المَشْعَرِ الحَرامِ﴾ إذا كانَ المُرادُ بِهِ الصَّلاةَ يُمْنَعُ جَوازُها قَبْلَهُ، وكَذَلِكَ قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ: «الصَّلاةُ أمامَكَ» وحَمْلُهُ عَلى ذَلِكَ أوْلى مِن حَمْلِهِ عَلى الذِّكْرِ المَفْعُولِ في حالِ الوُقُوفِ بِجَمْعٍ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿واذْكُرُوهُ كَما هَداكُمْ﴾ هو الذِّكْرُ في مَوْقِفِ جَمْعٍ، فَواجِبٌ أنْ نَحْمِلَ الذِّكْرَ الأوَّلَ عَلى الصَّلاةِ حَتّى نَكُونَ قَدْ وفَّيْنا كُلَّ واحِدٍ مِنَ الذِّكْرَيْنِ حَظَّهُ مِنَ الفائِدَةِ ولا يَكُونُ تَكْرارًا. وأيْضًا فَإنَّ قَوْلَهُ: ﴿فاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ المَشْعَرِ الحَرامِ﴾ هو أمْرٌ يَقْتَضِي الإيجابَ، والذِّكْرُ المَفْعُولُ بِجَمْعٍ لَيْسَ بِواجِبٍ عِنْدَ الجَمِيعِ ومَتى حُمِلَ عَلى فِعْلِ صَلاةِ المَغْرِبِ بِجَمْعٍ كانَ مَحْمُولًا عَلى مُقْتَضاهُ مِنَ الوُجُوبِ، فَوَجَبَ حَمْلُهُ عَلَيْهِ. وقَدِ اخْتَلَفَ أهْلُ العِلْمِ في الوُقُوفِ بِالمُزْدَلِفَةِ، هَلْ هو مِن فُرُوضِ الحَجِّ أمْ لا، فَقالَ قائِلُونَ: " هو مِن فُرُوضِ الحَجِّ ومَن فاتَهُ فَلا حَجَّ لَهُ كَمَن فاتَهُ الوُقُوفُ بِعَرَفَةَ " (p-٣٩١)وقالَ جُمْهُورُ أهْلِ العِلْمِ: " حَجُّهُ تامٌّ ولا يُفْسِدُهُ تَرْكُ الوُقُوفِ بِالمُزْدَلِفَةِ " . واحْتَجَّ مَن لَمْ يَجْعَلْهُ مِن فُرُوضِهِ بِما رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ في حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَعْمُرَ الدِّيلِيِّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «الحَجُّ عَرَفَةُ فَمَن وقَفَ قَبْلَ أنْ يَطْلُعَ الفَجْرُ فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ» وقالَ في بَعْضِ الأخْبارِ: «مَن أدْرَكَ عَرَفَةَ فَقَدْ أدْرَكَ الحَجَّ، ومَن فاتَهُ عَرَفَةُ فَقَدْ فاتَهُ الحَجُّ» فَحَكَمَ بِصِحَّةِ حَجِّهِ بِإدْراكِ عَرَفَةَ ولَمْ يَشْتَرِطْ مَعَهُ الوُقُوفَ بِجَمْعِ ويَدُلُّ عَلَيْهِ ما رَوى ابْنُ عَبّاسٍ وابْنُ عُمَرَ ونَقَلَهُ النّاسُ، قائِلِينَ لَهُ: «إنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَدَّمَ ضَعَفَةَ أهْلِهِ بِلَيْلٍ وفي بَعْضِ الأخْبارِ ضَعَفَةَ النّاسِ مِن المُزْدَلِفَةِ لَيْلًا وقالَ لَهم: لا تَرْمُوا جَمْرَةَ العَقَبَةِ حَتّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ» فَلَوْ كانَ الوُقُوفُ بِها فَرْضًا لَما رَخَّصَ لَهم في تَرْكِهِ لِلضَّعْفِ، كَما لا يُرَخِّصُ في الوُقُوفِ بِعَرَفَةَ لِأجْلِ الضَّعْفِ. فَإنْ قِيلَ: لِأنَّهم كانُوا وقَفُوا لَيْلًا وهو وقْتُ الوُقُوفِ بِها، ورَوى سالِمُ بْنُ عُمَرَ وهو أحَدُ مَن رَوى حَدِيثَ تَقْدِيمِ ضَعَفَةِ النّاسِ مِنَ المُزْدَلِفَةِ: فَكانَ يُقَدِّمُ ضَعَفَةَ أهْلِهِ مِنَ المُزْدَلِفَةِ فَيَقِفُونَ عِنْدَ المَشْعَرِ الحَرامِ بِلَيْلٍ، فَيَذْكُرُونَ ما بَدا لَهم ثُمَّ يَدْفَعُونَ قِيلَ لَهُ: وقْتُ الوُقُوفِ بِها بَعْدَ طُلُوعِ الفَجْرِ، وقَدْ نَقَلَ النّاسُ وُقُوفَ النَّبِيِّ ﷺ بِها بَعْدَ طُلُوعِ الفَجْرِ ولَمْ يَأْمُرِ النَّبِيُّ ﷺ ضَعَفَةَ أهْلِهِ بِالوُقُوفِ حِينَ عَجَّلَهم مِنها لَيْلًا، ولَوْ كانَ ذَلِكَ وقْتَ الوُقُوفِ لَأمَرَهم بِهِ، ولَمْ يُرَخِّصْ لَهم في تَرْكِهِ مَعَ إمْكانِهِ مِن غَيْرِ عُذْرٍ؛ وما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ فَإنَّما هو مِن فِعْلِهِ لَيْسَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ولَمْ يَقُلِ ابْنُ عُمَرَ أيْضًا: إنَّ هَذا وقْتُ الوُقُوفِ، وإنَّما كانَ ذَلِكَ عَلى وجْهِ الِاسْتِحْبابِ لِلذِّكْرِ قَبْلَ الرُّجُوعِ إلى مِنًى. ويَدُلُّ عَلى أنَّ وقْتَ الوُقُوفِ بَعْدَ طُلُوعِ الفَجْرِ أنّا وجَدْنا سائِرَ أفْعالِ المَناسِكِ إنَّما وقْتُها بِالنَّهارِ، واللَّيْلُ يَدْخُلُ فِيهِ عَلى وجْهِ التَّبَعِ عَلى ما بَيَّنّا. واحْتَجَّ مَن جَعَلَ الوُقُوفَ بِها فَرْضًا بِظاهِرِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإذا أفَضْتُمْ مِن عَرَفاتٍ فاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ المَشْعَرِ الحَرامِ﴾ فَظاهِرُهُ يَقْتَضِي الوُجُوبَ. ويَحْتَجُّونَ أيْضًا بِحَدِيثِ مُطْرَفِ بْنِ طَرِيفٍ عَنْ الشَّعْبِيِّ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ مُضَرَّسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «مَن أدْرَكَ جَمْعًا، والإمامُ واقِفٌ فَوَقَفَ مَعَ الإمامِ ثُمَّ أفاضَ مَعَ النّاسِ فَقَدْ أدْرَكَ الحَجَّ، ومَن لَمْ يُدْرِكْ فَلا حَجَّ لَهُ»، وبِما رَوى يَعْلى بْنُ عُبَيْدٍ قالَ: حَدَّثَنا سُفْيانُ عَنْ بُكَيْرِ بْنِ عَطاءٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَعْمُرَ الدِّيلِيِّ قالَ: «رَأيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ واقِفًا بِعَرَفاتٍ، فَأقْبَلَ ناسٌ مِن أهْلِ نَجْدٍ فَسَألُوهُ عَنِ الحَجِّ، فَقالَ: الحَجُّ يَوْمُ عَرَفَةَ ومَن أدْرَكَ جَمْعًا قَبْلَ الصُّبْحِ فَقَدْ أدْرَكَ الحَجَّ» . فَأمّا قَوْلُهُ: ﴿فاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ المَشْعَرِ الحَرامِ﴾ فَلا دَلالَةَ فِيهِ عَلى ما ذَكَرُوا وذَلِكَ لِأنَّهُ أمَرَ بِالذِّكْرِ، وقَدِ اتَّفَقَ الجَمِيعُ عَلى أنَّ الذِّكْرَ هُناكَ (p-٣٩٢)غَيْرُ مَفْرُوضٍ، فَإنَّ تَرْكَهُ لا يُوجِبُ نَقْصًا في الحَجِّ، ولَيْسَ لِلْوُقُوفِ ذِكْرٌ في الآيَةِ، فَسَقَطَ الِاحْتِجاجُ بِهِ، ومَعَ ذَلِكَ فَقَدْ بَيَّنّا أنَّ المُرادَ بِهَذا الذِّكْرِ هو فِعْلُ صَلاةِ المَغْرِبِ هُناكَ. وأمّا حَدِيثُ مُطْرَفِ بْنِ طَرِيفٍ عَنْ الشَّعْبِيِّ، فَإنَّهُ قَدْ رَواهُ خَمْسَةٌ مِنَ الرُّواةِ غَيْرُ مُطْرَفٍ، مِنهم زَكَرِيّا بْنُ أبِي زائِدَةَ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أبِي السَّفَرِ وسَيّارُ وغَيْرُهم عَنْ الشَّعْبِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ذَكَرُوا فِيهِ أنَّهُ قالَ: «مَن صَلّى مَعَنا هَذِهِ الصَّلاةَ ووَقَفَ مَعَنا هَذا المَوْقِفَ وأفاضَ قَبْلَ ذَلِكَ مِن عَرَفَةَ لَيْلًا، أوْ نَهارًا فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ وقَضى تَفَثَهُ» ولَمْ يَذْكُرْ مِنهم أحَدٌ أنَّهُ قالَ فَلا حَجَّ لَهُ. ومَعَ ذَلِكَ فَقَدِ اتَّفَقُوا أنَّ تَرْكَ الصَّلاةِ هُناكَ لا يُفْسِدُ الحَجَّ، وقَدْ ذَكَرَها النَّبِيُّ ﷺ فَكَذَلِكَ الوُقُوفُ. وقَوْلُهُ: " فَلا حَجَّ لَهُ " يَحْتَمِلُ أنْ يُرِيدَ بِهِ نَفْيَ الفَضْلِ لا نَفْيَ الأصْلِ، كَما قالَ ﷺ: «لا وُضُوءَ لِمَن لَمْ يَذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ»، وكَما رَوى عُمَرُ «مَن قَدَّمَ نَفْلَهُ فَلا حَجَّ لَهُ» . وأمّا حَدِيثُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَعْمُرَ الدِّيلِيِّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فَإنَّهُ قَدْ رَوى هَذا الحَدِيثَ مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ عَنْ سُفْيانَ عَنْ بُكَيْرِ بْنِ عَطاءٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَعْمُرَ الدِّيلِيِّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وقالَ فِيهِ: «مَن وقَفَ قَبْلَ أنْ يَطْلُعَ الفَجْرُ فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ» فَعَلِمْنا أنَّ المُرادَ بِذَلِكَ الوُقُوفُ بِعَرَفَةَ في شَرْطِ إدْراكِ الحَجِّ، وأنَّ رِوايَةَ مَن رَوى «مَن أدْرَكَ جَمْعًا قَبْلَ الصُّبْحِ» وهْمٌ، وكَيْفَ لا يَكُونُ وهْمًا وقَدْ نَقَلَتِ الأُمَّةُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وُقُوفَهُ بِها بَعْدَ طُلُوعِ الفَجْرِ ولَمْ يُرْوَ عَنْهُ أنَّهُ أمَرَ أحَدًا بِالوُقُوفِ بِها لَيْلًا ؟ ومَعَ ذَلِكَ فَقَدْ عارَضَتْهُ الأخْبارُ الصَّحِيحَةُ الَّتِي رُوِيَتْ مِن قَوْلِهِ: «مَن صَلّى مَعَنا هَذِهِ الصَّلاةَ ثُمَّ وقَفَ مَعَنا هَذا المَوْقِفَ» وسائِرُ أخْبارِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَعْمَرَ أنَّهُ قالَ: «مَن أدْرَكَ عَرَفَةَ فَقَدْ أدْرَكَ الحَجَّ وقَدْ تَمَّ حَجُّهُ، ومَن فاتَهُ عَرَفَةُ فَقَدْ فاتَهُ الحَجُّ» وذَلِكَ يَنْفِي رِوايَةَ مَن شَرَطَ مَعَهُ الوُقُوفَ بِالمُزْدَلِفَةِ، وأظُنُّ الأصَمَّ وابْنَ عُلَيَّةَ القائِلَيْنِ بِهَذِهِ المَقالَةِ. واحْتَجُّوا فِيهِ مِن طَرِيقِ النَّظَرِ، بِأنَّهُ لَمّا كانَ في الحَجِّ وُقُوفانِ واتَّفَقْنا عَلى فَرْضِيَّةِ أحَدِهِما وهو الوُقُوفُ بِعَرَفَةَ، وجَبَ أنْ يَكُونَ الآخَرُ فَرْضًا؛ لِأنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ ذَكَرَهُما في القُرْآنِ؛ كَما أنَّهُ لَمّا ذَكَرَ الرُّكُوعَ، والسُّجُودَ كانا فَرْضَيْنِ في الصَّلاةِ. فَيُقالُ لَهُ: أمّا قَوْلُكَ " إنَّهُما لَمّا كانا مَذْكُورَيْنِ في القُرْآنِ كانا فَرْضَيْنِ " فَإنَّهُ غَلَطٌ فاحِشٌ؛ لِأنَّهُ يَقْتَضِي أنْ يَكُونَ كُلُّ مَذْكُورٍ في القُرْآنِ فَرْضًا، وهَذا خُلْفٌ مِنَ القَوْلِ. وعَلى أنَّ اللَّهَ تَعالى لَمْ يَذْكُرِ الوُقُوفَ وإنَّما قالَ: ﴿فاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ المَشْعَرِ الحَرامِ﴾ والذِّكْرُ لَيْسَ بِمَفْرُوضٍ عِنْدَ الجَمِيعِ، فَكَيْفَ يَكُونُ الوُقُوفُ فَرْضًا ؟ فالِاحْتِجاجُ بِهِ مِن هَذا الوَجْهِ ساقِطٌ. فَإنْ كانَ أوْجَبَهُ قِياسًا عَلى الوُقُوفِ بِعَرَفَةَ، فَإنَّهُ يُطالَبُ (p-٣٩٣)بِالدَّلالَةِ عَلى صِحَّةِ العِلَّةِ المُوجِبَةِ لِهَذا القِياسِ، وذَلِكَ مَعْدُومٌ؛ ويُقالُ لَهُ: ألَيْسَ قَدْ طافَ النَّبِيُّ ﷺ حِينَ قَدِمَ مَكَّةَ وسَعى، ثُمَّ طافَ أيْضًا يَوْمَ النَّحْرِ وطافَ لِلصَّدْرِ وأمَرَ بِهِ ؟ فَهَلْ وجَبَ أنْ يَكُونَ لِهَذا الطَّوافِ كُلِّهِ حُكْمٌ واحِدٌ في بابِ الإيجابِ ؟ فَإذا جازَ أنْ يَكُونَ بَعْضُ الطَّوافِ نَدْبًا وبَعْضُهُ واجِبًا، فَما يُنْكَرُ أنْ يَكُونَ حُكْمُ الوُقُوفِ كَذَلِكَ فَيَكُونُ بَعْضُهُ نَدْبًا وبَعْضُهُ واجِبًا ؟ .

البقرة 2:200

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإذا قَضَيْتُمْ مَناسِكَكم فاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكم آباءَكُمْ﴾ قَضاءُ المَناسِكِ هو فِعْلُها عَلى تَمامٍ، ومِثْلُهُ قَوْلُهُ: ﴿فَإذا قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ فاذْكُرُوا اللَّهَ قِيامًا وقُعُودًا﴾ [النساء: ١٠٣] وقَوْلُهُ: ﴿فَإذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فانْتَشِرُوا في الأرْضِ﴾ [الجمعة: ١٠] ومِنهُ قَوْلُهُ ﷺ: «فَما أدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا، وما فاتَكم فاقْضُوا» يَعْنِي افْعَلُوهُ عَلى التَّمامِ. وقَوْلُهُ: ﴿فاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكم آباءَكُمْ﴾ قَدْ قِيلَ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: الأذْكارُ المَفْعُولَةُ في سائِرِ أحْوالِ المَناسِكِ، كَقَوْلِهِ: ﴿إذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وأحْصُوا العِدَّةَ﴾ [الطلاق: ١] وهو مَأْمُورٌ بِهِ قَبْلَ الطَّلاقِ، عَلى مَجْرى قَوْلِهِمْ: ( إذا حَجَجْتَ فَطُفْ بِالبَيْتِ، وإذا أحْرَمْتَ فاغْتَسِلْ، وإذا صَلَّيْتَ فَتَوَضَّأْ ) وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذا قُمْتُمْ إلى الصَّلاةِ فاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة: ٦] وإنَّما هو قَبْلَ الصَّلاةِ؛ وكَذَلِكَ: ﴿فَإذا قَضَيْتُمْ مَناسِكَكم فاذْكُرُوا اللَّهَ﴾ جائِزٌ أنْ يُرِيدَ الأذْكارَ المَسْنُونَةَ بِعَرَفاتٍ، والمُزْدَلِفَةِ وعِنْدَ الرَّمْيِ، والطَّوافِ. وقِيلَ فِيهِ: إنَّ أهْلَ الجاهِلِيَّةِ كانُوا يَقِفُونَ عِنْدَ قَضاءِ المَناسِكِ فَيَذْكُرُونَ مَآثِرَهم ومَفاخِرَ آبائِهِمْ، فَأبْدَلَهُمُ اللَّهُ بِهِ ذِكْرَهُ وشُكْرَهُ عَلى نِعَمِهِ، والثَّناءَ عَلَيْهِ، فَقالَ النَّبِيُّ ﷺ بِعَرَفاتٍ: «إنَّ اللَّهَ قَدْ أذْهَبَ عَنْكم نَخْوَةَ الجاهِلِيَّةِ وتَعَظُّمَها بِالآباءِ، النّاسُ مِن آدَمَ وآدَمُ مِن تُرابٍ، لا فَضْلَ لِعَرَبِيٍّ عَلى عَجَمِيٍّ إلّا بِالتَّقْوى، ثُمَّ تَلا ﴿يا أيُّها النّاسُ إنّا خَلَقْناكم مِن ذَكَرٍ وأُنْثى وجَعَلْناكم شُعُوبًا وقَبائِلَ لِتَعارَفُوا إنَّ أكْرَمَكم عِنْدَ اللَّهِ أتْقاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣]» فَكانَ خُرُوجُ الكَلامِ عَلى حالٍ لِأهْلِ الجاهِلِيَّةِ في ذِكْرِهِمْ آباءَهم، واللَّهُ أعْلَمُ.

البقرة 2:203

بابُ أيّامِ مِنًى والنَّفْرُ فِيها قالَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿واذْكُرُوا اللَّهَ في أيّامٍ مَعْدُوداتٍ فَمَن تَعَجَّلَ في يَوْمَيْنِ فَلا إثْمَ عَلَيْهِ﴾ قالَ أبُو بَكْرٍ: رَوى سُفْيانُ وشُعْبَةُ عَنْ بُكَيْرِ بْنِ عَطاءٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَعْمُرَ الدِّيلِيِّ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أيّامُ مِنًى ثَلاثَةُ أيّامِ التَّشْرِيقِ، فَمَن تَعَجَّلَ في يَوْمَيْنِ فَلا إثْمَ عَلَيْهِ، ومَن تَأخَّرَ فَلا إثْمَ عَلَيْهِ» . واتَّفَقَ أهْلُ العِلْمِ عَلى أنَّ قَوْلَهُ بَيانٌ لِمُرادِ الآيَةِ في قَوْلِهِ: ﴿أيّامٍ مَعْدُوداتٍ﴾ ولا خِلافَ بَيْنَ أهْلِ العِلْمِ أنَّ المَعْدُوداتِ أيّامُ التَّشْرِيقِ؛ وقَدْ رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ وعُمَرَ (p-٣٩٤)وابْنِ عَبّاسٍ وابْنِ عُمَرَ وغَيْرِهِمْ، إلّا شَيْءٌ رَواهُ ابْنُ أبِي لَيْلى عَنِ المِنهالِ عَنْ زِرٍّ عَنْ عَلِيٍّ قالَ: " المَعْدُوداتُ: يَوْمُ النَّحْرِ ويَوْمانِ بَعْدَهُ واذْبَحْ في أيِّها شِئْتَ " . وقَدْ قِيلَ: إنَّ هَذا وهْمٌ،، والصَّحِيحُ عَنْ عَلِيٍّ أنَّهُ قالَ ذَلِكَ في المَعْلُوماتِ. وظاهِرُ الآيَةِ يَنْفِي ذَلِكَ أيْضًا؛ لِأنَّهُ قالَ: ﴿فَمَن تَعَجَّلَ في يَوْمَيْنِ فَلا إثْمَ عَلَيْهِ﴾ وذَلِكَ لا يَتَعَلَّقُ بِالنَّحْرِ وإنَّما يَتَعَلَّقُ بِرَمْيِ الجِمارِ المَفْعُولِ في أيّامِ التَّشْرِيقِ. وأمّا المَعْلُوماتُ فَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ وابْنِ عُمَرَ: " أنَّ المَعْلُوماتِ يَوْمُ النَّحْرِ ويَوْمانِ بَعْدَهُ، واذْبَحْ في أيِّها شِئْتَ " قالَ ابْنُ عُمَرَ: " المَعْدُوداتُ أيّامُ التَّشْرِيقِ "، وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ: " المَعْلُوماتُ: العَشْرُ، والمَعْدُوداتُ أيّامُ التَّشْرِيقِ " . وقَدْ رَوى ابْنُ أبِي لَيْلى عَنْ الحَكَمِ عَنْ مِقْسَمٍ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ: " المَعْلُوماتُ: يَوْمُ النَّحْرِ وثَلاثَةُ أيّامٍ بَعْدَهُ أيّامُ التَّشْرِيقُ، والمَعْدُوداتُ يَوْمُ النَّحْرِ وثَلاثَةُ أيّامٍ بَعْدَهُ التَّشْرِيقُ " ورَوى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسى: أخْبَرْنا عُمارَةُ بْنُ ذَكْوانَ عَنْ مُجاهِدٍ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: " المَعْدُوداتُ أيّامُ العَشْرِ، والمَعْلُوماتُ أيّامُ النَّحْرِ " فَقَوْلُهُ: المَعْدُوداتُ إنَّها أيّامُ العَشْرِ، لا شَكَّ في أنَّهُ خَطَأٌ ولَمْ يَقُلْ بِهِ أحَدٌ، وهو خِلافُ الكِتابِ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿فَمَن تَعَجَّلَ في يَوْمَيْنِ فَلا إثْمَ عَلَيْهِ﴾ ولَيْسَ في العَشْرِ حُكْمٌ يَتَعَلَّقُ بِيَوْمَيْنِ دُونَ الثَّلاثِ. وقَدْ رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ بِإسْنادٍ صَحِيحٍ أنَّ المَعْلُوماتِ العَشْرُ، والمَعْدُوداتِ أيّامُ التَّشْرِيقِ، وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ مِنَ التّابِعِينَ، مِنهُمُ الحَسَنُ ومُجاهِدٌ وعَطاءٌ والضَّحّاكُ وإبْراهِيمُ في آخَرِينَ مِنهم. وقَدْ رُوِيَ عَنْ أبِي حَنِيفَةَ وأبِي يُوسُفَ ومُحَمَّدٍ: أنَّ المَعْلُوماتِ العَشْرُ، والمَعْدُوداتِ أيّامُ التَّشْرِيقِ. وذَكَرَ الطَّحاوِيُّ عَنْ شَيْخِهِ أحْمَدَ بْنِ أبِي عِمْرانَ، عَنْ بِشْرِ بْنِ الوَلِيدِ قالَ: كَتَبَ أبُو العَبّاسِ الطُّوسِيُّ إلى أبِي يُوسُفَ يَسْألُهُ عَنِ الأيّامِ المَعْلُوماتِ، فَأمْلى عَلَيَّ أبُو يُوسُفَ جَوابَ كِتابِهِ: اخْتَلَفَ أصْحابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ وابْنِ عُمَرَ أنَّها أيّامُ النَّحْرِ، وإلى ذَلِكَ أذْهَبُ؛ لِأنَّهُ قالَ: ﴿عَلى ما رَزَقَهم مِن بَهِيمَةِ الأنْعامِ﴾ [الحج: ٢٨] وذَكَرَ شَيْخُنا أبُو الحَسَنِ الكَرْخِيُّ عَنْ أحْمَدَ القارِي عَنْ مُحَمَّدٍ، عَنْ أبِي حَنِيفَةَ، أنَّ المَعْلُوماتِ العَشْرُ؛ وعَنْ مُحَمَّدٍ: أنَّها أيّامُ النَّحْرِ الثَّلاثَةُ: يَوْمُ الأضْحى ويَوْمانِ بَعْدَهُ. قالَ أبُو بَكْرٍ: فَحَصَلَ مِن رِوايَةِ أحْمَدَ القارِي عَنْ مُحَمَّدٍ، ورِوايَةِ بِشْرِ بْنِ الوَلِيدِ عَنْ أبِي يُوسُفَ، أنَّ المَعْلُوماتِ يَوْمُ النَّحْرِ ويَوْمانِ بَعْدَهُ، ولَمْ تَخْتَلِفْ عَنْ أبِي حَنِيفَةَ أنَّ المَعْلُوماتِ أيّامُ العَشْرِ، والمَعْدُوداتِ أيّامُ التَّشْرِيقِ؛ وهو قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ المَشْهُورُ وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿عَلى ما رَزَقَهم مِن بَهِيمَةِ الأنْعامِ﴾ [الحج: ٢٨] لا دَلالَةَ فِيهِ عَلى أنَّ المُرادَ أيّامُ النَّحْرِ لِاحْتِمالِهِ أنْ يُرِيدَ: لِما رَزَقَهم مِن بَهِيمَةِ الأنْعامِ، كَقَوْلِهِ: ﴿ولِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلى ما هَداكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٥] والمَعْنى: لِما (p-٣٩٥)هَداكم. وأيْضًا يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِها أيّامَ العَشْرِ؛ لِأنَّ فِيها يَوْمَ النَّحْرِ، وفِيهِ الذَّبْحُ، ويَكُونُ بِتَكْرارِ السِّنِينَ عَلَيْهِ أيّامًا. وذَكَرَ أهْلُ اللُّغَةِ أنَّ المَعْدُوداتِ مُنْفَصِلَةٌ عَنِ المَعْلُوماتِ بِدَلالَةِ اللَّفْظِ عَلى افْتِراقِهِما في بابِ العَدَدِ؛ وذَلِكَ لِأنَّ وصَفَها بِالمَعْدُوداتِ دَلالَةُ التَّقْلِيلِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿بَخْسٍ دَراهِمَ مَعْدُودَةٍ﴾ [يوسف: ٢٠] وإنَّما يُوصَفُ بِالعَدَدِ إذا أُرِيدَ بِهِ التَّقْلِيلُ؛ لِأنَّهُ يَكُونُ نَقِيضَ كَثْرَةٍ؛ فَهو كَقَوْلِكَ: قَلِيلٌ وكَثِيرٌ؛ فَعُرِفَتِ المَعْدُوداتُ بِالتَّقْلِيلِ، وقِيلَ لِلْأُخْرى مَعْلُوماتٌ فَعُرِفَتْ بِالشُّهْرَةِ؛ لِأنَّها عَشَرَةٌ. ولَمْ يَخْتَلِفْ أهْلُ العِلْمِ أنَّ أيّامَ مِنًى ثَلاثَةٌ بَعْدَ يَوْمِ النَّحْرِ، وأنَّ لِلْحاجِّ أنْ يَتَعَجَّلَ في اليَوْمِ الثّانِي مِنها إذا رَمى الجِمارَ ويَنْفِرَ، وأنَّ لَهُ أنْ يَتَأخَّرَ إلى اليَوْمِ الثّالِثِ حَتّى يَرْمِيَ الجِمارَ فِيهِ ثُمَّ يَنْفِرُ واخْتُلِفَ فِيمَن لَمْ يَنْفِرْ حَتّى غابَتِ الشَّمْسُ مِنَ اليَوْمِ الثّانِي، فَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ وابْنِ عُمَرَ وجابِرِ بْنِ زَيْدٍ والحَسَنِ وإبْراهِيمَ: " أنَّهُ إذا غابَتِ الشَّمْسُ مِنَ اليَوْمِ الثّانِي قَبْلَ أنْ يَنْفِرَ فَلا يَنْفِرُ حَتّى يَرْمِيَ الجِمارَ مِنَ الغَدِ " . ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ البَصْرِيِّ: أنَّ لَهُ أنْ يَنْفِرَ في اليَوْمِ الثّانِي إذا رَمى وقْتَ الظُّهْرِ كُلَّهُ، فَإنْ أدْرَكَتْهُ صَلاةُ العَصْرِ بِمِنًى، فَلَيْسَ لَهُ أنْ يَنْفِرَ إلى اليَوْمِ الثّالِثِ. وقالَ أصْحابُنا: إنَّهُ إذا لَمْ يَنْفِرْ حَتّى غابَتِ الشَّمْسُ فَلا يَنْبَغِي لَهُ أنْ يَنْفِرَ حَتّى يَرْمِيَ جَمْرَةَ اليَوْمِ الثّالِثِ، ولا يَلْزَمُهُ ذَلِكَ إلّا أنْ يُصْبِحَ بِمِنًى فَحِينَئِذٍ يَلْزَمُهُ رَمْيُ اليَوْمِ الثّالِثِ ولا يَجُوزُ تَرْكُهُ " . ولا نَعْلَمُ خِلافًا بَيْنَ الفُقَهاءِ أنَّ مَن أقامَ بِمِنًى إلى اليَوْمِ الثّالِثِ أنَّهُ لا يَجُوزُ لَهُ النَّفْرُ حَتّى يَرْمِيَ، وإنَّما قالُوا: إنَّهُ لا يَلْزَمُهُ رَمْيُ اليَوْمِ الثّالِثِ بِإقامَتِهِ بِمِنًى إلى أنْ يُمْسِيَ، مِن قِبَلِ أنَّ اللَّيْلَةَ الَّتِي تَلِي اليَوْمَ الثّانِيَ هي تابِعَةٌ لَهُ حُكْمُها حُكْمُهُ، ولَيْسَ حُكْمُها حُكْمَ الَّذِي بَعْدَها، ألا تَرى أنَّهُ لَوْ تَرَكَ الرَّمْيَ في اليَوْمِ الأوَّلِ رَماهُ في لَيْلَتِهِ ولَمْ يَكُنْ مُؤَخِّرًا لَهُ عَنْ وقْتِهِ ؟ لِأنَّهُ ﷺ «رَخَّصَ لِلرُّعاةِ أنْ يَرْمُوا لَيْلًا»، فَكانَ حُكْمُ اللَّيْلَةِ حُكْمَ اليَوْمِ الَّذِي قَبْلَها ولَمْ يَكُنْ حُكْمُها حُكْمَ الَّذِي بَعْدَها؛ فَلِذَلِكَ قالُوا: إنَّ إقامَتَهُ في اليَوْمِ الثّانِي بِمِنًى إلى أنْ يُمْسِيَ بِمَنزِلَةِ إقامَتِهِ بِها نَهارًا، وإذا أقامَ حَتّى يُصْبِحَ مِنَ اليَوْمِ الثّالِثِ لَزِمَهُ الرَّمْيُ بِلا خِلافٍ. وهَذا مِمّا يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلى صِحَّةِ قَوْلِ أبِي حَنِيفَةَ في تَجْوِيزِهِ رَمْيَ اليَوْمِ الثّالِثِ قَبْلَ الزَّوالِ؛ إذْ قَدْ صارَ وقْتًا لِلُزُومِ الرَّمْيِ، ويَسْتَحِيلُ أنْ يَكُونَ وقْتًا لِوُجُوبِهِ ثُمَّ لا يَصِحُّ فِعْلُهُ فِيهِ. وأمّا قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَمَن تَعَجَّلَ في يَوْمَيْنِ فَلا إثْمَ عَلَيْهِ ومَن تَأخَّرَ فَلا إثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقى﴾ فَإنَّهُ قَدْ قِيلَ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: فَلا إثْمَ عَلَيْهِ لِتَكْفِيرِ سَيِّئاتِهِ وذُنُوبِهِ بِالحَجِّ المَبْرُورِ؛ ورُوِيَ نَحْوُهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، ومِثْلُهُ ما رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «مَن حَجَّ فَلَمْ يَرْفُثْ ولَمْ يَفْسُقْ رَجَعَ (p-٣٩٦)كَيَوْمَ ولَدَتْهُ أُمُّهُ» . والوَجْهُ الثّانِي: أنَّهُ لا مَأْثَمَ عَلَيْهِ في التَّعْجِيلِ؛ ورُوِيَ نَحْوُهُ عَنِ الحَسَنِ وغَيْرِهِ، وقالَ: ﴿ومَن تَأخَّرَ فَلا إثْمَ عَلَيْهِ﴾؛ لِأنَّهُ مُباحٌ لَهُ التَّأْخِيرُ. وقَوْلُهُ: ﴿لِمَنِ اتَّقى﴾ يَحْتَمِلُ لِمَنِ اتَّقى ما نَهى اللَّهُ عَنْهُ في الإحْرامِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَلا رَفَثَ ولا فُسُوقَ ولا جِدالَ في الحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٧] وإنْ لَمْ يَتَّقِ فَغَيْرُ مَوْعُودٍ بِالثَّوابِ.

البقرة 2:204

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ في الحَياةِ الدُّنْيا﴾ الآيَةَ قالَ أبُو بَكْرٍ: فِيهِ تَحْذِيرٌ مِنَ الِاغْتِرارِ بِظاهِرِ القَوْلِ وما يُبْدِيهِ مِن حَلاوَةِ المَنطِقِ والِاجْتِهادِ في تَأْكِيدِ ما يُظْهِرُهُ، فَأخْبَرَ اللَّهُ تَعالى أنَّ مِنَ النّاسِ مَن يُظْهِرُ بِلِسانِهِ ما يُعْجِبُكَ ظاهِرُهُ ﴿ويُشْهِدُ اللَّهَ عَلى ما في قَلْبِهِ﴾ وهَذِهِ صِفَةُ المُنافِقِينَ، مِثْلُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالُوا نَشْهَدُ إنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ واللَّهُ يَعْلَمُ إنَّكَ لَرَسُولُهُ واللَّهُ يَشْهَدُ إنَّ المُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ﴾ [المنافقون: ١] ﴿اتَّخَذُوا أيْمانَهم جُنَّةً﴾ [المنافقون: ٢] وقَوْلُهُ: ﴿وإذا رَأيْتَهم تُعْجِبُكَ أجْسامُهم وإنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ﴾ [المنافقون: ٤] فَأعْلَمَ اللَّهُ تَعالى نَبِيَّهُ ضَمائِرَهم لِئَلّا يَغْتَرَّ بِظاهِرِ أقْوالِهِمْ، وجَعَلَهُ عِبْرَةً لَنا في أمْثالِهِمْ لِئَلّا نَتَّكِلَ عَلى ظاهِرِ أُمُورِ النّاسِ وما يُبْدُونَهُ مِن أنْفُسِهِمْ. وفِيهِ الأمْرُ بِالِاحْتِياطِ فِيما يَتَعَلَّقُ بِأمْثالِهِمْ مِن أُمُورِ الدِّينِ، والدُّنْيا، فَلا نَقْتَصِرُ فِيما أُمِرْنا بِائْتِمانِ النّاسِ عَلَيْهِ مِن أمْرِ الدِّينِ، والدُّنْيا عَلى ظاهِرِ حالِ الإنْسانِ دُونَ البَحْثِ عَنْهُ. وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ عَلَيْهِ اسْتِبْراءَ حالِ مَن يُرادُ لِلْقَضاءِ والشَّهادَةِ والفُتْيَةِ والإمامَةِ، وما جَرى مَجْرى ذَلِكَ، في أنْ لا يَقْبَلَ مِنهم ظاهِرَهم حَتّى يَسْألَ ويَبْحَثَ عَنْهم؛ إذْ قَدْ حَذَّرَنا اللَّهُ تَعالى أمْثالَهم في تَوْلِيَتِهِمْ عَلى أُمُورِ المُسْلِمِينَ، ألا تَرى أنَّهُ عَقَّبَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وإذا تَوَلّى سَعى في الأرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها ويُهْلِكَ الحَرْثَ والنَّسْلَ﴾ [البقرة: ٢٠٥] فَكانَ ذِكْرُ التَّوَلِّي في هَذا المَوْضِعِ إعْلامًا لَنا أنَّهُ غَيْرُ جائِزٍ الِاقْتِصارُ عَلى ظاهِرِ ما يُظْهِرُهُ دُونَ الِاسْتِبْراءِ لِحالِهِ مِن غَيْرِ جِهَتِهِ. قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وهُوَ ألَدُّ الخِصامِ﴾ وهو وصْفٌ لَهُ بِالمُبالَغَةِ في شِدَّةِ الخُصُومَةِ، والفَتْلِ لِلْخَصْمِ بِها عَنْ حَقِّهِ وإحالَتِهِ إلى جانِبِهِ؛ ويُقالُ: " لَدَّهُ عَنْ كَذا " إذا حَبَسَهُ؛ وعَلى هَذا المَعْنى قالَ النَّبِيُّ ﷺ: «إنَّكم تَخْتَصِمُونَ إلَيَّ، ولَعَلَّ بَعْضَكم يَكُونُ ألْحَنَ بِحُجَّتِهِ مِن بَعْضٍ، وإنَّما أقْضِي بِما أسْمَعُ، فَمَن قَضَيْتُ لَهُ مِن حَقِّ أخِيهِ فَإنَّما أقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النّارِ» فَكانَ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿وهُوَ ألَدُّ الخِصامِ﴾ أنَّهُ أشَدُّ المُخاصِمِينَ خُصُومَةً. * * قالَ أبُو بَكْرٍ: جَمِيعُ ما قَدَّمْنا مِن ذِكْرِ أقاوِيلِ السَّلَفِ؛ وفُقَهاءِ الأمْصارِ؛ واعْتِبارِ كُلِّ واحِدٍ مِنهم في الشَّهادَةِ ما حَكَيْنا عَنْهُ؛ يَدُلُّ عَلى أنَّ كُلًّا مِنهم بَنى قَبُولَ أمْرِ الشَّهادَةِ عَلى ما غَلَبَ في اجْتِهادِهِ؛ واسْتَوْلى عَلى رَأْيِهِ أنَّهُ مِمَّنْ يُرْضى؛ ويُؤْتَمَنُ عَلَيْها؛ وقَدِ اخْتَلَفُوا في حُكْمِ مَن لَمْ تَظْهَرْ مِنهُ رِيبَةٌ هَلْ يَسْألُ عَنْهُ الحاكِمُ إذا شَهِدَ؛ فَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ - في كِتابِهِ الَّذِي كَتَبَهُ إلى أبِي مُوسى؛ في القَضاءِ -: "اَلْمُسْلِمُونَ عُدُولٌ؛ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ؛ إلّا مَجْلُودًا في حَدٍّ؛ أوْ مُجَرَّبًا عَلَيْهِ شَهادَةُ زُورٍ؛ أوْ ظِنِّينًا في ولاءٍ أوْ قَرابَةٍ"؛ وقالَ مَنصُورٌ: قُلْتُ لِإبْراهِيمَ: وما العَدْلُ في المُسْلِمِينَ؟ "قالَ: مَن لَمْ تَظْهَرْ مِنهُ رِيبَةٌ"؛ وعَنِ الحَسَنِ البَصْرِيِّ؛ والشَّعْبِيِّ؛ مِثْلُهُ؛ وذَكَرَ مَعْمَرٌ عَنْ أبِيهِ قالَ: لَمّا ولِيَ الحَسَنُ القَضاءَ كانَ يُجِيزُ شَهادَةَ المُسْلِمِينَ؛ إلّا أنْ يَكُونَ الخَصْمُ يَجْرَحُ الشّاهِدَ؛ وذَكَرَ هُشَيْمٌ قالَ: سَمِعْتُ ابْنَ شُبْرُمَةَ يَقُولُ: "ثَلاثٌ لَمْ يَعْمَلْ بِهِنَّ أحَدٌ قَبْلِي؛ ولَنْ يَتْرُكَهُنَّ أحَدٌ بَعْدِي: اَلْمَسْألَةُ عَنِ الشُّهُودِ؛ وإثْباتُ حُجَجِ الخَصْمَيْنِ؛ وتَحْلِيَةُ الشُّهُودِ في المَسْألَةِ"؛ وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: "لا أسْألُ عَنِ الشُّهُودِ إلّا أنْ يَطْعَنَ فِيهِمُ الخَصْمُ المَشْهُودُ عَلَيْهِ؛ فَإنْ طَعَنَ فِيهِمْ سَألْتُ عَنْهم في السِّرِّ والعَلانِيَةِ؛ وزَكَّيْتُهم في العَلانِيَةِ؛ إلّا شُهُودَ الحُدُودِ؛ والقِصاصِ؛ فَإنِّي أسْألُ عَنْهم في (p-٢٣٨)السِّرِّ؛ وأُزَكِّيهِمْ في العَلانِيَةِ"؛ وقالَ مُحَمَّدٌ: "يُسْألُ عَنْهُمْ؛ وإنْ لَمْ يُطْعَنْ فِيهِمْ". ورَوى يُوسُفُ بْنُ مُوسى القَطّانُ؛ عَنْ عَلِيِّ بْنِ عاصِمٍ؛ عَنِ ابْنِ شُبْرُمَةَ قالَ: "أوَّلُ مَن سَألَ في السِّرِّ أنا؛ كانَ الرَّجُلُ يَأْتِي القَوْمَ إذا قِيلَ لَهُ: هاتِ مَن يُزَكِّيكَ؛ فَيَقُولُ: قَوْمِي يُزَكُّونَنِي؛ فَيَسْتَحْيِي القَوْمُ فَيُزَكُّونَهُ؛ فَلَمّا رَأيْتُ ذَلِكَ سَألْتُ في السِّرِّ؛ فَإذا صَحَّتْ شَهادَتُهُ قُلْتُ: هاتِ مَن يُزَكِّيكَ؛ في العَلانِيَةِ"؛ وقالَ أبُو يُوسُفَ؛ ومُحَمَّدٌ: "يَسْألُ عَنْهم في السِّرِّ والعَلانِيَةِ؛ ويُزَكِّيهِمْ في العَلانِيَةِ؛ وإنْ لَمْ يَطْعَنْ فِيهِمُ الخَصْمُ"؛ وقالَ مالِكُ بْنُ أنَسٍ: "لا يُقْضى بِشَهادَةِ الشُّهُودِ حَتّى يُسْألَ عَنْهم في السِّرِّ"؛ وقالَ اللَّيْثُ: "أدْرَكْتُ النّاسَ ولا تُلْتَمَسُ مِنَ الشّاهِدِينَ تَزْكِيَةٌ؛ وإنَّما كانَ الوالِي يَقُولُ لِلْخَصْمِ: إنْ كانَ عِنْدَكَ مَن يَجْرَحُ شَهادَتَهم فَأْتِ بِهِ؛ وإلّا أجَزْنا شَهادَتَهم عَلَيْكَ"؛ وقالَ الشّافِعِيُّ: "يُسْألُ عَنْهم في السِّرِّ؛ فَإذا عُدِّلَ سَألَ عَنْ تَعْدِيلِهِ عَلانِيَةً؛ لِيَعْلَمَ أنَّ المُعَدَّلَ هو هَذا؛ لا يُوافِقِ اسْمٌ اسْمًا؛ ولا نَسَبٌ نَسَبًا". قالَ أبُو بَكْرٍ: ومَن قالَ مِنَ السَّلَفِ بِتَعْدِيلِ مَن ظَهَرَ إسْلامُهُ؛ فَإنَّما بَنى ذَلِكَ عَلى ما كانَتْ عَلَيْهِ أحْوالُ النّاسِ مِن ظُهُورِ العَدالَةِ في العامَّةِ؛ وقِلَّةِ الفُسّاقِ فِيهِمْ؛ ولِأنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَدْ شَهِدَ بِالخَيْرِ والصَّلاحِ لِلْقَرْنِ الأوَّلِ؛ والثّانِي؛ والثّالِثِ؛ حَدَّثَنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سِيما قالَ: حَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ قالَ: حَدَّثَنِي أبِي قالَ: حَدَّثَنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ قالَ: حَدَّثَنا سُفْيانُ؛ عَنْ مَنصُورٍ؛ عَنْ إبْراهِيمَ؛ عَنْ عُبَيْدَةَ؛ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ؛ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «"خَيْرُ النّاسِ قَرْنِي؛ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ؛ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهم - ثَلاثًا؛ أوْ أرْبَعًا - ثُمَّ يَجِيءُ قَوْمٌ سَبَقَ شَهادَةُ أحَدِهِمْ يَمِينَهُ؛ ويَمِينُهُ شَهادَتَهُ"؛» قالَ: وكانَ أصْحابُنا يَضْرِبُونَنا عَلى الشَّهادَةِ والعَهْدِ ونَحْنُ صِبْيانٌ؛ وإنَّما حَمَلَ السَّلَفُ ومَن قالَ مِن فُقَهاءِ الأمْصارِ؛ مِمّا وصَفْنا؛ أمْرَ المُسْلِمِينَ في عَصْرِهِمْ عَلى العَدالَةِ؛ وجَوازِ الشَّهادَةِ؛ لِظُهُورِ العَدالَةِ فِيهِمْ؛ وإنْ كانَ فِيهِمْ صاحِبُ رِيبَةٍ وفِسْقٍ كانَ يَظْهَرُ النَّكِيرُ عَلَيْهِ ويَتَبَيَّنُ أمْرُهُ؛ وأبُو حَنِيفَةَ كانَ في القَرْنِ الثّالِثِ الَّذِينَ شَهِدَ لَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ بِالخَيْرِ والصَّلاحِ؛ فَتَكَلَّمَ عَلى ما كانَتِ الحالُ عَلَيْهِ؛ وأمّا لَوْ شَهِدَ أحْوالَ النّاسِ بَعْدُ لَقالَ بِقَوْلِ الآخَرِينَ في المَسْألَةِ عَنِ الشُّهُودِ؛ ولَما حَكَمَ لِأحَدٍ مِنهم بِالعَدالَةِ إلّا بَعْدَ المَسْألَةِ؛ وقَدْ رُوِيَ «عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ لِلْأعْرابِيِّ الَّذِي شَهِدَ عَلى رُؤْيَةِ الهِلالِ: "أتَشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ؛ وأنِّي رَسُولُ اللَّهِ؟"؛ قالَ: نَعَمْ؛ فَأمَرَ النّاسَ بِالصِّيامِ بِخَبَرِهِ؛» ولَمْ يَسْألْ عَنْ عَدالَتِهِ بَعْدَ ظُهُورِ إسْلامِهِ؛ لِما وصَفْنا؛ فَثَبَتَ بِما وصَفْنا أنَّ أمْرَ التَّعْدِيلِ؛ وتَزْكِيَةَ الشُّهُودِ؛ وكَوْنَهم مَرْضِيِّينَ؛ مَبْنِيٌّ عَلى اجْتِهادِ الرَّأْيِ؛ وغالِبِ الظَّنِّ؛ لِاسْتِحالَةِ إحاطَةِ عُلُومِنا بِغَيْبِ أُمُورِ النّاسِ. وقَدْ حَذَّرَنا اللَّهُ (تَعالى) الِاغْتِرارَ بِظاهِرِ حالِ الإنْسانِ؛ والرُّكُونَ (p-٢٣٩)إلى قَوْلِهِ؛ مِمّا يَدَّعِيهِ لِنَفْسِهِ مِنَ الصَّلاحِ؛ والأمانَةِ؛ فَقالَ: ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ في الحَياةِ الدُّنْيا﴾؛ اَلْآيَةَ؛ ثُمَّ أخْبَرَ عَنْ مَغِيبِ أمْرِهِ؛ وحَقِيقَةِ حالِهِ؛ فَقالَ: ﴿وإذا تَوَلّى سَعى في الأرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها﴾ [البقرة: ٢٠٥]؛ اَلْآيَةَ؛ فَأعْلَمَنا ذَلِكَ مِن حالِ بَعْضِ مَن يُعْجِبُ ظاهِرُ قَوْلِهِ؛ وقالَ أيْضًا في صِفَةِ قَوْمٍ آخَرِينَ: ﴿وإذا رَأيْتَهم تُعْجِبُكَ أجْسامُهُمْ﴾ [المنافقون: ٤]؛ اَلْآيَةَ؛ فَحَذَّرَ نَبِيَّهُ ﷺ الِاغْتِرارَ بِظاهِرِ حالِ الإنْسانِ؛ وأمَرَنا بِالِاقْتِداءِ بِهِ؛ فَقالَ: ﴿واتَّبِعُوهُ﴾ [الأعراف: ١٥٨]؛ وقالَ: ﴿لَقَدْ كانَ لَكم في رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١]؛ فَغَيْرُ جائِزٍ - إذا كانَ الأمْرُ عَلى ما وصَفْنا - الرُّكُونُ إلى ظاهِرِ أمْرِ الإنْسانِ؛ دُونَ التَّثَبُّتِ في شَهادَتِهِ؛ والبَحْثِ عَنْ أمْرِهِ؛ حَتّى إذا غَلَبَ في ظَنِّهِ عَدالَتُهُ قَبِلَها؛ وقَدْ وصَفَ اللَّهُ (تَعالى) الشُّهُودَ المَقْبُولِينَ بِصِفَتَيْنِ؛ إحْداهُما العَدالَةَ؛ في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿اثْنانِ ذَوا عَدْلٍ مِنكُمْ﴾ [المائدة: ١٠٦]؛ وقَوْلِهِ: ﴿وأشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنكُمْ﴾ [الطلاق: ٢]؛ والأُخْرى أنْ يَكُونُوا مَرْضِيِّينَ؛ لِقَوْلِهِ: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ﴾ [البقرة: ٢٨٢]؛ والمَرْضِيُّونَ لا بُدَّ أنْ تَكُونَ مِن صِفَتِهِمُ العَدالَةُ؛ وقَدْ يَكُونُ عَدْلًا غَيْرَ مَرْضِيٍّ في الشَّهادَةِ؛ وهو أنْ يَكُونَ غَمْرًا؛ مُغَفَّلًا؛ يَجُوزُ عَلَيْهِ التَّزْوِيرُ والتَّمْوِيهُ؛ فَقَوْلُهُ: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ﴾ [البقرة: ٢٨٢] قَدِ انْتَظَمَ الأمْرَيْنِ؛ مِنَ العَدالَةِ؛ والتَّيَقُّظِ؛ وذَكاءِ الفَهْمِ؛ وشِدَّةِ الحِفْظِ؛ وقَدْ أطْلَقَ اللَّهُ (تَعالى) ذِكْرَ الشَّهادَةِ في الزِّنا غَيْرَ مُقَيَّدٍ بِذِكْرِ العَدالَةِ؛ وهي مِن شَرْطِها العَدالَةُ والرِّضا جَمِيعًا؛ وذَلِكَ لِقَوْلِهِ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿إنْ جاءَكم فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: ٦]؛ وذَلِكَ عُمُومٌ في إيجابِ التَّثَبُّتِ في سائِرِ أخْبارِ الفُسّاقِ؛ والشَّهادَةُ خَبَرٌ؛ فَوَجَبَ التَّثَبُّتُ فِيها؛ إذا كانَ الشّاهِدُ فاسِقًا؛ فَلَمّا نَصَّ اللَّهُ (تَعالى) عَلى التَّثَبُّتِ في خَبَرِ الفاسِقِ؛ وأوْجَبَ عَلَيْنا قَبُولَ شَهادَةِ العُدُولِ المَرْضِيِّينَ؛ وكانَ الفِسْقُ قَدْ يُعْلَمُ مِن جِهَةِ اليَقِينِ؛ والعَدالَةُ لا تُعْلَمُ مِن جِهَةِ اليَقِينِ؛ دُونَ ظاهِرِ الحالِ؛ عَلِمْنا أنَّها مَبْنِيَّةٌ عَلى غالِبِ الظَّنِّ؛ وما يَظْهَرُ مِن صَلاحِ الشّاهِدِ؛ وصِدْقِ لَهْجَتِهِ؛ وأمانَتِهِ؛ وهَذا - وإنْ كانَ مَبْنِيًّا عَلى أكْثَرِ الظَّنِّ - فَهو ضَرْبٌ مِنَ العِلْمِ؛ كَما قالَ (تَعالى) في المُهاجِراتِ: ﴿فَإنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِناتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إلى الكُفّارِ﴾ [الممتحنة: ١٠]؛ وهَذا هو عِلْمُ الظّاهِرِ؛ دُونَ الحَقِيقَةِ؛ فَكَذَلِكَ الحُكْمُ بِعَدالَةِ الشّاهِدِ طَرِيقُهُ العِلْمُ الظّاهِرُ؛ دُونَ المُغَيَّبِ الَّذِي لا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ (تَعالى)؛ وهَذا أصْلٌ كَبِيرٌ في الدَّلالَةِ عَلى صِحَّةِ القَوْلِ بِاجْتِهادِ الرَّأْيِ في أحْكامِ الحَوادِثِ؛ إذْ كانَتِ الشَّهاداتُ مِن مَعالِمِ أُمُورِ الدِّينِ والدُّنْيا؛ وقَدْ عُقِدَ بِها مَصالِحُ الخَلْقِ في وثائِقِهِمْ؛ وإثْباتِ حُقُوقِهِمْ وأمْلاكِهِمْ؛ وإثْباتِ الأنْسابِ؛ والدِّماءِ؛ والفُرُوجِ؛ وهي مَبْنِيَّةٌ عَلى غالِبِ الظَّنِّ؛ وأكْثَرِ الرَّأْيِ؛ إذْ لا يُمْكِنُ أحَدًا مِنَ النّاسِ إمْضاءُ حُكْمٍ بِشَهادَةِ شُهُودٍ مِن طَرِيقِ حَقِيقَةِ العِلْمِ بِصِحَّةِ المَشْهُودِ بِهِ؛ وهو يَدُلُّ (p-٢٤٠)عَلى بُطْلانِ القَوْلِ بِإمامٍ مَعْصُومٍ في كُلِّ زَمانٍ؛ واحْتِجاجُ مَن يَحْتَجُّ فِيهِ بِأنَّ أُمُورَ الدِّينِ كُلَّها يَنْبَغِي أنْ تَكُونَ مَبْنِيَّةً عَلى ما يُوجِبُ العِلْمَ الحَقِيقِيَّ؛ دُونَ غالِبِ الظَّنِّ؛ وأكْثَرِ الرَّأْيِ؛ وأنَّهُ مَتى لَمْ يَكُنْ إمامٌ بِهَذِهِ الصِّفَةِ لَمْ يُؤْمَنِ الخَطَأ فِيها؛ لِأنَّ الرَّأْيَ يُخْطِئُ ويُصِيبُ؛ لِأنَّهُ لَوْ كانَ كَما زَعَمُوا لَوَجَبَ ألّا تُقْبَلَ شَهادَةُ الشُّهُودِ إلّا أنْ يَكُونُوا مَعْصُومِينَ؛ مَأْمُونًا عَلَيْهِمُ الخَطَأُ والزَّلَلُ؛ فَلَمّا أمَرَ اللَّهُ (تَعالى) بِقَبُولِ شَهادَةِ الشُّهُودِ؛ إذا كانُوا مَرْضِيِّينَ في ظاهِرِ أحْوالِهِمْ؛ دُونَ العِلْمِ بِحَقِيقَةِ مُغَيَّبِ أُمُورِهِمْ؛ مَعَ جَوازِ الكَذِبِ والغَلَطِ عَلَيْهِمْ؛ ثَبَتَ بُطْلانُ الأصْلِ الَّذِي بَنَوْا عَلَيْهِ أمْرَ النَّصِّ؛ فَإنْ قالُوا: اَلْإمامُ يَعْلَمُ صِدْقَ الشُّهُودِ مِن كَذِبِهِمْ؛ قِيلَ لَهُمْ: فَواجِبٌ ألّا يَسْمَعَ شَهادَةَ الشُّهُودِ غَيْرُ الإمامِ؛ وألّا يَكُونَ لِلْإمامِ قاضٍ؛ ولا أمِينٌ؛ إلّا أنْ يَكُونَ بِمَنزِلَتِهِ في العِصْمَةِ؛ وفي العِلْمِ بِمُغَيَّبِ أمْرِ الشُّهُودِ؛ ويَجِبُ ألّا يَكُونَ أحَدٌ مِن أعْوانِ الإمامِ إلّا مَعْصُومًا؛ مَأْمُونَ الزَّلَلِ والخَطَإ؛ لِما يَتَعَلَّقُ بِهِ مِن أحْكامِ الدِّينِ؛ فَلَمّا جازَ أنْ يَكُونَ لِلْإمامِ حُكّامٌ؛ وشُهُودٌ؛ وأعْوانٌ بِغَيْرِ هَذِهِ الصِّفَةِ؛ ثَبَتَ بِذَلِكَ جَوازُ كَثِيرٍ مِن أُمُورِ الدِّينِ؛ مَبْنِيًّا عَلى اجْتِهادِ الرَّأْيِ؛ وغالِبِ الظَّنِّ. وفِيما ذَكَرْناهُ مِمّا تَعَبَّدَنا اللَّهُ (تَعالى) بِهِ في هَذِهِ الآيَةِ مِنَ اعْتِبارِ أحْوالِ الشُّهُودِ بِما يَغْلِبُ في الظَّنِّ مِن عَدالَتِهِمْ؛ وصَلاحِهِمْ؛ دَلالَةٌ عَلى بُطْلانِ قَوْلِ نُفاةِ القِياسِ والِاجْتِهادِ في الأحْكامِ الَّتِي لا نُصُوصَ فِيها؛ ولا إجْماعَ؛ لِأنَّ الدِّماءَ؛ والفُرُوجَ؛ والأمْوالَ؛ والأنْسابَ مِنَ الأُمُورِ الَّتِي قَدْ عُقِدَ بِها مَصالِحُ الدِّينِ والدُّنْيا؛ وقَدْ أمَرَ اللَّهُ (تَعالى) فِيها بِقَبُولِ شَهادَةِ الشُّهُودِ الَّذِينَ لا نَعْلَمُ مُغَيَّبَ أُمُورِهِمْ؛ وإنَّما نَحْكُمُ بِشَهاداتِهِمْ بِغالِبِ الظَّنِّ؛ وظاهِرِ أحْوالِهِمْ؛ مَعَ تَجْوِيزِ الكَذِبِ؛ والخَطَإ؛ والزَّلَلِ؛ والسَّهْوِ عَلَيْهِمْ؛ فَثَبَتَ بِذَلِكَ تَجْوِيزُ الِاجْتِهادِ؛ واسْتِعْمالُ غَلَبَةِ الرَّأْيِ فِيما لا نَصَّ فِيهِ مِن أحْكامِ الحَوادِثِ؛ ولا اتِّفاقَ؛ وفِيهِ الدَّلالَةُ عَلى جَوازِ قَبُولِ الأخْبارِ المُقَصِّرَةِ عَنْ إيجابِ العِلْمِ بِمُخْبِراتِها مِن أُمُورِ الدِّياناتِ عَنِ الرَّسُولِ ﷺ؛ لِأنَّ شَهادَةَ الشُّهُودِ غَيْرُ مُوجِبَةٍ لِلْعِلْمِ بِصِحَّةِ المَشْهُودِ بِهِ؛ وقَدْ أُمِرْنا بِالحُكْمِ بِها مَعَ تَجْوِيزِ أنْ يَكُونَ الأمْرُ في المُغَيَّبِ بِخِلافِهِ؛ فَبَطَلَ بِذَلِكَ قَوْلُ مَن قالَ: إنَّهُ غَيْرُ جائِزٍ قَبُولُ خَبَرِ مَن لا يُوجِبُ العِلْمَ بِخَبَرِهِ في أُمُورِ الدِّينِ؛ وقَدْ دَلَّ أيْضًا عَلى بُطْلانِ قَوْلِ مَن يَسْتَدِلُّ عَلى رَدِّ أخْبارِ الآحادِ بِأنّا لَوْ قَبِلْناها لَكُنّا قَدْ جَعَلْنا مَنزِلَةَ المُخْبِرِ أعْلى مِن مَنزِلَةِ النَّبِيِّ ﷺ؛ إذْ لَمْ يَجِبْ في الأصْلِ قَبُولُ خَبَرِ النَّبِيِّ ﷺ إلّا بَعْدَ ظُهُورِ المُعْجِزاتِ الدّالَّةِ عَلى صِدْقِهِ؛ لِأنَّ اللَّهَ (تَعالى) قَدْ أمَرَنا بِقَبُولِ شَهادَةِ الشُّهُودِ الَّذِينَ ظاهِرُهُمُ العَدالَةُ؛ وإنْ لَمْ يَكُنْ مَعَها عِلْمُ مُعْجِزَةٍ يَدُلُّ عَلى صِدْقِهِمْ. وأمّا ما ذَكَرْنا مِنَ اعْتِبارِ (p-٢٤١)نَفْيِ التُّهْمَةِ عَنِ الشَّهادَةِ؛ وإنْ كانَ الشّاهِدُ عَدْلًا؛ فَإنَّ الفُقَهاءَ مُتَّفِقُونَ عَلى بَعْضِها؛ ومُخْتَلِفُونَ في بَعْضِها؛ فَمِمّا اتَّفَقَ عَلَيْهِ فُقَهاءُ الأمْصارِ بُطْلانُ شَهادَةِ الشّاهِدِ لِوَلَدِهِ؛ إلّا شَيْئًا يُحْكى عَنْ عُثْمانَ البَتِّيِّ؛ قالَ: "تَجُوزُ شَهادَةُ الوَلَدِ لِوالِدَيْهِ؛ وشَهادَةُ الأبِ لِابْنِهِ؛ ولِامْرَأتِهِ؛ إذا كانُوا عُدُولًا؛ مُهَذَّبِينَ؛ مَعْرُوفِينَ بِالفَضْلِ"؛ ولا يَسْتَوِي النّاسُ في ذَلِكَ؛ فَفَرَّقَ بَيْنَها لَوالِدِهِ؛ وبَيْنَها لِلْأجْنَبِيِّ؛ فَأمّا أصْحابُنا؛ ومالِكٌ؛ واللَّيْثُ؛ والشّافِعِيُّ؛ والأوْزاعِيُّ؛ فَإنَّهم لا يُجِيزُونَ شَهادَةَ واحِدٍ مِنهُما لِلْآخَرِ؛ فَقَدْ حَدَّثَنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سِيما قالَ: حَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ قالَ: حَدَّثَنِي أبِي قالَ: حَدَّثَنا وكِيعٌ؛ عَنْ سُفْيانَ؛ عَنْ جابِرٍ؛ عَنِ الشَّعْبِيِّ؛ عَنْ شُرَيْحٍ قالَ: "لا تَجُوزُ شَهادَةُ الِابْنِ لِأبِيهِ؛ ولا الأبِ لِابْنِهِ؛ ولا المَرْأةِ لِزَوْجِها؛ ولا الزَّوْجِ لِامْرَأتِهِ"؛ ورُوِيَ عَنْ إياسِ بْنِ مُعاوِيَةَ أنَّهُ أجازَ شَهادَةَ رَجُلٍ لِابْنِهِ؛ حَدَّثَنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سِيما قالَ: حَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ قالَ: حَدَّثَنِي أبِي قالَ: حَدَّثَنا عَفّانُ قالَ: حَدَّثَنا حَمّادُ بْنُ زَيْدٍ قالَ: حَدَّثَنا خالِدُ الحَذّاءُ عَنْ إياسِ بْنِ مُعاوِيَةَ بِذَلِكَ. والَّذِي يَدُلُّ عَلى بُطْلانِ شَهادَتِهِ لِابْنِهِ قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ( لَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ أن تَأْكُلُوا مِن بُيُوتِكم أوْ بُيُوتِ آبائِكم )؛ ولَمْ يَذْكُرْ بُيُوتَ الأبْناءِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ (تَعالى): ﴿مِن بُيُوتِكُمْ﴾ [النور: ٦١]؛ قَدِ انْتَظَمَها؛ إذْ كانَتْ مَنسُوبَةً إلى الآباءِ؛ فاكْتَفى بِذِكْرِ بُيُوتِهِمْ عَنْ ذِكْرِ بُيُوتِ أبْنائِهِمْ؛ وقالَ ﷺ: «"أنْتَ ومالُكَ لِأبِيكَ"؛» فَأضافَ المِلْكَ إلَيْهِ؛ وقالَ: «"إنَّ أطْيَبَ ما أكَلَ الرَّجُلُ مِن كَسْبِهِ؛ وإنَّ ولَدَهُ مِن كَسْبِهِ؛ فَكُلُوا مِن كَسْبِ أوْلادِكُمْ"؛» فَلَمّا أضافَ مِلْكَ الِابْنِ إلى الأبِ؛ وأباحَ أكْلَهُ لَهُ؛ وسَمّاهُ لَهُ كَسْبًا؛ كانَ المُثْبِتُ لِابْنِهِ حَقًّا بِشَهادَتِهِ بِمَنزِلَةِ مُثْبِتِهِ لِنَفْسِهِ؛ ومَعْلُومٌ بُطْلانُ شَهادَتِهِ لِنَفْسِهِ فَكَذَلِكَ لِابْنِهِ؛ وإذا ثَبَتَ ذَلِكَ في الِابْنِ كانَ ذَلِكَ حُكْمَ شَهادَةِ الِابْنِ لِأبِيهِ؛ إذْ لَمْ يُفَرِّقْ أحَدٌ بَيْنَهُما؛ فَإنْ قِيلَ: إذا كانَ الشّاهِدُ عَدْلًا فَواجِبٌ قَبُولُ شَهادَتِهِ لِهَؤُلاءِ؛ كَما نَقْبَلُها لِأجْنَبِيٍّ؛ وإنْ كانَتْ شَهادَتُهُ لِهَؤُلاءِ غَيْرَ مَقْبُولَةٍ لِأجْلِ التُّهْمَةِ؛ فَغَيْرُ جائِزٍ قَبُولُها لِلْأجْنَبِيِّ؛ لِأنَّ مَن كانَ مُتَّهَمًا في الشَّهادَةِ لِابْنِهِ بِما لَيْسَ بِحَقٍّ لَهُ؛ فَجائِزَةٌ عَلَيْهِ مِثْلُ هَذِهِ التُّهْمَةِ لِلْأجْنَبِيِّ؛ قِيلَ لَهُ: لَيْسَتِ التُّهْمَةُ المانِعَةُ مِن قَبُولِ شَهادَتِهِ لِابْنِهِ ولِأبِيهِ تُهْمَةَ فِسْقٍ؛ ولا كَذِبٍ؛ وإنَّما التُّهْمَةُ فِيهِ مِن قِبَلِ أنَّهُ يَصِيرُ فِيها بِمَعْنى المُدَّعِي لِنَفْسِهِ؛ ألا تَرى أنَّ أحَدًا مِنَ النّاسِ؛ وإنْ ظَهَرَتْ أمانَتُهُ؛ وصَحَّتْ عَدالَتُهُ؛ لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُصَدَّقًا فِيما يَدَّعِيهِ لِنَفْسِهِ؟ لا عَلى جِهَةِ تَكْذِيبِهِ؛ ولَكِنْ مِن جِهَةِ أنَّ كُلَّ مُدَّعٍ لِنَفْسِهِ فَدَعْواهُ غَيْرُ ثابِتَةٍ؛ إلّا بِبَيِّنَةٍ تَشْهَدُ لَهُ بِها؛ فالشّاهِدُ لِابْنِهِ بِمَنزِلَةِ المُدَّعِي لِنَفْسِهِ؛ لِما بَيَّنّا؛ وكَذَلِكَ قالَ أصْحابُنا: إنَّ كُلَّ شاهِدٍ يَجُرُّ بِشَهادَتِهِ (p-٢٤٢)إلى نَفْسِهِ مَغْنَمًا؛ أوْ يَدْفَعُ بِها عَنْ نَفْسِهِ مَغْرَمًا؛ فَغَيْرُ مَقْبُولِ الشَّهادَةِ؛ لِأنَّهُ حِينَئِذٍ يَقُومُ مَقامَ المُدَّعِي؛ والمُدَّعِي لا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ شاهِدًا فِيما يَدَّعِيهِ؛ ولا أحَدَ مِنَ النّاسِ أصْدَقُ مِن نَبِيِّ اللَّهِ ﷺ؛ إذْ دَلَّتِ الأعْلامَ المُعْجِزَةُ عَلى أنَّهُ لا يَقُولُ إلّا حَقًّا؛ وإنَّ الكَذِبَ غَيْرُ جائِزٍ عَلَيْهِ؛ مَعَ وُقُوعِ العِلْمِ لَنا بِمُغَيَّبِ أمْرِهِ؛ ومُوافَقَةِ باطِنِهِ لِظاهِرِهِ؛ ولَمْ يَقْتَصِرْ فِيما ادَّعاهُ لِنَفْسِهِ عَلى دَعْواهُ؛ دُونَ شَهادَةِ غَيْرِهِ؛ حِينَ طالَبَهُ الخَصْمُ بِها؛ وهي قِصَّةُ خُزَيْمَةَ بْنِ ثابِتٍ؛ حَدَّثَنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سِيما قالَ: حَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أحْمَدَ قالَ: حَدَّثَنِي أبِي قالَ: حَدَّثَنا أبُو اليَمانِ قالَ: حَدَّثَنا شُعَيْبٌ؛ عَنِ الزُّهْرِيِّ قالَ: حَدَّثَنا عُمارَةُ بْنُ خُزَيْمَةَ الأنْصارِيُّ أنَّ عَمَّهُ حَدَّثَهُ - وهو مِن أصْحابِ النَّبِيِّ ﷺ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ ابْتاعَ فَرَسًا مِن أعْرابِيٍّ؛ وذَكَرَ القِصَّةَ؛ وقالَ: فَطَفِقَ الأعْرابِيُّ يَقُولُ: هَلُمَّ شَهِيدًا يَشْهَدُ أنِّي قَدْ بايَعْتُكَ؛ فَقالَ خُزَيْمَةُ: أنا أشْهَدُ أنَّكَ بايَعْتَهُ؛ فَأقْبَلَ النَّبِيُّ ﷺ عَلى خُزَيْمَةَ فَقالَ: "بِمَ تَشْهَدُ؟"؛ فَقالَ: بِتَصْدِيقِكَ يا رَسُولَ اللَّهِ؛ فَجَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ شَهادَةَ خُزَيْمَةَ بِشَهادَةِ رَجُلَيْنِ؛» فَلَمْ يَقْتَصِرِ النَّبِيُّ ﷺ في دَعْواهُ عَلى ما تَقَرَّرَ؛ وثَبَتَ بِالدَّلائِلِ والأعْلامِ أنَّهُ لا يَقُولُ إلّا حَقًّا؛ ولَمْ يَقُلْ لِلْأعْرابِيِّ - حِينَ قالَ: هَلُمَّ شَهِيدًا -: "إنَّهُ لا بَيِّنَةَ عَلَيْهِ"؛ وكَذَلِكَ سائِرُ المُدَّعِينَ؛ فَعَلَيْهِمْ إقامَةُ بَيِّنَةٍ لا يَجُرُّ بِها إلى نَفْسِهِ مَغْنَمًا؛ ولا يَدْفَعُ بِها عَنْها مَغْرَمًا؛ وشَهادَةُ الوالِدِ لِوَلَدِهِ يَجُرُّ بِها إلى نَفْسِهِ أعْظَمَ المَغْنَمِ؛ كَشَهادَتِهِ لِنَفْسِهِ؛ واللَّهُ (تَعالى) أعْلَمُ. * * ومِن هَذا البابِ أيْضًا شَهادَةُ أحَدِ الزَّوْجَيْنِ لِلْآخَرِ وقَدِ اخْتَلَفَ الفُقَهاءُ فِيها؛ فَقالَ أبُو حَنِيفَةَ؛ وأبُو يُوسُفَ؛ ومُحَمَّدٌ؛ وزُفَرُ؛ ومالِكٌ؛ والأوْزاعِيُّ؛ واللَّيْثُ: "لا تَجُوزُ شَهادَةُ واحِدٍ مِنهُما لِلْآخَرِ"؛ وقالَ الثَّوْرِيُّ: "تَجُوزُ شَهادَةُ الرَّجُلِ لِامْرَأتِهِ"؛ وقالَ الحَسَنُ بْنُ صالِحٍ: "لا تَجُوزُ شَهادَةُ المَرْأةِ لِزَوْجِها"؛ وقالَ الشّافِعِيُّ: "تَجُوزُ شَهادَةُ أحَدِ الزَّوْجَيْنِ لِلْآخَرِ ". قالَ أبُو بَكْرٍ: هَذا نَظِيرُ شَهادَةِ الوالِدِ لِلْوَلَدِ؛ والوَلَدِ لِلْوالِدِ؛ وذَلِكَ مِن وُجُوهٍ؛ أحَدُها أنَّهُ مَعْلُومٌ تَبَسُّطُ كُلِّ واحِدٍ مِنَ الزَّوْجَيْنِ في مالِ الآخَرِ في العادَةِ؛ وأنَّهُ كالمُباحِ الَّذِي لا يُحْتاجُ فِيهِ إلى الِاسْتِئْذانِ؛ فَما يُثْبِتُهُ الزَّوْجُ لِامْرَأتِهِ بِمَنزِلَةِ ما يُثْبِتُهُ لِنَفْسِهِ؛ وكَذَلِكَ ما تُثْبِتُهُ المَرْأةُ لِزَوْجِها؛ ألا تَرى أنَّهُ لا فارِقَ في المُعْتادِ بَيْنَ تَبَسُّطِهِ في مالِ الزَّوْجِ والزَّوْجَةِ؛ وبَيْنَهُ في مالِ أبِيهِ وابْنِهِ؟ ولَمّا كانَ كَذَلِكَ؛ وكانَتْ شَهادَتُهُ لِوالِدِهِ؛ ووَلَدِهِ؛ غَيْرَ جائِزَةٍ؛ كانَ كَذَلِكَ حُكْمُ شَهادَةِ الزَّوْجِ؛ والزَّوْجَةِ؛ وأيْضًا فَإنَّ شَهادَتَهُ لِزَوْجَتِهِ بِمالٍ تُوجِبُ زِيادَةَ قِيمَةِ البُضْعِ الَّذِي في مِلْكِهِ؛ لِأنَّ مَهْرَ مِثْلِها يَزِيدُ بِزِيادَةِ مالِها؛ فَكانَ شاهِدًا لِنَفْسِهِ بِزِيادَةِ قِيمَةِ ما هو مِلْكُهُ. وقَدْ (p-٢٤٣)رُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ أنَّهُ قالَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الحَضْرَمِيِّ - لَمّا ذَكَرَ لَهُ أنَّ عَبْدَهُ سَرَقَ مَرَّةً لِامْرَأتِهِ -: "عَبْدُكم سَرَقَ مالَكُمْ؛ لا قَطْعَ عَلَيْهِ"؛ فَجَعَلَ مالَ كُلِّ واحِدٍ مِنهُما مُضافًا إلَيْهِما بِالزَّوْجِيَّةِ الَّتِي بَيْنَهُما؛ فَما يُثْبِتُهُ كُلُّ واحِدٍ لِصاحِبِهِ فَكَأنَّهُ يُثْبِتُهُ لِنَفْسِهِ؛ ومِن جِهَةٍ أُخْرى أنَّهُ كُلَّما كَثُرَ مالُ الزَّوْجِ كانَتِ النَّفَقَةُ الَّتِي تَسْتَحِقُّها أكْثَرَ؛ فَكَأنَّها شاهِدَةٌ لِنَفْسِها؛ إذْ كانَتْ مُسْتَحِقَّةً لِلنَّفَقَةِ بِحَقِّ الزَّوْجِيَّةِ في حالَيِ الفَقْرِ؛ والغِنى؛ فَإنْ قالَ قائِلٌ: فالأُخْتُ الفَقِيرَةُ؛ والأخُ الزَّمِنُ؛ يَسْتَحِقّانِ لِلنَّفَقَةِ عَلى أخِيهِما؛ إذا كانَ غَنِيًّا؛ ولَمْ يَمْنَعَ ذَلِكَ جَوازَ شَهادَتِهِما لَهُ؛ قِيلَ لَهُ: لَيْسَتِ الأُخُوَّةُ مُوجِبَةً لِلِاسْتِحْقاقِ؛ لِأنَّ الغَنِيَّ لا يَسْتَحِقُّها؛ مَعَ وُجُودِ النَّسَبِ؛ والفَقِيرَ لا تَجِبُ عَلَيْهِ؛ مَعَ وُجُودِ الأُخُوَّةِ؛ والزَّوْجِيَّةُ سَبَبٌ لِاسْتِحْقاقِها؛ فَقِيرًا كانَ الزَّوْجُ؛ أوْ غَنِيًّا؛ فَكانَتِ المَرْأةُ مُثْبِتَةً بِشَهادَتِها لِنَفْسِها زِيادَةَ النَّفَقَةِ؛ مَعَ وُجُودِ الزَّوْجِيَّةِ المُوجِبَةِ لَها؛ والنَّسَبُ لَيْسَ كَذَلِكَ؛ لِأنَّهُ غَيْرُ مُوجِبٍ لِلنَّفَقَةِ؛ لِوُجُودِهِ بَيْنَهُما؛ فَلِذَلِكَ اخْتَلَفا.

البقرة 2:205

وقَوْلُهُ: ﴿واللَّهُ لا يُحِبُّ الفَسادَ﴾ نَصَّ عَلى بُطْلانِ مَذْهَبِ أهْلِ الإجْبارِ؛ لِأنَّ ما لا يُحِبُّهُ اللَّهُ فَهو لا يُرِيدُهُ، وما لا يُرِيدُهُ فَهو لا يُحِبُّهُ؛ فَأخْبَرَ اللَّهُ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ أنَّهُ لا يُحِبُّ الفَسادَ، وهَذا يُوجِبُ أنْ لا يَفْعَلَ الفَسادَ؛ لِأنَّهُ لَوْ فَعَلَهُ لَكانَ مُرِيدًا لَهُ ومُحِبًّا لَهُ؛ وهو (p-٣٩٧)مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿وما اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبادِ﴾ [غافر: ٣١] فَنَفى عَنْ نَفْسِهِ فِعْلَ الظُّلْمِ؛ لِأنَّهُ لَوْ فَعَلَهُ لَكانَ مُرِيدًا، لِاسْتِحالَةِ أنْ يَفْعَلَ ما لا يُرِيدُ. ويَدُلَّ عَلى أنَّ مَحَبَّتَهُ لِكَوْنِ الفِعْلِ هي إرادَتَهُ لَهُ، أنَّهُ غَيْرُ جائِزٍ أنْ يُحِبَّ كَوْنَهُ ولا يُرِيدَ أنْ يَكُونَ، بَلْ يَكْرَهُ أنْ يَكُونَ؛ وهَذا هو التَّناقُضُ، كَما لَوْ قالَ يُرِيدُ الفِعْلَ ويَكْرَهُهُ لَكانَ مُناقِضًا مُخْتَلًّا في كَلامِهِ؛ ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أنْ تَشِيعَ الفاحِشَةُ في الَّذِينَ آمَنُوا لَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ [النور: ١٩] والمَعْنى: إنَّ الَّذِينَ يُرِيدُونَ، فَدَلَّ عَلى أنَّ المَحَبَّةَ هي الإرادَةُ؛ وقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «إنَّ اللَّهَ أحَبَّ لَكم ثَلاثًا وكَرِهَ لَكم ثَلاثًا: أحَبَّ لَكم أنْ تَعْبُدُوهُ ولا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وأنْ تُناصِحُوا مَن ولّاهُ اللَّهُ أمْرَكم؛ وكَرِهَ لَكُمُ القِيلَ والقالَ، وكَثْرَةَ السُّؤالِ، وإضاعَةَ المالِ»، فَجَعَلَ الكَراهَةَ في مُقابَلَةِ المَحَبَّةِ، فَدَلَّ أنَّ ما أرادَهُ فَقَدْ أحَبَّهُ، كَما أنَّ ما كَرِهَهُ فَلَمْ يُرِدْهُ؛ إذْ كانَتِ الكَراهَةُ في مُقابَلَةِ الإرادَةِ كَما هي في مُقابَلَةِ المَحَبَّةِ، فَلَمّا كانَتِ الكَراهَةُ نَقِيضًا لِكُلِّ واحِدَةٍ مِنَ الإرادَةِ، والمَحَبَّةِ دَلَّ عَلى أنَّهُما سَواءٌ.

البقرة 2:209

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ فَإنَّ العَزِيزَ هو المَنِيعُ القادِرُ عَلى أنْ يَمْنَعَ؛ لِأنَّ أصْلَ العِزَّةِ الِامْتِناعُ، ومِنهُ يُقالُ: أرْضٌ عَزازٌ، إذا كانَتْ مُمْتَنِعَةً بِالشِّدَّةِ، والصُّعُوبَةِ. وأمّا الحَكِيمُ فَإنَّهُ يُطْلَقُ في صِفَةِ اللَّهِ تَعالى عَلى مَعْنَيَيْنِ: أحَدُهُما: العالِمُ، وإذا أُرِيدَ بِهِ ذَلِكَ جازَ أنْ يُقالَ: " لَمْ يَزَلْ حَكِيمًا " والمَعْنى الآخَرُ: مِنَ الفِعْلِ المُتْقَنِ المُحْكَمِ، وإذا أُرِيدَ بِهِ ذَلِكَ لَمْ يَجُزْ أنْ يُقالَ: " لَمْ يَزَلْ حَكِيمًا " كَما لا يَجُوزُ أنْ يُقالَ " لَمْ يَزَلْ فاعِلًا " فَوَصْفُهُ لِنَفْسِهِ بِأنَّهُ حَكِيمٌ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا يَفْعَلُ الظُّلْمَ، والسَّفَهَ، والقَبائِحَ ولا يُرِيدُها؛ لِأنَّ مَن كانَ كَذَلِكَ فَلَيْسَ بِحَكِيمٍ عِنْدَ جَمِيعِ أهْلِ العَقْلِ؛ وفِيهِ دَلِيلٌ عَلى بُطْلانِ قَوْلِ أهْلِ الجَبْرِ.

البقرة 2:210

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلا أنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ في ظُلَلٍ مِنَ الغَمامِ والمَلائِكَةُ﴾ هَذا مِن المُتَشابِهِ الَّذِي أمَرَنا اللَّهُ بِرَدِّهِ إلى المُحْكَمِ في قَوْلِهِ: ﴿هُوَ الَّذِي أنْزَلَ عَلَيْكَ الكِتابَ مِنهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الكِتابِ وأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ فَأمّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنهُ﴾ [آل عمران: ٧] وإنَّما كانَ مُتَشابِهًا لِاحْتِمالِهِ حَقِيقَةَ اللَّفْظِ، وإتْيانُ اللَّهِ واحْتِمالُهُ أنْ يُرِيدَ أمْرَ اللَّهِ ودَلِيلَ آياتِهِ، كَقَوْلِهِ في مَوْضِعٍ آخَرَ: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلا أنْ تَأْتِيَهُمُ المَلائِكَةُ أوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ﴾ [الأنعام: ١٥٨] فَجَمِيعُ هَذِهِ الآياتِ المُتَشابِهَةِ مَحْمُولَةٌ عَلى ما بَيَّنَهُ في قَوْلِهِ ﴿أوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ﴾ [الأنعام: ١٥٨] لِأنَّ اللَّهَ تَعالى لا يَجُوزُ عَلَيْهِ الإتْيانُ ولا المَجِيءُ ولا الِانْتِقالُ ولا الزَّوالُ؛ لِأنَّ ذَلِكَ مِن صِفاتِ الأجْسامِ ودَلالاتِ الحَدَثِ. وقالَ تَعالى في آيَةٍ مُحْكَمَةٍ: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] وجَعَلَ إبْراهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ ما شَهِدَهُ مِن حَرَكاتِ النُّجُومِ وانْتِقالِها (p-٣٩٨)دَلِيلًا عَلى حُدُثِها، واحْتَجَّ بِهِ عَلى قَوْمِهِ، فَقالَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وتِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إبْراهِيمَ عَلى قَوْمِهِ﴾ [الأنعام: ٨٣] يَعْنِي في حَدَثِ الكَواكِبِ، والأجْسامِ؛ تَعالى اللَّهُ عَنْ قَوْلِ المُشَبِّهَةِ عُلُوًّا كَبِيرًا. فَإنْ قِيلَ: فَهَلْ يَجُوزُ أنْ يُقالَ: " جاءَ رَبُّكَ " بِمَعْنى جاءَ كِتابُهُ، أوْ جاءَ رَسُولُهُ، أوْ ما جَرى مَجْرى ذَلِكَ ؟ قِيلَ لَهُ: هَذا مَجازٌ، والمُجازُ لا يُسْتَعْمَلُ إلّا في مَوْضِعٍ يَقُومُ الدَّلِيلُ عَلَيْهِ، وقَدْ قالَ تَعالى: ﴿واسْألِ القَرْيَةَ الَّتِي كُنّا فِيها﴾ [يوسف: ٨٢] وهو يُرِيدُ أهْلَ القَرْيَةِ، وقالَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ [الأحزاب: ٥٧] وهو يَعْنِي، أوْلِياءَ اللَّهِ. والمَجازُ إنَّما يُسْتَعْمَلُ في المَوْضِعِ الَّذِي يَقُومُ الدَّلِيلُ عَلى اسْتِعْمالِهِ فِيهِ، أوْ فِيما لا يَشْتَبِهُ مَعْناهُ عَلى السّامِعِ. * * وقَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ: ﴿وإلى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ﴾ فِيهِ وجْهانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ لَمّا كانَتِ الأُمُورُ كُلُّها قَبْلَ أنْ يُمَلِّكَ العِبادَ شَيْئًا مِنها لَهُ خاصَّةً، ثُمَّ مَلَّكَهم كَثِيرًا مِنَ الأُمُورِ، ثُمَّ تَكُونُ الأُمُورُ كُلُّها في الآخِرَةِ إلَيْهِ دُونَ خَلْقِهِ، جازَ أنْ يَقُولَ: تُرْجَعُ إلَيْهِ الأُمُورُ. والمَعْنى الآخَرُ: أنْ يَكُونَ بِمَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ألا إلى اللَّهِ تَصِيرُ الأُمُورُ﴾ [الشورى: ٥٣] يَعْنِي أنَّهُ لا يَمْلِكُها غَيْرُهُ، لا عَلى أنَّها لَمْ تَكِنْ إلَيْهِ ثُمَّ صارَتْ إلَيْهِ، لَكِنْ عَلى أنَّهُ لا يَمْلِكُها أحَدٌ سِواهُ، كَما قالَ لَبِيدٌ: ؎وما المَرْءُ إلّا كالشِّهابِ وضَوْئِهِ يَحُورُ رَمادًا بَعْدَ إذْ هو ساطِعُ وإنَّما عَنى أنَّهُ يَصِيرُ رَمادًا لا عَلى أنَّهُ كانَ رَمادًا مَرَّةً ثُمَّ رَجَعَ إلى ما كانَ.

البقرة 2:213

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كانَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ﴾ الآيَةَ، قِيلَ فِيهِ: إنَّهم كانُوا أُمَّةً واحِدَةً عَلى الكُفْرِ، وإنْ كانُوا مُخْتَلِفِينَ في مَذاهِبِهِمْ وجائِزٌ أنْ يَكُونَ فِيهِمْ مُسْلِمُونَ إلّا أنَّهم قَلِيلُونَ في نَفْسِهِمْ، وجائِزٌ إذا كانَ كَذَلِكَ إطْلاقُ اسْمِ الأُمَّةِ عَلى الجَماعَةِ لِانْصِرافِهِ إلى الأعَمِّ الأكْثَرِ، وقالَ قَتادَةُ، والضَّحّاكُ: " كانُوا أُمَّةً واحِدَةً عَلى الحَقِّ فاخْتَلَفُوا " . * * وقَوْلُهُ: ﴿فَهَدى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِما اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الحَقِّ بِإذْنِهِ﴾ فَإنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ طاوُسٍ يَرْوِي عَنْ أبِيهِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «نَحْنُ الآخِرُونَ السّابِقُونَ يَوْمَ القِيامَةِ، بَيْدَ أنَّ كُلَّ أُمَّةٍ أُوتُوا الكِتابَ قَبْلَنا وأُوتِيناهُ مِن بَعْدِهِمْ، فَهَذا يَوْمُهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ، فَهَدانا اللَّهُ لَهُ، ولِلْيَهُودِ غَدٌ ولِلنَّصارى بَعْدَ غَدٍ» . ورَوى الأعْمَشُ عَنْ أبِي صالِحٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ نَحْوَهُ؛ إلّا أنَّهُ قالَ: «هَدانا اللَّهُ لَهُ، يَوْمُ الجُمُعَةِ لَنا وغَدًا لِلْيَهُودِ وبَعْدَ غَدٍ لِلنَّصارى» . فَفي هَذا الحَدِيثِ أنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿فَهَدى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِما اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ هو يَوْمُ الجُمُعَةِ؛ وعُمُومُ اللَّفْظِ يَقْتَضِي سائِرَ الحَقِّ الَّذِي هُدِيَ لَهُ المُؤْمِنُونَ، ويَكُونُ يَوْمُ الجُمُعَةِ أحَدَها؛ واللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أعْلَمُ بِالصَّوابِ. (p-٣٩٩)

البقرة 2:215

بابُ مَن يُبْدَأُ بِهِ في النَّفَقَةِ عَلَيْهِ قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿يَسْألُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ قُلْ ما أنْفَقْتُمْ مِن خَيْرٍ فَلِلْوالِدَيْنِ والأقْرَبِينَ﴾ الآيَةَ. فالسُّؤالُ واقِعٌ عَنْ مِقْدارِ ما يُنْفَقُ، والجَوابُ صَدَرَ عَنِ القَلِيلِ، والكَثِيرِ مَعَ بَيانِ مَن تُصْرَفُ إلَيْهِ النَّفَقَةُ، فَقالَ تَعالى: ﴿قُلْ ما أنْفَقْتُمْ مِن خَيْرٍ﴾ فَذاكَ يَتَناوَلُ القَلِيلَ، والكَثِيرَ لِشُمُولِ اسْمِ الخَيْرِ لِجَمِيعِ الإنْفاقِ الَّذِي يُطْلَبُ بِهِ وجْهُ اللَّهِ، وبَيَّنَ فِيمَن تُصْرَفُ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَلِلْوالِدَيْنِ والأقْرَبِينَ﴾ ومَن ذُكِرَ في الآيَةِ، وأنَّ هَؤُلاءِ أوْلى مِن غَيْرِهِمْ مِمَّنْ لَيْسَ هو في مَنزِلَتِهِمْ بِالقُرْبِ والفَقْرِ وقَدْ بَيَّنَ في آيَةٍ أُخْرى ما يَجِبُ عَلَيْهِ فِيهِ النَّفَقَةُ، وهو قَوْلُهُ: ﴿ويَسْألُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ قُلِ العَفْوَ﴾ [البقرة: ٢١٩] فَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: " ما يَفْضُلُ عَنْ أهْلِكَ "، وقالَ قَتادَةُ: " العَفْوُ الفَضْلُ " . فَأخْبَرَ في هَذِهِ الآيَةِ أنَّ النَّفَقَةَ فِيما يَفْضُلُ عَنْ نَفْسِهِ وأهْلِهِ وعِيالِهِ؛ وعَلى هَذا المَعْنى قالَ ﷺ: «خَيْرُ الصَّدَقَةِ ما كانَ عَنْ ظَهْرِ غِنًى» وفي خَبَرٍ آخَرَ: «خَيْرُ الصَّدَقَةِ ما أبْقَتْ غِنًى، وابْدَأْ بِمَن تَعُولُ»، فَهَذا مُوافِقٌ لِقَوْلِهِ: ﴿ويَسْألُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ قُلِ العَفْوَ﴾ [البقرة: ٢١٩] وقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أخْبارٌ في التَّبْدِئَةِ بِالأقْرَبِ في النَّفَقَةِ، فَمِنها حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: «اليَدُ العُلْيا خَيْرٌ مِنَ اليَدِ السُّفْلى وابْدَأْ بِمَن تَعُولُ؛ أُمُّكَ وأبُوكَ وأُخْتُكَ وأخُوكَ وأدْناكَ فَأدْناكَ»؛ ورَوى مِثْلَهُ ثَعْلَبَةُ بْنُ زَهْدَمٍ وطارِقٌ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وقَدْ دَلَّ ذَلِكَ عَلى مَعْنى الآيَةِ في قَوْلِهِ: ﴿قُلْ ما أنْفَقْتُمْ مِن خَيْرٍ فَلِلْوالِدَيْنِ والأقْرَبِينَ﴾ وإنَّما المُرادُ بِها تَقْدِيمُ الأقْرَبِ فالأقْرَبِ في الإنْفاقِ. ورُوِيَ عَنِ الحَسَنِ البَصْرِيِّ أنَّ الآيَةَ في الزَّكاةِ والتَّطَوُّعِ جَمِيعًا، وأنَّها ثابِتَةُ الحُكْمِ غَيْرُ مَنسُوخَةٍ عَلَيْهِ. وقالَ السُّدِّيُّ: هي مَنسُوخَةٌ بِفَرْضِ الزَّكاةِ. قالَ أبُو بَكْرٍ: هي ثابِتَةُ الحُكْمِ عامَّةٌ في الفَرْضِ والتَّطَوُّعِ، أمّا الفَرْضُ فَلَمْ يُرِدْ بِهِ الوالِدَيْنِ ولا الوَلَدَ، وإنْ سَفَلُوا لِقِيامِ الدَّلالَةِ عَلَيْهِ، وأمّا التَّطَوُّعُ فَهي عامَّةٌ في الجَمِيعِ، ومَتى أمْكَنَنا اسْتِعْمالُهُما مَعَ فَرْضِ الزَّكاةِ فَغَيْرُ جائِزٍ الحُكْمُ بِنَسْخِها، وكَذَلِكَ حُكْمُ سائِرِ الآياتِ مَتى أمْكَنَ الجَمْعُ بَيْنَ جَمِيعِها في أحْكامِها مِن غَيْرِ إثْباتِ نَسْخٍ لَها لَمْ يَجُزْ لَنا الحُكْمُ بِنَسْخِ شَيْءٍ مِنها. ولَيْسَ يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِهِ النَّفَقَةَ عَلى الوالِدَيْنِ، والأقْرَبِينَ إذا كانُوا مُحْتاجِينَ، وذَلِكَ إذا كانَ الرَّجُلُ غَنِيًّا؛ لِأنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿قُلِ العَفْوَ﴾ [البقرة: ٢١٩] قَدْ دَلَّ عَلى أنَّ النَّفَقَةَ إنَّما تَجِبُ عَلَيْهِ فِيما يَفْضُلُ؛ فَإذا كانَ هو وعِيالُهُ مُحْتاجِينَ لا يَفْضُلُ عَنْهم شَيْءٌ فَلَيْسَ عَلَيْهِ نَفَقَةٌ. وقَدْ دَلَّتِ الآيَةُ عَلى مَعانٍ: مِنها أنَّ القَلِيلَ، والكَثِيرَ مِنَ النَّفَقَةِ يَسْتَحِقُّ بِهِ الثَّوابَ عَلى اللَّهِ تَعالى إذا أرادَ بِها وجْهَ اللَّهِ؛ ويَنْتَظِمُ (p-٤٠٠)ذَلِكَ الصَّدَقاتِ مِنَ النَّوافِلِ والفُرُوضِ. ومِنها أنَّ الأقْرَبَ فالأقْرَبَ، أوْلى بِذَلِكَ، بِقَوْلِهِ: ﴿فَلِلْوالِدَيْنِ والأقْرَبِينَ﴾ مَعَ بَيانِ النَّبِيِّ ﷺ لِمُرادِ اللَّهِ بِقَوْلِهِ: «ابْدَأْ بِمَن تَعُولُ: أُمَّكَ وأباكَ وأُخْتَكَ وأخاكَ وأدْناكَ فَأدْناكَ» وفِيهِ الدَّلالَةُ عَلى وُجُوبِ نَفَقَةِ الوالِدَيْنِ، والأقْرَبِينَ عَلَيْهِ. فَإنْ قِيلَ: فَيَنْبَغِي أنْ يَلْزَمَهُ نَفَقَةُ المَساكِينِ وابْنِ السَّبِيلِ وجَمِيعِ مَن ذُكِرَ في الآيَةِ. قِيلَ لَهُ: قَدِ اقْتَضى ظاهِرُها ذَلِكَ، وخَصَّصْنا بَعْضَها مِنَ النَّفَقَةِ الَّتِي تَسْتَحِقُّها الأقارِبُ بِدَلالَةٍ، وهم داخِلُونَ في الزَّكاةِ والتَّطَوُّعِ. وحَدَّثَنا عَبْدُ الباقِي بْنُ قانِعٍ قالَ: حَدَّثَنا مُعاذُ بْنُ المُثَنّى قالَ: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قالَ: حَدَّثَنا سُفْيانُ عَنْ مُزاحِمِ بْنِ زُفَرَ عَنْ مُجاهِدٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ قالَ: «دِينارٌ أعْطَيْتَهُ في سَبِيلِ اللَّهِ، ودِينارٌ أعْطَيْتَهُ مِسْكِينًا، ودِينارٌ أعْطَيْتَهُ في رَقَبَةٍ، ودِينارٌ أنْفَقْتَهُ عَلى أهْلِكَ، فَإنَّ الدِّينارَ الَّذِي أنْفَقْتَهُ عَلى أهْلِكَ أعْظَمُها أجْرًا» . وقَدْ رُوِيَ ذَلِكَ مَرْفُوعًا إلى النَّبِيِّ ﷺ؛ حَدَّثَنا عَبْدُ الباقِي قالَ: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيى المَرْوَزِيِّ قالَ: حَدَّثَنا عاصِمُ بْنُ عَلِيٍّ قالَ: حَدَّثَنا المَسْعُودِيُّ عَنْ مُزاحِمِ بْنِ زُفَرَ عَنْ مُجاهِدٍ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ نَحْوَهُ. وحَدَّثَنا عَبْدُ الباقِي قالَ: حَدَّثَنا مُعاذُ بْنُ المُثَنّى قالَ: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ قالَ: حَدَّثَنا شُعْبَةُ عَنْ عَدِيِّ بْنِ ثابِتٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «إنَّ المُسْلِمَ إذا أنْفَقَ نَفَقَةً عَلى أهْلِهِ كانَتْ لَهُ صَدَقَةً» فَهَذِهِ الآثارُ مُوافِقَةٌ لِمَعْنى قَوْلِهِ: ﴿ويَسْألُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ قُلِ العَفْوَ﴾ [البقرة: ٢١٩] وقَدِ اخْتُلِفَ في المُرادِ بِهِ، فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ وقَتادَةُ: " الفَضْلُ عَنِ الغِنى " . وقالَ الحَسَنُ وعَطاءٌ: " الوَسَطُ مِن غَيْرِ إسْرافٍ " . وقالَ مُجاهِدٌ: " أرادَ بِهِ الصَّدَقَةَ المَفْرُوضَةَ " . قالَ أبُو بَكْرٍ: إذا كانَ العَفْوُ ما فَضَلَ فَجائِزٌ أنْ يُرِيدَ بِهِ الزَّكاةَ المَفْرُوضَةَ في أنَّها لا تَجِبُ إلّا فِيما فَضَلَ عَنْ مِقْدارِ الحاجَةِ وحَصَلَ بِهِ الغِنى، وكَذَلِكَ سائِرُ الصَّدَقاتِ الواجِبَةِ، ويَجُوزُ أنْ يُرِيدَ بِهِ الصَّدَقَةَ التَّطَوُّعَ، فَيَتَضَمَّنُ ذَلِكَ الأمْرَ بِالإنْفاقِ عَلى نَفْسِهِ وعِيالِهِ، والأقْرَبِ فالأقْرَبِ مِنهُ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ ما يَفْضُلُ يَصْرِفُهُ إلى الأجانِبِ. ويُحْتَجُّ بِهِ في أنَّ صَدَقَةَ الفِطْرِ وسائِرَ الصَّدَقاتِ لا تَجِبُ عَلى الفَقِيرِ؛ إذْ كانَ اللَّهُ تَعالى إنَّما أمَرَنا بِالإنْفاقِ مِنَ العَفْوِ، والفاضِلِ عَنِ الغِنى.

البقرة 2:216

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِتالُ وهو كُرْهٌ لَكُمْ﴾ هَذا يَدُلُّ عَلى فَرْضِ القِتالِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ﴾ [البقرة: ١٨٣] بِمَعْنى فُرِضَ عَلَيْكم، كَقَوْلِهِ: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ﴾ [البقرة: ١٨٣] ثُمَّ لا يَخْلُو القِتالُ المَذْكُورُ في الآيَةِ مِن أنْ يَرْجِعَ إلى مَعْهُودٍ قَدْ عَرَفَهُ المُخاطَبُونَ، أوْ لَمْ يَرْجِعْ إلى مَعْهُودٍ؛ لِأنَّ الألِفَ، واللّامَ تَدْخُلانِ لِلْجِنْسِ، أوْ لِلْمَعْهُودِ، فَإنْ كانَ المُرادُ قِتالًا قَدْ عَرَفُوهُ رَجَعَ الكَلامُ (p-٤٠١)إلَيْهِ، نَحْوُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وقاتِلُوا المُشْرِكِينَ كافَّةً كَما يُقاتِلُونَكم كافَّةً﴾ [التوبة: ٣٦] وقَوْلِهِ: ﴿ولا تُقاتِلُوهم عِنْدَ المَسْجِدِ الحَرامِ حَتّى يُقاتِلُوكم فِيهِ فَإنْ قاتَلُوكم فاقْتُلُوهُمْ﴾ [البقرة: ١٩١] فَإنْ كانَ كَذَلِكَ، فَإنَّما هو أمْرٌ بِقِتالٍ عَلى وصْفٍ، وهو أنْ نُقاتِلَ المُشْرِكِينَ إذا قاتَلُونا، فَيَكُونَ حِينَئِذٍ كَلامًا مَبْنِيًّا عَلى مَعْهُودٍ قَدْ عُلِمَ حُكْمُهُ مُكَرَّرٌ ذِكْرُهُ تَأْكِيدًا، وإنْ لَمْ يَكُنْ راجِعًا إلى مَعْهُودٍ فَهو لا مَحالَةَ مُجْمَلٌ مُفْتَقِرٌ إلى البَيانِ، وذَلِكَ أنَّهُ مَعْلُومٌ عِنْدَ وُرُودِهِ أنَّهُ لَمْ يَأْمُرْنا بِقِتالِ النّاسِ كُلِّهِمْ فَلا يَصِحُّ اعْتِقادُ العُمُومِ فِيهِ، وما لا يَصِحُّ اعْتِقادُ العُمُومِ فِيهِ فَهو مُجْمَلٌ مُفْتَقِرٌ إلى البَيانِ. وسَنُبَيِّنُ اخْتِلافَ أهْلِ العِلْمِ في فَرْضِ الجِهادِ وكَيْفِيَّتِهِ عِنْدَ مَصِيرِنا إلى قَوْلِهِ: ﴿فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى. وقَوْلُهُ: ﴿وهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ﴾ مَعْناهُ مَكْرُوهٌ لَكم؛ أُقِيمَ فِيهِ المَصْدَرُ مَقامَ المَفْعُولِ، كَقَوْلِكَ: " فُلانٌ رِضى " أيْ: مَرْضِيٌّ.

البقرة 2:217

وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الحَرامِ قِتالٍ فِيهِ قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وكُفْرٌ بِهِ والمَسْجِدِ الحَرامِ﴾ قَدْ تَضَمَّنَتْ هَذِهِ الآيَةُ تَحْرِيمَ القِتالِ في الشَّهْرِ الحَرامِ، ونَظِيرُهُ في الدَّلالَةِ عَلى مِثْلِهِ قَوْلُهُ: ﴿الشَّهْرُ الحَرامُ بِالشَّهْرِ الحَرامِ والحُرُماتُ قِصاصٌ﴾ [البقرة: ١٩٤] وقَوْلُهُ: ﴿إنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنا عَشَرَ شَهْرًا في كِتابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ مِنها أرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ القَيِّمُ فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أنْفُسَكُمْ﴾ [التوبة: ٣٦] وحَدَّثَنا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الواسِطِيُّ قالَ: حَدَّثَنا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ اليَمانِ قالَ: حَدَّثَنا أبُو عُبَيْدٍ قالَ: حَدَّثَنا حَجّاجٌ عَنْ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ قالَ: حَدَّثَنِي أبُو الزُّبَيْرِ عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: «لَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَغْزُو في الشَّهْرِ الحَرامِ إلّا أنْ يُغْزى، فَإذا حَضَرَ ذَلِكَ أقامَ حَتّى يَنْسَلِخَ» . وقَدِ اخْتُلِفَ في نَسْخِ ذَلِكَ، فَقالَتْ طائِفَةٌ: حُكْمُهُ باقٍ لَمْ يُنْسَخْ؛ ومِمَّنْ قالَ ذَلِكَ عَطاءُ بْنُ أبِي رَباحٍ، حَدَّثَنا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ قالَ: حَدَّثَنا أبُو عُبَيْدٍ قالَ: حَدَّثَنا حَجّاجٌ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ قالَ: قُلْتُ لِعَطاءٍ: ما لَهم إنَّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ يَحِلُّ لَهم أنْ يَغْزُوا في الشَّهْرِ الحَرامِ ثُمَّ غَزَوْهم بَعْدُ فِيهِ. قالَ: فَحَلَفَ لِي ما يَحِلُّ لِلنّاسِ أنْ يَغْزُوا في الحَرَمِ ولا في الشَّهْرِ الحَرامِ إلّا أنْ يُقاتَلُوا، قالَ: وما نُسِخَتْ. ورَوى سُلَيْمانُ بْنُ يَسارٍ وسَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ: " أنَّ القِتالَ جائِزٌ في الشَّهْرِ الحَرامِ " وهو قَوْلُ فُقَهاءِ الأمْصارِ. والأوَّلُ مَنسُوخٌ بِقَوْلِهِ: ﴿فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] وقَوْلِهِ: ﴿قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ولا بِاليَوْمِ الآخِرِ﴾ [التوبة: ٢٩] الآيَةَ؛ لِأنَّها نَزَلَتْ بَعْدَ حَظْرِ القِتالِ في الشَّهْرِ الحَرامِ. وقَدِ اخْتُلِفَ في السّائِلِينَ عَنْ ذَلِكَ مَن هم، فَقالَ الحَسَنُ وغَيْرُهُ: " إنَّ الكُفّارَ سَألُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ ذَلِكَ عَلى جِهَةِ العَيْبِ لِلْمُسْلِمِينَ بِاسْتِحْلالِهِمُ القِتالَ في الشَّهْرِ الحَرامِ " . وقالَ آخَرُونَ: " المُسْلِمُونَ سَألُوا (p-٤٠٢)عَنْ ذَلِكَ لِيَعْلَمُوا كَيْفَ الحُكْمُ فِيهِ " . وقِيلَ: إنَّها نَزَلَتْ عَلى سَبَبٍ وهو قَتْلُ واقِدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَمْرَو بْنَ الحَضْرَمِيِّ مُشْرِكًا، فَقالَ المُشْرِكُونَ: قَدِ اسْتَحَلَّ مُحَمَّدٌ القِتالَ في الشَّهْرِ الحَرامِ، وقَدْ كانَ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ يَعْتَقِدُونَ تَحْرِيمَ القِتالِ في هَذِهِ الأشْهُرِ، فَأعْلَمَهُمُ اللَّهُ تَعالى بَقاءَ حَظْرِ القِتالِ في الشَّهْرِ الحَرامِ وأرى المُشْرِكِينَ مُناقَضَةً بِإقامَتِهِمْ عَلى الكُفْرِ مَعَ اسْتِعْظامِهِمُ القَتْلَ في الشَّهْرِ الحَرامِ، مَعَ أنَّ الكُفْرَ أعْظَمُ الإجْرامِ ومَعَ إخْراجِ أهْلِ المَسْجِدِ الحَرامِ مِنهُ وهُمُ المُؤْمِنُونَ؛ لِأنَّهم أوْلى بِالمَسْجِدِ الحَرامِ مِنَ الكُفّارِ لِقَوْلِهِ: ﴿إنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللَّهِ مَن آمَنَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ﴾ [التوبة: ١٨] فَأعْلَمَهُمُ اللَّهُ أنَّ الكُفْرَ بِاللَّهِ وبِالمَسْجِدِ الحَرامِ، وهو أنَّ اللَّهَ جَعَلَ المَسْجِدَ لِلْمُؤْمِنِينَ ولِعِبادَتِهِمْ إيّاهُ فِيهِ، فَجَعَلُوهُ لِأوْثانِهِمْ ومَنَعُوا المُسْلِمِينَ مِنهُ، فَكانَ ذَلِكَ كُفْرًا بِالمَسْجِدِ الحَرامِ، وأخْرَجُوا أهْلَهُ مِنهُ وهُمُ المُؤْمِنُونَ؛ لِأنَّهم أوْلى بِهِ مِنَ الكُفّارِ، فَأعْلَمَهُمُ اللَّهُ أنَّ الكُفّارَ مَعَ هَذا الإجْرامِ أوْلى بِالعَيْبِ مِن قَتْلِ رَجُلٍ مِنَ المُشْرِكِينَ في الشَّهْرِ الحَرامِ. واللهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أعْلَمُ. تَمَّ الجُزْءُ الأوَّلُ ويَلِيهِ الجُزْءُ الثّانِي وأوَّلُهُ بابُ تَحْرِيمِ الخَمْرِ

البقرة 2:219

(p-٣)بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ بابُ تَحْرِيمِ الخَمْرِ قالَ اللَّهُ (تَعالى): ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الخَمْرِ والمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إثْمٌ كَبِيرٌ ومَنافِعُ لِلنّاسِ وإثْمُهُما أكْبَرُ مِن نَفْعِهِما﴾: هَذِهِ الآيَةُ قَدِ اقْتَضَتْ تَحْرِيمَ الخَمْرِ؛ لَوْ لَمْ يَرِدْ غَيْرُها في تَحْرِيمِها لَكانَتْ كافِيَةً مُغْنِيَةً؛ وذَلِكَ لِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ فِيهِما إثْمٌ كَبِيرٌ﴾؛ والإثْمُ كُلُّهُ مُحَرَّمٌ بِقَوْلِهِ ( تَعالى): ﴿قُلْ إنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنها وما بَطَنَ والإثْمَ﴾ [الأعراف: ٣٣]؛ فَأخْبَرَ أنَّ الإثْمَ مُحَرَّمٌ؛ ولَمْ يَقْتَصِرْ عَلى إخْبارِهِ بِأنَّ فِيها إثْمًا حَتّى وصَفَهُ بِأنَّهُ كَبِيرٌ؛ تَأْكِيدًا لِحَظْرِها. وقَوْلُهُ: ﴿ومَنافِعُ لِلنّاسِ﴾؛ لا دَلالَةَ فِيهِ عَلى إباحَتِها؛ لِأنَّ المُرادَ مَنافِعُ الدُّنْيا؛ وأنَّ في سائِرِ المُحَرَّماتِ مَنافِعَ لِمُرْتَكِبِيها في دُنْياهُمْ؛ إلّا أنَّ تِلْكَ المَنافِعَ لا تَفِي بِضَرَرِها مِنَ العِقابِ المُسْتَحَقِّ بِارْتِكابِها؛ فَذِكْرُهُ لِمَنافِعِها غَيْرُ دالٍّ عَلى إباحَتِها؛ لا سِيَّما وقَدْ أكَّدَ حَظْرَها مَعَ ذِكْرِ مَنافِعِها؛ بِقَوْلِهِ - في سِياقِ الآيَةِ -: ﴿وإثْمُهُما أكْبَرُ مِن نَفْعِهِما﴾؛ يَعْنِي أنَّ ما يُسْتَحَقُّ بِهِما مِنَ العِقابِ أعْظَمُ مِنَ النَّفْعِ العاجِلِ الَّذِي يَنْبَغِي مِنهُما. ومِمّا نَزَلَ في شَأْنِ الخَمْرِ قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وأنْتُمْ سُكارى حَتّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ﴾ [النساء: ٤٣]؛ ولَيْسَ في هَذِهِ الآيَةِ دَلالَةٌ عَلى تَحْرِيمِ ما لَمْ يُسْكِرْ مِنها؛ وفِيها الدَّلالَةُ عَلى تَحْرِيمِ ما يُسْكِرُ مِنها؛ لِأنَّهُ إذا كانَتِ الصَّلاةُ فَرْضًا؛ نَحْنُ مَأْمُورُونَ بِفِعْلِها في أوْقاتِها؛ فَكُلُّ ما أدّى إلى المَنعِ مِنها فَهو مَحْظُورٌ؛ فَإذا كانَتِ الصَّلاةُ مَمْنُوعَةً في حالِ السُّكْرِ؛ وكانَ شُرْبُها مُؤَدِّيًا إلى تَرْكِ الصَّلاةِ؛ كانَ مَحْظُورًا؛ لِأنَّ فِعْلَ ما يَمْنَعُ مِنَ الفَرْضِ مَحْظُورٌ. ومِمّا نَزَلَ في شَأْنِ الخَمْرِ؛ مِمّا لا مَساغَ لِلتَّأْوِيلِ فِيهِ؛ قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿إنَّما الخَمْرُ والمَيْسِرُ والأنْصابُ والأزْلامُ رِجْسٌ مِن عَمَلِ الشَّيْطانِ فاجْتَنِبُوهُ﴾ [المائدة: ٩٠]؛ إلى قَوْلِهِ: ﴿فَهَلْ أنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة: ٩١]؛ فَتَضَمَّنَتْ هَذِهِ الآياتُ ذِكْرَ تَحْرِيمِها مِن وُجُوهٍ؛ أحَدُها قَوْلُهُ: ﴿رِجْسٌ مِن عَمَلِ الشَّيْطانِ﴾ [المائدة: ٩٠]؛ وذَلِكَ لا يَصِحُّ إطْلاقُهُ إلّا فِيما كانَ مَحْظُورًا مُحَرَّمًا؛ ثُمَّ أكَّدَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿فاجْتَنِبُوهُ﴾ [المائدة: ٩٠]؛ وذَلِكَ أمْرٌ يَقْتَضِي لُزُومَ اجْتِنابِهِ؛ ثُمَّ قالَ (تَعالى): ﴿فَهَلْ أنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة: ٩١]؛ ومَعْناهُ: فانْتَهُوا. فَإنْ قِيلَ: لَيْسَ في قَوْلِهِ ( تَعالى): ﴿فِيهِما إثْمٌ كَبِيرٌ﴾؛ دَلالَةٌ عَلى تَحْرِيمِ القَلِيلِ مِنها؛ لِأنَّ مُرادَ الآيَةِ ما يَلْحَقُ مِنَ المَأْثَمِ بِالسُّكْرِ؛ وتَرْكِ الصَّلاةِ؛ والمُواثَبَةِ؛ (p-٤)والقِتالِ؛ فَإذا حَصَلَ المَأْثَمُ بِهَذِهِ الأُمُورِ فَقَدْ وفَّيْنا ظاهِرَ الآيَةِ مُقْتَضاها مِنَ التَّحْرِيمِ؛ ولا دَلالَةَ فِيهِ عَلى تَحْرِيمِ القَلِيلِ مِنها؛ قِيلَ لَهُ: مَعْلُومٌ أنَّ في مَضْمُونِ قَوْلِهِ: ﴿فِيهِما إثْمٌ كَبِيرٌ﴾ ضَمِيرُ شُرْبِها؛ لِأنَّ جِسْمَ الخَمْرِ هو فِعْلُ اللَّهِ (تَعالى)؛ ولا مَأْثَمَ فِيها؛ وإنَّما المَأْثَمُ مُسْتَحَقٌّ بِأفْعالِنا فِيها؛ فَإذا كانَ الشُّرْبُ مُضْمَرًا؛ كانَ تَقْدِيرُهُ: "فِي شُرْبِها؛ وفِعْلِ المَيْسِرِ إثْمٌ كَبِيرٌ"؛ فَيَتَناوَلُ ذَلِكَ شُرْبَ القَلِيلِ مِنها؛ والكَثِيرِ؛ كَما لَوْ حُرِّمَتِ الخَمْرُ لَكانَ مَعْقُولًا أنَّ المُرادَ بِهِ شُرْبُها؛ والِانْتِفاعُ بِها؛ فَيَقْتَضِي ذَلِكَ تَحْرِيمَ قَلِيلِها؛ وكَثِيرِها. وقَدْ رُوِيَ في ذَلِكَ حَدِيثٌ: حَدَّثَنا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الواسِطِيُّ قالَ: حَدَّثَنا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ اليَمانِ قالَ: حَدَّثَنا أبُو عُبَيْدٍ قالَ: حَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صالِحٍ؛ عَنْ مُعاوِيَةَ بْنِ صالِحٍ؛ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طَلْحَةَ؛ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ؛ في قَوْلِهِ: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الخَمْرِ والمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إثْمٌ كَبِيرٌ﴾؛ قالَ: اَلْمَيْسِرُ هو القِمارُ؛ كانَ الرَّجُلُ في الجاهِلِيَّةِ يُخاطِرُ عَلى أهْلِهِ؛ ومالِهِ؛ وقالَ: وقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وأنْتُمْ سُكارى حَتّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ﴾ [النساء: ٤٣] قالَ: كانُوا لا يَشْرَبُونَها عِنْدَ الصَّلاةِ؛ فَإذا صَلَّوُا العِشاءَ شَرِبُوها؛ ثُمَّ إنَّ ناسًا مِنَ المُسْلِمِينَ شَرِبُوها؛ فَقاتَلَ بَعْضُهم بَعْضًا؛ وتَكَلَّمُوا بِما لا يُرْضِي اللَّهَ - عَزَّ وجَلَّ - فَأنْزَلَ اللَّهُ: ﴿إنَّما الخَمْرُ والمَيْسِرُ والأنْصابُ والأزْلامُ رِجْسٌ مِن عَمَلِ الشَّيْطانِ فاجْتَنِبُوهُ﴾ [المائدة: ٩٠]؛ قالَ: فالمَيْسِرُ: اَلْقِمارُ؛ والأنْصابُ: اَلْأوْثانُ؛ والأزْلامُ: اَلْقِداحُ؛ كانُوا يَسْتَقْسِمُونَ بِها. قالَ: وحَدَّثَنا أبُو عُبَيْدٍ قالَ: حَدَّثَنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ؛ عَنْ سُفْيانَ؛ عَنْ أبِي إسْحاقَ؛ عَنْ أبِي مَيْسَرَةَ قالَ: قالَ عُمَرُ: اَللَّهُمَّ بَيِّنْ لَنا في الخَمْرِ؛ فَنَزَلَتْ: ﴿لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وأنْتُمْ سُكارى حَتّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ﴾ [النساء: ٤٣]؛ فَقالَ: اَللَّهُمَّ بَيِّنْ لَنا في الخَمْرِ؛ فَنَزَلَتْ: ﴿قُلْ فِيهِما إثْمٌ كَبِيرٌ ومَنافِعُ لِلنّاسِ وإثْمُهُما أكْبَرُ مِن نَفْعِهِما﴾؛ فَقالَ: اَللَّهُمَّ بَيِّنْ لَنا في الخَمْرِ؛ فَنَزَلَتْ: ﴿إنَّما الخَمْرُ والمَيْسِرُ والأنْصابُ والأزْلامُ رِجْسٌ مِن عَمَلِ الشَّيْطانِ فاجْتَنِبُوهُ﴾ [المائدة: ٩٠]؛ إلى قَوْلِهِ: ﴿فَهَلْ أنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة: ٩١]؛ فَقالَ عُمَرُ: اِنْتَهَيْنا؛ إنَّها تُذْهِبُ المالَ؛ وتُذْهِبُ العَقْلَ. قالَ: وحَدَّثَنا أبُو عُبَيْدٍ قالَ: حَدَّثَنا هُشَيْمٌ قالَ: أخْبَرَنا المُغِيرَةُ عَنْ أبِي رَزِينٍ قالَ: شُرِبَتِ الخَمْرَ بَعْدَ الآيَةِ الَّتِي نَزَلَتْ في البَقَرَةِ؛ وبَعْدَ الآيَةِ الَّتِي في النِّساءِ؛ فَكانُوا يَشْرَبُونَها حَتّى تَحْضُرَ الصَّلاةُ؛ فَإذا حَضَرَتْ تَرَكُوها؛ ثُمَّ حُرِّمَتْ في المائِدَةِ؛ في قَوْلِهِ: ﴿فَهَلْ أنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة: ٩١]؛ فانْتَهى القَوْمُ عَنْها؛ فَلَمْ يَعُودُوا فِيها. فَمِنَ النّاسِ مَن يَظُنُّ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿قُلْ فِيهِما إثْمٌ كَبِيرٌ ومَنافِعُ لِلنّاسِ﴾؛ لَمْ يَدُلَّ عَلى التَّحْرِيمِ؛ لِأنَّهُ لَوْ كانَ دالًّا لَما شَرِبُوهُ؛ ولَما أقَرَّهُمُ النَّبِيُّ ﷺ؛ ولَما سَألَ عُمَرُ البَيانَ بَعْدَهُ؛ ولَيْسَ هَذا كَذَلِكَ عِنْدَنا؛ وذَلِكَ لِأنَّهُ جائِزٌ أنْ يَكُونُوا تَأوَّلُوا في قَوْلِهِ: (p-٥)﴿ومَنافِعُ لِلنّاسِ﴾؛ جَوازَ اسْتِباحَةِ مَنافِعِها؛ فَإنَّ الإثْمَ مَقْصُورٌ عَلى بَعْضِ الأحْوالِ دُونَ بَعْضٍ؛ فَإنَّما ذَهَبُوا عَنْ حُكْمِ الآيَةِ بِالتَّأْوِيلِ؛ وأمّا قَوْلُهُ: إنَّها لَوْ كانَتْ حَرامًا لَما أقَرَّهُمُ النَّبِيُّ ﷺ عَلى شُرْبِها؛ فَإنَّهُ لَيْسَ في شَيْءٍ مِنَ الأخْبارِ عِلْمُ النَّبِيِّ ﷺ بِشُرْبِها؛ ولا إقْرارِهِمْ عَلَيْهِ بَعْدَ عِلْمِهِ. وأمّا سُؤالُ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - بَيانًا بَعْدَ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ؛ فَلِأنَّهُ كانَ لِلتَّأْوِيلِ فِيهِ مَساغٌ؛ وقَدْ عَلِمَ هو وجْهَ دَلالَتِها عَلى التَّحْرِيمِ؛ ولَكِنَّهُ سَألَ بَيانًا يَزُولُ مَعَهُ احْتِمالُ التَّأْوِيلِ؛ فَأنْزَلَ اللَّهُ (تَعالى): ﴿إنَّما الخَمْرُ والمَيْسِرُ﴾ [المائدة: ٩٠]؛ اَلْآيَةَ. ولَمْ يَخْتَلِفْ أهْلُ النَّقْلِ في أنَّ الخَمْرَ قَدْ كانَتْ مُباحَةً في أوَّلِ الإسْلامِ؛ وأنَّ المُسْلِمِينَ قَدْ كانُوا يَشْرَبُونَها بِالمَدِينَةِ؛ ويَتَبايَعُونَ بِها؛ مَعَ عِلْمِ النَّبِيِّ ﷺ بِذَلِكَ؛ وإقْرارِهِمْ عَلَيْهِ؛ إلى أنْ حَرَّمَها اللَّهُ (تَعالى)؛ فَمِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ: إنَّ تَحْرِيمَها عَلى الإطْلاقِ إنَّما ورَدَ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّما الخَمْرُ والمَيْسِرُ والأنْصابُ والأزْلامُ رِجْسٌ مِن عَمَلِ الشَّيْطانِ فاجْتَنِبُوهُ﴾ [المائدة: ٩٠]؛ إلى قَوْلِهِ: ﴿فَهَلْ أنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة: ٩١]؛ وقَدْ كانَتْ مُحَرَّمَةً قَبْلَ ذَلِكَ في بَعْضِ الأحْوالِ؛ وهي أوْقاتُ الصَّلاةِ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وأنْتُمْ سُكارى﴾ [النساء: ٤٣]؛ وأنَّ بَعْضَ مَنافِعِها قَدْ كانَ مُباحًا؛ وبَعْضَها مَحْظُورًا؛ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ فِيهِما إثْمٌ كَبِيرٌ ومَنافِعُ لِلنّاسِ﴾؛ إلى أنْ أتَمَّ تَحْرِيمَها بِقَوْلِهِ: ﴿فاجْتَنِبُوهُ﴾ [المائدة: ٩٠]؛ وقَوْلِهِ: ﴿فَهَلْ أنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة: ٩١]؛ وقَدْ بَيَّنّا ما يَقْتَضِيهِ ظاهِرُ كُلِّ واحِدٍ مِن حُكْمِ الآياتِ مِن حُكْمِ التَّحْرِيمِ. وقَدِ اخْتُلِفَ فِيما يَتَناوَلُهُ اسْمُ الخَمْرِ مِنَ الأشْرِبَةِ؛ فَقالَ الجُمْهُورُ الأعْظَمُ مِنَ الفُقَهاءِ: اِسْمُ الخَمْرِ في الحَقِيقَةِ يَتَناوَلُ النَّيَّ المُشْتَدَّ مِن ماءِ العِنَبِ؛ وزَعَمَ فَرِيقٌ مِن أهْلِ المَدِينَةِ؛ ومالِكٌ؛ والشّافِعِيُّ؛ أنَّ كُلَّ ما أسْكَرَ كَثِيرُهُ مِنَ الأشْرِبَةِ فَهو خَمْرٌ؛ والدَّلِيلُ عَلى أنَّ اسْمَ الخَمْرِ مَخْصُوصٌ بِالنَّيِّ المُشْتَدِّ مِن ماءِ العِنَبِ؛ دُونَ غَيْرِهِ؛ وأنَّ غَيْرَهُ إنْ سُمِّيَ بِهَذا الِاسْمِ فَإنَّما هو مَحْمُولٌ عَلَيْهِ؛ ومُشَبَّهٌ بِهِ عَلى وجْهِ المَجازِ؛ حَدِيثُ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ؛ قالَ: «أُتِيَ النَّبِيُّ ﷺ بِنَشْوانَ؛ فَقالَ لَهُ: "أشَرِبْتَ خَمْرًا؟"؛ فَقالَ: ما شَرِبْتُها مُنْذُ حَرَّمَها اللَّهُ ورَسُولُهُ؛ قالَ: "فَماذا شَرِبْتَ؟"؛ قالَ: اَلْخَلِيطَيْنِ؛ قالَ: فَحَرَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الخَلِيطَيْنِ». فَنَفى الشّارِبُ اسْمَ الخَمْرِ عَنِ الخَلِيطَيْنِ بِحَضْرَةِ النَّبِيِّ ﷺ؛ فَلَمْ يُنْكِرْهُ عَلَيْهِ؛ ولَوْ كانَ ذَلِكَ يُسَمّى خَمْرًا مِن جِهَةِ لُغَةٍ؛ أوْ شَرْعٍ؛ لَما أقَرَّهُ عَلَيْهِ؛ إذْ كانَ في نَفْيِ التَّسْمِيَةِ؛ الَّتِي عُلِّقَ بِها حُكْمٌ؛ نَفْيُ الحُكْمِ؛ ومَعْلُومٌ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ لا يُقِرُّ أحَدًا عَلى حَظْرِ مُباحٍ؛ ولا عَلى اسْتِباحَةِ مَحْظُورٍ؛ وفي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى أنَّ اسْمَ الخَمْرِ مُنْتَفٍ عَنْ سائِرِ الأشْرِبَةِ؛ إلّا مِنَ النَّيِّ المُشْتَدِّ مِن ماءِ العِنَبِ؛ لِأنَّهُ إذا كانَ الخَلِيطانِ لا يُسَمَّيانِ خَمْرًا؛ مَعَ وُجُودِ قُوَّةِ الإسْكارِ مِنهُما؛ عَلِمْنا أنَّ الِاسْمَ مَقْصُورٌ عَلى ما وصَفْنا؛ ويَدُلُّ عَلَيْهِ (p-٦)ما حَدَّثَنا عَبْدُ الباقِي بْنُ قانِعٍ؛ قالَ: حَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ زَكَرِيّا العَلائِيُّ قالَ: حَدَّثَنا العَبّاسُ بْنُ بَكّارٍ قالَ: حَدَّثَنا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ بَشِيرٍ الغَطَفانِيُّ؛ عَنْ أبِي إسْحاقَ؛ عَنِ الحارِثِ؛ «عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قالَ: سَألْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنِ الأشْرِبَةِ عامَ حَجَّةِ الوَداعِ؛ فَقالَ: "حَرامٌ الخَمْرُ بِعَيْنِها؛ والسُّكْرُ مِن كُلِّ شَرابٍ"». قالَ عَبْدُ الباقِي: وحَدَّثَنا مُحَمَّدُ بْنُ زَكَرِيّا العَلائِيُّ قالَ: حَدَّثَنا شُعَيْبُ بْنُ واقِدٍ قالَ: حَدَّثَنا قَيْسٌ؛ عَنْ قَطَنٍ؛ عَنْ مُنْذِرٍ؛ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الحَنَفِيَّةِ؛ عَنْ عَلِيٍّ؛ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ نَحْوَهُ. وحَدَّثَنا عَبْدُ الباقِي قالَ: حَدَّثَنا حُسَيْنُ بْنُ إسْحاقَ قالَ: حَدَّثَنا عَيّاشُ بْنُ الوَلِيدِ قالَ: حَدَّثَنا عَلِيُّ بْنُ عَبّاسٍ قالَ: حَدَّثَنا سَعِيدُ بْنُ عُمارَةَ قالَ: حَدَّثَنا الحارِثُ بْنُ النُّعْمانِ قالَ: سَمِعْتُ أنَسَ بْنَ مالِكٍ يُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قالَ: «"اَلْخَمْرُ بِعَيْنِها حَرامٌ؛ والسُّكْرُ مِن كُلِّ شَرابٍ"». وقَدْ رَوى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَدّادٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مِن قَوْلِهِ مِثْلَ ذَلِكَ. ورُوِيَ عَنْهُ أيْضًا مَرْفُوعًا إلى النَّبِيِّ ﷺ؛ وقَدْ حَوى هَذا الخَبَرُ مَعانِيَ؛ مِنها أنَّ اسْمَ الخَمْرِ مَخْصُوصٌ بِشَرابٍ بِعَيْنِهِ؛ دُونَ غَيْرِهِ؛ وهو الَّذِي لَمْ يُخْتَلَفْ في تَسْمِيَتِهِ بِها؛ دُونَ غَيْرِها؛ مِن ماءِ العِنَبِ؛ وأنَّ غَيْرَها مِنَ الأشْرِبَةِ غَيْرُ مُسَمًّى بِهَذا الِاسْمِ؛ لِقَوْلِهِ: «"والسُّكْرُ مِن كُلِّ شَرابٍ"؛» وقَدْ دَلَّ أيْضًا عَلى أنَّ المُحَرَّمَ مِن سائِرِ الأشْرِبَةِ هو ما يَحْدُثُ عِنْدَهُ السُّكْرُ؛ لَوْلا ذَلِكَ لَما اقْتَصَرَ مِنها عَلى السُّكْرِ؛ دُونَ غَيْرِهِ؛ ولَما فَصَلَ بَيْنَها وبَيْنَ الخَمْرِ في جِهَةِ التَّحْرِيمِ؛ ودَلَّ أيْضًا عَلى أنَّ تَحْرِيمَ الخَمْرِ حُكْمٌ مَقْصُورٌ عَلَيْها؛ غَيْرُ مُتَعَدٍّ إلى غَيْرِها قِياسًا؛ ولا اسْتِدْلالًا؛ إذْ عَلَّقَ حُكْمَ التَّحْرِيمِ بِعَيْنِ الخَمْرِ دُونَ مَعْنى فِيها سِواها؛ وذَلِكَ يَنْفِي جَوازَ القِياسِ عَلَيْها؛ لِأنَّ كُلَّ أصْلٍ ساغَ القِياسُ عَلَيْهِ فَلَيْسَ الحُكْمُ المَنصُوصُ عَلَيْهِ مَقْصُورًا عَلَيْهِ؛ ولا مُتَعَلِّقًا بِهِ بِعَيْنِهِ؛ بَلْ يَكُونُ الحُكْمُ مَنصُوبًا عَلى بَعْضِ أوْصافِهِ؛ مِمّا هو مَوْجُودٌ في فُرُوعِهِ؛ فَيَكُونُ الحُكْمُ تابِعًا لِلْوَصْفِ؛ جارِيًا مَعَهُ في مَعْلُولاتِهِ؛ ومِمّا يَدُلُّ عَلى أنَّ سائِرَ الأشْرِبَةِ المُسْكِرَةِ لا يَتَناوَلُها اسْمُ الخَمْرِ قَوْلُهُ ﷺ في حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ عَنْهُ: «"اَلْخَمْرُ مِن هاتَيْنِ الشَّجَرَتَيْنِ: اَلنَّخْلَةِ؛ والعِنَبَةِ"». فَقَوْلُهُ: "اَلْخَمْرُ"؛ اِسْمٌ لِلْجِنْسِ؛ لِدُخُولِ الألِفِ واللّامِ عَلَيْهِ؛ فاسْتَوْعَبَ بِهِ جَمِيعَ ما يُسَمّى بِهَذا الِاسْمِ؛ فَلَمْ يَبْقَ شَيْءٌ مِنَ الأشْرِبَةِ يُسَمّى بِهِ إلّا وقَدِ اسْتَغْرَقَهُ ذَلِكَ؛ فانْتَفى بِذَلِكَ أنْ يَكُونَ ما يَخْرُجُ مِن غَيْرِ هاتَيْنِ الشَّجَرَتَيْنِ يُسَمّى خَمْرًا؛ ثُمَّ نَظَرْنا فِيما يَخْرُجُ مِنهُما؛ هَلْ جَمِيعُ الخارِجِ مِنهُما مُسَمًّى بِاسْمِ الخَمْرِ؛ أمْ لا؛ فَلَمّا اتَّفَقَ الجَمِيعُ عَلى أنَّ كُلَّ ما يَخْرُجُ مِنهُما مِنَ الأشْرِبَةِ غَيْرُ مُسَمًّى بِاسْمِ الخَمْرِ؛ لِأنَّ العَصِيرَ؛ والدِّبْسَ؛ والخَلَّ؛ ونَحْوَهُ مِن هاتَيْنِ الشَّجَرَتَيْنِ؛ ولا يُسَمّى شَيْءٌ مِنهُ خَمْرًا؛ عَلِمْنا أنَّ مُرادَهُ بَعْضُ الخارِجِ «مِن هاتَيْنِ الشَّجَرَتَيْنِ»؛ (p-٧)وذَلِكَ البَعْضُ غَيْرُ مَذْكُورٍ في الخَبَرِ؛ فاحْتَجْنا إلى الِاسْتِدْلالِ عَلى مُرادِهِ مِن غَيْرِهِ؛ في إثْباتِ اسْمِ الخَمْرِ لِلْخارِجِ مِنهُما؛ فَسَقَطَ الِاحْتِجاجُ بِهِ في تَحْرِيمِ جَمِيعِ الخارِجِ مِنهُما؛ وتَسْمِيَتِهِ بِاسْمِ الخَمْرِ؛ ويُحْتَمَلُ مَعَ ذَلِكَ أنْ يَكُونَ مُرادُهُ أنَّ الخَمْرَ أحَدُهُما؛ كَقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿يَخْرُجُ مِنهُما اللُّؤْلُؤُ والمَرْجانُ﴾ [الرحمن: ٢٢]؛ و﴿يا مَعْشَرَ الجِنِّ والإنْسِ ألَمْ يَأْتِكم رُسُلٌ مِنكُمْ﴾ [الأنعام: ١٣٠]؛ والمُرادُ أحَدُهُما؛ فَكَذَلِكَ جائِزٌ أنْ يَكُونَ المُرادُ في قَوْلِهِ: «"اَلْخَمْرُ مِن هاتَيْنِ الشَّجَرَتَيْنِ"؛» أحَدَهُما؛ فَإنْ كانَ المُرادُ هُما جَمِيعًا فَإنَّ ظاهِرَ اللَّفْظِ يَدُلُّ عَلى أنَّ المُسَمّى بِهَذا الِاسْمِ هو أوَّلُ شَرابٍ يُصْنَعُ مِنهُما؛ لِأنَّهُ لَمّا كانَ مَعْلُومًا أنَّهُ لَمْ يُرِدْ بِقَوْلِهِ: «"مِن هاتَيْنِ الشَّجَرَتَيْنِ"؛» بَعْضَ كُلِّ واحِدَةٍ مِنهُما؛ لِاسْتِحالَةِ كَوْنِ بَعْضِها خَمْرًا؛ دَلَّ عَلى أنَّ المُرادَ أوَّلٌ خارِجٍ مِنهُما مِنَ الأشْرِبَةِ؛ لِأنَّ " مِن" يَعْتَوِرُها مَعانٍ في اللُّغَةِ؛ مِنها التَّبْعِيضُ؛ ومِنها الِابْتِداءُ؛ كَقَوْلِكَ: "خَرَجْتُ مِنَ الكُوفَةِ"؛ و"هَذا كِتابٌ مِن فُلانٍ"؛ وما جَرى مُجْرى ذَلِكَ؛ فَيَكُونُ مَعْنى "مِن" في هَذا المَوْضِعِ عَلى ابْتِداءِ ما يَخْرُجُ مِنهُما؛ وذَلِكَ إنَّما يَتَناوَلُ العَصِيرَ المُشْتَدَّ؛ والدِّبْسَ السّائِلَ مِنَ النَّخْلِ إذا اشْتَدَّ؛ ولِذَلِكَ قالَ أصْحابُنا فِيمَن حَلَفَ "لا يَأْكُلُ مِن هَذِهِ النَّخْلَةِ شَيْئًا": إنَّهُ عَلى رُطَبِها؛ وتَمْرِها؛ ودِبْسِها؛ لِأنَّهم حَمَّلُوا "مِن" ما ذَكَرْنا مِنَ الِابْتِداءِ. قالَ أبُو بَكْرٍ: ويَدُلَّ عَلى ما ذَكَرْنا مِنَ انْتِفاءِ اسْمِ الخَمْرِ عَنْ سائِرِ الأشْرِبَةِ؛ إلّا ما وصَفْنا؛ ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أنَّهُ قالَ: "لَقَدْ حُرِّمَتِ الخَمْرُ يَوْمَ حُرِّمَتْ وما بِالمَدِينَةِ يَوْمَئِذٍ مِنها شَيْءٌ"؛ وابْنُ عُمَرَ رَجُلٌ مِن أهْلِ اللُّغَةِ؛ ومَعْلُومٌ أنَّهُ قَدْ كانَ بِالمَدِينَةِ السَّكَرُ؛ وسائِرُ الأنْبِذَةِ المُتَّخَذَةِ مِنَ التَّمْرِ؛ لِأنَّ تِلْكَ كانَتْ أشْرِبَتَهُمْ؛ ولِذَلِكَ قالَ جابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: "نَزَلَ تَحْرِيمُ الخَمْرِ وما يَشْرَبُ النّاسُ يَوْمَئِذٍ إلّا البُسْرَ؛ والتَّمْرَ"؛ وقالَ أنَسُ بْنُ مالِكٍ: "كُنْتُ ساقِيَ عُمُومَتِي مِنَ الأنْصارِ حِينَ نَزَلَ تَحْرِيمُ الخَمْرِ؛ فَكانَ شَرابُهم يَوْمَئِذٍ الفَضِيحُ؛ فَلَمّا سَمِعُوا أراقُوها"؛ فَلَمّا نَفى ابْنُ عُمَرَ اسْمَ الخَمْرِ عَنْ سائِرِ الأشْرِبَةِ الَّتِي كانَتْ بِالمَدِينَةِ دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّ الخَمْرَ عِنْدَهُ كانَتْ شَرابَ العِنَبِ النَّيِّ المُشْتَدِّ؛ وأنَّ ما سِواها غَيْرُ مُسَمًّى بِهَذا الِاسْمِ؛ ويَدُلُّ عَلَيْهِ أنَّ العَرَبَ كانَتْ تُسَمِّي الخَمْرَ سَبِيئَةً؛ ولَمْ تَكُنْ تُسَمِّي بِذَلِكَ سائِرَ الأشْرِبَةِ المُتَّخَذَةِ مِن تَمْرِ النَّخْلِ؛ لِأنَّها كانَتْ تُجْلَبُ إلَيْها مِن غَيْرِ بِلادِها؛ ولِذَلِكَ قالَ الأعْشى: ؎وسَبِيئَةٍ مِمّا يُعَتِّقُ بابِلٌ ∗∗∗ كَدَمِ الذَّبِيحِ سَلَبْتُها جَرْيًا لَها وتَقُولُ: "سَبَأْتُ الخَمْرَ"؛ إذا شَرَيْتَها؛ فَنَقَلُوا الِاسْمَ إلى المُشْتَرى بَعْدَ أنْ كانَ الأصْلُ إنَّما هو بِجَلْبِها مِن مَوْضِعٍ إلى مَوْضِعٍ؛ عَلى عادَتِها في الِاتِّساعِ في الكَلامِ؛ ويَدُلُّ عَلَيْهِ أيْضًا قَوْلُ (p-٨)أبِي الأسْوَدِ الدُّؤَلِيِّ - وهو رَجُلٌ مِن أهْلِ اللُّغَةِ؛ حُجَّةٌ فِيما قالَ مِنها -: ؎دَعِ الخَمْرَ تَشْرَبْها الغُواةُ فَإنَّنِي ∗∗∗ رَأيْتُ أخاها مُغْنِيًا لِمَكانِها ؎فَإنْ لا تَكُنْهُ أوْ يَكُنْها فَإنَّهُ ∗∗∗ أخُوها غَذَتْهُ أُمُّهُ بِلِبانِها فَجَعَلَ غَيْرَها مِنَ الأشْرِبَةِ أخًا لَها بِقَوْلِهِ: "رَأيْتُ أخاها مُغْنِيًا لِمَكانِها"؛ ومَعْلُومٌ أنَّهُ لَوْ كانَ يُسَمّى خَمْرًا لَما سَمّاهُ أخًا لَها؛ ثُمَّ أكَّدَهُ بِقَوْلِهِ: "فَإنْ لا تَكُنْهُ أوْ يَكُنْها فَإنَّهُ أخُوها"؛ فَأخْبَرَ أنَّها لَيْسَتْ هُوَ؛ فَثَبَتَ بِما ذَكَرْنا مِنَ الأخْبارِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ؛ وعَنِ الصَّحابَةِ؛ وأهْلِ اللُّغَةِ؛ أنَّ اسْمَ الخَمْرِ مَخْصُوصٌ بِما وصَفْنا؛ ومَقْصُورٌ عَلَيْهِ دُونَ غَيْرِهِ؛ ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ أنّا وجَدْنا بَلْوى أهْلِ المَدِينَةِ بِشُرْبِ الأشْرِبَةِ المُتَّخَذَةِ مِنَ التَّمْرِ؛ والبُسْرِ؛ كانَتْ أعَمَّ مِنها بِالخَمْرِ؛ وإنَّما كانَتْ بَلْواهم بِالخَمْرِ – خاصَّةً - قَلِيلَةً؛ لِقِلَّتِها عِنْدَهُمْ؛ فَلَمّا عَرَفَ الكُلُّ مِنَ الصَّحابَةِ تَحْرِيمَ النَّيِّ المُشْتَدِّ؛ واخْتَلَفُوا فِيما سِواها؛ ورُوِيَ عَنْ عُظَماءِ الصَّحابَةِ - مِثْلِ عُمَرَ؛ وعَبْدِ اللَّهِ؛ وأبِي ذَرٍّ؛ وغَيْرِهِمْ - شُرْبُ النَّبِيذِ الشَّدِيدِ؛ وكَذَلِكَ سائِرُ التّابِعِينَ؛ ومَن بَعْدَهم مِن أخْلافِهِمْ مِنَ الفُقَهاءِ؛ مِن أهْلِ العِراقِ؛ لا يَعْرِفُونَ تَحْرِيمَ هَذِهِ الأشْرِبَةِ؛ ولا يُسَمُّونَها بِاسْمِ الخَمْرِ؛ بَلْ يَنْفُونَهُ عَنْها؛ دَلَّ ذَلِكَ عَلى مَعْنَيَيْنِ؛ أحَدُهُما أنَّ اسْمَ الخَمْرِ لا يَقَعُ عَلَيْها؛ ولا يَتَناوَلُها؛ لِأنَّ الجَمِيعَ مُتَّفِقُونَ عَلى ذَمِّ شارِبِ الخَمْرِ؛ وأنَّ جَمِيعَها مُحَرَّمٌ؛ مَحْظُورٌ؛ والثّانِي أنَّ النَّبِيذَ غَيْرُ مُحَرَّمٍ؛ لِأنَّهُ لَوْ كانَ مُحَرَّمًا لَعَرَفُوا تَحْرِيمَهم كَمَعْرِفَتِهِمْ بِتَحْرِيمِ الخَمْرِ؛ إذْ كانَتِ الحاجَةُ إلى مَعْرِفَةِ تَحْرِيمِها أمَسَّ مِنها إلى مَعْرِفَةِ تَحْرِيمِ الخَمْرِ؛ لِعُمُومِ بَلْواهم بِها؛ دُونَها؛ وما عَمَّتِ البَلْوى مِنَ الأحْكامِ؛ فَسَبِيلُ وُرُودِهِ نَقْلُ التَّواتُرِ المُوجِبِ لِلْعِلْمِ؛ والعَمَلِ؛ وفي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى أنَّ تَحْرِيمَ الخَمْرِ لَمْ يُعْقَلْ بِهِ تَحْرِيمُ هَذِهِ الأشْرِبَةِ؛ ولا عُقِلَ الخَمْرُ اسْمًا لَها؛ واحْتَجَّ مَن زَعَمَ أنَّ سائِرَ الأشْرِبَةِ الَّتِي يُسْكِرُ كَثِيرُها خَمْرٌ؛ بِما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ؛ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ»؛ وبِما رُوِيَ عَنِ الشَّعْبِيِّ؛ عَنِ النُّعْمانِ بْنِ بَشِيرٍ؛ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «"اَلْخَمْرُ مِن خَمْسَةِ أشْياءَ: اَلتَّمْرِ؛ والعِنَبِ؛ والحِنْطَةِ؛ والشَّعِيرِ؛ والعَسَلِ"؛» ورُوِيَ عَنْ عُمَرَ؛ مِن قَوْلِهِ؛ نَحْوُهُ؛ وبِما رُوِيَ عَنْ عُمَرَ: "اَلْخَمْرُ ما خامَرَ العَقْلَ"؛ وبِما رُوِيَ عَنْ طاوُسٍ؛ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ؛ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «كُلُّ مُخَمَّرٍ خَمْرٌ؛ وكُلُّ مُسْكِرٍ حَرامٌ»؛ وبِما رُوِيَ «عَنْ أنَسٍ؛ قالَ: "كُنْتُ ساقِيَ القَوْمِ؛ حَيْثُ حُرِّمَتِ الخَمْرُ؛ في مَنزِلِ أبِي طَلْحَةَ؛ وما كانَ خَمْرُنا يَوْمَئِذٍ إلّا الفَضِيحُ؛ فَحِينَ سَمِعُوا تَحْرِيمَ الخَمْرِ أهْراقُوا الأوانِيَ؛ وكَسَرُوها؛ وقالُوا: فَقَدْ سَمّى النَّبِيُّ ﷺ هَذِهِ الأشْرِبَةَ خَمْرًا"؛» وكَذَلِكَ عُمَرُ؛ وأنَسٌ؛ وعَقَلَتِ الأنْصارُ مِن تَحْرِيمِ الخَمْرِ تَحْرِيمَ الفَضِيحِ؛ وهو نَقِيعُ البُسْرِ؛ ولِذَلِكَ (p-٩)أراقُوها؛ وكَسَرُوا الأوانِيَ. ولا تَخْلُو هَذِهِ التَّسْمِيَةُ مِن أنْ تَكُونَ واقِعَةً عَلى هَذِهِ الأشْرِبَةِ مِن جِهَةِ اللُّغَةِ؛ أوِ الشَّرْعِ؛ وأيَّهُما كانَ فَحُجَّتُهُ ثابِتَةٌ؛ والتَّسْمِيَةُ صَحِيحَةٌ؛ فَثَبَتَ بِذَلِكَ أنَّ ما أسْكَرَ مِنَ الأشْرِبَةِ كَثِيرُهُ فَهو خَمْرٌ؛ وهو مُحَرَّمٌ بِتَحْرِيمِ اللَّهِ (تَعالى) إيّاها؛ مِن طَرِيقِ اللَّفْظِ. والجَوابُ عَنْ ذَلِكَ؛ وبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ: أنَّ الأسْماءَ عَلى ضَرْبَيْنِ؛ ضَرْبٌ سُمِّيَ بِهِ الشَّيْءُ حَقِيقَةً لِنَفْسِهِ؛ وعِبارَةٌ عَنْ مَعْناهُ؛ والضَّرْبُ الآخَرُ ما سُمِّيَ بِهِ الشَّيْءُ مَجازًا؛ فَأمّا الضَّرْبُ الأوَّلُ فَواجِبٌ اسْتِعْمالُهُ؛ حَيْثُما وُجِدَ؛ وأمّا الضَّرْبُ الآخَرُ فَإنَّما يَجِبُ اسْتِعْمالُهُ عِنْدَ قِيامِ الدَّلالَةِ عَلَيْهِ؛ نَظِيرُ الضَّرْبِ الأوَّلِ قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ [النساء: ٢٦] ﴿واللَّهُ يُرِيدُ أنْ يَتُوبَ عَلَيْكم ويُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَواتِ أنْ تَمِيلُوا مَيْلا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٢٧]؛ فَأطْلَقَ لَفْظَ الإرادَةِ في هَذِهِ المَواضِعِ حَقِيقَةً؛ ونَظِيرُ الضَّرْبِ الثّانِي قَوْلُهُ: ﴿فَوَجَدا فِيها جِدارًا يُرِيدُ أنْ يَنْقَضَّ﴾ [الكهف: ٧٧]؛ فَإطْلاقُ لَفْظِ الإرادَةِ في هَذا المَوْضِعِ مَجازٌ؛ لا حَقِيقَةٌ؛ ونَحْوُ قَوْلِهِ: ﴿إنَّما الخَمْرُ والمَيْسِرُ﴾ [المائدة: ٩٠]؛ فاسْمُ الخَمْرِ في هَذا المَوْضِعِ حَقِيقَةٌ فِيما أُطْلِقَ فِيهِ؛ وقالَ في مَوْضِعٍ آخَرَ: ﴿إنِّي أرانِي أعْصِرُ خَمْرًا﴾ [يوسف: ٣٦]؛ فَأطْلَقَ اسْمَ الخَمْرِ في هَذا المَوْضِعِ مَجازًا؛ لِأنَّهُ إنَّما يُعْصَرُ العِنَبُ؛ لا الخَمْرُ؛ ونَحْوُ قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿رَبَّنا أخْرِجْنا مِن هَذِهِ القَرْيَةِ الظّالِمِ أهْلُها﴾ [النساء: ٧٥]؛ فاسْمُ القَرْيَةِ فِيها حَقِيقَةٌ؛ وإنَّما أرادَ البُنْيانَ؛ ثُمَّ قَوْلُهُ: ﴿واسْألِ القَرْيَةَ الَّتِي كُنّا فِيها﴾ [يوسف: ٨٢]؛ مَجازٌ؛ لِأنَّهُ لَمْ يُرِدْ بِها ما وُضِعَ اللَّفْظُ لَهُ حَقِيقَةً؛ وإنَّما أرادَ أهْلَها؛ وتَنْفَصِلُ الحَقِيقَةُ مِنَ المَجازِ بِأنَّ ما لَزِمَ مُسَمَّياتِهِ فَلَمْ يَنْتَفِ عَنْها بِحالٍ؛ فَهو حَقِيقَةٌ فِيها؛ وما جازَ انْتِفاؤُهُ عَنْ مُسَمَّياتِهِ فَهو مَجازٌ؛ ألا تَرى أنَّكَ إذا قُلْتَ: إنَّهُ لَيْسَ لِلْحائِطِ إرادَةٌ؛ كُنْتَ صادِقًا؛ ولَوْ قالَ قائِلٌ: إنَّ اللَّهَ لا يُرِيدُ شَيْئًا؛ أوْ: اَلْإنْسانُ العاقِلُ لَيْسَتْ لَهُ إرادَةٌ؛ كانَ مُبْطِلًا في قَوْلِهِ؟ وكَذَلِكَ جائِزٌ أنْ تَقُولَ: إنَّ العَصِيرَ لَيْسَ بِخَمْرٍ؛ وغَيْرُ جائِزٍ أنْ يُقالَ: إنَّ النَّيَّ المُشْتَدَّ مِن ماءِ العِنَبِ لَيْسَ بِخَمْرٍ؛ ونَظائِرُ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ في اللُّغَةِ؛ والشَّرْعِ؛ والأسْماءُ الشَّرْعِيَّةُ في مَعْنى أسْماءِ المَجازِ لا تَتَعَدّى بِها مَواضِعَها الَّتِي سُمِّيَتْ بِها؛ فَلَمّا وجَدْنا اسْمَ الخَمْرِ قَدْ يَنْتَفِي عَنْ سائِرِ الأشْرِبَةِ سِوى النَّيِّ المُشْتَدِّ مِن ماءِ العِنَبِ عَلِمْنا أنَّها لَيْسَتْ بِخَمْرٍ في الحَقِيقَةِ. والدَّلِيلُ عَلى جَوازِ انْتِفاءِ اسْمِ الخَمْرِ عَمّا وصَفْنا حَدِيثُ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ؛ قالَ: «أُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِنَشْوانَ؛ فَقالَ: "أشَرِبْتَ خَمْرًا؟"؛ فَقالَ: واللَّهِ ما شَرِبْتُها مُنْذُ حَرَّمَها اللَّهُ ورَسُولُهُ؛ قالَ: "فَماذا شَرِبْتَ؟"؛ قالَ: شَرِبْتُ الخَلِيطَيْنِ؛ فَحَرَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الخَلِيطَيْنِ يَوْمَئِذٍ؛» فَنَفى اسْمَ الخَمْرِ عَنِ الخَلِيطَيْنِ بِحَضْرَةِ النَّبِيِّ ﷺ؛ فَأقَرَّهُ عَلَيْهِ؛ ولَمْ يُنْكِرْهُ؛ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّهُ لَيْسَ بِخَمْرٍ؛ وقالَ ابْنُ عُمَرَ: "حُرِّمَتِ الخَمْرُ وما بِالمَدِينَةِ يَوْمَئِذٍ مِنها شَيْءٌ"؛ فَنَفى اسْمَ الخَمْرِ عَنْ أشْرِبَةِ تَمْرِ (p-١٠)النَّخْلِ؛ مَعَ وُجُودِها عِنْدَهم يَوْمَئِذٍ؛ ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ: «"اَلْخَمْرُ مِن هاتَيْنِ الشَّجَرَتَيْنِ"؛» وهو أصَحُّ إسْنادًا مِنَ الأخْبارِ الَّتِي ذُكِرَ فِيها أنَّ «الخَمْرَ مِن خَمْسَةِ أشْياءَ»؛ فَنَفى بِذَلِكَ أنْ يَكُونَ ما خَرَجَ مِن غَيْرِهِما خَمْرًا؛ إذْ كانَ قَوْلُهُ: «"اَلْخَمْرُ مِن هاتَيْنِ الشَّجَرَتَيْنِ"؛» اسْمًا لِلْجِنْسِ؛ مُسْتَوْعِبًا لِجَمِيعِ ما يُسَمّى بِهَذا الِاسْمِ؛ فَهَذا الخَبَرُ مُعارِضٌ ما رُوِيَ مِن أنَّ «الخَمْرَ مِن خَمْسَةِ أشْياءَ»؛ وهو أصَحُّ إسْنادًا مِنهُ؛ ويَدُلُّ عَلَيْهِ أنَّهُ لا خِلافَ أنَّ مُسْتَحِلَّ الخَمْرِ كافِرٌ؛ وأنَّ مُسْتَحِلَّ هَذِهِ الأشْرِبَةِ لا تَلْحَقُهُ سِمَةُ الفِسْقِ؛ فَكَيْفَ بِأنْ يَكُونَ كافِرًا؟! فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّها لَيْسَتْ بِخَمْرٍ في الحَقِيقَةِ؛ ويَدُلُّ عَلَيْهِ أنَّ خَلَّ هَذِهِ الأشْرِبَةِ لا يُسَمّى خَلَّ خَمْرٍ؛ وأنَّ خَلَّ الخَمْرِ هو الخَلُّ المُسْتَحِيلُ مِن ماءِ العِنَبِ النَّيِّ المُشْتَدِّ؛ فَإذا ثَبَتَ بِما ذَكَرْنا انْتِفاءَ اسْمِ الخَمْرِ عَنْ هَذِهِ الأشْرِبَةِ ثَبَتَ أنَّهُ لَيْسَ بِاسْمٍ لَها في الحَقِيقَةِ؛ وأنَّهُ إنْ ثَبَتَ تَسْمِيَتُها بِاسْمِ الخَمْرِ في حالٍ فَهو عَلى جِهَةِ التَّشْبِيهِ بِها عِنْدَ وُجُودِ السُّكْرِ مِنها؛ فَلَمْ يَجُزْ أنْ يَتَناوَلَها إطْلاقُ تَحْرِيمِ الخَمْرِ لِما وصَفْنا مِن أنَّ أسْماءَ المَجازِ لا يَجُوزُ دُخُولُها تَحْتَ إطْلاقِ أسْماءِ الحَقائِقِ؛ فَيَنْبَغِي أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: «"اَلْخَمْرُ مِن خَمْسَةِ أشْياءَ"؛» مَحْمُولًا عَلى الحالِ الَّتِي يَتَوَلَّدُ مِنها السُّكْرُ؛ فَسَمّاها بِاسْمِ الخَمْرِ في تِلْكَ الحالِ؛ لِأنَّها قَدْ عَمِلَتْ عَمَلَ الخَمْرِ في تَوْلِيدِ السُّكْرِ؛ واسْتِحْقاقِ الحَدِّ؛ ويَدُلُّ عَلى أنَّ هَذِهِ التَّسْمِيَةَ إنَّما تَسْتَحِقُّها في حالِ تَوْلِيدِها السُّكْرَ؛ قَوْلُ عُمَرَ: " اَلْخَمْرُ ما خامَرَ العَقْلَ"؛ وقَلِيلُ النَّبِيذِ لا يُخامِرُ العَقْلَ؛ لِأنَّ ما خامَرَ العَقْلَ هو ما غَطّاهُ؛ ولَيْسَ ذَلِكَ بِمَوْجُودٍ في قَلِيلِ ما أسْكَرَ كَثِيرُهُ مِن هَذِهِ الأشْرِبَةِ؛ وإذا ثَبَتَ بِما وصَفْنا أنَّ اسْمَ الخَمْرِ مَجازٌ في هَذِهِ الأشْرِبَةِ فَلا يُسْتَعْمَلُ إلّا في مَوْضِعٍ يَقُومُ الدَّلِيلُ عَلَيْهِ؛ فَلا يَجُوزُ أنْ يَنْطَوِيَ تَحْتَ إطْلاقِ تَحْرِيمِ الخَمْرِ؛ ألا تَرى «أنَّهُ ﷺ قَدْ سَمّى فَرَسًا لِأبِي طَلْحَةَ رَكِبَهُ لِفَزَعٍ كانَ بِالمَدِينَةِ فَقالَ: "وجَدْناهُ بَحْرًا"؛ فَسَمّى الفَرَسَ "بَحْرًا"؛» إذْ كانَ جَوادًا واسِعَ الخَطْوِ؟ ولا يُعْقَلُ إطْلاقُ اسْمِ البَحْرِ عَلى الفَرَسِ الجَوادِ؛ وقالَ النّابِغَةُ لِلنُّعْمانِ بْنِ المُنْذِرِ: ؎فَإنَّكَ شَمْسٌ والمُلُوكُ كَواكِبٌ ∗∗∗ إذا طَلَعَتْ لَمْ يَبْدُ مِنهُنَّ كَوْكَبُ ولَمْ تَكُنِ الشَّمْسُ اسْمًا لَهُ؛ ولا الكَواكِبُ اسْمًا لِلْمُلُوكِ؛ فَصَحَّ بِما وصَفْنا أنَّ اسْمَ الخَمْرِ لا يَقَعُ عَلى هَذِهِ الأشْرِبَةِ الَّتِي وصَفْنا؛ وأنَّهُ مَخْصُوصٌ بِماءِ العِنَبِ النَّيِّ المُشْتَدِّ حَقِيقَةً؛ وإنَّما يُسَمّى بِهِ غَيْرُها مَجازًا؛ واللَّهُ أعْلَمُ. * * بابُ تَحْرِيمِ المَيْسِرِ قالَ اللَّهُ (تَعالى): ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الخَمْرِ والمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إثْمٌ كَبِيرٌ﴾؛ قالَ أبُو بَكْرٍ: دَلالَتُهُ (p-١١)عَلى تَحْرِيمِ المَيْسِرِ كَهي عَلى ما تَقَدَّمَ مِن بَيانِهِ؛ ويُقالُ: إنَّ اسْمَ المَيْسِرِ في أصْلِ اللُّغَةِ إنَّما هو لِلتَّجْزِئَةِ؛ وكُلُّ ما جَزَّأْتَهُ فَقَدْ يَسَّرْتَهُ؛ يُقالُ: لِلْجازِرِ "اَلْياسِرُ"؛ لِأنَّهُ يُجَزِّئُ الجَزُورَ؛ والمَيْسِرُ الجَزُورُ نَفْسُهُ؛ إذا تَجَزّى؛ وكانُوا يَنْحَرُونَ جَزُورًا؛ ويَجْعَلُونَهُ أقْسامًا يَتَقامَرُونَ عَلَيْها بِالقِداحِ؛ عَلى عادَةٍ لَهم في ذَلِكَ؛ فَكُلُّ مَن خَرَجَ لَهُ قَدَحٌ نَظَرُوا إلى ما عَلَيْهِ مِنَ السِّمَةِ؛ فَيَحْكُمُونَ لَهُ بِما يَقْتَضِيهِ أسْماءُ القِداحِ؛ فَسُمِّيَ عَلى هَذا سائِرُ ضُرُوبِ القِمارِ "مَيْسِرًا"؛ وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ؛ وقَتادَةُ؛ ومُعاوِيَةُ بْنُ صالِحٍ؛ وعَطاءٌ؛ وطاوُسٌ؛ ومُجاهِدٌ: "اَلْمَيْسِرُ القِمارُ". وقالَ عَطاءٌ؛ وطاوُسٌ؛ ومُجاهِدٌ: "حَتّى لَعِبُ الصِّبْيانِ بِالكِعابِ؛ والجَوْزِ". ورُوِيَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ؛ عَنِ القاسِمِ؛ عَنْ أبِي أُمامَةَ؛ عَنْ أبِي مُوسى؛ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «اِجْتَنِبُوا هَذِهِ الكِعابَ المَوْسُومَةَ الَّتِي يُزْجَرُ بِها زَجْرًا؛ فَإنَّها مِنَ المَيْسِرِ» . ورَوى سَعِيدُ بْنُ أبِي هِنْدٍ؛ عَنْ أبِي مُوسى؛ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «مَن لَعِبَ بِالنَّرْدِ فَقَدْ عَصى اللَّهَ ورَسُولَهُ» . ورَوى حَمّادُ بْنُ سَلَمَةَ؛ عَنْ قَتادَةَ؛ عَنْ حِلاسٍ أنَّ رَجُلًا قالَ لِرَجُلٍ: إنْ أكَلْتَ كَذا وكَذا بَيْضَةً فَلَكَ كَذا وكَذا؛ فارْتَفَعا إلى عَلِيٍّ؛ فَقالَ: "هَذا قِمارٌ"؛ ولَمْ يُجِزْهُ؛ ولا خِلافَ بَيْنَ أهْلِ العِلْمِ في تَحْرِيمِ القِمارِ؛ وأنَّ المُخاطَرَةَ مِنَ القِمارِ؛ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إنَّ المُخاطَرَةَ قِمارٌ؛ وإنَّ أهْلَ الجاهِلِيَّةِ كانُوا يُخاطِرُونَ عَلى المالِ؛ والزَّوْجَةِ؛ وقَدْ كانَ ذَلِكَ مُباحًا إلى أنْ ورَدَ تَحْرِيمُهُ؛ وقَدْ خاطَرَ أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ المُشْرِكِينَ حِينَ نَزَلَتْ ﴿الـم﴾ [الروم: ١] ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ [الروم: ٢]؛ وقالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: «"زِدْ في الخَطَرِ؛ وأبْعِدْ في الأجَلِ"؛» ثُمَّ حُظِرَ ذَلِكَ؛ ونُسِخَ بِتَحْرِيمِ القِمارِ؛ ولا خِلافَ في حَظْرِهِ؛ إلّا ما رُخِّصَ فِيهِ مِنَ الرِّهانِ في السَّبَقِ في الدَّوابِّ؛ والإبِلِ؛ والنِّصالِ؛ إذا كانَ الَّذِي يَسْتَحِقُّ واحِدًا إنْ سَبَقَ؛ ولا يَسْتَحِقُّ الآخَرُ إنْ سُبِقَ؛ وإنْ شُرِطَ أنَّ مَن سَبَقَ مِنهُما أخَذَ؛ ومَن سُبِقَ أعْطى؛ فَهَذا باطِلٌ؛ فَإنْ أدْخَلا بَيْنَهُما رَجُلًا إنْ سَبَقَ اسْتَحَقَّ؛ وإنْ سُبِقَ لَمْ يُعْطَ؛ فَهَذا جائِزٌ؛ وهَذا الدَّخِيلُ الَّذِي سَمّاهُ النَّبِيُّ ﷺ – "مُحَلِّلًا"؛ وقَدْ رَوى أبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: «"لا سَبَقَ إلّا في خُفٍّ؛ أوْ حافِرٍ؛ أوْ نَصْلٍ"؛» ورَوى ابْنُ عُمَرَ «عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ سابَقَ بَيْنَ الخَيْلِ؛» وإنَّما خَصَّ ذَلِكَ لِأنَّ فِيهِ رِياضَةً لِلْخَيْلِ؛ وتَدْرِيبًا لَها عَلى الرَّكْضِ؛ وفِيهِ اسْتِظْهارٌ وقُوَّةٌ عَلى العَدُوِّ؛ قالَ اللَّهُ (تَعالى): ﴿وأعِدُّوا لَهم ما اسْتَطَعْتُمْ مِن قُوَّةٍ﴾ [الأنفال: ٦٠]؛ رُوِيَ أنَّها الرَّمْيُ؛ ﴿ومِن رِباطِ الخَيْلِ﴾ [الأنفال: ٦٠]؛ فَظاهِرُ قَوْلِهِ: ﴿ومِن رِباطِ الخَيْلِ﴾ [الأنفال: ٦٠]؛ يَقْتَضِي جَوازَ السَّبَقِ بِها؛ لِما فِيهِ مِنَ القُوَّةِ عَلى العَدْوِ؛ وكَذَلِكَ الرَّمْيُ. وما ذَكَرَهُ اللَّهُ (تَعالى) مِن تَحْرِيمِ المَيْسِرِ؛ وهو القِمارُ؛ يُوجِبُ تَحْرِيمَ القُرْعَةِ في العَبِيدِ؛ يُعْتِقُهُمُ المَرِيضُ ثُمَّ يَمُوتُ؛ لِما فِيهِ مِنَ القِمارِ؛ وإحْقاقِ بَعْضٍ؛ وإنْجاحِ بَعْضٍ؛ وهَذا هو مَعْنى (p-١٢)القِمارِ بِعَيْنِهِ؛ ولَيْسَتِ القُرْعَةُ في القِسْمَةِ كَذَلِكَ؛ لِأنَّ كُلَّ واحِدٍ يَسْتَوْفِي نَصِيبَهُ؛ لا يُحَقَّقُ واحِدٌ مِنهُمْ؛ واللَّهُ أعْلَمُ.

البقرة 2:220

بابُ التَّصَرُّفِ في مالِ اليَتِيمِ قالَ اللَّهُ (تَعالى): ﴿ويَسْألُونَكَ عَنِ اليَتامى قُلْ إصْلاحٌ لَهم خَيْرٌ وإنْ تُخالِطُوهم فَإخْوانُكُمْ﴾؛ قالَ أبُو بَكْرٍ: اَلْيَتِيمُ: اَلْمُنْفَرِدُ عَنْ أحَدِ أبَوَيْهِ؛ فَقَدْ يَكُونُ يَتِيمًا مِنَ الأُمِّ؛ مَعَ بَقاءِ الأبِ؛ وقَدْ يَكُونُ يَتِيمًا مِنَ الأبِ مَعَ بَقاءِ الأُمِّ؛ إلّا أنَّ الأظْهَرَ عِنْدَ الإطْلاقِ هو اليَتِيمُ مِنَ الأبِ؛ وإنْ كانَتِ الأُمُّ باقِيَةً؛ ولا يَكادُ يُوجَدُ الإطْلاقُ في اليَتِيمِ مِنَ الأُمِّ إذا كانَ الأبُ باقِيًا؛ وكَذَلِكَ سائِرٌ ما ذَكَرَ اللَّهُ مِن أحْكامِ الأيْتامِ؛ إنَّما المُرادُ بِها الفاقِدُونَ لِآبائِهِمْ وهم صِغارٌ؛ ولا يُطْلَقُ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ بَعْدَ البُلُوغِ إلّا عَلى وجْهِ المَجازِ؛ لِقُرْبِ عَهْدِهِمْ بِاليُتْمِ؛ والدَّلِيلُ عَلى أنَّ اليَتِيمَ اسْمٌ لِلْمُنْفَرِدِ تَسْمِيَتُهم لِلْمَرْأةِ المُنْفَرِدَةِ عَنِ الزَّوْجِ "يَتِيمَةً" سَواءٌ كانَتْ كَبِيرَةً أوْ صَغِيرَةً؛ قالَ الشّاعِرُ: ؎إنَّ القُبُورَ تَنْكِحُ الأيامى ∗∗∗ اَلنِّسْوَةَ الأرامِلَ اليَتامى وتُسَمّى الرّابِيَةُ يَتِيمَةً؛ لِانْفِرادِها عَمّا حَوالَيْها؛ قالَ الشّاعِرُ - يَصِفُ ناقَتَهُ -: ؎قَوْداءُ تَمْلِكُ رَحْلَها ∗∗∗ مِثْلُ اليَتِيمِ مِنَ الأرانِبِ يَعْنِي الرّابِيَةَ؛ ويُقالُ: "دُرَّةٌ يَتِيمَةٌ"؛ لِأنَّها مُفْرَدَةٌ لا نَظِيرَ لَها؛ وكِتابٌ لِابْنِ المُقَفَّعِ في مَدْحِ أبِي العَبّاسِ السَّفّاحِ؛ واخْتِلافِ مَذاهِبِ الخَوارِجِ؛ وغَيْرِهِمْ؛ يُسَمّى "اَلْيَتِيمَةُ"؛ قالَ أبُو تَمّامٍ: ؎وكَثِيرَ عَزَّةَ يَوْمَ بَيْنٍ يَنْسُبُ ∗∗∗ وابْنَ المُقَفَّعِ في اليَتِيمَةِ يُسْهِبُ وإذا كانَ اليَتِيمُ اسْمًا لِلِانْفِرادِ؛ كانَ شامِلًا لِمَن فَقَدَ أحَدَ أبَوَيْهِ؛ صَغِيرًا أوْ كَبِيرًا؛ إلّا أنَّ الإطْلاقَ إنَّما يَتَناوَلُ ما ذَكَرْنا مِن فَقْدِ الأبِ في حالِ الصِّغَرِ؛ حَدَّثَنا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ قالَ: حَدَّثَنا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ اليَمانِ قالَ: حَدَّثَنا أبُو عُبَيْدٍ قالَ: حَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صالِحٍ؛ عَنْ مُعاوِيَةَ بْنِ صالِحٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طَلْحَةَ؛ «عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ؛ في قَوْلِهِ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿ويَسْألُونَكَ عَنِ اليَتامى قُلْ إصْلاحٌ لَهم خَيْرٌ﴾؛ قالَ: إنَّ اللَّهَ (تَعالى) لَمّا أنْزَلَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أمْوالَ اليَتامى ظُلْمًا إنَّما يَأْكُلُونَ في بُطُونِهِمْ نارًا وسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ [النساء: ١٠]؛ كَرِهَ المُسْلِمُونَ أنْ يَضُمُّوا اليَتامى إلَيْهِمْ؛ وتَحَرَّجُوا أنْ يُخالِطُوهُمْ؛ وسَألُوا النَّبِيَّ ﷺ عَنْهُ؛ فَأنْزَلَ اللَّهُ ﴿ويَسْألُونَكَ عَنِ اليَتامى﴾؛ إلى قَوْلِهِ: ﴿ولَوْ شاءَ اللَّهُ لأعْنَتَكُمْ﴾؛ قالَ: لَوْ شاءَ اللَّهُ لِأحْرَجَكم وضَيَّقَ عَلَيْكُمْ؛ ولَكِنَّهُ وسَّعَ؛ ويَسَّرَ؛ فَقالَ: ﴿ومَن (p-١٣)كانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ ومَن كانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ٦]» . وقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: «"اِبْتَغُوا بِأمْوالِ اليَتامى؛ لا تَأْكُلُها الصَّدَقَةُ"؛» ويُرْوى ذَلِكَ مَوْقُوفًا عَلى عُمَرَ؛ وعَنْ عُمَرَ؛ وعائِشَةَ؛ وابْنِ عُمَرَ؛ وشُرَيْحٍ؛ وجَماعَةٍ مِنَ التّابِعِينَ: "دَفْعُ مالِ اليَتِيمِ مُضارَبَةٌ؛ والتِّجارَةُ بِهِ". وقَدْ حَوَتْ هَذِهِ الآيَةُ ضُرُوبًا مِنَ الأحْكامِ؛ أحَدُها قَوْلُهُ: ﴿قُلْ إصْلاحٌ لَهم خَيْرٌ﴾؛ فِيهِ الدَّلالَةُ عَلى جَوازِ خَلْطِ مالِهِ بِمالِهِ؛ وجَوازُ التَّصَرُّفِ فِيهِ بِالبَيْعِ؛ والشِّراءِ؛ إذا كانَ ذَلِكَ صَلاحًا؛ وجَوازُ دَفْعِهِ مُضارَبَةً إلى غَيْرِهِ؛ وجَوازُ أنْ يَعْمَلَ ولِيُّ اليَتِيمِ مُضارَبَةً أيْضًا؛ وفِيهِ الدَّلالَةُ عَلى جَوازِ الِاجْتِهادِ في أحْكامِ الحَوادِثِ؛ لِأنَّ الإصْلاحَ الَّذِي تَضَمَّنَتْهُ الآيَةُ إنَّما يُعْلَمُ مِن طَرِيقِ الِاجْتِهادِ؛ وغالِبِ الظَّنِّ؛ ويَدُلُّ عَلى أنَّ لِوَلِيِّ اليَتِيمِ أنْ يَشْتَرِيَ مِن مالِهِ لِنَفْسِهِ إذا كانَ خَيْرًا لِلْيَتِيمِ؛ وذَلِكَ بِأنَّ ما يَأْخُذُهُ اليَتِيمُ أكْثَرُ قِيمَةً مِمّا يَخْرُجُ عَنْ مِلْكِهِ؛ وهو قَوْلُ أبِي حَنِيفَةَ؛ ويَبِيعَ أيْضًا مِن مالِ نَفْسِهِ لِلْيَتِيمِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ مِنَ الإصْلاحِ لَهُ؛ ويَدُلُّ أيْضًا عَلى أنَّ لَهُ تَزْوِيجَ اليَتِيمِ إذا كانَ ذَلِكَ مِنَ الإصْلاحِ؛ وذَلِكَ عِنْدَنا فِيمَن كانَ ذا نَسَبٍ مِنهُ؛ دُونَ الوَصِيِّ الَّذِي لا نَسَبَ بَيْنَهُ وبَيْنَهُ؛ لِأنَّ الوَصِيَّةَ نَفْسَها لا يَسْتَحِقُّ بِها الوِلايَةَ في التَّزْوِيجِ؛ ولَكِنَّهُ قَدِ اقْتَضى ظاهِرُهُ أنَّ لِلْقاضِي أنْ يُزَوِّجَهُ؛ ويَتَصَرَّفَ في مالِهِ عَلى وجْهِ الإصْلاحِ؛ ويَدُلُّ عَلى أنَّ لَهُ أنْ يُعَلِّمَهُ ما لَهُ فِيهِ صَلاحٌ مِن أمْرِ الدِّينِ؛ والأدَبِ؛ ويَسْتَأْجِرَ لَهُ عَلى ذَلِكَ؛ وأنْ يُؤاجِرَهُ مِمَّنْ يُعَلِّمُهُ الصِّناعاتِ؛ والتِّجاراتِ؛ ونَحْوَها؛ لِأنَّ جَمِيعَ ذَلِكَ قَدْ يَقَعُ عَلى وجْهِ الإصْلاحِ؛ ولِذَلِكَ قالَ أصْحابُنا: إنَّ كُلَّ مَن كانَ اليَتِيمُ في حِجْرِهِ؛ مِن ذَوِي الرَّحِمِ المَحْرَمِ؛ فَلَهُ أنْ يُؤاجِرَهُ لِيَعْلَمَ الصِّناعاتِ؛ وقالَ مُحَمَّدٌ: "لَهُ أنْ يُنْفِقَ عَلَيْهِ مِن مالِهِ"؛ وقالُوا: إنَّهُ إذا وُهِبَ لِلْيَتِيمِ مالٌ فَلِمَن هو في حِجْرِهِ أنْ يَقْبِضَهُ لَهُ؛ لِما لَهُ فِيهِ مِنَ الإصْلاحِ؛ فَظاهِرُ الآيَةِ قَدِ اقْتَضى جَمِيعَ ذَلِكَ كُلَّهُ. وقَوْلُهُ: ﴿ويَسْألُونَكَ عَنِ اليَتامى قُلْ إصْلاحٌ لَهم خَيْرٌ﴾؛ إنَّما عَنى بِالمُضْمَرِينَ في قَوْلِهِ: "ويَسْألُونَكَ"؛ اَلْقُوّامَ عَلى الأيْتامِ الكافِلِينَ لَهُمْ؛ وذَلِكَ يَنْتَظِمُ كُلَّ ذِي رَحِمٍ مَحْرَمٍ؛ لِأنَّ لَهُ إمْساكَ اليَتِيمِ؛ وحِفْظَهُ؛ وحِياطَتَهُ؛ وحَضانَتَهُ؛ وقَدِ انْتَظَمَ قَوْلُهُ: ﴿قُلْ إصْلاحٌ لَهم خَيْرٌ﴾؛ سائِرَ الوُجُوهِ الَّتِي ذَكَرْنا مِنَ التَّصَرُّفِ في مالِهِ؛ عَلى وجْهِ الإصْلاحِ؛ والتَّزْوِيجِ؛ والتَّقْوِيمِ؛ والتَّأْدِيبِ. وقَوْلُهُ: "خَيْرٌ" قَدْ دَلَّ عَلى مَعانٍ؛ مِنها إباحَةُ التَّصَرُّفِ عَلى اليَتامى مِنَ الوُجُوهِ الَّتِي ذَكَرْنا؛ ومِنها أنَّ ذَلِكَ مِمّا يُسْتَحَقُّ بِهِ الثَّوابُ؛ لِأنَّهُ سَمّاهُ خَيْرًا؛ وما كانَ خَيْرًا فَإنَّهُ يُسْتَحَقُّ بِهِ الثَّوابُ؛ ومِنها أنَّهُ لَمْ يُوجِبْهُ؛ وإنَّما وعَدَ بِهِ الثَّوابَ؛ فَدَلَّ عَلى أنَّهُ لَيْسَ بِواجِبٍ عَلَيْهِ التَّصَرُّفُ في مالِهِ بِالتِّجارَةِ؛ ولا هو مُجْبَرٌ عَلى تَزْوِيجِهِ؛ (p-١٤)لِأنَّ ظاهِرَ اللَّفْظِ يَدُلُّ عَلى أنَّ مُرادَهُ النَّدْبُ والإرْشادُ؛ وقَوْلُهُ: ﴿وإنْ تُخالِطُوهم فَإخْوانُكُمْ﴾؛ فِيهِ إباحَةُ خَلْطِ مالِهِ بِمالِهِ؛ والتِّجارَةِ؛ والتَّصَرُّفِ فِيهِ؛ ويَدُلُّ عَلى أنَّهُ لَهُ أنْ يُخالِطَ اليَتِيمَ بِنَفْسِهِ في الصِّهْرِ؛ والمُناكَحَةِ؛ وأنْ يُزَوِّجَهُ بِنْتَهُ؛ أوْ يُزَوِّجَ اليَتِيمَةَ بَعْضَ ولَدِهِ؛ فَيَكُونَ قَدْ خَلَطَ اليَتامى بِنَفْسِهِ؛ وعِيالِهِ؛ واخْتَلَطَ هو بِهِمْ؛ فَقَدِ انْتَظَمَ قَوْلُهُ: ﴿وإنْ تُخالِطُوهُمْ﴾؛ إباحَةَ خَلْطِ مالِهِ بِمالِهِ؛ والتَّصَرُّفِ فِيهِ؛ وجَوازَ تَزْوِيجِهِ بَعْضَ ولَدِهِ؛ ومَن يَلِي عَلَيْهِ؛ فَيَكُونُ قَدْ خَلَطَهُ بِنَفْسِهِ؛ والدَّلِيلُ عَلى أنَّ اسْمَ المُخالَطَةِ يَتَناوَلُ جَمِيعَ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ: "فُلانٌ خَلِيطُ فُلانٍ"؛ إذا كانَ شَرِيكًا؛ وإذا كانَ يُعامِلُهُ؛ ويُبايِعُهُ؛ ويُشارِيهِ؛ ويُدايِنُهُ؛ وإنْ لَمْ يَكُنْ شَرِيكًا؛ وكَذَلِكَ يُقالُ: "قَدِ اخْتَلَطَ فُلانٌ بِفُلانٍ"؛ إذا صاهَرَهُ؛ وذَلِكَ كُلُّهُ مَأْخُوذٌ مِنَ الخُلْطَةِ؛ الَّتِي هي الِاشْتِراكُ في الحُقُوقِ مِن غَيْرِ تَمْيِيزِ بَعْضِهِمْ مِن بَعْضٍ فِيها؛ وهَذِدهِ المُخالَطَةُ مَعْقُودَةٌ بِشَرِيطَةِ الإصْلاحِ مِن وجْهَيْنِ؛ أحَدُهُما: تَقْدِيمُهُ ذِكْرَ الإصْلاحِ فِيما أجابَ بِهِ مِن أمْرِ اليَتامى؛ والثّانِي: قَوْلُهُ - عُقَيْبَ ذِكْرِ المُخالَطَةِ: ﴿واللَّهُ يَعْلَمُ المُفْسِدَ مِنَ المُصْلِحِ﴾ . وإذا كانَتِ الآيَةُ قَدِ انْتَظَمَتْ جَوازَ خَلْطِهِ مالَ اليَتِيمِ بِمالِهِ؛ في مِقْدارِ ما يَغْلِبُ في ظَنِّهِ أنَّ اليَتِيمَ يَأْكُلُهُ؛ عَلى ما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ؛ فَقَدْ دَلَّ عَلى جَوازِ المُناهَدَةِ الَّتِي يَفْعَلُها النّاسُ في الأسْفارِ؛ فَيُخْرِجُ كُلُّ واحِدٍ مِنهم شَيْئًا مَعْلُومًا؛ فَيَخْلِطُونَهُ؛ ثُمَّ يُنْفِقُونَهُ؛ وقَدْ يَخْتَلِفُ أكْلُ النّاسِ؛ فَإذا كانَ اللَّهُ (تَعالى) قَدْ أباحَ في أمْوالِ الأيْتامِ؛ فَهو في مالِ العُقَلاءِ البالِغِينَ بِطِيبَةِ أنْفُسِهِمْ أجْوَزُ؛ ونَظِيرُهُ في تَجْوِيزِهِ المُناهَدَةَ قَوْلُهُ ( تَعالى) - في قِصَّةِ أهْلِ الكَهْفِ -: ﴿فابْعَثُوا أحَدَكم بِوَرِقِكم هَذِهِ إلى المَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أيُّها أزْكى طَعامًا﴾ [الكهف: ١٩]؛ فَكانَ الوَرِقُ لَهم جَمِيعًا؛ لِقَوْلِهِ: ﴿بِوَرِقِكُمْ﴾ [الكهف: ١٩]؛ فَأضافَهُ إلى الجَماعَةِ؛ وأمَرَهُ بِالشِّراءِ لِيَأْكُلُوا جَمِيعًا مِنهُ. وقَوْلُهُ: ﴿وإنْ تُخالِطُوهم فَإخْوانُكُمْ﴾؛ قَدْ دَلَّ عَلى ما ذَكَرْنا مِن جَوازِ المُشارَكَةِ والخُلْطَةِ؛ عَلى أنَّهُ يَسْتَحِقُّ الثَّوابَ بِما يَتَحَرّى فِيهِ الإصْلاحَ مِن ذَلِكَ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَإخْوانُكُمْ﴾؛ قَدْ دَلَّ عَلى ذَلِكَ؛ إذْ هو مَندُوبٌ إلى مَعُونَةِ أخِيهِ؛ وتَحَرِّي مَصالِحِهِ؛ لِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿إنَّما المُؤْمِنُونَ إخْوَةٌ فَأصْلِحُوا بَيْنَ أخَوَيْكُمْ﴾ [الحجرات: ١٠]؛ وقالَ النَّبِيُّ ﷺ: «واللَّهُ في عَوْنِ العَبْدِ ما دامَ العَبْدُ في عَوْنِ أخِيهِ» . فَقَدِ انْتَظَمَ قَوْلُهُ: ﴿فَإخْوانُكُمْ﴾؛ اَلدَّلالَةَ عَلى النَّدْبِ؛ والإرْشادِ؛ واسْتِحْقاقِ الثَّوابِ بِما يَلِيهِ مِنهُ. وقَوْلُهُ: ﴿ولَوْ شاءَ اللَّهُ لأعْنَتَكُمْ﴾؛ يَعْنِي بِهِ: لَضَيَّقَ عَلَيْكم في التَّكْلِيفِ؛ فَيَمْنَعُكم مِن مُخالَطَةِ الأيْتامِ؛ والتَّصَرُّفِ لَهم في أمْوالِهِمْ؛ ولَأمَرَكم بِإفْرادِ أمْوالِكم عَنْ أمْوالِهِمْ؛ أوْ لَأمَرَكم عَلى جِهَةِ الإيجابِ بِالتَّصَرُّفِ لَهُمْ؛ وطَلَبِ الأرْباحِ بِالتِّجاراتِ لَهُمْ؛ ولَكِنَّهُ وسَّعَ؛ ويَسَّرَ؛ وأباحَ لَكُمُ التَّصَرُّفَ لَهم عَلى وجْهِ الإصْلاحِ؛ ووَعَدَكُمُ (p-١٥)الثَّوابَ عَلَيْهِ؛ ولَمْ يُلْزِمْكم ذَلِكَ عَلى جِهَةِ الإيجابِ فَيُضَيِّقْ عَلَيْكُمْ؛ تَذْكِيرًا بِنِعَمِهِ؛ وإعْلامًا مِنهُ اليُسْرَ؛ والصَّلاحَ لِعِبادِهِ. وقَوْلُهُ: ﴿فَإخْوانُكُمْ﴾؛ يَدُلُّ عَلى أنَّ أطْفالَ المُؤْمِنِينَ هم مُؤْمِنُونَ في الأحْكامِ؛ لِأنَّ اللَّهَ (تَعالى) سَمّاهم إخْوانًا لَنا؛ واللَّهُ (تَعالى) قَدْ قالَ: ﴿إنَّما المُؤْمِنُونَ إخْوَةٌ﴾ [الحجرات: ١٠]؛ واللَّهُ (تَعالى) أعْلَمُ.

البقرة 2:221

بابُ نِكاحِ المُشْرِكاتِ قالَ اللَّهُ (تَعالى): ﴿ولا تَنْكِحُوا المُشْرِكاتِ حَتّى يُؤْمِنَّ﴾؛ حَدَّثَنا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الواسِطِيُّ قالَ: حَدَّثَنا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ اليَمانِ قالَ: حَدَّثَنا أبُو عُبَيْدٍ قالَ: حَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صالِحٍ؛ عَنْ مُعاوِيَةَ بْنِ صالِحٍ؛ عَنْ أبِي طَلْحَةَ؛ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ؛ في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿ولا تَنْكِحُوا المُشْرِكاتِ حَتّى يُؤْمِنَّ﴾؛ قالَ: ثُمَّ اسْتَثْنى أهْلَ الكِتابِ؛ فَقالَ: ﴿والمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِنَ قَبْلِكم إذا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسافِحِينَ ولا مُتَّخِذِي أخْدانٍ﴾ [المائدة: ٥] . قالَ: عَفائِفَ غَيْرَ زَوانٍ؛ فَأخْبَرَ ابْنُ عَبّاسٍ أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ولا تَنْكِحُوا المُشْرِكاتِ حَتّى يُؤْمِنَّ﴾؛ مُرَتَّبٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿والمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِنَ قَبْلِكُمْ﴾ [المائدة: ٥]؛ وأنَّ الكِتابِيّاتِ مُسْتَثْنَياتٌ مِنهُنَّ؛ ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أنَّها عامَّةٌ في الكِتابِيّاتِ؛ وغَيْرِهِنَّ؛ حَدَّثَنا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ قالَ: حَدَّثَنا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ اليَمانِ قالَ: حَدَّثَنا أبُو عُبَيْدٍ قالَ: حَدَّثَنا يَحْيى بْنُ سَعِيدٍ؛ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ نافِعٍ؛ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أنَّهُ كانَ لا يَرى بَأْسًا بِطَعامِ أهْلِ الكِتابِ؛ وكَرِهَ نِكاحَ نِسائِهِمْ؛ قالَ أبُو عُبَيْدٍ: وحَدَّثَنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صالِحٍ؛ عَنِ اللَّيْثِ قالَ: حَدَّثَنِي نافِعٌ؛ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أنَّهُ كانَ إذا سُئِلَ عَنْ نِكاحِ اليَهُودِيَّةِ؛ والنَّصْرانِيَّةِ؛ قالَ: "إنَّ اللَّهَ حَرَّمَ المُشْرِكاتِ عَلى المُسْلِمِينَ"؛ قالَ: "فَلا أعْلَمُ مِنَ الشِّرْكِ شَيْئًا أكْبَرَ - أوْ قالَ: أعْظَمَ - مِن أنْ تَقُولَ رَبُّها عِيسى؛ أوْ عَبْدٌ مِن عَبِيدِ اللَّهِ "؛ فَكَرِهَهُ في الحَدِيثِ الأوَّلِ؛ ولَمْ يَذْكُرِ التَّحْرِيمَ وتَلا في الحَدِيثِ الثّانِي الآيَةَ؛ ولَمْ يَقْطَعْ فِيها بِشَيْءٍ؛ وإنَّما أخْبَرَ أنَّ مَذْهَبَ النَّصارى شِرْكٌ؛ قالَ: وحَدَّثَنا أبُو عُبَيْدٍ قالَ: حَدَّثَنا عَلِيُّ بْنُ سَعْدٍ؛ عَنْ أبِي المَلِيحِ؛ عَنْ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرانَ قالَ: قُلْتُ لِابْنِ عُمَرَ: إنّا بِأرْضٍ يُخالِطُنا فِيها أهْلُ الكِتابِ؛ فَنَنْكِحُ نِساءَهُمْ؛ ونَأْكُلُ طَعامَهُمْ؛ قالَ: فَقَرَأ عَلَيَّ آيَةَ التَّحْلِيلِ؛ وآيَةَ التَّحْرِيمِ؛ قالَ: قُلْتُ: إنِّي أقْرَأُ ما تَقْرَأُ فَنَنْكِحُ نِساءَهُمْ؛ ونَأْكُلُ طَعامَهُمْ؛ قالَ: فَأعادَ عَلَيَّ آيَةَ التَّحْلِيلِ؛ وآيَةَ التَّحْرِيمِ؛ قالَ أبُو بَكْرٍ: عُدُولُهُ بِالجَوابِ بِالإباحَةِ والحَظْرِ إلى تِلاوَةِ الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ كانَ واقِفًا في الحُكْمِ؛ غَيْرَ قاطِعٍ فِيهِ بِشَيْءٍ؛ وما ذُكِرَ عَنْهُ مِنَ الكَراهَةِ يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لَيْسَ عَلى وجْهِ التَّحْرِيمِ؛ كَما يُكْرَهُ تَزَوُّجُ نِساءِ أهْلِ (p-١٦)الحَرْبِ مِنَ الكِتابِيّاتِ؛ لا عَلى وجْهِ التَّحْرِيمِ. وقَدْ رُوِيَ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ الصَّحابَةِ؛ والتّابِعِينَ؛ إباحَةُ نِكاحِ الكِتابِيّاتِ؛ حَدَّثَنا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الواسِطِيُّ قالَ: حَدَّثَنا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ اليَمانِ قالَ: حَدَّثَنا أبُو عُبَيْدٍ قالَ: حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ أبِي مَرْيَمَ؛ عَنْ يَحْيى بْنِ أيُّوبَ؛ ونافِعِ بْنِ يَزِيدَ؛ عَنْ عُمَرَ - مَوْلى عَفْرَةَ - قالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَلِيِّ بْنِ السّائِبِ يَقُولُ: إنَّ عُثْمانَ تَزَوَّجَ نائِلَةَ بِنْتَ الفُرافِصَةِ الكَلْبِيَّةَ؛ وهي نَصْرانِيَّةٌ؛ عَلى نِسائِهِ؛ وبِهَذا الإسْنادِ مِن غَيْرِ ذِكْرِ نافِعٍ أنَّ طَلْحَةَ بْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ تَزَوَّجَ يَهُودِيَّةً مِن أهْلِ الشّامِ؛ ورُوِيَ عَنْ حُذَيْفَةَ أيْضًا أنَّهُ تَزَوَّجَ يَهُودِيَّةً؛ وكَتَبَ إلَيْهِ عُمَرُ: "أنْ خَلِّ سَبِيلَها"؛ فَكَتَبَ إلَيْهِ حُذَيْفَةُ: "أحَرامٌ هِيَ؟"؛ فَكَتَبَ إلَيْهِ عُمَرُ: "لا؛ ولَكِنْ أخافُ أنْ تُواقِعُوا المُومِساتِ مِنهُنَّ". ورُوِيَ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ التّابِعِينَ إباحَةُ تَزْوِيجِ الكِتابِيّاتِ؛ مِنهُمُ الحَسَنُ؛ وإبْراهِيمُ؛ والشَّعْبِيُّ؛ ولا نَعْلَمُ عَنْ أحَدٍ مِنَ الصَّحابَةِ؛ والتّابِعِينَ تَحْرِيمَ نِكاحِهِنَّ؛ وما رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ فِيهِ فَلا دَلالَةَ فِيهِ عَلى أنَّهُ رَآهُ مُحَرَّمًا؛ وإنَّما فِيهِ عَنْهُ الكَراهَةُ؛ كَما رُوِيَ كَراهَةُ عُمَرَ لِحُذَيْفَةَ تَزْوِيجَ الكِتابِيَّةِ مِن غَيْرِ تَحْرِيمٍ؛ وقَدْ تَزَوَّجَ عُثْمانُ؛ وطَلْحَةُ؛ وحُذَيْفَةُ الكِتابِيّاتِ؛ ولَوْ كانَ ذَلِكَ مُحَرَّمًا عِنْدَ الصَّحابَةِ لَظَهَرَ مِنهم نَكِيرٌ أوْ خِلافٌ؛ وفي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى اتِّفاقِهِمْ عَلى جَوازِهِ. وقَوْلُهُ: ﴿ولا تَنْكِحُوا المُشْرِكاتِ حَتّى يُؤْمِنَّ﴾ غَيْرُ مُوجِبٍ لِتَحْرِيمِ الكِتابِيّاتِ مِن وجْهَيْنِ؛ أحَدُهُما أنَّ ظاهِرَ لَفْظِ المُشْرِكاتِ إنَّما يَتَناوَلُ عابِداتِ الأوْثانِ مِنهُنَّ؛ عِنْدَ الإطْلاقِ؛ ولا يَدْخُلُ فِيهِ الكِتابِيّاتُ إلّا بِدَلالَةٍ؛ ألا تَرى إلى قَوْلِهِ: ﴿ما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ ولا المُشْرِكِينَ أنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكم مِن خَيْرٍ مِن رَبِّكُمْ﴾ [البقرة: ١٠٥] ؟ وقالَ: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ والمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ﴾ [البينة: ١]؛ فَفَرَّقَ بَيْنَهم في اللَّفْظِ؛ وظاهِرُهُ يَقْتَضِي أنَّ المَعْطُوفَ غَيْرُ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ؛ إلّا أنْ تَقُومَ الدَّلالَةُ عَلى شُمُولِ الِاسْمِ لِلْجَمِيعِ؛ وأنَّهُ أُفْرِدَ بِالذِّكْرِ لِضَرْبٍ مِنَ التَّعْظِيمِ؛ أوِ التَّأْكِيدِ؛ كَقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿مَن كانَ عَدُوًّا لِلَّهِ ومَلائِكَتِهِ ورُسُلِهِ وجِبْرِيلَ ومِيكالَ﴾ [البقرة: ٩٨] فَأفْرَدَهُما بِالذِّكْرِ تَعْظِيمًا لِشَأْنِهِما؛ مَعَ كَوْنِهِما مِن جُمْلَةِ المَلائِكَةِ؛ إلّا أنَّ الأظْهَرَ أنَّ المَعْطُوفَ غَيْرُ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ؛ إلّا أنْ تَقُومَ الدَّلالَةُ عَلى أنَّهُ مِن جِنْسِهِ؛ فاقْتَضى عَطْفُهُ أهْلَ الكِتابِ عَلى المُشْرِكِينَ أنْ يَكُونُوا غَيْرَهُمْ؛ وأنْ يَكُونَ التَّحْرِيمُ مَقْصُورًا عَلى عَبَدَةِ الأوْثانِ مِنَ المُشْرِكِينَ. والوَجْهُ الآخَرُ أنَّهُ لَوْ كانَ عُمُومًا في الجَمِيعِ لَوَجَبَ أنْ يَكُونَ مُرَتَّبًا عَلى قَوْلِهِ: ﴿والمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِنَ قَبْلِكُمْ﴾ [المائدة: ٥]؛ وألّا تُنْسَخَ إحْداهُما بِالأُخْرى ما أمْكَنَ اسْتِعْمالُهُما؛ فَإنْ قِيلَ: قَوْلُهُ: ﴿والمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِنَ (p-١٧)قَبْلِكُمْ﴾ [المائدة: ٥]؛ إنَّما أرادَ بِهِ اللّاتِي أسْلَمْنَ مِن أهْلِ الكِتابِ؛ كَقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿وإنَّ مِن أهْلِ الكِتابِ لَمَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وما أُنْزِلَ إلَيْكُمْ﴾ [آل عمران: ١٩٩] وقَوْلِهِ: ﴿مِن أهْلِ الكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ يَتْلُونَ آياتِ اللَّهِ آناءَ اللَّيْلِ وهم يَسْجُدُونَ﴾ [آل عمران: ١١٣]؛ قِيلَ لَهُ: هَذا خُلْفٌ مِنَ القَوْلِ؛ دالٌّ عَلى غَباوَةِ قائِلِهِ؛ والمُحْتَجِّ بِهِ؛ وذَلِكَ مِن وجْهَيْنِ؛ أحَدُهُما أنَّ هَذا الِاسْمَ إذا أُطْلِقَ فَإنَّما يَتَناوَلُ الكُفّارَ مِنهُمْ؛ كَقَوْلِهِ: ﴿مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ حَتّى يُعْطُوا الجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ﴾ [التوبة: ٢٩]؛ وقَوْلِهِ: ﴿ومِن أهْلِ الكِتابِ مَن إنْ تَأْمَنهُ بِقِنْطارٍ يُؤَدِّهِ إلَيْكَ﴾ [آل عمران: ٧٥]؛ وما جَرى مُجْرى ذَلِكَ مِنَ الألْفاظِ المُطْلَقَةِ فَإنَّما يَتَناوَلُ اليَهُودَ؛ والنَّصارى؛ ولا يُعْقَلُ بِهِ مَن كانَ مِن أهْلِ الكِتابِ فَأسْلَمَ؛ إلّا بِتَقْيِيدِ ذِكْرِ الإيمانِ؛ ألا تَرى أنَّ اللَّهَ (تَعالى) لَمّا أرادَ بِهِ مَن أسْلَمَ مِنهم ذَكَرَ الإسْلامَ مَعَ ذِكْرِهِ أنَّهم مِن أهْلِ الكِتابِ فَقالَ: ﴿لَيْسُوا سَواءً مِن أهْلِ الكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ﴾ [آل عمران: ١١٣]؛ ( وإنَّ مِن أهْلِ الكِتابِ لَمَن يُؤْمِنُ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ ) ؟ والوَجْهُ الآخَرُ أنَّهُ ذَكَرَ في الآيَةِ المُؤْمِناتِ؛ وقَدِ انْتَظَمَ ذِكْرُ المُؤْمِناتِ اللّاتِي كُنَّ مِن أهْلِ الكِتابِ فَأسْلَمْنَ؛ ومَن كُنَّ مُؤْمِناتٍ في الأصْلِ؛ لِأنَّهُ قالَ: ﴿والمُحْصَناتُ مِنَ المُؤْمِناتِ والمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِنَ قَبْلِكُمْ﴾ [المائدة: ٥]؛ فَكَيْفَ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُرادُهُ بِالمُحْصَناتِ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِنَ المُؤْمِناتِ المَبْدُوءِ بِذِكْرِهِنَّ؟! ورُبَّما احْتَجَّ بَعْضُ القائِلِينَ بِهَذِهِ المَقالَةِ بِما رُوِيَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طَلْحَةَ قالَ: «أرادَ كَعْبُ بْنُ مالِكٍ أنْ يَتَزَوَّجَ امْرَأةً مِن أهْلِ الكِتابِ؛ فَسَألَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَنَهاهُ؛ وقالَ: "إنَّها لا تُحْصِنُكَ"؛» قالَ: فَظاهِرُ النَّهْيِ يَقْتَضِي الفَسادَ؛ فَيُقالُ: إنَّ هَذا حَدِيثٌ مَقْطُوعٌ مِن هَذا الطَّرِيقِ؛ ولا يَجُوزُ الِاعْتِراضُ بِمِثْلِهِ عَلى ظاهِرِ القُرْآنِ في إيجابِ نَسْخِهِ؛ ولا تَخْصِيصِهِ؛ وإنْ ثَبَتَ فَجائِزٌ أنْ يَكُونَ عَلى وجْهِ الكَراهِيَةِ؛ كَما رُوِيَ عَنْ عُمَرَ مِن كَراهَتِهِ لِحُذَيْفَةَ تَزْوِيجَ اليَهُودِيَّةِ؛ لا عَلى وجْهِ التَّحْرِيمِ؛ ويَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: «"إنَّها لا تُحْصِنُكَ"؛» ونَفْيُ التَّحْصِينِ غَيْرُ مُوجِبٍ لِفَسادِ النِّكاحِ؛ لِأنَّ الصَّغِيرَةَ لا تُحْصِنُهُ؛ وكَذَلِكَ الأمَةُ؛ ويَجُوزُ نِكاحُهُما؛ وقَدِ اخْتُلِفَ في تَزْوِيجِ الكِتابِيَّةِ الحَرْبِيَّةِ؛ فَحَدَّثَنا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الواسِطِيُّ قالَ: حَدَّثَنا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ اليَمانِ قالَ: حَدَّثَنا أبُو عُبَيْدٍ قالَ: حَدَّثَنا عَبّادُ بْنُ العَوّامِ؛ عَنْ سُفْيانَ بْنِ حُسَيْنٍ؛ عَنِ الحَكَمِ؛ عَنْ مُجاهِدٍ؛ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: "لا تَحِلُّ نِساءُ أهْلِ الكِتابِ إذا كانُوا حَرْبًا"؛ قالَ: وتَلا هَذِهِ الآيَةَ: ﴿قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ولا بِاليَوْمِ الآخِرِ﴾ [التوبة: ٢٩]؛ إلى قَوْلِهِ: ﴿وهم صاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩]؛ قالَ الحَكَمُ: فَحَدَّثْتُ بِهِ إبْراهِيمَ فَأعْجَبَهُ؛ قالَ أبُو بَكْرٍ: يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ابْنُ عَبّاسٍ رَأى ذَلِكَ عَلى وجْهِ الكَراهِيَةِ؛ وأصْحابُنا يَكْرَهُونَهُ مِن غَيْرِ تَحْرِيمٍ. وقَدْ رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ أنَّهُ كَرِهَ نِساءَ أهْلِ (p-١٨)الحَرْبِ مِن أهْلِ الكِتابِ؛ وقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿والمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِنَ قَبْلِكُمْ﴾ [المائدة: ٥]؛ لَمْ يُفَرِّقْ فِيهِ بَيْنَ الحَرْبِيّاتِ؛ والذِّمِّيّاتِ؛ وغَيْرُ جائِزٍ تَخْصِيصُهُ بِغَيْرِ دَلالَةٍ؛ وقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ولا بِاليَوْمِ الآخِرِ﴾ [التوبة: ٢٩]؛ لا تَعَلُّقَ لَهُ بِجَوازِ النِّكاحِ؛ ولا فَسادِهِ؛ ولَوْ كانَ وُجُوبُ القِتالِ عِلَّةً لِفَسادِ النِّكاحِ لَوَجَبَ ألّا يَجُوزَ نِكاحُ نِساءِ الخَوارِجِ؛ وأهْلِ البَغْيِ؛ لِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتّى تَفِيءَ إلى أمْرِ اللَّهِ﴾ [الحجرات: ٩]؛ فَبانَ بِما وصَفْنا أنَّهُ لا تَأْثِيرَ لِوُجُوبِ القِتالِ في إفْسادِ النِّكاحِ؛ وأنَّ ما كَرِهَهُ أصْحابُنا لِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ يُوادُّونَ مَن حادَّ اللَّهَ ورَسُولَهُ ولَوْ كانُوا آباءَهم أوْ أبْناءَهم أوْ إخْوانَهم أوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾ [المجادلة: ٢٢]؛ والنِّكاحُ يُوجِبُ المَوَدَّةَ؛ لِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿وجَعَلَ بَيْنَكم مَوَدَّةً ورَحْمَةً﴾ [الروم: ٢١]؛ فَلَمّا أخْبَرَ أنَّ النِّكاحَ سَبَبُ المَوَدَّةِ؛ والرَّحْمَةِ؛ ونَهانا عَنْ مُوادَّةِ أهْلِ الحَرْبِ؛ كَرِهُوا ذَلِكَ؛ وقَوْلُهُ: ﴿يُوادُّونَ مَن حادَّ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ [المجادلة: ٢٢]؛ إنَّما هو في أهْلِ الحَرْبِ؛ دُونَ أهْلِ الذِّمَّةِ؛ لِأنَّهُ لَفْظٌ مُشْتَقٌّ مِن كَوْنِهِمْ في حَدٍّ؛ ونَحْنُ في حَدٍّ؛ وكَذَلِكَ المُشاقَّةُ؛ وهو أنْ يَكُونُوا في شِقٍّ؛ ونَحْنُ في شِقٍّ؛ وهَذِهِ صِفَةُ أهْلِ الحَرْبِ؛ دُونَ أهْلِ الذِّمَّةِ؛ فَلِذَلِكَ كَرِهُوهُ؛ ومِن جِهَةٍ أُخْرى؛ وهي أنَّ ولَدَهُ يُنَشَّأُ في دارِ الحَرْبِ عَلى أخْلاقِ أهْلِها؛ وذَلِكَ مَنهِيٌّ عَنْهُ؛ قالَ ﷺ: «"أنا بَرِيءٌ مِن كُلِّ مُسْلِمٍ بَيْنَ ظَهْرانَيِ المُشْرِكِينَ"؛» وقالَ ﷺ: «"أنا بَرِيءٌ مِن كُلِّ مُسْلِمٍ مَعَ مُشْرِكٍ"؛» فَإنْ قِيلَ: ما أنْكَرْتُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ يُوادُّونَ مَن حادَّ اللَّهَ ورَسُولَهُ﴾ [المجادلة: ٢٢]؛ مُخَصِّصًا لِقَوْلِهِ: ﴿والمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِنَ قَبْلِكُمْ﴾ [المائدة: ٥]؛ قاصِرًا لِحُكْمِهِ عَلى الذِّمِّيّاتِ مِنهُنَّ؛ دُونَ الحَرْبِيّاتِ؛ قِيلَ لَهُ: اَلْآيَةُ إنَّما اقْتَضَتِ النَّهْيَ عَنِ الوِدادِ والتَّحابِّ؛ فَأمّا نَفْسُ عَقْدِ النِّكاحِ فَلَمْ تَتَناوَلْهُ الآيَةُ؛ وإنْ كانَ قَدْ يَصِيرُ سَبَبًا لِلْمُوادَّةِ؛ والتَّحابِّ؛ فَنَفْسُ العَقْدِ لَيْسَ هو المُوادَّةَ؛ والتَّحابَّ؛ إلّا أنَّهُ يُؤَدِّي إلى ذَلِكَ؛ فاسْتَحْسَنُوا لَهُ غَيْرَهُنَّ؛ فَإنْ قِيلَ: لَمّا قالَ عُقَيْبَ تَحْرِيمِ نِكاحِ المُشْرِكاتِ: ﴿أُولَئِكَ يَدْعُونَ إلى النّارِ﴾؛ دَلَّ عَلى أنَّهُ لِهَذِهِ العِلَّةِ حَرَّمَ نِكاحَهُنَّ؛ وذَلِكَ مَوْجُودٌ في نِكاحِ الكِتابِيّاتِ؛ الذِّمِّيّاتِ؛ والحَرْبِيّاتِ مِنهُنَّ؛ فَوَجَبَ تَحْرِيمُ نِكاحِهِنَّ لِهَذِهِ العِلَّةِ؛ كَتَحْرِيمِ نِكاحِ المُشْرِكاتِ؛ قِيلَ لَهُ: مَعْلُومٌ أنَّ هَذِهِ لَيْسَتْ عِلَّةً مُوجِبَةً لِتَحْرِيمِ النِّكاحِ؛ لِأنَّها لَوْ كانَتْ كَذَلِكَ لَكانَ غَيْرَ جائِزٍ إباحَتُهُنَّ بِحالٍ؛ فَلَمّا وجَدْنا نِكاحَ المُشْرِكاتِ قَدْ كانَ مُباحًا في أوَّلِ الإسْلامِ؛ إلى أنْ نَزَلَ تَحْرِيمُهُنَّ مَعَ وُجُودِ هَذا المَعْنى؛ وهو دُعاءُ الكافِرِينَ لَنا إلى النّارِ؛ دَلَّ عَلى أنَّ هَذا المَعْنى لَيْسَ بِعِلَّةٍ مُوجِبَةٍ لِتَحْرِيمِ النِّكاحِ؛ وقَدْ كانَتِ امْرَأةُ نُوحٍ؛ وامْرَأةُ لُوطٍ كافِرَتَيْنِ؛ تَحْتَ نَبِيَّيْنِ مِن أنْبِياءِ اللَّهِ (تَعالى)؛ (p-١٩)قالَ اللَّهُ (تَعالى): ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأتَ نُوحٍ وامْرَأتَ لُوطٍ كانَتا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِن عِبادِنا صالِحَيْنِ فَخانَتاهُما فَلَمْ يُغْنِيا عَنْهُما مِن اللَّهُ شَيْئًا وقِيلَ ادْخُلا النّارَ مَعَ الدّاخِلِينَ﴾ [التحريم: ١٠]؛ فَأخْبَرَ بِصِحَّةِ نِكاحِهِما مَعَ وُجُودِ الكُفْرِ مِنهُما؛ فَثَبَتَ بِذَلِكَ أنَّ الكُفْرَ لَيْسَ بِعِلَّةٍ مُوجِبَةٍ لِتَحْرِيمِ النِّكاحِ؛ وإنْ كانَ اللَّهُ (تَعالى) قَدْ قالَ - في سِياقِ تَحْرِيمِ المُشْرِكاتِ -: ﴿أُولَئِكَ يَدْعُونَ إلى النّارِ﴾؛ فَجَعَلَهُ عِلْمًا لِبُطْلانِ نِكاحِهِنَّ؛ وما كانَ كَذَلِكَ مِنَ المَعانِي الَّتِي تُجْرى مُجْرى العِلَلِ الشَّرْعِيَّةِ فَلَيْسَ فِيهِ تَأْكِيدٌ فِيما يَتَعَلَّقُ بِهِ الحُكْمُ مِنَ الِاسْمِ؛ فَيَجُوزُ تَخْصِيصُهُ كَتَخْصِيصِ الِاسْمِ؛ وإذا كانَ قَوْلُهُ: ﴿والمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ [المائدة: ٥]؛ يَجُوزُ بِهِ تَخْصِيصُ التَّحْرِيمِ الَّذِي عَلَقَ بِالِاسْمِ؛ جازَ أيْضًا تَخْصِيصُ الحُكْمِ المَنصُوبِ عَلى المَعْنى الَّذِي أُجْرِيَ مُجْرى العِلَلِ الشَّرْعِيَّةِ؛ ونَظِيرُ ذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿إنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ العَداوَةَ والبَغْضاءَ في الخَمْرِ والمَيْسِرِ ويَصُدَّكم عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [المائدة: ٩١]؛ فَذَكَرَ ما يَحْدُثُ عَنْ شُرْبِ الخَمْرِ مِن هَذِهِ الأُمُورِ المَحْظُورَةِ؛ وأجْراها مُجْرى العِلَّةِ؛ ولَيْسَ بِواجِبٍ إجْراؤُها في مَعْلُولاتِها؛ لِأنَّهُ لَوْ كانَ كَذَلِكَ لَوَجَبَ أنْ يَحْرُمَ سائِرُ البِياعاتِ؛ والمُناكَحاتِ؛ وعُقُودِ المُدايَناتِ؛ لِإرادَةِ الشَّيْطانِ إيقاعَ العَداوَةِ والبَغْضاءِ بَيْنَنا في سائِرِها؛ وأنْ يَصُدَّنا بِها عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ؛ فَلَمّا لَمْ يَجِبِ اعْتِبارُ المَعْنى في سائِرِ ما وُجِدَ فِيهِ؛ بَلْ كانَ مَقْصُورَ الحُكْمِ عَلى المَذْكُورِ؛ دُونَ غَيْرِهِ؛ كانَ كَذَلِكَ حُكْمُ سائِرِ العِلَلِ الشَّرْعِيَّةِ؛ المَنصُوصِ عَلَيْها مِنها؛ والمُقْتَضَيَةِ؛ والمُسْتَدَلِّ عَلَيْها؛ وهَذا مِمّا يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلى تَخْصِيصِ العِلَلِ الشَّرْعِيَّةِ؛ فَوَجَبَ بِما وصَفْنا أنْ يَكُونَ حُكْمُ التَّحْرِيمِ مَقْصُورًا؛ فِيما وصَفْنا؛ عَلى المُشْرِكاتِ مِنهُنَّ؛ دُونَ غَيْرِهِنَّ؛ ويَكُونَ ذِكْرُ دُعائِهِمْ إيّانا إلى النّارِ تَأْكِيدًا لِلْحَظْرِ في المُشْرِكاتِ؛ غَيْرَ مُتَعَدٍّ بِهِ إلى سِواهُنَّ؛ لِأنَّ الشِّرْكَ؛ والدُّعاءَ إلى النّارِ؛ هُما عِلْما تَحْرِيمِ النِّكاحِ؛ وذَلِكَ غَيْرُ مَوْجُودٍ في الكِتابِيّاتِ. وقَدْ قِيلَ: إنَّ ذَلِكَ في مُشْرِكِي العَرَبِ المُحارِبِينَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ؛ ولِلْمُؤْمِنِينَ؛ فَنُهُوا عَنْ نِكاحِهِنَّ؛ لِئَلّا يُمَكَّنَ بِهِمْ إلى مَوَدَّةِ أهالِيهِنَّ مِنَ المُشْرِكِينَ؛ فَيُؤَدِّيَ ذَلِكَ إلى التَّقْصِيرِ مِنهم في قِتالِهِمْ؛ دُونَ أهْلِ الذِّمَّةِ المُوادِّينَ؛ الَّذِينَ أُمِرْنا بِتَرْكِ قِتالِهِمْ؛ إلّا أنَّهُ إنْ كانَ كَذَلِكَ فَهو يُوجِبُ تَحْرِيمَ نِكاحِ الكِتابِيّاتِ الحَرْبِيّاتِ؛ لِوُجُودِ هَذا المَعْنى؛ ولا نَجِدُ بُدًّا مِنَ الرُّجُوعِ إلى حُكْمِ مَعْلُولِ هَذِهِ العِلَّةِ بِما قَدَّمْنا. وقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿ولأمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِن مُشْرِكَةٍ﴾؛ يَدُلُّ عَلى جَوازِ نِكاحِ الأمَةِ؛ مَعَ وُجُودِ الطَّوْلِ إلى الحُرَّةِ؛ لِأنَّ اللَّهَ (تَعالى) أمَرَ المُؤْمِنِينَ بِتَزْوِيجِ الأمَةِ المُؤْمِنَةِ بَدَلًا مِنَ الحُرَّةِ المُشْرِكَةِ الَّتِي تُعْجِبُهُمْ؛ ويَجِدُونَ الطَّوْلَ إلَيْها؛ وواجِدُ الطَّوْلِ إلى الحُرَّةِ (p-٢٠)المُشْرِكَةِ هو واجِدُهُ إلى الحُرَّةِ المُسْلِمَةِ؛ إذْ لا فَرْقَ بَيْنَهُما في العادَةِ في المُهُورِ؛ فَإذا كانَ كَذَلِكَ؛ وقَدْ قالَ اللَّهُ (تَعالى): ﴿ولأمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِن مُشْرِكَةٍ ولَوْ أعْجَبَتْكُمْ﴾؛ ولا يَصِحُّ التَّرْغِيبُ في نِكاحِ الأمَةِ المُؤْمِنَةِ وتَرْكِ الحُرَّةِ المُشْرِكَةِ إلّا وهو يَقْدِرُ عَلى تَزْوِيجِ الحُرَّةِ المُسْلِمَةِ؛ فَتَضَمَّنَتِ الآيَةُ جَوازَ نِكاحِ الأمَةِ مَعَ وُجُودِ الطَّوْلِ إلى الحُرَّةِ؛ ويُدَلُّ مِن وجْهٍ آخَرَ عَلى ذَلِكَ؛ وهو أنَّ النَّهْيَ عَنْ نِكاحِ المُشْرِكاتِ عامٌّ في واجِدِ الطَّوْلِ؛ أوْ غَيْرِ واجِدِهِ لِلْغَنِيِّ؛ والفَقِيرِ مِنهُمْ؛ ثُمَّ عَقَّبَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿ولأمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِن مُشْرِكَةٍ﴾؛ فَأباحَ نِكاحَها لِمَن حُظِرَ عَلَيْهِ نِكاحُ المُشْرِكَةِ؛ فَكانَ عُمُومًا في الغَنِيِّ والفَقِيرِ؛ مُوجِبًا لِجَوازِ نِكاحِ الأمَةِ لِلْفَرِيقَيْنِ.

البقرة 2:222

بابُ الحَيْضِ قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿ويَسْألُونَكَ عَنِ المَحِيضِ قُلْ هو أذًى فاعْتَزِلُوا النِّساءَ في المَحِيضِ﴾: اَلْمَحِيضُ قَدْ يَكُونُ اسْمًا لِلْحَيْضِ نَفْسِهِ؛ ويَجُوزُ أنْ يُسَمّى بِهِ مَوْضِعُ الحَيْضِ؛ كَـ "اَلْمَقِيلُ"؛ و"اَلْمَبِيتُ"؛ هُما مَوْضِعُ القَيْلُولَةِ؛ ومَوْضِعُ البَيْتُوتَةِ؛ ولَكِنْ في فَحْوى اللَّفْظِ ما يَدُلُّ عَلى أنَّ المُرادَ بِالمَحِيضِ في هَذا المَوْضِعِ هو الحَيْضُ؛ لِأنَّ الجَوابَ ورَدَ بِقَوْلِهِ: "هُوَ أذًى"؛ وذَلِكَ صِفَةٌ لِنَفْسِ الحَيْضِ؛ لا المَوْضِعُ الَّذِي فِيهِ؛ وكانَتْ مَسْألَةُ القَوْمِ عَنْ حُكْمِهِ؛ وما يَجِبُ عَلَيْهِمْ فِيهِ؛ وذَلِكَ لِأنَّهُ قَدْ كانَ قَوْمٌ مِنَ اليَهُودِ يُجاوِرُونَهم بِالمَدِينَةِ؛ وكانُوا يَجْتَنِبُونَ مُؤاكَلَةَ النِّساءِ ومُشارَبَتَهُنَّ؛ ومُجالَسَتَهُنَّ في حالِ الحَيْضِ؛ فَأرادُوا أنْ يَعْلَمُوا حُكْمَهُ في الإسْلامِ؛ فَأجابَهُمُ اللَّهُ (تَعالى) بِقَوْلِهِ هَذا: "هُوَ أذًى"؛ يَعْنِي أنَّهُ نَجَسٌ؛ وقَذَرٌ؛ ووَصْفُهُ لَهُ بِذَلِكَ قَدْ أفادَ لُزُومَ اجْتِنابِهِ؛ لِأنَّهم كانُوا عالِمِينَ قَبْلَ ذَلِكَ بِلُزُومِ اجْتِنابِ النَّجاساتِ؛ فَأطْلَقَ فِيهِ لَفْظًا عَقَلُوا مِنهُ الأمْرَ بِتَجَنُّبِهِ؛ ويَدُلُّ عَلى أنَّ الأذى اسْمٌ يَقَعُ عَلى النَّجاساتِ؛ قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ: «إذا أصابَ نَعْلَ أحَدِكم أذًى فَلْيَمْسَحْها بِالأرْضِ؛ ولْيُصَلِّ فِيها؛ فَإنَّهُ لَها طَهُورٌ»؛ فَسَمّى النَّجاسَةَ أذًى؛ وأيْضًا لَمّا كانَ مَعْلُومًا أنَّهُ لَمْ يُرِدْ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ هو أذًى﴾؛ اَلْإخْبارَ عَنْ حالِهِ في تَأذِّي الإنْسانِ بِهِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ لا فائِدَةَ فِيهِ؛ عَلِمْنا أنَّهُ أرادَ الإخْبارَ بِنَجاسَتِهِ؛ ولُزُومِ اجْتِنابِهِ؛ ولَيْسَ كُلُّ أذًى نَجاسَةً؛ قالَ اللَّهُ (تَعالى): ﴿ولا جُناحَ عَلَيْكم إنْ كانَ بِكم أذًى مِن مَطَرٍ﴾ [النساء: ١٠٢]؛ والمَطَرُ لَيْسَ بِنَجَسٍ؛ وقالَ: ﴿ولَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِنَ قَبْلِكم ومِنَ الَّذِينَ أشْرَكُوا أذًى كَثِيرًا﴾ [آل عمران: ١٨٦]؛ وإنَّما كانَ الأذى المَذْكُورُ في الآيَةِ عِبارَةً عَنِ النَّجاسَةِ؛ ومُفِيدًا لِكَوْنِهِ قَذَرًا يَجِبُ اجْتِنابُهُ؛ لِدَلالَةِ الخِطابِ عَلَيْهِ؛ ومُقْتَضى سُؤالِ السّائِلِينَ عَنْهُ؛ وقَدِ اخْتَلَفَ الفُقَهاءُ فِيما يَلْزَمُ اجْتِنابُهُ مِنَ الحائِضِ؛ بَعْدَ اتِّفاقِهِمْ عَلى أنَّ لَهُ أنْ يَسْتَمْتِعَ مِنها بِما (p-٢١)فَوْقَ المِئْزَرِ؛ ووَرَدَ بِهِ التَّوْقِيفُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ رَوَتْهُ عائِشَةُ؛ ومَيْمُونَةُ -: «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كانَ يُباشِرُ نِساءَهُ وهُنَّ حُيَّضٌ فَوْقَ الإزارِ». واتَّفَقُوا أيْضًا عَلى أنَّ عَلَيْهِ اجْتِنابَ الفَرْجِ مِنها؛ واخْتَلَفُوا في الِاسْتِمْتاعِ مِنها بِما تَحْتَ الإزارِ؛ بَعْدَ أنْ يَجْتَنِبَ شَعائِرَ الدَّمِ؛ فَرُوِيَ عَنْ عائِشَةَ؛ وأُمِّ سَلَمَةَ؛ أنَّ لَهُ أنْ يَطَأها فِيما دُونَ الفَرْجِ؛ وهو قَوْلُ الثَّوْرِيِّ؛ ومُحَمَّدِ بْنِ الحَسَنِ؛ وقالا: يَجْتَنِبُ مَوْضِعَ الدَّمِ؛ ورُوِيَ مِثْلُهُ عَنِ الحَسَنِ؛ والشَّعْبِيِّ؛ وسَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ؛ والضَّحّاكِ؛ ورُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ؛ وابْنِ عَبّاسٍ أنَّ لَهُ مِنها ما فَوْقَ الإزارِ؛ وهو قَوْلُ أبِي حَنِيفَةَ؛ وأبِي يُوسُفَ؛ والأوْزاعِيِّ؛ ومالِكٍ؛ والشّافِعِيِّ. قالَ أبُو بَكْرٍ: قَوْلُهُ: ﴿فاعْتَزِلُوا النِّساءَ في المَحِيضِ ولا تَقْرَبُوهُنَّ حَتّى يَطْهُرْنَ﴾؛ قَدِ انْتَظَمَ الدَّلالَةَ مِن وجْهَيْنِ عَلى حَظْرِ ما تَحْتَ الإزارِ؛ أحَدُهُما قَوْلُهُ: ﴿فاعْتَزِلُوا النِّساءَ في المَحِيضِ﴾؛ ظاهِرُهُ يَقْتَضِي لُزُومَ اجْتِنابِها فِيما تَحْتَ المِئْزَرِ؛ وفَوْقَهُ؛ فَلَمّا اتَّفَقُوا عَلى إباحَةِ الِاسْتِمْتاعِ مِنها بِما فَوْقَهُ سَلَّمْناهُ لِلدَّلالَةِ؛ وحُكْمُ الحَظْرِ قائِمٌ فِيما دُونَهُ؛ إذْ لَمْ تَقُمِ الدَّلالَةُ عَلَيْهِ؛ والوَجْهُ الآخَرُ قَوْلُهُ: ﴿ولا تَقْرَبُوهُنَّ﴾؛ وذَلِكَ في حُكْمِ اللَّفْظِ الأوَّلِ في الدَّلالَةِ عَلى مِثْلِ ما دَلَّ عَلَيْهِ؛ فَلا يُخَصُّ مِنهُ عِنْدَ الِاخْتِلافِ إلّا ما قامَتِ الدَّلالَةُ عَلَيْهِ؛ ويَدُلُّ عَلَيْهِ أيْضًا مِن جِهَةِ السُّنَّةِ حَدِيثُ يَزِيدَ بْنِ أبِي أُنَيْسَةَ؛ عَنْ أبِي إسْحاقَ؛ عَنْ عُمَيْرٍ - مَوْلى عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ -؛ «أنَّ نَفَرًا مِن أهْلِ العِراقِ سَألُوا عُمَرَ عَمّا يَحِلُّ لِزَوْجِ الحائِضِ مِنها؛ وغَيْرِ ذَلِكَ؛ فَقالَ: سَألْتُ عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقالَ: "لَكَ مِنها ما فَوْقَ الإزارِ؛ ولَيْسَ لَكَ مِنها ما تَحْتَهُ"؛» ويَدُلُّ عَلَيْهِ أيْضًا حَدِيثُ الشَّيْبانِيِّ؛ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الأسْوَدِ؛ عَنْ أبِيهِ؛ «عَنْ عائِشَةَ قالَتْ: "كانَتْ إحْدانا إذا كانَتْ حائِضًا أمَرَها النَّبِيُّ ﷺ أنْ تَتَّزِرَ في فَوْرِ حَيْضِها؛ ثُمَّ يُباشِرُها؛ فَأيُّكم يَمْلِكُ إرْبَهُ كَما كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَمْلِكُ إرْبَهُ؟"؛» ورَوى الشَّيْبانِيُّ أيْضًا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدّادٍ؛ عَنْ مَيْمُونَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ عَنْهُ مِثْلَهُ. ومَن أباحَ لَهُ ما دُونَ المِئْزَرِ احْتَجَّ بِحَدِيثِ حَمّادِ بْنِ سَلَمَةَ؛ عَنْ ثابِتٍ؛ عَنْ أنَسٍ؛ «أنَّ اليَهُودَ كانُوا يُخْرِجُونَ الحائِضَ مِنَ البَيْتِ؛ ولا يُؤاكِلُونَها؛ ولا يُجامِعُونَها في بَيْتٍ؛ فَسُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ؛ فَأنْزَلَ اللَّهُ (تَعالى): ﴿ويَسْألُونَكَ عَنِ المَحِيضِ﴾؛ اَلْآيَةَ؛ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: جامِعُوهُنَّ في البُيُوتِ؛ واصْنَعُوا كُلَّ شَيْءٍ إلّا النِّكاحَ»؛ وبِما رُوِيَ «عَنْ عائِشَةَ أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ لَها: "ناوِلِينِي الخُمْرَةَ"؛ فَقالَتْ: إنِّي حائِضٌ؛ فَقالَ: " لَيْسَتْ حَيْضَتُكِ في يَدِكِ".» قالُوا: وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ كُلَّ عُضْوٍ مِنها لَيْسَ فِيهِ الحَيْضُ حُكْمُهُ حُكْمُ ما كانَ فِيهِ قَبْلَ الحَيْضِ؛ في الطَّهارَةِ؛ وفي جَوازِ الِاسْتِمْتاعِ؛ والجَوابُ عَنْ ذَلِكَ لِمَن رَأى حَظْرَ ما دُونَ مِئْزَرِها أنَّ قَوْلَهُ - في حَدِيثِ أنَسٍ - (p-٢٢)إنَّما فِيهِ ذِكْرُ سَبَبِ نُزُولِ الآيَةِ؛ وما كانَتِ اليَهُودُ تَفْعَلُهُ؛ فَأخْبَرَ عَنْ مُخالَفَتِهِمْ في ذَلِكَ؛ وأنَّهُ لَيْسَ عَلَيْنا إخْراجُها مِنَ البَيْتِ؛ وتَرْكُ مُجالَسَتِها؛ وقَوْلُهُ: «"اِصْنَعُوا كُلَّ شَيْءٍ إلّا النِّكاحَ"؛» جائِزٌ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِهِ الجِماعَ فِيما دُونَ الفَرْجِ؛ لِأنَّهُ ضَرْبٌ مِنَ النِّكاحِ؛ والمُجامَعَةِ؛ وحَدِيثُ عُمَرَ الَّذِي ذَكَرْناهُ قاضٍ عَلَيْهِ؛ مُتَأخِّرٌ عَنْهُ؛ والدَّلِيلُ عَلى ذَلِكَ أنَّ في حَدِيثِ أنَسٍ إخْبارًا عَنْ حالِ نُزُولِ الآيَةِ؛ وحَدِيثُ عُمَرَ بَعْدَ ذَلِكَ؛ لِأنَّهُ لَمْ يُخْبِرْ عَنْ حالِ نُزُولِ الآيَةِ؛ وقَدْ أخْبَرَ فِيهِ أنَّهُ سَألَ النَّبِيَّ ﷺ عَمّا يَحِلُّ مِنَ الحائِضِ؛ وذَلِكَ لا مَحالَةَ بَعْدَ حَدِيثِ أنَسٍ؛ مِن وجْهَيْنِ؛ أحَدُهُما أنَّهُ لَمْ يُسْألْ عَمّا يَحِلُّ مِنها إلّا وقَدْ تَقَدَّمَ تَحْرِيمُ إتْيانِ الحائِضِ؛ والثّانِي: أنَّهُ لَوْ كانَ السُّؤالُ في حالِ نُزُولِ الآيَةِ؛ عُقَيْبَها؛ لاكْتَفى بِما ذَكَرَهُ أنَسٌ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «" اِصْنَعُوا كُلَّ شَيْءٍ إلّا النِّكاحَ"؛» وفي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلى أنَّ سُؤالَ عُمَرَ كانَ بَعْدَ ذَلِكَ؛ ومِن جِهَةٍ أُخْرى أنَّهُ لَوْ تَعارَضَ حَدِيثُ عُمَرَ؛ وحَدِيثُ أنَسٍ؛ لَكانَ حَدِيثُ عُمَرَ أوْلى بِالِاسْتِعْمالِ؛ لِما فِيهِ مِن حَظْرِ الجِماعِ فِيما دُونَ الفَرْجِ؛ وفي ظاهِرِ حَدِيثِ أنَسٍ الإباحَةُ؛ والحَظْرُ والإباحَةُ إذا اجْتَمَعا فالحَظْرُ أوْلى؛ ومِن جِهَةٍ أُخْرى؛ وهي أنَّ خَبَرَ عُمَرَ يَعْضُدُهُ ظاهِرُ القُرْآنِ؛ وهو قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿فاعْتَزِلُوا النِّساءَ في المَحِيضِ ولا تَقْرَبُوهُنَّ حَتّى يَطْهُرْنَ﴾؛ وخَبَرَ أنَسٍ يُوجِبُ تَخْصِيصَهُ؛ وما يُوافِقُ القُرْآنَ مِنَ الأخْبارِ فَهو أوْلى مِمّا يَخُصُّهُ؛ ومِن جِهَةٍ أُخْرى؛ وهي أنَّ خَبَرَ أنَسٍ مُجْمَلٌ؛ عامٌّ؛ لَيْسَ فِيهِ بَيانُ إباحَةِ مَوْضِعٍ بِعَيْنِهِ؛ وخَبَرَ عُمَرَ مُفَسَّرٌ فِيهِ بَيانُ الحُكْمِ في المَوْضِعَيْنِ؛ مِمّا تَحْتَ الإزارِ؛ وما فَوْقَهُ؛ واللَّهُ أعْلَمُ. * * ذِكْرُ الِاخْتِلافِ في الطُّهْرِ العارِضِ في حالِ الحَيْضِ قالَ أصْحابُنا جَمِيعًا - فِيمَن تَرى يَوْمًا دَمًا؛ ويَوْمًا طُهْرًا -: إنَّ ذَلِكَ كَدَمٍ مُتَّصِلٍ؛ وكَذَلِكَ قالَ (p-٣٢)أبُو يُوسُفَ: إذا كانَ الطُّهْرُ بَيْنَ الدَّمَيْنِ أقَلَّ مِن خَمْسَةَ عَشَرَ؛ فَهو كَدَمٍ مُتَّصِلٍ؛ وقالَ مُحَمَّدٌ: إذا كانَ الطُّهْرُ الَّذِي بَيْنَ الدَّمَيْنِ أقَلَّ مِن ثَلاثَةِ أيّامٍ؛ فَهو كَدَمٍ مُتَّصِلٍ؛ وإذا كانَ ثَلاثَةَ أيّامٍ؛ أوْ أكْثَرَ مِنَ العَشَرَةِ؛ فَإنَّهُ يُنْظَرُ إلى الدَّمَيْنِ؛ والطُّهْرِ الَّذِي بَيْنَهُما؛ فَإنْ كانَ الطُّهْرُ أكْثَرَ مِنهُما فُصِلَ بَيْنَ الدَّمَيْنِ؛ وإنْ كانا سَواءً؛ أوْ أقَلَّ؛ فَهو كَدَمٍ مُتَّصِلٍ؛ ومَتى كانَ الطُّهْرُ أكْثَرَ مِنَ الدَّمَيْنِ؛ فَفُصِلَ بَيْنَهُما؛ اعْتُبِرَ كُلُّ واحِدٍ مِنَ الدَّمَيْنِ بِنَفْسِهِ؛ فَإنْ كانَ الأوَّلُ مِنهُما ثَلاثَةَ أيّامٍ فَإنَّهُ يَكُونُ حَيْضًا؛ وكَذَلِكَ إنْ لَمْ يَكُنِ الأوَّلُ ثَلاثًا؛ وكانَ الآخَرُ مِنهُما ثَلاثًا؛ فالآخَرُ حَيْضٌ؛ وإنْ لَمْ يَكُنْ واحِدٌ مِنهُما ثَلاثًا فَلَيْسَ واحِدٌ مِنهُما بِحَيْضٍ؛ وقالَ مالِكٌ: إذا رَأتْ يَوْمًا دَمًا؛ ويَوْمًا طُهْرًا؛ أوْ يَوْمَيْنِ؛ ثُمَّ رَأتْ دَمًا كَذَلِكَ؛ فَإنَّهُ تُلْغى أيّامُ الطُّهْرِ؛ وتُضَمُّ أيّامُ الدَّمِ بَعْضُها إلى بَعْضٍ؛ فَإنْ دامَ بِها ذَلِكَ اسْتَظْهَرَتْ بِثَلاثَةِ أيّامٍ؛ عَلى أيّامِ حَيْضِها؛ فَإنْ رَأتْ في خِلالِ أيّامِ الِاسْتِظْهارِ أيْضًا طُهْرًا ألْغاهُ؛ حَتّى يَحْصُلَ ثَلاثَةَ أيّامٍ دَمُ الِاسْتِظْهارِ؛ وأيّامَ الطُّهْرِ تُصَلِّي؛ وتَصُومُ؛ ويَأْتِيها زَوْجُها؛ ويَكُونُ ما جُمِعَ مِن أيّامِ الدَّمِ بَعْضُهُ إلى بَعْضٍ حَيْضَةً واحِدَةً؛ ولا يُعْتَدُّ بِأيّامِ الطُّهْرِ في عِدَّةٍ مِن طَلاقٍ؛ فَإذا اسْتَظْهَرَتْ بِثَلاثَةِ أيّامٍ بَعْدَ أيّامِ حَيْضِها؛ تَتَوَضَّأُ لِكُلِّ صَلاةٍ؛ وتَغْتَسِلُ كُلَّ يَوْمٍ إذا انْقَطَعَ عَنْها مِن أيّامِ الطُّهْرِ؛ وإنَّما أُمِرَتْ بِالغُسْلِ لِأنَّها لا تَدْرِي لَعَلَّ الدَّمَ لا يَرْجِعُ إلَيْها؛ وحَكى الرَّبِيعُ عَنِ الشّافِعِيِّ نَحْوَ ذَلِكَ. قالَ أبُو بَكْرٍ: مَعْلُومٌ أنَّ الحائِضَ لا تَرى الدَّمَ أبَدًا سائِلًا؛ وكَذَلِكَ المُسْتَحاضَةُ؛ إنَّما تَراهُ في وقْتٍ؛ ويَنْقَطِعُ في وقْتٍ؛ ولا خِلافَ أنَّ انْقِطاعَ دَمِها ساعَةً؛ ونَحْوَها؛ لا يُخْرِجُها مِن حُكْمِ الحَيْضِ في وقْتِ رُؤْيَةِ الطُّهْرِ؛ وانْقِطاعِ الدَّمِ في مِثْلِ هَذا الوَقْتِ؛ وأنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ كَدَمٍ مُتَّصِلٍ؛ كَما قالُوا جَمِيعًا في انْقِطاعِهِ ساعَةً؛ ونَحْوَها؛ ولِأنَّ الطُّهْرَ الَّذِي بَيْنَهُما لَيْسَ بِطُهْرٍ صَحِيحٍ عِنْدَ الجَمِيعِ؛ لِأنَّ أحَدًا لا يَجْعَلُ الطُّهْرَ الصَّحِيحَ يَوْمًا؛ ولا يَوْمَيْنِ؛ ولَمْ يَقُلْ أحَدٌ: إنَّ الطُّهْرَ الَّذِي بَيْنَ الحَيْضَتَيْنِ يَكُونُ أقَلَّ مِن عَشَرَةِ أيّامٍ؛ عَلى ما بَيَّنّاهُ فِيما سَلَفَ؛ وأيْضًا لَوْ كانَ طُهْرُ اليَوْمِ واليَوْمَيْنِ؛ الَّذِي بَيْنَ الدَّمَيْنِ؛ طُهْرًا يُوجِبُ الصَّلاةَ؛ والصَّوْمَ؛ لَوَجَبَ أنْ يَكُونَ كُلُّ واحِدٍ مِنَ الدَّمَيْنِ حَيْضَةً تامَّةً؛ فَلَمّا اتَّفَقَ الجَمِيعُ عَلى أنَّ هَذا القَدْرَ مِنَ الطُّهْرِ غَيْرُ مُعْتَدٍّ بِهِ في الفَصْلِ بَيْنَ الدَّمَيْنِ؛ وجُعِلَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُما حَيْضَةً تامَّةً؛ وجَبَ أنْ يَسْقُطَ حُكْمُهُ؛ ويَصِيرَ مَعَ ما قَبْلَهُ وبَعْدَهُ مِنَ الدَّمِ كَدَمٍ مُتَّصِلٍ. وقَدِ اخْتُلِفَ في الصُّفْرَةِ؛ والكُدْرَةِ؛ في أيّامِ الحَيْضِ؛ فَرُوِيَ عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ الأنْصارِيَّةِ قالَتْ: كُنّا لا نَعْتَدُّ بِالصُّفْرَةِ؛ ولا بِالكُدْرَةِ؛ بَعْدَ الغُسْلِ شَيْئًا؛ واتَّفَقَ فُقَهاءُ الأمْصارِ عَلى أنَّ الصُّفْرَةَ في أيّامِ الحَيْضِ حَيْضٌ؛ (p-٣٣)مِنهم أبُو حَنِيفَةَ؛ وأبُو يُوسُفَ؛ ومُحَمَّدٌ؛ وزُفَرُ؛ ومالِكٌ؛ واللَّيْثُ؛ وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الحَسَنِ؛ والشّافِعِيُّ؛ واخْتَلَفُوا في الكُدْرَةِ؛ فَقالَ جَمِيعُ مَن قَدَّمْنا ذِكْرَهُمْ: إنَّها حَيْضٌ في أيّامِ الحَيْضِ؛ وإنْ لَمْ يَتَقَدَّمْها دَمٌ؛ وقالَ أبُو يُوسُفَ: لا تَكُونُ الكُدْرَةُ حَيْضًا إلّا بَعْدَ الدَّمِ؛ وقَدْ رُوِيَ عَنْ عائِشَةَ؛ وأسْماءَ بِنْتِ أبِي بَكْرٍ؛ قالَتا: "لا تُصَلِّي الحائِضُ حَتّى تَرى القَصَّةَ البَيْضاءَ"؛ ولَمْ يَخْتَلِفُوا في أنَّ الكُدْرَةَ حَيْضٌ بَعْدَ الدَّمِ؛ فَلَمّا كانَ وُجُودُها عُقَيْبَ الدَّمِ دَلِيلًا عَلى أنَّ الكُدْرَةَ مِنَ اخْتِلاطِ أجْزاءِ الدَّمِ؛ وجَبَ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ حُكْمَها إذا وُجِدَتْ في أيّامِ الحَيْضِ؛ وإنْ لَمْ يَتَقَدَّمْها دَمٌ؛ وأنْ يَكُونَ الوَقْتُ المُعْتادُ فِيهِ الدَّمُ دَلالَةً عَلى أنَّ الكُدْرَةَ مِنَ اخْتِلاطِ أجْزاءِ الدَّمِ بِالبَياضِ؛ والدَّلِيلُ عَلى أنَّ لِلْوَقْتِ تَأْثِيرًا في ذَلِكَ أنَّ المَرْأةَ تَرى الدَّمَ في أيّامِ حَيْضِها؛ وبَعْدَها؛ فَيَكُونُ ما رَأتْهُ في أيّامِها حَيْضًا؛ وما بَعْدَ أيّامِها غَيْرَ حَيْضٍ؛ وكانَ الوَقْتُ عِلْمًا لِكَوْنِهِ حَيْضًا؛ ودَلالَةً عَلَيْهِ؛ فَكَذَلِكَ يَجِبُ أنْ يَكُونَ الوَقْتُ دَلِيلًا عَلى أنَّ الكُدْرَةَ مِن أجْزاءِ دَمِ الحَيْضِ؛ وأنْ يَكُونَ حَيْضًا. وقَدِ اخْتُلِفَ في حَيْضِ المُبْتَدَأةِ؛ إذا رَأتِ الدَّمَ؛ واسْتَمَرَّ بِها؛ فَقالَ أصْحابُنا جَمِيعًا: عَشَرَةٌ مِنها حَيْضٌ؛ وما زادَ فَهو اسْتِحاضَةٌ؛ إلى آخِرِ الشَّهْرِ؛ فَيَكُونُ حَيْضُها عَشَرَةً؛ وطُهْرُها عِشْرِينَ؛ ولَمْ يُذْكَرْ عَنْهم خِلافٌ في الأُصُولِ. وقالَ بِشْرُ بْنُ الوَلِيدِ؛ عَنْ أبِي يُوسُفَ: تَأْخُذُ في الصَّلاةِ بِالثَّلاثِ؛ أقَلَّ الحَيْضِ؛ وفي الزَّوْجِ بِالعَشَرَةِ؛ ولا تَقْضِي صَوْمًا عَلَيْها إلّا بَعْدَ العَشَرَةِ؛ وتَصُومُ العَشْرَ مِن رَمَضانَ؛ وتَقْضِي سَبْعًا مِنها؛ وقالَ إبْراهِيمُ النَّخَعِيُّ: تَقْعُدُ مِثْلَ أيّامِ نِسائِها؛ وقالَ مالِكٌ: تَقْعُدُ ما تَقْعُدُ نَحْوُها مِنَ النِّساءِ؛ ثُمَّ هي مُسْتَحاضَةٌ بَعْدَ ذَلِكَ؛ وقالَ الشّافِعِيُّ: حَيْضُها أقَلُّ ما يَكُونُ يَوْمًا ولَيْلَةً؛ والدَّلِيلُ عَلى صِحَّةِ القَوْلِ الأوَّلِ اتِّفاقُ الجَمِيعِ عَلى أنَّها مَأْمُورَةٌ بِتَرْكِ الصَّلاةِ إلى أكْثَرِ الحَيْضِ؛ عَلى اخْتِلافِهِمْ فِيهِ؛ فَصارَتْ مَحْكُومًا لَها بِحُكْمِ الحَيْضِ في هَذِهِ الأيّامِ؛ ومِثْلُها يَجُوزُ أنْ يَكُونَ حَيْضًا؛ فَوَجَبَ أنْ تَكُونَ العَشَرَةُ كُلُّها حَيْضًا؛ لِوُقُوعِ الحُكْمِ لَها بِذَلِكَ؛ وعَدَمِ عادَتِها لِخِلافِهِ؛ ألا تَرى أنَّ الكُلَّ يَقُولُونَ: إنَّ الدَّمَ لَوِ انْقَطَعَ عَنِ العَشَرَةِ لَكانَ كُلُّهُ حَيْضًا؟ فَثَبَتَ أنَّ العَشَرَةَ مَحْكُومٌ لَها فِيها؛ لِحُكْمِ الحَيْضِ؛ وغَيْرُ جائِزٍ نَقْضُ ذَلِكَ إلّا بِدَلالَةٍ؛ وأيْضًا فَلَوْ كانَ ما زادَ عَلى الأقَلِّ مَشْكُوكًا فِيهِ بَعْدَ وُجُودِ الزِّيادَةِ عَلى الأكْثَرِ؛ لَكانَ الأوْلى ألّا يُنْقَضَ ما حَكَمْنا بِهِ حَيْضًا بِالشَّكِّ؛ ألا تَرى أنَّهُ ﷺ حَكَمَ لِلشَّهْرِ الَّذِي يُغَمُّ الهِلالُ في آخِرِهِ بِثَلاثِينَ؛ بِقَوْلِهِ: «"فَإنْ غُمَّ عَلَيْكم فَعُدُّوا ثَلاثِينَ"؟» لَمّا كانَ ابْتِداءُ الشَّهْرِ يَقِينًا لَمْ يُحْكَمْ بِانْقِضائِهِ بِالشَّكِّ؛ فَإنْ قِيلَ: فَمَن كانَتْ لَها – عادَةً - دُونَ العَشْرِ؛ فَزادَ الدَّمُ؛ رُدَّتْ إلى أيّامِ (p-٣٤)عادَتِها؛ ولَمْ يَكُنْ حُكْمُنا لَها بَدِيًّا في الزِّيادَةِ؛ بِحُكْمِ الحَيْضِ مانِعًا مِنَ اعْتِبارِ أيّامِها؛ وكَذَلِكَ مَن رَأتِ الدَّمَ في أوَّلِ أيّامِها كانَتْ مَأْمُورَةً بِتَرْكِ الصَّلاةِ؛ ولَوْ دُونَ الثَّلاثِ؛ فَإنِ انْقَطَعَ ما دُونَ الثَّلاثِ حَكَمْنا بِأنَّ ما رَأتْهُ لَمْ يَكُنْ حَيْضًا؛ وإنْ تَمَّ ثَلاثًا كانَ حَيْضًا؛ قِيلَ لَهُ: أمّا الَّتِي كانَ لَها أيّامٌ مَعْرُوفَةٌ؛ فَإنَّ حُكْمَ الزِّيادَةِ لَمْ يَقَعْ إلّا مُراعًى مُعْتَبَرًا بِانْقِطاعِهِ في العَشَرَةِ؛ لِقَوْلِهِ ﷺ: «"اَلْمُسْتَحاضَةُ تَدَعُ الصَّلاةَ أيّامَ أقْرائِها"؛» فاقْتَضى ذَلِكَ كَوْنَ الزِّيادَةِ مُراعاةً لِعِلْمِنا بِأنَّ لَها أيّامًا مَعْرُوفَةً؛ وأمّا المُبْتَدَأةُ فَلَمْ يَكُنْ لَها قَبْلَ ذَلِكَ أيّامٌ يَجِبُ اعْتِبارُها؛ فَلِذَلِكَ كانَتْ رُؤْيَتُها الدَّمَ في العَشَرَةِ غَيْرَ مُراعاةٍ؛ بَلْ عِنْدَنا أنَّ ما رَأتْهُ المُبْتَدَأةُ في العَشَرَةِ هو كالعادَةِ؛ يَصِيرُ ذَلِكَ أيّامًا لَها في العَدَدِ؛ والوَقْتِ؛ وإذا كانَ كَذَلِكَ لَمْ يَجُزْ أنْ يَكُونَ الدَّمُ الَّذِي رَأتْهُ المُبْتَدَأةُ في العَشْرِ مُراعًى؛ بَلْ واجِبٌ أنْ يُحْكَمَ لَها فِيهِ بِحُكْمِ الحَيْضِ؛ إذْ كانَ مِثْلُهُ يَكُونُ حَيْضًا؛ وأمّا مَن رَأتِ الدَّمَ في أوَّلِ أيّامِها؛ وحَكَمْنا لَها فِيهِ بِحُكْمِ الحَيْضِ؛ في بابِ الأمْرِ بِتَرْكِ الصَّلاةِ؛ والصِّيامِ؛ ثُمَّ انْقِطاعُهُ دُونَ الثَّلاثِ يُخْرِجُهُ عَنْ كَوْنِهِ حَيْضًا؛ فَلِأنَّ ذَلِكَ وقَعَ مُراعًى في الِابْتِداءِ؛ لِعِلْمِنا بِأنَّ لِأقَلِّ الحَيْضِ مِقْدارًا؛ مَتى قَصُرَ عَنْهُ لَمْ يَكُنِ الدَّمُ الَّذِي رَأتْهُ حَيْضًا؛ فَمِن أجْلِ ذَلِكَ وقَعَ مُراعًى؛ ولَيْسَ لِلْمُبْتَدَأةِ بَعْدَ رُؤْيَتِها لِلدَّمِ ثَلاثًا حالٌ يَجِبُ مُراعاتُها؛ فَوَجَبَ أنْ تَكُونَ العَشَرَةُ كُلُّها حَيْضًا؛ لِعَدَمِ الدَّلالَةِ المُوجِبَةِ لِلِاقْتِصارِ بِهِ عَلى ما دُونَها؛ وأمّا أبُو يُوسُفَ فَإنَّهُ جَعَلَها بِمَنزِلَةِ مَن كانَ حَيْضُها خَمْسًا؛ أوْ سِتًّا؛ فَكانَتْ شاكَّةً في السِّتَّةِ؛ وقالُوا جَمِيعًا: إنَّها تَأْخُذُ بِالأقَلِّ في الصَّلاةِ؛ وكَذَلِكَ المِيراثُ؛ والرَّجْعَةُ؛ وتَأْخُذُ في الأزْواجِ بِالأكْثَرِ احْتِياطًا؛ وكَذَلِكَ المُبْتَدَأةُ. قالَ أبُو بَكْرٍ: ولَيْسَ هَذا نَظِيرًا لِمَسْألَتِنا مِن قِبَلِ أنَّ هَذِهِ قَدْ كانَتْ لَها أيّامٌ مَعْلُومَةٌ؛ وقَدْ تَيَقَّنّا الخَمْسَةَ؛ وشَكَكْنا في السِّتَّةِ؛ فاحْتَطْنا لَها في الصَّلاةِ؛ والصَّوْمِ؛ واحْتَطْنا أيْضًا في الأزْواجِ؛ فَلَمْ نُبِحْها لَهم بِالشَّكِّ؛ والمُبْتَدَأةُ لَيْسَ لَها أيّامٌ يَجِبُ اعْتِبارُها؛ فَما رَأتْهُ مِنَ الدَّمِ الَّذِي يَكُونُ مِثْلُهُ حَيْضًا؛ فَهو حَيْضٌ؛ ولا مَعْنى لِرَدِّها إلى أقَلِّ الحَيْضِ؛ إذْ لَيْسَ مَعَنا دَلالَةٌ تُوجِبُ ذَلِكَ؛ ويَفْسُدُ هَذا القَوْلُ أيْضًا مِن جِهَةِ أنَّ أقَلَّ الحَيْضِ لَيْسَ بِعادَةٍ لَها فَلا فَرْقَ بَيْنَهُ وبَيْنَ ما زادَ عَلَيْهِ في امْتِناعِ وُجُوبِ الرَّدِّ إلَيْهِ؛ فَوَجَبَ حِينَئِذٍ اعْتِبارُ الأكْثَرِ؛ لِوُقُوعِ الحُكْمِ بِكَوْنِهِ حَيْضًا؛ وعَدَمِ الدَّلالَةِ عَلى نَقْضِ هَذا الحُكْمِ؛ ويَدُلُّ أيْضًا عَلى صِحَّةِ قَوْلِ أبِي حَنِيفَةَ أنَّ اللَّهَ (تَعالى) جَعَلَ عِدَّةَ الآيِسَةِ؛ والصَّغِيرَةِ؛ ثَلاثَةَ أشْهُرٍ؛ بَدَلًا مِنَ الحَيْضِ؛ فَجَعَلَ مَكانَ كُلِّ حَيْضَةٍ؛ وطُهْرٍ شَهْرًا؛ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّهُ إذا اسْتَمَرَّ بِها الدَّمُ؛ ولَمْ تَكُنْ لَها عادَةٌ؛ فَواجِبٌ أنْ تُسْتَوْفى لَها حَيْضَةٌ؛ وطُهْرٌ؛ (p-٣٥)ومَعْلُومٌ أنَّهُ لَيْسَ لِأكْثَرِ الطُّهْرِ حَدٌّ مَعْلُومٌ؛ ولِأكْثَرِ الحَيْضِ مِقْدارٌ مَعْلُومٌ؛ فَوَجَبَ أنْ يُسْتَوْفى لَها أكْثَرُ الحَيْضِ؛ ويَكُونَ بَقِيَّةُ الشَّهْرِ طُهْرًا؛ لِأنَّهُ لَيْسَ مِقْدارٌ مِنَ الطُّهْرِ في بَقِيَّةِ الشَّهْرِ بِالِاعْتِبارِ أوْلى مِن غَيْرِهِ؛ فَوَجَبَ أنْ يَكُونَ المُعْتَبَرُ مِنَ الطُّهْرِ لِبَقِيَّةِ الشَّهْرِ هو الَّذِي يَبْقى بَعْدَ أكْثَرِ الحَيْضِ؛ ألا تَرى أنَّكَ إذا نَقَّصْتَ الحَيْضَ مِنَ العَشَرَةِ احْتَجْتَ أنْ تَزِيدَ ما نَقَّصْتَهُ مِنها في الطُّهْرِ؟ ولَيْسَ زِيادَةُ الطُّهْرِ بِأنْ يَكُونَ خَمْسَةً؛ أوْ سِتَّةً؛ فَوَجَبَ أنْ يُعْتَبَرَ أكْثَرُ الحَيْضِ؛ ويُجْعَلَ الباقِي مِنَ الشَّهْرِ طُهْرًا؛ ويَدُلُّ عَلى وُجُوبِ اسْتِيفاءِ حَيْضَةٍ؛ وطُهْرٍ؛ في الشَّهْرِ؛ لِهَذِهِ المُبْتَدَأةِ؛ «قَوْلُهُ ﷺ لِحَمْنَةَ: "تَحَيَّضِي في عِلْمِ اللَّهِ سِتًّا؛ أوْ سَبْعًا؛ كَما تَحِيضُ النِّساءُ في كُلِّ شَهْرٍ"؛» فَأخْبَرَ أنَّ عادَةَ النِّساءِ في كُلِّ شَهْرٍ حَيْضَةٌ؛ وطُهْرٌ؛ فَإنْ قِيلَ: فَهَلّا اعْتَبَرْتَ لَها سِتًّا؛ أوْ سَبْعًا؛ كَما قالَ ﷺ-؟ قِيلَ لَهُ: لَمْ نَقُلْ ذَلِكَ لِوُجُوهٍ؛ أحَدُها أنّا لا نَعْلَمُ أحَدًا مِن أهْلِ العِلْمِ قالَ ذَلِكَ في المُبْتَدَأةِ؛ والثّانِي أنَّ هَذِهِ كانَتْ عادَةَ المَرْأةِ المُخاطَبَةِ بِذَلِكَ؛ أعْنِي: سِتًّا؛ أوْ سَبْعًا؛ فَلا يُعْتَبَرُ بِها غَيْرُها؛ فاسْتِدْلالُنا مِنَ الخَبَرِ بِما وصَفْنا صَحِيحٌ؛ لِأنّا أرَدْنا إثْباتَ الحَيْضَةِ؛ والطُّهْرِ؛ في الشَّهْرِ؛ في المُتَعارَفِ المُعْتادِ. وأمّا قَوْلُ مَن قالَ: إنَّها تَقْعُدُ مِثْلَ حَيْضِ نِسائِها؛ فَلا مَعْنى لَهُ؛ لِأنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَرُدَّ المُسْتَحاضَةَ إلى وقْتِ نِسائِها؛ وإنَّما رَدَّ واحِدَةً إلى عادَتِها؛ فَقالَ: «"تَقْعُدُ أيّامَ أقْرائِها"؛» وأمَرَ أُخْرى أنْ تَقْعُدَ في عِلْمِ اللَّهِ سِتًّا؛ أوْ سَبْعًا؛ وأمَرَ أُخْرى أنْ تَغْتَسِلَ لِكُلِّ صَلاةٍ؛ ولَمْ يَقُلْ لِواحِدَةٍ مِنهُنَّ: اُقْعُدِي أيّامَ نِسائِكِ؛ وأيْضًا فَإنَّ أيّامَ نِسائِها؛ والأجْنَبِيّاتِ؛ ومَن كانَتْ دُونَ سِنِّها؛ وفَوْقَها؛ سَواءٌ؛ وقَدْ يَتَّفِقْنَ في السِّنِّ؛ مَعَ اخْتِلافِ عاداتِهِنَّ في الحَيْضِ؛ فَلَيْسَ لِنِسائِها في ذَلِكَ خُصُوصِيَّةٌ دُونَ غَيْرِهِنَّ؛ وقَدْ تَنازَعَ أهْلُ العِلْمِ في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿ولا تَقْرَبُوهُنَّ حَتّى يَطْهُرْنَ فَإذا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ﴾؛ فَمِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ: إنَّ انْقِطاعَ الدَّمِ يُوجِبُ إباحَةَ وطْئِها؛ ولَمْ يُفَرِّقُوا في ذَلِكَ بَيْنَ أقَلِّ الحَيْضِ؛ وأكْثَرِهِ؛ ومِنهم مَن لا يُجَوِّزُ وطْأها إلّا بَعْدَ الِاغْتِسالِ في أقَلِّ الحَيْضِ؛ وأكْثَرِهِ؛ وهو مَذْهَبُ الشّافِعِيِّ. وقالَ أصْحابُنا: إذا انْقَطَعَ دَمُها؛ وأيّامُها دُونَ العَشَرَةِ؛ فَهي في حُكْمِ الحائِضِ؛ حَتّى تَغْتَسِلَ؛ إذا كانَتْ واجِدَةً لِلْماءِ؛ أوْ يَمْضِي عَلَيْها وقْتُ الصَّلاةِ؛ فَإذا كانَ أحَدُ هَذَيْنِ خَرَجَتْ مِنَ الحَيْضِ؛ وحَلَّ لِزَوْجِها وطْؤُها؛ وانْقَضَتْ عِدَّتُها؛ إنْ كانَتْ آخِرَ حَيْضَةٍ؛ وإذا كانَتْ أيّامُها عَشَرَةً ارْتَفَعَ حُكْمُ الحَيْضِ بِمُضِيِّ العَشَرَةِ؛ وتَكُونُ حِينَئِذٍ بِمَنزِلَةِ امْرَأةٍ جُنُبٍ في إباحَةِ وطْءِ الزَّوْجِ؛ وانْقِضاءِ العِدَّةِ؛ وغَيْرِ ذَلِكَ. واحْتَجَّ مَن أباحَ وطْأها في سائِرِ الأحْوالِ عِنْدَ مُضِيِّ أيّامِ حَيْضِها؛ وانْقِطاعِ دَمِها قَبْلَ (p-٣٦)الِاغْتِسالِ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿ولا تَقْرَبُوهُنَّ حَتّى يَطْهُرْنَ﴾؛ و"حَتّى" غايَةٌ تَقْتَضِي أنْ يَكُونَ حُكْمُ ما بَعْدَها بِخِلافِها؛ فَذَلِكَ عُمُومٌ في إباحَةِ وطْئِها بِانْقِطاعِ الدَّمِ؛ كَقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿حَتّى مَطْلَعِ الفَجْرِ﴾ [القدر: ٥]؛ ﴿فَقاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتّى تَفِيءَ إلى أمْرِ اللَّهِ﴾ [الحجرات: ٩]؛ ﴿ولا جُنُبًا إلا عابِرِي سَبِيلٍ حَتّى تَغْتَسِلُوا﴾ [النساء: ٤٣]؛ فَكانَتْ هَذِهِ نِهاياتٌ لِما قُدِّرَ بِها؛ وكانَ حُكْمُ ما بَعْدَها بِخِلافِها؛ فَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿حَتّى يَطْهُرْنَ﴾؛ إذا قُرِئَ بِالتَّخْفِيفِ؛ فَمَعْناها انْقِطاعُ الدَّمِ؛ وقالُوا: وقَدْ قُرِئَ: "حَتّى يَطَّهَّرْنَ"؛ بِالتَّشْدِيدِ؛ وهو يَحْتَمِلُ ما يَحْتَمِلُهُ قَوْلُهُ: ﴿حَتّى يَطْهُرْنَ﴾؛ بِالتَّخْفِيفِ؛ فَيُرادُ بِهِ انْقِطاعُ الدَّمِ؛ إذْ جائِزٌ أنْ يُقالَ: "طَهُرَتِ المَرْأةُ"؛ و"تَطَهَّرَتْ"؛ إذا انْقَطَعَ دَمُها؛ كَما يُقالُ: "تَقَطَّعَ الحَبْلُ"؛ و"تَكَسَّرَ الكُوزُ"؛ والمَعْنى: اِنْقَطَعَ؛ وانْكَسَرَ؛ ولا يَقْتَضِي ذَلِكَ فِعْلًا مِنَ المَوْصُوفِ بِذَلِكَ. واحْتَجَّ مَن حَظَرَ وطْأها في كُلِّ حالٍ حَتّى تَغْتَسِلَ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿فَإذا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِن حَيْثُ أمَرَكُمُ اللَّهُ﴾؛ فَشَرَطَ في إباحَتِهِ شَيْئَيْنِ؛ أحَدُهُما: اِنْقِطاعُ الدَّمِ؛ والآخَرُ: اَلِاغْتِسالُ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿فَإذا تَطَهَّرْنَ﴾؛ لا يَحْتَمِلُ غَيْرَ الغُسْلِ؛ وهو كَقَوْلِ القائِلِ: "لا تُعْطِ زَيْدًا شَيْئًا حَتّى يَدْخُلَ الدّارَ؛ فَإذا دَخَلَها وقَعَدَ فِيها؛ فَأعْطِهِ دِينارًا"؛ فَيُعْقَلُ بِهِ أنَّ اسْتِحْقاقَ الدِّينارِ مَوْقُوفٌ عَلى الدُّخُولِ؛ والقُعُودِ؛ جَمِيعًا؛ وكَقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿فَلا تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإنْ طَلَّقَها فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أنْ يَتَراجَعا﴾ [البقرة: ٢٣٠]؛ فَشَرَطَ الأمْرَيْنِ في إحْلالِها لِلْأوَّلِ؛ فَلا تَحِلُّ لَهُ بِأحَدِهِما؛ كَذَلِكَ قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿فَإذا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ﴾؛ مَشْرُوطٌ في إباحَةِ الوَطْءِ المَعْنَيانِ؛ وهُما: اَلطُّهْرُ الَّذِي يَكُونُ بِانْقِطاعِ الدَّمِ؛ والِاغْتِسالُ. قالَ أبُو بَكْرٍ: قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿حَتّى يَطْهُرْنَ﴾؛ إذا قُرِئَ بِالتَّخْفِيفِ فَإنَّما هو انْقِطاعُ الدَّمِ؛ لا الِاغْتِسالُ؛ لِأنَّها لَوِ اغْتَسَلَتْ وهي حائِضٌ لَمْ تَطْهُرْ؛ فَلا يَحْتَمِلُ قَوْلُهُ: ﴿حَتّى يَطْهُرْنَ﴾؛ إلّا مَعْنًى واحِدًا؛ وهو انْقِطاعُ الدَّمِ؛ الَّذِي بِهِ يَكُونُ الخُرُوجُ مِنَ الحَيْضِ؛ وإذا قُرِئَ بِالتَّشْدِيدِ احْتَمَلَ الأمْرَيْنِ؛ مِنَ انْقِطاعِ الدَّمِ؛ ومِنَ الغُسْلِ؛ لِما وصَفْنا آنِفًا؛ فَصارَتْ قِراءَةُ التَّخْفِيفِ مُحْكَمَةً؛ وقِراءَةُ التَّشْدِيدِ مُتَشابِهَةً؛ وحُكْمُ المُتَشابِهِ أنْ يُحْمَلَ عَلى المُحْكَمِ؛ ويُرَدُّ إلَيْهِ؛ فَيَحْصُلُ مَعْنى القِراءَتَيْنِ؛ عَلى وجْهٍ واحِدٍ؛ وظاهِرُهُما يَقْتَضِي إباحَةَ الوَطْءِ بِانْقِطاعِ الدَّمِ؛ الَّذِي هو خُرُوجٌ مِنَ الحَيْضِ؛ وأمّا قَوْلُهُ: ﴿فَإذا تَطَهَّرْنَ﴾؛ فَإنَّهُ يَحْتَمِلُ ما احْتَمَلَتْهُ قِراءَةُ التَّشْدِيدِ في قَوْلِهِ: ﴿حَتّى يَطْهُرْنَ﴾؛ مِنَ المَعْنَيَيْنِ؛ فَيَكُونُ بِمَنزِلَةِ قَوْلِهِ: ﴿ولا تَقْرَبُوهُنَّ حَتّى يَطْهُرْنَ فَإذا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ﴾؛ ويَكُونُ كَلامًا سائِغًا؛ مُسْتَقِيمًا؛ كَما تَقُولُ: "لا تُعْطِهِ حَتّى يَدْخُلَ الدّارَ؛ فَإذا دَخَلَها فَأعْطِهِ"؛ ويَكُونُ تَأْكِيدًا لِحُكْمِ الغايَةِ؛ وإنْ كانَ حُكْمُها بِخِلافِ ما قَبْلَها؛ وإذا (p-٣٧)كانَ لِلِاحْتِمالِ فِيهِ مَساغٌ عَلى الوَجْهِ الَّذِي ذَكَرْنا؛ وكانَ واجِبًا حَمْلُ الغايَةِ عَلى حَقِيقَتِها؛ فالَّذِي يَقْتَضِيهِ ظاهِرُ التِّلاوَةِ إباحَةُ وطْئِها بِانْقِطاعِ الدَّمِ؛ الَّذِي تَخْرُجُ بِهِ مِنَ الحَيْضِ؛ ومِن جِهَةٍ أُخْرى فِيها احْتِمالٌ؛ وهو أنْ يَكُونَ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿فَإذا تَطَهَّرْنَ﴾؛ فَإذا حَلَّ لَهُنَّ أنْ يَتَطَهَّرْنَ بِالماءِ؛ أوِ التَّيَمُّمِ؛ كَقَوْلِهِ: "إذا غابَتِ الشَّمْسُ فَقَدْ أفْطَرَ الصّائِمُ"؛ مَعْناهُ: قَدْ حَلَّ لَهُ الإفْطارُ؛ وقَوْلِهِ: "مَن كُسِرَ؛ أوْ عَرِجَ؛ فَقَدْ حَلَّ؛ وعَلَيْهِ الحَجُّ مِن قابِلٍ"؛ مَعْناهُ: فَقَدْ جازَ لَهُ أنْ يَحِلَّ؛ وكَما يُقالُ لِلْمُطَلَّقَةِ؛ إذا انْقَضَتْ عِدَّتُها: "إنَّها قَدْ حَلَّتْ لِلْأزْواجِ"؛ ومَعْناهُ: قَدْ حَلَّ لَها أنْ تَتَزَوَّجَ؛ وعَلى هَذا المَعْنى «قالَ النَّبِيُّ ﷺ لِفاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ: "إذا حَلَلْتِ فَآذِنِينِي"؛» وإذا احْتَمَلَ ذَلِكَ لَمْ تُزَلِ الغايَةُ عَنْ حَقِيقَتِها بِحَظْرِ الوَطْءِ بَعْدَها؛ وأمّا قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿فَلا تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠]؛ فَإنَّ الغايَةَ في هَذا المَوْضِعِ مُسْتَعْمَلَةٌ عَلى حَقِيقَتِها؛ ونِكاحُ الزَّوْجِ الثّانِي؛ وهو وطْؤُهُ إيّاها؛ هو الَّذِي يَرْفَعُ التَّحْرِيمَ الواقِعَ بِالثَّلاثِ؛ ووَطْءُ الزَّوْجِ الثّانِي مَشْرُوطٌ لِذَلِكَ؛ وقَدِ ارْتَفَعَ ذَلِكَ بِالوَطْءِ قَبْلَ طَلاقِهِ إيّاها؛ وطَلاقُ الزَّوْجِ الثّانِي غَيْرُ مَشْرُوطٍ في رَفْعِ التَّحْرِيمِ الواقِعِ بِالثَّلاثِ؛ فَإذًا لا دَلِيلَ لِلشّافِعِيِّ في الآيَةِ؛ عَلى الحَدِّ الَّذِي ذَكَرْنا؛ عَلى صِحَّةِ مَذْهَبِهِ؛ ولا عَلى نَفْيِ قَوْلِ مُخالِفِيهِ. وأمّا عَلى مَذْهَبِنا فَإنَّ الآيَةَ مُسْتَعْمَلَةٌ عَلى ما احْتَمَلَتْ مِنَ التَّأْوِيلِ عَلى حَقِيقَتِها في الحالَتَيْنِ؛ اللَّتَيْنِ يُمْكِنُ اسْتِعْمالُهُما؛ فَنَقُولُ: إنَّ قَوْلَهُ: ﴿يَطْهُرْنَ﴾؛ إذا قُرِئَ بِالتَّخْفِيفِ فَهو مُسْتَعْمَلٌ عَلى حَقِيقَتِهِ فِيمَن كانَتْ أيّامُها عَشْرًا؛ فَيَجُوزُ لِلزَّوْجِ اسْتِباحَةُ وطْئِها بِمُضِيِّ العَشْرِ؛ وقَوْلُهُ: "يَطَّهَّرْنَ"؛ بِالتَّشْدِيدِ؛ وقَوْلُهُ: ﴿فَإذا تَطَهَّرْنَ﴾؛ مُسْتَعْمَلانِ في الغُسْلِ؛ إذا كانَتْ أيّامُها دُونَ العَشْرِ؛ ولَمْ يَمْضِ وقْتُ الصَّلاةِ؛ لِقِيامِ الدَّلالَةِ عَلى أنَّ مُضِيَّ وقْتِ الصَّلاةِ يُبِيحُ وطْأها عَلى ما سَنُبَيِّنُهُ فِيما بَعْدُ؛ ولا يَكُونُ فِيهِ اسْتِعْمالُ واحِدٍ مِنَ الفِعْلَيْنِ عَلى المَجازِ؛ بَلْ هُما مُسْتَعْمَلانِ عَلى الحَقِيقَةِ في الحالَيْنِ. فَإنْ قِيلَ: هَلّا كانَتِ القِراءَتانِ - كالآيَتَيْنِ - تُسْتَعْمَلانِ مَعًا في حالٍ واحِدَةٍ؟ قِيلَ لَهُ: لَوْ جَعَلْناهُما كالآيَتَيْنِ كانَ ما ذَكَرْنا أوْلى مِن قِبَلِ أنَّهُ لَوْ ورَدَتْ آيَتانِ تَقْتَضِي إحْداهُما انْقِطاعَ غايَةِ الدَّمِ لِإباحَةِ الوَطْءِ؛ والأُخْرى تَقْتَضِي الغُسْلَ غايَةً لَها؛ لَكانَ الواجِبُ اسْتِعْمالَهُما عَلى حالَيْنِ؛ عَلى أنْ تَكُونَ كُلُّ واحِدَةٍ مِنهُما مُقَرَّةً عَلى حَقِيقَتِها فِيما اقْتَضَتْهُ مِن حُكْمِ الغايَةِ؛ ولا يُمْكِنُ ذَلِكَ إلّا بِاسْتِعْمالِهِما في حالَيْنِ؛ عَلى الوَجْهِ الَّذِي بَيَّنّا؛ ولَوِ اسْتَعْمَلْناهُما عَلى ما يَقُولُ المُخالِفُ؛ كانَ فِيهِ إسْقاطُ إحْدى الغايَتَيْنِ؛ لِأنَّهُ يَقُولُ: إنَّها وإنْ طَهُرَتْ؛ وانْقَطَعَ دَمُها؛ لَمْ يَحِلَّ لَهُ أنْ يَطَأها حَتّى تَغْتَسِلَ؛ فَلَوْ جَعَلْنا ذَلِكَ دَلِيلًا مُبْتَدَأً كانَ سائِغًا؛ مُقْنِعًا؛ وإنَّما اعْتَبَرَ أصْحابُنا - فِيمَن (p-٣٨)كانَ أيّامُها دُونَ العَشْرِ؛ فانْقَطَعَ دَمُها - بِما وصَفْنا؛ مِن قِبَلِ أنَّهُ جائِزٌ أنْ يُعاوِدَها الدَّمُ؛ فَيَكُونَ حَيْضًا؛ إذْ لَيْسَ كُلُّ طُهْرٍ تَراهُ المَرْأةُ يَكُونُ طُهْرًا صَحِيحًا؛ لِأنَّ الحائِضَ تَرى الدَّمَ سائِلًا مَرَّةً؛ ومُنْقَطِعًا مَرَّةً؛ فَلَيْسَ في انْقِطاعِهِ في وقْتٍ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ حائِضًا فِيهِ وُقُوعُ الحُكْمِ بِزَوالِ الحَيْضِ؛ فَقالُوا: إنَّ انْقِطاعَ الدَّمِ فِيمَن وصَفْنا حالَها مُعْتَبَرٌ بِأحَدِ شَيْئَيْنِ؛ إمّا بِالِاغْتِسالِ؛ فَيَزُولُ عَنْها حُكْمُ الحَيْضِ بِالِاتِّفاقِ؛ وبِاسْتِباحَتِها الصَّلاةَ؛ وذَلِكَ يُنافِي حُكْمَ الحَيْضِ؛ أوْ بِمُضِيِّ وقْتِ صَلاةٍ؛ فَيَلْزَمُها فَرْضُ الصَّلاةِ؛ ولُزُومُ فَرْضِها مُنافٍ لِبَقاءِ حُكْمِ الحَيْضِ؛ إذْ غَيْرُ جائِزٍ أنْ يَلْزَمَ الحائِضَ فَرْضُ الصَّلاةِ؛ فَإذا انْتَفى حُكْمُ الحَيْضِ؛ وثَبَتَ حُكْمُ الطُّهْرِ؛ ولَمْ يَبْقَ إلّا الِاغْتِسالُ؛ لَمْ يُمْنَعِ الوَطْءُ؛ بِمَنزِلَةِ امْرَأةٍ جُنُبٍ؛ جائِزٌ لِزَوْجِها وطْؤُها؛ وعَلى هَذا المَعْنى عِنْدَنا ما رُوِيَ عَنِ الصَّحابَةِ في اعْتِبارِ الِاغْتِسالِ في انْقِضاءِ العِدَّةِ. وقَدْ رَوى عِيسى الخَيّاطُ؛ عَنِ الشَّعْبِيِّ؛ عَنْ ثَلاثَةَ عَشَرَ رَجُلًا مِنَ الصَّحابَةِ؛ الخَبَرَ فالخَبَرَ؛ مِنهم أبُو بَكْرٍ؛ وعُمَرُ؛ وابْنُ مَسْعُودٍ؛ وابْنُ عَبّاسٍ؛ قالُوا: "اَلرَّجُلُ أحَقُّ بِامْرَأتِهِ ما لَمْ تَغْتَسِلْ مِن حَيْضَتِها الثّالِثَةِ". ورُوِيَ مِثْلُهُ عَنْ عَلِيٍّ؛ وعُبادَةَ بْنِ الصّامِتِ؛ وأبِي الدَّرْداءِ؛ وأمّا إذا كانَتْ أيّامُها عَشَرَةً فَإنَّهُ غَيْرُ جائِزٍ عِنْدَنا وُجُودُ الحَيْضِ بَعْدَ العَشَرَةِ؛ فَوَجَبَ الحُكْمُ بِانْقِضائِهِ؛ لِامْتِناعِ جَوازِ بَقاءِ حُكْمِهِ؛ واللَّهُ (تَعالى) إنَّما مَنَعَ مِن وطْءِ الحائِضِ؛ أوْ مِمَّنْ يَجُوزُ أنْ تَكُونَ حائِضًا؛ فَأمّا مَعَ ارْتِفاعِ حُكْمِ الحَيْضِ وزَوالِهِ؛ فَهو غَيْرُ مَمْنُوعٍ مِن وطْءِ زَوْجَتِهِ؛ لِأنَّهُ (تَعالى) قالَ: ﴿فاعْتَزِلُوا النِّساءَ في المَحِيضِ ولا تَقْرَبُوهُنَّ حَتّى يَطْهُرْنَ﴾؛ وقَدْ طَهُرَتْ لا مَحالَةَ؛ ألا تَرى أنَّها مُنْقَضِيَةُ العِدَّةِ إنْ كانَتْ مُعْتَدَّةً؛ وأنَّ حُكْمَها حُكْمُ سائِرِ الطّاهِراتِ؛ ولا تَأْثِيرَ لِوُجُوبِ الِاغْتِسالِ عَلَيْها في مَنعِ وطْئِها عَلى ما بَيَّناهُ؟ فَإنْ قِيلَ: إذا انْقَطَعَ دَمُها فِيما دُونَ العَشَرَةِ فَقَدْ وجَبَ عَلَيْها الغُسْلُ؛ ولُزُومُ الغُسْلِ يُنافِي بَقاءَ حُكْمِ الحَيْضِ؛ إذْ غَيْرُ جائِزٍ لُزُومُ الغُسْلِ عَلى الحائِضِ؛ كَما قُلْتَ في لُزُومِ فَرْضِ الصَّلاةِ؛ قِيلَ لَهُ: إذا كانَ الغُسْلُ مِن مُوجِباتِ الحَيْضِ فَلُزُومُهُ غَيْرُ مُنافٍ لِحُكْمِهِ؛ وبَقائِهِ؛ ألا تَرى أنَّ السَّلامَ لَمّا كانَ مِن مُوجِباتِ تَحْرِيمِهِ الصَّلاةُ لَمْ يَكُنْ لُزُومُهُ بِانْتِهائِهِ إلى آخِرِها نافِيًا لِبَقاءِ حُكْمِها؟ وكَذَلِكَ الحَلْقُ لَمّا كانَ مِن مُوجِباتِ الإحْرامِ لَمْ يَكُنْ لُزُومُهُ نافِيًا لِبَقاءِ إحْرامِهِ ما لَمْ يَحْلِقْ؛ كَذَلِكَ الغُسْلُ لَمّا كانَ مِن مُوجِباتِ الحَيْضِ لَمْ يَكُنْ وُجُوبُهُ عَلَيْها مانِعًا مِن بَقاءِ حُكْمِ الحَيْضِ؛ وأمّا الصَّلاةُ فَلَيْسَتْ مِن مُوجِباتِ الحَيْضِ؛ وإنَّما هو حُكْمٌ آخَرُ يَخْتَصُّ لُزُومُهُ بِالطّاهِرَةِ مِنَ النِّساءِ؛ دُونَ الحائِضِ؛ فَفي لُزُومِها نَفْيٌ لِحُكْمِ الحَيْضِ؛ وقَوْلُهُ: ﴿حَتّى يَطْهُرْنَ فَإذا تَطَهَّرْنَ﴾؛ لَمّا احْتَمَلَ (p-٣٩)الغُسْلَ صارَ كَقَوْلِهِ: ﴿وإنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: ٦]؛ ويَدُلُّ عَلى أنَّ عَلى الحائِضِ الغُسْلَ بَعْدَ انْقِضاءِ حَيْضِها؛ وقَدْ رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ؛ واتَّفَقَتِ الأُمَّةُ عَلَيْهِ. قَوْلُهُ (تَعالى): ﴿فَإذا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِن حَيْثُ أمَرَكُمُ اللَّهُ﴾؛ قالَ أبُو بَكْرٍ: هو إطْلاقٌ مِن حَظْرٍ؛ وإباحَةٍ؛ ولَيْسَ هو عَلى الوُجُوبِ؛ كَقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿فَإذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فانْتَشِرُوا في الأرْضِ﴾ [الجمعة: ١٠]؛ ﴿وإذا حَلَلْتُمْ فاصْطادُوا﴾ [المائدة: ٢]؛ وهو إباحَةٌ ورَدَتْ بَعْدَ حَظْرٍ؛ وقَوْلُهُ: ﴿مِن حَيْثُ أمَرَكُمُ اللَّهُ﴾؛ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ؛ ومُجاهِدٌ؛ وقَتادَةُ؛ والرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ: يَعْنِي في الفَرْجِ؛ وهو الَّذِي أمَرَ بِتَجَنُّبِهِ في الحَيْضِ؛ في أوَّلِ الخِطابِ؛ في قَوْلِهِ: ﴿فاعْتَزِلُوا النِّساءَ في المَحِيضِ﴾؛ وقالَ السُّدِّيُّ؛ والضَّحّاكُ: مِن قِبَلِ الطُّهْرِ؛ دُونَ الحَيْضِ؛ وقالَ ابْنُ الحَنَفِيَّةِ: مِن قِبَلِ النِّكاحِ؛ دُونَ الفُجُورِ؛ قالَ أبُو بَكْرٍ: هَذا كُلُّهُ مُرادُ اللَّهِ (تَعالى)؛ لِأنَّهُ مِمّا أمَرَ اللَّهُ بِهِ؛ فانْتَظَمَتِ الآيَةُ جَمِيعَ ذَلِكَ. قَوْلُهُ: ﴿إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوّابِينَ ويُحِبُّ المُتَطَهِّرِينَ﴾؛ رُوِيَ عَنْ عَطاءٍ: اَلْمُتَطَهِّرِينَ بِالماءِ لِلصَّلاةِ؛ وقالَ مُجاهِدٌ: اَلْمُتَطَهِّرِينَ مِنَ الذُّنُوبِ؛ قالَ أبُو بَكْرٍ: اَلْمُتَطَهِّرِينَ بِالماءِ أشْبَهُ؛ لِأنَّهُ قَدْ تَقَدَّمَ في الآيَةِ ذِكْرُ الطَّهارَةِ؛ فالمُرادُ بِها الطَّهارَةُ بِالماءِ لِلصَّلاةِ؛ في قَوْلِهِ: ﴿فَإذا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ﴾؛ فالأظْهَرُ أنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: ﴿ويُحِبُّ المُتَطَهِّرِينَ﴾؛ مَدْحًا لِمَن تَطَهَّرَ بِالماءِ لِلصَّلاةِ؛ وقالَ (تَعالى): ﴿فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أنْ يَتَطَهَّرُوا واللَّهُ يُحِبُّ المُطَّهِّرِينَ﴾ [التوبة: ١٠٨]؛ ورُوِيَ أنَّهُ مَدَحَهُمْ؛ لِأنَّهم كانُوا يَسْتَنْجُونَ بِالماءِ؛ وقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿نِساؤُكم حَرْثٌ لَكم فَأْتُوا حَرْثَكم أنّى شِئْتُمْ﴾: اَلْحَرْثُ: اَلْمُزْدَرَعُ؛ وجُعِلَ في هَذا المَوْضِعِ كِنايَةً عَنِ الجِماعِ؛ وسَمّى النِّساءَ حَرْثًا لِأنَّهُنَّ مُزْدَرَعُ الأوْلادِ؛ وقَوْلُهُ: ﴿فَأْتُوا حَرْثَكم أنّى شِئْتُمْ﴾؛ يَدُلُّ عَلى أنَّ إباحَةَ الوَطْءِ مَقْصُورَةٌ عَلى الجِماعِ في الفَرْجِ؛ لِأنَّهُ مَوْضِعُ الحَرْثِ؛ واخْتُلِفَ في إتْيانِ النِّساءِ في أدْبارِهِنَّ؛ فَكانَ أصْحابُنا يُحَرِّمُونَ ذَلِكَ؛ ويَنْهَوْنَ عَنْهُ أشَدَّ النَّهْيِ؛ وهو قَوْلُ الثَّوْرِيِّ؛ والشّافِعِيِّ؛ فِيما حَكاهُ المُزَنِيُّ؛ قالَ الطَّحاوِيُّ: وحَكى لَنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الحَكَمِ أنَّهُ سَمِعَ الشّافِعِيَّ يَقُولُ: ما صَحَّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ في تَحْرِيمِهِ؛ ولا تَحْلِيلِهِ شَيْءٌ؛ والقِياسُ أنَّهُ حَلالٌ؛ ورَوى أصْبَغُ بْنُ الفَرَجِ عَنِ ابْنِ القاسِمِ؛ عَنْ مالِكٍ قالَ: ما أدْرَكْتُ أحَدًا أقْتَدِي بِهِ في دِينِي يَشُكُّ فِيهِ أنَّهُ حَلالٌ؛ يَعْنِي وطْءَ المَرْأةِ في دُبُرِها؛ ثُمَّ قَرَأ: ﴿نِساؤُكم حَرْثٌ لَكم فَأْتُوا حَرْثَكم أنّى شِئْتُمْ﴾؛ قالَ: فَأيُّ شَيْءٍ أبْيَنُ مِن هَذا؛ وما أشُكُّ فِيهِ؛ قالَ ابْنُ القاسِمِ: فَقُلْتُ لِمالِكِ ابْنِ أنَسٍ: إنَّ عِنْدَنا بِمِصْرَ اللَّيْثَ بْنَ سَعْدٍ يُحَدِّثُنا عَنِ الحارِثِ بْنِ يَعْقُوبَ؛ عَنْ أبِي الحُبابِ سَعِيدِ بْنِ يَسارٍ؛ قالَ: قُلْتُ لِابْنِ عُمَرَ: ما تَقُولُ في الجَوارِي؟ أنُحَمِّضُ لَهُنَّ؟ فَقالَ: وما التَّحْمِيضُ؟ فَذَكَرْتُ الدُّبُرَ؛ قالَ: ويَفْعَلُ ذَلِكَ أحَدٌ مِنَ (p-٤٠)المُسْلِمِينَ؟ فَقالَ مالِكٌ: فَأشْهَدُ عَلى رَبِيعَةَ بْنِ أبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ؛ يُحَدِّثُنِي عَنْ أبِي الحُبابِ سَعِيدِ بْنِ يَسارٍ؛ أنَّهُ سَألَ ابْنَ عُمَرَ عَنْهُ؛ فَقالَ: لا بَأْسَ بِهِ؛ قالَ ابْنُ القاسِمِ: فَقالَ رَجُلٌ في المَجْلِسِ: يا أبا عَبْدِ اللَّهِ؛ فَإنَّكَ تَذْكُرُ عَنْ سالِمٍ أنَّهُ قالَ: كَذَبَ العَبْدُ؛ أوْ كَذَبَ العِلْجُ عَلى أبِي؛ يَعْنِي نافِعًا؛ كَما كَذَبَ عِكْرِمَةُ عَلى ابْنِ عَبّاسٍ؛ فَقالَ مالِكٌ: وأشْهَدُ عَلى يَزِيدَ بْنِ رُومانَ يُحَدِّثُنِي عَنْ سالِمٍ؛ عَنْ أبِيهِ؛ أنَّهُ كانَ يَفْعَلُهُ. قالَ أبُو بَكْرٍ: قَدْ رَوى سُلَيْمانُ بْنُ بِلالٍ؛ عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ؛ عَنِ ابْنِ عُمَرَ: أنَّ رَجُلًا أتى امْرَأتَهُ في دُبُرِها؛ فَوَجَدَ في نَفْسِهِ مِن ذَلِكَ؛ فَأنْزَلَ اللَّهُ (تَعالى): ﴿نِساؤُكم حَرْثٌ لَكم فَأْتُوا حَرْثَكُمْ﴾؛ إلّا أنَّ زَيْدَ بْنَ أسْلَمَ لا يُعْلَمُ لَهُ سَماعٌ مِنَ ابْنِ عُمَرَ؛ ورَوى الفَضْلُ بْنُ فَضالَةَ؛ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبّاسٍ؛ عَنْ كَعْبِ بْنِ عَلْقَمَةَ؛ عَنْ أبِي النَّضْرِ؛ أنَّهُ قالَ لِنافِعٍ؛ مَوْلى ابْنِ عُمَرَ: إنَّهُ قَدْ أكْثَرَ عَلَيْكَ القَوْلَ: إنَّكَ تَقُولُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أنَّهُ أفْتى أنْ تُؤْتى النِّساءُ في أدْبارِهِنَّ؛ قالَ نافِعٌ: كَذَبُوا عَلَيَّ؛ إنَّ ابْنَ عُمَرَ عَرَضَ المُصْحَفَ يَوْمًا؛ حَتّى بَلَغَ ﴿نِساؤُكم حَرْثٌ لَكُمْ﴾؛ فَقالَ: يا نافِعُ؛ هَلْ تَعْلَمُ مِن أمْرِ هَذِهِ الآيَةِ؟ قُلْتُ: لا؛ قالَ: إنّا كُنّا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ نَجْبِي النِّساءَ؛ وكانَتْ نِساءُ الأنْصارِ قَدْ أخَذْنَ عَنِ اليَهُودِ؛ أنَّما يُؤْتَيْنَ عَلى جَنُوبِهِنَّ؛ فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ؛ فَهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ السَّبَبَ غَيْرُ ما ذَكَرَهُ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ؛ عَنِ ابْنِ عُمَرَ؛ لِأنَّ نافِعًا قَدْ حُكِيَ عَنْهُ غَيْرُ ذَلِكَ السَّبَبِ؛ وقالَ مَيْمُونُ بْنُ مِهْرانَ أيْضًا: قالَ ذَلِكَ نافِعٌ؛ يَعْنِي تَحْلِيلَ وطْءِ النِّساءِ في أدْبارِهِنَّ؛ بَعْدَما كَبِرَ؛ وذَهَبَ عَقْلُهُ. قالَ أبُو بَكْرٍ: اَلْمَشْهُورُ عَنْ مالِكٍ إباحَةُ ذَلِكَ؛ وأصْحابُهُ يَنْفُونَ عَنْهُ هَذِهِ المَقالَةَ؛ لِقُبْحِها؛ وشَناعَتِها؛ وهي عَنْهُ أشْهَرُ مِن أنْ تَنْدَفِعَ بِنَفْيِهِمْ عَنْهُ؛ وقَدْ حَكى مُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدٍ؛ عَنْ أبِي سُلَيْمانَ الجُوزَجانِيِّ؛ قالَ: كُنْتُ عِنْدَ مالِكِ بْنِ أنَسٍ؛ فَسُئِلَ عَنِ النِّكاحِ في الدُّبُرِ؛ فَضَرَبَ بِيَدِهِ إلى رَأْسِهِ؛ وقالَ: "اَلسّاعَةَ اغْتَسَلْتُ مِنهُ"؛ وقَدْ رَواهُ عَنْهُ ابْنُ القاسِمِ؛ عَلى ما ذَكَرْنا؛ وهو مَذْكُورٌ في الكُتُبِ الشَّرْعِيَّةِ؛ ويُرْوى عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ القُرَظِيِّ أنَّهُ كانَ لا يَرى بِذَلِكَ بَأْسًا؛ ويَتَأوَّلُ فِيهِ قَوْلَهُ (تَعالى): ﴿أتَأْتُونَ الذُّكْرانَ مِنَ العالَمِينَ﴾ [الشعراء: ١٦٥] ﴿وتَذَرُونَ ما خَلَقَ لَكم رَبُّكم مِن أزْواجِكُمْ﴾ [الشعراء: ١٦٦]؛ مِثْلَ ذَلِكَ إنْ كُنْتُمْ تَشْتَهُونَ؛ ورُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ قالَ: "مَحاشُّ النِّساءِ حَرامٌ"؛ وقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ: " هي اللُّوطِيَّةُ الصُّغْرى "؛ وقَدِ اخْتُلِفَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ فِيهِ؛ فَكَأنَّهُ لَمْ يُرْوَ عَنْهُ فِيهِ شَيْءٌ؛ لِتَعارُضِ ما رُوِيَ عَنْهُ فِيهِ؛ وظاهِرُ الكِتابِ يَدُلُّ عَلى أنَّ الإباحَةَ مَقْصُورَةٌ عَلى الوَطْءِ في الفَرْجِ؛ الَّذِي هو مَوْضِعُ الحَرْثِ؛ وهو الَّذِي يَكُونُ مِنهُ الوَلَدُ؛ وقَدْ رُوِيَتْ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ آثارٌ كَثِيرَةٌ في تَحْرِيمِهِ؛ رَوى خُزَيْمَةُ بْنُ ثابِتٍ؛ وأبُو هُرَيْرَةَ؛ وعَلِيُّ بْنُ طَلْقٍ؛ كُلُّهم عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: «لا تَأْتُوا النِّساءَ (p-٤١)فِي أدْبارِهِنَّ» . ورَوى عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ؛ عَنْ أبِيهِ؛ عَنْ جَدِّهِ؛ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: «"هِيَ اللُّوطِيَّةُ الصُّغْرى"؛» يَعْنِي إتْيانَ النِّساءِ في أدْبارِهِنَّ؛ ورَوى حَمّادُ بْنُ سَلَمَةَ؛ عَنْ حَكِيمٍ الأثْرَمِ؛ عَنْ أبِي تَمِيمَةَ؛ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ؛ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قالَ: «مَن أتى حائِضًا؛ أوِ امْرَأةً في دُبُرِها فَقَدْ كَفَرَ بِما أُنْزِلَ عَلى مُحَمَّدٍ» . ورَوى ابْنُ جُرَيْجٍ؛ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ المُنْكَدِرِ؛ «عَنْ جابِرٍ؛ أنَّ اليَهُودَ قالُوا لِلْمُسْلِمِينَ: مَن أتى امْرَأتَهُ وهي مُدْبِرَةٌ جاءَ ولَدُهُ أحْوَلَ؛ فَأنْزَلَ اللَّهُ (تَعالى): ﴿نِساؤُكم حَرْثٌ لَكم فَأْتُوا حَرْثَكم أنّى شِئْتُمْ﴾؛ فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: مُقْبِلَةً ومُدْبِرَةً؛ ما كانَ في الفَرْجِ» . ورَوَتْ حَفْصَةُ بِنْتُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ؛ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ؛ «عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قالَ: "فِي صِمامٍ واحِدٍ"». ورَوى مُجاهِدٌ؛ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ مِثْلَهُ في تَأْوِيلِ الآيَةِ؛ قالَ: يَعْنِي: كَيْفَ شِئْتَ في مَوْضِعِ الوَلَدِ؛ ورَوى عِكْرِمَةُ؛ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ؛ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «لا يَنْظُرُ اللَّهُ إلى رَجُلٍ أتى امْرَأتَهُ في دُبُرِها» . وذَكَرَ ابْنُ طاوُسٍ عَنْ أبِيهِ؛ قالَ: سُئِلَ ابْنُ عَبّاسٍ عَنِ الَّذِي يَأْتِي امْرَأتَهُ في دُبُرِها؛ فَقالَ: هَذا يَسْألُنِي عَنِ الكُفْرِ؛ وقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ في قَوْلِهِ: ﴿نِساؤُكم حَرْثٌ لَكُمْ﴾؛ قالَ: كَيْفَ شِئْتَ؛ إنْ شِئْتَ عَزْلًا؛ أوْ غَيْرَ عَزْلٍ؛ رَواهُ أبُو حَنِيفَةَ؛ عَنْ كَثِيرٍ الرِّياحِيِّ الأصَمِّ؛ عَنِ ابْنِ عُمَرَ؛ ورُوِيَ نَحْوُهُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ؛ وهَذا عِنْدَنا في مِلْكِ اليَمِينِ؛ وفي الحُرَّةِ؛ إذا أذِنَتْ فِيهِ؛ وقَدْ رُوِيَ ذَلِكَ عَلى ما ذَكَرْنا مِن مَذْهَبِ أصْحابِنا؛ عَنْ أبِي بَكْرٍ؛ وعُمَرَ؛ وعُثْمانَ؛ وابْنِ مَسْعُودٍ؛ وابْنِ عَبّاسٍ؛ وآخَرِينَ غَيْرِهِمْ؛ فَإنْ قِيلَ: قَوْلُهُ - عَزَّ وجَلَّ -: ﴿والَّذِينَ هم لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ﴾ [المؤمنون: ٥] ﴿إلا عَلى أزْواجِهِمْ أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهُمْ﴾ [المؤمنون: ٦]؛ يَقْتَضِي إباحَةَ وطْئِهِنَّ في الدُّبُرِ؛ لِوُرُودِ الإباحَةِ مُطْلَقَةً؛ غَيْرَ مُقَيَّدَةٍ؛ ولا مَخْصُوصَةٍ؛ قِيلَ لَهُ: لَمّا قالَ اللَّهُ (تَعالى): ﴿فَأْتُوهُنَّ مِن حَيْثُ أمَرَكُمُ اللَّهُ﴾؛ ثُمَّ قالَ في نَسَقِ التِّلاوَةِ: ﴿فَأْتُوا حَرْثَكم أنّى شِئْتُمْ﴾؛ أبانَ بِذَلِكَ مَوْضِعَ المَأْمُورِ بِهِ؛ وهو مَوْضِعُ الحَرْثِ؛ ولَمْ يُرِدْ إطْلاقَ الوَطْءِ بَعْدَ حَظْرِهِ إلّا في مَوْضِعِ الوَلَدِ؛ فَهو مَقْصُورٌ عَلَيْهِ دُونَ غَيْرِهِ؛ وهو قاضٍ مَعَ ذَلِكَ عَلى قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿إلا عَلى أزْواجِهِمْ أوْ ما مَلَكَتْ أيْمانُهُمْ﴾ [المؤمنون: ٦]؛ كَما كانَ حَظْرُ وطْءِ الحائِضِ قاضِيًا عَلى قَوْلِهِ: ﴿إلا عَلى أزْواجِهِمْ﴾ [المؤمنون: ٦]؛ فَكانَتْ هَذِهِ الآيَةُ مُرَتَّبَةً عَلى ما ذُكِرَ مِن حُكْمِ الحائِضِ؛ ومَن يَحْظُرُ ذَلِكَ يَحْتَجُّ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ هو أذًى﴾؛ فَحَظْرُ وطْءِ الحائِضِ لِلْأذى المَوْجُودِ في الحَيْضِ؛ وهو القَذَرُ؛ والنَّجاسَةُ؛ وذَلِكَ مَوْجُودٌ في غَيْرِ مَوْضِعِ الوَلَدِ في جَمِيعِ الأحْوالِ؛ فاقْتَضى هَذا التَّحْلِيلُ حَظْرَ وطْئِهِنَّ إلّا في مَوْضِعِ الوَلَدِ؛ ومَن يُبِيحُهُ يُجِيبُ عَنْ ذَلِكَ بِأنَّ المُسْتَحاضَةَ يَجُوزُ وطْؤُها بِاتِّفاقٍ مِنَ الفُقَهاءِ؛ مَعَ وُجُودِ الأذى هُناكَ؛ وهو دَمُ الِاسْتِحاضَةِ؛ وهو نَجَسٌ؛ (p-٤٢)كَنَجاسَةِ دَمِ الحَيْضِ؛ وسائِرِ الأنْجاسِ؛ ويُجِيبُونَ أيْضًا عَلى تَخْصِيصِهِ إباحَةَ مَوْضِعِ الحَرْثِ بِاتِّفاقِ الجَمِيعِ عَلى إباحَةِ الجِماعِ فِيما دُونَ الفَرْجِ؛ وإنْ لَمْ يَكُنْ مَوْضِعًا لِلْوَلَدِ؛ فَدَلَّ عَلى أنَّ الإباحَةَ غَيْرُ مَقْصُورَةٍ عَلى مَوْضِعِ الوَلَدِ؛ ويُجابُونَ عَنْ ذَلِكَ بِأنَّ ظاهِرَ الآيَةِ يَقْتَضِي كَوْنَ الإباحَةِ مَقْصُورَةً عَلى الوَطْءِ في الفَرْجِ؛ وأنَّهُ هو الَّذِي عَناهُ اللَّهُ (تَعالى) بِقَوْلِهِ: ﴿مِن حَيْثُ أمَرَكُمُ اللَّهُ﴾؛ إذْ كانَ مَعْطُوفًا عَلَيْهِ؛ ولَوْلا قِيامُ دَلالَةِ الإجْماعِ لَما جازَ الجِماعُ فِيما دُونَ الفَرْجِ؛ ولَكِنّا سَلَّمْناهُ لِلدَّلالَةِ؛ وبَقِيَ حُكْمُ الحَظْرِ فِيما لَمْ تَقُمِ الدَّلالَةُ عَلَيْهِ.